{"pages":[{"id":0,"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْعَالِمُ الْعَامِلُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ، قُدْوَةُ الْأَنَامِ ، مَجْمُوعُ الْفَضَائِلِ ، مُوَفَّقُ الدِّينِ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ قُدَامَةَ الْمَقْدِسِيُّ ، قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ ، وَنَوَّرَ ضَرِيحَهُ : الْحَمْدُ لِلَّهِ بَارِئِ الْبَرِيَّاتِ ، وَغَافِرِ الْخَطِيَّاتِ ، وَعَالِمِ الْخَفِيَّاتِ ، الْمُطَّلِعِ عَلَى الضَّمَائِرِ وَالنِّيَّاتِ ، أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا ، وَوَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَحِلْمًا ، وَقَهَرَ كُلَّ مَخْلُوقٍ عِزَّةً وَحُكْمًا { يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا } ، لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ ، وَلَا تُغَيِّرُهُ الْأَعْصَارُ ، وَلَا تَتَوَهَّمُهُ الْأَفْكَارُ ، { وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ } ، أَتْقَنَ مَا صَنَعَ وَأَحْكَمَهُ ، وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ وَعَلِمَهُ ، وَخَلَقَ الْإِنْسَانَ وَعَلَّمَهُ ، وَرَفَعَ قَدْرَ الْعِلْمِ وَعَظَّمَهُ ، وَحَظَرَهُ عَلَى مَنْ اسْتَرْذَلَهُ وَحَرَّمَهُ ، وَخَصَّ بِهِ مَنْ خَلَقَهُ مِنْ كَرَمِهِ ، وَحَضَّ عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى النَّفِيرِ لِلتَّفَقُّهِ فِي الدِّينِ ، فَقَالَ تَعَالَى وَهُوَ أَصْدَقُ الْقَائِلِينَ : { فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إذَا رَجَعُوا إلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ } ، نَدَبَهُمْ إلَى إنْذَارِ بَرِيَّتِهِ ، كَمَا نَدَبَ إلَى ذَلِكَ أَهْلَ رِسَالَتِهِ ، وَمَنَحَهُمْ مِيرَاثَ أَهْلِ نُبُوَّتِهِ ، وَرَضِيَهُمْ لِلْقِيَامِ بِحُجَّتِهِ ، وَالنِّيَابَةِ عَنْهُ فِي الْإِخْبَارِ بِشَرِيعَتِهِ ، وَاخْتَصَّهُمْ مِنْ بَيْنِ عِبَادِهِ بِخَشْيَتِهِ ، فَقَالَ تَعَالَى : { إنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ } ، ثُمَّ أَمَرَ سَائِرَ النَّاسِ بِسُؤَالِهِمْ ، وَالرُّجُوعِ إلَى أَقْوَالِهِمْ ، وَجَعَلَ عَلَامَةَ زَيْغِهِمْ وَضَلَالِهِمْ ذَهَابَ عُلَمَائِهِمْ ، وَاِتِّخَاذَ الرُّءُوسِ مِنْ جُهَّالِهِمْ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا مِنْ النَّاسِ","part":1,"page":1},{"id":1,"text":"وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ ، حَتَّى إذَا لَمْ يَبْقَ عَالِمٌ اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤَسَاءَ جُهَّالًا ، فَسُئِلُوا ، فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا } .\rوَصَلَّى اللَّهُ عَلَى خَاتَمِ الْأَنْبِيَاءِ ، وَسَيِّدِ الْأَصْفِيَاءِ ، وَإِمَامِ الْعُلَمَاءِ ، وَأَكْرَمِ مَنْ مَشَى تَحْتَ أَدِيمِ السَّمَاءِ ، مُحَمَّدٍ نَبِيِّ الرَّحْمَةِ ، الدَّاعِي إلَى سَبِيلِ رَبِّهِ بِالْحِكْمَةِ ، وَالْكَاشِفِ بِرِسَالَتِهِ جَلَابِيبَ الْغُمَّةِ ، وَخَيْرِ نَبِيٍّ بُعِثَ إلَى خَيْرِ أُمَّةٍ ، أَرْسَلَهُ اللَّهُ بَشِيرًا وَنَذِيرًا ، { وَدَاعِيًا إلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا } ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا .\rأَمَّا بَعْدُ : فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى بِرَحْمَتِهِ وَطَوْلِهِ ، وَقُوَّتِهِ وَحَوْلِهِ ، ضَمِنَ بَقَاءَ طَائِفَةٍ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى الْحَقِّ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ عَلَى ذَلِكَ ، وَجَعَلَ السَّبَبَ فِي بَقَائِهِمْ بَقَاءَ عُلَمَائِهِمْ ، وَاقْتِدَاءَهُمْ بِأَئِمَّتِهِمْ وَفُقَهَائِهِمْ ، وَجَعَلَ هَذِهِ الْأُمَّةَ مَعَ عُلَمَائِهَا ، كَالْأُمَمِ الْخَالِيَةِ مَعَ أَنْبِيَائِهَا ، وَأَظْهَرَ فِي كُلِّ طَبَقَةٍ مِنْ فُقَهَائِهَا أَئِمَّةً يُقْتَدَى بِهَا ، وَيُنْتَهَى إلَى رَأْيِهَا ، وَجَعَلَ فِي سَلَفِ هَذِهِ الْأُمَّةِ أَئِمَّةً مِنْ الْأَعْلَامِ ، مُهْدٍ بِهِمْ قَوَاعِدَ الْإِسْلَامِ ، وَأَوْضَحَ بِهِمْ مُشْكِلَاتِ الْأَحْكَامِ ، اتِّفَاقُهُمْ حُجَّةٌ قَاطِعَةٌ ، وَاخْتِلَافُهُمْ رَحْمَةٌ وَاسِعَةٌ ، تَحْيَا الْقُلُوبُ بِأَخْبَارِهِمْ ، وَتَحْصُلُ السَّعَادَةُ بِاقْتِفَاءِ آثَارِهِمْ ، ثُمَّ اخْتَصَّ مِنْهُمْ نَفَرًا أَعْلَى أَقْدَارَهُمْ وَمَنَاصِبَهُمْ وَأَبْقَى ذِكْرَهُمْ وَمَذَاهِبَهُمْ فَعَلَى أَقْوَالِهِمْ مَدَارُ الْأَحْكَامِ ، وَبِمَذَاهِبِهِمْ يُفْتِي فُقَهَاءُ الْإِسْلَامِ .\rوَكَانَ إمَامُنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلٍ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، مِنْ أَوْفَاهُمْ فَضِيلَةً ، وَأَقْرَبِهِمْ إلَى اللَّهِ وَسِيلَةً ، وَأَتْبَعِهِمْ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ","part":1,"page":2},{"id":2,"text":"وَأَعْلَمِهِمْ بِهِ ، وَأَزْهَدِهِمْ فِي الدُّنْيَا وَأَطْوَعِهِمْ لِرَبِّهِ ، فَلِذَلِكَ وَقَعَ اخْتِيَارُنَا عَلَى مَذْهَبِهِ .\rوَقَدْ أَحْبَبْتُ أَنْ أَشْرَحَ مَذْهَبَهُ وَاخْتِيَارَهَ ، لِيَعْلَمَ ذَلِكَ مَنْ اقْتَفَى آثَارَهُ ، وَأُبَيِّنَ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْمَسَائِلِ مَا اُخْتُلِفَ فِيهِ مِمَّا أُجْمِعَ عَلَيْهِ ، وَأَذْكُرَ لِكُلِّ إمَامٍ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ ، تَبَرُّكًا بِهِمْ ، وَتَعْرِيفًا لِمَذَاهِبِهِمْ ، وَأُشِيرَ إلَى دَلِيلِ بَعْضِ أَقْوَالِهِمْ عَلَى سَبِيلِ الِاخْتِصَارِ ، وَالِاقْتِصَارِ مِنْ ذَلِكَ عَلَى الْمُخْتَارِ ، وَأَغْزُوَ مَا أَمْكَنَنِي غَزْوُهُ مِنْ الْأَخْبَارِ ، إلَى كُتُبِ الْأَئِمَّةِ مِنْ عُلَمَاءِ الْآثَارِ ، لِتَحْصُلَ الثِّقَةُ بِمَدْلُولِهَا ، وَالتَّمْيِيزُ بَيْنَ صَحِيحِهَا وَمَعْلُولِهَا ، فَيُعْتَمَدَ عَلَى مَعْرُوفِهَا ، وَيُعْرَضَ عَنْ مَجْهُولِهَا .\rثُمَّ رَتَّبْتُ ذَلِكَ عَلَى شَرْحِ مُخْتَصَرِ أَبِي الْقَاسِمِ عُمَرَ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْخِرَقِيِّ ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، لِكَوْنِهِ كِتَابًا مُبَارَكًا نَافِعًا ، وَمُخْتَصَرًا مُوجَزًا جَامِعًا ، وَمُؤَلِّفُهُ إمَامٌ كَبِيرٌ ، صَالِحٌ ذُو دِينٍ ، أَخُو وَرَعٍ ، جَمَعَ الْعِلْمَ وَالْعَمَلَ ، فَنَتَبَرَّكُ بِكِتَابِهِ ، وَنَجْعَلُ الشَّرْحَ مُرَتَّبًا عَلَى مَسَائِلِهِ وَأَبْوَابِهِ ، وَنَبْدَأُ فِي كُلِّ مَسْأَلَةٍ بِشَرْحِهَا وَتَبْيِينِهَا ، وَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ بِمَنْطُوقِهَا وَمَفْهُومِهَا وَمَضْمُونِهَا ، ثُمَّ نَتْبَعُ مَا يُشَابِهُهَا مِمَّا لَيْسَ بِمَذْكُورٍ فِي الْكِتَابِ ، فَتَحْصُلُ الْمَسَائِلُ كَتَرَاجُمِ الْأَبْوَابِ .\rوَبِاَللَّهِ أَعْتَصِمُ وَأَسْتَعِينُ فِيمَا أَقْصِدُهُ ، وَأَتَوَكَّلُ عَلَيْهِ فِيمَا أَعْتَمِدُهُ ، وَإِيَّاهُ أَسْأَلُ أَنْ يُوَفِّقَنَا وَيَجْعَلَ سَعْيَنَا مُقَرِّبًا إلَيْهِ ، وَمُزْلِفًا لَدَيْهِ ، بِرَحْمَتِهِ .\rفَنَقُولُ ، وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ .\r( قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ عُمَرُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ الْخِرَقِيُّ ، رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ ) : قَالَ الْقَاضِي الْإِمَامُ أَبُو يَعْلَى ، رَحِمَهُ اللَّهُ : كَانَ الْخِرَقِيُّ عَلَّامَةً ، بَارِعًا فِي مَذْهَبِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ،","part":1,"page":3},{"id":3,"text":"وَكَانَ ذَا دِينٍ ، وَأَخَا وَرَعٍ .\rوَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الْحُسَيْنِ : كَانَتْ لَهُ الْمُصَنَّفَاتُ الْكَثِيرَةُ فِي الْمَذْهَبِ ، وَلَمْ يَنْشُرْ مِنْهَا إلَّا \" الْمُخْتَصَرَ \" فِي الْفِقْهِ ؛ لِأَنَّهُ خَرَجَ مِنْ مَدِينَةِ السَّلَامِ لَمَّا ظَهَرَ سَبُّ الصَّحَابَةِ بِهَا ، وَأَوْدَعَ كُتُبَهُ فِي دَرْبِ سُلَيْمَانَ ، فَاحْتَرَقَتْ الدَّارُ وَالْكُتُبُ فِيهَا .\rقَرَأَ الْعِلْمَ عَلَى مَنْ قَرَأَهُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ الْمَرُّوذِيِّ ، وَحَرْبٍ الْكَرْمَانِيِّ ، وَصَالِحٍ وَعَبْدِ اللَّهِ ابْنَيْ أَحْمَدَ .\rوَرَوَى عَنْ أَبِيهِ أَبِي عَلِيٍّ الْحُسَيْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، وَكَانَ أَبُو عَلِيٍّ فَقِيهًا صَحِبَ أَصْحَابَ أَحْمَدَ ، وَأَكْثَرُ صُحْبَتِهِ لِأَبِي بَكْرٍ الْمَرُّوذِيِّ .\rوَقَرَأَ عَلَى أَبِي الْقَاسِمِ الْخِرَقِيِّ جَمَاعَةٌ مِنْ شُيُوخِ الْمَذْهَبِ ؛ مِنْهُمْ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَطَّةَ ، وَأَبُو الْحَسَنِ التَّمِيمِيُّ ، وَأَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ سَمْعُونَ .\rوَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ بَطَّةَ : تُوُفِّيَ أَبُو الْقَاسِمِ الْخِرَقِيُّ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَثَلَاثِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ ، وَدُفِنَ بِدِمَشْقَ ، وَزُرْتُ قَبْرَهُ .\rوَسَمِعْتُ مَنْ يَذْكُرُ أَنَّ سَبَبَ مَوْتِهِ أَنَّهُ أَنْكَرَ مُنْكَرًا بِدِمَشْقَ ، فَضُرِبَ ، فَكَانَ مَوْتُهُ بِذَلِكَ قَالَ ، رَحِمَهُ اللَّهُ : ( اخْتَصَرْتُ هَذَا الْكِتَابَ ) .\rيَعْنِي قَرَّبْتُهُ ، وَقَلَّلْتُ أَلْفَاظَهُ ، وَأَوْجَزْتُهُ ، وَالِاخْتِصَارُ : هُوَ تَقْلِيلُ الشَّيْءِ ، وَقَدْ يَكُونُ اخْتِصَارُ الْكِتَابِ بِتَقْلِيلِ مَسَائِلِهِ ، وَقَدْ يَكُونُ بِتَقْلِيلِ أَلْفَاظِهِ مَعَ تَأْدِيَةِ الْمَعْنَى ، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { أُوتِيتُ جَوَامِعَ الْكَلِمِ وَاخْتُصِرَ لِي الْكَلَامُ اخْتِصَارًا } ، وَمِنْ ذَلِكَ مُخْتَصَرَاتُ الطَّرِيقِ ، وَفِي الْحَدِيثِ : { الْجِهَادُ مُخْتَصَرُ طَرِيقِ الْجَنَّةِ } ، وَقَدْ نَهَى عَنْ اخْتِصَارِ السُّجُودِ ، وَمَعْنَاهُ جَمْعُ آيِ السَّجَدَاتِ فَيَقْرَؤُهَا فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ .\rوَقِيلَ : هُوَ أَنْ يَحْذِفَ الْآيَةَ الَّتِي فِيهَا السَّجْدَةُ وَلَا يَقْرَؤُهَا .\rوَفَائِدَةُ الِاخْتِصَارِ التَّقْرِيبُ","part":1,"page":4},{"id":4,"text":"وَالتَّسْهِيلُ عَلَى مَنْ أَرَادَ تَعَلُّمَهُ وَحِفْظَهُ ، فَإِنَّ الْكَلَامَ يُخْتَصَرُ لِيُحْفَظَ ، وَيُطَوَّلُ لِيُفْهَمْ .\rوَقَدْ ذَكَرَ ، رَحِمَهُ اللَّهُ مَقْصُودَهُ بِالِاخْتِصَارِ ، فَقَالَ : ( لِيَقْرَبَ عَلَى مُتَعَلِّمِهِ ) ، أَيْ يَسْهُلَ عَلَيْهِ ، وَيَقِلَّ تَعَبُهُ فِي تَعَلُّمِهِ .\rوَقَوْلُهُ : ( عَلَى مَذْهَبِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلٍ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ ) فَهُوَ الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلِ بْنِ هِلَالِ بْنِ أَسَدِ بْنِ إدْرِيسَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَيَّانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ذُهَلِ بْنِ شَيْبَانَ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ عُكَابَةَ بْنِ صَعْبِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ بَكْرِ بْنِ وَائِلِ بْنِ قَاسِطِ بْنِ هِنْبِ بْنِ أَفْصَى بْنِ دَعْمِيِّ بْنِ جُدَيْلَةَ بْنِ أَسَدِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ نِزَارِ بْنِ مَعْدِ بْنِ عَدْنَانَ ، يَلْتَقِي نَسَبُهُ وَنَسَبُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي نِزَارٍ ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ وَلَدِ مُضَرَ بْنِ نِزَارٍ ، وَأَحْمَدُ مِنْ وَلَدِ رَبِيعَةَ بْنِ نِزَارٍ .\rقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ : قَالَ أَبِي : وُلِدْتُ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ وَمِائَةٍ .\rوَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ : وَمَاتَ فِي رَبِيعٍ الْآخِرِ سَنَةَ إحْدَى وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ ، وَلَهُ سَبْعٌ وَسَبْعُونَ سَنَةً .\rحَمَلَتْ بِهِ أُمُّهُ بِمَرْوٍ ، وَوَلَدَتْهُ بِبَغْدَادَ ، وَنَشَأَ بِهَا ، وَسَافَرَ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ أَسْفَارًا كَثِيرَةً ، ثُمَّ رَجَعَ إلَى بَغْدَادَ ، وَتُوُفِّيَ بِهَا ، بَعْدَ أَنْ سَادَ أَهْلُ عَصْرِهِ ، وَنَصَرَ اللَّهُ بِهِ دِينَهُ .\rقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ : لَيْسَ فِي شَرْقٍ وَلَا غَرْبٍ مِثْلُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ، مَا رَأَيْتُ رَجُلًا أَعْلَمَ بِالسُّنَّةِ مِنْهُ .\rوَقَالَ الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ إدْرِيسَ الشَّافِعِيُّ ، رَحْمَةُ اللَّهِ وَرِضْوَانُهُ عَلَيْهِ : أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ إمَامٌ فِي ثَمَانِ خِصَالٍ ؛ إمَامٌ فِي الْحَدِيثِ ، إمَامٌ فِي الْفِقْهِ ، إمَامٌ فِي الْقُرْآنِ ، إمَامٌ فِي اللُّغَةِ ، إمَامٌ فِي","part":1,"page":5},{"id":5,"text":"الْفَقْرِ ، إمَامٌ فِي الزُّهْدِ ، إمَامٌ فِي الْوَرَعِ ، إمَامٌ فِي السُّنَّةِ .\rوَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ فِيهِ ، وَهُوَ صَغِيرٌ : لَقَدْ كَادَ هَذَا الْغُلَامُ أَنْ يَكُونَ إمَامًا فِي بَطْنِ أُمِّهِ .\rوَقَالَ أَبُو عُمَيْرِ بْنُ النَّحَّاسِ الرَّمْلِيُّ ، وَذَكَرَ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ : رَحِمَهُ اللَّهُ ، مَا كَانَ أَصْبَرَهُ ، وَبِالْمَاضِينَ مَا كَانَ أَشَبَهَهُ ، وَبِالصَّالِحِينَ مَا كَانَ أَلْحَقَهُ ، عُرِضَتْ لَهُ الدُّنْيَا فَأَبَاهَا ، وَالْبِدَعُ فَنَفَاهَا ، وَاخْتَصَّهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِنَصْرِ دِينِهِ ، وَالْقِيَامِ بِحِفْظِ سُنَّتِهِ ، وَرَضِيَهُ لِإِقَامَةِ حُجَّتِهِ ، وَنَصْرِ كَلَامِهِ حِينَ عَجَزَ عَنْهُ النَّاسُ .\rقِيلَ لِبِشْرِ بْنِ الْحَارِثِ ، حِينَ ضَرَبَ أَحْمَدَ : يَا أَبَا نَصْرٍ ، لَوْ أَنَّكَ خَرَجْتَ فَقُلْتَ : إنِّي عَلَى قَوْلِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ؟ فَقَالَ بِشْرٌ : أَتُرِيدُونَ أَنْ أَقُومَ مَقَامَ الْأَنْبِيَاءِ ؟ إنَّ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ قَدْ قَامَ مَقَامَ الْأَنْبِيَاءِ .\rوَقَالَ عَلِيُّ بْنُ شُعَيْبٍ الوسي : كَانَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عِنْدَنَا الْمَثَلَ الَّذِي قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إنَّهُ كَائِنٌ فِي أُمَّتِي مَا كَانَ فِي بَنِي إسْرَائِيلَ ، حَتَّى إنَّ الْمِنْشَارَ لَيُوضَعُ عَلَى مَفْرِقِ رَأْسِ أَحَدِهِمْ مَا يَصْرِفُهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ } ، وَلَوْلَا أَنَّ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلٍ قَامَ بِهَذَا الشَّأْنِ لَكَانَ عَارًا وَشَنَارًا عَلَيْنَا إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، أَنَّ قَوْمًا سُئِلُوا فَلَمْ يَخْرُجْ مِنْهُمْ أَحَدٌ .\rوَفَضَائِلُهُ ، وَمَا قَالَهُ الْأَئِمَّةُ فِي مَدْحِهِ كَثِيرٌ ، وَلَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ اسْتِقْصَائِهِ ، وَقَدْ صَنَّفَ فِيهِ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الْأَئِمَّةِ كُتُبًا مُفْرَدَةً ، وَإِنَّمَا غَرَضُنَا هَاهُنَا الْإِشَارَةُ إلَى نُكْتَةٍ مِنْ فَضْلِهِ ، وَذِكْرُ نَسَبِهِ ، وَمَوْلِدِهِ ، وَمَبْلَغِ عُمْرِهِ ، إذْ لَا يَحْسُنُ مِنْ مُتَمَسِّكٍ بِمَذْهَبِهِ ، وَمُتَفَقِّهٍ عَلَى طَرِيقَتِهِ ، أَنْ يَجْهَلَ هَذَا الْقَدْرَ مِنْ إمَامِهِ .\rوَنَسْأَلُ اللَّهَ الْكَرِيمَ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ فِي","part":1,"page":6},{"id":6,"text":"دَارِ كَرَامَتِهِ ، وَالدَّرَجَاتِ الْعُلَى مِنْ جَنَّتِهِ ، وَأَنْ يَجْعَلَ عَمَلَنَا صَالِحًا ، وَيَجْعَلَهُ لِوَجْهِهِ خَالِصًا ، وَيَجْعَلَ سَعْيَنَا مُقَرِّبًا إلَيْهِ ، مُبَلِّغًا إلَى رِضْوَانِهِ ، إنَّهُ جَوَادٌ كَرِيمٌ .","part":1,"page":7},{"id":7,"text":"قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ رَحِمَهُ اللَّهُ : بَابُ مَا تَكُونُ بِهِ الطَّهَارَةُ مِنْ الْمَاءِ ، التَّقْدِيرُ : هَذَا بَابُ مَا تَكُونُ بِهِ الطَّهَارَةُ مِنْ الْمَاءِ ، فَحَذَفَ الْمُبْتَدَأَ لِلْعِلْمِ بِهِ ، وَقَوْلُهُ \" مَا تَكُونُ الطَّهَارَةُ بِهِ \" ، أَيْ تَحْصُلُ وَتَحْدُثُ ، وَهِيَ هَاهُنَا تَامَّةٌ غَيْرُ مُحْتَاجَةٍ إلَى خَبَرٍ .\rوَمَتَى كَانَتْ تَامَّةً كَانَتْ بِمَعْنَى الْحَدَثِ وَالْحُصُولِ ، تَقُولُ : كَانَ الْأَمْرُ ، أَيْ حَدَثَ وَوَقَعَ ؛ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إلَى مَيْسَرَةٍ } أَيْ : إنْ وُجِدَ ذُو عُسْرَةٍ .\rوَقَالَ الشَّاعِرُ إذَا كَانَ الشِّتَاءُ فَأَدْفِئُونِي فَإِنَّ الشَّيْخَ يُهْرِمُهُ الشِّتَاءُ أَيْ إذَا جَاءَ الشِّتَاءُ .\rوَفِي نُسْخَةٍ مَقْرُوءَةٍ عَلَى ابْنِ عَقِيلٍ : ( بَابُ مَا تَجُوزُ بِهِ الطَّهَارَةُ مِنْ الْمَاءِ ) وَمَعْنَاهُمَا مُتَقَارِبٌ .\rوَالطَّهَارَةُ فِي اللُّغَةِ : النَّزَاهَةُ عَنْ الْأَقْذَارِ ، وَفِي الشَّرْعِ : رَفْعُ مَا يَمْنَعُ الصَّلَاةَ مِنْ حَدَثٍ أَوْ نَجَاسَةٍ بِالْمَاءِ ، أَوْ رَفْعُ حُكْمِهِ بِالتُّرَابِ .\rفَعِنْدَ إطْلَاقِ لَفْظِ الطَّهَارَةِ فِي لَفْظِ الشَّارِعِ أَوْ كَلَامِ الْفُقَهَاءِ يَنْصَرِفُ إلَى الْمَوْضُوعِ الشَّرْعِيِّ دُونَ اللُّغَوِيِّ وَكَذَلِكَ كُلُّ مَالَهُ مَوْضُوعٌ شَرْعِيٌّ وَلُغَوِيٌّ ، إنَّمَا يَنْصَرِفُ الْمُطْلَقُ مِنْهُ إلَى الْمَوْضُوعِ الشَّرْعِيِّ كَالْوُضُوءِ ، وَالصَّلَاةِ ، وَالصَّوْمِ ، وَالزَّكَاةِ ، وَالْحَجِّ ، وَنَحْوِهِ ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ صَاحِبِ الشَّرْعِ التَّكَلُّمُ بِمَوْضُوعَاتِهِ .\rوَالطُّهُورُ - بِضَمِّ الطَّاءِ - : الْمَصْدَرُ ، قَالَهُ الْيَزِيدِيُّ وَالطَّهُورُ - بِالْفَتْحِ - مِنْ الْأَسْمَاءِ الْمُتَعَدِّيَةِ ، وَهُوَ الَّذِي يُطَهِّرُ غَيْرَهُ ، مِثْلُ الْغَسُولِ الَّذِي يُغْسَلُ بِهِ .\rوَقَالَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ : هُوَ مِنْ الْأَسْمَاءِ اللَّازِمَةِ ، بِمَعْنَى الطَّاهِرِ سَوَاءٌ ؛ لِأَنَّ الْعَرَبَ لَا تُفَرِّقُ بَيْنَ الْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ فِي التَّعَدِّي وَاللُّزُومِ ، فَمَا كَانَ فَاعِلُهُ لَازِمًا كَانَ فَعُولُهُ لَازِمًا .\rبِدَلِيلِ قَاعِدٍ وَقَعُودٍ ، وَنَائِمٍ وَنَئُومٍ ، وَضَارِبٍ وَضَرُوبٍ .","part":1,"page":8},{"id":8,"text":"وَهَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ ؛ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ { لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ } ، وَرَوَى جَابِرٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ نَبِيٌّ قَبْلِي ؛ نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ ، وَجُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ، وَلَوْ أَرَادَ بِهِ الطَّاهِرَ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَزِيَّةٌ ؛ لِأَنَّهُ طَاهِرٌ فِي حَقِّ كُلِّ أَحَدٍ .\rوَسُئِلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { عَنْ التَّوَضُّؤِ بِمَاءِ الْبَحْرِ ، فَقَالَ : هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ ، الْحِلُّ مَيْتَتُهُ .\r} وَلَوْ لَمْ يَكُنْ الطَّهُورُ مُتَعَدِّيًا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ جَوَابًا لِلْقَوْمِ ، حَيْثُ سَأَلُوهُ عَنْ التَّعَدِّي ، إذْ لَيْسَ كُلُّ طَاهِرٍ مُطَهِّرًا ، وَمَا ذَكَرُوهُ لَا يَسْتَقِيمُ ؛ لِأَنَّ الْعَرَبَ فَرَّقَتْ بَيْنَ الْفَاعِلِ وَالْفَعُولِ ، فَقَالَتْ : قَاعِدٌ لِمَنْ وُجِدَ مِنْهُ الْقُعُودُ ، وَقَعُودُ لِمَنْ يَتَكَرَّرُ مِنْهُ ذَلِكَ ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُمَا هَاهُنَا ، وَلَيْسَ إلَّا مِنْ حَيْثُ التَّعَدِّي وَاللُّزُومُ .\r( 1 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ ، رَحِمَهُ اللَّهُ : ( وَالطَّهَارَةُ بِالْمَاءِ الطَّاهِرِ الْمُطْلَقِ الَّذِي لَا يُضَافُ إلَى اسْمِ شَيْءٍ غَيْرِهِ : مِثْلُ مَاءِ الْبَاقِلَّا ، وَمَاءِ الْوَرْدِ ، وَمَاءِ الْحِمَّصِ وَمَاءِ الزَّعْفَرَانِ ، وَمَا أَشْبَهَهُ ، مِمَّا لَا يُزَايِلُ اسْمُهُ اسْمَ الْمَاءِ فِي وَقْتٍ ) .\rقَوْلُهُ \" \" وَالطَّهَارَةُ \" مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ ، تَقْدِيرُهُ : وَالطَّهَارَةُ مُبَاحَةٌ ، أَوْ جَائِزَةٌ ، وَنَحْوُ ذَلِكَ ، وَالْأَلِفُ وَاللَّامُ لِلِاسْتِغْرَاقِ ، فَكَأَنَّهُ قَالَ : وَكُلُّ طَهَارَةٍ جَائِزَةٌ بِكُلِّ مَاءٍ طَاهِرٍ مُطْلَقٍ ، وَالطَّاهِرُ : مَا لَيْسَ بِنَجِسٍ .\rوَالْمُطْلَقُ : مَا لَيْسَ بِمُضَافٍ إلَى شَيْءٍ غَيْرِهِ .\rوَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ \" لَا يُضَافُ إلَى اسْمِ شَيْءٍ غَيْرِهِ \" .\rوَإِنَّمَا ذَكَرَهُ صِفَةً لَهُ وَتَبْيِينًا ، ثُمَّ مَثَّلَ الْإِضَافَةَ ، فَقَالَ : \" مِثْلُ مَاءِ الْبَاقِلَّا ، وَمَاءِ الْوَرْدِ ، وَمَاءِ الْحِمَّصِ ، وَمَاءِ","part":1,"page":9},{"id":9,"text":"الزَّعْفَرَانِ ، وَمَا أَشْبَهَهُ \" .\rوَقَوْلُهُ : \" مِمَّا لَا يُزَايِلُ اسْمُهُ اسْمَ الْمَاءِ فِي وَقْتٍ \" ، صِفَةٌ لِلشَّيْءِ الَّذِي يُضَافُ إلَيْهِ الْمَاءُ ، وَمَعْنَاهُ : لَا يُفَارِقُ اسْمُهُ اسْمَ الْمَاءِ .\rوَالْمُزَايَلَةُ : الْمُفَارَقَةُ ؛ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا } ، وَقَالَ أَبُو طَالِبٍ وَقَدْ طَاوَعُوا أَمْرَ الْعَدُوِّ الْمُزَايِلِ أَيْ الْمُفَارِقِ .\rأَيْ : لَا يُذْكَرُ الْمَاءُ إلَّا مُضَافًا إلَى الْمُخَالِطِ لَهُ فِي الْغَالِبِ .\rوَيُفِيدُ هَذَا الْوَصْفُ الِاحْتِرَازَ مِنْ الْمُضَافِ إلَى مَكَانِهِ وَمَقَرِّهِ ، كَمَاءِ النَّهْرِ وَالْبِئْرِ ؛ فَإِنَّهُ إذَا زَالَ عَنْ مَكَانِهِ زَالَتْ النِّسْبَةُ فِي الْغَالِبِ ، وَكَذَلِكَ مَا تَغَيَّرَتْ رَائِحَتُهُ تَغَيُّرًا يَسِيرًا ، فَإِنَّهُ لَا يُضَافُ فِي الْغَالِبِ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : هَذَا احْتِرَازٌ مِنْ الْمُتَغَيِّرِ بِالتُّرَابِ ؛ لِأَنَّهُ يَصْفُو عَنْهُ ، وَيُزَايِلُ اسْمُهُ اسْمَهُ .\rوَقَدْ دَلَّتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ عَلَى أَحْكَامٍ مِنْهَا إبَاحَةُ الطَّهَارَةِ بِكُلِّ مَاءٍ مَوْصُوفٍ بِهَذِهِ الصُّفَّةِ الَّتِي ذَكَرَهَا ، عَلَى أَيِّ صِفَةٍ كَانَ مِنْ أَصْلِ الْخِلْقَةِ ، مِنْ الْحَرَارَةِ وَالْبُرُودَةِ ، وَالْعُذُوبَةِ وَالْمُلُوحَةِ ، نَزَلَ مِنْ السَّمَاءِ ، أَوْ نَبَعَ مِنْ الْأَرْضِ ، فِي بَحْرٍ أَوْ نَهْرٍ أَوْ بِئْرٍ أَوْ غَدِيرٍ ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ .\rوَقَدْ دَلَّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ } ، وَقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ : { وَأَنْزَلْنَا مِنْ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا } ، وَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : الْمَاءُ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ } ، وَقَوْلُهُ فِي الْبَحْرِ : { هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ } .\rوَهَذَا قَوْلُ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، إلَّا أَنَّهُ حُكِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، أَنَّهُمَا قَالَا فِي الْبَحْرِ : التَّيَمُّمُ أَعْجَبُ إلَيْنَا مِنْهُ .\rهُوَ نَارٌ .\rوَحَكَاهُ الْمَاوَرْدِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ .","part":1,"page":10},{"id":10,"text":"وَالْأَوَّلُ أَوْلَى ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا } وَمَاءُ الْبَحْرِ مَاءٌ ، لَا يَجُوزُ الْعُدُولُ إلَى التَّيَمُّمِ مَعَ وُجُودِهِ .\rوَرُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : { سَأَلَ رَجُلٌ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنَّا نَرْكَبُ الْبَحْرَ ، وَنَحْمِلُ مَعَنَا الْقَلِيلَ مِنْ الْمَاءِ ، فَإِنْ تَوَضَّأْنَا بِهِ عَطِشْنَا ، أَفَنَتَوَضَّأُ بِمَاءِ الْبَحْرِ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ } أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد ، وَالنَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَقَالَ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ .\rوَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : \" مَنْ لَمْ يُطَهِّرْهُ مَاءُ الْبَحْرِ فَلَا طَهَّرَهُ اللَّهُ \" وَلِأَنَّهُ مَاءٌ بَاقٍ عَلَى أَصِلْ خِلْقَتِهِ ، فَجَازَ الْوُضُوءُ بِهِ كَالْعَذْبِ .\rوَقَوْلُهُمْ : \" هُوَ نَارٌ \" إنْ أُرِيدَ بِهِ أَنَّهُ نَارٌ فِي الْحَالِ فَهُوَ خِلَافُ الْحِسِّ ، وَإِنْ أُرِيدَ أَنَّهُ يَصِيرُ نَارًا ، لَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ الْوُضُوءَ بِهِ حَالَ كَوْنِهِ مَاءً .","part":1,"page":11},{"id":11,"text":"وَمِنْهَا أَنَّ الطَّهَارَةَ مِنْ النَّجَاسَةِ لَا تَحْصُلُ إلَّا بِمَا يَحْصُلُ بِهِ طَهَارَةُ الْحَدَثِ ؛ لِدُخُولِهِ فِي عُمُومِ الطَّهَارَةِ ، وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ وَزُفَرُ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَجُوزُ إزَالَةُ النَّجَاسَةِ بِكُلِّ مَائِعٍ طَاهِرٍ مُزِيلٍ لِلْعَيْنِ وَالْأَثَرِ ، كَالْخَلِّ ، وَمَاءِ الْوَرْدِ ، وَنَحْوِهِمَا .\rوَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { إذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي إنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعًا } .\rأَطْلَقَ الْغَسْلَ ، فَتَقْيِيدُهُ بِالْمَاءِ يَحْتَاجُ إلَى دَلِيلٍ ؛ وَلِأَنَّهُ مَائِعٌ طَاهِرٌ مُزِيلٌ ، فَجَازَتْ إزَالَةُ النَّجَاسَةِ بِهِ ، كَالْمَاءِ ، فَأَمَّا مَا لَا يُزِيلُ كَالْمَرَقِ وَاللَّبَنِ فَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ النَّجَاسَةَ لَا تُزَالُ بِهِ .\rوَلَنَا مَا رُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { قَالَ لِأَسْمَاءِ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ إذَا أَصَابَ ثَوْبَ إحْدَاكُنَّ الدَّمُ مِنْ الْحَيْضَةِ فَلْتَقْرُصْهُ ، ثُمَّ لِتَنْضَحْهُ بِمَاءٍ ، ثُمَّ لِتُصَلِّ فِيهِ .\r} أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ، وَعَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِذَنُوبٍ مِنْ مَاءٍ فَأُهْرِيقَ عَلَى بَوْلِ الْأَعْرَابِيِّ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ، وَهَذَا أَمْرٌ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ ؛ وَلِأَنَّهَا طَهَارَةٌ تُرَادُ لِلصَّلَاةِ ، فَلَا تَحْصُلُ بِغَيْرِ الْمَاءِ ، كَطَهَارَةِ الْحَدَثِ ، وَمُطْلَقُ حَدِيثِهِمْ مُقَيَّدٌ بِحَدِيثِنَا ، وَالْمَاءُ يَخْتَصُّ بِتَحْصِيلِ إحْدَى الطَّهَارَتَيْنِ ، فَكَذَلِكَ الْأُخْرَى .","part":1,"page":12},{"id":12,"text":"وَمِنْهَا اخْتِصَاصُ حُصُولِ الطَّهَارَةِ بِالْمَاءِ ، لِتَخْصِيصِهِ إيَّاهُ بِالذِّكْرِ ، فَلَا يَحْصُلُ بِمَائِعٍ سِوَاهُ ، وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ وَأَبُو يُوسُفَ وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَلَيْسَ بِثَابِتٍ عَنْهُ - أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى بَأْسًا بِالْوُضُوءِ بِالنَّبِيذِ ، وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَقَالَ عِكْرِمَةُ النَّبِيذُ وَضُوءُ مَنْ لَمْ يَجِدُ الْمَاءَ .\rوَقَالَ إِسْحَاقُ : النَّبِيذُ حُلْوًا أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ التَّيَمُّمِ ، وَجَمْعُهُمَا أَحَبُّ إلَيَّ .\rوَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ كَقَوْلِ عِكْرِمَةَ وَقِيلَ عَنْهُ : يَجُوزُ الْوَضُوءُ بِنَبِيذِ التَّمْرِ ، إذَا طُبِخَ وَاشْتَدَّ ، عِنْدَ عَدَمِ الْمَاءِ فِي السَّفَرِ ؛ لِمَا رَوَى { ابْنُ مَسْعُودٍ ، أَنَّهُ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةَ الْجِنِّ ، فَأَرَادَ أَنْ يُصَلِّيَ صَلَاةَ الْفَجْرِ ، فَقَالَ : أَمَعَكَ وَضُوءٌ ؟ فَقَالَ : لَا ، مَعِي إدَاوَةٌ فِيهَا نَبِيذٌ .\rفَقَالَ : تَمْرَةٌ طَيِّبَةٌ وَمَاءٌ طَهُورٌ } .\rوَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا .\r} وَهَذَا نَصٌّ فِي الِانْتِقَالِ إلَى التُّرَابِ عِنْدَ عَدَمِ الْمَاءِ ، وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الصَّعِيدُ الطَّيِّبُ وَضُوءُ الْمُسْلِمِ وَإِنْ لَمْ يَجِدْ الْمَاءَ عَشْرَ سِنِينَ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَلِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِهِ فِي الْحَضَرِ ، أَوْ مَعَ وُجُودِ الْمَاءِ ، فَأَشْبَهَ الْخَلَّ وَالْمَرَقَ ، وَحَدِيثُهُمْ لَا يَثْبُتُ ، وَرَاوِيهِ أَبُو زَيْدٍ مَجْهُولٌ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ ، لَا يُعْرَفُ لَهُ غَيْرُ هَذَا الْحَدِيثِ ، وَلَا يُعْرَفُ بِصُحْبَةِ عَبْدِ اللَّهِ .\rقَالَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ الْمُنْذِرِ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ، أَنَّهُ سُئِلَ : هَلْ كُنْت مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةَ الْجِنِّ ؟ فَقَالَ : مَا كَانَ مَعَهُ مِنَّا أَحَدٌ .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَرَوَى مُسْلِمٌ بِإِسْنَادِهِ ، عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ، قَالَ : لَمْ أَكُنْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ","part":1,"page":13},{"id":13,"text":"لَيْلَةَ الْجِنِّ ، وَوَدِدْت أَنِّي كُنْت مَعَهُ .\r( 2 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا غَيْرُ النَّبِيذِ مِنْ الْمَائِعَاتِ ، غَيْرِ الْمَاءِ ، كَالْخَلِّ ، وَالدُّهْنِ ، وَالْمَرَقِ ، وَاللَّبَنِ ، فَلَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ ، فِيمَا نَعْلَمُ ، أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بِهَا وُضُوءٌ وَلَا غُسْلٌ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَثْبَتَ الطَّهُورِيَّةَ لِلْمَاءِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ } ، وَهَذَا لَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الْمَاءِ .","part":1,"page":14},{"id":14,"text":"وَمِنْهَا ، أَنَّ الْمُضَافَ لَا تَحْصُلُ بِهِ الطَّهَارَةُ ، وَهُوَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ : أَحَدُهَا ؛ مَا لَا تَحْصُلُ بِهِ الطَّهَارَةُ رِوَايَةً وَاحِدَةً ، وَهُوَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَنْوَاعٍ : أَحَدُهَا ، مَا اُعْتُصِرَ مِنْ الطَّاهِرَاتِ كَمَاءِ الْوَرْدِ ، وَمَاءِ الْقَرَنْفُلِ ، وَمَا يَنْزِلُ مِنْ عُرُوقِ الشَّجَرِ إذَا قُطِعَتْ رَطْبَةً .\rالثَّانِي ، مَا خَالَطَهُ طَاهِرٌ فَغَيَّرَ اسْمَهُ ، وَغَلَبَ عَلَى أَجْزَائِهِ ، حَتَّى صَارَ صِبْغًا ، أَوْ حِبْرًا ، أَوْ خَلًّا ، أَوْ مَرَقًا ، وَنَحْوَ ذَلِكَ .\rالثَّالِثُ ، مَا طُبِخَ فِيهِ طَاهِرٌ فَتَغَيَّرَ بِهِ ، كَمَاءِ الْبَاقِلَّا الْمَغْلِيِّ .\rفَجَمِيعُ هَذِهِ الْأَنْوَاعِ لَا يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِهَا ، وَلَا الْغُسْلُ ، لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا ، إلَّا مَا حُكِيَ عَنْ ابْنِ أَبِي لَيْلَى وَالْأَصَمِّ فِي الْمِيَاهِ الْمُعْتَصَرَةِ ، أَنَّهَا طَهُورٌ يَرْتَفِعُ بِهَا الْحَدَثُ ، وَيُزَالُ بِهَا النَّجَسُ .\rوَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَجْهٌ فِي مَاءِ الْبَاقِلَّا الْمَغْلِيِّ ، وَسَائِرُ مَنْ بَلَغَنَا قَوْلُهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى خِلَافِهِمْ .\rقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ قَوْلَهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ الْوُضُوءَ غَيْرُ جَائِزٍ بِمَاءِ الْوَرْدِ ، وَمَاءِ الشَّجَرِ ، وَمَاءِ الْعُصْفُرِ ، وَلَا تَجُوزُ الطَّهَارَةُ إلَّا بِمَاءٍ مُطْلَقٍ ، يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الْمَاءِ ؛ وَلِأَنَّ الطَّهَارَةَ إنَّمَا تَجُوزُ بِالْمَاءِ ، وَهَذَا لَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الْمَاءِ بِإِطْلَاقِهِ الضَّرْبُ الثَّانِي مَا خَالَطَهُ طَاهِرٌ يُمْكِنْ التَّحَرُّزُ مِنْهُ ، فَغَيَّرَ إحْدَى صِفَاتِهِ ، طَعْمَهُ ، أَوْ لَوْنَهُ ، أَوْ رِيحَهُ ، كَمَاءِ الْبَاقِلَّا ، وَمَاءِ الْحِمَّصِ ، وَمَاءِ الزَّعْفَرَانِ .\rوَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي الْوُضُوءِ بِهِ ، وَاخْتَلَفْت الرِّوَايَةُ عَنْ إمَامِنَا ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، فِي ذَلِكَ ؛ فَرُوِيَ عَنْهُ : لَا تَحْصُلُ الطَّهَارَةُ بِهِ .\rوَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَإِسْحَاقَ وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى وَهِيَ أَصَحُّ ، وَهِيَ الْمَنْصُورَةُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا فِي الْخِلَافِ .\rوَنَقَلَ عَنْ أَحْمَدَ","part":1,"page":15},{"id":15,"text":"جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ ، مِنْهُمْ أَبُو الْحَارِثِ ، وَالْمَيْمُونِيُّ ، وَإِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ ، جَوَازَ الْوُضُوءِ بِهِ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : { فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا } وَهَذَا عَامٌّ فِي كُلِّ مَاءٍ ؛ لِأَنَّهُ نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ ، وَالنَّكِرَةُ فِي سِيَاقِ النَّفْي تَعُمُّ ، فَلَا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ مَعَ وُجُودِهِ ، وَأَيْضًا قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ : { التُّرَابُ كَافِيكَ مَا لَمْ تَجِدْ الْمَاءَ } .\rوَهَذَا وَاجِدٌ لِلْمَاءِ ؛ وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابَهُ كَانُوا يُسَافِرُونَ ، وَغَالِبُ أَسْقِيَتِهِمْ الْأُدْمُ ، وَالْغَالِبُ أَنَّهَا تُغَيِّرُ الْمَاءَ ، فَلَمْ يُنْقَلْ عَنْهُمْ تَيَمُّمٌ مَعَ وُجُودِ شَيْءٍ مِنْ تِلْكَ الْمِيَاهِ ؛ وَلِأَنَّهُ طَهُورٌ خَالَطَهُ طَاهِرٌ لَمْ يَسْلُبْهُ اسْمَ الْمَاءِ ، وَلَا رِقَّتَهُ ، وَلَا جَرَيَانَهُ ، فَأَشْبَهَ الْمُتَغَيِّرَ بِالدُّهْنِ .\rوَوَجْهُ الْأُولَى : أَنَّهُ مَاءٌ تَغَيَّرَ بِمُخَالَطَةِ مَا لَيْسَ بِطَهُورٍ يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ ، فَلَمْ يَجُزْ الْوُضُوءُ بِهِ ، كَمَاءِ الْبَاقِلَّا الْمَغْلِيِّ ؛ وَلِأَنَّهُ زَالَ عَنْ إطْلَاقِهِ ، فَأَشْبَهَ الْمَغْلِيَّ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِنَّ أَصْحَابَنَا لَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ الْمَذْرُورِ فِي الْمَاءِ مِمَّا يُخْلَطُ بِالْمَاءِ كَالزَّعْفَرَانِ وَالْعُصْفُرِ وَالْأُشْنَانِ وَنَحْوِهِ ، وَبَيْنَ الْحُبُوبِ مِنْ الْبَاقِلَّا وَالْحِمَّصِ ، وَالثَّمَرِ كَالتَّمْرِ وَالزَّبِيبِ وَالْوَرَقِ وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ : مَا كَانَ مَذْرُورًا مُنِعَ إذَا غَيَّرَ الْمَاءَ ، وَمَا عَدَاهُ لَا يُمْنَعُ إلَّا أَنْ يَنْحَلَّ فِي الْمَاءِ ، وَإِنْ غَيَّرَهُ مِنْ غَيْرِ انْحِلَالٍ لَمْ يَسْلُبْ طَهُورِيَّتَهُ ؛ لِأَنَّهُ تَغَيُّرُ مُجَاوَرَةٍ ، أَشْبَهَ تَغْيِيرَ الْكَافُورِ .\rوَوَافَقَهُمْ أَصْحَابُنَا فِي الْخَشَبِ وَالْعِيدَانِ ، وَخَالَفُوهُمْ فِي سَائِرِ مَا ذَكَرْنَا ؛ لِأَنَّ تَغَيُّرَ الْمَاءِ بِهِ إنَّمَا كَانَ لِانْفِصَالِ أَجْزَاءٍ مِنْهُ إلَى","part":1,"page":16},{"id":16,"text":"الْمَاءِ وَانْحِلَالِهَا فِيهِ ، فَوَجَبَ أَنْ يُمْنَعَ كَمَا لَوْ طُبِخَ فِيهِ ؛ وَلِأَنَّهُ مَاءٌ تَغَيَّرَ بِمُخَالَطَةِ طَاهِرٍ يُمْكِنُ صَوْنُهُ عَنْهُ ، أَشْبَهَ مَا لَوْ أُغْلِيَ فِيهِ .\rالضَّرْبُ الثَّالِثُ مِنْ الْمُضَافِ مَا يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِهِ رِوَايَةً وَاحِدَةً ، وَهُوَ أَرْبَعَةُ أَنْوَاعٍ : أَحَدُهَا : مَا أُضِيفَ إلَى مَحَلِّهِ وَمَقَرِّهِ ، كَمَاءِ النَّهْرِ وَالْبِئْرِ وَأَشْبَاهِهِمَا ؛ فَهَذَا لَا يَنْفَكُّ مِنْهُ مَاءٌ وَهِيَ إضَافَةٌ إلَى غَيْرِ مُخَالِطٍ .\rوَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rالثَّانِي : مَا لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ ، كَالطُّحْلُبِ وَالْخَزِّ وَسَائِرِ مَا يَنْبُتُ فِي الْمَاءِ ، وَكَذَلِكَ وَرَقُ الشَّجَرِ الَّذِي يَسْقُطُ فِي الْمَاءِ ، أَوْ تَحْمِلُهُ الرِّيحُ فَتُلْقِيهِ فِيهِ ، وَمَا تَجْذِبُهُ السُّيُولُ مِنْ الْعِيدَانِ وَالتِّبْنِ وَنَحْوِهِ ، فَتُلْقِيهِ فِي الْمَاءِ ، وَمَا هُوَ فِي قَرَارِ الْمَاءِ كَالْكِبْرِيتِ وَالْقَارِ وَغَيْرِهِمَا ، إذَا جَرَى عَلَيْهِ الْمَاءُ فَتَغَيَّرَ بِهِ ، أَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ الَّتِي يَقِفُ فِيهَا الْمَاءُ .\rفَهَذَا كُلُّهُ يُعْفَى عَنْهُ ؛ لِأَنَّهُ يَشُقُّ التَّحَرُّزُ مِنْهُ ، فَإِنْ أُخِذَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ وَأُلْقِيَ فِي الْمَاءِ وَغَيْرِهِ كَانَ حُكْمُهُ حُكْمَ مَا أَمْكَنَ التَّحَرُّزُ مِنْهُ ، مِنْ الزَّعْفَرَانِ وَنَحْوِهِ ؛ لِأَنَّ الِاحْتِرَازَ مِنْهُ مُمْكِنٌ .\rالثَّالِثُ : مَا يُوَافِقُ الْمَاءَ فِي صِفَتَيْهِ الطَّهَارَةِ ، وَالطَّهُورِيَّةِ ، كَالتُّرَابِ إذَا غَيَّرَ الْمَاءَ لَا يَمْنَعُ الطَّهُورِيَّةَ ؛ لِأَنَّهُ طَاهِرٌ مُطَهِّرٌ كَالْمَاءِ ، فَإِنْ ثَخُنَ بِحَيْثُ لَا يَجْرِي عَلَى الْأَعْضَاءِ لَمْ تَجُزْ الطَّهَارَةُ بِهِ ؛ لِأَنَّهُ طِينٌ وَلَيْسَ بِمَاءٍ ، وَلَا فَرْقَ فِي التُّرَابِ بَيْنَ وُقُوعِهِ فِي الْمَاءِ عَنْ قَصْدٍ أَوْ غَيْرِ قَصْدٍ .\rوَكَذَلِكَ الْمِلْحُ الَّذِي أَصْلُهُ الْمَاءُ كَالْبَحْرِيِّ ، وَالْمِلْحُ الَّذِي يَنْعَقِدُ مِنْ الْمَاءِ الَّذِي يُرْسَلُ عَلَى السَّبْخَةِ فَيَصِيرُ مِلْحًا ، فَلَا يَسْلُبُ الطَّهُورِيَّةَ ؛ لِأَنَّ أَصْلَهُ الْمَاءُ ، فَهُوَ كَالْجَلِيدِ وَالثَّلْجِ ، وَإِنْ كَانَ مَعْدِنًا","part":1,"page":17},{"id":17,"text":"لَيْسَ أَصْلُهُ الْمَاءَ فَهُوَ كَالزَّعْفَرَانِ وَغَيْرِهِ .\rالرَّابِعُ : مَا يَتَغَيَّرُ بِهِ الْمَاءُ بِمُجَاوَرَتِهِ مِنْ غَيْرِ مُخَالَطَةٍ ، كَالدُّهْنِ عَلَى اخْتِلَافِ أَنْوَاعِهِ ، وَالطَّاهِرَاتُ الصُّلْبَةِ كَالْعُودِ وَالْكَافُورِ وَالْعَنْبَرِ ، إذَا لَمْ يَهْلِكْ فِي الْمَاءِ ، وَلَمْ يَمِعْ فِيهِ ، لَا يَخْرُجُ بِهِ عَنْ إطْلَاقِهِ ؛ لِأَنَّهُ تَغْيِيرُ مُجَاوَرَةٍ ، أَشْبَهَ مَا لَوْ تَرَوَّحَ الْمَاءُ بِرِيحِ شَيْءٍ عَلَى جَانِبِهِ .\rوَلَا نَعْلَمُ فِي هَذِهِ الْأَنْوَاعِ خِلَافًا .\rوَفِي مَعْنَى الْمُتَغَيِّرِ بِالدُّهْنِ مَا تَغَيَّرَ بِالْقَطِرَانِ وَالزِّفْتِ وَالشَّمْعِ ؛ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ دُهْنِيَّةً يَتَغَيَّرُ بِهَا الْمَاءُ تَغَيُّرَ مُجَاوَرَةٍ ، فَلَا يُمْنَعُ كَالدُّهْنِ .","part":1,"page":18},{"id":18,"text":"( 3 ) فَصْلٌ وَالْمَاءُ الْآجِنُ ، وَهُوَ الَّذِي يَتَغَيَّرُ بِطُولِ مُكْثِهِ فِي الْمَكَانِ ، مِنْ غَيْرِ مُخَالَطَةِ شَيْءٍ يُغَيِّرُهُ ، بَاقٍ عَلَى إطْلَاقِهِ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ قَوْلَهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْوُضُوءَ بِالْمَاءِ الْآجِنِ مِنْ غَيْرِ نَجَاسَةٍ حَلَّتْ فِيهِ جَائِزٌ ، غَيْرَ ابْنِ سِيرِينَ فَإِنَّهُ كَرِهَ ذَلِكَ .\rوَقَوْلُ الْجُمْهُورِ أُولَى ، فَإِنَّهُ يُرْوَى { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَوَضَّأَ مِنْ بِئْرٍ كَأَنَّ مَاءَهُ نُقَاعَةُ الْحِنَّاءِ } وَلِأَنَّهُ تَغَيَّرَ مِنْ غَيْرِ مُخَالَطَةٍ .","part":1,"page":19},{"id":19,"text":"( 4 ) فَصْلٌ وَإِذَا كَانَ عَلَى الْعُضْوِ طَاهِرٌ ، كَالزَّعْفَرَانِ وَالْعَجِينِ ، فَتَغَيَّرَ بِهِ الْمَاءُ وَقْتَ غَسْلِهِ ، لَمْ يَمْنَعْ حُصُولَ الطَّهَارَةِ بِهِ ؛ لِأَنَّهُ تَغَيُّرٌ فِي مَحَلِّ التَّطْهِيرِ ، أَشْبَهَ مَا لَوْ تَغَيَّرَ الْمَاءُ الَّذِي تُزَالُ بِهِ النَّجَاسَةُ فِي مَحَلِّهَا .","part":1,"page":20},{"id":20,"text":"( 5 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : ( وَمَا سَقَطَ فِيهِ مِمَّا ذَكَرْنَا أَوْ مِنْ غَيْرِهِ وَكَانَ يَسِيرًا فَلَمْ يُوجَدْ لَهُ طَعْمٌ وَلَا لَوْنٌ وَلَا رَائِحَةٌ كَثِيرَةٌ حَتَّى يُنْسَبَ الْمَاءُ إلَيْهِ تُوُضِّئَ بِهِ ) قَوْلُهُ : \" مِمَّا ذَكَرْنَا \" ، يَعْنِي الْبَاقِلَّا وَالْحِمَّصَ وَالْوَرْدَ وَالزَّعْفَرَانَ وَغَيْرَهُ ، يَعْنِي مِنْ الطَّاهِرَاتِ سِوَاهُ .\rوَقَوْلُهُ : \" حَتَّى يُنْسَبَ الْمَاءُ إلَيْهِ \" أَيْ : يُضَافَ إلَيْهِ ، عَلَى مَا قَدَّمْنَا ، وَاعْتُبِرَ الْكَثْرَةُ فِي الرَّائِحَةِ ، دُونَ غَيْرِهَا مِنْ الصِّفَاتِ ؛ لِأَنَّ لَهَا سِرَايَةً وَنُفُوذًا ، فَإِنَّهَا تَحْصُلُ عَنْ مُجَاوَرَةٍ تَارَةً ، وَعَنْ مُخَالَطَةٍ أُخْرَى ، فَاعْتُبِرَ الْكَثْرَةُ فِيهَا لِيُعْلَمَ أَنَّهَا عَنْ مُخَالَطَةٍ .\rقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ غَيْرُ الْخِرَقِيِّ مِنْ أَصْحَابِنَا ، ذَهَبَ إلَى التَّسْوِيَةِ بَيْنَ الرَّائِحَةِ وَاللَّوْنِ وَالطَّعْمِ ؛ لِأَنَّهَا صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِ الْمَاءِ ، فَأَشْبَهَتْ اللَّوْنَ وَالطَّعْمَ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : يَجِبُ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الرَّائِحَةِ وَاللَّوْنِ وَالطَّعْمِ ، فَإِنْ عُفِيَ عَنْ الْيَسِيرِ فِي بَعْضِهَا عُفِيَ عَنْهُ فِي بَقِيَّتِهَا ، وَإِنْ لَمْ يُعْفَ عَنْ الْيَسِيرِ فِي بَعْضِهَا لَمْ يُعْفَ عَنْهُ فِي بَقِيَّتِهَا .\rوَقَدْ ذَكَرْنَا مَعْنًى يَقْتَضِي الْفَرْقَ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .\rوَلَا نَعْلَمُ خِلَافًا بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي جَوَازِ الْوُضُوءِ بِمَاءٍ خَالَطَهُ طَاهِرٌ ، لَمْ يُغَيِّرْهُ ، إلَّا مَا حُكِيَ عَنْ أُمِّ هَانِئٍ ، فِي مَاءٍ بُلَّ فِيهِ خُبْزٌ : لَا يُتَوَضَّأُ بِهِ .\rوَلَعَلَّهَا أَرَادَتْ مَا تَغَيَّرَ بِهِ .\rوَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ فِي كِسَرٍ بُلَّتْ بِالْمَاءِ ، غَيَّرَتْ لَوْنَهُ أَوْ لَمْ تُغَيِّرْ لَوْنَهُ ، لَمْ يُتَوَضَّأْ بِهِ .\rوَاَلَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ أَوْلَى ؛ لِأَنَّهُ طَاهِرٌ لَمْ يُغَيِّرْ صِفَةَ الْمَاءِ ، فَلَمْ يُمْنَعْ كَبَقِيَّةِ الطَّاهِرَاتِ إذَا لَمْ تُغَيِّرْهُ ، وَقَدْ { اغْتَسَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَزَوْجَتُهُ مِنْ جَفْنَةٍ فِيهَا أَثَرُ الْعَجِينِ } رَوَاهُ النَّسَائِيّ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَالْأَثْرَمُ .","part":1,"page":21},{"id":21,"text":"( 6 ) فَصْلٌ وَإِذَا وَقَعَ فِي الْمَاءِ مَائِعٌ ، لَا يُغَيِّرُهُ لِمُوَافَقَةِ صِفَتِهِ ، وَهَذَا يَبْعُدُ ، إذْ الظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَنْفَرِدَ عَنْهُ بِصِفَةٍ ، فَيُعْتَبَرُ التَّغَيُّرُ بِظُهُورِ تِلْكَ الصِّفَةِ .\rفَإِنْ اتَّفَقَ ذَلِكَ اعْتَبَرْنَاهُ بِغَيْرِهِ مِمَّا لَهُ صِفَةٌ تَظْهَرُ عَلَى الْمَاءِ ، كَالْحُرِّ إذَا جُنِيَ عَلَيْهِ دُونَ الْمُوضِحَةِ قَوَّمْنَاهُ كَأَنَّهُ عَبْدٌ ، وَإِنْ شَكَّ فِي كَوْنِهِ يَمْنَعُ بُنِيَ عَلَى يَقِينِ الطَّهُورِيَّةِ ؛ لِأَنَّهَا الْأَصْلُ ، فَلَا يَزُولُ عَنْهَا بِالشَّكِّ .","part":1,"page":22},{"id":22,"text":"( 7 ) فَصْلٌ وَإِنْ كَانَ الْوَاقِعُ فِي الْمَاءِ مَاءً مُسْتَعْمَلًا عُفِيَ عَنْ يَسِيرِهِ .\rقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ : قُلْت لِأَحْمَدَ الرَّجُلُ يَتَوَضَّأُ ، فَيَنْتَضِحُ مِنْ وَضُوئِهِ فِي إنَائِهِ ؟ قَالَ : لَا بَأْسَ بِهِ .\rقَالَ إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ : لَا بُدَّ مِنْ ذَلِكَ .\rوَنَحْوُهُ عَنْ الْحَسَنِ .\rوَهَذَا ظَاهِرُ حَالِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَتَوَضَّئُونَ مِنْ الْأَقْدَاحِ وَالْأَتْوَارِ ، وَيَغْتَسِلُونَ مِنْ الْجِفَانِ ، وَقَدْ رُوِيَ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَغْتَسِلُ هُوَ وَمَيْمُونَةُ مِنْ جَفْنَةٍ فِيهَا أَثَرُ الْعَجِينِ } { وَاغْتَسَلَ هُوَ وَعَائِشَةُ مِنْ إنَاءٍ وَاحِدٍ تَخْتَلِفُ أَيْدِيهِمَا فِيهِ ، كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَقُولُ لِصَاحِبِهِ : أَبْقِ لِي } .\rوَمِثْلُ هَذَا لَا يَسْلَمُ مِنْ رَشَاشٍ يَقَعُ فِي الْمَاءِ ، وَإِنْ كَثُرَ الْوَاقِعُ وَتَفَاحَشَ مُنِعَ عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ : إنْ كَانَ الْأَكْثَرُ الْمُسْتَعْمَلَ مُنِعَ ، وَإِنْ كَانَ الْأَقَلُّ لَمْ يُمْنَعْ .\rوَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ : إنْ كَانَ الْوَاقِعُ بِحَيْثُ لَوْ كَانَ خَلًّا غَيَّرَ الْمَاءَ مُنِعَ وَإِلَّا فَلَا .\rوَمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْخَبَرِ ، وَظَاهِرُ حَالِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ ، يَمْنَعُ مِنْ اعْتِبَارِهِ بِالْخَلِّ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَسْرَعِ الْمَائِعَاتِ نُفُوذًا ، وَأَبْلَغِهَا سِرَايَةً ، فَيُؤَثِّرُ قَلِيلُهُ فِي الْمَاءِ ، وَالْحَدِيثُ دَلَّ عَلَى الْعَفْوِ عَنْ يَسِيرِهِ ، فَإِذًا يُرْجَعُ فِي ذَلِكَ إلَى الْعُرْفِ ، فَمَا كَانَ كَثِيرًا مُتَفَاحِشًا مُنِعَ وَإِلَّا فَلَا ، وَإِنْ شَكَّ فَالْمَاءُ بَاقٍ عَلَى الطَّهُورِيَّةِ ؛ لِأَنَّهَا الْأَصْلُ ، فَلَا يَزُولُ عَنْهُ بِالشَّكِّ .","part":1,"page":23},{"id":23,"text":"( 8 ) فَصْلٌ فَإِنْ كَانَ مَعَهُ مَاءٌ ، لَا يَكْفِيهِ لَطَهَارَتِهِ ، فَكَمَّلَهُ بِمَائِعٍ لَمْ يُغَيِّرْهُ ، جَازَ الْوُضُوءُ بِهِ ، فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ طَاهِرٌ لَمْ يُغَيِّرْ الْمَاءَ ، فَلَمْ يُمْنَعْ كَمَا لَوْ كَانَ الْمَاءُ قَدْرًا يُجْزِئُ فِي الطَّهَارَةِ .\rوَالثَّانِيَةُ : لَا يَجُوزُ ؛ لِأَنَّنَا نَتَيَقَّنُ حُصُولَ غَسْلِ بَعْضِ أَعْضَائِهِ بِالْمَائِعِ .\rوَالْأُولَى أَوْلَى ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ تَظْهَرْ صِفَةُ الْمَائِعِ عَلَى الْمَاءِ صَارَ حُكْمُ الْجَمِيعِ حُكْمَ الْمَاءِ ، وَمَا ذَكَرْنَاهُ لِلرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ يَبْطُلُ بِمَا إذَا كَانَ الْمَاءُ قَدْرًا يُجْزِئُ فِي الطَّهَارَةِ فَخَلَطَهُ بِمَائِعٍ ، ثُمَّ تَوَضَّأَ بِهِ ، وَبَقِيَ قَدْرُ الْمَائِعِ أَوْ دُونَهُ ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ ، مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّ الْمُسْتَعْمَلَ بَعْضُ الْمَاءِ وَبَعْضُ الْمَائِعِ ، وَكَذَلِكَ الْبَاقِي ، لِاسْتِحَالَةِ انْفِرَادِ الْمَاءِ عَنْ الْمَائِعِ .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":1,"page":24},{"id":24,"text":"( 9 ) فَصْلٌ : وَلَا يُكْرَهُ الْوُضُوءُ بِالْمَاءِ الْمُسَخَّنِ بِطَاهِرٍ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ حَارًّا يَمْنَعُ إسْبَاغَ الْوُضُوءِ لِحَرَارَتِهِ .\rوَمِمَّنْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ رَأَى الْوُضُوءَ بِالْمَاءِ الْمُسَخَّنِ عُمَرُ وَابْنُهُ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ ، وَأَنَسٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَهْلِ الْحِجَازِ وَأَهْلِ الْعِرَاقِ جَمِيعِهِمْ غَيْرَ مُجَاهِدٍ ، وَلَا مَعْنَى لَقَوْلِهِ ، فَإِنَّ زَيْدَ بْنَ أَسْلَمَ رَوَى : أَنَّ عُمَرَ كَانَ لَهُ قُمْقُمَةٌ يُسَخِّنُ فِيهَا الْمَاءَ ، وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ دَخَلَ حَمَّامًا بِالْجُحْفَةِ ، وَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ حَدِيثًا عَنْ شَرِيكٍ رَحَّالِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { أَجْنَبْتُ وَأَنَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجَمَعْت حَطَبًا ، فَأَحْمَيْت الْمَاءَ ، فَاغْتَسَلْت .\rفَأَخْبَرْت النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيَّ } ؛ وَلِأَنَّهَا صِفَةٌ ، خُلِقَ عَلَيْهَا الْمَاءُ فَأَشْبَهَ مَا لَوْ بَرَّدَهُ .","part":1,"page":25},{"id":25,"text":"( 10 ) فَصْلٌ وَلَا تُكْرَهُ الطَّهَارَةُ بِالْمَاءِ الْمُشَمَّسِ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : تُكْرَهُ الطَّهَارَةُ بِمَاءٍ قُصِدَ إلَى تَشْمِيسِهِ فِي الْأَوَانِي ، وَلَا أَكْرَهُهُ إلَّا مِنْ جِهَةِ الطِّبِّ ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ { : دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ سَخَّنْت لَهُ الْمَاءَ فِي الشَّمْسِ ، فَقَالَ : لَا تَفْعَلِي يَا حُمَيْرَاءُ ، فَإِنَّهُ يُورِثُ الْبَرَصَ } وَاخْتَارَهُ أَبُو الْحَسَنِ التَّمِيمِيُّ .\rوَلَنَا أَنَّهُ سُخِّنَ بِطَاهِرٍ ، أَشْبَهَ مَا فِي الْبِرَكِ وَالْأَنْهَارِ ، وَمَا سُخِّنَ بِالنَّارِ وَمَا لَمْ يُقْصَدْ تَشْمِيسُهُ ، فَإِنَّ الضَّرَرَ لَا يَخْتَلِفُ بِالْقَصْدِ وَعَدَمِهِ ، وَالْحَدِيثُ غَيْرُ ثَابِتٍ ، يَرْوِيهِ ، خَالِدُ بْنُ إسْمَاعِيلَ ، وَهُوَ مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ ، وَعَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ الْأَعْسَمُ ، وَهُوَ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ .\rقَالَهُ الدَّارَقُطْنِيّ ، قَالَ : وَلَا يَصِحُّ عَنْ الزُّهْرِيِّ .\rوَحُكِيَ عَنْ أَهْلِ الطِّبِّ أَنَّهُمْ لَا يَعْرِفُونَ لِذَلِكَ تَأْثِيرًا فِي الضَّرَرِ .","part":1,"page":26},{"id":26,"text":"( 11 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا الْمَاءُ الْمُسَخَّنُ بِالنَّجَاسَةِ ، فَهُوَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ : أَحَدُهَا ، أَنْ يَتَحَقَّقَ وُصُولُ شَيْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ النَّجَاسَةِ إلَى الْمَاءِ ، فَيُنَجِّسَهُ إذَا كَانَ يَسِيرًا .\rوَالثَّانِي ، أَنْ لَا يَتَحَقَّقَ وُصُولُ شَيْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ النَّجَاسَةِ إلَى الْمَاءِ وَالْحَائِلُ غَيْرُ حَصِينٍ ، فَالْمَاءُ عَلَى أَصْلِ الطَّهَارَةِ ، وَيُكْرَهُ اسْتِعْمَالُهُ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يُكْرَهُ ؛ { لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ حَمَّامًا بِالْجُحْفَةِ } .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ مَاءٌ تَرَدَّدَ بَيْنَ الطَّهَارَةِ وَالنَّجَاسَةِ مَعَ وُجُودِ سَبَبِهَا ، فَأَقَلُّ أَحْوَالِهِ الْكَرَاهَةُ ، وَالْحَدِيثُ لَا يَثْبُتُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِنَّمَا يُرْوَى عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَلَمْ يَثْبُتْ أَنَّ الْوَقُودَ كَانَ نَجِسًا ، وَلَا أَنَّ الْحَائِلَ كَانَ غَيْرَ حَصِينٍ ، وَالْحَدِيثُ قَضِيَّةٌ فِي عَيْنٍ لَا يَثْبُتُ بِهِ نَفْيُ الْكَرَاهَةِ إلَّا فِي مِثْلِهَا ، وَلَا يَثْبُتُ بِهِ نَفْيُ الْكَرَاهَةِ عَلَى الْإِطْلَاقِ .\rالْقِسْمُ الثَّالِثُ ، إذَا كَانَ الْحَائِلُ حَصِينًا ، فَقَالَ الْقَاضِي : يُكْرَهُ ، وَاخْتَارَ الشَّرِيفُ أَبُو جَعْفَرٍ ، وَابْنُ عَقِيلٍ ، أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَرَدَّدٍ فِي نَجَاسَتِهِ ، بِخِلَافِ الَّتِي قَبْلَهَا .\rوَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ فِي كَرَاهَةِ الْمُسَخَّنِ بِالنَّجَاسَةِ رِوَايَتَيْنِ ، عَلَى الْإِطْلَاقِ .","part":1,"page":27},{"id":27,"text":"( 12 ) فَصْلٌ : وَلَا يُكْرَهُ الْوُضُوءُ وَالْغُسْلُ بِمَاءِ زَمْزَمَ ؛ لِأَنَّهُ مَاءٌ طَهُورٌ ، فَأَشْبَهَ سَائِرَ الْمِيَاهِ .\rوَعَنْهُ : يُكْرَهُ لِقَوْلِ الْعَبَّاسِ لَا أُحِلُّهَا لِمُغْتَسِلٍ ، لَكِنْ لِمُحْرِمٍ حَلَّ وَبَلَّ ؛ وَلِأَنَّهُ يُزِيلُ بِهِ مَانِعًا مِنْ الصَّلَاةِ ، أَشْبَهَ إزَالَةَ النَّجَاسَةِ بِهِ .\rوَالْأَوَّلُ أَوْلَى ، وَقَوْلُ الْعَبَّاسِ لَا يُؤْخَذُ بِصَرِيحِهِ فِي التَّحْرِيمِ ، فَفِي غَيْرِهِ أَوْلَى ، وَشَرَفُهُ لَا يُوجِبُ الْكَرَاهَةَ لِاسْتِعْمَالِهِ ، كَالْمَاءِ الَّذِي وَضَعَ فِيهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَفَّهُ ، أَوْ اغْتَسَلَ مِنْهُ .","part":1,"page":28},{"id":28,"text":"( 13 ) فَصْلٌ الذَّائِبُ مِنْ الثَّلْجِ وَالْبَرَدِ طَهُورٌ ؛ لِأَنَّهُ مَاءٌ نَزَلَ مِنْ السَّمَاءِ ، وَفِي دُعَاءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { اللَّهُمَّ طَهِّرْنِي بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rفَإِنْ أَخَذَ الثَّلْجَ فَأَمَرَّهُ عَلَى أَعْضَائِهِ لَمْ تَحْصُلْ الطَّهَارَةُ ، وَلَوْ انْبَلَّ بِهِ الْعُضْوُ لِأَنَّ الْوَاجِبَ الْغَسْلُ ، وَأَقَلُّ ذَلِكَ أَنْ يُجْرِيَ الْمَاءَ عَلَى الْعُضْوِ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ خَفِيفًا فَيَذُوبَ وَيَجْرِيَ مَاؤُهُ عَلَى الْأَعْضَاءِ ، فَيَحْصُلَ بِهِ الْغَسْلُ ، فَيُجْزِئُهُ .","part":1,"page":29},{"id":29,"text":"( 14 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَلَا يُتَوَضَّأُ بِمَاءٍ قَدْ تُوُضِّئَ بِهِ ) يَعْنِي : الْمَاءَ الْمُنْفَصِلَ عَنْ أَعْضَاءِ الْمُتَوَضِّئِ ، وَالْمُغْتَسِلُ فِي مَعْنَاهُ ، وَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّ الْمُسْتَعْمَلَ فِي رَفْعِ الْحَدَثِ طَاهِرٌ غَيْرُ مُطَهِّرٍ ، لَا يَرْفَعُ حَدَثًا ، وَلَا يُزِيلُ نَجَسًا ، وَبِهِ قَالَ اللَّيْثُ وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ مَالِكٍ ، وَظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى ، أَنَّهُ طَاهِرٌ مُطَهِّرٌ .\rوَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ ، وَعَطَاءٌ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَمَكْحُولٌ ، وَأَهْلُ الظَّاهِرِ ، وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ لِمَالِكٍ ، وَالْقَوْلُ الثَّانِي لِلشَّافِعِيِّ .\rوَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ، وَابْنِ عُمَرَ ، وَأَبِي أُمَامَةَ فِيمَنْ نَسِيَ مَسْحَ رَأْسِهِ ، إذَا وَجَدَ بَلَلًا فِي لِحْيَتِهِ ، أَجْزَأَهُ أَنْ يَمْسَحَ رَأْسَهُ بِذَلِكَ الْبَلَلِ .\rوَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { الْمَاءُ لَا يُجْنِبُ } ، وَقَالَ : { الْمَاءُ لَيْسَ عَلَيْهِ جَنَابَةٌ } ، وَرُوِيَ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اغْتَسَلَ مِنْ الْجَنَابَةِ ، فَرَأَى لُمْعَةً لَمْ يُصِبْهَا الْمَاءُ ، فَعَصَرَ شَعَرَهُ عَلَيْهَا } .\rرَوَاهُمَا الْإِمَامُ أَحْمَدُ ، فِي \" الْمُسْنَدِ \" وَابْنُ مَاجَهْ ، وَغَيْرُهُمَا وَلِأَنَّهُ غُسِلَ بِهِ مَحَلٌّ طَاهِرٌ ، فَلَمْ تَزُلْ بِهِ طَهُورِيَّتُهُ ، كَمَا لَوْ غُسِلَ بِهِ الثَّوْبُ ؛ وَلِأَنَّهُ لَاقَى مَحَلًّا طَاهِرًا ، فَلَا يَخْرُجُ عَنْ حُكْمِهِ بِتَأْدِيَةِ الْفَرْضِ بِهِ ، كَالثَّوْبِ يُصَلَّى فِيهِ مِرَارًا .\rوَقَالَ أَبُو يُوسُفَ : هُوَ نَجِسٌ .\rوَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ ، وَلَا يَغْتَسِلْ فِيهِ مِنْ جَنَابَةٍ .\r} رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فَاقْتَضَى أَنَّ الْغُسْلَ فِيهِ ، كَالْبَوْلِ فِيهِ ؛ وَلِأَنَّهُ يُسَمَّى طَهَارَةً وَالطَّهَارَةُ لَا تَكُونُ إلَّا عَنْ نَجَاسَةٍ ، إذْ تَطْهِيرُ الطَّاهِرِ لَا يُعْقَلُ .","part":1,"page":30},{"id":30,"text":"وَلَنَا : عَلَى طَهَارَتِهِ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إذَا تَوَضَّأَ كَادُوا يَقْتَتِلُونَ عَلَى وَضُوئِهِ .\r} رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ؛ { وَلِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَبَّ عَلَى جَابِرٍ مِنْ وَضُوئِهِ إذْ كَانَ مَرِيضًا ، } وَلَوْ كَانَ نَجِسًا لَمْ يَجُزْ فِعْلُ ذَلِكَ ؛ وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابَهُ وَنِسَاءَهُ كَانُوا يَتَوَضَّئُونَ فِي الْأَقْدَاحِ وَالْأَتْوَارِ وَيَغْتَسِلُونَ فِي الْجِفَانِ ، وَمِثْلُ هَذَا لَا يَسْلَمُ مِنْ رَشَاشٍ يَقَعُ فِي الْمَاءِ مِنْ الْمُسْتَعْمَلِ ، وَلِهَذَا قَالَ إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ وَلَا بُدَّ مِنْ ذَلِكَ .\rفَلَوْ كَانَ الْمُسْتَعْمَلُ نَجِسًا لَنَجَّسَ الْمَاءَ الَّذِي يَقَعُ فِيهِ .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَنَّهُ قَدَّمَتْ إلَيْهِ امْرَأَةٌ مِنْ نِسَائِهِ قَصْعَةً لِيَتَوَضَّأَ مِنْهَا ، فَقَالَتْ امْرَأَةٌ : إنِّي غَمَسْت يَدِي فِيهَا ، وَأَنَا جُنُبٌ .\rفَقَالَ : الْمَاءُ لَا يُجْنِبُ } ، وَرَوَاهُ الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ فِي \" الْمُسْنَدِ \" : \" الْمَاءُ لَا يَنْجُسُ \" .\rوَعِنْدَهُمْ الْحَدَثُ يَرْتَفِعُ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ ؛ وَلِأَنَّهُ مَاءٌ طَاهِرٌ لَاقَى مَحَلًّا طَاهِرًا ، فَكَانَ طَاهِرًا ، كَاَلَّذِي غُسِلَ بِهِ الثَّوْبُ الطَّاهِرُ ، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْمُحْدِثَ طَاهِرٌ مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : { لَقِيَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا جُنُبٌ ، فَانْخَنَسْت مِنْهُ فَاغْتَسَلْت ثُمَّ جِئْت ، فَقَالَ : أَيْنَ كُنْت يَا أَبَا هُرَيْرَةَ ؟ قُلْت : يَا رَسُولَ اللَّهِ : كُنْت جُنُبًا ، فَكَرِهْت أَنْ أُجَالِسَكَ ، فَذَهَبْت فَاغْتَسَلْت ثُمَّ جِئْت .\rفَقَالَ : سُبْحَانَ اللَّهِ ، الْمُسْلِمُ لَا يَنْجُسُ } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ؛ وَلِأَنَّهُ لَوْ غَمَسَ يَدَهُ فِي الْمَاءِ لَمْ يُنَجِّسْهُ ، وَلَوْ مَسَّ شَيْئًا رَطْبًا لَمْ يُنَجِّسْهُ ، وَلَوْ حَمَلَهُ مُصَلٍّ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ .\rوَقَوْلُهُمْ : إنَّهُ نَهَى عَنْ الْغُسْلِ مِنْ الْجَنَابَةِ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ ، كَنَهْيِهِ عَنْ الْبَوْلِ فِيهِ .","part":1,"page":31},{"id":31,"text":"قُلْنَا : النَّهْيُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يُؤَثِّرُ فِي الْمَاءِ ، وَهُوَ الْمَنْعُ مِنْ التَّوَضُّؤِ بِهِ ، وَالِاقْتِرَانُ يَقْتَضِي التَّسْوِيَةَ فِي أَصْلِ الْحُكْمِ ، لَا فِي تَفْصِيلِهِ ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ الْوُضُوءُ وَالْغُسْلُ طَهَارَةً لِكَوْنِهِ يُنَقِّي الذُّنُوبَ وَالْآثَامَ ، كَمَا وَرَدَ فِي الْأَخْبَارِ ، بِدَلِيلِ مَا ذَكَرْنَاهُ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا فَالدَّلِيلُ عَلَى خُرُوجِهِ عَنْ الطَّهُورِيَّةِ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا يَغْتَسِلْ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ وَهُوَ جُنُبٌ } رَوَاهُ مُسْلِمٌ ، مَنَعَ مِنْ الْغُسْلِ فِيهِ كَمَنْعِهِ مِنْ الْبَوْلِ فِيهِ ، فَلَوْلَا أَنَّهُ يُفِيدُهُ مَنْعًا لَمْ يَنْهَ عَنْهُ ؛ وَلِأَنَّهُ أُزِيلَ بِهِ مَانِعٌ مِنْ الصَّلَاةِ ، فَلَمْ يَجُزْ اسْتِعْمَالُهُ فِي طَهَارَةٍ أُخْرَى ، كَالْمُسْتَعْمَلِ فِي إزَالَةِ النَّجَاسَةِ .","part":1,"page":32},{"id":32,"text":"( 15 ) فَصْلٌ : وَجَمِيعُ الْأَحْدَاثِ سَوَاءٌ فِيمَا ذَكَرْنَا ؛ الْحَدَثُ الْأَصْغَرُ ، وَالْجَنَابَةُ ، وَالْحَيْضُ ، وَالنِّفَاسُ ، وَكَذَلِكَ الْمُنْفَصِلُ مِنْ غُسْلِ الْمَيِّتِ إذَا قُلْنَا بِطَهَارَتِهِ ، وَاخْتَلَفْت الرِّوَايَةُ فِي الْمُنْفَصِلِ عَنْ غُسْلِ الذِّمِّيَّةِ مِنْ الْحَيْضِ ؛ فَرُوِيَ أَنَّهُ مُطَهِّرٌ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُزِلْ مَانِعًا مِنْ الصَّلَاةِ ، أَشْبَهَ مَاءً تَبَرَّدَ بِهِ .\rوَرُوِيَ أَنَّهُ غَيْرُ مُطَهِّرٍ ؛ لِأَنَّهَا أَزَالَتْ بِهِ الْمَانِعَ مِنْ وَطْءِ الزَّوْجِ ، أَشْبَهَ مَا لَوْ اغْتَسَلَتْ بِهِ مُسْلِمَةٌ ، فَإِنْ اغْتَسَلَتْ بِهِ مِنْ الْجَنَابَةِ كَانَ مُطَهِّرًا وَجْهًا وَاحِدًا ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُزِلْ مَانِعًا مِنْ الصَّلَاةِ ، وَلَا اُسْتُعْمِلَ فِي عِبَادَةٍ ، أَشْبَهَ مَا لَوْ تَبَرَّدَ بِهِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُمْنَعَ اسْتِعْمَالُهُ ؛ لِأَنَّهُ اُسْتُعْمِلَ فِي الْغُسْلِ مِنْ الْجَنَابَةِ ، أَشْبَهَ مَا لَوْ اغْتَسَلَتْ بِهِ مُسْلِمَةٌ .\r( 16 ) فَصْلٌ : وَإِنْ اُسْتُعْمِلَ فِي طَهَارَةٍ مُسْتَحَبَّةٍ غَيْرِ وَاجِبَةٍ ، كَالتَّجْدِيدِ ، وَالْغَسْلَةِ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ فِي الْوُضُوءِ ، وَالْغُسْلِ لِلْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ وَغَيْرِهِمَا ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ : إحْدَاهُمَا أَنَّهُ كَالْمُسْتَعْمَلِ فِي رَفْعِ الْحَدَثِ ؛ لِأَنَّهَا طَهَارَةٌ مَشْرُوعَةٌ ، أَشْبَهَ مَا لَوْ اغْتَسَلَ بِهِ مِنْ جَنَابَةٍ .\rوَالثَّانِيَةُ ؛ لَا يُمْنَعُ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُزِلْ مَانِعًا مِنْ الصَّلَاةِ ، أَشْبَهَ مَا لَوْ تَبَرَّدَ بِهِ .\rفَإِنْ لَمْ تَكُنْ الطَّهَارَةُ مَشْرُوعَةً لَمْ يُؤَثِّرْ اسْتِعْمَالُ الْمَاءِ فِيهَا شَيْئًا ، وَكَانَ كَمَا لَوْ تَبَرَّدَ بِهِ ، أَوْ غَسَلَ بِهِ ثَوْبَهُ ، وَلَا تَخْتَلِفُ الرِّوَايَةُ أَنَّ مَا اُسْتُعْمِلَ فِي التَّبَرُّدِ وَالتَّنْظِيفِ ، أَنَّهُ بَاقٍ عَلَى إطْلَاقِهِ ، وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا .","part":1,"page":33},{"id":33,"text":"( 17 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا الْمُسْتَعْمَلُ فِي تَعَبُّدٍ مِنْ غَيْرِ حَدَثٍ ، كَغَسْلِ الْيَدَيْنِ مِنْ نَوْمِ اللَّيْلِ ، فَإِنْ قُلْنَا لَيْسَ ذَلِكَ بِوَاجِبٍ لَمْ يُؤَثِّرْ اسْتِعْمَالُهُ فِي الْمَاءِ ، وَإِنْ قُلْنَا بِوُجُوبِهِ ، فَقَالَ الْقَاضِي : هُوَ طَاهِرٌ غَيْرُ مُطَهِّرٍ .\rوَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ فِيهِ رِوَايَتَيْنِ : إحْدَاهُمَا ؛ أَنَّهُ يَخْرُجُ عَنْ إطْلَاقِهِ ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَعْمَلٌ فِي طَهَارَةِ تَعَبُّدٍ ، أَشْبَهَ الْمُسْتَعْمَلَ فِي رَفْعِ الْحَدَثِ ؛ { وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى أَنْ يَغْمِسَ الْقَائِمُ مِنْ نَوْمِ اللَّيْلِ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ قَبْلَ غَسْلِهَا .\r} فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ يُفِيدُ مَنْعًا .\rوَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ ، أَنَّهُ بَاقٍ عَلَى إطْلَاقِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرْفَعْ حَدَثًا ، أَشْبَهَ الْمُتَبَرَّدَ بِهِ ، وَعَلَى قِيَاسِهِ الْمُسْتَعْمَلُ فِي غَسْلِ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَيَيْنِ مِنْ الْمَذْيِ ، إذَا قُلْنَا بِوُجُوبِهِ ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَاهُ .","part":1,"page":34},{"id":34,"text":"( 18 ) فَصْلٌ : إذَا انْغَمَسَ الْجُنُبُ أَوْ الْمُحْدِثُ فِيمَا دُونَ الْقُلَّتَيْنِ يَنْوِي رَفْعَ الْحَدَثِ صَارَ مُسْتَعْمَلًا ، وَلَمْ يَرْتَفِعْ حَدَثُهُ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا وَيَرْتَفِعُ حَدَثُهُ ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا بِارْتِفَاعِ حَدَثِهِ فِيهِ .\rوَلَنَا قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : لَا يَغْتَسِلْ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ وَهُوَ جُنُبٌ } رَوَاهُ مُسْلِمٌ ، وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي فَسَادَ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ ؛ وَلِأَنَّهُ بِانْفِصَالِ أَوَّلِ جُزْءٍ مِنْ الْمَاءِ عَنْ بَدَنِهِ صَارَ الْمَاءُ مُسْتَعْمَلًا ، فَلَمْ يَرْتَفِعْ الْحَدَثُ عَنْ سَائِرِ الْبَدَنِ ، كَمَا لَوْ اغْتَسَلَ فِيهِ شَخْصٌ آخَرُ .\rفَإِنْ كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ فَصَاعِدًا ارْتَفَعَ حَدَثُهُ ، وَلَمْ يَتَأَثَّرْ بِهِ الْمَاءُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْمِلُ الْخَبَثَ .","part":1,"page":35},{"id":35,"text":"( 19 ) فَصْلٌ : إذَا اجْتَمَعَ مَاءٌ مُسْتَعْمَلٌ إلَى قُلَّتَيْنِ غَيْرِ مُسْتَعْمَلٍ صَارَ الْكُلُّ طَهُورًا ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمُسْتَعْمَلُ نَجِسًا لَكَانَ الْكُلُّ طَهُورًا ، فَالْمُسْتَعْمَلُ أَوْلَى .\rوَإِنْ انْضَمَّ إلَى مَا دُونَ الْقُلَّتَيْنِ وَكَثُرَ الْمُسْتَعْمَلُ وَلَمْ يَبْلُغْ قُلَّتَيْنِ مُنِعَ ، وَإِنْ بَلَغَ قُلَّتَيْنِ بِاجْتِمَاعِهِ فَكَذَلِكَ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَزُولَ الْمَنْعُ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلْ الْخَبَثَ .\r} وَإِنْ انْضَمَّ مُسْتَعْمَلٌ إلَى مُسْتَعْمَلٍ وَلَمْ يَبْلُغْ الْقُلَّتَيْنِ فَهُوَ بَاقٍ عَلَى الْمَنْعِ ، وَإِنْ بَلَغَ قُلَّتَيْنِ فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ .","part":1,"page":36},{"id":36,"text":"( 20 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَإِذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ ، وَهُوَ خَمْسُ قِرَبٍ ، فَوَقَعَتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ فَلَمْ يُوجَدْ لَهَا طَعْمٌ وَلَا لَوْنٌ وَلَا رَائِحَةٌ ، فَهُوَ طَاهِرٌ ) .\rوَالْقُلَّةُ : هِيَ الْجَرَّةُ ، سُمِّيت قُلَّةً لِأَنَّهَا تُقَلُّ بِالْأَيْدِي ، أَيْ تُحْمَلُ ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى : { حَتَّى إذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا } وَيَقَعُ هَذَا الِاسْمُ عَلَى الْكَبِيرَةِ وَالصَّغِيرَةِ .\rوَالْمُرَادُ بِهَا هَاهُنَا قُلَّتَانِ مِنْ قِلَالِ هَجَرَ ، وَهُمَا خَمْسُ قِرَبٍ ، كُلُّ قِرْبَةٍ مِائَةُ رِطْلٍ بِالْعِرَاقِيِّ ، فَتَكُونُ الْقُلَّتَانِ خَمْسَمِائَةِ رِطْلٍ بِالْعِرَاقِيِّ .\rهَذَا ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيَّ ؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَنَّهُ قَالَ : رَأَيْت قِلَالَ هَجَرَ ، الْقُلَّةُ تَسَعُ قِرْبَتَيْنِ أَوْ قِرْبَتَيْنِ وَشَيْئًا .\rفَالِاحْتِيَاطُ أَنْ يُجْعَلَ قِرْبَتَيْنِ وَنِصْفًا .\rوَرَوَى الْأَثْرَمُ ، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّ الْقُلَّتَيْنِ أَرْبَعُ قِرَبٍ ، وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ أَحْمَدَ فِي \" كِتَابِهِ \" ؛ وَذَلِكَ لِمَا رَوَى الْجُوزَجَانِيُّ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ يَحْيَى بْنِ عُقَيْلٍ ، قَالَ : رَأَيْت قِلَالَ هَجَرَ ، وَأَظُنُّ كُلَّ قِلَّةٍ تَأْخُذُ قُرْبَيْنِ .\rوَرُوِيَ نَحْوُ هَذَا عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ .\rوَاتَّفَقَ الْقَائِلُونَ بِتَحْدِيدِ الْمَاءِ بِالْقِرَبِ عَلَى تَقْدِيرِ كُلِّ قِرْبَةٍ بِمِائَةِ رِطْلٍ بِالْعِرَاقِيِّ ، لَا أَعْلَمُ بَيْنَهُمْ فِي ذَلِكَ خِلَافًا ، وَلَعَلَّهُمْ أَخَذُوا ذَلِكَ مِمَّنْ اخْتَبَرَ قِرَبَ الْحِجَازِ ، وَعَرَفَ أَنَّ ذَلِكَ مِقْدَارُهَا .\rوَإِنَّمَا خَصَصْنَا هَذَا بِقِلَالِ هَجَرَ لِوَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا أَنَّهُ قَدْ رُوِيَ فِي حَدِيثٍ مُبَيَّنًا ، رَوَاهُ الْخَطَّابِيُّ ، فِي \" مَعَالِمِ السُّنَنِ \" بِإِسْنَادِهِ إلَى ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُرْسَلًا { إذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ بِقِلَالِ هَجَرَ } وَذَكَرَ الْحَدِيثَ .\rوَالثَّانِي أَنَّ قِلَالَ هَجَرَ أَكْبَرُ مَا يَكُونُ مِنْ الْقِلَالِ ، وَأَشْهُرُهَا فِي عَصْرِ النَّبِيِّ صَلَّى","part":1,"page":37},{"id":37,"text":"اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَكَرَهُ الْخَطَّابِيُّ قَالَ : وَهِيَ مَشْهُورَةُ الصَّنْعَةِ ، مَعْلُومَةُ الْمِقْدَارِ .\rلَا تَخْتَلِفُ كَمَا لَا تَخْتَلِفُ الصِّيعَانُ وَالْمَكَايِيلُ ؛ وَلِأَنَّ الْحَدَّ لَا يَقَعُ بِالْمَجْهُولِ .\rوَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : هِيَ الْحَبَابُ ، وَهِيَ مُسْتَفِيضَةٌ مَعْرُوفَةٌ ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ لَفْظُ الْقُلَّتَيْنِ عَلَيْهَا ؛ لِشُهْرَتِهَا وَكِبَرِهَا ، فَإِنَّ كُلَّ مَعْدُودٍ جُعِلَ مِقْدَارًا وَاحِدًا لَمْ يَتَنَاوَلْ إلَّا أَكْبَرَهَا ؛ لِأَنَّهَا أَقْرَبُ إلَى الْعِلْمِ ، وَأَقَلُّ فِي الْعَدَدِ ، وَلِذَلِكَ جُعِلَ نِصَابُ الزَّكَاةِ بِالْأَوْسُقِ ، دُونَ الْآصُعِ وَالْأَمْدَادِ .\rوَقَدْ دَلَّتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ بِصَرِيحِهَا عَلَى أَنَّ مَا بَلَغَ الْقُلَّتَيْنِ فَلَمْ يَتَغَيَّرْ بِمَا وَقَعَ فِيهِ لَا يَنْجُسُ ، وَبِمَفْهُومِهَا عَلَى أَنَّ مَا تَغَيَّرَ بِالنَّجَاسَةِ نَجِسٌ وَإِنْ كَثُرَ ، وَأَنَّ مَا دُونَ الْقُلَّتَيْنِ يَنْجُسُ بِمُجَرَّدِ مُلَاقَاةِ النَّجَاسَةِ ، وَإِنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ .\rفَأَمَّا نَجَاسَةُ مَا تَغَيَّرَ بِالنَّجَاسَةِ فَلَا خِلَافَ فِيهِ ، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْمَاءَ الْقَلِيلَ وَالْكَثِيرَ ، إذَا وَقَعَتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ فَغَيَّرَتْ لِلْمَاءِ طَعْمًا أَوْ لَوْنًا أَوْ رَائِحَةً ، أَنَّهُ نَجِسٌ مَا دَامَ كَذَلِكَ .\rوَقَدْ رَوَى أَبُو أُمَامَةَ الْبَاهِلِيُّ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { الْمَاءُ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ إلَّا مَا غَلَبَ عَلَى رِيحِهِ وَطَعْمِهِ وَلَوْنِهِ } .\rرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ .\rوَقَالَ حَرْبُ بْنُ إسْمَاعِيلَ : سُئِلَ أَحْمَدُ عَنْ الْمَاءِ إذَا تَغَيَّرَ طَعْمُهُ أَوْ رِيحُهُ ، قَالَ : لَا يَتَوَضَّأُ بِهِ وَلَا يَشْرَبُ ، وَلَيْسَ فِيهِ حَدِيثٌ ، وَلَكِنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَرَّمَ الْمَيْتَةَ ، فَإِذَا صَارَتْ الْمَيْتَةُ فِي الْمَاءِ فَتَغَيَّرَ طَعْمُهُ أَوْ رِيحُهُ ، فَذَلِكَ طَعْمُ الْمَيْتَةِ وَرِيحُهَا ، فَلَا يَحِلُّ لَهُ ، وَذَلِكَ أَمْرٌ ظَاهِرٌ .\rوَقَالَ الْخَلَّالُ : إنَّمَا قَالَ أَحْمَدُ : لَيْسَ فِيهِ حَدِيثٌ ؛ لِأَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ يَرْوِيهِ سُلَيْمَانُ بْنُ","part":1,"page":38},{"id":38,"text":"عُمَرَ ، وَرِشْدِينُ بْنُ سَعْدٍ ، وَكِلَاهُمَا ضَعِيفٌ ، وَابْنُ مَاجَهْ رَوَاهُ مِنْ طَرِيقِ رِشْدِينُ .\rوَأَمَّا مَا دُونَ الْقُلَّتَيْنِ إذَا لَاقَتْهُ النَّجَاسَةُ فَلَمْ يَتَغَيَّرْ بِهَا ، فَالْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يَنْجُسُ ، وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَمُجَاهِدٍ ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ .\rوَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى ، أَنَّ الْمَاءَ لَا يَنْجُسُ إلَّا بِالتَّغَيُّرِ قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ ، وَرُوِيَ مِثْلُ ذَلِكَ عَنْ حُذَيْفَةَ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالُوا : الْمَاءُ لَا يَنْجُسُ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، وَالْحَسَنِ ، وَعِكْرِمَةَ ، وَعَطَاءٍ ، وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ ، وَابْنِ أَبِي لَيْلَى ، وَمَالِكٍ وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَيَحْيَى الْقَطَّانِ ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ ، وَهُوَ قَوْلٌ لِلشَّافِعِيِّ ؛ لِحَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ الَّذِي أَوْرَدْنَاهُ .\rوَرَوَى أَبُو سَعِيدٍ ، قَالَ : { قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَنَتَوَضَّأُ مِنْ بِئْرِ بُضَاعَةَ ؟ - وَهِيَ بِئْرٌ يُلْقَى فِيهَا الْحِيَضُ ، وَلُحُومُ الْكِلَابِ ، وَالنَّتِنُ - فَقَالَ : إنَّ الْمَاءَ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ .\r} رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَقَالَ : حَدِيثٌ حَسَنٌ .\rقَالَ الْخَلَّالُ : قَالَ أَحْمَدُ : حَدِيثُ بِئْرِ بُضَاعَةَ صَحِيحٌ .\rوَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { سُئِلَ عَنْ الْحِيَاضِ الَّتِي بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ ، تَرِدُهَا السِّبَاعُ وَالْكِلَابُ وَالْحُمُرُ ، وَعَنْ الطَّهَارَةِ بِهَا ، فَقَالَ : لَهَا مَا حَمَلَتْ فِي بُطُونِهَا ، وَلَنَا مَا غَبَرَ طَهُورٌ } وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ ؛ وَلِأَنَّهُ لَمْ يَظْهَرْ عَلَيْهِ إحْدَى صِفَاتُ النَّجَاسَةِ ، فَلَمْ يَنْجُسْ بِهَا كَالزَّائِدِ عَنْ الْقُلَّتَيْنِ .\rوَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى ، مَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ عَنْ الْمَاءِ وَمَا يَنُوبُهُ مِنْ الدَّوَابِّ","part":1,"page":39},{"id":39,"text":"وَالسِّبَاعِ ، فَقَالَ إذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلْ الْخَبَثَ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَفِي لَفْظٍ : { إذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يُنَجِّسْهُ شَيْءٌ } .\rوَتَحْدِيدُهُ بِالْقُلَّتَيْنِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَا دُونَهُمَا يَنْجُسُ ، إذْ لَوْ اسْتَوَى حُكْمُ الْقُلَّتَيْنِ وَمَا دُونَهُمَا لَمْ يَكُنْ التَّحْدِيدُ مُفِيدًا .\rوَصَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { إذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ مَنَامِهِ فَلَا يَغْمِسْ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلَاثًا ، فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ } .\rفَلَوْلَا أَنَّهُ يُفِيدُهُ مَنْعًا لَمْ يَنْهَ عَنْهُ .\rأَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِغَسْلِ الْإِنَاءِ مِنْ وُلُوغِ الْكَلْبِ ، وَإِرَاقَةِ سُؤْرِهِ ، وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ مَا تَغَيَّرَ وَمَا لَمْ يَتَغَيَّرْ ، مَعَ أَنَّ الظَّاهِرَ عَدَمُ التَّغَيُّرِ ، وَخَبَرُ أَبِي أُمَامَةَ ضَعِيفٌ ، وَخَبَرُ بِئْرِ بُضَاعَةَ وَالْخَبَرُ الْآخَرُ مَحْمُولَانِ عَلَى الْمَاءِ الْكَثِيرِ ، بِدَلِيلِ أَنَّ مَا تَغَيَّرَ نَجِسٌ ، أَوْ نَخُصُّهُمَا بِخَبَرِ الْقُلَّتَيْنِ ، فَإِنَّهُ أَخُصُّ مِنْهُمَا ، وَالْخَاصُّ يُقَدَّمَ عَلَى الْعَامِّ .\rوَأَمَّا الزَّائِدُ عَنْ الْقُلَّتَيْنِ ، إذَا لَمْ يَتَغَيَّرْ ، وَلَمْ تَكُنْ النَّجَاسَةُ بَوْلًا أَوْ عَذِرَةً ، فَلَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ فِي طَهَارَتِهِ ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَمُجَاهِدٍ ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَإِسْحَاقَ ، وَأَبِي عُبَيْدَةَ وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَهُوَ قَوْلُ مَنْ حَكَيْنَا عَنْهُمْ أَنَّ الْيَسِيرَ لَا يَنْجُسُ إلَّا بِالتَّغَيُّرِ .\rوَحُكِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّهُ قَالَ : إذَا كَانَ الْمَاءُ ذَنُوبَيْنِ لَمْ يَحْمِلْ الْخَبَثَ .\rوَقَالَ عِكْرِمَةُ : ذَنُوبًا أَوْ ذَنُوبَيْنِ .\rوَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ إلَى أَنَّ الْكَثِيرَ يَنْجُسُ بِالنَّجَاسَةِ ، إلَّا أَنْ يَبْلُغَ حَدًّا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ أَنَّ النَّجَاسَةَ لَا تَصِلُ إلَيْهِ .\rوَاخْتَلَفُوا فِي حَدِّهِ ؛ فَقَالَ بَعْضُهُمْ : مَا إذَا","part":1,"page":40},{"id":40,"text":"حُرِّكَ أَحَدُ طَرَفَيْهِ لَمْ يَتَحَرَّكْ الْآخَرُ .\rوَقَالَ بَعْضُهُمْ : مَا بَلَغَ عَشَرَةَ أَذْرُعٍ فِي عَشَرَةِ أَذْرُعٍ ، وَمَا دُونَ ذَلِكَ يَنْجُسُ ، وَإِنْ بَلَغَ أَلْفَ قُلَّةٍ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ ثُمَّ يَتَوَضَّأُ مِنْهُ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ، فَنَهَى عَنْ الْوُضُوءِ مِنْ الْمَاءِ الرَّاكِدِ بَعْدَ الْبَوْلِ فِيهِ ، وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ ؛ وَلِأَنَّهُ مَاءٌ حَلَّتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ لَا يُؤْمَنُ انْتِشَارُهَا إلَيْهِ ، فَيَنْجُسُ بِهَا كَالْيَسِيرِ .\rوَلَنَا خَبَرُ الْقُلَّتَيْنِ ، وَبِئْرِ بُضَاعَةَ ، اللَّذَانِ ذَكَرْنَاهُمَا ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { الْمَاءُ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ } ، مَعَ قَوْلِهِمْ لَهُ : أَنَتَوَضَّأُ مِنْ بِئْرِ بُضَاعَةَ وَهِيَ بِئْرٌ يُلْقَى فِيهَا الْحَيْضُ وَلُحُومُ الْكِلَابِ وَالنَّتِنُ ؟ وَبِئْرُ بُضَاعَةَ لَا يَبْلُغُ الْحَدَّ الَّذِي ذَكَرُوهُ .\rقَالَ أَبُو دَاوُد : قَدَّرْت بِئْرَ بُضَاعَةَ بِرِدَائِي ، مَدَدْته عَلَيْهَا ، ثُمَّ ذَرَعْته ، فَإِذَا عَرْضُهَا سِتَّةُ أَذْرُعٍ ، وَسَأَلْت الَّذِي فَتَحَ لِي بَابَ الْبُسْتَانِ : هَلْ غُيِّرَ بِنَاؤُهَا عَمَّا كَانَتْ عَلَيْهِ ؟ قَالَ : لَا .\rوَسَأَلْت قَيِّمَهَا عَنْ عُمْقِهَا ، فَقُلْت : أَكْثَرُ مَا يَكُونُ فِيهَا الْمَاءُ ؟ قَالَ : إلَى الْعَانَةِ .\rقُلْت : فَإِذَا نَقَصَ .\rقَالَ : دُونَ الْعَوْرَةِ ؛ وَلِأَنَّهُ مَاءٌ يَبْلُغُ الْقُلَّتَيْنِ ، فَأَشْبَهَ مَا زَادَ عَلَى عَشَرَةِ أَذْرُعٍ ، وَحَدِيثُهُمْ عَامٌّ وَحَدِيثُنَا خَاصٌّ ، فَيَجِبُ تَقْدِيمُهُ .\rالثَّانِي ، أَنَّ حَدِيثَهُمْ لَا بُدَّ مِنْ تَخْصِيصِهِ ، فَإِنَّ مَا زَادَ عَلَى الْحَدِّ الَّذِي ذَكَرُوهُ لَا يَمْنَعُ مِنْ الْوُضُوءِ بِهِ اتِّفَاقًا ، وَإِذَا وَجَبَ تَخْصِيصُهُ كَانَ تَخْصِيصُهُ بُقُولِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْلَى مِنْ تَخْصِيصِهِ بِالرَّأْيِ وَالتَّشَهِّي مِنْ غَيْرِ أَصْلٍ يُرْجَعُ إلَيْهِ ، وَلَا دَلِيلٍ يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ ؛ وَلِأَنَّ مَا ذَكَرُوهُ مِنْ الْحَدِّ تَقْدِيرٌ طَرِيقُهُ التَّوْقِيفُ لَا","part":1,"page":41},{"id":41,"text":"يُصَارُ إلَيْهِ إلَّا بِنَصٍّ أَوْ إجْمَاعٍ ، وَلَيْسَ مَعَهُمْ نَصٌّ وَلَا إجْمَاعٌ ؛ وَلِأَنَّ حَدِيثَهُمْ خَاصٌّ فِي الْبَوْلِ ، وَنَحْنُ نَقُولُ بِهِ عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ ، وَنَقْصُرُ الْحُكْمَ عَلَى مَا تَنَاوَلَهُ النَّصُّ ، وَهُوَ الْبَوْلُ ؛ لِأَنَّ لَهُ مِنْ التَّأْكِيدِ وَالِانْتِشَارِ فِي الْمَاءِ مَا لَيْسَ لِغَيْرِهِ ، عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .\rفَإِنْ قِيلَ : الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ : { لَمْ يَحْمِلْ الْخَبَثَ } .\rأَيْ لَمْ يَدْفَعْ الْخَبَثَ عَنْ نَفْسِهِ ، أَيْ أَنَّهُ يَنْجُسُ بِالْوَاقِعِ فِيهِ .\rقُلْنَا هَذَا فَاسِدٌ لِوُجُوهٍ : أَحَدُهَا ، أَنَّ فِي بَعْضِ أَلْفَاظِهِ { لَمْ يَنْجُسْ } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَاحْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ .\rالثَّانِي أَنَّهُ لَوْ أَرَادَ أَنَّ مَا بَلَغَ الْقُلَّتَيْنِ فِي الْقِلَّةِ يَنْجُسُ لَكَانَ مَا فَوْقَهُمَا لَا يَنْجُسُ ، لِتَحَقُّقِ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا ، فَإِنَّهُ جَعَلَ الْقُلَّتَيْنِ فَصْلًا بَيْنَ مَا يَتَنَجَّسُ وَمَا لَمْ يَتَنَجَّسْ ؛ فَلَوْ سَوَّيْنَا بَيْنَهُمَا لَمْ يَبْقَ فَصْلٌ .\rالثَّالِثُ أَنَّ مُقْتَضَاهُ فِي اللُّغَةِ أَنَّهُ يَدْفَعُ الْخَبَثَ عَنْ نَفْسِهِ ، مِنْ قَوْلِهِمْ : فُلَانٌ لَا يَحْتَمِلُ الضَّيْمَ .\rأَيْ يَدْفَعُهُ عَنْ نَفْسِهِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .\r( 21 ) فَصْلٌ : اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا : هَلْ الْقُلَّتَانِ خَمْسُمِائَةِ رِطْلٍ تَحْدِيدًا أَوْ تَقْرِيبًا ؟ قَالَ : أَبُو الْحَسَنِ الْآمِدِيُّ : الصَّحِيحُ أَنَّهَا تَحْدِيدٌ ، وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ الْقَاضِي ، وَأَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ اعْتِبَارَ ذَلِكَ كَانَ احْتِيَاطًا ، وَمَا اُعْتُبِرَ احْتِيَاطًا كَانَ وَاجِبًا ، كَغَسْلِ جُزْءٍ مِنْ الرَّأْسِ مَعَ الْوَجْهِ ، وَإِمْسَاكِ جُزْءٍ مِنْ اللَّيْلِ مَعَ النَّهَارِ فِي الصَّوْمِ ؛ وَلِأَنَّهُ قَدْرٌ يَدْفَعُ النَّجَاسَةَ عَنْ نَفْسِهِ ، فَاعْتُبِرَ تَحْقِيقُهُ كَالْعَدَدِ فِي الْغَسَلَاتِ .\rوَالصَّحِيحُ أَنَّ ذَلِكَ تَقْرِيبٌ ؛ لِأَنَّ الَّذِينَ نَقَلُوا تَقْدِيرَ الْقِلَالِ لَمْ يَضْبِطُوهُمَا بِحَدٍّ ، إنَّمَا قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : الْقُلَّةُ تَسَعُ قِرْبَتَيْنِ أَوْ قِرْبَتَيْنِ وَشَيْئًا .","part":1,"page":42},{"id":42,"text":"وَقَالَ يَحْيَى بْنُ عُقَيْلٍ : أَظُنُّهَا تَسَعُ قِرْبَتَيْنِ .\rوَهَذَا لَا تَحْدِيدَ فِيهِ ؛ فَإِنَّ قَوْلَهُمَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمَا قَرَّبَا الْأَمْرَ ، وَالشَّيْءُ الزَّائِدُ عَنْ الْقِرْبَتَيْنِ مَشْكُوكٌ فِيهِ ، مَعَ أَنَّهُ يَقَعُ عَلَى الْمَجْهُولِ ، وَالظَّاهِرُ قِلَّتُهُ ؛ لِأَنَّ لَفْظَهُ يَدُلُّ عَلَى تَقَارُبِ مَا بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ ، وَكُلَّمَا قَلَّ الشَّيْءُ كَانَ أَقْرَبَ إلَى الْقِرْبَتَيْنِ ، وَكَلَامُ أَحْمَدَ يَدُلُّ عَلَى هَذَا ؛ فَإِنَّهُ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّ الْقُلَّةَ قِرْبَتَانِ ، وَرُوِيَ قِرْبَتَانِ وَنِصْفٌ ، وَرُوِيَ : وَثُلُثٌ ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَحُدَّ فِي ذَلِكَ حَدًّا .\rثُمَّ لَيْسَ لِلْقِرْبَةِ حَدٌّ مَعْلُومٌ ؛ فَإِنَّ الْقِرَبَ تَخْتَلِفُ اخْتِلَافًا كَثِيرًا ، فَلَا يَكَادُ قِرْبَتَانِ يَتَّفِقَانِ فِي حَدٍّ وَاحِدٍ ، وَلِهَذَا لَوْ اشْتَرَى مِنْهُ شَيْئًا مُقَدَّرًا بِالْقِرَبِ ، أَوْ أَسْلَمَ فِي شَيْءٍ مَحْدُودٍ بِالْقِرَبِ ؛ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ ؛ وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ عَلِمَ أَنَّ النَّاسَ لَا يَكِيلُونَ الْمَاءَ وَلَا يَزِنُونَهُ ، فَلَمْ يَكُنْ لِيُعَرِّفَهُمْ الْحَدَّ بِمَا لَا يُعَرَّفُ بِهِ ، وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنَّ مَنْ وَجَدَ مَاءً فِيهِ نَجَاسَةٌ فَظَنَّهُ مُقَارِبًا لِلْقُلَّتَيْنِ تَوَضَّأَ مِنْهُ ، وَإِنْ ظَنَّهُ نَاقِصًا عَنْهُمَا مِنْ غَيْرِ مُقَارَبَةٍ لَهُمَا تَرَكَهُ .\rوَفَائِدَةُ هَذَا ، أَنَّ مَنْ اعْتَبَرَ التَّحْدِيدَ ، فَنَقَصَ عَنْ الْحَدِّ شَيْئًا يَسِيرًا ، لَمْ يُعْفَ عَنْهُ ، وَنَجِسَ بِوُرُودِ النَّجَاسَةِ عَلَيْهِ ، وَمَنْ قَالَ بِالتَّقْرِيبِ عُفِيَ عَنْ النَّقْصِ الْيَسِيرِ عِنْدَهُ ، وَتَعَلَّقَ الْحُكْمُ بِمَا يُقَارِبُ الْقُلَّتَيْنِ ، إنْ شَكَّ فِي بُلُوغِ الْمَاءِ قَدْرًا يَدْفَعُ النَّجَاسَةَ أَوْ لَا يَدْفَعُهَا فَفِيهِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا ، يُحْكَمُ بِطَهَارَتِهِ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ طَاهِرًا قَبْلَ وُقُوعِ النَّجَاسَةِ فِيهِ ، وَشَكَّ هَلْ يَنْجُسُ بِهِ أَوْ لَا ؟ فَلَا يَزُولُ الْيَقِينُ بِالشَّكِّ .\rوَالثَّانِي يُحْكَمُ بِنَجَاسَتِهِ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ قِلَّةُ الْمَاءِ ، فَنَبْنِي عَلَيْهِ ، وَيَلْزَمُ","part":1,"page":43},{"id":43,"text":"مِنْ ذَلِكَ النَّجَاسَةُ .","part":1,"page":44},{"id":44,"text":"( 22 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا غَيْرُ الْمَاءِ مِنْ الْمَائِعَاتِ فَفِيهِ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ : إحْدَاهُنَّ ، أَنَّهُ يَنْجُسُ بِالنَّجَاسَةِ وَإِنْ كَثُرَ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { سُئِلَ عَنْ فَأْرَةٍ وَقَعَتْ فِي سَمْنٍ ، قَالَ : إنْ كَانَ مَائِعًا فَلَا تَقْرَبُوهُ } رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ .\rفِي \" مُسْنَدِهِ ، إسْنَادُهُ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ \" الصَّحِيحَيْنِ \" ، وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ كَثِيرِهِ وَقَلِيلِهِ ، وَلِأَنَّهَا لَا قُوَّةَ لَهَا عَلَى دَفْعِ النَّجَاسَةِ ، فَإِنَّهَا لَا تُطَهِّرُ غَيْرَهَا ، فَلَا تَدْفَعُهَا عَنْ نَفْسِهَا كَالْيَسِيرِ .\rوَالثَّانِيَةُ أَنَّهَا كَالْمَاءِ ، لَا يَنْجُسُ مِنْهَا مَا بَلَغَ الْقُلَّتَيْنِ إلَّا بِالتَّغَيُّرِ .\rقَالَ حَرْبٌ : سَأَلْت أَحْمَدَ ، قُلْت : كَلْبٌ وَلَغَ فِي سَمْنٍ أَوْ زَيْتٍ ؟ قَالَ : إذَا كَانَ فِي آنِيَةٍ كَبِيرَةٍ مِثْلِ جُبٍّ أَوْ نَحْوِهِ ، رَجَوْت أَنْ لَا يَكُونَ بِهِ بَأْسٌ وَيُؤْكَلُ ، وَإِنْ كَانَ فِي آنِيَةٍ صَغِيرَةٍ فَلَا يُعْجِبُنِي وَذَلِكَ لِأَنَّهُ كَثِيرٌ ، فَلَمْ يَنْجُسْ بِالنَّجَاسَةِ مِنْ غَيْرِ تَغَيُّرٍ كَالْمَاءِ .\rوَالثَّالِثَةُ مَا أَصْلُهُ الْمَاءُ ، كَالْخَلِّ التَّمْرِيِّ ، يَدْفَعُ النَّجَاسَةَ ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ فِيهِ الْمَاءُ ، وَمَا لَا فَلَا وَالْأُولَى أَوْلَى .","part":1,"page":45},{"id":45,"text":"( 23 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا الْمَاءُ الْمُسْتَعْمَلُ ، وَمَا كَانَ طَاهِرًا غَيْرَ مُطَهِّرٍ مِنْ الْمَاءِ ، فَإِنَّهُ يَدْفَعُ النَّجَاسَةَ عَنْ نَفْسِهِ إذَا كَثُرَ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلْ خَبَثًا .\r} وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَنْجُسَ ؛ لِأَنَّهُ طَاهِرٌ غَيْرُ مُطَهِّرٍ ، فَأَشْبَهَ الْخَلَّ .","part":1,"page":46},{"id":46,"text":"( 24 ) فَصْلٌ : إذَا كَانَ الْمَاءُ كَثِيرًا ، فَوَقَعَ فِي جَانِبٍ مِنْهُ نَجَاسَةٌ ، فَتَغَيَّرَ بِهَا ، نَظَرْت فِيمَا لَمْ يَتَغَيَّرْ ، فَإِنْ نَقَصَ عَنْ الْقُلَّتَيْنِ فَالْجَمِيعُ نَجِسٌ ؛ لِأَنَّ الْمُتَغَيِّرَ نَجِسٌ بِالتَّغَيُّرِ ، وَالْبَاقِيَ تَنَجَّسَ بِمُلَاقَاتِهِ ، وَإِنْ زَادَ عَنْ الْقُلَّتَيْنِ فَهُوَ طَاهِرٌ .\rوَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ ، وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ : يَكُونُ نَجِسًا أَيْضًا ، وَإِنْ كَثُرَ وَتَبَاعَدَتْ أَقْطَارُهُ ؛ لِأَنَّهُ مَاءٌ رَاكِدٌ بَعْضُهُ نَجِسٌ ، فَكَانَ جَمِيعُهُ نَجِسًا ، كَمَا لَوْ تَقَارَبْت أَقْطَارُهُ ؛ وَلِأَنَّ الْمُتَغَيِّرَ مَائِعٌ نَجِسٌ ، فَيَنْجُسُ مَا يُلَاقِيهِ ، ثُمَّ تَنَجَّسَ بِذَلِكَ مَا يُلَاقِيهِ إلَى آخِرِهِ .\rفَإِنْ اضْطَرَبَ فَزَالَ التَّغَيُّرُ زَالَ التَّنْجِيسُ ؛ لِزَوَالِ عِلَّتِهِ .\rوَلَنَا قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يُنَجِّسْهُ شَيْءٌ .\r} وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الْمَاءُ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ } .\rوَغَيْرُ الْمُتَغَيِّرِ قَدْ بَلَغَ الْقُلَّتَيْنِ وَلَمْ يَتَغَيَّرْ ، فَيَدْخُلُ فِي عُمُومِ الْأَحَادِيثِ ؛ وَلِأَنَّهُ مَاءٌ كَثِيرٌ لَمْ يَتَغَيَّرْ بِالنَّجَاسَةِ ، فَكَانَ طَاهِرًا ، كَمَا لَوْ لَمْ يَتَغَيَّرْ مِنْهُ شَيْءٌ ؛ وَلِأَنَّ الْعِلَّةَ فِي نَجَاسَةِ الْمَاءِ الْكَثِيرِ التَّغَيُّرِ فَقَطْ ، فَيَخْتَصُّ التَّنْجِيسُ بِمَحَلِّ الْعِلَّةِ ، كَمَا لَوْ تَغَيَّرَ بَعْضُهُ بِطَاهِرٍ ، فَلَا يَصِحُّ الْقِيَاسُ عَلَى مَا إذَا كَانَ غَيْرُ الْمُتَغَيِّرِ نَاقِصًا عَنْ الْقُلَّتَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ قَلِيلٌ يَنْجُسُ بِمُجَرَّدِ الْمُلَاقَاةِ لِلنَّجَاسَةِ ، بِخِلَافِ الْكَثِيرِ .\rوَأَمَّا تَبَاعُدُ الْأَقْطَارِ وَتَقَارُبُهَا فَلَا عِبْرَةَ بِهَا ، إنَّمَا الْعِبْرَةُ بِكَوْنِ غَيْرِ الْمُتَغَيِّرِ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا ، فَلَا يَمْتَنِعُ الْحُكْمُ بِطَهَارَةِ الْمَاءِ الْمُلَاصِقِ لِلنَّجَاسَةِ ، بِدَلِيلِ مَا لَوْ كَانَ فِيهِ كَلْبٌ أَوْ مَيْتَةٌ ، فَإِنَّ الْمُلَاصِقَ لَهُ طَاهِرٌ ، وَإِنْ مُنِعَتْ طَهَارَتُهُ فَالْمُلَاصِقُ لِلْمُلَاصِقِ طَاهِرٌ ، وَعَلَى قِيَاسِ قَوْلِهِمْ يَنْبَغِي أَنْ","part":1,"page":47},{"id":47,"text":"يَتَنَجَّسَ الْبَحْرُ إذَا تَغَيَّرَ جَانِبِهِ وَالْمَاءُ الْجَارِي وَكُلُّ مَا تَغَيَّرَ بَعْضُهُ وَلَا قَائِلَ بِهِ ، وَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ فِي الْمَصَانِعِ الَّتِي بِطَرِيقِ مَكَّةَ : لَا يُنَجِّسُ تِلْكَ شَيْءٌ .","part":1,"page":48},{"id":48,"text":"( 25 ) فَصْلٌ : وَلَا فَرْقَ بَيْنَ يَسِيرِ النَّجَاسَةِ وَكَثِيرِهَا ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْيَسِيرُ مِمَّا يُدْرِكُهُ الطَّرَفُ أَوْ لَا يُدْرِكُهُ مِنْ جَمِيعِ النَّجَاسَاتِ ، إلَّا أَنَّ مَا يُعْفَى عَنْ يَسِيرِهِ فِي الثَّوْبِ ، كَالدَّمِ وَنَحْوِهِ ، حُكْمُ الْمَاءِ الْمُتَنَجِّسِ بِهِ حُكْمُهُ فِي الْعَفْوِ عَنْ يَسِيرِهِ ، وَكُلُّ نَجَاسَةٍ يَنْجُسُ بِهَا الْمَاءُ يَصِيرُ حُكْمُهُ حُكْمَهَا ؛ لِأَنَّ نَجَاسَةَ الْمَاءِ نَاشِئَةٌ عَنْ نَجَاسَةِ الْوَاقِعِ ، وَفَرَّعَ عَلَيْهَا ، وَالْفَرْعُ يَثْبُتُ لَهُ حُكْمُ أَصْلِهِ .\rوَقِيلَ عَنْ الشَّافِعِيِّ : إنَّ مَا لَا يُدْرِكُهُ الطَّرَفُ مِنْ النَّجَاسَةِ مَعْفُوٌّ عَنْهُ ؛ لِلْمَشَقَّةِ اللَّاحِقَةِ بِهِ .\rوَنَصَّ فِي مَوْضِعٍ عَلَى أَنَّ الذُّبَابَ إذَا وَقَعَ عَلَى خَلَاءٍ رَقِيقٍ ، أَوْ بَوْلٍ ، ثُمَّ وَقَعَ عَلَى الثَّوْبِ ، غُسِلَ مَوْضِعُهُ ، وَنَجَاسَةُ الذُّبَابِ مِمَّا لَا يُدْرِكُهَا الطَّرَفُ ؛ وَلِأَنَّ دَلِيلَ التَّنْجِيسِ لَا يُفَرِّقُ بَيْنَ يَسِيرِ النَّجَاسَةِ وَكَثِيرِهَا ، وَلَا بَيْنَ مَا يُدْرِكُهُ الطَّرَفُ وَمَا لَا يُدْرِكُهُ ، فَالتَّفْرِيقُ تَحَكُّمٌ بِغَيْرِ دَلِيلٍ ، وَمَا ذَكَرُوهُ مِنْ الْمَشَقَّةِ غَيْرُ صَحِيحٍ ؛ لِأَنَّنَا إنَّمَا نَحْكُمُ بِنَجَاسَةِ مَا عَلِمْنَا وُصُولَ النَّجَاسَةِ إلَيْهِ ، وَمَعَ الْعِلْمِ لَا يَفْتَرِقَانِ فِي الْمَشَقَّةِ ، ثُمَّ إنَّ الْمَشَقَّةَ حِكْمَةٌ لَا يَجُوزُ تَعْلِيقُ الْحُكْمِ بِهَا بِمُجَرَّدِهَا .\rوَجَعْلُ مَا لَا يُدْرِكُهُ الطَّرَفُ ضَابِطًا لَهَا غَيْرُ صَحِيحٍ ، فَإِنَّ ذَلِكَ إنَّمَا يُعْرَفُ بِتَوْقِيفٍ ، أَوْ اعْتِبَارِ الشَّرْعِ لَهُ فِي مَوْضِعٍ ، وَلَمْ يُوجَدْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا .","part":1,"page":49},{"id":49,"text":"( 26 ) فَصْلٌ : وَالْغَدِيرَانِ إذَا اتَّصَلَ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ بِسَاقِيَةٍ بَيْنَهُمَا ، فِيهَا مَاءٌ قَلِيلٌ أَوْ كَثِيرٌ ، فَهُمَا مَاءٌ وَاحِدٌ ، حُكْمُهُمَا حُكْمُ الْغَدِيرِ الْوَاحِدِ ، إنْ بَلَغَا جَمِيعًا قُلَّتَيْنِ لَمْ يَتَنَجَّسْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا إلَّا بِالتَّغَيُّرِ ، وَإِنْ لَمْ يَبْلُغَاهَا تَنَجَّسَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِوُقُوعِ النَّجَاسَةِ فِي أَحَدِهِمَا ؛ لِأَنَّهُ مَاءٌ رَاكِدٌ مُتَّصِلٌ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ ، أَشْبَهَ الْغَدِيرَ الْوَاحِدَ","part":1,"page":50},{"id":50,"text":"( 27 ) فَصْلٌ فِي الْمَاءِ الْجَارِي : نُقِلَ عَنْ أَحْمَدَ ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، مَا يَدُلُّ عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَ الْمَاءِ الْجَارِي وَالرَّاكِدِ ؛ فَإِنَّهُ قَالَ فِي حَوْضِ الْحَمَّامِ : قَدْ قِيلَ إنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْمَاءِ الْجَارِي .\rوَقَالَ فِي الْبِئْرِ يَكُونُ لَهَا مَادَّةٌ : هُوَ وَاقِفٌ لَا يَجْرِي ، لَيْسَ هُوَ بِمَنْزِلَةِ مَا يَجْرِي .\rفَعَلَى هَذَا لَا يَتَنَجَّسُ الْجَارِي إلَّا بِتَغَيُّرِهِ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ طَهَارَتُهُ ، وَلَا نَعْلَمُ فِي تَنْجِيسِهِ نَصًّا وَلَا إجْمَاعًا ، فَبَقِيَ عَلَى أَصْلِ الطَّهَارَةِ ؛ وَلِأَنَّهُ يَدْخُلُ فِي عُمُومِ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { الْمَاءُ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ } ، وَقَوْلِهِ : \" الْمَاءُ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ إلَّا مَا غَلَبَ عَلَى رِيحِهِ وَطَعْمِهِ وَلَوْنِهِ \" .\rفَإِنْ قِيلَ : قَدْ وَرَدَ الشَّرْعُ بِتَنْجِيسِ قَلِيلِهِ ؛ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { إذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلْ الْخَبَثَ } .\rقُلْنَا : هَذَا حُجَّةٌ عَلَى طَهَارَتِهِ ؛ لِأَنَّ مَاءَ السَّاقِيَةِ بِمَجْمُوعِهِ قَدْ بَلَغَ الْقُلَّتَيْنِ ، فَلَا يَحْمِلُ الْخَبَثَ ، وَتَخْصِيصُ الْجِرْيَةِ مِنْهُ بِهَذَا التَّقْدِيرِ تَحَكُّمٌ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ ، ثُمَّ الْخَبَرُ إنَّمَا وَرَدَ فِي الْمَاءِ الرَّاكِدِ ، وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُ الْجَارِي عَلَيْهِ ، لِقُوَّتِهِ بِجَرَيَانِهِ وَاتِّصَالِهِ بِمَادَّتِهِ ، ثُمَّ الْخَبَرُ إنَّمَا يَدُلُّ بِمَنْطُوقِهِ عَلَى نَفْيِ النَّجَاسَةِ عَمَّا بَلَغَ الْقُلَّتَيْنِ ، وَإِنَّمَا يُسْتَدَلُّ هَاهُنَا بِمَفْهُومِهِ ، وَقَضَاءُ حَقِّ الْمَفْهُومِ يَحْصُلُ بِمُخَالَفَةِ مَا دُونَ الْقُلَّتَيْنِ لِمَا بَلَغَهُمَا ، وَقَدْ حَصَلْت الْمُخَالَفَةُ بِكَوْنِ مَا دُونَ الْقُلَّتَيْنِ يَفْتَرِقُ فِيهِ الْمَاءُ الْجَارِي وَالرَّاكِدُ فِي التَّنْجِيسِ ، وَمَا بَلَغَهُمَا لَا يَخْتَلِفُ ، وَهَذَا كَافٍ .\rوَقَالَ الْقَاضِي ، وَأَصْحَابُهُ : كُلُّ جِرْيَةٍ مِنْ الْمَاءِ الْجَارِي مُعْتَبَرَةٌ بِنَفْسِهَا ، فَإِذَا كَانَتْ النَّجَاسَةُ جَارِيَةً مَعَ الْمَاءِ ، فَمَا أَمَامَهَا طَاهِرٌ ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَصِلْ إلَيْهِ ، وَمَا خَلْفَهَا طَاهِرٌ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَصِلْ","part":1,"page":51},{"id":51,"text":"إلَيْهَا ، وَالْجِرْيَةُ الَّتِي فِيهَا النَّجَاسَةُ إنْ بَلَغَتْ قُلَّتَيْنِ فَهِيَ طَاهِرَةٌ ، إلَّا أَنْ تَتَغَيَّرَ بِالنَّجَاسَةِ ، وَإِنْ كَانَتْ دُونَ الْقُلَّتَيْنِ فَهِيَ نَجِسَةٌ ، وَإِنْ كَانَتْ النَّجَاسَةُ وَاقِفَةً فِي جَانِبِ النَّهْرِ ، أَوْ قَرَارِهِ ، أَوْ فِي وَهْدَةٍ مِنْهُ ، فَكُلُّ جِرْيَةٍ تَمُرُّ عَلَيْهَا إنْ كَانَتْ دُونَ الْقُلَّتَيْنِ فَهِيَ نَجِسَةٌ ، وَإِنْ بَلَغَتْ قُلَّتَيْنِ فَهِيَ طَاهِرَةٌ ، إلَّا أَنْ تَتَغَيَّرَ .\rوَالْجِرْيَةُ : هِيَ الْمَاءُ الَّذِي فِيهِ النَّجَاسَةُ ، وَمَا قَرُبَ مِنْهَا مِنْ خَلْفِهَا وَأَمَامِهَا ، مِمَّا الْعَادَةُ انْتِشَارُهَا إلَيْهِ إنْ كَانَتْ مِمَّا يَنْتَشِرُ ، مَعَ مَا يُحَاذِي ذَلِكَ كُلَّهُ مِمَّا بَيْنَ طَرَفَيْ النَّهْرِ .\rفَإِنْ كَانَتْ النَّجَاسَةُ مُمْتَدَّةً فَلِكُلِّ جُزْءٍ مِنْهَا مِثْلُ تِلْكَ الْجِرْيَةِ الْمُعْتَبَرَةِ لِلنَّجَاسَةِ الْقَلِيلَةِ ، وَلَا يُجْعَلُ جَمِيعُ مَا يُحَاذِيهَا جِرْيَةً وَاحِدَةً ، لِئَلَّا يُفْضِيَ إلَى تَنْجِيسِ الْمَاءِ الْكَثِيرِ بِالنَّجَاسَةِ الْقَلِيلَةِ ، وَنَفْيِ التَّنْجِيسِ عَنْ الْكَثِيرِ مَعَ وُجُودِ النَّجَاسَةِ الْكَثِيرَةِ ، فَإِنَّ الْمُحَاذِيَ لِلْكَثِيرَةِ كَثِيرٌ فَلَا يَتَنَجَّسُ ، وَالْمُحَاذِي لِلْقَلِيلَةِ قَلِيلٌ فَيَتَنَجَّسُ ، فَإِنَّنَا لَوْ فَرَضْنَا كَلْبًا فِي جَانِبِ نَهْرٍ ، وَشَعْرَةٌ مِنْهُ فِي الْجَانِبِ الْآخَرِ ، لَكَانَ الْمُحَاذِي لِلشَّعْرَةِ لَا يَبْلُغُ قُلَّتَيْنِ ؛ لِقِلَّةِ مَا يُحَاذِيهَا ، وَالْمُحَاذِي لِلْكَلْبِ يَبْلُغُ قِلَالًا ، وَقَدْ ذَكَرَ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ ، أَنَّ الْجِرْيَةَ الْمُحَاذِيَةَ لِلنَّجَاسَةِ فِيمَا بَيْنَ طَرَفَيْ النَّهْرِ وَيَتَعَيَّنُ حَمْلُهُ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ ، لِمَا بَيَّنَّاهُ .\rفَإِنْ قِيلَ : فَهَذَا يُفْضِي إلَى التَّسْوِيَةِ بَيْنَ النَّجَاسَةِ الْكَثِيرَةِ وَالْقَلِيلَةِ ، قُلْنَا : الشَّرْعُ سَوَّى بَيْنَهُمَا فِي الْمَاءِ الرَّاكِدِ ، وَهُوَ أَصْلٌ ، فَتَجِبُ التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُمَا فِي الْجَارِي ، الَّذِي هُوَ فَرْعٌ .","part":1,"page":52},{"id":52,"text":"( 28 ) فَصْلٌ : فَإِنْ كَانَ فِي جَانِبِ النَّهْرِ مَاءٌ وَاقِفٌ ، مَائِلٌ عَنْ سَنَنِ الْمَاءِ ، مُتَّصِلٌ بِالْجَارِي ، أَوْ كَانَ فِي أَرْضِ النَّهْرِ وَهْدَةٌ ، فِيهَا مَاءٌ وَاقِفٌ وَكَانَ ذَلِكَ مَعَ الْجِرْيَةِ الْمُقَابِلَةِ لَهُ دُونَ الْقُلَّتَيْنِ ، نَجِسَا جَمِيعًا بِوُجُودِ النَّجَاسَةِ فِي أَحَدِهِمَا ؛ لِأَنَّهُ مَاءٌ مُتَّصِلٌ دُونَ الْقُلَّتَيْنِ ، فَيَنْجُسُ بِهَا جَمِيعُهُ كَالرَّاكِدِ .\rوَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا قُلَّتَيْنِ لَمْ يَنْجُسْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا مَا دَامَا مُتَلَاقِيَيْنِ إلَّا بِالتَّغَيُّرِ ؛ لِأَنَّ الْقُلَّتَيْنِ تَدْفَعُ النَّجَاسَةَ عَنْ نَفْسِهَا ، وَعَمَّا لَاقَتْهُ .\rثُمَّ لَا يَخْلُو مِنْ كَوْنِ النَّجَاسَةِ فِي النَّهْرِ ، أَوْ فِي الْوَاقِفِ ، فَإِنْ كَانَتْ فِي النَّهْرِ وَهُوَ قُلَّتَانِ فَهُوَ طَاهِرٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ ، وَكَذَلِكَ الْوَاقِفُ ، وَإِنْ كَانَ دُونَ الْقُلَّتَيْنِ فَهُوَ نَجِسٌ قَبْلَ مُلَاقَاتِهِ لِلْوَاقِفِ ، فَإِذَا حَاذَاهُ طَهُرَ بِاتِّصَالِهِ بِهِ ، فَإِذَا فَارَقَهُ عَادَ إلَى التَّنَجُّسِ ؛ لِقِلَّتِهِ مَعَ وُجُودِ النَّجَاسَةِ فِيهِ .\rوَإِنْ كَانَتْ النَّجَاسَةُ فِي الْوَاقِفِ لَمْ يَنْجُسْ بِحَالٍ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَزَالُ هُوَ وَمَا لَاقَاهُ قُلَّتَيْنِ فَإِنْ كَانَ الْوَاقِفُ دُونَ الْقُلَّتَيْنِ ، وَالْجِرْيَةُ كَذَلِكَ ، إلَّا أَنَّهُمَا بِمَجْمُوعِهِمَا يَزِيدَانِ عَنْ الْقُلَّتَيْنِ ، وَكَانَتْ النَّجَاسَةُ فِي الْوَاقِفِ ، لَمْ يَنْجُسْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا ؛ لِأَنَّهَا مَعَ مَا تُلَاقِيهِ أَكْثَرُ مِنْ قُلَّتَيْنِ ، وَإِنْ كَانَتْ فِي النَّهْرِ ، فَقِيَاسُ قَوْلِ أَصْحَابِنَا أَنْ يَنْجُسَ الْوَاقِفُ ، وَالْجِرْيَةُ الَّتِي فِيهَا النَّجَاسَةُ ، وَكُلُّ مَا يَمُرُّ بَعْدَهَا بِالْوَاقِفِ ؛ لِأَنَّ الْجِرْيَةَ الَّتِي فِيهَا النَّجَاسَةُ كَانَتْ نَجِسَةً قَبْلَ مُلَاقَاةِ الْوَاقِفِ ، ثُمَّ نَجِسَ بِهَا الْوَاقِفُ ؛ لِكَوْنِهِ مَاءً دُونَ الْقُلَّتَيْنِ وَرَدَ عَلَيْهِ مَاءٌ نَجِسٌ ، وَلَمْ تَطْهُرْ الْجِرْيَةُ ؛ لِأَنَّهَا بِمَنْزِلَةِ مَاءٍ نَجِسٍ صُبَّ عَلَى مَا دُونَ الْقُلَّتَيْنِ ، فَلَمَّا صَارَ الْوَاقِفُ نَجِسًا نَجَّسَ مَا يَمُرُّ عَلَيْهِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُحْكَمَ بِطَهَارَةِ","part":1,"page":53},{"id":53,"text":"الْجِرْيَةِ حَالَ مُلَاقَاتِهَا لِلْوَاقِفِ ، وَلَا يَتَنَجَّسُ الْوَاقِفُ بِهَا ؛ لِأَنَّهُ مَاءٌ كَثِيرٌ لَمْ يَتَغَيَّرْ فَلَا يَنْجُسُ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يُنَجِّسْهُ شَيْءٌ } .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rوَهَذَا كُلُّهُ مَا لَمْ يَتَغَيَّرْ ، فَإِنْ تَغَيَّرَ فَهُوَ نَجِسٌ ، وَحُكْمُهُ حُكْمُ أَعْيَانِ النَّجَاسَةِ ، فَإِذَا كَانَ الْوَاقِفُ مُتَغَيِّرًا وَحْدَهُ فَالْجِرْيَةُ الَّتِي تَمُرُّ بِهِ إنْ كَانَتْ قُلَّتَيْنِ فَهِيَ طَاهِرَةٌ ، وَإِنْ كَانَتْ دُونَ الْقُلَّتَيْنِ فَهِيَ نَجِسَةٌ ، وَإِنْ كَانَتْ الْجِرْيَةُ مُتَغَيِّرَةً ، وَالْوَاقِفُ قُلَّتَانِ ، فَهُوَ طَاهِرٌ ، وَإِلَّا فَهُوَ نَجِسٌ ، وَإِنْ كَانَ بَعْضُ الْوَاقِفِ مُتَغَيِّرًا وَبَعْضُهُ غَيْرَ مُتَغَيِّرٍ ، وَكَانَ غَيْرُ الْمُتَغَيِّرِ مَعَ الْجِرْيَةِ الْمُلَاقِيَةِ لَهُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَنْجُسْ ؛ لِأَنَّهُ مَاءٌ زَائِدٌ عَنْ الْقُلَّتَيْنِ لَمْ يَتَغَيَّرْ ، فَكَانَ طَاهِرًا ، كَمَا لَوْ كَانَتْ الْجِرْيَةُ قُلَّتَيْنِ .\rوَإِنْ كَانَ الْمُتَغَيِّرُ مِنْهُ الْوَاقِفُ يَلِي الْجَارِيَ وَغَيْرُ الْمُتَغَيِّرِ لَا يَلِيهِ وَلَا يَتَّصِلُ بِهِ مِنْ أَعْلَى الْمَاءِ وَلَا أَسْفَلِهِ ، وَلَا مِنْ نَاحِيَةٍ مِنْ نَوَاحِيهِ ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا دُونَ الْقُلَّتَيْنِ ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْكُلُّ نَجِسًا ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَا يُلَاقِي الْمَاءَ النَّجِسَ لَا يَبْلُغُ الْقُلَّتَيْنِ ، وَإِنْ اتَّصَلَ بِهِ مِنْ نَاحِيَةٍ فَكُلُّ مَا لَمْ يَتَغَيَّرْ طَاهِرٌ إذَا بَلَغَ الْقُلَّتَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ كَالْغَدِيرَيْنِ اللَّذَيْنِ بَيْنَهُمَا سَاقِيَةٌ ، وَإِنْ شَكَّ فِي ذَلِكَ فَالْمَاءُ طَاهِرٌ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ الطَّهَارَةُ ، فَلَا تَزُولُ بِالشَّكِّ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .\r( 29 ) فَصْلٌ : إذَا اجْتَمَعْت الْجِرْيَاتُ فِي مَوْضِعٍ ، فَإِنْ كَانَ مُتَغَيِّرًا بِالنَّجَاسَةِ فَهُوَ نَجِسٌ ، وَإِنْ كَثُرَ ، وَإِنْ كَانَ فِي بَعْضِ الْجِرْيَاتِ مَاءٌ طَاهِرٌ مُتَوَالٍ يَبْلُغُ قُلَّتَيْنِ ، إمَّا سَابِقًا وَإِمَّا لَاحِقًا ، فَالْجَمِيعُ طَاهِرٌ .\rمَا لَمْ يَتَغَيَّرْ ؛ لِأَنَّ الْقُلَّتَيْنِ تَدْفَعُ","part":1,"page":54},{"id":54,"text":"النَّجَاسَةَ عَنْ نَفْسِهَا ، وَعَمَّا اجْتَمَعَتْ مَعَهُ .\rوَإِنْ كَانَ الْمُجْتَمِعُ دُونَ الْقُلَّتَيْنِ ، وَفِي بَعْضِ الْجِرْيَاتِ شَيْءٌ نَجِسٌ ، فَالْكُلُّ نَجِسٌ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ .\rوَإِنْ كَانَ قُلَّتَيْنِ إلَّا أَنَّ الْجِرْيَاتِ كُلَّهَا نَجِسَةٌ ، أَوْ بَعْضَ الْجِرْيَاتِ طَاهِرٌ وَبَعْضَهَا نَجِسٌ ، وَلَا يَتَوَالَى مِنْ الطَّاهِرِ قُلَّتَانِ ، ، فَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّ الْجَمِيعَ نَجِسٌ ، وَإِنْ كَثُرَ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ طَاهِرًا ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { إذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلْ الْخَبَثَ } ؛ وَلِأَنَّهُ مَاءٌ كَثِيرٌ لَمْ يَتَغَيَّرْ بِالنَّجَاسَةِ ، فَكَانَ طَاهِرًا ، كَمَا لَوْ كَانَ مُتَغَيِّرًا فَزَالَ تَغَيُّرُهُ بِمُكْثِهِ .\rوَلَنَا أَنَّهُ انْضَمَّ النَّجِسُ إلَى النَّجِسِ ، فَصَارَ الْجَمِيعُ نَجِسًا كَغَيْرِ الْمَاءِ ، وَإِنْ كَانَ بَعْضُ الْجِرْيَاتِ طَاهِرًا ، لَكِنَّهُ قَلِيلٌ ، فَهُوَ مِمَّا لَا يَدْفَعُ النَّجَاسَةَ عَنْ نَفْسِهِ ، فَعَنْ غَيْرِهِ أَوْلَى .\rفَإِنْ كَانَ الْمَاءُ كَثِيرًا مُتَغَيِّرًا بِالنَّجَاسَةِ ، فَزَالَ تَغَيُّرُهُ بِنَفْسِهِ ، طَهُرَ الْجَمِيعُ ، وَإِنْ زَالَ بِمَاءٍ طَاهِرٍ دُونَ الْقُلَّتَيْنِ ، أَوْ بِاجْتِمَاعِ مَاءٍ نَجِسٍ إلَيْهِ ، فَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ نَجِسٌ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدْفَعُ النَّجَاسَةَ عَنْ نَفْسِهِ ، فَلَا يَدْفَعُهَا عَنْ غَيْرِهِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَطْهُرَ ؛ لِأَنَّهُ أَزَالَ عِلَّةَ التَّنْجِيسِ ، فَأَزَالَ التَّنْجِيسَ ، كَمَا لَوْ زَالَ بِنَزَحٍ أَوْ بِمُكْثِهِ .","part":1,"page":55},{"id":55,"text":"( 30 ) فَصْلٌ : فِي تَطْهِيرِ الْمَاءِ النَّجِسِ .\rوَهُوَ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ : أَحَدُهَا مَا دُونَ الْقُلَّتَيْنِ ، فَتَطْهِيرُهُ بِالْمُكَاثَرَةِ بِقُلَّتَيْنِ طَاهِرَتَيْنِ ، إمَّا أَنْ يُصَبَّ فِيهِ ، أَوْ يَنْبُعَ فِيهِ ، فَيَزُولَ بِهِمَا تَغَيُّرُهُ إنْ كَانَ مُتَغَيِّرًا ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُتَغَيِّرًا طَهُرَ بِمُجَرَّدِ الْمُكَاثَرَةِ ؛ لِأَنَّ الْقُلَّتَيْنِ لَا تَحْمِلُ الْخَبَثَ ، وَلَا تَنْجُسُ إلَّا بِالتَّغَيُّرِ ، وَلِذَلِكَ لَوْ وَرَدَ عَلَيْهَا مَاءٌ نَجِسٌ لَمْ يُنَجِّسْهَا مَا لَمْ تَتَغَيَّرْ بِهِ ، فَكَذَلِكَ إذَا كَانَتْ وَارِدَةً ، وَمِنْ ضَرُورَةِ الْحُكْمِ بِطَهَارَتِهِمَا طَهَارَةُ مَا اخْتَلَطَتَا بِهِ .\rالْقِسْمُ الثَّانِي : أَنْ يَكُونَ وَفْقَ الْقُلَّتَيْنِ ، فَلَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ غَيْرَ مُتَغَيِّرٍ بِالنَّجَاسَةِ ، فَيَطْهُرُ بِالْمُكَاثَرَةِ الْمَذْكُورَةِ لَا غَيْرُ ، الثَّانِي أَنْ يَكُونَ مُتَغَيِّرًا فَيَطْهُرَ بِأَحَدِ أَمْرَيْنِ ؛ بِالْمُكَاثَرَةِ الْمَذْكُورَةِ إذَا أَزَالَتْ التَّغَيُّرَ ، أَوْ بِتَرْكِهِ حَتَّى يَزُولَ تَغَيُّرُهُ بِطُولِ مُكْثِهِ .\rالْقِسْمُ الثَّالِثُ ، الزَّائِدُ عَنْ الْقُلَّتَيْنِ ، فَلَهُ حَالَانِ ، أَحَدُهُمَا ، أَنْ يَكُونَ نَجِسًا بِغَيْرِ التَّغَيُّرِ ، فَلَا طَرِيقَ إلَى تَطْهِيرِهِ بِغَيْرِ الْمُكَاثَرَةِ ، الثَّانِي أَنْ يَكُونَ مُتَغَيِّرًا بِالنَّجَاسَةِ ، فَتَطْهِيرُهُ بِأَحَدِ أُمُورٍ ثَلَاثَةٍ ؛ الْمُكَاثَرَةُ ، أَوْ زَوَالُ تَغَيُّرِهِ بِمُكْثِهِ ، أَوْ أَنْ يُنْزَحَ مِنْهُ مَا يَزُولُ بِهِ التَّغَيُّرُ ، وَيَبْقَى بَعْدَ ذَلِكَ قُلَّتَانِ فَصَاعِدًا ، فَإِنَّهُ إنْ بَقِيَ مَا دُونَ الْقُلَّتَيْنِ ، قَبْلَ زَوَالِ تَغَيُّرِهِ ، لَمْ يَبْقَ التَّغَيُّرُ عِلَّةَ تَنْجِيسِهِ ؛ لِأَنَّهُ تَنَجَّسَ بِدُونِهِ ، فَلَا يَزُولُ التَّنْجِيسُ بِزَوَالِهِ ، وَلِذَلِكَ طَهُرَ الْكَثِيرُ بِالنَّزْحِ وَطُولِ الْمُكْثِ ، وَلَمْ يَطْهُرْ الْقَلِيلُ ، فَإِنَّ الْكَثِيرَ لَمَّا كَانَتْ عِلَّةُ تَنْجِيسِهِ التَّغَيُّرَ زَالَ تَنْجِيسُهُ بِزَوَالِ عِلَّتِهِ ، كَالْخَمْرَةِ إذَا انْقَلَبَتْ خَلًّا ، وَالْقَلِيلُ عِلَّةُ تَنْجِيسِهِ الْمُلَاقَاةُ لَا التَّغَيُّرُ ، فَلَمْ يُؤَثِّرْ زَوَالُهُ فِي","part":1,"page":56},{"id":56,"text":"زَوَالِ التَّنْجِيسِ .\r( 31 ) فَصْلٌ : وَلَا يُعْتَبَرُ فِي الْمُكَاثَرَةِ صَبُّ الْمَاءِ دُفْعَةً وَاحِدَةً ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُمْكِنٍ ، لَكِنْ يُوصِلُ الْمَاءَ عَلَى مَا يُمْكِنُهُ مِنْ الْمُتَابَعَةِ ، إمَّا مِنْ سَاقِيَةٍ ، وَإِمَّا دَلْوًا فَدَلْوًا ، أَوْ يَسِيلُ إلَيْهِ مَاءُ الْمَطَرِ ، أَوْ يَنْبُعُ قَلِيلًا قَلِيلًا ، حَتَّى يَبْلُغَ قُلَّتَيْنِ فَيَحْصُلُ بِهِ التَّطْهِيرُ .\r( 32 ) فَصْلٌ : فَإِنْ كُوثِرَ بِمَا دُونَ الْقُلَّتَيْنِ ، فَزَالَ تَغَيُّرُهُ ، أَوْ طُرِحَ فِيهِ تُرَابٌ أَوْ مَائِعٌ غَيَّرَ الْمَاءَ ، أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ ، فَزَالَ تَغَيُّرُهُ بِهِ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا لَا يَطْهُرُ بِذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدْفَعُ النَّجَاسَةَ عَنْ نَفْسِهِ ، فَعَنْ غَيْرِهِ أَوْلَى ؛ وَلِأَنَّهُ لَيْسَ بِطَهُورٍ ، فَلَا يَحْصُلُ بِهِ الطَّهَارَةُ كَالْمَاءِ النَّجِسِ .\rوَالثَّانِي ، يَطْهُرُ ؛ لِأَنَّ عِلَّةَ نَجَاسَتِهِ التَّغَيُّرُ ، وَقَدْ زَالَ ، فَيَزُولُ التَّنْجِيسُ ، كَمَا لَوْ زَالَ بِمُكْثِهِ ، وَكَالْخَمْرَةِ إذَا انْقَلَبَتْ خَلًّا .","part":1,"page":57},{"id":57,"text":"( 33 ) فَصْلٌ : وَلَا يَطْهُرُ غَيْرُ الْمَاءِ مِنْ الْمَائِعَاتِ بِالتَّطْهِيرِ ، فِي قَوْلِ الْقَاضِي وَابْنِ عَقِيلٍ قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ : إلَّا الزِّئْبَقَ ؛ فَإِنَّهُ لِقُوَّتِهِ وَتَمَاسُكِهِ يَجْرِي مَجْرَى الْجَامِدِ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { سُئِلَ عَنْ السَّمْنِ إذَا وَقَعَتْ فِيهِ الْفَأْرَةُ ، فَقَالَ : إنْ كَانَ مَائِعًا فَلَا تَقْرَبُوهُ } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَلَوْ كَانَ إلَى تَطْهِيرِهِ طَرِيقٌ لَمْ يَأْمُرْ بِإِرَاقَتِهِ .\rوَاخْتَارَ أَبُو الْخَطَّابِ أَنَّ مَا يَتَأَتَّى تَطْهِيرُهُ كَالزَّيْتِ ، يَطْهُرُ بِهِ ؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنَ غَسْلُهُ بِالْمَاءِ فَيَطْهُرُ بِهِ ، كَالْجَامِدِ ، وَطَرِيقُ تَطْهِيرِهِ جَعْلُهُ فِي مَاءٍ كَثِيرٍ ، وَيُخَاضُ فِيهِ حَتَّى يُصِيبَ الْمَاءُ جَمِيعَ أَجْزَائِهِ ، ثُمَّ يُتْرَكُ حَتَّى يَعْلُوَ عَلَى الْمَاءِ ، فَيُؤْخَذُ ، وَإِنْ تَرَكَهُ فِي جَرَّةٍ وَصَبَّ عَلَيْهِ مَاءً ، فَخَاضَهُ بِهِ ، وَجَعَلَ لَهَا بُزَالًا يَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ ، جَازَ ، وَالْخَبَرُ وَرَدَ فِي السَّمْنِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يُمْكِنَ تَطْهِيرُهُ ؛ لِأَنَّهُ يَجْمُدُ فِي الْمَاءِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَرَكَ الْأَمْرَ بِتَطْهِيرِهِ لِمَشَقَّةِ ذَلِكَ ، وَقِلَّةِ وُقُوعِهِ .","part":1,"page":58},{"id":58,"text":"( 34 ) فَصْلٌ : وَإِذَا وَقَعَتْ النَّجَاسَةُ فِي غَيْرِ الْمَاءِ وَكَانَ مَائِعًا نَجِسَ ، وَإِنْ كَانَ جَامِدًا كَالسَّمْنِ الْجَامِدِ أُخِذَتْ النَّجَاسَةُ بِمَا حَوْلَهَا فَأُلْقِيَتْ ، وَالْبَاقِي طَاهِرٌ : لِمَا رَوَتْ مَيْمُونَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ عَنْ فَأْرَةٍ سَقَطَتْ فِي سَمْنٍ ، فَقَالَ : أَلْقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا ، وَكُلُوا سَمْنَكُمْ } رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ .\rوَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ عَنْ الْفَأْرَةِ تَمُوتُ فِي السَّمْنِ ، فَقَالَ : إنْ كَانَ جَامِدًا فَأَلْقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا وَإِنْ كَانَ مَائِعًا فَلَا تَقْرَبُوهُ } أَخْرُجَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ، فِي \" مُسْنَدِهِ \" ، وَإِسْنَادُهُ عَلَى شَرْطِ \" الصَّحِيحَيْنِ \" .\rوَحَدُّ الْجَامِدِ الَّذِي لَا تَسْرِي النَّجَاسَةُ إلَى جَمِيعِهِ ، هُوَ الْمُتَمَاسِكُ الَّذِي فِيهِ قُوَّةٌ تَمْنَعُ انْتِقَالَ أَجْزَاءِ النَّجَاسَةِ عَنْ الْمَوْضِعِ الَّذِي وَقَعَتْ عَلَيْهِ النَّجَاسَةُ إلَى مَا سِوَاهُ .\rقَالَ الْمَرُّوذِيُّ : قِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ فِي الدُّوشَابِ .\rيَعْنِي : يَقَعُ فِيهِ نَجَاسَةٌ ؟ قَالَ : إذَا كَانَ كَثِيرًا أَخَذُوا مَا حَوْلَهُ ، مِثْلُ السَّمْنِ .\rوَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ حَدُّ الْجَامِدِ مَا إذَا فُتِحَ وِعَاؤُهُ لَمْ تَسِلْ أَجْزَاؤُهُ .\rوَظَاهِرُ مَا رَوَيْنَاهُ عَنْ أَحْمَدَ خِلَافُ هَذَا ؛ فَإِنَّ الدُّوشَابَ لَا يَكَادُ يَبْلُغُ هَذَا ، وَسَمْنُ الْحِجَازِ لَا يَكَادُ يَبْلُغُهُ ، وَالْمَقْصُودُ بِالْجُمُودِ أَنْ لَا تَسْرِيَ أَجْزَاءُ النَّجَاسَةِ ، وَهَذَا حَاصِلٌ بِمَا ذَكَرْنَاهُ ، فَيُقْتَصَرُ عَلَيْهِ .","part":1,"page":59},{"id":59,"text":"( 35 ) فَصْلٌ : وَإِنْ تَنَجَّسَ الْعَجِينُ وَنَحْوُهُ فَلَا سَبِيلَ إلَى تَطْهِيرِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ غَسْلُهُ ، وَكَذَلِكَ إنْ نُقِعَ السِّمْسِمُ أَوْ شَيْءٌ مِنْ الْحُبُوبِ فِي الْمَاءِ النَّجِسِ ، حَتَّى انْتَفَخَ وَابْتَلَّ ، لَمْ يَطْهُرْ .\rقِيلَ لِأَحْمَدَ فِي سِمْسِمٍ نُقِعَ فِي تِيغَارٍ ، فَوَقَعَتْ فِيهِ فَأْرَةٌ ، فَمَاتَتْ ؟ قَالَ : لَا يُنْتَفَعُ بِشَيْءٍ مِنْهُ .\rقِيلَ : أَفَيُغْسَلُ مِرَارًا حَتَّى يَذْهَبَ ذَلِكَ الْمَاءُ ؟ قَالَ : أَلَيْسَ قَدْ ابْتَلَّ مِنْ ذَلِكَ الْمَاءِ ؛ لَا يُنَقَّى مِنْهُ وَإِنْ غُسِلَ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِنَّ أَحْمَدَ قَالَ فِي الْعَجِينِ وَالسِّمْسِمِ : يُطْعَمُ النَّوَاضِحَ ، وَلَا يُطْعَمُ لِمَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ .\rيَعْنِي لِمَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ قَرِيبًا .\rوَقَالَ مُجَاهِدٌ ، وَعَطَاءٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ : يُطْعَمُ الدَّجَاجَ .\rوَقَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ : يُطْعَمُ الْبَهَائِمَ .\rوَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : لَا يُطْعَمُ شَيْئًا ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { سُئِلَ عَنْ شُحُومِ الْمَيْتَةِ تُطْلَى بِهَا السُّفُنُ ، وَيُدْهَنُ بِهَا الْجُلُودُ ، وَيَسْتَصْبِحُ بِهَا النَّاسُ ؟ فَقَالَ لَا هُوَ حَرَامٌ } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ، وَهَذَا فِي مَعْنَاهُ .\rوَلَنَا : مَا رَوَى أَحْمَدُ ، بِإِسْنَادِهِ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، { أَنَّ قَوْمًا اخْتَبَزُوا مِنْ آبَارِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَعْلِفُوهُ النَّوَاضِحَ } وَاحْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ .\rوَقَالَ فِي كَسْبِ الْحَجَّامِ : \" أَطْعِمْهُ نَاضِحَك أَوْ رَقِيقَك \" .\rوَقَالَ أَحْمَدُ : لَيْسَ هَذَا بِمَيْتَةٍ .\rيَعْنِي أَنَّ نَهْيَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّمَا تَنَاوَلَ الْمَيْتَةَ ، وَلَيْسَ هَذَا بِدَاخِلٍ فِي النَّهْيِ ، وَلَا فِي مَعْنَاهَا ؛ وَلِأَنَّ اسْتِعْمَالَ شُحُومِ الْمَيْتَةِ فِيمَا سُئِلَ عَنْهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُفْضِي إلَى تَعَدِّي نَجَاسَتِهَا ، وَاسْتِعْمَالِ مَا دُهِنَتْ بِهِ مِنْ الْجُلُودِ ، فَيَكُونُ مُسْتَعْمِلًا لِلنَّجَاسَةِ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ هَاهُنَا ؛","part":1,"page":60},{"id":60,"text":"فَإِنَّ نَجَاسَةَ هَذَا لَا تَتَعَدَّى أَكْلَهُ .\rقَالَ أَحْمَدُ : وَلَا يُطْعَمُ لِشَيْءٍ يُؤْكَلُ فِي الْحَالِ ، وَلَا يُحْلَبُ لَبَنُهُ ، لِئَلَّا يَتَنَجَّسَ بِهِ ، وَيَصِيرَ كَالْجَلَّالِ .","part":1,"page":61},{"id":61,"text":"( 36 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : ( إلَّا أَنْ تَكُونَ النَّجَاسَةُ بَوْلًا أَوْ عَذِرَةً مَائِعَةً فَإِنَّهُ يَنْجُسُ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ مِثْلَ الْمَصَانِعِ الَّتِي بِطَرِيقِ مَكَّةَ ، وَمَا أَشْبَهَهَا مِنْ الْمِيَاهِ الْكَثِيرَةِ الَّتِي لَا يُمْكِنُ نَزْحُهَا ، فَذَاكَ الَّذِي لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ ) يَعْنِي بِالْمَصَانِعِ : الْبِرَكَ الَّتِي صُنِعَتْ مَوْرِدًا لِلْحَاجِّ ، يَشْرَبُونَ مِنْهَا ، يَجْتَمِعُ فِيهَا مَاءٌ كَثِيرٌ وَيَفْضُلُ عَنْهُمْ ، فَتِلْكَ لَا تَتَنَجَّسُ بِشَيْءٍ مِنْ النَّجَاسَاتِ مَا لَمْ تَتَغَيَّرْ ، لَا نَعْلَمُ أَحَدًا خَالَفَ فِي هَذَا .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْمَاءَ الْكَثِيرَ ، مِثْلُ الرِّجْلِ مِنْ الْبَحْرِ وَنَحْوِهِ ، إذَا وَقَعَتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ ، فَلَمْ تُغَيِّرْ لَهُ لَوْنًا وَلَا طَعْمًا وَلَا رِيحًا ، أَنَّهُ بِحَالِهِ يُتَطَهَّرُ مِنْهُ ، فَأَمَّا مَا يُمْكِنُ نَزْحُهُ إذَا بَلَغَ قُلَّتَيْنِ فَلَا يَتَنَجَّسُ بِشَيْءٍ مِنْ النَّجَاسَاتِ ، إلَّا بِبَوْلِ الْآدَمِيِّينَ ، أَوْ عَذِرَتِهِمْ الْمَائِعَةِ ؛ فَإِنَّ فِيهِ رِوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ ، أَشْهَرُهُمَا : أَنَّهُ يَتَنَجَّسُ بِذَلِكَ .\rرُوِيَ نَحْوُ هَذَا عَنْ عَلِيٍّ ، وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ .\rقَالَ الْخَلَّالُ : وَحَدَّثَنَا عَنْ عَلِيٍّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ ، أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ صَبِيٍّ بَالَ فِي بِئْرٍ ، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَنْزِفُوهَا ، وَمِثْلُ ذَلِكَ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ .\rوَوَجْهُ ذَلِكَ : مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ الَّذِي لَا يَجْرِي ، ثُمَّ يَغْتَسِلُ مِنْهُ } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَفِي لَفْظٍ : \" ثُمَّ يَتَوَضَّأُ مِنْهُ \" .\rصَحِيحٌ .\rوَلِلْبُخَارِيِّ : { ثُمَّ يَغْتَسِلُ فِيهِ .\r} وَهَذَا مُتَنَاوِلٌ لِلْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ ، وَهُوَ خَاصٌّ فِي الْبَوْلِ ، وَأَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ الْقُلَّتَيْنِ فَيَتَعَيَّنُ تَقْدِيمُهُ .\rوَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ ، أَنَّهُ لَا يَتَنَجَّسُ مَا لَمْ يَتَغَيَّرْ ، كَسَائِرِ النَّجَاسَاتِ ، اخْتَارَهَا أَبُو الْخَطَّابِ ، وَابْنُ عَقِيلٍ ، وَهَذَا مَذْهَبُ","part":1,"page":62},{"id":62,"text":"الشَّافِعِيِّ وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ لَا يُفَرِّقُونَ بَيْنَ الْبَوْلِ وَغَيْرِهِ مِنْ النَّجَاسَاتِ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَنْجُسْ } .\rوَلِأَنَّ بَوْلَ الْآدَمِيِّ لَا تَزِيدُ عَلَى نَجَاسَةِ بَوْلِ الْكَلْبِ ، وَهُوَ لَا يُنَجِّسُ الْقُلَّتَيْنِ ، فَبَوْلُ الْآدَمِيِّ أَوْلَى ، وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ لَا بُدَّ مِنْ تَخْصِيصِهِ ، بِدَلِيلِ مَا لَا يُمْكِنُ نَزْحُهُ ، فَيُقَاسُ عَلَيْهِ مَا بَلَغَ الْقُلَّتَيْنِ ، أَوْ يُخَصُّ بِخَبَرِ الْقُلَّتَيْنِ ، فَإِنَّ تَخْصِيصَهُ بِخَبَرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْلَى مِنْ تَخْصِيصِهِ بِالرَّأْيِ وَالتَّحَكُّمِ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ ؛ وَلِأَنَّهُ لَوْ تَسَاوَى الْحَدِيثَانِ لَوَجَبَ الْعُدُولُ إلَى الْقِيَاسِ عَلَى سَائِرِ النَّجَاسَاتِ .\rفَصْلٌ : وَلَمْ أَجِدْ عَنْ إمَامِنَا ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، وَلَا عَنْ أَصْحَابِنَا ، تَحْدِيدَ مَا يُمْكِنُ نَزْحُهُ ، بِأَكْثَرَ مِنْ تَشْبِيهِهِ بِمَصَانِعِ مَكَّةَ .\rقَالَ أَحْمَدُ : إنَّمَا نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الرَّاكِدِ مِنْ آبَارِ الْمَدِينَةِ عَلَى قِلَّةِ مَا فِيهَا ؛ لِأَنَّ الْمَصَانِعَ لَمْ تَكُنْ ، إنَّمَا أُحْدِثَتْ .\rوَقَالَ الْأَثْرَمُ : سَمِعْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يُسْأَلُ عَنْ الْمَصَانِعِ الَّتِي بِطَرِيقِ مَكَّةَ ؟ فَقَالَ : لَيْسَ يُنَجِّسُ تِلْكَ عِنْدِي بَوْلٌ وَلَا شَيْءٌ إذَا كَثُرَ الْمَاءُ ، حَتَّى يَكُونَ مِثْلَ تِلْكَ الْمَصَانِعِ .\rوَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ : سُئِلَ أَحْمَدُ عَنْ بِئْرٍ بَالَ فِيهَا إنْسَانٌ \" قَالَ تُنْزَحُ حَتَّى تَغْلِبَهُمْ .\rقُلْت : مَا حَدُّهُ ؟ قَالَ : لَا يَقْدِرُونَ عَلَى نَزْحِهَا .\rوَقِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ : الْغَدِيرُ يُبَالُ فِيهِ ؟ قَالَ : الْغَدِيرُ أَسْهَلُ .\rوَلَمْ يَرَ بِهِ بَأْسًا ، وَقَالَ فِي الْبِئْرِ ، يَكُونُ لَهَا مَادَّةٌ : هُوَ وَاقِفٌ لَا يَجْرِي لَيْسَ بِمَنْزِلَةِ مَا يَجْرِي .\rيَعْنِي أَنَّهُ يَتَنَجَّسُ بِالْبَوْلِ فِيهِ إذَا أَمْكَنَ نَزْحُهُ .\r( 38 ) فَصْلٌ : وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْبَوْلِ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ قَالَ مُهَنَّا : سَأَلْت أَحْمَدَ عَنْ","part":1,"page":63},{"id":63,"text":"بِئْرٍ غَزِيرَةٍ وَقَعَتْ فِيهَا خِرْقَةٌ أَصَابَهَا بَوْلٌ ؟ قَالَ : تُنْزَحُ .\rوَقَالَ فِي قَطْرَةِ بَوْلٍ وَقَعَتْ فِي مَاءٍ : لَا يُتَوَضَّأُ مِنْهُ وَذَلِكَ لِأَنَّ سَائِرَ النَّجَاسَاتِ لَا فَرْقَ بَيْنَ قَلِيلِهَا وَكَثِيرِهَا .","part":1,"page":64},{"id":64,"text":"( 39 ) فَصْلٌ : إذَا كَانَتْ بِئْرُ الْمَاءِ مُلَاصِقَةً لَبِئْرٍ فِيهَا بَوْلٌ أَوْ غَيْرُهُ مِنْ النَّجَاسَاتِ ، وَشُكَّ فِي وُصُولِهَا إلَى الْمَاءِ ، فَهُوَ عَلَى أَصْلِهِ فِي الطَّهَارَةِ .\rقَالَ أَحْمَدُ : يَكُونُ بَيْنَ الْبِئْرِ وَالْبَالُوعَةِ مَا لَمْ يُغَيِّرْ طَعْمًا وَلَا رِيحًا - وَقَالَ الْحَسَنُ : مَا لَمْ يَتَغَيَّرْ لَوْنُهُ أَوْ رِيحُهُ - فَلَا بَأْسَ أَنْ يُتَوَضَّأَ مِنْهَا وَذَلِكَ لِأَنَّ الْأَصْلَ الطَّهَارَةُ ، فَلَا تَزُولُ بِالشَّكِّ ، وَإِنْ أَحَبَّ عِلْمَ حَقِيقَةِ ذَلِكَ فَلْيَطْرَحْ فِي الْبِئْرِ النَّجِسَةِ نَفْطًا ، فَإِنْ وَجَدَ رَائِحَتَهُ فِي الْمَاءِ عَلِمَ وُصُولَهُ إلَيْهِ ، وَإِلَّا فَلَا ، وَإِنْ تَغَيَّرَ الْمَاءُ تَغَيُّرًا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مِنْ النَّجَاسَةِ ، وَلَمْ يَعْلَمْ لَهُ سَبَبًا آخَرَ ، فَهُوَ نَجِسٌ ؛ لِأَنَّ الْمُلَاصَقَةَ سَبَبٌ ، فَيُحَالُ الْحُكْمُ عَلَيْهِ ، وَمَا عَدَاهُ مَشْكُوكٌ فِيهِ وَلَوْ وَجَدَ مَاءً مُتَغَيِّرًا فِي غَيْرِ هَذِهِ الصُّورَةِ ، وَلَمْ يَعْلَمْ سَبَبَ تَغَيُّرِهِ فَهُوَ طَاهِرٌ ، وَإِنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ نَجَاسَتُهُ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ الطَّهَارَةُ ، فَلَا تَزُولُ بِالشَّكِّ .\rوَإِنْ وَقَعَتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ فَوَجَدَهُ مُتَغَيِّرًا تَغَيُّرًا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مِنْهَا فَهُوَ نَجِسٌ ؛ إلَّا أَنْ يَكُونَ التَّغَيُّرُ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مِنْ النَّجَاسَةِ الْوَاقِعَةِ فِيهِ ، لِكَثْرَتِهِ وَقِلَّتِهَا ، أَوْ لِمُخَالَفَتِهِ لَوْنَهَا أَوْ طَعْمَهَا ، فَهُوَ طَاهِرٌ ؛ لِأَنَّنَا لَا نَعْلَمُ لِلنَّجَاسَةِ سَبَبًا ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ يَقَعْ فِيهِ شَيْءٌ .","part":1,"page":65},{"id":65,"text":"( 40 ) فَصْلٌ : وَإِنْ تَوَضَّأَ مِنْ الْمَاءِ الْقَلِيلِ ، وَصَلَّى ، ثُمَّ وَجَدَ فِيهِ نَجَاسَةً ، أَوْ تَوَضَّأَ مِنْ مَاءٍ كَثِيرٍ ، ثُمَّ وَجَدَهُ مُتَغَيِّرًا بِنَجَاسَةٍ ، وَشَكَّ هَلْ كَانَ قَبْلَ وُضُوئِهِ ، أَوْ بَعْدَهُ ؟ فَالْأَصْلُ صِحَّةُ طَهَارَتِهِ ، وَإِنْ عَلِمَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْلَ وُضُوئِهِ بِأَمَارَةٍ أَعَادَ ، وَإِنْ عَلِمَ أَنَّ النَّجَاسَةَ قَبْلَ وُضُوئِهِ وَلَمْ يَعْلَمْ أَكَانَ دُونَ الْقُلَّتَيْنِ ، أَوْ كَانَ قُلَّتَيْنِ فَنَقَصَ بِالِاسْتِعْمَالِ أَعَادَ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ نَقْصُ الْمَاءِ .","part":1,"page":66},{"id":66,"text":"( 41 ) فَصْلٌ : إذَا نُزِحَ مَاءُ الْبِئْرِ النَّجِسِ ، فَنَبَعَ فِيهِ بَعْدَ ذَلِكَ مَاءٌ ، أَوْ صُبَّ فِيهِ فَهُوَ طَاهِرٌ ؛ لِأَنَّ أَرْضَ الْبِئْرِ مِنْ جُمْلَةِ الْأَرْضِ الَّتِي تَطْهُرُ بِالْمُكَاثَرَةِ بِمُرُورِ الْمَاءِ عَلَيْهَا ، وَإِنْ نَجِسَتْ جَوَانِبُ الْبِئْرِ ، فَهَلْ يَجِبُ غَسْلُهَا ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ : إحْدَاهُمَا يَجِبُ ؛ لِأَنَّهُ مَحَلُّ نَجَسٍ ، فَأَشْبَهَ رَأْسَ الْبِئْرِ .\rوَالثَّانِيَةُ لَا يَجِبُ ؛ لِلْمَشَقَّةِ اللَّاحِقَةِ بِذَلِكَ ، فَعُفِيَ عَنْهُ ، كَمَحَلِّ الِاسْتِنْجَاءِ ، وَأَسْفَلِ الْحِذَاءِ .","part":1,"page":67},{"id":67,"text":"فَصْلٌ : قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى : سَأَلْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَنْ قُبُورِ الْحِجَارَةِ الَّتِي لِلرُّومِ يَجِيءُ الْمَطَرُ فَيَصِيرُ فِيهَا ، وَيَشْرَبُونَ مِنْ ذَلِكَ ، وَيَتَوَضَّئُونَ ؟ قَالَ : لَوْ غُسِلَتْ كَيْفَ تُغْسَلُ وَالْمَاءُ يَجِيءُ الْمَطَرُ إلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ غَسَلَهَا مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ .\rوَالْأَوْلَى الْحُكْمُ بِطَهَارَتِهَا ؛ لِأَنَّ هَذِهِ قَدْ أَصَابَهَا الْمَاءُ مَرَّاتٍ لَا يُحْصَى عَدَدُهَا ، وَجَرَى عَلَى حِيطَانِهَا مِنْ مَاءِ الْمَطَرِ مَا يُطَهِّرُهَا بَعْضُهُ ؛ وَلِأَنَّ هَذِهِ يَشُقُّ غَسْلُهَا ، فَأَشْبَهَتْ الْأَرْضَ الَّتِي تَطْهُرُ بِمَجِيءِ الْمَطَرِ عَلَيْهَا .","part":1,"page":68},{"id":68,"text":"( 43 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : ( وَإِذَا مَاتَ فِي الْمَاءِ الْيَسِيرِ مَا لَيْسَ لَهُ نَفْسٌ سَائِلَةٌ مِثْلُ الذُّبَابِ وَالْعَقْرَبِ وَالْخُنْفُسَاءِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ ، فَلَا يُنَجِّسُهُ ) النَّفْسُ هَاهُنَا : الدَّمُ يَعْنِي : مَا لَيْسَ لَهُ دَمٌ سَائِلٌ ، وَالْعَرَبُ تُسَمِّي الدَّمَ نَفْسًا ، قَالَ الشَّاعِرُ : أُنْبِئْت أَنَّ بَنِي سُحَيْمٍ أَدْخَلُوا أَبْيَاتَهُمْ تَامُورَ نَفْسِ الْمُنْذِرِ يَعْنِي : دَمَهُ .\rوَمِنْهُ قِيلَ لِلْمَرْأَةِ : نُفَسَاءُ ؛ لِسَيَلَانِ دَمِهَا عِنْدَ الْوِلَادَةِ ، وَتَقُولُ الْعَرَبُ : نَفِسَتْ الْمَرْأَةُ .\rإذَا حَاضَتْ ، وَنَفِسَتْ مِنْ النِّفَاسِ .\rوَكُلُّ مَا لَيْسَ لَهُ دَمٌ سَائِلٌ : كَاَلَّذِي ذَكَرَهُ الْخِرَقِيِّ مِنْ الْحَيَوَانِ الْبَرِّيِّ ، أَوْ حَيَوَانِ الْبَحْرِ ، مِنْهُ الْعَلَقُ ، وَالدِّيدَانُ ، وَالسَّرَطَانُ ، وَنَحْوُهَا ، لَا يَتَنَجَّسُ بِالْمَوْتِ ، وَلَا يَتَنَجَّسُ الْمَاءُ إذَا مَاتَ فِيهِ ، فِي قَوْلِ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ ؛ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : لَا أَعْلَمُ فِي ذَلِكَ خِلَافًا ، إلَّا مَا كَانَ مِنْ أَحَدِ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ ، قَالَ فِيهَا قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا : يَنْجُسُ قَلِيلُ الْمَاءِ .\rقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ : وَهُوَ الْقِيَاسُ وَالثَّانِي : لَا يَنْجُسُ وَهُوَ الْأَصْلَحُ لِلنَّاسِ فَأَمَّا الْحَيَوَانُ فِي نَفْسِهِ فَهُوَ عِنْدَهُ نَجِسٌ ، قَوْلًا وَاحِدًا ؛ لِأَنَّهُ حَيَوَانٌ لَا يُؤْكَلُ لَا لِحُرْمَتِهِ ، فَيَنْجُسُ بِالْمَوْتِ ، كَالْبَغْلِ وَالْحِمَارِ ، وَلَنَا : قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي إنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَمْقُلْهُ ، فَإِنَّ فِي أَحَدِ جَنَاحَيْهِ دَاءً ، وَفِي الْآخَرِ شِفَاءً .\r} رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ، وَأَبُو دَاوُد ، وَفِي لَفْظٍ : { إذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي شَرَابِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْمِسْهُ كُلَّهُ ، ثُمَّ لِيَطْرَحْهُ ؛ فَإِنَّ فِي أَحَدِ جَنَاحَيْهِ سُمًّا ، وَفِي الْآخَرِ شِفَاءً } .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : ثَبَتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ذَلِكَ .\rقَالَ الشَّافِعِيُّ : مَقْلُهُ لَيْسَ بِقَتْلِهِ .\rقُلْنَا : اللَّفْظُ عَامٌّ فِي كُلِّ شَرَابٍ بَارِدٍ ، أَوْ","part":1,"page":69},{"id":69,"text":"حَارٍّ ، أَوْ دُهْنٍ ، مِمَّا يَمُوتُ بِغَمْسِهِ فِيهِ ، فَلَوْ كَانَ يُنَجِّسُ الْمَاءَ كَانَ أَمْرًا بِإِفْسَادِهِ ، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { قَالَ لِسَلْمَانَ : يَا سَلْمَانُ ، أَيُّمَا طَعَامٍ أَوْ شَرَابٍ مَاتَتْ فِيهِ دَابَّةٌ لَيْسَتْ لَهَا نَفْسٌ سَائِلَةٌ ، فَهُوَ الْحَلَالُ : أَكْلُهُ ، وَشُرْبُهُ ، وَوُضُوءُهُ } .\rوَهَذَا صَرِيحٌ .\rأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَالدَّارَقُطْنِيّ ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ : يَرْوِيهِ بَقِيَّةُ ، وَهُوَ مُدَلِّسٌ ، فَإِذَا رَوَى عَنْ الثِّقَاتِ جَوَّدَ وَلِأَنَّهُ لَا نَفْسَ لَهُ سَائِلَةٌ ، لَمْ يَتَوَلَّدْ مِنْ النَّجَاسَةِ ، فَأَشْبَهَ دُودَ الْخَلِّ إذَا مَاتَ فِيهِ ، فَإِنَّهُمْ سَلَّمُوا ذَلِكَ وَنَحْوَهُ ، أَنَّهُ لَا يُنَجِّسُ الْمَائِعَ الَّذِي تَوَلَّدَ مِنْهُ ، إلَّا أَنْ يُؤْخَذَ ثُمَّ يُطْرَحَ فِيهِ ، أَوْ يَشُقَّ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ ، أَشْبَهَ مَا ذَكَرْنَاهُ ، وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ لَا يُنَجِّسُ ، لَزِمَ أَنْ لَا يَكُونَ نَجِسًا ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ نَجِسًا لَنَجَّسَ كَسَائِرِ النَّجَاسَاتِ .\r( 44 ) فَصْلٌ : فَإِنْ غَيَّرَ الْمَاءَ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الطَّاهِرَاتِ ؛ إنْ كَانَ مِمَّا لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ ، كَالْجَرَادِ يَتَسَاقَطُ فِي الْمَاءِ وَنَحْوِهِ ، فَهُوَ كَوَرَقِ الشَّجَرِ الْمُتَنَاثِرِ فِي الْمَاءِ ، يُعْفَى عَنْهُ ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ ، كَاَلَّذِي يُلْقَى فِي الْمَاءِ قَصْدًا ، فَهُوَ كَالْوَرَقِ الَّذِي يُلْقَى فِي الْمَاءِ ، وَلَوْ تَغَيَّرَ الْمَاءُ بِحَيَوَانٍ مُذَكًّى ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يُصِيبَ نَجَاسَةً ، فَقَدْ نَقَلَ إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ ، قَالَ : سُئِلَ أَحْمَدُ عَنْ شَاةٍ مَذْبُوحَةٍ ، وَقَعَتْ فِي مَاءٍ فَتَغَيَّرَ رِيحُ الْمَاءِ ؟ قَالَ : لَا بَأْسَ ، إنَّمَا ذَلِكَ إذَا كَانَ مِنْ نَجَاسَةٍ .\rوَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ : قَالَ أَبِي : وَأَمَّا السَّمَكُ إذَا غَيَّرَ الْمَاءَ ، فَأَرْجُو أَنْ لَا يَكُونَ بِهِ بَأْسٌ .","part":1,"page":70},{"id":70,"text":"( 45 ) فَصْلٌ : ذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ فِيمَنْ ضَرَبَ حَيَوَانًا مَأْكُولًا ، فَوَقَعَ فِي مَاءٍ ، ثُمَّ وَجَدَهُ مَيِّتًا ، وَلَمْ يَعْلَمْ هَلْ مَاتَ بِالْجِرَاحَةِ ، أَوْ بِالْمَاءِ ، فَالْمَاءُ عَلَى أَصْلِهِ فِي الطَّهَارَةِ ، وَالْحَيَوَانُ عَلَى أَصْلِهِ فِي الْحَظْرِ ، إلَّا أَنْ تَكُونَ الْجِرَاحَةُ مُوجِبَةً ، فَيَكُونُ الْحَيَوَانُ أَيْضًا مُبَاحًا ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مَوْتُهُ بِالْجِرَاحِ وَالْمَاءُ طَاهِرٌ ، إلَّا أَنْ يَقَعَ فِيهِ دَمٌ .\r( 46 ) فَصْلٌ : الْحَيَوَانُ ضَرْبَانِ : مَا لَيْسَتْ لَهُ نَفْسٌ سَائِلَةٌ ، وَهُوَ نَوْعَانِ : مَا يَتَوَلَّدُ مِنْ الطَّاهِرَاتِ ، فَهُوَ طَاهِرٌ حَيًّا وَمَيِّتًا ، وَهُوَ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ .\rالثَّانِي ، مَا يَتَوَلَّدُ مِنْ النَّجَاسَاتِ ، كَدُودِ الْحُشِّ وَصَرَاصِرِهِ ، فَهُوَ نَجِسٌ حَيًّا وَمَيِّتًا ؛ لِأَنَّهُ مُتَوَلِّدٌ مِنْ النَّجَاسَةِ فَكَانَ نَجِسًا ، كَوَلَدِ الْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ .\rقَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيِّ : صَرَاصِرُ الْكَنِيفِ وَالْبَالُوعَةِ ، إذَا وَقَعَ فِي الْإِنَاءِ أَوْ الْحَبِّ ، صُبَّ وَصَرَاصِرُ الْبِئْرِ لَيْسَتْ بِقَذِرَةٍ ، وَلَا تَأْكُلُ الْعَذِرَةَ .\rالضَّرْبُ الثَّانِي مَا لَهُ نَفْسٌ سَائِلَةٌ ، وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ : أَحَدُهَا مَا تُبَاحُ مَيْتَتُهُ ، وَهُوَ السَّمَكُ وَسَائِرُ حَيَوَانِ الْبَحْرِ الَّذِي لَا يَعِيشُ إلَّا فِي الْمَاءِ ، فَهُوَ طَاهِرٌ حَيًّا وَمَيِّتًا ، لَوْلَا ذَلِكَ لَمْ يُبَحْ أَكْلُهُ ، وَإِنْ غَيَّرَ الْمَاءَ لَمْ يَمْنَعْ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ .\rالنَّوْعُ الثَّانِي مَا لَا تُبَاحُ مَيْتَتُهُ غَيْرَ الْآدَمِيِّ ؛ كَحَيَوَانِ الْبَرِّ الْمَأْكُولِ ، وَغَيْرِهِ ، كَحَيَوَانِ الْبَحْرِ الَّذِي يَعِيشُ فِي الْبَرِّ ، كَالضِّفْدَعِ ، وَالتِّمْسَاحِ ، وَشَبَهِهِمَا ، فَكُلُّ ذَلِكَ يَنْجُسُ بِالْمَوْتِ ، وَيُنَجِّسُ الْمَاءَ الْقَلِيلَ إذَا مَاتَ فِيهِ ، وَالْكَثِيرَ إذَا غَيَّرَهُ .\rوَبِهَذَا قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو يُوسُفَ .\rوَقَالَ مَالِكٌ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ ، فِي الضِّفْدَعِ : إذَا مَاتَتْ فِي الْمَاءِ لَا تُفْسِدُهُ ؛ لِأَنَّهَا تَعِيشُ فِي الْمَاءِ","part":1,"page":71},{"id":71,"text":"أَشْبَهَتْ السَّمَكَ .\rوَلَنَا أَنَّهَا تُنَجِّسُ غَيْرَ الْمَاءِ ، فَتُنَجِّسُ الْمَاءَ ، كَحَيَوَانِ الْبَرِّ ؛ وَلِأَنَّهُ حَيَوَانٌ لَهُ نَفْسٌ سَائِلَةٌ ، لَا تُبَاحُ مَيْتَتُهُ فَأَشْبَهَ طَيْرَ الْمَاءِ ، وَيُفَارِقُ السَّمَكُ ؛ فَإِنَّهُ مُبَاحٌ ، وَلَا يُنَجِّسُ غَيْرَ الْمَاءِ .\rالنَّوْعُ الثَّالِثُ ، الْآدَمِيُّ الصَّحِيحُ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّهُ طَاهِرٌ حَيًّا وَمَيِّتًا ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الْمُؤْمِنُ لَا يَنْجُسُ } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ : أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ بِئْرٍ وَقَعَ فِيهَا إنْسَانٌ ، فَمَاتَ ؟ قَالَ : يُنْزَحُ حَتَّى يَغْلِبَهُمْ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ ، قَالَ : يَنْجُسُ وَيَطْهُرُ بِالْغَسْلِ ؛ لِأَنَّهُ حَيَوَانٌ لَهُ نَفْسٌ سَائِلَةٌ ، فَنَجُسَ بِالْمَوْتِ ، كَسَائِرِ الْحَيَوَانَاتِ .\rوَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ .\rكَالرِّوَايَتَيْنِ وَالصَّحِيحُ مَا ذَكَرْنَا أَوَّلًا ؛ لِلْخَبَرِ ؛ وَلِأَنَّهُ آدَمِيٌّ ، فَلَمْ يَنْجُسُ بِالْمَوْتِ ، كَالشَّهِيدِ ؛ وَلِأَنَّهُ لَوْ نَجِسَ بِالْمَوْتِ لَمْ يَطْهُرْ بِالْغَسْلِ ؛ كَسَائِرِ الْحَيَوَانَاتِ الَّتِي تَنْجُسُ ، وَلَمْ يُفَرِّقْ أَصْحَابُنَا بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالْكَافِرِ ؛ لِاسْتِوَائِهِمَا فِي الْآدَمِيَّةِ ، وَفِي حَالِ الْحَيَاةِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَنْجُسَ الْكَافِرُ بِمَوْتِهِ ؛ لِأَنَّ الْخَبَرَ إنَّمَا وَرَدَ فِي الْمُسْلِمِ ، وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُ الْكَافِرِ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ ، وَلَيْسَ لَهُ حُرْمَةٌ كَحُرْمَةِ الْمُسْلِمِ .","part":1,"page":72},{"id":72,"text":"( 47 ) فَصْلٌ : وَحُكْمُ أَجْزَاءِ الْآدَمِيِّ وَأَبْعَاضِهِ حُكْمُ جُمْلَتِهِ ، سَوَاءٌ انْفَصَلَتْ فِي حَيَاتِهِ أَوْ بَعْدَ مَوْتِهِ ؛ لِأَنَّهَا أَجْزَاءٌ مِنْ جُمْلَةٍ .\rفَكَانَ حُكْمُهَا كَسَائِرِ الْحَيَوَانَاتِ الطَّاهِرَةِ وَالنَّجِسَةِ ؛ وَلِأَنَّهَا يُصَلَّى عَلَيْهَا ، فَكَانَتْ طَاهِرَةً كَجُمْلَتِهِ .\rوَذِكْرُ الْقَاضِي أَنَّهَا نَجِسَةٌ ، رِوَايَةً وَاحِدَةً ؛ لِأَنَّهَا لَا حُرْمَةَ لَهَا ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يُصَلَّى عَلَيْهَا .\rوَلَا يَصِحُّ هَذَا ؛ فَإِنَّ لَهَا حُرْمَةً ، بِدَلِيلِ أَنَّ كَسْرَ عَظْمِ الْمَيِّتِ كَكَسْرِ عَظْمِ الْحَيِّ ، وَيُصَلَّى عَلَيْهَا إذَا وُجِدَتْ مِنْ الْمَيِّتِ ، ثُمَّ تَبْطُلُ بِشَهِيدِ الْمَعْرَكَةِ ، فَإِنَّهُ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ ، وَهُوَ طَاهِرٌ .","part":1,"page":73},{"id":73,"text":"( 48 ) فَصْلٌ وَفِي الْوَزَغِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا لَا يَنْجُسُ بِالْمَوْتِ ؛ لِأَنَّهُ لَا نَفْسَ لَهُ سَائِلَةً ، أَشْبَهَ الْعَقْرَبَ ؛ وَلِأَنَّهُ إنْ شُكَّ فِي نَجَاسَتِهِ فَالْمَاءُ يَبْقَى عَلَى أَصْلِهِ فِي الطَّهَارَةِ .\rوَالثَّانِي أَنَّهُ يَنْجُسُ ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ .\rإنْ مَاتَتْ الْوَزَغَةُ أَوْ الْفَأْرَةُ فِي الْجُبِّ يُصَبُّ مَا فِيهِ ، وَاذَا مَاتَتْ فِي بِئْرٍ فَانْزَحْهَا حَتَّى تَغْلِبَك .","part":1,"page":74},{"id":74,"text":"( 49 ) فَصْلٌ : وَإِذَا مَاتَ فِي الْمَاءِ حَيَوَانٌ لَا يُعْلَمُ ، هَلْ يَنْجُسُ بِالْمَوْتِ أَمْ لَا ؟ فَالْمَاءُ طَاهِرٌ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ طَهَارَتُهُ ، وَالنَّجَاسَةُ مَشْكُوكٌ فِيهَا ، فَلَا نُزُولَ عَنْ الْيَقِينِ بِالشَّكِّ وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ إنْ شَرِبَ مِنْهُ حَيَوَانٌ يُشَكُّ فِي نَجَاسَةِ سُؤْرِهِ وَطَهَارَتِهِ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا .","part":1,"page":75},{"id":75,"text":"( 50 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : ( وَلَا يُتَوَضَّأُ بِسُؤْرِ كُلِّ بَهِيمَةٍ لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهَا ، إلَّا السِّنَّوْرَ وَمَا دُونَهَا فِي الْخِلْقَةِ ) .\rالسُّؤْرُ فَضْلَةُ الشُّرْبِ .\rوَالْحَيَوَانُ قِسْمَانِ : نَجِسٌ وَطَاهِرٌ .\rفَالنَّجِسُ نَوْعَانِ : أَحَدُهُمَا مَا هُوَ نَجِسٌ ، رِوَايَةً وَاحِدَةً ، وَهُوَ الْكَلْبُ ، وَالْخِنْزِيرُ ، وَمَا تَوَلَّدَ مِنْهُمَا ، أَوْ مِنْ أَحَدِهِمَا ، فَهَذَا نَجِسٌ ، عَيْنُهُ ، وَسُؤْرُهُ ، وَجَمِيعُ مَا خَرَجَ مِنْهُ ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُرْوَةَ ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي عُبَيْدٍ ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ فِي السُّؤْرِ خَاصَّةً .\rوَقَالَ مَالِكٌ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَدَاوُد : سُؤْرُهُمَا طَاهِرٌ ، يُتَوَضَّأُ بِهِ وَيُشْرَبُ ، وَإِنْ وَلَغَا فِي طَعَامٍ لَمْ يَحْرُمْ أَكْلُهُ .\rوَقَالَ الزُّهْرِيُّ : يَتَوَضَّأُ بِهِ إذَا لَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ .\rوَقَالَ عَبْدَةُ بْنُ أَبِي لُبَابَةَ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَابْنُ الْمَاجِشُونِ ، وَابْنُ مَسْلَمَةَ : يَتَوَضَّأُ وَيَتَيَمَّمُ .\rقَالَ مَالِكٌ : وَيُغْسَلُ الْإِنَاءُ الَّذِي وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ تَعَبُّدًا .\rوَاحْتَجَّ بَعْضُهُمْ عَلَى طَهَارَتِهِ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ { : فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ } وَلَمْ يَأْمُرْ بِغَسْلِ مَا أَصَابَهُ فَمُهُ ، وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادِهِ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { سُئِلَ عَنْ الْحِيَاضِ الَّتِي بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ ، تَرِدُهَا السِّبَاعُ وَالْكِلَابُ وَالْحُمُرُ ، وَعَنْ الطَّهَارَةِ بِهَا ؟ فَقَالَ : لَهَا مَا حَمَلَتْ فِي بُطُونِهَا ، وَلَنَا مَا غَبَرَ طَهُورٌ } ؛ وَلِأَنَّهُ حَيَوَانٌ فَكَانَ طَاهِرًا كَالْمَأْكُولِ .\rوَلَنَا مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { إذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي إنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعًا } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ، وَلِمُسْلِمٍ : { فَلْيُرِقْهُ ، ثُمَّ لِيَغْسِلْهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ } ، وَلَوْ كَانَ سُؤْرُهُ طَاهِرًا لَمْ تَجُزْ إرَاقَتُهُ ، وَلَا وَجَبَ غَسْلُهُ .\rفَإِنْ قِيلَ : إنَّمَا وَجَبَ غَسْلُهُ","part":1,"page":76},{"id":76,"text":"تَعَبُّدًا ، كَمَا تُغْسَلُ أَعْضَاءُ الْوُضُوءِ وَتُغْسَلُ الْيَدُ مِنْ نَوْمِ اللَّيْلِ .\rقُلْنَا : الْأَصْلُ وُجُوبُ الْغَسْلِ مِنْ النَّجَاسَةِ ؛ بِدَلِيلِ سَائِرِ الْغَسْلِ ، ثُمَّ لَوْ كَانَ تَعَبُّدًا لَمَا أَمَرَ بِإِرَاقَةِ الْمَاءِ ، وَلَمَا اخْتَصَّ الْغَسْلَ بِمَوْضِعِ الْوُلُوغِ ؛ لِعُمُومِ اللَّفْظِ فِي الْإِنَاءِ كُلِّهِ .\rوَأَمَّا غَسْلُ الْيَدِ مِنْ النَّوْمِ فَإِنَّمَا أَمَرَ بِهِ لِلِاحْتِفَاظِ ؛ لِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُونَ يَدُهُ قَدْ أَصَابَتْهَا نَجَاسَةٌ ، فَيَتَنَجَّسُ الْمَاءُ ، ثُمَّ تُنَجَّسُ أَعْضَاؤُهُ بِهِ ، وَغَسْلُ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ شُرِعَ لِلْوَضَاءَةِ وَالنَّظَافَةِ لِيَكُونَ الْعَبْدُ فِي حَالِ قِيَامِهِ بَيْنَ يَدَيْ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَلَى أَحْسَنِ حَالٍ وَأَكْمَلِهَا ، ثُمَّ إنْ سَلَّمْنَا ذَلِكَ ، فَإِنَّمَا عَهِدْنَا التَّعَبُّدَ فِي غَسْلِ الْيَدَيْنِ .\rأَمَّا الْآنِيَةُ وَالثِّيَابُ فَإِنَّمَا يَجِبُ غَسْلُهَا مِنْ النَّجَاسَاتِ ، وَقَدْ رُوِيَ فِي لَفْظٍ : { طَهُورُ إنَاءِ أَحَدِكُمْ إذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِيهِ أَنْ يَغْسِلَهُ سَبْعًا } أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد ، وَلَا يَكُونُ الطَّهُورُ إلَّا فِي مَحَلِّ الطَّهَارَةِ .\rوَقَوْلُهُمْ : إنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِأَكْلِ مَا أَمْسَكَهُ الْكَلْبُ قَبْلَ غَسْلِهِ ، قُلْنَا : اللَّهُ تَعَالَى أَمَرَ بِأَكْلِهِ ، وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِغَسْلِهِ ، فَيُعْمَلُ بِأَمْرِهِمَا ، وَإِنْ سَلَّمْنَا أَنَّهُ لَا يَجِبُ غَسْلُهُ فَلِأَنَّهُ يَشُقُّ ، فَعُفِيَ عَنْهُ ، وَحَدِيثُهُمْ قَضِيَّةٌ فِي عَيْنٍ ، يَحْتَمِلُ أَنَّ الْمَاءَ الْمَسْئُولَ عَنْهُ كَانَ كَثِيرًا ، وَلِذَلِكَ قَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ ، حِينَ سُئِلَ عَنْ الْمَاءِ ، وَمَا يَنُوبُهُ مِنْ السِّبَاعِ : { إذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلْ الْخَبَثَ } ؛ وَلِأَنَّ الْمَاءَ لَا يَنْجُسُ إلَّا بِالتَّغَيُّرِ عَلَى رِوَايَةٍ لَنَا ، وَشُرْبُهَا مِنْ الْمَاءِ لَا يُغَيِّرُهُ ، فَلَمْ يُنَجِّسْهُ ذَلِكَ النَّوْعُ الثَّانِي مَا اُخْتُلِفَ فِيهِ ، وَهُوَ سَائِرُ سِبَاعِ الْبَهَائِمِ ، إلَّا السِّنَّوْرَ وَمَا دُونَهَا فِي الْخِلْقَةِ ، وَكَذَلِكَ جَوَارِحُ الطَّيْرِ ،","part":1,"page":77},{"id":77,"text":"وَالْحِمَارُ الْأَهْلِيُّ وَالْبَغْلُ ؛ فَعَنْ أَحْمَدَ أَنَّ سُؤْرَهَا نَجِسٌ ، إذَا لَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ تَيَمَّمَ ، وَتَرَكَهُ .\rوَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ : أَنَّهُ كَرِهَ سُؤْرَ الْحِمَارِ .\rوَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ ، وَابْنِ سِيرِينَ ، وَالشَّعْبِيِّ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَحَمَّادٍ ، وَإِسْحَاقَ وَعَنْ أَحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ : أَنَّهُ قَالَ فِي الْبَغْلِ وَالْحِمَارِ : إذَا لَمْ يَجِدْ غَيْرَ سُؤْرِهِمَا تَيَمَّمَ مَعَهُ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَالثَّوْرِيِّ .\rوَهَذِهِ الرِّوَايَةُ تَدُلُّ عَلَى طَهَارَةِ سُؤْرِهِمَا ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ نَجِسًا لَمْ تَجُزْ الطَّهَارَةُ بِهِ وَرُوِيَ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ سَعِيدٍ : لَا بَأْسَ بِسُؤْرِ السِّبَاعِ ؛ لِأَنَّ عُمَرَ قَالَ فِي السِّبَاعِ : تَرِدُ عَلَيْنَا ، وَنَرِدُ عَلَيْهَا .\rوَرَخَّصَ فِي سُؤْرِ جَمِيعِ ذَلِكَ الْحَسَنُ ، وَعَطَاءٌ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَيَحْيَى الْأَنْصَارِيُّ ، وَبُكَيْر بْنُ الْأَشَجِّ ، وَرَبِيعَةُ ، وَأَبُو الزِّنَادِ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ ؛ لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ فِي الْحِيَاضِ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ جَابِرٍ أَيْضًا ، وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ عَنْ جَابِرٍ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { سُئِلَ : أَنَتَوَضَّأُ بِمَا أَفْضَلَتْ الْحُمُرُ ؟ قَالَ : نَعَمْ وَبِمَا أَفْضَلَتْ السِّبَاعُ كُلُّهَا } رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ فِي \" مُسْنَدِهِ \" ، وَهَذَا نَصٌّ ؛ وَلِأَنَّهُ حَيَوَانٌ يَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِهِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ ، فَكَانَ طَاهِرًا كَالشَّاةِ .\rوَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ عَنْ الْمَاءِ ، وَمَا يَنُوبُهُ مِنْ السِّبَاعِ ؟ فَقَالَ : \" إذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَنْجُسْ \" .\rوَلَوْ كَانَتْ طَاهِرَةً لَمْ يَحُدَّهُ بِالْقُلَّتَيْنِ ، وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { فِي الْحُمُرِ يَوْمَ خَيْبَرَ : إنَّهَا رِجْسٌ } وَلِأَنَّهُ حَيَوَانٌ حَرُمَ أَكْلُهُ ، لَا لِحُرْمَتِهِ ، يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ غَالِبًا ، أَشْبَهَ الْكَلْبَ ؛ وَلِأَنَّ السِّبَاعَ وَالْجَوَارِحَ الْغَالِبُ عَلَيْهَا أَكْلُ الْمَيْتَاتِ وَالنَّجَاسَاتِ ،","part":1,"page":78},{"id":78,"text":"فَتُنَجَّسُ أَفْوَاهُهَا ، وَلَا يَتَحَقَّقُ وُجُودُ مُطَهِّرٍ لَهَا ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُقْضَى بِنَجَاسَتِهَا ، كَالْكِلَابِ ، وَحَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ قَدْ أَجَبْنَا عَنْهُ ، وَيَتَعَيَّنُ حَمْلُهُ عَلَى الْمَاءِ الْكَثِيرِ ، عِنْدَ مَنْ يَرَى نَجَاسَةَ سُؤْرِ الْكَلْبِ ، وَالْحَدِيثُ الْآخَرُ يَرْوِيهِ ابْنُ أَبِي حَبِيبَةَ ، وَهُوَ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ .\rقَالَهُ الْبُخَارِيُّ .\rوَإِبْرَاهِيمُ بْنُ يَحْيَى ، وَهُوَ كَذَّابٌ .\rوَالصَّحِيحُ عِنْدِي : طَهَارَةُ الْبَغْلِ وَالْحِمَارِ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَرْكَبُهَا ، وَتُرْكَبُ فِي زَمَنِهِ ، وَفِي عَصْرِ الصَّحَابَةِ ، فَلَوْ كَانَ نَجِسًا لَبَيَّنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ ؛ وَلِأَنَّهُمَا لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُمَا لِمُقْتَنِيهِمَا .\rفَأَشْبَهَا السِّنَّوْرَ ، وَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" إنَّهَا رِجْسٌ \" .\rأَرَادَ أَنَّهَا مُحَرَّمَةٌ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَالْأَنْصَابِ وَالْأَزْلَامِ إنَّهَا \" رِجْسٌ \" ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ لَحْمَهَا الَّذِي كَانَ فِي قُدُورِهِمْ ، فَإِنَّهُ رِجْسٌ ، فَإِنَّ ذَبْحَ مَا لَا يَحِلُّ أَكْلُهُ لَا يُطَهِّرُهُ .\rالْقِسْمُ الثَّانِي طَاهِرٌ فِي نَفْسِهِ ، وَسُؤْرِهِ وَعَرَقِهِ ، وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَضْرُبٍ : الْأَوَّلُ ، الْآدَمِيُّ ، فَهُوَ طَاهِرٌ ، وَسُؤْرُهُ طَاهِرٌ ، سَوَاءٌ كَانَ مُسْلِمًا أَمْ كَافِرًا ، عِنْدَ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، إلَّا أَنَّهُ حُكِيَ عَنْ النَّخَعِيِّ أَنَّهُ كَرِهَ سُؤْرَ الْحَائِضِ ، وَعَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ ، لَا يُتَوَضَّأُ مِنْهُ ، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { الْمُؤْمِنُ لَا يَنْجُسُ } .\rوَعَنْ عَائِشَةَ { أَنَّهَا كَانَتْ تَشْرَبُ مِنْ الْإِنَاءِ ، وَهِيَ حَائِضٌ ، فَيَأْخُذُهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَضَعُ فَاهُ عَلَى مَوْضِعِ فِيهَا فَيَشْرَبُ ، وَتَتَعَرَّقُ الْعَرْقَ فَيَأْخُذُهُ فَيَضَعُ فَاهُ عَلَى مَوْضِعِ فِيهَا .\r} رَوَاهُ مُسْلِمٌ ، { وَكَانَتْ تَغْسِلُ رَأْسَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهِيَ","part":1,"page":79},{"id":79,"text":"حَائِضٌ } ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ، وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لِعَائِشَةَ : نَاوِلِينِي الْخُمْرَةَ مِنْ الْمَسْجِدِ قَالَتْ : إنِّي حَائِضٌ .\rقَالَ : إنَّ حَيْضَتَك لَيْسَتْ فِي يَدِك } .","part":1,"page":80},{"id":80,"text":"الضَّرْبُ الثَّانِي مَا أُكِلَ لَحْمُهُ ؛ فَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْمُنْذِرِ أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ سُؤْرَ مَا أُكِلَ لَحْمُهُ يَجُوزُ شُرْبُهُ ، وَالْوُضُوءُ بِهِ .\rفَإِنْ كَانَ جَلَّالًا يَأْكُلُ النَّجَاسَاتِ .\rفَذَكَرَ الْقَاضِي رِوَايَتَيْنِ إحْدَاهُمَا : أَنَّهُ نَجِسٌ .\rوَالثَّانِيَةُ : طَاهِرٌ فَيَكُونُ هَذَا مِنْ النَّوْعِ الثَّانِي مِنْ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ .","part":1,"page":81},{"id":81,"text":"الضَّرْبُ الثَّالِثُ السِّنَّوْرُ وَمَا دُونَهَا فِي الْخِلْقَةِ ؛ كَالْفَأْرَةِ ، وَابْنِ عِرْسٍ ، فَهَذَا وَنَحْوُهُ مِنْ حَشَرَاتِ الْأَرْضِ سُؤْرُهُ طَاهِرٌ ، يَجُوزُ شُرْبُهُ وَالْوُضُوءُ بِهِ .\rوَلَا يُكْرَهُ .\rوَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ؛ مِنْ الصَّحَابَةِ ، وَالتَّابِعِينَ ، مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ، وَالشَّامِ ، وَأَهْلِ الْكُوفَةِ أَصْحَابِ الرَّأْيِ ، إلَّا أَبَا حَنِيفَةَ ، فَإِنَّهُ كَرِهَ الْوُضُوءَ بِسُؤْرِ الْهِرِّ ، فَإِنْ فَعَلَ أَجْزَأَهُ .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَرِهَهُ ، وَكَذَلِكَ يَحْيَى الْأَنْصَارِيُّ ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى .\rوَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ ، يُغْسَلُ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ .\rوَبِهِ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ .\rوَقَالَ الْحَسَنُ ، وَابْنُ سِيرِينَ : يُغْسَلُ مَرَّةً .\rوَقَالَ طَاوُسٌ : يُغْسَلُ سَبْعًا ، كَالْكَلْبِ .\rوَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد ، بِإِسْنَادِهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ ، وَقَالَ : { إذَا وَلَغَتْ فِيهِ الْهِرَّةُ غُسِلَ مَرَّةً } .\rوَلَنَا مَا رُوِيَ عَنْ كَبْشَةَ بِنْتِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ، وَكَانَتْ تَحْتَ أَبِي قَتَادَةَ ، أَنَّ أَبَا قَتَادَةَ دَخَلَ عَلَيْهَا ، فَسَكَبَتْ لَهُ وَضُوءًا ، قَالَتْ : فَجَاءَتْ هِرَّةٌ فَأَصْغَى لَهَا الْإِنَاءَ حَتَّى شَرِبَتْ ، قَالَتْ كَبْشَةُ : فَرَآنِي أَنْظُرُ إلَيْهِ ، فَقَالَ : أَتَعْجَبِينَ يَا ابْنَةَ أَخِي ؟ فَقُلْت : نَعَمْ .\rفَقَالَ : إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { قَالَ : إنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجَسٍ ، إنَّهَا مِنْ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ وَالطَّوَّافَاتِ } .\rأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَقَالَ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ .\rوَهَذَا أَحْسَنُ شَيْءٍ فِي الْبَابِ .\rوَقَدْ دَلَّ بِلَفْظِهِ عَلَى نَفْيِ الْكَرَاهَةِ عَنْ سُؤْرِ الْهِرِّ ، وَبِتَعْلِيلِهِ عَلَى نَفْيِ الْكَرَاهَةِ عَمَّا دُونَهَا مِمَّا يَطُوفُ عَلَيْنَا .\rوَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ ، عَنْ عَائِشَةَ ، قَالَتْ : { كُنْت أَتَوَضَّأُ أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ إنَاءٍ ، قَدْ أَصَابَتْ مِنْهُ","part":1,"page":82},{"id":82,"text":"الْهِرَّةُ قَبْلَ ذَلِكَ } .\rوَعَنْ عَائِشَةَ ، أَنَّهَا قَالَتْ { : إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجَسٍ ، إنَّمَا هِيَ مِنْ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ .\rوَقَدْ رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَوَضَّأُ بِفَضْلِهَا .\r} رَوَاهُ أَبُو دَاوُد .","part":1,"page":83},{"id":83,"text":"( 51 ) فَصْلٌ : إذَا أَكَلَتْ الْهِرَّةُ نَجَاسَةً ثُمَّ شَرِبَتْ مِنْ مَاءٍ يَسِيرٍ بَعْدَ أَنْ غَابَتْ ، فَالْمَاءُ طَاهِرٌ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَفَى عَنْهَا النَّجَاسَةَ ، وَتَوَضَّأَ بِفَضْلِهَا ، مَعَ عِلْمِهِ بِأَكْلِهَا النَّجَاسَاتِ .\rوَإِنْ شَرِبَتْ قَبْلَ أَنْ تَغِيبَ ، فَقَالَ الْقَاضِي ، وَابْنُ عَقِيلٍ : يَنْجُسُ ؛ لِأَنَّهُ وَرَدَتْ عَلَيْهِ نَجَاسَةٌ مُتَيَقَّنَةٌ ، أَشْبَهَ مَا لَوْ أَصَابَهُ بَوْلٌ .\rوَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ الْآمِدِيُّ : ظَاهِرُ مَذْهَبِ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ طَاهِرٌ ، وَإِنْ لَمْ تَغِبْ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَفَى عَنْهَا مُطْلَقًا ، وَعَلَّلَ بِعَدَمِ إمْكَانِ الِاحْتِرَازِ عَنْهَا ؛ وَلِأَنَّنَا حَكَمْنَا بِطَهَارَةِ سُؤْرِهَا مَعَ الْغَيْبَةِ فِي مَكَان لَا يُحْتَمَلُ وُرُودُهَا عَلَى مَاءٍ كَثِيرٍ يُطَهِّرُ فَاهَا ، وَلَوْ احْتَمَلَ ذَلِكَ فَهُوَ شَكٌّ لَا يُزِيلُ يَقِينَ النَّجَاسَةِ ، فَوَجَبَ إحَالَةُ الطَّهَارَةِ عَلَى الْعَفْوِ عَنْهَا ، وَهُوَ شَامِلٌ لِمَا قَبْلَ الْغَيْبَةِ .","part":1,"page":84},{"id":84,"text":"( 52 ) فَصْلٌ : وَإِنْ وَقَعْت الْفَأْرَةُ أَوْ الْهِرَّةُ وَنَحْوُهُمَا ، فِي مَائِعٍ ، أَوْ مَاءٍ يَسِيرٍ ، ثُمَّ خَرَجَتْ حَيَّةٌ ، فَهُوَ طَاهِرٌ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، فَإِنَّهُ سُئِلَ عَنْ الْفَأْرَةِ تَقَعُ فِي السَّمْنِ الذَّائِبِ ، فَلَمْ تَمُتْ ؟ قَالَ : لَا بَأْسَ بِأَكْلِهِ .\rوَفِي رِوَايَةٍ قَالَ : إذَا كَانَ حَيًّا فَلَا شَيْءَ ، إنَّمَا الْكَلَامُ فِي الْمَيِّتِ .\rوَقِيلَ : يُحْتَمَلُ أَنْ يَنْجُسَ إذَا أَصَابَ الْمَاءُ مَخْرَجَهَا ؛ لِأَنَّ مَخْرَجَ النَّجَاسَةِ نَجِسٌ ، فَيَنْجُسُ بِهِ الْمَاءُ .\rوَلَنَا أَنَّ الْأَصْلَ الطَّهَارَةُ ، وَإِصَابَةُ الْمَاءِ لِمَوْضِعِ النَّجَاسَةِ مَشْكُوكٌ فِيهِ ، فَإِنَّ الْمَخْرَجَ يَنْضَمُّ إذَا وَقَعَ الْحَيَوَانُ فِي الْمَاءِ ، فَلَا يَزُولُ الْيَقِينُ بِالشَّكِّ .","part":1,"page":85},{"id":85,"text":"فَصْلٌ : كُلُّ حَيَوَانٍ حُكْمُ جِلْدِهِ وَشَعْرِهِ وَعَرَقِهِ وَدَمْعِهِ وَلُعَابِهِ حُكْمُ سُؤْرِهِ فِي الطَّهَارَةِ وَالنَّجَاسَةِ ؛ لِأَنَّ السُّؤْرَ إنَّمَا يَثْبُتُ فِيهِ حُكْمُ النَّجَاسَةِ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي يَنْجُسُ لِمُلَاقَاتِهِ لُعَابَ الْحَيَوَانِ وَجِسْمَهُ ، فَلَوْ كَانَ طَاهِرًا كَانَ سُؤْرُهُ طَاهِرًا ، وَإِذَا كَانَ نَجِسًا كَانَ سُؤْرُهُ نَجِسًا .","part":1,"page":86},{"id":86,"text":"( 54 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : ( وَكُلُّ إنَاءٍ حَلَّتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ ؛ مِنْ وُلُوغِ كَلْبٍ ، أَوْ بَوْلٍ ، أَوْ غَيْرِهِ ، فَإِنَّهُ يُغْسَلُ سَبْعَ مَرَّاتٍ إحْدَاهُنَّ بِالتُّرَابِ ) النَّجَاسَةُ تَنْقَسِمُ قِسْمَيْنِ : أَحَدُهُمَا ؛ نَجَاسَةُ الْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ وَالْمُتَوَلِّدِ مِنْهُمَا ، فَهَذَا لَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ فِي أَنَّهُ يَجِبُ غَسْلُهَا سَبْعًا ، إحْدَاهُنَّ بِالتُّرَابِ ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ : أَنَّهُ يَجِبُ غَسْلُهَا ثَمَانِيًا ، إحْدَاهُنَّ بِالتُّرَابِ ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ الْحَسَنِ ؛ لِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُغَفَّلِ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { قَالَ : إذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي الْإِنَاءِ فَاغْسِلُوهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ ، وَعَفِّرُوهُ الثَّامِنَةَ بِالتُّرَابِ .\r} رَوَاهُ مُسْلِمٌ .\rوَالرِّوَايَةُ الْأُولَى أَصَحُّ ، وَيُحْمَلُ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّهُ عَدَّ التُّرَابَ ثَامِنَةً ؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ وُجِدَ مَعَ إحْدَى الْغَسَلَاتِ فَهُوَ جِنْسٌ آخَرُ ، فَيُجْمَعُ بَيْنَ الْخَبَرَيْنِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَجِبُ الْعَدَدُ فِي شَيْءٍ مِنْ النَّجَاسَاتِ ، وَإِنَّمَا يُغْسَلُ حَتَّى يَغْلِبَ عَلَى الظَّنِّ نَقَاؤُهُ مِنْ النَّجَاسَةِ ؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ فِي الْكَلْبِ يَلَغُ فِي الْإِنَاءِ : { يُغْسَلُ ثَلَاثًا ، أَوْ خَمْسًا ، أَوْ سَبْعًا } فَلَمْ يُعَيِّنْ عَدَدًا ؛ وَلِأَنَّهَا نَجَاسَةٌ ، فَلَمْ يَجِبْ فِيهَا الْعَدَدُ ، كَمَا لَوْ كَانَتْ عَلَى الْأَرْضِ .\rوَلَنَا مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { إذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي إنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعًا } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ، وَلِمُسْلِمٍ ، وَأَبِي دَاوُد : { أُولَاهُنَّ بِالتُّرَابِ } .\rوَحَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُغَفَّلِ ، الَّذِي ذَكَرْنَاهُ .\rوَحَدِيثُهُمْ يَرْوِيهِ عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ الضَّحَّاكِ ، وَهُوَ ضَعِيفٌ .\rوَقَدْ رَوَى غَيْرُهُ مِنْ الثِّقَاتِ : { فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعًا } .\rوَعَلَى أَنَّهُ يَحْتَمِلُ الشَّكَّ مِنْ الرَّاوِي ، فَيَنْبَغِي أَنْ","part":1,"page":87},{"id":87,"text":"يُتَوَقَّفَ فِيهِ ، وَيُعْمَلَ بِغَيْرِهِ .\rوَأَمَّا الْأَرْضُ فَإِنَّهُ سُومِحَ فِي غَسْلِهَا لِلْمَشَقَّةِ ، بِخِلَافِ غَيْرِهَا .\r( 55 ) فَصْلٌ : فَإِنْ جَعَلَ مَكَانَ التُّرَابِ غَيْرَهُ ؛ مِنْ الْأُشْنَانِ ، وَالصَّابُونِ ، وَالنُّخَالَةِ ، وَنَحْوِ ذَلِكَ ، أَوْ غَسَلَهُ غَسْلَةً ثَامِنَةً ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : فِيهِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا لَا يُجْزِئُهُ ؛ لِأَنَّهُ طَهَارَةٌ أُمِرَ فِيهَا بِالتُّرَابِ ، فَلَمْ يَقُمْ غَيْرُهُ مَقَامَهُ ، كَالتَّيَمُّمِ ؛ وَلِأَنَّ الْأَمْرَ بِهِ تَعَبُّدٌ غَيْرُ مَعْقُولٍ ، فَلَا يَجُوزُ الْقِيَاسُ فِيهِ .\rوَالثَّانِي : يُجْزِئُهُ ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ أَبْلَغُ مِنْ التُّرَابِ فِي الْإِزَالَةِ ، فَنَصُّهُ عَلَى التُّرَابِ تَنْبِيهٌ عَلَيْهَا ؛ وَلِأَنَّهُ جَامِدٌ أُمِرَ بِهِ فِي إزَالَةِ النَّجَاسَةِ ، فَأُلْحِقَ بِهِ مَا يُمَاثِلُهُ كَالْحَجَرِ فِي الِاسْتِجْمَارِ .\rفَأَمَّا الْغَسْلَةُ الثَّامِنَةُ فَالصَّحِيحُ أَنَّهَا لَا تَقُومُ مَقَامَ التُّرَابِ ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ الْقَصْدُ بِهِ تَقْوِيَةُ الْمَاءِ فِي الْإِزَالَةِ فَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ بِالثَّامِنَةِ ؛ لِأَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا أَبْلَغُ فِي الْإِزَالَةِ ، وَإِنْ وَجَبَ تَعَبُّدًا امْتَنَعَ إبْدَالُهُ ، وَالْقِيَاسُ عَلَيْهِ .\rوَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا : إنَّمَا يَجُوزُ الْعُدُولُ إلَى غَيْرِ التُّرَابِ عِنْدَ عَدَمِهِ ، أَوْ إفْسَادِ الْمَحَلِّ الْمَغْسُولِ بِهِ ، فَأَمَّا مَعَ وُجُودِهِ وَعَدَمِ الضَّرَرِ فَلَا وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ حَامِدٍ .\rالْقِسْمُ الثَّانِي : نَجَاسَةُ غَيْرِ الْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ ، فَفِيهَا رِوَايَتَانِ : إحْدَاهُمَا يَجِبُ الْعَدَدُ فِيهَا قِيَاسًا عَلَى نَجَاسَةِ الْوُلُوغِ ، وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، ، أَنَّهُ قَالَ : { أُمِرْنَا بِغَسْلِ الْأَنْجَاسِ سَبْعًا .\r} فَيَنْصَرِفُ إلَى أَمْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rوَالثَّانِيَةُ ، لَا يَجِبُ الْعَدَدُ ، بَلْ يُجْزِئُ فِيهَا الْمُكَاثَرَةُ بِالْمَاءِ مِنْ غَيْرِ عَدَدٍ ، بِحَيْثُ تَزُولُ عَيْنُ النَّجَاسَةِ ، وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ لِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ : { كَانَتْ الصَّلَاةُ خَمْسِينَ ، وَالْغُسْلُ مِنْ الْجَنَابَةِ","part":1,"page":88},{"id":88,"text":"سَبْعَ مَرَّاتٍ ، وَالْغَسْلُ مِنْ الْبَوْلِ سَبْعَ مَرَّاتٍ ، فَلَمْ يَزَلْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْأَلُ حَتَّى جُعِلَتْ الصَّلَاةُ خَمْسًا ، وَالْغَسْلُ مِنْ الْبَوْلِ مَرَّةً ، وَالْغُسْلُ مِنْ الْجَنَابَةِ مَرَّةً } رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ، فِي \" مُسْنَدِهِ \" وَأَبُو دَاوُد ، فِي \" سُنَنِهِ \" وَهَذَا نَصٌّ ، إلَّا أَنَّ فِي مُرَاجَعَةِ أَيُّوبَ بْنِ جَابِرٍ ، وَهُوَ ضَعِيفٌ ، وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إذَا أَصَابَ إحْدَاكُنَّ الدَّمُ مِنْ الْحَيْضَةِ فَلْتَقْرُصْهُ ، ثُمَّ لِتَنْضَحْهُ بِمَاءٍ ، ثُمَّ لِتُصَلِّ فِيهِ } .\rرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ .\rوَلَمْ يَأْمُرْ فِيهِ بِعَدَدٍ ، وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ ، { أَنَّ امْرَأَةً رَكِبَتْ رِدْفَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى نَاقَتِهِ ، فَلَمَّا نَزَلَتْ إذَا عَلَى حَقِيبَتِهِ شَيْءٌ مِنْ دَمِهَا ، فَأَمَرَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ تَجْعَلَ فِي الْمَاءِ مِلْحًا ، ثُمَّ تَغْسِلَ بِهِ الدَّمَ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَلَمْ يَأْمُرْهَا بِعَدَدٍ { ، وَأَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُصَبَّ عَلَى بَوْلِ الْأَعْرَابِيِّ سَجْلٌ مِنْ مَاءٍ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ، وَلَمْ يَأْمُرْ بِالْعَدَدِ .\rوَلِأَنَّهَا نَجَاسَةُ غَيْرِ الْكَلْبِ ، فَلَمْ يَجِبْ فِيهَا الْعَدَدُ ، وَرُوِيَ أَنَّ الْعَدَدَ لَا يُعْتَبَرُ فِي غَيْرِ مَحَلِّ الِاسْتِنْجَاءِ مِنْ الْبَدَنِ ، وَيُعْتَبَرُ فِي مَحَلِّ الِاسْتِنْجَاءِ وَبَقِيَّةِ الْمَحَالِّ ، قَالَ الْخَلَّالُ : هَذِهِ الرِّوَايَةُ وَهَمٌ .\rوَلَمْ يُثْبِتْهَا .\rفَإِذَا قُلْنَا : بِوُجُوبِ الْعَدَدِ ، فَفِي قَدْرِهِ رِوَايَتَانِ : إحْدَاهُمَا سَبْعٌ ؛ لِمَا قَدَّمْنَا .\rوَالثَّانِيَةُ ، ثَلَاثٌ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { إذَا قَامَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ فَلَا يَغْمِسْ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلَاثًا ؛ فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rإلَّا قَوْلَهُ \" ثَلَاثًا \" انْفَرَدَ بِهِ مُسْلِمٌ ، أَمَرَ بِغَسْلِهَا ثَلَاثًا ؛ لِيَرْتَفِعَ وَهْمُ النَّجَاسَةِ ، وَلَا يَرْفَعُ وَهْمَ","part":1,"page":89},{"id":89,"text":"النَّجَاسَةِ إلَّا مَا يَرْفَعُ حَقِيقَتَهَا .\rوَقَدْ رُوِيَ أَنَّ النَّجَاسَةَ فِي مَحَلِّ الِاسْتِنْجَاءِ تَطْهُرُ بِثَلَاثٍ ، وَفِي غَيْرِهِ تَطْهُرُ بِسَبْعٍ ؛ لِأَنَّ مَحَلَّ الِاسْتِنْجَاءِ تَتَكَرَّرُ فِيهِ النَّجَاسَةُ ، فَاقْتَضَى ذَلِكَ التَّخْفِيفَ ، وَقَدْ اُجْتُزِئَ فِيهَا بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ ، مَعَ أَنَّ الْمَاءَ أَبْلَغُ فِي الْإِزَالَةِ ، فَأَوْلَى أَنْ يَجْتَزِئَ فِيهَا بِثَلَاثِ غَسَلَاتٍ .\rقَالَ الْقَاضِي : الظَّاهِرُ مِنْ قَوْلِ أَحْمَدَ مَا اخْتَارَ الْخِرَقِيِّ ، وَهُوَ وُجُوبُ الْعَدَدِ فِي جَمِيعِ النَّجَاسَاتِ .\rفَإِنْ قُلْنَا لَا يَجِبُ الْعَدَدُ لَمْ يَجِبْ التُّرَابُ ، وَكَذَلِكَ إنْ قُلْنَا : لَا يَجِبُ الْغَسْلُ سَبْعًا ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ وُجُوبِهِ ، وَلَمْ يَرِدْ الشَّرْعُ بِهِ إلَّا فِي نَجَاسَةِ الْوُلُوغِ .\rوَإِنْ قُلْنَا بِوُجُوبِ السَّبْعِ ، فَفِي وُجُوبِ التُّرَابِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا يَجِبُ ؛ قِيَاسًا عَلَى الْوُلُوغِ .\rوَالثَّانِي لَا يَجِبُ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِالْغَسْلِ لِلدَّمِ وَغَيْرِهِ ، وَلَمْ يَأْمُرْ بِالتُّرَابِ إلَّا فِي نَجَاسَةِ الْوُلُوغِ ، فَوَجَبَ أَنْ يُقْتَصَرَ عَلَيْهِ ؛ وَلِأَنَّ التُّرَابَ إنْ أُمِرَ بِهِ تَعَبُّدًا وَجَبَ قَصْرُهُ عَلَى مَحَلِّهِ ، وَإِنْ أُمِرَ بِهِ لِمَعْنًى فِي الْوُلُوغِ لِلزَّوْجَةِ فِيهِ لَا تَنْقَلِعُ إلَّا بِالتُّرَابِ ، فَلَا يُوجَدُ ذَلِكَ فِي غَيْرِهِ ، وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَجْعَلَ التُّرَابَ فِي الْغَسْلَةِ الْأُولَى ؛ لِمُوَافَقَتِهِ لَفْظَ الْخَبَرِ ، وَلِيَأْتِيَ الْمَاءُ عَلَيْهِ بَعْدَهُ فَيُنَظِّفُهُ ، وَمَتَى غَسَلَ بِهِ أَجْزَأَهُ ؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ فِي حَدِيثٍ : \" إحْدَاهُنَّ بِالتُّرَابِ \" .\rوَفِي حَدِيثٍ : \" أُولَاهُنَّ \" ، وَفِي حَدِيثٍ : \" فِي الثَّامِنَةِ \" ، فَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَحَلَّ التُّرَابِ مِنْ الْغَسَلَاتِ غَيْرُ مَقْصُودٍ .","part":1,"page":90},{"id":90,"text":"( 56 ) فَصْلٌ : إذَا أَصَابَ الْمَحَلَّ نَجَاسَاتٌ مُتَسَاوِيَةٌ فِي الْحُكْمِ فَهِيَ كَنَجَاسَةٍ وَاحِدَةٍ ، وَإِنْ كَانَ بَعْضُهَا أَغْلَظَ ، كَالْوُلُوغِ مَعَ غَيْرِهِ ، فَالْحُكْمُ لِأَغْلَظِهَا ، وَيَدْخُلُ فِيهِ مَا دُونَهُ .\rوَلَوْ غَسَلَ الْإِنَاءَ دُونَ السَّبْعِ ، ثُمَّ وَلَغَ فِيهِ مَرَّةً أُخْرَى ، فَغَسَلَهُ سَبْعًا ، أَجْزَأَ ؛ لِأَنَّهُ إذَا أَجْزَأَ عَمَّا يُمَاثِلُ فَعَمَّا دُونَهُ أَوْلَى .","part":1,"page":91},{"id":91,"text":"( 57 ) فَصْلٌ : وَإِذَا غَسَلَ مَحَلَّ النَّجَاسَةِ فَأَصَابَ مَاءُ بَعْضِ الْغَسَلَاتِ مَحَلًّا آخَرَ ، قَبْلَ تَمَامِ السَّبْعِ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا ، يَجِبُ غَسْلُهُ سَبْعًا ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ ، وَاخْتِيَارُ ابْنِ حَامِدٍ ؛ لِأَنَّهَا نَجَاسَةٌ ، فَلَا يُرَاعَى فِيهَا حُكْمُ الْمَحَلِّ الَّذِي انْفَصَلَتْ عَنْهُ ، كَنَجَاسَةِ الْأَرْضِ وَمَحَلِّ الِاسْتِنْجَاءِ .\rوَظَاهِرُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ أَنَّهُ يَجِبُ غَسْلُهَا بِالتُّرَابِ ، وَإِنْ كَانَ الْمَحَلُّ الَّذِي انْفَصَلَتْ عَنْهُ قَدْ غُسِلَ بِالتُّرَابِ ؛ لِأَنَّهَا نَجَاسَةٌ أَصَابَتْ غَيْرَ الْأَرْضِ ، فَأَشْبَهْت الْأُولَى .\rوَالثَّانِي : يَجِبُ غَسْلُهُ مِنْ الْأُولَى سِتًّا ، وَمِنْ الثَّانِيَةِ خَمْسًا ، وَمِنْ الثَّالِثَةِ أَرْبَعًا ، كَذَلِكَ إلَى آخِرِهِ ؛ لِأَنَّهَا نَجَاسَةٌ تَطْهُرُ فِي مَحَلِّهَا بِدُونِ السَّبْعِ ، فَطَهُرَتْ فِي مِثْلِهِ ، كَالنَّجَاسَةِ عَلَى الْأَرْضِ ؛ وَلِأَنَّ الْمُنْفَصِلَ بَعْضُ الْمُتَّصِلِ ، وَالْمُتَّصِلُ يَطْهُرُ بِذَلِكَ ، فَكَذَلِكَ الْمُنْفَصِلُ ، وَتُفَارِقُ الْمُنْفَصِلَ عَنْ الْأَرْضِ وَمَحَلَّ الِاسْتِنْجَاءِ ؛ لِأَنَّ الْعِلَّةَ فِي خِفَّتهَا الْمَحَلُّ ، وَقَدْ زَالَتْ عَنْهُ ، فَزَالَ التَّخْفِيفُ ، وَالْعِلَّةُ فِي تَخْفِيفِهَا هَاهُنَا قُصُورُ حُكْمِهَا بِمَا مَرَّ عَلَيْهَا مِنْ الْغَسْلِ .\rوَهَذَا لَازِمٌ لَهَا حَسَبَ مَا كَانَ ، ثُمَّ إنْ كَانَتْ قَدْ انْفَصَلَتْ عَنْ مَحَلِّ غَسْلٍ بِالتُّرَابِ غُسِلَ مَحَلُّهَا بِغَيْرِ تُرَابٍ ، وَإِنْ كَانَتْ الْأُولَى بِغَيْرِ تُرَابٍ غُسِلَتْ هَذِهِ بِالتُّرَابِ .\rوَهَذَا اخْتِيَارُ الْقَاضِي ، وَهُوَ أَصَحُّ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ( 58 ) فَصْلٌ : وَلَا فَرْقَ بَيْنَ النَّجَاسَةِ مِنْ وُلُوغِ الْكَلْبِ ، أَوْ يَدِهِ ، أَوْ رِجْلِهِ ، أَوْ شَعْرِهِ ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَجْزَائِهِ ؛ لِأَنَّ حُكْمَ كُلِّ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ الْحَيَوَانِ حُكْمُ بَقِيَّةِ أَجْزَائِهِ ، عَلَى مَا قَرَّرْنَاهُ ، وَحُكْمُ الْخِنْزِيرِ حُكْمُ الْكَلْبِ ؛ لِأَنَّ النَّصَّ وَقَعَ فِي الْكَلْبِ ، وَالْخِنْزِيرُ شَرٌّ مِنْهُ وَأَغْلَظُ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى نَصَّ عَلَى تَحْرِيمِهِ ، وَأَجْمَعَ","part":1,"page":92},{"id":92,"text":"الْمُسْلِمُونَ عَلَى ذَلِكَ ، وَحَرُمَ اقْتِنَاؤُهُ .","part":1,"page":93},{"id":93,"text":"( 59 ) فَصْلٌ : وَغَسْلُ النَّجَاسَةِ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ مَحَلِّهَا ؛ إنْ كَانَتْ جِسْمًا لَا يَتَشَرَّبُ النَّجَاسَةَ كَالْآنِيَةِ ، فَغَسْلُهُ بِمُرُورِ الْمَاءِ عَلَيْهِ كُلَّ مَرَّةٍ غَسْلَةٌ ، سَوَاءٌ كَانَ بِفِعْلِ آدَمِيٍّ أَوْ غَيْرِ فِعْلِهِ ، مِثْلُ أَنْ يَنْزِلَ عَلَيْهِ مَاءُ الْمَطَرِ ، أَوْ يَكُونَ فِي نَهْرٍ جَارٍ ، فَتَمُرُّ عَلَيْهِ جِرْيَاتُ النَّهْرِ ، فَكُلُّ جِرْيَةٍ تَمُرُّ عَلَيْهِ غَسْلَةٌ ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ صَبَّهُ آدَمِيٌّ بِغَيْرِ قَصْدٍ ، وَإِنْ وَقَعَ فِي مَاءٍ قَلِيلٍ رَاكِدٍ نَجَّسَهُ وَلَمْ يَطْهُرْ ، وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا اُحْتُسِبَ بِوَضْعِهِ فِيهِ وَمُرُورِ الْمَاءِ عَلَى أَجْزَائِهِ غَسْلَةً ، فَإِنْ خَضْخَضَهُ فِي الْمَاءِ وَحَرَّكَهُ بِحَيْثُ يَمُرُّ عَلَيْهِ أَجْزَاءٌ غَيْرُ الَّتِي كَانَتْ مُلَاقِيَةً لَهُ ، اُحْتُسِبَ بِذَلِكَ غَسْلَةً ثَانِيَةً ، كَمَا لَوْ مَرَّتْ عَلَيْهِ جِرْيَاتٌ مِنْ الْمَاءِ الْجَارِي .\rوَإِنْ كَانَ الْمَغْسُولُ إنَاءً فَطُرِحَ فِيهِ الْمَاءُ ، لَمْ يُحْتَسَبْ بِهِ غَسْلَةٌ حَتَّى يُفْرِغَهُ مِنْهُ ؛ لِأَنَّهُ الْعَادَةُ فِي غَسْلِهِ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ يَسَعُ قُلَّتَيْنِ فَصَاعِدًا ، فَمَلَأَهُ ، فَيَحْتَمِلُ أَنَّ إدَارَةَ الْمَاءِ فِيهِ تَجْرِي مَجْرَى الْغَسَلَاتِ ؛ لِأَنَّ أَجْزَاءَهُ تَمُرُّ عَلَيْهَا جِرْيَاتٌ مِنْ الْمَاءِ غَيْرُ الَّتِي كَانَتْ مُلَاقِيَةً لَهُ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ مَرَّتْ عَلَيْهَا جِرْيَاتٌ مِنْ مَاءٍ جَارٍ .\rوَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ : لَا يَكُونُ غَسْلُهُ إلَّا بِتَفْرِيغِهِ مِنْهُ أَيْضًا .\rوَإِنْ كَانَ الْمَغْسُولُ جِسْمًا تَدْخُلُ فِيهِ أَجْزَاءُ النَّجَاسَةِ ، لَمْ يُحْتَسَبْ بِرَفْعِهِ مِنْ الْمَاءِ غَسْلَةً ، إلَّا بَعْدَ عَصْرِهِ ، وَعَصْرِ كُلِّ شَيْءٍ بِحَسَبِهِ ، فَإِنْ كَانَ بِسَاطًا ثَقِيلًا أَوْ زِلِّيًّا فَعَصْرُهُ بِتَقْلِيبِهِ وَدَقِّهِ .","part":1,"page":94},{"id":94,"text":"( 60 ) فَصْلٌ : مَا أُزِيلَتْ بِهِ النَّجَاسَةُ ، إنْ انْفَصَلَ مُتَغَيِّرًا بِالنَّجَاسَةِ ، أَوْ قَبْلَ طَهَارَةِ الْمَحَلِّ ، فَهُوَ نَجِسٌ ؛ لِأَنَّهُ تَغَيَّرَ بِالنَّجَاسَةِ أَوْ مَاءٌ قَلِيلٌ لَاقَى مَحَلًّا نَجِسًا لَمْ يُطَهِّرْهُ ، فَكَانَ نَجِسًا ، كَمَا لَوْ وَرَدَتْ عَلَيْهِ .\rوَإِنْ انْفَصَلَ غَيْرُ مُتَغَيِّرٍ مِنْ الْغَسْلَةِ الَّتِي طَهُرَ بِهَا الْمَحَلُّ ، فَإِنْ كَانَ الْمَحَلُّ أَرْضًا فَهُوَ طَاهِرٌ ، رِوَايَةً وَاحِدَةً ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ أَنْ يُصَبَّ عَلَى بَوْلِ الْأَعْرَابِيِّ ذَنُوبٌ مِنْ مَاءٍ ، لِيُطَهِّرَ الْأَرْضَ الَّتِي بَالَ عَلَيْهَا ، فَلَوْ كَانَ الْمُنْفَصِلُ نَجِسًا لَنَجَّسَ بِهِ مَا انْتَشَرَ إلَيْهِ مِنْ الْأَرْضِ ، فَتَكْثُرُ النَّجَاسَةُ ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ الْأَرْضِ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : أَصَحُّهُمَا أَنَّهُ طَاهِرٌ .\rوَهُوَ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ انْفَصَلَ عَنْ مَحَلٍّ مَحْكُومٍ بِطَهَارَتِهِ ، فَكَانَ طَاهِرًا ، كَالْغَسْلَةِ الثَّامِنَةِ ، وَأَنَّ الْمُنْفَصِلَ بَعْضُ الْمُتَّصِلِ وَالْمُتَّصِلَ طَاهِرٌ ، وَكَذَلِكَ الْمُنْفَصِلُ .\rوَالثَّانِي : أَنَّهُ نَجِسٌ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ .\rوَاخْتَارَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَامِدٍ ؛ لِأَنَّهُ مَاءٌ قَلِيلٌ ، لَاقَى مَحَلًّا نَجِسًا ، أَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ يُطَهِّرْهَا .\rقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : إنَّمَا يُحْكَمُ بِطَهَارَةِ الْمُنْفَصِلُ مِنْ الْأَرْضِ إذَا كَانَتْ قَدْ نَشِفَتْ أَعْيَانُ الْبَوْلَةِ ، فَإِنْ كَانَتْ أَعْيَانُهَا قَائِمَةً ، فَجَرَى الْمَاءُ عَلَيْهَا ، طَهَّرَهَا .\rوَفِي الْمُنْفَصِلِ رِوَايَتَانِ ، كَالْمُنْفَصِلِ عَنْ غَيْرِ الْأَرْضِ .\rقَالَ : وَكَوْنُهُ نَجِسًا أَصَحُّ فِي كَلَامِهِ .\rوَالْأَوْلَى الْحُكْمُ بِطَهَارَتِهِ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِغَسْلِ بَوْلِ الْأَعْرَابِيِّ عَقِيبَ بَوْلِهِ ، وَلَمْ يَشْتَرِطْ نُشَافَهَ .","part":1,"page":95},{"id":95,"text":"( 61 ) فَصْلٌ : إذَا غُسِلَ بَعْضُ الثَّوْبِ النَّجِسِ ، جَازَ ، وَيَطْهُرُ الْمَغْسُولُ دُونَ غَيْرِهِ ؛ فَإِنْ كَانَ يُغْمَسُ بَعْضُهُ فِي مَاءٍ يَسِيرٍ رَاكِدٍ يَعْرُكُهُ فِيهِ ، نَجِسَ الْمَاءُ ، وَلَمْ يَطْهُرْ مِنْهُ شَيْءٌ ؛ لِأَنَّهُ بِغَمْسِهِ فِي الْمَاءِ صَارَ نَجِسًا ، فَلَمْ يُطَهِّرْ مِنْهُ شَيْئًا ، وَإِنْ كَانَ يَصُبُّ عَلَى بَعْضِهِ فِي جَفْنَةٍ طَهُرَ مَا طَهَّرَهُ ، وَكَانَ الْمُنْفَصِلُ نَجِسًا ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ أَنْ يُلَاقِيَ الْمَاءَ الْمُنْفَصِلَ جُزْءٌ غَيْرُ الْمَغْسُولِ ، فَيَنْجُسُ بِهِ .","part":1,"page":96},{"id":96,"text":"( 62 ) فَصْلٌ : إذَا أَصَابَ ثَوْبَ الْمَرْأَةِ دَمُ حَيْضِهَا ، اُسْتُحِبَّ أَنْ تَحُتَّهُ بِظُفُرِهَا ، لِتَذْهَبَ خُشُونَتُهُ ، ثُمَّ تَقْرُصَهُ لِيَلِينَ لِلْغَسْلِ ، ثُمَّ تَغْسِلَهُ بِالْمَاءِ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لِأَسْمَاءِ فِي دَمِ الْحَيْضِ : حُتِّيهِ ، ثُمَّ اُقْرُصِيهِ ، ثُمَّ غَسِّلِيهِ بِالْمَاءِ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rفَإِنْ اقْتَصَرَتْ عَلَى إزَالَتِهِ بِالْمَاءِ جَازَ ، فَإِنْ لَمْ يَزُلْ لَوْنُهُ ، وَكَانَتْ إزَالَتُهُ تَشُقُّ أَوْ يَتْلَفُ الثَّوْبُ وَيَضُرُّهُ ، عُفِيَ عَنْهُ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { وَلَا يَضُرُّك أَثَرُهُ } .\rوَإِنْ اسْتَعْمَلَتْ فِي إزَالَتِهِ شَيْئًا يُزِيلُهُ كَالْمِلْحِ وَغَيْرِهِ ، فَحَسَنٌ ؛ لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ { امْرَأَةٍ مِنْ غِفَارٍ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْدَفَهَا عَلَى حَقِيبَتِهِ ، فَحَاضَتْ ، قَالَتْ : فَنَزَلْت ، فَإِذَا بِهَا دَمٌ مِنِّي ، فَقَالَ : مَا لَكِ ؟ لَعَلَّك نُفِسْتِ ؟ .\rقُلْت : نَعَمْ .\rقَالَ : فَأَصْلِحِي مِنْ نَفْسِك ، ثُمَّ خُذِي إنَاءً مِنْ مَاءٍ فَاطْرَحِي فِيهِ مِلْحًا ، ثُمَّ اغْسِلِي مَا أَصَابَ الْحَقِيبَةَ مِنْ الدَّمِ } .\rقَالَ الْخَطَّابِيُّ : فِيهِ مِنْ الْفِقْهِ ؛ جَوَازُ اسْتِعْمَالِ الْمِلْحِ ، وَهُوَ مَطْعُومٌ ، فِي غَسْلِ الثَّوْبِ وَتَنْقِيَتِهِ مِنْ الدَّمِ ، فَعَلَى هَذَا يَجُوزُ غَسْلُ الثِّيَابِ بِالْعَسَلِ ، إذَا كَانَ يُفْسِدُهَا الصَّابُونُ ، وَبِالْخَلِّ إذَا أَصَابَهَا الْحِبْرُ ، وَالتَّدَلُّكُ بِالنُّخَالَةِ ، وَغَسْلُ الْأَيْدِي بِهَا ، وَالْبِطِّيخِ وَدَقِيقِ الْبَاقِلَّا ، وَغَيْرِهَا مِنْ الْأَشْيَاءِ الَّتِي لَهَا قُوَّةُ الْجَلَاءِ .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":1,"page":97},{"id":97,"text":"( 63 ) فَصْلٌ : فَإِذَا كَانَ فِي الْإِنَاءِ خَمْرٌ أَوْ شِبْهُهُ مِنْ النَّجَاسَاتِ الَّتِي يَتَشَرَّبُهَا الْإِنَاءُ ثُمَّ مَتَى جُعِلَ فِيهِ مَائِعٌ سِوَاهُ ظَهَرَ فِيهِ طَعْمُ النَّجَاسَةِ ، أَوْ لَوْنُهَا لَمْ يَطْهُرْ بِالْغَسْلِ ؛ لِأَنَّ الْغَسْلَ لَا يَسْتَأْصِلُ أَجْزَاءَ النَّجَاسَةِ مِنْ جِسْمِ الْإِنَاءِ ، فَلَمْ يُطَهِّرْهُ ، كَالسِّمْسِمِ إذَا ابْتَلَّ بِالنَّجَاسَةِ .\rقَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْفَرَجِ الْمَقْدِسِيُّ فِي \" الْمُبْهِجِ \" : آنِيَةُ الْخَمْرِ مِنْهَا الْمُزَفَّتُ ، فَتَطْهُرُ بِالْغَسْلِ ؛ لِأَنَّ الزِّفْتَ يَمْنَعُ وُصُولَ النَّجَاسَةِ إلَى جِسْمِ الْإِنَاءِ ، وَمِنْهَا مَا لَيْسَ بِمُزَفَّتٍ ، فَيَتَشَرَّبُ أَجْزَاءَ النَّجَاسَةِ ، فَلَا يَطْهُرُ بِالتَّطْهِيرِ ، فَإِنَّهُ مَتَى تُرِكَ فِيهِ مَائِعٌ ظَهَرَ فِيهِ طَعْمُ الْخَمْرِ وَلَوْنُهُ .","part":1,"page":98},{"id":98,"text":"( 64 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : ( وَإِذَا كَانَ مَعَهُ فِي السَّفَرِ إنَاءَانِ ؛ نَجِسٌ وَطَاهِرٌ ، وَاشْتَبَهَا عَلَيْهِ ، أَرَاقَهُمَا ، وَيَتَيَمَّمُ ) .\rإنَّمَا خَصَّ حَالَةَ السَّفَرِ بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ؛ لِأَنَّهَا الْحَالَةُ الَّتِي يَجُوزُ التَّيَمُّمُ فِيهَا ، وَيُعْدَمُ فِيهَا الْمَاءُ غَالِبًا ، وَأَرَادَ : إذَا لَمْ يَجِدْ مَاءً غَيْرَ الْإِنَاءَيْنِ الْمُشْتَبِهَيْنِ ، فَإِنَّهُ مَتَى وَجَدَ مَاءً طَهُورًا غَيْرَهُمَا تَوَضَّأَ بِهِ ، وَلَمْ يَجُزْ التَّحَرِّي وَلَا التَّيَمُّمُ ، بِغَيْرِ خِلَافٍ .\rوَلَا تَخْلُو الْآنِيَةُ الْمُشْتَبِهَةُ مِنْ حَالَيْنِ : أَحَدُهُمَا أَنْ لَا يَزِيدَ عَدَدُ الطَّاهِرِ عَلَى النَّجِسِ ، فَلَا خِلَافَ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّحَرِّي فِيهِمَا .\rوَالثَّانِي أَنْ يَكْثُرَ عَدَدُ الطَّاهِرَاتِ ؛ فَذَهَبَ أَبُو عَلِيٍّ النَّجَّادُ ، مِنْ أَصْحَابِنَا ، إلَى جَوَازِ التَّحَرِّي فِيهَا .\rوَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ إصَابَةُ الطَّاهِرِ ؛ وَلِأَنَّ جِهَةَ الْإِبَاحَةِ قَدْ تَرَجَّحَتْ ، فَجَازَ التَّحَرِّي ، كَمَا لَوْ اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِ أُخْتُهُ فِي نِسَاءِ مِصْرَ .\r، وَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ : أَنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّحَرِّي فِيهَا بِحَالٍ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَصْحَابِهِ .\rوَهُوَ قَوْلُ الْمُزَنِيِّ ، وَأَبِي ثَوْرٍ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يَتَحَرَّى وَيَتَوَضَّأُ بِالْأَغْلَبِ عِنْدَهُ فِي الْحَالَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ شَرْطٌ لِلصَّلَاةِ ، فَجَازَ التَّحَرِّي مِنْ أَجْلِهِ ، كَمَا لَوْ اشْتَبَهْت الْقِبْلَةُ ؛ وَلِأَنَّ الطَّهَارَةَ تُؤَدَّى بِالْيَقِينِ تَارَةً ، وَبِالظَّنِّ أُخْرَى ، وَلِهَذَا جَازَ التَّوَضُّؤُ بِالْمَاءِ الْقَلِيلِ الْمُتَغَيِّرِ ، الَّذِي لَا يُعْلَمُ سَبَبُ تَغَيُّرِهِ .\rوَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ : يَتَوَضَّأُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وُضُوءًا ، وَيُصَلِّي بِهِ .\rوَبِهِ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ ، إلَّا أَنَّهُ قَالَ : يَغْسِلُ مَا أَصَابَهُ مِنْ الْأَوَّلِ ؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنَهُ أَدَاءُ فَرْضِهِ بِيَقِينٍ ، فَلَزِمَهُ ، كَمَا لَوْ اشْتَبَهَ طَاهِرٌ بِطَهُورٍ ، وَكَمَا لَوْ نَسِيَ صَلَاةً مِنْ يَوْمٍ لَا يَعْلَمُ عَيْنَهَا ، أَوْ اشْتَبَهَتْ","part":1,"page":99},{"id":99,"text":"عَلَيْهِ الثِّيَابُ .\rوَلَنَا أَنَّهُ اشْتَبَهَ الْمُبَاحُ بِالْمَحْظُورِ ، فِيمَا لَا تُبِيحُهُ الضَّرُورَةُ ، فَلَمْ يَجُزْ التَّحَرِّي ، كَمَا لَوْ اسْتَوَى الْعَدَدُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَكَمَا لَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا بَوْلًا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ ، فَإِنَّهُ قَدْ سَلَّمَهُ ، وَاعْتَذَرَ أَصْحَابُهُ بِأَنَّهُ لَا أَصْلَ لَهُ فِي الطَّهَارَةِ .\rقُلْنَا : وَهَذَا الْمَاءُ قَدْ زَالَ عَنْهُ أَصْلُ الطَّهَارَةِ ، وَصَارَ نَجِسًا ، فَلَمْ يَبْقَ لِلْأَصْلِ الزَّائِلِ أَثَرٌ ، عَلَى أَنَّ الْبَوْلَ قَدْ كَانَ مَاءً ، فَلَهُ أَصْلٌ فِي الطَّهَارَةِ ، كَهَذَا الْمَاءِ النَّجِسِ .\rوَقَوْلُهُمْ : إذَا كَثُرَ الطَّاهِرُ تَرَجَّحَتْ الْإِبَاحَةُ .\rيَبْطُلُ بِمَا إذَا اشْتَبَهَتْ أُخْتُهُ فِي مِائَةٍ أَوْ مَيْتَةٌ بِمُذَكَّيَاتٍ ، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّحَرِّي ، وَإِنْ كَثُرَ الْمُبَاحُ ، وَأَمَّا إذَا اشْتَبَهَتْ فِي نِسَاءِ مِصْرٍ ، فَإِنَّهُ يَشُقُّ اجْتِنَابُهُنَّ جَمِيعًا ، وَلِذَلِكَ يَجُوزُ لَهُ النِّكَاحُ مِنْ غَيْرِ تَحَرٍّ .\rوَأَمَّا الْقِبْلَةُ فَيُبَاحُ تَرْكُهَا لِلضَّرُورَةِ ، كَحَالَةِ الْخَوْفِ ، وَيَجُوزُ أَيْضًا فِي السَّفَرِ فِي صَلَاةِ النَّافِلَةِ ؛ وَلِأَنَّ قِبْلَتَهُ مَا يَتَوَجَّهُ إلَيْهِ بِظَنِّهِ ، وَلَوْ بَانَ لَهُ يَقِينُ الْخَطَأِ لَمْ يَلْزَمْهُ الْإِعَادَةُ ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا .\rوَأَمَّا الْمُتَغَيِّرُ مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ يَعْلَمُهُ ، فَيَجُوزُ الْوُضُوءُ بِهِ اسْتِنَادًا إلَى أَصْلِ الطَّهَارَةِ ، وَإِنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ نَجَاسَتُهُ ، وَلَا يَحْتَاجُ إلَى تَحَرٍّ .\rوَفِي مَسْأَلَتِنَا عَارَضَ يَقِينُ الطَّهَارَةِ يَقِينَ النَّجَاسَةِ ، فَلَمْ يَبْقَ لَهُ حُكْمٌ ، وَلِهَذَا لَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ مِنْ غَيْرِ تَحَرٍّ .\rثُمَّ يَبْطُلُ قِيَاسُهُمْ بِمَا إذَا كَانَ أَحَدُهُمَا بَوْلًا وَالْآخَرُ مَاءً .\rوَيَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ مَا قُلْنَا : أَنَّهُ لَوْ تَوَضَّأَ مِنْ أَحَدِ الْإِنَاءَيْنِ وَصَلَّى ، ثُمَّ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ فِي الصَّلَاةِ الثَّانِيَةِ أَنَّ الْآخَرَ هُوَ الطَّاهِرُ ، فَتَوَضَّأَ بِهِ وَصَلَّى مِنْ غَيْرِ غَسْلِ أَثَرِ الْأَوَّلِ ، فَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّهُ صَلَّى بِالنَّجَاسَةِ يَقِينًا ، وَإِنْ غَسَلَ","part":1,"page":100},{"id":100,"text":"أَثَرَ الْأَوَّلِ فَفِيهِ حَرَجٌ وَنَقْضٌ لِاجْتِهَادِهِ بِاجْتِهَادِهِ ، وَنَعْلَمُ أَنَّ إحْدَى الصَّلَاتَيْنِ بَاطِلَةٌ ، لَا بِعَيْنِهَا فَيَلْزَمُهُ إعَادَتُهُمَا ، فَإِنْ تَوَضَّأَ مِنْ الْأَوَّلِ فَقَدْ تَوَضَّأَ بِمَا يَعْتَقِدُهُ نَجِسًا .\rوَمَا قَالَهُ ابْنُ الْمَاجِشُونِ فَبَاطِلٌ ؛ فَإِنَّهُ يُفْضِي إلَى تَنْجِيسِ نَفْسِهِ يَقِينًا ، وَبُطْلَانِ صَلَاتِهِ إجْمَاعًا .\rوَمَا قَالَهُ ابْنُ مَسْلَمَةَ فَفِيهِ حَرَجٌ ، وَيَبْطُلُ بِالْقِبْلَةِ ؛ فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ أَنْ يُصَلِّيَ إلَى أَرْبَعِ جِهَاتٍ .\r( 65 ) فَصْلٌ : وَهَلْ يَجُوزُ لَهُ التَّيَمُّمُ قَبْلَ إرَاقَتِهِمَا ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ : إحْدَاهُمَا ، لَا يَجُوزُ ؛ لِأَنَّ مَعَهُ مَاءً طَاهِرًا بِيَقِينٍ ، فَلَمْ يَجُزْ لَهُ التَّيَمُّمُ مَعَ وُجُودِهِ .\rفَإِنْ خَلَطَهُمَا ، أَوْ أَرَاقَهُمَا ، جَازَ لَهُ التَّيَمُّمُ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ مَعَهُ مَاءٌ طَاهِرٌ .\rوَالثَّانِيَةُ يَجُوزُ التَّيَمُّمُ قَبْلَ ذَلِكَ .\rاخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ .\rوَهُوَ الصَّحِيحُ ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ قَادِرٍ عَلَى اسْتِعْمَالِ الطَّاهِرِ ، أَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَ فِي بِئْرٍ لَا يُمْكِنُهُ اسْتِقَاؤُهُ ، وَإِنْ احْتَاجَ إلَيْهِمَا لِلشُّرْبِ لَمْ تَجِبْ إرَاقَتُهُمَا ، بِغَيْرِ خِلَافٍ ؛ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ التَّيَمُّمُ لَوْ كَانَا طَاهِرَيْنِ ، فَمَعَ الِاشْتِبَاهِ أَوْلَى .\rوَإِذَا أَرَادَ الشُّرْبَ تَحَرَّى وَشَرِبَ مِنْ الطَّاهِرِ عِنْدَهُ ؛ لِأَنَّهَا ضَرُورَةٌ تُبِيحُ الشُّرْبَ مِنْ النَّجِسِ إذَا لَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ ، فَمِنْ الَّذِي يَظُنُّ طَهَارَتَهُ أَوْلَى .\rوَإِنْ لَمْ يَغْلِبْ عَلَى ظَنِّهِ طَهَارَةُ أَحَدِهِمَا شَرِبَ مِنْ أَحَدِهِمَا ، وَصَارَ هَذَا كَمَا لَوْ اشْتَبَهَتْ مَيْتَةٌ بِمُذَكَّاةٍ فِي حَالِ الِاضْطِرَارِ ، وَلَمْ يَجِدْ غَيْرَهَا ، فَإِنَّهُ إذَا جَازَ اسْتِعْمَالُ النَّجِسِ فَاسْتِعْمَالُ مَا يَظُنُّ طَهَارَتَهُ أَوْلَى .\rوَإِذَا شَرِبَ مِنْ أَحَدِهِمَا ، أَوْ أَكَلَ مِنْ الْمُشْتَبِهَاتِ ، ثُمَّ وَجَدَ مَاءً طَهُورًا ، فَهَلْ يَلْزَمُهُ غُسْلٌ فِيهِ ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا لَا يَلْزَمُهُ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ طَهَارَةٌ فِيهِ ، فَلَا تَزُولُ عَنْ ذَلِكَ بِالشَّكِّ .","part":1,"page":101},{"id":101,"text":"وَالثَّانِي يَلْزَمُهُ ؛ لِأَنَّهُ مَحَلٌّ مُنِعَ اسْتِعْمَالُهُ مِنْ أَجْلِ النَّجَاسَةِ ، فَلَزِمَهُ غَسْلُ أَثَرِهِ ، كَالْمُتَيَقِّنِ .\r( 66 ) فَصْلٌ : وَإِذَا عَلِمَ عَيْنَ النَّجِسِ اُسْتُحِبَّ إرَاقَتُهُ لِيُزِيلَ الشَّكَّ عَنْ نَفْسِهِ .\rوَإِنْ احْتَاجَ إلَى الشُّرْبِ شَرِبَ مِنْ الطَّاهِرِ ، وَيَتَيَمَّمُ إذَا لَمْ يَجِدْ غَيْرَ النَّجِسِ .\rوَإِنْ خَافَ الْعَطَشَ فِي ثَانِي الْحَالِ ، فَقَالَ الْقَاضِي : يَتَوَضَّأُ بِالْمَاءِ الطَّاهِرِ وَيَحْبِسُ النَّجِسَ ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُحْتَاجٍ إلَى شُرْبِهِ فِي الْحَالِ ، فَلَمْ يَجُزْ التَّيَمُّمُ مَعَ وُجُودِهِ .\rوَالصَّحِيحُ إنْ شَاءَ اللَّهُ ، أَنَّهُ يَحْبِسُ الطَّاهِرَ وَيَتَيَمَّمُ ؛ لِأَنَّ وُجُودَ النَّجِسِ كَعَدَمِهِ عِنْدَ الْحَاجَةِ إلَى الشُّرْبِ فِي الْحَالِ ، وَكَذَلِكَ فِي الْمَآلِ ، وَخَوْفُ الْعَطَشِ فِي إبَاحَةِ التَّيَمُّمِ كَحَقِيقَتِهِ .","part":1,"page":102},{"id":102,"text":"( 67 ) فَصْلٌ : وَإِنْ اشْتَبَهَ مَاءٌ طَهُورٌ بِمَاءٍ قَدْ بَطَلَتْ طُهُورِيَّتُهُ ، تَوَضَّأَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وُضُوءًا كَامِلًا ، وَصَلَّى بِالْوُضُوءَيْنِ صَلَاةً وَاحِدَةً .\rلَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا ؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنَهُ أَدَاءُ فَرْضِهِ بِيَقِينٍ ، مِنْ غَيْرِ حَرَجٍ فِيهِ ، فَيَلْزَمُهُ ، كَمَا لَوْ كَانَا طَاهِرَيْنِ وَلَمْ يَكْفِهِ أَحَدُهُمَا ، وَفَارَقَ مَا إذَا كَانَ نَجِسًا ؛ لِأَنَّهُ يُنَجِّسُ أَعْضَاءَهُ يَقِينًا ، وَلَا يَأْمَنُ أَنْ يَكُونَ النَّجِسُ هُوَ الثَّانِي ، فَيَبْقَى نَجِسًا ، وَلَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ ، فَإِنْ احْتَاجَ إلَى أَحَدِ الْإِنَاءَيْنِ لِلشُّرْبِ تَحَرَّى ، فَتَوَضَّأَ بِالطَّهُورِ عِنْدَهُ ، وَتَيَمَّمَ مَعَهُ لِيَحْصُلَ لَهُ الْيَقِينُ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":1,"page":103},{"id":103,"text":"( 68 ) فَصْلٌ : وَإِنْ اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِ ثِيَابٌ طَاهِرَةٌ بِنَجِسَةِ ، لَمْ يَجُزْ التَّحَرِّي ، وَصَلَّى فِي كُلِّ ثَوْبٍ بِعَدَدِ النَّجِسِ ، وَزَادَ صَلَاةً .\rوَهَذَا قَوْلُ ابْنِ الْمَاجِشُونِ .\rوَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ ، وَالْمُزَنِيُّ : لَا يُصَلِّي فِي شَيْءٍ مِنْهَا كَالْأَوَانِي ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ : يَتَحَرَّى فِيهَا ، كَقَوْلِهِمْ فِي الْأَوَانِي وَالْقِبْلَةِ .\rوَلَنَا أَنَّهُ أَمْكَنَهُ أَدَاءُ فَرْضِهِ بِيَقِينٍ مِنْ غَيْرِ حَرَجٍ فَيَلْزَمُهُ ، كَمَا لَوْ اشْتَبَهَ الطَّهُورُ بِالطَّاهِرِ ، وَكَمَا لَوْ نَسِيَ صَلَاةً مِنْ يَوْمٍ لَا يَعْلَمُ عَيْنَهَا .\rوَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ الْأَوَانِي النَّجِسَةِ مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا أَنَّ اسْتِعْمَالَ النَّجِسِ يَتَنَجَّسُ بِهِ ، وَيَمْنَعُ صِحَّةَ صَلَاتِهِ فِي الْحَالِ وَالْمَآلِ ، وَهَذَا بِخِلَافِهِ .\rالثَّانِي أَنَّ الثَّوْبَ النَّجِسَ تُبَاحُ لَهُ الصَّلَاةُ فِيهِ إذَا لَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ ، وَالْمَاءُ النَّجِسُ بِخِلَافِهِ .\rوَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ مِنْ وُجُوهٍ : أَحَدُهَا ، أَنَّ الْقِبْلَةَ يَكْثُرُ الِاشْتِبَاهُ فِيهَا ، فَيَشُقُّ اعْتِبَارُ الْيَقِينِ ، فَسَقَطَ دَفْعًا لِلْمَشَقَّةِ ، وَهَذَا بِخِلَافِهِ .\rالثَّانِي أَنَّ الِاشْتِبَاهَ هَاهُنَا حَصَلَ بِتَفْرِيطِهِ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يُمْكِنُهُ تَعْلِيمُ النَّجِسِ أَوْ غَسْلُهُ ، وَلَا يُمْكِنُهُ ذَلِكَ فِي الْقِبْلَةِ .\rالثَّالِثُ أَنَّ الْقِبْلَةَ عَلَيْهَا أَدِلَّةٌ مِنْ النُّجُومِ وَالشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَغَيْرِهَا ، فَيَصِحُّ الِاجْتِهَادُ فِي طَلَبِهَا ، وَيَقْوَى دَلِيلُ الْإِصَابَةِ لَهَا ، بِحَيْثُ لَا يَبْقَى احْتِمَالُ الْخَطَأِ إلَّا وَهْمًا ضَعِيفًا ، بِخِلَافِ الثِّيَابِ .\r( 69 ) فَصْلٌ : فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ عَدَدَ النَّجِسِ ، صَلَّى فِيمَا يَتَيَقَّنُ بِهِ أَنَّهُ صَلَّى فِي ثَوْبٍ طَاهِرٍ ، فَإِنْ كَثُرَ ذَلِكَ وَشَقَّ ، فَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ : يَتَحَرَّى فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ ؛ دَفْعًا لِلْمَشَقَّةِ .\rوَالثَّانِي لَا يَتَحَرَّى ؛ لِأَنَّ هَذَا يَنْدُرُ جِدًّا ، فَلَا يُفْرَدُ بِحُكْمٍ ، وَيُحْسَبُ عَلَيْهِ دَلِيلُ الْغَالِبِ .","part":1,"page":104},{"id":104,"text":"( 70 ) فَصْلٌ : وَإِنْ وَرَدَ مَاءً فَأَخْبَرَهُ بِنَجَاسَتِهِ صَبِيٌّ أَوْ كَافِرٌ أَوْ فَاسِقٌ ، لَمْ يَلْزَمْهُ قَبُولُ خَبَرِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ وَلَا الرِّوَايَةِ ، فَلَا يَلْزَمُهُ قَبُولُ خَبَرِهِ ، كَالطِّفْلِ وَالْمَجْنُونِ ، وَإِنْ كَانَ الْمُخْبِرُ بَالِغًا عَاقِلًا مُسْلِمًا غَيْرَ مَعْلُومٍ فِسْقُهُ ، وَعَيَّنَ سَبَبَ النَّجَاسَةِ ، لَزِمَ قَبُولُ خَبَرِهِ ، سَوَاءٌ كَانَ رَجُلًا أَوْ امْرَأَةً ، حُرًّا أَوْ عَبْدًا ، مَعْلُومَ الْعَدَالَةِ أَوْ مَسْتُورَ الْحَالِ ؛ لِأَنَّهُ خَبَرٌ دِينِيٌّ ، فَأَشْبَهَ الْخَبَرَ بِدُخُولِ وَقْتِ الصَّلَاةِ ، وَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْ سَبَبَهَا ، فَقَالَ الْقَاضِي : لَا يَلْزَمُ قَبُولُ خَبَرِهِ ؛ لِاحْتِمَالِ اعْتِقَادِهِ نَجَاسَةَ الْمَاءِ بِسَبَبٍ لَا يَعْتَقِدُهُ الْمُخْبَرُ ، كَالْحَنَفِيِّ يَرَى نَجَاسَةَ الْمَاءِ الْكَثِيرِ ، وَالشَّافِعِيُّ يَرَى نَجَاسَةَ الْمَاءِ الْيَسِيرِ بِمَا لَا نَفْسَ لَهُ سَائِلَةٌ ، وَالْمُوَسْوَسُ الَّذِي يَعْتَقِدُ نَجَاسَتَهُ بِمَا لَا يُنَجِّسُهُ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يَلْزَمَ قَبُولَ خَبَرِهِ ، إذَا انْتَفَتْ هَذِهِ الِاحْتِمَالَاتُ فِي حَقِّهِ .","part":1,"page":105},{"id":105,"text":"( 71 ) فَصْلٌ : فَإِنْ أُخْبِرْهُ أَنَّ كَلْبًا وَلَغَ فِي هَذَا الْإِنَاءِ ، لَزِمَ قَبُولُ خَبَرِهِ ، سَوَاءٌ كَانَ بَصِيرًا أَوْ ضَرِيرًا ؛ لِأَنَّ لِلضَّرِيرِ طَرِيقًا إلَى الْعِلْمِ بِذَلِكَ بِالْخَبَرِ وَالْحِسِّ .\rوَإِنْ أَخْبَرَهُ أَنَّ كَلْبًا وَلَغَ فِي هَذَا الْإِنَاءِ وَلَمْ يَلَغْ فِي هَذَا .\rوَقَالَ آخَرُ : لَمْ يَلَغْ فِي الْأَوَّلِ ، وَإِنَّمَا وَلَغَ فِي الثَّانِي .\rوَجَبَ اجْتِنَابُهُمَا ، فَيَقْبَلُ قَوْلَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي الْإِثْبَاتِ دُونَ النَّفْيِ ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَعْلَمَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا خَفِيَ عَلَى الْآخَرِ ، إلَّا أَنْ يُعَيِّنَا وَقْتًا مُعَيَّنًا ، وَكَلْبًا وَاحِدًا ، يَضِيقُ الْوَقْتُ عَنْ شُرْبِهِ مِنْهُمَا ، فَيَتَعَارَضُ قَوْلَاهُمَا ، وَيَسْقُطَانِ ، وَيُبَاحُ اسْتِعْمَالُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا .\rفَإِنْ قَالَ أَحَدُهُمَا : شَرِبَ مِنْ هَذَا الْإِنَاءِ ، وَقَالَ الْآخَرُ : نَزَلَ وَلَمْ يَشْرَبْ قُدِّمَ قَوْلُ الْمُثْبِتِ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ لَمْ يَتَحَقَّقْ شُرْبُهُ ، مِثْلُ الضَّرِيرِ الَّذِي يُخْبِرُ عَنْ حِسِّهِ ، فَيُقَدَّمُ قَوْلُ الْبَصِيرِ ؛ لِأَنَّهُ أَعْلَمُ .","part":1,"page":106},{"id":106,"text":"( 72 ) فَصْلٌ : إذَا سَقَطَ عَلَى إنْسَانٍ مِنْ طَرِيقٍ مَاءٌ ، لَمْ يَلْزَمْهُ السُّؤَالُ عَنْهُ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ طَهَارَتُهُ ، قَالَ صَالِحٌ : سَأَلْت أَبِي عَنْ الرَّجُلِ يَمُرُّ بِالْمَوْضِعِ ، فَيَقْطُرُ عَلَيْهِ قَطْرَةٌ أَوْ قَطْرَتَانِ ؟ فَقَالَ : إنْ كَانَ مَخْرَجًا - يَعْنِي خَلَاءً - فَاغْسِلْهُ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَخْرَجًا فَلَا يُسْأَلُ عَنْهُ ؛ فَإِنَّ عُمَرَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَرَّ هُوَ وَعَمْرُو بْنُ الْعَاصِ عَلَى حَوْضٍ ، فَقَالَ عَمْرٌو : يَا صَاحِبَ الْحَوْضِ ، أَتَرِدُ عَلَى حَوْضِك السِّبَاعُ ؟ فَقَالَ عُمَرُ : يَا صَاحِبَ الْحَوْضِ ، لَا تُخْبِرْنَا ، فَإِنَّا نَرِدُ عَلَيْهَا ، وَتَرِدُ عَلَيْنَا .\rرَوَاهُ مَالِكٌ ، فِي \" الْمُوَطَّأِ \" .\rفَإِنْ سَأَلَ ، فَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ : لَا يَلْزَمُ الْمَسْئُولَ رَدُّ الْجَوَابِ ؛ لِخَبَرِ عُمَرَ ، وَيَحْتَمِلَ أَنْ يَلْزَمَهُ ؛ لِأَنَّهُ سُئِلَ عَنْ شَرْطِ الصَّلَاةِ ، فَلَزِمَهُ الْجَوَابُ ، إذَا عَلِمَ ، كَمَا لَوْ سَأَلَهُ عَنْ الْقِبْلَةِ .\rوَخَبَرُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ سُؤْرَ السِّبَاعِ غَيْرُ نَجِسٍ .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ","part":1,"page":107},{"id":107,"text":"( 73 ) مَسْأَلَةٌ ، قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ رَحِمَهُ اللَّهُ : ( وَكُلُّ جِلْدِ مَيْتَةٍ دُبِغَ أَوْ لَمْ يُدْبَغْ فَهُوَ نَجِسٌ ) لَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ فِي نَجَاسَةِ الْمَيْتَةِ قَبْلَ الدَّبْغِ ، وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا خَالَفَ فِيهِ ، وَأَمَّا بَعْدَ الدَّبْغِ فَالْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّهُ نَجِسٌ أَيْضًا ، وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ مَالِكٍ ، وَيُرْوَى ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ وَابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ، وَعَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى : أَنَّهُ يَطْهُرُ مِنْهَا جِلْدُ مَا كَانَ طَاهِرًا فِي حَالِ الْحَيَاةِ .\rوَرُوِيَ نَحْوُ هَذَا عَنْ عَطَاءٍ ، وَالْحَسَنِ ، وَالشَّعْبِيِّ ، وَالنَّخَعِيِّ ، وَقَتَادَةَ ، وَيَحْيَى الْأَنْصَارِيِّ ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَاللَّيْثِ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَابْنِ الْمُبَارَكِ ، وَإِسْحَاقَ ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ ، وَعَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، مَعَ اخْتِلَافِهِمْ فِيمَا هُوَ طَاهِرٌ فِي الْحَيَاةِ ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ، وَهُوَ يَرَى طَهَارَةَ الْحَيَوَانَاتِ كُلِّهَا ، إلَّا الْكَلْبَ وَالْخِنْزِيرَ ، فَيَطْهُرُ عِنْدَهُ كُلُّ جِلْدٍ إلَّا جِلْدَهُمَا .\rوَلَهُ فِي جِلْدِ الْآدَمِيِّ وَجْهَانِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَطْهُرُ كُلُّ جِلْدٍ بِالدَّبْغِ إلَّا جِلْدَ الْخِنْزِيرِ .\rوَحُكِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ : أَنَّهُ يَطْهُرُ كُلُّ جِلْدٍ .\rوَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ مَالِكٍ ، وَمَذْهَبُ مَنْ حَكَمَ بِطَهَارَةِ الْحَيَوَانَاتِ كُلِّهَا ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { إذَا دُبِغَ الْإِهَابُ فَقَدْ طَهُرَ .\r} مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ؛ وَلِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { وَجَدَ شَاةً مَيِّتَةً أُعْطِيَتْهَا مَوْلَاةٌ لِمَيْمُونَةَ مِنْ الصَّدَقَةِ .\rفَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَلَّا انْتَفَعْتُمْ بِجِلْدِهَا ؟ قَالُوا : إنَّهَا مَيْتَةٌ .\rقَالَ : إنَّمَا حَرُمَ أَكْلُهَا .\r} وَفِي لَفْظٍ : { أَلَا أَخَذُوا إهَابَهَا فَدَبَغُوهُ فَانْتَفَعُوا بِهِ } .","part":1,"page":108},{"id":108,"text":"مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ؛ وَلِأَنَّهُ إنَّمَا نَجُسَ بِاتِّصَالِ الدِّمَاءِ وَالرُّطُوبَاتِ بِهِ بِالْمَوْتِ ، وَالدَّبْغُ يُزِيلُ ذَلِكَ ، فَيَرْتَدُّ الْجِلْدُ إلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ فِي حَالِ الْحَيَاةِ .\rوَلَنَا مَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُكَيْمٍ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَتَبَ إلَى جُهَيْنَةَ إنِّي كُنْت رَخَّصْت لَكُمْ فِي جُلُودِ الْمَيْتَةِ ، فَإِذَا جَاءَكُمْ كِتَابِي هَذَا فَلَا تَنْتَفِعُوا مِنْ الْمَيْتَةِ بِإِهَابٍ وَلَا عَصَبٍ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، فِي \" سُنَنِهِ \" ، وَالْإِمَامُ أَحْمَدُ ، فِي \" مُسْنَدِهِ \" وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : إسْنَادٌ جَيِّدٌ ، يَرْوِيهِ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ شُعْبَةَ ، عَنْ الْحَكَمِ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُكَيْمٍ .\rوَفِي لَفْظٍ : { أَتَانَا كِتَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلَ وَفَاتِهِ بِشَهْرٍ أَوْ شَهْرَيْنِ } وَهُوَ نَاسِخٌ لِمَا قَبْلَهُ ؛ لِأَنَّهُ فِي آخِرِ عُمُرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَفْظُهُ دَالٌّ عَلَى سَبْقِ التَّرْخِيصِ ، وَأَنَّهُ مُتَأَخِّرٌ عَنْهُ ، لِقَوْلِهِ \" كُنْت رَخَّصْت لَكُمْ \" وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ بِالْآخِرِ فَالْآخِرِ مِنْ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنْ قِيلَ : هَذَا مُرْسَلٌ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ كِتَابٍ لَا يُعْرَفُ حَامِلُهُ .\rقُلْنَا : كِتَابُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَلَفْظِهِ وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمْ يَكْتُبْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى أَحَدٍ ، وَقَدْ كَتَبَ إلَى مُلُوكِ الْأَطْرَافِ ، وَإِلَى غَيْرِهِمْ فَلَزِمَتْهُمْ الْحُجَّةُ بِهِ ، وَحَصَلَ لَهُ الْبَلَاغُ ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ حُجَّةً لَمْ تَلْزَمْهُمْ الْإِجَابَةُ ، وَلَا حَصَلَ بِهِ بَلَاغٌ ، وَلَكَانَ لَهُمْ عُذْرٌ فِي تَرْكِ الْإِجَابَة ؛ لِجَهْلِهِمْ بِحَامِلِ الْكِتَابِ وَعَدَالَتِهِ .\rوَرَوَى أَبُو بَكْرٍ الشَّافِعِيُّ بِإِسْنَادِهِ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرٍ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { لَا تَنْتَفِعُوا مِنْ الْمَيْتَةِ بِشَيْءٍ } .\rوَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ ؛ وَلِأَنَّهُ","part":1,"page":109},{"id":109,"text":"جُزْءٌ مِنْ الْمَيْتَةِ ، فَكَانَ مُحَرَّمًا ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ } فَلَمْ يَطْهُرْ بِالدَّبْغِ كَاللَّحْمِ ؛ وَلِأَنَّهُ حَرُمَ بِالْمَوْتِ ، فَكَانَ نَجِسًا كَمَا قَبْلَ الدَّبْغِ .\rوَقَوْلُهُمْ : إنَّهُ إنَّمَا نَجِسَ لِاتِّصَالِ الدِّمَاءِ وَالرُّطُوبَاتِ بِهِ ، غَيْرُ صَحِيحٍ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ نَجِسًا لِذَلِكَ لَمْ يَنْجُسْ ظَاهِرُ الْجِلْدِ ، وَلَا مَا ذَكَّاهُ الْمَجُوسِيُّ وَالْوَثَنِيُّ ، وَلَا مَا قُدَّ نِصْفَيْنِ ، وَلَا مَتْرُوكُ التَّسْمِيَةِ ؛ لِعَدَمِ عِلَّةِ التَّنْجِيسِ ، وَلَوَجَبَ الْحُكْمُ بِنَجَاسَةِ الصَّيْدِ الَّذِي لَمْ تَنْسَفِحْ دِمَاؤُهُ وَرُطُوبَاتُهُ .\rثُمَّ كَيْفَ يَصِحُّ هَذَا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ ، وَهُوَ يَحْكُمُ بِنَجَاسَةِ الشَّعْرِ وَالصُّوفِ وَالْعَظْمِ ؟ وَأَبُو حَنِيفَةَ يُطَهِّرُ جِلْدَ الْكَلْبِ وَهُوَ نَجِسٌ فِي الْحَيَاةِ .\r( 74 ) فَصْلٌ : هَلْ يَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِهِ فِي الْيَابِسَاتِ ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ : إحْدَاهُمَا : لَا يَجُوزُ ؛ لِقَوْلِهِ : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَا تَنْتَفِعُوا مِنْ الْمَيْتَةِ بِشَيْءٍ ، } وَقَوْلِهِ : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَا تَنْتَفِعُوا مِنْ الْمَيْتَةِ بِإِهَابٍ وَلَا عَصَبٍ } وَالثَّانِيَةُ : يَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِهِ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { أَلَا أَخَذُوا إهَابَهَا فَانْتَفَعُوا بِهِ } .\rوَفِي لَفْظٍ : { أَلَا أَخَذُوا إهَابَهَا فَدَبَغُوهُ فَانْتَفَعُوا بِهِ ؛ } وَلِأَنَّ الصَّحَابَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، لَمَّا فَتَحُوا فَارِسَ ، انْتَفَعُوا بِسُرُوجِهِمْ وَأَسْلِحَتِهِمْ وَذَبَائِحُهُمْ مَيْتَةٌ ؛ وَلِأَنَّهُ انْتِفَاعٌ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ ، أَشْبَهَ الِاصْطِيَادَ بِالْكَلْبِ ، وَرُكُوبَ الْبَغْلِ وَالْحِمَارِ .","part":1,"page":110},{"id":110,"text":"( 75 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا جُلُودُ السِّبَاعِ فَقَالَ الْقَاضِي : لَا يَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِهَا قَبْلَ الدَّبْغِ ، وَلَا بَعْدَهُ .\rوَبِذَلِكَ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ ، وَيَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ، وَابْنُ الْمُبَارَكِ ، وَإِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ .\rوَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، كَرَاهِيَةُ الصَّلَاةِ فِي جُلُودِ الثَّعَالِبِ ، وَكَرِهَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَالْحَكَمُ ، وَمَكْحُولٌ ، وَإِسْحَاقُ وَكَرِهَ الِانْتِفَاعَ بِجُلُودِ السَّنَانِيرِ عَطَاءٌ ، وَطَاوُسٌ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَعَبِيدَةُ السَّلْمَانِيُّ .\rوَرَخَّصَ فِي جُلُودِ السِّبَاعِ جَابِرٌ ، وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ ، وَعُرْوَةَ أَنَّهُمْ رَخَّصُوا فِي الرُّكُوبِ عَلَى جُلُودِ النُّمُورِ ، وَرَخَّصَ فِيهَا الزُّهْرِيُّ وَأَبَاحَ الْحَسَنُ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ، الصَّلَاةَ فِي جُلُودِ الثَّعَالِبِ : لِأَنَّ الثَّعَالِبَ تُفْدَى فِي الْإِحْرَامِ ، فَكَانَتْ مُبَاحَةً ، وَلِمَا ثَبَتَ مِنْ الدَّلِيلِ عَلَى طَهَارَةِ جُلُودِ الْمَيْتَةِ بِالدِّبَاغِ .\rوَلَنَا : مَا رَوَى أَبُو رَيْحَانَةَ ، قَالَ : { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ رُكُوبِ النُّمُورِ .\r} أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَعَنْ مُعَاوِيَةَ ، وَالْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِ يَكْرِبَ ، { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ لُبْسِ جُلُودِ السِّبَاعِ ، وَالرُّكُوبِ عَلَيْهَا .\r} رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَرُوِيَ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ افْتِرَاشِ جُلُودِ السِّبَاعِ .\r} رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَلَفْظُهُ أَنَّ النَّبِيَّ { صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ جُلُودِ السِّبَاعِ .\r} مَعَ مَا سَبَقَ مِنْ نَهْيِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الِانْتِفَاعِ بِشَيْءِ مِنْ الْمَيْتَةِ .\rوَأَمَّا الثَّعَالِبُ فَيُبْنَى حُكْمُهَا عَلَى حِلِّهَا ، وَفِيهَا رِوَايَتَانِ ، كَذَلِكَ يُخَرَّجُ فِي جُلُودِهَا ؛ فَإِنْ قُلْنَا بِتَحْرِيمِهَا فَحُكْمُ جُلُودِهَا حُكْمُ جُلُودِ بَقِيَّةِ السِّبَاعِ ، وَكَذَلِكَ السَّنَانِيرُ الْبَرِّيَّةُ ، فَأَمَّا","part":1,"page":111},{"id":111,"text":"الْأَهْلِيَّةُ فَمُحَرَّمَةٌ ، وَهَلْ تَطْهُرُ جُلُودُهَا بِالدِّبَاغِ ؟ يُخَرَّجُ عَلَى رِوَايَتَيْنِ .\r( 76 ) فَصْلٌ : إذَا قُلْنَا بِطَهَارَةِ الْجُلُودِ بِالدِّبَاغِ لَمْ يَطْهُرْ مِنْهَا جِلْدُ مَا لَمْ يَكُنْ طَاهِرًا فِي الْحَيَاةِ ، نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى أَنَّهُ يَطْهُرُ .\rوَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا : لَا يَطْهُرُ إلَّا مَا كَانَ مَأْكُولَ اللَّحْمِ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الْأَوْزَاعِيِّ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَإِسْحَاقَ ؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { دِبَاغُ الْأَدِيمِ ذَكَاتُهُ } .\rفَشَبَّهَ الدَّبْغَ بِالذَّكَاةِ ؛ وَالذَّكَاةُ إنَّمَا تُعْمَلُ فِي مَأْكُولِ اللَّحْمِ ؛ وَلِأَنَّهُ أَحَدُ الْمُطَهِّرَيْنِ لِلْجِلْدِ ، فَلَمْ يُؤَثِّرْ فِي غَيْرِ مَأْكُولٍ كَالذَّبْحِ .\rوَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ أَنَّ كُلَّ طَاهِرٍ فِي الْحَيَاةِ يَطْهُرُ بِالدَّبْغِ ؛ لِعُمُومِ لَفْظِهِ فِي ذَلِكَ ؛ وَلِأَنَّ قَوْلَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : { أَيُّمَا إهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ } يَتَنَاوَلُ الْمَأْكُولَ وَغَيْرَهُ وَخَرَجَ مِنْهُ مَا كَانَ نَجِسًا فِي الْحَيَاةِ ؛ لِكَوْنِ الدَّبْغِ إنَّمَا يُؤَثِّرُ فِي دَفْعِ نَجَاسَةٍ حَادِثَةٍ بِالْمَوْتِ ، فَيَبْقَى فِيمَا عَدَاهُ عَلَى قَضِيَّةِ الْعُمُومِ .\rوَحَدِيثُهُمْ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ بِالذَّكَاةِ التَّطْيِيبَ ، مِنْ قَوْلِهِمْ : رَائِحَةٌ ذَكِيَّةٌ ، أَيْ : طَيِّبَةٌ وَهَذَا يُطَيِّبُ الْجَمِيعَ ، وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا : أَنَّهُ أَضَافَ الذَّكَاةَ إلَى الْجِلْدِ خَاصَّةً ، وَاَلَّذِي يَخْتَصُّ بِهِ الْجِلْدُ هُوَ تَطْيِيبُهُ وَطَهَارَتُهُ ، أَمَّا الذَّكَاةُ الَّتِي هِيَ الذَّبْحُ ، فَلَا تُضَافُ إلَّا إلَى الْحَيَوَانِ كُلِّهِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ بِالذَّكَاةِ الطَّهَارَةَ ، فَسَمَّى الطَّهَارَةَ ذَكَاةٌ ، فَيَكُونُ اللَّفْظُ عَامًّا فِي كُلِّ جِلْدٍ ، فَيَتَنَاوَلُ مَا اخْتَلَفْنَا فِيهِ .","part":1,"page":112},{"id":112,"text":"( 77 ) فَصْلٌ : وَلَا يَحِلُّ أَكْلُهُ بَعْدَ الدَّبْغِ ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَحُكِيَ عَنْ ابْنِ حَامِدٍ : أَنَّهُ يَحِلُّ .\rوَهُوَ وَجْهٌ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ؛ لِقَوْلِهِ : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { دِبَاغُ الْأَدِيمِ ذَكَاتُهُ } وَلِأَنَّهُ مَعْنًى يُفِيدُ الطَّهَارَةَ فِي الْجِلْدِ ، فَأَبَاحَ الْأَكْلَ كَالذَّبْحِ ، وَلَنَا قَوْله تَعَالَى : { حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ } ، وَالْجِلْدُ مِنْهَا ، وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إنَّمَا حُرِّمَ مِنْ الْمَيْتَةِ أَكْلُهَا .\r} مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ؛ وَلِأَنَّهُ جُزْءٌ مِنْ الْمَيْتَةِ ، فَحَرُمَ أَكْلُهُ كَسَائِرِ أَجْزَائِهَا ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ الطَّهَارَةِ إبَاحَةُ الْأَكْلِ ، بِدَلِيلِ الْخَبَائِثِ مِمَّا لَا يَنْجُسُ بِالْمَوْتِ ، ثُمَّ لَا يُسْمَعُ قِيَاسُهُمْ فِي تَرْكِ كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( 78 ) فَصْلٌ : وَيَجُوزُ بَيْعُهُ ، وَإِجَارَتُهُ ، وَالِانْتِفَاعُ بِهِ فِي كُلِّ مَا يُمْكِنُ الِانْتِفَاعُ بِهِ فِيهِ ، سِوَى الْأَكْلِ ؛ لِأَنَّهُ صَارَ بِمَنْزِلَةِ الْمُذَكَّى فِي غَيْرِ الْأَكْلِ وَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ قَبْلَ دَبْغِهِ ؛ لِأَنَّهُ نَجِسٌ ، مُتَّفَقٌ عَلَى نَجَاسَةِ عَيْنِهِ ، فَأَشْبَهَ الْخِنْزِيرَ .","part":1,"page":113},{"id":113,"text":"( 79 ) فَصْلٌ : وَيَفْتَقِرُ مَا يُدْبَغُ بِهِ إلَى أَنْ يَكُونَ مُنَشِّفًا لِلرُّطُوبَةِ ، مُنَقِّيًا لِلْخُبْثِ ، كَالشَّبِّ وَالْقَرَظِ ، قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ : وَيُشْتَرَطُ كَوْنُهُ طَاهِرًا ، فَإِنْ كَانَ نَجِسًا لَمْ يُطَهِّرْ الْجِلْدَ ؛ لِأَنَّهَا طَهَارَةٌ مِنْ نَجَاسَةٍ ، فَلَمْ تَحْصُلْ بِنَجِسٍ ، كَالِاسْتِجْمَارِ وَالْغُسْلِ ، وَهَلْ يَطْهُرُ الْجِلْدُ بِمُجَرَّدِ الدَّبْغِ قَبْلَ غَسْلِهِ بِالْمَاءِ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا ، لَا تَحْصُلُ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي جِلْدِ الشَّاةِ الْمَيْتَةِ : { يُطَهِّرُهَا الْمَاءُ وَالْقَرَظُ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد ؛ وَلِأَنَّ مَا يُدْبَغُ بِهِ نَجِسَ بِمُلَاقَاةِ الْجِلْدِ ، فَإِذَا انْدَبَغَ الْجِلْدُ بَقِيَتْ الْآلَةُ نَجِسَةً فَتَبْقَى نَجَاسَةُ الْجِلْدِ لِمُلَاقَاتِهَا لَهُ ، فَلَا يَزُولُ إلَّا بِالْغَسْلِ .\rوَالثَّانِي : يَطْهُرُ ؛ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : { أَيُّمَا إهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ } ؛ وَلِأَنَّهُ طَهُرَ بِانْقِلَابِهِ ، فَلَمْ يَفْتَقِرْ إلَى اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ ، كَالْخَمْرَةِ إذَا انْقَلَبَتْ خَلًّا .\rوَالْأَوَّلُ أَوْلَى ، وَالْخَبَرُ وَالْمَعْنَى يَدُلَّانِ عَلَى طَهَارَةِ عَيْنِهِ ، وَلَا يَمْنَعُ ذَلِكَ مِنْ وُجُوبِ غَسْلِهِ مِنْ نَجَاسَةٍ تُلَاقِيهِ ، كَمَا لَوْ أَصَابَتْهُ نَجَاسَةٌ سِوَى آلَةِ الدَّبْغِ ، أَوْ أَصَابَتْهُ آلَةُ الدَّبْغِ بَعْدَ فَصْلِهِ عَنْهَا .\r( 80 ) فَصْلٌ وَلَا يَفْتَقِرُ الدَّبْغُ إلَى فِعْلٍ ؛ لِأَنَّهَا إزَالَةُ نَجَاسَةٍ ، فَأَشْبَهَتْ غَسْلَ الْأَرْضِ ، فَلَوْ وَقَعَ جِلْدُ مَيْتَةٍ فِي مَدْبَغَةٍ ، بِغَيْرِ فِعْلٍ ، فَانْدَبَغَ ، طَهُرَ ، كَمَا لَوْ نَزَلَ مَاءُ السَّمَاءِ عَلَى أَرْضٍ نَجِسَةٍ طَهَّرَهَا .","part":1,"page":114},{"id":114,"text":"( 81 ) فَصْلٌ : وَإِذَا ذُبِحَ مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ كَانَ جِلْدُهُ نَجِسًا .\rوَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٌ : يَطْهُرُ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { دِبَاغُ الْأَدِيمِ ذَكَاتُهُ .\r} أَيْ : كَذَكَاتِهِ ، فَشَبَّهَ الدَّبْغَ بِالذَّكَاةِ ، وَالْمُشَبَّهُ بِهِ أَقْوَى مِنْ الْمُشَبَّهِ ، فَإِذَا طَهَّرَ الدَّبْغُ مَعَ ضَعْفِهِ فَالذَّكَاةُ أَوْلَى ؛ وَلِأَنَّ الدَّبْغَ يَرْفَعُ الْعِلَّةَ بَعْدَ وُجُودِهَا ، وَالذَّكَاةُ تَمْنَعُهَا ، وَالْمَنْعُ أَقْوَى مِنْ الرَّفْعِ .\rوَلَنَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { نَهَى عَنْ افْتِرَاشِ جُلُودِ السِّبَاعِ ، وَرُكُوبِ النُّمُورِ ، } وَهُوَ عَامٌ فِي الْمُذَكَّى وَغَيْرِهِ ؛ وَلِأَنَّهُ ذَبْحٌ لَا يُطَهِّرُ اللَّحْمَ ، فَلَمْ يُطَهِّرْ الْجِلْدَ ، كَذَبْحِ الْمَجُوسِيِّ .\rأَوْ ذَبْحٍ غَيْرِ مَشْرُوعٍ ، فَأَشْبَهَ الْأَصْلَ ، وَالْخَبَرُ قَدْ أَجَبْنَا عَنْهُ فِيمَا مَضَى ، ثُمَّ نَقُولُ : إنَّ الدَّبْغَ إنَّمَا يُؤَثِّرُ فِي مَأْكُولِ اللَّحْمِ ، فَكَذَلِكَ مَا شُبِّهَ بِهِ ، وَلَوْ سَلَّمْنَا أَنَّهُ يُؤَثِّرُ فِي تَطْهِيرِ غَيْرِهِ ، فَلَا يَلْزَمُ حُصُولُ التَّطْهِيرِ بِالذَّكَاةِ ، لِكَوْنِ الدَّبْغِ مُزِيلًا لِلْخُبْثِ وَالرُّطُوبَاتِ كُلِّهَا ، مُطَيِّبًا لِلْجِلْدِ عَلَى وَجْهٍ يَتَهَيَّأُ بِهِ لِلْبَقَاءِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَتَغَيَّرُ ، وَالذَّكَاةُ لَا يَحْصُلُ بِهَا ذَلِكَ ، فَلَا يُسْتَغْنَى بِهَا عَنْ الدَّبْغِ .\rوَقَوْلُهُمْ : الْمُشَبَّهُ أَضْعَفُ مِنْ الْمُشَبَّهُ بِهِ .\rغَيْرُ لَازِمِ ؛ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ فِي صِفَةِ الْحُورِ { : كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ } ، وَهُنَّ أَحْسَنُ مِنْ الْبَيْضِ ، وَالْمَرْأَةُ الْحَسْنَاءُ تُشَبَّهُ بِالظَّبْيَةِ وَبَقَرَةِ الْوَحْشِ ، وَهِيَ أَحْسَنُ مِنْهُمَا .\rوَقَوْلُهُمْ : إنَّ الدَّبْغَ يَرْفَعُ الْعِلَّةَ مَمْنُوعٌ فَإِنَّنَا قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْجِلْدَ لَمْ يَنْجُسْ ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ ، وَإِنْ سَلَّمْنَا فَإِنَّ الذَّبْحَ لَا يَمْنَعُ مِنْهَا ثُمَّ يَبْطُلُ مَا ذَكَرُوهُ بِذَبْحِ الْمَجُوسِيِّ وَالْوَثَنِيِّ وَالْمُحْرِمِ ، وَبِتَرْكِ التَّسْمِيَةِ ، وَمَا شُقَّ","part":1,"page":115},{"id":115,"text":"بِنِصْفَيْنِ .","part":1,"page":116},{"id":116,"text":"( 82 ) فَصْلٌ : ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ ، أَنَّهُ لَا يَطْهُرُ شَيْءٌ مِنْ النَّجَاسَاتِ بِالِاسْتِحَالَةِ ، إلَّا الْخَمْرَةَ ، إذَا انْقَلَبَتْ بِنَفْسِهَا خَلًّا ، وَمَا عَدَاهُ لَا يَطْهُرُ ؛ كَالنَّجَاسَاتِ إذَا احْتَرَقَتْ وَصَارَتْ رَمَادًا ، وَالْخِنْزِيرِ إذَا وَقَعَ فِي الْمَلَّاحَةِ وَصَارَ مِلْحًا ، وَالدُّخَانِ الْمُتَرَقِّي مِنْ وَقُودِ النَّجَاسَةِ ، وَالْبُخَارِ الْمُتَصَاعِدِ مِنْ الْمَاءِ النَّجِسِ إذَا اجْتَمَعَتْ مِنْهُ نَدَاوَةٌ عَلَى جِسْمٍ صَقِيلٍ ثُمَّ قَطَّرَ ، فَهُوَ نَجِسٌ .\rوَيَتَخَرَّجُ أَنْ تَطْهُرَ النَّجَاسَاتُ كُلُّهَا بِالِاسْتِحَالَةِ قِيَاسًا عَلَى الْخَمْرَةِ إذَا انْقَلَبَتْ ، وَجُلُودِ الْمَيْتَةِ إذَا دُبِغَتْ ، وَالْجَلَّالَةِ إذَا حُبِسَتْ ، وَالْأَوَّلُ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ .\rوَقَدْ نَهَى إمَامُنَا رَحِمَهُ اللَّهُ عَنْ الْخَبْزِ فِي تَنُّورٍ شُوِيَ فِيهِ خِنْزِيرٌ .","part":1,"page":117},{"id":117,"text":"( 83 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : ( وَكَذَلِكَ آنِيَةُ عِظَامِ الْمَيْتَةِ ) يَعْنِي : أَنَّهَا نَجِسَةٌ ، وَجُمْلَةُ ذَلِكَ ، أَنَّ عِظَامَ الْمَيْتَةِ نَجِسَةٌ ، سَوَاءٌ كَانَتْ مَيْتَةَ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ ، أَوْ مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ ، كَالْفِيَلَةِ ، وَلَا يَطْهُرُ بِحَالٍ ، وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَإِسْحَاقَ ، وَكَرِهَ عَطَاءٌ ، وَطَاوُسٌ ، وَالْحَسَنُ ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ عِظَامَ الْفِيَلَةِ ، وَرَخَّصَ فِي الِانْتِفَاعِ بِهَا مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ ، وَغَيْرُهُ ، وَابْنُ جُرَيْجٍ ؛ لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادِهِ عَنْ ثَوْبَانِ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { اشْتَرِ لِفَاطِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قِلَادَةً مِنْ عَصَبٍ وَسِوَارَيْنِ مِنْ عَاجٍ } .\rوَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ } وَالْعَظْمُ مِنْ جُمْلَتِهَا ، فَيَكُونُ مُحَرَّمًا ، وَالْفِيلُ لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ فَهُوَ نَجِسٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ ، وَأَمَّا الْحَدِيثُ ، فَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : قَالَ الْأَصْمَعِيُّ : الْعَاجُ الذَّبْلُ ، وَيُقَال : هُوَ عَظْمُ ظَهْرِ السُّلَحْفَاةِ الْبَحْرِيَّةِ .\rوَذَهَبَ مَالِكٌ إلَى أَنَّ الْفِيلَ إنَّ ذُكِّيَ فَعَظْمُهُ طَاهِرٌ ، وَإِلَّا فَهُوَ نَجِسٌ ؛ لِأَنَّ الْفِيلَ مَأْكُولٌ عِنْدَهُ ، وَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { نَهَى عَنْ أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ } رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالْفِيلُ أَعْظَمُهَا نَابًا فَأَمَّا عِظَامُ بَقِيَّةِ الْمَيْتَاتِ ، فَذَهَبَ الثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، إلَى طَهَارَتِهَا ؛ لِأَنَّ الْمَوْتَ لَا يُحِلُّهَا فَلَا تَنْجُسُ بِهِ ، كَالشَّعْرِ ؛ وَلِأَنَّ عِلَّةَ التَّنْجِيسِ فِي اللَّحْمِ وَالْجِلْدِ اتِّصَالُ الدِّمَاءِ وَالرُّطُوبَاتِ بِهِ ، وَلَا يُوجَدُ ذَلِكَ فِي الْعِظَامِ وَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى { قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ } وَمَا يَحْيَا فَهُوَ يَمُوتُ ؛ وَلِأَنَّ دَلِيلَ الْحَيَاةِ الْإِحْسَاسُ وَالْأَلَمُ ، وَالْأَلَمُ","part":1,"page":118},{"id":118,"text":"فِي الْعَظْمِ أَشَدُّ مِنْ الْأَلَمِ فِي اللَّحْمِ وَالْجِلْدِ ، وَالضِّرْسُ يَأْلَمُ ، وَيَلْحَقُهُ الضِّرْسُ ، وَيُحِسُّ بِبَرْدِ الْمَاءِ وَحَرَارَتِهِ ، وَمَا تَحِلُّهُ الْحَيَاةُ يَحِلُّهُ الْمَوْتُ ؛ إذْ كَانَ الْمَوْتُ مُفَارَقَةَ الْحَيَاةِ ، وَمَا يَحُلُّهُ الْمَوْتُ يَنْجُسُ بِهِ كَاللَّحْمِ .\rقَالَ الْحَسَنُ لِبَعْضِ أَصْحَابِهِ ، لَمَّا سَقَطَ ضِرْسُهُ : أُشْعِرْت أَنَّ بَعْضِي مَاتَ الْيَوْمَ ، وَقَوْلُهُمْ : إنَّ سَبَبَ التَّنْجِيسِ اتِّصَالُ الدِّمَاءِ وَالرُّطُوبَاتِ ، قَدْ أَجَبْنَا عَنْهُ فِيمَا مَضَى .","part":1,"page":119},{"id":119,"text":"( 84 ) فَصْل : وَالْقَرْنُ وَالظُّفْرُ وَالْحَافِرُ كَالْعَظْمِ ، إنْ أُخِذَ مِنْ مُذَكًّى فَهُوَ طَاهِرٌ ؛ وَإِنْ أُخِذَ مِنْ حَيٍّ فَهُوَ نَجِسٌ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَا يُقْطَعُ مِنْ الْبَهِيمَةِ وَهِيَ حَيَّةٌ فَهُوَ مَيْتَةٌ } رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَقَالَ : حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ ، وَكَذَلِكَ مَا يَتَسَاقَطُ مِنْ قُرُونِ الْوُعُولِ فِي حَيَاتِهَا ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّ هَذَا طَاهِرٌ ؛ لِأَنَّهُ طَاهِرٌ مُتَّصِلٌ ، مَعَ عَدَمِ الْحَيَاةِ فِيهِ ، فَلَمْ يَنْجُسُ بِفَصْلِهِ مِنْ الْحَيَوَانِ ، وَلَا بِمَوْتِ الْحَيَوَانِ كَالشَّعْرِ ، وَالْخَبَرُ أُرِيدَ بِهِ مَا يُقْطَعُ مِنْ الْبَهِيمَةِ مِمَّا فِيهِ حَيَاةٌ ؛ لِأَنَّهُ بِفَصْلِهِ يَمُوتُ ، وَتُفَارِقُهُ الْحَيَاةُ ، بِخِلَافِ هَذَا ، فَإِنَّهُ لَا يَمُوتُ بِفَصْلِهِ ، فَهُوَ أَشْبَهَ بِالشَّعْرِ ، وَمَا لَا يَنْجُسُ بِالْمَوْتِ لَا بَأْسَ بِعِظَامِهِ كَالسَّمَكِ ؛ لِأَنَّ مَوْتَهُ كَتَذْكِيَةِ الْحَيَوَانَاتِ الْمَأْكُولَةِ .","part":1,"page":120},{"id":120,"text":"( 85 ) فَصْل : وَلَبَنُ الْمَيْتَةِ وَإِنْفَحَتُهَا نَجِسٌ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ .\rوَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَرُوِيَ أَنَّهَا طَاهِرَةٌ ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَدَاوُد ؛ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَكَلُوا الْجُبْنَ لَمَّا دَخَلُوا الْمَدَائِنَ ، وَهُوَ يُعْمَلُ بِالْإِنْفَحَةِ ، وَهِيَ تُؤْخَذُ مِنْ صِغَارِ الْمَعْزِ ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ اللَّبَنِ ، وَذَبَائِحُهُمْ مَيْتَةٌ .\rوَلَنَا أَنَّهُ مَائِعٌ فِي وِعَاءٍ نَجِسٍ ، فَكَانَ نَجِسًا ، كَمَا لَوْ حَلَبَ فِي وِعَاءٍ نَجِسٍ ؛ وَلِأَنَّهُ لَوْ أَصَابَ الْمَيْتَةَ بَعْدَ فَصْلِهِ عَنْهَا لَكَانَ نَجِسًا ، فَكَذَلِكَ قَبْلَ فَصْلِهِ ، وَأَمَّا الْمَجُوسُ فَقَدْ قِيلَ : إنَّهُمْ مَا كَانُوا يَتَوَلَّوْنَ الذَّبْحَ بِأَنْفُسِهِمْ ، وَكَانَ جَزَّارُوهُمْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى ، وَلَوْ لَمْ يُنْقَلْ ذَلِكَ عَنْهُمْ لَكَانَ الِاحْتِمَالُ مَوْجُودًا ، فَقَدْ كَانَ فِيهِمْ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى ، وَالْأَصْلُ الْحِلُّ ، فَلَا يَزُولُ بِالشَّكِّ ، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ أَصْحَابَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِينَ قَدِمُوا الْعِرَاقَ مَعَ خَالِدٍ ، كَسَرُوا جَيْشًا مِنْ أَهْلِ فَارِسَ ، بَعْدَ أَنْ نَصَبُوا الْمَوَائِدَ وَوَضَعُوا طَعَامَهُمْ لِيَأْكُلُوا ، فَلَمَّا فَرَغَ الْمُسْلِمُونَ مِنْهُمْ جَلَسُوا فَأَكَلُوا ذَلِكَ الطَّعَامَ ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ كَانَ لَحْمًا ، فَلَوْ حُكِمَ بِنَجَاسَةِ مَا ذُبِحَ بِبَلَدِهِمْ لَمَا أَكَلُوا مِنْ لَحْمِهِمْ شَيْئًا ، وَإِذَا حَكَمُوا بِحِلِّ اللَّحْمِ فَالْجُبْنُ أَوْلَى ، وَعَلَى هَذَا لَوْ دَخَلَ أَرْضًا فِيهَا مَجُوسٌ وَأَهْلُ كِتَابٍ ، كَانَ لَهُ أَكْلُ جُبْنِهِمْ وَلَحْمِهِمْ ، احْتِجَاجًا بِفِعْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصَحَابَتِهِ .","part":1,"page":121},{"id":121,"text":"( 86 ) فَصْلٌ : وَإِنْ مَاتَتْ الدَّجَاجَةُ ، وَفِي بَطْنِهَا بَيْضَةٌ قَدْ صَلُبَ قِشْرُهَا ، فَهِيَ طَاهِرَةٌ .\rوَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ وَابْنِ الْمُنْذِرِ .\rوَكَرِهَهَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ، وَابْنُ عُمَرَ ، وَرَبِيعَةُ ، وَمَالِكٌ ، وَاللَّيْثُ ، وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ ؛ لِأَنَّهَا جُزْءٌ مِنْ الدَّجَاجَةِ .\rوَلَنَا أَنَّهَا بَيْضَةٌ صُلْبَةُ الْقِشْرِ ، طَرَأَتْ النَّجَاسَةُ عَلَيْهَا ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ وَقَعَتْ فِي مَاءٍ نَجِسٍ .\rوَقَوْلُهُمْ : إنَّهَا جُزْءٌ مِنْهَا .\rغَيْرُ صَحِيحٍ ، وَإِنَّمَا هِيَ مُودَعَةٌ فِيهَا ، غَيْرُ مُتَّصِلَةٍ بِهَا ، فَأَشْبَهَتْ الْوَلَدَ إذَا خَرَجَ حَيًّا مِنْ الْمَيْتَةِ ؛ وَلِأَنَّهَا خَارِجَةٌ مِنْ حَيَوَانٍ يُخْلَقُ مِنْهَا مِثْلُ أَصْلِهَا ، أَشْبَهَتْ الْوَلَدَ الْحَيَّ ، وَكَرَاهَةُ الصَّحَابَةِ لَهَا مَحْمُولَةٌ عَلَى كَرَاهَةِ التَّنْزِيهِ ، اسْتِقْذَارًا لَهَا ، وَلَوْ وُضِعَتْ الْبَيْضَةُ تَحْتَ طَائِرٍ ، فَصَارَتْ فَرْخًا ، كَانَ طَاهِرًا بِكُلِّ حَالٍ .\rفَإِنْ لَمْ تَكْمُلْ الْبَيْضَةُ ، فَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا : مَا كَانَ قِشْرُهُ أَبْيَضَ ، فَهُوَ طَاهِرٌ .\rوَمَا لَمْ يَبْيَضَّ قِشْرُهُ فَهُوَ نَجِسٌ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ حَائِلٌ حَصِينٌ .\rوَاخْتَارَ ابْنُ عَقِيلٍ أَنَّهُ لَا يَنْجُسُ ؛ لِأَنَّ الْبَيْضَةَ عَلَيْهَا غَاشِيَةٌ رَقِيقَةٌ كَالْجِلْدِ ، وَهُوَ الْقِشْرُ قَبْلَ أَنْ يَقْوَى ، فَلَا يَنْجُسُ مِنْهَا إلَّا مَا كَانَ لَاقَى النَّجَاسَةَ ، كَالسَّمْنِ الْجَامِدِ إذَا مَاتَتْ فِيهِ فَأْرَةٌ ، إلَّا أَنَّ هَذِهِ تَطْهُرُ إذَا غَسَلَهَا ؛ لِأَنَّ لَهَا مِنْ الْقُوَّةِ مَا يَمْنَعُ تَدَاخُلَ أَجْزَاءِ النَّجَاسَةِ فِيهَا ، بِخِلَافِ السَّمْنِ .","part":1,"page":122},{"id":122,"text":"( 87 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَيُكْرَهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ ) فَإِنْ فَعَلَ كُرِهَ .\rأَرَادَ بِالْكَرَاهَةِ التَّحْرِيمَ ، وَلَا خِلَافَ بَيْنَ أَصْحَابِنَا فِي أَنَّ اسْتِعْمَالَ آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ حَرَامٌ ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { لَا تَشْرَبُوا فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ ، وَلَا تَأْكُلُوا فِي صِحَافِهَا فَإِنَّهَا لَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَكُمْ فِي الْآخِرَةِ .\r} وَنَهَى عَنْ الشُّرْبِ فِي آنِيَةِ الْفِضَّةِ ، وَقَالَ { : مَنْ شَرِبَ فِيهَا فِي الدُّنْيَا لَمْ يَشْرَبْ فِيهَا فِي الْآخِرَةِ .\r} وَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : { الَّذِي يَشْرَبُ فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ إنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِنَّ .\rفَنَهَى وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ ، وَذَكَرَ فِي ذَلِكَ وَعِيدًا شَدِيدًا ، يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ وَيُرْوَى \" نَارُ جَهَنَّمَ \" بِرَفْعِ الرَّاءِ وَنَصْبِهَا ؛ فَمَنْ رَفَعَهَا نَسَبِ الْفِعْلَ إلَى النَّارِ ، وَمَنْ نَصَبَهَا أَضْمَرَ الْفَاعِلَ فِي الْفِعْلِ ، وَجَعَلَ النَّارَ مَفْعُولًا ، تَقْدِيرُهُ : يُجَرْجِرُ الشَّارِبُ فِي بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ .\rوَالْعِلَّةُ فِي تَحْرِيمِ الشُّرْبِ فِيهَا مَا يَتَضَمَّنُهُ ذَلِكَ مِنْ الْفَخْرِ وَالْخُيَلَاءِ ، وَكَسْرِ قُلُوبِ الْفُقَرَاءِ ، وَهُوَ مَوْجُودٌ فِي الطَّهَارَةِ مِنْهَا وَاسْتِعْمَالِهَا كَيْفَمَا كَانَ ، بَلْ إذَا حَرُمَ فِي غَيْرِ الْعِبَادَةِ فَفِيهَا أَوْلَى ، فَإِنْ تَوَضَّأَ مِنْهَا ، أَوْ اغْتَسَلَ ، فَعَلَى وَجْهَيْنِ : أَحَدهمَا تَصِحُّ طَهَارَتُهُ .\rوَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَإِسْحَاقَ ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ ؛ لِأَنَّ فِعْلَ الطَّهَارَةِ وَمَاءَهَا لَا يَتَعَلَّقُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ ، أَشْبَهَ الطَّهَارَةَ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ .\rوَالثَّانِي : لَا يَصِحُّ اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ ؛ لِأَنَّهُ اسْتَعْمَلَ الْمُحَرَّمَ فِي الْعِبَادَةِ ، فَلَمْ يَصِحَّ ، كَالصَّلَاةِ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ","part":1,"page":123},{"id":123,"text":"وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ، وَيُفَارِقُ هَذَا الصَّلَاةَ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ ؛ لِأَنَّ أَفْعَالَ الصَّلَاةِ مِنْ الْقِيَامِ وَالْقُعُودِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ ، فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ ؛ مُحَرَّمٌ ؛ لِكَوْنِهِ تَصَرُّفًا فِي مِلْكِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ ، وَشُغْلًا لَهُ ، وَأَفْعَالُ الْوُضُوءِ ؛ مِنْ الْغَسْلِ ، وَالْمَسْحِ ، لَيْسَ بِمُحَرَّمٍ ، إذْ لَيْسَ هُوَ اسْتِعْمَالًا لِلْإِنَاءِ ، وَلَا تَصَرُّفًا فِيهِ ، وَإِنَّمَا يَقَعُ ذَلِكَ بَعْدَ رَفْعِ الْمَاءِ مِنْ الْإِنَاءِ ، وَفَصْلِهِ عَنْهُ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ غَرَفَ بِآنِيَةِ الْفِضَّةِ فِي إنَاءٍ غَيْرِهِ ، ثُمَّ تَوَضَّأَ بِهِ ؛ وَلِأَنَّ الْمَكَانَ شَرْطٌ لِلصَّلَاةِ ، إذْ لَا يُمْكِنُ وُجُودُهَا فِي غَيْرِ مَكَان ، وَالْإِنَاءُ لَيْسَ بِشَرْطٍ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ صَلَّى وَفِي يَدِهِ خَاتَمُ ذَهَبٍ .","part":1,"page":124},{"id":124,"text":"مَسْأَلَةٌ : فَإِنْ جَعَلَ آنِيَةَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ مَصَبًّا لِمَاءِ الْوُضُوءِ ، يَنْفَصِلُ الْمَاءُ عَنْ أَعْضَائِهِ إلَيْهِ ، صَحَّ الْوُضُوءُ ؛ لِأَنَّ الْمُنْفَصِلَ الَّذِي يَقَعُ فِي الْآنِيَةِ قَدْ رَفَعَ الْحَدَثَ ، فَلَمْ يَزُلْ ذَلِكَ بِوُقُوعِهِ فِي الْإِنَاء ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ كَاَلَّتِي قَبْلَهَا ؛ لِأَنَّ الْفَخْرَ وَالْخُيَلَاءَ وَكَسْرَ قُلُوبِ الْفُقَرَاءِ يَحْصُلُ بِاسْتِعْمَالِهِ هَاهُنَا ؛ كَحُصُولِهِ فِي الَّتِي قَبْلَهَا ، وَفِعْلُ الطَّهَارَةِ يَحْصُلُ هَاهُنَا قَبْلَ وُصُولِ الْمَاءِ إلَى الْإِنَاءِ ، وَفِي الَّتِي قَبْلَهَا بَعْدَ فَصْلِهِ عَنْهُ ، فَهِيَ مِثْلُهَا فِي الْمَعْنَى ، وَإِنْ افْتَرَقَا فِي الصُّورَةِ .","part":1,"page":125},{"id":125,"text":"( 89 ) فَصْلٌ : وَيَحْرُمُ اتِّخَاذُ آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ .\rوَحُكِيَ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَحْرُمُ ؛ لِأَنَّ الْخَبَرَ إنَّمَا وَرَدَ بِتَحْرِيمِ الِاسْتِعْمَالِ ، فَلَا يَحْرُمُ الِاتِّخَاذُ ، كَمَا لَوْ اتَّخَذَ الرَّجُلُ ثِيَابَ الْحَرِيرِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ مَا حَرُمَ اسْتِعْمَالُهُ مُطْلَقًا حَرُمَ اتِّخَاذُهُ عَلَى هَيْئَةِ الِاسْتِعْمَالِ ، كَالطُّنْبُورِ ، وَأَمَّا ثِيَابُ الْحَرِيرِ فَإِنَّهَا لَا تَحْرُمُ مُطْلَقًا ، فَإِنَّهَا تُبَاحُ لِلنِّسَاءِ ، وَتُبَاحُ التِّجَارَةُ فِيهَا ، وَيَحْرُمُ اسْتِعْمَالُ الْآنِيَةِ مُطْلَقًا فِي الشُّرْبِ وَالْأَكْلِ وَغَيْرِهِمَا ؛ لِأَنَّ النَّصَّ وَرَدَ بِتَحْرِيمِ الشُّرْبِ وَالْأَكْلِ ، وَغَيْرُهُمَا فِي مَعْنَاهُمَا .\rوَيَحْرُمُ ذَلِكَ عَلَى الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ ؛ لِعُمُومِ النَّصِّ فِيهِمَا ، وَوُجُودِ مَعْنَى التَّحْرِيمِ فِي حَقِّهِمَا ، وَإِنَّمَا أُبِيحَ التَّحَلِّي فِي حَقِّ الْمَرْأَةِ ؛ لِحَاجَتِهَا إلَى التَّزَيُّنِ لِلزَّوْجِ ، وَالتَّجَمُّلِ عِنْدَهُ ، وَهَذَا يَخْتَصُّ الْحُلِيَّ ، فَتَخْتَصُّ الْإِبَاحَةُ بِهِ","part":1,"page":126},{"id":126,"text":"( 90 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا الْمُضَبَّبُ بِالذَّهَبِ أَوْ الْفِضَّةِ ، فَإِنْ كَانَ كَثِيرًا فَهُوَ مُحَرَّمٌ بِكُلِّ حَالٍ ؛ ذَهَبًا كَانَ أَوْ فِضَّةً ، لَحَاجَةٍ أَوْ لِغَيْرِهَا .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَأَبَاحَ أَبُو حَنِيفَةَ الْمُضَبَّبَ ، وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا ؛ لِأَنَّهُ صَارَ تَابِعًا لِلْمُبَاحِ ، فَأَشْبَهَ الْمُضَبَّبَ بِالْيَسِيرِ وَلَنَا أَنَّ هَذَا فِيهِ سَرَفٌ وَخُيَلَاءُ ، فَأَشْبَهَ الْخَالِصَ ، وَيَبْطُلُ مَا قَالَهُ بِمَا إذَا اتَّخَذَ أَبْوَابًا مِنْ فِضَّةٍ أَوْ ذَهَبٍ ، أَوْ رُفُوفًا ، فَإِنَّهُ يَحْرُمُ ، وَإِنْ كَانَ تَابِعًا ، وَفَارَقَ الْيَسِيرَ ، فَإِنَّهُ لَا يُوجَدُ فِيهِ الْمَعْنَى الْمُحَرَّمُ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا ؛ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ يُبَاحُ الْيَسِيرُ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا ، وَأَكْثَرُ أَصْحَابِنَا عَلَى أَنَّهُ لَا يُبَاحُ الْيَسِيرُ مِنْ الذَّهَبِ ، وَلَا يُبَاحُ مِنْهُ إلَّا مَا دَعَتْ الضَّرُورَةُ إلَيْهِ ، كَأَنْفِ الذَّهَبِ ، وَمَا رَبَطَ بِهِ أَسْنَانَهُ .\rوَأَمَّا الْفِضَّةُ فَيُبَاحُ مِنْهَا الْيَسِيرُ ؛ لِمَا رَوَى أَنَسٌ ، { أَنَّ قَدَحَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انْكَسَرَ ، فَاتَّخَذَ مَكَانَ الشَّعْبِ سِلْسِلَةً مِنْ فِضَّةٍ .\r} رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ؛ وَلِأَنَّ الْحَاجَةَ تَدْعُو إلَيْهِ ، وَلَيْسَ فِيهِ سَرَفٌ وَلَا خُيَلَاءُ ، فَأَشْبَهَ الضَّبَّةَ مِنْ الصُّفْرِ .\rقَالَ الْقَاضِي : وَيُبَاحُ ذَلِكَ مَعَ الْحَاجَةِ وَعَدَمِهَا ؛ لِمَا ذَكَرْنَا ، إلَّا أَنَّ مَا يُسْتَعْمَلُ مِنْ ذَلِكَ لَا يُبَاحُ كَالْحَلْقَةِ ، وَمَا لَا يُسْتَعْمَلُ كَالضَّبَّةِ يُبَاحُ .\rوَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ لَا يُبَاحُ الْيَسِيرُ إلَّا لِحَاجَةٍ ؛ لِأَنَّ الْخَبَرَ إنَّمَا وَرَدَ فِي تَشْعِيبِ الْقَدَحِ فِي مَوْضِعِ الْكَسْرِ ، وَهُوَ لِحَاجَةٍ ، وَمَعْنَى الْحَاجَةِ أَنْ تَدْعُوَ الْحَاجَةُ إلَى مَا فَعَلَهُ بِهِ ، وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ يَقُومُ مَقَامَهُ ، وَتُكْرَهُ مُبَاشَرَةُ مَوْضِعِ الْفِضَّةِ بِالِاسْتِعْمَالِ ؛ كَيْ لَا يَكُونَ مُسْتَعْمِلًا لَهَا ، وَسَنَذْكُرُ ذَلِكَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ بِأَبْسَطِ مِنْ هَذَا ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى","part":1,"page":127},{"id":127,"text":".","part":1,"page":128},{"id":128,"text":"( 91 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا سَائِرُ الْآنِيَةِ فَمُبَاحٌ اتِّخَاذُهَا وَاسْتِعْمَالُهَا ، سَوَاءٌ كَانَتْ ثَمِينَةً ، كَالْيَاقُوتِ وَالْبِلَّوْرِ وَالْعَقِيقِ وَالصُّفْرِ وَالْمَخْرُوطِ مِنْ الزُّجَاجِ ، أَوْ غَيْرَ ثَمِينَةٍ ، كَالْخَشَبِ وَالْخَزَفِ وَالْجُلُودِ .\rوَلَا يُكْرَهُ اسْتِعْمَالُ شَيْءٍ مِنْهَا فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، إلَّا أَنَّهُ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَرِهَ الْوُضُوءَ فِي الصُّفْرِ وَالنُّحَاسِ وَالرَّصَاصِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ .\rوَاخْتَارَ ذَلِكَ الشَّيْخُ أَبُو الْفَرَجِ الْمَقْدِسِيُّ ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ يَتَغَيَّرُ فِيهَا ، وَرُوِيَ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ تَكْرَهُ رِيحَ النُّحَاسِ ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ : مَا كَانَ ثَمِينًا لِنَفَاسَةِ جَوْهَرِهِ فَهُوَ مُحَرَّمٌ ؛ لِأَنَّ تَحْرِيمَ الْأَثْمَانِ تَنْبِيهٌ عَلَى تَحْرِيمِ مَا هُوَ أَعْلَى مِنْهُ ؛ وَلِأَنَّ فِيهِ سَرَفًا وَخُيَلَاءَ وَكَسْرَ قُلُوبِ الْفُقَرَاءِ ، فَكَانَ مُحَرَّمًا كَالْأَثْمَانِ .\rوَلَنَا مَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ ، قَالَ : { أَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْرَجْنَا لَهُ مَاءً فِي تَوْرٍ مِنْ صُفْرٍ ، فَتَوَضَّأَ .\r} مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ، وَرَوَى أَبُو دَاوُد فِي \" سُنَنِهِ \" ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : { كُنْت أَغْتَسِلُ أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي تَوْرٍ مِنْ شَبَهٍ } وَلِأَنَّ الْأَصْلَ الْحِلُّ ، فَيَبْقَى عَلَيْهِ ، وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُهُ عَلَى الْأَثْمَانِ ؛ لِوَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا أَنَّ هَذَا لَا يَعْرِفُهُ إلَّا خَوَاصُّ النَّاسِ ، فَلَا تَنْكَسِرُ قُلُوبُ الْفُقَرَاءِ بِاسْتِعْمَالِهِ ، بِخِلَافِ الْأَثْمَانِ .\rوَالثَّانِي أَنَّ هَذِهِ الْجَوَاهِرَ لِقِلَّتِهَا لَا يَحْصُلُ اتِّخَاذُ الْآنِيَةِ مِنْهَا إلَّا نَادِرًا ، فَلَا تُفْضِي إبَاحَتُهَا إلَى اتِّخَاذِهَا وَاسْتِعْمَالِهَا ، وَتَعَلُّقُ التَّحْرِيمِ بِالْأَثْمَانِ الَّتِي هِيَ وَاقِعَةٌ فِي مَظِنَّةِ الْكَثْرَةِ ، فَلَمْ يَتَجَاوَزْهُ ، كَمَا تَعَلَّقَ حُكْمُ التَّحْرِيمِ فِي اللِّبَاسِ بِالْحَرِيرِ ، وَجَازَ اسْتِعْمَالُ الْقَصَبِ مِنْ الثِّيَابِ ، وَإِنْ زَادَتْ قِيمَتُهُ عَلَى","part":1,"page":129},{"id":129,"text":"قِيمَةِ الْحَرِيرِ ؛ وَلِأَنَّهُ لَوْ جَعَلَ فَصَّ خَاتَمَهُ جَوْهَرَةً ثَمِينَةً جَازَ ، وَخَاتَمُ الذَّهَبِ حَرَامٌ ، وَلَوْ جَعَلَ فَصَّهُ ذَهَبًا كَانَ حَرَامًا ، وَإِنْ قَلَّتْ قِيمَتُهُ .","part":1,"page":130},{"id":130,"text":"( 92 ) مَسْأَلَةٌ ، قَالَ : ( وَصُوفُ الْمَيْتَةِ وَشَعْرُهَا طَاهِرٌ ) يَعْنِي شَعْرَ مَا كَانَ طَاهِرًا فِي حَيَاتِهِ وَصُوفَهُ ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ الْحَسَنِ ، وَابْنِ سِيرِينَ ، وَأَصْحَابِ عَبْدِ اللَّهِ ، قَالُوا : إذَا غُسِلَ ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ نَجِسٌ .\rوَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ يَنْمُو مِنْ الْحَيَوَانِ ، فَيَنْجُسُ بِمَوْتِهِ ، كَأَعْضَائِهِ .\rوَلَنَا : مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { لَا بَأْسَ بِمَسْكِ الْمَيْتَةِ إذَا دُبِغَ ، وَصُوفِهَا وَشَعْرِهَا إذَا غُسِلَ .\r} رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ ، وَقَالَ : لَمْ يَأْتِ بِهِ إلَّا يُوسُفُ بْنُ السَّفْرِ ، وَهُوَ ضَعِيفٌ ؛ وَلِأَنَّهُ لَا تَفْتَقِرُ طَهَارَةٌ مُنْفَصِلَةٌ إلَى ذَكَاةِ أَصْلِهِ ، فَلَمْ يَنْجُسْ بِمَوْتِهِ ، كَأَجْزَاءِ السَّمَكِ وَالْجَرَادِ ؛ وَلِأَنَّهُ لَا يَحُلُّهُ الْمَوْتُ فَلَمْ يَنْجُسُ بِمَوْتِ الْحَيَوَانِ ، كَبَيْضِهِ ، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ لَا حَيَاةَ فِيهِ ، أَنَّهُ لَا يُحِسُّ وَلَا يَأْلَمُ ، وَهُمَا دَلِيلَا الْحَيَاةِ ، وَلَوْ انْفَصَلَ فِي الْحَيَاةِ كَانَ طَاهِرًا ، وَلَوْ كَانَتْ فِيهِ حَيَاةٌ لَنَجِسَ بِفَصْلِهِ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَا أُبِينَ مِنْ حَيٍّ فَهُوَ مَيِّتٌ .\r} رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِمَعْنَاهُ ، وَمَا ذَكَرُوهُ يُنْتَقَضُ بِالْبَيْضِ ، وَيُفَارِقُ الْأَعْضَاءَ ، فَإِنَّ فِيهَا حَيَاةً ، وَتَنْجُسُ بِفَصْلِهَا فِي حَيَاةِ الْحَيَوَانِ ، وَالنُّمُوُّ بِمُجَرَّدِهِ لَيْسَ بِدَلِيلِ الْحَيَاةِ ، فَإِنَّ الْحَشِيشَ يَنْمُو ، وَلَا يَنْجُسُ .\r( 93 ) فَصْلٌ : وَالرِّيشُ كَالشَّعْرِ فِيمَا ذَكَرْنَا ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَاهُ ، فَأَمَّا أُصُولُ الرِّيشِ ، وَالشَّعْرِ ، إذَا كَانَ رَطْبًا إذَا نُتِفَ مِنْ الْمَيْتَةِ ، فَهُوَ نَجِسٌ ؛ لِأَنَّهُ رَطْبٌ فِي مَحَلٍّ نَجِسٍ ، وَهَلْ يَكُونُ طَاهِرًا بَعْدَ غَسْلِهِ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ : أَحَدِهِمَا أَنَّهُ طَاهِرٌ ، كَرُءُوسِ الشَّعْرِ إذَا تَنَجَّسَ .","part":1,"page":131},{"id":131,"text":"وَالثَّانِي أَنَّهُ نَجِسٌ ؛ لِأَنَّهُ جُزْءٌ مِنْ اللَّحْمِ لَمْ يُسْتَكْمَلْ شَعْرًا وَلَا رِيشًا .","part":1,"page":132},{"id":132,"text":"فَصْلٌ : ( 94 ) وَشَعْرُ الْآدَمِيِّ طَاهِرٌ مُتَّصِلُهُ وَمُنْفَصِلُهُ ، فِي حَيَاةِ الْآدَمِيِّ وَبَعْدَ مَوْتِهِ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ : إذَا انْفَصَلَ فَهُوَ نَجِسٌ ؛ لِأَنَّهُ جُزْءٌ مِنْ الْآدَمِيِّ انْفَصَلَ فِي حَيَاتِهِ ، فَكَانَ نَجِسًا كَعُضْوِهِ .\rوَلَنَا : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَّقَ شَعْرَهُ بَيْنَ أَصْحَابِهِ ، قَالَ أَنَسٌ : { لَمَّا رَمَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَحَرَ نُسُكَهُ ، نَاوَلَ الْحَالِقَ شِقَّهُ الْأَيْمَنَ ، فَحَلَقَهُ ، ثُمَّ دَعَا أَبَا طَلْحَةَ الْأَنْصَارِيَّ فَأَعْطَاهُ إيَّاهُ ، ثُمَّ نَاوَلَهُ الشِّقَّ الْأَيْسَرَ ، فَقَالَ : احْلِقْهُ ، فَحَلَقَهُ وَأَعْطَاهُ أَبَا طَلْحَةَ ، فَقَالَ : اقْسِمْهُ بَيْنَ النَّاسِ } .\rرَوَاهُ مُسْلِمٌ ، وَأَبُو دَاوُد .\rوَرُوِيَ أَنَّ مُعَاوِيَةَ أَوْصَى أَنْ يُجْعَلَ نَصِيبُهُ مِنْهُ فِي فِيهِ إذَا مَاتَ ، وَكَانَتْ فِي قَلَنْسُوَةِ خَالِدٍ شَعَرَاتٌ مِنْ شَعْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلَوْ كَانَ نَجِسًا لَمَا سَاغَ هَذَا وَلَمَا فَرَّقَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ عَلِمَ أَنَّهُمْ يَأْخُذُونَهُ يَتَبَرَّكُونَ بِهِ ، وَيَحْمِلُونَهُ مَعَهُمْ تَبَرُّكًا بِهِ ، وَمَا كَانَ طَاهِرًا مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ طَاهِرًا مِمَّنْ سِوَاهُ كَسَائِرِهِ ؛ وَلِأَنَّهُ شَعْرٌ مُتَّصِلُهُ طَاهِرٌ ، فَمُنْفَصِلُهُ طَاهِرٌ ، كَشَعْرِ الْحَيَوَانَاتِ كُلِّهَا ، وَكَذَلِكَ نَقُولُ فِي أَعْضَاءِ الْآدَمِيِّ ، وَلَئِنْ سَلَّمْنَا نَجَاسَتَهَا ، فَإِنَّهَا تَنْجُسُ مِنْ سَائِرِ الْحَيَوَانَاتِ بِفَصْلِهَا فِي حَيَاتِهِ ، بِخِلَافِ الشَّعْر .","part":1,"page":133},{"id":133,"text":"( 95 ) فَصْلٌ : وَكُلُّ حَيَوَانٍ فَشَعْرُهُ مِثْلُ بَقِيَّةِ أَجْزَائِهِ مَا كَانَ طَاهِرًا فَشَعْرُهُ طَاهِرٌ ، وَمَا كَانَ نَجِسًا فَشَعْرُهُ كَذَلِكَ ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ حَالَةِ الْحَيَاةِ وَحَالَةِ الْمَوْتِ ، إلَّا أَنَّ الْحَيَوَانَاتِ الَّتِي حَكَمْنَا بِطَهَارَتِهَا لِمَشَقَّةِ الِاحْتِرَازِ مِنْهَا ؛ كَالسِّنَّوْرِ ، وَمَا دُونَهَا فِي الْخِلْقَةِ ، فِيهَا بَعْدَ الْمَوْتِ وَجْهَانِ : أَحَدهمَا أَنَّهَا نَجِسَةٌ ؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ طَاهِرَةً مَعَ وُجُودِ عِلَّةِ التَّنْجِيسِ لِمُعَارِضٍ ، وَهُوَ الْحَاجَةُ إلَى الْعَفْوِ عَنْهَا لِلْمَشَقَّةِ وَقَدْ انْتَفَتْ الْحَاجَةُ فَتَنْتَفِي الطَّهَارَةُ .\rوَالثَّانِي هِيَ طَاهِرَةٌ .\rوَهَذَا أَصَحُّ ؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ طَاهِرَةً فِي الْحَيَاةِ ، وَالْمَوْتُ لَا يَقْتَضِي تَنْجِيسَهَا .\rفَتَبْقَى الطَّهَارَةُ ، وَمَا ذَكَرْنَاهُ لِلْوَجْهِ الْأَوَّلِ لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّنَا لَا نُسَلِّمُ وُجُودَ عِلَّةِ التَّنْجِيسِ ، وَلَئِنْ سَلَّمْنَاهُ غَيْرَ أَنَّ الشَّرْعَ أَلْغَاهُ ، وَلَمْ يَثْبُتْ اعْتِبَارُهُ فِي مَوْضِعٍ ، فَلَيْسَ لَنَا إثْبَاتُ حُكْمِهِ بِالتَّحَكُّمِ .","part":1,"page":134},{"id":134,"text":"( 96 ) فَصْلٌ : وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ فِي الْخَرْزِ بِشَعْرِ الْخِنْزِيرِ ، فَرُوِيَ عَنْهُ كَرَاهَتُهُ ، وَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ وَالْحَكَمِ ، وَحَمَّادِ ، وَإِسْحَاقَ ، وَالشَّافِعِيِّ لِأَنَّهُ اسْتِعْمَالٌ لِلْعَيْنِ النَّجِسَةِ ، وَلَا يَسْلَمُ مِنْ التَّنَجُّسِ بِهَا ، فَحَرُمَ الِانْتِفَاعُ بِهَا ، كَجِلْدِهِ .\rوَالثَّانِيَةُ يَجُوزُ الْخَرْزُ بِهِ .\rقَالَ : وَبِاللِّيفِ أَحَبُّ إلَيْنَا وَرَخَّصَ فِيهِ الْحَسَنُ وَمَالِكٌ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ تَدْعُو إلَيْهِ وَإِذَا خَرَزَ بِهِ شَيْئًا رَطْبًا ، أَوْ كَانَتْ الشَّعْرَةُ رَطْبَةً نَجِسَ ، وَلَمْ يَطْهُرْ إلَّا بِالْغَسْلِ .\rقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ : وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ ، وَلَعَلَّهُ قَالَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا يَسْلَمُ النَّاسُ مِنْهُ ، وَفِي تَكْلِيفِ غَسْلِهِ إتْلَافُ أَمْوَالِ النَّاسِ ، فَالظَّاهِرُ أَنَّ أَحْمَدَ إنَّمَا عَنَى لَا بَأْسَ بِالْخَرْزِ ، فَأَمَّا الطَّهَارَةُ فَلَا بُدَّ مِنْهَا .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":1,"page":135},{"id":135,"text":"( 97 ) فَصْلٌ : وَالْمُشْرِكُونَ عَلَى ضَرْبَيْنِ : أَهْلُ كِتَابٍ وَغَيْرُهُمْ .\rفَأَهْلُ الْكِتَابِ يُبَاحُ أَكْلُ طَعَامِهِمْ وَشَرَابِهِمْ ، وَالْأَكْلُ فِي آنِيَتِهِمْ ، مَا لَمْ يَتَحَقَّقْ نَجَاسَتُهَا .\rقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ : لَا تَخْتَلِفُ الرِّوَايَةُ فِي أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ اسْتِعْمَالُ أَوَانِيهِمْ ؛ وَذَلِكَ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ } وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُغَفَّلِ ، قَالَ : { دُلِّيَ جِرَابٌ مِنْ شَحْمٍ يَوْمَ خَيْبَرَ ، فَالْتَزَمْته ، وَقُلْت : وَاَللَّهِ لَا أُعْطِي أَحَدًا مِنْهُ شَيْئًا .\rفَالْتَفَتُّ ، فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَبْتَسِمُ .\r} رَوَاهُ مُسْلِمٌ ، وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ بِمَعْنَاهُ .\rوَرُوِيَ أَنَّ { النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَضَافَهُ يَهُودِيٌّ بِخُبْزٍ وَإِهَالَةٍ سَنِخَةٍ .\r} رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ، فِي \" الْمُسْنَدِ \" وَكِتَابِ \" الزُّهْدِ \" ، وَتَوَضَّأَ عُمَرُ مِنْ جَرَّةِ نَصْرَانِيَّةٍ .\rوَهَلْ يُكْرَهُ لَهُ اسْتِعْمَالُ أَوَانِيهِمْ ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ : إحْدَاهُمَا : لَا يُكْرَهُ ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ .\rوَالثَّانِيَة يُكْرَهُ لِمَا رَوَى أَبُو ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيُّ ، قَالَ : قُلْت { يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنَّا بِأَرْضِ قَوْمٍ أَهْلِ كِتَابٍ ، أَفَنَأْكُلُ فِي آنِيَتِهِمْ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إنْ وَجَدْتُمْ غَيْرَهَا فَلَا تَأْكُلُوا فِيهَا ، وَإِنْ لَمْ تَجِدُوا غَيْرَهَا فَاغْسِلُوهَا وَكُلُوا فِيهَا } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ، وَأَقَلُّ أَحْوَالِ النَّهْيِ الْكَرَاهَةُ ؛ وَلِأَنَّهُمْ لَا يَتَوَرَّعُونَ عَنْ النَّجَاسَةِ ، وَلَا تَسْلَمُ آنِيَتُهُمْ مِنْ أَطْعِمَتِهِمْ ، وَأَدْنَى مَا يُؤَثِّرُ ذَلِكَ الْكَرَاهَةُ ، وَأَمَّا ثِيَابُهُمْ فَمَا لَمْ يَسْتَعْمِلُوهُ ، أَوْ عَلَا مِنْهَا ؛ كَالْعِمَامَةِ وَالطَّيْلَسَانِ وَالثَّوْبِ الْفَوْقَانِيِّ ، فَهُوَ طَاهِرٌ ، لَا بَأْسَ بِلُبْسِهِ ، وَمَا لَاقَى عَوْرَاتِهِمْ ؛ كَالسَّرَاوِيلِ وَالثَّوْبِ السُّفْلَانِيِّ وَالْإِزَارِ ، فَقَالَ أَحْمَدُ : أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يُعِيدَ ،","part":1,"page":136},{"id":136,"text":"يَعْنِي : مَنْ صَلَّى فِيهِ .\rفَيَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ : أَحَدهمَا وُجُوبُ الْإِعَادَةِ وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي .\rوَكَرِهَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ ، الْإِزَارَ وَالسَّرَاوِيلَاتِ ؛ لِأَنَّهُمْ يَتَعَبَّدُونَ .\rبِتَرْكِ النَّجَاسَةِ ، وَلَا يَتَحَرَّزُونَ مِنْهَا ، فَالظَّاهِرُ نَجَاسَةُ مَا وَلِيَ مَخْرَجَهَا .\rوَالثَّانِي لَا يَجِبُ ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الْخَطَّابِ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ الطَّهَارَةُ ، فَلَا تَزُولُ بِالشَّكِّ .\rالضَّرْبُ الثَّانِي : غَيْرُ أَهْلِ الْكِتَابِ ، وَهُمْ الْمَجُوسُ ، وَعَبَدَةُ الْأَوْثَانِ ، وَنَحْوُهُمْ ، فَحُكْمُ ثِيَابِهِمْ حُكْمُ ثِيَابِ أَهْلِ الذِّمَّةِ ، وَأَمَّا أَوَانِيهِمْ ، فَقَالَ الْقَاضِي : لَا يُسْتَعْمَلُ مَا اسْتَعْمَلُوهُ مِنْ آنِيَتِهِمْ ؛ لِأَنَّ أَوَانِيَهُمْ لَا تَخْلُو مِنْ أَطْعِمَتِهِمْ ، وَذَبَائِحُهُمْ مَيْتَةٌ ، فَلَا تَخْلُو أَوَانِيهِمْ مِنْ وَضْعِهَا فِيهَا .\rوَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ حُكْمُهُمْ حُكْمُ أَهْلِ الْكِتَابِ ، وَثِيَابُهُمْ وَأَوَانِيهِمْ طَاهِرَةٌ ، مُبَاحَةُ الِاسْتِعْمَالِ ، مَا لَمْ يَتَيَقَّنْ نَجَاسَتَهَا ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ { لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابَهُ تَوَضَّئُوا مِنْ مَزَادَةِ مُشْرِكَةٍ ، } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ؛ وَلِأَنَّ الْأَصْلَ الطَّهَارَةُ ، فَلَا تَزُولُ بِالشَّكِّ .\rوَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، مِثْلُ قَوْلِ الْقَاضِي ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي الْمَجُوسِ : لَا يُؤْكَلُ مِنْ طَعَامِهِمْ إلَّا الْفَاكِهَةُ ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ نَجَاسَةُ آنِيَتِهِمْ الْمُسْتَعْمَلَةِ فِي أَطْعِمَتِهِمْ ، فَأَشْبَهَتْ السَّرَاوِيلَاتِ مِنْ ثِيَابِهِمْ .\rوَمَنْ يَأْكُلُ الْخِنْزِيرَ مِنْ النَّصَارَى ، فِي مَوْضِعٍ يُمْكِنُهُمْ أَكْلُهُ ، أَوْ يَأْكُلُ الْمِيتَةَ ، أَوْ يَذْبَحُ بِالسِّنِّ وَالظُّفْرِ وَنَحْوِهِ ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ غَيْرِ أَهْلِ الْكِتَابِ ؛ لِاتِّفَاقِهِمْ فِي نَجَاسَةِ أَطْعِمَتِهِمْ .\rوَمَتَى شَكَّ فِي الْإِنَاءِ ؛ هَلْ اسْتَعْمَلُوهُ فِي أَطْعِمَتِهِمْ ، أَوْ لَمْ يَسْتَعْمِلُوهُ ، فَهُوَ طَاهِرٌ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ طَهَارَتُهُ .\rوَلَا نَعْلَمُ خِلَافًا بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي إبَاحَةِ الصَّلَاةِ فِي","part":1,"page":137},{"id":137,"text":"الثَّوْبِ الَّذِي يَنْسِجُهُ الْكُفَّارُ ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابَهُ ، إنَّمَا كَانَ لِبَاسُهُمْ مِنْ نَسْجِ الْكُفَّارِ .\rفَأَمَّا ثِيَابُهُمْ ، الَّتِي يَلْبَسُونَهَا ، فَأَبَاحَ الصَّلَاةَ فِيهَا الثَّوْرِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ، وَقَالَ مَالِكٌ فِي ثَوْبِ الْكُفَّارِ : يَلْبَسُهُ عَلَى كُلِّ حَالٍ ، وَإِنْ صَلَّى فِيهِ يُعِيدُ ، مَا دَامَ فِي الْوَقْتِ .\rوَلَنَا أَنَّ الْأَصْلَ الطَّهَارَةُ ، وَلَمْ تَتَرَجَّحْ جِهَةُ التَّنْجِيسِ فِيهِ ، فَأَشْبَهَ مَا نَسَجَهُ الْكُفَّارُ .","part":1,"page":138},{"id":138,"text":"( 98 ) فَصْلٌ : وَتُبَاحُ الصَّلَاةُ فِي ثِيَابِ الصِّبْيَانِ ، مَا لَمْ تَتَيَقَّنْ نَجَاسَتُهَا وَبِذَلِكَ قَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ؛ لِأَنَّ أَبَا قَتَادَةَ رَوَى ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { صَلَّى وَهُوَ حَامِلٌ أُمَامَةَ بِنْتَ أَبِي الْعَاصِ بْنِ الرَّبِيعِ .\r} مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ، { وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي فَإِذَا سَجَدَ وَثَبَ الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ عَلَى ظَهْرِهِ .\r} وَتُكْرَهُ الصَّلَاةُ فِيهِ ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ احْتِمَالِ غَلَبَةِ النَّجَاسَةِ لَهُ .\rوَتَصِحُّ الصَّلَاةُ فِي ثَوْبِ الْمَرْأَةِ الَّذِي تَحِيضُ فِيهِ ؛ إذَا لَمْ تَتَحَقَّقْ إصَابَةُ النَّجَاسَةِ لَهُ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ الطَّهَارَةُ ، وَالتَّوَقِّي لِذَلِكَ أَوْلَى ؛ لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ إصَابَةُ النَّجَاسَةِ إيَّاهُ ، وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ : { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يُصَلِّي فِي شُعُرِنَا وَلُحُفِنَا .\r} وَلُعَابُ الصِّبْيَانِ طَاهِرٌ ، وَقَدْ رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ، قَالَ : { رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَامِلَ الْحُسَيْنِ عَلَى عَاتِقِهِ ، وَلُعَابُهُ يَسِيلُ عَلَيْهِ .\r} وَحَمَلَ أَبُو بَكْرٍ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ عَلَى عَاتِقِهِ وَلُعَابُهُ يَسِيلُ ، وَعَلِيٌّ إلَى جَانِبِهِ ، وَجَعَلَ أَبُو بَكْرٍ يَقُولُ : وَا بِأَبِي شِبْهَ النَّبِيِّ لَا شَبِيهًا بِعَلِيٍّ وَعَلِيٌّ يَضْحَكُ .","part":1,"page":139},{"id":139,"text":"( 99 ) فَصْلٌ : وَإِذَا صَبَغَ فِي حُبِّ صَبَّاغٍ لَمْ يَجِبْ غَسْلُ الثَّوْبِ الْمَصْبُوغِ ، سَوَاءٌ كَانَ الصَّبَّاغُ مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ لِأَنَّ الْأَصْلَ الطَّهَارَةُ ، فَإِنْ تَحَقَّقَتْ نَجَاسَتُهُ طَهُرَ بِالْغَسْلِ ، وَإِنْ بَقِيَ اللَّوْنُ ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي الدَّمِ : { لَا يَضُرُّك أَثَرُهُ } .","part":1,"page":140},{"id":140,"text":"( 100 ) فُصُولٌ فِي الْفِطْرَةِ : رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الْفِطْرَةُ خَمْسٌ : الْخِتَانُ ، وَالِاسْتِحْدَادُ ، وَقَصُّ الشَّارِبِ ، وَتَقْلِيمُ الْأَظْفَارِ ، وَنَتْفُ الْإِبْطِ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَرَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، { عَشْرٌ مِنْ الْفِطْرَةِ : قَصُّ الشَّارِبِ ، وَإِعْفَاءُ اللِّحْيَةِ ، وَالسِّوَاكُ ، وَاسْتِنْشَاقُ الْمَاءِ ، وَقَصُّ الْأَظْفَارِ ، وَغَسْلُ الْبَرَاجِمِ ، وَنَتْفُ الْإِبْطِ ، وَحَلْقُ الْعَانَةِ ، وَانْتِقَاصُ الْمَاءِ } .\rقَالَ بَعْضُ الرُّوَاةِ : وَنَسِيت الْعَاشِرَةَ ، إلَّا أَنْ تَكُونَ الْمَضْمَضَةَ .\rالِاسْتِحْدَادُ : حَلْقُ الْعَانَةِ ، اسْتِفْعَالٌ مِنْ الْحَدِيدِ ، وَانْتِقَاصُ الْمَاءِ : الِاسْتِنْجَاءُ بِهِ ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ يَقْطَعُ الْبَوْلَ وَيَرُدُّهُ .\rقَالَ أَبُو دَاوُد : وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ نَحْوُ حَدِيثِ عَائِشَةَ ، قَالَ : خَمْسٌ كُلُّهَا فِي الرَّأْسِ ذَكَرَ مِنْهَا الْفَرْقَ وَلَمْ يَذْكُرْ إعْفَاءَ اللِّحْيَةِ ، قَالَ أَحْمَدُ : الْفَرْقُ سُنَّةٌ .\rقِيلَ : يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يُشْهِرُ نَفْسَهُ ، { قَالَ : النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ فَرَقَ ، وَأَمَرَ بِالْفَرْقِ .\r} ( 101 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا الْخِتَانُ فَوَاجِبٌ عَلَى الرِّجَالِ ، وَمَكْرُمَةٌ فِي حَقِّ النِّسَاءِ ، وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ عَلَيْهِنَّ .\rهَذَا قَوْلُ كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rقَالَ أَحْمَدُ : الرَّجُلُ أَشَدُّ ، وَذَلِكَ أَنَّ الرَّجُلَ إذَا لَمْ يَخْتَتِنْ ، فَتِلْكَ الْجِلْدَةُ مُدَلَّاةٌ عَلَى الْكَمَرَةِ ، وَلَا يُنَقَّى مَا ثَمَّ ، وَالْمَرْأَةُ أَهْوَنُ .\rقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ : وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يُشَدِّدُ فِي أَمْرِهِ ، وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ لَا حَجَّ لَهُ وَلَا صَلَاةَ ، يَعْنِي : إذَا لَمْ يَخْتَتِنْ ، وَالْحَسَنُ يُرَخِّصُ فِيهِ يَقُولُ : إذَا أَسْلَمَ لَا يُبَالِي أَنْ لَا يَخْتَتِنَ وَيَقُولُ : أَسْلَمَ النَّاسُ الْأَسْوَدُ ، وَالْأَبْيَضُ ، لَمْ يُفَتَّشْ أَحَدٌ مِنْهُمْ ، وَلَمْ يَخْتَتِنُوا","part":1,"page":141},{"id":141,"text":".\rوَالدَّلِيلُ عَلَى وُجُوبِهِ : أَنَّ سَتْرَ الْعَوْرَةِ وَاجِبٌ ، فَلَوْلَا أَنَّ الْخِتَانَ وَاجِبٌ لَمْ يَجُزْ هَتْكُ حُرْمَةِ الْمَخْتُونِ بِالنَّظَرِ إلَى عَوْرَتِهِ مِنْ أَجْلِهِ ؛ وَلِأَنَّهُ مِنْ شِعَارِ الْمُسْلِمِينَ ، فَكَانَ وَاجِبًا ، كَسَائِرِ شِعَارِهِمْ ، وَإِنْ أَسْلَمَ رَجُلٌ كَبِيرٌ فَخَافَ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ الْخِتَانِ سَقَطَ عَنْهُ ؛ لِأَنَّ الْغُسْلَ وَالْوُضُوءَ وَغَيْرَهُمَا يَسْقُطُ إذَا خَافَ عَلَى نَفْسِهِ مِنْهُ ، فَهَذَا أَوْلَى .\rوَإِنْ أَمِنَ عَلَى نَفْسِهِ لَزِمَهُ فِعْلُهُ ، قَالَ حَنْبَلُ : سَأَلْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَنْ الذِّمِّيِّ إذَا أَسْلَمَ ، تَرَى لَهُ أَنْ يُطَهَّرَ بِالْخِتَانَةِ ؟ قَالَ : لَا بُدَّ لَهُ مِنْ ذَاكَ .\rقُلْت : وَإِنْ كَانَ كَبِيرًا أَوْ كَبِيرَةً ؟ قَالَ : أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَتَطَهَّرَ ؛ لِأَنَّ الْحَدِيثَ : { اخْتَتَنَ إبْرَاهِيمُ وَهُوَ ابْنُ ثَمَانِينَ سَنَةً } ، قَالَ تَعَالَى : { مِلَّةَ أَبِيكُمْ إبْرَاهِيمَ } .\rوَيُشْرَعُ الْخِتَانُ فِي حَقِّ النِّسَاءِ أَيْضًا ، قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ حَدِيثُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إذَا الْتَقَى الْخِتَانَانِ وَجَبَ الْغُسْلُ } فِيهِ بَيَانُ أَنَّ النِّسَاءَ كُنَّ يَخْتَتِنَّ ، وَحَدِيثُ عُمَرَ : إنَّ خَتَّانَةً خَتَنَتْ ، فَقَالَ : \" أَبْقِي مِنْهُ شَيْئًا إذَا خَفَضْت \" .\rوَرَوَى الْخَلَّالُ ، بِإِسْنَادِهِ ، عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الْخِتَانُ سُنَّةٌ لِلرِّجَالِ ، وَمَكْرُمَةٌ لِلنِّسَاءِ } ، وَعَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ مِثْلُ ذَلِكَ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ ، وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَنَّهُ قَالَ لِلْخَافِضَةِ : أَشِمِّي وَلَا تَنْهَكِي ، فَإِنَّهُ أَحْظَى لِلزَّوْجِ ، وَأَسْرَى لِلْوَجْهِ } .\rوَالْخَفْضُ : خِتَانَةُ الْمَرْأَةِ .","part":1,"page":142},{"id":142,"text":"( 102 ) فَصْلٌ : وَالِاسْتِحْدَادُ : حَلْقُ الْعَانَةِ .\rوَهُوَ مُسْتَحَبٌّ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْفِطْرَةِ ، وَيَفْحُشُ بِتَرْكِهِ ، فَاسْتُحِبَّتْ إزَالَتُهُ ، وَبِأَيِّ شَيْءٍ أَزَالَهُ صَاحِبُهُ فَلَا بَأْسَ ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ إزَالَتُهُ ، قِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ : تَرَى أَنْ يَأْخُذَ الرَّجُلُ سِفْلَتَهُ بِالْمِقْرَاضِ ، وَإِنْ لَمْ يَسْتَقْصِ ؟ قَالَ : أَرْجُو أَنْ يُجْزِئَ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ .\rقِيلَ : يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ، مَا تَقُولُ فِي الرَّجُلِ إذَا نَتَفَ عَانَتَهُ ؟ قَالَ : وَهَلْ يَقْوَى عَلَى هَذَا أَحَدٌ وَإِنْ اطَّلَى بِنَوْرَةٍ فَلَا بَأْسَ ، إلَّا أَنَّهُ لَا يَدَعُ أَحَدًا يَلِي عَوْرَتَهُ ، إلَّا مَنْ يَحِلُّ لَهُ الِاطِّلَاعُ عَلَيْهَا ؛ مِنْ زَوْجَةٍ ، أَوْ أَمَةٍ .\rقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ النَّسَائِيّ : ضَرَبْت لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ نُورَةً ، وَنَوَّرْته بِهَا ، فَلَمَّا بَلَغَ إلَى عَانَتِهِ نَوَّرَهَا هُوَ .\rوَرَوَى الْخَلَّالُ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ نَافِعٍ ، قَالَ : كُنْت أَطْلِي ابْنَ عُمَرَ ، فَإِذَا بَلَغَ عَانَتَهُ نَوَّرَهَا هُوَ بِيَدِهِ .\rوَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ الْمَرُّوذِيُّ : كَانَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ لَا يَدْخُلُ الْحَمَّامَ ، وَإِذَا احْتَاجَ إلَى النُّورَةِ تَنَوَّرَ فِي الْبَيْتِ ، وَأَصْلَحْت لَهُ غَيْرَ مَرَّةٍ نُورَةً تَنَوَّرَ بِهَا ، وَاشْتَرَيْت لَهُ جِلْدًا لِيَدَيْهِ ، فَكَانَ يُدْخِلُ يَدَيْهِ فِيهِ ، وَيُنَوِّرُ نَفْسَهُ .\rوَالْحَلْقُ أَفْضَلُ لِمُوَافَقَتِهِ الْخَبَرَ ، وَقَدْ قَالَ ابْنُ عُمَرَ هُوَ مِمَّا أَحْدَثُوا مِنْ النَّعِيمِ ، يَعْنِي : النُّورَةَ .","part":1,"page":143},{"id":143,"text":"( 103 ) فَصْلٌ : وَنَتْفُ الْإِبْطِ سُنَّةٌ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْفِطْرَةِ ، وَيَفْحُشُ بِتَرْكِهِ .\rوَإِنْ أَزَالَ الشَّعْرَ بِالْحَلْقِ أَوْ النُّورَةِ جَازَ ، وَنَتْفُهُ أَفْضَلُ لِمُوَافَقَتِهِ الْخَبَرَ ، قَالَ حَرْبٌ : قُلْت لِإِسْحَاقَ : نَتْفُ الْإِبْطِ أَحَبُّ إلَيْك أَوْ بِنُورَةٍ ؟ قَالَ : نَتْفُهُ إنْ قَدَرَ .","part":1,"page":144},{"id":144,"text":"( 104 ) فَصْلٌ : وَيُسْتَحَبُّ تَقْلِيمُ الْأَظْفَارِ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْفِطْرَةِ ، وَيَتَفَاحَشُ إذَا تَرَكَهَا ، وَرُبَّمَا حَكَّ بِهِ الْوَسَخَ ، فَيَجْتَمِعُ تَحْتَهَا مِنْ الْمَوَاضِعِ الْمُنْتِنَةِ ، فَتَصِيرُ رَائِحَةُ ذَلِكَ فِي رُءُوسِ الْأَصَابِعِ .\rوَرُبَّمَا مَنَعَ وُصُولَ الطَّهَارَةِ إلَى مَا تَحْتَهُ ، وَقَدْ رُوِّينَا فِي خَبَرٍ : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { مَالِي لَا أَسْهُو وَأَنْتُمْ تَدْخُلُونَ عَلَيَّ قُلْحًا وَرُفْغُ أَحَدِكُمْ بَيْنَ ظُفْرِهِ وَأُنْمُلَتِهِ } .\rوَمَعْنَاهُ : أَنَّ أَحَدَكُمْ يُطِيلُ أَظْفَارَهُ ثُمَّ يَحُكُّ بِهَا رُفْغَهُ وَمَوَاضِعَ النَّتْنِ ، فَتَصِيرُ رَائِحَةُ ذَلِكَ تَحْتَ أَظْفَارِهِ .\rوَرُوِيَ فِي حَدِيثٍ مُسَلْسَلٍ قَدْ سَمِعْنَاهُ أَنَّ عَلِيًّا ، قَالَ : { رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقَلِّمُ أَظْفَارَهُ يَوْمَ الْخَمِيسِ ، ثُمَّ قَالَ : يَا عَلِيٌّ ، قَصُّ الظُّفْرِ وَنَتْفُ الْإِبْطِ وَحَلْقُ الْعَانَةِ يَوْمَ الْخَمِيسِ ، وَالْغُسْلُ وَالطِّيبُ وَاللِّبَاسُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ } .\rوَرُوِيَ فِي حَدِيثٍ { مَنْ قَصَّ أَظْفَارَهُ مُخَالِفًا لَمْ يَرَ فِي عَيْنَيْهِ رَمَدًا } ، وَفَسَّرَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَطَّةَ بِأَنْ يَبْدَأَ بِخِنْصَرِ الْيُمْنَى ثُمَّ الْوُسْطَى ثُمَّ الْإِبْهَامِ ثُمَّ الْبِنْصِرِ ثُمَّ السَّبَّابَةِ ثُمَّ بِإِبْهَامِ الْيُسْرَى ثُمَّ الْوُسْطَى ثُمَّ الْخِنْصَرِ ثُمَّ السَّبَّابَةِ ثُمَّ الْبِنْصِرِ .","part":1,"page":145},{"id":145,"text":"( 105 ) فَصْلٌ : وَيُسْتَحَبُّ غَسْلُ رُءُوسِ الْأَصَابِعِ بَعْدَ قَصِّ الْأَظْفَارِ ، وَقَدْ قِيلَ : إنَّ الْحَكَّ بِالْأَظْفَارِ قَبْلَ غَسْلِهَا يَضُرُّ بِالْجَسَدِ .\rوَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ \" غَسْلُ الْبَرَاجِمِ \" فِي تَفْسِيرِ الْفِطْرَةِ ، فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ ذَلِكَ ، وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : الْبَرَاجِمُ : الْعُقَدُ الَّتِي فِي ظُهُورِ الْأَصَابِعِ ، وَالرَّوَاجِبُ : مَا بَيْنَ الْبَرَاجِمِ .\rوَمَعْنَاهُ قَالَ : تَنْظِيفُ الْمَوَاضِعِ الَّتِي تَتَشَنَّجُ وَيَجْتَمِعُ فِيهَا الْوَسَخُ .\rوَيُسْتَحَبُّ دَفْنُ مَا قَلَّمَ مِنْ أَظْفَارِهِ أَوْ أَزَالَ مِنْ شَعْرِهِ ، لِمَا رَوَى الْخَلَّالُ بِإِسْنَادِهِ { عَنْ مِيلَ بِنْتِ مِشْرَحٍ الْأَشْعَرِيَّةِ قَالَتْ : رَأَيْت أَبِي يُقَلِّمُ أَظْفَارَهُ وَيَدْفِنُهَا ، وَيَقُولُ : رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَفْعَلُ ذَلِكَ } .\rوَعَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ ، { عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : كَانَ يُعْجِبُهُ دَفْنُ الدَّمِ } .\rوَقَالَ مُهَنَّا : سَأَلْت أَحْمَدَ عَنْ الرَّجُلِ يَأْخُذُ مِنْ شَعْرِهِ وَأَظْفَارِهِ أَيَدْفِنُهُ أَمْ يُلْقِيهِ ؟ قَالَ : يَدْفِنُهُ ، قُلْت : بَلَغَك فِيهِ شَيْءٌ ؟ قَالَ : كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَدْفِنُهُ .\rوَرُوِّينَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَنَّهُ أَمَرَ بِدَفْنِ الشَّعْرِ وَالْأَظْفَارِ ، وَقَالَ : لَا يَتَلَاعَبُ بِهِ سَحَرَةُ بَنِي آدَمَ } .","part":1,"page":146},{"id":146,"text":"( 106 ) فَصْلٌ وَاِتِّخَاذُ الشَّعْرِ أَفْضَلُ مِنْ إزَالَتِهِ .\rقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ : سُئِلَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عَنْ الرَّجُلِ يَتَّخِذُ الشَّعْرَ ؟ فَقَالَ : سُنَّةٌ حَسَنَةٌ ، لَوْ أَمْكَنَنَا اتَّخَذْنَاهُ .\rوَقَالَ : { كَانَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جُمَّةٌ .\r} وَقَالَ : تِسْعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُمْ شَعْرٌ .\rوَقَالَ : عَشَرَةٌ لَهُمْ جُمَمٌ .\rوَقَالَ : فِي بَعْضِ الْحَدِيثِ { إنَّ شَعْرَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إلَى شَحْمَةِ أُذُنَيْهِ .\rوَفِي بَعْضِ الْحَدِيثِ : إلَى مَنْكِبَيْهِ .\r} وَرَوَى الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ ، قَالَ : { مَا رَأَيْت مِنْ ذِي لِمَّةٍ فِي حُلَّةٍ حَمْرَاءَ أَحْسَنَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُ شَعْرٌ يَضْرِبُ مَنْكِبَيْهِ .\r} مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَرَوَى ابْنُ عُمَرَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { رَأَيْت ابْنَ مَرْيَمَ لَهُ لِمَّةٌ } .\rقَالَ الْخَلَّالُ سَأَلْت أَحْمَدَ بْنَ يَحْيَى - يَعْنِي ثَعْلَبًا - عَنْ اللِّمَّةِ ؟ فَقَالَ : مَا أَلَمَّتْ بِالْأُذُنِ .\rوَالْجُمَّةُ : مَا طَالَتْ .\rوَقَدْ ذَكَرِ الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ فِي حَدِيثِهِ : { أَنَّ شَعْرَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَضْرِبُ مَنْكِبَيْهِ } ، وَقَدْ سَمَّاهُ لِمَّةً .\rوَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ شَعْرُ الْإِنْسَانِ عَلَى صِفَةِ شَعْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا طَالَ فَإِلَى مَنْكِبَيْهِ ، وَإِنْ قَصُرَ فَإِلَى شَحْمَةِ أُذُنَيْهِ .\rوَإِنْ طَوَّلَهُ فَلَا بَأْسَ ، نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ وَقَالَ : أَبُو عُبَيْدَةَ كَانَتْ لَهُ عَقِيصَتَانِ وَعُثْمَانُ كَانَتْ لَهُ عَقِيصَتَانِ .\rوَقَالَ وَائِلُ بْنُ حُجْرٍ : { أَتَيْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلِي شَعْرٌ طَوِيلٌ ، فَلَمَّا رَآنِي قَالَ : ذُبَابٌ ذُبَابٌ .\rفَرَجَعْتُ فَجَزَزْته ، ثُمَّ أَتَيْته مِنْ الْغَدِ ، فَقَالَ : لَمْ أَعْنِك } ، وَهَذَا حَسَنٌ .\rرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ .\rوَيُسْتَحَبُّ تَرْجِيلُ الشَّعْرِ وَإِكْرَامُهُ ، لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ يَرْفَعُهُ { مَنْ كَانَ لَهُ شَعْرٌ","part":1,"page":147},{"id":147,"text":"فَلْيُكْرِمْهُ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَيُسْتَحَبُّ فَرْقُ الشَّعْرِ ؛ { لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَقَ شَعْرَهُ ، وَذَكَرَهُ مِنْ الْفِطْرَةِ } فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَفِي شُرُوطِ عُمَرَ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ : أَنْ لَا يَفْرُقُوا شُعُورَهُمْ ، لِئَلَّا يَتَشَبَّهُوا بِالْمُسْلِمِينَ .","part":1,"page":148},{"id":148,"text":"( 107 ) فَصْلٌ : وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ فِي حَلْقِ الرَّأْسِ .\rفَعَنْهُ أَنَّهُ مَكْرُوهٌ ، لِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَنَّهُ قَالَ فِي الْخَوَارِجِ : سِيمَاهُمْ التَّحْلِيقُ } .\rفَجَعَلَهُ عَلَامَةً لَهُمْ .\rوَقَالَ عُمَرُ لِصَبِيغٍ : لَوْ وَجَدْتُك مَحْلُوقًا لَضَرَبْت الَّذِي فِيهِ عَيْنَاك بِالسَّيْفِ .\rوَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { لَا تُوضَعُ النَّوَاصِي إلَّا فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ } .\rرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ ، فِي الْأَفْرَادِ ، وَرَوَى أَبُو مُوسَى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَيس مِنَّا مَنْ حَلَقَ } رَوَاهُ أَحْمَدُ .\rوَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ الَّذِي يَحْلِقُ رَأْسَهُ فِي الْمِصْرِ شَيْطَانٌ .\rقَالَ أَحْمَدُ كَانُوا يَكْرَهُونَ ذَلِكَ .\rوَرُوِيَ عَنْهُ : لَا يُكْرَهُ ذَلِكَ لَكِنْ تَرْكُهُ أَفْضَلُ .\rقَالَ حَنْبَلُ : كُنْت أَنَا وَأَبِي نَحْلِقُ رُءُوسَنَا فِي حَيَاةِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ فَيَرَانَا وَنَحْنُ نَحْلِقُ فَلَا يَنْهَانَا ، وَكَانَ هُوَ يَأْخُذُ رَأْسَهُ بِالْجَلَمَيْنِ وَلَا يُحْفِيهِ وَيَأْخُذُهُ وَسَطًا .\rوَقَدْ رَوَى ابْنُ عُمَرَ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى غُلَامًا قَدْ حَلَقَ بَعْضَ رَأْسِهِ وَتَرَكَ بَعْضَهُ ، فَنَهَاهُمْ عَنْ ذَلِكَ .\r} رَوَاهُ مُسْلِمٌ ، وَفِي لَفْظٍ قَالَ : { احْلِقْهُ كُلَّهُ أَوْ دَعْهُ كُلَّهُ } .\rوَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا جَاءَ نَعِيُّ جَعْفَرٍ أَمْهَلَ آلَ جَعْفَرٍ ثَلَاثًا أَنْ يَأْتِيَهُمْ ، ثُمَّ أَتَاهُمْ ، فَقَالَ : لَا تَبْكُوا عَلَى أَخِي بَعْدَ الْيَوْمِ ، ثُمَّ قَالَ : اُدْعُوا بَنِي أَخِي ، فَجِيءَ بِنَا ، قَالَ : اُدْعُوا لِي الْحَالِقَ فَأَمَرَ بِنَا فَحَلَقَ رُءُوسَنَا .\r} رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَالطَّيَالِسِيُّ ؛ وَلِأَنَّهُ لَا يُكْرَهُ اسْتِئْصَالُ الشَّعْرِ بِالْمِقْرَاضِ .\rوَهَذَا فِي مَعْنَاهُ ، وَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَيْسَ مِنَّا مَنْ حَلَقَ } يَعْنِي فِي الْمُصِيبَةِ ؛ لِأَنَّ فِيهِ \" أَوْ صَلَقَ \" أَوْ خَرَقَ .","part":1,"page":149},{"id":149,"text":"قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى إبَاحَةِ الْحَلْقِ ، وَكَفَى بِهَذَا حُجَّةٌ .\rوَأَمَّا اسْتِئْصَالُ الشَّعْرِ بِالْمِقْرَاضِ فَغَيْرُ مَكْرُوهٍ رِوَايَةً وَاحِدَةً .\rقَالَ أَحْمَدُ : إنَّمَا كَرِهُوا الْحَلْقَ بِالْمُوسَى وَأَمَّا بِالْمِقْرَاضِ فَلَيْسَ بِهِ بَأْسٌ ؛ لِأَنَّ أَدِلَّةَ الْكَرَاهَةِ تَخْتَصُّ بِالْحَلْقِ .","part":1,"page":150},{"id":150,"text":"فَصْلٌ : فَأَمَّا حَلْقُ بَعْضِ الرَّأْسِ فَمَكْرُوهٌ .\rوَيُسَمَّى الْقَزَعَ ، لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَلَفْظُهُ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ الْقَزَعِ وَقَالَ : احْلِقْهُ كُلَّهُ أَوْ دَعْهُ كُلَّهُ } .\rوَفِي شُرُوطِ عُمَرَ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ : أَنْ يَحْلِقُوا مَقَادِمَ رُءُوسِهِمْ لِيَتَمَيَّزُوا بِذَلِكَ عَنْ الْمُسْلِمِينَ .\rفَمَنْ فَعَلَهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ كَانَ مُتَشَبِّهًا بِهِمْ .","part":1,"page":151},{"id":151,"text":"( 109 ) فَصْلٌ : وَلَا تَخْتَلِفُ الرِّوَايَةُ فِي كَرَاهَةِ حَلْقِ الْمَرْأَةِ رَأْسَهَا مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ .\rقَالَ أَبُو مُوسَى : { بَرِئَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الصَّالِقَةِ وَالْحَالِقَةِ .\r} مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ، وَرَوَى الْخَلَّالُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ : { نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ تَحْلِقَ الْمَرْأَةُ رَأْسَهَا .\r} قَالَ الْحَسَنُ : هِيَ مُثْلَةٌ .\rقَالَ الْأَثْرَمُ : سَمِعْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يَسْأَلُ عَنْ الْمَرْأَةِ تَعْجِزُ عَنْ شَعْرِهَا وَعَنْ مُعَالَجَتِهِ ، أَتَأْخُذُهُ عَلَى حَدِيثِ مَيْمُونَةَ ؟ قَالَ : لِأَيِّ شَيْءٍ تَأْخُذُهُ ؟ قِيلَ لَهُ : لَا تَقْدِرُ عَلَى الدَّهْنِ وَمَا يُصْلِحُهُ وَتَقَعُ فِيهِ الدَّوَابُّ .\rقَالَ : إذَا كَانَ لِضَرُورَةٍ ، فَأَرْجُو أَنْ لَا يَكُونَ بِهِ بَأْسٌ .","part":1,"page":152},{"id":152,"text":"( 110 ) فَصْلٌ : وَيُكْرَهُ نَتْفُ الشَّيْبِ ، لِمَا رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، قَالَ : { نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ نَتْفِ الشَّيْبِ ، وَقَالَ : إنَّهُ نُورُ الْإِسْلَامِ .\r} وَعَنْ طَارِقِ بْنِ حَبِيبٍ ، { أَنَّ حَجَّامًا أَخَذَ مِنْ شَارِبِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَأَى شَيْبَةً فِي لِحْيَتِهِ فَأَهْوَى إلَيْهَا لِيَأْخُذَهَا ، فَأَمْسَكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَهُ ، وَقَالَ : مَنْ شَابَ شَيْبَةً فِي الْإِسْلَامِ كَانَتْ لَهُ نُورًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ } .\rرَوَاهُمَا الْخَلَّالُ فِي جَامِعِهِ .","part":1,"page":153},{"id":153,"text":"( 111 ) فَصْلٌ : وَيُكْرَهُ حَلْقُ الْقَفَا لِمَنْ لَمْ يَحْلِقْ رَأْسَهُ وَلَمْ يَحْتَجْ إلَيْهِ .\rقَالَ الْمَرُّوذِيُّ : سَأَلْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَنْ حَلْقِ الْقَفَا .\rفَقَالَ : هُوَ مِنْ فِعْلِ الْمَجُوسِ ، وَمَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ .\rوَقَالَ لَا بَأْسَ أَنْ يَحْلِقَ قَفَاهُ وَقْتَ الْحِجَامَةِ .\rوَأَمَّا حَفُّ الْوَجْهِ ، فَقَالَ مُهَنَّا : سَأَلْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَنْ الْحَفِّ ؟ فَقَالَ : لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ لِلنِّسَاءِ ، وَأَكْرَهُهُ لِلرِّجَالِ .","part":1,"page":154},{"id":154,"text":"( 112 ) فَصْلٌ : وَيُسْتَحَبُّ خِضَابُ الشَّيْبِ بِغَيْرِ السَّوَادِ ، قَالَ أَحْمَدُ إنِّي لَأَرَى الشَّيْخَ الْمَخْضُوبَ فَأَفْرَحُ بِهِ .\rوَذَاكَرَ رَجُلًا ، فَقَالَ : لِمَ لَا تَخْتَضِبُ ؟ فَقَالَ : أَسْتَحِي .\rقَالَ : سُبْحَانَ اللَّهِ ، سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ الْمَرُّوذِيُّ : قُلْت : يُحْكَى عَنْ بِشْرِ بْنِ الْحَارِثِ أَنَّهُ قَالَ : قَالَ لِي ابْنُ دَاوُد : خَضَّبْت ؟ قُلْت : أَنَا لَا أَتَفَرَّغُ لِغَسْلِهَا فَكَيْفَ أَتَفَرَّغُ لَخِضَابِهَا ، فَقَالَ : أَنَا أُنْكِرُ أَنْ يَكُونَ بِشْرٌ كَشَفَ عَمَلَهُ لِابْنِ دَاوُد ، ثُمَّ قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { غَيِّرُوا الشَّيْبَ } ، وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ خَضَبَا ، وَالْمُهَاجِرُونَ ، فَهَؤُلَاءِ لَمْ يَتَفَرَّغُوا لِغَسْلِهَا ، وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ أَمَرَ بِالْخِضَابِ ، فَمَنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَيْسَ مِنْ الدِّينِ فِي شَيْءٍ ، وَحَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ ، وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَحَدِيثُ أَبِي رِمْثَةَ ، وَحَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ .\rوَيُسْتَحَبُّ الْخِضَابُ بِالْحِنَّاءِ وَالْكَتَمِ ؛ لِمَا رَوَى الْخَلَّالُ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، بِإِسْنَادِهِمَا عَنْ تَمِيمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَوْهَبٍ ، قَالَ : { دَخَلْت عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ ، فَأَخْرَجَتْ إلَيْنَا شَعْرًا مِنْ شَعْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَخْضُوبًا بِالْحِنَّاءِ وَالْكَتَمِ .\r} وَخَضَّبَ أَبُو بَكْرٍ بِالْحِنَّاءِ وَالْكَتَمِ .\rوَلَا بَأْسَ بِالْوَرْسِ وَالزَّعْفَرَانِ ؛ لِأَنَّ أَبَا مَالِكٍ الْأَشْجَعِيَّ قَالَ : { كَانَ خِضَابُنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْوَرْسَ وَالزَّعْفَرَانَ .\r} وَعَنْ الْحَكَمِ بْنِ عَمْرٍو الْغِفَارِيِّ ، قَالَ : دَخَلْت أَنَا وَأَخِي رَافِعٌ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ وَأَنَا مَخْضُوبٌ بِالْحِنَّاءِ ، وَأَخِي مَخْضُوبٌ بِالصُّفْرَةِ ، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ هَذَا خِضَابُ الْإِسْلَامِ ، وَقَالَ لِأَخِي رَافِعٍ : هَذَا خِضَابُ الْإِيمَانِ .\rوَيُكْرَهُ الْخِضَابُ","part":1,"page":155},{"id":155,"text":"بِالسَّوَادِ .\rقِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ : تَكْرَهُ الْخِضَابَ بِالسَّوَادِ ؟ قَالَ : إي وَاَللَّهِ .\rقَالَ : { وَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ بِأَبِيهِ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَأْسُهُ وَلِحْيَتُهُ كَالثَّغَامَةِ بَيَاضًا ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَيِّرُوهُمَا وَجَنِّبُوهُ السَّوَادَ } .\rوَرَوَى أَبُو دَاوُد ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا { يَكُونُ قَوْمٌ فِي آخِرِ الزَّمَانِ يُخَضِّبُونَ بِالسَّوَادِ كَحَوَاصِلِ الْحَمَامِ ، لَا يَرِيحُونَ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ } .\rوَرَخَّصَ فِيهِ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ لِلْمَرْأَةِ تَتَزَيَّنُ بِهِ لِزَوْجِهَا .","part":1,"page":156},{"id":156,"text":"( 113 ) فَصْلٌ : وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكْتَحِلَ وِتْرًا ، وَيَدَّهِنَ غِبًّا ، وَيَنْظُرَ فِي الْمِرْآةِ وَيَتَطَيَّبَ .\rقَالَ حَنْبَلُ : رَأَيْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ وَكَانَتْ لَهُ صِينِيَّةٌ فِيهَا مِرْآةٌ وَمُكْحُلَةٌ وَمِشْطٌ ، فَإِذَا فَرَغَ مِنْ حِزْبِهِ نَظَرَ فِي الْمِرْآةِ وَاكْتَحَلَ وَامْتَشَطَ ، وَقَدْ رَوَى جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { عَلَيْكُمْ بِالْإِثْمِدِ فَإِنَّهُ يَجْلُو الْبَصَرَ وَيُنْبِتُ الشَّعْرَ } .\rقِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ كَيْفَ يَكْتَحِلُ الرَّجُلُ ؟ قَالَ : وِتْرًا .\rوَلَيْسَ لَهُ إسْنَادٌ .\rوَرَوَى أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادِهِ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { مَنْ اكْتَحَلَ فَلْيُوتِرْ ، مَنْ فَعَلَ فَقَدْ أَحْسَنَ ، وَمَنْ لَا فَلَا حَرَجَ } .\rوَالْوَتْرُ ثَلَاثٌ فِي كُلِّ عَيْنٍ ، وَقِيلَ : ثَلَاثٌ فِي الْيُمْنَى وَاثْنَتَانِ فِي الْيُسْرَى ، لِيَكُونَ الْوَتْرُ حَاصِلًا فِي الْعَيْنَيْنِ مَعًا .\rوَرَوَى الْخَلَّالُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُغَفَّلِ قَالَ : { نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ التَّرَجُّلِ إلَّا غِبًّا .\r} قَالَ أَحْمَدُ مَعْنَاهُ يَدَّهِنُ يَوْمًا وَيَوْمًا لَا .\rوَكَانَ أَحْمَدُ يُعْجِبُهُ الطِّيبُ ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { كَانَ يُحِبُّ الطِّيبَ وَيَتَطَيَّبُ كَثِيرًا .\r}","part":1,"page":157},{"id":157,"text":"( 114 ) فَصْلٌ : وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ { لَعَنَ الْوَاصِلَةَ وَالْمُسْتَوْصِلَةَ ، وَالنَّامِصَةَ وَالْمُتَنَمِّصَةَ ، وَالْوَاشِرَةَ وَالْمُسْتَوْشِرَةَ .\r} فَهَذِهِ الْخِصَالُ مُحَرَّمَةٌ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَعَنَ فَاعِلَهَا وَلَا يَجُوزُ لَعْنُ فَاعِلِ الْمُبَاحِ .\rوَالْوَاصِلَةُ : هِيَ الَّتِي تَصِلُ شَعْرَهَا بِغَيْرِهِ ، أَوْ شَعْرَ غَيْرِهَا .\rوَالْمُسْتَوْصِلَةُ : الْمَوْصُولُ شَعْرُهَا بِأَمْرِهَا ، فَهَذَا لَا يَجُوزُ لِلْخَبَرِ ، لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا { ، أَنَّ امْرَأَةً أَتَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ : إنَّ ابْنَتِي عِرْسٌ وَقَدْ تَمَزَّقَ شَعْرُهَا ، أَفَأَصِلُهُ ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لُعِنَتْ الْوَاصِلَةُ ، وَالْمُسْتَوْصِلَةُ .\r} فَلَا يَجُوزُ وَصْلُ شَعْرِ الْمَرْأَةِ بِشَعْرٍ آخَرَ ؟ لِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ ، وَلِمَا رُوِيَ عَنْ مُعَاوِيَةَ ، أَنَّهُ { أَخْرَجَ كُبَّةً مِنْ شَعْرٍ ، فَقَالَ : سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْهَى عَنْ مِثْلِ هَذَا ، وَقَالَ : إنَّمَا هَلَكَ بَنُو إسْرَائِيلَ حِينَ اتَّخَذَ هَذَا نِسَاؤُهُمْ .\r} وَأَمَّا وَصْلُهُ بِغَيْرِ الشَّعْرِ ، فَإِنْ كَانَ بِقَدْرِ مَا تَشُدُّ بِهِ رَأْسَهَا فَلَا بَأْسَ بِهِ ؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ دَاعِيَةٌ إلَيْهِ ، وَلَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ .\rوَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ : إحْدَاهُمَا ، أَنَّهُ مَكْرُوهٌ غَيْرُ مُحَرَّمٍ ، لِحَدِيثِ مُعَاوِيَةَ فِي تَخْصِيصِ الَّتِي تَصِلُهُ بِالشَّعْرِ ، فَيُمْكِنُ جَعْلُ ذَلِكَ تَفْسِيرًا لِلَّفْظِ الْعَامِّ ، وَبَقِيَتْ الْكَرَاهَةُ لِعُمُومِ اللَّفْظِ فِي سَائِرِ الْأَحَادِيثِ ، وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : لَا تَصِلُ الْمَرْأَةُ بِرَأْسِهَا الشَّعْرَ وَلَا الْقَرَامِلَ وَلَا الصُّوفَ ، نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْوِصَالِ ، فَكُلُّ شَيْءٍ يَصِلُ فَهُوَ وِصَالٌ ، وَرُوِيَ عَنْ جَابِرٍ ، قَالَ : { نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ تَصِلَ الْمَرْأَةُ بِرَأْسِهَا شَيْئًا } .","part":1,"page":158},{"id":158,"text":"وَقَالَ الْمَرُّوذِيُّ : جَاءَتْ امْرَأَةٌ مِنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يُمَشِّطُونَ إلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ فَقَالَتْ : إنِّي أَصِلُ رَأْسَ الْمَرْأَةِ بِقَرَامِلَ وَأُمَشِّطُهَا ، فَتَرَى لِي أَنْ أَحُجَّ مِمَّا اكْتَسَبْت ؟ قَالَ : لَا وَكَرِهَ كَسْبَهَا ، وَقَالَ لَهَا : يَكُونُ مِنْ مَالٍ أَطْيَبَ مِنْ هَذَا .\rوَالظَّاهِرُ : أَنَّ الْمُحَرَّمَ إنَّمَا هُوَ وَصْلُ الشَّعْرِ بِالشَّعْرِ ، لِمَا فِيهِ مِنْ التَّدْلِيسِ وَاسْتِعْمَالِ الشَّعْرِ الْمُخْتَلَفِ فِي نَجَاسَتِهِ ، وَغَيْرُ ذَلِكَ لَا يَحْرُمُ ، لِعَدَمِ هَذِهِ الْمَعَانِي فِيهَا ، وَحُصُولِ الْمَصْلَحَةِ مِنْ تَحْسِينِ الْمَرْأَةِ لِزَوْجِهَا مِنْ غَيْرِ مَضَرَّةٍ .\rوَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .\r( 115 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا النَّامِصَةُ : فَهِيَ الَّتِي تَنْتِفُ الشَّعْرَ مِنْ الْوَجْهِ ، وَالْمُتَنَمِّصَةُ : الْمَنْتُوفُ شَعْرُهَا بِأَمْرِهَا ، فَلَا يَجُوزُ لِلْخَبَرِ .\rوَإِنْ حَلَقَ الشَّعْرَ فَلَا بَأْسَ ؛ لِأَنَّ الْخَبَرَ إنَّمَا وَرَدَ فِي النَّتْفِ .\rنَصَّ عَلَى هَذَا أَحْمَدُ وَأَمَّا الْوَاشِرَةُ : فَهِيَ الَّتِي تَبْرُدُ الْأَسْنَانَ بِمِبْرَدٍ وَنَحْوِهِ ؛ لِتُحَدِّدَهَا وَتُفَلِّجَهَا وَتُحَسِّنَهَا ، وَالْمُسْتَوْشِرَةُ : الْمَفْعُولُ بِهَا ذَلِكَ بِإِذْنِهَا ، وَفِي خَبَرٍ آخَرَ : { لَعَنَ اللَّهُ الْوَاشِمَةَ ، وَالْمُسْتَوْشِمَةَ } .\rوَالْوَاشِمَةُ : الَّتِي تَغْرِزُ جِلْدَهَا بِإِبْرَةٍ ، ثُمَّ تَحْشُوهُ كُحْلًا .\rوَالْمُسْتَوْشِمَةُ : الَّتِي يُفْعَلُ بِهَا ذَلِكَ .","part":1,"page":159},{"id":159,"text":"مَسْأَلَةٌ قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ وَالسِّوَاكُ سُنَّةٌ ، يُسْتَحَبُّ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ يَرَوْنَ السِّوَاكَ سُنَّةً غَيْرَ وَاجِبٍ ، وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا قَالَ بِوُجُوبِهِ إلَّا إِسْحَاقَ وَدَاوُد ؛ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِهِ ، وَالْأَمْرُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ .\rوَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادِهِ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِالْوُضُوءِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ طَاهِرًا وَغَيْرَ طَاهِرٍ ، فَلَمَّا شَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ أَمَرَ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ } .\rوَلَنَا قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتهمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ، يَعْنِي لَأَمَرْتهمْ أَمْرَ إيجَابٍ ؛ لِأَنَّ الْمَشَقَّةَ إنَّمَا تَلْحَقُ بِالْإِيجَابِ لَا بِالنَّدْبِ ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ فِي حَدِيثِهِمْ أَمْرُ نَدْبٍ وَاسْتِحْبَابٍ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ وَاجِبًا فِي حَقِّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْخُصُوصِ ، جَمْعًا بَيْنَ الْخَبَرَيْنِ ، وَاتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّهُ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ ، لِحَثِّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمُوَاظَبَتِهِ عَلَيْهِ ، وَتَرْغِيبِهِ فِيهِ وَنَدْبِهِ إلَيْهِ ، وَتَسْمِيَتِهِ إيَّاهُ مِنْ الْفِطْرَةِ فِيمَا رَوَيْنَا مِنْ الْحَدِيثِ .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { السِّوَاكُ مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ مَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ } .\rرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ، فِي مُسْنَدِهِ ، وَعَنْ عَائِشَةَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ : { كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا دَخَلَ بَيْتَهُ بَدَأَ بِالسِّوَاكِ ، } رَوَاهُ مُسْلِمٌ .\rوَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { إنِّي لَأَسْتَاكُ ، حَتَّى لَقَدْ خَشِيت أَنْ أُحْفِيَ مَقَادِمَ فَمِي } رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ .\rوَيَتَأَكَّدُ اسْتِحْبَابُهُ فِي مَوَاضِعَ ثَلَاثَةٍ : عِنْدَ الصَّلَاةِ ؛ لِلْخَبَرِ الْأَوَّلِ .\rوَعِنْدَ","part":1,"page":160},{"id":160,"text":"الْقِيَامِ مِنْ النَّوْمِ ؛ لِمَا رَوَى حُذَيْفَةُ ، قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا قَامَ مِنْ اللَّيْلِ يَشُوصُ فَاهُ بِالسِّوَاكِ .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ، يَعْنِي : يَغْسِلُهُ ، يُقَالُ : شَاصَهُ ، يَشُوصُهُ ، وَمَاصَهُ : إذَا غَسَلَهُ ، وَعَنْ عَائِشَةَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ : { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَرْقُدُ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ فَيَسْتَيْقِظُ إلَّا تَسَوَّكَ قَبْلَ أَنْ يَتَوَضَّأَ .\r} رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ؛ وَلِأَنَّهُ إذَا نَامَ يَنْطَبِقُ فُوهُ فَتَتَغَيَّرُ رَائِحَتُهُ .\rوَعِنْدَ تَغَيُّرِ رَائِحَةِ فِيهِ بِمَأْكُولٍ أَوْ غَيْرِهِ ؛ وَلِأَنَّ السِّوَاكَ مَشْرُوعٌ لِإِزَالَةِ رَائِحَتِهِ وَتَطْيِيبِهِ .\r( 117 ) فَصْلٌ : وَيَسْتَاكُ عَلَى أَسْنَانِهِ وَلِسَانِهِ ، قَالَ أَبُو مُوسَى : { أَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ فَرَأَيْته يَسْتَاكُ عَلَى لِسَانِهِ .\r} مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ، وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ { إنِّي لَأَسْتَاكُ حَتَّى لَقَدْ خَشِيت أَنْ أُحْفِيَ مَقَادِمَ فَمِي .\r} وَيَسْتَاكُ عَرْضًا ، لَقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { اسْتَاكُوا عَرْضًا ، وَادَّهِنُوا غِبًّا ، وَاكْتَحِلُوا وِتْرًا } ؛ وَلِأَنَّ السِّوَاكَ طُولًا مِنْ أَطْرَافِ الْأَسْنَانِ إلَى عَمُودِهَا رُبَّمَا أَدْمَى اللِّثَةَ وَأَفْسَدَ الْعَمُودَ .\rوَيُسْتَحَبُّ التَّيَامُنُ فِي سِوَاكِهِ ؛ لِأَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ : { كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعْجِبُهُ التَّيَمُّنُ فِي تَنَعُّلِهِ ، وَتَرَجُّلِهِ ، وَطُهُورِهِ ، وَفِي شَأْنِهِ كُلِّهِ .\r} مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَيَغْسِلُهُ بِالْمَاءِ ؛ لِيُزِيلَ مَا عَلَيْهِ ، قَالَتْ عَائِشَةُ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا : { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعْطِينِي السِّوَاكَ لِأَغْسِلَهُ ، فَأَبْدَأُ بِهِ فَأَسْتَاكُ ، ثُمَّ أَغْسِلُهُ ، ثُمَّ أَدْفَعُهُ إلَيْهِ .\r} رَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَرُوِيَ عَنْهَا ، قَالَتْ : { كُنَّا نُعِدُّ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَلَاثَةَ آنِيَةٍ مُخَمَّرَةً مِنْ اللَّيْلِ : إنَاءً لِطَهُورِهِ ، وَإِنَاءً لِسِوَاكِهِ ، وَإِنَاءً","part":1,"page":161},{"id":161,"text":"لِشَرَابِهِ .\r} أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ .\r( 118 ) فَصْلٌ : وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ السِّوَاكُ عُودًا لَيِّنًا يُنَقِّي الْفَمَ ، وَلَا يَجْرَحُهُ ، وَلَا يَضُرُّهُ ، وَلَا يَتَفَتَّتُ فِيهِ ، كَالْأَرَاكِ وَالْعُرْجُونِ ، وَلَا يُسْتَاكُ بِعُودِ الرُّمَّانِ وَلَا الْآسِ وَلَا الْأَعْوَادِ الذَّكِيَّةِ ؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا تَخَلَّلُوا بِعُودِ الرَّيْحَانِ ، وَلَا الرُّمَّانِ ، فَإِنَّهُمَا يُحَرِّكَانِ عِرْقَ الْجُذَامِ } .\rرَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْأَزْدِيُّ الْحَافِظُ بِإِسْنَادِهِ ، وَقِيلَ : السِّوَاكُ بِعُودِ الرَّيْحَانِ يَضُرُّ بِلَحْمِ الْفَمِ .\rوَإِنْ اسْتَاكَ بِأُصْبُعِهِ أَوْ خِرْقَةٍ ، فَقَدْ قِيلَ : لَا يُصِيبُ السُّنَّةَ ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ لَمْ يَرِدْ بِهِ ، وَلَا يَحْصُلُ الْإِنْقَاءُ بِهِ حُصُولَهُ بِالْعُودِ ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يُصِيبُ بِقَدْرِ مَا يَحْصُلُ مِنْ الْإِنْقَاءِ ، وَلَا يُتْرَكُ الْقَلِيلُ مِنْ السُّنَّةِ لِلْعَجْزِ عَنْ كَثِيرِهَا .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .\rوَقَدْ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي ، أَخْبَرَنَا رِزْقُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ التَّمِيمِيُّ ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ بَشْرَانَ ، أَخْبَرَنَا ابْنُ الْبَخْتَرِيِّ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ صَالِحٍ ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ خِدَاشٍ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ، حَدَّثَنِي بَعْضُ أَهْلِي ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، { أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ ، قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنَّكَ رَغَّبْتَنَا فِي السِّوَاكِ ، فَهَلْ دُونَ ذَلِكَ مِنْ شَيْءٍ ؟ قَالَ : أُصْبُعَيْك ، سِوَاكٌ عِنْدَ وُضُوئِك ، أَمِرَّهُمَا عَلَى أَسْنَانِك ، إنَّهُ لَا عَمَلَ لِمَنْ لَا نِيَّةَ لَهُ ، وَلَا أَجْرَ لِمَنْ لَا حَسَنَةَ لَهُ .\r}","part":1,"page":162},{"id":162,"text":"( 119 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : إلَّا أَنْ يَكُونَ صَائِمًا ، فَيُمْسِكَ مِنْ وَقْتِ صَلَاةِ الظُّهْرِ إلَى أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ .\rقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ لَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ لِلصَّائِمِ السِّوَاكُ بَعْدَ الزَّوَالِ ، وَهَلْ يُكْرَهُ ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ : إحْدَاهُمَا يُكْرَهُ ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَإِسْحَاقَ وَأَبِي ثَوْرٍ وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ وَعَطَاءٍ وَمُجَاهِدٍ لِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : يَسْتَاكُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الظُّهْرِ ، وَلَا يَسْتَاكُ بَعْدَ ذَلِكَ .\rوَلِأَنَّ السِّوَاكَ إنَّمَا اُسْتُحِبَّ لِإِزَالَةِ رَائِحَةِ الْفَمِ ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ } .\rقَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ .\rوَإِزَالَةُ الْمُسْتَطَابِ مَكْرُوهٌ ، كَدَمِ الشُّهَدَاءِ وَشَعَثِ الْإِحْرَامِ .\rوَالثَّانِيَةُ لَا يُكْرَهُ ، وَرَخَّصَ فِيهِ غَدْوَةً وَعَشِيًّا النَّخَعِيُّ وَابْنُ سِيرِينَ وَعُرْوَةُ وَمَالِكٌ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَعَائِشَةَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، لِعُمُومِ الْأَحَادِيثِ الْمَرْوِيَّةِ فِي السِّوَاكِ ، وَقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مِنْ خَيْرِ خِصَالِ الصَّائِمِ السِّوَاكُ } .\rرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ .\rوَقَالَ عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ : { رَأَيْت النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا لَا أُحْصِي يَتَسَوَّكُ وَهُوَ صَائِمٌ .\r} قَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ .","part":1,"page":163},{"id":163,"text":"( 120 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : وَغَسْلُ الْيَدَيْنِ إذَا قَامَ مِنْ نَوْمِ اللَّيْلِ قَبْلَ أَنْ يُدْخِلَهُمَا الْإِنَاءَ ثَلَاثًا .\rغَسْلُ الْيَدَيْنِ فِي أَوَّلِ الْوُضُوءِ مَسْنُونٌ فِي الْجُمْلَةِ ، سَوَاءٌ قَامَ مِنْ النَّوْمِ أَوْ لَمْ يَقُمْ ؛ لِأَنَّهَا الَّتِي تَغْمِسُ فِي الْإِنَاءِ وَتَنْقُلُ الْوُضُوءَ إلَى الْأَعْضَاءِ ، فَفِي غَسْلِهِمَا إحْرَازٌ لِجَمِيعِ الْوُضُوءِ ، { وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَفْعَلُهُ ، فَإِنَّ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَصَفَ وُضُوءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : دَعَا بِالْمَاءِ فَأَفْرَغَ عَلَى كَفَّيْهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، فَغَسَلَهُمَا ، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ .\r} مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَكَذَلِكَ وَصَفَ عَلِيٌّ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ ، وَغَيْرُهُمَا ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِوَاجِبٍ عِنْدَ غَيْرِ الْقِيَامِ مِنْ النَّوْمِ ، بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ ، فَأَمَّا عِنْدَ الْقِيَامِ مِنْ نَوْمِ اللَّيْلِ ، فَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ فِي وُجُوبِهِ ؛ فَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ وُجُوبُهُ ، وَهُوَ الظَّاهِرُ عَنْهُ ، وَاخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ عُمَرَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ فَلْيَغْسِلْ يَدَيْهِ قَبْلَ أَنْ يُدْخِلَهُمَا الْإِنَاءَ ثَلَاثًا ؛ فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ : \" فَلَا يَغْمِسْ يَدَهُ فِي وَضُوءٍ حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلَاثًا \" .\rوَأَمْرُهُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ ، وَنَهْيُهُ يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ .\rوَرُوِيَ أَنَّ ذَلِكَ مُسْتَحَبٌّ ، وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ .\rوَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ وَمَالِكٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : { : إذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ } .\rالْآيَةَ .\rقَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ فِي تَفْسِيرِهَا : إذَا قُمْتُمْ مِنْ نَوْمٍ .\rوَلِأَنَّ الْقِيَامَ مِنْ النَّوْمِ دَاخِلٌ فِي عُمُومِ الْآيَةِ ، وَقَدْ أَمَرَهُ","part":1,"page":164},{"id":164,"text":"بِالْوُضُوءِ مِنْ غَيْرِ غَسْلِ الْكَفَّيْنِ فِي أَوَّلِهِ ، وَالْأَمْرُ بِالشَّيْءِ يَقْتَضِي حُصُولَ الْإِجْزَاءِ بِهِ ؛ وَلِأَنَّهُ قَائِمٌ مِنْ نَوْمٍ ، فَأَشْبَهَ الْقَائِمَ مِنْ نَوْمِ النَّهَارِ ، وَالْحَدِيثُ مَحْمُولٌ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ ، لَتَعْلِيلِهِ بِمَا يَقْتَضِي ذَلِكَ ، وَهُوَ قَوْلُهُ : { فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ } وَطَرَيَانُ الشَّكِّ عَلَى يَقِينِ الطَّهَارَةِ لَا يُؤَثِّرُ فِيهَا ، كَمَا لَوْ تَيَقَّنَ الطَّهَارَةَ وَشَكَّ فِي الْحَدَثِ ، فَيَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ النَّدْبَ .\r( 121 ) فَصْلٌ : وَلَا تَخْتَلِفُ الرِّوَايَةُ فِي أَنَّهُ لَا يَجِبُ غَسْلُهُمَا مِنْ نَوْمِ النَّهَارِ ، وَسَوَّى الْحَسَنُ بَيْنَ نُومِ اللَّيْلِ وَنَوْمِ النَّهَارِ فِي الْوُجُوبِ ؛ لِعُمُومِ قَوْلِهِ : ( إذَا قَامَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ ) .\rوَلَنَا أَنَّ فِي الْخَبَرِ مَا يَدُلُّ عَلَى إرَادَةِ نَوْمِ اللَّيْلِ ؛ لِقَوْلِهِ : ( فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدِهِ ) ، وَالْمَبِيتُ يَكُون بِاللَّيْلِ خَاصَّةً ، وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُ غَيْرِهِ عَلَيْهِ لِوَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا أَنَّ الْحُكْمَ ثَبَتَ تَعَبُّدًا ، فَلَا يَصِحُّ تَعْدِيَتُهُ .\rالثَّانِي أَنَّ اللَّيْلَ مَظِنَّةُ النَّوْمِ وَالِاسْتِغْرَاقِ فِيهِ وَطُولِ مُدَّتِهِ ، فَاحْتِمَالُ إصَابَةِ يَدِهِ لِنَجَاسَةٍ لَا يَشْعُرُ بِهَا أَكْثَرُ مِنْ احْتِمَالِ ذَلِكَ فِي نَوْمِ النَّهَارِ .\rقَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ : الْحَدِيثُ فِي الْمَبِيتِ بِاللَّيْلِ ، فَأَمَّا النَّهَارُ فَلَا بَأْسَ بِهِ .","part":1,"page":165},{"id":165,"text":"( 122 ) فَصْلٌ : فَإِنْ غَمَسَ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ قَبْلَ غَسْلِهَا ، فَعَلَى قَوْلِ مَنْ لَمْ يُوجِبْ غَسْلَهَا ، لَا يُؤَثِّرُ غَمْسُهَا شَيْئًا ، وَمَنْ أَوْجَبَهُ قَالَ : إنْ كَانَ الْمَاءُ كَثِيرًا يَدْفَعُ النَّجَاسَةَ عَنْ نَفْسِهِ ، لَمْ يُؤَثِّرْ أَيْضًا ؛ لِأَنَّهُ يَدْفَعُ الْخُبْثَ عَنْ نَفْسِهِ ، وَإِنْ كَانَ يَسِيرًا ، فَقَالَ أَحْمَدُ : أَعْجَبُ إلَيَّ أَنْ يُهْرِيقَ الْمَاءَ ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ تَجِبَ إرَاقَتُهُ ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ لِأَنَّ النَّهْيَ عَنْ غَمْسِ الْيَدِ فِيهِ يَدُلُّ عَلَى تَأْثِيرِهِ فِيهِ ، وَقَدْ رَوَى أَبُو حَفْصٍ عُمَرُ بْنُ الْمُسْلِمِ الْعُكْبَرِيُّ فِي الْخَبَرِ زِيَادَةً عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { فَإِنْ أَدْخَلَهَا قَبْلَ الْغَسْلِ أَرَاقَ الْمَاءَ } .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا تَزُولَ طُهُورِيَّتُهُ وَلَا تَجِبَ إرَاقَتُهُ ؛ لِأَنَّ طُهُورِيَّةَ الْمَاءِ كَانَتْ ثَابِتَةً بِيَقِينٍ ، وَالْغَمْسُ الْمُحَرَّمُ لَا يَقْتَضِي إبْطَالَ طُهُورِيَّةَ الْمَاءِ ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ لِوَهْمِ النَّجَاسَةِ ، فَالْوَهْمُ لَا يَزُولُ بِهِ يَقِينُ الطُّهُورِيَّةِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُزِلْ يَقِينَ الطَّهَارَةِ ، فَكَذَلِكَ لَا يُزِيلُ الطُّهُورِيَّةَ ، فَإِنَّنَا لَمْ نَحْكُمْ بِنَجَاسَةِ الْيَدِ وَلَا الْمَاءِ ؛ وَلِأَنَّ الْيَقِينَ لَا يَزُولُ بِالشَّكِّ فَبِالْوَهْمِ أَوْلَى ، وَإِنْ كَانَ تَعَبُّدًا فَنَقْتَصِرُ عَلَى مُقْتَضَى الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ ، وَهُوَ وُجُوبُ الْغَسْلِ وَتَحْرِيمُ الْغَمْسِ ، وَلَا يُعَدَّى إلَى غَيْرِ ذَلِكَ ، وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُهُ عَلَى رَفْعِ الْحَدَثِ ؛ لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ بِحَدَثٍ ؛ وَلِأَنَّ مِنْ شَرْطِ تَأْثِيرِ غَمْسِ الْمُحْدِثِ أَنْ يَنْوِيَ رَفْعَ الْحَدَثِ ، وَلَا فَرْقَ هَاهُنَا بَيْنَ أَنْ يَنْوِيَ أَوْ لَا يَنْوِيَ .\rوَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : إنْ غَمَسَ يَدَهُ فِي الْمَاءِ قَبْلَ غَسْلِهَا ، فَهَلْ تَبْطُلُ طُهُورِيَّتُهُ ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ .","part":1,"page":166},{"id":166,"text":"( 123 ) فَصْلٌ : وَحَدُّ الْيَدِ الْمَأْمُورِ بِغَسْلِهَا مِنْ الْكُوعِ ؛ لِأَنَّ الْيَدَ الْمُطْلَقَةَ فِي الشَّرْعِ تَتَنَاوَلُ ذَلِكَ ، بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى { وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا ، } وَإِنَّمَا تُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ مِنْ مَفْصِلِ الْكُوعِ ، وَكَذَلِكَ فِي التَّيَمُّمُ يَكُونُ فِي الْيَدَيْنِ إلَى الْكُوعِ ، وَالدِّيَةُ الْوَاجِبَةُ فِي الْيَدِ تَجِبُ عَلَى مَنْ قَطَعَهَا مِنْ مَفْصِلِ الْكُوعِ .\rوَغَمْسُ بَعْضِهَا ، وَلَوْ أُصْبُعٍ أَوْ ظُفْرٍ مِنْهَا ، كَغَمْسِ جَمِيعِهَا فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ ؛ لِأَنَّ مَا تَعَلَّقَ الْمَنْعُ بِجَمِيعِهِ تَعَلَّقَ بِبَعْضِهِ ، كَالْحَدَثِ وَالنَّجَاسَةِ .\rوَالثَّانِي لَا يَمْنَعُ ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ لِأَنَّ النَّهْيَ تَنَاوَلَ غَمْسَ جَمِيعِهَا ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ الشَّيْءِ مَانِعًا كَوْنُ بَعْضِهِ مَانِعًا ، كَمَا لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ الشَّيْءِ سَبَبًا كَوْنُ بَعْضِهِ سَبَبًا ، وَغَمْسُهَا بَعْدَ غَسْلِهَا دُونَ الثَّلَاثِ كَغَمْسِهَا قَبْلَ غَسْلِهَا ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ لَا يَزُولُ حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلَاثًا .","part":1,"page":167},{"id":167,"text":"( 124 ) فَصْلٌ : وَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ يَدِ النَّائِمِ مُطْلَقَةً أَوْ مَشْدُودَةً بِشَيْءٍ ، أَوْ فِي جِرَابٍ ، أَوْ كَوْنِ النَّائِمِ عَلَيْهِ سَرَاوِيلُهُ أَوْ لَمْ يَكُنْ .\rقَالَ أَبُو دَاوُد : سُئِلَ أَحْمَدُ إذَا نَامَ الرَّجُلُ وَعَلَيْهِ سَرَاوِيلُهُ ؟ قَالَ : السَّرَاوِيلُ وَغَيْرُهُ وَاحِدٌ ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إذَا انْتَبَهَ أَحَدُكُمْ مِنْ مَنَامِهِ فَلَا يُدْخِلْ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلَاثًا } .\rيَعْنِي أَنَّ الْحَدِيثَ عَامٌّ ، فَيَجِبُ الْأَخْذُ بِعُمُومِهِ .\rوَلِأَنَّ الْحُكْمَ إذَا تَعَلَّقَ عَلَى الْمَظِنَّةِ لَمْ يُعْتَبَرْ حَقِيقَةُ الْحِكْمَةِ ، كَالْعِدَّةِ الْوَاجِبَةِ لِاسْتِبْرَاءِ الرَّحِمِ ، تَجِبُ فِي حَقِّ الْآيِسَةِ وَالصَّغِيرَةِ ، وَكَذَاك الِاسْتِبْرَاءُ ، مَعَ أَنَّ احْتِمَالَ النَّجَاسَةِ لَا يَنْحَصِرُ فِي مَسِّ الْفَرْجِ ، فَإِنَّهُ قَدْ يَكُونُ فِي الْبَدَنِ بَثْرَةٌ أَوْ دُمَّلٌ ، وَقَدْ يَحُكُّ جَسَدَهُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ دَمٌ بَيْنَ أَظْفَارِهِ ، أَوْ يَخْرُجُ مِنْ أَنْفِهِ دَمٌ ، وَقَدْ تَكُونُ نَجِسَةً قَبْلَ نَوْمِهِ فَيَنْسَى نَجَاسَتَهَا لِطُولِ نَوْمِهِ ، عَلَى أَنَّ الظَّاهِرَ عِنْدَ مَنْ أَوْجَبَ الْغَسْلَ أَنَّهُ تَعَبُّدٌ ؛ لَا لِعِلَّةِ التَّنْجِيسِ ، وَلِهَذَا لَمْ يَحْكُمْ بِنَجَاسَةِ الْيَدِ وَلَا الْمَاءِ ، فَيَعُمُّ الْوُجُوبُ كُلَّ مَنْ تَنَاوَلَهُ الْخَبَرُ .","part":1,"page":168},{"id":168,"text":"( 125 ) فَصْلٌ : فَإِنْ كَانَ الْقَائِمُ مِنْ نَوْمِ اللَّيْلِ صَبِيًّا أَوْ مَجْنُونًا أَوْ كَافِرًا ، فَفِيهِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا أَنَّهُ كَالْمُسْلِمِ الْبَالِغِ الْعَاقِلِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ .\rوَالثَّانِي ، أَنَّهُ لَا يُؤَثِّرُ غَمْسُهُ شَيْئًا ؛ لِأَنَّ الْمَنْعَ مِنْ الْغَمْسِ إنَّمَا يَثْبُتُ بِالْخِطَابِ ، وَلَا خِطَابَ فِي حَقِّ هَؤُلَاءِ ؛ وَلِأَنَّ وُجُوبَ الْغَسْلِ هَاهُنَا تَعَبُّدٌ ، وَلَا تَعَبُّدَ فِي حَقِّ هَؤُلَاءِ ؛ وَلِأَنَّ غَمْسَهُمْ لَوْ أَثَّرَ فِي الْمَاءِ لَأَثَّرَ فِي جَمِيعِ زَمَانِهِمْ ؛ لِأَنَّ الْغَسْلَ الْمُزِيلَ مِنْ حُكْمِ الْمَنْعِ مِنْ شَرْطِهِ النِّيَّةُ ، وَمَا هُمْ مِنْ أَهْلِهَا ، وَلَا نَعْلَمُ قَائِلًا بِذَلِكَ .","part":1,"page":169},{"id":169,"text":"( 126 ) فَصْلٌ : وَالنَّوْمُ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ الْأَمْرُ بِغَسْلِ الْيَدِ مَا نَقَضَ الْوُضُوءَ .\rذَكَرَهُ الْقَاضِي ؛ لِعُمُومِ الْخَبَرِ فِي النَّوْمِ .\rوَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ : هُوَ مَا زَادَ عَلَى نِصْفِ اللَّيْلِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ بَائِتًا إلَّا بِذَلِكَ ، بِدَلِيلِ أَنَّ مَنْ دَفَعَ مِنْ مُزْدَلِفَةَ قَبْلَ نِصْفِ اللَّيْلِ لَا يَكُونُ بَائِتًا بِهَا ، وَلِهَذَا يَلْزَمُهُ دَمٌ ، بِخِلَافِ مَنْ دَفَعَ بَعْدَ نِصْفِ اللَّيْلِ .\rوَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ، وَمَا ذَكَرَهُ يَبْطُلُ بِمَا إذَا جَاءَ مُزْدَلِفَةَ بَعْدَ نِصْفِ اللَّيْلِ ، فَإِنَّهُ يَكُونُ بَائِتًا بِهَا ، وَلَا دَمَ عَلَيْهِ ، وَإِنَّمَا بَاتَ بِهَا دُونَ النِّصْفِ .","part":1,"page":170},{"id":170,"text":"( 127 ) فَصْلٌ : وَغَسْلُ الْيَدَيْنِ يَفْتَقِرُ إلَى النِّيَّةِ عِنْدَ مَنْ أَوْجَبَهُ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ طَهَارَةٌ تَعَبُّدِيَّةٌ ، فَأَشْبَهَ الْوُضُوءَ وَالْغُسْلَ .\rوَالثَّانِي : لَا يَفْتَقِرُ إلَى النِّيَّةِ ؛ لِأَنَّهُ مُعَلَّلٌ بِوَهْمِ النَّجَاسَةِ ، وَلَا تُعْتَبَرُ فِي غَسْلِهَا النِّيَّةُ ؛ وَلِأَنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ الْغَسْلُ ، وَقَدْ أَتَى بِهِ ، وَالْأَمْرُ بِالشَّيْءِ يَقْتَضِي حُصُولَ الْإِجْزَاءِ بِهِ .\rوَلَا يَفْتَقِرُ الْغَسْلُ إلَى تَسْمِيَةٍ .\rوَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ يَفْتَقِرُ إلَيْهَا قِيَاسًا عَلَى الْوُضُوءِ .\rوَهَذَا بَعِيدٌ ؛ فَإِنَّ التَّسْمِيَةَ فِي الْوُضُوءِ غَيْرُ وَاجِبَةٍ فِي الصَّحِيحِ ، وَمَنْ أَوْجَبَهَا فَإِنَّمَا أَوْجَبَهَا تَعَبُّدًا ، فَيَجِبُ قَصْرُهَا عَلَى مَحَلِّهَا ، فَإِنَّ التَّعَبُّدَ بِهِ فَرْعُ التَّعْلِيلِ ، وَمِنْ شَرْطِهِ كَوْنُ الْمَعْنَى مَعْقُولًا ، وَلَا يُمْكِنُ إلْحَاقُهُ بِهِ لِعَدَمِ الْفَرْقِ ، فَإِنَّ الْوُضُوءَ آكَدُ ، وَهُوَ فِي أَرْبَعَةِ أَعْضَاءَ ، وَسَبَبُهُ غَيْرُ سَبَبِ غَسْلِ الْيَدِ .","part":1,"page":171},{"id":171,"text":"( 128 ) فَصْلٌ : وَلَوْ انْغَمَسَ الْجُنُبُ فِي مَاءٍ كَثِيرٍ ، أَوْ تَوَضَّأَ فِي مَاءٍ كَثِيرٍ ، يَغْمِسُ فِيهِ أَعْضَاءَهُ ، وَلَمْ يَنْوِ غَسْلَ الْيَدَيْنِ مِنْ نُومِ اللَّيْلِ ، صَحَّ غُسْلُهُ وَوُضُوءُهُ ، وَلَمْ يُجْزِهِ عَنْ غَسْلِ الْيَدِ مِنْ نَوْمِ اللَّيْلِ عِنْدَ مَنْ أَوْجَبَ النِّيَّةَ فِي غَسْلِهَا ؛ لِأَنَّ بَقَاءَ النَّجَاسَةِ عَلَى الْعُضْوِ لَا يَمْنَعُ رَفْعَ الْحَدَثِ ، فَلَوْ غَسَلَ أَنْفَهُ أَوْ يَدَهُ فِي الْوُضُوءِ ، وَهُوَ نَجِسٌ ، لَارْتَفَعَ حَدَثُهُ ، وَبَقَاءُ الْحَدَثِ عَلَى الْوُضُوءِ لَا يَمْنَعُ رَفْعَ حَدَثٍ آخَرَ ؛ بِدَلِيلِ مَا لَوْ تَوَضَّأَ الْجُنُبُ يَنْوِي رَفْعَ الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ ، أَوْ اغْتَسَلَ وَلَمْ يَنْوِ الطَّهَارَةَ الصُّغْرَى ، صَحَّتْ الْمَنْوِيَّةُ دُونَ غَيْرِهَا ، وَهَذَا لَا يَخْرُجُ عَنْ شَبَهِهِ بِأَحَدِ الْأَمْرَيْنِ .","part":1,"page":172},{"id":172,"text":"( 129 ) فَصْلٌ : إذَا وَجَدَ مَاءً قَلِيلًا لَيْسَ مَعَهُ مَا يَغْتَرِفُ بِهِ وَيَدَاهُ نَجِسَتَانِ ، فَقَالَ أَحْمَدُ : لَا بَأْسَ أَنْ يَأْخُذَ بِفِيهِ وَيَصُبُّ عَلَى يَدِهِ .\rوَهَكَذَا لَوْ أَمْكَنَهُ غَمْسُ خِرْقَةٍ أَوْ غَيْرِهَا وَصَبُّهُ عَلَى يَدَيْهِ فَعَلَ ذَلِكَ .\rفَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ تَيَمَّمَ وَتَرَكَهُ ؛ لِئَلَّا يَنْجُسَ الْمَاءُ وَيَتَنَجَّسَ بِهِ .\rفَإِنْ كَانَ لَمْ يَغْسِلْ يَدَيْهِ مِنْ نَوْمِ اللَّيْلِ تَوَضَّأَ مِنْهُ ، عِنْدَ مَنْ يَجْعَلُ الْمَاءَ بَاقِيًا عَلَى إطْلَاقِهِ .\rوَمَنْ جَعَلَهُ مُسْتَعْمَلًا ، قَالَ : يَتَوَضَّأُ بِهِ وَيَتَيَمَّمُ مَعَهُ .\rوَلَوْ اسْتَيْقَظَ الْمَحْبُوسُ مِنْ نَوْمِهِ فَلَمْ يَدْرِ ؛ أَهُوَ مِنْ نَوْمِ النَّهَارِ أَوْ اللَّيْلِ ؟ لَمْ يَلْزَمْهُ غَسْلُ يَدَيْهِ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْوُجُوبِ ، فَلَا نُوجِبُهُ بِالشَّكِّ .","part":1,"page":173},{"id":173,"text":"( 130 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : وَالتَّسْمِيَةُ عِنْدَ الْوُضُوءِ .\rظَاهِرُ مَذْهَبِ أَحْمَدَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : أَنَّ التَّسْمِيَةَ مَسْنُونَةٌ فِي طَهَارَةِ الْأَحْدَاثِ كُلِّهَا .\rرَوَاهُ عَنْهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ .\rوَقَالَ الْخَلَّالُ الَّذِي اسْتَقَرَّتْ الرِّوَايَاتُ عَنْهُ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ .\rيَعْنِي إذَا تَرَكَ التَّسْمِيَةَ .\rوَهَذَا قَوْلُ الثَّوْرِيِّ وَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَبِي عُبَيْدَةَ ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ .\rوَعَنْهُ أَنَّهَا وَاجِبَةٌ فِيهَا كُلِّهَا ؛ الْوُضُوءِ ، وَالْغُسْلِ ، وَالتَّيَمُّمِ .\rوَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ وَمَذْهَبُ الْحَسَنِ وَإِسْحَاقَ لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { لَا وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يَذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، رَوَاهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ .\rقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ أَحْسَنُ حَدِيثٍ فِي هَذَا الْبَابِ .\rوَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَدِيثُ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ أَحْسَنُ .\rوَهَذَا نَفْيٌ فِي نَكِرَةٍ يَقْتَضِي أَنْ لَا يَصِحَّ وُضُوءُهُ بِدُونِ التَّسْمِيَةِ .\rوَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى : أَنَّهَا طَهَارَةٌ ، فَلَا تَفْتَقِرُ إلَى التَّسْمِيَةِ ، كَالطَّهَارَةِ مِنْ النَّجَاسَةِ ، أَوْ عِبَادَةٌ ، فَلَا تَجِبُ فِيهَا التَّسْمِيَةُ كَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ ؛ وَلِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْوُجُوبِ ، وَإِنَّمَا ثَبَتَ بِالشَّرْعِ وَالْأَحَادِيثِ ، قَالَ أَحْمَدُ : لَيْسَ يَثْبُتُ فِي هَذَا حَدِيثٌ ، وَلَا أَعْلَمُ فِيهَا حَدِيثًا لَهُ إسْنَادٌ جَيِّدٌ .\rوَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ : ضَعَّفَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَدِيثَ فِي التَّسْمِيَةِ ، وَقَالَ : أَقْوَى شَيْءٍ فِيهِ حَدِيثُ كَثِيرِ بْنِ زَيْدٍ ، عَنْ رُبَيْحٍ - يَعْنِي حَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ - ثُمَّ ذَكَرَ رُبَيْحًا ، أَيْ مَنْ هُوَ ؟ وَمَنْ أَبُوهُ ؟ فَقَالَ : يَعْنِي الَّذِي يَرْوِي حَدِيثَ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ .\rيَعْنِي أَنَّهُمْ مَجْهُولُونَ ، وَضَعَّفَ إسْنَادَهُ .\rوَإِنْ صَحَّ ذَلِكَ فَيُحْمَلُ عَلَى تَأْكِيدِ الِاسْتِحْبَابِ وَنَفْيِ الْكَمَالِ","part":1,"page":174},{"id":174,"text":"بِدُونِهَا ، كَقَوْلِهِ : { لَا صَلَاةَ لِجَارِ الْمَسْجِدِ إلَّا فِي الْمَسْجِدِ } .\r( 131 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قُلْنَا بِوُجُوبِهَا فَتَرَكَهَا عَمْدًا ، لَمْ تَصِحَّ طَهَارَتُهُ ؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ وَاجِبًا فِي الطَّهَارَةِ ، أَشْبَهَ مَا لَوْ تَرَكَ النِّيَّةَ .\rوَإِنْ تَرَكَهَا سَهْوًا صَحَّتْ طَهَارَتُهُ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد فَإِنَّهُ قَالَ .\rسَأَلْت أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ : إذَا نَسِيَ التَّسْمِيَةَ فِي الْوُضُوءِ ؟ قَالَ : أَرْجُو أَنْ لَا يَكُونَ عَلَيْهِ شَيْءٌ .\rوَهَذَا قَوْلُ إِسْحَاقَ فَعَلَى هَذَا إذَا ذَكَرِ فِي أَثْنَاءِ طَهَارَتِهِ أَتَى بِهَا حَيْثُ ذَكَرَهَا ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا عُفِيَ عَنْهَا مَعَ السَّهْوِ فِي جُمْلَةِ الْوُضُوءِ فَفِي بَعْضِهِ أَوْلَى ، وَإِنْ تَرَكَهَا عَمْدًا حَتَّى غَسَلَ عُضْوًا لَمْ يَعْتَدَّ بِغَسْلِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ مَعَ الْعَمْدِ .\rوَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْفَرَجِ : إذَا سَمَّى فِي أَثْنَاءِ الْوُضُوءِ أَجْزَأَهُ .\rيَعْنِي عَلَى كُلِّ حَالٍ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ ذَكَرَ اسْمَ اللَّهِ عَلَى وُضُوئِهِ .\rوَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا : لَا تَسْقُطُ بِالسَّهْوِ لِعُمُومِ الْخَبَرِ ، وَقِيَاسًا لَهَا عَلَى سَائِرِ الْوَاجِبَاتِ .\rوَالْأَوَّلُ أَوْلَى ؛ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { عُفِيَ لِأُمَّتِي عَنْ الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ } ؛ وَلِأَنَّ الْوُضُوءَ عِبَادَةٌ تَتَغَايَرُ أَفْعَالُهَا ، فَكَانَ فِي وَاجِبَاتِهَا مَا يَسْقُطُ بِالسَّهْوِ كَالصَّلَاةِ ، وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُهَا عَلَى سَائِرِ وَاجِبَاتِ الطَّهَارَةِ ؛ لِأَنَّ تِلْكَ تَأَكَّدَ وُجُوبُهَا ، بِخِلَافِ التَّسْمِيَةِ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِنَّ التَّسْمِيَةَ هِيَ قَوْلُ بِسْمِ اللَّهِ لَا يَقُومُ غَيْرُهَا مَقَامَهَا ، كَالتَّسْمِيَةِ الْمَشْرُوعَةِ عَلَى الذَّبِيحَةِ ، وَعِنْدَ أَكْلِ الطَّعَامِ وَشُرْبِ الشَّرَابِ ، وَمَوْضِعُهَا بَعْدَ النِّيَّةِ قَبْلَ أَفْعَالِ الطَّهَارَةِ كُلِّهَا ؛ لِأَنَّ التَّسْمِيَةَ قَوْلٌ وَاجِبٌ فِي الطَّهَارَةِ ، فَيَكُونُ بَعْدَ النِّيَّةِ ، لِتَشْمَلَ النِّيَّةَ جَمِيعَ وَاجِبَاتِهَا ، وَقَبْلَ أَفْعَالِ الطَّهَارَةِ ، لِيَكُونَ مُسَمِّيًا عَلَى جَمِيعِهَا ، كَمَا","part":1,"page":175},{"id":175,"text":"يُسَمَّى عَلَى الذَّبِيحَةِ وَقْتَ ذَبْحِهَا .","part":1,"page":176},{"id":176,"text":"( 132 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : وَالْمُبَالَغَةُ فِي الِاسْتِنْشَاقِ إلَّا أَنْ يَكُونَ صَائِمًا مَعْنَى الْمُبَالَغَةِ فِي الِاسْتِنْشَاقِ : اجْتِذَابُ الْمَاءِ بِالنَّفَسِ إلَى أَقْصَى الْأَنْفِ ، وَلَا يَجْعَلُهُ سَعُوطًا ، وَذَلِكَ سُنَّةٌ مُسْتَحَبَّةٌ فِي الْوُضُوءِ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ صَائِمًا فَلَا يُسْتَحَبُّ ، لَا نَعْلَمُ فِي ذَلِكَ خِلَافًا .\rوَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ مَا رَوَى عَاصِمُ بْنُ لَقِيطِ بْنِ صَبِرَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : { قُلْت : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَخْبِرْنِي عَنْ الْوُضُوءِ .\rقَالَ أَسْبِغْ الْوُضُوءَ ، وَخَلِّلْ بَيْنَ الْأَصَابِعِ ، وَبَالِغْ فِي الِاسْتِنْشَاقِ إلَّا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَقَالَ : حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَلِأَنَّهُ مِنْ أَعْضَاءِ الطَّهَارَةِ ، فَاسْتُحِبَّتْ الْمُبَالَغَةُ فِيهِ كَسَائِرِ أَعْضَائِهَا .","part":1,"page":177},{"id":177,"text":"( 133 ) فَصْلٌ : الْمُبَالَغَةُ مُسْتَحَبَّةٌ فِي سَائِرِ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ ؛ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { أَسْبِغْ الْوُضُوءَ .\r} وَالْمُبَالَغَةُ فِي الْمَضْمَضَةِ إدَارَةُ الْمَاءِ فِي أَعْمَاقِ الْفَمِ وَأَقَاصِيهِ وَأَشْدَاقِهِ ، وَلَا يَجْعَلُهُ وَجُورًا لَمْ يَمُجَّهُ ، وَإِنْ ابْتَلَعَهُ جَازَ ؛ لِأَنَّ الْغَسْلَ قَدْ حَصَلَ .\rوَالْمُبَالَغَةُ فِي سَائِرِ الْأَعْضَاءِ بِالتَّخْلِيلِ ، وَبِتَتَبُّعِ الْمَوَاضِعِ الَّتِي يَنْبُو عَنْهَا الْمَاءُ بِالدَّلْكِ وَالْعَرْكِ وَمُجَاوَزَةِ مَوْضِعِ الْوُجُوبِ بِالْغَسْلِ .\rوَقَدْ رَوَى نُعَيْمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، { أَنَّهُ رَأَى أَبَا هُرَيْرَةَ يَتَوَضَّأُ ، فَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ حَتَّى كَادَ أَنْ يَبْلُغَ الْمَنْكِبَيْنِ ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ حَتَّى رَفَعَ إلَى السَّاقَيْنِ ، ثُمَّ قَالَ : سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : إنَّ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ أَثَرِ الْوُضُوءِ ، فَمَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ فَلْيَفْعَلْ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَرَوَى أَبُو حَازِمٍ عَنْهُ قَرِيبًا مِنْ هَذَا ، وَقَالَ : سَمِعْت خَلِيلِي يَقُولُ : { تَبْلُغُ الْحِلْيَةُ مِنْ الْمُؤْمِنِ حَيْثُ يَبْلُغُ الْوُضُوءُ } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .","part":1,"page":178},{"id":178,"text":"( 134 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : وَتَخْلِيلُ اللِّحْيَةِ وَجُمْلَةُ ذَلِكَ : أَنَّ اللِّحْيَةَ إنْ كَانَتْ خَفِيفَةً تَصِفُ الْبَشَرَةَ وَجَبَ غَسْلُ بَاطِنِهَا .\rوَإِنْ كَانَتْ كَثِيفَةً لَمْ يَجِبْ غَسْلُ مَا تَحْتَهَا ، وَيُسْتَحَبُّ تَخْلِيلُهَا .\rوَمِمَّنْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يُخَلِّلُ لِحْيَتَهُ : ابْنُ عُمَرَ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ ، وَالْحَسَنُ ، وَأَنَسُ ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى وَعَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ .\rوَقَالَ إِسْحَاقُ : إذَا تَرَكَ تَخْلِيلَ لِحْيَتِهِ عَامِدًا أَعَادَ ، لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { كَانَ يُخَلِّلُ لِحْيَتَهُ .\r} رَوَاهُ عَنْهُ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانِ .\rقَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ .\rوَقَالَ الْبُخَارِيُّ : هَذَا أَصَحُّ حَدِيثٍ فِي الْبَابِ .\rوَرَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ أَنَسٍ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إذَا تَوَضَّأَ أَخَذَ كَفًّا مِنْ مَاءٍ فَأَدْخَلَهُ تَحْتَ حَنَكِهِ وَقَالَ : هَكَذَا أَمَرَنِي رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ .\r} وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا تَوَضَّأَ عَرَكَ عَارِضَيْهِ بَعْضَ الْعَرْكِ ، ثُمَّ شَبَكَ لِحْيَتَهُ بِأَصَابِعِهِ مِنْ تَحْتِهَا .\r} رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ .\rوَقَالَ عَطَاءٌ وَأَبُو ثَوْرٍ : يَجِبُ غَسْلُ بَاطِنِ شُعُورِ الْوَجْهِ وَإِنْ كَانَ كَثِيفًا كَمَا يَجِبُ فِي الْجَنَابَةِ ؛ وَلِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِغَسْلِ الْوَجْهِ فِي الْوُضُوءِ كَمَا أُمِرَ بِغَسْلِهِ فِي الْجَنَابَةِ ، فَمَا وَجَبَ فِي أَحَدِهِمَا وَجَبَ فِي الْآخَرِ مِثْلُهُ .\rوَمَذْهَبُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجِبُ ، وَلَا يَجِبُ التَّخْلِيلُ ؛ وَمِمَّنْ رَخَّصَ فِي تَرْكِ التَّخْلِيلِ ابْنُ عُمَرَ ، وَالْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ ، وَطَاوُسٌ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَأَبُو الْعَالِيَةِ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَأَبُو الْقَاسِمِ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ ، وَسَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَابْنُ الْمُنْذِرِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِالْغَسْلِ ، وَلَمْ يَذْكُرْ التَّخْلِيلَ ، وَأَكْثَرُ مَنْ حَكَى وُضُوءَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَحْكِهِ .\rوَلَوْ كَانَ","part":1,"page":179},{"id":179,"text":"وَاجِبًا لَمَا أَخَلَّ بِهِ فِي وُضُوءٍ ، وَلَوْ فَعَلَهُ فِي كُلِّ وُضُوءٍ لَنَقَلَهُ كُلُّ مَنْ حَكَى وُضُوءَهُ أَوْ أَكْثَرُهُمْ ، وَتَرْكُهُ لِذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ غَسْلَ مَا تَحْتَ الشَّعْرِ الْكَثِيفِ لَيْسَ بِوَاجِبٍ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ كَثِيفَ اللِّحْيَةِ فَلَا يَبْلُغُ الْمَاءُ مَا تَحْتَ شَعْرِهَا بِدُونِ التَّخْلِيلِ وَالْمُبَالَغَةِ ، وَفِعْلُهُ لِلتَّخْلِيلِ فِي بَعْضِ أَحْيَانِهِ يَدُلُّ عَلَى اسْتِحْبَابِ ذَلِكَ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .\r( 135 ) فَصْلٌ : قَالَ يَعْقُوبُ : سَأَلْت أَحْمَدَ عَنْ التَّخْلِيلِ ؟ فَأَرَانِي مِنْ تَحْتِ لِحْيَتِهِ ، فَخَلَّلَ بِالْأَصَابِعِ .\rوَقَالَ حَنْبَلُ : مِنْ تَحْتِ ذَقَنِهِ مِنْ أَسْفَلِ الذَّقَنِ ، يُخَلِّلُ جَانِبَيْ لِحْيَتِهِ جَمِيعًا بِالْمَاءِ ، وَيَمْسَحُ جَانِبَيْهَا وَبَاطِنَهَا .\rوَقَالَ أَبُو الْحَارِثِ : قَالَ أَحْمَدُ إنْ شَاءَ خَلَّلَهَا مَعَ وَجْهِهِ ، وَإِنْ شَاءَ إذَا مَسَحَ رَأْسَهُ .\rوَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَعَهَّدَ بَقِيَّةَ شُعُورِ وَجْهِهِ وَيَمْسَحَ مَآقِيهِ ؛ لِيَزُولَ مَا بِهِمَا مِنْ كُحْلٍ أَوْ غَمَصٍ .\rوَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ أَنَّهُ { ذَكَرَ وُضُوءَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : كَانَ يَمْسَحُ الْمَأْقَيْنِ .\r}","part":1,"page":180},{"id":180,"text":"( 136 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : وَأَخْذُ مَاءٍ جَدِيدٍ لِلْأُذُنَيْنِ ظَاهِرِهِمَا وَبَاطِنِهِمَا الْمُسْتَحَبُّ : أَنْ يَأْخُذَ لِأُذُنَيْهِ مَاءً جَدِيدًا .\rقَالَ أَحْمَدُ : أَنَا أَسْتَحِبُّ أَنْ يَأْخُذَ لِأُذُنَيْهِ مَاءً جَدِيدًا ، كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَأْخُذُ لِأُذُنَيْهِ مَاءً جَدِيدًا .\rوَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ هَذَا الَّذِي قَالُوهُ غَيْرُ مَوْجُودٍ فِي الْأَخْبَارِ ، وَقَدْ رَوَى أَبُو أُمَامَةَ ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : الْأُذُنَانِ مِنْ الرَّأْسِ } .\rرَوَاهُنَّ ابْنُ مَاجَهْ ، وَرَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَالرُّبَيِّعُ بِنْتُ مُعَوِّذٍ ، وَالْمِقْدَامُ بْنُ مَعْدِي كَرِبَ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَسَحَ بِرَأْسِهِ وَأُذُنَيْهِ مَرَّةً وَاحِدَةً .\r} رَوَاهُنَّ أَبُو دَاوُد .\rوَلَنَا أَنَّ إفْرَادَهُمَا بِمَاءٍ جَدِيدٍ قَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَقَدْ ذَهَبَ الزُّهْرِيُّ إلَى أَنَّهُمَا مِنْ الْوَجْهِ .\rوَقَالَ الشَّعْبِيُّ : مَا أَقْبَلَ مِنْهُمَا مِنْ الْوَجْهِ وَظَاهِرُهُمَا مِنْ الرَّأْسِ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ : لَيْسَا مِنْ الْوَجْهِ وَلَا مِنْ الرَّأْسِ .\rفَفِي إفْرَادِهِمَا بِمَاءٍ جَدِيدٍ خُرُوجٌ مِنْ بَعْضِ الْخِلَافِ ، فَكَانَ أَوْلَى .\rوَإِنْ مَسَحَهُمَا بِمَاءِ الرَّأْسِ أَجْزَأَهُ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَلَهُ .","part":1,"page":181},{"id":181,"text":"( 137 ) فَصْلٌ : قَالَ الْمَرُّوذِيُّ : رَأَيْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ مَسَحَ رَأْسَهُ ، وَلَمْ أَرَهُ يَمْسَحُ عَلَى عُنُقِهِ ، فَقُلْت لَهُ : أَلَّا تَمْسَحُ عَلَى عُنُقِك ؟ قَالَ : إنَّهُ لَمْ يَرْوِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rفَقُلْت : أَلَيْسَ قَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : هُوَ مَوْضِعُ الْغُلِّ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، وَلَكِنْ هَكَذَا يَمْسَحُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يَفْعَلْهُ .\rوَقَالَ أَيْضًا : هُوَ زِيَادَةٌ .\rوَذَكَرَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ أَنَّ فِيهِ رِوَايَةً أُخْرَى : أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ .\rوَاحْتَجَّ بَعْضُهُمْ أَنَّ فِي خَبَرِ ابْنِ عَبَّاسٍ : { امْسَحُوا أَعْنَاقَكُمْ مَخَافَةَ الْغُلِّ } .\rوَاَلَّذِي وَقَفْت عَلَيْهِ عَنْ أَحْمَدَ فِي هَذَا ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ قَالَ : رَأَيْت أَبِي إذَا مَسَحَ رَأْسَهُ وَأُذُنَيْهِ فِي الْوُضُوءِ مَسَحَ قَفَاهُ .\rوَوَهَّنَ الْخَلَّالُ هَذِهِ الرِّوَايَةَ ، وَقَالَ : هِيَ وَهْمٌ .\rوَقَدْ أَنْكَرَ أَحْمَدُ حَدِيثَ طَلْحَةَ بْنَ مُصَرِّفٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ : { رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمْسَحُ رَأْسَهُ حَتَّى بَلَغَ الْقَذَالَ .\r} وَهُوَ أَوَّلُ الْقَفَا .\rوَذَكَرَ أَنَّ سُفْيَانَ كَانَ يُنْكِرُهُ ، وَأَنْكَرَهُ ، يَحْيَى أَيْضًا .\rوَخَبَرُ ابْنِ عَبَّاسٍ لَا نَعْرِفُهُ ، وَلَمْ يَرَوْهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ .","part":1,"page":182},{"id":182,"text":"( 138 ) فَصْلٌ : وَذَكَرَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا مِنْ سُنَنِ الْوُضُوءِ غَسْلَ دَاخِلِ الْعَيْنَيْنِ ، وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ عَمِيَ مِنْ كَثْرَةِ إدْخَالِ الْمَاءِ فِي عَيْنَيْهِ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : إنَّمَا يُسْتَحَبُّ ذَلِكَ فِي الْغُسْلِ ، نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي مَوَاضِعَ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ غُسْلَ الْجَنَابَةِ أَبْلَغُ ، فَإِنَّهُ يَعُمُّ جَمِيعَ الْبَدَنِ ، وَتُغْسَلُ فِيهِ بَوَاطِنُ الشُّعُورِ الْكَثِيفَةِ ، وَمَا تَحْتَ الْجَفْنَيْنِ وَنَحْوِهِمَا ، وَدَاخِلُ الْعَيْنَيْنِ مِنْ جُمْلَةِ الْبَدَنِ الْمُمْكِنِ غَسْلُهُ فَإِذَا لَمْ تَجِبْ فَلَا أَقَلَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُسْتَحَبًّا .\rوَالصَّحِيحُ أَنَّ هَذَا لَيْسَ بِمَسْنُونٍ فِي وُضُوءٍ وَلَا غُسْلٍ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَفْعَلْهُ ، وَلَا أَمَرَ بِهِ ، وَفِيهِ ضَرَرٌ ، وَمَا ذُكِرَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ فَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى كَرَاهَتِهِ ؛ لِأَنَّهُ ذَهَبَ بِبَصَرِهِ ، وَفِعْلُ مَا يُخَافُ مِنْهُ ذَهَابُ الْبَصَرِ أَوْ نَقْصُهُ مِنْ غَيْرِ وُرُودِ الشَّرْعِ بِهِ إذَا لَمْ يَكُنْ مُحَرَّمًا ، فَلَا أَقَلَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ مَكْرُوهًا .","part":1,"page":183},{"id":183,"text":"( 139 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ وَتَخْلِيلُ مَا بَيْنَ الْأَصَابِعِ تَخْلِيلُ أَصَابِعِ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ فِي الْوُضُوءِ مَسْنُونٌ ، وَهُوَ فِي الرِّجْلَيْنِ آكَدُ ؛ { لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلَقِيطِ بْنِ صَبِرَةَ : أَسْبِغْ الْوُضُوءَ وَخَلِّلْ الْأَصَابِعَ } .\rوَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ ، وَقَالَ الْمُسْتَوْرِدُ وَقَالَ الْمُسْتَوْرِدُ بْنُ شَدَّادٍ : { : رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا تَوَضَّأَ دَلَكَ أَصَابِعَ رِجْلَيْهِ بِخِنْصَرِهِ .\r} رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَقَالَ : لَا نَعْرِفُهُ إلَّا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ لَهِيعَةَ .\rوَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُخَلِّلَ أَصَابِعَ رِجْلَيْهِ بِخِنْصَرِهِ لِهَذَا الْحَدِيثِ ، وَيَبْدَأُ فِي تَخْلِيلِ الْيُمْنَى مِنْ خِنْصَرِهَا إلَى إبْهَامِهَا ، وَفِي الْيُسْرَى مِنْ إبْهَامِهَا إلَى خِنْصَرِهَا ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُحِبُّ التَّيَمُّنَ فِي وُضُوئِهِ .\rوَفِي هَذَا تَيَمُّنٌ ( 140 ) فَصْلٌ : ` وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَعْرُكَ رِجْلَهُ بِيَدِهِ ، وَيَتَعَهَّدَ عَقِبَيْهِ ، وَالْمَوَاضِعَ الَّتِي يَزْلَقُ عَنْهَا الْمَاءُ ، قَالَ أَبُو دَاوُد : قُلْت لِأَحْمَدَ : إذَا تَوَضَّأَ فَأَدْخَلَ رِجْلَهُ فِي الْمَاءِ ، فَأَخْرَجَهَا ؟ قَالَ : يَنْبَغِي أَنْ يُمِرَّ يَدَهُ عَلَى رِجْلِهِ ، وَيُخَلِّلَ أَصَابِعَهُ .\rقُلْت : فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ ، يُجْزِئُهُ ؟ قَالَ : أَرْجُو أَنْ يُجْزِئُهُ مِنْ التَّخْلِيلِ أَنْ يُحَرِّكَ رِجْلَهُ فِي الْمَاءِ ، فَإِنَّهُ رُبَّمَا زَلَقَ الْمَاءُ عَنْ الْجَسَدِ فِي الشِّتَاءِ .\rقِيلَ لَهُ : مَنْ تَوَضَّأَ يُحَرِّكُ خَاتَمَهُ ؟ قَالَ : إنْ كَانَ ضَيِّقًا لَا بُدَّ أَنْ يُحَرِّكَهُ ، وَإِنْ كَانَ وَاسِعًا يَدْخُلُ فِيهِ الْمَاءُ أَجْزَأَهُ ، وَقَدْ رَوَى أَبُو رَافِعٍ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { كَانَ إذَا تَوَضَّأَ حَرَّكَ خَاتَمَهُ .\r} وَإِذَا شَكَّ فِي وُصُولِ الْمَاءِ إلَى مَا تَحْتَهُ وَجَبَ تَحْرِيكُهُ ؛ لِيَتَيَقَّنَ وُصُولَ الْمَاءِ إلَيْهِ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ وُصُولِهِ .\rوَإِنْ الْتَفَّ بَعْضُ أَصَابِعِهِ عَلَى","part":1,"page":184},{"id":184,"text":"بَعْضٍ وَكَانَ مُتَّصِلًا ، لَمْ يَجِبْ فَصْلُ إحْدَاهُمَا مِنْ الْأُخْرَى ؛ لِأَنَّهُمَا صَارَتَا كَأُصْبُعٍ وَاحِدَةٍ .\rوَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُلْتَصِقًا وَجَبَ إيصَالُ الْمَاءِ إلَى مَا بَيْنَهُمَا .","part":1,"page":185},{"id":185,"text":"( 141 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : وَغَسْلُ الْمَيَامِنِ قَبْلَ الْمَيَاسِرِ لَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ - فِيمَا عَلِمْنَا - فِي اسْتِحْبَابِ الْبُدَاءَةِ بِالْيُمْنَى ، وَمِمَّنْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْهُ أَهْلُ الْمَدِينَةِ ، وَأَهْلُ الْعِرَاقِ ، وَأَهْلُ الشَّامِ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا إعَادَةَ عَلَى مَنْ بَدَأَ بِيَسَارِهِ قَبْلَ يَمِينِهِ .\rوَأَصْلُ الِاسْتِحْبَابِ فِي ذَلِكَ مَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُعْجِبُهُ ذَلِكَ ، وَيَفْعَلُهُ ، فَرَوَتْ عَائِشَةُ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُحِبُّ التَّيَمُّنَ فِي تَنَعُّلِهِ وَتَرَجُّلِهِ وَطُهُورِهِ وَفِي شَأْنِهِ كُلِّهِ .\r} مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : { قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إذَا تَوَضَّأْتُمْ فَابْدَءُوا بِمَيَامِنِكُمْ } .\rرَوَاهُمَا ابْنُ مَاجَهْ .\rوَحَكَى عُثْمَانُ وَعَلِيٌّ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، { وُضُوءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَبَدَأَ بِالْيُمْنَى قَبْلَ الْيُسْرَى .\r} رَوَاهُمَا أَبُو دَاوُد .\rوَلَا يَجِبُ ذَلِكَ لِأَنَّ الْيَدَيْنِ بِمَنْزِلَةِ الْعُضْوِ الْوَاحِدِ ، وَكَذَا الرِّجْلَانِ ؛ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : { وَأَيْدِيَكُمْ ، وَأَرْجُلَكُمْ .\r} وَلَمْ يُفَصِّلْ ، وَالْفُقَهَاءُ يُسَمُّونَ أَعْضَاءَ الْوُضُوءِ أَرْبَعَةً ، يَجْعَلُونَ الْيَدَيْنِ عُضْوًا ، وَالرَّجُلَيْنِ عُضْوًا ، وَلَا يَجِبُ التَّرْتِيبُ فِي الْعُضْوِ الْوَاحِدِ .","part":1,"page":186},{"id":186,"text":"بَابُ فَرْضِ الطَّهَارَةِ ( 142 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : وَفَرْضُ الطَّهَارَةِ مَاءٌ طَاهِرٌ ، وَإِزَالَةُ الْحَدَثِ أَرَادَ بِالطَّاهِرِ : الطَّهُورَ .\rوَقَدْ ذَكَرْنَا فِيمَا مَضَى أَنَّ الطَّهَارَةَ لَا تَصِحُّ إلَّا بِالْمَاءِ الطَّهُورِ .\rوَعَنَى بِإِزَالَةِ الْحَدَثِ الِاسْتِنْجَاءَ بِالْمَاءِ أَوْ بِالْأَحْجَارِ ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَتَقَيَّدَ ذَلِكَ بِحَالَةِ وُجُودِ الْحَدَثِ ، كَمَا تَقَيَّدَ اشْتِرَاطُ الطَّهَارَةِ بِحَالَةِ وُجُودِهِ .\rوَسَمَّى هَذَيْنِ فَرْضَيْنِ لِأَنَّهُمَا مِنْ شَرَائِطِ الْوُضُوءِ ، وَشَرَائِطُ الشَّيْءِ وَاجِبَةٌ لَهُ ، وَالْوَاجِبُ هُوَ الْفَرْضُ وَفِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ .\rوَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ اشْتِرَاطُ الِاسْتِنْجَاءِ لِصِحَّةِ الْوُضُوءِ ، فَلَوْ تَوَضَّأَ قَبْلَ الِاسْتِنْجَاءِ لَمْ يَصِحَّ كَالتَّيَمُّمِ .\rوَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ : يَصِحُّ الْوُضُوءُ قَبْلَ الِاسْتِنْجَاءِ ، وَيَسْتَجْمِرُ بَعْدَ ذَلِكَ بِالْأَحْجَارِ ، أَوْ يَغْسِلُ فَرْجَهُ بِحَائِلٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ يَدَيْهِ وَلَا يَمَسُّ الْفَرْجَ .\rوَهَذِهِ الرِّوَايَةُ أَصَحُّ ، وَهِيَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ لِأَنَّهَا إزَالَةُ نَجَاسَةٍ ، فَلَمْ تُشْتَرَطْ لِصِحَّةِ الطَّهَارَةِ ، كَمَا لَوْ كَانَتْ عَلَى غَيْرِ الْفَرْجِ .\rفَأَمَّا التَّيَمُّمُ قَبْلَ الِاسْتِجْمَارِ ، فَقَالَ الْقَاضِي : لَا يَصِحُّ وَجْهًا وَاحِدًا ؛ لِأَنَّ التَّيَمُّمَ لَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ ، وَإِنَّمَا أُبِيحَ لِلصَّلَاةِ ، وَمَنْ عَلَيْهِ نَجَاسَةٌ يُمْكِنُهُ إزَالَتُهَا لَا تُبَاحُ لَهُ الصَّلَاةُ ، فَلَمْ تَصِحَّ نِيَّةُ الِاسْتِبَاحَةِ كَالتَّيَمُّمِ قَبْلَ الْوَقْتِ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : فِيهِ وَجْهٌ آخَرُ ، أَنَّهُ يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ التَّيَمُّمَ طَهَارَةٌ فَأَشْبَهَتْ طَهَارَةَ الْوُضُوءِ ، وَالْمَنْعُ مِنْ الْإِبَاحَةِ لِمَانِعٍ آخَرَ لَا يَقْدَحُ فِي صِحَّةِ التَّيَمُّمِ ، كَمَا لَوْ تَيَمَّمَ فِي مَوْضِعٍ نُهِيَ عَنْ الصَّلَاةِ فِيهِ ، أَوْ تَيَمَّمَ مَنْ عَلَى ثَوْبِهِ نَجَاسَةٌ أَوْ عَلَى بَدَنِهِ فِي غَيْرِ الْفَرْجِ .\rوَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ لَوْ كَانَتْ النَّجَاسَةُ عَلَى غَيْرِ الْفَرْجِ مِنْ بَدَنِهِ فَهُوَ كَمَا لَوْ كَانَتْ عَلَى الْفَرْجِ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ","part":1,"page":187},{"id":187,"text":"الْعِلَّةِ .\rوَالْأَشْبَهُ التَّفْرِيقُ بَيْنَهُمَا ، كَمَا لَوْ افْتَرَقَا فِي طَهَارَةِ الْمَاءِ ؛ وَلِأَنَّ نَجَاسَةَ الْفَرْجِ سَبَبُ وُجُوبِ التَّيَمُّمِ ، فَجَازَ أَنْ يَكُونَ بَقَاؤُهَا مَانِعًا مِنْهُ ، بِخِلَافِ سَائِرِ النَّجَاسَاتِ .","part":1,"page":188},{"id":188,"text":"( 143 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : وَالنِّيَّةُ لِلطَّهَارَةِ يَعْنِي نِيَّةَ الطَّهَارَةِ .\rوَالنِّيَّةُ : الْقَصْدُ ، يُقَالُ : نَوَاك : اللَّهُ بِخَيْرٍ .\rأَيْ قَصَدَك بِهِ .\rوَنَوَيْت السَّفَرَ .\rأَيْ : قَصَدْته ، وَعَزَمْت عَلَيْهِ .\rوَالنِّيَّةُ مِنْ شَرَائِطِ الطَّهَارَةِ لِلْأَحْدَاثِ كُلِّهَا ، لَا يَصِحُّ وُضُوءٌ وَلَا غُسْلٌ وَلَا تَيَمُّمٌ ، إلَّا بِهَا .\rرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ وَبِهِ قَالَ رَبِيعَةُ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَاللَّيْثُ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو عُبَيْدَةَ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَقَالَ الثَّوْرِيُّ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ : لَا تُشْتَرَطُ النِّيَّةُ فِي طَهَارَةِ الْمَاءِ ، وَإِنَّمَا تُشْتَرَطُ فِي التَّيَمُّمِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : { إذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ } الْآيَةَ ، ذَكَرَ الشَّرَائِطَ ، وَلَمْ يَذْكُرْ النِّيَّةَ ، وَلَوْ كَانَتْ شَرْطًا لَذَكَرَهَا ؛ وَلِأَنَّ مُقْتَضَى الْأَمْرِ حُصُولُ الْإِجْزَاءِ بِفِعْلِ الْمَأْمُورِ بِهِ ، فَتَقْضِي الْآيَةُ حُصُولَ الْإِجْزَاءِ بِمَا تَضَمَّنَتْهُ ؛ وَلِأَنَّهَا طَهَارَةٌ بِالْمَاءِ ، فَلَمْ تَفْتَقِرْ إلَى النِّيَّةِ كَغَسْلِ النَّجَاسَةِ .\rوَلَنَا : مَا رَوَى عُمَرُ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ { إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ، فَنَفَى أَنْ يَكُونَ لَهُ عَمَلٌ شَرْعِيٌّ بِدُونِ النِّيَّةِ ؛ وَلِأَنَّهَا طَهَارَةٌ عَنْ حَدَثٍ ، فَلَمْ تَصِحَّ بِغَيْرِ نِيَّةٍ ، وَالْآيَةُ حُجَّةٌ لَنَا ؛ فَإِنَّ قَوْلَهُ { : إذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ } .\rأَيْ : لِلصَّلَاةِ ، كَمَا يُقَالُ : إذَا لَقِيت الْأَمِيرَ فَتَرَجَّلْ .\rأَيْ : لَهُ وَإِذَا رَأَيْت الْأَسَدَ فَاحْذَرْ .\rأَيْ : مِنْهُ ، وَقَوْلُهُمْ : ذَكَرَ كُلَّ الشَّرَائِطِ .\rقُلْنَا : إنَّمَا ذَكَرَ أَرْكَانَ الْوُضُوءِ ، وَبَيَّنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَرْطَهُ كَآيَةِ التَّيَمُّمِ .\rوَقَوْلُهُمْ : مُقْتَضَى الْأَمْرِ حُصُولُ الْإِجْزَاءِ .\rقُلْنَا : بَلْ مُقْتَضَاهُ وُجُوبُ الْفِعْلِ ، وَهُوَ وَاجِبٌ .\rفَاشْتُرِطَ لِصِحَّتِهِ شَرْطٌ آخَرُ ، بِدَلِيلِ","part":1,"page":189},{"id":189,"text":"التَّيَمُّمِ وَقَوْلُهُمْ : إنَّهَا طَهَارَةٌ .\rقُلْنَا : إلَّا أَنَّهَا عِبَادَةٌ ، وَالْعِبَادَةُ لَا تَكُونُ إلَّا مَنْوِيَّةً ؛ لِأَنَّهَا قُرْبَةٌ إلَى اللَّهِ تَعَالَى ، وَطَاعَةٌ لَهُ ، وَامْتِثَالٌ لِأَمْرِهِ ، وَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ بِغَيْرِ نِيَّةٍ .","part":1,"page":190},{"id":190,"text":"( 144 ) فَصْلٌ : وَمَحَلُّ النِّيَّةِ الْقَلْبُ ؛ إذْ هِيَ عِبَارَةٌ عَنْ الْقَصْدِ ، وَمَحَلُّ الْقَصْدِ الْقَلْبُ ، فَمَتَى اعْتَقَدَ بِقَلْبِهِ أَجْزَأَهُ ، وَإِنْ لَمْ يَلْفِظْ بِلِسَانِهِ وَإِنْ لَمْ تَخْطِرْ النِّيَّةُ بِقَلْبِهِ لَمْ يُجْزِهِ .\rوَلَوْ سَبَقَ لِسَانُهُ إلَى غَيْرِ مَا اعْتَقَدَهُ لَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ صِحَّةَ مَا اعْتَقَدَهُ بِقَلْبِهِ .","part":1,"page":191},{"id":191,"text":"( 145 ) فَصْلٌ : وَصِفَتُهَا أَنْ يَقْصِدَ بِطَهَارَتِهِ اسْتِبَاحَةَ شَيْءٍ لَا يُسْتَبَاحُ إلَّا بِهَا ، كَالصَّلَاةِ وَالطَّوَافِ وَمَسِّ الْمُصْحَفِ ، وَيَنْوِي رَفْعَ الْحَدَثِ ، وَمَعْنَاهُ إزَالَةُ الْمَانِعِ مِنْ كُلِّ فِعْلٍ يَفْتَقِرُ إلَى الطَّهَارَةِ .\rوَهَذَا قَوْلُ مَنْ وَافَقَنَا عَلَى اشْتِرَاطِ النِّيَّةِ ، لَا نَعْلَمُ بَيْنَهُمْ فِيهِ اخْتِلَافًا .\rفَإِنْ نَوَى بِالطَّهَارَةِ مَا لَا تُشْرَعُ لَهُ الطَّهَارَةُ ؛ كَالتَّبَرُّدِ وَالْأَكْلِ وَالْبَيْعِ وَالنِّكَاحِ وَنَحْوِهِ ، وَلَمْ يَنْوِ الطَّهَارَةَ الشَّرْعِيَّةَ ، لَمْ يَرْتَفِعْ حَدَثُهُ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْوِ الطَّهَارَةَ ، وَلَا مَا يَتَضَمَّنُ نِيَّتَهَا ، فَلَمْ يَحْصُلْ لَهُ شَيْءٌ ، كَاَلَّذِي لَمْ يَقْصِدْ شَيْئًا .\rوَإِنْ نَوَى تَجْدِيدَ الطَّهَارَةِ ، فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ كَانَ مُحْدِثًا ، فَهَلْ تَصِحُّ طَهَارَتُهُ ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ : إحْدَاهُمَا تَصِحُّ ؛ لِأَنَّهُ طَهَارَةٌ شَرْعِيَّةٌ ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَحْصُلَ لَهُ مَا نَوَاهُ ، وَلِلْخَبَرِ ، وَقِيَاسًا عَلَى مَا لَوْ نَوَى رَفْعَ الْحَدَثِ .\rوَالثَّانِيَةُ لَا تَصِحُّ طَهَارَتُهُ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْوِ رَفْعَ الْحَدَثِ وَلَا مَا تَضَمَّنَهُ ، أَشْبَهَ مَا لَوْ نَوَى التَّبَرُّدَ .\rوَإِنْ نَوَى مَا تُشْرَعُ لَهُ الطَّهَارَةُ وَلَا تُشْتَرَطُ ، كَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَالْأَذَانِ وَالنَّوْمِ ، فَهَلْ يَرْتَفِعُ حَدَثُهُ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ : أَصْلُهُمَا ، إذَا نَوَى تَجْدِيدَ الْوُضُوءِ وَهُوَ مُحْدِثٌ ، وَالْأَوْلَى صِحَّةُ طَهَارَتِهِ ؛ لِأَنَّهُ نَوَى شَيْئًا مِنْ ضَرُورَةِ صِحَّةِ الطَّهَارَةِ ، وَهُوَ الْفَضِيلَةُ الْحَاصِلَةُ لِمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ وَهُوَ عَلَى طَهَارَةٍ ، فَصَحَّتْ طَهَارَتُهُ ، كَمَا لَوْ نَوَى بِهَا مَا لَا يُبَاحُ إلَّا بِهَا ؛ وَلِأَنَّهُ نَوَى طَهَارَةً شَرْعِيَّةً ، فَصَحَّتْ لِلْخَبَرِ .\rفَإِنْ قِيلَ : يَبْطُلُ هَذَا بِمَا لَوْ نَوَى بِطَهَارَتِهِ مَا لَا تُشْرَعُ لَهُ الطَّهَارَةُ .\rقُلْنَا : إنْ نَوَى طَهَارَةً شَرْعِيَّةً ، مِثْلُ إنْ قَصَدَ أَنْ يَأْكُلَ وَهُوَ مُتَطَهِّرٌ طَهَارَةً شَرْعِيَّةً ، أَوْ قَصَدَ أَنْ لَا يَزَالَ عَلَى وُضُوءٍ ، فَهُوَ كَمَسْأَلَتِنَا ، وَتَصِحُّ طَهَارَتُهُ .","part":1,"page":192},{"id":192,"text":"وَإِنْ قَصَدَ بِذَلِكَ نَظَافَةَ أَعْضَائِهِ مِنْ وَسَخٍ أَوْ طِينٍ أَوْ غَيْرِهِ ، لَمْ تَصِحَّ طَهَارَتُهُ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْهَا ، وَإِنْ نَوَى وُضُوءًا مُطْلَقًا أَوْ طَهَارَةً ، فَفِيهِ وَجْهَانِ : أَصَحُّهُمَا صِحَّتُهُ ؛ لِأَنَّ الْوُضُوءَ وَالطَّهَارَةَ إنَّمَا يَنْصَرِفُ إطْلَاقُهُمَا إلَى الْمَشْرُوعِ ، فَيَكُونُ نَاوِيًا لَوُضُوءٍ شَرْعِيٍّ .\rوَالْوَجْهُ الثَّانِي : لَا تَصِحُّ طَهَارَتُهُ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ كُلِّهَا ؛ لِأَنَّهُ قَصَدَ مَا يُبَاحُ بِدُونِ الطَّهَارَةِ ، أَشْبَهَ قَاصِدَ الْأَكْلِ ، وَالطَّهَارَةُ تَنْقَسِمُ إلَى مَا هُوَ مَشْرُوعٌ وَإِلَى غَيْرِهِ ، فَلَمْ تَصِحَّ مَعَ التَّرَدُّدِ .\rوَإِنْ نَوَى بِطَهَارَتِهِ رَفْعَ الْحَدَثِ وَتَبْرِيدَ أَعْضَائِهِ ، صَحَّتْ طَهَارَتُهُ ؛ لِأَنَّ التَّبْرِيدَ يَحْصُلُ بِدُونِ النِّيَّةِ ، فَلَمْ يُؤَثِّرْ هَذَا الِاشْتِرَاكُ ، كَمَا لَوْ قَصَدَ بِالصَّلَاةِ الطَّاعَةَ وَالْخَلَاصَ مِنْ خَصْمِهِ .\rوَإِنْ قَصَدَ الْجُنُبُ بِالْغُسْلِ اللُّبْثَ فِي الْمَسْجِدِ ارْتَفَعَ حَدَثُهُ ؛ لِأَنَّهُ شَرْطٌ لِذَلِكَ .","part":1,"page":193},{"id":193,"text":"( 146 ) فَصْلٌ وَيَجِبُ تَقْدِيمُ النِّيَّةِ عَلَى الطَّهَارَةِ كُلِّهَا ؛ لِأَنَّهَا شَرْطٌ لَهَا ، فَيُعْتَبَرُ وُجُودُهَا فِي جَمِيعِهَا ، فَإِنْ وُجِدَ شَيْءٌ مِنْ وَاجِبَاتِ الطَّهَارَةِ قَبْلَ النِّيَّةِ لَمْ يُعْتَدُّ بِهِ .\rوَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَنْوِيَ قَبْلَ غَسْلِ كَفَّيْهِ ، لِتَشْمَلَ النِّيَّةُ مَسْنُونَ الطَّهَارَةِ وَمَفْرُوضَهَا .\rفَإِنْ غَسَلَ كَفَّيْهِ قَبْلَ النِّيَّةِ كَانَ كَمَنْ لَمْ يَغْسِلْهُمَا .\rوَيَجُوزُ تَقْدِيمُ النِّيَّةِ عَلَى الطَّهَارَةِ بِالزَّمَنِ الْيَسِيرِ ، كَقَوْلِنَا فِي الصَّلَاةِ ، وَإِنْ طَالَ الْفَصْلُ لَمْ يُجْزِهِ ذَلِكَ .\rوَيُسْتَحَبُّ اسْتِصْحَابُ ذِكْرِ النِّيَّةِ إلَى آخِرِ طَهَارَتِهِ ؛ لِتَكُونَ أَفْعَالُهُ مُقْتَرِنَةً بِالنِّيَّةِ ، فَإِنْ اسْتَصْحَبَ حُكْمَهَا أَجْزَأَهُ .\rوَمَعْنَاهُ : أَنْ لَا يَنْوِيَ قَطْعَهَا .\rوَإِنْ عَزَبَتْ عَنْ خَاطِرِهِ ، وَذَهَلَ عَنْهَا ، لَمْ يُؤَثِّرْ ذَلِكَ فِي قَطْعِهَا ؛ لِأَنَّ مَا اُشْتُرِطَتْ لَهُ النِّيَّةُ لَا يَبْطُلُ بِعُزُوبِهَا ، وَالذُّهُولِ عَنْهَا ، كَالصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ .\rوَإِنْ قَطَعَ نِيَّتَهُ فِي أَثْنَائِهَا مِثْلُ أَنْ يَنْوِيَ أَنْ لَا يُتِمَّ طَهَارَتَهُ ، أَوْ إنْ نَوَى جَعْلَ الْغُسْلِ لِغَيْرِ الطَّهَارَةِ ، لَمْ يَبْطُلْ مَا مَضَى مِنْ طَهَارَتِهِ ؛ لِأَنَّهُ وَقَعَ صَحِيحًا ، فَلَمْ يَبْطُلْ بِقَطْعِ النِّيَّةِ بَعْدَهُ ، كَمَا لَوْ نَوَى قَطْعَ النِّيَّةِ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الْوُضُوءِ ، وَمَا أَتَى بِهِ مِنْ الْغُسْلِ بَعْدَ قَطْعِ النِّيَّةِ لَمْ يُعْتَدَّ بِهِ ؛ لِأَنَّهُ وُجِدَ بِغَيْرِ شَرْطِهِ .\rفَإِنْ أَعَادَ غُسْلَهُ بِنِيَّةٍ قَبْلَ طُولِ الْفَصْلِ ، صَحَّتْ طَهَارَتُهُ ؛ لِوُجُودِ أَفْعَالِ الطَّهَارَةِ كُلِّهَا مَنْوِيَّةً مُتَوَالِيَةً .\rوَإِنْ طَالَ الْفَصْلُ ، انْبَنَى ذَلِكَ عَلَى وُجُوبِ الْمُوَالَاةِ فِي الْوُضُوءِ ، فَإِنْ قُلْنَا : هِيَ وَاجِبَةٌ .\rبَطَلَتْ طَهَارَتُهُ ؛ لِفَوَاتِهَا ، وَإِنْ قُلْنَا : هِيَ غَيْرُ وَاجِبَةٍ أَتَمَّهَا .","part":1,"page":194},{"id":194,"text":"( 147 ) فَصْلٌ وَإِنْ شَكَّ فِي النِّيَّةِ فِي أَثْنَاءِ الطَّهَارَةِ لَزِمَهُ اسْتِئْنَافُهَا ؛ لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ شَكَّ فِي شَرْطِهَا وَهُوَ فِيهَا ، فَلَمْ تَصِحَّ كَالصَّلَاةِ ، إلَّا أَنَّ النِّيَّةَ إنَّمَا هِيَ الْقَصْدُ ، وَلَا يُعْتَبَرُ مُقَارَنَتُهَا ، فَمَهْمَا عَلِمَ أَنَّهُ جَاءَ لِيَتَوَضَّأَ وَأَرَادَ فِعْلَ الْوُضُوءِ مُقَارِنًا لَهُ أَوْ سَابِقًا عَلَيْهِ قَرِيبًا مِنْهُ فَقَدْ وُجِدَتْ النِّيَّةُ ، وَإِنْ شَكَّ فِي وُجُودِ ذَلِكَ فِي أَثْنَاءِ الطَّهَارَةِ لَمْ يَصِحَّ مَا فَعَلَهُ مِنْهَا ، وَهَكَذَا إنْ شَكَّ فِي غَسْلِ عُضْوٍ أَوْ مَسْحِ رَأْسِهِ ، كَانَ حُكْمُهُ حُكْمَ مَنْ لَمْ يَأْتِ بِهِ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ وَهْمًا كَالْوَسْوَاسِ ، فَلَا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ .\rوَإِنْ شَكَّ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ الطَّهَارَةِ لَمْ يُلْتَفَتْ إلَى شَكِّهِ ؛ لِأَنَّهُ شَكَّ فِي الْعِبَادَةِ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْهَا ، أَشْبَهَ الشَّكَّ فِي شَرْطِ الصَّلَاةِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَبْطُلَ الطَّهَارَةُ ؛ لِأَنَّ حُكْمَهَا بَاقٍ ، بِدَلِيلِ بُطْلَانِهَا بِمُبْطِلَاتِهَا ، بِخِلَافِ الصَّلَاةِ .\rوَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ مَحْكُومًا ؛ بِصِحَّتِهَا قَبْلَ شَكِّهِ ، فَلَا يَزُولُ ذَلِكَ بِالشَّكِّ ، كَمَا لَوْ شَكَّ فِي وُجُودِ الْحَدَثِ الْمُبْطِلِ .","part":1,"page":195},{"id":195,"text":"( 148 ) فَصْلٌ وَإِذَا وَضَّأَهُ غَيْرُهُ اُعْتُبِرَتْ النِّيَّةُ مِنْ الْمُتَوَضِّئِ دُونَ الْمُوَضِّئِ ؛ لِأَنَّ الْمُتَوَضِّئَ هُوَ الْمُخَاطَبُ بِالْوُضُوءِ ، وَالْوُضُوءُ يَحْصُلُ لَهُ بِخِلَافِ الْمُوَضِّئِ ، فَإِنَّهُ آلَةٌ لَا يُخَاطَبُ بِهِ ، وَلَا يَحْصُلُ لَهُ فَأَشْبَهَ الْإِنَاءَ أَوْ حَامِلَ الْمَاءِ إلَيْهِ .","part":1,"page":196},{"id":196,"text":"( 149 ) فَصْلٌ وَإِذَا تَوَضَّأَ وَصَلَّى الظُّهْرَ ، ثُمَّ أَحْدَثَ وَتَوَضَّأَ وَصَلَّى الْعَصْرَ ، ثُمَّ عَلِمَ أَنَّهُ تَرَكَ مَسْحَ رَأْسِهِ ، أَوْ وَاجِبًا فِي الطَّهَارَةِ فِي أَحَدِ الْوُضُوءَيْنِ ، لَزِمَهُ إعَادَةُ الْوُضُوءِ وَالصَّلَاتَيْنِ مَعًا ؛ لِأَنَّهُ تَيَقَّنَ بُطْلَانَ أَحَدِ الصَّلَاتَيْنِ لَا بِعَيْنِهَا .\rوَكَذَا لَوْ تَرَكَ وَاجِبًا فِي وُضُوءِ إحْدَى الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَلَمْ يَعْلَمْ عَيْنَهُ ، لَزِمَهُ إعَادَةُ الْوُضُوءِ وَالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ ؛ لِأَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ عَلَيْهِ صَلَاةً مِنْ خَمْسٍ لَا يَعْلَمُ عَيْنَهَا ، فَلَزِمَتْهُ ، كَمَا لَوْ نَسِيَ صَلَاةً فِي يَوْمٍ لَا يَعْلَمُ عَيْنَهَا ، وَإِنْ كَانَ الْوُضُوءُ تَجْدِيدًا لَا عَنْ حَدَثٍ ، وَقُلْنَا إنَّ التَّجْدِيدَ لَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ ، فَكَذَلِكَ ؛ لِأَنَّ وُجُودَهُ كَعَدَمِهِ ، وَإِنْ قُلْنَا : يَرْفَعُ الْحَدَثَ لَمْ يَلْزَمْهُ إلَّا الْأُولَى ؛ لِأَنَّ الطَّهَارَةَ الْأُولَى إنْ كَانَتْ صَحِيحَةً فَصَلَاتُهُ كُلُّهَا صَحِيحَةٌ ؛ لِأَنَّهَا بَاقِيَةٌ لَمْ تَبْطُلْ بِالتَّجْدِيدِ ، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ صَحِيحَةٍ فَقَدْ ارْتَفَعَ الْحَدَثُ بِالتَّجْدِيدِ .","part":1,"page":197},{"id":197,"text":"( 150 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : وَغَسْلُ الْوَجْهِ ، وَهُوَ مِنْ مَنَابِتِ شَعْرِ الرَّأْسِ إلَى مَا انْحَدَرَ مِنْ اللَّحْيَيْنِ وَالذَّقَنِ وَإِلَى أُصُولِ الْأُذُنَيْنِ ، وَيَتَعَاهَدُ الْمِفْصَلَ ، وَهُوَ مَا بَيْنَ اللِّحْيَةِ وَالْأُذُنِ .\rغَسْلُ الْوَجْهِ وَاجِبٌ بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ ، وَقَوْلُهُ : مِنْ مَنَابِتِ شَعْرِ الرَّأْسِ ، أَيْ فِي غَالِبِ النَّاسِ ، وَلَا يُعْتَبَرُ كُلُّ وَاحِدٍ بِنَفْسِهِ ، بَلْ لَوْ كَانَ أَجْلَحَ يَنْحَسِرُ شَعْرُهُ عَنْ مُقَدَّمِ رَأْسِهِ ، غَسَلَ إلَى حَدِّ مَنَابِتِ الشَّعْرِ فِي الْغَالِبِ ، وَالْأَفْرَعُ الَّذِي يَنْزِلُ شَعْرُهُ إلَى الْوَجْهِ ، يَجِبُ عَلَيْهِ غَسْلُ الشَّعْرِ الَّذِي يَنْزِلُ عَنْ حَدِّ الْغَالِبِ .\rوَذَهَبَ الزُّهْرِيُّ إلَى أَنَّ الْأُذُنَيْنِ مِنْ الْوَجْهِ يُغْسَلَانِ مَعَهُ ؛ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { سَجَدَ وَجْهِي لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُ وَصَوَّرَهُ وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ .\r} أَضَافَ السَّمْعَ إلَيْهِ كَمَا أَضَافَ الْبَصَرَ .\rوَقَالَ مَالِكٌ مَا بَيْنَ اللِّحْيَةِ وَالْأُذُنِ لَيْسَ مِنْ الْوَجْهِ وَلَا يَجِبُ غَسْلُهُ ؛ لِأَنَّ الْوَجْهَ مَا تَحْصُلُ بِهِ الْمُوَاجَهَةُ ، وَهَذَا لَا يُوَاجَهُ بِهِ .\rقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ لَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ قَالَ بِقَوْلِ مَالِكٍ هَذَا .\rوَلَنَا عَلَى الزُّهْرِيِّ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الْأُذُنَانِ مِنْ الرَّأْسِ } .\rوَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَالرُّبَيِّعِ ، وَالْمِقْدَامِ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَسَحَ أُذُنَيْهِ مَعَ رَأْسِهِ .\r} وَقَدْ ذَكَرْنَاهُمَا .\rوَلَمْ يَحْكِ أَحَدٌ أَنَّهُ غَسَلَهُمَا مَعَ الْوَجْهِ ، وَإِنَّمَا أَضَافَهُمَا إلَى الْوَجْهِ لِمُجَاوَرَتِهِمَا لَهُ ، وَالشَّيْءُ يُسَمَّى بِاسْمِ مَا جَاوَرَهُ .\rوَلَنَا عَلَى مَالِكٍ أَنَّ هَذَا مِنْ الْوَجْهِ فِي حَقِّ مَنْ لَا لِحْيَةَ لَهُ ، فَكَانَ مِنْهُ فِي حَقِّ مَنْ لَهُ لِحْيَةٌ كَسَائِرِ الْوَجْهِ .\rوَقَوْلُهُ : إنَّ الْوَجْهَ مَا يَحْصُلُ بِهِ الْمُوَاجَهَةُ .\rقُلْنَا : وَهَذَا يَحْصُلُ بِهِ الْمُوَاجَهَةُ فِي الْغُلَامِ .\rوَيُسْتَحَبُّ تَعَاهُدُ هَذَا الْمَوْضِعِ","part":1,"page":198},{"id":198,"text":"بِالْغَسْلِ ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا يَغْفُلُ النَّاسُ عَنْهُ ، قَالَ الْمَرُّوذِيُّ : أَرَانِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مَا بَيْنَ أُذُنِهِ وَصُدْغِهِ ، وَقَالَ : هَذَا مَوْضِعٌ يَنْبَغِي أَنْ يُتَعَاهَدَ .\rوَهَذَا الْمَوْضِعُ مِفْصَلُ اللَّحْيِ مِنْ الْوَجْهِ ، فَلِذَلِكَ سَمَّاهُ الْخِرَقِيِّ مِفْصَلًا .","part":1,"page":199},{"id":199,"text":"( 151 ) فَصْلٌ وَيَدْخُلُ فِي الْوَجْهِ الْعِذَارُ ، وَهُوَ الشَّعْرُ الَّذِي عَلَى الْعَظْمِ النَّاتِئِ الَّذِي هُوَ سَمْتُ صِمَاخِ الْأُذُنِ ، وَمَا انْحَطَّ عَنْهُ إلَى وَتَدِ الْأُذُنِ .\rوَالْعَارِضُ : وَهُوَ مَا نَزَلَ عَنْ حَدِّ الْعِذَارِ ، وَهُوَ الشَّعْرُ الَّذِي عَلَى اللَّحْيَيْنِ .\rقَالَ الْأَصْمَعِيُّ وَالْمُفَضَّلُ بْنُ سَلَمَةَ : مَا جَاوَزَ وَتَدَ الْأُذُنِ عَارِضٌ .\rوَالذَّقَنُ : مَجْمَعُ اللَّحْيَيْنِ .\rفَهَذِهِ الشُّعُورُ الثَّلَاثَةُ مِنْ الْوَجْهِ يَجِبُ غَسْلُهَا مَعَهُ .\rوَكَذَلِكَ الشُّعُورُ الْأَرْبَعَةُ ، وَهِيَ الْحَاجِبَانِ ، وَأَهْدَابُ الْعَيْنَيْنِ ، وَالْعَنْفَقَةُ ، وَالشَّارِبُ .\rفَأَمَّا الصُّدْغُ ، وَهُوَ الشَّعْرُ الَّذِي بَعْدُ انْتِهَاءِ الْعِذَارِ ، وَهُوَ مَا يُحَاذِي رَأْسَ الْأُذُنِ وَيَنْزِلُ عَنْ رَأْسِهَا قَلِيلًا ، وَالنَّزْعَتَانِ ، وَهُمَا مَا انْحَسَرَ عَنْهُ الشَّعْرُ مِنْ الرَّأْسِ مُتَصَاعِدًا فِي جَانِبَيْ الرَّأْسِ ، فَهُمَا مِنْ الرَّأْسِ .\rوَذَكَرَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا فِي الصُّدْغِ وَجْهًا آخَرَ ، أَنَّهُ مِنْ الْوَجْهِ ؛ لِأَنَّهُ مُتَّصِلٌ بِالْعِذَارِ ، أَشْبَهَ الْعَارِضَ ، وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ ؛ فَإِنَّ الرُّبَيِّعَ بِنْتَ مُعَوِّذٍ قَالَتْ : { رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَوَضَّأَ فَمَسَحَ رَأْسَهُ ، وَمَسَحَ مَا أَقْبَلَ مِنْهُ وَمَا أَدْبَرَ ، وَصُدْغَيْهِ وَأُذُنَيْهِ ، مَرَّةً وَاحِدَةً .\r} فَمَسَحَهُ مَعَ الرَّأْسِ ، وَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُ غَسَلَهُ مَعَ الْوَجْهِ ؛ وَلِأَنَّهُ شَعْرٌ مُتَّصِلٌ بِشَعْرِ الرَّأْسِ لَا يَخْتَصُّ الْكَبِيرَ ، فَكَانَ مِنْ الرَّأْسِ ، كَسَائِرِ نَوَاحِيهِ ، وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ الْقِيَاسِ طَرْدِيٌّ لَا مَعْنَى تَحْتَهُ ، وَلَيْسَ هُوَ أَوْلَى مِنْ قِيَاسِنَا .\rفَأَمَّا التَّحْذِيفُ ، وَهُوَ الشَّعْرُ الدَّاخِلُ فِي الْوَجْهِ مَا بَيْنَ انْتِهَاءِ الْعِذَارِ وَالنَّزْعَةِ ، فَهُوَ مِنْ الْوَجْهِ .\rذَكَرَهُ ابْنُ حَامِدٍ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ مِنْ الرَّأْسِ ؛ لِأَنَّهُ شَعْرٌ مُتَّصِلٌ بِهِ ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ؛ لِأَنَّ مَحَلَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَعْرٌ لَكَانَ مِنْ الْوَجْهِ ، فَكَذَلِكَ إذَا كَانَ عَلَيْهِ شَعْرٌ ، كَسَائِرِ","part":1,"page":200},{"id":200,"text":"الْوَجْهِ .\r( 152 ) فَصْلٌ : وَهَذِهِ الشُّعُورُ كُلُّهَا إنْ كَانَتْ كَثِيفَةً لَا تَصِفُ الْبَشَرَةَ ، أَجْزَأَهُ غَسْلُ ظَاهِرِهَا .\rوَإِنْ كَانَتْ تَصِفُ الْبَشَرَةَ ، وَجَبَ غَسْلُهَا مَعَهُ .\rوَإِنْ كَانَ بَعْضُهَا كَثِيفًا وَبَعْضُهَا خَفِيفًا ، وَجَبَ غَسْلُ بَشَرَةِ الْخَفِيفِ مَعَهُ وَظَاهِرِ الْكَثِيفِ .\rأَوْمَأَ إلَيْهِ أَحْمَدُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى .\rوَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ ذَكَرَ فِي الشَّارِبِ ، وَالْعَنْفَقَةِ ، وَالْحَاجِبَيْنِ ، وَأَهْدَابِ الْعَيْنَيْنِ ، وَلِحْيَةِ الْمَرْأَةِ ، وَجْهًا آخَرَ فِي وُجُوبِ غَسْلِ بَاطِنِهَا ، وَإِنْ كَانَتْ كَثِيفَةً ؛ لِأَنَّهَا لَا تَسْتُرُ مَا تَحْتَهَا عَادَةً ، وَإِنْ وُجِدَ ذَلِكَ كَانَ نَادِرًا ، فَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حُكْمٌ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَلَنَا أَنَّهُ شَعْرٌ سَاتِرٌ لِمَا تَحْتَهُ ، أَشْبَهَ لِحْيَةَ الرَّجُلِ ، وَدَعْوَى النُّدْرَةِ فِي الْحَاجِبَيْنِ وَالشَّارِبِ وَالْعَنْفَقَةِ ، غَيْرُ مُسَلَّمٍ ، بَلْ الْعَادَةُ ذَلِكَ .\r( 153 ) فَصْلٌ : وَمَتَى غَسَلَ هَذِهِ الشُّعُورَ ، ثُمَّ زَالَتْ عَنْهُ ، أَوْ انْقَلَعَتْ جِلْدَةٌ مِنْ يَدَيْهِ ، أَوْ قَصَّ ظُفْرَهُ أَوْ انْقَلَعَ ، لَمْ يُؤَثِّرْ فِي طَهَارَتِهِ .\rقَالَ يُونُسُ بْنُ عُبَيْدٍ مَا زَادَهُ ذَلِكَ إلَّا طَهَارَةً .\rوَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rوَحُكِيَ عَنْ ابْنِ جَرِيرٍ أَنَّ ظُهُورَ بَشَرَةِ الْوَجْهِ بَعْدَ غَسْلِ شَعْرِهِ يُوجِبُ غَسْلَهَا ، قِيَاسًا عَلَى ظُهُورِ قَدَمِ الْمَاسِحِ عَلَى الْخُفِّ ، وَلَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ الْفَرْضَ انْتَقَلَ إلَى الشَّعْرِ أَصْلًا ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ غَسَلَ الْبَشَرَةَ دُونَ الشَّعْرِ ، لَمْ يُجْزِهِ ، بِخِلَافِ الْخُفَّيْنِ فَإِنَّهُمَا بَدَلٌ يُجْزِئُ غَسْلُ الرِّجْلَيْنِ دُونَهُمَا .","part":1,"page":201},{"id":201,"text":"( 154 ) فَصْلٌ وَيَجِبُ غَسْلُ مَا اسْتَرْسَلَ مِنْ اللِّحْيَةِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ : لَا يَجِبُ غَسْلُ مَا نَزَلَ مِنْهَا عَنْ حَدِّ الْوَجْهِ طُولًا وَعَرْضًا ؛ لِأَنَّهُ شَعْرٌ خَارِجٌ عَنْ مَحَلِّ الْفَرْضِ ، فَأَشْبَهَ مَا نَزَلَ مِنْ شَعْرِ الرَّأْسِ عَنْهُ .\rوَرُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَا يَجِبُ غَسْلُ اللِّحْيَةِ الْكَثِيفَةِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إنَّمَا أَمَرَ بِغَسْلِ الْوَجْهِ ، وَهُوَ اسْمٌ لِلْبَشَرَةِ الَّتِي تَحْصُلُ بِهَا الْمُوَاجَهَةُ ، وَالشَّعْرُ لَيْسَ بِبَشَرَةٍ ، وَمَا تَحْتَهُ لَا تَحْصُلُ بِهِ الْمُوَاجَهَةُ .\rوَقَدْ قَالَ الْخَلَّالُ الَّذِي ثَبَتَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ فِي اللِّحْيَةِ أَنَّهُ لَا يَغْسِلُهَا وَلَيْسَتْ مِنْ الْوَجْهِ أَلْبَتَّةَ .\rقَالَ : وَرَوَى بَكْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : سَأَلْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ أَيُّمَا أَعْجَبُ إلَيْك غَسْلُ اللِّحْيَةِ أَوْ التَّخْلِيلُ ؟ فَقَالَ : غَسْلُهَا لَيْسَ مِنْ السُّنَّةِ ، وَإِنْ لَمْ يُخَلِّلْ أَجْزَأْهُ .\rوَهَذَا ظَاهِرٌ مِثْلُ مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي ذُكِرَتْ عَنْهُ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ مَا خَرَجَ عَنْ حَدِّ الْوَجْهِ مِنْهَا ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ ، وَالْمَشْهُورُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ عَلَيْهِ غَسْلَ الرُّبْعِ مِنْ اللِّحْيَةِ ، بِنَاءً عَلَى أَصْلِهِ فِي مَسْحِ الرَّأْسِ .\rوَظَاهِرُ مَذْهَبِ أَحْمَدَ الَّذِي عَلَيْهِ أَصْحَابُهُ ، وُجُوبُ غَسْلِ اللِّحْيَةِ كُلِّهَا مِمَّا هُوَ نَابِتٌ فِي مَحَلِّ الْفَرْضِ ، سَوَاءٌ حَاذَى مَحَلَّ الْفَرْضِ أَوْ تَجَاوَزَهُ ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ .\rوَقَوْلُ أَحْمَدَ فِي نَفْيِ الْغَسْلِ ، أَرَادَ بِهِ غَسْلَ بَاطِنِهَا ، أَيْ غَسْلُ بَاطِنِهَا لَيْسَ مِنْ السُّنَّةِ ، وَقَدْ رُوِيَ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى رَجُلًا قَدْ غَطَّى لِحْيَتَهُ فِي الصَّلَاةِ ، فَقَالَ : اكْشِفْ وَجْهَكَ ؛ فَإِنَّ اللِّحْيَةَ مِنْ الْوَجْهِ } ؛ وَلِأَنَّهُ نَابِتٌ فِي مَحَلِّ الْفَرْضِ يَدْخُلُ فِي اسْمِهِ ظَاهِرًا ، فَأَشْبَهَ الْيَدَ الزَّائِدَةَ ؛","part":1,"page":202},{"id":202,"text":"وَلِأَنَّهُ يُوَاجَهُ بِهِ ، فَيَدْخُلُ فِي اسْمِ الْوَجْهِ ، وَيُفَارِقُ شَعْرَ الرَّأْسِ ، فَإِنَّ النَّازِلَ عَنْهُ لَا يَدْخُلُ فِي اسْمِهِ ، وَالْخُفُّ لَا يَجِبُ مَسْحُ جَمِيعِهِ ، بِخِلَافِ مَا نَحْنُ فِيهِ .","part":1,"page":203},{"id":203,"text":"( 155 ) فَصْلٌ : يُسْتَحَبُّ أَنْ يَزِيدَ فِي مَاءِ الْوَجْهِ ؛ لِأَنَّ فِيهِ غُضُونًا وَشُعُورًا وَدَوَاخِلَ وَخَوَارِجَ ، لِيَصِلَ الْمَاءُ إلَى جَمِيعِهِ ، وَقَدْ رَوَى عَلِيٌّ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ { فِي صِفَةِ وُضُوءِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَيْهِ فِي الْإِنَاءِ جَمِيعًا ، فَأَخَذَ بِهِمَا حَفْنَةً مِنْ مَاءٍ فَضَرَبَ بِهِمَا عَلَى وَجْهِهِ ، ثُمَّ الثَّانِيَةَ ، ثُمَّ الثَّالِثَةَ مِثْلُ ذَلِكَ ، ثُمَّ أَخَذَ بِكَفِّهِ الْيُمْنَى قَبْضَةً مِنْ مَاءٍ فَتَرَكَهَا تَسْتَنُّ عَلَى وَجْهِهِ .\r} رَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَقَوْلُهُ : ( تَسْتَنُّ ) أَيْ : تَسِيلُ وَتَنْصَبُّ .\rقَالَ أَحْمَدُ رَحِمَهُ اللَّهُ : يُؤْخَذُ لِلْوَجْهِ أَكْثَرُ مِمَّا يُؤْخَذُ لِعُضْوٍ مِنْ الْأَعْضَاءِ .\rوَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَكَمِ : كَرِهَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ أَنْ يَأْخُذَ الْمَاءَ ، ثُمَّ يَصُبَّهُ ، ثُمَّ يَغْسِلَ وَجْهَهُ ، وَقَالَ : هَذَا مَسْحٌ ، وَلَكِنَّهُ يَغْسِلُ غَسْلًا .\rوَرَوَى أَبُو دَاوُد .\rعَنْ أَنَسٍ ، { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إذَا تَوَضَّأَ أَخَذَ كَفًّا مِنْ مَاءٍ فَأَدْخَلَهُ تَحْتَ حَنَكِهِ ، وَقَالَ : هَكَذَا أَمَرَنِي رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ .\r}","part":1,"page":204},{"id":204,"text":"( 156 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : وَالْفَمُ وَالْأَنْفُ مِنْ الْوَجْهِ .\rيَعْنِي أَنَّ الْمَضْمَضَةَ وَالِاسْتِنْشَاقَ وَاجِبَانِ فِي الطَّهَارَتَيْنِ جَمِيعًا : الْغُسْلُ ، وَالْوُضُوءُ ؛ فَإِنَّ غَسْلَ الْوَجْهِ وَاجِبٌ فِيهِمَا .\rهَذَا الْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى وَإِسْحَاقُ وَحُكِيَ عَنْ عَطَاءٍ وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى فِي الِاسْتِنْشَاقِ وَحْدَهُ أَنَّهُ وَاجِبٌ .\rقَالَ الْقَاضِي : الِاسْتِنْشَاقُ وَاجِبٌ فِي الطَّهَارَتَيْنِ ، رِوَايَةً وَاحِدَةً ، وَبِهِ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ وَأَبُو ثَوْرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { مَنْ تَوَضَّأَ فَلْيَسْتَنْثِرْ } .\rوَفِي رِوَايَةٍ قَالَ : { إذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَلْيَجْعَلْ فِي أَنْفِهِ مَاءً ثُمَّ لِيَسْتَنْثِرْ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَلِمُسْلِمٍ : { مَنْ تَوَضَّأَ فَلْيَسْتَنْشِقْ } .\rوَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، مَرْفُوعًا { اسْتَنْثِرُوا مَرَّتَيْنِ بَالِغَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا } .\rوَهَذَا أَمْرٌ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ ؛ وَلِأَنَّ الْأَنْفَ لَا يَزَالُ مَفْتُوحًا ، وَلَيْسَ لَهُ غِطَاءٌ يَسْتُرُهُ ، بِخِلَافِ الْفَمِ .\rوَقَالَ غَيْرُ الْقَاضِي ، عَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةً أُخْرَى : إنَّ الْمَضْمَضَةَ وَالِاسْتِنْشَاقَ وَاجِبَانِ فِي الْكُبْرَى ، مَسْنُونَانِ فِي الصُّغْرَى .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الثَّوْرِيِّ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ ؛ لِأَنَّ الْكُبْرَى يَجِبُ فِيهَا غَسْلُ كُلِّ مَا أَمْكَنَ مِنْ الْبَدَنِ كَبَوَاطِنِ الشُّعُورِ الْكَثِيفَةِ ، وَلَا يَمْسَحُ فِيهَا عَنْ الْحَوَائِلِ ، فَوَجَبَا فِيهَا ، بِخِلَافِ الصُّغْرَى .\rوَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ لَا يَجِبَانِ فِي الطَّهَارَتَيْنِ ، وَإِنَّمَا هُمَا مَسْنُونَانِ فِيهِمَا .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ الْحَسَنِ وَالْحَكَمِ وَحَمَّادٍ وَقَتَادَةَ وَرَبِيعَةَ وَيَحْيَى الْأَنْصَارِيِّ وَاللَّيْثِ وَالْأَوْزَاعِيِّ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { عَشْرٌ مِنْ الْفِطْرَةِ } ، وَذَكَرَ مِنْهَا الْمَضْمَضَةَ وَالِاسْتِنْشَاقَ ، وَالْفِطْرَةُ : السُّنَّةُ ، وَذِكْرُهُ لَهُمَا مِنْ الْفِطْرَةِ يَدُلُّ عَلَى مُخَالَفَتِهِمَا","part":1,"page":205},{"id":205,"text":"لِسَائِرِ الْوُضُوءِ ؛ وَلِأَنَّ الْفَمَ وَالْأَنْفَ عُضْوَانِ بَاطِنَانِ ، فَلَا يَجِبُ غَسْلُهُمَا كَبَاطِنِ اللِّحْيَةِ وَدَاخِلِ الْعَيْنَيْنِ ؛ وَلِأَنَّ الْوَجْهَ مَا تَحْصُلُ بِهِ الْمُوَاجَهَةُ ، وَلَا تَحْصُلُ الْمُوَاجَهَةُ بِهِمَا .\rوَلَنَا مَا رَوَتْ عَائِشَةُ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { الْمَضْمَضَةُ وَالِاسْتِنْشَاقُ مِنْ الْوُضُوءِ الَّذِي لَا بُدَّ مِنْهُ } .\rرَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ فِي الشَّافِي بِإِسْنَادِهِ عَنْ ابْنِ الْمُبَارَكِ ، عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ ، وَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي سُنَنِهِ ؛ وَلِأَنَّ كُلَّ مَنْ وَصَفَ وُضُوءَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُسْتَقْصِيًا ، ذَكَرَ أَنَّهُ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ ، وَمُدَاوَمَتُهُ عَلَيْهِمَا تَدُلُّ عَلَى وُجُوبِهِمَا ؛ لِأَنَّ فِعْلَهُ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ بَيَانًا وَتَفْصِيلًا لِلْوُضُوءِ الْمَأْمُورِ بِهِ فِي كِتَابِ اللَّهِ ، وَكَوْنُهُمَا مِنْ الْفِطْرَةِ لَا يَنْفِي وُجُوبَهُمَا ، لِاشْتِمَالِ الْفِطْرَةِ عَلَى الْوَاجِبِ وَالْمَنْدُوبِ ، وَلِذَلِكَ ذَكَرَ فِيهَا الْخِتَانَ ، وَهُوَ وَاجِبٌ .\r( 157 ) فَصْلٌ : وَالْمَضْمَضَةُ : إدَارَةُ الْمَاءِ فِي الْفَمِ .\rوَالِاسْتِنْشَاقُ : اجْتِذَابُ الْمَاءِ بِالنَّفَسِ إلَى بَاطِنِ الْأَنْفِ .\rوَالِاسْتِنْثَارُ : إخْرَاجُ الْمَاءِ مِنْ أَنْفِهِ .\rوَلَكِنْ يُعَبَّرُ بِالِاسْتِنْثَارِ عَنْ الِاسْتِنْشَاقِ ؛ لِكَوْنِهِ مِنْ لَوَازِمِهِ .\rوَلَا يَجِبُ إدَارَةُ الْمَاءِ فِي جَمِيعِ الْفَمِ ، وَلَا إيصَالَ الْمَاءِ إلَى جَمِيعِ بَاطِنِ الْأَنْفِ ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ مُبَالَغَةٌ مُسْتَحَبَّةٌ فِي حَقِّ غَيْرِ الصَّائِمِ ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي سُنَنِ الطَّهَارَةِ .\rوَإِذَا أَدَارَ الْمَاءَ فِي فِيهِ فَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ مَجِّهِ وَبَلْعِهِ ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ قَدْ حَصَلَ بِهِ ، فَإِنْ جَعَلَهُ فِي فِيهِ يَنْوِي رَفْعَ الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ ، ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ جُنُبٌ ، فَنَوَى رَفْعَ الْحَدَثَيْنِ ، ارْتَفَعَا جَمِيعًا ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ لَا يَثْبُتُ لَهُ حُكْمُ الِاسْتِعْمَالِ إلَّا بَعْدَ الِانْفِصَالِ ، وَلَوْ كَانَ الْمَاءُ","part":1,"page":206},{"id":206,"text":"قَدْ لَبِثَ فِي فِيهِ حَتَّى تَحَلَّلَ مِنْ رِيقِهِ مَاءٌ يُغَيِّرُهُ لَمْ يَمْنَعْ ؛ لِأَنَّ التَّغَيُّرَ فِي مَحَلِّ الْإِزَالَةِ لَا يَمْنَعُ ، أَشْبَهَ مَا لَوْ تَغَيَّرَ الْمَاءُ عَلَى عُضْوِهِ بِعَجِينٍ عَلَيْهِ .","part":1,"page":207},{"id":207,"text":"فَصْلٌ : وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَمَضْمَضَ وَيَسْتَنْشِقَ بِيُمْنَاهُ ، ثُمَّ يَسْتَنْثِرَ بِيُسْرَاهُ ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ { تَوَضَّأَ ، فَدَعَا بِمَاءٍ فَغَسَلَ يَدَيْهِ ثَلَاثًا ، ثُمَّ غَرَفَ بِيَمِينِهِ ، ثُمَّ رَفَعَهَا إلَى فِيهِ ، فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ بِكَفٍّ وَاحِدَةٍ ، وَاسْتَنْثَرَ بِيُسْرَاهُ ، وَفَعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثًا - ثُمَّ ذَكَرَ سَائِرَ الْوُضُوءِ - ثُمَّ قَالَ : إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَوَضَّأَ لَنَا كَمَا تَوَضَّأْت لَكُمْ ، فَمَنْ كَانَ سَائِلًا عَنْ وُضُوءِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَهَذَا وُضُوءُهُ .\r} رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ ، بِإِسْنَادِهِ .\rوَعَنْ عَلِيٍّ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ { أَنَّهُ أَدْخَلَ يَدَهُ الْيُمْنَى فِي الْإِنَاءِ ، فَمَلَأَ كَفَّهُ فَتَمَضْمَضَ ، وَاسْتَنْشَقَ ، وَنَثَرَ بِيَدِهِ الْيُسْرَى ، فَفَعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثًا ، ثُمَّ قَالَ : هَذَا وُضُوءُ نَبِيِّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\r} رَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ فِي الشَّافِي ، وَالنَّسَائِيُّ .\rوَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَمَضْمَضَ وَيَسْتَنْشِقَ مِنْ كَفٍّ وَاحِدَةٍ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا ، قَالَ الْأَثْرَمُ : سَمِعْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يُسْأَلُ : أَيُّمَا أَعْجَبُ إلَيْك ؛ الْمَضْمَضَةُ وَالِاسْتِنْشَاقُ بِغَرْفَةٍ وَاحِدَةٍ ، أَوْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا عَلَى حِدَةٍ ؟ قَالَ : بِغَرْفَةٍ وَاحِدَةٍ .\rوَذَلِكَ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ حَدِيثِ عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ ، { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَدْخَلَ يَدَيْهِ فِي التَّوْرِ فَتَمَضْمَضَ وَاسْتَنْثَرَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، يُمَضْمِضُ وَيَسْتَنْثِرُ مِنْ غَرْفَةٍ وَاحِدَةٍ .\r} رَوَاهُ سَعِيدٌ .\rوَفِي لَفْظٍ : { تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْثَرَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا مِنْ غَرْفَةٍ وَاحِدَةٍ .\r} رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ .\rوَفِي لَفْظٍ : { فَتَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ مِنْ كَفٍّ وَاحِدَةٍ ، فَعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثًا .\r} مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَفِي لَفْظٍ ، { أَنَّهُ مَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ وَاسْتَنْثَرَ ثَلَاثًا بِثَلَاثِ غَرَفَاتٍ .\r} مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .","part":1,"page":208},{"id":208,"text":"وَفِي لَفْظٍ : { فَمَضْمَضَ ثَلَاثًا وَاسْتَنْشَقَ ثَلَاثًا مِنْ كَفٍّ وَاحِدَةٍ .\r} رَوَاهُ الْأَثْرَمُ ، وَابْنُ مَاجَهْ .\rفَإِنْ شَاءَ الْمُتَوَضِّئُ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ مِنْ ثَلَاثِ غَرَفَاتٍ ، وَإِنْ شَاءَ فَعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثًا بِغَرْفَةٍ وَاحِدَةٍ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْأَحَادِيثِ .\rوَإِنْ أَفْرَدَ الْمَضْمَضَةَ بِثَلَاثِ غَرَفَاتٍ ، وَالِاسْتِنْشَاقَ بِثَلَاثٍ ، جَازَ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ رُوِيَ فِي حَدِيثِ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَنَّهُ فَصَلَ بَيْنَ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ .\r} رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ؛ وَلِأَنَّ الْكَيْفِيَّةَ فِي الْغَسْلِ غَيْرُ وَاجِبَةٍ .","part":1,"page":209},{"id":209,"text":"( 159 ) فَصْلٌ : وَلَا يَجِبُ التَّرْتِيبُ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ غَسْلِ بَقِيَّةِ الْوَجْهِ ؛ لِأَنَّهُمَا مِنْ أَجْزَائِهِ ، وَلَكِنْ الْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَبْدَأَ بِهِمَا قَبْلَ الْوَجْهِ ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَنْ وَصَفَ وُضُوءَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَكَرَ أَنَّهُ بَدَأَ بِهِمَا إلَّا شَيْئًا نَادِرًا .\rوَهَلْ يَجِبُ التَّرْتِيبُ وَالْمُوَالَاةُ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ سَائِرِ الْأَعْضَاءِ غَيْرِ الْوَجْهِ ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ : إحْدَاهُمَا تَجِبُ ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ لِأَنَّهُمَا مِنْ الْوَجْهِ ، فَوَجَبَ غَسْلُهُمَا قَبْلَ غَسْلِ الْيَدَيْنِ لِلْآيَةِ ، وَقِيَاسًا عَلَى سَائِرِ أَجْزَائِهِ .\rوَالثَّانِيَةُ : لَا تَجِبُ ، بَلْ لَوْ تَرَكَهُمَا فِي وُضُوئِهِ وَصَلَّى تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ وَأَعَادَ الصَّلَاةَ وَلَمْ يُعِدْ الْوُضُوءَ ؛ لِمَا رَوَى الْمِقْدَامُ بْنُ مَعْدِي كَرِبَ ، { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُتِيَ بِوَضُوءٍ ، فَغَسَلَ كَفَّيْهِ ثَلَاثًا ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا ، ثُمَّ غَسَلَ ذِرَاعَيْهِ ثَلَاثًا ، ثُمَّ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ .\r} رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ؛ وَلِأَنَّ وُجُوبَهُمَا بِغَيْرِ الْقُرْآنِ ، وَإِنَّمَا وَجَبَ التَّرْتِيبُ بَيْنَ الْأَعْضَاءِ الْمَذْكُورَةِ ؛ لِأَنَّ فِي الْآيَةِ مَا يَدُلُّ عَلَى إرَادَةِ التَّرْتِيبِ .\rوَلَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ فِيهِمَا .\rقِيلَ لِأَحْمَدَ فَنَسِيَ الْمَضْمَضَةَ وَحْدَهَا ؟ قَالَ : الِاسْتِنْشَاقُ عِنْدِي آكَدُ ، وَذَلِكَ لِصِحَّةِ الْأَخْبَارِ الْوَارِدَةِ فِيهِ بِخُصُوصِهِ .\rقَالَ أَصْحَابُنَا : وَهَلْ يُسَمَّيَانِ فَرْضًا مَعَ وُجُوبِهِمَا ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ .\rوَهَذَا يَنْبَنِي عَلَى اخْتِلَافِ الرِّوَايَتَيْنِ فِي الْوَاجِبِ ، هَلْ يُسَمَّى فَرْضًا أَوْ لَا ؟ وَالصَّحِيحُ : أَنَّهُ يُسَمَّى فَرْضًا ، فَيُسَمَّيَانِ هَاهُنَا فَرْضًا ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":1,"page":210},{"id":210,"text":"( 160 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : وَغَسْلُ الْيَدَيْنِ إلَى الْمِرْفَقَيْنِ وَيُدْخِلُ الْمِرْفَقَيْنِ فِي الْغَسْلِ .\rلَا خِلَافَ بَيْنَ عُلَمَاءِ الْأُمَّةِ فِي وُجُوبِ غَسْلِ الْيَدَيْنِ فِي الطَّهَارَةِ ، وَقَدْ نَصَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ : { وَأَيْدِيَكُمْ إلَى الْمَرَافِقِ } .\rوَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ إدْخَالُ الْمِرْفَقَيْنِ فِي الْغَسْلِ ، مِنْهُمْ عَطَاءٌ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَإِسْحَاقُ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ مَالِكٍ ، وَابْنُ دَاوُد : لَا يَجِبُ .\rوَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ زَفَرَ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِالْغَسْلِ إلَيْهِمَا ، وَجَعَلَهُمَا غَايَتَهُ بِحَرْفِ إلَى ، وَهُوَ لِانْتِهَاءِ الْغَايَةِ ، فَلَا يَدْخُلُ الْمَذْكُورُ بَعْدَهُ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى { ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إلَى اللَّيْلِ .\r} وَلَنَا مَا رَوَى جَابِرٌ ، قَالَ : { كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا تَوَضَّأَ أَدَارَ الْمَاءَ إلَى مِرْفَقَيْهِ .\r} وَهَذَا بَيَانٌ لِلْغَسْلِ الْمَأْمُورِ بِهِ فِي الْآيَةِ ، فَإِنَّ \" إلَى \" تُسْتَعْمَلُ بِمَعْنَى مَعَ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إلَى قُوَّتِكُمْ } .\rأَيْ مَعَ قُوَّتِكُمْ ، { وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إلَى أَمْوَالِكُمْ } ، وَ { مَنْ أَنْصَارِي إلَى اللَّهِ } .\rفَكَانَ فِعْلُهُ مُبَيِّنًا .\rوَقَوْلُهُمْ : إنَّ \" إلَى \" لِلْغَايَةِ .\rقُلْنَا : وَقَدْ تَكُونُ بِمَعْنَى مَعَ ، قَالَ الْمُبَرِّدُ : إذَا كَانَ الْحَدُّ مِنْ جِنْسِ الْمَحْدُودِ دَخَلَ فِيهِ ، كَقَوْلِهِمْ : بِعْت هَذَا الثَّوْبَ مِنْ هَذَا الطَّرَفِ إلَى هَذَا الطَّرَفِ .","part":1,"page":211},{"id":211,"text":"( 161 ) فَصْلٌ : وَإِنْ خُلِقَ لَهُ إصْبَعٌ زَائِدَةٌ ، أَوْ يَدٌ زَائِدَةٌ فِي مَحَلِّ الْفَرْضِ ، وَجَبَ غَسْلُهَا مَعَ الْأَصْلِيَّةِ ؛ لِأَنَّهَا نَابِتَةٌ فِيهِ ، أَشْبَهَتْ الثُّؤْلُولَ ، وَإِنْ كَانَتْ نَابِتَةً فِي غَيْرِ مَحَلِّ الْفَرْضِ كَالْعَضُدِ أَوْ الْمَنْكِبِ ، لَمْ يَجِبْ غَسْلُهَا ، سَوَاءٌ كَانَتْ قَصِيرَةً أَوْ طَوِيلَةً ؛ لِأَنَّهَا فِي غَيْرِ مَحَلِّ الْفَرْضِ ، فَأَشْبَهَتْ شَعْرَ الرَّأْسِ إذَا نَزَلَ عَنْ الْوَجْهِ ، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ حَامِدٍ وَابْنِ عَقِيلٍ وَقَالَ الْقَاضِي : إنْ كَانَ بَعْضُهَا يُحَاذِي مَحَلَّ الْفَرْضِ غَسَلَ مَا يُحَاذِيهِ مِنْهَا .\rوَالْأَوَّلُ أَصَحُّ .\rوَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ فِي ذَلِكَ ، كَنَحْوٍ مِمَّا ذَكَرْنَا .\rوَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ الْأَصْلِيَّةَ مِنْهُمَا وَجَبَ غَسْلُهُمَا جَمِيعًا ؛ لِأَنَّ غَسْلَ إحْدَاهُمَا وَاجِبٌ ، وَلَا يَخْرُجُ عَنْ عُهْدَةِ الْوَاجِبِ يَقِينًا إلَّا بِغَسْلِهِمَا ، فَوَجَبَ غَسْلُهُمَا ، كَمَا لَوْ تَنَجَّسَتْ إحْدَى يَدَيْهِ وَلَمْ يَعْلَمْ عَيْنَهَا .","part":1,"page":212},{"id":212,"text":"( 162 ) فَصْلٌ : وَإِنْ انْقَلَعَتْ جِلْدَةٌ مِنْ غَيْرِ مَحَلِّ الْفَرْضِ ، حَتَّى تَدَلَّتْ مِنْ مَحَلِّ الْفَرْضِ ، وَجَبَ غَسْلُهَا ؛ لِأَنَّ أَصْلَهَا فِي مَحَلِّ الْفَرْضِ ، فَأَشْبَهَتْ الْإِصْبَعَ الزَّائِدَةَ ، وَإِنْ تَقَلَّعَتْ مِنْ مَحَلِّ الْفَرْضِ حَتَّى صَارَتْ مُتَدَلِّيَةً مِنْ غَيْرِ مَحَلِّ الْفَرْضِ ، لَمْ يَجِبْ غَسْلُهَا ؛ قَصِيرَةً كَانَتْ أَوْ طَوِيلَةً بِلَا خِلَافٍ ؛ لِأَنَّهَا فِي غَيْرِ مَحَلِّ الْفَرْضِ وَإِنْ تَعَلَّقَتْ مِنْ أَحَدِ الْمَحَلَّيْنِ ، فَالْتَحَمَ رَأْسُهَا فِي الْآخَرِ ، وَبَقِيَ وَسَطُهَا مُتَجَافِيًا ، صَارَتْ كَالنَّابِتَةِ فِي الْمَحَلَّيْنِ ، يَجِبُ غَسْلُ مَا حَاذَى مَحَلَّ الْفَرْضِ مِنْهَا مِنْ ظَاهِرِهَا وَبَاطِنِهَا ، وَغَسْلُ مَا تَحْتَهَا مِنْ مَحَلِّ الْفَرْضِ .","part":1,"page":213},{"id":213,"text":"( 163 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قُطِعَتْ يَدُهُ مِنْ دُونِ الْمِرْفَقِ ، غَسَلَ مَا بَقِيَ مِنْ مَحَلِّ الْفَرْضِ .\rوَإِنْ قُطِعَتْ مِنْ الْمِرْفَقِ غَسَلَ الْعَظْمَ الَّذِي هُوَ طَرَفُ الْعَضُدِ ؛ لِأَنَّ غَسْلَ الْعَظْمَيْنِ الْمُتَلَاقِيَيْنِ مِنْ الذِّرَاعِ وَالْعَضُدِ وَاجِبٌ ، فَإِذَا زَالَ أَحَدُهُمَا غَسَلَ الْآخَرَ .\rوَإِنْ كَانَ مِنْ فَوْقِ الْمِرْفَقَيْنِ سَقَطَ الْغَسْلُ لِعَدَمِ مَحَلِّهِ .\rفَإِنْ كَانَ أَقْطَعَ الْيَدَيْنِ فَوَجَدَ مَنْ يُوَضِّئُهُ مُتَبَرِّعًا لَزِمَهُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَيْهِ .\rوَإِنْ لَمْ يَجِدْ مَنْ يُوَضِّئُهُ إلَّا بِأَجْرٍ يَقْدِرُ عَلَيْهِ ، لَزِمَهُ أَيْضًا كَمَا يَلْزَمُهُ شِرَاءُ الْمَاءِ .\rوَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ يَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَلْزَمَهُ ، كَمَا لَوْ عَجَزَ عَنْ الْقِيَامِ فِي الصَّلَاةِ لَمْ يَلْزَمْهُ اسْتِئْجَارُ مَنْ يُقِيمُهُ وَيَعْتَمِدُ عَلَيْهِ .\rوَإِنْ عَجَزَ عَنْ الْأَجْرِ ، أَوْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى مَنْ يَسْتَأْجِرُهُ ، صَلَّى عَلَى حَسَبِ حَالِهِ ، كَعَادِمِ الْمَاءِ وَالتُّرَابِ .\rوَإِنْ وَجَدَ مَنْ يُيَمِّمُهُ ، وَلَمْ يَجِدْ مَنْ يُوَضِّئُهُ ، لَزِمَهُ التَّيَمُّمُ ، كَعَادِمِ الْمَاءِ إذَا وَجَدَ التُّرَابَ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا .","part":1,"page":214},{"id":214,"text":"( 164 ) فَصْلٌ : إذَا كَانَ تَحْتَ أَظْفَارِهِ وَسَخٌ يَمْنَعُ وُصُولَ الْمَاءِ إلَى مَا تَحْتَهُ ، فَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ لَا تَصِحُّ طَهَارَتُهُ حَتَّى يُزِيلَهُ ؛ لِأَنَّهُ مَحَلٌّ مِنْ الْيَدِ اسْتَتَرَ بِمَا لَيْسَ مِنْ خِلْقَةِ الْأَصْلِ سَتْرًا مَنَعَ إيصَالَ الْمَاءِ إلَيْهِ ، مَعَ إمْكَانِ إيصَالِهِ وَعَدَمِ الضَّرَرِ بِهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَ عَلَيْهِ شَمْعٌ أَوْ غَيْرُهُ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَلْزَمَهُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ هَذَا يَسْتُرُ عَادَةً ، فَلَوْ كَانَ غَسْلُهُ وَاجِبًا لَبَيَّنَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ ، وَقَدْ عَابَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ كَوْنَهُمْ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِ قُلْحًا ، وَرَفَعَ أَحَدِهِمْ بَيْن أُنْمُلَتِهِ وَظُفْرِهِ .\rيَعْنِي أَنَّ وَسَخَ أَرْفَاغِهِمْ تَحْت أَظْفَارِهِمْ يَصِلُ إلَيْهِ رَائِحَةُ نَتِنهَا ، فَعَابَ عَلَيْهِمْ نَتِن رِيحِهَا ، لَا بُطْلَانَ طَهَارَتهمْ ، وَلَوْ كَانَ مُبْطِلًا لِلطَّهَارَةِ كَانَ ذَلِكَ أَهَمَّ مِنْ نَتْنِ الرِّيحِ ، فَكَانَ أَحَقَّ بِالْبَيَانِ ؛ وَلِأَنَّ هَذَا يَسْتَتِرُ عَادَةً ، أَشْبَهَ مَا يَسْتُرُهُ الشَّعْرُ مِنْ الْوَجْهِ .","part":1,"page":215},{"id":215,"text":"( 165 ) فَصْلٌ : وَمَنْ كَانَ يَتَوَضَّأُ مِنْ مَاءٍ يَسِيرٍ يَغْتَرِفُ مِنْهُ بِيَدِهِ ، فَغَرَفَ مِنْهُ عِنْدَ غَسْلِ يَدَيْهِ ، لَمْ يُؤَثِّرْ ذَلِكَ فِي الْمَاءِ .\rوَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ : يَصِيرُ الْمَاءُ مُسْتَعْمَلًا بِغَرْفِهِ مِنْهُ ؛ لِأَنَّهُ مَوْضِعُ غَسْلِ الْيَدِ ، وَهُوَ نَاوٍ لِلْوُضُوءِ بِغُسْلِهَا ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ غَمَسَهَا فِي الْمَاءِ يَنْوِي غَسْلَهَا فِيهِ .\rوَلَنَا أَنَّ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ { فِي صِفَةِ وُضُوءِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ دَعَا بِمَاءٍ ، فَذَكَرَ وُضُوءَهُ - إلَى أَنْ قَالَ - وَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا ، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فَاسْتَخْرَجَهَا ، وَغَسَلَ يَدَيْهِ إلَى الْمِرْفَقَيْنِ ، مَرَّتَيْنِ ، } وَفِي حَدِيثِ عُثْمَانَ : { ثُمَّ غَرَفَ بِيَدِهِ الْيُمْنَى فَصَبَّ عَلَى ذِرَاعِهِ الْيُمْنَى ، فَغَسَلَهَا إلَى الْمِرْفَقَيْنِ ثَلَاثًا ، ثُمَّ غَرَفَ بِيَمِينِهِ فَغَسَلَ يَدَهُ الْيُسْرَى .\r} رَوَاهُمَا سَعِيدٌ .\rوَحَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ رَوَاهُ مُسْلِمٌ ، وَغَيْرُهُ ، وَكُلُّ مَنْ حَكَى وُضُوءَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَحْكِ أَنَّهُ تَحَرَّزَ مِنْ اغْتِرَافِ الْمَاءِ بِيَدِهِ فِي مَوْضِعِ غَسْلِهَا ، وَلَوْ كَانَ هَذَا يُفْسِدُ الْمَاءَ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَقَّ بِمَعْرِفَتِهِ ، وَلَوَجَبَ عَلَيْهِ بَيَانُهُ لِمَسِيسِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ ، إذْ كَانَ هَذَا لَا يُعْرَفُ بِدُونِ الْبَيَانِ ، وَلَا يَتَوَقَّاهُ إلَّا مُتَحَذْلِقٌ ، وَمَا ذَكَرَهُ لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ الْمُغْتَرِفَ لَمْ يَقْصِدْ بِغَمْسِ يَدِهِ إلَّا الِاغْتِرَافَ دُونَ غَسْلِهَا ، فَأَشْبَهَ مَنْ يَغُوصُ فِي الْبِئْرِ لِتَرْقِيَةِ الدَّلْوِ وَعَلَيْهِ جَنَابَةٌ لَا يَقْصِدُ غَيْرَ تَرْقِيَتِهِ ، وَنِيَّةُ الِاغْتِرَافِ عَارَضَتْ نِيَّةَ الطَّهَارَةِ فَصَرَفَتْهَا .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":1,"page":216},{"id":216,"text":"( 166 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : وَمَسْحُ الرَّأْسِ لَا خِلَافَ فِي وُجُوبِ مَسْحِ الرَّأْسِ ، وَقَدْ نَصَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ { فَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ } .\rوَاخْتُلِفَ فِي قَدْرِ الْوَاجِبِ ؛ فَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ وُجُوبُ مَسْحِ جَمِيعِهِ فِي حَقِّ كُلِّ أَحَدٍ .\rوَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ وَمَذْهَبُ مَالِكٍ وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ يُجْزِئُ مَسْحُ بَعْضِهِ .\rقَالَ أَبُو الْحَارِثِ قُلْت لِأَحْمَدَ فَإِنْ مَسَحَ بِرَأْسِهِ وَتَرَكَ بَعْضَهُ ؟ قَالَ : يُجْزِئُهُ .\rثُمَّ قَالَ : وَمَنْ يُمْكِنُهُ أَنْ يَأْتِيَ عَلَى الرَّأْسِ كُلِّهِ ، وَقَدْ نُقِلَ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ ، أَنَّهُ كَانَ يَمْسَحُ مُقَدَّمَ رَأْسِهِ ، وَابْنُ عُمَرَ مَسَحَ الْيَافُوخَ .\rوَمِمَّنْ قَالَ بِمَسْحِ الْبَعْضِ الْحَسَنُ وَالثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ، إلَّا أَنَّ الظَّاهِرَ عَنْ أَحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ ، فِي حَقِّ الرَّجُلِ ، وُجُوبُ الِاسْتِيعَابِ ، وَأَنَّ الْمَرْأَةَ يُجْزِئُهَا مَسْحُ مُقَدَّمِ رَأْسِهَا .\rقَالَ الْخَلَّالُ الْعَمَلُ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهَا إنْ مَسَحَتْ مُقَدَّمَ رَأْسِهَا أَجْزَأَهَا .\rوَقَالَ مُهَنَّا : قَالَ أَحْمَدُ : أَرْجُو أَنْ تَكُونَ الْمَرْأَةُ فِي مَسْحِ الرَّأْسِ أَسْهَلَ .\rقُلْت لَهُ : وَلِمَ ؟ قَالَ : كَانَتْ عَائِشَةُ تَمْسَحُ مُقَدَّمَ رَأْسِهَا .\rوَاحْتَجَّ مَنْ أَجَازَ مَسْحَ الْبَعْضِ بِأَنَّ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ ، رَوَى { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَسَحَ بِنَاصِيَتِهِ وَعِمَامَتِهِ .\r} { وَإِنَّ عُثْمَانَ مَسَحَ مُقَدَّمَ رَأْسِهِ بِيَدِهِ مَرَّةً وَاحِدَةً وَلَمْ يَسْتَأْنِفْ لَهُ مَاءً جَدِيدًا ، حِينَ حَكَى وُضُوءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\r} رَوَاهُ سَعِيدٌ ؛ وَلِأَنَّ مَنْ مَسَحَ بَعْضَ رَأْسِهِ يُقَالُ : مَسَحَ بِرَأْسِهِ ، كَمَا يُقَالُ : مَسَحَ بِرَأْسِ الْيَتِيمِ وَقَبَّلَ رَأْسَهُ .\rوَزَعَمَ بَعْضُ مَنْ يَنْصُرُ ذَلِكَ أَنَّ الْبَاءَ لِلتَّبْعِيضِ ، فَكَأَنَّهُ قَالَ : وَامْسَحُوا بَعْضَ رُءُوسِكُمْ ، وَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى { : وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ } ، وَالْبَاءُ","part":1,"page":217},{"id":217,"text":"لِلْإِلْصَاقِ ، فَكَأَنَّهُ قَالَ : وَامْسَحُوا رُءُوسَكُمْ .\rفَيَتَنَاوَلُ الْجَمِيعَ .\rكَمَا قَالَ فِي التَّيَمُّمِ { : وَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ } .\rوَقَوْلُهُمْ : \" الْبَاءُ لِلتَّبْعِيضِ \" غَيْرُ صَحِيحٍ ، وَلَا يَعْرِفُ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ ذَلِكَ ، قَالَ ابْنُ بَرْهَانٍ : مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْبَاءَ تُفِيدُ التَّبْعِيضَ فَقَدْ جَاءَ أَهْلُ اللُّغَةِ بِمَا لَا يَعْرِفُونَهُ .\rوَحَدِيثُ الْمُغِيرَةِ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ الْمَسْحِ عَلَى الْعِمَامَةِ ، وَنَحْنُ نَقُولُ بِهِ ؛ وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا تَوَضَّأَ مَسَحَ رَأْسَهُ كُلَّهُ ، وَهَذَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مُبَيِّنًا لِلْمَسْحِ الْمَأْمُورِ بِهِ ، وَمَا ذَكَرُوهُ مِنْ اللَّفْظِ مَجَازٌ لَا يُعْدَلُ إلَيْهِ عَنْ الْحَقِيقَةِ إلَّا بِدَلِيلٍ .","part":1,"page":218},{"id":218,"text":"( 167 ) فَصْلٌ : وَإِذَا قُلْنَا بِجَوَازِ مَسْحِ الْبَعْضِ ، فَمِنْ أَيِّ مَوْضِعٍ مَسَحَ أَجْزَأَهُ ؛ لِأَنَّ الْجَمِيعَ رَأْسٌ ، إلَّا أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ مَسْحُ الْأُذُنَيْنِ عَنْ الرَّأْسِ ؛ لِأَنَّهُمَا تَبَعٌ ، فَلَا يَجْتَزِئُ بِهِمَا عَنْ الْأَصْلِ ، وَالظَّاهِرُ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ مَسْحُهُمَا ، وَإِنْ وَجَبَ الِاسْتِيعَابُ ؛ لِأَنَّ الرَّأْسَ عِنْدَ إطْلَاقِ لَفْظِهِ إنَّمَا يَتَنَاوَلُ مَا عَلَيْهِ الشَّعْرُ .\rوَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي قَدْرِ الْبَعْضِ الْمُجْزِئُ ، فَقَالَ الْقَاضِي : قَدْرُ النَّاصِيَةِ ؛ لِحَدِيثِ الْمُغِيرَةِ .\rأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَسَحَ نَاصِيَتَهُ .\rوَحَكَى أَبُو الْخَطَّابِ ، وَبَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ، عَنْ أَحْمَدَ : أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ إلَّا مَسْحُ أَكْثَرِهِ ؛ لِأَنَّ الْأَكْثَرَ يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ اسْمُ الشَّيْءِ الْكَامِلِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يُجْزِئُ مَسْحُ رُبُعِهِ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ يُجْزِئُ مَسْحُ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الِاسْمُ ، وَأَقَلُّهُ ثَلَاثُ شَعَرَاتٍ .\rوَحُكِيَ عَنْهُ : لَوْ مَسَحَ ثَلَاثَ شَعَرَاتٍ ، وَحُكِيَ عَنْهُ : لَوْ مَسَحَ شَعْرَةً ، أَجْزَأَهُ ، لِوُقُوعِ الِاسْمِ عَلَيْهَا .\rوَوَجْهُ مَا قَالَهُ الْقَاضِي : إنَّ فِعْلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصْلُحُ بَيَانًا لِمَا أَمَرَ بِهِ ، فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ .\r( 168 ) فَصْلٌ : وَالْمُسْتَحَبُّ فِي مَسْحِ الرَّأْسِ أَنْ يَبُلَّ يَدَيْهِ ثُمَّ يَضَعَ طَرَفَ إحْدَى سَبَّابَتَيْهِ عَلَى طَرَفِ الْأُخْرَى وَيَضَعَهُمَا عَلَى مُقَدَّمِ رَأْسِهِ ، وَيَضَعَ الْإِبْهَامَيْنِ عَلَى الصُّدْغَيْنِ ، ثُمَّ يُمِرَّ يَدَيْهِ إلَى قَفَاهُ ، ثُمَّ يَرُدَّهُمَا إلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ .\rكَمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ { فِي وَصْفِ وُضُوءِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : فَمَسَحَ رَأْسَهُ بِيَدَيْهِ ، فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ ، بَدَأَ بِمُقَدَّمِ رَأْسِهِ حَتَّى ذَهَبَ بِهِمَا إلَى قَفَاهُ ، ثُمَّ رَدَّهُمَا إلَى الْمَكَانِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ .\r} مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَكَذَلِكَ وَصَفَ الْمِقْدَامُ بْنُ مَعْدِي كَرِبَ ، رَوَاهُ","part":1,"page":219},{"id":219,"text":"أَبُو دَاوُد .\rفَإِنْ كَانَ ذَا شَعْرٍ يَخَافُ أَنْ يَنْتَفِشَ بِرَدِّ يَدَيْهِ لَمْ يَرُدَّهُمَا .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فَإِنَّهُ قِيلَ لَهُ : مَنْ لَهُ شَعْرٌ إلَى مَنْكِبَيْهِ ، كَيْفَ يَمْسَحُ فِي الْوُضُوءِ ؟ فَأَقْبَلَ أَحْمَدُ بِيَدَيْهِ عَلَى رَأْسِهِ مَرَّةً ، وَقَالَ : هَكَذَا كَرَاهِيَةَ أَنْ يَنْتَشِرَ شَعْرُهُ .\rيَعْنِي أَنَّهُ يَمْسَحُ إلَى قَفَاهُ وَلَا يَرُدُّ يَدَيْهِ .\rقَالَ أَحْمَدُ حَدِيثُ عَلِيٍّ هَكَذَا .\rوَإِنْ شَاءَ مَسَحَ ، كَمَا رُوِيَ عَنْ الرُّبَيِّعِ ، { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَوَضَّأَ عِنْدَهَا ، فَمَسَحَ رَأْسَهُ كُلَّهُ مِنْ فَرْقِ الشَّعْرِ كُلَّ نَاحِيَةٍ لِمَصَبِّ الشَّعْرِ لَا يُحَرِّكُ الشَّعْرَ عَنْ هَيْئَتِهِ .\r} رَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَسُئِلَ أَحْمَدُ كَيْفَ تَمْسَحُ الْمَرْأَةُ ؟ فَقَالَ : هَكَذَا .\rوَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى وَسَطِ رَأْسِهِ ، ثُمَّ جَرَّهَا إلَى مُقَدَّمِهِ ، ثُمَّ رَفَعَهَا فَوَضَعَهَا حَيْثُ مِنْهُ بَدَأَ ، ثُمَّ جَرَّهَا إلَى مُؤَخَّرِهِ .\rوَكَيْفَ مَسَحَ بَعْدَ اسْتِيعَابِ قَدْرِ الْوَاجِبِ أَجْزَأَهُ .","part":1,"page":220},{"id":220,"text":"( 169 ) فَصْلٌ : وَلَا يُسَنُّ تَكْرَارُ مَسْحِ الرَّأْسِ فِي الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِهِ سَالِمٍ وَالنَّخَعِيِّ وَمُجَاهِدٍ وَطَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ وَالْحَكَمِ قَالَ التِّرْمِذِيُّ : وَالْعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ يُسَنُّ تَكْرَارُهُ .\rوَيَحْتَمِلُهُ كَلَامُ الْخِرَقِيِّ ؛ لِقَوْلِهِ الثَّلَاثُ أَفْضَلُ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَرُوِيَ عَنْ أَنَسٍ ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : كُلُّهُمْ يَقُولُ : مَسْحُ الرَّأْسِ مَسْحَةً وَاحِدَةً .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يَمْسَحُ بِرَأْسِهِ ثَلَاثًا ؛ لِأَنَّ أَبَا دَاوُد رَوَى عَنْ شَقِيقِ بْنِ سَلَمَةَ ، قَالَ : { رَأَيْت عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ غَسَلَ ذِرَاعَيْهِ ثَلَاثًا ، وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ ثَلَاثًا .\rثُمَّ قَالَ : رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَلَ مِثْلَ هَذَا .\r} وَرُوِيَ مِثْلُ ذَلِكَ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rوَرَوَى عُثْمَانُ ، وَعَلِيٌّ ، وَابْنُ عُمَرَ ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أَوْفَى ، وَأَبُو مَالِكٍ ، وَالرُّبَيِّعُ ، وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { تَوَضَّأَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا .\r} وَفِي حَدِيثِ أُبَيٍّ ، قَالَ : { هَذَا وُضُوئِي وَوُضُوءُ الْمُرْسَلِينَ قَبْلِي } .\rرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ .\rوَلِأَنَّ الرَّأْسَ أَصْلٌ فِي الطَّهَارَةِ ، فَسُنَّ تَكْرَارُهَا فِيهِ كَالْوَجْهِ .\rوَلَنَا { أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ زَيْدٍ وَصَفَ وُضُوءَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ مَرَّةً وَاحِدَةً } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَرُوِيَ عَنْ { عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ مَرَّةً وَاحِدَةً وَقَالَ : هَذَا وُضُوءُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَنْظُرَ إلَى طُهُورِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلْيَنْظُرْ","part":1,"page":221},{"id":221,"text":"إلَى هَذَا .\r} قَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ .\r{ وَكَذَلِكَ وَصَفَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أَوْفَى ، وَابْنُ عَبَّاسٍ ، وَسَلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ ، وَالرُّبَيِّعُ ، كُلُّهُمْ ، قَالُوا : وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ مَرَّةً وَاحِدَةً .\r} وَحِكَايَتُهُمْ لِوُضُوءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إخْبَارٌ عَنْ الدَّوَامِ ، وَلَا يُدَاوِمُ إلَّا عَلَى الْأَفْضَلِ الْأَكْمَلِ ، وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ حِكَايَةَ وُضُوءِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي اللَّيْلِ حَالَ خَلْوَتِهِ ، وَلَا يَفْعَلُ فِي تِلْكَ الْحَالِ إلَّا الْأَفْضَلَ ؛ وَلِأَنَّهُ مَسْحٌ فِي طَهَارَةٍ ، فَلَمْ يُسَنَّ تَكْرَارُهُ ، كَالْمَسْحِ فِي التَّيَمُّمِ ، وَالْمَسْحِ عَلَى الْجَبِيرَةِ ، وَسَائِرِ الْمَسْحِ ، وَلَمْ يَصِحَّ مِنْ أَحَادِيثِهِمْ شَيْءٌ صَرِيحٌ .\rقَالَ أَبُو دَاوُد : أَحَادِيثُ عُثْمَانَ الصِّحَاحُ كُلُّهَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَسْحَ الرَّأْسِ مَرَّةً ؛ فَإِنَّهُمْ ذَكَرُوا الْوُضُوءَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا ، وَقَالُوا فِيهَا : وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ .\rوَلَمْ يَذْكُرُوا عَدَدًا ، كَمَا ذَكَرُوا فِي غَيْرِهِ ، وَالْحَدِيثُ الَّذِي ذُكِرَ فِيهِ : مَسَحَ رَأْسَهُ ثَلَاثًا .\rرَوَاهُ يَحْيَى بْنُ آدَمَ ، وَخَالَفَهُ وَكِيعٌ ، فَقَالَ : تَوَضَّأَ ثَلَاثًا .\rفَقَطْ .\rوَالصَّحِيحُ عَنْ عُثْمَانَ أَنَّهُ { تَوَضَّأَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا ، وَمَسَحَ رَأْسَهُ وَلَمْ يَذْكُرْ عَدَدًا .\r} هَكَذَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ .\rقَالَ أَبُو دَاوُد : وَهُوَ الصَّحِيحُ .\rوَمَنْ رُوِيَ عَنْهُ ذَلِكَ سِوَى عُثْمَانَ ، فَلَمْ يَصِحَّ ، فَإِنَّهُمْ الَّذِينَ رَوَوْا أَحَادِيثَنَا وَهِيَ صِحَاحٌ ، فَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ ضَعْفُ مَا خَالَفَهَا ، وَالْأَحَادِيثُ الَّتِي ذَكَرُوا فِيهَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَوَضَّأَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا .\rأَرَادُوا بِهَا مَا سِوَى الْمَسْحِ ؛ فَإِنَّ رُوَاتَهَا حِينَ فَصَّلُوا قَالُوا : وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ مَرَّةً وَاحِدَةً .\rوَالتَّفْصِيلُ يُحْكَمُ بِهِ عَلَى الْإِجْمَالِ ، وَيَكُونُ تَفْسِيرًا لَهُ ، وَلَا يُعَارَضُ بِهِ ، كَالْخَاصِّ مَعَ الْعَامِّ ، وَقِيَاسُهُمْ مَنْقُوضٌ بِالتَّيَمُّمِ .\rفَإِنْ","part":1,"page":222},{"id":222,"text":"قِيلَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ مَسَحَ مَرَّةً لِيُبَيِّنَ الْجَوَازَ ، وَمَسَحَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا لِيُبَيِّنَ الْأَفْضَلَ ، كَمَا فَعَلَ فِي الْغَسْلِ ، فَنُقِلَ الْأَمْرَانِ نَقْلًا صَحِيحًا مِنْ غَيْرِ تَعَارُضٍ بَيْنَ الرِّوَايَاتِ .\rقُلْنَا : قَوْلُ الرَّاوِي : هَذَا طُهُورُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ طُهُورُهُ عَلَى الدَّوَامِ ؛ وَلِأَنَّ الصَّحَابَةَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، إنَّمَا ذَكَرُوا صِفَةَ وُضُوءِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِتَعْرِيفِ سَائِلِهِمْ وَمَنْ حَضَرَهُمْ كَيْفِيَّةُ وُضُوئِهِ فِي دَوَامِهِ ، فَلَوْ شَاهَدُوا وُضُوءَهُ عَلَى صِفَةٍ أُخْرَى لَمْ يُطْلِقُوا هَذَا الْإِطْلَاقَ الَّذِي يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّهُمْ لَمْ يُشَاهِدُوا غَيْرَهُ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَكُونُ تَدْلِيسًا وَإِيهَامًا بِغَيْرِ الصَّوَابِ ، فَلَا يُظَنُّ ذَلِكَ بِهِمْ ، وَتَعَيَّنَ حَمْلُ حَالِ الرَّاوِي لِغَيْرِ الصَّحِيحِ عَلَى الْغَلَطِ لَا غَيْرُ ؛ وَلِأَنَّ الرُّوَاةَ إذَا رَوَوْا حَدِيثًا وَاحِدًا عَنْ شَخْصٍ وَاحِدٍ ، فَاتَّفَقَ الْحُفَّاظُ مِنْهُمْ عَلَى صِفَةٍ ، وَخَالَفَهُمْ فِيهَا وَاحِدٌ ، حَكَمُوا عَلَيْهِ بِالْغَلَطِ ، وَإِنْ كَانَ ثِقَةً حَافِظًا ، فَكَيْفَ إذَا لَمْ يَكُنْ مَعْرُوفًا بِذَلِكَ ،","part":1,"page":223},{"id":223,"text":"( 170 ) فَصْلٌ : إذَا وَصَلَ الْمَاءُ إلَى بَشَرَةِ الرَّأْسِ ، وَلَمْ يَمْسَحْ عَلَى الشَّعْرِ ، لَمْ يُجْزِئْهُ ؛ لِأَنَّ الْفَرْضَ انْتَقَلَ إلَيْهِ ، فَلَمْ يَجُزْ مَسْحُ غَيْرِهِ ، كَمَا لَوْ أَوْصَلَ الْمَاءَ إلَى بَاطِنِ اللِّحْيَةِ وَلَمْ يَغْسِلْ ظَاهِرَهَا .\rوَإِنْ نَزَلَ شَعْرُهُ عَنْ مَنَابِتِ شَعْرِ الرَّأْسِ ، فَمَسَحَ عَلَى النَّازِلِ مِنْ مَنَابِتِهِ ، لَمْ يُجْزِئْهُ ؛ لِأَنَّ الرَّأْسَ مَا تَرَأَّسَ وَعَلَا ، وَلَوْ رَدَّ هَذَا النَّازِلَ وَعَقَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ لَمْ يُجْزِئْهُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الرَّأْسِ ، وَإِنَّمَا هُوَ نَازِلٌ رَدَّهُ إلَى أَعْلَاهُ .\rوَلَوْ نَزَلَ عَنْ مَنْبَتِهِ وَلَمْ يَنْزِلْ عَنْ مَحَلِّ الْفَرْضِ فَمَسَحَ عَلَيْهِ أَجْزَأَهُ ؛ لِأَنَّهُ شَعْرٌ عَلَى مَحَلِّ الْفَرْضِ ، فَأَشْبَهَ الْقَائِمَ عَلَى مَحَلِّهِ ؛ وَلِأَنَّ هَذَا لَا بُدَّ مِنْهُ لِكُلِّ ذِي شَعْرٍ .\rوَلَوْ خَضَبَ رَأْسَهُ بِمَا يَسْتُرُهُ أَوْ طَيَّنَهُ ، لَمْ يُجْزِئْهُ الْمَسْحُ عَلَى الْخِضَابِ وَالطِّينِ ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْخِضَابِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَمْسَحْ عَلَى مَحَلِّ الْفَرْضِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ تَرَكَ عَلَى رَأْسِهِ خِرْقَةً فَمَسَحَ عَلَيْهَا .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":1,"page":224},{"id":224,"text":"( 171 ) فَصْلٌ : وَيَمْسَحُ رَأْسَهُ بِمَاءٍ جَدِيدٍ غَيْرِ مَا فَضَلَ عَنْ ذِرَاعَيْهِ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَالْعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rقَالَهُ التِّرْمِذِيُّ .\rوَجَوَّزَهُ الْحَسَنُ وَعُرْوَةُ وَالْأَوْزَاعِيُّ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ حَدِيثِ عُثْمَانَ ، وَيَتَخَرَّجُ لَنَا مِثْلُ ذَلِكَ إذَا قُلْنَا : إنَّ الْمُسْتَعْمَلَ لَا يَخْرُجُ عَنْ طُهُورِيَّتِهِ ، سِيَّمَا الْغَسْلَةُ الثَّانِيَةُ وَالثَّالِثَةُ .\rوَلَنَا : مَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ ، قَالَ : { مَسَحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأْسَهُ بِمَاءٍ غَيْرِ فَضْلِ يَدَيْهِ .\r} وَكَذَلِكَ حَكَى عَلِيٌّ وَمُعَاوِيَةُ رَوَاهُنَّ أَبُو دَاوُد ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ : وَقَدْ رُوِيَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخَذَ لِرَأْسِهِ مَاءً جَدِيدًا .\r} وَلِأَنَّ الْبَلَلَ الْبَاقِيَ فِي يَدِهِ مُسْتَعْمَلٌ ، فَلَا يُجْزِئُ الْمَسْحُ بِهِ ، كَمَا لَوْ فَصَلَهُ فِي إنَاءٍ ثُمَّ اسْتَعْمَلَهُ .","part":1,"page":225},{"id":225,"text":"( 172 ) فَصْلٌ : فَإِنْ غَسَلَ رَأْسَهُ بَدَلَ مَسْحِهِ ، فَعَلَى وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : لَا يُجْزِئُهُ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِالْمَسْحِ ، وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَسَحَ وَأَمَرَ بِالْمَسْحِ ؛ وَلِأَنَّهُ أَحَدُ نَوْعَيْ الطَّهَارَةِ ، فَلَمْ يُجْزِئْ عَنْ النَّوْعِ الْآخَرِ ، كَالْمَسْحِ عَنْ الْغَسْلِ .\rوَالثَّانِي يُجْزِئُ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ جُنُبًا فَانْغَمَسَ فِي مَاءٍ يَنْوِي الطَّهَارَتَيْنِ ، أَجْزَأهُ مَعَ عَدَمِ الْمَسْحِ ، فَكَذَلِكَ إذَا كَانَ الْحَدَثُ الْأَصْغَرُ مُنْفَرِدًا ؛ وَلِأَنَّ فِي صِفَةِ غَسْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ غَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ ، ثُمَّ أَفْرَغَ عَلَى رَأْسِهِ وَلَمْ يَذْكُرْ مَسْحًا ؛ وَلِأَنَّ الْغَسْلَ أَبْلَغُ مِنْ الْمَسْحِ ، فَإِذَا أَتَى بِهِ يَنْبَغِي أَنْ يُجْزِئَهُ ، كَمَا لَوْ اغْتَسَلَ يَنْوِي بِهِ الْوُضُوءَ ، وَهَذَا فِيمَا إذَا لَمْ يُمِرَّ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ .\rفَأَمَّا إنْ أَمَرَّ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ مَعَ الْغَسْلِ أَوْ بَعْدَهُ أَجْزَأَهُ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَتَى بِالْمَسْحِ .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ { مُعَاوِيَةَ ، أَنَّهُ تَوَضَّأَ لِلنَّاسِ كَمَا رَأَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَوَضَّأَ ، فَلَمَّا بَلَغَ رَأْسَهُ غَرَفَ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ فَتَلَقَّاهَا بِشِمَالِهِ ، حَتَّى وَضَعَهَا عَلَى وَسَطِ رَأْسِهِ حَتَّى قَطَرَ الْمَاءُ أَوْ كَادَ يَقْطُرُ ، ثُمَّ مَسَحَ مِنْ مُقَدَّمِهِ إلَى مُؤَخَّرِهِ ، وَمِنْ مُؤَخَّرِهِ إلَى مُقَدَّمِهِ .\r} رَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَلَوْ حَصَلَ عَلَى رَأْسِهِ مَاءُ الْمَطَرِ ، أَوْ صَبَّ عَلَيْهِ إنْسَانٌ ، ثُمَّ مَسَحَ عَلَيْهِ يَقْصِدُ بِذَلِكَ الطَّهَارَةَ ، أَوْ كَانَ قَدْ صَمَدَ لِلْمَطَرِ ، أَجْزَأَهُ .\rوَإِنْ حَصَلَ الْمَاءُ عَلَى رَأْسِهِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ أَجْزَأَهُ أَيْضًا ؛ لِأَنَّ حُصُولَ الْمَاءِ عَلَى رَأْسِهِ بِغَيْرِ قَصْدٍ لَمْ يُؤَثِّرْ فِي الْمَاءِ ، فَمَتَى وَضَعَ يَدَهُ عَلَى ذَلِكَ الْبَلَلِ وَمَسَحَ بِهِ فَقَدْ مَسَحَ بِمَاءٍ غَيْرِ مُسْتَعْمَلٍ ، فَصَحَّتْ طَهَارَتُهُ ، كَمَا لَوْ حَصَلَ بِقَصْدِهِ .\rفَإِنْ لَمْ يَمْسَحْ بِيَدِهِ ، وَقُلْنَا إنَّ الْغَسْلَ يَقُومُ","part":1,"page":226},{"id":226,"text":"مَقَامَ الْمَسْحِ ، نَظَرْنَا ؛ فَإِنْ قَصَدَ حُصُولَ الْمَاءِ عَلَى رَأْسِهِ أَجْزَأَهُ إذَا جَرَى الْمَاءُ عَلَيْهِ ، وَإِلَّا لَمْ يُجْزِئْهُ .\rوَإِنْ قُلْنَا لَمْ يُجْزِئْ الْغَسْلُ عَنْ الْمَسْحِ ، لَمْ يُجْزِئْهُ بِحَالٍ .","part":1,"page":227},{"id":227,"text":"( 173 ) فَصْلٌ : وَإِنْ مَسَحَ رَأْسَهُ بِخِرْقَةٍ مَبْلُولَةٍ ، أَوْ خَشَبَةٍ ، أَجْزَأَهُ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِالْمَسْحِ ، وَقَدْ فَعَلَهُ ، فَأَجْزَأْهُ ، كَمَا لَوْ مَسَحَ بِيَدِهِ أَوْ بِيَدِ غَيْرِهِ ؛ وَلِأَنَّ مَسْحَهُ بِيَدِهِ غَيْرُ مُشْتَرَطٍ ، بِدَلِيلِ مَا لَوْ مَسَحَهُ بِيَدِ غَيْرِهِ .\rوَالثَّانِي لَا يُجْزِئُهُ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَسَحَ بِيَدِهِ .\rوَإِنْ وَضَعَ عَلَى رَأْسِهِ خِرْقَةً مَبْلُولَةً فَابْتَلَّ بِهَا رَأْسُهُ ، أَوْ وَضَعَ خِرْقَةً ثُمَّ بَلَّهَا حَتَّى ابْتَلَّ شَعْرُهُ ، لَمْ يُجْزِئْهُ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِمَسْحٍ وَلَا غَسْلٍ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يُجْزِئَهُ ؛ لِأَنَّهُ بَلَّ شَعْرَهُ قَاصِدًا لِلْوُضُوءِ ، فَأَجْزَأْهُ ، كَمَا لَوْ غَسَلَهُ .\rوَإِنْ مَسَحَ بِإِصْبَعٍ أَوْ إصْبَعَيْنِ أَجْزَأَهُ إذَا مَسَحَ بِهِمَا مَا يَجِبُ مَسْحُهُ كُلُّهُ .\rوَنَقَلَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَكَمِ ، عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ .\rقَالَ الْقَاضِي : هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى وُجُوبِ الِاسْتِيعَابِ ، فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ اسْتِيعَابُ الرَّأْسِ بِإِصْبَعِهِ ، فَأَمَّا إنْ اسْتَوْعَبَهُ أَجْزَأَهُ ؛ لِأَنَّهُ مَسَحَ بِبَعْضِ يَدِهِ ، أَشْبَهَ مَسْحَهُ بِكَفِّهِ .","part":1,"page":228},{"id":228,"text":"( 174 ) فَصْلٌ : وَالْأُذُنَانِ مِنْ الرَّأْسِ ، فَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ وُجُوبُ مَسْحِهِمَا مَعَ مَسْحِهِ .\rوَقَالَ الْخَلَّالُ كُلُّهُمْ حَكَوْا عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ فِيمَنْ تَرَكَ مَسْحَهُمَا عَامِدًا أَوْ نَاسِيًا ، أَنَّهُ يُجْزِئُهُ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُمَا تَبَعٌ لِلرَّأْسِ ، لَا يُفْهَمُ مِنْ إطْلَاقِ اسْمِ الرَّأْسِ دُخُولُهُمَا فِيهِ ، وَلَا يُشْبِهَانِ بَقِيَّةَ أَجْزَاءِ الرَّأْسِ ، وَلِذَلِكَ لَمْ يُجْزِهِ مَسْحُهُمَا عَنْ مَسْحِهِ عِنْدَ مَنْ اجْتَزَأَ بِمَسْحِ بَعْضِهِ ، وَالْأَوْلَى مَسْحُهُمَا مَعَهُ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَسَحَهُمَا مَعَ رَأْسِهِ ، فَرَوَتْ { الرُّبَيِّعُ ، أَنَّهَا رَأَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَسَحَ رَأْسَهُ ، مَا أَقْبَلَ مِنْهُ وَمَا أَدْبَرَ وَصُدْغَيْهِ وَأُذُنَيْهِ مَرَّةً وَاحِدَةً .\r} وَرَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَسَحَ رَأْسَهُ وَأُذُنَيْهِ ظَاهِرَهُمَا وَبَاطِنَهُمَا .\r} وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَحَدِيثُ الرُّبَيِّعِ صَحِيحَانِ .\rوَرَوَى الْمِقْدَامُ بْنُ مَعْدِي كَرِبَ .\r{ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَسَحَ بِرَأْسِهِ وَأُذُنَيْهِ ، وَأَدْخَلَ إصْبَعَيْهِ فِي صِمَاخَيْ أُذُنَيْهِ .\r} رَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rفَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُدْخِلَ سَبَّابَتَيْهِ فِي صِمَاخَيْ أُذُنَيْهِ ، وَيَمْسَحَ ظَاهِرَ أُذُنَيْهِ بِإِبْهَامَيْهِ .\rوَلَا يَجِبُ مَسْحُ مَا اسْتَتَرَ بِالْغَضَارِيفِ ؛ لِأَنَّ الرَّأْسَ الَّذِي هُوَ الْأَصْلُ لَا يَجِبُ مَسْحُ مَا اسْتَتَرَ مِنْهُ بِالشَّعْرِ ، وَالْأُذُنُ أَوْلَى .","part":1,"page":229},{"id":229,"text":"( 175 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : وَغَسْلُ الرِّجْلَيْنِ إلَى الْكَعْبَيْنِ ، وَهُمَا الْعَظْمَانِ النَّاتِئَانِ غَسْلُ الرِّجْلَيْنِ وَاجِبٌ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rوَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى : أَجْمَعَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى غَسْلِ الْقَدَمَيْنِ .\rوَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ مَسَحَ عَلَى نَعْلَيْهِ وَقَدَمَيْهِ ، ثُمَّ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَخَلَعَ نَعْلَيْهِ ، ثُمَّ صَلَّى .\rوَحُكِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ : مَا أَجِدُ فِي كِتَابِ اللَّهِ إلَّا غَسْلَتَيْنِ وَمَسْحَتَيْنِ .\rوَرُوِيَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ ذُكِرَ لَهُ قَوْلُ الْحَجَّاجِ : اغْسِلُوا الْقَدَمَيْنِ ظَاهِرَهُمَا وَبَاطِنَهُمَا ، وَخَلِّلُوا مَا بَيْنَ الْأَصَابِعِ ، فَإِنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ مِنْ ابْنِ آدَمَ أَقْرَبَ إلَى الْخُبْثِ مِنْ قَدَمَيْهِ .\rفَقَالَ أَنَسٌ : صَدَقَ اللَّهُ ، وَكَذَبَ الْحَجَّاجُ .\rوَتَلَا هَذِهِ الْآيَةَ : { فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إلَى الْكَعْبَيْنِ } .\rوَحُكِيَ عَنْ الشَّعْبِيِّ أَنَّهُ قَالَ : الْوُضُوءُ مَغْسُولَانِ وَمَمْسُوحَانِ ، فَالْمَمْسُوحَانِ يَسْقُطَانِ فِي التَّيَمُّمِ .\rوَلَمْ نَعْلَمْ مِنْ فُقَهَاءِ الْمُسْلِمِينَ مَنْ يَقُولُ بِالْمَسْحِ عَلَى الرِّجْلَيْنِ غَيْرَ مَنْ ذَكَرْنَا ، إلَّا مَا حُكِيَ عَنْ ابْنِ جَرِيرٍ أَنَّهُ قَالَ : هُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْمَسْحِ وَالْغَسْلِ ، وَاحْتَجَّ بِظَاهِرِ الْآيَةِ ، وَبِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ ، قَالَ : { تَوَضَّأَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَدْخَلَ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ ، فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ مَرَّةً وَاحِدَةً ، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ ، فَصَبَّ عَلَى وَجْهِهِ مَرَّةً وَاحِدَةً ، وَصَبَّ عَلَى يَدَيْهِ مَرَّةً وَاحِدَةً ، وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ وَأُذُنَيْهِ مَرَّةً وَاحِدَةً ، ثُمَّ أَخَذَ مِلْءَ كَفٍّ مِنْ مَاءٍ فَرَشَّ عَلَى قَدَمَيْهِ وَهُوَ مُنْتَعِلٌ .\r} رَوَاهُ سَعِيدٌ .\rوَقَالَ أَيْضًا : حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ ، أَخْبَرَنَا يَعْلَى بْنُ عَطَاءٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي أَوْسُ بْنُ أَبِي أَوْسٍ الثَّقَفِيُّ ، أَنَّهُ","part":1,"page":230},{"id":230,"text":"رَأَى { النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَى كِظَامَةَ قَوْمٍ بِالطَّائِفِ ، فَتَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى قَدَمَيْهِ .\rقَالَ هُشَيْمٌ : كَانَ هَذَا فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ .\r} وَلَنَا أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ زَيْدٍ ، وَعُثْمَانَ ، حَكَيَا وُضُوءَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَا : فَغَسَلَ قَدَمَيْهِ .\rوَفِي حَدِيثِ عُثْمَانَ : { ثُمَّ غَسَلَ كِلْتَا رِجْلَيْهِ ثَلَاثًا ، } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَفِي لَفْظٍ : { ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَهُ الْيُمْنَى إلَى الْكَعْبَيْنِ ثَلَاثًا ثَلَاثًا ، ثُمَّ غَسَلَ الْيُسْرَى مِثْلَ ذَلِكَ .\r} وَعَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ { حَكَى وُضُوءَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ إلَى الْكَعْبَيْنِ ثَلَاثًا ثَلَاثًا .\r} وَكَذَلِكَ قَالَتْ الرُّبَيِّعُ بِنْتُ مُعَوِّذٍ ، وَالْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ .\rرَوَاهُنَّ سَعِيدٌ وَغَيْرُهُ .\rوَعَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ { ، أَنَّ رَجُلًا تَوَضَّأَ ، فَتَرَكَ مَوْضِعَ ظُفْرٍ مِنْ قَدَمِهِ ، فَأَبْصَرَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : ارْجِعْ فَأَحْسِنْ وُضُوءَكَ .\rفَرَجَعَ فَتَوَضَّأَ ثُمَّ صَلَّى .\r} رَوَاهُ مُسْلِمٌ ، وَفِي لَفْظٍ : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { رَأَى رَجُلًا يُصَلِّي ، وَفِي ظَهْرِ قَدَمِهِ لُمْعَةٌ قَدْرَ الدِّرْهَمِ لَمْ يُصِبْهَا الْمَاءُ ، فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُعِيدَ الْوُضُوءَ وَالصَّلَاةَ .\r} رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَالْأَثْرَمُ .\rقَالَ الْأَثْرَمُ : ذَكَرَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ إسْنَادَ هَذَا الْحَدِيثِ .\rقُلْت لَهُ : إسْنَادٌ جَيِّدٌ ؟ قَالَ : نَعَمْ .\rوَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى قَوْمًا يَتَوَضَّئُونَ وَأَعْقَابُهُمْ تَلُوحُ ، فَقَالَ : وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنْ النَّارِ .\r} وَعَنْ عَائِشَةَ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنْ النَّارِ .\r} رَوَاهُنَّ مُسْلِمٌ .\rوَقَدْ ذَكَرْنَا أَمْرَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ","part":1,"page":231},{"id":231,"text":"بِتَخْلِيلِ الْأَصَابِعِ ، وَأَنَّهُ كَانَ يَعْرُكُ أَصَابِعَهُ بِخِنْصَرِهِ بَعْضَ الْعَرْكِ ، وَهَذَا كُلُّهُ يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ الْغَسْلِ ، فَإِنَّ الْمَمْسُوحَ لَا يَحْتَاجُ إلَى الِاسْتِيعَابِ وَالْعَرْكِ .\rوَأَمَّا الْآيَةُ ، فَقَدْ رَوَى عِكْرِمَةُ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ { وَأَرْجُلَكُمْ } .\rقَالَ : عَادَ إلَى الْغَسْلِ .\rوَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَالشَّعْبِيِّ أَنَّهُمْ كَانُوا يَقْرَءُونَهَا كَذَلِكَ وَرَوَى ذَلِكَ كُلَّهُ سَعِيدٌ ، وَهِيَ قِرَاءَةُ جَمَاعَةٍ مِنْ الْقُرَّاءِ ، مِنْهُمْ ابْنُ عَامِرٍ ، فَتَكُونُ مَعْطُوفَةً عَلَى الْيَدَيْنِ فِي الْغَسْلِ .\rوَمَنْ قَرَأَهَا بِالْجَرِّ فَلِلْمُجَاوَرَةِ ، كَمَا قَالَ وَأَنْشَدُوا : كَأَنَّ ثَبِيرًا فِي عَرَانِينِ وَبْلِهِ كَبِيرُ أُنَاسٍ فِي بِجَادٍ مُزَمَّلِ وَأَنْشَدَ : وَظَلَّ طُهَاةُ اللَّحْمِ مِنْ بَيْنِ مُنْضِجٍ صَفِيفَ شِوَاءٍ أَوْ قَدِيرٍ مُعَجَّلِ جَرَّ قَدِيرًا ، مَعَ الْعَطْفِ لِلْمُجَاوَرَةِ .\rوَفِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى : { إنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ } .\rجَرَّ أَلِيمًا ، وَهُوَ صِفَةُ الْعَذَابِ الْمَنْصُوبِ ، لِمُجَاوَرَتِهِ الْمَجْرُورَ ، وَتَقُولُ الْعَرَبُ : جُحْرُ ضَبٍّ خَرِبٍ .\rوَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ فِيهَا مُحْتَمَلًا وَجَبَ الرُّجُوعُ إلَى بَيَانِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ هَذَا قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ : { ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ } .\rفَثَبَتَ بِهَذَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّمَا أَمَرَ بِالْغَسْلِ لَا بِالْمَسْحِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ بِالْمَسْحِ الْغَسْلَ الْخَفِيفَ .\rقَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْفَارِسِيُّ : الْعَرَبُ تُسَمِّي خَفِيفَ الْغَسْلِ مَسْحًا ، فَيَقُولُونَ : تَمَسَّحْت لِلصَّلَاةِ .\rأَيْ تَوَضَّأْت .\rوَقَالَ أَبُو زَيْدٍ الْأَنْصَارِيُّ نَحْوَ ذَلِكَ ، وَتَحْدِيدُهُ بِالْكَعْبَيْنِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ الْغَسْلَ ، فَإِنَّ الْمَسْحَ لَيْسَ بِمَحْدُودٍ .\rفَإِنْ قِيلَ : فَعَطْفُهُ عَلَى الرَّأْسِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ","part":1,"page":232},{"id":232,"text":"حَقِيقَةَ الْمَسْحِ .\rقُلْنَا : قَدْ افْتَرَقَا مِنْ وُجُوهٍ : أَحَدُهَا ، أَنَّ الْمَمْسُوحَ فِي الرَّأْسِ شَعْرٌ يَشُقُّ غَسْلُهُ ، وَالرِّجْلَانِ بِخِلَافِ ذَلِكَ ، فَهُمَا أَشْبَهُ بِالْمَغْسُولَاتِ .\rوَالثَّانِي أَنَّهُمَا مَحْدُودَانِ بِحَدٍّ يَنْتَهِي إلَيْهِ ، فَأَشْبَهَا الْيَدَيْنِ .\rوَالثَّالِثُ : أَنَّهُمَا مُعَرِّضَتَانِ لِلْخُبْثِ لِكَوْنِهِمَا يُوطَأُ بِهِمَا عَلَى الْأَرْضِ ، بِخِلَافِ الرَّأْسِ .\rوَأَمَّا حَدِيثُ أَوْسٍ فِي أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَسَحَ عَلَى قَدَمَيْهِ .\rفَإِنَّمَا أَرَادَ الْغَسْلَ الْخَفِيفَ ، وَكَذَلِكَ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَلِذَلِكَ قَالَ : أَخَذَ مِلْءَ كَفٍّ مِنْ مَاءٍ فَرَشَّ عَلَى قَدَمَيْهِ .\rوَالْمَسْحُ يَكُونُ بِالْبَلَلِ لَا بِرَشِّ الْمَاءِ .\rفَأَمَّا قَوْلُ الْخِرَقِيِّ : وَهُمَا الْعَظْمَانِ النَّاتِئَانِ .\rفَأَرَادَ أَنَّ الْكَعْبَيْنِ .\rهُمَا اللَّذَانِ فِي أَسْفَلِ السَّاقِ مِنْ جَانِبَيْ الْقَدَمِ .\rوَحُكِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ قَالَ : هُمَا فِي مُشْطِ الْقَدَمِ ، وَهُوَ مَعْقِدُ الشِّرَاكِ مِنْ الرِّجْلِ ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ قَالَ : { إلَى الْكَعْبَيْنِ } .\rفَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ فِي الرِّجْلَيْنِ كَعْبَيْنِ لَا غَيْرُ ، وَلَوْ أَرَادَ مَا ذَكَرْتُمُوهُ كَانَتْ كِعَابُ الرِّجْلَيْنِ أَرْبَعَةً ، فَإِنَّ لِكُلِّ قَدَمٍ كَعْبَيْنِ .\rوَلَنَا : أَنَّ الْكِعَابَ الْمَشْهُورَةَ فِي الْعُرْفِ هِيَ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا ، قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : الْكَعْبُ الَّذِي فِي أَصْلِ الْقَدَمِ مُنْتَهَى السَّاقِ إلَيْهِ ، بِمَنْزِلَةِ كِعَابِ الْقَنَا ، كُلُّ عَقْدٍ مِنْهَا يُسَمَّى كَعْبًا .\rوَقَدْ رَوَى أَبُو الْقَاسِمِ الْجَدَلِيُّ ، عَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ : كَانَ أَحَدُنَا يَلْزَقُ كَعْبَهُ بِكَعْبِ صَاحِبِهِ فِي الصَّلَاةِ ، وَمَنْكِبَهُ بِمَنْكِبِ صَاحِبِهِ .\rرَوَاهُ الْخَلَّالُ وَقَالَهُ الْبُخَارِيُّ .\rوَرُوِيَ { أَنَّ قُرَيْشًا كَانَتْ تَرْمِي كَعْبَيْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ وَرَائِهِ حَتَّى تُدْمِيَهُمَا .\r} وَمُشْطُ الْقَدَمِ أَمَامَهُ .\rوقَوْله تَعَالَى : إلَى الْكَعْبَيْنِ حُجَّةٌ لَنَا ؛ فَإِنَّهُ أَرَادَ أَنَّ كُلَّ","part":1,"page":233},{"id":233,"text":"رِجْلٍ تُغْسَلُ إلَى الْكَعْبَيْنِ ، إذْ لَوْ أَرَادَ كِعَابَ جَمِيعِ الْأَرْجُلِ لَقَالَ : الْكِعَابَ ، كَمَا قَالَ : { وَأَيْدِيَكُمْ إلَى الْمَرَافِقِ } .","part":1,"page":234},{"id":234,"text":"( 176 ) فَصْلٌ : وَيَلْزَمُهُ إدْخَالُ الْكَعْبَيْنِ فِي الْغَسْلِ ، كَقَوْلِنَا فِي الْمَرَافِقِ فِيمَا مَضَى .","part":1,"page":235},{"id":235,"text":"( 177 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : وَيَأْتِي بِالطَّهَارَةِ عُضْوًا بَعْدَ عُضْوٍ ، كَمَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى وَجُمْلَةُ ذَلِكَ : أَنَّ التَّرْتِيبَ فِي الْوُضُوءِ عَلَى مَا فِي الْآيَةِ وَاجِبٌ عِنْدَ أَحْمَدَ لَمْ أَرَ عَنْهُ فِيهِ اخْتِلَافًا ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي ثَوْرٍ وَأَبِي عُبَيْدٍ وَحَكَى أَبُو الْخَطَّابِ رِوَايَةً أُخْرَى عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ غَيْرُ وَاجِبٍ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالثَّوْرِيِّ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ .\rوَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَعَطَاءٍ وَالْحَسَنِ وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وَمَكْحُولٍ وَالنَّخَعِيِّ وَالزُّهْرِيِّ وَالْأَوْزَاعِيِّ فِيمَنْ نَسِيَ مَسْحَ رَأْسِهِ ، فَرَأَى فِي لِحْيَتِهِ بَلَلًا : يَمْسَحُ رَأْسَهُ بِهِ ، وَلَمْ يَأْمُرُوهُ بِإِعَادَةِ غَسْلِ رِجْلَيْهِ .\rوَاخْتَارَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِغَسْلِ الْأَعْضَاءِ ، وَعَطَفَ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ بِوَاوِ الْجَمْعِ ، وَهِيَ لَا تَقْتَضِي التَّرْتِيبَ ، فَكَيْفَمَا غَسَلَ كَانَ مُمْتَثِلًا .\rوَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ : مَا أُبَالِي بِأَيِّ أَعْضَائِي بَدَأْت .\rوَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ : لَا بَأْسَ أَنْ تَبْدَأَ بِرِجْلَيْك قَبْلَ يَدَيْك فِي الْوُضُوءِ .\rوَلَنَا أَنَّ فِي الْآيَةِ قَرِينَةً تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أُرِيدَ بِهَا التَّرْتِيبُ ؛ فَإِنَّهُ أَدْخَلَ مَمْسُوحًا بَيْنَ مَغْسُولَيْنِ ، وَالْعَرَبُ لَا تَقْطَعُ النَّظِيرَ عَنْ نَظِيرِهِ إلَّا لِفَائِدَةٍ ، وَالْفَائِدَةُ هَاهُنَا التَّرْتِيبُ .\rفَإِنْ قِيلَ : فَائِدَتُهُ اسْتِحْبَابُ التَّرْتِيبِ .\rقُلْنَا : الْآيَةُ مَا سِيقَتْ إلَّا لِبَيَانِ الْوَاجِبِ ؛ وَلِهَذَا لَمْ يَذْكُرْ فِيهَا شَيْئًا مِنْ السُّنَنِ ؛ وَلِأَنَّهُ مَتَى اقْتَضَى اللَّفْظُ التَّرْتِيبَ كَانَ مَأْمُورًا بِهِ ، وَالْأَمْرُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ ؛ وَلِأَنَّ كُلَّ مَنْ حَكَى وُضُوءَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَكَاهُ مُرَتَّبًا ، وَهُوَ مُفَسِّرٌ لِمَا فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَتَوَضَّأَ مُرَتِّبًا ، وَقَالَ : { هَذَا وُضُوءٌ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ الصَّلَاةَ إلَّا بِهِ } .\rأَيْ بِمِثْلِهِ ، وَمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ","part":1,"page":236},{"id":236,"text":"قَالَ أَحْمَدُ : إنَّمَا عَنَيَا بِهِ الْيُسْرَى قَبْلَ الْيُمْنَى ؛ لِأَنَّ مَخْرَجَهُمَا مِنْ الْكِتَابِ وَاحِدٌ .\rثُمَّ قَالَ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا جَرِيرٌ ، عَنْ قَابُوسَ ، عَنْ أَبِيهِ ، أَنَّ عَلِيًّا سُئِلَ ، فَقِيلَ لَهُ : أَحَدُنَا يَسْتَعْجِلُ ، فَيَغْسِلُ شَيْئًا قَبْلَ شَيْءٍ ؟ قَالَ : لَا .\rحَتَّى يَكُونَ كَمَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى ، وَالرِّوَايَةُ الْأُخْرَى عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَلَا يُعْرَفُ لَهَا أَصْلٌ .\r( 178 ) فَصْلٌ : وَلَا يَجِبُ التَّرْتِيبُ بَيْنَ الْيُمْنَى وَالْيُسْرَى ، لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا ؛ لِأَنَّ مَخْرَجَهُمَا فِي الْكِتَابِ وَاحِدٌ .\rقَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَأَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ .\r} وَالْفُقَهَاءُ يَعُدُّونَ الْيَدَيْنِ عُضْوًا ، وَالرِّجْلَيْنِ عُضْوًا ، وَلَا يَجِبُ التَّرْتِيبُ فِي الْعُضْوِ الْوَاحِدِ ، وَقَدْ دَلَّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ .","part":1,"page":237},{"id":237,"text":"( 179 ) فَصْلٌ : وَإِذَا نَكَسَ وُضُوءَهُ ، فَبَدَأَ بِشَيْءٍ مِنْ أَعْضَائِهِ قَبْلَ وَجْهِهِ ، لَمْ يُحْتَسَبْ بِمَا غَسَلَهُ قَبْلَ وَجْهِهِ ، فَإِذَا غَسَلَ وَجْهَهُ مَعَ بَقَاءِ نِيَّتِهِ أَوْ بَعْدَهَا بِزَمَنٍ يَسِيرٍ اُحْتُسِبَ لَهُ بِهِ ، ثُمَّ يُرَتِّبُ الْأَعْضَاءَ الثَّلَاثَةَ .\rوَإِنْ غَسَلَ وَجْهَهُ ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ ثُمَّ غَسَلَ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ ، أَعَادَ مَسْحَ رَأْسِهِ وَغَسْلَ رِجْلَيْهِ .\rوَإِنْ غَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ ، صَحَّ وُضُوءُهُ إلَّا غَسْلَ رِجْلَيْهِ .\rوَإِنْ نَكَسَ وُضُوءَهُ جَمِيعَهُ ، لَمْ يَصِحَّ لَهُ إلَّا غَسْلُ وَجْهِهِ .\rوَإِنْ تَوَضَّأَ مُنَكِّسًا أَرْبَعَ مَرَّاتٍ ، صَحَّ وُضُوءُهُ ، يَحْصُلُ لَهُ مِنْ كُلِّ مَرَّةٍ غَسْلُ عُضْوٍ إذَا كَانَ مُتَقَارِبًا .\rوَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ مِثْلُ مَا ذَكَرْنَا .\rوَلَوْ غَسَلَ أَعْضَاءَهُ دُفْعَةً وَاحِدَةً لَمْ يَصِحَّ لَهُ إلَّا غَسْلُ وَجْهِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُرَتِّبْ .\rوَإِنْ انْغَمَسَ فِي مَاءٍ جَارٍ فَلَمْ يَمُرَّ عَلَى أَعْضَائِهِ إلَّا جِرْيَةٌ وَاحِدَةٌ فَكَذَلِكَ .\rوَإِنْ مَرَّ عَلَيْهِ أَرْبَعُ جِرْيَاتٍ ، وَقُلْنَا : الْغَسْلُ يُجْزِئُ عَنْ الْمَسْحِ .\rأَجْزَأَهُ ، كَمَا لَوْ تَوَضَّأَ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ .\rوَإِنْ كَانَ الْمَاءُ رَاكِدًا ، فَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا : إذَا أَخْرَجَ وَجْهَهُ ثُمَّ يَدَيْهِ ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ ثُمَّ خَرَجَ مِنْ الْمَاءِ ، أَجْزَأَهُ ؛ لِأَنَّ الْحَدَثَ إنَّمَا يَرْتَفِعُ بِانْفِصَالِ الْمَاءِ عَنْ الْعُضْوِ ، وَنَصَّ أَحْمَدُ فِي رَجُلٍ أَرَادَ الْوُضُوءَ فَانْغَمَسَ فِي الْمَاءِ ، ثُمَّ خَرَجَ مِنْ الْمَاءِ ، فَعَلَيْهِ مَسْحُ رَأْسِهِ وَغَسْلُ رِجْلَيْهِ .\rوَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَاءَ إذَا كَانَ جَارِيًا فَمَرَّتْ عَلَيْهِ جِرْيَةٌ وَاحِدَةٌ ، أَنَّهُ يُجْزِئُهُ مَسْحُ رَأْسِهِ وَغَسْلُ رِجْلَيْهِ .\rوَإِنْ اجْتَمَعَ الْحَدَثَانِ ، سَقَطَ التَّرْتِيبُ وَالْمُوَالَاةُ .\rعَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .","part":1,"page":238},{"id":238,"text":"( 180 ) فَصْلٌ : وَلَمْ يَذْكُرْ الْخِرَقِيِّ الْمُوَالَاةَ ، وَهِيَ وَاجِبَةٌ عِنْدَ أَحْمَدَ نَصَّ عَلَيْهَا فِي مَوَاضِعَ .\rوَهَذَا قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ وَأَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ قَالَ الْقَاضِي : وَنَقَلَ حَنْبَلُ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهَا غَيْرُ وَاجِبَةٍ .\rوَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ لِظَاهِرِ الْآيَةِ ؛ وَلِأَنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ غَسْلُ الْأَعْضَاءِ ، فَكَيْفَمَا غَسَلَ جَازَ ؛ وَلِأَنَّهَا إحْدَى الطَّهَارَتَيْنِ ، فَلَمْ تَجِبْ الْمُوَالَاةُ فِيهَا كَالْغُسْلِ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : إنْ تَعَمَّدَ التَّفْرِيقَ بَطَلَ ، وَإِلَّا فَلَا .\rوَلَنَا مَا ذَكَرْنَا مِنْ رِوَايَةِ عُمَرَ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { رَأَى رَجُلًا يُصَلِّي وَفِي ظَهْرِ قَدَمِهِ لُمْعَةٌ قَدْرَ الدِّرْهَمِ لَمْ يُصِبْهَا الْمَاءُ ، فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُعِيدَ الْوُضُوءَ وَالصَّلَاةَ .\r} وَلَوْ لَمْ تَجِبْ الْمُوَالَاةُ لَأَجْزَأَهُ غَسْلُ اللُّمْعَةِ ؛ وَلِأَنَّهَا عِبَادَةٌ يُفْسِدُهَا الْحَدَثُ ، فَاشْتُرِطَتْ لَهَا الْمُوَالَاةُ كَالصَّلَاةِ ، وَالْآيَةُ دَلَّتْ عَلَى وُجُوبِ الْغَسْلِ ، وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيَّنَ كَيْفِيَّتَهُ ، وَفَسَّرَ مُجْمَلَهُ بِفِعْلِهِ وَأَمْرِهِ ، فَإِنَّهُ لَمْ يَتَوَضَّأْ إلَّا مُتَوَالِيًا ، وَأَمَرَ تَارِكَ الْمُوَالَاةِ بِإِعَادَةِ الْوُضُوءِ ، وَغُسْلُ الْجَنَابَةِ بِمَنْزِلَةِ غَسْلِ عُضْوٍ وَاحِدٍ ، بِخِلَافِ الْوُضُوءِ .\r( 181 ) فَصْلٌ : وَالْمُوَالَاةُ الْوَاجِبَةُ أَنْ لَا يَتْرُكَ غَسْلَ عُضْوٍ حَتَّى يَمْضِيَ زَمَنٌ يَجِفُّ فِيهِ الْعُضْوُ الَّذِي قَبْلَهُ فِي الزَّمَانِ الْمُعْتَدِلِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُسْرِعُ جَفَافُ الْعُضْوِ فِي بَعْضِ الزَّمَانِ دُونَ بَعْضٍ ؛ وَلِأَنَّهُ يُعْتَبَرُ ذَلِكَ فِيمَا بَيْنَ طَرَفَيْ الطَّهَارَةِ .\rوَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى ، إنَّ حَدَّ التَّفْرِيقِ الْمُبْطِلَ مَا يَفْحُشُ فِي الْعَادَةِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُحَدَّ فِي الشَّرْعِ ، فَيُرْجَعُ فِيهِ إلَى الْعَادَةِ ، كَالْإِحْرَازِ وَالتَّفَرُّقِ فِي الْبَيْعِ .","part":1,"page":239},{"id":239,"text":"( 182 ) فَصْلٌ : وَإِنْ نَشِفَتْ أَعْضَاؤُهُ لِاشْتِغَالِهِ بِوَاجِبٍ فِي الطَّهَارَةِ أَوْ مَسْنُونٍ ، لَمْ يُعَدَّ تَفْرِيقًا ، كَمَا لَوْ طَوَّلَ أَرْكَانَ الصَّلَاةِ .\rقَالَ أَحْمَدُ إذَا كَانَ فِي عِلَاجِ الْوُضُوءِ فَلَا بَأْسَ ، وَإِنْ كَانَ لِوَسْوَسَةٍ تَلْحَقُهُ فَكَذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ فِي عِلَاجِ الْوُضُوءِ ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ لِعَبَثٍ أَوْ شَيْءٍ زَائِدٍ عَلَى الْمَسْنُونِ وَأَشْبَاهِهِ ، عُدَّ تَفْرِيقًا .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ الْوَسْوَسَةُ كَذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ مُشْتَغِلٌ بِمَا لَيْسَ بِمَفْرُوضٍ وَلَا مَسْنُونٍ .","part":1,"page":240},{"id":240,"text":"( 183 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : وَالْوُضُوءُ مَرَّةً مَرَّةً يُجْزِئُ ، وَالثَّلَاثُ أَفْضَلُ هَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، إلَّا أَنَّ مَالِكًا لَمْ يُوَقِّتْ مَرَّةً وَلَا ثَلَاثًا ، قَالَ : إنَّمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ } .\rوَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَسَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ : الْوُضُوءُ ثَلَاثًا ثَلَاثًا إلَّا غَسْلَ الرِّجْلَيْنِ ، فَإِنَّهُ يُنَقِّيهِمَا .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : { تَوَضَّأَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّةً مَرَّةً } رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ، وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { تَوَضَّأَ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ } رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ .\rوَقَالَ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ .\rوَعَنْ عَلِيٍّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { تَوَضَّأَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا } .\rقَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَدِيثُ عَلِيٍّ أَحْسَنُ شَيْءٍ فِي هَذَا الْبَابِ وَأَصَحُّ .\rوَقَالَ سَعِيدٌ : حَدَّثَنَا سَلَّامٌ الطَّوِيلُ ، عَنْ زَيْدٍ الْعَمِّيُّ ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، أَنَّ { رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَعَا بِمَاءٍ ، فَتَوَضَّأَ مَرَّةً مَرَّةً ، ثُمَّ قَالَ : هَذَا وَظِيفَةُ الْوُضُوءِ ، وُضُوءُ مَنْ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ لَهُ صَلَاةً إلَّا بِهِ ، ثُمَّ تَحَدَّثَ سَاعَةً ، ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ فَتَوَضَّأَ مَرَّتَيْنِ ، مَرَّتَيْنِ ، فَقَالَ : هَذَا وُضُوءٌ مَنْ تَوَضَّأَهُ ضَاعَفَ اللَّهُ لَهُ الْأَجْرَ مَرَّتَيْنِ ، ثُمَّ تَحَدَّثَ سَاعَةً ، ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ ، فَتَوَضَّأَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا ، فَقَالَ : هَذَا وُضُوئِي وَوُضُوءُ النَّبِيِّينَ مِنْ قَبْلِي } .\rوَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادِهِ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحْوَ هَذَا ، وَرَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ ، { أَنَّ عُثْمَانَ دَعَا بِوَضُوءٍ فَتَوَضَّأَ وَغَسَلَ كَفَّيْهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، ثُمَّ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْثَرَ ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ الْيُمْنَى إلَى الْمِرْفَقِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ الْيُسْرَى مِثْلَ ذَلِكَ","part":1,"page":241},{"id":241,"text":"، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَهُ الْيُمْنَى إلَى الْكَعْبَيْنِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، ثُمَّ غَسَلَ الْيُسْرَى مِثْلَ ذَلِكَ ، ثُمَّ قَالَ : رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا ، ثُمَّ قَامَ فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ لَا يُحَدِّثُ فِيهِمَا نَفْسَهُ ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ } .\rقَالَ ابْنُ شِهَابٍ وَكَانَ عُلَمَاؤُنَا يَقُولُونَ : هَذَا الْوُضُوءُ أَسْبَغُ مَا يَتَوَضَّأُ بِهِ أَحَدٌ لِلصَّلَاةِ .\r( 184 ) فَصْلٌ : وَإِنْ غَسَلَ بَعْضَ أَعْضَائِهِ مَرَّةً وَبَعْضَهَا أَكْثَرَ ، جَازَ لِأَنَّهُ إذَا جَازَ ذَلِكَ فِي الْكُلِّ جَازَ فِي الْبَعْضِ ، وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { تَوَضَّأَ فَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا ، وَغَسَلَ يَدَيْهِ مَرَّتَيْنِ ، وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ مَرَّةً .\r} مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rفَصْلٌ : قَالَ أَحْمَدُ رَحِمَهُ اللَّهُ : لَا يَزِيدُ عَلَى الثَّلَاثِ إلَّا رَجُلٌ مُبْتَلًى .\rوَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ لَا آمَنُ مَنْ ازْدَادَ عَلَى الثَّلَاثِ أَنْ يَأْثَمَ .\rوَقَالَ إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ تَشْدِيدُ الْوُضُوءِ مِنْ الشَّيْطَانِ ، لَوْ كَانَ هَذَا فَضْلًا لَأُوثِرَ بِهِ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rوَرَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، قَالَ { : جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلَهُ عَنْ الْوُضُوءِ ، فَأَرَاهُ ثَلَاثًا ثَلَاثًا ، ثُمَّ قَالَ : هَذَا الْوُضُوءُ ، فَمَنْ زَادَ عَلَى هَذَا فَقَدْ أَسَاءَ وَظَلَمَ .\r} رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ .\r( 186 ) فَصْلٌ : وَإِذَا فَرَغَ مِنْ وُضُوئِهِ اُسْتُحِبَّ أَنْ يَرْفَعَ نَظَرَهُ إلَى السَّمَاءِ ، ثُمَّ يَقُولَ .\rمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ { : مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ يَتَوَضَّأُ فَيُبْلِغُ - أَوْ فَيُسْبِغُ - الْوُضُوءَ ، ثُمَّ يَقُولُ :","part":1,"page":242},{"id":242,"text":"أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ، إلَّا فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةُ ، يَدْخُلُ مِنْ أَيُّهَا شَاءَ } .\rوَرَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ الْخَلَّالُ بِإِسْنَادِهِ ، وَفِيهِ : { مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ ، ثُمَّ رَفَعَ نَظَرَهُ إلَى السَّمَاءِ وَفِيهِ : اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنْ التَّوَّابِينَ ، وَاجْعَلْنِي مِنْ الْمُتَطَهِّرِينَ .\r}","part":1,"page":243},{"id":243,"text":"( 187 ) فَصْلٌ : وَلَا بَأْسَ بِالْمُعَاوَنَةِ عَلَى الْوُضُوءِ ؛ لِمَا رَوَى الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ ، أَنَّهُ { أَفْرَغَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي وُضُوئِهِ .\r} رَوَاهُ مُسْلِمٌ ، وَرُوِيَ عَنْ صَفْوَانِ بْنِ عَسَّالٍ ، قَالَ : { صَبَبْت عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي السَّفَرِ وَالْحَضَرِ } وَعَنْ أُمِّ عَيَّاشٍ ، وَكَانَتْ أَمَةً لِرُقَيَّةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ : { كُنْت أُوَضِّئُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا قَائِمَةٌ وَهُوَ قَاعِدٌ .\r} رَوَاهُمَا ابْنُ مَاجَهْ .\rوَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ : مَا أُحِبُّ أَنْ يُعِينَنِي عَلَى وُضُوئِي أَحَدٌ ؛ لِأَنَّ عُمَرَ قَالَ ذَلِكَ .","part":1,"page":244},{"id":244,"text":"( 188 ) فَصْلٌ : وَلَا بَأْسَ بِتَنْشِيفِ أَعْضَائِهِ بِالْمِنْدِيلِ مِنْ بَلَلِ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ ، قَالَ الْخَلَّالُ الْمَنْقُولُ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِالتَّنْشِيفِ بَعْدَ الْوُضُوءِ .\rوَمِمَّنْ رُوِيَ عَنْهُ أَخْذُ الْمِنْدِيلِ بَعْدَ الْوُضُوءِ عُثْمَانُ وَالْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ وَأَنَسٌ ، وَكَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rوَنَهَى عَنْهُ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَكَرِهَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ؛ لِأَنَّ مَيْمُونَةَ رَوَتْ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اغْتَسَلَ فَأَتَيْته بِالْمِنْدِيلِ ، فَلَمْ يُرِدْهَا ، وَجَعَلَ يَنْفُضُ الْمَاءَ بِيَدِهِ .\r} مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ الْإِبَاحَةُ ، وَتَرْكُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَدُلُّ عَلَى الْكَرَاهَةِ ، فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ يَتْرُكُ الْمُبَاحَ كَمَا يَفْعَلُهُ ، وَقَدْ رَوَى أَبُو بَكْرٍ فِي الشَّافِي بِإِسْنَادِهِ ، عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ ، قَالَتْ : { كَانَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خِرْقَةٌ يَتَنَشَّفُ بِهَا بَعْدَ الْوُضُوءِ .\r} وَسُئِلَ أَحْمَدُ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ ، فَقَالَ : مُنْكَرٌ مُنْكَرٌ .\rوَرُوِيَ عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اغْتَسَلَ ، ثُمَّ أَتَيْنَاهُ بِمِلْحَفَةٍ وَرْسِيَّةٍ ، فَالْتَحَفَ بِهَا .\r} إلَّا أَنَّ التِّرْمِذِيَّ قَالَ : لَا يَصِحُّ فِي هَذَا الْبَابِ شَيْءٌ .\rوَلَا يُكْرَهُ نَفْضُ الْمَاءِ عَنْ بَدَنِهِ بِيَدَيْهِ ؛ لِحَدِيثِ مَيْمُونَةَ .","part":1,"page":245},{"id":245,"text":"( 189 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : وَإِذَا تَوَضَّأَ لِنَافِلَةٍ صَلَّى فَرِيضَةً لَا أَعْلَمُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ خِلَافًا ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ النَّافِلَةَ تَفْتَقِرُ إلَى رَفْعِ الْحَدَثِ كَالْفَرِيضَةِ ، وَإِذَا ارْتَفَعَ الْحَدَثُ تَحَقَّقَ شَرْطُ الصَّلَاةِ وَارْتَفَعَ الْمَانِعُ ، فَأُبِيحَ لَهُ الْفَرْضُ ، وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا يَفْتَقِرُ إلَى الطَّهَارَةِ ، كَمَسِّ الْمُصْحَفِ وَالطَّوَافِ ، إذَا تَوَضَّأَ لَهُ ارْتَفَعَ حَدَثُهُ ، وَصَحَّتْ طَهَارَتُهُ ، وَأُبِيحَ لَهُ سَائِرُ مَا يَحْتَاجُ إلَى الطَّهَارَةِ .\rوَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ فِيمَا مَضَى .","part":1,"page":246},{"id":246,"text":"( 190 ) فَصْل يَجُوزُ أَنْ يُصَلِّيَ بِالْوُضُوءِ مَا لَمْ يُحْدِثْ ، وَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا .\rقَالَ أَحْمَدُ بْنُ قَاسِمٍ : سَأَلْت أَحْمَدَ عَنْ رَجُلٍ صَلَّى أَكْثَرَ مِنْ خَمْسِ صَلَوَاتٍ بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ ؟ قَالَ : مَا بَأْسٌ بِهَذَا إذَا لَمْ يَنْتَقِضْ وُضُوءُهُ ، مَا ظَنَنْت أَنَّ أَحَدًا أَنْكَرَ هَذَا .\rوَقَالَ : { صَلَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ يَوْمَ الْفَتْحِ بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ .\r} وَرَوَى أَنَسٌ قَالَ : { كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَوَضَّأُ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ قُلْت : وَكَيْفَ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ ، قَالَ : يُجْزِئُ أَحَدَنَا الْوُضُوءُ مَا لَمْ يُحْدِثْ .\r} رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُد .\rوَفِي مُسْلِمٍ ، عَنْ بُرَيْدَةَ قَالَ : { صَلَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الْفَتْحِ خَمْسَ صَلَوَاتٍ بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ ، وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ : إنِّي رَأَيْتُك صَنَعْت شَيْئًا لَمْ تَكُنْ تَصْنَعُهُ ، قَالَ : عَمْدًا صَنَعْته .\r}","part":1,"page":247},{"id":247,"text":"( 191 ) فَصْلٌ : وَتَجْدِيدُ الْوُضُوءِ مُسْتَحَبٌّ ، نَصَّ أَحْمَدُ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ مُوسَى بْنِ عِيسَى ، وَنَقَلَ حَنْبَلُ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَفْعَلُهُ ؛ وَذَلِكَ لِمَا رَوَيْنَا مِنْ الْحَدِيثِ ، وَعَنْ غُطَيْفٍ الْهُذَلِيِّ ، قَالَ : { رَأَيْت ابْنَ عُمَرَ يَوْمًا تَوَضَّأَ لِكُلِّ صَلَاةٍ ، فَقُلْت : أَصْلَحَك اللَّهُ ، أَفَرِيضَةٌ أَمْ سُنَّةٌ ، الْوُضُوءُ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ ؟ فَقَالَ : لَا ، لَوْ تَوَضَّأْت لِصَلَاةِ الصُّبْحِ لَصَلَّيْت بِهِ الصَّلَوَاتِ كُلَّهَا مَا لَمْ أُحْدِثْ ، وَلَكِنِّي سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : مَنْ تَوَضَّأَ عَلَى طُهْرٍ فَلَهُ عَشْرُ حَسَنَاتٍ .\rوَإِنَّمَا رَغِبْت فِي الْحَسَنَاتِ .\r} أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ .\rوَقَدْ نَقَلَ عَلِيُّ بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ أَحْمَدَ : لَا فَضْلَ فِيهِ .\rوَالْأَوَّلُ أَصَحُّ .","part":1,"page":248},{"id":248,"text":"( 192 ) فَصْلٌ : وَلَا بَأْسَ بِالْوُضُوءِ فِي الْمَسْجِدِ إذَا لَمْ يُؤْذِ أَحَدًا بِوُضُوئِهِ ، وَلَمْ يَبُلَّ مَوْضِعَ الصَّلَاةِ .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ أَبَاحَ ذَلِكَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ عُلَمَاءِ الْأَمْصَارِ ، مِنْهُمْ : ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَعَطَاءٌ وَطَاوُسٌ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ مُحَمَّدٍ وَابْنُ عُمَرَ وَابْنُ حَزْمٍ وَابْنُ جُرَيْجٍ وَعَوَامُّ أَهْلِ الْعِلْمِ ، قَالَ : وَبِهِ نَقُولُ ، إلَّا أَنْ يَبُلَّ مَكَانًا يَجْتَازُ النَّاسُ فِيهِ ، فَإِنِّي أَكْرَهُهُ ، إلَّا أَنْ يَفْحَصَ الْحَصَى عَنْ الْبَطْحَاءِ ، كَمَا فُعِلَ لِعَطَاءٍ وَطَاوُسٍ فَإِذَا تَوَضَّأَ رَدَّ الْحَصَى عَلَيْهِ ، فَإِنِّي لَا أَكْرَهُهُ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ يَكْرَهُهُ ؛ صِيَانَةً لِلْمَسْجِدِ عَنْ الْبُصَاقِ وَالْمُخَاطِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْ فَضَلَاتِ الْوُضُوءِ .","part":1,"page":249},{"id":249,"text":"( 193 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : وَلَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ جُنُبٌ وَلَا حَائِضٌ وَلَا نُفَسَاءُ رُوِيت الْكَرَاهِيَةُ لِذَلِكَ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَالْحَسَنِ وَالنَّخَعِيِّ وَالزُّهْرِيِّ وَقَتَادَةِ وَالشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ .\rوَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ لَا يَقْرَأُ إلَّا آيَةَ الرُّكُوبِ وَالنُّزُولِ : { سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا } ، { وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا .\r} وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقْرَأُ وِرْدَهُ .\rوَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ : يَقْرَأُ الْقُرْآنَ ، أَلَيْسَ هُوَ فِي جَوْفِهِ ، وَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ لِلْحَائِضِ الْقِرَاءَةُ دُونَ الْجُنُبِ ؛ لِأَنَّ أَيَّامَهَا تَطُولُ ، فَإِنْ مَنَعْنَاهَا مِنْ الْقِرَاءَةِ نَسِيَتْ .\rوَلَنَا : مَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ يَحْجُبُهُ ، أَوْ قَالَ : يَحْجِزُهُ ، عَنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ شَيْءٌ ، لَيْسَ الْجَنَابَةُ .\r} رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَقَالَ : حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ .\rوَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا تَقْرَأُ الْحَائِضُ وَلَا الْجُنُبُ شَيْئًا مِنْ الْقُرْآنِ .\r} رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَالتِّرْمِذِيُّ .\rوَقَالَ : يَرْوِيهِ إسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ عَنْ نَافِعٍ ، وَقَدْ ضَعَّفَ ، الْبُخَارِيُّ رِوَايَتَهُ عَنْ أَهْلِ الْحِجَازِ ، وَقَالَ : إنَّمَا رِوَايَتُهُ عَنْ أَهْلِ الشَّامِ .\rوَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فِي الْجُنُبِ فَفِي الْحَائِضِ أَوْلَى ؛ لِأَنَّ حَدَثَهَا آكَدُ ، وَلِذَلِكَ حَرَّمَ الْوَطْءَ ، وَمَنَعَ الصِّيَامَ ، وَأَسْقَطَ الصَّلَاةَ ، وَسَاوَاهَا فِي سَائِرِ أَحْكَامِهَا .\r( 194 ) فَصْلٌ : وَيَحْرُمُ عَلَيْهِمْ قِرَاءَةُ آيَةٍ .\rفَأَمَّا بَعْضُ آيَةٍ ؛ فَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يَتَمَيَّزُ بِهِ الْقُرْآنُ عَنْ غَيْرِهِ كَالتَّسْمِيَةِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ ، وَسَائِرِ الذِّكْرِ ، فَإِنْ لَمْ يُقْصَدْ بِهِ الْقُرْآنُ ، فَلَا بَأْسَ ؛ فَإِنَّهُ لَا خِلَافَ فِي أَنَّ لَهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ تَعَالَى ، وَيَحْتَاجُونَ إلَى التَّسْمِيَةِ عِنْدَ اغْتِسَالِهِمْ ، وَلَا يُمْكِنُهُمْ التَّحَرُّزُ","part":1,"page":250},{"id":250,"text":"مِنْ هَذَا .\rوَإِنْ قَصَدُوا بِهِ الْقِرَاءَةَ أَوْ كَانَ مَا قَرَءُوهُ شَيْئًا يَتَمَيَّزُ بِهِ الْقُرْآنُ عَنْ غَيْرِهِ مِنْ الْكَلَامِ ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ : إحْدَاهُمَا ، لَا يَجُوزُ ، وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الْجُنُبِ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ ؟ فَقَالَ : لَا ، وَلَا حَرْفًا .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ لِعُمُومِ الْخَبَرِ فِي النَّهْيِ ؛ وَلِأَنَّهُ قُرْآنٌ ، فَمُنِعَ مِنْ قِرَاءَتِهِ ، كَالْآيَةِ .\rوَالثَّانِيَةُ لَا يُمْنَعُ مِنْهُ ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْصُلُ بِهِ الْإِعْجَازُ ، وَلَا يُجْزِئُ فِي الْخُطْبَةِ ، وَيَجُوزُ إذَا لَمْ يُقْصَدْ بِهِ الْقُرْآنُ ، وَكَذَلِكَ إذَا قُصِدَ .","part":1,"page":251},{"id":251,"text":"( 195 ) فَصْلٌ : وَلَيْسَ لَهُمْ اللُّبْثُ فِي الْمَسْجِدِ ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَلَا جُنُبًا إلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا .\r} وَرَوَتْ عَائِشَةُ ، قَالَتْ : { جَاءَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبُيُوتُ أَصْحَابِهِ شَارِعَةٌ فِي الْمَسْجِدِ ، فَقَالَ : وَجِّهُوا هَذِهِ الْبُيُوتَ عَنْ الْمَسْجِدِ ؛ فَإِنِّي لَا أُحِلُّ الْمَسْجِدَ لِحَائِضٍ وَلَا جُنُبٍ } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَيُبَاحُ الْعُبُورُ لِلْحَاجَةِ ، مِنْ أَخْذِ شَيْءٍ ، أَوْ تَرْكِهِ ، أَوْ كَوْنِ الطَّرِيقِ فِيهِ ، فَأَمَّا لِغَيْرِ ذَلِكَ فَلَا يَجُوزُ بِحَالٍ .\rوَمِمَّنْ نُقِلَتْ عَنْهُ الرُّخْصَةُ فِي الْعُبُورِ : ابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ الْمُسَيِّبِ وَابْنُ جُبَيْرٍ وَالْحَسَنُ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَقَالَ الثَّوْرِيُّ وَإِسْحَاقُ لَا يَمُرُّ فِي الْمَسْجِدِ إلَّا أَنْ لَا يَجِدَ بُدًّا ، فَيَتَيَمَّمَ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا أُحِلُّ الْمَسْجِدَ لِحَائِضٍ وَلَا جُنُبٍ .\r} وَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : ( إلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ ) ، وَالِاسْتِثْنَاءُ مِنْ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ إبَاحَةٌ .\rوَعَنْ عَائِشَةَ ، { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهَا : نَاوِلِينِي الْخُمْرَةَ مِنْ الْمَسْجِدِ .\rقَالَتْ : إنِّي حَائِضٌ ، قَالَ إنَّ حَيْضَتَك لَيْسَتْ فِي يَدِك } .\rرَوَاهُ مُسْلِمٌ .\rوَعَنْ جَابِرٍ قَالَ : كُنَّا نَمُرُّ فِي الْمَسْجِدِ وَنَحْنُ جُنُبٌ .\rرَوَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، قَالَ : كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمْشُونَ فِي الْمَسْجِدِ وَهُمْ جُنُبٌ رَوَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ أَيْضًا .\rوَهَذَا إشَارَةٌ إلَى جَمِيعِهِمْ ، فَيَكُونُ إجْمَاعًا .\r( 196 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا الْمُسْتَحَاضَةُ ، وَمَنْ بِهِ سَلَسُ الْبَوْلِ ، فَلَهُمْ اللُّبْثُ فِي الْمَسْجِدِ وَالْعُبُورُ إذَا أَمِنُوا تَلْوِيثَ الْمَسْجِدِ ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ { امْرَأَةً مِنْ أَزْوَاجِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اعْتَكَفَتْ مَعَهُ وَهِيَ مُسْتَحَاضَةٌ ، فَكَانَتْ تَرَى","part":1,"page":252},{"id":252,"text":"الْحُمْرَةَ وَالصُّفْرَةَ ، وَرُبَّمَا وَضَعَتْ الطَّسْتَ تَحْتَهَا وَهِيَ تُصَلِّي .\r} رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ .\rوَلِأَنَّهُ حَدَثٌ لَا يَمْنَعُ الصَّلَاةَ فَلَمْ يَمْنَعْ اللُّبْثَ ، كَخُرُوجِ الدَّمِ الْيَسِيرِ مِنْ أَنْفِهِ .\rفَإِنْ خَافَ تَلْوِيثَ الْمَسْجِدِ فَلَيْسَ لَهُ الْعُبُورُ ؛ فَإِنَّ الْمَسْجِدَ يُصَانُ عَنْ هَذَا ، كَمَا يُصَانُ عَنْ الْبَوْلِ فِيهِ .\rوَلَوْ خَشِيَتْ الْحَائِضُ تَلْوِيثَ الْمَسْجِدِ بِالْعُبُورِ فِيهِ ، لَمْ يَكُنْ لَهَا ذَلِكَ .","part":1,"page":253},{"id":253,"text":"( 197 ) فَصْلٌ : وَإِنْ خَافَ الْجُنُبُ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ ، أَوْ لَمْ يُمْكِنْهُ الْخُرُوجُ مِنْ الْمَسْجِدِ ، أَوْ لَمْ يَجِدْ مَكَانًا غَيْرَهُ ، أَوْ لَمْ يُمْكِنْهُ الْغُسْلُ وَلَا الْوُضُوءُ ، تَيَمَّمَ ، ثُمَّ أَقَامَ فِي الْمَسْجِدِ ، وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَمُجَاهِدٍ وَالْحَسَنِ بْنِ مُسْلِمِ بْنِ يَنَّاق فِي تَأْوِيلِ قَوْله تَعَالَى : { وَلَا جُنُبًا إلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ } .\rيَعْنِي مُسَافِرِينَ لَا يَجِدُونَ مَاءً ، فَيَتَيَمَّمُونَ .\rوَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا : يَلْبَثُ بِغَيْرِ تَيَمُّمٍ ؛ لِأَنَّ التَّيَمُّمَ لَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ .\rوَهَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ ؛ لِأَنَّهُ يُخَالِفُ قَوْلَ مَنْ سَمَّيْنَا مِنْ الصَّحَابَةِ ؛ وَلِأَنَّ هَذَا أَمْرٌ يُشْتَرَطُ لَهُ الطَّهَارَةُ فَوَجَبَ التَّيَمُّمُ لَهُ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْهَا ، كَالصَّلَاةِ وَسَائِرِ مَا يُشْتَرَطُ لَهُ الطَّهَارَةُ .\rوَقَوْلُهُمْ : لَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ .\rقُلْنَا : إلَّا أَنَّهُ يَقُومُ مَقَامَ مَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ ، فِي إبَاحَةِ مَا يُسْتَبَاحُ بِهِ .","part":1,"page":254},{"id":254,"text":"( 198 ) فَصْلٌ : إذَا تَوَضَّأَ الْجُنُبُ فَلَهُ اللُّبْثُ فِي الْمَسْجِدِ فِي قَوْلِ أَصْحَابِنَا وَإِسْحَاقَ وَقَالَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ : لَا يَجُوزُ ؛ لِلْآيَةِ وَالْخَبَرِ .\rوَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِمَا رُوِيَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، قَالَ : كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَحَدَّثُونَ فِي الْمَسْجِدِ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ ، وَكَانَ الرَّجُلُ يَكُونُ جُنُبًا فَيَتَوَضَّأُ ، ثُمَّ يَدْخُلُ ، فَيَتَحَدَّثُ .\rوَهَذَا إشَارَةٌ إلَى جَمِيعِهِمْ ، فَيَكُونُ إجْمَاعًا يُخَصُّ بِهِ الْعُمُومُ ؛ وَلِأَنَّهُ إذَا تَوَضَّأَ خَفَّ حُكْمُ الْحَدَثِ ، فَأَشْبَهَ التَّيَمُّمَ عِنْدَ عَدَمِ الْمَاءِ ، وَدَلِيلُ خِفَّتِهِ أَمْرُ النَّبِيِّ الْجُنُبَ بِهِ إذَا أَرَادَ النَّوْمَ ، وَاسْتِحْبَابُهُ لِمَنْ أَرَادَ الْأَكْلَ وَمُعَاوَدَةَ الْوَطْءِ .\rفَأَمَّا الْحَائِضُ إذَا تَوَضَّأَتْ فَلَا يُبَاحُ لَهَا اللُّبْثُ ؛ لِأَنَّ وُضُوءَهَا لَا يَصِحُّ .","part":1,"page":255},{"id":255,"text":"( 199 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : وَلَا يَمَسُّ الْمُصْحَفَ إلَّا طَاهِرٌ يَعْنِي طَاهِرًا مِنْ الْحَدَثَيْنِ جَمِيعًا .\rرُوِيَ هَذَا عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَالْحَسَنِ وَعَطَاءٍ وَطَاوُسٍ وَالشَّعْبِيِّ وَالْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ ، وَلَا نَعْلَمُ مُخَالِفًا لَهُمْ إلَّا دَاوُد فَإِنَّهُ أَبَاحَ مَسَّهُ .\rوَاحْتَجَّ بِأَنَّ { النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَتَبَ فِي كِتَابِهِ آيَةً إلَى قَيْصَرَ .\r} وَأَبَاحَ الْحَكَمُ وَحَمَّادٌ مَسَّهُ بِظَاهِرِ الْكَفِّ ؛ لِأَنَّ آلَةَ الْمَسِّ بَاطِنُ الْيَدِ ، فَيَنْصَرِفُ النَّهْيُ إلَيْهِ دُونَ غَيْرِهِ .\rوَلَنَا قَوْله تَعَالَى : { لَا يَمَسُّهُ إلَّا الْمُطَهَّرُونَ } .\rوَفِي { كِتَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ أَنْ لَا يَمَسَّ الْقُرْآنَ إلَّا طَاهِرٌ .\r} وَهُوَ كِتَابٌ مَشْهُورٌ ، رَوَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ فِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ وَغَيْرِهِ ، وَرَوَاهُ الْأَثْرَمُ ، فَأَمَّا الْآيَةُ الَّتِي كَتَبَ بِهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّمَا قَصَدَ بِهَا الْمُرَاسَلَةَ ، وَالْآيَةُ فِي الرِّسَالَةِ أَوْ كِتَابِ فِقْهٍ أَوْ نَحْوِهِ لَا تَمْنَعُ مَسَّهُ ، وَلَا يَصِيرُ الْكِتَابُ بِهَا مُصْحَفًا ، وَلَا تَثْبُتُ لَهُ حُرْمَتُهُ إذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ مَسُّهُ بِشَيْءٍ مِنْ جَسَدِهِ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ جَسَدِهِ ، فَأَشْبَهَ يَدَهُ .\rوَقَوْلُهُمْ : إنَّ الْمَسَّ إنَّمَا يَخْتَصُّ بِبَاطِنِ الْيَدِ ؛ لَيْسَ بِصَحِيحٍ ؛ فَإِنَّ كُلَّ شَيْءٍ لَاقَى شَيْئًا فَقَدْ مَسَّهُ .\r( 200 ) فَصْلٌ : وَيَجُوزُ حَمْلُهُ بِعِلَاقَتِهِ .\rوَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ الْحَسَنِ وَعَطَاءٍ وَطَاوُسٍ وَالشَّعْبِيِّ وَالْقَاسِمِ وَأَبِي وَائِلٍ وَالْحَكَمِ وَحَمَّادٍ وَمَنَعَ مِنْهُ الْأَوْزَاعِيُّ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ قَالَ مَالِكٌ أَحْسَنُ مَا سَمِعْت أَنَّهُ لَا يَحْمِلُ الْمُصْحَفَ بِعَلَّاقَتِهِ وَلَا فِي غِلَافِهِ إلَّا وَهُوَ طَاهِرٌ ؛ وَلِيس ذَلِكَ لِأَنَّهُ يُدَنِّسُهُ ، وَلَكِنْ تَعْظِيمًا لِلْقُرْآنِ .\rوَاحْتَجُّوا بِأَنَّهُ مُكَلَّفٌ مُحْدِثٌ قَاصِدٌ لِحَمْلِ","part":1,"page":256},{"id":256,"text":"الْمُصْحَفِ ، فَلَمْ يَجُزْ ، كَمَا لَوْ حَمَلَهُ مَعَ مَسِّهِ .\rوَلَنَا : أَنَّهُ غَيْرُ مَاسٍّ لَهُ ، فَلَمْ يُمْنَعْ مِنْهُ ، كَمَا لَوْ حَمَلَهُ فِي رَحْلِهِ ؛ وَلِأَنَّ النَّهْيَ إنَّمَا يَتَنَاوَلُ الْمَسَّ ، وَالْحَمْلُ لَيْسَ بِمَسٍّ ، فَلَمْ يَتَنَاوَلْهُ النَّهْيُ ، وَقِيَاسُهُمْ فَاسِدٌ ؛ فَإِنَّ الْعِلَّةَ فِي الْأَصْلِ مَسُّهُ ، وَهُوَ غَيْرُ مَوْجُودٍ فِي الْفَرْعِ ، وَالْحَمْلُ لَا أَثَرَ لَهُ ، فَلَا يَصِحُّ التَّعْلِيلُ بِهِ .\rوَعَلَى هَذَا لَوْ حَمَلَهُ بِعَلَّاقَةٍ أَوْ بِحَائِلٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ مِمَّا لَا يَتْبَعُهُ فِي الْبَيْعِ ، جَازَ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا .\rوَعِنْدَهُمْ لَا يَجُوزُ .\rوَوَجْهُ الْمَذْهَبَيْنِ مَا تَقَدَّمَ .\rوَيَجُوزُ تَقْلِيبُهُ بِعُودٍ وَمَسُّهُ بِهِ ، وَكَتْبُ الْمُصْحَفِ بِيَدِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَمَسَّهُ ، وَفِي تَصَفُّحِهِ بِكُمِّهِ رِوَايَتَانِ .\rوَخَرَّجَ الْقَاضِي فِي مَسِّ غِلَافِهِ وَحَمْلِهِ بِعَلَّاقَتِهِ رِوَايَةً أُخْرَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ ؛ بِنَاءً عَلَى مَسِّهِ بِكُمِّهِ .\rوَالصَّحِيحُ : جَوَازُهُ ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ إنَّمَا يَتَنَاوَلُ مَسَّهُ ، وَالْحَمْلُ لَيس بِمَسٍّ .\r( 201 ) فَصْلٌ : وَيَجُوزُ مَسُّ كُتُبِ التَّفْسِيرِ وَالْفِقْهِ وَغَيْرِهَا ، وَالرَّسَائِلِ ، وَإِنْ كَانَ فِيهَا آيَاتٌ مِنْ الْقُرْآنِ ، بِدَلِيلِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَتَبَ إلَى قَيْصَرَ كِتَابًا فِيهِ آيَةٌ ؛ وَلِأَنَّهَا لَا يَقَعُ عَلَيْهَا اسْمُ مُصْحَفٍ ، وَلَا تَثْبُتُ لَهَا حُرْمَتُهُ .\rوَفِي مَسِّ صِبْيَانِ الْكَتَاتِيبِ أَلْوَاحَهُمْ الَّتِي فِيهَا الْقُرْآنُ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا الْجَوَازُ ؛ لِأَنَّهُ مَوْضِعُ حَاجَةٍ ، فَلَوْ اشْتَرَطْنَا الطَّهَارَةَ أَدَّى إلَى تَنْفِيرِهِمْ عَنْ حِفْظِهِ .\rوَالثَّانِي الْمَنْعُ ؛ لِدُخُولِهِمْ فِي عُمُومِ الْآيَةِ .\rوَفِي الدَّرَاهِمِ الْمَكْتُوبِ عَلَيْهَا الْقُرْآنُ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا الْمَنْعُ ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَكَرِهَهُ عَطَاءٌ وَالْقَاسِمُ وَالشَّعْبِيُّ ؛ لِأَنَّ الْقُرْآنَ مَكْتُوبٌ عَلَيْهَا ، فَأَشْبَهَتْ الْوَرَقَ .\rوَالثَّانِي الْجَوَازُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقَعُ عَلَيْهَا اسْمُ الْمُصْحَفِ ، فَأَشْبَهَتْ كُتُبَ الْفِقْهِ ؛","part":1,"page":257},{"id":257,"text":"وَلِأَنَّ فِي الِاحْتِرَازِ مِنْهَا مَشَقَّةٌ ، أَشْبَهْت أَلْوَاحَ الصِّبْيَانِ .\r( 202 ) فَصْلٌ : وَإِنْ احْتَاجَ الْمُحْدِثُ إلَى مَسِّ الْمُصْحَفِ عِنْدَ عَدَمِ الْمَاءِ ، تَيَمَّمَ ، وَجَازَ مَسُّهُ .\rوَلَوْ غَسَلَ الْمُحْدِثُ بَعْضَ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ ، لَمْ يَجُزْ لَهُ مَسُّهُ بِهِ قَبْلَ إتْمَامِ وُضُوئِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ مُتَطَهِّرًا إلَّا بِغَسْلِ الْجَمِيعِ .","part":1,"page":258},{"id":258,"text":"( 203 ) فَصْلٌ : وَلَا يَجُوزُ الْمُسَافَرَةُ بِالْمُصْحَفِ إلَى دَارِ الْحَرْبِ ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا تُسَافِرُوا بِالْقُرْآنِ إلَى أَرْضِ الْعَدُوِّ ؛ مَخَافَةَ أَنْ تَنَالَهُ أَيْدِيهِمْ .\r}","part":1,"page":259},{"id":259,"text":"بَابُ الِاسْتِطَابَةِ وَالْحَدَثِ الِاسْتِطَابَةُ : هِيَ الِاسْتِنْجَاءُ بِالْمَاءِ أَوْ بِالْأَحْجَارِ ، يُقَالُ اسْتَطَابَ ، وَأَطَابَ : إذَا اسْتَنْجَى ؛ سُمِّيَ اسْتِطَابَةً لِأَنَّهُ يُطَيِّبُ جَسَدَهُ بِإِزَالَةِ الْخُبْثِ عَنْهُ ، قَالَ الشَّاعِرُ يَهْجُو رَجُلًا : يَا رَخَمًا قَاظَ عَلَى عُرْقُوبِ يُعْجِلُ كَفَّ الْخَارِئِ الْمُطِيبِ وَالِاسْتِنْجَاءُ : اسْتِفْعَالٌ مِنْ نَجَوْت الشَّجَرَةَ أَيْ : قَطَعْتهَا ، فَكَأَنَّهُ قَطَعَ الْأَذَى عَنْهُ ، وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ هُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ النَّجْوَةِ ، وَهِيَ مَا ارْتَفَعَ مِنْ الْأَرْضِ ؛ لِأَنَّ مَنْ أَرَادَ قَضَاءَ الْحَاجَةِ اسْتَتَرَ بِهَا .\rوَالِاسْتِجْمَارُ : اسْتِفْعَالٌ مِنْ الْجِمَارِ ، وَهِيَ الْحِجَارَةُ الصِّغَارُ ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَعْمِلُهَا فِي اسْتِجْمَارِهِ .\r( 204 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : وَلَيْسَ عَلَى مَنْ نَامَ أَوْ خَرَجَتْ مِنْهُ رِيحٌ اسْتِنْجَاءٌ وَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا .\rقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ لَيْسَ فِي الرِّيحِ اسْتِنْجَاءٌ ؛ فِي كِتَابِ اللَّهِ ، وَلَا فِي سُنَّةِ رَسُولِهِ ، إنَّمَا عَلَيْهِ الْوُضُوءُ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { مَنْ اسْتَنْجَى مِنْ رِيحٍ فَلَيْسَ مِنَّا .\r} رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي مُعْجَمِهِ الصَّغِيرِ ، وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ فِي قَوْله تَعَالَى : { إذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ } .\rإذَا قُمْتُمْ مِنْ النَّوْمِ ، وَلَمْ يَأْمُرْ بِغَيْرِهِ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ ؛ وَلِأَنَّ الْوُجُوبَ مِنْ الشَّرْعِ ، وَلَمْ يَرِدْ بِالِاسْتِنْجَاءِ هُنَا نَصٌّ ، وَلَا هُوَ فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ الِاسْتِنْجَاءَ إنَّمَا شُرِعَ لِإِزَالَةِ النَّجَاسَةِ ، وَلَا نَجَاسَةَ هَاهُنَا .","part":1,"page":260},{"id":260,"text":"( 205 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : وَالِاسْتِنْجَاءُ لِمَا خَرَجَ مِنْ السَّبِيلَيْنِ هَذَا فِيهِ إضْمَارٌ ، وَتَقْدِيرُهُ : وَالِاسْتِنْجَاءُ وَاجِبٌ ، فَحَذَفَ خَبَرَ الْمُبْتَدَإِ اخْتِصَارًا ، وَأَرَادَ مَا خَرَجَ غَيْرَ الرِّيحِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ بَيَّنَ حُكْمَهَا ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْخَارِجُ مُعْتَادًا ، كَالْبَوْلِ وَالْغَائِطِ ، أَوْ نَادِرًا ، كَالْحَصَى وَالدُّودِ وَالشَّعْرِ ، رَطْبًا أَوْ يَابِسًا .\rوَلَوْ احْتَقَنَ فَرَجَعَتْ أَجْزَاءٌ خَرَجَتْ مِنْ الْفَرْجِ ، أَوْ وَطِئَ رَجُلٌ امْرَأَتَهُ دُونَ الْفَرْجِ فَدَبَّ مَاؤُهُ إلَى فَرْجِهَا ثُمَّ خَرَجَ مِنْهُ ، فَعَلَيْهِمَا الِاسْتِنْجَاءُ عَلَى ظَاهِرِ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ ، وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ .\rوَلَوْ أَدْخَلَ الْمِيلَ فِي ذَكَرِهِ ، ثُمَّ أَخْرَجَهُ ، لَزِمَهُ الِاسْتِنْجَاءُ ؛ لِأَنَّهُ خَارِجٌ مِنْ السَّبِيلِ ، فَأَشْبَهَ الْغَائِطَ الْمُسْتَحْجِرَ ، وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَجِبَ مِنْ نَاشِفٍ لَا يُنَجِّسُ الْمَحَلَّ ، لِلْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرْنَا فِي الرِّيحِ ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَهَكَذَا الْحُكْمُ فِي الطَّاهِرِ ، وَهُوَ الْمَنِيُّ إذَا حَكَمْنَا بِطَهَارَتِهِ .\rوَالْقَوْلُ بِوُجُوبِ الِاسْتِنْجَاءِ فِي الْجُمْلَةِ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَحُكِيَ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ فِيمَنْ صَلَّى بِقَوْمٍ وَلَمْ يَسْتَنْجِ : لَا أَعْلَمُ بِهِ بَأْسًا .\rوَهَذَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ فِيمَنْ لَمْ يَلْزَمْهُ الِاسْتِنْجَاءُ ، كَمَنْ لَزِمَهُ الْوُضُوءُ لِنَوْمٍ أَوْ خُرُوجِ رِيحٍ ، أَوْ مَنْ تَرَكَ الِاسْتِنْجَاءَ نَاسِيًا ، فَيَكُونُ مُوَافِقًا لِقَوْلِ الْجَمَاعَةِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ لَمْ يَرَ وُجُوبَ الِاسْتِنْجَاءِ .\rوَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ ، مَنْ فَعَلَ فَقَدْ أَحْسَنَ ، وَمَنْ لَا فَلَا حَرَجَ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد ؛ وَلِأَنَّهَا نَجَاسَةٌ يُكْتَفَى فِيهَا بِالْمَسْحِ ، فَلَمْ تَجِبْ إزَالَتُهَا كَيَسِيرِ الدَّمِ .\rوَلَنَا قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إذَا ذَهَبَ أَحَدُكُمْ إلَى الْغَائِطِ فَلْيَذْهَبْ مَعَهُ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ ، فَإِنَّهَا","part":1,"page":261},{"id":261,"text":"تُجْزِئُ عَنْهُ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَقَالَ : { لَا يَسْتَنْجِي أَحَدُكُمْ بِدُونِ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ } .\rرَوَاهُ مُسْلِمٌ ، وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ : { لَقَدْ نَهَانَا أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِدُونِ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ .\r} فَأَمَرَ ، وَالْأَمْرُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ .\rوَقَالَ : فَإِنَّهَا تُجْزِئُ عَنْهُ .\rوَالْإِجْزَاءُ إنَّمَا يُسْتَعْمَلُ فِي الْوَاجِبِ ، وَنَهَى عَنْ الِاقْتِصَارِ عَلَى أَقَلِّ مِنْ ثَلَاثَةٍ ، وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ ، وَإِذَا حَرُمَ تَرْكُ بَعْضِ النَّجَاسَةِ فَتَرْكُ جَمِيعِهَا أَوْلَى .\rوَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : ثَبَتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { لَا يَكْفِي أَحَدَكُمْ دُونَ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ .\r} وَأَمَرَ بِالْعَدَدِ فِي أَخْبَارٍ كَثِيرَةٍ ، وَقَوْلُهُ : ( لَا حَرَجَ ) يَعْنِي فِي تَرْكِ الْوِتْرِ ، لَا فِي تَرْكِ الِاسْتِجْمَارِ ؛ لِأَنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ فِي الْخَبَرِ الْوِتْرُ ، فَيَعُودُ نَفْيُ الْحَرَجِ إلَيْهِ ، وَأَمَّا الِاجْتِزَاءُ بِالْمَسْحِ فِيهِ فَلِمَشَقَّةِ الْغَسْلِ ، لِكَثْرَةِ تَكَرُّرِهِ فِي مَحَلِّ الِاسْتِنْجَاءِ .","part":1,"page":262},{"id":262,"text":"( 206 ) فَصْلٌ : وَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الِاسْتِنْجَاءِ بِالْمَاءِ أَوْ الْأَحْجَارِ ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rوَحُكِيَ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ وَابْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُمَا أَنْكَرَا الِاسْتِنْجَاءَ بِالْمَاءِ .\rوَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَهَلْ يَفْعَلُ ذَلِكَ إلَّا النِّسَاءُ ، وَقَالَ عَطَاءٌ غَسْلُ الدُّبُرُ مُحْدَثٌ .\rوَكَانَ الْحَسَنُ لَا يَسْتَنْجِي بِالْمَاءِ .\rوَرُوِيَ عَنْ حُذَيْفَةَ الْقَوْلَانِ جَمِيعًا .\rوَكَانَ ابْنُ عُمَرَ لَا يَسْتَنْجِي بِالْمَاءِ ثُمَّ فَعَلَهُ ، وَقَالَ لِنَافِعٍ : جَرَّبْنَاهُ فَوَجَدْنَاهُ صَالِحًا .\rوَهُوَ مَذْهَبُ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ وَهُوَ الصَّحِيحُ ؛ لِمَا رَوَى أَنَسٌ ، قَالَ : { كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْخُلُ الْخَلَاءَ فَأَحْمِلُ أَنَا وَغُلَامٌ نَحْوِي إدَاوَةً مِنْ مَاءٍ وَعَنَزَةً ، فَيَسْتَنْجِي بِالْمَاءِ .\r} مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَعَنْ عَائِشَةَ ، { أَنَّهَا قَالَتْ : مُرْنَ أَزْوَاجَكُنَّ أَنْ يَسْتَطِيبُوا بِالْمَاءِ ؛ فَإِنِّي أَسْتَحْيِيهِمْ ، وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَفْعَلُهُ .\r} قَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ .\rرَوَاهُ سَعِيدٌ ، وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي أَهْلِ قُبَاءَ { فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا } قَالَ : كَانُوا يَسْتَنْجُونَ بِالْمَاءِ ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِيهِمْ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَابْنُ مَاجَهْ .\rوَلِأَنَّهُ يُطَهِّرُ الْمَحَلَّ ، وَيُزِيلُ النَّجَاسَةَ ، فَجَازَ ، كَمَا لَوْ كَانَتْ النَّجَاسَةُ عَلَى مَحَلٍّ آخَرَ .\rوَإِنْ أَرَادَ الِاقْتِصَارَ عَلَى أَحَدِهِمَا فَالْمَاءُ أَفْضَلُ ؛ لِمَا رَوَيْنَا مِنْ الْحَدِيثِ ؛ وَلِأَنَّهُ يُطَهِّرُ الْمَحَلَّ ، وَيُزِيلُ الْعَيْنَ وَالْأَثَرَ ، وَهُوَ أَبْلُغُ فِي التَّنْظِيفِ .\rوَإِنْ اقْتَصَرَ عَلَى الْحَجَرِ أَجْزَأَهُ ، بِغَيْرِ خِلَافٍ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْأَخْبَارِ ؛ وَلِأَنَّهُ إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَسْتَجْمِرَ بِالْحَجَرِ ، ثُمَّ يُتْبِعَهُ","part":1,"page":263},{"id":263,"text":"الْمَاءَ .\rقَالَ أَحْمَدُ : إنْ جَمَعَهُمَا فَهُوَ أَحَبُّ إلَيَّ ؛ لِأَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ : { مُرْنَ أَزْوَاجَكُنَّ أَنْ يُتْبِعْنَ الْحِجَارَةَ الْمَاءَ مِنْ أَثَرِ الْغَائِطِ وَالْبَوْلِ ؛ فَإِنِّي أَسْتَحْيِيهِمْ ، كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَفْعَلُهُ .\r} احْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ وَرَوَاهُ سَعِيدٌ ؛ وَلِأَنَّ الْحَجَرَ يُزِيلُ عَيْنَ النَّجَاسَةِ فَلَا تُصِيبُهَا يَدُهُ ، ثُمَّ يَأْتِي بِالْمَاءِ فَيُطَهِّرُ الْمَحَلَّ ، فَيَكُونُ أَبْلَغَ فِي التَّنْظِيفِ وَأَحْسَنَ .","part":1,"page":264},{"id":264,"text":"( 207 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : فَإِنْ لَمْ يَعْدُوَا مَخْرَجَهُمَا أَجْزَأَهُ أَحْجَارٌ إذَا أَنْقَى بِهِنَّ ، فَإِنْ أَنْقَى بِدُونِ الثَّلَاثَةِ لَمْ يُجْزِهِ ، حَتَّى يَأْتِيَ بِالْعَدَدِ ، وَإِنْ لَمْ يُنْقِ بِالثَّلَاثَةِ زَادَ حَتَّى يُنْقِيَ قَوْلُهُ : يَعْدُوَا مَخْرَجَهُمَا يَعْنِي الْخَارِجَيْنِ مِنْ السَّبِيلَيْنِ إذَا لَمْ يَتَجَاوَزَا مَخْرَجَهُمَا .\rيُقَالُ : عَدَاك الشَّرُّ أَيْ : تَجَاوَزَك .\rوَالْمُرَاد ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ، إذَا لَمْ يَتَجَاوَزْ الْمَخْرَجَ بِمَا لَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِهِ ، فَإِنَّ الْيَسِيرَ لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ ، وَالْعَادَةُ جَارِيَةٌ بِهِ ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَإِنَّهُ يُجْزِئُهُ ثَلَاثَةُ أَحْجَارٍ مُنْقِيَةٍ .\rوَمَعْنَى الْإِنْقَاءِ إزَالَةُ عَيْنِ النَّجَاسَةِ وَبَلَّتِهَا ، بِحَيْثُ يَخْرُجُ الْحَجَرُ نَقِيًّا وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَثَرٌ إلَّا شَيْئًا يَسِيرًا .\rوَيُشْتَرَطُ الْأَمْرَانِ جَمِيعًا ؛ الْإِنْقَاءُ ، وَإِكْمَالُ الثَّلَاثَةِ ، أَيُّهُمَا وُجِدَ دُونَ صَاحِبِهِ لَمْ يَكْفِ ، وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَجَمَاعَةٌ .\rوَقَالَ مَالِكٌ وَدَاوُد : الْوَاجِبُ الْإِنْقَاءُ دُونَ الْعَدَدِ ؛ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ { مَنْ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ ، مَنْ فَعَلَ فَقَدْ أَحْسَنَ وَمَنْ لَا فَلَا حَرَجَ } .\rوَلَنَا : قَوْلُ سَلْمَانَ : { لَقَدْ نَهَانَا - يَعْنِي النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ } .\rوَمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْأَحَادِيثِ ، وَحَدِيثُهُمْ قَدْ أَجَبْنَا عَنْهُ فِيمَا مَضَى .\r( 208 ) فَصْلٌ : وَإِذَا زَادَ عَلَى الثَّلَاثَةِ اُسْتُحِبَّ أَنْ لَا يَقْطَعَ إلَّا عَلَى وِتْرٍ ؛ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { مَنْ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ، فَيَسْتَجْمِرُ خَمْسًا أَوْ سَبْعًا أَوْ تِسْعًا أَوْ مَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ ، فَإِنْ اقْتَصَرَ عَلَى شَفْعٍ مُنْقِيَةٍ ، فِيمَا زَادَ عَلَى الثَّلَاثَةِ جَازَ ؛ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { وَمَنْ لَا فَلَا حَرَجَ } .","part":1,"page":265},{"id":265,"text":"( 209 ) فَصْلٌ : وَكَيْفَمَا حَصَلَ الْإِنْقَاءِ فِي الِاسْتِجْمَارِ أَجْزَأَهُ .\rوَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّ الْمُسْتَحَبَّ أَنْ يُمِرَّ الْحَجَرَ الْأَوَّلَ مِنْ مُقَدَّمِ صَفْحَتِهِ الْيُمْنَى إلَى مُؤَخَّرِهَا ، ثُمَّ يُدِيرَهُ عَلَى الْيُسْرَى ، ثُمَّ يَرْجِعَ بِهِ إلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ ؛ ثُمَّ يُمِرَّ الثَّانِيَ مِنْ مُقَدَّمِ صَفْحَتِهِ الْيُسْرَى كَذَلِكَ ؛ ثُمَّ يُمِرَّ الثَّالِثَ عَلَى الْمَسْرُبَةِ وَالصَّفْحَتَيْنِ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { أَوَ لَا يَجِدُ أَحَدُكُمْ حَجَرَيْنِ لِلصَّفْحَتَيْنِ وَحَجَرًا لِلْمَسْرُبَةِ ، } .\rرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ .\rوَقَالَ : إسْنَادُهُ حَسَنٌ .\rوَيَنْبَغِي أَنْ يَعُمَّ الْمَحَلَّ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْأَحْجَارِ ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَعُمَّ بِهِ كَانَ ذَلِكَ تَلْفِيقًا ، فَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ مَسْحَةٍ وَاحِدَةٍ ، وَلَا يَكُونُ تَكْرَارًا .\rذَكَرَ هَذَا الشَّرِيفُ أَبُو جَعْفَرٍ ، وَابْنُ عَقِيلٍ وَقَالَا : مَعْنَى الْحَدِيثِ الْبِدَايَةُ بِهَذِهِ الْمَوَاضِعِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُجْزِئَهُ لِكُلِّ جِهَةٍ مَسْحَةٌ ، لِظَاهِرِ الْخَبَرِ .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":1,"page":266},{"id":266,"text":"( 210 ) فَصْلٌ : وَيُجْزِئُهُ الِاسْتِجْمَارُ فِي النَّادِرِ ، كَمَا يُجْزِئُ فِي الْمُعْتَادِ .\rوَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَجْهٌ ، أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ فِي النَّادِرِ .\rقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلَ مَالِكٍ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِغَسْلِ الذَّكَرِ مِنْ الْمَذْيِ ، وَالْأَمْرُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ .\rقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : وَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّ الْآثَارَ كُلَّهَا عَلَى اخْتِلَافِ أَلْفَاظِهَا وَأَسَانِيدِهَا لَيْسَ فِيهَا ذِكْرُ اسْتِنْجَاءٍ ، إنَّمَا هُوَ الْغَسْلُ ؛ وَلِأَنَّ النَّادِرَ لَا يَتَكَرَّرُ ، فَلَا يَبْقَى اعْتِبَارُ الْمَاءِ فِيهِ ، فَوَجَبَ ، كَغَسْلِ غَيْرِ هَذَا الْمَحَلِّ .\rوَلَنَا أَنَّ الْخَبَرَ عَامٌّ فِي الْجَمِيعِ ؛ وَأَنَّ الِاسْتِجْمَارَ فِي النَّادِرِ إنَّمَا وَجَبَ مَا صَحِبَهُ مِنْ بِلَّةِ الْمُعْتَادِ ، ثُمَّ إنْ لَمْ يَشُقَّ فَهُوَ فِي مَحَلِّ الْمَشَقَّةِ ، فَتُعْتَبَرُ مَظِنَّةُ الْمَشَقَّةِ دُونَ حَقِيقَتِهَا ، كَمَا جَازَ الِاسْتِجْمَارُ عَلَى نَهْرٍ جَارٍ ، وَأَمَّا الْمَذْيُ فَمُعْتَادٌ كَثِيرٌ ، وَرُبَّمَا كَانَ فِي بَعْضِ النَّاسِ أَكْثَرَ مِنْ الْبَوْلِ ، قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : { كُنْت رَجُلًا مَذَّاءً ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ذَاكَ مَاءُ الْفَحْلِ ، وَلِكُلِّ فَحْلٍ مَاءٌ .\r} وَقَالَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ : كُنْت رَجُلًا مَذَّاءً فَكُنْت أُكْثِرُ مِنْهُ الِاغْتِسَالَ ؛ وَلِهَذَا أَوْجَبَ مَالِكٌ مِنْهُ الْوُضُوءَ ، وَهُوَ لَا يُوجِبُهُ مِنْ النَّادِرِ ، فَلَيْسَ هُوَ مِنْ مَسْأَلَتِنَا ، وَيَجِبُ غَسْلُ الذَّكَرِ مِنْهُ وَالْأُنْثَيَيْنِ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ تَعَبُّدًا .\rوَالْأُخْرَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ ، وَأَمْرُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِغَسْلِهِ لِلِاسْتِحْبَابِ ، قِيَاسًا عَلَى سَائِرِ مَا يَخْرُجُ .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":1,"page":267},{"id":267,"text":"( 211 ) فَصْلٌ : وَلَا يَسْتَجْمِرُ بِيَمِينِهِ ، لِقَوْلِ سَلْمَانَ فِي حَدِيثِهِ : { إنَّهُ لَيَنْهَانَا أَنْ يَسْتَنْجِيَ أَحَدُنَا بِيَمِينِهِ .\r} رَوَاهُ مُسْلِمٌ ، وَرَوَى أَبُو قَتَادَةَ ، رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { لَا يُمْسِكَنَّ أَحَدُكُمْ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ ، وَلَا يَتَمَسَّحْ مِنْ الْخَلَاءِ بِيَمِينِهِ } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rفَإِنْ كَانَ يَسْتَنْجِي مِنْ غَائِطٍ أَخَذَ الْحَجَرَ بِشِمَالِهِ فَمَسَحَ بِهِ .\rوَإِنْ كَانَ يَسْتَنْجِي مِنْ الْبَوْلِ ، وَكَانَ الْحَجَرُ كَبِيرًا ، أَخَذَ ذَكَرَهُ بِشِمَالِهِ فَمَسَحَ بِهِ .\rوَإِنْ كَانَ صَغِيرًا فَأَمْكَنَهُ أَنْ يَضَعَهُ بَيْنَ عَقِبَيْهِ ، أَوْ بَيْنَ أَصَابِعِهِ ، وَيَمْسَحُ ذَكَرَهُ عَلَيْهِ فَعَلَ ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ ، أَمْسَكَهُ بِيَمِينِهِ ، وَمَسَحَ بِيَسَارِهِ ؛ لِمَوْضِعِ الْحَاجَةِ .\rوَقِيلَ : يُمْسِكُ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ ، وَيَمْسَحُ بِشِمَالِهِ ؛ لِيَكُونَ الْمَسْحُ بِغَيْرِ الْيَمِينِ .\rوَالْأَوَّلُ أَوْلَى ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا يُمْسِكَنَّ أَحَدُكُمْ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ } .\rوَإِذَا أَمْسَكَ الْحَجَرَ بِالْيَمِينِ ، وَمَسَحَ الذَّكَرَ عَلَيْهِ ، لَمْ يَكُنْ مَاسِحًا بِالْيَمِينِ ، وَلَا مُمْسِكًا لِلذَّكَرِ بِهَا ، وَإِنْ كَانَ أَقْطَعَ الْيُسْرَى ، أَوْ بِهَا مَرَضٌ ، اسْتَجْمَرَ بِيَمِينِهِ ؛ لِلْحَاجَةِ .\rوَلَا يُكْرَهُ الِاسْتِعَانَةُ بِهَا فِي الْمَاءِ ؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ دَاعِيَةٌ إلَيْهِ .\rوَإِنْ اسْتَجْمَرَ بِيَمِينِهِ مَعَ الْغِنَى عَنْهُ ، أَجْزَأَهُ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rوَحُكِيَ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الظَّاهِرِ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ ؛ لِأَنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ ، فَلَمْ يُفِدْ مَقْصُودَهُ ، كَمَا لَوْ اسْتَنْجَى بِالرَّوْثِ وَالرِّمَّةِ ، فَإِنَّ النَّهْيَ يَتَنَاوَلُ الْأَمْرَيْنِ ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الرَّوْثَ آلَةُ الِاسْتِجْمَارِ الْمُبَاشِرَةُ لِلْمَحَلِّ وَشَرْطُهُ ، فَلَمْ يَجُزْ اسْتِعْمَالُ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ فِيهَا ، وَالْيَدُ لَيْسَتْ الْمُبَاشِرَةَ لِلْمَحَلِّ وَلَا شَرْطًا فِيهِ ، إنَّمَا يَتَنَاوَلُ بِهَا الْحَجَرَ الْمُلَاقِي لِلْمَحَلِّ ، فَصَارَ النَّهْيُ","part":1,"page":268},{"id":268,"text":"عَنْهَا نَهْيَ تَأْدِيبٍ ، لَا يَمْنَعُ الْإِجْزَاءَ .","part":1,"page":269},{"id":269,"text":"( 212 ) فَصْلٌ : وَيَبْدَأُ الرَّجُلُ فِي الِاسْتِنْجَاءِ بِالْقُبُلِ ؛ لِئَلَّا تَتَلَوَّثَ يَدُهُ إذَا شَرَعَ فِي الدُّبُرِ ؛ لِأَنَّ قُبُلَهُ بَارِزٌ تُصِيبُهُ الْيَدُ إذَا مَدَّهَا إلَى الدُّبُرِ ، وَالْمَرْأَةُ مُخَيَّرَةٌ فِي الْبِدَايَةِ بِأَيِّهِمَا شَاءَتْ ، لِعَدَمِ ذَلِكَ فِيهَا .\rوَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَمْكُثَ بَعْدَ الْبَوْلِ قَلِيلًا ، وَيَضَعَ يَدَهُ عَلَى أَصْلِ الذَّكَرِ مِنْ تَحْتِ الْأُنْثَيَيْنِ ، ثُمَّ يَسْلِتَهُ إلَى رَأْسِهِ فَيَنْتُرُ ذَكَرَهُ ثَلَاثًا بِرِفْقٍ .\rقَالَ أَحْمَدُ إذَا تَوَضَّأْت فَضَعْ يَدَك فِي سِفْلَتِك ، ثُمَّ اسْلِتْ مَا ثَمَّ حَتَّى يَنْزِلَ ، وَلَا تَجْعَلْ ذَلِكَ مِنْ هَمِّك ، وَلَا تَلْتَفِت إلَى ظَنِّك .\rوَقَدْ رَوَى يَزْدَادُ الْيَمَانِيُّ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إذَا بَالَ أَحَدُكُمْ فَلْيَنْتُرْ ذَكَرَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ } .\rرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ .\rوَإِذَا اسْتَنْجَى بِالْمَاءِ ثُمَّ فَرَغَ ، اُسْتُحِبَّ لَهُ دَلْكُ يَدِهِ بِالْأَرْضِ ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ { مَيْمُونَةَ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَلَ ذَلِكَ .\r} رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ .\rوَرُوِيَ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى حَاجَتَهُ ، ثُمَّ اسْتَنْجَى مِنْ تَوْرٍ ، ثُمَّ دَلَكَ يَدَهُ بِالْأَرْضِ .\r} أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ .\rوَإِنْ اسْتَنْجَى عَقِيبَ انْقِطَاعِ الْبَوْلِ ، جَازَ لِأَنَّ الظَّاهِرَ انْقِطَاعُهُ ، وَقَدْ قِيلَ : إنَّ الْمَاءَ يَقْطَعُ الْبَوْلَ ، وَلِذَلِكَ سُمِّيَ الِاسْتِنْجَاءُ انْتِقَاصَ الْمَاءِ .\rوَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَنْضَحَ عَلَى فَرْجِهِ وَسَرَاوِيلِهِ ؛ لِيُزِيلَ الْوَسْوَاسَ عَنْهُ .\rقَالَ حَنْبَلُ : سَأَلْت أَحْمَدَ قُلْت : أَتَوَضَّأُ وَأَسْتَبْرِئُ ، وَأَجِدُ فِي نَفْسِي أَنِّي قَدْ أَحْدَثْت بَعْدُ ، قَالَ : إذَا تَوَضَّأْت فَاسْتَبْرِئْ ، وَخُذْ كَفًّا مِنْ مَاءٍ فَرُشَّهُ عَلَى فَرْجِك ، وَلَا تَلْتَفِت إلَيْهِ ، فَإِنَّهُ يَذْهَبُ إنْ شَاءَ اللَّهُ .\rوَقَدْ رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : جَاءَنِي جِبْرِيلُ ، فَقَالَ : يَا مُحَمَّدُ ، إذَا تَوَضَّأْت فَانْتَضِحْ } .\rوَهُوَ","part":1,"page":270},{"id":270,"text":"حَدِيثٌ غَرِيبٌ .","part":1,"page":271},{"id":271,"text":"( 213 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : وَالْخَشَبُ وَالْخِرَقُ وَكُلُّ مَا أُنْقِي بِهِ فَهُوَ كَالْأَحْجَارِ هَذَا الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rوَفِيهِ رِوَايَةٌ أُخْرَى ، لَا يُجْزِئُ إلَّا الْأَحْجَارُ .\rاخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ وَهُوَ مَذْهَبُ دَاوُد لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِالْأَحْجَارِ ، وَأَمْرُهُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ ؛ وَلِأَنَّهُ مَوْضِعُ رُخْصَةٍ وَرَدَ الشَّرْعُ فِيهَا بِآلَةٍ مَخْصُوصَةٍ ، فَوَجَبَ الِاقْتِصَارُ عَلَيْهَا ، كَالتُّرَابِ فِي التَّيَمُّمِ .\rوَلَنَا مَا رَوَى أَبُو دَاوُد ، عَنْ خُزَيْمَةَ ، قَالَ : { سُئِلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الِاسْتِطَابَةِ ، فَقَالَ : بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ لَيْسَ فِيهَا رَجِيعٌ .\r} فَلَوْلَا أَنَّهُ أَرَادَ الْحَجَرَ وَمَا فِي مَعْنَاهُ لَمْ يَسْتَثْنِ مِنْهَا الرَّجِيعَ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى ذِكْرِهِ ، وَلَمْ يَكُنْ لِتَخْصِيصِ الرَّجِيعِ بِالذِّكْرِ مَعْنًى .\rوَفِي حَدِيثِ سَلْمَانَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إنَّهُ لَيَنْهَانَا أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ ، وَأَنْ نَسْتَجْمِرَ بِرَجِيعٍ أَوْ عَظْمٍ .\r} رَوَاهُ مُسْلِمٌ ، وَتَخْصِيصُ هَذَيْنِ بِالنَّهْيِ عَنْهُمَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ الْحِجَارَةَ ، وَمَا قَامَ مَقَامَهَا .\rوَرَوَى طَاوُسٌ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { إذَا أَتَى أَحَدُكُمْ الْبَرَازَ فَلْيُنَزِّهْ قِبْلَةَ اللَّهِ ، وَلَا يَسْتَقْبِلْهَا وَلَا يَسْتَدْبِرْهَا ، وَلْيَسْتَطِبْ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ ، أَوْ ثَلَاثَةِ أَعْوَادٍ ، أَوْ ثَلَاثِ حَثَيَاتٍ مِنْ تُرَابٍ } .\rرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ ، وَقَالَ : وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ مُرْسَلٌ وَرَوَاهُ سَعِيدٌ فِي سُنَنِهِ مَوْقُوفًا عَلَى طَاوُسٍ .\rوَلِأَنَّهُ مَتَى وَرَدَ النَّصُّ بِشَيْءٍ لِمَعْنًى مَعْقُولٍ ، وَجَبَ تَعْدِيَتُهُ إلَى مَا وُجِدَ فِيهِ الْمَعْنَى ، وَالْمَعْنَى هَاهُنَا إزَالَةُ عَيْنِ النَّجَاسَةِ ، وَهَذَا يَحْصُلُ بِغَيْرِ الْأَحْجَارِ ، كَحُصُولِهِ بِهَا ، وَبِهَذَا يَخْرُجُ","part":1,"page":272},{"id":272,"text":"التَّيَمُّمُ ؛ فَإِنَّهُ غَيْرُ مَعْقُولٍ ، وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مَا يُسْتَجْمَرُ بِهِ مُنَقِّيًا ؛ لِأَنَّ الْإِنْقَاءَ مُشْتَرَطٌ فِي الِاسْتِجْمَارِ ، فَأَمَّا الزَّلِجُ كَالزُّجَاجِ وَالْفَحْمِ الرِّخْوِ وَشِبْهِهِمَا مِمَّا لَا يُنَقِّي ، فَلَا يُجْزِئُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْصُلُ مِنْهُ الْمَقْصُودُ .\rوَيُشْتَرَطُ كَوْنُهُ طَاهِرًا ، فَإِنْ كَانَ نَجِسًا لَمْ يُجْزِهِ ، وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يُجْزِئُهُ ؛ لِأَنَّهُ يُجَفِّفُ كَالطَّاهِرِ .\rوَلَنَا { أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ جَاءَ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِحَجَرَيْنِ وَرَوْثَةٍ يَسْتَجْمِرُ بِهَا ، فَأَخَذَ الْحَجَرَيْنِ وَأَلْقَى الرَّوْثَةَ ، وَقَالَ : هَذِهِ رِكْسٌ } .\rرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ، وَفِي لَفْظٍ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ ، قَالَ : إنَّهَا رِكْسٌ .\rيَعْنِي نَجَسًا ، وَهَذَا تَعْلِيلٌ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rيَجِبُ الْمَصِيرُ إلَيْهِ ؛ وَلِأَنَّهُ إزَالَةُ نَجَاسَةٍ ، فَلَا يَحْصُلُ بِالنَّجَاسَةِ كَالْغَسْلِ ، فَإِنْ اسْتَنْجَى بِنَجِسٍ احْتَمَلَ أَنْ لَا يُجْزِئَهُ الِاسْتِجْمَارُ بَعْدَهُ ؛ لِأَنَّ الْمَحَلَّ تَنَجَّسَ بِنَجَاسَةٍ مِنْ غَيْرِ الْمَخْرَجِ ، فَلَمْ يُجْزِئْ فِيهَا غَيْرُ الْمَاءِ ، كَمَا لَوْ تَنَجَّسَ ابْتِدَاءً ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُجْزِئَهُ ؛ لِأَنَّ هَذِهِ النَّجَاسَةَ تَابِعَةٌ لِنَجَاسَةِ الْمَحَلِّ ، فَزَالَتْ بِزَوَالِهَا .","part":1,"page":273},{"id":273,"text":"( 214 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : إلَّا الرَّوْثَ وَالْعِظَامَ وَالطَّعَامَ ، وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الِاسْتِجْمَارُ بِالرَّوْثِ وَلَا الْعِظَامِ ، وَلَا يُجْزِئُ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَبِهَذَا قَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ .\rوَأَبَاحَ أَبُو حَنِيفَةَ الِاسْتِنْجَاءَ بِهِمَا ؛ لِأَنَّهُمَا يُجَفِّفَانِ النَّجَاسَةَ ، وَيُنَقِّيَانِ الْمَحَلَّ ، فَهُمَا كَالْحَجَرِ .\rوَأَبَاحَ مَالِكٌ الِاسْتِنْجَاءَ بِالطَّاهِرِ مِنْهُمَا .\rوَقَدْ ذَكَرْنَا نَهْيَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْهُمَا ، وَرَوَى مُسْلِمٌ ، عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا تَسْتَنْجُوا بِالرَّوْثِ وَلَا بِالْعِظَامِ ؛ فَإِنَّهُ زَادُ إخْوَانِكُمْ مِنْ الْجِنِّ } .\rوَرَوَى الدَّارَقُطْنِيّ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِرَوْثٍ أَوْ عَظْمٍ وَقَالَ : إنَّهُمَا لَا يُطَهِّرَانِ } .\rوَقَالَ : إسْنَادٌ صَحِيحٌ .\rوَرَوَى أَبُو دَاوُد ، عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ { ، أَنَّهُ قَالَ لِرُوَيْفِعِ بْنِ ثَابِتٍ ، أَبِي بَكْرَةَ : أَخْبِرْ النَّاسَ أَنَّهُ مَنْ اسْتَنْجَى بِرَجِيعٍ أَوْ عَظْمٍ فَهُوَ بَرِيءٌ مِنْ دِينِ مُحَمَّدٍ .\r} وَهَذَا عَامٌّ فِي الطَّاهِرِ مِنْهَا .\rوَالنَّهْيُ يَقْتَضِي الْفَسَادَ وَعَدَمَ الْإِجْزَاءِ فَأَمَّا الطَّعَامُ فَتَحْرِيمُهُ مِنْ طَرِيقِ التَّنْبِيهِ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَّلَ النَّهْيَ عَنْ الرَّوْثِ وَالرِّمَّةِ ، فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، بِكَوْنِهِمَا زَادَ إخْوَانِنَا مِنْ الْجِنِّ ، فَزَادُنَا مَعَ عِظَمِ حُرْمَتِهِ أَوْلَى .\rفَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ نَهَى عَنْ الِاسْتِنْجَاءِ بِالْيَمِينِ ، كَنَهْيِهِ هَاهُنَا ، فَلَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ الْإِجْزَاءَ ثَمَّ ، كَذَا هَاهُنَا .\rقُلْنَا : قَدْ بَيَّنَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّهُمَا لَا يُطَهِّرَانِ ، ثُمَّ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ النَّهْيَ هُنَا لِمَعْنًى فِي شَرْطِ الْفِعْلِ ، فَمَنَعَ صِحَّتَهُ ، كَالنَّهْيِ عَنْ الْوُضُوءِ بِالْمَاءِ النَّجِسِ ، وَثَمَّ لِمَعْنًى فِي آلَةِ الشَّرْطِ ، فَلَمْ يَمْنَعْ كَالْوُضُوءِ مِنْ","part":1,"page":274},{"id":274,"text":"إنَاءٍ مُحَرَّمٍ .","part":1,"page":275},{"id":275,"text":"( 215 ) فَصْلٌ : وَلَا يَجُوزُ الِاسْتِنْجَاءُ بِمَا لَهُ حُرْمَةٌ كَشَيْءٍ كُتِبَ فِيهِ فِقْهٌ أَوْ حَدِيثُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَا فِيهِ مِنْ هَتْكِ الشَّرِيعَةِ وَالِاسْتِخْفَافِ بِحُرْمَتِهَا ، فَهُوَ فِي الْحُرْمَةِ أَعْظَمُ مِنْ الرَّوْثِ وَالرِّمَّةِ .\rوَلَا يَجُوزُ بِمُتَّصِلٍ بِحَيَوَانٍ كَيَدِهِ وَعَقِبِهِ وَذَنَبِ بَهِيمَةٍ وَصُوفِهَا الْمُتَّصِلِ بِهَا .\rوَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا يَجْمَعُ الْمُسْتَجْمِرُ بِهِ سِتَّ خِصَالٍ أَنْ يَكُونَ طَاهِرًا جَامِدًا مُنَقِّيًا غَيْرَ مَطْعُومٍ وَلَا حُرْمَةَ لَهُ وَلَا مُتَّصِلٍ بِحَيَوَانٍ .","part":1,"page":276},{"id":276,"text":"( 216 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : وَالْحَجَرُ الْكَبِيرُ الَّذِي لَهُ ثَلَاثُ شُعَبٍ يَقُومُ مَقَامَ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى لَا يُجْزِئُ أَقَلُّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي بَكْرِ بْنِ الْمُنْذِرِ ؛ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { لَا يَسْتَنْجِي أَحَدُكُمْ بِدُونِ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ .\rوَلَا يَكْفِي أَحَدَكُمْ دُونَ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ } وَلِأَنَّهُ إذَا اسْتَجْمَرَ بِحَجَرٍ تَنَجَّسَ ؛ فَلَا يَجُوزُ الِاسْتِجْمَارُ بِهِ ثَانِيًا كَالصَّغِيرِ .\rوَلَنَا : أَنَّهُ إنْ اسْتَجْمَرَ ثَلَاثًا مُنَقِّيَةً بِمَا وُجِدَتْ فِيهِ شُرُوطُ الِاسْتِجْمَارِ ، أَجْزَأَهُ ، كَمَا لَوْ فَصَلَهُ ثَلَاثَةً صِغَارًا وَاسْتَجْمَرَ بِهَا ، إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ إلَّا فَصْلُهُ وَلَا أَثَرَ لِذَلِكَ فِي التَّطْهِيرِ ، وَالْحَدِيثُ يَقْتَضِي ثَلَاثَ مَسَحَاتٍ بِحَجَرٍ دُونَ عَيْنِ الْأَحْجَارِ كَمَا يُقَالُ ضَرَبْته ثَلَاثَةَ أَسْوَاطٍ أَيْ ثَلَاثَ ضَرَبَاتٍ بِسَوْطٍ وَذَلِكَ لِأَنَّ مَعْنَاهُ مَعْقُولٌ وَمُرَادَهُ مَعْلُومٌ ، وَلِذَلِكَ لَمْ نَقْتَصِرْ عَلَى لَفْظِهِ فِي غَيْرِ الْأَحْجَارِ ، بَلْ أَجَزْنَا الْخَشَبَ وَالْخِرَقَ وَالْمَدَرَ وَالْمَعْنَى مِنْ ثَلَاثَةٍ حَاصِلٌ مِنْ ثَلَاثِ شُعَبٍ أَوْ مَسْحِهِ ذَكَرَهُ فِي صَخْرَةٍ عَظِيمَةٍ ، بِثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ مِنْهَا أَوْ فِي حَائِطٍ أَوْ أَرْضٍ فَلَا مَعْنَى لِلْجُمُودِ عَلَى اللَّفْظِ مَعَ وُجُودِ مَا يُسَاوِيهِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ .\rوَقَوْلُهُمْ : تَنَجَّسَ قُلْنَا : إنَّمَا تَنَجَّسَ مَا أَصَابَ النَّجَاسَةَ ، وَالِاسْتِجْمَارُ .\rحَاصِلٌ بِغَيْرِهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ تَنَجَّسَ جَانِبُهُ بِغَيْرِ الِاسْتِجْمَارِ ؛ وَلِأَنَّهُ لَوْ اسْتَجْمَرَ بِهِ ثَلَاثَةٌ لَحَصَلَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَسْحَةٌ وَقَامَ مَقَامَ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ فَكَذَلِكَ إذَا اسْتَجْمَرَ بِهِ الْوَاحِدُ ، وَلَوْ اسْتَجْمَرَ ثَلَاثَةٌ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ لِكُلِّ حَجَرٍ مِنْهَا ثَلَاثُ شُعَبٍ ، فَاسْتَجْمَرَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مِنْ كُلِّ حَجَرٍ بِشُعْبَةٍ ، أَجْزَأَهُمْ وَيَحْتَمِلُ عَلَى قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ أَنْ لَا","part":1,"page":277},{"id":277,"text":"يُجْزِئَهُمْ .","part":1,"page":278},{"id":278,"text":"( 217 ) فَصْلٌ : وَلَوْ اسْتَجْمَرَ بِحَجَرٍ ، ثُمَّ غَسَلَهُ أَوْ كَسَرَ مَا تَنَجَّسَ مِنْهُ وَاسْتَجْمَرَ بِهِ ثَانِيًا ثُمَّ فَعَلَ ذَلِكَ وَاسْتَجْمَرَ بِهِ ثَالِثًا أَجْزَأَهُ ؛ لِأَنَّهُ حَجَرٌ يُجْزِئُ غَيْرَهُ الِاسْتِجْمَارُ بِهِ فَأَجْزَأَهُ كَغَيْرِهِ ، وَيَحْتَمِلُ عَلَى قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ أَنْ لَا يُجْزِئَهُ ؛ مُحَافَظَةً عَلَى صُورَةِ اللَّفْظِ وَهُوَ بَعِيدٌ .","part":1,"page":279},{"id":279,"text":"( 218 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : وَمَا عَدَا الْمَخْرَجِ فَلَا يُجْزِئُ فِيهِ إلَّا الْمَاءُ .\rوَبِهَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَإِسْحَاقُ وَابْنُ الْمُنْذِرِ يَعْنِي إذَا تَجَاوَزَ الْمَحَلَّ بِمَا لَمْ تَجْرِ بِهِ الْعَادَةُ مِثْلُ أَنْ يَنْتَشِرَ إلَى الصَّفْحَتَيْنِ وَامْتَدَّ فِي الْحَشَفَةِ لَمْ يُجْزِهِ إلَّا الْمَاءُ ؛ لِأَنَّ الِاسْتِجْمَارَ فِي الْمَحَلِّ الْمُعْتَادِ رُخْصَةٌ لِأَجْلِ الْمَشَقَّةِ فِي غَسْلِهِ لِتَكَرُّرِ النَّجَاسَةِ فِيهِ فَمَا لَا تَتَكَرَّرُ النَّجَاسَةُ فِيهِ لَا يُجْزِئُ فِيهِ إلَّا الْغَسْلُ كَسَاقِهِ وَفَخِذِهِ ، وَلِذَلِكَ قَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : إنَّكُمْ كُنْتُمْ تَبْعَرُونَ بَعْرًا ، وَأَنْتُمْ الْيَوْمَ تَثْلِطُونَ ثَلْطًا فَأَتْبِعُوا الْمَاءَ الْأَحْجَارَ وَقَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { يَكْفِي أَحَدَكُمْ ثَلَاثَةُ أَحْجَارٍ } أَرَادَ مَا لَمْ يَتَجَاوَزْ مَحَلَّ الْعَادَةِ لِمَا ذَكَرْنَا .\r( 219 ) فَصْلٌ : وَالْمَرْأَةُ الْبِكْرُ كَالرَّجُلِ ؛ لِأَنَّ عُذْرَتَهَا تَمْنَعُ انْتِشَارَ الْبَوْلِ .\rفَأَمَّا الثَّيِّبُ فَإِنْ خَرَجَ الْبَوْلُ بِحِدَةٍ فَلَمْ يَنْتَشِرْ فَكَذَلِكَ .\rوَإِنْ تَعَدَّى إلَى مَخْرَجِ الْحَيْضِ فَقَالَ أَصْحَابُنَا : يَجِبُ غَسْلُهُ لِأَنَّ مَخْرَجَ الْحَيْضِ وَالْوَلَدِ غَيْرُ مَخْرَجِ الْبَوْلِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَجِبَ ؛ لِأَنَّ هَذَا عَادَةٌ فِي حَقِّهَا فَكَفَى فِيهِ الِاسْتِجْمَارُ كَالْمُعْتَادِ فِي غَيْرِهَا ؛ وَلِأَنَّ الْغَسْلَ لَوْ لَزِمَهَا مَعَ اعْتِيَادِهِ لَبَيَّنَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَزْوَاجِهِ لِكَوْنِهِ مِمَّا يُحْتَاجُ إلَى مَعْرِفَتِهِ ، وَإِنْ شَكَّ فِي انْتِشَارِ الْخَارِجِ إلَى مَا يُوجِبُ الْغَسْلَ ، لَمْ يَجِبْ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ وَالْمُسْتَحَبُّ الْغَسْلُ احْتِيَاطًا .\r( 220 ) فَصْلٌ : وَالْأَقْلَفُ إنْ كَانَ مُرْتَتِقًا لَا تَخْرُجُ بَشَرَتُهُ مِنْ قُلْفَتِهِ فَهُوَ كَالْمُخْتَتِنِ ، وَإِنْ كَانَ يُمْكِنُهُ كَشْفُهَا كَشَفَهَا فَإِذَا بَالَ وَاسْتَجْمَرَ أَعَادَهَا فَإِنْ تَنَجَّسَتْ بِالْبَوْلِ لَزِمَهُ غَسْلُهَا كَمَا لَوْ انْتَشَرَ إلَى الْحَشَفَةِ .\r( 221 ) فَصْلٌ : وَإِنْ انْسَدَّ الْمَخْرَجُ الْمُعْتَادُ وَانْفَتَحَ","part":1,"page":280},{"id":280,"text":"آخَرُ ، لَمْ يُجْزِهِ الِاسْتِجْمَارُ فِيهِ ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ السَّبِيلِ الْمُعْتَادِ وَحُكِيَ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ يُجْزِئُهُ ؛ لِأَنَّهُ صَارَ مُعْتَادًا .\rوَلَنَا ، أَنَّ هَذَا نَادِرٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى سَائِرِ النَّاسِ فَلَمْ تَثْبُتْ فِيهِ أَحْكَامُ الْفَرْجِ ، فَإِنَّهُ لَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ مَسُّهُ ، وَلَا يَجِبُ بِالْإِيلَاجِ فِيهِ حَدٌّ وَلَا مَهْرٌ وَلَا غُسْلٌ ، وَلَا غَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الْأَحْكَامِ ، فَأَشْبَهَ سَائِرَ الْبَدَنِ .\r( 222 ) فَصْلٌ : ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ أَنَّ مَحَلَّ الِاسْتِجْمَارِ بَعْدَ الْإِنْقَاءِ طَاهِرٌ ، فَإِنَّ أَحْمَدَ بْنَ الْحُسَيْنِ ، قَالَ سَأَلْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَنْ الرَّجُلِ يَبُولُ فَيَسْتَبْرِئُ وَيَسْتَجْمِرُ يَعْرَقُ فِي سَرَاوِيلِهِ ؟ قَالَ إذَا اسْتَجْمَرَ ثَلَاثًا فَلَا بَأْسَ .\rوَسَأَلَهُ رَجُلٌ ، فَقَالَ إذَا اسْتَنْجَيْت مِنْ الْغَائِطِ يُصِيبُ ذَلِكَ الْمَاءُ مَوْضِعًا مِنِّي آخَرَ ؟ فَقَالَ أَحْمَدُ : قَدْ جَاءَ فِي الِاسْتِنْجَاءِ ثَلَاثَةُ أَحْجَارٍ ، فَاسْتَنْجِ أَنْتَ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ ثُمَّ لَا تُبَالِي مَا أَصَابَك مِنْ ذَلِكَ الْمَاءِ .\rقَالَ : وَسَأَلْت أَحْمَدَ عَنْ رَشِّ الْمَاءِ عَلَى الْخُفِّ إذَا لَمْ يَسْتَجْمِرْ الرَّجُلُ ؟ قَالَ أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَغْسِلَهُ ثَلَاثًا .\rوَهَذَا قَوْلُ ابْنِ حَامِدٍ وَظَاهِرُ قَوْلِ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ نَجِسٌ ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ فَلَوْ قَعَدَ الْمُسْتَجْمِرُ فِي مَاءٍ قَلِيلٍ نَجَّسَهُ وَلَوْ عَرِقَ كَانَ عَرَقُهُ نَجِسًا ؛ لِأَنَّهُ مَسْحٌ لِلنَّجَاسَةِ ، فَلَمْ يَطْهُرْ بِهِ مَحَلُّهَا كَسَائِرِ الْمَسْحِ .\rوَوَجْهُ الْأَوَّلِ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَا تَسْتَنْجُوا بِرَوْثٍ وَلَا عَظْمٍ ، فَإِنَّهُمَا لَا يُطَهِّرَانِ } فَمَفْهُومُهُ أَنَّ غَيْرَهُمَا يُطَهِّرُ ؛ وَلِأَنَّ الصَّحَابَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، كَانَ الْغَالِبُ عَلَيْهِمْ الِاسْتِجْمَارُ ، حَتَّى إنَّ جَمَاعَةً مِنْهُمْ أَنْكَرُوا الِاسْتِنْجَاءَ بِالْمَاءِ ، وَسَمَّاهُ بَعْضُهُمْ بِدْعَةً وَبِلَادُهُمْ حَارَّةٌ ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُمْ لَا يَسْلَمُونَ مِنْ الْعَرَقِ ، فَلَمْ","part":1,"page":281},{"id":281,"text":"يُنْقَلْ عَنْهُمْ تَوَقِّي ذَلِكَ ، وَلَا الِاحْتِرَازُ مِنْهُ وَلَا ذِكْرُ ذَلِكَ أَصْلًا وَقَدْ نُقِلَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، أَنَّهُ بَالَ بِالْمُزْدَلِفَةِ فَأَدْخَلَ يَدَهُ فَنَضَحَ فَرْجَهُ مِنْ تَحْتِ ثِيَابِهِ وَعَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ نَحْوُ ذَلِكَ ، وَلَوْلَا أَنَّهُمَا اعْتَقَدَا طَهَارَتَهُ مَا فَعَلَا ذَلِكَ .\r( 223 ) فَصْلٌ : إذَا اسْتَنْجَى بِالْمَاءِ لَمْ يَحْتَجْ إلَى تُرَابٍ قَالَ أَحْمَدُ يُجْزِئُهُ الْمَاءُ وَحْدَهُ .\rوَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ اسْتَعْمَلَ التُّرَابَ مَعَ الْمَاءِ فِي الِاسْتِنْجَاءِ وَلَا أَمَرَ بِهِ ، فَأَمَّا عَدَدُ الْغَسَلَاتِ فَقَدْ اُخْتُلِفَ عَنْ أَحْمَدَ فِيهَا ؛ فَقَالَ ، فِي رِوَايَةِ ابْنِهِ صَالِحٍ أَقَلُّ مَا يُجْزِئُهُ مِنْ الْمَاءِ سَبْعُ مَرَّاتٍ .\rوَقَالَ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَكَمِ : وَلَكِنْ الْمَقْعَدَةُ يُجْزِئُ أَنْ تُمْسَحَ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ أَوْ يَغْسِلُهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، وَلَا يُجْزِئُ عِنْدِي إذَا كَانَ فِي الْجَسَدِ أَنْ يَغْسِلَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، وَذَلِكَ لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَغْسِلُ مَقْعَدَتَهُ ثَلَاثًا } رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَقَالَ أَبُو دَاوُد سُئِلَ أَحْمَدُ عَنْ حَدِّ الِاسْتِنْجَاءِ بِالْمَاءِ ؟ فَقَالَ يُنَقِّي .\rوَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ لَا عَدَدَ فِيهِ إنَّمَا الْوَاجِبُ الْإِنْقَاءُ ، وَهَذَا أَصَحُّ لِأَنَّهُ لَمْ يَصِحَّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذَلِكَ عَدَدٌ ، وَلَا أَمَرَ بِهِ ، وَلَا بُدَّ مِنْ الْإِنْقَاءِ عَلَى الرِّوَايَاتِ كُلِّهَا ، وَهُوَ أَنْ تَذْهَبَ لُزُوجَةُ النَّجَاسَةِ وَآثَارُهَا .","part":1,"page":282},{"id":282,"text":"فُصُولٌ فِي أَدَبِ التَّخَلِّي لَا يَجُوزُ اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ فِي الْفَضَاءِ لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ؛ لِمَا رَوَى أَبُو أَيُّوبَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إذَا أَتَى أَحَدُكُمْ الْغَائِطَ فَلَا يَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ وَلَا يُوَلِّهَا ظَهْرَهُ ، وَلَكِنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا قَالَ أَبُو أَيُّوبَ : فَقَدِمْنَا الشَّامَ فَوَجَدْنَا مَرَاحِيضَ قَدْ بُنِيَتْ نَحْوَ الْكَعْبَةِ ، فَنَنْحَرِفُ عَنْهَا وَنَسْتَغْفِرُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَلِمُسْلِمٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إذَا جَلَسَ أَحَدُكُمْ عَلَى حَاجَتِهِ فَلَا يَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ وَلَا يَسْتَدْبِرْهَا } وَقَالَ عُرْوَةُ بْنُ رَبِيعَةَ وَدَاوُد : يَجُوزُ اسْتِقْبَالُهَا وَاسْتِدْبَارُهَا لِمَا رَوَى جَابِرٌ قَالَ : { نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ بِبَوْلٍ ، فَرَأَيْته قَبْلَ أَنْ يُقْبَضَ بِعَامٍ يَسْتَقْبِلُهَا } قَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ .\rوَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى النَّسْخِ ، فَيَجِبُ تَقْدِيمُهُ .\rوَلَنَا أَحَادِيثُ النَّهْيِ ، وَهِيَ صَحِيحَةٌ .\rوَحَدِيثُ جَابِرٍ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ رَآهُ فِي الْبُنْيَانِ ، أَوْ مُسْتَتِرًا بِشَيْءٍ وَلَا يَثْبُتُ النَّسْخُ بِالِاحْتِمَالِ وَيَتَعَيَّنُ حَمْلُهُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا ، لِيَكُونَ مُوَافِقًا لِلْأَحَادِيثِ الَّتِي نَذْكُرُهَا ، فَأَمَّا فِي الْبُنْيَانِ ، أَوْ إذَا كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ شَيْءٌ يَسْتُرُهُ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ إحْدَاهُمَا لَا يَجُوزُ أَيْضًا .\rوَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ لِعُمُومِ الْأَحَادِيثِ فِي النَّهْيِ .\rوَالثَّانِيَةُ يَجُوزُ اسْتِقْبَالُهَا وَاسْتِدْبَارُهَا فِي الْبُنْيَانِ ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ الْعَبَّاسِ وَابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ : وَالشَّافِعِيُّ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَهُوَ الصَّحِيحُ ؛ لِحَدِيثِ جَابِرٍ وَقَدْ حَمَلْنَاهُ عَلَى أَنَّهُ كَانَ فِي الْبُنْيَانِ ، وَرَوَتْ عَائِشَةُ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ","part":1,"page":283},{"id":283,"text":"وَسَلَّمَ ذُكِرَ لَهُ أَنَّ قَوْمًا يَكْرَهُونَ اسْتِقْبَالَ الْقِبْلَةِ بِفُرُوجِهِمْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوَ قَدْ فَعَلُوهَا اسْتَقْبِلُوا بِمَقْعَدَتِي الْقِبْلَةَ } رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ وَأَكْثَرُ أَصْحَابِ الْمَسَانِيدِ ، مِنْهُمْ أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيُّ ، رَوَاهُ عَنْ خَالِدِ بْنِ الصَّلْتِ ، عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ ، عَنْ عَائِشَةَ .\rقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ : أَحْسَنُ مَا رُوِيَ فِي الرُّخْصَةِ حَدِيثُ عَائِشَةَ ، وَإِنْ كَانَ مُرْسَلًا فَإِنَّ مَخْرَجَهُ حَسَنٌ .\rقَالَ أَحْمَدُ : عِرَاكُ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ عَائِشَةَ .\rفَلِذَلِكَ سَمَّاهُ مُرْسَلًا .\rوَهَذَا كُلُّهُ فِي الْبُنْيَانِ ، وَهُوَ خَاصٌّ يُقَدَّمُ عَلَى الْعَامِّ .\rوَعَنْ مَرْوَانَ بْنِ الْأَصْفَرِ قَالَ : رَأَيْت ابْنَ عُمَرَ أَنَاخَ رَاحِلَتَهُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ ، ثُمَّ جَلَسَ يَبُولُ إلَيْهَا .\rفَقُلْت : يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، أَلَيْسَ قَدْ نُهِيَ عَنْ هَذَا ؟ قَالَ : بَلَى إنَّمَا نُهِيَ عَنْ هَذَا فِي الْفَضَاءِ ، فَإِذَا كَانَ بَيْنَك وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ شَيْءٌ يَسْتُرُك فَلَا بَأْسَ .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَهَذَا تَفْسِيرٌ لِنَهْيِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْعَامِّ وَفِيهِ جَمْعٌ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ ، فَيَتَعَيَّنُ الْمَصِيرُ إلَيْهِ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ : أَنَّهُ يَجُوزُ اسْتِدْبَارُ الْكَعْبَةِ فِي الْبُنْيَانِ وَالْفَضَاءِ جَمِيعًا ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ قَالَ : { رَقِيت يَوْمًا عَلَى بَيْتِ حَفْصَةَ ، فَرَأَيْت النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَاجَتِهِ ، مُسْتَقْبِلَ الشَّامِ مُسْتَدْبِرَ الْكَعْبَةِ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\r( 225 ) فَصْلٌ : وَيُكْرَهُ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ بِفَرْجِهِ ؛ لِمَا فِيهِمَا مِنْ نُورِ اللَّهِ تَعَالَى .\rفَإِنْ اسْتَتَرَ عَنْهُمَا بِشَيْءٍ فَلَا بَأْسَ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ اسْتَتَرَ عَنْ الْقِبْلَةِ جَازَ فَهَاهُنَا أَوْلَى .\rوَيُكْرَهُ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الرِّيحَ ؛ لِئَلَّا تَرُدَّ عَلَيْهِ رَشَاشَ الْبَوْلِ ، فَيُنَجِّسَهُ .\r( 226 ) فَصْلٌ : وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَسْتَتِرَ عَنْ النَّاسِ ، فَإِنْ وَجَدَ حَائِطًا أَوْ كَثِيبًا","part":1,"page":284},{"id":284,"text":"أَوْ شَجَرَةً أَوْ بَعِيرًا اسْتَتَرَ بِهِ وَإِنْ لَمْ يَجِدْ شَيْئًا أَبْعَدَ حَتَّى لَا يَرَاهُ أَحَدٌ ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { مَنْ أَتَى الْغَائِطَ فَلْيَسْتَتِرْ ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ إلَّا أَنْ يَجْمَعَ كَثِيبًا مِنْ الرَّمْلِ فَلْيَسْتَدْبِرْهُ } وَرُوِيَ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ { أَنَّهُ خَرَجَ وَمَعَهُ دَرَقَةٌ ، ثُمَّ اسْتَتَرَ بِهَا ، ثُمَّ بَالَ } .\rوَعَنْ جَابِرٍ قَالَ { : كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا أَرَادَ الْبَرَازَ انْطَلَقَ حَتَّى لَا يَرَاهُ أَحَدٌ .\r} وَالْبَرَازُ : الْمَوْضِعُ الْبَارِزُ ، سُمِّيَ قَضَاءُ الْحَاجَةِ بِهِ ؛ لِأَنَّهَا تُقْضَى فِيهِ .\rوَعَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ، قَالَ { : كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا ذَهَبَ أَبْعَدَ } ، رَوَى أَحَادِيثَ هَذَا الْفَصْلِ كُلَّهَا أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ .\rوَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ { : كَانَ أَحَبَّ مَا اسْتَتَرَ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَيْهِ لِحَاجَتِهِ هَدَفٌ أَوْ حَائِشُ نَخْلٍ } رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ .\r( 227 ) فَصْلٌ : وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَرْتَادَ لِبَوْلِهِ مَوْضِعًا رَخْوًا ؛ لِئَلَّا يَتَرَشَّشَ عَلَيْهِ ، { قَالَ أَبُو مُوسَى كُنْت مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ ، فَأَرَادَ أَنْ يَتَبَوَّلَ ، فَأَتَى دَمِثًا فِي أَصْلِ حَائِطٍ ، فَبَالَ ثُمَّ قَالَ إذَا أَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يَتَبَوَّلَ فَلْيَرْتَدْ لِبَوْلِهِ } رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَبُولَ قَاعِدًا ؛ لِئَلَّا يَتَرَشَّشَ عَلَيْهِ ، قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ مِنْ الْجَفَاءِ أَنْ تَبُولَ وَأَنْتَ قَائِمٌ .\rوَكَانَ سَعْدُ بْنُ إبْرَاهِيمَ لَا يُجِيزُ شَهَادَةَ مَنْ بَالَ قَائِمًا ، { قَالَتْ عَائِشَةُ : مَنْ حَدَّثَكُمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَبُولُ قَائِمًا فَلَا تُصَدِّقُوهُ ، مَا كَانَ يَبُولُ إلَّا قَاعِدًا .\r} قَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا أَصَحُّ شَيْءٍ فِي الْبَابِ وَقَدْ رُوِيت الرُّخْصَةُ فِيهِ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ ، وَابْنِ عُمَرَ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَسَهْلِ بْنِ سَعْدٍ","part":1,"page":285},{"id":285,"text":"وَأَنَسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَعُرْوَةَ .\rوَرَوَى حُذَيْفَةُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَتَى سُبَاطَةَ قَوْمٍ ، فَبَالَ قَائِمًا .\r} رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ، وَغَيْرُهُ .\rوَلَعَلَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَلَ ذَلِكَ لِتَبْيِينِ الْجَوَازِ ، وَلَمْ يَفْعَلْهُ إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ كَانَ فِي مَوْضِعٍ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ الْجُلُوسِ فِيهِ .\rوَقِيلَ : فَعَلَ ذَلِكَ لِعِلَّةٍ كَانَتْ بِمَأْبِضِهِ .\rوَالْمَأْبِضُ مَا تَحْتِ الرُّكْبَةِ مِنْ كُلِّ حَيَوَانٍ .\r( 228 ) فَصْلٌ : وَيُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَرْفَعَ ثَوْبَهُ حَتَّى يَدْنُوَ مِنْ الْأَرْضِ ؛ لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ { كَانَ إذَا أَرَادَ الْحَاجَةَ لَا يَرْفَعُ ثَوْبَهُ حَتَّى يَدْنُوَ مِنْ الْأَرْضِ } ؛ وَلِأَنَّ ذَلِكَ أَسْتَرُ لَهُ فَيَكُونُ أَوْلَى .\r( 229 ) فَصْلٌ : وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَبُولَ فِي طَرِيقِ النَّاسِ ، وَلَا مَوْرِدِ مَاءٍ ، وَلَا ظِلٍّ يَنْتَفِعُ بِهِ النَّاسُ ؛ لِمَا رَوَى مُعَاذٌ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { اتَّقُوا الْمَلَاعِنَ الثَّلَاثَةَ - الْبَرَازَ فِي الْمَوَارِدِ ، وَقَارِعَةِ الطَّرِيقِ ، وَالظِّلِّ } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : \" اتَّقُوا اللَّعَّانَيْنِ .\rقَالُوا : وَمَا اللَّعَّانَانِ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ الَّذِي يَتَخَلَّى فِي طَرِيقِ النَّاسِ أَوْ فِي ظِلِّهِمْ \" أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالْمَوْرِدُ طَرِيقٌ .\rوَلَا يَبُولُ تَحْتَ شَجَرَةٍ مُثْمِرَةٍ ، فِي حَالِ كَوْنِ الثَّمَرَةِ عَلَيْهَا لِئَلَّا تَسْقُطَ عَلَيْهِ الثَّمَرَةُ فَتَتَنَجَّسَ بِهِ .\rفَأَمَّا فِي غَيْرِ حَالِ الثَّمَرَةِ فَلَا بَأْسَ ، فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ أَحَبَّ مَا اسْتَتَرَ بِهِ إلَيْهِ لِحَاجَتِهِ هَدَفٌ أَوْ حَائِشُ نَخْلٍ .\rوَلَا يَبُولُ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { نَهَى عَنْ الْبَوْلِ فِي الْمَاءِ الرَّاكِدِ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ؛ وَلِأَنَّ الْمَاءَ إنْ كَانَ قَلِيلًا تَنَجَّسَ بِهِ","part":1,"page":286},{"id":286,"text":"وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا ، فَرُبَّمَا تَغَيَّرَ بِتَكْرَارِ الْبَوْلِ فِيهِ ، فَأَمَّا الْجَارِي فَلَا يَجُوزُ التَّغَوُّطُ فِيهِ ؛ لِأَنَّهُ يُؤْذِي مَنْ يَمُرُّ بِهِ ، وَإِنْ بَالَ فِيهِ وَهُوَ كَثِيرٌ لَا يُؤَثِّرُ فِيهِ الْبَوْلُ ، فَلَا بَأْسَ ؛ لِأَنَّ تَخْصِيصَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الرَّاكِدَ بِالنَّهْيِ عَنْ الْبَوْلِ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْجَارِيَ بِخِلَافِهِ ، وَلَا يَبُولُ عَلَى مَا نُهِيَ عَنْ الِاسْتِجْمَارِ بِهِ ؛ لِأَنَّ هَذَا أَبْلُغُ مِنْ الِاسْتِجْمَارِ بِهِ فَالنَّهْيُ ثَمَّ تَنْبِيهٌ عَلَى تَحْرِيمِ الْبَوْلِ عَلَيْهِ .\rوَيُكْرَهُ عَلَى أَنْ يَبُولَ فِي شَقٍّ أَوْ ثَقْبٍ ؛ لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَرْجِسَ { ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى أَنْ يُبَالَ فِي الْجُحْرِ } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ؛ لِأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْمُغَفَّلِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي مُسْتَحَمِّهِ } وَلِأَنَّهُ لَا يَأْمَنُ أَنْ يَكُونَ فِيهِ حَيَوَانٌ يَلْسَعُهُ أَوْ يَكُونَ مَسْكَنًا لِلْجِنِّ فَيَتَأَذَّى بِهِمْ ، فَقَدْ حُكِيَ أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ بَالَ فِي جُحْرٍ بِالشَّامِ ثُمَّ اسْتَلْقَى مَيِّتًا فَسُمِعَتْ الْجِنُّ تَقُولُ : نَحْنُ قَتَلْنَا سَيِّدَ الْخَزْرَجِ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ وَرَمَيْنَاهُ بِسَهْمَيْنِ فَلَمْ نُخْطِئْ فُؤَادَهْ وَلَا يَبُولُ فِي مُسْتَحِمِّهِ فَإِنَّ عَامَّةَ الْوَسْوَاسِ مِنْهُ .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَابْنُ مَاجَهْ وَقَالَ : سَمِعْت عَلِيَّ بْنَ مُحَمَّدٍ الطَّنَافِسِيَّ يَقُولُ : إنَّمَا هَذَا فِي الْحَفِيرَةِ ؛ فَأَمَّا الْيَوْمَ فَمُغْتَسَلَاتُهُمْ الْجِصُّ وَالصَّارُوجُ وَالْقِيرُ فَإِذَا بَالَ وَأَرْسَلَ عَلَيْهِ الْمَاءَ فَلَا بَأْسَ بِهِ .\rوَقَدْ قِيلَ : إنَّ الْبُصَاقَ عَلَى الْبَوْلِ يُورِثُ الْوَسْوَاسَ ، وَإِنَّ الْبَوْلَ عَلَى النَّارِ يُورِثُ السَّقَمَ ، وَتَوَقِّي ذَلِكَ كُلِّهِ أَوْلَى .\rوَيُكْرَهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ عَلَى مَوْضِعِ بَوْلِهِ ، أَوْ يَسْتَنْجِيَ عَلَيْهِ لِئَلَّا يَتَنَجَّسَ بِهِ .\r( 230 ) فَصْلٌ : وَيَعْتَمِدُ فِي حَالِ جُلُوسِهِ عَلَى رِجْلِهِ الْيُسْرَى ، لِمَا رَوَى","part":1,"page":287},{"id":287,"text":"سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ : { أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ نَتَوَكَّأَ عَلَى الْيُسْرَى وَأَنْ نَنْصِبَ الْيُمْنَى } رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْمُعْجَمِ ؛ وَلِأَنَّهُ أَسْهَلُ لِخُرُوجِ الْخَارِجِ ، وَلَا يُطِيلُ الْمُقَامَ أَكْثَرَ مِنْ قَدْرِ الْحَاجَةِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَضُرُّهُ ، وَقَدْ قِيلَ : إنَّهُ يُورِثُ الْبَاسُورَ وَقِيلَ : إنَّهُ يُدْمِي الْكَبِدَ ، وَرُبَّمَا آذَى مَنْ يَنْتَظِرُهُ .\rوَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُغَطِّيَ رَأْسَهُ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُرْوَى عَنْ ، أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ؛ وَلِأَنَّهُ حَالَ كَشْفِ الْعَوْرَةِ فَيَسْتَحْيِي فِيهَا .\rوَيَلْبَسُ حِذَاءَهُ ؛ لِئَلَّا تَتَنَجَّسَ رِجْلَاهُ .\rوَلَا يَذْكُرُ اللَّهَ تَعَالَى عَلَى حَاجَتِهِ إلَّا بِقَلْبِهِ وَكَرِهَ ذَلِكَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَعَطَاءٌ وَعِكْرِمَةُ ، وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ وَالنَّخَعِيُّ لَا بَأْسَ بِهِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ مَحْمُودٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ .\rوَلَنَا : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَرُدَّ السَّلَامَ فِي هَذِهِ الْحَالِ ، فَذِكْرُ اللَّهِ أَوْلَى .\rفَإِذَا عَطَسَ حَمِدَ اللَّهَ بِقَلْبِهِ وَلَمْ يَتَكَلَّمْ .\rوَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ : فِيهِ رِوَايَةٌ أُخْرَى ، إنَّهُ يَحْمَدُ اللَّهَ بِلِسَانِهِ .\rوَالْأَوَّلُ أَوْلَى ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ ، فَإِنَّهُ إذَا لَمْ يَرُدَّ السَّلَامَ الْوَاجِبَ ، فَمَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ أَوْلَى .\rوَلَا يُسَلِّمُ وَلَا يَرُدُّ عَلَى مُسَلِّمٍ ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ { أَنَّ رَجُلًا مَرَّ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَبُولُ ، فَسَلَّمَ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ } قَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ .\rوَعَنْ جَابِرٍ ، { أَنَّ رَجُلًا مَرَّ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَبُولُ ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا رَأَيْتَنِي عَلَى مِثْلِ هَذِهِ الْحَالَةِ فَلَا تُسَلِّمْ عَلَيَّ ؛ فَإِنَّك إنْ فَعَلْت ذَلِكَ لَمْ أَرُدَّ عَلَيْك } .\rرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ .\rوَلَا يَتَكَلَّمُ ؛ لِمَا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ قَالَ ، سَمِعْت","part":1,"page":288},{"id":288,"text":"النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : { لَا يَخْرُجُ الرَّجُلَانِ يَضْرِبَانِ الْغَائِطَ كَاشِفَيْنِ عَنْ عَوْرَتَيْهِمَا يَتَحَدَّثَانِ ، فَإِنَّ اللَّهَ يَمْقُتُ عَلَى ذَلِكَ } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\r( 231 ) فَصْلٌ : إذَا أَرَادَ دُخُولَ الْخَلَاءِ وَمَعَهُ شَيْءٌ فِيهِ ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى اُسْتُحِبَّ وَضْعُهُ .\rوَقَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ : { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ وَضَعَ خَاتَمَهُ .\r} رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَأَبُو دَاوُد وَقَالَ : هَذَا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ وَقِيلَ : إنَّمَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَضَعُهُ ؛ لِأَنَّ فِيهِ \" مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ \" ثَلَاثَةَ أَسْطُرٍ ، فَإِنْ احْتَفَظَ بِمَا مَعَهُ مِمَّا فِيهِ ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى ، وَاحْتَرَزَ عَلَيْهِ مِنْ السُّقُوطِ ، أَوْ أَدَارَ فَصَّ الْخَاتَمِ إلَى بَاطِنِ كَفِّهِ فَلَا بَأْسَ .\rقَالَ أَحْمَدُ .\rالْخَاتَمُ إذَا كَانَ فِيهِ اسْمُ اللَّهِ يَجْعَلُهُ فِي بَاطِنِ كَفِّهِ ، وَيَدْخُلُ الْخَلَاءَ .\rوَقَالَ عِكْرِمَةُ : اقْلِبْهُ هَكَذَا فِي بَاطِنِ كَفِّك فَاقْبِضْ عَلَيْهِ وَبِهِ قَالَ إِسْحَاقُ ، وَرَخَّصَ فِيهِ ابْنُ الْمُسَيِّبِ وَالْحَسَنُ وَابْنُ سِيرِينَ وَقَالَ أَحْمَدُ فِي الرَّجُلِ يَدْخُلُ الْخَلَاءَ وَمَعَهُ الدَّرَاهِمُ : أَرْجُو أَنْ لَا يَكُونَ بِهِ بَأْسٌ .\r( 232 ) فَصْلٌ : وَيُقَدِّمُ رِجْلَهُ الْيُسْرَى فِي الدُّخُولِ ، وَالْيُمْنَى فِي الْخُرُوجِ وَيَقُولُ عِنْدَ دُخُولِهِ بِسْمِ اللَّهِ أَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ الْخُبْثِ وَالْخَبَائِثِ ، وَمِنْ الرِّجْسِ النَّجِسِ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ .\rقَالَ أَحْمَدُ يَقُولُ إذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ : أَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ الْخُبْثِ وَالْخَبَائِثِ ، وَمَا دَخَلْت قَطُّ الْمُتَوَضَّأَ وَلَمْ أَقُلْهَا إلَّا أَصَابَنِي مَا أَكْرَهُ ، وَعَنْ أَنَسٍ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ قَالَ اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْخُبْثِ وَالْخَبَائِثِ } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ، وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { سِتْرُ مَا بَيْنَ الْجِنِّ وَعَوْرَاتِ بَنِي آدَمَ إذَا","part":1,"page":289},{"id":289,"text":"دَخَلَ الْكَنِيفَ أَنْ يَقُولَ : بِسْمِ اللَّهِ } وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ : قَالَ إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { لَا يَعْجِزُ أَحَدُكُمْ إذَا دَخَلَ مِرْفَقَهُ أَنْ يَقُولَ : اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الرِّجْسِ النَّجِسِ الْخَبِيثِ الْمُخْبِثِ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ } .\rرَوَاهُمَا ابْنُ مَاجَهْ .\rقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الْخُبْثُ بِسُكُونِ الْبَاءِ الشَّرُّ وَالْخَبَائِثُ الشَّيَاطِينُ .\rوَقِيلَ الْخُبْثُ ، بِضَمِّ الْبَاءِ وَالْخَبَائِثُ : ذُكْرَانُ الشَّيَاطِينِ وَإِنَاثُهُمْ فَإِذَا خَرَجَ مِنْ الْخَلَاءِ قَالَ غُفْرَانَك الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنِّي الْأَذَى وَعَافَانِي .\rوَرَوَى أَنَسٌ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إذَا خَرَجَ مِنْ الْخَلَاءِ قَالَ غُفْرَانَك الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنِّي الْأَذَى وَعَافَانِي } أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ .\rوَقَالَتْ عَائِشَةُ { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا خَرَجَ مِنْ الْخَلَاءِ قَالَ غُفْرَانَك } قَالَ التِّرْمِذِيُّ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ .\r( 233 ) فَصْلٌ : وَلَا بَأْسَ أَنْ يَبُولَ فِي الْإِنَاءِ قَالَتْ أُمَيْمَةُ بِنْتُ رُقَيْقَةَ { : كَانَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدَحٌ مِنْ عَيْدَانٍ يَبُولُ فِيهِ ، وَيَضَعُهُ تَحْتَ السَّرِيرِ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ .","part":1,"page":290},{"id":290,"text":"بَابُ مَا يَنْقُضُ الطَّهَارَةَ ( 234 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ : وَاَلَّذِي يَنْقُضُ الطَّهَارَةَ مَا خَرَجَ مِنْ قُبُلٍ أَوْ دُبُرٍ .\rوَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْخَارِجَ مِنْ السَّبِيلَيْنِ عَلَى ضَرْبَيْنِ : مُعْتَادٍ كَالْبَوْلِ وَالْغَائِطِ وَالْمَنِيِّ وَالْمَذْيِ وَالْوَدْيِ وَالرِّيحِ ، فَهَذَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ إجْمَاعًا قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ خُرُوجَ الْغَائِطِ مِنْ الدُّبُرِ وَخُرُوجَ الْبَوْلِ مِنْ ذَكَرِ الرَّجُلِ وَقُبُلِ الْمَرْأَةِ وَخُرُوجَ الْمَذْيِ ، وَخُرُوجَ الرِّيحِ مِنْ الدُّبُرِ أَحْدَاثٌ يَنْقُضُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا الطَّهَارَةَ ، وَيُوجِبُ الْوُضُوءَ ، وَدَمُ الِاسْتِحَاضَةِ يَنْقُضُ الطَّهَارَةَ فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ إلَّا فِي قَوْلِ رَبِيعَةَ .\rالضَّرْبُ الثَّانِي : نَادِرٌ كَالدَّمِ وَالدُّودِ وَالْحَصَا وَالشَّعْرِ فَيَنْقُضُ الْوُضُوءَ أَيْضًا ، وَبِهَذَا قَالَ الثَّوْرِيُّ وَالشَّافِعِيُّ وَإِسْحَاقُ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَكَانَ عَطَاءٌ وَالْحَسَنُ وَأَبُو مِجْلَزٍ وَالْحَكَمُ وَحَمَّادٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَابْنُ الْمُبَارَكِ ، يَرَوْنَ الْوُضُوءَ مِنْ الدُّودِ يَخْرُجُ مِنْ الدُّبُرِ ، وَلَمْ يُوجِبْ مَالِكٌ الْوُضُوءَ مِنْ هَذَا الضَّرْبِ لِأَنَّهُ نَادِرٌ ، أَشْبَهَ الْخَارِجَ مِنْ غَيْرِ السَّبِيلِ .\rوَلَنَا أَنَّهُ خَارِجٌ مِنْ السَّبِيلِ أَشْبَهَ الْمَذْيَ ؛ وَلِأَنَّهُ لَا يَخْلُو مِنْ بِلَّةٍ تَتَعَلَّقُ بِهِ ، فَيَنْتَقِضُ الْوُضُوءُ بِهَا ، وَقَدْ { أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُسْتَحَاضَةَ بِالْوُضُوءِ لِكُلِّ صَلَاةٍ وَدَمُهَا نَادِرٌ غَيْرُ مُعْتَادٍ .\r}","part":1,"page":291},{"id":291,"text":"( 235 ) فَصْلٌ : وَقَدْ نَقَلَ صَالِحٌ ، عَنْ أَبِيهِ \" فِي الْمَرْأَةِ يَخْرُجُ مِنْ فَرْجِهَا الرِّيحُ : مَا خَرَجَ مِنْ السَّبِيلَيْنِ فَفِيهِ الْوُضُوءُ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : خُرُوجُ الرِّيحِ مِنْ الذَّكَرِ وَقُبُلِ الْمَرْأَةِ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ .\rوَقَالَ ابْنُ عُقَيْلٍ : يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْأَشْبَهُ بِمَذْهَبِنَا فِي الرِّيحِ يَخْرُجُ مِنْ الذَّكَرِ أَنْ لَا يَنْقُضَ ؛ لِأَنَّ الْمَثَانَةَ لَيْسَ لَهَا مَنْفَذٌ إلَى الْجَوْفِ ، وَلَا جَعَلَهَا أَصْحَابُنَا جَوْفًا ، وَلَمْ يُبْطِلُوا الصَّوْمَ بِالْحُقْنَةِ فِيهِ ، وَلَا نَعْلَمُ لِهَذَا وُجُودًا ، وَلَا نَعْلَمُ وُجُودَهُ فِي حَقِّ أَحَدٍ .\rوَقَدْ قِيلَ : إنَّهُ يُعْلَمُ وُجُودُهُ بِأَنْ يُحِسَّ الْإِنْسَانُ فِي ذَكَرِهِ دَبِيبًا .\rوَهَذَا لَا يَصِحُّ فَإِنَّ هَذَا لَا يَحْصُلُ بِهِ الْيَقِينُ وَالطَّهَارَةُ لَا تَنْتَقِضُ بِالشَّكِّ .\rفَإِنْ قُدِّرَ وُجُودُ ذَلِكَ يَقِينًا نَقَضَ الطَّهَارَةَ ؛ لِأَنَّهُ خَارِجٌ مِنْ أَحَدِ السَّبِيلَيْنِ ، فَنَقَضَ قِيَاسًا عَلَى سَائِرِ الْخَوَارِجِ .","part":1,"page":292},{"id":292,"text":"( 236 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَطَّرَ فِي إحْلِيلِهِ دُهْنًا ، ثُمَّ عَادَ فَخَرَجَ نَقَضَ الْوُضُوءَ ؛ لِأَنَّهُ خَارِجٌ مِنْ السَّبِيلِ ، وَلَا يَخْلُو مِنْ بِلَّةٍ نَجِسَةٍ تَصْحَبُهُ فَيَنْتَقِضُ بِهَا الْوُضُوءُ ، كَمَا لَوْ خَرَجَتْ مُنْفَرِدَةً .\rوَلَوْ احْتَشَى قُطْنًا فِي ذَكَرِهِ ثُمَّ خَرَجَ وَعَلَيْهِ بَلَلٌ ، نَقَضَ الْوُضُوءَ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ خَرَجَ مُنْفَرِدًا لَنَقَضَ ، فَكَذَلِكَ إذَا خَرَجَ مَعَ غَيْرِهِ .\rفَإِنْ خَرَجَ نَاشِفًا ، فَفِيهِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا ، يَنْقُضُ ؛ لِأَنَّهُ خَارِجٌ مِنْ السَّبِيلِ ، فَأَشْبَهَ سَائِرَ الْخَوَارِجِ .\rوَالثَّانِي لَا يَنْقُضُ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بَيْنَ الْمَثَانَةِ وَالْجَوْفِ مَنْفَذٌ ، فَلَا يَكُونُ خَارِجًا مِنْ الْجَوْفِ .\rوَلَوْ احْتَقَنَ فِي دُبُرِهِ ، فَرَجَعَتْ أَجْزَاءٌ خَرَجَتْ مِنْ الْفَرْجِ ، نَقَضَتْ الْوُضُوءَ .\rوَهَكَذَا لَوْ وَطِئَ امْرَأَتَهُ دُونَ الْفَرْجِ فَدَبَّ مَاؤُهُ ، فَدَخَلَ الْفَرْجَ ، ثُمَّ خَرَجَ نَقَضَ الْوُضُوءَ ، وَعَلَيْهِمَا الِاسْتِنْجَاءُ ؛ لِأَنَّهُ خَارِجٌ مِنْ السَّبِيلِ لَا يَخْلُو مِنْ بِلَّةٍ تَصْحَبُهُ مِنْ الْفَرْجِ .\rفَإِنْ لَمْ يَعْلَمَا خُرُوجَ شَيْءٍ مِنْهُ ، احْتَمَلَ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا ، النَّقْضُ فِيهِمَا ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّهُ لَا يَنْفَكُّ عَنْ الْخُرُوجِ ، فَنَقَضَ كَالنَّوْمِ .\rوَالثَّانِي لَا يَنْقُضُ ؛ لِأَنَّ الطَّهَارَةَ مُتَيَقَّنَةٌ ، فَلَا تَزُولُ عَنْهَا بِالشَّكِّ لَكِنْ إنْ كَانَ الْمُحْتَقِنُ قَدْ أَدْخَلَ رَأْسَ الزَّرَّاقَةِ ثُمَّ أَخْرَجَهُ ، نَقَضَ الْوُضُوءَ ، وَكَذَلِكَ لَوْ أَدْخَلَ فِيهِ مِيلًا أَوْ غَيْرَهُ ، ثُمَّ أَخْرَجَ نَقَضَ الْوُضُوءَ ؛ لِأَنَّهُ خَارِجٌ مِنْ السَّبِيلِ ، فَنَقَضَ ، كَسَائِرِ الْخَارِجِ .","part":1,"page":293},{"id":293,"text":"( 237 ) فَصْلٌ : قَالَ أَبُو الْحَارِثِ سَأَلْت أَحْمَدَ عَنْ رَجُلٍ بِهِ عِلَّةٌ رُبَّمَا ظَهَرَتْ مَقْعَدَتُهُ ؟ قَالَ : إنْ عَلِمَ أَنَّهُ يَظْهَرُ مَعَهَا نَدًى تَوَضَّأَ ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنَّ أَحْمَدَ إنَّمَا أَرَادَ نَدًى يَنْفَصِلُ عَنْهَا ؛ لِأَنَّهُ خَارِجٌ مِنْ الْفَرْجِ مُتَّصِلٌ فَنَقَضَ كَالْخَارِجِ عَلَى الْحَصَى ، فَأَمَّا الرُّطُوبَةُ اللَّازِمَةُ لَهَا فَلَا تَنْقُضُ ؛ لِأَنَّهَا لَا تَنْفَكُّ عَنْ رُطُوبَةٍ ، فَلَوْ نَقَضَتْ لَنَقَضَ خُرُوجُهَا عَلَى كُلِّ حَالٍ ؛ وَلِأَنَّهُ شَيْءٌ لَمْ يَنْفَصِلْ عَنْهَا ، فَلَمْ يَنْقُضْ كَسَائِرِ أَجْزَائِهَا ، وَقَدْ قَالُوا فِيمَنْ أَخْرَجَ لِسَانَهُ وَعَلَيْهِ بَلَلٌ ، ثُمَّ أَدْخَلَهُ وَابْتَلَعَ ذَلِكَ الْبَلَلَ : أَنَّهُ لَا يُفْطِرُ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ لَهُ حُكْمُ الِانْفِصَالِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":1,"page":294},{"id":294,"text":"( 238 ) فَصْلٌ : قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْمَذْيَ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ ، وَهُوَ مَا يَخْرُجُ زَلِجًا مُتَسَبْسِبًا عِنْدَ الشَّهْوَةِ ، فَيَكُونُ عَلَى رَأْسِ الذَّكَرِ .\rوَاخْتَلَفْت الرِّوَايَةُ فِي حُكْمِهِ فَرُوِيَ أَنَّهُ يُوجِبُ الْوُضُوءَ وَغَسْلَ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَيَيْنِ ؛ لِمَا رُوِيَ { أَنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : كُنْت رَجُلًا مَذَّاءً ، فَاسْتَحْيَيْت أَنْ أَسْأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَكَانِ ابْنَتِهِ ، فَأَمَرْت الْمِقْدَادَ بْنَ الْأَسْوَدِ فَسَأَلَهُ ، فَقَالَ يَغْسِلُ ذَكَرَهُ وَأُنْثَيَيْهِ ، وَيَتَوَضَّأُ } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَفِي لَفْظٍ : \" يَغْسِلُ ذَكَرَهُ وَيَتَوَضَّأُ \" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَفِي لَفْظٍ تَوَضَّأْ وَانْضَحْ فَرْجَك \" وَالْأَمْرُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ ؛ وَلِأَنَّهُ خَارِجٌ بِسَبَبِ الشَّهْوَةِ ، فَأَوْجَبَ غَسْلًا زَائِدًا عَلَى مُوجِبِ الْبَوْلِ كَالْمَنِيِّ ، فَعَلَى هَذَا يُجْزِئُهُ غَسْلَةٌ وَاحِدَةٌ ؛ لِأَنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ غَسْلٌ مُطْلَقٌ فَيُوجِبُ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الْغَسْلِ ، وَقَدْ ثَبَتَ فِي قَوْلِهِ فِي اللَّفْظِ الْآخَرِ : \" وَانْضَحْ فَرْجَك وَسَوَاءٌ غَسَلَهُ قَبْلَ الْوُضُوءِ أَوْ بَعْدَهُ ؛ لِأَنَّهُ غَسْلٌ غَيْرُ مُرْتَبِطٍ بِالْوُضُوءِ ، فَلَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَيْهِ ، كَغُسْلِ النَّجَاسَةِ وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ ، لَا يَجِبُ أَكْثَرُ مِنْ الِاسْتِنْجَاءِ وَالْوُضُوءِ .\rرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ ؛ لِمَا رَوَى سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ ، قَالَ { كُنْت أَلْقَى مِنْ الْمَذْيِ شِدَّةً وَعَنَاءً ، فَكُنْت أُكْثِرُ مِنْهُ الِاغْتِسَالَ ، فَذَكَرْت ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : إنَّمَا يُجْزِئُك مِنْ ذَلِكَ الْوُضُوءُ } أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ .\rوَلِأَنَّهُ خَارِجٌ لَا يُوجِبُ الِاغْتِسَالَ ، فَأَشْبَهَ الْوَدْيَ ، وَالْأَمْرُ بِالنَّضْحِ وَغَسْلِ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَيَيْنِ مَحْمُولٌ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُهُ .\rوَقَوْلُهُ \" إنَّمَا يُجْزِئُك مِنْ ذَلِكَ الْوُضُوءُ \" .","part":1,"page":295},{"id":295,"text":"صَرِيحٌ فِي حُصُولِ الْإِجْزَاءِ بِالْوُضُوءِ ، فَيَجِبُ تَقْدِيمُهُ .\rفَأَمَّا الْوَدْيُ ، فَهُوَ مَاءٌ أَبْيَضُ ثَخِينٌ ، يَخْرُجُ بَعْدَ الْبَوْلِ كَدِرًا ، فَلَيْسَ فِيهِ وَفِي بَقِيَّةِ الْخَوَارِجِ إلَّا الْوُضُوءُ .\rرُوِيَ الْأَثْرَمُ بِإِسْنَادِهِ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : الْمَنِيُّ وَالْوَدْيُ وَالْمَذْيُ أَمَّا الْمَنِيُّ فَفِيهِ الْغُسْلُ ، وَأَمَّا الْمَذْيُ وَالْوَدْيُ فَفِيهِمَا إسْبَاغُ الطُّهُورِ .","part":1,"page":296},{"id":296,"text":"( 239 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ وَخُرُوجُ الْبَوْلِ وَالْغَائِطِ مِنْ غَيْرِ مَخْرَجِهِمَا لَا تَخْتَلِفُ الرِّوَايَةُ أَنَّ الْغَائِطَ وَالْبَوْلَ يَنْتَقِضُ الْوُضُوءُ بِخُرُوجِهِمَا مِنْ السَّبِيلَيْنِ وَمِنْ غَيْرِهِمَا ، وَيَسْتَوِي قَلِيلُهُمَا وَكَثِيرُهُمَا ، سَوَاءٌ كَانَ السَّبِيلَانِ مُنْسَدَّيْنِ أَوْ مَفْتُوحَيْنِ مِنْ فَوْقِ الْمَعِدَةِ أَوْ مِنْ تَحْتِهَا وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ : إنْ انْسَدَّ الْمَخْرَجُ ، وَانْفَتَحَ آخَرُ دُونَ الْمَعِدَةِ ، لَزِمَ الْوُضُوءُ بِالْخَارِجِ مِنْهُ قَوْلًا وَاحِدًا .\rوَإِنْ انْفَتَحَ فَوْقَ الْمَعِدَةِ ، فَفِيهِ قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا ، يَنْقُضُ الْوُضُوءَ ، وَالثَّانِي لَا يَنْقُضُهُ .\rوَإِنْ كَانَ الْمُعْتَادُ بَاقِيًا ، فَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ لَا يَنْتَقِضُ الْوُضُوءُ بِالْخَارِجِ مِنْ غَيْرِهِ ، وَبَنَاهُ عَلَى أَصْلِهِ فِي أَنَّ الْخَارِجَ مِنْ غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ لَا يَنْقُضُ .\rوَلَنَا عُمُومُ قَوْله تَعَالَى : { أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ الْغَائِطِ } وَقَوْلُ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ { أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا كُنَّا مُسَافِرِينَ ، أَوْ سَفْرًا ، أَنْ لَا نَنْزِعَ خِفَافَنَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهِنَّ إلَّا مِنْ جَنَابَةٍ ، لَكِنْ مِنْ غَائِطٍ وَبَوْلٍ وَنَوْمٍ } .\rقَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ .\rوَحَقِيقَةُ الْغَائِطِ : الْمَكَانُ الْمُطْمَئِنُّ ، سُمِّيَ الْخَارِجُ بِهِ لِمُجَاوَرَتِهِ إيَّاهُ .\rفَإِنَّ الْمُتَبَرِّزَ يَتَحَرَّاهُ لِحَاجَتِهِ ، كَمَا سُمِّيَ عَذِرَةً ، وَهِيَ فِي الْحَقِيقَةِ فِنَاءُ الدَّارِ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يُطْرَحُ بِالْأَفْنِيَةِ ، فَسُمِّيَ بِهَا لِلْمُجَاوَرَةِ .\rوَهَذَا مِنْ الْأَسْمَاءِ الْعُرْفِيَّةِ الَّتِي صَارَ الْمَجَازُ فِيهَا أَشْهَرَ مِنْ الْحَقِيقَةِ ، وَعِنْدَ الْإِطْلَاقِ يُفْهَمُ مِنْهُ الْمَجَازُ وَيُحْمَلُ عَلَيْهِ الْكَلَامُ لِشُهْرَتِهِ ؛ وَلِأَنَّ الْخَارِجَ غَائِطٌ وَبَوْلٌ ، فَنَقَضَ ، كَمَا لَوْ خَرَجَ مِنْ السَّبِيلِ .","part":1,"page":297},{"id":297,"text":"( 240 ) مَسْأَلَةٌ : ( قَالَ : وَزَوَالُ الْعَقْلِ إلَّا أَنْ يَكُونَ بِنَوْمٍ يَسِيرٍ جَالِسًا أَوْ قَائِمًا ) زَوَالُ الْعَقْلِ عَلَى ضَرْبَيْنِ : نَوْمٍ ، وَغَيْرِهِ فَأَمَّا غَيْرُ النَّوْمِ ، وَهُوَ الْجُنُونُ وَالْإِغْمَاء وَالسُّكْرُ وَمَا أَشْبَهَهُ مِنْ الْأَدْوِيَةِ الْمُزِيلَةِ لِلْعَقْلِ ، فَيَنْقُضُ الْوُضُوءَ يَسِيرُهُ وَكَثِيرُهُ إجْمَاعًا ، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى وُجُوبِ الْوُضُوءِ عَلَى الْمُغْمَى عَلَيْهِ ؛ وَلِأَنَّ هَؤُلَاءِ حِسُّهُمْ أَبْعَدُ مِنْ حِسِّ النَّائِمِ ، بِدَلِيلِ أَنَّهُمْ لَا يَنْتَبِهُونَ بِالِانْتِبَاهِ ، فَفِي إيجَابِ الْوُضُوءِ عَلَى النَّائِمِ تَنْبِيهٌ عَلَى وُجُوبِهِ بِمَا هُوَ آكَدُ مِنْهُ .\rالضَّرْبُ الثَّانِي : النَّوْمُ ، وَهُوَ نَاقِضٌ لِلْوُضُوءِ فِي الْجُمْلَةِ ، فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، إلَّا مَا حُكِيَ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ وَأَبِي مِجْلَزٍ وَحُمَيْدٍ الْأَعْرَجِ ، أَنَّهُ لَا يَنْقُضُ .\rوَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، أَنَّهُ كَانَ يَنَامُ مِرَارًا مُضْطَجِعًا يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ ، ثُمَّ يُصَلِّي وَلَا يُعِيدُ الْوُضُوءَ .\rوَلَعَلَّهُمْ ذَهَبُوا إلَى أَنَّ النَّوْمَ لَيْسَ بِحَدَثٍ فِي نَفْسِهِ ، وَالْحَدَثُ مَشْكُوكٌ فِيهِ ، فَلَا يَزُولُ عَنْ الْيَقِينِ بِالشَّكِّ .\rوَلَنَا : قَوْلُ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ : \" لَكِنْ مِنْ غَائِطٍ وَبَوْلٍ وَنَوْمٍ \" وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهُ صَحِيحٌ وَرَوَى عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { الْعَيْنُ وِكَاءُ السَّهِ ، فَمَنْ نَامَ فَلْيَتَوَضَّأْ } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَابْنُ مَاجَهْ ؛ وَلِأَنَّ النَّوْمَ مَظِنَّةُ الْحَدَثِ ، فَأُقِمْ مَقَامَهُ ، كَالْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ فِي وُجُوبِ الْغَسْلِ أُقِيمَ مَقَامَ الْإِنْزَالِ .\r( 241 ) فَصْلٌ : وَالنَّوْمُ يَنْقَسِمُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ نَوْمُ الْمُضْطَجِعِ ، فَيَنْقُضُ الْوُضُوءَ يَسِيرُهُ وَكَثِيرُهُ ، فِي قَوْلِ كُلِّ مَنْ يَقُولُ بِنَقْضِهِ بِالنَّوْمِ .\rالثَّانِي نَوْمُ الْقَاعِدِ ، إنْ كَانَ كَثِيرًا نَقَضَ ، رِوَايَةً وَاحِدَةً وَإِنْ كَانَ يَسِيرًا لَمْ يَنْقُضْ .\rوَهَذَا قَوْلُ حَمَّادٍ وَالْحَكَمِ","part":1,"page":298},{"id":298,"text":"وَمَالِكٍ وَالثَّوْرِيِّ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يَنْقُضُ وَإِنْ كَثُرَ إذَا كَانَ الْقَاعِدُ مُتَّكِئًا مُفْضِيًا بِمَحَلِّ الْحَدَثِ إلَى الْأَرْضِ ، لِمَا رَوَى أَنَسٌ ، قَالَ : { كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rيَنَامُونَ ثُمَّ يَقُومُونَ فَيُصَلُّونَ ، وَلَا يَتَوَضَّئُونَ } قَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَفِي لَفْظٍ قَالَ : كَانَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْتَظِرُونَ الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ حَتَّى تَخْفِقَ رُءُوسُهُمْ ، ثُمَّ يُصَلُّونَ وَلَا يَتَوَضَّئُونَ وَهَذَا إشَارَةٌ إلَى جَمِيعِهِمْ وَبِهِ يَتَخَصَّصُ عُمُومُ الْحَدِيثَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ .\rوَلِأَنَّهُ مُتَحَفِّظٌ عَنْ خُرُوجِ الْحَدَثِ ، فَلَمْ يَنْقُضْ وُضُوءَهُ ، كَمَا لَوْ كَانَ نَوْمُهُ يَسِيرًا .\rوَلَنَا : عُمُومُ الْحَدِيثَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ ، وَإِنَّمَا خَصَّصْنَاهُمَا فِي الْيَسِيرِ لِحَدِيثِ أَنَسٍ ، وَلَيْسَ فِيهِ بَيَانُ كَثْرَةٍ وَلَا قِلَّةٍ فَإِنَّ النَّائِمَ يَخْفِقُ رَأْسُهُ مِنْ يَسِيرِ النَّوْمِ ، فَهُوَ يَقِينٌ فِي الْيَسِيرِ ، فَيُعْمَلُ بِهِ وَمَا زَادَ عَلَيْهِ فَهُوَ مُحْتَمَلٌ لَا يُتْرَكُ لَهُ الْعُمُومُ الْمُتَيَقَّنُ ؛ وَلِأَنَّ نَقْضَ الْوُضُوءِ بِالنَّوْمِ يُعَلَّلُ بِإِفْضَائِهِ إلَى الْحَدَثِ وَمَعَ الْكَثْرَةِ وَالْغَلَبَةِ يُفْضِي إلَيْهِ ، وَلَا يُحِسُّ بِخُرُوجِهِ مِنْهُ ، بِخِلَافِ الْيَسِيرِ ، وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُ الْكَثِيرِ عَلَى الْيَسِيرِ ، لِاخْتِلَافِهِمَا فِي الْإِفْضَاءِ إلَى الْحَدَثِ .\rالثَّالِثُ مَا عَدَا هَاتَيْنِ الْحَالَتَيْنِ وَهُوَ نَوْمُ الْقَائِمِ وَالرَّاكِعِ وَالسَّاجِدِ ، فَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ رِوَايَتَانِ : إحْدَاهُمَا يَنْقُضُ .\rوَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ فِي تَخْصِيصِهِ مِنْ عُمُومِ أَحَادِيثِ النَّقْضِ نَصٌّ ، وَلَا هُوَ فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ ، لِكَوْنِ الْقَاعِدِ مُتَحَفِّظًا ، لِاعْتِمَادِهِ بِمَحَلِّ الْحَدَثِ إلَى الْأَرْضِ ، وَالرَّاكِعُ وَالسَّاجِدُ يَنْفَرِجُ مَحَلُّ الْحَدَثِ مِنْهُمَا .\rوَالثَّانِيَةُ لَا يَنْقُضُ إلَّا إذَا كَثُرَ .\rوَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إلَى","part":1,"page":299},{"id":299,"text":"أَنَّ النَّوْمَ فِي حَالٍ مِنْ أَحْوَالِ الصَّلَاةِ لَا يَنْقُضُ وَإِنْ كَثُرَ ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَسْجُدُ وَيَنَامُ وَيَنْفُخُ ، ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلِّي ، فَقُلْت لَهُ : صَلَّيْت وَلَمْ تَتَوَضَّأْ وَقَدْ نِمْت ، فَقَالَ : إنَّمَا الْوُضُوءُ عَلَى مَنْ نَامَ مُضْطَجِعًا ؛ فَإِنَّهُ إذَا اضْطَجَعَ اسْتَرْخَتْ مَفَاصِلُهُ } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ؛ وَلِأَنَّهُ حَالٌ مِنْ أَحْوَالِ الصَّلَاةِ .\rفَأَشْبَهَتْ حَالَ الْجُلُوسِ ، وَالظَّاهِرُ عَنْ أَحْمَدَ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الْقِيَامِ وَالْجُلُوسِ ؛ لِأَنَّهُمَا يَشْتَبِهَانِ فِي الِانْخِفَاضِ وَاجْتِمَاعِ الْمَخْرَجِ ، وَرُبَّمَا كَانَ الْقَائِمُ أَبْعَدَ مِنْ الْحَدَثِ لِعَدَمِ التَّمَكُّنِ مِنْ الِاسْتِثْقَالِ فِي النَّوْمِ ، فَإِنَّهُ لَوْ اسْتَثْقَلَ لَسَقَطَ .\rوَالظَّاهِرُ عَنْهُ فِي السَّاجِدِ التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُضْطَجِعِ ؛ لِأَنَّهُ يَنْفَرِجُ مَحَلُّ الْحَدَثِ ، وَيَعْتَمِدُ بِأَعْضَائِهِ عَلَى الْأَرْضِ ، وَيَتَهَيَّأُ لِخُرُوجِ الْخَارِجِ فَأَشْبَهَ الْمُضْطَجِعَ .\rوَالْحَدِيثُ الَّذِي ذَكَرُوهُ مُنْكَرٌ .\rقَالَهُ أَبُو دَاوُد .\rوَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : لَا يَثْبُتُ ، وَهُوَ مُرْسَلٌ يَرْوِيهِ قَتَادَةُ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ .\rقَالَ شُعْبَةُ : لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ إلَّا أَرْبَعَةَ أَحَادِيثَ لَيْسَ هَذَا مِنْهَا .\r( 242 ) فَصْلٌ : وَاخْتَلَفْت الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ فِي الْقَاعِدِ الْمُسْتَنِدِ وَالْمُحْتَبِي .\rفَعَنْهُ : لَا يَنْقُضُ يَسِيرُهُ .\rقَالَ أَبُو دَاوُد : سَمِعْت أَحْمَدَ قِيلَ لَهُ : الْوُضُوءُ مِنْ النَّوْمِ ؟ قَالَ إذَا طَالَ .\rقِيلَ : فَالْمُحْتَبِي ؟ قَالَ : يَتَوَضَّأُ .\rقِيلَ : فَالْمُتَّكِئُ ؟ قَالَ .\rالِاتِّكَاءُ شَدِيدٌ ، وَالْمُتَسَانِدُ كَأَنَّهُ أَشَدُّ .\rيَعْنِي مِنْ الِاحْتِبَاءِ .\rوَرَأَى مِنْهَا كُلِّهَا الْوُضُوءَ ، إلَّا أَنْ يَغْفُوَ .\rيَعْنِي قَلِيلًا .\rوَعَنْهُ : يَنْقُضُ .\rيَعْنِي بِكُلِّ حَالٍ ؛ لِأَنَّهُ مُعْتَمِدٌ عَلَى شَيْءٍ ، فَهُوَ كَالْمُضْطَجِعِ .\rوَالْأَوْلَى أَنَّهُ مَتَى كَانَ مُعْتَمِدًا بِمَحَلِّ الْحَدَثِ عَلَى الْأَرْضِ أَنْ لَا يَنْقُضَ مِنْهُ إلَّا","part":1,"page":300},{"id":300,"text":"الْكَثِيرُ ؛ لِأَنَّ دَلِيلَ انْتِفَاءِ النَّقْضِ فِي الْقَاعِدِ لَا تَفْرِيقَ فِيهِ فَيُسَوِّي بَيْنَ أَحْوَالِهِ .\r( 243 ) فَصْلٌ : وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي تَحْدِيدِ الْكَثِيرِ مِنْ النَّوْمِ الَّذِي يَنْقُضُ الْوُضُوءَ ، فَقَالَ الْقَاضِي : لَيْسَ لِلْقَلِيلِ حَدٌّ يُرْجَعُ إلَيْهِ ، وَهُوَ عَلَى مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ .\rوَقِيلَ : حَدُّ الْكَثِيرِ مَا يَتَغَيَّرُ بِهِ النَّائِمُ عَنْ هَيْئَتِهِ ، مِثْلُ أَنْ يَسْقُطَ عَلَى الْأَرْضِ ، وَمِنْهَا أَنْ يَرَى حُلْمًا .\rوَالصَّحِيحُ : أَنَّهُ لَا حَدَّ لَهُ لِأَنَّ التَّحْدِيدَ إنَّمَا يُعْلَمُ بِتَوْقِيفٍ ، وَلَا تَوْقِيفَ فِي هَذَا ، فَمَتَى وَجَدْنَا مَا يَدُلُّ عَلَى الْكَثْرَةِ ، مِثْلُ سُقُوطِ الْمُتَمَكِّنِ وَغَيْرِهِ ، انْتَقَضَ وُضُوءُهُ .\rوَإِنْ شَكَّ فِي كَثْرَتِهِ لَمْ يَنْتَقِضْ وُضُوءُهُ ؛ لِأَنَّ الطَّهَارَةَ مُتَيَقِّنَةٌ ، فَلَا تَزُولُ بِالشَّكِّ .\r( 244 ) فَصْلٌ : وَمَنْ لَمْ يُغْلَبْ عَلَى عَقْلِهِ فَلَا وُضُوءَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ النَّوْمَ الْغَلَبَةُ عَلَى الْعَقْلِ ، قَالَ بَعْضُ أَهْلِ اللُّغَةِ فِي قَوْله تَعَالَى : { لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ } السِّنَةُ : ابْتِدَاءُ النُّعَاسِ فِي الرَّأْسِ ، فَإِذَا وَصَلَ إلَى الْقَلْبِ صَارَ نَوْمًا قَالَ الشَّاعِرُ : وَسْنَانُ أَقْصَدَهُ النُّعَاسُ فَرَنَّقَتْ فِي عَيْنِهِ سِنَةٌ وَلَيْسَ بِنَائِمِ وَلِأَنَّ النَّاقِضَ زَوَالُ الْعَقْلِ ، وَمَتَى كَانَ الْعَقْلُ ثَابِتًا وَحِسُّهُ غَيْرَ زَائِلٍ مِثْلُ مَنْ يَسْمَعُ مَا يُقَالُ عِنْدَهُ وَيَفْهَمُهُ ، فَلَمْ يُوجَدْ سَبَبُ النَّقْضِ فِي حَقِّهِ .\rوَإِنْ شَكَّ هَلْ نَامَ أَمْ لَا ، أَوْ خَطِرَ بِبَالِهِ شَيْءٌ لَا يَدْرِي أَرُؤْيَا أَوْ حَدِيثُ نَفْسٍ ، فَلَا وُضُوءَ عَلَيْهِ .","part":1,"page":301},{"id":301,"text":"( 245 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : وَالِارْتِدَادُ عَنْ الْإِسْلَامِ .\rوَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الرِّدَّةَ تَنْقُضُ الْوُضُوءَ ، وَتُبْطِلُ التَّيَمُّمَ .\rوَهَذَا قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ وَأَبِي ثَوْرٍ .\rوَهِيَ الْإِتْيَانُ بِمَا يَخْرُجُ بِهِ عَنْ الْإِسْلَامِ ؛ إمَّا نُطْقًا ، أَوْ اعْتِقَادًا ، أَوْ شَكًّا يَنْقُلُ عَنْ الْإِسْلَامِ ، فَمَتَى عَاوَدَ إسْلَامَهُ وَرَجَعَ إلَى دِينِ الْحَقِّ ، فَلَيْسَ لَهُ الصَّلَاةُ حَتَّى يَتَوَضَّأَ ، وَإِنْ كَانَ مُتَوَضِّئًا قَبْلَ رِدَّتِهِ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ : لَا يَبْطُلُ الْوُضُوءُ بِذَلِكَ ، وَلِلشَّافِعِيِّ فِي بُطْلَانِ التَّيَمُّمِ بِهِ قَوْلَانِ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ } فَشَرَطَ الْمَوْتَ ؛ وَلِأَنَّهَا طَهَارَةٌ فَلَا تَبْطُلُ بِالرِّدَّةِ ، كَالْغُسْلِ مِنْ الْجَنَابَةِ .\rوَلَنَا : قَوْله تَعَالَى : { لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ } وَالطَّهَارَةُ عَمَلٌ ، وَهِيَ بَاقِيَةٌ حُكْمًا تَبْطُلُ بِمُبْطِلَاتِهَا فَيَجِبُ أَنْ تَحْبَطَ بِالشِّرْكِ ؛ وَلِأَنَّهَا عِبَادَةٌ يُفْسِدُهَا الْحَدَثُ فَأَفْسَدَهَا الشِّرْكُ ، كَالصَّلَاةِ وَالتَّيَمُّمِ ؛ وَلِأَنَّ الرِّدَّةَ حَدَثٌ ، بِدَلِيلِ قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ الْحَدَثُ حَدَثَانِ ؛ حَدَثُ اللِّسَانِ ، وَحَدَثُ الْفَرْجِ ، وَأَشَدُّهُمَا حَدَثُ اللِّسَانِ .\rوَإِذَا أَحْدَثَ لَمْ تُقْبَلْ صَلَاتُهُ بِغَيْرِ وُضُوءٍ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ أَحَدِكُمْ إذَا أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَمَا ذَكَرُوهُ تَمَسُّكٌ بِدَلِيلِ الْخِطَابِ ، وَالْمَنْطُوقُ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ ؛ وَلِأَنَّهُ شَرَطَ الْمَوْتَ لِجَمِيعِ الْمَذْكُورِ فِي الْآيَةِ ، وَهُوَ حُبُوطُ الْعَمَلِ وَالْخُلُودُ فِي النَّارِ ، وَأَمَّا غُسْلُ الْجَنَابَةِ فَلَا يُتَصَوَّرُ فِيهِ الْإِبْطَالُ ، وَإِنَّمَا يَجِبُ الْغُسْلُ بِسَبَبٍ جَدِيدٍ يُوجِبُهُ ، وَهُنَا يَجِبُ الْغُسْلُ أَيْضًا عِنْدَ مَنْ أَوْجَبَ عَلَى مَنْ أَسْلَمَ الْغُسْلَ .","part":1,"page":302},{"id":302,"text":"( 246 ) فَصْلٌ : وَلَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ مَا عَدَا الرِّدَّةَ مِنْ الْكَلَامِ مِنْ الْكَذِبِ ، وَالْغِيبَةِ ، وَالرَّفَثِ وَالْقَذْفِ وَغَيْرِهَا .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعَ مَنْ نَحْفَظُ قَوْلَهُ مِنْ عُلَمَاءِ الْأَمْصَارِ عَلَى أَنَّ الْقَذْفَ ، وَقَوْلَ الزُّورِ ، وَالْكَذِبَ ، وَالْغِيبَةَ لَا تُوجِبُ طَهَارَةً ، وَلَا تَنْقُضُ وُضُوءًا ، وَقَدْ رَوَيْنَا عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ الْأَوَائِلِ أَنَّهُمْ أَمَرُوا بِالْوُضُوءِ مِنْ الْكَلَامِ الْخَبِيثِ ، وَذَلِكَ اسْتِحْبَابٌ عِنْدَنَا مِمَّنْ أَمَرَ بِهِ ، وَلَا نَعْلَمُ حُجَّةً تُوجِبُ وُضُوءًا فِي شَيْءٍ مِنْ الْكَلَامِ ، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { مَنْ حَلَفَ بِاَللَّاتِي وَالْعُزَّى فَلْيَقُلْ : لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ } .\rوَلَمْ يَأْمُرْ فِي ذَلِكَ بِوُضُوءِ .","part":1,"page":303},{"id":303,"text":"فَصْلٌ : وَلَيْسَ فِي الْقَهْقَهَةِ وُضُوءٌ .\rرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُرْوَةَ وَعَطَاءٍ وَالزُّهْرِيِّ وَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَإِسْحَاقَ وَابْنِ الْمُنْذِرِ ، وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ : يَجِبُ الْوُضُوءُ مِنْ الْقَهْقَهَةِ دَاخِلَ الصَّلَاةِ دُونَ خَارِجِهَا .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ الْحَسَنِ وَالنَّخَعِيِّ وَالثَّوْرِيِّ ؛ لِمَا رَوَى أَبُو الْعَالِيَةِ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُصَلِّي ، فَجَاءَ ضَرِيرٌ فَتَرَدَّى فِي بِئْرٍ فَضَحِكَ طَوَائِفُ فَأَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِينَ ضَحِكُوا أَنْ يُعِيدُوا الْوُضُوءَ وَالصَّلَاةَ .\r} وَرُوِيَ مِنْ غَيْرِ طَرِيقِ أَبِي الْعَالِيَةِ بِأَسَانِيدَ ضِعَافٍ ، وَحَاصِلُهُ يَرْجِعُ إلَى أَبِي الْعَالِيَةِ ، كَذَلِكَ قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ ، وَالْإِمَامُ أَحْمَدُ ، وَالدَّارَقُطْنِيّ .\rوَلَنَا : أَنَّهُ مَعْنًى لَا يُبْطِلُ الْوُضُوءَ خَارِجَ الصَّلَاةِ فَلَمْ يُبْطِلْهُ دَاخِلَهَا كَالْكَلَامِ ، وَأَنَّهُ لَيْسَ بِحَدَثٍ وَلَا يُفْضِي إلَيْهِ .\rفَأَشْبَهَ سَائِرَ مَا لَا يُبْطِلُ ؛ وَلِأَنَّ الْوُجُوبَ مِنْ الشَّارِعِ ، وَلَمْ يُنَصَّ عَنْ الشَّارِعِ فِي هَذَا إيجَابُ الْوُضُوءِ ، وَلَا فِي شَيْءٍ يُقَاسُ هَذَا عَلَيْهِ ، وَمَا رَوَوْهُ مُرْسَلٌ لَا يَثْبُتُ .\rوَقَدْ قَالَ ابْنُ سِيرِينَ : لَا تَأْخُذُوا بِمَرَاسِيلِ الْحَسَنِ وَأَبِي الْعَالِيَةِ فَإِنَّهُمَا لَا يُبَالِيَانِ عَمَّنْ أَخَذَا .\rوَالْمُخَالِفُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ يَرُدُّ الْأَخْبَارَ الصَّحِيحَةَ لِمُخَالَفَتِهَا الْأُصُولَ ، فَكَيْفَ يُخَالِفُهَا هَاهُنَا بِهَذَا الْخَبَرِ الضَّعِيفِ عِنْدَ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ .","part":1,"page":304},{"id":304,"text":"( 248 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : وَمَسُّ الْفَرْجِ .\rالْفَرْجُ اسْمٌ لِمَخْرَجِ الْحَدَثِ ، وَيَتَنَاوَلُ الذَّكَرَ وَالدُّبُرَ وَقُبُلَ الْمَرْأَةِ ، وَفِي نَقْضِ الْوُضُوءِ بِجَمِيعِ ذَلِكَ خِلَافٌ فِي الْمَذْهَبِ وَغَيْرِهِ ؛ فَنَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ مُفَصَّلًا : وَنَبْدَأُ بِالْكَلَامِ فِي مَسِّ الذَّكَرِ ، فَإِنَّهُ آكَدُهَا .\rفَعَنْ أَحْمَدَ فِيهِ رِوَايَتَانِ : إحْدَاهُمَا ، يَنْقُضُ الْوُضُوءَ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ عُمَرَ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَعَطَاءٍ وَأَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ وَعُرْوَةَ وَسُلَيْمَانِ بْنِ يَسَارٍ وَالزُّهْرِيِّ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَالشَّافِعِيِّ ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ مَالِكٍ ، وَقَدْ رُوِيَ أَيْضًا عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَابْنِ سِيرِينَ وَأَبِي الْعَالِيَةِ .\rوَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ ، لَا وُضُوءَ فِيهِ .\rرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ وَعَمَّارٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَحُذَيْفَةَ وَعِمْرَانِ بْنِ حُصَيْنٍ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ ، وَبِهِ قَالَ رَبِيعَةُ وَالثَّوْرِيُّ وَابْنُ الْمُنْذِرِ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ لِمَا رَوَى قَيْسُ بْنُ طَلْقٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : { قَدِمْنَا عَلَى نَبِيِّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجَاءَ رَجُلٌ كَأَنَّهُ بَدَوِيٌّ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا تَرَى فِي مَسِّ الرَّجُلِ ذَكَرَهُ بَعْدَمَا يَتَوَضَّأُ ؟ فَقَالَ وَهَلْ هُوَ إلَّا بِضْعَةٌ مِنْك أَوْ مُضْغَةٌ مِنْك } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ ؛ وَلِأَنَّهُ عُضْوٌ مِنْهُ ، فَكَانَ كَسَائِرِهِ ، وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى مَا رَوَتْ بُسْرَةُ بِنْتُ صَفْوَانَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ } وَعَنْ جَابِرٍ مِثْلُ ذَلِكَ وَعَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ ، وَأَبِي أَيُّوبَ قَالَا : سَمِعْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : { مَنْ مَسَّ فَرْجَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ } وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَوَاهُنَّ ابْنُ مَاجَهْ .\rوَقَالَ أَحْمَدُ حَدِيثُ بُسْرَةَ وَحَدِيثُ أُمِّ حَبِيبَةَ صَحِيحَانِ .\rوَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثُ بُسْرَةَ حَسَنٌ صَحِيحٌ .\rوَقَالَ","part":1,"page":305},{"id":305,"text":"الْبُخَارِيُّ : أَصَحُّ شَيْءٍ فِي هَذَا الْبَابِ حَدِيثُ بُسْرَةَ وَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ حَدِيثُ أُمِّ حَبِيبَةَ أَيْضًا صَحِيحٌ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ بِضْعَةَ عَشَرَ مِنْ الصَّحَابَةِ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ .\rفَأَمَّا خَبَرُ قَيْسٍ فَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ ، وَأَبُو حَاتِمٍ : قَيْسٌ مِمَّنْ لَا تَقُومُ بِرِوَايَتِهِ حُجَّةٌ ثُمَّ إنَّ حَدِيثَنَا مُتَأَخِّرٌ ؛ لِأَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَدْ رَوَاهُ ، وَهُوَ مُتَأَخِّرُ الْإِسْلَامِ ، صَحِبَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْبَعَ سِنِينَ ، وَكَانَ قُدُومُ طَلْقٍ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُمْ يُؤَسِّسُونَ الْمَسْجِدَ أَوَّلَ زَمَنِ الْهِجْرَةِ ، فَيَكُونُ حَدِيثُنَا نَاسِخًا لَهُ .\rوَقِيَاسُ الذَّكَرِ عَلَى سَائِرِ الْبَدَنِ لَا يَسْتَقِيمُ ؛ لِأَنَّهُ تَتَعَلَّقُ بِهِ أَحْكَامٌ يَنْفَرِدُ بِهَا ؛ مِنْ وُجُوبِ الْغُسْلِ بِإِيلَاجِهِ وَالْحَدِّ وَالْمَهْرِ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ .\r( 249 ) فَصْلٌ : فَعَلَى رِوَايَةِ النَّقْضِ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْعَامِدِ وَغَيْرِهِ وَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَالشَّافِعِيُّ وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو أَيُّوبَ وَأَبُو خَيْثَمَةَ لِعُمُومِ الْخَبَرِ ، وَعَنْ أَحْمَدَ : لَا يَنْتَقِضُ الْوُضُوءُ إلَّا بِمَسِّهِ قَاصِدًا مَسَّهُ .\rقَالَ أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ : قِيلَ لِأَحْمَدَ الْوُضُوءُ مِنْ مَسِّ الذَّكَرِ : فَقَالَ : هَكَذَا - وَقَبَضَ عَلَى يَدِهِ - يَعْنِي إذَا قَبَضَ عَلَيْهِ ، وَهَذَا قَوْلُ مَكْحُولٍ وَطَاوُسٍ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَحُمَيْدٍ الطَّوِيلِ قَالُوا : إنْ مَسَّهُ يُرِيدُ وُضُوءًا وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْسٌ ، فَلَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ كَلَمْسِ النِّسَاءِ .\r( 250 ) فَصْلٌ : وَلَا فَرْقَ بَيْنَ بَطْنِ الْكَفِّ وَظَهْرِهِ .\rوَهَذَا قَوْلُ عَطَاءٍ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَقَالَ مَالِكٌ وَاللَّيْثُ وَالشَّافِعِيُّ وَإِسْحَاقُ : لَا يَنْقُضُ مَسُّهُ إلَّا بِبَاطِنِ كَفِّهِ ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَ الْكَفِّ لَيْسَ بِآلَةٍ لِلْمَسِّ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ مَسَّهُ بِفَخِذِهِ .\rوَاحْتَجَّ أَحْمَدُ بِحَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إذَا أَفْضَى أَحَدُكُمْ بِيَدِهِ إلَى فَرْجِهِ","part":1,"page":306},{"id":306,"text":"لَيْسَ بَيْنَهُمَا سُتْرَةٌ فَلْيَتَوَضَّأْ } وَفِي لَفْظٍ : { إذَا أَفْضَى أَحَدُكُمْ إلَى ذَكَرِهِ فَقَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ } رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ فِي مُسْنَدِهِ وَظَاهِرُ كَفِّهِ مِنْ يَدِهِ ، وَالْإِفْضَاءُ : اللَّمْسُ مِنْ غَيْرِ حَائِلٍ ؛ وَلِأَنَّهُ جُزْءٌ مِنْ يَدِهِ تَتَعَلَّقُ بِهِ الْأَحْكَامُ الْمُعَلَّقَةُ عَلَى مُطْلَقِ الْيَدِ ، فَأَشْبَهَ بَاطِنَ الْكَفِّ .\r( 251 ) فَصْلٌ : وَلَا يَنْقُضُ مَسُّهُ بِذِرَاعِهِ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ يَنْقُضُ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ يَدِهِ ، وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ وَالْأَوْزَاعِيِّ .\rوَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ الْمُعَلَّقَ عَلَى مُطْلَقِ الْيَدِ فِي الشَّرْعِ لَا يَتَجَاوَزُ الْكُوعَ ، بِدَلِيلِ قَطْعِ السَّارِقِ ، وَغَسْلِ الْيَدِ مِنْ نَوْمِ اللَّيْلِ ، وَالْمَسْحِ فِي التَّيَمُّمِ ، وَإِنَّمَا وَجَبَ غَسْلُهُ فِي الْوُضُوءِ ؛ لِأَنَّهُ قَيَّدَهُ بِالْمَرَافِقِ ؛ وَلِأَنَّهُ لَيْسَ بِآلَةٍ لِلْمَسِّ ، أَشْبَهَ الْعَضُدَ ، وَكَوْنُهُ مِنْ يَدِهِ يَبْطُلُ بِالْعَضُدِ فَإِنَّهُ لَا خِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِيهِ .\r( 252 ) فَصْلٌ : وَلَا فَرْقَ بَيْنَ ذَكَرِهِ وَذَكَرِ غَيْرِهِ ، وَقَالَ دَاوُد : لَا يَنْقُضُ مَسُّ ذَكَرِ غَيْرِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا نَصَّ فِيهِ وَالْأَخْبَارُ إنَّمَا وَرَدَتْ فِي ذَكَرِ نَفْسِهِ ، فَيُقْتَصَرُ عَلَيْهِ .\rوَلَنَا أَنَّ مَسَّ ذَكَرِ غَيْرِهِ مَعْصِيَةٌ ، وَأَدْعَى إلَى الشَّهْوَةِ ، وَخُرُوجُ الْخَارِجِ ، وَحَاجَةُ الْإِنْسَانِ تَدْعُو إلَى مَسِّ ذَكَرِ نَفْسِهِ ، فَإِذَا انْتَقَضَ بِمَسِّ ذَكَرِ نَفْسِهِ فَبِمَسِّ ذَكَرِ غَيْرِهِ أَوْلَى ، وَهَذَا تَنْبِيهٌ يُقَدَّمُ عَلَى الدَّلِيلِ ، وَفِي بَعْضِ أَلْفَاظِ خَبَرِ بُسْرَةَ : \" مَنْ مَسَّ الذَّكَرَ فَلْيَتَوَضَّأْ \" .\r( 253 ) فَصْلٌ : وَلَا فَرْقَ بَيْنَ ذَكَرِ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ .\rوَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ وَعَنْ الزُّهْرِيِّ وَالْأَوْزَاعِيِّ : لَا وُضُوءَ عَلَى مَنْ مَسَّ ذَكَرَ الصَّغِيرِ ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ مَسُّهُ وَالنَّظَرُ إلَيْهِ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَنَّهُ قَبَّلَ زُبَيْبَةَ الْحَسَنِ ، وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ","part":1,"page":307},{"id":307,"text":"عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَسَّ زُبَيْبَةَ الْحَسَنِ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ .\r} وَلَنَا عُمُومُ قَوْلِهِ : \" مَنْ مَسَّ الذَّكَرَ فَلْيَتَوَضَّأْ \" وَلِأَنَّهُ ذَكَرٌ آدَمِيٌّ مُتَّصِلٌ بِهِ ، أَشْبَهَ الْكَبِيرَ ، وَالْخَبَرُ لَيْسَ بِثَابِتٍ .\rثُمَّ إنَّ نَقْضَ اللَّمْسِ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ كَوْنُ الْقُبْلَةِ نَاقِضَةً .\rثُمَّ لَيْسَ فِيهِ أَنَّهُ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ ، فَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ لَمْ يَتَوَضَّأْ فِي مَجْلِسِهِ ، وَجَوَازُ اللَّمْسِ وَالنَّظَرِ يَبْطُلُ بِذَكَرِ نَفْسِهِ .\r( 254 ) فَصْلٌ : وَفَرْجُ الْمَيِّتِ كَفَرْجِ الْحَيِّ لِبَقَاءِ الِاسْمِ وَالْحُرْمَةِ ، لِاتِّصَالِهِ بِجُمْلَةِ الْآدَمِيِّ ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ إِسْحَاقُ : لَا وُضُوءَ عَلَيْهِ .\rوَفِي الذَّكَرِ الْمَقْطُوعِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا ، يَنْقُضُ ؛ لِبَقَاءِ اسْمِ الذَّكَرِ .\rوَالْآخَرُ لَا يَنْقُضُ ؛ لِذَهَابِ الْحُرْمَةِ ، وَعَدَمِ الشَّهْوَةِ بِمَسِّهِ ، فَأَشْبَهَ ثِيلَ الْجَمَلِ .\rوَلَوْ مَسَّ الْقُلْفَةَ الَّتِي تُقْطَعُ فِي الْخِتَانِ قَبْلَ قَطْعِهَا ، انْتَقَضَ وُضُوءُهُ ؛ لِأَنَّهَا مِنْ جِلْدَةِ الذَّكَرِ .\rوَإِنْ مَسَّهَا بَعْدَ الْقَطْعِ فَلَا وُضُوءَ عَلَيْهِ ؛ لِزَوَالِ الِاسْمِ وَالْحُرْمَةِ .\r( 255 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا مَسُّ حَلْقَةِ الدُّبُرِ ، فَعَنْهُ رِوَايَتَانِ أَيْضًا : إحْدَاهُمَا لَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ .\rقَالَ الْخَلَّالُ : الْعَمَلُ وَالْأَشْيَعُ فِي قَوْلِهِ وَحُجَّتِهِ ، أَنَّهُ لَا يَتَوَضَّأُ مِنْ مَسِّ الدُّبُرِ ؛ لِأَنَّ الْمَشْهُورَ مِنْ الْحَدِيثِ : \" مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ \" وَهَذَا لَيْسَ فِي مَعْنَاهُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْصِدُ مَسَّهُ ، وَلَا يُفْضِي إلَى خُرُوجِ خَارِجٍ .\rوَالثَّانِيَةُ يَنْقُضُ .\rنَقَلَهَا أَبُو دَاوُد .\rوَهُوَ مَذْهَبُ عَطَاءٍ وَالزُّهْرِيِّ وَالشَّافِعِيِّ ؛ لِعُمُومِ قَوْلِهِ : \" مَنْ مَسَّ فَرْجَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ \" وَلِأَنَّهُ أَحَدُ الْفَرْجَيْنِ ، أَشْبَهَ الذَّكَرَ .\r( 256 ) فَصْلٌ : وَفِي مَسِّ الْمَرْأَةِ فَرْجَهَا أَيْضًا رِوَايَتَانِ : إحْدَاهُمَا يَنْقُضُ ؛ لِعُمُومِ قَوْلِهِ : \" مَنْ مَسَّ فَرْجَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ \" وَرَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ،","part":1,"page":308},{"id":308,"text":"عَنْ جَدِّهِ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { أَيُّمَا امْرَأَةٍ مَسَّتْ فَرْجَهَا فَلْتَتَوَضَّأْ } وَلِأَنَّهَا آدَمِيٌّ مَسَّ فَرْجَهُ ، فَانْتَقَضَ وُضُوءُهُ كَالرَّجُلِ .\rوَالْأُخْرَى لَا يَنْتَقِضُ .\rقَالَ الْمَرُّوذِيُّ : قِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ ، فَالْجَارِيَةُ إذَا مَسَّتْ فَرْجَهَا أَعَلَيْهَا وُضُوءٌ ؟ قَالَ : لَمْ أَسْمَعْ فِي هَذَا بِشَيْءٍ .\rقُلْت لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ : حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : \" أَيُّمَا امْرَأَةٍ مَسَّتْ فَرْجَهَا فَلْتَتَوَضَّأْ \" فَتَبَسَّمَ ، وَقَالَ : هَذَا حَدِيثُ الزُّبَيْدِيِّ ، وَلَيْسَ إسْنَادُهُ بِذَاكَ ؛ وَلِأَنَّ الْحَدِيثَ الْمَشْهُورَ فِي مَسِّ الذَّكَرِ ، وَلَيْسَ مَسُّ الْمَرْأَةِ فَرْجَهَا فِي مَعْنَاهُ ؛ لِكَوْنِهِ لَا يَدْعُو إلَى خُرُوجِ خَارِجٍ ، فَلَمْ يَنْقُضْ .\r( 257 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا لَمْسُ فَرْجِ الْخُنْثَى الْمُشْكِلِ فَلَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ اللَّمْسُ مِنْهُ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ ؛ فَإِنْ كَانَ اللَّمْسُ مِنْهُ فَلَمَسَ أَحَدَ فَرْجَيْهِ ، لَمْ يَنْتَقِضْ وُضُوءُهُ ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمَلْمُوسُ خِلْقَةً زَائِدَةً .\rوَإِنْ لَمَسَهُمَا جَمِيعًا ، وَقُلْنَا : لَا يَنْقُضُ وُضُوءَ الْمَرْأَةِ مَسُّ فَرْجِهَا .\rلَمْ يَنْتَقِضْ وُضُوءُهُ ؛ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ امْرَأَةً مَسَّتْ فَرْجَهَا ، أَوْ خِلْقَةً زَائِدَةً ، وَإِنْ قُلْنَا : يَنْقُضُ .\rانْتَقَضَ وُضُوءُهُ ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا فَرْجًا ، وَإِنْ كَانَ اللَّامِسُ رَجُلًا ، فَمَسَّ الذَّكَرَ لِغَيْرِ شَهْوَةٍ ، لَمْ يَنْتَقِضْ وُضُوءُهُ .\rوَإِنْ مَسَّهُ لِشَهْوَةِ ، انْتَقَضَ وُضُوءُهُ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ ؛ فَإِنَّهُ إنْ كَانَ ذَكَرًا فَقَدْ مَسَّهُ وَإِنْ كَانَ أُنْثَى فَقَدْ مَسَّهَا لِشَهْوَةِ .\rوَإِنْ مَسَّ قُبُلَ الْمَرْأَةِ لَمْ يَنْتَقِضْ وُضُوءُهُ ؛ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ خِلْقَةً زَائِدَةً مِنْ رَجُلٍ .\rوَإِنْ مَسَّهُمَا جَمِيعًا لِشَهْوَةِ ، انْتَقَضَ وُضُوءُهُ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا فِي الذَّكَرِ .\rوَإِنْ كَانَ لِغَيْرِ شَهْوَةٍ ، انْتَقَضَ وُضُوءُهُ فِي الظَّاهِرِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ","part":1,"page":309},{"id":309,"text":"يَكُونَ مَسَّ ذَكَرَ رَجُلٍ أَوْ فَرْجَ امْرَأَةٍ .\rوَإِنْ كَانَ اللَّامِسُ امْرَأَةً ، فَلَمَسَتْ أَحَدَهُمَا لِغَيْرِ شَهْوَةٍ ، لَمْ يَنْتَقِضْ وُضُوءُهَا .\rوَإِنْ لَمَسَتْ الذَّكَرَ لِشَهْوَةٍ ، لَمْ يَنْتَقِضْ وُضُوءُهَا ؛ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ خِلْقَةً زَائِدَةً مِنْ امْرَأَةٍ .\rفَإِنْ مَسَّتْ فَرْجَ الْمَرْأَةِ لِشَهْوَةٍ ، انْبَنَى عَلَى مَسِّ الْمَرْأَةِ الرَّجُلَ لِشَهْوَةٍ ، فَإِنْ قُلْنَا يَنْقُضُ .\rانْتَقَضَ وُضُوءُهَا هَاهُنَا لِذَلِكَ .\rوَإِلَّا لَمْ يَنْتَقِضْ .\rوَإِنْ مَسَّتْهُمَا جَمِيعًا لِغَيْرِ شَهْوَةٍ ، وَقُلْنَا : إنَّ مَسَّ فَرْجِ الْمَرْأَةِ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ .\rانْتَقَضَ وُضُوءُهَا هَاهُنَا ، وَإِلَّا فَلَا .\rوَإِنْ كَانَ اللَّامِسُ خُنْثَى مُشْكِلًا لَمْ يَنْتَقِضْ وُضُوءُهُ ، إلَّا أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الْفَرْجَيْنِ فِي اللَّمْسِ .\rوَلَوْ مَسَّ أَحَدُ الْخُنْثَيَيْنِ ذَكَرَ الْآخَرِ ، وَمَسَّ الْآخَرُ فَرْجَهُ ، وَكَانَ اللَّمْسُ مِنْهُمَا لِشَهْوَةٍ ، أَوْ لِغَيْرِهَا فَلَا وُضُوءَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى انْفِرَادِهِ يَقِينُ الطَّهَارَةِ بَاقٍ فِي حَقِّهِ ، وَالْحَدَثُ مَشْكُوكٌ فِيهِ .\rفَلَا نَزُولُ عَنْ الْيَقِينِ بِالشَّكِّ ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَا جَمِيعًا امْرَأَتَيْنِ ، فَلَا يَنْتَقِضُ وُضُوءُ لَامِسِ الذَّكَرِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ ، فَلَا يَنْتَقِضُ وُضُوءُ لَامِسِ الْفَرْجِ .\rوَإِنْ مَسَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ذَكَرَ الْآخَرِ ، احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَا امْرَأَتَيْنِ ، وَقَدْ مَسَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا خِلْقَةً زَائِدَةً مِنْ الْآخَرِ .\rوَإِنْ مَسَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قُبُلَ الْآخَرِ ، احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ .","part":1,"page":310},{"id":310,"text":"( 258 ) فَصْلٌ : وَلَا يَنْتَقِضُ الْوُضُوءُ بِمَسِّ مَا عَدَا الْفَرْجَيْنِ مِنْ سَائِرِ الْبَدَنِ ، كَالرَّفْغِ وَالْأُنْثَيَيْنِ وَالْإِبْطِ ، فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ ؛ إلَّا أَنَّهُ رُوِيَ عَنْ عُرْوَةَ قَالَ : مَنْ مَسَّ أُنْثَيَيْهِ فَلْيَتَوَضَّأْ .\rوَقَالَ الزُّهْرِيُّ : أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَتَوَضَّأَ .\rوَقَالَ عِكْرِمَةُ : مَنْ مَسَّ مَا بَيْنَ الْفَرْجَيْنِ فَلْيَتَوَضَّأْ .\rوَقَوْلُ الْجُمْهُورِ أَوْلَى ؛ لِأَنَّهُ لَا نَصَّ فِي هَذَا وَلَا هُوَ فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ فَلَا يَثْبُتُ الْحُكْمُ فِيهِ ، وَلَا يَنْتَقِضُ وُضُوءُ الْمَلْمُوسِ أَيْضًا ؛ لِأَنَّ الْوُجُوبَ مِنْ الشَّرْعِ ، وَإِنَّمَا وَرَدَتْ السُّنَّةُ فِي اللَّامِسِ .\rوَلَا يَنْتَقِضُ الْوُضُوءُ بِمَسِّ فَرْجِ بَهِيمَةٍ ، وَقَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ : عَلَيْهِ الْوُضُوءُ ، وَقَالَ عَطَاءٌ : مَنْ مَسَّ قُنْبَ ( 1 ) حِمَارٍ ، عَلَيْهِ الْوُضُوءُ ، وَمَنْ مَسَّ ثِيلَ جَمَلٍ لَا وُضُوءَ عَلَيْهِ .\rوَمَا قُلْنَاهُ قَوْلُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ وَهُوَ أَوْلَى ؛ لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ بِمَنْصُوصٍ عَلَى النَّقْضِ بِهِ ، وَلَا هُوَ فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ فَلَا وَجْهَ لِلْقَوْلِ بِهِ .","part":1,"page":311},{"id":311,"text":"( 259 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : الْقَيْءُ الْفَاحِشُ ، وَالدَّمُ الْفَاحِشُ وَالدُّودُ الْفَاحِشُ يَخْرُجُ مِنْ الْجُرُوحِ .\rوَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْخَارِجَ مِنْ الْبَدَنِ مِنْ غَيْرِ السَّبِيلِ يَنْقَسِمُ قِسْمَيْنِ : طَاهِرًا وَنَجِسًا ؛ فَالطَّاهِرُ لَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ عَلَى حَالٍ مَا ، وَالنَّجِسُ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ فِي الْجُمْلَةِ ، رِوَايَةً وَاحِدَةً .\rرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَعَلْقَمَةَ وَعَطَاءٍ وَقَتَادَةَ وَالثَّوْرِيِّ وَإِسْحَاقَ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ .\rوَكَانَ مَالِكٌ وَرَبِيعَةُ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ ، لَا يُوجِبُونَ مِنْهُ وُضُوءًا ، وَقَالَ مَكْحُولٌ : لَا وُضُوءَ إلَّا فِيمَا خَرَجَ مِنْ قُبُلٍ أَوْ دُبُرٍ ؛ لِأَنَّهُ خَارِجٌ مِنْ غَيْرِ الْمَخْرَجِ ، مَعَ بَقَاءِ الْمَخْرَجِ ، فَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ نَقْضُ الطَّهَارَةِ ، كَالْبُصَاقِ وَلِأَنَّهُ لَا نَصَّ فِيهِ ، وَلَا يُمْكِنُ قِيَاسُهُ عَلَى مَحَلِّ النَّصِّ ، وَهُوَ الْخَارِجُ مِنْ السَّبِيلَيْنِ ، لِكَوْنِ الْحُكْمِ فِيهِ غَيْرَ مُعَلَّلٍ وَلِأَنَّهُ لَا يَفْتَرِقُ الْحَالُ بَيْنَ قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ ، وَطَاهِرِهِ وَنَجِسِهِ ؛ وَهَا هُنَا بِخِلَافِهِ ، فَامْتَنَعَ الْقِيَاسُ .\rوَلَنَا : مَا رَوَى أَبُو الدَّرْدَاءِ : { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَاءَ فَتَوَضَّأَ ، فَلَقِيت ثَوْبَانَ فِي مَسْجِدِ دِمَشْقَ فَذَكَرْت لَهُ ذَلِكَ فَقَالَ ثَوْبَانُ : صَدَقَ ، أَنَا صَبَبْت لَهُ وَضُوءَهُ .\r} رَوَاهُ الْأَثْرَمُ وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَقَالَ : هَذَا أَصَحُّ شَيْءٍ فِي هَذَا الْبَابِ قِيلَ لِأَحْمَدَ : حَدِيثُ ثَوْبَانَ ثَبَتَ عِنْدَك ؟ قَالَ : نَعَمْ .\rوَرَوَى الْخَلَّالُ بِإِسْنَادِهِ ، عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" إذَا قَلَسَ أَحَدُكُمْ فَلْيَتَوَضَّأْ \" قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : وَحَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَ ذَلِكَ وَأَيْضًا فَإِنَّهُ قَوْلُ مَنْ سَمَّيْنَا مِنْ الصَّحَابَةِ ، وَلَمْ نَعْرِفْ لَهُمْ مُخَالِفًا فِي عَصْرِهِمْ ، فَيَكُونُ","part":1,"page":312},{"id":312,"text":"إجْمَاعًا ؛ وَلِأَنَّهُ خَارِجٌ يَلْحَقُهُ حُكْمُ التَّطْهِيرِ ، فَنَقَضَ الْوُضُوءَ كَالْخَارِجِ مِنْ السَّبِيلِ .\rوَقِيَاسُهُمْ مَنْقُوضٌ بِمَا إذَا انْفَتَحَ مَخْرَجٌ دُونَ الْمَعِدَةِ .\r( 260 ) فَصْلٌ : وَإِنَّمَا يَنْتَقِضُ الْوُضُوءُ بِالْكَثِيرِ مِنْ ذَلِكَ دُونَ الْيَسِيرِ ، وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا : فِيهِ رِوَايَةٌ أُخْرَى ، أَنَّ الْيَسِيرَ يَنْقُضُ .\rوَلَا نَعْرِفُ هَذِهِ الرِّوَايَةَ ، وَلَمْ يَذْكُرْهَا الْخَلَّالُ فِي \" جَامِعِهِ \" إلَّا فِي الْقَلْسِ ، وَاطَّرَحَهَا وَقَالَ الْقَاضِي : لَا يَنْقُضُ ، رِوَايَةً وَاحِدَةً .\rوَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ الصَّحَابَةِ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ .\rقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي الدَّمِ : إذَا كَانَ فَاحِشًا فَعَلَيْهِ الْإِعَادَةُ .\rوَابْنُ أَبِي أَوْفَى بَزَقَ دَمًا ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى .\rوَابْنُ عُمَرَ عَصَرَ بَثْرَةً فَخَرَجَ دَمٌ ، وَصَلَّى ، وَلَمْ يَتَوَضَّأْ .\rقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ : عِدَّةٌ مِنْ الصَّحَابَةِ تَكَلَّمُوا فِيهِ وَأَبُو هُرَيْرَةَ كَانَ يُدْخِلُ أَصَابِعَهُ فِي أَنْفِهِ ، وَابْنُ عُمَرَ عَصَرَ بَثْرَةً وَابْنُ أَبِي أَوْفَى عَصَرَ دُمَّلًا وَابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ : إذَا كَانَ فَاحِشًا .\rوَجَابِرٌ أَدْخَلَ أَصَابِعَهُ فِي أَنْفِهِ ، وَابْنُ الْمُسَيِّبِ أَدْخُلَ أَصَابِعَهُ الْعَشَرَةَ فِي أَنْفِهِ ، وَأَخْرَجَهَا مُتَلَطِّخَةً بِالدَّمِ .\rيَعْنِي : وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إذَا سَالَ الدَّمُ فَفِيهِ الْوُضُوءُ ، وَإِنْ وَقَفَ عَلَى رَأْسِ الْجُرْحِ ، لَمْ يَجِبْ ؛ لِعُمُومِ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { مَنْ قَاءَ أَوْ رَعَفَ فِي صَلَاتِهِ فَلْيَتَوَضَّأْ .\r} وَلَنَا مَا رَوَيْنَا عَنْ الصَّحَابَةِ ، وَلَمْ نَعْرِفْ لَهُمْ مُخَالِفًا .\rوَقَدْ رَوَى الدَّارَقُطْنِيّ ، بِإِسْنَادِهِ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { لَيْسَ الْوُضُوءُ مِنْ الْقَطْرَةِ وَالْقَطْرَتَيْنِ } وَحَدِيثُهُمْ لَا تُعْرَفُ صِحَّتُهُ ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ ، وَقَدْ تَرَكُوا الْعَمَلَ بِهِ ، فَإِنَّهُمْ قَالُوا : إذَا كَانَ دُونَ مِلْءِ الْفَمِ ، لَمْ يَجِبْ الْوُضُوءُ مِنْهُ .\r( 261 ) فَصْلٌ : وَظَاهِرُ مَذْهَبِ أَحْمَدَ أَنَّ","part":1,"page":313},{"id":313,"text":"الْكَثِيرَ الَّذِي يَنْقُضُ الْوُضُوءَ لَا حَدَّ لَهُ أَكْثَرُ مِنْ أَنَّهُ يَكُونَ فَاحِشًا وَقِيلَ : يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ، مَا قَدْرُ الْفَاحِشِ ؟ قَالَ : مَا فَحُشَ فِي قَلْبِك وَقِيلَ لَهُ : مِثْلُ أَيِّ شَيْءٍ يَكُونُ الْفَاحِشُ ؟ قَالَ : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : مَا فَحُشَ فِي قَلْبِك وَقَدْ نُقِلَ عَنْهُ أَنَّهُ سُئِلَ : كَمْ الْكَثِيرُ ؟ فَقَالَ : شِبْرٌ فِي شِبْرٍ وَفِي مَوْضِعٍ قَالَ : قَدْرُ الْكَفِّ فَاحِشٌ .\rوَفِي مَوْضِعٍ قَالَ : الَّذِي يُوجِبُ الْوُضُوءَ مِنْ ذَلِكَ إذَا كَانَ مِقْدَارَ مَا يَرْفَعُهُ الْإِنْسَانُ بِأَصَابِعِهِ الْخَمْسِ مِنْ الْقَيْحِ وَالصَّدِيدِ وَالْقَيْءِ ، فَلَا بَأْسَ بِهِ .\rفَقِيلَ لَهُ : إنْ كَانَ مِقْدَارَ عَشْرَةِ أَصَابِعَ ؟ فَرَآهُ كَثِيرًا .\rقَالَ الْخَلَّالُ : وَاَلَّذِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ فِي الْفَاحِشِ ، أَنَّهُ عَلَى قَدْرِ مَا يَسْتَفْحِشُهُ كُلُّ إنْسَانٍ فِي نَفْسِهِ .\rقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ : إنَّمَا يُعْتَبَرُ مَا يَفْحُشُ فِي نُفُوسِ أَوْسَاطِ النَّاسِ ، لَا الْمُتَبَذِّلِينَ ، وَلَا الْمُوَسْوِسِينَ ، كَمَا رَجَعْنَا فِي يَسِيرِ اللُّقَطَةِ الَّذِي لَا يَجِبُ تَعْرِيفُهُ إلَى مَا لَا تَتْبَعُهُ نُفُوسُ أَوْسَاطِ النَّاسِ .\rوَنَصُّ أَحْمَدَ فِي هَذَا كَمَا حَكَيْنَاهُ ، وَذَهَبَ إلَى قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ( 262 ) فَصْلٌ : وَالْقَيْحُ وَالصَّدِيدُ كَالدَّمِ فِيمَا ذَكَرْنَا ، وَأَسْهَلُ وَأَخَفُّ مِنْهُ حُكْمًا عِنْدَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ لِوُقُوعِ الِاخْتِلَافِ فِيهِ ، فَإِنَّهُ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَالْحَسَنِ أَنَّهُمْ لَمْ يَرَوْا الْقَيْحَ وَالصَّدِيدَ كَالدَّمِ .\rوَقَالَ أَبُو مِجْلَزٍ فِي الصَّدِيدِ : لَا شَيْءَ ، إنَّمَا ذَكَرَ اللَّهُ الدَّمَ الْمَسْفُوحَ ، وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ فِي قُرْحَةٍ سَالَ مِنْهَا كَغُسَالَةِ اللَّحْمِ : لَا وُضُوءَ فِيهِ .\rوَقَالَ إِسْحَاقُ : كُلُّ مَا سِوَى الدَّمِ لَا يُوجِبُ وُضُوءًا .\rوَقَالَ مُجَاهِدٌ وَعَطَاءٌ وَعُرْوَةُ وَالشَّعْبِيُّ وَالزُّهْرِيُّ وَقَتَادَةُ وَالْحَكَمُ وَاللَّيْثُ : الْقَيْحُ بِمَنْزِلَةِ الدَّمِ .\rفَلِذَلِكَ خَفَّ حُكْمُهُ عِنْدَهُ ، وَاخْتِيَارُهُ مَعَ ذَلِكَ إلْحَاقُهُ بِالدَّمِ وَإِثْبَاتُ مِثْلِ حُكْمِهِ","part":1,"page":314},{"id":314,"text":"فِيهِ ، وَلَكِنْ الَّذِي يَفْحُشُ مِنْهُ يَكُونُ أَكْثَرَ مِنْ الَّذِي يَفْحُشُ مِنْ الدَّمِ .\r( 263 ) فَصْلٌ : وَالْقَلْسُ كَالدَّمِ ، يَنْقُضُ الْوُضُوءَ مِنْهُ مَا فَحُشَ .\rقَالَ الْخَلَّالُ الَّذِي أَجْمَعَ عَلَيْهِ أَصْحَابُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عَنْهُ ، أَنَّهُ إذَا كَانَ فَاحِشًا أَعَادَ الْوُضُوءَ مِنْهُ ، وَقَدْ حُكِيَ عَنْهُ فِيهِ الْوُضُوءُ إذَا مَلَأَ الْفَمَ .\rوَقِيلَ عَنْهُ إذَا كَانَ أَقَلَّ مِنْ نِصْفِ الْفَمِ لَا يَتَوَضَّأُ .\rوَالْأَوَّلُ الْمَذْهَبُ .\rوَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي الدُّودِ الْخَارِجِ مِنْ الْجَسَدِ ، إذَا كَانَ كَثِيرًا نَقَضَ الْوُضُوءَ ، وَإِنْ كَانَ يَسِيرًا ، لَمْ يَنْقُضْ ، وَالْكَثِيرُ مَا فَحُشَ فِي النَّفْسِ .","part":1,"page":315},{"id":315,"text":"( 264 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا الْجُشَاءُ فَلَا وُضُوءَ فِيهِ .\rلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا قَالَ مُهَنَّا : سَأَلْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَنْ الرَّجُلِ يَخْرُجُ مِنْ فِيهِ الرِّيحُ مِثْلُ الْجُشَاءِ الْكَثِيرِ ؟ قَالَ .\rلَا وُضُوءَ عَلَيْهِ .\rوَكَذَلِكَ النُّخَاعَةُ لَا وُضُوءَ فِيهَا ، سَوَاءٌ كَانَتْ مِنْ الرَّأْسِ أَوْ الصَّدْرِ ؛ لِأَنَّهَا طَاهِرَةٌ ، أَشْبَهَتْ الْبُصَاقَ .","part":1,"page":316},{"id":316,"text":"( 265 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : وَأَكْلُ لَحْمِ الْجَزُورِ وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ أَكْلَ لَحْمِ الْإِبِلِ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ عَلَى كُلِّ حَالٍ نِيئًا وَمَطْبُوخًا ، عَالِمًا كَانَ أَوْ جَاهِلًا .\rوَبِهَذَا قَالَ جَابِرُ بْنُ سَمُرَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو خَيْثَمَةَ وَيَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَابْنُ الْمُنْذِرِ ، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ .\rقَالَ الْخَطَّابِيُّ : ذَهَبَ إلَى هَذَا عَامَّةُ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ .\rوَقَالَ الثَّوْرِيُّ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ : لَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ بِحَالٍ ؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ { : الْوُضُوءُ مِمَّا يَخْرُجُ لَا مِمَّا يَدْخُلُ } وَرُوِيَ عَنْ جَابِرٍ ، قَالَ : { كَانَ آخِرُ الْأَمْرَيْنِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَرْكَ الْوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتْ النَّارُ } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَلِأَنَّهُ مَأْكُولٌ أَشْبَهَ سَائِرَ الْمَأْكُولَاتِ .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ قَالَ : فِي الَّذِي يَأْكُلُ مِنْ لُحُومِ الْإِبِلِ : إنْ كَانَ لَا يَعْلَمُ لَيْسَ عَلَيْهِ وُضُوءٌ ، وَإِنْ كَانَ الرَّجُلُ قَدْ عَلِمَ وَسَمِعَ ، فَهَذَا عَلَيْهِ وَاجِبٌ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ عَلِمَ ، فَلَيْسَ هُوَ كَمَنْ لَا يَعْلَمُ وَلَا يَدْرِي .\rقَالَ الْخَلَّالُ : وَعَلَى هَذَا اسْتَقَرَّ قَوْلُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ فِي هَذَا الْبَابِ .\rوَلَنَا : مَا رَوَى الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ قَالَ : { سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ لُحُومِ الْإِبِلِ ، فَقَالَ : تَوَضَّئُوا مِنْهَا وَسُئِلَ عَنْ لُحُومِ الْغَنَمِ ، فَقَالَ : لَا يُتَوَضَّأُ مِنْهَا } رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد ، وَرَوَى جَابِرُ بْنُ سَمُرَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَهُ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادِهِ ، عَنْ أُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ ، وَقَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { تَوَضَّئُوا مِنْ لُحُومِ الْإِبِلِ ، وَلَا تَتَوَضَّئُوا مِنْ لُحُومِ الْغَنَمِ .\r} وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ","part":1,"page":317},{"id":317,"text":"عَمْرٍو ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَ ذَلِكَ ، قَالَ أَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ وَابْنُ رَاهْوَيْهِ : فِيهِ حَدِيثَانِ صَحِيحَانِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ حَدِيثُ الْبَرَاءِ وَحَدِيثُ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ .\rوَحَدِيثُهُمْ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ لَا أَصْلَ لَهُ ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، مَوْقُوفٌ عَلَيْهِ ، وَلَوْ صَحَّ لَوَجَبَ تَقْدِيمُ حَدِيثِنَا عَلَيْهِ ؛ لِكَوْنِهِ أَصَحَّ مِنْهُ وَأَخَصَّ وَالْخَاصُّ يُقَدَّمُ عَلَى الْعَامِّ ، وَحَدِيثُ جَابِرٍ لَا يُعَارِضُ حَدِيثَنَا أَيْضًا ؛ لِصِحَّتِهِ وَخُصُوصِهِ .\rفَإِنْ قِيلَ : فَحَدِيثُ جَابِرٍ مُتَأَخِّرٌ ، فَيَكُونُ نَاسِخًا .\rقُلْنَا : لَا يَصِحُّ النَّسْخُ بِهِ لِوُجُوهٍ أَرْبَعَةٍ ؛ أَحَدُهَا ، أَنَّ الْأَمْرَ بِالْوُضُوءِ مِنْ لُحُومِ الْإِبِلِ مُتَأَخِّرٌ عَنْ نَسْخِ الْوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتْ النَّارُ ، أَوْ مُقَارِنٌ لَهُ ؛ بِدَلِيلِ أَنَّهُ قَرَنَ الْأَمْرَ بِالْوُضُوءِ مِنْ لُحُومِ الْإِبِلِ بِالنَّهْيِ عَنْ الْوُضُوءِ مِنْ لُحُومِ الْغَنَمِ ، وَهِيَ مِمَّا مَسَّتْ النَّارُ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ النَّسْخُ حَصَلَ بِهَذَا النَّهْيِ ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ بِشَيْءٍ قَبْلَهُ ؛ فَإِنْ كَانَ بِهِ ، فَالْأَمْرُ بِالْوُضُوءِ مِنْ لُحُومِ الْإِبِلِ مُقَارِنٌ لِنَسْخِ الْوُضُوءِ مِمَّا غَيَّرَتْ النَّارُ فَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَنْسُوخًا بِهِ ؟ وَمِنْ شُرُوطِ النَّسْخِ تَأَخُّرُ النَّاسِخِ ، وَإِنْ كَانَ النَّسْخُ قَبْلَهُ ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يُنْسَخَ بِمَا قَبْلَهُ .\rالثَّانِي ، أَنَّ أَكْلَ لُحُومِ الْإِبِلِ إنَّمَا نَقَضَ ؛ لِكَوْنِهِ مِنْ لُحُومِ الْإِبِلِ ، لَا لِكَوْنِهِ مِمَّا مَسَّتْ النَّارُ ، وَلِهَذَا يَنْقُضُ وَإِنْ كَانَ نِيئًا ، فَنَسْخُ إحْدَى الْجِهَتَيْنِ لَا يَثْبُتُ بِهِ نَسْخُ الْجِهَةِ الْأُخْرَى ، كَمَا لَوْ حَرَّمَتْ الْمَرْأَةُ لِلرَّضَاعِ ، وَلِكَوْنِهَا رَبِيبَةً ، فَنَسْخُ التَّحْرِيمِ بِالرَّضَاعِ لَمْ يَكُنْ نَسْخًا لِتَحْرِيمِ الرَّبِيبَةِ .\rالثَّالِثُ ، أَنَّ خَبَرَهُمْ عَامٌّ وَخَبَرَنَا خَاصٌّ ، وَالْعَامُّ لَا يُنْسَخُ بِهِ الْخَاصُّ ؛ لِأَنَّ مِنْ شُرُوطِ النَّسْخِ تَعَذُّرَ الْجَمْعِ ، وَالْجَمْعُ بَيْنَ","part":1,"page":318},{"id":318,"text":"الْخَاصِّ وَالْعَامِّ مُمْكِنٌ بِتَنْزِيلِ الْعَامِّ عَلَى مَا عَدَا مَحَلِّ التَّخْصِيصِ .\rالرَّابِعُ : أَنَّ خَبَرَنَا صَحِيحٌ مُسْتَفِيضٌ ، ثَبَتَتْ لَهُ قُوَّةُ الصِّحَّةِ وَالِاسْتِفَاضَةِ وَالْخُصُوصِ ، وَخَبَرَهُمْ ضَعِيفٌ ؛ لِعَدَمِ هَذِهِ الْوُجُوهِ الثَّلَاثَةِ فِيهِ ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ نَاسِخًا لَهُ .\rفَإِنْ قِيلَ : الْأَمْرُ بِالْوُضُوءِ فِي خَبَرِكُمْ يَحْتَمِلُ الِاسْتِحْبَابَ ، فَنَحْمِلُهُ عَلَيْهِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ بِالْوُضُوءِ قَبْلَ الطَّعَامِ وَبَعْدَهُ غَسْلَ الْيَدَيْنِ ؛ لِأَنَّ الْوُضُوءَ إذَا أُضِيفَ إلَى الطَّعَامِ ، اقْتَضَى غَسْلَ الْيَدِ ، كَمَا كَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَأْمُرُ بِالْوُضُوءِ قَبْلَ الطَّعَامِ وَبَعْدَهُ ، وَخُصَّ ذَلِكَ بِلَحْمِ الْإِبِلِ ؛ لِأَنَّ فِيهِ مِنْ الْحَرَارَةِ وَالزُّهُومَةِ مَا لَيْسَ فِي غَيْرِهِ .\rقُلْنَا أَمَّا الْأَوَّلُ فَمُخَالِفٌ لِلظَّاهِرِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ : أَحَدُهَا ، أَنَّ مُقْتَضَى الْأَمْرِ الْوُجُوبُ .\rالثَّانِي ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ عَنْ حُكْمِ هَذَا اللَّحْمِ ، فَأَجَابَ بِالْأَمْرِ بِالْوُضُوءِ مِنْهُ فَلَا يَجُوزُ حَمْلُهُ عَلَى غَيْرِ الْوُجُوبِ ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ تَلْبِيسًا عَلَى السَّائِلِ ، لَا جَوَابًا .\rالثَّالِثُ ، أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَرَنَهُ بِالنَّهْيِ عَنْ الْوُضُوءِ مِنْ لُحُومِ الْغَنَمِ ، وَالْمُرَادُ بِالنَّهْيِ هَاهُنَا نَفْيُ الْإِيجَابِ لَا التَّحْرِيمِ ، فَيَتَعَيَّنُ حَمْلُ الْأَمْرِ عَلَى الْإِيجَابِ ، لِيَحْصُلَ الْفَرْقُ .\rوَأَمَّا الثَّانِي فَلَا يَصِحُّ لِوُجُوهٍ أَرْبَعَةٍ : أَحَدُهَا : أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ حَمْلُ الْأَمْرِ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ ، فَإِنَّ غَسْلَ الْيَدِ بِمُفْرَدِهِ غَيْرُ وَاجِبٍ ، وَقَدْ بَيَّنَّا فَسَادَهُ .\rالثَّانِي : أَنَّ الْوُضُوءَ إذَا جَاءَ عَلَى لِسَانِ الشَّارِعِ ، وَجَبَ حَمْلُهُ عَلَى الْمَوْضُوعِ الشَّرْعِيِّ دُونَ اللُّغَوِيِّ ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْهُ ، أَنَّهُ إنَّمَا يَتَكَلَّمُ بِمَوْضُوعَاتِهِ .\rالثَّالِثُ : أَنَّهُ خَرَجَ جَوَابًا لِسُؤَالِ السَّائِلِ عَنْ حُكْمِ الْوُضُوءِ مِنْ لُحُومِهَا ، وَالصَّلَاةِ فِي مَبَارِكِهَا فَلَا يُفْهَمُ مِنْ","part":1,"page":319},{"id":319,"text":"ذَلِكَ سِوَى الْوُضُوءِ الْمُرَادِ لِلصَّلَاةِ .\rالرَّابِعُ : أَنَّهُ لَوْ أَرَادَ غَسْلَ الْيَدِ لَمَا فَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ لَحْمِ الْغَنَمِ ؛ فَإِنَّ غَسْلَ الْيَدِ مِنْهُمَا مُسْتَحَبٌّ وَلِهَذَا قَالَ : \" مَنْ بَاتَ وَفِي يَدِهِ رِيحُ غَمَرٍ فَأَصَابَهُ شَيْءٌ ، فَلَا يَلُومَنَّ إلَّا نَفْسَهُ \" .\rوَمَا ذَكَرَهُ مِنْ زِيَادَةِ الزُّهُومَةِ فَأَمْرٌ يَسِيرٌ ، لَا يَقْتَضِي التَّفْرِيقَ .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .\rثُمَّ لَا بُدَّ مِنْ دَلِيلٍ نَصْرِفُ بِهِ اللَّفْظَ عَنْ ظَاهِرِهِ وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ الدَّلِيلُ لَهُ مِنْ الْقُوَّةِ بِقَدْرِ قُوَّةِ الظَّوَاهِرِ الْمَتْرُوكَةِ ، وَأَقْوَى مِنْهَا ، وَلَيْسَ لَهُمْ دَلِيلٌ ، وَقِيَاسُهُمْ فَاسِدٌ ؛ فَإِنَّهُ طَرْدِيٌّ لَا مَعْنَى فِيهِ ، وَانْتِفَاءُ الْحُكْمِ فِي سَائِرِ الْمَأْكُولَاتِ لِانْتِفَاءِ الْمُقْتَضِي ، لَا لِكَوْنِهِ مَأْكُولًا ، فَلَا أَثَرَ لِكَوْنِهِ مَأْكُولًا ، وَوُجُودُهُ كَعَدَمِهِ .\rوَمِنْ الْعَجَبِ أَنَّ مُخَالِفِينَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ، أَوْجَبُوا الْوُضُوءَ بِأَحَادِيثَ ضَعِيفَةٍ تُخَالِفُ الْأُصُولَ ؛ فَأَبُو حَنِيفَةَ أَوْجَبَهُ بِالْقَهْقَهَةِ فِي الصَّلَاةِ دُونَ خَارِجِهَا ، بِحَدِيثٍ مِنْ مَرَاسِيلِ أَبِي الْعَالِيَةِ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ أَوْجَبَاهُ بِمَسِّ الذَّكَرِ ، بِحَدِيثٍ مُخْتَلَفٍ فِيهِ ، مُعَارَضٍ بِمِثْلِهِ دُونَ مَسِّ بَقِيَّةِ الْأَعْضَاءِ ، وَتَرَكُوا هَذَا الْحَدِيثَ الصَّحِيحَ الَّذِي لَا مُعَارِضَ لَهُ ، مَعَ بُعْدِهِ عَنْ التَّأْوِيلِ ، وَقُوَّةِ الدَّلَالَةِ فِيهِ ، لِمُخَالَفَتِهِ لِقِيَاسٍ طَرْدِيٍّ .","part":1,"page":320},{"id":320,"text":"( 266 ) فَصْلٌ : وَفِي شُرْبِ لَبَنِ الْإِبِلِ رِوَايَتَانِ : إحْدَاهُمَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ ؛ لِمَا رَوَى أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { تَوَضَّئُوا مِنْ لُحُومِ الْإِبِلِ وَأَلْبَانِهَا } رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي الْمُسْنَدِ وَفِي لَفْظٍ : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ عَنْ أَلْبَانِ الْإِبِلِ ، فَقَالَ : تَوَضَّئُوا مِنْ أَلْبَانِهَا \" وَسُئِلَ عَنْ أَلْبَانِ الْغَنَمِ ، فَقَالَ : \" لَا تَتَوَضَّئُوا مِنْ أَلْبَانِهَا \" .\rرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ ، وَرُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو .\rوَالثَّانِيَةُ ، لَا وُضُوءَ فِيهِ ؛ لِأَنَّ الْحَدِيثَ الصَّحِيحَ إنَّمَا وَرَدَ فِي اللَّحْمِ .\rوَقَوْلُهُمْ : فِيهِ حَدِيثَانِ صَحِيحَانِ .\rيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا صَحِيحَ فِيهِ سِوَاهُمَا ، وَالْحُكْمُ هَاهُنَا غَيْرُ مَعْقُولٍ ، فَيَجِبُ الِاقْتِصَارُ عَلَى مَوْرِدِ النَّصِّ فِيهِ .\rوَفِيمَا سِوَى اللَّحْمِ مِنْ أَجْزَاءِ الْبَعِيرِ ، مِنْ كَبِدِهِ ، وَطِحَالِهِ وَسَنَامِهِ ، وَدُهْنِهِ ، وَمَرَقِهِ ، وَكَرِشِهِ ، وَمُصْرَانِهِ ، وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا ، لَا يَنْقُضُ ؛ لِأَنَّ النَّصَّ لَمْ يَتَنَاوَلْهُ ، وَالثَّانِي يَنْقُضُ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ الْجَزُورِ .\rوَإِطْلَاقُ اللَّحْمِ فِي الْحَيَوَانِ يُرَادُ بِهِ جُمْلَتُهُ ؛ لِأَنَّهُ أَكْثَرُ مَا فِيهِ ، وَلِذَلِكَ لَمَّا حَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى لَحْمَ الْخِنْزِيرِ ، كَانَ تَحْرِيمًا لِجُمْلَتِهِ ، كَذَا هَاهُنَا .","part":1,"page":321},{"id":321,"text":"( 267 ) فَصْلٌ : وَمَا عَدَا لَحْمَ الْجَزُورِ مِنْ الْأَطْعِمَةِ لَا وُضُوءَ فِيهِ ، سَوَاءٌ مَسَّتْهُ النَّارُ أَوْ لَمْ تَمَسَّهُ .\rهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ، الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ وَأُبَيُّ بْنِ كَعْبٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَعَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ وَأَبِي أُمَامَةَ ، وَعَامَّةِ الْفُقَهَاءِ ، وَلَا نَعْلَمُ الْيَوْمَ فِيهِ خِلَافًا .\rوَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ السَّلَفِ إلَى إيجَابِ الْوُضُوءِ مِمَّا غَيَّرَتْ النَّارُ ، مِنْهُمْ ابْنُ عُمَرَ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَأَبُو طَلْحَةَ وَأَبُو مُوسَى وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَأَنَسٌ وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَأَبُو مِجْلَزٍ وَأَبُو قِلَابَةَ وَالْحَسَنُ وَالزُّهْرِيُّ ؛ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ، وَزَيْدٌ ، وَعَائِشَةُ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { تَوَضَّئُوا مِمَّا مَسَّتْ النَّارُ } وَفِي لَفْظٍ { إنَّمَا الْوُضُوءُ مِمَّا مَسَّتْ النَّارُ } رَوَاهُنَّ مُسْلِمٌ .\rوَلَنَا : قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { وَلَا تَتَوَضَّئُوا مِنْ لُحُومِ الْغَنَمِ } وَقَوْلُ جَابِرٍ { كَانَ آخِرُ الْأَمْرَيْنِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَرْكَ الْوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتْ النَّارُ } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَالنَّسَائِيُّ .","part":1,"page":322},{"id":322,"text":"( 268 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : وَغَسْلُ الْمَيِّتِ .\rاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي وُجُوبِ الْوُضُوءِ مِنْ غَسْلِ الْمَيِّتِ ؛ فَقَالَ أَكْثَرُهُمْ بِوُجُوبِهِ ، سَوَاءٌ كَانَ الْمَغْسُولُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا ، ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى ، مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا .\rوَهُوَ قَوْلُ إِسْحَاقَ وَالنَّخَعِيِّ ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ ، فَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُمَا كَانَا يَأْمُرَانِ غَاسِلَ الْمَيِّتِ بِالْوُضُوءِ .\rوَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : أَقَلُّ مَا فِيهِ الْوُضُوءُ .\rوَلَا نَعْلَمُ لَهُمْ مُخَالِفًا فِي الصَّحَابَةِ .\rوَلِأَنَّ الْغَالِبَ فِيهِ أَنَّهُ لَا يَسْلَمُ أَنْ تَقَعَ يَدُهُ عَلَى فَرْجِ الْمَيِّتِ ، فَكَانَ مَظِنَّةُ ذَلِكَ قَائِمًا مَقَامَ حَقِيقَتِهِ ، كَمَا أُقِيمَ النَّوْمُ مَقَامَ الْحَدَثِ .\rوَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ التَّمِيمِيُّ : لَا وُضُوءَ فِيهِ .\rوَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ وَهُوَ الصَّحِيحُ إنْ شَاءَ اللَّهُ ؛ لِأَنَّ الْوُجُوبَ مِنْ الشَّرْعِ .\rوَلَمْ يَرِدْ فِي هَذَا نَصٌّ ، وَلَا هُوَ فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ ، فَبَقِيَ عَلَى الْأَصْلِ .\rوَلِأَنَّهُ غَسْلُ آدَمِيٍّ .\rفَأَشْبَهَ غَسْلَ الْحَيِّ .\rوَمَا رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ فِي هَذَا يُحْمَلُ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ دُونَ الْإِيجَابِ ؛ فَإِنَّ كَلَامَهُ يَقْتَضِي نَفْيَ الْوُجُوبِ ، فَإِنَّهُ تَرَكَ الْعَمَلَ بِالْحَدِيثِ الْمَرْوِيِّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { مَنْ غَسَّلَ مَيِّتًا فَلْيَغْتَسِلْ } وَعَلَّلَ ذَلِكَ بِأَنَّ الصَّحِيحَ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ .\rفَإِذَا لَمْ يُوجِبْ الْغَسْلَ بِقَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، مَعَ احْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ مِنْ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَأَنْ لَا يُوجِبَ الْوُضُوءَ بِقَوْلِهِ ، مَعَ عَدَمِ ذَلِكَ الِاحْتِمَالِ ، أَوْلَى وَأَحْرَى .","part":1,"page":323},{"id":323,"text":"( 269 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : وَمُلَاقَاةُ جِسْمِ الرَّجُلِ لِلْمَرْأَةِ لِشَهْوَةٍ الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ أَحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ ، أَنَّ لَمْسَ النِّسَاءِ لِشَهْوَةٍ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ ، وَلَا يَنْقُضُهُ لِغَيْرِ شَهْوَةٍ .\rوَهَذَا قَوْلُ عَلْقَمَةَ وَأَبِي عُبَيْدَةَ وَالنَّخَعِيِّ وَالْحَكَمِ وَحَمَّادٍ وَمَالِكٍ وَالثَّوْرِيِّ وَإِسْحَاقَ وَالشَّعْبِيِّ ، فَإِنَّهُمْ قَالُوا : يَجِبُ الْوُضُوءُ عَلَى مَنْ قَبَّلَ لِشَهْوَةٍ ، وَلَا يَجِبُ عَلَى مَنْ قَبَّلَ لِرَحْمَةٍ .\rوَمِمَّنْ أَوْجَبَ الْوُضُوءَ فِي الْقُبْلَةِ ابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عُمَرَ وَالزُّهْرِيُّ وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ وَمَكْحُولٌ وَيَحْيَى الْأَنْصَارِيُّ وَرَبِيعَةُ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَسَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَالشَّافِعِيُّ قَالَ أَحْمَدُ : الْمَدَنِيُّونَ وَالْكُوفِيُّونَ مَا زَالُوا يَرَوْنَ أَنَّ الْقُبْلَةَ مِنْ اللَّمْسِ تَنْقُضُ الْوُضُوءَ ، حَتَّى كَانَ بِآخِرَةٍ وَصَارَ فِيهِمْ أَبُو حَنِيفَةَ ، فَقَالُوا : لَا تَنْقُضُ الْوُضُوءَ .\rوَيَأْخُذُونَ بِحَدِيثِ عُرْوَةَ ، وَنَرَى أَنَّهُ غَلَطٌ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ .\rرِوَايَةٌ ثَانِيَةٌ ، لَا يَنْقُضُ اللَّمْسُ بِحَالٍ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَعَطَاءٍ وَطَاوُسٍ وَالْحَسَنِ وَمَسْرُوقٍ ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إلَّا أَنْ يَطَأَهَا دُونَ الْفَرْجِ فَيَنْتَشِرَ فِيهَا لِمَا رَوَى حَبِيبٌ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبَّلَ امْرَأَةً مِنْ نِسَائِهِ ، وَخَرَجَ إلَى الصَّلَاةِ ، وَلَمْ يَتَوَضَّأْ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَغَيْرُهُمَا .\rوَهُوَ حَدِيثٌ مَشْهُورٌ رَوَاهُ إبْرَاهِيمُ التَّيْمِيُّ عَنْ عَائِشَةَ أَيْضًا ، وَلِأَنَّ الْوُجُوبَ مِنْ الشَّرْعِ ، وَلَمْ يَرِدْ بِهَذَا شَرْعٌ ، وَلَا هُوَ فِي مَعْنَى مَا وَرَدَ الشَّرْعُ بِهِ ، وَقَوْلُهُ : { أَوْ لَامَسْتُمْ النِّسَاءَ } أَرَادَ بِهِ الْجِمَاعَ ، بِدَلِيلِ أَنَّ الْمَسَّ أُرِيدَ بِهِ الْجِمَاعُ فَكَذَلِكَ اللَّمْسُ ؛ وَلِأَنَّهُ ذَكَرَهُ بِلَفْظِ الْمُفَاعَلَةِ ، وَالْمُفَاعَلَةُ لَا تَكُونُ مِنْ أَقَلِّ مِنْ اثْنَيْنِ ، وَعَنْ أَحْمَدَ ، رِوَايَةٌ ثَالِثَةٌ أَنَّ","part":1,"page":324},{"id":324,"text":"اللَّمْسَ يَنْقُضُ بِكُلِّ حَالٍ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ، لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى : { أَوْ لَامَسْتُمْ النِّسَاءَ } وَحَقِيقَةُ اللَّمْسِ مُلَاقَاةُ الْبَشَرَتَيْنِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ الْجِنِّ أَنَّهُمْ قَالُوا : { وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ } وَقَالَ الشَّاعِرُ : لَمَسْت بِكَفِّي كَفَّهُ أَطْلُبُ الْغِنَى وَقَرَأَهَا ابْنُ مَسْعُودٍ : { أَوْ لَامَسْتُمْ النِّسَاءَ } وَأَمَّا حَدِيثُ الْقُبْلَةِ فَكُلُّ طُرُقِهِ مَعْلُولَةٌ ، قَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ : احْكِ عَنِّي أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ شِبْهُ لَا شَيْءَ .\rوَقَالَ أَحْمَدُ : نَرَى أَنَّهُ غَلَّطَ الْحَدِيثَيْنِ جَمِيعًا - يَعْنِي حَدِيثَ إبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ وَحَدِيثَ عُرْوَةَ فَإِنَّ إبْرَاهِيمَ التَّيْمِيَّ لَا يَصِحُّ سَمَاعُهُ مِنْ عَائِشَةَ ، وَعُرْوَةُ الْمَذْكُورُ هَاهُنَا عُرْوَةُ الْمُزَنِيّ ، وَلَمْ يُدْرِكْ عَائِشَةَ ، كَذَلِكَ قَالَهُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ قَالَ : مَا حَدَّثَنَا حَبِيبٌ إلَّا عَنْ عُرْوَةَ الْمُزَنِيّ لَيْسَ هُوَ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ .\rوَقَالَ إِسْحَاقُ : لَا تَظُنُّوا أَنَّ حَبِيبًا لَقِيَ عُرْوَةَ .\rوَقَالَ : وَقَدْ يُمْكِنُ أَنْ يُقَبِّلَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ لِغَيْرِ شَهْوَةٍ بِرًّا بِهَا ، وَإِكْرَامًا لَهَا ، وَرَحْمَةً ، أَلَا تَرَى إلَى مَا جَاءَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ فَقَبَّلَ فَاطِمَةَ .\rفَالْقُبْلَةُ تَكُونُ لِشَهْوَةٍ وَلِغَيْرِ شَهْوَةٍ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ قَبَّلَهَا مِنْ وَرَاءِ حَائِلٍ ، وَاللَّمْسُ لِغَيْرِ شَهْوَةٍ لَا يَنْقُضُ ، لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَمَسُّ زَوْجَتَهُ فِي الصَّلَاةِ وَتَمَسُّهُ .\rوَلَوْ كَانَ نَاقِضًا لِلْوُضُوءِ لَمْ يَفْعَلْهُ .\r{ قَالَتْ عَائِشَةُ .\rإنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيُصَلِّي وَإِنِّي لَمُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ يَدَيْهِ اعْتِرَاضَ الْجِنَازَةِ ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَسْجُدَ غَمَزَنِي فَقَبَضْت رِجْلِي .\r} مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَفِي حَدِيثٍ آخَرَ فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يُوتِرَ مَسَّنِي بِرِجْلِهِ وَرَوَى الْحَسَنُ قَالَ : { كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ","part":1,"page":325},{"id":325,"text":"وَسَلَّمَ جَالِسًا فِي مَسْجِدِهِ فِي الصَّلَاةِ فَقَبَضَ عَلَى قَدَمِ عَائِشَةَ غَيْرَ مُتَلَذِّذٍ } رَوَاهُ إِسْحَاقُ بِإِسْنَادِهِ ، وَالنَّسَائِيُّ .\rوَعَنْ عَائِشَةَ { قَالَتْ فَقَدْت النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَجَعَلْت أَطْلُبُهُ ، فَوَقَعَتْ يَدِي عَلَى قَدَمَيْهِ وَهُمَا مَنْصُوبَتَانِ ، وَهُوَ سَاجِدٌ ، وَهُوَ يَقُولُ : أَعُوذُ بِرِضَاك مِنْ سَخَطِك ، وَبِمُعَافَاتِك مِنْ عُقُوبَتِك } رَوَاهُمَا النَّسَائِيّ وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ { وَصَلَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَامِلًا أُمَامَةَ بِنْتَ أَبِي الْعَاصِ بْنِ الرَّبِيعِ ، إذَا سَجَدَ وَضَعَهَا ، وَإِذَا قَامَ حَمَلَهَا } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَسْلَمُ مِنْ مَسِّهَا ؛ وَلِأَنَّهُ لَمْسٌ لِغَيْرِ شَهْوَةٍ فَلَمْ يَنْقُضْ ، كَلَمْسِ ذَوَاتِ الْمَحَارِمِ .\rيُحَقِّقُهُ أَنَّ اللَّمْسَ لَيْسَ بِحَدَثٍ فِي نَفْسِهِ وَإِنَّمَا نَقَضَ لِأَنَّهُ يُفْضِي إلَى خُرُوجِ الْمَذْيِ أَوْ الْمَنِيِّ ، فَاعْتُبِرَتْ الْحَالَةُ الَّتِي تُفْضِي إلَى الْحَدَثِ فِيهَا ، وَهِيَ حَالَةُ الشَّهْوَةِ .\r( 270 ) فَصْلٌ : وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْأَجْنَبِيَّةِ وَذَاتِ الْمَحْرَمِ ، وَالْكَبِيرَةِ وَالصَّغِيرَةِ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يَنْقُضُ لَمْسُ ذَوَاتِ الْمَحَارِمِ ، وَلَا الصَّغِيرَةِ ، فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ ؛ لِأَنَّ لَمْسَهُمَا لَا يُفْضِي إلَى خُرُوجِ خَارِجٍ ، أَشْبَهَ لَمْسَ الرَّجُلِ الرَّجُلَ .\rوَلَنَا ، عُمُومُ النَّصِّ ، وَاللَّمْسُ النَّاقِضُ تُعْتَبَرُ فِيهِ الشَّهْوَةُ ، وَمَتَى وُجِدَتْ الشَّهْوَةُ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْجَمِيعِ .\rفَأَمَّا لَمْسُ الْمَيِّتَةِ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا ، يَنْقُضُ لِعُمُومِ الْآيَةِ .\rوَالثَّانِي ، لَا يَنْقُضُ .\rاخْتَارَهُ الشَّرِيفُ أَبُو جَعْفَرٍ وَابْنُ عَقِيلٍ ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مَحَلًّا لِلشَّهْوَةِ ، فَهِيَ كَالرَّجُلِ .\r( 271 ) فَصْلٌ : وَلَا يَخْتَصُّ اللَّمْسُ النَّاقِضُ بِالْيَدِ ، بَلْ أَيُّ شَيْءٍ مِنْهُ لَاقَى شَيْئًا مِنْ بَشَرَتِهَا مَعَ الشَّهْوَةِ ، انْتَقَضَ وُضُوءُهُ بِهِ ، سَوَاءٌ كَانَ عُضْوًا أَصْلِيًّا ، أَوْ زَائِدًا .\rوَحُكِيَ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ : لَا يَنْقُضُ","part":1,"page":326},{"id":326,"text":"اللَّمْسُ إلَّا بِأَحَدِ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ .\rوَلَنَا ، عُمُومُ النَّصِّ ، وَالتَّخْصِيصُ بِغَيْرِ دَلِيلٍ تَحَكُّمٌ لَا يُصَارُ إلَيْهِ .\rوَلَا يَنْقُضُ مَسُّ شَعْرِ الْمَرْأَةِ ، وَلَا ظُفْرِهَا ، وَلَا سِنِّهَا ، وَهَذَا ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ .\rوَلَا يَنْقُضُ لَمْسُهَا بِشَعْرِهِ وَلَا سِنِّهِ وَلَا ظُفْرِهِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ عَلَى الْمَرْأَةِ بِتَطْلِيقِهِ وَلَا الظِّهَارُ .\rوَلَا يَنْجُسُ الشَّعْرُ بِمَوْتِ الْحَيَوَانِ ، وَلَا بِقَطْعِهِ مِنْهُ فِي حَيَاتِهِ .\r( 272 ) فَصْلٌ : وَإِنْ لَمَسَهَا مِنْ وَرَاءُ حَائِلٍ ، لَمْ يَنْتَقِضْ وُضُوءُهُ ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rوَقَالَ مَالِكٌ وَاللَّيْثُ يَنْقُضُ إنْ كَانَ ثَوْبًا رَقِيقًا .\rوَكَذَلِكَ قَالَ رَبِيعَةُ : إذَا غَمَزَهَا مِنْ وَرَاءِ ثَوْبٍ رَقِيقٍ لِشَهْوَةٍ ؛ لِأَنَّ الشَّهْوَةَ مَوْجُودَةٌ .\rوَقَالَ الْمَرُّوذِيُّ : لَا نَعْلَمُ أَحَدًا قَالَ ذَلِكَ غَيْرَ مَالِكٍ وَاللَّيْثِ .\rلَنَا ، أَنَّهُ لَمْ يَلْمَسْ جِسْمَ الْمَرْأَةِ ؛ فَأَشْبَهَ مَا لَوْ لَمَسَ ثِيَابَهَا ، وَالشَّهْوَةُ بِمُجَرَّدِهَا لَا تَكْفِي ، كَمَا لَوْ مَسَّ رَجُلًا بِشَهْوَةٍ ، أَوْ وُجِدَتْ الشَّهْوَةُ مِنْ غَيْرِ لَمْسٍ .\r( 273 ) فَصْلٌ : وَإِنْ لَمَسَتْ امْرَأَةٌ رَجُلًا ، وَوُجِدَتْ الشَّهْوَةُ مِنْهُمَا ، فَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ نَقْضُ وُضُوئِهِمَا ، بِمُلَاقَاةِ بَشَرَتِهِمَا .\rوَقَدْ سُئِلَ أَحْمَدُ عَنْ الْمَرْأَةِ إذَا مَسَّتْ زَوْجَهَا ؟ قَالَ : مَا سَمِعْت فِيهِ شَيْئًا ، وَلَكِنْ هِيَ شَقِيقَةُ الرَّجُلِ .\rيُعْجِبُنِي أَنْ تَتَوَضَّأَ ؛ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ أَحَدُ الْمُشْتَرِكَيْنِ فِي اللَّمْسِ ، فَهِيَ كَالرَّجُلِ .\rوَيَنْتَقِضُ وُضُوءُ الْمَلْمُوسِ إذَا وُجِدَتْ مِنْهُ الشَّهْوَةُ ؛ لِأَنَّ مَا يَنْتَقِضُ بِالْتِقَاءِ الْبَشَرَتَيْنِ ، لَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ اللَّامِسِ وَالْمَلْمُوسِ ، كَالْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ .\rوَفِيهِ رِوَايَةٌ أُخْرَى : لَا يَنْتَقِضُ وُضُوءُ الْمَرْأَةِ ، وَلَا وُضُوءُ الْمَلْمُوسِ وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ كَالرِّوَايَتَيْنِ .\rوَوَجْهُ عَدَمِ النَّقْضِ أَنَّ النَّصَّ إنَّمَا وَرَدَ بِالنَّقْضِ بِمُلَامَسَةِ النِّسَاءِ ،","part":1,"page":327},{"id":327,"text":"فَيَتَنَاوَلُ اللَّامِسَ مِنْ الرِّجَالِ ، فَيَخْتَصُّ بِهِ النَّقْضُ ، كَلَمْسِ الْفَرْجِ ؛ وَلِأَنَّ الْمَرْأَةَ وَالْمَلْمُوسَ لَا نَصَّ فِيهِ ، وَلَا هُوَ فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ ؛ لِأَنَّ اللَّمْسَ مِنْ الرَّجُلِ مَعَ الشَّهْوَةِ مَظِنَّةٌ لِخُرُوجِ الْمَذْيِ النَّاقِضِ ، فَأُقِيمَ مَقَامَهُ ، وَلَا يُوجَدُ ذَلِكَ فِي حَقِّ الْمَرْأَةِ ، وَالشَّهْوَةُ مِنْ اللَّامِسِ أَشَدُّ مِنْهَا فِي الْمَلْمُوسِ ، وَأَدْعَى إلَى الْخُرُوجِ ، فَلَا يَصِحُّ الْقِيَاسُ عَلَيْهِمَا ، وَإِذَا امْتَنَعَ النَّصُّ وَالْقِيَاسُ لَمْ يَثْبُتْ الدَّلِيلُ .\r( 274 ) فَصْلٌ : وَلَا يَنْتَقِضُ الْوُضُوءُ بِلَمْسِ عُضْوٍ مَقْطُوعٍ مِنْ الْمَرْأَةِ ؛ لِزَوَالِ الِاسْمِ ، وَخُرُوجِهِ عَنْ أَنْ يَكُونَ مَحَلًّا لِلشَّهْوَةِ وَلَا بِمَسِّ رَجُلٍ وَلَا صَبِيٍّ ، وَلَا بِمَسِّ الْمَرْأَةِ الْمَرْأَةَ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِدَاخِلٍ فِي الْآيَةِ ؛ وَلَا هُوَ فِي مَعْنَى مَا فِي الْآيَةِ ؛ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ مَحَلٌّ لِشَهْوَةِ الرَّجُلِ شَرْعًا وَطَبْعًا ، وَهَذَا بِخِلَافِهِ .\rوَلَا بِمَسِّ الْبَهِيمَةِ ؛ لِذَلِكَ .\rوَلَا بِمَسِّ خُنْثَى مُشْكِلٍ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ كَوْنُهُ رَجُلًا وَلَا امْرَأَةً .\rوَلَا بِمَسِّ الْخُنْثَى لِرَجُلٍ أَوْ امْرَأَةٍ ؛ لِذَلِكَ ، وَالْأَصْلُ الطَّهَارَةُ ، فَلَا تَزُولُ بِالشَّكِّ وَلَا أَعْلَمُ فِي هَذَا كُلِّهِ خِلَافًا ، وَاَللَّهُ أَعْلَمْ .","part":1,"page":328},{"id":328,"text":"( 275 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : وَمَنْ تَيَقَّنَ الطَّهَارَةَ وَشَكَّ فِي الْحَدَثِ ، أَوْ تَيَقَّنَ الْحَدَثَ وَشَكَّ فِي الطَّهَارَةِ ، فَهُوَ عَلَى مَا تَيَقَّنَ مِنْهُمَا يَعْنِي : إذَا عَلِمَ أَنَّهُ تَوَضَّأَ ، وَشَكَّ هَلْ أَحْدَثَ ، أَوْ لَا ، بَنَى عَلَى أَنَّهُ مُتَطَهِّرٌ .\rوَإِنْ كَانَ مُحْدِثًا فَشَكَّ ؛ هَلْ تَوَضَّأَ ، أَوْ لَا ، فَهُوَ مُحْدِثٌ .\rيَبْنِي فِي الْحَالَتَيْنِ عَلَى مَا عَلِمَهُ قَبْلَ الشَّكِّ ، وَيُلْغِي الشَّكَّ .\rوَبِهَذَا قَالَ الثَّوْرِيُّ وَأَهْلُ الْعِرَاقِ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالشَّافِعِيُّ وَسَائِرُ أَهْلِ الْعِلْمِ ، فِيمَا عَلِمْنَا إلَّا الْحَسَنَ وَمَالِكًا ، فَإِنَّ الْحَسَنَ قَالَ : إنْ شَكَّ فِي الْحَدَثِ فِي الصَّلَاةِ ، مَضَى فِيهَا ، وَإِنْ كَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ فِيهَا ، تَوَضَّأَ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : إنْ شَكَّ فِي الْحَدَثِ إنْ كَانَ يَلْحَقُهُ كَثِيرًا ، فَهُوَ عَلَى وُضُوئِهِ .\rوَإِنْ كَانَ لَا يَلْحَقُهُ كَثِيرًا ، تَوَضَّأَ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدْخُلُ فِي الصَّلَاةِ مَعَ الشَّكِّ .\rوَلَنَا مَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ قَالَ : { شُكِيَ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الرَّجُلُ يُخَيَّلُ إلَيْهِ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ أَنَّهُ يَجِدُ الشَّيْءَ ، قَالَ : لَا يَنْصَرِفُ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَلِمُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إذَا وَجَدَ أَحَدُكُمْ فِي بَطْنِهِ شَيْئًا فَأَشْكَلَ عَلَيْهِ ، أَخَرَجَ مِنْهُ أَمْ لَمْ يَخْرُجْ فَلَا يَخْرُجْ مِنْ الْمَسْجِدِ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا } ؛ وَلِأَنَّهُ إذَا شَكَّ تَعَارَضَ عِنْدَهُ الْأَمْرَانِ ، فَيَجِبُ سُقُوطُهُمَا ، كَالْبَيِّنَتَيْنِ إذَا تَعَارَضَتَا ، وَيَرْجِعُ إلَى التَّيَقُّنِ ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ أَحَدُهُمَا ، أَوْ يَتَسَاوَى الْأَمْرَانِ عِنْدَهُ ؛ لِأَنَّ غَلَبَةَ الظَّنِّ إذَا لَمْ تَكُنْ مَضْبُوطَةً بِضَابِطٍ شَرْعِيٍّ ، لَا يُلْتَفَتُ إلَيْهَا ، كَمَا لَا يَلْتَفِتُ الْحَاكِمُ إلَى قَوْلِ أَحَدِ الْمُتَدَاعِيَيْنِ إذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ صِدْقُهُ بِغَيْرِ دَلِيلٍ","part":1,"page":329},{"id":329,"text":"( 276 ) فَصْلٌ : إذَا تَيَقَّنَ الطَّهَارَةَ وَالْحَدَثَ مَعًا ، وَلَمْ يَعْلَمْ الْآخِرَ مِنْهُمَا ، مِثْلُ مَنْ تَيَقَّنَ أَنَّهُ كَانَ فِي وَقْتِ الظُّهْرِ مُتَطَهِّرًا مَرَّةً وَمُحْدِثًا أُخْرَى ، وَلَا يَعْلَمُ أَيَّهُمَا كَانَ بَعْدَ صَاحِبِهِ ، فَإِنَّهُ يَرْجِعُ إلَى حَالِهِ قَبْلَ الزَّوَالِ ؛ فَإِنْ كَانَ مُحْدِثًا فَهُوَ الْآنَ مُتَطَهِّرٌ ؛ لِأَنَّهُ مُتَيَقِّنٌ أَنَّهُ قَدْ انْتَقَلَ عَنْ هَذَا الْحَدَثِ إلَى الطَّهَارَةِ ، وَلَمْ يَتَيَقَّنْ زَوَالَهَا ، وَالْحَدَثُ الْمُتَيَقَّنُ بَعْدَ الزَّوَالِ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَبْلَ الطَّهَارَةِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ بَعْدَهَا ، فَوُجُودُهُ بَعْدَهَا مَشْكُوكٌ فِيهِ ، فَلَا يَزُولُ عَنْ طَهَارَةٍ مُتَيَقَّنَةٍ بِشَكٍّ ، كَمَا لَوْ شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ لِرَجُلٍ أَنَّهُ وَفَّى زَيْدًا حَقَّهُ وَهُوَ مِائَةٌ ، فَأَقَامَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ بَيِّنَةً بِإِقْرَارِ خَصْمِهِ لَهُ بِمِائَةٍ ، لَمْ يَثْبُتْ لَهُ بِهَا حَقٌّ ؛ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ إقْرَارُهُ قَبْلَ الِاسْتِيفَاءِ مِنْهُ .\rوَإِنْ كَانَ قَبْلَ الزَّوَالِ مُتَطَهِّرًا فَهُوَ الْآنَ مُحْدِثٌ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا فِي الطَّرَفِ الْآخَرِ .","part":1,"page":330},{"id":330,"text":"( 277 ) فَصْلٌ : وَإِنْ تَيَقَّنَ أَنَّهُ فِي وَقْتِ الظُّهْرِ نَقَضَ طَهَارَتَهُ وَتَوَضَّأَ عَنْ حَدَثٍ ، وَشَكَّ فِي السَّابِقِ مِنْهُمَا ، نَظَرَ ؛ فَإِنْ كَانَ قَبْلَ الزَّوَالِ مُتَطَهِّرًا ، فَهُوَ عَلَى طَهَارَةٍ ؛ لِأَنَّهُ تَيَقَّنَ أَنَّهُ نَقَضَ تِلْكَ الطَّهَارَةَ ، ثُمَّ تَوَضَّأَ إذْ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَتَوَضَّأَ عَنْ حَدَثٍ مَعَ بَقَاءِ تِلْكَ الطَّهَارَةِ ، وَنَقْضُ هَذِهِ الطَّهَارَةِ الثَّانِيَةِ مَشْكُوكٌ فِيهِ ، فَلَا يَزُولُ عَنْ الْيَقِينِ بِالشَّكِّ ، وَإِنْ كَانَ قَبْلَ الزَّوَالِ مُحْدِثًا ، فَهُوَ الْآنَ مُحْدِثٌ ؛ لِأَنَّهُ تَيَقَّنَ أَنَّهُ انْتَقَلَ عَنْهُ إلَى الطَّهَارَةِ ثُمَّ نَقَضَهَا ، وَالطَّهَارَةُ بَعْدَ نَقْضِهَا مَشْكُوكٌ فِيهَا .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .\rفَهَذَا جَمِيعُ نَوَاقِضِ الطَّهَارَةِ وَلَا تَنْتَقِضُ بِغَيْرِ ذَلِكَ فِي قَوْلِ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ ، إلَّا أَنَّهُ قَدْ حُكِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ وَالْحَكَمِ وَحَمَّادٍ : فِي قَصِّ الشَّارِبِ ، وَتَقْلِيمِ الْأَظْفَارِ ، وَنَتْفِ الْإِبْطِ ، الْوُضُوءُ .\rوَقَوْلُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ بِخِلَافِهِمْ ، وَلَا نَعْلَمُ لَهُمْ فِيمَا يَقُولُونَ حُجَّةً ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ .","part":1,"page":331},{"id":331,"text":"بَابُ مَا يُوجِبُ الْغُسْلَ قَالَ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ بَرِّيٍّ النَّحْوِيُّ : غَسْلُ الْجَنَابَةِ ، بِفَتْحِ الْغَيْنِ .\rوَقَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ : الْغُسْلُ : الْمَاءُ الَّذِي يُغْتَسَلُ بِهِ .\rوَالْغِسْلُ : مَا غُسِلَ بِهِ الرَّأْسُ .\r.\r( 278 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ ، رَحِمَهُ اللَّهُ ( : وَالْمُوجِبُ لِلْغُسْلِ خُرُوجُ الْمَنِيِّ ) الْأَلِفُ وَاللَّامُ هُنَا لِلِاسْتِغْرَاقِ ، وَمَعْنَاهُ أَنَّ جَمِيعَ مُوجِبَاتِ الْغُسْلِ هَذِهِ السِّتَّةُ الْمُسَمَّاةُ : أَوَّلُهَا ؛ خُرُوجُ الْمَنِيِّ ، وَهُوَ الْمَاءُ الْغَلِيظُ الدَّافِقُ الَّذِي يَخْرُجُ عِنْدَ اشْتِدَادِ الشَّهْوَةِ ، وَمَنِيُّ الْمَرْأَةِ رَقِيقٌ أَصْفَرُ .\rوَرَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ ، بِإِسْنَادِهِ ، أَنَّ { أُمَّ سُلَيْمٍ حَدَّثَتْ ، أَنَّهَا سَأَلَتْ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : عَنْ الْمَرْأَةِ تَرَى فِي مَنَامِهَا مَا يَرَى الرَّجُلُ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا رَأَتْ ذَلِكَ الْمَرْأَةُ فَلْتَغْتَسِلْ .\rفَقَالَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ : وَاسْتَحْيَيْت مِنْ ذَلِكَ .\rوَهَلْ يَكُونُ هَذَا ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَعَمْ ، فَمِنْ أَيْنَ يَكُونُ الشَّبَهُ ، مَاءُ الرَّجُلِ غَلِيظٌ أَبْيَضُ ، وَمَاءُ الْمَرْأَةِ رَقِيقٌ أَصْفَرُ ، فَمِنْ أَيِّهِمَا عَلَا ، أَوْ سَبَقَ ، يَكُونُ مِنْهُ الشَّبَهُ وَفِي لَفْظٍ أَنَّهَا قَالَتْ .\rهَلْ عَلَى الْمَرْأَةِ مِنْ غُسْلٍ إذَا هِيَ احْتَلَمَتْ ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَعَمْ ، إذَا رَأَتْ الْمَاءَ } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ، فَخُرُوجُ الْمَنِيِّ الدَّافِقِ بِشَهْوَةٍ ، يُوجِبُ الْغُسْلَ مِنْ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ فِي يَقَظَةٍ أَوْ فِي نَوْمٍ .\rوَهُوَ قَوْلُ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ .\rقَالَهُ التِّرْمِذِيُّ .\rوَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا .","part":1,"page":332},{"id":332,"text":"( 279 ) فَصْلٌ : فَإِنْ خَرَجَ شَبِيهُ الْمَنِيِّ ؛ لِمَرَضٍ أَوْ بَرْدٍ لَا عَنْ شَهْوَةٍ ، فَلَا غُسْلَ فِيهِ .\rوَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : وَيَجِبُ بِهِ الْغُسْلُ .\rوَيَحْتَمِلُهُ كَلَامُ الْخِرَقِيِّ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : إذَا رَأَتْ الْمَاءَ \" .\rوَقَوْلِهِ : { الْمَاءُ مِنْ الْمَاءِ } ؛ وَلِأَنَّهُ مَنِيٌّ خَارِجٌ فَأَوْجَبَ الْغُسْلَ ، كَمَا لَوْ خَرَجَ حَالَ الْإِغْمَاءِ .\rوَلَنَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصَفَ الْمَنِيَّ الْمُوجِبَ لِلْغُسْلِ بِكَوْنِهِ أَبْيَضَ غَلِيظًا ، وَقَالَ لِعَلِيٍّ { إذَا فَضَخْت الْمَاءَ فَاغْتَسِلْ .\r} رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَالْأَثْرَمُ { إذَا رَأَيْت فَضْخَ الْمَاءِ فَاغْتَسِلْ } .\rوَالْفَضْخُ : خُرُوجُهُ عَلَى وَجْهِ الشَّدَّةِ .\rوَقَالَ إبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ : خُرُوجُهُ بِالْعَجَلَةِ .\rوَقَوْلُهُ : \" إذَا \" رَأَتْ الْمَاءَ \" .\rيَعْنِي الِاحْتِلَامَ ، وَإِنَّمَا يَخْرُجُ فِي الِاحْتِلَامِ بِالشَّهْوَةِ ، وَالْحَدِيثُ الْآخَرُ مَنْسُوخٌ ، عَلَى أَنَّ هَذَا يَجُوزُ أَنْ يَمْنَعَ كَوْنَهُ مَنِيًّا ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصَفَ الْمَنِيَّ بِصِفَةٍ غَيْرِ مَوْجُودَةٍ فِي هَذَا .","part":1,"page":333},{"id":333,"text":"( 280 ) فَصْلٌ : فَإِنْ أَحَسَّ بِانْتِقَالِ الْمَنِيِّ عِنْدَ الشَّهْوَةِ فَأَمْسَكَ ذَكَرَهُ ، فَلَمْ يَخْرُجْ فَلَا غُسْلَ عَلَيْهِ فِي ظَاهِرِ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ ، وَإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ وَقَوْلِ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ .\rوَالْمَشْهُورُ عَنْ أَحْمَدَ وُجُوبُ الْغُسْلِ ، وَأَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ الْمَاءُ يَرْجِعُ ، وَأُحِبُّ أَنْ يَغْتَسِلَ .\rوَلَمْ يَذْكُرْ الْقَاضِي فِي وُجُوبِ الْغُسْلِ خِلَافًا ، قَالَ : لِأَنَّ الْجَنَابَةَ تُبَاعِدُ الْمَاءَ عَنْ مَحَلِّهِ ، وَقَدْ وُجِدَ ، فَتَكُونُ الْجَنَابَةُ مَوْجُودَةً ، فَيَجِبُ الْغُسْلُ بِهَا ؛ وَلِأَنَّ الْغُسْلَ تُرَاعَى فِيهِ الشَّهْوَةُ ، وَقَدْ حَصَلَتْ بِانْتِقَالِهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ ظَهَرَ وَلَنَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَّقَ الِاغْتِسَالَ عَلَى الرُّؤْيَةِ وَفَضْخِهِ ، بِقَوْلِهِ : \" إذَا رَأَتْ الْمَاءَ \" وَ \" إذَا فَضَخْت الْمَاءَ فَاغْتَسِلْ \" فَلَا يَثْبُتُ الْحُكْمُ بِدُونِهِ ، وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ الِاشْتِقَاقِ لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُسَمَّى جُنُبًا لِمُجَانَبَتِهِ الْمَاءَ ، وَلَا يَحْصُلُ إلَّا بِخُرُوجِهِ مِنْهُ أَوْ لِمُجَانَبَتِهِ الصَّلَاةَ أَوْ الْمَسْجِدَ أَوْ غَيْرَهُمَا ؛ مِمَّا مُنِعَ مِنْهُ ، وَلَوْ سُمِّيَ بِذَلِكَ مَعَ الْخُرُوجِ ، لَمْ يَلْزَمْهُ وُجُودُ التَّسْمِيَةِ مِنْ غَيْرِ خُرُوجٍ ، فَإِنَّ الِاشْتِقَاقَ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ الِاطِّرَادُ ، وَمُرَاعَاةُ الشَّهْوَةِ لِلْحُكْمِ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ اسْتِقْلَالُهَا بِهِ ، فَإِنَّ أَحَدَ وَصْفَيْ الْعِلَّةِ وَشَرْطَ الْحُكْمِ مُرَاعًى لَهُ ، وَلَا يَسْتَقِلُّ بِالْحُكْمِ ، ثُمَّ يَبْطُلُ بِلَمْسِ النِّسَاءِ ، وَبِمَا إذَا وُجِدَتْ الشَّهْوَةُ هَاهُنَا مِنْ غَيْرِ انْتِقَالٍ ؛ فَإِنَّ الشَّهْوَةَ لَا تَسْتَقِلُّ بِالْحُكْمِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ مَعَ مُرَاعَاتِهَا فِيهِ ، وَكَلَامُ أَحْمَدَ هَاهُنَا إنَّمَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَاءَ إذَا انْتَقَلَ ، لَزِمَ مِنْهُ الْخُرُوجُ .\rوَإِنَّمَا يَتَأَخَّرُ ، وَلِذَلِكَ يَتَأَخَّرُ الْغُسْلُ إلَى حِينِ خُرُوجِهِ ، فَعَلَى هَذَا إذَا خَرَجَ الْمَنِيُّ بَعْدَ ذَلِكَ لَزِمَهُ الْغُسْلُ ، سَوَاءٌ اغْتَسَلَ قَبْلَ خُرُوجِهِ أَوْ لَمْ","part":1,"page":334},{"id":334,"text":"يَغْتَسِلْ ؛ لِأَنَّهُ مَنِيٌّ خَرَجَ بِسَبَبِ الشَّهْوَةِ ، فَأَوْجَبَ الْغُسْلَ ، كَمَا لَوْ خَرَجَ حَالَ انْتِقَالِهِ .\rوَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ رَحِمَهُ اللَّهُ ، فِي الرَّجُلِ يُجَامِعُ وَلَمْ يُنْزِلْ ، فَيَغْتَسِلُ ، ثُمَّ يَخْرُجُ مِنْهُ الْمَنِيُّ : عَلَيْهِ الْغُسْلُ .\rوَسُئِلَ عَنْ رَجُلٍ رَأَى فِي الْمَنَامِ أَنَّهُ يُجَامِعُ فَاسْتَيْقَظَ ، فَلَمْ يَجِدْ شَيْئًا ، فَلَمَّا مَشَى خَرَجَ مِنْهُ ، الْمَنِيُّ ، قَالَ : يَغْتَسِلُ .\rوَقَالَ الْقَاضِي فِي الَّذِي أَحَسَّ بِانْتِقَالِ الْمَنِيِّ ، فَأَمْسَكَ ذَكَرَهُ ، فَاغْتَسَلَ ، ثُمَّ خَرَجَ مِنْهُ الْمَنِيُّ مِنْ غَيْرِ مُقَارَنَةِ شَهْوَةٍ بَعْدَ الْبَوْلِ : فَلَا غُسْلَ عَلَيْهِ .\rرِوَايَةً وَاحِدَةً .\rوَإِنْ كَانَ قَبْلَ الْبَوْلِ فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ بَعْدَ الْبَوْلِ غَيْرُ الْمَنِيِّ الْمُنْتَقِلِ خَرَجَ بِغَيْرِ شَهْوَةٍ ، فَأَشْبَهَ الْخَارِجَ لِمَرَضٍ ، وَإِنْ كَانَ قَبْلَهُ فَهُوَ ذَلِكَ الْمَنِيُّ الَّذِي انْتَقَلَ .\rوَوَجْهُ مَا قُلْنَا ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِالْغُسْلِ عِنْدَ رُؤْيَةِ الْمَاءِ وَفَضْخِهِ ، وَقَدْ وُجِدَ ، وَنَصَّ أَحْمَدُ عَلَى وُجُوبِ الْغُسْلِ عَلَى الْمُجَامِعِ الَّذِي يَرَى الْمَاءَ بَعْدَ غُسْلِهِ ، وَهَذَا مِثْلُهُ ، وَقَدْ دَلَّلْنَا عَلَى أَنَّ مَنْ أَحَسَّ بِانْتِقَالِ الْمَنِيِّ وَلَمْ يَخْرُجْ لَا غُسْلَ عَلَيْهِ ، وَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ وُجُوبُ الْغُسْلِ عَلَيْهِ بِظُهُورِهِ ، لِئَلَّا يُفْضِيَ إلَى نَفْيِ الْوُجُوبِ عَنْهُ بِالْكُلِّيَّةِ ، مَعَ انْتِقَالِ الْمَنِيِّ لِشَهْوَةٍ وَخُرُوجِهِ .","part":1,"page":335},{"id":335,"text":"( 281 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا إنْ احْتَلَمَ ، أَوْ جَامَعَ ، فَأَمْنَى ، ثُمَّ اغْتَسَلَ ، ثُمَّ خَرَجَ مِنْهُ مَنِيٌّ ، فَالْمَشْهُورُ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ لَا غُسْلَ عَلَيْهِ ، قَالَ الْخَلَّالُ : تَوَاتَرَتْ الرِّوَايَاتُ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ، أَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا الْوُضُوءُ ، بَالَ أَوْ لَمْ يَبُلْ ، فَعَلَى هَذَا اسْتَقَرَّ قَوْلُهُ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَعَطَاءٍ وَالزُّهْرِيِّ وَمَالِكٍ وَاللَّيْثِ وَالثَّوْرِيِّ وَإِسْحَاقَ ، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ : لَا غُسْلَ عَلَيْهِ إلَّا مِنْ شَهْوَةٍ وَفِيهِ رِوَايَةٌ ثَانِيَةٌ : إنْ خَرَجَ بَعْدَ الْبَوْلِ ، فَلَا غُسْلَ فِيهِ ، وَإِنْ خَرَجَ قَبْلَهُ اغْتَسَلَ .\rوَهَذَا قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَنُقِلَ ذَلِكَ عَنْ الْحَسَنِ ؛ لِأَنَّهُ بَقِيَّةُ مَاءٍ خَرَجَ بِالدَّفْقِ وَالشَّهْوَةِ ، فَأَوْجَبَ الْغُسْلَ كَالْأَوَّلِ وَبَعْدَ الْبَوْلِ خَرَجَ بِغَيْرِ دَفْقٍ وَشَهْوَةٍ ، وَلَا نَعْلَمُ أَنَّهُ بَقِيَّةُ الْأَوَّلِ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ بَقِيَّتَهُ لَمَا تَخَلَّفَ بَعْدَ الْبَوْلِ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : فِيهِ رِوَايَةٌ ثَالِثَةٌ ، عَلَيْهِ الْغُسْلُ بِكُلِّ حَالٍ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ الِاعْتِبَارَ بِخُرُوجِهِ كَسَائِرِ الْأَحْدَاثِ .\rوَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ : لَا غُسْلَ عَلَيْهِ .\rرِوَايَةً وَاحِدَةً ؛ لِأَنَّهُ جَنَابَةٌ وَاحِدَةٌ ، فَلَمْ يَجِبْ بِهِ غُسْلَانِ ، كَمَا لَوْ خَرَجَ دُفْعَةً وَاحِدَةً .\rوَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَجِبُ الْغُسْلُ ؛ لِأَنَّ الْخُرُوجَ يَصْلُحُ مُوجِبًا لِلْغُسْلِ ، وَمَا ذَكَرَهُ يَبْطُلُ بِمَا إذَا جَامَعَ فَلَمْ يُنْزِلْ ، فَاغْتَسَلَ ، ثُمَّ أَنْزَلَ ، فَإِنَّ أَحْمَدَ قَدْ نَصَّ عَلَى وُجُوبِ الْغُسْلِ عَلَيْهِ بِالْإِنْزَالِ مَعَ وُجُوبِهِ بِالْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ .","part":1,"page":336},{"id":336,"text":"( 282 ) فَصْلٌ : إذَا رَأَى أَنَّهُ قَدْ احْتَلَمَ ، وَلَمْ يَجِدْ مَنِيًّا ، فَلَا غُسْلَ عَلَيْهِ .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعَ عَلَى هَذَا كُلُّ مَنْ أَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ، لَكِنْ إنْ مَشَى فَخَرَجَ مِنْهُ الْمَنِيُّ ، أَوْ خَرَجَ بَعْدَ اسْتِيقَاظِهِ ، فَعَلَيْهِ الْغُسْلُ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ كَانَ انْتَقَلَ ، وَتَخَلَّفَ خُرُوجُهُ إلَى مَا بَعْدَ الِاسْتِيقَاظِ .\rوَإِنْ انْتَبَهَ فَرَأَى مَنِيًّا ، وَلَمْ يَذْكُرْ احْتِلَامًا ، فَعَلَيْهِ الْغُسْلُ لَا نَعْلَمُ فِيهِ اخْتِلَافًا أَيْضًا .\rوَرُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَعَطَاءٌ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَالشَّعْبِيُّ وَالنَّخَعِيُّ وَالْحَسَنُ وَمُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَإِسْحَاقُ ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ خُرُوجَهُ كَانَ لَاحْتِلَامٍ نَسِيَهُ .\rوَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ صَلَّى الْفَجْرَ بِالْمُسْلِمِينَ ، ثُمَّ خَرَجَ إلَى الْجُرْفِ فَرَأَى فِي ثَوْبِهِ احْتِلَامًا ، فَقَالَ : مَا أَرَانِي إلَّا قَدْ احْتَلَمْت ، فَاغْتَسَلَ ، وَغَسَلَ ثَوْبَهُ ، وَصَلَّى .\rوَرُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ عُثْمَانَ ، وَرَوَتْ عَائِشَةُ ، قَالَتْ { : سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الرَّجُلِ يَجِدُ الْبَلَلَ وَلَا يَذْكُرُ احْتِلَامًا ؟ قَالَ : يَغْتَسِلُ وَعَنْ الرَّجُلِ يَرَى أَنَّهُ قَدْ احْتَلَمَ ، وَلَا يَجِدُ بَلَلًا فَقَالَ لَا غُسْلَ عَلَيْهِ } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَابْنُ مَاجَهْ .\rوَرَوَتْ أُمُّ سَلَمَةَ ، { أَنَّ أُمَّ سُلَيْمٍ قَالَتْ .\rيَا رَسُولَ اللَّهِ ، هَلْ عَلَى الْمَرْأَةِ مِنْ غُسْلٍ إذَا هِيَ احْتَلَمَتْ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، إذَا رَأَتْ الْمَاءَ } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا غُسْلَ عَلَيْهَا إلَّا أَنْ تَرَى الْمَاءَ","part":1,"page":337},{"id":337,"text":"( 283 ) فَصْلٌ : إذَا انْتَبَهَ مِنْ النَّوْمِ فَوَجَدَ بَلَلًا لَا يَعْلَمُ هَلْ هُوَ مَنِيٌّ أَوْ غَيْرُهُ ؟ فَقَالَ أَحْمَدُ : إذَا وَجَدَ بِلَّةً اغْتَسَلَ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ بِهِ إبْرِدَةٌ ، أَوْ لَاعَبَ أَهْلَهُ ؛ فَإِنَّهُ رُبَّمَا خَرَجَ مِنْهُ الْمَذْيُ ، فَأَرْجُو أَنْ لَا يَكُونَ بِهِ بَأْسٌ .\rوَكَذَلِكَ إنْ كَانَ انْتَشَرَ مِنْ أَوَّلِ اللَّيْلِ بِتَذَكُّرٍ أَوْ رُؤْيَةٍ ، لَا غُسْلَ عَلَيْهِ .\rوَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ ؛ لِأَنَّهُ مَشْكُوكٌ فِيهِ ، يَحْتَمِلُ أَنَّهُ مَذْيٌ ، وَقَدْ وُجِدَ سَبَبُهُ ، فَلَا يُوجِبُ الْغُسْلَ مَعَ الشَّكِّ .\rوَإِنْ لَمْ يَكُنْ وُجِدَ ذَلِكَ ، فَعَلَيْهِ الْغُسْلُ ؛ لِخَبَرِ عَائِشَةَ ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ احْتِلَامٌ .\rوَقَدْ تَوَقَّفَ أَحْمَدُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي مَوَاضِعَ .\rوَقَالَ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ : لَا غُسْلَ عَلَيْهِ حَتَّى يُوقِنَ الدَّافِقَ .\rقَالَ قَتَادَةُ : يَشُمُّهُ .\rوَهَذَا هُوَ الْقِيَاسُ ؛ وَلِأَنَّ الْيَقِينَ بَقَاءُ الطَّهَارَةِ ، فَلَا يَزُولُ بِالشَّكِّ .\rوَالْأَوْلَى الِاغْتِسَالُ ؛ لِمُوَافَقَةِ الْخَبَرِ ، وَإِزَالَةِ الشَّكِّ .","part":1,"page":338},{"id":338,"text":"( 284 ) فَصْلٌ : فَإِنْ رَأَى فِي ثَوْبِهِ مَنِيًّا ، وَكَانَ مِمَّا لَا يَنَامُ فِيهِ غَيْرُهُ ، فَعَلَيْهِ الْغُسْلُ ؛ لِأَنَّ عُمَرَ وَعُثْمَانَ اغْتَسَلَا حِينَ رَأَيَاهُ فِي ثَوْبِهِمَا ؛ وَلِأَنَّهُ لَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ إلَّا مِنْهُ ، وَيُعِيدُ الصَّلَاةَ مِنْ أَحْدَثِ نَوْمَةٍ نَامَهَا فِيهِ إلَّا أَنْ يَرَى أَمَارَةً تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ قَبْلَهَا فَيُعِيدُ مِنْ أَدْنَى نَوْمَةٍ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ مِنْهَا .\rوَإِنْ كَانَ الرَّائِي لَهُ غُلَامًا يُمْكِنُ وُجُودُ الْمَنِيِّ مِنْهُ ، كَابْنِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً ، فَهُوَ كَالرَّجُلِ ؛ لِأَنَّهُ وُجِدَ دَلِيلُهُ ، وَهُوَ مُحْتَمِلٌ لِلْوُجُودِ .\rوَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ ، فَلَا غُسْلَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُحْتَمَلُ ، فَيَتَعَيَّنُ ، حَمْلُهُ عَلَى أَنَّهُ مِنْ غَيْرِهِ .\rفَأَمَّا إنْ وَجَدَ الرَّجُلُ مَنِيًّا فِي ثَوْبٍ يَنَامُ فِيهِ هُوَ وَغَيْرُهُ مِمَّنْ يَحْتَلِمُ ، فَلَا غُسْلَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالنَّظَرِ إلَيْهِ مُفْرَدًا يَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَكُونَ مِنْهُ ، فَوُجُوبُ الْغُسْلِ عَلَيْهِ مَشْكُوكٌ فِيهِ ، وَلَيْسَ لِأَحَدِهِمَا أَنْ يَأْثَمَ بِصَاحِبِهِ ؛ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا جُنُبٌ يَقِينًا ، فَلَا تَصِحُّ صَلَاتُهُمَا ، كَمَا لَوْ سَمِعَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَوْتَ رِيحٍ ، يَظُنُّ أَنَّهَا مِنْ صَاحِبِهِ ، أَوْ لَا يَدْرِي مِنْ أَيِّهِمَا هِيَ .","part":1,"page":339},{"id":339,"text":"( 285 ) فَصْلٌ : إذَا وَطِئَ امْرَأَتَهُ دُونَ الْفَرْجِ ، فَدَبَّ مَاؤُهُ إلَى فَرْجِهَا ثُمَّ خَرَجَ ، أَوْ وَطِئَهَا فِي الْفَرْجِ ، فَاغْتَسَلَتْ ، ثُمَّ خَرَجَ مَاءُ الرَّجُلِ مِنْ فَرْجِهَا ، فَلَا غُسْلَ عَلَيْهَا .\rوَبِهَذَا قَالَ قَتَادَةُ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَإِسْحَاقُ .\rوَقَالَ الْحَسَنُ : تَغْتَسِلُ ؛ لِأَنَّهُ مَنِيٌّ خَرَجَ فَأَشْبَهَ مَاءَهَا .\rوَالْأَوَّلُ أَوْلَى ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مَنِيَّهَا ، فَأَشْبَهَ غَيْرَ الْمَنِيِّ .","part":1,"page":340},{"id":340,"text":"( 286 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَالْتِقَاءُ الْخِتَانَيْنِ ) يَعْنِي : تَغْيِيبَ الْحَشَفَةِ فِي الْفَرْجِ ، فَإِنَّ هَذَا هُوَ الْمُوجِبُ لِلْغُسْلِ ، سَوَاءٌ كَانَا مُخْتَتِنَيْنِ أَوْ لَا ، وَسَوَاءٌ أَصَابَ مَوْضِعُ الْخِتَانِ مِنْهُ مَوْضِعَ خِتَانِهَا أَوْ لَمْ يُصِبْهُ .\rوَلَوْ مَسَّ الْخِتَانُ الْخِتَانَ مِنْ غَيْرِ إيلَاجٍ فَلَا غُسْلَ بِالِاتِّفَاقِ وَاتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى وُجُوبِ الْغُسْلِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ، إلَّا مَا حُكِيَ عَنْ دَاوُد أَنَّهُ قَالَ : لَا يَجِبُ ؛ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ { الْمَاءُ مِنْ الْمَاءِ } وَكَانَ جَمَاعَةٌ مِنْ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، يَقُولُونَ : لَا غُسْلَ عَلَى مَنْ جَامَعَ فَأَكْسَلَ .\rيَعْنِي : لَمْ يُنْزِلْ .\rوَرَوَوْا فِي ذَلِكَ أَحَادِيثَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rوَكَانَتْ رُخْصَةً رَخَّصَ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ أَمَرَ بِالْغُسْلِ ، قَالَ سَهْلُ ابْنُ سَعْدٍ : حَدَّثَنِي أُبَيّ بْنُ كَعْبٍ { أَنَّ الْمَاءَ مِنْ الْمَاءِ كَانَ رُخْصَةً أَرْخَصَ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ نَهَى عَنْهَا } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ، وَأَبُو دَاوُد ، وَابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَقَالَ : حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ .\rوَرُوِيَ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ : اخْتَلَفَ فِي ذَلِكَ رَهْطٌ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ ، فَقَالَ الْأَنْصَارِيُّونَ : لَا يَجِبُ الْغُسْلُ إلَّا مِنْ الْمَاءِ الدَّافِقِ أَوْ مِنْ الْمَاءِ ، وَقَالَ الْمُهَاجِرُونَ : بَلْ إذَا خَالَطَ فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ ، فَقَالَ أَبُو مُوسَى فَأَنَا أَشْفِيكُمْ مِنْ ذَلِكَ ، فَقُمْت فَاسْتَأْذَنْت عَلَى عَائِشَةَ ، فَقُلْت : يَا أُمَّاهُ ، أَوْ يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ ، إنِّي أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَك عَنْ شَيْءٍ ، وَأَنَا أَسْتَحْيِيك ، فَقَالَتْ : لَا تَسْتَحْيِي أَنْ تَسْأَلَنِي عَنْ شَيْءٍ كُنْت سَائِلًا عَنْهُ أُمَّك الَّتِي وَلَدَتْك ، فَإِنَّمَا أَنَا أُمُّك .\rقُلْت : فَمَا يُوجِبُ الْغُسْلَ ، قَالَتْ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا","part":1,"page":341},{"id":341,"text":"الْأَرْبَعِ ، وَمَسَّ الْخِتَانُ الْخِتَانَ ، فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَفِي حَدِيثٍ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، أَنَّهُ قَالَ : مَنْ خَالَفَ فِي ذَلِكَ جَعَلْته نَكَالًا .\rوَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { : إذَا قَعَدَ بَيْنَ شُعَبِهَا الْأَرْبَعِ ، وَجَهَدَهَا فَقَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْغُسْلُ } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rزَادَ مُسْلِمٌ وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ \" قَالَ الْأَزْهَرِيُّ أَرَادَ بَيْنَ شُعْبَتَيْ رِجْلَيْهَا وَشُعْبَتَيْ شَفْرَيْهَا .\rوَحَدِيثُهُمْ مَنْسُوخٌ بِدَلِيلِ حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ .","part":1,"page":342},{"id":342,"text":"( 287 ) فَصْلٌ : وَيَجِبُ الْغُسْلُ عَلَى كُلِّ وَاطِئٍ وَمَوْطُوءٍ ، إذَا كَانَ مِنْ أَهْلِ الْغُسْلِ ، سَوَاءٌ كَانَ الْفَرْجُ قُبُلًا أَوْ دُبُرًا ، مِنْ كُلِّ آدَمِيٍّ أَوْ بَهِيمَةٍ ، حَيًّا أَوْ مَيِّتًا ، طَائِعًا أَوْ مُكْرَهًا ، نَائِمًا أَوْ يَقْظَانَ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَجِبُ الْغُسْلُ بِوَطْءِ الْمَيِّتَةِ وَالْبَهِيمَةِ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَقْصُودٍ ؛ وَلِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَنْصُوصٍ عَلَيْهِ ، وَلَا فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ .\rوَلَنَا أَنَّهُ إيلَاجٌ فِي فَرْجٍ ، فَوَجَبَ بِهِ الْغُسْلُ ، كَوَطْءِ الْآدَمِيَّةِ فِي حَيَاتِهَا ، وَوَطْءُ الْآدَمِيَّةِ الْمَيِّتَةِ دَاخِلٌ فِي عُمُومِ الْأَحَادِيثِ الْمَرْوِيَّةِ ، وَمَا ذَكَرُوهُ يَنْتَقِضُ بِوَطْءِ الْعَجُوزِ وَالشَّوْهَاءِ .","part":1,"page":343},{"id":343,"text":"( 288 ) فَصْلٌ : وَإِنْ أَوْلَجَ بَعْضَ الْحَشَفَةِ ، أَوْ وَطِئَ دُونَ الْفَرْجِ ، أَوْ فِي السُّرَّةِ ، وَلَمْ يُنْزِلْ ، فَلَا غُسْلَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ الْتِقَاءُ الْخِتَانَيْنِ وَلَا مَا فِي مَعْنَاهُ .\rوَإِنْ انْقَطَعَتْ الْحَشَفَةُ ، فَأَوْلَجَ الْبَاقِيَ مِنْ ذَكَرِهِ ، وَكَانَ بِقَدْرِ الْحَشَفَةِ ، وَجَبَ الْغُسْلُ ، وَتَعَلَّقَتْ ، بِهِ أَحْكَامُ الْوَطْءِ ؛ مِنْ الْمَهْرِ وَغَيْرِهِ .\rوَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ ، لَمْ يَجِبْ شَيْءٌ","part":1,"page":344},{"id":344,"text":"( 289 ) فَصْلٌ : فَإِنْ أَوْلَجَ فِي قُبُلِ خُنْثَى مُشْكِلٍ ، أَوْ أَوْلَجَ الْخُنْثَى ذَكَرَهُ فِي فَرْجٍ ، أَوْ وَطِئَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ فِي قُبُلِهِ ، فَلَا غُسْلَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ خِلْقَةً زَائِدَةً .\rفَإِنْ أَنْزَلَ الْوَاطِئُ أَوْ أَنْزَلَ الْمَوْطُوءُ مِنْ قُبُلِهِ ، فَعَلَى مَنْ أَنْزَلَ الْغُسْلُ .\rوَيَثْبُتُ لِمَنْ أَنْزَلَ مِنْ ذَكَرِهِ حُكْمُ الرِّجَالِ ، وَلِمَنْ أَنْزَلَ مِنْ قُبُلِهِ حُكْمُ النِّسَاءِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَجْرَى الْعَادَةَ بِذَلِكَ فِي حَقِّ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ .\rوَذَكَرَ الْقَاضِي فِي مَوْضِعٍ ، أَنَّهُ لَا يُحْكَمُ لَهُ بِالذُّكُورِيَّةِ بِالْإِنْزَالِ مِنْ ذَكَرِهِ ، وَلَا بِالْأُنُوثِيَّةِ بِالْحَيْضِ مِنْ فَرْجِهِ ، وَلَا بِالْبُلُوغِ بِهَذَا .\rوَلَنَا أَنَّهُ أَمْرٌ خَصَّ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ أَحَدَ الصِّنْفَيْنِ ، فَكَانَ دَلِيلًا عَلَيْهِ ، كَالْبَوْلِ مِنْ ذَكَرِهِ أَوْ مِنْ قُبُلِهِ ؛ وَلِأَنَّهُ أَنْزَلَ الْمَاءَ الدَّافِقَ لِشَهْوَةٍ فَوَجَبَ عَلَيْهِ الْغُسْلُ ؛ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : \" الْمَاءُ مِنْ الْمَاءِ \" .\rوَبِالْقِيَاسِ عَلَى مَنْ تَثْبُتُ لَهُ الذُّكُورِيَّةُ أَوْ الْأُنُوثِيَّةُ .","part":1,"page":345},{"id":345,"text":"( 290 ) فَصْلٌ : فَإِنْ كَانَ الْوَاطِئُ أَوْ الْمَوْطُوءُ صَغِيرًا ، فَقَالَ أَحْمَدُ يَجِبُ عَلَيْهِمَا الْغُسْلُ .\rوَقَالَ : إذَا أَتَى عَلَى الصَّبِيَّةِ تِسْعُ سِنِينَ ، وَمِثْلُهَا يُوطَأُ ، وَجَبَ عَلَيْهَا الْغُسْلُ .\rوَسُئِلَ عَنْ الْغُلَامِ يُجَامِعُ مِثْلُهُ وَلَمْ يَبْلُغْ ، فَجَامَعَ الْمَرْأَةَ ، يَكُونُ عَلَيْهِمَا جَمِيعًا الْغُسْلُ ؟ قَالَ : نَعَمْ .\rقِيلَ لَهُ : أَنْزَلَ أَوْ لَمْ يُنْزِلْ ؟ قَالَ : نَعَمْ .\rوَقَالَ : تَرَى عَائِشَةَ حِينَ كَانَ يَطَؤُهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ تَكُنْ تَغْتَسِلُ ، وَيُرْوَى عَنْهَا : \" إذَا الْتَقَى الْخِتَانَانِ وَجَبَ الْغُسْلُ \" .\rوَحَمَلَ الْقَاضِي كَلَامَ أَحْمَدَ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ وَأَبِي ثَوْرٍ ؛ لِأَنَّ الصَّغِيرَةَ لَا يَتَعَلَّقُ بِهَا الْمَأْثَمُ ، وَلَا هِيَ مِنْ أَهْلِ التَّكْلِيفِ .\rوَلَا تَجِبُ عَلَيْهَا الصَّلَاةُ الَّتِي تَجِبُ الطَّهَارَةُ لَهَا ، فَأَشْبَهَتْ الْحَائِضَ .\rوَلَا يَصِحُّ حَمْلُ كَلَامِ أَحْمَدَ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ ؛ لِتَصْرِيحِهِ بِالْوُجُوبِ ، وَذَمِّهِ قَوْلَ أَصْحَابِ الرَّأْيِ وَقَوْلِهِ : هُوَ قَوْلُ سَوْءٍ .\rوَاحْتَجَّ بِفِعْلِ عَائِشَةَ وَرِوَايَتِهَا لِلْحَدِيثِ الْعَامِّ فِي الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ ؛ وَلِأَنَّهَا أَجَابَتْ بِفِعْلِهَا وَفِعْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلِهَا : فَعَلْته أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاغْتَسَلْنَا .\rفَكَيْفَ تَكُونُ خَارِجَةً مِنْهُ ، وَلَيْسَ مَعْنَى وُجُوبِ الْغُسْلِ فِي الصَّغِيرِ التَّأْثِيمُ بِتَرْكِهِ ، بَلْ مَعْنَاهُ أَنَّهُ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الصَّلَاةِ ، وَالطَّوَافِ ، وَإِبَاحَةِ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ ، وَاللُّبْثِ فِي الْمَسْجِدِ ، وَإِنَّمَا يَأْثَمُ الْبَالِغُ بِتَأْخِيرِهِ فِي مَوْضِعٍ يَتَأَخَّرُ الْوَاجِبُ بِتَرْكِهِ ، وَلِذَلِكَ لَوْ أَخَّرَهُ فِي غَيْرِ وَقْتِ الصَّلَاةِ ، لَمْ يَأْثَمْ ، وَالصَّبِيُّ لَا صَلَاةَ عَلَيْهِ ، فَلَمْ يَأْثَمْ بِالتَّأْخِيرِ ، وَبَقِيَ فِي حَقِّهِ شَرْطًا ، كَمَا فِي حَقِّ الْكَبِيرِ ، وَإِذَا بَلَغَ كَانَ حُكْمُ الْحَدَثِ فِي حَقِّهِ بَاقِيًا ، كَالْحَدَثِ الْأَصْغَرِ ،","part":1,"page":346},{"id":346,"text":"يَنْقُضُ الطَّهَارَةَ فِي حَقِّ الْكَبِيرِ وَالصَّغِيرِ .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":1,"page":347},{"id":347,"text":"( 291 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَإِذَا أَسْلَمَ الْكَافِرُ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْكَافِرَ إذَا أَسْلَمَ وَجَبَ عَلَيْهِ الْغُسْلُ ، سَوَاءٌ كَانَ أَصْلِيًّا ، أَوْ مُرْتَدًّا ، اغْتَسَلَ قَبْلَ إسْلَامِهِ أَوْ لَمْ يَغْتَسِلْ ، وُجِدَ مِنْهُ فِي زَمَنِ كُفْرِهِ مَا يُوجِبُ الْغُسْلَ أَوْ لَمْ يُوجَدْ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَبِي ثَوْرٍ وَابْنِ الْمُنْذِرِ ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : يُسْتَحَبُّ الْغُسْلُ ، وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ وُجِدَتْ مِنْهُ جَنَابَةٌ زَمَنَ كُفْرِهِ ، فَعَلَيْهِ الْغُسْلُ إذَا أَسْلَمَ سَوَاءٌ كَانَ قَدْ اغْتَسَلَ فِي زَمَنِ كُفْرِهِ أَوْ لَمْ يَغْتَسِلْ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rوَلَمْ يُوجِبْ عَلَيْهِ أَبُو حَنِيفَةَ الْغُسْلَ بِحَالٍ ؛ لِأَنَّ الْعَدَدَ الْكَثِيرَ وَالْجَمَّ الْغَفِيرَ أَسْلَمُوا ، فَلَوْ أُمِرَ كُلُّ مَنْ أَسْلَمَ بِالْغُسْلِ ، لَنُقِلَ نَقْلًا مُتَوَاتِرًا أَوْ ظَاهِرًا ؛ وَلِأَنَّ { النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا بَعَثَ مُعَاذًا إلَى الْيَمَنِ قَالَ : اُدْعُهُمْ إلَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوك لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ } .\rوَلَوْ كَانَ الْغُسْلُ وَاجِبًا لَأَمَرَهُمْ بِهِ ؛ لِأَنَّهُ أَوَّلُ وَاجِبَاتِ الْإِسْلَامِ .\rوَلَنَا : مَا رَوَى { قَيْسُ بْنُ عَاصِمٍ ، قَالَ : أَتَيْت النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُرِيدُ الْإِسْلَامَ فَأَمَرَنِي أَنْ أَغْتَسِلَ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَالنَّسَائِيُّ وَأَمْرُهُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ ، وَمَا ذَكَرُوهُ مِنْ قِلَّةِ النَّقْلِ ، فَلَا يَصِحُّ مِمَّنْ أَوْجَبَ الْغُسْلَ عَلَى مَنْ أَسْلَمَ بَعْدَ الْجَنَابَةِ فِي شِرْكِهِ ، فَإِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْبَالِغَ لَا يَسْلَمُ مِنْهَا ، ثُمَّ إنَّ الْخَبَرَ إذَا صَحَّ كَانَ حُجَّةً مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ شَرْطٍ آخَرَ ، عَلَى أَنَّهُ قَدْ رُوِيَ ، أَنَّ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ ، وَأُسَيْدَ بْنَ حُضَيْرٍ ، حِينَ أَرَادَا الْإِسْلَامَ ، سَأَلَا مُصْعَبَ بْنَ عُمَيْرٍ وَأَسْعَدَ بْنَ زُرَارَةَ : كَيْفَ","part":1,"page":348},{"id":348,"text":"تَصْنَعُونَ إذَا دَخَلْتُمْ فِي هَذَا الْأَمْرِ ؟ قَالَا : نَغْتَسِلُ ، وَنَشْهَدُ شَهَادَةَ الْحَقِّ .\rوَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ مُسْتَفِيضًا ؛ وَلِأَنَّ الْكَافِرَ لَا يَسْلَمُ غَالِبًا مِنْ جَنَابَةٍ تَلْحَقُهُ ، وَنَجَاسَةٍ تُصِيبُهُ ، وَهُوَ لَا يَغْتَسِلُ ، وَلَا يَرْتَفِعُ حَدَثُهُ إذَا اغْتَسَلَ ، فَأُقِيمَتْ مَظِنَّةُ ذَلِكَ مَقَامَ حَقِيقَتِهِ ، كَمَا أُقِيمَ النَّوْمُ مَقَامَ الْحَدَثِ ، وَالْتِقَاءُ الْخِتَانَيْنِ مَقَامَ الْإِنْزَالِ .","part":1,"page":349},{"id":349,"text":"( 292 ) فَصْلٌ : فَإِنْ أَجْنَبَ الْكَافِرُ ثُمَّ أَسْلَمَ ، لَمْ يَلْزَمْهُ غُسْلُ الْجَنَابَةِ ، سَوَاءٌ اغْتَسَلَ فِي كُفْرِهِ أَوْ لَمْ يَغْتَسِلْ .\rوَهَذَا قَوْلُ مَنْ أَوْجَبَ غُسْلَ الْإِسْلَامِ ، وَقَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ عَلَيْهِ الْغُسْلُ فِي الْحَالَيْنِ .\rوَهَذَا اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ ؛ لِأَنَّ عَدَمَ التَّكْلِيفِ لَا يَمْنَعُ وُجُوبَ الْغُسْلِ ، كَالصِّبَا وَالْجُنُونِ ، وَاغْتِسَالُهُ فِي كُفْرِهِ لَا يَرْفَعُ حَدَثَهُ ؛ لِأَنَّهُ أَحَدُ الْحَدَثَيْنِ ، فَلَمْ يَرْتَفِعْ فِي حَالِ كُفْرِهِ كَالْحَدَثِ الْأَصْغَرِ .\rوَحُكِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ .\rوَأَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ يَرْفَعُ حَدَثَهُ ؛ لِأَنَّهُ أَصَحُّ نِيَّةً مِنْ الصَّبِيِّ .\rوَلَيْسَ بِصَحِيحٍ ؛ لِأَنَّ الطَّهَارَةَ عِبَادَةٌ مَحْضَةٌ ، فَلَمْ تَصِحَّ مِنْ كَافِرٍ ، كَالصَّلَاةِ .\rوَلَنَا - عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ - أَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ أَمَرَ أَحَدًا بِغُسْلِ الْجَنَابَةِ مَعَ كَثْرَةِ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ الْبَالِغِينَ الْمُتَزَوِّجِينَ ؛ وَلِأَنَّ الْمَظِنَّةَ أُقِيمَتْ مُقَامَ حَقِيقَةِ الْحَدَثِ ، فَسَقَطَ حُكْمُ الْحَدَثِ كَالسَّفَرِ مَعَ الْمَشَقَّةِ .","part":1,"page":350},{"id":350,"text":"( 293 ) فَصْلٌ : وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَغْتَسِلَ الْمُسْلِمُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ ، كَمَا فِي حَدِيثِ قَيْسٍ .\rوَيُسْتَحَبُّ إزَالَةُ شَعْرِهِ ؛ لِأَنَّ { النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ رَجُلًا أَسْلَمَ ، فَقَالَ : احْلِقْ .\rوَقَالَ لِآخَرَ مَعَهُ : أَلْقِ عَنْك شَعْرَ الْكُفْرِ وَاخْتَتِنْ } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَأَقَلُّ أَحْوَالِ الْأَمْرِ الِاسْتِحْبَابُ .","part":1,"page":351},{"id":351,"text":"( 294 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَالطُّهْرُ مِنْ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ ) قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ : هَذَا تَجَوُّزٌ ؛ فَإِنَّ الْمُوجِبَ لِلْغُسْلِ فِي التَّحْقِيقِ هُوَ الْحَيْضُ وَالنِّفَاسُ ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْحَدَثُ ، وَانْقِطَاعُهُ شَرْطُ وُجُوبِ الْغُسْلِ وَصِحَّتِهِ ، فَسَمَّاهُ مُوجِبًا لِذَلِكَ ، وَهَذَا كَقَوْلِهِمْ : انْقِطَاعُ دَمِ الِاسْتِحَاضَةِ مُبْطِلٌ لِلصَّلَاةِ .\rوَالْمُبْطِلُ إنَّمَا هُوَ الْحَدَثُ الْخَارِجُ ، لَكِنْ عُفِيَ عَنْهُ لِلضَّرُورَةِ ، فَإِذَا انْقَطَعَ الدَّمُ زَالَتْ الضَّرُورَةُ ، فَظَهَرَ حُكْمُ الْحَدَثِ حِينَئِذٍ وَأُضِيفَ الْحُكْمُ إلَى الِانْقِطَاعِ ؛ لِظُهُورِهِ عِنْدَهُ .\rوَلَا خِلَافَ فِي وُجُوبِ الْغُسْلِ بِالْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ ، وَقَدْ أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْغُسْلِ مِنْ الْحَيْضِ فِي أَحَادِيثَ ، كَثِيرَةٍ { ، فَقَالَ لِفَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حُبَيْشٍ دَعِي الصَّلَاةَ قَدْرَ الْأَيَّامِ الَّتِي كُنْت تَحِيضِينَ فِيهَا ، ثُمَّ اغْتَسِلِي وَصَلِّي } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَأَمَرَ بِهِ فِي حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ ، وَحَدِيثِ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، رَوَاهُمَا أَبُو دَاوُد ، وَغَيْرُهُ ، وَأَمَرَ بِهِ فِي حَدِيثِ أُمِّ حَبِيبَةَ ، وَسَهْلَةِ بِنْتِ سُهَيْلٍ ، وَحَمْنَةَ بِنْتِ جَحْشٍ ، وَغَيْرِهِنَّ ، وَقَدْ قِيلَ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى { : فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ } يَعْنِي : إذَا اغْتَسَلْنَ .\rمُنِعَ الزَّوْجُ وَطْأَهَا قَبْلَ الْغُسْلِ ، فَدَلَّ عَلَى وُجُوبِهِ عَلَيْهَا .\rوَالنِّفَاسُ كَالْحَيْضِ سَوَاءٌ ؛ فَإِنَّ دَمَ النِّفَاسِ هُوَ دَمُ الْحَيْضِ ، وَإِنَّمَا كَانَ فِي مُدَّةِ الْحَمْلِ يَنْصَرِفُ إلَى غِذَاءِ الْوَلَدِ ، فَحِينَ خَرَجَ الْوَلَدُ خَرَجَ الدَّمُ لِعَدَمِ مَصْرِفِهِ ، وَسُمَيٌّ نِفَاسًا","part":1,"page":352},{"id":352,"text":"( 295 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا الْوِلَادَةُ إذَا عَرِيَتْ عَنْ دَمٍ ، فَلَا يَجِبُ فِيهَا الْغُسْلُ ، فِي ظَاهِرِ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ .\rوَقَالَ غَيْرُهُ : فِيهَا وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا يَجِبُ الْغُسْلُ بِهَا ؛ لِأَنَّهَا مَظِنَّةٌ لِلنِّفَاسِ الْمُوجِبِ ، فَقَامَتْ مَقَامَهُ فِي الْإِيجَابِ ، كَالْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ ؛ وَلِأَنَّهَا يُسْتَبْرَأُ بِهَا الرَّحِمُ أَشْبَهَتْ الْحَيْضَ .\rوَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَجْهَانِ كَالْوَجْهَيْنِ .\rوَالْأَوَّلُ الصَّحِيحُ ؛ فَإِنَّ الْوُجُوبَ بِالشَّرْعِ ، وَلَمْ يَرِدْ بِالْغُسْلِ هَاهُنَا ، وَلَا هُوَ فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بِدَمٍ وَلَا مَنِيٍّ ؛ وَإِنَّمَا وَرَدَ الشَّرْعُ بِالْإِيجَابِ بِهَذَيْنِ الشَّيْئَيْنِ .\rوَقَوْلُهُمْ : إنَّهُ مَظِنَّةٌ .\rقُلْنَا : الْمَظَانُّ إنَّمَا يُعْلَمُ جَعْلُهَا مَظِنَّةً بِنَصٍّ أَوْ إجْمَاعٍ ، وَلَا نَصَّ فِي هَذَا وَلَا إجْمَاعَ ، وَالْقِيَاسُ الْآخَرُ مُجَرَّدُ طَرْدٍ لَا مَعْنَى تَحْتَهُ ، ثُمَّ قَدْ اخْتَلَفَا فِي أَكْثَرِ الْأَحْكَامِ ، فَلَيْسَ تَشْبِيهُهُ بِهِ فِي هَذَا الْحُكْمِ أَوْلَى مِنْ مُخَالَفَتِهِ فِي سَائِرِ الْأَحْكَامِ .","part":1,"page":353},{"id":353,"text":"( 296 ) فَصْلٌ : إذَا كَانَ عَلَى الْحَائِضِ جَنَابَةٌ ، فَلَيْسَ عَلَيْهَا أَنْ تَغْتَسِلَ حَتَّى يَنْقَطِعَ حَيْضُهَا .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، وَهُوَ قَوْلُ إِسْحَاقَ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْغُسْلَ لَا يُفِيدُ شَيْئًا مِنْ الْأَحْكَامِ ، فَإِنْ اغْتَسَلَتْ لِلْجَنَابَةِ فِي زَمَنِ حَيْضِهَا ، صَحَّ غُسْلُهَا ، وَزَالَ حُكْمُ الْجَنَابَةِ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، وَقَالَ : تَزُولُ الْجَنَابَةَ ، وَالْحَيْضُ لَا يَزُولُ حَتَّى يَنْقَطِعَ الدَّمُ .\rقَالَ : وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا قَالَ : لَا تَغْتَسِلُ .\rإلَّا عَطَاءً ، فَإِنَّهُ قَالَ : الْحَيْضُ أَكْبَرُ .\rقَالَ : ثُمَّ نَزَلَ عَنْ ذَلِكَ ، وَقَالَ : تَغْتَسِلُ .\rوَهَذَا لِأَنَّ أَحَدَ الْحَدَثَيْنِ لَا يَمْنَعُ ارْتِفَاعَ الْآخَرِ ، كَمَا لَوْ اغْتَسَلَ الْمُحْدِثُ الْحَدَثَ الْأَصْغَرَ .","part":1,"page":354},{"id":354,"text":"( 297 ) فَصْلٌ : وَلَا يَجِبُ الْغُسْلُ مِنْ غُسْلِ الْمَيِّتِ .\rوَبِهِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ عُمَرَ وَعَائِشَةُ وَالْحَسَنُ وَالنَّخَعِيُّ وَالشَّافِعِيُّ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَعَنْ عَلِيٍّ وَأَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّهُمَا قَالَا : مَنْ غَسَّلَ مَيِّتًا فَلْيَغْتَسِلْ .\rوَبِهِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَابْنُ سِيرِينَ وَالزُّهْرِيُّ .\rوَاخْتَارَهُ أَبُو إِسْحَاقَ الْجُوزَجَانِيُّ لِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ { : مَنْ غَسَّلَ مَيِّتًا فَلْيَغْتَسِلْ ، وَمَنْ حَمَلَ مَيِّتًا فَلْيَتَوَضَّأْ } .\rقَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ وَذَكَرَ أَصْحَابُنَا رِوَايَةً أُخْرَى عَنْ أَحْمَدَ ، فِي وُجُوبِ الْغُسْلِ عَلَى مَنْ غَسَّلَ الْمَيِّتَ الْكَافِرَ خَاصَّةً ؛ لِأَنَّ { النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ عَلِيًّا أَنْ يَغْتَسِلَ لَمَّا غَسَّلَ أَبَاهُ .\r} وَلَنَا قَوْلُ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ الرَّازِيّ ، قَالَ : { أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ لَا نَنْزِعَ خِفَافَنَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيِهِنَّ إلَّا مِنْ جَنَابَةٍ } ؛ وَلِأَنَّهُ غُسْلُ آدَمِيٍّ فَلَمْ يُوجِبْ الْغُسْلَ كَغُسْلِ الْحَيِّ ، وَحَدِيثُهُمْ مَوْقُوفٌ عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ .\rوَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ لَيْسَ فِي هَذَا حَدِيثٌ يَثْبُتُ ، وَلِذَلِكَ لَا يُعْمَلُ بِهِ فِي وُجُوبِ الْوُضُوءِ عَلَى مَنْ حَمَلُهُ .\rوَقَدْ ذُكِرَ لِعَائِشَةِ قَوْلُ أَبِي هُرَيْرَةَ \" وَمَنْ حَمَلِهِ فَلْيَتَوَضَّأْ \" قَالَتْ : وَهَلْ هِيَ إلَّا أَعْوَادٌ حَمَلَهَا ، ذَكَرَهُ الْأَثْرَمُ بِإِسْنَادِهِ ، وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا قَالَ بِهِ فِي الْوُضُوءِ مِنْ حَمْلِهِ .\rوَأَمَّا حَدِيثُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الْجُوزَجَانِيُّ لَيْسَ فِيهِ أَنَّهُ غَسَّلَ أَبَا طَالِبٍ ، إنَّمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { اذْهَبْ فَوَارِهِ ، وَلَا تُحْدِثَنَّ شَيْئًا حَتَّى تَأْتِيَنِي .\rقَالَ : فَأَتَيْته فَأَخْبَرْته ، فَأَمَرَنِي فَاغْتَسَلْت .\r} وَقَدْ","part":1,"page":355},{"id":355,"text":"قِيلَ : يَجِبُ الْغُسْلُ مِنْ غُسْلِ الْكَافِرِ الْحَيِّ .\rوَلَا نَعْلَمُ لِقَائِلِ هَذَا الْقَوْلِ حُجَّةً تُوجِبُهُ ، وَأَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى خِلَافِهِ .","part":1,"page":356},{"id":356,"text":"( 298 ) فَصْلٌ : وَلَا يَجِبُ الْغُسْلُ عَلَى الْمَجْنُونِ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ إذَا أَفَاقَا مِنْ غَيْرِ احْتِلَامٍ ، وَلَا أَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : ثَبَتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اغْتَسَلَ مِنْ الْإِغْمَاءِ .\rوَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ ؛ وَلِأَنَّ زَوَالَ الْعَقْلِ فِي نَفَسِهِ لَيْسَ بِمُوجِبٍ لِلْغُسْلِ ، وَوُجُودُ الْإِنْزَالِ مَشْكُوكٌ فِيهِ ، فَلَا نَزُولُ عَنْ الْيَقِينِ بِالشَّكِّ ، فَإِنْ تَيَقَّنَ مِنْهُمَا الْإِنْزَالَ فَعَلَيْهِمَا الْغُسْلُ ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ مِنْ احْتِلَامٍ ، فَيَدْخُلُ فِي جُمْلَةِ الْمُوجِبَاتِ الْمَذْكُورَةِ ، وَيُسْتَحَبُّ الْغُسْلُ مِنْ جَمِيعِ مَا نَفَيْنَا وُجُوبَ الْغُسْلِ مِنْهُ ؛ لِوُجُودِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ مِنْ فِعْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُ ، وَالْخُرُوجِ مِنْ الْخِلَافِ .","part":1,"page":357},{"id":357,"text":"( 299 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَالْحَائِضُ وَالْجُنُبُ وَالْمُشْرِكُ إذَا غَمَسُوا أَيْدِيَهُمْ فِي الْمَاءِ ، فَهُوَ طَاهِرٌ ) أَمَّا طَهَارَةُ الْمَاءِ فَلَا إشْكَالَ فِيهِ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ عَلَى أَيْدِيهِمْ نَجَاسَةٌ ، فَإِنَّ أَجْسَامَهُمْ طَاهِرَةٌ ، وَهَذِهِ الْأَحْدَاثُ لَا تَقْتَضِي تَنْجِيسَهَا .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعَ عَوَامُّ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ عَرَقَ الْجُنُبِ طَاهِرٌ ، ثَبَتَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، وَغَيْرِهِمْ مِنْ الْفُقَهَاءِ .\rوَقَالَتْ عَائِشَةُ عَرَقُ الْحَائِضِ طَاهِرٌ .\rوَكُلُّ ذَلِكَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ ، وَلَا يُحْفَظُ عَنْ غَيْرِهِمْ خِلَافُهُمْ .\rوَقَدْ رَوَى { أَبُو هُرَيْرَةَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَقِيَهُ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْمَدِينَةِ وَهُوَ جُنُبٌ ، قَالَ : فَانْخَنَسْت مِنْهُ فَاغْتَسَلْت ، ثُمَّ جِئْت ؛ فَقَالَ : أَيْنَ كُنْت يَا أَبَا هُرَيْرَةَ ؟ قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ كُنْت جُنُبًا فَكَرِهْت أَنْ أُجَالِسَكَ وَأَنَا عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ .\rفَقَالَ : سُبْحَانَ اللَّهِ ، إنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَنْجُسُ } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَرُوِيَ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدَّمَ إلَيْهِ بَعْضُ نِسَائِهِ قَصْعَةً لِيَتَوَضَّأَ مِنْهَا .\rفَقَالَتْ امْرَأَةٌ : إنِّي غَمَسْت يَدِي فِيهَا وَأَنَا جُنُبٌ .\rفَقَالَ : الْمَاءُ لَا يُجْنِبُ وَقَالَ لِعَائِشَةَ : نَاوِلِينِي الْخُمْرَةَ مِنْ الْمَسْجِدِ .\rفَقَالَتْ : إنِّي حَائِضٌ ، قَالَ إنَّ حَيْضَتَك لَيْسَتْ فِي يَدِك وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَشْرَبُ مِنْ سُؤْرِ عَائِشَةَ وَهِيَ حَائِضٌ ، وَيَضَعُ فَاهُ عَلَى مَوْضِعِ فِيهَا .\rوَتَتَعَرَّقُ الْعَرْقَ ، وَهِيَ حَائِضٌ ، فَيَأْخُذُهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَضَعُ فَاهُ عَلَى مَوْضِعِ فِيهَا .\rوَكَانَتْ تَغْسِلُ رَأْسَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهِيَ حَائِضٌ ، وَتَوَضَّأَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ مَزَادَةِ مُشْرِكَةٍ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَتَوَضَّأَ عُمَرُ مِنْ","part":1,"page":358},{"id":358,"text":"جَرَّةِ نَصْرَانِيَّةٍ { .\rوَأَجَابَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَهُودِيًّا دَعَاهُ إلَى خُبْزٍ وَإِهَالَةٍ سَنِخَةٍ } ؛ وَلِأَنَّ الْكُفْرَ مَعْنًى فِي قَلْبِهِ ، فَلَا يُؤَثِّرُ فِي نَجَاسَةِ ظَاهِرِهِ كَسَائِرِ مَا فِي الْقَلْبِ ، وَالْأَصْلُ الطَّهَارَةُ .\rوَيَتَخَرَّجُ التَّفْرِيقُ بَيْنَ الْكِتَابِيِّ الَّذِي لَا يَأْكُلُ الْمَيْتَةَ وَالْخِنْزِيرَ ، وَبَيْنَ غَيْرِهِ مِمَّنْ يَأْكُلُ الْمَيْتَةَ وَالْخِنْزِيرَ ، وَمَنْ لَا تَحِلُّ ذَبِيحَتُهُمْ ، كَمَا فَرَّقْنَا بَيْنَهُمْ فِي آنِيَتِهِمْ وَثِيَابِهِمْ .","part":1,"page":359},{"id":359,"text":"( 300 ) فَصْلٌ : وَأَمَّا طُهُورِيَّةُ الْمَاءِ ، فَإِنَّ الْحَائِضَ وَالْكَافِرَ لَا يُؤَثِّرُ غَمْسُهُمَا يَدَيْهِمَا فِي الْمَاءِ شَيْئًا ؛ لِأَنَّ حَدَثَهُمَا لَا يَرْتَفِعُ .\rوَأَمَّا الْجُنُبُ فَإِنْ لَمْ يَنْوِ بِغَمْسِ يَدِهِ فِي الْمَاءِ رَفْعَ الْحَدَثِ مِنْهَا فَهُوَ بَاقٍ عَلَى طُهُورِيَّتِهِ ؛ بِدَلِيلِ حَدِيثِ الْمَرْأَةِ الَّتِي قَالَتْ : غَمَسْت يَدِي فِي الْمَاءِ وَأَنَا جُنُبٌ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : \" الْمَاءُ لَا يُجْنِبُ \" .\rوَلِأَنَّ الْحَدَثَ لَا يَرْتَفِعُ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ ، فَأَشْبَهَ غَمْسَ الْحَائِضِ وَإِنْ نَوَى رَفْعَ حَدَثِهَا ، فَحُكْمُ الْمَاءِ حُكْمُ مَا لَوْ اغْتَسَلَ الْجُنُبُ فِيهِ لِلْجَنَابَةِ .\rوَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا : إذَا نَوَى رَفْعَ الْحَدَثِ ، ثُمَّ غَمَسَ يَدَهُ فِي الْمَاءِ لِيَغْتَرِفَ بِهَا ، صَارَ الْمَاءُ مُسْتَعْمَلًا .\rوَالصَّحِيحُ - إنْ شَاءَ اللَّهُ - أَنَّهُ إذَا نَوَى الِاغْتِرَافَ لَمْ يَصِرْ مُسْتَعْمَلًا ؛ لِأَنَّ قَصْدَ الِاغْتِرَافِ مَنَعَ قَصْدَ غَسْلِهَا ، عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ فِي الْمُتَوَضِّئِ إذَا اغْتَرَفَ مِنْ الْإِنَاءِ بَعْدَ غَسْلِ وَجْهِهِ .\rوَإِنْ انْقَطَعَ حَيْضُ الْمَرْأَةِ وَلَمْ تَغْتَسِلْ ، فَهِيَ كَالْجُنُبِ ، فِيمَا ذَكَرْنَا مِنْ التَّفْصِيلِ .\rوَقَدْ اُخْتُلِفَ عَنْ أَحْمَدَ فِي هَذَا فَقَالَ فِي مَوْضِعٍ ، فِي الْجُنُبِ وَالْحَائِضِ يَغْمِسُ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ : إذَا كَانَا نَظِيفَيْنِ ، فَلَا بَأْسَ بِهِ .\rوَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ : كُنْت لَا أَرَى بِهِ بَأْسًا ، ثُمَّ حُدِّثْت عَنْ شُعْبَةَ ، عَنْ مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، وَكَأَنِّي تَهَيَّبْته .\rوَسُئِلَ عَنْ جُنُبٍ وُضِعَ لَهُ مَاءٌ فَأَدْخَلَ يَدَهُ يَنْظُرُ حَرَّهُ مِنْ بَرْدِهِ ؟ قَالَ : إنْ كَانَ إصْبَعًا فَأَرْجُو أَنْ لَا يَكُونَ بِهِ بَأْسٌ ، وَإِنْ كَانَتْ الْيَدُ أَجْمَعَ فَكَأَنَّهُ كَرِهَهُ .\rوَسُئِلَ عَنْ الرَّجُلِ يَدْخُلُ الْحَمَّامَ ، وَلَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ ، وَلَا مَا يَصُبُّ بِهِ عَلَى يَدِهِ ، أَتَرَى لَهُ أَنْ يَأْخُذَ بِفَمِهِ ؟ قَالَ : لَا ، يَدُهُ وَفَمُهُ وَاحِدٌ .\rوَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ مَا ذَكَرْنَاهُ ، وَكَلَامُ أَحْمَدَ مَحْمُولٌ عَلَى","part":1,"page":360},{"id":360,"text":"الْكَرَاهَةِ الْمُجَرَّدَةِ ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ الْخِلَافِ .\rوَقَالَ أَبُو يُوسُفَ : إنْ أَدْخَلَ الْجُنُبُ يَدَهُ فِي الْمَاءِ لَمْ يَفْسُدْ ، وَإِنْ أَدْخَلَ رِجْلَهُ فَسَدَ ؛ لِأَنَّ الْجُنُبَ نَجِسٌ ، وَعُفِيَ عَنْ يَدِهِ لِمَوْضِعِ الْحَاجَةِ .\rوَكَرِهَ النَّخَعِيُّ الْوُضُوءَ بِسُؤْرِ الْحَائِضِ .\rوَقَالَ جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ .\rلَا يُتَوَضَّأُ بِهِ لِلصَّلَاةِ .\rوَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ لَا يَرَوْنَ بِسُؤْرِهَا بَأْسًا ؛ مِنْهُمْ الْحَسَنُ وَمُجَاهِدٌ وَالزُّهْرِيُّ وَمَالِكٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو عُبَيْدٍ .\rوَقَدْ دَلَّلْنَا عَلَى طَهَارَةِ الْجُنُبِ وَالْحَائِضِ ، وَالتَّفْرِيقُ بَيْنَ الْيَدِ وَالرِّجْلِ لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّهُمَا اسْتَوَيَا فِيمَا إذَا أَصَابَتْهُمَا نَجَاسَةٌ ، فَاسْتَوَيَا فِي الْجَنَابَةِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ نَقُولَ بِهِ ؛ لِأَنَّ الْيَدَ يُرَادُ بِهَا الِاغْتِرَافُ وَقَصْدُهُ هُوَ الْمَانِعُ مِنْ جَعْلِ الْمَاءِ مُسْتَعْمَلًا ، وَهَذَا لَا يُوجَدُ فِي الرِّجْلِ ؛ لِأَنَّهَا لَا يُغْتَرَفُ بِهَا ، فَكَانَ غَمْسُهَا بَعْدَ إرَادَةِ الْغَسْلِ اسْتِعْمَالًا لِلْمَاءِ .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ","part":1,"page":361},{"id":361,"text":"( 301 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَلَا يَتَوَضَّأُ الرَّجُلُ بِفَضْلِ طَهُورِ الْمَرْأَةِ إذَا خَلَتْ بِالْمَاءِ ) اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، فِي وُضُوءِ الرَّجُلِ بِفَضْلِ وُضُوءِ الْمَرْأَةِ إذَا خَلَتْ بِهِ ، وَالْمَشْهُورُ عَنْهُ : أَنَّهُ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ .\rوَهُوَ قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَرْجِسَ وَالْحَسَنِ وَغُنَيْمِ بْنِ قَيْسٍ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ فِي الْحَائِضِ وَالْجُنُبِ .\rقَالَ أَحْمَدُ : قَدْ كَرِهَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَمَّا إذَا كَانَ جَمِيعًا فَلَا بَأْسَ .\rوَالثَّانِيَةُ ، يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِهِ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ .\rاخْتَارَهَا ابْنُ عَقِيلٍ وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ؛ لِمَا رَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ قَالَ { : كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَغْتَسِلُ بِفَضْلِ وَضُوءِ مَيْمُونَةَ وَقَالَتْ مَيْمُونَةُ : اغْتَسَلْت مِنْ جَفْنَةٍ ، فَفَضَلَتْ فِيهَا فَضْلَةٌ ، فَجَاءَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَغْتَسِلُ ، فَقُلْت : إنِّي قَدْ اغْتَسَلْت مِنْهُ ، فَقَالَ : الْمَاءُ لَيْسَ عَلَى جَنَابَةٍ } وَلِأَنَّهُ مَاءٌ طَهُورٌ ، جَازَ لِلْمَرْأَةِ الْوُضُوءُ بِهِ ، فَجَازَ لِلرَّجُلِ كَفَضْلِ الرَّجُلِ .\rوَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى مَا رَوَى الْحَكَمُ بْنُ عَمْرٍو { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى أَنْ يَتَوَضَّأَ الرَّجُلُ بِفَضْلِ طَهُورِ الْمَرْأَةِ } .\rقَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ وَرَوَاهُ ، أَبُو دَاوُد ، وَابْنُ مَاجَهْ : قَالَ الْخَطَّابِيُّ : قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْمَاعِيلَ : خَبَرُ الْأَقْرَعِ لَا يَصِحُّ .\rوَالصَّحِيحُ فِي هَذَا خَبَرُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَرْجِسَ ، وَهُوَ مَوْقُوفٌ ، وَمَنْ رَفَعَهُ فَقَدْ أَخْطَأَ .\rقُلْنَا : قَدْ رَوَاهُ أَحْمَدُ ، وَاحْتَجَّ بِهِ ، وَهَذَا يُقَدَّمُ عَلَى التَّضْعِيفِ ؛ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ قَدْ رُوِيَ مِنْ وَجْهٍ صَحِيحٍ خَفِيٍّ عَلَى مَنْ ضَعَّفَهُ ، وَأَيْضًا فَإِنَّهُ قَوْلُ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ ، قَالَ أَحْمَدُ : أَكْثَرُ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُونَ","part":1,"page":362},{"id":362,"text":": إذَا خَلَتْ بِالْمَاءِ فَلَا يُتَوَضَّأُ مِنْهُ .\rفَأَمَّا حَدِيثُ مَيْمُونَةَ فَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ : أَنْفِيهِ ؛ لِحَالِ سِمَاكٍ ، لَيْسَ أَحَدٌ يَرْوِيهِ غَيْرُهُ .\rوَقَالَ : هَذَا فِيهِ اخْتِلَافٌ شَدِيدٌ ، بَعْضُهُمْ يَرْفَعُهُ ، وَبَعْضُهُمْ لَا يَرْفَعُهُ .\rوَلِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنَّهَا لَمْ تَخْلُ بِهِ ، فَيُجْعَلُ عَلَيْهِ ، جَمْعًا بَيْنَ الْخَبَرَيْنِ .\r( 302 ) فَصْلٌ : وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي تَفْسِيرِ الْخَلْوَةِ بِهِ ، فَقَالَ الشَّرِيفُ أَبُو جَعْفَرٍ قَوْلًا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْخَلْوَةَ هِيَ أَنْ لَا يَحْضُرَهَا مَنْ لَا تَحْصُلُ الْخَلْوَةُ فِي النِّكَاحِ بِحُضُورِهِ ، سَوَاءٌ كَانَ رَجُلًا ، أَوْ امْرَأَةً ، أَوْ صَبِيًّا عَاقِلًا ؛ لِأَنَّهَا إحْدَى الْخَلْوَتَيْنِ ، فَنَافَاهَا حُضُورُ أَحَدِ هَؤُلَاءِ كَالْأُخْرَى .\rوَقَالَ الْقَاضِي : هِيَ أَنْ لَا يُشَاهِدَهَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ ، فَإِنْ شَاهَدَهَا صَبِيٌّ أَوْ امْرَأَةٌ أَوْ رَجُلٌ كَافِرٌ ، لَمْ تَخْرُجْ بِحُضُورِهِمْ عَنْ الْخَلْوَةِ .\rوَذَهَبَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ إلَى أَنَّ الْخَلْوَةَ اسْتِعْمَالُهَا لِلْمَاءِ مِنْ غَيْرِ مُشَارَكَةِ الرَّجُلِ فِي اسْتِعْمَالِهِ ؛ لِأَنَّ أَحْمَدَ قَالَ : إذَا خَلَتْ بِهِ فَلَا يُعْجِبُنِي أَنْ يَغْتَسِلَ هُوَ بِهِ .\rوَإِذَا شَرَعَا فِيهِ جَمِيعًا فَلَا بَأْسَ بِهِ ؛ لِقَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَرْجِسَ : اغْتَسِلَا جَمِيعًا ؛ هُوَ هَكَذَا ، وَأَنْتِ هَكَذَا - قَالَ عَبْدُ الْوَاحِدِ فِي إشَارَتِهِ : كَانَ الْإِنَاءُ بَيْنَهُمَا - وَإِذَا خَلَتْ بِهِ فَلَا تَقْرَبَنَّهُ رَوَاهُ الْأَثْرَمُ .\rوَقَدْ { كَانَتْ عَائِشَةُ تَغْتَسِلُ هِيَ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ إنَاءٍ وَاحِدٍ ، يَغْتَرِفَانِ مِنْهُ جَمِيعًا } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ، فَيُخَصُّ بِهَذَا عُمُومُ النَّهْيِ وَبَقِينَا فِيمَا عَدَاهُ عَلَى الْعُمُومِ .\r( 303 ) فَصْلٌ : فَإِنْ خَلَتْ بِهِ فِي بَعْضِ أَعْضَائِهَا ، أَوْ فِي تَجْدِيدِ طَهَارَةٍ ، أَوْ اسْتِنْجَاءٍ ، أَوْ غَسْلِ نَجَاسَةٍ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا الْمَنْعُ ؛ لِأَنَّهُ طَهَارَةٌ شَرْعِيَّةٌ .\rوَالثَّانِي لَا يُمْنَعُ ؛ لِأَنَّ الطَّهَارَةَ الْمُطْلَقَةَ تَنْصَرِفُ إلَى طَهَارَةِ","part":1,"page":363},{"id":363,"text":"الْحَدَثِ الْكَامِلَةِ .\rوَإِنْ خَلَتْ بِهِ ذِمِّيَّةٌ فِي اغْتِسَالِهَا ، فَفِيهِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا .\rهُوَ كَخَلْوَةِ الْمُسْلِمَةِ ؛ لِأَنَّهَا أَدْنَى حَالًا مِنْ الْمُسْلِمَةِ وَأَبْعَدُ مِنْ الطَّهَارَةِ ، وَقَدْ تَعَلَّقَ بِغُسْلِهَا حُكْمٌ ، شَرْعِيٌّ ، وَهُوَ حِلُّ وَطْئِهَا إذَا اغْتَسَلَتْ مِنْ الْحَيْضِ وَأَمْرُهَا بِهِ إذَا كَانَ مِنْ جَنَابَةٍ ؛ وَالثَّانِي لَا يُؤَثِّرُ ؛ لِأَنَّ طَهَارَتَهَا لَا تَصِحُّ ، فَهِيَ كَتَبَرُّدِهَا .\rوَإِنْ خَلَتْ الْمَرْأَةُ بِالْمَاءِ فِي تَبَرُّدِهَا ، أَوْ تَنْظِيفِهَا ، أَوْ غَسْلِ ثَوْبِهَا مِنْ الْوَسَخِ ، لَمْ يُؤَثِّرْ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِطَهَارَةٍ .\r( 304 ) فَصْلٌ : وَإِنَّمَا تُؤَثِّرُ خَلْوَتُهَا فِي الْمَاءِ الْقَلِيلِ ، وَمَا بَلَغَ الْقُلَّتَيْنِ لَا تُؤَثِّرُ خَلْوَتُهَا فِيهِ ؛ لِأَنَّ حَقِيقَةَ النَّجَاسَةِ وَالْحَدَثِ لَا تُؤَثِّرُ فِيهِ ، فَوَهْمُ ذَلِكَ أَوْلَى .\r( 305 ) فَصْلٌ : وَمَنْعُ الرَّجُلِ مِنْ اسْتِعْمَالِ فَضْلَةِ طَهُورِ الْمَرْأَةِ تَعَبُّدِيٌّ غَيْرُ مَعْقُولِ الْمَعْنَى ، نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ وَلِذَلِكَ يُبَاحُ لِامْرَأَةٍ سِوَاهَا التَّطَهُّرُ بِهِ فِي طَهَارَةِ الْحَدَثِ ، وَغَسْلِ النَّجَاسَةِ ، وَغَيْرِهِمَا ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ اخْتَصَّ الرَّجُلَ وَلَمْ يُعْقَلْ مَعْنَاهُ ، فَيَجِبُ قَصْرُهُ عَلَى مَحَلِّ النَّهْيِ ، وَهَلْ يَجُوزُ لِلرَّجُلِ غَسْلُ النَّجَاسَةِ بِهِ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا لَا يَجُوزُ .\rوَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي ؛ لِأَنَّهُ مَانِعٌ لَا يَرْفَعُ حَدَثَهُ ، فَلَمْ يُزِلْ النَّجَسَ ، كَسَائِرِ الْمَائِعَاتِ .\rوَالثَّانِي يَجُوزُ .\rوَهُوَ الصَّحِيحُ ؛ لِأَنَّهُ مَاءٌ يُطَهِّرُ الْمَرْأَةَ مِنْ الْحَدَثِ وَالنَّجَاسَةِ ، وَيُزِيلُهَا مِنْ الْمَحَالِّ كُلِّهَا إذَا فَعَلَتْهُ ، فَيُزِيلُهَا إذَا فَعَلَهُ الرَّجُلُ كَسَائِرِ الْمِيَاهِ ؛ وَلِأَنَّهُ مَاءٌ يُزِيلُ النَّجَاسَةَ بِمُبَاشَرَةِ الْمَرْأَةِ ، فَيُزِيلُهَا إذَا فَعَلَهُ الرَّجُلُ ، كَسَائِرِ الْمِيَاهِ ، وَالْحَدِيثُ لَا نَعْقِلُ عِلَّتَهُ ، فَيُقْتَصَرُ عَلَى مَا وَرَدَ بِهِ لَفْظُهُ ، وَنَحْوُ هَذَا يُحْكَى عَنْ ابْنِ أَبِي مُوسَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":1,"page":364},{"id":364,"text":"بَابُ الْغُسْلِ مِنْ الْجَنَابَةِ ( 306 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ ( وَإِذَا أَجْنَبَ غَسَلَ مَا بِهِ مِنْ أَذًى ، وَتَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ ، ثُمَّ أَفْرَغَ عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثًا ، يَرْوِي أُصُولَ الشَّعْرِ ، ثُمَّ يُفِيضُ الْمَاءَ عَلَى سَائِرِ جَسَدِهِ ) .\rقَالَ الْفَرَّاءُ : يُقَال جَنَبَ الرَّجُلُ وَأَجْنَبَ وَتَجَنَّبَ وَاجْتَنَبَ ، مِنْ الْجَنَابَةِ .\rوَلِغُسْلِ الْجَنَابَةِ صِفَتَانِ : صِفَةُ إجْزَاءٍ ، وَصِفَةُ كَمَالٍ ، فَاَلَّذِي ذَكَرَهُ الْخِرَقِيِّ هَاهُنَا صِفَةُ الْكَمَالِ .\rقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا : الْكَامِلُ يَأْتِي فِيهِ بِعَشَرَةِ أَشْيَاءَ النِّيَّةِ ، وَالتَّسْمِيَةِ ، وَغَسْلِ يَدَيْهِ ثَلَاثًا ، وَغَسْلِ مَا بِهِ مِنْ أَذًى ، وَالْوُضُوءِ ، وَيُحْثِي عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثًا يَرْوِي بِهَا أُصُولَ الشَّعْرِ ، وَيُفِيضُ الْمَاءَ عَلَى سَائِرِ جَسَدِهِ ، وَيَبْدَأُ بِشِقِّهِ الْأَيْمَنِ ، وَيَدْلُكُ بَدَنَهُ بِيَدِهِ ، وَيَنْتَقِلُ مِنْ مَوْضِعِ غُسْلِهِ فَيَغْسِلُ قَدَمَيْهِ .\rوَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُخَلِّلَ أُصُولَ شَعْرِ رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ بِمَاءٍ قَبْلَ إفَاضَتِهِ عَلَيْهِ .\rقَالَ أَحْمَدُ : الْغُسْلُ مِنْ الْجَنَابَةِ عَلَى حَدِيثِ عَائِشَةَ ، وَهُوَ مَا رُوِيَ عَنْهَا ، قَالَتْ { : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا اغْتَسَلَ مِنْ الْجَنَابَةِ غَسَلَ يَدَيْهِ ثَلَاثًا ، وَتَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ ، ثُمَّ يُخَلِّلُ شَعْرَهُ بِيَدِهِ ، حَتَّى إذَا ظَنَّ أَنَّهُ قَدْ أَرْوَى بَشَرَتَهُ أَفَاضَ عَلَيْهِ الْمَاءَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، ثُمَّ غَسَلَ سَائِرَ جَسَدِهِ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَقَالَتْ مَيْمُونَةُ : { وَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَضُوءَ الْجَنَابَةِ ، فَأَفْرَغَ عَلَى يَدَيْهِ ، فَغَسَلَهُمَا مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا ، ثُمَّ أَفْرَغَ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ ، فَغَسَلَ مَذَاكِيرَهُ ، ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدِهِ الْأَرْضَ أَوْ الْحَائِطَ ، مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا ، ثُمَّ تَمَضْمَضَ ، وَاسْتَنْشَقَ ، وَغَسَلَ وَجْهَهُ وَذِرَاعَيْهِ ، ثُمَّ أَفَاضَ الْمَاءَ عَلَى رَأْسِهِ ، ثُمَّ غَسَلَ جَسَدَهُ ثُمَّ تَنَحَّى عَنْ مَقَامِهِ ذَلِكَ فَغَسَلَ رِجْلَيْهِ ،","part":1,"page":365},{"id":365,"text":"فَأَتَيْته بِالْمِنْدِيلِ ، فَلَمْ يُرِدْهَا ، وَجَعَلَ يَنْفُضُ الْمَاءَ بِيَدَيْهِ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَفِي هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ كَثِيرٌ مِنْ الْخِصَالِ الْمُسَمَّاةِ ، وَأَمَّا الْبِدَايَةُ بِشِقِّهِ الْأَيْمَنِ فَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُحِبُّ التَّيَمُّنَ فِي طُهُورِهِ ، وَفِي حَدِيثٍ عَنْ عَائِشَةَ { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا اغْتَسَلَ مِنْ الْجَنَابَةِ دَعَا بِشَيْءٍ نَحْوِ الْحِلَابِ ، فَأَخَذَ بِكَفَّيْهِ ، ثُمَّ بَدَأَ بِشِقِّ رَأْسِهِ الْأَيْمَنِ ، ثُمَّ الْأَيْسَرِ ، ثُمَّ أَخَذَ بِكَفَّيْهِ فَقَالَ بِهِمَا عَلَى رَأْسِهِ ، } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَأَمَّا غَسْلُ الرِّجْلَيْنِ بَعْدَ الْغُسْلِ ، فَقَدْ اُخْتُلِفَ عَنْ أَحْمَدَ فِي مَوْضِعِهِ ؛ فَقَالَ فِي رِوَايَةٍ : أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَغْسِلَهُمَا بَعْدَ الْوُضُوءِ ؛ لِحَدِيثِ مَيْمُونَةَ .\rوَقَالَ فِي رِوَايَةٍ : الْعَمَلُ عَلَى حَدِيثِ عَائِشَةَ .\rوَفِيهِ أَنَّهُ تَوَضَّأَ لِلصَّلَاةِ قَبْلَ اغْتِسَالِهِ .\rوَقَالَ فِي مَوْضِعٍ : غَسْلُ رِجْلَيْهِ فِي مَوْضِعِهِ وَبَعْدَهُ وَقَبْلَهُ سَوَاءٌ .\rوَلَعَلَّهُ ذَهَبَ إلَى أَنَّ اخْتِلَافَ الْأَحَادِيثِ فِيهِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَوْضِعَ الْغُسْلِ لَيْسَ بِمَقْصُودٍ ، وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ أَصْلُ الْغَسْلِ ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .","part":1,"page":366},{"id":366,"text":"( 307 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَإِنْ غَسَلَ مَرَّةً ، وَعَمَّ بِالْمَاءِ رَأْسَهُ وَجَسَدَهُ ، وَلَمْ يَتَوَضَّأْ ، أَجْزَأَهُ ، بَعْدَ أَنْ يَتَمَضْمَضَ وَيَسْتَنْشِقَ وَيَنْوِيَ بِهِ الْغُسْلَ وَالْوُضُوءَ ، وَكَانَ تَارِكًا لِلِاخْتِيَارِ ) هَذَا الْمَذْكُورُ صِفَةُ الْإِجْزَاءِ ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمُخْتَارُ ؛ وَلِذَلِكَ قَالَ : \" وَكَانَ تَارِكًا لِلِاخْتِيَارِ \" .\rيَعْنِي إذَا اقْتَصَرَ عَلَى هَذَا أَجْزَأَهُ مَعَ تَرْكِهِ لِلْأَفْضَلِ وَالْأَوْلَى .\rوَقَوْلُهُ : \" وَيَنْوِيَ بِهِ الْغُسْلَ وَالْوُضُوءَ \" .\rيَعْنِي أَنَّهُ يُجْزِئُهُ الْغُسْلُ عَنْهُمَا إذَا نَوَاهُمَا .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، وَعَنْهُ رِوَايَةٌ أُخْرَى : لَا يُجْزِئُهُ الْغُسْلُ عَنْ الْوُضُوءِ ، حَتَّى يَأْتِيَ بِهِ قَبْلَ الْغُسْلِ أَوْ بَعْدَهُ .\rوَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَلَ ذَلِكَ ؛ وَلِأَنَّ الْجَنَابَةَ وَالْحَدَثَ وُجِدَا مِنْهُ ، فَوَجَبَتْ لَهُمَا الطَّهَارَتَانِ ، كَمَا لَوْ كَانَا مُفْرَدَيْنِ .\rوَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا } .\rجَعَلَ الْغُسْلَ غَايَةً لِلْمَنْعِ مِنْ الصَّلَاةِ ، فَإِذَا اغْتَسَلَ يَجِبُ أَنْ لَا يُمْنَعَ مِنْهَا ؛ وَلِأَنَّهُمَا عِبَادَتَانِ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ ، فَتَدْخُلُ الصُّغْرَى فِي الْكُبْرَى ، كَالْعُمْرَةِ فِي الْحَجِّ .\rقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : الْمُغْتَسِلُ مِنْ الْجَنَابَةِ إذَا لَمْ يَتَوَضَّأْ وَعَمَّ جَمِيعَ جَسَدِهِ ، فَقَدْ أَدَّى مَا عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إنَّمَا افْتَرَضَ عَلَى الْجُنُبِ الْغُسْلَ مِنْ الْجَنَابَةِ ، دُونَ الْوُضُوءِ ، بِقَوْلِهِ { : وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا } .\rوَهُوَ إجْمَاعٌ لَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ ، إلَّا أَنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى اسْتِحْبَابِ الْوُضُوءِ قَبْلَ الْغُسْلِ ، تَأَسِّيًا بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ وَلِأَنَّهُ أَعْوَنُ عَلَى الْغُسْلِ ، وَأَهْذَبُ فِيهِ .\rوَرَوَى بِإِسْنَادِهِ ، عَنْ عَائِشَةَ ، قَالَتْ : { كَانَ رَسُولُ","part":1,"page":367},{"id":367,"text":"اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَتَوَضَّأُ بَعْدَ الْغُسْلِ مِنْ الْجَنَابَةِ .\rفَإِنْ لَمْ يَنْوِ الْوُضُوءَ لَمْ يُجْزِهِ إلَّا عَنْ الْغُسْلِ .\rفَإِنْ نَوَاهُمَا ثُمَّ أَحْدَثَ فِي أَثْنَاءِ غُسْلِهِ ، أَتَمَّ غُسْلَهُ ، وَيَتَوَضَّأُ } .\rوَبِهَذَا قَالَ عَطَاءٌ وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ وَالثَّوْرِيُّ .\rوَيُشْبِهُ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ الْحَسَنُ : يَسْتَأْنِفُ الْغُسْلَ .\rوَلَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ الْحَدَثَ لَا يُنَافِي الْغُسْلَ ، فَلَا يُؤَثِّرُ وُجُودُهُ فِيهِ ، كَغَيْرِ الْحَدَثِ .","part":1,"page":368},{"id":368,"text":"( 308 ) فَصْلٌ : وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ إمْرَارُ يَدِهِ عَلَى جَسَدِهِ فِي الْغُسْلِ وَالْوُضُوءِ ، إذَا تَيَقَّنَ أَوْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ وُصُولُ الْمَاءِ إلَى جَمِيعِ جَسَدِهِ .\rوَهَذَا قَوْلُ الْحَسَنِ وَالنَّخَعِيِّ وَالشَّعْبِيِّ وَحَمَّادٍ وَالثَّوْرِيِّ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَالشَّافِعِيِّ وَإِسْحَاقَ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ وَقَالَ مَالِكٌ : إمْرَارُ يَدِهِ إلَى حَيْثُ تَنَالُ يَدُهُ وَاجِبٌ .\rوَنَحْوُهُ قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ .\rوَقَالَ عَطَاءٌ ، فِي الْجُنُبِ يُفِيضُ عَلَيْهِ الْمَاءَ ، قَالَ : لَا ، بَلْ يَغْتَسِلُ غُسْلَانِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ { : حَتَّى تَغْتَسِلُوا } وَلَا يُقَالُ : اغْتَسَلَ إلَّا لِمَنْ دَلَكَ نَفْسَهُ ؛ وَلِأَنَّ الْغُسْلَ طَهَارَةٌ عَنْ حَدَثٍ ، فَوَجَبَ إمْرَارُ الْيَدِ فِيهَا ، كَالتَّيَمُّمِ .\rوَلَنَا مَا رَوَتْ { أُمُّ سَلَمَةَ ، قَالَتْ : قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنِّي امْرَأَةٌ أَشُدُّ ضَفْرَ رَأْسِي ، أَفَأَنْقُضُهُ لِغُسْلِ الْجَنَابَةِ ؟ فَقَالَ : لَا ، إنَّمَا يَكْفِيك أَنْ تَحْثِي عَلَى رَأْسِك ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ ، ثُمَّ تُفِيضِينَ عَلَيْك الْمَاءَ فَتَطْهُرِينَ } .\rرَوَاهُ مُسْلِمٌ .\rوَلِأَنَّهُ غُسْلٌ وَاجِبٌ ، فَلَمْ يَجِبْ فِيهِ إمْرَارُ الْيَدِ ، كَغَسْلِ النَّجَاسَةِ ، وَمَا ذَكَرُوهُ فِي الْغُسْلِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ ؛ فَإِنَّهُ يُقَالُ : غَسَلَ الْإِنَاءَ وَإِنْ لَمْ يُمِرَّ يَدَهُ ، وَيُسَمَّى السَّيْلُ الْكَبِيرُ غَاسُولًا ، وَالتَّيَمُّمُ أُمِرْنَا فِيهِ بِالْمَسْحِ ؛ لِأَنَّهُ طَهَارَةٌ بِالتُّرَابِ ، وَيَتَعَذَّرُ فِي الْغَالِبِ إمْرَارُ التُّرَابِ إلَّا بِالْيَدِ .\rفَإِنْ قِيلَ : فَهَذَا الْحَدِيثُ لَمْ تُذْكَرْ فِيهِ النِّيَّةُ ، وَهِيَ وَاجِبَةٌ ، وَلَا الْمَضْمَضَةُ وَالِاسْتِنْشَاقُ ، وَهُمَا وَاجِبَانِ عِنْدَكُمْ .\rقُلْنَا : أَمَّا النِّيَّةُ فَإِنَّهَا سَأَلَتْهُ عَنْ الْجَنَابَةِ ، وَلَا يَكُونُ الْغُسْلُ لِلْجَنَابَةِ إلَّا بِالنِّيَّةِ ، وَأَمَّا الْمَضْمَضَةُ وَالِاسْتِنْشَاقُ فَقَدْ دَخَلَا فِي عُمُومِهِ ؛ لِقَوْلِهِ : \" ثُمَّ تُفِيضِينَ عَلَيْك الْمَاءَ \" .\rوَالْفَمُ وَالْأَنْفُ مِنْ جُمْلَتِهَا .","part":1,"page":369},{"id":369,"text":"فَصْلٌ : وَلَا يَجِبُ التَّرْتِيبُ وَلَا الْمُوَالَاةُ فِي أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ إذَا قُلْنَا : الْغُسْلُ يُجْزِئُ عَنْهُمَا ؛ لِأَنَّهُمَا عِبَادَتَانِ دَخَلَتْ إحْدَاهُمَا فِي الْأُخْرَى ، فَسَقَطَ حُكْمُ الصُّغْرَى ، كَالْعُمْرَةِ مَعَ الْحَجِّ .\rنَصَّ عَلَى هَذَا أَحْمَدُ ، قَالَ حَنْبَلٌ : سَأَلْته عَنْ جُنُبٍ اغْتَسَلَ وَعَلَيْهِ خَاتَمٌ ضَيِّقٌ ؟ قَالَ : يَغْسِلُ مَوْضِعَ الْخَاتَمِ .\rقُلْت : فَإِنْ جَفَّ غُسْلُهُ ؟ قَالَ : يَغْسِلُهُ ، لَيْسَ هُوَ بِمَنْزِلَةِ الْوُضُوءِ ، الْوُضُوءُ مَحْدُودٌ ، وَهَذَا عَلَى الْجُمْلَةِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى { : وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا } قُلْت : فَإِنْ صَلَّى ثُمَّ ذَكَرَ ؟ قَالَ : يَغْسِلُ مَوْضِعَهُ ، ثُمَّ يُعِيدُ الصَّلَاةَ .\rوَأَكْثُرُ أَهْلِ الْعِلْمِ لَا يَرَوْنَ تَفْرِيقَ الْغُسْلِ مُبْطِلًا لَهُ ، إلَّا أَنَّ رَبِيعَةَ قَالَ : مَنْ تَعَمَّدَ ذَلِكَ فَأَرَى عَلَيْهِ أَنْ يُعِيدَ الْغُسْلَ .\rوَبِهِ قَالَ اللَّيْثُ وَاخْتُلِفَ فِيهِ عَنْ مَالِكٍ ، وَفِيهِ وَجْهٌ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ .\rوَمَا عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ أَوْلَى ؛ لِأَنَّهُ غُسْلٌ لَا يَجِبُ فِيهِ التَّرْتِيبُ ، فَلَا تَجِبُ الْمُوَالَاةُ ، كَغَسْلِ النَّجَاسَةِ ، فَلَوْ اغْتَسَلَ إلَّا أَعْضَاءَ وُضُوئِهِ ، لَمْ يَجِبْ التَّرْتِيبُ فِيهَا ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْجَنَابَةِ بَاقٍ .\rوَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ وَالْآمِدِيُّ ، فِيمَنْ غَسَلَ جَمِيعَ بَدَنِهِ إلَّا رِجْلَيْهِ ، ثُمَّ أَحْدَثَ : يَجِبُ التَّرْتِيبُ فِي الْأَعْضَاءِ الثَّلَاثَةِ ؛ لِانْفِرَادِهَا بِالْحَدَثِ الْأَصْغَرِ ، وَلَا يَجِبُ التَّرْتِيبُ فِي الرِّجْلَيْنِ ؛ لِاجْتِمَاعِ الْحَدَثَيْنِ فِيهِمَا .","part":1,"page":370},{"id":370,"text":"( 310 ) فَصْلٌ : فَعَلَى هَذَا تَكُونُ وَاجِبَاتُ الْغُسْلِ شَيْئَيْنِ لَا غَيْرُ ؛ النِّيَّةُ ، وَغَسْلُ جَمِيعِ الْبَدَنِ ، فَأَمَّا التَّسْمِيَةُ فَحُكْمُهَا حُكْمُ التَّسْمِيَةِ فِي الْوُضُوءِ عَلَى مَا مَضَى ، بَلْ حُكْمُهَا فِي الْجَنَابَةِ أَخَفُّ ؛ لِأَنَّ حَدِيثَ التَّسْمِيَةِ إنَّمَا تَنَاوَلَ بِصَرِيحِهِ الْوُضُوءَ لَا غَيْرُ .","part":1,"page":371},{"id":371,"text":"( 311 ) فَصْلٌ : إذَا اجْتَمَعَ شَيْئَانِ يُوجِبَانِ الْغُسْلَ ، كَالْحَيْضِ وَالْجَنَابَةِ ، أَوْ الْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ وَالْإِنْزَالِ ، وَنَوَاهُمَا بِطَهَارَتِهِ ، أَجْزَأَهُ عَنْهُمَا .\rقَالَهُ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ ؛ مِنْهُمْ عَطَاءٌ وَأَبُو الزِّنَادِ وَرَبِيعَةُ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَإِسْحَاقُ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَيُرْوَى عَنْ الْحَسَنِ وَالنَّخَعِيِّ ، فِي الْحَائِضِ الْجُنُبِ ، يَغْتَسِلُ غُسْلَيْنِ .\rوَلَنَا أَنَّ { النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ يَغْتَسِلُ مِنْ الْجِمَاعِ إلَّا غُسْلًا وَاحِدًا } ، وَهُوَ يَتَضَمَّنُ شَيْئَيْنِ ، إذْ هُوَ لَازِمٌ لِلْإِنْزَالِ فِي غَالِبِ الْأَحْوَالِ ؛ وَلِأَنَّهُمَا سَبَبَانِ يُوجِبَانِ الْغُسْلَ ، فَأَجْزَأَ الْغُسْلُ الْوَاحِدُ عَنْهُمَا ، كَالْحَدَثِ وَالنَّجَاسَةِ .\rوَهَكَذَا الْحُكْمُ إنْ اجْتَمَعَتْ أَحْدَاثٌ تُوجِبُ الطَّهَارَةَ الصُّغْرَى كَالنَّوْمِ ، وَخُرُوجِ النَّجَاسَةِ ، وَاللَّمْسِ ، فَنَوَاهَا بِطَهَارَتِهِ أَوْ نَوَى رَفْعَ الْحَدَثِ ، أَوْ اسْتِبَاحَةَ الصَّلَاةِ أَجْزَأَهُ عَنْ الْجَمِيعِ .\rوَإِنْ نَوَى أَحَدَهَا ، أَوْ نَوَتْ الْمَرْأَةُ الْحَيْضَ دُونَ الْجَنَابَةِ ، فَهَلْ تُجْزِئُهُ عَنْ الْآخَرِ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا تُجْزِئُهُ عَنْ الْآخَرِ ؛ لِأَنَّهُ غُسْلٌ صَحِيحٌ نَوَى بِهِ الْفَرْضَ ، فَأَجْزَأَهُ ، كَمَا لَوْ نَوَى اسْتِبَاحَةَ الصَّلَاةِ .\rوَالثَّانِي يُجْزِئُهُ عَمَّا نَوَاهُ دُونَ مَا لَمْ يَنْوِهِ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" إنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى \" .\rوَكَذَلِكَ لَوْ اغْتَسَلَ لِلْجُمُعَةِ ، هَلْ تُجْزِئُهُ عَنْ الْجَنَابَةِ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ ، مَضَى تَوْجِيهُهُمَا فِيمَا مَضَى .","part":1,"page":372},{"id":372,"text":"( 312 ) فَصْلٌ : إذَا بَقِيَتْ لُمْعَةٌ مِنْ جَسَدِهِ لَمْ يُصِبْهَا الْمَاءُ فَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ حَدِيثِ الْعَلَاءِ بْنِ زِيَادٍ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اغْتَسَلَ ، فَرَأَى لُمْعَةً لَمْ يُصِبْهَا الْمَاءُ ، فَدَلَكَهَا بِشَعْرِهِ } .\rقَالَ : نَعَمْ ، آخُذُ بِهِ .\rوَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rوَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ، قَالَ : { جَاءَ رَجُلٌ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : إنِّي اغْتَسَلْت مِنْ الْجَنَابَةِ ، وَصَلَّيْت ، ثُمَّ أَضْحَيْت فَرَأَيْت قَدْرَ مَوْضِعِ الظُّفْرِ لَمْ يُصِبْهُ الْمَاءُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَوْ كُنْت مَسَحْت عَلَيْهِ بِيَدِك أَجْزَأَك } .\rرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ أَيْضًا .\rقَالَ مُهَنَّا : وَذَكَرَ لِي أَحْمَدُ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَنَّهُ رَأَى عَلَى رَجُلٍ مَوْضِعًا لَمْ يُصِبْهُ الْمَاءُ ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَعْصِرَ شَعْرَهُ عَلَيْهِ } .\rوَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ : يَأْخُذُ مَاءً جَدِيدًا ، فِيهِ حَدِيثٌ لَا يَثْبُتُ بِعَصْرِ شَعْرِهِ .\rوَذُكِرَ لَهُ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَصَرَ لِمَّتَهُ عَلَى لُمْعَةٍ كَانَتْ فِي جَسَدِهِ .\rقَالَ : ذَاكَ وَلَمْ يُصَحِّحْهُ .\rوَالصَّحِيحُ أَنَّ ذَلِكَ يُجْزِئُهُ إذَا كَانَ مِنْ بَلَلِ الْغَسْلَةِ الثَّانِيَةِ أَوْ الثَّالِثَةِ ، وَجَرَى مَاؤُهُ عَلَى تِلْكَ اللُّمْعَةِ ؛ لِأَنَّ غَسْلَهَا بِذَلِكَ الْبَلَلِ كَغَسْلِهَا بِمَاءٍ جَدِيدٍ ، مَعَ مَا فِيهِ مِنْ الْأَحَادِيثِ .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":1,"page":373},{"id":373,"text":"( 313 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ ( وَيَتَوَضَّأُ بِالْمُدِّ ، وَهُوَ رِطْلٌ وَثُلُثٌ ، وَيَغْتَسِلُ بِالصَّاعِ ، وَهُوَ أَرْبَعَةُ أَمْدَادٍ ) .\rلَيْسَ فِي حُصُولِ الْإِجْزَاءِ بِالْمُدِّ فِي الْوُضُوءِ وَالصَّاعِ فِي الْغُسْلِ خِلَافٌ نَعْلَمُهُ ، وَقَدْ رَوَى سَفِينَةُ ، قَالَ { : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَغْسِلُهُ الصَّاعُ مِنْ الْمَاءِ مِنْ الْجَنَابَةِ ؛ وَيُوَضِّئُهُ الْمُدُّ } رَوَاهُ مُسْلِمٌ .\rوَرُوِيَ أَنَّ قَوْمًا سَأَلُوا جَابِرًا عَنْ الْغُسْلِ ، فَقَالَ : يَكْفِيك صَاعٌ .\rفَقَالَ رَجُلٌ : مَا يَكْفِينِي .\rفَقَالَ جَابِرٌ : كَانَ يَكْفِي مَنْ هُوَ أَوْفَى شَعْرًا مِنْك ، وَخَيْرٌ مِنْك .\rيَعْنِي النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَفِيهِ أَخْبَارٌ كَثِيرَةٌ صِحَاحٌ ، وَالصَّاعُ : خَمْسَةُ أَرْطَالٍ وَثُلْثٌ بِالْعِرَاقِيِّ ، وَالْمُدُّ : رُبُعُ ذَلِكَ ، وَهُوَ رِطْلٌ وَثُلُثٌ .\rوَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَإِسْحَاقَ وَأَبِي عُبَيْدٍ وَأَبِي يُوسُفَ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : الصَّاعُ ثَمَانِيَةُ أَرْطَالٍ ؛ لِأَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ { : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَوَضَّأُ بِالْمُدِّ - وَهُوَ رِطْلَانِ - وَيَغْتَسِلُ بِالصَّاعِ } .\rوَلَنَا مَا رُوِيَ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِكَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ : أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ فَرَقًا مِنْ طَعَامٍ } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : وَلَا اخْتِلَافَ بَيْنَ النَّاسِ أَعْلَمُهُ فِي أَنَّ الْفَرَقَ ثَلَاثَةُ آصُعٍ ، وَالْفَرَقُ سِتَّةَ عَشَرَ رِطْلًا ، فَثَبَتَ أَنَّ الصَّاعَ خَمْسَةُ أَرْطَالٍ وَثُلُثٌ .\rوَرُوِيَ أَنَّ أَبَا يُوسُفَ دَخَلَ الْمَدِينَةَ ، فَسَأَلَهُمْ عَنْ الصَّاعِ ؟ فَقَالُوا : خَمْسَةُ أَرْطَالٍ وَثُلْثٌ .\rفَطَالَبَهُمْ بِالْحُجَّةِ فَقَالُوا : غَدًا .\rفَجَاءَ مِنْ الْغَدِ سَبْعُونَ شَيْخًا ، كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ آخِذٌ صَاعًا تَحْتَ رِدَائِهِ ، فَقَالَ : صَاعِي وَرِثْته عَنْ أَبِي ، وَوَرِثَهُ أَبِي عَنْ جَدِّي ، حَتَّى انْتَهَوْا بِهِ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rفَرَجَعَ أَبُو يُوسُفَ عَنْ قَوْلِهِ .\rوَهَذَا","part":1,"page":374},{"id":374,"text":"إسْنَادٌ مُتَوَاتِرٌ يُفِيدُ الْقَطْعَ ، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { الْمِكْيَالُ مِكْيَالُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ } .\rوَلَمْ يَثْبُتْ لَنَا تَغْيِيرُهُ ، وَحَدِيثُ أَنَسٍ هَذَا انْفَرَدَ بِهِ مُوسَى بْنُ نَصْرٍ ، وَهُوَ ضَعِيفُ الْحَدِيثِ .\rقَالَهُ .\rالدَّارَقُطْنِيّ ( 314 ) فَصْلٌ : وَالرِّطْلُ الْعِرَاقِيُّ مِائَةُ دِرْهَمٍ وَثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ دِرْهَمًا وَأَرْبَعَةُ أَسْبَاعِ دِرْهَمٍ ، وَهُوَ تِسْعُونَ مِثْقَالًا .\rوَالْمِثْقَالُ دِرْهَمٌ وَثَلَاثَةُ أَسْبَاعِ دِرْهَمٍ .\rهَكَذَا كَانَ قَدِيمًا ، ثُمَّ إنَّهُمْ زَادُوا فِيهِ مِثْقَالًا ، فَجَعَلُوهُ إحْدَى وَتِسْعِينَ مِثْقَالًا وَكَمُلَ بِهِ مِائَةٌ وَثَلَاثُونَ دِرْهَمًا ، وَقَصَدُوا بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ إزَالَةَ كَسْرِ الدِّرْهَمِ .\rوَالْعَمَلُ عَلَى الْأَوَّلِ ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي كَانَ مَوْجُودًا وَقْتَ تَقْدِيرِ الْعُلَمَاءِ الْمُدَّ بِهِ ، فَيَكُونُ الْمُدُّ حِينَئِذٍ مِائَةَ دِرْهَمٍ وَإِحْدَى وَسَبْعِينَ دِرْهَمًا وَثَلَاثَةَ أَسْبَاعِ دِرْهَمٍ ، وَذَلِكَ بِالرِّطْلِ الدِّمَشْقِيِّ ، الَّذِي وَزْنُهُ سِتُّمِائَةِ دِرْهَمٍ ، ثَلَاثَةُ أَوَاقِيِ وَثَلَاثَةُ أَسْبَاعِ أُوقِيَّةٍ .\rوَالصَّاعُ أَرْبَعَةُ أَمْدَادٍ فَيَكُنْ رِطْلًا وَأُوقِيَّةً وَخَمْسَةَ أَسْبَاعِ أُوقِيَّةٍ ، وَإِنْ شِئْت قُلْت : هُوَ رِطْلٌ وَسُبُعُ رِطْلٍ","part":1,"page":375},{"id":375,"text":"( 315 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : ( فَإِنْ أَسْبَغَ بِدُونِهِمَا أَجْزَأَهُ ) مَعْنَى الْإِسْبَاغِ أَنْ يَعُمَّ جَمِيعَ الْأَعْضَاءِ بِالْمَاءِ بِحَيْثُ يَجْرِي عَلَيْهَا ؛ لِأَنَّ هَذَا هُوَ الْغُسْلُ ، وَقَدْ أُمِرْنَا بِالْغُسْلِ : قَالَ أَحْمَدُ : إنَّمَا هُوَ الْغَسْلُ لَيْسَ الْمَسْحَ ، فَإِذَا أَمْكَنَهُ أَنْ يَغْسِلَ غُسْلًا وَإِنْ كَانَ مُدًّا أَوْ أَقَلَّ مِنْ مُدٍّ ، أَجْزَأَهُ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَقَدْ قِيلَ : لَا يُجْزِئُ دُونَ الصَّاعِ فِي الْغُسْلِ وَالْمُدِّ فِي الْوُضُوءِ .\rوَحُكِيَ هَذَا عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْ جَابِرٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { يُجْزِئُ مِنْ الْوُضُوءِ مُدٌّ ، وَمِنْ الْجَنَابَةِ صَاعٌ } .\rوَالتَّقْدِيرُ بِهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَحْصُلُ الْإِجْزَاءُ بِدُونِهِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِالْغُسْلِ وَقَدْ أَتَى بِهِ ، فَيَجِبُ أَنْ يُجْزِئَهُ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ { أَنَّهَا كَانَتْ تَغْتَسِلُ هِيَ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ إنَاءٍ وَاحِدٍ ، يَسَعُ ثَلَاثَةَ أَمْدَادٍ ، أَوْ قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ } رَوَاهُ مُسْلِمٌ .\rوَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَوَضَّأَ بِثُلُثَيْ مُدٍّ .\rوَحَدِيثُهُمْ إنَّمَا دَلَّ بِمَفْهُومِهِ .\rوَهُمْ لَا يَقُولُونَ بِهِ ، ثُمَّ إنَّهُ إنَّمَا يَدُلُّ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَكُونَ لِلتَّخْصِيصِ فَائِدَةٌ سِوَى تَخْصِيصِ الْحُكْمِ بِهِ ، وَهَاهُنَا إنَّمَا خَصَّهُ لِأَنَّهُ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَكْفِي فِي الْغَالِبِ أَقَلُّ مِنْ ذَلِكَ ، ثُمَّ مَا ذَكَرْنَاهُ مَنْطُوقٌ ، وَهُوَ مُقَدَّمٌ عَلَى الْمَفْهُومِ اتِّفَاقًا .\rوَقَدْ رَوَى الْأَثْرَمُ ، عَنْ الْقَعْنَبِيِّ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَطَاءٍ ، أَنَّهُ سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ ، وَرَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ يَسْأَلُهُ عَمَّا يَكْفِي الْإِنْسَانَ مِنْ غُسْلِ الْجَنَابَةِ ؟ فَقَالَ سَعِيدٌ : إنَّ لِي تَوْرًا يَسَعُ مُدَّيْنِ مِنْ مَاءٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ ، فَأَغْتَسِلُ بِهِ ،","part":1,"page":376},{"id":376,"text":"وَيَكْفِينِي ، وَيَفْضُلُ مِنْهُ فَضْلٌ .\rفَقَالَ الرَّجُلُ : فَوَاَللَّهِ إنِّي لَأَسْتَنْثِرُ وَأَتَمَضْمَضُ بِمُدَّيْنِ مِنْ مَاءٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ .\rفَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ : فَبِمَ تَأْمُرُنِي إنْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَلْعَبُ بِك ؟ فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ : فَإِنْ لَمْ يَكْفِنِي ، فَإِنِّي رَجُلٌ كَمَا تَرَى عَظِيمٌ .\rفَقَالَ لَهُ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ : ثَلَاثَةُ أَمْدَادٍ .\rفَقَالَ : ثَلَاثَةُ أَمْدَادٍ قَلِيلٌ .\rفَقَالَ لَهُ سَعِيدٌ فَصَاعٌ .\rوَقَالَ سَعِيدٌ : إنَّ لِي رَكْوَةً أَوْ قَدَحًا مَا يَسَعُ إلَّا نِصْفَ الْمُدِّ مَاءً أَوْ نَحْوَهُ ، ثُمَّ أَبُولُ ثُمَّ أَتَوَضَّأُ وَأُفْضِلُ مِنْهُ فَضْلًا .\rقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ : فَذَكَرْت هَذَا الْحَدِيثَ الَّذِي سَمِعْت مِنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ لِسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ ، فَقَالَ سُلَيْمَانُ : وَأَنَا يَكْفِينِي مِثْلُ ذَلِكَ .\rقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ : فَذَكَرْت ذَلِكَ لِأَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ ، فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ : وَهَكَذَا سَمِعْنَا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rوَقَالَ إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ : إنِّي لَأَتَوَضَّأُ مِنْ كُوزِ الْحَبِّ مَرَّتَيْنِ .","part":1,"page":377},{"id":377,"text":"( 316 ) فَصْلٌ : وَإِنْ زَادَ عَلَى الْمُدِّ فِي الْوُضُوءِ ، وَالصَّاعِ فِي الْغُسْلِ ، جَازَ ؛ فَإِنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ : { كُنْت أَغْتَسِلُ أَنَا وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ إنَاءٍ وَاحِدٍ ، مِنْ قَدَحٍ يُقَالُ لَهُ الْفَرَقُ } رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ .\rوَالْفَرَقُ ثَلَاثَةُ آصُعٍ ، وَعَنْ أَنَسٍ ، قَالَ { : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَغْتَسِلُ بِالصَّاعِ إلَى خَمْسَةِ أَمْدَادٍ } رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا .\rوَيُكْرَهُ الْإِسْرَافُ فِي الْمَاءِ ، وَالزِّيَادَةُ الْكَثِيرَةُ فِيهِ ؛ لِمَا رَوَيْنَا مِنْ الْآثَارِ .\rوَرَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ بِسَعْدٍ ، وَهُوَ يَتَوَضَّأُ ، فَقَالَ : { مَا هَذَا السَّرَفُ ؟ .\rفَقَالَ أَفِي الْوُضُوءِ إسْرَافٌ ؟ فَقَالَ : نَعَمْ ، وَإِنْ كُنْت عَلَى نَهْرٍ جَارٍ } رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ .\rوَعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إنَّ لِلْوُضُوءِ شَيْطَانًا ، يُقَالُ لَهُ وَلْهَانُ ، فَاتَّقُوا وَسْوَاسَ الْمَاءِ } .\rوَكَانَ يُقَالُ : مِنْ قِلَّةِ فِقْهِ الرَّجُلِ وُلُوعُهُ بِالْمَاءِ .","part":1,"page":378},{"id":378,"text":"( 317 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَتَنْقُضُ الْمَرْأَةُ شَعْرَهَا لِغُسْلِهَا مِنْ الْحَيْضِ ، وَلَيْسَ عَلَيْهَا نَقْضُهُ مِنْ الْجَنَابَةِ إذَا أَرْوَتْ أُصُولَهُ ) نَصَّ عَلَى هَذَا أَحْمَدُ قَالَ مُهَنَّا : سَأَلْت أَحْمَدَ عَنْ الْمَرْأَةِ تَنْقُضُ شَعْرَهَا إذَا اغْتَسَلَتْ مِنْ الْجَنَابَةِ ؟ فَقَالَ : لَا .\rفَقُلْت لَهُ : فِي هَذَا شَيْءٌ قَالَ : نَعَمْ ، حَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ قُلْت : فَتَنْقُضُ شَعْرَهَا مِنْ الْحَيْضِ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، قُلْت لَهُ : وَكَيْفَ تَنْقُضُهُ مِنْ الْحَيْضَةِ ، وَلَا تَنْقُضُهُ مِنْ الْجَنَابَةِ ؟ فَقَالَ حَدِيثُ أَسْمَاءَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ \" لَا تَنْقُضُهُ .\r\" وَلَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ فِي أَنَّهُ لَا يَجِبُ نَقْضُهُ مِنْ الْجَنَابَةِ ، وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا بَيْنَ الْعُلَمَاءِ ، إلَّا مَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، وَرَوَى أَحْمَدُ فِي \" الْمُسْنَدِ \" ، حَدَّثَنَا إسْمَاعِيلُ ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ ، قَالَ .\r{ بَلَغَ عَائِشَةَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يَأْمُرُ النِّسَاءَ إذَا اغْتَسَلْنَ أَنْ يَنْقُضْنَ رُءُوسَهُنَّ ، فَقَالَتْ : يَا عَجَبًا لِابْنِ عُمَرَ ، يَأْمُرُ النِّسَاءَ إذَا اغْتَسَلْنَ أَنْ يَنْقُضْنَ رُءُوسَهُنَّ ، أَفَلَا يَأْمُرُهُنَّ أَنْ يَحْلِقْنَ ، رُءُوسَهُنَّ ، لَقَدْ كُنْت أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَغْتَسِلُ فَلَا أَزِيدُ عَلَى أَنْ أُفْرِغَ عَلَى رَأْسِي ثَلَاثَ إفْرَاغَاتٍ } .\rوَاتَّفَقَ الْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ عَلَى أَنَّ نَقْضَهُ غَيْرُ وَاجِبٍ ؛ وَذَلِكَ لِحَدِيثِ { أُمِّ سَلَمَةَ ، أَنَّهَا قَالَتْ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إنِّي امْرَأَةٌ أَشُدُّ ضَفْرَ رَأْسِي ، أَفَأَنْقُضُهُ لِلْجَنَابَةِ ؟ قَالَ : لَا ، إنَّمَا يَكْفِيك أَنْ تَحْثِي عَلَى رَأْسِك ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ ، ثُمَّ تُفِيضِينَ عَلَيْك الْمَاءَ فَتَطْهُرِينَ } .\rرَوَاهُ مُسْلِمٌ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي رَأْسِهَا حَشْوٌ أَوْ سِدْرٌ يَمْنَعُ وُصُولَ الْمَاءِ إلَى مَا تَحْتَهُ ، فَيَجِبُ إزَالَتُهُ ، وَإِنْ كَانَ خَفِيفًا لَا يَمْنَعُ ، لَمْ يَجِبْ ،","part":1,"page":379},{"id":379,"text":"وَالرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ فِي هَذَا سَوَاءٌ ، وَإِنَّمَا اخْتَصَّتْ الْمَرْأَةُ بِالذِّكْرِ ؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ اخْتِصَاصُهَا بِكَثْرَةِ الشَّعْرِ وَتَوْفِيرِهِ وَتَطْوِيلِهِ .\rوَأَمَّا نَقْضُهُ لِلْغُسْلِ مِنْ الْحَيْضِ فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي وُجُوبِهِ ، فَمِنْهُمْ مَنْ أَوْجَبَهُ ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ وَطَاوُسٍ ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهَا إذْ كَانَتْ حَائِضًا : { خُذِي مَاءَك وَسِدْرَك ، وَامْتَشِطِي } .\rوَلَا يَكُونُ الْمَشْطُ إلَّا فِي شَعْرٍ غَيْرِ مَضْفُورٍ ، وَلِلْبُخَارِيِّ : { اُنْقُضِي رَأْسَك وَامْتَشِطِي } .\rوَلِابْنِ مَاجَهْ : { اُنْقُضِي شَعْرَك وَاغْتَسِلِي } ؛ وَلِأَنَّ الْأَصْلَ وُجُوبُ نَقْضِ الشَّعْرِ لِيَتَحَقَّقَ وُصُولُ الْمَاءِ إلَى مَا يَجِبُ غَسْلُهُ ، فَعُفِيَ عَنْهُ فِي غُسْلِ الْجَنَابَةِ ؛ لِأَنَّهُ يَكْثُرُ فَيَشُقُّ ذَلِكَ فِيهِ ، وَالْحَيْضُ بِخِلَافِهِ ، فَبَقِيَ عَلَى مُقْتَضَى الْأَصْلِ فِي الْوُجُوبِ .\rوَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا : هَذَا مُسْتَحَبٌّ غَيْرُ وَاجِبٍ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ ، وَهُوَ الصَّحِيحُ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ ؛ لِأَنَّ فِي بَعْضِ أَلْفَاظِ حَدِيثِ { أُمِّ سَلَمَةَ ، أَنَّهَا قَالَتْ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إنِّي امْرَأَةٌ أَشُدُّ ضَفْرَ رَأْسِي أَفَأَنْقُضُهُ لِلْحَيْضَةِ وَلِلْجَنَابَةِ ؟ فَقَالَ : لَا ، إنَّمَا يَكْفِيك أَنْ تَحْثِي عَلَى رَأْسِك ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ ، ثُمَّ تُفِيضِينَ عَلَيْك الْمَاءَ ، فَتَطْهُرِينَ } .\rرَوَاهُ مُسْلِمٌ .\rوَهَذِهِ زِيَادَةٌ يَجِبُ قَبُولُهَا ، وَهَذَا صَرِيحٌ فِي نَفْيِ الْوُجُوبِ وَرَوَتْ { ، أَسْمَاءُ ، أَنَّهَا سَأَلْت النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ غُسْلِ الْمَحِيضِ ، فَقَالَ : تَأْخُذُ إحْدَاكُنَّ مَاءَهَا وَسِدْرَهَا فَتَطَهَّرُ فَتُحْسِنُ الطُّهُورَ ، ثُمَّ تَصُبُّ عَلَى رَأْسِهَا ، فَتَدْلُكُهُ دَلْكًا شَدِيدًا ، حَتَّى تَبْلُغَ شُؤُونَ رَأْسِهَا ، ثُمَّ تَصُبُّ عَلَيْهَا الْمَاءَ } .\rرَوَاهُ مُسْلِمٌ .\rوَلَوْ كَانَ النَّقْضُ وَاجِبًا لَذَكَرِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ ؛","part":1,"page":380},{"id":380,"text":"وَلِأَنَّهُ مَوْضِعٌ مِنْ الْبَدَنِ ، فَاسْتَوَى فِيهِ الْحَيْضُ وَالْجَنَابَةُ ، كَسَائِرِ الْبَدَنِ ، وَحَدِيثُ عَائِشَةَ ، الَّذِي رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ، لَيْسَ فِيهِ أَمْرٌ بِالْغُسْلِ ، وَلَوْ أُمِرَتْ بِالْغُسْلِ لَمْ يَكُنْ فِيهِ حُجَّةٌ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ هُوَ غُسْلَ الْحَيْضِ ، إنَّمَا أُمِرَتْ بِالْغُسْلِ فِي حَالِ الْحَيْضِ لِلْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ ؛ فَإِنَّهَا قَالَتْ : أَدْرَكَنِي يَوْمُ عَرَفَةَ ، وَأَنَا حَائِضٌ ، فَشَكَوْت ذَلِكَ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : \" دَعِي عُمْرَتَك ، وَانْقُضِي رَأْسَك ، وَامْتَشِطِي \" .\rوَإِنْ ثَبَتَ الْأَمْرُ بِالْغُسْلِ حُمِلَ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ ، بِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْحَدِيثِ ، وَفِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ ؛ لِأَنَّهُ أَمَرَهَا بِالْمَشْطِ ، وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ ، فَمَا هُوَ مِنْ ضَرُورَتِهِ أَوْلَى .","part":1,"page":381},{"id":381,"text":"( 318 ) فَصْلٌ : وَغَسْلُ بَشَرَةِ الرَّأْسِ وَاجِبٌ ، سَوَاءٌ كَانَ الشَّعْرُ كَثِيفًا أَوْ خَفِيفًا ، وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا تَحْتَ الشَّعْرِ ، كَجِلْدِ اللِّحْيَةِ ، وَغَيْرِهَا ؛ لِمَا رَوَتْ { أَسْمَاءُ ، أَنَّهَا سَأَلَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ غُسْلِ الْجَنَابَةِ ، فَقَالَ : تَأْخُذُ مَاءً ، فَتَطَهَّرُ ، فَتُحْسِنُ الطُّهُورَ ، أَوْ تَبْلُغُ الطُّهُورَ ، ثُمَّ تَصُبُّ عَلَى رَأْسِهَا ، فَتَدْلُكُهُ حَتَّى تَبْلُغَ شُؤُونَ رَأْسِهَا ، ثُمَّ تُفِيضُ عَلَيْهَا الْمَاءَ } .\rوَعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ { : مَنْ تَرَكَ مَوْضِعَ شَعْرَةٍ مِنْ جَنَابَةٍ لَمْ يُصِبْهَا الْمَاءُ فُعِلَ بِهِ مِنْ النَّارِ كَذَا وَكَذَا } .\rقَالَ عَلِيٌّ : فَمِنْ ثَمَّ عَادَيْت شَعْرِي .\rقَالَ : وَكَانَ يَجُزُّ شَعْرَهُ .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد ؛ وَلِأَنَّ مَا تَحْتَ الشَّعْرِ بَشَرَةٌ أَمْكَنَ إيصَالُ الْمَاءِ إلَيْهَا مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ ، فَلَزِمَهُ كَسَائِرِ بَشَرَتِهِ .","part":1,"page":382},{"id":382,"text":"( 319 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا غَسْلُ مَا اسْتَرْسَلَ مِنْ الشَّعْرِ ، وَبَلُّ مَا عَلَى الْجَسَدِ مِنْهُ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا يَجِبُ ، وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ الْأَصْحَابِ ، وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ { : تَحْتَ كُلِّ شَعْرَةٍ جَنَابَةٌ ، فَبُلُّوا الشَّعْرَ ، وَأَنْقُوا الْبَشَرَةَ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَغَيْرُهُ ؛ وَلِأَنَّهُ شَعْرٌ نَابِتٌ فِي مَحَلِّ الْغُسْلِ ، فَوَجَبَ غَسْلُهُ ، كَشَعْرِ الْحَاجِبَيْنِ وَأَهْدَابِ الْعَيْنَيْنِ .\rوَالثَّانِي لَا يَجِبُ ، وَيَحْتَمِلُهُ كَلَامُ الْخِرَقِيِّ ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : \" يَكْفِيك أَنْ تَحْثِي عَلَى رَأْسِك ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ \" .\rمَعَ إخْبَارِهَا إيَّاهُ بِشَدِّ ضَفْرِ رَأْسِهَا ، وَمِثْلُ هَذَا لَا يَبُلُّ الشَّعْرَ الْمَشْدُودَ ضَفْرُهُ فِي الْعَادَةِ ؛ وَلِأَنَّهُ لَوْ وَجَبَ بَلُّهُ لَوَجَبَ نَقْضُهُ لِيُعْلَمَ أَنَّ الْغُسْلَ قَدْ أَتَى عَلَيْهِ ؛ وَلِأَنَّ الشَّعْرَ لَيْسَ مِنْ أَجْزَاءِ الْحَيَوَانِ ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يَنْجُسُ بِمَوْتِهِ ، وَلَا حَيَاةَ فِيهِ ، وَلَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ مَسُّهُ مِنْ الْمَرْأَةِ ، وَلَا تَطْلُقُ بِطَلَاقِهِ ، فَلَمْ يَجِبْ غَسْلُهُ لِلْجَنَابَةِ كَثِيَابِهَا .\rوَأَمَّا حَدِيثُ : \" بُلُّوا الشَّعْرَ \" .\rفَيَرْوِيهِ الْحَارِثُ بْنُ وَجِيهٍ وَحْدَهُ ، وَهُوَ ضَعِيفُ الْحَدِيثِ عَنْ مَالِكِ بْنِ دِينَارٍ .\rوَأَمَّا الْحَاجِبَانِ فَيَجِبُ غَسْلُهُمَا ؛ لِأَنَّ مِنْ ضَرُورَةِ غَسْلِ بَشَرَتِهِمَا غَسْلُهُمَا .\rوَكَذَا كُلُّ شَعْرٍ مِنْ ضَرُورَةِ غَسْلِ بَشَرَتِهِ غَسْلُهُ ، فَيَجِبُ غَسْلُهُ ؛ ضَرُورَةَ أَنَّ الْوَاجِبَ لَا يَتِمُّ إلَّا بِهِ .\rوَإِنْ قُلْنَا بِوُجُوبِ غَسْلِهِ ، فَتَرَكَ غَسْلَ بَعْضِهِ ، لَمْ يَتِمَّ غُسْلُهُ .\rفَإِنْ قَطَعَ الْمَتْرُوكَ ، ثَمَّ غَسَلَهُ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ فِي بَدَنِهِ شَيْءٌ غَيْرُ مَغْسُولٍ ، وَلَوْ غَسَلَهُ ، ثُمَّ انْقَطَعَ ، لَمْ يَجِبْ غَسْلُ مَوْضِعِ الْقَطْعِ .\rوَلَمْ يَقْدَحْ ذَلِكَ فِي غُسْلِهِ .","part":1,"page":383},{"id":383,"text":"( 320 ) فَصْلٌ : وَغُسْلُ الْحَيْضِ كَغُسْلِ الْجَنَابَةِ ، إلَّا فِي نَقْضِ الشَّعْرِ ، وَأَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ تَغْتَسِلَ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ ، وَتَأْخُذَ فِرْصَةً مُمَسَّكَةً فَتَتَّبِعُ بِهَا مَجْرَى الدَّمِ ، وَالْمَوْضِعَ الَّذِي يَصِلُ إلَيْهِ الْمَاءُ مِنْ فَرْجِهَا ؛ لِيَقْطَعَ عَنْهَا زُفُورَةَ الدَّمِ وَرَائِحَتَهُ ، فَإِنْ لَمْ تَجِدْ مِسْكًا فَغَيْرُهُ مِنْ الطِّيبِ ، فَإِنْ لَمْ تَجِدْ فَالْمَاءُ شَافٍ كَافٍ .\rقَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا اللَّهُ عَنْهَا { .\rإنَّ أَسْمَاءَ سَأَلَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ غُسْلِ الْمَحِيضِ ، قَالَ : تَأْخُذُ إحْدَاكُنَّ سِدْرَتَهَا وَمَاءَهَا ، فَتَطَهَّرُ فَتُحْسِنُ الطُّهُورَ ، ثُمَّ تَأْخُذُ فِرْصَةً مُمَسَّكَةً ، فَتَتَطَهَّرُ بِهَا .\rفَقَالَتْ أَسْمَاءُ : وَكَيْفَ أَتَطَهَّرُ بِهَا ؟ فَقَالَ : سُبْحَانَ اللَّهِ ، تَطَهَّرِي بِهَا .\rفَقَالَتْ عَائِشَةُ كَأَنَّهَا تُخْفِي ذَلِكَ : تَتَبَّعِي أَثَرَ الدَّمِ } رَوَاهُ مُسْلِمٌ .\rالْفِرْصَةُ : هِيَ الْقِطْعَةُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ .","part":1,"page":384},{"id":384,"text":"( 321 ) فَصْلٌ : وَيُسْتَحَبُّ لِلْجُنُبِ إذَا أَرَادَ أَنْ يَنَامَ ، أَوْ يَطَأَ ثَانِيًا ، أَوْ يَأْكُلَ ، أَنْ يَغْسِلَ فَرْجَهُ وَيَتَوَضَّأَ ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ يَتَوَضَّأُ إلَّا غَسْلَ قَدَمَيْهِ .\rوَقَالَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ : إذَا أَرَادَ أَنْ يَأْكُلَ يَغْسِلُ كَفَّيْهِ وَيَتَمَضْمَضُ .\rوَحُكِيَ نَحْوُهُ عَنْ إمَامِنَا وَإِسْحَاقَ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ وَقَالَ مُجَاهِدٌ : يَغْسِلُ كَفَّيْهِ ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إذَا أَرَادَ أَنْ يَأْكُلَ ، وَهُوَ جُنُبٌ ، غَسَلَ يَدَيْهِ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَقَالَ مَالِكٌ يَغْسِلُ يَدَيْهِ .\rإنْ كَانَ أَصَابَهُمَا أَذًى .\rوَقَالَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ : يَنَامُ وَلَا يَمَسُّ مَاءً ؛ لِمَا رَوَى الْأَسْوَدُ ، عَنْ عَائِشَةَ ، قَالَتْ : { كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنَامُ ، وَهُوَ جُنُبٌ ، وَلَا يَمَسُّ مَاءً } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَغَيْرُهُمَا .\rوَرَوَى أَحْمَدُ ، فِي \" الْمُسْنَدِ \" : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ الْأَسْوَدِ ، عَنْ عَائِشَةَ ، قَالَتْ : { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُجْنِبُ ، ثُمَّ يَنَامُ ، وَلَا يَمَسُّ مَاءً حَتَّى يَقُومَ بَعْدَ ذَلِكَ فَيَغْتَسِلَ .\r} وَرُوِيَ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَطُوفُ عَلَى نِسَائِهِ بِغُسْلٍ وَاحِدٍ } .\rرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ؛ وَلِأَنَّهُ حَدَثٌ يُوجِبُ الْغُسْلَ ، فَلَا يُسْتَحَبُّ الْوُضُوءُ مَعَ بَقَائِهِ ، كَالْحَيْضِ .\rوَلَنَا مَا رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { أَيَرْقُدُ أَحَدُنَا ، وَهُوَ جُنُبٌ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، إذَا تَوَضَّأَ } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : إذَا أَتَى أَحَدُكُمْ أَهْلَهُ ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَعُودَ ، فَلْيَتَوَضَّأْ } .\rرَوَاهُ مُسْلِمٌ .\rوَعَنْ","part":1,"page":385},{"id":385,"text":"عَائِشَةَ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إذَا أَرَادَ أَنْ يَأْكُلَ ، أَوْ يَنَامَ ، تَوَضَّأَ .\rيَعْنِي وَهُوَ جُنُبٌ .\r} رَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rفَأَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ : { يَنَامُ ، وَهُوَ جُنُبٌ ، وَلَا يَمَسُّ مَاءً } .\rفَرَوَاهُ أَبُو إِسْحَاقَ ، عَنْ الْأَسْوَدِ ، عَنْ عَائِشَةَ ، وَرَوَاهُ غَيْرُ وَاحِدٍ عَنْ الْأَسْوَدِ ، عَنْ عَائِشَةَ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَتَوَضَّأُ قَبْلَ أَنْ يَنَامَ } .\rرَوَاهُ شُعْبَةُ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَيَرَوْنَ أَنَّهُ غَلَطٌ مِنْ أَبِي إِسْحَاقَ .\rقَالَ أَحْمَدُ : أَبُو إِسْحَاقَ رَوَى عَنْ الْأَسْوَدِ حَدِيثًا خَالَفَ فِيهِ النَّاسَ ، فَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ عَنْ الْأَسْوَدِ مِثْلَ مَا قَدْ قَالَ ، فَلَوْ أَحَالَهُ عَلَى غَيْرِ الْأَسْوَدِ ، وَالْحَدِيثُ الْآخَرُ لَيْسَ فِيهِ أَنَّهُ لَمْ يَتَوَضَّأْ حِينَ أَرَادَ أَنْ يَعُودَ ، عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ مَحْمُولَةٌ عَلَى الْجَوَازِ ، وَأَحَادِيثُنَا تَدُلُّ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ ، فَالْحَائِضُ حَدَثُهَا قَائِمٌ ، فَلَا وُضُوءَ مَعَ مَا يُنَافِيهِ ، فَلَا مَعْنَى لِلْوُضُوءِ .","part":1,"page":386},{"id":386,"text":"بِنَاءُ الْحَمَّامِ ، وَبَيْعُهُ ، وَشِرَاؤُهُ ، وَكِرَاؤُهُ ، مَكْرُوهٌ عِنْدَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ .\rقَالَ فِي الَّذِي يَبْنِي حَمَّامًا لِلنِّسَاءِ : لَيْسَ بِعَدْلٍ .\rقَالَ أَبُو دَاوُد : سَأَلْت أَحْمَدَ عَنْ كَرْيِ الْحَمَّامِ ؟ قَالَ : أَخْشَى .\rكَأَنَّهُ كَرِهَهُ .\rوَقِيلَ لَهُ ، فَإِنْ اشْتَرَطَ عَلَى الْمُكْتَرِي أَنْ لَا يَدْخُلَهُ أَحَدٌ بِغَيْرِ إزَارٍ .\rفَقَالَ : وَيُضْبَطُ هَذَا ؟ وَكَأَنَّهُ لَمْ يُعْجِبْهُ .\rوَإِنَّمَا كَرِهَهُ ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ فِعْلِ الْمُنْكَرَاتِ ، مِنْ كَشْفِ الْعَوْرَاتِ ، وَمُشَاهَدَتِهَا ، وَدُخُولِ النِّسَاءِ إيَّاهُ","part":1,"page":387},{"id":387,"text":"( 323 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا دُخُولُهُ ؛ فَإِنْ كَانَ الدَّاخِلُ رَجُلًا يَسْلَمُ مِنْ النَّظَرِ إلَى الْعَوْرَاتِ ، وَنَظَرِ النَّاسِ إلَى عَوْرَتِهِ ، فَلَا بَأْسَ بِدُخُولِهِ ؛ فَإِنَّهُ يُرْوَى ، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ دَخَلَ حَمَّامًا بِالْجُحْفَةِ .\rوَيُرْوَى ذَلِكَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rوَيُرْوَى عَنْ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ ، أَنَّهُ دَخَلَ الْحَمَّامَ .\rوَكَانَ الْحَسَنُ وَابْنُ سِيرِينَ يَدْخُلَانِ الْحَمَّامَ ، رَوَاهُ الْخَلَّالُ .\rوَإِنْ خَشِيَ أَنْ لَا يَسْلَمَ مِنْ ذَلِكَ ، كُرِهَ لَهُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَأْمَنُ وُقُوعَهُ فِي الْمَحْظُورِ ، فَإِنَّ كَشْفَ الْعَوْرَةِ وَمُشَاهَدَتَهَا حَرَامٌ ، بِدَلِيلِ مَا رَوَى بَهْزُ بْنُ حَكِيمٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، أَنَّهُ قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، { عَوْرَاتُنَا مَا نَأْتِي مِنْهَا وَمَا نَذَرُ ؟ قَالَ : احْفَظْ عَوْرَتَك ، إلَّا مِنْ زَوْجَتِك أَوْ مَا مَلَكَتْ يَمِينُك .\rقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَإِذَا كَانَ أَحَدُنَا خَالِيًا ؟ قَالَ : فَاَللَّهُ أَحَقُّ أَنْ يُسْتَحْيَا مِنْهُ مِنْ النَّاسِ } وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا يَنْظُرُ الرَّجُلُ إلَى عَوْرَةِ الرَّجُلِ ، وَلَا تَنْظُرُ الْمَرْأَةُ إلَى عَوْرَةِ الْمَرْأَةِ } { .\rوَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ : لَا تَمْشُوا عُرَاةً } .\rرَوَاهُمَا مُسْلِمٌ .\rقَالَ أَحْمَدُ : إنْ عَلِمْت أَنَّ كُلَّ مَنْ فِي الْحَمَّامِ عَلَيْهِ إزَارٌ فَادْخُلْهُ ، وَإِلَّا فَلَا تَدْخُلْ .\rوَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ : دُخُولُ الْحَمَّامِ بِغَيْرِ إزَارٍ حَرَامٌ","part":1,"page":388},{"id":388,"text":"( 324 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا النِّسَاءُ فَلَيْسَ لَهُنَّ دُخُولُهُ ، مَعَ مَا ذَكَرْنَا مِنْ السَّتْرِ ، إلَّا لِعُذْرٍ ؛ مِنْ حَيْضٍ ، أَوْ نِفَاسٍ ، أَوْ مَرَضٍ ، أَوْ حَاجَةٍ إلَى الْغُسْلِ ، وَلَا يُمْكِنُهَا أَنْ تَغْتَسِلَ فِي بَيْتِهَا ؛ لِتَعَذُّرِ ذَلِكَ عَلَيْهَا ، أَوْ خَوْفِهَا مِنْ مَرَضٍ ، أَوْ ضَرَرٍ ، فَيُبَاحُ لَهَا ذَلِكَ ، إذَا غَضَّتْ بَصَرَهَا ، وَسَتَرَتْ عَوْرَتَهَا .\rوَأَمَّا مَعَ عَدَمِ الْعُذْرِ ، فَلَا لِمَا رُوِيَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { سَتُفْتَحُ عَلَيْكُمْ أَرْضُ الْعَجَمِ ، وَسَتَجِدُونَ فِيهَا حَمَّامَاتٍ ، فَامْنَعُوا نِسَاءَكُمْ ، إلَّا حَائِضًا أَوْ نُفَسَاءَ } .\rوَرُوِيَ { أَنَّ عَائِشَةَ دَخَلَ عَلَيْهَا نِسَاءٌ مِنْ أَهْلِ حِمْصَ ، فَقَالَتْ : لَعَلَّكُنَّ مِنْ النِّسَاءِ اللَّائِي يَدْخُلْنَ الْحَمَّامَاتِ ، سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : إنَّ الْمَرْأَةَ إذَا خَلَعَتْ ثِيَابَهَا فِي غَيْرِ بَيْتِ زَوْجِهَا هَتَكَتْ سِتْرَهَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ } .","part":1,"page":389},{"id":389,"text":"( 325 ) فَصْلٌ : وَمَنْ اغْتَسَلَ عُرْيَانًا بَيْنَ النَّاسِ ، لَمْ يَجُزْ لَهُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ كَشْفَهَا لِلنَّاسِ مُحَرَّمٌ ، لِمَا ذَكَرْنَا ، وَإِنْ كَانَ خَالِيًا جَازَ ؛ لِأَنَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ ، اغْتَسَلَ عُرْيَانًا .\rرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ، وَأَيُّوبُ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، اغْتَسَلَ عُرْيَانًا .\rوَإِنْ سَتَرَهُ إنْسَانٌ بِثَوْبٍ فَلَا بَأْسَ ، فَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَتِرُ بِثَوْبٍ ، وَيَغْتَسِلُ ، وَيُسْتَحَبُّ التَّسَتُّرُ ، وَإِنْ كَانَ خَالِيًا ؛ { لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَاَللَّهُ أَحَقُّ أَنْ يُسْتَحْيَا مِنْهُ مِنْ النَّاسِ .\r}","part":1,"page":390},{"id":390,"text":"( 326 ) فَصْلٌ : وَيُجْزِئُهُ الْغُسْلُ بِمَاءِ الْحَمَّامِ .\rقَالَ الْخَلَّالُ : ثَبَتَ عَنْ أَصْحَابِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ، أَنَّ مَاءَ الْحَمَّامِ يُجْزِئُ أَنْ يُغْتَسَلَ بِهِ ، وَلَا يُغْتَسَلُ مِنْهُ ؛ وَذَلِكَ أَنَّ الْأَصْلَ الطَّهَارَةُ ، فَلَا تَزُولُ بِالشَّكِّ .\rوَقَالَ أَحْمَدُ : لَا بَأْسَ بِالْوُضُوءِ مِنْ مَاءِ الْحَمَّامِ .\rوَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : لَا بَأْسَ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ الْأُنْبُوبَةِ .\rوَهَذَا عَلَى سَبِيلِ الِاحْتِيَاطِ ، وَلَوْ لَمْ يَفْعَلْهُ جَازَ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ الطَّهَارَةُ ، وَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ : مَاءُ الْحَمَّامِ عِنْدِي طَاهِرٌ ، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْمَاءِ الْجَارِي .\rوَقَدْ رَوَى عَنْهُ الْأَثْرَمُ ، أَنَّهُ قَالَ : مِنْ النَّاسِ مَنْ يُشَدِّدُ فِيهِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ : هُوَ بِمَنْزِلَةِ الْمَاءِ الْجَارِي ؛ لِأَنَّهُ يُنْزَفُ ، يَخْرُجُ الْأَوَّلُ فَالْأَوَّلُ .\rقُلْت : يَكُونُ كَالْجَارِي ، وَهُوَ يَسْتَقِرُّ فِي مَكَان قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ ؟ ، فَقَالَ : قَدْ قُلْت لَك فِيهِ اخْتِلَافٌ .\rوَأَرَاهُ قَدْ ظَهَرَ مِنْهُ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَحْتَاطَ بِمَاءٍ آخَرَ ، وَلَمْ يُبَيِّنْ لَهُ ذَلِكَ .\rوَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَاءَ الْجَارِيَ لَا يُنَجِّسُهُ إلَّا التَّغَيُّرُ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ يَتَنَجَّسُ لَمْ يَكُنْ لِكَوْنِهِ جَارِيًا أَثَرٌ وَيَدُلُّ أَيْضًا عَلَى اسْتِحْبَابِهِ الِاحْتِيَاطَ مَعَ الْحُكْمِ بِطَهَارَةِ الْمَاءِ ؛ لِأَنَّ مَاءَ الْحَمَّامِ طَاهِرٌ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ قَبْلُ ، وَإِنَّمَا جَعَلَهُ بِمَنْزِلَةِ الْمَاءِ الْجَارِي إذَا كَانَ الْمَاءُ يَفِيضُ مِنْ الْحَوْضِ وَيَخْرُجُ ، فَإِنَّ الَّذِي يَأْتِي أَخِيرًا يَدْفَعُ مَا فِي الْحَوْضِ ، وَيَثْبُتُ فِي مَكَانِهِ ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ مَا فِي الْحَوْضِ كَدِرًا ، وَتَتَابَعَتْ عَلَيْهِ دَفَعَ مِنْ الْمَاءِ صَافِيًا ، لَزَالَتْ كُدُورَتُهُ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":1,"page":391},{"id":391,"text":"( 327 ) فَصْلٌ : وَلَا بَأْسَ بِذِكْرِ اللَّهِ فِي الْحَمَّامِ ؛ فَإِنَّ ذِكْرَ اللَّهِ حَسَنٌ فِي كُلِّ مَكَان ، مَا لَمْ يَرِدْ الْمَنْعُ مِنْهُ ، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ دَخَلَ الْحَمَّامَ فَقَالَ : لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ .\rوَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ يَذْكُرُ اللَّهَ عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ .\rفَأَمَّا قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ ، فَقَالَ أَحْمَدُ : لَمْ يُبْنَ لِهَذَا .\rوَكَرِهَ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ فِيهِ أَبُو وَائِلٍ ، وَالشَّعْبِيُّ وَالْحَسَنُ ، وَمَكْحُولٌ ، وَقَبِيصَةُ بْنُ ذُؤَيْبٍ .\rوَلَمْ يَكْرَهْهُ النَّخَعِيُّ ، وَمَالِكٌ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا فِي ذِكْرِ اللَّهِ فِيهِ وَوَجْهُ الْأَوَّلِ ، أَنَّهُ مَحَلٌّ لِلتَّكَشُّفِ ، وَيُفْعَلُ فِيهِ مَا لَا يُسْتَحْسَنُ عَمَلُهُ فِي غَيْرِهِ ، فَاسْتُحِبَّ صِيَانَةُ الْقُرْآنِ عَنْهُ وَالْأَوْلَى جَوَازُ الْقِرَاءَةِ فِيهِ ؛ لِأَنَّنَا لَا نَعْلَمُ فِيهِ حُجَّةً تَمْنَعُ مِنْ قِرَاءَتِهِ .\rفَأَمَّا التَّسْلِيمُ فِيهِ ، فَقَالَ أَحْمَدُ : لَا أَعْلَمُ أَنَّنِي سَمِعْت فِيهِ شَيْئًا .\rوَالْأَوْلَى جَوَازُهُ ؛ لِدُخُولِهِ فِي عُمُومِ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ .\r}","part":1,"page":392},{"id":392,"text":"( 328 ) فَصْلٌ : قَالَ أَحْمَدُ : لَا يُعْجِبُنِي أَنْ يَدْخُلَ الْمَاءَ إلَّا مُسْتَتِرًا ؛ إنَّ لِلْمَاءِ سُكَّانًا .\rوَذَلِكَ لِمَا رُوِيَ عَنْ الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ ، أَنَّهُمَا دَخَلَا الْمَاءَ ، وَعَلَيْهِمَا بُرْدَانِ ، فَقِيلَ لَهُمَا فِي ذَلِكَ ، فَقَالَا : إنَّ لِلْمَاءِ سُكَّانًا .\rوَلِأَنَّ الْمَاءَ لَا يَسْتُرُ ، فَتَبْدُو عَوْرَةُ مَنْ دَخَلَهُ عُرْيَانًا","part":1,"page":393},{"id":393,"text":"التَّيَمُّمُ فِي اللُّغَةِ الْقَصْدُ .\rقَالَ اللَّهُ تَعَالَى { : وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ } .\rوَقَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ : تَيَمَّمْت لِلْعَيْنِ الَّتِي عِنْدَ ضَارِجٍ يَفِيءُ عَلَيْهَا الظِّلُّ عَرْمَضُهَا طَامِي وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا } .\rأَيْ : اقْصِدُوهُ .\rثُمَّ نُقِلَ فِي عُرْفِ الْفُقَهَاءِ إلَى مَسْحِ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ بِشَيْءٍ مِنْ الصَّعِيدِ .\rوَهُوَ جَائِزٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ ، أَمَّا الْكِتَابُ ، فَقَوْلُهُ تَعَالَى : { فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ } .\rوَأَمَّا السُّنَّةُ ، فَحَدِيثُ عَمَّارٍ وَغَيْرِهِ ، وَأَمَّا الْإِجْمَاعُ ، فَأَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى جَوَازِ التَّيَمُّمِ فِي الْجُمْلَةِ .","part":1,"page":394},{"id":394,"text":"( 329 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : أَبُو الْقَاسِمِ ( وَيَتَيَمَّمُ فِي قَصِيرِ السَّفَرِ وَطَوِيلِهِ ) .\rطَوِيلُ السَّفَرِ : مَا يُبِيحُ الْقَصْرَ وَالْفِطْرَ ، وَقَصِيرُهُ : مَا دُونَ ذَلِكَ ، مِمَّا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ سَفَرٍ ، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ قَرْيَتَيْنِ مُتَقَارِبَتَيْنِ أَوْ مُتَبَاعِدَتَيْنِ .\rقَالَ الْقَاضِي : لَوْ خَرَجَ إلَى ضَيْعَةٍ لَهُ ، فَفَارَقَ الْبُنْيَانَ وَالْمَنَازِلَ ، وَلَوْ بِخَمْسِينَ خُطْوَةً جَازَ لَهُ التَّيَمُّمُ ، وَالصَّلَاةُ عَلَى الرَّاحِلَةِ ، وَأَكْلُ الْمَيْتَةِ لِلضَّرُورَةِ ، فَيُبَاحُ لَهُ التَّيَمُّمُ فِيهِمَا جَمِيعًا .\rوَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ .\rوَقَدْ قِيلَ : لَا يُبَاحُ إلَّا فِي السَّفَرِ الطَّوِيلِ .\rوَقَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : { وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ } إلَى قَوْلِهِ : { فَتَيَمَّمُوا } يَدُلُّ بِمُطْلَقِهِ عَلَى إبَاحَةِ التَّيَمُّمِ فِي كُلِّ سَفَرٍ ؛ وَلِأَنَّ السَّفَرَ الْقَصِيرَ يَكْثُرُ ، فَيَكْثُرُ عَدَمُ الْمَاءِ فِيهِ ، فَيُحْتَاجُ إلَى التَّيَمُّمِ فِيهِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَسْقُطَ بِهِ الْفَرْضُ ، كَالطَّوِيلِ .","part":1,"page":395},{"id":395,"text":"( 330 ) فَصْلٌ : وَلَا فَرْقَ بَيْنَ سَفَرِ الطَّاعَةِ وَالْمَعْصِيَةِ ؛ لِأَنَّ التَّيَمُّمَ عَزِيمَةٌ ، فَلَا يَجُوزُ تَرْكُهُ بِخِلَافِ بَقِيَّةِ الرُّخَصِ ؛ وَلِأَنَّهُ حُكْمٌ لَا يَخْتَصُّ بِالسَّفَرِ ، فَأُبِيحَ فِي سَفَرِ الْمَعْصِيَةِ ، كَمَسْحِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ .","part":1,"page":396},{"id":396,"text":"( 331 ) فَصْلٌ : فَإِنْ عَدِمَ الْمَاءَ فِي الْحَضَرِ ، بِأَنْ انْقَطَعَ الْمَاءُ عَنْهُمْ ، أَوْ حُبِسَ فِي مِصْرٍ ، فَعَلَيْهِ التَّيَمُّمُ وَالصَّلَاةُ .\rوَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ : لَا يُصَلِّي ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى شَرَطَ السَّفَرَ لِجَوَازِ التَّيَمُّمِ ، فَلَا يَجُوزُ لِغَيْرِهِ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ : أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ حُبِسَ فِي دَارٍ ، وَأُغْلِقَ عَلَيْهِ الْبَابُ بِمَنْزِلِ الْمُضِيفِ ، أَيَتَيَمَّمُ ؟ قَالَ : لَا .\rوَلَنَا مَا رَوَى أَبُو ذَرٍّ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { إنَّ الصَّعِيدَ الطَّيِّبَ طَهُورُ الْمُسْلِمِ ، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ الْمَاءَ عَشْرَ سِنِينَ .\rفَإِذَا وَجَدَ الْمَاءَ فَلْيُمِسَّهُ بَشَرَتَهُ .\rفَإِنَّ ذَلِكَ خَيْرٌ } .\rقَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ .\rفَيَدْخُلُ تَحْتَ عُمُومِهِ مَحَلُّ النِّزَاعِ ؛ وَلِأَنَّهُ عَادِمٌ لِلْمَاءِ ، فَأَشْبَهَ الْمُسَافِرَ .\rوَالْآيَةُ يُحْتَمَلُ أَنَّ يَكُونَ ذِكْرُ السَّفَرِ فِيهَا خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّ الْمَاءَ إنَّمَا يُعْدَمُ ، فِيهِ كَمَا ذُكِرَ ، فِي السَّفَرِ ، وَعَدَمُ وُجُودُ الْكَاتِبِ فِي الرَّهْنِ ، وَلَيْسَا شَرْطَيْنِ فِيهِ ، وَلَوْ كَانَ حُجَّةً فَالْمَنْطُوقُ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ ، عَلَى أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ لَا يَرَى دَلِيلَ الْخِطَابِ حُجَّةً ، وَالْآيَةُ إنَّمَا يُحْتَجُّ بِدَلِيلِ خِطَابِهَا .\rفَعَلَى هَذَا إذَا تَيَمَّمَ فِي الْحَضَرِ ، وَصَلَّى ، ثُمَّ قَدَرَ عَلَى الْمَاءِ ، فَهَلْ يُعِيدُ ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ ؛ إحْدَاهُمَا يُعِيدُ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ هَذَا عُذْرٌ نَادِرٌ ، فَلَا يَسْقُطُ بِهِ الْقَضَاءُ ، كَالْحَيْضِ فِي الصَّوْمِ .\rوَالثَّانِيَةُ لَا يُعِيدُ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِمَا أُمِرَ بِهِ ، فَخَرَجَ مِنْ عُهْدَتِهِ ؛ وَلِأَنَّهُ صَلَّى بِالتَّيَمُّمِ الْمَشْرُوعِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَشْرُوعِ ، فَأَشْبَهَ الْمَرِيضَ وَالْمُسَافِرَ ، مَعَ أَنَّ عُمُومَ الْخَبَرِ يَدُلُّ عَلَيْهِ .\rوَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : إنْ","part":1,"page":397},{"id":397,"text":"حُبِسَ فِي الْمِصْرِ صَلَّى .\rوَلَمْ يَذْكُرْ إعَادَةً .\rوَذَكَرَ الرِّوَايَتَيْنِ فِي غَيْرِهِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ إنْ كَانَ عَدَمَ الْمَاءَ لِعُذْرٍ نَادِرٍ ، أَوْ يَزُولُ قَرِيبًا ، كَرَجُلٍ أُغْلِقَ عَلَيْهِ الْبَابُ ، مِثْلُ الضَّيْفِ وَنَحْوِهِ ، أَوْ مَا أَشْبَهَ هَذَا مِنْ الْأَعْذَارِ الَّتِي لَا تَتَطَاوَلُ ؛ فَعَلَيْهِ الْإِعَادَةُ ؛ لِأَنَّ هَذَا بِمَنْزِلَةِ الْمُتَشَاغِلِ بِطَلَبِ الْمَاءِ وَتَحْصِيلِهِ .\rوَإِنْ كَانَ عُذْرًا مُمْتَدًّا ، وَيُوجَدُ كَثِيرًا ، كَالْمَحْبُوسِ ، أَوْ مَنْ انْقَطَعَ الْمَاءُ فِي قَرْيَتِهِ ، وَاحْتَاجَ إلَى اسْتِقَاءِ الْمَاءِ مِنْ مَسَافَةٍ بَعِيدَةٍ ، فَلَهُ التَّيَمُّمُ ، وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ هَذَا عَادِمٌ لِلْمَاءِ بِعُذْرٍ مُتَطَاوِلٍ مُعْتَادٍ ، فَهُوَ كَالْمُسَافِرِ ؛ وَلِأَنَّ عَدَمَ هَذَا الْمَاءِ أَكْثَرُ مِنْ عَدَمِ الْمُسَافِرِ لَهُ ، فَالنَّصُّ عَلَى التَّيَمُّمِ لِلْمُسَافِرِ تَنْبِيهٌ عَلَى التَّيَمُّمِ هَاهُنَا .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":1,"page":398},{"id":398,"text":"( 332 ) فَصْلٌ : وَمَنْ خَرَجَ مِنْ الْمِصْرِ إلَى أَرْضٍ مِنْ أَعْمَالِهِ لِحَاجَةٍ ، كَالْحَرَّاثِ ، وَالْحِصَادِ ، وَالْحَطَّابِ ، وَالصَّيَّادِ ، وَأَشْبَاهِهِمْ مِمَّنْ لَا يُمْكِنُهُ حَمْلُ الْمَاءِ مَعَهُ لِوُضُوئِهِ ، فَحَضَرَتْ الصَّلَاةُ وَلَا مَاءَ مَعَهُ ، وَلَا يُمْكِنُهُ الرُّجُوعُ لِيَتَوَضَّأَ إلَّا بِتَفْوِيتِ حَاجَتِهِ ، فَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَ بِالتَّيَمُّمِ ، وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ مُسَافِرٌ ، فَأَشْبَهَ الْخَارِجَ إلَى قَرْيَةٍ أُخْرَى .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يَلْزَمُهُ الْإِعَادَةُ ؛ لِكَوْنِهِ فِي أَرْضٍ مِنْ أَعْمَالِ الْمِصْرِ ، فَأَشْبَهَ الْمُقِيمَ فِيهِ .\rفَإِنْ كَانَتْ الْأَرْضُ الَّتِي يَخْرُجُ إلَيْهَا مِنْ عَمَلِ قَرْيَةٍ أُخْرَى ، فَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ ، وَجْهًا وَاحِدًا ؛ لِأَنَّهُ مُسَافِرٌ .","part":1,"page":399},{"id":399,"text":"( 333 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( إذَا دَخَلَ وَقْتُ الصَّلَاةِ وَطَلَبَ الْمَاءَ فَأَعْوَزَهُ ) هَذِهِ ثَلَاثَةُ شُرُوطٍ لِصِحَّةِ التَّيَمُّمِ : أَحَدُهَا دُخُولُ وَقْتِ الصَّلَاةِ .\rفَإِنْ كَانَتْ الصَّلَاةُ مَكْتُوبَةً مُؤَدَّاةً لَمْ يَجُزْ التَّيَمُّمُ قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِهَا .\rوَإِنْ كَانَتْ نَافِلَةً لَمْ يَجُزْ التَّيَمُّمُ لَهَا فِي وَقْتٍ نُهِيَ عَنْ فِعْلِهَا فِيهِ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِوَقْتٍ لَهَا .\rوَإِنْ كَانَتْ فَائِتَةً جَازَ التَّيَمُّمُ لَهُ فِي كُلِّ وَقْتٍ ؛ لِأَنَّ فِعْلَهَا جَائِزٌ فِي كُلِّ وَقْتٍ .\rوَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَصِحُّ التَّيَمُّمُ قَبْلَ وَقْتِ الصَّلَاةِ ؛ لِأَنَّهَا طَهَارَةٌ تُبِيحُ الصَّلَاةَ ، فَأُبِيحَ تَقْدِيمُهَا عَلَى وَقْتِ الصَّلَاةِ ، كَسَائِرِ الطِّهَارَاتِ .\rوَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّهُ قَالَ : الْقِيَاسُ أَنَّ التَّيَمُّمَ بِمَنْزِلَةِ الطَّهَارَةِ حَتَّى يَجِدَ الْمَاءَ ، أَوْ يُحْدِثَ .\rفَعَلَى هَذَا يَجُوزُ قَبْلَ الْوَقْتِ .\rوَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ ؛ لِأَنَّهُ طَهَارَةُ ضَرُورَةٍ ، فَلَمْ يَجُزْ قَبْلَ الْوَقْتِ كَطَهَارَةِ الْمُسْتَحَاضَةِ ، أَوْ نَقُولُ : يَتَيَمَّمُ لِلْفَرْضِ فِي وَقْتٍ هُوَ مُسْتَغْنٍ عَنْهُ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ تَيَمَّمَ عِنْدَ وُجُودِ الْمَاءِ .\rوَقِيَاسُهُمْ يَنْتَقِضُ بِطَهَارَةِ الْمُسْتَحَاضَةِ ، وَيُفَارِقُ التَّيَمُّمُ سَائِرَ الطِّهَارَاتِ ؛ لِكَوْنِهَا لَيْسَتْ لِضَرُورَةٍ .\rالشَّرْطُ الثَّانِي طَلَبُ الْمَاءِ ، وَهَذَا الشَّرْطُ وَإِعْوَازُ الْمَاءِ إنَّمَا يُشْتَرَطُ لِمَنْ يَتَيَمَّمُ لِعُذْرِ عَدَمِ الْمَاءِ .\rوَالْمَشْهُورُ عَنْ أَحْمَدَ اشْتِرَاطُ طَلَبِ الْمَاءِ لِصِحَّةِ التَّيَمُّمِ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rوَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ : لَا يُشْتَرَطُ الطَّلَبُ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ ؛ { لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : التُّرَابُ كَافِيكَ مَا لَمْ تَجِدْ الْمَاءَ } .\rوَلِأَنَّهُ غَيْرُ عَالِمٍ بِوُجُودِ الْمَاءِ قَرِيبًا مِنْهُ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ طَلَبَ فَلَمْ يَجِدْ .\rوَلَنَا قَوْله تَعَالَى : { فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا } ، وَلَا يَثْبُتُ أَنَّهُ غَيْرُ وَاجِدٍ إلَّا بَعْدَ الطَّلَبِ ؛","part":1,"page":400},{"id":400,"text":"لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ بِقُرْبِهِ مَاءٌ لَا يَعْلَمُهُ وَلِذَلِكَ لَمَّا أَمَرَ فِي الظِّهَارِ بِتَحْرِيرِ رَقَبَةٍ ، قَالَ : ( فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ ) لَمْ يُبِحْ لَهُ الصِّيَامَ حَتَّى يَطْلُبَ الرَّقَبَةَ ، وَلَمْ يُعَدَّ قَبْلَ ذَلِكَ غَيْرَ وَاجِدٍ ؛ وَلِأَنَّهُ سَبَبٌ لِلصَّلَاةِ مُخْتَصٌّ بِهَا ، فَلَزِمَهُ الِاجْتِهَادُ فِي طَلَبِهِ عِنْدَ الْإِعْوَازِ ، كَالْقِبْلَةِ .\r( 334 ) فَصْلٌ : وَصِفَةُ الطَّلَبِ أَنْ يَطْلُبَ فِي رَحْلِهِ ، ثُمَّ إنْ رَأَى خُضْرَةً أَوْ شَيْئًا يَدُلُّ عَلَى الْمَاءِ قَصَدَهُ فَاسْتَبْرَأَهُ ، وَإِنْ كَانَ بِقُرْبِهِ رَبْوَةٌ أَوْ شَيْءٌ قَائِمٌ أَتَاهُ وَطَلَبَ عِنْدَهُ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ نَظَرَ أَمَامَهُ وَوَرَاءَهُ ، وَعَنْ يَمِينِهِ وَيَسَارِهِ ، وَإِنْ كَانَتْ لَهُ رُفْقَةٌ يُدِلُّ عَلَيْهِمْ طَلَبَ مِنْهُمْ ، وَإِنْ وَجَدَ مَنْ لَهُ خِبْرَةٌ بِالْمَكَانِ سَأَلَهُ عَنْ مِيَاهِهِ ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَهُوَ عَادِمٌ .\rوَإِنْ دُلَّ عَلَى مَاءٍ لَزِمَهُ قَصْدُهُ إنْ كَانَ قَرِيبًا ، مَا لَمْ يَخَفْ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ ، أَوْ يَخْشَى فَوَاتَ رُفْقَتِهِ ، وَلَمْ يَفُتْ الْوَقْتُ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ( 335 ) فَصْلٌ : فَإِنْ طَلَبَ الْمَاءَ قَبْلَ الْوَقْتِ ، فَعَلَيْهِ إعَادَةُ الطَّلَبِ بَعْدَهُ .\rقَالَهُ ابْنُ عَقِيلٍ ؛ لِأَنَّهُ طَلَبٌ قَبْل الْمُخَاطَبَةِ بِالتَّيَمُّمِ ، فَلَمْ يَسْقُطْ فَرْضُهُ ، كَالشَّفِيعِ إذَا طَلَبَ الشُّفْعَةَ قَبْلَ الْبَيْعِ .\rوَإِنْ طَلَبَ بَعْدَ الْوَقْتِ ، وَلَمْ يَتَيَمَّمْ عَقِيبَهُ ، جَازَ التَّيَمُّمُ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ تَجْدِيدِ طَلَبٍ .\rالشَّرْطُ الثَّالِثُ : إعْوَازُ الْمَاءِ بَعْدَ الطَّلَبِ .\rوَلَا خِلَافَ فِي اشْتِرَاطِهِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : { فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا } { .\rوَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ : التُّرَابُ كَافِيكَ مَا لَمْ تَجِدْ الْمَاءَ } .\rفَاشْتَرَطَ أَنْ لَا يَجِدَ الْمَاءَ ؛ وَلِأَنَّ التَّيَمُّمَ طَهَارَةُ ضَرُورَةٍ ، لَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ ، فَلَا يَجُوزُ إلَّا عِنْدَ الضَّرُورَةِ ، وَمَعَ وُجُودِ الْمَاءِ لَا ضَرُورَةَ .","part":1,"page":401},{"id":401,"text":"( 336 ) فَصْلٌ : وَإِذَا وَجَدَ الْجُنُبُ مَا يَكْفِي بَعْضَ أَعْضَائِهِ ، لَزِمَهُ اسْتِعْمَالُهُ ، وَيَتَيَمَّمُ لِلْبَاقِي .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِيمَنْ وَجَدَ مَا يَكْفِيهِ لِوُضُوئِهِ ، وَهُوَ جُنُبٌ ، قَالَ : يَتَوَضَّأُ وَيَتَيَمَّمُ .\rوَبِهِ قَالَ عَبْدَةُ بْنُ أَبِي لُبَابَةَ وَمَعْمَرٌ ، وَنَحْوَهُ قَالَ عَطَاءٌ ، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ الْحَسَنُ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَحَمَّادٌ ، وَمَالِكٌ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ وَابْنُ الْمُنْذِرِ ، وَالشَّافِعِيُّ فِي الْقَوْلِ الثَّانِي : يَتَيَمَّمُ ، وَيَتْرُكُهُ ؛ لِأَنَّ هَذَا الْمَاءَ لَا يُطَهِّرُهُ ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ اسْتِعْمَالُهُ ، كَالْمُسْتَعْمَلِ .\rوَلَنَا قَوْله تَعَالَى : { فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا } ، وَخَبَرُ أَبِي ذَرٍّ ، شَرَطَ فِي التَّيَمُّمِ عَدَمَ الْمَاءِ ، وَهَذَا وَاجِدٌ وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { ، إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ .\r} رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ؛ وَلِأَنَّهُ وَجَدَ مِنْ الْمَاءِ مَا يُمْكِنُهُ اسْتِعْمَالُهُ فِي بَعْضِ جَسَدِهِ ، فَلَزِمَهُ ذَلِكَ ، كَمَا لَوْ كَانَ أَكْثَرُ بَدَنِهِ صَحِيحًا وَبَاقِيهِ جَرِيحًا ؛ وَلِأَنَّهُ قَدَرَ عَلَى بَعْضِ الشَّرْطِ ؛ فَلَزِمَهُ ؛ كَالسُّتْرَةِ ، وَإِزَالَةِ النَّجَاسَةِ ، وَإِذَا كَانَ أَكْثَرُ بَدَنِهِ صَحِيحًا ، وَلَا يُسَلَّمُ الْحُكْمُ فِي الْمُسْتَعْمَلِ ، وَإِنْ سَلَّمْنَا فَلِأَنَّهُ لَا يُطَهِّرُ شَيْئًا مِنْهُ بِخِلَافِ هَذَا .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّهُ يَسْتَعْمِلُ الْمَاءَ قَبْلَ التَّيَمُّمِ ؛ لِيَتَحَقَّقَ الْإِعْوَازُ الْمُشْتَرَطُ .","part":1,"page":402},{"id":402,"text":"( 337 ) فَصْلٌ : وَإِنْ وَجَدَ الْمُحْدِثُ الْحَدَثَ الْأَصْغَرَ بَعْضَ مَا يَكْفِيهِ ، فَهَلْ يَلْزَمُهُ اسْتِعْمَالُهُ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا يَلْزَمُهُ اسْتِعْمَالُهُ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا فِي الْجُنُبِ ؛ وَلِأَنَّهُ قَدَرَ عَلَى بَعْضِ الطَّهَارَةِ بِالْمَاءِ ، فَلَزِمَهُ كَالْجُنُبِ ، وَكَمَا لَوْ كَانَ بَعْضُ بَدَنِهِ صَحِيحًا ، وَبَعْضُهُ جَرِيحًا .\rوَالثَّانِي لَا يَلْزَمُهُ ؛ لِأَنَّ الْمُوَالَاةَ شَرْطٌ فِيهَا ، فَإِذَا غَسَلَ بَعْضَ الْأَعْضَاءِ دُونَ بَعْضٍ ، لَمْ يُفِدْ ، بِخِلَافِ الْجَنَابَةِ ، وَلِذَلِكَ إذَا وَجَدَ الْمَاءَ أَجْزَأَهُ غَسْلُ مَا لَمْ يَغْسِلْهُ فَقَطْ ، وَفِي الْحَدَثِ يَلْزَمُهُ اسْتِئْنَافُ الطَّهَارَةِ ، وَفَارَقَ مَا إذَا كَانَ بَعْضُ أَعْضَائِهِ صَحِيحًا وَبَعْضُهُ جَرِيحًا ؛ لِأَنَّ الْعَجْزَ بِبَعْضِ الْبَدَنِ يُخَالِفُ الْعَجْزَ بِبَعْضِ الْوَاجِبِ ، بِدَلِيلِ أَنَّ مَنْ بَعْضُهُ حُرٌّ إذَا مَلَكَ رَقَبَةً لَزِمَهُ إعْتَاقُهَا فِي كَفَّارَتِهِ ، وَلَوْ مَلَكَ الْحُرُّ بَعْضَ رَقَبَةٍ لَمْ يَلْزَمْهُ إعْتَاقُهُ .\rوَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ كَالْوَجْهَيْنِ .","part":1,"page":403},{"id":403,"text":"( 338 ) فَصْلٌ : وَمَنْ حَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَاءِ سَبُعٌ ، أَوْ عَدُوٌّ ، أَوْ حَرِيقٌ ، أَوْ لِصٌّ ، فَهُوَ كَالْعَادِمِ .\rوَلَوْ كَانَ الْمَاءُ بِمَجْمَعِ الْفُسَّاقِ ، تَخَافُ الْمَرْأَةُ عَلَى نَفْسِهَا مِنْهُمْ ، فَهِيَ عَادِمَتُهُ .\rوَقَدْ تَوَقَّفَ أَحْمَدُ عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى : تَتَيَمَّمُ ، وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهَا فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ .\rوَالصَّحِيحُ أَنَّهَا تَتَيَمَّمُ ، وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهَا ، وَجْهًا وَاحِدًا ، بَلْ لَا يَحِلُّ لَهَا الْمُضِيُّ إلَى الْمَاءِ ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّعَرُّضِ لِلزِّنَا ، وَهَتْكِ نَفْسِهَا وَعِرْضِهَا ، وَتَنْكِيسِ رُءُوسِ أَهْلِهَا ، وَرُبَّمَا أَفْضَى إلَى قَتْلِهَا ، وَقَدْ أُبِيحَ لَهَا التَّيَمُّمُ حِفْظًا لِلْقَلِيلِ مِنْ مَالِهَا ، الْمُبَاحِ لَهَا بَذْلُهُ ، وَحِفْظًا لِنَفْسِهَا مِنْ مَرَضٍ أَوْ تَبَاطُؤِ بُرْءٍ ، فَهَاهُنَا أَوْلَى .\rوَمَنْ كَانَ فِي مَوْضِعٍ عِنْدَ رَحْلِهِ ، فَخَافَ إنْ ذَهَبَ إلَى الْمَاءِ ذَهَبَ شَيْءٌ مِنْ رَحْلِهِ ، أَوْ شَرَدَتْ دَابَّتُهُ ، أَوْ سُرِقَتْ ، أَوْ خَافَ عَلَى أَهْلِهِ لِصًّا ، أَوْ سَبُعًا ، خَوْفًا شَدِيدًا ، فَهُوَ كَالْعَادِمِ .\rوَمَنْ كَانَ خَوْفُهُ جُبْنًا ، لَا عَنْ سَبَبٍ يُخَافُ مِنْ مِثْلِهِ ، لَمْ تُجْزِهِ الصَّلَاةُ بِالتَّيَمُّمِ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، فِي رَجُلٍ يَخَافُ بِاللَّيْلِ ، وَلَيْسَ شَيْءٌ يُخَافُ مِنْهُ ، قَالَ : لَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَتَوَضَّأَ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ تُبَاحَ لَهُ بِالتَّيَمُّمِ ، وَيُعِيدُ إذَا كَانَ مِمَّنْ يَشْتَدُّ خَوْفُهُ ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْخَائِفِ لِسَبَبٍ .\rوَمَنْ كَانَ خَوْفُهُ لِسَبَبٍ ظَنَّهُ ، فَتَبَيَّنَ عَدَمُ السَّبَبِ ، مِثْلُ مَنْ رَأَى سَوَادًا بِاللَّيْلِ ظَنَّهُ عَدُوًّا ، فَتَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ لَيْسَ بِعَدُوٍّ ، أَوْ رَأَى كَلْبًا فَظَنَّهُ أَسَدًا أَوْ نَمِرًا ، فَتَيَمَّمَ وَصَلَّى ، ثُمَّ بَانَ خِلَافُهُ ، فَهَلْ يَلْزَمُهُ الْإِعَادَةُ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا ؛ لَا يَلْزَمُهُ الْإِعَادَةُ ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِمَا أُمِرَ بِهِ ، فَخَرَجَ عَنْ عُهْدَتِهِ .\rوَالثَّانِي يَلْزَمُهُ الْإِعَادَةُ ؛ لِأَنَّهُ تَيَمَّمَ مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ يُبِيحُ","part":1,"page":404},{"id":404,"text":"التَّيَمُّمَ ، فَأَشْبَهَ مَنْ نَسِيَ الْمَاءَ فِي رَحْلِهِ ، وَتَيَمَّمَ .","part":1,"page":405},{"id":405,"text":"( 339 ) فَصْلٌ : وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا لَا يَقْدِرُ عَلَى الْحَرَكَةِ ، وَلَا يَجِدُ مَنْ يُنَاوِلُهُ الْمَاءَ ، فَهُوَ كَالْعَادِمِ .\rقَالَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى .\rوَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ ؛ لِأَنَّهُ لَا سَبِيلَ لَهُ إلَى الْمَاءِ فَأَشْبَهَ مَنْ وَجَدَ بِئْرًا لَيْسَ لَهُ مَا يَسْتَقِي بِهِ مِنْهَا .\rوَإِنْ كَانَ لَهُ مَنْ يُنَاوِلُهُ الْمَاءَ قَبْلَ خُرُوجِ الْوَقْتِ ، فَهُوَ كَالْوَاجِدِ ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ مَنْ يَجِدُ مَا يَسْتَقِي بِهِ فِي الْوَقْتِ .\rوَإِنْ خَافَ خُرُوجَ الْوَقْتِ قَبْلَ مَجِيئِهِ ، فَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى : لَهُ التَّيَمُّمُ ، وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ .\rوَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ ؛ لِأَنَّهُ عَادِمٌ فِي الْوَقْتِ ، فَأَشْبَهَ الْعَادِمَ مُطْلَقًا ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَنْتَظِرَ مَجِيءَ مَنْ يُنَاوِلُهُ ؛ لِأَنَّهُ حَاضِرٌ يَنْتَظِرُ حُصُولَ الْمَاءِ قَرِيبًا ، فَأَشْبَهَ الْمُشْتَغِلَ بِاسْتِقَاءِ الْمَاءِ وَتَحْصِيلِهِ .","part":1,"page":406},{"id":406,"text":"( 340 ) فَصْلٌ : إذَا وَجَدَ بِئْرًا ، وَقَدَرَ عَلَى التَّوَصُّلِ إلَى مَائِهَا بِالنُّزُولِ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ ، أَوْ الِاغْتِرَافِ بِدَلْوٍ أَوْ ثَوْبٍ يَبُلُّهُ ثُمَّ يَعْصِرُهُ .\rلَزِمَهُ ذَلِكَ ، وَإِنْ خَافَ فَوْتَ الْوَقْتِ ؛ لِأَنَّ الِاشْتِغَالَ بِهِ كَالِاشْتِغَالِ بِالْوُضُوءِ .\rوَحُكْمُ مَنْ فِي السَّفِينَةِ فِي الْمَاءِ كَحُكْمِ وَاجِدِ الْبِئْرِ ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ الْوُصُولُ إلَى مَائِهَا إلَّا بِمَشَقَّةٍ ، أَوْ تَغْرِيرٍ بِالنَّفْسِ ، فَهُوَ كَالْعَادِمِ .\rوَهَذَا قَوْلُ الثَّوْرِيِّ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ .\rوَمَنْ كَانَ الْمَاءُ قَرِيبًا مِنْهُ ، يُمْكِنُهُ تَحْصِيلُهُ ، إلَّا أَنَّهُ يَخَافُ فَوْتَ الْوَقْتِ ، لَزِمَهُ السَّعْيُ إلَيْهِ وَالِاشْتِغَالُ بِتَحْصِيلِهِ ، وَإِنْ فَاتَ الْوَقْتُ ؛ لِأَنَّهُ وَاجِدٌ لِلْمَاءِ ، فَلَا يُبَاحُ لَهُ التَّيَمُّمُ ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا }","part":1,"page":407},{"id":407,"text":"( 341 ) فَصْلٌ : وَإِنْ بُذِلَ لَهُ مَاءٌ لِطَهَارَتِهِ ، لَزِمَهُ قَبُولُهُ ؛ لِأَنَّهُ قَدَرَ عَلَى اسْتِعْمَالِهِ ، وَلَا مِنَّةَ فِي ذَلِكَ فِي الْعَادَةِ .\rوَإِنْ لَمْ يَجِدْهُ إلَّا بِثَمَنٍ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ ، فَبُذِلَ لَهُ الثَّمَنُ ، لَمْ يَلْزَمْهُ قَبُولُهُ ؛ لِأَنَّ الْمِنَّةَ تَلْحَقُ بِهِ .\rوَإِنْ وَجَدَهُ يُبَاعُ بِثَمَنِ مِثْلِهِ فِي مَوْضِعِهِ ، أَوْ زِيَادَةٍ يَسِيرَةٍ ، يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ ، مَعَ اسْتِغْنَائِهِ عَنْهُ ، لِقُوتِهِ وَمُؤْنَةِ سَفَرِهِ ، لَزِمَهُ شِرَاؤُهُ .\rوَإِنْ كَانَتْ الزِّيَادَةُ كَثِيرَةً تُجْحِفُ بِمَالِهِ ، لَمْ يَلْزَمْهُ شِرَاؤُهُ ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ ضَرَرًا .\rوَإِنْ كَانَتْ كَثِيرَةً ، لَا تُجْحِفُ بِمَالِهِ ، فَقَدْ تَوَقَّفَ أَحْمَدُ فِيمَنْ بُذِلَ لَهُ مَاءٌ بِدِينَارٍ ، وَمَعَهُ مِائَةٌ .\rفَيَحْتَمِلُ إذَنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا يَلْزَمُهُ شِرَاؤُهُ ؛ لِأَنَّهُ وَاجِدٌ لِلْمَاءِ ، قَادِرٌ عَلَيْهِ ، فَيَلْزَمُهُ اسْتِعْمَالُهُ بِدَلَالَةِ قَوْله تَعَالَى : { فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا } .\rوَالثَّانِي لَا يَلْزَمُهُ شِرَاؤُهُ ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ ضَرَرًا فِي الزِّيَادَةِ الْكَثِيرَةِ ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ بَذْلُهَا ، كَمَا لَوْ خَافَ لِصًّا يَأْخُذُ مِنْ مَالِهِ ذَلِكَ الْمِقْدَارَ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يَلْزَمُهُ شِرَاؤُهُ بِزِيَادَةٍ يَسِيرَةٍ وَلَا كَثِيرَةٍ لِذَلِكَ .\rوَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا } .\rوَهَذَا وَاجِدٌ ، فَإِنَّ الْقُدْرَةَ عَلَى ثَمَنِ الْعَيْنِ كَالْقُدْرَةِ عَلَى الْعَيْنِ ، فِي الْمَنْعِ مِنْ الِانْتِقَالِ إلَى الْبَدَلِ ، بِدَلِيلِ مَا لَوْ بِيعَتْ بِثَمَنِ مِثْلِهَا ، وَكَالرَّقَبَةِ فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ ؛ وَلِأَنَّ ضَرَرَ الْمَالِ دُونَ ضَرَرِ النَّفْسِ ، وَقَدْ قَالُوا فِي الْمَرِيضِ : يَلْزَمُهُ الْغُسْلُ مَا لَمْ يَخَفْ التَّلَفَ .\rفَتَحَمُّلُ الضَّرَرِ الْيَسِيرِ فِي الْمَالِ أَحْرَى .\rفَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ ثَمَنُهُ ، فَبُذِلَ لَهُ بِثَمَنٍ فِي الذِّمَّةِ يَقْدِرُ عَلَى أَدَائِهِ فِي بَلَدِهِ ، فَقَالَ الْقَاضِي : يَلْزَمُهُ شِرَاؤُهُ ؛ لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى أَخْذِهِ بِمَا لَا مَضَرَّةَ فِيهِ .\rوَقَالَ أَبُو","part":1,"page":408},{"id":408,"text":"الْحَسَنِ الْآمِدِيُّ : لَا يَلْزَمُهُ شِرَاؤُهُ ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ ضَرَرًا فِي بَقَاءِ الدَّيْنِ فِي ذِمَّتِهِ ، وَرُبَّمَا يَتْلَفُ مَالُهُ قَبْلَ أَدَائِهِ .\rوَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي بَلَدِهِ مَا يُؤَدِّي ثَمَنَهُ ، لَمْ يَلْزَمْهُ شِرَاؤُهُ ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ ضَرَرًا .\rوَإِنْ لَمْ يَبْذُلْهُ لَهُ ، وَكَانَ فَاضِلًا عَنْ حَاجَتِهِ ، لَمْ يَجُزْ لَهُ مُكَاثَرَتُهُ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ الضَّرُورَةَ لَا تَدْعُو إلَيْهِ ؛ لِأَنَّ هَذَا لَهُ بَدَلٌ ، وَهُوَ التَّيَمُّمُ ، بِخِلَافِ الطَّعَامِ فِي الْمَجَاعَةِ .","part":1,"page":409},{"id":409,"text":"( 342 ) فَصْلٌ : إذَا كَانَ مَعَهُ مَاءٌ ، فَأَرَاقَهُ قَبْلَ الْوَقْتِ ، أَوْ مَرَّ بِمَاءٍ قَبْلَ الْوَقْتِ ، فَتَجَاوَزَهُ ، وَعَدِمَ الْمَاءَ فِي الْوَقْتِ ، صَلَّى بِالتَّيَمُّمِ مِنْ غَيْرِ إعَادَةٍ .\rوَبِهِ يَقُولُ الشَّافِعِيُّ ، وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ ، إنْ ظَنَّ أَنَّهُ يُدْرِكُ الْمَاءَ فِي الْوَقْتِ ، كَقَوْلِنَا ، وَإِلَّا صَلَّى بِالتَّيَمُّمِ ، وَعَلَيْهِ الْإِعَادَةُ ؛ لِأَنَّهُ مُفَرِّطٌ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ اسْتِعْمَالُهُ .\rفَأَشْبَهَ مَا لَوْ ظَنَّ أَنَّهُ يُدْرِكُ الْمَاءَ فِي الْوَقْتِ .\rوَإِنْ أَرَاقَ الْمَاءَ فِي الْوَقْتِ ، أَوْ مَرَّ بِهِ فِي الْوَقْتِ فَلَمْ يَسْتَعْمِلْهُ ، ثُمَّ عَدِمَ الْمَاءَ ، يَتَيَمَّمُ وَيُصَلِّي .\rوَفِي الْإِعَادَةِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا لَا يُعِيدُ ؛ لِأَنَّهُ صَلَّى بِتَيَمُّمٍ صَحِيحٍ ، تَحَقَّقَتْ شَرَائِطُهُ ، فَهُوَ كَمَا لَوْ أَرَاقَهُ قَبْلَ الْوَقْتِ .\rوَالثَّانِي يُعِيدُ ؛ لِأَنَّهُ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ بِوُضُوءٍ ، وَهُوَ قَدْ فَوَّتَ الْقُدْرَةَ عَلَى نَفْسِهِ ، فَبَقِيَ فِي عُهْدَةِ الْوَاجِبِ ، وَإِنْ وَهَبَهُ بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ لَمْ تَصِحَّ الْهِبَةُ ، وَالْمَاءُ بَاقٍ عَلَى مِلْكِهِ ، فَلَوْ تَيَمَّمَ مَعَ بَقَاءِ الْمَاءِ ، لَمْ يَصِحَّ تَيَمُّمُهُ .\rوَإِنْ تَصَرَّفَ فِيهِ الْمَوْهُوبُ لَهُ ، فَهُوَ كَمَا لَوْ أَرَاقَهُ .","part":1,"page":410},{"id":410,"text":"( 343 ) فَصْلٌ : إذَا نَسِيَ الْمَاءَ فِي رَحْلِهِ ، أَوْ مَوْضِعٍ يُمْكِنُهُ اسْتِعْمَالُهُ ، وَصَلَّى بِالتَّيَمُّمِ .\rفَقَدْ تَوَقَّفَ أَحْمَدُ ، رَحِمَهُ اللَّهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ، وَقَطَعَ فِي مَوْضِعٍ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ .\rوَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَبُو ثَوْرٍ : يُجْزِئُهُ .\rوَعَنْ مَالِكٍ كَالْمَذْهَبَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ مَعَ النِّسْيَانِ غَيْرُ قَادِرٍ عَلَى اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ ، فَهُوَ كَالْعَادِمِ .\rوَلَنَا أَنَّهَا طَهَارَةٌ تَجِبُ مَعَ الذِّكْرِ ، فَلَمْ تَسْقُطْ بِالنِّسْيَانِ ، كَمَا لَوْ صَلَّى نَاسِيًا لِحَدَثِهِ ، ثُمَّ ذَكَرَ ، أَوْ صَلَّى الْمَاسِحُ ، ثُمَّ بَانَ لَهُ انْقِضَاءُ مُدَّةِ الْمَسْحِ قَبْلَ صَلَاتِهِ ، وَيُفَارِقُ مَا قَاسُوا عَلَيْهِ ؛ فَإِنَّهُ غَيْرُ مُفَرِّطٍ ، وَهَا هُنَا هُوَ مُفَرِّطٌ بِتَرْكِ الطَّلَبِ .","part":1,"page":411},{"id":411,"text":"( 344 ) فَصْلٌ : وَإِنْ ضَلَّ عَنْ رَحْلِهِ الَّذِي فِيهِ الْمَاءُ ، أَوْ كَانَ يَعْرِفُ بِئْرًا فَضَاعَتْ عَنْهُ ، ثُمَّ وَجَدَهَا ، فَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ : يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ كَالنَّاسِي .\rوَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا إعَادَةَ عَلَيْهِ .\rوَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِوَاجِدٍ لِلْمَاءِ ، فَيَدْخُلُ فِي عُمُومِ قَوْله تَعَالَى : { فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا } ؛ وَلِأَنَّهُ غَيْرُ مُفَرِّطٍ ، بِخِلَافِ النَّاسِي ، وَإِنْ كَانَ الْمَاءُ مَعَ عَبْدِهِ ، فَنَسِيَهُ الْعَبْدُ حَتَّى صَلَّى سَيِّدُهُ ، احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ كَالنَّاسِي ، وَاحْتَمَلَ أَنْ لَا يُعِيدَ ؛ لِأَنَّ التَّفْرِيطَ مِنْ غَيْرِهِ .","part":1,"page":412},{"id":412,"text":"( 345 ) فَصْلٌ : إذَا صَلَّى ، ثُمَّ بَانَ أَنَّهُ كَانَ بِقُرْبِهِ بِئْرٌ أَوْ مَاءٌ ، نُظِرَتْ ، فَإِنْ كَانَتْ خَفِيَّةً بِغَيْرِ عَلَامَةٍ ، وَطَلَبَ فَلَمْ يَجِدْهَا فَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُفَرِّطٍ .\rوَإِنْ كَانَتْ أَعْلَامُهُ ظَاهِرَةً ، فَقَدْ فَرَّطَ ، فَعَلَيْهِ الْإِعَادَةُ .","part":1,"page":413},{"id":413,"text":"( 346 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَالِاخْتِيَار تَأْخِيرُ التَّيَمُّمِ ) ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ أَنَّ تَأْخِيرَ التَّيَمُّمِ أَوْلَى بِكُلِّ حَالٍ ، وَهُوَ الْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ ، وَعَطَاءٍ ، وَالْحَسَنِ ، وَابْنِ سِيرِينَ ، وَالزُّهْرِيِّ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ .\rوَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : يُسْتَحَبُّ التَّأْخِيرُ إنْ رَجَا وُجُودَ الْمَاءِ ، وَإِنْ يَئِسَ مِنْ وُجُودِهِ اُسْتُحِبَّ تَقْدِيمُهُ .\rوَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ : التَّقْدِيمُ أَفْضَلُ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ وَاثِقًا بِوُجُودِ الْمَاءِ فِي الْوَقْتِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ تَرْكُ فَضِيلَةِ أَوَّلِ الْوَقْتِ ، وَهِيَ مُتَحَقِّقَةٌ ، لِأَمْرٍ مَظْنُونٍ .\rوَلَنَا قَوْلُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي الْجُنُبِ : يَتَلَوَّمُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ آخِرِ الْوَقْتِ ، فَإِنْ وَجَدَ الْمَاءَ ، وَإِلَّا تَيَمَّمَ .\rوَلِأَنَّهُ يُسْتَحَبُّ التَّأْخِيرُ لِلصَّلَاةِ إلَى بَعْدِ الْعِشَاءِ وَقَضَاءِ الْحَاجَةِ كَيْ لَا يَذْهَبَ خُشُوعُهَا وَحُضُورُ الْقَلْبِ فِيهَا ، وَيُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُهَا لِإِدْرَاكِ الْجَمَاعَةِ ، فَتَأْخِيرُهَا لِإِدْرَاكِ الطَّهَارَةِ الْمُشْتَرَطَةِ أَوْلَى","part":1,"page":414},{"id":414,"text":"( 347 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( فَإِنْ تَيَمَّمَ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ وَصَلَّى ، أَجْزَأَهُ ، وَإِنْ أَصَابَ الْمَاءَ فِي الْوَقْتِ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْعَادِمَ لِلْمَاءِ فِي السَّفَرِ إذَا صَلَّى بِالتَّيَمُّمِ ، ثُمَّ وَجَدَ الْمَاءَ ، إنْ وَجَدَهُ بَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ ، فَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ إجْمَاعًا قَالَ أَبُو بَكْرٍ بْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ مَنْ تَيَمَّمَ وَصَلَّى ، ثُمَّ وَجَدَ الْمَاءَ بَعْدَ خُرُوجِ وَقْتِ الصَّلَاةِ ، أَنْ لَا إعَادَةَ عَلَيْهِ .\rوَإِنْ وَجَدَهُ فِي الْوَقْتِ ، لَمْ يَلْزَمْهُ أَيْضًا إعَادَةٌ ، سَوَاءٌ يَئِسَ مِنْ وُجُودِ الْمَاءِ فِي الْوَقْتِ ، أَوْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ وُجُودُهُ فِيهِ .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو سَلَمَةَ وَالشَّعْبِيُّ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ وَإِسْحَاقُ وَابْنُ الْمُنْذِرِ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَقَالَ عَطَاءٌ ، وَطَاوُسٌ ، وَالْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، وَمَكْحُولٌ ، وَابْنُ سِيرِينَ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَرَبِيعَةُ : يُعِيدُ الصَّلَاةَ .\rوَلَنَا مَا رَوَى أَبُو دَاوُد ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ، { أَنَّ رَجُلَيْنِ خَرَجَا فِي سَفَرٍ ، فَحَضَرَتْ الصَّلَاةُ ، وَلَيْسَ مَعَهُمَا مَاءٌ ، فَتَيَمَّمَا صَعِيدًا ، فَصَلَّيَا ، ثُمَّ وَجَدَا الْمَاءَ فِي الْوَقْتِ ، فَأَعَادَ أَحَدُهُمَا الْوُضُوءَ وَالصَّلَاةَ وَلَمْ يُعِدْ الْآخَرُ ، ثُمَّ أَتَيَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَا لَهُ ذَلِكَ ، فَقَالَ لِلَّذِي لَمْ يُعِدْ : أَصَبْت السُّنَّةَ ، وَأَجْزَأَتْك صَلَاتُك .\rوَقَالَ لِلَّذِي أَعَادَ : لَك الْأَجْرُ مَرَّتَيْنِ } .\rوَاحْتَجَّ أَحْمَدُ بِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ تَيَمَّمَ ، وَهُوَ يَرَى بُيُوتَ الْمَدِينَةِ ، فَصَلَّى الْعَصْرَ ، ثُمَّ دَخَلَ الْمَدِينَةَ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ فَلَمْ يُعِدْ ؛ وَلِأَنَّهُ أَدَّى فَرْضَهُ كَمَا أُمِرَ ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ الْإِعَادَةُ ، كَمَا لَوْ وَجَدَهُ بَعْدَ الْوَقْتِ ؛ وَلِأَنَّ عَدَمَ الْمَاءِ عُذْرٌ مُعْتَادٌ ، فَإِذَا تَيَمَّمَ مَعَهُ يَجِبُ أَنْ يُسْقِطَ فَرْضَ الصَّلَاةِ كَالْمَرَضِ ؛ وَلِأَنَّهُ أَسْقَطَ فَرْضَ الصَّلَاةِ ، فَلَمْ يَعُدْ إلَى ذِمَّتِهِ ، كَمَا لَوْ","part":1,"page":415},{"id":415,"text":"وَجَدَهُ بَعْدَ الْوَقْتِ .","part":1,"page":416},{"id":416,"text":"( 348 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَالتَّيَمُّمُ ضَرْبَةٌ وَاحِدَةٌ ) الْمَسْنُونُ عِنْدَ أَحْمَدَ التَّيَمُّمُ بِضَرْبَةٍ وَاحِدَةٍ .\rفَإِنْ تَيَمَّمَ بِضَرْبَتَيْنِ جَازَ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : الْإِجْزَاءُ يَحْصُلُ بِضَرْبَةٍ ، وَالْكَمَالُ ضَرْبَتَانِ .\rوَالْمَنْصُوصُ مَا ذَكَرْنَاهُ ، قَالَ الْأَثْرَمُ : قُلْت لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ : التَّيَمُّمُ ضَرْبَةٌ وَاحِدَةٌ ؟ فَقَالَ : نَعَمْ ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ ، وَمَنْ قَالَ ضَرْبَتَيْنِ ، فَإِنَّمَا هُوَ شَيْءٌ زَادَهُ .\rقَالَ التِّرْمِذِيُّ : وَهُوَ قَوْلُ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَغَيْرِهِمْ ؛ مِنْهُمْ عَلِيٌّ ، وَعَمَّارٌ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ ، وَعَطَاءٌ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَمَكْحُولٌ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَإِسْحَاقُ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يُجْزِئُ التَّيَمُّمُ إلَّا بِضَرْبَتَيْنِ لِلْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ إلَى الْمِرْفَقَيْنِ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، وَابْنِهِ سَالِمٍ ، وَالْحَسَنِ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ الصِّمَّةِ { ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَيَمَّمَ ، فَمَسَحَ وَجْهَهُ وَذِرَاعَيْهِ } .\rوَرَوَى ابْنُ عُمَرَ ، وَجَابِرٌ ، وَأَبُو أُمَامَةُ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { التَّيَمُّمُ ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ ، وَضَرْبَةٌ لِلْيَدَيْنِ إلَى الْمِرْفَقَيْنِ } ؛ وَلِأَنَّهُ بَدَلٌ يُؤْتَى بِهِ فِي مَحَلِّ مُبْدَلِهِ ، وَكَانَ حَدُّهُ عَنْهُمَا وَاحِدًا كَالْوَجْهِ .\rوَلَنَا مَا { رَوَى عَمَّارٌ ، قَالَ : بَعَثَنِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَاجَةٍ ، فَأَجْنَبْت ، فَلَمْ أَجِدْ الْمَاءَ ، فَتَمَرَّغْت فِي الصَّعِيدِ كَمَا تَمَرَّغُ الدَّابَّةُ ، ثُمَّ أَتَيْت النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرْت ذَلِكَ لَهُ ، فَقَالَ : إنَّمَا كَانَ يَكْفِيك أَنْ تَقُولَ بِيَدَيْك هَكَذَا ، ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدَيْهِ الْأَرْضَ ضَرْبَةً وَاحِدَةً ، ثُمَّ مَسَحَ الشِّمَالَ عَلَى الْيَمِينِ ، وَظَاهِرَ كَفَّيْهِ وَوَجْهَهُ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ؛ وَلِأَنَّهُ حُكْمٌ عُلِّقَ عَلَى مُطْلَقِ","part":1,"page":417},{"id":417,"text":"الْيَدَيْنِ فَلَمْ يَدْخُلْ فِيهِ الذِّرَاعُ ، كَقَطْعِ السَّارِقِ ، وَمَسِّ الْفَرْجِ ، وَقَدْ احْتَجَّ ابْنُ عَبَّاسٍ بِهَذَا فَقَالَ : إنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ فِي التَّيَمُّمِ : { فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ } وَقَالَ : { وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا } .\rوَكَانَتْ السُّنَّةُ فِي الْقَطْعِ مِنْ الْكَفَّيْنِ ، إنَّمَا هُوَ الْوَجْهُ وَالْكَفَّانِ .\rيَعْنِي التَّيَمُّمَ .\rوَأَمَّا أَحَادِيثُهُمْ فَضَعِيفَةٌ .\rقَالَ الْخَلَّالُ : الْأَحَادِيثُ فِي ذَلِكَ ضَعِيفَةٌ جِدًّا ، وَلَمْ يَرْوِ مِنْهَا أَصْحَابُ السُّنَنِ إلَّا حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ .\rوَقَالَ أَحْمَدُ : لَيْسَ بِصَحِيحٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّمَا هُوَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، وَهُوَ عِنْدَهُمْ حَدِيثٌ مُنْكَرٌ .\rوَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : يَرْوِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ ثَابِتٍ ، وَهُوَ ضَعِيفٌ وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : لَمْ يَرْوِهِ غَيْرُ مُحَمَّدِ بْنِ ثَابِتٍ ، وَبِهِ يُعْرَفُ ، وَمِنْ أَجْلِهِ يَضْعُفُ عِنْدَهُمْ ، وَهُوَ حَدِيثٌ مُنْكَرٌ .\rوَحَدِيثُ ابْنِ الصِّمَّةِ صَحِيحٌ ، لَكِنْ إنَّمَا جَاءَ فِي الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ : فَمَسَحَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ .\rفَيَكُونُ حُجَّةً لَنَا ؛ لِأَنَّ مَا عُلِّقَ عَلَى مُطْلَقِ الْيَدَيْنِ لَا يَتَنَاوَلُ الذِّرَاعَيْنِ .\rثُمَّ أَحَادِيثُهُمْ لَا تُعَارِضُ حَدِيثَنَا ؛ فَإِنَّهَا تَدُلُّ عَلَى جَوَازِ التَّيَمُّمِ بِضَرْبَتَيْنِ ، وَلَا يَنْفِي ذَلِكَ جَوَازَ التَّيَمُّمِ بِضَرْبَةٍ ، كَمَا أَنَّ وُضُوءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا لَا يَنْفِي الْإِجْزَاءَ بِمَرَّةٍ وَاحِدَةٍ .\rفَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ رُوِيَ فِي حَدِيثِ عَمَّارٍ : إلَى الْمِرْفَقَيْنِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ بِالْكَفَّيْنِ الْيَدَيْنِ إلَى الْمِرْفَقَيْنِ .\rقُلْنَا : أَمَّا حَدِيثُهُ إلَى الْمِرْفَقَيْنِ ، فَلَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ ، إنَّمَا رَوَاهُ سَلَمَةُ ، وَشَكَّ فِيهِ ، فَقَالَ لَهُ مَنْصُورٌ : مَا تَقُولُ فِيهِ ، فَإِنَّهُ لَا يَذْكُرُ الذِّرَاعَيْنِ أَحَدٌ غَيْرُك ؟ فَشَكَّ ، وَقَالَ : لَا أَدْرِي ، أَذَكَرَ الذِّرَاعَيْنِ ، أَمْ لَا ؟ قَالَ ذَلِكَ النَّسَائِيّ .\rفَلَا يَثْبُتُ مَعَ","part":1,"page":418},{"id":418,"text":"الشَّكِّ ، وَقَدْ أُنْكِرَ عَلَيْهِ ، وَخَالَفَ بِهِ سَائِرَ الرُّوَاةِ الثِّقَاتِ ، فَكَيْفَ يُلْتَفَتُ إلَى مِثْلِ هَذَا ؟ وَهُوَ لَوْ انْفَرَدَ لَمْ يُعَوَّلْ عَلَيْهِ ، وَلَمْ يُحْتَجَّ بِهِ .\rوَأَمَّا التَّأْوِيلُ فَبَاطِلٌ ؛ لِوُجُوهٍ : أَحَدُهَا ، أَنَّ عَمَّارًا الرَّاوِيَ لَهُ الْحَاكِيَ لِفِعْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَفْتَى بَعْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي التَّيَمُّمِ لِلْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ عَمَلًا بِالْحَدِيثِ .\rوَقَدْ شَاهَدَ فِعْلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْفِعْلُ لَا احْتِمَالَ فِيهِ .\rوَالثَّانِي أَنَّهُ قَالَ ضَرْبَةٌ وَاحِدَةٌ ، وَهُمْ يَقُولُونَ ضَرْبَتَانِ .\rوَالثَّالِثُ أَنَّنَا لَا نَعْرِفُ فِي اللُّغَةِ التَّعْبِيرَ بِالْكَفَّيْنِ عَنْ الذِّرَاعَيْنِ .\rوَالرَّابِعُ أَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ الْخَبَرَيْنِ بِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْفِعْلَيْنِ جَائِزٌ أَقْرَبُ مِنْ تَأْوِيلِهِمْ وَأَسْهَلُ ، وَقِيَاسُهُمْ يَنْتَقِضُ بِالتَّيَمُّمِ عَنْ الْغُسْلِ الْوَاجِبِ ، فَإِنَّهُ يَنْقُصُ عَنْ الْمُبْدَلِ ، وَكَذَلِكَ فِي الْوُضُوءِ ، فَإِنَّهُ فِي أَرْبَعَةِ أَعْضَاءَ ، وَالتَّيَمُّمُ فِي عُضْوَيْنِ ، وَكَذَا نَقُولُ فِي الْوَجْهِ ، فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ مَسْحُ مَا تَحْتَ الشُّعُورِ الْخَفِيفَةِ ، وَلَا الْمَضْمَضَةُ وَالِاسْتِنْشَاقُ .","part":1,"page":419},{"id":419,"text":"( 349 ) فَصْلٌ : وَلَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ أَنَّهُ يُجْزِئُ التَّيَمُّمُ بِضَرْبَةٍ وَاحِدَةٍ وَبِضَرْبَتَيْنِ ، وَإِنْ تَيَمَّمَ بِأَكْثَرَ مِنْ ضَرْبَتَيْنِ جَازَ أَيْضًا ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ إيصَالُ التُّرَابِ إلَى مَحَلِّ الْفَرْضِ ، فَكَيْفَمَا حَصَلَ جَازَ ، كَالْوُضُوءِ","part":1,"page":420},{"id":420,"text":"( 350 ) فَصْلٌ : فَإِنْ وَصَلَ التُّرَابُ إلَى وَجْهِهِ وَيَدَيْهِ بِغَيْرِ ضَرْبٍ ، نَحْوُ أَنْ يَنْسِفَ الرِّيحُ عَلَيْهِ غُبَارًا يَعُمُّهُ ، فَإِنْ كَانَ قَصَدَ ذَلِكَ ، وَأَحْضَرَ النِّيَّةَ ، احْتَمَلَ أَنْ يُجْزِئَهُ ، كَمَا لَوْ صَمَدَ لِلْمَطَرِ حَتَّى جَرَى عَلَى أَعْضَائِهِ .\rوَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَمْسَحْ بِهِ ، وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِالْمَسْحِ بِهِ .\rفَإِنْ مَسَحَ وَجْهَهُ بِمَا عَلَى وَجْهِهِ ، احْتَمَلَ أَنْ يُجْزِئَهُ ؛ لِأَنَّهُ مَسَحَ بِالتُّرَابِ ، وَاحْتَمَلَ أَنْ لَا يُجْزِئَهُ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِقَصْدِ الصَّعِيدِ وَالْمَسْحِ بِهِ ، وَلَمْ يَأْخُذْ الصَّعِيدَ .\rوَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَصَدَ الرِّيحَ ، وَلَا صَمَدَ لَهَا ، فَأَخَذَ غَيْرَ مَا عَلَى وَجْهِهِ ، فَمَسَحَ بِهِ وَجْهَهُ ، جَازَ .\rوَإِنْ أَمَرَّ مَا عَلَى وَجْهِهِ ، مِنْهُ عَلَى وَجْهِهِ ، لَمْ يُجْزِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْخُذْ التُّرَابَ لِوَجْهِهِ","part":1,"page":421},{"id":421,"text":"( 351 ) فَصْلٌ : إذَا عَلَا عَلَى يَدَيْهِ تُرَابٌ كَثِيرٌ ، لَمْ يُكْرَهْ نَفْخُهُ ؛ فَإِنَّ فِي حَدِيثِ عَمَّارٍ { ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضَرَبَ بِكَفَّيْهِ الْأَرْضَ ، وَنَفَخَ فِيهِمَا } .\rقَالَ أَحْمَدُ : لَا يَضُرُّهُ فَعَلَ أَوْ لَمْ يَفْعَلْ .\rوَإِنْ كَانَ خَفِيفًا ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا : يُكْرَهُ نَفْخُهُ ، رِوَايَةً وَاحِدَةً .\rفَإِنْ ذَهَبَ مَا عَلَيْهَا بِالنَّفْخِ ، لَمْ يُجْزِهِ حَتَّى يُعِيدَ الضَّرْبَ ؛ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِالْمَسْحِ بِشَيْءٍ مِنْ الصَّعِيدِ .","part":1,"page":422},{"id":422,"text":"( 352 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَيَضْرِبُ بِيَدَيْهِ عَلَى الصَّعِيدِ الطَّيِّبِ ، وَهُوَ التُّرَابُ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ إلَّا بِتُرَابٍ طَاهِرٍ ذِي غُبَارٍ يَعْلَقُ بِالْيَدِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : { فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ } .\rقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : الصَّعِيدُ تُرَابُ الْحَرْثِ .\rوَقِيلَ فِي قَوْله تَعَالَى : ( فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقَا ) تُرَابًا أَمْلَسَ .\rوَالطَّيِّبُ : الطَّاهِرُ ، وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو يُوسُفَ ، وَدَاوُد .\rوَقَالَ مَالِكٌ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ : يَجُوزُ بِكُلِّ حَالٍ مَا كَانَ مِنْ جِنْسِ الْأَرْضِ ؛ كَالنُّورَةِ وَالزِّرْنِيخِ وَالْحِجَارَةِ .\rوَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : الرَّمْلُ مِنْ الصَّعِيدِ .\rوَقَالَ حَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ : لَا بَأْسَ أَنْ يَتَيَمَّمَ بِالرُّخَامِ ؛ لِمَا رَوَى الْبُخَارِيُّ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { جُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا } .\rوَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ { ، أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنَّا نَكُونُ بِالرَّمْلِ فَتُصِيبُنَا الْجَنَابَةُ ، وَالْحَيْضُ ، وَالنِّفَاسُ ، وَلَا نَجِدُ الْمَاءَ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ أَوْ خَمْسَةَ أَشْهُرٍ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : عَلَيْكُمْ بِالْأَرْضِ } .\rوَلِأَنَّهُ مِنْ جِنْسِ الْأَرْضِ ، فَجَازَ التَّيَمُّمُ بِهِ كَالتُّرَابِ .\rوَلَنَا الْآيَةُ ؛ فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ أَمَرَ بِالتَّيَمُّمِ بِالصَّعِيدِ ، وَهُوَ التُّرَابُ ، فَقَالَ : { فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ } ، وَلَا يَحْصُلُ الْمَسْحُ بِشَيْءٍ مِنْهُ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ ذَا غُبَارٍ يَعْلَقُ بِالْيَدِ ، وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : { قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أُعْطِيتُ مَا لَمْ يُعْطَ نَبِيٌّ مِنْ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ ، جُعِلَ لِي التُّرَابُ طَهُورًا } .\rوَذَكَرَ الْحَدِيثَ ، رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ فِي \" مُسْنَدِهِ \" ، وَلَوْ كَانَ غَيْرُ التُّرَابِ طَهُورًا","part":1,"page":423},{"id":423,"text":"لَذَكَرَهُ فِيمَا مَنَّ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ عَلَيْهِ ، وَقَدْ رَوَى حُذَيْفَةُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { جُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَتُرَابُهَا طَهُورًا } .\rفَخَصَّ تُرَابَهَا بِكَوْنِهِ طَهُورًا ؛ وَلِأَنَّ الطَّهَارَةَ اخْتَصَّتْ بِأَعَمِّ الْمَائِعَاتِ وُجُودًا ، وَهُوَ الْمَاءُ ، فَتَخْتَصُّ بِأَعَمِّ الْجَامِدَاتِ وُجُودًا ، وَهُوَ التُّرَابُ ، وَخَبَرُ أَبِي ذَرٍّ نَخُصُّهُ بِحَدِيثِنَا ، وَخَبَرُ أَبِي هُرَيْرَةَ يَرْوِيهِ الْمُثَنَّى بْنُ الصَّبَّاحِ ، وَهُوَ ضَعِيف","part":1,"page":424},{"id":424,"text":"( 353 ) فَصْلٌ : وَعَنْ أَحْمَدَ ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، رِوَايَةٌ أُخْرَى ، فِي السَّبِخَةِ وَالرَّمْلِ ، أَنَّهُ يَجُوزُ التَّيَمُّمُ بِهِ .\rقَالَ أَبُو الْحَارِثِ : قَالَ أَحْمَدُ : أَرْضُ الْحَرْثِ أَحَبُّ إلَيَّ ، وَإِنْ تَيَمَّمَ مِنْ أَرْضِ السَّبِخَةِ أَجْزَأَهُ .\rقَالَ الْقَاضِي : الْمَوْضِعُ الَّذِي أَجَازَ التَّيَمُّمَ بِهَا إذَا كَانَ لَهَا غُبَارٌ ، وَالْمَوْضِعُ الَّذِي مَنَعَ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا غُبَارٌ .\rقَالَ : وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ فِي الرَّمْلِ مِثْلُ ذَلِكَ .\rوَعَنْهُ أَنَّهُ يَجُوزُ ذَلِكَ مَعَ الِاضْطِرَارِ خَاصَّةً .\rقَالَ : وَفِي رِوَايَةِ سِنْدِيٍّ : أَرْضُ الْحَرْثِ أَجْوَدُ مِنْ السَّبَخِ ، وَمِنْ مَوْضِعِ النُّورَةِ وَالْحَصَا ، إلَّا أَنْ يُضْطَرَّ إلَى ذَلِكَ ، فَإِنْ اُضْطُرَّ أَجْزَأَهُ .\rقَالَ الْخَلَّالُ : إنَّمَا سَهَّلَ أَحْمَدُ فِيهَا إذَا اُضْطُرَّ إلَيْهَا ، إذَا كَانَتْ غَبَرَةً كَالتُّرَابِ ، فَأَمَّا إذَا كَانَتْ قَلِحَةً كَالْمِلْحِ ، فَلَا يَتَيَمَّمُ بِهَا أَصْلًا .\rوَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى : يَتَيَمَّمُ عِنْدَ عَدَمِ التُّرَابِ بِكُلِّ طَاهِرٍ تَصَاعَدَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ ، مِثْلُ الرَّمْلِ وَالسَّبِخَةِ وَالنُّورَةِ وَالْكُحْلِ ، وَمَا فِي مَعْنَى ذَلِكَ ، وَيُصَلِّي ، وَهَلْ يُعِيدُ ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ .","part":1,"page":425},{"id":425,"text":"( 354 ) فَصْلٌ : فَإِنْ دُقَّ الْخَزَفُ أَوْ الطِّينُ الْمُحْرَقُ ، لَمْ يَجُزْ التَّيَمُّمُ بِهِ ؛ لِأَنَّ الطَّبْخَ أَخْرَجَهُ عَنْ أَنْ يَقَعَ عَلَيْهِ اسْمُ التُّرَابِ .\rوَكَذَا إنْ نُحِتَ الْمَرْمَرُ وَالْكَذَّانُ حَتَّى صَارَ غُبَارًا ، لَمْ يَجُزْ التَّيَمُّمُ بِهِ ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ تُرَابٍ .\rوَإِنْ دُقَّ الطِّينُ الصُّلْبُ كَالْأَرْمَنِيِّ ، جَازَ التَّيَمُّمُ بِهِ ؛ لِأَنَّهُ تُرَابٌ .","part":1,"page":426},{"id":426,"text":"( 355 ) فَصْلٌ : فَإِنْ ضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى لِبْدٍ أَوْ ثَوْبٍ أَوْ جَوَالِقَ أَوْ بَرْذَعَةٍ أَوْ فِي شَعِيرٍ ، فَعَلِقَ بِيَدَيْهِ غُبَارٌ ، فَتَيَمَّمَ بِهِ ، جَازَ .\rنَصَّ أَحْمَدُ عَلَى ذَلِكَ كُلِّهِ .\rوَكَلَامُ أَحْمَدَ يَدُلُّ عَلَى اعْتِبَارِ التُّرَابِ حَيْثُ كَانَ ، فَعَلَى هَذَا لَوْ ضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى صَخْرَةٍ ، أَوْ حَائِطٍ ، أَوْ حَيَوَانٍ ، أَوْ أَيِّ شَيْءٍ كَانَ ، فَصَارَ عَلَى يَدَيْهِ غُبَارٌ ، جَازَ لَهُ التَّيَمُّمُ بِهِ .\rوَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ غُبَارٌ ، فَلَا يَجُوزُ وَقَدْ رَوَى ابْنُ عُمَرَ { ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضَرَبَ يَدَيْهِ عَلَى الْحَائِطِ ، وَمَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ ، ثُمَّ ضَرَبَ ضَرْبَةً أُخْرَى ، فَمَسَحَ ذِرَاعَيْهِ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَرَوَى الْأَثْرَمُ ، عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : لَا يَتَيَمَّمُ بِالثَّلْجِ ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ ، فَضِفَّةُ سَرْجِهِ ، أَوْ مَعْرِفَةُ دَابَّتِهِ .\rوَأَجَازَ مَالِكٌ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، التَّيَمُّمَ بِصَخْرَةٍ لَا غُبَارَ عَلَيْهَا ، وَتُرَابٍ نَدِيٍّ لَا يَعْلَقُ بِالْيَدِ مِنْهُ غُبَارٌ .\rوَأَجَازَ مَالِكٌ التَّيَمُّمَ بِالثَّلْجِ ، وَالْجِبْسِ ، وَكُلِّ مَا تَصَاعَدَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ .\rوَلَا يَجُوزُ عِنْدَهُ التَّيَمُّمُ بِغُبَارِ اللِّبْدِ وَالثَّوْبِ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا ضَرَبَ بِيَدِهِ نَفَخَهُمَا .\rوَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ } .\r\" وَمِنْ \" لِلتَّبْعِيضِ ، فَيَحْتَاجُ أَنْ يَمْسَحَ بِجُزْءٍ مِنْهُ ، وَالنَّفْخُ لَا يُزِيلُ الْغُبَارَ الْمُلَاصِقَ ، وَذَلِكَ يَكْفِي .","part":1,"page":427},{"id":427,"text":"( 356 ) فَصْلٌ : إذَا خَالَطَ التُّرَابُ مَا لَا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ بِهِ ، كَالنُّورَةِ وَالزِّرْنِيخِ وَالْجِصِّ ، فَقَالَ الْقَاضِي : حُكْمُهُ حُكْمُ الْمَاءِ إذَا خَالَطَتْهُ الطَّاهِرَاتُ ، إنْ كَانَتْ الْغَلَبَةُ لِلتُّرَابِ جَازَ ، وَإِنْ كَانَتْ الْغَلَبَةُ لِلْمُخَالِطِ ، لَمْ يَجُزْ .\rوَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ : يَمْنَعُ ، وَإِنْ كَانَ قَلِيلًا .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا حَصَلَ فِي الْعُضْوِ ، فَمَنَعَ وُصُولَ التُّرَابِ إلَيْهِ .\rوَهَذَا فِيمَا يَعْلَقُ بِالْيَدِ ، فَأَمَّا مَا لَا يَعْلَقُ بِالْيَدِ ، فَلَا يَمْنَعُ ؛ فَإِنَّ أَحْمَدَ قَدْ نَصَّ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ التَّيَمُّمُ مِنْ الشَّعِيرِ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا يَحْصُلُ عَلَى الْيَدِ مِنْهُ مَا يَحُولُ بَيْنَ الْغُبَارِ وَبَيْنَهَا .","part":1,"page":428},{"id":428,"text":"( 357 ) فَصْلٌ : إذَا كَانَ فِي طِينٍ لَا يَجِدُ تُرَابًا ، فَحُكِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ : يَأْخُذُ الطِّينَ ، فَيَطْلِي بِهِ جَسَدَهُ .\rفَإِذَا جَفَّ تَيَمَّمَ بِهِ .\rوَإِنْ خَافَ فَوَاتَ الْوَقْتِ قَبْلَ جَفَافِهِ ، فَهُوَ كَالْعَادِمِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ إنْ كَانَ يَجِفُّ قَرِيبًا انْتَظَرَ جَفَافَهُ ، وَإِنْ فَاتَ الْوَقْتُ ؛ لِأَنَّهُ كَطَالِبِ الْمَاءِ الْقَرِيبِ ، وَالْمُشْتَغِلِ بِتَحْصِيلِهِ مِنْ بِئْرٍ وَنَحْوِهِ .\rوَإِنْ لَطَّخَ وَجْهَهُ بِطِينٍ ، لَمْ يُجْزِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقَعْ عَلَيْهِ اسْمُ الصَّعِيدِ ؛ وَلِأَنَّهُ لَا غُبَارَ فِيهِ ، أَشْبَهَ التُّرَابَ النَّدِيَّ .","part":1,"page":429},{"id":429,"text":"( 358 ) فَصْلٌ : وَإِنْ عَدِمَ بِكُلِّ حَالٍ صَلَّى عَلَى حَسَبِ حَالِهِ .\rوَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ : لَا يُصَلِّي حَتَّى يَقْدِرَ ، ثُمَّ يَقْضِيَ ؛ لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ لَا تُسْقِطُ الْقَضَاءَ ، فَلَمْ تَكُنْ وَاجِبَةً ، كَصِيَامِ الْحَائِضِ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : لَا يُصَلِّي وَلَا يَقْضِي ؛ لِأَنَّهُ عَجَزَ عَنْ الطَّهَارَةِ ، فَلَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ ، كَالْحَائِضِ .\rوَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : هَذِهِ رِوَايَةٌ مُنْكَرَةٌ عَنْ مَالِكٍ .\rوَذَكَرَ عَنْ أَصْحَابِهِ قَوْلَيْنِ : أَحَدُهُمَا كَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَالثَّانِي يُصَلِّي عَلَى حَسَبِ حَالِهِ ، وَيُعِيدُ .\rوَلَنَا مَا رَوَى مُسْلِمٌ فِي \" صَحِيحِهِ \" { ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ أُنَاسًا لِطَلَبِ قِلَادَةٍ أَضَلَّتْهَا عَائِشَةُ ، فَحَضَرَتْ الصَّلَاةُ ، فَصَلَّوْا بِغَيْرِ وُضُوءٍ ، فَأَتَوْا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرُوا ذَلِكَ لَهُ ، فَنَزَلَتْ آيَةُ التَّيَمُّمِ .\rوَلَمْ يُنْكِرْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ ، وَلَا أَمَرَهُمْ ، بِإِعَادَةٍ } .\rفَدَلَّ عَلَى أَنَّهَا غَيْرُ وَاجِبَةٍ ؛ وَلِأَنَّ الطَّهَارَةَ شَرْطٌ ، فَلَمْ تُؤَخَّرْ الصَّلَاةُ عِنْدَ عَدَمِهَا ، كَالسُّتْرَةِ وَاسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ .\rوَإِذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِذَا صَلَّى عَلَى حَسَبِ حَالِهِ ، ثُمَّ وَجَدَ الْمَاءَ أَوْ التُّرَابَ ، لَمْ يَلْزَمْهُ إعَادَةُ الصَّلَاةِ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ ، وَالْأُخْرَى عَلَيْهِ الْإِعَادَةُ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ فَقَدَ شَرْطَ الصَّلَاةِ ، أَشْبَهَ مَا لَوْ صَلَّى بِالنَّجَاسَةِ .\rوَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْخَبَرِ ؛ وَلِأَنَّهُ أَتَى بِمَا أُمِرَ ، فَخَرَجَ عَنْ عُهْدَتِهِ ؛ لِأَنَّهُ شَرْطٌ مِنْ شَرَائِطِ الصَّلَاةِ فَيَسْقُطُ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْهُ ، كَسَائِرِ شُرُوطِهَا وَأَرْكَانِهَا ؛ وَلِأَنَّهُ أَدَّى فَرْضَهُ عَلَى حَسَبِهِ ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ الْإِعَادَةُ ، كَالْعَاجِزِ عَنْ السُّتْرَةِ إذَا صَلَّى عُرْيَانًا ، وَالْعَاجِزِ عَنْ الِاسْتِقْبَالِ إذَا صَلَّى إلَى غَيْرِهَا ،","part":1,"page":430},{"id":430,"text":"وَالْعَاجِزِ عَنْ الْقِيَامِ إذَا صَلَّى جَالِسًا ، وَقِيَاسُ أَبِي حَنِيفَةَ عَلَى الْحَائِضِ فِي تَأْخِيرِ الصِّيَامِ لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ الصَّوْمَ يَدْخُلُهُ التَّأْخِيرُ ، بِخِلَافِ الصَّلَاةِ ، بِدَلِيلِ أَنَّ الْمُسَافِرَ يُؤَخِّرُ الصَّوْمَ دُونَ الصَّلَاةِ ؛ وَلِأَنَّ عَدَمَ الْمَاءِ لَوْ قَامَ مَقَامَ الْحَيْضِ لَأَسْقَطَ الصَّلَاةَ بِالْكُلِّيَّةِ ؛ وَلِأَنَّ قِيَاسَ الصَّلَاةِ عَلَى الصَّلَاةِ أَوْلَى مِنْ قِيَاسِهَا عَلَى الصِّيَامِ ، وَأَمَّا قِيَاسُ مَالِكٍ فَلَا يَصِحُّ { ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ } .\rوَقِيَاسُ الطَّهَارَةِ عَلَى سَائِرِ شَرَائِطِ الصَّلَاةِ أَوْلَى مِنْ قِيَاسِهَا عَلَى الْحَائِضِ ، فَإِنَّ الْحَيْضَ أَمْرٌ مُعْتَادٌ يَتَكَرَّرُ عَادَةً ، وَالْعَجْزُ هَاهُنَا عُذْرٌ نَادِرٌ غَيْرُ مُعْتَادٍ ، فَلَا يَصِحُّ قِيَاسُهُ عَلَى الْحَيْضِ ؛ وَلِأَنَّ هَذَا عُذْرٌ نَادِرٌ فَلَمْ يُسْقِطْ الْفَرْضَ ، كَنِسْيَانِ الصَّلَاةِ وَفَقْدِ سَائِرِ الشُّرُوطِ .\rوَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ","part":1,"page":431},{"id":431,"text":"( 359 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَيَنْوِي بِهِ الْمَكْتُوبَةَ ) لَا نَعْلَمُ خِلَافًا فِي أَنَّ التَّيَمُّمَ لَا يَصِحُّ إلَّا بِنِيَّةٍ ، غَيْرَ مَا حُكِيَ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ ، وَالْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ أَنَّهُ يَصِحُّ بِغَيْرِ نِيَّةٍ .\rوَسَائِرُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى إيجَابِ النِّيَّةِ فِيهِ .\rوَمِمَّنْ قَالَ ذَلِكَ : رَبِيعَةُ ، وَمَالِكٌ ، وَاللَّيْثُ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ؛ وَذَلِكَ لِمَا ذَكَرْنَا فِي الْوُضُوءِ ، وَيَنْوِي اسْتِبَاحَةَ الصَّلَاةِ .\rفَإِنْ نَوَى رَفْعَ الْحَدَثِ لَمْ يَصِحَّ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ .\rقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ طَهَارَةَ التَّيَمُّمِ لَا تَرْفَعُ الْحَدَثَ إذَا وَجَدَ الْمَاءَ ، بَلْ مَتَى وَجَدَهُ أَعَادَ الطَّهَارَةَ ، جُنُبًا كَانَ أَوْ مُحْدِثًا .\rوَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَغَيْرِهِمَا ، وَحُكِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يَرْفَعُ الْحَدَثَ ؛ لِأَنَّهُ طَهَارَةٌ عَنْ حَدَثٍ يُبِيحُ الصَّلَاةَ ، فَيَرْفَعُ الْحَدَثَ ، كَطَهَارَةِ الْمَاءِ .\rوَلَنَا أَنَّهُ لَوْ وَجَدَ الْمَاءَ لَزِمَهُ اسْتِعْمَالُهُ لِرَفْعِ الْحَدَثِ الَّذِي كَانَ قَبْلَ التَّيَمُّمِ ، إنْ كَانَ جُنُبًا ، أَوْ مُحْدِثًا ، أَوْ امْرَأَةً حَائِضًا ، وَلَوْ رَفَعَ الْحَدَثَ لَاسْتَوَى الْجَمِيعُ ؛ لِاسْتِوَائِهِمْ فِي الْوِجْدَانِ ؛ وَلِأَنَّهَا طَهَارَةُ ضَرُورَةٍ ، فَلَمْ تَرْفَعْ الْحَدَثَ كَطَهَارَةِ الْمُسْتَحَاضَةِ ، وَبِهَذَا فَارَقَ الْمَاءَ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّهُ إنْ نَوَى بِتَيَمُّمِهِ فَرِيضَةً ، فَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَ مَا شَاءَ مِنْ الْفَرْضِ وَالنَّفَلِ ، سَوَاءٌ نَوَى فَرِيضَةً مُعَيَّنَةً أَوْ مُطْلَقَةً .\rفَإِنْ نَوَى نَفْلًا أَوْ صَلَاةً مُطْلَقَةً ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يُصَلِّيَ بِهِ إلَّا نَافِلَةً .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ مَا شَاءَ ؛ لِأَنَّهَا طَهَارَةٌ يَصِحُّ بِهَا النَّفَلُ ، فَصَحَّ بِهَا الْفَرْضُ ، كَطَهَارَةِ الْمَاءِ .\rوَلَنَا قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ ،","part":1,"page":432},{"id":432,"text":"وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى } .\rوَهَذَا لَمْ يَنْوِي الْفَرْضَ ، فَلَا يَكُونُ لَهُ ، وَفَارَقَ طَهَارَةَ الْمَاءِ ؛ لِأَنَّهَا تَرْفَعُ الْحَدَثَ الْمَانِعَ مِنْ فِعْلِ الصَّلَاةِ ، فَيُبَاحُ لَهُ جَمِيعُ مَا يَمْنَعُهُ الْحَدَثُ .\rوَلَا يَلْزَمُ اسْتِبَاحَةُ النَّفْلِ بِنِيَّةِ الْفَرْضِ ؛ لِأَنَّ الْفَرْضَ أَعْلَى مَا فِي الْبَابِ ، فَنِيَّتُهُ تَضَمَّنَتْ نِيَّةَ مَا دُونَهُ ، وَإِذَا اسْتَبَاحَهُ اسْتَبَاحَ مَا دُونَهُ تَبَعًا .","part":1,"page":433},{"id":433,"text":"( 360 ) فَصْلٌ : إذَا نَوَى الْفَرْضَ اسْتَبَاحَ كُلَّ مَا يُبَاحُ بِالتَّيَمُّمِ مِنْ النَّفْلِ ، قَبْلَ الْفَرْضِ وَبَعْدَهُ ، وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ ، وَمَسِّ الْمُصْحَفِ ، وَاللُّبْثِ فِي الْمَسْجِدِ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ : وَقَالَ مَالِكٌ : لَا يَتَطَوَّعُ قَبْلَ الْفَرِيضَةِ بِصَلَاةٍ غَيْرِ رَاتِبَةٍ .\rوَحُكِيَ نَحْوُهُ عَنْ أَحْمَدَ ؛ لِأَنَّ النَّفَلَ تَبَعٌ لِلْفَرْضِ ، فَلَا يَتَقَدَّمُ الْمَتْبُوعَ .\rوَلَنَا أَنَّهُ تَطَوُّعٌ ، فَأُبِيحَ لَهُ فِعْلُهُ إذَا نَوَى الْفَرْضَ ، كَالسُّنَنِ الرَّاتِبَةِ وَكَمَا بَعْدَ الْفَرْضِ .\rوَقَوْلُهُ : إنَّهُ تَبَعٌ قُلْنَا : إنَّمَا هُوَ تَبَعٌ فِي الِاسْتِبَاحَةِ ، لَا فِي الْفِعْلِ ، كَالسُّنَنِ الرَّاتِبَةِ ، وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ ، وَغَيْرِهِمَا .\rوَإِنْ نَوَى نَافِلَةً أُبِيحَتْ لَهُ ، وَأُبِيحَ لَهُ قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ ، وَمَسُّ الْمُصْحَفِ ، وَالطَّوَافُ ؛ لِأَنَّ النَّافِلَةَ آكَدُ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ ؛ لِأَنَّ الطَّهَارَتَيْنِ مُشْتَرَطَتَانِ لَهَا بِالْإِجْمَاعِ ، وَفِي اشْتِرَاطِهِمَا لِمَا سِوَاهَا خِلَافٌ ، فَيَدْخُلُ الْأَدْنَى فِي الْأَعْلَى ، كَدُخُولِ النَّافِلَةِ فِي الْفَرِيضَةِ ؛ وَلِأَنَّ النَّفَلَ يَشْتَمِلُ عَلَى قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ ، فَنِيَّةُ النَّفْلِ تَشْمَلُهُ وَإِنْ نَوَى شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ لَمْ يُبَحْ لَهُ التَّنَفُّلُ بِالصَّلَاةِ ؛ لِأَنَّهُ أَدْنَى ، فَلَا يَسْتَبِيحُ الْأَعْلَى بِنِيَّتِهِ ، كَالْفَرْضِ مَعَ النَّفْلِ .\rوَإِنْ تَيَمَّمَ لِلطَّوَافِ أُبِيحَ لَهُ قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ ، وَاللُّبْثُ فِي الْمَسْجِدِ ؛ لِأَنَّهُ أَعْلَى مِنْهُمَا ، فَإِنَّهُ صَلَاةٌ ، وَيُشْتَرَطُ لَهُ الطَّهَارَتَانِ ، وَلَهُ نَفْلٌ وَفَرْضٌ ، وَيَدْخُلُ فِي ضِمْنِهِ اللُّبْثُ فِي الْمَسْجِدِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ إلَّا فِي الْمَسْجِدِ .\rوَإِنْ نَوَى أَحَدَهُمَا لَمْ يَسْتَبِحْ الطَّوَافَ ؛ لِأَنَّهُ أَعْلَى مِنْهُمَا .\rوَإِنْ نَوَى فَرْضَ الطَّوَافِ ، اسْتَبَاحَ نَفْلَهُ .\rوَإِنْ نَوَى نَفْلَهُ ، لَمْ يَسْتَبِحْ فَرْضَهُ كَالصَّلَاةِ .\rوَإِنْ نَوَى بِتَيَمُّمِهِ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ لِكَوْنِهِ جُنُبًا ، أَوْ اللُّبْثَ فِي الْمَسْجِدِ ، أَوْ مَسَّ الْمُصْحَفِ ، لَمْ","part":1,"page":434},{"id":434,"text":"يَسْتَبِحْ غَيْرَ مَا نَوَاهُ ؛ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : \" وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى \" وَلِأَنَّهُ لَمْ يَنْوِ ذَلِكَ ، وَلَا مَا هُوَ أَعْلَى مِنْهُ ، فَلَمْ يَسْتَبِحْهُ ، كَمَا لَا يَسْتَبِيحُ الْفَرْضَ إذَا لَمْ يَنْوِهِ .","part":1,"page":435},{"id":435,"text":"( 361 ) فَصْلٌ : وَإِنْ تَيَمَّمَ الصَّبِيُّ لِإِحْدَى الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ ، ثُمَّ بَلَغَ ، لَمْ يَسْتَبِحْ بِتَيَمُّمِهِ فَرْضًا ؛ لِأَنَّ مَا نَوَاهُ كَانَ نَفْلًا ، وَيُبَاحُ أَنْ يَتَنَفَّلَ بِهِ ، كَمَا لَوْ نَوَى بِهِ الْبَالِغُ النَّفَلَ .\rفَأَمَّا إنْ تَوَضَّأَ قَبْلَ الْبُلُوغِ ، ثُمَّ بَلَغَ ، فَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَ بِهِ فَرْضًا وَنَفْلًا ؛ لِأَنَّ الْوُضُوءَ لِلنَّفْلِ يُبِيحُ فِعْلَ الْفَرْضِ .","part":1,"page":436},{"id":436,"text":"( 362 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( فَيَمْسَحُ بِهِمَا وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ ) لَا خِلَافَ فِي وُجُوبِ مَسْحِ الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ } وَيَجِبُ مَسْحُ جَمِيعِهِ ، وَاسْتِيعَابُ مَا يَأْتِي عَلَيْهِ الْمَاءُ مِنْهَا ، لَا يَسْقُطُ مِنْهَا إلَّا الْمَضْمَضَةُ وَالِاسْتِنْشَاقُ ، وَمَا تَحْتَ الشُّعُورِ الْخَفِيفَةِ ، وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُد : يُجْزِئُهُ إنْ لَمْ يُصِبْ إلَّا بَعْضَ وَجْهِهِ وَبَعْضَ كَفَّيْهِ .\rوَلَنَا قَوْله تَعَالَى : { فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ } وَالْبَاءُ زَائِدَةٌ ، فَصَارَ كَأَنَّهُ قَالَ : فَامْسَحُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ مِنْهُ .\rفَيَجِبُ تَعْمِيمُهُمَا ، كَمَا يَجِبُ تَعْمِيمُهُمَا بِالْغَسْلِ ؛ لِقَوْلِهِ : { فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إلَى الْمَرَافِقِ } .\rفَيَضْرِبُ ضَرْبَةً وَاحِدَةً ، فَيَمْسَحُ وَجْهَهُ بِبَاطِنِ أَصَابِعِ يَدَيْهِ ، وَظَاهِرَ كَفَّيْهِ إلَى الْكُوعَيْنِ بِبَاطِنِ رَاحَتَيْهِ ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَمْسَحَ إحْدَى الرَّاحَتَيْنِ بِالْأُخْرَى ، وَيُخَلِّلَ بَيْنَ الْأَصَابِعِ ، وَلَيْسَ بِفَرْضٍ ؛ لِأَنَّ فَرْضَ الرَّاحَتَيْنِ قَدْ سَقَطَ بِإِمْرَارِ كُلِّ وَاحِدَةٍ عَلَى ظَهْرِ الْكَفِّ .\rقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ : رَأَيْت التَّيَمُّمَ بِضَرْبَةٍ وَاحِدَةٍ قَدْ أَسْقَطَ تَرْتِيبًا مُسْتَحَقًّا فِي الْوُضُوءِ ، وَهُوَ أَنَّهُ يَعْتَدُّ بِمَسْحِ بَاطِنِ يَدَيْهِ قَبْلَ مَسْحِ وَجْهِهِ ، وَكَيْفَمَا مَسَحَ بَعْدَ اسْتِيعَابِ مَحَلِّ الْفَرْضِ أَجْزَأَهُ ، سَوَاءٌ كَانَ بِضَرْبَةٍ ، أَوْ ضَرْبَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثٍ ، أَوْ أَكْثَرَ .","part":1,"page":437},{"id":437,"text":"( 363 ) فَصْلٌ : وَإِنْ تَيَمَّمَ بِضَرْبَتَيْنِ لِلْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ إلَى الْمِرْفَقَيْنِ ، فَإِنَّهُ يَمْسَحُ بِالْأُولَى وَجْهَهُ ، وَيَمْسَحُ بِالثَّانِيَةِ يَدَيْهِ ، فَيَضَعُ بُطُونَ أَصَابِعِ يَدِهِ الْيُسْرَى عَلَى ظُهُورِ أَصَابِعِ يَدِهِ الْيُمْنَى ، وَيُمِرُّهَا عَلَى ظَهْرِ الْكَفِّ ، فَإِذَا بَلَغَ الْكُوعَ قَبَضَ أَطْرَافَ أَصَابِعِهِ عَلَى حَرْفِ الذِّرَاعِ ، وَيُمِرُّهَا إلَى مِرْفَقِهِ ، ثُمَّ يُدِيرُ بَطْنَ كَفِّهِ إلَى بَطْنِ الذِّرَاعِ ، وَيُمِرُّهَا عَلَيْهِ ، وَيَرْفَعُ إبْهَامَهُ ، فَإِذَا بَلَغَ الْكُوعَ أَمَرَّ الْإِبْهَامَ عَلَى ظَهْرِ إبْهَامِ يَدِهِ الْيُمْنَى ، وَيَمْسَحُ بِيَدِهِ الْيُمْنَى يَدَهُ الْيُسْرَى كَذَلِكَ ، وَيَمْسَحُ إحْدَى الرَّاحَتَيْنِ بِالْأُخْرَى ، وَيُخَلِّلُ بَيْنَ أَصَابِعِهِمَا ، وَلَوْ مَسَحَ إلَى الْمِرْفَقَيْنِ بِضَرْبَةٍ وَاحِدَةٍ ، أَوْ ثَلَاثٍ ، أَوْ أَكْثَرَ جَازَ ؛ لِأَنَّهُ مَسَحَ مَحَلَّ التَّيَمُّمِ بِالْغُبَارِ ، فَجَازَ كَمَا لَوْ مَسَحَهُ بِضَرْبَتَيْنِ .","part":1,"page":438},{"id":438,"text":"فَصْلٌ : فَإِنْ بَقِيَ مِنْ مَحَلِّ الْفَرْضِ شَيْءٌ لَمْ يَصِلْهُ التُّرَابُ ، أَمَرَّ يَدَهُ عَلَيْهِمَا ، مَا لَمْ يَفْصِلْ رَاحَتَهُ ، فَإِنْ فَصَلَ رَاحَتَهُ ، وَكَانَ قَدْ بَقِيَ عَلَيْهَا غُبَارٌ ، جَازَ أَنْ يَمْسَحَ بِهَا .\rوَإِنْ لَمْ يَبْقَ عَلَيْهَا غُبَارٌ ، احْتَاجَ إلَى ضَرْبَةٍ أُخْرَى .\rوَإِنْ كَانَ الْمَتْرُوكُ مِنْ الْوَجْهِ مَسَحَهُ ، وَأَعَادَ مَسْحَ يَدَيْهِ ، لِيَحْصُلَ التَّرْتِيبُ .\rوَإِنْ تَطَاوَلَ الْفَصْلُ بَيْنَهُمَا ، وَقُلْنَا بِوُجُوبِ الْمُوَالَاةِ ، اسْتَأْنَفَ التَّيَمُّمَ ، لِتَحْصُلَ الْمُوَالَاةُ .\rوَيُرْجَعُ فِي طُولِ الْفَصْلِ وَقِصَرِهِ إلَى الْقَدْرِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي الطَّهَارَةِ ؛ لِأَنَّ التَّيَمُّمَ فَرْعٌ عَلَيْهَا .\rوَالْحُكْمُ فِي التَّسْمِيَةِ كَالْحُكْمِ فِي التَّسْمِيَةِ فِي الْوُضُوءِ ، مَا مَضَى مِنْ الْخِلَافِ فِيهِ ؛ لِأَنَّهُ بَدَلٌ مِنْهُ .","part":1,"page":439},{"id":439,"text":"( 365 ) فَصْلٌ : وَيَجِبُ مَسْحُ الْيَدَيْنِ إلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي يُقْطَعُ مِنْهُ السَّارِقُ ، أَوْمَأَ أَحْمَدُ إلَى هَذَا لَمَّا سُئِلَ عَنْ التَّيَمُّمِ ، فَأَوْمَأَ إلَى كَفِّهِ وَلَمْ يُجَاوِزْهُ ، وَقَالَ : قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا } .\rمِنْ أَيْنَ تُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ ؟ أَلَيْسَ مِنْ هَاهُنَا ؟ وَأَشَارَ إلَى الرُّسْغِ .\rوَقَدْ رَوَيْنَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ نَحْوَ هَذَا ، فَعَلَى هَذَا ، إنْ كَانَ أَقْطَعَ مِنْ فَوْقِ الرُّسْغِ سَقَطَ مَسْحُ الْيَدَيْنِ ، وَإِنْ كَانَ مِنْ دُونِهِ مَسَحَ مَا بَقِيَ ، وَإِنْ كَانَ مِنْ الْمِفْصَلِ ، فَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ : يَمْسَحُ مَوْضِعَ الْقَطْعِ .\rقَالَ : وَنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ؛ لِأَنَّ الرُّسْغَيْنِ فِي التَّيَمُّمِ كَالْمِرْفَقَيْنِ فِي الْوُضُوءِ ، فَكَمَا أَنَّهُ إذَا قُطِعَ مِنْ الْمِرْفَقَيْنِ فِي الْوُضُوءِ ، غَسَلَ مَا بَقِيَ ، كَذَا هَاهُنَا يَمْسَحُ الْعَظْمَ الْبَاقِيَ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : يَسْقُطُ الْفَرْضُ ؛ لِأَنَّ مَحَلَّهُ الْكَفُّ الَّذِي يُؤْخَذُ فِي السَّرِقَةِ ، وَقَدْ ذَهَبَ ، لَكِنْ يُسْتَحَبُّ إمْرَارُ التُّرَابِ عَلَيْهِ .\rوَمَسْحُ الْعَظْمِ الْبَاقِي مَعَ بَقَاءِ الْكَفِّ إنَّمَا كَانَ ضَرُورَةَ اسْتِيعَابِ الْوَاجِبِ ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ لَا يَتِمُّ إلَّا بِهِ ، فَإِذَا زَالَ الْأَصْلُ الْمَأْمُورُ بِهِ ، سَقَطَ مَا وَجَبَ لِضَرُورَتِهِ ، كَمَنْ سَقَطَ عَنْهُ غَسْلُ الْوَجْهِ ، لَا يَجِبُ عَلَيْهِ غَسْلُ جُزْءٍ مِنْ الرَّأْسِ ، وَمَنْ سَقَطَ عَنْهُ الصِّيَامُ ، لَا يَجِبُ عَلَيْهِ إمْسَاكُ جُزْءٍ مِنْ اللَّيْلِ .","part":1,"page":440},{"id":440,"text":"( 366 ) فَصْلٌ : فَإِنْ أَوْصَلَ التُّرَابَ إلَى مَحَلِّ الْفَرْضِ بِخِرْقَةٍ أَوْ خَشَبَةٍ ، فَقَالَ الْقَاضِي : يُجْزِئُهُ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِالْمَسْحِ ، وَلَمْ يُعَيِّنْ آلَتَهُ ، فَلَا يَتَعَيَّنُ .\rوَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ : فِيهِ وَجْهَانِ ، بِنَاءً عَلَى مَسْحِ الرَّأْسِ بِخِرْقَةٍ رَطْبَةٍ .\rوَإِنْ مَسَحَ مَحَلَّ الْفَرْضِ بِيَدٍ وَاحِدَةٍ ، أَوْ بِبَعْضِ يَدِهِ ، أَجْزَأَهُ ، إذْ كَانَتْ يَدُهُ أَقْرَبَ إلَيْهِ مِنْ غَيْرِهَا .\rوَإِنْ يَمَّمَهُ غَيْرُهُ جَازَ ، كَمَا لَوْ وَضَّأَهُ غَيْرُهُ ، وَتُعْتَبَرُ النِّيَّةُ فِي الْمُتَيَمِّمِ دُونَ الْمُيَمِّمِ ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي يَتَعَلَّقُ الْإِجْزَاءُ وَالْمَنْعُ بِهِ .","part":1,"page":441},{"id":441,"text":"( 367 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَإِنْ كَانَ مَا ضَرَبَ بِيَدَيْهِ غَيْرَ طَاهِرٍ لَمْ يُجْزِهِ ) لَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا .\rوَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْي ، إلَّا أَنَّ الْأَوْزَاعِيَّ ، قَالَ : إنْ تَيَمَّمَ بِتُرَابِ الْمَقْبَرَةِ وَصَلَّى ، مَضَتْ صَلَاتُهُ .\rوَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا } .\rوَالنَّجِسُ لَيْسَ بِطَيِّبٍ ؛ وَلِأَنَّ التَّيَمُّمَ طَهَارَةٌ ، فَلَمْ يَجُزْ بِغَيْرِ طَاهِرٍ ، كَالْوُضُوءِ ، فَأَمَّا الْمَقْبَرَةُ فَإِنْ كَانَتْ لَمْ تُنْبَشْ ، فَتُرَابُهَا طَاهِرٌ ، وَإِنْ كَانَ نَبْشُهَا وَالدَّفْنُ فِيهَا تَكَرَّرَ ، لَا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ بِتُرَابِهَا ؛ لِاخْتِلَاطِهِ بِصَدِيدِ الْمَوْتَى وَلُحُومِهِمْ .\rوَإِنْ شَكَّ فِي تَكَرُّرِ الدَّفْنِ فِيهَا ، أَوْ فِي نَجَاسَةِ التُّرَابِ الَّذِي تَيَمَّمَ بِهِ ، جَازَ التَّيَمُّمُ بِهِ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ الطَّهَارَةُ ، فَلَا يَزُولُ بِالشَّكِّ ، كَمَا لَوْ شَكَّ فِي طَهَارَةِ الْمَاءِ .","part":1,"page":442},{"id":442,"text":"( 368 ) فَصْلٌ : وَيَجُوزُ أَنْ يَتَيَمَّمَ جَمَاعَةٌ مِنْ مَوْضِعٍ وَاحِدٍ بِغَيْرِ خِلَافٍ ، كَمَا يَجُوزُ أَنْ يَتَوَضَّأَ جَمَاعَةٌ مِنْ حَوْضٍ وَاحِدٍ .\rفَأَمَّا مَا تَنَاثَرَ مِنْ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ بَعْدَ مَسْحِهِمَا بِهِ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا ، يَجُوزُ التَّيَمُّمُ بِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرْفَعْ الْحَدَثَ .\rوَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ .\rوَالثَّانِي لَا يَجُوزُ ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَعْمَلٌ فِي طَهَارَةٍ أَبَاحَتْ الصَّلَاةَ ، أَشْبَهَ الْمَاءَ الْمُسْتَعْمَلَ فِي الطَّهَارَةِ وَلِلشَّافِعِيِّ وَجْهَانِ كَهَذَيْنِ .","part":1,"page":443},{"id":443,"text":"( 369 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَإِذَا كَانَ بِهِ قَرْحٌ أَوْ مَرَضٌ مَخُوفٌ ، وَأَجْنَبَ ، فَخَشِيَ عَلَى نَفْسِهِ إنْ أَصَابَهُ الْمَاءُ ، غَسَلَ الصَّحِيحَ مِنْ جَسَدِهِ ، وَتَيَمَّمَ لِمَا لَمْ يُصِبْهُ الْمَاءُ ) هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ دَالَّةٌ عَلَى أَحْكَامٍ مِنْهَا : إبَاحَةُ التَّيَمُّمِ لِلْجُنُبِ ، وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ مِنْهُمْ : عَلِيٌّ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ ، وَعَمْرُو بْنُ الْعَاصِ ، وَأَبُو مُوسَى ، وَعَمَّارٌ ، وَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَإِسْحَاقُ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَكَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ لَا يَرَى التَّيَمُّمَ لِلْجُنُبِ ، وَنَحْوُهُ عَنْ عُمَرَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، وَرَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ شَقِيقِ بْنِ سَلَمَةَ ، أَنَّ أَبَا مُوسَى نَاظَرَ ابْنَ مَسْعُودٍ فِي ذَلِكَ ، وَاحْتَجَّ عَلَيْهِ بِحَدِيثِ عَمَّارٍ ، وَبِالْآيَةِ الَّتِي فِي الْمَائِدَةِ ، قَالَ : فَمَا دَرَى عَبْدُ اللَّهِ مَا يَقُولُ ، فَقَالَ : إنَّا لَوْ رَخَّصْنَا لَهُمْ فِي هَذَا لَأَوْشَكَ إذَا بَرَدَ عَلَى أَحَدِهِمْ الْمَاءُ أَنْ يَدَعَهُ وَيَتَيَمَّمَ .\rوَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : وَيُرْوَى عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ رَجَعَ عَنْ قَوْلِهِ .\rوَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى إبَاحَةِ التَّيَمُّمِ لِلْجُنُبِ : مَا رَوَى عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ { ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى رَجُلًا مُعْتَزِلًا لَمْ يُصَلِّ مَعَ الْقَوْمِ ، فَقَالَ : يَا فُلَانُ ، مَا مَنَعَك أَنْ تُصَلِّيَ مَعَ الْقَوْمِ ؟ .\rفَقَالَ : أَصَابَتْنِي جَنَابَةٌ ، وَلَا مَاءَ .\rقَالَ : عَلَيْك بِالصَّعِيدِ ، فَإِنَّهُ يَكْفِيك } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَحَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ ، وَعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ، وَحَدِيثُ جَابِرٍ فِي الَّذِي أَصَابَتْهُ الشَّجَّةُ ؛ لِأَنَّهُ حَدَثٌ فَيَجُوزُ لَهُ التَّيَمُّمُ ، كَالْحَدَثِ الْأَصْغَرِ ، وَمِنْهَا أَنَّ الْجَرِيحَ وَالْمَرِيضَ إذَا خَافَ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ ، جَازَ لَهُ التَّيَمُّمُ ، هَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ؛ مِنْهُمْ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَعِكْرِمَةُ ، وَطَاوُسٌ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَقَتَادَةُ ، وَمَالِكٌ ،","part":1,"page":444},{"id":444,"text":"وَالشَّافِعِيُّ .\rوَلَمْ يُرَخِّصْ لَهُ عَطَاءٌ فِي التَّيَمُّمِ إلَّا عِنْدَ عَدَمِ الْمَاءِ ؛ لِظَاهِرِ الْآيَةِ ، وَنَحْوُهُ عَنْ الْحَسَنِ فِي الْمَجْدُورِ الْجُنُبِ ، قَالَ : لَا بُدَّ مِنْ الْغُسْلِ وَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ } .\rوَحَدِيثُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ حِينَ تَيَمَّمَ مِنْ خَوْفِ الْبَرْدِ ، وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَجَابِرٍ فِي الَّذِي أَصَابَتْهُ الشَّجَّةُ ؛ وَلِأَنَّهُ يُبَاحُ لَهُ التَّيَمُّمُ إذَا خَافَ الْعَطَشَ ، أَوْ خَافَ مِنْ سَبُعٍ ، فَكَذَلِكَ هَاهُنَا ، فَإِنَّ الْخَوْفَ لَا يَخْتَلِفُ ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفَتْ جِهَاتُهُ .","part":1,"page":445},{"id":445,"text":"( 370 ) فَصْلٌ : وَاخْتُلِفَ فِي الْخَوْفِ الْمُبِيحِ لِلتَّيَمُّمِ ، فَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ : لَا يُبِيحُهُ إلَّا خَوْفُ التَّلَفِ .\rوَهَذَا أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ .\rوَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ : أَنَّهُ يُبَاحُ لَهُ التَّيَمُّمُ إذَا خَافَ زِيَادَةَ الْمَرَضِ ، أَوْ تَبَاطُؤَ الْبُرْءِ ، أَوْ خَافَ شَيْئًا فَاحِشًا ، أَوْ أَلَمًا غَيْرَ مُحْتَمَلٍ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَالْقَوْلُ الثَّانِي لِلشَّافِعِيِّ .\rوَهُوَ الصَّحِيحُ ؛ لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى : ( وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ ) وَلِأَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ التَّيَمُّمُ إذَا خَافَ ذَهَابَ شَيْءٍ مِنْ مَالِهِ ، أَوْ ضَرَرًا فِي نَفْسِهِ ؛ مِنْ لِصٍّ ، أَوْ سَبُعٍ ، أَوْ لَمْ يَجِدْ الْمَاءَ إلَّا بِزِيَادَةٍ عَلَى ثَمَنِ مِثْلِهِ كَثِيرَةٍ ؛ فَلَأَنْ يَجُوزَ هَاهُنَا أَوْلَى ؛ وَلِأَنَّ تَرْكَ الْقِيَامِ فِي الصَّلَاةِ ، وَتَأْخِيرَ الصِّيَامِ ، لَا يَنْحَصِرُ فِي خَوْفِ التَّلَفِ ، وَكَذَلِكَ تَرْكُ الِاسْتِقْبَالِ ، فَكَذَا هَاهُنَا فَأَمَّا الْمَرِيضُ أَوْ الْجَرِيحُ الَّذِي لَا يَخَافُ الضَّرَرَ بِاسْتِعْمَالِ الْمَاءِ ، مِثْلُ مَنْ بِهِ الصُّدَاعُ وَالْحُمَّى الْحَارَّةُ ، أَوْ أَمْكَنَهُ اسْتِعْمَالُ الْمَاءِ الْحَارِّ ، وَلَا ضَرَرَ عَلَيْهِ فِيهِ ، لَزِمَهُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ إبَاحَةَ التَّيَمُّمِ لِنَفْيِ الضَّرَرِ ، وَلَا ضَرَرَ عَلَيْهِ هَاهُنَا .\rوَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ ، وَدَاوُد إبَاحَةُ التَّيَمُّمِ لِلْمَرِيضِ مُطْلَقًا ؛ لِظَاهِرِ الْآيَةِ .\rوَلَنَا أَنَّهُ وَاجِدٌ لِلْمَاءِ ، لَا يَسْتَضِرُّ بِاسْتِعْمَالِهِ ، فَلَمْ يَجُزْ لَهُ التَّيَمُّمُ ، كَالصَّحِيحِ ، وَالْآيَةُ اُشْتُرِطَ فِيهَا عَدَمُ الْمَاءِ ، فَلَمْ يَتَنَاوَلْ مَحَلَّ النِّزَاعِ ، عَلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ فِيهَا مِنْ إضْمَارِ الضَّرُورَةِ ، وَالضَّرُورَةُ إنَّمَا تَكُونُ عِنْدَ الضَّرَر ، وَمِنْهَا أَنَّ الْجَرِيحَ وَالْمَرِيضَ إذَا أَمْكَنَهُ غَسْلُ بَعْضِ جَسَدِهِ دُونَ بَعْضٍ ، لَزِمَهُ غَسْلُ مَا أَمْكَنَهُ ، وَتَيَمَّمَ لِلْبَاقِي .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٌ : إنْ كَانَ أَكْثَرُ بَدَنِهِ صَحِيحًا غَسَلَهُ ، وَلَا تَيَمُّمَ عَلَيْهِ ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرُهُ","part":1,"page":446},{"id":446,"text":"جَرِيحًا ، تَيَمَّمَ وَلَا غُسْلَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ الْبَدَلِ وَالْمُبْدَلِ لَا يَجِبُ ، كَالصِّيَامِ وَالْإِطْعَامِ .\rوَلَنَا مَا رَوَى جَابِرٌ قَالَ : { خَرَجْنَا فِي سَفَرٍ ، فَأَصَابَ رَجُلًا مِنَّا شَجَّةٌ فِي وَجْهِهِ ، ثُمَّ احْتَلَمَ ، فَسَأَلَ أَصْحَابَهُ : هَلْ تَجِدُونَ لِي رُخْصَةً فِي التَّيَمُّمِ ؟ قَالُوا : مَا نَجِدُ لَك رُخْصَةً ، وَأَنْتَ تَقْدِرُ عَلَى الْمَاءِ ، فَاغْتَسَلَ ، فَمَاتَ ، فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُخْبِرَ بِذَلِكَ ، فَقَالَ : قَتَلُوهُ ، قَتَلَهُمْ اللَّهُ أَلَا سَأَلُوا ، إذْ لَمْ يَعْلَمُوا ، فَإِنَّمَا شِفَاءُ الْعِيِّ السُّؤَالُ ، إنَّمَا كَانَ يَكْفِيهِ أَنْ يَتَيَمَّمَ ، وَيَعْصِبَ عَلَى جُرْحِهِ خِرْقَةً ، ثُمَّ يَمْسَحَ عَلَيْهَا ، ثُمَّ يَغْسِلَ سَائِرَ جَسَدِهِ .\r} رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلُهُ .\rوَلِأَنَّ كُلَّ جُزْءٍ مِنْ الْجَسَدِ يَجِبُ تَطْهِيرُهُ بِشَيْءٍ إذَا اسْتَوَى الْجِسْمُ كُلُّهُ فِي الْمَرَضِ أَوْ الصِّحَّةِ .\rفَيَجِبُ ذَلِكَ فِيهِ وَإِنْ خَالَفَهُ غَيْرُهُ ، كَمَا لَوْ كَانَ مِنْ جُمْلَةِ الْأَكْثَرِ ، فَإِنَّ حُكْمَهُ لَا يَسْقُطُ بِمَعْنًى فِي غَيْرِهِ ، وَمَا ذَكَرُوهُ مُنْتَقِضٌ بِالْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ مَعَ غَسْلِ بَقِيَّةِ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ ، وَيُفَارِقُ مَا قَاسُوا عَلَيْهِ ، فَإِنَّهُ جَمْعٌ بَيْنَ الْبَدَلِ وَالْمُبْدَلِ فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ ، بِخِلَافِ هَذَا ، فَإِنَّ التَّيَمُّمَ بَدَلٌ عَمَّا لَا يُصِيبُهُ الْمَاءُ ، دُونَ مَا أَصَابَهُ","part":1,"page":447},{"id":447,"text":"( 371 ) فَصْلٌ : مَا لَا يُمْكِنُ غَسْلُهُ مِنْ الصَّحِيحِ إلَّا بِانْتِشَارِ الْمَاءِ إلَى الْجَرِيحِ ، حُكْمُهُ حُكْمُ الْجَرِيحِ ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ ضَبْطُهُ ، وَقَدَرَ أَنْ يَسْتَنِيبَ مَنْ يَضْبِطُهُ ، لَزِمَهُ ذَلِكَ ، فَإِنْ عَجَزَ عَنْ ذَلِكَ تَيَمَّمَ وَصَلَّى وَأَجْزَأَهُ ؛ لِأَنَّهُ عَجَزَ عَنْ غَسْلِهِ ، فَأَجْزَأَهُ التَّيَمُّمُ عَنْهُ كَالْجَرِيحِ .","part":1,"page":448},{"id":448,"text":"( 372 ) فَصْلٌ : إذَا كَانَ الْجَرِيحُ جُنُبًا فَهُوَ مُخَيَّرٌ ، إنْ شَاءَ قَدَّمَ التَّيَمُّمَ عَلَى الْغُسْلِ ، وَإِنْ شَاءَ أَخَّرَهُ ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ التَّيَمُّمُ لِعَدَمِ مَا يَكْفِيهِ لِجَمِيعِ أَعْضَائِهِ ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ اسْتِعْمَالُ الْمَاءِ أَوَّلًا ؛ لِأَنَّ التَّيَمُّمَ لِلْعَدَمِ ، وَلَا يَتَحَقَّقُ إلَّا بَعْدَ فَرَاغِ الْمَاءِ ، وَهَا هُنَا التَّيَمُّمُ لِلْعَجْزِ عَنْ اسْتِعْمَالِهِ فِي الْجَرِيحِ ، وَهُوَ مُتَحَقِّقٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ ؛ وَلِأَنَّ الْجَرِيحَ يَعْلَمُ أَنَّ التَّيَمُّمَ بَدَلٌ عَنْ غَسْلِ الْجُرْحِ ، وَالْعَادِمُ لِمَا يَكْفِي جَمِيعَ أَعْضَائِهِ لَا يَعْلَمُ الْقَدْرَ الَّذِي يَتَيَمَّمُ لَهُ إلَّا بَعْدَ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ وَفَرَاغِهِ ، فَلَزِمَهُ تَقْدِيمُ اسْتِعْمَالِهِ .\rوَإِنْ كَانَ الْجَرِيحُ يَتَطَهَّرُ لِلْحَدَثِ الْأَصْغَرِ ، فَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّهُ يَلْزَمُهُ التَّرْتِيبُ فَيَجْعَلُ التَّيَمُّمَ فِي مَكَانِ الْغُسْلِ الَّذِي يَتَيَمَّمُ بَدَلًا عَنْهُ ، فَإِنْ كَانَ الْجُرْحُ فِي وَجْهِهِ بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُهُ غَسْلُ شَيْءٍ مِنْهُ ، لَزِمَهُ التَّيَمُّمُ أَوَّلًا ، ثُمَّ يَتَيَمَّمُ لِلْوُضُوءِ .\rوَإِنْ كَانَ فِي بَعْضِ وَجْهِهِ خُيِّرَ بَيْنَ غَسْلِ صَحِيحِ وَجْهِهِ ثُمَّ تَيَمَّمَ ، وَبَيْنَ أَنْ يَتَيَمَّمَ ثُمَّ يَغْسِلَ صَحِيحَ وَجْهِهِ وَيُتَمِّمَ وُضُوءَهُ .\rوَإِنْ كَانَ الْجُرْحُ فِي عُضْوٍ آخَرَ ، لَزِمَهُ غَسْلُ مَا قَبْلَهُ ، ثُمَّ كَانَ فِيهِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي الْوَجْهِ .\rوَإِنْ كَانَ فِي وَجْهِهِ وَيَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ ، احْتَاجَ فِي كُلِّ عُضْوٍ إلَى تَيَمُّمٍ فِي مَحَلِّ غَسْلِهِ ، لِيَحْصُلَ التَّرْتِيبُ .\rوَلَوْ غَسَلَ صَحِيحَ وَجْهِهِ ، ثُمَّ تَيَمَّمَ لَهُ وَلِيَدَيْهِ تَيَمُّمًا وَاحِدًا ، لَمْ يُجْزِهِ ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى سُقُوطِ الْفَرْضِ عَنْ جُزْءٍ مِنْ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ .\rفَإِنْ قِيلَ : يَبْطُلُ هَذَا بِالتَّيَمُّمِ عَنْ جُمْلَةِ الطَّهَارَةِ ، حَيْثُ يَسْقُطُ الْفَرْضُ عَنْ جَمِيعِ الْأَعْضَاءِ جُمْلَةً وَاحِدَةً .\rقُلْنَا : إذَا كَانَ عَنْ جُمْلَةِ الطَّهَارَةِ ، فَالْحُكْمُ لَهُ دُونَهَا ، وَإِنْ كَانَ عَنْ بَعْضِهَا ، نَابَ عَنْ","part":1,"page":449},{"id":449,"text":"ذَلِكَ الْبَعْضِ ، فَاعْتُبِرَ فِيهِ مَا يُعْتَبَرُ فِيمَا يَنُوبُ عَنْهُ مِنْ التَّرْتِيبِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَجِبَ هَذَا التَّرْتِيبُ ؛ لِأَنَّ التَّيَمُّمَ طَهَارَةٌ مُفْرَدَةٌ ، فَلَا يَجِبُ التَّرْتِيبُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الطَّهَارَةِ الْأُخْرَى ، كَمَا لَوْ كَانَ الْجَرِيحُ جُنُبًا ؛ وَلِأَنَّهُ تَيَمَّمَ عَنْ الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ ، فَلَمْ يَجِبْ أَنْ يَتَيَمَّمَ عَنْ كُلِّ عُضْوٍ فِي مَوْضِعِ غَسْلِهِ ، كَمَا لَوْ تَيَمَّمَ عَنْ جُمْلَةِ الْوُضُوءِ ؛ وَلِأَنَّ فِي هَذَا حَرَجًا وَضَرَرًا ، فَيَنْدَفِعُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ } .\rوَحَكَى الْمَاوَرْدِيُّ ، عَنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ مِثْلَ هَذَا .\rوَحَكَى ابْنُ الصَّبَّاغِ عَنْهُ مِثْلَ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ .","part":1,"page":450},{"id":450,"text":"( 373 ) وَإِنْ تَيَمَّمَ الْجَرِيحُ لِجُرْحٍ فِي بَعْضِ أَعْضَائِهِ ، ثُمَّ خَرَجَ الْوَقْتُ ، بَطَلَ تَيَمُّمُهُ ، وَلَمْ تَبْطُلُ طَهَارَتُهُ بِالْمَاءِ إنْ كَانَتْ غُسْلًا لِجَنَابَةٍ أَوْ نَحْوِهَا ؛ لِأَنَّ التَّرْتِيبَ وَالْمُوَالَاةَ غَيْرُ وَاجِبَيْنِ فِيهَا .\rوَإِنْ كَانَتْ وُضُوءًا ، وَكَانَ الْجُرْحُ فِي وَجْهِهِ ، خُرِّجَ بُطْلَانُ الْوُضُوءِ عَلَى الْوَجْهَيْنِ اللَّذَيْنِ فِي الْفَصْلِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا ؛ فَمَنْ أَوْجَبَ التَّرْتِيبَ أَبْطَلَ الْوُضُوءَ هَاهُنَا ؛ لِأَنَّ طَهَارَةَ الْعُضْوِ الَّذِي نَابَ التَّيَمُّمُ عَنْهُ بَطَلَتْ ، فَلَوْ لَمْ يَبْطُلْ فِيمَا بَعْدَهُ لَتَقَدَّمَتْ طَهَارَةُ مَا بَعْدَهُ عَلَيْهِ ، فَيَفُوتُ التَّرْتِيبُ .\r[ وَمَنْ ] لَمْ يُوجِبْ التَّرْتِيبَ لَمْ يُبْطِلْ الْوُضُوءَ ، وَجَوَّزَ لَهُ أَنْ يَتَيَمَّمَ لَا غَيْرُ .\rوَإِنْ كَانَ الْجُرْحُ فِي إحْدَى رِجْلَيْهِ ، أَوْ فِيهِمَا ، فَعَلَى قَوْلِ مَنْ لَا يُوجِبُ التَّرْتِيبَ بَيْنَ الْوُضُوءِ وَالتَّيَمُّمِ ، لَا تَجِبُ الْمُوَالَاةُ بَيْنَهُمَا أَيْضًا ، وَعَلَيْهِ التَّيَمُّمِ وَحْدَهُ .\rوَمَنْ أَوْجَبَ التَّرْتِيبَ ، فَقِيَاسُ قَوْلِهِ : أَنْ يَكُونَ فِي الْمُوَالَاةِ وَجْهَانِ ، بِنَاءً عَلَى الْمُوَالَاةِ فِي الْوُضُوءِ ، وَفِيهَا رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، تَجِبُ ، فَتَجِبُ هَاهُنَا ، وَيَبْطُلُ الْوُضُوءُ لِفَوَاتِهَا .\rوَالثَّانِيَةُ لَا تَجِبُ ، فَيَكْفِيهِ التَّيَمُّمُ وَحْدَهُ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا تَجِبَ الْمُوَالَاةُ بَيْنَ الْوُضُوءِ وَالتَّيَمُّمِ ، وَجْهًا وَاحِدًا ؛ لِأَنَّهُمَا طَهَارَتَانِ ، فَلَمْ تَجِبْ الْمُوَلَّاةُ بَيْنَهُمَا ، كَسَائِرِ الطِّهَارَاتِ ؛ وَلِأَنَّ فِي إيجَابِهَا حَرَجًا ، فَيَنْتَفِي بِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ : { وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ } .","part":1,"page":451},{"id":451,"text":"( 374 ) فَصْلٌ : وَإِنْ خَافَ مِنْ شِدَّةِ الْبَرْدِ ، وَأَمْكَنَهُ أَنْ يُسَخِّنَ الْمَاءَ ، أَوْ يَسْتَعْمِلَهُ عَلَى وَجْهٍ يَأْمَنُ الضَّرَرَ ، مِثْلُ أَنْ يَغْسِلَ عُضْوًا عُضْوًا ، وَكُلَّمَا غَسَلَ شَيْئًا سَتَرَهُ ، لَزِمَهُ ذَلِكَ .\rوَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ ، تَيَمَّمَ وَصَلَّى فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rوَقَالَ عَطَاءٌ ، وَالْحَسَنُ : يَغْتَسِلُ ، وَإِنْ مَاتَ ، لَمْ يَجْعَلْ اللَّهُ لَهُ عُذْرًا .\rوَمُقْتَضَى قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ : أَنَّهُ لَا يَتَيَمَّمُ ؛ فَإِنَّهُ قَالَ : لَوْ رَخَّصْنَا لَهُمْ فِي هَذَا لَأَوْشَكَ أَحَدُهُمْ إذَا بَرَدَ عَلَيْهِ الْمَاءُ أَنْ يَتَيَمَّمَ وَيَدَعَهُ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ } ، وقَوْله تَعَالَى : { وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَةِ } .\rوَرَوَى أَبُو دَاوُد ، وَأَبُو بَكْرٍ الْخَلَّالُ ، بِإِسْنَادِهِمَا { ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ، قَالَ : احْتَلَمْت فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ فِي غَزْوَةِ ذَاتِ السَّلَاسِلِ ، فَأَشْفَقْت إنْ اغْتَسَلْت أَنْ أَهْلِكَ ، فَتَيَمَّمْت ، ثُمَّ صَلَّيْت بِأَصْحَابِي الصُّبْحَ ، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا عَمْرُو ، أَصَلَّيْتَ بِأَصْحَابِكَ ، وَأَنْتَ جُنُبٌ ؟ فَأَخْبَرْته بِاَلَّذِي مَنَعَنِي مِنْ الِاغْتِسَالِ ، وَقُلْت : إنِّي سَمِعْت اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ : { وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا } .\rفَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا } .\rوَسُكُوتُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدُلُّ عَلَى الْجَوَازِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُقِرُّ عَلَى الْخَطَأِ ؛ وَلِأَنَّهُ خَائِفٌ عَلَى نَفْسِهِ ، فَأُبِيحَ لَهُ التَّيَمُّمُ كَالْجَرِيحِ وَالْمَرِيضِ ، وَكَمَا لَوْ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ عَطَشًا أَوْ لِصًّا أَوْ سَبُعًا فِي طَلَبِ الْمَاءِ .\rوَإِذَا تَيَمَّمَ وَصَلَّى ، فَهَلْ يَلْزَمُهُ الْإِعَادَةُ ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ : إحْدَاهُمَا ، لَا يَلْزَمُهُ .\rوَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ ، وَمَالِكٍ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ ؛ لِحَدِيثِ عَمْرٍو ، فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ","part":1,"page":452},{"id":452,"text":"عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَأْمُرْهُ بِالْإِعَادَةِ ، وَلَوْ وَجَبَتْ لَأَمَرَهُ بِهَا ؛ وَلِأَنَّهُ خَائِفٌ عَلَى نَفْسِهِ ، أَشْبَهَ الْمَرِيضَ ؛ وَلِأَنَّهُ أَتَى بِمَا أُمِرَ بِهِ ، فَأَشْبَهَ سَائِرَ مَنْ يُصَلِّي بِالتَّيَمُّمِ .\rوَالثَّانِيَةُ يَلْزَمُهُ الْإِعَادَةُ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ ؛ لِأَنَّهُ عُذْرٌ نَادِرٌ غَيْرُ مُتَّصِلٍ ، فَلَمْ يَمْنَعْ الْإِعَادَةَ كَنِسْيَانِ الطَّهَارَةِ .\rوَالْأَوَّلُ أَصَحُّ .\rوَيُفَارِقُ نِسْيَانَ الطَّهَارَةِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِمَا أُمِرَ بِهِ ، وَإِنَّمَا ظَنَّ أَنَّهُ أَتَى بِهِ ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا .\rوَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : لَا إعَادَةَ عَلَيْهِ إنْ كَانَ مُسَافِرًا ، وَإِنْ كَانَ حَاضِرًا فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْحَضَرَ مَظِنَّةُ الْقُدْرَةِ عَلَى تَسْخِينِ الْمَاءِ ، وَدُخُولِ الْحَمَّامَاتِ ، بِخِلَافِ السَّفَرِ ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يُعِيدُ إنْ كَانَ حَاضِرًا ، وَإِنْ كَانَ مُسَافِرًا فَعَلَى قَوْلَيْنِ .","part":1,"page":453},{"id":453,"text":"( 375 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَإِذَا تَيَمَّمَ صَلَّى الصَّلَاةَ الَّتِي حَضَرَ وَقْتُهَا ، وَصَلَّى بِهِ فَوَائِتَ إنْ كَانَتْ عَلَيْهِ ، وَالتَّطَوُّعَ إلَى أَنْ يَدْخُلَ وَقْتُ صَلَاةٍ أُخْرَى ) الْمَذْهَبُ أَنَّ التَّيَمُّمَ يَبْطُلُ بِخُرُوجِ الْوَقْتِ وَدُخُولِهِ ، وَلَعَلَّ الْخِرَقِيِّ إنَّمَا عَلَّقَ بُطْلَانَهُ ، بِدُخُولِ وَقْتِ صَلَاةٍ أُخْرَى تَجَوُّزًا مِنْهُ ، إذَا كَانَ خُرُوجُ وَقْتِ الصَّلَاةِ مُلَازِمًا لِدُخُولِ وَقْتِ الْأُخْرَى ، إلَّا فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ ، وَهُوَ وَقْتُ الْفَجْرِ ، فَإِنَّهُ يَخْرُجُ مُنْفَكًّا عَنْ دُخُولِ وَقْتِ الظُّهْرِ ، وَيَبْطُلُ التَّيَمُّمُ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُصَلِّيَ بِهِ صَلَاتَيْنِ فِي وَقْتَيْنِ ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ ، وَابْنِ عُمَرَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، وَالشَّعْبِيِّ ، وَالنَّخَعِيِّ ، وَقَتَادَةَ ، وَيَحْيَى الْأَنْصَارِيِّ ، وَرَبِيعَةَ ، وَمَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَاللَّيْثِ ، وَإِسْحَاقَ .\rوَرَوَى الْمَيْمُونِيُّ ، عَنْ أَحْمَدَ فِي الْمُتَيَمِّمِ ، قَالَ : إنَّهُ لَيُعْجِبُنِي أَنْ يَتَيَمَّمَ لِكُلِّ صَلَاةٍ ، وَلَكِنَّ الْقِيَاسَ أَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الطَّهَارَةِ حَتَّى يَجِدَ الْمَاءَ ، أَوْ يُحْدِثَ ؛ لِحَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْجُنُبِ .\rيَعْنِي قَوْلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا أَبَا ذَرٍّ ، { الصَّعِيدُ الطَّيِّبُ طَهُورُ الْمُسْلِمِ ، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ الْمَاءَ عَشْرَ سِنِينَ ، فَإِذَا وَجَدْت الْمَاءَ فَأَمِسَّهُ بَشَرَتَك } .\rوَهُوَ مَذْهَبُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، وَالْحَسَنِ ، وَالزُّهْرِيِّ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ .\rوَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَأَبِي جَعْفَرٍ ؛ لِأَنَّهَا طَهَارَةٌ تُبِيحُ الصَّلَاةَ ، فَلَمْ تَتَقَدَّرْ بِالْوَقْتِ كَطَهَارَةِ الْمَاءِ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى الْحَارِثُ ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : التَّيَمُّمُ لِكُلِّ صَلَاةٍ .\rوَابْنُ عُمَرَ قَالَ : تَيَمَّمْ لِكُلِّ صَلَاةٍ ؛ وَلِأَنَّهَا طَهَارَةُ ضَرُورَةٍ ، فَتَقَيَّدَتْ بِالْوَقْتِ ؛ كَطَهَارَةِ الْمُسْتَحَاضَةِ ، وَطَهَارَةُ الْمَاءِ لَيْسَتْ","part":1,"page":454},{"id":454,"text":"لِلضَّرُورَةِ ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا .\rوَالْحَدِيثُ أَرَادَ بِهِ أَنَّهُ يُشْبِهُ الْوُضُوءَ فِي إبَاحَةِ الصَّلَاةِ ، وَيَلْزَمُهُ التَّسَاوِي فِي جَمِيعِ الْأَحْكَامِ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّهُ إذَا نَوَى بِتَيَمُّمِهِ مَكْتُوبَةً ، فَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَ بِهِ مَا شَاءَ مِنْ الصَّلَوَاتِ ، فَيُصَلِّي الْحَاضِرَةَ ، وَيَجْمَعُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ ، وَيَقْضِي فَوَائِتَ ، وَيَتَطَوَّعُ قَبْلَ الصَّلَاةِ وَبَعْدَهَا .\rهَذَا قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ .\rوَقَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ : لَا يُصَلِّي بِهِ فَرْضَيْنِ .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّهُ قَالَ : لَا يُصَلِّي بِالتَّيَمُّمِ إلَّا صَلَاةً وَاحِدَةً ، ثُمَّ يَتَيَمَّمُ لِلْأُخْرَى .\rوَهَذَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمَا ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّهُ قَالَ : مِنْ السُّنَّةِ أَنْ لَا يُصَلِّيَ بِالتَّيَمُّمِ إلَّا صَلَاةً وَاحِدَةً ، ثُمَّ يَتَيَمَّمُ لِلْأُخْرَى .\rوَهَذَا مُقْتَضَى سُنَّةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ وَلِأَنَّهَا طَهَارَةُ ضَرُورَةٍ فَلَا يَجْمَعُ بِهَا بَيْنَ فَرِيضَتَيْنِ ، كَمَا لَوْ كَانَا فِي وَقْتَيْنِ .\rوَلَنَا أَنَّهَا طَهَارَةٌ صَحِيحَةٌ ، أَبَاحَتْ فَرْضًا ، فَأَبَاحَتْ فَرْضَيْنِ ، كَطَهَارَةِ الْمَاءِ ؛ وَلِأَنَّهُ بَعْدَ الْفَرْضِ الْأَوَّلِ تَيَمُّمٌ صَحِيحٌ مُبِيحٌ لِلتَّطَوُّعِ ، نَوَى بِهِ الْمَكْتُوبَةَ ، فَكَانَ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ بِهِ فَرْضًا ، كَحَالَةِ ابْتِدَائِهِ ؛ وَلِأَنَّ الطَّهَارَةَ فِي الْأُصُولِ ، إنَّمَا تَتَقَيَّدُ بِالْوَقْتِ دُونَ الْفِعْلِ ، كَطَهَارَةِ الْمَاسِحِ عَلَى الْخُفِّ ، وَهَذِهِ فِي النَّوَافِلِ ، وَطَهَارَةِ الْمُسْتَحَاضَةِ ؛ وَلِأَنَّ كُلَّ تَيَمُّمٍ أَبَاحَ صَلَاةً أَبَاحَ مَا هُوَ مِنْ نَوْعِهَا ، بِدَلِيلِ صَلَوَاتِ النَّوَافِلِ .\rوَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ ، فَيَرْوِيهِ الْحَسَنُ بْنُ عُمَارَةَ ، وَهُوَ ضَعِيفٌ ، ثُمَّ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ أَنْ لَا يُصَلِّيَ بِهِ صَلَاتَيْنِ فِي وَقْتَيْنِ ؛ بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُصَلِّيَ بِهِ صَلَوَاتٍ مِنْ التَّطَوُّعِ ، وَيَجْمَعَ بَيْنَ صَلَاتَيْنِ فَرْضٍ وَنَفْلٍ ، وَإِنَّمَا امْتَنَعَ الْجَمْعُ بَيْنَ فَرْضَيْ وَقْتَيْنِ ،","part":1,"page":455},{"id":455,"text":"لِبُطْلَانِ التَّيَمُّمِ ، بِخُرُوجِ وَقْتِ الْأُولَى مِنْهَا .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّ الْخِرَقِيِّ إنَّمَا ذَكَرَ قَضَاءَ الْفَوَائِتِ وَالتَّطَوُّعِ ، وَلَمْ يَذْكُرْ الْجَمْعَ بَيْنَ صَلَاتَيْنِ ، وَكَذَا ذَكَرَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَجُوزَ الْجَمْعُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي ثَوْرٍ .\rوَالصَّحِيحُ جَوَازُ الْجَمْعِ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْأَدِلَّةِ ؛ وَلِأَنَّ مَا أَبَاحَ فَرْضَيْنِ فَائِتَيْنِ مَا أَبَاحَ فَرْضَيْنِ فِي الْجَمْعِ ، كَسَائِرِ الطِّهَارَاتِ .\rوَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : لَيس لِلْمُتَيَمِّمِ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ صَلَاتَيْنِ بِحَالٍ ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ الثَّانِيَةَ تَفْتَقِرُ إلَى تَيَمُّمٍ ، وَالتَّيَمُّمُ يَفْتَقِرُ إلَى طَلَبٍ ، وَالطَّلَبُ يَقْطَعُ الْجَمْعَ ، وَمِنْ شَرْطِهِ الْمُوَالَاةُ - يَعْنِي عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ - وَهَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَتَقَيَّدَ بِالْجَمْعِ فِي وَقْتِ الْأُولَى ، فَأَمَّا الْجَمْعُ فِي وَقْتِ الثَّانِيَةِ ، فَلَا تُشْتَرَطُ لَهُ الْمُوَالَاةُ فِي الصَّحِيحِ .\rفَإِنْ قِيلَ : فَكَيْفَ يُمْكِنُ قَضَاءُ الْفَوَائِتِ ، وَالتَّرْتِيبُ شَرْطٌ ، فَيَجِبُ تَقْدِيمُ الْفَائِتَةِ عَلَى الْحَاضِرَةِ فَكَيْفَ تَتَأَخَّرُ الْفَائِتَةُ عَنْهَا ؟ قُلْنَا : يُمْكِنُ ذَلِكَ لِوُجُوهٍ : أَحَدُهَا أَنْ يُقَدِّمَ الْفَائِتَةَ عَلَى الْحَاضِرَةِ .\rالثَّانِي أَنْ يَنْسَى الْفَائِتَةَ ، ثُمَّ يَذْكُرَهَا بَعْدَ الْحَاضِرَةِ .\rالثَّالِث أَنْ يَخْشَى فَوَاتَ وَقْتِ الْحَاضِرَةِ ، فَيُصَلِّيَهَا ، ثُمَّ يُصَلِّيَ فِي بَقِيَّةِ الْوَقْتِ فَوَائِتَ .\rالرَّابِع أَنَّهُ إذَا كَثُرَتْ الْفَوَائِتُ بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُ قَضَاؤُهَا قَبْلَ خُرُوجِ وَقْتِ الْحَاضِرَةِ ، فَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَ الْحَاضِرَةَ فِي الْجَمَاعَةِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ ، وَيُقَدِّمَهَا عَلَى الْفَوَائِتِ ، فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ ؛ فَإِنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ تَقْدِيمِهَا عَلَى بَعْضِ الْفَوَائِتِ ، فَلَا فَائِدَةَ فِي تَأْخِيرِهَا ؛ وَلِأَنَّهُ لَوْ لَزِمَ تَأْخِيرُهَا إلَى آخِرِ وَقْتِهَا ، لَلَزِمَ تَرْكُ الْجَمَاعَةِ الْحَاضِرَةِ بِالْكُلِّيَّةِ","part":1,"page":456},{"id":456,"text":"( 376 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَإِذَا خَافَ الْعَطَشَ حَبَسَ الْمَاءَ وَتَيَمَّمَ ، وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ ) قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْمُسَافِرَ إذَا كَانَ مَعَهُ مَاءٌ ، وَخَشِيَ الْعَطَشَ ، أَنَّهُ يُبْقِي مَاءَهُ لِلشُّرْبِ ، وَيَتَيَمَّمُ ؛ مِنْهُمْ عَلِيٌّ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ ، وَالْحَسَنُ ، وَعَطَاءٌ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَطَاوُسٌ ، وَقَتَادَةُ ، وَالضَّحَّاكُ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ؛ وَلِأَنَّهُ خَائِفٌ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ ، فَأُبِيحَ لَهُ التَّيَمُّمُ ، كَالْمَرِيضِ .","part":1,"page":457},{"id":457,"text":"( 377 ) فَصْلٌ : وَإِنْ خَافَ عَلَى رَفِيقِهِ ، أَوْ رَقِيقِهِ ، أَوْ بَهَائِمِهِ ، فَهُوَ كَمَا لَوْ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ ؛ لِأَنَّ حُرْمَةَ رَفِيقِهِ كَحُرْمَةِ نَفْسِهِ ، وَالْخَائِفُ عَلَى بَهَائِمِهِ خَائِفٌ مِنْ ضَيَاعِ مَالِهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ وَجَدَ مَاءً بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ لِصٌّ أَوْ سَبُعٌ يَخَافُهُ عَلَى بَهِيمَتِهِ أَوْ شَيْءٍ مِنْ مَالِهِ .\rوَإِنْ وَجَدَ عَطْشَانَ يَخَافُ تَلَفَهُ ، لَزِمَهُ سَقْيُهُ ، وَيَتَيَمَّمُ .\rقِيلَ لِأَحْمَدَ : الرَّجُلُ مَعَهُ إدَاوَةٌ مِنْ مَاءٍ لِلْوُضُوءِ ، فَيَرَى قَوْمًا عِطَاشًا ، أَحَبُّ إلَيْك أَنْ يَسْقِيَهُمْ أَوْ يَتَوَضَّأَ ؟ قَالَ : يَسْقِيهِمْ .\rثُمَّ ذَكَرَ عِدَّةً مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَيَمَّمُونَ ، وَيَحْبِسُونَ الْمَاءَ لِشِفَاهِهِمْ .\rوَقَالَ أَبُو بَكْرٍ ، وَالْقَاضِي : لَا يَلْزَمُهُ بَذْلُهُ ؛ لِأَنَّهُ مُحْتَاجٌ إلَيْهِ .\rوَلَنَا أَنَّ حُرْمَةَ الْآدَمِيِّ تُقَدَّمُ عَلَى الصَّلَاةِ ، بِدَلِيلِ مَا لَوْ رَأَى حَرِيقًا ، أَوْ غَرِيقًا ، فِي الصَّلَاةِ عِنْدَ ضِيقِ وَقْتِهَا ، لَزِمَهُ تَرْكُ الصَّلَاةِ ، وَالْخُرُوجُ لِإِنْقَاذِهِ ، فَلَأَنْ يُقَدِّمَهَا عَلَى الطَّهَارَةِ بِالْمَاءِ أَوْلَى ، وَقَدْ رُوِيَ فِي الْخَبَرِ ، أَنَّ بَغِيًّا أَصَابَهَا الْعَطَشُ ، فَنَزَلَتْ بِئْرًا فَشَرِبَتْ مِنْهُ ، فَلَمَّا صَعِدَتْ رَأَتْ كَلْبًا يَلْحَسُ الثَّرَى مِنْ الْعَطَشِ ، فَقَالَتْ : لَقَدْ أَصَابَ هَذَا مِنْ الْعَطَشِ مِثْلُ مَا أَصَابَنِي .\rفَنَزَلَتْ فَسَقَتْهُ بِمُوقِهَا ، فَغَفَرَ اللَّهُ لَهَا .\rفَإِذَا كَانَ هَذَا الْأَجْرَ مِنْ سَقْيِ الْكَلْبِ ، فَغَيْرُهُ أَوْلَى .","part":1,"page":458},{"id":458,"text":"( 378 ) فَصْلٌ : وَإِذَا وَجَدَ الْخَائِفُ مِنْ الْعَطَشِ مَاءً طَاهِرًا ، وَمَاءً نَجِسًا ، يَكْفِيهِ أَحَدُهُمَا لِشُرْبِهِ فَإِنَّهُ يَحْبِسُ الْمَاءَ الطَّاهِرَ لِشُرْبِهِ ، وَيُرِيقُ النَّجِسَ إنْ اسْتَغْنَى عَنْ شُرْبِهِ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : يَتَوَضَّأُ بِالطَّاهِرِ ، وَيَحْبِسُ النَّجِسَ لِشُرْبِهِ ؛ لِأَنَّهُ وَجَدَ مَاءً طَاهِرًا مُسْتَغْنًى عَنْ شُرْبِهِ .\rفَأَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَ مَاءً كَثِيرًا طَاهِرًا ، وَلَنَا أَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى مَا يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِهِ ، وَلَا عَلَى مَا يَجُوزُ لَهُ شُرْبُهُ سِوَى هَذَا الطَّاهِرِ ، فَجَازَ لَهُ حَبْسُهُ إذَا خَافَ الْعَطَشَ ، كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ سِوَاهُ .\rوَإِنْ وَجَدَهُمَا وَهُوَ عَطْشَانُ ، شَرِبَ الطَّاهِرَ ، وَأَرَاقَ النَّجِسَ إذَا اسْتَغْنَى عَنْهُ ، سَوَاءٌ كَانَ فِي الْوَقْتِ ، أَوْ قَبْلَهُ .\rوَقَالَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ : إنْ كَانَ فِي الْوَقْتِ شَرِبَ النَّجِسَ ؛ لِأَنَّ الطَّاهِرَ مُسْتَحِقُّ الطَّهَارَةِ ، فَهُوَ كَالْمَعْدُومِ .\rوَلَيْسَ بِصَحِيحٍ ؛ لِأَنَّ شُرْبَ النَّجِسِ حَرَامٌ ، وَإِنَّمَا يَصِيرُ الطَّاهِرُ مُسْتَحِقًّا لِلطَّهَارَةِ إذَا اسْتَغْنَى عَنْ شُرْبِهِ ، وَهَذَا غَيْرُ مُسْتَغْنٍ عَنْ شُرْبِهِ ، وَوُجُودُ النَّجِسِ كَعَدَمِهِ ؛ لِتَحْرِيمِ شُرْبِهِ .","part":1,"page":459},{"id":459,"text":"( 379 ) فَصْلٌ : وَإِذَا كَانَ الْمَاءُ مَوْجُودًا إلَّا أَنَّهُ إذَا اشْتَغَلَ بِتَحْصِيلِهِ وَاسْتِعْمَالِهِ فَاتَ الْوَقْتُ ، لَمْ يُبَحْ لَهُ التَّيَمُّمُ ، سَوَاءٌ كَانَ حَاضِرًا أَوْ مُسَافِرًا ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْهُمْ : الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَعَنْ الْأَوْزَاعِيِّ ، وَالثَّوْرِيِّ : لَهُ التَّيَمُّمُ .\rرَوَاهُ عَنْهُمَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ .\rقَالَ الْوَلِيدُ : فَذَكَرْت ذَلِكَ لِمَالِكٍ ، وَابْنِ أَبِي ذِئْبٍ ، وَسَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، فَقَالُوا : يَغْتَسِلُ ، وَإِنْ طَلَعَتْ الشَّمْسُ ؛ وَذَلِكَ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا } وَحَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ ، وَهَذَا وَاجِدٌ لِلْمَاءِ ؛ وَلِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى الْمَاءِ ، فَلَمْ يَجُزْ لَهُ التَّيَمُّمُ ، كَمَا لَوْ لَمْ يَخَفْ فَوْتَ الْوَقْتِ ؛ وَلِأَنَّ الطَّهَارَةَ شَرْطٌ ، فَلَمْ يُبَحْ تَرْكُهَا خِيفَةَ فَوْتِ وَقْتِهَا ، كَسَائِرِ شَرَائِطِهَا .\rوَإِنْ خَافَ فَوْتَ الْعِيدِ ، لَمْ يَجُزْ لَهُ التَّيَمُّمُ .\rوَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ : لَهُ التَّيَمُّمُ ؛ لِأَنَّهُ يَخَافُ فَوْتَهَا بِالْكُلِّيَّةِ ، فَأَشْبَهَ الْعَادِمَ ، وَلَنَا الْآيَةُ وَالْخَبَرُ ، وَمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْمَعْنَى ، وَإِنْ خَافَ فَوْتَ الْجِنَازَةِ فَكَذَلِكَ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا وَالْأُخْرَى ، يُبَاحُ لَهُ التَّيَمُّمُ ، وَيُصَلِّي عَلَيْهَا .\rوَبِهِ قَالَ النَّخَعِيُّ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَالْحَسَنُ ، وَيَحْيَى الْأَنْصَارِيُّ ، وَسَعْدُ بْنُ إبْرَاهِيمَ ، وَاللَّيْثُ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ اسْتِدْرَاكُهَا بِالْوُضُوءِ ، فَأَشْبَهَ الْعَادِمَ .\rوَقَالَ الشَّعْبِيُّ : يُصَلِّي عَلَيْهَا مِنْ غَيْرِ وُضُوءٍ وَلَا تَيَمُّمٍ ؛ لِأَنَّهَا لَا رُكُوعَ فِيهَا وَلَا سُجُودَ ، وَإِنَّمَا هِيَ دُعَاءٌ ، فَأَشْبَهَتْ الدُّعَاءَ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ وَلَنَا قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةً بِغَيْرِ طَهُورٍ .\rوَقَوْلُهُ : لَا يَقْبَلُ اللَّهُ","part":1,"page":460},{"id":460,"text":"صَلَاةَ مَنْ أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ } .\rوَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { إذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ } الْآيَةَ ثُمَّ أَبَاحَ تَرْكَ الْغُسْلِ مَشْرُوطًا بِعَدَمِ الْمَاءِ ، بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا } ، فَمَا لَمْ يُوجَدْ الشَّرْطُ يَبْقَى عَلَى قَضِيَّةِ الْعُمُومِ","part":1,"page":461},{"id":461,"text":"( 380 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَإِذَا نَسِيَ الْجَنَابَةَ وَتَيَمَّمَ لِلْحَدَثِ لَمْ يُجْزِهِ ) وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ ، وَأَبُو ثَوْرٍ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ : يُجْزِئُهُ ؛ لِأَنَّ طَهَارَتَهُمَا وَاحِدَةٌ ، فَسَقَطَتْ إحْدَاهُمَا بِفِعْلِ الْأُخْرَى كَالْبَوْلِ وَالْغَائِطِ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى } ، وَهَذَا لَمْ يَنْوِ الْجَنَابَةَ ، فَلَمْ يُجْزِهِ عَنْهَا ؛ وَلِأَنَّهُمَا سَبَبَانِ مُخْتَلِفَانِ ، فَلَمْ تُجْزِ نِيَّةُ أَحَدِهِمَا عَنْ الْآخَرِ ، كَالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ ؛ وَلِأَنَّهُمَا طَهَارَتَانِ ، فَلَمْ تَتَأَدَّ إحْدَاهُمَا بِنِيَّةِ الْأُخْرَى ، كَطَهَارَةِ الْمَاءِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ ، وَفَارَقَ مَا قَاسُوا عَلَيْهِ ؛ فَإِنَّ حُكْمَهُمَا وَاحِدٌ ، وَهُوَ الْحَدَثُ الْأَصْغَرُ ، وَلِهَذَا تُجْزِئُ نِيَّةُ أَحَدِهِمَا عَنْ نِيَّةِ الْآخَرِ فِي طَهَارَةِ الْمَاءِ .","part":1,"page":462},{"id":462,"text":"( 381 ) فَصْلٌ : وَإِنْ تَيَمَّمَ لِلْجَنَابَةِ ، لَمْ يُجْزِهِ عَنْ الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا وَالْخِلَافُ فِيهَا كَاَلَّتِي قَبْلَهَا ، فَعَلَى هَذَا يَحْتَاجُ إلَى تَعْيِينِ مَا تَيَمَّمَ لَهُ مِنْ الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ وَالْجَنَابَةِ وَالْحَيْضِ وَالنَّجَاسَةِ ؛ فَإِنْ نَوَى الْجَمِيعَ بِتَيَمُّمٍ وَاحِدٍ أَجْزَأَهُ ؛ لِأَنَّ فِعْلَهُ وَاحِدٌ ، فَأَشْبَهَ طَهَارَةَ الْمَاءِ ، وَإِنْ نَوَى بَعْضَهَا أَجْزَأَهُ عَنْ الْمَنْوِيِّ دُونَ مَا سِوَاهُ ، وَإِنْ كَانَ التَّيَمُّمُ عَنْ جُرْحٍ فِي عُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهِ ، نَوَى التَّيَمُّمَ عَنْ غَسْلِ ذَلِكَ الْعُضْوِ .","part":1,"page":463},{"id":463,"text":"( 382 ) فَصْلٌ : وَإِذَا تَيَمَّمَ لِلْجَنَابَةِ دُونَ الْحَدَثِ ، أُبِيحَ لَهُ مَا يُبَاحُ لِلْمُحْدِثِ مِنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ ، وَاللُّبْثِ فِي الْمَسْجِدِ ، وَلَمْ تُبَحْ لَهُ الصَّلَاةُ ، وَالطَّوَافُ ، وَمَسُّ الْمُصْحَفِ .\rوَإِنْ أَحْدَثَ لَمْ يُؤَثِّرْ ذَلِكَ فِي تَيَمُّمِهِ ؛ لِأَنَّهُ نَائِبٌ عَنْ الْغُسْلِ ، فَلَمْ يُؤَثِّرْ الْحَدَثُ فِيهِ ، كَالْغُسْلِ .\rوَإِنْ تَيَمَّمَ لِلْجَنَابَةِ وَالْحَدَثِ ، ثُمَّ أَحْدَثَ ، بَطَلَ تَيَمُّمُهُ لِلْحَدَثِ ، وَبَقِيَ تَيَمُّمُ الْجَنَابَةِ بِحَالِهِ ، وَلَوْ تَيَمَّمَتْ الْمَرْأَةُ بَعْدَ طُهْرِهَا مِنْ حَيْضِهَا لِحَدَثِ الْحَيْضِ ، ثُمَّ أَجْنَبَتْ ، لَمْ يَحْرُمْ وَطْؤُهَا ؛ لِأَنَّ حُكْمَ تَيَمُّمِ الْحَيْضِ بَاقٍ ، وَلَا يَبْطُلُ بِالْوَطْءِ ؛ لِأَنَّ الْوَطْءَ إنَّمَا يُوجِبُ حَدَثَ الْجَنَابَةِ .\rقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ : وَإِنْ قُلْنَا كُلُّ صَلَاةٍ تَحْتَاجُ إلَى تَيَمُّمٍ ، احْتَاجَ كُلُّ وَطْءٍ إلَى تَيَمُّمٍ يَخُصُّهُ ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ .","part":1,"page":464},{"id":464,"text":"( 383 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَإِذَا وَجَدَ الْمُتَيَمِّمُ الْمَاءَ ، وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ ، خَرَجَ فَتَوَضَّأَ ، أَوْ اغْتَسَلَ إنْ كَانَ جُنُبًا ، وَاسْتَقْبَلَ الصَّلَاةَ ) الْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّ الْمُتَيَمِّمَ إذَا قَدَرَ عَلَى اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ بَطَلَ تَيَمُّمُهُ ، سَوَاءٌ كَانَ فِي الصَّلَاةِ أَوْ خَارِجًا مِنْهَا ؛ فَإِنْ كَانَ فِي الصَّلَاةِ بَطَلَتْ ، لِبُطْلَانِ طَهَارَتِهِ ، وَيَلْزَمُهُ اسْتِعْمَالُ الْمَاءِ ، فَيَتَوَضَّأُ إنْ كَانَ مُحْدِثًا ، وَيَغْتَسِلُ إنْ كَانَ جُنُبًا .\rوَبِهَذَا قَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ .\rوَقَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ : إنْ كَانَ فِي الصَّلَاةِ ، مَضَى فِيهَا .\rوَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَحْمَدَ ، إلَّا أَنَّهُ رُوِيَ عَنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى رُجُوعِهِ عَنْهُ .\rقَالَ الْمَرُّوذِيُّ : قَالَ أَحْمَدُ : كُنْت أَقُولُ يَمْضِي .\rثُمَّ تَدَبَّرْت ، فَإِذَا أَكْثَرُ الْأَحَادِيثِ عَلَى أَنَّهُ يَخْرُجُ .\rوَهَذَا يَدُلُّ عَلَى رُجُوعِهِ عَنْ هَذِهِ الرِّوَايَةِ .\rوَاحْتَجُّوا بِأَنَّهُ وَجَدَ الْمُبْدَلَ بَعْدَ التَّلَبُّسِ بِمَقْصُودِ الْبَدَلِ ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ الْخُرُوجُ ، كَمَا لَوْ وَجَدَ الرَّقَبَةَ بَعْدَ التَّلَبُّسِ بِالصِّيَامِ ؛ وَلِأَنَّهُ غَيْرُ قَادِرٍ عَلَى اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ ؛ لِأَنَّ قُدْرَتَهُ تَتَوَقَّفُ عَلَى إبْطَالِ الصَّلَاةِ ، وَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْ إبْطَالِهَا ، بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ } وَلَنَا قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { الصَّعِيدُ الطَّيِّبُ وَضُوءُ الْمُسْلِمِ وَإِنْ لَمْ يَجِدْ الْمَاءَ عَشْرَ سِنِينَ ، فَإِذَا وَجَدْت الْمَاءَ فَأَمِسَّهُ جِلْدَك } .\rأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ .\rدَلَّ بِمَفْهُومِهِ : عَلَى أَنَّهُ لَا يَكُونُ طَهُورًا عِنْدَ وُجُودِ الْمَاءِ ، وَبِمَنْطُوقِهِ عَلَى وُجُوبِ إمْسَاسِهِ جِلْدَهُ عِنْدَ وُجُودِهِ ؛ وَلِأَنَّهُ قَدَرَ عَلَى اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ ، فَبَطَلَ تَيَمُّمُهُ ، كَالْخَارِجِ مِنْ الصَّلَاةِ ؛ وَلِأَنَّ التَّيَمُّمَ طَهَارَةُ ضَرُورَةٍ ، فَبَطَلَتْ بِزَوَالِ الضَّرُورَةِ كَطَهَارَةِ الْمُسْتَحَاضَةِ إذَا انْقَطَعَ دَمُهَا .\rيُحَقِّقُهُ أَنَّ","part":1,"page":465},{"id":465,"text":"التَّيَمُّمَ لَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ ، وَإِنَّمَا أُبِيحَ لِلْمُتَيَمِّمِ أَنْ يُصَلِّيَ مَعَ كَوْنِهِ مُحْدِثًا ؛ لِضَرُورَةِ الْعَجْزِ عَنْ الْمَاءِ ، فَإِذَا وَجَدَ الْمَاءَ زَالَتْ الضَّرُورَةُ ، فَظَهَرَ حُكْمُ الْحَدَثِ كَالْأَصْلِ ، وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُهُمْ ؛ فَإِنَّ الصَّوْمَ هُوَ الْبَدَلُ نَفْسُهُ ، فَنَظِيرُهُ إذَا قَدَرَ عَلَى الْمَاءِ بَعْدَ تَيَمُّمِهِ ، وَلَا خِلَافَ فِي بُطْلَانِهِ .\rثُمَّ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ مُدَّةَ الصِّيَامِ تَطُولُ ، فَيَشُقُّ الْخُرُوجُ مِنْهُ ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ الْجَمْعِ بَيْنَ فَرْضَيْنِ شَاقَّيْنِ ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا .\rوَقَوْلُهُمْ : إنَّهُ غَيْرُ قَادِرٍ غَيْرُ صَحِيحٍ فَإِنَّ الْمَاءَ قَرِيبٌ ، وَآلَتَهُ صَحِيحَةٌ ، وَالْمَوَانِعَ مُنْتَفِيَةٌ ، وَقَوْلُهُمْ : إنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْ إبْطَالِ الصَّلَاةِ .\rقُلْنَا : لَا يَحْتَاجُ إلَى إبْطَالِ الصَّلَاةِ ، بَلْ هِيَ تَبْطُلُ بِزَوَالِ الطَّهَارَةِ ، كَمَا فِي نَظَائِرِهَا .\rفَإِذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَمَتَى خَرَجَ فَتَوَضَّأَ لَزِمَهُ اسْتِئْنَافُ الصَّلَاةِ .\rوَقِيلَ : فِيهِ وَجْهٌ آخَرُ ، أَنَّهُ يُبْنَى عَلَى مَا مَضَى مِنْهَا ، كَاَلَّذِي سَبَقَهُ الْحَدَثُ .\rوَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَبْنِي ؛ لِأَنَّ الطَّهَارَةَ شَرْطٌ ، وَقَدْ فَاتَتْ بِبُطْلَانِ التَّيَمُّمِ ، فَلَا يَجُوزُ بَقَاءُ الصَّلَاةِ مَعَ فَوَاتِ شَرْطِهَا ، وَلَا يَجُوزُ بَقَاءُ مَا مَضَى صَحِيحًا مَعَ خُرُوجِهِ مِنْهَا قَبْلَ إتْمَامِهَا .\rوَكَذَا نَقُولُ فِيمَنْ سَبَقَهُ الْحَدَثُ وَإِنْ سَلَّمْنَا ، فَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ مَا مَضَى مِنْ الصَّلَاةِ انْبَنَى عَلَى طَهَارَةٍ ضَعِيفَةٍ هَاهُنَا ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ الْبِنَاءُ عَلَيْهِ ، كَطَهَارَةِ الْمُسْتَحَاضَةِ ، بِخِلَافِ مَنْ سَبَقَهُ الْحَدَثُ .","part":1,"page":466},{"id":466,"text":"( 384 ) فَصْلٌ : وَالْمُصَلِّي عَلَى حَسَبِ حَالِهِ بِغَيْرِ وُضُوءٍ ، وَلَا تَيَمُّمٍ ، إذَا وَجَدَ مَاءً فِي الصَّلَاةِ ، أَوْ تُرَابًا خَرَجَ مِنْهَا بِكُلِّ حَالٍ ؛ لِأَنَّهَا صَلَاةٌ بِغَيْرِ طَهَارَةٍ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يُخَرَّجَ فِيهَا مِثْلُ مَا فِي التَّيَمُّمِ إذَا وَجَدَ الْمَاءَ ؛ إذَا قُلْنَا إنَّهُ لَا تَلْزَمُهُ الْإِعَادَةُ ؛ وَلِأَنَّ الطَّهَارَةَ شَرْطٌ سَقَطَ اعْتِبَارُهُ ، فَأَشْبَهَتْ السُّتْرَةَ إذَا عَجَزَ عَنْهَا ، فَصَلَّى عُرْيَانًا ، ثُمَّ وَجَدَ السُّتْرَةَ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ قَرِيبًا مِنْهُ ، وَكُلُّ صَلَاةٍ يَلْزَمُهُ إعَادَتُهَا ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ الْخُرُوجُ مِنْهَا إذَا زَالَ الْعُذْرُ ، وَيَلْزَمُهُ اسْتِقْبَالُهَا .\rوَإِنْ قُلْنَا لَا يَلْزَمُهُ إعَادَتُهَا ، فَإِنَّهَا تُشْبِهُ صَلَاةَ الْمُتَيَمِّمِ إذَا وَجَدَ الْمَاءَ ، عَلَى مَا مَضَى مِنْ الْقَوْلِ فِيهَا","part":1,"page":467},{"id":467,"text":"( 385 ) فَصْلٌ : وَلَوْ يَمَّمَ الْمَيِّتَ ، ثُمَّ قَدَرَ عَلَى الْمَاءِ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ ، لَزِمَهُ الْخُرُوجُ ؛ لِأَنَّ غُسْلَ الْمَيِّتِ مُمْكِنٌ ، غَيْرُ مُتَوَقِّفٍ عَلَى إبْطَالِ الْمُصَلِّي صَلَاتَهُ ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ كَمَسْأَلَتِنَا ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ وُجِدَ بَعْدَ الدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ .","part":1,"page":468},{"id":468,"text":"( 386 ) فَصْلٌ : وَإِذَا قُلْنَا لَا يَلْزَمُ الْمُصَلِّي الْخُرُوجُ لِرُؤْيَةِ الْمَاءِ ، فَهَلْ يَجُوزُ لَهُ الْخُرُوجُ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا ، لَهُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ شَرَعَ فِي مَقْصُودِ الْبَدَلِ ، فَخُيِّرَ بَيْنَ الرُّجُوعِ إلَى الْمُبْدَلِ ، وَبَيْنَ إتْمَامِ مَا شَرَعَ فِيهِ ، كَمَنْ شَرَعَ فِي صَوْمِ الْكَفَّارَةِ ، ثُمَّ أَمْكَنَهُ الرَّقَبَةُ .\rوَالثَّانِي لَا يَجُوزُ لَهُ الْخُرُوجُ ؛ لِأَنَّ مَا لَا يُوجِبُ الْخُرُوجَ مِنْ الصَّلَاةِ لَا يُبِيحُ الْخُرُوجَ مِنْهَا ، كَسَائِرِ الْأَشْيَاءِ .\rوَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَجْهَانِ ، كَهَذَيْنِ .","part":1,"page":469},{"id":469,"text":"( 387 ) فَصْلٌ : إذَا رَأَى مَاءً فِي الصَّلَاةِ ، ثُمَّ انْقَلَبَ قَبْلَ اسْتِعْمَالِهِ ، فَإِنْ قُلْنَا يَلْزَمُهُ الْخُرُوجُ مِنْ الصَّلَاةِ .\rفَقَدْ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ وَتَيَمُّمُهُ بِرُؤْيَةِ الْمَاءِ ، وَالْقُدْرَةِ عَلَيْهِ ، وَيَلْزَمُهُ اسْتِئْنَافُ التَّيَمُّمِ وَالصَّلَاةِ ، وَإِنْ قُلْنَا لَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ .\rوَانْدَفَقَ وَهُوَ فِيهَا ، فَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ : لَيْسَ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ بِذَلِكَ التَّيَمُّمِ صَلَاةً أُخْرَى .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ رُؤْيَةَ الْمَاءِ حَرَّمَتْ عَلَيْهِ افْتِتَاحَ صَلَاةٍ أُخْرَى .\rوَلَوْ تَلَبَّسَ بِنَافِلَةٍ ، ثُمَّ رَأَى مَاءً ؛ فَإِنْ كَانَ نَوَى عَدَدًا ، أَتَى بِهِ .\rوَإِنْ لَمْ يَكُنْ نَوَى عَدَدًا ، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَزِيدَ عَلَى رَكْعَتَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ أَقَلُّ الصَّلَاةِ ، عَلَى ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ .\rقَالَ الشَّيْخُ ، رَحِمَهُ اللَّهُ : وَيَقْوَى عِنْدِي أَنَّنَا إذَا قُلْنَا لَا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِرُؤْيَةِ الْمَاءِ .\rفَلَهُ افْتِتَاحُ صَلَاةٍ أُخْرَى ؛ لِأَنَّ رُؤْيَةَ الْمَاءِ لَمْ تُبْطِلْ التَّيَمُّمَ ، وَلَوْ بَطَلَ لَبَطَلَتْ الصَّلَاةُ ، وَمَا وُجِدَ بَعْدَهَا لَا يُبْطِلُهُ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ رَآهُ وَبَيْنَهُ وَبَيْنَهُ سَبُعٌ ثُمَّ انْدَفَقَ قَبْلَ زَوَالِ الْمَانِعِ ، وَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَ مَا يَشَاءُ ، كَمَا لَوْ لَمْ يَرَ الْمَاءَ .","part":1,"page":470},{"id":470,"text":"( 388 ) فَصْلٌ : إذَا تَيَمَّمَ ، ثُمَّ رَأَى رَكْبًا يَظُنُّ أَنَّ مَعَهُ مَاءً ، وَقُلْنَا بِوُجُوبِ الطَّلَبِ ، أَوْ رَأَى خُضْرَةً ، أَوْ شَيْئًا يَدُلُّ عَلَى الْمَاءِ فِي مَوْضِعٍ يَلْزَمُهُ الطَّلَبُ فِيهِ ، بَطَلَ تَيَمُّمُهُ ، وَكَذَلِكَ إنْ رَأَى سَرَابًا ظَنَّهُ مَاءً ، بَطَلَ تَيَمُّمُهُ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا وَجَبَ الطَّلَبُ بَطَلَ التَّيَمُّمُ .\rوَسَوَاءٌ تَبَيَّنَ لَهُ خِلَافُ ظَنِّهِ أَوْ لَمْ يَتَبَيَّنْ .\rفَأَمَّا إنْ رَأَى الرَّكْبَ أَوْ الْخُضْرَةَ فِي الصَّلَاةِ ، لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ وَلَا تَيَمُّمُهُ ؛ لِأَنَّهُ دَخَلَ فِيهَا بِطَهَارَةٍ مُتَيَقَّنَةٍ ، فَلَا تَزُولُ بِالشَّكِّ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَبْطُلَ تَيَمُّمُهُ أَيْضًا ، إذَا كَانَ خَارِجًا مِنْ الصَّلَاةِ ؛ لِأَنَّ الطَّهَارَةَ الْمُتَيَقَّنَةَ لَا تَبْطُلُ بِالشَّكِّ ، كَطَهَارَةِ الْمَاءِ ، وَوُجُوبُ الطَّلَبِ لَيْسَ بِمُبْطِلٍ لِلتَّيَمُّمِ ؛ لِأَنَّ كَوْنَهُ مُبْطِلًا إنَّمَا يَثْبُتُ بِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ ، وَلَيْسَ فِي هَذَا نَصٌّ ، وَلَا مَعْنَى نَصٍّ ، فَيَنْتَفِي الدَّلِيلُ .","part":1,"page":471},{"id":471,"text":"( 389 ) فَصْلٌ : وَإِنْ خَرَجَ وَقْتُ الصَّلَاةِ ، وَهُوَ فِيهَا ، بَطَلَ تَيَمُّمُهُ ، وَبَطَلَتْ صَلَاتُهُ ؛ لِأَنَّ طَهَارَتَهُ انْتَهَتْ بِانْتِهَاءِ وَقْتِهَا ، فَبَطَلَتْ صَلَاتُهُ ، كَمَا لَوْ انْقَضَتْ مُدَّةُ الْمَسْحِ ، وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ .","part":1,"page":472},{"id":472,"text":"( 390 ) فَصْلٌ : وَيَبْطُلُ التَّيَمُّمُ عَنْ الْحَدَثِ بِكُلِّ مَا يُبْطِلُ الْوُضُوءَ ، وَيَزِيدُ بِرُؤْيَةِ الْمَاءِ الْمَقْدُورِ عَلَى اسْتِعْمَالِهِ ، وَخُرُوجِ الْوَقْتِ ، وَزَادَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا ظَنَّ وُجُودِ الْمَاءِ ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا ، وَزَادَ بَعْضُهُمْ مَا لَوْ نَزَعَ عِمَامَةً أَوْ خُفًّا يَجُوزُ لَهُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ ؛ فَإِنَّهُ يَبْطُلُ تَيَمُّمُهُ .\rوَذُكِرَ أَنَّ أَحْمَدَ نَصَّ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ مُبْطِلٌ لِلْوُضُوءِ ، فَأَبْطَلَ التَّيَمُّمَ ، كَسَائِرِ مُبْطِلَاتِهِ .\rوَالصَّحِيحُ أَنَّ هَذَا لَيْسَ بِمُبْطِلٍ لِلتَّيَمُّمِ ، وَهَذَا قَوْلُ سَائِرِ الْفُقَهَاءِ ؛ لِأَنَّ التَّيَمُّمَ طَهَارَةٌ لَمْ يَمْسَحْ فِيهَا عَلَيْهِ ، فَلَا يَبْطُلُ بِنَزْعِهِ ، كَطَهَارَةِ الْمَاءِ ، وَكَمَا لَوْ كَانَ الْمَلْبُوسُ مِمَّا لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ ، وَلَا يَصِحُّ قَوْلُهُمْ : إنَّهُ مُبْطِلٌ لِلْوُضُوءِ ؛ لِأَنَّ مُبْطِلَ الْوُضُوءِ نَزْعُ مَا هُوَ مَمْسُوحٌ عَلَيْهِ فِيهِ ، وَلَمْ يُوجَدْ هَاهُنَا ؛ وَلِأَنَّ إبَاحَةَ الْمَسْحِ لَا يَصِيرُ بِهَا مَاسِحًا ، وَلَا بِمَنْزِلَةِ الْمَاسِحِ ، كَمَا لَوْ لَبِسَ عِمَامَةً يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهَا ، وَمَسَحَ عَلَى رَأْسِهِ مِنْ تَحْتَهَا ، فَإِنَّهُ لَا تَبْطُلُ طَهَارَتُهُ بِنَزْعِهَا .\rفَأَمَّا التَّيَمُّمُ لِلْجَنَابَةِ ، فَلَا يُبْطِلُهُ إلَّا رُؤْيَةُ الْمَاءِ ، وَخُرُوجُ الْوَقْتِ ، وَمُوجِبَاتُ الْغُسْلِ ، وَكَذَلِكَ التَّيَمُّمُ لِحَدَثِ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ ، لَا يَزُولُ حُكْمُهُ إلَّا بِحَدَثِهِمَا ، أَوْ بِأَحَدِ الْأَمْرَيْنِ .","part":1,"page":473},{"id":473,"text":"( 391 ) فَصْلٌ : يَجُوزُ التَّيَمُّمُ لِكُلِّ مَا يُتَطَهَّرُ لَهُ مِنْ نَافِلَةٍ ، أَوْ مَسِّ مُصْحَفٍ ، أَوْ قِرَاءَةِ قُرْآنٍ ، أَوْ سُجُودِ تِلَاوَةٍ ، أَوْ شُكْرٍ ، أَوْ لُبْثٍ فِي مَسْجِدٍ .\rقَالَ أَحْمَدُ ، يَتَيَمَّمُ وَيَقْرَأُ جُزْأَهُ .\rيَعْنِي الْجُنُبَ .\rوَبِذَلِكَ قَالَ عَطَاءٌ ، وَمَكْحُولٌ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَرَبِيعَةُ ، وَيَحْيَى الْأَنْصَارِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَقَالَ أَبُو مَخْرَمَةَ : لَا يَتَيَمَّمُ إلَّا لِمَكْتُوبَةٍ .\rوَكَرِهَ الْأَوْزَاعِيُّ أَنْ يَمَسَّ الْمُتَيَمِّمُ الْمُصْحَفَ ، وَلَنَا قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الصَّعِيدُ الطَّيِّبُ طَهُورُ الْمُسْلِمِ ، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ الْمَاءَ عَشْرَ سِنِينَ } ، وَقَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { جُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا } ؛ وَلِأَنَّهُ يُسْتَبَاحُ بِطَهَارَةِ الْمَاءِ ، فَيُسْتَبَاحُ بِالتَّيَمُّمِ ، كَالْمَكْتُوبَةِ .","part":1,"page":474},{"id":474,"text":"( 392 ) فَصْلٌ : وَإِنْ كَانَتْ عَلَى بَدَنِهِ نَجَاسَةٌ ، وَعَجَزَ عَنْ غَسْلِهَا ؛ لِعَدَمِ الْمَاءِ ، أَوْ خَوْفِ الضَّرَرِ بِاسْتِعْمَالِهِ تَيَمَّمَ لَهَا وَصَلَّى .\rقَالَ أَحْمَدُ : هُوَ بِمَنْزِلَةِ الْجُنُبِ ، يَتَيَمَّمُ .\rوَرُوِيَ مَعْنَى ذَلِكَ عَنْ الْحَسَنِ .\rوَرُوِيَ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَأَبِي ثَوْرٍ : يَمْسَحُهَا بِالتُّرَابِ ، وَيُصَلِّي ؛ لِأَنَّ طَهَارَةَ النَّجَاسَةِ إنَّمَا تَكُونُ فِي مَحَلِّ النَّجَاسَةِ دُونَ غَيْرِهِ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى قَوْلِ أَحْمَدَ : إنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْجُنُبِ الَّذِي يَتَيَمَّمُ ، أَيْ أَنَّهُ يُصَلِّي عَلَى حَسَبِ حَالِهِ كَمَا يُصَلِّي الْجُنُبُ الَّذِي يَتَيَمَّمُ ، وَهَذَا قَوْلُ الْأَكْثَرِينَ مِنْ الْفُقَهَاءِ ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ إنَّمَا وَرَدَ بِالتَّيَمُّمِ لِلْحَدَثِ ، وَغَسْلُ النَّجَاسَةِ لَيْسَ فِي مَعْنَاهُ ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُؤْتَى بِهِ فِي مَحَلِّ النَّجَاسَةِ ، لَا فِي غَيْرِهِ ؛ وَلِأَنَّ مَقْصُودَ الْغُسْلِ إزَالَةُ النَّجَاسَةِ ، وَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ بِالتَّيَمُّمِ .\rوَلَنَا قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { الصَّعِيدُ الطَّيِّبُ طَهُورُ الْمُسْلِمِ ، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ الْمَاءَ عَشْرَ سِنِينَ } ، وَقَوْلُهُ : { جُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا } ؛ وَلِأَنَّهَا طَهَارَةٌ فِي الْبَدَنِ تُرَادُ لِلصَّلَاةِ ، فَجَازَ لَهَا التَّيَمُّمُ عِنْدَ عَدَمِ الْمَاءِ ، أَوْ خَوْفِ الضَّرَرِ بِاسْتِعْمَالِهِ كَالْحَدَثِ وَيُفَارِقُ الْغَسْلُ التَّيَمُّمَ فَإِنَّهُ فِي طَهَارَةِ الْحَدَثِ يُؤْتَى بِهِ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ ، فِيمَا إذَا تَيَمَّمَ لِجُرْحٍ فِي رِجْلِهِ ، أَوْ مَوْضِعٍ مِنْ بَدَنِهِ غَيْرِ وَجْهِهِ وَيَدَيْهِ ، بِخِلَافِ الْغَسْلِ ، وَقَوْلُهُمْ : لَمْ يَرِدْ بِهِ الشَّرْعُ .\rقُلْنَا : هُوَ دَاخِلٌ فِي عُمُومِ الْأَخْبَارِ ، وَفِي مَعْنَى طَهَارَةِ الْحَدَثِ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا .\rفَإِذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّهُ إذَا تَيَمَّمَ لِلنَّجَاسَةِ وَصَلَّى ، فَهَلْ يَلْزَمُهُ الْإِعَادَةُ ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ .\rوَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : إنْ كَانَ عَلَى جُرْحِهِ نَجَاسَةٌ يَسْتَضِرُّ بِإِزَالَتِهَا ، تَيَمَّمَ وَصَلَّى وَلَا إعَادَةَ","part":1,"page":475},{"id":475,"text":"عَلَيْهِ .\rوَإِنْ تَيَمَّمَ لِلنَّجَاسَةِ عِنْدَ عَدَمِ الْمَاءِ وَصَلَّى ، لَزِمَتْهُ الْإِعَادَةُ عِنْدِي .\rوَقَالَ أَصْحَابُنَا : لَا تَلْزَمُهُ الْإِعَادَةُ { ؛ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : التُّرَابُ كَافِيكَ مَا لَمْ تَجِدْ الْمَاءَ } ؛ وَلِأَنَّهَا طَهَارَةٌ نَابَ عَنْهَا التَّيَمُّمُ ، فَلَمْ تَجِبْ الْإِعَادَةُ فِيهَا ، كَطَهَارَةِ الْحَدَثِ ، وَكَمَا لَوْ تَيَمَّمَ لِنَجَاسَةٍ عَلَى جُرْحِهِ يَضُرُّهُ إزَالَتُهَا ؛ وَلِأَنَّهُ لَوْ صَلَّى مِنْ غَيْرِ تَيَمُّمٍ لَمْ يَلْزَمْهُ الْإِعَادَةُ ، فَمَعَ التَّيَمُّمِ أَوْلَى ؛ فَأَمَّا إنْ كَانَتْ النَّجَاسَةُ عَلَى ثَوْبِهِ ، أَوْ غَيْرِ بَدَنِهِ ، فَإِنَّهُ لَا يَتَيَمَّمُ لَهَا ؛ لِأَنَّ التَّيَمُّمَ طَهَارَةٌ فِي الْبَدَنِ ، فَلَا يَنُوبُ عَنْ غَيْرِ الْبَدَنِ كَالْغَسْلِ ؛ وَلِأَنَّ غَيْرَ الْبَدَنِ لَا يَنُوبُ فِيهِ الْجَامِدُ عِنْدَ الْعَجْزِ ، بِخِلَافِ الْبَدَنِ .","part":1,"page":476},{"id":476,"text":"( 393 ) فَصْلٌ : فَإِنْ اجْتَمَعَ عَلَيْهِ نَجَاسَةٌ وَحَدَثٌ ، وَمَعَهُ مَا لَا يَكْفِي إلَّا أَحَدَهُمَا ، غَسَلَ النَّجَاسَةَ وَتَيَمَّمَ لِلْحَدَثِ .\rنَصَّ عَلَى هَذَا أَحْمَدُ .\rوَقَالَ الْخَلَّالُ : اتَّفَقَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ، وَسُفْيَانُ عَلَى هَذَا .\rوَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ التَّيَمُّمَ لِلْحَدَثِ ثَابِتٌ بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ ، وَمُخْتَلَفٌ فِيهِ لِلنَّجَاسَةِ .\rوَإِنْ كَانَتْ النَّجَاسَةُ عَلَى ثَوْبِهِ ، قَدَّمَ غَسْلَهَا ، وَتَيَمَّمَ لِلْحَدَثِ .\rوَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ : أَنَّهُ يَتَوَضَّأُ ، وَيَدَعُ الثَّوْبَ ؛ لِأَنَّهُ وَاجِدٌ لِلْمَاءِ ، وَالْوُضُوءُ أَشَدُّ مِنْ غَسْلِ الثَّوْبِ .\rوَحَكَاهُ أَبُو حَنِيفَةَ ، عَنْ حَمَّادٍ فِي الدَّمِ .\rوَالْأَوَّلُ أَوْلَى ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ ؛ لِأَنَّهُ إذَا قَدَّمَ غَسْلَ نَجَاسَةِ الْبَدَنِ مَعَ أَنَّ لِلتَّيَمُّمِ فِيهَا مَدْخَلًا ، فَتَقْدِيمُ طَهَارَةِ الثَّوْبِ أَوْلَى ، وَإِنْ اجْتَمَعَ نَجَاسَةٌ عَلَى الثَّوْبِ ، وَنَجَاسَةٌ عَلَى الْبَدَنِ ، وَلَيْسَ مَعَهُ إلَّا مَا يَكْفِي أَحَدَهُمَا ، غَسَلَ الثَّوْبَ ، وَتَيَمَّمَ لِنَجَاسَةِ الْبَدَنِ ؛ لِأَنَّ لِلتَّيَمُّمِ فِيهَا مَدْخَلًا .","part":1,"page":477},{"id":477,"text":"( 394 ) فَصْلٌ : وَإِذَا اجْتَمَعَ جُنُبٌ وَمَيِّتٌ وَمَنْ عَلَيْهَا غُسْلُ حَيْضٍ ، وَمَعَهُمْ مَاءٌ لَا يَكْفِي إلَّا أَحَدَهُمْ ؛ فَإِنْ كَانَ مِلْكًا لِأَحَدِهِمْ ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ ، فَإِنَّهُ يَحْتَاجُ إلَيْهِ لِنَفْسِهِ ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ بَذْلُهُ لِغَيْرِهِ ، سَوَاءٌ كَانَ مَالِكُهُ الْمَيِّتَ أَوْ أَحَدَ الْحَيَّيْنِ .\rوَإِنْ كَانَ الْمَاءُ لِغَيْرِهِمْ ، وَأَرَادَ أَنْ يَجُودَ بِهِ عَلَى أَحَدِهِمْ ، فَعَنْ أَحْمَدَ ، رَحِمَهُ اللَّهُ رِوَايَتَانِ : إحْدَاهُمَا ، الْمَيِّتُ أَحَقُّ بِهِ ؛ لِأَنَّ غُسْلَهُ خَاتِمَةُ طَهَارَتِهِ ، فَيُسْتَحَبُّ أَنْ تَكُونَ طَهَارَةً كَامِلَةً ، وَالْحَيُّ يَرْجِعُ إلَى الْمَاءِ فَيَغْتَسِلُ ؛ وَلِأَنَّ الْقَصْدَ بِغُسْلِ الْمَيِّتِ تَنْظِيفُهُ ، وَلَا يَحْصُلُ بِالتَّيَمُّمِ ، وَالْحَيُّ يُقْصَدُ بِغُسْلِهِ إبَاحَةُ الصَّلَاةِ ، وَيَحْصُلُ ذَلِكَ بِالتُّرَابِ .\rوَالثَّانِيَةُ الْحَيُّ أَوْلَى ؛ لِأَنَّهُ مُتَعَبِّدٌ بِالْغُسْلِ مَعَ وُجُودِ الْمَاءِ ، وَالْمَيِّتُ قَدْ سَقَطَ الْفَرْضُ عَنْهُ بِالْمَوْتِ .\rاخْتَارَ هَذَا الْخَلَّالُ .\rوَهَلْ يُقَدَّمُ الْجُنُبُ أَوْ الْحَائِضُ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا الْحَائِضُ ؛ لِأَنَّهَا تَقْضِي حَقَّ اللَّهِ تَعَالَى ، وَحَقَّ زَوْجِهَا فِي إبَاحَةِ وَطْئِهَا .\rوَالثَّانِي : الْجُنُبُ إذَا كَانَ رَجُلًا ؛ لِأَنَّ الرَّجُلَ أَحَقُّ بِالْكَمَالِ مِنْ الْمَرْأَةِ ؛ وَلِأَنَّهُ يَصْلُحُ إمَامًا لَهَا ، وَهِيَ لَا تَصْلُحُ لِإِمَامَتِهِ .\rوَإِنْ كَانَ عَلَى أَحَدِهِمْ نَجَاسَةٌ فَهُوَ أَوْلَى بِهِ .\rوَإِنْ وَجَدُوا الْمَاءَ فِي مَكَان فَهُوَ لِلْأَحْيَاءِ ؛ لِأَنَّ الْمَيِّتَ لَا يَجِدُ شَيْئًا .\rوَإِنْ كَانَ لِلْمَيِّتِ ، فَفَضَلَتْ مِنْهُ فَضْلَةٌ ، فَهُوَ لِوَرَثَتِهِ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ حَاضِرٌ ، فَلِلْحَيِّ أَخْذُهُ بِقِيمَتِهِ ؛ لِأَنَّ فِي تَرْكِهِ إتْلَافُهُ .\rوَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا : لَيْسَ لَهُ أَخْذُهُ ؛ لِأَنَّ مَالِكَهُ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ فِيهِ إلَّا أَنْ يَحْتَاجَ إلَيْهِ لِلْعَطَشِ ، فَيَأْخُذَهُ بِشَرْطِ الضَّمَانِ .\rوَإِنْ اجْتَمَعَ جُنُبٌ وَمُحْدِثٌ ، فَالْجُنُبُ أَحَقُّ إنْ كَانَ الْمَاءُ يَكْفِيهِ ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَفِيدُ بِهِ مَا لَا","part":1,"page":478},{"id":478,"text":"يَسْتَفِيدُهُ الْمُحْدِثُ .\rوَإِنْ كَانَ وَفْقَ حَاجَةِ الْمُحْدِثِ فَهُوَ أَوْلَى بِهِ ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَفِيدُ بِهِ طَهَارَةً كَامِلَةً .\rوَإِنْ كَانَ لَا يَكْفِي وَاحِدًا مِنْهُمَا ، فَالْجُنُبُ أَوْلَى بِهِ ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَفِيدُ بِهِ تَطْهِيرَ بَعْضِ أَعْضَائِهِ .\rوَإِنْ كَانَ يَكْفِي كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ، وَيَفْضُلُ مِنْهُ فَضْلَةٌ لَا تَكْفِي الْآخَرَ ، فَالْمُحْدِثُ أَوْلَى ؛ لِأَنَّ فَضْلَتَهُ يُمْكِنُ لِلْجُنُبِ اسْتِعْمَالُهَا ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّ الْجُنُبَ أَوْلَى ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَفِيدُ بِغُسْلِهِ مَا لَا يَسْتَفِيدُ الْمُحْدِثُ .\rوَإِذَا تَغَلَّبَ مَنْ غَيْرُهُ أَوْلَى مِنْهُ عَلَى الْمَاءِ ، فَاسْتَعْمَلَهُ ، كَانَ مُسِيئًا وَأَجْزَأَهُ ؛ لِأَنَّ الْآخَرَ لَمْ يَمْلِكُهُ ، وَإِنَّمَا رَجَحَ لِشِدَّةِ حَاجَتِهِ .","part":1,"page":479},{"id":479,"text":"( 395 ) فَصْلٌ : وَهَلْ يُكْرَهُ لِلْعَادِمِ جِمَاعُ زَوْجَتِهِ إذَا لَمْ يَخَفْ الْعَنَتَ ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ إحْدَاهُمَا ، يُكْرَهُ ؛ لِأَنَّهُ يُفَوِّتُ عَلَى نَفْسِهِ طَهَارَةً مُمْكِنًا بَقَاؤُهَا .\rوَالثَّانِيَةُ لَا يُكْرَهُ ، وَهُوَ قَوْلُ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ ، وَالْحَسَنِ ، وَقَتَادَةَ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَإِسْحَاقَ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ .\rوَحُكِيَ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ أَنَّهُ إنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَهْلِهِ أَرْبَعُ لَيَالٍ ، فَلْيُصِبْ أَهْلَهُ ، وَإِنْ كَانَ ثَلَاثٌ فَمَا دُونَهَا ، فَلَا يُصِبْهَا .\rوَالْأَوْلَى جَوَازُ إصَابَتِهَا مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ ؛ لِأَنَّ { أَبَا ذَرٍّ قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إنِّي أَعْزُبُ عَنْ الْمَاءِ وَمَعِي أَهْلِي ، فَتُصِيبُنِي الْجَنَابَةُ فَأُصَلِّي بِغَيْرِ طَهُورٍ ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الصَّعِيدُ الطَّيِّبُ طَهُورٌ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ .\rوَأَصَابَ ابْنُ عَبَّاسٍ مِنْ جَارِيَةٍ لَهُ رُومِيَّةٍ ، وَهُوَ عَادِمٌ لِلْمَاءِ ، وَصَلَّى بِأَصْحَابِهِ وَفِيهِمْ عَمَّارٌ ، فَلَمْ يُنْكِرُوهُ .\rقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ : هُوَ سُنَّةٌ مَسْنُونَةٌ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَبِي ذَرٍّ وَعَمَّارٍ وَغَيْرِهِمَا .\rفَإِذَا فَعَلَا وَوَجَدَا مِنْ الْمَاءِ مَا يَغْسِلَانِ بِهِ فَرْجَيْهِمَا غَسَلَاهُمَا ، ثُمَّ تَيَمَّمَا ، وَإِنْ لَمْ يَجِدَا ، تَيَمَّمَا لِلْجَنَابَةِ وَالْحَدَثِ الْأَصْغَرِ وَالنَّجَاسَةِ ، وَصَلَّيَا .","part":1,"page":480},{"id":480,"text":"( 396 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَإِذَا شَدَّ الْكَسِيرُ الْجَبَائِرَ ، وَكَانَ طَاهِرًا وَلَمْ يَعْدُ بِهَا مَوْضِعَ الْكَسْرِ ، مَسَحَ عَلَيْهَا كُلَّمَا أَحْدَثَ ، إلَى أَنْ يَحُلَّهَا ) الْجَبَائِرُ : مَا يُعَدُّ لِوَضْعِهِ عَلَى الْكَسْرِ ؛ لِيَنْجَبِرَ .\rوَقَوْلُهُ : \" وَلَمْ يَعْدُ بِهَا مَوْضِعَ الْكَسْرِ \" .\rأَرَادَ لَمْ يَتَجَاوَزْ الْكَسْرَ إلَّا بِمَا لَا بُدَّ مِنْ وَضْعِ الْجَبِيرَةِ عَلَيْهِ ، فَإِنَّ الْجَبِيرَةَ إنَّمَا تُوضَعُ عَلَى طَرَفَيْ الصَّحِيحِ ؛ لِيَرْجِعَ الْكَسْرُ .\rقَالَ الْخَلَّالُ : كَأَنَّ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ اسْتَحَبَّ أَنْ يَتَوَقَّى أَنْ يَبْسُطَ الشَّدَّ عَلَى الْجُرْحِ بِمَا يُجَاوِزُهُ ، ثُمَّ سَهَّلَ فِي مَسْأَلَةِ الْمَيْمُونِيِّ وَالْمَرُّوذِيِّ ؛ لِأَنَّ هَذَا مِمَّا لَا يَنْضَبِطُ ، وَهُوَ شَدِيدٌ جِدًّا ، وَلَا بَأْسَ بِالْمَسْحِ عَلَى الْعَصَائِبِ ، كَيْفَ شَدَّهَا .\rوَالصَّحِيحُ مَا ذَكَرْنَاهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ ؛ لِأَنَّهُ إذَا شَدَّهَا عَلَى مَكَان يَسْتَغْنِي عَنْ شَدِّهَا عَلَيْهِ ، كَانَ تَارِكًا لِغَسْلِ مَا يُمْكِنُهُ غَسْلُهُ ، مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ ، فَلَمْ يَجُزْ ، كَمَا لَوْ شَدَّهَا عَلَى مَا لَا كَسْرَ فِيهِ ، فَإِذَا شَدَّهَا عَلَى طَهَارَةٍ ، وَخَافَ الضَّرَرَ بِنَزْعِهَا ، فَلَهُ أَنْ يَمْسَحَ عَلَيْهَا ، إلَى أَنْ يَحُلَّهَا .\rوَمِمَّنْ رَأَى الْمَسْحَ عَلَى الْعَصَائِبِ ابْنُ عُمَرَ ، وَعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ ، وَعَطَاءٌ .\rوَأَجَازَ الْمَسْحَ عَلَى الْجَبَائِرِ الْحَسَنُ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَإِسْحَاقُ ، وَالْمُزَنِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ : يُعِيدُ كُلَّ صَلَاةٍ صَلَّاهَا ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِالْغَسْلِ ، وَلَمْ يَأْتِ بِهِ .\rوَلَنَا مَا رَوَى عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : { انْكَسَرَتْ إحْدَى زَنْدَيَّ ، فَأَمَرَنِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ أَمْسَحَ عَلَى الْجَبَائِرِ } .\rرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ .\rوَحَدِيثُ جَابِرٍ فِي الَّذِي أَصَابَتْهُ الشَّجَّةُ وَلِأَنَّهُ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ ، وَلَمْ يَعْرِفْ لَهُ فِي الصَّحَابَةِ مُخَالِفًا ؛ وَلِأَنَّهُ مَسَحَ عَلَى حَائِلٍ أُبِيحَ لَهُ","part":1,"page":481},{"id":481,"text":"الْمَسْحُ عَلَيْهِ ، فَلَمْ تَجِبْ مَعَهُ الْإِعَادَةُ ، كَالْمَسْحِ عَلَى الْخُفِّ","part":1,"page":482},{"id":482,"text":"( 397 ) فَصْلٌ : وَيُفَارِقُ مَسْحُ الْجَبِيرَةِ مَسْحَ الْخُفِّ مِنْ خَمْسَةِ أَوْجُهٍ : أَحَدُهَا ، أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهَا إلَّا عِنْدَ الضَّرَرِ بِنَزْعِهَا ، وَالْخُفُّ بِخِلَافِ ذَلِكَ .\rوَالثَّانِي ، أَنَّهُ يَجِبُ اسْتِيعَابُهَا بِالْمَسْحِ ؛ لِأَنَّهُ لَا ضَرَرَ فِي تَعْمِيمِهَا بِهِ ، بِخِلَافِ الْخُفِّ ؛ فَإِنَّهُ يَشُقُّ تَعْمِيمُ جَمِيعِهِ ، وَيُتْلِفُهُ الْمَسْحُ .\rوَإِنْ كَانَ بَعْضُهَا فِي مَحَلِّ الْفَرْضِ ، وَبَعْضُهَا فِي غَيْرِهِ ، مَسَحَ مَا حَاذَى مَحَلَّ الْفَرْضِ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .\rالثَّالِثُ أَنَّهُ يَمْسَحُ عَلَى الْجَبِيرَةِ مِنْ غَيْرِ تَوْقِيتٍ بِيَوْمٍ وَلَيْلَةٍ وَلَا ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ؛ لِأَنَّ مَسْحَهَا لِلضَّرُورَةِ ، فَيُقَدَّرُ بِقَدْرِهَا ، وَالضَّرُورَةُ تَدْعُو فِي مَسْحِهَا إلَى حَلِّهَا ، فَيُقَدَّرُ بِذَلِكَ دُونَ غَيْرِهِ .\rالرَّابِعُ ، أَنَّهُ يَمْسَحُ عَلَيْهَا فِي الطَّهَارَةِ الْكُبْرَى ، بِخِلَافِ غَيْرِهَا ؛ لِأَنَّ الضَّرَرَ يَلْحَقُ بِنَزْعِهَا فِيهَا ، بِخِلَافِ الْخُفِّ .\rالْخَامِسُ ، أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ تَقَدُّمُ الطَّهَارَةِ عَلَى شَدِّهَا فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ .\rاخْتَارَهُ الْخَلَّالُ وَقَالَ : قَدْ رَوَى حَرْبٌ ، وَإِسْحَاقُ ، وَالْمَرُّوذِيُّ ، فِي ذَلِكَ سُهُولَةً عَنْ أَحْمَدَ .\rوَاحْتَجَّ بِابْنِ عُمَرَ ، وَكَأَنَّهُ تَرَكَ قَوْلَهُ الْأَوَّلَ ، وَهُوَ أَشْبَهُ ؛ لِأَنَّ هَذَا مِمَّا لَا يَنْضَبِطُ ، وَيَغْلُظُ عَلَى النَّاسِ جِدًّا ، فَلَا بَأْسَ بِهِ .\rوَيُقَوِّي هَذَا حَدِيثُ جَابِرٍ فِي الَّذِي أَصَابَتْهُ ، الشَّجَّةُ ، فَإِنَّهُ قَالَ : { إنَّمَا كَانَ يُجْزِئُهُ أَنْ يَعْصِبَ عَلَى جُرْحِهِ خِرْقَةً ، وَيَمْسَحَ عَلَيْهَا .\r} وَلَمْ يَذْكُرْ الطَّهَارَةَ ، وَكَذَلِكَ أَمَرَ عَلِيًّا أَنْ يَمْسَحَ عَلَى الْجَبَائِرِ ، وَلَمْ يَشْتَرِطْ طَهَارَةً ؛ وَلِأَنَّ الْمَسْحَ عَلَيْهَا جَازَ دَفْعًا لِمَشَقَّةِ نَزْعِهَا ، وَنَزْعُهَا ، يَشُقُّ إذَا لَبِسَهَا عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ ، كَمَشَقَّتِهِ إذَا لَبِسَهَا عَلَى طَهَارَةٍ .\rوَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ : لَا يَمْسَحُ عَلَيْهَا إلَّا أَنْ يَشُدَّهَا عَلَى طَهَارَةٍ .\rوَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ ؛ لِأَنَّهُ","part":1,"page":483},{"id":483,"text":"حَائِلٌ يَمْسَحُ عَلَيْهِ ، فَكَانَ مِنْ شَرْطِ الْمَسْحِ عَلَيْهِ تَقَدُّمُ الطَّهَارَةِ ، كَسَائِرِ الْمَمْسُوحَاتِ .\rفَعَلَى هَذَا إذَا لَبِسَهَا عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ ، ثُمَّ خَافَ مِنْ نَزْعِهَا ، تَيَمَّمَ لَهَا .\rوَكَذَا إذَا تَجَاوَزَ بِالشَّدِّ عَلَيْهَا مَوْضِعَ الْحَاجَةِ ، وَخَافَ مِنْ نَزْعِهَا ، تَيَمَّمَ لَهَا ؛ لِأَنَّهُ مَوْضِعٌ يَخَافُ الضَّرَرَ بِاسْتِعْمَالِ الْمَاءِ فِيهِ ، فَيَتَيَمَّمُ لَهُ كَالْجُرْحِ نَفْسِهِ .","part":1,"page":484},{"id":484,"text":"( 398 ) فَصْلٌ : وَلَا يَحْتَاجُ مَعَ مَسْحِهَا إلَى تَيَمُّمٍ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَتَيَمَّمَ مَعَ مَسْحِهَا فِيمَا إذَا تَجَاوَزَ بِهَا مَوْضِعَ الْحَاجَةِ ؛ لِأَنَّ مَا عَلَى مَوْضِعِ الْحَاجَةِ يَقْتَضِي الْمَسْحَ ، وَالزَّائِدُ يَقْتَضِي التَّيَمُّمَ ، وَكَذَلِكَ فِيمَا إذَا شَدَّهَا عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ ؛ لِأَنَّهَا مُخْتَلَفٌ فِي إبَاحَةِ الْمَسْحِ عَلَيْهَا .\rفَإِذَا قُلْنَا لَا يَمْسَحُ عَلَيْهَا .\rكَانَ فَرْضُهَا التَّيَمُّمَ .\rوَعَلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ يَكُونُ فَرْضُهَا الْمَسْحَ ، فَإِذَا جَمَعَ بَيْنَهُمَا خَرَجَ مِنْ الْخِلَافِ ، وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فِي الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا قَوْلَانِ فِي الْجُمْلَةِ لِحَدِيثِ جَابِرٍ فِي الَّذِي أَصَابَتْهُ الشَّجَّةُ .\rوَلَنَا أَنَّهُ مَحَلٌّ وَاحِدٌ ، فَلَا يَجْمَعُ فِيهِ بَيْنَ بَدَلَيْنِ ، كَالْخُفِّ ؛ وَلِأَنَّهُ مَمْسُوحٌ فِي طَهَارَةٍ ، فَلَمْ يَجِبْ لَهُ التَّيَمُّمُ ، كَالْخُفِّ ، وَصَاحِبُ الشَّجَّةِ ، الظَّاهِرُ أَنَّهُ لَبِسَهَا عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ .","part":1,"page":485},{"id":485,"text":"( 399 ) فَصْلٌ : وَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ الشَّدِّ عَلَى كَسْرٍ أَوْ جُرْحٍ ، قَالَ أَحْمَدُ : إذَا تَوَضَّأَ ، وَخَافَ عَلَى جُرْحِهِ الْمَاءَ ، مَسَحَ عَلَى الْخِرْقَةِ .\rوَحَدِيثُ جَابِرٍ فِي صَاحِبِ الشَّجَّةِ إنَّمَا هُوَ فِي الْمَسْحِ عَلَى عِصَابَةِ جُرْحٍ ؛ لِأَنَّ الشَّجَّةَ اسْمٌ لِجُرْحِ الرَّأْسِ خَاصَّةً ؛ وَلِأَنَّهُ حَائِلُ مَوْضِعٍ يَخَافُ الضَّرَرَ بِغَسْلِهِ ، فَأَشْبَهَ الشَّدَّ عَلَى الْكَسْرِ .\rوَكَذَلِكَ إنْ وَضَعَ عَلَى جُرْحِهِ دَوَاءً ، وَخَافَ مِنْ نَزْعِهِ ، مَسَحَ عَلَيْهِ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .\rقَالَ الْأَثْرَمُ : سَأَلْت أَبَا عَبْد اللَّهِ عَنْ الْجُرْحِ يَكُونُ بِالرَّجُلِ ، يَضَعُ ، عَلَيْهِ الدَّوَاءَ ، فَيَخَافُ إنْ نَزَعَ الدَّوَاءَ إذَا أَرَادَ الْوُضُوءَ أَنْ يُؤْذِيَهُ ؟ قَالَ : مَا أَدْرِي مَا يُؤْذِيهِ ، وَلَكِنْ إذَا خَافَ عَلَى نَفْسِهِ ، أَوْ خُوِّفَ مِنْ ذَلِكَ ، مَسَحَ عَلَيْهِ .\rوَرَوَى الْأَثْرَمُ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، أَنَّهُ خَرَجَتْ بِإِبْهَامِهِ قُرْحَةٌ ، فَأَلْقَمَهَا مَرَارَةً ، فَكَانَ يَتَوَضَّأُ عَلَيْهَا .\rوَلَوْ انْقَطَعَ ظُفْرُ إنْسَانٍ ، أَوْ كَانَ بِأُصْبُعِهِ جُرْحٌ خَافَ إنْ أَصَابَهُ الْمَاءُ أَنْ يَزْرَقَّ الْجُرْحُ ، جَازَ الْمَسْحُ عَلَيْهِ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .\rوَقَالَ الْقَاضِي ، فِي اللُّصُوقِ عَلَى الْجُرْحِ : إنْ لَمْ يَكُنْ فِي نَزْعِهِ ضَرَرٌ نَزَعَهُ ، وَغَسَلَ الصَّحِيحَ ، وَيَتَيَمَّمُ لِلْجُرْحِ ، وَيَمْسَحُ عَلَى مَوْضِعِ الْجُرْحِ ، فَإِنْ كَانَ فِي نَزْعِهِ ضَرَرٌ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْجَبِيرَةِ ، يَمْسَحُ عَلَيْهِ .","part":1,"page":486},{"id":486,"text":"( 400 ) فَصْلٌ : فَإِنْ كَانَ فِي رِجْلِهِ شَقٌّ ، فَجَعَلَ فِيهِ قِيرًا ، فَقَالَ أَحْمَدُ يَنْزِعُهُ وَلَا يَمْسَحُ عَلَيْهِ .\rوَقَالَ : هَذَا أَهْوَنُ ، هَذَا لَا يُخَافُ مِنْهُ .\rفَقِيلَ لَهُ : مَتَى يَسَعُ صَاحِبَ الْجُرْحِ أَنْ يَمْسَحَ عَلَى الْجُرْحِ ؟ فَقَالَ : إذَا خَشِيَ أَنْ يَزْدَادَ وَجَعًا أَوْ شِدَّةً .\rوَتَعْلِيلُ أَحْمَدَ فِي الْقِيرِ بِسُهُولَتِهِ يَقْتَضِي أَنَّهُ مَتَى كَانَ عَلَى شَيْءٍ يَخَافُ مِنْهُ ، جَازَ الْمَسْحُ عَلَيْهِ ، كَمَا قُلْنَا فِي الْإِصْبَعِ الْمَجْرُوحَةِ إذَا جَعَلَ عَلَيْهَا مَرَارَةً أَوْ عَصَبَهَا ، مَسَحَهَا .\rوَقَالَ مَالِكٌ فِي الظُّفْرِ يَسْقُطُ : يَكْسُوهُ مُصْطَكَا ، وَيَمْسَحُ عَلَيْهِ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ .","part":1,"page":487},{"id":487,"text":"( 401 ) فَصْلٌ : وَإِذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى الْجُرْحِ عِصَابٌ فَقَدْ ذَكَرْنَا فِيمَا تَقَدَّمَ ، أَنَّهُ يَغْسِلُ الصَّحِيحَ ، وَيَتَيَمَّمُ لِلْجُرْحِ .\rوَقَدْ رَوَى حَنْبَلٌ ، عَنْ أَحْمَدَ ، فِي الْمَجْرُوحِ وَالْمَجْدُورِ يُخَافُ عَلَيْهِ ، يَمْسَحُ مَوْضِعَ الْجُرْحِ ، وَيَغْسِلُ مَا حَوْلَهُ .\rيَعْنِي يَمْسَحُ إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ عِصَابٌ .","part":1,"page":488},{"id":488,"text":"الْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ جَائِزٌ عِنْدَ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ ابْنِ الْمُبَارَكِ قَالَ : لَيْسَ فِي الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ اخْتِلَافٌ أَنَّهُ جَائِزٌ .\rوَعَنْ الْحَسَنِ قَالَ : حَدَّثَنِي سَبْعُونَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ .\r} وَرَوَى الْبُخَارِيُّ ، عَنْ سَعْدِ بْنِ مَالِكٍ ، وَالْمُغِيرَةِ ، وَعَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ .\r{ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ .\r} وَرَوَى أَبُو دَاوُد ، عَنْ { جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، أَنَّهُ تَوَضَّأَ ، وَمَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ ، فَقِيلَ لَهُ : أَتَفْعَلُ هَذَا ؟ قَالَ : مَا يَمْنَعُنِي أَنْ أَمْسَحَ ، وَقَدْ رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمْسَحُ ، فَقِيلَ لَهُ : قَبْلَ نُزُولِ الْمَائِدَةِ أَوْ بَعْدَهُ ؟ فَقَالَ : مَا أَسْلَمْت إلَّا بَعْدَ نُزُولِ الْمَائِدَةِ .\rوَفِي رِوَايَةٍ ، أَنَّهُ قَالَ : إنِّي رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَالَ ، ثُمَّ تَوَضَّأَ ، وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ .\r} قَالَ إبْرَاهِيمُ : فَكَانَ يُعْجِبُهُمْ هَذَا ؛ لِأَنَّ إسْلَامَ جَرِيرٍ كَانَ بَعْدَ نُزُولِ الْمَائِدَةِ .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَرَوَاهُ حُذَيْفَةُ ، وَالْمُغِيرَةُ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا .\rقَالَ أَحْمَدُ : لَيْسَ فِي قَلْبِي مِنْ الْمَسْحِ شَيْءٌ ، فِيهِ أَرْبَعُونَ حَدِيثًا عَنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا رَفَعُوا إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا وَقَفُوا","part":1,"page":489},{"id":489,"text":"( 402 ) فَصْلٌ : وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ : الْمَسْحُ أَفْضَلُ .\rيَعْنِي مِنْ الْغَسْلِ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابَهُ إنَّمَا طَلَبُوا الْفَضْلَ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ، وَالْحَكَمِ ، وَإِسْحَاقَ ؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ يُؤْخَذَ بِرُخَصِهِ } .\r{ وَمَا خُيِّرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ أَمْرَيْنِ ، إلَّا اخْتَارَ أَيْسَرَهُمَا } ؛ وَلِأَنَّ فِيهِ مُخَالَفَةَ أَهْلِ الْبِدَعِ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ لِشُعَيْبِ بْنِ حَرْبٍ : لَا يَنْفَعُك مَا كَتَبْت ، حَتَّى تَرَى الْمَسْحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ أَفْضَلَ مِنْ الْغَسْلِ .\rوَرَوَى حَنْبَلٌ ، عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّهُ قَالَ : كُلُّهُ جَائِزٌ ، الْمَسْحُ وَالْغَسْلُ ، مَا فِي قَلْبِي مِنْ الْمَسْحِ شَيْءٌ ، وَلَا مِنْ الْغَسْلِ .\rوَهَذَا قَوْلُ ابْنِ الْمُنْذِرِ .\rوَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، أَنَّهُ أَمَرَهُمْ أَنْ يَمْسَحُوا عَلَى خِفَافِهِمْ ، وَخَلَعَ خُفَّيْهِ ، وَتَوَضَّأَ ، وَقَالَ : حُبِّبَ إلَيَّ الْوُضُوءُ .\rوَقَالَ ابْنُ عُمَرَ : إنِّي لَمُولَعٌ بِغَسْلِ قَدَمَيَّ ، فَلَا تَقْتَدُوا بِي .\rوَقِيلَ : الْغَسْلُ أَفْضَلُ ؛ لِأَنَّهُ الْمَفْرُوضُ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَالْمَسْحُ رُخْصَةٌ .\rوَقَدْ ذَكَرْنَا مِنْ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ تُقْبَلَ رُخَصُهُ } .","part":1,"page":490},{"id":490,"text":"( 403 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ ، رَحِمَهُ اللَّهُ : ( وَمَنْ لَبِسَ خُفَّيْهِ ، وَهُوَ كَامِلُ الطَّهَارَةِ ، ثُمَّ أَحْدَثَ ، مَسَحَ عَلَيْهِمَا ) .\rلَا نَعْلَمُ فِي اشْتِرَاطِ تَقَدُّمِ الطَّهَارَةِ لِجَوَازِ الْمَسْحِ خِلَافًا .\rوَوَجْهُهُ : مَا رَوَى الْمُغِيرَةُ ، قَالَ : { كُنْت مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ ، فَأَهْوَيْت لِأَنْزِعَ خُفَّيْهِ ، فَقَالَ : دَعْهُمَا فَإِنِّي أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ فَمَسَحَ عَلَيْهِمَا .\r} مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rفَأَمَّا إنْ غَسَلَ إحْدَى رِجْلَيْهِ ، فَأَدْخَلَهَا الْخُفَّ ، ثُمَّ غَسَلَ الْأُخْرَى وَأَدْخَلَهَا الْخُفَّ ، لَمْ يَجُزْ الْمَسْحُ أَيْضًا .\rوَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَإِسْحَاقَ ، وَنَحْوُهُ عَنْ مَالِكٍ .\rوَحَكَى بَعْضُ أَصْحَابِنَا رِوَايَةً أُخْرَى عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّهُ يَجُوزُ الْمَسْحُ .\rرَوَاهَا أَبُو طَالِبٍ عَنْهُ ، وَهُوَ قَوْلُ يَحْيَى بْنِ آدَمَ وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ ؛ لِأَنَّهُ أَحْدَثَ بَعْدَ كَمَالِ الطَّهَارَةِ وَاللُّبْسِ ، فَجَازَ الْمَسْحُ ، كَمَا لَوْ نَزَعَ الْخُفَّ الْأَوَّلَ ثُمَّ عَادَ فَلَبِسَهُ ، وَقِيلَ أَيْضًا ، فِيمَنْ غَسَلَ رِجْلَيْهِ ، وَلَبِسَ خُفَّيْهِ ، ثُمَّ غَسَلَ بَقِيَّةَ أَعْضَائِهِ : يَجُوزُ لَهُ الْمَسْحُ .\rوَذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ التَّرْتِيبَ غَيْرُ وَاجِبٍ فِي الْوُضُوءِ ، وَقَدْ سَبَقَ .\rوَلَنَا قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { دَعْهُمَا ، فَإِنِّي أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ } .\rوَفِي لَفْظٍ لِأَبِي دَاوُد : { دَعْ الْخُفَّيْنِ ، فَإِنِّي أَدْخَلْت الْقَدَمَيْنِ الْخُفَّيْنِ وَهُمَا طَاهِرَتَانِ } .\rفَجَعَلَ الْعِلَّةَ وُجُودَ الطَّهَارَةِ فِيهِمَا جَمِيعًا وَقْتَ إدْخَالِهِمَا ، وَلَمْ تُوجَدْ طَهَارَتُهُمَا وَقْتَ لُبْسِ الْأَوَّلِ ؛ وَلِأَنَّ مَا اُعْتُبِرَتْ لَهُ الطَّهَارَةُ اُعْتُبِرَ لَهُ كَمَالُهَا ؛ كَالصَّلَاةِ وَمَسِّ الْمُصْحَفِ ؛ وَلِأَنَّ الْأَوَّلَ خُفٌّ مَلْبُوسٌ قَبْلَ رَفْعِ الْحَدَثِ ، فَلَمْ يَجُزْ الْمَسْحُ عَلَيْهِ ، كَمَا لَوْ لَبِسَهُ قَبْلَ غَسْلِ قَدَمَيْهِ ، وَدَلِيلُ بَقَاءِ الْحَدَثِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ مَسُّ الْمُصْحَفِ بِالْعُضْوِ","part":1,"page":491},{"id":491,"text":"الْمَغْسُولِ ، فَأَمَّا إذَا نَزَعَ الْخُفَّ الْأَوَّلَ ، ثُمَّ لَبِسَهُ ، فَقَدْ لَبِسَهُ بَعْدَ كَمَالِ الطَّهَارَةِ .\rوَقَوْلُ الْخِرَقِيِّ : \" ثُمَّ أَحْدَثَ \" يَعْنِي الْحَدَثَ الْأَصْغَرَ ؛ فَإِنَّ جَوَازَ الْمَسْحِ مُخْتَصٌّ بِهِ ، وَلَا يُجْزِئُ الْمَسْحُ فِي جَنَابَةٍ ، وَلَا غُسْلٍ وَاجِبٍ ، وَلَا مُسْتَحَبٍّ ، لَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا .\rوَقَدْ رَوَى صَفْوَانُ بْنُ عَسَّالٍ الْمُرَادِي ، قَالَ { : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْمُرُنَا إذَا كُنَّا مُسَافِرِينَ ، أَوْ سَفْرًا ، أَنْ لَا نَنْزِعَ خِفَافَنَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهِنَّ ، إلَّا مِنْ جَنَابَةٍ ، لَكِنْ مِنْ غَائِطٍ وَبَوْلٍ وَنَوْمٍ .\r} رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ .\rوَقَالَ : حَدِيثٌ صَحِيحٌ وَلِأَنَّ وُجُوبَ الْغُسْلِ يَنْدُرُ ، فَلَا يَشُقُّ إيجَابُ غَسْلِ الْقَدَمِ ، بِخِلَافِ الطَّهَارَةِ الصُّغْرَى ، وَلِذَلِكَ وَجَبَ غَسْلُ مَا تَحْتَ الشُّعُورِ الْكَثِيفَةِ ، وَهَكَذَا الْحُكْمُ فِي الْعِمَامَةِ ، وَسَائِرِ الْحَوَائِلِ ، إلَّا الْجَبِيرَةَ وَمَا فِي مَعْنَاهَا .","part":1,"page":492},{"id":492,"text":"( 404 ) فَصْلٌ : فَإِنْ تَطَهَّرَ ، ثُمَّ لَبِسَ الْخُفَّ فَأَحْدَثَ قَبْلَ بُلُوغِ الرِّجْلِ قَدَمَ الْخُفِّ ، لَمْ يَجُزْ لَهُ الْمَسْحُ ؛ لِأَنَّ الرِّجْلَ حَصَلَتْ فِي مَقَرِّهَا وَهُوَ مُحْدِثٌ ، فَصَارَ كَمَا لَوْ بَدَأَ اللُّبْسَ وَهُوَ مُحْدِثٌ","part":1,"page":493},{"id":493,"text":"( 405 ) فَصْلٌ : فَإِنْ تَيَمَّمَ ، ثُمَّ لَبِسَ الْخُفَّ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ الْمَسْحُ ؛ لِأَنَّهُ لَبِسَهُ عَلَى طَهَارَةٍ غَيْرِ كَامِلَةٍ ؛ وَلِأَنَّهَا طَهَارَةُ ضَرُورَةٍ ، بَطَلَتْ مِنْ أَصْلِهَا ، فَصَارَ كَاللَّابِسِ لَهُ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ ؛ وَلِأَنَّ التَّيَمُّمَ لَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ ، فَقَدْ لَبِسَهُ وَهُوَ مُحْدِثٌ .\rوَإِنْ تَطَهَّرَتْ الْمُسْتَحَاضَةُ ، وَمَنْ بِهِ سَلَسُ الْبَوْلِ ، وَشِبْهُهُمَا ، وَلَبِسُوا خِفَافًا ، فَلَهُمْ الْمَسْحُ عَلَيْهَا .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ؛ لِأَنَّ طَهَارَتَهُمْ كَامِلَةٌ فِي حَقِّهِمْ .\rقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ : لِأَنَّهَا مُضْطَرَّةٌ إلَى التَّرَخُّصِ ، وَأَحَقُّ مَنْ يَتَرَخَّصُ الْمُضْطَرُّ .\rفَإِنْ انْقَطَعَ الدَّمُ ، وَزَالَتْ الضَّرُورَةُ ، بَطَلَتْ الطَّهَارَةُ مِنْ أَصْلِهَا ، وَلَمْ يَكُنْ لَهَا الْمَسْحُ ، كَالْمُتَيَمِّمِ إذَا وَجَدَ الْمَاءَ .","part":1,"page":494},{"id":494,"text":"( 406 ) فَصْلٌ : إذَا لَبِسَ خُفَّيْنِ ، ثُمَّ أَحْدَثَ ، ثُمَّ لَبِسَ فَوْقَهُمَا خُفَّيْنِ أَوْ جُرْمُوقَيْنِ ، لَمْ يَجُزْ الْمَسْحُ عَلَيْهِمَا ، بِغَيْرِ خِلَافٍ ؛ لِأَنَّهُ لَبِسَهُمَا عَلَى حَدَثٍ .\rوَإِنْ مَسَحَ عَلَى الْأَوَّلَيْنِ ، ثُمَّ لَبِسَ الْجُرْمُوقَيْنِ ، لَمْ يَجُزْ الْمَسْحُ عَلَيْهِمَا أَيْضًا .\rوَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَجْهٌ فِي تَجْوِيزِهِ ؛ لِأَنَّ الْمَسْحَ قَائِمٌ مَقَامَ غَسْلِ الْقَدَمِ .\rوَلَنَا أَنَّ الْمَسْحَ عَلَى الْخُفِّ لَمْ يُزِلْ الْحَدَثَ عَنْ الرِّجْلِ ، فَكَأَنَّهُ لَبِسَهُ عَلَى حَدَثٍ ؛ وَلِأَنَّ الْخُفَّ الْمَمْسُوحَ عَلَيْهِ بَدَلٌ وَالْبَدَلُ لَا يَكُونُ لَهُ بَدَلٌ ؛ وَلِأَنَّهُ لَبِسَهُ عَلَى طَهَارَةٍ غَيْرِ كَامِلَةٍ ، فَأَشْبَهَ الْمُتَيَمِّمَ .\rوَإِنْ لَبِسَ الْفَوْقَانِيَّ قَبْلَ أَنْ يُحْدِثَ ، جَازَ الْمَسْحُ عَلَيْهِ بِكُلِّ حَالٍ ، سَوَاءٌ كَانَ الَّذِي تَحْتَهُ صَحِيحًا أَوْ مُخَرَّقًا .\rوَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ ، وَمَنَعَ مِنْهُ مَالِكٌ فِي إحْدَى رِوَايَتَيْهِ ، وَالشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ ؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ لَا تَدْعُو إلَى لُبْسِهِ فِي الْغَالِبِ ، فَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ رُخْصَةٌ عَامَّةٌ ، كَالْجَبِيرَةِ .\rوَلَنَا أَنَّهُ خُفٌّ سَاتِرٌ يُمْكِنُ مُتَابَعَةُ الْمَشْيِ فِيهِ ، أَشْبَهَ الْمُفْرَدَ ، وَكَمَا لَوْ كَانَ الَّذِي تَحْتَهُ مُخَرَّقًا ، وَقَوْلُهُ : \" الْحَاجَةُ لَا تَدْعُو إلَيْهِ \" .\rمَمْنُوعٌ فَإِنَّ الْبِلَادَ الْبَارِدَةَ لَا يَكْفِي فِيهَا خُفٌّ وَاحِدٌ غَالِبًا ، وَلَوْ سَلَّمْنَا ذَلِكَ ، وَلَكِنَّ الْحَاجَةَ مُعْتَبَرَةٌ بِدَلِيلِهَا ، وَهُوَ الْإِقْدَامُ عَلَى اللُّبْسِ ، لَا بِنَفْسِهَا ، فَهُوَ كَالْخُفِّ الْوَاحِدِ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا فَمَتَى نَزَعَ الْفَوْقَانِيَّ قَبْلَ مَسْحِهِ لَمْ يُؤَثِّرْ ذَلِكَ ، وَكَانَ لُبْسُهُ كَعَدَمِهِ ، وَإِنْ نَزَعَهُ بَعْدَ مَسْحِهِ ، بَطَلَتْ الطَّهَارَةُ ، وَوَجَبَ نَزْعُ الْخُفَّيْنِ وَغَسْلُ الرِّجْلَيْنِ ؛ لِزَوَالِ مَحَلِّ الْمَسْحِ .\rوَنَزْعُ أَحَدِ الْخُفَّيْنِ كَنَزْعِهِمَا ؛ لِأَنَّ الرُّخْصَةَ تَعَلَّقَتْ بِهِمَا ، فَصَارَ كَانْكِشَافِ الْقَدَمِ ،","part":1,"page":495},{"id":495,"text":"وَلَوْ أَدْخَلَ يَدَهُ مِنْ تَحْتِ الْفَوْقَانِيِّ ، وَمَسَحَ الَّذِي تَحْتَهُ جَازَ ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَحَلٌّ لِلْمَسْحِ ، فَجَازَ الْمَسْحُ عَلَى مَا شَاءَ مِنْهُمَا ، كَمَا يَجُوزُ غَسْلُ قَدَمِهِ فِي الْخُفِّ ، مَعَ أَنَّ لَهُ الْمَسْحَ عَلَيْهِ .\rوَلَوْ لَبِسَ أَحَدَ الْجُرْمُوقَيْنِ فِي إحْدَى الرِّجْلَيْنِ دُونَ الْأُخْرَى ، جَازَ الْمَسْحُ عَلَيْهِ ، وَعَلَى الْخُفِّ الَّذِي فِي الرِّجْلِ الْأُخْرَى ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ تَعَلَّقَ بِهِ وَبِالْخُفِّ فِي الرِّجْلِ الْأُخْرَى ، فَهُوَ كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ تَحْتَهُ شَيْءٌ","part":1,"page":496},{"id":496,"text":"( 407 ) فَصْلٌ : فَإِنْ لَبِسَ خُفًّا مُخَرَّقًا فَوْقَ صَحِيحٍ فَعَنْ أَحْمَدَ جَوَازُ الْمَسْحِ .\rقَالَ ، فِي رِوَايَةِ حَرْبٍ : الْخُفُّ الْمُخَرَّقُ إذَا كَانَ فِي رِجْلَيْهِ جَوْرَبٌ مَسَحَ ، وَإِنْ كَانَ الْخُفُّ مُنْخَرِقًا ، وَأَمَّا إنْ كَانَ تَحْتَهُ لَفَائِفُ أَوْ خِرَقٌ ، فَلَا يَجُوزُ الْمَسْحُ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي مَوَاضِعَ .\rوَوَجْهُهُ أَنَّ الْقَدَمَ مَسْتُورٌ بِمَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ ، فَجَازَ الْمَسْحُ كَمَا لَوْ كَانَ السُّفْلَانِيُّ مَكْشُوفًا ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ تَحْتَهُ لِفَافَةٌ ، وَقَالَ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ : لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ إلَّا عَلَى التَّحْتَانِيِّ ؛ لِأَنَّ الْفَوْقَانِيَّ لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ مُفْرَدًا ، فَلَمْ يَجُزْ الْمَسْحُ عَلَيْهِ مَعَ غَيْرِهِ ، كَاَلَّذِي تَحْتَهُ لِفَافَةٌ ، وَإِنْ لَبِسَ مُخَرَّقًا عَلَى مُخَرَّقٍ ، فَاسْتَتَرَ الْقَدَمُ بِهِمَا ، احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ كَاَلَّتِي قَبْلَهَا ؛ لِأَنَّ الْقَدَمَ مَسْتُورٌ بِالْخُفَّيْنِ ، فَأَشْبَهَ الْمَسْتُورَ بِالصَّحِيحَيْنِ ، أَوْ صَحِيحٍ وَمُخَرَّقٍ ، وَاحْتَمَلَ أَنْ لَا يَجُوزَ ؛ لِأَنَّ الْقَدَمَ لَمْ يَسْتَتِرْ بِخُفٍّ صَحِيحٍ ، بِخِلَافِ الَّتِي قَبْلَهَا","part":1,"page":497},{"id":497,"text":"( 408 ) فَصْلٌ : وَإِنْ لَبِسَ الْخُفَّ بَعْدَ طَهَارَةٍ مَسَحَ فِيهَا عَلَى الْعِمَامَةِ ، أَوْ الْعِمَامَةَ بَعْدَ طَهَارَةٍ مَسَحَ فِيهَا عَلَى الْخُفِّ ، فَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا : ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ : أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ ؛ لِأَنَّهُ لَبِسَ عَلَى طَهَارَةٍ مَمْسُوحٍ فِيهَا عَلَى بَدَلٍ ، فَلَمْ يَسْتَبِحْ الْمَسْحَ بِاللُّبْسِ فِيهَا ، كَمَا لَوْ لَبِسَ خُفًّا عَلَى طَهَارَةٍ مَسَحَ فِيهَا عَلَى خُفٍّ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : يَحْتَمِلُ جَوَازَ الْمَسْحِ ؛ لِأَنَّهَا طَهَارَةٌ كَامِلَةٌ ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَيْسَ بِبَدَلٍ عَنْ الْآخَرِ ، بِخِلَافِ الْخُفِّ الْمَلْبُوسِ عَلَى خُفٍّ مَمْسُوحٍ عَلَيْهِ .","part":1,"page":498},{"id":498,"text":"( 409 ) فَصْلٌ : وَإِنْ لَبِسَ الْجَبِيرَةَ عَلَى طَهَارَةٍ مَسَحَ فِيهَا عَلَى خُفٍّ أَوْ عِمَامَةٍ ، وَقُلْنَا لَيْسَ مِنْ شَرْطِهَا الطَّهَارَةُ ، جَازَ الْمَسْحُ بِكُلِّ حَالٍ ، وَإِنْ اشْتَرَطْنَا لَهَا الطَّهَارَةَ ، احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ كَالْعِمَامَةِ الْمَلْبُوسَةِ عَلَى طَهَارَةٍ مَسَحَ فِيهَا عَلَى الْخُفِّ ، وَاحْتَمَلَ جَوَازَ الْمَسْحِ بِكُلِّ حَالٍ ؛ لِأَنَّ مَسْحَهَا عَزِيمَةٌ ، وَإِنْ لَبِسَ الْخُفَّ عَلَى طَهَارَةٍ مَسَحَ فِيهَا عَلَى الْجَبِيرَةِ ، جَازَ الْمَسْحُ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهَا عَزِيمَةٌ ؛ وَلِأَنَّهَا كَانَتْ نَاقِصَةً فَهُوَ لِنَقْصٍ لَمْ يَزَلْ ، فَلَمْ يَمْنَعْ جَوَازَ الْمَسْحِ ، كَنَقْصِ طَهَارَةِ الْمُسْتَحَاضَةِ قَبْلَ زَوَالِ عُذْرِهَا .\rوَإِنْ لَبِسَ الْجَبِيرَةَ عَلَى طَهَارَةٍ مَسَحَ فِيهَا عَلَى الْجَبِيرَةِ ، جَازَ الْمَسْحُ ، لِمَا ذَكَرْنَاهُ","part":1,"page":499},{"id":499,"text":"( 410 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( يَوْمًا وَلَيْلَةً لِلْمُقِيمِ ، وَثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهِنَّ لِلْمُسَافِرِ ) .\rقَالَ أَحْمَدُ : التَّوْقِيتُ مَا أَثْبَتَهُ فِي الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ .\rقِيلَ لَهُ : تَذْهَبُ إلَيْهِ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، وَهُوَ مِنْ وُجُوهٍ .\rوَبِهَذَا قَالَ عُمَرُ ، وَعَلِيٌّ ، وَابْنُ مَسْعُودٍ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ ، وَأَبُو زَيْدٍ ، وَشُرَيْحٌ ، وَعَطَاءٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ اللَّيْثُ : يَمْسَحُ مَا بَدَا لَهُ .\rوَكَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُسَافِرِ .\rوَلَهُ فِي الْمُقِيمِ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا يَمْسَحُ ، مِنْ غَيْرِ تَوْقِيتٍ .\rوَالثَّانِيَةُ لَا يَمْسَحُ ؛ لِمَا رَوَى أُبَيّ بْنُ عُمَارَةَ ، { قَالَ : قُلْت : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَتَمْسَحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ ؟ قَالَ : نَعَمْ قُلْت : يَوْمًا ؟ قَالَ : وَيَوْمَيْنِ قُلْت : وَثَلَاثَةً ؟ قَالَ : وَمَا شِئْت } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد ؛ وَلِأَنَّهُ مَسْحٌ فِي طَهَارَةٍ فَلَمْ يَتَوَقَّتْ ، كَمَسْحِ الرَّأْسِ وَالْجَبِيرَةِ .\rوَلَنَا : مَا رَوَى عَلِيٌّ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَعَلَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيِهِنَّ لِلْمُسَافِرِ وَيَوْمًا وَلَيْلَةً لِلْمُقِيمِ } .\rرَوَاهُ مُسْلِمٌ ، وَحَدِيثُ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ ، وَعَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ ، { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِالْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ ، ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهِنَّ لِلْمُسَافِرِ ، وَيَوْمًا وَلَيْلَةً لِلْمُقِيمِ } .\rرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ، وَقَالَ : هُوَ أَجْوَدُ حَدِيثٍ فِي الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ ؛ لِأَنَّهُ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ ، وَهِيَ آخِرُ غَزْوَةٍ غَزَاهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ آخِرُ فِعْلِهِ ، وَحَدِيثُهُمْ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ .\rقَالَ أَبُو دَاوُد .\rوَفِي إسْنَادِهِ مَجَاهِيلُ مِنْهُمْ : عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ رَزِينٍ ، وَأَيُّوبُ بْنُ قَطَنٍ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ زَيْدٍ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ يَمْسَحُ مَا شَاءَ ، إذَا","part":1,"page":500},{"id":500,"text":"نَزَعَهُمَا عِنْدَ انْتِهَاءِ مُدَّتِهِ ثُمَّ لَبِسَهُمَا .\rوَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ قَالَ : \" وَمَا شِئْت \" مِنْ الْيَوْمِ وَالْيَوْمَيْنِ وَالثَّلَاثَةِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ مَنْسُوخٌ بِأَحَادِيثِنَا ؛ لِأَنَّهَا مُتَأَخِّرَةٌ ، لِكَوْنِ حَدِيثِ عَوْفٍ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ ، وَلَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَّا شَيْءٌ يَسِيرٌ ، وَقِيَاسُهُمْ يَنْتَقِضُ بِالتَّيَمُّمِ","part":2,"page":1},{"id":501,"text":"( 411 ) فَصْلٌ : إذَا انْقَضَتْ الْمُدَّةُ بَطَلَ الْوُضُوءُ ، وَلَيْسَ لَهُ الْمَسْحُ إلَّا أَنْ يَنْزِعَهُمَا ثُمَّ يَلْبِسَهُمَا عَلَى طَهَارَةٍ كَامِلَةٍ .\rوَفِيهِ رِوَايَةٌ أُخْرَى ، أَنَّهُ يُجْزِئُهُ غَسْلُ قَدَمَيْهِ ، كَمَا لَوْ خَلَعَهُمَا ، وَسَنَذْكُرُ ذَلِكَ وَالْخِلَافَ فِيهِ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .\rوَقَالَ الْحَسَنُ : لَا يَبْطُلُ الْوُضُوءُ ، وَيُصَلِّي حَتَّى يُحْدِثَ ؛ ثُمَّ لَا يَمْسَحُ بَعْدُ حَتَّى يَنْزِعَهُمَا .\rوَقَالَ دَاوُد : يَنْزِعُ خُفَّيْهِ وَلَا يُصَلِّي فِيهِمَا ، فَإِذَا نَزَعَهُمَا صَلَّى حَتَّى يُحْدِثَ ؛ لِأَنَّ الطَّهَارَةَ لَا تَبْطُلُ إلَّا بِحَدَثٍ ، وَنَزْعُ الْخُفِّ لَيْسَ بِحَدَثٍ ، وَكَذَلِكَ انْقِضَاءُ الْمُدَّةِ .\rوَلَنَا أَنَّ غَسْلَ الرِّجْلَيْنِ شَرْطٌ لِلصَّلَاةِ ، وَإِنَّمَا قَامَ الْمَسْحُ مَقَامَهُ فِي الْمُدَّةِ ، فَإِذَا انْقَضَتْ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَقُومَ مَقَامَهُ إلَّا بِدَلِيلٍ ؛ وَلِأَنَّهَا طَهَارَةٌ لَا يَجُوزُ ابْتِدَاؤُهَا ، فَيُمْنَعُ مِنْ اسْتَدَامَتْهَا ، كَالْمُتَيَمِّمِ عِنْدَ رُؤْيَةِ الْمَاءِ .","part":2,"page":2},{"id":502,"text":"( 412 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( فَإِنْ خَلَعَ قَبْلَ ذَلِكَ أَعَادَ الْوُضُوءَ ) يَعْنِي قَبْلَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ إذَا خَلَعَ خُفَّيْهِ بَعْدَ الْمَسْحِ عَلَيْهِمَا ، بَطَلَ وُضُوءُهُ .\rوَبِهِ قَالَ النَّخَعِيُّ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَمَكْحُولٌ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ ، رِوَايَةٌ أُخْرَى ، أَنَّهُ يُجْزِئُهُ غَسْلُ قَدَمَيْهِ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَالْقَوْلُ الثَّانِي لِلشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ مَسْحَ الْخُفَّيْنِ نَابَ عَنْ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ خَاصَّةً ، فَطُهُورُهُمَا يُبْطِلُ مَا نَابَ عَنْهُ ، كَالتَّيَمُّمِ إذَا بَطَلَ بِرُؤْيَةِ الْمَاءِ وَجَبَ مَا نَابَ عَنْهُ .\rوَهَذَا الِاخْتِلَافُ مَبْنِيٌّ عَلَى وُجُوبِ الْمُوَالَاةِ فِي الْوُضُوءِ ، فَمَنْ أَجَازَ التَّفْرِيقَ جَوَّزَ غَسْلَ الْقَدَمَيْنِ ؛ لِأَنَّ سَائِرَ أَعْضَائِهِ مَغْسُولَةٌ ، وَلَمْ يَبْقَ إلَّا غَسْلُ قَدَمَيْهِ ، فَإِذَا غَسَلَهُمَا كَمَّلَ وُضُوءَهُ .\rوَمَنْ مَنَعَ التَّفْرِيقَ أَبْطَلَ وُضُوءَهُ ؛ لِفَوَاتِ الْمُوَالَاةِ ، فَعَلَى هَذَا ، لَوْ خَلَعَ الْخُفَّيْنِ قَبْلَ جَفَافِ الْمَاءِ عَنْ يَدَيْهِ ، أَجْزَأَهُ غَسْلُ قَدَمَيْهِ ، وَصَارَ كَأَنَّهُ خَلَعَهُمَا قَبْلَ مَسْحِهِ عَلَيْهِمَا .\rوَقَالَ الْحَسَنُ ، وَقَتَادَةُ ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ : لَا يَتَوَضَّأُ وَلَا يَغْسِلُ قَدَمَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ أَزَالَ الْمَمْسُوحَ عَلَيْهِ بَعْدَ كَمَالِ الطَّهَارَةِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ حَلَقَ رَأْسَهُ بَعْدَ الْمَسْحِ عَلَيْهِ ، أَوْ قَلَّمَ أَظْفَارَهُ بَعْدَ غَسْلِهَا ؛ وَلِأَنَّ النَّزْعَ لَيْسَ بِحَدَثٍ ، وَالطَّهَارَةُ لَا تَبْطُلُ إلَّا بِالْحَدَثِ .\rوَلَنَا أَنَّ الْوُضُوءَ بَطَلَ فِي بَعْضِ الْأَعْضَاءِ ، فَبَطَلَ فِي جَمِيعِهَا ، كَمَا لَوْ أَحْدَثَ ، وَمَا ذَكَرُوهُ يَبْطُلُ بِنَزْعِ أَحَدِ الْخُفَّيْنِ ، فَإِنَّهُ يُبْطِلُ الطَّهَارَةَ فِي الْقَدَمَيْنِ جَمِيعًا ، وَإِنَّمَا نَابَ مَسْحُهُ عَنْ إحْدَاهُمَا .\rوَأَمَّا التَّيَمُّمُ عَنْ بَعْضِ الْأَعْضَاءِ إذَا بَطَلَ ، فَقَدْ سَبَقَ الْقَوْلُ فِيهِ فِي مَوْضِعِهِ .\rوَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ إذَا خَلَعَ خُفَّيْهِ ، غَسَلَ قَدَمَيْهِ مَكَانَهُ ،","part":2,"page":3},{"id":503,"text":"وَصَحَّتْ طَهَارَتُهُ .\rوَإِنْ أَخَّرَهُ ، اسْتَأْنَفَ الطَّهَارَةَ ؛ لِأَنَّ الطَّهَارَةَ كَانَتْ صَحِيحَةً فِي جَمِيعِ الْأَعْضَاءِ إلَى حِينِ نَزْعِ الْخُفَّيْنِ ، أَوْ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ ، وَإِنَّمَا بَطَلَتْ فِي الْقَدَمَيْنِ خَاصَّةً ، فَإِذَا غَسَلَهُمَا عَقِيبَ النَّزْعِ ، لَمْ تَفُتْ الْمُوَالَاةُ ؛ لِقُرْبِ غَسْلِهِمَا مِنْ الطَّهَارَةِ الصَّحِيحَةِ فِي بَقِيَّةِ الْأَعْضَاءِ ، بِخِلَافِ مَا إذَا تَرَاخَى غَسْلُهُمَا .\rوَلَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ الْمَسْحَ قَدْ بَطَلَ حُكْمُهُ ، وَصَارَ إلَى أَنْ نُضِيفَ الْغَسْلَ إلَى الْغَسْلِ ، فَلَمْ يَبْقَ لِلْمَسْحِ حُكْمٌ ؛ وَلِأَنَّ الِاعْتِبَارَ فِي الْمُوَالَاةِ إنَّمَا هُوَ لِقُرْبِ الْغَسْلِ مِنْ الْغَسْلِ ، لَا مِنْ حُكْمِهِ ، فَإِنَّهُ مَتَى زَالَ حُكْمُ الْغَسْلِ بَطَلَتْ الطَّهَارَةُ ، وَلَمْ يَنْفَعْ قُرْبُ الْغَسْلِ شَيْئًا ؛ لِكَوْنِ الْحُكْمِ لَا يَعُودُ بَعْدَ زَوَالِهِ إلَّا بِسَبَبٍ جَدِيدٍ .","part":2,"page":4},{"id":504,"text":"( 413 ) فَصْلٌ : وَإِنْ نَزَعَ الْعِمَامَةَ بَعْدَ مَسْحِهَا ، بَطَلَتْ طَهَارَتُهُ أَيْضًا .\rوَعَلَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى ، يَلْزَمُهُ مَسْحُ رَأْسِهِ ، وَغَسْلُ قَدَمَيْهِ ؛ لِيَحْصُلَ التَّرْتِيبُ .\rوَلَوْ نَزَعَ الْجَبِيرَةَ بَعْدَ مَسْحِهَا ، فَهُوَ كَنَزْعِ الْعِمَامَةِ ، إلَّا أَنَّهُ إنْ كَانَ مَسَحَ عَلَيْهَا فِي غُسْلٍ يَعُمُّ الْبَدَنَ ، لَمْ يَحْتَجْ إلَى إعَادَةِ غُسْلٍ وَلَا وُضُوءٍ ؛ لِأَنَّ التَّرْتِيبَ وَالْمُوَالَاةَ سَاقِطَانِ فِيهِ","part":2,"page":5},{"id":505,"text":"( 414 ) فَصْلٌ : وَنَزْعُ أَحَدِ الْخُفَّيْنِ كَنَزْعِهِمَا فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْهُمْ : مَالِكٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَابْنُ الْمُبَارَكِ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَيَلْزَمُهُ نَزْعُ الْآخَرِ ، وَقَالَ الزُّهْرِيُّ : يَغْسِلُ الْقَدَمَ الَّذِي نَزَعَ الْخُفَّ مِنْهُ ، وَيَمْسَحُ الْآخَرَ ؛ لِأَنَّهُمَا عُضْوَانِ ، فَأَشْبَهَا الرَّأْسَ وَالْقَدَمَ ، وَلَنَا أَنَّهُمَا فِي الْحُكْمِ كَعُضْوٍ وَاحِدٍ ، وَلِهَذَا لَا يَجِبُ تَرْتِيبُ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ ، فَيَبْطُلُ مَسْحُ أَحَدِهِمَا بِظُهُورِ الْآخَرِ ، كَالرِّجْلِ الْوَاحِدَةِ ، وَبِهَذَا فَارَقَ الرَّأْسَ وَالْقَدَمَ .","part":2,"page":6},{"id":506,"text":"( 415 ) فَصْلٌ : وَانْكِشَافُ بَعْضِ الْقَدَمِ مِنْ خَرْقٍ كَنَزْعِ الْخُفِّ .\rفَإِنْ انْكَشَفَتْ ظِهَارَتُهُ ، وَبَقِيَتْ بِطَانَتُهُ ، لَمْ تَضُرَّ ؛ لِأَنَّ الْقَدَمَ مَسْتُورَةٌ بِمَا يَتْبَعُ الْخُفَّ فِي الْبَيْعِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ يَنْكَشِطْ","part":2,"page":7},{"id":507,"text":"( 416 ) فَصْلٌ : وَإِنْ أَخْرَجَ رِجْلَهُ إلَى سَاقِ الْخُفِّ ، فَهُوَ كَخَلْعِهِ .\rوَبِهَذَا قَالَ إِسْحَاقُ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يَبِينُ لِي أَنَّ عَلَيْهِ الْوُضُوءَ ؛ لِأَنَّ الرِّجْلَ لَمْ تَظْهَرْ .\rوَحَكَى أَبُو الْخَطَّابِ فِي \" رُءُوسِ الْمَسَائِلِ \" ، عَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةً أُخْرَى كَذَلِكَ وَلَنَا ، أَنَّ اسْتِقْرَارَ الرِّجْلِ فِي الْخُفِّ شَرْطُ جَوَازِ الْمَسْحِ ، بِدَلِيلِ مَا لَوْ أَدْخَلَ الْخُفَّ ، فَأَحْدَثَ قَبْلَ اسْتِقْرَارِهَا فِيهِ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ الْمَسْحُ ، فَإِذَا تَغَيَّرَ الِاسْتِقْرَارُ زَالَ شَرْطُ جَوَازِ الْمَسْحِ ، فَيَبْطُلُ الْمَسْحُ لِزَوَالِ شَرْطِهِ ، كَزَوَالِ اسْتِتَارِهِ وَإِنْ كَانَ إخْرَاجُ الْقَدَمِ إلَى مَا دُونَ ذَلِكَ ، لَمْ يَبْطُلْ الْمَسْحُ ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَزُلْ عَنْ مُسْتَقَرِّهَا .","part":2,"page":8},{"id":508,"text":"( 417 ) فَصْلٌ : كَرِهَ أَحْمَدُ لُبْسَ الْخُفَّيْنِ وَهُوَ يُدَافِعُ الْأَخْبَثَيْنِ أَوْ أَحَدَهُمَا ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ مَكْرُوهَةٌ بِهَذِهِ الطَّهَارَةِ ، وَاللُّبْسُ يُرَادُ لِيَمْسَحَ عَلَيْهِ لِلصَّلَاةِ .\rوَكَانَ إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ إذَا أَرَادَ أَنْ يَبُولَ لَبِسَ خُفَّيْهِ وَلَا يَرَى الْأَمْرَ فِي ذَلِكَ وَاسِعًا ؛ لِأَنَّ الطَّهَارَةَ كَامِلَةٌ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ لَبِسَهُ إذَا خَافَ غَلَبَةَ النُّعَاسِ ، وَإِنَّمَا كُرِهَتْ الصَّلَاةُ ؛ لِأَنَّ اشْتِغَالَ قَلْبِهِ بِمُدَافَعَةِ الْأَخْبَثَيْنِ يَذْهَبُ بِخُشُوعِ الصَّلَاةِ ، وَيَمْنَعُ الْإِتْيَانَ بِهَا عَلَى الْكَمَالِ ، وَرُبَّمَا حَمَلُهُ ذَلِكَ عَلَى الْعَجَلَةِ فِيهَا ، وَلَا يَضُرُّ ذَلِكَ فِي اللُّبْسِ .","part":2,"page":9},{"id":509,"text":"( 418 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَلَوْ أَحْدَثَ وَهُوَ مُقِيمٌ ، فَلَمْ يَمْسَحْ حَتَّى سَافَرَ ، أَتَمَّ عَلَى مَسْحِ مُسَافِرٍ مُنْذُ كَانَ الْحَدَثُ ) لَا نَعْلَمُ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ خِلَافًا ، فِي أَنَّ مَنْ لَمْ يَمْسَحْ حَتَّى سَافَرَ ، أَنَّهُ يُتِمُّ مَسْحَ الْمُسَافِرِ ؛ وَذَلِكَ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { يَمْسَحُ الْمُسَافِرُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهِنَّ } وَهُوَ حَالُ ابْتِدَائِهِ بِالْمَسْحِ كَانَ مُسَافِرًا .\rوَقَوْلُهُ : \" مُنْذُ كَانَ الْحَدَثُ \" يَعْنِي ابْتِدَاءَ الْمُدَّةِ مِنْ حِينِ أَحْدَثَ بَعْدَ لُبْسِ الْخُفِّ .\rهَذَا ظَاهِرُ مَذْهَبِ أَحْمَدَ وَهُوَ مَذْهَبُ الثَّوْرِيِّ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ .\rوَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى ، أَنَّ ابْتِدَاءَهَا مِنْ حِينِ مَسَحَ بَعْدَ أَنْ أَحْدَثَ وَيُرْوَى ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَرَوَى الْخَلَّالُ عَنْهُ ، أَنَّهُ قَالَ امْسَحْ إلَى مِثْلِ سَاعَتِك الَّتِي مَسَحْت ، وَفِي لَفْظٍ ، قَالَ : يَمْسَحُ الْمُسَافِرُ إلَى السَّاعَةِ الَّتِي تَوَضَّأَ فِيهَا .\rوَاحْتَجَّ أَحْمَدُ بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ ، قَوْلِهِ : يَمْسَحُ الْمُسَافِرُ عَلَى خُفَّيْهِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهِنَّ \" .\rوَلِأَنَّ مَا قَبْلَ الْمَسْحِ مُدَّةٌ لَمْ تُبَحْ الصَّلَاةُ بِمَسْحِ الْخُفِّ فِيهَا .\rفَلَمْ تُحْسَبْ مِنْ الْمُدَّةِ ، كَمَا قَبْلَ الْحَدَثِ وَقَالَ الشَّعْبِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَإِسْحَاقُ : يَمْسَحُ الْمُقِيمُ خَمْسَ صَلَوَاتٍ ، لَا يَزِيدُ عَلَيْهَا .\rوَلَنَا : مَا نَقَلَهُ الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّا الْمُطَرَّزُ ، فِي حَدِيثِ صَفْوَانَ : { مِنْ الْحَدَثِ إلَى الْحَدَثِ } ؛ وَلِأَنَّ مَا بَعْدَ الْحَدَثِ زَمَانٌ يُسْتَبَاحُ فِيهِ الْمَسْحُ ، فَكَانَ مِنْ وَقْتِهِ ، كَبَعْدِ الْمَسْحِ ، وَالْخَبَرُ أَرَادَ أَنَّهُ يَسْتَبِيحُ الْمَسْحَ دُونَ فِعْلِهِ .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .\rوَأَمَّا تَقْدِيرُهُ بِعَدَدِ الصَّلَوَاتِ فَلَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّمَا قَدَّرَهُ بِالْوَقْتِ دُونَ الْفِعْلِ ، فَعَلَى هَذَا يُمْكِنُ الْمُقِيمَ أَنْ يُصَلِّيَ بِالْمَسْحِ سِتَّ صَلَوَاتٍ ، وَهُوَ أَنْ","part":2,"page":10},{"id":510,"text":"يُؤَخِّرَ الصَّلَاةَ ، ثُمَّ يَمْسَحَ ، وَيُصَلِّيَهَا ، وَفِي الْيَوْمِ الثَّانِي يُعَجِّلُهَا ، فَيُصَلِّيهَا فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا قَبْلَ انْقِضَاءِ مُدَّةِ الْمَسْحِ .\rإنْ كَانَ لَهُ عُذْرٌ يُبِيحُ الْجَمْعَ مِنْ سَفَرٍ ، أَوْ غَيْرِهِ ، أَمْكَنَهُ أَنْ يُصَلِّيَ سَبْعَ صَلَوَاتٍ","part":2,"page":11},{"id":511,"text":"( 419 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ ( وَلَوْ أَحْدَثَ مُقِيمًا ، ثُمَّ مَسَحَ مُقِيمًا ، ثُمَّ سَافَرَ ، أَتَمَّ عَلَى مَسْحِ مُقِيمٍ ، ثُمَّ خَلَعَ ) اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ؛ فَرُوِيَ عَنْهُ : مِثْلُ مَا ذَكَرَ الْخِرَقِيِّ وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَإِسْحَاقَ ، وَرُوِيَ عَنْهُ : أَنَّهُ يَمْسَحُ مَسْحَ الْمُسَافِرِ ، سَوَاءٌ مَسَحَ فِي الْحَضَرِ لِصَلَاةٍ أَوْ أَكْثَرَ مِنْهَا بَعْدَ أَنْ لَا تَنْقَضِيَ مُدَّةُ الْمَسْحِ ، وَهُوَ حَاضِرٌ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { يَمْسَحُ الْمُسَافِرُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهِنَّ .\r} وَهَذَا مُسَافِرٌ ؛ وَلِأَنَّهُ سَافَرَ قَبْلَ كَمَالِ مُدَّةِ الْمَسْحِ ، فَأَشْبَهَ مَنْ سَافَرَ قَبْلَ الْمَسْحِ بَعْدَ الْحَدَثِ .\rوَهَذَا اخْتِيَارُ الْخَلَّالِ ، وَصَاحِبِهِ أَبِي بَكْرٍ .\rوَقَالَ الْخَلَّالُ : رَجَعَ أَحْمَدُ عَنْ قَوْلِهِ الْأَوَّلِ إلَى هَذَا وَوَجْهُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ أَنَّهَا عِبَادَةٌ تَخْتَلِفُ بِالْحَضَرِ وَالسَّفَرِ ، وُجِدَ أَحَدُ طَرَفَيْهَا فِي الْحَضَرِ ، فَغَلَبَ فِيهَا حُكْمُ الْحَضَرِ ، كَالصَّلَاةِ ، وَالْخَبَرُ يَقْتَضِي أَنْ يَمْسَحَ الْمُسَافِرُ ثَلَاثًا فِي سَفَرِهِ ، وَهَذَا يَتَنَاوَلُ مَنْ ابْتَدَأَ الْمَسْحَ فِي سَفَرِهِ ، وَفِي مَسْأَلَتِنَا يَحْتَسِبُ بِالْمُدَّةِ الَّتِي مَضَتْ فِي الْحَضَرِ .","part":2,"page":12},{"id":512,"text":"( 420 ) فَصْلٌ : فَإِنْ شَكَّ ، هَلْ ابْتَدَأَ الْمَسْحَ فِي السَّفَرِ ، أَوْ الْحَضَرِ ، بَنَى عَلَى مَسْحِ حَاضِرٍ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ مَعَ الشَّكِّ فِي إبَاحَتِهِ .\rفَإِنْ ذَكَرَ بَعْدُ أَنَّهُ كَانَ قَدْ ابْتَدَأَ الْمَسْحَ فِي السَّفَرِ ، جَازَ الْبِنَاءُ عَلَى مَسْحِ مُسَافِرٍ .\rوَإِنْ كَانَ قَدْ صَلَّى بَعْدَ الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ مَعَ الشَّكِّ ، ثُمَّ تَيَقَّنَ ، فَعَلَيْهِ إعَادَةُ مَا صَلَّى مَعَ الشَّكِّ ؛ لِأَنَّهُ صَلَّى بِطَهَارَةٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ بِهَا ، فَهُوَ كَمَا لَوْ صَلَّى يَعْتَقِدُ أَنَّهُ مُحْدِثٌ ، ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ كَانَ عَلَى وُضُوءٍ ، كَانَتْ طَهَارَتُهُ صَحِيحَةً ، وَعَلَيْهِ إعَادَةُ الصَّلَاةِ .\rوَإِنْ كَانَ مَسَحَ مَعَ الشَّكِّ صَحَّ ؛ لِأَنَّ الطَّهَارَةَ تَصِحُّ مَعَ الشَّكِّ فِي سَبَبِهَا ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ شَكَّ فِي الْحَدَثِ ، فَتَوَضَّأَ يَنْوِي رَفْعَ الْحَدَثِ ، ثُمَّ تَيَقَّنَ أَنَّهُ كَانَ مُحْدِثًا أَجْزَأَهُ .\rوَعَكْسُهُ : مَا لَوْ شَكَّ فِي دُخُولِ الْوَقْتِ ، فَصَلَّى ، ثُمَّ تَيَقَّنَ أَنَّهُ كَانَ قَدْ دَخَلَ ، لَمْ يُجْزِهِ .\rوَكَذَلِكَ إنْ شَكَّ الْمَاسِحُ فِي وَقْتِ الْحَدَثِ ، بَنَى عَلَى الْأَحْوَطِ عِنْدَهُ .\rوَهَذَا التَّفْرِيعُ عَلَى الرِّوَايَةِ الْأُولَى ، فَأَمَّا عَلَى الثَّانِيَةِ ، فَإِنَّهُ يَمْسَحُ مَسْحَ الْمُسَافِرِ عَلَى كُلِّ حَالٍ","part":2,"page":13},{"id":513,"text":"( 421 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَإِذَا مَسَحَ مُسَافِرٌ أَقَلَّ مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ ، ثُمَّ أَقَامَ أَوْ قَدِمَ أَتَمَّ عَلَى مَسْحِ مُقِيمٍ وَخَلَعَ ، وَإِذَا مَسَحَ مُسَافِرٌ يَوْمًا وَلَيْلَةً فَصَاعِدًا ، ثُمَّ أَقَامَ أَوْ قَدِمَ خَلَعَ ) وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ ، وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا ؛ لِأَنَّهُ صَارَ مُقِيمًا ، لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَمْسَحَ مَسْحَ الْمُسَافِرِ ، كَمَحَلِّ الْوِفَاقِ ؛ وَلِأَنَّ الْمَسْحَ عِبَادَةٌ يَخْتَلِفُ حُكْمُهَا بِالْحَضَرِ وَالسَّفَرِ ، فَإِذَا ابْتَدَأَهَا فِي السَّفَرِ ثُمَّ حَضَرَ فِي أَثْنَائِهَا ، غَلَبَ حُكْمُ الْحَضَرِ ، كَالصَّلَاةِ .\rفَعَلَى هَذَا لَوْ مَسَحَ أَكْثَرَ مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ ، ثُمَّ دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ ، فَنَوَى الْإِقَامَةَ فِي أَثْنَائِهَا ، بَطَلَتْ صَلَاتُهُ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ بَطَلَ الْمَسْحُ ، فَبَطَلَتْ طَهَارَتُهُ ، فَبَطَلَتْ صَلَاتُهُ لِبُطْلَانِهَا ، وَلَوْ تَلَبَّسَ بِالصَّلَاةِ فِي سَفِينَةٍ ، فَدَخَلَتْ الْبَلَدَ فِي أَثْنَائِهَا ، بَطَلَتْ صَلَاتُهُ لِذَلِكَ .","part":2,"page":14},{"id":514,"text":"( 422 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَلَا يَمْسَحُ إلَّا عَلَى خُفَّيْنِ ، أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُمَا ؛ مِنْ مَقْطُوعٍ أَوْ مَا أَشْبَهَهُ ، مِمَّا يُجَاوِزُ الْكَعْبَيْنِ ) .\rمَعْنَاهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ، يَقُومُ مَقَامَ الْخُفَّيْنِ فِي سَتْرِ مَحَلِّ الْفَرْضِ ، وَإِمْكَانِ الْمَشْيِ فِيهِ ، وَثُبُوتِهِ بِنَفْسِهِ .\rوَالْمَقْطُوعُ هُوَ الْخُفُّ الْقَصِيرُ السَّاقِ ؛ وَإِنَّمَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ إذَا كَانَ سَاتِرًا لِمَحَلِّ الْفَرْضِ ، لَا يُرَى مِنْهُ الْكَعْبَانِ ؛ لِكَوْنِهِ ضَيِّقًا أَوْ مَشْدُودًا ، وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ .\rوَلَوْ كَانَ مَقْطُوعًا مِنْ دُونِ الْكَعْبَيْنِ ، لَمْ يَجُزْ الْمَسْحُ عَلَيْهِ .\rوَهَذَا الصَّحِيحُ عَنْ مَالِكٍ .\rوَحُكِيَ عَنْهُ ، وَعَنْ الْأَوْزَاعِيِّ ، جَوَازُ الْمَسْحِ ؛ لِأَنَّهُ خُفٌّ يُمْكِنُ مُتَابَعَةُ الْمَشْيِ فِيهِ ، فَأَشْبَهَ السَّاتِرَ ، وَلَنَا أَنَّهُ لَا يَسْتُرُ مَحَلَّ الْفَرْضِ ، فَأَشْبَهَ اللَّالَكَةَ وَالنَّعْلَيْنِ .","part":2,"page":15},{"id":515,"text":"( 423 ) فَصْلٌ : وَلَوْ كَانَ لِلْخُفِّ قَدَمٌ وَلَهُ شَرَجٌ مُحَاذٍ لِمَحَلِّ الْفَرْضِ ، جَازَ الْمَسْحُ عَلَيْهِ ، إذَا كَانَ الشَّرَجُ مَشْدُودًا يَسْتُرُ الْقَدَمَ ، وَلَمْ يَكُنْ فِيهِ خَلَلٌ يَبِينُ مِنْهُ مَحَلُّ الْفَرْضِ .\rوَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ الْآمِدِيُّ : لَا يَجُوزُ ، وَلَنَا أَنَّهُ خُفٌّ سَاتِرٌ يُمْكِنُ مُتَابَعَةُ الْمَشْيِ فِيهِ ، فَأَشْبَهَ غَيْرَ ذِي الشَّرَجِ .","part":2,"page":16},{"id":516,"text":"( 424 ) فَصْلٌ : فَإِنْ كَانَ الْخُفُّ مُحَرَّمًا ؛ كَالْقَصَبِ وَالْحَرِيرِ ، لَمْ يُسْتَبَحْ الْمَسْحُ عَلَيْهِ فِي الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ ، وَإِنْ مَسَحَ عَلَيْهِ ، وَصَلَّى ، أَعَادَ الطَّهَارَةَ وَالصَّلَاةَ ؛ لِأَنَّهُ عَاصٍ بِلُبْسِهِ ، فَلَمْ تُسْتَبَحْ بِهِ الرُّخْصَةُ ، كَمَا لَا يَسْتَبِيحُ الْمُسَافِرُ رُخَصَ السَّفَرِ لِسَفَرِ الْمَعْصِيَةِ .\rوَلَوْ سَافَرَ لِمَعْصِيَةٍ لَمْ يَسْتَبِحْ الْمَسْحَ أَكْثَرَ مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ ؛ لِأَنَّ يَوْمًا وَلَيْلَةً غَيْرُ مُخْتَصَّةٍ بِالسَّفَرِ ، وَلَا هِيَ مِنْ رُخَصِهِ ، فَأَشْبَهَ غَيْرَ الرُّخَصِ ، بِخِلَافِ مَا زَادَ عَلَى يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ ؛ فَإِنَّهُ مِنْ رُخَصِ السَّفَرِ ، فَلَمْ يَسْتَبِحْهُ بِسَفَرِ الْمَعْصِيَةِ ، كَالْقَصْرِ وَالْجَمْعِ .","part":2,"page":17},{"id":517,"text":"( 425 ) فَصْلٌ : وَيَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى كُلِّ خُفٍّ سَاتِرٍ ، يُمْكِنُ مُتَابَعَةُ الْمَشْيِ فِيهِ ، سَوَاءٌ كَانَ مِنْ جُلُودٍ أَوْ لُبُودٍ وَمَا أَشْبَهَهُمَا .\rفَإِنْ كَانَ خَشَبًا أَوْ حَدِيدًا أَوْ نَحْوَهُمَا ، فَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا : لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهَا ؛ لِأَنَّ الرُّخْصَةَ وَرَدَتْ فِي الْخِفَافِ الْمُتَعَارَفَةِ لِلْحَاجَةِ ، وَلَا تَدْعُو الْحَاجَةُ إلَى الْمَسْحِ عَلَى هَذِهِ فِي الْغَالِبِ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : قِيَاسُ الْمَذْهَبِ جَوَازُ الْمَسْحِ عَلَيْهَا ؛ لِأَنَّهُ خُفٌّ سَاتِرٌ يُمْكِنُ الْمَشْيُ فِيهِ ، أَشْبَهَ الْجُلُودَ .","part":2,"page":18},{"id":518,"text":"( 426 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَكَذَلِكَ الْجَوْرَبُ الصَّفِيقُ الَّذِي لَا يَسْقُطُ إذَا مَشَى فِيهِ ) إنَّمَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْجَوْرَبِ بِالشَّرْطَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرْنَاهُمَا فِي الْخُفِّ ، أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ صَفِيقًا ، لَا يَبْدُو مِنْهُ شَيْءٌ مِنْ الْقَدَمِ .\rالثَّانِي أَنْ يُمْكِنَ مُتَابَعَةُ الْمَشْيِ فِيهِ .\rهَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ .\rقَالَ أَحْمَدُ فِي الْمَسْحِ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ بِغَيْرِ نَعْلٍ : إذَا كَانَ يَمْشِي عَلَيْهِمَا ، وَيَثْبُتَانِ فِي رِجْلَيْهِ ، فَلَا بَأْسَ .\rوَفِي مَوْضِعٍ قَالَ : يَمْسَحُ عَلَيْهِمَا إذَا ثَبَتَا فِي الْعَقِبِ .\rوَفِي مَوْضِعٍ قَالَ : إنْ كَانَ يَمْشِي فِيهِ فَلَا يَنْثَنِي ، فَلَا بَأْسَ بِالْمَسْحِ عَلَيْهِ ، فَإِنَّهُ إذَا انْثَنَى ظَهَرَ مَوْضِعُ الْوُضُوءِ .\rوَلَا يُعْتَبَرُ أَنْ يَكُونَا مُجَلَّدَيْنِ ، قَالَ أَحْمَدُ : يُذْكَرُ الْمَسْحُ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ عَنْ سَبْعَةٍ ، أَوْ ثَمَانِيَةٍ ، مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rوَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : وَيُرْوَى إبَاحَةُ الْمَسْحِ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ عَنْ تِسْعَةٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ عَلِيٍّ ، وَعَمَّارٍ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ ، وَأَنَسٍ ، وَابْنِ عُمَرَ ، وَالْبَرَاءِ ، وَبِلَالٍ ، وَابْنِ أَبِي أَوْفَى ، وَسَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ، وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ ، وَالْحَسَنُ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَالْأَعْمَشُ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ ، وَابْنُ الْمُبَارَكِ ، وَإِسْحَاقُ ، وَيَعْقُوبُ ، وَمُحَمَّدٌ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٌ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ ، وَالْحَسَنُ بْنُ مُسْلِمٍ ، وَالشَّافِعِيُّ : لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهِمَا ، إلَّا أَنْ يُنْعَلَا ؛ لِأَنَّهُمَا لَا يُمْكِنُ مُتَابَعَةُ الْمَشْيِ فِيهِمَا ، فَلَمْ يَجُزْ الْمَسْحُ عَلَيْهِمَا ، كَالرَّقِيقِينَ وَلَنَا : مَا رَوَى الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَسَحَ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ وَالنَّعْلَيْنِ } .\rقَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا","part":2,"page":19},{"id":519,"text":"حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ .\rوَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ النَّعْلَيْنِ لَمْ يَكُونَا عَلَيْهِمَا ؛ لِأَنَّهُمَا لَوْ كَانَا كَذَلِكَ لَمْ يَذْكُرْ النَّعْلَيْنِ ، فَإِنَّهُ لَا يُقَالُ : مَسَحْت عَلَى الْخُفِّ وَنَعْلِهِ ؛ وَلِأَنَّ الصَّحَابَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، مَسَحُوا عَلَى الْجَوَارِبِ ، وَلَمْ يَظْهَرْ لَهُمْ مُخَالِفٌ فِي عَصْرِهِمْ ، فَكَانَ إجْمَاعًا ؛ وَلِأَنَّهُ سَاتِرٌ لِمَحَلِّ الْفَرْضِ ، يَثْبُتُ فِي الْقَدَمِ ، فَجَازَ الْمَسْحُ عَلَيْهِ ، كَالنَّعْلِ .\rوَقَوْلُهُمْ : لَا يُمْكِنُ مُتَابَعَةُ الْمَشْيِ فِيهِ .\rقُلْنَا : لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّا يَثْبُتُ بِنَفْسِهِ ، وَيُمْكِنُ مُتَابَعَةُ الْمَشْيِ فِيهِ .\rفَأَمَّا الرَّقِيقُ فَلَيْسَ بِسَاتِرٍ .","part":2,"page":20},{"id":520,"text":"( 427 ) فَصْلٌ : وَقَدْ سُئِلَ أَحْمَدُ عَنْ جَوْرَبِ الْخِرَقِ ، يُمْسَحُ عَلَيْهِ ؟ فَكَرِهَ الْخِرَقَ .\rوَلَعَلَّ أَحْمَدَ كَرِهَهَا ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ عَلَيْهَا الْخِفَّةُ ، وَأَنَّهَا لَا تَثْبُتُ بِأَنْفُسِهَا .\rفَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ جَوْرَبِ الصُّوفِ فِي الصَّفَاقَةِ وَالثُّبُوتِ ، فَلَا فَرْقَ .\rوَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ ، فِي مَوْضِعٍ : لَا يُجْزِئُهُ الْمَسْحُ عَلَى الْجَوْرَبِ حَتَّى يَكُونَ جَوْرَبًا صَفِيقًا ، يَقُومُ قَائِمًا فِي رِجْلِهِ لَا يَنْكَسِرُ مِثْلَ الْخُفَّيْنِ ، إنَّمَا مَسَحَ الْقَوْمُ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ أَنَّهُ كَانَ عِنْدَهُمْ بِمَنْزِلَةِ الْخُفِّ ، يَقُومُ مَقَامَ الْخُفِّ فِي رِجْلِ الرَّجُلِ ، يَذْهَبُ فِيهِ الرَّجُلُ وَيَجِيءُ","part":2,"page":21},{"id":521,"text":"( 428 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَإِنْ كَانَ يَثْبُتُ بِالنَّعْلِ مَسَحَ ، فَإِذَا خَلَعَ النَّعْلَ انْتَقَضَتْ الطَّهَارَةُ ) .\rيَعْنِي أَنَّ الْجَوْرَبَ إذَا لَمْ يَثْبُتْ بِنَفْسِهِ ، وَثَبَتَ بِلُبْسِ النَّعْلِ ، أُبِيحَ الْمَسْحُ عَلَيْهِ ، وَتَنْتَقِضُ الطَّهَارَةُ بِخَلْعِ النَّعْلِ ؛ لِأَنَّ ثُبُوتَ الْجَوْرَبِ أَحَدُ شَرْطَيْ جَوَازِ الْمَسْحِ ، وَإِنَّمَا حَصَلَ بِلُبْسِ النَّعْلِ ، فَإِذَا خَلَعَهَا زَالَ الشَّرْطُ ، فَبَطَلَتْ الطَّهَارَةُ .\rكَمَا لَوْ ظَهَرَ الْقَدَمُ .\rوَالْأَصْلُ فِي هَذَا حَدِيثُ الْمُغِيرَةِ .\rوَقَوْلُهُ : \" مَسَحَ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ وَالنَّعْلَيْنِ \" .\rقَالَ الْقَاضِي : وَيَمْسَحُ عَلَى الْجَوْرَبِ وَالنَّعْلِ ، كَمَا جَاءَ الْحَدِيثُ .\rوَالظَّاهِرُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّمَا مَسَحَ عَلَى سُيُورِ النَّعْلِ الَّتِي عَلَى ظَاهِرِ الْقَدَمِ ، فَأَمَّا أَسْفَلُهُ وَعَقِبُهُ فَلَا يُسَنُّ مَسْحُهُ مِنْ الْخُفِّ ، فَكَذَلِكَ مِنْ النَّعْلِ","part":2,"page":22},{"id":522,"text":"( 429 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَإِذَا كَانَ فِي الْخُفِّ خَرْقٌ يَبْدُو مِنْهُ بَعْضُ الْقَدَمِ ، لَمْ يَجُزْ الْمَسْحُ عَلَيْهِ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ إنَّمَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْخُفِّ وَنَحْوِهِ ، إذَا كَانَ سَاتِرًا لِمَحَلِّ الْفَرْضِ ، فَإِنْ ظَهَرَ مِنْ مَحَلِّ الْفَرْضِ شَيْءٌ ، لَمْ يَجُزْ الْمَسْحُ ، وَإِنْ كَانَ يَسِيرًا مِنْ مَوْضِعِ الْخَرَزِ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ ، إذَا كَانَ يُرَى مِنْهُ الْقَدَمُ .\rوَإِنْ كَانَ فِيهِ شَقٌّ يَنْضَمُّ وَلَا يَبْدُو مِنْهُ الْقَدَمُ ، لَمْ يَمْنَعْ جَوَازَ الْمَسْحِ .\rنَصَّ عَلَيْهِ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ مَعْمَرٍ ، وَأَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَيَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ، وَإِسْحَاقُ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ : يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى كُلِّ خُفٍّ .\rوَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : يَمْسَحُ عَلَى الْخُفِّ الْمُخَرَّقِ ، وَعَلَى مَا ظَهَرَ مِنْ رِجْلِهِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إنْ تَخَرَّقَ قَدْرَ ثَلَاثِ أَصَابِعَ ، لَمْ يَجُزْ ، وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ ، جَازَ ، وَنَحْوَهُ قَالَ الْحَسَنُ ، وَقَالَ مَالِكٌ : إنْ كَثُرَ وَتَفَاحَشَ ، لَمْ يَجُزْ ، وَإِلَّا جَازَ .\rوَتَعَلَّقُوا بِعُمُومِ الْحَدِيثِ ، وَبِأَنَّهُ خُفٌّ يُمْكِنُ مُتَابَعَةُ الْمَشْيِ فِيهِ ، فَأَشْبَهَ الصَّحِيحَ ؛ وَلِأَنَّ الْغَالِبَ عَلَى خِفَافِ الْعَرَبِ كَوْنُهَا مُخَرَّقَةً .\rوَقَدْ أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَسْحِهَا مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ ، فَيَنْصَرِفُ إلَى الْخِفَافَ الْمَلْبُوسَةِ عِنْدَهُمْ غَالِبًا ، وَلَنَا أَنَّهُ غَيْرُ سَاتِرٍ لِلْقَدَمِ ، فَلَمْ يَجُزْ الْمَسْحُ عَلَيْهِ ، كَمَا لَوْ كَثُرَ وَتَفَاحَشَ ، أَوْ قِيَاسًا عَلَى غَيْرِ الْخُفِّ ؛ وَلِأَنَّ حُكْمَ مَا ظَهَرَ الْغَسْلُ ، وَمَا اسْتَتَرَ الْمَسْحُ ، فَإِذَا اجْتَمَعَا ، غَلَبَ حُكْمُ الْغَسْلِ ، كَمَا لَوْ انْكَشَفَتْ إحْدَى قَدَمَيْهِ","part":2,"page":23},{"id":523,"text":"( 430 ) فَصْلٌ : وَلَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى اللَّفَائِفِ وَالْخِرَقِ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .\rوَقِيلَ لَهُ : إنَّ أَهْلَ الْجَبَلِ يَلُفُّونَ عَلَى أَرْجُلِهِمْ لَفَائِفَ إلَى نِصْفِ السَّاقِ ؟ قَالَ : لَا يُجْزِئُهُ الْمَسْحُ عَلَى ذَلِكَ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ جَوْرَبًا .\rوَذَلِكَ أَنَّ اللِّفَافَةَ لَا تَثْبُتُ بِنَفْسِهَا ، إنَّمَا تَثْبُتُ بِشَدِّهَا ، وَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا .","part":2,"page":24},{"id":524,"text":"( 431 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَيَمْسَحُ عَلَى ظَاهِرِ الْقَدَمِ ) .\rالسُّنَّةُ مَسْحُ أَعْلَى الْخُفِّ دُونَ أَسْفَلِهِ وَعَقِبِهِ ، فَيَضَعُ يَدَهُ عَلَى مَوْضِعِ الْأَصَابِعِ ، ثُمَّ يَجُرُّهَا إلَى سَاقِهِ خَطًّا بِأَصَابِعِهِ .\rوَإِنْ مَسَحَ مِنْ سَاقِهِ إلَى أَصَابِعِهِ جَازَ ، وَالْأَوَّلُ الْمَسْنُونُ وَلَا يُسَنُّ مَسْحُ أَسْفَلِهِ ، وَلَا عَقِبِهِ .\rبِذَلِكَ قَالَ عُرْوَةُ ، وَعَطَاءٌ ، وَالْحَسَنُ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ ، الْأَوْزَاعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَرُوِيَ عَنْ سَعْدٍ أَنَّهُ كَانَ يَرَى مَسْحَ ظَاهِرِهِ وَبَاطِنِهِ .\rوَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَالزُّهْرِيِّ ، وَمَكْحُولٍ ، وَابْنِ الْمُبَارَكِ ، وَمَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، لِمَا رَوَى الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ ، قَالَ : { وَضَّأْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمَسَحَ أَعْلَى الْخُفِّ وَأَسْفَلَهُ } .\rرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ ؛ وَلِأَنَّهُ يُحَاذِي مَحَلَّ الْفَرْضِ ، فَأَشْبَهَ ظَاهِرَهُ .\rوَلَنَا قَوْلُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : { لَوْ كَانَ الدِّينُ بِالرَّأْيِ لَكَانَ أَسْفَلُ الْخُفِّ أَوْلَى بِالْمَسْحِ مِنْ ظَاهِرِهِ ، وَقَدْ رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمْسَحُ ظَاهِرَ خُفَّيْهِ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَعَنْ الْمُغِيرَةِ قَالَ { : رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمْسَحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ عَلَى ظَاهِرِهِمَا } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَقَالَ : حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ .\rوَعَنْ عُمَرَ ، قَالَ : { رَأَيْت النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْمُرُ بِالْمَسْحِ عَلَى ظَاهِرِ الْخُفَّيْنِ إذَا لَبِسَهُمَا وَهُمَا طَاهِرَتَانِ .\r} رَوَاهُ الْخَلَّالُ بِإِسْنَادِهِ .\rوَلِأَنَّ بَاطِنَهُ لَيْسَ بِمَحَلٍّ لِفَرْضِ الْمَسْحِ ، فَلَمْ يَكُنْ مَحَلًّا لِمَسْنُونِهِ ، كَسَاقِهِ ؛ وَلِأَنَّ مَسْحَهُ غَيْرُ وَاجِبٍ ، وَلَا يَكَادُ يَسْلَمُ مِنْ مُبَاشَرَةِ أَذًى فِيهِ ، تَتَنَجَّسُ يَدُهُ بِهِ ، فَكَانَ تَرْكُهُ أَوْلَى ، وَحَدِيثُهُمْ مَعْلُولٌ ، قَالَهُ التِّرْمِذِيُّ قَالَ : وَسَأَلْت","part":2,"page":25},{"id":525,"text":"أَبَا زُرْعَةَ ، وَمُحَمَّدًا - عَنْهُ فَقَالَا : لَيْسَ بِصَحِيحٍ .\rوَقَالَ أَحْمَدُ : هَذَا مِنْ وَجْهٍ ضَعِيفٍ ، رَوَاهُ رَجَاءُ بْنُ حَيْوَةَ ، عَنْ وَرَّادٍ كَاتِبِ الْمُغِيرَةِ ، وَلَمْ يَلْقَهُ .\rوَأَسْفَلُ الْخُفِّ لَيْسَ بِمَحَلٍّ لِفَرْضِ الْمَسْحِ ، بِخِلَافِ أَعْلَاهُ .","part":2,"page":26},{"id":526,"text":"( 432 ) فَصْلٌ : وَالْمُجْزِئُ فِي الْمَسْحِ أَنْ يَمْسَحَ أَكْثَرَ مُقَدَّمِ ظَاهِرِهِ خُطُوطًا بِالْأَصَابِعِ ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يُجْزِئُهُ أَقَلُّ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الْمَسْحِ ؛ لِأَنَّهُ أَطْلَقَ لَفْظَ الْمَسْحِ ، وَلَمْ يُنْقَلْ فِيهِ تَقْدِيرٌ ، فَوَجَبَ الرُّجُوعُ إلَى مَا يَتَنَاوَلُهُ الِاسْمُ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يُجْزِئُهُ قَدْرُ ثَلَاثِ أَصَابِعَ ؛ لِقَوْلِ الْحَسَنِ : سُنَّةُ الْمَسْحِ خِطَطٌ بِالْأَصَابِعِ .\rفَيَنْصَرِفُ إلَى سُنَّةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَقَلُّ لَفْظِ الْجَمْعِ ثَلَاثٌ ، وَلَنَا أَنَّ لَفْظَ الْمَسْحِ وَرَدَ مُطْلَقًا ، وَفَسَّرَهُ النَّبِيُّ بِفِعْلِهِ ، فَيَجِبُ الرُّجُوعُ إلَى تَفْسِيرِهِ ، وَقَدْ رَوَى الْخَلَّالُ ، بِإِسْنَادِهِ ، عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ، فَذَكَرَ وُضُوءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ثُمَّ { تَوَضَّأَ ، وَمَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ ، فَوَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى خُفِّهِ الْأَيْمَنِ ، وَوَضَعَ يَدَهُ الْيُسْرَى عَلَى خُفِّهِ الْأَيْسَرِ ، ثُمَّ مَسَحَ أَعْلَاهُمَا مَسْحَةً وَاحِدَةً ، حَتَّى كَأَنِّي أَنْظُرُ إلَى أَثَرِ أَصَابِعِهِ عَلَى الْخُفَّيْنِ } .\rقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ : سُنَّةُ الْمَسْحِ هَكَذَا ، أَنْ يَمْسَحَ خُفَّيْهِ بِيَدَيْهِ الْيُمْنَى لِلْيُمْنَى وَالْيُسْرَى لِلْيُسْرَى ، وَقَالَ أَحْمَدُ : كَيْفَمَا فَعَلَهُ فَهُوَ جَائِزٌ ، بِالْيَدِ الْوَاحِدَةِ أَوْ بِالْيَدَيْنِ ، وَقَوْلُ الْحَسَنِ ، مَعَ مَا ذَكَرْنَا ، لَا يَتَنَافَيَانِ .","part":2,"page":27},{"id":527,"text":"( 433 ) فَصْلٌ : فَإِنْ مَسَحَ بِخِرْقَةٍ أَوْ خَشَبَةٍ ، احْتَمَلَ الْإِجْزَاءَ ؛ لِأَنَّهُ مَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ ، وَاحْتَمَلَ الْمَنْعَ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَسَحَ بِيَدِهِ .\rوَإِنْ مَسَحَ بِإِصْبَعٍ أَوْ إصْبَعَيْنِ ، أَجْزَأَهُ إذَا كَرَّرَ الْمَسْحَ بِهَا ، حَتَّى يَصِيرَ مِثْلَ الْمَسْحِ بِأَصَابِعِهِ .\rوَقِيلَ لِأَحْمَدَ : يَمْسَحُ بِالرَّاحَتَيْنِ أَوْ بِالْأَصَابِعِ ؟ قَالَ : بِالْأَصَابِعِ .\rقِيلَ لَهُ : أَيُجْزِئُهُ بِإِصْبَعَيْنِ ؟ قَالَ : لَمْ أَسْمَعْ .","part":2,"page":28},{"id":528,"text":"( 434 ) فَصْلٌ : وَإِنْ غَسَلَ الْخُفَّ ، فَتَوَقَّفَ أَحْمَدُ ، وَأَجَازَهُ ابْنُ حَامِدٍ ؛ لِأَنَّهُ أَبْلَغُ مِنْ الْمَسْحِ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : لَا يُجْزِئُهُ ؛ لِأَنَّهُ أُمِرَ بِالْمَسْحِ ، وَلَمْ يَفْعَلْهُ ، فَلَمْ يُجْزِهِ ، كَمَا لَوْ طَرَحَ التُّرَابَ عَلَى وَجْهِهِ وَيَدَيْهِ فِي التَّيَمُّمِ ، لَكِنْ إنْ أَمَرَّ يَدَيْهِ عَلَى الْخُفَّيْنِ فِي حَالِ الْغَسْلِ ، أَوْ بَعْدَهُ أَجْزَأَهُ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ مَسَحَ .","part":2,"page":29},{"id":529,"text":"( 435 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَإِنْ مَسَحَ أَسْفَلَهُ دُونَ أَعْلَاهُ ، لَمْ يُجْزِهِ ) لَا نَعْلَمُ أَحَدًا قَالَ : يُجْزِئُهُ مَسْحُ أَسْفَلِ الْخُفِّ ، إلَّا أَشْهَبَ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ ، وَبَعْضَ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ مَسَحَ بَعْضَ مَا يُحَاذِي مَحَلَّ الْفَرْضِ ، فَأَجْزَأَهُ ، كَمَا لَوْ مَسَحَ ظَاهِرَهُ .\rوَالْمَنْصُوصُ عَنْ الشَّافِعِيِّ ، أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مَحَلًّا لِفَرْضِ الْمَسْحِ ، فَلَمْ يُجْزِئْ مَسْحُهُ كَالسَّاقِ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّمَا مَسَحَ ظَاهِرَ الْخُفِّ وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ يُجْزِئُ مَسْحُ ظَاهِرِهِ ، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : لَا أَعْلَمُ أَحَدًا يَقُولُ بِالْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ يَقُولُ : لَا يُجْزِئُ الْمَسْحُ عَلَى أَعْلَى الْخُفِّ","part":2,"page":30},{"id":530,"text":"( 436 ) فَصْلٌ : وَالْحُكْمُ فِي الْمَسْحِ عَلَى عَقِبِ الْخُفِّ كَالْحُكْمِ فِي مَسْحِ أَسْفَلِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَحَلٍّ لِفَرْضِ الْمَسْحِ ، فَهُوَ كَأَسْفَلِهِ","part":2,"page":31},{"id":531,"text":"( 437 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : وَالرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ يَعْنِي فِي الْمَسْحِ عَلَى الْخِفَافِ ، وَسَائِرِ أَحْكَامِهِ وَشُرُوطِهِ ؛ لِعُمُومِ الْخَبَرِ ؛ وَلِأَنَّهُ مَسْحٌ أُقِيمَ مُقَامَ الْغَسْلِ ، فَاسْتَوَى فِيهِ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ ، كَالتَّيَمُّمِ ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْمُسْتَحَاضَةِ وَمَنْ بِهِ سَلَسُ الْبَوْلِ وَغَيْرِهِمَا .\rوَقَالَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ : لَيْسَ لَهُمَا أَنْ يَمْسَحَا عَلَى الْخُفِّ أَكْثَرَ مِنْ وَقْتِ صَلَاةٍ ؛ لِأَنَّ الطَّهَارَةَ الَّتِي لَبِسَا الْخُفَّ عَلَيْهَا لَا يُسْتَبَاحُ بِهَا أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ ، وَلَنَا عُمُومُ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { يَمْسَحُ الْمُقِيمُ يَوْمًا وَلَيْلَةً ، وَالْمُسَافِرُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهِنَّ } .\rوَلِأَنَّ الْمَسْحَ لَا يَبْطُلُ بِمُبْطِلَاتِ الطَّهَارَةِ فَلَا يَبْطُلُ بِخُرُوجِ الْوَقْتِ .\rلَكِنْ إنْ زَالَ عُذْرُهُمَا كَمَّلَا فِي بَابِهِمَا ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُمَا الْمَسْحُ بِتِلْكَ الطَّهَارَةِ كَالتَّيَمُّمِ إذَا أَكْمَلَ بِالْقُدْرَةِ عَلَى الْمَاءِ ، لَا يَمْسَحُ بِالْخُفِّ الْمَلْبُوسِ عَلَى التَّيَمُّمِ","part":2,"page":32},{"id":532,"text":"( 438 ) فَصْلٌ : وَيَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْعِمَامَةِ ، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : وَمِمَّنْ مَسَحَ عَلَى الْعِمَامَةِ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ، وَبِهِ قَالَ عُمَرُ ، وَأَنَسٌ ، وَأَبُو أُمَامَةَ ، وَرُوِيَ عَنْ سَعْدِ بْنِ مَالِكٍ ، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَبِهِ قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَالْحَسَنُ ، وَقَتَادَةُ ، وَمَكْحُولٌ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ .\rوَقَالَ عُرْوَةُ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَالْقَاسِمُ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ : لَا يَمْسَحُ عَلَيْهَا ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ } ؛ وَلِأَنَّهُ لَا تَلْحَقُهُ الْمَشَقَّةُ فِي نَزْعِهَا ، فَلَمْ يَجُزْ الْمَسْحُ عَلَيْهَا ، كَالْكُمَّيْنِ .\rوَلَنَا مَا رُوِيَ عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ، قَالَ : { تَوَضَّأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَالْعِمَامَةِ .\r} قَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ، وَفِي \" مُسْلِمٍ \" { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَالْخِمَارِ } .\rقَالَ أَحْمَدُ : هُوَ مِنْ خَمْسَةِ وُجُوهٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rرَوَى الْخَلَّالُ ، بِإِسْنَادِهِ ، عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : مَنْ لَمْ يُطَهِّرْهُ الْمَسْحُ عَلَى الْعِمَامَةِ فَلَا طَهَّرَهُ اللَّهُ ؛ وَلِأَنَّهُ حَائِلٌ فِي مَحَلٍّ وَرَدَ الشَّرْعُ بِمَسْحِهِ ، فَجَازَ الْمَسْحُ عَلَيْهِ ، كَالْخُفَّيْنِ ؛ وَلِأَنَّ الرَّأْسَ عُضْوٌ يَسْقُطُ فَرْضُهُ فِي التَّيَمُّمِ ، فَجَازَ الْمَسْحُ عَلَى حَائِلِهِ ، كَالْقَدَمَيْنِ ، وَالْآيَةُ لَا تَنْفِي مَا ذَكَرْنَاهُ ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُبَيِّنٌ لِكَلَامِ اللَّهِ ، مُفَسِّرٌ لَهُ ، وَقَدْ مَسَحَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْعِمَامَةِ ، وَأَمَرَ بِالْمَسْحِ عَلَيْهَا ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْآيَةِ الْمَسْحُ عَلَى الرَّأْسِ ، أَوْ حَائِلِهِ .\rوَمِمَّا يُبَيِّنُ ذَلِكَ ، أَنَّ الْمَسْحَ فِي الْغَالِبِ لَا يُصِيبُ الرَّأْسَ .","part":2,"page":33},{"id":533,"text":"وَإِنَّمَا يَمْسَحُ عَلَى الشَّعْرِ ، وَهُوَ حَائِلٌ بَيْنَ الْيَدِ وَبَيْنَهُ ، فَكَذَلِكَ الْعِمَامَةُ ، فَإِنَّهُ يُقَالُ لِمَنْ لَمَسَ عِمَامَتَهُ أَوْ قَبَّلَهَا : قَبْلَ رَأْسَهُ وَلَمَسَهُ .\rوَكَذَلِكَ أَمَرَ بِمَسْحِ الرِّجْلَيْنِ ، وَاتَّفَقْنَا عَلَى جَوَازِ مَسْحِ حَائِلِهِمَا .","part":2,"page":34},{"id":534,"text":"( 439 ) فَصْلٌ : وَمِنْ شُرُوطِ جَوَازِ الْمَسْحِ عَلَى الْعِمَامَةِ ، أَنْ تَكُونَ سَاتِرَةً لِجَمِيعِ الرَّأْسِ ، إلَّا مَا جَرَتْ الْعَادَةُ بِكَشْفِهِ ، كَمُقَدَّمِ الرَّأْسِ وَالْأُذُنَيْنِ ، وَشِبْهِهِمَا مِنْ جَوَانِبِ الرَّأْسِ ، فَإِنَّهُ يُعْفَى عَنْهُ ، بِخِلَافِ الْخَرْقِ الْيَسِيرِ فِي الْخُفِّ ، فَإِنَّهُ لَا يُعْفَى عَنْهُ ؛ لِأَنَّ هَذَا الْكَشْفَ جَرَتْ الْعَادَةُ بِهِ لِمَشَقَّةِ التَّحَرُّزِ عَنْهُ ، وَإِنْ كَانَ تَحْتَ الْعِمَامَةِ قَلَنْسُوَةٌ يَظْهَرُ بَعْضُهَا ، فَالظَّاهِرُ جَوَازُ الْمَسْحِ عَلَيْهِمَا ؛ لِأَنَّهُمَا صَارَا كَالْعِمَامَةِ الْوَاحِدَةِ .\rوَمِنْ شُرُوطِ جَوَازِ الْمَسْحِ عَلَيْهَا ، أَنْ تَكُونَ عَلَى صِفَةِ عَمَائِمِ الْمُسْلِمِينَ ، بِأَنْ يَكُونَ تَحْتَ الْحَنَكِ مِنْهَا شَيْءٌ ؛ لِأَنَّ هَذِهِ عَمَائِمُ الْعَرَبِ ، وَهِيَ أَكْثَرُ سَتْرًا مِنْ غَيْرِهَا ، وَيَشُقُّ نَزْعُهَا ، فَيَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهَا ، سَوَاءٌ كَانَتْ لَهَا ذُؤَابَةٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ .\rقَالَهُ الْقَاضِي .\rوَسَوَاءٌ كَانَتْ صَغِيرَةً أَوْ كَبِيرَةً وَإِنْ لَمْ يَكُنْ تَحْتَ الْحَنَكِ مِنْهَا شَيْءٌ ، وَلَا لَهَا ذُؤَابَةٌ ، لَمْ يَجُزْ الْمَسْحُ عَلَيْهَا ؛ لِأَنَّهَا عَلَى صِفَةِ عَمَائِمِ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَلَا يَشُقُّ نَزْعُهَا .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَنَّهُ أَمَرَ بِالتَّلَحِّي ، وَنَهَى عَنْ الِاقْتِعَاطِ } .\rرَوَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ ، قَالَ : وَالِاقْتِعَاطُ أَنْ لَا يَكُونَ تَحْتَ الْحَنَكِ مِنْهَا شَيْءٌ .\rوَرُوِيَ أَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ رَأَى رَجُلًا لَيْسَ تَحْتَ حَنَكِهِ مِنْ عِمَامَتِهِ شَيْءٌ ، فَحَنَّكَهُ بِكَوْرٍ مِنْهَا ، وَقَالَ : مَا هَذِهِ الْفَاسِقِيَّةُ ؟ فَامْتَنَعَ الْمَسْحُ عَلَيْهَا لِلنَّهْيِ عَنْهَا ، وَسُهُولَةِ نَزْعِهَا .\rوَإِنْ كَانَتْ ذَاتَ ذُؤَابَةٍ ، وَلَمْ تَكُنْ مُحَنَّكَةً ، فَفِي الْمَسْحِ عَلَيْهَا وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا ، جَوَازُهُ ؛ لِأَنَّهُ لَا تُشْبِهُ عَمَائِمَ أَهْلِ الذِّمَّةِ ، إذْ لَيْسَ مِنْ عَادَتِهِمْ الذُّؤَابَةُ .\rوَالثَّانِي ، لَا يَجُوزُ ؛ لِأَنَّهَا دَاخِلَةٌ فِي عُمُومِ النَّهْيِ ، وَلَا يَشُقُّ نَزْعُهَا .\r( 440 ) فَصْلٌ : وَإِذَا كَانَ","part":2,"page":35},{"id":535,"text":"بَعْضُ الرَّأْسِ مَكْشُوفًا ، مِمَّا جَرَتْ الْعَادَةُ بِكَشْفِهِ ، اُسْتُحِبَّ أَنْ يَمْسَحَ عَلَيْهِ مَعَ الْعِمَامَةِ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَسَحَ عَلَى عِمَامَتِهِ وَنَاصِيَتِهِ ، فِي حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ، وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ .\rقَالَهُ التِّرْمِذِيُّ .\rوَهَلْ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا وَاجِبٌ ؟ وَقَدْ تَوَقَّفَ أَحْمَدُ عَنْهُ ، فَيُخَرَّجُ فِيهَا وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا ، وُجُوبُهُ ؛ لِلْخَبَرِ ؛ وَلِأَنَّ الْعِمَامَةَ نَابَتْ عَمَّا اسْتَتَرَ ، فَبَقِيَ الْبَاقِي عَلَى مُقْتَضَى الْأَصْلِ ، كَالْجَبِيرَةِ .\rوَالثَّانِي ، لَا يَجِبُ ؛ لِأَنَّ الْعِمَامَةَ نَابَتْ عَنْ الرَّأْسِ ، فَتَعَلَّقَ الْحُكْمُ بِهَا ، وَانْتَقَلَ الْفَرْضُ إلَيْهَا ، فَلَمْ يَبْقَ لِمَا ظَهَرَ حُكْمٌ ؛ وَلِأَنَّ وُجُوبَهُمَا مَعًا يُفْضِي إلَى الْجَمْعِ بَيْنَ بَدَلٍ وَمُبْدَلٍ فِي عُضْوٍ وَاحِدٍ ، فَلَمْ يَجُزْ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ كَالْخُفِّ .\rوَعَلَى هَذَا تُخَرَّجُ الْجَبِيرَةُ .\rوَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ الْأُذُنَيْنِ لَا يَجِبُ مَسْحُهُمَا ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ ذَلِكَ ، وَلَيْسَا مِنْ الرَّأْسِ ، إلَّا عَلَى وَجْهِ التَّبَعِ .","part":2,"page":36},{"id":536,"text":"( 441 ) فَصْلٌ : وَإِنْ نَزَعَ الْعِمَامَةَ بَعْدَ الْمَسْحِ عَلَيْهَا ، بَطَلَتْ طَهَارَتُهُ ، نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .\rوَكَذَلِكَ إنْ انْكَشَفَ رَأْسُهُ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ يَسِيرًا ، مِثْلُ إنْ حَكَّ رَأْسَهُ ، أَوْ رَفَعَهَا لِأَجْلِ الْوُضُوءِ ، فَلَا بَأْسَ .\rقَالَ أَحْمَدُ : إذَا زَالَتْ الْعِمَامَةُ عَنْ هَامَتِهِ ، لَا بَأْسَ ، مَا لَمْ يَنْقُضْهَا ، أَوْ يَفْحُشَ ذَلِكَ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ هَذَا مِمَّا جَرَتْ الْعَادَةُ بِهِ ، فَيَشُقُّ التَّحَرُّزُ عَنْهُ .\rوَإِنْ انْتَقَضَتْ الْعِمَامَةُ بَعْدَ مَسْحِهَا ، بَطَلَتْ طَهَارَتُهُ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ نَزْعِهَا .\rوَإِنْ انْتَقَضَ بَعْضُهَا ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ ، ذَكَرَهُمَا ابْنُ عَقِيلٍ : إحْدَاهُمَا ، لَا تَبْطُلُ طَهَارَتُهُ ؛ لِأَنَّهُ زَالَ بَعْضُ الْمَمْسُوحِ عَلَيْهِ ، مَعَ بَقَاءِ الْعُضْوِ مَسْتُورًا ، فَلَمْ تَبْطُلْ الطَّهَارَةُ ، كَكَشْطِ الْخُفِّ ، مَعَ بَقَاءِ الْبِطَانَةِ ، وَالثَّانِيَةُ : تَبْطُلُ .\rقَالَ الْقَاضِي : لَوْ انْتَقَضَ مِنْهَا كَوْرٌ وَاحِدٌ ، بَطَلَتْ ؛ لِأَنَّهُ زَالَ الْمَمْسُوحُ عَلَيْهِ ، فَأَشْبَهَ نَزْعَ الْخُفِّ","part":2,"page":37},{"id":537,"text":"فَصْلٌ : وَاخْتُلِفَ فِي وُجُوبِ اسْتِيعَابِ الْعِمَامَةِ بِالْمَسْحِ ؛ فَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ : يَمْسَحُ عَلَى الْعِمَامَةِ ، كَمَا يَمْسَحُ عَلَى رَأْسِهِ .\rفَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ التَّشْبِيهَ فِي صِفَةِ الْمَسْحِ دُونَ الِاسْتِيعَابِ ، وَأَنَّهُ يُجْزِئُ مَسْحُ بَعْضِهَا ؛ لِأَنَّهُ مَمْسُوحٌ عَلَى وَجْهِ الرُّخْصَةِ ، فَأَجْزَأَ مَسْحُ بَعْضِهِ ، كَالْخُفِّ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ التَّشْبِيهَ فِي الِاسْتِيعَابِ ، فَيَخْرُجُ فِيهَا مِنْ الْخِلَافِ مَا فِي وُجُوبِ اسْتِيعَابِ الرَّأْسِ ، وَفِيهِ رِوَايَتَانِ ؛ أَظْهَرُهُمَا وُجُوبُ اسْتِيعَابِهِ بِالْمَسْحِ .\rفَكَذَلِكَ فِي الْعِمَامَةِ ؛ لِأَنَّ مَسْحَ الْعِمَامَةِ بَدَلٌ مِنْ الْجِنْسِ ، فَيُقَدَّرُ بِقَدْرِ الْمُبْدَلِ ، كَقِرَاءَةِ غَيْرِ الْفَاتِحَةِ مِنْ الْقُرْآنِ ، بَدَلًا مِنْ الْفَاتِحَةِ ، يَجِبُ أَنْ يَكُونَ بِقَدْرِهَا ، وَلَوْ كَانَ الْبَدَلُ تَسْبِيحًا ، لَمْ يَتَقَدَّرْ بِقَدْرِهَا ، وَمَسْحُ الْخُفِّ بَدَلٌ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ ؛ لِأَنَّهُ بَدَلٌ عَنْ الْغَسْلِ ، فَلَمْ يَتَقَدَّرْ بِهِ ، كَالتَّسْبِيحِ بَدَلًا عَنْ الْقُرْآنِ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : يُجْزِئُ مَسْحُ بَعْضِهَا ، كَإِجْزَاءِ الْمَسْحِ فِي الْخُفِّ عَلَى بَعْضِهِ ، وَيَخْتَصُّ ذَلِكَ بِأَكْوَارِهَا ، وَهِيَ دَوَائِرُهَا دُونَ وَسَطِهَا .\rفَإِنْ مَسَحَ وَسَطَهَا وَحْدَهُ فَإِنْ مَسَحَ وَسَطَهَا فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا يُجْزِئُهُ ، كَمَا يُجْزِئُ مَسْحُ بَعْضِ دَوَائِرِهَا .\rوَالثَّانِي ، لَا يُجْزِئُهُ ، كَمَا لَوْ مَسَحَ أَسْفَلَ الْخُفِّ .","part":2,"page":38},{"id":538,"text":"( 443 ) فَصْلٌ : وَالتَّوْقِيتُ فِي مَسْحِ الْعِمَامَةِ كَالتَّوْقِيتِ فِي مَسْحِ الْخُفِّ ؛ لِمَا رَوَى أَبُو أُمَامَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { يَمْسَحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَالْعِمَامَةِ ثَلَاثًا فِي السَّفَرِ ، وَيَوْمًا وَلَيْلَةً لِلْمُقِيمِ } .\rرَوَاهُ الْخَلَّالُ بِإِسْنَادِهِ ، إلَّا أَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ ؛ وَلِأَنَّهُ مَمْسُوحٌ عَلَى وَجْهِ الرُّخْصَةِ ، فَيُوَقَّتُ بِذَلِكَ ، كَالْخُفِّ .","part":2,"page":39},{"id":539,"text":"( 444 ) فَصْلٌ : وَالْعِمَامَةُ الْمُحَرَّمَةُ ، كَعِمَامَةِ الْحَرِيرِ وَالْمَغْصُوبَةِ لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهَا ، لِمَا ذَكَرْنَا فِي الْخُفِّ الْمَغْصُوبِ وَإِنْ لَبِسَتْ الْمَرْأَةُ عِمَامَةً ، لَمْ يَجُزْ الْمَسْحُ عَلَيْهَا ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ التَّشَبُّهِ بِالرِّجَالِ ، فَكَانَتْ مُحَرَّمَةً فِي حَقِّهَا ، وَإِنْ كَانَ لَهَا عُذْرٌ ، فَهَذَا يَنْدُرُ ، فَلَمْ يَرْتَبِطْ الْحُكْمُ بِهِ","part":2,"page":40},{"id":540,"text":"( 445 ) فَصْلٌ : وَلَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْقَلَنْسُوَةِ ، الطَّاقِيَّةِ ، نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، قَالَ هَارُونُ الْحَمَّالُ : سُئِلَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عَنْ الْمَسْحِ عَلَى الْكَلْتَةِ ؟ فَلَمْ يَرَهُ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهَا لَا تَسْتُرُ جَمِيعَ الرَّأْسِ فِي الْعَادَةِ ، وَلَا يَدُومُ عَلَيْهِ ، وَأَمَّا الْقَلَانِسُ الْمُبَطَّنَاتُ ، كَدَنِيَّاتِ الْقُضَاةِ ، وَالنَّوْمِيَّاتِ ، فَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ ، قَالَ أَحْمَدُ : لَا يَمْسَحُ عَلَى الْقَلَنْسُوَةِ وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا قَالَ بِالْمَسْحِ عَلَى الْقَلَنْسُوَةِ ، إلَّا أَنَّ أَنَسًا مَسَحَ عَلَى قَلَنْسُوَتِهِ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهَا لَا مَشَقَّةَ فِي نَزْعِهَا ، فَلَمْ يَجُزْ الْمَسْحُ عَلَيْهَا كَالْكَلْتَةِ ؛ وَلِأَنَّهَا أَدْنَى مِنْ الْعِمَامَةِ غَيْرِ الْمُحَنَّكَةِ الَّتِي لَيْسَتْ لَهَا ذُؤَابَةٌ .\rوَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْخَلَّالُ : إنْ مَسَحَ إنْسَانٌ عَلَى الْقَلَنْسُوَةِ لَمْ أَرَ بِهِ بَأْسًا ؛ لِأَنَّ أَحْمَدَ قَالَ ، فِي رِوَايَةِ الْمَيْمُونِيِّ أَنَا أَتَوَقَّاهُ .\rوَإِنْ ذَهَبَ إلَيْهِ ذَاهِبٌ لَمْ يُعَنِّفْهُ .\rقَالَ الْخَلَّالُ : وَكَيْفَ يُعَنِّفُهُ ؟ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ رَجُلَيْنِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَسَانِيدَ صِحَاحٍ ، وَرِجَالٍ ثِقَاتٍ .\rفَرَوَى الْأَثْرَمُ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ عُمَرَ ، أَنَّهُ قَالَ : إنْ شَاءَ حَسِرَ عَنْ رَأْسِهِ ، وَإِنْ شَاءَ مَسَحَ عَلَى قَلَنْسُوَتِهِ وَعِمَامَتِهِ .\rوَرَوَى بِإِسْنَادِهِ ، عَنْ أَبِي مُوسَى ، أَنَّهُ خَرَجَ مِنْ الْخَلَاءِ ، فَمَسَحَ عَلَى الْقَلَنْسُوَةِ ؛ وَلِأَنَّهُ مَلْبُوسٌ مُعْتَادٌ يَسْتُرُ الرَّأْسَ ، فَأَشْبَهَ الْعِمَامَةَ الْمُحَنَّكَةَ ، وَفَارَقَ الْعِمَامَةَ الَّتِي لَيْسَتْ مُحَنَّكَةً وَلَا ذُؤَابَةَ لَهَا ؛ لِأَنَّهَا مَنْهِيٌّ عَنْهَا .","part":2,"page":41},{"id":541,"text":"( 446 ) فَصْلٌ : وَفِي مَسْحِ الرَّأْسِ عَلَى مِقْنَعَتِهَا رِوَايَتَانِ : إحْدَاهُمَا ، يَجُوزُ ؛ لِأَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ كَانَتْ تَمْسَحُ عَلَى خِمَارِهَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ .\rوَقَدْ رُوِيَ { عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ أَمَرَ بِالْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَالْخِمَارِ } ؛ وَلِأَنَّهُ مَلْبُوسٌ لِلرَّأْسِ مُعْتَادٌ ، يَشُقُّ نَزْعُهُ ، فَأَشْبَهَ الْعِمَامَةَ .\rوَالثَّانِيَةُ ، لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ ؛ فَإِنَّ أَحْمَدَ سُئِلَ : كَيْفَ تَمْسَحُ الْمَرْأَةُ عَلَى رَأْسِهَا ؟ قَالَ : مِنْ تَحْتِ الْخِمَارِ ، وَلَا تَمْسَحُ عَلَى الْخِمَارِ ، قَالَ : وَقَدْ ذَكَرُوا أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ كَانَتْ تَمْسَحُ عَلَى خِمَارِهَا .\rوَمِمَّنْ قَالَ لَا تَمْسَحُ عَلَى خِمَارِهَا .\rنَافِعٌ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَحَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَسَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ؛ لِأَنَّهُ مَلْبُوسٌ لِرَأْسِ الْمَرْأَةِ ، فَلَمْ يَجُزْ الْمَسْحُ عَلَيْهِ ، كَالْوِقَايَةِ ، وَلَا يُجْزِئُ الْمَسْحُ عَلَى الْوِقَايَةِ ، رِوَايَةً وَاحِدَةً .\rلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا ؛ لِأَنَّهَا لَا يَشُقُّ نَزْعُهَا ، فَهِيَ كَالطَّاقِيَّةِ لِلرَّجُلِ .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ","part":2,"page":42},{"id":542,"text":"بَابُ الْحَيْضِ الْحَيْضُ : دَمٌ يُرْخِيهِ الرَّحِمُ إذَا بَلَغْت الْمَرْأَةُ ، ثُمَّ يَعْتَادُهَا فِي أَوْقَاتٍ مَعْلُومَةٍ ؛ لِحِكْمَةِ تَرْبِيَةِ الْوَلَدِ ، فَإِذَا حَمَلَتْ انْصَرَفَ ذَلِكَ الدَّمُ بِإِذْنِ اللَّهِ إلَى تَغْذِيَتِهِ ؛ وَلِذَلِكَ لَا تَحِيضُ الْحَامِلُ ، فَإِذَا وَضَعْت الْوَلَدَ قَلَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِحِكْمَتِهِ لَبَنًا يَتَغَذَّى بِهِ الطِّفْلُ ؛ وَلِذَلِكَ قَلَّمَا تَحِيضُ الْمُرْضِعُ ، فَإِذَا خَلَتْ الْمَرْأَةُ مِنْ حَمْلٍ وَرَضَاعٍ .\rبَقِيَ ذَلِكَ الدَّمُ لَا مَصْرِفَ لَهُ ، فَيَسْتَقِرُّ فِي مَكَان ، ثُمَّ يَخْرُجُ فِي الْغَالِبِ فِي كُلِّ شَهْرٍ سِتَّةَ أَيَّامٍ أَوْ سَبْعَةً ، وَقَدْ يَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ ، وَيَقِلُّ ، وَيَطُولُ شَهْرُ الْمَرْأَةِ وَيَقْصُرُ ، عَلَى حَسَبِ مَا رَكَّبَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي الطِّبَاعِ ؛ وَسُمِّيَ حَيْضًا مِنْ قَوْلِهِمْ : حَاضَ السَّيْلُ .\rقَالَ عُمَارَةُ بْنُ عَقِيلٍ : أَجَالَتْ حَصَاهُنَّ الذَّوَارِي وَحَيَّضَتْ عَلَيْهِنَّ حَيْضَاتُ السُّيُولِ الطَّوَاحِمِ وَقَدْ عَلَّقَ الشَّرْعُ عَلَى الْحَيْضِ أَحْكَامًا ؛ فَمِنْهَا أَنَّهُ يَحْرُمُ وَطْءُ الْحَائِضِ فِي الْفَرْجِ ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى { : وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمْ اللَّهُ } .\rوَمِنْهَا أَنَّهُ يَمْنَعُ فِعْلَ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ ؛ بِدَلِيلِ { قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَلَيْسَتْ إحْدَاكُنَّ إذَا حَاضَتْ لَا تَصُومُ وَلَا تُصَلِّي } .\rرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ .\rوَقَالَتْ حَمْنَةُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إنِّي أُسْتَحَاضُ حَيْضَةً شَدِيدَةً مُنْكَرَةً ، قَدْ مَنَعَتْنِي الصَّوْمَ وَالصَّلَاةَ .\rوَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِفَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حُبَيْشٍ : { إذَا أَقْبَلَتْ الْحَيْضَةُ فَاتْرُكِي الصَّلَاةَ } ، وَمِنْهَا أَنَّهُ يُسْقِطُ وُجُوبَ الصَّلَاةِ دُونَ الصِّيَامِ ؛ لِمَا رُوِيَ { أَنَّ مُعَاذَةَ قَالَتْ : سَأَلْت عَائِشَةَ ، فَقُلْت : مَا بَالُ الْحَائِضِ تَقْضِي الصَّوْمَ وَلَا تَقْضِي الصَّلَاةَ","part":2,"page":43},{"id":543,"text":"؟ فَقَالَتْ : أَحَرُورِيَّةٌ أَنْتِ ؟ فَقُلْت : لَسْت بِحَرُورِيَّةٍ ، وَلَكِنِّي أَسْأَلُ .\rفَقَالَتْ : كُنَّا نَحِيضُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّوْمِ وَلَا نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّلَاةِ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rإنَّمَا قَالَتْ لَهَا عَائِشَةُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الْخَوَارِجَ يَرَوْنَ عَلَى الْحَائِضِ قَضَاءَ الصَّلَاةِ .\rوَمِنْهَا أَنَّهُ يَمْنَعُ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ ؛ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { لَا تَقْرَأُ الْحَائِضُ وَلَا الْجُنُبُ شَيْئًا مِنْ الْقُرْآنِ } .\rوَمِنْهَا أَنَّهُ يَمْنَعُ اللُّبْثَ فِي الْمَسْجِدِ ، وَالطَّوَافَ بِالْبَيْتِ ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْجَنَابَةِ .\rوَمِنْهَا أَنَّهُ يُحَرِّمُ الطَّلَاقَ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { إذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ } ، وَلَمَّا { طَلَّقَ ابْنُ عُمَرَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ أَمَرَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِرَجْعَتِهَا وَإِمْسَاكِهَا حَتَّى تَطْهُرَ } .\rوَمِنْهَا أَنَّهُ يَمْنَعُ صِحَّةَ الطَّهَارَةِ ؛ لِأَنَّ حَدَثَهَا مُقِيمٌ .\rوَمِنْهَا أَنَّهُ يُوجِبُ الْغُسْلَ عِنْدَ انْقِطَاعِهِ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ { أَمُكْثِي قَدْرَ مَا كَانَتْ تَحْبِسُك حَيْضَتُك ، ثُمَّ اغْتَسِلِي وَصَلِّي .\r} مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَهُوَ عَلَمٌ عَلَى الْبُلُوغِ ؛ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ حَائِضٍ إلَّا بِخِمَارٍ .\r} وَلَا تَنْقَضِي الْعِدَّةُ فِي حَقِّ الْمُطَلَّقَةِ وَأَشْبَاهِهَا إلَّا بِهِ ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ } .\rوَأَكْثَرُ هَذِهِ الْأَحْكَامِ مُجْمَعٌ عَلَيْهَا بَيْنَ عُلَمَاءِ الْأُمَّةِ .\rوَإِذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَالْحَاجَةُ دَاعِيَةٌ إلَى مَعْرِفَةِ الْحَيْضِ ، لِيُعْلَمَ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنْ الْأَحْكَامِ .\rقَالَ أَحْمَدُ ، رَحِمَهُ اللَّهُ : الْحَيْضُ يَدُورُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَحَادِيثَ : حَدِيثِ فَاطِمَةَ ، وَأُمِّ حَبِيبَةَ ، وَحَمْنَةَ .\rوَفِي رِوَايَةٍ : حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ .\rمَكَانَ حَدِيثِ أُمِّ حَبِيبَةَ .\rوَسَنَذْكُرُ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ وَغَيْرَهَا فِي","part":2,"page":44},{"id":544,"text":"مَوَاضِعِهَا ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .","part":2,"page":45},{"id":545,"text":"( 447 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ ( وَأَقَلُّ الْحَيْضِ : يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ ، وَأَكْثَرُهُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا ) هَذَا الصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ، وَقَالَ الْخَلَّالُ : مَذْهَبُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ لَا اخْتِلَافَ فِيهِ ، أَنَّ أَقَلَّ الْحَيْضِ يَوْمٌ ، وَأَكْثَرَهُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا .\rوَقِيلَ عَنْهُ : أَكْثَرُهُ سَبْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ ، كَالرِّوَايَتَيْنِ فِي أَقَلِّهِ وَأَكْثَرِهِ .\rوَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ : قَالَ عَطَاءٌ : الْحَيْضُ يَوْمٌ وَاحِدٌ وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ : أَكْثَرُهُ ثَلَاثَةَ عَشَرَ يَوْمًا .\rوَقَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَصَاحِبَاهُ : أَقَلُّهُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ ، وَأَكْثَرُهُ عَشَرَةٌ ؛ لِمَا رَوَى وَاثِلَةُ بْنُ الْأَسْقَعِ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { أَقَلُّ الْحَيْضِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ وَأَكْثَرُهُ عَشَرَةٌ .\r} وَقَالَ أَنَسٌ : قُرْءُ الْمَرْأَةِ : ثَلَاثٌ ، أَرْبَعٌ ، خَمْسٌ ، سِتٌّ ، سَبْعٌ ، ثَمَانٍ ، تِسْعٌ ، عَشَرَةٌ .\rوَلَا يَقُولُ أَنَسٌ ذَلِكَ إلَّا تَوْقِيفًا ، وَقَالَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ : لَيْسَ لِأَقَلِّهِ حَدٌّ ، يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ سَاعَةً ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ لِأَقَلِّهِ حَدٌّ ، لَكَانَتْ الْمَرْأَةُ لَا تَدَعُ الصَّلَاةَ حَتَّى يَمْضِيَ ذَلِكَ الْحَدُّ .\rوَلَنَا أَنَّهُ وَرَدَ فِي الشَّرْعِ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ تَحْدِيدٍ ، وَلَا حَدَّ لَهُ فِي اللُّغَةِ ، وَلَا فِي الشَّرِيعَةِ ، فَيَجِبُ الرُّجُوعُ فِيهِ إلَى الْعُرْفِ وَالْعَادَةِ ، كَمَا فِي الْقَبْضِ ، وَالْإِحْرَازِ ، وَالتَّفَرُّقِ ، وَأَشْبَاهِهَا ، وَقَدْ وُجِدَ حَيْضٌ مُعْتَادٌ يَوْمًا ، قَالَ عَطَاءٌ : رَأَيْت مِنْ النِّسَاءِ مَنْ تَحِيضُ يَوْمًا ، وَتَحِيضُ خَمْسَةَ عَشَرَ .\rوَقَالَ أَحْمَدُ : حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ آدَمَ ، قَالَ : سَمِعْت شَرِيكًا يَقُولُ : عِنْدَنَا امْرَأَةٌ تَحِيضُ كُلَّ شَهْرٍ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا حَيْضًا مُسْتَقِيمًا .\rوَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : عِنْدَنَا امْرَأَةٌ تَحِيضُ غَدْوَةً وَتَطْهُرُ عَشِيًّا .\rيَرَوْنَ أَنَّهُ حَيْضٌ تَدَعُ لَهُ الصَّلَاةَ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ رَأَيْت امْرَأَةً","part":2,"page":46},{"id":546,"text":"أُثْبِتَ لِي عَنْهَا أَنَّهَا لَمْ تَزَلْ تَحِيضُ يَوْمًا لَا تَزِيدُ عَلَيْهِ ، وَأُثْبِتَ لِي عَنْ نِسَاءٍ أَنَّهُنَّ لَمْ يَزَلْنَ يَحِضْنَ أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ .\rوَذَكَرَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيّ ، أَنَّهُ قَالَ : تَحِيضُ امْرَأَتِي يَوْمَيْنِ .\rقَالَ إِسْحَاقُ : وَقَالَتْ امْرَأَةٌ مِنْ أَهْلِنَا مَعْرُوفَةٌ : لَمْ أُفْطِرْ مُنْذُ عِشْرِينَ سَنَةً فِي شَهْرِ رَمَضَانَ إلَّا يَوْمَيْنِ .\rوَقَوْلُهُنَّ يَجِبُ الرُّجُوعُ إلَيْهِ ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى { : وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ } فَلَوْلَا أَنَّ قَوْلَهُنَّ مَقْبُولٌ مَا حَرَّمَ عَلَيْهِنَّ الْكِتْمَانَ ، وَجَرَى ذَلِكَ مَجْرَى قَوْلِهِ : { وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ } .\rوَلَمْ يُوجَدْ حَيْضٌ أَقَلُّ مِنْ ذَلِكَ عَادَةً مُسْتَمِرَّةً فِي عَصْرٍ مِنْ الْأَعْصَارِ ، فَلَا يَكُونُ حَيْضًا بِحَالٍ .\rوَحَدِيثُ وَاثِلَةَ يَرْوِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الشَّامِيُّ ، وَهُوَ ضَعِيفٌ ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ الْمِنْهَالِ ، وَهُوَ مَجْهُولٌ .\rوَحَدِيثُ أَنَسٍ يَرْوِيهِ الْجَلْدُ بْنُ أَيُّوبَ ، وَهُوَ ضَعِيفٌ .\rقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ : هُوَ حَدِيثٌ لَا أَصْلَ لَهُ .\rوَقَالَ أَحْمَدُ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ : لَيْسَ هُوَ شَيْئًا هَذَا مِنْ قِبَلِ الْجَلْدِ بْنِ أَيُّوبَ ، قِيلَ : إنَّ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْحَاقَ رَوَاهُ ، وَقَالَ : مَا أَرَاهُ سَمِعَهُ إلَّا مِنْ الْحَسَنِ بْنِ دِينَارٍ .\rوَضَعَّفَهُ جِدًّا .\rقَالَ : وَقَالَ يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ : ذَاكَ أَبُو حَنِيفَةَ لَمْ يَحْتَجَّ إلَّا بِالْجَلْدِ بْنِ أَيُّوبَ ، وَحَدِيثُ الْجَلْدِ قَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَا يُعَارِضُهُ .\rفَإِنَّهُ قَالَ : مَا زَادَ عَلَى خَمْسَةَ عَشَرَ اسْتِحَاضَةٌ ، وَأَقَلُّ الْحَيْضِ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ","part":2,"page":47},{"id":547,"text":"( 448 ) فَصْلٌ : وَأَقَلُّ الطُّهْرِ بَيْنَ الْحَيْضَتَيْنِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ يَوْمًا ؛ لِأَنَّ كَلَامَ أَحْمَدَ لَا يَخْتَلِفُ أَنَّ الْعِدَّةَ تَصِحُّ أَنْ تَنْقَضِيَ فِي شَهْرٍ وَاحِدٍ إذَا قَامَتْ بِهِ الْبَيِّنَةُ .\rوَقَالَ إِسْحَاقُ : تَوْقِيتُ هَؤُلَاءِ بِالْخَمْسَةِ عَشَرَ بَاطِلٌ .\rوَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : أَقَلُّ الطُّهْرِ مَبْنِيٌّ عَلَى أَكْثَرِ الْحَيْضِ ، فَإِنْ قُلْنَا أَكْثَرُهُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا ، فَأَقَلُّ الطُّهْرِ خَمْسَةَ عَشَرَ ، وَإِنْ قُلْنَا أَكْثَرُهُ سَبْعَةَ عَشَرَ ، فَأَقَلُّ الطُّهْرِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ .\rوَهَذَا كَأَنَّهُ بَنَاهُ عَلَى أَنَّ شَهْرَ الْمَرْأَةِ لَا يَزِيدُ عَلَى ثَلَاثِينَ يَوْمًا ، يَجْتَمِعُ لَهَا فِيهِ حَيْضٌ وَطُهْرٌ ، وَأَمَّا إذَا زَادَ شَهْرُهَا عَلَى ذَلِكَ تَصَوَّرَ أَنْ يَكُونَ حَيْضُهَا سَبْعَةَ عَشَرَ ، وَطُهْرُهَا خَمْسَةَ عَشَرَ وَأَكْثَرَ .\rوَقَالَ مَالِكٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ : أَقَلُّ الطُّهْرِ خَمْسَةَ عَشَرَ .\rوَذَكَرَ أَبُو ثَوْرٍ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ ، وَلَنَا مَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، أَنَّ امْرَأَةً جَاءَتْهُ ، وَقَدْ طَلَّقَهَا زَوْجُهَا ، فَزَعَمَتْ أَنَّهَا حَاضَتْ فِي شَهْرٍ ثَلَاثَ حِيَضٍ ، طَهُرَتْ عِنْدَ كُلِّ قُرْءٍ وَصَلَّتْ ، فَقَالَ عَلِيٌّ لِشُرَيْحٍ : قُلْ فِيهَا .\rفَقَالَ شُرَيْحٌ : إنْ جَاءَتْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ بِطَانَةِ أَهْلِهَا مِمَّنْ يُرْضَى دِينُهُ وَأَمَانَتُهُ ، فَشَهِدَتْ بِذَلِكَ ، وَإِلَّا فَهِيَ كَاذِبَةٌ .\rفَقَالَ عَلِيٌّ : \" قالون .\rوَهَذَا بِالرُّومِيَّةِ .\rوَمَعْنَاهُ : جَيِّدٌ .\rوَهَذَا لَا يَقُولُهُ إلَّا تَوْقِيفًا ؛ وَلِأَنَّهُ قَوْلُ صَحَابِيٍّ ، انْتَشَرَ ، وَلَمْ نَعْلَمْ خِلَافَهُ ، رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادِهِ ، وَلَا يَجِيءُ إلَّا عَلَى قَوْلِنَا أَقَلُّهُ ثَلَاثَةَ عَشَرَ ، وَأَقَلُّ الْحَيْضِ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ .\rوَهَذَا فِي الطُّهْرِ بَيْنَ الْحَيْضَتَيْنِ ، وَأَمَّا الطُّهْرُ فِي أَثْنَاءِ الْحَيْضَةِ فَلَا تَوْقِيتَ فِيهِ ؛ فَإِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ : أَمَّا مَا رَأَتْ الدَّمَ الْبَحْرَانِيَّ فَإِنَّهَا لَا تُصَلِّي ، وَإِذَا رَأَتْ الطُّهْرَ سَاعَةً فَلْتَغْتَسِلْ","part":2,"page":48},{"id":548,"text":".\rوَرُوِيَ أَنَّ الطُّهْرَ إذَا كَانَ أَقَلَّ مِنْ يَوْمٍ ، لَا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ .\rلِقَوْلِ عَائِشَةَ : لَا تَعْجَلْنَ حَتَّى تَرَيْنَ الْقَصَّةَ الْبَيْضَاءَ ؛ وَلِأَنَّ الدَّمَ يَجْرِي مَرَّةً وَيَنْقَطِعُ أُخْرَى .\rفَلَا يَثْبُتُ الطُّهْرُ بِمُجَرَّدِ انْقِطَاعِهِ ، كَمَا لَوْ انْقَطَعَ أَقَلَّ مِنْ سَاعَةٍ .","part":2,"page":49},{"id":549,"text":"( 449 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( فَمَنْ أَطْبَقَ بِهَا الدَّمُ فَكَانَتْ مِمَّنْ تُمَيِّزُ ، فَتَعْلَمُ إقْبَالَهُ بِأَنَّهُ أَسْوَدُ ثَخِينٌ مُنْتِنٌ ، وَإِدْبَارَهُ رَقِيقٌ أَحْمَرُ ، تَرَكَتْ الصَّلَاةَ فِي إقْبَالِهِ ، فَإِذَا أَدْبَرَ ، اغْتَسَلَتْ ، وَتَوَضَّأَتْ لِكُلِّ صَلَاةٍ وَصَلَّتْ ) قَوْلُهُ : \" طَبَّقَ بِهَا الدَّمُ \" .\rيَعْنِي امْتَدَّ وَتَجَاوَزَ أَكْثَرَ الْحَيْضِ ، فَهَذِهِ مُسْتَحَاضَةٌ ، قَدْ اخْتَلَطَ حَيْضُهَا بِاسْتِحَاضَتِهَا ، فَتَحْتَاجُ إلَى مَعْرِفَةِ الْحَيْضِ مِنْ الِاسْتِحَاضَةِ لِتُرَتِّبَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حُكْمَهُ ، وَلَا تَخْلُو مِنْ أَرْبَعَةِ أَحْوَالٍ : مُمَيِّزَةٍ لَا عَادَةَ لَهَا ، وَمُعْتَادَةٍ لَا تَمْيِيزَ لَهَا ، وَمَنْ لَهَا عَادَةٌ وَتَمْيِيزٌ ، وَمَنْ لَا عَادَةَ لَهَا وَلَا تَمْيِيزَ .\rأَمَّا الْمُمَيِّزَةُ : فَهِيَ الَّتِي ذَكَرَهَا الْخِرَقِيِّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ، وَهِيَ الَّتِي لِدَمِهَا إقْبَالٌ وَإِدْبَارٌ ، بَعْضُهُ أَسْوَدُ ثَخِينٌ مُنْتِنٌ ، وَبَعْضُهُ أَحْمَرُ مُشْرِقٌ ، أَوْ أَصْفَرُ ، أَوْ لَا رَائِحَةَ لَهُ ، وَيَكُونُ الدَّمُ الْأَسْوَدُ أَوْ الثَّخِينُ لَا يَزِيدُ عَلَى أَكْثَرِ الْحَيْضِ ، وَلَا يَنْقُصُ عَنْ أَقَلِّهِ ، فَحُكْمُ هَذِهِ أَنَّ حَيْضَهَا زَمَانُ الدَّمِ الْأَسْوَدِ أَوْ الثَّخِينِ أَوْ الْمُنْتِنِ ، فَإِنْ انْقَطَعَ فَهِيَ مُسْتَحَاضَةٌ ، تَغْتَسِلُ لِلْحَيْضِ ، وَتَتَوَضَّأُ بَعْدَ ذَلِكَ لِكُلِّ صَلَاةٍ ، وَتُصَلِّي ، وَذَكَرَ أَحْمَدُ الْمُسْتَحَاضَةَ فَقَالَ : لَهَا سُنَنٌ ، وَذَكَرَ الْمُعْتَادَةَ ، ثُمَّ قَالَ : وَسُنَّةٌ أُخْرَى ، إذَا جَاءَتْ فَزَعَمَتْ أَنَّهَا تُسْتَحَاضُ فَلَا تَطْهُرُ ، قِيلَ لَهَا : أَنْتِ الْآنَ لَيْسَ لَك أَيَّامٌ مَعْلُومَةٌ فَتَجْلِسِينَهَا ، وَلَكِنْ اُنْظُرِي إلَى إقْبَالِ الدَّمِ وَإِدْبَارِهِ ، فَإِذَا أَقْبَلَتْ الْحَيْضَةُ - وَإِقْبَالُهَا أَنْ تَرَى دَمًا أَسْوَدَ يُعْرَفُ - فَإِذَا تَغَيَّرَ دَمُهَا وَكَانَ إلَى الصُّفْرَةِ وَالرِّقَّةِ ، فَذَلِكَ دَمُ اسْتِحَاضَةٍ ، فَاغْتَسِلِي ، وَصَلِّي .\rوَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا اعْتِبَارَ بِالتَّمْيِيزِ ، إنَّمَا الِاعْتِبَارُ بِالْعَادَةِ","part":2,"page":50},{"id":550,"text":"خَاصَّةً ؛ لِمَا رَوَتْ أُمُّ سَلَمَةَ ، { أَنَّ امْرَأَةً كَانَتْ تُهْرَاقُ الدِّمَاءَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : لِتَنْظُرْ عِدَّةَ الْأَيَّامِ وَاللَّيَالِي الَّتِي كَانَتْ تَحِيضُهُنَّ قَبْلَ أَنْ يُصِيبَهَا الَّذِي أَصَابَهَا ، فَلْتَتْرُكْ الصَّلَاةَ قَدْرَ ذَلِكَ مِنْ الشَّهْرِ ، فَإِذَا خَلَّفَتْ ذَلِكَ فَلْتَغْتَسِلْ ، ثُمَّ لِتَسْتَثْفِرْ بِثَوْبٍ ثُمَّ لِتُصَلِّ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ .\rوَهُوَ أَحَدُ الْأَحَادِيثِ الثَّلَاثَةِ الَّتِي قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : إنَّ الْحَيْضَ يَدُورُ عَلَيْهَا .\rوَلَنَا مَا رَوَتْ عَائِشَةُ ، قَالَتْ : { جَاءَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ أَبِي حُبَيْشٍ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنِّي أُسْتَحَاضُ ، فَلَا أَطْهُرُ ، أَفَأَدَعُ الصَّلَاةَ ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إنَّمَا ذَلِكَ عِرْقٌ ، وَلَيْسَ بِالْحَيْضَةِ ، فَإِذَا أَقْبَلَتْ الْحَيْضَةُ فَاتْرُكِي الصَّلَاةَ ، فَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْسِلِي عَنْك الدَّمَ ، وَصَلِّي } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَلِلنَّسَائِيِّ وَأَبِي دَاوُد : { إذَا كَانَ دَمُ الْحَيْضِ فَإِنَّهُ دَمٌ أَسْوَدُ يُعْرَفُ ، فَأَمْسِكِي عَنْ الصَّلَاةِ ، فَإِذَا كَانَ الْآخَرُ فَتَوَضَّئِي فَإِنَّمَا هُوَ عِرْقٌ } .\rوَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : أَمَّا مَا رَأَتْ الدَّمَ الْبَحْرَانِيَّ فَإِنَّهَا تَدَعُ الصَّلَاةَ .\rوَقَالَ : إنَّهَا وَاَللَّهِ لَنْ تَرَى الدَّمَ الَّذِي هُوَ الدَّمُ بَعْدَ أَيَّامِ مَحِيضِهَا إلَّا كَغُسَالَةِ مَاءِ اللَّحْمِ .\rوَحَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ إنَّمَا يَدُلُّ عَلَى اعْتِبَارِ الْعَادَةِ ، وَلَا نِزَاعَ فِيهِ .\rوَحَدِيثُ فَاطِمَةَ هُوَ أَحَدُ الثَّلَاثَةِ الَّتِي يَدُورُ عَلَيْهَا الْحَيْضُ .","part":2,"page":51},{"id":551,"text":"( 450 ) فَصْلٌ : ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ أَنَّ الْمُمَيِّزَةَ إذَا عَرَفَتْ التَّمْيِيزَ جَلَسَتْهُ مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ تَكْرَارٍ .\rوَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ فِيمَا رَوَيْنَاهُ عَنْهُ .\rوَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ ؛ لِأَنَّ مَعْنَى التَّمْيِيزِ أَنْ يَتَمَيَّزَ أَحَدُ الدَّمَيْنِ عَنْ الْآخَرِ فِي الصِّفَةِ ، وَهَذَا يُوجَدُ بِأَوَّلِ مَرَّةٍ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ الْقَاضِي وَأَبُو الْحَسَنِ الْآمِدِيُّ : إنَّمَا تَجْلِسُ الْمُمَيِّزَةُ مِنْ التَّمْيِيزِ مَا تَكَرَّرَ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا ، بِنَاءً عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ ، فِيمَا تَثْبُتُ بِهِ الْعَادَةُ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إذَا أَقْبَلَتْ الْحَيْضَةُ فَاتْرُكِي الصَّلَاةَ ، فَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْسِلِي عَنْك الدَّمَ ، وَصَلِّي } .\rأَمَرَهَا بِتَرْكِ الصَّلَاةِ إذَا أَقْبَلَتْ الْحَيْضَةُ مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ أَمْرٍ آخَرَ ، ثُمَّ مَدَّهُ إلَى حِينِ إدْبَارِهِ ؛ وَلِأَنَّ التَّمْيِيزَ أَمَارَةٌ بِمُجَرَّدِهِ ، فَلَمْ يَحْتَجْ إلَى ضَمِّ غَيْرِهِ إلَيْهِ ، كَالْعَادَةِ ، وَعِنْدَ الْقَاضِي : إنَّمَا تَجْلِسُ مِنْ التَّمْيِيزِ مَا وَافَقَ الْعَادَةَ ؛ لِأَنَّهُ يَعْتَبِرُ التَّكْرَارَ ، وَمَتَى تَكَرَّرَ صَارَ عَادَةً .","part":2,"page":52},{"id":552,"text":"( 451 ) فَصْلٌ : فَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْأَسْوَدُ مُخْتَلِفًا ، مِثْلُ أَنْ تَرَى فِي كُلِّ شَهْرٍ ثَلَاثَةً أَسْوَدَ ، ثُمَّ يَصِيرُ أَحْمَرَ ، وَيَعْبُرُ أَكْثَرَ الْحَيْضِ ، فَالْأَسْوَدُ وَحْدَهُ حَيْضٌ .\rوَلَوْ لَمْ يَعْبُرْ أَكْثَرَ الْحَيْضِ كَانَ جَمِيعُ الدَّمِ حَيْضًا ؛ لِأَنَّهُ دَمٌ أَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ حَيْضًا ، فَكَانَ حَيْضًا ، كَمَا لَوْ كَانَ كُلُّهُ أَحْمَرَ .\rوَإِنْ كَانَ مُخْتَلِفًا ، مِثْلُ أَنْ يَرَى فِي الشَّهْرِ الْأَوَّلِ خَمْسَةً أَسْوَدَ ، وَفِي الثَّانِي أَرْبَعَةً ، وَفِي الثَّالِثِ ثَلَاثَةً ، أَوْ فِي الْأَوَّلِ خَمْسَةً ، وَفِي الثَّانِي سِتَّةً ، وَفِي الثَّالِثِ سَبْعَةً ، أَوْ فِي الْأَوَّلِ خَمْسَةً ، وَفِي الثَّانِي أَرْبَعَةً ، وَفِي الثَّالِثِ سِتَّةً ، أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ مِنْ الِاخْتِلَافِ ؛ فَعَلَى قَوْلِنَا الْأَسْوَدُ حَيْضٌ فِي كُلِّ حَالٍ ، وَعَلَى قَوْلِ الْقَاضِي الْأَسْوَدُ حَيْضٌ فِيمَا وَافَقَ الْعَادَةَ فَقَطْ ، وَهُوَ ثَلَاثٌ فِي الْأُولَى ، وَخَمْسٌ فِي الثَّانِيَةِ ، وَأَرْبَعٌ فِي الثَّالِثَةِ ، وَمَا زَادَ عَلَيْهِ إنْ تَكَرَّرَ فَهُوَ حَيْضٌ ، وَإِنْ لَمْ يَتَكَرَّرْ فَلَيْسَ بِحَيْضٍ .\rوَعَلَى قَوْلِهِ : لَا تَجْلِسُ مِنْهُ فِي الشَّهْرِ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي إلَّا الْيَقِينَ الَّذِي تَجْلِسُهُ مَنْ لَا تَمْيِيزَ لَهَا ، فَإِنْ كَانَتْ مُبْتَدَأَةً لَمْ تَجْلِسْ إلَّا يَوْمًا وَلَيْلَةً .\rوَهَلْ تَجْلِسُ الَّذِي يَتَكَرَّرُ فِي الشَّهْرِ الثَّالِثِ أَوْ الرَّابِعِ ؟ يَنْبَنِي عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِيمَا تَثْبُتُ بِهِ الْعَادَةُ ، وَيَكُونُ حُكْمُهَا حُكْمَ الْمُبْتَدَأَةِ الَّتِي تَرَى دَمًا لَا يَعْبُرُ أَكْثَرَ الْحَيْضِ ، الْأَحْمَرُ هَاهُنَا كَالطُّهْرِ هُنَاكَ ، وَالْأَسْوَدُ كَالدَّمِ هُنَاكَ .\rفَإِنْ كَانَتْ نَاسِيَةً ، وَكَانَ الْأَسْوَدُ فِي أَثْنَاءِ الشَّهْرِ ، وَقُلْنَا إنَّهَا تَجْلِسُ مِنْ أَوَّلِ الشَّهْرِ ، جَلَسَتْ هَاهُنَا مِنْ أَوَّلِ الشَّهْرِ مَا تَجْلِسُهُ النَّاسِيَةُ وَإِنْ كَانَ أَحْمَرَ ، وَلَا تَنْتَقِلُ إلَى الْأَسْوَدِ حَتَّى يَتَكَرَّرَ ، فَإِذَا تَكَرَّرَ انْتَقَلَتْ إلَيْهِ ، وَعَلِمْنَا أَنَّهُ حَيْضٌ ، فَتَقْضِي مَا صَامَتْهُ مِنْ الْفَرْضِ فِيهِ .","part":2,"page":53},{"id":553,"text":"( 452 ) فَصْلٌ : فَإِذَا رَأَتْ أَسْوَدَ بَيْنَ أَحْمَرَيْنِ أَوْ أَحْمَرَ بَيْنَ أَسْوَدَيْنِ ، وَانْقَطَعَ لِدُونِ أَكْثَرِ الْحَيْضِ ، فَالْجَمِيعُ حَيْضٌ إذَا تَكَرَّرَ ؛ لِأَنَّ الْأَحْمَرَ أَشْبَهُ بِالْحَيْضِ مِنْ الطُّهْرِ .\rوَإِنْ عَبَرَ أَكْثَرَ الْحَيْضِ ، وَكَادَ الْأَسْوَدُ بِمُفْرَدِهِ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ حَيْضًا ، فَهُوَ حَيْضٌ ، وَالْأَحْمَرُ كُلُّهُ اسْتِحَاضَةٌ ؛ لِأَنَّ الْأَحْمَرَ الْأَوَّلَ أَشْبَهُ بِالْأَحْمَرِ الثَّانِي الَّذِي حَكَمْنَا بِأَنَّهُ اسْتِحَاضَةٌ ، وَتُلَفِّقُ الْأَسْوَدَ إلَى الْأَسْوَدِ ، فَيَكُونُ حَيْضًا .\rوَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ الْأَسْوَدِ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا إذَا كَانَ بِانْضِمَامِهِ إلَى بَقِيَّةِ الْأَسْوَدِ يَبْلُغُ أَقَلَّ الْحَيْضِ ، وَلَا يَزِيدُ عَلَى أَكْثَرِهِ ، وَلَا يَكُونُ بَيْنَ طَرَفَيْهِمَا زَمَنٌ يَزِيدُ عَلَى أَكْثَرِ الْحَيْضِ وَكَذَلِكَ لَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ الْأَحْمَرِ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا إذَا كَانَ زَمَنُهُ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ طُهْرًا .\rفَأَمَّا إنْ كَانَ زَمَنُهُ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ طُهْرًا ، مِثْلُ الشَّيْءِ الْيَسِيرِ أَوْ مَا دُونَ الْيَوْمِ ، عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ ، فَإِنَّهُ يُلْحَقُ بِالدَّمَيْنِ الَّذِي هُوَ بَيْنَهُمَا ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الدَّمُ مُنْقَطِعًا ، لَمْ يُحْكَمْ بِكَوْنِهِ طُهْرًا ، فَإِذَا كَانَ الدَّمُ جَارِيًا كَانَ أَوْلَى ، فَلَوْ رَأَتْ يَوْمًا دَمًا أَسْوَدَ ، ثُمَّ رَأَتْ الثَّانِيَ دَمًا أَحْمَرَ ، ثُمَّ رَأَتْ الثَّالِثَ أَسْوَدَ ، ثُمَّ صَارَ أَحْمَرَ وَعَبَرَ ، لَفَّقَتْ الْأَسْوَدَ إلَى الْأَسْوَدِ ، فَصَارَ حَيْضُهَا يَوْمَيْنِ وَبَاقِي الدَّمِ اسْتِحَاضَةٌ ، وَإِنْ رَأَتْ نِصْفَ يَوْمٍ أَسْوَدَ ، ثُمَّ صَارَ أَحْمَرَ ، ثُمَّ رَأَتْ الثَّانِيَ كَذَلِكَ ، ثُمَّ رَأَتْ الثَّالِثَ كُلَّهُ أَسْوَدَ ، ثُمَّ صَارَ أَحْمَرَ وَعَبَرَ ، فَإِنْ قُلْنَا إنَّ الطُّهْرَ يَكُونُ أَقَلَّ مِنْ يَوْمٍ ، لَفَّقَتْ الْأَسْوَدَ إلَى الْأَسْوَدِ فَكَانَ حَيْضُهَا يَوْمَيْنِ .\rوَإِنْ قُلْنَا لَا يَكُونُ أَقَلَّ مِنْ يَوْمٍ ، فَحَيْضُهَا الْأَيَّامُ الثَّلَاثَةُ الْأُوَلُ ، وَالْبَاقِي اسْتِحَاضَةٌ .\rوَإِنْ رَأَتْ نِصْفَ يَوْمٍ أَسْوَدَ ، ثُمَّ صَارَ","part":2,"page":54},{"id":554,"text":"أَحْمَرَ وَعَبَرَ إلَى الْعَاشِرِ ، ثُمَّ رَأَتْهُ كُلَّهُ أَسْوَدَ ، ثُمَّ صَارَ أَحْمَرَ ، وَعَبَرَ ، فَالْأَسْوَدُ حَيْضٌ كُلُّهُ ، وَنِصْفُ الْيَوْمِ الْأَوَّلِ .\rوَلَوْ رَأَتْ بَيْنَ الْأَسْوَدِ وَبَيْنَ الْأَحْمَرِ نَقَاءً يَوْمًا أَوْ أَكْثَرَ ، لَمْ يَتَغَيَّرْ الْحُكْمُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ ؛ لِأَنَّ الْأَحْمَرَ مَحْكُومٌ بِأَنَّهُ اسْتِحَاضَةٌ ، مَعَ اتِّصَالِهِ بِالْأَسْوَدِ ، فَمَعَ انْفِصَالِهِ عَنْهُ أَوْلَى .","part":2,"page":55},{"id":555,"text":"( 453 ) فَصْلٌ : إذَا رَأَتْ فِي شَهْرٍ خَمْسَةً أَسْوَدَ ، ثُمَّ صَارَ أَحْمَرَ ، وَاتَّصَلَ ، وَفِي الثَّانِي كَذَلِكَ ، ثُمَّ صَارَ الثَّالِثُ كُلُّهُ أَحْمَرَ ، ثُمَّ رَأَتْ فِي الرَّابِعِ مِثْلَ الْأَوَّلِ ، ثُمَّ رَأَتْ فِي الْخَامِسِ خَمْسَةً أَحْمَرَ ، ثُمَّ صَارَ أَسْوَدَ وَاتَّصَلَ ، فَحَيْضُهَا الْأَسْوَدُ مِنْ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي وَالرَّابِعِ .\rوَأَمَّا الثَّالِثُ وَالْخَامِسُ فَلَا تَمْيِيزَ لَهَا فِيهِمَا ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْأَسْوَدِ فِي الْخَامِسِ سَقَطَ لِعُبُورِهِ .\rفَإِنْ قُلْنَا الْعَادَةُ تَثْبُتُ بِمَرَّتَيْنِ جَلَسَتْ ذَلِكَ مِنْ الْأَشْهُرِ الثَّلَاثَةِ ، وَهِيَ الثَّالِثُ وَالرَّابِعُ وَالْخَامِسُ وَإِنْ قُلْنَا لَا تَثْبُتُ إلَّا بِثَلَاثَةٍ ، جَلَسَتْ ذَلِكَ مِنْ الْخَامِسِ ؛ لِأَنَّهَا قَدْ رَأَتْ ذَلِكَ فِي ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ ، وَقِيلَ : لَا تَثْبُتُ لَهَا عَادَةٌ ، وَتَجْلِسُ مَا تَجْلِسُهُ مِنْ الْخَامِسِ مِنْ الدَّمِ الْأَسْوَدِ ؛ لِأَنَّهُ أَشْبَهُ بِدَمِ الْحَيْضِ .","part":2,"page":56},{"id":556,"text":"( 454 ) فَصْلٌ : إذَا رَأَتْ فِي كُلِّ شَهْرٍ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا دَمًا أَسْوَدَ ، وَخَمْسَةَ عَشَرَ أَحْمَرَ ، فَالْأَسْوَدُ كُلُّهُ حَيْضٌ ؛ لِأَنَّهُ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ حَيْضًا ، وَقَدْ رَأَتْ فِيهِ أَمَارَةَ الْحَيْضِ ، فَيَثْبُتُ كَوْنُهُ حَيْضًا .","part":2,"page":57},{"id":557,"text":"( 455 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ ( فَإِنْ لَمْ يَكُنْ دَمُهَا مُنْفَصِلًا ، وَكَانَتْ لَهَا أَيَّامٌ مِنْ الشَّهْرِ تَعْرِفُهَا ، أَمْسَكَتْ عَنْ الصَّلَاةِ فِيهَا ، وَاغْتَسَلَتْ إذَا جَاوَزَتْهَا ) هَذَا الْقِسْمُ الثَّانِي : وَهِيَ مَنْ لَهَا عَادَةٌ وَلَا تَمْيِيزَ لَهَا ؛ لِكَوْنِ دَمِهَا غَيْرَ مُنْفَصِلٍ ، أَيْ عَلَى صِفَةٍ لَا تَخْتَلِفُ وَلَا يَتَمَيَّزُ بَعْضُهُ مِنْ بَعْضٍ ، عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فِي الْمُمَيِّزَةِ وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ مُنْفَصِلًا إلَّا أَنَّ الدَّمَ الَّذِي يَصْلُحُ لِلْحَيْضِ دُونَ أَقَلِّ الْحَيْضِ أَوْ فَوْقَ أَكْثَرِهِ ، فَهَذِهِ لَا تَمْيِيزَ لَهَا .\rفَإِذَا كَانَتْ لَهَا عَادَةٌ قَبْلَ أَنْ تُسْتَحَاضَ ، جَلَسَتْ أَيَّامَ عَادَتِهَا ، وَاغْتَسَلَتْ عِنْدَ انْقِضَائِهَا ، ثُمَّ تَتَوَضَّأُ بَعْدَ ذَلِكَ لِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ ، وَتُصَلِّي .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَقَالَ مَالِكٌ لَا اعْتِبَارَ بِالْعَادَةِ ، إنَّمَا الِاعْتِبَارُ بِالتَّمْيِيزِ ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ مُمَيِّزَةً اسْتَطْهَرَتْ بَعْدَ زَمَانِ عَادَتِهَا بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ، إنْ لَمْ تُجَاوِزْ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا ، وَهِيَ بَعْدَ ذَلِكَ مُسْتَحَاضَةٌ .\rوَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ فَاطِمَةَ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ ، وَلَنَا حَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ ، وَقَدْ رُوِيَ فِي حَدِيثِ فَاطِمَةَ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهَا : دَعِي الصَّلَاةَ قَدْرَ الْأَيَّامِ الَّتِي كُنْت تَحِيضِينَ فِيهَا ثُمَّ اغْتَسِلِي وَصَلِّي .\r} مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَفِي لَفْظٍ قَالَ : { فَإِذَا أَقْبَلَتْ الْحَيْضَةُ فَاتْرُكِي الصَّلَاةَ ، فَإِذَا ذَهَبَ قَدْرُهَا فَاغْسِلِي عَنْك الدَّمَ ، وَصَلِّي } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَرَوَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ أَنَّهَا سَأَلَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الدَّمِ ؟ فَقَالَ لَهَا { اُمْكُثِي قَدْرَ مَا كَانَتْ تَحْبِسُك حَيْضَتُك ، ثُمَّ اغْتَسِلِي ، وَصَلِّي } رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَرَوَى عَدِيُّ بْنُ ثَابِتٍ عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي { الْمُسْتَحَاضَةِ : تَدَعُ الصَّلَاةَ أَيَّامَ أَقْرَائِهَا ، ثُمَّ تَغْتَسِلُ ، وَتَصُومُ وَتُصَلِّي ،","part":2,"page":58},{"id":558,"text":"وَتَتَوَضَّأُ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ } أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَلَا حُجَّةَ لَهُ فِي الْحَدِيثِ عَلَى تَرْكِ الْعَادَةِ فِي حَقِّ مَنْ لَا تَمْيِيزَ لَهَا .","part":2,"page":59},{"id":559,"text":"( 456 ) فَصْلٌ : وَلَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ أَنَّ الْعَادَةَ لَا تَثْبُتُ بِمَرَّةٍ وَظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهَا تَثْبُتُ بِمَرَّةٍ .\rوَقَالَ بَعْضُهُمْ : تَثْبُتُ بِمَرَّتَيْنِ ؛ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ الَّتِي اسْتَفْتَتْ لَهَا أَمُّ سَلَمَةَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَدَّهَا إلَى الشَّهْرِ الَّذِي يَلِي شَهْرَ الِاسْتِحَاضَةِ ؛ وَلِأَنَّ ذَلِكَ أَقْرَبُ إلَيْهَا ، فَوَجَبَ رَدُّهَا إلَيْهِ ، وَلَنَا أَنَّ الْعَادَةَ مَأْخُوذَةٌ مِنْ الْمُعَاوَدَةِ ، وَلَا تَحْصُلُ الْمُعَاوَدَةُ بِمَرَّةٍ وَاحِدَةٍ ، وَالْحَدِيثُ حُجَّةٌ لَنَا ؛ لِأَنَّهُ قَالَ { لِتَنْظُرْ عِدَّةَ اللَّيَالِي وَالْأَيَّامِ الَّتِي كَانَتْ تَحِيضُهُنَّ مِنْ الشَّهْرِ قَبْلَ أَنْ يُصِيبَهَا الَّذِي أَصَابَهَا } .\r\" وَكَانَ \" يُخْبَرُ بِهَا عَنْ دَوَامِ الْفِعْلِ وَتَكْرَارِهِ ، وَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ بِمَرَّةٍ وَلَا يُقَالُ لِمَنْ فَعَلَ شَيْئًا مَرَّةً : كَانَ يَفْعَلُ .\rوَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ { : تَدَعُ الصَّلَاةَ أَيَّامَ أَقْرَائِهَا } .\rوَالْأَقْرَاءُ جَمْعٌ ، وَأَقَلُّهُ ثَلَاثَةٌ ، وَسَائِرُ الْأَحَادِيثِ الدَّالَّةِ عَلَى الْعَادَةِ تَدُلُّ عَلَى هَذَا ، وَلَا نَفْهَمُ مِنْ اسْمِ الْعَادَةِ فِعْلَ مَرَّةٍ بِحَالٍ .\rوَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ : هَلْ تَثْبُتُ بِمَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثٍ ؟ فَعَنْهُ أَنَّهَا تَثْبُتُ بِمَرَّتَيْنِ ؛ لِأَنَّهَا مَأْخُوذَةٌ مِنْ الْمُعَاوَدَةِ ، وَقَدْ عَاوَدْتهَا فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ .\rوَعَنْهُ لَا تَثْبُتُ إلَّا بِثَلَاثٍ ؛ لِظَاهِرِ الْأَحَادِيثِ ؛ وَلِأَنَّ الْعَادَةَ لَا تُطْلَقُ إلَّا عَلَى مَا كَثُرَ ، وَأَقَلُّهُ ثَلَاثَةٌ ؛ وَلِأَنَّ أَكْثَرَ مَا يُعْتَبَرُ لَهُ التَّكْرَارُ اُعْتُبِرَ ثَلَاثًا ، كَأَيَّامِ الْخِيَارِ فِي الْمُصَرَّاةِ .","part":2,"page":60},{"id":560,"text":"( 457 ) فَصْلٌ : وَتَثْبُتُ الْعَادَةُ بِالتَّمْيِيزِ ، فَإِذَا رَأَتْ دَمًا أَسْوَدَ خَمْسَةَ أَيَّامٍ فِي ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ أَوْ شَهْرَيْنِ عَلَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى ، ثُمَّ صَارَ ، أَحْمَرَ ، وَاتَّصَلَ ، ثُمَّ صَارَ فِي سَائِرِ الْأَشْهُرِ دَمًا مُبْهَمًا ، كَانَتْ عَادَتُهَا زَمَنَ الدَّمِ الْأَسْوَدِ .","part":2,"page":61},{"id":561,"text":"( 458 ) فَصْلٌ : وَالْعَادَةُ عَلَى ضَرْبَيْنِ : مُتَّفِقَةٍ ، وَمُخْتَلِفَةٍ ، فَالْمُتَّفِقَةُ أَنْ تَكُونَ أَيَّامًا مُتَسَاوِيَةً ، كَأَرْبَعَةٍ فِي كُلِّ شَهْرٍ ، فَإِذَا اُسْتُحِيضَتْ جَلَسَتْ الْأَرْبَعَةَ فَقَطْ ، وَأَمَّا الْمُخْتَلِفَةُ فَإِنْ كَانَتْ عَلَى تَرْتِيبٍ ، مِثْلُ إنْ كَانَتْ تَرَى فِي شَهْرٍ ثَلَاثَةً ، وَفِي الثَّانِي أَرْبَعَةً ، وَفِي الثَّالِثِ خَمْسَةً ، ثُمَّ تَعُودُ إلَى ثَلَاثَةٍ ، ثُمَّ إلَى أَرْبَعَةٍ عَلَى مَا كَانَتْ ، فَهَذِهِ إذَا اُسْتُحِيضَتْ فِي شَهْرٍ فَعَرَفَتْ نَوْبَتَهُ عَمِلَتْ عَلَيْهِ ، ثُمَّ عَلَى الَّذِي بَعْدَهُ ، ثُمَّ عَلَى الَّذِي بَعْدَهُ عَلَى الْعَادَةِ .\rوَإِنْ نَسِيَتْ نَوْبَتَهُ حَيَّضْنَاهَا الْيَقِينَ وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ ، ثُمَّ تَغْتَسِلُ ، وَتُصَلِّي بَقِيَّةَ الشَّهْرِ .\rوَإِنْ أَيْقَنَتْ أَنَّهُ غَيْرُ الْأَوَّلِ ، وَشَكَّتْ ؛ هَلْ هُوَ الثَّانِي أَوْ الثَّالِثُ ؟ جَلَسَتْ أَرْبَعَةً ؛ لِأَنَّهَا الْيَقِينُ ، ثُمَّ تَجْلِسُ مِنْ الشَّهْرَيْنِ الْآخَرَيْنِ ثَلَاثَةً ثَلَاثَةً ، ثُمَّ تَجْلِسُ فِي الرَّابِعِ أَرْبَعَةً ثُمَّ تَعُودُ إلَى الثَّلَاثَةِ كَذَلِكَ أَبَدًا ، وَيُجْزِئُهَا غُسْلٌ وَاحِدٌ عِنْدَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ الَّتِي جَلَسَتْهَا ، كَالنَّاسِيَةِ إذَا جَلَسَتْ أَقَلَّ الْحَيْضِ ؛ لِأَنَّ مَا زَادَ عَلَى الْيَقِينِ مَشْكُوكٌ فِيهِ فَلَا نُوجِبُ عَلَيْهَا الْغُسْلَ بِالشَّكِّ ، وَيَحْتَمِلُ وُجُوبَ الْغُسْلِ عَلَيْهَا أَيْضًا عِنْدَ مُضِيِّ أَكْثَرِ عَادَتِهَا ؛ لِأَنَّ يَقِينَ الْحَيْضِ ثَابِتٌ ، وَحُصُولُ الطَّهَارَةِ بِالْغُسْلِ مَشْكُوكٌ فِيهِ فَلَا تَزُولُ عَنْ الْيَقِينِ بِالشَّكِّ ؛ وَلِأَنَّ هَذِهِ مُتَيَقِّنَةٌ وُجُوبَ الْغُسْلِ عَلَيْهَا فِي أَحَدِ الْأَيَّامِ الثَّلَاثَةِ فِي الْيَوْمِ الْخَامِسِ ، وَقَدْ اشْتَبَهَ عَلَيْهَا ، وَصِحَّةُ صَلَاتِهَا تَقِفُ عَلَى الْغُسْلِ ، فَيَجِبُ عَلَيْهَا لِتَخْرُجَ عَلَى الْعُهْدَةِ بِيَقِينٍ ، كَمَنْ نَسِيَ صَلَاةً مِنْ يَوْمٍ لَا يَعْلَمُ عَيْنَهَا .\rوَهَذَا الْوَجْهُ أَصَحُّ لِمَا ذَكَرْنَا ، وَتُفَارِقُ النَّاسِيَةَ ، فَإِنَّهَا لَا تَعْلَمُ لَهَا حَيْضًا زَائِدًا عَلَى مَا جَلَسَتْهُ ، وَهَذِهِ تَتَيَقَّنُ لَهَا حَيْضًا زَائِدًا","part":2,"page":62},{"id":562,"text":"عَلَى مَا جَلَسَتْهُ تَقِفُ صِحَّةُ صَلَاتِهَا عَلَى غُسْلِهَا مِنْهُ ، فَوَجَبَ ذَلِكَ ، فَعَلَى هَذَا يَلْزَمُهَا غُسْلٌ ثَانٍ ، عَقِيبَ الْيَوْمِ الْخَامِسِ فِي كُلِّ شَهْرٍ ، وَإِنْ جَلَسَتْ فِي رَمَضَانَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ، قَضَتْ خَمْسَةَ أَيَّامٍ ؛ لِأَنَّ الصَّوْمَ كَانَ فِي ذِمَّتِهَا ، وَلَا نَعْلَمُ أَنَّ الْيَوْمَيْنِ اللَّذَيْنِ صَامَتْهُمَا أَسْقَطَا الْفَرْضَ مِنْ ذِمَّتِهَا ، فَيَبْقَى عَلَى الْأَصْلِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَلْزَمَهَا فِي كُلِّ شَهْرٍ ثَلَاثَةُ أَغْسَالٍ : غُسْلٌ عَقِبَ الْيَوْمِ الثَّالِثِ ، وَغُسْلٌ عَقِبَ الرَّابِعِ ، وَغُسْلٌ عَقِبَ الْخَامِسِ ؛ لِأَنَّ عَلَيْهَا عَقِيبَ الرَّابِعِ غُسْلًا فِي أَحَدِ الْأَشْهُرِ ، وَكُلُّ شَهْرٍ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هُوَ الشَّهْرَ الَّذِي يَجِبُ الْغُسْلُ فِيهِ بَعْدَ الرَّابِعِ ، فَيَلْزَمُهَا ذَلِكَ كَمَا قُلْنَا فِي الْخَامِسِ .\rوَإِنْ كَانَ الِاخْتِلَافُ عَلَى غَيْرِ تَرْتِيبٍ ، مِثْلُ أَنْ تَحِيضَ مِنْ شَهْرٍ ثَلَاثَةً ، وَمِنْ الثَّانِي خَمْسَةً ، وَمِنْ الثَّالِثِ أَرْبَعَةً ، وَأَشْبَاهَ ذَلِكَ ، فَإِنْ كَانَ هَذَا يُمْكِنُ ضَبْطُهُ وَيَعْتَادُهَا عَلَى وَجْهٍ لَا يَخْتَلِفُ ، فَالْحُكْمُ فِيهِ كَاَلَّذِي قَبْلَهُ .\rوَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَضْبُوطٍ ، جَلَسَتْ الْأَقَلَّ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ، وَهِيَ الثَّلَاثَةُ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا أَقَلُّ مِنْهَا ، وَاغْتَسَلَتْ عَقِيبَهُ .\rوَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي هَذَا الْفَصْلِ ، أَنَّ قِيَاسَ الْمَذْهَبِ أَنَّ فِيهِ رِوَايَةً ثَانِيَةً ، وَهِيَ إجْلَاسُهَا أَكْثَرَ عَادَتِهَا فِي كُلِّ شَهْرٍ ، كَالنَّاسِيَةِ لِلْعَدَدِ ، تَجْلِسُ أَكْثَرَ الْحَيْضِ .\rوَهَذَا لَا يَصِحُّ ، إذْ فِيهِ أَمْرُهَا بِتَرْكِ الصَّلَاةِ ، وَإِسْقَاطُهَا عَنْهَا مَعَ يَقِينِ وُجُوبِهَا عَلَيْهَا ، فَإِنَّنَا مَتَى أَمَرْنَاهَا بِتَرْكِ الصَّلَاةِ خَمْسَةَ أَيَّامٍ فِي كُلِّ شَهْرٍ ، وَنَحْنُ نَعْلَمُ وُجُوبَهَا عَلَيْهَا ، فِي يَوْمَيْنِ مِنْهَا فِي شَهْرٍ ، وَفِي يَوْمٍ فِي شَهْرٍ آخَرَ فَقَدْ أَمَرْنَاهَا بِتَرْكِ الصَّلَاةِ الْوَاجِبَةِ يَقِينًا ، فَلَا يَحِلُّ ذَلِكَ ، وَلَا تَسْقُطُ الصَّلَاةُ الْوَاجِبَةُ بِالِاشْتِبَاهِ ، كَمَنْ نَسِيَ صَلَاةً مِنْ يَوْمٍ لَا","part":2,"page":63},{"id":563,"text":"يَعْلَمُ عَيْنَهَا ، وَفَارَقَ النَّاسِيَةَ ، فَإِنَّنَا لَا نَعْلَمُ عَلَيْهَا صَلَاةً وَاجِبَةً يَقِينًا ، وَالْأَصْلُ بَقَاءُ الْحَيْضِ ، وَسُقُوطُ الصَّلَاةِ ، فَتَبْقَى عَلَيْهِ .","part":2,"page":64},{"id":564,"text":"( 459 ) فَصْل : وَلَا تَكُونُ الْمَرْأَةُ مُعْتَادَةً حَتَّى تَعْرِفَ شَهْرَهَا ، وَوَقْتَ حَيْضِهَا وَطُهْرِهَا .\rوَشَهْرُ الْمَرْأَةِ عِبَارَةٌ عَنْ الْمُدَّةِ الَّتِي لَهَا فِيهَا حَيْضٌ وَطُهْرٌ ، وَأَقَلُّ ذَلِكَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ يَوْمًا ، تَحِيضُ يَوْمًا ، وَتَطْهُرُ ثَلَاثَةَ عَشَرَ .\rوَإِنْ قُلْنَا : أَقَلُّ الطُّهْرِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا ، فَأَقْصَرُ مَا يَكُونُ الشَّهْرُ سِتَّةَ عَشَرَ يَوْمًا ، وَأَكْثَرُهُ لَا حَدَّ لَهُ ؛ لِكَوْنِ أَكْثَرِ الطُّهْرِ لَا حَدَّ لَهُ ، وَالْغَالِبُ أَنَّهُ الشَّهْرُ الْمَعْرُوفُ بَيْنَ النَّاسِ ، فَإِذَا عَرَفَتْ أَنَّ شَهْرَهَا ثَلَاثُونَ يَوْمًا ، وَأَنَّ حَيْضَهَا مِنْهُ خَمْسَةُ أَيَّامٍ ، وَطُهْرَهَا خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ ، وَعَرَفَتْ أَوَّلَهُ ، فَهِيَ مُعْتَادَةٌ ، وَإِنْ عَرَفَتْ أَيَّامَ حَيْضِهَا ، وَأَيَّامَ طُهْرِهَا ، فَقَدْ عَرَفَتْ شَهْرَهَا ، وَإِنْ عَرَفَتْ أَيَّامَ حَيْضِهَا وَلَمْ تَعْرِفْ أَيَّامَ طُهْرِهَا ، أَوْ أَيَّامَ طُهْرِهَا وَلَمْ تَعْرِفْ أَيَّامَ حَيْضِهَا ، فَلَيْسَتْ مُعْتَادَةً لَكِنَّهَا مَتَى جَهِلَتْ شَهْرَهَا ، رَدَدْنَاهَا إلَى الْغَالِبِ ، فَحَيَّضْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَهْرٍ حَيْضَةً ، كَمَا رَدَدْنَاهَا فِي عَدَدِ أَيَّامِ الْحَيْضِ إلَى سِتٍّ أَوْ إلَى سَبْعٍ ، لِكَوْنِهِ الْغَالِبَ .","part":2,"page":65},{"id":565,"text":"( 460 ) فَصْلٌ : الْقِسْمُ الثَّالِثُ مِنْ أَقْسَامِ الْمُسْتَحَاضَةِ : مَنْ لَهَا عَادَةٌ وَتَمْيِيزٌ وَهِيَ مَنْ كَانَتْ لَهَا عَادَةٌ فَاسْتُحِيضَتْ ، وَدَمُهَا مُتَمَيِّزٌ بَعْضُهُ أَسْوَدُ وَبَعْضُهُ أَحْمَرُ ، فَإِنْ كَانَ الْأَسْوَدُ فِي زَمَنِ الْعَادَةِ فَقَدْ اتَّفَقَتْ الْعَادَةُ وَالتَّمْيِيزُ فِي الدَّلَالَةِ ، فَيُعْمَلُ بِهِمَا .\rوَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ الْعَادَةِ أَوْ أَقَلَّ وَيَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ حَيْضًا ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ : إحْدَاهُمَا ، يُقَدَّمُ التَّمْيِيزُ ، فَيُعْمَلُ بِهِ ، وَتَدَعُ الْعَادَةَ ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ ؛ لِقَوْلِهِ \" فَكَانَتْ مِمَّنْ تُمَيِّزُ تَرَكَتْ الصَّلَاةَ فِي إقْبَالِهِ \" .\rوَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ مُعْتَادَةٍ وَغَيْرِهَا .\rوَاشْتَرَطَ فِي رَدِّهَا إلَى الْعَادَةِ أَنْ لَا يَكُونَ دَمُهَا مُتَّصِلًا ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ صِفَةَ الدَّمِ أَمَارَةٌ قَائِمَةٌ بِهِ ، وَالْعَادَةُ زَمَانٌ مُنْقَضٍ ؛ وَلِأَنَّهُ خَارِجٌ يُوجِبُ الْغُسْلَ ، فَرَجَعَ إلَى صِفَتِهِ عِنْدَ الِاشْتِبَاهِ كَالْمَنِيِّ .\rوَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ اعْتِبَارُ الْعَادَةِ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَدَّ أُمَّ حَبِيبَةَ ، وَالْمَرْأَةَ الَّتِي اسْتَفْتَتْ لَهَا أُمُّ سَلَمَةَ إلَى الْعَادَةِ ، وَلَمْ يُفَرِّقْ وَلَمْ يَسْتَفْصِلْ بَيْنَ كَوْنِهَا مُمَيِّزَةً أَوْ غَيْرَهَا ، وَحَدِيثُ فَاطِمَةَ قَدْ رُوِيَ فِيهِ رَدُّهَا إلَى الْعَادَةِ ، وَفِي لَفْظٍ آخَرَ رَدُّهَا إلَى التَّمْيِيزِ ، فَتَعَارَضَتْ رِوَايَتَانِ وَبَقِيَتْ الْأَحَادِيثُ الْبَاقِيَةُ خَالِيَةً عَنْ مُعَارِضٍ ، فَيَجِبُ الْعَمَلُ بِهَا .\rعَلَى أَنَّ حَدِيثَ فَاطِمَةَ قَضِيَّةُ عَيْنٍ ، وَحِكَايَةُ حَالٍ ، يَحْتَمِلُ أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا لَا عَادَةَ لَهَا ، أَوْ عَلِمَ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِهَا ، أَوْ قَرِينَةِ حَالِهَا ، وَحَدِيثُ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ عَامٌّ فِي كُلِّ مُسْتَحَاضَةٍ ، فَيَكُونُ أَوْلَى ؛ وَلِأَنَّ الْعَادَةَ أَقْوَى ؛ لِكَوْنِهَا لَا تَبْطُلُ دَلَالَتُهَا ، وَاللَّوْنُ إذَا زَادَ عَلَى أَكْثَرِ الْحَيْضِ ، بَطَلَتْ دَلَالَتُهُ ، فَمَا لَا تَبْطُلُ","part":2,"page":66},{"id":566,"text":"دَلَالَتُهُ أَقْوَى وَأَوْلَى .","part":2,"page":67},{"id":567,"text":"( 461 ) فَصْلٌ : وَمَنْ كَانَ حَيْضُهَا خَمْسَةَ أَيَّامٍ مِنْ أَوَّلِ كُلِّ شَهْرٍ ، فَاسْتُحِيضَتْ ، وَصَارَتْ تَرَى ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ دَمًا أَسْوَدَ فِي أَوَّلِ كُلِّ شَهْرٍ ، فَمَنْ قَدَّمَ الْعَادَةَ قَالَ : تَجْلِسُ خَمْسَةً فِي كُلِّ شَهْرٍ ، كَمَا كَانَتْ تَجْلِسُ قَبْلَ الِاسْتِحَاضَةِ .\rوَمَنْ قَدَّمَ التَّمْيِيزَ جَعَلَ حَيْضَهَا الثَّلَاثَةَ الَّتِي تَرَى الدَّمَ الْأَسْوَدَ فِيهَا ، إلَّا أَنَّهَا لَا تَتْرُكُ الصَّلَاةَ فِي الشَّهْرِ الْأَوَّلِ فِيمَا زَادَ عَلَى الثَّلَاثَةِ ؛ لِأَنَّا لَا نَعْلَمُ أَنَّهَا مُسْتَحَاضَةٌ إلَّا بِتَجَاوُزِ الدَّمِ أَكْثَرَ الْحَيْضِ وَلَا نَعْلَمُ ذَلِكَ فِي الشَّهْرِ الْأَوَّلِ ، فَإِذَا عَبَرَ الدَّمُ أَكْثَرَ الْحَيْضِ فِي الشَّهْرِ الْأَوَّلِ عَلِمْنَا أَنَّهُ اسْتِحَاضَةٌ .\rفَلَا تَجْلِسُ فِي الثَّانِي مَا زَادَ عَلَى الدَّمِ الْأَسْوَدِ .\rفَإِنْ رَأَتْ فِي كُلِّ شَهْرٍ عَشَرَةً دَمًا أَسْوَدَ ، ثُمَّ صَارَ أَحْمَرَ وَاتَّصَلَ ، فَمَنْ قَالَ : إنَّهَا لَا تَلْتَفِتُ إلَى مَا زَادَ عَلَى الْعَادَةِ حَتَّى تَتَكَرَّرَ .\rلَمْ يُحَيِّضْهَا فِي الشَّهْرَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ أَوْ الثَّلَاثَةِ إلَّا خَمْسَةً ، قَدْرَ عَادَتِهَا .\rوَمَنْ قَالَ : إنَّهَا إذَا زَادَتْ عَلَى الْعَادَةِ جَلَسَتْهُ بِأَوَّلِ مَرَّةٍ .\rأَجْلَسَهَا فِي الشَّهْرِ الْأَوَّلِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا ، ثُمَّ تَغْتَسِلُ وَتُصَلِّي ، وَفِي الثَّانِي تَجْلِسُ أَيَّامَ الْعَادَةِ ، وَهِيَ الْخَمْسَةُ الْأُولَى مِنْ الشَّهْرِ عِنْدَ مَنْ يُقَدِّمُ الْعَادَةَ عَلَى التَّمْيِيزِ ، وَمَنْ قَدَّمَ التَّمْيِيزَ لَمْ يَعْتَبِرْ فِيهِ التَّكْرَارَ ، أَجْلَسَهَا الْعَشَرَةَ كُلَّهَا .\rفَإِذَا تَكَرَّرَ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ عَلَى هَذَا الْوَصْفِ ، فَقَالَ الْقَاضِي : تَجْلِسُ الْعَشَرَةَ فِي الشَّهْرِ الرَّابِعِ ، عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ جَمِيعًا ؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى الْعَادَةِ تَثْبُتُ بِتَكَرُّرِ الْأَسْوَدِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا تَجْلِسَ زِيَادَةً عَلَى عَادَتِهَا عَلَى قَوْلِ مَنْ يُقَدِّمُ الْعَادَةَ عَلَى التَّمْيِيزِ ؛ لِأَنَّا لَوْ جَعَلْنَا الزَّائِدَ عَلَى الْعَادَةِ مِنْ التَّمْيِيزِ حَيْضًا بِتَكَرُّرِهِ ، لَجَعَلْنَا النَّاقِصَ عَنْهَا","part":2,"page":68},{"id":568,"text":"اسْتِحَاضَةً بِتَكَرُّرِهِ ، فَكَانَتْ لَا تَجْلِسُ فِيمَا إذَا رَأَتْ ثَلَاثَةً أَسْوَدَ ثُمَّ صَارَ أَحْمَرَ ، أَكْثَرَ مِنْ الثَّلَاثَةِ .\rوَالْأَمْرُ بِخِلَافِ ذَلِكَ ( 462 ) فَصْلٌ : فَإِنْ كَانَ حَيْضُهَا خَمْسًا مِنْ أَوَّلِ شَهْرٍ فَاسْتُحِيضَتْ ، فَصَارَتْ تَرَى خَمْسَةً أَسْوَدَ ثُمَّ يَصِيرُ أَحْمَرَ ، وَيَتَّصِلُ ، فَالْأَسْوَدُ حَيْضٌ بِلَا خِلَافٍ ؛ لِمُوَافَقَتِهِ زَمَنَ الْعَادَةِ وَالتَّمْيِيزِ ، وَإِنْ رَأَتْ مَكَانَ الْأَسْوَدِ أَحْمَرَ ، ثُمَّ صَارَ أَسْوَدَ ، وَعَبَرَ ، سَقَطَ حُكْمُ الْأَسْوَدِ ؛ لِعُبُورِهِ أَكْثَرَ الْحَيْضِ ، وَكَانَ حَيْضُهَا الْأَحْمَرُ ، لِمُوَافَقَتِهِ زَمَنَ الْعَادَةِ .\rوَإِنْ رَأَتْ مَكَانَ الْعَادَةِ أَحْمَرَ ، ثُمَّ خَمْسَةً أَسْوَدَ ، ثُمَّ صَارَ أَحْمَرَ وَاتَّصَلَ ، فَمَنْ قَدَّمَ الْعَادَةَ حَيَّضَهَا أَيَّامَ الْعَادَةِ .\rوَإِذَا تَكَرَّرَ الْأَسْوَدُ ، فَقَالَ الْقَاضِي : يَصِيرُ حَيْضًا ، وَأَمَّا مَنْ يُقَدِّمُ التَّمْيِيزَ ، فَإِنَّهُ يَجْعَلُ الْأَسْوَدَ وَحْدَهُ حَيْضًا .","part":2,"page":69},{"id":569,"text":"( 463 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( فَإِنْ كَانَتْ لَهَا أَيَّامٌ أُنْسِيَتْهَا ، فَإِنَّهَا تَقْعُدُ سِتًّا أَوْ سَبْعًا فِي كُلِّ شَهْرٍ ) هَذِهِ مِنْ الْقِسْمِ الرَّابِعِ مِنْ أَقْسَامِ الْمُسْتَحَاضَةِ ، وَهِيَ مَنْ لَا عَادَةَ لَهَا وَلَا تَمْيِيزَ وَهَذَا الْقِسْمُ نَوْعَانِ : أَحَدَهُمَا النَّاسِيَةُ ، وَلَهَا ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ : أَحَدُهَا ، أَنْ تَكُونَ نَاسِيَةً لِوَقْتِهَا وَعَدَدِهَا وَهَذِهِ يُسَمِّيهَا الْفُقَهَاءُ الْمُتَحَيِّرَةَ .\rوَالثَّانِيَةُ ، أَنْ تَنْسَى عَدَدَهَا ، وَتَذْكُرَ وَقْتَهَا .\rوَالثَّالِثَةُ ، أَنْ تَذْكُرَ عَدَدَهَا ، وَتَنْسَى وَقْتَهَا .\rفَالنَّاسِيَةُ لَهُمَا ، هِيَ الَّتِي ذَكَرَ الْخِرَقِيِّ حُكْمَهَا ، وَأَنَّهَا تَجْلِسُ فِي كُلِّ شَهْرٍ سِتَّةَ أَيَّامٍ أَوْ سَبْعَةً ، يَكُونُ ذَلِكَ حَيْضَهَا ، ثُمَّ تَغْتَسِلُ ، وَهِيَ فِيمَا بَعْدَ ذَلِكَ مُسْتَحَاضَةٌ ، تَصُومُ وَتُصَلِّي وَتَطُوفُ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ أَنَّهَا تَجْلِسُ أَقَلَّ الْحَيْضِ ، ثُمَّ إنْ كَانَتْ تَعْرِفُ شَهْرَهَا ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِلشَّهْرِ الْمَعْرُوفِ ، جَلَسَتْ ذَلِكَ مِنْ شَهْرِهَا ، وَإِنْ لَمْ تَعْرِفْ شَهْرَهَا ، جَلَسَتْ مِنْ الشَّهْرِ الْمَعْرُوفِ ؛ لِأَنَّهُ الْغَالِبُ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي النَّاسِيَةِ لَهُمَا : لَا حَيْضَ لَهَا بِيَقِينٍ ، وَجَمِيعُ زَمَنِهَا مَشْكُوكٌ فِيهِ ، تَغْتَسِلُ لِكُلِّ صَلَاةٍ ، وَتُصَلِّي وَتَصُومُ ، وَلَا يَأْتِيهَا زَوْجُهَا .\rوَلَهُ قَوْلٌ آخَرُ ، أَنَّهَا تَجْلِسُ الْيَقِينَ .\rوَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ : الْأَوَّلُ أَصَحُّ ؛ لِأَنَّ هَذِهِ لَهَا أَيَّامٌ مَعْرُوفَةٌ ، وَلَا يُمْكِنُ رَدُّهَا إلَى غَيْرِهَا ، فَجَمِيعُ زَمَانِهَا مَشْكُوكٌ فِيهِ ، وَقَدْ رَوَتْ عَائِشَةُ { أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ اُسْتُحِيضَتْ سَبْعَ سِنِينَ ، فَسَأَلَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَمَرَهَا أَنْ تَغْتَسِلَ ، لِكُلِّ صَلَاةٍ } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَلَنَا مَا رَوَتْ حَمْنَةُ بِنْتُ جَحْشٍ ، قَالَتْ : كُنْت أُسْتَحَاضُ حَيْضَةً كَبِيرَةً شَدِيدَةً ، فَأَتَيْت النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَسْتَفْتِيهِ ، فَوَجَدْته فِي بَيْتِ أُخْتِي زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ .\rفَقُلْت : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنِّي","part":2,"page":70},{"id":570,"text":"أُسْتَحَاضُ حَيْضَةً كَبِيرَةً شَدِيدَةً .\rفَمَا تَأْمُرُنِي فِيهَا ؟ قَدْ مَنَعَتْنِي الصِّيَامَ وَالصَّلَاةَ ، قَالَ : { أَنْعَتُ لَك الْكُرْسُفَ ، فَإِنَّهُ يُذْهِبُ الدَّمَ .\rقُلْت : هُوَ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ .\rإنَّمَا أَثُجُّ ثَجًّا فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَآمُرُك أَمْرَيْنِ ، أَيَّهُمَا صَنَعْت أَجْزَأَ عَنْك ، فَإِنْ قَوِيت عَلَيْهِمَا فَأَنْتِ أَعْلَمُ ، فَقَالَ إنَّمَا هِيَ رَكْضَةٌ مِنْ الشَّيْطَانِ فَتَحِيضِي سِتَّةَ أَيَّامٍ ، أَوْ سَبْعَةَ أَيَّامٍ ، فِي عِلْمِ اللَّهِ ، ثُمَّ اغْتَسِلِي فَإِذَا رَأَيْت أَنَّك قَدْ طَهُرْت وَاسْتَنْقَأْتِ فَصَلِّي أَرْبَعًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً ، أَوْ ثَلَاثًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً وَأَيَّامَهَا ، وَصُومِي ، فَإِنَّ ذَلِكَ يُجْزِئُك وَكَذَلِكَ فَافْعَلِي ، كَمَا تَحِيضُ النِّسَاءُ ، وَكَمَا يَطْهُرْنَ لِمِيقَاتِ حَيْضِهِنَّ وَطُهْرِهِنَّ ، فَإِنْ قَوِيت أَنْ تُؤَخِّرِي الظُّهْرَ وَتُعَجِّلِي الْعَصْرَ ثُمَّ تَغْتَسِلِينَ حَتَّى تَطْهُرِينَ وَتُصَلِّينَ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا ، ثُمَّ تُؤَخِّرِينَ الْمَغْرِبَ وَتُعَجِّلِينَ الْعِشَاءَ ، ثُمَّ تَغْتَسِلِينَ وَتَجْمَعِينَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ ، وَتَغْتَسِلِينَ لِلصُّبْحِ ، فَافْعَلِي ، وَصُومِي إنْ قَوِيت عَلَى ذَلِكَ .\rفَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ أَعْجَبُ الْأَمْرَيْنِ إلَيَّ } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَقَالَ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ .\rقَالَ : وَسَأَلْت مُحَمَّدًا عَنْهُ ، فَقَالَ : هُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ .\rوَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ أَحْمَدَ أَيْضًا .\rوَهُوَ بِظَاهِرِهِ يُثْبِتُ الْحُكْمَ فِي حَقِّ النَّاسِيَةِ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَسْتَفْصِلْهَا ، هَلْ هِيَ مُبْتَدَأَةٌ أَوْ نَاسِيَةٌ ؟ وَلَوْ افْتَرَقَ الْحَالُ لَاسْتَفْصَلَ وَسَأَلَ .\rوَاحْتِمَالُ أَنْ تَكُونَ نَاسِيَةً أَكْثَرُ ، فَإِنَّ حَمْنَةَ امْرَأَةٌ كَبِيرَةٌ ، كَذَلِكَ قَالَ أَحْمَدُ .\rوَلَمْ يَسْأَلْهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ تَمْيِيزِهَا ؛ لِأَنَّهُ قَدْ جَرَى مِنْ كَلَامِهَا ، مِنْ تَكْثِيرِ الدَّمِ وَصِفَتِهِ مَا أَغْنَى عَنْ السُّؤَالِ عَنْهُ ، وَلَمْ","part":2,"page":71},{"id":571,"text":"يَسْأَلْهَا هَلْ لَهَا عَادَةٌ فَيَرُدُّهَا إلَيْهَا ؟ لِاسْتِغْنَائِهِ عَنْ ذَلِكَ ، لِعِلْمِهِ إيَّاهُ ، إذْ كَانَ مُشْتَهِرًا ، وَقَدْ أَمَرَ بِهِ أُخْتَهَا أُمَّ حَبِيبَةَ فَلَمْ يَبْقَ إلَّا أَنْ تَكُونَ نَاسِيَةً ؛ وَلِأَنَّ لَهَا حَيْضًا لَا تَعْلَمُ قَدْرَهُ ، فَيُرَدُّ إلَى غَالِبِ عَادَاتِ النِّسَاءِ ، كَالْمُبْتَدَأَةِ ؛ وَلِأَنَّهَا لَا عَادَةَ لَهَا وَلَا تَمْيِيزَ ، فَأَشْبَهَتْ الْمُبْتَدَأَةَ .\rوَقَوْلُهُمْ : لَهَا أَيَّامٌ مَعْرُوفَةٌ .\rقُلْنَا : قَدْ زَالَتْ الْمَعْرِفَةُ ، فَصَارَ وُجُودُهَا كَالْعَدَمِ .\rوَأَمَّا أَمْرُهُ أُمَّ حَبِيبَةَ بِالْغُسْلِ لِكُلِّ صَلَاةٍ ، فَإِنَّمَا هُوَ نَدْبٌ ، كَأَمْرِهِ لِحَمْنَةَ فِي هَذَا الْخَبَرِ ، فَإِنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ كَانَتْ مُعْتَادَةً رَدَّهَا إلَى عَادَتِهَا ، وَهِيَ لَهَا أُمُّ سَلَمَةَ ، عَلَى أَنَّ حَدِيثَ أُمِّ حَبِيبَةَ إنَّمَا رُوِيَ عَنْ الزُّهْرِيِّ ، وَأَنْكَرَهُ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، فَقَالَ : لَمْ يَذْكُرْ ابْنُ شِهَابٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ أُمَّ حَبِيبَةَ أَنْ تَغْتَسِلَ لِكُلِّ صَلَاةٍ ، وَلَكِنَّهُ شَيْءٌ فَعَلَتْهُ هِيَ .\r( 464 ) فَصْلٌ : قَوْلُهُ : \" سِتًّا أَوْ سَبْعًا \" الظَّاهِرُ أَنَّهُ رَدَّهَا إلَى اجْتِهَادِهَا وَرَأْيِهَا ، فِيمَا يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهَا أَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى عَادَتِهَا أَوْ عَادَةِ نِسَائِهَا ، أَوْ مَا يَكُونُ أَشْبَهَ بِكَوْنِهِ حَيْضًا .\rذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ ، وَذَكَرَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ أَنَّهُ خَيَّرَهَا بَيْنَ سِتٍّ وَسَبْعٍ ، لَا عَلَى طَرِيقِ الِاجْتِهَادِ ، كَمَا خُيِّرَ وَاطِئُ الْحَائِضِ بَيْنَ التَّكْفِيرِ بِدِينَارٍ أَوْ نِصْفِ دِينَارٍ ، بِدَلِيلِ أَنَّ حَرْفَ \" أَوْ \" لِلتَّخْيِيرِ .\rوَالْأَوَّلُ إنْ شَاءَ اللَّهُ أَصَحُّ ؛ لِأَنَّا لَوْ جَعَلْنَاهَا مُخَيَّرَةً أَفْضَى إلَى تَخْيِيرِهَا فِي الْيَوْمِ السَّابِعِ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ الصَّلَاةُ عَلَيْهَا وَاجِبَةً وَبَيْنَ كَوْنِهَا مُحَرَّمَةً ، وَلَيْسَ لَهَا فِي ذَلِكَ خِيرَةٌ بِحَالٍ .\rأَمَّا التَّكْفِيرُ فَفِعْلٌ اخْتِيَارِيٌّ ، يُمْكِنُ التَّخْيِيرُ فِيهِ بَيْنَ إخْرَاجِ دِينَارٍ أَوْ نِصْفِ دِينَارٍ ، وَالْوَاجِبُ نِصْفُ","part":2,"page":72},{"id":572,"text":"دِينَارٍ فِي الْحَالَيْنِ ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ لَا يَتَخَيَّرُ بَيْنَ فِعْلِهِ وَتَرْكِهِ .\rوَقَوْلُهُمْ : إنَّ \" أَوْ \" لِلتَّخْيِيرِ .\rقُلْنَا : وَقَدْ يَكُونُ لِلِاجْتِهَادِ ، كَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى { فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً } .\rوَ \" إمَّا \" \" كَأَوْ \" فِي وَضْعِهَا ، وَلَيْسَ لِلْإِمَامِ فِي الْأَسْرَى إلَّا فِعْلُ مَا يُؤَدِّيهِ إلَيْهِ اجْتِهَادُهُ أَنَّهُ الْأَصْلَحُ .","part":2,"page":73},{"id":573,"text":"( 465 ) فَصْلٌ : وَلَا تَخْلُو النَّاسِيَةُ مِنْ أَنْ تَكُونَ جَاهِلَةً بِشَهْرِهَا ، أَوْ عَالِمَةً بِهِ ، فَإِنْ كَانَتْ جَاهِلَةً بِشَهْرِهَا ، رَدَدْنَاهَا إلَى الشَّهْرِ الْهِلَالِيِّ ، فَحَيَّضْنَاهَا فِي كُلِّ شَهْرٍ حَيْضَةً ؛ لِحَدِيثِ حَمْنَةَ ؛ وَلِأَنَّهُ الْغَالِبُ ، فَتُرَدُّ إلَيْهِ ، كَرَدِّهَا إلَى السِّتِّ وَالسَّبْعِ .\rوَإِنْ كَانَتْ عَالِمَةً بِشَهْرِهَا ، حَيَّضْنَاهَا فِي كُلِّ شَهْرٍ مِنْ شُهُورِهَا حَيْضَةً ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ عَادَتُهَا ، فَتُرَدُّ إلَيْهَا ، كَمَا تُرَدُّ الْمُعْتَادَةُ إلَى عَادَتِهَا فِي عَدَدِ الْأَيَّامِ ، إلَّا أَنَّهَا مَتَى كَانَ شَهْرُهَا أَقَلَّ مِنْ عِشْرِينَ يَوْمًا ، لَمْ نُحَيِّضْهَا مِنْهُ أَكْثَرَ مِنْ الْفَاضِلِ عَنْ ثَلَاثَةَ عَشَرَ يَوْمًا ، أَوْ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا ؛ لِأَنَّهَا لَوْ حَاضَتْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ ، لَنَقَصَ طُهْرُهَا عَنْ أَقَلِّ الطُّهْرِ ، وَلَا سَبِيلَ إلَيْهِ .\rوَهَلْ تَجْلِسُ أَيَّامَ حَيْضِهَا مِنْ أَوَّلِ كُلِّ شَهْرٍ ، أَوْ بِالتَّحَرِّي وَالِاجْتِهَادِ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا ، تَجْلِسُهُ مِنْ أَوَّلِ كُلِّ شَهْرٍ إذَا كَانَ يَحْتَمِلُ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِحَمْنَةَ { تَحِيضِي سِتَّةَ أَيَّامٍ ، أَوْ سَبْعَةَ أَيَّامٍ ، فِي عِلْمِ اللَّهِ ، ثُمَّ اغْتَسِلِي وَصَلِّي أَرْبَعًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً ، أَوْ ثَلَاثَةً وَعِشْرِينَ لَيْلَةً وَأَيَّامَهَا } .\rفَقَدَّمَ حَيْضَهَا عَلَى الطُّهْرِ ، ثُمَّ أَمَرَهَا بِالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ فِي بَقِيَّتِهِ ؛ وَلِأَنَّ الْمُبْتَدَأَةَ تَجْلِسُ مِنْ أَوَّلِ الشَّهْرِ ، مَعَ أَنَّهُ لَا عَادَةَ لَهَا ، فَكَذَلِكَ النَّاسِيَةُ ؛ وَلِأَنَّ دَمَ الْحَيْضِ دَمُ جِبِلَّةٍ ، وَالِاسْتِحَاضَةُ عَارِضَةٌ ، فَإِذَا رَأَتْ الدَّمَ ، وَجَبَ تَغْلِيبُ دَمِ الْحَيْضِ .\rوَالْوَجْهُ الثَّانِي ، أَنَّهَا تَجْلِسُ أَيَّامَهَا مِنْ الشَّهْرِ بِالتَّحَرِّي وَالِاجْتِهَادِ .\rوَهَذَا قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ ، وَابْنِ أَبِي مُوسَى ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَدَّهَا إلَى اجْتِهَادِهَا فِي الْقَدْرِ بِقَوْلِهِ : \" سِتًّا أَوْ سَبْعًا \" .\rفَكَذَلِكَ فِي الزَّمَانِ ؛ وَلِأَنَّ لِلتَّحَرِّي","part":2,"page":74},{"id":574,"text":"مَدْخَلًا فِي الْحَيْضِ ، بِدَلِيلِ أَنَّ الْمُمَيِّزَةَ تَرْجِعُ إلَى صِفَةِ الدَّمِ .\rفَكَذَلِكَ فِي زَمَنِهِ ، فَإِنْ تَسَاوَى عِنْدَهَا الزَّمَانُ كُلُّهُ ، وَلَمْ يَغْلِبْ عَلَى ظَنِّهَا شَيْءٌ ، تَعَيَّنَ إجْلَاسُهَا مِنْ أَوَّلِ الشَّهْرِ ؛ لِعَدَمِ الدَّلِيلِ فِيمَا سِوَاهُ .","part":2,"page":75},{"id":575,"text":"الْقِسْمُ الثَّانِي ، النَّاسِيَةُ لِعَدَدِهَا دُونَ وَقْتِهَا ، كَاَلَّتِي تَعْلَمُ أَنَّ حَيْضَهَا فِي الْعَشْرِ الْأُوَلِ مِنْ الشَّهْرِ ، وَلَا تَعْلَمُ عَدَدَهُ ، فَهِيَ فِي قَدْرِ مَا تَجْلِسُهُ كَالْمُتَحَيِّرَةِ ، تَجْلِسُ سِتًّا أَوْ سَبْعًا ، فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ ، إلَّا أَنَّهَا تَجْلِسُهَا مِنْ الْعَشْرِ دُونَ غَيْرِهَا ، وَهَلْ تَجْلِسُهَا مِنْ أَوَّلِ الْعَشْرِ ، أَوْ بِالتَّحَرِّي ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ .\rوَإِنْ قَالَتْ : أَعْلَمُ أَنَّنِي كُنْت أَوَّلَ الشَّهْرِ حَائِضًا ، وَلَا أَعْلَمُ آخِرَهُ .\rأَوْ إنَّنِي كُنْت آخِرَ الشَّهْرِ حَائِضًا وَلَا أَعْلَمُ أَوَّلَهُ .\rأَوْ لَا أَعْلَمُ هَلْ كَانَ ذَلِكَ أَوَّلَ حَيْضِي أَوْ آخِرَهُ ؟ حَيَّضْنَاهَا الْيَوْمَ الَّذِي عَلِمَتْهُ ، وَأَتَمَّتْ بَقِيَّةَ حَيْضِهَا مِمَّا بَعْدَهُ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى ، وَمِمَّا قَبْلَهُ فِي الثَّانِيَةِ ، وَبِالتَّحَرِّي فِي الثَّالِثَةِ ، أَوْ مِمَّا يَلِي أَوَّلَ الشَّهْرِ ، عَلَى اخْتِلَافِ الْوَجْهَيْنِ .","part":2,"page":76},{"id":576,"text":"الْقِسْمُ الثَّالِثُ ، النَّاسِيَةُ لِوَقْتِهَا دُونَ عَدَدِهَا ، وَهَذِهِ تَتَنَوَّعُ نَوْعَيْنِ : أَحَدُهُمَا ، أَنْ لَا تَعْلَمَ لَهَا وَقْتًا أَصْلًا ، مِثْلُ أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ حَيْضَهَا خَمْسَةُ أَيَّامٍ ، فَإِنَّهَا تَجْلِسُ خَمْسَةً مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ؛ إمَّا مِنْ أَوَّلِهِ ، أَوْ بِالتَّحَرِّي ، عَلَى اخْتِلَافِ الْوَجْهَيْنِ .\rوَالثَّانِي ، أَنْ تَعْلَمَ لَهَا وَقْتًا ، مِثْلُ أَنْ تَعْلَمَ أَنَّهَا كَانَتْ تَحِيضُ أَيَّامًا مَعْلُومَةً مِنْ الْعَشْرِ الْأُوَلِ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ، فَإِنَّهَا تَجْلِسُ عَدَدَ أَيَّامِهَا مِنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ دُونَ غَيْرِهِ ، ثُمَّ لَا يَخْلُو عَدَدُ أَيَّامِهَا ؛ إمَّا أَنْ يَكُونَ زَائِدًا عَلَى نِصْفِ ذَلِكَ الْوَقْتِ ، أَوْ لَا يَزِيدُ ، فَإِنْ كَانَ زَائِدًا عَلَى نِصْفِهِ ، مِثْلُ أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ حَيْضَهَا سِتَّةُ أَيَّامٍ مِنْ الْعَشْرِ الْأُوَلِ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ، أَضْعَفْنَا الزَّائِدَ ، فَجَعَلْنَاهُ حَيْضًا بِيَقِينٍ ، وَتَجْلِسُ بَقِيَّةَ أَيَّامِهَا بِالتَّحَرِّي فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ .\rوَفِي الْآخَرِ ، مِنْ أَوَّلِ الْعَشْرِ ، فَفِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الزَّائِدُ يَوْمٌ وَهُوَ السَّادِسُ ، فَنُضَعِّفُهُ وَيَكُونُ الْخَامِسُ وَالسَّادِسُ حَيْضًا بِيَقِينٍ ؛ لِأَنَّنَا مَتَى عَدَدْنَا لَهَا سِتَّةَ أَيَّامٍ مِنْ أَيِّ مَوْضِعٍ كَانَ مِنْ الْعَشْرِ ، دَخَلَ فِيهِ الْخَامِسُ وَالسَّادِسُ ، يَبْقَى لَهَا أَرْبَعَةُ أَيَّامٍ ، فَإِنْ أَجْلَسْنَاهَا مِنْ الْأَوَّلِ ، كَانَ حَيْضُهَا مِنْ أَوَّلِ الْعَشْرِ إلَى آخِرِ السَّادِسِ ، مِنْهَا يَوْمَانِ حَيْضٌ بِيَقِينٍ ، وَالْأَرْبَعَةُ حَيْضٌ مَشْكُوكٌ فِيهِ ، وَالْأَرْبَعَةُ الْبَاقِيَةُ طُهْرٌ مَشْكُوكٌ فِيهِ ، وَإِنْ أَجْلَسْنَاهَا بِالتَّحَرِّي ، فَأَدَّاهَا اجْتِهَادُهَا إلَى أَنَّهَا مِنْ أَوَّلِ الشَّهْرِ ، فَهِيَ كَالَّتِي ذَكَرْنَا .\rوَإِنْ جَلَسَتْ الْأَرْبَعَةَ مِنْ آخِرِ الشَّهْرِ ، كَانَتْ حَيْضًا مَشْكُوكًا فِيهِ ، وَالْأَرْبَعَةُ الْأُولَى طُهْرٌ مَشْكُوكٌ فِيهِ .\rوَإِنْ قَالَتْ : حَيْضِي سَبْعَةُ أَيَّامٍ مِنْ الْعَشْرِ الْأُوَلِ .\rفَقَدْ زَادَتْ يَوْمَيْنِ عَلَى نِصْفِ الْوَقْتِ ، فَنُضَعِّفُهُمَا ، فَيَصِيرُ لَهَا أَرْبَعَةُ أَيَّامٍ حَيْضًا","part":2,"page":77},{"id":577,"text":"بِيَقِينٍ ، وَهِيَ مِنْ أَوَّلِ الرَّابِعِ إلَى آخِرِ السَّابِعِ ، وَيَبْقَى لَهَا ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ تَجْلِسُهَا مِنْ أَوَّلِ الْعَشْرِ ، أَوْ بِالتَّحَرِّي ، فَيَكُونُ ذَلِكَ حَيْضًا مَشْكُوكًا فِيهِ ، وَيَبْقَى لَهَا ثَلَاثَةٌ ، طُهْرًا مَشْكُوكًا فِيهِ ، وَسَائِرُ الشَّهْرِ طُهْرٌ ، وَحُكْمُ الْحَيْضِ الْمَشْكُوكِ فِيهِ حُكْمُ الْحَيْضِ الْمُتَيَقَّنِ ، فِي تَرْكِ الْعِبَادَاتِ .\rوَإِنْ كَانَ حَيْضُهَا نِصْفَ الْوَقْتِ فَمَا دُونَ ، فَلَيْسَ لَهَا حَيْضٌ بِيَقِينٍ ؛ لِأَنَّهَا مَتَى كَانَتْ تَحِيضُ خَمْسَةَ أَيَّامٍ ، احْتَمَلَ أَنْ تَكُونَ الْخَمْسَةَ الْأُولَى ، وَأَنْ تَكُونَ الثَّانِيَةَ ، وَأَنْ تَكُونَ بَعْضُهَا مِنْ الْأُولَى وَبَاقِيهَا مِنْ الثَّانِيَةِ ، فَتَجْلِسُ خَمْسَةً بِالتَّحَرِّي ، أَوْ مِنْ أَوَّلِ الْعَشْرِ ، عَلَى اخْتِلَافِ الْوَجْهَيْنِ .","part":2,"page":78},{"id":578,"text":"( 466 ) فَصْلٌ : وَلَا يُعْتَبَرُ التَّكْرَارُ فِي النَّاسِيَةِ ؛ لِأَنَّهَا عَرَفَتْ اسْتِحَاضَتَهَا فِي الشَّهْرِ الْأَوَّلِ ، فَلَا مَعْنَى لِلتَّكْرَارِ .\r( 467 ) فَصْلٌ : وَإِذَا ذَكَرَتْ النَّاسِيَةُ عَادَتَهَا بَعْدَ جُلُوسِهَا فِي غَيْرِهِ ، رَجَعَتْ إلَى عَادَتِهَا ؛ لِأَنَّ تَرْكَهَا لِعَارِضِ النِّسْيَانِ ، فَإِذَا زَالَ الْعَارِضُ عَادَتْ إلَى الْأَصْلِ .\rوَإِنْ تَبَيَّنَ أَنَّهَا كَانَتْ تَرَكَتْ الصَّلَاةَ فِي غَيْرِ عَادَتِهَا ، لَزِمَهَا إعَادَتُهَا ، وَيَلْزَمُهَا قَضَاءُ مَا صَامَتْهُ مِنْ الْفَرْضِ فِي عَادَتِهَا ، فَلَوْ كَانَتْ عَادَتُهَا ثَلَاثَةً مِنْ آخِرِ الْعَشْرِ الْأُوَلِ ، فَجَلَسَتْ السَّبْعَةَ الَّتِي قَبْلَهَا مُدَّةً ، ثُمَّ ذَكَرَتْ ، لَزِمَهَا قَضَاءُ مَا تَرَكَتْ مِنْ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ الْمَفْرُوضِ فِي السَّبْعَةِ ، وَقَضَاءُ مَا صَامَتْ مِنْ الْفَرْضِ فِي الثَّلَاثَة ؛ لِأَنَّهَا صَامَتْهُ فِي زَمَنِ حَيْضِهَا .","part":2,"page":79},{"id":579,"text":"( 468 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَالْمُبْتَدَأُ بِهَا الدَّمُ تَحْتَاطُ ، فَتَجْلِسُ يَوْمًا وَلَيْلَةً ، وَتَغْتَسِلُ وَتَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ وَتُصَلِّي .\rفَإِنْ انْقَطَعَ دَمُهَا فِي خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا ، اغْتَسَلَتْ عِنْدَ انْقِطَاعِهِ ، وَتَفْعَلُ مِثْلَ ذَلِكَ ثَانِيَةً وَثَالِثَةً .\rفَإِنْ كَانَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ ، عَمِلَتْ عَلَيْهِ وَأَعَادَتْ الصَّوْمَ ، إنْ كَانَتْ صَامَتْ فِي هَذِهِ الثَّلَاثِ مِرَارٍ لِفَرْضٍ ) هَذَا النَّوْعُ الثَّانِي مِنْ الْقِسْمِ الرَّابِعِ ؛ وَهِيَ مَنْ لَا عَادَةَ لَهَا وَلَا تَمْيِيزَ ، وَهِيَ الَّتِي بَدَأَ بِهَا الْحَيْضُ وَلَمْ تَكُنْ حَاضَتْ قَبْلَهُ ؛ وَالْمَشْهُورُ عَنْ أَحْمَدَ فِيهَا أَنَّهَا تَجْلِسُ إذَا رَأَتْ الدَّمَ ، وَهِيَ مِمَّنْ يُمْكِنُ أَنْ تَحِيضَ وَهِيَ الَّتِي لَهَا تِسْعُ سِنِينَ فَصَاعِدًا ، فَتَتْرُكُ الصَّوْمَ وَالصَّلَاةَ ؛ فَإِنْ زَادَ الدَّمُ عَلَى يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ ، اغْتَسَلَتْ عَقِيبَ الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ ، وَتَتَوَضَّأُ لِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ ، وَتُصَلِّي ، وَتَصُومُ .\rفَإِنْ انْقَطَعَ الدَّمُ لِأَكْثَرِ الْحَيْضِ فَمَا دُونَ ، اغْتَسَلَتْ غُسْلًا ثَانِيًا عِنْدَ انْقِطَاعِهِ ، وَصَنَعَتْ مِثْلَ ذَلِكَ فِي الشَّهْرِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ ، فَإِنْ كَانَتْ أَيَّامُ الدَّمِ فِي الْأَشْهُرِ الثَّلَاثَةِ مُتَسَاوِيَةً ، صَارَ ذَلِكَ عَادَةً ؛ وَعَلِمْنَا أَنَّهَا كَانَتْ حَيْضًا فَيَجِبُ عَلَيْهَا قَضَاءُ مَا صَامَتْ مِنْ الْفَرْضِ ؛ لِأَنَّا تَبَيَّنَّا أَنَّهَا صَامَتْهُ فِي زَمَنِ الْحَيْضِ .\rقَالَ الْقَاضِي : الْمَذْهَبُ عِنْدِي فِي هَذَا رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ .\rقَالَ : وَأَصْحَابُنَا يَجْعَلُونَ فِي قَدْرِ مَا تَجْلِسُهُ الْمُبْتَدَأَةُ فِي الشَّهْرِ الْأَوَّلِ أَرْبَعَ رِوَايَاتٍ : إحْدَاهُنَّ ، أَنَّهَا تَجْلِسُ أَقَلَّ الْحَيْضِ ، وَالثَّانِيَةُ غَالِبَهُ ، وَالثَّالِثَةُ أَكْثَرَهُ ، وَالرَّابِعَةُ عَادَةَ نِسَائِهَا .\rقَالَ : وَلَيْسَ هَاهُنَا مَوْضِعُ الرِّوَايَاتِ ، وَإِنَّمَا مَوْضِعُ ذَلِكَ إذَا اتَّصَلَ الدَّمُ ، وَحَصَلَتْ مُسْتَحَاضَةً فِي الشَّهْرِ الرَّابِعِ .\rوَقَدْ نُقِلَ عَنْ أَحْمَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ قَوْلِ الْأَصْحَابِ ؛ فَرَوَى صَالِحٌ ، قَالَ : قَالَ أَبِي","part":2,"page":80},{"id":580,"text":": أَوَّلُ مَا يَبْدَأُ الدَّمُ بِالْمَرْأَةِ تَقْعُدُ سِتَّةَ أَيَّامٍ أَوْ سَبْعَةَ أَيَّامٍ ، وَهُوَ أَكْثَرُ مَا تَجْلِسُهُ النِّسَاءُ عَلَى حَدِيثِ حَمْنَةَ .\rفَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهَا تَجْلِسُ ذَلِكَ فِي أَوَّلِ حَيْضِهَا .\rوَقَوْلُهُ : أَكْثَرُ مَا تَجْلِسُهُ النِّسَاءُ .\rيَعْنِي أَنَّ الْغَالِبَ مِنْ النِّسَاءِ هَكَذَا يَحِضْنَ .\rوَرَوَى حَرْبٌ عَنْهُ قَالَ : سَأَلْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ قُلْت : امْرَأَةٌ أَوَّلَ مَا حَاضَتْ اسْتَمَرَّ بِهَا الدَّمُ ، كَمْ يَوْمًا تَجْلِسُ ؟ قَالَ : إنْ كَانَ مِثْلُهَا مِنْ النِّسَاءِ مَنْ يَحِضْنَ ، فَإِنْ شَاءَتْ جَلَسَتْ سِتًّا أَوْ سَبْعًا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهَا حَيْضٌ وَوَقْتٌ ، وَإِنْ أَرَادَتْ الِاحْتِيَاطَ ، جَلَسَتْ يَوْمًا وَاحِدًا ، أَوَّلَ مَرَّةٍ حَتَّى يَتَبَيَّنَ وَقْتُهَا .\rوَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ : قَالُوا هَذَا ، وَقَالُوا هَذَا ، فَأَيُّهَا أَخَذَتْ فَهُوَ جَائِزٌ .\rوَرَوَى الْخَلَّالُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَطَاءٍ ، فِي الْبِكْرِ تُسْتَحَاضُ ، وَلَا تَعْلَمُ لَهَا قُرْءًا ، قَالَ : لِتَنْظُرْ قُرْءَ أُمِّهَا أَوْ أُخْتِهَا أَوْ عَمَّتِهَا أَوْ خَالَتِهَا ، فَلْتَتْرُكْ الصَّلَاةَ عِدَّةَ تِلْكَ الْأَيَّامِ ، وَتَغْتَسِلُ وَتُصَلِّي .\rقَالَ حَنْبَلٌ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ : هَا حَسَنٌ .\rوَاسْتَحْسَنَهُ جِدًّا وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَخَذَ بِهِ ، وَهَذَا قَوْلُ عَطَاءٍ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ .\rوَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ : أَنَّهَا تَجْلِسُ أَكْثَرَ الْحَيْضِ .\rإلَّا أَنَّ الْمَشْهُورَ فِي الرِّوَايَةِ عَنْهُ مِثْلُ مَا ذَكَرَ الْخِرَقِيِّ ؛ وَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ : تَجْلِسُ جَمِيعَ الْأَيَّامِ الَّتِي تَرَى الدَّمَ فِيهَا إلَى أَكْثَرِ الْحَيْضِ ، فَإِنْ انْقَطَعَ لِأَكْثَرِهِ فَمَا دُونَ ، فَالْجَمِيعُ حَيْضٌ ؛ لِأَنَّا حَكَمْنَا بِأَنَّ ابْتِدَاءَ الدَّمِ حَيْضٌ مَعَ جَوَازِ أَنْ يَكُونَ اسْتِحَاضَةً ، فَكَذَلِكَ أَثْنَاؤُهُ ؛ وَلِأَنَّنَا حَكَمْنَا بِكَوْنِهِ حَيْضًا ، فَلَا نَنْقُضُ مَا حَكَمْنَا بِهِ بِالتَّجْوِيزِ ، كَمَا فِي الْمُعْتَادَةِ ؛ وَلِأَنَّ دَمَ الْحَيْضِ دَمُ جِبِلَّةٍ ، وَالِاسْتِحَاضَةُ دَمٌ عَارِضٌ لِمَرَضٍ عَرَضَ ؛ وَعِرْقٍ انْقَطَعَ","part":2,"page":81},{"id":581,"text":"، وَالْأَصْلُ فِيهَا الصِّحَّةُ وَالسَّلَامَةُ ، وَأَنَّ دَمَهَا دَمُ الْجِبِلَّةِ دُونَ الْعِلَّةِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ فِي إجْلَاسِهَا أَكْثَرَ مِنْ أَقَلِّ الْحَيْضِ حُكْمًا بِبَرَاءَةِ ذِمَّتِهَا مِنْ عِبَادَةٍ وَاجِبَةٍ عَلَيْهَا ؛ فَلَمْ يُحْكَمْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ ، كَالْمُعْتَدَّةِ لَا يُحْكَمُ بِبَرَاءَةِ ذِمَّتِهَا مِنْ الْعِدَّةِ بِأَوَّلِ حَيْضَةٍ ، وَلَا يَلْزَمُ الْيَوْمُ وَاللَّيْلَةُ ؛ لِأَنَّهَا الْيَقِينُ ، فَلَوْ لَمْ نُجْلِسْهَا ذَلِكَ أَدَّى إلَى أَنْ لَا نُجْلِسَهَا أَصْلًا ؛ وَلِأَنَّهَا مِمَّنْ لَا عَادَةَ لَهَا وَلَا تَمْيِيزَ ، فَلَمْ تَجْلِسْ أَكْثَرَ الْحَيْضِ ، كَالنَّاسِيَةِ .\r( 469 ) فَصْلٌ : وَالْمَنْصُوصُ فِي الْمُبْتَدَأَةِ اعْتِبَارُ التَّكْرَارِ ثَلَاثًا ، فَعَلَى هَذَا لَا تَنْتَقِلُ عَنْ الْيَقِينِ فِي الشَّهْرِ الثَّالِثِ ، وَقَدْ نَصَّ فِي الْمُعْتَادَةِ تَرَى الدَّمَ زِيَادَةً عَلَى عَادَتِهَا عَلَى جُلُوسِهَا الزَّائِدِ بِمَرَّتَيْنِ ، فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ ، فَكَذَا هَاهُنَا ، وَقَدْ مَضَى تَوْجِيهُهُمَا .\rوَعَلَى الرِّوَايَاتِ كُلِّهَا ، إذَا انْقَطَعَ الدَّمُ لِأَكْثَرِ الْحَيْضِ فَمَا دُونَ ، وَكَانَ فِي الْأَشْهُرِ الثَّلَاثَةِ عَلَى قَدْرٍ وَاحِدٍ ، انْتَقَلَتْ إلَيْهِ ، وَعَمِلَتْ عَلَيْهِ ، وَصَارَ ذَلِكَ عَادَةً لَهَا ، وَأَعَادَتْ مَا صَامَتْهُ مِنْ الْفَرْضِ فِيهِ ؛ لِأَنَّنَا تَبَيَّنَّا أَنَّهَا صَامَتْهُ فِي حَيْضِهَا .","part":2,"page":82},{"id":582,"text":"( 470 ) فَصْلٌ : وَإِنْ انْقَطَعَ فِي الْأَشْهُرِ الثَّلَاثَةِ مُخْتَلِفًا ، فَفِي شَهْرٍ انْقَطَعَ عَلَى سَبْعٍ ، وَفِي شَهْرٍ عَلَى سِتٍّ ، وَفِي شَهْرٍ عَلَى خَمْسٍ ، نَظَرَتْ إلَى أَقَلِّ ذَلِكَ ، وَهُوَ الْخَمْسُ ، فَجَعَلَتْهُ حَيْضًا ، وَمَا زَادَ عَلَيْهِ لَا يَكُونُ حَيْضًا ، حَتَّى يَأْتِيَ عَلَيْهِ التَّكْرَارُ ، نَصَّ عَلَيْهِ .\rوَإِنْ جَاءَ فِي الشَّهْرِ الرَّابِعِ سِتًّا أَوْ أَكْثَرَ ، صَارَتْ السِّتَّةُ حَيْضًا ؛ لِتَكَرُّرِهَا ثَلَاثًا ، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي السَّابِعِ إذَا تَكَرَّرَ ثَلَاثًا .\rوَمَنْ قَالَ بِإِجْلَاسِهَا سِتًّا أَوْ سَبْعًا ، فَإِنَّهَا تَجْلِسُ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ تَكْرَارٍ ، وَلَا تَجْلِسُ مَا زَادَ عَلَيْهِ حَتَّى يَتَكَرَّرَ ، وَلِذَلِكَ مَنْ أَجْلَسَهَا عَادَةَ نِسَائِهَا ، فَإِنَّهُ يُجْلِسُهَا مَا وَافَقَ عَادَتَهُنَّ ، مِنْ غَيْرِ تَكْرَارٍ .\r( 471 ) فَصْلٌ : وَمَتَى أَجْلَسْنَاهَا يَوْمًا وَلَيْلَةً ، أَوْ سِتًّا أَوْ سَبْعًا ، أَوْ عَادَةَ نِسَائِهَا ، فَرَأَتْ الدَّمَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ ، لَمْ يَحِلَّ لِزَوْجِهَا وَطْؤُهَا فِيهِ حَتَّى يَنْقَطِعَ ، أَوْ يَتَجَاوَزَ أَكْثَرَ الْحَيْضِ ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ حَيْضًا احْتِمَالًا ظَاهِرًا ، وَإِنَّمَا أَمَرْنَاهَا بِالصَّوْمِ فِيهِ وَالصَّلَاةِ احْتِيَاطًا لِبَرَاءَةِ ذِمَّتِهَا ، فَيَجِبُ تَرْكُ وَطْئِهَا احْتِيَاطًا أَيْضًا .\rوَإِنْ انْقَطَعَ الدَّمُ ، وَاغْتَسَلَتْ ، حَلَّ وَطْؤُهَا .\rوَهَلْ يُكْرَهُ ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ : إحْدَاهُمَا ، لَا يُكْرَهُ ؛ لِأَنَّهَا رَأَتْ النَّقَاءَ الْخَالِصَ ، أَشْبَهَ غَيْرَ الْمُبْتَدَأَةِ .\rوَالثَّانِيَةُ ، يُكْرَهُ ؛ لِأَنَّنَا لَا نَأْمَنُ مُعَاوَدَةَ الدَّمِ ، فَكُرِهَ وَطْؤُهَا ، كَالنُّفَسَاءِ إذَا انْقَطَعَ دَمُهَا لِأَقَلَّ مِنْ أَرْبَعِينَ يَوْمًا .\rفَإِنْ عَاوَدَهَا الدَّمُ فِي زَمَنِ الْعَادَةِ ، لَمْ يَطَأْهَا ، نَصَّ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ زَمَنٌ صَادَفَ زَمَنَ الْحَيْضِ ، فَلَمْ يَجُزْ الْوَطْءُ فِيهِ كَمَا لَوْ لَمْ يَنْقَطِعْ .\rوَعَنْهُ : لَا بَأْسَ بِوَطْئِهَا .\rقَالَ الْخَلَّالُ الْأَحْوَطُ فِي قَوْلِهِ ، عَلَى مَا اتَّفَقُوا عَلَيْهِ دُونَ الْأَنْفُسِ الثَّلَاثَةِ ، أَنَّهُ لَا يَطَؤُهَا .","part":2,"page":83},{"id":583,"text":"( 472 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( فَإِنْ اسْتَمَرَّ بِهَا الدَّمُ وَلَمْ يَتَمَيَّزْ ، قَعَدَتْ فِي كُلِّ شَهْرٍ سِتًّا أَوْ سَبْعًا ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ مِنْ النِّسَاءِ هَكَذَا يَحِضْنَ ) قَوْلُهُ : \" اسْتَمَرَّ بِهَا الدَّمُ \" .\rيَعْنِي زَادَ عَلَى أَكْثَرِ الْحَيْضِ .\rوَقَوْلُهُ : \" لَمْ يَتَمَيَّزْ \" .\rيَعْنِي لَمْ يَكُنْ دَمُهَا مُنْفَصِلًا ، عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ .\rفَهَذِهِ حُكْمُهَا أَنْ تَجْلِسَ فِي كُلِّ شَهْرٍ سِتَّةَ أَيَّامٍ أَوْ سَبْعَةً .\rوَقَدْ ذَكَرَ الْخِرَقِيِّ عِلَّتَهُ ، وَهِيَ أَنَّ الْغَالِبَ مِنْ النِّسَاءِ هَكَذَا يَحِضْنَ .\rوَالظَّاهِرُ أَنَّ حَيْضَ هَذِهِ كَحَيْضِ غَالِبِ النِّسَاءِ ، فَيَجِبُ رَدُّهَا إلَيْهِ ، كَرَدِّهَا فِي الْوَقْتِ إلَى حَيْضَةٍ فِي كُلِّ شَهْرٍ .\rوَهَذَا أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ ، وَعَنْ أَحْمَدَ أَنَّهَا تَجْلِسُ يَوْمًا وَلَيْلَةً مِنْ كُلِّ شَهْرٍ .\rوَهَذَا الْقَوْلُ الثَّانِي لِلشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ الْيَقِينُ ، وَمَا زَادَ عَلَيْهِ مَشْكُوكٌ فِيهِ .\rفَلَا تَزُولُ عَنْ الْيَقِينِ بِالشَّكِّ .\rوَعَنْهُ رِوَايَةٌ ثَالِثَةٌ : أَنَّهَا تَجْلِسُ أَكْثَرَ الْحَيْضِ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّهُ زَمَانُ الْحَيْضِ ، فَإِذَا رَأَتْ الدَّمَ فِيهِ جَلَسَتْهُ ، كَالْمُعْتَادَةِ .\rوَعَنْهُ أَنَّهَا تَجْلِسُ عَادَةَ نِسَائِهَا ، وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّهَا تُشْبِهُهُنَّ فِي عَادَتِهِنَّ .\rوَالْأَوَّلُ أَوْلَى لِحَدِيثِ حَمْنَةَ ، فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَدَّهَا إلَى سِتٍّ أَوْ سَبْعٍ ، وَلَمْ يَرُدَّهَا إلَى الْيَقِينِ ، وَلَا إلَى عَادَةِ نِسَائِهَا ، وَلَا إلَى أَكْثَرِ الْحَيْضِ ؛ وَلِأَنَّ هَذِهِ تُرَدُّ إلَى غَالِبِ عَادَاتِ النِّسَاءِ فِي وَقْتِهَا ؛ لِكَوْنِهَا تَجْلِسُ فِي كُلِّ شَهْرٍ مَرَّةً ؛ فَكَذَلِكَ فِي عَدَدِ أَيَّامِهَا ؛ وَبِهَذَا يَبْطُلُ مَا ذَكَرْنَاهُ لِلْيَقِينِ ، وَلِعَادَةِ نِسَائِهَا .\r( 473 ) فَصْلٌ : وَهَلْ تُرَدُّ إلَى ذَلِكَ إذَا اسْتَمَرَّ بِهَا الدَّمُ فِي الشَّهْرِ الرَّابِعِ أَوْ الثَّانِي ؟ الْمَنْصُوصُ أَنَّهَا لَا تُرَدُّ إلَى سِتٍّ أَوْ سَبْعٍ إلَّا فِي","part":2,"page":84},{"id":584,"text":"الشَّهْرِ الرَّابِعِ ؛ لِأَنَّا لَمْ نُحَيِّضْهَا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ إذَا لَمْ تَكُنْ مُسْتَحَاضَةً .\rفَأَوْلَى أَنْ نَفْعَلَ ذَلِكَ إذَا كَانَتْ مُسْتَحَاضَةً .\rقَالَ الْقَاضِي : وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَنْتَقِلَ إلَيْهَا فِي الشَّهْرِ الثَّانِي بِغَيْرِ تَكْرَارٍ ؛ لِأَنَّنَا قَدْ عَلِمْنَا اسْتِحَاضَتَهَا ، فَلَا مَعْنَى لِلتَّكْرَارِ فِي حَقِّهَا .","part":2,"page":85},{"id":585,"text":"( 474 ) فَصْلٌ : وَإِنْ كَانَتْ الَّتِي اسْتَمَرَّ بِهَا الدَّمُ مُمَيِّزَةً ، عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فِيمَا مَضَى جَلَسَتْ بِالتَّمْيِيزِ فِيمَا بَعْدَ الْأَشْهُرِ الثَّلَاثَةِ ، وَتَجْلِسُ فِي الثَّلَاثَةِ الْيَقِينَ يَوْمًا وَلَيْلَةً ، إلَّا أَنْ نَقُولَ : الْعَادَةُ تَثْبُتُ بِمَرَّتَيْنِ ، فَإِنَّهَا تَعُودُ إلَى التَّمْيِيزِ فِي الشَّهْرِ الثَّالِثِ ، وَيُعْمَلُ بِهِ .\rوَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ : وَعَنْ أَحْمَدَ أَنَّهَا تُرَدُّ إلَى التَّمْيِيزِ فِي الشَّهْرِ الثَّانِي ، وَلَا يُعْتَبَرُ التَّكْرَارُ ، فَإِنَّهُ قَالَ : إذَا بَدَأَ بِهَا الْحَيْضُ ، وَلَمْ يَنْقَطِعْ عَنْهَا الدَّمُ ، وَلَمْ تَعْرِفْ أَيَّامَهَا قَعَدَتْ إقْبَالَ الدَّمِ إذَا أَقْبَلَ سَوَادُهُ وَغِلَظُهُ وَرِيحُهُ ، فَإِذَا أَدْبَرَ وَصَفَا وَذَهَبَ رِيحُهُ صَلَّتْ وَصَامَتْ ، وَذَلِكَ لِأَنَّهَا مُسْتَحَاضَةٌ مُمَيِّزَةٌ ، فَتُرَدُّ إلَى تَمْيِيزِهَا ، كَمَا فِي الشَّهْرِ الرَّابِعِ ، وَلَا يُعْتَبَرُ التَّكْرَارُ فِي التَّمْيِيزِ بَعْدَ أَنْ تَعْلَمَ كَوْنَهَا مُسْتَحَاضَةً ، عَلَى مَا نَصَرْنَاهُ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : لَا تَجْلِسُ مِنْهُ إلَّا مَا تَكَرَّرَ .\rفَعَلَى هَذَا إذَا رَأَتْ فِي كُلِّ شَهْرٍ خَمْسَةً أَحْمَرَ ثُمَّ خَمْسَةً أَسْوَدَ ، ثُمَّ أَحْمَرَ وَاتَّصَلَ ، جَلَسَتْ زَمَانَ الْأَسْوَدِ ، فَكَانَ حَيْضَهَا ، وَالْبَاقِي اسْتِحَاضَةٌ .\rوَهَلْ تَجْلِسُ زَمَانَ الْأَسْوَدِ فِي الشَّهْرِ الثَّانِي أَوْ الثَّالِثِ أَوْ الرَّابِعِ ؟ يُخَرَّجُ ذَلِكَ عَلَى الرِّوَايَاتِ الثَّلَاثِ .\rوَلَوْ رَأَتْ عَشَرَةً أَحْمَرَ ، ثُمَّ خَمْسَةً أَسْوَدَ ، ثُمَّ أَحْمَرَ وَاتَّصَلَ ، فَالْحُكْمُ فِيهَا كَاَلَّتِي قَبْلَهَا ، فَإِنْ اتَّصَلَ الْأَسْوَدُ ، وَعَبَرَ أَكْثَرَ الْحَيْضِ ، فَلَيْسَ لَهَا تَمْيِيزٌ ، وَنُحَيِّضُهَا مِنْ الْأَسْوَدِ ؛ لِأَنَّهُ أَشْبَهُ بِدَمِ الْحَيْضِ .\rوَلَوْ رَأَتْ أَقَلَّ مِنْ يَوْمٍ دَمًا أَسْوَدَ ، فَلَا تَمْيِيزَ لَهَا ؛ لِأَنَّ الْأَسْوَدَ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ حَيْضًا ، لِقِلَّتِهِ عَنْ أَقَلِّ الْحَيْضِ .\rوَإِنْ رَأَتْ فِي الشَّهْرِ الْأَوَّلِ أَحْمَرَ كُلَّهُ ، وَفِي الثَّانِي وَالثَّالِثِ وَالرَّابِعِ خَمْسَةً أَسْوَدَ ، ثُمَّ أَحْمَرَ وَاتَّصَلَ ، وَفِي","part":2,"page":86},{"id":586,"text":"الْخَامِسِ كُلِّهِ أَحْمَرَ ، فَإِنَّهَا تَجْلِسُ فِي الْأَشْهُرِ الثَّلَاثَةِ الْيَقِينَ ، وَفِي الرَّابِعِ أَيَّامَ الدَّمِ الْأَسْوَدِ ، وَفِي الْخَامِسِ تَجْلِسُ خَمْسَةً أَيْضًا ؛ لِأَنَّهَا قَدْ صَارَتْ مُعْتَادَةً .\rوَقَالَ الْقَاضِي : لَا تَجْلِسُ مِنْ الرَّابِعِ إلَّا الْيَقِينَ ، إلَّا أَنْ نَقُولَ بِثُبُوتِ الْعَادَةِ بِمَرَّتَيْنِ .\rوَهَذَا فِيهِ نَظَرٌ ؛ فَإِنَّ أَكْثَرَ مَا يُقَدَّرُ فِيهَا أَنَّهَا لَا عَادَةَ لَهَا وَلَا تَمْيِيزَ ، وَلَوْ كَانَتْ كَذَلِكَ ، لَجَلَسَتْ سِتًّا أَوْ سَبْعًا ، فِي أَصَحِّ الرِّوَايَاتِ ، فَكَذَا هَاهُنَا وَمَنْ لَمْ يَعْتَبِرْ التَّكْرَارَ فِي التَّمْيِيزِ فَهَذِهِ مُمَيِّزَةٌ ، وَمَنْ قَالَ إنَّ الْمُمَيِّزَةَ تَجْلِسُ بِالتَّمْيِيزِ فِي الشَّهْرِ الثَّانِي ، قَالَ إنَّهَا تَجْلِسُ الدَّمَ الْأَسْوَدَ فِي الشَّهْرِ الثَّالِثِ ؛ لِأَنَّهَا لَا تَعْلَمُ أَنَّهَا مُمَيِّزَةٌ قَبْلَهُ ، وَلَوْ رَأَتْ فِي شَهْرٍ خَمْسَةً أَسْوَدَ ، ثُمَّ صَارَ أَحْمَرَ وَاتَّصَلَ ، وَفِي الثَّانِي كَذَلِكَ ، وَفِي الثَّالِثِ كُلِّهِ أَحْمَرَ ، وَالرَّابِعِ رَأَتْ خَمْسَةً أَحْمَرَ ، ثُمَّ صَارَ أَسْوَدَ وَاتَّصَلَ ، جَلَسَتْ الْيَقِينَ مِنْ الْأَشْهُرِ الثَّلَاثَةِ ، وَالرَّابِعُ لَا تَمْيِيزَ لَهَا فِيهِ ، فَتَصِيرُ فِيهِ إلَى سِتَّةِ أَيَّامٍ أَوْ سَبْعَةٍ ، فِي أَشْهَرِ الرِّوَايَاتِ ، إلَّا أَنْ نَقُولَ الْعَادَةُ تَثْبُتُ بِمَرَّتَيْنِ ، فَتَجْلِسُ مِنْ الثَّالِثِ وَالرَّابِعِ خَمْسَةً خَمْسَةً .\rوَقَالَ الْقَاضِي : لَا تَجْلِسُ فِي الْأَشْهُرِ الْأَرْبَعَةِ إلَّا الْيَقِينَ ، وَهَذَا بَعِيدٌ ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ .\rوَلَوْ كَانَتْ رَأَتْ فِي الرَّابِعِ خَمْسَةً أَسْوَدَ ، وَالْبَاقِيَ كُلَّهُ أَحْمَرَ ، صَارَ عَادَةً بِذَلِكَ .","part":2,"page":87},{"id":587,"text":"( 475 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَالصُّفْرَةُ وَالْكُدْرَةُ فِي أَيَّامِ الْحَيْضِ مِنْ الْحَيْضِ ) يَعْنِي إذَا رَأَتْ فِي أَيَّامِ عَادَتِهَا صُفْرَةً أَوْ كُدْرَةً ، فَهُوَ حَيْضٌ ، وَإِنْ رَأَتْهُ بَعْدَ أَيَّامِ حَيْضِهَا ، لَمْ يُعْتَدَّ بِهِ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .\rوَبِهِ قَالَ يَحْيَى الْأَنْصَارِيُّ ، وَرَبِيعَةُ ، وَمَالِكٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ .\rوَقَالَ أَبُو يُوسُفَ ، وَأَبُو ثَوْرٍ : لَا يَكُونُ حَيْضًا ، إلَّا أَنْ يَتَقَدَّمَهُ دَمٌ أَسْوَدُ ؛ لِأَنَّ أُمَّ عَطِيَّةَ ، وَكَانَتْ بَايَعَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ : كُنَّا لَا نَعْتَدُّ بِالصُّفْرَةِ وَالْكُدْرَةِ بَعْدَ الْغُسْلِ شَيْئًا .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَقَالَ : بَعْدَ الطُّهْرِ .\rوَلَنَا ، قَوْله تَعَالَى : { وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى } ، وَهَذَا يَتَنَاوَلُ الصُّفْرَةَ وَالْكُدْرَةَ ، وَرَوَى الْأَثْرَمُ ، بِإِسْنَادِهِ ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا كَانَتْ تَبْعَثُ إلَيْهَا النِّسَاءُ بِالدُّرْجَةِ فِيهَا الْكُرْسُفُ ، فِيهَا الصُّفْرَةُ وَالْكُدْرَةُ ، فَتَقُولُ : لَا تَعْجَلْنَ حَتَّى تَرَيْنَ الْقَصَّةَ الْبَيْضَاءَ تُرِيدُ بِذَلِكَ الطُّهْرَ مِنْ الْحَيْضَةِ .\rوَحَدِيثُ أُمِّ عَطِيَّةَ إنَّمَا يَتَنَاوَلُ مَا بَعْدَ الطُّهْرِ وَالِاغْتِسَالِ ، وَنَحْنُ نَقُولُ بِهِ ، وَقَدْ قَالَتْ عَائِشَةُ : مَا كُنَّا نَعُدُّ الْكُدْرَةَ وَالصُّفْرَةَ حَيْضًا .\rمَعَ قَوْلِهَا الْمُتَقَدِّمِ ، الَّذِي ذَكَرْنَاهُ .\r( 476 ) فَصْلٌ : وَحُكْمُ الصُّفْرَةِ وَالْكُدْرَةِ حُكْمُ الدَّمِ الْعَبِيطِ فِي أَنَّهَا فِي أَيَّامِ الْحَيْضِ حَيْضٌ ، وَتَجْلِسُ مِنْهَا الْمُبْتَدَأَةُ كَمَا تَجْلِسُ مِنْ غَيْرِهَا .\rوَإِنْ رَأَتْهَا فِيمَا بَعْدَ الْعَادَةِ فَهُوَ كَمَا لَوْ رَأَتْ غَيْرَهَا عَلَى مَا سَيَأْتِي ذِكْرُهُ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ .\rوَإِنْ طَهُرَتْ ثُمَّ رَأَتْ كُدْرَةً أَوْ صُفْرَةً ، لَمْ يُلْتَفَتْ إلَيْهَا ؛ لِخَبَرِ أُمِّ عَطِيَّةَ وَعَائِشَةَ ، وَقَدْ رَوَى النَّجَّادُ ، بِإِسْنَادِهِ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ فَاطِمَةَ ، عَنْ","part":2,"page":88},{"id":588,"text":"أَسْمَاءَ قَالَتْ : كُنَّا فِي حِجْرِهَا مَعَ بَنَاتِ بِنْتِهَا ، فَكَانَتْ إحْدَانَا تَطْهُرُ ثُمَّ تُصَلِّي ، ثُمَّ تُنَكِّسُ بِالصُّفْرَةِ الْيَسِيرَةِ ، فَنَسْأَلُهَا ، فَتَقُولُ : اعْتَزِلْنَ الصَّلَاةَ حَتَّى لَا تَرَيْنَ إلَّا الْبَيَاضَ خَالِصًا ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى ؛ لِمَا ذَكَرْنَا ، وَقَوْلُ عَائِشَةَ وَأُمِّ عَطِيَّةَ أَوْلَى مِنْ قَوْلِ أَسْمَاءَ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : مَعْنَى هَذَا أَنَّهَا لَا تَلْتَفِتُ إلَيْهِ قَبْلَ التَّكْرَارِ ، وَقَوْلُ أَسْمَاءَ فِيمَا إذَا تَكَرَّرَ ، فَجَمَعَ بَيْنَ الْأَخْبَارِ .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":2,"page":89},{"id":589,"text":"مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَيَسْتَمْتِعُ مِنْ الْحَائِضِ بِمَا دُونَ الْفَرْجِ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الِاسْتِمْتَاعَ مِنْ الْحَائِضِ فِيمَا فَوْقَ السُّرَّةِ وَدُونَ الرُّكْبَةِ جَائِزٌ بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ ، وَالْوَطْءُ فِي الْفَرْجِ مُحَرَّمٌ بِهِمَا .\rوَاخْتُلِفَ فِي الِاسْتِمْتَاعِ بِمَا بَيْنَهُمَا ؛ فَذَهَبَ أَحْمَدُ ، رَحِمَهُ اللَّهُ إلَى إبَاحَتِهِ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عِكْرِمَةَ ، وَعَطَاءٍ ، وَالشَّعْبِيِّ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَإِسْحَاقَ ، وَنَحْوَهُ قَالَ الْحَكَمُ ، فَإِنَّهُ قَالَ : لَا بَأْسَ أَنْ تَضَعَ عَلَى فَرْجِهَا ثَوْبًا مَا لَمْ يَدْخُلْهُ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ : لَا يُبَاحُ ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ ، قَالَتْ { : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْمُرُنِي فَأَتَّزِرُ ، فَيُبَاشِرُنِي وَأَنَا حَائِضٌ } .\rرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ .\rوَعَنْ عُمَرَ قَالَ : { سَأَلْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَمَّا يَحِلُّ لِلرَّجُلِ مِنْ امْرَأَتِهِ وَهِيَ حَائِضٌ فَقَالَ : فَوْقَ الْإِزَارِ } وَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ } ، وَالْمَحِيضُ : اسْمٌ لِمَكَانِ الْحَيْضِ ، كَالْمَقِيلِ وَالْمَبِيتِ ، فَتَخْصِيصُهُ مَوْضِعَ الدَّمِ بِالِاعْتِزَالِ دَلِيلٌ عَلَى إبَاحَتِهِ فِيمَا عَدَاهُ .\rفَإِنْ قِيلَ : بَلْ الْمَحِيضُ الْحَيْضُ ، مَصْدَرُ حَاضَتْ الْمَرْأَةُ حَيْضًا وَمَحِيضًا ، بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى فِي أَوَّلِ الْآيَةِ : { وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى } .\rوَالْأَذَى : هُوَ الْحَيْضُ الْمَسْئُولُ عَنْهُ ، وَقَالَ تَعَالَى : { وَاَللَّائِي يَئِسْنَ مِنْ الْمَحِيضِ } .\rقُلْنَا : اللَّفْظُ يَحْتَمِلُ الْمَعْنَيَيْنِ ، وَإِرَادَةُ مَكَانِ الدَّمِ أَرْجَحُ ، بِدَلِيلِ أَمْرَيْنِ : أَحَدُهُمَا أَنَّهُ لَوْ أَرَادَ الْحَيْضَ لَكَانَ أَمْرًا بِاعْتِزَالِ النِّسَاءِ فِي مُدَّةِ الْحَيْضِ بِالْكُلِّيَّةِ ، وَالْإِجْمَاعُ بِخِلَافِهِ .\rوَالثَّانِي ، أَنَّ سَبَبَ نُزُولِ الْآيَةِ ، أَنَّ الْيَهُودَ كَانُوا إذَا حَاضَتْ الْمَرْأَةُ اعْتَزَلُوهَا ، فَلَمْ يُؤَاكِلُوهَا ، وَلَمْ يُشَارِبُوهَا ، وَلَمْ يُجَامِعُوهَا فِي","part":2,"page":90},{"id":590,"text":"الْبَيْتِ ، فَسَأَلَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { اصْنَعُوا كُلَّ شَيْءٍ غَيْرَ النِّكَاحِ .\r} رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي \" صَحِيحِهِ \" وَهَذَا تَفْسِيرٌ لِمُرَادِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَلَا تَتَحَقَّقُ مُخَالَفَةُ الْيَهُودِ بِحَمْلِهَا عَلَى إرَادَةِ الْحَيْضِ ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ مُوَافِقًا لَهُمْ ، وَمِنْ السُّنَّةِ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ { : اصْنَعُوا كُلَّ شَيْءٍ غَيْرَ النِّكَاحِ } ، وَرُوِيَ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ : { اجْتَنِبْ مِنْهَا شِعَارَ الدَّمِ } .\rوَلِأَنَّهُ مَنَعَ الْوَطْءَ لِأَجْلِ الْأَذَى ، فَاخْتَصَّ مَكَانُهُ كَالدُّبُرِ ، وَمَا رَوَوْهُ عَنْ عَائِشَةَ دَلِيلٌ عَلَى حِلِّ مَا فَوْقَ الْإِزَارِ ، لَا عَلَى تَحْرِيمِ غَيْرِهِ ، وَقَدْ يَتْرُكُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْضَ الْمُبَاحِ تَقَذُّرًا ، كَتَرْكِهِ أَكْلَ الضَّبِّ وَالْأَرْنَبِ ، وَقَدْ رَوَى عِكْرِمَةُ عَنْ بَعْضِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إذَا أَرَادَ مِنْ الْحَائِضِ شَيْئًا أَلْقَى عَلَى فَرْجِهَا ثَوْبًا ثُمَّ مَا ذَكَرْنَاهُ مَنْطُوقٌ وَهُوَ أَوْلَى مِنْ الْمَفْهُومِ .","part":2,"page":91},{"id":591,"text":"( 478 ) فَصْلٌ : فَإِنْ وَطِئَ الْحَائِضَ فِي الْفَرْجِ أَثِمَ ، وَيَسْتَغْفِرُ اللَّهَ تَعَالَى ، وَفِي الْكَفَّارَةِ رِوَايَتَانِ : إحْدَاهُمَا ، يَجِبُ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ ؛ لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد ، وَالنَّسَائِيُّ ، بِإِسْنَادِهِمَا ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ، فِي الَّذِي يَأْتِي امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ : يَتَصَدَّقُ بِدِينَارٍ أَوْ بِنِصْفِ دِينَارٍ } .\rوَالثَّانِيَةُ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ أَتَى كَاهِنًا فَصَدَّقَهُ بِمَا قَالَ ، أَوْ أَتَى امْرَأَتَهُ فِي دُبُرِهَا ، أَوْ أَتَى حَائِضًا ، فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ } رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ ، وَلَمْ يَذْكُرْ كَفَّارَةً ؛ وَلِأَنَّهُ وَطْءٌ نُهِيَ عَنْهُ لِأَجْلِ الْأَذَى ، فَأَشْبَهَ الْوَطْءَ فِي الدُّبُرِ .\rوَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ كَالرِّوَايَتَيْنِ .\rوَحَدِيثُ الْكَفَّارَةِ مَدَارُهُ عَلَى عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ ، وَقَدْ قِيلَ لِأَحْمَدَ : فِي نَفْسِك مِنْهُ شَيْءٌ ؟ قَالَ : نَعَمْ لِأَنَّهُ مِنْ حَدِيثِ فُلَانٍ .\rأَظُنُّهُ قَالَ : عَبْدُ الْحَمِيدِ وَقَالَ : لَوْ صَحَّ ذَلِكَ الْحَدِيثُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُنَّا نَرَى عَلَيْهِ الْكَفَّارَةَ .\rوَقَالَ فِي مَوْضِعٍ : لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ ، وَقَدْ رَوَى النَّاسُ عَنْهُ .\rفَاخْتِلَافُ الرِّوَايَةِ فِي الْكَفَّارَةِ مَبْنِيٌّ عَلَى اخْتِلَافِ قَوْلِ أَحْمَدَ فِي الْحَدِيثِ .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ : إنْ كَانَتْ لَهُ مَقْدِرَةٌ تَصَدَّقَ بِمَا جَاءَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَامِدٍ ؛ كَفَّارَةُ وَطْءِ الْحَائِضِ تَسْقُطُ بِالْعَجْزِ عَنْهَا ، أَوْ عَنْ بَعْضِهَا ، كَكَفَّارَةِ الْوَطْءِ فِي رَمَضَانَ .","part":2,"page":92},{"id":592,"text":"( 479 ) فَصْلٌ : وَفِي قَدْرِ الْكَفَّارَةِ رِوَايَتَانِ : إحْدَاهُمَا ، أَنَّهَا دِينَارٌ ، أَوْ نِصْفُ دِينَارٍ ، عَلَى سَبِيلِ التَّخْيِيرِ ، أَيَّهُمَا أَخْرَجَ أَجْزَأَهُ ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَالثَّانِيَةُ ، أَنَّ الدَّمَ إنْ كَانَ أَحْمَرَ فَهِيَ دِينَارٌ ، وَإِنْ كَانَ أَصْفَرَ ، فَنِصْفُ دِينَارٍ .\rوَهُوَ قَوْلُ إِسْحَاقَ ، وَقَالَ النَّخَعِيُّ : إنْ كَانَ فِي فَوْرِ الدَّمِ فَدِينَارٌ ، وَإِنْ كَانَ فِي آخِرِهِ فَنِصْفُ دِينَارٍ ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { إنْ كَانَ دَمًا أَحْمَرَ فَدِينَارٌ ، وَإِنْ كَانَ دَمًا أَصْفَرَ فَنِصْفُ دِينَارٍ } .\rرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ .\rقَالَ أَبُو دَاوُد الرِّوَايَةُ الصَّحِيحَةُ : \" يَتَصَدَّقُ بِدِينَارٍ أَوْ بِنِصْفِ دِينَارٍ \" .\rوَلِأَنَّهُ حُكْمٌ تَعَلَّقَ بِالْحَيْضِ ، فَلَمْ يُفَرَّقْ بَيْنَ أَوَّلِهِ وَآخِرِهِ ، كَسَائِرِ أَحْكَامِهِ .\rفَإِنْ قِيلَ : فَكَيْفَ تُخَيَّرُ بَيْنَ شَيْءٍ وَنِصْفِهِ ؟ قُلْنَا : كَمَا يُخَيَّرُ الْمُسَافِرُ بَيْنَ قَصْرِ الصَّلَاةِ وَإِتْمَامِهَا ، فَأَيُّهُمَا فَعَلَ كَانَ وَاجِبًا ، كَذَا هَاهُنَا .","part":2,"page":93},{"id":593,"text":"( 480 ) فَصْلٌ : وَإِنْ وَطِئَ بَعْدَ طُهْرِهَا ، وَقَبْلَ غُسْلِهَا فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ .\rوَقَالَ قَتَادَةُ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ : عَلَيْهِ نِصْفُ دِينَارٍ .\rوَلَوْ وَطِئَ فِي حَالِ جَرَيَانِ الدَّمِ ، لَزِمَهُ دِينَارٌ ؛ لِأَنَّهُ حُكْمٌ تَعَلَّقَ بِالْوَطْءِ فِي الْحَيْضِ ، فَثَبَتَ قَبْلَ الْغُسْلِ ، كَالتَّحْرِيمِ .\rوَلَنَا أَنَّ وُجُوبَ الْكَفَّارَةِ بِالشَّرْعِ ، وَإِنَّمَا وَرَدَ بِهَا الْخَبَرُ فِي الْحَائِضِ ، وَغَيْرُهَا لَا يُسَاوِيهَا ؛ لِأَنَّ الْأَذَى الْمَانِعَ مِنْ وَطْئِهَا قَدْ زَالَ بِانْقِطَاعِ الدَّمِ ، وَمَا ذَكَرُوهُ يَبْطُلُ بِمَا لَوْ حَلَفَ لَا يَطَأُ حَائِضًا ، فَإِنَّ الْكَفَّارَةَ تَجِبُ بِالْوَطْءِ فِي الْحَيْضِ ، وَلَا تَجِبُ فِي غَيْرِهِ .","part":2,"page":94},{"id":594,"text":"( 481 ) فَصْلٌ : وَهَلْ تَجِبُ الْكَفَّارَةُ عَلَى الْجَاهِلِ وَالنَّاسِي ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا ، تَجِبُ لِعُمُومِ الْخَبَرِ ؛ وَلِأَنَّهَا كَفَّارَةٌ تَجِبُ بِالْوَطْءِ ، أَشْبَهَتْ كَفَّارَةَ الْوَطْءِ فِي الصَّوْمِ وَالْإِحْرَامِ .\rوَالثَّانِي ، لَا تَجِبُ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ { : عُفِيَ لِأُمَّتِي عَنْ الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ } .\rوَلِأَنَّهَا تَجِبُ لِمَحْوِ الْمَأْثَمِ ، فَلَا تَجِبُ مَعَ النِّسْيَانِ ، كَكَفَّارَةِ الْيَمِينِ ، فَعَلَى هَذَا لَوْ وَطِئَ طَاهِرًا ، فَحَاضَتْ فِي أَثْنَاءِ وَطْئِهِ ، لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ .\rوَعَلَى الرِّوَايَةِ الْأُولَى ، عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ .\rوَهُوَ قَوْلُ ابْنِ حَامِدٍ ، قَالَ : وَلَوْ وَطِئَ الصَّبِيُّ لَزِمَتْهُ الْكَفَّارَةُ ؛ لِعُمُومِ الْخَبَرِ ، وَقِيَاسًا عَلَى كَفَّارَةِ الْإِحْرَامِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَلْزَمَهُ كَفَّارَةٌ ؛ لِأَنَّ أَحْكَامَ التَّكْلِيفِ لَا تَثْبُتُ فِي حَقِّهِ ، وَهَذَا مِنْ فُرُوعِهَا ، فَلَا تَثْبُتُ .","part":2,"page":95},{"id":595,"text":"( 482 ) فَصْلٌ : وَهَلْ تَلْزَمُ الْمَرْأَةَ كَفَّارَةٌ ؟ الْمَنْصُوصُ أَنَّ عَلَيْهَا الْكَفَّارَةُ .\rقَالَ أَحْمَدُ فِي امْرَأَةٍ غَرَّتْ زَوْجَهَا : إنَّ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةَ وَعَلَيْهَا ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ وَطْءٌ يُوجِبُ الْكَفَّارَةَ ، فَأَوْجَبَهَا عَلَى الْمَرْأَةِ الْمُطَاوِعَةِ ، كَكَفَّارَةِ الْوَطْءِ فِي الْإِحْرَامِ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : فِي وُجُوبِهَا عَلَى الْمَرْأَةِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا لَا يَجِبُ ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ لَمْ يَرِدْ بِإِيجَابِهَا عَلَيْهَا ، وَإِنَّمَا يَتَلَقَّى الْوُجُوبَ مِنْ الشَّرْعِ .\rوَإِنْ كَانَتْ مُكْرَهَةً أَوْ غَيْرَ عَالِمَةٍ ، فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهَا ، لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ { : عُفِيَ لِأُمَّتِي عَنْ الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ ، وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ .\r} ( 483 ) فَصْلٌ : وَالنُّفَسَاءُ كَالْحَائِضِ فِي هَذَا ؛ لِأَنَّهَا تُسَاوِيهَا فِي سَائِرِ أَحْكَامِهَا ، وَيُجْزِئُ نِصْفُ دِينَارٍ مِنْ أَيِّ ذَهَبٍ كَانَ إذَا كَانَ صَافِيًا مِنْ الْغِشِّ ، وَيَسْتَوِي تِبْرُهُ وَمَضْرُوبُهُ ، لِوُقُوعِ الِاسْمِ عَلَيْهِ .\rوَهَلْ يَجُوزُ إخْرَاجُ قِيمَتِهِ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا ، يَجُوزُ ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ يَحْصُلُ بِإِخْرَاجِ هَذَا الْقَدْرِ مِنْ الْمَالِ ، عَلَى أَيِّ صِفَةٍ كَانَ مِنْ الْمَالِ ، فَجَازَ بِأَيِّ مَالٍ كَانَ ، كَالْخَرَاجِ وَالْجِزْيَةِ .\rوَالثَّانِي ، لَا يَجُوزُ ؛ لِأَنَّهُ كَفَّارَةٌ ، فَاخْتُصَّ بِبَعْضِ أَنْوَاعِ الْمَالِ ، كَسَائِرِ الْكَفَّارَاتِ ، فَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ هَلْ يَجُوزُ إخْرَاجُ الدَّرَاهِمِ مَكَانَ الدِّينَارِ فِيهِ وَجْهَانِ ، بِنَاءً عَلَى إخْرَاجِهَا عَنْهُ فِي الزَّكَاةِ ، وَالصَّحِيحُ جَوَازُهُ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا ؛ وَلِأَنَّهُ حَقٌّ يُجْزِئُ فِيهِ أَحَدُ الثَّمَنَيْنِ ، فَأَجْزَأَ فِيهِ الْآخَرُ ، كَسَائِرِ الْحُقُوقِ .\rوَمَصْرِفُ هَذِهِ الْكَفَّارَةِ إلَى مَصْرِفِ سَائِرِ الْكَفَّارَاتِ ؛ لِكَوْنِهَا كَفَّارَةً ؛ وَلِأَنَّ الْمَسَاكِينَ مَصْرِفُ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَهَذَا مِنْهَا .","part":2,"page":96},{"id":596,"text":"( 484 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( فَإِنْ انْقَطَعَ دَمُهَا ، فَلَا تُوطَأُ حَتَّى تَغْتَسِلَ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ وَطْءَ الْحَائِضِ قَبْلَ الْغُسْلِ حَرَامٌ ، وَإِنْ انْقَطَعَ دَمُهَا فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : هَذَا كَالْإِجْمَاعِ مِنْهُمْ .\rوَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَرُّوذِيُّ : لَا أَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إنْ انْقَطَعَ الدَّمُ لِأَكْثَرِ الْحَيْضِ ، حَلَّ وَطْؤُهَا ، وَإِنْ انْقَطَعَ لِدُونِ ذَلِكَ ، لَمْ يُبَحْ حَتَّى تَغْتَسِلَ ، أَوْ تَتَيَمَّمَ ، أَوْ يَمْضِيَ عَلَيْهَا وَقْتُ صَلَاةٍ ؛ لِأَنَّ وُجُوبَ الْغُسْلِ لَا يَمْنَعُ مِنْ الْوَطْءِ بِالْجَنَابَةِ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمْ اللَّهُ } .\rيَعْنِي إذَا اغْتَسَلْنَ .\rهَكَذَا فَسَّرَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ؛ وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ فِي الْآيَةِ : { وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ } .\rفَأَثْنَى عَلَيْهِمْ ، فَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ فِعْلٌ مِنْهُمْ أَثْنَى عَلَيْهِمْ بِهِ ، وَفِعْلُهُمْ هُوَ الِاغْتِسَالُ دُونَ انْقِطَاعِ الدَّمِ ، فَشَرَطَ لِإِبَاحَةِ الْوَطْءِ شَرْطَيْنِ : انْقِطَاعَ الدَّمِ ، وَالِاغْتِسَالَ ، فَلَا يُبَاحُ إلَّا بِهِمَا ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ } .\rلَمَّا اشْتَرَطَ لِدَفْعِ الْمَالِ إلَيْهِمْ بُلُوغَ النِّكَاحِ وَالرُّشْدَ لَمْ يُبَحْ إلَّا بِهِمَا .\rكَذَا هَاهُنَا ؛ وَلِأَنَّهَا مَمْنُوعَةٌ مِنْ الصَّلَاةِ لِحَدَثِ الْحَيْضِ ، فَلَمْ يُبَحْ وَطْؤُهَا كَمَا لَوْ انْقَطَعَ لِأَقَلِّ الْحَيْضِ .\rوَمَا ذَكَرُوهُ مِنْ الْمَعْنَى مَنْقُوضٌ بِمَا إذَا انْقَطَعَ لِأَقَلِّ الْحَيْضِ ؛ وَلِأَنَّ حَدَثَ الْحَيْضِ آكَدُ مِنْ حَدَثِ الْجَنَابَةِ ، فَلَا يَصِحُّ قِيَاسُهُ عَلَيْهِ .","part":2,"page":97},{"id":597,"text":"( 485 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَلَا تُوطَأُ مُسْتَحَاضَةٌ إلَّا أَنْ يَخَافَ عَلَى نَفْسِهِ ) اُخْتُلِفَ عَنْ أَحْمَدَ ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، فِي وَطْءِ الْمُسْتَحَاضَةِ ، فَرُوِيَ لَيْسَ لَهُ وَطْؤُهَا إلَّا أَنْ يَخَافَ عَلَى نَفْسِهِ الْوُقُوعَ فِي مَحْظُورٍ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ سِيرِينَ ، وَالشَّعْبِيِّ ، وَالنَّخَعِيِّ ، وَالْحَاكِمِ ؛ لِمَا رَوَى الْخَلَّالُ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَائِشَةَ ، أَنَّهَا قَالَتْ : الْمُسْتَحَاضَةُ لَا يَغْشَاهَا زَوْجُهَا .\rوَلِأَنَّ بِهَا أَذًى ، فَيَحْرُمُ وَطْؤُهَا كَالْحَائِضِ ؛ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى مَنَعَ وَطْءَ الْحَائِضِ مُعَلِّلًا بِالْأَذَى بِقَوْلِهِ : { قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ } .\rأَمَرَ بِاعْتِزَالِهِنَّ عَقِيبَ الْأَذَى مَذْكُورًا بِفَاءِ التَّعْقِيبِ ؛ وَلِأَنَّ الْحُكْمَ إذَا ذُكِرَ مَعَ وَصْفٍ يَقْتَضِيهِ وَيَصْلُحُ لَهُ ، عُلِّلَ بِهِ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا } وَالْأَذَى يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ عِلَّةً .\rفَيُعَلَّلُ بِهِ ، وَهُوَ مَوْجُودٌ فِي الْمُسْتَحَاضَةِ ، فَيَثْبُتُ التَّحْرِيمُ فِي حَقِّهَا وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ إبَاحَةُ وَطْئِهَا مُطْلَقًا ، مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ ؛ لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنْ حَمْنَةَ بِنْتِ جَحْشٍ ، أَنَّهَا كَانَتْ مُسْتَحَاضَةً ، وَكَانَ زَوْجُهَا يُجَامِعُهَا .\rوَقَالَ : كَانَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ تُسْتَحَاضُ ، وَكَانَ زَوْجُهَا يَغْشَاهَا ؛ وَلِأَنَّ حَمْنَةَ كَانَتْ تَحْتَ طَلْحَةَ ، وَأُمُّ حَبِيبَةَ تَحْتَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَقَدْ سَأَلَتَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَحْكَامِ الْمُسْتَحَاضَةِ ، فَلَوْ كَانَ حَرَامًا لَبَيَّنَهُ لَهُمَا .\rوَإِنْ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ الْوُقُوعَ فِي مَحْظُورٍ إنْ تَرَكَ الْوَطْءَ ، أُبِيحَ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ ؛ لِأَنَّ حُكْمَهَا أَخَفُّ مِنْ حُكْمِ الْحَائِضِ ، وَلَوْ وَطِئَهَا مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ ، فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ الْوُجُوبَ مِنْ الشَّرْعِ ، وَلَمْ يَرِدْ بِإِيجَابِهَا فِي حَقِّهَا ، وَلَا هِيَ فِي مَعْنَى الْحَائِضِ لِمَا بَيْنَهُمَا مِنْ","part":2,"page":98},{"id":598,"text":"الِاخْتِلَافِ .\rوَإِذَا انْقَطَعَ دَمُهَا ، أُبِيحَ وَطْؤُهَا مِنْ غَيْرِ غُسْلٍ ؛ لَيْسَ بِوَاجِبٍ عَلَيْهَا ، أَشْبَهَ سَلَسَ الْبَوْلِ .","part":2,"page":99},{"id":599,"text":"( 486 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَالْمُبْتَلَى بِسَلَسِ الْبَوْلِ ، وَكَثْرَةِ الْمَذْيِ ، فَلَا يَنْقَطِعُ ، كَالْمُسْتَحَاضَةِ ، يَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ ، بَعْدَ أَنْ يَغْسِلَ فَرْجَهُ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْمُسْتَحَاضَةَ ، وَمَنْ بِهِ سَلَسُ الْبَوْلِ أَوْ الْمَذْيُ ، أَوْ الْجَرِيحَ الَّذِي لَا يَرْقَأُ دَمُهُ ، وَأَشْبَاهَهُمْ مِمَّنْ يَسْتَمِرُّ مِنْهُ الْحَدَثُ وَلَا يُمْكِنُهُ حِفْظُ طَهَارَتِهِ ، عَلَيْهِ الْوُضُوءُ لِكُلِّ صَلَاةٍ بَعْدَ غَسْلِ مَحَلِّ الْحَدَثِ ، وَشَدِّهِ وَالتَّحَرُّزِ مِنْ خُرُوجِ الْحَدَثِ بِمَا يُمْكِنُهُ .\rفَالْمُسْتَحَاضَةُ تَغْسِلُ الْمَحَلَّ ، ثُمَّ تَحْشُوهُ بِقُطْنٍ أَوْ مَا أَشْبَهَهُ ، لِيَرُدَّ الدَّمَ ؛ { لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِحَمْنَةَ ، حِينَ شَكَتْ إلَيْهِ كَثْرَةَ الدَّمِ : أَنْعَتُ لَك الْكُرْسُفَ ، فَإِنَّهُ يُذْهِبُ الدَّمَ .\rفَإِنْ لَمْ يَرْتَدَّ الدَّمُ بِالْقُطْنِ ، اسْتَثْفَرَتْ بِخِرْقَةٍ مَشْقُوقَةِ الطَّرَفَيْنِ ، تَشُدُّهَا عَلَى جَنْبَيْهَا وَوَسَطُهَا عَلَى الْفَرْجِ } ، وَهُوَ الْمَذْكُورُ فِي حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ \" لِتَسْتَثْفِرْ بِثَوْبٍ .\rوَقَالَ لِحَمْنَةَ \" تَلَجَّمِي \" .\rلَمَّا قَالَتْ : إنَّهُ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ .\rفَإِذَا فَعَلْت ذَلِكَ ، ثُمَّ خَرَجَ الدَّمُ ، فَإِنْ كَانَ لِرَخَاوَةِ الشَّدِّ ، فَعَلَيْهَا إعَادَةُ الشَّدِّ وَالطَّهَارَةُ ، وَإِنْ كَانَ لِغَلَبَةِ الْخَارِجِ وَقُوَّتِهِ وَكَوْنِهِ لَا يُمْكِنُ شَدُّهُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ ، لَمْ تَبْطُلْ الطَّهَارَةُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ ، فَتُصَلِّي وَلَوْ قَطَرَ الدَّمُ ، قَالَتْ عَائِشَةُ : { اعْتَكَفَتْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ امْرَأَةٌ مِنْ أَزْوَاجِهِ ، فَكَانَتْ تَرَى الدَّمَ وَالصُّفْرَةَ وَالطَّسْتُ تَحْتَهَا وَهِيَ تُصَلِّي } .\rرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ، وَفِي حَدِيثٍ { : صَلِّي وَإِنْ قَطَرَ الدَّمُ عَلَى الْحَصِيرِ } .\rوَكَذَلِكَ مَنْ بِهِ سَلَسُ الْبَوْلِ ، أَوْ كَثْرَةُ الْمَذْيِ ، يَعْصِبُ رَأْسَ ذَكَرِهِ بِخِرْقَةٍ ، وَيَحْتَرِسُ حَسَبَ مَا يُمْكِنُهُ ، وَيَفْعَلُ مَا ذُكِرَ .\rوَكَذَلِكَ مَنْ بِهِ جُرْحٌ يَفُورُ مِنْهُ الدَّمُ ، أَوْ بِهِ","part":2,"page":100},{"id":600,"text":"رِيحٌ ، أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ مِنْ الْأَحْدَاثِ مِمَّنْ لَا يُمْكِنُهُ قَطْعُهُ عَنْ نَفْسِهِ ، فَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يُمْكِنُ عَصْبُهُ ، مِثْلُ مَنْ بِهِ جُرْحٌ لَا يُمْكِنُ شَدُّهُ ، أَوْ بِهِ بَاسُورٌ أَوْ نَاصُورٌ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ عَصْبِهِ ، صَلَّى عَلَى حَسَبِ حَالِهِ ، كَمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ حِينَ طُعِنَ صَلَّى وَجُرْحُهُ يَثْعَبُ دَمًا .\r( 487 ) فَصْلٌ : وَيَلْزَمُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ الْوُضُوءُ لِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ ، إلَّا أَنْ يَخْرُجَ مِنْهُ شَيْءٌ ، وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَقَالَ مَالِكٌ لَا يَجِبُ الْوُضُوءُ عَلَى الْمُسْتَحَاضَةِ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عِكْرِمَةَ وَرَبِيعَةَ .\rوَاسْتَحَبَّ مَالِكٌ لِمَنْ بِهِ سَلَسُ الْبَوْلِ أَنْ يَتَوَضَّأَ لِكُلِّ صَلَاةٍ ، إلَّا أَنْ يُؤْذِيَهُ الْبَرْدُ ، فَإِنْ آذَاهُ قَالَ : فَأَرْجُو أَنْ لَا يَكُونَ عَلَيْهِ ضِيقٌ فِي تَرْكِ الْوُضُوءِ .\rوَاحْتَجُّوا بِأَنَّ فِي حَدِيثِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِفَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حُبَيْشٍ : { فَاغْتَسِلِي وَصَلِّي } .\rوَلَمْ يَأْمُرْهَا بِالْوُضُوءِ ؛ وَلِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَنْصُوصٍ عَلَى الْوُضُوءِ مِنْهُ ، وَلَا فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ ؛ لِأَنَّ الْمَنْصُوصَ عَلَيْهِ الْخَارِجُ الْمُعْتَادُ ، وَلَيْسَ هَذَا بِمُعْتَادٍ ، وَلَنَا مَا رَوَى عَدِيُّ بْنُ ثَابِتٍ عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي { الْمُسْتَحَاضَةِ : تَدَعُ الصَّلَاةَ أَيَّامَ أَقْرَائِهَا ثُمَّ تَغْتَسِلُ ، وَتَصُومُ وَتُصَلِّي ، وَتَتَوَضَّأُ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَعَنْ عَائِشَةَ ، قَالَتْ : { جَاءَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ أَبِي حُبَيْشٍ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَتْ خَبَرَهَا ، ثُمَّ قَالَ : اغْتَسِلِي ، ثُمَّ تَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلَاةٍ وَصَلِّي } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَقَالَ : حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ .\rوَلِأَنَّهُ خَارِجٌ مِنْ السَّبِيلِ ، فَنَقَضَ الْوُضُوءَ ، كَالْمَذْيِ .\rإذَا","part":2,"page":101},{"id":601,"text":"ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّ طَهَارَةَ هَؤُلَاءِ مُقَيَّدَةٌ بِالْوَقْتِ ؛ لِقَوْلِهِ : \" تَتَوَضَّأُ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ \" .\rوَقَوْلِهِ : \" ثُمَّ تَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلَاةٍ \" .\rوَلِأَنَّهَا طَهَارَةُ عُذْرٍ وَضَرُورَةٍ ، فَتَقَيَّدَتْ بِالْوَقْتِ ، كَالتَّيَمُّمِ .\r( 488 ) فَصْلٌ : فَإِنْ تَوَضَّأَ أَحَدُ هَؤُلَاءِ قَبْلَ الْوَقْتِ ، وَخَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ ، بَطَلَتْ طَهَارَتُهُ ؛ لِأَنَّ دُخُولَهُ يَخْرُجُ بِهِ الْوَقْتُ الَّذِي تَوَضَّأَ فِيهِ ، وَخُرُوجُ الْوَقْتِ مُبْطِلٌ لِهَذِهِ الطَّهَارَةِ ، كَمَا قَرَّرْنَاهُ ؛ وَلِأَنَّ الْحَدَثَ مُبْطِلٌ لِلطَّهَارَةِ ، وَإِنَّمَا عُفِيَ عَنْهُ لِعَدَمِ إمْكَانِ التَّحَرُّزِ عَنْهُ مَعَ الْحَاجَةِ إلَى الطَّهَارَةِ .\rوَإِنْ تَوَضَّأَ بَعْدَ الْوَقْتِ صَحَّ ، وَارْتَفَعَ حَدَثُهُ ، وَلَمْ يُؤَثِّرْ فِيهِ مَا يَتَجَدَّدُ مِنْ الْحَدَثِ الَّذِي لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ .\rفَإِنْ دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ عَقِيبَ طَهَارَتِهِ ، أَوْ أَخَّرَهَا لِأَمْرٍ يَتَعَلَّقُ بِمَصْلَحَةِ الصَّلَاةِ ، كَلُبْسِ الثِّيَابِ ، وَانْتِظَارِ الْجَمَاعَةِ ، أَوْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ خَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ ، جَازَ .\rوَإِنْ أَخَّرَهَا لِغَيْرِ ذَلِكَ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا ، الْجَوَازُ ؛ لِأَنَّهَا طَهَارَةٌ أُرِيدَتْ لِلصَّلَاةِ بَعْدَ دُخُولِ وَقْتِهَا ، فَأَشْبَهَتْ التَّيَمُّمَ ؛ وَلِأَنَّهَا طَهَارَةُ ضَرُورَةٍ ، فَتَقَيَّدَتْ بِالْوَقْتِ ، كَالتَّيَمُّمِ .\rوَالثَّانِي ، لَا يَجُوزُ ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا أُبِيحَ لَهُ الصَّلَاةُ بِهَذِهِ الطَّهَارَةِ مَعَ قِيَامِ الْحَدَثِ لِلْحَاجَةِ وَالضَّرُورَةِ ، وَلَا ضَرُورَةَ هَاهُنَا .\rوَإِنْ خَرَجَ الْوَقْتُ بَعْدَ أَنْ خَرَجَ مِنْهَا شَيْءٌ ، أَوْ أَحْدَثَتْ حَدَثًا سِوَى هَذَا الْخَارِجِ ، بَطَلَتْ الطَّهَارَةُ .\rقَالَ أَحْمَدُ ، فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ بْنِ الْقَاسِمِ : إنَّمَا أَمَرَهَا أَنْ تَتَوَضَّأَ لِكُلِّ صَلَاةٍ ، فَتُصَلِّي بِذَلِكَ الْوُضُوءِ النَّافِلَةَ وَالصَّلَاةَ الْفَائِتَةَ ، حَتَّى يَدْخُلَ وَقْتُ الصَّلَاةِ الْأُخْرَى ، فَتَتَوَضَّأُ أَيْضًا .\rوَهَذَا يَقْتَضِي إلْحَاقَهَا بِالتَّيَمُّمِ ، فِي أَنَّهَا بَاقِيَةٌ بِبَقَاءِ الْوَقْتِ ، يَجُوزُ لَهَا أَنْ تَتَطَوَّعَ بِهَا","part":2,"page":102},{"id":602,"text":"، وَتَقْضِيَ بِهَا الْفَوَائِتَ ، وَتَجْمَعَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ ، مَا لَمْ تُحْدِثْ حَدَثًا آخَرَ ، أَوْ يَخْرُجْ الْوَقْتُ .","part":2,"page":103},{"id":603,"text":"( 489 ) فَصْلٌ : وَيَجُوزُ لِلْمُسْتَحَاضَةِ الْجَمْعُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ ؛ لِأَنَّ { النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ حَمْنَةَ بِنْتَ جَحْشٍ بِالْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ بِغُسْلٍ وَاحِدٍ ، وَأَمَرَ بِهِ سَهْلَةَ بِنْتَ سُهَيْلٍ ، } وَغَيْرُ الْمُسْتَحَاضَةِ مِنْ أَهْلِ الْأَعْذَارِ مَقِيسٌ عَلَيْهَا ، وَمُلْحَقٌ بِهَا .","part":2,"page":104},{"id":604,"text":"( 490 ) فَصْلٌ : إذَا تَوَضَّأْت الْمُسْتَحَاضَةُ ، ثُمَّ انْقَطَعَ دَمُهَا ، فَإِنْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ انْقَطَعَ لِبُرْئِهَا بِاتِّصَالِ الِانْقِطَاعِ ، تَبَيَّنَّا أَنَّ وُضُوءَهَا بَطَلَ بِانْقِطَاعِهِ ؛ لِأَنَّ الْحَدَثَ الْخَارِجَ مُبْطِلٌ لِلطَّهَارَةِ عُفِيَ عَنْهُ لِلْعُذْرِ ، فَإِذَا زَالَ الْعُذْرُ زَالَتْ الضَّرُورَةُ ، فَظَهَرَ حُكْمُ الْحَدَثِ .\rوَإِنْ عَادَ الدَّمُ فَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ لَا عِبْرَةَ بِهَذَا الِانْقِطَاعِ .\rقَالَ أَحْمَدُ بْنُ الْقَاسِمِ : سَأَلْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ، فَقُلْت : إنَّ هَؤُلَاءِ يَتَكَلَّمُونَ بِكَلَامٍ كَثِيرٍ ، وَيُوَقِّتُونَ بِوَقْتٍ ، يَقُولُونَ : إذَا تَوَضَّأَتْ لِلصَّلَاةِ ، وَقَدْ انْقَطَعَ الدَّمُ ثُمَّ سَالَ بَعْدَ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ تَدْخُلَ فِي الصَّلَاةِ ، تُعِيدُ الْوُضُوءَ .\rوَيَقُولُونَ : إذَا كَانَ الدَّمُ سَائِلًا ، فَتَوَضَّأَتْ ، ثُمَّ انْقَطَعَ الدَّمُ ، قَوْلًا آخَرَ .\rقَالَ : لَسْت أَنْظُرُ فِي انْقِطَاعِهِ حِينَ تَوَضَّأَتْ سَالَ أَمْ لَمْ يَسِلْ ، إنَّمَا آمُرُهَا أَنْ تَتَوَضَّأَ لِكُلِّ صَلَاةٍ ، فَتُصَلِّي بِذَلِكَ الْوُضُوءِ النَّافِلَةَ وَالْفَائِتَةَ ، حَتَّى يَدْخُلَ وَقْتُ الصَّلَاةِ الْأُخْرَى ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَهَا بِالْوُضُوءِ لِكُلِّ صَلَاةٍ ، مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ ، فَالتَّفْصِيلُ يُخَالِفُ مُقْتَضَى الْخَبَرِ ؛ وَلِأَنَّ اعْتِبَارَ هَذَا يَشُقُّ ، وَالْعَادَةُ فِي الْمُسْتَحَاضَةِ وَأَصْحَابِ هَذِهِ الْأَعْذَارِ أَنَّ الْخَارِجَ يَجْرِي وَيَنْقَطِعُ ، وَاعْتِبَارُ مِقْدَارِ الِانْقِطَاعِ فِيمَا يُمْكِنُ فِعْلُ الْعِبَادَةِ فِيهِ يَشُقُّ ، وَإِيجَابُ الْوُضُوءِ بِهِ حَرَجٌ لَمْ يَرِدْ الشَّرْعُ بِهِ ، وَلَا سَأَلَ عَنْهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُسْتَحَاضَةَ الَّتِي اسْتَفْتَتْهُ ، فَيَدُلُّ ذَلِكَ ظَاهِرًا عَلَى عَدَمِ اعْتِبَارِهِ مَعَ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ } ، وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ هَذَا التَّفْصِيلُ .\rوَقَالَ الْقَاضِي ، وَابْنُ عَقِيلٍ : إنْ تَطَهَّرَتْ","part":2,"page":105},{"id":605,"text":"الْمُسْتَحَاضَةُ حَالَ جَرَيَانِ دَمِهَا ثُمَّ انْقَطَعَ قَبْلَ دُخُولِهَا فِي الصَّلَاةِ ، وَلَمْ يَكُنْ لَهَا عَادَةٌ بِانْقِطَاعِهِ ، لَمْ يَكُنْ لَهَا الدُّخُولُ فِي الصَّلَاةِ حَتَّى تَتَوَضَّأَ ؛ لِأَنَّهَا طَهَارَةٌ عُفِيَ عَنْ الْحَدَثِ فِيهَا لِمَكَانِ الضَّرُورَةِ ، فَإِذَا انْقَطَعَ الدَّمُ زَالَتْ الضَّرُورَةُ ، فَظَهَرَ حُكْمُ الْحَدَثِ كَالْمُتَيَمِّمِ إذَا وَجَدَ الْمَاءَ ، وَإِنْ دَخَلَتْ فِي الصَّلَاةِ فَاتَّصَلَ الِانْقِطَاعُ زَمَنًا يُمْكِنُ الْوُضُوءُ وَالصَّلَاةُ فِيهِ ، فَهِيَ بَاطِلَةٌ ؛ لِأَنَّنَا تَبَيَّنَّا بُطْلَانَ طَهَارَتِهَا بِانْقِطَاعِهِ .\rوَإِنْ عَادَ قَبْلَ ذَلِكَ ، فَطَهَارَتُهَا صَحِيحَةٌ ؛ لِأَنَّنَا تَبَيَّنَّا عَدَمَ الطُّهْرِ الْمُبْطِلِ لِلطَّهَارَةِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ ظَنَّ أَنَّهُ أَحْدَثَ ، ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَمْ يُحْدِثْ .\rوَفِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا ، يَصِحُّ ؛ لِأَنَّنَا تَبَيَّنَّا صِحَّةَ طَهَارَتِهَا ؛ لِبَقَاءِ اسْتِحَاضَتِهَا وَالثَّانِي ، لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّهَا صَلَّتْ بِطَهَارَةٍ لَمْ يَكُنْ لَهَا أَنْ تُصَلِّيَ بِهَا فَلَمْ تَصِحَّ ، كَمَا لَوْ تَيَقَّنَ الْحَدَثَ وَشَكَّ فِي الطَّهَارَةِ ، فَصَلَّى ، ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ كَانَ مُتَطَهِّرًا .\rوَإِنْ عَاوَدَهَا الدَّمُ قَبْلَ دُخُولِهَا فِي الصَّلَاةِ لِمُدَّةٍ تَتَّسِعُ لِلطَّهَارَةِ وَالصَّلَاةِ ، بَطَلَتْ الطَّهَارَةُ ، وَإِنْ كَانَتْ لَا تَتَّسِعُ ، لَمْ تَبْطُلْ ؛ لِأَنَّنَا تَبَيَّنَّا عَدَمَ الطُّهْرِ الْمُبْطِلِ لِلطَّهَارَةِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ ظَنَّ أَنَّهُ أَحْدَثَ ، فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ لَمْ يُحْدِثْ ، وَإِنْ كَانَ انْقِطَاعُهُ فِي الصَّلَاةِ ، فَفِي بُطْلَانِ الصَّلَاةِ بِهِ وَجْهَانِ مَبْنِيَّانِ عَلَى الْمُتَيَمِّمِ يَرَى الْمَاءَ فِي الصَّلَاةِ .\rذَكَرَ ذَلِكَ ابْنُ حَامِدٍ .\rوَإِنْ عَاوَدَ الدَّمُ ، فَالْحُكْمُ فِيهِ عَلَى مَا مَضَى فِي انْقِطَاعِهِ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ .\rوَإِنْ تَوَضَّأَتْ فِي زَمَنِ انْقِطَاعِهِ ، ثُمَّ عَاوَدَهَا الدَّمُ قَبْلَ الصَّلَاةِ أَوْ فِيهَا ، أَوْ كَانَتْ مُدَّةُ انْقِطَاعِهِ تَتَّسِعُ لِلطَّهَارَةِ وَالصَّلَاةِ ، بَطَلَتْ طَهَارَتُهَا بِعَوْدِ الدَّمِ ؛ لِأَنَّهَا بِهَذَا","part":2,"page":106},{"id":606,"text":"الِانْقِطَاعِ صَارَتْ فِي حُكْمِ الطَّاهِرَاتِ ، فَصَارَ عَوْدُ الدَّمِ كَسَبْقِ الْحَدَثِ .\rوَإِنْ كَانَ انْقِطَاعًا لَا يَتَّسِعُ لِذَلِكَ ، لَمْ يُؤَثِّرْ عَوْدُهُ ؛ لِأَنَّهَا مُسْتَحَاضَةٌ ، وَلَا حُكْمَ لِهَذَا الِانْقِطَاعِ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rوَقَدْ ذَكَرْنَا مِنْ كَلَامِ أَحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا عِبْرَةَ بِهَذَا الِانْقِطَاعِ ، بَلْ مَتَى كَانَتْ مُسْتَحَاضَةً أَوْ بِهَا عُذْرٌ مِنْ هَذِهِ الْأَعْذَارِ ، فَتَحَرَّزَتْ وَتَطَهَّرَتْ ، فَطَهَارَتُهَا صَحِيحَةٌ ، وَصَلَاتُهَا بِهَا مَاضِيَةٌ ، مَا لَمْ يَزُلْ عُذْرُهَا ، وَتَبْرَأْ مِنْ مَرَضِهَا ، أَوْ يَخْرُجْ وَقْتُ الصَّلَاةِ ، أَوْ تُحْدِثْ حَدَثًا سِوَى حَدَثِهَا .","part":2,"page":107},{"id":607,"text":"( 491 ) فَصْلٌ : فَإِنْ كَانَتْ لَهَا عَادَةٌ بِانْقِطَاعِ الدَّمِ زَمَنًا لَا يَتَّسِعُ لِلطَّهَارَةِ وَالصَّلَاةِ فَتَوَضَّأَتْ ، ثُمَّ انْقَطَعَ دَمُهَا ، لَمْ يُحْكَمْ بِبُطْلَانِ طَهَارَتِهَا ، وَلَا صَلَاتِهَا ، إنْ كَانَتْ فِيهَا ؛ لِأَنَّ هَذَا الِانْقِطَاعَ لَا يُفِيدُ الْمَقْصُودَ .\rوَإِنْ اتَّصَلَ الِانْقِطَاعُ وَبَرَأَتْ ، وَكَانَ قَدْ جَرَى مِنْهَا دَمٌ بَعْدَ الْوُضُوءِ ، بَطَلَتْ طَهَارَتُهَا وَالصَّلَاةُ ؛ لِأَنَّا تَبَيَّنَّا أَنَّهَا صَارَتْ فِي حُكْمِ الطَّاهِرَاتِ بِذَلِكَ الِانْقِطَاعِ .\rوَإِنْ اتَّصَلَ زَمَنًا يَتَّسِعُ لِلطَّهَارَةِ وَالصَّلَاةِ ، فَالْحُكْمُ فِيهَا كَالْحُكْمِ فِي الَّتِي لَمْ يَجْرِ لَهَا عَادَةٌ بِانْقِطَاعِهِ عَلَى مَا ذَكَرَ فِيهِ .\rوَإِنْ كَانَتْ لَهَا عَادَةٌ بِانْقِطَاعِهِ زَمَنًا يَتَّسِعُ لِلطَّهَارَةِ وَالصَّلَاةِ ، لَمْ تُصَلِّ حَالَ جَرَيَانِ الدَّمِ ، وَتَنْتَظِرُ إمْسَاكَهُ ، إلَّا أَنْ تَخْشَى خُرُوجَ الْوَقْتِ ، فَتَتَوَضَّأَ وَتُصَلِّيَ .\rفَإِنْ شَرَعَتْ فِي الصَّلَاةِ فِي آخِرِ الْوَقْتِ بِهَذِهِ الطَّهَارَةِ ، فَأَمْسَكَ الدَّمُ عَنْهَا ، بَطَلَتْ طَهَارَتُهَا ؛ لِأَنَّهَا أَمْكَنَتْهَا الصَّلَاةُ بِطَهَارَةٍ غَيْرِ ضَرُورِيَّةٍ ، فَلَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهَا بِغَيْرِهَا ، كَغَيْرِ الْمُسْتَحَاضَةِ .\rوَإِنْ كَانَ زَمَنُ إمْسَاكِهِ يَخْتَلِفُ ، فَتَارَةً يَتَّسِعُ .\rوَتَارَةً لَا يَتَّسِعُ ، فَهِيَ كَاَلَّتِي قَبْلَهَا ، إلَّا أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ انْقِطَاعَهُ فِي هَذَا الْوَقْتِ لَا يَتَّسِعُ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنَّهَا إذَا شَرَعَتْ فِي الصَّلَاةِ ، ثُمَّ انْقَطَعَ الدَّمُ ، لَا تَبْطُلُ صَلَاتُهَا ؛ لِأَنَّهَا شَرَعَتْ فِيهَا بِطَهَارَةٍ يَقِينِيَّةٍ ، وَانْقِطَاعُ الدَّمِ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مُتَّسِعًا ، فَتَبْطُلُ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ضَيِّقًا ، فَلَا تَبْطُلُ ، وَلَا يَزُولُ الْيَقِينُ بِالشَّكِّ .\rفَإِنْ اتَّصَلَ الِانْقِطَاعُ ، تَبَيَّنَّا أَنَّهُ كَانَ مُبْطِلًا ، فَبَطَلَتْ الطَّهَارَةُ وَالصَّلَاةُ بِهِ .","part":2,"page":108},{"id":608,"text":"( 492 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَأَكْثَرُ النِّفَاسَ أَرْبَعُونَ يَوْمًا ) هَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rقَالَ أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ : أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ عَلَى أَنَّ النُّفَسَاءَ تَدَعُ الصَّلَاةَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا إلَّا أَنْ تَرَى الطُّهْرَ قَبْلَ ذَلِكَ ، فَتَغْتَسِلَ وَتُصَلِّيَ .\rوَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : وَعَلَى هَذَا جَمَاعَةُ النَّاسِ ، وَرُوِيَ هَذَا عَنْ عُمَرَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَعُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ ، وَعَائِذِ بْنِ عَمْرٍو وَأَنَسٍ ، وَأُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ .\rوَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَقَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ : أَكْثَرُهُ سِتُّونَ يَوْمًا .\rوَحَكَى ابْنُ عَقِيلٍ ، عَنْ أَحْمَدَ ، رِوَايَةً مِثْلَ قَوْلِهِمَا لِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ أَنَّهُ قَالَ : عِنْدَنَا امْرَأَةٌ تَرَى النِّفَاسَ شَهْرَيْنِ .\rوَرُوِيَ مِثْلُ ذَلِكَ عَنْ عَطَاءٍ أَنَّهُ وَجَدَهُ .\rوَالْمَرْجِعُ فِي ذَلِكَ إلَى الْوُجُودِ ، قَالَ الشَّافِعِيُّ غَالِبُهُ أَرْبَعُونَ يَوْمًا .\rوَلَنَا مَا رَوَى أَبُو سَهْلٍ كَثِيرُ بْنُ زِيَادٍ ، عَنْ مُسَّةَ الْأَزْدِيَّةِ ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ، قَالَتْ : { كَانَتْ النُّفَسَاءُ تَجْلِسُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا وَأَرْبَعِينَ لَيْلَةً .\r} رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَقَالَ : هَذَا الْحَدِيثُ لَا نَعْرِفُهُ إلَّا مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَهْلٍ ، وَهُوَ ثِقَةٌ .\rقَالَ الْخَطَّابِيُّ : أَثْنَى مُحَمَّدُ بْنُ إسْمَاعِيلَ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ .\rوَرَوَى الْحَكَمُ بْنُ عُتَيْبَةَ ، عَنْ مُسَّةَ ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ { ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهَا سَأَلَتْهُ : كَمْ تَجْلِسُ الْمَرْأَةُ إذَا وَلَدَتْ قَالَ : أَرْبَعِينَ يَوْمًا ، إلَّا أَنْ تَرَى الطُّهْرَ قَبْلَ ذَلِكَ } .\rرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ .\rوَلِأَنَّهُ قَوْلُ مَنْ سَمَّيْنَا مِنْ الصَّحَابَةِ ، وَلَمْ نَعْرِفْ لَهُمْ مُخَالِفًا فِي عَصْرِهِمْ ، فَكَانَ إجْمَاعًا ، وَقَدْ حَكَاهُ التِّرْمِذِيُّ إجْمَاعًا ، وَنَحْوَهُ","part":2,"page":109},{"id":609,"text":"حَكَى أَبُو عُبَيْدٍ ، وَمَا حَكَوْهُ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ ، يَحْتَمِلُ أَنَّ الزِّيَادَةَ كَانَتْ حَيْضًا أَوْ اسْتِحَاضَةً ، كَمَا لَوْ زَادَ دَمُهَا عَنْ السِّتِّينَ ، أَوْ كَمَا لَوْ زَادَ دَمُ الْحَائِضِ عَلَى خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا .","part":2,"page":110},{"id":610,"text":"( 493 ) فَصْلٌ : فَإِنْ زَادَ دَمُ النُّفَسَاءِ عَلَى أَرْبَعِينَ يَوْمًا ، فَصَادَفَ عَادَةَ الْحَيْضِ ، فَهُوَ حَيْضٌ ، وَإِنْ لَمْ يُصَادِفْ عَادَةً ، فَهُوَ اسْتِحَاضَةٌ .\rقَالَ أَحْمَدُ : إذَا اسْتَمَرَّ بِهَا الدَّمُ ، فَإِنْ كَانَ فِي أَيَّامِ حَيْضِهَا الَّذِي تَقْعُدُهُ أَمْسَكَتْ عَنْ الصَّلَاةِ ، وَلَمْ يَأْتِهَا زَوْجُهَا ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا أَيَّامٌ كَانَتْ بِمَنْزِلَةِ الْمُسْتَحَاضَةِ ، يَأْتِيهَا زَوْجُهَا ، وَتَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ ، وَتَصُومُ وَتُصَلِّي إنْ أَدْرَكَهَا رَمَضَانُ ، وَلَا تَقْضِي .\rوَهَذَا يَدُلُّ عَلَى مِثْلِ مَا قُلْنَا .","part":2,"page":111},{"id":611,"text":"( 494 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَلَيْسَ لِأَقَلِّهِ حَدٌّ ، أَيَّ وَقْتٍ رَأَتْ الطُّهْرَ اغْتَسَلَتْ ، وَهِيَ طَاهِرٌ ، وَلَا يَقْرَبُهَا زَوْجُهَا فِي الْفَرْجِ حَتَّى تُتِمَّ الْأَرْبَعِينَ اسْتِحْبَابًا ) وَبِهَذَا قَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ مَالِكٌ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ : إذَا لَمْ تَرَ دَمًا تَغْتَسِلُ وَتُصَلِّي .\rوَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ ، وَأَبُو ثَوْرٍ : أَقَلُّهُ سَاعَةٌ .\rوَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : أَقَلُّهُ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ يَوْمًا ، وَلَنَا أَنَّهُ لَمْ يَرِدْ فِي الشَّرْعِ تَحْدِيدُهُ ، فَيُرْجَعُ فِيهِ إلَى الْوُجُودِ ، وَقَدْ وُجِدَ قَلِيلًا وَكَثِيرًا ، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ امْرَأَةً وَلَدَتْ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ تَرَ دَمًا ، فَسُمِّيَتْ ذَاتَ الْجُفُوفِ .\rقَالَ أَبُو دَاوُد : ذَاكَرْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ حَدِيثَ جَرِيرٍ : كَانَتْ امْرَأَةٌ تُسَمَّى الطَّاهِرَ ، تَضَعُ أَوَّلَ النَّهَارِ وَتَطْهُرُ آخِرَهُ فَجَعَلَ يَعْجَبُ مِنْهُ .\rوَقَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَا يَحِلُّ لِلنُّفَسَاءِ إذَا رَأَتْ الطُّهْرَ إلَّا أَنْ تُصَلِّيَ .\rوَلِأَنَّ الْيَسِيرَ دَمٌ وُجِدَ عَقِيبَ سَبَبِهِ وَهُوَ الْوِلَادَةُ ، فَيَكُونُ نِفَاسًا كَالْكَثِيرِ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّهَا إذَا رَأَتْ النَّقَاءَ لِدُونِ الْيَوْمِ لَا تَثْبُتُ لَهَا أَحْكَامُ الطَّاهِرَاتِ .\rقَالَ يَعْقُوبُ : سَأَلْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَنْ الْمَرْأَةِ إذَا ضَرَبَهَا الْمَخَاضُ ، فَتَكُونُ أَيَّامُهَا عَشْرًا ، فَتَرَى النَّقَاءَ قَبْلَ ذَلِكَ ، فَتَغْتَسِلُ ، ثُمَّ تَرَى الدَّمَ مِنْ يَوْمِهَا ؟ قَالَ : هَذَا أَقَلُّ مِنْ يَوْمٍ ، لَيْسَ عَلَيْهَا شَيْءٌ .\rفَعَلَى هَذَا لَا تَثْبُتُ لَهَا أَحْكَامُ الطَّاهِرَاتِ حَتَّى تَرَى الطُّهْرَ يَوْمًا كَامِلًا ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الدَّمَ يَجْرِي تَارَةً وَيَنْقَطِعُ أُخْرَى ، فَلَا يَخْرُجُ عَنْ حُكْمِ النِّفَاسِ بِمُجَرَّدِ انْقِطَاعِهِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُفْضِي إلَى أَنْ لَا تَسْقُطَ الصَّلَاةُ عَنْهَا فِي نِفَاسِهَا ، إذْ مَا مِنْ وَقْتِ صَلَاةٍ إلَّا يُوجَدُ فِيهِ طُهْرٌ يَجِبُ عَلَيْهَا الصَّلَاةُ بِهِ وَهَذَا يُخَالِفُ","part":2,"page":112},{"id":612,"text":"النَّصَّ وَالْإِجْمَاعَ ، وَإِذَا لَمْ يُعْتَبَرْ مُجَرَّدُ انْقِطَاعِ الدَّمِ فَلَا بُدَّ مِنْ ضَابِطٍ لِلِانْقِطَاعِ الْمَعْدُودِ طُهْرًا ، وَالْيَوْمُ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ ضَابِطًا لِذَلِكَ ، فَتَعَلَّقَ الْحُكْمُ بِهِ .","part":2,"page":113},{"id":613,"text":"( 495 ) فَصْلٌ : وَإِنْ وَلَدَتْ وَلَمْ تَرَ دَمًا ، فَهِيَ طَاهِرٌ لَا نِفَاسَ لَهَا لِأَنَّ النِّفَاسَ هُوَ الدَّمُ ، وَلَمْ يُوجَدْ ، وَفِي وُجُوبِ الْغُسْلِ عَلَيْهَا وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا ، لَا يَجِبُ ؛ لِأَنَّ الْوُجُوبَ مِنْ الشَّرْعِ ، وَإِنَّمَا وَرَدَ الشَّرْعُ بِإِيجَابِهِ عَلَى النُّفَسَاءِ ، وَلَيْسَتْ هَذِهِ نُفَسَاءَ ، وَلَا فِي مَعْنَاهَا ؛ لِأَنَّ النُّفَسَاءَ قَدْ خَرَجَ مِنْهَا دَمٌ يَقْتَضِي خُرُوجُهُ وُجُوبَ الْغُسْلِ ، وَلَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ فِيمَنْ لَمْ يَخْرُجْ مِنْهَا .\rوَالثَّانِي ، يَجِبُ ؛ لِأَنَّ الْوِلَادَةَ مَظِنَّةٌ لِلنِّفَاسِ ، فَتَعَلَّقَ الْإِيجَابُ بِهَا ، كَتَعَلُّقِهِ بِالْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ ، وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ الْإِنْزَالُ .","part":2,"page":114},{"id":614,"text":"( 496 ) فَصْلٌ : وَإِذَا طَهُرَتْ لِدُونِ الْأَرْبَعِينَ اغْتَسَلَتْ وَصَلَّتْ ، وَصَامَتْ ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَقْرَبَهَا زَوْجُهَا قَبْلَ الْأَرْبَعِينَ .\rقَالَ أَحْمَدُ : مَا يُعْجِبُنِي أَنْ يَأْتِيَهَا زَوْجُهَا ، عَلَى حَدِيثِ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ ، أَنَّهَا أَتَتْهُ قَبْلَ الْأَرْبَعِينَ ، فَقَالَ لَا تَقْرَبِينِي ؛ وَلِأَنَّهُ لَا يَأْمَنُ عَوْدَ الدَّمِ فِي زَمَنِ الْوَطْءِ ، فَيَكُونُ وَاطِئًا فِي نِفَاسٍ ، وَهَذَا عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِحْبَابِ ، فَإِنَّا حَكَمْنَا لَهَا بِأَحْكَامِ الطَّاهِرَاتِ وَلِهَذَا يَلْزَمُهَا أَنْ تَغْتَسِلَ وَتُصَلِّيَ ، وَتَصُومَ .\rوَإِنْ عَادَ دَمُهَا فِي مُدَّةِ الْأَرْبَعِينَ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ .\rإحْدَاهُمَا ، أَنَّهُ مِنْ نِفَاسِهَا ، تَدَعُ لَهُ الصَّوْمَ وَالصَّلَاةَ .\rنَقَلَ عَنْهُ أَحْمَدُ بْنُ الْقَاسِمِ أَنَّهُ قَالَ : فَإِنْ عَاوَدَهَا الدَّمُ قَبْلَ الْأَرْبَعِينَ ، أَمْسَكَتْ عَنْ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ ، فَإِنْ طَهُرَتْ أَيْضًا اغْتَسَلَتْ وَصَلَّتْ وَصَامَتْ .\rوَهَذَا قَوْلُ عَطَاءٍ ، وَالشَّعْبِيِّ ؛ لِأَنَّهُ دَمٌ فِي زَمَنِ النِّفَاسِ ، فَكَانَ نِفَاسًا كَالْأَوَّلِ ، وَكَمَا لَوْ اتَّصَلَ .\rوَالثَّانِيَةُ ، أَنَّهُ مَشْكُوكٌ فِيهِ ، تَصُومُ وَتُصَلِّي ، ثُمَّ تَقْضِي الصَّوْمَ احْتِيَاطًا .\rوَهَذِهِ الرِّوَايَةُ الْمَشْهُورَةُ عَنْهُ ، نَقَلَهَا الْأَثْرَمُ ، وَغَيْرُهُ .\rوَلَا يَأْتِيهَا زَوْجُهَا ، وَإِنَّمَا أَلْزَمَهَا فِعْلَ الْعِبَادَاتِ فِي هَذَا الدَّمِ ؛ لِأَنَّ سَبَبَهَا مُتَيَقَّنٌ ، وَسُقُوطَهَا بِهَذَا الدَّمِ مَشْكُوكٌ فِيهِ ، فَلَا يَزُولُ الْيَقِينُ بِالشَّكِّ ، وَأَمَرَهَا بِالْقَضَاءِ احْتِيَاطًا ؛ لِأَنَّ وُجُوبَ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ مُتَيَقَّنٌ ، وَسُقُوطَ الصَّوْمِ بِفِعْلِهِ فِي هَذَا الدَّمِ مَشْكُوكٌ فِيهِ ، فَلَا يَزُولُ بِالشَّكِّ .\rوَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا الدَّمِ وَبَيْنَ الزَّائِدِ عَلَى السِّتِّ وَالسَّبْعِ فِي حَقِّ النَّاسِيَةِ ، حَيْثُ لَا يَجِبُ قَضَاءُ مَا صَامَتْهُ فِيهِ مَعَ الشَّكِّ ، أَنَّ الْغَالِبَ مَعَ عَادَاتِ النِّسَاءِ سِتٌّ أَوْ سَبْعٌ ، وَمَا زَادَ عَلَيْهِ نَادِرٌ بِخِلَافِ النِّفَاسِ ؛ وَلِأَنَّ الْحَيْضَ يَتَكَرَّرُ ، فَيَشُقُّ إيجَابُ","part":2,"page":115},{"id":615,"text":"الْقَضَاءِ فِيهِ ، وَالنِّفَاسُ بِخِلَافِهِ ، وَكَذَلِكَ الدَّمُ الزَّائِدُ عَنْ الْعَادَةِ فِي الْحَيْضِ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : إنْ رَأَتْ الدَّمَ بَعْدَ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ ، فَهُوَ نِفَاسٌ ، وَإِنْ تَبَاعَدَ مَا بَيْنَهُمَا ، فَهُوَ حَيْضٌ .\rوَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَجْهَانِ فِيمَا إذَا رَأَتْ الدَّمَ يَوْمًا وَلَيْلَةً بَعْدَ طُهْرِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا : أَحَدُهُمَا ، يَكُونُ حَيْضًا ، وَالثَّانِي ، يَكُونُ نِفَاسًا .\rوَقَالَ الْقَاضِي إنْ رَأَتْ الدَّمَ أَقَلَّ مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ بَعْدَ طُهْرِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا ، فَهُوَ دَمُ فَسَادٍ تُصَلِّي وَتَصُومُ وَلَا تَقْضِي .\rوَهَذَا قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ .\rوَإِنْ كَانَ الدَّمُ الثَّانِي يَوْمًا وَلَيْلَةً ، فَالْحُكْمُ فِيهِ كَمَا قُلْنَاهُ ، مِنْ أَنَّهَا تَصُومُ وَتُصَلِّي وَتَقْضِي الصَّوْمَ ، وَلَنَا أَنَّهُ دَمٌ صَادَفَ زَمَنَ النِّفَاسِ ، فَكَانَ نِفَاسًا ، كَمَا لَوْ اسْتَمَرَّ ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ جَعْلِهِ حَيْضًا ، فَإِنَّمَا خَالَفَ فِي الْعِبَارَةِ ، فَإِنَّ حُكْمَ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ وَاحِدٌ ، وَأَمَّا مَا صَامَتْهُ فِي زَمَنِ الطُّهْرِ ، فَلَا إعَادَةَ عَلَيْهَا فِيهِ .","part":2,"page":116},{"id":616,"text":"( 497 ) فَصْلٌ : إذَا رَأَتْ الْمَرْأَةُ الدَّمَ بَعْدَ وَضْعِ شَيْءٍ يَتَبَيَّنُ فِيهِ خَلْقُ الْإِنْسَانِ ، فَهُوَ نِفَاسٌ .\rنَصَّ عَلَيْهِ وَإِنْ رَأَتْهُ بَعْدَ إلْقَاءِ نُطْفَةٍ أَوْ عَلَقَةٍ ، فَلَيْسَ بِنِفَاسٍ .\rوَإِنْ كَانَ الْمُلْقَى بُضْعَةً لَمْ يَتَبَيَّنْ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ خَلْقِ الْإِنْسَانِ ، فَفِيهَا وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا ، هُوَ نِفَاسٌ ؛ لِأَنَّهُ بَدْءُ خَلْقِ آدَمِيٍّ ، فَكَانَ نِفَاسًا ، كَمَا لَوْ تَبَيَّنَ فِيهَا خَلْقُ آدَمِيٍّ .\rوَالثَّانِي ، لَيْسَ بِنِفَاسٍ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَبَيَّنْ فِيهَا خَلْقُ آدَمِيٍّ ، فَأَشْبَهَتْ النُّطْفَةَ .","part":2,"page":117},{"id":617,"text":"( 498 ) فَصْلٌ : إذَا وَلَدَتْ الْمَرْأَةُ تَوْأَمَيْنِ ، فَذَكَرَ أَصْحَابُنَا عَنْ أَحْمَدَ رِوَايَتَيْنِ فِيهَا : إحْدَاهُمَا ، أَنَّ النِّفَاسَ مِنْ الْأَوَّلِ كُلِّهِ ، أَوَّلَهُ وَآخِرَهُ ، قَالُوا : وَهِيَ الصَّحِيحَةُ .\rوَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ .\rفَعَلَى هَذَا مَتَى انْقَضَتْ مُدَّةُ النِّفَاسِ مِنْ حِينِ وَضَعَتْ الْأَوَّلَ ، لَمْ يَكُنْ مَا بَعْدَهُ نِفَاسًا ؛ لِأَنَّ مَا بَعْدَ وِلَادَةِ الْأَوَّلِ دَمٌ بَعْدَ الْوِلَادَةِ ، فَكَانَ نِفَاسًا ، كَالْمُنْفَرِدِ ، وَآخِرُهُ مِنْهُ ؛ لِأَنَّ أَوَّلَهُ مِنْهُ ، فَكَانَ آخِرُهُ مِنْهُ ، كَالْمُنْفَرِدِ .\rوَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ ، فَقَالَ الشَّرِيفُ أَبُو جَعْفَرٍ ، وَأَبُو الْخَطَّابِ فِي \" رُءُوسِ الْمَسَائِلِ \" هِيَ أَنَّ أَوَّلَهُ مِنْ الْأَوَّلِ وَآخِرَهُ مِنْ الثَّانِي .\rوَهَذَا قَوْلُ الْقَاضِي ، فِي كِتَابِ \" الرِّوَايَتَيْنِ \" لِأَنَّ الثَّانِيَ وُلِدَ فَلَا تَنْتَهِي مُدَّةُ النِّفَاسِ قَبْلَ انْتِهَائِهَا مِنْهُ كَالْمُنْفَرِدِ ، فَعَلَى هَذَا تَزِيدُ مُدَّةُ النِّفَاسِ عَلَى الْأَرْبَعِينَ فِي حَقِّ مَنْ وَلَدَتْ تَوْأَمَيْنِ .\rوَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الْحُسَيْنِ فِي \" مَسَائِلِهِ \" ، وَأَبُو الْخَطَّابِ .\rفِي \" الْهِدَايَةِ \" : الرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ أَنَّهُ مِنْ الثَّانِي فَقَطْ .\rوَهَذَا قَوْلُ زُفَرَ ؛ لِأَنَّ مُدَّةَ النِّفَاسِ مُدَّةٌ تَتَعَلَّقُ بِالْوِلَادَةِ ، فَكَانَ ابْتِدَاؤُهَا وَانْتِهَاؤُهَا مِنْ الثَّانِي ، كَمُدَّةِ الْعِدَّةِ .\rفَعَلَى هَذَا مَا تَرَاهُ مِنْ الدَّمِ قَبْلَ وِلَادَةِ الثَّانِي لَا يَكُونُ نِفَاسًا .\rوَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ ، كَالْأَقْوَالِ الثَّلَاثَةِ .\rوَذَكَرَ الْقَاضِي ، أَنَّهُ مِنْهُمَا ، رِوَايَةً وَاحِدَةً وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي الدَّمِ الَّذِي بَيْنَ الْوِلَادَتَيْنِ ، هَلْ هُوَ نِفَاسٌ ، أَمْ لَا ؟ وَهَذَا ظَاهِرُهُ إنْكَارٌ لِرِوَايَةِ مَنْ رَوَى أَنَّ آخِرَ النِّفَاسِ مِنْ الْأَوَّلِ .","part":2,"page":118},{"id":618,"text":"( 499 ) فَصْلٌ : وَحُكْمُ النُّفَسَاءِ حُكْمُ الْحَائِضِ فِي جَمِيعِ مَا يَحْرُمُ عَلَيْهَا ، وَيَسْقُطُ عَنْهَا ، لَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا ، وَكَذَلِكَ تَحْرِيمُ وَطْئِهَا وَحِلُّ مُبَاشَرَتِهَا ، وَالِاسْتِمْتَاعُ بِمَا دُونَ الْفَرْجِ مِنْهَا ، وَالْخِلَافُ فِي الْكَفَّارَةِ بِوَطْئِهَا ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ دَمَ النِّفَاسِ هُوَ دَمُ الْحَيْضِ ، إنَّمَا امْتَنَعَ خُرُوجُهُ مُدَّةَ الْحَمْلِ لِكَوْنِهِ يَنْصَرِفُ إلَى غِذَاءِ الْحَمْلِ ، فَإِذَا وُضِعَ الْحَمْلُ ، وَانْقَطَعَ الْعِرْقُ الَّذِي كَانَ مَجْرَى الدَّمِ ، خَرَجَ مِنْ الْفَرْجِ ، فَيَثْبُتُ حُكْمُهُ ، كَمَا لَوْ خَرَجَ مِنْ الْحَائِضِ .\rوَيُفَارِقُ النِّفَاسُ الْحَيْضَ فِي أَنَّ الْعِدَّةَ لَا تَحْصُلُ بِهِ ؛ لِأَنَّهَا تَنْقَضِي بِوَضْعِ الْحَمْلِ قَبْلَهُ ، وَلَا يَدُلُّ عَلَى الْبُلُوغِ ؛ لِحُصُولِهِ بِالْحَمْلِ قَبْلَهُ .","part":2,"page":119},{"id":619,"text":"( 500 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَمَنْ كَانَتْ لَهَا أَيَّامٌ فَزَادَتْ عَلَى مَا كَانَتْ تَعْرِفُ ، لَمْ تَلْتَفِتْ إلَى الزِّيَادَةِ ، إلَّا أَنْ تَرَاهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، فَتَعْلَمَ حِينَئِذٍ أَنَّ حَيْضَهَا قَدْ انْتَقَلَ ، فَتَصِيرَ إلَيْهِ فَتَتْرُكَ الْأَوَّلَ .\rوَإِنْ كَانَتْ صَامَتْ فِي هَذِهِ الثَّلَاثِ مِرَارًا أَعَادَتْهُ ، إذَا كَانَ صَوْمًا وَاجِبًا ، وَإِذَا رَأَتْ الدَّمَ قَبْلَ أَيَّامِهَا الَّتِي كَانَتْ تَعْرِفُ ، فَلَا تَلْتَفِتُ إلَيْهِ ، حَتَّى يُعَاوِدَهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا كَانَتْ لَهَا عَادَةٌ مُسْتَقِرَّةٌ فِي الْحَيْضِ ، فَرَأَتْ الدَّمَ فِي غَيْرِ عَادَتِهَا ، لَمْ تَعْتَدَّ بِمَا خَرَجَ مِنْ الْعَادَةِ حَيْضًا ، حَتَّى يَتَكَرَّرَ ثَلَاثًا ، فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ ، أَوْ مَرَّتَيْنِ فِي الْأُخْرَى .\rنَقَلَ حَنْبَلٌ عَنْ أَحْمَدَ فِي امْرَأَةٍ لَهَا أَيَّامٌ مَعْلُومَةٌ ، فَتَقَدَّمَتْ الْحَيْضَةُ قَبْلَ أَيَّامِهَا ، لَمْ تَلْتَفِتْ إلَيْهَا ، تَصُومُ وَتُصَلِّي ، فَإِنْ عَاوَدَهَا فِي الثَّانِيَةِ ، مِثْلُ ذَلِكَ ، فَإِنَّهُ دَمُ حَيْضٍ مُنْتَقِلٌ .\rوَنَقَلَ الْفَضْلُ بْنُ زِيَادٍ : لَا تَنْتَقِلُ إلَيْهِ إلَّا فِي الثَّالِثَةِ ، فَلْتُمْسِكْ عَنْ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ .\rوَفِي لَفْظٍ لَهُ قَالَ : سَأَلْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَنْ الْمَرْأَةِ أَيَّامُ أَقْرَائِهَا مَعْلُومَةٌ ، فَرُبَّمَا زَادَ فِي الْأَشْهُرِ الْكَثِيرَةِ عَلَى أَيَّامِ أَقْرَائِهَا ، أَتُمْسِكُ عَنْ الصَّلَاةِ أَوْ تُصَلِّي ؟ قَالَ : بَلْ تُصَلِّي ، وَلَا تَلْتَفِتُ إلَى مَا زَادَ عَلَى أَقْرَائِهَا ، إلَّا أَنْ يَكُونَ دَمَ حَيْضٍ تَنْتَقِلُ إلَيْهِ أَوْ نَحْوَ هَذَا .\rقُلْت : أَفَتُصَلِّي إلَى أَنْ يُصِيبَهَا ثَلَاثَ مِرَارًا ، ثُمَّ تَدَعُ الصَّلَاةَ بَعْدَ ثَلَاثٍ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، بَعْدَ ثَلَاثٍ .\rفَفِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ تَصْرِيحٌ بِأَنَّهَا لَا تَعُدُّ الزِّيَادَةَ مِنْ حَيْضِهَا إلَّا فِي الْمَرَّةِ الرَّابِعَةِ ، وَأَنَّهَا تُصَلِّي وَتَصُومُ فِي الْمَرَّاتِ الثَّلَاثِ .\rوَفِي رِوَايَتِهِ الْأُولَى يَحْتَمِلُ أَنَّهَا تَحْتَسِبُهُ مِنْ حَيْضِهَا فِي الْمَرَّةِ الثَّالِثَةِ ؛ لِقَوْلِهِ : لَا تَنْتَقِلُ إلَيْهِ","part":2,"page":120},{"id":620,"text":"إلَّا فِي الثَّالِثَةِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ بَعْدَ الثَّالِثَةِ ، وَفِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ احْتِمَالَانِ أَحَدُهُمَا ، أَنَّهَا تَنْتَقِلُ إلَيْهِ فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ ، وَتَحْتَسِبُهُ مِنْ حَيْضِهَا .\rوَالثَّانِي ، أَنَّهَا لَا تَنْتَقِلُ إلَيْهِ إلَّا فِي الثَّالِثَةِ .\rوَأَكْثَرُ الرِّوَايَاتِ عَنْهُ اعْتِبَارُ التَّكْرَارِ ثَلَاثًا فِيمَا خَرَجَ عَنْ الْعَادَةِ سَوَاءٌ رَأَتْ الدَّمَ قَبْلَ عَادَتِهَا ، أَوْ بَعْدَهَا مَعَ بَقَاءِ الْعَادَةِ ، أَوْ انْقِطَاعِ الدَّمِ فِيهَا ، أَوْ فِي بَعْضِهَا ، فَإِنَّهَا لَا تَجْلِسُ فِي غَيْرِ أَيَّامِهَا حَتَّى تَتَكَرَّرَ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا ، فَإِذَا تَكَرَّرَ عَلِمْنَا أَنَّهُ حَيْضٌ مُنْتَقِلٌ ، فَتَصِيرُ إلَيْهِ ، أَيْ تَتْرُكُ الصَّلَاةَ وَالصَّوْمَ فِيهِ ، وَتَصِيرُ عَادَةً لَهَا ، وَتَتْرُكُ الْأَوَّلَ ، أَيْ الْعَادَةَ الْأُولَى ؛ لِأَنَّهَا قَدْ انْتَقَلَتْ عَنْهَا ، وَصَارَتْ الْعَادَةُ أَكْثَرَ مِنْهَا أَوْ غَيْرِهَا .\rثُمَّ يَجِبُ عَلَيْهَا قَضَاءُ مَا صَامَتْهُ مِنْ الْفَرْضِ فِي هَذِهِ الْمَرَّاتِ الثَّلَاثِ الَّتِي أَمَرْنَاهَا بِالصِّيَامِ فِيهَا ؛ لِأَنَّنَا تَبَيَّنَّا أَنَّهَا صَامَتْهُ فِي حَيْضٍ ، وَالصَّوْمُ فِي الْحَيْضِ غَيْرُ صَحِيحٍ ، وَأَمَّا الصَّلَاةُ فَلَيْسَ عَلَيْهَا قَضَاؤُهَا ؛ لِأَنَّ الْحَائِضَ لَا تَقْضِي الصَّلَاةَ .\rقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ : وَلَا يُعْجِبُنِي أَنْ يَأْتِيَهَا زَوْجُهَا فِي الْأَيَّامِ الَّتِي تُصَلِّي فِيهَا ؛ لِأَنَّنَا لَا نَأْمَنُ كَوْنَهَا حَيْضًا ، وَإِنَّمَا تُصَلِّي وَتَصُومُ احْتِيَاطًا لِلْعِبَادَةِ ، وَتَرْكُ الْوَطْءِ احْتِيَاطًا أَيْضًا ، فَيَجِبُ كَمَا تَجِبُ الصَّلَاةُ .\rوَإِنْ تَجَاوَزَتْ الزِّيَادَةُ أَكْثَرَ الْحَيْضِ ، فَهِيَ اسْتِحَاضَةٌ ، وَلَا تَجْلِسُ غَيْرَ أَيَّامِ الْعَادَةِ بِكُلِّ حَالٍ .\rوَمِثَالُ ذَلِكَ امْرَأَةٌ عَادَتُهَا ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ فِي أَوَّلِ كُلِّ شَهْرٍ ، فَرَأَتْ خَمْسَةً فِي أَوَّلِ الشَّهْرِ ، أَوْ رَأَتْ يَوْمَيْنِ مِنْ آخِرِ الشَّهْرِ الَّذِي قَبْلَهُ ، وَالثَّلَاثَةَ الْمُعْتَادَةَ ، أَوْ طَهُرَتْ الثَّلَاثَةَ ، وَرَأَتْ ثَلَاثَةً بَعْدَهُ أَوْ أَكْثَرَ مِنْهَا ، أَوْ أَقَلَّ ، قَبْلَهَا أَوْ","part":2,"page":121},{"id":621,"text":"بَعْدَهَا ، أَوْ طَهُرَتْ الْيَوْمَ الْأَوَّلَ وَرَأَتْ ثَلَاثَةً بَعْدَهُ أَوْ أَكْثَرَ مِنْهَا ، أَوْ طَهُرَتْ يَوْمَيْنِ وَرَأَتْ يَوْمَيْنِ بَعْدَهُمَا أَوْ أَكْثَرَ مِنْهَا أَوْ رَأَتْ الدَّمَ يَوْمَيْنِ فِي آخِرِ الشَّهْرِ وَيَوْمًا فِي أَوَّلِهِ ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ ، فَإِنَّهَا لَا تَجْلِسُ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الصُّوَرِ ، مَا عَدَا الْأَوَّلَ مِنْ الشَّهْرِ حَتَّى تَتَكَرَّرَ ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : اجْلِسِي قَدْرَ مَا كَانَتْ تَحْبِسُك حَيْضَتُك } .\rوَلِأَنَّ لَهَا عَادَةً ، فَرُدَّتْ إلَيْهَا ، كَالْمُسْتَحَاضَةِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : مَا رَأَتْهُ قَبْلَ الْعَادَةِ لَيْسَ بِحَيْضٍ ، حَتَّى يَتَكَرَّرَ مَرَّتَيْنِ ، وَمَا تَرَاهُ بَعْدَهَا فَهُوَ حَيْضٌ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : جَمِيعُهُ حَيْضٌ ، مَا لَمْ تَتَجَاوَزْ أَكْثَرَ الْحَيْضِ .\rوَهَذَا أَقْوَى عِنْدِي ؛ لِأَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا كَانَتْ تَبْعَثُ إلَيْهَا النِّسَاءُ بِالدُّرْجَةِ فِيهَا الصُّفْرَةُ وَالْكُدْرَةُ ، فَتَقُولُ : لَا تَعْجَلْنَ حَتَّى تَرَيْنَ الْقُصَّةَ الْبَيْضَاءَ .\rوَمَعْنَاهُ لَا تَعْجَلْنَ بِالْغُسْلِ حَتَّى يَنْقَطِعَ الدَّمُ ، وَتَذْهَبَ الصُّفْرَةُ وَالْكُدْرَةُ ، وَلَا يَبْقَى شَيْءٌ يَخْرُجُ مِنْ الْمَحَلِّ ، بِحَيْثُ إذَا دَخَلَتْ فِيهِ قُطْنَةٌ خَرَجَتْ بَيْضَاءَ .\rوَلَوْ لَمْ تَعُدَّ الزِّيَادَةَ حَيْضًا لَلَزِمَهَا الْغُسْلُ عِنْدَ انْقِضَاءِ الْعَادَةِ ، وَإِنْ كَانَ الدَّمُ جَارِيًا ؛ وَلِأَنَّ الشَّارِعَ عَلَّقَ عَلَى الْحَيْضِ أَحْكَامًا ، وَلَمْ يَحُدُّهُ ، فَعُلِمَ أَنَّهُ رَدَّ النَّاسَ فِيهِ إلَى عُرْفِهِمْ ، وَالْعُرْفُ بَيْنَ النِّسَاءِ أَنَّ الْمَرْأَةَ مَتَى رَأَتْ دَمًا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ حَيْضًا ، اعْتَقَدَتْهُ حَيْضًا ، وَلَوْ كَانَ عُرْفُهُنَّ اعْتِبَارَ الْعَادَةِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ لَنُقِلَ ، وَلَمْ يَجُزْ التَّوَاطُؤُ عَلَى كِتْمَانِهِ ، مَعَ دُعَاءِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ ، وَلِذَلِكَ لَمَّا كَانَ بَعْضُ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَهُ فِي الْخَمِيلَةِ ، فَجَاءَهَا الدَّمُ ، فَانْسَلَّتْ مِنْ الْخَمِيلَةِ ، فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ","part":2,"page":122},{"id":622,"text":"عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : \" مَا لَك ؟ أَنَفِسْت ؟ \" قَالَتْ : نَعَمْ .\rفَأَمَرَهَا أَنْ تَأْتَزِرَ .\rوَلَمْ يَسْأَلْهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هَلْ وَافَقَ الْعَادَةَ أَوْ جَاءَ قَبْلَهَا ؟ وَلَا هِيَ ذَكَرَتْ ذَلِكَ ، وَلَا سَأَلَتْ عَنْهُ ، وَإِنَّمَا اسْتَدَلَّتْ عَلَى الْحَيْضَةِ بِخُرُوجِ الدَّمِ ، فَأَقَرَّهَا عَلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَذَلِكَ حِينَ حَاضَتْ عَائِشَةُ فِي عُمْرَتِهَا فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ، إنَّمَا عَلِمَتْ الْحَيْضَةَ بِرُؤْيَةِ الدَّمِ لَا غَيْرُ ، وَلَمْ تَذْكُرْ عَادَةً ، وَلَا ذَكَرَهَا لَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَمْ يَأْتِ فِي الْعَادَةِ ؛ لِأَنَّ عَائِشَةَ اسْتَكْرَهَتْهُ ، وَاشْتَدَّ عَلَيْهَا ، وَبَكَتْ حِينَ رَأَتْهُ ، وَقَالَتْ : وَدِدْت أَنِّي لَمْ أَكُنْ حَجَجْت الْعَامَ .\rوَلَوْ كَانَتْ تَعْلَمُ لَهَا عَادَةً تَعْلَمُ مَجِيئَهُ فِيهَا وَقَدْ جَاءَ فِيهَا ، مَا أَنْكَرَتْهُ ، وَلَا صَعُبَ عَلَيْهَا ، وَلَوْ كَانَتْ الْعَادَةُ مُعْتَبَرَةً ، عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ فِي الْمَذْهَبِ ، لَبَيَّنَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأُمَّتِهِ ، وَلَمَا وَسِعَهُ تَأْخِيرُ بَيَانِهِ ، إذْ لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِهِ ، وَأَزْوَاجُهُ وَغَيْرُهُنَّ مِنْ النِّسَاءِ يَحْتَجْنَ إلَى بَيَانِ ذَلِكَ فِي كُلِّ وَقْتٍ ، فَلَمْ يَكُنْ لِيُغْفِلَ بَيَانَهُ ، وَمَا جَاءَ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ ذِكْرُ الْعَادَةِ ، وَلَا بَيَانُهَا ، إلَّا فِي حَقِّ الْمُسْتَحَاضَةِ لَا غَيْرُ ، وَأَمَّا امْرَأَةٌ طَاهِرٌ تَرَى الدَّمَ فِي وَقْتٍ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ حَيْضًا ثُمَّ يَنْقَطِعُ عَنْهَا ، فَلَمْ يَذْكُرْ فِي حَقِّهَا عَادَةً أَصْلًا ، وَلِأَنَّنَا لَوْ اعْتَبَرْنَا التَّكْرَارَ فِيمَا خَرَجَ عَنْ الْعَادَةِ أَدَّى إلَى خُلُوِّ نِسَاءٍ عَنْ الْحَيْضِ بِالْكُلِّيَّةِ ، مَعَ رُؤْيَتِهِنَّ الدَّمَ فِي زَمَنِ الْحَيْضِ ، وَصَلَاحِيَةِ أَنْ يَكُونَ حَيْضًا ؛ بَيَانُهُ أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا رَأَتْ الدَّمَ فِي غَيْرِ أَيَّامِ عَادَتِهَا ، وَطَهُرَتْ أَيَّامَ عَادَتِهَا ، لَمْ تُمْسِكْ عَنْ الصَّلَاةِ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ ،","part":2,"page":123},{"id":623,"text":"فَإِذَا انْتَقَلَتْ فِي الشَّهْرِ الرَّابِعِ إلَى أَيَّامٍ أُخَرَ لَمْ نُحَيِّضْهَا أَيْضًا ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ ، وَكَذَلِكَ أَبَدًا ، فَيُفْضِي إلَى إخْلَائِهَا مِنْ الْحَيْضِ بِالْكُلِّيَّةِ .\rوَلَا سَبِيلَ إلَى هَذَا ، فَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ تَجْلِسُ مَا تَرَاهُ مِنْ الدَّمِ قَبْلَ عَادَتِهَا وَبَعْدَهَا ، مَا لَمْ يَزِدْ عَلَى أَكْثَرِ الْحَيْضِ ، فَإِنْ زَادَ عَلَى أَكْثَرِهِ عَلِمْنَا أَنَّهُ اسْتِحَاضَةٌ ، فَرَدَدْنَاهَا إلَى عَادَتِهَا ، وَيَلْزَمُهَا قَضَاءُ مَا تَرَكَتْهُ مِنْ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ فِيمَا زَادَ عَلَى عَادَتِهَا ، لِأَنَّنَا تَبَيَّنَّا أَنَّهُ لَيْسَ بِحَيْضٍ ، وَإِنَّمَا هُوَ اسْتِحَاضَةٌ .","part":2,"page":124},{"id":624,"text":"( 501 ) فَصْلٌ : فَإِنْ كَانَتْ لَهَا عَادَةٌ ، فَرَأَتْ الدَّمَ أَكْثَرَ مِنْهَا ، وَجَاوَزَ أَكْثَرَ الْحَيْضِ ، فَهِيَ مُسْتَحَاضَةٌ ، وَحَيْضُهَا مِنْهُ قَدْرُ الْعَادَةِ لَا غَيْرُ ، وَلَا تَجْلِسُ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ الشُّهُورِ الْمُسْتَقْبَلَةِ إلَّا قَدْرَ الْعَادَةِ ، وَلَا أَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا عِنْدَ مَنْ اعْتَبَرَ الْعَادَةَ .\rفَأَمَّا إنْ كَانَتْ عَادَتُهَا ثَلَاثَةً مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ، فَرَأَتْ فِي شَهْرٍ خَمْسَةَ أَيَّامٍ ، ثُمَّ اُسْتُحِيضَتْ فِي الشَّهْرِ الْآخَرِ ، فَإِنَّهَا لَا تَجْلِسُ مِمَّا بَعْدَهُ مِنْ الشُّهُورِ إلَّا ثَلَاثَةً ثَلَاثَةً .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : تَجْلِسُ خَمْسَةً مِنْ كُلِّ شَهْرٍ .\rوَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْعَادَةَ لَا تَثْبُتُ بِمَرَّةٍ ، وَإِنْ رَأَتْ خَمْسَةً فِي شَهْرَيْنِ ، فَهَلْ تَنْتَقِلُ عَادَتُهَا إلَى خَمْسَةٍ ؟ يُخَرَّجُ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِيمَا تَثْبُتُ بِهِ الْعَادَةُ ، وَإِنْ رَأَتْ الْخَمْسَةَ فِي ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ ، ثُمَّ اُسْتُحِيضَتْ ، انْتَقَلَتْ إلَيْهَا ، وَجَلَسَتْ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ خَمْسَةً ، بِغَيْرِ خِلَافٍ بَيْنَهُمْ .","part":2,"page":125},{"id":625,"text":"( 502 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَمَنْ كَانَتْ لَهَا أَيَّامٌ فَرَأَتْ الطُّهْرَ قَبْلَ ذَلِكَ ، فَهِيَ طَاهِرٌ ، تَغْتَسِلُ وَتُصَلِّي ، فَإِنْ عَاوَدَهَا الدَّمُ ، لَمْ تَلْتَفِتْ إلَيْهِ حَتَّى تَجِيءَ أَيَّامُهَا ) الْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي فَصْلَيْنِ : أَحَدُهُمَا ، فِي الطُّهْرِ بَيْنَ الدَّمَيْنِ .\rوَالثَّانِي ، فِي حُكْمِ الدَّمِ الْعَائِدِ بَعْدَهُ .\rفَصْلٌ : أَمَّا الْأَوَّلُ ، فَإِنَّ الْمَرْأَةَ مَتَى رَأَتْ الطُّهْرَ فَهِيَ طَاهِرٌ تَغْتَسِلُ ، وَتَلْزَمُهَا الصَّلَاةُ وَالصِّيَامُ ، سَوَاءٌ رَأَتْهُ فِي الْعَادَةِ ، أَوْ بَعْدَ انْقِضَائِهَا ، وَلَمْ يُفَرِّقْ أَصْحَابُنَا بَيْنَ قَلِيلِ الطُّهْرِ وَكَثِيرِهِ ؛ لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَمَّا مَا رَأَتْ الطُّهْرَ سَاعَةً فَلْتَغْتَسِلْ .\rوَيَتَوَجَّهُ أَنَّ انْقِطَاعَ الدَّمِ مَتَى نَقَصَ عَنْ الْيَوْمِ ، فَلَيْسَ بِطُهْرٍ بِنَاءً عَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي حَكَيْنَاهَا فِي النِّفَاسِ ، أَنَّهَا لَا تَلْتَفِتُ إلَى مَا دُونَ الْيَوْمِ .\rوَهُوَ الصَّحِيحُ إنْ شَاءَ اللَّهُ ؛ لِأَنَّ الدَّمَ يَجْرِي مَرَّةً ، وَيَنْقَطِعُ أُخْرَى ، وَفِي إيجَابِ الْغُسْلِ عَلَى مَنْ تَطْهُرُ سَاعَةً بَعْدَ سَاعَةٍ حَرَجٌ يَنْتَفِي بِقَوْلِهِ : { وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ } .\rوَلِأَنَّنَا لَوْ جَعَلْنَا انْقِطَاعَ الدَّمِ سَاعَةً طُهْرًا ، وَلَا تَلْتَفِتُ إلَى مَا بَعْدَهُ مِنْ الدَّمِ ، أَفْضَى إلَى أَنْ لَا يَسْتَقِرَّ لَهَا حَيْضٌ ، فَعَلَى هَذَا لَا يَكُونُ انْقِطَاعُ الدَّمِ أَقَلَّ مِنْ يَوْمٍ طُهْرًا ، إلَّا أَنْ تَرَى مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ ، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ انْقِطَاعُهُ فِي آخِرِ عَادَتِهَا ، أَوْ تَرَى الْقُصَّةَ الْبَيْضَاءَ ، وَهُوَ شَيْءٌ يَتْبَعُ الْحَيْضَ أَبْيَضُ ، يُسَمَّى التَّرِيَّةَ .\rرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ إمَامِنَا ، وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّ الْقُصَّةَ الْبَيْضَاءَ هِيَ الْقُطْنَةُ الَّتِي تَحْشُوهَا الْمَرْأَةُ ، إذَا خَرَجَتْ بَيْضَاءَ كَمَا دَخَلَتْ لَا تَغَيُّرَ عَلَيْهَا فَهِيَ الْقُصَّةُ الْبَيْضَاءُ بِضَمِّ الْقَافِ .\rحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ الزُّهْرِيِّ .\rوَرُوِيَ عَنْ إمَامِنَا أَيْضًا ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَيْسَ النَّقَاءُ بَيْنَ الدَّمَيْنِ طُهْرًا ،","part":2,"page":126},{"id":626,"text":"بَلْ لَوْ صَامَتْ فِيهِ فَرْضًا لَمْ يَصِحَّ ، وَلَزِمَهَا قَضَاؤُهُ ، وَلَا يَجِبُ عَلَيْهَا فِيهِ صَلَاةٌ ، وَلَا يَأْتِيهَا زَوْجُهَا ، فَيَكُونُ الدَّمَانِ وَمَا بَيْنَهُمَا حَيْضًا .\rوَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ الدَّمَ يَسِيلُ تَارَةً وَيَنْقَطِعُ أُخْرَى ؛ وَلِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ مِنْ الْحَيْضِ لَمْ يُحْتَسَبْ مِنْ مُدَّتِهِ ، وَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى } .\rوَصَفَ الْحَيْضَ بِكَوْنِهِ أَذًى ، فَإِذَا ذَهَبَ الْأَذَى وَجَبَ أَنْ يَزُولَ الْحَيْضُ .\rوَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : أَمَّا مَا رَأَتْ الدَّمَ الْبَحْرَانِيَّ فَإِنَّهَا لَا تُصَلِّي ، وَإِذَا رَأَتْ الطُّهْرَ سَاعَةً فَلْتَغْتَسِلْ .\rوَقَالَتْ عَائِشَةُ : لَا تَعْجَلْنَ حَتَّى تَرَيْنَ الْقُصَّةَ الْبَيْضَاءَ ؛ وَلِأَنَّهَا صَامَتْ وَهِيَ طَاهِرٌ ، فَلَمْ يَلْزَمْهَا الْقَضَاءُ ، كَمَا لَوْ لَمْ يَعُدْ الدَّمُ .\rفَأَمَّا قَوْلُهُمْ : إنَّ الدَّمَ يَجْرِي تَارَةً وَيَنْقَطِعُ أُخْرَى .\rقُلْنَا ؛ لَا عِبْرَةَ بِالِانْقِطَاعِ الْيَسِيرِ ، وَإِنَّمَا إذَا وُجِدَ انْقِطَاعٌ كَبِيرٌ يُمْكِنُ فِيهِ الصَّلَاةُ وَالصِّيَامُ ، وَتَتَأَدَّى الْعِبَادَةُ فِيهِ ، وَجَبَتْ عَلَيْهَا ؛ لِعَدَمِ الْمَانِعِ مِنْ وَجُوبِهَا .\r( 504 ) فَصْلٌ : الْفَصْلُ الثَّانِي ، إذَا عَاوَدَهَا الدَّمُ ، فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يُعَاوِدَهَا فِي الْعَادَةِ ، أَوْ بَعْدَهَا ، فَإِنْ عَاوَدَهَا فِي الْعَادَةِ ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ : إحْدَاهُمَا ، أَنَّهُ مِنْ حَيْضِهَا ؛ لِأَنَّهُ صَادَفَ زَمَنَ الْعَادَةِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ يَنْقَطِعْ ، وَهَذَا مَذْهَبُ الثَّوْرِيِّ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ ، وَالشَّافِعِيِّ .\rوَالثَّانِيَةُ ، لَيْسَ بِحَيْضٍ ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ ، وَاخْتِيَارُ ابْنِ أَبِي مُوسَى ، وَمَذْهَبُ عَطَاءٍ ؛ لِأَنَّهُ عَادَ بَعْدَ طُهْرٍ صَحِيحٍ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ عَادَ بَعْدَ الْعَادَةِ .\rوَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ يَكُونُ حُكْمُهُ حُكْمَ مَا لَوْ عَادَ بَعْدَ الْعَادَةِ عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ فِيمَا بَعْدُ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ ، رَحِمَهُ اللَّهُ : إذَا كَانَتْ أَيَّامُهَا عَشْرًا","part":2,"page":127},{"id":627,"text":"، فَقَعَدَتْ خَمْسًا ، ثُمَّ رَأَتْ الطُّهْرَ ، فَإِنَّهَا تُصَلِّي ، فَإِذَا كَانَ الْيَوْمُ التَّاسِعُ أَوْ الثَّامِنُ ، فَرَأَتْ الدَّمَ ، صَلَّتْ وَصَامَتْ ، وَتَقْضِي الصَّوْمَ .\rوَهَذَا عَلَى سَبِيلِ الِاحْتِيَاطِ ؛ لِوُجُودِ التَّرَدُّدِ فِي هَذَا الدَّمِ ، فَأَشْبَهَ دَمَ النُّفَسَاءِ الْعَائِدَ فِي مُدَّةِ النِّفَاسِ .\rفَإِنْ رَأَتْهُ فِي الْعَادَةِ ، وَتَجَاوَزَ الْعَادَةَ ، لَمْ يَخْلُ مِنْ أَنْ يَعْبُرَ أَكْثَرَ الْحَيْضِ أَوْ لَا يَعْبُرَ ، فَإِنْ عَبَرَ أَكْثَرَ الْحَيْضِ ، فَلَيْسَ بِحَيْضٍ ؛ لِأَنَّ بَعْضَهُ لَيْسَ بِحَيْضٍ ، فَيَكُونُ كُلُّهُ اسْتِحَاضَةً ؛ لِأَنَّهُ مُتَّصِلٌ بِهِ ، فَكَانَ أَقْرَبَ إلَيْهِ ، فَإِلْحَاقُهُ بِالِاسْتِحَاضَةِ أَقْرَبُ مِنْ إلْحَاقِهِ بِالْحَيْضِ ؛ لِانْفِصَالِهِ عَنْهُ ، وَإِنْ انْقَطَعَ لِأَكْثَرِهِ فَمَا دُونَ ، فَمَنْ قَالَ : إنَّ مَا لَمْ يَعْبُرْ الْعَادَةَ لَيْسَ بِحَيْضٍ .\rفَهَذَا أَوْلَى أَنْ لَا يَكُونَ حَيْضًا ، وَمَنْ قَالَ : هُوَ حَيْضٌ .\rفَفِي هَذَا عَلَى قَوْلِهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ : أَحَدُهَا ، أَنَّ جَمِيعَهُ حَيْضٌ ، بِنَاءً عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْنَا فِي أَنَّ الزَّائِدَ عَلَى الْعَادَةِ حَيْضٌ ، مَا لَمْ يَعْبُرْ أَكْثَرَ الْحَيْضِ .\rوَالثَّانِي ، أَنَّ مَا وَافَقَ الْعَادَةَ حَيْضٌ ؛ لِمُوَافَقَتِهِ الْعَادَةَ ، وَمَا زَادَ عَلَيْهَا لَيْسَ بِحَيْضٍ ؛ لِخُرُوجِهِ عَنْهَا .\rوَالثَّالِثُ ، أَنَّ الْجَمِيعَ لَيْسَ بِحَيْضٍ ؛ لِاخْتِلَاطِهِ بِمَا لَيْسَ بِحَيْضٍ .\rفَإِنْ تَكَرَّرَ فَهُوَ حَيْضٌ ، عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ جَمِيعًا .\rفَأَمَّا إنْ عَادَ بَعْدَ الْعَادَةِ لَمْ يَخْلُ مِنْ حَالَيْنِ : أَحَدُهُمَا ، أَنْ لَا يُمْكِنَ كَوْنُهُ حَيْضًا .\rوَالثَّانِي ، أَنْ يُمْكِنَ ذَلِكَ ؛ فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ كَوْنُهُ حَيْضًا لِعُبُورِهِ أَكْثَرَ الْحَيْضِ ، وَأَنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الدَّمِ أَقَلُّ الطُّهْرِ ، فَهَذَا اسْتِحَاضَةٌ كُلُّهُ ، سَوَاءٌ تَكَرَّرَ أَوْ لَمْ يَتَكَرَّرْ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ جَعْلُ جَمِيعِهِ حَيْضًا ، فَكَانَ جَمِيعُهُ اسْتِحَاضَةً ؛ لِأَنَّ إلْحَاقَ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ أَوْلَى مِنْ إلْحَاقِهِ بِغَيْرِهِ .\rوَالثَّانِي ، أَنْ يُمْكِنَ جَعْلُهُ حَيْضًا ، وَذَلِكَ","part":2,"page":128},{"id":628,"text":"يُتَصَوَّرُ فِي حَالَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، أَنْ يَكُونَ بِضَمِّهِ إلَى الدَّمِ الْأَوَّلِ لَا يَكُونُ بَيْنَ طَرَفَيْهِمَا أَكْثَرَ مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا ، فَإِذَا تَكَرَّرَ جَعَلْنَاهُمَا حَيْضَةً وَاحِدَةً ، وَيُلَفَّقُ أَحَدُهُمَا إلَى الْآخَرِ ، وَيَكُونُ الطُّهْرُ الَّذِي بَيْنَهُمَا طُهْرًا فِي خِلَالِ الْحَيْضِ .\rوَالصُّورَةُ الثَّانِيَةُ ، أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا أَقَلُّ الطُّهْرِ ، إمَّا ثَلَاثَةَ عَشَرَ يَوْمًا ، أَوْ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا ، وَيَكُونُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الدَّمَيْنِ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ حَيْضًا بِمُفْرَدِهِ بِأَنْ يَكُونَ يَوْمًا وَلَيْلَةً فَصَاعِدًا ، فَهَذَا إذَا تَكَرَّرَ كَانَ الدَّمَانِ حَيْضَتَيْنِ ، وَإِنْ نَقَصَ أَحَدُهُمَا عَنْ أَقَلِّ الْحَيْضِ ، فَهُوَ دَمُ فَسَادٍ ، إذَا لَمْ يُمْكِنْ ضَمُّهُ إلَى مَا بَعْدَهُ .\rوَمِثَالُ ذَلِكَ مَا لَوْ كَانَتْ عَادَتُهَا عَشَرَةً مِنْ أَوَّلِ الشَّهْرِ ، فَرَأَتْ خَمْسَةً مِنْهَا دَمًا ، وَطَهُرَتْ خَمْسَةً ، ثُمَّ رَأَتْ خَمْسَةً دَمًا ، وَتَكَرَّرَ ذَلِكَ .\rفَالْخَمْسَةُ الْأُولَى وَالثَّانِيَةُ حَيْضَةٌ وَاحِدَةٌ تُلَفِّقُ الدَّمَ الثَّانِيَ إلَى الْأَوَّلِ .\rوَإِنْ رَأَتْ الثَّانِيَ سِتَّةً أَوْ سَبْعَةً ، لَمْ يُمْكِنْ أَنْ يَكُونَ حَيْضًا ؛ لِأَنَّ بَيْنَ طَرَفَيْهَا أَكْثَرَ مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا ، وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا أَقَلُّ الطُّهْرِ .\rوَإِنْ رَأَتْ يَوْمًا دَمًا وَثَلَاثَةَ عَشَرَ طُهْرًا ، ثُمَّ رَأَتْ يَوْمًا دَمًا وَتَكَرَّرَ هَذَا ، كَانَا حَيْضَتَيْنِ ، وَصَارَ شَهْرُهَا أَرْبَعَةَ عَشَرَ يَوْمًا .\rوَكَذَلِكَ إنْ رَأَتْ يَوْمَيْنِ دَمًا وَثَلَاثَةَ عَشَرَ طُهْرًا ، ثُمَّ رَأَتْ يَوْمَيْنِ دَمًا وَثَلَاثَةَ عَشَرَ طُهْرًا ، ثُمَّ رَأَتْ يَوْمَيْنِ دَمًا ، وَتَكَرَّرَ شَهْرُهَا خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا .\rوَإِنْ كَانَ الطُّهْرُ بَيْنَهُمَا أَحَدَ عَشَرَ يَوْمًا فَمَا دُونَ وَتَكَرَّرَ ، فَهُمَا حَيْضَةٌ وَاحِدَةٌ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بَيْنَ طَرَفَيْهِمَا أَكْثَرُ مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا ، وَلَا بَيْنَهُمَا أَقَلُّ الطُّهْرِ .\rوَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا اثْنَا عَشَرَ يَوْمًا طُهْرًا ، لَمْ يُمْكِنْ كَوْنُهُمَا جَمِيعًا حَيْضًا ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ","part":2,"page":129},{"id":629,"text":"كَوْنُهُمَا حَيْضَةً وَاحِدَةً ؛ لِزِيَادَتِهِمَا بِمَا بَيْنَهُمَا مِنْ الطُّهْرِ عَلَى أَكْثَرِ الْحَيْضِ ، وَلَا يُمْكِنُ جَعْلُهُمَا حَيْضَتَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهُمَا أَقَلُّ الطُّهْرِ ، فَيَكُونُ حَيْضُهَا مِنْهُمَا مَا وَافَقَ الْعَادَةَ ، وَالْآخَرُ اسْتِحَاضَةٌ .\rوَعَلَى هَذَا كُلُّ مَا يَتَفَرَّعُ مِنْ الْمَسَائِلِ ، إلَّا أَنَّهَا لَا تَلْتَفِتُ إلَى مَا رَأَتْهُ بَعْدَ الطُّهْرِ فِيمَا خَرَجَ عَنْ الْعَادَةِ حَتَّى يَتَكَرَّرَ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا ، فَإِنْ تَكَرَّرَ ، وَأَمْكَنَ جَعْلُهُ حَيْضًا ، فَهُوَ حَيْضٌ ، وَإِلَّا فَلَا .\rوَكُلُّ مَوْضِعٍ رَأَتْ الدَّمَ وَلَمْ تَتْرُكْ الْعِبَادَةَ فِيهِ ، ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ كَانَ حَيْضًا ، فَعَلَيْهَا قَضَاءُ الصَّوْمِ الْمَفْرُوضِ فِيهِ .\rوَكُلُّ مَوْضِعٍ عَدَّتْهُ حَيْضًا وَتَرَكَتْ فِيهِ الْعِبَادَةَ ، ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ طُهْرٌ ، فَعَلَيْهَا قَضَاءُ مَا تَرَكَتْهُ مِنْ الْوَاجِبَاتِ فِيهِ .\r( 505 ) فَصْلٌ : وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي مُرَادِ الْخِرَقِيِّ ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، بِقَوْلِهِ : \" فَإِنْ عَاوَدَهَا الدَّمُ فَلَا تَلْتَفِتُ إلَيْهِ .\rفَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ التَّمِيمِيُّ ، وَالْقَاضِي ، وَابْنُ عَقِيلٍ : أَرَادَ إذَا عَاوَدَهَا بَعْدَ الْعَادَةِ ، وَعَبَرَ أَكْثَرَ الْحَيْضِ ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ مَنَعَهَا أَنْ تَلْتَفِتَ إلَيْهِ مُطْلَقًا ، وَلَوْ أَرَادَ غَيْرَ ذَلِكَ لَقَالَ : حَتَّى يَتَكَرَّرَ .\rقَالَ الْقَاضِي : وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ إذَا عَاوَدَهَا بَعْدَ الْعَادَةِ وَلَمْ يَعْبُرْ .\rفَإِنَّهَا لَا تَلْتَفِتُ إلَيْهِ قَبْلَ التَّكْرَارِ .\rوَقَالَ أَبُو حَفْصٍ الْعُكْبَرِيُّ : أَرَادَ مُعَاوَدَةَ الدَّمِ فِي كُلِّ حَالٍ ، سَوَاءٌ كَانَ فِي الْعَادَةِ أَوْ بَعْدَهَا ؛ لِأَنَّ لَفْظَهُ مُطْلَقٌ فَيَتَنَاوَلُ بِإِطْلَاقِهِ الزَّمَانَ كُلَّهُ .\rوَهَذَا أَظْهَرُ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ .\rوَمَا ذَكَرُوهُ مِنْ التَّرْجِيحِ مُعَارَضٌ بِمِثْلِهِ ، وَهُوَ أَنَّ قَوْلَهُمْ يَحْتَاجُ إلَى إضْمَارِ عُبُورِ أَكْثَرِ الْحَيْضِ ، وَلَيْسَ هَذَا أَوْلَى مِنْ إضْمَارِ التَّكْرَارِ ، فَيَتَسَاوَيَانِ ، وَيَسْلَمُ التَّرْجِيحُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ .","part":2,"page":130},{"id":630,"text":"فَصْلٌ : فِي التَّلْفِيقِ وَمَعْنَاهُ ضَمُّ الدَّمِ إلَى الدَّمِ الَّذِينَ بَيْنَهُمَا طُهْرٌ وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الطُّهْرَ فِي أَثْنَاءِ الْحَيْضَةِ طُهْرٌ صَحِيحٌ ، فَإِذَا رَأَتْ يَوْمًا طُهْرًا وَيَوْمًا دَمًا ، وَلَمْ يُجَاوِزْ أَكْثَرَ الْحَيْضِ ، فَإِنَّهَا تَضُمُّ الدَّمَ إلَى الدَّمِ ، فَيَكُونُ حَيْضًا ، وَمَا بَيْنَهُمَا مِنْ النَّقَاءِ طُهْرٌ عَلَى مَا قَرَّرْنَاهُ .\rوَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ زَمَنُ الدَّمِ أَكْثَرَ مِنْ زَمَنِ الطُّهْرِ أَوْ مِثْلَهُ أَوْ أَقَلَّ مِنْهُ مِثْلُ أَنْ تَرَى يَوْمَيْنِ دَمًا وَيَوْمًا طُهْرًا ، أَوْ يَوْمَيْنِ طُهْرًا وَيَوْمًا دَمًا ، أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ فَإِنَّ جَمِيعَ الدَّمِ حَيْضٌ إذَا تَكَرَّرَ وَلَمْ يُجَاوِزْ لِمُدَّةِ أَكْثَرِ الْحَيْضِ ، فَإِنْ كَانَ الدَّمُ أَقَلَّ مِنْ يَوْمٍ مِثْلُ أَنْ تَرَى نِصْفَ يَوْمٍ دَمًا وَنِصْفَهُ طُهْرًا ، أَوْ سَاعَةً وَسَاعَةً فَقَالَ أَصْحَابُنَا : هُوَ كَالْأَيَّامِ يُضَمُّ الدَّمُ إلَى الدَّمِ ، فَيَكُونُ حَيْضًا ، وَمَا بَيْنَهُمَا طُهْرٌ ، إذَا بَلَغَ الْمُجْتَمِعُ مِنْهُ أَقَلَّ الْحَيْضِ ، فَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ ذَلِكَ فَهُوَ دَمُ فَسَادٍ .\rوَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ ، لَا يَكُونُ الدَّمُ حَيْضًا ، إلَّا أَنْ يَتَقَدَّمَهُ حَيْضٌ صَحِيحٌ مُتَّصِلٌ .\rوَهَذَا كُلُّهُ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ، وَلَهُ قَوْلٌ فِي النَّقَاءِ بَيْنَ الدَّمَيْنِ أَنَّهُ حَيْضٌ وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ ، وَذَكَرْنَا أَيْضًا وَجْهًا لَنَا فِي أَنَّ النَّقَاءَ مَتَى كَانَ أَقَلَّ مِنْ يَوْمٍ لَمْ يَكُنْ طُهْرًا .\rفَعَلَى هَذَا مَتَى نَقَصَ النَّقَاءُ عَنْ يَوْمٍ كَانَ الدَّمُ وَمَا بَيْنَهُ حَيْضًا كُلَّهُ ، فَإِنْ جَاوَزَ الدَّمُ أَكْثَرَ الْحَيْضِ ، بِأَنْ يَكُونَ بَيْنَ طَرَفَيْهِ أَكْثَرُ مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا ، مِثْلُ أَنْ تَرَى يَوْمًا دَمًا وَيَوْمًا طُهْرًا إلَى ثَمَانِيَةَ عَشَرَ يَوْمًا ، فَهِيَ مُسْتَحَاضَةٌ لَا تَخْلُو مِنْ أَنْ تَكُونَ مُعْتَادَةً ، أَوْ مُمَيِّزَةً ، أَوْ لَا عَادَةَ لَهَا وَلَا تَمْيِيزَ ، أَوْ يُوجَدُ فِي حَقِّهَا الْأَمْرَانِ .\rفَإِنْ كَانَتْ مُعْتَادَةً ، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ حَيْضُهَا خَمْسَةَ أَيَّامٍ فِي أَوَّلِ كُلِّ شَهْرٍ ، فَهَذِهِ تَجْلِسُ أَوَّلَ","part":2,"page":131},{"id":631,"text":"يَوْمٍ تَرَى الدَّمَ فِيهِ فِي الْعَادَةِ ، وَتَغْتَسِلُ عِنْدَ انْقِطَاعِهِ ، وَمَا بَعْدَ ذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي الطُّهْرِ فِي أَثْنَاءِ الْحَيْضَةِ ؛ هَلْ يَمْنَعُ مَا بَعْدَهُ أَنْ يَكُونَ حَيْضًا ، أَوْ لَا ؟ فَإِنْ قُلْنَا يَمْنَعُ ، فَحَيْضُهَا الْيَوْمُ الْأَوَّلُ خَاصَّةً وَمَا بَعْدَهُ اسْتِحَاضَةٌ ، وَإِنْ قُلْنَا لَا يَمْنَعُ ، فَحَيْضُهَا الْيَوْمُ الْأَوَّلُ ، وَالثَّالِثُ وَالْخَامِسُ ، فَيَحْصُلُ لَهَا مِنْ عَادَتِهَا ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ وَالْبَاقِي اسْتِحَاضَةٌ ، وَفِي وَجْهٍ آخَرَ أَنَّهُ يُلَفَّقُ لَهَا الْخَمْسَةُ مِنْ أَيَّامِ الدَّمِ جَمِيعِهَا ، فَتَجْلِسُ السَّابِعَ وَالتَّاسِعَ .\rوَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ ؛ لِأَنَّ هَذَيْنِ الْيَوْمَيْنِ لَيْسَا مِنْ عَادَتِهَا فَلَا .\rتَجْلِسُهُمَا كَغَيْرِ الْمُلَفِّقَةِ .\rوَإِنْ كَانَتْ مُمَيِّزَةً جَلَسَتْ زَمَانَ الدَّمِ الْأُسُودِ مِنْ الْأَيَّامِ ، فَكَانَ حَيْضَهَا وَبَاقِيهِ اسْتِحَاضَةٌ ، وَإِنْ كَانَتْ مُبْتَدَأَةً جَلَسَتْ الْيَقِينَ فِي ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ ، مِنْ أَوَّلِ دَمٍ تَرَاهُ ، أَوْ فِي شَهْرَيْنِ ، ثُمَّ تَنْتَقِلُ بَعْدَ ذَلِكَ إلَى سِتَّةِ أَيَّامٍ أَوْ سَبْعَةٍ .\rوَهَلْ يُلَفَّقُ لَهَا السَّبْعَةُ مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا ، أَوْ تَجْلِسُ أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ مِنْ سَبْعَةِ أَيَّامٍ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ ، كَمَا قُلْنَا فِيمَنْ عَادَتُهَا سَبْعَةُ أَيَّامٍ ، فَإِذَا قُلْنَا تَجْلِسُ زَمَانَ الدَّمِ مِنْ سَبْعَةٍ ، جَلَسَتْ الْأَوَّلَ وَالثَّالِثَ وَالْخَامِسَ وَالسَّابِعَ .\rوَإِنْ أَجْلَسْنَاهَا سِتَّةَ أَيَّامٍ سَقَطَ السَّابِعُ .\rوَإِنْ قُلْنَا تُلَفِّقُ لَهَا ، زَادَتْ التَّاسِعَ وَالْحَادِي عَشَرَ إنْ قُلْنَا تَجْلِسُ سِتَّةً ، وَإِنْ جَلَسَتْ سَبْعَةً زَادَتْ الثَّالِثَ عَشَرَ وَهَكَذَا الْحُكْمُ فِي النَّاسِيَةِ .\rوَهَذَا أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ إلَّا أَنَّهُ لَا يُلَفِّقُ لَهَا عَدَدَ أَيَّامِهَا فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ .\rوَقَالَ الْقَاضِي ، فِي الْمُعْتَادَةِ كَمَا ذَكَرْنَا .\rوَفِي غَيْرِهَا : مَا عَبَرَ الْخَمْسَةَ عَشَرَ اسْتِحَاضَةٌ وَأَيَّامُ الدَّمِ مِنْ الْخَمْسَةَ عَشَرَ حَيْضٌ كُلُّهَا إذَا تَكَرَّرَ فَإِنْ كَانَ يَوْمًا وَيَوْمًا ، فَلَهَا","part":2,"page":132},{"id":632,"text":"ثَمَانِيَةُ أَيَّامٍ حَيْضٌ ، وَسَبْعَةٌ طُهْرٌ وَإِنْ كَانَتْ أَنْصَافًا فَلَهَا سَبْعَةُ أَيَّامٍ وَنِصْفٌ حَيْضٌ وَمِثْلُهَا طُهْرٌ وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ بِنْتِ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ الطُّهْرَ فِي الْيَوْمِ السَّادِسَ عَشَرَ يَفْصِلُ بَيْنَ الْحَيْضِ وَمَا بَعْدَهُ ، فَإِنَّهَا فِيمَا بَعْدَهُ فِي حُكْمِ الطَّاهِرَاتِ ، نَأْمُرُهَا بِالصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ .\rوَلَنَا : أَنَّ الطُّهْرَ لَوْ مُيِّزَ بَعْدَ الْخَامِسَ عَشَرَ لَمُيِّزَ قَبْلَهُ ، كَتَمَيُّزِ اللَّوْنِ ، وَالْحُكْمُ فِيمَا إذَا كَانَ أَنْصَافًا أَوْ مُخْتَلِفًا ، يَوْمًا دَمًا وَأَيَّامًا طُهْرًا أَوْ أَيَّامًا طُهْرًا وَأَيَّامًا دَمًا ، كَالْحُكْمِ فِي الْأَيَّامِ الصِّحَاحِ الْمُتَسَاوِيَةِ ، إلَّا أَنَّهُ إذَا كَانَ الْجُزْءُ الَّذِي تَرَى الدَّمَ فِيهِ أَوَّلًا أَقَلَّ مِنْ أَقَلِّ الْحَيْضِ فَفِيهِ وَجْهُ أَنَّهُ لَا يَكُونُ حَيْضًا حَتَّى يَسْبِقَهُ دَمٌ مُتَّصِلٌ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ حَيْضًا .\rوَإِنْ قُلْنَا الطُّهْرُ يَمْنَعُ مَا بَعْدَهُ مِنْ كَوْنِهِ حَيْضًا قَبْلَ التَّكْرَارِ ، وَجَاءَ فِي الْعَادَةِ ، فَإِنَّهَا تَضُمُّ إلَى الْأَوَّلِ مَا تُكْمِلُ بِهِ أَقَلَّ الْحَيْضِ ؛ فَإِذَا كَانَتْ تَرَى الدَّمَ يَوْمًا وَيَوْمًا ، ضَمَّتْ الثَّالِثَ إلَى الْأَوَّلِ .\rفَكَانَ حَيْضًا فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ ، ثُمَّ تَنْتَقِلُ إلَى مَا تَكَرَّرَ فِي الْمَرَّةِ الثَّالِثَةِ أَوْ الرَّابِعَةِ ، عَلَى اخْتِلَافِ الْوَجْهَيْنِ ، وَإِذَا رَأَتْ أَقَلَّ مِنْ أَقَلِّ الْحَيْضِ ، ثُمَّ طَهُرَتْ ثَلَاثَةَ عَشَرَ يَوْمًا ، ثُمَّ رَأَتْ دَمًا مِثْلَ ذَلِكَ ، وَقُلْنَا أَقَلُّ الطُّهْرِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ يَوْمًا ، فَهُوَ دَمُ فَسَادٍ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ حَيْضَةً وَاحِدَةً لِفَصْلِ أَقَلِّ الطُّهْرِ بَيْنَهُمَا ، وَلَا حَيْضَتَيْنِ ؛ لِنُقْصَانِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنْ أَقَلِّ الْحَيْضِ ، وَإِنْ قُلْنَا أَقَلُّ الطُّهْرِ خَمْسَةَ عَشَرَ ، ضَمَمْنَا الْأَوَّلَ إلَى الثَّانِي ، فَكَانَا حَيْضَةً وَاحِدَةً ، إذَا بَلَغَا بِمَجْمُوعِهِمَا أَقَلَّ الْحَيْضِ ، وَإِنْ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الدَّمَيْنِ يَبْلُغُ أَقَلَّ الْحَيْضِ ، فَهُمَا حَيْضَتَانِ ، إنْ قُلْنَا : أَقَلُّ","part":2,"page":133},{"id":633,"text":"الطُّهْرِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ وَإِنْ قُلْنَا أَقَلُّهُ خَمْسَةَ عَشَرَ ، ضَمَمْنَا الثَّانِيَ إلَى الْأَوَّلِ فَكَانَا حَيْضًا وَاحِدًا ، إذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَ طَرَفَيْهِمَا أَكْثَرُ مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا ، فَإِنْ كَانَ بَيْنَ طَرَفَيْهِمَا خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا لَمْ يَكُنْ جَعْلُهُمَا جَمِيعًا حَيْضًا فَيَجْعَلُ أَحَدَهُمَا حَيْضًا وَالْآخَرَ اسْتِحَاضَةً وَعَلَى هَذَا فَقِسْ","part":2,"page":134},{"id":634,"text":"( 507 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ وَالْحَامِلُ لَا تَحِيضُ ، إلَّا أَنْ تَرَاهُ قَبْلَ وِلَادَتِهَا بِيَوْمَيْنِ ، أَوْ ثَلَاثَةٍ فَيَكُونُ دَمَ نِفَاسٍ مَذْهَبُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّ الْحَامِلَ لَا تَحِيضُ ، وَمَا تَرَاهُ مِنْ الدَّمِ فَهُوَ دَمُ فَسَادٍ وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ التَّابِعِينَ ؛ مِنْهُمْ : سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ، وَعَطَاءٌ ، وَالْحَسَنُ ، وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ وَعِكْرِمَةُ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَمَكْحُولٌ وَحَمَّادٌ وَالثَّوْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَأَبُو عُبَيْدٍ وَأَبُو ثَوْرٍ وَرُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا وَالصَّحِيحُ عَنْهَا أَنَّهَا إذَا رَأَتْ الدَّمَ لَا تُصَلِّي .\rوَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ ، وَاللَّيْثُ : مَا تَرَاهُ مِنْ الدَّمِ حَيْضٌ إذَا أَمْكَنَ وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ الزُّهْرِيِّ ، وَقَتَادَةَ ، وَإِسْحَاقَ لِأَنَّهُ دَمٌ صَادَفَ عَادَةً ، فَكَانَ حَيْضًا كَغَيْرِ الْحَامِلِ ، وَلَنَا قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَا تُوطَأُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ وَلَا حَائِلٌ حَتَّى تُسْتَبْرَأَ بِحَيْضَةٍ } فَجَعَلَ وُجُودَ الْحَيْضِ عَلَمًا عَلَى بَرَاءَةِ الرَّحِمِ ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجْتَمِعُ مَعَهُ .\rوَاحْتَجَّ إمَامُنَا بِحَدِيثِ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ { أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ ، فَسَأَلَ عُمَرُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا ، ثُمَّ لِيُطَلِّقْهَا طَاهِرًا أَوْ حَامِلًا } فَجَعَلَ الْحَمْلَ عَلَمًا عَلَى عَدَمِ الْحَيْضِ ، كَمَا جَعَلَ الطُّهْرَ عَلَمًا عَلَيْهِ ؛ وَلِأَنَّهُ زَمَنٌ لَا يَعْتَادُهَا الْحَيْضُ فِيهِ غَالِبًا ، فَلَمْ يَكُنْ مَا تَرَاهُ فِيهِ حَيْضًا كَالْآيِسَةِ قَالَ أَحْمَدُ إنَّمَا يَعْرِفُ النِّسَاءُ الْحَمْلَ بِانْقِطَاعِ الدَّمِ ، وَقَوْلُ عَائِشَةَ يُحْمَلُ عَلَى الْحُبْلَى الَّتِي قَارَبَتْ الْوَضْعَ ، جَمْعًا بَيْنَ قَوْلَيْهَا ، فَإِنَّ الْحَامِلَ إذَا رَأَتْ الدَّمَ قَرِيبًا مِنْ وِلَادَتِهَا فَهُوَ نِفَاسٌ ، تَدَعُ لَهُ الصَّلَاةَ كَذَلِكَ قَالَ إِسْحَاقُ : وَقَالَ الْحَسَنُ : إذَا رَأَتْ الدَّمَ","part":2,"page":135},{"id":635,"text":"عَلَى الْوَلَدِ أَمْسَكَتْ عَنْ الصَّلَاةِ .\rوَقَالَ يَعْقُوبُ بْنُ بُخْتَانَ سَأَلْت أَحْمَدَ عَنْ الْمَرْأَةِ إذَا ضَرَبَهَا الْمَخَاضُ قَبْلَ الْوِلَادَةِ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ تُعِيدُ الصَّلَاةَ ؟ قَالَ : لَا وَقَالَ إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ : إذَا ضَرَبَهَا الْمَخَاضُ فَرَأَتْ الدَّمَ قَالَ : هُوَ حَيْضٌ .\rوَهَذَا قَوْلُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ، وَالشَّافِعِيِّ وَقَالَ عَطَاءٌ : تُصَلِّي وَلَا تَعُدُّهُ حَيْضًا وَلَا نِفَاسًا .\rوَلَنَا : أَنَّهُ دَمٌ خَرَجَ بِسَبَبِ الْوِلَادَةِ فَكَانَ نِفَاسًا ، كَالْخَارِجِ بَعْدَهُ وَإِنَّمَا يُعْلَمُ خُرُوجُهُ بِسَبَبِ الْوِلَادَةِ إذَا كَانَ قَرِيبًا مِنْهَا وَيُعْلَمُ ذَلِكَ بِرُؤْيَةِ أَمَارَاتِهَا ؛ مِنْ الْمَخَاضِ وَنَحْوِهِ فِي وَقْتِهِ : وَأَمَّا إنْ رَأَتْ الدَّمَ مِنْ غَيْرِ عَلَامَةٍ عَلَى قُرْبِ الْوَضْعِ ، لَمْ تَتْرُكْ لَهُ الْعِبَادَةَ ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ دَمُ فَسَادٍ فَإِنْ تَبَيَّنَ كَوْنُهُ قَرِيبًا مِنْ الْوَضْعِ ، كَوَضْعِهِ بَعْدَهُ بِيَوْمٍ أَوْ بِيَوْمَيْنِ أَعَادَتْ الصَّوْمَ الْمَفْرُوضَ إنْ صَامَتْهُ فِيهِ .\rوَإِنْ رَأَتْهُ عِنْدَ عَلَامَةٍ عَلَى الْوَضْعِ تَرَكَتْ الْعِبَادَةَ .\rفَإِنْ تَبَيَّنَ بُعْدُهُ عَنْهَا أَعَادَتْ مَا تَرَكَتْهُ مِنْ الْعِبَادَاتِ الْوَاجِبَةِ ؛ لِأَنَّهَا تَرَكَتْهَا مِنْ غَيْرِ حَيْضٍ وَلَا نِفَاسٍ .","part":2,"page":136},{"id":636,"text":"( 508 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : وَإِذَا رَأَتْ الدَّمَ وَلَهَا خَمْسُونَ سَنَةً ، فَلَا تَدَعُ الصَّوْمَ ، وَلَا الصَّلَاةَ ، وَتَقْضِي الصَّوْمَ احْتِيَاطًا ، فَإِنْ رَأَتْهُ بَعْدَ السِّتِّينَ ، فَقَدْ زَالَ الْإِشْكَالُ ؛ وَتُيُقِّنَ أَنَّهُ لَيْسَ بِحَيْضٍ ، فَتَصُومُ وَتُصَلِّي وَلَا تَقْضِي .\rاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ ، فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَاَلَّذِي نَقَلَ الْخِرَقِيِّ هَاهُنَا ، أَنَّهَا لَا تَيْأَسُ مِنْ الْحَيْضِ يَقِينًا إلَى سِتِّينَ سَنَةً ، وَمَا تَرَاهُ فِيمَا بَيْنَ الْخَمْسِينَ وَالسِّتِّينَ مَشْكُوكٌ فِيهِ ، لَا تَتْرُكُ لَهُ الصَّلَاةَ ، وَلَا الصَّوْمَ ؛ لِأَنَّ وُجُوبَهُمَا مُتَيَقَّنٌ فَلَا يَسْقُطُ بِالشَّكِّ ، وَتَقْضِي الصَّوْمَ الْمَفْرُوضَ احْتِيَاطًا ؛ لِأَنَّ وُجُوبَهُ كَانَ مُتَيَقَّنًا ، وَمَا صَامَتْهُ فِي زَمَنِ الدَّمِ مَشْكُوكٌ فِي صِحَّتِهِ ، فَلَا يَسْقُطُ بِهِ مَا تَيَقَّنَ وُجُوبُهُ .\rوَرُوِيَ عَنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا بَعْدَ الْخَمْسِينَ لَا تَحِيضُ .\rوَكَذَلِكَ قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ لَا يَكُونُ حَيْضًا بَعْدَ الْخَمْسِينَ ، وَيَكُونُ حُكْمُهَا فِيمَا تَرَاهُ مِنْ الدَّمِ حُكْمَ الْمُسْتَحَاضَةِ ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ : إذَا بَلَغَتْ خَمْسِينَ سَنَةً خَرَجَتْ مِنْ حَدِّ الْحَيْضِ .\rوَرُوِيَ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ : لَنْ تَرَى الْمَرْأَةُ فِي بَطْنِهَا وَلَدًا بَعْدَ الْخَمْسِينَ .\rوَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّ نِسَاءَ الْأَعَاجِمِ يَئِسْنَ مِنْ الْمَحِيضِ فِي خَمْسِينَ ، وَنِسَاءَ بَنِي هَاشِمٍ وَغَيْرِهِمْ مِنْ الْعَرَبِ إلَى سِتِّينَ سَنَةً وَهُوَ قَوْلُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لِمَا رَوَى الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارَ فِي كِتَابِ النَّسَبِ عَنْ بَعْضِهِمْ ، أَنَّهُ قَالَ : لَا تَلِدُ لِخَمْسِينَ سَنَةً إلَّا الْعَرَبِيَّةُ ، وَلَا تَلِدُ لِسِتَّيْنِ إلَّا قُرَشِيَّةٌ .\rوَقَالَ : إنَّ هِنْدَ بِنْتَ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَمْعَةَ وَلَدَتْ مُوسَى بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَسَنِ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَلَهَا سِتُّونَ سَنَةً .\rوَقَالَ أَحْمَدُ فِي امْرَأَةٍ مِنْ الْعَرَبِ رَأَتْ الدَّمَ بَعْدَ","part":2,"page":137},{"id":637,"text":"الْخَمْسِينَ إنْ عَاوَدَهَا مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً فَهُوَ حَيْضٌ ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَرْجِعَ فِي هَذَا إلَى الْوُجُودِ ، وَقَدْ وُجِدَ حَيْضٌ مِنْ نِسَاءٍ ثِقَاتٍ أَخْبَرْنَ بِهِ عَنْ أَنْفُسِهِنَّ بَعْدَ الْخَمْسِينَ ، فَوَجَبَ اعْتِقَادُ كَوْنِهِ حَيْضًا كَمَا قَبْلَ الْخَمْسِينَ ؛ وَلِأَنَّ الْكَلَامَ فِيمَا إذَا وُجِدَ مِنْ الْمَرْأَةِ دَمٌ فِي زَمَنِ عَادَتِهَا عَلَى وَجْهٍ كَانَتْ تَرَاهُ قَبْلَ ذَلِكَ ، فَالْوُجُودُ هَاهُنَا دَلِيلُ الْحَيْضِ ، كَمَا كَانَ قَبْلَ الْخَمْسِينَ دَلِيلًا ، فَوَجَبَ جَعْلُهُ حَيْضًا ، وَأَمَّا إيجَابُ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ فِيهِ فَلِلِاحْتِيَاطِ ، لِوُقُوعِ الْخِلَافِ فِيهِ ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ نِسَاءِ الْعَرَبِ وَغَيْرِهِنَّ لِأَنَّهُنَّ لَا يَخْتَلِفْنَ فِي سَائِرِ أَحْكَامِ الْحَيْضِ ، فَكَذَلِكَ فِي هَذَا ، وَمَا ذُكِرَ عَنْ عَائِشَةَ لَا حُجَّةَ فِيهِ ؛ لِأَنَّ وُجُودَ الْحَيْضِ أَمْرٌ حَقِيقِيٌّ ، الْمَرْجِعُ فِيهِ إلَى الْوُجُودِ ، وَالْوُجُودُ لَا عِلْمَ لَهَا بِهِ .\rثُمَّ قَدْ وُجِدَ بِخِلَافِ مَا قَالَتْهُ ؛ فَإِنَّ مُوسَى بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَسَنٍ قَدْ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ بَعْدَ الْخَمْسِينَ ، وَوُجِدَ الْحَيْضُ فِيمَا بَعْدَ الْخَمْسِينَ عَلَى وَجْهِهِ ، فَلَا يُمْكِنُ إنْكَارُهُ ، فَإِنْ قِيلَ : هَذَا الدَّمُ لَيْسَ بِحَيْضٍ ، مَعَ كَوْنِهِ عَلَى صِفَتِهِ ، وَفِي وَقْتِهِ وَعَادَتِهِ ، بِغَيْرِ نَصٍّ فَهَذَا تَحَكُّمٌ لَا يُقْبَلُ فَأَمَّا بَعْدَ السِّتِّينَ فَقَدْ زَالَ الْإِشْكَالُ وَتُيُقِّنَ أَنَّهُ لَيْسَ بِحَيْضٍ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ لِلْمَرْأَةِ حَالًا تَنْتَهِي فِيهِ إلَى الْإِيَاسِ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى { وَاَللَّائِي يَئِسْنَ مِنْ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ } قَالَ أَحْمَدُ فِي الْمَرْأَةِ الْكَبِيرَةِ تَرَى الدَّمَ لَا يَكُونُ حَيْضًا ، هُوَ بِمَنْزِلَةِ الْجُرْحِ وَإِنْ اغْتَسَلَتْ فَحَسَنٌ .\rوَقَالَ عَطَاءٌ : هِيَ بِمَنْزِلَةِ الْمُسْتَحَاضَةِ .\rوَمَعْنَى الْقَوْلَيْنِ وَاحِدٌ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ هَذَا الدَّمَ إذَا لَمْ يَكُنْ حَيْضًا فَهُوَ دَمُ فَسَادٍ ، وَحُكْمُهَا حُكْمُ الْمُسْتَحَاضَةِ وَمَنْ بِهِ سَلَسُ الْبَوْلِ ، عَلَى مَا مَرَّ","part":2,"page":138},{"id":638,"text":"حُكْمُهُمَا","part":2,"page":139},{"id":639,"text":"( 509 ) فَصْلٌ : وَأَقَلُّ سِنٍّ تَحِيضُ لَهُ الْمَرْأَةُ تِسْعُ سِنِينَ ؛ لِأَنَّ الصَّغِيرَةَ لَا تَحِيضُ ، بِدَلِيلِ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى { وَاَللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ } ؛ وَلِأَنَّ الْمَرْجِعَ فِيهِ إلَى الْوُجُودِ ، وَلَمْ يُوجَدْ مِنْ النِّسَاءِ مَنْ يَحِضْنَ عَادَةً فِيمَا دُونَ هَذَا السِّنِّ وَلِأَنَّ دَمَ الْحَيْضِ إنَّمَا خَلَقَهُ اللَّهُ لِحِكْمَةِ تَرْبِيَةِ الْحَمْلِ بِهِ فَمَنْ لَا تَصْلُحُ لِلْحَمْلِ لَا تُوجَدُ فِيهَا حِكْمَتُهُ ، فَيَنْتَفِي لِانْتِفَاءِ حِكْمَتِهِ كَالْمَنِيِّ ، فَإِنَّهُمَا مُتَقَارِبَانِ فِي الْمَعْنَى ، فَإِنَّ أَحَدَهُمَا يُخْلَقُ مِنْهُ الْوَلَدُ ، وَالْآخَرُ يُرَبِّيهِ وَيُغَذِّيهِ ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَا يُوجَدُ مِنْ صَغِيرٍ ، وَوُجُودُهُ عَلَمٌ عَلَى الْبُلُوغِ ، وَأَقَلُّ سِنٍّ تَبْلُغُ لَهُ الْجَارِيَةُ تِسْعُ سِنِينَ ، فَكَانَ ذَلِكَ أَقَلَّ سِنٍّ تَحِيضُ لَهُ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ { إذَا بَلَغَتْ الْجَارِيَةُ تِسْعَ سِنِينَ فَهِيَ امْرَأَةُ } وَرُوِيَ ذَلِكَ مَرْفُوعًا إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُرَادُ بِهِ حُكْمُهَا حُكْمُ الْمَرْأَةِ وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَقَدْ حُكِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : رَأَيْت جَدَّةً بِنْتَ إحْدَى وَعِشْرِينَ سَنَةً .\rوَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا حَمَلَتْ لِدُونِ عَشْرِ سِنِينَ ، وَحَمَلَتْ ابْنَتُهَا لِمِثْلِ ذَلِكَ .\rفَعَلَى هَذَا إذَا رَأَتْ بِنْتُ تِسْعِ سِنِينَ دَمًا تَرَكَتْ الصَّلَاةَ ؛ لِأَنَّهَا رَأَتْهُ فِي زَمَنٍ يَصْلُحُ لِلْحَيْضِ ، فَإِنْ اتَّصَلَ يَوْمًا وَلَيْلَةً فَهُوَ حَيْضٌ ، يَثْبُتُ بِهِ بُلُوغُهَا ، وَنُثْبِتُ فِيهِ أَحْكَامَ الْحَيْضِ كُلِّهَا وَإِنْ انْقَطَعَ لِدُونِ ذَلِكَ ، فَهُوَ دَمُ فَسَادٍ ، لَا يَثْبُتُ بِهِ شَيْءٌ مِمَّا ذَكَرْنَا .\rوَإِنْ رَأَتْ الدَّمَ لِدُونِ تِسْعِ سِنِينَ ، فَهُوَ دَمُ فَسَادٍ ، عَلَى كُلِّ حَالٍ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَيْضًا .\rوَقَدْ رَوَى الْمَيْمُونِيُّ ، عَنْ أَحْمَدَ ، فِي بِنْتِ عَشْرٍ رَأَتْ الدَّمَ ، قَالَ : لَيْسَ بِحَيْضٍ فَعَلَى هَذَا لَيْسَ التِّسْعُ وَلَا الْعَشْرُ زَمَنًا لِلْحَيْضِ .\rقَالَ الْقَاضِي : فَيَجِبُ عَلَى هَذَا أَنْ يُقَالَ :","part":2,"page":140},{"id":640,"text":"أَوَّلُ زَمَنٍ يَصِحُّ فِيهِ وُجُودُ الْحَيْضِ ثِنْتَا عَشْرَةَ سَنَةً ؛ لِأَنَّهُ الزَّمَانُ الَّذِي يَصِحُّ فِيهِ بُلُوغُ الْغُلَامِ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ","part":2,"page":141},{"id":641,"text":"( 510 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : وَالْمُسْتَحَاضَةُ ، إنْ اغْتَسَلَتْ لِكُلِّ صَلَاةٍ فَهُوَ أَشَدُّ مَا قِيلَ فِيهَا ؛ وَإِنْ تَوَضَّأَتْ لِكُلِّ صَلَاةٍ أَجْزَأَهَا اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي الْمُسْتَحَاضَةِ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : يَجِبُ عَلَيْهَا الْغُسْلُ لِكُلِّ صَلَاةٍ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ ، وَابْنِ عُمَرَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ الزُّبَيْرِ وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ فِي الْمُتَحَيِّرَةِ ؛ لِأَنَّ عَائِشَةَ رَوَتْ ، { أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ اُسْتُحِيضَتْ ، فَسَأَلَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَمَرَهَا أَنْ تَغْتَسِلَ ، لِكُلِّ صَلَاةٍ } ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ، وَرَوَى أَبُو دَاوُد ، { أَنَّ امْرَأَةً كَانَتْ تُهْرَاقُ الدَّمَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَهَا بِالْغُسْلِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ } وَقَالَ بَعْضُهُمْ تَغْتَسِلُ كُلَّ يَوْمٍ غُسْلًا وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَائِشَةَ ، وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ، وَأَنَسٍ ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ فَإِنَّهُمْ قَالُوا : تَغْتَسِلُ مِنْ ظُهْرٍ إلَى ظُهْرٍ .\rقَالَ مَالِكٌ : إنِّي أَحْسِبُ حَدِيثَ ابْنِ الْمُسَيِّبِ إنَّمَا هُوَ : مِنْ طُهْرٍ إلَى طُهْرٍ .\rوَلَكِنَّ الْوَهْمَ دَخَلَ فِيهِ .\rيَعْنِي أَنَّ الطَّاءَ غَيْرَ الْمُعْجَمَةِ أُبْدِلَتْ بِالظَّاءِ الْمُعْجَمَةِ .\rوَقَالَ بَعْضُهُمْ : تَجْمَعُ بَيْنَ كُلِّ صَلَاتَيْ جَمْعٍ بِغُسْلٍ وَاحِدٍ ، وَتَغْتَسِلُ لِلصُّبْحِ عَلَى مَا فِي حَدِيثِ حَمْنَةَ .\rوَقَدْ ذَكَرْنَاهُ ، وَكَذَلِكَ أَمَرَ بِهِ سَهْلَةَ بِنْتَ سُهَيْلٍ وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ ، وَالنَّخَعِيُّ وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ ، عَلَى أَنَّ الْغُسْلَ عِنْدَ انْقِضَاءِ الْحَيْضِ ، ثُمَّ عَلَيْهَا الْوُضُوءُ لِكُلِّ صَلَاةٍ ، وَيُجْزِئُهَا ذَلِكَ وَيُرْوَى هَذَا عَنْ عُرْوَةَ ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَقَالَ عِكْرِمَةُ ، وَرَبِيعَةُ ، وَمَالِكٌ إنَّمَا عَلَيْهَا الْغُسْلُ عِنْدَ انْقِضَاءِ حَيْضِهَا وَلَيْسَ عَلَيْهَا لِلِاسْتِحَاضَةِ وُضُوءٌ ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَ حَدِيثِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ، فِي حَدِيثِ فَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي","part":2,"page":142},{"id":642,"text":"حُبَيْشٍ الْغُسْلُ فَقَطْ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهَا : \" فَاغْتَسِلِي وَصَلِّي \" .\rوَلَمْ يَذْكُرْ الْوُضُوءَ لِكُلِّ صَلَاةٍ .\rوَلَنَا : { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِفَاطِمَةَ إنَّمَا ذَلِكَ عِرْقٌ ، وَلَيْسَتْ بِالْحَيْضَةِ ، فَإِذَا أَقْبَلَتْ فَدَعِي الصَّلَاةَ فَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْسِلِي عَنْك الدَّمَ وَصَلِّي ، وَتَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلَاةٍ } قَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ .\rوَهَذِهِ زِيَادَةٌ يَجِبُ قَبُولُهَا .\rوَفِي حَدِيثِ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمُسْتَحَاضَةِ { تَدَعُ الصَّلَاةَ أَيَّامَ أَقْرَائِهَا ، ثُمَّ تَغْتَسِلُ وَتُصَلِّي ، وَتَتَوَضَّأُ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ ، } .\rوَلِأَنَّهُ دَمٌ خَارِجٌ مِنْ الْفَرْجِ ، فَأَوْجَبَ الْوُضُوءَ كَدَمِ الْحَيْضِ ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْغُسْلَ الْمَأْمُورَ بِهِ فِي سَائِرِ الْأَحَادِيثِ مُسْتَحَبُّ غَيْرُ وَاجِبٍ ، وَالْغُسْلُ لِكُلِّ صَلَاةٍ أَفْضَلُ ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ الْخُرُوجِ مِنْ الْخِلَافِ ، وَالْأَخْذِ بِالثِّقَةِ وَالِاحْتِيَاطِ ، وَهُوَ أَشَدُّ مَا قِيلَ ، ثُمَّ يَلِيهِ فِي الْفَضْلِ وَالْمَشَقَّةِ الْجَمْعُ بَيْنَ كُلِّ صَلَاتَيْنِ بِغُسْلٍ وَاحِدٍ ، وَالِاغْتِسَالُ لِلصُّبْحِ ، وَلِذَلِكَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِ : { وَهُوَ أَعْجَبُ الْأَمْرَيْنِ إلَيَّ } .\rثُمَّ يَلِيهِ الْغُسْلُ كُلَّ يَوْمٍ مَرَّةً بَعْدَ الْغُسْلُ عِنْدَ انْقِضَاءِ الْحَيْضِ ، ثُمَّ تَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ ، وَهُوَ أَقَلُّ الْأُمُورِ وَيُجْزِئُهَا .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":2,"page":143},{"id":643,"text":"( 511 ) فَصْلٌ : وَحُكْمُ طَهَارَةِ الْمُسْتَحَاضَةِ حُكْمُ التَّيَمُّمِ فِي أَنَّهَا إذَا تَوَضَّأَتْ فِي وَقْتِ الصَّلَاةِ ، صَلَّتْ بِهَا الْفَرِيضَةَ ، ثُمَّ قَضَتْ الْفَوَائِتَ ، وَتَطَوَّعَتْ حَتَّى يَخْرُجَ الْوَقْتُ نَصَّ عَلَى هَذَا أَحْمَدُ وَعَلَى قِيَاسِ ذَلِكَ لَهَا الْجَمْعُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا تَجْمَعُ بَيْنَ فَرْضَيْنِ بِطَهَارَةٍ وَاحِدَةٍ .\rوَلَا تَقْضِي بِهِ فَوَائِتَ ، وَلَا تَجْمَعُ بَيْنَ صَلَاتَيْنِ .\rكَقَوْلِهِ فِي التَّيَمُّمِ .\rوَيَحْتَمِلُهُ قَوْلُ الْخِرَقِيِّ لِقَوْلِهِ : { لِكُلِّ صَلَاةٍ } .\rوَحُجَّتُهُمْ قَوْلُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { تَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلَاةٍ .\r} وَلَنَا أَنَّهُ قَدْ رُوِيَ فِي بَعْضِ أَلْفَاظِ حَدِيثِ فَاطِمَةَ : { تَوَضَّئِي لِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ .\r} وَلِأَنَّهُ وُضُوءٌ يُبِيحُ النَّفَلَ ، فَيُبِيحُ الْفَرْضَ ، كَوُضُوءِ غَيْرِ الْمُسْتَحَاضَةِ ، وَحَدِيثُهُمْ مَحْمُولٌ عَلَى الْوَقْتِ ، كَقَوْلِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَيْنَمَا أَدْرَكَتْك الصَّلَاةُ فَصَلِّ } أَيْ وَقْتُهَا ، وَحَدِيثُ حَمْنَةَ ظَاهِرٌ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْمُرْهَا بِالْوُضُوءِ بَيْنَهُمَا ، وَهُوَ مِمَّا يَخْفَى وَيُحْتَاجُ إلَى بَيَانِهِ ، وَلَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ .","part":2,"page":144},{"id":644,"text":"( 512 ) فَصْلٌ : رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ ، أَنَّهُ قَالَ : لَا بَأْسَ أَنْ تَشْرَبَ الْمَرْأَةُ دَوَاءً يَقْطَعُ عَنْهَا الْحَيْضَ ، إذَا كَانَ دَوَاءً مَعْرُوفًا .","part":2,"page":145},{"id":645,"text":"الصَّلَاةُ فِي اللُّغَةِ الدُّعَاءُ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى { وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ } أَيْ اُدْعُ لَهُمْ ، وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ فَلْيُجِبْ ، فَإِنْ كَانَ مُفْطِرًا فَلْيُطْعِمْ ، وَإِنْ كَانَ صَائِمًا فَلْيُصَلِّ } .\rوَقَالَ الشَّاعِرُ : تَقُولُ بِنْتِي وَقَدْ قَرَّبْت مُرْتَحِلًا يَا رَبِّ جَنِّبْ أَبِي الْأَوْصَابَ وَالْوَجَعَا عَلَيْك مِثْلُ الَّذِي صَلَّيْتِ فَاغْتَمِضِي نَوْمًا فَإِنَّ لِجَنْبِ الْمَرْءِ مُضْطَجَعَا وَهِيَ فِي الشَّرْعِ عِبَارَةٌ عَنْ الْأَفْعَالِ الْمَعْلُومَةِ ، فَإِذَا وَرَدَ فِي الشَّرْعِ أَمْرٌ بِصَلَاةٍ أَوْ حُكْمٌ مُعَلَّقٌ عَلَيْهَا ، انْصَرَفَ بِظَاهِرِهِ إلَى الصَّلَاةِ الشَّرْعِيَّةِ .\rوَهِيَ وَاجِبَةٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ ؛ أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى { : وَمَا أُمِرُوا إلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ } وَأَمَّا السُّنَّةُ فَمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ { : بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ ؛ شَهَادَةِ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ ، وَصِيَامِ رَمَضَانَ ، وَحَجِّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إلَيْهِ سَبِيلًا } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مَعَ آيٍ وَأَخْبَارٍ كَثِيرَةٍ ، نَذْكُرُ بَعْضَهَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .\rوَأَمَّا الْإِجْمَاعُ فَقَدْ أَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى وُجُوبِ خَمْسِ صَلَوَاتٍ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ .\r( 513 ) فَصْلٌ : وَالصَّلَوَاتُ الْمَكْتُوبَاتُ خَمْسٌ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ وَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فِي وُجُوبِهَا ، وَلَا يَجِبُ غَيْرُهَا إلَّا لِعَارِضٍ مِنْ نَذْرٍ أَوْ غَيْرِهِ هَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : الْوِتْرُ وَاجِبٌ ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ { : إنَّ اللَّهَ قَدْ زَادَكُمْ صَلَاةً وَهِيَ الْوِتْرُ } وَهَذَا","part":2,"page":146},{"id":646,"text":"يَقْتَضِي وُجُوبَهُ .\rوَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ { الْوِتْرُ حَقٌّ } رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ ، وَلَنَا مَا رَوَى ابْنُ شِهَابٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { فَرَضَ اللَّهُ عَلَى أُمَّتِي خَمْسِينَ صَلَاةً } فَذَكَرَ الْحَدِيثَ ، إلَى أَنْ قَالَ { فَرَجَعْت إلَى رَبِّي ، فَقَالَ : هِيَ خَمْسٌ وَهِيَ خَمْسُونَ ، مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ { خَمْسُ صَلَوَاتٍ افْتَرَضَهُنَّ اللَّهُ عَلَى عِبَادِهِ ، فَمَنْ جَاءَ بِهِنَّ لَمْ يُنْقِصْ مِنْهُنَّ شَيْئًا اسْتِخْفَافًا بِهِنَّ ، فَإِنَّ اللَّهَ جَاعِلٌ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَهْدًا أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ ، وَمَنْ جَاءَ بِهِنَّ وَقَدْ نَقَصَ مِنْهُنَّ شَيْئًا ، لَمْ يَكُنْ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدٌ ، إنْ شَاءَ عَذَّبَهُ ، وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ } وَرُوِيَ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ ، { أَنَّ أَعْرَابِيًّا أَتَى إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ : مَاذَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنْ الصَّلَاةِ قَالَ : خَمْسُ صَلَوَاتٍ قَالَ : فَهَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا ؟ قَالَ : لَا إلَّا أَنْ تَطَوَّعَ شَيْئًا فَقَالَ الرَّجُلُ : وَاَلَّذِي بَعَثَك بِالْحَقِّ لَا أَزِيدُ عَلَيْهَا ، وَلَا أَنْقُصُ مِنْهَا .\rفَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَفْلَحَ الرَّجُلُ إنْ صَدَقَ } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَزِيَادَةُ الصَّلَاةِ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ فِي السُّنَنِ ، فَلَا يَتَعَيَّنُ كَوْنُهَا فَرْضًا ؛ وَلِأَنَّهَا صَلَاةٌ تُصَلَّى عَلَى الرَّاحِلَةِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ ، فَكَانَتْ نَافِلَةً كَالسُّنَنِ الرَّوَاتِبِ .","part":2,"page":147},{"id":647,"text":"أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ مُؤَقَّتَةٌ بِمَوَاقِيتَ مَعْلُومَةٍ مَحْدُودَةٍ ، وَقَدْ وَرَدَ فِي ذَلِكَ أَحَادِيثُ صِحَاحٌ جِيَادٌ نَذْكُرُ أَكْثَرَهَا فِي مَوَاضِعِهَا ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .\r( 514 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ رَحِمَهُ اللَّهُ : ( وَإِذَا زَالَتْ الشَّمْسُ وَجَبَتْ صَلَاةُ الظُّهْرِ ) بَدَأَ الْخِرَقِيِّ بِذِكْرِ صَلَاةِ الظُّهْرِ ؛ لِأَنَّ جِبْرِيلَ بَدَأَ بِهَا حِينَ أَمَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَجَابِرٍ وَبَدَأَ بِهَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ عَلَّمَ الصَّحَابَةَ مَوَاقِيتَ الصَّلَاةِ ، فِي حَدِيثِ بُرَيْدَةَ وَغَيْرِهِ ، وَبَدَأَ بِهَا الصَّحَابَةُ حِينَ سُئِلُوا عَنْ الْأَوْقَاتِ فِي حَدِيثِ أَبِي بَرْزَةَ وَجَابِرٍ وَغَيْرِهِمَا تُسَمَّى الْأُولَى وَالْهَجِيرَ وَالظُّهْرَ .\rوَقَالَ أَبُو بَرْزَةَ : { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي الْهَجِيرَةَ الَّتِي يَدْعُونَهَا الْأُولَى حِينَ تُدْحَضُ الشَّمْسُ .\r} مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ، يَعْنِي حِينَ تَزُولُ الشَّمْسُ .\rوَأَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ أَوَّلَ وَقْتِ الظُّهْرِ : إذَا زَالَتْ الشَّمْسُ .\rقَالَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ ، وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَقَدْ تَظَاهَرَتْ الْأَخْبَارُ بِذَلِكَ ، فَمِنْهَا مَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { أَمَّنِي جِبْرِيلُ عِنْدَ الْبَيْتِ مَرَّتَيْنِ ، فَصَلَّى بِي الظُّهْرَ فِي الْأُولَى مِنْهُمَا ، حِينَ كَانَ الْفَيْءُ مِثْلَ الشِّرَاكِ ، ثُمَّ صَلَّى الْعَصْرَ حِينَ صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ ، ثُمَّ صَلَّى الْمَغْرِبَ حِينَ وَجَبَتْ الشَّمْسُ ، وَأَفْطَرَ الصَّائِمُ ، ثُمَّ صَلَّى الْعِشَاءَ حِينَ غَابَ الشَّفَقُ ، ثُمَّ صَلَّى الْفَجْرَ حِينَ بَرَقَ الْفَجْرُ وَحَرُمَ الطَّعَامُ عَلَى الصَّائِمِ ، وَصَلَّى فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ الظُّهْرَ حِينَ صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ لِوَقْتِ الْعَصْرِ بِالْأَمْسِ ، ثُمَّ صَلَّى الْعَصْرَ حِينَ صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَيْهِ ، ثُمَّ صَلَّى الْمَغْرِبَ لِوَقْتِ الْأُولَى ، ثُمَّ صَلَّى الْعِشَاءَ","part":2,"page":148},{"id":648,"text":"الْأَخِيرَةَ حِينَ ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ ، ثُمَّ صَلَّى الصُّبْحَ حِينَ أَسْفَرَتْ الْأَرْضُ ، ثُمَّ الْتَفَتَ إلَيَّ جِبْرِيلُ وَقَالَ : يَا مُحَمَّدُ ، هَذَا وَقْتُ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِك ، وَالْوَقْتُ فِيمَا بَيْنَ هَذَيْنِ } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَقَالَ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ .\rوَرَوَى جَابِرٌ نَحْوَهُ ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ { لِوَقْتِ الْعَصْرِ بِالْأَمْسِ } ، وَقَالَ الْبُخَارِيُّ : أَصَحُّ حَدِيثٍ فِي الْمَوَاقِيتِ حَدِيثُ جَابِرٍ .\rوَرَوَى بُرَيْدَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَنَّ رَجُلًا سَأَلَهُ عَنْ وَقْتِ الصَّلَاةِ ، فَقَالَ : صَلِّ مَعَنَا هَذَيْنِ الْيَوْمَيْنِ فَلَمَّا زَالَتْ الشَّمْسُ أَمَرَ بِلَالًا فَأَذَّنَ ، ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الظُّهْرَ ، ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ بَيْضَاءُ نَقِيَّةٌ لَمْ يُخَالِطْهَا صُفْرَةٌ ، ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الْمَغْرِبَ حِينَ غَابَتْ الشَّمْسُ ، ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الْعِشَاءَ حِينَ غَابَ الشَّفَقُ ، ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الْفَجْرَ حِينَ طَلَعَ الْفَجْرُ ، فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الثَّانِي أَمَرَهُ فَأَبْرَدَ فِي الظُّهْرِ ، فَأَنْعَمَ أَنْ يُبْرَدَ بِهَا ، وَصَلَّى الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ بَيْضَاءُ مُرْتَفِعَةٌ ، آخِرُهَا فَوْقَ الَّذِي كَانَ ، وَصَلَّى الْمَغْرِبَ حِينَ غَابَ الشَّفَقُ ، وَصَلَّى الْعِشَاءَ حِينَ غَابَ ثُلُثُ اللَّيْلِ ، وَصَلَّى الْفَجْرَ فَأَسْفَرَ بِهَا ، ثُمَّ قَالَ : أَيْنَ السَّائِلُ عَنْ وَقْتِ الصَّلَاةِ ؟ فَقَالَ الرَّجُلُ : أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ .\rفَقَالَ : وَقْتُ صَلَاتِكُمْ بَيْنَ مَا رَأَيْتُمْ } رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ .\rوَرَوَى أَبُو دَاوُد ، عَنْ أَبِي مُوسَى نَحْوَهُ ، إلَّا أَنَّهُ قَالَ : { بَدَأَ فَأَقَامَ الْفَجْرَ حِينَ انْشَقَّ الْفَجْرُ ، فَصَلَّى حِينَ كَانَ الرَّجُلُ لَا يَعْرِفُ وَجْهَ صَاحِبِهِ ، أَوْ أَنَّ الرَّجُلَ لَا يَعْرِفُ مَنْ إلَى جَنْبِهِ ، فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ صَلَّى الْفَجْرَ وَانْصَرَفَ ، فَقُلْنَا : طَلَعَتْ الشَّمْسُ .\r} وَفِي الْبَابِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ .\r( 515 ) فَصْلٌ : وَمَعْنَى زَوَالِ الشَّمْسِ مَيْلُهَا عَنْ كَبِدِ","part":2,"page":149},{"id":649,"text":"السَّمَاءِ ، وَيُعْرَفُ ذَلِكَ بِطُولِ ظِلِّ الشَّخْصِ بَعْدَ تَنَاهِي قِصَرِهِ ، فَمَنْ أَرَادَ مَعْرِفَةَ ذَلِكَ فَلْيُقَدِّرْ ظِلَّ الشَّمْسِ ، ثُمَّ يَصْبِرْ قَلِيلًا ، ثُمَّ يُقَدِّرْهُ ثَانِيًا ، فَإِنْ كَانَ دُونَ الْأَوَّلِ فَلَمْ تَزُلْ ، وَإِنْ زَادَ وَلَمْ يَنْقُصْ فَقَدْ زَالَتْ ، وَأَمَّا مَعْرِفَةُ ذَلِكَ بِالْأَقْدَامِ ، فَتَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الشُّهُورِ وَالْبُلْدَانِ ، فَكُلَّمَا طَالَ النَّهَارُ قَصُرَ الظِّلُّ ، وَإِذَا قَصُرَ طَالَ الظِّلُّ ، فَكُلُّ يَوْمٍ يَزِيدُ أَوْ يَنْقُصُ ، فَنَذْكُرُ ذَلِكَ فِي وَسَطِ كُلِّ شَهْرٍ ، عَلَى مَا حَكَى أَبُو الْعَبَّاسِ السِّنْجِيُّ ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، تَقْرِيبًا ، قَالَ : إنَّ الشَّمْسَ تَزُولُ فِي نِصْفِ حُزَيْرَانَ عَلَى قَدَمٍ وَثُلُثٍ ، وَهُوَ أَقَلُّ مَا تَزُولُ عَلَيْهِ الشَّمْسُ ، وَفِي نِصْفِ تَمُّوز وَنِصْفِ أَيَّارَ عَلَى قَدَمٍ وَنِصْفٍ وَثُلُثٍ ، وَفِي نِصْفِ آبَ وَنَيْسَان عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْدَامٍ ، وَفِي نِصْفِ آذَار وَأَيْلُول عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْدَامٍ وَنِصْفٍ .\rوَهُوَ وَقْتُ اسْتِوَاءِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ، وَفِي نِصْفِ تَشْرِينَ الْأَوَّلِ وَشُبَاطِ عَلَى سِتَّةِ أَقْدَامٍ وَنِصْفٍ ، وَفِي نِصْفِ تَشْرِينَ الثَّانِي وَكَانُونَ الثَّانِي عَلَى تِسْعَةِ أَقْدَامٍ ، وَفِي نِصْفِ كَانُونَ الْأَوَّل عَلَى عَشَرَةِ أَقْدَامٍ وَسُدْسٍ ، وَهَذَا أَنْهَى مَا تَزُولَ عَلَيْهِ الشَّمْسُ فَهَذَا مَا تَزُولُ عَلَيْهِ الشَّمْسُ فِي أَقَالِيمِ الْعِرَاقِ وَالشَّامِ وَمَا سَامَتَهُمَا مِنْ الْبُلْدَانِ ، فَإِذَا أَرَدْت مَعْرِفَةَ ذَلِكَ فَقِفْ عَلَى مُسْتَوٍ مِنْ الْأَرْضِ ، وَعَلِّمْ الْمَوْضِعَ الَّذِي انْتَهَى إلَيْهِ ظِلُّك ، ثُمَّ ضَعْ قَدَمَك الْيُمْنَى بَيْنَ يَدَيْ قَدَمِك الْيُسْرَى ، وَأَلْصِقْ عَقِبَك بِإِبْهَامِك ، فَمَا بَلَغَتْ مِسَاحَةُ هَذَا الْقَدْرِ بَعْدَ انْتِهَاءِ النَّقْصِ فَهُوَ الْوَقْتُ الَّذِي زَالَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ ، وَوَجَبَتْ بِهِ صَلَاةُ الظُّهْرِ .","part":2,"page":150},{"id":650,"text":"( 516 ) فَصْلٌ : وَتَجِبُ صَلَاةُ الظُّهْرِ بِزَوَالِ الشَّمْسِ ، وَكَذَلِكَ جَمِيعُ الصَّلَوَاتِ تَجِبُ بِدُخُولِ وَقْتِهَا فِي حَقِّ مَنْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الْوُجُوبِ ، فَأَمَّا أَهْلُ الْأَعْذَارِ ؛ كَالْحَائِضِ وَالْمَجْنُونِ وَالصَّبِيِّ وَالْكَافِرِ ، فَتَجِبُ فِي حَقِّهِ بِأَوَّلِ جُزْءٍ أَدْرَكَهُ مِنْ وَقْتِهَا بَعْدَ زَوَالِ عُذْرِهِ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ، رَحِمَهُ اللَّهُ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، رَحِمَهُ اللَّهُ : يَجِبُ تَأْخِيرُ وَقْتِهَا إذَا بَقِيَ مِنْهُ مَا لَا يَتَّسِعُ لِأَكْثَرَ مِنْهَا ؛ لِأَنَّهُ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ يَتَخَيَّرُ بَيْنَ فِعْلِهَا وَتَرْكِهَا ، فَلَمْ تَكُنْ وَاجِبَةً كَالنَّافِلَةِ .\rوَلَنَا أَنَّهُ مَأْمُورٌ بِهَا فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { أَقِمْ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ } وَالْأَمْرُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ عَلَى الْفَوْرِ ؛ وَلِأَنَّ دُخُولَ الْوَقْتِ سَبَبٌ لِلْوُجُوبِ ، فَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ حُكْمُهُ حِينَ وُجُودِهِ ؛ وَلِأَنَّهَا يُشْتَرَطُ لَهَا نِيَّةُ الْفَرِيضَةِ ، وَلَوْ لَمْ تَجِبْ لَصَحَّتْ بِدُونِ نِيَّةِ الْوَاجِبِ كَالنَّافِلَةِ ، وَتُفَارِقُ النَّافِلَةَ ؛ فَإِنَّهَا لَا يُشْتَرَطُ لَهَا ذَلِكَ ، وَيَجُوزُ تَرْكُهَا غَيْرَ عَازِمٍ عَلَى فِعْلِهَا ، وَهَذِهِ إنَّمَا يَجُوزُ تَأْخِيرُهَا مَعَ الْعَزْمِ عَلَى فِعْلِهَا ، كَمَا تُؤَخَّرُ صَلَاةُ الْمَغْرِبِ لَيْلَةَ مُزْدَلِفَةَ عَنْ وَقْتِهَا ، وَكَمَا تُؤَخَّرُ سَائِرُ الصَّلَوَاتِ عَنْ وَقْتِهَا إذَا كَانَ مُشْتَغِلًا بِتَحْصِيلِ شَرْطِهَا .","part":2,"page":151},{"id":651,"text":"( 517 ) فَصْلٌ : وَيَسْتَقِرُّ وُجُوبُهَا بِمَا وَجَبَتْ بِهِ .\rفَلَوْ أَدْرَكَ جُزْءًا مِنْ أَوَّلِ وَقْتِهَا ثُمَّ جُنَّ ، أَوْ حَاضَتْ الْمَرْأَةُ ، لَزِمَهُمَا الْقَضَاءُ إذَا أَمْكَنَهُمَا .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَإِسْحَاقُ : لَا يَسْتَقِرُّ إلَّا بِمُضِيِّ زَمَنٍ يُمْكِنُ فِعْلُهَا فِيهِ ، وَلَا يَجِبُ الْقَضَاءُ بِمَا دُونَ ذَلِكَ .\rوَاخْتَارَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَطَّةَ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُدْرِكْ مِنْ الْوَقْتِ مَا يُمْكِنُهُ أَنْ يُصَلِّيَ فِيهِ ، فَلَمْ يَجِبْ الْقَضَاءُ ، كَمَا لَوْ طَرَأَ الْعُذْرُ قَبْلَ ذَلِكَ الْوَقْتِ .\rوَلَنَا أَنَّهَا صَلَاةٌ وَجَبَتْ عَلَيْهِ ، فَوَجَبَ قَضَاؤُهَا إذَا فَاتَتْهُ ، كَالَّتِي أَمْكَنَ أَدَاؤُهَا ، وَفَارَقَتْ الَّتِي طَرَأَ الْعُذْرُ قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِهَا ؛ فَإِنَّهَا لَمْ تَجِبْ ، وَقِيَاسُ الْوَاجِبِ عَلَى غَيْرِهِ غَيْرُ صَحِيحٍ .","part":2,"page":152},{"id":652,"text":"( 518 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( فَإِذَا صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ فَهُوَ آخِرُ وَقْتِهَا ) يَعْنِي أَنَّ الْفَيْءَ إذَا زَادَ عَلَى مَا زَالَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ قَدْرَ ظِلِّ طُولِ الشَّخْصِ ، فَذَلِكَ آخِرُ وَقْتِ الظُّهْرِ .\rقَالَ الْأَثْرَمُ : قِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ : وَأَيُّ شَيْءٍ آخِرُ وَقْتِ الظُّهْرِ ؟ قَالَ : أَنْ يَصِيرَ الظِّلُّ مِثْلَهُ .\rقِيلَ لَهُ : فَمَتَى يَكُونُ الظِّلُّ مِثْلَهُ ؟ قَالَ : إذَا زَالَتْ الشَّمْسُ ، فَكَانَ الظِّلُّ بَعْدَ الزَّوَالِ مِثْلَهُ ، فَهُوَ ذَاكَ .\rوَمَعْرِفَةُ ذَلِكَ أَنْ يَضْبِطَ مَا زَالَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ ، ثُمَّ يَنْظُرَ الزِّيَادَةَ عَلَيْهِ ، فَإِنْ كَانَتْ قَدْ بَلَغَتْ قَدْرَ الشَّخْصِ ، فَقَدْ انْتَهَى وَقْتُ الظُّهْرِ ؛ وَمِثْلُ شَخْصِ الْإِنْسَانِ سِتَّةُ أَقْدَامٍ وَنِصْفٍ بِقَدَمِهِ ، أَوْ يَزِيدُ قَلِيلًا ، فَإِذَا أَرَدْت اعْتِبَارَ الزِّيَادَةِ بِقَدَمِك مَسَحْتَهَا عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فِي الزَّوَالِ ، ثُمَّ أَسْقَطْت مِنْهُ الْقَدْرَ الَّذِي زَالَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ ، فَإِذَا بَلَغَ الْبَاقِي سِتَّةَ أَقْدَامٍ وَنِصْفٍ فَقَدْ بَلَغَ الْمِثْلَ ، فَهُوَ آخِرُ وَقْتِ الظُّهْرِ ، وَأُوَلُ وَقْتِ الْعَصْرِ .\rوَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ وَنَحْوَهُ قَالَ أَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ ، وَأَبُو ثَوْرٍ وَدَاوُد وَقَالَ عَطَاءٌ : لَا تَفْرِيطَ لِلظُّهْرِ حَتَّى تَدْخُلَ الشَّمْسَ صُفْرَةٌ .\rوَقَالَ طَاوُسٌ : وَقْتُ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ إلَى اللَّيْلِ .\rوَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ : وَقْتُ الِاخْتِيَارِ إلَى أَنْ يَصِيرَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ ، وَوَقْتُ الْأَدَاءِ إلَى أَنْ يَبْقَى مِنْ غُرُوبِ الشَّمْسِ قَدْرُ مَا يُؤَدَّى فِيهِ الْعَصْرُ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَمَعَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ فِي الْحَضَرِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : وَقْتُ الظُّهْرِ إلَى أَنْ يَصِيرَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { إنَّمَا مَثَلُكُمْ وَمَثَلُ أَهْلِ الْكِتَابَيْنِ كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا ، فَقَالَ : مَنْ يَعْمَلُ لِي مِنْ غَدْوَةٍ إلَى نِصْفِ النَّهَارِ","part":2,"page":153},{"id":653,"text":"عَلَى قِيرَاطٍ ؟ فَعَمِلَتْ الْيَهُودُ ، ثُمَّ قَالَ مَنْ يَعْمَلُ لِي مِنْ نِصْفِ النَّهَارِ إلَى صَلَاةِ الْعَصْرِ عَلَى قِيرَاطٍ ؟ فَعَمِلَتْ النَّصَارَى ، ثُمَّ قَالَ : مَنْ يَعْمَلُ لِي مِنْ الْعَصْرِ إلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ عَلَى قِيرَاطَيْنِ ؟ فَأَنْتُمْ هُمْ .\rفَغَضِبَ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى ، وَقَالُوا : مَا لَنَا أَكْثَرُ عَمَلًا وَأَقَلُّ عَطَاءً ؟ قَالَ : هَلْ نَقَصْتُكُمْ مِنْ حَقِّكُمْ ؟ قَالُوا : لَا ؟ قَالَ فَذَلِكَ فَضْلِي أُوتِيهِ مَنْ أَشَاءُ } أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مِنْ الظُّهْرِ إلَى الْعَصْرِ أَكْثَرُ مِنْ الْعَصْرِ إلَى الْمَغْرِبِ .\rوَلَنَا { أَنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ صَلَّى بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الظُّهْرَ حِينَ كَانَ الْفَيْءُ مِثْلَ الشِّرَاكِ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ ، وَفِي الْيَوْمِ الثَّانِي حِينَ صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ ، ثُمَّ قَالَ : الْوَقْتُ مَا بَيْنَ هَذَيْنِ } وَحَدِيثُ مَالِكٍ مَحْمُولٌ عَلَى الْعُذْرِ بِمَطَرٍ أَوْ مَرَضٍ ، وَمَا احْتَجَّ بِهِ أَبُو حَنِيفَةَ لَا حُجَّةَ لَهُ فِيهِ ؛ لِأَنَّهُ قَالَ : إلَى صَلَاةِ الْعَصْرِ .\rوَفِعْلُهَا يَكُونُ بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ وَتَكَامُلِ الشُّرُوطِ ، عَلَى أَنَّ أَحَادِيثَنَا قُصِدَ بِهَا بَيَانُ الْوَقْتِ ، وَخَبَرُهُمْ قُصِدَ بِهِ ضَرْبُ الْمَثَلِ ، فَالْأَخْذُ بِأَحَادِيثِنَا أَوْلَى .\rقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ خَالَفَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي قَوْلِهِ هَذَا الْآثَارَ وَالنَّاسَ ، وَخَالَفَهُ أَصْحَابُهُ .","part":2,"page":154},{"id":654,"text":"( 519 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَإِذَا زَادَ شَيْئًا وَجَبَتْ الْعَصْرُ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ وَقْتَ الْعَصْرِ مِنْ حِينِ الزِّيَادَةِ عَلَى الْمِثْلِ أَدْنَى زِيَادَةٍ مُتَّصِلٌ بِوَقْتِ الظُّهْرِ ، لَا فَصْلَ بَيْنَهُمَا ، وَغَيْرُ الْخِرَقِيِّ قَالَ : إذَا صَارَ ظِلُّ الشَّيْءِ مِثْلَهُ فَهُوَ آخِرُ وَقْتِ الظُّهْرِ وَأَوَّلُ وَقْتِ الْعَصْرِ .\rوَهُوَ قَرِيبٌ مِمَّا قَالَ الْخِرَقِيِّ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إذَا زَادَ عَلَى الْمِثْلَيْنِ ؛ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ الْحَدِيثِ ، وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَأَقِمْ الصَّلَاةَ طَرَفَيْ النَّهَارِ } وَلَوْ كَانَ عَلَى مَا ذَكَرْتُمُوهُ لَكَانَ وَسَطَ النَّهَارِ .\rوَحُكِيَ عَنْ رَبِيعَةَ : أَنَّ وَقْتَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ إذَا زَالَتْ الشَّمْسُ .\rوَقَالَ إِسْحَاقُ آخِرُ وَقْتِ الظُّهْرِ وَأَوَّلُ وَقْتِ الْعَصْرِ يَشْتَرِكَانِ فِي قَدْرِ الصَّلَاةِ ، فَلَوْ أَنَّ رَجُلَيْنِ يُصَلِّيَانِ مَعًا ، أَحَدُهُمَا يُصَلِّي الظُّهْرَ وَالْآخَرُ الْعَصْرَ ، حِينَ صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ ، كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُصَلِّيًا لَهَا فِي وَقْتِهَا .\rوَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ الْمُبَارَكِ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ : { صَلَّى بِي الظُّهْرَ لِوَقْتِ الْعَصْرِ بِالْأَمْسِ .\r} وَلَنَا مَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وقَوْله تَعَالَى : { أَقِمْ الصَّلَاةَ طَرَفَيْ النَّهَارِ } .\rلَا يَنْفِي مَا قُلْنَا ؛ فَإِنَّ الطَّرَفَ مَا تَرَاخَى عَنْ الْوَسَطِ ، وَهُوَ مَوْجُودٌ فِي مَسْأَلَتِنَا ، وَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لِوَقْتِ الْعَصْرِ بِالْأَمْسِ } أَرَادَ مُقَارَنَةَ الْوَقْتِ ، يَعْنِي أَنَّ ابْتِدَاءَ صَلَاتِهِ الْيَوْمَ الْعَصْرَ مُتَّصِلٌ بِوَقْتِ انْتِهَاءِ صَلَاةِ الظُّهْرِ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي ، أَوْ مُقَارِبٌ لَهُ ؛ لِأَنَّهُ قَصَدَ بِهِ بَيَانَ الْمَوَاقِيتِ ، وَإِنَّمَا تَبَيَّنَ أَوَّلُ الْوَقْتِ بِابْتِدَاءِ فِعْلِ الصَّلَاةِ ، وَتَبَيَّنَ آخِرُهُ بِالْفَرَاغِ مِنْهَا ، وَقَدْ بَيَّنَهُ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ","part":2,"page":155},{"id":655,"text":"عَمْرٍو { وَقْتُ الظُّهْرِ مَا لَمْ يَحْضُرْ وَقْتُ الْعَصْرِ } رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد وَفِي حَدِيثٍ رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { إنَّ لِلصَّلَاةِ أَوَّلًا وَآخِرًا ، وَإِنَّ أَوَّلَ وَقْتِ الظُّهْرِ حِينَ تَزُولُ الشَّمْسُ ، وَآخِرَ وَقْتِهَا حِينَ يَدْخُلُ وَقْتُ الْعَصْرِ } أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ","part":2,"page":156},{"id":656,"text":"( 520 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : وَإِذَا صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَيْهِ خَرَجَ وَقْتُ الِاخْتِيَارِ .\rاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي آخِرِ وَقْتِ الِاخْتِيَارِ ؛ فَرُوِيَ : حِينَ يَصِيرُ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَيْهِ .\rوَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَالشَّافِعِيِّ لِقَوْلِهِ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَجَابِرٍ : { الْوَقْتُ مَا بَيْنَ هَذَيْنِ .\r} وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، أَنَّ آخِرَهُ مَا لَمْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ .\rوَهِيَ أَصَحُّ عَنْهُ حَكَاهُ عَنْهُ جَمَاعَةٌ ، مِنْهُمْ الْأَثْرَمُ ، قَالَ : سَمِعَتْهُ يُسْأَلُ عَنْ آخِرِ وَقْتِ الْعَصْرِ ؟ فَقَالَ : هُوَ تَغَيُّرُ الشَّمْسِ .\rقِيلَ : وَلَا تَقُولُ بِالْمِثْلِ وَالْمِثْلَيْنِ ؟ قَالَ : لَا ، هَذَا عِنْدِي أَكْثَرُ ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ ، وَأَبِي يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٍ ، وَنَحْوُهُ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ لِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { وَقْتُ الْعَصْرِ مَا لَمْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ } رَوَاهُ مُسْلِمٌ .\rوَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { وَإِنَّ آخِرَ وَقْتِهَا حِينَ تَصْفَرُّ الشَّمْسُ } وَفِي حَدِيثِ بُرَيْدَةَ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى الْعَصْرَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي وَالشَّمْسُ بَيْضَاءُ نَقِيَّةٌ لَمْ تُخَالِطْهَا صُفْرَةٌ } .\rقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ مَنْ صَلَّى الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ بَيْضَاءُ نَقِيَّةٌ ، فَقَدْ صَلَّاهَا فِي وَقْتهَا .\rوَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مُرَاعَاةَ الْمِثْلَيْنِ عِنْدَهُمْ اسْتِحْبَابٌ ، وَلَعَلَّهُمَا مُتَقَارِبَانِ يُوجَدُ أَحَدُهُمَا قَرِيبًا مِنْ الْآخَرِ .\r( 521 ) فَصْلٌ : وَلَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ الْعَصْرِ عَنْ وَقْتِ الِاخْتِيَارِ لِغَيْرِ عُذْرٍ ؛ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ الْأَخْبَارِ ، وَرَوَى مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد بِإِسْنَادِهِمَا ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، قَالَ : سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : { تِلْكَ صَلَاةُ الْمُنَافِقِينَ ، تِلْكَ صَلَاةُ الْمُنَافِقِينَ ، تِلْكَ","part":2,"page":157},{"id":657,"text":"صَلَاةُ الْمُنَافِقِينَ ، يَجْلِسُ أَحَدُهُمْ ، حَتَّى إذَا اصْفَرَّتْ الشَّمْسُ ، فَكَانَتْ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ ، أَوْ عَلَى قَرْنَيْ شَيْطَانٍ ، قَامَ ، فَنَقَرَ أَرْبَعًا ، لَا يَذْكُرُ اللَّهَ فِيهَا إلَّا قَلِيلًا } وَلَوْ أُبِيحَ تَأْخِيرُهَا لَمَا ذَمَّهُ عَلَيْهِ ، وَجَعَلَهُ عَلَامَةَ النِّفَاقِ .","part":2,"page":158},{"id":658,"text":"( 522 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَمَنْ أَدْرَكَ مِنْهَا رَكْعَةً قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ ، فَقَدْ أَدْرَكَهَا مَعَ الضَّرُورَةِ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ مَنْ أَخَّرَ الصَّلَاةَ ثُمَّ أَدْرَكَ مِنْهَا رَكْعَةً قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ ، فَهُوَ مُدْرِكٌ لَهَا ، وَمُؤَدٍّ لَهَا فِي وَقْتِهَا ، سَوَاءٌ أَخَّرَهَا لِعُذْرٍ أَوْ لِغَيْرِ عُذْرٍ ، إلَّا أَنَّهُ إنَّمَا يُبَاحُ تَأْخِيرُهَا لِعُذْرٍ وَضَرُورَةٍ ، كَحَائِضٍ تَطْهُرُ ، أَوْ كَافِرٍ يُسْلِمُ ، أَوْ صَبِيٍّ يَبْلُغُ ، أَوْ مَجْنُونٍ يُفِيقُ ، أَوْ نَائِمٍ يَسْتَيْقِظُ ، أَوْ مَرِيضٍ يَبْرَأُ ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ : \" مَعَ الضَّرُورَةِ \" .\rفَأَمَّا إدْرَاكُهَا بِإِدْرَاكِ رَكْعَةٍ مِنْهَا ، فَيَسْتَوِي فِيهِ الْمَعْذُورُ وَغَيْرُهُ ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ الصَّلَوَاتِ يُدْرِكُهَا بِإِدْرَاكِ رَكْعَةٍ مِنْهَا فِي وَقْتِهَا ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الصَّلَاةِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَفِي رِوَايَةٍ { مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الْعَصْرَ } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلَا أَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا","part":2,"page":159},{"id":659,"text":"( 523 ) فَصْلٌ : وَهَلْ يُدْرِكُ الصَّلَاةَ بِإِدْرَاكِ مَا دُونَ رَكْعَةٍ ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ : إحْدَاهُمَا لَا يُدْرِكُهَا بِأَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ وَمَذْهَبُ مَالِكٍ ؛ لِظَاهِرِ الْخَبَرِ الَّذِي رَوَيْنَاهُ ، فَإِنَّ تَخْصِيصَهُ الْإِدْرَاكَ بِرَكْعَةٍ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْإِدْرَاكَ لَا يَحْصُلُ بِأَقَلَّ مِنْهَا ؛ وَلِأَنَّهُ إدْرَاكٌ لِلصَّلَاةِ ، فَلَا يَحْصُلُ بِأَقَلَّ مِنْ رَكْعَةٍ كَإِدْرَاكِ الْجُمُعَةِ .\rوَالثَّانِيَةُ ، يُدْرِكُهَا بِإِدْرَاكِ جُزْءٍ مِنْهَا ، أَيِّ جُزْءٍ كَانَ .\rقَالَ الْقَاضِي : ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ يَكُونُ مُدْرِكًا لَهَا بِإِدْرَاكِهِ .\rوَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : مَنْ أَدْرَكَ مِنْ الصَّلَاةِ مِقْدَارَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ الْوَقْتُ فَقَدْ أَدْرَكَهَا .\rوَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ .\rوَلِلشَّافِعِي قَوْلَانِ كَالْمَذْهَبَيْنِ .\rوَلِأَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رَوَى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { مَنْ أَدْرَكَ سَجْدَةً مِنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَلْيُتِمَّ صَلَاتَهُ ، وَإِذَا أَدْرَكَ سَجْدَةً مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَلْيُتِمَّ صَلَاتَهُ ، } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلِلنَّسَائِيِّ { فَقَدْ أَدْرَكَهَا } ؛ وَلِأَنَّ الْإِدْرَاكَ إذَا تَعَلَّقَ بِهِ حُكْمٌ فِي الصَّلَاةِ اسْتَوَى فِيهِ الرَّكْعَةُ وَمَا دُونَهَا ، كَإِدْرَاكِ الْجَمَاعَةِ ، وَإِدْرَاكِ الْمُسَافِرِ صَلَاةَ الْمُقِيمِ ، وَلَفْظُ الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ يَدُلُّ بِمَفْهُومِهِ ، وَالْمَنْطُوقُ أَوْلَى مِنْهُ ، وَالْقِيَاسُ يَبْطُلُ بِإِدْرَاكِ رَكْعَةٍ دُونَ تَشَهُّدِهَا .","part":2,"page":160},{"id":660,"text":"( 524 ) فَصْلٌ : وَصَلَاةُ الْعَصْرِ هِيَ الصَّلَاةُ الْوُسْطَى ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَغَيْرِهِمْ ، مِنْهُمْ : عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ ، وَأَبُو أَيُّوبَ ، وَأَبُو سَعِيدٍ وَعَبِيدَةُ السَّلْمَانِيُّ ، وَالْحَسَنُ ، وَالضَّحَّاكُ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ .\rوَرُوِيَ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَعَائِشَةَ أَنَّهَا صَلَاةُ الظُّهْرِ .\rوَبِهِ .\rقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدَّادٍ ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، قَالَ : { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي الظُّهْرَ بِالْهَاجِرَةِ ، وَلَمْ يَكُنْ يُصَلِّي صَلَاةً أَشَدَّ عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهَا ، فَنَزَلَتْ : { حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى } } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَرَوَتْ عَائِشَةُ { عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَرَأَ حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى صَلَاةِ الْعَصْرِ } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَقَالَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ .\rوَقَالَ طَاوُسٌ ، وَعَطَاءٌ ، وَعِكْرِمَةُ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَالشَّافِعِيُّ : هِيَ الصُّبْحُ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ } وَالْقُنُوتُ طُولُ الْقِيَامِ ، وَهُوَ مُخْتَصٌّ بِالصُّبْحِ ؛ وَلِأَنَّهَا مِنْ أَثْقَلِ الصَّلَاةِ عَلَى الْمُنَافِقِينَ ، وَلِهَذَا اُخْتُصَّتْ بِالْوَصِيَّةِ وَبِالْمُحَافَظَةِ عَلَيْهَا ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ } يَعْنِي صَلَاةَ الْفَجْرِ وَالْعَصْرِ ، وَرَوَى جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : { كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذْ نَظَرَ إلَى الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ ، فَقَالَ : أَمَّا إنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا الْقَمَرَ ، لَا تُضَامُونَ فِي رُؤْيَتِهِ ، فَإِنْ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لَا تَغْلِبُوا عَلَى صَلَاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَلِلْبُخَارِيِّ {","part":2,"page":161},{"id":661,"text":"فَافْعَلُوا } ثُمَّ قَرَأَ جَرِيرٌ { وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا } وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلَائِكَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَلَائِكَةٌ بِالنَّهَارِ ، وَيَجْتَمِعُونَ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ وَصَلَاةِ الْعَصْرِ ، ثُمَّ يَعْرُجُ الَّذِينَ بَاتُوا فِيكُمْ ، فَيَسْأَلُهُمْ ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِمْ : كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبَادِي ؟ فَيَقُولُونَ : تَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ ، وَأَتَيْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ } وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { مَنْ صَلَّى الْبَرْدَيْنِ دَخَلَ الْجَنَّةَ } يُرِيدُ هَاتَيْنِ الصَّلَاتَيْنِ .\rوَقَالَ : { لَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي صَلَاةِ الْعَتَمَةِ وَالصُّبْحِ لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا } مُتَّفَقٌ عَلَى هَذِهِ الْأَحَادِيثِ .\rوَقِيلَ : هِيَ الْمَغْرِبُ ؛ لِأَنَّ الْأُولَى هِيَ الظُّهْرُ ، فَتَكُونُ الْمَغْرِبُ الثَّالِثَةَ ، وَالثَّالِثَةُ مِنْ كُلِّ خَمْسٍ هِيَ الْوُسْطَى ؛ وَلِأَنَّهَا وُسْطَى فِي عَدَدِ الرَّكَعَاتِ ، وَوُسْطَى فِي الْأَوْقَاتِ ؛ لِأَنَّ عَدَدَ رَكَعَاتِهَا ثَلَاثٌ ، فَهِيَ وُسْطَى بَيْنَ الْأَرْبَعِ وَالِاثْنَيْنِ ، وَوَقْتُهَا فِي آخِرِ النَّهَارِ وَأَوَّلِ اللَّيْلِ ، وَخُصَّتْ مِنْ بَيْنِ الصَّلَاةِ بِأَنَّهَا وِتْرٌ ، وَاَللَّهُ وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ ، وَبِأَنَّهَا تُصَلَّى فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا فِي جَمِيعِ الْأَمْصَارِ وَالْأَعْصَارِ .\rوَيُكْرَهُ تَأْخِيرُهَا عَنْهُ ، وَكَذَلِكَ صَلَّاهَا جِبْرِيلُ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْيَوْمَيْنِ لِوَقْتٍ وَاحِدٍ ، وَلِذَلِكَ ذَهَبَ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ إلَى أَنَّهَا لَيْسَ لَهَا إلَّا وَقْتٌ وَاحِدٌ لِذَلِكَ ، وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَا تَزَالُ أُمَّتِي ، أَوْ قَالَ : هَذِهِ الْأُمَّةُ بِخَيْرٍ أَوْ قَالَ عَلَى الْفِطْرَةِ ، مَا لَمْ يُؤَخِّرُوا الْمَغْرِبَ إلَى أَنْ تَشْتَبِكَ النُّجُومُ } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَقِيلَ : هِيَ الْعِشَاءُ ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ ، قَالَ : { مَكَثْنَا لَيْلَةً نَنْتَظِرُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِصَلَاةِ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ ، فَخَرَجَ","part":2,"page":162},{"id":662,"text":"إلَيْنَا حِينَ ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ أَوْ بَعْدَهُ ، فَقَالَ : إنَّكُمْ لَتَنْتَظِرُونَ صَلَاةً مَا يَنْتَظِرُهَا أَهْلُ دِينٍ غَيْرُكُمْ ، وَلَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَصَلَّيْت بِهِمْ هَذِهِ السَّاعَةَ .\rوَقَالَ : إنَّ أَثْقَلَ الصَّلَاةِ عَلَى الْمُنَافِقِينَ صَلَاةُ الْغَدَاةِ وَالْعِشَاءِ الْآخِرَةِ ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِيهِمَا لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا .\rوَلَنَا مَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : { قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الْأَحْزَابِ : شَغَلُونَا عَنْ صَلَاةِ الْوُسْطَى صَلَاةِ الْعَصْرِ مَلَأَ اللَّهُ بُيُوتَهُمْ وَقُبُورَهُمْ نَارًا } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { صَلَاةُ الْوُسْطَى صَلَاةُ الْعَصْرِ .\r} وَعَنْ سَمُرَةَ مِثْلُهُ ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ .\rوَهَذَا نَصٌّ لَا يَجُوزُ التَّعْرِيجُ مَعَهُ عَلَى شَيْءٍ يُخَالِفُهُ ؛ وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { الَّذِي تَفُوتُهُ صَلَاةُ الْعَصْرِ فَكَأَنَّمَا وُتِرَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ، وَقَالَ : { مَنْ فَاتَتْهُ صَلَاةُ الْعَصْرِ حَبِطَ عَمَلُهُ } رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ وَقَالَ : { إنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ عُرِضَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ فَضَيَّعُوهَا ، فَمَنْ حَافَظَ عَلَيْهَا كَانَ لَهُ أَجْرُهُ مَرَّتَيْنِ ، وَلَا صَلَاةَ بَعْدَهَا حَتَّى يَطْلُعَ الشَّاهِدُ } يَعْنِي النَّجْمَ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمَا ذُكِرَ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ فَقَدْ شَارَكَتْهُ صَلَاةُ الْعَصْرِ فِي أَكْثَرِهِ ، وَرِوَايَةُ عَائِشَةَ \" وَصَلَاةُ الْعَصْرِ \" فَالْوَاوُ زَائِدَةٌ كَالْوَاوِ فِي قَوْله تَعَالَى { وَلِيَكُونَ مِنْ الْمُوقِنِينَ } وَفِي قَوْلِهِ { وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ } وَقَوْلِهِ : { وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ } فَالْقُنُوتُ قِيلَ : هُوَ الطَّاعَةُ .\rأَيْ قُومُوا لِلَّهِ مُطِيعِينَ .\rوَقِيلَ : الْقُنُوتُ السُّكُوتُ .\rقَالَ زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ : كُنَّا نَتَكَلَّمُ فِي الصَّلَاةِ حَتَّى نَزَلَتْ {","part":2,"page":163},{"id":663,"text":"وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ } فَأُمِرْنَا بِالسُّكُوتِ ، وَنُهِينَا عَنْ الْكَلَامِ .\rثُمَّ مَا رَوَيْنَا نَصٌّ صَرِيحٌ .\rفَكَيْفَ يُتْرَكُ بِمِثْلِ هَذَا الْوَهْمِ ، أَوْ يُعَارَضُ بِهِ ؟","part":2,"page":164},{"id":664,"text":"( 525 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : وَإِذَا غَابَتْ الشَّمْسُ وَجَبَتْ الْمَغْرِبُ ، وَلَا يُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُهَا إلَى أَنْ يَغِيبَ الشَّفَقُ أَمَّا دُخُولُ وَقْتِ الْمَغْرِبِ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ فَإِجْمَاعُ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rلَا نَعْلَمُ بَيْنَهُمْ خِلَافًا فِيهِ ، وَالْأَحَادِيثُ دَالَّةٌ عَلَيْهِ .\rوَآخِرُهُ : مَغِيبُ الشَّفَقِ .\rوَبِهَذَا قَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ، وَبَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَقَالَ مَالِكٌ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ لَيْسَ لَهَا إلَّا وَقْتٌ وَاحِدٌ ، عِنْدَ مَغِيبِ الشَّمْسِ ؛ لِأَنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ صَلَّاهَا بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْيَوْمَيْنِ لِوَقْتٍ وَاحِدٍ ، فِي بَيَانِ مَوَاقِيتِ الصَّلَاةِ ، وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَا تَزَالُ أُمَّتِي بِخَيْرٍ مَا لَمْ يُؤَخِّرُوا الْمَغْرِبَ إلَى أَنْ يَشْتَبِكَ النَّجْمُ } ؛ وَلِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ مُجْمِعُونَ عَلَى فِعْلِهَا فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ .\rوَعَنْ طَاوُسٍ : لَا تَفُوتُ الْمَغْرِبُ وَالْعِشَاءُ حَتَّى الْفَجْرِ .\rوَنَحْوُهُ عَنْ عَطَاءٍ ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ .\rوَلَنَا حَدِيثُ بُرَيْدَةَ { ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى الْمَغْرِبَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي حِينَ غَابَ الشَّفَقُ } وَفِي لَفْظٍ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ : { فَأَخَّرَ الْمَغْرِبَ إلَى أَنْ يَغِيبَ الشَّفَقُ .\r} وَرَوَى أَبُو مُوسَى { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخَّرَ الْمَغْرِبَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي حَتَّى كَانَ عِنْدَ سُقُوطِ الشَّفَقِ .\r} رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { وَقْتُ الْمَغْرِبِ مَا لَمْ يَغِبْ الشَّفَقُ } رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { إنَّ لِلصَّلَاةِ أَوَّلًا وَآخِرًا ، وَإِنَّ أَوَّلَ وَقْتِ الْمَغْرِبِ حِينَ تَغْرُبُ الشَّمْسُ ، وَإِنَّ آخِرَ وَقْتِهَا حِينَ يَغِيبُ الْأُفُقُ } .\rرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ","part":2,"page":165},{"id":665,"text":"وَهَذِهِ نُصُوصٌ صَحِيحَةٌ ، لَا يَجُوزُ مُخَالَفَتُهَا بِشَيْءٍ مُحْتَمَلٍ ؛ وَلِأَنَّهَا إحْدَى الصَّلَوَاتِ ، فَكَانَ لَهَا وَقْتٌ مُتَّسِعٌ كَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ ؛ وَلِأَنَّهَا إحْدَى صَلَاتَيْ جَمْعٍ ، فَكَانَ وَقْتُهَا مُتَّصِلًا بِوَقْتِ الَّتِي تُجْمَعُ إلَيْهَا كَالظُّهْرِ وَالْعَصْرِ ؛ وَلِأَنَّ مَا قَبْلَ مَغِيبِ الشَّفَقِ وَقْتٌ لِاسْتِدَامَتِهَا ، فَكَانَ وَقْتًا لِابْتِدَائِهَا كَأَوَّلِ وَقْتِهَا .\rوَأَحَادِيثُهُمْ مَحْمُولَةٌ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ وَالِاخْتِيَارِ ، وَكَرَاهَةِ التَّأْخِيرِ ، وَلِذَلِكَ قَالَ الْخِرَقِيِّ \" وَلَا يُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُهَا \" .\rفَإِنَّ الْأَحَادِيثَ فِيهَا تَأْكِيدٌ لِفِعْلِهَا فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا ، وَأَقَلُّ أَحْوَالِهَا تَأْكِيدُ الِاسْتِحْبَابِ .\rوَإِنْ قُدِّرَ أَنَّ الْأَحَادِيثَ مُتَعَارِضَةٌ وَجَبَ حَمْلُ أَحَادِيثِهِمْ عَلَى أَنَّهَا مَنْسُوخَةٌ ؛ لِأَنَّهَا فِي أَوَّلِ فَرْضِ الصَّلَاةِ بِمَكَّةَ ، وَأَحَادِيثُنَا بِالْمَدِينَةِ مُتَأَخِّرَةٌ ، فَتَكُنْ نَاسِخَةً لِمَا قَبْلَهَا مِمَّا يُخَالِفُهَا ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":2,"page":166},{"id":666,"text":"( 526 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( فَإِذَا غَابَ الشَّفَقُ ، وَهُوَ الْحُمْرَةُ فِي السَّفَرِ ، وَفِي الْحَضَرِ الْبَيَاضُ ؛ لِأَنَّ فِي الْحَضَرِ قَدْ تَنْزِلُ الْحُمْرَةُ فَتُوَارِيهَا الْجُدْرَانُ ، فَيُظَنُّ أَنَّهَا قَدْ غَابَتْ ، فَإِذَا غَابَ الْبَيَاضُ فَقَدْ تُيُقِّنَ ، وَوَجَبَتْ عِشَاءُ الْآخِرَةِ إلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ ) لَا خِلَافَ فِي دُخُولِ وَقْتِ الْعِشَاءِ بِغَيْبُوبَةِ الشَّفَقِ ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي الشَّفَقِ مَا هُوَ ؟ فَمَذْهَبُ إمَامِنَا ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، أَنَّ الشَّفَقَ الَّذِي يَخْرُجُ بِهِ وَقْتُ الْمَغْرِبِ ، وَيَدْخُلُ بِهِ وَقْتُ الْعِشَاءِ ، هُوَ الْحُمْرَةُ .\rوَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَعَطَاءٍ ، وَمُجَاهِدٍ ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَالزُّهْرِيِّ ، وَمَالِكٍ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَابْنِ أَبِي لَيْلَى ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَإِسْحَاقَ ، وَصَاحِبَيْ أَبِي حَنِيفَةَ .\rوَعَنْ أَنَسٍ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ : الشَّفَقُ الْبَيَاضُ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ ؛ لِأَنَّ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ قَالَ : أَنَا أَعْلَمُ النَّاسِ بِوَقْتِ هَذِهِ الصَّلَاةِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ، كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّيهَا لِسُقُوطِ الْقَمَرِ لِثَالِثَةٍ .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ، قَالَ : { رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي هَذِهِ الصَّلَاةَ حِينَ يَسْوَدُّ الْأُفُقُ .\r} وَلَنَا ، مَا رَوَتْ عَائِشَةُ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ : { أَعْتَمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْعِشَاءِ حَتَّى نَادَاهُ عُمَرُ بِالصَّلَاةِ : نَامَ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ .\rفَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : مَا يَنْتَظِرُهَا أَحَدٌ غَيْرُكُمْ قَالَ : وَلَا يُصَلِّي يَوْمَئِذٍ إلَّا بِالْمَدِينَةِ وَكَانَ يُصَلُّونَ فِيمَا بَيْنَ أَنْ يَغِيبَ الشَّفَقُ الْأَوَّلُ إلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ .\r} رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَالشَّفَقُ الْأَوَّلُ هُوَ الْحُمْرَةُ .\rوَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :","part":2,"page":167},{"id":667,"text":"{ وَقْتُ الْمَغْرِبِ مَا لَمْ يَسْقُطْ فَوْرُ الشَّفَقِ } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَرُوِيَ \" ثَوْرُ الشَّفَقِ \" وَفَوْرُ الشَّفَقِ : فَوَرَانُهُ وَسُطُوعُهُ .\rوَثَوْرُهُ : ثَوَرَانُ حُمْرَتِهِ ، وَإِنَّمَا يَتَنَاوَلُ هَذَا الْحُمْرَةَ ، وَآخِرُ وَقْتِ الْمَغْرِبِ أَوَّلُ وَقْتِ الْعِشَاءِ .\rوَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { الشَّفَقُ الْحُمْرَةُ ، فَإِذَا غَابَ الشَّفَقُ وَجَبَتْ الْعِشَاءُ } رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَمَا رَوَوْهُ لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ ، فَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُؤَخِّرُ الصَّلَاةَ عَنْ أَوَّلِ الْوَقْتِ قَلِيلًا ، وَهُوَ الْأَفْضَلُ وَالْأَوْلَى ، وَلِهَذَا رُوِيَ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ { قَالَ لِبِلَالٍ : اجْعَلْ بَيْنَ أَذَانِك وَإِقَامَتِك قَدْرَ مَا يَفْرُغُ الْآكِلُ مِنْ أَكْلِهِ ، وَالْمُتَوَضِّئُ مِنْ وُضُوئِهِ ، وَالْمُعْتَصِرُ إذَا دَخَلَ لِقَضَاءِ حَاجَتِهِ } إذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّهُ إنْ كَانَ فِي مَكَان يَظْهَرُ لَهُ الْأُفُقُ ، وَيَبِينُ لَهُ مَغِيبُ الشَّفَقِ ، فَمَتَى ذَهَبَتْ الْحُمْرَةُ وَغَابَتْ ، دَخَلَ وَقْتُ الْعِشَاءِ ، وَإِنْ كَانَ فِي مَكَان يَسْتَتِرُ عَنْهُ الْأُفُقُ بِالْجُدْرَانِ وَالْجِبَالِ ، اسْتَظْهَرَ حَتَّى يَغِيبَ الْبَيَاضُ ، لِيَسْتَدِلَّ بِغَيْبَتِهِ عَلَى مَغِيبِ الْحُمْرَةِ ، فَيَعْتَبِرُ غَيْبَةَ الْبَيَاضِ ، لِدَلَالَتِهِ عَلَى مَغِيبِ الْحُمْرَةِ لَا لِنَفْسِهِ .","part":2,"page":168},{"id":668,"text":"( 527 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( فَإِذَا ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ ذَهَبَ وَقْتُ الِاخْتِيَارِ ، وَوَقْتُ الضَّرُورَةِ مُبْقًى إلَى أَنْ يَطْلُعَ الْفَجْرُ الثَّانِي ، وَهُوَ الْبَيَاضُ الَّذِي يُرَى مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ ، فَيَنْتَشِرُ ، وَلَا ظُلْمَةَ بَعْدَهُ ) اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ فِي آخِرِ وَقْتِ الِاخْتِيَارِ ، فَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ ثُلُثُ اللَّيْلِ ، نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، فِي رِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ ، وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَبِي هُرَيْرَةَ ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَمَالِكٍ ؛ لِأَنَّ فِي حَدِيثِ جِبْرِيلَ ، أَنَّهُ صَلَّى بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ ثُلُثَ اللَّيْلِ ، وَقَالَ : { الْوَقْتُ فِيمَا بَيْنَ هَذَيْنِ } وَفِي حَدِيثِ بُرَيْدَةَ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّاهَا فِي الْيَوْمِ الثَّانِي ثُلُثَ اللَّيْلِ } وَعَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { صَلُّوا فِيمَا بَيْنَ أَنْ يَغِيبَ الشَّفَقُ إلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ } وَفِي حَدِيثِهَا الْآخَرِ : وَكَانُوا يُصَلُّونَ فِيمَا بَيْنَ أَنْ يَغِيبَ الشَّفَقُ الْأَوَّلُ إلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ .\rوَلِأَنَّ ثُلُثَ اللَّيْلِ يَجْمَعُ الرِّوَايَاتِ ، وَالزِّيَادَةُ تَعَارَضْت الْأَخْبَارُ فِيهَا ، فَكَانَ ثُلُثُ اللَّيْلِ أَوْلَى ، وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ أَنَّ آخِرَهُ نِصْفُ اللَّيْلِ .\rوَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ ، وَابْنِ الْمُبَارَكِ وَأَبِي ثَوْرٍ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ ، وَأَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ ، لِمَا رُوِيَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : { أَخَّرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَاةَ الْعِشَاءِ إلَى نِصْفِ اللَّيْلِ .\r} رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَوْلَا ضَعْفُ الضَّعِيفِ ، وَسَقَمُ السَّقِيمِ ، لَأَمَرْت بِهَذِهِ الصَّلَاةِ أَنْ تُؤَخَّرَ إلَى شَطْرِ اللَّيْلِ } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ","part":2,"page":169},{"id":669,"text":"{ وَقْتُ الْعِشَاءِ إلَى نِصْفِ اللَّيْلِ } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالْأَوْلَى إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ لَا يُؤَخِّرَهَا عَنْ ثُلُثِ اللَّيْلِ ، وَإِنْ أَخَّرَهَا إلَى نِصْفِ اللَّيْلِ جَازَ ، وَمَا بَعْدَ النِّصْفِ وَقْتُ ضَرُورَةٍ ، الْحُكْمُ فِيهِ حُكْمُ وَقْتِ الضَّرُورَةِ فِي صَلَاةِ الْعَصْرِ ، عَلَى مَا مَضَى شَرْحُهُ وَبَيَانُهُ ، ثُمَّ لَا يَزَالُ الْوَقْتُ مُمْتَدًّا حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ الثَّانِي .\r( 528 ) فَصْلٌ : وَتُسَمَّى هَذِهِ الصَّلَاةُ الْعِشَاءَ ، وَلَا يُسْتَحَبُّ تَسْمِيَتُهَا الْعَتَمَةَ ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ إذَا سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ : الْعَتَمَةُ .\rصَاحَ وَغَضِبَ ، وَقَالَ : إنَّمَا هُوَ الْعِشَاءُ وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { لَا تَغْلِبَنَّكُمْ الْأَعْرَابُ عَلَى اسْمِ صَلَاتِكُمْ ، فَإِنَّهَا الْعِشَاءُ ، وَإِنَّهُمْ يُعْتِمُونَ بِالْإِبِلِ } وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مِثْلُهُ .\rرَوَاهُمَا ابْنُ مَاجَهْ وَإِنْ سَمَّاهَا الْعَتَمَةَ جَازَ ؛ فَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادِهِ عَنْ مُعَاذٍ ، أَنَّهُ قَالَ : أَبْقَيْنَا - يَعْنِي - انْتَظَرْنَا - رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي صَلَاةِ الْعَتَمَةِ ؛ وَلِأَنَّ هَذَا نِسْبَةٌ لَهَا إلَى الْوَقْتِ الَّذِي تَجِبُ فِيهِ ، فَأَشْبَهَتْ صَلَاةَ الصُّبْحِ وَالظُّهْرِ وَسَائِرَ الصَّلَوَاتِ","part":2,"page":170},{"id":670,"text":"( 529 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَإِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ الثَّانِي وَجَبَتْ صَلَاةُ الصُّبْحِ وَالْوَقْتُ مُبْقًى إلَى مَا قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ ، وَمَنْ أَدْرَكَ مِنْهَا رَكْعَةً قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ فَقَدْ أَدْرَكَهَا ، وَهَذَا مَعَ الضَّرُورَةِ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ وَقْتَ الصُّبْحِ يَدْخُلُ بِطُلُوعِ الْفَجْرِ الثَّانِي إجْمَاعًا ، وَقَدْ دَلَّتْ عَلَيْهِ أَخْبَارُ الْمَوَاقِيتِ ، وَهُوَ الْبَيَاضُ الْمُسْتَطِيرُ الْمُنْتَشِرُ فِي الْأُفُقِ ، وَيُسَمَّى الْفَجْرَ الصَّادِقَ ؛ لِأَنَّهُ صَدَقَك عَنْ الصُّبْحِ وَبَيَّنَهُ لَك ، وَالصُّبْحُ مَا جَمَعَ بَيَاضًا وَحُمْرَةً ، وَمِنْهُ سُمِّيَ الرَّجُلُ الَّذِي فِي لَوْنِهِ بَيَاضٌ وَحُمْرَةٌ أَصْبَحَ ، وَأَمَّا الْفَجْرُ الْأَوَّلُ ، فَهُوَ الْبَيَاضُ الْمُسْتَدَقُّ صَعِدًا مِنْ غَيْرِ اعْتِرَاضٍ ، فَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حُكْمٌ ، وَيُسَمَّى الْفَجْرَ الْكَاذِبَ .\rثُمَّ لَا يَزَالُ وَقْتُ الِاخْتِيَارِ إلَى أَنْ يُسْفِرَ النَّهَارُ ؛ لِمَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ جِبْرِيلَ وَبُرَيْدَةَ وَمَا بَعْدَ ذَلِكَ وَقْتُ عُذْرٍ وَضَرُورَةٍ ، حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو : { وَوَقْتُ الْفَجْرِ مَا لَمْ تَطْلُعْ الشَّمْسُ .\rوَمَنْ أَدْرَكَ مِنْهَا رَكْعَةً قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ كَانَ مُدْرِكًا لَهَا } وَفِي إدْرَاكِهَا بِمَا دُونَ ذَلِكَ اخْتِلَافٌ قَدْ ذَكَرْنَاهُ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ ، فِيمَنْ طَلَعْت الشَّمْسُ وَقَدْ صَلَّى رَكْعَةً : تَفْسُدُ صَلَاتُهُ ؛ لِأَنَّهُ صَارَ فِي وَقْتٍ نُهِيَ عَنْ الصَّلَاةِ فِيهِ .\rوَهَذَا لَا يَصِحُّ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الصُّبْحِ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الصُّبْحَ } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَفِي رِوَايَةٍ { مَنْ أَدْرَكَ سَجْدَةً مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَلْيُتِمَّ صَلَاتَهُ } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ؛ وَلِأَنَّهُ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الصَّلَاةِ فِي وَقْتِهَا ، فَكَانَ مُدْرِكًا لَهَا فِي وَقْتِهَا ، كَبَقِيَّةِ الصَّلَوَاتِ ، وَإِنَّمَا نُهِيَ عَنْ النَّافِلَةِ ،","part":2,"page":171},{"id":671,"text":"فَأَمَّا الْفَرَائِضُ فَتُصَلَّى فِي كُلِّ وَقْتٍ ، بِدَلِيلِ أَنَّ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقْتُ نَهْيٍ أَيْضًا ، وَلَا يُمْنَعُ مِنْ فِعْلِ الْفَجْرِ فِيهِ","part":2,"page":172},{"id":672,"text":"( 530 ) فَصْلٌ : إذَا شَكَّ فِي دُخُولِ الْوَقْتِ ، لَمْ يُصَلِّ حَتَّى يَتَيَقَّنَ دُخُولَهُ ، أَوْ يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ ذَلِكَ ، مِثْلُ مَنْ هُوَ ذُو صَنْعَةٍ جَرَتْ عَادَتُهُ بِعَمَلِ شَيْءٍ مُقَدَّرٍ إلَى وَقْتِ الصَّلَاةِ ، أَوْ قَارِئٍ جَرَتْ عَادَتُهُ بِقِرَاءَةِ جُزْءٍ فَقَرَأَهُ ، وَأَشْبَاهِ هَذَا ، فَمَتَى فَعَلَ ذَلِكَ ، وَغَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ دُخُولُ الْوَقْتِ ، أُبِيحَتْ لَهُ الصَّلَاةُ ، وَيُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُهَا قَلِيلًا احْتِيَاطًا ، لِتَزْدَادَ غَلَبَةُ ظَنِّهِ ، إلَّا أَنْ يَخْشَى خُرُوجَ الْوَقْتِ ، أَوْ تَكُونَ صَلَاةُ الْعَصْرِ فِي وَقْتِ الْغَيْمِ ، فَإِنَّهُ يُسْتَحَبُّ التَّبْكِيرُ بِهَا ؛ لِمَا رَوَى بُرَيْدَةَ ، قَالَ : { كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزَاةٍ ، فَقَالَ : بَكِّرُوا بِصَلَاةِ الْعَصْرِ فِي الْغَيْمِ ، فَإِنَّهُ مَنْ فَاتَتْهُ صَلَاةُ الْعَصْرِ حَبِطَ عَمَلُهُ } رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ وَمَعْنَاهُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - التَّبْكِيرُ بِهَا إذَا دَخَلَ وَقْتُ فِعْلِهَا ، لِيَقِينٍ ، أَوْ غَلَبَةِ ظَنٍّ ، وَذَلِكَ لِأَنَّ وَقْتَهَا الْمُخْتَارَ فِي زَمَنِ الشِّتَاءِ يَضِيقُ ، فَيُخْشَى خُرُوجُهُ .\r( 531 ) فَصْلٌ : وَمَنْ أَخْبَرَهُ ثِقَةٌ عَنْ عِلْمٍ عَمِلَ بِهِ ؛ لِأَنَّهُ خَبَرٌ دِينِيٌّ ، فَقُبِلَ فِيهِ قَوْلُ الْوَاحِدِ كَالرِّوَايَةِ ، وَإِنْ أَخْبَرَهُ عَنْ اجْتِهَادِهِ لَمْ يُقَلِّدْهُ ، وَاجْتَهَدَ لِنَفْسِهِ ، حَتَّى يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ ؛ لِأَنَّهُ يَقْدِرُ عَلَى الصَّلَاةِ بِاجْتِهَادِ نَفْسِهِ ، فَلَمْ يُصَلِّ بِاجْتِهَادِ غَيْرِهِ ، كَحَالَةِ اشْتِبَاهِ الْقِبْلَةِ .\rوَالْبَصِيرُ وَالْأَعْمَى وَالْمَطْمُورُ الْقَادِرُ عَلَى التَّوَصُّلِ إلَى الِاسْتِدْلَالِ سَوَاءٌ ؛ لِاسْتِوَائِهِمْ فِي إمْكَانِ التَّقْدِيرِ بِمُرُورِ الزَّمَانِ ، كَمَا بَيَّنَّا ، فَمَتَى صَلَّى فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ ، فَبَانَ أَنَّهُ وَافَقَ الْوَقْتَ أَوْ بَعْدَهُ أَجْزَأَهُ ؛ لِأَنَّهُ أَدَّى مَا فُرِضَ عَلَيْهِ ، وَخُوطِبَ بِأَدَائِهِ ، وَإِنْ بَانَ أَنَّهُ صَلَّى قَبْلَ الْوَقْتِ لَمْ يُجْزِهِ ؛ لِأَنَّ الْمُخَاطَبَةَ بِالصَّلَاةِ وَسَبَبَ الْوُجُوبِ وُجِدَ بَعْدَ فِعْلِهِ ، فَلَمْ","part":2,"page":173},{"id":673,"text":"يَسْقُطْ حُكْمُهُ بِمَا وُجِدَ قَبْلَهُ .\rوَإِنْ صَلَّى مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ مَعَ الشَّكِّ ، لَمْ تُجْزِهِ صَلَاتُهُ ، سَوَاءٌ أَصَابَ أَوْ أَخْطَأَ لِأَنَّهُ صَلَّى مَعَ الشَّكِّ فِي شَرْطِ الصَّلَاةِ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ ، فَلَمْ يَصِحَّ ، كَمَا لَوْ اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِ الْقِبْلَةُ فَصَلَّى مِنْ غَيْرِ اجْتِهَادٍ .","part":2,"page":174},{"id":674,"text":"( 532 ) فَصْلٌ : وَإِذَا سَمِعَ الْأَذَانَ مِنْ ثِقَةٍ عَالِمٍ بِالْوَقْتِ ، فَلَهُ تَقْلِيدُهُ ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ لَا يُؤَذِّنُ إلَّا بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ ، فَجَرَى مَجْرَى خَبَرِهِ ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { الْمُؤَذِّنُ مُؤْتَمَنٌ } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَلَوْلَا أَنَّهُ يُقَلِّدُ وَيُرْجَعُ إلَيْهِ مَا كَانَ مُؤْتَمَنًا ، وَجَاءَ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ : { خَصْلَتَانِ مُعَلَّقَتَانِ فِي أَعْنَاقِ الْمُؤَذِّنِينَ لِلْمُسْلِمِينَ صَلَاتُهُمْ وَصِيَامُهُمْ } رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ .\rوَلِأَنَّ الْآذَانَ مَشْرُوعٌ لِلْإِعْلَامِ بِالْوَقْتِ فَلَوْ لَمْ يَجُزْ تَقْلِيدُ الْمُؤَذِّنِ لَمْ تَحْصُلْ الْحِكْمَةُ الَّتِي شُرِعَ الْآذَانُ مِنْ أَجْلِهَا ، وَلَمْ يَزَلْ النَّاسُ يَجْتَمِعُونَ فِي مَسَاجِدِهِمْ وَجَوَامِعِهِمْ فِي أَوْقَاتِ الصَّلَاةِ ، فَإِذَا سَمِعُوا الْآذَانَ قَامُوا إلَى الصَّلَاةِ ، وَبَنَوْا عَلَى أَذَانِ الْمُؤَذِّنِ مِنْ غَيْرِ اجْتِهَادٍ فِي الْوَقْتِ ، وَلَا مُشَاهَدَةِ مَا يَعْرِفُونَهُ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ ، فَكَانَ إجْمَاعًا .","part":2,"page":175},{"id":675,"text":"( 533 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَالصَّلَاةُ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ أَفْضَلُ ، إلَّا عِشَاءَ الْآخِرَةِ ، وَفِي شِدَّةِ الْحَرِّ الظُّهْرَ ) .\rوَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْأَوْقَاتَ ثَلَاثَةُ أَضْرُبٍ : وَقْتُ فَضِيلَةٍ ، وَجَوَازٍ ، وَضَرُورَةٍ .\rفَأَمَّا وَقْتُ الْجَوَازِ وَالضَّرُورَةِ ، فَقَدْ ذَكَرْنَاهُمَا ، وَأَمَّا وَقْتُ الْفَضِيلَةِ فَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الْخِرَقِيِّ قَالَ أَحْمَدُ : أَوَّلُ الْوَقْتِ أَعْجَبُ إلَيَّ ، إلَّا فِي صَلَاتَيْنِ : صَلَاةُ الْعِشَاءِ ، وَصَلَاةُ الظُّهْرِ يُبْرَدُ بِهَا فِي الْحَرِّ ، رَوَاهُ الْأَثْرَمُ .\rوَهَكَذَا كَانَ يُصَلِّي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ سَيَّارُ بْنُ سَلَامَةَ : دَخَلْت أَنَا وَأَبِي عَلَى أَبِي بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيِّ فَسَأَلَهُ أَبِي { : كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي الْمَكْتُوبَةَ ؟ قَالَ : كَانَ يُصَلِّي الْهَجِيرَ ، الَّتِي يَدْعُونَهَا الْأُولَى ، حِينَ تُدْحَضُ الشَّمْسُ ، وَيُصَلِّي الْعَصْرَ ، ثُمَّ يَرْجِعُ أَحَدُنَا إلَى رَحْلِهِ فِي أَقْصَى الْمَدِينَةِ وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ وَنَسِيت مَا قَالَ فِي الْمَغْرِبِ .\rقَالَ : وَكَانَ يُسْتَحَبُّ أَنْ يُؤَخِّرَ مِنْ الْعِشَاءِ الَّتِي تَدْعُونَهَا الْعَتَمَةَ ، وَكَانَ يَكْرَهُ النَّوْمَ قَبْلَهَا وَالْحَدِيثَ بَعْدَهَا ، وَكَانَ يَنْفَتِلُ مِنْ صَلَاةِ الْغَدَاةِ حِينَ يَعْرِفُ الرَّجُلُ جَلِيسَهُ ، وَيَقْرَأُ بِالسِّتِّينَ إلَى الْمِائَةِ .\r} ، وَقَالَ جَابِرٌ { كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي الظُّهْرَ بِالْهَاجِرَةِ ، وَالْعَصْرَ وَالشَّمْسُ نَقِيَّةٌ ، وَالْمَغْرِبَ إذَا وَجَبَتْ ، وَالْعِشَاءَ أَحْيَانًا ، وَأَحْيَانًا إذَا رَآهُمْ اجْتَمَعُوا عَجَّلَ ، وَإِذَا رَآهُمْ قَدْ أَبْطَئُوا أَخَّرَ ، وَالصُّبْحُ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّيهَا بِغَلَسٍ ، } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا وَقَدْ رَوَى الْأُمَوِيُّ ، فِي \" الْمَغَازِي \" حَدِيثًا أَسْنَدَهُ إلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ ، قَالَ { : لَمَّا بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى الْيَمَنِ ، قَالَ : أَظْهِرْ كَبِيرَ","part":2,"page":176},{"id":676,"text":"الْإِسْلَامِ وَصَغِيرَهُ ، وَلْيَكُنْ مِنْ أَكْبَرِهَا الصَّلَاةُ ، فَإِنَّهَا رَأْسُ الْإِسْلَامِ بَعْدَ الْإِقْرَارِ بِالدِّينِ ، إذَا كَانَ الشِّتَاءُ فَصَلِّ صَلَاةَ الْفَجْرِ فِي أَوَّلِ الْفَجْرِ ، ثُمَّ أَطِلْ الْقِرَاءَةَ عَلَى قَدْرِ مَا تُطِيقُ ، وَلَا تُمِلَّهُمْ ، وَتُكَرِّهْ إلَيْهِمْ أَمْرَ اللَّهِ ، ثُمَّ عَجِّلْ الصَّلَاةَ الْأُولَى بَعْدَ أَنْ تَمِيلَ الشَّمْسُ ، وَصَلِّ الْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ فِي الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ عَلَى مِيقَاتٍ وَاحِدٍ ؛ الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ بَيْضَاءُ مُرْتَفِعَةٌ ، وَالْمَغْرِبَ حِينَ تَغِيبُ الشَّمْسُ ، وَتَوَارَى بِالْحِجَابِ ، وَصَلِّ الْعِشَاءَ فَأَعْتِمْ بِهَا ، فَإِنَّ اللَّيْلَ طَوِيلٌ ، فَإِذَا كَانَ الصَّيْفُ فَأَسْفِرْ بِالصُّبْحِ ، فَإِنَّ اللَّيْلَ قَصِيرٌ .\rوَإِنَّ النَّاسَ يَنَامُونَ ، فَأَمْهِلْهُمْ حَتَّى يُدْرِكُوهَا ، وَصَلِّ الظُّهْرَ بَعْدَ أَنْ يَنْقُصَ الظِّلُّ وَتَتَحَرَّكَ الرِّيحُ ، فَإِنَّ النَّاسَ يَقِيلُونَ ، فَأَمْهِلْهُمْ حَتَّى يُدْرِكُوهَا ، وَصَلِّ الْعَتَمَةَ فَلَا تُعْتِمْ بِهَا ، وَلَا تُصَلِّهَا حَتَّى يَغِيبَ الشَّفَقُ } وَرَوَى أَيْضًا فِي كِتَابِهِ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ : وَالصَّلَاةُ لَهَا وَقْتٌ شَرَطَهُ اللَّهُ ، لَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ إلَّا بِهِ ؛ وَقْتُ صَلَاةِ الْفَجْرِ حِينَ يُزَايِلُ الرَّجُلُ أَهْلَهُ وَيَحْرُمُ عَلَى الصَّائِمِ الطَّعَامُ وَالشَّرَابُ ، فَأَعْطُوهَا نَصِيبَهَا مِنْ الْقِرَاءَةِ ، وَوَقْتُ صَلَاةِ الظُّهْرِ إذَا كَانَ الْقَيْظُ وَاشْتَدَّ الْحَرُّ ، حِينَ يَكُونُ ظِلُّك مِثْلَك ، وَذَلِكَ حِينَ يُهَجِّرُ الْمُهَجِّرُ وَذَلِكَ لِئَلَّا يَرْقُدَ عَنْ الصَّلَاةِ ، فَإِذَا كَانَ فِي الشِّتَاءِ فَحِينَ تَزِيغُ عَنْ الْفَلَكِ حَتَّى تَكُونَ عَلَى حَاجِبِك الْأَيْمَنِ ، وَالْعَصْرُ وَالشَّمْسُ بَيْضَاءُ نَقِيَّةٌ قَبْلَ أَنْ تَصْفَرَّ ، وَالْمَغْرِبُ حِينَ يُفْطِرُ الصَّائِمُ ، وَالْعِشَاءُ حِينَ يَغْسِقُ اللَّيْلُ ، وَتَذْهَبُ حُمْرَةُ الْأُفُقِ إلَى أَنْ يَذْهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ الْأَوَّلِ ، مَنْ نَامَ عَنْهَا بَعْدَ ذَلِكَ فَلَا أَرْقَدَ اللَّهُ عَيْنَهُ .\rهَذِهِ مَوَاقِيتُ الصَّلَاةِ { إنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا }","part":2,"page":177},{"id":677,"text":"( 534 ) فَصْلٌ : وَلَا نَعْلَمُ فِي اسْتِحْبَابِ تَعْجِيلِ الظُّهْرِ ، فِي غَيْرِ الْحَرِّ وَالْغَيْمِ ، خِلَافًا .\rقَالَ التِّرْمِذِيُّ وَهُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ أَهْلُ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ وَذَلِكَ لِمَا ثَبَتَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَرْزَةَ وَجَابِرٍ ، وَغَيْرِهِمَا ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا مَا رَأَيْت أَحَدًا كَانَ أَشَدَّ تَعْجِيلًا لِلظُّهْرِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا مِنْ أَبِي بَكْرٍ وَلَا مِنْ عُمَرَ قَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { الْوَقْتُ الْأَوَّلُ مِنْ الصَّلَاةِ رِضْوَانُ اللَّهِ ، وَالْوَقْتُ الْأَخِيرُ عَفْوُ اللَّهِ تَعَالَى } قَالَ التِّرْمِذِيُّ هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ .\rوَأَمَّا فِي شِدَّةِ الْحَرِّ فَكَلَامُ الْخِرَقِيِّ يَقْتَضِي اسْتِحْبَابَ الْإِبْرَادِ بِهَا عَلَى كُلِّ حَالٍ ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ .\rقَالَ الْأَثْرَمُ : وَعَلَى هَذَا مَذْهَبُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ سَوَاءٌ ، يُسْتَحَبُّ تَعْجِيلُهَا فِي الشِّتَاءِ وَالْإِبْرَادُ بِهَا فِي الْحَرِّ .\rوَهُوَ قَوْلُ إِسْحَاقَ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ ؛ لِظَاهِرِ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ فَأَبْرِدُوا بِالصَّلَاةِ ، فَإِنَّ شِدَّةَ الْحُرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ } رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَهَذَا عَامٌّ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : إنَّمَا يُسْتَحَبُّ الْإِبْرَادُ بِثَلَاثَةِ شُرُوطٍ : شِدَّةُ الْحَرِّ ، وَأَنْ يَكُونَ فِي الْبُلْدَانِ الْحَارَّةِ وَمَسَاجِدِ الْجَمَاعَاتِ ، فَأَمَّا مَنْ صَلَّاهَا فِي بَيْتِهِ ، أَوْ فِي مَسْجِدٍ بِفِنَاءِ بَيْتِهِ ، فَالْأَفْضَلُ تَعْجِيلُهَا .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ التَّأْخِيرَ إنَّمَا يُسْتَحَبُّ لِيَنْكَسِرَ الْحَرُّ ، وَيَتَّسِعَ فِي الْحِيطَانِ ، وَيَكْثُرَ السَّعْيُ إلَى الْجَمَاعَاتِ ، وَمَنْ لَا يُصَلِّي فِي جَمَاعَةٍ لَا حَاجَةَ بِهِ إلَى التَّأْخِيرِ .\rوَقَالَ الْقَاضِي فِي","part":2,"page":178},{"id":678,"text":"الْجَامِعِ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْبُلْدَانِ الْحَارَّةِ وَغَيْرِهَا وَلَا بَيْنَ كَوْنِ الْمَسْجِدِ يَنْتَابُهُ النَّاسُ أَوْ لَا ، فَإِنَّ أَحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ ، كَانَ يُؤَخِّرُهَا فِي مَسْجِدِهِ وَلَمْ يَكُنْ بِهَذِهِ الصِّفَةِ .\rوَالْأَخْذُ بِظَاهِرِ الْخَبَرِ أَوْلَى .\rوَمَعْنَى الْإِبْرَادِ بِهَا ، تَأْخِيرُهَا حَتَّى يَنْكَسِرَ الْحَرُّ ، وَيَتَّسِعَ فِي الْحِيطَانِ ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { أَبْرِدْ ، حَتَّى رَأَيْنَا فَيْءَ التُّلُولِ } وَهَذَا إنَّمَا يَكُنْ مَعَ كَثْرَةِ تَأْخِيرِهَا ، وَلَا يُؤَخِّرُهَا إلَى آخِرِ وَقْتِهَا ، بَلْ يُصَلِّيهَا فِي وَقْتٍ إذَا فَرَغَ يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ آخِرِ الْوَقْتِ فَضْلٌ ، وَقَدْ رَوَى ابْنُ مَسْعُودٍ ، قَالَ : { كَانَ قَدْرُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الصَّيْفِ ثَلَاثَةَ أَقْدَامٍ ، وَفِي الشِّتَاءِ خَمْسَةَ أَقْدَامٍ إلَى تِسْعَةِ أَقْدَامٍ .\r} رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ فَأَمَّا الْجُمُعَةُ فَيُسَنُّ تَعْجِيلُهَا فِي كُلِّ وَقْتٍ بَعْدَ الزَّوَالِ مِنْ غَيْرِ إبْرَادٍ ؛ لِأَنَّ سَلَمَةَ بْنَ الْأَكْوَعِ ، قَالَ : { كُنَّا نُجَمِّعُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا زَالَتْ الشَّمْسُ .\r} مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ، وَلَمْ يَبْلُغْنَا أَنَّهُ أَخَّرَهَا ، بَلْ كَانَ يُعَجِّلُهَا ، حَتَّى قَالَ سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ : مَا كُنَّا نَقِيلُ وَلَا نَتَغَدَّى إلَّا بَعْدَ الْجُمُعَةِ .\rأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ؛ وَلِأَنَّ السُّنَّةَ التَّبْكِيرُ بِالسَّعْيِ إلَيْهَا ، وَيَجْتَمِعُ النَّاسُ لَهَا ، فَلَوْ أَخَّرَهَا لَتَأَذَّى النَّاسُ بِتَأْخِيرِ الْجُمُعَةِ .","part":2,"page":179},{"id":679,"text":"( 535 ) فَصْلٌ : ذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُ الظُّهْرِ وَالْمَغْرِبِ فِي الْغَيْمِ ، وَتَعْجِيلُ الْعَصْرِ وَالْعِشَاءِ فِيهِ .\rقَالَ : وَنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي رِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ ؛ مِنْهُمْ الْمَرُّوذِيُّ فَقَالَ : يُؤَخِّرُ الظُّهْرَ فِي يَوْمِ الْغَيْمِ ، وَيُعَجِّلُ الْعَصْرَ ، وَيُؤَخِّرُ الْمَغْرِبَ ، وَيُعَجِّلُ الْعِشَاءَ وَعَلَّلَ الْقَاضِي ذَلِكَ بِأَنَّهُ وَقْتٌ يُخَافُ مِنْهُ الْعَوَارِضُ وَالْمَوَانِعُ ؛ مِنْ الْمَطَرِ ، وَالرِّيحِ ، وَالْبَرْدِ ، فَتَلْحَقُ الْمَشَقَّةُ فِي الْخُرُوجِ لِكُلِّ صَلَاةٍ ، وَفِي تَأْخِيرِ الصَّلَاةِ الْأُولَى مِنْ صَلَاتَيْ الْجَمْعِ ، وَتَعْجِيلِ الثَّانِيَةِ ، دَفْعٌ لِهَذِهِ الْمَشَقَّةِ ؛ لِكَوْنِهِ يَخْرُجُ إلَيْهِمَا خُرُوجًا وَاحِدًا ، فَيَحْصُلُ بِهِ الرِّفْقُ ، كَمَا يَحْصُلُ بِجَمْعِ الصَّلَاتَيْنِ فِي وَقْتِ إحْدَاهُمَا ، وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِثْلُ ذَلِكَ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ ، وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ : يُعَجِّلُ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ ، وَيُؤَخِّرُ الْمَغْرِبَ .\rوَقَالَ الْحَسَنُ : يُؤَخِّرُ الظُّهْرَ .\rوَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ تَعْجِيلُ الظُّهْرِ فِي غَيْرِ الْحَرِّ ، وَالْمَغْرِبِ فِي كُلِّ حَالٍ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ قَالَ : مَتَى غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ دُخُولُ الْوَقْتِ بِاجْتِهَادِهِ اُسْتُحِبَّ لَهُ التَّعْجِيلُ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنَّ أَحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ ، إنَّمَا أَرَادَ بِتَأْخِيرِ الظُّهْرِ وَالْمَغْرِبِ لِيَتَيَقَّنَ دُخُولَ وَقْتِهِمَا ، وَلَا يُصَلِّي مَعَ الشَّكِّ ، وَقَدْ نَقَلَ أَبُو طَالِبٍ كَلَامًا يَدُلُّ عَلَى هَذَا قَالَ : يَوْمُ الْغَيْمِ يُؤَخِّرُ الظُّهْرَ حَتَّى لَا يَشُكَّ أَنَّهَا قَدْ حَانَتْ ، وَيُعَجِّلُ الْعَصْرَ ، وَالْمَغْرِبُ يُؤَخِّرُهَا حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّهُ سَوَادُ اللَّيْلِ ، وَيُعَجِّلُ الْعِشَاءَ .","part":2,"page":180},{"id":680,"text":"( 536 ) فَصْلٌ : وَأَمَّا الْعَصْرُ فَتَعْجِيلُهَا مُسْتَحَبٌّ بِكُلِّ حَالٍ ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ ، وَعَائِشَةَ ، وَأَنَسٍ وَابْنِ الْمُبَارَكِ وَأَهْلِ الْمَدِينَةِ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ وَالشَّافِعِيِّ ، وَإِسْحَاقَ ، وَرُوِيَ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ وَابْنِ شُبْرُمَةَ أَنَّهُمَا قَالَا : إنَّمَا سُمِّيت الْعَصْرُ لِتُعْصَرَ .\rيَعْنِيَانِ أَنَّ تَأْخِيرَهَا أَفْضَلُ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ : الْأَفْضَلُ فِعْلُهَا فِي آخِرِ وَقْتِهَا الْمُخْتَارِ ؛ لِمَا رَوَى رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَأْمُرُ بِتَأْخِيرِ الْعَصْرِ .\rوَعَنْ عَلِيِّ بْنِ شَيْبَانَ ، قَالَ : { قَدِمْنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَانَ يُؤَخِّرُ الْعَصْرَ مَا دَامَتْ بَيْضَاءَ نَقِيَّةً .\r} رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ؛ وَلِأَنَّهَا آخِرُ صَلَاتَيْ جَمْعٍ ، فَاسْتُحِبَّ تَأْخِيرُهَا كَصَلَاةِ الْعِشَاءِ .\rوَلَنَا مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَرْزَةَ ، وَقَالَ رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ { كُنَّا نُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَاةَ الْعَصْرِ ، ثُمَّ يُنْحَرُ الْجَزُورُ ، فَيُقْسَمُ عَشَرَةَ أَجْزَاءٍ ، ثُمَّ يُطْبَخُ فَيُؤْكَلُ لَحْمًا نَضِيجًا قَبْلَ مَغِيبِ الشَّمْسِ .\r} مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ، وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ : \" صَلَّيْنَا مَعَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الظُّهْرَ ثُمَّ خَرَجْنَا حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ فَوَجَدْنَاهُ يُصَلِّي الْعَصْرَ ، فَقُلْنَا يَا أَبَا عُمَارَةَ مَا هَذِهِ الصَّلَاةُ الَّتِي صَلَّيْت ؟ قَالَ : الْعَصْرُ وَهَذِهِ صَلَاةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّتِي كُنَّا نُصَلِّيهَا مَعَهُ .\rرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَعَنْ أَبِي الْمَلِيحِ ، قَالَ : كُنَّا مَعَ أَبِي بُرَيْدَةَ فِي غَزْوَةٍ فِي يَوْمٍ ذِي غَيْمٍ ، فَقَالَ : بَكِّرُوا الصَّلَاةَ لِلْعَصْرِ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { مَنْ فَاتَتْهُ صَلَاةُ الْعَصْرِ حَبِطَ عَمَلُهُ } رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { الْوَقْتُ","part":2,"page":181},{"id":681,"text":"الْأَوَّلُ مِنْ الصَّلَاةِ رِضْوَانُ اللَّهِ ، وَالْوَقْتُ الْآخِرُ عَفْوُ اللَّهِ } يَرْوِيهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْعُمَرِيُّ قَالَ أَبُو عِيسَى : هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ .\rوَأَمَّا حَدِيثُ رَافِعٍ الَّذِي احْتَجُّوا بِهِ فَلَا يَصِحُّ .\rقَالَهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : يَرْوِيهِ عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ نَافِعٍ وَلَيْسَ بِالْقَوِيِّ ، وَلَا يَصِحُّ عَنْ رَافِعٍ وَلَا عَنْ غَيْرِهِ مِنْ الصَّحَابَةِ ، وَالصَّحِيحُ عَنْهُمْ تَعْجِيلُ صَلَاةِ الْعَصْرِ ، وَالتَّبْكِيرُ بِهَا .","part":2,"page":182},{"id":682,"text":"( 537 ) فَصْلٌ : وَأَمَّا الْمَغْرِبُ فَلَا خِلَافَ فِي اسْتِحْبَابِ تَقْدِيمِهَا فِي غَيْرِ حَالِ الْعُذْرِ ، وَهُوَ قَوْلُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ .\rقَالَهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي حَدِيثِ جَابِرٍ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُصَلِّيهَا إذَا وَجَبَتْ ، وَقَالَ رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ { كُنَّا نُصَلِّي الْمَغْرِبَ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَنْصَرِفُ أَحَدُنَا وَإِنَّهُ لَيُبْصِرُ مَوَاقِعَ نَبْلِهِ ، } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَعَنْ أَنَسٍ مِثْلُهُ ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَعَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ ، قَالَ : { كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي الْمَغْرِبَ سَاعَةَ تَغْرُبُ الشَّمْسُ ، إذَا غَابَ حَاجِبُهَا ، } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ : حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ .\rوَهَذَا لَفْظُ أَبِي دَاوُد وَفِعْلُ جِبْرِيلَ لَهَا فِي الْيَوْمَيْنِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ دَلِيلٌ عَلَى تَأْكِيدِ اسْتِحْبَابِ تَقْدِيمِهَا .","part":2,"page":183},{"id":683,"text":"( 538 ) فَصْلٌ : وَأَمَّا صَلَاةُ الْعِشَاءِ فَيُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُهَا إلَى آخِرِ وَقْتِهَا إنْ لَمْ يَشُقَّ ، وَهُوَ اخْتِيَارُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالتَّابِعِينَ .\rقَالَهُ التِّرْمِذِيُّ وَحُكِيَ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْأَفْضَلَ تَقْدِيمُهَا ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { الْوَقْتُ الْأَوَّلُ رِضْوَانُ اللَّهِ ، وَالْوَقْتُ الْآخِرُ عَفْوُ اللَّهِ } وَرَوَى الْقَاسِمُ بْنُ غَنَّامٍ ، عَنْ بَعْضِ أُمَّهَاتِهِ ، عَنْ أُمِّ فَرْوَةَ ، قَالَتْ : سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : { إنَّ أَحَبَّ الْأَعْمَالِ إلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ الصَّلَاةُ لِأَوَّلِ وَقْتِهَا } .\rوَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ يُؤَخِّرُهَا ، وَإِنَّمَا أَخَّرَهَا لَيْلَةً وَاحِدَةً ، وَلَا يَفْعَلُ إلَّا الْأَفْضَلَ .\rوَلَنَا قَوْلُ أَبِي بَرْزَةَ : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَسْتَحِبُّ أَنْ يُؤَخِّرَ مِنْ الْعِشَاءِ الَّتِي يَدْعُونَهَا الْعَتَمَةَ وَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتهمْ أَنْ يُؤَخِّرُوا الْعِشَاءَ إلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ أَوْ نِصْفِهِ } وَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ، وَأَحَادِيثُهُمْ ضَعِيفَةٌ .\rأَمَّا خَبَرُ \" الْوَقْتُ الْأَوَّلُ رِضْوَانُ اللَّهِ \" فَيَرْوِيهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْعُمَرِيُّ وَهُوَ ضَعِيفٌ وَحَدِيثُ أُمِّ فَرْوَةَ رُوَاتُهُ مَجَاهِيلُ ، قَالَ أَحْمَدُ رَحِمَهُ اللَّهُ : لَا أَعْلَمْ شَيْئًا ثَبَتَ فِي أَوْقَاتِ الصَّلَاةِ : أَوَّلُهَا كَذَا ، وَأَوْسَطُهَا كَذَا ، وَآخِرُهَا كَذَا يَعْنِي مَغْفِرَةً وَرِضْوَانًا ، وَقَالَ : لَيْسَ ذَا ثَابِتًا .\rوَلَوْ ثَبَتَ فَالْأَخْذُ بِأَحَادِيثِنَا الْخَاصَّةِ أَوْلَى مِنْ الْأَخْذِ بِالْعُمُومِ ، مَعَ صِحَّةِ أَخْبَارِنَا ، وَضَعْفِ أَخْبَارِهِمْ .\r( 539 ) فَصْلٌ : وَإِنَّمَا يُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُهَا لِلْمُنْفَرِدِ وَالْجَمَاعَةُ رَاضِينَ بِالتَّأْخِيرِ ؛ فَأَمَّا مَعَ الْمَشَقَّةِ عَلَى الْمَأْمُومِينَ أَوْ بَعْضِهِمْ فَلَا يُسْتَحَبُّ ، بَلْ","part":2,"page":184},{"id":684,"text":"يُكْرَهُ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ رَحِمَهُ اللَّهُ ، قَالَ الْأَثْرَمُ : قُلْت لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ : كَمْ قَدْرُ تَأْخِيرِ الْعِشَاءِ ؟ فَقَالَ مَا قَدْ بَعُدَ أَنْ لَا يَشُقَّ عَلَى الْمَأْمُومِينَ .\rوَقَدْ تَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَأْخِيرَ الْعِشَاءِ ، وَالْأَمْرَ بِتَأْخِيرِهَا ، كَرَاهِيَةَ الْمَشَقَّةِ عَلَى أُمَّتِهِ ، وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { مَنْ شَقَّ عَلَى أُمَّتِي شَقَّ اللَّهُ عَلَيْهِ } وَإِنَّمَا نُقِلَ التَّأْخِيرُ عَنْهُ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ، وَلَعَلَّهُ كَانَ لِشُغْلٍ ، أَوْ إتْيَانِ آخِرِ الْوَقْتِ ، وَأَمَّا فِي سَائِرِ أَوْقَاتِهِ فَإِنَّهُ كَانَ يُصَلِّيهَا ، عَلَى مَا رَوَاهُ جَابِرٌ أَحْيَانًا ، وَأَحْيَانًا إذَا رَآهُمْ قَدْ اجْتَمَعُوا عَجَّلَ ، وَإِذَا رَآهُمْ قَدْ أَبْطَئُوا أَخَّرَ .\rوَعَلَى مَا رَوَاهُ النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ ، أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي الْعِشَاءَ لِسُقُوطِ الْقَمَرِ لِثَالِثَةٍ .\rفَيُسْتَحَبُّ لِلْإِمَامِ الِاقْتِدَاءُ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي إحْدَى هَاتَيْنِ الْحَالَتَيْنِ ، وَلَا يُؤَخِّرُهَا تَأْخِيرًا يَشُقُّ عَلَى الْمَأْمُومِينَ ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَأْمُرُ بِالتَّخْفِيفِ ، رِفْقًا بِالْمَأْمُومِينَ ، وَقَالَ : { إنِّي لَأَدْخُلُ فِي الصَّلَاةِ ، وَأَنَا أُرِيدُ إطَالَتَهَا ، فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ ، فَأُخَفِّفُهَا كَرَاهِيَةَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمِّهِ .\r} مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ","part":2,"page":185},{"id":685,"text":"( 540 ) فَصْلٌ : وَأَمَّا صَلَاةُ الصُّبْحِ فَالتَّغْلِيسُ بِهَا أَفْضَلُ ، وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ وَإِسْحَاقُ .\rوَرُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ ، وَعُمَرَ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ ، وَأَبِي مُوسَى وَابْنِ الزُّبَيْرِ ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ .\rقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ ، أَنَّهُمْ كَانُوا يُغَلِّسُونَ ، وَمُحَالٌ أَنْ يَتْرُكُوا الْأَفْضَلَ ، وَيَأْتُوا الدُّونَ ، وَهُمْ النِّهَايَةُ فِي إتْيَانِ الْفَضَائِلِ .\rوَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، أَنَّ الِاعْتِبَارَ بِحَالِ الْمَأْمُومِينَ ، فَإِنْ أَسْفَرُوا فَالْأَفْضَلُ الْإِسْفَارُ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي الْعِشَاءِ ، كَمَا ذَكَرَ جَابِرٌ ، فَكَذَلِكَ فِي الْفَجْرِ .\rوَقَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ : الْأَفْضَلُ الْإِسْفَارُ ؛ لِمَا رَوَى رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ ، قَالَ : سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : { أَسْفِرُوا بِالْفَجْرِ ، فَإِنَّهُ أَعْظَمُ لِلْأَجْرِ } .\rقَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ .\rوَلَنَا مَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ وَأَبِي بَرْزَةَ ، وَقَوْلِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا : { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي الصُّبْحَ ، فَتَنْصَرِفُ النِّسَاءُ مُتَلَفِّعَاتٍ بِمُرُوطِهِنَّ ، مَا يُعْرَفْنَ مِنْ الْغَلَسِ .\r} مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ ، { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَلَّسَ بِالصُّبْحِ ، ثُمَّ أَسْفَرَ مَرَّةً ، ثُمَّ لَمْ يَعُدْ إلَى الْإِسْفَارِ حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rقَالَ الْخَطَّابِيُّ : وَهُوَ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ .\rوَقَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا : { مَا صَلَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَاةً لِوَقْتِهَا الْآخِرِ مَرَّتَيْنِ ، حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ } .\rوَهَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ ، وَلَيْسَ إسْنَادُهُ بِمُتَّصِلٍ .\rفَأَمَّا الْإِسْفَارُ الْمَذْكُورُ","part":2,"page":186},{"id":686,"text":"فِي حَدِيثِهِمْ ، فَالْمُرَادُ بِهِ تَأْخِيرُهَا حَتَّى يَتَبَيَّنَ طُلُوعُ الْفَجْرِ ، وَيَنْكَشِفَ يَقِينًا مِنْ قَوْلِهِمْ : أَسْفَرَتْ الْمَرْأَةُ ، إذَا كَشَفَتْ وَجْهَهَا .","part":2,"page":187},{"id":687,"text":"( 541 ) فَصْلٌ : وَلَا يَأْثَمُ بِتَعْجِيلِ الصَّلَاةِ الَّتِي يُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُهَا ، وَلَا بِتَأْخِيرِ مَا يُسْتَحَبُّ تَعْجِيلُهُ ، إذَا أَخَّرَهُ عَازِمًا عَلَى فِعْلِهِ ، مَا لَمْ يَخْرُجْ الْوَقْتُ ، أَوْ يَضِيقُ عَنْ فِعْلِ الْعِبَادَةِ جَمِيعِهَا ؛ لِأَنَّ جِبْرِيلَ صَلَّاهَا بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ وَآخِرِهِ ، وَصَلَّاهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ وَآخِرِهِ { وَقَالَا : الْوَقْتُ مَا بَيْنَ هَذَيْنِ } وَلِأَنَّ الْوُجُوبَ مُوَسَّعٌ فَهُوَ كَالتَّكْفِيرِ ، يَجِبُ مُوَسَّعًا بَيْنَ الْأَعْيَانِ ، فَإِنْ أَخَّرَ غَيْرَ عَازِمٍ عَلَى الْفِعْلِ أَثِمَ بِذَلِكَ التَّأْخِيرِ الْمُقْتَرِنِ بِالْعَزْمِ ، وَإِنْ أَخَّرَهَا بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ مِنْ الْوَقْتِ مَا يَتَّسِعُ لِجَمِيعِ الصَّلَاةِ أَثِمَ أَيْضًا ؛ لِأَنَّ الرَّكْعَةَ الْأَخِيرَةَ مِنْ جُمْلَةِ الصَّلَاةِ ، فَلَا يَجُوزُ تَأْخِيرُهَا عَنْ الْوَقْتِ ، كَالْأُولَى .\r( 542 ) فَصْلٌ : وَإِنْ أَخَّرَ الصَّلَاةَ عَنْ أَوَّلِ وَقْتِهَا بِنِيَّةِ فِعْلِهَا ، فَمَاتَ قَبْلَ فِعْلِهَا ، لَمْ يَكُنْ عَاصِيًا ، لِأَنَّهُ فَعَلَ مَا يَجُوزُ لَهُ فِعْلُهُ ، وَالْمَوْتُ لَيْسَ مِنْ فِعْلِهِ ، فَلَا يَأْثَمُ بِهِ .","part":2,"page":188},{"id":688,"text":"( 543 ) فَصْلٌ : وَمَنْ صَلَّى قَبْلَ الْوَقْتِ ، لَمْ يَجُزْ صَلَاتُهُ ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، سَوَاءٌ فَعَلَهُ عَمْدًا أَوْ خَطَأً ، كُلَّ الصَّلَاةِ أَوْ بَعْضَهَا .\rوَبِهِ قَالَ الزُّهْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، وَأَبِي مُوسَى أَنَّهُمَا أَعَادَا الْفَجْرَ ، لِأَنَّهُمَا صَلَّيَاهَا قَبْلَ الْوَقْتِ .\rوَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي مُسَافِرٍ صَلَّى الظُّهْرَ قَبْلَ الزَّوَالِ ، يُجْزِئُهُ .\rوَنَحْوَهُ قَالَ الْحَسَنُ ، وَالشَّعْبِيُّ .\rوَعَنْ مَالِكٍ كَقَوْلِنَا .\rوَعَنْهُ فِيمَنْ صَلَّى الْعِشَاءَ قَبْلَ مَغِيبِ الشَّفَقِ جَاهِلًا أَوْ نَاسِيًا ، يُعِيدُ مَا كَانَ فِي الْوَقْتِ ، فَإِنْ ذَهَبَ الْوَقْتُ قَبْلَ عِلْمِهِ ، أَوْ ذَكَرَ ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ .\rوَلَنَا أَنَّ الْخِطَابَ بِالصَّلَاةِ يَتَوَجَّهُ إلَى الْمُكَلَّفِ عِنْدَ دُخُولِ وَقْتِهَا ، وَمَا وُجِدَ بَعْدَ ذَلِكَ مَا يُزِيلُهُ وَيُبْرِئُ الذِّمَّةَ مِنْهُ ، فَيَبْقَى بِحَالِهِ .","part":2,"page":189},{"id":689,"text":"( 544 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَإِذَا طَهُرَتْ الْحَائِضُ ، وَأَسْلَمَ الْكَافِرُ ، وَبَلَغَ الصَّبِيُّ قَبْلَ أَنْ تَغِيبَ الشَّمْسُ ، صَلَّوْا الظُّهْرَ فَالْعَصْرَ ، وَإِنْ بَلَغَ الصَّبِيُّ ، وَأَسْلَمَ الْكَافِرُ ، وَطَهُرَتْ الْحَائِضُ قَبْلَ أَنْ يَطْلُعَ الْفَجْرُ ، صَلَّوْا الْمَغْرِبَ وَعِشَاءَ الْآخِرَةِ ) وَرُوِيَ هَذَا الْقَوْلُ فِي الْحَائِضِ تَطْهُرُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَطَاوُسٍ ، وَمُجَاهِدٍ ، وَالنَّخَعِيِّ ، وَالزُّهْرِيِّ ، وَرَبِيعَةَ ، وَمَالِكٍ ، وَاللَّيْثِ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَإِسْحَاقَ ، وَأَبِي ثَوْرٍ .\rقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : عَامَّةُ التَّابِعِينَ يَقُولُونَ بِهَذَا الْقَوْلِ ، إلَّا الْحَسَنَ وَحْدَهُ قَالَ : لَا تَجِبُ إلَّا الصَّلَاةُ الَّتِي طَهُرَتْ فِي وَقْتِهَا وَحْدَهَا .\rوَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ ؛ لِأَنَّ وَقْتَ الْأُولَى خَرَجَ فِي حَالِ عُذْرِهَا ، فَلَمْ تَجِبْ كَمَا لَوْ لَمْ يُدْرِكْ مِنْ وَقْتِ الثَّانِيَةِ شَيْئًا .\rوَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ إذَا أَدْرَكَ قَدْرَ خَمْسِ رَكَعَاتٍ مِنْ وَقْتِ الثَّانِيَةِ ، وَجَبَتْ الْأُولَى ؛ لِأَنَّ قَدْرَ الرَّكْعَةِ الْأُولَى مِنْ الْخَمْسِ وَقْتٌ لِلصَّلَاةِ الْأُولَى فِي حَالِ الْعُذْرِ ، فَوَجَبَتْ بِإِدْرَاكِهِ ، كَمَا لَوْ أَدْرَكَ ذَلِكَ مِنْ وَقْتِهَا الْمُخْتَارِ ، بِخِلَافِ مَا لَوْ أَدْرَكَ دُونَ ذَلِكَ .\rوَلَنَا مَا رَوَى الْأَثْرَمُ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ ، وَغَيْرُهُمَا ، بِإِسْنَادِهِمْ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّهُمَا قَالَا فِي الْحَائِضِ تَطْهُرُ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ بِرَكْعَةٍ : تُصَلِّي الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ ، فَإِذَا طَهُرَتْ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ ، صَلَّتْ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا .\rوَلِأَنَّ وَقْتَ الثَّانِيَةِ وَقْتٌ لِلْأُولَى حَالَ الْعُذْرِ ، فَإِذَا أَدْرَكَهُ الْمَعْذُورُ لَزِمَهُ فَرْضُهَا ، كَمَا يَلْزَمُهُ فَرْضُ الثَّانِيَةِ .","part":2,"page":190},{"id":690,"text":"( 545 ) فَصْلٌ : وَالْقَدْرُ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ الْوُجُوبُ قَدْرُ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : قَدْرُ رَكْعَةٍ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الَّذِي رُوِيَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَلِأَنَّهُ إدْرَاكٌ تَعَلَّقَ بِهِ إدْرَاكُ الصَّلَاةِ ، فَلَمْ يَكُنْ بِأَقَلَّ مِنْ رَكْعَةٍ كَإِدْرَاكِ الْجُمُعَةِ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : خَمْسُ رَكَعَاتٍ .\rوَلَنَا أَنَّ مَا دُونَ الرَّكْعَةِ تَجِبُ بِهِ الثَّانِيَةُ ، فَوَجَبَتْ بِهِ الْأُولَى ، كَالرَّكْعَةِ وَالْخَمْسِ عِنْدَ مَالِكٍ ، وَلِأَنَّهُ إدْرَاكٌ فَاسْتَوَى فِيهِ الْقَلِيلُ وَالْكَثِيرُ ، كَإِدْرَاكِ الْمُسَافِرِ صَلَاةَ الْمُقِيمِ ، فَأَمَّا الْجُمُعَةُ فَإِنَّمَا اُعْتُبِرَتْ الرَّكْعَةُ بِكَمَالِهَا ؛ لِكَوْنِ الْجَمَاعَةِ شَرْطًا فِيهَا فَاعْتُبِرَ إدْرَاكُ رَكْعَةٍ كَيْ لَا يَفُوتَهُ شَرْطُهَا فِي مُعْظَمِهَا ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا .","part":2,"page":191},{"id":691,"text":"( 546 ) فَصْلٌ : وَإِنْ أَدْرَكَ الْمُكَلَّفُ مِنْ وَقْتِ الْأُولَى مِنْ صَلَاتَيْ الْجَمْعِ قَدْرًا تَجِبُ بِهِ ، ثُمَّ جُنَّ أَوْ كَانَتْ امْرَأَةً فَحَاضَتْ ، أَوْ نَفِسَتْ ، ثُمَّ زَالَ الْعُذْرُ بَعْدَ وَقْتِهَا ، لَمْ تَجِبْ الثَّانِيَةُ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ ، وَلَا يَجِبُ قَضَاؤُهَا .\rوَهَذَا اخْتِيَارُ ابْنِ حَامِدٍ .\rوَالْأُخْرَى : يَجِبُ وَيَلْزَمُ قَضَاؤُهَا ؛ لِأَنَّهَا إحْدَى صَلَاتَيْ الْجَمْعِ ، فَوَجَبَتْ بِإِدْرَاكِ جُزْءٍ مِنْ وَقْتِ الْأُخْرَى ، كَالْأُولَى .\rوَوَجْهُ الْأُولَى أَنَّهُ لَمْ يُدْرِكْ جُزْءًا مِنْ وَقْتِهَا ، وَلَا وَقْتِ تَبَعِهَا ، فَلَمْ تَجِبْ ، كَمَا لَوْ لَمْ يُدْرِكْ مِنْ وَقْتِ الْأُولَى شَيْئًا ، وَفَارَقَ مُدْرِكَ وَقْتِ الثَّانِيَةِ ، فَإِنَّهُ أَدْرَكَ وَقْتَ تَبَعِ الْأُولَى ، فَإِنَّ الْأُولَى تُفْعَلُ فِي وَقْتِ الثَّانِيَةِ مَتْبُوعَةً مَقْصُودَةً يَجِبُ تَقْدِيمُهَا ، وَالْبِدَايَةُ بِهَا ، بِخِلَافِ الثَّانِيَةِ مَعَ الْأُولَى ، وَلِأَنَّ مَنْ لَا يُجَوِّزُ الْجَمْعَ إلَّا فِي وَقْتِ الثَّانِيَةِ لَيْسَ وَقْتُ الْأُولَى عِنْدَهُ وَقْتًا لِلثَّانِيَةِ بِحَالٍ ، فَلَا يَكُونُ مُدْرِكًا لَشَيْءٍ مِنْ وَقْتِهَا ، وَوَقْتُ الثَّانِيَةِ وَقْتٌ لَهُمَا جَمِيعًا ، لِجَوَازِ فِعْلِ الْأُولَى فِي وَقْتِ الثَّانِيَةِ ، وَمَنْ جَوَّزَ الْجَمْعَ فِي وَقْتِ الْأُولَى ، فَإِنَّهُ يُجَوِّزُ تَقْدِيمَ الثَّانِيَةِ رُخْصَةً تَحْتَاجُ إلَى نِيَّةِ التَّقْدِيمِ ، وَتَرْكِ التَّفْرِيقِ ، وَمَتَى أَخَّرَ الْأُولَى إلَى الثَّانِيَةِ كَانَتْ مَفْعُولَةً لَا وَاجِبَةً ، لَا يَجُوزُ تَرْكُهَا ، وَلَا يَجِبُ نِيَّةُ جَمْعِهَا ، وَلَا يُشْتَرَطُ تَرْكُ التَّفْرِيقِ بَيْنَهُمَا ، فَلَا يَصِحُّ قِيَاسُ الثَّانِيَةِ عَلَى الْأُولَى ، وَالْأَصْلُ أَنْ لَا تَجِبَ صَلَاةٌ إلَّا بِإِدْرَاكِ وَقْتِهَا .","part":2,"page":192},{"id":692,"text":"( 547 ) فَصْلٌ : وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الصَّلَاةَ لَا تَجِبُ عَلَى صَبِيٍّ ، وَلَا كَافِرٍ ، وَلَا حَائِضٍ ؛ إذْ لَوْ كَانَتْ الصَّلَاةُ وَاجِبَةً عَلَيْهِمْ لَمْ يَكُنْ لِتَخْصِيصِ الْقَضَاءِ بِهَذِهِ الْحَالِ مَعْنًى ، وَهَذَا الصَّحِيحُ فِي الْمَذْهَبِ .\rفَأَمَّا الْحَائِضُ ، فَقَدْ ذَكَرْنَا حُكْمَهَا فِي بَابِهَا ، وَأَمَّا الْكَافِرُ فَإِنْ كَانَ أَصْلِيًّا لَمْ يَلْزَمْهُ قَضَاءُ مَا تَرَكَهُ مِنْ الْعِبَادَاتِ فِي حَالِ كُفْرِهِ ، بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى { قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ } وَأَسْلَمَ فِي عَصْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَلْقٌ كَثِيرٌ ، وَبَعْدَهُ ، فَلَمْ يُؤْمَرْ أَحَدٌ مِنْهُمْ بِقَضَاءٍ ، وَلِأَنَّ فِي إيجَابِ الْقَضَاءِ عَلَيْهِ تَنْفِيرًا عَنْ الْإِسْلَامِ ، فَعُفِيَ عَنْهُ .\rوَقَدْ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي خِطَابِهِ بِفُرُوعِ الْإِسْلَامِ فِي حَالِ كُفْرِهِ ، مَعَ إجْمَاعِهِمْ عَلَى أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ قَضَاؤُهَا بَعْدَ إسْلَامِهِ ، وَحُكِيَ عَنْ أَحْمَدَ فِي هَذَا رِوَايَتَانِ .\rوَأَمَّا الْمُرْتَدُّ ، فَذَكَرَ أَبُو إِسْحَاقَ بْنُ شَاقِلَا عَنْ أَحْمَدَ ، فِي وُجُوبِ الْقَضَاءِ عَلَيْهِ ، رِوَايَتَيْنِ : إحْدَاهُمَا : لَا يَلْزَمُهُ .\rوَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ، فَعَلَى هَذَا لَا يَلْزَمُهُ قَضَاءُ مَا تَرَكَ فِي حَالِ كُفْرِهِ ، وَلَا فِي حَالِ إسْلَامِهِ قَبْلَ رِدَّتِهِ .\rوَلَوْ كَانَ قَدْ حَجَّ لَزِمَهُ اسْتِئْنَافُهُ ؛ لِأَنَّ عَمَلَهُ قَدْ حَبِطَ بِكُفْرِهِ ، بِدَلِيلِ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ } .\rفَصَارَ كَالْكَافِرِ الْأَصْلِيِّ فِي جَمِيعِ أَحْكَامِهِ .\rوَالثَّانِيَةُ : يَلْزَمُهُ قَضَاءُ مَا تَرَكَ مِنْ الْعِبَادَاتِ فِي حَالِ رِدَّتِهِ ، وَإِسْلَامِهِ قَبْلَ رِدَّتِهِ ، وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ إعَادَةُ الْحَجِّ ؛ لِأَنَّ الْعَمَلَ إنَّمَا يَحْبَطُ بِالْإِشْرَاكِ مَعَ الْمَوْتِ ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا","part":2,"page":193},{"id":693,"text":"وَالْآخِرَةِ } .\rفَشَرَطَ الْأَمْرَيْنِ لِحُبُوطِ الْعَمَلِ ، وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ الْمُرْتَدَّ أَقَرَّ بِوُجُوبِ الْعِبَادَاتِ عَلَيْهِ ، وَاعْتَقَدَ ذَلِكَ وَقَدَرَ عَلَى التَّسَبُّبِ إلَى أَدَائِهَا ، فَلَزِمَهُ ذَلِكَ ، كَالْمُحْدِثِ .\rوَلَوْ حَاضَتْ الْمَرْأَةُ الْمُرْتَدَّةُ لَمْ يَلْزَمْهَا قَضَاءُ الصَّلَاةِ فِي زَمَنِ حَيْضِهَا ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ غَيْرُ وَاجِبَةٍ عَلَيْهَا فِي تِلْكَ الْحَالِ .\rوَذَكَرَ الْقَاضِي رِوَايَةً ثَالِثَةً ، أَنَّهُ لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ لِمَا تَرَكَ فِي حَالِ رِدَّتِهِ ؛ لِأَنَّهُ تَرَكَهُ فِي حَالٍ لَمْ يَكُنْ مُخَاطَبًا بِهَا لِكُفْرِهِ ، وَعَلَيْهِ قَضَاءُ مَا تَرَكَ فِي إسْلَامِهِ قَبْلَ الرِّدَّةِ ؛ وَلِأَنَّهُ كَانَ وَاجِبًا عَلَيْهِ ، وَمُخَاطَبًا بِهِ قَبْلَ الرِّدَّةِ ، فَبَقِيَ الْوُجُوبُ عَلَيْهِ بِحَالِهِ .\rقَالَ : وَهَذَا الْمَذْهَبُ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَامِدٍ ، وَعَلَى هَذَا لَا يَلْزَمُهُ اسْتِئْنَافُ الْحَجِّ إنْ كَانَ قَدْ حَجَّ ؛ لِأَنَّ ذِمَّتَهُ بَرِئَتْ مِنْهُ بِفِعْلِهِ قَبْلَ الرِّدَّةِ ، فَلَا يَشْتَغِلُ بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ ، كَالصَّلَاةِ الَّتِي صَلَّاهَا فِي إسْلَامِهِ ؛ وَلِأَنَّ الرِّدَّةِ لَوْ أَسْقَطَتْ حَجَّهُ وَأَبْطَلَتْهُ ، لَأَبْطَلَتْ سَائِرَ عِبَادَاتِهِ الْمَفْعُولَةِ قَبْلَ رِدَّتِهِ .\r( 548 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا الصَّبِيُّ الْعَاقِلُ فَلَا تَجِبُ عَلَيْهِ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ .\rوَعَنْهُ أَنَّهَا تَجِبُ عَلَى مَنْ بَلَغَ عَشْرًا وَسَنَذْكُرُ ذَلِكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .\rفَعَلَى قَوْلِنَا إنَّهَا لَا تَجِبُ عَلَيْهِ ، مَتَى صَلَّى فِي الْوَقْتِ ، ثُمَّ بَلَغَ فِيهِ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْهَا ، وَفِي أَثْنَائِهَا ، فَعَلَيْهِ إعَادَتُهَا .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يُجْزِئُهُ ، وَلَا يَلْزَمُهُ إعَادَتُهَا فِي الْمَوْضِعَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ أَدَّى وَظِيفَةَ الْوَقْتِ ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ إعَادَتُهَا ، كَالْبَالِغِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ صَلَّى قَبْلَ وُجُوبِهَا عَلَيْهِ ، وَقَبْلَ سَبَبِ وُجُوبِهَا ، فَلَمْ تَجْزِهِ عَمَّا وُجِدَ سَبَبُ وُجُوبِهَا عَلَيْهِ ، كَمَا لَوْ صَلَّى قَبْلَ الْوَقْتِ ، وَلِأَنَّهُ صَلَّى","part":2,"page":194},{"id":694,"text":"نَافِلَةً ، فَلَمْ تَجْزِهِ عَنْ الْوَاجِبِ ، كَمَا لَوْ نَوَى نَفْلًا ، وَلِأَنَّهُ بَلَغَ فِي وَقْتِ الْعِبَادَةِ وَبَعْدَ فِعْلِهَا ، فَلَزِمَتْهُ إعَادَتُهَا كَالْحَجِّ ، وَوَظِيفَةُ الْوَقْتِ فِي حَقِّ الْبَالِغِ ظُهْرًا وَاجِبَةٌ ، وَلَمْ يَأْتِ بِهَا .","part":2,"page":195},{"id":695,"text":"( 549 ) فَصْلٌ : وَالْمَجْنُونُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ ، وَلَا يَلْزَمُهُ قَضَاءُ مَا تَرَكَ فِي حَالِ جُنُونِهِ ، إلَّا أَنْ يُفِيقَ وَقْتَ الصَّلَاةِ ، فَيَصِيرَ كَالصَّبِيِّ يَبْلُغُ .\rوَلَا نَعْلَمُ فِي ذَلِكَ خِلَافًا ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ ؛ عَنْ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ ، وَعَنْ الصَّبِيِّ حَتَّى يَشِبَّ ، وَعَنْ الْمَعْتُوهِ حَتَّى يَعْقِلَ } .\rأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَقَالَ : حَدِيثٌ حَسَنٌ .\rوَلِأَنَّ مُدَّتَهُ تَطُولُ غَالِبًا ، فَوُجُوبُ الْقَضَاءِ عَلَيْهِ يَشُقُّ ، فَعُفِيَ عَنْهُ .","part":2,"page":196},{"id":696,"text":"( 550 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ يَقْضِي جَمِيعَ الصَّلَوَاتِ الَّتِي كَانَتْ فِي حَالِ إغْمَائِهِ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْمُغْمَى عَلَيْهِ حُكْمُهُ حُكْمُ النَّائِمِ ، لَا يَسْقُطُ عَنْهُ قَضَاءُ شَيْءٍ مِنْ الْوَاجِبَاتِ الَّتِي يَجِبُ قَضَاؤُهَا عَلَى النَّائِمِ ؛ كَالصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ .\rوَقَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ : لَا يَلْزَمُهُ قَضَاءُ الصَّلَاةِ إلَّا أَنْ يُفِيقَ فِي جُزْءٍ مِنْ وَقْتِهَا ؛ لِأَنَّ عَائِشَةَ { سَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الرَّجُلِ يُغْمَى عَلَيْهِ ، فَيَتْرُكُ الصَّلَاةَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَيْسَ مِنْ ذَلِكَ قَضَاءٌ إلَّا أَنْ يُغْمَى عَلَيْهِ ، فَيُفِيقَ فِي وَقْتِهَا ، فَيُصَلِّيَهَا } .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إنْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ خَمْسَ صَلَوَاتٍ قَضَاهَا ، وَإِنْ زَادَتْ سَقَطَ فَرْضُ الْقَضَاءِ فِي الْكُلِّ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَدْخُلُ فِي التَّكْرَارِ ، فَأَسْقَطَ الْقَضَاءَ ، كَالْجُنُونِ .\rوَلَنَا مَا رُوِيَ ، أَنَّ عَمَّارًا غُشِيَ عَلَيْهِ أَيَّامًا لَا يُصَلِّي ، ثُمَّ اسْتَفَاقَ بَعْدَ ثَلَاثٍ ، فَقَالَ : هَلْ صَلَّيْتُ ؟ فَقِيلَ : مَا صَلَّيْتَ مُنْذُ ثَلَاثٍ .\rفَقَالَ : أَعْطُونِي وَضُوءًا ، فَتَوَضَّأَ ، ثُمَّ صَلَّى تِلْكَ اللَّيْلَةَ وَرَوَى أَبُو مِجْلَزٍ ، أَنَّ سَمُرَةَ بْنَ جُنْدُبٍ ، قَالَ : الْمُغْمَى عَلَيْهِ - يَتْرُكُ الصَّلَاةَ ، أَوْ فَيَتْرُكُ الصَّلَاةَ - يُصَلِّي مَعَ كُلِّ صَلَاةٍ صَلَاةً مِثْلَهَا قَالَ : قَالَ عِمْرَانُ : زَعْمٌ ، وَلَكِنْ لِيُصَلِّهِنَّ جَمِيعًا .\rوَرَوَى الْأَثْرَمُ هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ فِي \" سُنَنِهِ \" .\rوَهَذَا فِعْلُ الصَّحَابَةِ وَقَوْلُهُمْ ، وَلَا نَعْرِفُ لَهُمْ مُخَالِفًا ، فَكَانَ إجْمَاعًا .\rوَلِأَنَّ الْإِغْمَاءَ لَا يُسْقِطُ فَرْضَ الصِّيَامِ ، وَلَا يُؤَثِّرُ فِي اسْتِحْقَاقِ الْوِلَايَةِ عَلَى الْمُغْمَى عَلَيْهِ ، فَأَشْبَهَ النَّوْمَ .\rفَأَمَّا حَدِيثُهُمْ فَبَاطِلٌ يَرْوِيهِ الْحَاكِمُ بْنُ سَعْدٍ ، وَقَدْ نَهَى أَحْمَدُ رَحِمَهُ اللَّهُ ، عَنْ حَدِيثِهِ ، وَضَعَّفَهُ ابْنُ الْمُبَارَكِ ، وَقَالَ الْبُخَارِيُّ : تَرَكُوهُ .\rوَفِي إسْنَادِهِ خَارِجَةُ بْنُ","part":2,"page":197},{"id":697,"text":"مُصْعَبٍ .\rوَلَا يَصِحُّ قِيَاسُهُ عَلَى الْمَجْنُونِ ؛ لِأَنَّ الْمَجْنُونَ تَتَطَاوَلُ مُدَّتُهُ غَالِبًا ، وَقَدْ رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْهُ ، وَلَا يَلْزَمُهُ صِيَامٌ ، وَلَا شَيْءٌ مِنْ أَحْكَامِ التَّكْلِيفِ ، وَتَثْبُتُ الْوِلَايَةُ عَلَيْهِ ، وَلَا يَجُوزُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمْ السَّلَامُ ، وَالْإِغْمَاءُ بِخِلَافِهِ ، وَمَا لَا يُؤَثِّرُ فِي إسْقَاطِ الْخَمْسِ لَا يُؤَثِّرُ فِي إسْقَاطِ الزَّائِدِ عَلَيْهَا ، كَالنَّوْمِ .","part":2,"page":198},{"id":698,"text":"( 551 ) فَصْلٌ : وَمَنْ شَرِبَ دَوَاءً فَزَالَ عَقْلُهُ بِهِ نَظَرْتَ ؛ فَإِنْ كَانَ زَوَالًا لَا يَدُومُ كَثِيرًا ، فَهُوَ كَالْإِغْمَاءِ ، وَإِنْ كَانَ يَتَطَاوَلُ ، فَهُوَ كَالْجُنُونِ .\rوَأَمَّا السُّكْرُ ، وَمَنْ شَرِبَ مُحَرَّمًا يُزِيلُ عَقْلَهُ وَقْتًا دُونَ وَقْتٍ ، فَلَا يُؤَثِّرُ فِي إسْقَاطِ التَّكْلِيفِ وَعَلَيْهِ قَضَاءُ مَا فَاتَهُ فِي حَالِ زَوَالِ عَقْلِهِ .\rلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا ؛ وَلِأَنَّهُ إذَا وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ بِالنَّوْمِ الْمُبَاحِ ، فَبِالسُّكْرِ الْمُحَرَّمِ أَوْلَى .","part":2,"page":199},{"id":699,"text":"( 552 ) فَصْلٌ : وَمَا فِيهِ السُّمُومُ مِنْ الْأَدْوِيَةِ ؛ إنْ كَانَ الْغَالِبُ مِنْ شُرْبِهِ وَاسْتِعْمَالِهِ الْهَلَاكَ بِهِ ، أَوْ الْجُنُونَ ، لَمْ يُبَحْ شُرْبُهُ ، وَإِنْ كَانَ الْغَالِبُ مِنْهُ السَّلَامَةَ وَيُرْتَجَى مِنْهُ الْمَنْفَعَةُ ، فَالْأَوْلَى إبَاحَةُ شُرْبِهِ ، لِدَفْعِ مَا هُوَ أَخْطَرُ مِنْهُ ، كَغَيْرِهِ مِنْ الْأَدْوِيَةِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يُبَاحَ ؛ لِأَنَّهُ يُعَرِّضُ نَفْسَهُ لِلْهَلَاكِ ، فَلَمْ يُبَحْ ، كَمَا لَوْ لَمْ يُرِدْ بِهِ التَّدَاوِيَ .\rوَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ؛ لِأَنَّ كَثِيرًا مِنْ الْأَدْوِيَةِ يُخَافُ مِنْهُ ، وَقَدْ أُبِيحَ لِدَفْعِ مَا هُوَ أَضَرُّ مِنْهُ ، فَإِذَا قُلْنَا يَحْرُمُ شُرْبُهُ ، فَهُوَ كَالْمُحَرَّمَاتِ مِنْ الْخَمْرِ وَنَحْوِهِ ، وَإِنْ قُلْنَا يُبَاحُ ، فَهُوَ كَسَائِرِ الْأَدْوِيَةِ الْمُبَاحَةِ .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":2,"page":200},{"id":700,"text":"بَابُ الْأَذَانِ الْأَذَانُ إعْلَامٌ بِوَقْتِ الصَّلَاةِ .\rوَالْأَصْلُ فِي الْأَذَانِ الْإِعْلَامُ ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : { وَأَذَانٌ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ } أَيْ : إعْلَامٌ ، وَ : { آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ } أَيْ أَعْلَمْتُكُمْ ، فَاسْتَوَيْنَا فِي الْعِلْمِ .\rوَقَالَ الْحَارِثُ بْنُ حِلِّزَةَ : آذَنَتْنَا بِبَيْنِهَا أَسْمَاءُ رُبَّ ثَاوٍ يُمَلُّ مِنْهُ الثَّوَاءُ أَيْ : أَعْلَمَتْنَا .\rوَالْأَذَانُ الشَّرْعِيُّ هُوَ اللَّفْظُ الْمَعْلُومُ الْمَشْرُوعُ فِي أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ لِلْإِعْلَامِ بِوَقْتِهَا .\rوَفِيهِ فَضْلٌ كَثِيرٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ ، بِدَلِيلِ مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الْأَوَّلِ ، ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إلَّا أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لَاسْتَهَمُوا عَلَيْهِ } .\rوَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ : { إذَا كُنْتَ فِي غَنَمِك ، أَوْ بَادِيَتِك ، فَأَذَّنْت بِالصَّلَاةِ ، فَارْفَعْ صَوْتَك بِالنِّدَاءِ ؛ فَإِنَّهُ لَا يَسْمَعُ صَوْتَ الْمُؤَذِّنِ جِنٌّ وَلَا إنْسٌ وَلَا شَيْءٌ إلَّا شَهِدَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ } .\rقَالَ أَبُو سَعِيدٍ : سَمِعْته مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rأَخْرَجَهُمَا الْبُخَارِيُّ .\rوَعَنْ مُعَاوِيَةَ قَالَ : سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : { الْمُؤَذِّنُونَ أَطْوَلُ النَّاسِ أَعْنَاقًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ } .\rأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ .\rوَعَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { ثَلَاثَةٌ عَلَى كُثْبَانِ الْمِسْكِ أُرَاهُ قَالَ : يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، يَغْبِطُهُمْ الْأَوَّلُونَ وَالْآخِرُونَ ، رَجُلٌ نَادَى بِالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ ؛ وَرَجُلٌ يَؤُمُّ قَوْمًا وَهُمْ بِهِ رَاضُونَ ، وَعَبْدٌ أَدَّى حَقَّ اللَّهِ وَحَقَّ مَوَالِيهِ } .\rأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَقَالَ : حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ .","part":2,"page":201},{"id":701,"text":"( 553 ) فَصْلٌ : وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ ، هَلْ الْأَذَانُ أَفْضَلُ مِنْ الْإِمَامَةِ ، أَوْ لَا ؟ فَرُوِيَ أَنَّ الْإِمَامَةَ أَفْضَلُ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَوَلَّاهَا بِنَفْسِهِ ، وَكَذَلِكَ خُلَفَاؤُهُ ، وَلَمْ يَتَوَلَّوْا الْأَذَانَ ، وَلَا يَخْتَارُونَ إلَّا الْأَفْضَلَ ، وَلِأَنَّ الْإِمَامَةَ يُخْتَارُ لَهَا مَنْ هُوَ أَكْمَلُ حَالًا وَأَفْضَلُ ، وَاعْتِبَارُ فَضِيلَتِهِ دَلِيلٌ عَلَى فَضِيلَةِ مَنْزِلَتِهِ .\rوَالثَّانِيَةُ : الْأَذَانُ أَفْضَلُ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِمَا رَوَيْنَا مِنْ الْأَخْبَارِ فِي فَضِيلَتِهِ ، وَلِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الْإِمَامُ ضَامِنٌ ، وَالْمُؤَذِّنُ مُؤْتَمَنٌ ، اللَّهُمَّ أَرْشِدْ الْأَئِمَّةَ ، وَاغْفِرْ لِلْمُؤَذِّنِينَ } .\rأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد ، وَالنَّسَائِيُّ وَالْأَمَانَةُ أَعْلَى مِنْ الضَّمَانِ ، وَالْمَغْفِرَةُ أَعْلَى مِنْ الْإِرْشَادِ ، وَلَمْ يَتَوَلَّهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا خُلَفَاؤُهُ ؛ لِضِيقِ وَقْتِهِمْ عَنْهُ ، وَلِهَذَا قَالَ عُمَرُ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : \" لَوْلَا الْخِلَافَةُ لَأَذَّنْتُ \" .\rوَهَذَا اخْتِيَارُ الْقَاضِي ، وَابْنِ أَبِي مُوسَى ، وَجَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِنَا .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .\r( 554 ) فَصْلٌ : وَالْأَصْلُ فِي الْأَذَانِ ، مَا رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ التَّيْمِيُّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ رَبِّهِ ، قَالَ : { حَدَّثَنِي أَبِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ ، قَالَ : لَمَّا أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالنَّاقُوسِ يُعْمَلُ لِيُضْرَبَ بِهِ لِجَمْعِ النَّاسِ لِلصَّلَاةِ ، طَافَ بِي وَأَنَا نَائِمٌ رَجُلٌ يَحْمِلُ نَاقُوسًا فِي يَدِهِ ، فَقُلْت : يَا عَبْدَ اللَّهِ ، أَتَبِيعُ النَّاقُوسَ ؟ فَقَالَ : وَمَا تَصْنَعُ بِهِ ؟ قُلْتُ : نَدْعُو بِهِ إلَى الصَّلَاةِ .\rقَالَ : أَفَلَا أَدُلُّكَ عَلَى مَا هُوَ خَيْرٌ مِنْ ذَلِكَ ؟ فَقُلْتُ لَهُ : بَلَى ، فَقَالَ : تَقُولُ : اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ ،","part":2,"page":202},{"id":702,"text":"اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ، حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ ، حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ ، اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ ، لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ .\rقَالَ : ثُمَّ اسْتَأْخَرَ عَنِّي غَيْرَ بَعِيدٍ ، ثُمَّ قَالَ : تَقُولُ إذَا أَقَمْتَ الصَّلَاةَ : اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ، حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ ، قَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ ، قَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ ، اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ ، لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ .\rفَلَمَّا أَصْبَحْتُ أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرْتُهُ بِمَا رَأَيْتُ ، فَقَالَ : إنَّهَا رُؤْيَا حَقٌّ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ ، فَقُمْ مَعَ بِلَالٍ ، فَأَلْقِ عَلَيْهِ مَا رَأَيْتَ ، فَلْيُؤَذِّنْ بِهِ ، فَإِنَّهُ أَنْدَى صَوْتًا مِنْكَ ، فَقُمْتُ مَعَ بِلَالٍ ، فَجَعَلْتُ أُلْقِيهِ عَلَيْهِ ، وَيُؤَذِّنُ بِهِ ، فَسَمِعَ ذَلِكَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَهُوَ فِي بَيْتِهِ ، فَخَرَجَ يَجُرُّ رِدَاءَهُ ، فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَاَلَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَقَدْ رَأَيْتُ مِثْلَ الَّذِي رَأَى .\rفَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَلِلَّهِ الْحَمْدُ .\r} رَوَاهُ الْأَثْرَمُ ، وَأَبُو دَاوُد ، وَذَكَرَ التِّرْمِذِيُّ آخِرَهُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ ، وَقَالَ : هُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ .\rوَأَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّ الْأَذَانَ مَشْرُوعٌ لِلصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ .","part":2,"page":203},{"id":703,"text":"( 555 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ : ( وَيَذْهَبُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ، رَحِمَهُ اللَّهَ ، إلَى أَذَانِ بِلَالٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَهُوَ : اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ ، اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ، حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ ، حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ ، اللَّهُ أَكْبَرُ ، اللَّهُ أَكْبَرُ ، لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ .\r) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ ، أَنَّ اخْتِيَارَ أَحْمَدَ ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، مِنْ الْأَذَانِ أَذَانُ بِلَالٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَهُوَ كَمَا وَصَفَ الْخِرَقِيِّ .\rوَجَاءَ فِي خَبَرِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ ، وَهُوَ خَمْسَ عَشْرَةَ كِلْمَةً ، لَا تَرْجِيعَ فِيهِ .\rوَبِهَذَا قَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ وَإِسْحَاقُ .\rوَقَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَمَنْ تَبِعَهُمَا مِنْ أَهْلِ الْحِجَازِ : الْأَذَانُ الْمَسْنُونُ أَذَانُ أَبِي مَحْذُورَةَ ، وَهُوَ مِثْلُ مَا وَصَفْنَا ، إلَّا أَنَّهُ يُسَنُّ التَّرْجِيعُ ، وَهُوَ أَنْ يَذْكُرَ الشَّهَادَتَيْنِ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ ، يَخْفِضُ بِذَلِكَ صَوْتَهُ ، ثُمَّ يُعِيدُهُمَا رَافِعًا بِهِمَا صَوْتَهُ ، إلَّا أَنَّ مَالِكًا قَالَ : التَّكْبِيرُ فِي أَوَّلِهِ مَرَّتَانِ حَسْبُ ، فَيَكُونُ الْأَذَانُ عِنْدَهُ سَبْعَ عَشْرَةَ كَلِمَةً ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ تِسْعَ عَشْرَةَ كَلِمَةً .\rوَاحْتَجُّوا بِمَا رَوَى أَبُو مَحْذُورَةَ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَقَّنَهُ الْأَذَانَ ، وَأَلْقَاهُ عَلَيْهِ ، فَقَالَ لَهُ تَقُولُ : أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ .\rتَخْفِضُ بِهَا صَوْتَك ، ثُمَّ تَرْفَعُ صَوْتَك بِالشَّهَادَةِ .\rأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ .\r} ثُمَّ ذَكَرَ سَائِرَ","part":2,"page":204},{"id":704,"text":"الْأَذَانِ .\rأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، وَهُوَ حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ، وَاحْتَجَّ مَالِكٌ بِأَنَّ ابْنَ مُحَيْرِيزٍ ، قَالَ : كَانَ الْأَذَانُ الَّذِي يُؤَذِّنُ بِهِ أَبُو مَحْذُورَةَ ، اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَلَنَا ، حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ ، وَالْأَخْذُ بِهِ أَوْلَى ؛ لِأَنَّ بِلَالًا كَانَ يُؤَذِّنُ بِهِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَائِمًا ، سَفَرًا وَحَضَرًا ، وَأَقَرَّهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَذَانِهِ بَعْدَ أَذَانِ أَبِي مَحْذُورَةَ .\rقَالَ الْأَثْرَمُ : سَمِعْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يُسْأَلُ : إلَى أَيِّ الْأَذَانِ يَذْهَبُ ؟ قَالَ : إلَى أَذَانِ بِلَالٍ ، رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ ، ثُمَّ وَصَفَهُ .\rقِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ : أَلَيْسَ حَدِيثُ أَبِي مَحْذُورَةَ بَعْدَ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ ؛ لِأَنَّ حَدِيثَ أَبِي مَحْذُورَةَ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ ؟ فَقَالَ : أَلَيْسَ قَدْ رَجَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى الْمَدِينَةِ ؛ فَأَقَرَّ بِلَالًا عَلَى أَذَانِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ ؟ وَهَذَا مِنْ الِاخْتِلَافِ الْمُبَاحِ ، فَإِنْ رَجَّعَ فَلَا بَأْسَ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .\rوَكَذَلِكَ قَالَ إِسْحَاقُ فَإِنَّ الْأَمْرَيْنِ كِلَيْهِمَا قَدْ صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّمَا أَمَرَ أَبَا مَحْذُورَةَ بِذِكْرِ الشَّهَادَتَيْنِ سِرًّا ، لِيَحْصُلَ لَهُ الْإِخْلَاصُ بِهِمَا ، فَإِنَّ الْإِخْلَاصَ فِي الْإِسْرَارِ بِهِمَا أَبْلَغُ مِنْ قَوْلِهِمَا إعْلَانًا لِلْإِعْلَامِ ، وَخَصَّ أَبَا مَحْذُورَةَ بِذَلِكَ ، لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُقِرًّا بِهِمَا حِينَئِذٍ ، فَإِنَّ فِي الْخَبَرِ { أَنَّهُ كَانَ مُسْتَهْزِئًا يَحْكِي أَذَانَ مُؤَذِّنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَمِعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَوْتَهُ ، فَدَعَاهُ ، فَأَمَرَهُ بِالْأَذَانِ ، قَالَ : وَلَا شَيْءَ","part":2,"page":205},{"id":705,"text":"عِنْدِي أَبْغَضُ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا مِمَّا يَأْمُرُنِي بِهِ } .\rفَقَصَدَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نُطْقَهُ بِالشَّهَادَتَيْنِ سِرًّا لِيُسْلِمَ بِذَلِكَ وَلَا يُوجَدُ هَذَا فِي غَيْرِهِ ، وَدَلِيلُ هَذَا الِاحْتِمَالِ كَوْنُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَأْمُرْ بِهِ بِلَالًا ، وَلَا غَيْرَهُ مِمَّنْ كَانَ مُسْلِمًا ثَابِتَ الْإِسْلَامِ .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":2,"page":206},{"id":706,"text":"( 556 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ ( وَالْإِقَامَةُ : اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ، حَيَّ عَلَى الصَّلَاةُ ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ ، قَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ ، قَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ ، اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ ، لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ) وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ الْإِقَامَةُ مِثْلُ الْأَذَانِ ، وَيَزِيدُ الْإِقَامَةَ مَرَّتَيْنِ ؛ لِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ ، { أَنَّ الَّذِي عَلَّمَهُ الْأَذَانَ أَمْهَلَ هُنَيْهَةً ، ثُمَّ قَامَ فَقَالَ مِثْلَهَا } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَرَوَى ابْنُ مُحَيْرِيزٍ ، عَنْ أَبِي مَحْذُورَةَ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَّمَهُ الْإِقَامَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ كَلِمَةً } .\rقَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : الْإِقَامَةُ عَشْرُ كَلِمَاتٍ ، تَقُولُ : قَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ مَرَّةً وَاحِدَةً ؛ لِمَا رَوَى أَنَسٌ قَالَ { أُمِرَ بِلَالٌ أَنْ يَشْفَعَ الْأَذَانَ ، وَيُوتِرَ الْإِقَامَةَ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ { : إنَّمَا كَانَ الْأَذَانُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ ، وَالْإِقَامَةُ مَرَّةً مَرَّةً ، إلَّا أَنَّهُ يَقُولُ : قَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ ، قَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ .\r} أَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ .\rوَفِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ ، أَنَّهُ وَصَفَ الْإِقَامَةَ كَمَا ذَكَرْنَا ، رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ إبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ، بِالْإِسْنَادِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ .\rوَمَا احْتَجُّوا بِهِ مِنْ قَوْلِهِ : فَقَامَ فَقَالَ مِثْلَهَا .\rفَقَدْ قَالَ التِّرْمِذِيُّ : الصَّحِيحُ مِثْلُ مَا رَوَيْنَاهُ .\rوَقَالَ ابْنُ خُزَيْمَةَ : الصَّحِيحُ مَا رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَبِيهِ : \" ثُمَّ اسْتَأْخَرَ غَيْرَ كَثِيرٍ ، ثُمَّ قَالَ مِثْلَ مَا قَالَ ، وَجَعَلَهَا وِتْرًا ، إلَّا أَنَّهُ قَالَ : قَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ قَدْ قَامَتْ","part":2,"page":207},{"id":707,"text":"الصَّلَاةُ \" .\rوَهَذِهِ زِيَادَةُ بَيَانٍ يَجِبُ الْأَخْذُ بِهَا ، وَتَقْدِيمُ الْعَمَلِ بِهَذِهِ الرِّوَايَةِ الْمَشْرُوحَةِ .\rوَأَمَّا خَبَرُ أَبِي مَحْذُورَةَ فِي تَثْنِيَةِ الْإِقَامَةِ ، فَإِنْ ثَبَتَ كَانَ الْأَخْذُ بِخَبَرِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ أَوْلَى ؛ لِأَنَّهُ أَذَانُ بِلَالٍ ، وَقَدْ بَيَّنَّا وُجُوبَ تَقْدِيمِهِ فِي الْأَذَانِ ، وَكَذَا فِي الْإِقَامَةِ ، وَخَبَرُ أَبِي مَحْذُورَةَ مَتْرُوكٌ بِالْإِجْمَاعِ فِي التَّرْجِيعِ فِي الْإِقَامَةِ ، وَلِذَلِكَ عَمِلْنَا نَحْنُ وَأَبُو حَنِيفَةَ بِخَبَرِهِ فِي الْأَذَانِ ، وَأَخَذَ بِأَذَانِهِ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ ، وَهُمَا يَرَيَانِ إفْرَادَ الْإِقَامَةِ .","part":2,"page":208},{"id":708,"text":"( 557 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَيَتَرَسَّلُ فِي الْأَذَانِ وَيَحْدُرُ الْإِقَامَةَ ) التَّرَسُّلُ التَّمَهُّلُ وَالتَّأَنِّي .\rمِنْ قَوْلِهِمْ : جَاءَ فُلَانٌ عَلَى رِسْلِهِ .\rوَالْحَدْرُ : ضِدُّ ذَلِكَ ، وَهُوَ الْإِسْرَاعُ ، وَقَطْعُ التَّطْوِيلِ وَهَذَا مِنْ آدَابِ الْأَذَانِ وَمُسْتَحَبَّاتِهِ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : إذَا أَذَّنْتَ فَتَرَسَّلْ ، وَإِذَا أَقَمْتَ فَاحْدُرْ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَقَالَ : هُوَ حَدِيثٌ غَرِيبٌ .\rوَرَوَى أَبُو عُبَيْدٍ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ لِمُؤَذِّنِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ : إذَا أَذَّنْت فَتَرَسَّلْ ، وَإِذَا أَقَمْتَ فَاحْذِمْ .\rقَالَ الْأَصْمَعِيُّ : وَأَصْلُ الْحَذْمِ فِي الْمَشْيِ إنَّمَا هُوَ الْإِسْرَاعُ ، وَأَنْ يَكُونَ مَعَ هَذَا كَأَنَّهُ يَهْوِي بِيَدَيْهِ إلَى خَلْفِهِ .\rوَلِأَنَّ هَذَا مَعْنًى يَحْصُلُ بِهِ الْفَرْقُ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ ، فَاسْتُحِبَّ ، كَالْإِفْرَادِ ، وَلِأَنَّ ، الْأَذَانَ إعْلَامُ الْغَائِبِينَ ، وَالتَّثْبِيتُ فِيهِ أَبْلَغُ فِي الْإِعْلَامِ ، وَالْإِقَامَةَ إعْلَامُ الْحَاضِرِينَ ، فَلَا حَاجَةَ إلَى التَّثَبُّتِ فِيهَا .\r( 558 ) فَصْلٌ : ذَكَرَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ بَطَّةَ ، أَنَّهُ حَالَ تَرَسُّلِهِ وَدَرَجِهِ ، لَا يَصِلُ الْكَلَامَ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ مُعْرَبًا ، بَلْ جَزْمًا .\rوَحَكَاهُ عَنْ ابْنِ الْأَنْبَارِيِّ ، عَنْ أَهْلِ اللُّغَةِ .\rقَالَ : وَرُوِيَ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ قَالَ : شَيْئَانِ مَجْزُومَانِ كَانُوا لَا يُعْرِبُونَهُمَا ؛ الْأَذَانُ ، وَالْإِقَامَةُ ، قَالَ : وَهَذِهِ إشَارَةٌ إلَى جَمَاعَتِهِمْ .","part":2,"page":209},{"id":709,"text":"( 559 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَيَقُولُ فِي أَذَانِ الصُّبْحِ : الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنْ النَّوْمِ .\rمَرَّتَيْنِ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ يُسَنُّ أَنْ يَقُولَ فِي أَذَانِ الصُّبْحِ : الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنْ النَّوْمِ .\rمَرَّتَيْنِ ، بَعْدَ قَوْلِهِ : حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ .\rوَيُسَمَّى التَّثْوِيبَ .\rوَبِذَلِكَ قَالَ ابْنُ عُمَرَ ، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ ، وَابْنُ سِيرِينَ وَالزُّهْرِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَالشَّافِعِيُّ فِي الصَّحِيحِ عَنْهُ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : التَّثْوِيبُ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ فِي الْفَجْرِ ، أَنْ يَقُولَ : حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ ، مَرَّتَيْنِ .\rحَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ .\rمَرَّتَيْنِ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى النَّسَائِيّ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي مَحْذُورَةَ ، قَالَ { قُلْت : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، عَلِّمْنِي سُنَّةَ الْأَذَانِ ، فَذَكَرَهُ ، إلَى أَنْ قَالَ بَعْدَ قَوْلِهِ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ : فَإِنْ كَانَ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ ، قُلْت : الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنْ النَّوْمِ ، مَرَّتَيْنِ ، اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ ، لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ } .\rوَمَا ذَكَرُوهُ ، فَقَالَ إِسْحَاقُ : هَذَا شَيْءٌ أَحْدَثَهُ النَّاسُ .\rوَقَالَ أَبُو عِيسَى : هَذَا التَّثْوِيبُ الَّذِي كَرِهَهُ أَهْلُ الْعِلْمِ .\rوَهُوَ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ ابْنُ عُمَرَ مِنْ الْمَسْجِدِ لَمَّا سَمِعَهُ .","part":2,"page":210},{"id":710,"text":"( 560 ) فَصْلٌ : وَيُكْرَهُ التَّثْوِيبُ فِي غَيْرِ الْفَجْرِ ، سَوَاءٌ ثَوَّبَ فِي الْأَذَانِ أَوْ بَعْدَهُ ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ بِلَالٍ ، أَنَّهُ قَالَ : { أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ أُثَوِّبَ فِي الْفَجْرِ ، وَنَهَانِي أَنْ أُثَوِّبَ فِي الْعِشَاءِ .\r} رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ .\rوَدَخَلَ ابْنُ عُمَرَ مَسْجِدًا يُصَلِّي فِيهِ ، فَسَمِعَ رَجُلًا يُثَوِّبُ فِي أَذَانِ الظُّهْرِ ، فَخَرَجَ ، فَقِيلَ لَهُ : أَيْنَ ؟ فَقَالَ : أَخْرَجَتْنِي الْبِدْعَةُ .\rوَلِأَنَّ صَلَاةَ الْفَجْرِ وَقْتٌ يَنَامُ فِيهِ عَامَّةُ النَّاسِ ، وَيَقُومُونَ إلَى الصَّلَاةِ عَنْ نَوْمٍ ، فَاخْتُصَّتْ بِالتَّثْوِيبِ ، لِاخْتِصَاصِهَا بِالْحَاجَةِ إلَيْهِ .","part":2,"page":211},{"id":711,"text":"( 561 ) فَصْلٌ : وَلَا يَجُوزُ الْخُرُوجُ مِنْ الْمَسْجِدِ بَعْدَ الْأَذَانِ إلَّا لِعُذْرٍ .\rقَالَ التِّرْمِذِيُّ : وَعَلَى هَذَا الْعَمَلُ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ ، أَنْ لَا يَخْرُجَ أَحَدٌ مِنْ الْمَسْجِدِ بَعْدَ الْأَذَانِ إلَّا مِنْ عُذْرٍ .\rقَالَ أَبُو الشَّعْثَاءِ : كُنَّا قُعُودًا مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الْمَسْجِدِ ، فَأَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ ، فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ الْمَسْجِدِ يَمْشِي ، فَأَتْبَعَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ بَصَرَهُ حَتَّى خَرَجَ مِنْ الْمَسْجِدِ ، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : أَمَّا هَذَا فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَقَالَ : حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ .\rوَعَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ أَدْرَكَهُ الْأَذَانُ فِي الْمَسْجِدِ ، ثُمَّ خَرَجَ ، لَمْ يَخْرُجْ لِحَاجَةٍ ، وَهُوَ لَا يُرِيدُ الرَّجْعَةَ ، فَهُوَ مُنَافِقٌ } .\rرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ .\rفَأَمَّا الْخُرُوجُ لِعُذْرٍ فَمُبَاحٌ ؛ بِدَلِيلِ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ خَرَجَ مِنْ أَجْلِ التَّثْوِيبِ فِي غَيْرِ حِينِهِ .\rوَكَذَلِكَ مَنْ نَوَى الرَّجْعَةَ ؛ لِحَدِيثِ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .","part":2,"page":212},{"id":712,"text":"( 562 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَمَنْ أَذَّنَ لِغَيْرِ الْفَجْرِ قَبْلَ دُخُولِ الْوَقْتِ ، أَعَادَ إذَا دَخَلَ الْوَقْتُ ) .\r( 563 ) فَصْلٌ : الْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي فَصْلَيْنِ : أَحَدُهُمَا فِي أَنَّ الْأَذَانَ قَبْلَ الْوَقْتِ فِي غَيْرِ الْفَجْرِ لَا يُجْزِئُ .\rوَهَذَا لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا ، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ مِنْ السُّنَّةِ أَنْ يُؤَذَّنَ لِلصَّلَوَاتِ بَعْدَ دُخُولِ وَقْتِهَا ، إلَّا الْفَجْرَ .\rوَلِأَنَّ الْأَذَانَ شُرِعَ لِلْإِعْلَامِ بِالْوَقْتِ ، فَلَا يُشْرَعُ قَبْلَ الْوَقْتِ ، لِئَلَّا يُذْهِبَ مَقْصُودَهُ .","part":2,"page":213},{"id":713,"text":"( 564 ) فَصْلٌ : الْفَصْلُ الثَّانِي ، أَنَّهُ يُشْرَعُ الْأَذَانُ لِلْفَجْرِ قَبْلَ وَقْتِهَا .\rوَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَإِسْحَاقَ .\rوَمَنَعَهُ الثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ ، { أَنَّ بِلَالًا أَذَّنَ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ ، فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَرْجِعَ فَيُنَادِيَ : أَلَا إنَّ الْعَبْدَ نَامَ ، أَلَا إنَّ الْعَبْدَ نَامَ } وَعَنْ بِلَالٍ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ : لَا تُؤَذِّنْ حَتَّى يَسْتَبِينَ لَك الْفَجْرُ هَكَذَا وَمَدَّ يَدَيْهِ عَرْضًا } .\rرَوَاهُمَا أَبُو دَاوُد .\rوَقَالَ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ : إذَا كَانَ لَهُ مُؤَذِّنَانِ ، يُؤَذِّنُ أَحَدُهُمَا قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ ، وَالْآخَرُ بَعْدَهُ ، فَلَا بَأْسَ ؛ لِأَنَّ الْأَذَانَ قَبْلَ الْفَجْرِ يُفَوِّتُ الْمَقْصُودَ مِنْ الْإِعْلَامِ بِالْوَقْتِ ، فَلَمْ يَجُزْ ، كَبَقِيَّةِ الصَّلَوَاتِ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ مُؤَذِّنَانِ يَحْصُلُ إعْلَامُ الْوَقْتِ بِأَحَدِهِمَا ، كَمَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَنَا قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَهَذَا يَدُلُّ عَلَى دَوَامِ ذَلِكَ مِنْهُ ، وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقَرَّهُ عَلَيْهِ ، وَلَمْ يَنْهَهُ عَنْهُ ، فَثَبَتَ جَوَازُهُ وَرَوَى زِيَادُ بْنُ الْحَارِثِ الصُّدَائِيُّ ، قَالَ { لَمَّا كَانَ أَوَّلُ أَذَانِ الصُّبْحِ أَمَرَنِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَذَّنْتُ ، فَجَعَلْتُ أَقُولُ : أُقِيمُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ فَجَعَلَ يَنْظُرُ إلَى نَاحِيَةِ الْمَشْرِقِ ، وَيَقُولُ : لَا .\rحَتَّى إذَا طَلَعَ الْفَجْرُ نَزَلَ ، فَبَرَزَ ، ثُمَّ انْصَرَفَ إلَيَّ وَقَدْ تَلَاحَقَ أَصْحَابُهُ ، فَتَوَضَّأَ ، فَأَرَادَ بِلَالٌ أَنْ يُقِيمَ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إنَّ أَخَا صُدَاءٍ قَدْ أَذَّنَ ، وَمَنْ أَذَّنَ فَهُوَ يُقِيمُ قَالَ :","part":2,"page":214},{"id":714,"text":"فَأَقَمْتُ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ : وَهَذَا قَدْ أَمَرَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْأَذَانِ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ ، وَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ قَالَ : إنَّمَا يَجُوزُ إذَا كَانَ لَهُ مُؤَذِّنَانِ ، فَإِنَّ زِيَادًا أَذَّنَ وَحْدَهُ .\rوَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ الَّذِي احْتَجُّوا بِهِ ، قَالَ أَبُو دَاوُد : لَمْ يَرْوِهِ إلَّا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، وَرَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، والدراوردي ، فَخَالَفَاهُ ، وَقَالَا : مُؤَذِّنٌ لِعُمَرَ .\rوَهَذَا أَصَحُّ .\rوَقَالَ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ : أَخْطَأَ فِيهِ ، يَعْنِي حَمَّادًا ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : هُوَ غَيْرُ مَحْفُوظٍ .\rوَحَدِيثُهُمْ الْآخَرُ ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : لَا يَقُومُ بِهِ وَلَا بِمِثْلِهِ حُجَّةٌ ؛ لِضَعْفِهِ وَانْقِطَاعِهِ .\rوَإِنَّمَا اخْتَصَّ الْفَجْرُ بِذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ وَقْتُ النَّوْمِ ، لِيَنْتَبِهَ النَّاسُ ، وَيَتَأَهَّبُوا لِلْخُرُوجِ إلَى الصَّلَاةِ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي غَيْرِهَا ، وَقَدْ رَوَيْنَا فِي حَدِيثٍ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { إنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ ؛ لِيَنْتَبِهَ نَائِمُكُمْ ، وَيَرْجِعَ قَائِمُكُمْ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَتَقَدَّمَ ذَلِكَ عَلَى الْوَقْتِ كَثِيرًا ، إذَا كَانَ الْمَعْنَى فِيهِ مَا ذَكَرْنَاهُ ، فَيُفَوِّتُ الْمَقْصُودَ مِنْهُ .\rوَقَدْ رُوِيَ { أَنَّ بِلَالًا كَانَ بَيْنَ أَذَانِهِ وَأَذَانِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ أَنْ يَنْزِلَ هَذَا وَيَصْعَدَ هَذَا } .\rوَيُسْتَحَبُّ أَيْضًا أَنْ لَا يُؤَذِّنَ قَبْلَ الْفَجْرِ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ مَعَهُ مُؤَذِّنٌ آخَرُ يُؤَذِّنُ إذَا أَصْبَحَ .\rكَفِعْلِ بِلَالٍ وَابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ ؛ اقْتِدَاءً بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَمْ يَحْصُلْ الْإِعْلَامُ بِالْوَقْتِ الْمَقْصُودِ بِالْأَذَانِ ، فَإِذَا كَانَا مُؤَذِّنَيْنِ حَصَلَ الْإِعْلَامُ بِالْوَقْتِ بِالثَّانِي ، وَبِقُرْبِهِ بِالْمُؤَذِّنِ الْأَوَّلِ .","part":2,"page":215},{"id":715,"text":"فَصْلٌ : وَيَنْبَغِي لِمَنْ يُؤَذِّنُ قَبْلَ الْوَقْتِ أَنْ يَجْعَلَ أَذَانَهُ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ فِي اللَّيَالِي كُلِّهَا ؛ لِيَعْلَمَ النَّاسُ ذَلِكَ مِنْ عَادَتِهِ ، فَيَعْرِفُوا الْوَقْتَ بِأَذَانِهِ ، وَلَا يُؤَذِّنُ فِي الْوَقْتِ تَارَةً وَقَبْلَهُ أُخْرَى ، فَيَلْتَبِسَ عَلَى النَّاسِ وَيَغْتَرُّوا بِأَذَانِهِ ، فَرُبَّمَا صَلَّى بَعْضُ مَنْ سَمِعَهُ الصُّبْحَ بِنَاءً عَلَى أَذَانِهِ قَبْلَ وَقْتِهَا ، وَرُبَّمَا ، امْتَنَعَ الْمُتَسَحِّرُ مِنْ سَحُورِهِ ، وَالْمُتَنَفِّلُ مِنْ صَلَاتِهِ ، بِنَاءً عَلَى أَذَانِهِ وَمَنْ عَلِمَ لَا يَسْتَفِيدُ بِأَذَانِهِ فَائِدَةً ؛ لِتَرَدُّدِهِ بَيْنَ الِاحْتِمَالَيْنِ .\rوَلَا يُقَدِّمُ الْأَذَانَ كَثِيرًا تَارَةً وَيُؤَخِّرُهُ أُخْرَى ، فَلَا يُعْلَمُ الْوَقْتُ بِأَذَانِهِ ، فَتَقِلُّ فَائِدَتُهُ .","part":2,"page":216},{"id":716,"text":"( 566 ) فَصْلٌ : قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا : وَيَجُوزُ الْأَذَانُ لِلْفَجْرِ بَعْدَ نِصْفِ اللَّيْلِ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ بِذَلِكَ يَخْرُجُ وَقْتُ الْعِشَاءِ الْمُخْتَارُ ، وَيَدْخُلُ وَقْتُ الدَّفْعِ مِنْ مُزْدَلِفَةَ ؛ وَوَقْتُ رَمْيِ الْجَمْرَةِ ، وَطَوَافِ الزِّيَارَةِ ، وَقَدْ رَوَى الْأَثْرَمُ ، عَنْ جَابِرٍ ، قَالَ : كَانَ مُؤَذِّنُ مَسْجِدِ دِمَشْقَ يُؤَذِّنُ لِصَلَاةِ الصُّبْحِ فِي السَّحَرِ بِقَدْرِ مَا يَسِيرُ الرَّاكِبُ سِتَّةَ أَمْيَالٍ ، فَلَا يُنْكِرُ ذَلِكَ مَكْحُولٌ ، وَلَا يَقُولُ فِيهِ شَيْئًا .","part":2,"page":217},{"id":717,"text":"( 567 ) فَصْلٌ : وَيُكْرَهُ الْأَذَانُ قَبْلَ الْفَجْرِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، فِي رِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ ، لِئَلَّا يَغْتَرَّ النَّاسُ بِهِ فَيَتْرُكُوا سَحُورَهُمْ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يُكْرَهَ فِي حَقِّ مَنْ عَرَفَ عَادَتَهُ بِالْأَذَانِ فِي اللَّيْلِ ؛ لِأَنَّ بِلَالًا كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { إنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ } .\rوَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ { : لَا يَمْنَعُكُمْ مِنْ سَحُورِكُمْ أَذَانُ بِلَالٍ ، فَإِنَّهُ يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ ، لِيَنْتَبِهَ نَائِمُكُمْ وَيَرْجِعَ قَائِمُكُمْ } .","part":2,"page":218},{"id":718,"text":"( 568 ) فَصْلٌ : وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُؤَذِّنَ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ ، لِيَعْلَمَ النَّاسُ ، فَيَأْخُذُوا أُهْبَتَهُمْ لِلصَّلَاةِ .\rوَرَوَى جَابِرُ بْنُ سَمُرَةَ قَالَ : كَانَ بِلَالٌ لَا يُؤَخِّرُ الْأَذَانَ عَنْ الْوَقْتِ ، وَرُبَّمَا أَخَّرَ الْإِقَامَةَ شَيْئًا .\rرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ .\rوَفِي رِوَايَةٍ قَالَ : { كَانَ بِلَالٌ يُؤَذِّنُ إذَا مَالَتْ الشَّمْسُ ، لَا يُؤَخِّرُ ، ثُمَّ لَا يُقِيمُ حَتَّى يَخْرُجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِذَا خَرَجَ أَقَامَ حِينَ يَرَاهُ } .\rرَوَاهُ أَحْمَدُ ، فِي \" الْمُسْنَدِ \" .\rوَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَفْصِلَ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ ، بِقَدْرِ الْوُضُوءِ وَصَلَاةِ رَكْعَتَيْنِ ، يَتَهَيَّئُونَ فِيهَا ، وَفِي الْمَغْرِبِ يَفْصِلَ بِجَلْسَةٍ خَفِيفَةٍ .\rوَحُكِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ ، أَنَّهُ لَا يُسَنُّ فِي الْمَغْرِبِ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ ، فِي \" مُسْنَدِهِ \" بِإِسْنَادِهِ ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { يَا بِلَالُ ، اجْعَلْ بَيْنَ أَذَانِك وَإِقَامَتِك نَفَسًا ، يَفْرُغُ الْآكِلُ مِنْ طَعَامِهِ فِي مَهَلٍ ، وَيَقْضِي حَاجَتَهُ فِي مَهَلٍ } .\rوَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِبِلَالٍ : اجْعَلْ بَيْنَ أَذَانِك وَإِقَامَتِك قَدْرَ مَا يَفْرُغُ الْآكِلُ مِنْ أَكْلِهِ ، وَالشَّارِبُ مِنْ شُرْبِهِ ، وَالْمُعْتَصِرُ إذَا دَخَلَ لِقَضَاءِ حَاجَتِهِ } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَرَوَى تَمَّامٌ فِي \" فَوَائِدِهِ \" ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { جُلُوسُ الْمُؤَذِّنِ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ فِي الْمَغْرِبِ سُنَّةٌ } .\rقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ : رَأَيْت أَحْمَدَ خَرَجَ عِنْدَ الْمَغْرِبِ ، فَحِينَ انْتَهَى إلَى مَوْضِعِ الصَّفِّ أَخَذَ الْمُؤَذِّنُ فِي الْإِقَامَةِ ، فَجَلَسَ .\rوَرَوَى الْخَلَّالُ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَاءَ وَبِلَالٌ فِي الْإِقَامَةِ ،","part":2,"page":219},{"id":719,"text":"فَقَعَدَ } وَقَالَ أَحْمَدُ : يَقْعُدُ الرَّجُلُ مِقْدَارَ رَكْعَتَيْنِ إذَا أُذِّنَ الْمَغْرِبُ .\rقِيلَ مِنْ أَيْنَ ؟ قَالَ : مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ وَغَيْرِهِ : كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ ابْتَدَرُوا السَّوَارِيَ وَصَلَّوْا رَكْعَتَيْنِ وَلِأَنَّ الْأَذَانَ مُشَرَّعٌ لِلْإِعْلَامِ ، فَيُسَنُّ الِانْتِظَارُ لِيُدْرِكَ النَّاسُ الصَّلَاةَ وَيَتَهَيَّئُوا لَهَا ، دَلِيلُهُ سَائِرُ الصَّلَوَاتِ .","part":2,"page":220},{"id":720,"text":"مَسْأَلَةٌ : قَالَ ( وَلَا يَسْتَحِبُّ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ أَنْ يُؤَذِّنَ إلَّا طَاهِرًا ، فَإِنْ أَذَّنَ جُنُبًا أَعَادَ ) الْمُسْتَحَبُّ لِلْمُؤَذِّنِ أَنْ يَكُونَ مُتَطَهِّرًا مِنْ الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ وَالْجَنَابَةِ جَمِيعًا ؛ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { لَا يُؤَذِّنُ إلَّا مُتَوَضِّئٌ } رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَرُوِيَ مَوْقُوفًا ، عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَهُوَ أَصَحُّ مِنْ الْمَرْفُوعِ .\rفَإِنْ أَذَّنَ مُحْدِثًا جَازَ ، لِأَنَّهُ لَا يَزِيدُ عَلَى قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ ، وَالطَّهَارَةُ غَيْرُ مَشْرُوطَةٍ لَهُ .\rوَإِنْ أَذَّنَ جُنُبًا ، فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ : إحْدَاهُمَا ، لَا يُعْتَدُّ بِهِ .\rوَهُوَ قَوْلُ إِسْحَاقَ .\rوَالْأُخْرَى ، يُعْتَدُّ بِهِ .\rقَالَ أَبُو الْحَسَنِ الْآمِدِيُّ : هُوَ الْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ ، وَقَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ؛ لِأَنَّهُ أَحَدُ الْحَدَثَيْنِ ، فَلَمْ يُمْنَعُ صِحَّتُهُ كَالْآخَرِ .\rوَوَجْهُ الْأُولَى مَا رُوِيَ عَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { حَقٌّ وَسُنَّةٌ أَنْ لَا يُؤَذِّنَ أَحَدٌ إلَّا وَهُوَ طَاهِرٌ } ، وَلِأَنَّهُ ذِكْرٌ مَشْرُوعٌ لِلصَّلَاةِ ، فَأَشْبَهَ الْقُرْآنَ وَالْخُطْبَةَ .","part":2,"page":221},{"id":721,"text":"( 570 ) فَصْلٌ : وَلَا يَصِحُّ الْأَذَانُ إلَّا مِنْ مُسْلِمٍ عَاقِلٍ ذَكَرٍ ، فَأَمَّا الْكَافِرُ وَالْمَجْنُونُ ، فَلَا يَصِحُّ مِنْهُمَا ؛ لِأَنَّهُمَا لَيْسَا مِنْ أَهْلِ الْعِبَادَاتِ .\rوَلَا يُعْتَدُّ بِأَذَانِ الْمَرْأَةِ ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِمَّنْ يُشْرَعُ لَهُ الْأَذَانُ ، فَأَشْبَهَتْ الْمَجْنُونَ ، وَلَا الْخُنْثَى ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ كَوْنُهُ رَجُلًا .\rوَهَذَا كُلُّهُ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rوَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا .\rوَهَلْ يُشْتَرَطُ الْعَدَالَةُ وَالْبُلُوغُ لِلِاعْتِدَادِ بِهِ ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ فِي الصَّبِيِّ ، وَوَجْهَيْنِ فِي الْفَاسِقِ : إحْدَاهُمَا : يُشْتَرَطُ ذَلِكَ ، وَلَا يُعْتَدُّ بِأَذَانِ صَبِيٍّ وَلَا فَاسِقٍ ؛ لِأَنَّهُ مَشْرُوعٌ لِلْإِعْلَامِ ، وَلَا يَحْصُلُ الْإِعْلَامُ بِقَوْلِهِمَا ، لِأَنَّهُمَا مِمَّنْ لَا يُقْبَلُ خَبَرُهُ وَلَا رِوَايَتُهُ .\rوَلِأَنَّهُ قَدْ رُوِيَ : { لِيُؤَذِّنْ لَكُمْ خِيَارُكُمْ } .\rوَالثَّانِيَةُ : يُعْتَدُّ بِأَذَانِهِ .\rوَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ وَالشَّعْبِيِّ ، وَابْنِ أَبِي لَيْلَى ، وَالشَّافِعِيِّ .\rوَرَوَى ابْنُ الْمُنْذِرِ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَنَسٍ قَالَ : كَانَ عُمُومَتِي يَأْمُرُونَنِي أَنْ أُؤَذِّنَ لَهُمْ وَأَنَا غُلَامٌ ، وَلَمْ أَحْتَلِمْ وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ شَاهِدٌ لَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ .\rوَهَذَا مِمَّا يَظْهَرُ وَلَا يَخْفَى ، وَلَمْ يُنْكَرْ ، فَيَكُونُ إجْمَاعًا ، وَلِأَنَّهُ ذَكَرٌ تَصِحُّ صَلَاتُهُ ، فَاعْتُدَّ بِأَذَانِهِ ، كَالْعَدْلِ الْبَالِغِ .\rوَلَا خِلَافَ فِي الِاعْتِدَادِ بِأَذَانِ مَنْ هُوَ مَسْتُورُ الْحَالِ ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِيمَنْ هُوَ ظَاهِرُ الْفِسْقِ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ الْمُؤَذِّنُ عَدْلًا أَمِينًا بَالِغًا لِأَنَّهُ مُؤْتَمَنٌ يُرْجَعُ إلَيْهِ فِي الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ ، فَلَا يُؤْمَنُ أَنْ يَغُرَّهُمْ بِأَذَانِهِ إذَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ ، وَلِأَنَّهُ يُؤَذِّنُ عَلَى مَوْضِعٍ عَالٍ ، فَلَا يُؤْمَنُ مِنْهُ النَّظَرُ إلَى الْعَوْرَاتِ .\rوَفِي الْأَذَانِ الْمُلَحَّنِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا : يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ يَحْصُلُ مِنْهُ ، فَهُوَ كَغَيْرِ الْمُلَحَّنِ .\rوَالْآخَرُ ، لَا يَصِحُّ ؛","part":2,"page":222},{"id":722,"text":"لِمَا رَوَى الدَّارَقُطْنِيّ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ { كَانَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُؤَذِّنٌ يُطْرِبُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إنَّ الْأَذَانَ سَهْلٌ سَمْحٌ ، فَإِنْ كَانَ أَذَانُك سَهْلًا سَمْحًا ، وَإِلَّا فَلَا تُؤَذِّنْ } .","part":2,"page":223},{"id":723,"text":"( 571 ) فَصْلٌ : وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ الْمُؤَذِّنُ بَصِيرًا ؛ لِأَنَّ الْأَعْمَى لَا يَعْرِفُ الْوَقْتَ ، فَرُبَّمَا غَلِطَ ، فَإِنْ أَذَّنَ الْأَعْمَى صَحَّ أَذَانُهُ فَإِنَّ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ كَانَ يُؤَذِّنُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ابْنُ عَمْرٍو : كَانَ رَجُلًا أَعْمَى لَا يُنَادِي حَتَّى يُقَالَ لَهُ \" أَصْبَحْتَ أَصْبَحْتَ \" رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ .\rوَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ مَعَهُ بَصِيرٌ يُعَرِّفُهُ الْوَقْتَ ، أَوْ يُؤَذِّنَ بَعْدَ مُؤَذِّنٍ بَصِيرٍ ، كَمَا كَانَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ يُؤَذِّنُ بَعْدَ أَذَانِ بِلَالٍ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِالْأَوْقَاتِ ؛ لِيَتَحَرَّاهَا ، فَيُؤَذِّنَ فِي أَوَّلِهَا ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ عَالِمًا فَرُبَّمَا غَلِطَ وَأَخْطَأَ .\rفَإِنْ أَذَّنَ الْجَاهِلُ صَحَّ أَذَانُهُ ، فَإِنَّهُ إذَا صَحَّ أَذَانُ الْأَعْمَى فَالْجَاهِلُ أَوْلَى .\rوَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ صَيِّتًا ، يُسْمِعُ النَّاسَ { وَاخْتَارَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبَا مَحْذُورَةَ لِلْأَذَانِ } لِكَوْنِهِ صَيِّتًا ، وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ : أَلْقِهِ عَلَى بِلَالٍ ؛ فَإِنَّهُ أَنْدَى صَوْتًا مِنْك } وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ حَسَنَ الصَّوْتِ ؛ لِأَنَّهُ أَرَقُّ لِسَامِعِهِ .","part":2,"page":224},{"id":724,"text":"( 572 ) فَصْلٌ : وَلَا يَجُوزُ أَخْذُ الْأُجْرَةِ عَلَى الْأَذَانِ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ وَكَرِهَهُ الْقَاسِمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ وَابْنُ الْمُنْذِرِ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { قَالَ لِعُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ : وَاتَّخِذْ مُؤَذِّنًا لَا يَأْخُذُ عَلَى أَذَانِهِ أَجْرًا } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَقَالَ : حَدِيثٌ حَسَنٌ .\rوَلِأَنَّهُ قُرْبَةٌ لِفَاعِلِهِ ، لَا يَصِحُّ إلَّا مِنْ مُسْلِمٍ ، فَلَمْ يَسْتَأْجِرْهُ عَلَيْهِ كَالْإِمَامَةِ .\rوَحُكِيَ عَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى : أَنَّهُ يَجُوزُ أَخْذُ الْأُجْرَةِ عَلَيْهِ .\rوَرَخَّصَ فِيهِ مَالِكٌ ، وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ ؛ لِأَنَّهُ عَمَلٌ مَعْلُومٌ ، يَجُوزُ أَخْذُ الرِّزْقِ عَلَيْهِ ، فَجَازَ أَخْذُ الْأُجْرَةِ عَلَيْهِ ، كَسَائِرِ الْأَعْمَالِ ، وَلَا نَعْلَمُ خِلَافًا فِي جَوَازِ أَخْذِ الرِّزْقِ عَلَيْهِ .\rوَهَذَا قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ وَالشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ بِالْمُسْلِمِينَ حَاجَةً إلَيْهِ ، وَقَدْ لَا يُوجَدُ مُتَطَوِّعٌ بِهِ ، وَإِذَا لَمْ يُدْفَعْ الرِّزْقُ فِيهِ يُعَطَّلُ ، وَيَرْزُقُهُ الْإِمَامُ مِنْ الْفَيْءِ ؛ لِأَنَّهُ الْمُعَدُّ لِلْمَصَالِحِ ، فَهُوَ كَأَرْزَاقِ الْقُضَاةِ وَالْغُزَاةِ ، وَإِنْ وُجِدَ مُتَطَوِّعٌ بِهِ لَمْ يَرْزُقْ غَيْرَهُ ؛ لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ .","part":2,"page":225},{"id":725,"text":"( 573 ) فَصْلٌ : وَيَنْبَغِي أَنْ يَتَوَلَّى الْإِقَامَةَ مَنْ تَوَلَّى الْأَذَانَ ، وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ : لَا فَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ ؛ لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد ، فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ { أَنَّهُ رَأَى الْأَذَانَ فِي الْمَنَامِ ، فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرَهُ ، فَقَالَ : أَلْقِهِ عَلَى بِلَالٍ فَأَلْقَاهُ عَلَيْهِ ، فَأَذَّنَ بِلَالٌ ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ : أَنَا رَأَيْتُهُ ، وَأَنَا كُنْتُ أُرِيدُهُ .\rقَالَ : أَقِمْ أَنْتَ } .\rوَلِأَنَّهُ يَحْصُلُ الْمَقْصُودُ مِنْهُ .\rفَأَشْبَهَ مَا لَوْ تَوَلَّاهُمَا مَعًا وَلَنَا قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثِ زِيَادِ بْنِ الْحَارِثِ الصُّدَائِيِّ { إنَّ أَخَا صُدَاءٍ أَذَّنَ ، وَمَنْ أَذَّنَ فَهُوَ يُقِيمُ } .\rوَلِأَنَّهُمَا فِعْلَانِ مِنْ الذِّكْرِ ، يَتَقَدَّمَانِ الصَّلَاةَ ، فَيُسَنُّ أَنْ يَتَوَلَّاهُمَا وَاحِدٌ ، كَالْخُطْبَتَيْنِ ، وَمَا ذَكَرُوهُ يَدُلُّ عَلَى الْجَوَازِ ، وَهَذَا عَلَى الِاسْتِحْبَابِ ، فَإِنْ سُبِقَ الْمُؤَذِّنُ بِالْأَذَانِ ، فَأَرَادَ الْمُؤَذِّنُ أَنْ يُقِيمَ ، فَقَالَ أَحْمَدُ : لَوْ أَعَادَ الْأَذَانَ كَمَا صَنَعَ أَبُو مَحْذُورَةَ ، كَمَا رَوَى عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ رُفَيْعٍ ، قَالَ : رَأَيْت رَجُلًا أَذَّنَ قَبْلَ أَبِي مَحْذُورَةَ قَالَ : فَجَاءَ أَبُو مَحْذُورَةَ فَأَذَّنَ ، ثُمَّ أَقَامَ .\rأَخْرَجَهُ الْأَثْرَمُ .\rفَإِنْ أَقَامَ مِنْ غَيْرِ إعَادَةٍ فَلَا بَأْسَ ، وَبِذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ؛ لِمَا ذَكَرُوهُ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ .","part":2,"page":226},{"id":726,"text":"( 574 ) فَصْلٌ : وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُقِيمَ فِي مَوْضِعِ أَذَانِهِ .\rقَالَ أَحْمَدُ : أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يُقِيمَ فِي مَكَانِهِ ، وَلَمْ يَبْلُغْنِي فِيهِ شَيْءٌ إلَّا حَدِيثَ بِلَالٍ : \" لَا تَسْبِقْنِي بِآمِينَ \" يَعْنِي لَوْ كَانَ يُقِيمُ فِي مَوْضِعِ صَلَاتِهِ ، لَمَا خَافَ أَنْ يَسْبِقَهُ بِالتَّأْمِينِ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّمَا كَانَ يُكَبِّرُ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ الْإِقَامَةِ ، وَلِأَنَّ الْإِقَامَةَ شُرِعَتْ لِلْإِعْلَامِ ، فَشُرِعَتْ فِي مَوْضِعِهِ ، لِيَكُونَ أَبْلَغَ فِي الْإِعْلَامِ ، وَقَدْ دَلَّ عَلَى هَذَا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، قَالَ : كُنَّا إذَا سَمِعْنَا الْإِقَامَةَ تَوَضَّأْنَا ثُمَّ خَرَجْنَا إلَى الصَّلَاةِ .\rإلَّا أَنْ يُؤَذِّنَ فِي الْمَنَارَةِ أَوْ مَكَان بَعِيدٍ مِنْ الْمَسْجِدِ ، فَيُقِيمَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ ، لِئَلَّا يَفُوتَهُ بَعْضُ الصَّلَاةِ .","part":2,"page":227},{"id":727,"text":"( 575 ) فَصْلٌ : وَلَا يُقِيمُ حَتَّى يَأْذَنَ لَهُ الْإِمَامُ ، فَإِنَّ بِلَالًا كَانَ يَسْتَأْذِنُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِي حَدِيثِ زِيَادِ بْنِ الْحَارِثِ الصُّدَائِيِّ ، أَنَّهُ قَالَ : فَجَعَلْتُ أَقُولُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُقِيمُ أُقِيمُ ؟ .\rوَرَوَى أَبُو حَفْصٍ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ : الْمُؤَذِّنُ أَمْلَكُ بِالْأَذَانِ ، وَالْإِمَامُ أَمْلَكُ بِالْإِقَامَةِ .","part":2,"page":228},{"id":728,"text":"مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَمَنْ صَلَّى بِلَا أَذَانٍ وَلَا إقَامَةٍ ، كَرِهْنَا لَهُ ذَلِكَ ، وَلَا يُعِيدُ ) يُكْرَهُ تَرْكُ الْأَذَانِ لِلصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ ، لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَتْ صَلَوَاتُهُ بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ ، وَالْأَئِمَّةُ بَعْدَهُ ، وَأَمَرَ بِهِ ، قَالَ مَالِكُ بْنُ الْحُوَيْرِثِ : { أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَا وَرَجُلٌ نُوَدِّعُهُ ، فَقَالَ : إذَا حَضَرَتْ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ أَحَدُكُمَا ، وَلْيَؤُمَّكُمَا أَكْبَرُكُمَا } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ : أَنَّ الْأَذَانَ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ ، وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ تَرْكَهُ مَكْرُوهًا .\rوَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ لِأَنَّهُ دُعَاءٌ إلَى الصَّلَاةِ ، فَأَشْبَهَ قَوْلَهُ : الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ .\rوَقَالَ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ : هُوَ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ .\rوَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا ، وَقَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ مَالِكٍ .\rوَقَالَ عَطَاءٌ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ : هُوَ فَرْضٌ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِهِ مَالِكًا وَصَاحِبَهُ ، وَدَاوَمَ عَلَيْهِ هُوَ وَخُلَفَاؤُهُ وَأَصْحَابُهُ ، وَالْأَمْرُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ ، وَمُدَاوَمَتُهُ عَلَى فِعْلِهِ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِهِ ، وَلِأَنَّهُ مِنْ شَعَائِرِ الْإِسْلَامِ الظَّاهِرَةِ ، فَكَانَ فَرْضًا كَالْجِهَادِ فَعَلَى قَوْلِ أَصْحَابِنَا ؛ إذَا قَامَ بِهِ مَنْ تَحْصُلُ بِهِ الْكِفَايَةُ سَقَطَ عَنْ الْبَاقِينَ ؛ لِأَنَّ بِلَالًا كَانَ يُؤَذِّنُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَكْتَفِي بِهِ .\rوَإِنْ صَلَّى مُصَلٍّ بِغَيْرِ أَذَانٍ وَلَا إقَامَةٍ ، فَالصَّلَاةُ صَحِيحَةٌ عَلَى الْقَوْلَيْنِ ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ عَلْقَمَةَ وَالْأَسْوَدِ ، أَنَّهُمَا قَالَا : دَخَلْنَا عَلَى عَبْدِ اللَّهِ فَصَلَّى بِنَا ، بِلَا أَذَانٍ وَلَا إقَامَةٍ رَوَاهُ الْأَثْرَمُ وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا خَالَفَ فِي ذَلِكَ إلَّا عَطَاءً ، قَالَ : وَمَنْ نَسِيَ الْإِقَامَةَ يُعِيدُ وَالْأَوْزَاعِيُّ قَالَ مَرَّةً : يُعِيدُ مَا دَامَ فِي الْوَقْتِ ، فَإِنْ مَضَى الْوَقْتُ فَلَا إعَادَةَ","part":2,"page":229},{"id":729,"text":"عَلَيْهِ .\rوَهَذَا شُذُوذٌ ، وَالصَّحِيحُ قَوْلُ الْجُمْهُورِ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا ، وَلِأَنَّ الْإِقَامَةَ أَحَدُ الْأَذَانَيْنِ ، فَلَمْ تَفْسُدْ الصَّلَاةُ بِتَرْكِهَا ، كَالْآخَرِ .","part":2,"page":230},{"id":730,"text":"( 577 ) فَصْلٌ : وَمَنْ أَوْجَبَ الْأَذَانَ مِنْ أَصْحَابِنَا فَإِنَّمَا أَوْجَبَهُ عَلَى أَهْلِ الْمِصْرِ .\rكَذَلِكَ قَالَ الْقَاضِي : لَا يَجِبُ عَلَى أَهْلِ غَيْرِ الْمِصْرِ مِنْ الْمُسَافِرِينَ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : إنَّمَا يَجِبُ النِّدَاءُ فِي مَسَاجِدِ الْجَمَاعَةِ الَّتِي يُجْمَعُ فِيهَا لِلصَّلَاةِ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْأَذَانَ إنَّمَا شُرِعَ فِي الْأَصْلِ لِلْإِعْلَامِ بِالْوَقْتِ ، لِيَجْتَمِعَ النَّاسُ إلَى الصَّلَاةِ ، وَيُدْرِكُوا الْجَمَاعَةَ ، وَيَكْفِي فِي الْمِصْرِ أَذَانٌ وَاحِدٌ ، إذَا كَانَ بِحَيْثُ يُسْمِعُهُمْ .\rوَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ : يَكْفِي أَذَانٌ وَاحِدٌ فِي الْمَحَلَّةِ ، وَيَجْتَزِئُ بَقِيَّتُهُمْ بِالْإِقَامَةِ .\rوَقَالَ أَحْمَدُ ، فِي الَّذِي يُصَلِّي فِي بَيْتِهِ : يُجْزِئُهُ أَذَانُ الْمِصْرِ .\rوَهُوَ قَوْلُ الْأَسْوَدِ ، وَأَبِي مِجْلَزٍ ، وَمُجَاهِدٍ ، وَالشَّعْبِيِّ ، وَالنَّخَعِيِّ ، وَعِكْرِمَةَ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ .\rوَقَالَ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَمَالِكٌ : تَكْفِيهِ الْإِقَامَةُ .\rوَقَالَ الْحَسَنُ ، وَابْنُ سِيرِينَ : إنْ شَاءَ أَقَامَ .\rوَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِلَّذِي عَلَّمَهُ الصَّلَاةَ { : إذَا أَرَدْتَ الصَّلَاةَ فَأَحْسِنْ الْوُضُوءَ ، ثُمَّ اسْتَقْبِلْ الْقِبْلَةَ فَكَبِّرْ } وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِالْأَذَانِ ، وَفِي لَفْظٍ رَوَاهُ النَّسَائِيّ : \" فَأَقِمْ ، ثُمَّ كَبِّرْ \" وَحَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ .\rوَالْأَفْضَلُ لِكُلِّ مُصَلٍّ أَنْ يُؤَذِّنَ وَيُقِيمَ إلَّا أَنَّهُ إنْ كَانَ يُصَلِّي قَضَاءً أَوْ فِي غَيْرِ وَقْتِ الْأَذَانِ ، لَمْ يَجْهَرْ بِهِ .\rوَإِنْ كَانَ فِي الْوَقْتِ ، فِي بَادِيَةٍ أَوْ نَحْوِهَا ، اُسْتُحِبَّ لَهُ الْجَهْرُ بِالْأَذَانِ ؛ لِقَوْلِ أَبِي سَعِيدٍ : { إذَا كُنْتَ فِي غَنَمِكَ أَوْ بَادِيَتِكَ فَأَذَّنْتَ بِالصَّلَاةِ ، فَارْفَعْ صَوْتَكَ بِالنِّدَاءِ ، فَإِنَّهُ لَا يَسْمَعُ مَدَى صَوْتِ الْمُؤَذِّنِ جِنٌّ وَلَا إنْسٌ وَلَا شَيْءٌ إلَّا شَهِدَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ .\rقَالَ أَبُو سَعِيدٍ : سَمِعْت ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\r} وَعَنْ أَنَسٍ ، { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى","part":2,"page":231},{"id":731,"text":"اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُغِيرُ إذَا طَلَعَ الْفَجْرُ ، وَكَانَ إذَا سَمِعَ أَذَانًا أَمْسَكَ ، وَإِلَّا أَغَارَ ، فَسَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ : اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْفِطْرَةِ .\rفَقَالَ : أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجْتَ مِنْ النَّارِ ، فَنَظَرُوا فَإِذَا صَاحِبُ مَعَزٍ } أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ .","part":2,"page":232},{"id":732,"text":"فَصْلٌ : وَمَنْ فَاتَتْهُ صَلَوَاتٌ اُسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ يُؤَذِّنَ لِلْأُولَى ، ثُمَّ يُقِيمَ لِكُلِّ صَلَاةٍ إقَامَةً ، وَإِنْ لَمْ يُؤَذِّنْ فَلَا بَأْسَ .\rقَالَ الْأَثْرَمُ ؛ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يُسْأَلُ عَنْ رَجُلٍ يَقْضِي صَلَاةً ، كَيْفَ يَصْنَعُ فِي الْأَذَانِ ؟ فَذَكَرَ حَدِيثَ هُشَيْمٍ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ أَبِيهِ { أَنَّ الْمُشْرِكِينَ شَغَلُوا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَرْبَعِ صَلَوَاتٍ يَوْمَ الْخَنْدَقِ ، حَتَّى ذَهَبَ مِنْ اللَّيْلِ مَا شَاءَ اللَّهُ ، قَالَ : فَأَمَرَ بِلَالًا فَأَذَّنَ وَأَقَامَ ، وَصَلَّى الظُّهْرَ ، ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ ، فَصَلَّى الْعَصْرَ ، ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ ، فَصَلَّى الْمَغْرِبَ ، ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ ، فَصَلَّى الْعِشَاءَ } قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ وَهِشَامٌ الدَّسْتُوَائِيُّ لَمْ يَقُلْ كَمَا قَالَ هُشَيْمٌ ، جَعَلَهَا إقَامَةً إقَامَةً .\rقُلْت فَكَأَنَّك تَخْتَارُ حَدِيثَ هُشَيْمٍ ؟ قَالَ : نَعَمْ هُوَ زِيَادَةٌ ، أَيُّ شَيْءٍ يَضُرُّهُ ؟ وَهَذَا فِي الْجَمَاعَةِ .\rفَإِنْ كَانَ يَقْضِي وَحْدَهُ كَانَ اسْتِحْبَابُ ذَلِكَ أَدْنَى فِي حَقِّهِ ، لِأَنَّ الْأَذَانَ وَالْإِقَامَةَ لِلْإِعْلَامِ ، وَلَا حَاجَةَ إلَى الْإِعْلَامِ هَاهُنَا ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ فِي رَجُلٍ فَاتَتْهُ صَلَوَاتٌ فَقَضَاهَا : لِيُؤَذِّنْ ، وَيُقِمْ مَرَّةً وَاحِدَةً ، يُصَلِّيهَا كُلَّهَا .\rفَسَهَّلَ فِي ذَلِكَ ، وَرَآهُ حَسَنًا .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ نَحْوَ ذَلِكَ ؛ وَلَهُ قَوْلَانِ آخَرَانِ : أَحَدُهُمَا ، أَنَّهُ يُقِيمُ وَلَا يُؤَذِّنُ .\rوَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ ؛ لِمَا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ قَالَ ؛ { حُبِسْنَا يَوْمَ الْخَنْدَقِ عَنْ الصَّلَاةِ ، حَتَّى كَانَ بَعْدَ الْمَغْرِبِ بِهَوِيٍّ مِنْ اللَّيْلِ ، قَالَ : فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِلَالًا ، فَأَمَرَهُ فَأَقَامَ الظُّهْرَ ، فَصَلَّاهَا ، ثُمَّ أَمَرَهُ ، فَأَقَامَ الْعَصْرَ ، فَصَلَّاهَا } .\rوَلِأَنَّ الْأَذَانَ لِلْإِعْلَامِ بِالْوَقْتِ ، وَقَدْ فَاتَ .\rوَالْقَوْلُ الثَّالِثُ : إنْ رُجِيَ اجْتِمَاعُ النَّاسِ أَذَّنَ ،","part":2,"page":233},{"id":733,"text":"وَإِلَّا فَلَا ؛ لِأَنَّ الْأَذَانَ مَشْرُوعٌ لِلْإِعْلَامِ ، فَلَا يُشْرَعُ إلَّا مَعَ الْحَاجَةِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يُؤَذِّنُ لِكُلِّ صَلَاةٍ وَيُقِيمُ ؛ لِأَنَّ مَا سُنَّ لِلصَّلَاةِ فِي أَدَائِهَا سُنَّ فِي قَضَائِهَا ، كَسَائِرِ الْمَسْنُونَاتِ .\rوَلَنَا ، حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ ، رَوَاهُ الْأَثْرَمُ ، وَالنَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُمَا ، وَهُوَ مُتَضَمِّنٌ لِلزِّيَادَةِ ، وَالزِّيَادَةُ مِنْ الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ .\rوَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ ، { أَنَّهُمْ كَانُوا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَامُوا حَتَّى طَلَعَتْ الشَّمْسُ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا بِلَالُ ، قُمْ فَأَذِّنْ النَّاسَ بِالصَّلَاةِ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ، وَرَوَاهُ عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ أَيْضًا .\rقَالَ : { فَأَمَرَ بِلَالًا فَأَذَّنَ ، فَصَلَّيْنَا رَكْعَتَيْنِ ، ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ فَصَلَّيْنَا } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَلَنَا عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ وَأَبِي سَعِيدٍ ، وَلِأَنَّ الثَّانِيَةَ مِنْ الْفَوَائِتِ صَلَاةٌ وَقَدْ أُذِّنَ لِمَا قَبْلَهَا ، فَأَشْبَهَتْ الثَّانِيَةَ مِنْ الْمَجْمُوعَتَيْنِ ، وَقِيَاسُهُمْ مُنْتَقَضٌ بِهَذَا .","part":2,"page":234},{"id":734,"text":"( 579 ) فَصْلٌ : فَإِنْ جَمَعَ بَيْنَ صَلَاتَيْنِ فِي وَقْتِ أُولَاهُمَا ، اُسْتُحِبَّ أَنْ يُؤَذِّنَ لِلْأُولَى وَيُقِيمَ ، ثُمَّ يُقِيمَ لِلثَّانِيَةِ .\rوَإِنْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا فِي وَقْتِ الثَّانِيَةِ فَهُمَا كَالْفَائِتَتَيْنِ ، لَا يَتَأَكَّدُ الْأَذَانُ لَهُمَا ؛ لِأَنَّ الْأُولَى مِنْهُمَا تُصَلَّى فِي غَيْرِ وَقْتِهَا ، وَالثَّانِيَةَ مَسْبُوقَةٌ بِصَلَاةٍ قَبْلَهَا .\rوَإِنْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا بِإِقَامَةٍ وَاحِدَةٍ فَلَا بَأْسَ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي الْمَجْمُوعَتَيْنِ : لَا يُقِيمُ لِلثَّانِيَةِ ؛ لِأَنَّ { ابْنَ عُمَرَ رَوَى أَنَّهُ صَلَّى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بِمُزْدَلِفَةَ بِإِقَامَةٍ وَاحِدَةٍ .\rصَحِيحٌ } .\rوَقَالَ مَالِكٌ : يُؤَذِّنُ لِلْأُولَى وَالثَّانِيَةِ وَيُقِيمُ ؛ لِأَنَّ الثَّانِيَةَ مِنْهُمَا صَلَاةٌ يُشْرَعُ لَهَا الْأَذَانُ ، وَهِيَ مَفْعُولَةٌ فِي وَقْتِهَا ، فَيُؤَذِّنُ لَهَا كَالْأُولَى .\rوَلَنَا عَلَى الْجَمْعِ فِي وَقْتِ الْأُولَى ، مَا رَوَى جَابِرٌ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَمَعَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ بِعَرَفَةَ ، وَبَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِمُزْدَلِفَةَ ، بِأَذَانٍ وَإِقَامَتَيْنِ } .\rرَوَاهُ مُسْلِمٌ .\rوَلِأَنَّ الْأُولَى مِنْهُمَا فِي وَقْتِهَا ، فَيُشْرَعُ لَهَا الْأَذَانُ كَمَا لَوْ لَمْ يَجْمَعْهُمَا .\rوَأَمَّا إذَا كَانَ الْجَمْعُ فِي وَقْتِ الثَّانِيَةِ ، فَقَدْ رَوَى ابْنُ عُمَرَ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَمَعَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِجَمْعِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بِإِقَامَةٍ .\r} رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ .\rوَإِنْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا بِإِقَامَةٍ ، فَلَا بَأْسَ ؛ لِحَدِيثٍ آخَرَ ، وَلِأَنَّ الْأُولَى مَفْعُولَةٌ فِي غَيْرِ وَقْتِهَا ، فَأَشْبَهَتْ الْفَائِتَةَ ، وَالثَّانِيَةَ مِنْهُمَا مَسْبُوقَةٌ بِصَلَاةٍ ، فَلَا يُشْرَعُ لَهَا الْأَذَانُ ، كَالثَّانِيَةِ مِنْ الْفَوَائِتِ ، وَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ يُخَالِفُ الْخَبَرَ الصَّحِيحَ ، وَقَدْ رَوَاهُ فِي \" مُوَطَّئِهِ \" وَذَهَبَ إلَى مَا سِوَاهُ .","part":2,"page":235},{"id":735,"text":"( 580 ) فَصْلٌ : وَيُشْرَعُ الْأَذَانُ فِي السَّفَرِ لِلرَّاعِي وَأَشْبَاهِهِ ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يُقِيمُ لِكُلِّ صَلَاةٍ إقَامَةً ، إلَّا الصُّبْحَ ، فَإِنَّهُ يُؤَذِّنُ لَهَا وَيُقِيمُ ، وَكَانَ يَقُولُ : إنَّمَا الْأَذَانُ عَلَى الْأَمِيرِ ، وَالْإِقَامَةُ عَلَى الَّذِي يَجْمَعُ النَّاسَ ، وَعَنْهُ ، أَنَّهُ كَانَ لَا يُقِيمُ فِي أَرْضٍ تُقَامُ فِيهَا الصَّلَاةُ وَعَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ قَالَ : إنْ شَاءَ أَذَّنَ وَأَقَامَ ، وَإِنْ شَاءَ أَقَامَ وَبِهِ قَالَ عُرْوَةُ ، وَالثَّوْرِيُّ .\rوَقَالَ الْحَسَنُ ، وَابْنُ سِيرِينَ : تُجْزِئُهُ الْإِقَامَةُ .\rوَقَالَ إبْرَاهِيمُ فِي الْمُسَافِرِينَ : إذَا كَانُوا رِفَاقًا أَذَّنُوا وَأَقَامُوا ، وَإِذَا كَانَ وَحْدَهُ أَقَامَ لِلصَّلَاةِ وَلَنَا ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُؤَذِّنُ لَهُ فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ فِي حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ ، وَعِمْرَانَ ، وَزِيَادِ بْنِ الْحَارِثِ ، وَأَمَرَ بِهِ مَالِكَ بْنَ الْحُوَيْرِثِ وَصَاحِبَهُ ، وَمَا نُقِلَ عَنْ السَّلَفِ فِي هَذَا فَالظَّاهِرُ أَنَّهُمْ أَرَادُوا الْوَاحِدَ وَحْدَهُ ، وَقَدْ بَيَّنَهُ إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ فِي كَلَامِهِ ، وَالْأَذَانُ مَعَ ذَلِكَ أَفْضَلُ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ ، وَحَدِيثِ أَنَسٍ ، وَرَوَى عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ قَالَ : سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : { يَعْجَبُ رَبُّكَ مِنْ رَاعِي غَنَمٍ فِي رَأْسِ الشَّظِيَّةِ لِلْجَبَلِ ، يُؤَذِّنُ لِلصَّلَاةِ ، وَيُصَلِّي ، فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : اُنْظُرُوا إلَى عَبْدِي هَذَا يُؤَذِّنُ وَيُقِيمُ الصَّلَاةَ ، يَخَافُ مِنِّي ، قَدْ غَفَرْتُ لِعَبْدِي ، وَأَدْخَلْتُهُ الْجَنَّةَ } .\rرَوَاهُ النَّسَائِيّ .\rوَقَالَ سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ : إذَا كَانَ الرَّجُلُ بِأَرْضٍ فِي ( 1 ) فَأَقَامَ الصَّلَاةَ ، صَلَّى خَلْفَهُ مَلَكَانِ ، فَإِنْ أَذَّنَ وَأَقَامَ صَلَّى خَلْفَهُ مِنْ الْمَلَائِكَةِ مَا لَا يُرَى قُطْرَاهُ ( 2 ) يَرْكَعُونَ بِرُكُوعِهِ ، وَيَسْجُدُونَ بِسُجُودِهِ ، وَيُؤَمِّنُونَ عَلَى دُعَائِهِ .\rوَكَذَلِكَ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ،","part":2,"page":236},{"id":736,"text":"إلَّا أَنَّهُ قَالَ : صَلَّى خَلْفَهُ مِنْ الْمَلَائِكَةِ أَمْثَالُ الْجِبَالِ .","part":2,"page":237},{"id":737,"text":"( 581 ) فَصْلٌ : وَمَنْ دَخَلَ مَسْجِدًا قَدْ صُلِّيَ فِيهِ ، فَإِنْ شَاءَ أَذَّنَ وَأَقَامَ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ؛ لِمَا رَوَى الْأَثْرَمُ ، وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ ، عَنْ أَنَسٍ ، أَنَّهُ دَخَلَ مَسْجِدًا قَدْ صَلَّوْا فِيهِ ، فَأَمَرَ رَجُلًا فَأَذَّنَ وَأَقَامَ ، فَصَلَّى بِهِمْ فِي جَمَاعَةٍ .\rوَإِنْ شَاءَ صَلَّى مِنْ غَيْرِ أَذَانٍ وَلَا إقَامَةٍ ؛ فَإِنَّ عُرْوَةَ قَالَ : إذَا انْتَهَيْت إلَى مَسْجِدٍ قَدْ صَلَّى فِيهِ نَاسٌ أَذَّنُوا وَأَقَامُوا ، فَإِنَّ أَذَانَهُمْ وَإِقَامَتَهُمْ تُجْزِئُ عَمَّنْ جَاءَ بَعْدَهُمْ .\rوَهَذَا قَوْلُ الْحَسَنِ ، وَالشَّعْبِيِّ ، وَالنَّخَعِيِّ ، إلَّا أَنَّ الْحَسَنَ ، قَالَ : كَانَ أَحَبُّ إلَيْهِمْ أَنْ يُقِيمَ .\rوَإِذَا أَذَّنَ فَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يُخْفِيَ ذَلِكَ وَلَا يَجْهَرَ بِهِ ؛ لِيَغُرَّ النَّاسَ بِالْأَذَانِ فِي غَيْرِ مَحِلِّهِ .","part":2,"page":238},{"id":738,"text":"( 582 ) فَصْلٌ : وَلَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ أَذَانٌ وَلَا إقَامَةٌ ، وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ عُمَرَ ، وَأَنَسٌ ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ، وَالْحَسَنُ ، وَابْنُ سِيرِينَ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَلَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا .\rوَهَلْ يُسَنُّ لَهُنَّ ذَلِكَ ؟ فَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ قَالَ : إنْ فَعَلْنَ فَلَا بَأْسَ ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْنَ فَجَائِزٌ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : : هَلْ يُسْتَحَبُّ لَهَا الْإِقَامَةُ ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ .\rوَعَنْ جَابِرٍ : أَنَّهَا تُقِيمُ .\rوَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ إنْ أَذَّنَّ وَأَقَمْنَ فَلَا بَأْسَ .\rوَعَنْ عَائِشَةَ ، أَنَّهَا كَانَتْ تُؤَذِّنُ وَتُقِيمُ .\rوَبِهِ قَالَ إِسْحَاقُ .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ أُمِّ وَرَقَةَ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَذِنَ لَهَا أَنْ يُؤَذَّنَ لَهَا وَيُقَامَ ، وَتَؤُمَّ نِسَاءَ أَهْلِ دَارِهَا } .\rوَقِيلَ : إنَّ هَذَا الْحَدِيثَ يَرْوِيهِ الْوَلِيدُ بْنُ جُمَيْعٍ ، وَهُوَ ضَعِيفٌ وَرَوَى النَّجَّادُ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ ، قَالَتْ : سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : { لَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ أَذَانٌ وَلَا إقَامَةٌ } .\rوَلِأَنَّ الْأَذَانَ فِي الْأَصْلِ لِلْإِعْلَامِ ، وَلَا يُشْرَعُ لَهَا ذَلِكَ ، وَالْأَذَانُ يُشْرَعُ لَهُ رَفْعُ الصَّوْتِ ، وَلَا يُشْرَعُ لَهَا رَفْعُ الصَّوْتِ ، وَمَنْ لَا يُشْرَعُ فِي حَقِّهِ الْأَذَانُ لَا يُشْرَعُ فِي حَقِّهِ الْإِقَامَةُ ، كَغَيْرِ الْمُصَلِّي ، وَكَمَنْ أَدْرَكَ بَعْضَ الْجَمَاعَةِ .","part":2,"page":239},{"id":739,"text":"( 583 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَيَجْعَلُ أَصَابِعَهُ مَضْمُومَةً عَلَى أُذُنَيْهِ ) الْمَشْهُورُ عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّهُ يَجْعَلُ إصْبَعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ ، وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ ، يَسْتَحِبُّونَ أَنْ يَجْعَلَ الْمُؤَذِّنُ إصْبَعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ ؛ لِمَا رَوَى أَبُو جُحَيْفَةَ ، { أَنَّ بِلَالًا أَذَّنَ وَوَضَعَ إصْبَعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَعَنْ سَعْدٍ ، مُؤَذِّنِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِلَالًا أَنْ يَجْعَلَ إصْبَعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ ، وَقَالَ : إنَّهُ أَرْفَعُ لِصَوْتِك } .\rوَرَوَى أَبُو طَالِبٍ ، عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ : أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَجْعَلَ يَدَيْهِ عَلَى أُذُنَيْهِ ، عَلَى حَدِيثِ أَبِي مَحْذُورَةَ .\rوَضَمَّ أَصَابِعَهُ الْأَرْبَعَ وَوَضَعَهَا عَلَى أُذُنَيْهِ ، وَحَكَى أَبُو حَفْصٍ ، عَنْ ابْنِ بَطَّةَ ، قَالَ : سَأَلْت أَبَا الْقَاسِمِ الْخِرَقِيِّ عَنْ صِفَةِ ذَلِكَ ؟ فَأَرَانِيهِ بِيَدَيْهِ جَمِيعًا ، فَضَمَّ أَصَابِعَهُ عَلَى رَاحَتَيْهِ ، وَوَضَعَهُمَا عَلَى أُذُنَيْهِ .\rوَاحْتَجَّ لِذَلِكَ الْقَاضِي بِمَا رَوَى أَبُو حَفْصٍ بِإِسْنَادِهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، أَنَّهُ كَانَ إذَا بَعَثَ مُؤَذِّنًا يَقُولُ لَهُ : اُضْمُمْ أَصَابِعَك مَعَ كَفَّيْك ، وَاجْعَلْهَا مَضْمُومَةً عَلَى أُذُنَيْك .\rوَبِمَا رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ ، عَنْ أَبِي مَحْذُورَةَ ، أَنَّهُ كَانَ يَضُمُّ أَصَابِعَهُ .\rوَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ؛ لِصِحَّةِ الْحَدِيثِ وَشُهْرَتِهِ وَعَمَلِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِهِ ، وَأَيُّهُمَا فَعَلَ فَحَسَنٌ ، وَإِنْ تَرَكَ الْكُلَّ فَلَا بَأْسَ .","part":2,"page":240},{"id":740,"text":"( 584 ) فَصْلٌ : وَيُسْتَحَبُّ رَفْعُ الصَّوْتِ بِالْأَذَانِ ؛ لِيَكُونَ أَبْلَغَ فِي إعْلَامِهِ ، وَأَعْظَمَ لِثَوَابِهِ ، كَمَا ذُكِرَ فِي خَبَرِ أَبِي سَعِيدٍ ، وَلَا يُجْهِدُ نَفْسَهُ فِي رَفْعِ صَوْتِهِ زِيَادَةً عَلَى طَاقَتِهِ ؛ لِئَلَّا يَضُرَّ بِنَفْسِهِ ، وَيَنْقَطِعَ صَوْتُهُ : فَإِنْ أَذَّنَ لِعَامَّةِ النَّاسِ جَهَرَ بِجَمِيعِ الْأَذَانِ ، وَلَا يَجْهَرُ بِبَعْضٍ ، وَيُخَافِتُ بِبَعْضٍ ؛ لِئَلَّا يَفُوتَ مَقْصُودُ الْأَذَانِ ، وَهُوَ الْإِعْلَامُ .\rوَإِنْ أَذَّنَ لِنَفْسِهِ ، أَوْ لِجَمَاعَةٍ خَاصَّةٍ حَاضِرِينَ ، جَازَ أَنْ يُخَافِتَ وَيَجْهَرَ ، وَأَنْ يُخَافِتَ بِبَعْضٍ وَيَجْهَرَ بِبَعْضٍ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي وَقْتِ الْأَذَانِ .\rفَلَا يَجْهَرَ بِشَيْءٍ مِنْهُ ؛ لِئَلَّا يَغُرَّ النَّاسَ بِأَذَانِهِ .","part":2,"page":241},{"id":741,"text":"( 585 ) فَصْلٌ : وَيَنْبَغِي أَنْ يُؤَذِّنَ قَائِمًا ، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ أَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ، أَنَّ السُّنَّةَ أَنْ يُؤَذِّنَ قَائِمًا .\rوَفِي حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ الَّذِي رَوَيْنَاهُ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِبِلَالٍ قُمْ فَأَذِّنْ } .\rوَكَانَ مُؤَذِّنُو رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُؤَذِّنُونَ قِيَامًا .\rوَإِنْ كَانَ لَهُ عُذْرٌ فَلَا بَأْسَ أَنْ يُؤَذِّنَ قَاعِدًا قَالَ الْحَسَنُ الْعَبْدِيُّ : رَأَيْت أَبَا زَيْدٍ صَاحِبَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَتْ رِجْلُهُ أُصِيبَتْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، يُؤَذِّنُ قَاعِدًا رَوَاهُ الْأَثْرَمُ .\rفَإِنْ أَذَّنَ قَاعِدًا لِغَيْرِ عُذْرٍ فَقَدْ كَرِهَهُ أَهْلُ الْعِلْمِ ، وَيَصِحُّ ؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِآكَدَ مِنْ الْخُطْبَةِ ، وَتَصِحُّ مِنْ الْقَاعِدِ .\rقَالَ الْأَثْرَمُ : وَسَمِعْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يُسْأَلُ عَنْ الْأَذَانِ عَلَى الرَّاحِلَةِ ؟ فَسَهَّلَ فِيهِ ، وَقَالَ : أَمْرُ الْأَذَانِ عِنْدِي سَهْلٌ .\rوَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، أَنَّهُ كَانَ يُؤَذِّنُ عَلَى الرَّاحِلَةِ ، ثُمَّ يَنْزِلُ فَيُقِيمُ .\rوَإِذَا أُبِيحَ التَّنَفُّلُ عَلَى الرَّاحِلَةِ ، فَالْأَذَانُ أَوْلَى .","part":2,"page":242},{"id":742,"text":"فَصْلٌ : وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُؤَذِّنَ عَلَى شَيْءٍ مُرْتَفِعٍ ؛ لِيَكُونَ أَبْلَغَ لِتَأْدِيَةِ صَوْتِهِ ، وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ قَالَتْ : كَانَ بَيْتِي مِنْ أَطْوَلِ بَيْتٍ حَوْلَ الْمَسْجِدِ ، وَكَانَ بِلَالٌ يُؤَذِّنُ عَلَيْهِ الْفَجْرَ ، فَيَأْتِي بِسَحَرٍ ، فَيَجْلِسُ عَلَى الْبَيْتِ يَنْظُرُ إلَى الْفَجْرِ فَإِذَا رَآهُ تَمَطَّى ، ثُمَّ قَالَ : اللَّهُمَّ إنِّي أَسْتَعِينُك وَأَسْتَعْدِيكَ عَلَى قُرَيْشٍ ، أَنْ يُقِيمُوا دِينَكَ .\rقَالَتْ : ثُمَّ يُؤَذِّنُ .\rوَفِي حَدِيثِ بَدْءِ الْأَذَانِ ، فَقَالَ { رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، رَأَيْت رَجُلًا ، كَأَنَّ عَلَيْهِ ثَوْبَيْنِ أَخْضَرَيْنِ ، فَقَامَ عَلَى الْمَسْجِدِ فَأَذَّنَ ، ثُمَّ قَعَدَ قَعْدَةً ، ثُمَّ قَامَ فَقَالَ مِثْلَهَا إلَّا أَنَّهُ يَقُولُ : قَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ } .","part":2,"page":243},{"id":743,"text":"( 587 ) فَصْلٌ : وَلَا يُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَكَلَّمَ فِي أَثْنَاءِ الْأَذَانِ وَكَرِهَهُ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ، قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : لَمْ نَعْلَمْ أَحَدًا يَقْتَدِي بِهِ فَعَلَ ذَلِكَ .\rوَرَخَّصَ فِيهِ الْحَسَنُ ، وَعَطَاءٌ ، وَقَتَادَةُ ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ صُرَدٍ .\rفَإِنْ تَكَلَّمَ بِكَلَامٍ يَسِيرٍ جَازَ .\rوَإِنْ طَالَ الْكَلَامُ بَطَلَ الْأَذَانُ ؛ لِأَنَّهُ يَقْطَعُ الْمُوَالَاةَ الْمَشْرُوطَةَ فِي الْأَذَانِ ، فَلَا يُعْلَمُ أَنَّهُ أَذَانٌ .\rوَكَذَلِكَ لَوْ سَكَتَ سُكُوتًا طَوِيلًا ، أَوْ نَامَ نَوْمًا طَوِيلًا ، أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ ، أَوْ أَصَابَهُ جُنُونٌ يَقْطَعُ الْمُوَالَاةَ ، بَطَلَ أَذَانُهُ .\rوَإِنْ كَانَ الْكَلَامُ يَسِيرًا مُحَرَّمًا كَالسَّبِّ وَنَحْوِهِ ، فَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا : فِيهِ وَجْهَانِ ، أَحَدُهُمَا ، لَا يَقْطَعُهُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُخِلُّ بِالْمَقْصُودِ ، فَأَشْبَهَ الْمُبَاحَ .\rوَالثَّانِي ؛ يَقْطَعُهُ ؛ لِأَنَّهُ مُحَرَّمٌ فِيهِ .\rوَأَمَّا الْإِقَامَةُ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَتَكَلَّمَ فِيهَا ؛ لِأَنَّهَا يُسْتَحَبُّ حَدْرُهَا ، وَأَنْ لَا يُفَرِّقَ بَيْنَهُمَا .\rقَالَ أَبُو دَاوُد : قُلْت لِأَحْمَدَ : الرَّجُلُ يَتَكَلَّمُ فِي أَذَانِهِ ؟ فَقَالَ : نَعَمْ .\rفَقُلْتُ لَهُ : يَتَكَلَّمُ فِي الْإِقَامَةِ ؟ فَقَالَ : لَا .","part":2,"page":244},{"id":744,"text":"( 588 ) فَصْلٌ : وَلَيْسَ لِلرَّجُلِ أَنْ يَبْنِيَ عَلَى أَذَانِ غَيْرِهِ ؛ لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ بَدَنِيَّةٌ ، فَلَا يَصِحُّ مِنْ شَخْصَيْنِ ، كَالصَّلَاةِ .\rوَالرِّدَّةُ تُبْطِلُ الْأَذَانَ إنْ وُجِدَتْ فِي أَثْنَائِهِ ، فَإِنْ وُجِدَتْ بَعْدَهُ ، فَقَالَ الْقَاضِي : قِيَاسُ قَوْلِهِ فِي الطَّهَارَةِ أَنْ تُبْطِلَ أَيْضًا ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا لَا تُبْطِلُ ؛ لِأَنَّهَا وُجِدَتْ بَعْدَ فَرَاغِهِ ، وَانْقِضَاءِ حُكْمِهِ ، بِحَيْثُ لَا يُبْطِلُهُ شَيْءٌ مِنْ مُبْطِلَاتِهِ ، فَأَشْبَهَ سَائِرَ الْعِبَادَاتِ إذَا وُجِدَتْ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْهَا ، بِخِلَافِ الطَّهَارَةِ ، فَإِنَّهَا تَبْطُلُ بِمُبْطِلَاتِهَا ، فَالْأَذَانُ أَشْبَهُ بِالصَّلَاةِ فِي هَذَا الْحُكْمِ مِنْهُ بِالطَّهَارَةِ ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .","part":2,"page":245},{"id":745,"text":"( 589 ) فَصْلٌ : وَلَا يَصِحُّ الْأَذَانُ إلَّا مُرَتَّبًا ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ يَخْتَلُّ بِعَدَمِ التَّرْتِيبِ ، وَهُوَ الْإِعْلَامُ ، فَإِنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ مُرَتَّبًا ، لَمْ يُعْلَمْ أَنَّهُ أَذَانٌ ، وَلِأَنَّهُ شُرِعَ فِي الْأَصْلِ مُرَتَّبًا ، وَعَلَّمَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبَا مَحْذُورَةَ مُرَتَّبًا .","part":2,"page":246},{"id":746,"text":"( 590 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ ( وَيُدِيرُ وَجْهَهُ عَلَى يَمِينِهِ إذَا قَالَ : حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ ، وَعَلَى يَسَارِهِ إذَا قَالَ : حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ .\rوَلَا يُزِيلُ قَدَمَيْهِ ) الْمُسْتَحَبُّ أَنْ يُؤَذِّنَ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ ، لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا ؛ فَإِنَّ مُؤَذِّنِي النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانُوا يُؤَذِّنُونَ مُسْتَقْبِلِي الْقِبْلَةِ .\rوَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُدِيرَ وَجْهَهُ عَلَى يَمِينِهِ ، إذَا قَالَ \" حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ \" وَعَلَى يَسَارِهِ ، إذَا قَالَ \" حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ \" .\rوَلَا يُزِيلُ قَدَمَيْهِ عَنْ الْقِبْلَةِ فِي الْتِفَاتِهِ ؛ لِمَا رَوَى أَبُو جُحَيْفَةَ ، قَالَ : رَأَيْت بِلَالًا يُؤَذِّنُ ، وَأَتَتَبَّعُ فَاهُ هَاهُنَا وَهَا هُنَا وَأُصْبُعَاهُ فِي أُذُنَيْهِ .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَفِي لَفْظٍ قَالَ : { أَتَيْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ فِي قُبَّةٍ حَمْرَاءَ مِنْ أَدَمٍ ، فَخَرَجَ بِلَالٌ فَأَذَّنَ ، فَلَمَّا بَلَغَ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ ، الْتَفَتَ يَمِينًا وَشِمَالًا ، وَلَمْ يَسْتَدِرْ } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ ، أَنَّهُ لَا يَسْتَدِيرُ ، سَوَاءٌ كَانَ عَلَى الْأَرْضِ أَوْ فَوْقَ الْمَنَارَةِ ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَذَكَرَ أَصْحَابُنَا ، عَنْ أَحْمَدَ ، فِيمَنْ أَذَّنَ فِي الْمَنَارَةِ رِوَايَتَيْنِ : إحْدَاهُمَا ، لَا يَدُورُ لِلْخَبَرِ ، وَلِأَنَّهُ يَسْتَدْبِرُ الْقِبْلَةَ ، فَكُرِهَ ، كَمَا لَوْ كَانَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ .\rوَالثَّانِيَةُ ، يَدُورُ فِي مَجَالِهَا ، لِأَنَّهُ لَا يَحْصُلُ الْإِعْلَامُ بِدُونِهِ ، وَتَحْصِيلُ الْمَقْصُودِ بِالْإِخْلَالِ بِأَدَبٍ أَوْلَى مِنْ الْعَكْسِ ، وَلَوْ أَخَلَّ بِاسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ أَوْ مَشَى فِي أَذَانِهِ ، لَمْ يَبْطُلْ ، فَإِنَّ الْخُطْبَةَ آكَدُ مِنْ الْأَذَانِ ، وَلَا تَبْطُلُ بِهَذَا .\rوَسُئِلَ أَحْمَدُ عَنْ الرَّجُلِ يُؤَذِّنُ وَهُوَ يَمْشِي ؟ فَقَالَ : نَعَمْ ، أَمْرُ الْأَذَانِ عِنْدِي سَهْلٌ .\rوَسُئِلَ عَنْ الْمُؤَذِّنِ يَمْشِي وَهُوَ يُقِيمُ قَالَ : يُعْجِبُنِي أَنْ يَفْرُغَ ثُمَّ يَمْشِي .\rوَقَالَ فِي رِوَايَةِ حَرْبٍ : وَفِي الْمُسَافِرِ","part":2,"page":247},{"id":747,"text":"أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يُؤَذِّنَ وَوَجْهُهُ إلَى الْقِبْلَةِ ، وَأَرْجُو أَنْ يُجْزِئَ .","part":2,"page":248},{"id":748,"text":"( 591 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ ( وَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ سَمِعَ الْمُؤَذِّنَ أَنْ يَقُولَ كَمَا يَقُولُ ) لَا أَعْلَمُ خِلَافًا بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي اسْتِحْبَابِ ذَلِكَ ، وَالْأَصْلُ فِيهِ مَا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { فَإِذَا سَمِعْتُمْ النِّدَاءَ ، فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ الْمُؤَذِّنُ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَرَوَاهُ جَمَاعَةٌ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ مِنْهُمْ أَبُو هُرَيْرَةَ ، وَعَمْرُو بْنُ الْعَاصِ وَابْنُهُ ، وَأُمُّ حَبِيبَةَ .\rوَقَالَ غَيْرُ الْخِرَقِيِّ مِنْ أَصْحَابِنَا : يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَ عِنْدَ الْحَيْعَلَةِ : لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ؛ لِمَا رَوَى الْأَثْرَمُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي رَافِعٍ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { ، أَنَّهُ كَانَ إذَا سَمِعَ الْأَذَانَ ، قَالَ مِثْلَ مَا يَقُولُ الْمُؤَذِّنُ ، فَإِذَا بَلَغَ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ ، قَالَ : لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ .\r} \" وَرَوَى حَفْصُ بْنُ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { إذَا قَالَ الْمُؤَذِّنُ : اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ ، فَقَالَ أَحَدُكُمْ : اللَّهُ أَكْبَرُ ، اللَّهُ أَكْبَرُ .\rثُمَّ قَالَ : أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ .\rقَالَ : أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ .\rثُمَّ قَالَ : أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ .\rقَالَ : أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ .\rثُمَّ قَالَ : حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ .\rقَالَ : لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ ، ثُمَّ قَالَ : حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ .\rقَالَ : لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ .\rثُمَّ قَالَ : اللَّهُ أَكْبَرُ ، اللَّهُ أَكْبَرُ .\rقَالَ : اللَّهُ أَكْبَرُ ، اللَّهُ أَكْبَرُ .\rثُمَّ قَالَ : لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ .\rقَالَ : لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ .\rمِنْ قَلْبِهِ ، دَخَلَ الْجَنَّةَ } رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد .\rقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْأَثْرَمُ : هَذَا مِنْ الْأَحَادِيثِ الْجِيَادِ - يَعْنِي هَذَا الْحَدِيثَ -","part":2,"page":249},{"id":749,"text":"وَهَذَا أَخَصُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ ، فَيُقَدَّمُ عَلَيْهِ ، أَوْ يُجْمَعُ بَيْنَهُمَا .\r( 592 ) فَصْلٌ : وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَ فِي الْإِقَامَةِ مِثْلَ مَا يَقُولُ ، وَيَقُولَ عِنْدَ كَلِمَةِ الْإِقَامَةِ : أَقَامَهَا اللَّهُ وَأَدَامَهَا ؛ لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَنَّ بِلَالًا أَخَذَ فِي الْإِقَامَةِ ، فَلَمَّا أَنْ قَالَ : قَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ .\rقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَقَامَهَا اللَّهُ وَأَدَامَهَا } .\rوَقَالَ فِي سَائِرِ الْإِقَامَةِ كَنَحْوِ حَدِيثِ عُمَرَ فِي الْأَذَانِ .","part":2,"page":250},{"id":750,"text":"( 593 ) فَصْلٌ : رَوَى سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : { مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ النِّدَاءَ : وَأَنَا أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ، رَضِيتُ بِاَللَّهِ رَبًّا ، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَسُولًا غُفِرَ لَهُ ذَنْبُهُ } رَوَاهُ مُسْلِمٌ .\rوَعَنْ جَابِرٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ النِّدَاءَ : اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ وَالصَّلَاةِ الْقَائِمَةِ ، آتِ مُحَمَّدًا الْوَسِيلَةَ وَالْفَضِيلَةَ ، وَابْعَثْهُ مَقَامًا مَحْمُودًا الَّذِي وَعَدْتَهُ .\rحَلَّتْ لَهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ } رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ : { عَلَّمَنِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ أَقُولَ عِنْدَ أَذَانِ الْمَغْرِبِ : اللَّهُمَّ هَذَا إقْبَالُ لَيْلِكَ وَإِدْبَارُ نَهَارِكَ ، وَأَصْوَاتُ دُعَائِكَ ، فَاغْفِرْ لِي } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَرَوَى أَنَسٌ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَا يُرَدُّ الدُّعَاءُ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، أَيْضًا","part":2,"page":251},{"id":751,"text":"فَصْلٌ : وَإِذَا سَمِعَ الْأَذَانَ ، وَهُوَ فِي قِرَاءَةٍ ، قَطَعَهَا ، لِيَقُولَ مِثْلَ مَا يَقُولُ ؛ لِأَنَّهُ يَفُوتُ ، وَالْقِرَاءَةُ لَا تَفُوتُ .\rوَإِنْ سَمِعَهُ فِي الصَّلَاةِ ، لَمْ يَقُلْ مِثْلَ قَوْلِهِ ؛ لِئَلَّا يَشْتَغِلَ عَنْ الصَّلَاةِ بِمَا لَيْسَ مِنْهَا ، وَقَدْ رُوِيَ : \" إنَّ فِي الصَّلَاةِ لَشُغْلًا \" .\rوَإِنْ قَالَهُ مَا عَدَا الْحَيْعَلَةَ لَمْ تَبْطُلْ الصَّلَاةُ ؛ لِأَنَّهُ ذِكْرٌ ، وَإِنْ قَالَ الدُّعَاءَ إلَى الصَّلَاةِ فِيهَا ، بَطَلَتْ ؛ لِأَنَّهُ خِطَابُ آدَمِيٍّ .","part":2,"page":252},{"id":752,"text":"( 595 ) فَصْلٌ : وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ كَانَ إذَا أَذَّنَ ، فَقَالَ كَلِمَةً مِنْ الْأَذَانِ ، قَالَ مِثْلَهَا سِرًّا فَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ رَأَى ذَلِكَ مُسْتَحَبًّا ، لِيَكُونَ مَا يُظْهِرُهُ أَذَانًا وَدُعَاءً إلَى الصَّلَاةِ ، وَمَا يُسِرُّهُ ذِكْرًا لِلَّهِ تَعَالَى ، فَيَكُونَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ سَمِعَ الْأَذَانَ .\r( 596 ) فَصْلٌ : قَالَ الْأَثْرَمُ : سَمِعْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يُسْأَلُ عَنْ الرَّجُلِ يَقُومُ حِينَ يَسْمَعُ الْمُؤَذِّنَ مُبَادِرًا يَرْكَعُ ؟ فَقَالَ : يُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ رُكُوعُهُ بَعْدَمَا يَفْرُغُ الْمُؤَذِّنُ ، أَوْ يَقْرُبُ مِنْ الْفَرَاغِ ؛ لِأَنَّهُ يُقَالُ : إنَّ الشَّيْطَانَ يَنْفِرُ حِينَ يَسْمَعُ الْأَذَانَ ، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُبَادِرَ بِالْقِيَامِ .\rوَإِنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَسَمِعَ الْمُؤَذِّنَ اُسْتُحِبَّ لَهُ انْتِظَارُهُ لِيَفْرُغَ ، وَيَقُولُ مِثْلَ مَا يَقُولُ جَمْعًا بَيْنَ الْفَضِيلَتَيْنِ .\rوَإِنْ لَمْ يَقُلْ كَقَوْلِهِ وَافْتَتَحَ الصَّلَاةَ ، فَلَا بَأْسَ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .","part":2,"page":253},{"id":753,"text":"( 597 ) فَصْلٌ : وَلَا يُسْتَحَبُّ الزِّيَادَةُ عَلَى مُؤَذِّنَيْنِ ؛ لِأَنَّ الَّذِي حُفِظَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ لَهُ مُؤَذِّنَانِ ، بِلَالٌ ، وَابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ .\rإلَّا أَنْ تَدْعُوَ الْحَاجَةُ إلَى الزِّيَادَةِ عَلَيْهِمَا فَيَجُوزَ ، فَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ لَهُ أَرْبَعَةُ مُؤَذِّنِينَ .\rوَإِنْ دَعَتْ الْحَاجَةُ إلَى أَكْثَرَ مِنْهُ ، كَانَ مَشْرُوعًا ، وَإِذَا كَانَ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ ؛ وَكَانَ الْوَاحِدُ يُسْمِعُ النَّاسَ ، فَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يُؤَذِّنَ وَاحِدٌ بَعْدَ وَاحِدٍ لِأَنَّ مُؤَذِّنِي النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ أَحَدُهُمَا يُؤَذِّنُ بَعْدَ الْآخَرِ .\rوَإِنْ كَانَ الْإِعْلَامُ لَا يَحْصُلُ بِوَاحِدٍ ، أَذَّنُوا عَلَى حَسَبِ مَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ ؛ أَمَّا أَنْ يُؤَذِّنَ كُلُّ وَاحِدٍ فِي مَنَارَةٍ أَوْ نَاحِيَةٍ ، أَوْ دَفْعَةً وَاحِدَةً فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ : قَالَ أَحْمَدُ إنْ أَذَّنَ عِدَّةٌ فِي مَنَارَةٍ فَلَا بَأْسَ ، وَإِنْ خَافُوا مِنْ تَأْذِينِ وَاحِدٍ بَعْدَ الْآخَرِ فَوَاتَ أَوَّلِ الْوَقْتِ ، أَذَّنُوا جَمِيعًا دَفْعَةً وَاحِدَةً .","part":2,"page":254},{"id":754,"text":"( 598 ) فَصْلٌ : وَلَا يُؤَذِّنُ قَبْلَ الْمُؤَذِّنِ الرَّاتِبِ ، إلَّا أَنْ يَتَخَلَّفَ وَيُخَافُ فَوَاتِ وَقْتِ التَّأْذِينِ فَيُؤَذِّنَ غَيْرُهُ ، كَمَا رُوِيَ عَنْ زِيَادِ بْنِ الْحَارِثِ الصُّدَائِيِّ ، أَنَّهُ أَذَّنَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ غَابَ بِلَالٌ وَقَدْ ذَكَرْنَا حَدِيثَهُ .\rوَأَذَّنَ رَجُلٌ حِينَ غَابَ أَبُو مَحْذُورَةَ قَبْلَهُ .\rفَأَمَّا مَعَ حُضُورِهِ فَلَا يَسْبِقُ بِالْأَذَانِ ، فَإِنَّ مُؤَذِّنِي النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ غَيْرُهُمْ يَسْبِقُهُمْ بِالْأَذَانِ .","part":2,"page":255},{"id":755,"text":"( 599 ) فَصْلٌ : وَإِذَا تَشَاحَّ نَفْسَانِ فِي الْأَذَانِ قُدِّمَ أَحَدُهُمَا فِي الْخِصَالِ الْمُعْتَبَرَةِ فِي التَّأْذِينِ ، فَيُقَدَّمُ مَنْ كَانَ أَعْلَى صَوْتًا ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ : { أَلْقِهِ عَلَى بِلَالٍ فَإِنَّهُ أَنْدَى صَوْتًا مِنْك } .\rوَقَدَّمَ أَبَا مَحْذُورَةَ لِصَوْتِهِ .\rوَكَذَلِكَ يُقَدَّمُ مَنْ كَانَ أَبْلَغَ فِي مَعْرِفَةِ الْوَقْتِ ، وَأَشَدَّ مُحَافَظَةً عَلَيْهِ ، وَمَنْ يَرْتَضِيهِ الْجِيرَانُ ؛ لِأَنَّهُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ يَبْلُغُهُمْ صَوْتُهُ وَمَنْ هُوَ أَعَفُّ عَنْ النَّظَرِ .\rفَإِنْ تَسَاوَيَا مِنْ جَمِيعِ الْجِهَاتِ أُقْرِعَ بَيْنَهُمَا ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الْأَوَّلِ ، ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إلَّا أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ ، لَاسْتَهَمُوا } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلَمَّا تَشَاحَّ النَّاسُ فِي الْأَذَانِ يَوْمَ الْقَادِسِيَّةِ أَقْرَعَ بَيْنَهُمْ سَعْدٌ .","part":2,"page":256},{"id":756,"text":"فَصْلٌ : وَيُكْرَهُ اللَّحْنُ فِي الْأَذَانِ فَإِنَّهُ رُبَّمَا غَيَّرَ الْمَعْنَى .\rفَإِنَّ مَنْ قَالَ : أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ، وَنَصَبَ لَامَ \" رَسُولُ \" ، أَخْرَجَهُ عَنْ كَوْنِهِ خَبَرًا .\rوَلَا يَمُدُّ لَفْظَةَ ، \" أَكْبَرُ \" لِأَنَّهُ يَجْعَلُ فِيهَا أَلِفًا ، فَيَصِيرُ جَمْعَ كَبَرٍ ، وَهُوَ الطَّبْلُ .\rوَلَا تُسْقَطُ الْهَاءُ مِنْ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى وَاسْمِ الصَّلَاةِ ، وَلَا الْحَاءُ مِنْ الْفَلَاحِ ؛ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَا يُؤَذِّنُ لَكُمْ مَنْ يُدْغِمُ الْهَاءَ قُلْنَا : وَكَيْفَ يَقُولُ ؟ قَالَ : يَقُولُ : أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ } .\rأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي الْأَفْرَادِ .\rفَأَمَّا إنْ كَانَ أَلْثَغَ لُثْغَةً لَا تَتَفَاحَشُ ، جَازَ أَذَانُهُ ، فَقَدْ رُوِيَ أَنَّ بِلَالًا كَانَ يَقُولُ \" أَسْهَدُ \" يَجْعَلُ الشِّينَ سِينًا .\rوَإِنْ سَلِمَ مِنْ ذَلِكَ كَانَ أَكْمَلَ وَأَحْسَنَ .","part":2,"page":257},{"id":757,"text":"( 601 ) فَصْلٌ : وَإِذَا أَذَّنَ فِي الْوَقْتِ ، كُرِهَ لَهُ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ الْمَسْجِدِ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ لِحَاجَةٍ ثُمَّ يَعُودَ ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا اُحْتِيجَ إلَى إقَامَةِ الصَّلَاةِ فَلَا يُوجَدُ .\rوَإِنْ أَذَّنَ قَبْلَ الْوَقْتِ لِلْفَجْرِ ، فَلَا بَأْسَ بِذَهَابِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُحْتَاجُ إلَى حُضُورِهِ .\rقَالَ أَحْمَدُ ، فِي الرَّجُلِ يُؤَذِّنُ فِي اللَّيْلِ ، وَهُوَ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ ، فَيَدْخُلُ الْمَنْزِلَ ، وَيَدَعُ الْمَسْجِدَ : أَرْجُو أَنْ يَكُونَ مُوَسَّعًا عَلَيْهِ ، وَلَكِنْ إذَا أَذَّنَ وَهُوَ مُتَوَضِّئٌ فِي وَقْتِ الصَّلَاةِ ، فَلَا أَرَى لَهُ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ الْمَسْجِدِ حَتَّى يُصَلِّيَ ، إلَّا أَنْ تَكُونَ لَهُ الْحَاجَةُ .\r( 602 ) فَصْلٌ : وَإِنْ أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ فِي بَيْتِهِ ، وَكَانَ قَرِيبًا مِنْ الْمَسْجِدِ ، فَلَا بَأْسَ ، وَإِنْ كَانَ بَعِيدًا فَلَا ؛ لِأَنَّ الْقَرِيبَ أَذَانُهُ مِنْ عِنْدِ الْمَسْجِدِ ، فَيَأْتِيهِ السَّامِعُونَ لِلْأَذَانِ ، وَالْبَعِيدَ رُبَّمَا سَمِعَهُ مَنْ لَا يَعْرِفُ الْمَسْجِدَ ، فَيَغْتَرُّ بِهِ وَيَقْصِدُهُ ، فَيَضِيعُ عَنْ الْمَسْجِدِ ، وَقَدْ رُوِيَ فِي الَّذِي يُؤَذِّنُ فِي بَيْتِهِ ، وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَسْجِدِ طَرِيقٌ يُسْمِعُ النَّاسَ : أَرْجُو أَنْ لَا يَكُونَ بِهِ بَأْسٌ .\rوَقَالَ ، فِي رِوَايَةِ إبْرَاهِيمَ الْحَرْبِيِّ ، فِيمَنْ يُؤَذِّنُ فِي بَيْتِهِ عَلَى سَطْحٍ : مَعَاذَ اللَّهِ ، مَا سَمِعْنَا أَنَّ أَحَدًا يَفْعَلُ هَذَا .\rفَالْأَوَّلُ الْمُرَادُ بِهِ الْقَرِيبُ ، وَلِهَذَا كَانَ بِلَالٌ يُؤَذِّنُ عَلَى سَطْحِ امْرَأَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ ، لَمَّا كَانَ قَرِيبًا مِنْ الْمَسْجِدِ عَالِيًا .\rوَالثَّانِي مَحْمُولٌ عَلَى الْبَعِيدِ ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ .","part":2,"page":258},{"id":758,"text":"( 603 ) فَصْلٌ : إذَا أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ ، وَأَقَامَ ، لَمْ يُسْتَحَبَّ لِسَائِرِ النَّاسِ أَنْ يُؤَذِّنَ كُلُّ إنْسَانٍ مِنْهُمْ فِي نَفْسِهِ وَيُقِيمَ ، بَعْدَ فَرَاغِ الْمُؤَذِّنِ ، وَلَكِنْ يَقُولُ مِثْلَ مَا يَقُولُ الْمُؤَذِّنُ ؛ لِأَنَّ السُّنَّةَ إنَّمَا وَرَدَتْ بِهَذَا .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":2,"page":259},{"id":759,"text":"بَابُ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ إلَّا فِي الْحَالَتَيْنِ اللَّتَيْنِ ذَكَرَهُمَا الْخِرَقِيِّ ، رَحِمَهُ اللَّهُ .\rوَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ } .\rيَعْنِي نَحْوَهُ ، كَمَا أَنْشَدُوا أَلَا مَنْ مُبْلِغٌ عَنَّا رَسُولًا وَمَا تُغْنِي الرِّسَالَةُ شَطْرَ عَمْرِو أَيْ نَحْوَ عَمْرٍو .\rوَتَقُولُ الْعَرَبُ : هَؤُلَاءِ الْقَوْمُ يُشَاطِرُونَنَا .\rإذَا كَانَتْ بُيُوتُهُمْ تُقَابِلُ بُيُوتَهُمْ .\rوَقَالَ عَلِيٌّ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : شَطْرَهُ قِبَلَهُ وَرُوِيَ عَنْ الْبَرَاءِ قَالَ { قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَصَلَّى نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا ، ثُمَّ إنَّهُ وُجِّهَ إلَى الْكَعْبَةِ فَمَرَّ رَجُلٌ ، وَكَانَ يُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى قَوْمٍ مِنْ الْأَنْصَارِ ، فَقَالَ : إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ وُجِّهَ إلَى الْكَعْبَةِ .\rفَانْحَرَفُوا إلَى الْكَعْبَةِ } .\rأَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ .","part":2,"page":260},{"id":760,"text":"( 604 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ ( وَإِذَا اشْتَدَّ الْخَوْفُ وَهُوَ مَطْلُوبٌ ، ابْتَدَأَ الصَّلَاةَ إلَى الْقِبْلَةِ ، وَصَلَّى إلَى غَيْرِهَا رَاجِلًا وَرَاكِبًا ، يُومِئُ إيمَاءً عَلَى قَدْرِ الطَّاقَةِ ، وَيَجْعَلُ سُجُودَهُ أَخْفَضَ مِنْ رُكُوعِهِ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا اشْتَدَّ الْخَوْفُ ، بِحَيْثُ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ الصَّلَاةِ إلَى الْقِبْلَةِ ، أَوْ احْتَاجَ إلَى الْمَشْيِ ، أَوْ عَجَزَ عَنْ بَعْضِ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ ؛ إمَّا لِهَرَبٍ مُبَاحٍ مِنْ عَدُوٍّ ، أَوْ سَيْلٍ ، أَوْ سَبُعٍ ، أَوْ حَرِيقٍ ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ ، مِمَّا لَا يُمْكِنُهُ التَّخَلُّصُ مِنْهُ إلَّا بِالْهَرَبِ ، أَوْ الْمُسَابَقَةِ ، أَوْ الْتِحَامِ الْحَرْبِ ، وَالْحَاجَةِ إلَى الْكَرِّ وَالْفَرِّ وَالطَّعْنِ وَالضَّرْبِ وَالْمُطَارَدَةِ ، فَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى حَسَبِ حَالِهِ ، رَاجِلًا وَرَاكِبًا إلَى الْقِبْلَةِ - إنْ أَمْكَنَ - ، أَوْ إلَى غَيْرِهَا إنْ لَمْ يُمْكِنْ .\rوَإِذَا عَجَزَ عَنْ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ ، أَوْمَأَ بِهِمَا ، وَيَنْحَنِي إلَى السُّجُودِ أَكْثَرَ مِنْ الرُّكُوعِ عَلَى قَدْرِ طَاقَتِهِ ، وَإِنْ عَجَزَ عَنْ الْإِيمَاءِ ، سَقَطَ ، وَإِنْ عَجَزَ عَنْ الْقِيَامِ أَوْ الْقُعُودِ أَوْ غَيْرِهِمَا ، سَقَطَ ، وَإِنْ احْتَاجَ إلَى الطَّعْنِ وَالضَّرْبِ وَالْكَرِّ وَالْفَرِّ ، فَعَلَ ذَلِكَ .\rوَلَا يُؤَخِّرُ الصَّلَاةَ عَنْ وَقْتِهَا ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا } .\rوَرَوَى مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ { ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ : فَإِنْ كَانَ خَوْفًا هُوَ أَشَدُّ مِنْ ذَلِكَ صَلَّوْا رِجَالًا ، قِيَامًا عَلَى أَقْدَامِهِمْ ، أَوْ رُكْبَانًا ، مُسْتَقْبِلِي الْقِبْلَةِ وَغَيْرَ مُسْتَقْبِلِيهَا } .\rقَالَ نَافِعٌ : لَا أَرَى ابْنَ عُمَرَ حَدَّثَهُ إلَّا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rوَإِذَا أَمْكَنَ افْتِتَاحُ الصَّلَاةِ إلَى الْقِبْلَةِ ، فَهَلْ يَجِبُ ذَلِكَ ؟ قَالَ أَبُو بَكْرٍ : فِيهِ رِوَايَتَانِ : إحْدَاهُمَا ، لَا يَجِبُ ؛ لِأَنَّهُ جُزْءٌ مِنْ أَجْزَاءِ الصَّلَاةِ ، فَلَمْ يَجِبْ الِاسْتِقْبَالُ فِيهِ ، كَبَقِيَّةِ أَجْزَائِهَا .\rقَالَ : وَبِهِ أَقُولُ وَالثَّانِيَةُ","part":2,"page":261},{"id":761,"text":"، يَجِبُ ؛ لِمَا رَوَى أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ { ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إذَا كَانَ فِي السَّفَرِ ، فَأَرَادَ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى رَاحِلَتِهِ ، اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ ، ثُمَّ كَبَّرَ ، ثُمَّ صَلَّى حَيْثُ تَوَجَّهَتْ بِهِ } .\rرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ .\rوَلِأَنَّهُ أَمْكَنَهُ ابْتِدَاءُ الصَّلَاةِ مُسْتَقْبِلًا فَلَمْ يَجُزْ بِدُونِهِ ، كَمَا لَوْ أَمْكَنَهُ ذَلِكَ فِي رَكْعَةٍ كَامِلَةٍ .\rوَتَمَامُ شَرْحِ هَذِهِ الصَّلَاةِ نَذْكُرُهُ فِي بَابِ صَلَاةِ الْخَوْفِ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ .","part":2,"page":262},{"id":762,"text":"( 605 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ ( وَسَوَاءٌ كَانَ مَطْلُوبًا أَوْ طَالِبًا يَخْشَى فَوَاتَ الْعَدُوِّ ، وَعَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ، رَحِمَهُ اللَّهُ رِوَايَةٌ أُخْرَى : أَنَّهُ إنْ كَانَ طَالِبًا ، فَلَا يُجْزِئُهُ أَنْ يُصَلِّيَ إلَّا صَلَاةَ آمِنٍ ) اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ رَحِمَهُ اللَّهُ ، فِي طَالِبِ الْعَدُوِّ الَّذِي يَخَافُ فَوَاتَهُ ، فَرُوِيَ أَنَّهُ يُصَلِّي عَلَى حَسَبِ حَالِهِ ، كَالْمَطْلُوبِ سَوَاءً ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ شُرَحْبِيلَ بْنِ حَسَنَةَ .\rوَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ لَا يُصَلِّي إلَّا صَلَاةَ آمِنٍ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : { فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا } .\rفَشَرَطَ الْخَوْفَ ، وَهَذَا غَيْرُ خَائِفٍ .\rوَلِأَنَّهُ آمِنٌ فَلَزِمَتْهُ صَلَاةُ الْآمِنِ ، كَمَا لَوْ لَمْ يَخْشَ فَوْتَهُمْ .\rوَهَذَا الْخِلَافُ فِيمَنْ يَأْمَنُ رُجُوعَهُمْ عَلَيْهِ إنْ تَشَاغَلَ بِالصَّلَاةِ ، وَيَأْمَنُ عَلَى أَصْحَابِهِ ، فَأَمَّا الْخَائِفُ مِنْ ذَلِكَ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْمَطْلُوبِ .\rوَلَنَا مَا رَوَى أَبُو دَاوُد ، فِي \" سُنَنِهِ \" بِإِسْنَادِهِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ ، قَالَ : { بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى خَالِدِ بْنِ سُفْيَانَ الْهُذَلِيِّ ، وَكَانَ نَحْوَ عُرَنَةَ أَوْ عَرَفَاتٍ ، قَالَ : اذْهَبْ فَاقْتُلْهُ .\rفَرَأَيْتُهُ ، وَحَضَرَتْ صَلَاةُ الْعَصْرِ ، فَقُلْت : إنِّي لَأَخَافُ أَنْ يَكُونَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ مَا يُؤَخِّرُ الصَّلَاةَ ، فَانْطَلَقْتُ أَمْشِي ، وَأَنَا أُصَلِّي أُومِئُ إيمَاءً نَحْوَهُ ، فَلَمَّا دَنَوْتُ مِنْهُ ، قَالَ لِي : مَنْ أَنْتَ ؟ قُلْت : رَجُلٌ مِنْ الْعَرَبِ ، بَلَغَنِي أَنَّك تَجْمَعُ لِهَذَا الرَّجُلِ ، فَجِئْتُك لِذَلِكَ ، قَالَ : إنِّي لَعَلَى ذَلِكَ .\rفَمَشَيْتُ مَعَهُ سَاعَةً ، حَتَّى إذَا أَمْكَنَنِي عَلَوْتُهُ بِسَيْفِي حَتَّى بَرَدَ } .\rوَظَاهِرُ حَالِهِ أَنَّهُ أَخْبَرَ بِذَلِكَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ كَانَ قَدْ عَلِمَ جَوَازَ ذَلِكَ مِنْ قَبْلِهِ ، فَإِنَّهُ لَا يُظَنُّ بِهِ أَنَّهُ يَفْعَلُ مِثْلَ ذَلِكَ مُخْطِئًا ، وَهُوَ","part":2,"page":263},{"id":763,"text":"رَسُولُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ لَا يُخْبِرُهُ بِهِ ، وَلَا يَسْأَلُهُ عَنْ حُكْمِهِ .\rوَرَوَى الْأَوْزَاعِيُّ عَنْ سَابِقٍ الْبَرْبَرِيِّ ، عَنْ كِتَابِ الْحَسَنِ : أَنَّ الطَّالِبَ يَنْزِلُ فَيُصَلِّي بِالْأَرْضِ .\rفَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : وَجَدْنَا الْأَمْرَ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ ، قَالَ شُرَحْبِيلُ بْنُ حَسَنَةَ : لَا تُصَلُّوا الصُّبْحَ إلَّا عَلَى ظَهْرٍ .\rفَنَزَلَ الْأَشْتَرُ فَصَلَّى عَلَى الْأَرْضِ ، فَمَرَّ بِهِ شُرَحْبِيلُ ، فَقَالَ ؛ مُخَالِفٌ ، خَالَفَ اللَّهُ بِهِ .\rقَالَ : فَخَرَجَ الْأَشْتَرُ فِي الْفِتْنَةِ .\rوَكَانَ الْأَوْزَاعِيُّ يَأْخُذُ بِهَذَا فِي طَلَبِ الْعَدُوِّ ؛ وَلِأَنَّهَا إحْدَى حَالَتَيْ الْحَرْبِ ، أَشْبَهَتْ حَالَةَ الْهَرَبِ .\rوَالْآيَةُ لَا دَلَالَةَ فِيهَا عَلَى مَحَلِّ النِّزَاعِ لِأَنَّ مَدْلُولَهَا إبَاحَةُ الْقَصْرِ .\rوَقَدْ أُبِيحَ الْقَصْرُ حَالَةَ الْأَمْنِ بِغَيْرِ خِلَافٍ ، وَهُوَ أَيْضًا غَيْرُ مَحَلِّ النِّزَاعِ ، ثُمَّ وَإِنْ دَلَّتْ عَلَى مَحَلِّ النِّزَاعِ ، فَقَدْ أُبِيحَتْ صَلَاةُ الْخَوْفِ مِنْ غَيْرِ خَوْفِ فِتْنَةِ الْكُفَّارِ ، لِلْخَوْفِ مِنْ سَبُعٍ أَوْ سَيْلٍ أَوْ حَرِيقٍ ، لِوُجُودِ مَعْنَى الْمَنْطُوقِ فِيهَا ، وَهَذَا فِي مَعْنَاهُ ، لِأَنَّ فَوَاتَ الْكُفَّارِ ضَرَرٌ عَظِيمٌ ، فَأُبِيحَتْ صَلَاةُ الْخَوْفِ عِنْدَ فَوْتِهِ ، كَالْحَالَةِ الْأُخْرَى .","part":2,"page":264},{"id":764,"text":"( 606 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ ( وَلَهُ أَنْ يَتَطَوَّعَ فِي السَّفَرِ عَلَى الرَّاحِلَةِ ، عَلَى مَا وَصَفْنَا مِنْ صَلَاةِ الْخَوْفِ ) لَا نَعْلَمُ خِلَافًا بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي إبَاحَةِ التَّطَوُّعِ عَلَى الرَّاحِلَةِ فِي السَّفَرِ الطَّوِيلِ .\rقَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا عِنْدَ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rوَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ جَائِزٌ لِكُلِّ مَنْ سَافَرَ سَفَرًا يَقْصُرُ فِيهِ الصَّلَاةَ أَنْ يَتَطَوَّعَ عَلَى دَابَّتِهِ حَيْثُمَا تَوَجَّهَتْ ، يُومِئُ بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ ، يَجْعَلُ السُّجُودَ أَخْفَضَ مِنْ الرُّكُوعِ .\rوَأَمَّا السَّفَرُ الْقَصِيرُ وَهُوَ مَا لَا يُبَاحُ فِيهِ الْقَصْرُ ، فَإِنَّهُ تُبَاحُ فِيهِ الصَّلَاةُ عَلَى الرَّاحِلَةِ عِنْدَ إمَامِنَا ، وَاللَّيْثِ ، وَالْحَسَنِ بْنِ حَيٍّ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : لَا يُبَاحُ إلَّا فِي سَفَرٍ طَوِيلٍ ؛ لِأَنَّهُ رُخْصَةُ سَفَرٍ ، فَاخْتُصَّ بِالطَّوِيلِ كَالْقَصْرِ .\rوَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ } ، قَالَ ابْنُ عُمَرَ : نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي التَّطَوُّعِ خَاصَّةً ، حَيْثُ تَوَجَّهَ بِكَ بَعِيرُكَ .\rوَهَذَا مُطْلَقٌ يَتَنَاوَلُ بِإِطْلَاقِهِ مَحَلَّ النِّزَاعِ .\rوَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { كَانَ يُوتِرُ عَلَى بَعِيرِهِ } وَفِي رِوَايَةٍ : { كَانَ يُسَبِّحُ عَلَى ظَهْرِ رَاحِلَتِهِ حَيْثُ كَانَ وَجْهُهُ ، يُومِئُ بِرَأْسِهِ } وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَفْعَلُهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا .\rوَلِلْبُخَارِيِّ : { إلَّا الْفَرَائِضَ } .\rوَلِمُسْلِمٍ ، وَأَبِي دَاوُد : { غَيْرَ أَنَّهُ لَا يُصَلِّي عَلَيْهَا الْمَكْتُوبَةَ } .\rوَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ قَصِيرِ السَّفَرِ وَطَوِيلِهِ ، وَلِأَنَّ إبَاحَةَ الصَّلَاةِ عَلَى الرَّاحِلَةِ تَخْفِيفٌ فِي التَّطَوُّعِ ، كَيْ لَا يُؤَدِّيَ إلَى قَطْعِهَا وَتَقْلِيلِهَا ، وَهَذَا يَسْتَوِي فِيهِ الطَّوِيلُ وَالْقَصِيرُ ، وَالْقَصْرُ وَالْفِطْرُ يُرَاعَى فِيهِ الْمَشَقَّةُ ، وَإِنَّمَا تُوجَدُ غَالِبًا فِي الطَّوِيلِ .\rقَالَ الْقَاضِي :","part":2,"page":265},{"id":765,"text":"الْأَحْكَامُ الَّتِي يَسْتَوِي فِيهَا الطَّوِيلُ مِنْ السَّفَرِ وَالْقَصِيرُ ثَلَاثَةٌ : التَّيَمُّمُ ، وَأَكْلُ الْمَيْتَةِ فِي الْمَخْمَصَةِ ، وَالتَّطَوُّعُ عَلَى الرَّاحِلَةِ ، وَبَقِيَّةُ الرُّخَصِ تَخُصُّ الطَّوِيلَ ؛ الْفِطْرُ ، وَالْجَمْعُ ، وَالْمَسْحُ ثَلَاثًا .","part":2,"page":266},{"id":766,"text":"( 607 ) فَصْلٌ : وَحُكْمُ الصَّلَاةِ عَلَى الرَّاحِلَةِ حُكْمُ الصَّلَاةِ فِي الْخَوْفِ ، فِي أَنَّهُ يُومِئُ بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ ، وَيَجْعَلُ السُّجُودَ أَخْفَضَ مِنْ الرُّكُوعِ .\rقَالَ جَابِرٌ : { بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَاجَةٍ ، فَجِئْت وَهُوَ يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَتِهِ نَحْوَ الْمَشْرِقِ ، وَالسُّجُودُ أَخْفَضُ مِنْ الرُّكُوعِ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَيَجُوزُ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى الْبَعِيرِ وَالْحِمَارِ وَغَيْرِهِمَا .\rقَالَ ابْنُ عُمَرَ : { رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي عَلَى حِمَارٍ ، وَهُوَ مُتَوَجِّهٌ إلَى خَيْبَرَ .\r} .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَالنَّسَائِيُّ .\rلَكِنْ إنْ صَلَّى عَلَى حَيَوَانٍ نَجِسٍ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا سُتْرَةٌ طَاهِرَةٌ .","part":2,"page":267},{"id":767,"text":"( 608 ) فَصْلٌ : فَإِنْ كَانَ عَلَى الرَّاحِلَةِ فِي مَكَان وَاسِعٍ ، كَالْمُنْفَرِدِ فِي الْعِمَارِيَّةِ يَدُورُ فِيهَا كَيْفَ شَاءَ ، وَيَتَمَكَّنُ مِنْ الصَّلَاةِ إلَى الْقِبْلَةِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ ، فَعَلَيْهِ اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ فِي صَلَاتِهِ ، وَيَسْجُدُ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ إنْ أَمْكَنَهُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ كَرَاكِبِ السَّفِينَةِ .\rوَإِنْ قَدَرَ عَلَى الِاسْتِقْبَالِ دُونَ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ ، اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ ، وَأَوْمَأَ بِهِمَا .\rنَصَّ عَلَيْهِ .\rوَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ الْآمِدِيُّ : يَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَلْزَمَهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ ، كَغَيْرِهِ ؛ لِأَنَّ الرُّخْصَةَ الْعَامَّةَ تَعُمُّ مَا وُجِدَتْ فِيهِ الْمَشَقَّةُ وَغَيْرَهُ ، كَالْقَصْرِ وَالْجَمْعِ .\rوَإِنْ عَجَزَ عَنْ ذَلِكَ سَقَطَ بِغَيْرِ خِلَافٍ .\rوَإِنْ كَانَ يَعْجِزُ عَنْ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ فِي ابْتِدَاءِ صَلَاتِهِ ، كَرَاكِبِ رَاحِلَةٍ لَا تُطِيعُهُ ، أَوْ كَانَ فِي قِطَارٍ ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ فِي شَيْءٍ مِنْ الصَّلَاةِ .\rوَإِنْ أَمْكَنَهُ افْتِتَاحُهَا إلَى الْقِبْلَةِ ، كَرَاكِبِ رَاحِلَةٍ مُنْفَرِدَةٍ تُطِيعُهُ ، فَهَلْ يَلْزَمُهُ افْتِتَاحُهَا إلَى الْقِبْلَةِ ؟ يُخَرَّجُ فِيهِ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، يَلْزَمُهُ لِمَا رَوَى أَنَسٌ ، { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إذَا سَافَرَ ، فَأَرَادَ أَنْ يَتَطَوَّعَ ، اسْتَقْبَلَ بِنَاقَتِهِ الْقِبْلَةَ ، فَكَبَّرَ ، ثُمَّ صَلَّى حَيْثُ كَانَ وِجْهَةُ رِكَابِهِ } رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ، فِي \" مُسْنَدِهِ \" وَأَبُو دَاوُد .\rوَلِأَنَّهُ أَمْكَنَهُ اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ فِي ابْتِدَاءِ الصَّلَاةِ فَلَزِمَهُ ذَلِكَ ، كَالصَّلَاةِ كُلِّهَا .\rوَالثَّانِيَةُ : لَا يَلْزَمُهُ ؛ لِأَنَّهُ جُزْءٌ مِنْ أَجْزَاءِ الصَّلَاةِ ، أَشْبَهَ سَائِرَ أَجْزَائِهَا ، وَلِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَخْلُو مِنْ مَشَقَّةٍ ، فَسَقَطَ ، وَخَبَرُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحْمَلُ عَلَى الْفَضِيلَةِ وَالنَّدْبِ .\r( 609 ) فَصْلٌ : وَقِبْلَةُ هَذَا الْمُصَلِّي حَيْثُ كَانَتْ وِجْهَتُهُ ، فَإِنْ عَدَلَ عَنْهَا نَظَرْتَ ، فَإِنْ كَانَ عُدُولُهُ إلَى جِهَةِ الْكَعْبَةِ ،","part":2,"page":268},{"id":768,"text":"جَازَ ؛ لِأَنَّهَا الْأَصْلُ ، وَإِنَّمَا جَازَ تَرْكُهَا لِلْعُذْرِ ، فَإِذَا عَدَلَ إلَيْهَا أَتَى بِالْأَصْلِ ، كَمَا لَوْ رَكَعَ فَسَجَدَ فِي مَكَانِ الْإِيمَاءِ .\rوَإِنْ عَدَلَ إلَى غَيْرِهَا عَمْدًا ، فَسَدَتْ صَلَاتُهُ ؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ قِبْلَتَهُ عَمْدًا .\rوَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ مَغْلُوبًا ، أَوْ نَائِمًا ، أَوْ ظَنًّا مِنْهُ أَنَّهَا جِهَةُ سَفَرِهِ ، فَهُوَ عَلَى صَلَاتِهِ ، وَيَرْجِعُ إلَى جِهَةِ سَفَرِهِ عِنْدَ زَوَالِ عُذْرِهِ .\rلِأَنَّهُ مَغْلُوبٌ عَلَى ذَلِكَ .\rفَأَشْبَهَ الْعَاجِزَ عَنْ الِاسْتِقْبَالِ .\rفَإِنْ تَمَادَى بِهِ ذَلِكَ بَعْدَ زَوَالِ عُذْرِهِ ، فَسَدَتْ صَلَاتُهُ ؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ الِاسْتِقْبَالَ عَمْدًا .\rوَلَا فَرْقَ بَيْنَ جَمِيعِ التَّطَوُّعَاتِ فِي هَذَا ، فَيَسْتَوِي فِيهِ النَّوَافِلُ الْمُطْلَقَةُ ، وَالسُّنَنُ الرَّوَاتِبُ ، وَالْمُعَيَّنَةُ ، وَالْوِتْرُ ، وَسُجُودُ التِّلَاوَةِ ، وَقَدْ { كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُوتِرُ عَلَى بَعِيرِهِ } ، { وَكَانَ يُسَبِّحُ عَلَى بَعِيرِهِ إلَّا الْفَرَائِضَ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا .","part":2,"page":269},{"id":769,"text":"( 610 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا الْمَاشِي فِي السَّفَرِ ، فَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ أَنَّهُ لَا تُبَاحُ لَهُ الصَّلَاةُ فِي حَالِ مَشْيِهِ ؛ لِقَوْلِهِ : \" وَلَا يُصَلِّي فِي غَيْرِ هَاتَيْنِ الْحَالَتَيْنِ فَرْضًا ، وَلَا نَافِلَةً ، إلَّا مُتَوَجِّهًا إلَى الْكَعْبَةِ \" .\rوَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ ؛ فَإِنَّهُ قَالَ : : مَا أَعْلَمُ أَحَدًا قَالَ فِي الْمَاشِي : يُصَلِّي ، إلَّا عَطَاءً ، وَلَا يُعْجِبُنِي أَنْ يُصَلِّيَ الْمَاشِي .\rوَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ .\rوَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ ، لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ مَاشِيًا .\rنَقَلَهَا مُثَنَّى بْنُ جَامِعٍ ، وَذَكَرَهَا الْقَاضِي وَغَيْرُهُ .\rوَعَلَيْهِ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ لِافْتِتَاحِ الصَّلَاةِ ، ثُمَّ يَنْحَرِفَ إلَى جِهَةِ سَيْرِهِ ، وَيَقْرَأَ وَهُوَ مَاشٍ ، وَيَرْكَعَ ثُمَّ يَسْجُدَ عَلَى الْأَرْضِ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ عَطَاءٍ ، وَالشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ الْآمِدِيُّ : يُومِئُ بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ ، كَالرَّاكِبِ ؛ لِأَنَّهَا حَالَةٌ أُبِيحَ فِيهَا تَرْكُ الِاسْتِقْبَالِ ، فَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ كَالرَّاكِبِ .\rوَعَلَى قَوْلِ الْقَاضِي : الرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ مُمْكِنٌ مِنْ غَيْرِ انْقِطَاعِهِ عَنْ جِهَةِ سَيْرِهِ ، فَلَزِمَهُ ، كَالْوَقْفِ .\rوَاحْتَجُّوا بِأَنَّ الصَّلَاةَ أُبِيحَتْ لِلرَّاكِبِ ، لِئَلَّا يَنْقَطِعَ عَنْ الْقَافِلَةِ فِي السَّفَرِ ، وَهَذَا الْمَعْنَى مَوْجُودٌ فِي الْمَاشِي ، وَلِأَنَّهُ إحْدَى حَالَتَيْ سَيْرِ الْمُسَافِرِ ، فَأُبِيحَتْ الصَّلَاةُ فِيهَا كَالْأُخْرَى .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ ، وَلَا هُوَ فِي مَعْنَى الْمَنْقُولِ ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى عَمَلٍ كَثِيرٍ ، وَمَشْيٍ مُتَتَابِعٍ ، يَقْطَعُ الصَّلَاةَ ، وَيَقْتَضِي بُطْلَانَهَا ، وَهَذَا غَيْرُ مَوْجُودٍ فِي الرَّاكِبِ ، فَلَمْ يَصِحَّ إلْحَاقُهُ بِهِ ، وَلِأَنَّ قَوْله تَعَالَى : { وَحَيْثُمَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ } .\rعَامٌّ تُرِكَ فِي مَوْضِعِ الْإِجْمَاعِ ، بِشُرُوطٍ مَوْجُودَةٍ هَاهُنَا ، فَيَبْقَى وُجُوبُ الِاسْتِقْبَالِ فِيمَا عَدَاهُ عَلَى مُقْتَضَى الْعُمُومِ .","part":2,"page":270},{"id":770,"text":"( 611 ) فَصْلٌ : وَإِذَا دَخَلَ الْمُصَلِّي بَلَدًا نَاوِيًا لِلْإِقَامَةِ فِيهِ ، لَمْ يُصَلِّ بَعْدَ دُخُولِهِ إلَيْهِ إلَّا صَلَاةَ الْمُقِيمِ .\rوَإِنْ دَخَلَهُ مُجْتَازًا بِهِ ، غَيْرَ نَاوٍ لِلْإِقَامَةِ فِيهِ ، وَلَا نَازِلٍ بِهِ ، أَوْ نَازِلًا بِهِ ، ثُمَّ يَرْتَحِلُ مِنْ غَيْرِ نِيَّةِ إقَامَةِ مُدَّةٍ يَلْزَمُهُ بِهَا إتْمَامُ الصَّلَاةِ ، اسْتَدَامَ الصَّلَاةَ مَا دَامَ سَائِرًا ، فَإِذَا نَزَلَ فِيهِ صَلَّى إلَى الْقِبْلَةِ ، وَبَنَى عَلَى مَا مَضَى مِنْ صَلَاتِهِ ، كَقَوْلِنَا فِي الْخَائِفِ إذَا أَمِنَ فِي أَثْنَاءِ صَلَاتِهِ .\rوَلَوْ ابْتَدَأَهَا ، وَهُوَ نَازِلٌ إلَى الْقِبْلَةِ ، ثُمَّ أَرَادَ الرُّكُوبَ ، أَتَمَّ صَلَاتَهُ ، ثُمَّ رَكِبَ .\rوَقِيلَ : يَرْكَبُ فِي الصَّلَاةِ وَيُتِمُّهَا إلَى جِهَةِ سَيْرِهِ ، كَالْآمِنِ إذَا خَافَ فِي أَثْنَاءِ صَلَاتِهِ .\rوَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ حَالَةَ الْخَوْفِ حَالَةُ ضَرُورَةٍ أُبِيحَ فِيهَا مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ الْعَمَلِ ، وَهَذِهِ رُخْصَةٌ وَرَدَ الشَّرْعُ بِهَا مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ إلَيْهَا ، فَلَا يُبَاحُ فِيهَا غَيْرُ مَا نُقِلَ فِيهَا ، وَلَمْ يَرِدْ بِإِبَاحَةِ الرُّكُوبِ الَّذِي يَحْتَاجُ فِيهِ إلَى عَمَلٍ وَتَوَجُّهٍ إلَى غَيْرِ جِهَةِ الْقِبْلَةِ وَلَا جِهَةِ سَيْرِهِ ، فَيَبْقَى عَلَى الْأَصْلِ .\rوَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .","part":2,"page":271},{"id":771,"text":"( 612 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَلَا يُصَلِّي فِي غَيْرِ هَاتَيْنِ الْحَالَتَيْنِ فَرْضًا وَلَا نَافِلَةً إلَّا مُتَوَجِّهًا إلَى الْكَعْبَةِ ؛ فَإِنْ كَانَ يُعَايِنُهَا فَبِالصَّوَابِ ، وَإِنْ كَانَ غَائِبًا عَنْهَا فَبِالِاجْتِهَادِ بِالصَّوَابِ إلَى جِهَتِهَا ) قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ اسْتِقْبَالَ الْقِبْلَةِ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الصَّلَاةِ ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْفَرِيضَةِ وَالنَّافِلَةِ ؛ لِأَنَّهُ شَرْطٌ لِلصَّلَاةِ ، فَاسْتَوَى فِيهِ الْفَرْضُ وَالنَّفَلُ ، كَالطَّهَارَةِ وَالسِّتَارَةِ ، وَلِأَنَّ قَوْله تَعَالَى : { وَحَيْثُمَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ } عَامٌّ فِيهِمَا جَمِيعًا .\rثُمَّ إنْ كَانَ مُعَايِنًا لِلْكَعْبَةِ ، فَفَرْضُهُ الصَّلَاةُ إلَى عَيْنِهَا .\rلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا .\rقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ ؛ إنْ خَرَجَ بَعْضُهُ عَنْ مُسَامَتَةِ الْكَعْبَةِ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ .\rوَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا : النَّاسُ فِي اسْتِقْبَالِهَا عَلَى أَرْبَعَةِ أَضْرُبٍ : مِنْهُمْ مَنْ يَلْزَمُهُ الْيَقِينُ ، وَهُوَ مَنْ كَانَ مُعَايِنًا لِلْكَعْبَةِ ، أَوْ كَانَ بِمَكَّةَ مِنْ أَهْلِهَا ، أَوْ نَاشِئًا بِهَا مِنْ وَرَاءِ حَائِلٍ مُحْدَثٍ كَالْحِيطَانِ ، فَفَرْضُهُ التَّوَجُّهُ إلَى عَيْنِ الْكَعْبَةِ يَقِينًا .\rوَهَكَذَا إنْ كَانَ بِمَسْجِدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَنَّهُ مُتَيَقِّنٌ صِحَّةَ قِبْلَتِهِ ، فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يُقِرُّ عَلَى الْخَطَأِ ، وَقَدْ رَوَى أُسَامَةُ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ ، قِبَلَ الْقِبْلَةِ ، وَقَالَ : هَذِهِ الْقِبْلَةُ } .\rالثَّانِي : مَنْ فَرْضُهُ الْخَبَرُ ، وَهُوَ مَنْ كَانَ بِمَكَّةَ غَائِبًا عَنْ الْكَعْبَةِ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهَا ، وَوَجَدَ مُخْبِرًا يُخْبِرُهُ عَنْ يَقِينٍ أَوْ مُشَاهَدَةٍ ، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ وَرَاءِ حَائِلٍ ، وَعَلَى الْحَائِلِ مَنْ يُخْبِرُهُ ، أَوْ كَانَ غَرِيبًا نَزَلَ بِمَكَّةَ ، فَأَخْبَرَهُ أَهْلُ الدَّارِ ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ فِي مِصْرٍ أَوْ قَرْيَةٍ ، فَفَرْضُهُ التَّوَجُّهُ إلَى مَحَارِيبِهِمْ وَقِبْلَتِهِمْ الْمَنْصُوبَةِ ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْقِبَلَ يَنْصِبُهَا أَهْلُ","part":2,"page":272},{"id":772,"text":"الْخِبْرَةِ وَالْمَعْرِفَةِ ، فَجَرَى ذَلِكَ مَجْرَى الْخَبَرِ ، فَأَغْنَى عَنْ الِاجْتِهَادِ ، وَإِنْ أَخْبَرَهُ مُخْبِرٌ مِنْ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ بِالْقِبْلَةِ ؛ أَمَّا مِنْ أَهْلِ الْبَلَدِ ، أَوْ مِنْ غَيْرِهِ ، صَارَ إلَى خَبَرِهِ ، وَلَيْسَ لَهُ الِاجْتِهَادُ ، كَمَا يَقْبَلُ الْحَاكِمُ النَّصَّ مِنْ الثِّقَةِ ، وَلَا يَجْتَهِدُ .\rالثَّالِثُ : مَنْ فَرْضُهُ الِاجْتِهَادُ ، وَهُوَ مَنْ عَدِمَ هَاتَيْنِ الْحَالَتَيْنِ ، وَهُوَ عَالِمٌ بِالْأَدِلَّةِ .\rالرَّابِعُ : مَنْ فَرْضُهُ التَّقْلِيدُ ، وَهُوَ الْأَعْمَى وَمَنْ لَا اجْتِهَادَ لَهُ ، وَعَدِمَ الْحَالَتَيْنِ ، فَفَرْضُهُ تَقْلِيدُ الْمُجْتَهِدِينَ .\rوَالْوَاجِبُ عَلَى هَذَيْنِ وَسَائِرِ مَنْ بَعُدَ مِنْ مَكَّةَ طَلَبُ جِهَةِ الْكَعْبَةِ ، دُونَ إصَابَةِ الْعَيْنِ .\rقَالَ أَحْمَدُ : مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ قِبْلَةٌ ، فَإِنْ انْحَرَفَ عَنْ الْقِبْلَةِ قَلِيلًا لَمْ يُعِدْ ، وَلَكِنْ يَتَحَرَّى الْوَسَطَ .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ كَقَوْلِنَا ، وَالْآخَرِ : الْفَرْضُ إصَابَةُ الْعَيْنِ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَحَيْثُمَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ } وَلِأَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ التَّوَجُّهُ إلَى الْكَعْبَةِ ، فَلَزِمَهُ التَّوَجُّهُ إلَى عَيْنِهَا ، كَالْمُعَايِنِ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ قِبْلَةٌ } .\rرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَقَالَ : حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ .\rوَظَاهِرُهُ أَنَّ جَمِيعَ مَا بَيْنَهُمَا قِبْلَةٌ .\rوَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْفَرْضُ إصَابَةَ الْعَيْنِ ، لَمَا صَحَّتْ صَلَاةُ أَهْلِ الصَّفِّ الطَّوِيلِ عَلَى خَطٍّ مُسْتَوٍ ، وَلَا صَلَاةُ اثْنَيْنِ مُتَبَاعِدَيْنِ يَسْتَقْبِلَانِ قِبْلَةً وَاحِدَةً ، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَتَوَجَّهَ إلَى الْكَعْبَةِ مَعَ طُولِ الصَّفِّ إلَّا بِقَدْرِهَا .\rفَإِنْ قِيلَ : مَعَ الْبَعِيدِ يَتَّسِعُ الْمُحَاذِي .\rقُلْنَا : إنَّمَا يَتَّسِعُ مَعَ تَقَوُّسِ الصَّفِّ ، أَمَّا مَعَ اسْتِوَائِهِ فَلَا .\rوَشَطْرَ الْبَيْتِ : نَحْوَهُ وَقِبَلَهُ .","part":2,"page":273},{"id":773,"text":"فَصْلٌ : فَأَمَّا مَحَارِيبُ الْكُفَّارِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُسْتَدَلَّ بِهَا ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُمْ لَا يُسْتَدَلُّ بِهِ ، فَمَحَارِيبُهُمْ أَوْلَى ، إلَّا أَنْ نَعْلَمَ قِبْلَتَهُمْ كَالنَّصَارَى ، نَعْلَمُ أَنَّ قِبْلَتَهُمْ الْمَشْرِقُ ، فَإِذَا رَأَى مَحَارِيبَهُمْ فِي كَنَائِسِهِمْ عَلِمَ أَنَّهَا مُسْتَقْبِلَةٌ الْمَشْرِقَ .\rوَإِنْ وَجَدَ مِحْرَابًا لَا يَعْلَمُ هَلْ هُوَ لِلْمُسْلِمِينَ أَوْ لِغَيْرِهِمْ ، اجْتَهَدَ وَلَمْ يَلْتَفِتْ إلَيْهِ ؛ لِأَنَّ الِاسْتِدْلَالَ إنَّمَا يَجُوزُ بِمَحَارِيبِ الْمُسْلِمِينَ ، وَلَا يُعْلَمُ وُجُودُ ذَلِكَ .\rوَلَوْ رَأَى عَلَى الْمِحْرَابِ آثَارَ الْإِسْلَامِ ، لَمْ يُصَلِّ إلَيْهِ ؛ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الْبَانِي لَهُ مُشْرِكًا مُسْتَهْزِئًا ، يَغُرُّ بِهِ الْمُسْلِمِينَ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ الِاحْتِمَالُ ، وَيَحْصُلَ لَهُ الْعِلْمُ أَنَّهُ مِنْ مَحَارِيبِ الْمُسْلِمِينَ ، فَيَسْتَقْبِلَهُ .","part":2,"page":274},{"id":774,"text":"( 614 ) فَصْلٌ : وَلَوْ صَلَّى عَلَى جَبَلٍ عَالٍ يَخْرُجُ عَنْ مُسَامَتَةِ الْكَعْبَةِ ، صَحَّتْ صَلَاتُهُ .\rوَكَذَلِكَ لَوْ صَلَّى فِي مَكَان يَنْزِلُ عَنْ مُسَامَتَتِهَا ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ اسْتِقْبَالُهَا وَمَا يُسَامِتُهَا مِنْ فَوْقِهَا وَتَحْتِهَا ، بِدَلِيلِ مَا لَوْ زَالَتْ الْكَعْبَةُ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ صَحَّتْ الصَّلَاةُ إلَى مَوْضِعِ جِدَارِهَا .","part":2,"page":275},{"id":775,"text":"( 615 ) فَصْلٌ : وَالْمُجْتَهِدُ فِي الْقِبْلَةِ هُوَ الْعَالِمُ بِأَدِلَّتِهَا ، وَإِنْ كَانَ جَاهِلًا بِأَحْكَامِ الشَّرْعِ ، فَإِنَّ كُلَّ مَنْ عَلِمَ أَدِلَّةَ شَيْءٍ كَانَ مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ فِيهِ ، وَإِنْ جَهِلَ غَيْرَهُ ، وَلِأَنَّهُ يَتَمَكَّنُ مِنْ اسْتِقْبَالِهَا بِدَلِيلِهِ ، فَكَانَ مُجْتَهِدًا فِيهَا كَالْفَقِيهِ ، وَلَوْ جَهِلَ الْفَقِيهُ أَدِلَّتَهَا أَوْ كَانَ أَعْمَى ، فَهُوَ مُقَلِّدٌ وَإِنْ عَلِمَ غَيْرَهَا .\rوَأَوْثَقُ أَدِلَّتِهَا النُّجُومُ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ } وَقَالَ تَعَالَى : { وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ } .\rوَآكَدُهَا الْقُطْبُ الشَّمَالِيُّ ، وَهُوَ نَجْمٌ خَفِيٌّ حَوْلَهُ أَنْجُمٌ دَائِرَةٌ كَفَرَاشَةِ الرَّحَى ، فِي أَحَدِ طَرَفَيْهَا الْفَرْقَدَانِ ، وَفِي الْآخَرِ الْجَدْيُ ، وَبَيْنَ ذَلِكَ أَنْجُمٌ صِغَارٌ ، مَنْقُوشَةٌ كَنُقُوشِ الْفَرَاشَةِ ، ثَلَاثَةٌ مِنْ فَوْقُ وَثَلَاثَةٌ مِنْ أَسْفَلُ ، تَدُورُ هَذِهِ الْفَرَاشَةُ حَوْلَ الْقُطْبِ ، دَوَرَانَ فَرَاشَةِ الرَّحَى حَوْلَ سَفُّودِهَا ، فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ دَوْرَةً ، فِي اللَّيْلِ نِصْفُهَا وَفِي النَّهَارِ نِصْفُهَا ، فَيَكُونُ الْجَدْيُ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ فِي مَكَانِ الْفَرْقَدَيْنِ عِنْدَ غُرُوبِهَا ، وَيُمْكِنُ الِاسْتِدْلَال بِهَا عَلَى سَاعَاتِ اللَّيْلِ وَأَوْقَاتِهِ ، وَالْأَزْمِنَةِ ، لِمَنْ عَرَفَهَا ، وَعَلِمَ كَيْفِيَّةَ دَوَرَانِهَا ، وَحَوْلَهَا بَنَاتُ نَعْشٍ مِمَّا يَلِي الْفَرْقَدَيْنِ تَدُورُ حَوْلَهَا ، وَالْقُطْبُ لَا يَبْرَحُ مَكَانَهُ فِي جَمِيعِ الْأَزْمَانِ ، وَلَا يَتَغَيَّرُ كَمَا لَا يَتَغَيَّرُ سَفُّودُ الرَّحَى بِدَوَرَانِهَا .\rوَقِيلَ : إنَّهُ يَتَغَيَّرُ تَغَيُّرًا يَسِيرًا لَا يَتَبَيَّنُ ، وَلَا يُؤَثِّرُ ، وَهُوَ نَجْمٌ خَفِيٌّ يَرَاهُ حَدِيدُ النَّظَرِ إذَا لَمْ يَكُنْ الْقَمَرُ طَالِعًا ، فَإِذَا قَوِيَ نُورُ الْقَمَرِ خَفِيَ ، فَإِذَا اسْتَدْبَرْتَهُ فِي الْأَرْضِ الشَّامِيَّةِ ، كُنْتَ مُسْتَقْبِلًا الْكَعْبَةَ .\rوَقِيلَ : إنَّهُ يَنْحَرِفُ فِي دِمَشْقَ وَمَا قَارَبَهَا إلَى الْمَشْرِقِ قَلِيلًا ، وَكُلَّمَا قَرُبَ إلَى","part":2,"page":276},{"id":776,"text":"الْمَغْرِبِ كَانَ انْحِرَافُهُ أَكْثَرَ .\rوَإِنْ كَانَ بِحَرَّانَ وَمَا يُقَارِبُهَا اعْتَدَلَ ، وَجَعَلَ الْقُطْبَ خَلْفَ ظَهْرِهِ مُعْتَدِلًا مِنْ غَيْرِ انْحِرَافٍ .\rوَقِيلَ : أَعْدَلُ الْقِبَلِ قِبْلَةُ حَرَّانَ .\rوَإِنْ كَانَ بِالْعِرَاقِ جَعَلَ الْقُطْبَ حَذْوَ ظَهْرِ أُذُنِهِ الْيُمْنَى عَلَى عُلُوِّهَا ، فَيَكُونُ مُسْتَقْبِلًا بَابَ الْكَعْبَةِ إلَى الْمَقَامِ ، وَمَتَى اسْتَدْبَرَ الْفَرْقَدَيْنِ أَوْ الْجَدْيَ ، فِي حَالِ عُلُوِّ أَحَدِهِمَا وَنُزُولِ الْآخَرِ ، عَلَى الِاعْتِدَالِ ، كَانَ ذَلِكَ كَاسْتِدْبَارِ الْقُطْبِ .\rوَإِنْ اسْتَدْبَرَهُ ، فِي غَيْرِ هَذِهِ الْحَالِ ، كَانَ مُسْتَقْبِلًا لِلْجِهَةِ ، فَإِذَا اسْتَدْبَرَ الشَّرْقِيَّ مِنْهَا ، كَانَ مُنْحَرِفًا إلَى الْغَرْبِ قَلِيلًا ، وَإِذَا اسْتَدْبَرَ الْغَرْبِيَّ كَانَ مُنْحَرِفًا إلَى الشَّرْقِ ، وَإِنْ اسْتَدْبَرَ بَنَاتَ نَعْشٍ ، كَانَ مُسْتَقْبِلًا لِلْجِهَةِ أَيْضًا ، إلَّا أَنَّ انْحِرَافَهُ أَكْثَرُ فَصْلٌ : وَمَنَازِلُ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ ، وَهِيَ ثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ مَنْزِلًا ، وَهِيَ : السَّرَطَانُ ، وَالْبُطَيْنُ ، وَالثُّرَيَّا ، وَالدَّبَرَانُ ، وَالْهَقْعَةُ ، وَالْهَنْعَةُ ، وَالذِّرَاعُ ، وَالنَّثْرَةُ ، وَالطَّرْفُ ، وَالْجَبْهَةُ ، وَالزُّبْرَةُ ، وَالصَّرْفَةُ ، وَالْعَوَّاءُ ، وَالسِّمَاكُ ، وَالْغَفْرُ ، وَالزُّبَانَى ، وَالْإِكْلِيلُ ، وَالْقَلْبُ ، وَالشَّوْلَةُ ، وَالنَّعَائِمُ ، وَالْبَلْدَةُ ، وَسَعْدٌ الذَّابِحُ ، وَسَعْدُ بُلَعَ ، وَسَعْدُ السُّعُودِ ، وَسَعْدُ الْأَخْبِيَةِ ، وَالْفَرْعُ الْمُقَدَّمُ ؛ وَالْفَرْعُ الْمُؤَخَّرُ ، وَبَطْنُ الْحُوتِ .\rمِنْهَا أَرْبَعَةَ عَشَرَ شَامِيَّةٌ تَطْلُعُ مِنْ وَسَطِ الْمَشْرِقِ أَوْ مَائِلَةً عَنْهُ إلَى الشَّمَالِ قَلِيلًا ، أَوَّلُهَا السَّرَطَانُ ، وَآخِرُهَا السِّمَاكُ .\rوَمِنْهَا أَرْبَعَةَ عَشَرَ يَمَانِيَّةٌ ، تَطْلُعُ مِنْ الْمَشْرِقِ أَوْ مَا يَلِيهِ إلَى التَّيَامُنِ ، أَوَّلُهَا الْغَفْرُ ؛ وَآخِرُهَا بَطْنُ الْحُوتِ .\rوَلِكُلِّ نَجْمٍ مِنْ الشَّامِيَّةِ رَقِيبٌ مِنْ الْيَمَانِيَّةِ ، إذَا طَلَعَ أَحَدُهُمَا غَابَ رَقِيبُهُ ، وَيَنْزِلُ الْقَمَرُ كُلَّ لَيْلَةٍ بِمَنْزِلَةٍ مِنْهَا قَرِيبًا مِنْهُ ، ثُمَّ","part":2,"page":277},{"id":777,"text":"يَنْتَقِلُ فِي اللَّيْلَةِ الثَّانِيَةِ إلَى الْمَنْزِلِ الَّذِي يَلِيهِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ } .\rوَالشَّمْسُ تَنْزِلُ بِكُلِّ مَنْزِلٍ مِنْهَا ثَلَاثَةَ عَشَرَ يَوْمًا ، فَيَكُونُ عَوْدُهَا إلَى الْمَنْزِلِ الَّذِي نَزَلَتْ بِهِ عِنْدَ تَمَامِ حَوْلٍ كَامِلٍ مِنْ أَحْوَالِ السَّنَةِ الشَّمْسِيَّةِ ، وَهَذِهِ الْمَنَازِلُ يَكُونُ مِنْهَا فِيمَا بَيْنَ غُرُوبِ الشَّمْسِ وَطُلُوعِهَا أَرْبَعَةَ عَشَرَ مَنْزِلًا ، وَمِنْ طُلُوعِهَا إلَى غُرُوبِهَا مِثْلُ ذَلِكَ ، وَوَقْتُ الْفَجْرِ مِنْهَا مَنْزِلَانِ ، وَوَقْتُ الْمَغْرِبِ مَنْزِلٌ ، وَهُوَ نِصْفُ سُدُسِ سَوَادِ اللَّيْلِ ، وَسَوَادُ اللَّيْلِ اثْنَا عَشَرَ مَنْزِلًا ، وَكُلُّهَا تَطْلُعُ مِنْ الْمَشْرِقِ وَتَغْرُبُ فِي الْمَغْرِبِ ، إلَّا أَنَّ أَوَائِلَ الشَّامِيَّةِ وَآخِرَ الْيَمَانِيَّةِ تَطْلُعُ مِنْ وَسَطِ الْمَشْرِقِ ، بِحَيْثُ إذَا طَلَعَ جَعَلَ الطَّالِعَ مِنْهَا مُحَاذِيًا لِكَتِفِهِ الْأَيْسَرِ كَانَ مُسْتَقْبِلًا لِلْكَعْبَةِ ، وَكَذَلِكَ آخِرُ الشَّامِيَّةِ .\rوَأَوَّلُ الْيَمَانِيَّةِ يَكُونُ مُقَارِبًا لِذَلِكَ ، وَالْمُتَوَسِّطُ مِنْ الشَّامِيَّةِ ، وَهُوَ الذِّرَاعُ وَمَا يَلِيهِ مِنْ جَانِبَيْهِ ، يَمِيلُ مَطْلَعُهُ إلَى نَاحِيَةِ الشَّمَالِ ، وَالْمُتَوَسِّطُ مِنْ الْيَمَانِيَّةِ - نَحْوُ الْعَقْرَبِ ، وَالنَّعَائِمِ ، وَالْبَلْدَةِ ، وَالسُّعُودِ - تَمِيلُ مَطَالِعُهَا إلَى الْيَمِينِ ، فَالْيَمَانِيُّ مِنْهَا يَجْعَلُهُ مِنْ أَمَامِ كَتِفِهِ الْيُسْرَى ، وَالشَّامِيُّ يَجْعَلُهُ خَلْفَ كَتِفِهِ الْأَيْمَنِ قَرِيبًا مِنْهَا ، وَالْغَارِبُ مِنْهَا يَجْعَلُهُ عِنْدَ كَتِفِهِ الْأَيْمَنِ كَذَلِكَ .\rوَإِنْ عَرَفَ الْمُتَوَسِّطَ مِنْهَا بِأَنْ يَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ أُفُقِ السَّمَاءِ سَبْعَةً مِنْ هَاهُنَا وَسَبْعَةً مِنْ هَاهُنَا ، اسْتَقْبَلَهُ ، وَلِكُلِّ نَجْمٍ مِنْ هَذِهِ الْمَنَازِلِ نُجُومٌ تُقَارِبُهُ ، وَتَسِيرُ بِسَيْرِهِ ، مِنْ عَنْ يَمِينِهِ ، وَشِمَالِهِ ، يَكْثُرُ عَدَدُهَا ، حُكْمُهَا حُكْمُهُ ، وَيُسْتَدَلُّ بِهَا عَلَيْهِ ، وَعَلَى مَا تَدُلُّ عَلَيْهِ ، كَالنَّسْرَيْنِ والشعريين ، وَالنَّظْمِ","part":2,"page":278},{"id":778,"text":"الْمُقَارِنِ لِلْهَقْعَةِ ، وَالسِّمَاكِ الرَّامِحِ ، وَالْفَكَّةِ ، وَغَيْرِهَا ، وَكُلُّهَا تَطْلُعُ مِنْ الْمَشْرِقِ وَتَغْرُبُ فِي الْمَغْرِبِ ، وَسُهَيْلٌ نَجْمٌ كَبِيرٌ مُضِيءٌ يَطْلُعُ مِنْ نَحْوِ مَهَبِّ الْجَنُوبِ ، ثُمَّ يَسِيرُ حَتَّى يَصِيرَ فِي قِبْلَةِ الْمُصَلِّي ، ثُمَّ يَتَجَاوَزُهَا ، ثُمَّ يَغْرُبُ قَرِيبًا مِنْ مَهَبِّ الدَّبُورِ ، وَالنَّاقَةُ أَنْجُمٌ عَلَى صُورَةِ النَّاقَةِ ، تَطْلُعُ فِي الْمَجَرَّةِ مِنْ مَهَبِّ الصَّبَا ، ثُمَّ تَغِيبُ فِي مَهَبِّ الشَّمَالِ .\r( 617 ) فَصْلٌ : وَالشَّمْسُ تَطْلُعُ مِنْ الْمَشْرِقِ ، وَتَغْرُبُ فِي الْمَغْرِبِ ، وَتَخْتَلِفُ مَطَالِعُهَا وَمَغَارِبُهَا ، عَلَى حَسَبِ اخْتِلَافِ مَنَازِلِهَا ، وَتَكُونُ فِي الشِّتَاءِ فِي حَالِ تَوَسُّطِهَا فِي قِبْلَةِ الْمُصَلِّي ، وَفِي الصَّيْفِ مُحَاذِيَةً لِقِبْلَتِهِ .\r( 618 ) فَصْلٌ : وَالْقَمَرُ يَبْدُو أَوَّلَ لَيْلَةٍ مِنْ الشَّهْرِ هِلَالًا فِي الْمَغْرِبِ ، عَنْ يَمِينِ الْمُصَلِّي ، ثُمَّ يَتَأَخَّرُ كُلَّ لَيْلَةٍ نَحْوَ الْمَشْرِقِ مَنْزِلًا ، حَتَّى يَكُونَ لَيْلَةَ السَّابِعِ وَقْتَ الْمَغْرِبِ فِي قِبْلَةِ الْمُصَلِّي ، أَوْ مَائِلًا عَنْهَا قَلِيلًا ، ثُمَّ يَطْلُعُ لَيْلَةَ الرَّابِعَ عَشَرَ مِنْ الْمَشْرِقِ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ ، بَدْرًا تَامًّا ، وَلَيْلَةَ إحْدَى وَعِشْرِينَ يَكُونُ فِي قِبْلَةِ الْمُصَلِّي ، أَوْ قَرِيبًا مِنْهَا ، وَقْتَ الْفَجْرِ ، وَلَيْلَةَ ثَمَانٍ وَعِشْرِينَ يَبْدُو عِنْدَ الْفَجْرِ كَالْهِلَالِ مِنْ الْمَشْرِقِ ، وَتَخْتَلِفُ مَطَالِعُهُ بِاخْتِلَافِ مَنَازِلِهِ .\r( 619 ) فَصْلٌ : وَالرِّيَاحُ كَثِيرَةٌ يُسْتَدَلُّ مِنْهَا بِأَرْبَعٍ ، تَهُبُّ مِنْ زَوَايَا السَّمَاءِ ؛ الْجَنُوبُ تَهُبُّ مِنْ الزَّاوِيَةِ الَّتِي بَيْنَ الْقِبْلَةِ وَالْمَشْرِقِ ، مُسْتَقْبِلَةً بَطْنَ كَتِفِ الْمُصَلِّي الْأَيْسَرِ ، مِمَّا يَلِي وَجْهَهُ إلَى يَمِينِهِ ، وَالشَّمَالُ مُقَابِلَتُهَا ، تَهُبُّ مِنْ الزَّاوِيَةِ الَّتِي بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالشَّمَالِ ؛ مَارَّةً إلَى مَهَبِّ الْجَنُوبِ .\rوَالدَّبُورُ تَهُبُّ مِنْ الزَّاوِيَةِ الَّتِي بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْيَمَنِ ، مُسْتَقْبِلَةً شَطْرَ وَجْهِ الْمُصَلِّي الْأَيْمَنَ ، مَارَّةً إلَى","part":2,"page":279},{"id":779,"text":"الزَّاوِيَةِ الْمُقَابِلَةِ لَهَا .\rوَالصَّبَا مُقَابِلَتُهَا ، تَهُبُّ مِنْ ظَهْرِ الْمُصَلِّي .\rوَرُبَّمَا هَبَّتْ الرِّيَاحُ بَيْنَ الْحِيطَانِ وَالْجِبَالِ فَتَدُورُ ، فَلَا اعْتِبَارَ بِهَا .\rوَبَيْنَ كُلِّ رِيحَيْنِ رِيحٌ تُسَمَّى النَّكْبَاءَ ، لِتَنَكُّبِهَا طَرِيقَ الرِّيَاحِ الْمَعْرُوفَةِ ، وَتُعْرَفُ الرِّيَاحُ بِصِفَاتِهَا وَخَصَائِصِهَا ، فَهَذَا أَصَحُّ مَا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى الْقِبْلَةِ .\rوَذَكَرَ أَصْحَابُنَا الِاسْتِدْلَالَ بِالْمِيَاهِ ، وَقَالُوا : الْأَنْهَارُ الْكِبَارُ كُلُّهَا تَجْرِي عَنْ يَمْنَةِ الْمُصَلِّي إلَى يَسْرَتِهِ ، عَلَى انْحِرَافٍ قَلِيلٍ ، وَذَلِكَ مِثْلُ دِجْلَةَ وَالْفُرَاتِ وَالنَّهْرَوَانِ ، وَلَا اعْتِبَارَ بِالْأَنْهَارِ الْمُحْدَثَةِ ؛ لِأَنَّهَا تَحْدُثُ بِحَسَبِ الْحَاجَاتِ إلَى الْجِهَاتِ الْمُخْتَلِفَةِ ، وَلَا بِالسَّوَاقِي وَالْأَنْهَارِ الصِّغَارِ ؛ لِأَنَّهَا لَا ضَابِطَ لَهَا ، وَلَا بِنَهْرَيْنِ يَجْرِيَانِ مِنْ يَسْرَةِ الْمُصَلِّي إلَى يَمِينِهِ ، أَحَدُهُمَا الْعَاصِي بِالشَّامِ ، وَالثَّانِي سَيْحُونُ بِالْمَشْرِقِ .\rوَهَذَا الَّذِي ذَكَرُوهُ لَا يَنْضَبِطُ بِضَابِطٍ ؛ فَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ أَنْهَارِ الشَّامِ تَجْرِي عَلَى غَيْرِ السَّمْتِ الَّذِي ذَكَرُوهُ ، فَالْأُرْدُنُّ يَجْرِي نَحْوَ الْقِبْلَةِ ، وَكَثِيرٌ مِنْهَا يَجْرِي نَحْوَ الْبَحْرِ ، حَيْثُ كَانَ مِنْهَا حَتَّى يَصُبَّ فِيهِ .\rوَإِنْ اخْتَصَّتْ الدَّلَالَةُ بِمَا ذَكَرُوهُ فَلَيْسَ شَيْءٌ مِنْهَا فِي الشَّامِ سِوَى الْعَاصِي ، وَالْفُرَاتُ حَدُّ الشَّامِ مِنْ نَاحِيَةِ الْمَشْرِقِ .\rفَمَنْ عَلِمَ هَذِهِ الْأَدِلَّةَ فَهُوَ مُجْتَهِدٌ ، وَقَدْ يَسْتَدِلُّ أَهْلُ كُلِّ بَلْدَةٍ بِأَدِلَّةٍ تَخْتَصُّ بِبَلْدَتِهِمْ ؛ مِنْ جِبَالِهَا ، وَأَنْهَارِهَا ، وَغَيْرِ ذَلِكَ ، مِثْلُ مَنْ يَعْلَمُ أَنَّ جَبَلًا بِعَيْنِهِ يَكُونُ فِي قِبْلَتِهِمْ ، أَوْ عَلَى أَيْمَانِهِمْ ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْجِهَاتِ .\rوَكَذَلِكَ إنْ عَلِمَ مَجْرَى نَهْرٍ بِعَيْنِهِ .\rفَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ ، إذَا خَفِيَتْ عَلَيْهِ الْقِبْلَةُ فِي السَّفَرِ ، وَلَمْ يَجِدْ مُخْبِرًا ، فَفَرْضُهُ الصَّلَاةُ إلَى جِهَةٍ يُؤَدِّيهِ اجْتِهَادُهُ إلَيْهَا .","part":2,"page":280},{"id":780,"text":"فَإِنْ خَفِيَتْ عَلَيْهِ الْأَدِلَّةُ لِغَيْمٍ أَوْ ظُلْمَةٍ ، تَحَرَّى فَصَلَّى ، وَالصَّلَاةُ صَحِيحَةٌ ؛ لِمَا نَذْكُرُهُ مِنْ الْأَحَادِيثِ ، وَلِأَنَّهُ بَذَلَ وُسْعَهُ فِي مَعْرِفَةِ الْحَقِّ ، مَعَ عِلْمِهِ بِأَدِلَّتِهِ ، فَأَشْبَهَ الْحَاكِمَ وَالْعَالِمَ إذَا خَفِيَتْ عَلَيْهِ النُّصُوصُ .","part":2,"page":281},{"id":781,"text":"( 620 ) فَصْلٌ : إذَا صَلَّى بِالِاجْتِهَادِ إلَى جِهَةٍ ، ثُمَّ أَرَادَ صَلَاةً أُخْرَى ، لَزِمَهُ إعَادَةُ الِاجْتِهَادِ ، كَالْحَاكِمِ إذَا اجْتَهَدَ فِي حَادِثَةٍ ، ثُمَّ حَدَثَ مِثْلُهَا ، لَزِمَهُ إعَادَةُ الِاجْتِهَادِ ، وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rفَإِنْ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ ، عَمِلَ بِالثَّانِي ، وَلَمْ يُعِدْ مَا صَلَّى بِالْأَوَّلِ ، كَمَا لَوْ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُ الْحَاكِمِ عَمِلَ بِالثَّانِي فِي الْحَادِثَةِ الثَّانِيَةِ ، وَلَمْ يَنْقُضْ حُكْمَهُ الْأَوَّلَ .\rوَهَذَا لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا .\rفَإِنْ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ فِي الصَّلَاةِ ، اسْتَدَارَ إلَى الْجِهَةِ الثَّانِيَةِ ، وَبَنَى عَلَى مَا مَضَى مِنْ صَلَاتِهِ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، فِي رِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ .\rوَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى ، وَالْآمِدِيُّ : لَا يَنْتَقِلُ ، وَيَمْضِي عَلَى اجْتِهَادِهِ الْأَوَّلِ ؛ لِئَلَّا يَنْقُضَ الِاجْتِهَادَ بِالِاجْتِهَادِ .\rوَلَنَا أَنَّهُ مُجْتَهِدٌ أَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ إلَى جِهَةٍ ، فَلَمْ يَجُزْ لَهُ الصَّلَاةُ إلَى غَيْرِهَا ، كَمَا لَوْ أَرَادَ صَلَاةً أُخْرَى ، وَلِأَنَّهُ أَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ إلَى غَيْرِ هَذِهِ الْجِهَةِ ، فَلَمْ يَجُزْ لَهُ الصَّلَاةُ إلَيْهَا ، كَسَائِرِ مَحَالِّ الْوِفَاقِ ، وَلَيْسَ هَذَا نَقْضًا لِلِاجْتِهَادِ ، وَإِنَّمَا يَعْمَلُ بِهِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ ، كَمَا فِي الصَّلَاةِ الْأُخْرَى ، وَإِنَّمَا يَكُونُ نَقْضًا لِلِاجْتِهَادِ أَنْ لَوْ أَلْزَمْنَاهُ إعَادَةَ مَا مَضَى مِنْ صَلَاتِهِ ، وَلَمْ نَعْتَدَّ لَهُ بِهِ ، فَإِنْ لَمْ يَبْقَ اجْتِهَادُهُ وَظَنُّهُ إلَى الْجِهَةِ الْأُولَى ، وَلَمْ يُؤَدِّهِ اجْتِهَادُهُ إلَى الْجِهَةِ الْأُخْرَى ، فَإِنَّهُ يَبْنِي عَلَى مَا مَضَى مِنْ صَلَاتِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَظْهَرْ لَهُ جِهَةٌ أُخْرَى يَتَوَجَّهُ إلَيْهَا .\rوَإِنْ بَانَ لَهُ يَقِينُ الْخَطَأِ فِي الصَّلَاةِ ، بِمُشَاهَدَةٍ أَوْ خَبَرٍ عَنْ يَقِينٍ ، اسْتَدَارَ إلَى جِهَةِ الصَّوَابِ ، وَبَنَى كَأَهْلِ قُبَاءَ لَمَّا أُخْبِرُوا بِتَحْوِيلِ الْقِبْلَةِ اسْتَدَارُوا إلَيْهَا وَبَنَوْا .\rوَإِنْ شَكَّ فِي اجْتِهَادِهِ لَمْ يَزُلْ عَنْ جِهَتِهِ ؛ لِأَنَّ الِاجْتِهَادَ ظَاهِرٌ ، فَلَا يَزُولُ عَنْهُ بِالشَّكِّ .","part":2,"page":282},{"id":782,"text":"وَإِنْ بَانَ لَهُ الْخَطَأُ ، وَلَمْ يَعْرِفْ جِهَةَ الْقِبْلَةِ ، كَرَجُلٍ كَانَ يُصَلِّي إلَى جِهَةٍ ، فَرَأَى بَعْضَ مَنَازِلِ الْقَمَرِ فِي قِبْلَتِهِ ، وَلَمْ يَدْرِ أَهُوَ فِي الْمَشْرِقِ أَوْ الْمَغْرِبِ ، وَاحْتَاجَ إلَى الِاجْتِهَادِ ، بَطَلَتْ صَلَاتُهُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ اسْتِدَامَتُهَا إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ ، وَلَيْسَتْ لَهُ جِهَةٌ يَتَوَجَّهُ إلَيْهَا ، فَبَطَلَتْ ، لِتَعَذُّرِ إتْمَامِهَا .","part":2,"page":283},{"id":783,"text":"( 621 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَإِذَا اخْتَلَفَ اجْتِهَادُ رَجُلَيْنِ ، لَمْ يَتْبَعْ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْمُجْتَهِدَيْنِ إذَا اخْتَلَفَا ، فَفَرْضُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الصَّلَاةُ إلَى الْجِهَةِ الَّتِي يُؤَدِّيهِ اجْتِهَادُهُ إلَيْهَا أَنَّهَا الْقِبْلَةُ ، لَا يَسَعُهُ تَرْكُهَا ، وَلَا تَقْلِيدُ صَاحِبِهِ ، سَوَاءٌ كَانَ أَعْلَمَ مِنْهُ ، أَوْ لَمْ يَكُنْ ، كَالْعَالِمَيْنِ يَخْتَلِفَانِ فِي الْحَادِثَةِ .\rوَلَوْ أَنَّ أَحَدَهُمَا اجْتَهَدَ ، فَأَرَادَ الْآخَرُ تَقْلِيدَهُ مِنْ غَيْرِ اجْتِهَادٍ ، لَمْ يَجُزْ لَهُ ذَلِكَ ، وَلَا يَسَعُهُ الصَّلَاةُ حَتَّى يَجْتَهِدَ ، سَوَاءٌ اتَّسَعَ الْوَقْتُ ، أَوْ كَانَ ضَيِّقًا يَخْشَى خُرُوجَ وَقْتِ الصَّلَاةِ ، كَالْحَاكِمِ ، لَا يَسُوغُ لَهُ الْحُكْمُ فِي حَادِثَةٍ بِتَقْلِيدِ غَيْرِهِ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ ، فِي الْمُجْتَهِدِ الَّذِي يَضِيقُ الْوَقْتُ عَنْ اجْتِهَادِهِ ، أَنَّ لَهُ تَقْلِيدَ غَيْرِهِ .\rوَأَشَارَ إلَى قَوْلِ أَحْمَدَ ، فِيمَنْ هُوَ فِي مَدِينَةٍ ، فَتَحَرَّى ، فَصَلَّى لِغَيْرِ الْقِبْلَةِ فِي بَيْتٍ يُعِيدُ ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يَسْأَلَ ، قَالَ : فَقَدْ جَعَلَ فَرْضَ الْمَحْبُوسِ السُّؤَالَ ، وَهَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ .\rوَكَلَامُ أَحْمَدَ إنَّمَا دَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِمَنْ فِي الْمِصْرِ الِاجْتِهَادُ ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ التَّوَصُّلُ إلَى الْقِبْلَةِ بِطَرِيقِ الْخَبَرِ ، وَالِاسْتِدْلَالِ بِالْمَحَارِيبِ ، بِخِلَافِ الْمُسَافِرِ ، وَلَيْسَ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ تَقْلِيدُ الْمُجْتَهِدِينَ فِي مَحَلِّ الِاجْتِهَادِ عِنْدَ ضِيقِ الْوَقْتِ ، أَلَا تَرَى أَنَّ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ ضِيقِ الْوَقْتِ وَسَعَتِهِ ، مَعَ اتِّفَاقِنَا عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ التَّقْلِيدُ مَعَ سَعَةِ الْوَقْتِ ، وَلِأَنَّ الِاجْتِهَادَ فِي حَقِّهِ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الصَّلَاةِ ، فَلَمْ يَسْقُطْ بِضِيقِ الْوَقْتِ ، مَعَ إمْكَانِهِ ، كَسَائِرِ الشُّرُوطِ .","part":2,"page":284},{"id":784,"text":"( 622 ) فَصْلٌ : وَإِذَا اخْتَلَفَ اجْتِهَادُ رَجُلَيْنِ ، فَصَلَّى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إلَى جِهَةٍ ، فَلَيْسَ لَأَحَدِهِمَا الِائْتِمَامُ بِصَاحِبِهِ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ يَعْتَقِدُ خَطَأَ صَاحِبِهِ ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَأْتَمَّ بِهِ ، كَمَا لَوْ خَرَجَتْ مِنْ أَحَدِهِمَا رِيحٌ ، وَاعْتَقَدَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّهَا مِنْ صَاحِبِهِ ، فَإِنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يُصَلِّيَ ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْتَمَّ بِصَاحِبِهِ .\rوَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ جَوَازُ ذَلِكَ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي ثَوْرٍ ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَعْتَقِدُ صِحَّةَ صَلَاةِ الْآخَرِ .\rفَإِنَّ فَرْضَهُ التَّوَجُّهُ إلَى مَا تَوَجَّهَ إلَيْهِ ، فَلَمْ يَمْنَعْ اقْتِدَاءَهُ بِهِ اخْتِلَافُ جِهَتِهِ ، كَالْمُصَلِّينَ حَوْلَ الْكَعْبَةِ مُسْتَدِيرِينَ حَوْلَهَا ، وَكَالْمُصَلِّينَ حَالَ شِدَّةِ الْخَوْفِ ، وَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى صِحَّةِ الصَّلَاةِ خَلْفَ الْمُصَلِّي فِي جُلُودِ الثَّعَالِبِ ، إذَا كَانَ يَتَأَوَّلُ قَوْلَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { أَيُّمَا إهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ } .\rمَعَ كَوْنِ أَحْمَدَ لَا يَرَى طَهَارَتَهَا ، وَفَارَقَ مَا إذَا اعْتَقَدَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَدَثَ صَاحِبِهِ ؛ لِأَنَّهُ يَعْتَقِدُ بُطْلَانَ صَلَاتِهِ ، بِحَيْثُ لَوْ بَانَ لَهُ يَقِينًا حَدَثُ نَفْسِهِ ، لَزِمَتْهُ إعَادَةُ الصَّلَاةِ ؛ وَهَاهُنَا صَلَاتُهُ صَحِيحَةٌ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا ، بِحَيْثُ لَوْ بَانَ لَهُ يَقِينُ الْخَطَأِ ، لَمْ يَلْزَمْهُ الْإِعَادَةُ ، فَافْتَرَقَا .\rفَأَمَّا إنْ كَانَ أَحَدُهُمَا يَمِيلُ يَمِينًا ، وَيَمِيلُ الْآخَرُ شِمَالًا ، مَعَ اتِّفَاقِهِمَا فِي الْجِهَةِ ، فَلَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ فِي أَنَّ لَأَحَدِهِمَا الِائْتِمَامَ بِصَاحِبِهِ ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ اسْتِقْبَالُ الْجِهَةِ ، وَقَدْ اتَّفَقَا فِيهَا .","part":2,"page":285},{"id":785,"text":"( 623 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَيَتْبَعُ الْأَعْمَى أَوْثَقَهُمَا فِي نَفْسِهِ ) يَعْنِي إذَا اخْتَلَفَ مُجْتَهِدَانِ فِي الْقِبْلَةِ ، وَمَعَهُمَا أَعْمَى ، قَلَّدَ أَوْثَقَهُمَا فِي نَفْسِهِ ، وَهُوَ أَعْلَمُهُمَا عِنْدَهُ وَأَصْدَقُهُمَا قَوْلًا ، وَأَشَدُّهُمَا تَحَرِّيًا ؛ لِأَنَّ الصَّوَابَ إلَيْهِ أَقْرَبُ ، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي الْبَصِيرِ الَّذِي لَا يَعْلَمُ الْأَدِلَّةَ ، وَلَا يَقْدِرُ عَلَى تَعَلُّمِهَا قَبْلَ خُرُوجِ الْوَقْتِ ، فَرْضُهُ أَيْضًا التَّقْلِيدُ ، وَيُقَلِّدُ أَوْثَقَهُمَا فِي نَفْسِهِ ، فَإِنْ قَلَّدَ الْمَفْضُولَ ، فَظَاهِرُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ أَنَّهُ لَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ ؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ مَا يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّ الصَّوَابَ فِيهِ ، فَلَمْ يَسُغْ لَهُ ذَلِكَ ، كَالْمُجْتَهِدِ إذَا تَرَكَ جِهَةَ اجْتِهَادِهِ ، وَالْأَوْلَى صِحَّتُهَا ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ أَخَذَ بِدَلِيلٍ لَهُ الْأَخْذُ بِهِ لَوْ انْفَرَدَ .\rفَكَذَلِكَ إذَا كَانَ مَعَهُ غَيْرُهُ ، كَمَا لَوْ اسْتَوَيَا ، وَلَا عِبْرَةَ بِظَنِّهِ ، فَإِنَّهُ لَوْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّ الْمَفْضُولَ مُصِيبٌ ، لَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ مِنْ تَقْلِيدِ الْأَفْضَلِ .\rفَأَمَّا إنْ اسْتَوَيَا عِنْدَهُ ، فَلَهُ تَقْلِيدُ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا ، كَالْعَامِّيِّ مَعَ الْعُلَمَاءِ فِي بَقِيَّةِ الْأَحْكَامِ .","part":2,"page":286},{"id":786,"text":"( 624 ) فَصْلٌ : وَالْمُقَلِّدُ مَنْ لَا يُمْكِنُهُ الصَّلَاةُ بِاجْتِهَادِ نَفْسِهِ ، إمَّا لِعَدَمِ بَصَرِهِ ، وَإِمَّا لِعَدَمِ بَصِيرَتِهِ ، وَهُوَ الْعَامِّيُّ الَّذِي لَا يُمْكِنُهُ التَّعَلُّمُ وَالصَّلَاةُ بِاجْتِهَادِهِ قَبْلَ خُرُوجِ وَقْتِ الصَّلَاةِ .\rفَأَمَّا مَنْ يُمْكِنُهُ ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ التَّعَلُّمُ ، فَإِنْ صَلَّى قَبْلَ ذَلِكَ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ ، لِأَنَّهُ قَدَرَ عَلَى الصَّلَاةِ بِاجْتِهَادِهِ ، فَلَمْ يَصِحَّ بِالتَّقْلِيدِ كَالْمُجْتَهِدِ وَلَا يَلْزَمُ عَلَى هَذَا الْعَامِّيَّ حَيْثُ لَا يَلْزَمُهُ تَعَلُّمُ الْفِقْهِ لِوَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ الْفِقْهَ لَيْسَ بِشَرْطٍ فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ .\rوَالثَّانِي : أَنَّ مُدَّتَهُ تَطُولُ .\rفَهُوَ كَاَلَّذِي لَا يَقْدِرُ عَلَى تَعَلُّمِ الْأَدِلَّةِ فِي مَسْأَلَتِنَا .\rوَإِنْ أَخَّرَ هَذَا التَّعَلُّمَ وَالصَّلَاةَ إلَى حَالٍ يَضِيقُ وَقْتُهَا عَنْ التَّعَلُّمِ وَالِاجْتِهَادِ ، أَوْ عَنْ أَحَدِهِمَا ، صَحَّتْ صَلَاتُهُ بِالتَّقْلِيدِ ، كَاَلَّذِي يَقْدِرُ عَلَى تَعَلُّمِ الْفَاتِحَةِ ، فَيَضِيقُ الْوَقْتُ عَنْ تَعَلُّمِهَا .","part":2,"page":287},{"id":787,"text":"( 625 ) فَصْلٌ : فَإِنْ كَانَ الْمُجْتَهِدُ بِهِ رَمَدٌ ، أَوْ عَارِضٌ يَمْنَعُهُ رُؤْيَةَ الْأَدِلَّةِ ، فَهُوَ كَالْأَعْمَى ، فِي جَوَازِ التَّقْلِيدِ ؛ لِأَنَّهُ عَاجِزٌ عَنْ الِاجْتِهَادِ .\rوَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ مَحْبُوسًا فِي مَكَان لَا يَرَى فِيهِ الْأَدِلَّةَ ، وَلَا يَجِدُ مُخْبِرًا إلَّا مُجْتَهِدًا آخَرَ فِي مَكَان يَرَى الْعَلَامَاتِ فِيهِ ، فَلَهُ تَقْلِيدُهُ ؛ لِأَنَّهُ كَالْأَعْمَى .","part":2,"page":288},{"id":788,"text":"( 626 ) فَصْلٌ : وَإِذَا شَرَعَ فِي الصَّلَاةِ بِتَقْلِيدِ مُجْتَهِدٍ ، فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ : قَدْ أَخْطَأْتَ الْقِبْلَةَ ، وَإِنَّمَا الْقِبْلَةُ هَكَذَا .\rوَكَانَ يُخْبِرُ عَنْ يَقِينٍ ، مِثْلُ مَنْ يَقُولُ : قَدْ رَأَيْتُ الشَّمْسَ ، أَوْ الْكَوَاكِبَ ، وَتَيَقَّنْتُ أَنَّك مُخْطِئٌ .\rفَإِنَّهُ يَرْجِعُ إلَى قَوْلِهِ ، وَيَسْتَدِيرُ إلَى الْجِهَةِ الَّتِي أَخْبَرَهُ أَنَّهَا جِهَةُ الْكَعْبَةِ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَخْبَرَ بِذَلِكَ الْمُجْتَهِدُ الَّذِي قَلَّدَهُ الْأَعْمَى ، لَزِمَهُ قَبُولُ خَبَرِهِ ، فَالْأَعْمَى أَوْلَى .\rوَإِنْ أَخْبَرَهُ عَنْ اجْتِهَادِهِ ، أَوْ لَمْ يُبَيِّنْ لَهُ عَنْ أَيِّ شَيْءٍ أَخْبَرَهُ ، وَلَمْ يَكُنْ فِي نَفْسِهِ أَوْثَقَ مِنْ الْأَوَّلِ ، مَضَى عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ شَرَعَ فِي الصَّلَاةِ بِدَلِيلٍ يَقِينًا ، فَلَا يَزُولُ عَنْهُ بِالشَّكِّ .\rوَإِنْ كَانَ الثَّانِي أَوْثَقَ فِي نَفْسِهِ مِنْ الْأَوَّلِ ، وَقُلْنَا : لَا يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ تَقْلِيدُ الْأَفْضَلِ .\rفَكَذَلِكَ ، وَإِنْ قُلْنَا : عَلَيْهِ تَقْلِيدُهُ خَاصَّةً ، رَجَعَ إلَى قَوْلِهِ ، كَالْبَصِيرِ إذَا تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ فِي أَثْنَاءِ صَلَاتِهِ .","part":2,"page":289},{"id":789,"text":"فَصْلٌ : وَلَوْ شَرَعَ مُجْتَهِدٌ فِي الصَّلَاةِ بِاجْتِهَادِهِ ، فَعَمِيَ فِيهَا ، بَنَى عَلَى مَا مَضَى مِنْ صَلَاتِهِ ، لِأَنَّهُ إنَّمَا يُمْكِنُهُ الْبِنَاءُ عَلَى اجْتِهَادِ غَيْرِهِ ، فَاجْتِهَادُهُ أَوْلَى ، فَإِنْ اسْتَدَارَ عَنْ تِلْكَ الْجِهَةِ ، بَطَلَتْ صَلَاتُهُ .\rوَإِنْ أَخْبَرَهُ مُخْبِرٌ بِخَطَئِهِ عَنْ يَقِينٍ ، رَجَعَ إلَيْهِ .\rوَإِنْ أَخْبَرَهُ عَنْ اجْتِهَادٍ ، لَمْ يَرْجِعْ إلَيْهِ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا .\rوَإِنْ شَرَعَ فِيهَا وَهُوَ أَعْمَى ، فَأَبْصَرَ فِي أَثْنَائِهَا ، فَشَاهَدَ مَا يَسْتَدِلُّ بِهِ عَلَى صَوَابِ نَفْسِهِ ، مِثْلُ أَنْ يَرَى الشَّمْسَ فِي قِبْلَتِهِ فِي صَلَاةِ الظُّهْرِ ، وَنَحْوِ ذَلِكَ ، مَضَى عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ الِاجْتِهَادَيْنِ قَدْ اتَّفَقَا .\rوَإِنْ بَانَ لَهُ خَطَؤُهُ ، اسْتَدَارَ إلَى الْجِهَةِ الَّتِي أَدَّاهُ إلَيْهَا ، وَبَنَى عَلَى مَا مَضَى مِنْ صَلَاتِهِ .\rوَإِنْ لَمْ يَبِنْ لَهُ صَوَابُهُ وَلَا خَطَؤُهُ ، بَطَلَتْ صَلَاتُهُ ، وَاجْتَهَدَ ؛ لِأَنَّ فَرْضَهُ الِاجْتِهَادُ ، فَلَمْ يَجُزْ لَهُ أَدَاءُ فَرْضِهِ بِالتَّقْلِيدِ ، كَمَا لَوْ كَانَ بَصِيرًا فِي ابْتِدَائِهَا .\rوَإِنْ كَانَ مُقَلِّدًا ، مَضَى فِي صَلَاتِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي وُسْعِهِ إلَّا الدَّلِيلُ الَّذِي بَدَأَ بِهِ فِيهَا .","part":2,"page":290},{"id":790,"text":"( 628 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَإِذَا صَلَّى بِالِاجْتِهَادِ إلَى جِهَةٍ ، ثُمَّ عَلِمَ أَنَّهُ قَدْ أَخْطَأَ الْقِبْلَةَ ، لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ إعَادَةٌ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْمُجْتَهِدَ إذَا صَلَّى بِالِاجْتِهَادِ إلَى جِهَةٍ ، ثُمَّ بَانَ لَهُ أَنَّهُ صَلَّى إلَى غَيْرِ جِهَةِ الْكَعْبَةِ يَقِينًا ، لَمْ يَلْزَمْهُ الْإِعَادَةُ .\rوَكَذَلِكَ الْمُقَلِّدُ الَّذِي صَلَّى بِتَقْلِيدِهِ .\rوَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ .\rوَالشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ .\rوَقَالَ فِي الْآخَرِ : يَلْزَمُهُ الْإِعَادَةُ ؛ لِأَنَّهُ بَانَ لَهُ الْخَطَأُ فِي شَرْطٍ مِنْ شُرُوطِ الصَّلَاةِ ، فَلَزِمَتْهُ الْإِعَادَةُ ، كَمَا لَوْ بَانَ لَهُ أَنَّهُ صَلَّى قَبْلَ الْوَقْتِ ، أَوْ بِغَيْرِ طَهَارَةٍ أَوْ سِتَارَةٍ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : { كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ ، فِي لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ ، فَلَمْ نَدْرِ أَيْنَ الْقِبْلَةُ ، فَصَلَّى كُلُّ رَجُلٍ حِيَالَهُ ، فَلَمَّا أَصْبَحْنَا ذَكَرْنَا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَزَلَ : { فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ } } .\rرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَقَالَ : حَدِيثٌ حَسَنٌ إلَّا أَنَّهُ مِنْ حَدِيثِ أَشْعَثَ السَّمَّانِ ، وَفِيهِ ضَعْفٌ .\rوَعَنْ عَطَاءٍ ، عَنْ جَابِرٍ ، قَالَ : { كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَسِيرٍ ، فَأَصَابَنَا غَيْمٌ ، فَتَحَيَّرْنَا فَاخْتَلَفْنَا فِي الْقِبْلَةِ ، فَصَلَّى كُلُّ رَجُلٍ مِنَّا عَلَى حِدَةٍ ، وَجَعَلَ أَحَدُنَا يَخُطُّ بَيْنَ يَدَيْهِ لِنَعْلَمَ أَمْكِنَتَنَا ، فَذَكَرْنَا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يَأْمُرْنَا بِالْإِعَادَةِ ، وَقَالَ : قَدْ أَجْزَأَتْكُمْ صَلَاتُكُمْ } .\rرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ ، وَقَالَ : رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ سَالِمٍ ، عَنْ عَطَاءٍ ، وَيُرْوَى أَيْضًا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْد اللَّه الْعُمَرِيِّ ، عَنْ عَطَاءٍ .\rوَكِلَاهُمَا ضَعِيفٌ .\rوَقَالَ الْعُقَيْلِيُّ : لَا يُرْوَى مَتْنُ هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ وَجْهٍ يَثْبُتُ .\rوَرَوَى مُسْلِمٌ فِي \" صَحِيحِهِ \" ، {","part":2,"page":291},{"id":791,"text":"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُصَلِّي نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ ، فَنَزَلَتْ : { قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ ، فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ } .\rفَمَرَّ رَجُلٌ بِبَنِي سَلَمَةَ وَهُمْ رُكُوعٌ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ ، وَقَدْ صَلَّوْا رَكْعَةً ، فَنَادَى : أَلَا إنَّ الْقِبْلَةَ قَدْ حُوِّلَتْ .\rفَمَالُوا كُلُّهُمْ نَحْوَ الْقِبْلَةِ } .\rوَمِثْلُ هَذَا لَا يَخْتَفِي عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا يَتْرُكُ إنْكَارَهُ إلَّا وَهُوَ جَائِزٌ .\rوَقَدْ كَانَ مَا مَضَى مِنْ صَلَاتِهِمْ بَعْدَ تَحْوِيلِ الْقِبْلَةِ إلَى الْكَعْبَةِ وَهُوَ صَحِيحٌ .\rوَلِأَنَّهُ أَتَى بِمَا أُمِرَ ، فَخَرَجَ عَنْ الْعَهْدِ ، كَالْمُصِيبِ ، وَلِأَنَّهُ صَلَّى إلَى غَيْرِ الْكَعْبَةِ لِلْعُذْرِ ، فَلَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ الْإِعَادَةُ ، كَالْخَائِفِ يُصَلِّي إلَى غَيْرِهَا ، وَلِأَنَّهُ شَرْطٌ عَجَزَ عَنْهُ ، فَأَشْبَهَ سَائِرَ الشُّرُوطِ .\rوَأَمَّا الْمُصَلِّي قَبْلَ الْوَقْتِ فَإِنَّهُ لَمْ يُؤْمَرْ بِالصَّلَاةِ ، وَإِنَّمَا أُمِرَ بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ وَلَمْ يَأْتِ بِمَا أُمِرَ ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا ، فَإِنَّهُ مَأْمُورٌ بِالصَّلَاةِ بِغَيْرِ شَكٍّ ، وَلَمْ يُؤْمَرْ إلَّا بِهَذِهِ الصَّلَاةِ ، وَسَائِرُ الشُّرُوطِ ، إذَا عَجَزَ عَنْهَا ، سَقَطَتْ ، كَذَا هَاهُنَا ، وَأَمَّا إذَا ظَنَّ وُجُودَهَا فَأَخْطَأَ ، فَلَيْسَتْ فِي مَحَلِّ الِاجْتِهَادِ ، فَنَظِيرُهُ : إذَا اجْتَهَدَ فِي مَسْأَلَتِنَا فِي الْحَضَرِ ، فَأَخْطَأَ .\r( 629 ) فَصْلٌ : وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ الْأَدِلَّةُ ظَاهِرَةً مَكْشُوفَةً فَاشْتَبَهَتْ عَلَيْهِ ، أَوْ مَسْتُورَةً بِغَيْمٍ أَوْ شَيْءٍ يَسْتُرُهَا عَنْهُ ، بِدَلِيلِ الْأَحَادِيثِ الَّتِي رَوَيْنَاهَا ، فَإِنَّ الْأَدِلَّةَ اسْتَتَرَتْ عَنْهُمْ بِالْغَيْمِ ، فَلَمْ يُعِيدُوا ، وَلِأَنَّهُ أَتَى بِمَا أُمِرَ بِهِ فِي الْحَالَيْنِ ، وَعَجَزَ عَنْ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ ، فَاسْتَوَيَا فِي عَدَمِ الْإِعَادَةِ .","part":2,"page":292},{"id":792,"text":"( 630 ) فَصْلٌ : وَإِنْ بَانَ لَهُ يَقِينُ الْخَطَأِ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ ، اسْتَدَارَ إلَى جِهَةِ الْكَعْبَةِ ، وَبَنَى عَلَى مَا مَضَى مِنْ الصَّلَاةِ ؛ لِأَنَّ مَا مَضَى مِنْهَا كَانَ صَحِيحًا ، فَجَازَ الْبِنَاءُ عَلَيْهِ ، كَمَا لَوْ لَمْ يَبِنْ لَهُ الْخَطَأُ .\rوَإِنْ كَانُوا جَمَاعَةً ، قَدْ أَدَّاهُمْ اجْتِهَادُهُمْ إلَى جِهَةٍ ، فَقَدَّمُوا أَحَدَهُمْ ، ثُمَّ بَانَ لَهُمْ الْخَطَأُ فِي حَالٍ وَاحِدَةٍ ، اسْتَدَارُوا إلَى الْجِهَةِ الَّتِي بَانَ لَهُمْ الصَّوَابُ فِيهَا ، كَبَنِي سَلَمَةَ ، لَمَّا بَانَ لَهُمْ تَحَوُّلُ الْكَعْبَةِ .\rوَإِنْ بَانَ لِلْإِمَامِ وَحْدَهُ ، أَوْ لِلْمَأْمُومِينَ دُونَهُ ، أَوْ لِبَعْضِهِمْ ، اسْتَدَارَ مَنْ بَانَ لَهُ الصَّوَابُ وَحْدَهُ ، وَيَنْوِي بَعْضُهُمْ مُفَارَقَةَ بَعْضٍ ، إلَّا عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي قُلْنَا أَنَّ لِبَعْضِهِمْ أَنْ يَقْتَدِيَ بِمَنْ خَالَفَهُ فِي الِاجْتِهَادِ .\rوَإِنْ كَانَ فِيهِمْ مُقَلِّدٌ ، تَبِعَ مَنْ قَلَّدَهُ وَانْحَرَفَ بِانْحِرَافِهِ .\rوَإِنْ قَلَّدَ الْجَمِيعَ ، لَمْ يَنْحَرِفْ إلَّا بِانْحِرَافِ الْجَمِيعِ ؛ لِأَنَّهُ شَرَعَ بِدَلِيلٍ يَقِينِيٍّ ، فَلَا يَنْحَرِفُ بِالشَّكِّ إلَّا مَنْ يَلْزَمُهُ تَقْلِيدُ أَوْثَقِهِمْ ، فَإِنَّهُ يَنْحَرِفُ بِانْحِرَافِهِ .","part":2,"page":293},{"id":793,"text":"( 631 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَإِذَا صَلَّى الْبَصِيرُ فِي حَضَرٍ ، فَأَخْطَأَ ، أَوْ الْأَعْمَى بِلَا دَلِيلٍ ، أَعَادَا ) .\rأَمَّا الْبَصِيرُ إذَا صَلَّى إلَى غَيْرِ الْكَعْبَةِ فِي الْحَضَرِ ، ثُمَّ بَانَ لَهُ الْخَطَأُ ، فَعَلَيْهِ الْإِعَادَةُ ، سَوَاءٌ إذَا صَلَّى بِدَلِيلٍ أَوْ غَيْرِهِ ؛ لِأَنَّ الْحَضَرَ لَيْسَ بِمَحَلِّ الِاجْتِهَادِ ، لِأَنَّ مَنْ فِيهِ يَقْدِرُ عَلَى الْمَحَارِيبِ وَالْقِبَلِ الْمَنْصُوبَةِ ، وَيَجِدُ مَنْ يُخْبِرُهُ عَنْ يَقِينٍ غَالِبًا ، فَلَا يَكُونُ لَهُ الِاجْتِهَادُ ، كَالْقَادِرِ عَلَى النَّصِّ فِي سَائِرِ الْأَحْكَامِ ، فَإِنْ صَلَّى مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ فَأَخْطَأَ ، لَزِمَتْهُ الْإِعَادَةُ ؛ لِتَفْرِيطِهِ .\rوَإِنْ أَخْبَرَهُ مُخْبِرٌ ، فَأَخْطَأَهُ ، فَقَدْ غَرَّهُ ، وَتَبَيَّنَ أَنَّ خَبَرَهُ لَيْسَ بِدَلِيلٍ .\rفَإِنْ كَانَ مَحْبُوسًا ، لَا يَجِدُ مَنْ يُخْبِرُهُ ، فَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ التَّمِيمِيُّ : هُوَ كَالْمُسَافِرِ ، يَتَحَرَّى فِي مَحْبِسِهِ ، وَيُصَلِّي ، مِنْ غَيْرِ إعَادَةٍ ؛ لِأَنَّهُ عَاجِزٌ عَنْ الِاسْتِدْلَالِ بِالْخَبَرِ وَالْمَحَارِيبِ ، فَهُوَ كَالْمُسَافِرِ .\rوَأَمَّا الْأَعْمَى ، فَإِنْ كَانَ فِي حَضَرٍ ، فَهُوَ كَالْبَصِيرِ ؛ لِأَنَّهُ يَقْدِرُ عَلَى الِاسْتِدْلَالِ بِالْخَبَرِ وَالْمَحَارِيبِ ، فَإِنَّ الْأَعْمَى إذَا لَمَسَ الْمِحْرَابَ ، وَعَلِمَ أَنَّهُ مِحْرَابٌ ، وَأَنَّهُ مُتَوَجِّهٌ إلَيْهِ ، فَهُوَ كَالْبَصِيرِ .\rوَكَذَلِكَ إذَا عَلِمَ أَنَّ بَابَ الْمَسْجِدِ إلَى الشَّمَالِ أَوْ غَيْرِهَا مِنْ الْجِهَاتِ ، جَازَ لَهُ الِاسْتِدْلَال بِهِ ، وَمَتَى أَخْطَأَ فَعَلَيْهِ الْإِعَادَةُ .\rوَحُكْمُ الْمُقَلِّدِ حُكْمُ الْأَعْمَى فِي هَذَا .\rوَإِنْ كَانَ الْأَعْمَى ، أَوْ الْمُقَلِّدُ مُسَافِرًا ، وَلَمْ يَجِدْ مَنْ يُخْبِرُهُ ، وَلَا مُجْتَهِدًا يُقَلِّدُهُ ، فَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ ، أَنَّهُ يُعِيدُ ، سَوَاءٌ أَصَابَ أَوْ أَخْطَأَ ؛ لِأَنَّهُ صَلَّى مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ ، فَلَزِمَتْهُ الْإِعَادَةُ وَإِنْ أَصَابَ ، كَانَ كَالْمُجْتَهِدِ إذَا صَلَّى مِنْ غَيْرِ اجْتِهَادٍ .\rوَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : يُصَلِّي عَلَى حَسَبِ حَالِهِ ، وَفِي الْإِعَادَةِ رِوَايَتَانِ ، سَوَاءٌ أَصَابَ أَوْ أَخْطَأَ :","part":2,"page":294},{"id":794,"text":"إحْدَاهُمَا : يُعِيدُ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا .\rوَالثَّانِيَةُ : لَا إعَادَةَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِمَا أُمِرَ ، فَأَشْبَهَ الْمُجْتَهِدَ وَلِأَنَّهُ عَاجِزٌ عَنْ غَيْرِ مَا أَتَى بِهِ ، فَسَقَطَ عَنْهُ ، كَسَائِرِ الْعَاجِزِينَ عَنْ الِاسْتِقْبَالِ ، وَلِأَنَّهُ عَادِمٌ لِلدَّلِيلِ ، فَأَشْبَهَ الْمُجْتَهِدَ ، فِي الْغَيْمِ وَالْحَبْسِ .\rوَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ : إنْ أَخْطَأَ أَعَادَ ، وَإِنْ أَصَابَ فَعَلَى وَجْهَيْنِ .\rوَحُكْمُ الْمُقَلِّدِ لِعَدَمِ بَصِيرَتِهِ كَعَادِمِ بَصَرِهِ .\rفَأَمَّا إنْ وَجَدَ مَنْ يُقَلِّدُهُ ، أَوْ مَنْ يُخْبِرُهُ ، فَلَمْ يَسْتَخْبِرْهُ وَلَمْ يُقَلِّدْ ، أَوْ خَالَفَ الْمُخْبِرَ وَالْمُجْتَهِدَ ، وَصَلَّى ، فَصَلَاتُهُ بَاطِلَةٌ بِكُلِّ حَالٍ .\rوَكَذَلِكَ الْمُجْتَهِدُ إذَا صَلَّى مِنْ غَيْرِ اجْتِهَادٍ ، فَأَصَابَ ، أَوْ أَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ إلَى جِهَةٍ ، فَصَلَّى إلَى غَيْرِهَا ، فَإِنَّ صَلَاتَهُ بَاطِلَةٌ بِكُلِّ حَالٍ ؛ سَوَاءٌ أَخْطَأَ أَوْ أَصَابَ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِمَا أُمِرَ بِهِ ، فَأَشْبَهَ مَنْ تَرَكَ التَّوَجُّهَ إلَى الْكَعْبَةِ ، مَعَ عِلْمِهِ بِهَا .","part":2,"page":295},{"id":795,"text":"( 632 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَلَا يَتْبَعُ دَلَالَةَ مُشْرِكٍ بِحَالٍ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْكَافِرَ لَا يُقْبَلُ خَبَرُهُ ، وَلَا رِوَايَتُهُ ، وَلَا شَهَادَتُهُ ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَوْضِعِ أَمَانَةٍ ) وَلِذَلِكَ قَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : لَا تَأْتَمِنُوهُمْ بَعْدَ إذْ خَوَّنَهُمْ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ .\rوَلَا يُقْبَلُ خَبَرُ الْفَاسِقِ ؛ لِقِلَّةِ دِينِهِ ، وَتَطَرُّقِ التُّهْمَةِ إلَيْهِ ، وَلِأَنَّهُ أَيْضًا لَا تُقْبَلُ رِوَايَتُهُ وَلَا شَهَادَتُهُ .\rوَلَا يَقْبَلُ خَبَرُ الصَّبِيِّ لِذَلِكَ ، وَلِأَنَّهُ يَلْحَقُهُ مَأْثَمٌ بِكَذِبِهِ ، فَتَحَرُّزُهُ مِنْ الْكَذِبِ غَيْرُ مَوْثُوقٍ بِهِ .\rوَقَالَ التَّمِيمِيُّ ؛ يُقْبَلُ خَبَرُ الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ .\rوَإِذَا لَمْ يَعْرِفْ حَالَ الْمُخْبِرِ ، فَإِنْ شَكَّ فِي إسْلَامِهِ وَكُفْرِهِ ، لَمْ يَقْبَلْ خَبَرَهُ ، كَمَا لَوْ وَجَدَ مَحَارِيبَ لَا يَعْلَمُ هَلْ هِيَ لِلْمُسْلِمِينَ أَوْ أَهْلِ الذِّمَّةِ .\rوَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ عَدَالَتَهُ وَفِسْقَهُ ، قَبِلَ خَبَرَهُ ؛ لِأَنَّ حَالَ الْمُسْلِمِ يُبْنَى عَلَى الْعَدَالَةِ ، مَا لَمْ يَظْهَرْ خِلَافُهَا ، وَيَقْبَلُ خَبَرَ سَائِرُ النَّاسِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ الْبَالِغِينَ الْعُقَلَاءِ ، سَوَاءٌ كَانُوا رِجَالًا أَوْ نِسَاءً ، وَلِأَنَّهُ خَبَرٌ مِنْ أَخْبَارِ الدِّينِ ، فَأَشْبَهَ الرِّوَايَةَ .\rوَيَقْبَلُ مِنْ الْوَاحِدِ كَذَلِكَ .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .\rآدَابُ الْمَشْيِ إلَى الصَّلَاةِ يُسْتَحَبُّ لِلرَّجُلِ ، إذَا أَقْبَلَ إلَى الصَّلَاةِ ، أَنْ يُقْبِلَ بِخَوْفٍ وَوَجَلٍ وَخُشُوعٍ وَخُضُوعٍ ، وَعَلَيْهِ السَّكِينَةُ وَالْوَقَارُ ، وَإِنْ سَمِعَ الْإِقَامَةَ لَمْ يَسْعَ إلَيْهَا ؛ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { إذَا سَمِعْتُمْ الْإِقَامَةَ فَامْشُوا وَعَلَيْكُمْ السَّكِينَةُ وَالْوَقَارُ ، فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا ، وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا } .\rوَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ ، قَالَ : { بَيْنَمَا نَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذْ سَمِعَ جَلَبَةَ رِجَالٍ ، فَلَمَّا صَلَّى ، قَالَ : مَا شَأْنُكُمْ قَالُوا : اسْتَعْجَلْنَا إلَى الصَّلَاةِ .\rقَالَ : فَلَا","part":2,"page":296},{"id":796,"text":"تَفْعَلُوا ، إذَا أَتَيْتُمْ إلَى الصَّلَاةِ فَعَلَيْكُمْ السَّكِينَةُ ، فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا .\rوَفِي رِوَايَةٍ \" فَاقْضُوا \" .\rقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : وَلَا بَأْسَ إذَا طَمِعَ أَنْ يُدْرِكَ التَّكْبِيرَةَ الْأُولَى أَنْ يُسْرِعَ شَيْئًا ، مَا لَمْ يَكُنْ عَجَلَةً تُقَبَّحُ ، جَاءَ الْحَدِيثُ عَنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُمْ كَانُوا يُعَجِّلُونَ شَيْئًا إذَا خَافُوا فَوَاتَ التَّكْبِيرَةِ الْأُولَى .\rوَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُقَارِبَ بَيْنَ خُطَاهُ ، لِتَكْثُرَ حَسَنَاتُهُ ، فَإِنَّ كُلَّ خُطْوَةٍ يُكْتَبُ لَهُ بِهَا حَسَنَةٌ .\rوَقَدْ رَوَى عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ ، فِي \" مُسْنَدِهِ \" ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، قَالَ : { أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمْشِي وَأَنَا مَعَهُ ، فَقَارَبَ فِي الْخُطَى ، ثُمَّ قَالَ : أَتَدْرِي لِمَ فَعَلْتُ هَذَا ؟ لِتَكْثُرَ خُطَانَا فِي طَلَبِ الصَّلَاةِ } .\rوَيُكْرَهُ أَنْ يُشَبِّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { إذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ ، ثُمَّ خَرَجَ عَامِدًا إلَى الْمَسْجِدِ ، فَلَا يُشَبِّكَنَّ يَدَيْهِ ، فَإِنَّهُ فِي صَلَاةٍ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\r( 633 ) فَصْلٌ : وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَ مَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ إلَى الصَّلَاةِ وَهُوَ يَقُولُ : اللَّهُمَّ اجْعَلْ فِي قَلْبِي نُورًا ، وَفِي لِسَانِي نُورًا ، وَاجْعَلْ فِي سَمْعِي نُورًا ، وَاجْعَلْ فِي بَصَرِي نُورًا ، وَاجْعَلْ مِنْ خَلْفِي نُورًا ، وَمِنْ أَمَامِي نُورًا ، وَاجْعَلْ مِنْ فَوْقِي نُورًا ، وَمِنْ تَحْتِي نُورًا ، وَأَعْطِنِي نُورًا } .\rأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ .\rوَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي \" الْمُسْنَدِ \" ، وَابْنُ مَاجَهْ فِي \" السُّنَنِ \" ، بِإِسْنَادِهِمَا عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ إلَى الصَّلَاةِ ، فَقَالَ : اللَّهُمَّ","part":2,"page":297},{"id":797,"text":"إنِّي أَسْأَلُكَ بِحَقِّ السَّائِلِينَ عَلَيْكَ ، وَأَسْأَلُكَ بِحَقِّ مَمْشَايَ هَذَا ، فَإِنِّي لَمْ أَخْرُجْ أَشَرًا وَلَا بَطَرًا ، وَلَا رِيَاءً وَلَا سُمْعَةً ، وَخَرَجْتُ اتِّقَاءَ سُخْطِكَ وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِكَ ، فَأَسْأَلُكَ أَنْ تُنْقِذَنِي مِنْ النَّارِ ، وَأَنْ تَغْفِرَ لِي ذُنُوبِي ، إنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلَّا أَنْتَ .\rأَقْبَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِوَجْهِهِ ، وَاسْتَغْفَرَ لَهُ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ .\rوَيَقُولُ : بِسْمِ اللَّهِ { الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ } إلَى قَوْلِهِ : { إلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ } } .\r( 634 ) فَصْلٌ : فَإِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ قَدَّمَ رِجْلَهُ الْيُمْنَى وَقَالَ مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ ، عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ ، أَوْ أَبِي أُسَيْدَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إذَا دَخَلَ أَحَدُكُمْ الْمَسْجِدَ فَلْيَقُلْ : اللَّهُمَّ افْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ .\rوَإِذَا خَرَجَ فَلْيَقُلْ : اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك مِنْ فَضْلِكَ } ، وَعَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ : { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ صَلَّى عَلَى مُحَمَّدٍ وَسَلَّمَ ، وَقَالَ : رَبِّ اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي ، وَافْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِك ، وَإِذَا خَرَجَ صَلَّى عَلَى مُحَمَّدٍ ، وَقَالَ : رَبِّ اغْفِرْ لِي ، وَافْتَحْ لِي أَبْوَابَ فَضْلِكَ } .\rرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ .\rوَلَا يَجْلِسُ حَتَّى يَرْكَعَ رَكْعَتَيْنِ ؛ لِمَا رَوَى أَبُو قَتَادَةَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { إذَا دَخَلَ أَحَدُكُمْ الْمَسْجِدَ فَلَا يَجْلِسْ حَتَّى يَرْكَعَ رَكْعَتَيْنِ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rثُمَّ يَجْلِسُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ ، وَيَشْتَغِلُ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى ، أَوْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ ، أَوْ يَسْكُتُ ، وَلَا يَخُوضُ فِي حَدِيثِ الدُّنْيَا ، وَلَا يُشَبِّكُ أَصَابِعَهُ ؛ لِمَا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { إذَا كَانَ أَحَدُكُمْ فِي الْمَسْجِدِ فَلَا يُشَبِّكَنَّ ؛ فَإِنَّ التَّشْبِيكَ مِنْ الشَّيْطَانِ ،","part":2,"page":298},{"id":798,"text":"وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَا يَزَالُ فِي صَلَاةٍ مَا كَانَ فِي الْمَسْجِدِ ، حَتَّى يَخْرُجَ مِنْهُ } .\rرَوَاهُ أَحْمَدُ ، فِي \" الْمُسْنَدِ \"","part":2,"page":299},{"id":799,"text":"( 635 ) فَصْلٌ : وَإِذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ ، لَمْ يَشْتَغِلْ عَنْهَا بِنَافِلَةٍ ، سَوَاءٌ خَشِيَ فَوَاتَ الرَّكْعَةِ الْأُولَى أَمْ لَمْ يَخْشَ .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ ، وَابْنُ عُمَرَ ، وَعُرْوَةُ ، وَابْنُ سِيرِينَ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ .\rوَرُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ، أَنَّهُ دَخَلَ وَالْإِمَامُ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ ، فَرَكَعَ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الْحَسَنِ ، وَمَكْحُولٍ ، وَمُجَاهِدٍ ، وَحَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : إنْ لَمْ يَخَفْ فَوَاتَ الرَّكْعَةِ رَكَعَهُمَا خَارِجَ الْمَسْجِدِ .\rوَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ ، وَسَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ : يَرْكَعُهُمَا إلَّا أَنْ يَخَافَ فَوَاتَ الرَّكْعَةِ الْأَخِيرَةِ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فَلَا صَلَاةَ إلَّا الْمَكْتُوبَةُ } .\rرَوَاهُ مُسْلِمٌ .\rوَلِأَنَّ مَا يَفُوتُهُ مَعَ الْإِمَامِ أَفْضَلُ مِمَّا يَأْتِي بِهِ ، فَلَمْ يَشْتَغِلْ بِهِ ، كَمَا لَوْ خَافَ فَوَاتَ الرَّكْعَةِ .\rقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ : الْحُجَّةُ عِنْدَ التَّنَازُعِ السُّنَّةُ ، فَمَنْ أَدْلَى بِهَا فَقَدْ فَلَحَ ، وَمَنْ اسْتَعْمَلَهَا فَقَدْ نَجَا .\rقَالَ : وَقَدْ رَوَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ حِينَ أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ ، فَرَأَى نَاسًا يُصَلُّونَ ، فَقَالَ : أَصَلَاتَانِ مَعًا ؟ } .\rوَرَوَى نَحْوَ ذَلِكَ أَنَسٌ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَرْجِسَ ، وَابْنُ بُحَيْنَةَ ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَوَاهُنَّ كُلَّهُنَّ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي كِتَابِ \" التَّمْهِيدِ \" .\rقَالَ : وَكُلُّ هَذَا إنْكَارٌ مِنْهُ لِهَذَا الْفِعْلِ .\rفَأَمَّا إنْ أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ وَهُوَ فِي النَّافِلَةِ ، وَلَمْ يَخْشَ فَوَاتَ الْجَمَاعَةِ ، أَتَمَّهَا ، وَلَمْ يَقْطَعْهَا ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ } .\rوَإِنْ خَشِيَ فَوَاتَ الْجَمَاعَةِ ، فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ ؛ إحْدَاهُمَا ، يُتِمُّهَا ؛","part":2,"page":300},{"id":800,"text":"لِذَلِكَ .\rوَالثَّانِيَةُ ، يَقْطَعُهَا ؛ لِأَنَّ مَا يُدْرِكُهُ مِنْ الْجَمَاعَةِ أَعْظَمُ أَجْرًا وَأَكْثَرُ ثَوَابًا مِمَّا يَفُوتُهُ بِقَطْعِ النَّافِلَةِ ، لِأَنَّ صَلَاةَ الْجَمَاعَةِ تَزِيدُ عَلَى صَلَاةِ الرَّجُلِ وَحْدَهُ سَبْعًا وَعِشْرِينَ دَرَجَةً .","part":2,"page":301},{"id":801,"text":"( 636 ) فَصْلٌ : قِيلَ لِأَحْمَدَ : قَبْلَ التَّكْبِيرِ يَقُولُ شَيْئًا ؟ قَالَ : لَا .\rيَعْنِي لَيْسَ قَبْلَهُ دُعَاءٌ مَسْنُونٌ ، إذْ لَمْ يُنْقَلْ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا عَنْ أَصْحَابِهِ ، وَلِأَنَّ الدُّعَاءَ يَكُونُ بَعْدَ الْعِبَادَةِ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ } .","part":2,"page":302},{"id":802,"text":"بَابُ صِفَةِ الصَّلَاةِ .\rرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ ، قَالَ سَمِعْت أَبَا حُمَيْدٍ السَّاعِدِيَّ فِي عَشَرَةٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهُمْ أَبُو قَتَادَةَ ، فَقَالَ أَبُو حُمَيْدٍ ؛ أَنَا أَعْلَمُكُمْ بِصَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rقَالُوا : فَاعْرِضْ .\rقَالَ : { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا قَامَ إلَى الصَّلَاةِ يَرْفَعُ يَدَيْهِ ، حَتَّى يُحَاذِيَ بِهِمَا مَنْكِبَيْهِ ، ثُمَّ يُكَبِّرُ ، حَتَّى يَقِرَّ كُلُّ عَظْمٍ فِي مَوْضِعِهِ مُعْتَدِلًا .\rثُمَّ يَقْرَأُ ، ثُمَّ يُكَبِّرُ ، فَيَرْفَعُ يَدَيْهِ حَتَّى يُحَاذِيَ بِهِمَا مَنْكِبَيْهِ ، ثُمَّ يَرْكَعُ ، وَيَضَعُ رَاحَتَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ ، ثُمَّ يَعْتَدِلُ ، فَلَا يُصَوِّبُ رَأْسَهُ وَلَا يُقْنِعُهُ ، ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ ، وَيَقُولُ : سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ .\rثُمَّ يَرْفَعُ يَدَيْهِ حَتَّى يُحَاذِيَ مَنْكِبَيْهِ مُعْتَدِلًا ، ثُمَّ يَقُولُ : اللَّهُ أَكْبَرُ .\rثُمَّ يَهْوِي إلَى الْأَرْضِ ، فَيُجَافِي يَدَيْهِ عَنْ جَنْبَيْهِ ، ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ ، وَيُثْنِي رِجْلَهُ الْيُسْرَى فَيَقْعُدُ عَلَيْهَا ، وَيَفْتَحُ أَصَابِعَ رِجْلَيْهِ إذَا سَجَدَ ، وَيَسْجُدُ ، ثُمَّ يَقُولُ : اللَّهُ أَكْبَرُ ، وَيَرْفَعُ وَيُثْنِي رِجْلَهُ الْيُسْرَى ، فَيَقْعُدُ عَلَيْهَا ، حَتَّى يَرْجِعَ كُلُّ عَظْمٍ إلَى مَوْضِعِهِ ، ثُمَّ يَصْنَعُ فِي الْأُخْرَى مِثْلَ ذَلِكَ ، ثُمَّ إذَا قَامَ مِنْ الرَّكْعَةِ كَبَّرَ ، فَرَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى يُحَاذِيَ بِهِمَا مَنْكِبَيْهِ ، كَمَا كَبَّرَ عِنْدَ افْتِتَاحِ الصَّلَاةِ ، ثُمَّ يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي بَقِيَّةِ صَلَاتِهِ ، حَتَّى إذَا كَانَتْ السَّجْدَةُ الَّتِي فِيهَا التَّسْلِيمُ أَخَّرَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى ، وَقَعَدَ مُتَوَرِّكًا عَلَى شِقِّهِ الْأَيْسَرِ .\rقَالُوا : صَدَقْتَ ، هَكَذَا كَانَ يُصَلِّي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ } .\rرَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ ، وَأَبُو دَاوُد ، وَالتِّرْمِذِيُّ .\rوَقَالَ : حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ .\rوَفِي لَفْظٍ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ، قَالَ : { فَإِذَا رَكَعَ أَمْكَنَ يَدَيْهِ مِنْ رُكْبَتَيْهِ ، ثُمَّ","part":2,"page":303},{"id":803,"text":"هَصَرَ ظَهْرَهُ ، فَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ اسْتَوَى قَائِمًا حَتَّى يَعُودَ كُلُّ فَقَارٍ مَكَانَهُ ، وَإِذَا سَجَدَ سَجَدَ غَيْرَ مُفْتَرِشٍ ، وَلَا قَابِضَهُمَا ، وَاسْتَقْبَلَ بِأَطْرَافِ أَصَابِعِ رِجْلَيْهِ الْقِبْلَةَ ، فَإِذَا جَلَسَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ جَلَسَ عَلَى الْيُسْرَى ، وَنَصَبَ الْأُخْرَى ، فَإِذَا كَانَتْ السَّجْدَةُ الَّتِي فِيهَا التَّسْلِيمُ أَخَّرَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى ، وَجَلَسَ مُتَوَرِّكًا عَلَى شِقِّهِ الْأَيْسَرِ ، وَقَعَدَ عَلَى مَقْعَدَتِهِ } .","part":2,"page":304},{"id":804,"text":"( 637 ) فَصْلٌ : وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُومَ إلَى الصَّلَاةِ عِنْدَ قَوْلِ الْمُؤَذِّنِ : قَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ .\rوَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : عَلَى هَذَا أَهْلُ الْحَرَمَيْنِ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يَقُومُ إذَا فَرَغَ الْمُؤَذِّنُ مِنْ الْإِقَامَةِ .\rوَكَانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ ، وَسَالِمٌ ، وَأَبُو قِلَابَةَ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَعَطَاءٌ ، يَقُومُونَ فِي أَوَّلِ بَدْوَةٍ مِنْ الْإِقَامَةِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَقُومُ إذَا قَالَ : حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ ، فَإِذَا قَالَ : قَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ .\rكَبَّرَ .\rوَكَانَ أَصْحَابُ عَبْدِ اللَّهِ يُكَبِّرُونَ إذَا قَالَ الْمُؤَذِّنُ : قَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ .\rوَبِهِ قَالَ سُوَيْد بْنُ غَفَلَةَ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِ بِلَالٍ : لَا تَسْبِقْنِي بِآمِينَ .\rفَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ يُكَبِّرُ قَبْلَ فَرَاغِهِ .\rوَلَا يُسْتَحَبُّ عِنْدَنَا أَنْ يُكَبِّرَ إلَّا بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ الْإِقَامَةِ ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ ، وَيَحْيَى بْنِ وَثَّابٍ ، وَإِسْحَاقَ ، وَأَبِي يُوسُفَ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَعَلَيْهِ جُلُّ الْأَئِمَّةِ فِي الْأَمْصَارِ .\rوَإِنَّمَا قُلْنَا : إنَّهُ يَقُومُ عِنْدَ قَوْلِهِ : قَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ ؛ لِأَنَّ هَذَا خَبَرٌ بِمَعْنَى الْأَمْرِ ، وَمَقْصُودُهُ الْإِعْلَامُ لِيَقُومُوا ، فَيُسْتَحَبُّ الْمُبَادَرَةُ إلَى الْقِيَامِ امْتِثَالًا لِلْأَمْرِ ، وَتَحْصِيلًا لِلْمَقْصُودِ ، وَلَا يُكَبِّرُ حَتَّى يَفْرُغَ الْمُؤَذِّنُ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّمَا كَانَ يُكَبِّرُ بَعْدَ فَرَاغِهِ ، دَلَّ عَلَى ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْهُ ، أَنَّهُ كَانَ يُعَدِّلُ الصُّفُوفَ بَعْدَ إقَامَةِ الصَّلَاةِ ، وَيَقُولُ فِي الْإِقَامَةِ مِثْلَ قَوْلِ الْمُؤَذِّنِ ، فَرَوَى أَنَسٌ ، قَالَ : { أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ ، فَأَقْبَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِوَجْهِهِ ، فَقَالَ : أَقِيمُوا صُفُوفَكُمْ ، وَتَرَاصُّوا ، فَإِنِّي أَرَاكُمْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِي } .\rرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ .\rوَعَنْهُ قَالَ ، { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا قَامَ إلَى الصَّلَاةِ","part":2,"page":305},{"id":805,"text":"قَالَ هَكَذَا وَهَكَذَا ، عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ : اسْتَوُوا وَاعْتَدِلُوا } .\rوَفِيمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَنَّ بِلَالًا أَخَذَ فِي الْإِقَامَةِ ، فَلَمَّا أَنْ قَالَ : قَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ .\rقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَقَامَهَا اللَّهُ وَأَدَامَهَا } .\rوَقَالَ فِي سَائِرِ الْإِقَامَةِ كَنَحْوِ حَدِيثِ عُمَرَ فِي الْأَذَانِ ، فَأَمَّا حَدِيثُهُمْ ، فَإِنَّ بِلَالًا كَانَ يُقِيمُ فِي مَوْضِعِ أَذَانِهِ ، وَإِلَّا فَلَيْسَ بَيْنَ لَفْظِ الْإِقَامَةِ وَالْفَرَاغِ مِنْهَا مَا يَفُوتُ بِلَالًا \" آمِينَ \" ، مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِنَّمَا يَقُومُ الْمَأْمُومُونَ إذَا كَانَ الْإِمَامُ فِي الْمَسْجِدِ أَوْ قَرِيبًا مِنْهُ .\rوَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي مَقَامِهِ .\rقَالَ أَحْمَدُ .\rفِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ : أَذْهَبُ إلَى حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ : { خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ أَقَمْنَا الصُّفُوفَ } .\rإسْنَادٌ جَيِّدٌ ؛ الزُّهْرِيُّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ .\rوَقَالَ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد ، سَمِعْت أَحْمَدَ يَقُولُ : يَنْبَغِي أَنْ تُقَامَ الصُّفُوفُ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ الْإِمَامُ ، فَلَا يَحْتَاجُ أَنْ يَقِفَ .\rوَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : { كَانَتْ الصَّلَاةُ تُقَامُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَأْخُذُ النَّاسُ مَصَافَّهُمْ قَبْلَ أَنْ يَقُومَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَقَامَهُ } .\rرَوَاهُ مُسْلِمٌ .\rفَإِنْ أُقِيمَتْ ، وَالْإِمَامُ فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ ، وَلَمْ يَعْلَمُوا قُرْبَهُ ، لَمْ يَقُومُوا ؛ لِمَا رَوَى أَبُو قَتَادَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فَلَا تَقُومُوا حَتَّى تَرَوْنِي } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَلِلْبُخَارِيِّ : \" قَدْ خَرَجْتُ \" ، وَخَرَجَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَالنَّاسُ يَنْتَظِرُونَهُ قِيَامًا لِلصَّلَاةِ ، فَقَالَ : \" مَا لِي أَرَاكُمْ سَامِدِينَ ؟ \" .","part":2,"page":306},{"id":806,"text":"( 638 ) فَصْلٌ : وَيُسْتَحَبُّ لِلْإِمَامِ تَسْوِيَةُ الصُّفُوفِ ، يَلْتَفِتُ عَنْ يَمِينِهِ ، فَيَقُولُ : اسْتَوُوا .\rرَحِمَكُمْ اللَّهُ .\rوَعَنْ يَسَارِهِ كَذَلِكَ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْحَدِيثِ ، وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ ، قَالَ : { صَلَّيْت إلَى جَنْبِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ يَوْمًا ، فَقَالَ : هَلْ تَدْرِي لِمَ صُنِعَ هَذَا الْعُودُ ؟ قُلْت : لَا وَاَللَّهِ .\rفَقَالَ : لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إذَا قَامَ إلَى الصَّلَاةِ أَخَذَهُ بِيَمِينِهِ ، فَقَالَ : اعْتَدِلُوا ، وَسَوُّوا صُفُوفَكُمْ .\rثُمَّ أَخَذَهُ بِيَسَارِهِ ، وَقَالَ : اعْتَدِلُوا ، وَسَوُّوا صُفُوفَكُمْ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَعَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { سَوُّوا صُفُوفَكُمْ ، فَإِنَّ تَسْوِيَةَ الصَّفِّ مِنْ تَمَامِ الصَّلَاةِ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .","part":2,"page":307},{"id":807,"text":"( 639 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ : ( وَإِذَا قَامَ إلَى الصَّلَاةِ فَقَالَ : اللَّهُ أَكْبَرُ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الصَّلَاةَ لَا تَنْعَقِدُ إلَّا بِقَوْلِ : \" اللَّهُ أَكْبَرُ \" .\rعِنْدَ إمَامِنَا ، وَمَالِكٍ .\rوَكَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ ، وَطَاوُسٌ ، وَأَيُّوبُ ، وَمَالِكٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، يَقُولُونَ : افْتِتَاحُ الصَّلَاةِ التَّكْبِيرُ .\rوَعَلَى هَذَا عَوَامُّ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي الْقَدِيمِ وَالْحَدِيثِ ، إلَّا أَنَّ الشَّافِعِيَّ قَالَ : تَنْعَقِدُ بِقَوْلِهِ : اللَّهُ الْأَكْبَرُ .\rلِأَنَّ الْأَلِفَ وَاللَّامَ لَمْ تُغَيِّرْهُ عَنْ بِنْيَتِهِ وَمَعْنَاهُ ، وَإِنَّمَا أَفَادَتْ التَّعْرِيفَ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : تَنْعَقِدُ بِكُلِّ اسْمٍ لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى وَجْهِ التَّعْظِيمِ ، كَقَوْلِهِ : اللَّهُ عَظِيمٌ .\rأَوْ كَبِيرٌ ، أَوْ جَلِيلٌ .\rوَسُبْحَانَ اللَّهِ .\rوَالْحَمْدُ لِلَّهِ .\rوَلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ .\rوَنَحْوِهِ .\rقَالَ الْحَاكِمُ : لِأَنَّهُ ذَكَرَ اللَّهَ تَعَالَى عَلَى وَجْهِ التَّعْظِيمِ ، أَشْبَهَ قَوْلَهُ : اللَّهُ أَكْبَرُ .\rوَاعْتُبِرَ ذَلِكَ بِالْخُطْبَةِ ، حَيْثُ لَمْ يَتَعَيَّنْ لَفْظُهَا .\rوَلَنَا ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { تَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\r{ وَقَالَ لِلْمُسِيءِ فِي صَلَاتِهِ : إذَا قُمْت إلَى الصَّلَاةِ فَكَبِّرْ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَفِي حَدِيثِ رِفَاعَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ امْرِئٍ حَتَّى يَضَعَ الْوُضُوءَ مَوَاضِعَهُ ، ثُمَّ يَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ ، فَيَقُولَ : اللَّهُ أَكْبَرُ } .\r{ وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَفْتَتِحُ الصَّلَاةَ بِقَوْلِهِ : اللَّهُ أَكْبَرُ } .\rلَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ عُدُولٌ عَنْ ذَلِكَ حَتَّى فَارَقَ الدُّنْيَا ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْعُدُولُ عَنْهُ ، وَمَا قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ يُخَالِفُ دَلَالَةَ الْأَخْبَارِ ، فَلَا يُصَارُ إلَيْهِ ، ثُمَّ يَبْطُلُ بِقَوْلِ : اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي .\rوَلَا يَصِحُّ الْقِيَاسُ عَلَى الْخُطْبَةِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ","part":2,"page":308},{"id":808,"text":"عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهَا لَفْظٌ بِعَيْنِهِ فِي جَمِيعِ خُطَبِهِ ، وَلَا أَمْرٌ بِهِ ، وَلَا يُمْنَعُ مِنْ الْكَلَامِ فِيهَا وَالتَّلَفُّظِ بِمَا شَاءَ مِنْ الْكَلَامِ الْمُبَاحِ ، وَالصَّلَاةُ بِخِلَافِهِ ، وَمَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ عُدُولٌ عَنْ الْمَنْصُوصِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَالَ : اللَّهُ الْعَظِيمُ .\rوَقَوْلُهُمْ : لَمْ تُغَيَّرْ بِنْيَتُهُ وَلَا مَعْنَاهُ .\rلَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّهُ نَقَلَهُ عَنْ التَّنْكِيرِ إلَى التَّعْرِيفِ ، وَكَانَ مُتَضَمِّنًا لَإِضْمَارٍ أَوْ تَقْدِيرٍ .\rفَزَالَ ، فَإِنَّ قَوْلَهُ \" اللَّهُ أَكْبَرُ \" التَّقْدِيرُ : مِنْ كُلِّ شَيْءٍ .\rوَلَمْ يَرِدْ فِي كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَلَا فِي كَلَامِ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا فِي الْمُتَعَارَفِ فِي كَلَامِ الْفُصَحَاءِ إلَّا هَكَذَا ، فَإِطْلَاقُ لَفْظِ التَّكْبِيرِ يَنْصَرِفُ إلَيْهَا دُونَ غَيْرِهَا ، كَمَا أَنَّ إطْلَاقَ لَفْظِ التَّسْمِيَةِ يَنْصَرِفُ إلَى قَوْلِ \" بِسْمِ اللَّهِ \" دُونَ غَيْرِهِ ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ غَيْرَهَا لَيْسَ مِثْلًا لَهَا .","part":2,"page":309},{"id":809,"text":"( 640 ) فَصْلٌ : وَالتَّكْبِيرُ رُكْنٌ فِي الصَّلَاةِ ، لَا تَنْعَقِدُ الصَّلَاةُ إلَّا بِهِ ، سَوَاءٌ تَرَكَهُ عَمْدًا أَوْ سَهْوًا ، وَهَذَا قَوْلُ رَبِيعَةَ ، وَمَالِكٍ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَإِسْحَاقَ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ .\rوَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ، وَالْحَسَنُ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَقَتَادَةُ ، وَالْحَكَمُ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ : مَنْ نَسِيَ تَكْبِيرَةَ الِافْتِتَاحِ ، أَجْزَأَتْهُ تَكْبِيرَةُ الرُّكُوعِ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { تَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ } .\rيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ فِي الصَّلَاةِ بِدُونِهِ .","part":2,"page":310},{"id":810,"text":"( 641 ) فَصْلٌ : وَلَا يَصِحُّ التَّكْبِيرُ إلَّا مُرَتَّبًا ، فَإِنْ نَكَسَهُ لَمْ يَصِحَّ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ تَكْبِيرًا .\rوَيَجِبُ عَلَى الْمُصَلِّي أَنْ يُسْمِعَهُ نَفْسَهُ إمَامًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ بِهِ عَارِضٌ مِنْ طَرَشٍ ، أَوْ مَا يَمْنَعُهُ السَّمَاعَ ، فَيَأْتِيَ بِهِ بِحَيْثُ لَوْ كَانَ سَمِيعًا أَوْ لَا عَارِضَ بِهِ سَمِعَهُ ، وَلِأَنَّهُ ذِكْرٌ مَحَلُّهُ اللِّسَانُ ، وَلَا يَكُونُ كَلَامًا بِدُونِ الصَّوْتِ ، وَالصَّوْتُ مَا يَتَأَتَّى سَمَاعُهُ ، وَأَقْرَبُ السَّامِعِينَ إلَيْهِ نَفْسُهُ ، فَمَتَى لَمْ يَسْمَعْهُ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ أَتَى بِالْقَوْلِ ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ .","part":2,"page":311},{"id":811,"text":"( 642 ) فَصْلٌ : وَيُسْتَحَبُّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَجْهَرَ بِالتَّكْبِيرِ ، بِحَيْثُ يَسْمَعُ الْمَأْمُومُونَ لِيُكَبِّرُوا ، فَإِنَّهُمْ لَا يَجُوزُ لَهُمْ التَّكْبِيرُ إلَّا بَعْدَ تَكْبِيرِهِ ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ إسْمَاعُهُمْ ، جَهَرَ بَعْضُ الْمَأْمُومِينَ لِيَسْمَعَهُمْ ، أَوْ لِيَسْمَعَ مَنْ لَا يَسْمَعُ الْإِمَامَ ؛ لِمَا رَوَى جَابِرٌ ، قَالَ : { صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو بَكْرٍ خَلْفَهُ ، فَإِذَا كَبَّرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَبَّرَ أَبُو بَكْرٍ ؛ لِيُسْمِعَنَا } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .","part":2,"page":312},{"id":812,"text":"( 643 ) فَصْلٌ : وَيُبَيِّنُ التَّكْبِيرَ ، وَلَا يَمُدُّ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ الْمَدِّ ، فَإِنْ فَعَلَ بِحَيْثُ تَغَيَّرَ الْمَعْنَى ، مِثْلُ أَنْ يَمُدَّ الْهَمْزَةَ الْأُولَى ، فَيَقُولَ : آللَّهُ .\rفَيَجْعَلَهَا اسْتِفْهَامًا ، أَوْ يَمُدَّ أَكْبَرَ .\rفَيَزِيدَ أَلِفًا ، فَيَصِيرَ جَمْعَ كَبَرٍ ، وَهُوَ الطَّبْلُ ، لَمْ يَجُزْ ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى يَتَغَيَّرُ بِهِ .\rوَإِنْ قَالَ : اللَّهُ أَكْبَرُ وَأَعْظَمُ وَأَجَلُّ .\rوَنَحْوَهُ ، لَمْ يُسْتَحَبَّ .\rنَصَّ عَلَيْهِ ، وَانْعَقَدَتْ الصَّلَاةُ بِالتَّكْبِيرَةِ الْأُولَى .","part":2,"page":313},{"id":813,"text":"فَصْلٌ : وَلَا يُجْزِئُهُ التَّكْبِيرُ بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَيْهَا .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَأَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يُجْزِئُهُ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى } .\rوَهَذَا قَدْ ذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ .\rوَلَنَا ، مَا تَقَدَّمَ مِنْ النُّصُوصِ ، وَأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَعْدِلْ عَنْهَا ، وَهَذَا يَخُصُّ مَا ذَكَرُوا .\rفَإِنْ لَمْ يُحْسِنْ الْعَرَبِيَّةَ ، لَزِمَهُ تَعَلُّمُ التَّكْبِيرِ بِهَا ، فَإِنْ خَشِيَ فَوَاتَ الْوَقْتِ كَبَّرَ بِلُغَتِهِ .\rذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي \" الْمُجَرَّدِ \" .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ الْقَاضِي فِي \" الْجَامِعِ \" : لَا يُكَبِّرُ بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ ، وَيَكُونُ حُكْمُهُ حُكْمَ الْأَخْرَسِ ، كَمَنْ عَجَزَ عَنْ الْقِرَاءَةِ بِالْعَرَبِيَّةِ لَا يُعَبِّرُ عَنْهَا بِغَيْرِهَا .\rوَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ؛ لِأَنَّ التَّكْبِيرَ ذِكْرُ اللَّهِ ، وَذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى يَحْصُلُ بِكُلِّ لِسَانٍ ، وَأَمَّا الْقُرْآنُ فَإِنَّهُ عَرَبِيٌّ ، فَإِذَا عَبَّرَ عَنْهُ بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ لَمْ يَكُنْ قُرْآنًا ، وَالذِّكْرُ لَا يَخْرُجُ بِذَلِكَ عَنْ كَوْنِهِ ذِكْرًا .","part":2,"page":314},{"id":814,"text":"( 645 ) فَصْلٌ : فَإِنْ كَانَ أَخْرَسَ أَوْ عَاجِزًا عَنْ التَّكْبِيرِ بِكُلِّ لِسَانٍ ، سَقَطَ عَنْهُ ، وَقَالَ الْقَاضِي : عَلَيْهِ تَحْرِيكُ لِسَانِهِ ؛ لِأَنَّ الصَّحِيحَ يَلْزَمُهُ النُّطْقُ بِتَحْرِيكِ لِسَانِهِ ، فَإِذَا عَجَزَ عَنْ أَحَدِهِمَا لَزِمَهُ الْآخَرُ .\rوَلَا يَصِحُّ هَذَا ؛ لِأَنَّهُ قَوْلٌ عَجَزَ عَنْهُ ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ تَحْرِيكُ لِسَانِهِ فِي مَوْضِعِهِ كَالْقِرَاءَةِ ، وَإِنَّمَا لَزِمَهُ تَحْرِيكُ لِسَانِهِ بِالتَّكْبِيرِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ ضَرُورَةً يُوقَفُ التَّكْبِيرُ عَلَيْهَا ، فَإِذَا سَقَطَ التَّكْبِيرُ سَقَطَ مَا هُوَ مِنْ ضَرُورَتِهِ ، كَمَنْ سَقَطَ عَنْهُ الْقِيَامُ ، سَقَطَ عَنْهُ النُّهُوضُ إلَيْهِ ، وَإِنْ قَدَرَ عَلَيْهِ .\rوَلِأَنَّ تَحْرِيكَ اللِّسَانِ مِنْ غَيْرِ نُطْقٍ عَبَثٌ لَمْ يَرِدْ الشَّرْعُ بِهِ ، فَلَا يَجُوزُ فِي الصَّلَاةِ ، كَالْعَبَثِ بِسَائِرِ جَوَارِحِهِ .","part":2,"page":315},{"id":815,"text":"( 646 ) فَصْلٌ : وَعَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ بِالتَّكْبِيرِ قَائِمًا .\rفَإِنْ انْحَنَى إلَى الرُّكُوعِ بِحَيْثُ يَصِيرُ رَاكِعًا قَبْلَ إنْهَاءِ التَّكْبِيرِ ، لَمْ تَنْعَقِدْ صَلَاتُهُ ، إلَّا أَنْ تَكُونَ نَافِلَةً ؛ لِسُقُوطِ الْقِيَامِ فِيهَا .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا تَنْعَقِدَ أَيْضًا ؛ لِأَنَّ صِفَةَ الرُّكُوعِ غَيْرُ صِفَةِ الْقُعُودِ ، وَلَمْ يَأْتِ التَّكْبِيرَ قَائِمًا وَلَا قَاعِدًا .\rوَلَوْ كَانَ مِمَّنْ تَصِحُّ صَلَاتُهُ قَاعِدًا ، كَانَ عَلَيْهِ الْإِتْيَانُ بِالتَّكْبِيرِ قَبْلَ وُجُودِ الرُّكُوعِ مِنْهُ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : إنْ كَبَّرَ فِي الْفَرِيضَةِ ، فِي حَالِ انْحِنَائِهِ إلَى الرُّكُوعِ ، انْعَقَدَتْ نَفْلًا ؛ لِأَنَّهَا امْتَنَعَ وُقُوعُهَا فَرْضًا ، وَأَمْكَنَ جَعْلُهَا نَفْلًا ، فَأَشْبَهَ مَنْ أَحْرَمَ بِفَرِيضَةٍ ، فَبَانَ أَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ وَقْتُهَا .","part":2,"page":316},{"id":816,"text":"( 647 ) فَصْلٌ : وَلَا يُكَبِّرُ الْمَأْمُومُ حَتَّى يَفْرُغَ إمَامُهُ مِنْ التَّكْبِيرِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يُكَبِّرُ مَعَهُ ، كَمَا يَرْكَعُ مَعَهُ .\rوَلَنَا ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { إنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ ، فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَالرُّكُوعُ مِثْلُ ذَلِكَ ، فَإِنَّهُ إنَّمَا يَرْكَعُ بَعْدَهُ ، إلَّا أَنَّهُ لَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ بِالرُّكُوعِ مَعَهُ ، لِأَنَّهُ قَدْ دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ ، وَهَاهُنَا بِخِلَافِهِ .\rفَإِنْ كَبَّرَ قَبْلَ إمَامِهِ ، لَمْ يَنْعَقِدْ تَكْبِيرُهُ ، وَعَلَيْهِ اسْتِئْنَافُ التَّكْبِيرِ بَعْدَ تَكْبِيرِ الْإِمَامِ .","part":2,"page":317},{"id":817,"text":"( 648 ) فَصْلٌ : وَالتَّكْبِيرُ مِنْ الصَّلَاةِ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ .\rلَيْسَ هُوَ مِنْهَا ؛ بِدَلِيلِ إضَافَتِهِ إلَيْهَا ، بِقَوْلِهِ : { تَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ } ، وَلَا يُضَافُ الشَّيْءُ إلَى نَفْسِهِ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الصَّلَاةِ : { إنَّمَا هِيَ التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ } .\rرَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد .\rوَمَا ذَكَرُوهُ غَلَطٌ ؛ فَإِنَّ أَجْزَاءَ الشَّيْءِ تُضَافُ إلَيْهِ ، كَيَدِ الْإِنْسَانِ وَرَأْسِهِ وَأَطْرَافِهِ .","part":2,"page":318},{"id":818,"text":"( 649 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَيَنْوِي بِهَا الْمَكْتُوبَةَ ، يَعْنِي بِالتَّكْبِيرَةِ .\rوَلَا نَعْلَمُ خِلَافًا بَيْنَ الْأُمَّةِ فِي وُجُوبِ النِّيَّةِ لِلصَّلَاةِ ، وَأَنَّ الصَّلَاةَ لَا تَنْعَقِدُ إلَّا بِهَا ) وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { وَمَا أُمِرُوا إلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ } .\rوَالْإِخْلَاصُ عَمَلُ الْقَلْبِ ، وَهُوَ النِّيَّةُ ، وَإِرَادَةُ اللَّهِ وَحْدَهُ دُونَ غَيْرِهِ ، وَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ ، وَلِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى } .\rوَمَعْنَى النِّيَّةِ الْقَصْدُ ، وَمَحَلُّهَا الْقَلْبُ .\rوَإِنْ لَفَظَ بِمَا نَوَاهُ ، كَانَ تَأْكِيدًا .\rفَإِنْ كَانَتْ الصَّلَاةُ مَكْتُوبَةً ، لَزِمَتْهُ نِيَّةُ الصَّلَاةِ بِعَيْنِهَا ؛ ظُهْرًا ، أَوْ عَصْرًا ، أَوْ غَيْرَهُمَا ، فَيَحْتَاجُ إلَى نِيَّةِ شَيْئَيْنِ ؛ الْفِعْلِ ، وَالتَّعْيِينِ .\rوَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي نِيَّةِ الْفَرْضِيَّةِ ؛ فَقَالَ بَعْضُهُمْ : لَا يَحْتَاجُ إلَيْهَا ، لِأَنَّ التَّعْيِينَ يُغْنِي عَنْهَا ؛ لِكَوْنِ الظُّهْرِ مَثَلًا لَا يَكُونُ إلَّا فَرْضًا مِنْ الْمُكَلَّفِ .\rوَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ : لَا بُدَّ مِنْ نِيَّةِ الْفَرْضِيَّةِ ؛ لِأَنَّ الْمُعَيَّنَةَ قَدْ تَكُونُ نَفْلًا ، كَظُهْرِ الصَّبِيِّ وَالْمُعَادَةِ ، فَيَفْتَقِرُ إلَى ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ ؛ الْفِعْلِ ، وَالتَّعْيِينِ ، وَالْفَرْضِيَّةِ .\rوَيَحْتَمِلُ هَذَا كَلَامَ الْخِرَقِيِّ ؛ لِقَوْلِهِ : \" يَنْوِي بِهَا الْمَكْتُوبَةَ \" أَيْ الْوَاجِبَةَ الْمُعَيَّنَةَ .\rوَالْأَلِفُ وَاللَّامُ هُنَا لِلْمَعْهُودِ ، أَيْ أَنَّهَا الْمَكْتُوبَةُ الْحَاضِرَةُ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ ، أَنَّهُ لَا يَفْتَقِرُ إلَى التَّعْيِينِ ؛ لِأَنَّهُ إذَا نَوَى الْمَفْرُوضَةَ انْصَرَفَتْ النِّيَّةُ إلَى الْحَاضِرَةِ .\rوَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ التَّعْيِينِ ، وَالْأَلِفُ وَاللَّامُ هُنَا لِلْمَعْهُودِ ، كَمَا ذَكَرْنَا ، وَالْحُضُورُ لَا يَكْفِي عَنْ النِّيَّةِ ؛ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَمْ يُغْنِ عَنْ نِيَّةِ الْمَكْتُوبَةِ ، وَقَدْ يَكُونُ عَلَيْهِ صَلَوَاتٌ ، فَلَا تَتَعَيَّنُ إحْدَاهُنَّ بِدُونِ","part":2,"page":319},{"id":819,"text":"التَّعْيِينِ .\rفَأَمَّا الْفَائِتَةُ ، فَإِنْ عَيَّنَهَا بِقَلْبِهِ أَنَّهَا ظُهْرُ الْيَوْمِ ، لَمْ يَحْتَجْ إلَى نِيَّةِ الْقَضَاءِ ، وَلَا الْأَدَاءِ ، بَلْ لَوْ نَوَاهَا أَدَاءً ، فَبَانَ أَنَّ وَقْتَهَا قَدْ خَرَجَ وَقَعَتْ قَضَاءً مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ .\rوَلَوْ ظَنَّ أَنَّ الْوَقْتَ قَدْ خَرَجَ ، فَنَوَاهَا قَضَاءً ، فَبَانَ أَنَّهَا فِي وَقْتِهَا ، وَقَعَتْ أَدَاءً مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ ، كَالْأَسِيرِ إذَا تَحَرَّى وَصَامَ شَهْرًا ، يُرِيدُ بِهِ شَهْرَ رَمَضَانَ ، فَوَافَقَهُ ، أَوْ مَا بَعْدَهُ ، أَجْزَأَهُ .\rوَإِنْ ظَنَّ أَنَّ عَلَيْهِ ظُهْرًا فَائِتَةً ، فَقَضَاهَا فِي وَقْتِ ظُهْرِ الْيَوْمِ ، ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ ، فَهَلْ يُجْزِئُهُ عَنْ ظُهْرِ الْيَوْمِ ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا ، يُجْزِئُهُ ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ مُعَيَّنَةٌ ، وَإِنَّمَا أَخْطَأَ فِي نِيَّةِ الْوَقْتِ ، فَلَمْ يُؤَثِّرْ ، كَمَا إذَا اعْتَقَدَ أَنَّ الْوَقْتَ قَدْ خَرَجَ ، فَبَانَ أَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ ، أَوْ كَمَا لَوْ نَوَى ظُهْرَ أَمْسِ ، وَعَلَيْهِ ظُهْرُ يَوْمٍ قَبْلَهُ .\rوَالثَّانِي : لَا يُجْزِئُهُ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْوِ عَيْنَ الصَّلَاةِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ نَوَى قَضَاءَ عَصْرٍ ، لَمْ يُجْزِئْهُ عَنْ الظُّهْرِ .\rوَلَوْ نَوَى ظُهْرَ الْيَوْمِ فِي وَقْتِهَا ، وَعَلَيْهِ فَائِتَةٌ ، لَمْ يُجْزِئْهُ عَنْهَا ، وَيَتَخَرَّجُ فِيهَا كَاَلَّتِي قَبْلَهَا .\rفَأَمَّا إنْ كَانَتْ عَلَيْهِ فَوَائِتُ ، فَنَوَى صَلَاةً غَيْرَ مُعَيَّنَةٍ ، لَمْ يُجْزِئْهُ عَنْ وَاحِدَةٍ مِنْهَا ؛ لِعَدَمِ التَّعْيِينِ .\rوَلَوْ نَسِيَ صَلَاةً مِنْ يَوْمٍ لَا يَعْلَمُ عَيْنَهَا ، لَزِمَهُ خَمْسُ صَلَوَاتٍ ؛ لِيَعْلَمَ أَنَّهُ أَدَّى الْفَائِتَةَ .\rوَلَوْ نَسِيَ صَلَاةً لَا يَدْرِي أَظُهْرٌ هِيَ أَمْ عَصْرٌ ، لَزِمَهُ صَلَاتَانِ ، فَإِنْ صَلَّى وَاحِدَةً يَنْوِي أَنَّهَا الْفَائِتَةُ ، لَمْ يُجْزِئْهُ ؛ لِعَدَمِ التَّعْيِينِ .\r( 650 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا النَّافِلَةُ ، فَتَنْقَسِمُ إلَى مُعَيَّنَةٍ ، كَصَلَاةِ الْكُسُوفِ ، وَالِاسْتِسْقَاءِ ، وَالتَّرَاوِيحِ ، وَالْوِتْرِ ، وَالسُّنَنِ الرَّوَاتِبِ ، فَيَفْتَقِرُ إلَى التَّعْيِينِ أَيْضًا ، وَإِلَى مُطْلَقَةٍ ، كَصَلَاةِ","part":2,"page":320},{"id":820,"text":"اللَّيْلِ ، فَيُجْزِئُهُ نِيَّةُ الصَّلَاةِ لَا غَيْرُ ؛ لِعَدَمِ التَّعْيِينِ فِيهَا .","part":2,"page":321},{"id":821,"text":"( 651 ) فَصْلٌ : وَإِذَا دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ بِنِيَّةٍ مُتَرَدِّدَةٍ بَيْنَ إتْمَامِهَا وَقَطْعِهَا ، لَمْ تَصِحَّ ؛ لِأَنَّ النِّيَّةَ عَزْمٌ جَازِمٌ ، وَمَعَ التَّرَدُّدِ لَا يَحْصُلُ الْجَزْمُ .\rوَإِنْ تَلَبَّسَ بِهَا بِنِيَّةٍ صَحِيحَةٍ ، ثُمَّ نَوَى قَطْعَهَا ، وَالْخُرُوجَ مِنْهَا ، بَطَلَتْ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا تَبْطُلُ بِذَلِكَ ؛ لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ صَحَّ دُخُولُهُ فِيهَا ، فَلَمْ تَفْسُدْ بِنِيَّةِ الْخُرُوجِ مِنْهَا كَالْحَجِّ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ قَطَعَ حُكْمَ النِّيَّةِ قَبْلَ إتْمَامِ صَلَاتِهِ ، فَفَسَدَتْ ، كَمَا لَوْ سَلَّمَ يَنْوِي الْخُرُوجَ مِنْهَا ، وَلِأَنَّ النِّيَّةَ شَرْطٌ فِي جَمِيعِ الصَّلَاةِ ، وَقَدْ قَطَعَهَا بِمَا حَدَثَ ، فَفَسَدَتْ لِذَهَابِ شَرْطِهَا ، وَفَارَقَتْ الْحَجَّ ؛ فَإِنَّهُ لَا يَخْرُجُ مِنْهُ بِمَحْظُورَاتِهِ ، وَلَا بِمُفْسِدَاتِهِ ، بِخِلَافِ الصَّلَاةِ .\rفَأَمَّا إنْ تَرَدَّدَ فِي قَطْعِهَا ، فَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ : لَا تَبْطُلُ ؛ لِأَنَّهُ دَخَلَ فِيهَا بِنِيَّةٍ مُتَيَقَّنَةٍ ، فَلَا تَزُولُ بِالشَّكِّ وَالتَّرَدُّدِ ، كَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : يَحْتَمِلُ أَنْ تَبْطُلَ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ اسْتِدَامَةَ النِّيَّةِ شَرْطٌ مَعَ التَّرَدُّدِ لَا يَكُونُ مُسْتَدِيمًا لَهَا ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ نَوَى قَطْعَهَا","part":2,"page":322},{"id":822,"text":"( 652 ) فَصْلٌ : وَالْوَاجِبُ اسْتِصْحَابُ حُكْمِ النِّيَّةِ دُونَ حَقِيقَتِهَا ، بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَنْوِي قَطْعَهَا .\rوَلَوْ ذَهَلَ عَنْهَا وَعَزَبَتْ عَنْهُ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ ، لَمْ يُؤَثِّرْ ذَلِكَ فِي صِحَّتِهَا ؛ لِأَنَّ التَّحَرُّزَ مِنْ هَذَا غَيْرُ مُمْكِنٍ ، وَلِأَنَّ النِّيَّةَ لَا تُعْتَبَرُ حَقِيقَتُهَا فِي أَثْنَاءِ الْعِبَادَةِ ، بِدَلِيلِ الصَّوْمِ وَغَيْرِهِ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ { : إذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ ، وَلَهُ حُصَاصٌ ، فَإِذَا قُضِيَ التَّثْوِيبُ أَقْبَلَ حَتَّى يَخْطِرَ بَيْنَ الْمَرْءِ وَنَفْسِهِ ، يَقُولُ : اُذْكُرْ كَذَا ، اُذْكُرْ كَذَا ، حَتَّى يَظَلَّ أَحَدُكُمْ أَنْ لَا يَدْرِيَ كَمْ صَلَّى } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَرَوَاهُ مَالِكٌ ، فِي \" الْمُوَطَّأِ \" .\rوَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ صَلَّى صَلَاةً فَلَمْ يَقْرَأْ فِيهَا ، فَقِيلَ لَهُ : إنَّك لَمْ تَقْرَأْ .\rفَقَالَ : إنِّي جَهَّزْتُ جَيْشًا لِلْمُسْلِمِينَ ، حَتَّى بَلَغْتُ بِهِ وَادِيَ الْقُرَى","part":2,"page":323},{"id":823,"text":"( 653 ) فَصْلٌ : فَإِنْ شَكَّ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ ، هَلْ نَوَى أَوْ لَا ؟ أَوْ شَكَّ فِي تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ ، اسْتَأْنَفَهَا ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ مَا شَكَّ فِيهِ ؛ فَإِنْ ذَكَرَ أَنَّهُ كَانَ قَدْ نَوَى أَوْ كَبَّرَ قَبْلَ قَطْعِهَا ، أَوْ أَخَذَ فِي عَمَلٍ ، فَلَهُ الْبِنَاءُ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مُبْطِلٌ لَهَا .\rوَإِنْ عَمِلَ فِيهَا عَمَلًا مَعَ الشَّكِّ ، فَقَالَ الْقَاضِي : تَبْطُلُ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ هَذَا الْعَمَلَ عَرِيَ عَنْ النِّيَّةِ وَحُكْمِهَا ، فَإِنَّ اسْتِصْحَابَ حُكْمِهَا مَعَ الشَّكِّ لَا يُوجَدُ .\rوَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ : لَا تَبْطُلُ ، وَيَبْنِي أَيْضًا ؛ لِأَنَّ الشَّكَّ لَا يُزِيلُ حُكْمَ النِّيَّةِ ، بِدَلِيلِ مَا لَوْ لَمْ يُحْدِثْ عَمَلًا ، فَإِنَّهُ يَبْنِي ، وَلَوْ زَالَ حُكْمُ النِّيَّةِ لَبَطَلَتْ الصَّلَاةُ ، كَمَا لَوْ نَوَى قَطْعَهَا .\rوَإِنْ شَكَّ هَلْ نَوَى فَرْضًا أَوْ نَفْلًا ؟ أَتَمَّهَا نَفْلًا ، إلَّا أَنْ يَذْكُرَ أَنَّهُ نَوَى الْفَرْضَ قَبْلَ أَنْ يُحْدِثَ عَمَلًا .\rوَإِنْ ذَكَرَ ذَلِكَ بَعْدَ إحْدَاثِ عَمَلٍ ، خُرِّجَ فِيهِ الْوَجْهَانِ الْمَذْكُورَانِ فِي الَّتِي قَبْلَهَا .\rفَإِنْ شَكَّ ، هَلْ أَحْرَمَ بِظُهْرٍ أَوْ عَصْرٍ ؟ فَحُكْمُهُ حُكْمُ مَا لَوْ شَكَّ ؛ فِي النِّيَّةِ ؛ لِأَنَّ التَّعْيِينَ شَرْطٌ ، وَقَدْ زَالَ بِالشَّكِّ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يُتِمَّهَا نَفْلًا ، كَمَا لَوْ أَحْرَمَ بِفَرْضٍ ، فَبَانَ أَنَّهُ قَبْلَ وَقْتِهِ .","part":2,"page":324},{"id":824,"text":"( 654 ) فَصْلٌ : وَإِذَا أَحْرَمَ بِفَرِيضَةٍ ، ثُمَّ نَوَى نَقْلَهَا إلَى فَرِيضَةٍ أُخْرَى ، بَطَلَتْ الْأُولَى ، لِأَنَّهُ قَطَعَ نِيَّتَهَا ، وَلَمْ تَصِحَّ الثَّانِيَةُ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْوِهَا مِنْ أَوَّلِهَا .\rفَإِنْ نَقَلَهَا إلَى نَفْلٍ لِغَيْرِ غَرَضٍ ، فَقَالَ الْقَاضِي : لَا يَصِحُّ ، رِوَايَةً وَاحِدَةً ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ .\rوَقَالَ فِي \" الْجَامِعِ \" : يُخَرَّجُ عَلَى رِوَايَتَيْنِ .\rوَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : يُكْرَهُ ، وَيَصِحُّ ؛ لِأَنَّ النَّفَلَ يَدْخُلُ فِي نِيَّةِ الْفَرْضِ ، بِدَلِيلِ مَا لَوْ أَحْرَمَ بِفَرْضٍ فَبَانَ أَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ وَقْتُهُ ، وَصِحَّةُ نَقْلِهَا إذَا كَانَ لِغَرَضٍ وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ كَالْوَجْهَيْنِ .\rفَأَمَّا إنْ نَقَلَهَا لِغَرَضٍ صَحِيحٍ ، مِثْلُ مَنْ أَحْرَمَ بِهَا مُنْفَرِدًا ، فَحَضَرَتْ جَمَاعَةٌ ، فَجَعَلَهَا نَفْلًا لِيُصَلِّيَ فَرْضَهُ فِي جَمَاعَةٍ .\rفَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : تَصِحُّ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : فِيهِ رِوَايَتَانِ : إحْدَاهُمَا : لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْوِ النَّفَلَ مِنْ أَوَّلِهَا .\rوَالثَّانِيَةُ ، يَصِحّ ؛ لِأَنَّهُ لِفَائِدَةٍ ، وَهِيَ تَأْدِيَةُ فَرْضِهِ فِي الْجَمَاعَةِ مُضَاعَفَةً لِلثَّوَابِ ، بِخِلَافِ مَنْ نَقَلَهَا لِغَيْرِ غَرَضٍ ، فَإِنَّهُ أَبْطَلَ عَمَلَهُ لِغَيْرِ سَبَبٍ وَلَا فَائِدَةٍ .","part":2,"page":325},{"id":825,"text":"( 655 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَإِنْ تَقَدَّمَتْ النِّيَّةُ قَبْلَ التَّكْبِيرِ وَبَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ مَا لَمْ يَفْسَخْهَا أَجْزَأَهُ ) قَالَ أَصْحَابُنَا : يَجُوزُ تَقْدِيمُ النِّيَّةِ عَلَى التَّكْبِيرِ بِالزَّمَنِ الْيَسِيرِ ، وَإِنْ طَالَ الْفَصْلُ أَوْ فَسَخَ نِيَّتَهُ بِذَلِكَ ، لَمْ يُجْزِئْهُ .\rوَحَمَلَ الْقَاضِي كَلَامَ الْخِرَقِيِّ عَلَى هَذَا ، وَفَسَّرَهُ بِهِ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَابْنُ الْمُنْذِرِ يُشْتَرَطُ مُقَارَنَةُ النِّيَّةِ لِلتَّكْبِيرِ ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَمَا أُمِرُوا إلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ } .\rفَقَوْلُهُ ( مُخْلِصِينَ ) حَالٌ لَهُمْ فِي وَقْتِ الْعِبَادَةِ ، فَإِنَّ الْحَالَ وَصْفُ هَيْئَةِ الْفَاعِلِ وَقْتَ الْفِعْلِ ، وَالْإِخْلَاصُ هُوَ النِّيَّةُ ، وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ } .\rوَلِأَنَّ النِّيَّةَ شَرْطٌ ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ تَخْلُوَ الْعِبَادَةُ عَنْهَا ، كَسَائِرِ شُرُوطِهَا .\rوَلَنَا ، أَنَّهَا عِبَادَةٌ فَجَازَ تَقْدِيمُ نِيَّتِهَا عَلَيْهَا ، كَالصَّوْمِ ، وَتَقْدِيمُ النِّيَّةِ عَلَى الْفِعْلِ لَا يُخْرِجُهُ عَنْ كَوْنِهِ مَنْوِيًّا ، وَلَا يُخْرِجُ الْفَاعِلَ عَنْ كَوْنِهِ مُخْلِصًا ، بِدَلِيلِ الصَّوْمِ ، وَالزَّكَاةِ إذَا دَفَعَهَا إلَى وَكِيلِهِ ، كَسَائِرِ الْأَفْعَالِ فِي أَثْنَاءِ الْعِبَادَةِ .","part":2,"page":326},{"id":826,"text":"( 656 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ إلَى فُرُوعِ أُذُنَيْهِ ، أَوْ إلَى حَذْوِ مَنْكِبَيْهِ ) لَا نَعْلَمُ خِلَافًا فِي اسْتِحْبَابِ رَفْعِ الْيَدَيْنِ عِنْدَ افْتِتَاحِ الصَّلَاةِ .\rوَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : لَا يَخْتَلِفُ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ إذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ .\rوَقَدْ ذَكَرْنَا حَدِيثَ أَبِي حُمَيْدٍ وَرَوَى ابْنُ عُمَرَ ، قَالَ : رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى يُحَاذِيَ بِهِمَا مَنْكِبَيْهِ ، وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ ، وَبَعْدَمَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ ، وَلَا يَرْفَعُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَهُوَ مُخَيَّرٌ فِي رَفْعِهِمَا إلَى فُرُوعِ أُذُنَيْهِ أَوْ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ ، وَمَعْنَاهُ أَنْ يَبْلُغَ بِأَطْرَافِ أَصَابِعِهِ ذَلِكَ الْمَوْضِعَ ، وَإِنَّمَا خُيِّرَ لِأَنَّ كِلَا الْأَمْرَيْنِ مَرْوِيٌّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَالرَّفْعُ إلَى حَذْوِ الْمَنْكِبَيْنِ ؛ فِي حَدِيثِ أَبِي حُمَيْدٍ وَابْنِ عُمَرَ ، رَوَاهُ عَلِيٌّ وَأَبُو هُرَيْرَةَ ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَإِسْحَاقَ ، وَالرَّفْعُ إلَى حَذْوِ الْأُذُنَيْنِ .\rرَوَاهُ وَائِلُ بْنُ حُجْرٍ ، وَمَالِكُ بْنُ الْحُوَيْرِثِ ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ ، وَقَالَ بِهِ نَاسٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَمَيْلُ أَحْمَدَ إلَيَّ الْأَوَّلِ أَكْثَرُ ، قَالَ الْأَثْرَمُ : قُلْت لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ : إلَى أَيْنَ يَبْلُغُ بِالرَّفْعِ ؟ قَالَ : أَمَّا أَنَا فَأَذْهَبُ إلَى الْمَنْكِبَيْنِ ؛ لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ، وَمَنْ ذَهَبَ إلَى أَنْ يَرْفَعَ يَدَيْهِ إلَى حَذْوِ أُذُنَيْهِ فَحَسَنٌ .\rوَذَلِكَ لِأَنَّ رُوَاةَ الْأَوَّلِ أَكْثَرُ وَأَقْرَبُ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجَوَّزَ الْآخَرَ لِأَنَّ صِحَّةَ رِوَايَتِهِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَفْعَلُ هَذَا مَرَّةً وَهَذَا مَرَّةً .\r( 657 ) فَصْلٌ : وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَمُدَّ أَصَابِعَهُ وَقْتَ الرَّفْعِ ، وَيَضُمَّ بَعْضَهَا إلَى بَعْضٍ ؛ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ { ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى","part":2,"page":327},{"id":827,"text":"اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إذَا دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ رَفَعَ يَدَيْهِ مَدًّا } .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : السُّنَّةُ أَنْ يُفَرِّقَ أَصَابِعَهُ ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ { ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَنْشُرُ أَصَابِعَهُ لِلتَّكْبِيرِ } .\rوَلَنَا ، مَا ذَكَرْنَاهُ ، وَحَدِيثُهُمْ قَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا خَطَأٌ ، وَالصَّحِيحُ مَا رَوَيْنَاهُ .\rثُمَّ لَوْ صَحَّ كَانَ مَعْنَاهُ مَدَّ أَصَابِعِهِ .\rقَالَ أَحْمَدُ : أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ قَالُوا : هَذَا الضَّمُّ .\rوَضَمَّ أَصَابِعَهُ .\rوَهَذَا النَّشْرُ .\rوَمَدَّ أَصَابِعَهُ .\rوَهَذَا التَّفْرِيقُ .\rوَفَرَّقَ أَصَابِعَهُ .\rوَلِأَنَّ النَّشْرَ لَا يَقْتَضِي التَّفْرِيقَ كَنَشْرِ الثَّوْبِ ، وَلِهَذَا يُسْتَعْمَلُ فِي الشَّيْءِ الْوَاحِدِ ، وَلَا تَفْرِيقَ فِيهِ .\r( 658 ) فَصْلٌ : وَيَبْتَدِئُ رَفْعَ يَدَيْهِ مَعَ ابْتِدَاءِ التَّكْبِيرِ ، وَيَكُونُ انْتِهَاؤُهُ مَعَ انْقِضَاءِ تَكْبِيرِهِ ، وَلَا يَسْبِقُ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ ، فَإِذَا انْقَضَى التَّكْبِيرُ حَطَّ يَدَيْهِ ، فَإِنْ نَسِيَ رَفْعَ الْيَدَيْنِ حَتَّى فَرَغَ مِنْ التَّكْبِيرِ ، لَمْ يَرْفَعْهُمَا ؛ لِأَنَّهُ سُنَّةٌ فَاتَ مَحِلُّهَا .\rوَإِنْ ذَكَرَهُ فِي أَثْنَاءِ التَّكْبِيرِ رَفَعَ ؛ لِأَنَّ مَحِلَّهُ بَاقٍ .\rفَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ رَفْعُ يَدَيْهِ إلَى الْمَنْكِبَيْنِ رَفَعَهُمَا قَدْرَ مَا يُمْكِنُهُ .\rوَإِنْ أَمْكَنَهُ رَفْعُ إحْدَاهُمَا دُونَ الْأُخْرَى رَفَعَهَا ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ } وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ رَفْعُهُمَا إلَّا بِالزِّيَادَةِ عَلَى الْمَسْنُونِ رَفَعَهُمَا ؛ لِأَنَّهُ يَأْتِي بِالسُّنَّةِ وَزِيَادَةٍ مَغْلُوبٍ عَلَيْهَا .\rوَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ كَقَوْلِنَا فِي هَذَا الْفَصْلِ جَمِيعِهِ .\r( 659 ) فَصْلٌ : وَإِنْ كَانَتْ يَدَاهُ فِي ثَوْبِهِ ، رَفَعَهُمَا بِحَيْثُ يُمْكِنُ ؛ لِمَا رَوَى وَائِلُ بْنُ حُجْرٍ ، قَالَ { : أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الشِّتَاءِ ، فَرَأَيْتُ أَصْحَابَهُ يَرْفَعُونَ أَيْدِيَهُمْ فِي ثِيَابِهِمْ فِي الصَّلَاةِ } .\rوَفِي رِوَايَةٍ ،","part":2,"page":328},{"id":828,"text":"قَالَ : ثُمَّ جِئْتُ فِي زَمَانٍ فِيهِ بَرْدٌ شَدِيدٌ فَرَأَيْتُ النَّاسَ عَلَيْهِمْ جُلُّ الثِّيَابِ ، تَتَحَرَّكُ أَيْدِيهِمْ تَحْتَ الثِّيَابِ .\rرَوَاهُمَا أَبُو دَاوُد وَفِي رِوَايَةٍ ؛ فَرَأَيْتُهُمْ يَرْفَعُونَ أَيْدِيَهُمْ إلَى صُدُورِهِمْ .\r( 660 ) فَصْلٌ : وَالْإِمَامُ وَالْمَأْمُومُ وَالْمُنْفَرِدُ فِي هَذَا سَوَاءٌ ، وَكَذَلِكَ الْفَرِيضَةُ وَالنَّافِلَةُ ، لِأَنَّ الْأَخْبَارَ لَا تَفْرِيقَ فِيهَا .\rفَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَذَكَرَ الْقَاضِي فِيهَا رِوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ إحْدَاهُمَا ، تَرْفَعُ ؛ لِمَا رَوَى الْخَلَّالُ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ ، وَحَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ أَنَّهُمَا كَانَتَا تَرْفَعَانِ أَيْدِيَهُمَا .\rوَهُوَ قَوْلُ طَاوُسٍ ، وَلِأَنَّ مَنْ شُرِعَ فِي حَقِّهِ التَّكْبِيرُ شُرِعَ فِي حَقِّهِ الرَّفْعُ كَالرَّجُلِ ، فَعَلَى هَذَا تَرْفَعُ قَلِيلًا .\rقَالَ أَحْمَدُ : رَفْعٌ دُونَ الرَّفْعِ .\rوَالثَّانِيَةُ : لَا يُشْرَعُ ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى التَّجَافِي ، وَلَا يُشْرَعُ ذَلِكَ لَهَا ، بَلْ تَجْمَعُ نَفْسَهَا فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَسَائِرِ صَلَاتِهَا .","part":2,"page":329},{"id":829,"text":"( 661 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( ثُمَّ يَضَعُ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى كُوعِهِ الْيُسْرَى ) أَمَّا وَضْعُ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى فِي الصَّلَاةِ ، فَمِنْ سُنَّتِهَا فِي قَوْلِ كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ، يُرْوَى ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ، وَالنَّخَعِيِّ ، وَأَبِي مِجْلَزٍ ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَالشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ ، وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ مَالِكٍ .\rوَظَاهِرُ مَذْهَبِهِ الَّذِي عَلَيْهِ أَصْحَابُهُ إرْسَالُ الْيَدَيْنِ ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ الزُّبَيْرِ ، وَالْحَسَنِ .\rوَلَنَا : مَا رَوَى قَبِيصَةُ بْنُ هُلْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَؤُمُّنَا فَيَأْخُذُ شِمَالَهُ بِيَمِينِهِ } ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَقَالَ : حَدِيثٌ حَسَنٌ ، وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالتَّابِعِينَ ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ .\rوَعَنْ أَبِي حَازِمٍ ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ، قَالَ : كَانَ النَّاسُ يُؤْمَرُونَ أَنْ يَضَعَ الرَّجُلُ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى ذِرَاعِهِ الْيُسْرَى فِي الصَّلَاةِ .\rقَالَ أَبُو حَازِمٍ : لَا أَعْلَمُهُ إلَّا يَنْمِي ذَلِكَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ .\rوَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ بِهِ وَهُوَ وَاضِعٌ شِمَالَهُ عَلَى يَمِينِهِ فَأَخَذَ يَمِينَهُ فَوَضَعَهَا عَلَى شِمَالِهِ } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَرَوَاهُمَا الْأَثْرَمُ .\rوَفِي ( الْمُسْنَدِ ) ، عَنْ غُطَيْفٍ ، قَالَ : مَا نَسِيتُ مِنْ الْأَشْيَاءِ فَلَمْ أَنْسَ أَنِّي { رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاضِعًا يَمِينَهُ عَلَى شِمَالِهِ فِي الصَّلَاةِ } .\rوَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَضَعَهَا عَلَى كُوعِهِ ، وَمَا يُقَارِبُهُ ؛ لِمَا رَوَى وَائِلُ بْنُ حُجْرٍ ، أَنَّهُ وَصَفَ صَلَاةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ فِي وَصْفِهِ : ثُمَّ وَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى ظَهْرِ كَفِّهِ الْيُسْرَى وَالرُّسْغِ وَالسَّاعِدِ .","part":2,"page":330},{"id":830,"text":"( 662 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَيَجْعَلُهُمَا تَحْتَ سُرَّتِهِ ) اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ فِي مَوْضِعِ وَضْعِهِمَا ، فَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّهُ يَضَعُهُمَا تَحْتَ سُرَّتِهِ .\rرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي مِجْلَزٍ ، وَالنَّخَعِيِّ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَإِسْحَاقَ ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : مِنْ السُّنَّةِ وَضْعُ الْيَمِينِ عَلَى الشِّمَالِ تَحْتَ السُّرَّةِ .\rرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ، وَأَبُو دَاوُد .\rوَهَذَا يَنْصَرِفُ إلَى سُنَّةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلِأَنَّهُ قَوْلُ مَنْ ذَكَرْنَا مِنْ الصَّحَابَةِ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ ؛ أَنَّهُ يَضَعُهُمَا فَوْقَ السُّرَّةِ .\rوَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ؛ لِمَا رَوَى وَائِلُ بْنُ حُجْرٍ قَالَ { : رَأَيْت النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي فَوَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى صَدْرِهِ إحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى } .\rوَعَنْهُ أَنَّهُ مُخَيَّرٌ فِي ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الْجَمِيعَ مَرْوِيٌّ ، ، وَالْأَمْرُ فِي ذَلِكَ وَاسِعٌ","part":2,"page":331},{"id":831,"text":"( 663 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَيَقُولُ : سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، وَتَبَارَكَ اسْمُكَ ، وَتَعَالَى جَدُّكَ ، وَلَا إلَهَ غَيْرُكَ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الِاسْتِفْتَاحَ مِنْ سُنَنِ الصَّلَاةِ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَكَانَ مَالِكٌ لَا يَرَاهُ ، بَلْ يُكَبِّرُ وَيَقْرَأُ ؛ لِمَا رَوَى أَنَسٌ ، قَالَ : { كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ يَفْتَتِحُونَ الصَّلَاةَ بِالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَسْتَفْتِحُ بِمَا سَنَذْكُرُهُ ، وَعَمِلَ بِهِ الصَّحَابَةُ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، وَكَانَ عُمَرُ يَسْتَفْتِحُ بِهِ فِي صَلَاتِهِ ، يَجْهَرُ بِهِ لِيَسْمَعَهُ النَّاسُ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ ، وَحَدِيثُ أَنَسٍ أَرَادَ بِهِ الْقِرَاءَةَ ، كَمَا جَاءَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ { : إنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ } .\rوَفَسَّرَ ذَلِكَ بِالْفَاتِحَةِ .\rوَهَذَا مِثْلُ قَوْلِ عَائِشَةَ : { كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَفْتَتِحُ الصَّلَاةَ بِالتَّكْبِيرِ ، وَالْقِرَاءَةَ بِالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } .\rوَيَتَعَيَّنُ حَمْلُهُ عَلَى هَذَا ؛ لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ عَنْ الَّذِينَ رَوَى عَنْهُمْ أَنَسٌ الِاسْتِفْتَاحُ بِمَا ذَكَرْنَاهُ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّ أَحْمَدَ ذَهَبَ إلَى الِاسْتِفْتَاحِ بِهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الْخِرَقِيِّ ، وَقَالَ : لَوْ أَنَّ رَجُلًا اسْتَفْتَحَ بِبَعْضِ مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الِاسْتِفْتَاحِ ، كَانَ حَسَنًا .\rأَوْ قَالَ \" جَائِزًا \" ، وَكَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ؛ مِنْهُمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ، وَابْنُ مَسْعُودٍ ، وَالثَّوْرِيُّ وَإِسْحَاقُ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rقَالَ التِّرْمِذِيُّ : وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ التَّابِعِينَ ، وَغَيْرِهِمْ .\rوَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَابْنُ الْمُنْذِرِ ، إلَى الِاسْتِفْتَاحِ بِمَا قَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ، قَالَ { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ","part":2,"page":332},{"id":832,"text":"وَسَلَّمَ إذَا قَامَ إلَى الصَّلَاةِ كَبَّرَ ، ثُمَّ قَالَ : وَجَّهْتُ وَجْهِي لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ ، إنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ، لَا شَرِيكَ لَهُ ، وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ ، وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ ، أَنْتَ الْمَلِكُ لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ ، أَنَا عَبْدُك ، ظَلَمْتُ نَفْسِي ، وَاعْتَرَفْتُ بِذَنْبِي ، فَاغْفِرْ لِي ذُنُوبِي جَمِيعًا ، لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلَّا أَنْتَ ، وَاهْدِنِي لِأَحْسَنِ الْأَخْلَاقِ ، لَا يَهْدِي لِأَحْسَنِهَا إلَّا أَنْتَ ، وَاصْرِفْ عَنِّي سَيِّئَهَا ، لَا يَصْرِفُ عَنِّي سَيِّئَهَا إلَّا أَنْتَ ، لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ ، وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي يَدَيْكَ ، وَالشَّرُّ لَيْسَ إلَيْكَ ، أَنَا بِكَ وَإِلَيْكَ ، تَبَارَكْتَ رَبَّنَا وَتَعَالَيْتَ ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إلَيْك } .\rرَوَاهُ مُسْلِمٌ .\rوَأَبُو دَاوُد ، وَالنَّسَائِيُّ .\rوَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ، قَالَ { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا كَبَّرَ فِي الصَّلَاةِ أَسْكَتَ إسْكَاتَةً .\rحَسِبْته قَالَ : هُنَيْهَةً .\rبَيْنَ التَّكْبِيرِ وَالْقِرَاءَةِ ، فَقُلْت : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي ، أَرَأَيْتَ إسْكَاتَكَ بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَالْقِرَاءَةِ ، مَا تَقُولُ ؟ قَالَ : أَقُولُ : اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ ، كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ ، اللَّهُمَّ نَقِّنِي مِنْ خَطَايَايَ كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الْأَبْيَضُ مِنْ الدَّنَسِ ، اللَّهُمَّ اغْسِلْنِي مِنْ خَطَايَايَ بِالثَّلْجِ وَالْمَاءِ وَالْبَرَدِ } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَتْ عَائِشَةُ ، قَالَتْ : { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا اسْتَفْتَحَ الصَّلَاةَ ، قَالَ : سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ ، وَبِحَمْدِكَ ، وَتَبَارَكَ اسْمُكَ ، وَتَعَالَى جَدُّكَ ، وَلَا إلَهَ غَيْرُكَ .\r} رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ .\rوَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلُهُ .\rرَوَاهُ النَّسَائِيّ وَالتِّرْمِذِيُّ .\rوَرَوَاهُ أَنَسٌ ، وَإِسْنَادُ حَدِيثِهِ","part":2,"page":333},{"id":833,"text":"كُلُّهُمْ ثِقَاتٌ .\rرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَعَمِلَ بِهِ السَّلَفُ وَكَانَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَسْتَفْتِحُ بِهِ بَيْنَ يَدَيْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَوَى الْأَسْوَدُ ، أَنَّهُ صَلَّى خَلْفَ عُمَرَ ، فَسَمِعَهُ كَبَّرَ ، فَقَالَ : سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، وَتَبَارَكَ اسْمُكَ ، وَتَعَالَى جَدُّكَ ، وَلَا إلَهَ غَيْرُكَ .\rفَلِذَلِكَ اخْتَارَهُ أَحْمَدُ ، وَجَوَّزَ الِاسْتِفْتَاحَ بِغَيْرِهِ ، لِكَوْنِهِ قَدْ صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَّا أَنَّهُ قَالَ فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ : بَعْضُهُمْ يَقُولُ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ .\rوَلِأَنَّ الْعَمَلَ بِهِ مَتْرُوكٌ ، فَإِنَّا لَا نَعْلَمُ أَحَدًا يَسْتَفْتِحُ بِهِ كُلِّهِ ، وَإِنَّمَا يَسْتَفْتِحُونَ بِأَوَّلِهِ .\r( 664 ) فَصْلٌ : قَالَ أَحْمَدُ : وَلَا يَجْهَرُ الْإِمَامُ بِالِافْتِتَاحِ .\rوَعَلَيْهِ عَامَّةُ أَهْلِ الْعِلْمِ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَجْهَرْ بِهِ ، وَإِنَّمَا جَهَرَ بِهِ عُمَرُ ، لِيُعَلِّمَ النَّاسَ .\rوَإِذَا نَسِيَ الِاسْتِفْتَاحَ ، أَوْ تَرَكَهُ عَمْدًا حَتَّى شَرَعَ فِي الِاسْتِعَاذَةِ ، لَمْ يَعُدْ إلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ سُنَّةٌ فَاتَ مَحِلُّهَا .\rوَكَذَلِكَ إنْ نَسِيَ التَّعَوُّذَ حَتَّى شَرَعَ فِي الْقِرَاءَةِ ، لَمْ يَعُدْ إلَيْهِ لِذَلِكَ .","part":2,"page":334},{"id":834,"text":"( 665 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ ( ثُمَّ يَسْتَعِيذُ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الِاسْتِعَاذَةَ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ سُنَّةٌ .\rوَبِذَلِكَ قَالَ الْحَسَنُ وَابْنُ سِيرِينَ ، وَعَطَاءٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : لَا يَسْتَعِيذُ ؛ لِحَدِيثِ أَنَسٍ وَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاَللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ } .\rوَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَنَّهُ كَانَ إذَا قَامَ إلَى الصَّلَاةِ اسْتَفْتَحَ ، ثُمَّ يَقُولُ : أَعُوذُ بِاَللَّهِ السَّمِيعِ الْعَلِيمِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ، مِنْ هَمْزِهِ ، وَنَفْخِهِ ، وَنَفْثِهِ } قَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا أَشْهَرُ حَدِيثٍ فِي الْبَابِ .\rوَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ جَاءَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ : أَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ } .\rوَحَدِيثُ أَنَسٍ قَدْ مَضَى جَوَابُهُ .\rوَصِفَةُ الِاسْتِعَاذَةِ : أَنْ يَقُولَ : أَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ .\rوَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى { فَاسْتَعِذْ بِاَللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ } وَعَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ يَقُولُ ؛ أَعُوذُ بِاَللَّهِ السَّمِيعِ الْعَلِيمِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ؛ لِخَبَرِ أَبِي سَعِيدٍ وَلِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى { فَاسْتَعِذْ بِاَللَّهِ إنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ } وَهَذَا مُتَضَمِّنٌ لَزِيَادَةٍ ، وَنَقَلَ حَنْبَلٌ عَنْهُ : أَنَّهُ يَزِيدُ بَعْدَ ذَلِكَ : إنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ .\rوَهَذَا كُلُّهُ وَاسِعٌ ، وَكَيْفَمَا اسْتَعَاذَ فَهُوَ حَسَنٌ ، وَيُسِرُّ الِاسْتِعَاذَةَ ، وَلَا يَجْهَرُ بِهَا ، لَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا .","part":2,"page":335},{"id":835,"text":"( 666 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( ثُمَّ يَقْرَأُ : الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ قِرَاءَةَ الْفَاتِحَةِ وَاجِبَةٌ فِي الصَّلَاةِ ، وَرُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِهَا ، لَا تَصِحُّ إلَّا بِهَا فِي الْمَشْهُورِ عَنْ أَحْمَدَ .\rنَقَلَهُ عَنْهُ الْجَمَاعَةُ .\rوَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَالشَّافِعِيِّ وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، وَعُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، أَنَّهُمْ قَالُوا : لَا صَلَاةَ إلَّا بِقِرَاءَةِ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى ، أَنَّهَا لَا تَتَعَيَّنُ ، وَتُجْزِئُ قِرَاءَةُ آيَةٍ مِنْ الْقُرْآنِ ، مِنْ أَيِّ مَوْضِعٍ كَانَ .\rوَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْمُسِيءِ فِي صَلَاتِهِ : { ثُمَّ اقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنْ الْقُرْآنِ } وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى { : فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْ الْقُرْآنِ } وَقَوْلِهِ { : فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ } .\rوَلِأَنَّ الْفَاتِحَةَ وَسَائِرَ الْقُرْآنِ سَوَاءٌ فِي سَائِرِ الْأَحْكَامِ ، فَكَذَا فِي الصَّلَاةِ .\rوَلَنَا مَا رَوَى عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلِأَنَّ الْقِرَاءَةَ رُكْنٌ فِي الصَّلَاةِ ، فَكَانَتْ مُعَيَّنَةً كَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ .\rوَأَمَّا خَبَرُهُمْ ، فَقَدْ رَوَى الشَّافِعِيُّ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ { ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِلْأَعْرَابِيِّ : ثُمَّ اقْرَأْ بِأُمِّ الْقُرْآنِ ، وَمَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَقْرَأَ } ثُمَّ نَحْمِلُهُ عَلَى الْفَاتِحَةِ ، وَمَا تَيَسَّرَ مَعَهَا ، مِمَّا زَادَ عَلَيْهَا ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُحْسِنُ الْفَاتِحَةَ .\rوَأَمَّا الْآيَةُ ، فَتَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ الْفَاتِحَةَ وَمَا تَيَسَّرَ مَعَهَا ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهَا نَزَلَتْ قَبْلَ نُزُولِ الْفَاتِحَةِ ، لِأَنَّهَا نَزَلَتْ بِمَكَّةَ ، وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَأْمُورٌ بِقِيَامِ","part":2,"page":336},{"id":836,"text":"اللَّيْلِ ، فَنَسَخَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ بِهَا ، وَالْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرُوهُ أَجْمَعُوا عَلَى خِلَافِهِ ، فَإِنَّ مَنْ تَرَكَ الْفَاتِحَةَ كَانَ مُسِيئًا بِخِلَافِ بَقِيَّةِ السُّوَرِ .","part":2,"page":337},{"id":837,"text":"( 667 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَيَبْتَدِئُهَا بِبَسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ قِرَاءَةَ ( بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ) .\rمَشْرُوعَةٌ فِي الصَّلَاةِ ، فِي أَوَّلِ الْفَاتِحَةِ ، وَأَوَّلِ كُلِّ سُورَةٍ ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rوَقَالَ مَالِكٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ : لَا يَقْرَؤُهَا فِي أَوَّلِ الْفَاتِحَةِ ؛ لِحَدِيثِ أَنَسٍ .\rوَعَنْ ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُغَفَّلِ ، قَالَ : سَمِعَنِي أَبِي وَأَنَا أَقُولُ : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ .\rفَقَالَ : أَيْ بُنَيَّ ، مُحْدَثٌ ؟ إيَّاكَ وَالْحَدَثَ .\rقَالَ : وَلَمْ أَرَ وَاحِدًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ أَبْغَضَ إلَيْهِ الْحَدَثُ فِي الْإِسْلَامِ - يَعْنِي مِنْهُ .\rفَإِنِّي صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَعَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ ، فَلَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا مِنْهُمْ يَقُولُهَا ، فَلَا تَقُلْهَا ، إذَا صَلَّيْتَ فَقُلْ : الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ .\rأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَقَالَ : حَدِيثٌ حَسَنٌ .\rوَلَنَا ، مَا رُوِيَ عَنْ نُعَيْمٍ الْمُجْمِرِ ، أَنَّهُ قَالَ : { صَلَّيْتُ وَرَاءَ أَبِي هُرَيْرَةَ ، فَقَرَأَ : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ .\rثُمَّ قَرَأَ بِأُمِّ الْقُرْآنِ ، وَقَالَ : وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ، إنِّي لَأَشْبَهُكُمْ صَلَاةً بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ } أَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ .\rوَرَوَى ابْنُ الْمُنْذِرِ { ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَرَأَ فِي الصَّلَاةِ : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ } .\rوَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ { ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَرَأَ فِي الصَّلَاةِ : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، وَعَدَّهَا آيَةً ، وَ { الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } اثْنَيْنِ } .\rفَأَمَّا حَدِيثُ أَنَسٍ ، فَقَدْ سَبَقَ جَوَابُهُ .\rثُمَّ نَحْمِلُهُ عَلَى أَنَّ الَّذِي كَانَ يُسْمَعُ مِنْهُمْ : الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ .\rوَقَدْ جَاءَ مُصَرَّحًا بِهِ .\rوَرَوَى شُعْبَةُ ، وَشَيْبَانُ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ : سَمِعْت أَنَسَ","part":2,"page":338},{"id":838,"text":"بْنَ مَالِكٍ ، قَالَ { صَلَّيْت خَلْفَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبِي بَكْرٍ ، وَعُمَرَ فَلَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا مِنْهُمْ يَجْهَرُ بِبَسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ } .\rوَفِي لَفْظٍ : فَكُلُّهُمْ يُخْفِي بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ .\rوَفِي لَفْظٍ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ كَانَ يُسِرُّ : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ .\rرَوَاهُ ابْنُ شَاهِينَ .\rوَحَدِيثُ ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُغَفَّلِ مَحْمُولٌ عَلَى هَذَا أَيْضًا ، جَمْعًا بَيْنَ الْأَخْبَارِ وَلِأَنَّ ( بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ) يُسْتَفْتَحُ بِهَا سَائِرُ السُّوَرِ ، فَاسْتِفْتَاحُ الْفَاتِحَةِ بِهَا أَوْلَى ، لِأَنَّهَا أَوَّلُ الْقُرْآنِ وَفَاتِحَتُهُ ، وَقَدْ سَلَّمَ مَالِكٌ هَذَا ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي قِيَامِ رَمَضَانَ : لَا يَقْرَأُ ( بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ) فِي أَوَّلِ الْفَاتِحَةِ ، وَيَسْتَفْتِحُ بِهَا بَقِيَّةَ السُّوَرِ .","part":2,"page":339},{"id":839,"text":"مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَلَا يَجْهَرُ بِهَا ) يَعْنِي ( بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ) .\rوَلَا تَخْتَلِفُ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّ الْجَهْرَ بِهَا غَيْرُ مَسْنُونٍ .\rقَالَ التِّرْمِذِيُّ : وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ التَّابِعِينَ ، مِنْهُمْ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ .\rوَذَكَرَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ ، عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ ، وَعَمَّارٍ .\rوَبِهِ يَقُولُ الْحَكَمُ وَحَمَّادٌ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَابْنُ الْمُبَارَكِ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَيُرْوَى عَنْ عَطَاءٍ ، وَطَاوُسٍ ، وَمُجَاهِدٍ ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، الْجَهْرُ بِهَا وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّهُ قَرَأَهَا فِي الصَّلَاةِ وَقَدْ صَحَّ أَنَّهُ قَالَ : مَا أَسْمَعَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَسْمَعْنَاكُمْ ، وَمَا أَخْفَى عَلَيْنَا أَخْفَيْنَاهُ عَلَيْكُمْ .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَعَنْ أَنَسٍ ، { أَنَّهُ صَلَّى وَجَهَرَ بِبَسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ .\rوَقَالَ : أَقْتَدِي بِصَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ } .\rوَلِمَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ وَغَيْرِهِ ، وَلِأَنَّهَا آيَةٌ مِنْ الْفَاتِحَةِ ، فَيَجْهَرُ بِهَا الْإِمَامُ فِي صَلَاةِ الْجَهْرِ ، كَسَائِرِ آيَاتِهَا .\rوَلَنَا ، حَدِيثُ أَنَسٍ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُغَفَّلِ .\rوَعَنْ عَائِشَةَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا { ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَفْتَتِحُ الصَّلَاةَ بِالتَّكْبِيرِ وَالْقِرَاءَةَ بِالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ، قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : { قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ ، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ ، فَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ : الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ .\rقَالَ اللَّهُ : حَمِدَنِي عَبْدِي .\rوَذَكَرَ الْخَبَرَ .\r} أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ .\rوَهَذَا يَدُلُّ","part":2,"page":340},{"id":840,"text":"عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ \" بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ \" ، وَلَمْ يَجْهَرْ بِهَا .\rوَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ الَّذِي احْتَجُّوا بِهِ لَيْسَ فِيهِ أَنَّهُ جَهَرَ بِهَا ، وَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَسْمَعَ مِنْهُ حَالَ الْإِسْرَارِ ، كَمَا سَمِعَ الِاسْتِفْتَاحَ وَالِاسْتِعَاذَةَ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ إسْرَارِهِ بِهِمَا ، وَقَدْ رَوَى أَبُو قَتَادَةَ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُسْمِعُهُمْ الْآيَةَ أَحْيَانًا فِي صَلَاةِ الظُّهْرِ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَحَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ لَيْسَ فِيهِ أَنَّهُ جَهَرَ بِهَا ، وَسَائِرُ أَخْبَارِ الْجَهْرِ ضَعِيفَةٌ ؛ فَإِنَّ رُوَاتَهَا هُمْ رُوَاةُ الْإِخْفَاءِ ، وَإِسْنَادُ الْإِخْفَاءِ صَحِيحٌ ثَابِتٌ بِغَيْرِ خِلَافٍ فِيهِ ، فَدَلَّ عَلَى ضَعْفِ رِوَايَةِ الْجَهْرِ ، وَقَدْ بَلَغَنَا أَنَّ الدَّارَقُطْنِيّ قَالَ : لَمْ يَصِحَّ فِي الْجَهْرِ حَدِيثٌ .","part":2,"page":341},{"id":841,"text":"( 669 ) فَصْلٌ : وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ ؛ هَلْ هِيَ آيَةٌ مِنْ الْفَاتِحَةِ يَجِبُ قِرَاءَتُهَا فِي الصَّلَاةِ ، أَوْ لَا ؟ فَعَنْهُ أَنَّهَا مِنْ الْفَاتِحَةِ .\rوَذَهَبَ إلَيْهِ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ابْنُ بَطَّةَ ، وَأَبُو حَفْصٍ .\rوَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْمُبَارَكِ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَإِسْحَاقَ ، وَأَبِي عُبَيْدٍ .\rقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ : مَنْ تَرَكَ ( بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ) فَقَدْ تَرَكَ مِائَةً وَثَلَاثَ عَشْرَةَ آيَةً .\rوَكَذَلِكَ قَالَ الشَّافِعِيُّ : هِيَ آيَةٌ مِنْ كُلِّ سُورَةٍ ؛ لِحَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ .\rوَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { إذَا قَرَأْتُمْ : الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ، فَاقْرَءُوا : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ .\rفَإِنَّهَا أُمُّ الْكِتَابِ ، وَإِنَّهَا السَّبْعُ الْمَثَانِي ، وَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ آيَةٌ مِنْهَا } .\rوَلِأَنَّ الصَّحَابَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، أَثْبَتُوهَا فِي الْمَصَاحِفِ بِخَطِّهَا ، وَلَمْ يُثْبِتُوا بَيْنَ الدَّفَّتَيْنِ سِوَى الْقُرْآنِ .\rوَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ الْفَاتِحَةِ ، وَلَا آيَةً مِنْ غَيْرِهَا ، وَلَا يَجِبُ قِرَاءَتُهَا فِي الصَّلَاةِ .\rوَهِيَ الْمَنْصُورَةُ عِنْدَ أَصْحَابِهِ ، وَقَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٍ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْبَدٍ الزِّمَّانِيِّ .\rوَاخْتُلِفَ عَنْ أَحْمَدَ فِيهَا ، فَقِيلَ عَنْهُ : هِيَ آيَةٌ مُفْرَدَةٌ كَانَتْ تَنْزِلُ بَيْنَ سُورَتَيْنِ ، فَصْلًا بَيْنَ السُّوَرِ .\rوَعَنْهُ : إنَّمَا هِيَ بَعْضُ آيَةٍ مِنْ سُورَةِ النَّمْلِ .\rكَذَلِكَ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَعْبَدٍ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ : مَا أَنْزَلَ اللَّهُ \" بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ \" إلَّا فِي سُورَةِ { إنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ } .\rوَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ الْفَاتِحَةِ ، مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ، قَالَ : سَمِعْت النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ { : قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ ، وَلِعَبْدِي","part":2,"page":342},{"id":842,"text":"مَا سَأَلَ ، فَإِذَا قَالَ : الْعَبْدُ : الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ .\rقَالَ اللَّهُ تَعَالَى : حَمِدَنِي عَبْدِي .\rفَإِذَا قَالَ : الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ .\rقَالَ اللَّهُ : أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي .\rفَإِذَا قَالَ : مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ .\rقَالَ اللَّهُ : مَجَّدَنِي عَبْدِي .\rفَإِذَا قَالَ : إيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ .\rقَالَ اللَّهُ : هَذَا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي ، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ .\rفَإِذَا قَالَ : اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ .\rقَالَ : هَذَا لِعَبْدِي ، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ } .\rأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ .\rفَلَوْ كَانَتْ ( بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ) آيَةً لَعَدَّهَا ، وَبَدَأَ بِهَا ، وَلَمْ يَتَحَقَّقْ التَّنْصِيفُ ، لِأَنَّ آيَاتِ الثَّنَاءِ تَكُونُ أَرْبَعًا وَنِصْفًا ، وَآيَاتِ الدُّعَاءِ اثْنَتَيْنِ وَنِصْفًا .\rوَعَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ يَتَحَقَّقُ التَّنْصِيفُ .\rفَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادِ بْنِ سَمْعَانَ : { يَقُولُ عَبْدِي إذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ .\rفَيَذْكُرُنِي عَبْدِي } .\rقُلْنَا : ابْنُ سَمْعَانَ مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ ، لَا يُحْتَجُّ بِهِ .\rقَالَهُ الدَّارَقُطْنِيّ .\rوَاتِّفَاقُ الرُّوَاةِ عَلَى خِلَافِ رِوَايَتِهِ أَوْلَى بِالصَّوَابِ .\rوَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { سُورَةٌ هِيَ ثَلَاثُونَ آيَةً شَفَعَتْ لِقَارِئِهَا ، أَلَا وَهِيَ تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ } .\rوَهِيَ ثَلَاثُونَ آيَةً سِوَى \" بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ \" ، وَأَجْمَعَ النَّاسُ عَلَى أَنَّ سُورَةَ الْكَوْثَرِ ثَلَاثُ آيَاتٍ ، بِدُونِ ( بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ) وَلَوْ كَانَتْ مِنْهَا لَكَانَتْ أَرْبَعًا ، وَلِأَنَّ مَوَاضِعَ الْآيِ تَجْرِي مَجْرَى الْآيِ أَنْفُسِهَا ، فِي أَنَّهَا لَا تَثْبُتُ إلَّا بِالتَّوَاتُرِ ، وَلَمْ يُنْقَلْ فِي ذَلِكَ تَوَاتُرٌ .\rفَأَمَّا قَوْلُ أُمِّ سَلَمَةَ فَمِنْ رَأْيِهَا ، وَلَا يُنْكَرُ الِاخْتِلَافُ فِي ذَلِكَ .\rعَلَى أَنَّنَا نَقُولُ : هِيَ آيَةٌ مُفْرَدَةٌ لِلْفَصْلِ","part":2,"page":343},{"id":843,"text":"بَيْنَ السُّوَرِ .\rوَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ مَوْقُوفٌ عَلَيْهِ ، فَإِنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ الْحَنَفِيِّ عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جَعْفَرٍ ، عَنْ نُوحِ بْنِ أَبِي بِلَالٍ ، قَالَ قَالَ أَبُو بَكْرٍ : رَاجَعْتُ فِيهِ نُوحًا فَوَقَفَهُ .\rوَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ رَفْعَهُ كَانَ وَهْمًا مِنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ .\rوَأَمَّا إثْبَاتُهَا بَيْنَ السُّوَرِ فِي الْمُصْحَفِ ، فَلِلْفَصْلِ بَيْنَهَا ، وَلِذَلِكَ أُفْرِدَتْ سَطْرًا عَلَى حِدَتِهَا .","part":2,"page":344},{"id":844,"text":"فَصْلٌ : يَلْزَمُهُ أَنْ يَأْتِيَ بِقِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ مُرَتَّبَةً مُشَدَّدَةً ، غَيْرَ مَلْحُونٍ فِيهَا لَحْنًا يُحِيلُ الْمَعْنَى ، فَإِنْ تَرَكَ تَرْتِيبَهَا ، أَوْ شَدَّةً مِنْهَا ، أَوْ لَحَنَ لَحْنًا يُحِيلُ الْمَعْنَى ، مِثْلُ أَنْ يَكْسِرَ كَافَ ( إيَّاكَ ) ، أَوْ يَضُمَّ تَاءَ ( أَنْعَمْتَ ) ، أَوْ يَفْتَحَ أَلِفَ الْوَصْلِ فِي ( اهْدِنَا ) ، لَمْ يَعْتَدَّ بِقِرَاءَتِهِ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ عَاجِزًا عَنْ غَيْرِ هَذَا .\rذَكَرَ الْقَاضِي نَحْوَ هَذَا فِي ( الْمُجَرَّدِ ) ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ الْقَاضِي فِي ( الْجَامِعِ ) : لَا تَبْطُلُ بِتَرْكِ شَدَّةٍ ؛ لِأَنَّهَا غَيْرُ ثَابِتَةٍ فِي خَطِّ الْمُصْحَفِ ، هِيَ صِفَةٌ لِلْحَرْفِ ، وَيُسَمَّى تَارِكُهَا قَارِئًا .\rوَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ ؛ لِأَنَّ الْحَرْفَ الْمُشَدَّدَ أُقِيمَ مَقَامَ حَرْفَيْنِ ، بِدَلِيلِ أَنَّ شَدَّةَ رَاءِ ( الرَّحْمَنِ ) أُقِيمَتْ مَقَامَ اللَّازِمِ ، وَشَدَّةَ لَامِ ( الَّذِينَ ) أُقِيمَتْ مَقَامَ اللَّازِمِ أَيْضًا ، فَإِذَا أَخَلَّ بِهَا أَخَلَّ بِالْحَرْفِ وَمَا يَقُومُ مَقَامَهُ ، وَغَيَّرَ الْمَعْنَى ، إلَّا أَنْ يُرِيدَ أَنَّهُ أَظْهَرَ الْمُدْغَمَ ، مِثْلُ مَنْ يَقُولُ \" الرَّحْمَنِ \" مُظْهِرًا لِلَّامِ ، فَهَذَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا تَرَكَ الْإِدْغَامَ ، وَهُوَ مَعْدُودٌ لَحْنًا لَا يُغَيِّرُ الْمَعْنَى .\rقَالَ : وَلَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ ، أَنَّهُ إذَا لَيَّنَهَا ، وَلَمْ يُحَقِّقْهَا عَلَى الْكَمَالِ ، أَنَّهُ لَا يُعِيدُ الصَّلَاةَ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُحِيلُ الْمَعْنَى ، وَيَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ النَّاسِ .\rوَلَعَلَّهُ إنَّمَا أَرَادَ فِي ( الْجَامِعِ ) هَذَا الْمَعْنَى ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ مُتَّفِقًا .\rوَلَا يُسْتَحَبُّ الْمُبَالَغَةُ فِي التَّشْدِيدِ ، بِحَيْثُ يَزِيدُ عَلَى قَدْرِ حَرْفٍ سَاكِنٍ ؛ لِأَنَّهَا فِي كُلِّ مَوْضِعٍ أُقِيمَتْ مَقَامَ حَرْفٍ سَاكِنٍ ؛ فَإِذَا زَادَهَا عَلَى ذَلِكَ زَادَهَا عَمَّا أُقِيمَتْ مَقَامَهُ ، فَيَكُونُ مَكْرُوهًا .\rوَفِي ( بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ) ثَلَاثُ شَدَّاتٍ ، وَفِيمَا عَدَاهَا إحْدَى عَشْرَةَ تَشْدِيدَةً ، بِغَيْرِ اخْتِلَافٍ","part":2,"page":345},{"id":845,"text":"( 671 ) فَصْلٌ : وَأَقَلُّ مَا يُجْزِئُ فِيهَا قِرَاءَةٌ مَسْمُوعَةٌ ، يُسْمِعُهَا نَفْسَهُ ، أَوْ يَكُونُ بِحَيْثُ يَسْمَعُهَا لَوْ كَانَ سَمِيعًا ، كَمَا قُلْنَا فِي التَّكْبِيرِ ، فَإِنَّ مَا دُونَ ذَلِكَ لَيْسَ بِقِرَاءَةٍ .\rوَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَأْتِيَ بِهَا مُرَتَّلَةً مُعْرَبَةً ، يَقِفُ فِيهَا عِنْدَ كُلِّ آيَةٍ ، وَيُمَكِّنُ حُرُوفَ الْمَدِّ وَاللِّينِ ، مَا لَمْ يُخْرِجْهُ ذَلِكَ إلَى التَّمْطِيطِ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَرَتِّلْ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا } .\rوَرُوِيَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ، { أَنَّهَا سُئِلَتْ عَنْ قِرَاءَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ : كَانَ يُقَطِّعُ قِرَاءَتَهُ آيَةً آيَةً : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ } .\rرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ، فِي ( مُسْنَدِهِ ) وَعَنْ أَنَسٍ ، قَالَ : { كَانَتْ قِرَاءَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَدًّا ثُمَّ قَرَأَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ .\rيَمُدُّ بِسْمِ اللَّهِ ، وَيَمُدُّ بِالرَّحْمَنِ ، وَيَمُدُّ بِالرَّحِيمِ .\r} أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ .\rفَإِنْ انْتَهَى ذَلِكَ إلَى التَّمْطِيطِ وَالتَّلْحِينِ كَانَ مَكْرُوهًا ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا جَعَلَ الْحَرَكَاتِ حُرُوفًا .\rقَالَ أَحْمَدُ : يُعْجِبُنِي مِنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ السَّهْلَةُ .\rوَقَالَ : قَوْلُهُ : { زَيِّنُوا الْقُرْآنَ بِأَصْوَاتِكُمْ } قَالَ : يُحَسِّنُهُ بِصَوْتِهِ مِنْ غَيْرِ تَكَلُّفٍ .\rوَقَدْ رُوِيَ فِي خَبَرٍ آخَرَ : \" أَحْسَنُ النَّاسِ قِرَاءَةً ، مَنْ إذَا سَمِعْتَ قِرَاءَتَهُ رَأَيْتَ أَنَّهُ يَخْشَى اللَّهَ \" .\rوَرُوِيَ : ( إنَّ هَذَا الْقُرْآنَ نَزَلَ بِحُزْنٍ ، فَاقْرَءُوهُ بِحُزْنٍ )","part":2,"page":346},{"id":846,"text":"( 672 ) فَصْلٌ : فَإِنْ قَطَعَ قِرَاءَةَ الْفَاتِحَةِ بِذِكْرٍ ؛ مِنْ دُعَاءٍ ، أَوْ قِرَاءَةٍ ، أَوْ سُكُوتٍ يَسِيرٍ ، أَوْ فَرَغَ الْإِمَامُ مِنْ الْفَاتِحَةِ فِي أَثْنَاءِ قِرَاءَةِ الْمَأْمُومِ ، قَالَ : آمِينَ .\rوَلَا تَنْقَطِعُ قِرَاءَتُهُ ؛ لِقَوْلِ أَحْمَدَ : إذَا مَرَّتْ بِهِ آيَةُ رَحْمَةٍ سَأَلَ ، وَإِذَا مَرَّتْ بِهِ آيَةُ عَذَابٍ اسْتَعَاذَ .\rوَإِنْ كَثُرَ ذَلِكَ اسْتَأْنَفَ قِرَاءَتَهَا ، إلَّا أَنْ يَكُونَ السُّكُوتُ مَأْمُورًا بِهِ ، كَالْمَأْمُومِ يَشْرَعُ فِي قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ ، ثُمَّ يَسْمَعُ قِرَاءَةَ الْإِمَامِ ، فَيُنْصِتُ لَهُ ، فَإِذَا سَكَتَ الْإِمَامُ أَتَمَّ قِرَاءَتَهَا ، وَأَجْزَأَتْهُ .\rأَوْمَأَ إلَيْهِ أَحْمَدُ .\rوَكَذَلِكَ إنْ كَانَ السُّكُوتُ نِسْيَانًا ، أَوْ نَوْمًا ، أَوْ لِانْتِقَالِهِ إلَى غَيْرِهَا غَلَطًا ، لَمْ يَبْطُلْ ، فَمَتَى ذَكَرَ أَتَى بِمَا بَقِيَ مِنْهَا .\rفَإِنْ تَمَادَى فِيمَا هُوَ فِيهِ بَعْدَ ذِكْرِهِ ، أَبْطَلَهَا ، وَلَزِمَهُ اسْتِئْنَافُهَا ، كَمَا لَوْ ابْتَدَأَ بِذَلِكَ .\rفَإِنْ نَوَى قَطْعَ قِرَاءَتِهَا ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَقْطَعَهَا ، لَمْ تَنْقَطِعْ ؛ لِأَنَّ فِعْلَهُ مُخَالِفٌ لِنِيَّتِهِ ، وَالِاعْتِبَارُ بِالْفِعْلِ لَا بِالنِّيَّةِ .\rوَكَذَا إنْ سَكَتَ مَعَ النِّيَّةِ سُكُوتًا يَسِيرًا ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ أَنَّهُ لَا عِبْرَةَ بِالنِّيَّةِ ، فَوُجُودُهَا كَعَدَمِهَا .\rوَذَكَرَ الْقَاضِي فِي ( الْجَامِعِ ) ، أَنَّهُ مَتَى سَكَتَ مَعَ النِّيَّةِ أَبْطَلَهَا ، وَمَتَى عَدَلَ إلَى قِرَاءَةِ غَيْرِ الْفَاتِحَةِ عَمْدًا ، أَوْ دُعَاءٍ غَيْرِ مَأْمُورٍ بِهِ ، بَطَلَتْ قِرَاءَتُهُ .\rوَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ قَلِيلٍ أَوْ كَثِيرٍ .\rوَإِنْ قَدَّمَ آيَةً مِنْهَا فِي غَيْرِ مَوْضِعِهَا عَمْدًا ، أَبْطَلَهَا .\rوَإِنْ كَانَ غَلَطًا ، رَجَعَ إلَى مَوْضِعِ الْغَلَطِ فَأَتَمَّهَا .\rوَالْأَوْلَى ، إنْ شَاءَ اللَّهُ ، مَا ذَكَرْنَاهُ ؛ لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي الْقِرَاءَةِ وُجُودُهَا ، لَا نِيَّتُهَا ، فَمَتَى قَرَأَهَا مُتَوَاصِلَةً تَوَاصُلًا قَرِيبًا صَحَّتْ ، كَمَا لَوْ كَانَ ذَلِكَ عَنْ غَلَطٍ .","part":2,"page":347},{"id":847,"text":"( 673 ) فَصْلٌ : وَيَجِبُ قِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ فِي الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَالشَّافِعِيِّ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ : أَنَّهَا لَا تَجِبُ إلَّا فِي رَكْعَتَيْنِ مِنْ الصَّلَاةِ .\rوَنَحْوُهُ عَنْ النَّخَعِيِّ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ؛ لِمَا رُوِيَ ، عَنْ عَلِيٍّ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : اقْرَأْ فِي الْأُولَيَيْنِ ، وَسَبِّحْ فِي الْأُخْرَيَيْنِ .\rوَلِأَنَّ الْقِرَاءَةَ لَوْ وَجَبَتْ فِي بَقِيَّةِ الرَّكَعَاتِ ، لَسُنَّ الْجَهْرُ بِهَا فِي بَعْضِ الصَّلَوَاتِ ، كَالْأُولَيَيْنِ .\rوَعَنْ الْحَسَنِ : أَنَّهُ إنْ قَرَأَ فِي رَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ ، أَجْزَأَهُ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْ الْقُرْآنِ } .\rوَعَنْ مَالِكٍ ، أَنَّهُ إنْ قَرَأَ فِي ثَلَاثٍ ، أَجْزَأَهُ ؛ لِأَنَّهَا مُعْظَمُ الصَّلَاةِ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى أَبُو قَتَادَةَ { ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ فِي الْأُولَيَيْنِ بِأُمِّ الْكِتَابِ وَسُورَتَيْنِ ، وَيُطَوِّلُ الْأُولَى ، وَيُقَصِّرُ فِي الثَّانِيَةِ ، وَيُسْمِعُ الْآيَةَ أَحْيَانًا ، وَفِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُخْرَيَيْنِ بِأُمِّ الْكِتَابِ } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ { .\rوَقَالَ : صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ } .\rوَعَنْهُ ، وَعَنْ عُبَادَةَ ، قَالَا : { أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ نَقْرَأَ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ ، فِي كُلِّ رَكْعَةٍ } .\rرَوَاهُمَا إسْمَاعِيلُ بْنُ سَعِيدٍ الشَّالَنْجِيُّ .\rوَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَّمَ الْمُسِيءَ فِي صَلَاتِهِ كَيْفَ يُصَلِّي الرَّكْعَةَ الْأُولَى ، ثُمَّ قَالَ : ( وَافْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلَاتِك كُلِّهَا ) .\rفَيَتَنَاوَلُ الْأَمْرَ بِالْقِرَاءَةِ .\rوَعَنْ جَابِرٍ قَالَ : ( مَنْ صَلَّى رَكْعَةً ، فَلَمْ يَقْرَأْ فِيهَا فَلَمْ يُصَلِّ .\rإلَّا خَلْفَ الْإِمَامِ ) رَوَاهُ مَالِكٌ ، فِي \"","part":2,"page":348},{"id":848,"text":"الْمُوَطَّأِ \" .\rوَحَدِيثُ عَلِيٍّ يَرْوِيهِ الْحَارِثُ الْأَعْوَرُ ، قَالَ الشَّعْبِيُّ : كَانَ كَذَّابًا .\rثُمَّ هُوَ مِنْ قَوْلِ عَلِيٍّ .\rوَقَدْ خَالَفَهُ عُمَرُ ، وَجَابِرٌ ، وَالْإِسْرَارُ لَا يَنْفِي الْوُجُوبَ ؛ بِدَلِيلِ الْأُولَيَيْنِ مِنْ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ .","part":2,"page":349},{"id":849,"text":"( 674 ) فَصْلٌ : وَلَا تُجْزِئُهُ الْقِرَاءَةُ بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ ، وَلَا إبْدَالُ لَفْظِهَا بِلَفْظٍ عَرَبِيٍّ ، سَوَاءٌ أَحْسَنَ قِرَاءَتَهَا بِالْعَرَبِيَّةِ أَوْ لَمْ يُحْسِنْ .\rوَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَجُوزُ ذَلِكَ .\rوَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ : أَنَّمَا يَجُوزُ لِمَنْ لَمْ يُحْسِنْ الْعَرَبِيَّةَ .\rوَاحْتَجَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَأُوحِيَ إلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ } .\rوَلَا يُنْذَرُ كُلُّ قَوْمٍ إلَّا بِلِسَانِهِمْ وَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { قُرْآنًا عَرَبِيًّا } .\rوقَوْله تَعَالَى : { بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ } .\rوَلِأَنَّ الْقُرْآنَ مُعْجِزَةٌ ؛ لَفْظَهُ ، وَمَعْنَاهُ ، فَإِذَا غُيِّرَ خَرَجَ عَنْ نَظْمِهِ ، فَلَمْ يَكُنْ قُرْآنًا وَلَا مِثْلَهُ ، وَإِنَّمَا يَكُونُ تَفْسِيرًا لَهُ ، وَلَوْ كَانَ تَفْسِيرُهُ مِثْلَهُ لَمَا عَجَزُوا عَنْهُ لَمَّا تَحَدَّاهُمْ بِالْإِتْيَانِ بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ ، أَمَّا الْإِنْذَارُ ، فَإِنَّهُ إذَا فَسَّرَهُ لَهُمْ كَانَ الْإِنْذَارُ بِالْمُفَسَّرِ دُونَ التَّفْسِيرِ .\r( 675 ) فَصْلٌ : فَإِنْ لَمْ يُحْسِنْ الْقِرَاءَةَ بِالْعَرَبِيَّةِ ، لَزِمَهُ التَّعَلُّمُ ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ ، لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ أَوْ خَشِيَ فَوَاتَ الْوَقْتِ ، وَعَرَفَ مِنْ الْفَاتِحَةِ آيَةً ، كَرَّرَهَا سَبْعًا .\rقَالَ الْقَاضِي : لَا يُجْزِئُهُ غَيْرُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الْآيَةَ مِنْهَا أَقْرَبُ إلَيْهَا مِنْ غَيْرِهَا .\rوَكَذَلِكَ إنْ أَحْسَنَ مِنْهَا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ ، كَرَّرَهُ بِقَدْرِهِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يَأْتِيَ بِبَقِيَّةِ الْآيِ مِنْ غَيْرِهَا ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ يَسْقُطُ فَرْضُهَا بِقِرَاءَتِهَا ، فَيَعْدِلُ عَنْ تَكْرَارِهَا إلَى غَيْرِهَا ، كَمَنْ وَجَدَ بَعْضَ الْمَاءِ ، فَإِنَّهُ يَغْسِلُ بِهِ ، وَيَعْدِلُ إلَى التَّيَمُّمِ .\rوَذَكَرَ الْقَاضِي هَذَا الِاحْتِمَالَ فِي \" الْجَامِعِ \" .\rوَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَجْهَانِ ، كَمَا ذَكَرْنَا .\rفَأَمَّا إنْ عَرَفَ بَعْضَ آيَةٍ ، لَمْ يَلْزَمْهُ تَكْرَارُهَا ، وَعَدَلَ إلَى غَيْرِهَا ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ","part":2,"page":350},{"id":850,"text":"صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ الَّذِي لَا يُحْسِنُ الْقُرْآنَ أَنْ يَقُولَ : ( الْحَمْدُ لِلَّهِ ) وَغَيْرَهَا .\rوَهِيَ بَعْضُ آيَةٍ ، وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِتَكْرَارِهَا .\rوَإِنْ لَمْ يُحْسِنْ شَيْئًا مِنْهَا ، وَكَانَ يَحْفَظُ غَيْرَهَا مِنْ الْقُرْآنِ ، قَرَأَ مِنْهُ بِقَدْرِهَا إنْ قَدَرَ ، لَا يُجْزِئُهُ غَيْرُهُ ؛ لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد ، عَنْ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { إذَا قُمْت إلَى الصَّلَاةِ ، فَإِنْ كَانَ مَعَك قُرْآنٌ فَاقْرَأْ بِهِ ، وَإِلَّا فَاحْمَدْ اللَّهَ ، وَهَلِّلْهُ ، وَكَبِّرْهُ } وَلِأَنَّهُ مِنْ جِنْسِهَا ، فَكَانَ أَوْلَى .\rوَيَجِبُ أَنْ يَقْرَأَ بِعَدَدِ آيَاتِهَا .\rوَهَلْ يُعْتَبَرُ أَنْ يَكُونَ بِعَدَدِ حُرُوفِهَا ؟ فِيهِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا ، لَا يُعْتَبَرُ ؛ لِأَنَّ الْآيَاتِ هِيَ الْمُعْتَبَرَةُ ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يَكْفِي عَدَدُ الْحُرُوفِ دُونَهَا ، فَأَشْبَهَ مَنْ فَاتَهُ صَوْمُ يَوْمٍ طَوِيلٍ ، فَلَا يُعْتَبَرَ أَنْ يَكُونَ الْقَضَاءُ فِي يَوْمٍ عَلَى قَدْرِ سَاعَاتِ الْأَدَاءِ .\rوَالثَّانِي : يَلْزَمُهُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الْحَرْفَ مَقْصُودٌ ؛ بِدَلِيلِ تَقْدِيرِ الْحَسَنَاتِ بِهِ ، وَيُخَالِفُ الصَّوْمَ ، إذْ لَا يُمْكِنُ اعْتِبَارُ الْمِقْدَارِ فِي السَّاعَاتِ إلَّا بِمَشَقَّةٍ .\rفَإِنْ لَمْ يُحْسِنْ إلَّا آيَةً ، كَرَّرَهَا سَبْعًا .\rفَإِنْ لَمْ يُحْسِنْ شَيْئًا مِنْ الْقُرْآنِ ، وَلَا أَمْكَنَهُ التَّعَلُّمُ قَبْلَ خُرُوجِ الْوَقْتِ ، لَزِمَهُ أَنْ يَقُولَ : سُبْحَانَ اللَّهِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ ، وَلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ، وَاَللَّهُ أَكْبَرُ ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ ؛ لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد ، قَالَ { جَاءَ رَجُلٌ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : إنِّي لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ آخُذَ شَيْئًا مِنْ الْقُرْآنِ ، فَعَلِّمْنِي مَا يُجْزِئُنِي مِنْهُ .\rفَقَالَ : قُلْ : سُبْحَانَ اللَّهِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ ، وَلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ، وَاَللَّهُ أَكْبَرُ ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ قَالَ : هَذَا لِلَّهِ .\rفَمَا لِي ؟ قَالَ : تَقُولُ : اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ، وَارْحَمْنِي ، وَارْزُقْنِي","part":2,"page":351},{"id":851,"text":"، وَاهْدِنِي ، وَعَافِنِي } .\rوَلَا يَلْزَمُهُ الزِّيَادَةُ عَلَى الْخَمْسِ الْأُوَلِ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اقْتَصَرَ عَلَيْهَا ، وَإِنَّمَا زَادَهُ عَلَيْهَا حِينَ طَلَبَ الزِّيَادَةَ .\rوَذَكَرَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ، أَنَّهُ يَزِيدُ عَلَى هَذِهِ الْخَمْسِ كَلِمَتَيْنِ ، حَتَّى تَكُونَ مَقَامَ سَبْعِ آيَاتٍ .\rوَلَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَّمَهُ ذَلِكَ جَوَابًا لِقَوْلِهِ : عَلِّمْنِي مَا يُجْزِئُنِي .\rوَالسُّؤَالُ كَالْمُعْتَادِ فِي الْجَوَابِ ، فَكَأَنَّهُ قَالَ : يُجْزِئُكَ هَذَا .\rوَتُفَارِقُ الْقِرَاءَةَ مِنْ غَيْرِ الْفَاتِحَةِ ؛ لِأَنَّهُ بَدَلٌ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ ، فَأَشْبَهَ التَّيَمُّمَ .\rفَإِنْ لَمْ يُحْسِنْ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ كُلَّهَا ، قَالَ مَا يُحْسِنُ مِنْهَا .\rوَيَنْبَغِي أَنْ يَلْزَمَهُ تَكْرَارُ مَا يُحْسِنُ مِنْهَا بِقَدْرِهَا ، كَمَنْ يُحْسِنُ بَعْضَ الْفَاتِحَةِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يُجْزِئَهُ التَّحْمِيدُ وَالتَّهْلِيلُ وَالتَّكْبِيرُ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { فَإِنْ كَانَ مَعَكَ قُرْآنٌ فَاقْرَأْ بِهِ ، وَإِلَّا فَاحْمَدْ اللَّهَ ، وَهَلِّلْهُ ، وَكَبِّرْهُ } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد .","part":2,"page":352},{"id":852,"text":"( 676 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( فَإِذَا قَالَ : وَلَا الضَّالِّينَ ، قَالَ : آمِينَ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ التَّأْمِينَ عِنْدَ فَرَاغِ الْفَاتِحَةِ سُنَّةٌ لِلْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ .\rرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ الزُّبَيْرِ ، وَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَعَطَاءٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَيَحْيَى بْنُ يَحْيَى ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو خَيْثَمَةَ ، وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُد ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ مَالِكٍ : لَا يَحْسُنْ التَّأْمِينُ لِلْإِمَامِ ؛ لِمَا رَوَى مَالِكٌ ، عَنْ سُمَيٍّ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { إذَا قَالَ الْإِمَامُ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ فَقُولُوا : آمِينَ ؛ فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ قَوْلُهُ قَوْلَ الْمَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ } .\rوَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَقُولُهَا .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إذَا أَمَّنَ الْإِمَامُ فَأَمِّنُوا ، فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ الْمَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَرَوَى وَائِلُ بْنُ حُجْرٍ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إذَا قَالَ : وَلَا الضَّالِّينَ .\rقَالَ : آمِينَ ، وَرَفَعَ بِهَا صَوْتَهُ } ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَقَالَ : وَمَدَّ بِهَا صَوْتَهُ .\rوَقَالَ : هُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ ، وَقَدْ قَالَ بِلَالٌ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا تَسْبِقْنِي بِآمِينَ ) .\rوَحَدِيثُهُمْ لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ ، وَإِنَّمَا قُصِدَ بِهِ تَعْرِيفُهُمْ مَوْضِعَ تَأْمِينِهِمْ ، وَهُوَ عَقِيبَ قَوْلِ الْإِمَامِ : ( وَلَا الضَّالِّينَ ) .\rلِأَنَّهُ مَوْضِعُ تَأْمِينِ الْإِمَامِ ، لِيَكُونَ تَأْمِينُ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِينَ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ مُوَافِقًا لِتَأْمِينِ الْمَلَائِكَةِ ، وَقَدْ جَاءَ هَذَا مُصَرَّحًا بِهِ ، كَمَا قُلْنَا ، وَهُوَ مَا رُوِيَ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ، فِي \" مُسْنَدِهِ \" .\rعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إذَا","part":2,"page":353},{"id":853,"text":"قَالَ الْإِمَامُ : وَلَا الضَّالِّينَ .\rفَقُولُوا : آمِينَ .\rفَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَقُولُ : آمِينَ .\rوَالْإِمَامُ يَقُولُ : آمِينَ .\rفَمَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ الْمَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ } ، وَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي اللَّفْظِ الْآخَرِ : ( إذَا أَمَّنَ الْإِمَامُ ) .\rيَعْنِي إذَا شَرَعَ فِي التَّأْمِينِ ( 677 ) فَصْلٌ : وَيُسَنُّ أَنْ يَجْهَرَ بِهِ الْإِمَامُ وَالْمَأْمُومُ فِيمَا يَجْهَرُ فِيهِ بِالْقِرَاءَةِ ، وَإِخْفَاؤُهَا فِيمَا يُخْفِي فِيهِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٌ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ : يُسَنُّ إخْفَاؤُهَا ؛ لِأَنَّهُ دُعَاءٌ .\rفَاسْتُحِبَّ إخْفَاؤُهُ كَالتَّشَهُّدِ .\rوَلَنَا { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : آمِينَ .\rوَرَفَعَ بِهَا صَوْتَهُ ، } وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِالتَّأْمِينِ عِنْدَ تَأْمِينِ الْإِمَامِ ، فَلَوْ لَمْ يَجْهَرْ بِهِ لَمْ يُعَلِّقْ عَلَيْهِ ، كَحَالَةِ الْإِخْفَاءِ .\rوَمَا ذَكَرُوهُ يَبْطُلُ بِآخِرِ الْفَاتِحَةِ ، فَإِنَّهُ دُعَاءٌ وَيُجْهَرُ بِهِ ، وَدُعَاءُ التَّشَهُّدِ تَابِعٌ لَهُ .\rفَيَتْبَعُهُ فِي الْإِخْفَاءِ ، وَهَذَا تَابِعٌ لِلْقِرَاءَةِ فَيَتْبَعُهَا فِي الْجَهْرِ .\rفَصْلٌ : فَإِنْ نَسِيَ الْإِمَامُ التَّأْمِينَ أَمَّنَ الْمَأْمُومُ ، وَرَفَعَ صَوْتَهُ ؛ لِيُذَكِّرَ الْإِمَامَ ، فَيَأْتِيَ بِهِ ، لِأَنَّهُ سُنَّةٌ قَوْلِيَّةٌ إذَا تَرَكَهَا الْإِمَامُ أَتَى بِهَا الْمَأْمُومُ ، كَالِاسْتِعَاذَةِ ، وَإِنْ أَخْفَاهَا الْإِمَامُ جَهَرَ بِهَا الْمَأْمُومُ ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ .\rوَإِنْ تَرَكَ التَّأْمِينَ نِسْيَانًا ، أَوْ عَمْدًا ، حَتَّى شَرَعَ فِي قِرَاءَةِ السُّورَةِ ، لَمْ يَأْتِ بِهِ ؛ لِأَنَّهُ سُنَّةٌ فَاتَ مَحِلُّهَا .\r( 679 ) فَصْلٌ : فِي \" آمِينْ \" لُغَتَانِ : قَصْرُ الْأَلِفِ ، وَمَدُّهَا ، مَعَ التَّخْفِيفِ فِيهِمَا ، قَالَ الشَّاعِرُ : تَبَاعَدَ مِنِّي فُطْحُلٌ إذْ دَعْوَتُهُ أَمِينَ فَزَادَ اللَّهُ مَا بَيْنَنَا بُعْدَا وَأَنْشَدُوا فِي الْمَمْدُودِ : يَا رَبِّ لَا تَسْلُبَنِّي حُبَّهَا أَبَدًا وَيَرْحَمُ اللَّهُ عَبْدًا قَالَ آمِينَا وَمَعْنَى \" آمِينَ","part":2,"page":354},{"id":854,"text":"\" اللَّهُمَّ اسْتَجِبْ لِي .\rقَالَهُ الْحَسَنُ .\rوَقِيلَ : هُوَ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ .\rوَلَا يَجُوزُ التَّشْدِيدُ فِيهَا ؛ لِأَنَّهُ يُحِيلُ مَعْنَاهَا ، فَيَجْعَلُهُ بِمَعْنَى قَاصِدِينَ ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ } .\r( 680 ) فَصْلٌ : يُسْتَحَبُّ أَنْ يَسْكُتَ الْإِمَامُ عَقِيبَ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ سَكْتَةً يَسْتَرِيحُ فِيهَا ، وَيَقْرَأُ فِيهَا مَنْ خَلْفَهُ الْفَاتِحَةَ ، كَيْ لَا يُنَازِعُوهُ فِيهَا .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الْأَوْزَاعِيِّ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَإِسْحَاقَ .\rوَكَرِهَهُ مَالِكٌ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى أَبُو دَاوُد ، وَابْنُ مَاجَهْ أَنَّ ، سَمُرَةَ ، حَدَّثَ ، أَنَّهُ حَفِظَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَكْتَتَيْنِ ؛ سَكْتَةً إذَا كَبَّرَ ، وَسَكْتَةً إذَا فَرَغَ مِنْ قِرَاءَةِ ( غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ) فَأَنْكَرَ عَلَيْهِ عِمْرَانُ ، فَكَتَبَا فِي ذَلِكَ إلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ، فَكَانَ فِي كِتَابِهِ إلَيْهِمَا ، أَنَّ سَمُرَةَ قَدْ حَفِظَ .\rقَالَ أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ : لِلْإِمَامِ سَكْتَتَانِ ، فَاغْتَنِمُوا فِيهِمَا الْقِرَاءَةَ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ ، إذَا دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ وَإِذَا قَالَ وَلَا الضَّالِّينَ .\rوَقَالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ : أَمَّا أَنَا فَأَغْتَنِمُ مِنْ الْإِمَامِ اثْنَتَيْنِ ، إذَا قَالَ ( غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ) .\rفَأَقْرَأُ عِنْدَهَا ، وَحِينَ يَخْتِمُ السُّورَةَ ، فَأَقْرَأُ قَبْلَ أَنْ يَرْكَعَ .\rوَهَذَا يَدُلُّ عَلَى اشْتِهَارِ ذَلِكَ فِيمَا بَيْنَهُمْ .\rرَوَاهُ الْأَثْرَمُ .","part":2,"page":355},{"id":855,"text":"( 681 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( ثُمَّ يَقْرَأُ سُورَةً فِي ابْتِدَائِهَا بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ) لَا نَعْلَمُ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ خِلَافًا فِي أَنَّهُ يُسَنُّ قِرَاءَةُ سُورَةٍ مَعَ الْفَاتِحَةِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ مِنْ كُلِّ صَلَاةٍ ، وَيَجْهَرُ بِهَا فِيمَا يَجْهَرُ فِيهِ بِالْفَاتِحَةِ ، وَيُسِرُّ فِيمَا يُسِرُّ بِهَا فِيهِ .\rوَالْأَصْلُ فِي هَذَا فِعْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ فَإِنَّ أَبَا قَتَادَةَ رَوَى { ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ مِنْ الظُّهْرِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَسُورَتَيْنِ ، يُطَوِّلُ فِي الْأُولَى ، وَيُقَصِّرُ فِي الثَّانِيَةِ ، وَيُسْمِعُ الْآيَةَ أَحْيَانًا ، وَكَانَ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ مِنْ الْعَصْرِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَسُورَتَيْنِ ، يُطَوِّلُ فِي الْأُولَى ، وَيُقَصِّرُ فِي الثَّانِيَةِ ، وَكَانَ يُطَوِّلُ فِي الْأُولَى مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ ، وَيُقَصِّرُ فِي الثَّانِيَةِ } .\rوَفِي رِوَايَةٍ : فِي الظُّهْرِ كَانَ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُخْرَيَيْنِ بِأُمِّ الْكِتَابِ .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَرَوَى أَبُو بَرْزَةَ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقْرَأُ فِي الصُّبْحِ مِنْ السِّتِّينَ إلَى الْمِائَةِ .\rوَقَدْ اشْتَهَرَتْ قِرَاءَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلسُّورَةِ مَعَ الْفَاتِحَةِ فِي صَلَاةِ الْجَهْرِ ، وَنُقِلَ نَقْلًا مُتَوَاتِرًا ، وَأَمَرَ بِهِ مُعَاذًا ، فَقَالَ : اقْرَأْ بِالشَّمْسِ وَضُحَاهَا ، وَبِسَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ، وَاللَّيْلِ إذَا يَغْشَى } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَيُسَنُّ أَنْ يَفْتَتِحَ السُّورَةَ بِقِرَاءَةِ ( بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ) ، وَافَقَ مَالِكٌ عَلَى هَذَا ؛ فَإِنَّهُ قَالَ فِي قِيَامِ رَمَضَانَ : لَا يَقْرَأُ ( بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ) فِي أَوَّلِ الْفَاتِحَةِ ، وَيَسْتَفْتِحُ بِهَا فِي بَقِيَّةِ السُّوَرِ .\rوَيُسِرُّ بِهَا فِي السُّورَةِ كَمَا يُسِرُّ بِهَا فِي أَوَّلِ الْفَاتِحَةِ ، وَالْخِلَافُ هَاهُنَا كَالْخِلَافِ ثَمَّ ، وَقَدْ سَبَقَ الْقَوْلُ فِيهِ","part":2,"page":356},{"id":856,"text":"( 682 ) فَصْلٌ : وَيَقْرَأُ بِمَا فِي مُصْحَفِ عُثْمَانَ .\rوَنُقِلَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ كَانَ يَخْتَارُ قِرَاءَةَ نَافِعٍ مِنْ طَرِيقِ إسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ .\rقَالَ : فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَقِرَاءَةُ عَاصِمٍ ، مِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ .\rوَأَثْنَى عَلَى قِرَاءَةِ أَبِي عَمْرِو بْنِ الْعَلَاءِ .\rوَلَمْ يَكْرَهْ قِرَاءَةَ أَحَدٍ مِنْ الْعَشْرِ ، إلَّا قِرَاءَةَ حَمْزَةَ وَالْكِسَائِيِّ ؛ لِمَا فِيهَا مِنْ الْكَسْرِ وَالْإِدْغَامِ ، وَالتَّكَلُّفِ ، وَزِيَادَةِ الْمَدِّ .\rوَرُوِيَ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { نَزَلَ الْقُرْآنُ بِالتَّفْخِيمِ } وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : أُنْزِلَ الْقُرْآنُ بِالتَّفْخِيمِ وَالتَّثْقِيلِ ، نَحْوُ الْجُمُعَةِ وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ ، وَنُقِلَ عَنْهُ التَّسْهِيلُ فِي ذَلِكَ ، وَأَنَّ قِرَاءَتَهُمَا فِي الصَّلَاةِ جَائِزَةٌ .\rقَالَ الْأَثْرَمُ : قُلْت لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ : إمَامٌ كَانَ يُصَلِّي بِقِرَاءَةِ حَمْزَةَ أُصَلِّي خَلْفَهُ ؟ قَالَ : لَا يَبْلُغُ بِهِ هَذَا كُلَّهُ ، وَلَكِنَّهَا لَا تُعْجِبُنِي قِرَاءَةُ حَمْزَةَ .\r( 683 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا مَا يَخْرُجُ عَنْ مُصْحَفِ عُثْمَانَ ، كَقِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَغَيْرِهَا ، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُقْرَأَ بِهَا فِي الصَّلَاةِ ؛ لِأَنَّ الْقُرْآنَ ثَبَتَ بِطَرِيقِ التَّوَاتُرِ ، وَهَذِهِ لَمْ يَثْبُتْ التَّوَاتُرُ بِهَا ، فَلَا يَثْبُتُ كَوْنُهَا قُرْآنًا ، فَإِنْ قَرَأَ بِشَيْءٍ مِنْهَا مِمَّا صَحَّتْ بِهِ الرِّوَايَةُ ، وَاتَّصَلَ إسْنَادُهَا ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، لَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ لِذَلِكَ .\rوَالثَّانِيَةُ : تَصِحُّ ؛ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ كَانُوا يُصَلُّونَ بِقِرَاءَتِهِمْ فِي عَصْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَعْدَهُ ، وَكَانَتْ صَلَاتُهُمْ صَحِيحَةً بِغَيْرِ شَكٍّ .\rوَقَدْ صَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَقْرَأَ الْقُرْآنَ غَضًّا كَمَا أُنْزِلَ فَلْيَقْرَأْهُ عَلَى قِرَاءَةِ ابْنِ أُمِّ عَبْدٍ } وَقَدْ أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عُمَرَ وَهِشَامَ ابْنَ حَكِيمٍ حِينَ اخْتَلَفَا فِي","part":2,"page":357},{"id":857,"text":"قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ ، فَقَالَ : { اقْرَءُوا كَمَا عُلِّمْتُمْ } .\rوَكَانَ الصَّحَابَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ قَبْلَ جَمْعِ عُثْمَانَ الْمُصْحَفَ يَقْرَءُونَ بِقِرَاءَاتٍ لَمْ يُثْبِتْهَا فِي الْمُصْحَفِ ، وَيُصَلُّونَ بِهَا ، لَا يَرَى أَحَدٌ مِنْهُمْ تَحْرِيمَ ذَلِكَ ، وَلَا بُطْلَانَ صَلَاتِهِمْ بِهِ","part":2,"page":358},{"id":858,"text":"( 684 ) فَصْلٌ : وَلَا تُكْرَهُ قِرَاءَةُ أَوَاخِرِ السُّوَرِ وَأَوْسَاطِهَا فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ .\rنَقَلَهَا عَنْ أَحْمَدَ جَمَاعَةٌ ؛ لِأَنَّ أَبَا سَعِيدٍ ، قَالَ : أُمِرْنَا أَنْ نَقْرَأَ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ ، وَمَا تَيَسَّرَ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اُخْرُجْ ، فَنَادِ فِي الْمَدِينَةِ ، أَنَّهُ { لَا صَلَاةَ إلَّا بِقُرْآنٍ ، وَلَوْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ } أَخْرَجَهُمَا أَبُو دَاوُد وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ الزِّيَادَةُ .\rوَرُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ، أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ ، آخِرَ آلِ عِمْرَانَ وَآخِرَ الْفُرْقَانِ ، رَوَاهُ الْخَلَّالُ ، بِإِسْنَادِهِ .\rوَعَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ ، قَالَ : كَانَ أَصْحَابُنَا يَقْرَءُونَ فِي الْفَرِيضَةِ مِنْ السُّورَةِ بَعْضَهَا ، ثُمَّ يَرْكَعُ ، ثُمَّ يَقُومُ ، فَيَقْرَأُ فِي سُورَةٍ أُخْرَى .\rوَقَوْلُ أَبِي بَرْزَةَ : { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ فِي الصُّبْحِ مِنْ السِّتِّينَ إلَى الْمِائَةِ } .\rدَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَقْتَصِرُ عَلَى قِرَاءَةِ سُورَةٍ وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ ، يُكْرَهُ ذَلِكَ .\rنَقَلَ الْمَرُّوذِيُّ ، عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ أَنْ يَقْرَأَ فِي صَلَاةِ الْفَرْضِ بِآخِرِ سُورَةٍ .\rوَقَالَ : سُورَةٌ أَعْجَبُ إلَيَّ .\rقَالَ الْمَرُّوذِيُّ : وَكَانَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ قَرَابَةٌ يُصَلِّي بِهِ ، فَكَانَ يَقْرَأُ فِي الثَّانِيَةِ مِنْ الْفَجْرِ بِآخِرِ السُّورَةِ ، فَلَمَّا أَكْثَرَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ : تَقَدَّمْ أَنْتَ فَصَلِّ .\rفَقُلْت لَهُ : هَذَا يُصَلِّي بِك مُنْذُ كَمْ ، قَالَ : دَعْنَا مِنْهُ ، يَجِيءُ بِآخِرِ السُّوَرِ .\rوَكَرِهَهُ وَلَعَلَّ أَحْمَدَ إنَّمَا أَحَبَّ اتِّبَاعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا نُقِلَ عَنْهُ .\rوَكَرِهَ الْمُدَاوَمَةَ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ ، وَالْمَنْقُولُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قِرَاءَةُ السُّورَةِ أَوْ بَعْضِ سُورَةٍ مِنْ أَوَّلِهَا ، فَأَعْجَبَهُ مُوَافَقَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .","part":2,"page":359},{"id":859,"text":"وَلَمْ يُعْجِبْهُ مُخَالَفَتُهُ .\rوَنُقِلَ عَنْهُ ، فِي الرَّجُلِ يَقْرَأُ مِنْ أَوْسَطِ السُّوَرِ وَآخِرِهَا ، فَقَالَ : أَمَّا آخِرُ السُّوَرِ فَأَرْجُو ، وَأَمَّا أَوْسَطُهَا فَلَا وَلَعَلَّهُ ذَهَبَ فِي آخِرِ السُّورَةِ ، إلَى مَا رُوِيَ فِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ وَأَصْحَابِهِ .\rوَلَمْ يُنْقَلُ مِثْلُ ذَلِكَ فِي أَوْسَطِهَا .\rوَقَدْ نَقَلَ عَنْهُ الْأَثْرَمُ ، قَالَ : قُلْت لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ : الرَّجُلُ يَقْرَأُ آخِرَ السُّورَةِ فِي الرَّكْعَةِ ؟ قَالَ : أَلَيْسَ قَدْ رُوِيَ فِي هَذَا رُخْصَةٌ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ ، وَغَيْرِهِ ؟ وَأَمَّا قِرَاءَةُ بَعْضِ السُّورَةِ مِنْ أَوَّلِهَا فَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ غَيْرُ مَكْرُوهٍ ؛ { فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَرَأَ مِنْ سُورَةِ الْمُؤْمِنِينَ إلَى ذِكْرِ مُوسَى وَهَارُونَ ، ثُمَّ أَخَذَتْهُ سَعْلَةٌ ، فَرَكَعَ ، وَقَرَأَ سُورَةَ الْأَعْرَافِ فِي صَلَاةِ الْمَغْرِبِ ، فَرَّقَهَا مَرَّتَيْنِ .\r} رَوَاهُ النَّسَائِيّ","part":2,"page":360},{"id":860,"text":"( 685 ) فَصْلٌ : وَلَا بَأْسَ بِالْجَمْعِ بَيْنَ السُّوَرِ فِي صَلَاةِ النَّافِلَةِ ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { قَرَأَ فِي رَكْعَةٍ سُورَةَ الْبَقَرَةِ وَآلِ عِمْرَانَ وَالنِّسَاءِ } .\rوَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ : لَقَدْ عَرَفْت النَّظَائِرَ الَّتِي كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرُنُ بَيْنَهُنَّ .\rفَذَكَرَ عِشْرِينَ سُورَةً مِنْ الْمُفَصَّلِ ، سُورَتَيْنِ فِي رَكْعَةٍ .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَكَانَ عُثْمَانُ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، يَخْتِمُ الْقُرْآنَ فِي رَكْعَةٍ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ التَّابِعِينَ .\rوَأَمَّا الْفَرِيضَةُ فَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى سُورَةٍ مَعَ الْفَاتِحَةِ ، مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ عَلَيْهَا ، لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَكَذَا كَانَ يُصَلِّي أَكْثَرَ صَلَاتِهِ ، وَأَمَرَ مُعَاذًا أَنْ يَقْرَأَ فِي صَلَاتِهِ كَذَلِكَ .\rوَإِنْ جَمَعَ بَيْنَ سُورَتَيْنِ فِي رَكْعَةٍ ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ : إحْدَاهُمَا ، يُكْرَهُ ؛ لِذَلِكَ .\rوَالثَّانِيَةُ : لَا يُكْرَهُ ؛ لِأَنَّ حَدِيثَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ مُطْلَقٌ فِي الصَّلَاةِ ، فَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ الْفَرْضَ .\rوَقَدْ رَوَى الْخَلَّالُ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ فِي الْمَكْتُوبَةِ بِالسُّورَتَيْنِ فِي رَكْعَةٍ .\rوَإِنْ قَرَأَ فِي رَكْعَةٍ سُورَةً ، ثُمَّ أَعَادَهَا فِي الثَّانِيَةِ ، فَلَا بَأْسَ ؛ لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ رَجُلٍ مِنْ جُهَيْنَةَ ، أَنَّهُ { سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ إذَا زُلْزِلَتْ فِي الرَّكْعَتَيْنِ كِلْتَيْهِمَا .\r} ( 686 ) فَصْلٌ : وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْرَأَ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ بِسُورَةٍ بَعْدَ السُّورَةِ الَّتِي قَرَأَهَا فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى فِي النَّظْمِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْمَنْقُولُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ، أَنَّهُ سُئِلَ عَمَّنْ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ مَنْكُوسًا ؟ قَالَ : ذَلِكَ مَنْكُوسُ الْقَلْبِ .\rوَفَسَّرَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ بِأَنْ يَقْرَأَ سُورَةً ، ثُمَّ يَقْرَأَ","part":2,"page":361},{"id":861,"text":"بَعْدَهَا أُخْرَى ، هِيَ قَبْلَهَا فِي النَّظْمِ .\rفَإِنْ قَرَأَ بِخِلَافِ ذَلِكَ ، فَلَا بَأْسَ بِهِ .\rقَالَ أَحْمَدُ لَمَّا سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ : لَا بَأْسَ بِهِ ، أَلَيْسَ يُعَلَّمُ الصَّبِيُّ عَلَى هَذَا ؟ وَقَالَ فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا : أَعْجَبُ إلَيَّ أَنْ يَقْرَأَ مِنْ الْبَقَرَةِ إلَى أَسْفَلَ .\rوَقَدْ رُوِيَ أَنَّ الْأَحْنَفَ قَرَأَ بِالْكَهْفِ فِي الْأُولَى ، وَفِي الثَّانِيَةِ بِيُوسُفَ .\rوَذَكَرَ أَنَّهُ صَلَّى مَعَ عُمَرَ الصُّبْحَ بِهِمَا ، اسْتَشْهَدَ بِهِ الْبُخَارِيُّ .","part":2,"page":362},{"id":862,"text":"( 687 ) فَصْلٌ : إذَا فَرَغَ مِنْ الْقِرَاءَةِ ، قَالَ أَحْمَدُ ، رَحِمَهُ اللَّهُ : يَثْبُتُ قَائِمًا ، وَيَسْكُتُ حَتَّى يَرْجِعَ إلَيْهِ نَفَسُهُ قَبْلَ أَنْ يَرْكَعَ ، وَلَا يَصِلُ قِرَاءَتَهُ بِتَكْبِيرَةِ الرُّكُوعِ ، جَاءَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَنَّهُ كَانَ لَهُ سَكْتَتَانِ ؛ سَكْتَةٌ عِنْدَ افْتِتَاحِ الصَّلَاةِ ، وَسَكْتَةٌ إذَا فَرَغَ مِنْ الْقِرَاءَةِ } .\rوَهَذَا هُوَ حَدِيثُ سَمُرَةَ .\rكَذَلِكَ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَغَيْرُهُ .","part":2,"page":363},{"id":863,"text":"( 688 ) مَسْأَلَةٌ : ( فَإِذَا فَرَغَ كَبَّرَ لِلرُّكُوعِ ) أَمَّا الرُّكُوعُ فَوَاجِبٌ بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ ؛ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا } .\rوَأَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى وُجُوبِهِ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْقَادِرِ عَلَيْهِ .\rوَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ يَرَوْنَ أَنْ يَبْتَدِئَ الرُّكُوعَ بِالتَّكْبِيرِ ، وَأَنْ يُكَبِّرَ فِي كُلِّ خَفْضٍ وَرَفْعٍ ، مِنْهُمْ : ابْنُ مَسْعُودٍ ، وَابْنُ عُمَرَ ، وَجَابِرٌ ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ ، وَقَيْسُ بْنُ عَبَّادٍ ، وَمَالِكٌ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَابْنُ جَابِرٍ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ وَعَوَامُّ الْعُلَمَاءِ مِنْ الْأَمْصَارِ .\rوَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَسَالِمٍ ، وَالْقَاسِمِ ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، أَنَّهُمْ كَانُوا لَا يُتِمُّونَ التَّكْبِيرَ .\rوَلَعَلَّهُمْ يَحْتَجُّونَ بِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُعَلِّمْهُ الْمُسِيءَ فِي صَلَاتِهِ ، وَلَوْ كَانَ مِنْهَا لَعَلَّمَهُ إيَّاهُ .\rوَلَمْ تَبْلُغْهُمْ السُّنَّةُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ، قَالَ { : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا قَامَ إلَى الصَّلَاةِ يُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْكَعُ ، ثُمَّ يَقُولُ : سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ حِينَ يَرْفَعُ صُلْبَهُ مِنْ الرُّكُوعِ ، ثُمَّ يَقُولُ ، وَهُوَ قَائِمٌ : رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَهْوِي ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَسْجُدُ ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ ، ثُمَّ يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي الصَّلَاةِ كُلِّهَا حَتَّى يَقْضِيَهَا .\rوَيُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ مِنْ الثِّنْتَيْنِ بَعْدَ الْجُلُوسِ .\rوَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ ، فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا .\r} مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا .\rوَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يُكَبِّرُ فِي كُلِّ خَفْضٍ وَرَفْعٍ ، وَيَقُولُ ، أَنَا أَشْبَهُكُمْ صَلَاةً بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .","part":2,"page":364},{"id":864,"text":"رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ .\rوَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُكَبِّرُ فِي كُلِّ خَفْضٍ وَرَفْعٍ ، وَقِيَامٍ وَقُعُودٍ ، وَأَبُو بَكْرٍ ، وَعُمَرُ .\r} قَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ .\rوَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي } .\rوَلِأَنَّهُ شُرُوعٌ فِي رُكْنٍ ، فَشُرِعَ فِيهِ التَّكْبِيرُ ، كَحَالَةِ ابْتِدَاءِ الصَّلَاةِ ، وَلِأَنَّهُ انْتِقَالٌ مِنْ رُكْنٍ إلَى رُكْنٍ ، فَشُرِعَ فِيهِ ذِكْرٌ يَعْلَمُ بِهِ الْمَأْمُومُ انْتِقَالَهُ لِيَقْتَدِيَ بِهِ ، كَحَالَةِ الرَّفْعِ مِنْ الرُّكُوعِ .\r( 689 ) فَصْلٌ : وَيُسَنُّ الْجَهْرُ بِهِ لِلْإِمَامِ لِيَسْمَعَ الْمَأْمُومُ ، فَيَقْتَدِيَ بِهِ فِي حَالِ الْجَهْرِ وَالْإِسْرَارِ جَمِيعًا ، كَقَوْلِنَا فِي تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ ، فَإِنْ لَمْ يَجْهَرْ الْإِمَامُ بِحَيْثُ يُسْمِعُ الْجَمِيعَ ، اُسْتُحِبَّ لِبَعْضِ الْمَأْمُومِينَ رَفْعُ صَوْتِهِ ؛ لِيُسْمِعَهُمْ ، كَفِعْلِ أَبِي بَكْرٍ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، حِينَ صَلَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهِمْ فِي مَرَضِهِ قَاعِدًا ، وَأَبُو بَكْرٍ إلَى جَنْبِهِ يَقْتَدِي بِهِ ، وَالنَّاسُ يَقْتَدُونَ بِأَبِي بَكْرٍ .","part":2,"page":365},{"id":865,"text":"( 690 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ كَرَفْعِهِ الْأَوَّلِ ) يَعْنِي يَرْفَعُهُمَا إلَى حَذْوِ مَنْكِبَيْهِ ، أَوْ إلَى فُرُوعِ أُذُنَيْهِ ، كَفِعْلِهِ عِنْدَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ ، وَيَكُونُ ابْتِدَاءُ رَفْعِهِ عِنْدَ ابْتِدَاءِ تَكْبِيرِهِ ، وَانْتِهَاؤُهُ عِنْدَ انْتِهَائِهِ .\rوَبِهَذَا قَالَ ابْنُ عُمَرَ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ ، وَجَابِرٌ ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ ، وَابْنُ الزُّبَيْرِ ، وَأَنَسٌ ، وَالْحَسَنُ وَعَطَاءٌ ، وَطَاوُسٌ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَسَالِمٌ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَغَيْرُهُمْ مِنْ التَّابِعِينَ ، وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ الْمُبَارَكِ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَإِسْحَاقَ ، وَمَالِكٍ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ .\rوَقَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ إلَّا فِي الِافْتِتَاحِ .\rوَهُوَ قَوْلُ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ { عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ، أَنَّهُ قَالَ : أَلَا أُصَلِّي لَكُمْ صَلَاةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rفَصَلَّى ، فَلَمْ يَرْفَعْ يَدَيْهِ إلَّا فِي أَوَّلِ مَرَّةٍ } .\rقَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ حَسَنٌ رَوَى يَزِيدُ بْنُ زِيَادٍ ، عَنْ ابْنِ أَبِي لَيْلَى ، عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ، { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ إذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ ، ثُمَّ لَا يَعُودُ } .\rقَالُوا وَالْعَمَلُ بِهَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ أَوْلَى لِأَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ كَانَ فَقِيهًا ، مُلَازِمًا لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، عَالِمًا بِأَحْوَالِهِ ، وَبَاطِنِ أَمْرِهِ وَظَاهِرِهِ ، فَتُقَدَّمُ رِوَايَتُهُ عَلَى رِوَايَةِ مَنْ لَمْ يَكُنْ حَالُهُ كَحَالِهِ .\rقَالَ إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ لِرَجُلٍ رَوَى حَدِيثَ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ : لَعَلَّ وَائِلًا لَمْ يُصَلِّ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَّا تِلْكَ الصَّلَاةَ .\rفَتَرَى أَنْ نَتْرُكَ رِوَايَةَ عَبْدِ اللَّهِ ، الَّذِي لَعَلَّهُ لَمْ يَفُتْهُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَاةٌ ، وَنَأْخُذَ بِرِوَايَةِ هَذَا .\rأَوْ كَمَا قَالَ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى الزُّهْرِيُّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ","part":2,"page":366},{"id":866,"text":"أَبِيهِ ، قَالَ : { رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا اسْتَفْتَحَ الصَّلَاةَ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى يُحَاذِيَ بِهِمَا مَنْكِبَيْهِ ، وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ وَبَعْدَمَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ ، وَلَا يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي السُّجُودِ } .\rقَالَ الْبُخَارِيُّ : قَالَ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ - وَكَانَ أَعْلَمَ أَهْلِ زَمَانِهِ - : حَقٌّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَرْفَعُوا أَيْدِيَهُمْ لِهَذَا الْحَدِيثِ .\rوَحَدِيثِ أَبِي حُمَيْدٍ ، الَّذِي ذَكَرْنَا فِي أَوَّلِ الْبَابِ وَقَدْ رَوَاهُ ، فِي عَشَرَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ ، مِنْهُمْ أَبُو قَتَادَةَ ، فَصَدَّقُوهُ ، وَقَالُوا : هَكَذَا كَانَ يُصَلِّي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rوَرَوَاهُ سِوَى هَذَيْنِ عُمَرُ ، وَعَلِيٌّ ، وَوَائِلُ بْنُ حُجْرٍ ، وَمَالِكُ بْنُ الْحُوَيْرِثِ ، وَأَنَسٌ ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ ، وَأَبُو أُسَيْدَ ، وَسَهْلُ بْنُ سَعْدٍ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ ، وَأَبُو مُوسَى ، وَجَابِرُ بْنُ عُمَيْرٍ اللَّيْثِيُّ ، فَصَارَ كَالْمُتَوَاتِرِ الَّذِي لَا يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ شَكٌّ مَعَ كَثْرَةِ رُوَاتِهِ ، وَصِحَّةِ سَنَدِهِ ، وَعَمِلَ بِهِ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ ، وَأَنْكَرُوا عَلَى مَنْ لَمْ يَعْمَلْ بِهِ .\rقَالَ الْحَسَنُ : رَأَيْت أَصْحَابَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرْفَعُونَ أَيْدِيَهُمْ إذَا كَبَّرُوا ، وَإِذَا رَكَعُوا ، وَإِذَا رَفَعُوا رُءُوسَهُمْ كَأَنَّهَا الْمَرَاوِحُ .\rقَالَ أَحْمَدُ ، وَقَدْ سُئِلَ عَنْ الرَّفْعِ فَقَالَ : إي لَعَمْرِي .\rوَمَنْ يَشُكُّ فِي هَذَا ، كَانَ ابْنُ عُمَرَ إذَا رَأَى مَنْ لَا يَرْفَعُ ، حَصَبَهُ وَأَمَرَهُ أَنْ يَرْفَعَ .\rفَأَمَّا حَدِيثَاهُمْ فَضَعِيفَانِ .\rفَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ ، فَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ : لَمْ يَثْبُتْ .\rوَحَدِيثُ الْبَرَاءِ ، قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ ، عَنْ ابْنِ أَبِي لَيْلَى ، وَلَمْ يَقُلْ : ثُمَّ لَا يَعُودُ .\rفَلَمَّا قَدِمْت الْكُوفَةَ سَمِعْتُهُ يُحَدِّثُ بِهِ ، فَيَقُولُ : لَا يَعُودُ .\rفَظَنَنْتُ أَنَّهُمْ لَقَّنُوهُ .\rوَقَالَ الْحُمَيْدِيُّ ، وَغَيْرُهُ : يَزِيدُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ سَاءَ","part":2,"page":367},{"id":867,"text":"حِفْظُهُ فِي آخِرِ عُمْرِهِ ، وَخَلَّطَ .\rثُمَّ لَوْ صَحَّا كَانَ التَّرْجِيحُ لِأَحَادِيثِنَا أَوْلَى لِخَمْسَةِ أَوْجُهٍ : أَحَدُهَا : أَنَّهَا أَصَحُّ إسْنَادًا ، وَأَعْدَلُ رُوَاةً ، فَالْحَقُّ إلَى قَوْلِهِمْ أَقْرَبُ .\rالثَّانِي : أَنَّهَا أَكْثَرُ رُوَاةً ، فَظَنُّ الصِّدْقِ فِي قَوْلِهِمْ أَقْوَى ، وَالْغَلَطِ مِنْهُمْ أَبْعَدُ .\rالثَّالِثُ : أَنَّهُمْ مُثْبِتُونَ ، وَالْمُثْبِتُ يُخْبِرُ عَنْ شَيْءٍ شَاهَدَهُ وَرَوَاهُ .\rفَقَوْلُهُ يَجِبُ تَقْدِيمُهُ لِزِيَادَةِ عِلْمِهِ .\rوَالنَّافِي لَمْ يَرَ شَيْئًا ، فَلَا يُؤْخَذُ بِقَوْلِهِ ، وَلِذَلِكَ قَدَّمْنَا قَوْلَ الْجَارِحِ عَلَى الْمُعَدِّلِ .\rالرَّابِعُ : أَنَّهُمْ فَصَّلُوا فِي رِوَايَتِهِمْ ، وَنَصُّوا عَلَى الرَّفْعِ فِي الْحَالَتَيْنِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِمَا ، ، وَالْمُخَالِفُ لَهُمْ عَمَّمَ بِرِوَايَتِهِ الْمُخْتَلَفَ فِيهِ وَغَيْرَهُ ، فَيَجِبُ تَقْدِيمُ أَحَادِيثِنَا لِنَصِّهَا وَخُصُوصِهَا ، عَلَى أَحَادِيثِهِمْ الْعَامَّةِ ، الَّتِي لَا نَصَّ فِيهَا كَمَا يُقَدَّمُ الْخَاصُّ عَلَى الْعَامِّ ، وَالنَّصُّ عَلَى الظَّاهِرِ الْمُحْتَمَلِ .\rالْخَامِسُ : أَنَّ أَحَادِيثَنَا عَمِلَ بِهَا السَّلَفُ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ ، فَيَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى قُوَّتِهَا .\rوَقَوْلُهُمْ : إنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ إمَامٌ .\rقُلْنَا : لَا نُنْكِرُ فَضْلَهُ ، لَكِنْ بِحَيْثُ يُقَدَّمُ عَلَى أَمِيرَيْ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَسَائِرِ مَنْ مَعَهُمْ ، كَلًّا ، وَلَا يُسَاوِي وَاحِدًا مِنْهُمْ ، فَكَيْفَ يُرَجَّحُ عَلَى جَمِيعِهِمْ ؟ مَعَ أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ قَدْ تُرِكَ قَوْلُهُ فِي الصَّلَاةِ فِي أَشْيَاءَ ، مِنْهَا أَنَّهُ كَانَ يُطَبِّقُ فِي الرُّكُوعِ ، يَضَعُ يَدَيْهِ بَيْنَ رُكْبَتَيْهِ ، فَلَمْ يُؤْخَذْ بِفِعْلِهِ ، وَأُخِذَ بِرِوَايَةِ غَيْرِهِ فِي وَضْعِ الْيَدَيْنِ عَلَى الرُّكْبَتَيْنِ ، وَتُرِكَتْ قِرَاءَتُهُ وَأُخِذَ بِقِرَاءَةِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، وَكَانَ لَا يَرَى التَّيَمُّمَ لِلْجُنُبِ ، فَتُرِكَ ذَلِكَ بِرِوَايَةِ مَنْ هُوَ أَقَلُّ مِنْ رُوَاةِ أَحَادِيثِنَا وَأَدْنَى مِنْهُمْ فَضْلًا ، فَهَاهُنَا أَوْلَى .","part":2,"page":368},{"id":868,"text":"( 691 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( ثُمَّ يَضَعُ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ ، وَيُفَرِّجُ أَصَابِعَهُ ، وَيَمُدُّ ظَهْرَهُ ، وَلَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ ، وَلَا يَخْفِضُهُ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلرَّاكِعِ أَنْ يَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ ثَبَتَ ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفَعَلَهُ عُمَرُ ، وَعَلِيٌّ ، وَسَعْدٌ ، وَابْنُ عُمَرَ ، وَجَمَاعَةٌ مِنْ التَّابِعِينَ .\rوَبِهِ يَقُولُ الثَّوْرِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَذَهَبَ قَوْمٌ مِنْ السَّلَفِ إلَى التَّطْبِيقِ ، وَهُوَ أَنْ يَجْعَلَ الْمُصَلِّي إحْدَى كَفَّيْهِ عَلَى الْأُخْرَى ، ثُمَّ يَجْعَلَهُمَا بَيْنَ رُكْبَتَيْهِ إذَا رَكَعَ .\rوَهَذَا كَانَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ ، ثُمَّ نُسِخَ .\rقَالَ مُصْعَبُ بْنُ سَعْدٍ { : رَكَعْت ، فَجَعَلْت يَدَيَّ بَيْنَ رُكْبَتَيَّ .\rفَنَهَانِي أَبِي ، وَقَالَ : إنَّا كُنَّا نَفْعَلُ هَذَا فَنُهِينَا عَنْهُ ، وَأُمِرْنَا أَنْ نَضَعَ أَيْدِيَنَا عَلَى الرُّكَبِ .\r} مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَذَكَرَ أَبُو حُمَيْدٍ ، فِي صِفَةِ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { رَأَيْتُهُ إذَا رَكَعَ أَمْكَنَ يَدَيْهِ مِنْ رُكْبَتَيْهِ ، ثُمَّ هَصَرَ ظَهْرَهُ .\rيَعْنِي عَصَرَهُ حَتَّى يَعْتَدِلَ ، وَلَا يَبْقَى مُحْدَوْدِبًا ، وَفِي لَفْظٍ : ثُمَّ اعْتَدَلَ فَلَمْ يُصَوِّبْ وَلَمْ يُقْنِعْ ، وَوَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ } .\rوَقَالَتْ عَائِشَةُ ، { : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا رَكَعَ لَمْ يَرْفَعْ رَأْسَهُ ، وَلَمْ يُصَوِّبْهُ وَلَكِنْ بَيْنَ ذَلِكَ .\r} مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ قَالَ أَحْمَدُ : يَنْبَغِي لَهُ إذَا رَكَعَ أَنْ يُلْقِمَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَاحَتَيْهِ رُكْبَتَيْهِ ، وَيُفَرِّقَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ ، وَيَعْتَمِدَ عَلَى ضَبْعَيْهِ وَسَاعِدَيْهِ ، وَيُسَوِّيَ ظَهْرَهُ ، وَلَا يَرْفَعَ رَأْسَهُ وَلَا يُنَكِّسَهُ ، وَقَدْ جَاءَ الْحَدِيثُ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ إذَا رَكَعَ لَوْ كَانَ قَدَحُ مَاءٍ عَلَى ظَهْرِهِ مَا تَحَرَّكَ .\rوَذَلِكَ لِاسْتِوَاءِ ظَهْرِهِ .\rوَالْوَاجِبُ مِنْ ذَلِكَ","part":2,"page":369},{"id":869,"text":"الِانْحِنَاءُ ، بِحَيْثُ يُمْكِنُهُ مَسُّ رُكْبَتَيْهِ بِيَدَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْرُجُ عَنْ حَدِّ الْقِيَامِ إلَى الرُّكُوعِ إلَّا بِهِ ، وَلَا يَلْزَمُهُ وَضْعُهُمَا ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ مُسْتَحَبٌّ ، فَإِنْ كَانَتَا عَلِيلَتَيْنِ ، لَا يُمْكِنُهُ وَضْعُهُمَا ، انْحَنَى وَلَمْ يَضَعْهُمَا ، وَإِنْ كَانَتْ إحْدَاهُمَا عَلِيلَةً وَضَعَ الْأُخْرَى .\r( 692 ) فَصْلٌ : وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُجَافِيَ عَضُدَيْهِ عَنْ جَنْبَيْهِ ، فَإِنَّ أَبَا حُمَيْدٍ ذَكَرَ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ كَأَنَّهُ قَابِضٌ عَلَيْهِمَا ، وَوَتَرَ يَدَيْهِ فَنَحَّاهُمَا عَنْ جَنْبَيْهِ } حَدِيثٌ صَحِيحٌ .","part":2,"page":370},{"id":870,"text":"( 693 ) فَصْلٌ : وَيَجِبُ أَنْ يَطْمَئِنَّ فِي رُكُوعِهِ .\rوَمَعْنَاهُ أَنْ يَمْكُثَ إذَا بَلَغَ حَدَّ الرُّكُوعِ قَلِيلًا .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : الطُّمَأْنِينَةُ غَيْرُ وَاجِبَةٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا } .\rوَلَمْ يَذْكُرْ الطُّمَأْنِينَةَ ، وَالْأَمْرُ بِالشَّيْءِ يَقْتَضِي حُصُولَ الْإِجْزَاءِ بِهِ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْمُسِيءِ فِي صَلَاتِهِ { : ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَرَوَى أَبُو قَتَادَةَ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { أَسْوَأُ النَّاسِ سَرِقَةً الَّذِي يَسْرِقُ مِنْ صَلَاتِهِ .\rقِيلَ : وَكَيْفَ يَسْرِقُ مِنْ صَلَاتِهِ ؟ قَالَ : لَا يُتِمُّ رُكُوعَهَا وَلَا سُجُودَهَا وَقَالَ : لَا تُجْزِئُ صَلَاةٌ لَا يُقِيمُ الرَّجُلُ صُلْبَهُ فِيهَا فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ } رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ .\rوَالْآيَةُ حُجَّةٌ لَنَا ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَّرَ الرُّكُوعَ بِفِعْلِهِ وَقَوْلِهِ ، فَالْمُرَادُ بِالرُّكُوعِ مَا بَيَّنَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .","part":2,"page":371},{"id":871,"text":"( 694 ) فَصْلٌ : وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ ، وَشَكَّ هَلْ رَكَعَ أَوْ لَا ، أَوْ هَلْ أَتَى بِقَدْرِ الْإِجْزَاءِ أَوْ لَا ؟ لَمْ يَعْتَدَّ بِهِ ، وَعَلَيْهِ أَنْ يَعُودَ فَيَرْكَعَ حَتَّى يَطْمَئِنَّ رَاكِعًا ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ مَا شَكَّ فِيهِ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ وَسْوَاسًا ، فَلَا يَلْتَفِتَ إلَيْهِ ، وَهَكَذَا الْحُكْمُ فِي سَائِرِ الْأَرْكَانِ .","part":2,"page":372},{"id":872,"text":"( 695 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَيَقُولُ : سُبْحَانَ رَبِّي الْعَظِيمِ ثَلَاثًا .\rوَهُوَ أَدْنَى الْكَمَالِ ، وَإِنْ قَالَ مَرَّةً أَجْزَأَهُ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ يُشْرَعُ أَنْ يَقُولَ فِي رُكُوعِهِ : سُبْحَانَ رَبِّي الْعَظِيمِ .\rوَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : لَيْسَ عِنْدَنَا فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ شَيْءٌ مَحْدُودٌ ، وَقَدْ سَمِعْت أَنَّ التَّسْبِيحَ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ ، قَالَ : { لَمَّا نَزَلَتْ فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ .\rقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اجْعَلُوهَا فِي رُكُوعِكُمْ } .\rوَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { : إذَا رَكَعَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ : سُبْحَانَ رَبِّي الْعَظِيمِ .\rوَذَلِكَ أَدْنَاهُ .\r} أَخْرَجَهُمَا أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ .\rوَرَوَى حُذَيْفَةُ ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ { إذَا رَكَعَ : سُبْحَانَ رَبِّي الْعَظِيمِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ } .\rرَوَاهُ الْأَثْرَمُ وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَلَمْ يَقُلْ : ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَيُجْزِئُ تَسْبِيحَةٌ وَاحِدَةٌ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِالتَّسْبِيحِ فِي حَدِيثِ عُقْبَةَ وَلَمْ يَذْكُرْ عَدَدًا ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ يُجْزِئُ أَدْنَاهُ ، وَأَدْنَى الْكَمَالِ ثَلَاثٌ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ \" وَذَلِكَ أَدْنَاهُ \" .\rقَالَ أَحْمَدُ فِي رِسَالَتِهِ : جَاءَ الْحَدِيثُ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ : التَّسْبِيحُ التَّامُّ سَبْعٌ ، وَالْوَسَطُ خَمْسٌ ، وَأَدْنَاهُ ثَلَاثٌ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : الْكَامِلُ فِي التَّسْبِيحِ ، إنْ كَانَ مُنْفَرِدًا ، مَا لَا يُخْرِجُهُ إلَى السَّهْوِ ، وَفِي حَقِّ الْإِمَامِ مَا لَا يَشُقُّ عَلَى الْمَأْمُومِينَ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْكَمَالُ عَشْرَ تَسْبِيحَاتٍ ؛ لِأَنَّ أَنَسًا رَوَى ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُصَلِّي كَصَلَاةِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فَحَزَرُوا ذَلِكَ","part":2,"page":373},{"id":873,"text":"بِعَشْرِ تَسْبِيحَاتٍ .\rوَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا : الْكَمَالُ أَنْ يُسَبِّحَ مِثْلَ قِيَامِهِ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ رَوَى عَنْهُ الْبَرَاءُ قَالَ { : قَدْ رَمَقْتُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يُصَلِّي ، فَوَجَدْتُ قِيَامَهُ ، فَرَكْعَتَهُ ، فَاعْتِدَالَهُ بَعْدَ رُكُوعِهِ ، فَسَجْدَتَهُ ، فَجَلْسَتَهُ مَا بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ ، فَسَجْدَتَهُ ، فَجَلْسَتَهُ مَا بَيْنَ التَّسْلِيمِ وَالِانْصِرَافِ قَرِيبًا مِنْ السَّوَاءِ .\r} مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ، إلَّا أَنَّ الْبُخَارِيَّ قَالَ : مَا خَلَا الْقِيَامَ وَالْقُعُودَ قَرِيبًا مِنْ السَّوَاءِ .\r( 696 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَالَ : سُبْحَانَ رَبِّي الْعَظِيمِ وَبِحَمْدِهِ .\rفَلَا بَأْسَ ، فَإِنَّ أَحْمَدَ بْنَ نَصْرٍ رَوَى عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ تَسْبِيحِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ ، سُبْحَانَ رَبِّي الْعَظِيمِ ، أَعْجَبُ إلَيْك ، أَوْ سُبْحَانَ رَبِّي الْعَظِيمِ وَبِحَمْدِهِ ؟ فَقَالَ : قَدْ جَاءَ هَذَا وَجَاءَ هَذَا ، وَمَا أَدْفَعُ مِنْهُ شَيْئًا .\rوَقَالَ أَيْضًا : إنْ قَالَ : \" وَبِحَمْدِهِ \" .\rفِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ ، أَرْجُو أَنْ لَا يَكُونَ بِهِ بَأْسٌ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ حُذَيْفَةَ رَوَى فِي بَعْضِ طُرُقِ حَدِيثِهِ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ فِي رُكُوعِهِ : ( سُبْحَانَ رَبِّي الْعَظِيمِ وَبِحَمْدِهِ ) ، وَفِي سُجُودِهِ : ( سُبْحَانَ رَبِّي الْأَعْلَى وَبِحَمْدِهِ ) ، وَهَذِهِ زِيَادَةٌ يَتَعَيَّنُ الْأَخْذُ بِهَا .\rوَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّهُ قَالَ : أَمَّا أَنَا فَلَا أَقُولُ : وَبِحَمْدِهِ .\rوَحَكَى ذَلِكَ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ الشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ .\rوَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الرِّوَايَةَ بِدُونِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ أَشْهَرُ وَأَكْثَرُ ، وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ قَالَ أَبُو دَاوُد : نَخَافُ أَنْ لَا تَكُونَ مَحْفُوظَةً .\rوَقِيلَ : هَذِهِ الزِّيَادَةُ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى .\rفَيَحْتَمِلُ أَنَّ أَحْمَدَ تَرَكَهَا لِضَعْفِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى عِنْدَهُ .","part":2,"page":374},{"id":874,"text":"( 697 ) فَصْلٌ : وَالْمَشْهُورُ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّ تَكْبِيرَ الْخَفْضِ وَالرَّفْعِ ، وَتَسْبِيحَ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ ، وَقَوْلَ : سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ ، وَرَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ ، وَقَوْلَ : رَبِّي اغْفِرْ لِي - بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ - ، وَالتَّشَهُّدَ الْأَوَّلَ ، وَاجِبٌ .\rوَهُوَ قَوْلُ إِسْحَاقَ ، وَدَاوُد .\rوَعَنْ أَحْمَدَ : أَنَّهُ غَيْرُ وَاجِبٍ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُعَلِّمْهُ الْمُسِيءَ فِي صَلَاتِهِ ، وَلَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ ، وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ وَاجِبًا لَمْ يَسْقُطْ بِالسَّهْوِ ، كَالْأَرْكَانِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِهِ - وَأَمْرُهُ لِلْوُجُوبِ - ، وَفَعَلَهُ .\rوَقَالَ { صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي } ، وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ يَحْيَى بْنِ خَلَّادٍ عَنْ عَمِّهِ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { لَا تَتِمُّ صَلَاةٌ لِأَحَدٍ مِنْ النَّاسِ حَتَّى يَتَوَضَّأَ إلَى قَوْلِهِ : ثُمَّ يُكَبِّرُ ، ثُمَّ يَرْكَعُ حَتَّى تَطْمَئِنَّ مَفَاصِلُهُ ، ثُمَّ يَقُولُ : سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ ، حَتَّى يَسْتَوِيَ قَائِمًا ثُمَّ يَقُولُ : اللَّهُ أَكْبَرُ ، ثُمَّ يَسْجُدُ حَتَّى يَطْمَئِنَّ سَاجِدًا ، ثُمَّ يَقُولُ : اللَّهُ أَكْبَرُ .\rوَيَرْفَعُ رَأْسَهُ حَتَّى يَسْتَوِيَ قَاعِدًا ، ثُمَّ يَقُولُ : اللَّهُ أَكْبَرُ .\rثُمَّ يَسْجُدُ حَتَّى تَطْمَئِنَّ مَفَاصِلُهُ ، ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ فَيُكَبِّرُ .\rفَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ تَمَّتْ صَلَاتُهُ } .\rوَهَذَا نَصٌّ فِي وُجُوبِ التَّكْبِيرِ ، وَلِأَنَّ مَوَاضِعَ هَذِهِ الْأَذْكَارِ أَرْكَانُ الصَّلَاةِ .\rفَكَانَ فِيهَا ذِكْرٌ وَاجِبٌ كَالْقِيَامِ وَأَمَّا حَدِيثُ الْمُسِيءِ فِي صَلَاتِهِ فَقَدْ ذُكِرَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَيْنَاهُ تَعْلِيمُهُ ذَلِكَ ، وَهِيَ زِيَادَةٌ يَجِبُ قَبُولُهَا ، عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُعَلِّمْهُ كُلَّ الْوَاجِبَاتِ ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَمْ يُعَلِّمْهُ التَّشَهُّدَ وَلَا السَّلَامَ ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ","part":2,"page":375},{"id":875,"text":"اقْتَصَرَ عَلَى تَعْلِيمِهِ مَا رَآهُ أَسَاءَ فِيهِ ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ التَّسَاوِي فِي الْوُجُوبِ التَّسَاوِي فِي الْأَحْكَامِ ، بِدَلِيلِ وَاجِبَاتِ الْحَجِّ .","part":2,"page":376},{"id":876,"text":"( 698 ) فَصْلٌ : وَإِذَا كَانَ إمَامًا ، لَمْ يُسْتَحَبَّ لَهُ التَّطْوِيلُ ، وَلَا الزِّيَادَةُ فِي التَّسْبِيحِ .\rقَالَ الْقَاضِي : لَا يُسْتَحَبُّ لَهُ التَّطْوِيلُ ، وَلَا الزِّيَادَةُ عَلَى ثَلَاثٍ ؛ كَيْ لَا يَشُقَّ عَلَى الْمَأْمُومِينَ .\rوَهَذَا إذَا لَمْ يَرْضَوْا بِالتَّطْوِيلِ ، فَإِنْ كَانَتْ الْجَمَاعَةُ يَسِيرَةً ، وَرَضُوا بِذَلِكَ ، اُسْتُحِبَّ لَهُ التَّسْبِيحُ الْكَامِلُ ، عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ وَحْدَهُ","part":2,"page":377},{"id":877,"text":"( 699 ) فَصْلٌ : وَيُكْرَهُ أَنْ يَقْرَأَ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ ، لِمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ } .\rقَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ .\rوَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إنِّي نُهِيتُ أَنْ أَقْرَأَ رَاكِعًا وَسَاجِدًا ، فَأَمَّا الرُّكُوعُ فَعَظِّمُوا الرَّبَّ فِيهِ ، وَأَمَّا السُّجُودُ فَاجْتَهِدُوا فِي الدُّعَاءِ ، فَقَمِنٌ أَنْ يُسْتَجَابَ لَكُمْ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَقَوْلُهُ ( قَمِنٌ ) مَعْنَاهُ : جَدِيرٌ وَحَرِيٌّ .","part":2,"page":378},{"id":878,"text":"( 700 ) فَصْلٌ : : وَمَنْ أَدْرَكَ الْإِمَامَ فِي الرُّكُوعِ فَقَدْ أَدْرَكَ الرُّكُوعَ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ أَدْرَكَ الرُّكُوعَ فَقَدْ أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَلِأَنَّهُ لَمْ يَفُتْهُ مِنْ الْأَرْكَانِ إلَّا الْقِيَامُ ، وَهُوَ يَأْتِي بِهِ مَعَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ ، ثُمَّ يُدْرِكُ مَعَ الْإِمَامِ بَقِيَّةَ الرَّكْعَةِ ، وَهَذَا إذَا أَدْرَكَ الْإِمَامَ فِي طُمَأْنِينَةِ الرُّكُوعِ ، أَوْ انْتَهَى إلَى قَدْرِ الْإِجْزَاءِ مِنْ الرُّكُوعِ قَبْلَ أَنْ يَزُولَ الْإِمَامُ عَنْ قَدْرِ الْإِجْزَاءِ .\rفَهَذَا يُعْتَدُّ لَهُ بِالرَّكْعَةِ ، وَيَكُونُ مُدْرِكًا لَهَا .\rفَأَمَّا إنْ كَانَ الْمَأْمُومُ يَرْكَعُ وَالْإِمَامُ يَرْفَعُ لَمْ يَجْزِهِ ؛ وَعَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ بِالتَّكْبِيرَةِ مُنْتَصِبًا ، فَإِنْ أَتَى بِهَا بَعْدَ أَنْ انْتَهَى فِي الِانْحِنَاءِ إلَى قَدْرِ الرُّكُوعِ أَوْ بِبَعْضِهَا ، لَمْ يَجْزِهِ ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِهَا فِي غَيْرِ مَحَلِّهَا ، إلَّا فِي النَّافِلَةِ ؛ لِأَنَّهُ يَفُوتُهُ الْقِيَامُ ، وَهُوَ مِنْ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ ، ثُمَّ يَأْتِي بِتَكْبِيرَةٍ أُخْرَى لِلرُّكُوعِ فِي حَالِ انْحِطَاطِهِ إلَيْهِ ، فَالْأُولَى رُكْنٌ لَا تَسْقُطُ بِحَالٍ ، وَالثَّانِيَةُ تَكْبِيرَةُ الرُّكُوعِ ، وَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهَا تَسْقُطُ هَاهُنَا ، وَيُجْزِئُهُ تَكْبِيرَةٌ وَاحِدَةٌ .\rنَقَلَهَا أَبُو دَاوُد وَصَالِحٌ وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، وَابْنِ عُمَرَ ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، وَعَطَاءٍ ، وَالْحَسَنِ ، وَمَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ ، وَالنَّخَعِيِّ ، وَالْحَكَمِ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَمَالِكٍ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ وَعَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ : عَلَيْهِ تَكْبِيرَتَانِ .\rوَهُوَ قَوْلُ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُمَا أَرَادَا أَنَّ الْأَوْلَى لَهُ أَنْ يُكَبِّرَ تَكْبِيرَتَيْنِ ، فَلَا يَكُونُ قَوْلُهُمَا مُخَالِفًا لِقَوْلِ الْجَمَاعَةِ ، فَإِنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَدْ نُقِلَ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ مِمَّنْ لَا يَتِمُّ التَّكْبِيرَ ، وَلِأَنَّهُ قَدْ نُقِلَتْ تَكْبِيرَةٌ وَاحِدَةٌ عَنْ زَيْدِ","part":2,"page":379},{"id":879,"text":"بْنِ ثَابِتٍ وَابْنِ عُمَرَ ، وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُمَا فِي الصَّحَابَةِ مُخَالِفٌ .\rفَيَكُونُ ذَلِكَ إجْمَاعًا ، وَلِأَنَّهُ اجْتَمَعَ وَاجِبَانِ مِنْ جِنْسٍ فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ ، وَأَحَدُهُمَا رُكْنٌ ، فَسَقَطَ بِهِ الْآخَرُ ، كَمَا لَوْ طَافَ الْحَاجُّ طَوَافَ الزِّيَارَةِ عِنْدَ خُرُوجِهِ مِنْ مَكَّةَ أَجْزَأَهُ عَنْ طَوَافِ الْوَدَاعِ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : إنْ نَوَى بِالتَّكْبِيرِ الْإِحْرَامَ وَحْدَهُ أَجْزَأَهُ ، وَإِنْ نَوَى بِهِ الْإِحْرَامَ وَالرُّكُوعَ ، فَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ ؛ لِأَنَّهُ شَرِكَ بَيْنَ الْوَاجِبِ وَغَيْرِهِ فِي النِّيَّةِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ عَطَسَ عِنْدَ رَفْعِ رَأْسِهِ مِنْ الرُّكُوعِ ، فَقَالَ : رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ ، يَنْوِيهَا .\rوَقَالَ : وَنَصَّ أَحْمَدُ فِي هَذَا أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ .\rوَهَذَا الْقَوْلُ يُخَالِفُ نُصُوصَ أَحْمَدَ ، فَلَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ ، وَقَدْ قَالَ فِي رِوَايَةِ ابْنِهِ صَالِحٍ ، فِيمَنْ جَاءَ بِهِ وَالْإِمَامُ رَاكِعٌ : كَبَّرَ تَكْبِيرَةً وَاحِدَةً .\rقِيلَ لَهُ : يَنْوِي بِهَا الِافْتِتَاحَ ؟ قَالَ : نَوَى أَوْ لَمْ يَنْوِ ، أَلَيْسَ قَدْ جَاءَ وَهُوَ يُرِيدُ الصَّلَاةَ ؟ وَلِأَنَّ نِيَّةَ الرُّكُوعِ لَا تُنَافِي نِيَّةَ الِافْتِتَاحِ ، وَلِهَذَا حَكَمْنَا بِدُخُولِهِ فِي الصَّلَاةِ بِهَذِهِ النِّيَّةِ ، فَلَمْ تُؤَثِّرْ نِيَّةُ الرُّكُوعِ فِي فَسَادِهَا ؛ وَلِأَنَّهُ وَاجِبٌ يُجْزِئُ عَنْهُ وَعَنْ غَيْرِهِ إذَا نَوَاهُ ، فَلَمْ يَمْنَعْ صِحَّةَ نِيَّةِ الْوَاجِبَيْنِ ، كَمَا لَوْ نَوَى بِطَوَافِ الزِّيَارَةِ لَهُ وَلِلْوَدَاعِ ، وَلَا يَجُوزُ تَرْكُ نَصِّ الْإِمَامِ وَمُخَالَفَتُهُ بِقِيَاسِ مَا نَصَّهُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ ، كَمَا لَا يُتْرَكُ نَصُّ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَرَسُولِهِ بِقِيَاسٍ ، وَالْمُسْتَحَبُّ تَكْبِيرَةٌ نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ قَالَ أَبُو دَاوُد : قُلْت لِأَحْمَدَ يُكَبِّرُ مَرَّتَيْنِ أَحَبُّ إلَيْك ؟ قَالَ : إنْ كَبَّرَ تَكْبِيرَتَيْنِ ، لَيْسَ فِيهِ اخْتِلَافٌ .","part":2,"page":380},{"id":880,"text":"( 701 ) فَصْلٌ : : وَإِنْ أَدْرَكَ الْإِمَامَ فِي رُكْنٍ غَيْرِ الرُّكُوعِ ، لَمْ يُكَبِّرْ إلَّا تَكْبِيرَةَ الِافْتِتَاحِ ، وَيَنْحَطُّ بِغَيْرِ تَكْبِيرٍ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْتَدُّ لَهُ بِهِ ، وَقَدْ فَاتَهُ مَحَلُّ التَّكْبِيرِ .\rوَإِنْ أَدْرَكَهُ فِي السُّجُودِ أَوْ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ كَبَّرَ فِي حَالِ قِيَامِهِ مَعَ الْإِمَامِ إلَى الثَّالِثَةِ ؛ لِأَنَّهُ مَأْمُومٌ لَهُ ، فَيُتَابِعُهُ فِي التَّكْبِيرِ ، كَمَنْ أَدْرَكَ مَعَهُ مِنْ أَوَّلِهَا ، وَإِنْ سَلَّمَ الْإِمَامُ قَامَ إلَى الْقَضَاءِ بِتَكْبِيرٍ .\rوَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَإِسْحَاقُ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ يَقُومُ بِغَيْرِ تَكْبِيرٍ ، لِأَنَّهُ قَدْ كَبَّرَ فِي ابْتِدَاءِ الرَّكْعَةِ ، وَلَا إمَامَ لَهُ يُتَابِعُهُ فِي التَّكْبِيرِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ قَامَ فِي الصَّلَاةِ إلَى رُكْنٍ مُعْتَدٍّ لَهُ بِهِ ، فَيُكَبِّرُ ، كَالْقَائِمِ مِنْ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ ، وَكَمَا لَوْ قَامَ مَعَ الْإِمَامِ ، وَلَا يُسَلَّمُ أَنَّهُ كَبَّرَ فِي ابْتِدَاءِ الرَّكْعَةِ ، فَإِنَّ مَا كَبَّرَ فِيهِ لَمْ يَكُنْ مِنْ الرَّكْعَةِ ، إذْ لَيْسَ فِي أَوَّلِ الرَّكْعَةِ سُجُودٌ وَلَا تَشَهُّدٌ ، وَإِنَّمَا ابْتِدَاءُ الرَّكْعَةِ قِيَامُهُ ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُكَبِّرَ فِيهِ .","part":2,"page":381},{"id":881,"text":"( 702 ) فَصْلٌ : وَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ أَدْرَكَ الْإِمَامَ فِي حَالِ مُتَابَعَتُهُ فِيهِ ، وَإِنْ لَمْ يُعْتَدَّ لَهُ بِهِ ؛ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { إذَا جِئْتُمْ إلَى الصَّلَاةِ وَنَحْنُ سُجُودٌ فَاسْجُدُوا ، وَلَا تَعُدُّوهَا شَيْئًا ، وَمَنْ أَدْرَكَ الرُّكُوعَ فَقَدْ أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَرَوَى التِّرْمِذِيُّ ، عَنْ مُعَاذٍ ، قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إذَا أَتَى أَحَدُكُمْ وَالْإِمَامُ عَلَى حَالٍ ، فَلْيَصْنَعْ كَمَا يَصْنَعُ الْإِمَامُ } .\rوَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ ، قَالُوا : إذَا جَاءَ الرَّجُلُ وَالْإِمَامُ سَاجِدٌ فَلْيَسْجُدْ ، وَلَا تُجْزِئُهُ تِلْكَ الرَّكْعَةُ .\rوَقَالَ بَعْضُهُمْ : لَعَلَّهُ أَنْ لَا يَرْفَعَ رَأْسَهُ مِنْ السَّجْدَةِ حَتَّى يُغْفَرَ لَهُ","part":2,"page":382},{"id":882,"text":"( 703 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( ثُمَّ يَقُولُ : سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ .\rوَيَرْفَعُ يَدَيْهِ ، كَرَفْعِهِ الْأَوَّلِ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا فَرَغَ مِنْ الرُّكُوعِ وَرَفَعَ رَأْسَهُ وَاعْتَدَلَ قَائِمًا حَتَّى يَرْجِعَ كُلُّ عُضْوٍ إلَى مَوْضِعِهِ ، وَيَطْمَئِنَّ ، يَبْتَدِئُ الرَّفْعَ قَائِلًا : سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ .\rوَيَكُونُ انْتِهَاؤُهُ عِنْدَ انْتِهَاءِ رَفْعِهِ ، وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ ؛ لِمَا رَوَيْنَا مِنْ الْأَخْبَارِ .\rوَفِي مَوْضِعِ الرَّفْعِ رِوَايَتَانِ : إحْدَاهُمَا بَعْدَ اعْتِدَالِهِ قَائِمًا .\rقَالَ أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ : رَأَيْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ إذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ لَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ حَتَّى يَسْتَتِمَّ قَائِمًا .\rوَوَجْهُهُ أَنَّ فِي بَعْضِ أَلْفَاظِ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ : رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ رَفَعَ يَدَيْهِ ، وَإِذَا رَكَعَ ، وَبَعْدَمَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ } .\rوَلِأَنَّهُ رَفْعٌ ، فَلَا يُشْرَعُ فِي غَيْرِ حَالَةِ الْقِيَامِ ، كَرَفْعِ الرُّكُوعِ وَالْإِحْرَامِ .\rوَالثَّانِيَةُ : يَبْتَدِئُهُ حِينَ يَبْتَدِئُ رَفْعَ رَأْسِهِ ؛ لِأَنَّ أَبَا حُمَيْدٍ قَالَ { فِي صِفَةِ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ثُمَّ قَالَ : سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ } .\rوَرَفَعَ يَدَيْهِ .\rوَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ : { كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ رَفَعَ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ ، وَإِذَا كَبَّرَ ، لِلرُّكُوعِ وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ رَفَعَهُمَا كَذَلِكَ ، وَيَقُولُ : سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ } وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ رَفَعَ يَدَيْهِ حِينَ أَخَذَ فِي رَفْعِ رَأْسِهِ .\rكَقَوْلِهِ : ( إذَا كَبَّرَ ) أَيْ أَخَذَ فِي التَّكْبِيرِ ، وَلِأَنَّهُ حِينَ الِانْتِقَالِ ، فَشُرِعَ الرَّفْعُ مِنْهُ كَحَالِ الرُّكُوعِ وَلِأَنَّهُ مَحَلُّ رَفْعِ الْمَأْمُومِ ، فَكَانَ مَحَلًّا لِرَفْعِ الْإِمَامِ كَالرُّكُوعِ ، وَلَا تَخْتَلِفُ الرِّوَايَةُ فِي أَنَّ الْمَأْمُومَ يَبْتَدِئُ الرَّفْعَ عِنْدَ رَفْعِ رَأْسِهِ ، لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي","part":2,"page":383},{"id":883,"text":"حَقِّهِ ذِكْرٌ بَعْدَ الِاعْتِدَالِ ، وَالرَّفْعُ إنَّمَا جُعِلَ هَيْئَةً لِلذِّكْرِ ، بِخِلَافِ الْإِمَامِ ، ثُمَّ يَنْتَصِبُ قَائِمًا وَيَعْتَدِلُ ، قَالَ أَبُو حُمَيْدٍ فِي صِفَةِ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ اسْتَوَى قَائِمًا ، حَتَّى يَعُودَ كُلُّ فَقَارٍ إلَى مَكَانِهِ } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَقَالَتْ عَائِشَةُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { كَانَ إذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ لَمْ يَسْجُدْ حَتَّى يَسْتَوِيَ قَائِمًا } .\rرَوَاهُ مُسْلِمٌ .\rوَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْمُسِيءِ فِي صَلَاتِهِ { ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَعْتَدِلَ قَائِمًا } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\r( 704 ) فَصْلٌ : وَهَذَا الرَّفْعُ وَالِاعْتِدَالُ عَنْهُ وَاجِبٌ ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَبَعْضُ أَصْحَابِ مَالِكٍ : لَا يَجِبُ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَأْمُرْ بِهِ ، وَإِنَّمَا أَمَرَ بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَالْقِيَامِ ، فَلَا يَجِبُ غَيْرُهُ ، وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ وَاجِبًا لَتَضَمَّنَ ذِكْرًا وَاجِبًا ، كَالْقِيَامِ الْأَوَّلِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِهِ الْمُسِيءَ فِي صَلَاتِهِ ، وَدَاوَمَ عَلَى فِعْلِهِ ، فَيَدْخُلُ فِي عُمُومِ قَوْلِهِ { : صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي .\r} وَقَوْلُهُمْ : لَمْ يَأْمُرْ اللَّهُ بِهِ .\rقُلْنَا قَدْ أَمَرَ بِالْقِيَامِ ، وَهَذَا قِيَامٌ ، ثُمَّ أَمْرُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَجِبُ امْتِثَالُهُ ، وَقَدْ أَمَرَ بِهِ .\rوَقَوْلُهُمْ \" لَا يَتَضَمَّنُ ذِكْرًا وَاجِبًا \" مَمْنُوعٌ ، ثُمَّ هُوَ بَاطِلٌ بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ ، فَإِنَّهُمَا رُكْنَانِ ، وَلَا ذِكْرَ فِيهِمَا وَاجِبٌ ، عَلَى قَوْلِهِمْ .","part":2,"page":384},{"id":884,"text":"( 705 ) فَصْلٌ : وَيُسَنُّ الْجَهْرُ بِالتَّسْمِيعِ لِلْإِمَامِ ، كَمَا يُسَنُّ الْجَهْرُ بِالتَّكْبِيرِ ؛ لِأَنَّهُ ذِكْرٌ مَشْرُوعٌ عِنْدَ الِانْتِقَالِ مِنْ رُكْنٍ ، فَيُشْرَعُ الْجَهْرُ بِهِ لِلْإِمَامِ ، كَالتَّكْبِيرِ .","part":2,"page":385},{"id":885,"text":"( 706 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( ثُمَّ يَقُولُ : رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ ، مِلْءَ السَّمَوَاتِ وَمِلْءَ الْأَرْضِ ، وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ ) وَجُمْلَتُهُ أَنْ يُشْرَعَ قَوْلُ ( رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ ) فِي حَقِّ كُلِّ مُصَلٍّ ، فِي الْمَشْهُورِ عَنْ أَحْمَدَ ، وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ؛ مِنْهُمْ ابْنُ مَسْعُودٍ ، وَابْنُ عُمَرَ ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ ، وَبِهِ قَالَ الشَّعْبِيُّ ، وَابْنُ سِيرِينَ وَأَبُو بُرْدَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى : لَا يَقُولُهُ الْمُنْفَرِدُ .\rفَإِنَّهُ قَالَ فِي رِوَايَةِ إِسْحَاقَ فِي الرَّجُلِ يُصَلِّي وَحْدَهُ ، فَإِذَا قَالَ : ( سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ ) .\rقَالَ : ( رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ ) ؟ فَقَالَ : إنَّمَا هَذَا لِلْإِمَامِ جَمْعُهُمَا ، وَلَيْسَ هَذَا لِأَحَدٍ سِوَى الْإِمَامِ .\rوَوَجْهُهُ أَنَّ الْخَبَرَ لَمْ يَرِدْ بِهِ فِي حَقِّهِ .\rفَلَمْ يُشْرَعْ لَهُ كَقَوْلِ : ( سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ ) .\rفِي حَقِّ الْمَأْمُومِ .\rوَقَالَ مَالِكٌ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ : لَا يُشْرَعُ قَوْلُ هَذَا فِي حَقِّ الْإِمَامِ وَلَا الْمُنْفَرِدِ ؛ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { إذَا قَالَ الْإِمَامُ : سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ .\rفَقُولُوا : اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ ؛ فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ قَوْلُهُ قَوْلَ الْمَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَلَنَا أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ حِينَ يَرْفَعُ صُلْبَهُ مِنْ الرُّكُوعِ ، ثُمَّ يَقُولُ وَهُوَ قَائِمٌ : رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ } .\rوَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ ، وَابْنِ أَبِي أَوْفَى ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إذَا رَفَعَ رَأْسَهُ قَالَ : سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ مِلْءَ السَّمَاءِ وَمِلْءَ الْأَرْضِ وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَلِأَنَّهُ حَالٌ مِنْ أَحْوَالِ الصَّلَاةِ ، فَيُشْرَعُ فِيهِ ذِكْرٌ","part":2,"page":386},{"id":886,"text":"كَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ .\rوَمَا ذَكَرُوهُ لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ ؛ فَإِنَّهُ إنْ تَرَكَ ذِكْرَهُ فِي حَدِيثِهِمْ ، فَقَدْ ذَكَرَهُ فِي أَحَادِيثِنَا ، وَرَاوِيهِ أَبُو هُرَيْرَةَ قَدْ صَرَّحَ بِذِكْرِهِ فِي رِوَايَتِهِ الْأُخْرَى ، فَحَدِيثُهُمْ لَوْ انْفَرَدَ لَمْ يَكُنْ فِيهِ حُجَّةٌ ، فَكَيْفَ نَتْرُكُ بِهِ الْأَحَادِيثَ الصَّحِيحَةَ الصَّرِيحَةَ ؟ وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْمُنْفَرِدَ يَقُولُ كَمَا يَقُولُ الْإِمَامُ ؛ { لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ لِبُرَيْدَةَ : يَا بُرَيْدَةَ : إذَا رَفَعْتَ رَأْسَك فِي الرُّكُوعِ ، فَقُلْ : سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ ، رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ مِلْءَ السَّمَاءِ وَمِلْءَ الْأَرْضِ وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ } .\rرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ .\rوَهَذَا عَامٌّ فِي جَمِيعِ أَحْوَالِهِ ، وَقَدْ صَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ ذَلِكَ ، رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ وَأَبُو سَعِيدٍ ، وَابْنُ أَبِي أَوْفَى ، وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ، وَغَيْرُهُمْ ، وَكُلُّهَا أَحَادِيثُ صِحَاحٌ ، وَلَمْ تُفَرِّقْ الرِّوَايَةُ بَيْنَ كَوْنِهِ إمَامًا وَمُنْفَرِدًا ، وَلِأَنَّ مَا شُرِعَ مِنْ الْقِرَاءَةِ وَالذِّكْرِ فِي حَقِّ الْإِمَامِ شُرِعَ فِي حَقِّ الْمُنْفَرِدِ ، كَسَائِرِ الْأَذْكَارِ .\r( 707 ) فَصْلٌ : وَالسُّنَّةُ أَنْ يَقُولَ : \" رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ \" .\rبِوَاوٍ ، نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ ، قَالَ : سَمِعْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يُثْبِتُ أَمْرَ الْوَاوِ ، وَقَالَ : رَوَى فِيهِ الزُّهْرِيُّ ثَلَاثَةَ أَحَادِيثَ ، عَنْ أَنَسٍ ، وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَعَنْ سَالِمٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، وَفِي حَدِيثِ عَلِيٍّ الطَّوِيلِ ، وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ .\rوَنَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ ، عَنْ أَحْمَدَ ، إذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ قَالَ : اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ .\rفَإِنَّهُ لَا يَجْعَلُ فِيهَا الْوَاوَ ، وَمَنْ قَالَ : \" رَبَّنَا \" قَالَ : \" وَلَكَ الْحَمْدُ \" ، وَذَلِكَ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نُقِلَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : \" رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ","part":2,"page":387},{"id":887,"text":"\" ، كَمَا نَقَلَ الْإِمَامُ ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ أَبِي أَوْفَى { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ ، اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَك الْحَمْدُ } ، وَكَذَلِكَ فِي حَدِيثِ بُرَيْدَةَ ؛ فَاسْتُحِبَّ الِاقْتِدَاءُ بِهِ فِي الْقَوْلَيْنِ ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : السُّنَّةُ أَنْ يَقُولَ : رَبَّنَا لَك الْحَمْدُ ؛ لِأَنَّ الْوَاوَ لِلْعَطْفِ ، وَلَيْسَ هَاهُنَا شَيْءٌ يُعْطَفُ عَلَيْهِ .\rوَلَنَا أَنَّ السُّنَّةَ الِاقْتِدَاءُ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلِأَنَّ إثْبَاتَ الْوَاوِ أَكْثَرُ حُرُوفًا ، وَيَتَضَمَّنُ الْحَمْدَ مُقَدَّرًا وَمُظْهَرًا ، فَإِنَّ التَّقْدِيرَ : رَبَّنَا حَمِدْنَاكَ وَلَكَ الْحَمْدُ .\rفَإِنَّ الْوَاوَ لَمَّا كَانَتْ لِلْعَطْفِ وَلَا شَيْءَ هَاهُنَا تَعْطِفُ عَلَيْهِ ظَاهِرًا ، دَلَّتْ عَلَى أَنَّ فِي الْكَلَامِ مُقَدَّرًا ، كَقَوْلِهِ : \" سُبْحَانَك اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ \" ، أَيْ وَبِحَمْدِك سُبْحَانَك ، وَكَيْفَمَا قَالَ جَازَ ، وَكَانَ حَسَنًا ؛ لِأَنَّ كُلًّا قَدْ وَرَدَتْ السُّنَّةُ بِهِ .","part":2,"page":388},{"id":888,"text":"( 708 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( فَإِنْ كَانَ مَأْمُومًا ، لَمْ يَزِدْ عَلَى قَوْلِ : رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ ) لَا أَعْلَمُ فِي الْمَذْهَبِ خِلَافًا أَنَّهُ لَا يُشْرَعُ لِلْمَأْمُومِ قَوْلُ : \" سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ \" ، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَابْنِ عُمَرَ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ، وَالشَّعْبِيِّ ، وَمَالِكٍ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ ، وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ ، وَأَبُو بُرْدَةَ ، وَأَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ : يَقُولُ ذَلِكَ كَالْإِمَامِ ؛ لِحَدِيثِ بُرَيْدَةَ ، وَلِأَنَّهُ ذِكْرٌ شُرِعَ لِلْإِمَامِ فَيُشْرَعُ لِلْمَأْمُومِ ، كَسَائِرِ الْأَذْكَارِ .\rوَلَنَا قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إذَا قَالَ الْإِمَامُ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ ، فَقُولُوا : رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ } .\rوَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُمْ \" رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ \" عَقِيبَ قَوْلِهِ \" سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ \" بِغَيْرِ فَصْلٍ ؛ لِأَنَّ الْفَاءَ لِلتَّعْقِيبِ ، وَهَذَا ظَاهِرٌ يَجِبُ تَقْدِيمُهُ عَلَى الْقِيَاسِ ، وَعَلَى حَدِيثِ بُرَيْدَةَ ، لِأَنَّ هَذَا صَحِيحٌ مُخْتَصٌّ بِالْمَأْمُومِ ، وَحَدِيثُ بُرَيْدَةَ فِي إسْنَادِهِ جَابِرٌ الْجُعْفِيُّ ، وَهُوَ عَامٌّ ، وَتَقْدِيمُ الصَّحِيحِ الْخَاصِّ أَوْلَى ، فَأَمَّا قَوْلُ : \" مِلْءَ السَّمَاءِ \" وَمَا بَعْدَهُ ، فَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا يُسَنُّ لِلْمَأْمُومِ ، نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد وَغَيْرِهِ ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اقْتَصَرَ عَلَى أَمْرِهِمْ بِقَوْلِ : \" رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ \" .\rفَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُشْرَعُ فِي حَقِّهِمْ سِوَاهُ .\rوَنَقَلَ الْأَثْرَمُ عَنْ أَحْمَدَ كَلَامًا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مَسْنُونٌ ، قَالَ : وَلَيْسَ يَسْقُطُ خَلْفَ الْإِمَامِ عَنْهُ غَيْرُ : \" سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ \" .\rوَهَذَا اخْتِيَارُ أَبِي الْخَطَّابِ ، وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ ذِكْرٌ مَشْرُوعٌ فِي الصَّلَاةِ ، أَشْبَهَ سَائِرَ الْأَذْكَارِ .","part":2,"page":389},{"id":889,"text":"فَصْلٌ : وَمَوْضِعُ قَوْلِ : \" رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ \" فِي حَقِّ الْإِمَامِ وَالْمُنْفَرِدِ ، بَعْدَ الِاعْتِدَالِ مِنْ الرُّكُوعِ ؛ لِأَنَّهُ فِي حَالِ رَفْعِهِ يُشْرَعُ فِي حَقِّهِ قَوْلُ : \" سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ \" ، فَأَمَّا الْمَأْمُومُ فَفِي حَالِ رَفْعِهِ ؛ لِأَنَّ قَوْلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : إذَا قَالَ الْإِمَامُ : سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ .\rفَقُولُوا : رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ } .\rيَقْتَضِي تَعْقِيبَ قَوْلِ الْإِمَامِ قَوْلَ الْمَأْمُومِ ، وَالْمَأْمُومُ يَأْخُذُ فِي الرَّفْعِ عَقِيبَ قَوْلِ الْإِمَامِ : سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ .\rفَيَكُونُ قَوْلُهُ : رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ حِينَئِذٍ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":2,"page":390},{"id":890,"text":"( 710 ) فَصْلٌ : إذَا زَادَ عَلَى قَوْلِ : \" مِلْءَ السَّمَاءِ وَمِلْءَ الْأَرْضِ ، وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ \" ، فَقَدْ نَقَلَ أَبُو الْحَارِثِ ، عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ إنْ شَاءَ قَالَ : أَهْلَ الثَّنَاءِ وَالْمَجْدِ .\rقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ : وَأَنَا أَقُولُ ذَلِكَ .\rفَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ ذَلِكَ ، وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي حَفْصٍ ، وَهُوَ الصَّحِيحُ ؛ لِأَنَّ أَبَا سَعِيدٍ رَوَى ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ { : رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ ، مِلْءَ السَّمَاءِ وَمِلْءَ الْأَرْضِ ، وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ ، أَهْلَ الثَّنَاءِ وَالْمَجْدِ ، أَحَقُّ مَا قَالَ الْعَبْدُ وَكُلُّنَا لَك عَبْدٌ : لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْك الْجَدُّ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَالْأَثْرَمُ .\rوَعَنْ ابْنِ أَبِي أَوْفَى ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَادَ { : اللَّهُمَّ طَهِّرْنِي بِالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ وَالْمَاءِ الْبَارِدِ ، اللَّهُمَّ طَهِّرْنِي مِنْ الذُّنُوبِ وَالْخَطَايَا كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الْأَبْيَضُ مِنْ الدَّنَسِ } .\rرَوَاهُ مُسْلِمٌ ، وَقَدْ { كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُطِيلُ الْقِيَامَ بَيْنَ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ } ، وَقَالَ أَنَسٌ { : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا قَالَ : سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ .\rقَامَ حَتَّى نَقُولَ : قَدْ أَوْهَمَ ، ثُمَّ يَسْجُدُ وَيَقْعُدُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ حَتَّى نَقُولَ : قَدْ أَوْهَمَ .\r} رَوَاهُ مُسْلِمٌ .\rوَلَيْسَتْ حَالَةَ سُكُوتٍ ، فَيُعْلَمُ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَدْ كَانَ يَزِيدُ عَلَى هَذِهِ الْكَلِمَاتِ ، لِكَوْنِهَا لَا تَسْتَغْرِقُ هَذَا الْقِيَامَ كُلَّهُ ، وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّهُ قِيلَ لَهُ : أَفَلَا يَزِيدُ عَلَى هَذَا فَيَقُولَ : أَهْلَ الثَّنَاءِ وَالْمَجْدِ ؟ فَقَالَ : قَدْ رُوِيَ ذَلِكَ ، وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ هَذَا ، إلَى \" مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ \" فَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ ذَلِكَ فِي الْفَرِيضَةِ اتِّبَاعًا لِأَكْثَرِ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ .","part":2,"page":391},{"id":891,"text":"( 711 ) فَصْلٌ : إذَا قَالَ مَكَانَ \" سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ \" : \" مَنْ حَمِدَ اللَّهَ سَمِعَ لَهُ \" .\rلَمْ يُجْزِئْهُ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ : يُجْزِئُهُ ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِاللَّفْظِ وَالْمَعْنَى .\rوَلَنَا أَنَّهُ عَكَسَ اللَّفْظَ الْمَشْرُوعَ ، فَلَمْ يُجْزِئْهُ ، كَمَا لَوْ قَالَ فِي التَّكْبِيرِ : الْأَكْبَرُ اللَّهُ .\rوَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ أَتَى بِالْمَعْنَى ؛ فَإِنَّ قَوْلَهُ : سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ .\rصِيغَةُ خَبَرٍ ، تَصْلُحُ دُعَاءً ، وَاللَّفْظَ الْآخَرَ صِيغَةُ شَرْطٍ وَجَزَاءٍ ، لَا تَصْلُحُ لِذَلِكَ ، فَهُمَا مُتَغَايِرَانِ .","part":2,"page":392},{"id":892,"text":"( 712 ) فَصْلٌ : إذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ ، فَعَطَسَ ، فَقَالَ : رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ .\rيَنْوِي بِذَلِكَ لِمَا عَطَسَ وَلِلرَّفْعِ ، فَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُخْلِصْهُ لِلرَّفْعِ مِنْ الرُّكُوعِ .\rوَالصَّحِيحُ أَنَّ هَذَا يُجْزِئُهُ ؛ لِأَنَّ هَذَا ذِكْرٌ لَا تُعْتَبَرُ لَهُ النِّيَّةُ ، وَقَدْ أَتَى بِهِ فَأَجْزَأْهُ ، كَمَا لَوْ قَالَ ذَاهِلًا وَقَلْبُهُ غَيْرُ حَاضِرٍ .\rوَقَوْلُ أَحْمَدَ يُحْمَلُ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ ، لَا عَلَى نَفْيِ الْإِجْزَاءِ حَقِيقَةً .","part":2,"page":393},{"id":893,"text":"( 713 ) فَصْلٌ : إذَا أَتَى بِقَدْرِ الْإِجْزَاءِ مِنْ الرُّكُوعِ ، فَاعْتَرَضَتْهُ عِلَّةٌ مَنَعَتْهُ مِنْ الْقِيَامِ ، سَقَطَ عَنْهُ الرَّفْعُ ؛ لِتَعَذُّرِهِ ، وَيَسْجُدُ عَنْ الرُّكُوعِ .\rفَإِنْ زَالَتْ الْعِلَّةُ قَبْلَ سُجُودِهِ فَعَلَيْهِ الْقِيَامُ لِإِمْكَانِهِ .\rفَإِنْ زَالَتْ بَعْدَ سُجُودِهِ إلَى الْأَرْضِ ، سَقَطَ الْقِيَامُ ؛ لِأَنَّ السُّجُودَ قَدْ صَحَّ وَأَجْزَأَ ، فَسَقَطَ مَا قَبْلَهُ .\rفَإِنْ قَامَ مِنْ سُجُودِهِ عَالِمًا بِتَحْرِيمِ ذَلِكَ ، بَطَلَتْ صَلَاتُهُ .\rوَإِنْ فَعَلَهُ جَهْلًا أَوْ نِسْيَانًا ، لَمْ تَبْطُلْ ، وَيَعُودُ إلَى جَلْسَةِ الْفَصْلِ ، وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ .","part":2,"page":394},{"id":894,"text":"فَصْلٌ : فَإِنْ أَرَادَ الرُّكُوعَ ، فَوَقَعَ إلَى الْأَرْضِ ، فَإِنَّهُ يَقُومُ فَيَرْكَعُ .\rوَكَذَلِكَ إنْ رَكَعَ وَسَقَطَ قَبْلَ طُمَأْنِينَتِهِ ، لَزِمَتْهُ إعَادَةُ الرُّكُوعِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِمَا يُسْقِطُ فَرْضَهُ .\rوَإِنْ رَكَعَ وَاطْمَأَنَّ ، ثُمَّ سَقَطَ ، فَإِنَّهُ يَقُومُ مُنْتَصِبًا ، وَلَا يَحْتَاجُ إلَى إعَادَةِ الرُّكُوعِ ، لِأَنَّ فَرْضَهُ قَدْ سَقَطَ ، وَالِاعْتِدَالَ عَنْهُ قَدْ سَقَطَ بِقِيَامِهِ .","part":2,"page":395},{"id":895,"text":"( 715 ) فَصْلٌ : إذَا رَكَعَ ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ ، فَذَكَرَ أَنَّهُ لَمْ يُسَبِّحْ فِي رُكُوعِهِ ، لَمْ يَعُدْ إلَى الرُّكُوعِ ، سَوَاءٌ ذَكَرَهُ قَبْلَ اعْتِدَالِهِ قَائِمًا أَوْ بَعْدَهُ ؛ لِأَنَّ التَّسْبِيحَ قَدْ سَقَطَ بِرَفْعِهِ ، وَالرُّكُوعَ قَدْ وَقَعَ صَحِيحًا مُجْزِئًا ، فَلَوْ عَادَ إلَيْهِ ، زَادَ رُكُوعًا فِي الصَّلَاةِ غَيْرَ مَشْرُوعٍ ، فَإِنْ فَعَلَهُ عَمْدًا أَبْطَلَ الصَّلَاةَ ، كَمَا لَوْ زَادَهُ لِغَيْرِ عُذْرٍ ، وَإِنْ فَعَلَهُ جَاهِلًا أَوْ نَاسِيًا ، لَمْ تَبْطُلْ الصَّلَاةُ ، كَمَا لَوْ ظَنَّ أَنَّهُ لَمْ يَرْكَعْ .\rوَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ .\rفَإِنْ أَدْرَكَ الْمَأْمُومُ الْإِمَامَ فِي هَذَا الرُّكُوعِ ، لَمْ يُدْرِكْ الرَّكْعَةَ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَشْرُوعٍ فِي حَقِّهِ ، وَلِأَنَّهُ لَمْ يُدْرِكْ رُكُوعَ الرَّكْعَةِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ يُدْرِكْهُ رَاكِعًا .","part":2,"page":396},{"id":896,"text":"( 716 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( ثُمَّ يُكَبِّرُ لِلسُّجُودِ ، وَلَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ ) أَمَّا السُّجُودُ فَوَاجِبٌ بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا فِي الرُّكُوعِ ، وَالطُّمَأْنِينَةُ فِيهِ رُكْنٌ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثِ الْمُسِيءِ فِي صَلَاتِهِ : { ثُمَّ اُسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا } .\rوَالْخِلَافُ فِيهِ كَالْخِلَافِ فِي طُمَأْنِينَةِ الرُّكُوعِ ، وَيَنْحَطُّ إلَى السُّجُودِ مُكَبِّرًا ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْأَخْبَارِ ، وَلِأَنَّ الْهَوِيَّ إلَى السُّجُودِ رُكْنٌ ، فَلَا يَخْلُو مِنْ ذِكْرٍ ، كَسَائِرِ الْأَرْكَانِ ، وَيَكُونُ ابْتِدَاءُ تَكْبِيرِهِ مَعَ ابْتِدَاءِ انْحِطَاطِهِ ، وَانْتِهَاؤُهُ مَعَ انْتِهَائِهِ ؛ وَالْكَلَامُ فِي التَّكْبِيرِ وَوُجُوبِهِ قَدْ مَضَى .\rوَلَا يُسْتَحَبُّ رَفْعُ يَدَيْهِ ، فِي الْمَشْهُورِ مِنْ الْمَذْهَبِ .\rوَنَقَلَ عَنْهُ الْمَيْمُونِيُّ أَنَّهُ رَفَعَ يَدَيْهِ .\rوَسُئِلَ عَنْ رَفْعِ الْيَدَيْنِ فِي الصَّلَاةِ ؟ فَقَالَ : فِي كُلِّ خَفْضٍ وَرَفْعٍ وَقَالَ : فِيهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَأَبِي حُمَيْدٍ أَحَادِيثُ صِحَاحٌ .\rوَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ ؛ لِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ قَالَ : وَلَا يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي السُّجُودِ .\rفِي حَدِيثِهِ الصَّحِيحِ ؛ وَلَمَّا وَصَفَ أَبُو حُمَيْدٍ صَلَاةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَذْكُرْ رَفْعَ الْيَدَيْنِ فِي السُّجُودِ ، وَالْأَحَادِيثُ الْعَامَّةُ مُفَسَّرَةٌ بِالْأَحَادِيثِ الْمُفَصَّلَةِ ، الَّتِي رَوَيْنَاهَا ، فَلَا يَبْقَى فِيهَا اخْتِلَافٌ .","part":2,"page":397},{"id":897,"text":"( 717 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَيَكُونُ أَوَّلُ مَا يَقَعُ مِنْهُ عَلَى الْأَرْضِ رُكْبَتَاهُ ، ثُمَّ يَدَاهُ ، ثُمَّ جَبْهَتُهُ وَأَنْفُهُ ) هَذَا الْمُسْتَحَبُّ فِي مَشْهُورِ الْمَذْهَبِ ، وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَبِهِ قَالَ مُسْلِمُ بْنُ يَسَارٍ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى أَنَّهُ يَضَعُ يَدَيْهِ قَبْلَ رُكْبَتَيْهِ .\rوَإِلَيْهِ ذَهَبَ مَالِكٌ ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : إذَا سَجَدَ أَحَدُكُمْ فَلْيَضَعْ يَدَيْهِ قَبْلَ رُكْبَتَيْهِ وَلَا يَبْرُكْ بُرُوكَ الْبَعِيرِ } .\rرَوَاهُ النَّسَائِيّ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى وَائِلُ بْنُ حُجْرٍ ، قَالَ { : رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا سَجَدَ وَضَعَ رُكْبَتَيْهِ قَبْلَ يَدَيْهِ ، وَإِذَا نَهَضَ رَفَعَ يَدَيْهِ قَبْلَ رُكْبَتَيْهِ } .\rأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَالتِّرْمِذِيُّ .\rقَالَ الْخَطَّابِيُّ : هَذَا أَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ .\rوَرُوِيَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ، قَالَ : { كُنَّا نَضَعُ الْيَدَيْنِ قَبْلَ الرُّكْبَتَيْنِ ، فَأُمِرْنَا بِوَضْعِ الرُّكْبَتَيْنِ قَبْلَ الْيَدَيْنِ .\r} وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى نَسْخِ مَا تَقَدَّمَهُ ، وَقَدْ رَوَى الْأَثْرَمُ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ { : إذَا سَجَدَ أَحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأْ بِرُكْبَتَيْهِ قَبْلَ يَدَيْهِ ، وَلَا يَبْرُكْ بُرُوكَ الْفَحْلِ } .\r( 718 ) فَصْلٌ : وَالسُّجُودُ عَلَى جَمِيعِ هَذِهِ الْأَعْضَاءِ وَاجِبٌ ، إلَّا الْأَنْفَ ، فَإِنَّ فِيهِ خِلَافًا سَنَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ ، وَبِهَذَا قَالَ طَاوُسٌ ، وَالشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ وَإِسْحَاقُ .\rوَقَالَ مَالِكٌ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ فِي الْقَوْلِ الْآخَرِ : لَا يَجِبُ ، السُّجُودُ عَلَى غَيْرِ الْجَبْهَةِ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { سَجَدَ وَجْهِي } .\rوَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ السُّجُودَ عَلَى الْوَجْهِ ، وَلِأَنَّ السَّاجِدَ عَلَى الْوَجْهِ يُسَمَّى سَاجِدًا ، وَوَضْعُ غَيْرِهِ عَلَى الْأَرْضِ لَا يُسَمَّى بِهِ","part":2,"page":398},{"id":898,"text":"سَاجِدًا ، فَالْأَمْرُ بِالسُّجُودِ يَنْصَرِفُ إلَى مَا يُسَمَّى بِهِ سَاجِدًا دُونَ غَيْرِهِ ، وَلِأَنَّهُ لَوْ وَجَبَ السُّجُودُ عَلَى هَذِهِ الْأَعْضَاءِ لَوَجَبَ كَشْفُهَا كَالْجَبْهَةِ .\rوَذَكَرَ الْآمِدِيُّ هَذَا رِوَايَةً عَنْ أَحْمَدَ .\rوَقَالَ الْقَاضِي فِي \" الْجَامِعِ \" : وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ ؛ فَإِنَّهُ قَدْ نَصَّ فِي الْمَرِيضِ يَرْفَعُ شَيْئًا يَسْجُدُ عَلَيْهِ ، أَنَّهُ يُجْزِئُهُ ، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ قَدْ أَخَلَّ بِالسُّجُودِ عَلَى يَدَيْهِ .\rوَلَنَا مَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : أُمِرْتُ بِالسُّجُودِ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ ؛ الْيَدَيْنِ ، وَالرُّكْبَتَيْنِ ، وَالْقَدَمَيْنِ ، وَالْجَبْهَةِ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَفْعُهُ { : إنَّ الْيَدَيْنِ يَسْجُدَانِ كَمَا يَسْجُدُ الْوَجْهُ ، فَإِذَا وَضَعَ أَحَدُكُمْ وَجْهَهُ فَلْيَضَعْ يَدَيْهِ ، وَإِذَا رَفَعَهُ فَلْيَرْفَعْهُمَا } .\rرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ، وَأَبُو دَاوُد ، وَالنَّسَائِيُّ .\rوَسُجُودُ الْوَجْهِ لَا يَنْفِي سُجُودَ مَا عَدَاهُ ، وَسُقُوطُ الْكَشْفِ لَا يَمْنَعُ وُجُوبَ السُّجُودِ ، فَإِنَّا نَقُولُ كَذَلِكَ فِي الْجَبْهَةِ عَلَى رِوَايَةٍ ، وَعَلَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى فَإِنَّ الْجَبْهَةَ هِيَ الْأَصْلُ ، وَهِيَ مَكْشُوفَةٌ عَادَةً ، بِخِلَافِ غَيْرِهَا ، فَإِنْ أَخَلَّ بِالسُّجُودِ بِعُضْوٍ مِنْ هَذِهِ الْأَعْضَاءِ ، لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ عِنْدَ مَنْ أَوْجَبَهُ ، وَإِنْ عَجَزَ عَنْ السُّجُودِ عَلَى بَعْضِ هَذِهِ الْأَعْضَاءِ ، سَجَدَ عَلَى بَقِيَّتِهَا ، وَقَرَّبَ الْعُضْوَ الْمَرِيضَ مِنْ الْأَرْضِ غَايَةَ مَا يُمْكِنُهُ ؛ وَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ أَنْ يَرْفَعَ إلَيْهِ شَيْئًا ؛ لِأَنَّ السُّجُودَ هُوَ الْهُبُوطُ ، وَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ بِرَفْعِ الْمَسْجُودِ عَلَيْهِ ، وَإِنْ سَقَطَ السُّجُودُ عَلَى الْجَبْهَةِ ، لِعَارِضٍ مِنْ مَرَضٍ أَوْ غَيْرِهِ ، سَقَطَ عَنْهُ السُّجُودُ عَلَى غَيْرِهِ ؛ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ وَغَيْرُهُ تَبَعٌ لَهُ ، فَإِذَا سَقَطَ الْأَصْلُ سَقَطَ التَّبَعُ ، وَلِهَذَا قَالَ أَحْمَدُ فِي الْمَرِيضِ يَرْفَعُ إلَى جَبْهَتِهِ شَيْئًا يَسْجُدُ عَلَيْهِ : إنَّهُ","part":2,"page":399},{"id":899,"text":"يُجْزِئُهُ .\r( 719 ) فَصْلٌ : وَفِي الْأَنْفِ رِوَايَتَانِ : إحْدَاهُمَا ، يَجِبُ السُّجُودُ عَلَيْهِ .\rوَهَذَا قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَإِسْحَاقَ ، وَأَبِي خَيْثَمَةَ ، وَابْنِ أَبِي شَيْبَةَ ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { : أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ ؛ الْجَبْهَةِ وَأَشَارَ بِيَدِهِ إلَى أَنْفِهِ وَالْيَدَيْنِ وَالرُّكْبَتَيْنِ ، وَأَطْرَافِ الْقَدَمَيْنِ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ، وَإِشَارَتُهُ إلَى أَنْفِهِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَهُ ، وَفِي لَفْظٍ رَوَاهُ النَّسَائِيّ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { : أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ ، الْجَبْهَةِ وَالْأَنْفِ وَالْيَدَيْنِ وَالرُّكْبَتَيْنِ وَالْقَدَمَيْنِ } .\rوَرَوَى عِكْرِمَةُ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { : لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَا يُصِيبُ أَنْفُهُ مِنْ الْأَرْضِ مَا تُصِيبُ الْجَبْهَةُ .\r} رَوَاهُ الْأَثْرَمُ ، وَالْإِمَامُ أَحْمَدُ ، وَرَوَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَالدَّارَقُطْنِيّ فِي الْأَفْرَادِ مُتَّصِلًا ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ مُرْسَلٌ .\rوَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ ، لَا يَجِبُ السُّجُودُ عَلَيْهِ .\rوَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ ، وَطَاوُسٍ ، وَعِكْرِمَةَ ، وَالْحَسَنِ ، وَابْنِ سِيرِينَ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَصَاحِبَيْ أَبِي حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ } .\rوَلَمْ يَذْكُرْ الْأَنْفَ فِيهَا ، وَرُوِيَ أَنَّ جَابِرًا قَالَ : { رَأَيْت النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَجَدَ بِأَعْلَى جَبْهَتِهِ عَلَى قِصَاصِ الشَّعَرِ .\r} رَوَاهُ تَمَّامٌ ، فِي \" فَوَائِدِهِ \" ، وَغَيْرُهُ ، وَإِذَا سَجَدَ بِأَعْلَى الْجَبْهَةِ لَمْ يَسْجُدْ عَلَى الْأَنْفِ .\rوَرُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ، أَنَّهُ إنْ سَجَدَ عَلَى أَنْفِهِ دُونَ جَبْهَتِهِ ، أَجْزَأَهُ .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : لَا أَعْلَمُ أَحَدًا سَبَقَهُ إلَى هَذَا الْقَوْلِ ،","part":2,"page":400},{"id":900,"text":"وَلَعَلَّهُ ذَهَبَ إلَى أَنَّ الْجَبْهَةَ وَالْأَنْفَ عُضْوٌ وَاحِدٌ ، لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا ذَكَرَ الْجَبْهَةَ أَشَارَ إلَى أَنْفِهِ ، وَالْعُضْوُ الْوَاحِدُ يُجْزِئُهُ السُّجُودُ عَلَى بَعْضِهِ .\rوَهَذَا قَوْلٌ يُخَالِفُ الْحَدِيثَ الصَّحِيحَ وَالْإِجْمَاعَ الَّذِي قَبْلَهُ ، فَلَا يَصِحُّ .","part":2,"page":401},{"id":901,"text":"( 720 ) فَصْلٌ : وَلَا تَجِبُ مُبَاشَرَةُ الْمُصَلِّي بِشَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْأَعْضَاءِ قَالَ الْقَاضِي : إذَا سَجَدَ عَلَى كُورِ الْعِمَامَةِ أَوْ كُمِّهِ أَوْ ذَيْلِهِ ، فَالصَّلَاةُ صَحِيحَةٌ رِوَايَةً وَاحِدَةً .\rوَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ .\rوَمِمَّنْ رَخَّصَ فِي السُّجُودِ عَلَى الثَّوْبِ فِي الْحَرِّ وَالْبَرْدِ عَطَاءٌ ، وَطَاوُسٌ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَرَخَّصَ فِي السُّجُودِ عَلَى كُورِ الْعِمَامَةِ الْحَسَنُ ، وَمَكْحُولٌ ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ .\rوَسَجَدَ شُرَيْحٌ عَلَى بُرْنُسِهِ ، وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : لَا يَجِبُ مُبَاشَرَةُ الْمُصَلِّي بِشَيْءٍ مِنْ أَعْضَاءِ السُّجُودِ إلَّا الْجَبْهَةَ ، فَإِنَّهَا عَلَى رِوَايَتَيْنِ .\rوَقَدْ رَوَى الْأَثْرَمُ ، قَالَ : سَأَلْت أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ السُّجُودِ عَلَى كُورِ الْعِمَامَةِ ؟ فَقَالَ : لَا يَسْجُدُ عَلَى كُورِهَا ، وَلَكِنْ يَحْسُرُ الْعِمَامَةَ .\rوَهَذَا يَحْتَمِلُ الْمَنْعَ ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ خَبَّابٍ ، قَالَ : { شَكَوْنَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَرَّ الرَّمْضَاءِ فِي جِبَاهِنَا وَأَكُفِّنَا .\rفَلَمْ يُشْكِنَا .\r} رَوَاهُ مُسْلِمٌ .\rوَلِأَنَّهُ سَجَدَ عَلَى مَا هُوَ حَامِلٌ لَهُ ، أَشْبَهَ مَا إذَا سَجَدَ عَلَى يَدَيْهِ .\rوَلَنَا مَا رَوَى أَنَسٌ ، قَالَ : { كُنَّا نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَضَعُ أَحَدُنَا طَرَفَ الثَّوْبِ مِنْ شِدَّةِ الْحَرِّ فِي مَكَانِ السُّجُودِ .\r} رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ، وَمُسْلِمٌ .\rوَعَنْ ثَابِتِ بْنِ الصَّامِتِ { ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى فِي بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ ، وَعَلَيْهِ كِسَاءٌ مُلْتَفٌّ بِهِ يَضَعُ يَدَيْهِ عَلَيْهِ ، يَقِيهِ بَرْدَ الْحَصَى } .\rوَفِي رِوَايَةٍ : { فَرَأَيْته وَاضِعًا يَدَيْهِ عَلَى قَرْنِهِ إذَا سَجَدَ } .\rرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ .\rوَرُوِيَعَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَنَّهُ سَجَدَ عَلَى كُورِ الْعِمَامَةِ } ، وَهُوَ ضَعِيفٌ .\rوَقَالَ الْحَسَنُ : كَانَ الْقَوْمُ","part":2,"page":402},{"id":902,"text":"يَسْجُدُونَ عَلَى الْعِمَامَةِ وَالْقَلَنْسُوَةِ ، وَيَدُهُ فِي كُمِّهِ .\rوَلِأَنَّهُ عُضْوٌ مِنْ أَعْضَاءِ السُّجُودِ ، فَجَازَ السُّجُودُ عَلَى حَائِلِهِ ، كَالْقَدَمَيْنِ .\rفَأَمَّا حَدِيثُ خَبَّابٍ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُمْ طَلَبُوا مِنْهُ تَأْخِيرَ الصَّلَاةِ ، أَوْ تَسْقِيفَ الْمَسْجِدِ ، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ ، مِمَّا يُزِيلُ عَنْهُمْ ضَرَرَ الرَّمْضَاءِ فِي جِبَاهِهِمْ وَأَكُفِّهِمْ ، أَمَّا الرُّخْصَةُ فِي السُّجُودِ عَلَى كُورِ الْعِمَامَةِ ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُمْ لَمْ يَطْلُبُوهُ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا طَلَبَهُ الْفُقَرَاءُ ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ عَمَائِمُ ، وَلَا أَكْمَامٌ طِوَالٌ يَتَّقُونَ بِهَا الرَّمْضَاءَ ، فَكَيْفَ يَطْلُبُونَ مِنْهُ الرُّخْصَةَ فِيهَا ؟ وَلَوْ احْتَمَلَ ذَلِكَ ، لَكِنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ ، فَلَمْ يُحْمَلُ عَلَيْهِ دُونَ غَيْرِهِ ؟ وَلِذَلِكَ لَمْ يَعْمَلُوا بِهِ فِي الْأَكُفِّ .\rقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ : الْمَنْصُوصُ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ لَا يَجِبُ كَشْفُهُمَا .\rقَالَ : وَقَدْ قِيلَ فِيهِ قَوْلٌ آخَرُ ، إنَّهُ يَجِبُ .\rوَإِنْ سَجَدَ عَلَى يَدَيْهِ لَمْ يَصِحَّ ، رِوَايَةً وَاحِدَةً ؛ لِأَنَّهُ سَجَدَ عَلَى عُضْوٍ مِنْ أَعْضَاءِ السُّجُودِ ، فَالسُّجُودُ يُؤَدِّي إلَى تَدَاخُلِ السُّجُودِ ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا .\rوَقَالَ الْقَاضِي فِي \" الْجَامِعِ \" : لَمْ أَجِدْ عَنْ أَحْمَدَ نَصًّا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ، وَيَجِبُ أَنْ تَكُونَ مَبْنِيَّةً عَلَى السُّجُودِ عَلَى غَيْرِ الْجَبْهَةِ .\rهَلْ هُوَ وَاجِبٌ ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ ؛ إنْ قُلْنَا : لَا يَجِبُ جَازَ ، كَمَا لَوْ سَجَدَ عَلَى الْعِمَامَةِ .\rوَإِنْ قُلْنَا : يَجِبُ لَمْ يَجُزْ ؛ لِئَلَّا يَتَدَاخَلَ مَحَلُّ السُّجُودِ بَعْضُهُ فِي بَعْضٍ .\rوَالْمُسْتَحَبُّ مُبَاشَرَةُ الْمُصَلِّي بِالْجَبْهَةِ وَالْيَدَيْنِ لِيَخْرُجَ مِنْ الْخِلَافِ ، وَيَأْخُذَ بِالْعَزِيمَةِ .\rقَالَ أَحْمَدُ : لَا يُعْجِبُنِي إلَّا فِي الْحَرِّ وَالْبَرْدِ .\rوَكَذَلِكَ قَالَ إِسْحَاقُ ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَكْرَهُ السُّجُودَ عَلَى كُورِ الْعِمَامَةِ ، وَكَانَ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ يَحْسُرُ عِمَامَتَهُ إذَا قَامَ إلَى الصَّلَاةِ ، وَقَالَ النَّخَعِيُّ : أَسْجُدُ عَلَى جَبِينِي أَحَبُّ إلَيَّ .","part":2,"page":403},{"id":903,"text":"( 721 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَيَكُونُ فِي سُجُودِهِ مُعْتَدِلًا ) قَالَ التِّرْمِذِيُّ : أَهْلُ الْعِلْمِ يَخْتَارُونَ الِاعْتِدَالَ فِي السُّجُودِ ، وَرُوِيَ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { : إذَا سَجَدَ أَحَدُكُمْ فَلْيَعْتَدِلْ ، وَلَا يَفْتَرِشْ ذِرَاعَيْهِ افْتِرَاشَ الْكَلْبِ } .\rوَقَالَ : هُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ .\rوَعَنْ أَنَسٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحْوُهُ ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَفِي لَفْظٍ عَنْ أَنَسٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ { : اعْتَدِلُوا فِي السُّجُودِ وَلَا يَسْجُدْ أَحَدُكُمْ وَهُوَ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ كَالْكَلْبِ } .\rوَهَذَا هُوَ الِافْتِرَاشُ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ فِي الْحَدِيثِ ، وَهُوَ أَنْ يَضَعَ ذِرَاعَيْهِ عَلَى الْأَرْضِ ، كَمَا تَفْعَلُ السِّبَاعُ ، وَقَدْ كَرِهَهُ أَهْلُ الْعِلْمِ ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي حُمَيْدٍ : وَإِذَا سَجَدَ سَجَدَ غَيْرَ مُفْتَرِشٍ وَلَا قَابِضِهِمَا .","part":2,"page":404},{"id":904,"text":"( 722 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَيُجَافِي عَضُدَيْهِ عَنْ جَنْبَيْهِ ، وَبَطْنِهِ عَنْ فَخِذَيْهِ ، وَفَخِذَيْهِ عَنْ سَاقَيْهِ ، وَيَكُونُ عَلَى أَطْرَافِ أَصَابِعِهِ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ مِنْ السُّنَّةِ أَنْ يُجَافِيَ عَضُدَيْهِ عَنْ جَنْبَيْهِ ، وَبَطْنَهُ عَنْ فَخِذَيْهِ إذَا سَجَدَ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي سُجُودِهِ .\rقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ، فِي \" رِسَالَتِهِ \" : جَاءَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { ، أَنَّهُ كَانَ إذَا سَجَدَ لَوْ مَرَّتْ بَهِيمَةٌ لَنَفِدَتْ } ، وَذَلِكَ لِشِدَّةِ مُبَالَغَتِهِ فِي رَفْعِ مَرْفِقَيْهِ وَعَضُدَيْهِ .\rوَرَوَاهُ أَيْضًا أَبُو دَاوُد فِي حَدِيثِ أَبِي حُمَيْدٍ { ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إذَا سَجَدَ جَافَى عَضُدَيْهِ عَنْ جَنْبَيْهِ } ، وَلِأَبِي دَاوُد { .\rثُمَّ سَجَدَ فَأَمْكَنَ أَنْفَهُ وَجَبْهَتَهُ ، وَنَحَّى يَدَيْهِ عَنْ جَنْبَيْهِ ، وَوَضَعَ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ } .\rوَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الشَّعْبِيُّ : وَصَفَ لَنَا الْبَرَاءُ السُّجُودَ ، فَوَضَعَ يَدَيْهِ بِالْأَرْضِ ، وَرَفَعَ عَجِيزَتَهُ ، وَقَالَ : هَكَذَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَفْعَلُ .\rوَقَالَ : كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا سَجَدَ جَخَّ .\rوَالْجَخُّ : الْخَاوِي .\rرَوَاهُمَا أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ .\rوَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ عَلَى أَطْرَافِ أَصَابِعِ رِجْلَيْهِ ، وَيَثْنِيهِمَا إلَى الْقِبْلَةِ .\rوَقَالَ أَحْمَدُ : وَيَفْتَحُ أَصَابِعَ رِجْلَيْهِ ، لِيَكُونَ أَصَابِعُهُمَا إلَى الْقِبْلَةِ .\rوَيَسْجُدُ عَلَى صُدُورِ قَدَمَيْهِ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ } .\rذَكَرَ مِنْهَا أَطْرَافَ الْقَدَمَيْنِ ، وَفِي لَفْظٍ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { سَجَدَ غَيْرَ مُفْتَرِشٍ وَلَا قَابِضِهِمَا ، وَاسْتَقْبَلَ بِأَطْرَافِ رِجْلَيْهِ الْقِبْلَةَ } .\rمِنْ رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ .\rوَمِنْ رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ : وَفَتَحَ أَصَابِعَ رِجْلَيْهِ .\rوَهَذَا مَعْنَاهُ .\rوَمِنْ رِوَايَةِ أَبِي","part":2,"page":405},{"id":905,"text":"دَاوُد : سَجَدَ ، فَانْتَصَبَ عَلَى كَفَّيْهِ وَرُكْبَتَيْهِ وَصُدُورِ قَدَمَيْهِ ، وَهُوَ سَاجِدٌ .\r( 723 ) فَصْلٌ : وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَضَعَ رَاحَتَيْهِ عَلَى الْأَرْضِ ، مَبْسُوطَتَيْنِ ، مَضْمُومَتَيْ الْأَصَابِعِ بَعْضِهَا إلَى بَعْضٍ ، مُسْتَقْبِلًا بِهِمَا الْقِبْلَةَ ، وَيَضَعَهُمَا حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ .\rذَكَرَهُ الْقَاضِي ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِقَوْلِ أَبِي حُمَيْدٍ : إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَضَعَ كَفَّيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ .\rوَرَوَى الْأَثْرَمُ قَالَ : رَأَيْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ سَجَدَ وَيَدَاهُ بِحِذَاءِ أُذُنَيْهِ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ؛ لِمَا رَوَى وَائِلُ بْنُ حُجْرٍ { ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَجَدَ فَجَعَلَ كَفَّيْهِ بِحِذَاءِ أُذُنَيْهِ } ، رَوَاهُ الْأَثْرَمُ ، وَأَبُو دَاوُد ، وَلَفْظُهُ : ثُمَّ سَجَدَ وَوَضَعَ وَجْهَهُ بَيْنَ كَفَّيْهِ .\rوَالْجَمِيعُ حَسَنٌ .\r( 724 ) فَصْلٌ : وَالْكَمَالُ فِي السُّجُودِ عَلَى الْأَرْضِ أَنْ يَضَعَ جَمِيعَ بَطْنِ كَفَّيْهِ ، وَأَصَابِعِهِ عَلَى الْأَرْضِ ، وَيَرْفَعَ مِرْفَقَيْهِ ، فَإِنْ اقْتَصَرَ عَلَى بَعْضِ بَاطِنِهِمَا ، أَجْزَأَهُ .\rقَالَ أَحْمَدُ : إنْ وَضَعَ مِنْ الْيَدَيْنِ بِقَدْرِ الْجَبْهَةِ ، أَجْزَأَهُ .\rوَإِنْ جَعَلَ ظُهُورَ كَفَّيْهِ إلَى الْأَرْضِ ، وَسَجَدَ عَلَيْهِمَا ، أَوْ سَجَدَ عَلَى أَطْرَافِ أَصَابِعِ يَدَيْهِ ، فَظَاهِرُ الْخَبَرِ أَنَّهُ يُجْزِئُهُ ؛ لِأَنَّهُ أُمِرَ بِالسُّجُودِ عَلَى الْيَدَيْنِ ، وَقَدْ سَجَدَ عَلَيْهِمَا .\rوَكَذَلِكَ لَوْ سَجَدَ عَلَى ظُهُورِ قَدَمَيْهِ ، فَإِنَّهُ قَدْ سَجَدَ عَلَى الْقَدَمَيْنِ ، وَلَا يَخْلُو مِنْ إصَابَةِ بَعْضِ أَطْرَافِ قَدَمَيْهِ الْأَرْضَ ، فَيَكُونَ سَاجِدًا عَلَى أَطْرَافِ قَدَمَيْهِ ، وَلَكِنَّهُ يَكُونُ تَارِكًا لِلْأَفْضَلِ الْأَحْسَنِ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْأَحَادِيثِ فِي ذَلِكَ .\r( 725 ) فَصْلٌ : وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ رُكْبَتَيْهِ وَرِجْلَيْهِ ؛ لِمَا رَوَى أَبُو حُمَيْدٍ قَالَ : وَإِذَا سَجَدَ فَرَّجَ بَيْنَ فَخِذَيْهِ غَيْرَ حَامِلٍ بَطْنَهُ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَخِذَيْهِ .\r( 726 ) فَصْلٌ : وَإِذَا","part":2,"page":406},{"id":906,"text":"أَرَادَ السُّجُودَ فَسَقَطَ عَلَى وَجْهِهِ ، فَمَاسَّتْ جَبْهَتُهُ الْأَرْضَ ، أَجْزَأَهُ ذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يَنْوِ .\rإلَّا أَنْ يَقْطَعَ نِيَّةَ السُّجُودِ ، فَلَا يُجْزِئَهُ .\rوَإِنْ انْقَلَبَ عَلَى جَنْبِهِ ، ثُمَّ انْقَلَبَ ، فَمَاسَّتْ جَبْهَتُهُ الْأَرْضَ ، لَمْ يَجْزِهِ ذَلِكَ ، إلَّا أَنْ يَنْوِيَ السُّجُودَ .\rوَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ : أَنَّهُ هَاهُنَا خَرَجَ عَنْ سُنَنِ الصَّلَاةِ وَهَيْئَاتِهَا ، ثُمَّ كَانَ انْقِلَابُهُ الثَّانِي عَائِدًا إلَى الصَّلَاةِ ، فَافْتَقَرَ إلَى تَجْدِيدِ النِّيَّةِ ، وَفِي الَّتِي قَبْلَهَا هُوَ عَلَى هَيْئَةِ الصَّلَاةِ وَسُنَّتِهَا ، فَاكْتُفِيَ بِاسْتِدَامَةِ النِّيَّةِ .","part":2,"page":407},{"id":907,"text":"( 727 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( ثُمَّ يَقُولُ : سُبْحَانَ رَبِّي الْأَعْلَى ثَلَاثًا ، وَإِنْ قَالَ مَرَّةً ، أَجْزَأَهُ ) الْحُكْمُ فِي هَذَا التَّسْبِيحِ كَالْحُكْمِ فِي تَسْبِيحِ الرُّكُوعِ ، عَلَى مَا شَرَحْنَاهُ ، وَالْأَصْلُ فِيهِ حَدِيثُ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ، قَالَ : { لَمَّا نَزَلَ سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اجْعَلُوهَا فِي سُجُودِكُمْ } ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : إذَا سَجَدَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلْ : سُبْحَانَ رَبِّي الْأَعْلَى .\rثَلَاثًا ، وَذَلِكَ أَدْنَاهُ } .\rوَعَنْ حُذَيْفَةَ : أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إذَا سَجَدَ قَالَ : سُبْحَانَ رَبِّي الْأَعْلَى ثَلَاثَ مَرَّاتٍ } .\rرَوَاهُنَّ ابْنُ مَاجَهْ ، وَأَبُو دَاوُد ، وَلَمْ يَقُلْ \" ثَلَاثَ مَرَّاتٍ \" .\rوَالْحُكْمُ فِي عَدَدِهِ وَتَطْوِيلِ السُّجُودِ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فِي الرُّكُوعِ .","part":2,"page":408},{"id":908,"text":"( 728 ) فَصْلٌ : وَإِنْ زَادَ دُعَاءً مَأْثُورًا ، أَوْ ذِكْرًا - مِثْلُ مَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ، قَالَتْ { : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ : سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي يَتَأَوَّلُ الْقُرْآنَ .\r} مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ { .\rأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : يَا مُعَاذُ ، إذَا وَضَعْتَ وَجْهَكَ سَاجِدًا فَقُلْ : اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى شُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ } .\rوَقَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : أَحَبُّ الْكَلَامِ إلَى اللَّهِ أَنْ يَقُولَ الْعَبْدُ - وَهُوَ سَاجِدٌ - : رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي .\rرَوَاهُمَا سَعِيدٌ فِي \" سُنَنِهِ \" .\rوَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ { ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ فِي سُجُودِهِ : اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي كُلَّهُ ، دِقَّهُ وَجَلَّهُ ، وَأَوَّلَهُ وَآخِرَهُ ، وَسِرَّهُ وَعَلَانِيَتَهُ .\r} رَوَاهُ مُسْلِمٌ - فَحَسَنٌ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَهُ .\rوَقَدْ قَالَ { : وَأَمَّا السُّجُودُ فَأَكْثِرُوا فِيهِ مِنْ الدُّعَاءِ ، فَقَمِنٌ أَنْ يُسْتَجَابَ لَكُمْ } .\rحَدِيثٌ صَحِيحٌ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : لَا تُسْتَحَبُّ الزِّيَادَةُ عَلَى : \" سُبْحَانَ رَبِّي الْأَعْلَى \" فِي الْفَرْضِ ، وَفِي التَّطَوُّعِ رِوَايَتَانِ ؛ لِأَنَّهُ ، لَمْ يُنْقَلْ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِ سِوَى الْأَمْرِ بِالتَّسْبِيحِ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذِهِ الْأَخْبَارَ الصَّحِيحَةَ ، وَسُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَقُّ أَنْ تُتَّبَعَ ، وَالْأَمْرُ بِالتَّسْبِيحِ لَا يَنْفِي الْأَمْرَ بِغَيْرِهِ ، كَمَا أَنَّ أَمْرَهُ بِالتَّشَهُّدِ فِي الصَّلَاةِ لَمْ يَنْفِ كَوْنَ الدُّعَاءِ مَشْرُوعًا ، وَلَوْ سَاغَ كَوْنُ الْأَمْرِ بِالشَّيْءِ نَافِيًا لِغَيْرِهِ لَكَانَ الْأَمْرُ بِالدُّعَاءِ نَافِيًا لِلتَّسْبِيحِ ؛ لِصِحَّةِ الْأَمْرِ بِهِ ، وَفِعْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُ فِيهِ .","part":2,"page":409},{"id":909,"text":"( 729 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ مُكَبِّرًا ) يَعْنِي إذَا قَضَى سُجُودَهُ رَفَعَ رَأْسَهُ مُكَبِّرًا ، وَجَلَسَ ، وَاعْتَدَلَ ، وَيَكُونُ ابْتِدَاءُ تَكْبِيرِهِ مَعَ ابْتِدَاءِ رَفْعِهِ ، وَانْتِهَاؤُهُ مَعَ انْتِهَائِهِ .\rوَهَذَا الرَّفْعُ وَالِاعْتِدَالُ عَنْهُ وَاجِبٌ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ مَالِكٌ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ : لَيْسَ بِوَاجِبٍ ، بَلْ يَكْفِي عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ أَنْ يَرْفَعَ رَأْسَهُ مِثْلَ حَدِّ السَّيْفِ ؛ لِأَنَّ هَذِهِ جَلْسَةُ فَصْلٍ بَيْنَ مُتَشَاكِلَيْنِ فَلَمْ تَكُنْ وَاجِبَةً ، كَجَلْسَةِ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ .\rوَلَنَا قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْمُسِيءِ فِي صَلَاتِهِ : { ثُمَّ اجْلِسْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَفْعَلُهُ ، وَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُ أَخَلَّ بِهِ ، قَالَتْ عَائِشَةُ : وَكَانَ - تَعْنِي النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { - إذَا رَفَعَ مِنْ السَّجْدَةِ لَمْ يَسْجُدْ حَتَّى يَسْتَوِيَ قَاعِدًا .\r} مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَلِأَنَّهُ رَفْعٌ وَاجِبٌ ، فَكَانَ الِاعْتِدَالُ عَنْهُ وَاجِبًا ، كَالرَّفْعِ مِنْ السَّجْدَةِ الْأَخِيرَةِ ، وَلَا يُسَلَّمُ لَهُمْ أَنَّ جَلْسَةَ التَّشَهُّدِ غَيْرُ وَاجِبَةٍ .","part":2,"page":410},{"id":910,"text":"( 730 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( فَإِذَا جَلَسَ وَاعْتَدَلَ يَكُونُ جُلُوسُهُ عَلَى رِجْلِهِ الْيُسْرَى ، وَيَنْصِبُ رِجْلَهُ الْيُمْنَى ) السُّنَّةُ أَنْ يَجْلِسَ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ مُفْتَرِشًا ، وَهُوَ أَنْ يَثْنِيَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى ، فَيَبْسُطَهَا ، وَيَجْلِسَ عَلَيْهَا ، وَيَنْصِبَ رِجْلَهُ الْيُمْنَى وَيُخْرِجَهَا مِنْ تَحْتِهِ ، وَيَجْعَلَ بُطُونَ أَصَابِعِهِ عَلَى الْأَرْضِ مُعْتَمِدًا عَلَيْهَا ؛ لِتَكُونَ أَطْرَافُ أَصَابِعِهَا إلَى الْقِبْلَةَ .\rقَالَ أَبُو حُمَيْدٍ ، فِي صِفَةِ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ثُمَّ ثَنَى رِجْلَهُ الْيُسْرَى ، وَقَعَدَ عَلَيْهَا ، ثُمَّ اعْتَدَلَ حَتَّى رَجَعَ كُلُّ عَظْمٍ فِي مَوْضِعِهِ ، ثُمَّ هَوَى سَاجِدًا .\rوَفِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي رَوَتْهُ عَائِشَةُ : { وَكَانَ يَفْرِشُ رِجْلَهُ الْيُسْرَى ، وَيَنْصِبُ الْيُمْنَى } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَفْتَحَ أَصَابِعَ رِجْلِهِ الْيُمْنَى ، فَيَسْتَقْبِلَ بِهَا الْقِبْلَةَ ، وَمَعْنَاهُ أَنْ يَثْنِيَهَا نَحْوَ الْقِبْلَةِ .\rقَالَ الْأَثْرَمُ : تَفَقَّدْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ، فَرَأَيْتُهُ يَفْتَحُ أَصَابِعَ رِجْلِهِ الْيُمْنَى ، فَيَسْتَقْبِلُ بِهَا الْقِبْلَةَ .\rوَرَوَى بِإِسْنَادِهِ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ ، قَالَ : كُنَّا نُعَلَّمُ إذَا جَلَسْنَا فِي الصَّلَاةِ ، أَنْ يَفْتَرِشَ الرَّجُلُ مِنَّا قَدَمَهُ الْيُسْرَى ، وَيَنْصِبَ قَدَمَهُ الْيُمْنَى عَلَى صَدْرِ قَدَمِهِ ، فَإِنْ كَانَتْ إبْهَامُ أَحَدِنَا لَتَنْثَنِي فَيُدْخِلُ يَدَهُ حَتَّى يَعْدِلَهَا .\rوَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ : مِنْ سُنَّةِ الصَّلَاةِ أَنْ يَنْصِبَ الْقَدَمَ الْيُمْنَى ، وَاسْتِقْبَالُهُ بِأَصَابِعِهَا الْقِبْلَةَ .\rرَوَاهُ النَّسَائِيّ .\rوَقَالَ نَافِعٌ : كَانَ ابْنُ عُمَرَ إذَا صَلَّى اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ بِكُلِّ شَيْءٍ ، حَتَّى بِنَعْلَيْهِ .\rرَوَاهُ الْأَثْرَمُ .","part":2,"page":411},{"id":911,"text":"( 731 ) فَصْلٌ : وَيُكْرَهُ الْإِقْعَاءُ ، وَهُوَ أَنْ يَفْرِشَ قَدَمَيْهِ ، وَيَجْلِسَ عَلَى عَقِبَيْهِ .\rبِهَذَا وَصَفَهُ أَحْمَدُ ، قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : هَذَا قَوْلُ أَهْلِ الْحَدِيثِ ، وَالْإِقْعَاءُ عِنْدَ الْعَرَبِ : جُلُوسُ الرَّجُلِ عَلَى أَلْيَتَيْهِ نَاصِبًا فَخِذَيْهِ ، مِثْلُ إقْعَاءِ الْكَلْبِ وَالسَّبُعِ .\rوَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا قَالَ بِاسْتِحْبَابِ الْإِقْعَاءِ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ ، فَأَمَّا الْأَوَّلُ فَكَرِهَهُ عَلِيٌّ ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ ، وَقَتَادَةُ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْي ، وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rوَفَعَلَهُ ابْنُ عُمَرَ ، وَقَالَ : لَا تَقْتَدُوا بِي ، فَإِنِّي قَدْ كَبِرْتُ .\rوَقَدْ نَقَلَ مُهَنَّا عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ : لَا أَفْعَلُهُ ، وَلَا أَعِيبُ مَنْ فَعَلَهُ .\rوَقَالَ : الْعَبَادِلَةُ كَانُوا يَفْعَلُونَهُ .\rوَقَالَ طَاوُسٌ : رَأَيْت الْعَبَادِلَةَ يَفْعَلُونَهُ ابْنَ عُمَرَ ، وَابْنَ عَبَّاسٍ ، وَابْنَ الزُّبَيْرِ .\rوَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّهُ قَالَ : مِنْ السُّنَّةِ أَنْ تَمَسَّ أَلْيَتَاكَ قَدَمَيْك .\rوَقَالَ طَاوُسٌ { : قُلْنَا لِابْنِ عَبَّاسٍ فِي الْإِقْعَاءِ عَلَى الْقَدَمَيْنِ فِي السُّجُودِ ؟ فَقَالَ : هِيَ السُّنَّةُ .\rقَالَ : قُلْنَا إنَّا لَنَرَاهُ جَفَاءً بِالرَّجُلِ ، فَقَالَ : هِيَ سُنَّةُ نَبِيِّكَ } .\rرَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى الْحَارِثُ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ .\rقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : لَا تُقْعِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ } .\rوَعَنْ أَنَسٍ ، قَالَ : قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : إذَا رَفَعْتَ رَأْسَك مِنْ السُّجُودِ فَلَا تُقْعِ كَمَا يُقْعِي الْكَلْبُ } .\rرَوَاهُمَا ابْنُ مَاجَهْ .\rوَفِي صِفَةِ جُلُوسِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثِ أَبِي حُمَيْدٍ : ثُمَّ ثَنَى رِجْلَهُ الْيُسْرَى ، وَقَعَدَ عَلَيْهَا .\rوَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ { : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَفْتَرِشُ رِجْلَهُ الْيُسْرَى ، وَيَنْصِبُ الْيُمْنَى ، وَيَنْهَى عَنْ عُقْبَةِ الشَّيْطَانِ } .\rوَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ أَكْثَرُ","part":2,"page":412},{"id":912,"text":"وَأَصَحُّ ، فَتَكُونُ أَوْلَى .\rوَأَمَّا ابْنُ عُمَرَ ، فَإِنَّهُ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ لِكِبَرِهِ ، وَيَقُولُ : لَا تَقْتَدُوا بِي .","part":2,"page":413},{"id":913,"text":"مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَيَقُولُ : رَبِّ اغْفِرْ لِي رَبِّ اغْفِرْ لِي ) الْمُسْتَحَبُّ عِنْدَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ أَنْ يَقُولَ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ : رَبِّ اغْفِرْ لِي ، رَبِّ اغْفِرْ لِي : يُكَرِّرُ ذَلِكَ مِرَارًا ، وَالْوَاجِبُ مِنْهُ مَرَّةٌ ، وَأَدْنَى الْكَمَالِ ثَلَاثٌ ، وَالْكَمَالُ مِنْهُ مِثْلُ الْكَمَالِ فِي تَسْبِيحِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ ، عَلَى مَا مَضَى مِنْ اخْتِلَافِ الرِّوَايَتَيْنِ ، وَاخْتِلَافِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِثْلُ مَا ذَكَرْنَا فِي تَسْبِيحِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ .\rوَالْأَصْلُ فِي هَذَا مَا رَوَى حُذَيْفَةُ { ، أَنَّهُ صَلَّى مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَانَ يَقُولُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ : رَبِّ اغْفِرْ لِي ، رَبِّ اغْفِرْ لِي } .\rاحْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ ، رَوَاهُ النَّسَائِيّ ، وَابْنُ مَاجَهْ .\rوَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ { : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ .\rاللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ، وَارْحَمْنِي ، وَاهْدِنِي ، وَعَافِنِي ؛ وَارْزُقْنِي } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَابْنُ مَاجَهْ ، إلَّا أَنَّهُ قَالَ : فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ .\rوَإِنْ قَالَ : رَبِّ اغْفِرْ لَنَا .\rأَوْ : اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنَا ، مَكَانَ : رَبِّ اغْفِرْ لِي .\rجَازَ","part":2,"page":414},{"id":914,"text":"( 733 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( ثُمَّ يُكَبِّرُ ، وَيَخِرُّ سَاجِدًا ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ إذَا فَرَغَ مِنْ الْجَلْسَةِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ ، سَجَدَ سَجْدَةً أُخْرَى عَلَى صِفَةِ الْأُولَى ، سَوَاءً .\rوَهِيَ وَاجِبَةٌ إجْمَاعًا .\rوَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ لَمْ يُخْتَلَفْ عَنْهُ فِي ذَلِكَ .","part":2,"page":415},{"id":915,"text":"( 734 ) فَصْلٌ : وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ شُرُوعُ الْمَأْمُومِ فِي أَفْعَالِ الصَّلَاةِ ؛ مِنْ الرَّفْعِ وَالْوَضْعِ ، بَعْدَ فَرَاغِ الْإِمَامِ مِنْهُ ، وَيُكْرَهُ فِعْلُهُ مَعَهُ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rوَاسْتَحَبَّ مَالِكٌ أَنْ تَكُونَ أَفْعَالُهُ مَعَ أَفْعَالِ الْإِمَامِ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى الْبَرَاءُ قَالَ { : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا قَالَ : سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ ، لَمْ نَزَلْ قِيَامًا حَتَّى نَرَاهُ قَدْ وَضَعَ جَبْهَتَهُ فِي الْأَرْضِ ، ثُمَّ نَتَّبِعُهُ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَلِلْبُخَارِيِّ : { لَمْ يَحْنِ أَحَدٌ مِنَّا ظَهْرَهُ حَتَّى يَقَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَاجِدًا ، ثُمَّ نَقَعُ سُجُودًا بَعْدَهُ } .\rوَعَنْ أَبِي مُوسَى ، قَالَ { : إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَنَا ، فَبَيَّنَ لَنَا سُنَّتَنَا ، وَعَلَّمَنَا صَلَاتَنَا فَقَالَ : إذَا صَلَّيْتُمْ فَأَقِيمُوا صُفُوفَكُمْ ، وَلْيَؤُمَّكُمْ أَحَدُكُمْ ، فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا - إلَى قَوْلِهِ - فَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا ، فَإِنَّ الْإِمَامَ يَرْكَعُ قَبْلَكُمْ وَيَرْفَعُ قَبْلَكُمْ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَتِلْكَ بِتِلْكَ } .\rرَوَاهُ مُسْلِمٌ ، وَفِي لَفْظٍ : { فَمَهْمَا أَسْبِقْكُمْ بِهِ إذَا رَكَعْتُ تُدْرِكُونِي بِهِ إذَا رَفَعْتُ } .\rوَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ { : إنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ ، فَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ ، فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا ، وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا .\rوَإِذَا قَالَ : سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ .\rفَقُولُوا : رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ .\rوَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا ، وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا أَجْمَعُونَ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَقَوْلُهُ : \" فَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا \" ، يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ رُكُوعُهُمْ بَعْدَ رُكُوعِهِ ؛ لِأَنَّهُ عَقَّبَهُ بِهِ بِفَاءِ التَّعْقِيبِ ، فَيَكُونُ بَعْدَهُ ، كَقَوْلِك : جَاءَ زَيْدٌ فَعَمْرٌو .\rأَيْ جَاءَ بَعْدَهُ .\rوَإِنْ وَافَقَ إمَامَهُ فِي أَفْعَالِ الصَّلَاةِ ،","part":2,"page":416},{"id":916,"text":"فَرَكَعَ وَسَجَدَ مَعَهُ ، أَسَاءَ ، وَصَحَّتْ صَلَاتُهُ .\r( 735 ) فَصْلٌ : وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَسْبِقَ إمَامَهُ ؛ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : لَا تَسْبِقُونِي بِالرُّكُوعِ وَلَا بِالسُّجُودِ ؛ وَلَا بِالْقِيَامِ ، وَلَا بِالِانْصِرَافِ } .\rرَوَاهُ مُسْلِمٌ .\rوَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : أَمَا يَخْشَى أَحَدُكُمْ إذَا رَفَعَ رَأْسَهُ قَبْلَ الْإِمَامِ أَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ صُورَتَهُ صُورَةَ حِمَارٍ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَلِمَا رَوَيْنَا مِنْ الْأَخْبَارِ فِي الْفَصْلِ الَّذِي قَبْلَهُ ، وَلِأَنَّهُ تَابِعٌ لَهُ ، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَسْبِقَهُ ، كَمَا فِي تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ .\rفَإِنْ سَبَقَ إمَامَهُ فَعَلَيْهِ أَنْ يَرْفَعَ لِيَأْتِيَ بِذَلِكَ مُؤْتَمًّا بِإِمَامِهِ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ ، أَنَّهُ قَالَ : إذَا رَفَعَ أَحَدُكُمْ رَأْسَهُ ، وَالْإِمَامُ سَاجِدٌ ، فَلْيَسْجُدْ ، وَإِذَا رَفَعَ الْإِمَامُ بِرَأْسِهِ فَلْيَمْكُثْ قَدْرَ مَا رَفَعَ .\rفَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ حَتَّى لَحِقَهُ الْإِمَامُ سَهْوًا أَوْ جَهْلًا ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ هَذَا سَبْقٌ يَسِيرٌ .\rوَإِنْ سَبَقَ إمَامَهُ عَمْدًا عَالِمًا بِتَحْرِيمِهِ ، فَقَالَ أَحْمَدُ فِي رِسَالَتِهِ : لَيْسَ لِمَنْ سَبَقَ الْإِمَامَ صَلَاةٌ ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : أَمَا يَخْشَى الَّذِي يَرْفَعُ رَأْسَهُ قَبْلَ الْإِمَامِ أَنْ يُحَوِّلَ اللَّهُ رَأْسَهُ رَأْسَ حِمَارٍ } .\rوَلَوْ كَانَتْ لَهُ صَلَاةٌ لَرَجَا لَهُ الثَّوَابَ ، وَلَمْ يَخْشَ عَلَيْهِ الْعِقَابَ .\rوَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ، أَنَّهُ نَظَرَ إلَى مَنْ سَبَقَ الْإِمَامَ ، فَقَالَ : لَا وَحْدَك صَلَّيْتَ ، وَلَا بِإِمَامِك اقْتَدَيْتَ ، وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ نَحْوٌ مِنْ ذَلِكَ ، قَالَ : وَأَمَرَهُ بِالْإِعَادَةِ .\rلِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِالرُّكْنِ مُؤْتَمًّا بِإِمَامِهِ .\rفَأَشْبَهَ مَا لَوْ سَبَقَهُ بِتَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ أَوْ السَّلَامِ .\rوَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ : فِي ذَلِكَ وَجْهَانِ .\rقَالَ الْقَاضِي : عِنْدِي أَنَّهُ تَصِحُّ صَلَاتُهُ ؛ لِأَنَّهُ اجْتَمَعَ مَعَهُ فِي الرُّكْنِ ، فَصَحَّتْ صَلَاتُهُ ،","part":2,"page":417},{"id":917,"text":"كَمَا لَوْ رَكَعَ مَعَهُ ابْتِدَاءً .","part":2,"page":418},{"id":918,"text":"( 736 ) فَصْلٌ : فَإِنْ رَكَعَ وَرَفَعَ قَبْلَ رُكُوعِ إمَامِهِ .\rفَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : إنْ فَعَلَهُ عَمْدًا فَهَلْ تَبْطُلُ صَلَاتُهُ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ سَبَقَهُ بِرُكْنٍ وَاحِدٍ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ رَكَعَ قَبْلَهُ حَسْبُ .\rوَإِنْ فَعَلَهُ سَهْوًا فَصَلَاتُهُ صَحِيحَةٌ .\rوَهَلْ يَعْتَدُّ بِتِلْكَ الرَّكْعَةِ ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ .\rفَأَمَّا إنْ سَبَقَهُ بِرَكْعَتَيْنِ فَرَكَعَ قَبْلَهُ ، فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ رَفَعَ ، فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَرْفَعَ سَجَدَ عَمْدًا ، بَطَلَتْ صَلَاتُهُ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْتَدِ بِإِمَامِهِ فِي أَكْثَرِ الرَّكْعَةِ .\rوَإِنْ فَعَلَهُ سَهْوًا ، لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ ؛ لِأَنَّهُ مَعْذُورٌ .\rوَلَمْ يَعْتَدَّ بِتِلْكَ الرَّكْعَةِ ؛ لِعَدَمِ اقْتِدَائِهِ بِإِمَامِهِ فِيهَا .","part":2,"page":419},{"id":919,"text":"( 737 ) فَصْلٌ : فَإِنْ سَبَقَ الْإِمَامُ الْمَأْمُومَ بِرُكْنٍ كَامِلٍ ؛ مِثْلُ أَنْ رَكَعَ وَرَفَعَ قَبْلَ رُكُوعِ الْمَأْمُومِ ، لِعُذْرٍ مِنْ نُعَاسٍ أَوْ زِحَامٍ أَوْ عَجَلَةِ الْإِمَامِ ، فَإِنَّهُ يَفْعَلُ مَا سُبِقَ بِهِ ، وَيُدْرِكُ إمَامَهُ ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .\rقَالَ الْمَرُّوذِيُّ : قُلْت لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ : الْإِمَامُ إذَا سَجَدَ ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ قَبْلَ أَنْ أَسْجُدَ ؟ قَالَ : إنْ كَانَتْ سَجْدَةً وَاحِدَةً فَأَتَّبِعُهُ إذَا رَفَعَ رَأْسَهُ .\rوَهَذَا لَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا .\rوَإِنْ سَبَقَهُ بِرَكْعَةٍ كَامِلَةٍ أَوْ أَكْثَرَ ، فَإِنَّهُ يَتَّبِعُ إمَامَهُ ، وَيَقْضِي مَا سَبَقَهُ الْإِمَامُ بِهِ .\rقَالَ أَحْمَدُ ، فِي رَجُلٍ نَعَسَ خَلْفَ الْإِمَامِ حَتَّى صَلَّى رَكْعَتَيْنِ ؟ قَالَ : كَأَنَّهُ أَدْرَكَ رَكْعَتَيْنِ ، فَإِذَا سَلَّمَ الْإِمَامُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ ، وَإِنْ سَبَقَهُ بِأَكْثَرَ مِنْ رُكْنٍ ، وَأَقَلَّ مِنْ رَكْعَةٍ ، ثُمَّ زَالَ عُذْرُهُ ، فَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ يَتَّبِعُ إمَامَهُ ، وَلَا يَعْتَدُّ بِتِلْكَ الرَّكْعَةِ ؛ فَإِنَّهُ قَالَ فِي رَجُلٍ رَكَعَ إمَامُهُ وَسَجَدَ وَهُوَ قَائِمٌ لَا يَشْعُرُ ، وَلَمْ يَرْكَعْ حَتَّى سَجَدَ الْإِمَامُ ، فَقَالَ : يَسْجُدُ مَعَهُ ، وَيَأْتِي بِرَكْعَةٍ مَكَانَهَا .\rوَقَالَ الْمَرُّوذِيُّ : قُلْت لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ : الْإِمَامُ إذَا سَجَدَ وَرَفَعَ رَأْسَهُ قَبْلَ أَنْ أَسْجُدَ ؟ قَالَ : إنْ كَانَتْ سَجْدَةٌ وَاحِدَةٌ فَاتَّبِعْهُ إذَا رَفَعَ رَأْسَهُ ، وَإِنْ كَانَ سَجْدَتَانِ فَلَا يُعْتَدُّ بِتِلْكَ الرَّكْعَةِ .\rوَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ مَتَى سَبَقَهُ بِرَكْعَتَيْنِ بَطَلَتْ تِلْكَ الرَّكْعَةُ .\rوَإِنْ سَبَقَهُ بِأَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ فَعَلَهُ وَأَدْرَكَ إمَامَهُ .\rوَقَالَ أَصْحَابُنَا ، فِيمَنْ زُحِمَ عَنْ السُّجُودِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ : يَنْتَظِرُ زَوَالَ الزِّحَامَ ثُمَّ يَسْجُدُ وَيَتَّبِعُ الْإِمَامَ ، مَا لَمْ يَخَفْ فَوَاتَ الرُّكُوعِ فِي الثَّانِيَةِ مَعَ الْإِمَامِ .\rوَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ يَفْعَلُ مَا فَاتَهُ ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ رُكْنٍ وَاحِدٍ .\rوَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ { ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ","part":2,"page":420},{"id":920,"text":"عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَلَهُ بِأَصْحَابِهِ فِي صَلَاةِ عُسْفَانَ ، حِينَ أَقَامَهُمْ خَلْفَهُ صَفَّيْنِ ، فَسَجَدَ بِالصَّفِّ الْأَوَّلِ ، وَالصَّفُّ الثَّانِي قَائِمٌ ، حَتَّى قَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى الثَّانِيَةِ ، فَسَجَدَ الصَّفُّ الثَّانِي ، ثُمَّ تَبِعَهُ } .\rوَكَانَ ذَلِكَ جَائِزًا لِلْعُذْرِ .\rفَهَذَا مِثْلُهُ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : إنْ أَدْرَكَهُمْ الْمَسْبُوقُ فِي أَوَّلِ سُجُودِهِمْ سَجَدَ مَعَهُمْ ، وَاعْتَدَّ بِهَا .\rوَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى الرُّكُوعِ ، وَأَدْرَكَهُمْ فِي السُّجُودِ حَتَّى يَسْتَوُوا قِيَامًا ، فَلْيَتَّبِعْهُمْ فِيمَا بَقِيَ مِنْ صَلَاتِهِمْ ، ثُمَّ يَقْضِي رَكْعَةً ، ثُمَّ يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ ، وَنَحْوِهِ ، قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : وَلَمْ يَجْعَلْ عَلَيْهِ سَجْدَتَيْ السَّهْوِ .\rوَالْأَوْلَى فِي هَذَا ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ، مَا كَانَ عَلَى قِيَاسِ فِعْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ ؛ فَإِنَّ مَا لَا نَصَّ فِيهِ يُرَدُّ إلَى أَقْرَبِ الْأَشْيَاءِ بِهِ مِنْ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ .\rوَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ لِغَيْرِ عُذْرٍ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ ؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ الِائْتِمَامَ بِإِمَامِهِ عَمْدًا ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":2,"page":421},{"id":921,"text":"( 738 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ مُكَبِّرًا ، وَيَقُومُ عَلَى صُدُورِ قَدَمَيْهِ ، مُعْتَمِدًا عَلَى رُكْبَتَيْهِ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ إذَا قَضَى سَجْدَتَهُ الثَّانِيَةَ نَهَضَ لَلْقِيَامَ مُكَبِّرًا ، وَالْقِيَامُ رُكْنٌ ، وَالتَّكْبِيرُ وَاجِبٌ ، فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ .\rوَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ : هَلْ يَجْلِسُ لِلِاسْتِرَاحَةِ ؟ فَرُوِيَ عَنْهُ : لَا يَجْلِسُ .\rوَهُوَ اخْتِيَارُ الْخِرَقِيِّ ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ ، وَعَلِيٍّ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ ، وَابْنِ عُمَرَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَبِهِ يَقُولُ مَالِكٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَقَالَ أَحْمَدُ : أَكْثَرُ الْأَحَادِيثِ عَلَى هَذَا .\rوَذُكِرَ عَنْ عُمَرَ ، وَعَلِيٍّ ، وَعَبْدِ اللَّهِ .\rوَقَالَ النُّعْمَانُ بْنُ أَبِي عَيَّاشٍ : أَدْرَكْتُ غَيْرَ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَفْعَلُ ذَلِكَ .\rأَيْ لَا يَجْلِسُ .\rقَالَ التِّرْمِذِيُّ : وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rوَقَالَ أَبُو الزِّنَادِ : تِلْكَ السُّنَّةُ .\rوَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ : أَنَّهُ يَجْلِسُ .\rاخْتَارَهَا الْخَلَّالُ .\rوَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ .\rقَالَ الْخَلَّالُ : رَجَعَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ إلَى هَذَا .\rيَعْنِي تَرَكَ قَوْلَهُ بِتَرْكِ الْجُلُوسِ ؛ لِمَا رَوَى مَالِكُ بْنُ الْحُوَيْرِثِ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَجْلِسُ إذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ السُّجُودِ قَبْلَ أَنْ يَنْهَضَ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَذَكَرَهُ أَيْضًا أَبُو حُمَيْدٍ فِي صِفَةِ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ، فَيَتَعَيَّنُ الْعَمَلُ بِهِ ، وَالْمَصِيرُ إلَيْهِ .\rوَقِيلَ : إنْ كَانَ الْمُصَلِّي ضَعِيفًا جَلَسَ لِلِاسْتِرَاحَةِ ؛ لِحَاجَتِهِ إلَى الْجُلُوسِ ، وَإِنْ كَانَ قَوِيًّا لَمْ يَجْلِسْ ؛ لِغِنَاهُ عَنْهُ ، وَحُمِلَ جُلُوسُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَنَّهُ كَانَ فِي آخِرِ عُمْرِهِ ، عِنْدَ كِبَرِهِ وَضَعْفِهِ ، وَهَذَا فِيهِ جَمْعٌ بَيْنَ الْأَخْبَارِ ، وَتَوَسُّطٌ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ .\rفَإِذَا قُلْنَا :","part":2,"page":422},{"id":922,"text":"يَجْلِسُ ؛ فَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ يَجْلِسُ مُفْتَرِشًا عَلَى صِفَةِ الْجُلُوسِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِقَوْلِ أَبِي حُمَيْدٍ فِي صِفَةِ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : ثُمَّ ثَنَى رِجْلَهُ ، وَقَعَدَ ، وَاعْتَدَلَ حَتَّى يَرْجِعَ كُلُّ عُضْوٍ فِي مَوْضِعِهِ ، ثُمَّ نَهَضَ } .\rوَهَذَا صَرِيحٌ فِي كَيْفِيَّةِ جَلْسَةِ الِاسْتِرَاحَةِ ، فَيَتَعَيَّنُ الْمَصِيرُ إلَيْهِ .\rوَقَالَ الْخَلَّالُ : رَوَى عَنْ أَحْمَدَ مَنْ لَا أُحْصِيهِ كَثْرَةً ، أَنَّهُ يَجْلِسُ عَلَى أَلْيَتَيْهِ .\rقَالَ الْقَاضِي : يَجْلِسُ عَلَى قَدَمَيْهِ وَأَلْيَتَيْهِ ، مُفْضِيًا بِهِمَا إلَى الْأَرْضِ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ جَلَسَ مُفْتَرِشًا لَمْ يَأْمَنْ السَّهْوَ ، فَيَشُكَّ هَلْ جَلَسَ عَنْ السَّجْدَةِ الْأُولَى أَوْ الثَّانِيَةِ ؟ وَبِهَذَا يَأْمَنُ ذَلِكَ .\rوَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ الْآمِدِيُّ : لَا يَخْتَلِفُ أَصْحَابُنَا أَنَّهُ لَا يُلْصِقُ أَلْيَتَيْهِ بِالْأَرْضِ فِي جَلْسَةِ الِاسْتِرَاحَةِ ، بَلْ يَجْلِسُ مُعَلَّقًا عَنْ الْأَرْضِ .\rوَعَلَى كِلْتَيْ الرِّوَايَتَيْنِ يَنْهَضُ إلَى الْقِيَامِ عَلَى صُدُورِ قَدَمَيْهِ مُعْتَمِدًا عَلَى رُكْبَتَيْهِ ، وَلَا يَعْتَمِدُ عَلَى يَدَيْهِ .\rقَالَ الْقَاضِي : لَا يَخْتَلِفُ قَوْلُهُ ، أَنَّهُ لَا يَعْتَمِدُ عَلَى الْأَرْضِ ، سَوَاءٌ قُلْنَا : يَجْلِسُ لِلِاسْتِرَاحَةِ أَوْ لَا يَجْلِسُ .\rوَقَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ : السُّنَّةُ أَنْ يَعْتَمِدَ عَلَى يَدَيْهِ فِي النُّهُوضِ ؛ لِأَنَّ مَالِكَ بْنَ الْحُوَيْرِثِ قَالَ فِي صِفَةِ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { ، إنَّهُ لَمَّا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ السَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ اسْتَوَى قَاعِدًا ، ثُمَّ اعْتَمَدَ عَلَى الْأَرْضِ } .\rرَوَاهُ النَّسَائِيّ .\rوَلِأَنَّ ذَلِكَ أَعْوَنُ لِلْمُصَلِّي .\rوَلَنَا مَا رَوَى وَائِلُ بْنُ حُجْرٍ ، قَالَ { : رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا سَجَدَ وَضَعَ رُكْبَتَيْهِ قَبْلَ يَدَيْهِ ، وَإِذَا نَهَضَ رَفَعَ يَدَيْهِ قَبْلَ رُكْبَتَيْهِ } رَوَاهُ النَّسَائِيّ ، وَالْأَثْرَمُ ، وَفِي لَفْظٍ { : وَإِذَا نَهَضَ نَهَضَ عَلَى رُكْبَتَيْهِ ، وَاعْتَمَدَ عَلَى","part":2,"page":423},{"id":923,"text":"فَخِذَيْهِ } .\rوَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ : { نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَعْتَمِدَ الرَّجُلُ عَلَى يَدَيْهِ إذَا نَهَضَ فِي الصَّلَاةِ } .\rرَوَاهُمَا أَبُو دَاوُد ، وَقَالَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ { : إنَّ مِنْ السُّنَّةِ فِي الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ ، إذَا نَهَضَ الرَّجُلُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ ، أَنْ لَا يَعْتَمِدَ بِيَدَيْهِ عَلَى الْأَرْضِ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ شَيْخًا كَبِيرًا لَا يَسْتَطِيعُ } .\rرَوَاهُ الْأَثْرَمُ .\rوَقَالَ أَحْمَدُ : بِذَلِكَ جَاءَ الْأَثَرُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ فِي الصَّلَاةِ يَنْهَضُ عَلَى صُدُورِ قَدَمَيْهِ } .\rرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ .\rوَقَالَ : يَرْوِيهِ خَالِدُ بْنُ إلْيَاسَ .\rقَالَ أَحْمَدُ : تَرَكَ النَّاسُ حَدِيثَهُ .\rوَلِأَنَّهُ أَشَقُّ فَكَانَ أَفْضَلَ ، كَالتَّجَافِي وَالِافْتِرَاشِ .\rوَحَدِيثُ مَالِكٍ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَشَقَّةِ الْقِيَامِ عَلَيْهِ لِضَعْفِهِ وَكِبَرِهِ ، فَإِنَّهُ قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { إنِّي قَدْ بَدَّنْتُ ، فَلَا تَسْبِقُونِي بِالرُّكُوعِ وَلَا بِالسُّجُودِ }","part":2,"page":424},{"id":924,"text":"( 739 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : : ( إلَّا أَنْ يَشُقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ ، فَيَعْتَمِدَ بِالْأَرْضِ ) يَعْنِي إذَا شَقَّ عَلَيْهِ النُّهُوضُ عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا ، فَلَا بَأْسَ بِاعْتِمَادِهِ عَلَى الْأَرْضِ بِيَدَيْهِ ، لَا نَعْلَمُ أَحَدًا خَالَفَ فِي هَذَا ، وَقَدْ دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيثُ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ ، وَقَوْلُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : إلَّا أَنْ يَكُونَ شَيْخًا كَبِيرًا .\rوَمَشَقَّةُ ذَلِكَ تَكُونُ لِكِبَرٍ ، أَوْ ضَعْفٍ ، أَوْ مَرَضٍ ، أَوْ سِمَنٍ ، وَنَحْوِهِ .","part":2,"page":425},{"id":925,"text":"( 740 ) فَصْلٌ : يُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ ابْتِدَاءُ تَكْبِيرِهِ مَعَ ابْتِدَاءِ رَفْعِ رَأْسِهِ مِنْ السُّجُودِ ، وَانْتِهَاؤُهُ عِنْدَ اعْتِدَالِهِ قَائِمًا ، لِيَكُونَ مُسْتَوْعِبًا بِالتَّكْبِيرِ جَمِيعَ الرُّكْنِ الْمَشْرُوعِ فِيهِ ، وَعَلَى هَذَا بَقِيَّةُ التَّكْبِيرَاتِ ، إلَّا مَنْ جَلَسَ جَلْسَةَ الِاسْتِرَاحَةِ ، فَإِنَّهُ يَنْتَهِي تَكْبِيرُهُ عِنْدَ انْتِهَاءِ جُلُوسِهِ ، ثُمَّ يَنْهَضُ لِلْقِيَامِ بِغَيْرِ تَكْبِيرٍ .\rوَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : يَنْهَضُ مُكَبِّرًا .\rوَلَيْسَ بِصَحِيحٍ ؛ فَإِنَّهُ يُفْضِي إلَى أَنْ يُوَالِيَ بَيْنَ تَكْبِيرَتَيْنِ فِي رُكْنٍ وَاحِدٍ لَمْ يَرِدْ الشَّرْعُ بِجَمْعِهِمَا فِيهِ .","part":2,"page":426},{"id":926,"text":"( 741 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَيَفْعَلُ فِي الثَّانِيَةِ مِثْلَ مَا فَعَلَ فِي الْأُولَى ) يَعْنِي يَصْنَعُ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ الصَّلَاةِ مِثْلَ مَا صَنَعَ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى عَلَى مَا وُصِفَ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصَفَ الرَّكْعَةَ الْأُولَى لِلْمُسِيءِ فِي صَلَاتِهِ ، ثُمَّ قَالَ { : افْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلَاتِك كُلِّهَا } .\rوَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ نَعْلَمُهُ ، إلَّا أَنَّ الثَّانِيَةَ تَنْقُصُ النِّيَّةَ وَتَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ وَالِاسْتِفْتَاحَ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُرَادُ لِافْتِتَاحِ الصَّلَاةِ ، وَقَدْ رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ { : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا نَهَضَ مِنْ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ اسْتَفْتَحَ الْقِرَاءَةَ بِالْحَمْدِ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ، وَلَمْ يَسْكُتْ } .\rوَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَسْتَفْتِحُ وَلَا يَسْتَعِيذُ ، وَلَا نَعْلَمُ فِي تَرْكِ هَذِهِ الْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ خِلَافًا ، فِيمَا عَدَا الرَّكْعَةَ الثَّالِثَةَ .\rفَأَمَّا الِاسْتِعَاذَةُ فَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ فِيهَا فِي كُلِّ رَكْعَةٍ ، فَعَنْهُ أَنَّهَا تَخْتَصُّ بِالرَّكْعَةِ الْأُولَى .\rوَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ ، وَالْحَسَنِ ، وَالنَّخَعِيِّ ، وَالثَّوْرِيِّ ؛ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ هَذَا ، وَلِأَنَّ الصَّلَاةَ جُمْلَةٌ وَاحِدَةٌ فَالْقِرَاءَةُ فِيهَا كُلِّهَا كَالْقِرَاءَةِ الْوَاحِدَةِ ، وَلِذَلِكَ اعْتَبَرْنَا التَّرْتِيبَ فِي الْقِرَاءَةِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ سَجَدَ لِلتِّلَاوَةِ فِي أَثْنَاءِ قِرَاءَتِهِ .\rفَإِذَا أَتَى بِالِاسْتِعَاذَةِ فِي أَوَّلِهَا كَفَى ذَلِكَ كَالِاسْتِفْتَاحِ .\rفَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ ، إذَا تَرَكَ الِاسْتِعَاذَةَ فِي الْأُولَى لِنِسْيَانٍ أَوْ غَيْرِهِ ، أَتَى بِهَا فِي الثَّانِيَةِ ، وَالِاسْتِفْتَاحُ بِخِلَافِ ذَلِكَ .\rنُصَّ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ الِاسْتِفْتَاحَ لِافْتِتَاحِ الصَّلَاةِ ، فَإِذَا فَاتَ فِي أَوَّلِهَا فَاتَ مَحِلُّهُ .\rوَالِاسْتِعَاذَةُ لِلْقِرَاءَةِ ، وَهُوَ يَسْتَفْتِحُهَا فِي الثَّانِيَةِ ، وَإِنْ شَرَعَ فِي الْقِرَاءَةِ قَبْلَ الِاسْتِعَاذَةِ ، لَمْ يَأْتِ","part":2,"page":427},{"id":927,"text":"بِهَا فِي تِلْكَ الرَّكْعَةِ ؛ لِأَنَّهَا سُنَّةٌ فَاتَ مَحِلُّهَا .\rوَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ ، يَسْتَعِيذُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ .\rوَهُوَ قَوْلُ ابْنِ سِيرِينَ ، وَالشَّافِعِيِّ ، لِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى : { فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاَللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ } .\rفَيَقْتَضِي ذَلِكَ تَكْرِيرَ الِاسْتِعَاذَةِ عِنْدَ تَكْرِيرِ الْقِرَاءَةِ ، وَلِأَنَّهَا مَشْرُوعَةٌ لِلْقِرَاءَةِ ، فَتُكَرَّرُ بِتَكَرُّرِهَا ، كَمَا لَوْ كَانَتْ فِي صَلَاتَيْنِ .","part":2,"page":428},{"id":928,"text":"فَصْلٌ : وَالْمَسْبُوقُ إذَا أَدْرَكَ الْإِمَامَ فِيمَا بَعْدَ الرَّكْعَةِ الْأُولَى لَمْ يَسْتَفْتِحْ ، وَأَمَّا الِاسْتِعَاذَةُ ، فَإِنْ قُلْنَا : تَخْتَصُّ بِالرَّكْعَةِ الْأُولَى .\rلَمْ يَسْتَعِذْ ؛ لِأَنَّ مَا يُدْرِكُهُ الْمَأْمُومُ مَعَ الْإِمَامِ آخِرُ صَلَاتِهِ فَإِذَا قَامَ لِلْقَضَاءِ اسْتَفْتَحَ وَاسْتَعَاذَ .\rنَصَّ عَلَى هَذَا أَحْمَدُ .\rوَإِنْ قُلْنَا : يَسْتَعِيذُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ .\rاسْتَعَاذَ ؛ لِأَنَّ الِاسْتِعَاذَةَ فِي أَوَّلِ قِرَاءَةِ كُلِّ رَكْعَةٍ ، فَإِذَا أَرَادَ الْمَأْمُومُ الْقِرَاءَةَ اسْتَعَاذَ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاَللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ }","part":2,"page":429},{"id":929,"text":"( 743 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( فَإِذَا جَلَسَ فِيهَا لِلتَّشَهُّدِ يَكُونُ كَجُلُوسِهِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ إذَا صَلَّى رَكْعَتَيْنِ جَلَسَ لِلتَّشَهُّدِ ، وَهَذَا الْجُلُوسُ وَالتَّشَهُّدُ فِيهِ مَشْرُوعَانِ بِلَا خِلَافٍ ، وَقَدْ نَقَلَهُ الْخَلَفُ عَنْ السَّلَفِ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَقْلًا مُتَوَاتِرًا ، وَالْأُمَّةُ تَفْعَلُهُ فِي صَلَاتِهَا ؛ فَإِنْ كَانَتْ الصَّلَاةُ مَغْرِبًا أَوْ رُبَاعِيَّةً ، فَهُمَا وَاجِبَانِ فِيهَا ، عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ اللَّيْثِ ، وَإِسْحَاقَ .\rوَالْأُخْرَى : لَيْسَا بِوَاجِبَيْنِ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُمَا يَسْقُطَانِ بِالسَّهْوِ ، فَأَشْبَهَا السُّنَنَ .\rوَلَنَا ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَلَهُ ، وَدَاوَمَ عَلَى فِعْلِهِ ، وَأَمَرَ بِهِ } فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، فَقَالَ : \" قُولُوا : التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ \" .\rوَسَجَدَ لِلسَّهْوِ حِينَ نَسِيَهُ .\rوَقَدْ قَالَ : { صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي .\r} وَإِنَّمَا سَقَطَ بِالسَّهْوِ إلَى بَدَلٍ ، فَأَشْبَهَ جُبْرَانَاتِ الْحَجِّ تُجْبَرُ بِالدَّمِ ، بِخِلَافِ السُّنَنِ ، وَلِأَنَّهُ أَحَدُ التَّشَهُّدَيْنِ ، فَكَانَ وَاجِبًا كَالْآخَرِ .\rوَصِفَةُ الْجُلُوسِ لِهَذَا التَّشَهُّدِ كَصِفَةِ الْجُلُوسِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ ؛ يَكُونُ مُفْتَرِشًا كَمَا وَصَفْنَا .\rوَسَوَاءٌ كَانَ آخِرَ صَلَاتِهِ أَوْ لَمْ يَكُنْ .\rوَبِهَذَا قَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ، وَقَالَ مَالِكٌ : يَكُونُ مُتَوَرِّكًا عَلَى كُلِّ حَالٍ ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ مَسْعُودٍ { ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَجْلِسُ فِي وَسَطِ الصَّلَاةِ وَآخِرِهَا مُتَوَرِّكًا .\r} وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : إنْ كَانَ مُتَوَسِّطًا كَقَوْلِنَا ، وَإِنْ كَانَ آخِرَ صَلَاتِهِ كَقَوْلِ مَالِكٍ .\rوَلَنَا ، حَدِيثُ أَبِي حُمَيْدٍ { ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَلَسَ - يَعْنِي لِلتَّشَهُّدِ - فَافْتَرَشَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى ، وَأَقْبَلَ بِصَدْرِ الْيُمْنَى عَلَى قِبْلَتِهِ .\r} وَقَالَ وَائِلُ بْنُ","part":2,"page":430},{"id":930,"text":"حُجْرٍ : قُلْت : لَأَنْظُرَنَّ إلَى صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\r{ فَلَمَّا جَلَسَ - يَعْنِي لِلتَّشَهُّدِ - افْتَرَشَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى ، وَوَضَعَ يَدَهُ الْيُسْرَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُسْرَى ، وَنَصَبَ رِجْلَهُ الْيُمْنَى } .\rوَهَذَانِ حَدِيثَانِ صَحِيحَانِ حَسَنَانِ ، يَتَعَيَّنُ الْأَخْذُ بِهِمَا ، وَتَقْدِيمُهُمَا عَلَى حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ ؛ لِصِحَّتِهِمَا وَكَثْرَةِ رُوَاتِهِمَا ، فَإِنَّ أَبَا حُمَيْدٍ ذَكَرَ حَدِيثَهُ فِي عَشَرَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ فَصَدَّقُوهُ ، وَهُمَا مُتَأَخِّرَانِ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ بِالْآخِرِ فَالْآخِرِ مِنْ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ بَيَّنَ أَبُو حُمَيْدٍ فِي حَدِيثِهِ الْفَرْقَ بَيْنَ التَّشَهُّدَيْنِ ، فَتَكُونُ زِيَادَةً ، وَالْأَخْذُ بِالزِّيَادَةِ وَاجِبٌ .","part":2,"page":431},{"id":931,"text":"( 744 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( ثُمَّ يَبْسُطُ كَفَّهُ الْيُسْرَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُسْرَى ، وَيَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُمْنَى ، وَيُحَلِّقُ الْإِبْهَامَ مَعَ الْوُسْطَى ؛ وَيُشِيرُ بِالسَّبَّابَةِ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلْمُصَلِّي إذَا جَلَسَ لِلتَّشَهُّدِ وَضْعُ الْيَدِ الْيُسْرَى عَلَى فَخِذِ الْيُسْرَى ، مَبْسُوطَةً مَضْمُومَةَ الْأَصَابِعِ ، مُسْتَقْبِلًا بِجَمِيعِ أَطْرَافِ أَصَابِعِهَا الْقِبْلَةَ ، وَيَضَعُ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُمْنَى ، يَقْبِضُ مِنْهَا الْخِنْصَرَ وَالْبِنْصِرَ ، وَيُحَلِّقُ الْإِبْهَامَ مَعَ الْوُسْطَى ، وَيُشِيرُ بِالسَّبَّابَةِ ، وَهِيَ الْإِصْبَعُ الَّتِي تَلِي الْإِبْهَامَ ؛ لِمَا رَوَى وَائِلُ بْنُ حُجْرٌ { ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَضَعَ مَرْفِقَهُ الْأَيْمَنَ عَلَى فَخِذِهِ الْيُمْنَى ، ثُمَّ عَقَدَ مِنْ أَصَابِعِهِ الْخِنْصَرَ وَاَلَّتِي تَلِيهَا ، وَحَلَّقَ حَلْقَةً بِإِصْبَعِهِ الْوُسْطَى وَالْإِبْهَامِ ، وَرَفَعَ السَّبَّابَةَ مُشِيرًا بِهَا } .\rقَالَ أَبُو الْحَسَنِ الْآمِدِيُّ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ يَجْمَعُ أَصَابِعَهُ الثَّلَاثَ ، وَيَعْقِدُ الْإِبْهَامَ كَعَقْدِ الْخَمْسِينَ ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى رُكْبَتِهِ الْيُمْنَى ، وَعَقَدَ ثَلَاثًا وَخَمْسِينَ ، وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ } .\rرَوَاهُ مُسْلِمٌ .\rوَقَالَ الْآمِدِيُّ : وَرُوِيَ أَنَّهُ يَبْسُطُ الْخِنْصَرَ وَالْبِنْصِرَ ؛ لِيَكُونَ مُسْتَقْبِلًا بِهِمَا الْقِبْلَةَ .\rوَالْأَوَّلُ أَوْلَى ؛ اقْتِدَاءً بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rوَيُشِيرُ بِالسَّبَّابَةِ ، يَرْفَعُهَا عِنْدَ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى فِي تَشَهُّدِهِ ؛ لِمَا رَوَيْنَا ، وَلَا يُحَرِّكُهَا ؛ لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ { ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُشِيرُ بِإِصْبَعِهِ وَلَا يُحَرِّكُهَا } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَفِي لَفْظٍ { : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا قَعَدَ - يَدْعُو - وَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى فَخِذِهِ","part":2,"page":432},{"id":932,"text":"الْيُمْنَى ، وَيَدَهُ الْيُسْرَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُسْرَى ، وَأَشَارَ بِإِصْبَعِهِ .\r}","part":2,"page":433},{"id":933,"text":"( 745 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَيَتَشَهَّدُ ، فَيَقُولُ : { التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ ، وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ .\rوَهُوَ التَّشَهُّدُ الَّذِي عَلَّمَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ } ) هَذَا التَّشَهُّدُ هُوَ الْمُخْتَارُ عِنْدَ إمَامِنَا ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ التَّابِعِينَ .\rقَالَهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَبِهِ يَقُولُ الثَّوْرِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ، وَكَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْمَشْرِقِ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : أَفْضَلُ التَّشَهُّدِ تَشَهُّدُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : \" التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ ، الزَّاكِيَاتُ لِلَّهِ ، الصَّلَوَاتُ لِلَّهِ \" ، وَسَائِرُهُ كَتَشَهُّدِ ابْنِ مَسْعُودٍ ؛ لِأَنَّ عُمَرَ قَالَهُ عَلَى الْمِنْبَرِ بِمَحْضَرٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ ، فَلَمْ يُنْكِرُوهُ ، فَكَانَ إجْمَاعًا .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : أَفْضَلُ التَّشَهُّدِ : مَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ { : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعَلِّمُنَا التَّشَهُّدَ كَمَا يُعَلِّمُنَا السُّورَةَ مِنْ الْقُرْآنِ ، فَيَقُولُ : قُولُوا : التَّحِيَّاتُ الْمُبَارَكَاتُ ، الصَّلَوَاتُ الطَّيِّبَاتُ لِلَّهِ ، سَلَامٌ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ ، سَلَامٌ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ } .\rأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَقَالَ : حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ، إلَّا أَنَّ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ \" وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ \" .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ قَالَ { : عَلَّمَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ","part":2,"page":434},{"id":934,"text":"التَّشَهُّدَ - كَفِّي بَيْنَ كَفَّيْهِ - كَمَا يُعَلِّمُنِي السُّورَةَ مِنْ الْقُرْآنِ : التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ ، وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ ، السَّلَامُ عَلَيْك أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ } .\rوَفِي لَفْظٍ { : إذَا قَعَدَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ فَلْيَقُلْ : التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ .\rوَفِيهِ : فَإِنَّكُمْ إذَا فَعَلْتُمْ ذَلِكَ فَقَدْ سَلَّمْتُمْ عَلَى كُلِّ عَبْدٍ لِلَّهِ صَالِحٍ فِي السَّمَاءِ وَفِي الْأَرْضِ .\rوَفِيهِ : فَلْيَتَخَيَّرْ مِنْ الْمَسْأَلَةِ مَا شَاءَ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rقَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ قَدْ رُوِيَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ ، وَهُوَ أَصَحُّ حَدِيثٍ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي التَّشَهُّدِ ، وَقَدْ رَوَاهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَهُ ابْنُ عُمَرَ ، وَجَابِرٌ ، وَأَبُو مُوسَى ، وَعَائِشَةُ .\rوَعَلَيْهِ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ ، فَتَعَيَّنَ الْأَخْذُ بِهِ وَتَقْدِيمُهُ .\rفَأَمَّا حَدِيثُ عُمَرَ فَلَمْ يَرْوِهِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّمَا هُوَ مِنْ قَوْلِهِ ، وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى خِلَافِهِ ، فَكَيْفَ يَكُونُ إجْمَاعًا ؟ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ الْخِلَافُ فِي إجْزَائِهِ فِي الصَّلَاةِ ، إنَّمَا الْخِلَافُ فِي الْأَوْلَى وَالْأَحْسَنِ ، وَالْأَحْسَنُ تَشَهُّدُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي عَلَّمَهُ أَصْحَابَهُ وَأَخَذُوا بِهِ .\rوَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فَانْفَرَدَ بِهِ ، وَاخْتَلَفَ عَنْهُ فِي بَعْضِ أَلْفَاظِهِ ، فَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ أَنَّهُ قَالَ : \" وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ \" كَرِوَايَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ .\rثُمَّ رِوَايَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ أَصَحُّ إسْنَادًا ، وَأَكْثَرُ رُوَاةً ، وَقَدْ اتَّفَقَ عَلَى رِوَايَتِهِ جَمَاعَةٌ مِنْ الصَّحَابَةِ فَيَكُونُ أَوْلَى ، ثُمَّ هُوَ مُتَضَمِّنٌ لِلزِّيَادَةِ ، وَفِيهِ الْعَطْفُ بِوَاوِ الْعَطْفِ ، وَهُوَ أَشْهَرُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ ، وَفِيهِ","part":2,"page":435},{"id":935,"text":"السَّلَامُ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ ، وَهُمَا لِلِاسْتِغْرَاقِ .\rوَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْأَسْوَدِ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ { ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَّمَهُ التَّشَهُّدَ فِي الصَّلَاةِ ، قَالَ : وَكُنَّا نَتَحَفَّظُهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ كَمَا نَتَحَفَّظُ حُرُوفَ الْقُرْآنِ } الْوَاوَ وَالْأَلِفَ .\rوَهَذَا يَدُلُّ عَلَى ضَبْطِهِ ، فَكَانَ أَوْلَى .\r( 746 ) فَصْلٌ : وَبِأَيِّ تَشَهُّدٍ تَشَهَّدَ مِمَّا صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَازَ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فَقَالَ : تَشَهُّدُ عَبْدِ اللَّهِ أَعْجَبُ إلَيَّ ، وَإِنْ تَشَهَّدَ بِغَيْرِهِ فَهُوَ جَائِزٌ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا عَلَّمَهُ الصَّحَابَةَ مُخْتَلِفًا دَلَّ عَلَى جَوَازِ الْجَمِيعِ ، كَالْقِرَاءَاتِ الْمُخْتَلِفَةِ الَّتِي اشْتَمَلَ عَلَيْهَا الْمُصْحَفُ .\rقَالَ الْقَاضِي : وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ إذَا أَسْقَطَ لَفْظَةً هِيَ سَاقِطَةٌ فِي بَعْضِ التَّشَهُّدَاتِ الْمَرْوِيَّةِ صَحَّ تَشَهُّدُهُ ، فَعَلَى هَذَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ : أَقَلُّ مَا يُجْزِئُ التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ ، السَّلَامُ عَلَيْك أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ، أَوْ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ .\rوَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد : إذَا قَالَ : \" وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ \" .\rوَلَمْ يَذْكُرْ \" وَأَشْهَدُ \" أَرْجُو أَنْ يُجْزِئَهُ .\rقَالَ ابْنُ حَامِدٍ : رَأَيْت بَعْضَ أَصْحَابِنَا يَقُولُ : لَوْ تَرَكَ وَاوًا أَوْ حَرْفًا أَعَادَ الصَّلَاةَ ؛ لِقَوْلِ الْأَسْوَدِ : فَكُنَّا نَتَحَفَّظُهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ كَمَا نَتَحَفَّظُ حُرُوفَ الْقُرْآنِ .\rوَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا ، وَقَوْلُ الْأَسْوَدِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأَوْلَى وَالْأَحْسَنَ الْإِتْيَانُ بِلَفْظِهِ وَحُرُوفِهِ ، وَهُوَ الَّذِي ذَكَرْنَا أَنَّهُ الْمُخْتَارُ ، وَعَلَى أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ كَانَ يُرَخِّصُ فِي إبْدَالِ","part":2,"page":436},{"id":936,"text":"لَفَظَاتٍ مِنْ الْقُرْآنِ ، فَالتَّشَهُّدُ أَوْلَى ، فَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّ إنْسَانًا كَانَ يَقْرَأُ عَلَيْهِ { : إنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعَامُ الْأَثِيمِ } .\rفَيَقُولُ : طَعَامُ الْيَتِيمِ .\rفَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ : قُلْ طَعَامُ الْفَاجِرِ .\rفَأَمَّا مَا اجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ التَّشَهُّدَاتُ كُلُّهَا فَيَتَعَيَّنُ الْإِتْيَانُ بِهِ ، وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\r( 747 ) فَصْلٌ : وَلَا تُسْتَحَبُّ الزِّيَادَةُ عَلَى هَذَا التَّشَهُّدِ ، وَلَا تَطْوِيلُهُ ، وَبِهَذَا قَالَ النَّخَعِيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَإِسْحَاقُ .\rوَعَنْ الشَّعْبِيِّ أَنَّهُ لَمْ يَرَ بَأْسًا أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِ .\rوَكَذَلِكَ قَالَ الشَّافِعِيُّ ؛ وَعَنْ عُمَرَ ، أَنَّهُ كَانَ إذَا تَشَهَّدَ قَالَ : بِسْمِ اللَّهِ خَيْرِ الْأَسْمَاءِ .\rوَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ، أَنَّهُ كَانَ يُسَمِّي فِي أَوَّلِهِ ، وَقَالَ زِدْت فِيهِ : وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ .\rوَأَبَاحَ الدُّعَاءَ فِيهِ بِمَا بَدَا لَهُ .\rوَقَالَ أَيُّوبُ ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، وَهِشَامٌ بِقَوْلِ عُمَرَ فِي التَّسْمِيَةِ ، وَقَدْ رَوَى جَابِرٌ قَالَ ، { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعَلِّمُنَا التَّشَهُّدَ كَمَا يُعَلِّمُنَا السُّورَةَ مِنْ الْقُرْآنِ : بِسْمِ اللَّهِ ، التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ .\rوَذَكَرَ التَّشَهُّدَ كَتَشَهُّدِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَسْأَلُ اللَّهَ الْجَنَّةَ وَأَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ النَّارِ } ، رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَابْنُ مَاجَهْ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : ذَلِكَ وَاسِعٌ .\rوَسَمِعَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَجُلًا يَقُولُ : \" بِسْمِ اللَّهِ \" .\rفَانْتَهَرَهُ .\rوَبِهِ قَالَ مَالِكٌ ، وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ وَابْنُ الْمُنْذِرِ ، وَالشَّافِعِيُّ .\rوَهُوَ الصَّحِيحُ ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ مَسْعُودٍ { ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَجْلِسُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ ، كَأَنَّهُ عَلَى الرَّضْفِ حَتَّى يَقُومَ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَالرَّضْفُ : هِيَ الْحِجَارَةُ الْمُحْمَاةُ .\rيَعْنِي لِمَا يُخَفِّفُهُ .\rوَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُطَوِّلْهُ ، وَلَمْ يَزِدْ عَلَى التَّشَهُّدِ شَيْئًا .\rوَرُوِيَ عَنْ","part":2,"page":437},{"id":937,"text":"مَسْرُوقٍ ، قَالَ : كُنَّا إذَا جَلَسْنَا مَعَ أَبِي بَكْرٍ كَأَنَّهُ عَلَى الرَّضْفِ حَتَّى يَقُومَ .\rرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ .\rوَقَالَ حَنْبَلٌ : رَأَيْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يُصَلِّي ، فَإِذَا جَلَسَ فِي الْجَلْسَةِ بَعْدَ الرَّكْعَتَيْنِ أَخَفَّ الْجُلُوسَ ، ثُمَّ يَقُومُ كَأَنَّهُ عَلَى الرَّضْفِ ، وَإِنَّمَا قَصَدَ الِاقْتِدَاءَ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصَاحِبِهِ .\rوَلِأَنَّ الصَّحِيحَ مِنْ التَّشَهُّدَاتِ لَيْسَ فِيهِ تَسْمِيَةٌ وَلَا شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ الزِّيَادَاتِ ، فَيَقْتَصِرُ عَلَيْهَا ، وَلَمْ تَصِحَّ التَّسْمِيَةُ عِنْدَ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ ، وَلَا غَيْرُهَا مِمَّا وَقَعَ الْخِلَافُ فِيهِ ، وَإِنْ فَعَلَهُ جَازَ ؛ لِأَنَّهُ ذِكْرٌ .\r( 748 ) فَصْلٌ : وَإِذَا أَدْرَكَ بَعْضَ الصَّلَاةِ مَعَ الْإِمَامِ ، فَجَلَسَ الْإِمَامُ فِي آخِرِ صَلَاتِهِ ، لَمْ يَزِدْ الْمَأْمُومُ عَلَى التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ ، بَلْ يُكَرِّرُهُ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِيمَنْ أَدْرَكَ مَعَ الْإِمَامِ رَكْعَةً ، قَالَ : يُكَرِّرُ التَّشَهُّدَ ، وَلَا يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا يَدْعُو بِشَيْءٍ مِمَّا يُدْعَى بِهِ فِي التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا يَكُونُ فِي التَّشَهُّدِ الَّذِي يُسَلِّمُ عَقِيبَهُ ، وَلَيْسَ هَذَا كَذَلِكَ .","part":2,"page":438},{"id":938,"text":"( 749 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( ثُمَّ يَنْهَضُ مُكَبِّرًا كَنُهُوضِهِ مِنْ السُّجُودِ ) يَعْنِي إذَا فَرَغَ مِنْ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ نَهَضَ قَائِمًا عَلَى صَدْرِ قَدَمَيْهِ ، مُعْتَمِدًا عَلَى رُكْبَتَيْهِ ، عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فِي نُهُوضِهِ مِنْ السُّجُودِ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى ، وَلَا يُقَدِّمُ إحْدَى رِجْلَيْهِ عِنْدَ النُّهُوضِ .\rكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ .\rوَكَرِهَهُ إِسْحَاقُ .\rوَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ ذَلِكَ يَقْطَعُ الصَّلَاةَ .\rوَرَخَّصَ فِيهِ مُجَاهِدٌ ، وَإِسْحَاقُ لِلشَّيْخِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ كَرِهَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَيُمْكِنُ الشَّيْخَ أَنْ يَعْتَمِدَ عَلَى يَدَيْهِ ، فَيَسْتَغْنِيَ عَنْهُ ، وَلَا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِهِ ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِعَمَلٍ كَثِيرٍ ، وَلَا وُجِدَ فِيهِ مَا يَقْتَضِي الْبُطْلَانَ .\r( 750 ) فَصْلٌ : ثُمَّ يُصَلِّي الثَّالِثَةَ وَالرَّابِعَةَ كَالثَّانِيَةِ ، إلَّا أَنَّهُ : لَا يَقْرَأُ فِيهِمَا شَيْئًا بَعْدَ الْفَاتِحَةِ ، وَلَا يَجْهَرُ فِيهِمَا فِي صَلَاةِ الْجَهْرِ .\rوَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .","part":2,"page":439},{"id":939,"text":"( 751 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( فَإِذَا جَلَسَ لِلتَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ تَوَرَّكَ ، فَنَصَبَ رِجْلَهُ الْيُمْنَى ، وَجَعَلَ بَاطِنَ رِجْلِهِ الْيُسْرَى تَحْتَ فَخِذِهِ الْيُمْنَى ، وَيَجْعَلُ أَلْيَتَيْهِ عَلَى الْأَرْضِ ) السُّنَّةُ عِنْدَ إمَامِنَا ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، التَّوَرُّكُ فِي التَّشَهُّدِ الثَّانِي .\rوَإِلَيْهِ ذَهَبَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ : يَجْلِسُ مُفْتَرِشًا كَجُلُوسِهِ فِي الْأَوَّلِ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ حَدِيثِ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ ، وَأَبِي حُمَيْدٍ ، فِي صِفَةِ جُلُوسِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rوَلَنَا قَوْلُ أَبِي حُمَيْدٍ : حَتَّى { إذَا كَانَتْ الرَّكْعَةُ الَّتِي يَقْضِي فِيهَا صَلَاتَهُ أَخَّرَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى ، وَجَلَسَ مُتَوَرِّكًا عَلَى شِقِّهِ الْأَيْسَرِ .\r} وَهَذَا بَيَانُ الْفَرْقِ بَيْنَ التَّشَهُّدَيْنِ ، وَزِيَادَةٌ يَجِبُ الْأَخْذُ بِهَا وَالْمَصِيرُ إلَيْهَا ، وَاَلَّذِي احْتَجُّوا بِهِ فِي التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ ، لَا نِزَاعَ بَيْنَنَا فِيهِ ، وَأَبُو حُمَيْدٍ - رَاوِي حَدِيثِهِمْ - بَيَّنَ فِي حَدِيثِهِ أَنَّ افْتِرَاشَهُ كَانَ فِي التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ ، وَأَنَّهُ تَوَرَّكَ فِي الثَّانِي ، فَيَجِبُ الْمَصِيرُ إلَى قَوْلِهِ وَبَيَانِهِ .\rفَأَمَّا صِفَةُ التَّوَرُّكِ ، فَقَالَ الْخِرَقِيِّ : يَنْصِبُ رِجْلَهُ الْيُمْنَى ، وَيَجْعَلُ بَاطِنَ رِجْلِهِ الْيُسْرَى تَحْتَ فَخِذِهِ الْيُمْنَى ، وَيَجْعَلُ أَلْيَتَيْهِ عَلَى الْأَرْضِ .\rوَذَكَرَ الْقَاضِي مِثْلَ ذَلِكَ ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ { : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا قَعَدَ فِي الصَّلَاةِ جَعَلَ قَدَمَهُ الْيُسْرَى تَحْتَ فَخِذِهِ وَسَاقِهِ ، وَفَرَشَ قَدَمَهُ الْيُمْنَى .\r} رَوَاهُ مُسْلِمٌ ، وَأَبُو دَاوُد وَفِي بَعْضِ أَلْفَاظِ حَدِيثِ أَبِي حُمَيْدٍ ، قَالَ { : جَلَسَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَلْيَتَيْهِ ، وَجَعَلَ بَطْنَ قَدَمِهِ عِنْدَ مَأْبِضِ الْيُمْنَى ، وَنَصَبَ قَدَمَهُ الْيُمْنَى } .\rوَرَوَى الْأَثْرَمُ فِي صِفَتِهِ ، قَالَ : رَأَيْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يَتَوَرَّكُ فِي الرَّابِعَةِ فِي","part":2,"page":440},{"id":940,"text":"التَّشَهُّدِ ، فَيُدْخِلُ رِجْلَهُ الْيُسْرَى ، يُخْرِجُهَا مِنْ تَحْتِ سَاقِهِ الْأَيْمَنِ ، وَلَا يَقْعُدُ عَلَى شَيْءٍ مِنْهَا ، وَيَنْصِبُ الْيُمْنَى ، وَيَفْتَحُ أَصَابِعَهُ ، وَيُنَحِّي عَجُزَهُ كُلَّهُ ، وَيَسْتَقْبِلُ بِأَصَابِعِهِ الْيُمْنَى الْقِبْلَةَ ، وَرُكْبَتُهُ الْيُمْنَى عَلَى الْأَرْضِ مُلْزَقَةٌ .\rوَهَكَذَا ذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ ، وَأَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ ، وَإِنَّ أَبَا حُمَيْدٍ ، قَالَ فِي صِفَةِ صَلَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : فَإِذَا كَانَ فِي الرَّابِعَةِ أَفْضَى بِوَرِكِهِ الْيُسْرَى إلَى الْأَرْضِ ، وَأَخْرَجَ قَدَمَيْهِ مِنْ نَاحِيَةٍ وَاحِدَةٍ .\r} رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَأَيُّهُمَا فُعِلَ فَحَسَنٌ .","part":2,"page":441},{"id":941,"text":"( 752 ) فَصْلٌ : وَهَذَا التَّشَهُّدُ وَالْجُلُوسُ لَهُ مِنْ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ ، وَمِمَّنْ قَالَ بِوُجُوبِهِ عُمَرُ ، وَابْنُهُ وَأَبُو مَسْعُودٍ الْبَدْرِيُّ ، وَالْحَسَنُ ، وَالشَّافِعِيُّ .\rوَلَمْ يُوجِبْهُ مَالِكٌ ، وَلَا أَبُو حَنِيفَةَ ، إلَّا أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ أَوْجَبَ الْجُلُوسَ قَدْرَ التَّشَهُّدِ .\rوَتَعَلُّقًا بِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُعَلِّمْهُ الْأَعْرَابِيَّ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ وَاجِبٍ .\rوَلَنَا ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِهِ فَقَالَ : قُولُوا : التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ .\r} وَأَمْرُهُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ ، وَفَعَلَهُ ، وَدَاوَمَ عَلَيْهِ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ : { كُنَّا نَقُولُ ، قَبْلَ أَنْ يُفْرَضُ عَلَيْنَا التَّشَهُّدُ : السَّلَامُ عَلَى اللَّهِ قَبْلَ عِبَادِهِ ، السَّلَامُ عَلَى جِبْرِيلَ ، السَّلَامُ عَلَى مِيكَائِيلَ .\rفَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا تَقُولُوا : السَّلَامُ عَلَى اللَّهِ .\rوَلَكِنْ قُولُوا : التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ .\rإلَى آخِرِهِ ، } وَهَذَا يَدُلُّ أَنَّهُ فُرِضَ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ مَفْرُوضًا ، وَحَدِيثُ الْأَعْرَابِيِّ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ كَانَ قَبْلَ أَنْ يُفْرَضَ التَّشَهُّدُ ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ تَرَكَ تَعْلِيمَهُ لِأَنَّهُ لَمْ يَرَهُ أَسَاءَ فِي تَرْكِهِ .","part":2,"page":442},{"id":942,"text":"( 753 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَلَا يُتَوَرَّكُ إلَّا فِي صَلَاةٍ فِيهَا تَشَهُّدَانِ فِي الْأَخِيرِ مِنْهُمَا ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ جَمِيعَ جَلَسَاتِ الصَّلَاةِ لَا يُتَوَرَّكُ فِيهَا إلَّا فِي تَشَهُّدٍ ثَانٍ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يُسَنُّ التَّوَرُّكُ فِي كُلِّ تَشَهُّدٍ يُسَلِّمُ فِيهِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ثَانِيًا ، كَتَشَهُّدِ الصُّبْحِ وَالْجُمُعَةِ وَصَلَاةِ التَّطَوُّعِ ؛ لِأَنَّهُ تَشَهُّدٌ يُسَنُّ تَطْوِيلُهُ ، فَسُنَّ فِيهِ التَّوَرُّكُ كَالثَّانِي .\rوَلَنَا ، حَدِيثُ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ { ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا جَلَسَ لِلتَّشَهُّدِ افْتَرَشَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى ، وَنَصَبَ رِجْلَهُ الْيُمْنَى .\rوَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ مَا يُسَلِّمُ فِيهِ وَمَا لَا يُسَلِّمُ .\r} وَقَالَتْ عَائِشَةُ { : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِي كُلِّ رَكْعَتَيْنِ التَّحِيَّةَ ، وَكَانَ يَفْرِشُ رِجْلَهُ الْيُسْرَى وَيَنْصِبُ الْيُمْنَى } .\rرَوَاهُ مُسْلِمٌ .\rوَهَذَانِ يَقْضِيَانِ عَلَى كُلِّ تَشَهُّدٍ بِالِافْتِرَاشِ ، إلَّا مَا خَرَجَ مِنْهُ لِحَدِيثِ أَبِي حُمَيْدٍ فِي التَّشَهُّدِ الثَّانِي ، فَيَبْقَى فِيمَا عَدَاهُ عَلَى قَضِيَّةِ الْأَصْلِ ، وَلِأَنَّ هَذَا لَيْسَ بِتَشَهُّدٍ ثَانٍ ، فَلَا يَتَوَرَّكُ فِيهِ كَالْأَوَّلِ ، وَهَذَا لِأَنَّ التَّشَهُّدَ الثَّانِيَ ، إنَّمَا تَوَرَّكَ فِيهِ لِلْفَرْقِ بَيْنَ التَّشَهُّدَيْنِ ، وَمَا لَيْسَ فِيهِ إلَّا تَشَهُّدٌ وَاحِدٌ لَا اشْتِبَاهَ فِيهِ ، فَلَا حَاجَةَ إلَى الْفَرْقِ ، وَمَا ذَكَرُوهُ مِنْ الْمَعْنَى إنْ صَحَّ فَيُضَمُّ إلَيْهِ هَذَا الْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرْنَاهُ ، وَنُعَلِّلُ الْحُكْمَ بِهِمَا ، وَالْحُكْمُ إذَا عُلِّلَ بِعِلَّتَيْنِ لَمْ يَجُزْ تَعَدِّيهِ لِتَعَدِّي أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .\r( 754 ) فَصْلٌ : قِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ : فَمَا تَقُولُ فِي تَشَهُّدِ سُجُودِ السَّهْوِ ؟ فَقَالَ \" يُتَوَرَّكُ فِيهِ أَيْضًا ، هُوَ مِنْ بَقِيَّةِ الصَّلَاةِ .\rيَعْنِي إذَا كَانَ مِنْ السُّجُودِ فِي صَلَاةٍ رُبَاعِيَّةٍ ؛ لِأَنَّ تَشَهُّدَهَا يُتَوَرَّكُ فِيهِ ، وَهَذَا تَابِعٌ لَهُ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : يُتَوَرَّكُ فِي كُلِّ","part":2,"page":443},{"id":943,"text":"تَشَهُّدٍ لِسُجُودِ السَّهْوِ بَعْدَ السَّلَامِ ، سَوَاءٌ كَانَتْ الصَّلَاةُ رُبَاعِيَّةً أَوْ رَكْعَتَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ تَشَهُّدٌ ثَانٍ فِي الصَّلَاةِ ، وَيُحْتَاجُ إلَى الْفَرْقِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ تَشَهُّدِ صُلْبِ الصَّلَاةِ .\rوَقَالَ الْأَثْرَمُ : قُلْت لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ : الرَّجُلُ يَجِيءُ فَيُدْرِكُ مَعَ الْإِمَامِ رَكْعَةً ، فَيَجْلِسُ الْإِمَامُ فِي الرَّابِعَةِ ، أَيَتَوَرَّكُ مَعَهُ الرَّجُلُ الَّذِي جَاءَ فِي هَذِهِ الْجَلْسَةِ ؟ فَقَالَ : إنْ شَاءَ تَوَرَّكَ .\rقُلْت : فَإِذَا قَامَ يَقْضِي ، يَجْلِسُ فِي الرَّابِعَةِ هُوَ ، فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَوَرَّكَ ؟ فَقَالَ : نَعَمْ ، يَتَوَرَّكُ ، هَذَا لِأَنَّهَا هِيَ الرَّابِعَةُ لَهُ ، نَعَمْ يَتَوَرَّكُ ، وَيُطِيلُ الْجُلُوسَ فِي التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ .\rقَالَ الْقَاضِي : قَوْلُهُ : إنْ شَاءَ تَوَرَّكَ .\rعَلَى سَبِيلِ الْجَوَازِ ؛ لِأَنَّهُ مَسْنُونٌ .\rوَقَدْ صَرَّحَ فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا فِيمَنْ أَدْرَكَ مِنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ رَكْعَتَيْنِ ، لَا يَتَوَرَّكَ إلَّا فِي الْأَخِيرَتَيْنِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هَذَانِ رِوَايَتَيْنِ .","part":2,"page":444},{"id":944,"text":"مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَيَتَشَهَّدُ بِالتَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ ، وَيُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَقُولُ : اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ ، إنَّك حَمِيدٌ مَجِيدٌ ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ ، إنَّك حَمِيدٌ مَجِيدٌ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ إذَا جَلَسَ فِي آخِرِ صَلَاتِهِ فَإِنَّهُ يَتَشَهَّدُ بِالتَّشَهُّدِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ ، ثُمَّ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا ذَكَرَ الْخِرَقِيِّ ، وَهِيَ وَاجِبَةٌ فِي صَحِيحِ الْمَذْهَبِ ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَإِسْحَاقَ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ أَنَّهَا غَيْرُ وَاجِبَةٍ .\rقَالَ الْمَرُّوذِيُّ : قِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ .\rإنَّ ابْنَ رَاهْوَيْهِ يَقُولُ : لَوْ أَنَّ رَجُلًا تَرَكَ الصَّلَاةَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي التَّشَهُّدِ ، بَطَلَتْ صَلَاتُهُ .\rقَالَ : مَا أَجْتَرِئُ أَنْ أَقُولَ هَذَا .\rوَقَالَ فِي مَوْضِعٍ : هَذَا شُذُوذٌ .\rوَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُوجِبْهَا .\rوَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ ، وَأَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : هُوَ قَوْلُ جُلِّ أَهْلِ الْعِلْمِ إلَّا الشَّافِعِيَّ .\rوَكَانَ إِسْحَاقُ يَقُولُ : لَا يُجْزِئُهُ إذَا تَرَكَ ذَلِكَ عَامِدًا .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : وَبِالْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَقُولُ ؛ لِأَنَّنِي لَا أَجِدُ الدَّلَالَةَ مَوْجُودَةً فِي إيجَابِ الْإِعَادَةِ عَلَيْهِ .\rوَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ { : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَّمَهُ التَّشَهُّدَ ، ثُمَّ قَالَ : إذَا قُلْت هَذَا - أَوْ قَضَيْت هَذَا - فَقَدْ تَمَّتْ صَلَاتُك } .\rوَفِي لَفْظٍ : \" وَقَدْ قَضَيْتَ صَلَاتَكَ ، فَإِنْ شِئْتَ أَنْ تَقُومَ فَقُمْ ، وَإِنْ شِئْتَ أَنْ تَقْعُدَ فَاقْعُدْ \" رَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : إذَا تَشَهَّدَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَعِذْ بِاَللَّهِ مِنْ أَرْبَعٍ } .\rرَوَاهُ مُسْلِمٌ .\rأَمَرَنَا بِالِاسْتِعَاذَةِ عَقِيبَ التَّشَهُّدِ مِنْ","part":2,"page":445},{"id":945,"text":"غَيْرِ فَصْلٍ .\rوَلِأَنَّ الصَّحَابَةَ كَانُوا يَقُولُونَ فِي التَّشَهُّدِ قَوْلًا ، فَنَقَلَهُمْ عَنْهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى التَّشَهُّدِ وَحْدَهُ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ غَيْرُهُ ، وَلِأَنَّ الْوُجُوبَ مِنْ الشَّرْعِ ، وَلَمْ يَرِدْ بِإِيجَابِهِ .\rوَظَاهِرُ مَذْهَبِ أَحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ وُجُوبُهُ ؛ فَإِنَّ أَبَا زُرْعَةَ الدِّمَشْقِيَّ نَقَلَ عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّهُ قَالَ : كُنْتُ أَتَهَيَّبُ ذَلِكَ ، ثُمَّ تَبَيَّنْتُ ، فَإِذَا الصَّلَاةُ وَاجِبَةٌ .\rفَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ رَجَعَ عَنْ قَوْلِهِ الْأَوَّلِ إلَى هَذَا ؛ لِمَا رَوَى كَعْبُ بْنُ عُجْرَةَ ، قَالَ : { إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ عَلَيْنَا فَقُلْنَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ عُلِّمْنَا كَيْفَ نُسَلِّمُ عَلَيْك ، فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْك ؟ قَالَ : قُولُوا اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ ، إنَّك حَمِيدٌ مَجِيدٌ ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ ، إنَّك حَمِيدٌ مَجِيدٌ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَرَوَى الْأَثْرَمُ عَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ { سَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا يَدْعُو فِي صَلَاتِهِ لَمْ يُمَجِّدْ رَبَّهُ ، وَلَمْ يُصَلِّ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : عَجِلَ هَذَا .\rثُمَّ دَعَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأْ بِتَمْجِيدِ رَبِّهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ ، ثُمَّ لِيُصَلِّ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ لِيَدْعُ بَعْدُ بِمَا شَاءَ } .\rوَلِأَنَّ الصَّلَاةَ عِبَادَةٌ شُرِطَ فِيهَا ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى بِالشَّهَادَةِ ، فَشُرِطَ ذِكْرُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَالْأَذَانِ .\rفَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ ، فَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : الزِّيَادَةُ فِيهِ مِنْ كَلَامِ ابْنِ مَسْعُودٍ .\r( 756 ) فَصْلٌ : وَصِفَةُ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا ذَكَرَ الْخِرَقِيِّ ،","part":2,"page":446},{"id":946,"text":"لِمَا رَوَيْنَا مِنْ حَدِيثِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ، وَقَدْ رَوَاهُ النَّسَائِيّ كَذَلِكَ ، إلَّا أَنَّهُ قَالَ : \" كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إبْرَاهِيمَ وَآلِ إبْرَاهِيمَ \" ، وَ \" كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إبْرَاهِيمَ وَآلِ إبْرَاهِيمَ \" وَفِي رِوَايَةٍ : \" كَمَا صَلَّيْت عَلَى إبْرَاهِيمَ ، إنَّك حَمِيدٌ مَجِيدٌ \" وَ \" كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إبْرَاهِيمَ ، إنَّك حَمِيدٌ مَجِيدٌ \" قَالَ التِّرْمِذِيُّ : وَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ .\rوَفِي رِوَايَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ : { كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إبْرَاهِيمَ ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إبْرَاهِيمَ ؛ فِي الْعَالَمِينَ ، إنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ } .\rرَوَاهُ مُسْلِمٌ .\rوَعَنْ أَبِي حُمَيْدٍ { ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : قُولُوا : اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى أَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ ؛ وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى أَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ ، إنَّك حَمِيدٌ مَجِيدٌ } .\rرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ .\rوَالْأَوْلَى أَنْ يَأْتِيَ بِالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي ذَكَرَ الْخِرَقِيِّ .\rلِأَنَّ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ، وَهُوَ أَصَحُّ حَدِيثٍ رُوِيَ فِيهَا .\rوَعَلَى أَيِّ صِفَةٍ أَتَى بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ مِمَّا وَرَدَ فِي الْأَخْبَارِ ، جَازَ ، كَقَوْلِنَا فِي التَّشَهُّدِ ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إذَا أَخَلَّ بِلَفْظٍ سَاقِطٍ فِي بَعْضِ الْأَخْبَارِ ، جَازَ ، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ وَاجِبًا لَمَا أَغْفَلَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rقَالَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى : ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ أَنَّ الصَّلَاةَ وَاجِبَةٌ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَسْبُ ؛ لِقَوْلِهِ فِي خَبَرِ أَبِي زُرْعَةَ : الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمْرٌ ، مَنْ تَرَكَهَا أَعَادَ الصَّلَاةَ ، وَلَمْ يَذْكُرْ الصَّلَاةَ عَلَى آلِهِ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rوَلَهُمْ فِي وُجُوبِ الصَّلَاةِ عَلَى آلِهِ وَجْهَانِ .\rوَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا : تَجِبُ","part":2,"page":447},{"id":947,"text":"الصَّلَاةُ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي فِي خَبَرِ كَعْبٍ ؛ لِأَنَّهُ أَمَرَ بِهِ ، وَالْأَمْرُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ .\rوَالْأَوَّلُ أَوْلَى ، وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّمَا أَمَرَهُمْ بِهَذَا حِينَ سَأَلُوهُ تَعْلِيمَهُمْ ، وَلَمْ يَبْتَدِئْهُمْ بِهِ .\r( 757 ) فَصْلٌ : آلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَتْبَاعُهُ عَلَى دِينِهِ ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى { أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ } .\rيَعْنِي أَتْبَاعَهُ مِنْ أَهْلِ دِينِهِ .\rوَقَدْ جَاءَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { ، أَنَّهُ سُئِلَ : مَنْ آلُ مُحَمَّدٍ ؟ فَقَالَ : كُلُّ تَقِيٍّ } .\rأَخْرَجَهُ تَمَّامٌ فِي \" فَوَائِدِهِ \" .\rوَقِيلَ آلُهُ : أَهْلُهُ ، الْهَاءُ مُنْقَلِبَةٌ عَنْ الْهَمْزَةِ ، كَمَا يُقَالُ : أَرَقْتُ الْمَاءَ وَهَرَقْتُهُ .\rفَلَوْ قَالَ : وَعَلَى أَهْلِ مُحَمَّدٍ ، مَكَانَ آلِ مُحَمَّدٍ ، أَجْزَأَهُ عِنْدَ الْقَاضِي ، وَقَالَ : مَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ ، وَلِذَلِكَ لَوْ صُغِّرَ ، قِيلَ : أُهَيْلٌ : قَالَ .\rوَمَعْنَاهُمَا جَمِيعًا أَهْلُ دِينِهِ .\rوَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ وَأَبُو حَفْصٍ : لَا يُجْزِئُ ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ مُخَالَفَةِ لَفْظِ الْأَثَرِ ، وَتَغْيِيرِ الْمَعْنَى ، فَإِنَّ الْأَهْلَ إنَّمَا يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ الْقَرَابَةِ ، وَالْآلَ يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ الْأَتْبَاعِ فِي الدِّينِ .\r( 758 ) فَصْلٌ : وَأَمَّا تَفْسِيرُ التَّحِيَّاتِ ، فَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : التَّحِيَّةُ الْعَظَمَةُ ، وَالصَّلَوَاتُ الصَّلَوَاتُ الْخَمْسِ ، وَالطَّيِّبَاتُ الْأَعْمَالُ الصَّالِحَةُ .\rوَقَالَ أَبُو عَمْرٍو : التَّحِيَّاتُ الْمُلْكُ .\rوَأَنْشَدَ : وَلَكُلُّ مَا نَالَ الْفَتَى قَدْ نِلْتُهُ إلَّا التَّحِيَّةَ وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ اللُّغَةِ : التَّحِيَّةُ الْبَقَاءُ .\rوَاسْتَشْهَدَ بِهَذَا الْبَيْتِ .\rوَقَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ : التَّحِيَّاتُ السَّلَامُ ، وَالصَّلَوَاتُ الرَّحْمَةُ ، وَالطَّيِّبَاتُ مِنْ الْكَلَامِ .\r( 759 ) فَصْلٌ : وَالسُّنَّةُ إخْفَاءُ التَّشَهُّدِ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ يَجْهَرُ بِهِ ، إذْ لَوْ جَهَرَ بِهِ لَنُقِلَ كَمَا نُقِلَتْ الْقِرَاءَةُ .\rوَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ","part":2,"page":448},{"id":948,"text":"مَسْعُودٍ : مِنْ السُّنَّةِ إخْفَاءُ التَّشَهُّدِ .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَلِأَنَّهُ ذِكْرٌ غَيْرُ الْقِرَاءَةِ لَا يُنْتَقَلُ بِهِ مِنْ رُكْنٍ إلَى رُكْنٍ ، فَاسْتُحِبَّ إخْفَاؤُهُ ، كَالتَّسْبِيحِ ، وَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا .\rفَصْلٌ ( 760 ) : وَلَا يَجُوزُ لِمَنْ قَدَرَ عَلَى الْعَرَبِيَّةِ التَّشَهُّدُ وَالصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِغَيْرِهَا ؛ لِمَا ذَكَرْنَا فِي التَّكْبِيرِ .\rفَإِنْ عَجَزَ عَنْ الْعَرَبِيَّةِ تَشَهَّدَ بِلِسَانِهِ ، كَقَوْلِنَا فِي التَّكْبِيرِ ، وَيَجِيءُ عَلَى قَوْلِ الْقَاضِي أَنْ لَا يَتَشَهَّدَ ، وَحُكْمُهُ حُكْمُ الْأَخْرَسِ .\rوَمَنْ قَدَرَ عَلَى تَعَلُّمِ التَّشَهُّدِ وَالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَزِمَهُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ فُرُوضِ الْأَعْيَانِ ، فَلَزِمَهُ كَالْقِرَاءَةِ .\rفَإِنْ صَلَّى قَبْلَ تَعَلُّمِهِ مَعَ إمْكَانِهِ ، لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ .\rوَإِنْ خَافَ فَوَاتَ الْوَقْتِ ، أَوْ عَجَزَ عَنْ تَعَلُّمِهِ ، أَتَى بِمَا يُمْكِنُهُ مِنْهُ ، وَأَجْزَأَهُ ؛ لِلضَّرُورَةِ .\rوَإِنْ لَمْ يُحْسِنْ شَيْئًا بِالْكُلِّيَّةِ ، سَقَطَ كُلُّهُ .\r( 761 ) فَصْلٌ : وَالسُّنَّةُ تَرْتِيبُ التَّشَهُّدِ ، وَتَقْدِيمُهُ عَلَى الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ ، وَأَتَى بِهِ مُنَكَّسًا مِنْ غَيْرِ تَغْيِيرِ شَيْءٍ مِنْ مَعَانِيهِ ، وَلَا إخْلَالٍ بِشَيْءٍ مِنْ الْوَاجِبِ فِيهِ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا يُجْزِئُهُ .\rذَكَرَهُ الْقَاضِي .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ الْمَعْنَى ، وَقَدْ حَصَلَ ، فَصَحَّ كَمَا لَوْ رَتَّبَهُ .\rوَالثَّانِي لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّهُ أَخَلَّ بِالتَّرْتِيبِ فِي ذِكْرٍ وَرَدَ الشَّرْعُ بِهِ مُرَتَّبًا ، فَلَمْ يَصِحَّ كَالْأَذَانِ .","part":2,"page":449},{"id":949,"text":"( 762 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَعَوَّذَ مِنْ أَرْبَعٍ .\rفَيَقُولَ : أَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ ، أَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ ، أَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ ، أَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ ) وَذَلِكَ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ، قَالَ { : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْعُو : اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ ، وَمِنْ عَذَابِ النَّارِ ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَلِمُسْلِمٍ { : إذَا تَشَهَّدَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَعِذْ مِنْ أَرْبَعٍ } وَذَكَرَهُ .","part":2,"page":450},{"id":950,"text":"( 763 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَإِنْ دَعَا فِي تَشَهُّدِهِ بِمَا ذُكِرَ فِي الْأَخْبَارِ فَلَا بَأْسَ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الدُّعَاءَ فِي الصَّلَاةِ بِمَا وَرَدَتْ بِهِ الْأَخْبَارُ جَائِزٌ .\rقَالَ الْأَثْرَمُ : قُلْت لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ : إنَّ هَؤُلَاءِ يَقُولُونَ : لَا يَدْعُو فِي الْمَكْتُوبَةِ إلَّا بِمَا فِي الْقُرْآنِ .\rفَنَفَضَ يَدَهُ كَالْمُغْضَبِ ، وَقَالَ : مَنْ يَقِفُ عَلَى هَذَا ، وَقَدْ تَوَاتَرَتْ الْأَحَادِيثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِخِلَافِ مَا قَالُوا ، قُلْت لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ : إذَا جَلَسَ فِي الرَّابِعَةِ يَدْعُو بَعْدَ التَّشَهُّدِ بِمَا شَاءَ ؟ قَالَ : بِمَا شَاءَ لَا أَدْرِي ، وَلَكِنْ يَدْعُو بِمَا يَعْرِفُ وَبِمَا جَاءَ .\rفَقُلْت : عَلَى حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ سَعْدٍ ، قَالَ : سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ ، يَقُولُ : إذَا جَلَسَ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ ، وَذَكَرَ التَّشَهُّدَ ، ثُمَّ لِيَقُلْ : \" اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك مِنْ الْخَيْرِ كُلِّهِ مَا عَلِمْتُ مِنْهُ وَمَا لَمْ أَعْلَمْ ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ الشَّرِّ كُلِّهِ مَا عَلِمْتُ مِنْهُ وَمَا لَمْ أَعْلَمْ .\rاللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك مِنْ خَيْرِ مَا سَأَلَك عِبَادُك الصَّالِحُونَ ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا عَاذَ مِنْهُ عِبَادُك الصَّالِحُونَ ، رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ، رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا ، وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ ، رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِك وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، إنَّك لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ \" .\rرَوَاهُ الْأَثْرَمُ .\rوَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ { : كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعَلِّمُنَا التَّشَهُّدَ ، كَمَا يُعَلِّمُنَا السُّورَةَ مِنْ الْقُرْآنِ ، قَالَ : وَعَلَّمَنَا أَنْ نَقُولَ : اللَّهُمَّ أَصْلِحْ ذَاتَ بَيْنِنَا ، وَاهْدِنَا سُبُلَ السَّلَامِ ، وَأَخْرِجْنَا مِنْ الظُّلُمَاتِ إلَى النُّورِ ، وَاصْرِفْ عَنَّا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ، وَبَارِكْ لَنَا فِي أَبْصَارِنَا وَأَسْمَاعِنَا وَقُلُوبِنَا وَأَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا ، وَتُبْ","part":2,"page":451},{"id":951,"text":"عَلَيْنَا إنَّك أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ، وَاجْعَلْنَا شَاكِرِينَ لِنِعْمَتِك ، مُثْنِينَ عَلَيْك بِهَا ، قَابِلِيهَا ، وَأَتِمَّهَا عَلَيْنَا } ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَعَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ { قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : عَلِّمْنِي دُعَاءً أَدْعُو بِهِ فِي صَلَاتِي .\rقَالَ : قُلْ : اللَّهُمَّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا ، وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلَّا أَنْتَ فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِك ، وَارْحَمْنِي ، إنَّك أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ { قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِرَجُلٍ : مَا تَقُولُ فِي الصَّلَاةِ ؟ قَالَ : أَتَشَهَّدُ ، ثُمَّ أَسْأَلُ اللَّهَ الْجَنَّةَ ، وَأَعُوذُ بِهِ مِنْ النَّارِ ، أَمَا وَاَللَّهِ مَا أُحْسِنُ دَنْدَنَتَك ، وَلَا دَنْدَنَةَ مُعَاذٍ .\rفَقَالَ : حَوْلَهَا نُدَنْدِنُ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ { ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَّمَهُمْ التَّشَهُّدَ ، فَقَالَ فِي آخِرِهِ : أَسْأَلُ اللَّهَ الْجَنَّةَ ، وَأَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ النَّارِ } .\rوَقَوْلُ الْخِرَقِيِّ : بِمَا ذُكِرَ فِي الْأَخْبَارِ .\rيَعْنِي أَخْبَارَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ وَالسَّلَفِ ، رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ ؛ فَإِنَّ أَحْمَدَ ذَهَبَ إلَى حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي الدُّعَاءِ ، وَهُوَ مَوْقُوفٌ عَلَيْهِ ، وَقَالَ : يَدْعُو بِمَا جَاءَ وَبِمَا يَعْرِفُ .\rوَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِمَا جَاءَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rوَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ : سَمِعْت أَبِي يَقُولُ فِي سُجُودِهِ : اللَّهُمَّ كَمَا صُنْتَ وَجْهِي عَنْ السُّجُودِ لِغَيْرِك فَصُنْ وَجْهِي عَنْ الْمَسْأَلَةِ لِغَيْرِك .\rوَقَالَ : كَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ يَقُولُهُ فِي سُجُودِهِ .\rوَقَالَ : سَمِعْت الثَّوْرِيَّ يَقُولُهُ فِي سُجُودِهِ .\r( 764 ) فَصْلٌ : وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَدْعُوَ فِي صَلَاتِهِ بِمَا يُقْصَدُ بِهِ مَلَاذُّ الدُّنْيَا وَشَهَوَاتُهَا ، بِمَا يُشْبِهُ كَلَامَ الْآدَمِيِّينَ وَأَمَانِيَّهُمْ ، مِثْلُ :","part":2,"page":452},{"id":952,"text":"اللَّهُمَّ اُرْزُقْنِي جَارِيَةً حَسْنَاءَ ، وَدَارًا قَوْرَاءَ ، وَطَعَامًا طَيِّبًا ، وَبُسْتَانًا أَنِيقًا .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يَدْعُو بِمَا أَحَبَّ ؛ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، فِي التَّشَهُّدِ : \" ثُمَّ لِيَتَخَيَّرْ مِنْ الدُّعَاءِ أَعْجَبَهُ إلَيْهِ \" .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَلِمُسْلِمٍ : \" ثُمَّ لِيَتَخَيَّرْ بَعْدُ مِنْ الْمَسْأَلَةِ مَا شَاءَ أَوْ مَا أَحَبَّ \" .\rوَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ { : إذَا تَشَهَّدَ أَحَدُكُمْ فَلْيَتَعَوَّذْ مِنْ أَرْبَعٍ ، ثُمَّ يَدْعُو لِنَفْسِهِ مَا بَدَا لَهُ } .\rوَلَنَا قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ { : إنَّ صَلَاتَنَا هَذِهِ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ الْآدَمِيِّينَ ، إنَّمَا هِيَ التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ } .\rأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ .\rوَهَذَا مِنْ كَلَامِ الْآدَمِيِّينَ ، وَلِأَنَّهُ كَلَامُ آدَمِيٍّ يُخَاطَبُ بِمِثْلِهِ ، أَشْبَهَ تَشْمِيتَ الْعَاطِسِ ، وَرَدَّ السَّلَامِ ، وَالْخَبَرُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ يَتَخَيَّرُ مِنْ الدُّعَاءِ الْمَأْثُورِ وَمَا أَشْبَهَهُ .\r( 765 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا الدُّعَاءُ بِمَا يَتَقَرَّبُ بِهِ إلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مِمَّا لَيْسَ بِمَأْثُورٍ ، وَلَا يُقْصَدُ بِهِ مَلَاذُّ الدُّنْيَا ، فَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ وَجَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ ، وَيَحْتَمِلُهُ كَلَامُ أَحْمَدَ ؛ لِقَوْلِهِ : وَلَكِنْ يَدْعُو بِمَا جَاءَ وَبِمَا يَعْرِفُ .\rوَحَكَى عَنْهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ ، أَنَّهُ قَالَ : لَا بَأْسَ أَنْ يَدْعُوَ الرَّجُلُ بِجَمِيعِ حَوَائِجِهِ ؛ مِنْ حَوَائِجِ دُنْيَاهُ وَآخِرَتِهِ .\rوَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ؛ لِظَوَاهِرِ الْأَحَادِيثِ ، فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : \" ثُمَّ لِيَتَخَيَّرْ مِنْ الدُّعَاءِ \" ، وَقَوْلُهُ : \" ثُمَّ يَدْعُو لِنَفْسِهِ بِمَا بَدَا لَهُ \" .\rوَقَوْلُهُ : \" ثُمَّ لِيَدْعُ بَعْدُ بِمَا شَاءَ \" .\rوَرُوِيَ عَنْ أَنَسٍ ، قَالَ { : جَاءَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ : عَلِّمْنِي دُعَاءً أَدْعُو بِهِ فِي صَلَاتِي .\rفَقَالَ : احْمَدِي","part":2,"page":453},{"id":953,"text":"اللَّهَ عَشْرًا ، وَسَبِّحِي اللَّهَ عَشْرًا ، ثُمَّ سَلِي مَا شِئْتِ .\rيَقُولُ : نَعَمْ نَعَمْ نَعَمْ } .\rرَوَاهُ الْأَثْرَمُ ، وَلِأَنَّ أَصْحَابَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانُوا يَدْعُونَ فِي صَلَاتِهِمْ بِمَا لَمْ يَتَعَلَّمُوهُ ، فَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلِهَذَا لَمَّا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلرَّجُلِ : \" مَا تَقُولُ فِي صَلَاتِك ؟ \" قَالَ : أَتَشَهَّدُ ، ثُمَّ أَسْأَلُ اللَّهَ الْجَنَّةَ ، وَأَعُوذُ بِهِ مِنْ النَّارِ .\rفَصَوَّبَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي دُعَائِهِ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ عَلَّمَهُ إيَّاهُ ، وَلَمَّا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { أَمَّا السُّجُودُ فَأَكْثِرُوا فِيهِ مِنْ الدُّعَاءِ } .\rلَمْ يُعَيِّنْ لَهُمْ مَا يَدْعُونَ بِهِ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ أَبَاحَ لَهُمْ كُلَّ الدُّعَاءِ ، إلَّا مَا خَرَجَ مِنْهُ بِالدَّلِيلِ فِي الْفَصْلِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ ، أَنَّهَا كَانَتْ إذَا قَرَأَتْ { : فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ } .\rقَالَتْ : مُنَّ عَلَيْنَا ، وَقِنَا عَذَابَ السَّمُومِ .\rوَعَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا الدَّرْدَاءِ ، وَهُوَ يَقُولُ فِي آخِرِ صَلَاتِهِ ، وَقَدْ فَرَغَ مِنْ التَّشَهُّدِ : أَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ النِّفَاقِ .\rوَلِأَنَّهُ دُعَاءٌ يَتَقَرَّبُ بِهِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى ، فَأَشْبَهَ الدُّعَاءَ الْمَأْثُورَ .\r( 766 ) فَصْلٌ : وَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يَدْعُوَ لَإِنْسَانٍ بِعَيْنِهِ فِي صَلَاتِهِ ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ : إحْدَاهُمَا يَجُوزُ .\rقَالَ الْمَيْمُونِيُّ : سَمِعْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ لِابْنِ الشَّافِعِيِّ : أَنَا أَدْعُو لِقَوْمٍ مُنْذُ سِنِينَ فِي صَلَاتِي ؛ أَبُوك أَحَدُهُمْ .\rوَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ ، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ { ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قُنُوتِهِ : اللَّهُمَّ أَنْجِ الْوَلِيدَ بْنَ الْوَلِيدِ ، وَعَيَّاشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ ، وَسَلَمَةَ بْنَ هِشَامٍ ، وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ","part":2,"page":454},{"id":954,"text":"الْمُؤْمِنِينَ } .\rوَلِأَنَّهُ دُعَاءٌ لِبَعْضِ الْمُؤْمِنِينَ .\rفَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَالَ : \" رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ \" .\rوَالْأُخْرَى لَا يَجُوزُ .\rوَكَرِهَهُ عَطَاءٌ وَالنَّخَعِيُّ ؛ لِشَبَهِهِ بِكَلَامِ الْآدَمِيِّينَ ، وَلِأَنَّهُ دُعَاءٌ لِمُعَيَّنٍ ، فَلَمْ يَجُزْ ، كَتَشْمِيتِ الْعَاطِسِ ، وَقَدْ دَلَّ عَلَى الْمَنْعِ مِنْ تَشْمِيتِ الْعَاطِسِ حَدِيثُ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ السُّلَمِيِّ .\r( 767 ) فَصْلٌ : وَيُسْتَحَبُّ لِلْمُصَلِّي نَافِلَةً إذَا مَرَّتْ بِهِ آيَةُ رَحْمَةٍ أَنْ يَسْأَلَهَا ، أَوْ آيَةُ عَذَابٍ أَنْ يَسْتَعِيذَ مِنْهَا ؛ لِمَا رَوَى حُذَيْفَةُ ، { أَنَّهُ صَلَّى مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَانَ يَقُولُ فِي رُكُوعِهِ : سُبْحَانَ رَبِّي الْعَظِيمِ ، وَفِي سُجُودِهِ : سُبْحَانَ رَبِّي الْأَعْلَى ، وَمَا مَرَّ بِآيَةِ رَحْمَةٍ إلَّا وَقَفَ عِنْدَهَا وَسَأَلَ ، وَلَا بِآيَةِ عَذَابٍ إلَّا وَقَفَ عِنْدَهَا فَتَعَوَّذَ .\r} رَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَعَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ ، قَالَ { : قُمْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةً ، فَقَامَ فَقَرَأَ سُورَةَ الْبَقَرَةِ ، لَا يَمُرُّ بِآيَةِ رَحْمَةٍ إلَّا وَقَفَ فَسَأَلَ ، وَلَا يَمُرُّ بِآيَةِ عَذَابٍ إلَّا وَقَفَ فَتَعَوَّذَ .\rقَالَ : ثُمَّ رَكَعَ بِقَدْرِ قِيَامِهِ ، يَقُولُ فِي رُكُوعِهِ : سُبْحَانَ ذِي الْجَبَرُوتِ وَالْمَلَكُوتِ .\rوَالْكِبْرِيَاءِ وَالْعَظَمَةِ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَلَا يُسْتَحَبُّ ذَلِكَ فِي الْفَرِيضَةِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي فَرِيضَةٍ ، مَعَ كَثْرَةِ مَنْ وَصَفَ قِرَاءَتَهُ فِيهَا .\r( 768 ) فَصْلٌ : وَيُسْتَحَبُّ لِلْإِمَامِ أَنْ يُرَتِّلَ الْقِرَاءَةَ وَالتَّسْبِيحَ وَالتَّشَهُّدَ بِقَدْرِ مَا يَرَى أَنَّ مَنْ خَلْفَهُ مِمَّنْ يَثْقُلُ لِسَانُهُ قَدْ أَتَى عَلَيْهِ ، وَأَنْ يَتَمَكَّنَ مِنْ رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ ، قَدْرَ مَا يَرَى أَنَّ الْكَبِيرَ وَالصَّغِيرَ وَالثَّقِيلَ قَدْ أَتَى عَلَيْهِ .\rفَإِنْ خَالَفَ وَأَتَى بِقَدْرِ مَا عَلَيْهِ ، كُرِهَ وَأَجْزَأَهُ .\rوَلَا يُسْتَحَبُّ لَهُ التَّطْوِيلُ كَثِيرًا ، فَيَشُقَّ عَلَى مَنْ خَلْفَهُ ؛","part":2,"page":455},{"id":955,"text":"لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ أَمَّ النَّاسَ فَلْيُخَفِّفْ } .\rوَأَمَّا الْمُنْفَرِدُ فَلَهُ الْإِطَالَةُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ ، مَا لَمْ يُخْرِجْهُ إلَى حَالٍ يَخَافُ السَّهْوَ ، فَتُكْرَهَ الزِّيَادَةُ عَلَيْهِ ، فَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَمَّارٍ أَنَّهُ صَلَّى صَلَاةً أَوْجَزَ فِيهَا ، فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ ، فَقَالَ : أَنَا أُبَادِرُ الْوَسْوَاسَ .\rوَيُسْتَحَبُّ لِلْإِمَامِ إذَا عَرَضَ فِي الصَّلَاةِ عَارِضٌ لِبَعْضِ الْمَأْمُومِينَ ، يَقْتَضِي خُرُوجَهُ ، أَنْ يُخَفِّفَ ؛ فَقَدْ جَاءَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { إنِّي لَأَقُومُ فِي الصَّلَاةِ وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أُطَوِّلَ فِيهَا ، فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ فَأَتَجَوَّزُ ؛ كَرَاهِيَةَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمِّهِ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .","part":2,"page":456},{"id":956,"text":"( 769 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ثُمَّ يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ ، فَيَقُولُ : السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ .\rوَعَنْ يَسَارِهِ كَذَلِكَ .\rوَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ إذَا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ ، وَأَرَادَ الْخُرُوجَ مِنْهَا ، سَلَّمَ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ يَسَارِهِ ، وَهَذَا التَّسْلِيمُ وَاجِبٌ لَا يَقُومُ غَيْرُهُ مَقَامَهُ .\rوَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَتَعَيَّنُ السَّلَامُ لِلْخُرُوجِ مِنْ الصَّلَاةِ ، بَلْ إذَا خَرَجَ بِمَا يُنَافِي الصَّلَاةَ مِنْ عَمَلٍ أَوْ حَدَثٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ ، جَازَ ، إلَّا أَنَّ السَّلَامَ مَسْنُونٌ ، وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُعَلِّمْهُ الْمُسِيءَ فِي صَلَاتِهِ ، وَلَوْ وَجَبَ لَأَمَرَهُ بِهِ ، لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ ، وَلِأَنَّ إحْدَى التَّسْلِيمَتَيْنِ غَيْرُ وَاجِبَةٍ ، فَكَذَلِكَ الْأُخْرَى .\rوَلَنَا قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مِفْتَاحُ الصَّلَاةِ الطَّهُورُ ، وَتَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ ، وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ } وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُسَلِّمُ مِنْ صَلَاتِهِ ، وَيُدِيمُ ذَلِكَ وَلَا يُخِلُّ بِهِ ، وَقَدْ قَالَ : { صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي } .\rوَلِأَنَّ الْحَدَثَ يُنَافِي الصَّلَاةَ ، فَلَا يَجِبُ فِيهَا ، وَحَدِيثُ الْأَعْرَابِيِّ أَجَبْنَا عَنْهُ فِيمَا مَضَى .","part":2,"page":457},{"id":957,"text":"( 770 ) فَصْلٌ : وَيُشْرَعُ أَنْ يُسَلِّمَ تَسْلِيمَتَيْنِ عَنْ يَمِينِهِ وَيَسَارِهِ .\rرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ، وَعَلِيٍّ ، وَعَمَّارٍ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، وَبِهِ قَالَ نَافِعُ بْنُ عَبْدِ الْحَارِثِ ، وَعَلْقَمَةُ ، وَأَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ ، وَعَطَاءٌ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ ، وَأَنَسٌ ، وَسَلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ وَعَائِشَةُ ، وَالْحَسَنُ ، وَابْنُ سِيرِينَ ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَمَالِكٌ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ : يُسَلِّمُ تَسْلِيمَةً وَاحِدَةً .\rوَقَالَ عَمَّارُ بْنُ أَبِي عَمَّارٍ : كَانَ مَسْجِدُ الْأَنْصَارِ يُسَلِّمُونَ فِيهِ تَسْلِيمَتَيْنِ ، وَكَانَ مَسْجِدُ الْمُهَاجِرِينَ يُسَلِّمُونَ فِيهِ تَسْلِيمَةً .\rوَلِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ ، قَالَتْ : { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُسَلِّمُ تَسْلِيمَةً وَاحِدَةً تِلْقَاءَ وَجْهِهِ .\r} وَعَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ قَالَ : { رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى فَسَلَّمَ تَسْلِيمَةً وَاحِدَةً } ، رَوَاهُمَا ابْنُ مَاجَهْ .\rوَلِأَنَّ التَّسْلِيمَةَ الْأُولَى قَدْ خَرَجَ بِهَا مِنْ الصَّلَاةِ ، فَلَمْ يُشْرَعْ مَا بَعْدَهَا كَالثَّانِيَةِ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى ابْنُ مَسْعُودٍ قَالَ : { رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُسَلِّمُ حَتَّى يُرَى بَيَاضُ خَدِّهِ ، عَنْ يَمِينِهِ وَيَسَارِهِ .\r} وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { إنَّمَا يَكْفِي أَحَدَكُمْ أَنْ يَضَعَ يَدَهُ عَلَى فَخِذِهِ ، ثُمَّ يُسَلِّمَ عَلَى أَخِيهِ مِنْ عَلَى يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ } .\rرَوَاهُمَا مُسْلِمٌ .\rوَفِي لَفْظٍ لِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ : { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ : السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ ، وَعَنْ يَسَارِهِ : السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ } .\rقَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ .\rوَحَدِيثُ عَائِشَةَ يَرْوِيهِ","part":2,"page":458},{"id":958,"text":"زُهَيْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ .\rوَقَالَ الْبُخَارِيُّ : يَرْوِي مَنَاكِيرَ ، وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيّ : هَذَا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ .\rوَسَأَلَ الْأَثْرَمُ ، أَحْمَدَ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ ؟ فَقَالَ : كَانَ يَقُولُ هِشَامٌ : كَانَ يُسَلِّمُ تَسْلِيمَةً يُسْمِعُنَا .\rقِيلَ لَهُ : إنَّهُمْ مُخْتَلِفُونَ فِيهِ عَنْ هِشَامٍ ، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ : تَسْلِيمًا .\rوَبَعْضُهُمْ يَقُولُ : تَسْلِيمَةً .\rقَالَ : هَذَا أَجْوَدُ .\rفَقَدْ بَيَّنَ أَحْمَدُ أَنَّ مَعْنَى الْحَدِيثِ يَرْجِعُ إلَى أَنَّهُ يُسْمِعُهُمْ التَّسْلِيمَةَ الْوَاحِدَةَ ، وَمَنْ رَوَى : تَسْلِيمًا .\rفَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ ، فَإِنَّهُ يَقَعُ عَلَى الْوَاحِدَةِ وَالثِّنْتَيْنِ .\rعَلَى أَنَّ أَحَادِيثَنَا تَتَضَمَّنُ زِيَادَةً عَلَى أَحَادِيثِهِمْ وَالزِّيَادَةُ مِنْ الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ .\rوَيَجُوزُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَلَ الْأَمْرَيْنِ ؛ لِيُبَيِّنَ الْجَائِزَ وَالْمَسْنُونَ ، وَلِأَنَّ الصَّلَاةَ عِبَادَةٌ ذَاتُ إحْرَامٍ وَإِحْلَالٍ ، فَجَازَ أَنْ يَكُونَ لَهَا تَحَلُّلَانِ كَالْحَجِّ .","part":2,"page":459},{"id":959,"text":"( 771 ) فَصْلٌ : وَالْوَاجِبُ تَسْلِيمَةٌ وَاحِدَةٌ ، وَالثَّانِيَةُ سُنَّةٌ .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ أَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ، أَنَّ صَلَاةَ مَنْ اقْتَصَرَ عَلَى تَسْلِيمَةٍ وَاحِدَةٍ ، جَائِزَةٌ ، وَقَالَ الْقَاضِي فِيهِ رِوَايَةٌ أُخْرَى ، أَنَّ الثَّانِيَةَ وَاجِبَةٌ .\rوَقَالَ : هِيَ أَصَحُّ ؛ لِحَدِيثِ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَفْعَلُهَا وَيُدَاوِمُ عَلَيْهَا ، وَلِأَنَّهَا عِبَادَةٌ لَهَا تَحَلُّلَانِ ، فَكَانَا وَاجِبَيْنِ ، كَتَحَلُّلَيْ الْحَجِّ ، وَلِأَنَّهَا إحْدَى التَّسْلِيمَتَيْنِ ، فَكَانَتْ وَاجِبَةً كَالْأُولَى .\rوَالصَّحِيحُ مَا ذَكَرْنَاهُ .\rوَلَيْسَ نَصُّ أَحْمَدَ بِصَرِيحٍ بِوُجُوبِ التَّسْلِيمَتَيْنِ ، إنَّمَا قَالَ : التَّسْلِيمَتَانِ أَصَحُّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ وَغَيْرِهِ أَذْهَبُ إلَيْهِ .\rوَيَجُوزُ أَنْ يَذْهَبَ إلَيْهِ فِي الْمَشْرُوعِيَّةِ وَالِاسْتِحْبَابِ ، دُونَ الْإِيجَابِ كَمَا ذَهَبَ إلَى ذَلِكَ غَيْرُهُ ، وَقَدْ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا : أَعْجَبُ إلَيَّ التَّسْلِيمَتَانِ .\rوَلِأَنَّ عَائِشَةَ ، وَسَلَمَةَ بْنَ الْأَكْوَعِ ، وَسَهْلَ بْنَ سَعْدٍ .\rقَدْ رَوَوْا : { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُسَلِّمُ تَسْلِيمَةً وَاحِدَةً } وَكَانَ الْمُهَاجِرُونَ يُسَلِّمُونَ تَسْلِيمَةً وَاحِدَةً فَفِيمَا ذَكَرْنَاهُ جَمْعٌ بَيْنَ الْأَخْبَارِ وَأَقْوَالِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ فِي أَنْ يَكُونَ الْمَشْرُوعُ وَالْمَسْنُونُ تَسْلِيمَتَيْنِ ، وَالْوَاجِبُ وَاحِدَةً ، وَقَدْ دَلَّ عَلَى صِحَّةِ هَذَا الْإِجْمَاعُ الَّذِي حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ فَلَا مَعْدِلَ عَنْهُ ، وَفِعْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحْمَلُ عَلَى الْمَشْرُوعِيَّةِ وَالسُّنَّةِ ؛ فَإِنَّ أَكْثَرَ أَفْعَالِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الصَّلَاةِ مَسْنُونَةٌ غَيْرُ وَاجِبَةٍ ، فَلَا يُمْنَعُ حَمْلُ فِعْلِهِ لِهَذِهِ التَّسْلِيمَةِ عَلَى السُّنَّةِ عِنْدَ قِيَامِ الدَّلِيلِ عَلَيْهَا ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .\rوَلِأَنَّ","part":2,"page":460},{"id":960,"text":"التَّسْلِيمَةَ الْوَاحِدَةَ يَخْرُجُ بِهَا مِنْ الصَّلَاةِ ، فَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ شَيْءٌ آخَرُ فِيهَا ، وَلِأَنَّ هَذِهِ صَلَاةٌ ، فَتُجْزِئُهُ فِيهَا تَسْلِيمَةٌ وَاحِدَةٌ ، وَلِأَنَّ هَذِهِ وَاحِدَةٌ كَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ وَالنَّافِلَةِ .\rوَأَمَّا قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ : { إنَّمَا يَكْفِي أَحَدَكُمْ } فَإِنَّهُ يَعْنِي فِي إصَابَةِ السُّنَّةِ ؛ بِدَلِيلِ أَنَّهُ قَالَ : أَنْ { يَضَعَ يَدَهُ عَلَى فَخِذِهِ ، ثُمَّ يُسَلِّمَ عَلَى أَخِيهِ عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ .\r} وَكُلُّ هَذَا غَيْرُ وَاجِبٍ .\rوَهَذَا الْخِلَافُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي الصَّلَاةِ الْمَفْرُوضَةِ ، أَمَّا صَلَاةُ الْجِنَازَةِ ، وَالنَّافِلَةِ ، وَسُجُودُ التِّلَاوَةِ ، فَلَا خَوْفَ فِي أَنَّهُ يَخْرُجُ مِنْهَا بِتَسْلِيمَةٍ وَاحِدَةٍ .\rقَالَ الْقَاضِي : هَذَا - رِوَايَةً وَاحِدَةً - نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ وَسُجُودِ التِّلَاوَةِ ؛ وَلِأَنَّ أَصْحَابَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُسَلِّمُوا فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ إلَّا تَسْلِيمَةً وَاحِدَةً .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":2,"page":461},{"id":961,"text":"( 772 ) فَصْلٌ : وَالسُّنَّةُ أَنْ يَقُولَ : السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ .\rلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُسَلِّمُ كَذَلِكَ ، فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَجَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ، وَغَيْرِهِمَا .\rوَقَدْ رَوَى وَائِلُ بْنُ حُجْرٍ ، قَالَ : { صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَانَ يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ : السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهُ وَبَرَكَاتُهُ .\rوَعَنْ شِمَالِهِ : السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ .\r} رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، فَإِنْ قَالَ ذَلِكَ فَحَسَنٌ ، وَالْأَوَّلُ أَحْسَنُ ؛ لِأَنَّ رُوَاتَهُ أَكْثَرُ ، وَطُرُقَهُ أَصَحُّ فَإِنْ قَالَ : السَّلَامُ عَلَيْكُمْ .\rوَلَمْ يَزِدْ فَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ يُجْزِئُهُ .\rقَالَ الْقَاضِي : وَنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ .\rوَالتَّسْلِيمُ يَحْصُلُ بِهَذَا الْقَوْلِ .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ سَعْدٍ ، قَالَ : { كُنْت أَرَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ ، حَتَّى أَرَى بَيَاضَ خَدِّهِ : السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ ، السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَرَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ نَحْوَهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ { أَنَّهُ كَانَ يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ يَسَارِهِ : السَّلَامُ عَلَيْكُمْ ، السَّلَامُ عَلَيْكُمْ .\r} رَوَاهُمَا سَعِيدٌ .\r، وَلِأَنَّ ذِكْرَ الرَّحْمَةِ تَكْرِيرٌ لِلثَّنَاءِ ، فَلَمْ يَجِبْ .\rكَقَوْلِهِ : وَبَرَكَاتُهُ ، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ : الْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ لِأَنَّ الصَّحِيحَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَلِأَنَّهُ سَلَامٌ فِي الصَّلَاةِ وَرَدَ مَقْرُونًا بِالرَّحْمَةِ ، فَلَمْ يَجُزْ بِدُونِهَا ، كَالتَّسْلِيمِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي","part":2,"page":462},{"id":962,"text":"التَّشَهُّدِ .","part":2,"page":463},{"id":963,"text":"( 773 ) فَصْلٌ : فَإِنْ نَكَّسَ السَّلَامَ فَقَالَ : عَلَيْكُمْ السَّلَامُ .\rلَمْ يَجْزِهِ .\rقَالَ الْقَاضِي : فِيهِ وَجْهٌ آخَرُ ، أَنَّهُ يُجْزِئُ .\rوَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ يَحْصُلُ ، وَلَيْسَ هُوَ بِقُرْآنٍ يُعْتَبَرُ فِيهِ النَّظْمُ .\rوَلَنَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَهُ مُرَتَّبًا ، وَأَمَرَ بِهِ كَذَلِكَ .\rوَقَالَ لِأَبِي تَمِيمَةَ : { لَا تَقُلْ عَلَيْك السَّلَامُ .\rفَإِنَّ عَلَيْك السَّلَامُ تَحِيَّةُ الْمَوْتَى } .\rرَوَاهُ أَحْمَدُ ، فِي الْمُسْنَدِ ، وَلِأَنَّهُ ذِكْرٌ يُؤْتَى بِهِ فِي أَحَدِ طَرَفَيْ الصَّلَاةِ ، فَلَمْ يَجُزْ مُنَكَّسًا ، كَالتَّكْبِيرِ .","part":2,"page":464},{"id":964,"text":"( 774 ) فَصْلٌ : فَإِنْ قَالَ : سَلَامٌ عَلَيْكُمْ : مُنَكِّرًا مُنَوِّنًا ، فَفِيهِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا ، يُجْزِئُهُ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ التَّنْوِينَ قَامَ مَقَامَ الْأَلِفِ وَاللَّامِ ، وَلِأَنَّ أَكْثَرَ مَا وَرَدَ فِي الْقُرْآنِ مِنْ السَّلَامِ بِغَيْرِ أَلِفٍ وَلَامٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : { سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ } .\rوَقَوْلِهِ : { يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ } .\rوَقَوْلِهِ : { وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ } .\rوَلِأَنَّا أَجَزْنَا التَّشَهُّدَ بِتَشَهُّدِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَأَبِي مُوسَى ، وَفِيهِمَا : سَلَامٌ عَلَيْك .\rبِغَيْرِ أَلِفٍ وَلَامٍ ، وَالتَّسْلِيمَتَانِ وَاحِدٌ .\rوَالْآخَرُ : لَا يُجْزِئُهُ ؛ لِأَنَّهُ يُغَيِّرُ صِيغَةَ السَّلَامِ الْوَارِدِ ، وَيُخِلُّ بِحَرْفٍ يَقْتَضِي الِاسْتِغْرَاقَ ، فَيَتَغَيَّرُ الْمَعْنَى ، فَلَمْ يُجْزِئْ ، كَمَا لَوْ أَثْبَتَ اللَّامَ فِي التَّكْبِيرِ .\rوَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ الْآمِدِيُّ : لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يُنَوِّنَ التَّسْلِيمَ أَوْ لَا يُنَوِّنَهُ ؛ لِأَنَّ حَذْفَ التَّنْوِينِ لَا يُخِلُّ بِالْمَعْنَى ؛ بِدَلِيلِ مَا لَوْ وَقَفَ عَلَيْهِ .","part":2,"page":465},{"id":965,"text":"( 775 ) فَصْلٌ : وَيُسَنُّ أَنْ يَلْتَفِتَ عَنْ يَمِينِهِ فِي التَّسْلِيمَةِ الْأُولَى ، وَعَنْ يَسَارِهِ فِي الثَّانِيَةِ ، كَمَا جَاءَتْ السُّنَّةُ ، فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، { رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُسَلِّمُ حَتَّى يُرَى بَيَاضُ خَدِّهِ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ يَسَارِهِ } .\rوَيَكُونُ الْتِفَاتُهُ فِي الثَّانِيَةِ أَوْفَى ؛ لِمَا رَوَى يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ صَاعِدٍ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَمَّارٍ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَنَّهُ كَانَ يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ ، حَتَّى يُرَى بَيَاضُ خَدِّهِ الْأَيْمَنِ ، وَإِذَا سَلَّمَ عَنْ يَسَارِهِ يُرَى بَيَاضُ خَدِّهِ الْأَيْمَنِ وَالْأَيْسَرِ .\r} وَرَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ : يَبْتَدِئُ بِقَوْلِهِ : السَّلَامُ عَلَيْكُمْ إلَى الْقِبْلَةِ ، ثُمَّ يَلْتَفِتُ قَائِلًا : وَرَحْمَةُ اللَّهِ عَنْ يَمِينِهِ وَيَسَارِهِ ، فِي قَوْلِهِ : وَرَحْمَةُ اللَّهِ ؛ لِقَوْلِ عَائِشَةَ : { كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُسَلِّمُ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ .\r} مَعْنَاهُ ابْتِدَاءُ السَّلَامِ ، وَ \" رَحْمَةُ اللَّهِ \" يَكُونُ فِي حَالِ الْتِفَاتِهِ","part":2,"page":466},{"id":966,"text":"فَصْلٌ : وَقَدْ : رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ ، رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّهُ يَجْهَرُ بِالتَّسْلِيمَةِ الْأُولَى ، وَتَكُونُ الثَّانِيَةُ أَخْفَى مِنْ الْأُولَى ، يَعْنِي بِذَلِكَ فِي حَقِّ الْإِمَامِ .\rقَالَ صَالِحُ بْنُ عَلِيٍّ : سُئِلَ أَحْمَدُ : أَيُّ التَّسْلِيمَتَيْنِ أَرْفَعُ ؟ قَالَ : الْأُولَى .\rوَفِي لَفْظٍ قَالَ : قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ : التَّسْلِيمَةُ الْأُولَى أَرْفَعُ مِنْ الْأُخْرَى .\rقَالَ الْقَاضِي أَبُو الْحُسَيْنِ : وَاخْتَارَ هَذِهِ الرِّوَايَةَ أَبُو بَكْرٍ الْخَلَّالُ ، وَأَبُو حَفْصٍ الْعُكْبَرِيُّ وَحَمَلَ أَحْمَدُ حَدِيثَ عَائِشَةَ .\rأَنَّهُ كَانَ يُسَلِّمُ تَسْلِيمَةً وَاحِدَةً ، عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَجْهَرُ بِوَاحِدَةٍ ، فَتُسْمَعُ مِنْهُ .\rوَالْمَعْنَى فِي ذَلِكَ ، أَنَّ الْجَهْرَ فِي غَيْرِ الْقِرَاءَةِ إنَّمَا شُرِعَ لِلْإِعْلَامِ بِالِانْتِقَالِ مِنْ رُكْنٍ إلَى غَيْرِهِ ، وَقَدْ حَصَلَ الْعِلْمُ بِالْجَهْرِ بِالتَّسْلِيمَةِ الْأُولَى ، فَلَا يُشْرَعُ الْجَهْرُ بِغَيْرِهَا .\rوَكَانَ ابْنُ حَامِدٍ يُخْفِي الْأُولَى وَيَجْهَرُ بِالثَّانِيَةِ ، لِئَلَّا يَسْبِقَهُ الْمَأْمُومُونَ بِالسَّلَامِ","part":2,"page":467},{"id":967,"text":"( 777 ) فَصْلٌ : وَيُسْتَحَبُّ حَذْفُ السَّلَامِ ، وَهُوَ أَلَّا يُمَدَّ بِطُولِهِ ، وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد ، ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، بِإِسْنَادِهِمَا ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : { حَذْفُ السَّلَامِ سُنَّةٌ } .\rقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ : مَعْنَاهُ أَنْ لَا يَمُدَّهُ مَدًّا .\rقَالَ أَحْمَدُ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَهَذَا الَّذِي يَسْتَحِبُّهُ أَهْلُ الْعِلْمِ .\rقَالَ إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ : التَّكْبِيرُ جَزْمٌ ، وَالسَّلَامُ جَزْمٌ .\rوَقَدْ رُوِيَ أَنَّ مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ إخْفَاءُ التَّسْلِيمَةِ الثَّانِيَةِ .\rوَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ ؛ لِأَنَّ الْحَذْفَ إسْقَاطُ بَعْضِ الشَّيْءِ ، وَالْجَزْمَ قَطْعٌ لَهُ ، فَيَتَّفِقُ مَعْنَاهُمَا ، وَالْإِخْفَاءُ بِخِلَافِهِ ، وَيَخْتَصُّ بِبَعْضِ السَّلَامِ دُونَ جُمْلَتِهِ ، قَالَ أَحْمَدُ بْنُ الْأَثْرَمِ سَمِعْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ ، يَقُولُ : حَذْفُ السَّلَامِ سُنَّةٌ ، وَهُوَ أَنْ لَا يُطَوِّلَ بِهِ صَوْتَهُ .\rوَطَوَّلَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ صَوْتَهُ .","part":2,"page":468},{"id":968,"text":"( 778 ) فَصْلٌ : وَيَنْوِي بِسَلَامِهِ الْخُرُوجَ مِنْ الصَّلَاةِ .\rفَإِنْ لَمْ يَنْوِ ؛ فَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ تَبْطُلُ صَلَاتُهُ .\rوَهُوَ ظَاهِرُ نَصِّ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ نُطْقٌ فِي أَحَدِ طَرَفَيْ الصَّلَاةِ ؛ فَاعْتُبِرَتْ لَهُ النِّيَّةُ ، كَالتَّكْبِيرِ .\rوَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّهُ لَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ .\rوَهُوَ الصَّحِيحُ ؛ لِأَنَّ نِيَّةَ الصَّلَاةِ قَدْ شَمِلَتْ جَمِيعَ الصَّلَاةِ ، وَالسَّلَامُ مِنْ جُمْلَتِهَا ، وَلِأَنَّهُ لَوْ وَجَبَتْ النِّيَّةُ فِي السَّلَامِ لَوَجَبَ تَعْيِينُهَا ، كَتَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ ، وَلِأَنَّهَا عِبَادَةٌ ، فَلَمْ تَجِبْ النِّيَّةُ لِلْخُرُوجِ مِنْهَا ، كَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ ، وَقِيَاسُ الطَّرَفِ الْأَخِيرِ عَلَى الطَّرَفِ الْأَوَّلِ غَيْرُ صَحِيحٍ ؛ فَإِنَّ النِّيَّةَ اُعْتُبِرَتْ فِي الطَّرَفِ الْأَوَّلِ ، لِيَنْسَحِبَ حُكْمُهَا عَلَى بَقِيَّةِ الْأَجْزَاءِ ، بِخِلَافِ الْأَخِيرِ ، وَلِذَلِكَ فُرِّقَ الطَّرَفَانِ فِي سَائِرِ الْعِبَادَاتِ .\rقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا : يَنْوِي بِالتَّسْلِيمَتَيْنِ مَعًا الْخُرُوجَ مِنْ الصَّلَاةِ .\rفَإِنْ نَوَى مَعَ ذَلِكَ الرَّدَّ عَلَى الْمَلَكَيْنِ ، وَعَلَى مَنْ خَلْفَهُ إنْ كَانَ إمَامًا ، أَوْ عَلَى الْإِمَامِ وَمَنْ مَعَهُ إنْ كَانَ مَأْمُومًا ، فَلَا بَأْسَ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، فَقَالَ : يُسَلِّمُ فِي الصَّلَاةِ ، وَيَنْوِي بِسَلَامِهِ الرَّدَّ عَلَى الْإِمَامِ ؛ لِمَا رَوَى مُسْلِمٌ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ، قَالَ : { كُنَّا إذَا صَلَّيْنَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُلْنَا : السَّلَامُ عَلَيْكُمْ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ ، فَنَظَرَ إلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : مَا شَأْنُكُمْ تُشِيرُونَ بِأَيْدِيكُمْ كَأَنَّهَا أَذْنَابُ خَيْلٍ شُمْسٍ ، إذَا سَلَّمَ أَحَدُكُمْ فَلْيَلْتَفِتْ إلَى صَاحِبِهِ وَلَا يُومِئْ بِيَدِهِ } ، وَفِي لَفْظٍ { إنَّمَا يَكْفِي أَحَدَكُمْ أَنْ يَضَعَ يَدَهُ عَلَى فَخِذِهِ ، ثُمَّ يُسَلِّمَ عَلَى أَخِيهِ مِنْ عَلَى يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ } وَرَوَى أَبُو دَاوُد .\rقَالَ : { أَمَرَنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ نَرُدَّ عَلَى","part":2,"page":469},{"id":969,"text":"الْإِمَامِ ، وَأَنْ يُسَلِّمَ بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ .\r} وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يُسَنُّ أَنْ يَنْوِيَ بِسَلَامِهِ عَلَى مَنْ مَعَهُ مِنْ الْمُصَلِّينً وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ .\rوَقَالَ أَبُو حَفْصِ بْنُ الْمُسْلِمِ - مِنْ أَصْحَابِنَا - : يَنْوِي بِالْأُولَى الْخُرُوجَ مِنْ الصَّلَاةِ .\rوَيَنْوِي بِالثَّانِيَةِ السَّلَامَ عَلَى الْحَفَظَةِ وَالْمَأْمُومِينَ ، إنْ كَانَ إمَامًا ، وَالرَّدَّ عَلَى الْإِمَامِ وَالْحَفَظَةِ ، إنْ كَانَ مَأْمُومًا .\rوَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ : إنْ نَوَى فِي السَّلَامِ الرَّدَّ عَلَى الْمَلَائِكَةِ أَوْ غَيْرِهِمْ مِنْ النَّاسِ مَعَ نِيَّةِ الْخُرُوجِ مِنْ الصَّلَاةِ ، فَهَلْ تَبْطُلُ صَلَاتُهُ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا تَبْطُلُ ؛ لِأَنَّهُ نَوَى السَّلَامَ عَلَى آدَمِيٍّ ، أَشْبَهَ مَا لَوْ سَلَّمَ عَلَى مَنْ لَا يُصَلِّي مَعَهُ وَالصَّحِيحُ مَا ذَكَرْنَاهُ ؛ فَإِنَّ أَحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ ، قَالَ فِي رِوَايَةِ يَعْقُوبَ : يُسَلِّمُ لِلصَّلَاةِ ، وَيَنْوِي فِي سَلَامِهِ الرَّدَّ عَلَى الْإِمَامِ .\rرَوَاهَا أَبُو بَكْرٍ الْخَلَّالُ فِي كِتَابِهِ .\rوَقَالَ فِي رِوَايَةِ إِسْحَاقَ بْنِ هَانِئٍ : إذَا نَوَى بِتَسْلِيمِهِ الرَّدَّ عَلَى الْحَفَظَةِ أَجْزَأَهُ .\rوَقَالَ : أَيْضًا : يَنْوِي بِسَلَامِهِ الْخُرُوجَ مِنْ الصَّلَاةِ .\rقِيلَ لَهُ : فَإِنْ نَوَى الْمَلَكَيْنِ ، وَمَنْ خَلْفَهُ ؟ قَالَ : لَا بَأْسَ ، وَالْخُرُوجَ مِنْ الصَّلَاةِ نَخْتَارُ .\rوَقَدْ ذَكَرْنَا مِنْ الْحَدِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ ذَلِكَ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":2,"page":470},{"id":970,"text":"( 779 ) فَصْلٌ : وَيُسْتَحَبُّ ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى ، وَالدُّعَاءُ عَقِيبَ صَلَاتِهِ ، وَيُسْتَحَبُّ مِنْ ذَلِكَ مَا وَرَدَ بِهِ الْأَثَرُ ، مِثْلُ مَا رَوَى الْمُغِيرَةُ ، قَالَ : { كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ : لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ، لَهُ الْمُلْكُ ، وَلَهُ الْحَمْدُ ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ، اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَقَالَ ثَوْبَانُ : { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا انْصَرَفَ مِنْ صَلَاتِهِ اسْتَغْفَرَ ثَلَاثًا ، وَقَالَ : اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ ، وَمِنْكَ السَّلَامُ ، تَبَارَكْتَ يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ } قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : يَقُولُ : أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ ، أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ .\rوَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : { جَاءَ الْفُقَرَاءُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا : ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ مِنْ الْأَمْوَالِ بِالدَّرَجَاتِ الْعُلَى وَالنَّعِيمِ الْمُقِيمِ ، يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّي ، وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ ، وَلَهُمْ فَضْلُ أَمْوَالٍ ، يَحُجُّونَ بِهَا وَيَعْتَمِرُونَ ، وَيَتَصَدَّقُونَ ؟ فَقَالَ : أَلَا أُحَدِّثُكُمْ بِحَدِيثٍ إنْ أَخَذْتُمْ بِهِ أَدْرَكْتُمْ مَنْ سَبَقَكُمْ وَلَمْ يُدْرِكُّمْ أَحَدٌ بَعْدَكُمْ ، وَكُنْتُمْ خَيْرَ مَنْ أَنْتُمْ بَيْنَ ظَهْرَانِيهِ إلَّا مَنْ عَمِلَ مِثْلَهُ ؟ تُسَبِّحُونَ وَتَحْمَدُونَ وَتُكَبِّرُونَ خَلْفَ كُلِّ صَلَاةٍ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ .\rفَاخْتَلَفْنَا بَيْنَنَا .\rفَقَالَ بَعْضُنَا : نُسَبِّحُ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ ، وَنَحْمَدُ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ ، وَنُكَبِّرُ أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ .\rفَرَجَعْتُ إلَيْهِ ، فَقَالَ : تَقُولُ : سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ ، حَتَّى يَكُونَ مِنْهُنَّ كُلِّهِنَّ ثَلَاثٌ وَثَلَاثُونَ } قَالَ أَحْمَدُ ، فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد : يَقُولُ هَكَذَا وَلَا يَقْطَعُهُ : سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ","part":2,"page":471},{"id":971,"text":"وَاَللَّهُ أَكْبَرُ .\rفَإِنْ عَدَلَ إلَى غَيْرِهِ جَازَ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَيْرُهُ .\rرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ .\rوَرَوَى مُسْلِمٌ ، وَالنَّسَائِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ ، أَنَّهُ حَدَّثَ عَلَى الْمِنْبَرِ ، قَالَ : { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ، لَهُ الْمُلْكُ ، وَلَهُ الْحَمْدُ ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ، لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ ، لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ، وَلَا نَعْبُدُ إلَّا إيَّاهُ ، لَهُ النِّعْمَةُ وَالْفَضْلُ وَالثَّنَاءُ الْحَسَنُ الْجَمِيلُ ، لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ، مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ .\rوَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُهَلِّلُ بِهِنَّ فِي دُبُرِ الصَّلَاةِ .\r} وَعَنْ سَعْدٍ ، أَنَّهُ كَانَ يُعَلِّمُ بَنِيهِ هَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ ، وَيَقُولُ : { إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَتَعَوَّذُ بِهِنَّ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ : اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْجُبْنِ ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ الْبُخْلِ ، وَأَعُوذُ بِك مِنْ أَنْ أُرَدَّ إلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الدُّنْيَا وَعَذَابِ الْقَبْرِ } .\rمِنْ الصِّحَاحِ ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : إنَّ { رَفْعَ الصَّوْتِ بِالذِّكْرِ حِينَ يَنْصَرِفُ النَّاسُ مِنْ الْمَكْتُوبَةِ كَانَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rفَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : كُنْتُ أَعْلَمُ إذَا انْصَرَفُوا بِذَلِكَ إذَا سَمِعْتُهُ .\r} رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ، وَمُسْلِمٌ","part":2,"page":472},{"id":972,"text":"فَصْلٌ : إذَا كَانَ مَعَ الْإِمَامِ رِجَالٌ وَنِسَاءٌ ، فَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَثْبُتَ هُوَ وَالرِّجَالُ بِقَدْرِ مَا يَرَى أَنَّهُنَّ قَدْ انْصَرَفْنَ ، وَيَقُمْنَ هُنَّ عَقِيبَ تَسْلِيمِهِ .\rقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ : { إنَّ النِّسَاءَ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُنَّ إذَا سَلَّمَ مِنْ الْمَكْتُوبَةِ قُمْنَ ، وَثَبَتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَنْ صَلَّى مِنْ الرِّجَالِ مَا شَاءَ اللَّهُ ، فَإِذَا قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ الرِّجَالُ .\r} قَالَ الزُّهْرِيُّ فَنَرَى ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ، لِكَيْ يَبْعُدَ مَنْ يَنْصَرِفُ مِنْ النِّسَاءِ .\rرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ .\rوَلِأَنَّ الْإِخْلَالَ بِذَلِكَ مِنْ أَحَدِهِمَا يُفْضِي إلَى اخْتِلَاطِ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ نِسَاءٌ فَلَا يُسْتَحَبُّ لَهُ إطَالَةُ الْجُلُوسِ ؛ لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ : { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا سَلَّمَ لَمْ يَقْعُدْ إلَّا مِقْدَارَ مَا يَقُولُ : اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ ، وَمِنْكَ السَّلَامُ ، تَبَارَكْتَ يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ } ، رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ .\rوَعَنْ الْبَرَاءِ ، قَالَ : { رَمَقْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَوَجَدْتُ قِيَامَهُ فَرَكْعَتَهُ فَاعْتِدَالَهُ بَعْدَ رُكُوعِهِ فَسَجْدَتَهُ فَجَلْسَتَهُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ ؛ فَجَلْسَتَهُ مَا بَيْنَ التَّسْلِيمِ وَالِانْصِرَافِ قَرِيبًا مِنْ السَّوَاءِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ، } إلَّا أَنَّ الْبُخَارِيَّ قَالَ : مَا خَلَا الْقِيَامَ وَالْقُعُودَ قَرِيبًا مِنْ السَّوَاءِ .\rفَإِنْ لَمْ يَقُمْ فَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَنْحَرِفَ عَنْ قِبْلَتِهِ ، لَا يَلْبَثُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا أَفْضَى بِهِ إلَى الشَّكِّ ، هَلْ فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ ، أَوْ لَا ؟ ، وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ سَمُرَةَ ، قَالَ : { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا صَلَّى صَلَاةً أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ .\r} وَعَنْ يَزِيدَ بْنِ الْأَسْوَدِ ، قَالَ : { صَلَّيْت مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى","part":2,"page":473},{"id":973,"text":"اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْفَجْرَ ، فَلَمَّا سَلَّمَ انْحَرَفَ .\r} وَعَنْ عَلِيٍّ ، أَنَّهُ صَلَّى بِقَوْمٍ الْعَصْرَ ، ثُمَّ أَسْنَدَ ظَهْرَهُ إلَى الْقِبْلَةِ ، فَاسْتَقْبَلَ الْقَوْمَ .\rرَوَاهُمَا الْأَثْرَمُ وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ : لَأَنْ يَجْلِسَ الرَّجُلُ عَلَى رَضْفَةٍ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَجْلِسَ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ حِينَ يُسَلِّمُ وَلَا يَنْحَرِفُ .\rوَقَالَ إبْرَاهِيمُ : إذَا سَلَّمَ الْإِمَامُ ثُمَّ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ فَاحْصِبُوهُ .\rقَالَ الْأَثْرَمُ : رَأَيْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ إذَا سَلَّمَ يَلْتَفِتُ وَيَتَرَبَّعُ وَقَالَ أَبُو دَاوُد : رَأَيْتُهُ إذَا كَانَ إمَامًا فَسَلَّمَ انْحَرَفَ عَنْ يَمِينِهِ .\rوَرَوَى مُسْلِمٌ ، وَأَبُو دَاوُد فِي السُّنَنِ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ، قَالَ : { كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا صَلَّى الْفَجْرَ يَتَرَبَّعُ فِي مَجْلِسِهِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ حَسْنَاءَ .\r} وَفِي لَفْظٍ : { كَانَ إذَا صَلَّى الْفَجْرَ جَلَسَ فِي مُصَلَّاهُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ } .\rوَعَنْ سَعْدٍ ، قَالَ : { كُنْت أَرَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَقُومُ مِنْ مُصَلَّاهُ الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ الصُّبْحَ حَتَّى تَطْلُعُ الشَّمْسُ ، فَإِذَا طَلَعَتْ قَامَ } .\rرَوَاهُمَا مُسْلِمٌ ، وَسُئِلَ أَحْمَدُ عَنْ تَفْسِيرِ حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { كَانَ لَا يَجْلِسُ بَعْدَ التَّسْلِيمِ إلَّا قَدْرَ مَا يَقُولُ : اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ } .\rيَعْنِي فِي مَقْعَدِهِ حَتَّى يَنْحَرِفَ ، قَالَ : لَا أَدْرِي .\rوَرَوَى الْأَثْرَمُ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا .\rوَيُسْتَحَبُّ لِلْمَأْمُومِينَ أَنْ لَا يَثِبُوا قَبْلَ الْإِمَامِ ، لِئَلَّا يَذْكُرَ سَهْوًا فَيَسْجُدَ وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : إنِّي إمَامُكُمْ ، فَلَا تُبَادِرُونِي بِالرُّكُوعِ وَلَا بِالسُّجُودِ وَلَا بِالْقِيَامِ وَلَا بِالِانْصِرَافِ } ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَلَفْظُ مُسْلِمٍ : فَلَا تَسْبِقُونِي .\rفَإِنْ خَالَفَ الْإِمَامُ السُّنَّةَ فِي إطَالَةِ الْجُلُوسِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ أَوْ انْحَرَفَ ، فَلَا","part":2,"page":474},{"id":974,"text":"بَأْسَ أَنْ يَقُومَ الْمَأْمُومُ وَيَدَعَهُ .","part":2,"page":475},{"id":975,"text":"( 781 ) فَصْلٌ : وَيَنْصَرِفُ حَيْثُ شَاءَ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ ؛ لِقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ : لَا يَجْعَلْ أَحَدُكُمْ لِلشَّيْطَانِ حَظًّا مِنْ صَلَاتِهِ ، يَرَى حَقًّا عَلَيْهِ أَلَّا يَنْصَرِفَ إلَّا عَنْ يَمِينِهِ ، { لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَثِيرًا مَا يَنْصَرِفُ عَنْ شِمَالِهِ .\r} رَوَاهُ مُسْلِمٌ .\rوَعَنْ قَبِيصَةَ بْنِ هُلْبٍ عَنْ أَبِيهِ ، { أَنَّهُ صَلَّى مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَانَ يَنْصَرِفُ عَنْ شِقَّيْهِ .\r} رَوَاهُمَا أَبُو دَاوُد ، وَابْنُ مَاجَهْ .","part":2,"page":476},{"id":976,"text":"( 782 ) فَصْلٌ : قَالَ أَحْمَدُ لَا يَتَطَوَّعُ الْإِمَامُ فِي مَكَانِهِ الَّذِي صَلَّى فِيهِ الْمَكْتُوبَةَ نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، وَقَالَ : كَذَا قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ أَحْمَدُ وَمَنْ صَلَّى وَرَاءُ الْإِمَامِ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَتَطَوَّعَ مَكَانَهُ ، فَعَلَ ذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ .\rوَبِهَذَا قَالَ إِسْحَاقُ .\rوَرَوَى أَبُو بَكْرٍ حَدِيثَ عَلِيٍّ بِإِسْنَادِهِ وَبِإِسْنَادِهِ عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { لَا يَتَطَوَّعُ الْإِمَامُ فِي مَقَامِهِ الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ بِالنَّاسِ .\r}","part":2,"page":477},{"id":977,"text":"( 783 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ وَالرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ ، إلَّا أَنَّ الْمَرْأَةَ تَجْمَعُ نَفْسَهَا فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَتَجْلِسُ مُتَرَبِّعَةً أَوْ تَسْدُلُ رِجْلَيْهَا فَتَجْعَلُهُمَا فِي جَانِبِ يَمِينِهَا .\rالْأَصْلُ أَنْ يَثْبُتَ فِي حَقِّ الْمَرْأَةِ مِنْ أَحْكَامِ الصَّلَاةِ مَا يَثْبُتُ لِلرِّجَالِ ؛ لِأَنَّ الْخِطَابَ يَشْمَلُهَا ، غَيْرَ أَنَّهَا خَالَفَتْهُ فِي تَرْكِ التَّجَافِي ، لِأَنَّهَا عَوْرَةٌ ، فَاسْتُحِبَّ لَهَا جَمْعُ نَفْسِهَا ، لِيَكُونَ أَسْتَرَ لَهَا ، فَإِنَّهُ لَا يُؤْمَنُ أَنْ يَبْدُوَ مِنْهَا شَيْءٌ حَالَ التَّجَافِي .\rوَكَذَلِكَ فِي الِافْتِرَاشِ ، قَالَ أَحْمَدُ : وَالسَّدْلُ أَعْجَبُ إلَيَّ .\rوَاخْتَارَهُ الْخَلَّالُ .\rقَالَ عَلِيٌّ ، كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ : إذَا صَلَّتْ الْمَرْأَةُ فَلْتَحْتَفِزْ وَلْتَضُمَّ فَخِذَيْهَا .\rوَعَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، أَنَّهُ كَانَ يَأْمُرُ النِّسَاءَ أَنْ يَتَرَبَّعْنَ فِي الصَّلَاةِ .","part":2,"page":478},{"id":978,"text":"( 784 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : وَالْمَأْمُومُ إذَا سَمِعَ قِرَاءَةَ الْإِمَامِ فَلَا يَقْرَأُ بِالْحَمْدِ ، وَلَا بِغَيْرِهَا ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } .\rوَلِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَا لِي أُنَازَعُ الْقُرْآنَ ؟ ، قَالَ : فَانْتَهَى النَّاسُ أَنْ يَقْرَءُوا فِيمَا جَهَرَ فِيهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ } وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْمَأْمُومَ إذَا كَانَ يَسْمَعُ قِرَاءَةَ الْإِمَامِ ، لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ الْقِرَاءَةُ ، وَلَا تُسْتَحَبُّ عِنْدَ إمَامِنَا ، وَالزُّهْرِيِّ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَمَالِكٍ ، وَابْنِ عُيَيْنَةَ ، وَابْنِ الْمُبَارَكِ ، وَإِسْحَاقَ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ .\rوَهَذَا أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ ، وَنَحْوُهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ، وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَجَمَاعَةٍ مِنْ السَّلَفِ .\rوَالْقَوْلُ الْآخَرُ لِلشَّافِعِيِّ قَالَ : يَقْرَأُ فِيمَا جَهَرَ فِيهِ الْإِمَامُ .\rوَنَحْوُهُ عَنْ اللَّيْثِ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَابْنِ عَوْنٍ وَمَكْحُولٍ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ، لِعُمُومِ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ، قَالَ : { كُنَّا خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ ، فَقَرَأَ ، فَثَقُلَتْ عَلَيْهِ الْقِرَاءَةُ ، فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ : لَعَلَّكُمْ تَقْرَءُونَ خَلْفَ إمَامِكُمْ ؟ قُلْنَا : نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَالَ : فَلَا تَفْعَلُوا إلَّا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ ، فَإِنَّهُ لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِهَا .\r} رَوَاهُ الْأَثْرَمُ ، وَأَبُو دَاوُد .\rوَرُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ صَلَّى صَلَاةً لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَهِيَ خِدَاجٌ ، فَهِيَ خِدَاجٌ ، فَهِيَ خِدَاجٌ ، غَيْرُ","part":2,"page":479},{"id":979,"text":"تَمَامٍ } .\rقَالَ الرَّاوِي : يَا أَبَا هُرَيْرَةَ ، إنِّي أَكُونُ أَحْيَانًا وَرَاءَ الْإِمَامِ ؟ قَالَ : فَغَمَزَ ذِرَاعِي ، وَقَالَ : اقْرَأْ بِهَا فِي نَفْسِك يَا فَارِسِيُّ .\rرَوَاهُ مُسْلِمٌ ، وَأَبُو دَاوُد ، وَلِأَنَّهَا رُكْنٌ فِي الصَّلَاةِ فَلَمْ تَسْقُطْ عَنْ الْمَأْمُومِ ، كَسَائِرِ أَرْكَانِهَا ، وَلِأَنَّ مَنْ لَزِمَهُ الْقِيَامُ لَزِمَتْهُ الْقِرَاءَةُ مَعَ الْقُدْرَةِ ، كَالْإِمَامِ وَالْمُنْفَرِدِ .\rوَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } .\rوَقَالَ أَحْمَدُ : فَالنَّاسُ عَلَى أَنَّ هَذَا فِي الصَّلَاةِ .\rقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ، وَالْحَسَنُ ، وَإِبْرَاهِيمُ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ ، وَالزُّهْرِيُّ : إنَّهَا نَزَلَتْ فِي شَأْنِ الصَّلَاةِ .\rوَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ ، وَأَبُو الْعَالِيَةِ : كَانُوا يَقْرَءُونَ خَلْفَ الْإِمَامِ ، فَنَزَلَتْ : { وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } .\rوَقَالَ أَحْمَدُ ، فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد : أَجْمَعَ النَّاسُ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ فِي الصَّلَاةِ .\rوَلِأَنَّهُ عَامٌّ فَيَتَنَاوَلُ بِعُمُومِهِ الصَّلَاةَ ، وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ .\rفَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا ، وَإِذَا قَرَأَ فَأَنْصِتُوا } .\rرَوَاهُ مُسْلِمٌ .\rوَالْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ الْخِرَقِيِّ ، رَوَاهُ مَالِكٌ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ ابْنِ أُكَيْمَةَ اللَّيْثِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انْصَرَفَ مِنْ صَلَاةٍ فَقَالَ : هَلْ قَرَأَ مَعِي أَحَدٌ مِنْكُمْ ؟ فَقَالَ رَجُلٌ : نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَالَ : مَا لِي أُنَازَعُ الْقُرْآنَ .\rقَالَ : فَانْتَهَى النَّاسُ عَنْ الْقِرَاءَةِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا جَهَرَ فِيهِ مِنْ الصَّلَوَاتِ ، حِينَ سَمِعُوا ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\r} أَخْرَجَهُ مَالِكٌ ، فِي الْمُوَطَّأِ ، وَأَبُو دَاوُد ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَقَالَ :","part":2,"page":480},{"id":980,"text":"حَدِيثٌ حَسَنٌ ، وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ بِلَفْظٍ آخَرَ ، قَالَ : { صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَاةً ، فَلَمَّا قَضَاهَا قَالَ : هَلْ قَرَأَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مَعِي بِشَيْءٍ مِنْ الْقُرْآنِ ؟ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ : أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَقَالَ : إنِّي أَقُولُ : مَا لِي أُنَازَعُ الْقُرْآنَ ؟ إذَا أَسْرَرْتُ بِقِرَاءَتِي فَاقْرَءُوا ، وَإِذَا جَهَرْتُ بِقِرَاءَتِي فَلَا يَقْرَأَنَّ مَعِي أَحَدٌ } .\rوَلِأَنَّهُ إجْمَاعٌ فَإِنَّهُ إجْمَاعٌ ، قَالَ أَحْمَدُ ، مَا سَمِعْنَا أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ يَقُولُ : إنَّ الْإِمَامَ إذَا جَهَرَ بِالْقِرَاءَةِ لَا تُجْزِئُ صَلَاةُ مَنْ خَلْفَهُ إذَا لَمْ يَقْرَأْ .\rوَقَالَ : هَذَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ وَالتَّابِعُونَ ، وَهَذَا مَالِكٌ فِي أَهْلِ الْحِجَازِ وَهَذَا الثَّوْرِيُّ ، فِي أَهْلِ الْعِرَاقِ ، وَهَذَا الْأَوْزَاعِيُّ ، فِي أَهْلِ الشَّامِ ، وَهَذَا اللَّيْثُ ، فِي أَهْلِ مِصْرَ ، مَا قَالُوا لِرَجُلٍ صَلَّى خَلْفَ الْإِمَامِ ، وَقَرَأَ إمَامُهُ ، وَلَمْ يَقْرَأْ هُوَ : صَلَاتُهُ بَاطِلَةٌ .\rوَلِأَنَّهَا قِرَاءَةٌ لَا تَجِبُ عَلَى الْمَسْبُوقِ ، فَلَا تَجِبُ عَلَى غَيْرِهِ ، كَقِرَاءَةِ السُّورَةِ ، يُحَقِّقُهُ أَنَّهَا لَوْ وَجَبَتْ عَلَى غَيْرِ الْمَسْبُوقِ لَوَجَبَتْ عَلَى الْمَسْبُوقِ ، كَسَائِرِ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ .\rفَأَمَّا حَدِيثُ عُبَادَةَ ، الصَّحِيحُ ، فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى غَيْرِ الْمَأْمُومِ ، وَكَذَلِكَ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَقَدْ جَاءَ مُصَرَّحًا بِهِ رَوَاهُ الْخَلَّالُ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ جَابِرٍ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { : كُلُّ صَلَاةٍ لَا يُقْرَأُ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَهِيَ خِدَاجٌ ، إلَّا أَنْ تَكُونَ وَرَاءَ الْإِمَامِ } وَقَدْ رُوِيَ أَيْضًا مَوْقُوفًا عَنْ جَابِرٍ .\rوَقَوْلُ أَبِي هُرَيْرَةَ : اقْرَأْ بِهَا فِي نَفْسِكَ .\rمِنْ كَلَامِهِ ، وَقَدْ خَالَفَهُ جَابِرٌ ، وَابْنُ الزُّبَيْرِ ، وَغَيْرُهُمَا ، ثُمَّ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ : اقْرَأْ بِهَا فِي سَكَتَاتِ الْإِمَامِ ، أَوْ فِي حَالِ إسْرَارِهِ .\rفَإِنَّهُ يُرْوَى أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ","part":2,"page":481},{"id":981,"text":"عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rقَالَ : { إذَا قَرَأَ الْإِمَامُ فَأَنْصِتُوا } ، وَالْحَدِيثُ الْآخَرُ ، وَحَدِيثُ عُبَادَةَ الْآخَرُ ، لَمْ يَرْوِهِ غَيْرُ ابْنِ إِسْحَاقَ .\rكَذَلِكَ قَالَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ، وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، عَنْ مَكْحُولٍ ، عَنْ نَافِعِ بْنِ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ الْأَنْصَارِيِّ .\rوَهُوَ أَدْنَى حَالًا مِنْ ابْنِ إِسْحَاقَ .\rفَإِنَّهُ غَيْرُ مَعْرُوفٍ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَقِيَاسُهُمْ يَبْطُلُ بِالْمَسْبُوقِ .","part":2,"page":482},{"id":982,"text":"( 785 ) فَصْلٌ : قَالَ أَبُو دَاوُد : قِيلَ لِأَحْمَدَ ، رَحِمَهُ اللَّهُ : فَإِنَّهُ - يَعْنِي الْمَأْمُومَ - قَرَأَ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ ، ثُمَّ سَمِعَ قِرَاءَةَ الْإِمَامِ ؟ قَالَ : يَقْطَعُ إذَا سَمِعَ قِرَاءَةَ الْإِمَامِ ، وَيُنْصِتُ لِلْقِرَاءَةِ .\rوَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ اتِّبَاعًا لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا } ، وَلِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { وَإِذَا قَرَأَ فَأَنْصِتُوا } .","part":2,"page":483},{"id":983,"text":"( 786 ) فَصْلٌ : وَهَلْ يَسْتَفْتِحُ الْمَأْمُومُ وَيَسْتَعِيذُ ؟ يُنْظَرُ إنْ كَانَ فِي حَقِّهِ قِرَاءَةٌ مَسْنُونَةٌ ، وَهُوَ فِي الصَّلَوَاتِ الَّتِي يُسِرُّ فِيهَا الْإِمَامُ ، أَوْ الَّتِي فِيهَا سَكَتَاتٌ يُمْكِنُ فِيهَا الْقِرَاءَةُ ، اسْتَفْتَحَ الْمَأْمُومُ وَاسْتَعَاذَ ، وَإِنْ لَمْ يَسْكُتْ أَصْلًا ، فَلَا يَسْتَفْتِحُ وَلَا يَسْتَعِيذُ ، وَإِنْ سَكَتَ قَدْرًا يَتَّسِعُ لِلِافْتِتَاحِ فَحَسْبُ ، اسْتَفْتَحَ وَلَمْ يَسْتَعِذْ .\rقَالَ ابْنُ مَنْصُورٍ : قُلْت لِأَحْمَدَ : سُئِلَ سُفْيَانُ أَيَسْتَعِيذُ الْإِنْسَانُ خَلْفَ الْإِمَامِ ؟ قَالَ : إنَّمَا يَسْتَعِيذُ مَنْ يَقْرَأُ .\rقَالَ أَحْمَدُ : صَدَقَ .\rوَقَالَ أَحْمَدُ أَيْضًا : إنْ كَانَ مِمَّنْ يَقْرَأُ خَلْفَ الْإِمَامِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاَللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ } .\rوَذَكَرَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ فِيهِ رِوَايَاتٌ أُخْرَى ، أَنَّهُ يَسْتَفْتِحُ وَيَسْتَعِيذُ فِي حَالِ جَهْرِ الْإِمَامِ ؛ لِأَنَّ سَمَاعَهُ لِقِرَاءَةِ الْإِمَامِ قَامَ مَقَامَ قِرَاءَتِهِ ، بِخِلَافِ الِاسْتِفْتَاحِ وَالِاسْتِعَاذَةِ .\rوَالصَّحِيحُ مَا ذَكَرْنَاهُ","part":2,"page":484},{"id":984,"text":"( 787 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : الِاسْتِحْبَابُ أَنْ يَقْرَأَ فِي سَكَتَاتِ الْإِمَامِ ، وَفِيمَا لَا يَجْهَرُ فِيهِ هَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، كَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ ، وَابْنُ عُمَرَ ، وَهِشَامُ بْنُ عَامِرٍ يَقْرَءُونَ وَرَاءَ الْإِمَامِ فِيمَا أَسَرَّ بِهِ .\rوَقَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ : إذَا جَهَرَ فَلَا تَقْرَأْ ، وَإِذَا خَافَتَ فَاقْرَأْ .\rوَرُوِيَ مَعْنَى ذَلِكَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَالْحَسَنِ وَالْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، وَنَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَالْحَكَمِ ، وَالزُّهْرِيِّ ، وَقَالَ أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ : لِلْإِمَامِ سَكْتَتَانِ ، فَاغْتَنِمُوا فِيهِمَا الْقِرَاءَةَ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ ؛ إذَا دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ ، وَإِذَا قَالَ : وَلَا الضَّالِّينَ .\rوَقَالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ : أَمَّا أَنَا فَأَغْتَنِمُ مِنْ الْإِمَامِ اثْنَتَيْنِ ، إذَا قَالَ : غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ، فَأَقْرَأُ عِنْدَهَا ، وَحِينَ يَخْتِمُ السُّورَةَ ، فَأَقْرَأُ قَبْلَ أَنْ يَرْكَعَ .\rوَقَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَابْنُ عُيَيْنَةَ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَقْرَأُ الْإِمَامُ بِحَالٍ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا فِي الْمَسْأَلَةِ الَّتِي قَبْلَ هَذَا .\rوَلَنَا ، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { فَإِذَا أَسْرَرْت بِقِرَاءَتِي فَاقْرَءُوا } .\rرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَالدَّارَقُطْنِيّ .\rوَلِأَنَّ عُمُومَ الْأَخْبَارِ يَقْتَضِي الْقِرَاءَةَ فِي حَقِّ كُلِّ مُصَلٍّ ، فَخَصَّصْنَاهَا بِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ الْأَدِلَّةِ ، وَهِيَ مُخْتَصَّةٌ بِحَالِ الْجَهْرِ ، وَفِيمَا عَدَاهُ يَبْقَى عَلَى الْعُمُومِ ، وَتَخْصِيصُ حَالَةِ الْجَهْرِ بِامْتِنَاعِ النَّاسِ مِنْ الْقِرَاءَةِ فِيهَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا يَقْرَءُونَ فِي غَيْرِهَا .\rقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى ، فِي الْإِمَامِ يَقْرَأُ وَهُوَ لَا يَسْمَعُ : يَقْرَأُ .\rقِيلَ لَهُ : أَلَيْسَ قَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا } ؟ فَقَالَ : هَذَا إلَى أَيِّ شَيْءٍ يَسْتَمِعُ ؟ .\rوَيُسَنُّ لَهُ قِرَاءَةُ السُّورَةِ مَعَ الْفَاتِحَةِ فِي مَوَاضِعِهَا","part":2,"page":485},{"id":985,"text":".","part":2,"page":486},{"id":986,"text":"( 788 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَصَلَاتُهُ تَامَّةٌ ؛ لِأَنَّ مَنْ كَانَ لَهُ إمَامٌ فَقِرَاءَةُ الْإِمَامِ لَهُ قِرَاءَةٌ وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْقِرَاءَةَ غَيْرُ وَاجِبَةٍ عَلَى الْمَأْمُومِ فِيمَا جَهَرَ بِهِ الْإِمَامُ ، وَلَا فِيمَا أَسَرَّ بِهِ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، فِي رِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ .\rوَبِذَلِكَ قَالَ الزُّهْرِيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَابْنُ عُيَيْنَةَ ، وَمَالِكٌ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ وَإِسْحَاقُ ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَدَاوُد : يَجِبُ ؛ لِعُمُومِ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ { لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَا يَقْرَأُ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ } غَيْرَ أَنَّهُ خَصَّ فِي حَالِ الْجَهْرِ بِالْأَمْرِ بِالْإِنْصَاتِ ، فَفِيمَا عَدَاهُ يَبْقَى عَلَى الْعُمُومِ .\rوَلَنَا مَا رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ ، عَنْ وَكِيعٍ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ مُوسَى بْنِ أَبِي عَائِشَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ كَانَ لَهُ إمَامٌ فَإِنَّ قِرَاءَةَ الْإِمَامِ لَهُ قِرَاءَةٌ } .\rوَرَوَاهُ الْخَلَّالُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ ، شُعْبَةَ ، عَنْ مُوسَى ، مُطَوَّلًا .\rوَأَخْبَرَنَاهُ أَبُو الْفَتْحِ بْنُ الْبَطِّيُّ فِي حَدِيثِ ابْنِ الْبُحْتُرِيِّ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ مُوسَى ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ ، قَالَ : { كَانَ رَجُلٌ يَقْرَأُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجَعَلَ رَجُلٌ يُومِئُ إلَيْهِ أَنْ لَا يَقْرَأَ ، فَأَبَى إلَّا أَنْ يَقْرَأَ ، فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ الرَّجُلُ : مَا لَكَ تَقْرَأُ خَلْفَ الْإِمَامِ ؟ فَقَالَ : مَا لَكَ تَنْهَانِي أَنْ أَقْرَأَ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إذَا كَانَ لَك إمَامٌ يَقْرَأُ فَإِنَّ قِرَاءَتَهُ لَك قِرَاءَةٌ } .\rوَقَدْ ذَكَرْنَا حَدِيثَ جَابِرٍ : \" إلَّا وَرَاءَ الْإِمَامِ \" .\rوَرَوَى الْخَلَّالُ ، وَالدَّارَقُطْنِيّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { يَكْفِيك قِرَاءَةُ الْإِمَامِ ، خَافَتَ أَوْ جَهَرَ } وَلِأَنَّ الْقِرَاءَةَ لَوْ كَانَتْ وَاجِبَةً عَلَيْهِ لَمْ تَسْقُطْ","part":2,"page":487},{"id":987,"text":"كَبَقِيَّةِ أَرْكَانِهَا \"","part":2,"page":488},{"id":988,"text":"( 789 ) فَصْلٌ : وَإِذَا قَرَأَ بَعْضَ الْفَاتِحَةِ فِي سَكْتَةِ الْإِمَامِ ، ثُمَّ قَرَأَ الْإِمَامُ فَأَنْصَتَ لَهُ ، وَقَطَعَ قِرَاءَتَهُ ، ثُمَّ قَرَأَ بَقِيَّةَ الْفَاتِحَةِ فِي السَّكْتَةِ الثَّانِيَةِ ، فَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ أَنَّ ذَلِكَ حَسَنٌ وَلَا تَنْقَطِعُ الْقِرَاءَةُ بِسُكُوتِهِ ؛ لِأَنَّهُ سُكُوتٌ مَأْمُورٌ بِهِ ، فَلَا يَكُونُ مُبْطِلًا لِقِرَاءَتِهِ ، وَلِأَنَّهُ لَوْ أَبْطَلَهَا \" لَمْ يَسْتَفِدْ فَائِدَةً ، فَإِنَّهُ لَا يَقْرَأُ فِي الثَّانِيَةِ زِيَادَةً عَلَى مَا قَرَأَهُ فِي الْأُولَى","part":2,"page":489},{"id":989,"text":"( 790 ) فَصْلٌ : فَإِنْ لَمْ يَسْمَعْهُ لِبُعْدٍ ، قَرَأَ .\rنَصَّ عَلَيْهِ قَالَ الْأَثْرَمُ قِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ رَحِمَهُ اللَّهُ .\rفَيَوْمَ الْجُمُعَةِ قَالَ : إذَا لَمْ يَسْمَعْ قِرَاءَةَ الْإِمَامِ وَنَغْمَتَهُ قَرَأَ ، فَإِذَا سَمِعَ فَلْيُنْصِتْ قِيلَ لَهُ : فَالْأَطْرَشُ ؟ قَالَ لَا أَدْرِي فَيَحْتَمِلُ أَنْ يُشْرَعَ فِي حَقِّهِ الْقِرَاءَةُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَسْمَعُ ، فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِنْصَاتُ كَالْبَعِيدِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَقْرَأَ كَيْ لَا يُخَلِّطَ عَلَى الْإِمَامِ ، فَإِنْ سَمِعَ هَمْهَمَتَهُ وَلَمْ يَفْهَمْ ، فَقَالَ ، فِي رِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ : لَا يَقْرَأُ وَنُقِلَ عَنْهُ ، أَنَّهُ يَقْرَأُ إذَا سَمِعَ الْحَرْفَ بَعْدَ الْحَرْفِ","part":2,"page":490},{"id":990,"text":"( 791 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : وَيُسِرُّ بِالْقِرَاءَةِ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ ، وَيَجْهَرُ بِهَا فِي الْأُولَيَيْنِ مِنْ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ ، وَفِي الصُّبْحِ كُلِّهَا .\rالْجَهْرُ فِي مَوَاضِعِ الْجَهْرِ ، وَالْإِسْرَارُ فِي مَوَاضِعِ الْإِسْرَارِ ، لَا خِلَافَ فِي اسْتِحْبَابِهِ ، وَالْأَصْلُ فِيهِ فِعْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ ثَبَتَ ذَلِكَ بِنَقْلِ الْخَلَفِ عَنْ السَّلَفِ ، فَإِنْ جَهَرَ فِي مَوْضِعِ الْإِسْرَارِ ، أَوْ أَسَرَّ فِي مَوْضِعِ الْجَهْرِ ، تَرَكَ السُّنَّةَ ، وَصَحَّتْ صَلَاتُهُ ، إلَّا أَنَّهُ إنْ نَسِيَ فَجَهَرَ فِي مَوْضِعِ الْإِسْرَارِ ، ثُمَّ ذَكَرَ فِي أَثْنَاءِ الْقِرَاءَةِ ، بَنَى عَلَى قِرَاءَتِهِ ، وَإِنْ أَسَرَّ فِي مَوْضِعِ الْجَهْرِ ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا يَمْضِي فِي قِرَاءَتِهِ .\rوَالثَّانِيَةُ يَعُودُ فِي قِرَاءَتِهِ .\rعَلَى طَرِيقِ الِاخْتِيَارِ ، لَا عَلَى طَرِيقِ الْوُجُوبِ إنَّمَا لَمْ يَعُدْ إذَا جَهَرَ ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِزِيَادَةٍ .\rوَإِنْ خَافَتْ فِي مَوْضِعِ الْجَهْرِ ، أَعَادَ ؛ لِأَنَّهُ أَخَلَّ بِصِفَةٍ مُسْتَحَبَّةٍ فِي الْقِرَاءَةِ ، يُمْكِنْهُ أَنْ يَأْتِي بِهَا وَفَوَّتَ عَلَى الْمَأْمُومِينَ سَمَاعَ الْقِرَاءَةِ","part":2,"page":491},{"id":991,"text":"( 792 ) فَصْلٌ : وَهَذَا الْجَهْرُ مَشْرُوعٌ لِلْإِمَامِ ، وَلَا يُشْرَعُ لِلْمَأْمُومِ بِغَيْرِ اخْتِلَافٍ .\rوَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَأْمُومَ مَأْمُورٌ بِالْإِنْصَاتِ لِلْإِمَامِ وَالِاسْتِمَاعِ لَهُ ، بَلْ قَدْ مُنِعَ مِنْ الْقِرَاءَةِ لِأَجْلِ ذَلِكَ ، وَأَمَّا الْمُنْفَرِدُ فَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ مُخَيَّرٌ وَكَذَلِكَ مَنْ فَاتَهُ بَعْضُ الصَّلَاةِ مَعَ الْإِمَامِ فَقَامَ لِيَقْضِيَهُ .\rقَالَ الْأَثْرَمُ : قُلْت لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ : رَجُلٌ فَاتَتْهُ رَكْعَةٌ مَعَ الْإِمَامِ مِنْ الْمَغْرِبِ أَوْ الْعِشَاءِ ، فَقَامَ لِيَقْضِيَ ، أَيَجْهَرُ أَوْ يُخَافِتُ ؟ قَالَ : إنْ شَاءَ جَهَرَ ، وَإِنْ شَاءَ خَافَتَ .\rثُمَّ قَالَ : إنَّمَا الْجَهْرُ لِلْجَمَاعَةِ ، قُلْت لَهُ : وَكَذَلِكَ إذَا صَلَّى وَحْدَهُ الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ ، إنْ شَاءَ جَهَرَ ، وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَجْهَرْ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، إنَّمَا الْجَهْرُ لِلْجَمَاعَةِ .\rوَكَذَلِكَ قَالَ طَاوُسٌ ، فِيمَنْ فَاتَتْهُ بَعْضُ الصَّلَاةِ وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْقَضَاءِ وَالْأَدَاءِ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يُسَنُّ لِلْمُنْفَرِدِ الْجَهْرُ ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَأْمُورٍ بِالْإِنْصَاتِ إلَى أَحَدٍ ، فَأَشْبَهَ الْإِمَامَ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ لَا يَتَحَمَّلُ الْقِرَاءَةَ عَنْ غَيْرِهِ ، فَأَشْبَهَ الْمَأْمُومَ فِي سَكَتَاتِ الْإِمَامِ ، وَيُفَارِقُ الْإِمَامَ ، فَإِنَّهُ يَقْصِدُ إسْمَاعَ الْمَأْمُومِينَ ، وَيَتَحَمَّلُ الْقِرَاءَةَ عَنْهُمْ .\rوَإِلَى هَذَا أَشَارَ أَحْمَدُ فِي قَوْلِهِ : إنَّمَا الْجَهْرُ لِلْجَمَاعَةِ ، فَقَدْ تَوَسَّطَ الْمُنْفَرِدُ بَيْنَ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ ، وَفَارَقَهُمَا فِي كَوْنِهِ لَا يَقْصِدُ إسْمَاعَ غَيْرِهِ ، وَلَا الْإِنْصَاتَ لَهُ ، فَكَانَ مُخَيَّرًا بَيْنَ الْحَالَيْنِ .","part":2,"page":492},{"id":992,"text":"( 793 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا إنْ قَضَى الصَّلَاةَ فِي جَمَاعَةٍ ، فَإِنْ كَانَتْ صَلَاةَ نَهَارٍ أَسَرَّ ، سَوَاءٌ قَضَاهَا فِي لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ لِأَنَّهَا صَلَاةُ نَهَارٍ ، وَلَا أَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا .\rفَإِنْ كَانَتْ الْفَائِتَةُ صَلَاةَ جَهْرٍ فَقَضَاهَا فِي لَيْلٍ ، جَهَرَ فِي ظَاهِرِ كَلَامِ أَحْمَدَ ، لِأَنَّهَا صَلَاةُ لَيْلٍ فَعَلَهَا لَيْلًا ، فَيَجْهَرُ فِيهَا كَالْمُؤَدَّاةِ وَإِنْ قَضَاهَا نَهَارًا ، فَقَالَ أَحْمَدُ : إنْ شَاءَ لَمْ يَجْهَرْ فَيَحْتَمِلُ الْإِسْرَارَ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الْأَوْزَاعِيِّ وَالشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ صَلَاةَ النَّهَارِ عَجْمَاءُ ، وَهَذِهِ صَلَاةُ نَهَارٍ وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { إذَا رَأَيْتُمْ مَنْ يَجْهَرُ بِالْقِرَاءَةِ فِي صَلَاةِ النَّهَارِ فَارْجُمُوهُ بِالْبَعْرِ } .\rرَوَاهُ أَبُو حَفْصٍ ، بِإِسْنَادِهِ .\rوَهَذِهِ قَدْ صَارَتْ صَلَاةَ نَهَارٍ ، وَلِأَنَّهَا صَلَاةٌ مَفْعُولَةٌ بِالنَّهَارِ ، فَأَشْبَهَ الْأَدَاءَ فِيهِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَجْهَرَ فِيهَا ، لِيَكُونَ الْقَضَاءُ عَلَى وَفْقِ الْأَدَاءِ ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ .\rوَلَا فَرْقَ عِنْدَ هَؤُلَاءِ بَيْنَ الْمُنْفَرِدِ وَالْإِمَامِ وَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ ، لِشَبَهِ الصَّلَاةِ الْمَقْضِيَّةِ بِالْحَالَيْنِ .","part":2,"page":493},{"id":993,"text":"( 794 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَيَقْرَأُ فِي الصُّبْحِ بِطِوَالِ الْمُفَصَّلِ ، وَفِي الظُّهْرِ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى : بِنَحْوِ الثَّلَاثِينَ آيَةً ، وَفِي الثَّانِيَةِ بِأَيْسَرَ مِنْ ذَلِكَ ، وَفِي الْعَصْرِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ ذَلِكَ ، وَفِي الْمَغْرِبِ ، بِسُوَرِ آخِرِ الْمُفَصَّلِ ، وَفِي الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ \" وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا \" وَمَا أَشْبَهَهَا ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ ، أَنَّ قِرَاءَةَ السُّورَةِ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ مَسْنُونَةٌ فِي الرَّكْعَتَيْنِ مِنْ كُلِّ صَلَاةٍ .\rلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا .\rوَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي بَيَّنَ الْخِرَقِيِّ ؛ اقْتِدَاءً بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاتِّبَاعًا لِسُنَّتِهِ ، فَفِي حَدِيثِ أَبِي بَرْزَةَ { ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقْرَأُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ بِالسِّتِّينَ إلَى الْمِائَةِ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقْرَأُ فِي الْفَجْرِ بِ { ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ } وَنَحْوِهَا ، فَكَانَتْ صَلَاتُهُ بَعْدُ إلَى التَّخْفِيفِ } .\rوَقَالَ قُطْبَةُ بْنُ مَالِكٍ : { سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ فِي الْفَجْرِ وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ } رَوَاهُمَا مُسْلِمٌ وَرَوَى النَّسَائِيّ ، أَنَّهُ قَرَأَ فِيهَا الرُّومَ .\rوَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّائِبِ قَالَ { : قَرَأَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ بِ الْمُؤْمِنُونَ .\rفَلَمَّا أَتَى عَلَى ذِكْرِ عِيسَى أَصَابَتْهُ شَرْقَةٌ ، فَرَكَعَ } .\rوَرَوَى أَبُو دَاوُد ، وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ قَالَ : { كَأَنِّي أَسْمَعُ صَوْتَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ الْجَوَارِ الْكُنَّسِ } فَأَمَّا صَلَاةُ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ فَرَوَى مُسْلِمٌ ، وَأَبُو دَاوُد ، وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ - يَعْنِي الْخُدْرِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : { اجْتَمَعَ ثَلَاثُونَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ","part":2,"page":494},{"id":994,"text":"وَسَلَّمَ فَقَالُوا : تَعَالَوْا حَتَّى نَقِيسَ قِرَاءَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا لَمْ يَجْهَرْ فِيهِ مِنْ الصَّلَاةِ ، فَمَا اخْتَلَفَ مِنْهُمْ رَجُلَانِ ، فَقَاسُوا قِرَاءَتَهُ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى مِنْ الظُّهْرِ بِقَدْرِ ثَلَاثِينَ آيَةً ، وَفِي الرَّكْعَةِ الْأُخْرَى قَدْرَ النِّصْفِ مِنْ ذَلِكَ ، وَقَاسُوا ذَلِكَ فِي الْعَصْرِ عَلَى قَدْرِ النِّصْفِ مِنْ الرَّكْعَتَيْنِ الْأُخْرَيَيْنِ مِنْ الظُّهْرِ .\r} هَذَا لَفْظُ رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ .\rوَلَفْظُ أَبِي دَاوُد : { حَزَرْنَا قِيَامَهُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ مِنْ الظُّهْرِ قَدْرَ ثَلَاثِينَ آيَةً ، قَدْرَ الم تَنْزِيلُ السَّجْدَةِ ، وَحَزَرْنَا قِيَامَهُ فِي الْأُخْرَيَيْنِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ ذَلِكَ وَحَزَرْنَا قِيَامَهُ فِي الْأُولَيَيْنِ مِنْ الْعَصْرِ عَلَى قَدْرِ الْأُخْرَيَيْنِ مِنْ الظُّهْرِ ، وَحَزَرْنَا قِيَامَهُ فِي الْأُخْرَيَيْنِ مِنْ الْعَصْرِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ ذَلِكَ } وَلَفْظُ مُسْلِمٍ كَذَلِكَ وَلَمْ يَقُلْ قَدْرَ ( الم تَنْزِيلُ ) ، وَقَالَ : وَالْأُخْرَيَيْنِ مِنْ الْعَصْرِ عَلَى قَدْرِ ذَلِكَ : وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ، قَالَ : { كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ بِاللَّيْلِ إذَا يَغْشَى ، وَفِي الْعَصْرِ نَحْوَ ذَلِكَ ، وَفِي الصُّبْحِ أَطْوَلَ مِنْ ذَلِكَ } .\rوَفِي حَدِيثٍ : { كَانَ يَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ، وَفِي الصُّبْحِ أَطْوَلَ مِنْ ذَلِكَ } .\rأَخْرَجَهُمَا مُسْلِمٌ .\rوَرَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ، قَالَ : { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ : وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ ، وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ وَشَبَهِهِمَا } .\rفَأَمَّا الْمَغْرِبُ وَالْعِشَاءُ فَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : { كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ : قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ وَ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ } .\rوَعَنْ الْبَرَاءِ ، { ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَرَأَ فِي الْعِشَاءِ بِالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ فِي السَّفَرِ","part":2,"page":495},{"id":995,"text":"} .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَرَوَى مُسْلِمٌ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِمُعَاذٍ : أَفَتَّانٌ أَنْتَ يَا مُعَاذُ ؟ وَيَكْفِيك أَنْ تَقْرَأَ بِالشَّمْسِ وَضُحَاهَا { وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إذَا سَجَى } ، وَ { سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى } } .\rوَكَتَبَ عُمَرُ إلَى أَبِي مُوسَى ، أَنْ اقْرَأْ فِي الصُّبْحِ بِطِوَالِ الْمُفَصَّلِ ، وَأَقْرَأْ فِي الظُّهْرِ بِأَوَاسِطِ الْمُفَصَّلِ ، وَاقْرَأْ فِي الْمَغْرِبِ بِقِصَارِ الْمُفَصَّلِ .\rرَوَاهُ أَبُو حَفْصٍ بِإِسْنَادِهِ","part":2,"page":496},{"id":996,"text":"( 795 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَمَهْمَا قَرَأَ بِهِ بَعْدَ أُمِّ الْكِتَابِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ أَجْزَأَهُ ) قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ قِرَاءَةَ السُّورَةِ غَيْرُ وَاجِبَةٍ ، فَالتَّقْدِيرُ أَوْلَى أَنْ لَا يَجِبَ ، وَالْأَمْرُ فِي هَذَا وَاسِعٌ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ أَنَّهُمْ قَرَءُوا بِأَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ وَأَكْثَرَ .\rوَثَبَتَ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَرَأَ فِي الْمَغْرِبِ بِالْمُرْسَلَاتِ } ، وَقَرَأَ فِيهَا بِالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ .\rوَعَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ، { أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ بِالطُّورِ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَقَرَأَ فِيهَا بِالْأَعْرَافِ رَوَاهُ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ .\rوَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَعَنْ رَجُلٍ مِنْ جُهَيْنَةَ .\rأَنَّهُ { سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ فِي الصُّبْحِ إذَا زُلْزِلَتْ فِي الرَّكْعَتَيْنِ كِلْتَيْهِمَا ، فَلَا أَدْرِي أَنَسِيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمْ قَرَأَ ذَلِكَ عَمْدًا } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَعَنْهُ { أَنَّهُ قَرَأَ فِي الصُّبْحِ بِالْمُعَوِّذَتَيْنِ } .\rوَكَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ يُطِيلُ تَارَةً وَيُقَصِّرُ أُخْرَى ، بِحَسَبِ الْأَحْوَالِ وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ { : إنِّي لَأَدْخُلُ فِي الصَّلَاةِ وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أُطِيلَهَا فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ فَأُخَفِّفُ ؛ مَخَافَةَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمِّهِ }","part":2,"page":497},{"id":997,"text":"( 796 ) فَصْلٌ : : وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُطِيلَ الرَّكْعَةَ الْأُولَى مِنْ كُلِّ صَلَاةٍ ؛ لِيَلْحَقَهُ الْقَاصِدُ لِلصَّلَاةِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يَكُونُ الْأُولَيَانِ مُتَسَاوِيَيْنِ ؛ لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ : { حَزَرْنَا قِيَامَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ مِنْ الظُّهْرِ قَدْرَ الثَّلَاثِينَ آيَةً } وَلِأَنَّ الْأُخْرَيَيْنِ مُتَسَاوِيَتَانِ فَكَذَلِكَ الْأُولَيَانِ .\rوَوَافَقَنَا أَبُو حَنِيفَةَ فِي الصُّبْحِ ، خَاصَّةً ، وَوَافَقَ الشَّافِعِيُّ فِي سَائِرِ الصَّلَوَاتِ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى أَبُو قَتَادَةَ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { كَانَ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ مِنْ الظُّهْرِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَسُورَتَيْنِ ، يُطَوِّلُ فِي الْأُولَى ، وَيُقَصِّرُ فِي الثَّانِيَةِ ، وَيُسْمِعُ الْآيَةَ أَحْيَانًا ، وَكَانَ يَقْرَأُ فِي الْعَصْرِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَسُورَتَيْنِ ، يُطَوِّلُ فِي الْأُولَى وَيُقَصِّرُ فِي الثَّانِيَةِ ، وَكَانَ يُطَوِّلُ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ ، وَيُقَصِّرُ فِي الثَّانِيَةِ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَرَوَى أَبُو دَاوُد هَذَا الْحَدِيثَ ، وَفِيهِ قَالَ : \" فَظَنَنَّا أَنَّهُ يُرِيدُ بِذَلِكَ أَنْ يُدْرِكَ النَّاسُ الرَّكْعَةَ الْأُولَى .\rوَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى { : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُومُ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى مِنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ حَتَّى لَا يُسْمَعَ وَقْعُ قَدَمٍ } وَحَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ قَدْ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ : وَفِي الرَّكْعَةِ الْأُخْرَى قَدْرَ النِّصْفِ مِنْ ذَلِكَ .\rوَهَذَا أَوْلَى ؛ لِأَنَّهُ يُوَافِقُ الْأَحَادِيثَ الصَّحِيحَةَ ، ثُمَّ لَوْ قَدَّرْنَا التَّعَارُضَ وَجَبَ تَقْدِيمُ حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ ؛ لِأَنَّهُ أَصَحُّ ، وَيَتَضَمَّنُ زِيَادَةً ، وَهِيَ ضَبْطُ التَّفْرِيقِ بَيْنَ الرَّكْعَتَيْنِ .\rقَالَ أَحْمَدُ ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، فِي الْإِمَامِ يُطَوِّلُ فِي الثَّانِيَةِ ، يَعْنِي أَكْثَرَ مِنْ الْأُولَى : يُقَالُ لَهُ فِي هَذَا تَعَلُّمٌ .\rوَقَالَ أَيْضًا ، فِي الْإِمَامِ يُقَصِّرُ فِي","part":2,"page":498},{"id":998,"text":"الْأُولَى وَيُطَوِّلُ فِي الْآخِرَةِ : لَا يَنْبَغِي هَذَا ، يُقَالُ لَهُ ، وَيُؤْمَرُ .","part":2,"page":499},{"id":999,"text":"( 797 ) فَصْلٌ : قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ ، وَإِسْحَاقَ بْنِ إبْرَاهِيمَ : لَا بَأْسَ بِالسُّورَةِ فِي رَكْعَتَيْنِ ؛ وَذَلِكَ لِمَا رَوَى زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَرَأَ فِي الْمَغْرِبِ بِالْأَعْرَافِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ كِلْتَيْهِمَا } وَرَوَى الْخَلَّالُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَائِشَةَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقْسِمُ الْبَقَرَةَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ } ، وَبِإِسْنَادِهِ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ : أَخْبَرَنِي أَنَسٌ قَالَ : صَلَّى بِنَا أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ صَلَاةَ الْفَجْرِ ، فَافْتَتَحَ سُورَةَ الْبَقَرَةِ ، فَقَرَأَ بِهَا فِي رَكْعَتَيْنِ ، فَلَمَّا سَلَّمَ قَامَ إلَيْهِ عُمَرُ فَقَالَ مَا كِدْتَ تَفْرُغُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَقَالَ : لَوْ طَلَعَتْ لَأَلِفَتْنَا غَيْرَ غَافِلِينَ .\rوَقَدْ { قَرَأَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسُورَةِ الْمُؤْمِنُونَ ، فَلَمَّا أَتَى عَلَى ذِكْرِ عِيسَى أَخَذَتْهُ شَرْقَةٌ فَرَكَعَ } وَلَا بَأْسَ أَيْضًا بِقِرَاءَةِ بَعْضِ السُّورَةِ فِي الرَّكْعَةِ ؛ لِمَا رَوَيْنَا مِنْ الْأَحَادِيثِ ، وَهِيَ تَتَضَمَّنُ ذَلِكَ ، وَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ وَاحْتَجَّ بِمَا رَوَاهُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ ابْنِ أَبْزَى قَالَ صَلَّيْت خَلْفَ عُمَرَ ، فَقَرَأَ سُورَةَ يُوسُفَ حَتَّى إذَا بَلَغَ : { وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنْ الْحُزْنِ } وَقَعَ عَلَيْهِ الْبُكَاءُ فَرَكَعَ ، ثُمَّ قَرَأَ سُورَةَ النَّجْمِ فَسَجَدَ فِيهَا ، ثُمَّ قَامَ فَقَرَأَ : { إذَا زُلْزِلَتْ .\r} وَلِأَنَّهُ إذَا جَازَ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى قِرَاءَةِ آيَةٍ مِنْ السُّورَةِ فَهِيَ بَعْضُ السُّورَةِ","part":2,"page":500},{"id":1000,"text":"( 798 ) فَصْلٌ : وَسُئِلَ أَحْمَدُ عَنْ الرَّجُلِ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَةِ بِسُورَةٍ ثُمَّ يَقُومُ فَيَقْرَأُ بِهَا فِي الرَّكْعَةِ الْأُخْرَى ؟ فَقَالَ : وَمَا بَأْسٌ بِذَلِكَ ؟ وَقَدْ رَوَى النَّجَّادُ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي الْحُوَيْرِثِ : { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى الْمَغْرِبَ ، فَقَرَأَ بِأُمِّ الْكِتَابِ ، وَقَرَأَ مَعَهَا { إذَا زُلْزِلَتْ } ، ثُمَّ قَامَ فَقَرَأَ فِي الثَّانِيَةِ بِأُمِّ الْقُرْآنِ ، وَقَرَأَ { إذَا زُلْزِلَتْ } أَيْضًا .\r} وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ رَوَيْنَا مِنْ حَدِيثِ الْبُخَارِيِّ { أَنَّ رَجُلًا كَانَ يَقْرَأُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ } فَرُفِعَ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَقَرَّهُ عَلَيْهِ } .","part":3,"page":1},{"id":1001,"text":"( 799 ) فَصْلٌ : قَالَ حَرْبٌ : قُلْت لِأَحْمَدَ الرَّجُلُ يَقْرَأُ عَلَى التَّأْلِيفِ فِي الصَّلَاةِ الْيَوْمَ سُورَةً .\rوَغَدًا الَّتِي تَلِيهَا وَنَحْوَهُ ؟ قَالَ : لَيْسَ فِي هَذَا شَيْءٌ .\rإلَّا أَنَّهُ رُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ فِي الْمُفَصَّلِ وَحْدَهُ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ : كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ مِنْ أَوَّلِهِ إلَى آخِرِهِ فِي الْفَرَائِضِ إلَّا أَنَّ أَحْمَدَ قَالَ هَذَا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ وَقَالَ مُهَنَّا : سَأَلْت أَحْمَدَ عَنْ الرَّجُلِ يَقْرَأُ فِي الصَّلَاةِ حَيْثُ يَنْتَهِي جُزْؤُهُ ؟ فَقَالَ : لَا بَأْسَ بِهِ فِي الْفَرَائِضِ","part":3,"page":2},{"id":1002,"text":"( 800 ) فَصْلٌ : قَالَ أَحْمَدُ : لَا بَأْسَ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ الْقِيَامَ وَهُوَ يَنْظُرُ فِي الْمُصْحَفِ قِيلَ لَهُ : فِي الْفَرِيضَةِ ؟ قَالَ : لَا ، لَمْ أَسْمَعْ فِيهِ شَيْئًا .\rوَقَالَ الْقَاضِي : يُكْرَهُ فِي الْفَرْضِ ، وَلَا بَأْسَ بِهِ فِي التَّطَوُّعِ إذَا لَمْ يَحْفَظْ ، فَإِنْ كَانَ حَافِظًا كُرِهَ أَيْضًا .\rقَالَ وَقَدْ سُئِلَ أَحْمَدُ عَنْ الْإِمَامَةِ فِي الْمُصْحَفِ فِي رَمَضَانَ ؟ فَقَالَ : إذَا اُضْطُرَّ إلَى ذَلِكَ .\rنَقَلَهُ عَلِيُّ بْنُ سَعِيدٍ ، وَصَالِحٌ ، وَابْنُ مَنْصُورٍ .\rوَحُكِيَ عَنْ ابْنِ حَامِدٍ أَنَّ النَّفَلَ وَالْفَرْضَ فِي الْجَوَازِ سَوَاءٌ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِهِ إذَا لَمْ يَكُنْ حَافِظًا ؛ لِأَنَّهُ عَمَلٌ طَوِيلٌ ، وَقَدْ رَوَى أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُد ، فِي كِتَابِ الْمَصَاحِفِ بِإِسْنَادِهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ نَهَانَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ نَؤُمَّ النَّاسَ فِي الْمَصَاحِفِ ، وَأَنْ يَؤُمَّنَا إلَّا مُحْتَلِمٌ ، وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ الْمُسَيِّبِ وَالْحَسَنِ ، وَمُجَاهِدٍ ، وَإِبْرَاهِيمَ ، وَسُلَيْمَانَ بْنِ حَنْظَلَةَ ، وَالرَّبِيعِ ، كَرَاهَةُ ذَلِكَ وَعَنْ سَعِيدٍ ، وَالْحَسَنِ قَالَا : تُرَدِّدُ مَا مَعَك مِنْ الْقُرْآنِ وَلَا تَقْرَأُ فِي الْمُصْحَفِ وَالدَّلِيلُ عَلَى جَوَازِهِ مَا رَوَى أَبُو بَكْرٍ الْأَثْرَمُ ، وَابْنُ أَبِي دَاوُد بِإِسْنَادِهِمَا عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا كَانَتْ يَؤُمُّهَا عَبْدٌ لَهَا فِي الْمُصْحَفِ وَسُئِلَ الزُّهْرِيُّ عَنْ رَجُلٍ يَقْرَأُ فِي رَمَضَانَ فِي الْمُصْحَفِ فَقَالَ : كَانَ خِيَارُنَا يَقْرَءُونَ فِي الْمَصَاحِفِ وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَطَاءٍ ، وَيَحْيَى الْأَنْصَارِيِّ وَعَنْ الْحَسَنِ ، وَمُحَمَّدٍ فِي التَّطَوُّعِ وَلِأَنَّ مَا جَازَ قِرَاءَتُهُ ظَاهِرًا جَازَ نَظِيرُهُ كَالْحَافِظِ ، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ ذَلِكَ يَحْتَاجُ إلَى عَمَلٍ طَوِيلٍ ، وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا فَهُوَ مُتَّصِلٌ وَاخْتَصَّتْ الْكَرَاهَةُ بِمَنْ يَحْفَظُ لِأَنَّهُ يَشْتَغِلُ بِذَلِكَ عَنْ الْخُشُوعِ فِي الصَّلَاةِ وَالنَّظَرِ إلَى مَوْضِعِ السُّجُودِ لِغَيْرِ حَاجَةٍ .\rوَكُرِهَ فِي الْفَرْضِ عَلَى الْإِطْلَاقِ ؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ أَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى","part":3,"page":3},{"id":1003,"text":"ذَلِكَ فِيهَا وَأُبِيحَتْ فِي غَيْرِ هَذَيْنِ الْمَوْضِعَيْنِ لِمَوْضِعِ الْحَاجَةِ إلَى سَمَاعِ الْقُرْآنِ وَالْقِيَامِ بِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ","part":3,"page":4},{"id":1004,"text":"( 801 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ ( وَلَا يَزِيدُ عَلَى قِرَاءَةِ أُمِّ الْكِتَابِ فِي الْأُخْرَيَيْنِ مِنْ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ ، وَعِشَاءِ الْآخِرَةِ وَالرَّكْعَةِ الْأَخِيرَةِ مِنْ الْمَغْرِبِ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَا تُسَنُّ زِيَادَةُ الْقِرَاءَةِ عَلَى أُمِّ الْكِتَابِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ غَيْرِ الْأُولَيَيْنِ قَالَ ابْنُ سِيرِينَ : لَا أَعْلَمُهُمْ يَخْتَلِفُونَ فِي أَنَّهُ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَسُورَةٍ ، وَفِي الْأُخْرَيَيْنِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ ، وَجَابِرٍ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ، وَعَائِشَةَ رَوَاهُ إسْمَاعِيلُ بْنُ سَعِيدٍ .\rالشَّالَنْجِيُّ عَنْهُمْ بِإِسْنَادِهِ إلَّا حَدِيثَ جَابِرٍ فَرَوَاهُ أَحْمَدُ ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَاخْتَلَفَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فَمَرَّةً قَالَ كَذَلِكَ وَمَرَّةً قَالَ : يَقْرَأُ بِسُورَةٍ مَعَ الْفَاتِحَةِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ .\rلِمَا رَوَى الصُّنَابِحِيُّ قَالَ : صَلَّيْت خَلْفَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ الْمَغْرِبَ ، فَدَنَوْت مِنْهُ حَتَّى إنَّ ثِيَابِي تَكَادُ تَمَسُّ ثِيَابَهُ ، فَقَرَأَ فِي الرَّكْعَةِ الْأَخِيرَةِ بِأُمِّ الْكِتَابِ ، وَهَذِهِ الْآيَةِ { رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا } وَلَنَا : حَدِيثُ أَبِي قَتَادَةَ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ بِأُمِّ الْكِتَابِ وَسُورَتَيْنِ ، وَفِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُخْرَيَيْنِ بِأُمِّ الْكِتَابِ ، وَيُسْمِعُنَا الْآيَةَ أَحْيَانًا } وَكَتَبَ عُمَرُ إلَى شُرَيْحٍ : أَنْ اقْرَأْ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ بِأُمِّ الْكِتَابِ وَسُورَةٍ ، وَفِي الْأُخْرَيَيْنِ بِأُمِّ الْكِتَابِ .\rوَمَا فَعَلَهُ الصِّدِّيقُ رَحِمَهُ اللَّهُ إنَّمَا قَصَدَ بِهِ الدُّعَاءَ ، لَا الْقِرَاءَةَ .\rلِيَكُونَ مُوَافِقًا لِفِعْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَقِيَّةِ أَصْحَابِهِ وَلَوْ قُدِّرَ أَنَّهُ قَصَدَ بِذَلِكَ الْقِرَاءَةَ فَلَيْسَ بِمُوجِبٍ تَرْكَ حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِعْلِهِ ، ثُمَّ قَدْ","part":3,"page":5},{"id":1005,"text":"ذَكَرْنَا مَذْهَبَ عُمَرَ وَغَيْرِهِ مِنْ الصَّحَابَةِ بِخِلَافِ هَذَا .\rفَأَمَّا إنْ دَعَا إنْسَانٌ فِي الرَّكْعَةِ الْآخِرَةِ بِآيَةٍ مِنْ الْقُرْآنِ مِثْلُ مَا فَعَلَ الصِّدِّيقُ فَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ ؟ فَقَالَ : إنْ شَاءَ قَالَهُ ، وَلَا نَدْرِي أَكَانَ ذَلِكَ قِرَاءَةً مِنْ أَبِي بَكْرٍ أَوْ دُعَاءً ؟ فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ دُعَاءٌ فِي الصَّلَاةِ فَلَمْ يُكْرَهْ ، كَالدُّعَاءِ فِي التَّشَهُّدِ","part":3,"page":6},{"id":1006,"text":"( 802 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ ( وَمَنْ كَانَ مِنْ الرِّجَالِ وَعَلَيْهِ مَا يَسْتُرُ مَا بَيْنَ سُرَّتِهِ وَرُكْبَتِهِ ، أَجْزَأَهُ ذَلِكَ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ سَتْرَ الْعَوْرَةِ عَنْ النَّظَرِ بِمَا لَا يَصِفُ الْبَشَرَةَ وَاجِبٌ ، وَشَرْطٌ لِصِحَّةِ الصَّلَاةِ .\rوَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ مَالِكٍ : سَتْرُهَا وَاجِبٌ ، وَلَيْسَ بِشَرْطٍ لِصِحَّةِ الصَّلَاةِ .\rوَقَالَ بَعْضُهُمْ : هِيَ شَرْطٌ مَعَ الذِّكْرِ دُونَ السَّهْوِ .\rاحْتَجُّوا عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ شَرْطًا بِأَنَّ وُجُوبَهَا لَا يَخْتَصُّ بِالصَّلَاةِ ، فَلَمْ يَكُنْ شَرْطًا ، كَاجْتِنَابِ الصَّلَاةِ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ .\rوَلَنَا مَا رَوَتْ عَائِشَةُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ حَائِضٍ إلَّا بِخِمَارٍ } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ ، وَقَالَ سَلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ { قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنِّي أَكُونُ فِي الصَّيْدِ فِي الْقَمِيصِ الْوَاحِدِ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، وَازْرُرْهُ وَلَوْ بِشَوْكَةٍ } .\rحَدِيثٌ حَسَنٌ .\rوَمَا ذَكَرُوهُ يَنْتَقِضُ بِالْإِيمَانِ وَالطَّهَارَةِ ، فَإِنَّهَا تَجِبُ لِمَسِّ الْمُصْحَفِ ، وَالْمَسْأَلَةُ مَمْنُوعَةٌ ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : احْتَجَّ مَنْ قَالَ السَّتْرُ مِنْ فَرَائِضِ الصَّلَاةِ ، بِالْإِجْمَاعِ عَلَى إفْسَادِ مَنْ تَرَكَ ثَوْبَهُ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى الِاسْتِتَارِ بِهِ ، وَصَلَّى عُرْيَانًا ، قَالَ : وَهَذَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ كُلُّهُمْ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَالْكَلَامُ فِي حَدِّ الْعَوْرَةِ ، وَالصَّالِحُ فِي الْمَذْهَبِ ، أَنَّهَا مِنْ الرَّجُلِ مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ جَمَاعَةٍ ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ ، وَفِيهِ رِوَايَةٌ أُخْرَى أَنَّهَا الْفَرْجَانِ .\rقَالَ مُهَنَّا ، سَأَلْت أَحْمَدَ مَا الْعَوْرَةُ ؟ قَالَ : الْفَرْجُ وَالدُّبُرُ .\rوَهَذَا قَوْلُ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ وَدَاوُد لِمَا رَوَى أَنَسٌ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ خَيْبَرَ ، حَسَرَ الْإِزَارَ","part":3,"page":7},{"id":1007,"text":"عَنْ فَخِذِهِ ، حَتَّى إنِّي لَأَنْظُرُ إلَى بَيَاضِ فَخِذِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\r} رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ( وَقَالَ حَدِيثُ أَنَسٍ أَسْنَدُ ، وَحَدِيثُ جَرْهَدٍ أَحْوَطُ ) ، وَرَوَتْ عَائِشَةُ قَالَتْ : { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَيْتِهِ كَاشِفًا عَنْ فَخِذِهِ ، فَاسْتَأْذَنَ أَبُو بَكْرٍ ، فَأَذِنَ لَهُ وَهُوَ عَلَى ذَلِكَ ، ثُمَّ اسْتَأْذَنَ عُمَرُ فَأَذِنَ لَهُ وَهُوَ عَلَى ذَلِكَ .\r} وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِعَوْرَةٍ ، وَلِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُخْرِجٍ لِلْحَدَثِ ، فَلَمْ يَكُنْ عَوْرَةً ، كَالسَّاقِ .\rوَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى ، مَا رَوَى الْخَلَّالُ بِإِسْنَادِهِ ، وَالْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي ( مُسْنَدِهِ ) ؛ عَنْ جَرْهَدٍ ، { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَآهُ قَدْ كَشَفَ عَنْ فَخِذِهِ ، فَقَالَ : غَطِّ فَخِذَك ؛ فَإِنَّ الْفَخِذَ مِنْ الْعَوْرَةِ } قَالَ الْبُخَارِيُّ : حَدِيثُ أَنَسٍ أَسْنَدُ ، وَحَدِيثُ جَرْهَدٍ أَحْوَطُ وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيّ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِعَلِيٍّ : لَا تَكْشِفْ فَخِذَك ، وَلَا تَنْظُرْ فَخِذَ حَيٍّ ، وَلَا مَيِّتٍ } وَهَذَا صَرِيحٌ فِي الدَّلَالَةِ ، فَكَانَ أَوْلَى .\rوَرَوَى أَبُو بَكْرٍ ، بِإِسْنَادِهِ ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَسْفَلُ السُّرَّةِ وَفَوْقَ الرُّكْبَتَيْنِ مِنْ الْعَوْرَةِ } وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيّ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إذَا زَوَّجَ أَحَدُكُمْ عَبْدَهُ أَمَتَهُ أَوْ أَجِيرَهُ ، فَلَا يَنْظُرْ إلَى شَيْءٍ مِنْ عَوْرَتِهِ ؛ فَإِنَّ مَا تَحْتَ السُّرَّةِ إلَى الرُّكْبَةِ عَوْرَةٌ } .\rوَفِي لَفْظٍ : { مَا بَيْنَ سُرَّتِهِ وَرُكْبَتِهِ مِنْ عَوْرَتِهِ } .\rرَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ ، وَفِي لَفْظٍ : { إذَا زَوَّجَ أَحَدُكُمْ خَادِمَهُ ، عَبْدَهُ ، أَوْ أَجِيرَهُ ، فَلَا يَنْظُرْ إلَى مَا دُونَ السُّرَّةِ وَفَوْقَ الرُّكْبَةِ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَهَذِهِ نُصُوصٌ يَتَعَيَّنُ","part":3,"page":8},{"id":1008,"text":"تَقْدِيمُهَا ، وَالْأَحَادِيثُ السَّابِقَةُ تُحْمَلُ عَلَى أَنَّ غَيْرَ الْفَرْجَيْنِ عَوْرَةٌ غَيْرُ مُغَلَّظَةٍ ، وَالْمُغَلَّظَةُ هِيَ الْفَرْجَانِ .\rوَهَذَا نَصٌّ ، وَالْحُرُّ وَالْعَبْدُ فِي هَذَا سَوَاءٌ ، لِتَنَاوُلِ النَّصِّ لَهُمَا جَمِيعًا .\r( 803 ) فَصْلٌ : وَلَيْسَتْ سُرَّتُهُ وَرُكْبَتَاهُ مِنْ عَوْرَتِهِ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي مَوَاضِعَ .\rوَهَذَا قَالَ بِهِ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ الرُّكْبَةُ مِنْ الْعَوْرَةِ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { الرُّكْبَةُ مِنْ الْعَوْرَةِ } .\rوَلَنَا مَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أَيُّوبَ ، وَعَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ؛ وَلِأَنَّ الرُّكْبَةَ حَدٌّ فَلَمْ تَكُنْ مِنْ الْعَوْرَةِ كَالسُّرَّةِ .\rوَحَدِيثُهُمْ يَرْوِيهِ أَبُو الْجَنُوبِ ، لَا يُثْبِتُهُ أَهْلُ النَّقْلِ .\rوَقَدْ قَبَّلَ أَبُو هُرَيْرَةَ سُرَّةَ الْحَسَنِ ، وَلَوْ كَانَتْ عَوْرَةً لَمْ يَفْعَلَا ذَلِكَ .\r( 804 ) فَصْلٌ : وَالْوَاجِبُ السَّتْرُ بِمَا يَسْتُرُ لَوْنَ الْبَشَرَةِ ، فَإِنْ كَانَ خَفِيفًا يَبِينُ لَوْنُ الْجِلْدِ مِنْ وَرَائِهِ ، فَيُعْلَمُ بَيَاضُهُ أَوْ حُمْرَتُهُ ، لَمْ تَجُزْ الصَّلَاةُ فِيهِ ؛ لِأَنَّ السَّتْرَ لَا يَحْصُلُ بِذَلِكَ .\rوَإِنْ كَانَ يَسْتُرُ لَوْنَهَا ، وَيَصِفُ الْخِلْقَةَ ، جَازَتْ الصَّلَاةُ ؛ لِأَنَّ هَذَا لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ ، وَإِنْ كَانَ السَّاتِرُ صَفِيقًا .","part":3,"page":9},{"id":1009,"text":"( 805 ) فَصْلٌ : فَإِنْ انْكَشَفَ مِنْ الْعَوْرَةِ يَسِيرٌ .\rلَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : تَبْطُلُ لِأَنَّهُ حُكْمٌ تَعَلَّقَ بِالْعَوْرَةِ ، فَاسْتَوَى قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ ، كَالنَّظَرِ .\rوَلَنَا : مَا رَوَى أَبُو دَاوُد ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ سَلَمَةَ الْجَرْمِيِّ قَالَ : { انْطَلَقَ أَبِي وَافِدًا إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي نَفَرٍ مِنْ قَوْمِهِ ، فَعَلَّمَهُمْ الصَّلَاةَ ، وَقَالَ : يَؤُمُّكُمْ أَقْرَؤُكُمْ .\rفَكُنْت أَقْرَأَهُمْ فَقَدَّمُونِي ، فَكُنْت أَؤُمُّهُمْ وَعَلَيَّ بُرْدَةٌ لِي صَفْرَاءُ صَغِيرَةٌ ، وَكُنْتُ إذَا سَجَدْتُ انْكَشَفَتْ عَنِّي ، فَقَالَتْ امْرَأَةٌ مِنْ النِّسَاءِ : وَارُوا عَنَّا عَوْرَةَ قَارِئِكُمْ .\rفَاشْتَرَوْا لِي قَمِيصًا عُمَانِيًّا ، فَمَا فَرِحْتُ بِشَيْءٍ بَعْدَ الْإِسْلَامِ فَرَحِي بِهِ .\r} وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، ، وَالنَّسَائِيُّ أَيْضًا ، عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ سَلَمَةَ ، قَالَ : { فَكُنْتُ أَؤُمُّهُمْ فِي بُرْدَةٍ مُوَصَّلَةٍ فِيهَا فَتْقٌ ، فَكُنْتُ إذَا سَجَدْتُ فِيهَا خَرَجَتْ اسْتِي } .\rوَهَذَا يَنْتَشِرُ وَلَمْ يُنْكَرْ ، وَلَا بَلَغَنَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْكَرَهُ وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ ؛ وَلِأَنَّ مَا صَحَّتْ الصَّلَاةُ مَعَ كَثِيرِهِ حَالَ الْعُذْرِ ، فُرِّقَ بَيْنَ قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ فِي غَيْرِ حَالِ الْعُذْرِ ، كَالْمَشْيِ ، وَلِأَنَّ الِاحْتِرَازَ مِنْ الْيَسِيرِ يَشُقُّ ، فَعُفِيَ عَنْهُ كَيَسِيرِ الدَّمِ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِنَّ حَدَّ الْكَثِيرِ مَا فَحُشَ فِي النَّظَرِ ، وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْفَرْجَيْنِ وَغَيْرِهِمَا .\rوَالْيَسِيرُ مَا لَا يَفْحُشُ ، وَالْمَرْجِعُ فِي ذَلِكَ إلَى الْعَادَةِ ، إلَّا أَنَّ الْمُغَلَّظَةَ يَفْحُشُ مِنْهَا مَا لَا يَفْحُشُ مِنْ غَيْرِهَا ، فَيُعْتَبَرُ ذَلِكَ فِي الْمَانِعِ مِنْ الصَّلَاةِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إنْ انْكَشَفَ مِنْ الْمُغَلَّظَةِ قَدْرُ الدِّرْهَمِ أَوْ مِنْ الْمُخَفَّفَةِ أَقَلُّ مِنْ رُبُعِهَا ، لَمْ تَبْطُلْ الصَّلَاةُ .\rوَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ","part":3,"page":10},{"id":1010,"text":"، بَطَلَتْ .\rوَلَنَا ، أَنَّ هَذَا شَيْءٌ لَمْ يَرِدْ الشَّرْعُ بِتَقْدِيرِهِ ، فَرُجِعَ فِيهِ إلَى الْعُرْفِ ، كَالْكَثِيرِ مِنْ الْعَمَلِ فِي الصَّلَاةِ ، وَالتَّفَرُّقِ وَالْإِحْرَازِ ، وَالتَّقْدِيرُ بِالتَّحَكُّمِ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ لَا يَسُوغُ .","part":3,"page":11},{"id":1011,"text":"( 806 ) فَصْلٌ : فَإِنْ انْكَشَفَتْ عَوْرَتُهُ عَنْ غَيْرِ عَمْدٍ ، فَسَتَرَهَا فِي الْحَالِ ، مِنْ غَيْرِ تَطَاوُلِ الزَّمَانِ ، لَمْ تَبْطُلْ ؛ لِأَنَّهُ يَسِيرٌ مِنْ الزَّمَانِ ، أَشْبَهَ الْيَسِيرَ فِي الْقَدْرِ .\rوَقَالَ التَّمِيمِيُّ فِي \" كِتَابِهِ \" : إنْ بَدَتْ عَوْرَتُهُ وَقْتًا وَاسْتَتَرَتْ وَقْتًا ، فَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ ؛ لِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ سَلَمَةَ .\rوَلَمْ يُشْتَرَطْ الْيَسِيرُ ، وَلَا بُدَّ مِنْ اشْتِرَاطِهِ ؛ لِأَنَّ الْكَثِيرَ يَفْحُشُ انْكِشَافُ الْعَوْرَةِ فِيهِ ، وَيُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ ، فَلَمْ يُعْفَ عَنْهُ ، كَالْكَثِيرِ مِنْ الْقَدْرِ .","part":3,"page":12},{"id":1012,"text":"( 807 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : إذَا كَانَ عَلَى عَاتِقِهِ شَيْءٌ مِنْ اللِّبَاسِ وَجُمْلَةُ ذَلِكَ ، أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَضَعَ الْمُصَلِّي عَلَى عَاتِقِهِ شَيْئًا مِنْ اللِّبَاسِ ، إنْ كَانَ قَادِرًا عَلَى ذَلِكَ .\rوَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْمُنْذِرِ .\rوَحُكِيَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ ، أَنَّ الصَّلَاةَ لَا تُجْزِئُ مَنْ لَمْ يُخَمِّرْ مَنْكِبَيْهِ .\rوَقَالَ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ : لَا يَجِبُ ذَلِكَ ، وَلَا يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الصَّلَاةِ .\rوَبِهِ قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ؛ لِأَنَّهُمَا لَيْسَا بِعَوْرَةٍ ، فَأَشْبَهَا بَقِيَّةَ الْبَدَنِ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { لَا يُصَلِّي الرَّجُلُ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ ، لَيْسَ عَلَى عَاتِقِهِ مِنْهُ شَيْءٌ } .\rرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ، وَمُسْلِمٌ ، وَأَبُو دَاوُد ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَغَيْرُهُمْ .\rوَهَذَا نَهْيٌ يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ ، وَيُقَدَّمُ عَلَى الْقِيَاسِ .\rوَرَوَى أَبُو دَاوُد ، عَنْ بُرَيْدَةَ ، قَالَ : { نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُصَلِّيَ فِي لِحَافٍ لَا يَتَوَشَّحُ بِهِ وَأَنْ يُصَلِّيَ فِي سَرَاوِيلَ ، لَيْسَ عَلَيْهِ رِدَاءٌ } .\rوَيُشْتَرَطُ ذَلِكَ لِصِحَّةِ الصَّلَاةِ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ ، لِأَنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْ تَرْكِهِ فِي الصَّلَاةِ ، وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي فَسَادَ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ ، وَلِأَنَّهَا سُتْرَةٌ وَاجِبَةٌ فِي الصَّلَاةِ ، وَالْإِخْلَالُ بِهَا يُفْسِدُهَا ، كَسَتْرِ الْعَوْرَةِ .\rوَذَكَرَ الْقَاضِي ، أَنَّهُ نُقِلَ عَنْ أَحْمَدَ ، مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ ، وَأَخَذَهُ مِنْ رِوَايَةِ مُثَنَّى بْنِ جَامِعٍ ، عَنْ أَحْمَدَ فِيمَنْ صَلَّى وَعَلَيْهِ سَرَاوِيلُ ، وَثَوْبُهُ عَلَى إحْدَى عَاتِقَيْهِ ، وَالْأُخْرَى مَكْشُوفَةٌ : يُكْرَهُ .\rقِيلَ لَهُ : يُؤْمَرُ أَنْ يُعِيدَ ؟ فَلَمْ يَرَ عَلَيْهِ إعَادَةً .\rوَهَذَا يَحْتَمِلُ أَنَّهُ لَمْ يَرَ عَلَيْهِ الْإِعَادَةَ ؛ لِسَتْرِهِ بَعْضَ الْمَنْكِبَيْنِ ، فَاجْتُزِئَ بِسَتْرِ أَحْدِ الْعَاتِقَيْنِ عَنْ سَتْرِ الْآخَرِ ، لِامْتِثَالِهِ لِلَفْظِ الْخَبَرِ .\rوَوَجْهُ اشْتِرَاطِ ذَلِكَ أَنَّهُ","part":3,"page":13},{"id":1013,"text":"مَنْهِيٌّ عَنْ الصَّلَاةِ مَعَ كَشْفِ الْمَنْكِبَيْنِ ، وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي فَسَادَ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ ، وَلِأَنَّهَا سُتْرَةٌ وَاجِبَةٌ فِي الصَّلَاةِ فَالْإِخْلَالُ بِهَا يُفْسِدُهَا كَسَتْرِ الْعَوْرَةِ .","part":3,"page":14},{"id":1014,"text":"( 808 ) فَصْلٌ : وَلَا يَجِبُ سَتْرُ الْمَنْكِبَيْنِ جَمِيعِهِمَا ، بَلْ يُجْزِئُ سِتْرُ بَعْضِهِمَا ، وَيُجْزِئُ سَتْرُهُمَا بِثَوْبٍ خَفِيفٍ يَصِفُ لَوْنَ الْبَشَرَةِ ؛ لِأَنَّ وُجُوبَ سَتْرِهِمَا بِالْحَدِيثِ ، وَلَفْظُهُ : { لَا يُصَلِّي الرَّجُلُ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ لَيْسَ عَلَى عَاتِقِهِ مِنْهُ شَيْءٌ } .\rوَهَذَا يَقَعُ عَلَى مَا يَعُمُّ الْمَنْكِبَيْنِ ، وَمَا لَا يَعُمُّهُمَا ، وَقَدْ ذَكَرْنَا نَصَّ أَحْمَدَ فِيمَنْ صَلَّى وَإِحْدَى مَنْكِبَيْهِ مَكْشُوفَةٌ ، فَلَمْ يُوجِبْ عَلَيْهِ الْإِعَادَةَ .\rفَإِنْ طَرَحَ عَلَى كِتْفِهِ حَبْلًا أَوْ خَيْطًا وَنَحْوَهُ ، فَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ ؛ لِقَوْلِهِ شَيْئًا مِنْ اللِّبَاسِ ، وَهَذَا لَا يُسَمَّى لِبَاسًا .\rوَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي .\rوَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا : يُجْزِئُهُ ؛ لِأَنَّ هَذَا شَيْءٌ ، فَيَكُونُ الْحَدِيثُ مُتَنَاوِلًا لَهُ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ جَابِرٍ ، { أَنَّهُ صَلَّى فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ مُتَوَشِّحًا بِهِ ، كَأَنِّي أَنْظُرُ إلَيْهِ كَأَنَّ عَلَى عَاتِقِهِ ذَنَبَ فَأْرَةٍ .\r} وَعَنْهُ قَالَ : كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا لَمْ يَجِدْ أَحَدُهُمْ ثَوْبًا أَلْقَى عَلَى عَاتِقِهِ عِقَالًا وَصَلَّى .\rوَالصَّحِيحُ : أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ فَلْيُخَالِفْ بَيْنَ طَرَفَيْهِ عَلَى عَاتِقَيْهِ } .\rمِنْ الصِّحَاحِ ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَلِأَنَّ الْأَمْرَ بِوَضْعِهِ عَلَى الْعَاتِقَيْنِ لِلسَّتْرِ ، وَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ بِوَضْعِ خَيْطٍ وَلَا حَبْلٍ ، وَلَا يُسَمَّى سُتْرَةً وَلَا لِبَاسًا .\rوَمَا رُوِيَ عَنْ جَابِرٍ لَمْ يَصِحَّ ، وَمَا رُوِيَ عَنْ الصَّحَابَةِ ، إنْ صَحَّ عَنْهُمْ ؛ فَلِعَدَمِ مَا سِوَاهُ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ","part":3,"page":15},{"id":1015,"text":"( 809 ) فَصْلٌ : وَلَمْ يُفَرِّقْ الْخِرَقِيِّ بَيْنَ الْفَرْضِ وَالنَّفَلِ ؛ لِأَنَّ الْخَبَرَ عَامٌّ فِيهِمَا ، وَلِأَنَّ مَا اُشْتُرِطَ لِلْفَرْضِ اُشْتُرِطَ لِلنَّفْلِ ، كَالطَّهَارَةِ .\rوَنَصَّ أَحْمَدُ أَنَّهُ يُجْزِئُهُ فِي التَّطَوُّعِ فَإِنَّهُ قَالَ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ إنَّهُ يُجْزِئُهُ أَنْ يَأْتَزِرَ بِالثَّوْبِ الْوَاحِدِ ، لَيْسَ عَلَى عَاتِقِهِ مِنْهُ شَيْءٌ ، فِي التَّطَوُّعِ ؛ لِأَنَّ النَّافِلَةَ مَبْنَاهَا عَلَى التَّخْفِيفِ .\rوَلِذَلِكَ يُسَامَحُ فِيهِ بِهَذَا الْمِقْدَارِ .\rوَاسْتَدَلَّ أَبُو بَكْرٍ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إذَا كَانَ الثَّوْبُ ضَيِّقًا فَاشْدُدْهُ عَلَى حَقْوِكَ } .\rقَالَ : هَذَا فِي التَّطَوُّعِ ، وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الْفَرْضِ .","part":3,"page":16},{"id":1016,"text":"( 810 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : وَمَنْ كَانَ عَلَيْهِ ثَوْبٌ وَاحِدٌ بَعْضُهُ عَلَى عَاتِقِهِ أَجْزَأَهُ ذَلِكَ .\rوَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْكَلَامَ فِي اللِّبَاسِ فِي أَرْبَعَةِ فُصُولٍ ؛ الْفَصْلُ الْأُوَلُ : فِيمَا يُجْزِئُ فِي الصَّلَاةِ .\rوَالثَّانِي : فِي الْفَضِيلَةِ .\rوَالثَّالِثُ : فِيمَا يُكْرَهُ .\rوَالرَّابِعُ : فِيمَا يَحْرُمُ .\r( 811 ) فَصْلٌ : أَمَّا الْأُوَلُ فَإِنَّهُ يُجْزِئُ ثَوْبٌ وَاحِدٌ يَسْتُرُ عَوْرَتَهُ ، وَبَعْضُهُ أَوْ غَيْرُهُ عَلَى عَاتِقِهِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ، وَعَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { إذَا كَانَ الثَّوْبُ وَاسِعًا فَالْتَحِفْ بِهِ ، وَإِذَا كَانَ ضَيِّقًا فَاتَّزِرْ بِهِ } رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ، وَغَيْرُهُ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ عَنْ الصَّلَاةِ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَوَلِكُلِّكُمْ ثَوْبَانِ ؟ } .\rرَوَاهُ مُسْلِمٌ وَمَالِكٌ فِي مُوَطَّئِهِ ، وَصَلَّى جَابِرٌ فِي قَمِيصٍ لَيْسَ عَلَيْهِ رِدَاءٌ ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ : إنِّي { رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي فِي قَمِيصٍ .\r} رَوَاهُ أَبُو دَاوُد .","part":3,"page":17},{"id":1017,"text":"( 812 ) الْفَصْلُ الثَّانِي : فِي الْفَضِيلَةِ ، وَهُوَ أَنْ يُصَلِّيَ فِي ثَوْبَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ .\rفَإِنَّهُ إذًا أَبْلَغُ فِي السَّتْرِ .\rلِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : إذَا أَوْسَعَ اللَّهُ فَأَوْسِعُوا ، جَمَعَ رَجُلٌ عَلَيْهِ ثِيَابَهُ ، صَلَّى رَجُلٌ فِي إزَارٍ وَرِدَاءٍ فِي إزَارٍ وَقَمِيصٍ ، فِي إزَارٍ وَقَبَاءٍ ، فِي سَرَاوِيلَ وَرِدَاءٍ ، فِي سَرَاوِيلَ وَقَمِيصٍ ، فِي سَرَاوِيلَ وَقَبَاءٍ ، فِي تُبَّانٍ وَقَمِيصٍ .\rوَرَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ قَالَ : قَالَ عُمَرُ : { إذَا كَانَ لِأَحَدِكُمْ ثَوْبَانِ فَلْيُصَلِّ فِيهِمَا ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ إلَّا ثَوْبٌ وَاحِدٌ فَلْيَتَّزِرْ بِهِ ، وَلَا يَشْتَمِلْ اشْتِمَالَ الْيَهُودِ } .\rقَالَ التَّمِيمِيُّ : الثَّوْبُ الْوَاحِدُ يُجْزِئُ ، وَالثَّوْبَانِ أَحْسَنُ ، وَالْأَرْبَعُ أَكْمَلُ ؛ قَمِيصٌ وَسَرَاوِيلُ وَعِمَامَةٌ وَإِزَارٌ .\rوَرَوَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ رَأَى نَافِعًا يُصَلِّي فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ ، قَالَ : أَلَمْ تَكْتَسِ ثَوْبَيْنِ ؟ قُلْت : بَلَى .\rقَالَ : فَلَوْ أُرْسِلْت فِي الدَّارِ ، أَكُنْتَ تَذْهَبُ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ ؟ قُلْت لَا .\rقَالَ : فَاَللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَتَزَيَّنَ لَهُ أَوْ النَّاسُ ؟ قُلْت : بَلْ اللَّهُ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : وَذَلِكَ فِي الْإِمَامِ آكَدُ مِنْهُ فِي غَيْرِهِ ؛ لِأَنَّهُ بَيْنَ يَدَيْ الْمَأْمُومِينَ ، وَتَتَعَلَّقُ صَلَاتُهُمْ بِصَلَاتِهِ .\rفَإِنْ لَمْ يَكُنْ إلَّا ثَوْبٌ وَاحِدٌ فَالْقَمِيصُ أَوْلَى ؛ لِأَنَّهُ أَعَمُّ فِي السَّتْرِ ، فَإِنَّهُ يَسْتُرُ جَمِيعَ الْجَسَدِ إلَّا الرَّأْسَ وَالرِّجْلَيْنِ ، ثُمَّ الرِّدَاءُ ؛ لِأَنَّهُ يَلِيهِ فِي السَّتْرِ ، ثُمَّ الْمِئْزَرُ أَوْ السَّرَاوِيلُ .\rوَلَا يُجْزِئُ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ إلَّا مَا سَتَرَ الْعَوْرَةَ عَنْ غَيْرِهِ وَعَنْ نَفْسِهِ ، فَلَوْ صَلَّى فِي قَمِيصٍ وَاسِعِ الْجَيْبِ بِحَيْثُ لَوْ رَكَعَ أَوْ سَجَدَ رَأَى عَوْرَتَهُ ، أَوْ كَانَتْ بِحَيْثُ يَرَاهَا ، لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ ، وَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ حَدِيثُ { سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ أَنَّهُ قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى","part":3,"page":18},{"id":1018,"text":"اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أُصَلِّي فِي الْقَمِيصِ الْوَاحِدِ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، وَازْرُرْهُ وَلَوْ بِشَوْكَةٍ } .\rقَالَ الْأَثْرَمُ : سُئِلَ أَحْمَدُ عَنْ الرَّجُلِ يُصَلِّي فِي الْقَمِيصِ الْوَاحِدِ غَيْرَ مَزْرُورٍ عَلَيْهِ ؟ قَالَ : يَنْبَغِي أَنْ يَزِرَّهُ .\rقِيلَ لَهُ : فَإِنْ كَانَتْ لِحْيَتُهُ تُغَطِّيهِ ، وَلَمْ يَكُنْ مُتَّسِعَ الْجَيْبِ ؟ قَالَ : إنْ كَانَ يَسِيرًا فَجَائِزٌ .\rفَعَلَى هَذَا مَتَى ظَهَرَتْ عَوْرَتُهُ لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ .\rفَإِنْ لَمْ تَظْهَرْ لِكَوْنِ جَيْبِ الْقَمِيصِ ضَيِّقًا ، أَوْ شَدَّ وَسَطَهُ بِمِئْزَرٍ أَوْ حَبْلٍ فَوْقَ الثَّوْبِ ، أَوْ كَانَ ذَا لِحْيَةٍ تَسُدُّ الْجَيْبَ فَتَمْنَعُ الرُّؤْيَةَ ، أَوْ شَدَّ إزَارَهُ ، أَوْ أَلْقَى عَلَى جَيْبِهِ رِدَاءً أَوْ خِرْقَةً ، فَاسْتَتَرَتْ عَوْرَتُهُ ، أَجْزَأَهُ ذَلِكَ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .","part":3,"page":19},{"id":1019,"text":"( 813 ) الْفَصْلُ الثَّالِثُ ، فِيمَا يُكْرَهُ ؛ يُكْرَهُ اشْتِمَالُ الصَّمَّاءِ ؛ لِمَا رَوَى الْبُخَارِيُّ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَأَبِي سَعِيدٍ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ { نَهَى عَنْ لِبْسَتَيْنِ : اشْتِمَالِ الصَّمَّاءِ ، وَأَنْ يَحْتَبِيَ الرَّجُلُ بِثَوْبٍ لَيْسَ بَيْنَ فَرْجِهِ وَبَيْنَ السَّمَاءِ شَيْءٌ .\r} وَاخْتُلِفَ فِي تَفْسِيرِ اشْتِمَالِ الصَّمَّاءِ ، فَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا : هُوَ أَنْ يَضْطَبِعَ بِالثَّوْبِ لَيْسَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ ، وَمَعْنَى ، الِاضْطِبَاعِ : أَنْ يَضَعَ وَسَطَ الرِّدَاءِ تَحْتِ عَاتِقِهِ الْأَيْمَنِ ، وَيَجْعَلَ طَرَفَيْهِ عَلَى مَنْكِبِهِ الْأَيْسَرِ ، وَيَبْقَى مَنْكِبُهُ الْأَيْمَنُ مَكْشُوفًا ، وَرَوَى حَنْبَلٌ ، عَنْ أَحْمَدَ فِي اشْتِمَالِ الصَّمَّاءِ : أَنْ يَضْطَبِعَ الرَّجُلُ بِالثَّوْبِ وَلَا إزَارَ عَلَيْهِ .\rفَيَبْدُوَ مِنْهُ شِقُّهُ وَعَوْرَتُهُ ، أَمَّا إنْ كَانَ عَلَيْهِ إزَارٌ فَتِلْكَ لِبْسَةُ الْمُحْرِمِ ، فَلَوْ كَانَ لَا يُجْزِئُهُ لَمْ يَفْعَلْهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rوَرَوَى أَبُو بَكْرٍ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ، قَالَ : { نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَلْبَسَ الرَّجُلُ ثَوْبًا وَاحِدًا ، يَأْخُذُ بِجَوَانِبِهِ عَنْ مَنْكِبِهِ ، فَيُدْعَى تِلْكَ الصَّمَّاءَ .\r} وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ : هُوَ أَنْ يَلْتَحِفَ بِالثَّوْبِ ، ثُمَّ يُخْرِجَ يَدَيْهِ مِنْ قِبَلِ صَدْرِهِ ، فَتَبْدُوَ عَوْرَتُهُ .\rوَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ اشْتِمَالُ الصَّمَّاءِ ، عِنْدَ الْعَرَبِ : أَنْ يَشْتَمِلَ الرَّجُلُ بِثَوْبِهِ ، يُجَلِّلُ بِهِ جَسَدَهُ كُلَّهُ ، وَلَا يَرْفَعُ مِنْهُ جَانِبًا يُخْرِجُ مِنْهُ يَدَهُ .\rكَأَنَّهُ يَذْهَبُ بِهِ إلَى أَنَّهُ لَعَلَّهُ يُصِيبُهُ شَيْءٌ يُرِيدُ الِاحْتِرَاسَ مِنْهُ .\rفَلَا يَقْدِرَ عَلَيْهِ .\rوَتَفْسِيرُ الْفُقَهَاءِ ، أَنْ يَشْتَمِلَ بِثَوْبٍ وَاحِدٍ لَيْسَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ ، ثُمَّ يَرْفَعَهُ مِنْ أَحَدِ جَانِبَيْهِ ، فَيَضَعَهُ عَلَى مَنْكِبَيْهِ ، فَيَبْدُوَ مِنْهُ فَرْجُهُ ، وَالْفُقَهَاءُ أَعْلَمُ بِالتَّأْوِيلِ .\rفَعَلَى هَذَا التَّفْسِيرِ يَكُونُ النَّهْيُ","part":3,"page":20},{"id":1020,"text":"لِلتَّحْرِيمِ ، وَتَفْسُدُ الصَّلَاةُ مَعَهُ .\rوَيُكْرَهُ السَّدْلُ .\rوَهُوَ أَنْ يُلْقِيَ طَرَفَ الرِّدَاءِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ ، وَلَا يَرُدَّ أَحَدَ طَرَفَيْهِ عَلَى الْكَتِفِ الْأُخْرَى ، وَلَا يَضُمَّ الطَّرَفَيْنِ بِيَدَيْهِ .\rوَكَرِهَ السَّدْلَ ابْنُ مَسْعُودٍ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَعَطَاءٌ .\rوَرُوِيَ عَنْ جَابِرٍ وَابْنِ عُمَرَ الرُّخْصَةُ فِيهِ ، وَعَنْ مَكْحُولٍ ، وَالزُّهْرِيِّ ، وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ الْحُصَيْنِ أَنَّهُمْ فَعَلُوهُ ، وَعَنْ الْحَسَنِ ، وَابْنِ سِيرِينَ أَنَّهُمَا كَانَا يَسْدُلَانِ فَوْقَ قَمِيصِهِمَا ، وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : لَا أَعْلَمُ فِيهِ حَدِيثًا يَثْبُتُ .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ السَّدْلِ فِي الصَّلَاةِ ، وَأَنْ يُغَطِّيَ الرَّجُلُ فَاهُ .\r} رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، مِنْ طَرِيقِ عَطَاءٍ .\rثُمَّ رُوِيَ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَنَّهُ قَالَ : أَكْثَرُ مَا رَأَيْتُ عَطَاءً يُصَلِّي سَادِلًا .\rوَيُكْرَهُ إسْبَالُ الْقَمِيصِ وَالْإِزَارِ وَالسَّرَاوِيلِ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِرَفْعِ الْإِزَارِ .\rفَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الْخُيَلَاءِ حَرُمَ ، لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلَاءَ لَمْ يَنْظُرْ اللَّهُ إلَيْهِ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَرَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ، قَالَ : سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : { مَنْ أَسْبَلَ إزَارَهُ فِي صَلَاتِهِ خُيَلَاءَ فَلَيْسَ مِنْ اللَّهِ جَلَّ ذِكْرُهُ فِي حِلٍّ وَلَا حَرَامٍ } .\rوَيُكْرَهُ أَنْ يُغَطِّيَ الرَّجُلُ وَجْهَهُ أَوْ فَمَهُ .\rلِمَا ذَكَرْنَا مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { نَهَى عَنْ السَّدْلِ فِي الصَّلَاةِ ، وَأَنْ يُغَطِّيَ الرَّجُلُ فَاهُ .\r} وَهَلْ يُكْرَهُ التَّلَثُّمُ عَلَى الْأَنْفِ ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ : إحْدَاهُمَا ، يُكْرَهُ ؛ لِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَرِهَهُ .\rوَالْأُخْرَى ، لَا يُكْرَهُ ؛ لِأَنَّ تَخْصِيصَ الْفَمِ بِالنَّهْيِ عَنْ","part":3,"page":21},{"id":1021,"text":"تَغْطِيَتِهِ تَدُلُّ عَلَى إبَاحَةِ تَغْطِيَةِ غَيْرِهِ .","part":3,"page":22},{"id":1022,"text":"وَتُكْرَهُ الصَّلَاةُ فِي الثَّوْبِ الْمُزَعْفَرِ لِلرَّجُلِ ، وَكَذَلِكَ الْمُعَصْفَرُ ؛ لِأَنَّ الْبُخَارِيَّ وَمُسْلِمًا رَوَيَا ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { نَهَى الرَّجُلَ عَنْ التَّزَعْفُرِ .\r} وَرَوَى مُسْلِمٌ ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : { نَهَانِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ لِبَاسِ الْمُعَصْفَرِ } .\rوَقَالَ عَبْدُ اللَّهُ بْنُ عَمْرٍو : { رَأَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيَّ ثَوْبَيْنِ مُعَصْفَرَيْنِ ، فَقَالَ : إنَّ هَذَا مِنْ ثِيَابِ الْكُفَّارِ فَلَا تَلْبَسْهُمَا } .\rوَرَوَى أَبُو بَكْرٍ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ { أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا أَرْكَبُ الْأُرْجُوَانَ ، وَلَا أَلْبَسُ الْمُعَصْفَرَ } .","part":3,"page":23},{"id":1023,"text":"فَأَمَّا شَدُّ الْوَسَطِ فِي الصَّلَاةِ ، فَإِنْ كَانَ بِمِنْطَقَةٍ أَوْ مِئْزَرٍ أَوْ ثَوْبٍ أَوْ شَدِّ قَبَاءٍ ، فَلَا يُكْرَهُ ، رِوَايَةً وَاحِدَةً ، قَالَ أَبُو طَالِبٍ : سَأَلْت أَحْمَدَ عَنْ الرَّجُلِ يُصَلِّي وَعَلَيْهِ قَمِيصٌ يَأْتَزِرُ بِالْمِنْدِيلِ فَوْقَهُ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، فَعَلَ ذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ .\rوَإِنْ كَانَ بِخَيْطٍ أَوْ حَبْلٍ مَعَ سُرَّتِهِ وَفَوْقَهَا فَهَلْ يُكْرَهُ ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ .\rإحْدَاهُمَا ، يُكْرَهُ ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّشَبُّهِ بِأَهْلِ الْكِتَابِ ، وَقَدْ نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ التَّشَبُّهِ بِهِمْ ، وَقَالَ : { لَا تَشْتَمِلُوا اشْتِمَالَ الْيَهُودِ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَالرِّوَايَةُ الْأُخْرَى ، قَالَ أَحْمَدُ : لَا بَأْسَ ، أَلَيْسَ قَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { لَا يُصَلِّي أَحَدُكُمْ إلَّا وَهُوَ مُحْتَزِمٌ } .\rوَقَالَ عَلِيُّ بْنُ سَعِيدٍ سَأَلْت أَحْمَدَ عَنْ حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا يُصَلِّي أَحَدُكُمْ إلَّا وَهُوَ مُحْتَزِمٌ } .\rقَالَ : كَأَنَّهُ مَنْ شَدَّ الْوَسَطَ .\rوَرَوَى الْخَلَّالُ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ الشَّعْبِيِّ ، قَالَ : كَانَ يُقَالُ ، شُدَّ حَقْوَكَ فِي الصَّلَاةِ وَلَوْ بِعِقَالٍ \" وَعَنْ يَزِيدَ بْنِ الْأَصَمِّ مِثْلُهُ","part":3,"page":24},{"id":1024,"text":"وَأَمَّا الصَّلَاةُ فِي الثَّوْبِ الْأَحْمَرِ ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا : يُكْرَهُ لِلرِّجَالِ لُبْسُهُ ، وَالصَّلَاةُ فِيهِ .\rوَقَدْ اشْتَرَى عُمَرُ ثَوْبًا ، فَرَأَى فِيهِ خَيْطًا أَحْمَرَ ، فَرَدَّهُ وَقَدْ رَوَى أَبُو جُحَيْفَةَ قَالَ : { خَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حُلَّةٍ حَمْرَاءَ ، ثُمَّ رُكِزَتْ لَهُ عَنَزَةٌ ، فَتَقَدَّمَ وَصَلَّى الظُّهْرَ .\r} وَقَالَ الْبَرَاءُ : { مَا رَأَيْتُ مِنْ ذِي لِمَّةٍ فِي حُلَّةٍ حَمْرَاءَ أَحْسَنَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\r} مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا ، وَرَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ هِلَالِ بْنِ عَامِرٍ ، قَالَ : { رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ عَلَى بَغْلَةٍ وَعَلَيْهِ بُرْدٌ أَحْمَرُ ، وَعَلِيٌّ أَمَامَهُ يُعَبِّرُ عَنْهُ .\r} وَوَجْهُ كَرَاهَةِ ذَلِكَ ، مَا رَوَى أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ : { دَخَلَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ عَلَيْهِ بُرْدَانِ أَحْمَرَانِ ، فَسَلَّمَ ، فَلَمْ يَرُدَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\r} وَبِإِسْنَادِهِ عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ قَالَ : { خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ ، فَرَأَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى رَوَاحِلِنَا أَكْسِيَةً فِيهَا خُيُوطُ عِهْنٍ حُمْرٌ .\rفَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَلَا أَرَى هَذِهِ الْحُمْرَةَ قَدْ عَلَتْكُمْ .\rفَقُمْنَا سِرَاعًا لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى نَفَرَ بَعْضُ إبِلِنَا ، فَأَخَذْنَا الْأَكْسِيَةَ ، فَنَزَعْنَاهَا عَنْهَا ، } وَالْأَحَادِيثُ الْأُوَلُ أَثْبَتُ وَأَبْيَنُ فِي الْحُكْمِ ؛ فَإِنَّ تَرْكَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِرَدِّ السَّلَامِ عَلَيْهِ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لِمَعْنًى غَيْرِ الْحُمْرَةِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهَا كَانَتْ مُعَصْفَرَةً ، وَهُوَ مَكْرُوهٌ ، وَحَدِيثُ رَافِعٍ يَرْوِيهِ عَنْهُ رَجُلٌ مَجْهُولٌ ، وَلِأَنَّ الْحُمْرَةَ لَوْنٌ ، فَهِيَ كَسَائِرِ الْأَلْوَانِ .\r( 814 ) فَصْلٌ : وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد ،","part":3,"page":25},{"id":1025,"text":"عَنْ أَبِي رِمْثَةَ ، قَالَ : { انْطَلَقْت مَعَ أَبِي نَحْوَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَأَيْتُ عَلَيْهِ بُرْدَيْنِ أَخْضَرَيْنِ .\r} وَبِإِسْنَادِهِ عَنْ قَتَادَةَ ، قَالَ : { قُلْنَا لِأَنَسٍ : أَيُّ اللِّبَاسِ كَانَ أَحَبَّ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قَالَ الْحِبَرَةُ .\r} مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَبِإِسْنَادِهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، { أَنَّهُ قِيلَ لَهُ : لِمَ تَصْبُغُ بِالصُّفْرَةِ ؟ فَقَالَ : إنِّي رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصْبُغُ بِهَا ، وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ أَحَبُّ إلَيْهِ مِنْهَا ، وَقَدْ كَانَ يَصْبُغُ بِهَا ثِيَابَهُ كُلَّهَا حَتَّى عِمَامَتَهُ .\r} وَبِإِسْنَادِهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الْبَسُوا مِنْ ثِيَابِكُمْ الْبَيَاضَ ؛ فَإِنَّهَا مِنْ خَيْرِ ثِيَابِكُمْ ، وَكَفِّنُوا فِيهَا مَوْتَاكُمْ } .","part":3,"page":26},{"id":1026,"text":"( 815 ) الْفَصْلُ الرَّابِعُ : فِيمَا يَحْرُمُ لُبْسُهُ ، وَالصَّلَاةُ فِيهِ وَهُوَ قِسْمَانِ ؛ قِسْمٌ تَحْرِيمُهُ عَامٌّ فِي الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ ، وَقِسْمٌ يَخْتَصُّ تَحْرِيمُهُ بِالرِّجَالِ .\rفَالْأَوَّلُ ، مَا يَعُمُّ تَحْرِيمُهُ ، وَهُوَ نَوْعَانِ : أَحَدُهُمَا ، النَّجِسُ لَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ فِيهِ ، وَلَا عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ الطَّهَارَةَ مِنْ النَّجَاسَةِ شَرْطٌ ، وَقَدْ فَاتَتْ .\rوَالثَّانِي ، الْمَغْصُوبُ ، لَا يَحِلُّ لُبْسُهُ ، وَلَا الصَّلَاةُ فِيهِ .\rوَهَلْ تَصِحُّ الصَّلَاةُ فِيهِ ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ ؛ إحْدَاهُمَا ، لَا تَصِحُّ .\rوَالثَّانِيَةُ تَصِحُّ ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيِّ لِأَنَّ التَّحْرِيمَ لَا يَخْتَصُّ الصَّلَاةَ ، وَلَا النَّهْيَ يَعُودُ إلَيْهَا ، فَلَمْ يَمْنَعْ الصِّحَّةَ ، كَمَا لَوْ غَسَلَ ثَوْبَهُ مِنْ النَّجَاسَةِ بِمَاءٍ مَغْصُوبٍ ، وَكَمَا لَوْ صَلَّى وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ مَغْصُوبَةٌ .\rوَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى ، أَنَّهُ اسْتَعْمَلَ فِي شَرْطِ الْعِبَادَةِ مَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ اسْتِعْمَالُهُ ، فَلَمْ تَصِحَّ ، كَمَا لَوْ صَلَّى فِي ثَوْبٍ نَجِسٍ ، وَلِأَنَّ الصَّلَاةَ قُرْبَةٌ وَطَاعَةٌ ، وَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهَا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ ، فَكَيْفَ يَتَقَرَّبُ بِمَا هُوَ عَاصٍ بِهِ ، أَوْ يُؤْمَرُ بِمَا هُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ .\rوَأَمَّا إذَا صَلَّى فِي عِمَامَةٍ مَغْصُوبَةٍ ، أَوْ فِي يَدِهِ خَاتَمٌ مِنْ ذَهَبٍ ، فَإِنَّ الصَّلَاةَ تَصِحُّ ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ لَا يَعُودُ إلَى شَرْطِ الصَّلَاةِ ، إذْ الْعِمَامَةُ لَيْسَتْ شَرْطًا فِيهَا .\rوَإِنْ صَلَّى فِي دَارٍ مَغْصُوبَةٍ ، فَالْخِلَافُ فِيهَا كَالْخِلَافِ فِي الثَّوْبِ الْمَغْصُوبِ ، إلَّا أَنَّ أَحْمَدَ قَالَ فِي الْجُمُعَةِ : يُصَلِّي فِي مَوَاضِعِ الْغَصْبِ ؛ لِأَنَّهَا تَخْتَصُّ بِمَوْضِعٍ مُعَيَّنٍ ، فَالْمَنْعُ مِنْ الصَّلَاةِ فِيهِ إذَا كَانَ غَصْبًا يُفْضِي إلَى تَعْطِيلِهَا .\rفَلِذَلِكَ أَجَازَ فِعْلَهَا فِيهِ ، كَمَا أَجَازَ صَلَاةَ الْجُمُعَةِ خَلْفَ الْخَوَارِجِ وَأَهْلِ الْبِدَعِ وَالْفُجُورِ ، كَيْ لَا يُفْضِيَ إلَى تَعْطِيلِهَا .\rالْقِسْمُ الثَّانِي ، مَا يَخْتَصُّ تَحْرِيمُهُ بِالرِّجَالِ دُونَ النِّسَاءِ ،","part":3,"page":27},{"id":1027,"text":"وَهُوَ الْحَرِيرُ ، وَالْمَنْسُوجُ بِالذَّهَبِ ، وَالْمُمَوَّهُ بِهِ ، فَهُوَ حَرَامٌ لُبْسُهُ ، وَافْتِرَاشُهُ فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا ؛ لِمَا رَوَى أَبُو مُوسَى ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { حَرَامٌ لِبَاسُ الْحَرِيرِ وَالذَّهَبِ عَلَى ذُكُورِ أُمَّتِي ، وَأُحِلَّ لِإِنَاثِهِمْ } .\rأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَقَالَ : حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا تَلْبَسُوا الْحَرِيرَ ؛ فَإِنَّ مَنْ لَبِسَهُ فِي الدُّنْيَا لَمْ يَلْبَسْهُ فِي الْآخِرَةِ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَلَا نَعْلَمُ فِي تَحْرِيمِ لُبْسِ ذَلِكَ عَلَى الرِّجَالِ اخْتِلَافًا ، إلَّا لِعَارِضٍ ، أَوْ عُذْرٍ ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : هَذَا إجْمَاعٌ .\rفَإِنْ صَلَّى فِيهِ ، فَالْحُكْمُ فِيهِ كَالصَّلَاةِ فِي الثَّوْبِ الْمَغْصُوبِ ، عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ مِنْ الْخِلَافِ وَالرِّوَايَتَيْنِ .\rوَالِافْتِرَاشُ كَاللُّبْسِ فِي التَّحْرِيمِ ؛ لِمَا رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ حُذَيْفَةَ ، قَالَ : { نَهَانَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ نَشْرَبَ فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ ، وَأَنْ نَأْكُلَ فِيهَا ، وَأَنْ نَلْبَسَ الْحَرِيرَ وَالدِّيبَاجَ ، وَأَنْ نَجْلِسَ عَلَيْهِ .\r}","part":3,"page":28},{"id":1028,"text":"( 816 ) فَصْلٌ : وَيُبَاحُ الْعَلَمُ الْحَرِيرُ فِي الثَّوْبِ إذَا كَانَ أَرْبَعَ أَصَابِعَ فَمَا دُونَ ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : { نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْحَرِيرِ إلَّا مَوْضِعَ إصْبَعَيْنِ أَوْ ثَلَاثٍ أَوْ أَرْبَعٍ .\r} رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ : حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ .\rوَفِي التَّنْبِيهِ .\rيُبَاحُ وَإِنْ كَانَ مُذَهَّبًا ، وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي الرِّقَاعِ ، وَلَبِنَةِ الْجَيْبِ ، وَسُجُفِ الْفِرَاءِ وَغَيْرِهَا ؛ لِأَنَّهُ دَاخِلٌ فِيمَا تَنَاوَلَهُ الْحَدِيثُ .\rفَصْلٌ : فَإِنْ لَبِسَ الْحَرِيرَ لِلْقَمْلِ أَوْ الْحَكَّةِ أَوْ الْمَرَضِ يَنْفَعُهُ لُبْسُ الْحَرِيرِ جَازَ ، فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ ؛ لِأَنَّ أَنَسًا رَوَى { أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ ، وَالزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ ، شَكَوَا الْقَمْلَ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَخَّصَ لَهُمَا فِي قُمُصِ الْحَرِيرِ فِي غَزَاةٍ لَهُمَا ، } وَفِي رِوَايَةٍ : شَكَيَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْقَمْلَ فَرَخَّصَ لَهُمَا فِي قُمُصِ الْحَرِيرِ ، وَرَأَيْتُهُ عَلَيْهِمَا .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَمَا ثَبَتَ فِي حَقِّ صَحَابِيٍّ ثَبَتَ فِي حَقِّ غَيْرِهِ ، مَا لَمْ يَقُمْ دَلِيلُ التَّخْصِيصِ ، وَغَيْرُ الْقَمْلِ الَّذِي يَنْفَعُ فِيهِ لُبْسُ الْحَرِيرِ فِي مَعْنَاهُ .\rفَيُقَاسُ عَلَيْهِ .\rوَالرِّوَايَةُ الْأُخْرَى ، لَا يُبَاحُ لُبْسُهُ لِلْمَرَضِ ؛ لِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُونَ الرُّخْصَةُ خَاصَّةً لَهُمَا ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ؛ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ؛ لِأَنَّ تَخْصِيصَ الرُّخْصَةِ بِهَا عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ .\rفَأَمَّا لُبْسُهُ لِلْحَرْبِ ، فَإِنْ كَانَ بِهِ حَاجَةٌ إلَيْهِ ، كَأَنْ كَانَ بِطَانَةً لِبَيْضَةٍ أَوْ دِرْعٍ وَنَحْوِهِ ، أُبِيحَ .\rقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا : يَجُوزُ مِثْلُ ذَلِكَ مِنْ الذَّهَبِ ؛ كَدِرْعٍ مُمَوَّهٍ بِالذَّهَبِ ، وَهُوَ لَا يَسْتَغْنِي عَنْ لُبْسِهِ ، وَهُوَ مُحْتَاجٌ إلَيْهِ .\rوَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ حَاجَةٌ إلَيْهِ ، فَعَلَى وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا يُبَاحُ لِأَنَّ الْمَنْعَ","part":3,"page":29},{"id":1029,"text":"مِنْ لُبْسِهِ لِلْخُيَلَاءِ ، وَكَسْرِ قُلُوبِ الْفُقَرَاءِ ، وَالْخُيَلَاءُ فِي وَقْتِ الْحَرْبِ غَيْرُ مَذْمُومٍ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ رَأَى بَعْضَ أَصْحَابِهِ يَمْشِي بَيْنَ الصَّفَّيْنِ يَخْتَالُ فِي مِشْيَتِهِ : \" إنَّهَا لَمِشْيَةٌ يُبْغِضُهَا اللَّهُ إلَّا فِي هَذَا الْمَوْطِنِ \" .\rوَالثَّانِي ، يَحْرُمُ ؛ لِعُمُومِ الْخَبَرِ .\rوَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، إبَاحَتُهُ مُطْلَقًا ، وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ ، قَالَ الْأَثْرَمُ : سَمِعْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يُسْأَلُ عَنْ لُبْسِ الْحَرِيرِ فِي الْحَرْبِ ؟ فَقَالَ : أَرْجُو أَنْ لَا يَكُونَ بِهِ بَأْسٌ .\rوَرَوَى الْأَثْرَمُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عُرْوَةَ ، أَنَّهُ كَانَ لَهُ يَلْمَقُ مِنْ دِيبَاجٍ ، بِطَانَتُهُ سُنْدُسٌ ، مَحْشُوٌّ قَزًّا ، كَانَ يَلْبَسُهُ فِي الْحَرْبِ .","part":3,"page":30},{"id":1030,"text":"( 817 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا الْمَنْسُوجُ مِنْ الْحَرِيرِ وَغَيْرِهِ ، كَثَوْبٍ مَنْسُوجٍ مِنْ قُطْنٍ وَإِبْرَيْسَمٍ ، أَوْ قُطْنٍ وَكَتَّانٍ فَالْحُكْمُ لِلْأَغْلَبِ مِنْهُمَا .\rلِأَنَّ الْأَوَّلَ مُسْتَهْلَكٌ فِيهِ ، فَهُوَ كَالْبَيْضَةِ مِنْ الْفِضَّةِ ، وَالْعَلَمِ مِنْ الْحَرِيرِ .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : { إنَّمَا نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الثَّوْبِ الْمُصْمَتِ مِنْ الْحَرِيرِ ، وَأَمَّا الْعَلَمُ ، وَسَدَى الثَّوْبِ ، فَلَيْسَ بِهِ بَأْسٌ .\r} رَوَاهُ الْأَثْرَمُ بِإِسْنَادِهِ ، وَأَبُو دَاوُد قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ مَذْهَبُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَجَمَاعَةٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rأَنَّ الْمُحَرَّمَ الْحَرِيرُ الصَّافِي ، الَّذِي لَا يُخَالِطُهُ غَيْرُهُ ، فَإِنْ كَانَ الْأَقَلُّ الْحَرِيرَ فَهُوَ مُبَاحٌ ، وَإِنْ كَانَ الْقُطْنَ فَهُوَ مُحَرَّمٌ .\rفَإِنْ اسْتَوَيَا فَفِي تَحْرِيمِهِ وَإِبَاحَتِهِ وَجْهَانِ وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ الْأَشْبَهُ التَّحْرِيمُ ، لِأَنَّ النِّصْفَ كَثِيرٌ ، فَأَمَّا الْجِبَابُ الْمَحْشُوَّةُ مِنْ إبْرَيْسَمٍ ، فَقَالَ الْقَاضِي : لَا يَحْرُمُ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ، لِعَدَمِ الْخُيَلَاءِ فِيهِ .\rوَيَحْتَمِلُ التَّحْرِيمَ ؛ لِعُمُومِ الْخَبَرِ .\rوَهَكَذَا الْفُرُشُ الْمَحْشُوَّةُ بِالْحَرِيرِ .","part":3,"page":31},{"id":1031,"text":"( 818 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا الثِّيَابُ الَّتِي عَلَيْهَا تَصَاوِيرُ الْحَيَوَانَاتِ ؛ فَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ يُكْرَهُ لُبْسُهَا ، وَلَيْسَ بِمُحَرَّمِ .\rوَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ هُوَ مُحَرَّمٌ ؛ لِأَنَّ أَبَا طَلْحَةَ قَالَ : سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : { لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ وَلَا صُورَةٌ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَحُجَّةُ مَنْ لَمْ يَرَهُ مُحَرَّمًا أَنَّ زَيْدَ بْنَ خَالِدٍ رَوَاهُ عَنْ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ فِي آخِرِهِ : { إلَّا رَقْمًا فِي ثَوْبٍ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rلِأَنَّهُ يُبَاحُ إذَا كَانَ مَفْرُوشًا ، أَوْ يَتَّكِئُ عَلَيْهِ ، فَكَذَلِكَ إذَا كَانَ مَلْبُوسًا .","part":3,"page":32},{"id":1032,"text":"( 819 ) فَصْلٌ : وَيُكْرَهُ التَّصْلِيبُ فِي الثَّوْبِ ؛ لِأَنَّ عِمْرَانَ بْنَ حِطَّانَ رَوَى عَنْ عَائِشَةَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { كَانَ لَا يَتْرُكُ فِي بَيْتِهِ شَيْئًا فِيهِ تَصْلِيبٌ إلَّا قَضَبَهُ .\r} رَوَاهُ أَبُو دَاوُد يَعْنِي قَطَعَهُ .","part":3,"page":33},{"id":1033,"text":"( 820 ) فَصْلٌ : قَالَ الْأَثْرَمُ : سَمِعْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يُسْأَلُ عَنْ لُبْسِ الْخَزِّ ؟ فَلَمْ يَرَ بِهِ بَأْسًا .\rوَرَوَى الْأَثْرَمُ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ، وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، وَالْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ، وَقَيْسٍ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ ، وَغَيْلَانَ بْنِ جَرِيرٍ ، وَشُبَيْلِ بْنِ عَوْفٍ ، أَنَّهُمْ لَبِسُوا مَطَارِفَ الْخَزِّ .\rوَبِإِسْنَادِهِ عَنْ قَتَادَةَ ، أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ، وَعَائِذَ بْنَ عَمْرٍو ، وَعِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ ، وَأَبَا هُرَيْرَةَ ، وَابْنَ عَبَّاسٍ ، وَأَبَا قَتَادَةَ ، كَانُوا يَلْبَسُونَ الْخَزَّ .\rوَبِإِسْنَادِهِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ، وَالْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ ، وَالْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، أَنَّهُمْ لَبِسُوا جِبَابَ الْخَزِّ .\rوَبِإِسْنَادِهِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، وَشُرَيْحٍ ، أَنَّهُمْ لَبِسُوا بَرَانِسَ الْخَزِّ ، وَبِإِسْنَادِهِ عَنْ عَمَّارِ بْنِ أَبِي عَمَّارٍ ، قَالَ : أَتَتْ مَرْوَانَ مَطَارِفُ مِنْ خَزٍّ ، فَكَسَاهَا أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَسَا أَبَا هُرَيْرَةَ مِطْرَفًا مِنْ خَزٍّ أَغْبَرَ ، فَكَانَ يَلْبَسُهُ اثْنَانِ بِسَعَتِهِ .\rوَهَذَا اشْتَهَرَ فَلَمْ يَظْهَرْ بِخِلَافِهِ ، فَكَانَ إجْمَاعًا .\rوَرَوَى أَبُو بَكْرٍ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الرَّازِيّ ، حَدَّثَنَا أَبِي ، قَالَ : أَخْبَرَنِي أَبِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ أَبِيهِ سَعِيدٍ ، قَالَ : { رَأَيْت رَجُلًا بِبُخَارَى عَلَى بَغْلَةٍ بَيْضَاءَ ، عَلَيْهِ عِمَامَةُ خَزٍّ سَوْدَاءُ ؛ فَقَالَ : كَسَانِيهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\r} رَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَرَوَى مَالِكٌ ، فِي مُوَطَّئِهِ ، أَنَّ عَائِشَةَ كَسَتْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ مِطْرَفَ خَزٍّ كَانَتْ تَلْبَسُهُ .","part":3,"page":34},{"id":1034,"text":"( 821 ) فَصْلٌ : وَهَلْ يَجُوزُ لِوَلِيِّ الصَّبِيِّ أَنْ يُلْبِسَهُ الْحَرِيرَ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ .\rأَشْبَهُهُمَا بِالصَّوَابِ تَحْرِيمُهُ ؛ لِعُمُومِ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { حُرِّمَ لِبَاسُ الْحَرِيرِ عَلَى ذُكُورِ أُمَّتِي ، وَأُحِلَّ لِإِنَاثِهِمْ } .\rوَرَوَى أَبُو دَاوُد ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ جَابِرٍ ، قَالَ : كُنَّا نَنْزِعُهُ عَنْ الْغِلْمَانِ ، وَنَتْرُكُهُ عَلَى الْجَوَارِي .\rوَقَدِمَ حُذَيْفَةُ مِنْ سَفَرٍ ، وَعَلَى صِبْيَانِهِ قُمُصٌ مِنْ حَرِيرٍ ، فَمَزَّقَهَا عَلَى الصِّبْيَانِ ، وَتَرَكَهَا عَلَى الْجَوَارِي ، أَخْرَجَهُ الْأَثْرَمُ .\rوَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ : كُنْت رَابِعَ أَرْبَعَةٍ ، أَوْ خَامِسَ خَمْسَةٍ ، مَعَ عَبْدِ اللَّهِ ، فَجَاءَ ابْنٌ لَهُ صَغِيرٌ عَلَيْهِ قُمُصٌ مِنْ حَرِيرٍ ، فَدَعَاهُ ، فَقَالَ لَهُ : مَنْ كَسَاك هَذَا ؟ قَالَ : أُمِّي .\rفَأَخَذَهُ عَبْدُ اللَّهِ فَشَقَّهُ .\rوَالْوَجْهُ الْآخَرُ ، ذَكَرَهُ أَصْحَابُنَا ، أَنَّهُ يُبَاحُ ؛ لِأَنَّهُمْ غَيْرُ مُكَلَّفِينَ ، فَلَا يَتَعَلَّقُ التَّحْرِيمُ بِلُبْسِهِمْ ، كَمَا لَوْ أَلْبَسَهُ دَابَّةً ، وَلِأَنَّهُمْ مَحَلٌّ لِلزِّينَةِ فَأَشْبَهُوا النِّسَاءَ .\rوَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ؛ لِظَاهِرِ الْحَدِيثِ ، وَفِعْلِ الصَّحَابَةِ .\rوَيَتَعَلَّقُ التَّحْرِيمُ بِتَمْكِينِهِمْ مِنْ الْمُحَرَّمَاتِ كَتَمْكِينِهِمْ مِنْ شُرْبِ الْخَمْرِ ، وَأَكْلِ الرِّبَا ، وَغَيْرِهِمَا ، وَكَوْنُهُمْ مَحَلَّ الزِّينَةِ - مَعَ تَحْرِيمِ الِاسْتِمْتَاعِ بِهِمْ - يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ ، لَا الْإِبَاحَةَ ، بِخِلَافِ النِّسَاءِ .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":3,"page":35},{"id":1035,"text":"( 822 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : وَمَنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى سَتْرِ الْعَوْرَةِ صَلَّى جَالِسًا يُومِئُ إيمَاءً وَجُمْلَةُ ذَلِكَ ، أَنَّ الْعَادِمَ لِلسُّتْرَةِ الْأَوْلَى لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ قَاعِدًا .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَقَالَ بِهِ عَطَاءٌ ، وَعِكْرِمَةُ ، وَقَتَادَةُ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَيُومِئُ بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ .\rوَقَالَ مُجَاهِدٌ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ وَابْنُ الْمُنْذِرِ يُصَلِّي قَائِمًا ، بِرُكُوعٍ وَسُجُودٍ ؛ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { صَلِّ قَائِمًا ، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَجَالِسًا } .\rرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ .\rوَلِأَنَّهُ مُسْتَطِيعٌ لِلْقِيَامِ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ ، فَلَمْ يَجُزْ تَرْكُهُ لَهُ كَالْقَادِرِ عَلَى السَّتْرِ .\rوَلَنَا مَا رَوَى الْخَلَّالُ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، فِي قَوْمٍ انْكَسَرَتْ بِهِمْ مَرَاكِبُهُمْ ، فَخَرَجُوا عُرَاةً ، قَالَ : يُصَلُّونَ جُلُوسًا ، يُومِئُونَ إيمَاءً بِرُءُوسِهِمْ .\rوَلَمْ يُنْقَلْ خِلَافُهُ ، وَلِأَنَّ السَّتْرَ آكَدُ مِنْ الْقِيَامِ بِدَلِيلِ أَمْرَيْنِ : أَحَدُهُمَا ، أَنَّهُ يَسْقُطُ مَعَ الْقُدْرَةِ بِحَالٍ ، وَالْقِيَامُ يَسْقُطُ فِي النَّافِلَةِ .\rوَالثَّانِي أَنَّ الْقِيَامَ يَخْتَصُّ الصَّلَاةَ ، وَالسَّتْرَ يَجِبُ فِيهَا وَفِي غَيْرِهَا ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ تَرْكِ أَحَدِهِمَا ، فَتَرْكُ أَخَفِّهِمَا أَوْلَى مِنْ تَرْكِ آكَدِهِمَا .\rوَلِأَنَّهُ إذَا اسْتَتَرَ أَتَى بِبَدَلٍ عَنْ الْقِيَامِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ ، وَالسَّتْرُ لَا بَدَلَ لَهُ .\rوَالْحَدِيثُ مَحْمُولٌ عَلَى حَالٍ لَا تَتَضَمَّنُ تَرْكَ السُّتْرَةِ .\rفَإِنْ قِيلَ : فَالسَّتْرُ لَا يَحْصُلُ كُلُّهُ ، وَإِنَّمَا يَحْصُلُ بَعْضُهُ ، فَلَا يَفِي بِتَرْكِ الْقِيَامِ .\rقُلْنَا : إذَا قُلْنَا الْعَوْرَةُ الْفَرْجَانِ .\rفَقَدْ حَصَلَ السَّتْرُ .\rوَإِنْ قُلْنَا : الْعَوْرَةُ مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ فَقَدْ حَصَلَ سَتْرُ آكَدِهَا وُجُوبًا فِي السَّتْرِ ، وَأَفْحَشِهَا فِي النَّظَرِ ، فَكَانَ سَتْرُهُ أَوْلَى .\rوَإِذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَلَيْسَ عَلَى مَنْ صَلَّى فِي هَذِهِ الْحَالِ إعَادَةٌ ؛ لِأَنَّهُ شَرْطٌ مِنْ","part":3,"page":36},{"id":1036,"text":"شَرَائِطِ الصَّلَاةِ عَجَزَ عَنْهُ فَسَقَطَ ، كَمَا لَوْ عَجَزَ عَنْ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ فَصَلَّى إلَى غَيْرِهَا .\rوَإِنْ صَلَّى الْعُرْيَانُ قَائِمًا ، وَرَكَعَ وَسَجَدَ صَحَّتْ صَلَاتُهُ أَيْضًا فِي ظَاهِرِ كَلَامِ أَحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ ، وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ .\rوَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : يَتَخَيَّرُونَ بَيْنَ الصَّلَاةِ قِيَامًا وَقُعُودًا .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ رَحِمَهُ اللَّهُ ، مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ يُصَلُّونَ قِيَامًا وَقُعُودًا ؛ فَإِنَّهُ قَدْ قَالَ فِي الْعُرَاةِ : يَقُومُ إمَامُهُمْ فِي وَسَطِهِمْ .\rوَرَوَى عَنْهُ الْأَثْرَمُ ، إنْ تَوَارَى بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ فَصَلَّوْا قِيَامًا ، فَهَذَا لَا بَأْسَ بِهِ .\rقِيلَ لَهُ : فَيُومِئُونَ أَوْ يَسْجُدُونَ ؟ قَالَ : سُبْحَانَ اللَّهِ ، السُّجُودُ لَا بُدَّ مِنْهُ .\rفَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُومِئُ بِالسُّجُودِ فِي حَالٍ ، وَأَنَّ الْأَفْضَلَ فِي الْخَلْوَةِ الْقِيَامُ ، إلَّا أَنَّ الْخَلَّالَ قَالَ : هَذَا تَوَهُّمٌ مِنْ الْأَثْرَمِ .\rقَالَ : وَمَعْنَى قَوْلِ أَحْمَدَ : يَقُومُ وَسَطَهُمْ .\rأَيْ يَكُونُ وَسَطَهُمْ ، لَمْ يُرِدْ بِهِ حَقِيقَةَ الْقِيَامِ وَعَلَى كُلِّ حَالٍ فَيَنْبَغِي لِمَنْ صَلَّى عُرْيَانًا أَنْ يَضُمَّ بَعْضَهُ إلَى بَعْضٍ ، وَيَسْتُرَ مَا أَمْكَنَ سَتْرُهُ قِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ : يَتَرَبَّعُونَ أَوْ يَتَضَامُّونَ ؟ قَالَ : لَا بَلْ يَتَضَامُّونَ .\rوَإِذَا قُلْنَا : يَسْجُدُونَ بِالْأَرْضِ .\rفَإِنَّهُمْ يَتَضَامُّونَ أَيْضًا .\rوَعَنْ أَحْمَدَ : أَنَّهُ يَتَرَبَّعُ مَوْضِعَ الْقِيَامِ .\rوَالْأَوَّلُ أَوْلَى .","part":3,"page":37},{"id":1037,"text":"( 823 ) فَصْلٌ : وَإِذَا وَجَدَ الْعُرْيَانُ جِلْدًا طَاهِرًا ، أَوْ وَرَقًا يُمْكِنُهُ خَصْفُهُ عَلَيْهِ ، أَوْ حَشِيشًا يُمْكِنُهُ أَنْ يَرْبِطَهُ عَلَيْهِ فَيَسْتُرَ بِهِ ، لَزِمَهُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى سَتْرِ عَوْرَتِهِ بِطَاهِرٍ لَا يَضُرُّهُ فَلَزِمَهُ كَمَا لَوْ قَدَرَ عَلَى سَتْرِهَا بِثَوْبٍ ، وَقَدْ { سَتَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رِجْلَيْ مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ بِالْإِذْخِرِ } لَمَّا لَمْ يَجِدْ سُتْرَةً .\rفَإِنْ وَجَدَ طِينًا يَطْلِي بِهِ جَسَدَهُ فَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ ، أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ يَجِفُّ وَيَتَنَاثَرُ عِنْدَ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ .\rوَلِأَنَّ فِيهِ مَشَقَّةً شَدِيدَةً وَلَمْ تَجْرِ بِهِ الْعَادَةُ ، وَاخْتَارَ ابْنُ عَقِيلٍ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ لِأَنَّهُ يَسْتُرُ جَسَدَهُ وَمَا تَنَاثَرَ سَقَطَ حُكْمُهُ ، وَيَسْتَتِرُ بِمَا بَقِيَ مِنْهُ ، وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ .\rوَالْأَوْلَى أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ فِيهِ مَشَقَّةً ، وَيَلْحَقُهُ بِهِ ضَرَرٌ ، وَلَا يَحْصُلُ لَهُ كَمَالُ السَّتْرِ ، فَإِنْ وَجَدَ مَاءً لَمْ يَلْزَمْهُ النُّزُولُ فِيهِ ، وَإِنْ كَانَ كَدِرًا ، لِأَنَّ لِلْمَاءِ سُكَّانًا ، وَلَا يَتَمَكَّنُ فِيهِ مِنْ السُّجُودِ ، وَكَذَلِكَ لَوْ وَجَدَ حُفْرَةً لَمْ يَلْزَمْهُ النُّزُولُ فِيهَا ؛ لِأَنَّهَا لَا تَلْصَقُ بِجِلْدِهِ ، فَهِيَ كَالْجِدَارِ .\rوَإِنْ وَجَدَ سُتْرَةً تَضُرُّ بِجِسْمِهِ كَبَارِيَّةِ الْقَصَبِ وَنَحْوِهَا ، مِمَّا يَدْخُلُ فِي جِسْمِهِ ، لَمْ يَلْزَمْهُ الِاسْتِتَارُ بِهَا ، لِمَا فِيهِ مِنْ الضَّرَرِ وَالْمَنْعِ مِنْ إكْمَالِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ .","part":3,"page":38},{"id":1038,"text":"( 824 ) فَصْلٌ : وَإِذَا بُذِلَ لَهُ سُتْرَةٌ لَزِمَهُ قَبُولُهَا إذَا كَانَتْ عَارِيَّةً ؛ لِأَنَّهُ قَدَرَ عَلَى سَتْرِ الْعَوْرَةِ بِمَا لَا ضَرَرَ فِيهِ .\rوَإِنْ وُهِبَ لَهُ لَمْ يَلْزَمْهُ قَبُولُهُ ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ فِيهِ مِنَّةً .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يَلْزَمَهُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الْعَارَ فِي بَقَاءِ عَوْرَتِهِ مَكْشُوفَةً أَكْبَرُ مِنْ الضَّرَرِ فِي الْمِنَّةِ الَّتِي تَلْحَقُهُ .\rوَإِنْ وَجَدَ مَنْ يَبِيعُهُ ثَوْبًا بِثَمَنِ مِثْلِهِ ، أَوْ يُؤَجِّرُهُ بِأُجْرَةِ مِثْلِهِ ، أَوْ زِيَادَةٍ يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِمِثْلِهَا ، وَقَدَرَ عَلَى ذَلِكَ الْعِوَضِ ، لَزِمَهُ قَبُولُهُ ، وَإِنْ كَانَتْ كَثِيرَةً لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِمِثْلِهَا ، لَمْ يَلْزَمْهُ ، كَمَا قُلْنَا فِي شِرَاءِ الْمَاءِ لِلْوُضُوءِ .","part":3,"page":39},{"id":1039,"text":"( 825 ) فَصْلٌ : فَإِنْ لَمْ يَجِدْ إلَّا ثَوْبًا نَجِسًا ، قَالَ أَحْمَدُ : يُصَلِّي فِيهِ ، وَلَا يُصَلِّي عُرْيَانًا .\rوَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَالْمُزَنِيِّ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ : يُصَلِّي عُرْيَانًا ، وَلَا يُعِيدُ ؛ لِأَنَّهَا سُتْرَةٌ نَجِسَةٌ ، فَلَمْ تَجُزْ لَهُ الصَّلَاةُ فِيهَا ، كَمَا لَوْ قَدَرَ عَلَى غَيْرِهَا .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إنْ كَانَ جَمِيعُهُ نَجِسًا فَهُوَ مُخَيَّرٌ فِي الْفِعْلَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ تَرْكِ وَاجِبٍ فِي كِلَا الْفِعْلَيْنِ ، وَفِعْلِ وَاجِبٍ ، فَاسْتَوَيَا .\rوَلَنَا أَنَّ السَّتْرَ آكَدُ مِنْ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ ، عَلَى مَا قَرَّرْنَاهُ فِي الصَّلَاةِ جَالِسًا ، فَكَانَ أَوْلَى ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { غَطِّ فَخِذَك } .\rوَهَذَا عَامٌّ ، وَلِأَنَّ السُّتْرَةَ مُتَّفَقٌ عَلَى اشْتِرَاطِهَا ، وَالطَّهَارَةَ مِنْ النَّجَاسَةِ مُخْتَلَفٌ فِيهَا ، فَكَانَ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ أَوْلَى .\rوَمَا ذَكَرَهُ الشَّافِعِيُّ مُعَارَضٌ بِمِثْلِهِ ، وَهُوَ أَنَّهُ قَدَرَ عَلَى سَتْرِ عَوْرَتِهِ ، فَلَزِمَهُ ، كَمَا لَوْ وَجَدَ ثَوْبًا طَاهِرًا إذَا انْفَرَدَ أَنَّهُ يُصَلِّي فِيهِ ، فَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ لَا يُعِيدُ ؛ لِأَنَّ الطَّهَارَةَ مِنْ النَّجَاسَةِ شَرْطٌ قَدْ فَاتَتْ .\rوَقَدْ نَصَّ فِي مَنْ صَلَّى فِي مَوْضِعٍ نَجِسٍ لَا يُمْكِنُهُ الْخُرُوجُ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يُعِيدُ .\rفَكَذَا هَاهُنَا .\rوَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ .\rوَهُوَ الصَّحِيحُ ؛ لِأَنَّهُ شَرْطٌ لِلصَّلَاةِ عَجَزَ عَنْهُ ، فَسَقَطَ كَالسُّتْرَةِ وَالِاسْتِقْبَالِ ، بَلْ أَوْلَى ، فَإِنَّ السُّتْرَةَ آكَدُ ، بِدَلِيلِ تَقْدِيمِهَا عَلَى هَذَا الشَّرْطِ ، ثُمَّ قَدْ صَحَّتْ الصَّلَاةُ وَأَجْزَأَتْ عِنْدَ عَدَمِهَا ، فَهَاهُنَا أَوْلَى .\rفَإِنْ لَمْ يَجِدْ إلَّا ثَوْبَ حَرِيرٍ صَلَّى فِيهِ ، وَلَا يُعِيدُ .\rوَإِنْ لَمْ يَجِدْ إلَّا ثَوْبًا مَغْصُوبًا صَلَّى عُرْيَانًا ، لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ حَقِّ الْآدَمِيِّ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ يَجِدْ مَاءً يَتَوَضَّأُ بِهِ ، إلَّا أَنْ يَغْصِبَهُ ، فَإِنَّهُ يَتَيَمَّمُ .\rكَذَا هَاهُنَا .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":3,"page":40},{"id":1040,"text":"( 826 ) فَصْلٌ : فَإِنْ لَمْ يَجِدْ إلَّا مَا يَسْتُرُ عَوْرَتَهُ أَوْ مَنْكِبَيْهِ ، سَتَرَ عَوْرَتَهُ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إذَا كَانَ الثَّوْبُ وَاسِعًا فَالْتَحِفْ بِهِ ، وَإِنْ كَانَ ضَيِّقًا فَاتَّزِرْ بِهِ } .\rوَهَذَا الثَّوْبُ ضَيِّقٌ .\rوَفِي الْمُسْنَدِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ عَنْ عُمَرَ ، قَالَ : { لَا يَشْتَمِلْ أَحَدُكُمْ اشْتِمَالَ الْيَهُودِ ، لِيَتَوَشَّحْ ، وَمَنْ كَانَ لَهُ ثَوْبَانِ فَلْيَأْتَزِرْ وَلْيَرْتَدِ ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ ثَوْبَانِ فَلْيَتَّزِرْ ثُمَّ لِيُصَلِّ } .\rوَلِأَنَّ السَّتْرَ لِلْعَوْرَةِ وَاجِبٌ مُتَّفَقٌ عَلَى وُجُوبِهِ مُتَأَكِّدٌ ، وَسَتْرَ الْمَنْكِبَيْنِ فِيهِ مِنْ الْخِلَافِ وَالتَّخْفِيفِ مَا فِيهِ ، فَلَا يَجُوزُ تَقْدِيمُهُ .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ ، فِي الرَّجُلِ يَكُونُ عَلَيْهِ الثَّوْبُ اللَّطِيفُ ، لَا يَبْلُغُ أَنْ يَعْقِدَهُ ، يَرَى أَنْ يَتَّزِرَ بِهِ وَيُصَلِّيَ ؟ قَالَ : لَا أَرَى ذَلِكَ مُجْزِئًا عَنْهُ .\rوَإِنْ كَانَ الثَّوْبُ لَطِيفًا صَلَّى قَاعِدًا ، وَعَقَدَ مِنْ وَرَائِهِ .\rوَظَاهِرُ هَذَا ، أَنَّهُ قَدْ سَتَرَ الْمَنْكِبَيْنِ عَلَى الْقِيَامِ ، وَسَتَرَ مَا عَدَا الْفَرْجَيْنِ ، وَلِأَنَّهُ ذَهَبَ إلَى أَنَّ الْحَدِيثَ فِي سَتْرِ الْمَنْكِبَيْنِ أَصَحُّ مِنْهُ فِي سَتْرِ الْفَرْجَيْنِ ، وَأَنَّ الْقِيَامَ لَهُ بَدَلٌ ، وَسَتْرَ الْمَنْكِبَيْنِ لَا بَدَلَ لَهُ .\rوَالصَّحِيحُ مَا ذَكَرْنَاهُ أَوَّلًا ؛ لِمَا قَدَّمْنَا مِنْ تَأَكُّدِ سَتْرِ الْعَوْرَةِ وَالْقِيَامِ ، وَمَا رَوَيْنَا مِنْ الْحَدِيثِ ، وَهُوَ صَرِيحٌ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ، وَفِيهِ قِصَّةٌ رَوَاهَا أَبُو دَاوُد ، عَنْ جَابِرٍ ، قَالَ : { سِرْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَيَّ بُرْدَةٌ ذَهَبْت أُخَالِفُ بَيْنَ طَرَفَيْهَا ، فَلَمْ تَبْلُغْ لِي ، وَكَانَتْ لَهَا ذَبَاذِبُ ، فَنَكَّسْتُهَا ، ثُمَّ خَالَفْتُ بَيْنَ طَرَفَيْهَا ، ثُمَّ تَوَاقَصْتُ عَلَيْهَا حَتَّى لَا تَسْقُطَ ، ثُمَّ جِئْتُ حَتَّى قُمْتُ عَنْ يَسَارِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخَذَ بِيَدِي فَأَدَارَنِي حَتَّى","part":3,"page":41},{"id":1041,"text":"أَقَامَنِي عَنْ يَمِينِهِ ، فَجَاءَ جَبَّارُ بْنُ صَخْرٍ ، حَتَّى قَامَ عَنْ يَسَارِهِ ، فَأَخَذَنَا بِيَدَيْهِ جَمِيعًا ، حَتَّى أَقَامَنَا خَلْفَهُ .\rقَالَ : وَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرْمُقُنِي وَأَنَا لَا أَشْعُرُ ، ثُمَّ فَطِنْتُ بِهِ ، فَأَشَارَ إلَيَّ أَنْ اتَّزِرْ بِهَا ، فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : يَا جَابِرُ .\rقُلْت : لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ .\rقَالَ : إذَا كَانَ وَاسِعًا فَخَالِفْ بَيْنَ طَرَفَيْهِ ، وَإِذَا كَانَ ضَيِّقًا فَاشْدُدْهُ عَلَى حَقْوِكَ } .","part":3,"page":42},{"id":1042,"text":"( 827 ) فَصْلٌ : فَإِنْ لَمْ يَجِدْ إلَّا مَا يَسْتُرُ بَعْضَ الْعَوْرَةِ سَتَرَ الْفَرْجَيْنِ ؛ لِأَنَّهُمَا أَفْحَشُ ، وَسَتْرَهُمَا آكَدُ ، وَهُمَا مِنْ الْعَوْرَةِ بِغَيْرِ خِلَافٍ .\rفَإِنْ كَانَ لَا يَكْفِي إلَّا أَحَدَهُمَا سَتَرَ أَيَّهُمَا شَاءَ .\rوَاخْتُلِفَ فِي أَوْلَاهُمَا بِالسَّتْرِ ، فَقِيلَ : الدُّبُرُ ؛ لِأَنَّهُ أَفْحَشُ ، لَا سِيَّمَا فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ .\rوَقِيلَ : الْقُبُلُ لِأَنَّهُ مُسْتَقْبِلٌ بِهِ الْقِبْلَةَ ، وَلَيْسَ لَهُ مَا يَسْتُرُهُ ، وَالدُّبُرُ مَسْتُورٌ بِالْأَلْيَتَيْنِ .","part":3,"page":43},{"id":1043,"text":"( 828 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : فَإِنْ صَلَّى جَمَاعَةٌ عُرَاةً ، كَانَ الْإِمَامُ مَعَهُمْ فِي الصَّفِّ وَسَطًا ، يُومِئُونَ إيمَاءً .\rوَيَكُونُ سُجُودُهُمْ أَخْفَضَ مِنْ رُكُوعِهِمْ وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْجَمَاعَةَ مَشْرُوعَةٌ لِلْعُرَاةِ .\rوَبِهِ قَالَ قَتَادَةُ .\rوَقَالَ مَالِكٌ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ : يُصَلُّونَ فُرَادَى .\rقَالَ مَالِكٌ : وَيَتَبَاعَدُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ .\rوَإِنْ كَانُوا فِي ظُلْمَةٍ صَلَّوْا جَمَاعَةً ، وَيَتَقَدَّمُهُمْ إمَامُهُمْ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ كَقَوْلِهِمْ .\rوَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ : الْجَمَاعَةُ وَالِانْفِرَادُ سَوَاءٌ ؛ لِأَنَّ فِي الْجَمَاعَةِ الْإِخْلَالَ بِسُنَّةِ الْمَوْقِفِ ، وَفِي الِانْفِرَادِ الْإِخْلَالَ بِفَضِيلَةِ الْجَمَاعَةِ ، فَيَسْتَوِيَانِ ، وَوَافَقَنَا فِي أَنَّ إمَامَهُمْ يَقُومُ وَسَطَهُمْ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الْجَمَاعَةِ لِلنِّسَاءِ الْعُرَاةِ ؛ لِأَنَّ مَوْقِفَ إمَامَتِهِنَّ فِي وَسَطِهِنَّ ، فَمَا حَصَلَ فِي حَقِّهِنَّ إخْلَالٌ بِفَضِيلَةِ الْمَوْقِفِ ، وَوَافَقَنَا فِي الرِّجَالِ إذَا كَانَ مَعَهُمْ مُكْتَسٍ يَصْلُحُ أَنْ يَؤُمَّهُمْ ، وَلَنَا ، أَنَّهُ يُمْكِنُهُمْ الْجَمَاعَةُ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ ، فَلَزِمَهُمْ كَالْمُسْتَتِرِينَ ، وَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { صَلَاةُ الرَّجُلِ فِي الْجَمِيعِ تَفْضُلُ عَلَى صَلَاتِهِ وَحْدَهُ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً } .\rعَامٌّ فِي كُلِّ مُصَلٍّ ، وَلَا تَسْقُطُ الْجَمَاعَةُ لِتَعَذُّرِ سَبَبِهَا فِي الْمَوْقِفِ ، كَمَا لَوْ كَانُوا فِي مَكَان ضَيِّقٍ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَتَقَدَّمَهُمْ إمَامُهُمْ .\rوَإِذَا شُرِعَتْ الْجَمَاعَةُ لِعُرَاةِ النِّسَاءِ ، مَعَ أَنَّ السَّتْرَ فِي حَقِّهِنَّ آكَدُ ، وَالْجَمَاعَةَ فِي حَقِّهِنَّ أَخَفُّ ، فَلِلرِّجَالِ أَوْلَى وَأَحْرَى ، وَغَضُّ الْبَصَرِ يَحْصُلُ بِكَوْنِهِمْ صَفًّا وَاحِدًا ، يَسْتُرُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّهُمْ يُصَلُّونَ صَفًّا وَاحِدًا ، وَيَكُونُ إمَامُهُمْ فِي وَسَطِهِمْ ، لِيَكُونَ أَسْتَرَ لَهُ ، وَأَغَضَّ لِأَبْصَارِهِمْ عَنْهُ .\rوَكَذَلِكَ سُنَّ لِإِمَامَةِ النِّسَاءِ الْقِيَامُ وَسَطَهُنَّ فِي كُلِّ حَالٍ .","part":3,"page":44},{"id":1044,"text":"لِأَنَّهُنَّ عَوْرَاتٌ ، فَإِنْ كَانَ مَعَ الرِّجَالِ نِسَاءٌ عُرَاةٌ تَنَحَّيْنَ عَنْهُمْ ؛ لِئَلَّا يَرَى بَعْضُهُمْ بَعْضًا ، وَيُصَلِّينَ جَمَاعَةً أَيْضًا كَالرِّجَالِ ، إلَّا أَنَّ الْجَمَاعَةَ فِي حَقِّهِنَّ أَدْنَى مِنْهَا فِي حَقِّ الرِّجَالِ ، كَمَا لَوْ كَانُوا غَيْرَ عُرَاةٍ .\rفَإِنْ كَانَ الْجَمِيعُ فِي مَجْلِسٍ ، أَوْ فِي مَكَان ضَيِّقٍ ، صَلَّى الرِّجَالُ ، وَاسْتَدْبَرَهُمْ النِّسَاءُ ، ثُمَّ صَلَّى النِّسَاءُ وَاسْتَدْبَرَهُنَّ الرِّجَالُ ؛ لِئَلَّا يَرَى بَعْضُهُمْ عَوْرَاتِ بَعْضٍ .\rفَإِنْ كَانَ الرِّجَالُ لَا يَسَعُهُمْ صَفٌّ وَاحِدٌ ، وَالنِّسَاءُ وَقَفُوا صُفُوفًا ، وَغَضُّوا أَبْصَارَهُمْ عَمَّنْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ ؛ لِأَنَّهُ مَوْضِعُ ضَرُورَةٍ .","part":3,"page":45},{"id":1045,"text":"( 829 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ رَحِمَهُ اللَّهُ ، رِوَايَةٌ أُخْرَى ، أَنَّهُمْ يَسْجُدُونَ بِالْأَرْضِ اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ ، فِي الْعُرَاةِ إذَا صَلَّوْا قُعُودًا ؛ فَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُمْ يُومِئُونَ بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ ؛ لِأَنَّ الْقِيَامَ سَقَطَ عَنْهُمْ لِحِفْظِ عَوْرَاتِهِمْ ، فَيَسْقُطُ السُّجُودُ ؛ لِأَنَّ ظُهُورَهَا بِالسُّجُودِ أَكْثَرُ وَأَفْحَشُ ، فَوَجَبَ أَنْ يَسْقُطَ .\rوَرُوِيَ أَنَّهُمْ يَسْجُدُونَ بِالْأَرْضِ ؛ لِأَنَّ السُّجُودَ آكَدُ مِنْ الْقِيَامِ ؛ لِكَوْنِهِ مَقْصُودًا فِي نَفْسِهِ ، وَلَا يَسْقُطُ فِيمَا يَسْقُطُ فِيهِ الْقِيَامُ ، وَهُوَ صَلَاةُ النَّافِلَةِ ، فَلِهَذَا لَمْ يَسْقُطْ وَقَدْ اُخْتُلِفَ عَنْ أَحْمَدَ ، فِي الْقِيَامِ أَيْضًا ؛ فَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّ الْعُرَاةَ يُصَلُّونَ قِيَامًا ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي الْعُرَاةِ : يَقُومُ إمَامُهُمْ فِي وَسَطِهِمْ .\rوَرَوَى عَنْهُ الْأَثْرَمُ أَنَّهُ قَالَ : إنْ تَوَارَى بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ ؛ فَصَلَّوْا قِيَامًا ، فَهَذَا لَا بَأْسَ بِهِ .\rقِيلَ : فَيُومِئُونَ أَمْ يَسْجُدُونَ ؟ قَالَ : سُبْحَانَ اللَّهِ ، السُّجُودُ لَا بُدَّ مِنْهُ .\rفَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ السُّجُودَ لَا يَسْقُطْ ، وَأَنَّ الْأَفْضَلَ الْقِيَامُ فِي الْخَلْوَةِ ، إلَّا أَنَّ الْخَلَّالَ قَالَ : هَذَا تَوَهُّمٌ مِنْ الْأَثْرَمِ ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ : يَقُومُ فِي وَسَطِهِمْ .\rكَقَوْلِهِ تَعَالَى : ( إلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ) .\rلَمْ يُرِدْ بِهِ الْقِيَامَ عَلَى رِجْلٍ .","part":3,"page":46},{"id":1046,"text":"( 830 ) فَصْلٌ : فَإِنْ كَانَ مَعَ الْعُرَاةِ وَاحِدٌ لَهُ ثَوْبٌ ، لَزِمَتْهُ الصَّلَاةُ فِيهِ ، لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى السُّتْرَةِ .\rفَإِنْ أَعَارَهُ وَصَلَّى عُرْيَانًا ، لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ ؛ لِتَرْكِهِ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ .\rوَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُعِيرَهُ بَعْدَ صَلَاتِهِ فِيهِ لِغَيْرِهِ ، لِيُصَلِّيَ فِيهِ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى } .\rوَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ ذَلِكَ ، بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَ مَعَهُ طَعَامٌ فَاضِلٌ عَنْ حَاجَتِهِ ، وَوُجِدَ مَنْ بِهِ ضَرُورَةٌ ، لَزِمَ إعْطَاؤُهُ إيَّاهُ ؛ لِأَنَّهَا حَالُ ضَرُورَةٍ ، فَإِذَا بَذَلَهُ لَهُمْ صَلَّى فِيهِ وَاحِدٌ بَعْدَ وَاحِدٍ ، وَلَمْ تَجُزْ لَهُمْ الصَّلَاةُ عُرَاةً ؛ لِأَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَى السَّتْرِ ، إلَّا أَنْ يَخَافُوا ضِيقَ الْوَقْتِ ، فَيُصَلِّيَ فِيهِ وَاحِدٌ وَالْبَاقُونَ عُرَاةٌ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يُصَلِّي أَحَدٌ عُرْيَانًا .\rوَيَنْتَظِرُ الثَّوْبَ وَإِنْ خَرَجَ الْوَقْتُ .\rوَلَا يَصِحُّ ، فَإِنَّ الْوَقْتَ آكَدُ مِنْ الْقِيَامِ ، بِدَلِيلِ مَا لَوْ كَانُوا فِي سَفِينَةٍ فِي مَوْضِعٍ ضَيِّقٍ ، لَا يُمْكِنُ جَمِيعَهُمْ الصَّلَاةُ فِيهِ قِيَامًا صَلَّى وَاحِدٌ بَعْدَ وَاحِدٍ ، إلَّا أَنْ يَخَافُوا فَوَاتَ الْوَقْتِ فَيُصَلُّونَ قُعُودًا ، نَصَّ الشَّافِعِيُّ عَلَى هَذَا .\rوَالْقِيَامُ آكَدُ مِنْ السُّتْرَةِ عِنْدَهُ .\rوَعَلَى رِوَايَةٍ لَنَا ، وَالْوَجْهُ الْآخَرُ أَقْيَسُ عِنْدِي ، فَإِنَّ الْمُحَافَظَةَ عَلَى الشَّرْطِ مَعَ إمْكَانِهِ أَوْلَى مَعَ إدْرَاكِ الْوَقْتِ ، بِدَلِيلِ مَا لَوْ جَدَّ مَا لَا يُمْكِنُهُ اسْتِعْمَالُهُ إلَّا بَعْدَ فَوَاتِ الْوَقْتِ ، أَوْ سُتْرَةٌ يَخَافُ فَوَاتَ الْوَقْتِ إنْ تَشَاغَلَ بِالْمَخْشِيِّ إلَيْهَا ، وَالِاسْتِتَارِ بِهَا .\rفَأَوْلَى أَنْ يَكُونَ الْوَقْتُ مُقَدَّمًا عَلَى السَّتْرِ .\rفَإِنْ امْتَنَعَ صَاحِبُ الثَّوْبِ مِنْ إعَارَتِهِمْ ، أَوْ ضَاقَ الْوَقْتُ عَنْ أَكْثَرَ مِنْ صَلَاةٍ .\rفَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَؤُمَّهُمْ صَاحِبُ الثَّوْبِ ، وَيَقِفَ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ ، فَإِنْ كَانَ أُمِّيًّا وَهُمْ قُرَّاءٌ ، صَلَّى الْبَاقُونَ جَمَاعَةً عَلَى مَا أَسْلَفْنَا .\rقَالَ الْقَاضِي : يُصَلِّي هُوَ","part":3,"page":47},{"id":1047,"text":"مُنْفَرِدًا ، وَإِذَا أَرَادَ صَاحِبُ الثَّوْبِ إعَارَةَ ثَوْبِهِ ، وَمَعَهُمْ نِسَاءٌ ، اُسْتُحِبَّ أَنْ يَبْدَأَ بِهِنَّ ؛ لِأَنَّهُنَّ آكَدُ فِي السَّتْرِ .\rوَإِذَا صَلَّيْنَ فِيهِ أَخَذَهُ .\rفَإِذَا تَضَايَقَ الْوَقْتُ ، وَفِيهِمْ قَارِئٌ ، فَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَبْدَأَ بِهِ ؛ لِيَكُونَ إمَامَهُمْ .\rوَإِنْ أَعَادَهُ لِغَيْرِ الْقَارِئِ صَارَ حُكْمُهُ كَحُكْمِ صَاحِبِ الثَّوْبِ .\rفَإِنْ اسْتَوَوْا ، وَلَمْ يَكُنْ الثَّوْبُ لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ ، أُقْرِعَ بَيْنَهُمْ ، فَمَنْ خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ فَهُوَ أَحَقُّ .\rوَإِنْ لَمْ يَسْتَوُوا فَالْأَوْلَى بِهِ مَنْ تُسْتَحَبُّ الْبِدَايَةُ بِإِعَارَتِهِ ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا .","part":3,"page":48},{"id":1048,"text":"( 831 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : وَمَنْ كَانَ فِي مَاءٍ وَطِينٍ أَوْمَأَ إيمَاءً وَجُمْلَةُ ذَلِكَ ، أَنَّهُ إذَا كَانَ فِي الطِّينِ وَالْمَطَرِ وَلَمْ يُمْكِنْهُ السُّجُودُ عَلَى الْأَرْضِ إلَّا بِالتَّلَوُّثِ بِالطِّينِ وَالْبَلَلِ بِالْمَاءِ ، فَلَهُ الصَّلَاةُ عَلَى دَابَّتِهِ ، يُومِئُ بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ ، وَإِنْ كَانَ رَاجِلًا أَوْمَأَ بِالسُّجُودِ أَيْضًا ، وَلَمْ يَلْزَمْهُ السُّجُودُ عَلَى الْأَرْضِ .\rقَالَ التِّرْمِذِيُّ .\rرُوِيَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ صَلَّى عَلَى دَابَّتِهِ فِي مَاءٍ وَطِينٍ .\rوَفَعَلَهُ جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ ، وَأَمَرَ بِهِ طَاوُسٌ ، وَعُمَارَةُ بْنُ غَزِيَّةَ قَالَ التِّرْمِذِيُّ : وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَبِهِ يَقُولُ إِسْحَاقُ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ : لَا يَجُوزُ أَنْ يُصَلِّيَ الْفَرْدُ عَلَى الرَّاحِلَةِ لِأَجْلِ الْمَطَرِ ؛ لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ ، وَلِأَنَّ السُّجُودَ وَالْقِيَامَ مِنْ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ فَلَمْ يَسْقُطْ بِالْمَطَرِ ، كَبَقِيَّةِ أَرْكَانِهَا .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى يَعْلَى بْنُ أُمَيَّةَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَنَّهُ انْتَهَى إلَى مَضِيقٍ ، وَمَعَهُ أَصْحَابُهُ ، وَالسَّمَاءُ مِنْ فَوْقِهِمْ ، وَالْبِلَّةُ مِنْ أَسْفَلَ مِنْهُمْ ، فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى رَاحِلَتِهِ ، وَأَصْحَابُهُ عَلَى ظُهُورِ دَوَابِّهِمْ ، يُومِئُونَ إيمَاءً ، يَجْعَلُونَ السُّجُودَ أَخْفَضَ مِنْ الرُّكُوعِ .\r} رَوَاهُ الْأَثْرَمُ ، وَالتِّرْمِذِيُّ .\rوَقَالَ : تَفَرَّدَ بِهِ عُمَرُ بْنُ الرَّمَّاحِ الْبَلْخِيّ ، وَقَدْ رَوَى عَنْهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ، قَالَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى : سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ الدَّامَغَانِيَّ ، فَقَالَ : مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى الرَّاحِلَةِ فِي الْمَطَرِ وَالْمَرَضِ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ : لَا يَجُوزُ أَنْ يُصَلِّيَ الْفَرْضَ عَلَى الرَّاحِلَةِ لِأَجْلِ الْمَطَرِ وَالْمَرَضِ .\rوَعَنْ مَالِكٍ كَالْمَذْهَبَيْنِ .\rوَاحْتَجَّ مَنْ مَنَعَ ذَلِكَ بِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ : { فَأَبْصَرَتْ عَيْنَايَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى","part":3,"page":49},{"id":1049,"text":"اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انْصَرَفَ وَعَلَى جَبْهَتِهِ وَأَنْفِهِ أَثَرُ الْمَاءِ وَالطِّينِ .\r} وَهَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَيْنَاهُ مِنْ الْحَدِيثِ .\rوَفِعْلُ أَنَسٍ قَالَ أَحْمَدُ ، رَحِمَهُ اللَّهُ : قَدْ صَلَّى أَنَسٌ وَهُوَ مُتَوَجِّهٌ إلَى سَرَابِيطَ .\rفِي يَوْمِ مَطَرٍ الْمَكْتُوبَةَ عَلَى الدَّابَّةِ رَوَاهُ الْأَثْرَمُ بِإِسْنَادِهِ ، وَذَكَرَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ، وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ غَيْرِهِ خِلَافُهُ ، فَيَكُونَ إجْمَاعًا ، وَلِأَنَّ الْمَطَرَ عُذْرٌ يُبِيحُ الْجَمْعَ ، فَأَثَّرَ فِي أَفْعَالِ الصَّلَاةِ كَالسَّفَرِ يُؤَثِّرُ فِي الْقَصْرِ .\rوَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ فَيَحْتَمِلُ أَنَّ الطِّينَ كَانَ يَسِيرًا لَا يُؤَثِّرُ فِي تَلْوِيثِ الثِّيَابِ .","part":3,"page":50},{"id":1050,"text":"( 832 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا الصَّلَاةُ عَلَى الرَّاحِلَةِ لِأَجْلِ الْمَرَضِ ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ : إحْدَاهُمَا ، يَجُوزُ .\rاخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ ؛ لِأَنَّ الْمَشَقَّةَ بِالنُّزُولِ فِي الْمَرَضِ أَشَدُّ مِنْهَا بِالنُّزُولِ فِي الْمَطَرِ ، فَإِذَا أَثَّرَ الْمَطَرُ فِي إبَاحَةِ الصَّلَاةِ عَلَى الرَّاحِلَةِ فَالْمَرَضُ أَوْلَى .\rوَالثَّانِيَةُ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ .\rوَاحْتَجَّ لَهَا أَحْمَدُ بِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يُنْزِلُ مَرْضَاهُ ، وَلِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى الصَّلَاةِ أَوْ عَلَى السُّجُودِ ، فَلَمْ يَجُزْ تَرْكُهُ كَغَيْرِ الْمَرَضِ ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَطَرِ ، أَنَّ النُّزُولَ فِي الْمَطَرِ يُبَلِّلُ ثِيَابَهُ وَيُلَوِّثُهَا ، وَلَا يَتَمَكَّنُ مِنْ الصَّلَاةِ بِالْمَشَقَّةِ ، وَنُزُولَ الْمَرِيضِ يُؤَثِّرُ فِي حُصُولِهِ عَلَى الْأَرْضِ ، وَهُوَ أَسْكَنُ لَهُ وَأَمْكَنُ مِنْ كَوْنِهِ عَلَى الظَّهْرِ ، وَقَدْ اخْتَلَفَتْ جِهَةُ الْمَشَقَّةِ ، فَالْمَشَقَّةُ عَلَى الْمَرِيضِ فِي نَفْسِ جِهَةِ النُّزُولِ ، لَا فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْأَرْضِ ، وَالْمَشَقَّةُ عَلَى الْمَمْطُورِ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْأَرْضِ ، لَا فِي النُّزُولِ .\rوَمَعَ هَذَا الِاخْتِلَافِ لَا يَصِحُّ الْإِلْحَاقُ ، فَإِنْ خَافَ الْمَرِيضُ مِنْ النُّزُولِ ضَرَرًا غَيْرَ مُحْتَمَلٍ ، كَالِانْقِطَاعِ عَنْ الرُّفْقَةِ ، أَوْ الْعَجْزِ عَنْ الرُّكُوبِ ، أَوْ زِيَادَةِ الْمَرَضِ ، وَنَحْوِ هَذَا ، صَلَّى عَلَى الرَّاحِلَةِ كَمَا ذَكَرْنَا فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ","part":3,"page":51},{"id":1051,"text":"( 833 ) فَصْلٌ : وَمَتَى صَلَّى عَلَى الرَّاحِلَةِ لِمَرَضٍ أَوْ مَطَرٍ ، فَلَيْسَ لَهُ تَرْكُ الِاسْتِقْبَالِ .\rوَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ ، حَيْثُ قَالَ : وَلَا يُصَلِّي فِي غَيْرِ هَاتَيْنِ الْحَالَتَيْنِ فَرْضًا وَلَا نَافِلَةً ، إلَّا مُتَوَجِّهًا إلَى الْكَعْبَةِ ، وَلِأَنَّ قَوْله تَعَالَى : { وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ } [ سُورَةُ الْبَقَرَةِ ] عَامٌّ ، خَرَجَ مِنْهُ حَالُ الْخَوْفِ فِي صَلَاةِ الْفَرْضِ ، مُحَافَظَةً عَلَى بَقَاءِ النَّفْسِ ، فَفِيمَا عَدَاهُ يَبْقَى الِاسْتِقْبَالُ لِعُمُومِ الْآيَةِ .","part":3,"page":52},{"id":1052,"text":"( 834 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : وَإِذَا انْكَشَفَ مِنْ الْمَرْأَةِ الْحُرَّةِ شَيْءٌ سِوَى وَجْهِهَا ، أَعَادَتْ الصَّلَاةَ لَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ فِي أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ كَشْفُ وَجْهِهَا فِي الصَّلَاةِ ، وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rوَأَنَّهُ لَيْسَ لَهَا كَشْفُ مَا عَدَا وَجْهَهَا وَكَفَّيْهَا ، وَفِي الْكَفَّيْنِ رِوَايَتَانِ .\rوَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ ؛ فَأَجْمَعَ أَكْثَرُهُمْ عَلَى أَنَّ لَهَا أَنْ تُصَلِّيَ مَكْشُوفَةَ الْوَجْهِ ، وَأَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ لِلْمَرْأَةِ الْحُرَّةِ أَنْ تُخَمِّرَ رَأْسَهَا إذَا صَلَّتْ ، وَعَلَى أَنَّهَا إذَا صَلَّتْ وَجَمِيعُ رَأْسِهَا مَكْشُوفٌ أَنَّ عَلَيْهَا الْإِعَادَةَ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : الْقَدَمَانِ لَيْسَا مِنْ الْعَوْرَةِ ؛ لِأَنَّهُمَا يَظْهَرَانِ غَالِبًا ، فَهُمَا كَالْوَجْهِ ، وَإِنْ انْكَشَفَ مِنْ الْمَرْأَةِ أَقَلُّ مِنْ رُبُعِ شَعَرِهَا أَوْ رُبُعِ فَخِذِهَا أَوْ رُبُعِ بَطْنِهَا لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهَا .\rوَقَالَ مَالِكٌ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ : جَمِيعُ الْمَرْأَةِ عَوْرَةٌ إلَّا وَجْهَهَا وَكَفَّيْهَا ، وَمَا سِوَى ذَلِكَ يَجِبُ سَتْرُهُ فِي الصَّلَاةِ ؛ لِأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ فِي قَوْله تَعَالَى : { وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا } قَالَ : الْوَجْهَ وَالْكَفَّيْنِ .\rوَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { نَهَى الْمُحْرِمَةَ عَنْ لُبْسِ الْقُفَّازَيْنِ وَالنِّقَابِ .\r} وَلَوْ كَانَ الْوَجْهُ وَالْكَفَّانِ عَوْرَةً لَمَا حَرُمَ سَتْرُهُمَا ، وَلِأَنَّ الْحَاجَةَ تَدْعُو إلَى كَشْفِ الْوَجْهِ لِلْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ ، وَالْكَفَّيْنِ لِلْأَخْذِ وَالْإِعْطَاءِ .\rوَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا : الْمَرْأَةُ كُلُّهَا عَوْرَةٌ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ رُوِيَ فِي حَدِيثٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الْمَرْأَةُ عَوْرَةٌ } .\rرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَقَالَ : حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ .\rوَلَكِنْ رُخِّصَ لَهَا فِي كَشْفِ وَجْهِهَا وَكَفَّيْهَا ؛ لِمَا فِي تَغْطِيَتِهِ مِنْ الْمَشَقَّةِ ، وَأُبِيحَ النَّظَرُ إلَيْهِ لِأَجْلِ الْخِطْبَةِ ؛ لِأَنَّهُ مَجْمَعُ الْمَحَاسِنِ .\rوَهَذَا قَوْلُ","part":3,"page":53},{"id":1053,"text":"أَبِي بَكْرٍ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ قَالَ : الْمَرْأَةُ كُلُّهَا عَوْرَةٌ حَتَّى ظُفُرُهَا .\rوَالدَّلِيلُ عَلَى وُجُوبِ تَغْطِيَةِ الْقَدَمَيْنِ مَا رَوَتْ { أُمُّ سَلَمَةَ ، قَالَتْ : قُلْت : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَتُصَلِّي الْمَرْأَةُ فِي دِرْعٍ وَخِمَارٍ وَلَيْسَ عَلَيْهَا إزَارٌ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، إذَا كَانَ سَابِغًا يُغَطِّي ظُهُورَ قَدَمَيْهَا } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَقَالَ : وَقَفَهُ جَمَاعَةٌ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ ، وَوَقَفَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ .\rوَرَوَى ابْنُ عُمَرَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إلَى مَنْ جَرَّ ذَيْلَهُ خُيَلَاءَ .\rفَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ : كَيْفَ يَصْنَعُ النِّسَاءُ بِذُيُولِهِنَّ ؟ قَالَ : يُرْخِينَ شِبْرًا .\rفَقَالَتْ : إذَنْ تَنْكَشِفُ أَقْدَامُهُنَّ .\rقَالَ : فَيُرْخِينَهُ ذِرَاعًا ، لَا يَزِدْنَ عَلَيْهِ } .\rرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَقَالَ : حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ .\rوَهَذَا يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ تَغْطِيَةِ الْقَدَمَيْنِ ، وَلِأَنَّهُ مَحَلٌّ لَا يَجِبُ كَشْفُهُ فِي الْإِحْرَامِ ؛ فَلَمْ يَجِبْ كَشْفُهُ فِي الصَّلَاةِ ، كَالسَّاقَيْنِ .\rوَمَا ذَكَرُوهُ مِنْ تَقْدِيرِ الْبُطْلَانِ بِزِيَادَةٍ عَلَى رُبُعِ الْعُضْوِ فَتَحَكُّمٌ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ ، وَالتَّقْدِيرُ لَا يُصَارُ إلَيْهِ بِمُجَرَّدِ الرَّأْيِ ، وَقَدْ ثَبَتَ وُجُوبُ تَغْطِيَةِ الرَّأْسِ بِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ حَائِضٍ إلَّا بِخِمَارٍ } أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَقَالَ : حَدِيثٌ حَسَنٌ .\rوَبِالْإِجْمَاعِ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ .\rفَأَمَّا الْكَفَّانِ فَقَدْ ذَكَرْنَا فِيهِمَا رِوَايَتَيْنِ : إحْدَاهُمَا : لَا يَجِبُ سَتْرُهُمَا ؛ لِمَا ذَكَرْنَا .\rوَالثَّانِيَةُ : يَجِبُ ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الْمَرْأَةُ عَوْرَةٌ } .\rوَهَذَا عَامٌّ إلَّا مَا خَصَّهُ الدَّلِيلُ .\rوَقَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ : الْوَجْهُ وَالْكَفَّانِ .\rقَدْ رَوَى أَبُو حَفْصٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ خِلَافَهُ ، قَالَ : { وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا } .\rقَالَ : الثِّيَابُ .","part":3,"page":54},{"id":1054,"text":"وَلَا يَجِبُ كَشْفُ الْكَفَّيْنِ فِي الْإِحْرَامِ ، إنَّمَا يَحْرُمُ أَنْ تَلْبَسَ فِيهِمَا شَيْئًا مَصْنُوعًا عَلَى قَدْرِهِمَا كَمَا يَحْرُمُ عَلَى الرَّجُلِ لُبْسُ السَّرَاوِيلِ ، وَاَلَّذِي يَسْتُرُ بِهِ عَوْرَتَهُ .","part":3,"page":55},{"id":1055,"text":"( 835 ) فَصْلٌ : وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ تُصَلِّي الْمَرْأَةُ فِي دِرْعٍ - وَهُوَ الْقَمِيصُ ، لَكِنَّهُ سَابِغٌ يُغَطِّي قَدَمَيْهَا - ، وَخِمَارٍ - يُغَطِّي رَأْسَهَا وَعُنُقَهَا - ، وَجِلْبَابٍ - وَهُوَ الْمِلْحَفَةُ ، تَلْتَحِفُ بِهِ مِنْ فَوْقِ الدِّرْعِ - ؛ رُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ ، وَابْنِهِ ، وَعَائِشَةَ ، وَعَبِيدَةَ السَّلْمَانِيِّ ، وَعَطَاءٍ ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ .\rقَالَ أَحْمَدُ : قَدْ اتَّفَقَ عَامَّتُهُمْ عَلَى الدِّرْعِ وَالْخِمَارِ ، وَمَا زَادَ فَهُوَ خَيْرٌ وَأَسْتَرُ ، وَلِأَنَّهُ إذَا كَانَ عَلَيْهَا جِلْبَابٌ ، فَإِنَّهَا تُجَافِيهِ رَاكِعَةً وَسَاجِدَةً ؛ لِئَلَّا تَصِفَهَا ثِيَابُهَا ، فَتَبِينَ عَجِيزَتُهَا ، وَمَوَاضِعُ عَوْرَاتِهَا الْمُغَلَّظَةِ .","part":3,"page":56},{"id":1056,"text":"( 836 ) فَصْلٌ : وَيُجْزِئُهَا مِنْ اللِّبَاسِ السِّتْرُ الْوَاجِبُ عَلَى مَا بَيَّنَّا بِحَدِيثِ { أُمِّ سَلَمَةَ ، أَنَّهَا سَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَتُصَلِّي الْمَرْأَةُ فِي دِرْعٍ وَخِمَارٍ ، لَيْسَ عَلَيْهَا إزَارٌ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، إذَا كَانَ الدِّرْعُ سَابِغًا يُغَطِّي ظُهُورَ قَدَمَيْهَا } .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَيْمُونَةَ ، وَأُمِّ سَلَمَةَ ، أَنَّهُمَا كَانَتَا تُصَلِّيَانِ فِي دِرْعٍ وَخِمَارٍ ، لَيْسَ عَلَيْهِمَا إزَارٌ .\rرَوَاهُ مَالِكٌ ، فِي الْمُوَطَّأِ .\rوَقَالَ أَحْمَدُ : قَدْ اتَّفَقَ عَامَّتُهُمْ عَلَى الدِّرْعِ وَالْخِمَارِ .\rوَلِأَنَّهَا سَتَرَتْ مَا يَجِبُ عَلَيْهَا سَتْرُهُ ، فَأَجْزَأَتْهَا صَلَاتُهَا كَالرَّجُلِ .","part":3,"page":57},{"id":1057,"text":"( 837 ) فَصْلٌ : فَإِنْ انْكَشَفَ مِنْ الْمَرْأَةِ شَيْءٌ يَسِيرٌ مِنْ غَيْرِ الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ فَلَا أَعْلَمُ فِيهَا قَوْلًا صَحِيحًا صَرِيحًا .\rوَظَاهِرُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ \" إذَا انْكَشَفَ مِنْ الْمَرْأَةِ الْحُرَّةِ شَيْءٌ سِوَى وَجْهِهَا وَكَفَّيْهَا أَعَادَتْ \" يَقْتَضِي بُطْلَانَ الصَّلَاةِ بِانْكِشَافِ الْيَسِيرِ ؛ لِأَنَّهُ شَيْءٌ ، يُمْكِنُ حَمْلُ ذَلِكَ عَلَى الْكَثِيرِ ، لِمَا قَرَّرْنَا فِي عَوْرَةِ الرَّجُلِ أَنَّهُ يُعْفَى فِيهَا عَنْ الْيَسِيرِ .\rفَكَذَا هَاهُنَا .\rوَلِأَنَّهُ يَشُقُّ التَّحَرُّزُ مِنْ الْيَسِيرِ ، فَعُفِيَ عَنْهُ قِيَاسًا عَلَى يَسِيرِ عَوْرَةِ الرَّجُلِ .","part":3,"page":58},{"id":1058,"text":"( 838 ) فَصْلٌ : وَيُكْرَهُ أَنْ تَنْتَقِبَ الْمَرْأَةُ وَهِيَ تُصَلِّي لِأَنَّهُ يُخِلُّ بِمُبَاشَرَةِ الْمُصَلَّى بِجَبْهَتِهَا وَأَنْفِهَا ، وَيَجْرِي مَجْرَى تَغْطِيَةِ الْفَمِ لِلرَّجُلِ ، وَقَدْ نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْهُ .\rقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ عَلَى الْمَرْأَةِ أَنْ تَكْشِفَ وَجْهَهَا فِي الصَّلَاةِ وَالْإِحْرَامِ .","part":3,"page":59},{"id":1059,"text":"( 839 ) فَصْلٌ : قَالَ : وَصَلَاةُ الْأَمَةِ مَكْشُوفَةَ الرَّأْسِ جَائِزَةٌ هَذَا قَوْلُ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rلَا نَعْلَمُ أَحَدًا خَالَفَ فِي هَذَا إلَّا الْحَسَنَ ، فَإِنَّهُ مِنْ بَيْنِ أَهْلِ الْعِلْمِ أَوْجَبَ عَلَيْهَا الْخِمَارَ إذَا تَزَوَّجَتْ ، أَوْ اتَّخَذَهَا الرَّجُلُ لِنَفْسِهِ ، وَاسْتَحَبَّ لَهَا عَطَاءٌ أَنْ تُقَنِّعَ إذَا صَلَّتْ ، وَلَمْ يُوجِبْهُ .\rوَلَنَا ، أَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ضَرَبَ أَمَةً لِآلِ أَنَسٍ رَآهَا مُتَقَنِّعَةً ، وَقَالَ : اكْشِفِي رَأْسَكِ ، وَلَا تَشَبَّهِي بِالْحَرَائِرِ .\rوَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذَا كَانَ مَشْهُورًا بَيْنَ الصَّحَابَةِ لَا يُنْكَرُ ، حَتَّى أَنْكَرَ عُمَرُ مُخَالَفَتَهُ كَانَ يَنْهَى الْإِمَاءَ عَنْ التَّقَنُّعِ .\rقَالَ أَبُو قِلَابَةَ : إنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَ لَا يَدَعُ أَمَةً تُقَنِّعُ فِي خِلَافَتِهِ ، وَقَالَ : إنَّمَا الْقِنَاعُ لِلْحَرَائِرِ .","part":3,"page":60},{"id":1060,"text":"( 840 ) فَصْلٌ : لَمْ يَذْكُرْ الْخِرَقِيِّ ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، عَنْهُ سِوَى كَشْفِ الرَّأْسِ ، وَهُوَ الْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ ، فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ ، فَقَالَ : وَإِنْ صَلَّتْ الْأَمَةُ مَكْشُوفَةَ الرَّأْسِ فَلَا بَأْسَ ، وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيمَا عَدَا ذَلِكَ ، فَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ عَوْرَتُهَا كَعَوْرَةِ الرَّجُلِ ، وَقَدْ لَوَّحَ إلَيْهِ ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، وَقَالَ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ : إنْ انْكَشَفَ مِنْهَا فِي الصَّلَاةِ مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ فَالصَّلَاةُ بَاطِلَةٌ ، وَإِنْ انْكَشَفَ مَا عَدَا ذَلِكَ فَالصَّلَاةُ صَحِيحَةٌ ، وَقَالَ فِي الْجَامِعِ : عَوْرَةُ الْأَمَةِ مَا عَدَا الرَّأْسَ وَالْيَدَيْنِ إلَى الْمِرْفَقَيْنِ ، وَالرِّجْلَيْنِ إلَى الرُّكْبَتَيْنِ .\rوَاحْتَجَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِ أَحْمَدَ : لَا بَأْسَ أَنْ يُقَلِّبَ الرَّجُلُ الْجَارِيَةَ إذَا أَرَادَ الشِّرَاءَ مِنْ فَوْقِ الثَّوْبِ ، وَيَكْشِفَ الذِّرَاعَيْنِ وَالسَّاقَيْنِ .\rوَلِأَنَّ هَذَا يَظْهَرُ عَادَةً عِنْدَ الْخِدْمَةِ ، وَالتَّقْلِيبِ لِلشِّرَاءِ ، فَلَمْ يَكُنْ عَوْرَةً كَالرَّأْسِ ، وَمَا سِوَاهُ لَا يَظْهَرُ عَادَةً وَلَا تَدْعُو الْحَاجَةُ إلَى كَشْفِهِ ، وَهَذَا قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ، وَالْأَظْهَرُ عَنْهُمْ مِثْلُ قَوْلِ ابْنِ حَامِدٍ لِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي مُوسَى ، أَنَّهُ قَالَ عَلَى الْمِنْبَرِ : أَلَا لَا أَعْرِفُ أَحَدًا أَرَادَ أَنْ يَشْتَرِيَ جَارِيَةً ، فَيَنْظُرَ إلَى مَا فَوْقَ الرُّكْبَةِ أَوْ دُونَ السُّرَّةِ ، لَا يَفْعَلُ ذَلِكَ أَحَدٌ إلَّا عَاقَبْتُهُ .\rوَقَدْ ذَكَرْنَا حَدِيثَ الدَّارَقُطْنِيّ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { إذَا زَوَّجَ أَحَدُكُمْ عَبْدَهُ أَمَتَهُ أَوْ أَجِيرَهُ فَلَا يَنْظُرْ إلَى شَيْءٍ مِنْ عَوْرَتِهِ ؛ } فَإِنَّ مَا تَحْتَ السُّرَّةِ إلَى رُكْبَتِهِ مِنْ الْعَوْرَةِ .\rيُرِيدُ الْأَمَةَ .\rفَإِنَّ الْأَجِيرَ وَالْعَبْدَ لَا يُنْظَرُ إلَى ذَلِكَ مِنْهُ مُزَوَّجًا وَغَيْرَ مُزَوَّجٍ .\rوَلِأَنَّ مَنْ لَمْ يَكُنْ رَأْسُهُ عَوْرَةً لَمْ يَكُنْ صَدْرُهُ عَوْرَةً ، كَالرَّجُلِ .","part":3,"page":61},{"id":1061,"text":"( 841 ) فَصْلٌ : وَالْمُكَاتَبَةُ وَالْمُدَبَّرَةُ وَالْمُعَلَّقُ عِتْقُهَا بِصِفَةٍ كَالْأَمَةِ الْقِنِّ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ ؛ لِأَنَّهُنَّ إمَاءٌ يَجُوزُ بَيْعُهُنَّ وَعِتْقُهُنَّ .\rفَأَمَّا الْمُعْتَقُ بَعْضُهَا ، فَيَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا أَنَّهَا كَالْحُرَّةِ ؛ احْتِيَاطًا لِلْعِبَادَةِ .\rوَالثَّانِي كَالْأَمَةِ ، لِعَدَمِ الْحُرِّيَّةِ الْكَامِلَةِ ؛ وَلِذَلِكَ ضُمِنَتْ بِالْقِيمَةِ .","part":3,"page":62},{"id":1062,"text":"( 842 ) فَصْلٌ : وَالْخُنْثَى الْمُشْكِلُ كَالرَّجُلِ ؛ لِأَنَّ سَتْرَ مَا زَادَ عَلَى عَوْرَةِ الرَّجُلِ مُحْتَمَلٌ ، فَلَا تُوجِبُ عَلَيْهِ حُكْمًا أَمْرٌ مُحْتَمَلٌ مُتَرَدِّدٌ ، وَعَلَى قَوْلِنَا : الْعَوْرَةُ الْفَرْجَانِ اللَّذَانِ فِي قُبُلِهِ ؛ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا فَرْجٌ حَقِيقِيٌّ ، وَلَيْسَ يُمْكِنُهُ تَغْطِيَتُهُ يَقِينًا إلَّا بِتَغْطِيَتِهِمَا ، فَوَجَبَ عَلَيْهِ ذَلِكَ ، كَمَا يَجِبُ سَتْرُ مَا قَرُبَ مِنْ الْفَرْجَيْنِ ، ضَرُورَةَ سَتْرِهِمَا .","part":3,"page":63},{"id":1063,"text":"( 843 ) فَصْلٌ : إذَا تَلَبَّسَتْ الْأَمَةُ بِالصَّلَاةِ مَكْشُوفَةَ الرَّأْسِ ، فَعَتَقَتْ فِي أَثْنَائِهَا ، فَهِيَ كَالْعُرْيَانِ يَجِدُ السُّتْرَةَ فِي أَثْنَاءِ صَلَاتِهِ ، إنْ أَمْكَنَهَا أَوْ أَمْكَنَهُ السُّتْرَةُ ، مِنْ غَيْرِ زَمَنٍ طَوِيلٍ وَلَا عَمَلٍ كَثِيرٍ ، سَتَرَ ، وَبَنَى عَلَى مَا مَضَى مِنْ الصَّلَاةِ ، كَأَهْلِ قُبَاءَ لَمَّا عَلِمُوا بِتَحْوِيلِ الْقِبْلَةِ اسْتَدَارُوا إلَيْهَا وَبَنَوْا .\rوَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ السَّتْرُ إلَّا بِعَمَلٍ كَثِيرٍ ، أَوْ زَمَنٍ طَوِيلٍ ، بَطَلَتْ الصَّلَاةُ ، إذْ لَا يُمْكِنُ الْمُضِيُّ فِيهَا لِكَوْنِ السُّتْرَةِ شَرْطًا مَعَ الْقُدْرَةِ ، وَوُجِدَتْ الْقُدْرَةُ ، وَلَا يُمْكِنُ الْعَمَلُ فِي الصَّلَاةِ كَثِيرًا ، لِأَنَّهُ يُنَافِيهَا فَيُبْطِلُهَا .\rوَالْمَرْجِعُ فِي الْيَسِيرِ وَالْكَثِيرِ إلَى الْعُرْفِ مِنْ غَيْرِ تَقْدِيرٍ بِالْخُطْوَةِ وَالْخُطْوَتَيْنِ .\rوَذَكَرَ الْقَاضِي فِيمَنْ وَجَدَتْ مَنْ يُنَاوِلُهَا السُّتْرَةَ فَانْتَظَرَتْ ، احْتِمَالَيْنِ : أَحَدُهُمَا : تَبْطُلُ صَلَاتُهَا .\rوَالثَّانِي : لَا تَبْطُلُ ؛ لِأَنَّ الْجَمِيعَ انْتِظَارٌ وَاحِدٌ .\rوَالْأَوَّلُ أَوْلَى ؛ لِأَنَّ الْفَصْلَ : طَالَ عَلَيْهَا وَهِيَ بَادِيَةُ الْعَوْرَةِ بَعْدَ الْقُدْرَةِ عَلَى السَّتْرِ ، فَلَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهَا ، كَمَا لَوْ لَمْ تَكُنْ مُنْتَظِرَةً .\rفَإِنْ لَمْ تَعْلَمْ بِالْعِتْقِ حَتَّى أَتَمَّتْ صَلَاتَهَا ، لَمْ تَصِحَّ ؛ لِأَنَّهَا صَلَّتْ عَارِيَّةً جَهْلًا بِوُجُوبِ السَّتْرِ ، فَلَمْ تَصِحَّ ، كَمَا لَوْ عَلِمَتْ الْعِتْقَ وَجَهِلَتْ الْحُكْمَ .\rوَإِنْ عَتَقَتْ وَلَمْ تَجِدْ مَا تَسْتَتِرُ بِهِ ، صَحَّتْ صَلَاتُهَا ؛ لِأَنَّهَا لَا تَزِيدُ عَلَى الْحُرَّةِ الْأَصْلِيَّةِ الْعَاجِزَةِ عَنْ الِاسْتِتَارِ .","part":3,"page":64},{"id":1064,"text":"( 844 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : وَيُسْتَحَبُّ لِأُمِّ الْوَلَدِ أَنْ تُغَطِّيَ رَأْسَهَا فِي الصَّلَاةِ وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ أُمَّ الْوَلَدِ كَالْأَمَةِ فِي صَلَاتِهَا وَسُتْرَتِهَا ، صَرَّحَ بِهَا الْخِرَقِيِّ فِي عِتْقِ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ ، فَقَالَ : وَإِنْ صَلَّتْ مَكْشُوفَةَ الرَّأْسِ كُرِهَ لَهَا ذَلِكَ وَأَجْزَأَهَا .\rوَمِمَّنْ لَمْ يُوجِبْ عَلَيْهَا تَغْطِيَةَ رَأْسِهَا النَّخَعِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ وَقَدْ نَقَلَ الْأَثْرَمُ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ سَأَلَهُ كَيْفَ تُصَلِّي أُمُّ الْوَلَدِ ؟ قَالَ : تُغَطِّي شَعَرَهَا وَقَدَمَهَا ؛ لِأَنَّهَا لَا تُبَاعُ ، وَهِيَ تُصَلِّي كَمَا تُصَلِّي الْحُرَّةُ .\rفَهَذَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ ، فَيَكُونَ كَمَا ذَكَرَ الْخِرَقِيِّ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَجْرِيَ عَلَى ظَاهِرِهِ فِي الْوُجُوبِ ؛ لِأَنَّهَا لَا تُبَاعُ ، وَلَا يُنْقَلُ الْمِلْكُ فِيهَا ، فَأَشْبَهَتْ الْحُرَّةَ ، وَقَدْ انْعَقَدَ سَبَبُ حُرِّيَّتِهَا بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُ إبْطَالُهُ ، فَغَلَبَ فِيهَا حُكْمُ الْحُرِّيَّةِ فِي الْعِبَادَةِ ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى لِأَنَّهَا أَمَةٌ ، حُكْمُهَا حُكْمُ الْإِمَاءِ ، إلَّا فِي أَنَّهَا لَا يُنْقَلُ الْمِلْكُ فِيهَا ، فَهِيَ كَالْمَوْقُوفَةِ ، وَانْعِقَادُ السَّبَبِ لِلْحُرِّيَّةِ لَا يُوجِبُ السَّتْرَ ، كَالْكِتَابَةِ وَالتَّدْبِيرِ ، وَلَكِنْ يُسْتَحَبُّ لَهَا السَّتْرُ ، وَيُكْرَهُ لَهَا كَشْفُ الرَّأْسِ ، لِمَا فِيهَا مِنْ الشَّبَهِ بِالْحَرَائِرِ .","part":3,"page":65},{"id":1065,"text":"( 845 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : وَمَنْ ذَكَرَ أَنَّ عَلَيْهِ صَلَاةً وَهُوَ فِي أُخْرَى ، أَتَمَّهَا ، وَقَضَى الْمَذْكُورَةَ ، وَأَعَادَ الَّتِي كَانَ فِيهَا إذَا كَانَ الْوَقْتُ مُبْقًى وَجُمْلَةُ ذَلِكَ ، أَنَّ التَّرْتِيبَ وَاجِبٌ فِي قَضَاءِ الْفَوَائِتِ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي مَوَاضِعَ ، قَالَ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد فِيمَنْ تَرَكَ صَلَاةَ سَنَةٍ : يُصَلِّيهَا ، وَيُعِيدُ كُلَّ صَلَاةٍ صَلَّاهَا وَهُوَ ذَاكِرٌ لِمَا تَرَكَ مِنْ الصَّلَاةِ .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ التَّرْتِيبِ ، وَنَحْوُهُ عَنْ النَّخَعِيِّ ، وَالزُّهْرِيِّ ، وَرَبِيعَةَ ، وَيَحْيَى الْأَنْصَارِيِّ ، وَمَالِكٍ ، وَاللَّيْثِ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَإِسْحَاقَ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يَجِبُ ؛ لِأَنَّ قَضَاءَ الْفَرِيضَةِ فَائِتَةٌ ، فَلَا يَجِبُ التَّرْتِيبُ فِيهِ ، كَالصِّيَامِ .\rوَلَنَا ، مَا رُوِيَ : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاتَهُ يَوْمَ الْخَنْدَقِ أَرْبَعُ صَلَوَاتٍ ، فَقَضَاهُنَّ مُرَتَّبَاتٍ .\rوَقَالَ : { صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي } .\rوَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ ، بِإِسْنَادِهِ ، عَنْ أَبِي جُمُعَةَ حَبِيبِ بْنِ سِبَاعٍ ، وَكَانَ قَدْ أَدْرَكَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامَ الْأَحْزَابِ صَلَّى الْمَغْرِبَ ، فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ : هَلْ عَلِمَ أَحَدٌ مِنْكُمْ أَنِّي صَلَّيْتُ الْعَصْرَ ؟ فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا صَلَّيْتَهَا .\rفَأَمَرَ الْمُؤَذِّنَ فَأَقَامَ الصَّلَاةَ ، فَصَلَّى الْعَصْرَ ، ثُمَّ أَعَادَ الْمَغْرِبَ .\r} وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ التَّرْتِيبِ .\rوَرَوَى أَبُو حَفْصٍ بِإِسْنَادِهِ عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { مَنْ نَسِيَ صَلَاةً فَلَمْ يَذْكُرْهَا إلَّا وَهُوَ مَعَ الْإِمَامِ فَلْيُصَلِّ مَعَ الْإِمَامِ ، فَإِذَا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ فَلْيُعِدْ الصَّلَاةَ الَّتِي نَسِيَ ، ثُمَّ لِيُعِدْ الصَّلَاةَ الَّتِي صَلَّاهَا مَعَ الْإِمَامِ } .\rرَوَاهُ أَبُو يَعْلَى الْمُوصِلِيُّ ، فِي مُسْنِدِهِ ، بِإِسْنَادٍ","part":3,"page":66},{"id":1066,"text":"حَسَنٍ .\rوَرُوِيَ مَوْقُوفًا عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَلِأَنَّهُمَا صَلَاتَانِ مُؤَقَّتَتَانِ ، فَوَجَبَ التَّرْتِيبُ فِيهِمَا .\rكَالْمَجْمُوعَتَيْنِ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّهُ يَجِبُ التَّرْتِيبُ فِيهَا وَإِنْ كَثُرَتْ ، وَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .\rوَقَالَ مَالِكٌ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَجِبُ التَّرْتِيبُ فِي أَكْثَرَ مِنْ صَلَاةِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ ؛ وَلِأَنَّ اعْتِبَارَهُ فِيمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ يَشُقُّ ، وَيُفْضِي إلَى الدُّخُولِ فِي التَّكْرَارِ ، فَسَقَطَ ، كَالتَّرْتِيبِ فِي قَضَاءِ صِيَامِ رَمَضَانَ .\rوَلَنَا أَنَّهَا صَلَوَاتٌ وَاجِبَاتٌ ، تُفْعَلُ فِي وَقْتٍ يَتَّسِعُ لَهَا ، فَوَجَبَ فِيهَا التَّرْتِيبُ كَالْخَمْسِ ، وَإِفْضَاؤُهُ إلَى التَّكْرَارِ لَا يَمْنَعُ وُجُوبَ التَّرْتِيبِ ، كَتَرْتِيبِ الرُّكُوعِ عَلَى السُّجُودِ ، وَهَذَا التَّرْتِيبُ شَرْطٌ فِي الصَّلَاةِ ، فَلَوْ أَخَلَّ بِهِ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ ، بِدَلِيلِ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي جُمُعَةَ ، وَحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ، وَلِأَنَّهُ تَرْتِيبٌ وَاجِبٌ فِي الصَّلَاةِ ، فَكَانَ شَرْطًا لِصِحَّتِهَا ، كَتَرْتِيبِ الْمَجْمُوعَتَيْنِ ، وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا عُدْنَا إلَى مَسْأَلَةِ الْكِتَابِ ، وَهِيَ إذَا أَحْرَمَ بِالْحَاضِرَةِ ، ثُمَّ ذَكَرَ فِي أَثْنَائِهَا أَنَّ عَلَيْهِ فَائِتَةً ، وَالْوَقْتُ مُتَّسِعٌ ، فَإِنَّهُ يُتِمُّهَا ، وَيَقْضِي الْفَائِتَةَ ، ثُمَّ يُعِيدُ الصَّلَاةَ الَّتِي كَانَ فِيهَا ، سَوَاءٌ كَانَ إمَامًا أَوْ مَأْمُومًا أَوْ مُنْفَرِدًا .\rهَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ وَأَبِي بَكْرٍ ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ ، وَمَالِكٍ ، وَاللَّيْثِ ، وَإِسْحَاقَ ، فِي الْمَأْمُومِ .\rوَهُوَ الَّذِي نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ عَنْ أَحْمَدَ فِي الْمَأْمُومِ ، وَنَقَلَ عَنْهُ جَمَاعَةٌ فِي الْمُنْفَرِدِ ، أَنَّهُ يَقْطَعُ الصَّلَاةَ وَيَقْضِي الْفَائِتَةَ .\rوَهُوَ قَوْلُ النَّخَعِيِّ ، وَالزُّهْرِيِّ ، وَرَبِيعَةَ ، وَيَحْيَى الْأَنْصَارِيِّ فِي الْمُنْفَرِدِ وَغَيْرِهِ ، وَرَوَى حَرْبٌ عَنْ أَحْمَدَ ، فِي الْإِمَامِ : يَنْصَرِفُ ، وَيَسْتَأْنِفُ الْمَأْمُومُونَ .\rقَالَ أَبُو بَكْرٍ : لَا يَنْقُلُهَا غَيْرُ حَرْبٍ ، وَقَدْ نُقِلَ عَنْهُ فِي","part":3,"page":67},{"id":1067,"text":"الْمَأْمُومِ ، أَنَّهُ يَقْطَعُ ، وَفِي الْمُنْفَرِدِ ، أَنَّهُ يُتِمُّ الصَّلَاةَ .\rوَكَذَلِكَ حُكْمُ الْإِمَامِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مِثْلَهُ ، فَيَكُونَ فِي الْجَمِيعِ أَدَاءً رِوَايَتَانِ إحْدَاهُمَا يُتِمُّهَا .\rوَقَالَ طَاوُسٌ وَالْحَسَنُ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ : يُتِمُّ صَلَاتَهُ ، وَيَقْضِي الْفَائِتَةَ لَا غَيْرُ .\rوَلَنَا عَلَى وُجُوبِ الْإِعَادَةِ ، حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ ، وَحَدِيثُ أَبِي جُمُعَةَ ، وَلِأَنَّهُ تَرْتِيبٌ وَاجِبٌ ، فَوَجَبَ اشْتِرَاطُهُ لِصِحَّةِ الصَّلَاةِ ، كَتَرْتِيبِ الْمَجْمُوعَتَيْنِ .\rوَلَنَا عَلَى أَنَّهُ يُتِمُّ الصَّلَاةَ قَوْلُهُ تَعَالَى : { وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ } .\rوَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ ، وَحَدِيثُ أَبِي جُمُعَةَ أَيْضًا ، قَالَ : يَتَعَيَّنُ حَمْلُهُ عَلَى أَنَّهُ ذَكَرَهَا وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ ، فَإِنَّهُ لَوْ نَسِيَهَا حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ الصَّلَاةِ لَمْ يَجِبْ قَضَاؤُهَا ، وَلِأَنَّهَا صَلَاةٌ ذَكَرَ فِيهَا فَائِتَةً ، فَلَمْ تَفْسُدْ كَمَا لَوْ كَانَ مَأْمُومًا ، فَإِنَّ ظَاهِرَ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يَمْضِي فِيهَا .\rقَالَ أَبُو بَكْرٍ : لَا يَخْتَلِفُ كَلَامُ أَحْمَدَ ، إذَا كَانَ وَرَاءَ الْإِمَامِ ، أَنَّهُ يَمْضِي مَعَ الْإِمَامِ ، وَيُعِيدُهُمَا جَمِيعًا \" .\rوَاخْتَلَفَ قَوْلُهُ إذَا كَانَ وَحْدَهُ ، قَالَ : وَاَلَّذِي أَقُولُ ، أَنَّهُ يَمْضِي ، لِأَنَّهُ يَشْنُعُ أَنْ يَقْطَعَ مَا دَخَلَ فِيهِ قَبْلَ أَنْ يُتِمَّهُ ، فَإِنْ مَضَى الْإِمَامُ فِي صَلَاتِهِ بَعْدَ ذِكْرِهِ ، انْبَنَتْ صَلَاةُ الْمَأْمُومِينَ عَلَى ائْتِمَامِ الْمُفْتَرِضِ بِالْمُتَنَفِّلِ ، وَالْأَوْلَى أَنَّ ذَلِكَ يَصِحُّ ؛ لِمَا سَنَذْكُرُهُ فِيمَا بَعْدُ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .\rوَإِذَا قُلْنَا : يَمْضِي فِي صَلَاتِهِ فَلَيْسَ ذَلِكَ بِوَاجِبٍ فَإِنَّ الصَّلَاةَ تَصِيرُ نَفْلًا فَلَا يَلْزَمُ ائْتِمَامُهُ .\rقَالَ مُهَنَّا : قُلْت لِأَحْمَدَ : إنِّي كُنْتُ فِي صَلَاةِ الْعَتَمَةِ ، فَذَكَرْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ صَلَّيْتُ الْمَغْرِبَ ، فَصَلَّيْتُ الْعَتَمَةَ ، ثُمَّ أَعَدْتُ الْمَغْرِبَ وَالْعَتَمَةَ ؟ قَالَ : أَصَبْتَ .\rفَقُلْتُ : أَلَيْسَ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ أَخْرُجَ حِينَ ذَكَرْتُهَا ؟ قَالَ : بَلَى .\rقُلْتُ : فَكَيْفَ","part":3,"page":68},{"id":1068,"text":"أَصَبْتُ ؟ قَالَ : كُلٌّ جَائِزٌ .","part":3,"page":69},{"id":1069,"text":"( 846 ) فَصْلٌ : وَقَوْلُ الْخِرَقِيِّ : \" وَمَنْ ذَكَرَ صَلَاةً وَهُوَ فِي أُخْرَى \" يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مَتَى صَلَّى نَاسِيًا لِلْفَائِتَةِ أَنَّ صَلَاتَهُ صَحِيحَةٌ وَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى هَذَا فِي رِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ ، قَالَ : مَتَى ذَكَرَ الْفَائِتَةَ وَقَدْ سَلَّمَ ، أَجْزَأَتْهُ ، وَيَقْضِي الْفَائِتَةَ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : يَجِبُ التَّرْتِيبُ مَعَ النِّسْيَانِ .\rوَلَعَلَّ مَنْ يَذْهَبُ إلَى ذَلِكَ يَحْتَجُّ بِحَدِيثِ أَبِي جُمُعَةَ وَبِالْقِيَاسِ عَلَى الْمَجْمُوعَتَيْنِ .\rوَلَنَا ، عُمُومُ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { عُفِيَ لِأُمَّتِي عَنْ الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ } .\rوَلِأَنَّ الْمَنْسِيَّةَ لَيْسَ عَلَيْهَا أَمَارَةٌ ، فَجَازَ أَنْ يُؤَثِّرَ فِيهَا النِّسْيَانُ ، كَالصِّيَامِ .\rوَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي جُمُعَةَ ، فَإِنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ لَهِيعَةَ ، وَفِيهِ ضَعْفٌ ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَكَرَهَا وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ .\rوَأَمَّا الْمَجْمُوعَتَانِ فَإِنَّمَا لَمْ يُعْذَرْ بِالنِّسْيَانِ ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِمَا أَمَارَةً ، وَهُوَ اجْتِمَاعُ الْجَمَاعَةِ ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ قَدْ سَبَقَ مِنْهُ ذِكْرُ الْفَائِتَةِ أَوْ لَمْ يَسْبِقْ مِنْهُ لَهَا ذِكْرٌ ، نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ؛ لِعُمُومِ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ الدَّلِيلِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":3,"page":70},{"id":1070,"text":"( 847 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَمَنْ خَشِيَ خُرُوجَ الْوَقْتِ اعْتَقَدَ وَهُوَ فِيهَا أَنْ لَا يُعِيدَهَا ، وَقَدْ أَجْزَأَتْهُ ) يَعْنِي إذَا خَشِيَ فَوَاتَ الْوَقْتِ ، قَبْلَ قَضَاءِ الْفَائِتَةِ ، وَإِعَادَةِ الَّتِي هُوَ فِيهَا ، سَقَطَ عَنْهُ التَّرْتِيبُ حِينَئِذٍ ، وَيُتِمُّ صَلَاتَهُ ، وَيَقْضِي الْفَائِتَةَ حَسْبُ .\rوَقَوْلُهُ \" اعْتَقَدَ أَنْ لَا يُعِيدَهَا \" .\rيَعْنِي لَا يُغَيِّرُ نِيَّتَهُ عَنْ الْفَرْضِيَّةِ وَلَا يَعْتَقِدُ أَنَّهُ يُعِيدُهَا ، هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ فِي الْمَذْهَبِ ، وَكَذَلِكَ لَوْ لَمْ يَكُنْ دَخَلَ فِيهَا ، لَكِنْ لَمْ يَبْقَ مِنْ وَقْتِهَا قَدْرٌ يُصَلِّيهِمَا جَمِيعًا فِيهِ ، فَإِنَّهُ يَسْقُطُ التَّرْتِيبُ ، وَيُقَدِّمُ الْحَاضِرَةَ ، وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، وَالْحَسَنِ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَإِسْحَاقَ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى ، أَنَّ التَّرْتِيبَ وَاجِبٌ مَعَ سَعَةِ الْوَقْتِ وَضِيقِهِ .\rاخْتَارَهَا الْخَلَّالُ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ عَطَاءٍ ، وَالزُّهْرِيِّ ، وَاللَّيْثِ ، وَمَالِكٍ .\rوَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ الْحَاضِرَةُ جُمُعَةً أَوْ غَيْرَهَا .\rقَالَ أَبُو حَفْصٍ : هَذِهِ الرِّوَايَةُ تُخَالِفُ مَا نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ غَلَطًا فِي النَّقْلِ ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ قَوْلًا قَدِيمًا لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : وَعِنْدِي أَنَّ الْمَسْأَلَةَ رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ ، أَنَّ التَّرْتِيبَ يَسْقُطُ ، لِأَنَّهُ قَالَ فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا فِي رَجُلٍ نَسِيَ صَلَاةً وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ عِنْدَ حُضُورِ الْجُمُعَةِ : يَبْدَأُ بِالْجُمُعَةِ ، هَذِهِ يُخَافُ فَوْتُهَا .\rفَقِيلَ لَهُ : كُنْتُ أَحْفَظُ عَنْك أَنَّهُ إذَا صَلَّى وَهُوَ ذَاكِرٌ لِصَلَاةٍ فَائِتَةٍ أَنَّهُ يُعِيدُ هَذِهِ وَهَذِهِ .\rفَقَالَ : كُنْت أَقُولُ هَذَا .\rفَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ رَجَعَ عَنْ قَوْلِهِ الْأَوَّلِ وَفِيهِ رِوَايَةٌ ثَالِثَةٌ ، إنْ كَانَ وَقْتُ الْحَاضِرَةِ يَتَّسِعُ لِقَضَاءِ الْفَوَائِتِ وَجَبَ التَّرْتِيبُ ، وَإِنْ كَانَ لَا يَتَّسِعُ سَقَطَ التَّرْتِيبُ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا .\rنَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ فِي مَنْ يَقْضِي","part":3,"page":71},{"id":1071,"text":"صَلَوَاتٍ فَوَائِتَ ، فَتَحْضُرُ صَلَاةٌ ، أَيُؤَخِّرُهَا إلَى آخِرِ الْوَقْتِ ، فَإِذَا صَلَّاهَا يُعِيدُهَا ؟ فَقَالَ : لَا ، بَلْ يُصَلِّيهَا فِي الْجَمَاعَةِ إذَا حَضَرَتْ ، إذَا كَانَ لَا يَطْمَعُ أَنْ يَقْضِيَ الْفَوَائِتَ كُلَّهَا إلَى آخِرِ وَقْتِ هَذِهِ الصَّلَاةِ الَّتِي حَضَرَتْ ، فَإِنْ طَمِعَ فِي ذَلِكَ قَضَى الْفَوَائِتَ ، مَا لَمْ يَخْشَ فَوْتَ هَذِهِ الصَّلَاةِ ، وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ إذَا صَلَّى مَرَّةً .\rوَهَذِهِ الرِّوَايَةُ اخْتِيَارُ أَبِي حَفْصٍ الْعُكْبَرِيِّ .\rوَعَلَّلَ الْقَاضِي هَذِهِ الرِّوَايَةَ بِأَنَّ الْوَقْتَ لَا يَتَّسِعُ لِقَضَاءِ مَا فِي الذِّمَّةِ ، وَفِعْلِ الْحَاضِرَةِ ، فَسَقَطَ التَّرْتِيبُ ، وَإِنْ كَانَ يُمْكِنُهُ الْقَضَاءُ وَالشُّرُوعُ فِي أَدَاءِ الْحَاضِرَةِ ، كَذَا هَاهُنَا .\rوَيُمْكِنُ أَنْ تُحْمَلَ هَذِهِ الرِّوَايَةُ عَلَى أَنَّهُ قَدَّمَ الْجَمَاعَةَ عَلَى التَّرْتِيبِ مَشْرُوطًا لِضِيقِ الْوَقْتِ عَنْ قَضَاءِ الْفَوَائِتِ جَمِيعِهَا وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا أَنَّ فِي تَقْدِيمِ الْجَمَاعَةِ عَلَى التَّرْتِيبِ رِوَايَتَيْنِ ، وَلَعَلَّهُ أَشَارَ إلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ .\rفَأَمَّا مَنْ ذَهَبَ إلَى تَقْدِيمِ التَّرْتِيبِ بِكُلِّ حَالٍ ، فَحُجَّتُهُ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا مَتَى ذَكَرَهَا } .\rوَهَذَا عَامٌّ فِي حَالِ ضِيقِ الْوَقْتِ وَسَعَتِهِ ، وَلِأَنَّهُ تَرْتِيبٌ مُسْتَحَقٌّ مَعَ سَعَةِ الْوَقْتِ فَيُسْتَحَقُّ مَعَ ضِيقِهِ ، كَتَرْتِيبِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَالطَّهَارَةِ .\rوَلَنَا أَنَّ الْحَاضِرَةَ صَلَاةٌ ضَاقَ وَقْتُهَا عَنْ أَكْثَرَ مِنْهَا ، فَلَمْ يَجُزْ لَهُ تَأْخِيرُهَا ، كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ فَائِتَةٌ .\rوَلِأَنَّ الْحَاضِرَةَ آكَدُ مِنْ الْفَائِتَةِ ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ يُقْتَلُ بِتَرْكِهَا ، وَيُكَفَّرُ عَلَى رِوَايَةٍ ، وَلَا يَحِلُّ لَهُ تَأْخِيرُهَا عَنْ وَقْتِهَا ، وَالْفَائِتَةُ بِخِلَافِ ذَلِكَ ، وَقَدْ ثَبَتَ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا نَامَ عَنْ صَلَاةِ الْفَجْرِ أَخَّرَهَا شَيْئًا ، وَأَمَرَهُمْ فَاقْتَادُوا رَوَاحِلَهُمْ } ، وَلِأَنَّهُ رُكْنٌ مِنْ","part":3,"page":72},{"id":1072,"text":"أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ مُؤَقَّتٌ ، فَلَمْ يَجُزْ تَقْدِيمُ فَائِتَةٍ عَلَى حَاضِرَةٍ يُخَافُ فَوَاتُهَا كَالصِّيَامِ .\rوَقَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ { مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا مَتَى ذَكَرَهَا } مَخْصُوصٌ بِمَا إذَا ذُكِرَتْ فَوَائِتُ فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ فِي الْحَالِ إلَّا الْأُولَى ، فَنَقِيسُ عَلَيْهِ مَا إذَا اجْتَمَعَتْ حَاضِرَةٌ - يُخَافُ فَوْتُهَا - وَفَائِتَةٌ ، لِتَأَكُّدِ الْحَاضِرَةِ بِمَا بَيَّنَّاهُ .\rفَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : لَا صَلَاةَ لِمَنْ عَلَيْهِ صَلَاةٌ } .\rقُلْنَا : هَذَا الْحَدِيثُ لَا أَصْلَ لَهُ .\rقَالَ إبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ : قِيلَ لِأَحْمَدَ : حَدِيثُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَا صَلَاةَ لِمَنْ عَلَيْهِ صَلَاةٌ } فَقَالَ : لَا أَعْرِفُ هَذَا اللَّفْظَ .\rقَالَ إبْرَاهِيمُ : وَلَا سَمِعْت بِهَذَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rفَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ ، يَبْدَأُ فَيَقْضِي الْفَوَائِتَ عَلَى التَّرْتِيبِ حَتَّى إذَا خَافَ فَوْتَ الْحَاضِرَةِ ، صَلَّاهَا ، ثُمَّ عَادَ إلَى قَضَاءِ الْفَوَائِتِ .\rنَصَّ أَحْمَدُ عَلَى هَذَا .\rفَإِنْ حَضَرَتْ جَمَاعَةٌ فِي صَلَاةِ الْحَاضِرَةِ ، فَقَالَ أَحْمَدُ ، فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد ، فِي مَنْ عَلَيْهِ صَلَوَاتٌ فَائِتَةٌ فَأَدْرَكَتْهُ الظُّهْرُ ، وَلَمْ يَفْرُغْ مِنْ الصَّلَوَاتِ : يُصَلِّي مَعَ الْإِمَامِ الظُّهْرَ وَيَحْسُبُهَا مِنْ الْفَوَائِتِ ، وَيُصَلِّي الظُّهْرَ فِي آخِرِ الْوَقْتِ ، فَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ عَصْرٌ وَأُقِيمَتْ صَلَاةُ الظُّهْرِ ، فَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا .\rفِي مَنْ عَلَيْهِ فَائِتَةٌ ، وَخَشِيَ فَوَاتِ الْجَمَاعَةِ ، رِوَايَتَيْنِ ؛ إحْدَاهُمَا ، يَسْقُطُ التَّرْتِيبُ لِأَنَّهُ اجْتَمَعَ وَاجِبَانِ ، التَّرْتِيبُ وَالْجَمَاعَةُ ، وَلَا بُدَّ مِنْ تَفْوِيتِ أَحَدِهِمَا ، فَكَانَ مُخَيَّرًا فِيهِمَا .\rفَأَمَّا عَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا ، فِي جَوَازِ تَقْدِيمِ الْحَاضِرَةِ عَلَى الْفَوَائِتِ إذَا كَثُرَتْ ، فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا ، فَإِنَّهُ يُصَلِّي الْحَاضِرَةَ مَعَ الْجَمَاعَةِ مَتَى حَضَرَتْ ، وَلَا يَحْتَاجُ إلَى إعَادَتِهَا","part":3,"page":73},{"id":1073,"text":".\rوَهَذَا أَحْسَنُ وَأَصَحُّ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ، وَالثَّانِيَةُ ، لَا يَسْقُطُ التَّرْتِيبُ ؛ لِأَنَّهُ آكَدُ مِنْ الْجَمَاعَةِ بِدَلِيلِ اشْتِرَاطِهِ لِصِحَّةِ الصَّلَاةِ ، بِخِلَافِ الْجَمَاعَةِ ، وَهَذَا ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ .\rفَإِنْ أَرَادَ أَنْ يُصَلِّيَ الْعَصْرَ الْفَائِتَةَ خَلْفَ مَنْ يُؤَدِّي الظُّهْرَ ابْتَنَى ذَلِكَ عَلَى جَوَازِ ائْتِمَامِ مَنْ يُصَلِّي الْعَصْرَ خَلْفَ مَنْ يُصَلِّي الظُّهْرَ .\rوَفِيهِ رِوَايَتَانِ ، سَنَذْكُرُهُمَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .\rقَالَ أَحْمَدُ ، فِي مَنْ تَرَكَ صَلَاةَ سِنِينَ : يُعِيدُهَا ، فَإِذَا جَاءَ وَقْتُ صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ صَلَّاهَا ، وَيَجْعَلُهَا مِنْ الْفَوَائِتِ الَّتِي يُعِيدُهَا ، وَيُصَلِّي الظُّهْرَ فِي آخِرِ الْوَقْتِ .\rوَقَالَ : لَا يُصَلِّي مَكْتُوبَةً إلَّا فِي آخِرِ وَقْتِهَا حَتَّى يَقْضِيَ الَّتِي عَلَيْهِ مِنْ الصَّلَوَاتِ .","part":3,"page":74},{"id":1074,"text":"( 848 ) فَصْلٌ : إذَا تَرَكَ ظُهْرًا وَعَصْرًا مِنْ يَوْمَيْنِ ، لَا يَدْرِي أَيَّهُمَا أَوَّلًا .\rفَفِي ذَلِكَ رِوَايَتَانِ : إحْدَاهُمَا ، أَنَّهُ يُجْزِئُ أَنْ يَتَحَرَّى أَيَّهُمَا نَسِيَ أَوَّلًا ، فَيَقْضِيَهَا ، ثُمَّ يَقْضِيَ الْأُخْرَى .\rنَقَلَ الْأَثْرَمُ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ يَعْمَلُ عَلَى أَكْثَرِ ذَلِكَ فِي نَفْسِهِ ثُمَّ يَقْضِي .\rيَعْنِي أَنَّهُ يَتَحَرَّى أَيَّهُمَا نَسِيَ أَوَّلًا فَيَقْضِيهَا ، ثُمَّ يَقْضِي الْأُخْرَى .\rوَهَذَا قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٍ ؛ لِأَنَّ التَّرْتِيبَ مِمَّا تُبِيحُ الضَّرُورَةُ تَرْكَهُ ، بِدَلِيلِ مَا إذَا تَضَايَقَ الْوَقْتُ أَوْ نَسِيَ الْفَائِتَةَ ، فَيَدْخُلُهُ التَّحَرِّي كَالْقِبْلَةِ .\rوَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ : أَنَّهُ يُصَلِّي الظُّهْرَ ثُمَّ الْعَصْرَ بِغَيْرِ تَحَرٍّ .\rنَقَلَهَا مُهَنَّا ؛ لِأَنَّ التَّحَرِّيَ فِيمَا فِيهِ أَمَارَةٌ ، وَهَذَا لَا أَمَارَةَ فِيهِ يَرْجِعُ إلَيْهَا ، فَرَجَعَ فِيهِ إلَى تَرْتِيبِ الشَّرْعِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَلْزَمَهُ صَلَاةُ الظُّهْرِ ، ثُمَّ الْعَصْرِ ، ثُمَّ الظُّهْرِ أَوْ الْعَصْرِ ثُمَّ الظُّهْرِ ثُمَّ الْعَصْرِ ؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنَهُ أَدَاءُ فَرْضِهِ بِيَقِينٍ ، فَلَزِمَهُ كَمَا لَوْ نَسِيَ صَلَاةً مِنْ يَوْمٍ لَا يَعْلَمُ عَيْنَهَا ، وَقَدْ نَقَلَ أَبُو دَاوُد ، عَنْ أَحْمَدَ ، فِي رَجُلٍ فَرَّطَ فِي صَلَاةِ يَوْمٍ الْعَصْرَ ، وَيَوْمٍ الظُّهْرَ ، صَلَوَاتٍ لَا يَعْرِفُهَا قَالَ : يُعِيدُ حَتَّى لَا يَكُونَ فِي قَلْبِهِ شَيْءٌ .\rوَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ يَقْضِي حَتَّى يَتَيَقَّنَ بَرَاءَةَ ذِمَّتِهِ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ","part":3,"page":75},{"id":1075,"text":"( 849 ) فَصْلٌ : وَلَا يُعْذَرُ فِي تَرْكِ التَّرْتِيبِ بِالْجَهْلِ بِوُجُوبِهِ ، وَقَالَ زُفَرُ : يُعْذَرُ بِذَلِكَ .\rوَلَنَا أَنَّهُ تَرْتِيبٌ وَاجِبٌ فِي الصَّلَاةِ ، فَلَمْ يَسْقُطُ بِالْجَهْلِ كَالتَّرْتِيبِ فِي الْمَجْمُوعَتَيْنِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ ، وَلِأَنَّ الْجَهْلَ بِأَحْكَامِ الشَّرْعِ مَعَ التَّمَكُّنِ مِنْ الْعِلْمِ لَا يُسْقِطُ أَحْكَامَهَا كَالْجَهْلِ بِتَحْرِيمِ الْأَكْلِ فِي الصَّوْمِ .","part":3,"page":76},{"id":1076,"text":"( 850 ) فَصْلٌ : إذَا كَثُرَتْ الْفَوَائِتُ عَلَيْهِ يَتَشَاغَلُ بِالْقَضَاءِ ، مَا لَمْ يَلْحَقْهُ مَشَقَّةٌ فِي بَدَنِهِ أَوْ مَالِهِ ، أَمَّا فِي بَدَنِهِ فَأَنْ يَضْعُفَ أَوْ يَخَافَ الْمَرَضَ ، وَأَمَّا فِي الْمَالِ فَأَنْ يَنْقَطِعَ عَنْ التَّصَرُّفِ فِي مَالِهِ ، بِحَيْثُ يَنْقَطِعُ عَنْ مَعَاشِهِ ، أَوْ يُسْتَضَرُّ بِذَلِكَ .\rوَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى مَعْنَى هَذَا .\rفَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ قَدْرَ مَا عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يُعِيدُ حَتَّى يَتَيَقَّنَ بَرَاءَةَ ذِمَّتِهِ .\rقَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ ، فِي الرَّجُلِ يُضَيِّعُ الصَّلَاةَ : يُعِيدُ حَتَّى لَا يَشُكَّ أَنَّهُ قَدْ جَاءَ بِمَا قَدْ ضَيَّعَ .\rوَيَقْتَصِرُ عَلَى قَضَاءِ الْفَرَائِضِ ، وَلَا يُصَلِّي بَيْنَهَا نَوَافِلَ ، وَلَا سُنَنَهَا ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاتَتْهُ أَرْبَعُ صَلَوَاتٍ يَوْمَ الْخَنْدَقِ ، فَأَمَرَ بِلَالًا فَأَقَامَ فَصَلَّى الظُّهْرَ ، ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ فَصَلَّى الْعَصْرَ ، ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ فَصَلَّى الْمَغْرِبَ ، ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ فَصَلَّى الْعِشَاءَ .\rوَلَمْ يُذْكَرْ أَنَّهُ صَلَّى بَيْنَهُمَا سُنَّةً ، وَلِأَنَّ الْمَفْرُوضَةَ أَهَمُّ ، فَالِاشْتِغَالُ بِهَا أَوْلَى ، إلَّا أَنْ تَكُونَ الصَّلَوَاتُ يَسِيرَةً ، فَلَا بَأْسَ بِقَضَاءِ سُنَنِهَا الرَّوَاتِبِ ، لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاتَتْهُ صَلَاةُ الْفَجْرِ ، فَقَضَى سُنَّتَهَا قَبْلَهَا .\rفَصْلٌ : وَإِنْ نَسِيَ صَلَاةً مِنْ يَوْمٍ ، لَا يَعْلَمُ عَيْنَهَا ، أَعَادَ صَلَاةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ التَّعْيِينَ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ ، وَلَا يَتَوَصَّلُ إلَى ذَلِكَ هَاهُنَا إلَّا بِإِعَادَةِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ فَلَزِمَهُ .","part":3,"page":77},{"id":1077,"text":"( 851 ) فَصْلٌ : وَإِذَا نَامَ فِي مَنْزِلٍ فِي السَّفَرِ ، فَاسْتَيْقَظَ بَعْدَ خُرُوجِ وَقْتِ الصَّلَاةِ ، فَالْمُسْتَحَبُّ .\rلَهُ أَنْ يَنْتَقِلَ عَنْ ذَلِكَ الْمَنْزِلِ ، فَيُصَلِّيَ فِي غَيْرِهِ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ؛ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ، قَالَ { : عَرَّسْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ نَسْتَيْقِظْ حَتَّى طَلَعَتْ الشَّمْسُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لِيَأْخُذْ كُلُّ رَجُلٍ مِنْكُمْ بِرَأْسِ رَاحِلَتِهِ ، فَإِنَّ هَذَا مَنْزِلٌ حَضَرَ فِيهِ الشَّيْطَانُ .\rقَالَ فَفَعَلْنَا .\rثُمَّ دَعَا بِالْمَاءِ فَتَوَضَّأَ ، ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ ، ثُمَّ أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ ، فَصَلَّى الْغَدَاةَ } .\rوَرَوَى نَحْوَهُ أَبُو قَتَادَةَ ، وَعِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهَا .\rوَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْضِيَ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ قَبْلَ الْفَرِيضَةِ ؛ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ الْحَدِيثِ .\rفَإِنْ أَرَادَ التَّطَوُّعَ بِصَلَاةٍ أُخْرَى ، كُرِهَ لَهُ ذَلِكَ ، وَكَذَلِكَ حُكْمُ الصَّوْمِ ، لَا يَتَطَوَّعُ بِهِ وَعَلَيْهِ فَرِيضَةٌ ، فَإِنْ فَعَلَ صَحَّ تَطَوُّعُهُ ؛ بِدَلِيلِ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ فِي الَّذِي يَنْسَى فَرِيضَةً فَلَا يَذْكُرُهَا إلَّا وَرَاءَ الْإِمَامِ ، فَإِنَّهُ يُتَمِّمُهَا ، فَحُكِمَ لَهُ بِصِحَّتِهَا .\rفَأَمَّا السُّنَنُ الرَّوَاتِبُ ، فَلَا يُكْرَهُ قَضَاؤُهَا قَبْلَ الْفَرَائِضِ ، كَمَا ذَكَرْنَا فِي رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ .\r( 852 ) فَصْلٌ : فَإِنْ أَخَّرَ الصَّلَاةَ لِنَوْمٍ أَوْ غَيْرِهِ حَتَّى خَافَ خُرُوجَ الْوَقْتِ إنْ تَشَاغَلَ بِرَكْعَتَيْ الْفَجْرِ ، فَإِنَّهُ يَبْدَأُ بِالْفَرْضِ ، وَيُؤَخِّرُ الرَّكْعَتَيْنِ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ جَمَاعَةٍ ، مِنْهُمْ : أَبُو الْحَارِثِ ، نَقَلَ عَنْهُ ، إذَا انْتَبَهَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ ، وَخَافَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ بَدَأَ بِالْفَرِيضَةِ ؛ فَإِنَّهُ إذَا قَدِمَتْ الْحَاضِرَةُ عَلَى الْفَائِتَةِ ، مَعَ الْإِخْلَالِ بِالتَّرْتِيبِ الْوَاجِبِ مُرَاعَاةً لِوَقْتِ الْحَاضِرَةِ ، فَتَقْدِيمُهَا عَلَى السُّنَّةِ أَوْلَى .\rوَهَكَذَا إنْ اسْتَيْقَظَ لَا يَدْرِي أَطَلَعَتْ الشَّمْسُ ، أَوْ لَا ، بَدَأَ","part":3,"page":78},{"id":1078,"text":"بِالْفَرِيضَةِ أَيْضًا ، نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الْوَقْتِ ، وَإِمْكَانُ الْإِتْيَانِ بِالْفَرِيضَةِ فِيهِ .","part":3,"page":79},{"id":1079,"text":"( 853 ) فَصْلٌ : وَيُسْتَحَبُّ قَضَاءُ الْفَوَائِتِ فِي جَمَاعَةٍ ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ فَاتَهُ أَرْبَعُ صَلَوَاتٍ فَقَضَاهُنَّ فِي جَمَاعَةٍ ، وَحَدِيثُ أَبِي قَتَادَةَ وَغَيْرِهِ ، حِينَ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ عَنْ صَلَاةِ الْفَجْرِ هُوَ وَأَصْحَابُهُ ، فَصَلَّى بِهِمْ جَمَاعَةً ، وَلَا يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ أَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ عِنْدَ اسْتِيقَاظِهِ ، أَوْ ذِكْرِهِ لَهَا ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ أَنَّهُ قَضَى غَيْرَ مَرَّةٍ ، وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ { مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرَهَا } .\rلَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ ، وَقَدْ رَوَى عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ ، قَالَ { : سِرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَرَّسَ بِنَا مِنْ السَّحَرِ ، فَمَا اسْتَيْقَظْنَا إلَّا بِحَرِّ الشَّمْسِ ؛ قَالَ : فَقَامَ الْقَوْمُ دَهِشِينَ مُسْرِعِينَ ؛ لِمَا فَاتَهُمْ مِنْ صَلَاتِهِمْ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ارْكَبُوا .\rفَرَكِبْنَا ، فَسِرْنَا حَتَّى طَلَعَتْ الشَّمْسُ ، ثُمَّ نَزَلَ وَنَزَلْنَا ، وَقَضَى الْقَوْمُ مِنْ حَوَائِجِهِمْ ، وَتَوَضَّئُوا ، فَأَمَرَ بِلَالًا ، فَأَذَّنَ وَصَلَّى رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ ، وَصَلَّيْنَا ، ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ ، فَصَلَّى بِنَا ، فَقُلْنَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا نُصَلِّي هَذِهِ الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا ؟ قَالَ : لَا ، لَا يَنْهَاكُمْ اللَّهُ عَنْ الرِّبَا وَيَقْبَلُهُ مِنْكُمْ .\rرَوَاهُ } الْأَثْرَمُ ، وَاحْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ .","part":3,"page":80},{"id":1080,"text":"فَصْلٌ : وَمَنْ أَسْلَمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ ، فَتَرَكَ صَلَوَاتٍ ، أَوْ صِيَامًا لَا يَعْلَمُ وُجُوبَهُ ، لَزِمَهُ قَضَاؤُهُ .\rوَبِذَلِكَ قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَا يَلْزَمُهُ .\rوَلَنَا أَنَّهَا عِبَادَةٌ تَجِبُ مَعَ الْعِلْمِ بِهَا ، فَلَزِمَتْهُ مَعَ الْجَهْلِ كَمَا لَوْ كَانَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ .","part":3,"page":81},{"id":1081,"text":"( 855 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَيُؤَدَّبُ الْغُلَامُ عَلَى الطَّهَارَةِ وَالصَّلَاةِ إذَا تَمَّتْ لَهُ عَشْرُ سِنِينَ .\r) مَعْنَى التَّأْدِيبِ ، الضَّرْبُ وَالْوَعِيدُ وَالتَّعْنِيفُ ، قَالَ الْقَاضِي : يَجِبُ عَلَى وَلِيِّ الصَّبِيِّ أَنْ يُعَلِّمَهُ الطَّهَارَةَ وَالصَّلَاةَ إذَا بَلَغَ سَبْعَ سِنِينَ وَيَأْمُرَهُ بِهَا ، وَيَلْزَمُهُ أَنْ يُؤَدِّبَهُ عَلَيْهَا إذَا بَلَغَ عَشْرَ سِنِينَ .\rوَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : عَلِّمُوا الصَّبِيَّ الصَّلَاةَ ابْنَ سَبْعِ سِنِينَ وَاضْرِبُوهُ عَلَيْهَا ابْنَ عَشْرٍ } رَوَاهُ الْأَثْرَمُ ، وَأَبُو دَاوُد ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَقَالَ : حَدِيثٌ حَسَنٌ .\rوَهَذَا لَفْظُ رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ ، وَلَفْظُ حَدِيثِ غَيْرِهِ : { مُرُوا الصَّبِيَّ بِالصَّلَاةِ لِسَبْعِ سِنِينَ وَاضْرِبُوهُ عَلَيْهَا لِعَشْرٍ ، وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ } .\rوَهَذَا الْأَمْرُ وَالتَّأْدِيبُ الْمَشْرُوعُ فِي حَقِّ الصَّبِيِّ لِتَمْرِينِهِ عَلَى الصَّلَاةِ ، كَيْ يَأْلَفَهَا وَيَعْتَادَهَا ، وَلَا يَتْرُكَهَا عِنْدَ الْبُلُوغِ ، وَلَيْسَتْ وَاجِبَةً عَلَيْهِ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ .\rوَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ : تَجِبُ عَلَيْهِ لِهَذَا الْحَدِيثِ ، فَإِنَّ الْعُقُوبَةَ لَا تُشْرَعُ .\rإلَّا لِتَرْكِ وَاجِبٍ ، وَلِأَنَّ حَدَّ الْوَاجِبِ : مَا عُوقِبَ عَلَى تَرْكِهِ ، وَلِأَنَّ أَحْمَدَ قَدْ نُقِلَ عَنْهُ فِي ابْنِ أَرْبَعَ عَشْرَةَ : إذَا تَرَكَ الصَّلَاةَ يُعِيدُ .\rوَلَعَلَّ أَحْمَدَ ، رَحِمَهُ اللَّهُ أَمَرَ بِذَلِكَ عَلَى طَرِيقِ الِاحْتِيَاطِ ؛ فَإِنَّ الْحَدِيثَ قَدْ ثَبَتَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ : عَنْ الصَّبِيِّ حَتَّى يَبْلُغَ } .\rوَلِأَنَّهُ صَبِيٌّ فَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ كَالصَّغِيرِ ، يُحَقِّقُهُ أَنَّ الصَّبِيَّ ضَعِيفُ الْعَقْلِ وَالْبِنْيَةِ ، وَلَا بُدَّ مِنْ ضَابِطٍ يَضْبِطُ الْحَدَّ الَّذِي تَتَكَامَلُ فِيهِ بِنْيَتُهُ وَعَقْلُهُ ، فَإِنَّهُ يَتَزَايَدُ تَزَايُدًا خَفِيَّ التَّدْرِيجِ ، فَلَا يَعْلَمُ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ ، وَالْبُلُوغُ ضَابِطٌ لِذَلِكَ ، وَلِهَذَا تَجِبُ بِهِ الْحُدُودُ ، وَتُؤْخَذُ بِهِ","part":3,"page":82},{"id":1082,"text":"الْجِزْيَةُ مِنْ الذِّمِّيِّ إذَا بَلَغَهُ ، وَيَتَعَلَّقُ بِهِ أَكْثَرُ أَحْكَامِ التَّكْلِيفِ ، فَكَذَلِكَ الصَّلَاةُ .\rوَقَوْلُ أَحْمَدَ فِي ذَلِكَ يُحْمَلُ عَلَى سَبِيلِ الِاحْتِيَاطِ ، مَخَافَةَ أَنْ يَكُونَ قَدْ بَلَغَ ، وَلِهَذَا قَيَّدَهُ بِابْنِ أَرْبَعَ عَشْرَةَ ، وَلَوْ أَرَادَ مَا قَالُوا لَمَا اُخْتُصَّ بِابْنِ أَرْبَعَ عَشْرَةَ دُونَ غَيْرِهِ .\rوَهَذَا التَّأْدِيبُ هَاهُنَا لِلتَّمْرِينِ وَالتَّعْوِيدِ ، كَالضَّرْبِ عَلَى تَعَلُّمِ الْخَطِّ وَالْقُرْآنِ وَالصِّنَاعَةِ وَأَشْبَاهِهَا ، وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهَا تَصِحُّ مِنْ الصَّبِيِّ الْعَاقِلِ ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى فِيمَا ذَكَرْنَاهُ .","part":3,"page":83},{"id":1083,"text":"( 856 ) فَصْلٌ : وَيُعْتَبَرُ لِصَلَاةِ الصَّبِيِّ مِنْ الشُّرُوطِ مَا يُعْتَبَرُ فِي صَلَاةِ الْبَالِغِ ، إلَّا أَنَّ قَوْلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ حَائِضٍ إلَّا بِخِمَارٍ } يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ صَلَاةِ غَيْرِ الْحَائِضِ بِغَيْرِ الْخِمَارِ .","part":3,"page":84},{"id":1084,"text":"( 857 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَسُجُودُ الْقُرْآنِ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَجْدَةً ) الْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّ عَزَائِمَ سُجُودِ الْقُرْآنِ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَجْدَةً ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ وَالشَّافِعِيِّ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ .\rوَمِمَّنْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّ فِي الْمُفَصَّلِ ثَلَاثَ سَجَدَاتٍ أَبُو بَكْرٍ ، وَعَلِيٌّ .\rوَابْنُ مَسْعُودٍ ، وَعَمَّارٌ ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ ، وَابْنُ عُمَرَ ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَجَمَاعَةٌ مِنْ التَّابِعِينَ وَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَإِسْحَاقُ ، ، وَعَنْ أَحْمَدَ ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، رِوَايَةٌ أُخْرَى ، أَنَّهَا خَمْسَ عَشْرَةَ سَجْدَةً مِنْهَا سَجْدَةُ ( ص ) .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ، وَهُوَ قَوْلُ إِسْحَاقَ ، لِمَا رَوَى ابْنُ مَاجَهْ ، وَأَبُو دَاوُد عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ { ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقْرَأَهُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَجْدَةً ، مِنْهَا ثَلَاثٌ فِي الْمُفَصَّلِ ، وَفِي سُورَةِ الْحَجِّ سَجْدَتَانِ } .\rوَقَالَ مَالِكٌ ، فِي رِوَايَةٍ وَالشَّافِعِيُّ فِي قَوْلٍ : عَزَائِمُ السُّجُودِ إحْدَى عَشْرَةَ سَجْدَةً ، لَيْسَ مِنْهَا شَيْءٌ مِنْ الْمُفَصَّلِ .\rقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : هَذَا قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، وَابْنِ جُبَيْرٍ ، وَالْحَسَنِ ، وَعِكْرِمَةَ ، وَمُجَاهِدٍ ، وَعَطَاءٍ ، وَطَاوُسٍ ، وَمَالِكٍ ، وَطَائِفَةٍ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ؛ لِأَنَّ أَبَا الدَّرْدَاءِ قَالَ : { سَجَدْت مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إحْدَى عَشْرَةَ لَيْسَ فِيهَا مِنْ الْمُفَصَّلِ شَيْءٌ } .\rرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ .\rوَرَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ : { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَسْجُدْ فِي شَيْءٍ مِنْ الْمُفَصَّلِ مُنْذُ تَحَوَّلَ إلَى الْمَدِينَةِ .\r} رَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى أَبُو رَافِعٍ ، قَالَ { : صَلَّيْت خَلْفَ أَبِي هُرَيْرَةَ الْعَتَمَةَ ، فَقَرَأَ { إذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ } .\rفَسَجَدَ ، فَقُلْت : مَا هَذِهِ السَّجْدَةُ ؟ قَالَ : سَجَدْت بِهَا خَلْفَ أَبِي الْقَاسِمِ","part":3,"page":85},{"id":1085,"text":"صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَا أَزَالُ أَسْجُدُ فِيهَا حَتَّى أَلْقَاهُ } .\rرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ، وَمُسْلِمٌ ، وَأَبُو دَاوُد ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَالْأَثْرَمُ .\rوَرَوَى مُسْلِمٌ ، وَأَبُو دَاوُد ، وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ { : سَجَدْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي إذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ وَ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ } وَرَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَرَأَ سُورَةَ النَّجْمِ ، فَسَجَدَ فِيهَا ، وَمَا بَقِيَ أَحَدٌ مِنْ الْقَوْمِ إلَّا سَجَدَ } .\rرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ، وَمُسْلِمٌ ، وَأَبُو دَاوُد .\rوَأَبُو هُرَيْرَةَ إنَّمَا أَسْلَمَ بِالْمَدِينَةِ سَنَةَ سَبْعٍ ، وَهُوَ أَوْلَى مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، لِأَنَّهُ إثْبَاتٌ .\rثُمَّ إنَّ تَرْكَ السُّجُودِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ ، وَالسُّجُودَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مَسْنُونٌ ، وَلَا تَعَارُضَ بَيْنَهُمَا ، وَحَدِيثُ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ أَبُو دَاوُد إسْنَادُهُ وَاهٍ .\rثُمَّ لَا دَلَالَةَ فِيهِ ، إذْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ سُجُودُ غَيْرِ الْمُفَصَّلِ إحْدَى عَشْرَةَ فَيَكُونَ مَعَ سَجَدَاتِ الْمُفَصَّلِ أَرْبَعَ عَشْرَةَ .\r( 858 ) فَصْلٌ : فَعَلَى الرِّوَايَةِ الْأُولَى لَيْسَتْ \" ص \" مِنْ عَزَائِمِ السُّجُودِ ، وَهُوَ قَوْلُ عَلْقَمَةَ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ .\rوَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ : هِيَ مِنْ الْعَزَائِمِ .\rوَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ ، وَمَالِكٍ وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَإِسْحَاقَ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ ، لِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ .\rوَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَابْنِهِ وَعُثْمَانَ ، أَنَّهُمْ كَانُوا يَسْجُدُونَ فِيهَا .\rوَرَوَى أَبُو دَاوُد ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَجَدَ فِيهَا .\rوَحَدِيثُ أَبِي الدَّرْدَاءِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ سَجَدَ فِيهَا .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى أَبُو دَاوُد ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ .\rقَالَ { : قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ ص فَلَمَّا بَلَغَ السَّجْدَةَ نَزَلَ فَسَجَدَ ، وَسَجَدَ النَّاسُ","part":3,"page":86},{"id":1086,"text":"مَعَهُ ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمٌ آخَرُ قَرَأَهَا ، فَلَمَّا بَلَغَ السَّجْدَةَ تَشَزَّنَ النَّاسُ لِلسُّجُودِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إنَّمَا هِيَ تَوْبَةُ نَبِيٍّ ، وَلَكِنِّي رَأَيْتُكُمْ تَشَزَّنْتُمْ لِلسُّجُودِ فَنَزَلَ ، فَسَجَدَ ، وَسَجَدُوا } .\rوَرَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَجَدَ فِي ص ، وَقَالَ : سَجَدَهَا دَاوُد تَوْبَةً ، وَنَحْنُ نَسْجُدُهَا شُكْرًا } .\rأَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ .\rوَرَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : لَيْسَ \" ص \" مِنْ عَزَائِمِ السُّجُودِ .\rوَالْحَدِيثُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ لِلرِّوَايَةِ الْأُخْرَى ، يَدُلُّ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَجَدَ فِيهَا ، فَيَكُونُ سُجُودًا لِلشُّكْرِ ، كَمَا بَيَّنَهُ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ .\r( 859 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( فِي الْحَجِّ مِنْهَا سَجْدَتَانِ ) وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ .\rوَمِمَّنْ كَانَ يَسْجُدُ فِي الْحَجِّ سَجْدَتَيْنِ عُمَرُ ، وَعَلِيٌّ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ، وَأَبُو الدَّرْدَاءِ ، وَأَبُو مُوسَى ، وَأَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ ، وَأَبُو الْعَالِيَةِ ، وَزِرٌّ .\rوَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : فُضِّلَتْ سُورَةُ الْحَجِّ بِسَجْدَتَيْنِ .\rوَقَالَ الْحَسَنُ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ : لَيْسَتْ الْأَخِيرَةُ سَجْدَةً ؛ لِأَنَّهُ جَمَعَ فِيهَا بَيْنَ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ .\rفَقَالَ { : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا } فَلَمْ تَكُنْ سَجْدَةً ، كَقَوْلِهِ { : يَا مَرْيَمُ اُقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ } .\rوَلَنَا حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ، الَّذِي ذَكَرْنَاهُ .\rوَرَوَى أَبُو دَاوُد ، وَالْأَثْرَمُ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ، قَالَ { : قُلْت لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فِي سُورَةِ الْحَجِّ سَجْدَتَانِ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، وَمَنْ لَمْ يَسْجُدْهُمَا فَلَا يَقْرَأْهُمَا .\r} وَأَيْضًا فَإِنَّهُ قَوْلُ مَنْ سَمَّيْنَا مِنْ","part":3,"page":87},{"id":1087,"text":"الصَّحَابَةِ لَمْ نَعْرِفْ لَهُمْ مُخَالِفًا فِي عَصْرِهِمْ ، فَيَكُونُ إجْمَاعًا .\rوَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ : أَدْرَكْتُ النَّاسَ مُنْذُ سَبْعِينَ سَنَةً يَسْجُدُونَ فِي الْحَجِّ سَجْدَتَيْنِ .\rوَقَالَ ابْنُ عُمَرَ : لَوْ كُنْتُ تَارِكًا إحْدَاهُمَا لَتَرَكْتُ الْأُولَى .\rوَذَلِكَ لِأَنَّ الْأُولَى إخْبَارٌ ، وَالثَّانِيَةَ أَمْرٌ ، وَاتِّبَاعُ الْأَمْرِ أَوْلَى .\rوَذِكْرُ الرُّكُوعِ لَا يَقْتَضِي تَرْكَ السُّجُودِ ، كَمَا ذُكِرَ الْبُكَاءُ فِي قَوْلِهِ { : خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا } ، وَقَوْلِهِ : { وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا } .","part":3,"page":88},{"id":1088,"text":"( 860 ) فَصْلٌ : وَمَوَاضِعُ السُّجُودِ : آخِرُ الْأَعْرَافِ : { وَلَهُ يَسْجُدُونَ } ، وَفِي الرَّعْدِ { وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ } ، وَفِي النَّحْلِ : { وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ } وَفِي بَنِي إسْرَائِيلَ : { وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا } .\rوَفِي مَرْيَمَ : { خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا } وَفِي الْحَجِّ : { إنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ } وَقَوْلُهُ : { وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } .\rوَفِي الْفُرْقَانِ : { وَزَادَهُمْ نُفُورًا } .\rوَفِي النَّمْلِ : { رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ } .\rوَفِي الم السَّجْدَةِ : { وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ } .\rوَفِي حم تَنْزِيلٌ : { وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ } .\rوَآخِرُ النَّجْمِ : { فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا } .\rوَفِي الِانْشِقَاقِ : { وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمْ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ } .\rوَآخِرُ { اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ } .\rوَقَالَ مَالِكٌ : السُّجُودُ فِي حم عِنْدَ : { إنْ كُنْتُمْ إيَّاهُ تَعْبُدُونَ } .\rلِأَنَّ الْأَمْرَ بِالسُّجُودِ هُنَاكَ فِيهَا .\rوَلَنَا ، أَنَّ تَمَامَ الْكَلَامِ فِي الثَّانِيَةِ ، فَكَانَ السُّجُودُ بَعْدَهَا ، كَمَا فِي سُورَةِ النَّحْلِ عِنْدَ قَوْلِهِ : { وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ } وَذَكَرَ السُّجُودَ فِي الَّتِي قَبْلَهَا ، كَذَا هَاهُنَا .","part":3,"page":89},{"id":1089,"text":"( 861 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَلَا يَسْجُدُ إلَّا وَهُوَ طَاهِرٌ ) .\rوَجُمْلَةُ ذَلِكَ ، أَنَّهُ يُشْتَرَطُ لِلسُّجُودِ مَا يُشْتَرَطُ لِصَلَاةِ النَّافِلَةِ ؛ مِنْ الطَّهَارَتَيْنِ مِنْ الْحَدَثِ وَالنَّجَسِ ، وَسَتْرِ الْعَوْرَةِ ، وَاسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ ، وَالنِّيَّةِ ، وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا .\rإلَّا مَا رُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي الْحَائِضِ تَسْمَعُ السَّجْدَةَ ، تُومِئُ بِرَأْسِهَا .\rوَبِهِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ، قَالَ ، وَيَقُولُ : اللَّهُمَّ لَكَ سَجَدْتُ .\rوَعَنْ الشَّعْبِيِّ فِي مَنْ سَمِعَ السَّجْدَةَ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ يَسْجُدُ حَيْثُ كَانَ وَجْهُهُ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةً بِغَيْرِ طُهُورٍ } .\rفَيَدْخُلُ فِي عُمُومِهِ السُّجُودُ .\rوَلِأَنَّهُ صَلَاةٌ فَيُشْتَرَطُ لَهُ ذَلِكَ ، كَذَاتِ الرُّكُوعِ ، وَلِأَنَّهُ سُجُودٌ ، فَيُشْتَرَطُ لَهُ ذَلِكَ كَسُجُودِ السَّهْوِ .\r( 862 ) فَصْلٌ : وَإِذَا سَمِعَ السَّجْدَةَ غَيْرَ مُتَطَهِّرٍ ، لَمْ يَلْزَمْهُ الْوُضُوءُ وَلَا التَّيَمُّمُ .\rوَقَالَ النَّخَعِيُّ : يَتَيَمَّمُ ، وَيَسْجُدُ .\rوَعَنْهُ : يَتَوَضَّأُ ، وَيَسْجُدُ .\rوَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَلَنَا أَنَّهَا تَتَعَلَّقُ بِسَبَبٍ ، فَإِذَا فَاتَ لَمْ يَسْجُدْ كَمَا لَوْ قَرَأَ سَجْدَةً فِي الصَّلَاةِ ، فَلَمْ يَسْجُدْ ، فَإِنَّهُ لَا يَسْجُدُ بَعْدَهَا .","part":3,"page":90},{"id":1090,"text":"( 863 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَيُكَبِّرُ إذَا سَجَدَ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ ، أَنَّهُ إذَا سَجَدَ لِلتِّلَاوَةِ فَعَلَيْهِ التَّكْبِيرُ لِلسُّجُودِ وَالرَّفْعِ مِنْهُ ، سَوَاءٌ كَانَ فِي صَلَاةٍ أَوْ فِي غَيْرِهَا .\rوَبِهِ قَالَ ابْنُ سِيرِينَ وَالْحَسَنُ ، وَأَبُو قِلَابَةَ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَمُسْلِمُ بْنُ يَسَارٍ ، وَأَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : إذَا كَانَ فِي صَلَاةٍ .\rوَاخْتُلِفَ عَنْهُ إذَا كَانَ فِي غَيْرِ صَلَاةٍ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ ، قَالَ { : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ عَلَيْنَا الْقُرْآنَ ، فَإِذَا مَرَّ بِالسَّجْدَةِ كَبَّرَ وَسَجَدَ وَسَجَدْنَا مَعَهُ .\r} قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ : كَانَ الثَّوْرِيُّ يُعْجِبُهُ هَذَا الْحَدِيثُ .\rقَالَ أَبُو دَاوُد : يُعْجِبُهُ لِأَنَّهُ كَبَّرَ .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَلِأَنَّهُ سُجُودٌ مُنْفَرِدٌ ، فَشُرِعَ لَهُ التَّكْبِيرُ فِي ابْتِدَائِهِ ، وَالرَّفْعُ مِنْهُ كَسُجُودِ السَّهْوِ بَعْدَ السَّلَامِ .\rوَقَدْ صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَبَّرَ فِيهِ لِلسُّجُودِ وَالرَّفْعِ .\rوَلَمْ يَذْكُرْ الْخِرَقِيِّ التَّكْبِيرَ لِلرَّفْعِ .\rوَقَدْ ذَكَرَهُ غَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا ، وَهُوَ الْقِيَاسُ كَمَا ذَكَرْنَا .\rوَلَا يُشْرَعُ فِي ابْتِدَاءِ السُّجُودِ أَكْثَرُ مِنْ تَكْبِيرَةٍ .\rقَالَ : يُكَبِّرُ لِلِافْتِتَاحِ وَاحِدَةً ، وَلِلسُّجُودِ أُخْرَى .\rوَلَنَا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ ، وَظَاهِرُهُ أَنْ يُكَبِّرَ وَاحِدَةً ، وَقِيَاسُهُ عَلَى سُجُودِ السَّهْوِ بَعْدَ السَّلَامِ .\r.","part":3,"page":91},{"id":1091,"text":"( 864 ) فَصْلٌ : وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ مَعَ تَكْبِيرَةِ السُّجُودِ إنْ سَجَدَ .\rفِي غَيْرِ صَلَاةٍ .\rوَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهَا تَكْبِيرَةُ افْتِتَاحٍ ، وَإِنْ كَانَ السُّجُودُ فِي الصَّلَاةِ ، فَنَصَّ أَحْمَدُ عَلَى أَنَّهُ يَرْفَعُ يَدَيْهِ لِأَنَّهُ يُسَنُّ لَهُ الرَّفْعُ لَوْ كَانَ مُنْفَرِدًا ، فَكَذَلِكَ مَعَ غَيْرِهِ .\rقَالَ الْقَاضِي : وَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ لَا يَرْفَعُ ؛ لِأَنَّ مَحَلَّ الرَّفْعِ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ ، لَيْسَ هَذَا مِنْهَا ، وَلِأَنَّ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ : { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ لَا يَفْعَلُهُ فِي السُّجُودِ .\rيَعْنِي رَفْعَ يَدَيْهِ } ، وَهُوَ حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَاحْتَجَّ أَحْمَدُ بِمَا رَوَى وَائِلُ بْنُ حُجْرٍ ، قَالَ { : قُلْتُ لَأَنْظُرَنَّ إلَى صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rفَكَانَ يُكَبِّرُ إذَا خَفَضَ وَرَفَعَ ، وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي التَّكْبِيرِ .\r} قَالَ أَحْمَدُ : هَذَا يَدْخُلُ فِي هَذَا كُلِّهِ ، وَهُوَ قَوْلُ مُسْلِمِ بْنِ يَسَارٍ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ .","part":3,"page":92},{"id":1092,"text":"( 865 ) فَصْلٌ : وَيَقُولُ فِي سُجُودِهِ مَا يَقُولُ فِي سُجُودِ الصَّلَاةِ قَالَ أَحْمَدُ : أَمَّا أَنَا فَأَقُولُ سُبْحَانَ رَبِّي الْأَعْلَى .\rوَقَدْ رَوَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا { : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ فِي سُجُودِ الْقُرْآنِ بِاللَّيْلِ : سَجَدَ وَجْهِي لِلَّذِي خَلَقَهُ وَصَوَّرَهُ ، وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ ، بِحَوْلِهِ وَقُوَّتِهِ .\r} قَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ { : جَاءَ رَجُلٌ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنِّي رَأَيْتُنِي اللَّيْلَةَ أُصَلِّي خَلْفَ شَجَرَةٍ ، فَقَرَأْتُ السَّجْدَةَ ، فَسَجَدْتُ ، فَسَجَدَتْ الشَّجَرَةُ لِسُجُودِي ، فَسَمِعْتُهَا وَهِيَ تَقُولُ : اللَّهُمَّ اُكْتُبْ لِي بِهَا عِنْدَكَ أَجْرًا ، وَضَعْ عَنِّي بِهَا وِزْرًا ، وَاجْعَلْهَا لِي عِنْدَكَ ذُخْرًا ، وَتَقَبَّلْهَا مِنِّي كَمَا تَقَبَّلْتَهَا مِنْ عَبْدِكَ دَاوُد .\rفَقَرَأَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَجْدَةً ثُمَّ سَجَدَ ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ مِثْلَ مَا أَخْبَرَهُ الرَّجُلُ عَنْ قَوْلِ الشَّجَرَةِ .\r} قَالَ التِّرْمِذِيُّ : وَهَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ .\rوَمَهْمَا قَالَ مِنْ ذَلِكَ وَنَحْوِهِ فَحَسَنٌ .","part":3,"page":93},{"id":1093,"text":"( 866 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَيُسَلِّمُ إذَا رَفَعَ ) اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ فِي التَّسْلِيمِ فِي سُجُودِ التِّلَاوَةِ ، فَرَأَى أَنَّهُ وَاجِبٌ .\rوَبِهِ قَالَ أَبُو قِلَابَةَ ، وَأَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَرُوِيَ أَنَّهُ غَيْرُ وَاجِبٍ .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : قَالَ أَحْمَدُ ، أَمَّا التَّسْلِيمُ فَلَا أَدْرِي مَا هُوَ .\rقَالَ النَّخَعِيُّ ، وَالْحَسَنُ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَيَحْيَى بْنُ وَثَّابٍ : لَيْسَ فِيهِ تَسْلِيمٌ وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ .\rوَاخْتَلَفَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِيهِ .\rوَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الَّتِي اخْتَارَهَا الْخِرَقِيِّ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { تَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ } وَلِأَنَّهَا صَلَاةٌ ذَاتُ إحْرَامٍ ، فَافْتَقَرَتْ إلَى سَلَامٍ ، كَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ ، وَلَا تَفْتَقِرُ إلَى تَشَهُّدٍ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ ، وَلِأَنَّهُ لَا رُكُوعَ فِيهِ ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ تَشَهُّدٌ كَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ .\rوَيُجْزِئُهُ تَسْلِيمَةٌ وَاحِدَةٌ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، فِي رِوَايَةِ حَرْبٍ وَعَبْدِ اللَّهِ قَالَ : يُسَلِّمُ تَسْلِيمَةً وَاحِدَةً .\rقَالَ الْقَاضِي : يُجْزِئُهُ رِوَايَةً وَاحِدَةً .\rقَالَ إِسْحَاقُ : يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ فَقَطْ : السَّلَامُ عَلَيْكُمْ .\rوَقَالَ فِي الْمُجَرَّدِ ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ : إنَّ فِيهِ رِوَايَةً أُخْرَى ؛ لَا يُجْزِئُهُ إلَّا اثْنَتَانِ .","part":3,"page":94},{"id":1094,"text":"( 867 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَلَا يَسْجُدُ فِي الْأَوْقَاتِ الَّتِي لَا يَجُوزُ أَنْ يُصَلِّيَ فِيهَا تَطَوُّعًا .\r) قَالَ الْأَثْرَمُ : سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يُسْأَلُ عَمَّنْ قَرَأَ سُجُودَ الْقُرْآنِ بَعْدَ الْفَجْرِ وَبَعْدَ الْعَصْرِ ، أَيَسْجُدُ ؟ قَالَ : لَا وَبِهَذَا قَالَ أَبُو ثَوْرٍ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، وَإِسْحَاقَ .\rوَكَرِهَ مَالِكٌ قِرَاءَةَ السَّجْدَةِ فِي وَقْتِ النَّهْيِ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى ، أَنَّهُ يَسْجُدُ .\rوَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ الْحَسَنِ ، وَالشَّعْبِيِّ ، وَسَالِمٍ ، وَالْقَاسِمِ ، وَعَطَاءٍ ، وَعِكْرِمَةَ ؛ وَرَخَّصَ فِيهِ أَصْحَابُ الرَّأْيِ قَبْلَ تَغَيُّرِ الشَّمْسِ .\rوَلَنَا ، عُمُومُ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { لَا صَلَاةَ بَعْدَ الْفَجْرِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ ، وَلَا بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ } .\rوَرَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ أَبِي تَمِيمَةَ الْهُجَيْمِيِّ ، قَالَ : كُنْت أَقُصُّ بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ ، فَأَسْجُدُ ، فَنَهَانِي ابْنُ عُمَرَ ، فَلَمْ أَنْتَهِ ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، ثُمَّ عَادَ فَقَالَ { : إنِّي صَلَّيْتُ خَلْفَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَعَ أَبِي بَكْرٍ ، وَعُمَرَ ، وَعُثْمَانَ ، فَلَمْ يَسْجُدُوا حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ } .\rوَرَوَى الْأَثْرَمُ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مِقْسَمٍ : أَنَّ قَاصًّا كَانَ يَقْرَأُ السَّجْدَةَ بَعْدَ الْعَصْرِ وَيَسْجُدُ ، فَنَهَاهُ ابْنُ عُمَرَ ، وَقَالَ : إنَّهُمْ لَا يَعْقِلُونَ .","part":3,"page":95},{"id":1095,"text":"( 868 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَمَنْ سَجَدَ فَحَسَنٌ ، وَمَنْ تَرَكَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ سُجُودَ التِّلَاوَةِ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ ، وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ عِنْدَ إمَامِنَا وَمَالِكٍ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَاللَّيْثِ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَهُوَ مَذْهَبُ عُمَرَ ، وَابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ ، وَأَوْجَبَهُ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ .\rلِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : { فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمْ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ } وَلَا يُذَمُّ إلَّا عَلَى تَرْكِ وَاجِبٍ .\rوَلِأَنَّهُ سُجُودٌ يُفْعَلُ فِي الصَّلَاةِ ، فَكَانَ وَاجِبًا كَسُجُودِ الصَّلَاةِ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ ، قَالَ : { قَرَأْت عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّجْمَ فَلَمْ يَسْجُدْ مِنَّا أَحَدٌ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَلِأَنَّهُ إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ .\rوَرَوَى الْبُخَارِيُّ ، وَالْأَثْرَمُ عَنْ عُمَرَ ، أَنَّهُ قَرَأَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ عَلَى الْمِنْبَرِ بِسُورَةِ النَّحْلِ ، حَتَّى إذَا جَاءَ السَّجْدَةَ نَزَلَ ، فَسَجَدَ وَسَجَدَ النَّاسُ ، حَتَّى إذَا كَانَتْ الْجُمُعَةُ الْقَابِلَةُ قَرَأَ بِهَا ، حَتَّى إذَا جَاءَتْ السَّجْدَةُ قَالَ : يَا أَيُّهَا النَّاسُ ، إنَّمَا نَمُرُّ بِالسُّجُودِ ، فَمَنْ سَجَدَ فَقَدْ أَصَابَ ، وَمَنْ لَمْ يَسْجُدْ فَلَا إثْمَ عَلَيْهِ .\rوَلَمْ يَسْجُدْ عُمَرُ .\rوَفِي لَفْظٍ إنَّ اللَّهَ لَمْ يَفْرِضْ عَلَيْنَا السُّجُودَ إلَّا أَنْ نَشَاءَ .\rوَفِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ ، فَقَالَ : عَلَى رِسْلِكُمْ ، إنَّ اللَّهَ لَمْ يَكْتُبْهَا عَلَيْنَا إلَّا أَنْ نَشَاءَ .\rفَقَرَأَهَا ، وَلَمْ يَسْجُدْ ، وَمَنَعَهُمْ أَنْ يَسْجُدُوا وَهَذَا بِحَضْرَةِ الْجَمْعِ الْكَثِيرِ ، فَلَمْ يُنْكِرْهُ أَحَدٌ ، وَلَا نُقِلَ خِلَافُهُ .\rفَأَمَّا الْآيَةُ فَإِنَّهُ ذَمَّهُمْ لِتَرْكِ السُّجُودِ غَيْرَ مُعْتَقِدِينَ فَضْلَهُ ، وَلَا مَشْرُوعِيَّتَهُ ، وَقِيَاسُهُمْ يَنْتَقِضُ بِسُجُودِ السَّهْوِ ، فَإِنَّهُ عِنْدَهُمْ غَيْرُ وَاجِبٍ .","part":3,"page":96},{"id":1096,"text":"( 869 ) فَصْلٌ : وَيُسَنُّ السُّجُودُ لِلتَّالِي وَالْمُسْتَمِعِ لَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا .\rوَقَدْ دَلَّتْ عَلَيْهِ الْأَحَادِيثُ الَّتِي رَوَيْنَاهَا .\rوَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ ، وَمُسْلِمٌ ، وَأَبُو دَاوُد ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ { : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ عَلَيْنَا السُّورَةَ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ ، فَيَسْجُدُ ، وَنَسْجُدُ مَعَهُ ، حَتَّى لَا يَجِدَ أَحَدُنَا مَكَانًا لِمَوْضِعِ جَبْهَتِهِ } .\rفَأَمَّا السَّامِعُ غَيْرُ الْقَاصِدِ لِلسَّمَاعِ فَلَا يُسْتَحَبُّ لَهُ ، وَرَوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُثْمَانَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَعِمْرَانَ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ : عَلَيْهِ السُّجُودُ .\rوَرُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، وَالنَّخَعِيِّ ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَنَافِعٍ ، وَإِسْحَاقَ ؛ لِأَنَّهُ سَامِعٌ لِلسَّجْدَةِ ، فَكَانَ عَلَيْهِ السُّجُودُ كَالْمُسْتَمِعِ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا أُؤَكِّدُ عَلَيْهِ السُّجُودَ ، وَإِنْ سَجَدَ فَحَسَنٌ وَلَنَا مَا رُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : أَنَّهُ مَرَّ بِقَاصٍّ ، فَقَرَأَ الْقَاصُّ سَجْدَةً لِيَسْجُدَ عُثْمَانُ مَعَهُ ، فَلَمْ يَسْجُدْ .\rوَقَالَ : إنَّمَا السَّجْدَةُ عَلَى مَنْ اسْتَمَعَ .\rوَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ ، وَعِمْرَانُ : مَا جَلَسْنَا لَهَا .\rوَقَالَ سَلْمَانُ : مَا عَدَوْنَا لَهَا .\rوَنَحْوُهُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَلَا مُخَالِفَ لَهُمْ فِي عَصْرِهِمْ نَعْلَمُهُ إلَّا قَوْلَ ابْنِ عُمَرَ : إنَّمَا السَّجْدَةُ عَلَى مَنْ سَمِعَهَا .\rفَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ مَنْ سَمِعَ عَنْ قَصْدٍ ، فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ كَلَامُهُ جَمْعًا بَيْنَ أَقْوَالِهِمْ ؛ وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُ السَّامِعِ عَلَى الْمُسْتَمِعِ ، لِافْتِرَاقِهِمَا فِي الْأَجْرِ \" .","part":3,"page":97},{"id":1097,"text":"( 870 ) فَصْلٌ : وَيُشْتَرَطُ لِسُجُودِ الْمُسْتَمِعِ أَنْ يَكُونَ التَّالِي مِمَّنْ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ لَهُ إمَامًا .\rفَإِنْ كَانَ صَبِيًّا أَوْ امْرَأَةً ، فَلَا يَسْجُدُ السَّامِعُ ، رِوَايَةً وَاحِدَةً ، إلَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ يَصِحُّ لَهُ أَنْ يَأْتَمَّ بِهِ .\rوَمِمَّنْ قَالَ لَا يَسْجُدُ إذَا سَمِعَ الْمَرْأَةَ قَتَادَةُ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ .\rوَقَالَ النَّخَعِيُّ : هِيَ إمَامُك .\rوَقَدْ رُوِيَ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَى إلَى نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ ، فَقَرَأَ رَجُلٌ مِنْهُمْ سَجْدَةً ، ثُمَّ نَظَرَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إنَّكَ كُنْتَ إمَامَنَا ، وَلَوْ سَجَدْتَ سَجَدْنَا } .\rرَوَاهُ الشَّافِعِيُّ ، فِي \" مُسْنَدِهِ \" ، وَالْجُوزَجَانِيُّ ، فِي \" الْمُتَرْجَمِ \" ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِنْ كَانَ التَّالِي أُمِّيًّا لَمْ يَسْجُدْ الْمُسْتَمِعُ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يَسْجُدُ ؛ لِأَنَّ الِاسْتِمَاعَ مَوْجُودٌ ، وَهُوَ سَبَبُ السُّجُودِ .\rوَلَنَا ، الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَيْنَاهُ وَلِأَنَّهُ إمَامٌ لَهُ فَلَمْ يَسْجُدْ بِدُونِ إمَامِهِ كَمَا لَوْ كَانَا فِي صَلَاةٍ وَإِنْ قَرَأَ الْأُمِّيُّ سَجْدَةً فَعَلَى الْقَارِئِ الْمُسْتَمِعِ السُّجُودُ مَعَهُ لِأَنَّ الْقِرَاءَةَ لَيْسَتْ بِرُكْنٍ فِي السُّجُودِ فَإِنْ كَانَ التَّالِي فِي صَلَاةٍ ، وَالْمُسْتَمِعُ فِي غَيْرِ صَلَاةٍ ، سَجَدَ مَعَهُ .\rوَإِنْ كَانَ الْمُسْتَمِعُ فِي صَلَاةٍ أُخْرَى لَمْ يَسْجُدْ مَعَهُ إنْ كَانَتْ فَرْضًا ، رِوَايَةً وَاحِدَةً ، وَإِنْ كَانَتْ نَفْلًا فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ ، الصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَسْجُدُ ، وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَسْتَمِعَ ، بَلْ يَشْتَغِلُ بِصَلَاتِهِ .\rكَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إنَّ فِي الصَّلَاةِ لَشُغْلًا } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَلَا يَسْجُدُ إذَا فَرَغَ مِنْ الصَّلَاةِ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَسْجُدُ عِنْدَ فَرَاغِهِ ، وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ فَإِنَّهُ ، لَوْ تَرَكَ السُّجُودَ لِتِلَاوَتِهِ فِي الصَّلَاةِ لَمْ يَسْجُدْ إذَا","part":3,"page":98},{"id":1098,"text":"فَرَغَ ، فَلَأَنْ لَا يَسْجُدَ بِحُكْمِ سَمَاعِهِ أَوْلَى ، وَهَكَذَا الْحَكَمُ إنْ كَانَ التَّالِي فِي غَيْرِ صَلَاةٍ وَالْمُسْتَمِعُ فِي الصَّلَاةِ .","part":3,"page":99},{"id":1099,"text":"( 871 ) فَصْلٌ : وَلَا يَقُومُ الرُّكُوعُ مَقَامَ السُّجُودِ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَقُومُ مَقَامَهُ اسْتِحْبَابًا ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ } وَلَنَا ، أَنَّهُ سُجُودٌ مَشْرُوعٌ ، فَلَا يَقُومُ مَقَامَهُ الرُّكُوعُ ، كَسُجُودِ الصَّلَاةِ ، وَالْآيَةُ الْمُرَادُ بِهَا السُّجُودُ ، لِأَنَّهُ قَالَ : ( وَخَرَّ ) وَلَا يُقَالُ لِلرَّاكِعِ : خَرَّ ، وَإِنَّمَا رُوِيَ عَنْ دَاوُد عَلَيْهِ السَّلَامُ السُّجُودُ لَا الرُّكُوعُ ، إلَّا أَنَّهُ عَبَّرَ عَنْهُ بِالرُّكُوعِ ، عَلَى أَنَّ سَجْدَةَ \" ص \" لَيْسَتْ مِنْ عَزَائِمِ السُّجُودِ وَلَوْ قُدِّرَ أَنَّ دَاوُد رَكَعَ حَقِيقَةً لَمْ يَكُنْ فِيهِ حُجَّةٌ ؛ لِأَنَّ دَاوُد إنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ تَوْبَةً ، لَا لِسُجُودِ التِّلَاوَةِ","part":3,"page":100},{"id":1100,"text":"( 872 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَرَأَ السَّجْدَةَ فِي الصَّلَاةِ فِي آخِرِ السُّورَةِ ، فَإِنْ شَاءَ رَكَعَ ؛ وَإِنْ شَاءَ سَجَدَ ، ثُمَّ قَامَ فَرَكَعَ نَصَّ عَلَيْهِ ، قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ : إنْ شِئْتَ رَكَعْتَ وَإِنْ شِئْتَ سَجَدْتَ ، وَبِهِ قَالَ .\rالرَّبِيعُ بْنُ خَيْثَمٍ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ، وَنَحْوُهُ عَنْ عَلْقَمَةَ ، وَعَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ ، وَمَسْرُوقٍ ، .\rقَالَ مَسْرُوقٌ : قَالَ عَبْدُ اللَّهِ ، إذَا قَرَأَ أَحَدُكُمْ سُورَةً وَآخِرُهَا سَجْدَةٌ ، فَلْيَرْكَعْ إنْ شَاءَ وَإِنْ شَاءَ فَلْيَسْجُدْ ؛ فَإِنَّ الرَّكْعَةَ مَعَ السَّجْدَةِ ، وَإِنْ سَجَدَ فَلْيَقْرَأْ إذَا قَامَ سُورَةً ، ثُمَّ لِيَرْكَعْ .\rوَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَرَأَ بِالنَّجْمِ فَسَجَدَ فِيهَا ، ثُمَّ قَامَ فَقَرَأَ سُورَةً أُخْرَى .","part":3,"page":101},{"id":1101,"text":"فَصْلٌ : : وَإِذَا كَانَ عَلَى الرَّاحِلَةِ فِي السَّفَرِ ، جَازَ أَنْ يُومِئَ بِالسُّجُودِ حَيْثُ كَانَ وَجْهُهُ كَصَلَاةِ النَّافِلَةِ .\rفَعَلَ ذَلِكَ عَلِيٌّ ، وَسَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ ، وَابْنُ عُمَرَ ، وَابْنُ الزُّبَيْرِ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَعَطَاءٌ ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ { ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَرَأَ عَامَ الْفَتْحِ سَجْدَةً ، فَسَجَدَ النَّاسُ كُلُّهُمْ ، مِنْهُمْ الرَّاكِبُ وَالسَّاجِدُ فِي الْأَرْضِ ، حَتَّى إنَّ الرَّاكِبَ لَيَسْجُدُ عَلَى يَدِهِ } .\rوَلِأَنَّهَا لَا تَزِيدُ عَلَى صَلَاةِ التَّطَوُّعِ ، وَهِيَ تُفْعَلُ عَلَى الرَّاحِلَةِ .\rوَإِنْ كَانَ مَاشِيًا سَجَدَ عَلَى الْأَرْضِ ، وَبِهِ قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ ، وَأَبُو زُرْعَةَ ، وَابْنُ عُمَرَ ، وَابْنُ جَرِيرٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ، لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْحَدِيثِ وَالْقِيَاسِ .\rوَقَالَ الْأَسْوَدُ بْنُ يَزِيدَ ، وَعَطَاءٌ ، وَمُجَاهِدٌ : يُومِئُ .\rوَفَعَلَهُ عَلْقَمَةُ ، وَأَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَعَلَى مَا حَكَاهُ أَبُو الْحَسَنِ الْآمِدِيُّ فِي صَلَاةِ الْمَاشِي فِي التَّطَوُّعِ ، أَنَّهُ يُومِئُ فِيهَا بِالسُّجُودِ ، وَلَا يَلْزَمُهُ السُّجُودُ بِالْأَرْضِ ، وَيَكُونُ هَاهُنَا مِثْلَهُ .","part":3,"page":102},{"id":1102,"text":"( 874 ) فَصْلٌ : يُكْرَهُ اخْتِصَارُ السُّجُودِ وَهُوَ أَنْ يَنْتَزِعَ الْآيَاتِ الَّتِي فِيهَا السُّجُودُ فَيَقْرَأَهَا وَيَسْجُدَ فِيهَا .\rوَكَرِهَهُ الشَّعْبِيُّ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَالْحَسَنُ ، وَإِسْحَاقُ ، وَرَخَّصَ فِيهِ النُّعْمَانُ وَصَاحِبُهُ مُحَمَّدٌ وَأَبُو ثَوْرٍ .\rوَلَنَا أَنَّهُ لَيْسَ بِمَرْوِيٍّ عَنْ السَّلَفِ فِعْلُهُ ، بَلْ كَرَاهَتُهُ ، وَلَا نَظِيرَ لَهُ يُقَاسُ عَلَيْهِ .","part":3,"page":103},{"id":1103,"text":"( 875 ) فَصْلٌ : قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا : يُكْرَهُ لِلْإِمَامِ قِرَاءَةُ السَّجْدَةِ فِي صَلَاةٍ لَا يُجْهَرُ فِيهَا ، وَإِنْ قَرَأَ لَمْ يَسْجُدْ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّ فِيهِ إيهَامًا عَلَى الْمَأْمُومِ .\rوَلَمْ يَكْرَهْهُ الشَّافِعِيُّ ؛ لِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ رَوَى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { ، أَنَّهُ سَجَدَ فِي الظُّهْرِ ، ثُمَّ قَامَ فَرَكَعَ ، فَرَأَى أَصْحَابُهُ أَنَّهُ قَرَأَ سُورَةَ السَّجْدَةِ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِأَنَّ فِيهِ إيهَامًا عَلَى الْمَأْمُومِ .\rوَاتِّبَاعُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْلَى .\rوَإِذَا سَجَدَ الْإِمَامُ سَجَدَ الْمَأْمُومُ مَعَهُ ، وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابُنَا : الْمَأْمُومُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ اتِّبَاعِهِ أَوْ تَرْكِهِ وَالْأَوْلَى اتِّبَاعُهُ ، لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ ، فَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا } .\rوَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ بَعِيدًا لَا يَسْمَعُ ، أَوْ أُطْرُوشًا فِي صَلَاةِ الْجَهْرِ ، لَسَجَدَ بِسُجُودِ إمَامِهِ ، كَذَا هَاهُنَا .","part":3,"page":104},{"id":1104,"text":"( 876 ) فَصْلٌ : : وَيُسْتَحَبُّ سُجُودُ الشُّكْرِ عِنْدَ تَجَدُّدِ النِّعَمِ ، وَانْدِفَاعِ النِّقَمِ .\rوَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ .\rوَقَالَ النَّخَعِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ : يُكْرَهُ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ فِي أَيَّامِهِ الْفُتُوحُ ، وَاسْتَسْقَى فَسُقِيَ ، وَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُ سَجَدَ ، وَلَوْ كَانَ مُسْتَحَبًّا لَمْ يُخِلَّ بِهِ .\rوَلَنَا مَا رَوَى ابْنُ الْمُنْذِرِ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إذَا أَتَاهُ أَمْرٌ يُسَرُّ بِهِ خَرَّ سَاجِدًا } ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَلَفْظُهُ قَالَ { : كَانَ إذَا أَتَاهُ أَمْرٌ يُسَرُّ بِهِ ، أَوْ بُشِّرَ بِهِ خَرَّ سَاجِدًا ؛ شُكْرًا لِلَّهِ } .\rوَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ .\rوَسَجَدَ الصِّدِّيقُ حِينَ فَتَحَ الْيَمَامَةَ وَعَلِيٌّ حِينَ وَجَدَ ذَا الثُّدَيَّةِ .\rوَرُوِيَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ ، فَثَبَتَ ظُهُورُهُ وَانْتِشَارُهُ فَبَطَلَ مَا قَالُوهُ ، وَتَرْكُهُ تَارَةً لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِمُسْتَحَبٍّ ، فَإِنَّ الْمُسْتَحَبَّ يُفْعَلُ تَارَةً ، وَيُتْرَكُ أُخْرَى .\rوَيُشْتَرَطُ لِسُجُودِ الشُّكْرِ مَا يُشْتَرَطُ لِسُجُودِ التِّلَاوَةِ .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":3,"page":105},{"id":1105,"text":"( 877 ) فَصْلٌ : وَلَا يَسْجُدُ لِلشُّكْرِ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ .\rلِأَنَّ سَبَبَ السَّجْدَةِ لَيْسَ مِنْهَا .\rفَإِنْ فَعَلَ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا بِتَحْرِيمِ ذَلِكَ .\rفَأَمَّا سَجْدَةُ \" ص \" إذَا سَجَدَهَا فِي الصَّلَاةِ وَقُلْنَا : لَيْسَتْ مِنْ الْعَزَائِمِ ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ تَبْطُلَ ؛ لِأَنَّهَا سَجْدَةُ شُكْرٍ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا تَبْطُلَ ؛ لِأَنَّ سَبَبَهَا مِنْ الصَّلَاةِ ، وَتَتَعَلَّقُ بِالتِّلَاوَةِ ، فَهِيَ كَسُجُودِ التِّلَاوَةِ .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":3,"page":106},{"id":1106,"text":"( 878 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : ( وَإِذَا حَضَرَتْ الصَّلَاةُ وَالْعَشَاءُ بَدَأَ بِالْعَشَاءِ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا حَضَرَ الْعَشَاءُ فِي وَقْتِ الصَّلَاةِ فَالْمُسْتَحَبُّ .\rأَنْ يَبْدَأَ بِالْعَشَاءِ .\rقَبْلَ الصَّلَاةِ ؛ لِيَكُونَ أَفْرَغَ لِقَلْبِهِ ، وَأَحْضَرَ لِبَالِهِ ، وَلَا يُسْتَحَبُّ أَنْ يَعْجَلَ عَنْ عَشَائِهِ أَوْ غَدَائِهِ ، فَإِنَّ أَنَسًا رَوَى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { إذَا قُرِّبَ الْعَشَاءُ وَحَضَرَتْ الصَّلَاةُ ، فَابْدَءُوا بِهِ قَبْلَ أَنْ تُصَلُّوا صَلَاةَ الْمَغْرِبِ ، وَلَا تَعْجَلُوا عَنْ عَشَائِكُمْ } وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : إنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : { لَا صَلَاةَ بِحَضْرَةِ طَعَامٍ ، وَلَا وَهُوَ يُدَافِعُهُ الْأَخْبَثَانِ } رَوَاهُمَا مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَحْضُرَ صَلَاةَ الْجَمَاعَةِ وَيَخَافَ فَوْتَهَا فِي الْجَمَاعَةِ أَوْ لَا يَخَافَ ذَلِكَ ، فَإِنَّ فِي بَعْضِ أَلْفَاظِ حَدِيثِ أَنَسٍ : { إذَا حَضَرَ الْعَشَاءُ وَأُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فَابْدَءُوا بِالْعَشَاءِ } .\rوَعَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إذَا قُرِّبَ عَشَاءُ أَحَدِكُمْ وَأُقِيمَتْ الصَّلَاةُ ، فَابْدَءُوا بِالْعَشَاءِ ، وَلَا يَعْجَلَنَّ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْهُ } .\rرَوَاهُمَا مُسْلِمٌ ، وَغَيْرُهُ وَقَوْلُهُ : وَأُقِيمَتْ الصَّلَاةُ .\rيَعْنِي الْجَمَاعَةَ .\rوَتَعَشَّى ابْنُ عُمَرَ وَهُوَ يَسْمَعُ قِرَاءَةَ الْإِمَامِ .\rقَالَ أَصْحَابُنَا : إنَّمَا يُقَدِّمُ الْعَشَاءَ عَلَى الْجَمَاعَةِ إذَا كَانَتْ نَفْسُهُ تَتُوقُ إلَى الطَّعَامِ كَثِيرًا .\rوَنَحْوَهُ قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : يَبْدَءُونَ بِالصَّلَاةِ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ طَعَامًا خَفِيفًا .\rوَقَالَ بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ عُمَرُ ، وَابْنُهُ وَإِسْحَاقُ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ .\rوَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : لَا نَقُومُ إلَى الصَّلَاةِ وَفِي أَنْفُسِنَا شَيْءٌ .\rقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَوْ صَلَّى بِحَضْرَةِ الطَّعَامِ ، فَأَكْمَلَ صَلَاتَهُ أَنَّ صَلَاتَهُ تُجْزِئُهُ .\rكَذَلِكَ إذَا","part":3,"page":107},{"id":1107,"text":"صَلَّى حَاقِنًا .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَالْعَنْبَرِيُّ : يُكْرَهُ أَنْ يُصَلِّيَ وَهُوَ حَاقِنٌ ، وَصَلَاتُهُ جَائِزَةٌ مَعَ ذَلِكَ ، إنْ لَمْ يَتْرُكْ شَيْئًا مِنْ فُرُوضِهَا .\rوَقَالَ مَالِكٌ : أُحِبُّ أَنْ يُعِيدَ إذَا شَغَلَهُ ذَلِكَ .\rقَالَ الطَّحَاوِيُّ : لَا يَخْتَلِفُونَ أَنَّهُ لَوْ شُغِلَ قَلْبُهُ بِشَيْءٍ مِنْ الدُّنْيَا ، أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ لَهُ الْإِعَادَةُ ، كَذَلِكَ إذَا شَغَلَهُ الْبَوْلُ .","part":3,"page":108},{"id":1108,"text":"( 879 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَإِذَا حَضَرَتْ الصَّلَاةُ ، وَهُوَ يَحْتَاجُ إلَى الْخَلَاءِ ، بَدَأَ بِالْخَلَاءِ ) يَعْنِي إذَا كَانَ حَاقِنًا كُرِهَتْ لَهُ الصَّلَاةُ حَتَّى يَقْضِيَ حَاجَتَهُ ، سَوَاءٌ خَافَ فَوَاتَ الْجَمَاعَةِ أَوْ لَمْ يَخَفْ .\rلِمَا ذَكَرْنَا مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ ، وَرَوَى ثَوْبَانُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { لَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ أَنْ يَنْظُرَ فِي جَوْفِ بَيْتِ امْرِئٍ حَتَّى يَسْتَأْذِنَ ، وَلَا يَقُومَ إلَى الصَّلَاةِ وَهُوَ حَاقِنٌ } .\rقَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ .\rوَالْمَعْنَى فِي ذَلِكَ أَنْ يَقُومَ إلَى الصَّلَاةِ وَبِهِ مَا يَشْغَلُهُ عَنْ خُشُوعِهَا .\rوَحُضُورِ قَلْبِهِ فِيهَا ، فَإِنْ خَالَفَ وَفَعَلَ ، صَحَّتْ صَلَاتُهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَفِي الَّتِي قَبْلَهَا وَقَالَ ، ابْنُ أَبِي مُوسَى : إنْ كَانَ بِهِ مِنْ مُدَافَعَةِ الْأَخْبَثَيْنِ مَا يُزْعِجُهُ وَيَشْغَلُهُ عَنْ الصَّلَاةِ ، أَعَادَ ، فِي الظَّاهِرِ مِنْ قَوْلِهِ .\rلِظَاهِرِ الْحَدِيثَيْنِ .\rاللَّذَيْنِ رَوَيْنَاهُمَا ، وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ فِيمَا مَضَى .\rوَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي حَدِيثِ ثَوْبَانَ : لَا يَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ ، فَهَذَانِ مِنْ الْأَعْذَارِ الَّتِي يُعْذَرُ بِهَا فِي تَرْكِ الْجَمَاعَةِ وَالْجُمُعَةِ ، لِعُمُومِ اللَّفْظِ ؛ فَإِنَّ قَوْلَهُ : { وَأُقِيمَتْ الصَّلَاةُ } .\rعَامٌّ فِي كُلِّ صَلَاةٍ ، وَقَوْلُهُ : \" لَا صَلَاةَ \" عَامٌّ أَيْضًا .\r( 880 ) فَصْلٌ : وَيُعْذَرُ فِي تَرْكِهِمَا الْمَرِيضُ فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : لَا أَعْلَمُ خِلَافًا بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ ، أَنَّ لِلْمَرِيضِ أَنْ يَتَخَلَّفَ عَنْ الْجَمَاعَاتِ مِنْ أَجْلِ الْمَرَضِ ، وَقَدْ رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ فَلَمْ يَمْنَعْهُ مِنْ اتِّبَاعِهِ عُذْرٌ .\rقَالُوا : وَمَا الْعُذْرُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : خَوْفٌ أَوْ مَرَضٌ .\rلَمْ تُقْبَلْ مِنْهُ الصَّلَاةُ الَّتِي صَلَّى } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَقَدْ { كَانَ بِلَالٌ يُؤَذِّنُ بِالصَّلَاةِ ثُمَّ","part":3,"page":109},{"id":1109,"text":"يَأْتِي النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مَرِيضٌ فَيَقُولُ : مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ } .\r( 881 ) فَصْلٌ : وَيُعْذَرُ فِي تَرْكِهِمَا الْخَائِفُ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { الْعُذْرُ خَوْفٌ أَوْ مَرَضٌ } وَالْخَوْفُ ، ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ ؛ خَوْفٌ عَلَى النَّفْسِ ، وَخَوْفٌ عَلَى الْمَالِ ، وَخَوْفٌ عَلَى الْأَهْلِ .\rفَالْأَوَّلُ ، أَنْ يَخَافَ عَلَى نَفْسِهِ سُلْطَانًا ، يَأْخُذُهُ أَوْ عَدُوًّا ، أَوْ لِصًّا ، أَوْ سَبُعًا ، أَوْ دَابَّةً ، أَوْ سَيْلًا ، وَنَحْوَ ذَلِكَ ، مِمَّا يُؤْذِيهِ فِي نَفْسِهِ ، وَفِي مَعْنَى ذَلِكَ .\rأَنْ يَخَافَ غَرِيمًا لَهُ يُلَازِمُهُ وَلَا شَيْءَ مَعَهُ يُوفِيهِ ، فَإِنْ حَبَسَهُ بِدَيْنٍ هُوَ مُعْسِرٌ بِهِ ظُلْمٌ لَهُ ، فَإِنْ كَانَ قَادِرًا عَلَى أَدَاءِ الدَّيْنِ لَمْ يَكُنْ عُذْرًا لَهُ ، لِأَنَّهُ يَجِبُ إيفَاؤُهُ .\rوَكَذَلِكَ إنْ وَجَبَ عَلَيْهِ حَدٌّ لِلَّهِ تَعَالَى أَوْ حَدُّ قَذْفٍ ، فَخَافَ أَنْ يُؤْخَذَ بِهِ ، لَمْ يَكُنْ عُذْرًا ، لِأَنَّهُ يَجِبُ إيفَاؤُهُ وَهَكَذَا إنْ تَأَخَّرَ عَلَيْهِ قِصَاصٌ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ عُذْرٌ فِي التَّخَلُّفِ مِنْ أَجْلِهِ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : إنْ كَانَ يَرْجُو الصُّلْحَ عَلَى مَالٍ فَلَهُ التَّخَلُّفُ ، حَتَّى يُصَالِحَ ، بِخِلَافِ الْحُدُودِ ، فَإِنَّهَا لَا تَدْخُلُهَا الْمُصَالَحَةُ وَلَا الْعَفْوُ .\rوَحَدُّ الْعَفْوِ أَنْ يُرْجَى الْعَفْوُ عَنْهُ ، فَلَيْسَ يُعْذَرُ فِي التَّخَلُّفِ ؛ لِأَنَّهُ يَرْجُو إسْقَاطَهُ بِغَيْرِ بَدَلٍ وَيُعْذَرُ فِي تَرْكِهِمَا بِالْمَطَرِ .\rالَّذِي يَبُلُّ الثِّيَابَ ، وَالْوَحْلِ الَّذِي يَتَأَذَّى بِهِ فِي نَفْسِهِ وَثِيَابِهِ ؛ قَالَ : عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ لِمُؤَذِّنِهِ فِي يَوْمٍ مَطِيرٍ : إذَا قُلْت : أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ .\rفَلَا تَقُلْ : حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ .\rوَقُلْ : صَلُّوا فِي بُيُوتِكُمْ .\rقَالَ : فَكَأَنَّ النَّاسَ اسْتَنْكَرُوا ذَلِكَ ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : أَتَعْجَبُونَ مِنْ ذَلِكَ ، لَقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي ، إنَّ الْجُمُعَةَ عَزْمَةٌ ، وَإِنِّي كَرِهْتُ أَنْ أُخْرِجَكُمْ فَتَمْشُوا فِي الطِّينِ وَالدَّحَضِ .\rمُتَّفَقٌ","part":3,"page":110},{"id":1110,"text":"عَلَيْهِ وَيُعْذَرُ فِي تَرْكِ الْجَمَاعَةِ بِالرِّيحِ الشَّدِيدَةِ فِي اللَّيْلَةِ الْمُظْلِمَةِ الْبَارِدَةِ وَقَدْ رَوَى ابْنُ مَاجَهْ عَنْ ، ابْنِ عُمَرَ قَالَ { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُنَادِي مُنَادِيَهُ فِي اللَّيْلَةِ الْمَطِيرَةِ أَوْ اللَّيْلَةِ الْبَارِدَةِ .\rصَلُّوا فِي رِحَالِكُمْ } وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَنَحْوَهُ وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ الْبُخَارِيُّ ، وَمُسْلِمٌ إلَّا أَنَّ فِيهِ : فِي اللَّيْلَةِ الْبَارِدَةِ أَوْ الْمَطِيرَةِ فِي السَّفَرِ وَرَوَى أَبُو الْمَلِيحِ أَنَّهُ { شَهِدَ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَمَنَ الْحُدَيْبِيَةِ يَوْمَ جُمُعَةٍ ، وَأَصَابَهُمْ مَطَرٌ لَمْ يَبْتَلَّ أَسْفَلُ نِعَالِهِمْ فَأَمَرَهُمْ أَنْ يُصَلُّوا فِي رِحَالِهِمْ } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَيُعْذَرُ أَيْضًا مَنْ يُرِيدُ سَفَرًا ، وَيَخَافُ فَوَاتَ رُفْقَتِهِ .\rالنَّوْعُ الثَّانِي : الْخَوْفُ عَلَى مَالِهِ ؛ بِخُرُوجِهِ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ مِنْ السُّلْطَانِ وَاللُّصُوصِ وَأَشْبَاهِهِمَا ، أَوْ يَخَافُ أَنْ يُسْرَقَ مَنْزِلُهُ أَوْ يُحْرَقَ أَوْ شَيْءٌ مِنْهُ أَوْ يَكُونُ لَهُ خُبْزٌ فِي التَّنُّورِ ، أَوْ طَبِيخٌ عَلَى النَّارِ يَخَافُ حَرِيقَهُ بِاشْتِغَالِهِ عَنْهُ أَوْ يَكُونُ لَهُ غَرِيمٌ إنْ تَرَكَ مُلَازَمَتَهُ ذَهَبَ بِمَالِهِ ، أَوْ يَكُونُ لَهُ بِضَاعَةٌ أَوْ وَدِيعَةٌ عِنْدَ رَجُلٍ إنْ لَمْ يُدْرِكْهُ ذَهَبَ .\rفَهَذَا وَأَشْبَاهُهُ عُذْرٌ فِي التَّخَلُّفِ عَنْ الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَاتِ ؛ النَّوْعُ الثَّالِثُ : الْخَوْفُ عَلَى وَلَدِهِ وَأَهْلِهِ أَنْ يَضِيعُوا ، أَوْ يَكُونُ وَلَدُهُ ضَائِعًا فَيَرْجُو وُجُودَهُ فِي تِلْكَ الْحَالِ أَوْ يَكُونُ لَهُ قَرِيبٌ يَخَافُ إنْ تَشَاغَلَ بِهِمَا مَاتَ فَلَمْ يَشْهَدْهُ .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ ثَبَتَ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ اسْتَصْرَخَ عَلَى سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ بَعْدَ ارْتِفَاعِ الضُّحَى فَأَتَاهُ بِالْعَقِيقِ وَتَرَكَ الْجُمُعَةَ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ عَطَاءٍ ، وَالْحَسَنِ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَالشَّافِعِيِّ .","part":3,"page":111},{"id":1111,"text":"فَصْلٌ : وَيُعْذَرُ فِي تَرْكِهِمَا مَنْ يَخَافُ عَلَيْهِ النُّعَاسَ حَتَّى يَفُوتَاهُ فَيْصَلِي وَحْدَهُ وَيَنْصَرِفُ رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَدَخَلَ رَجُلٌ فَصَلَّى ، ثُمَّ جَاءَ فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّك لَمْ تُصَلِّ فَرَجَعَ فَصَلَّى ، ثُمَّ جَاءَ فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ ارْجِعْ فَصَلِّ ؛ فَإِنَّك لَمْ تُصَلِّ ثَلَاثًا فَقَالَ : وَاَلَّذِي بَعَثَك بِالْحَقِّ مَا أُحْسِنُ غَيْرَهُ فَعَلِّمْنِي .\rقَالَ : إذَا قُمْتَ إلَى الصَّلَاةِ فَكَبِّرْ ثُمَّ اقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنْ الْقُرْآنِ ، ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَعْتَدِلَ قَائِمًا ثُمَّ اُسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا ، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا ثُمَّ اُسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا ، ثُمَّ افْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلَاتِك كُلِّهَا } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ زَادَ مُسْلِمٌ { إذَا قُمْتَ إلَى الصَّلَاةِ فَأَسْبِغْ الْوُضُوءَ ثُمَّ اسْتَقْبِلْ الْقِبْلَةَ فَكَبِّرْ .\r} ( 883 )","part":3,"page":112},{"id":1112,"text":"( 885 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : وَمَنْ تَرَكَ تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ ، أَوْ قِرَاءَةَ الْفَاتِحَةِ - وَهُوَ إمَامٌ أَوْ مُنْفَرِدٌ - ، أَوْ الرُّكُوعَ ، أَوْ الِاعْتِدَالَ بَعْدَ الرُّكُوعِ ، أَوْ السُّجُودَ ، أَوْ الِاعْتِدَالَ بَعْدَ السُّجُودِ ، أَوْ التَّشَهُّدَ الْأَخِيرَ ، أَوْ السَّلَامَ ، بَطَلَتْ صَلَاتُهُ ، عَامِدًا أَوْ سَاهِيًا وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْمَشْرُوعَ فِي الصَّلَاةِ يَنْقَسِمُ قِسْمَيْنِ : وَاجِبٍ ، وَمَسْنُونٍ ، فَالْوَاجِبُ نَوْعَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، لَا يَسْقُطُ فِي الْعَمْدِ وَلَا فِي السَّهْوِ ، وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ الْخِرَقِيِّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ، وَهُوَ عَشَرَةُ أَشْيَاءَ : تَكْبِيرَةُ الْإِحْرَامِ ، وَقِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ لِلْإِمَامِ وَالْمُنْفَرِدِ ، وَالْقِيَامُ ، وَالرُّكُوعُ حَتَّى يَطْمَئِنَّ ، وَالِاعْتِدَالُ عَنْهُ حَتَّى يَطْمَئِنَّ ، وَالسُّجُودُ حَتَّى يَطْمَئِنَّ ، وَالِاعْتِدَالُ عَنْهُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ حَتَّى يَطْمَئِنَّ ؛ وَالتَّشَهُّدُ فِي آخِرِ الصَّلَاةِ ، وَالْجُلُوسُ لَهُ ، وَالسَّلَامُ ، وَتَرْتِيبُ الصَّلَاةِ ، عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ .\rفَهَذِهِ تُسَمَّى أَرْكَانًا لِلصَّلَاةِ لَا تَسْقُطُ فِي عَمْدٍ وَلَا سَهْوٍ .\rوَفِي وُجُوبِ بَعْضِ ذَلِكَ اخْتِلَافٌ ذَكَرْنَاهُ فِيمَا مَضَى .\rوَقَدْ دَلَّ عَلَى وُجُوبِهَا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ الْمُسِيءِ فِي صَلَاتِهِ .\rفَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ : لَمْ تُصَلِّ وَأَمَرَهُ بِإِعَادَةِ الصَّلَاةِ ، فَلَمَّا سَأَلَهُ أَنْ يُعَلِّمَهُ عَلَّمَهُ هَذِهِ الْأَفْعَالَ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَكُونُ مُصَلِّيًا بِدُونِهَا .\rوَدَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّهَا لَا تَسْقُطُ بِالسَّهْوِ ؛ فَإِنَّهَا لَوْ سَقَطَتْ بِالسَّهْوِ ، لَسَقَطَتْ عَنْ الْأَعْرَابِيِّ لِكَوْنِهِ جَاهِلًا بِهَا .\rوَالْجَاهِلُ كَالنَّاسِي .\rفَأَمَّا بُطْلَانُ الصَّلَاةِ بِتَرْكِهَا فَفِيهِ تَفْصِيلٌ ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَخْلُو ؛ إمَّا أَنْ يَتْرُكَهَا عَمْدًا أَوْ سَهْوًا .\rفَإِنَّ مَنْ تَرَكَهَا عَمْدًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ فِي الْحَالِ ، وَإِنْ تَرَكَ شَيْئًا مِنْهَا سَهْوًا ، ثُمَّ ذَكَرَهُ فِي الصَّلَاةِ ، أَتَى بِهِ ، عَلَى مَا سَنُبَيِّنُهُ فِيمَا","part":3,"page":113},{"id":1113,"text":"بَعْدُ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ ، وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْهُ حَتَّى فَرَغَ مِنْ الصَّلَاةِ .\rفَإِنْ طَالَ الْفَصْلُ .\rابْتَدَأَ الصَّلَاةَ ، وَإِنْ لَمْ يَطُلْ بَنَى عَلَيْهَا ، نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى هَذَا ، فِي رِوَايَةِ جَمَاعَةٍ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَنَحْوَهُ قَالَ مَالِكٌ وَيُرْجَعُ فِي طُولِ الْفَصْلِ وَقِصَرِهِ إلَى الْعَادَةِ وَالْعُرْفِ .\rوَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ فَقَالَ بَعْضُهُمْ كَقَوْلِنَا وَقَالَ بَعْضُهُمْ : الْفَصْلُ الطَّوِيلُ قَدْرُ رَكْعَةٍ وَهُوَ الْمَنْصُوصُ عَنْ الشَّافِعِيِّ وَقَالَ بَعْضُهُمْ قَدْرُ الصَّلَاةِ الَّتِي نَسِيَ فِيهَا وَاَلَّذِي قُلْنَا أَصَحُّ لِأَنَّهُ لَا حَدَّ لَهُ فِي الشَّرْعِ فَيُرْجَعُ إلَى الْعُرْفِ فِيهِ وَلَا يَجُوزُ التَّقْدِيرُ بِالتَّحَكُّمِ .\rوَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا : مَتَى تَرَكَ رُكْنًا فَلَمْ يُدْرِكْهُ حَتَّى سَلَّمَ ، بَطَلَتْ صَلَاتُهُ .\rقَالَ النَّخَعِيُّ ، وَالْحَسَنُ مِنْ نَسِيَ سَجْدَةً مِنْ صَلَاةٍ ، ثُمَّ ذَكَرَهَا فِي الصَّلَاةِ ، سَجَدَهَا مَتَى ذَكَرَهَا ، فَإِذَا قَضَى صَلَاتَهُ ، سَجَدَ سَجْدَتَيْ السَّهْوِ .\rوَعَنْ مَكْحُولٍ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ أَسْلَمَ الطُّوسِيِّ فِي الْمُصَلِّي يَنْسَى سَجْدَةً أَوْ رَكْعَةً ، يُصَلِّيهَا مَتَى مَا ذَكَرَهَا ، وَيَسْجُدُ سَجْدَتَيْ السَّهْوِ .\rوَعَنْ الْأَوْزَاعِيِّ فِي رَجُلٍ نَسِيَ سَجْدَةً مِنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ ، فَذَكَرَهَا فِي صَلَاةِ الْعَصْرِ ، يَمْضِي فِي صَلَاتِهِ ، فَإِذَا فَرَغَ سَجَدَهَا .\rوَلَنَا ، عَلَى أَنَّ الصَّلَاةَ لَا تَبْطُلُ مَعَ قُرْبِ الْفَصْلِ ، أَنَّهُ لَوْ تَرَكَ رَكْعَةً أَوْ أَكْثَرَ ، فَذَكَرَ قَبْلَ أَنْ يَطُولَ الْفَصْلُ ، أَتَى بِمَا تَرَكَ ، وَلَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ إجْمَاعًا .\rوَقَدْ دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيثُ ذِي الْيَدَيْنِ فَإِذَا تَرَكَ رُكْنًا وَاحِدًا ، فَأَوْلَى أَنْ لَا تَبْطُلَ الصَّلَاةُ ؛ فَإِنَّهُ لَا يَزِيدُ عَلَى تَرْكِ رَكْعَةٍ .\rوَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الصَّلَاةَ تَبْطُلُ بِتَطَاوُلِ الْفَصْلِ ، أَنَّهُ أَخَلَّ بِالْمُوَالَاةِ ، فَلَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ كَمَا لَوْ ذَكَرَ فِي يَوْمٍ ثَانٍ .\r( 884 ) فَصْلٌ : وَيَلْزَمُهُ أَنْ يَأْتِيَ بِرَكْعَةٍ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمَنْسِيُّ","part":3,"page":114},{"id":1114,"text":"التَّشَهُّدَ وَالسَّلَامَ ، فَإِنَّهُ يَأْتِي بِهِ وَيُسَلِّمُ ، ثُمَّ يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ يَأْتِي بِالرُّكْنِ وَمَا بَعْدَهُ لَا غَيْرُ .\rوَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى هَذَا فِي بَابِ سُجُودِ السَّهْوِ .\rقَالَ أَحْمَدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - .\rفِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ ، فِيمَنْ نَسِيَ سَجْدَةً مِنْ الرَّكْعَةِ الرَّابِعَةِ ، ثُمَّ سَلَّمَ وَتَكَلَّمَ : إذَا كَانَ الْكَلَامُ الَّذِي تَكَلَّمَ بِهِ مِنْ شَأْنِ الصَّلَاةِ ، قَضَى رَكْعَةً ، لَا يَعْتَدُّ بِالرَّكْعَةِ الْأَخِيرَةِ ؛ لِأَنَّهَا لَا تَتِمُّ إلَّا بِسَجْدَتَيْهَا ، فَلَمَّا لَمْ يَسْجُدْ مَعَ الرَّكْعَةِ سَجْدَتَيْهَا ، وَأَخَذَ فِي عَمَلٍ بَعْدَ السَّجْدَةِ الْوَاحِدَةِ ، قَضَى رَكْعَةً ، ثُمَّ تَشَهَّدَ وَسَلَّمَ وَسَجَدَ سَجْدَتَيْ السَّهْوِ .\rوَإِنْ تَكَلَّمَ بِشَيْءٍ مِنْ غَيْرِ شَأْنِ الصَّلَاةِ ، ابْتَدَأَ الصَّلَاةَ .\rقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ وَبِهَذَا كَانَ يَقُولُ مَالِكٌ زَعَمُوا .\rوَلَعَلَّ أَحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ ، ذَهَبَ إلَى حَدِيثِ ذِي الْيَدَيْنِ ، وَأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَكَلَّمَ وَسَأَلَ أَبَا بَكْرٍ ، وَعُمَرَ : \" أَحَقٌّ مَا يَقُولُ ذُو الْيَدَيْنِ ؟ ثُمَّ بَنَى عَلَى مَا مَضَى مِنْ صَلَاتِهِ .\rوَفِي الْجُمْلَةِ فَالْحُكْمُ فِي تَرْكِ رُكْنٍ مِنْ رَكْعَةٍ كَالْحُكْمِ فِي تَرْكِ الرَّكْعَةِ بِكَمَالِهَا .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .\r( 885 ) فَصْلٌ : وَتَخْتَصُّ تَكْبِيرَةُ الْإِحْرَامِ مِنْ بَيْنِ الْأَرْكَانِ بِأَنَّ الصَّلَاةَ لَا تَنْعَقِدُ بِتَرْكِهَا ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { تَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ } .\rوَلَا يَدْخُلُ فِي الصَّلَاةِ بِدُونِهَا .\rوَيَخْتَصُّ الْقِيَامُ بِسُقُوطِهِ فِي النَّوَافِلِ ؛ لِأَنَّهُ يَطُولُ فَيَشُقُّ ، فَسَقَطَ فِي النَّافِلَةِ ، مُبَالَغَةً فِي تَكْثِيرِهَا ، كَمَا سَقَطَ التَّوَجُّهُ فِيهَا فِي السَّفَرِ عَلَى الرَّاحِلَةِ ، مُبَالَغَةً فِي تَكْثِيرِهَا .\rوَتَخْتَصُّ قِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ بِسُقُوطِهَا عَنْ الْمَأْمُومِ ؛ لِأَنَّ قِرَاءَةَ إمَامِهِ لَهُ قِرَاءَةٌ .\rوَيَخْتَصُّ السَّلَامُ بِأَنَّهُ إذَا نَسِيَهُ أَتَى بِهِ خَاصَّةً .","part":3,"page":115},{"id":1115,"text":"( 886 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : وَمَنْ تَرَكَ شَيْئًا مِنْ التَّكْبِيرِ - غَيْرَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ - ، أَوْ التَّسْبِيحِ فِي الرُّكُوعِ ، أَوْ التَّسْبِيحِ فِي السُّجُودِ ، أَوْ قَوْلِ : سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ ، أَوْ قَوْلِ : رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ ، أَوْ رَبِّ اغْفِرْ لِي ، رَبِّ اغْفِرْ لِي ، أَوْ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ ، أَوْ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ عَامِدًا ، بَطَلَتْ صَلَاتُهُ .\rوَمَنْ تَرَكَ شَيْئًا مِنْهُ سَاهِيًا أَتَى بِسَجْدَتَيْ السَّهْوِ هَذَا النَّوْعُ الثَّانِي مِنْ الْوَاجِبَاتِ ، وَهِيَ ثَمَانِيَةٌ ، وَفِي وُجُوبِهَا رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، أَنَّهَا وَاجِبَةٌ ، وَهُوَ قَوْلُ إِسْحَاقَ وَالْأُخْرَى ، لَيْسَتْ وَاجِبَةً ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ ، إلَّا أَنَّ الشَّافِعِيَّ أَوْجَبَ مِنْهَا الصَّلَاةَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَضَمَّهُ إلَى الْأَرْكَانِ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى كَقَوْلِهِ .\rوَقَدْ ذَكَرْنَا الدَّلِيلَ عَلَى وُجُوبِهَا فِيمَا مَضَى ، وَذَكَرْنَا حَدِيثَ يَحْيَى بْنِ خَلَّادٍ ، عَنْ عَمِّهِ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { إنَّهُ لَا تَتِمُّ الصَّلَاةُ لِأَحَدٍ مِنْ النَّاسِ حَتَّى يَتَوَضَّأَ ، وَيَضَعَ الْوُضُوءَ مَوَاضِعَهُ ، ثُمَّ يُكَبِّرَ وَيَحْمَدَ اللَّهَ وَيُثْنِيَ عَلَيْهِ ، وَيَقْرَأَ بِمَا شَاءَ مِنْ الْقُرْآنِ ، ثُمَّ يَقُولَ : اللَّهُ أَكْبَرُ ، ثُمَّ يَرْكَعَ حَتَّى تَطْمَئِنَّ مَفَاصِلُهُ ، ثُمَّ يَقُولَ : سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ حَتَّى يَسْتَوِيَ قَائِمًا ، ثُمَّ يَقُولَ اللَّهُ أَكْبَرُ ، ثُمَّ يَسْجُدَ حَتَّى تَطْمَئِنَّ مَفَاصِلُهُ ، ثُمَّ يَقُولَ اللَّهُ أَكْبَرُ ، وَيَرْفَعَ رَأْسَهُ حَتَّى يَسْتَوِيَ قَاعِدًا ، ثُمَّ يَقُولَ : اللَّهُ أَكْبَرُ ، ثُمَّ يَسْجُدَ حَتَّى تَطْمَئِنَّ مَفَاصِلُهُ ، ثُمَّ يَرْفَعَ رَأْسَهُ فَيُكَبِّرَ ، فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ تَمَّتْ صَلَاتُهُ } .\rوَفِي رِوَايَةٍ : لَا تَتِمُّ صَلَاةُ أَحَدِكُمْ حَتَّى يَفْعَلَ ذَلِكَ .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَحُكْمُ هَذِهِ الْوَاجِبَاتِ - إذَا قُلْنَا بِوُجُوبِهَا - أَنَّهُ إنْ","part":3,"page":116},{"id":1116,"text":"تَرَكَهَا عَمْدًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ .\rوَإِنْ تَرَكَهَا سَهْوًا وَجَبَ عَلَيْهِ السُّجُودُ لِلسَّهْوِ ؛ وَالْأَصْلُ فِيهِ حَدِيثُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ قَامَ إلَى ثَالِثَةٍ وَتَرَكَ التَّشَهُّدَ الْأَوَّلَ ، فَسَبَّحُوا بِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ ، حَتَّى إذَا جَلَسَ لِلتَّسْلِيمِ ، سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ ، قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ ، ثُمَّ سَلَّمَ .\rفِي حَدِيثِ ابْنِ بُحَيْنَةَ .\rوَلَوْلَا أَنَّ التَّشَهُّدَ سَقَطَ بِالسَّهْوِ لَرَجَعَ إلَيْهِ ، وَلَوْلَا أَنَّهُ وَاجِبٌ لَمَا سَجَدَ جَبْرًا لِنِسْيَانِهِ ، وَغَيْرُ التَّشَهُّدِ مِنْ الْوَاجِبَاتِ مَقِيسٌ عَلَيْهِ ، وَمُشَبَّهٌ بِهِ ، وَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ لِلْعِبَادَةِ وَاجِبَاتٌ يَتَخَيَّرُ إذَا تَرَكَهَا ، وَأَرْكَانٌ لَا تَصِحُّ الْعِبَادَةُ بِدُونِهَا ، كَالْحَجِّ فِي وَاجِبَاتِهِ وَأَرْكَانِهِ .\r( 887 ) فَصْلٌ : وَضَمَّ بَعْضُ أَصْحَابِنَا إلَى هَذِهِ الْوَاجِبَاتِ نِيَّةَ الْخُرُوجِ مِنْ الصَّلَاةِ فِي سَلَامِهِ ، وَالتَّسْلِيمَةَ الثَّانِيَةَ ، وَقَدْ دَلَّلْنَا عَلَى أَنَّهُمَا لَيْسَتَا بِوَاجِبَتَيْنِ .\rوَهُوَ اخْتِيَارُ الْخِرَقِيِّ لِكَوْنِهِ لَمْ يَذْكُرْهُمَا فِي عَدَدِ الْوَاجِبَاتِ .\rوَيَخْتَصُّ { رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ } بِالْمَأْمُومِ وَالْمُنْفَرِدِ ، وَفِي الْمُنْفَرِدِ رِوَايَةٌ أُخْرَى ، أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ ، وَيَخْتَصُّ قَوْلُ : سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ ، بِالْإِمَامِ وَالْمُنْفَرِدِ .\rالْقِسْمُ الثَّانِي مِنْ الْمَشْرُوعِ فِي الصَّلَاةِ : الْمَسْنُونُ وَهُوَ مَا عَدَا مَا ذَكَرْنَاهُ ، وَهُوَ اثْنَانِ وَثَلَاثُونَ ؛ رَفْعُ الْيَدَيْنِ عِنْدَ الْإِحْرَامِ ، وَالرُّكُوعُ ، وَالرَّفْعُ مِنْهُ ، وَوَضْعُ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى ، وَحَطُّهَا تَحْتَ السُّرَّةِ ، وَالنَّظَرُ إلَى مَوْضِعِ سُجُودِهِ ، وَالِاسْتِفْتَاحُ وَالتَّعَوُّذُ ، وَقِرَاءَةُ { بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ } وَقَوْلُ \" آمِينَ \" ، وَقِرَاءَةُ السُّورَةِ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ ، وَالْجَهْرُ وَالْإِسْرَارُ فِي مَوَاضِعِهِمَا ، وَوَضْعُ الْيَدَيْنِ عَلَى الرُّكْبَتَيْنِ فِي الرُّكُوعِ ، وَمَدُّ الظَّهْرِ وَالِانْحِنَاءُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ .\rوَمَا زَادَ","part":3,"page":117},{"id":1117,"text":"عَلَى التَّسْبِيحَةِ الْوَاحِدَةِ فِيهِمَا ، وَمَا زَادَ عَلَى الْمَرَّةِ فِي سُؤَالِ الْمَغْفِرَةِ ، وَقَوْلُ { مِلْءَ السَّمَاءِ } بَعْدَ التَّحْمِيدِ ، وَالْبِدَايَةُ بِوَضْعِ الرُّكْبَتَيْنِ قَبْلَ الْيَدَيْنِ فِي السُّجُودِ ، وَرَفْعُهُمَا فِي الْقِيَامِ ، وَالتَّفْرِيقُ بَيْنَ رُكْبَتَيْهِ فِي السُّجُودِ ، وَوَضْعُ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ أَوْ حَذْوَ أُذُنَيْهِ ، وَفَتْحُ أَصَابِعِ رِجْلَيْهِ فِيهِ ، وَفِي الْجُلُوسِ ، وَالِافْتِرَاشُ فِي التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ ، وَالْجُلُوسُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ ، وَالتَّوَرُّكُ فِي الثَّانِي ، وَوَضْعُ الْيَدِ الْيُمْنَى عَلَى الْفَخِذِ الْيُمْنَى مَقْبُوضَةً مُحَلَّقَةً ، وَالْإِشَارَةُ بِالسَّبَّابَةِ ، وَوَضْعُ الْيَدِ الْأُخْرَى عَلَى الْفَخِذِ الْأُخْرَى مَبْسُوطَةً ، وَالِالْتِفَاتُ عَلَى الْيَمِينِ وَالشِّمَالِ فِي التَّسْلِيمَتَيْنِ ، وَالسُّجُودُ عَلَى أَنْفِهِ ، وَجَلْسَةُ الِاسْتِرَاحَةِ ، وَالتَّسْلِيمَةُ الثَّانِيَةُ ، وَنِيَّةُ الْخُرُوجِ مِنْ الصَّلَاةِ فِي سَلَامِهِ عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ فِيهِنَّ .\rوَحُكْمُ هَذِهِ السُّنَنِ جَمِيعِهَا أَنَّ الصَّلَاةَ لَا تَبْطُلُ بِتَرْكِهَا عَمْدًا وَلَا سَهْوًا ، وَفِي السُّجُودِ لَهَا عِنْدَ السَّهْوِ عَنْهَا تَفْصِيلٌ ، نَذْكُرُهُ فِي مَوْضِعِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ .","part":3,"page":118},{"id":1118,"text":"( 888 ) فَصْلٌ : وَيُشْتَرَطُ لِلصَّلَاةِ سِتَّةُ أَشْيَاءَ ؛ الطَّهَارَةُ مِنْ الْحَدَثِ ، وَالطَّهَارَةُ مِنْ النَّجَاسَةِ ، وَالسُّتْرَةُ ، وَاسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ ، وَدُخُولُ الْوَقْتِ ، وَالنِّيَّةُ .\rفَمَتَى أَخَلَّ بِشَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الشُّرُوطِ لِغَيْرِ عُذْرٍ لَمْ تَنْعَقِدْ صَلَاتُهُ .\rوَتَخْتَصُّ النِّيَّةُ بِأَنَّهَا لَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ مَعَ عَدَمِهَا بِحَالٍ لَا فِي حَقِّ مَعْذُورٍ وَلَا غَيْرِهِ .\rوَيَخْتَصُّ الْوَقْتُ بِبَعْضِ الصَّلَوَاتِ .\rوَكُلُّ مَا اُعْتُبِرَ لَهُ وَقْتٌ فَلَا يَصِحُّ قَبْلَ وَقْتِهِ ، إلَّا الثَّانِيَةَ مِنْ الْمَجْمُوعَتَيْنِ ، تُفْعَلُ فِي وَقْتِ الْأُولَى حَالَ الْعُذْرِ ، إذَا جُمِعَ بَيْنَهُمَا .\rوَبَقِيَّةُ الشُّرُوطِ تَسْقُطُ بِالْعُذْرِ ، عَلَى تَفْصِيلٍ ذُكِرَ فِي مَوَاضِعِهِ ، فِيمَا مَضَى .","part":3,"page":119},{"id":1119,"text":"فَصْلٌ : يُسْتَحَبُّ لِلْمُصَلِّي أَنْ يَجْعَلَ نَظَرَهُ إلَى مَوْضِعِ سُجُودِهِ .\rقَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ : الْخُشُوعُ فِي الصَّلَاةِ : أَنْ يَجْعَلَ نَظَرَهُ إلَى مَوْضِعِ سُجُودِهِ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ يَسَارٍ ، وَقَتَادَةَ ، وَحُكِيَ عَنْ شَرِيكٍ ، أَنَّهُ قَالَ : يَنْظُرُ فِي حَالِ قِيَامِهِ إلَى مَوْضِعِ سُجُودِهِ ، وَفِي رُكُوعِهِ إلَى قَدَمَيْهِ ، وَفِي حَالِ سُجُودِهِ إلَى أَنْفِهِ ، وَفِي حَالِ التَّشَهُّدِ إلَى حِجْرِهِ .\rوَقَدْ رَوَى أَبُو طَالِبٍ الْعُشَارِيُّ ، فِي الْأَفْرَادِ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ ، قَالَ : { قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَيْنَ أَجْعَلُ بَصَرِي فِي الصَّلَاةِ ؟ قَالَ : مَوْضِعَ سُجُودِكَ .\rقَالَ : قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنَّ ذَلِكَ لَشَدِيدٌ ، إنَّ ذَلِكَ لَا أَسْتَطِيعُ .\rقَالَ : فَفِي الْمَكْتُوبَةِ إذًا } .\rوَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُفَرِّجَ بَيْنَ قَدَمَيْهِ ، وَيُرَاوِحَ بَيْنَهُمَا إذَا طَالَ جُلُوسُهُ ، يَعْتَمِدُ عَلَى هَذِهِ مَرَّةً ، وَعَلَى هَذِهِ مَرَّةً ، وَلَا يُكْثِرُ ذَلِكَ ، لِمَا رَوَى الْأَثْرَمُ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ قَالَ : رَأَى عَبْدُ اللَّهِ رَجُلًا يُصَلِّي صَافًّا بَيْنَ قَدَمَيْهِ ، فَقَالَ : لَوْ رَاوَحَ هَذَا بَيْنَ قَدَمَيْهِ كَانَ أَفْضَلَ .\rوَرَوَاهُ النَّسَائِيّ ، وَلَفْظُهُ : فَقَالَ أَخْطَأَ السُّنَّةَ ، وَلَوْ رَاوَحَ بَيْنَهُمَا كَانَ أَعْجَبَ إلَيَّ .\rقَالَ الْأَثْرَمُ : رَأَيْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يُفَرِّجُ بَيْنَ قَدَمَيْهِ ، وَرَأَيْته يُرَاوِحُ بَيْنَهُمَا .\rوَرُوِيَ هَذَا عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ ، وَالْحَسَنِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا عِنْدَ طُولِ الْقِيَامِ كَمَا قَالَ عَطَاءٌ ، قَالَ : إنِّي لَأُحِبُّ أَنْ يُقِلَّ فِيهِ التَّحْرِيكَ ، وَأَنْ يَعْتَدِلَ قَائِمًا عَلَى قَدَمَيْهِ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ إنْسَانًا كَبِيرًا لَا يَسْتَطِيعُ ذَلِكَ ، وَأَمَّا التَّطَوُّعُ فَإِنَّهُ يَطُولُ عَلَى الْإِنْسَانِ فَلَا بُدَّ مِنْ التَّوَكُّؤِ عَلَى هَذِهِ مَرَّةً وَعَلَى هَذِهِ مَرَّةً .","part":3,"page":120},{"id":1120,"text":"( 890 ) فَصْلٌ : يُكْرَهُ أَنْ يَتْرُكَ شَيْئًا مِنْ سُنَنِ الصَّلَاةِ ، وَيُكْرَهُ أَنْ يَلْتَفِتَ فِي الصَّلَاةِ لِغَيْرِ حَاجَةٍ ؛ لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ : { سَأَلْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْتِفَاتِ الرَّجُلِ فِي الصَّلَاةِ ؟ فَقَالَ : هُوَ اخْتِلَاسٌ يَخْتَلِسُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ صَلَاةِ الْعَبْدِ .\r} مِنْ الصِّحَاحِ ، رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ .\rوَفِي الْمُسْنَدِ ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا يَزَالُ اللَّهُ مُقْبِلًا عَلَى الْعَبْدِ وَهُوَ فِي صَلَاتِهِ ، مَا لَمْ يَلْتَفِتْ ، فَإِذَا الْتَفَتَ انْصَرَفَ عَنْهُ } .\rرَوَاهُمَا أَبُو دَاوُد .\rوَلِأَنَّهُ يَشْغَلُ عَنْ الصَّلَاةِ ، فَكَانَ تَرْكُهُ أَوْلَى .\rفَإِنْ كَانَ لِحَاجَةٍ لَمْ يُكْرَهْ ؛ لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد ، عَنْ سَهْلِ بْنِ الْحَنْظَلِيَّةِ ، قَالَ : { ثُوِّبَ بِالصَّلَاةِ ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي وَهُوَ يَلْتَفِتُ إلَى الشِّعْبِ .\r} قَالَ أَبُو دَاوُد وَكَانَ أَرْسَلَ فَارِسًا إلَى الشِّعْبِ يَحْرُسُ .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَلْتَفِتُ يَمِينًا وَشِمَالًا ، وَلَا يَلْوِي عُنُقَهُ خَلْفَ ظَهْرِهِ .\r} رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَلَا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِالِالْتِفَاتِ إلَّا أَنْ يَسْتَدِيرَ بِجُمْلَتِهِ عَنْ الْقِبْلَةِ ، أَوْ يَسْتَدْبِرَ الْقِبْلَةَ .\rلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَلَهُ ، وَبِهَذَا قَالَ أَبُو ثَوْرٍ .\rقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : وَجُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّ الِالْتِفَاتَ لَا يُفْسِدُ الصَّلَاةَ إذَا كَانَ يَسِيرًا .\rوَيُكْرَهُ رَفْعُ الْبَصَرِ لِمَا رَوَى الْبُخَارِيُّ أَنَّ أَنَسًا ، قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَرْفَعُونَ أَبْصَارَهُمْ إلَى السَّمَاءِ فِي صَلَاتِهِمْ ، فَاشْتَدَّ قَوْلُهُ فِي ذَلِكَ ، حَتَّى قَالَ : لَيَنْتَهِيَنَّ ، أَوْ لَتُخْطَفَنَّ أَبْصَارُهُمْ } .\rوَيُكْرَهُ أَنْ يَنْظُرَ إلَى مَا","part":3,"page":121},{"id":1121,"text":"يُلْهِيهِ ، أَوْ يَنْظُرَ فِي كِتَابٍ ؛ لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ : { صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي خَمِيصَةٍ لَهَا أَعْلَامٌ .\rفَقَالَ : شَغَلَتْنِي أَعْلَامُ هَذِهِ ، اذْهَبُوا بِهَا إلَى أَبِي جَهْمِ بْنِ حُذَيْفَةَ ، وَأْتُونِي بِأَنْبِجَانِيَّتِهِ } .\rرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ، وَمُسْلِمٌ ، وَأَبُو دَاوُد .\rوَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَائِشَةَ : { أَمِيطِي عَنَّا قِرَامَكِ هَذَا ؛ فَإِنَّهُ لَا يَزَالُ تَصَاوِيرُهُ تَعْرِضُ لِي فِي صَلَاتِي } .\rرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ .\rوَيُكْرَهُ أَنْ يُصَلِّي وَيَدُهُ عَلَى خَاصِرَتِهِ ؛ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى أَنْ يُصَلِّيَ الرَّجُلُ مُتَخَصِّرًا .\r} رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ، وَمُسْلِمٌ .\rوَعَنْ زِيَادِ بْنِ صُبَيْحٍ الْحَنَفِيِّ ، قَالَ : { صَلَّيْت إلَى جَنْبِ ابْنِ عُمَرَ ، فَوَضَعْتُ يَدَيَّ عَلَى خَاصِرَتَيَّ ، فَلَمَّا صَلَّى قَالَ : هَذَا الصَّلْبُ فِي الصَّلَاةِ ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْهَى عَنْهُ .\r} رَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَيُكْرَهُ أَنْ يُصَلِّيَ وَهُوَ مَعْقُوصٌ أَوْ مَكْتُوفٌ ؛ لِمَا رَوَى مُسْلِمٌ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ : { أَنَّهُ رَأَى عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْحَارِثِ يُصَلِّي ، وَرَأْسُهُ مَعْقُوصٌ مِنْ وَرَائِهِ ، فَقَامَ فَجَعَلَ يَحُلُّهُ ، فَلَمَّا انْصَرَفَ أَقْبَلَ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ، فَقَالَ : مَا لَك وَرَأْسِي ؟ فَقَالَ : إنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : إنَّمَا مَثَلُ هَذَا مَثَلُ الَّذِي يُصَلِّي وَهُوَ مَكْتُوفٌ .\r} وَيُكْرَهُ أَنْ يَكُفَّ شَعَرَهُ وَثِيَابَهُ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { أُمِرْت أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْضَاءٍ ، وَلَا أَكُفَّ شَعَرًا وَلَا ثَوْبًا } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَيُكْرَهُ التَّشْبِيكُ فِي الصَّلَاةِ ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ مَاجَهْ ، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ، { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى رَجُلًا قَدْ شَبَّكَ أَصَابِعَهُ فِي الصَّلَاةِ ، فَفَرَّجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى","part":3,"page":122},{"id":1122,"text":"اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ .\r} وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ ، فِي الَّذِي يُصَلِّي وَهُوَ مُشَبِّكٌ يَدَيْهِ : تِلْكَ صَلَاةُ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ .\rوَيُكْرَهُ فَرْقَعَةُ الْأَصَابِعِ ، لِمَا رَوَى ابْنُ مَاجَهْ ، عَنْ عَلِيٍّ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { لَا تُفَرْقِعْ أَصَابِعَك وَأَنْتَ فِي الصَّلَاةِ } .\rوَيُكْرَهُ أَنْ يَعْتَمِدَ عَلَى يَدِهِ فِي الْجُلُوسِ فِي الصَّلَاةِ ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ : { نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَجْلِسَ الرَّجُلُ فِي الصَّلَاةِ وَهُوَ مُعْتَمِدٌ عَلَى يَدِهِ .\r} وَيُكْرَهُ مَسْحُ الْحَصَا ؛ لِمَا رَوَى أَحْمَدُ ، فِي الْمُسْنَدِ ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إذَا قَامَ أَحَدُكُمْ إلَى الصَّلَاةِ فَإِنَّ الرَّحْمَةَ تُوَاجِهُهُ ، فَلَا يَمْسَحْ الْحَصَا } .\rوَعَنْ مُعَيْقِيبٍ ، قَالَ : { قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَسْحِ الْحَصَا فِي الصَّلَاةِ : إنْ كُنْت فَاعِلًا فَمَرَّةً وَاحِدَةً } .\rرَوَاهُ مُسْلِمٌ ، وَرَوَاهُمَا ابْنُ مَاجَهْ ، وَأَبُو دَاوُد .\rوَيُكْرَهُ الْعَبَثُ كُلُّهُ ، وَمَا يَشْغَلُ عَنْ الصَّلَاةِ وَيَذْهَبُ بِخُشُوعِهَا ، وَقَدْ رُوِيَ ، { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى رَجُلًا يَعْبَثُ فِي الصَّلَاةِ ، فَقَالَ : لَوْ خَشَعَ قَلْبُ هَذَا لَخَشَعَتْ جَوَارِحُهُ } .\rوَلَا نَعْلَمُ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي كَرَاهَةِ هَذَا كُلِّهِ اخْتِلَافًا ، وَمِمَّنْ كَرِهَهُ الشَّافِعِيُّ ، وَنُقِلَ كَرَاهَةُ بَعْضِهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَعَائِشَةَ ، وَمُجَاهِدٍ ، وَالنَّخَعِيِّ ، وَأَبِي مِجْلَزٍ وَمَالِكٍ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَإِسْحَاقَ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ .\rوَيُكْرَهُ أَنْ يُلْصِقَ إحْدَى قَدَمَيْهِ بِالْأُخْرَى فِي حَالِ قِيَامِهِ ؛ لِمَا رَوَى الْأَثْرَمُ ، عَنْ عُيَيْنَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، قَالَ : كُنْت مَعَ أَبِي فِي الْمَسْجِدِ ، فَرَأَى رَجُلًا يُصَلِّي ، قَدْ صَفَّ بَيْنَ قَدَمَيْهِ ، وَأَلْزَقَ إحْدَاهُمَا بِالْأُخْرَى ، فَقَالَ أَبِي : لَقَدْ أَدْرَكْت فِي هَذَا الْمَسْجِدِ","part":3,"page":123},{"id":1123,"text":"ثَمَانِيَةَ عَشَرَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا رَأَيْت أَحَدًا مِنْهُمْ فَعَلَ هَذَا قَطُّ .\rوَكَانَ ابْنُ عُمَرَ لَا يُفَرِّجُ بَيْنَ قَدَمَيْهِ ، وَلَا يَمَسُّ إحْدَاهُمَا بِالْأُخْرَى ، وَلَكِنْ بَيْنَ ذَلِكَ ، لَا يُقَارِبُ وَلَا يُبَاعِدُ .\rوَيُكْرَهُ أَنْ يُغْمِضَ عَيْنَيْهِ فِي الصَّلَاةِ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ؛ وَقَالَ : هُوَ فِعْلُ الْيَهُودِ .\rوَكَذَلِكَ قَالَ سُفْيَانُ ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مُجَاهِدٍ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ .\rوَرُوِيَ عَنْ الْحَسَنِ جَوَازُهُ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إذَا قَامَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ فَلَا يُغْمِضْ عَيْنَيْهِ } .\rرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي مُعْجَمِهِ ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ .\rوَقَالَ : هَذَا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ .\rوَيُكْرَهُ أَنْ يُكْثِرَ الرَّجُلُ مَسْحَ جَبْهَتِهِ فِي الصَّلَاةِ ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ الْمُنْذِرِ ، عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ، قَالَ مِنْ الْجَفَاءِ أَنْ يُكْثِرَ الرَّجُلُ مَسْحَ جَبْهَتِهِ ، قَبْلَ أَنْ يَفْرُغَ مِنْ الصَّلَاةِ ، وَرُوِيَ أَيْضًا مَرْفُوعًا .\rوَكَرِهَهُ الْأَوْزَاعِيُّ وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ : هُوَ مِنْ الْجَفَاءِ .\rوَرَوَى الْأَثْرَمُ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : لَا تَمْسَحْ جَبْهَتَكَ .\rوَلَا تَنْفُخْ ، وَلَا تُحَرِّكْ الْحَصَا .\rوَرَخَّصَ فِيهِ مَالِكٌ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَكَرِهَ أَحْمَدُ التَّرَوُّحَ فِي الصَّلَاةِ ، إلَّا مِنْ الْغَمِّ الشَّدِيدِ .\rوَبِذَلِكَ قَالَ إِسْحَاقُ وَكَرِهَهُ عَطَاءٌ ، وَأَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَمُسْلِمُ بْنُ يَسَارٍ ، وَمَالِكٌ .\rوَرَخَّصَ فِيهِ ابْنُ سِيرِينَ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَالْحَسَنُ ، وَعَائِشَةُ بِنْتُ سَعْدٍ .\rوَكُرِهَ التَّمَيُّلُ فِي الصَّلَاةِ .\rلِمَا رَوَى النَّجَّادُ ، بِإِسْنَادِهِ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { إذَا قَامَ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ فَلْيُسَكِّنْ أَطْرَافَهُ .\rوَلَا يَتَمَيَّلْ مِثْلَ الْيَهُودِ } .\rوَلَا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِجَمِيعِ ذَلِكَ ، إلَّا مَا كَانَ مِنْهَا فِعْلًا ،","part":3,"page":124},{"id":1124,"text":"كَالْعَبَثِ ، وَفَرْقَعَةِ الْأَصَابِعِ ، إذَا كَثُرَ مُتَوَالِيًا ، فَإِنَّهُ يُبْطِلُ الصَّلَاةَ .","part":3,"page":125},{"id":1125,"text":"( 891 ) فَصْلٌ : وَلَا بَأْسَ بِعَدِّ الْآيِ فِي الصَّلَاةِ .\rوَتَوَقَّفَ أَحْمَدُ عَنْ عَدِّ التَّسْبِيحِ ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ : لَا بَأْسَ بِهِ ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى عَدِّ الْآيِ .\rوَهُوَ قَوْلُ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ ، وَطَاوُسٍ ، وَابْنِ سِيرِينَ ، وَالشَّعْبِيِّ ، وَالْمُغِيرَةِ بْنِ حَكِيمٍ ، وَإِسْحَاقَ .\rوَكَرِهَهُ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ ؛ لِأَنَّهُ يَشْغَلُ عَنْ خُشُوعِ الصَّلَاةِ الْمَأْمُورِ بِهِ .\rوَلَنَا : أَنَّهُ إجْمَاعٌ رَوَاهُ الْأَثْرَمُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ يَحْيَى بْنِ وَثَّابٍ ، وَطَاوُسٍ ، وَالْحَسَنِ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ ، وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ ، وَالْمُغِيرَةِ بْنِ حَكِيمٍ ، وَمُجَاهِدٍ ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُمْ فِي عَصْرِهِمْ مُخَالِفٌ مَعَ أَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ ذَلِكَ يَنْتَشِرُ وَلَا يَخْفَى ، فَيَكُونُ ، إجْمَاعًا .\rوَإِنَّمَا تَوَقَّفَ أَحْمَدُ عَنْ عَدَّ التَّسْبِيحِ ؛ لِأَنَّ الْمَنْقُولَ عَمَّنْ ذَكَرْنَاهُمْ عَدُّ الْآيِ قَالَ أَحْمَدُ أَمَّا عَدُّ الْآيِ فَقَدْ سَمِعْنَا ، وَأَمَّا عَدُّ التَّسْبِيحِ فَمَا سَمِعْنَا .\rوَكَانَ الْحَسَنُ لَا يَرَى بِعَدِّ الْآيِ فِي الصَّلَاةِ بَأْسًا .\rوَكَرِهَ أَنْ يَحْسُبَ فِي الصَّلَاةِ شَيْئًا سِوَاهُ .","part":3,"page":126},{"id":1126,"text":"وَلَا بَأْسَ بِالْإِشَارَةِ فِي الصَّلَاةِ بِالْيَدِ وَالْعَيْنِ لِأَنَّ مَعْمَرًا رَوَى عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَنَسٍ وَعَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُشِيرُ فِي الصَّلَاةِ } رَوَاهُ الدِّيرِيُّ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ .","part":3,"page":127},{"id":1127,"text":"وَلَا بَأْسَ بِقَتْلِ الْحَيَّةِ وَالْعَقْرَبِ وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ وَكَرِهَهُ النَّخَعِيُّ ، وَلَا مَعْنَى لِقَوْلِهِ فَإِنَّ { النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِقَتْلِ الْأَسْوَدَيْنِ فِي الصَّلَاةِ ؛ الْحَيَّةِ وَالْعَقْرَبِ .\r} رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَرَأَى ابْنُ عُمَرَ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ ، رِيشَةً حَسِبَهَا عَقْرَبًا ، فَضَرَبَهَا بِنَعْلِهِ .","part":3,"page":128},{"id":1128,"text":"فَأَمَّا الْقَمْلُ ، فَقَالَ الْقَاضِي : الْأَوْلَى التَّغَافُلُ عَنْهُ ، فَإِنْ قَتَلَهَا فَلَا بَأْسَ ؛ لِأَنَّ أَنَسًا كَانَ يَقْتُلُ الْقَمْلَ وَالْبَرَاغِيثَ فِي الصَّلَاةِ وَكَانَ الْحَسَنُ يَقْتُلُ الْقَمْلَ وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : تَرْكُهُ أَحَبُّ إلَيَّ وَكَانَ عُمَرُ يَقْتُلُ الْقَمْلَ فِي الصَّلَاةِ ، رَوَاهُ سَعِيدٌ .","part":3,"page":129},{"id":1129,"text":"وَإِذَا تَثَاءَبَ فِي الصَّلَاةِ اُسْتُحِبَّ أَنْ يَكْظِمَ مَا اسْتَطَاعَ ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ اُسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ يَضَعَ يَدَهُ عَلَى فِيهِ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إذَا تَثَاءَبَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ فَلْيَكْظِمْ مَا اسْتَطَاعَ ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَدْخُلُ } مِنْ الصِّحَاحِ .\rوَفِي رِوَايَةٍ ، قَالَ { إذَا تَثَاءَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَضَعْ يَدَهُ عَلَى فِيهِ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَدْخُلُ } رَوَاهُ سَعِيدٌ فِي سُنَنِهِ قَالَ التِّرْمِذِيُّ : هُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ","part":3,"page":130},{"id":1130,"text":"وَإِذَا بَدَرَهُ الْبُصَاقُ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ بَصَقَ فِي ثَوْبِهِ وَيَحُكُّ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ يَبْصُقُ عَنْ يَسَارِهِ ، أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى مُسْلِمٌ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى نُخَامَةً فِي قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ ، فَأَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ مَا بَالُ أَحَدِكُمْ يَقُومُ مُسْتَقْبِلَ رَبِّهِ فَيَتَنَخَّعُ أَمَامَهُ ، أَيُحِبُّ أَنْ يُسْتَقْبَلَ فَيُتَنَخَّعَ فِي وَجْهِهِ ؟ فَإِذَا تَنَخَّعَ أَحَدُكُمْ فَلْيَتَنَخَّعْ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيَقُلْ هَكَذَا .\rوَوَصَفَ الْقَاسِمُ : فَتَفَلَ فِي ثَوْبِهِ ، ثُمَّ مَسَحَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ } .\rوَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { الْبُزَاقُ فِي الْمَسْجِدِ خَطِيئَةٌ ، وَكَفَّارَتُهَا دَفْنُهَا } رَوَاهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا","part":3,"page":131},{"id":1131,"text":"وَلَا بَأْسَ بِالْعَمَلِ الْيَسِيرِ فِي الصَّلَاةِ لِلْحَاجَةِ لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ : { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي وَالْبَابُ عَلَيْهِ مُغْلَقٌ فَجِئْتُ فَاسْتَفْتَحْتُ ، فَمَشَى ، فَفَتَحَ لِي ، ثُمَّ رَجَعَ إلَى مُصَلَّاهُ } وَعَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ { إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَنِي بِحَاجَةٍ فَأَدْرَكْتُهُ وَهُوَ يُشِيرُ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَأَشَارَ إلَيَّ فَلَمَّا فَرَغَ دَعَانِي فَقَالَ إنَّك سَلَّمْتَ عَلَيَّ آنِفًا وَأَنَا أُصَلِّي } وَلَا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِجَمِيعِ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَتَوَالَى وَيَكْثُرَ كَاَلَّذِي قَبْلَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":3,"page":132},{"id":1132,"text":"بَابُ سَجْدَتَيْ السَّهْوِ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : يُحْفَظُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَمْسَةُ أَشْيَاءَ ؛ سَلَّمَ مِنْ اثْنَتَيْنِ فَسَجَدَ ، وَسَلَّمَ مِنْ ثَلَاثٍ فَسَجَدَ وَفِي الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ ، وَقَامَ مِنْ اثْنَتَيْنِ وَلَمْ يَتَشَهَّدْ .\rوَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : الْمُعْتَمَدُ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ هَذِهِ الْأَحَادِيثُ الْخَمْسَةُ يَعْنِي حَدِيثَيْ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَأَبِي سَعِيدٍ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ، وَابْنِ بُحَيْنَةَ ( 892 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ : وَمَنْ سَلَّمَ ، وَقَدْ بَقِيَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ صَلَاتِهِ ، أَتَى بِمَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ صَلَاتِهِ ، وَسَلَّمَ ، ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْ السَّهْوِ ثُمَّ تَشَهَّدَ وَسَلَّمَ .\rكَمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ، وَعِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ وَجُمْلَةُ ذَلِكَ ، أَنَّ مَنْ سَلَّمَ قَبْلَ إتْمَامِ صَلَاتِهِ سَاهِيًا ثُمَّ عَلِمَ قَبْلَ طُولِ الْفَصْلِ وَنَقْضِ وُضُوئِهِ ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ بِمَا بَقِيَ ، ثُمَّ يَتَشَهَّدَ وَيُسَلِّمَ ، ثُمَّ يَسْجُدَ سَجْدَتَيْ السَّهْوِ وَيَتَشَهَّدَ وَيُسَلِّمَ .\rوَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ حَتَّى قَامَ ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَجْلِسَ لِيَنْهَضَ إلَى الْإِتْيَانِ بِمَا بَقِيَ عَنْ جُلُوسٍ ؛ فَإِنَّ هَذَا الْقِيَامَ وَاجِبٌ لِلصَّلَاةِ ، وَلَمْ يَأْتِ بِهِ قَاصِدًا لَهَا ، فَكَانَ عَلَيْهِ الْإِتْيَانُ بِهِ مَعَ النِّيَّةِ .\rوَلَا نَعْلَمُ فِي جَوَازِ إتْمَامِ الصَّلَاةِ فِي حَقِّ مَنْ نَسِيَ رَكْعَةً فَمَا زَادَ اخْتِلَافًا وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ مَا رَوَى ابْنُ سِيرِينَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : { صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إحْدَى صَلَاتَيْ الْعَشِيِّ - قَالَ ابْنُ سِيرِينَ : سَمَّاهَا لَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ ، وَلَكِنْ أَنَا نَسِيتُ - فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ، ثُمَّ سَلَّمَ ، فَقَامَ إلَى خَشَبَةٍ مَعْرُوضَةٍ فِي الْمَسْجِدِ ، فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهَا كَأَنَّهُ غَضْبَانُ فَشَبَّكَ أَصَابِعَهُ وَوَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى ظَهْرِ كَفِّهِ الْيُسْرَى وَخَرَجَتْ السَّرَعَانُ مِنْ الْمَسْجِدِ ، فَقَالُوا :","part":3,"page":133},{"id":1133,"text":"أَقَصُرَتْ الصَّلَاةُ ، وَفِي الْقَوْمِ أَبُو بَكْرٍ ، وَعُمَرُ فَهَابَاهُ أَنْ يُكَلِّمَاهُ وَفِي الْقَوْمِ رَجُلٌ فِي يَدَيْهِ طُولٌ ، يُقَالُ لَهُ : ذُو الْيَدَيْنِ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَسِيتَ أَمْ قَصُرَتْ الصَّلَاةُ ؟ قَالَ لَمْ أَنْسَ ، وَلَمْ تُقْصَرْ ، فَقَالَ : أَكَمَا يَقُولُ ذُو الْيَدَيْنِ ؟ قَالُوا : نَعَمْ .\rقَالَ : فَتَقَدَّمَ ، فَصَلَّى مَا تَرَكَ مِنْ صَلَاتِهِ ، ثُمَّ سَلَّمَ ، ثُمَّ كَبَّرَ وَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَكَبَّرَ ، ثُمَّ كَبَّرَ وَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَكَبَّرَ .\rقَالَ فَرُبَّمَا سَأَلُوهُ : ثُمَّ سَلَّمَ } ؟ قَالَ : فَنُبِّئْتُ أَنَّ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ قَالَ : ثُمَّ سَلَّمَ .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَزَادَ قَالَ : قُلْت فَالتَّشَهُّدُ ؟ قَالَ : لَمْ أَسْمَعْ فِي التَّشَهُّدِ ، وَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَتَشَهَّدَ وَرَوَى مُسْلِمٌ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي الْمُهَلَّبِ ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ ، قَالَ { سَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ثَلَاثِ رَكَعَاتٍ مِنْ الْعَصْرِ ، ثُمَّ قَامَ فَدَخَلَ الْحُجْرَةَ فَقَامَ رَجُلٌ بَسِيطُ الْيَدَيْنِ ، فَقَالَ : أَقَصُرَتْ الصَّلَاةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ فَخَرَجَ مُغْضَبًا فَصَلَّى الرَّكْعَةَ الَّتِي كَانَ تَرَكَ ، ثُمَّ سَلَّمَ ، ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْ السَّهْوِ ، ثُمَّ سَلَّمَ } وَرَوَى ابْنُ عُمَرَ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَذُو الْيَدَيْنِ مِثْلَ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، ( 893 ) فَصْلٌ : فَإِنْ طَالَ الْفَصْلُ ، أَوْ انْتَقَضَ وُضُوءُهُ اسْتَأْنَفَ الصَّلَاةَ .\rوَكَذَلِكَ قَالَ الشَّافِعِيُّ إنْ ذَكَرَ قَرِيبًا مِثْلَ فِعْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ ذِي الْيَدَيْنِ ، وَنَحْوَهُ قَالَ مَالِكٌ .\rوَقَالَ يَحْيَى الْأَنْصَارِيُّ ، وَاللَّيْثُ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ : يَبْنِي ، مَا لَمْ يَنْقُضْ وُضُوءَهُ وَلَنَا ، أَنَّهَا صَلَاةٌ وَاحِدَةٌ ، فَلَمْ يَجُزْ بِنَاءُ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ مَعَ طُولِ الْفَصْلِ ، كَمَا لَوْ انْتَقَضَ وُضُوءُهُ .\rوَيُرْجَعُ فِي طُولِ الْفَصْلِ وَقِصَرِهِ إلَى الْعَادَةِ","part":3,"page":134},{"id":1134,"text":"مِنْ غَيْرِ تَقْدِيرٍ بِمُدَّةٍ وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فِي أَحَدِ الْوُجُوهِ وَعَنْهُ يُعْتَبَرُ قَدْرُ رَكْعَةٍ .\rوَقَالَ بَعْضُهُمْ : يُعْتَبَرُ بِقَدْرِ مُضِيِّ الصَّلَاةِ الَّتِي نَسِيَ فِيهَا .\rوَالصَّحِيحُ لَا حَدَّ لَهُ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ الشَّرْعُ بِتَحْدِيدِهِ ، فَيُرْجَعُ فِيهِ إلَى الْعَادَةِ وَالْمُقَارَبَةِ لِمِثْلِ حَالِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثِ ذِي الْيَدَيْنِ ( 894 ) فَصْلٌ : فَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ حَتَّى شَرَعَ فِي صَلَاةٍ أُخْرَى نَظَرْت فَإِنْ كَانَ مَا عَمِلَ فِي الثَّانِيَةِ قَلِيلًا ، وَلَمْ يَطُلْ الْفَصْلُ ، عَادَ إلَى الْأُولَى فَأَتَمَّهَا .\rوَإِنْ طَالَ بَطَلَتْ الْأُولَى .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ، وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْفَرَجِ فِي الْمُبْهِجِ : يَجْعَلُ مَا شَرَعَ فِيهِ مِنْ الصَّلَاةِ الثَّانِيَةِ تَمَامًا لِلْأُولَى ، فَيَبْنِي إحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى وَيَكُونُ وُجُودُ السَّلَامِ كَعَدَمِهِ ؛ لِأَنَّهُ سَهْوٌ مَعْذُورٌ فِيهِ ، وَسَوَاءٌ كَانَ مَا شَرَعَ فِيهِ نَفْلًا أَوْ فَرْضًا وَقَالَ الْحَسَنُ ، وَحَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ فِيمَنْ سَلَّمَ قَبْلَ إتْمَامِ الْمَكْتُوبَةِ وَشَرَعَ فِي تَطَوُّعٍ يُبْطِلُ الْمَكْتُوبَةَ قَالَ مَالِكٌ : أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَبْتَدِئَهَا وَنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فَقَالَ ، فِي رِوَايَةِ أَبِي الْحَارِثِ إذَا صَلَّى رَكْعَتَيْنِ مِنْ الْمَغْرِبِ وَسَلَّمَ ثُمَّ دَخَلَ فِي التَّطَوُّعِ : إنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْكَلَامِ ؛ يَسْتَأْنِفُ الصَّلَاةَ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ عَمِلَ عَمَلًا مِنْ جِنْسِ الصَّلَاةِ سَهْوًا ، فَلَمْ تَبْطُلْ ، كَمَا لَوْ زَادَ خَامِسَةً .\rوَأَمَّا بِنَاءُ الثَّانِيَةِ عَلَى الْأُولَى ، فَلَا يَصِحُّ ، لِأَنَّهُ قَدْ خَرَجَ مِنْ الْأُولَى وَلَمْ يَنْوِهَا بَعْدَ ذَلِكَ ، وَنِيَّةُ غَيْرِهَا لَا تُجْزِئُ عَنْ نِيَّتِهَا ، كَحَالَةِ الِابْتِدَاءِ","part":3,"page":135},{"id":1135,"text":"( 895 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : وَمَنْ كَانَ إمَامًا فَشَكَّ ، فَلَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى ؟ تَحَرَّى ، فَبَنَى عَلَى أَكْثَرِ وَهْمِهِ ، ثُمَّ سَجَدَ بَعْدَ السَّلَامِ ، كَمَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَوْلُهُ \" عَلَى أَكْثَرِ وَهْمِهِ \" أَيْ مَا يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ صَلَّاهُ وَهَذَا فِي الْإِمَامِ خَاصَّةً ، وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ رِوَايَةٌ أُخْرَى أَنَّهُ يَبْنِي عَلَى الْيَقِينِ وَيَسْجُدُ قَبْلَ السَّلَامِ .\rكَالْمُنْفَرِدِ سَوَاءً ، اخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، وَشُرَيْحٍ ، وَالشَّعْبِيِّ ، وَعَطَاءٍ ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ .\rوَهُوَ قَوْلُ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، وَرَبِيعَةَ ، وَمَالِكٍ ، وَعَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ وَالثَّوْرِيِّ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَإِسْحَاقَ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ؛ لِمَا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ ، فَلَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى أَثْلَاثًا أَمْ أَرْبَعًا فَلْيَطْرَحْ الشَّكَّ ، وَلْيَبْنِ عَلَى مَا اسْتَيْقَنَ ، ثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ ، فَإِنْ كَانَ صَلَّى خَمْسًا شَفَعْنَ لَهُ صَلَاتَهُ ، وَإِنْ كَانَ صَلَّى تَمَامَ الْأَرْبَعِ كَانَتَا تَرْغِيمًا لِلشَّيْطَانِ } أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، وَأَبُو دَاوُد ، وَابْنُ مَاجَهْ وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { إذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ فَلَمْ يَدْرِ أَزَادَ أَوْ نَقَصَ ، فَإِنْ كَانَ شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ ، فَلَمْ يَدْرِ أَزَادَ أَوْ نَقَصَ ، فَإِنْ كَانَ شَكَّ فِي الْوَاحِدَةِ وَالِاثْنَتَيْنِ فَلْيَجْعَلْهُمَا وَاحِدَةً ، حَتَّى يَكُونَ الْوَهْمُ فِي الزِّيَادَةِ ثُمَّ لِيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ ، ثُمَّ يُسَلِّمْ } رَوَاهُ الْأَثْرَمُ ، وَابْنُ مَاجَهْ .\rوَلِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْإِتْيَانِ بِمَا شَكَّ فِيهِ ، فَلَزِمَهُ الْإِتْيَانُ بِهِ ، كَمَا لَوْ شَكَّ","part":3,"page":136},{"id":1136,"text":"هَلْ صَلَّى أَوْ لَا ، وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي مُوسَى ، فِي الْإِرْشَادِ عَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةً أُخْرَى فِي الْمُنْفَرِدِ أَنَّهُ يَبْنِي عَلَى غَالِبِ ظَنِّهِ كَالْإِمَامِ ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي رِوَايَةِ مَنْ قَالَ : بَيْنَ التَّحَرِّي وَالْيَقِينِ فَرْقٌ .\rأَمَّا حَدِيثُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ، فَيَقُولُ إذَا لَمْ يَدْرِ ثَلَاثًا أَوْ اثْنَتَيْنِ ، جَعَلَهَا اثْنَتَيْنِ .\rقَالَ : فَهَذَا عَمِلَ عَلَى الْيَقِينِ ، فَبَنَى عَلَيْهِ ، وَاَلَّذِي يَتَحَرَّى يَكُونُ قَدْ صَلَّى ثَلَاثًا ، فَيَدْخُلُ قَلْبَهُ شَكٌّ أَنَّهُ إنَّمَا صَلَّى اثْنَتَيْنِ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ أَكْثَرُ مَا فِي نَفْسِهِ أَنَّهُ قَدْ صَلَّى ثَلَاثًا ، وَقَدْ دَخَلَ قَلْبَهُ شَيْءٌ ، فَهَذَا يَتَحَرَّى أَصْوَبَ ذَلِكَ ، وَيَسْجُدُ بَعْدَ السَّلَامِ .\rقَالَ فَبَيْنَهُمَا فَرْقٌ .\rفَظَاهِرُ هَذَا ، أَنَّهُ إنَّمَا يَبْنِي عَلَى الْيَقِينِ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ ظَنٌّ وَمَتَى كَانَ لَهُ غَالِبُ ظَنٍّ ، عَمِلَ عَلَيْهِ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْإِمَامِ وَالْمُنْفَرِدِ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ ، وَبِنَحْوِهِ قَالَ النَّخَعِيُّ ، وَقَالَهُ أَصْحَابُ الرَّأْيِ ، إنْ تَكَرَّرَ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ أَوَّلَ مَا أَصَابَهُ ، أَعَادَ الصَّلَاةَ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ { لَا غِرَارَ فِي الصَّلَاةِ } وَوَجْهُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ ؛ مَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : إذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ فَلْيَتَحَرَّ الصَّوَابَ ، فَلْيُتِمَّ عَلَيْهِ ، ثُمَّ لِيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ، وَلِلْبُخَارِيِّ : \" بَعْدَ التَّسْلِيمِ \" .\rوَفِي لَفْظٍ : \" فَلْيَنْظُرْ أَحْرَى ذَلِكَ لِلصَّوَابِ \" وَفِي لَفْظٍ : ( فَلْيَتَحَرَّ أَقْرَبَ ذَلِكَ لِلصَّوَابِ ) .\rوَفِي لَفْظٍ \" فَلْيَتَحَرَّ الَّذِي يَرَى أَنَّهُ الصَّوَابُ \" .\rرَوَاهُ كُلَّهُ مُسْلِمٌ .\rوَفِي لَفْظٍ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، قَالَ : ( إذَا كُنْتَ فِي صَلَاةٍ ، فَشَكَكْتَ فِي ثَلَاثٍ أَوْ أَرْبَعٍ ، وَأَكْثَرُ ظَنِّكَ عَلَى أَرْبَعٍ تَشَهَّدْتَ ، ثُمَّ سَجَدْتَ سَجْدَتَيْنِ","part":3,"page":137},{"id":1137,"text":"وَأَنْتَ جَالِسٌ ) .\rفَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ عَلَى مَنْ اسْتَوَى عِنْدَهُ الْأَمْرَانِ ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ ظَنٌّ وَحَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ عَلَى مَنْ لَهُ رَأْيٌ وَظَنٌّ يَعْمَلُ بِظَنِّهِ جَمْعًا بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ وَعَمَلًا بِهِمَا فَيَكُونُ أَوْلَى وَلِأَنَّ الظَّنَّ دَلِيلٌ فِي الشَّرْعِ فَوَجَبَ اتِّبَاعُهُ كَمَا لَوْ اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِ الْقِبْلَةُ وَاخْتَارَ الْخِرَقِيِّ التَّفْرِيقَ بَيْنَ الْإِمَامِ وَالْمُنْفَرِدِ فَجَعَلَ الْإِمَامَ يَبْنِي عَلَى الظَّنِّ ، وَالْمُنْفَرِدَ يَبْنِي عَلَى الْيَقِينِ ، وَهُوَ الظَّاهِرُ فِي الْمَذْهَبِ نَقَلَهُ عَنْ أَحْمَدَ الْأَثْرَمُ وَغَيْرُهُ وَالْمَشْهُورُ عَنْ أَحْمَدَ الْبِنَاءُ عَلَى الْيَقِينِ فِي حَقِّ الْمُنْفَرِدِ ، لِأَنَّ الْإِمَامَ لَهُ مَنْ يُنَبِّهُهُ وَيُذَكِّرُهُ إذَا أَخْطَأَ الصَّوَابَ ، فَلْيَعْمَلْ بِالْأَظْهَرِ عِنْدَهُ ، فَإِنْ أَصَابَ أَقَرَّهُ الْمَأْمُومُونَ ، فَيَتَأَكَّدُ عِنْدَهُ صَوَابُ نَفْسِهِ ، وَإِنْ أَخْطَأَ سَبَّحُوا بِهِ ، فَرَجَعَ إلَيْهِمْ ، فَيَجْعَلُ لَهُ الصَّوَابَ عَلَى كِلْتَا الْحَالَتَيْنِ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْمُنْفَرِدُ ، إذْ لَيْسَ لَهُ مَنْ يُذَكِّرُهُ ، فَيَبْنِي عَلَى الْيَقِينِ ، لِيَحْصُلَ لَهُ إتْمَامُ صَلَاتِهِ ، وَلَا يَكُونَ مَغْرُورًا بِهَا ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { : لَا غِرَارَ فِي الصَّلَاةِ } .\rوَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ عَلَى الْمُنْفَرِدِ ، وَحَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ عَلَى الْإِمَامِ ، جَمْعًا بَيْنَ الْأَخْبَارِ ، وَتَوْفِيقًا بَيْنَهَا .\rفَإِنْ اسْتَوَى الْأَمْرَانِ عِنْدَ الْإِمَامِ ، بَنَى عَلَى الْيَقِينِ أَيْضًا .\rوَعَلَى الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ يُحْمَلُ حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ عَلَى مَنْ لَا ظَنَّ لَهُ ، وَحَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ عَلَى مَنْ لَهُ ظَنُّ .\rفَأَمَّا قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ فَيُخَالِفُ السُّنَّةَ الثَّابِتَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { إنَّ أَحَدَكُمْ إذَا قَامَ فَصَلَّى ، جَاءَهُ","part":3,"page":138},{"id":1138,"text":"الشَّيْطَانُ فَلَبَسَ عَلَيْهِ ، حَتَّى لَا يَدْرِيَ كَمْ صَلَّى ؟ فَإِذَا وَجَدَ ذَلِكَ أَحَدُكُمْ ، فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَلِأَنَّهُ شَكَّ فِي الصَّلَاةِ فَلَمْ يُبْطِلْهَا ، كَمَا لَوْ تَكَرَّرَ ذَلِكَ مِنْهُ .\rوَقَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : ( لَا غِرَارَ ) .\rيَعْنِي لَا يَنْقُصُ مِنْ صَلَاتِهِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ لَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَهُوَ فِي شَكٍّ مِنْ تَمَامِهَا ، وَمَنْ بَنَى عَلَى الْيَقِينِ لَمْ يَبْقَ فِي شَكٍّ مِنْ تَمَامِهَا ، وَكَذَلِكَ مَنْ بَنَى عَلَى غَالِبِ ظَنِّهِ فَوَافَقَهُ الْمَأْمُومُونَ ، أَوْ رَدُّوا عَلَيْهِ غَلَطَهُ ، فَلَا شَكَّ عِنْدَهُ .\r( 896 ) فَصْلٌ : وَمَتَى اسْتَوَى عِنْدَهُ الْأَمْرَانِ بَنَى عَلَى الْيَقِينِ ، إمَامًا كَانَ أَوْ مُنْفَرِدًا ، وَأَتَى بِمَا بَقِيَ مِنْ صَلَاتِهِ وَسَجَدَ لِلسَّهْوِ قَبْلَ السَّلَامِ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ الْبِنَاءُ عَلَى الْيَقِينِ ، وَإِنَّمَا جَازَ تَرْكُهُ فِي حَقِّ الْإِمَامِ ، لِمُعَارَضَتِهِ الظَّنَّ الْغَالِبَ ، فَإِذَا لَمْ يُوجَدْ وَجَبَ الرُّجُوعُ إلَى الْأَصْلِ .","part":3,"page":139},{"id":1139,"text":"( 897 ) فَصْلٌ : وَإِذَا سَهَا الْإِمَامُ فَأَتَى بِفِعْلٍ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ ، لَزِمَ الْمَأْمُومِينَ تَنْبِيهُهُ ، فَإِنْ كَانُوا رِجَالًا سَبَّحُوا بِهِ ، وَإِنْ كَانُوا نِسَاءً صَفَّقْنَ بِبُطُونِ أَكُفِّهِنَّ عَلَى ظُهُورِ الْأُخْرَى ، وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : التَّسْبِيحُ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { مَنْ نَابَهُ شَيْءٌ فِي صَلَاتِهِ ، فَلْيَقُلْ : سُبْحَانَ اللَّهِ } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَحُكِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ تَنْبِيهَ الْآدَمِيِّ بِالتَّسْبِيحِ أَوْ الْقُرْآنِ أَوْ الْإِشَارَةِ يُبْطِلُ الصَّلَاةَ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ خِطَابُ آدَمِيٍّ ، وَقَدْ رَوَى أَبُو غَطَفَانَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { مَنْ أَشَارَ بِيَدِهِ فِي الصَّلَاةِ إشَارَةً تُفْقَهُ أَوْ تُفْهَمُ فَقَدْ قَطَعَ الصَّلَاةَ } .\rوَلَنَا مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ، قَالَ : { قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : التَّسْبِيحُ لِلرِّجَالِ ، وَالتَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ } وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إذَا نَابَكُمْ فِي صَلَاتِكُمْ شَيْءٌ فَلْيُسَبِّحْ الرِّجَالُ ، وَلْتُصَفِّقْ النِّسَاءُ } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا وَرَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ، قَالَ : قُلْت لِبِلَالٍ : { : كَيْفَ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرُدُّ عَلَيْهِمْ حِينَ كَانُوا يُسَلِّمُونَ عَلَيْهِ فِي الصَّلَاةِ ؟ قَالَ : كَانَ يُشِيرُ بِيَدِهِ } وَعَنْ صُهَيْبٍ ، قَالَ : { مَرَرْت بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يُصَلِّي ، فَسَلَّمْت عَلَيْهِ ، فَرَدَّ عَلَيَّ إشَارَةً .\rوَقَالَ : لَا أَعْلَمُ إلَّا أَنَّهُ قَالَ : إشَارَةً بِإِصْبَعِهِ } .\rقَالَ التِّرْمِذِيُّ : كِلَا الْحَدِيثَيْنِ صَحِيحٌ .\rوَقَدْ ذَكَرْنَا حَدِيثَ أَنَسٍ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُشِيرُ فِي الصَّلَاةِ .\rفَأَمَّا حَدِيثُ مَالِكٍ فَفِي حَقِّ الرِّجَالِ ، فَإِنَّ حَدِيثَنَا يُفَسِّرُهُ ، لِأَنَّ فِيهِ تَفْصِيلًا وَزِيَادَةَ بَيَانٍ ، يَتَعَيَّنُ","part":3,"page":140},{"id":1140,"text":"الْأَخْذُ بِهَا .\rوَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي حَنِيفَةَ فَضَعِيفٌ ، يَرْوِيهِ أَبُو غَطَفَانَ وَهُوَ مَجْهُولٌ فَلَا يُعَارَضُ بِهِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ ( 898 ) فَصْلٌ : إذَا سَبَّحَ بِهِ اثْنَانِ يَثِقُ بِقَوْلِهِمَا ، لَزِمَهُ قَبُولُهُ ، وَالرُّجُوعُ إلَيْهِ ، سَوَاءٌ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ صَوَابُهُمَا أَوْ خِلَافُهُ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : إنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ خَطَؤُهُمَا لَمْ يَعْمَلْ بِقَوْلِهِمَا ؛ لِأَنَّ مَنْ شَكَّ فِي فِعْلِ نَفْسِهِ لَمْ يَعْمَلْ بِقَوْلِ غَيْرِهِ ، كَالْحَاكِمِ إذَا نَسِيَ حُكْمًا حَكَمَ بِهِ ، فَشَهِدَ بِهِ شَاهِدَانِ وَهُوَ لَا يَذْكُرُهُ .\rوَلَنَا : { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجَعَ إلَى قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ ، وَعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، فِي حَدِيثِ ذِي الْيَدَيْنِ ، لَمَّا سَأَلَهُمَا : أَحَقٌّ مَا يَقُولُ ذُو الْيَدَيْنِ ؟ قَالُوا : نَعَمْ } .\rمَعَ أَنَّهُ كَانَ شَاكًّا ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ أَنْكَرَ مَا قَالَهُ ذُو الْيَدَيْنِ ، وَسَأَلَهُمَا عَنْ صِحَّةِ قَوْلِهِ ، وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى شَكِّهِ ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَهُمْ بِالتَّسْبِيحِ ، لِيُذَكِّرُوا الْإِمَامَ ، وَيَعْمَلَ بِقَوْلِهِمْ ، وَرَوَى ابْنُ مَسْعُودٍ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى فَزَادَ أَوْ نَقَصَ ، إلَى قَوْلِهِ : إنَّمَا أَنَا بَشَرٌ أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ ، فَإِذَا نَسِيتُ فَذَكِّرُونِي } .\rيَعْنِي بِالتَّسْبِيحِ ، كَمَا رُوِيَ عَنْهُ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ .\rوَكَذَا نَقُولُ فِي الْحَاكِمِ : إنَّهُ يَرْجِعُ إلَى قَوْلِ الشَّاهِدَيْنِ وَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ عَلَى يَقِينٍ مِنْ صَوَابِهِ ، وَخَطَإِ الْمَأْمُومِينَ ، لَمْ يَجُزْ لَهُ مُتَابَعَتُهُمْ .\rوَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : يَلْزَمُهُ الرُّجُوعُ إلَى قَوْلِهِمْ ، كَالْحَاكِمِ يَحْكُمُ بِالشَّاهِدَيْنِ .\rوَيَتْرُكُ يَقِينَ نَفْسِهِ .\rوَلَيْسَ بِصَحِيحٍ ؛ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ خَطَأَهُمْ فَلَا يَتَّبِعُهُمْ فِي الْخَطَأِ .\rوَكَذَا نَقُولُ فِي الشَّاهِدَيْنِ : مَتَى عَلِمَ الْحَاكِمُ كَذِبَهُمَا لَمْ يَجُزْ لَهُ الْحُكْمُ بِقَوْلِهِمَا ؛ لِأَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّهُمَا شَاهِدَا زُورٍ ، فَلَا يَحِلُّ لَهُ","part":3,"page":141},{"id":1141,"text":"الْحُكْمُ بِقَوْلِ الزُّورِ ، وَإِنَّمَا اُعْتُبِرَتْ الْعَدَالَةُ فِي الشَّهَادَةِ لِيَغْلِبَ عَلَى الظَّنِّ صِدْقُ الشُّهُودِ ، وَرُدَّتْ شَهَادَةُ غَيْرِهِمْ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ صِدْقُهُمْ ، فَمَعَ يَقِينِ الْعِلْمِ بِالْكَذِبِ أَوْلَى أَنْ لَا يُقْبَلَ .\rوَإِذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّهُ إذَا سَبَّحَ بِهِ الْمَأْمُومُونَ فَلَمْ يَرْجِعْ ، فِي مَوْضِعٍ يَلْزَمُهُ الرُّجُوعُ ، بَطَلَتْ صَلَاتُهُ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ وَلَيْسَ لِلْمَأْمُومِينَ اتِّبَاعُهُ ، فَإِنْ اتَّبَعُوهُ لَمْ يَخْلُ مِنْ أَنْ يَكُونُوا عَالِمِينَ بِتَحْرِيمِ ذَلِكَ ، أَوْ جَاهِلِينَ بِهِ ، فَإِنْ كَانُوا عَالِمِينَ بَطَلَتْ صَلَاتُهُمْ ؛ لِأَنَّهُمْ تَرَكُوا الْوَاجِبَ عَمْدًا .\rوَقَالَ الْقَاضِي : فِي هَذَا ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ : إحْدَاهَا ، أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُمْ مُتَابَعَتُهُ ، وَلَا يَلْزَمُهُمْ انْتِظَارُهُ ، إنْ كَانَ نِسْيَانُهُ فِي زِيَادَةٍ يَأْتِي بِهَا ، وَإِنْ فَارَقُوهُ وَسَلَّمُوا صَحَّتْ صَلَاتُهُمْ .\rوَهَذَا اخْتِيَارُ الْخَلَّالِ .\rوَالثَّانِيَةُ : يُتَابِعُونَهُ فِي الْقِيَامِ ، اسْتِحْسَانًا .\rوَالثَّالِثَةُ : لَا يُتَابِعُونَهُ ، وَلَا يُسَلِّمُونَ قَبْلَهُ ، لَكِنْ يَنْتَظِرُونَهُ لِيُسَلِّمَ بِهِمْ .\rوَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ حَامِدٍ .\rوَالْأَوَّلُ أَوْلَى ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ مُخْطِئٌ فِي تَرْكِ مُتَابَعَتِهِمْ ، فَلَا يَجُوزُ اتِّبَاعُهُ عَلَى الْخَطَأِ .\rالْحَالُ الثَّانِي : إنْ تَابَعُوهُ جَهْلًا بِتَحْرِيمِ ذَلِكَ ، فَإِنَّ صَلَاتَهُمْ صَحِيحَةٌ ؛ لِأَنَّ أَصْحَابَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَابَعُوهُ فِي التَّسْلِيمِ فِي حَدِيثِ ذِي الْيَدَيْنِ ، وَفِي الْخَامِسَةِ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، فَلَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُمْ .\rوَرَوَى الْأَثْرَمُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ الزُّبَيْرِ ، أَنَّهُ صَلَّى صَلَاةَ الْعَصْرِ ، فَلَمَّا سَلَّمَ قَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ : يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ إنَّك صَلَّيْتَ رَكَعَاتٍ ثَلَاثًا .\rقَالَ أَكَذَاكَ ؟ قَالُوا : نَعَمْ .\rفَرَجَعَ فَصَلَّى رَكْعَةً ، ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ وَعَنْ إبْرَاهِيمَ ، قَالَ صَلَّى بِنَا عَلْقَمَةُ الظُّهْرَ خَمْسًا ، فَلَمَّا سَلَّمَ قَالَ الْقَوْمُ : يَا أَبَا شِبْلٍ ،","part":3,"page":142},{"id":1142,"text":"قَدْ صَلَّيْتَ خَمْسًا .\rقَالَ : كَلًّا ، مَا فَعَلْتُ قَالُوا : بَلَى .\rقَالَ : وَكُنْتُ فِي نَاحِيَةِ الْقَوْمِ وَأَنَا غُلَامٌ ، فَقُلْت : بَلَى قَدْ صَلَّيْت خَمْسًا .\rقَالَ لِي : يَا أَعْوَرُ ، وَأَنْتَ تَقُولُ ذَلِكَ أَيْضًا ؟ قُلْت : نَعَمْ .\rفَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ .\rفَلَمْ يَأْمُرُوا مَنْ وَرَاءَهُمْ بِالْإِعَادَةِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ صَلَاتَهُمْ لَمْ تَبْطُلْ بِمُتَابَعَتِهِمْ .\rوَمَتَى عَمِلَ الْإِمَامُ بِغَالِبِ ظَنِّهِ ، فَسَبَّحَ بِهِ الْمَأْمُومُونَ ، فَرَجَعَ إلَيْهِمْ ، فَإِنَّ سُجُودَهُ قَبْلَ السَّلَامِ لِمَا فَعَلَهُ مِنْ الزِّيَادَةِ فِي الصَّلَاةِ سَهْوًا .\rقَالَ الْأَثْرَمُ : سَمِعْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يُسْأَلُ ، عَنْ رَجُلٍ جَلَسَ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى مِنْ الْفَجْرِ ، فَسَبَّحُوا بِهِ فَقَامَ ، مَتَى يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ ؟ فَقَالَ : قَبْلَ السَّلَامِ .\r( 899 ) فَصْلٌ : فَإِنْ سَبَّحَ بِالْإِمَامِ وَاحِدٌ لَمْ يَرْجِعْ إلَى قَوْلِهِ ، إلَّا أَنْ يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ صِدْقُهُ ، فَيَعْمَلَ بِغَالِبِ ظَنِّهِ ، لَا بِتَسْبِيحِهِ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَقْبَلْ قَوْلَ ذِي الْيَدَيْنِ وَحْدَهُ ، فَإِنْ سَبَّحَ فُسَّاقٌ لَمْ يَرْجِعْ إلَى قَوْلِهِمْ ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُمْ غَيْرُ مَقْبُولٍ فِي أَحْكَامِ الشَّرْعِ .\rوَإِنْ افْتَرَقَ الْمَأْمُومُونَ طَائِفَتَيْنِ ، وَافَقَهُ قَوْمٌ وَخَالَفَهُ آخَرُونَ ، سَقَطَ قَوْلُهُمْ ؛ لِتَعَارُضِهِمْ ، كَالْبَيِّنَتَيْنِ إذَا تَعَارَضَتَا .\rوَمَتَى لَمْ يَرْجِعْ ، وَكَانَ الْمَأْمُومُ عَلَى يَقِينٍ مِنْ خَطَأِ الْإِمَامِ ، لَمْ يُتَابِعْهُ فِي أَفْعَالِ الصَّلَاةِ ، وَلَيْسَ هَذَا مِنْهَا .\rوَيَنْبَغِي أَنْ يَنْتَظِرَهُ هَاهُنَا ، لِأَنَّ صَلَاةَ الْإِمَامِ ، صَحِيحَةٌ ، لَمْ تَفْسُدْ بِزِيَادَةٍ ، فَيَنْتَظِرُهُ كَمَا يَنْتَظِرُ الْإِمَامُ الْمَأْمُومِينَ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ .","part":3,"page":143},{"id":1143,"text":"( 900 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ ( وَمَا عَدَا هَذَا مِنْ السَّهْوِ فَسُجُودُهُ قَبْلَ السَّلَامِ ، مِثْلُ الْمُنْفَرِدِ إذَا شَكَّ فِي صَلَاتِهِ ، فَلَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى ، فَبَنَى عَلَى الْيَقِينِ ، أَوْ قَامَ فِي مَوْضِعِ جُلُوسٍ ، أَوْ جَلَسَ فِي مَوْضِعِ قِيَامٍ ، أَوْ جَهَرَ فِي مَوْضِعِ تَخَافُتٍ ، أَوْ خَافَتَ فِي مَوْضِعِ جَهْرٍ ، أَوْ صَلَّى خَمْسًا ، أَوْ مَا عَدَا ذَلِكَ مِنْ السَّهْوِ ، فَكُلُّ ذَلِكَ يَسْجُدُ لَهُ قَبْلَ السَّلَامِ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ ، أَنَّ السُّجُودَ كُلَّهُ عِنْدَ أَحْمَدَ قَبْلَ السَّلَامِ ، إلَّا فِي الْمَوْضِعَيْنِ اللَّذَيْنِ وَرَدَ النَّصُّ بِسُجُودِهِمَا بَعْدَ السَّلَامِ ، وَهُمَا إذَا سَلَّمَ مِنْ نَقْصٍ فِي صَلَاتِهِ ، أَوْ تَحَرَّى الْإِمَامُ ، فَبَنَى عَلَى غَالِبِ ظَنِّهِ ، وَمَا عَدَاهُمَا يَسْجُدُ لَهُ قَبْلَ السَّلَامِ .\rنَصَّ عَلَى هَذَا فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ .\rقَالَ : أَنَا أَقُولُ ، كُلُّ سَهْوٍ جَاءَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ يَسْجُدُ فِيهِ بَعْدَ السَّلَامِ ، وَسَائِرُ السُّجُودِ يَسْجُدُ فِيهِ قَبْلَ السَّلَامِ ، هُوَ أَصَحُّ فِي الْمَعْنَى ؛ وَذَلِكَ أَنَّهُ مِنْ شَأْنِ الصَّلَاةِ ، فَيَقْضِيهِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ .\rثُمَّ قَالَ : سَجَدَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ بَعْدَ السَّلَامِ ، وَفِي غَيْرِهَا قَبْلَ السَّلَامِ .\rقُلْت : اشْرَحْ الثَّلَاثَةَ مَوَاضِعَ الَّتِي بَعْدَ السَّلَامِ .\rقَالَ : سَلَّمَ مِنْ رَكْعَتَيْنِ ، فَسَجَدَ بَعْدَ السَّلَامِ ، هَذَا حَدِيثُ ذِي الْيَدَيْنِ .\rوَسَلَّمَ مِنْ ثَلَاثٍ فَسَجَدَ بَعْدَ السَّلَامِ ، هَذَا حَدِيثُ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ .\rوَحَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي مَوْضِعِ التَّحَرِّي سَجَدَ بَعْدَ السَّلَامِ .\rقَالَ الْقَاضِي : لَا يَخْتَلِفُ قَوْلُ أَحْمَدَ فِي هَذَيْنِ الْمَوْضِعَيْنِ ، أَنَّهُ يَسْجُدُ لَهُمَا بَعْدَ السَّلَامِ .\rوَاخْتُلِفَ فِي مَنْ سَهَا فَصَلَّى خَمْسًا ، هَلْ يَسْجُدُ قَبْلَ السَّلَامِ أَوْ بَعْدَهُ ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ .\rوَمَا عَدَا هَذِهِ الْمَوَاضِعَ يَسْجُدُ لَهَا قَبْلَ السَّلَامِ ، رِوَايَةً وَاحِدَةً .\rوَبِهَذَا قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُد ، وَأَبُو خَيْثَمَةَ ،","part":3,"page":144},{"id":1144,"text":"وَابْنُ الْمُنْذِرِ ، وَحَكَى أَبُو الْخَطَّابِ عَنْ أَحْمَدَ رِوَايَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ ؛ إحْدَاهُمَا ، أَنَّ السُّجُودَ كُلَّهُ قَبْلَ السَّلَامِ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَمَكْحُولٍ ، وَالزُّهْرِيِّ ، وَيَحْيَى الْأَنْصَارِيِّ ، وَرَبِيعَةَ ، وَاللَّيْثِ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِحَدِيثِ ابْنِ بُحَيْنَةَ ، وَأَبِي سَعِيدٍ .\rوَقَالَ الزُّهْرِيُّ : كَانَ آخِرُ الْأَمْرَيْنِ السُّجُودَ قَبْلَ السَّلَامِ .\rوَلِأَنَّهُ تَمَامُ الصَّلَاةِ وَجَبْرٌ لِنَقْصِهَا ، فَكَانَ قَبْلَ سَلَامِهَا كَسَائِرِ أَفْعَالِهَا .\rوَالثَّانِيَةُ أَنَّ مَا كَانَ مِنْ نَقْصٍ سَجَدَ لَهُ قَبْلَ السَّلَامِ ؛ لِحَدِيثِ ابْنِ بُحَيْنَةَ .\rوَمَا كَانَ مِنْ زِيَادَةٍ سَجَدَ لَهُ بَعْدَ السَّلَامِ ؛ لِحَدِيثِ ذِي الْيَدَيْنِ ، وَحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ حِينَ صَلَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَمْسًا .\rوَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَبِي ثَوْرٍ وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ، أَنَّهُ قَالَ : كُلُّ شَيْءٍ شَكَكْتَ فِيهِ مِنْ صَلَاتِك مِنْ نُقْصَانٍ ، مِنْ رُكُوعٍ أَوْ سُجُودٍ ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ ، فَاسْتَقْبِلْ أَكْثَرَ ظَنِّكَ ، وَاجْعَلْ سَجْدَتَيْ السَّهْوِ مِنْ هَذَا النَّحْوِ قَبْلَ التَّسْلِيمِ ، فَأَمَّا غَيْرُ ذَلِكَ مِنْ السَّهْوِ فَاجْعَلْهُ بَعْدَ التَّسْلِيمِ .\rرَوَاهُ سَعِيدٌ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ : سُجُودُ السَّهْوِ كُلُّهُ بَعْدَ السَّلَامِ ، وَلَهُ فِعْلُهُمَا قَبْلَ السَّلَامِ .\rيُرْوَى نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ ، وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ ، وَعَمَّارٍ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ ، وَأَنَسٍ ، وَالْحَسَنِ ، وَالنَّخَعِيِّ ، وَابْنِ أَبِي لَيْلَى ؛ لِحَدِيثِ ذِي الْيَدَيْنِ ، وَحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ التَّحَرِّي .\rوَرَوَى ثَوْبَانُ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لِكُلِّ سَهْوٍ سَجْدَتَانِ بَعْدَ التَّسْلِيمِ } رَوَاهُ سَعِيدٌ .\rوَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ شَكَّ فِي صَلَاتِهِ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ بَعْدَمَا يُسَلِّمُ } رَوَاهُمَا أَبُو دَاوُد .\rوَلَنَا ،","part":3,"page":145},{"id":1145,"text":"أَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ السُّجُودُ قَبْلَ السَّلَامِ ، وَبَعْدَهُ فِي أَحَادِيثَ صَحِيحَةٍ ، مُتَّفَقٍ عَلَيْهَا ، فَفِيمَا ذَكَرْنَاهُ عَمَلٌ بِالْأَحَادِيثِ كُلِّهَا ، وَجَمْعٌ بَيْنَهَا ، مِنْ غَيْرِ تَرْكِ شَيْءٍ مِنْهَا ، وَذَلِكَ وَاجِبٌ مَهْمَا أَمْكَنَ ، فَإِنَّ خَبَرَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حُجَّةٌ يَجِبُ الْمَصِيرُ إلَيْهِ ، وَالْعَمَلُ بِهِ ، وَلَا يُتْرَكُ إلَّا لِمُعَارِضٍ مِثْلِهِ ، أَوْ أَقْوَى مِنْهُ ، وَلَيْسَ فِي سُجُودِهِ ، بَعْدَ السَّلَامِ أَوْ قَبْلَهُ ، فِي صُورَةٍ ، مَا يَنْفِي سُجُودَهُ فِي صُورَةٍ أُخْرَى فِي غَيْرِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ ، وَذِكْرُ نَسْخِ حَدِيثِ ذِي الْيَدَيْنِ لَا وَجْهَ لَهُ ، فَإِنَّ رَاوِيَيْهِ أَبَا هُرَيْرَةَ وَعِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ هِجْرَتُهُمَا مُتَأَخِّرَةٌ .\rوَقَوْلُ الزُّهْرِيِّ مُرْسَلٌ لَا يَقْتَضِي نَسْخًا ، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ آخِرُ الْأَمْرَيْنِ سُجُودَهُ قَبْلَ السَّلَامِ ؛ لِوُقُوعِ السَّهْوِ فِي آخِرِ الْأَمْرِ فِيمَا سُجُودُهُ قَبْلَ السَّلَامِ .\rوَحَدِيثُ ثَوْبَانَ رَاوِيهِ إسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ وَفِي رِوَايَتِهِ عَنْ أَهْلِ الْحِجَازِ ضَعْفٌ .\rوَحَدِيثُ ابْنِ جَعْفَرٍ فِيهِ ابْنُ أَبِي لَيْلَى ، وَهُوَ ضَعِيفٌ .\rوَقَالَ الْأَثْرَمُ : لَا يَثْبُتُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا .","part":3,"page":146},{"id":1146,"text":"( 901 ) فَصْلٌ فِي تَفْصِيلِ الْمَسَائِلِ الَّتِي ذَكَرَهَا الْخِرَقِيِّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ : قَوْلُهُ ( مِثْلُ الْمُنْفَرِدِ إذَا شَكَّ فِي صَلَاتِهِ ، فَلَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى ، فَبَنَى عَلَى الْيَقِينِ ) .\rقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ ظَاهِرَ الْمَذْهَبِ ، أَنَّ الْمُنْفَرِدَ يَبْنِي عَلَى الْيَقِينِ .\rوَمَعْنَاهُ أَنَّهُ يَنْظُرُ مَا تَيَقَّنَ أَنَّهُ صَلَّاهُ مِنْ الرَّكَعَاتِ ، فَيُتِمُّ عَلَيْهِ ، وَيُلْغِي مَا شَكَّ فِيهِ .\rكَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ { : إذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي الثِّنْتَيْنِ وَالْوَاحِدَةِ ، فَلْيَجْعَلْهَا وَاحِدَةً ، وَإِذَا شَكَّ فِي الثِّنْتَيْنِ وَالثَّلَاثِ ، فَلْيَجْعَلْهُمَا ثِنْتَيْنِ ، وَإِذَا شَكَّ فِي الثَّلَاثِ وَالْأَرْبَعِ فَلْيَجْعَلْهَا ثَلَاثًا ، ثُمَّ لِيُتِمَّ مَا بَقِيَ مِنْ صَلَاتِهِ ، حَتَّى يَكُونَ الْوَهْمُ فِي الزِّيَادَةِ .\rثُمَّ يَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ } رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ هَكَذَا وَسَوَاءٌ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ خِلَافُ ذَلِكَ أَمْ لَمْ يَغْلِبْ عَلَى ظَنِّهِ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ هَذَا الْوَهْمُ مِثْلَ الْوَسْوَاسِ ، فَقَدْ قَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى إذَا كَثُرَ السَّهْوُ حَتَّى يَصِيرَ مِثْلَ الْوَسْوَاسِ ، لَهَا عَنْهُ وَذَكَرْنَا أَنَّ فِي الْمُنْفَرِدِ رِوَايَةً أُخْرَى ، أَنَّهُ يَبْنِي عَلَى مَا يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ وَالصَّحِيحُ فِي الْمَذْهَبِ مَا ذَكَرَ الْخِرَقِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ ، وَالْحُكْمُ فِي الْإِمَامِ إذَا بَنَى عَلَى الْيَقِينِ ، أَنَّهُ يَسْجُدُ قَبْلَ السَّلَامِ كَالْمُنْفَرِدِ .\rوَإِذَا تَحَرَّى الْمُنْفَرِدُ عَلَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى ، سَجَدَ بَعْدَ السَّلَامِ","part":3,"page":147},{"id":1147,"text":"( 902 ) فَصْلٌ : قَوْلُهُ : أَوْ قَامَ فِي مَوْضِعِ جُلُوسٍ أَوْ جَلَسَ فِي مَوْضِعِ قِيَامٍ \" .\rأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ يَرَوْنَ أَنَّ هَذَا يُسْجَدُ لَهُ .\rوَمِمَّنْ قَالَ ذَلِكَ ابْنُ مَسْعُودٍ ، وَقَتَادَةُ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَكَانَ عَلْقَمَةُ وَالْأَسْوَدُ يَقْعُدَانِ فِي الشَّيْءِ يُقَامُ فِيهِ ، وَيَقُومَانِ فِي الشَّيْءِ يُقْعَدُ فِيهِ ، فَلَا يَسْجُدَانِ .\rوَلَنَا قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إذَا نَسِيَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ } وَقَالَ : { إذَا زَادَ الرَّجُلُ أَوْ نَقَصَ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ } رَوَاهُمَا مُسْلِمٌ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : { لِكُلِّ سَهْوٍ سَجْدَتَانِ بَعْدَ السَّلَامِ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَلِأَنَّهُ سَهْوٌ فَسَجَدَ لَهُ كَغَيْرِهِ ، مَعَ مَا نَذْكُرُهُ فِي تَفْصِيلِ الْمَسَائِلِ .\rفَأَمَّا الْقِيَامُ فِي مَوْضِعِ الْجُلُوسِ ، فَفِي ثَلَاثِ صُوَرٍ : إحْدَاهَا ، أَنْ يَتْرُكَ التَّشَهُّدَ الْأَوَّلَ وَيَقُومَ ، ، وَفِيهِ ثَلَاثُ مَسَائِلَ ( 903 ) الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى ، ذِكْرُهُ قَبْلَ اعْتِدَالِهِ قَائِمًا ، فَيَلْزَمُهُ الرُّجُوعُ إلَى التَّشَهُّدِ .\rوَمِمَّنْ قَالَ يَجْلِسُ عَلْقَمَةُ ، وَالضَّحَّاكُ ، وَقَتَادَةُ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : إنْ فَارَقَتْ أَلْيَتَاهُ الْأَرْضَ مَضَى .\rوَقَالَ حَسَّانُ بْنُ عَطِيَّةَ : إذَا تَجَافَتْ رُكْبَتَاهُ عَنْ الْأَرْضِ مَضَى .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { إذَا قَامَ أَحَدُكُمْ فِي الرَّكْعَتَيْنِ ، فَلَمْ يَسْتَتِمَّ قَائِمًا فَلْيَجْلِسْ ، فَإِذَا اسْتَتَمَّ قَائِمًا ، فَلَا يَجْلِسْ ، وَيَسْجُدُ سَجْدَتَيْ السَّهْوِ } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَابْنُ مَاجَهْ .\rوَلِأَنَّهُ أَخَلَّ بِوَاجِبٍ ذَكَرَهُ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي رُكْنٍ مَقْصُودٍ .\rفَلَزِمَهُ الْإِتْيَانُ بِهِ ، كَمَا لَوْ لَمْ تُفَارِقْ أَلْيَتَاهُ الْأَرْضَ .\r( 904 ) الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : ذِكْرُهُ بَعْدَ","part":3,"page":148},{"id":1148,"text":"اعْتِدَالِهِ قَائِمًا ، وَقَبْلَ شُرُوعِهِ فِي الْقِرَاءَةِ ، فَالْأَوْلَى لَهُ أَنْ لَا يَجْلِسَ ، وَإِنْ جَلَسَ جَازَ .\rنَصَّ عَلَيْهِ قَالَ .\rالنَّخَعِيُّ : يَرْجِعُ مَا لَمْ يَسْتَفْتِحْ الْقِرَاءَةَ وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ : إنْ ذَكَرَ سَاعَةَ يَقُومُ جَلَسَ .\rوَلَنَا ، حَدِيثُ الْمُغِيرَةِ ، وَمَا نَذْكُرُهُ فِيمَا بَعْدُ ؛ وَلِأَنَّهُ ذَكَرَهُ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي رُكْنٍ ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ الرُّجُوعُ ، كَمَا لَوْ ذَكَرَهُ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي الْقِرَاءَةِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ الرُّجُوعُ ؛ لِحَدِيثِ الْمُغِيرَةِ ، وَلِأَنَّهُ شَرَعَ فِي رُكْنٍ ، فَلَمْ يَجُزْ لَهُ الرُّجُوعُ ، كَمَا لَوْ شَرَعَ فِي الْقِرَاءَةِ ( 905 ) الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ ، ذَكَرَهُ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي الْقِرَاءَةِ ، فَلَا يَجُوزُ لَهُ الرُّجُوعُ ، وَيَمْضِي فِي صَلَاتِهِ ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rوَمِمَّنْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ عُمَرُ ، وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ ، وَابْنُ مَسْعُودٍ ، وَالْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ وَالنُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ ، وَابْنُ الزُّبَيْرِ ، وَالضَّحَّاكُ بْنُ قَيْسٍ ، وَعُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ .\rوَقَالَ الْحَسَنُ .\rيَرْجِعُ مَا لَمْ يَرْكَعْ .\rوَلَيْسَ بِصَحِيحٍ ؛ لِحَدِيثِ الْمُغِيرَةِ .\rوَرَوَى أَبُو بَكْرٍ الْآجُرِّيُّ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ مُعَاوِيَةَ : أَنَّهُ صَلَّى بِهِمْ فَقَامَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ ، وَعَلَيْهِ الْجُلُوسُ ، فَسُبِّحَ بِهِ ، فَأَبَى أَنْ يَجْلِسَ ، حَتَّى إذَا جَلَسَ يُسَلِّمُ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ ، ثُمَّ قَالَ : رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَلَ هَذَا .\rوَلِأَنَّهُ شَرَعَ فِي رُكْنٍ مَقْصُودٍ ، فَلَمْ يَجُزْ لَهُ الرُّجُوعُ ، كَمَا لَوْ شَرَعَ فِي الرُّكُوعِ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِنَّهُ يَسْجُدُ قَبْلَ السَّلَامِ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ ؛ لِحَدِيثِ مُعَاوِيَةَ ، وَلِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَالِكِ بْنُ بُحَيْنَةَ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى بِهِمْ الظُّهْرَ ، فَقَامَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ ، وَلَمْ يَجْلِسْ ، فَقَامَ النَّاسُ","part":3,"page":149},{"id":1149,"text":"مَعَهُ ، فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ وَانْتَظَرَ النَّاسُ تَسْلِيمَهُ كَبَّرَ وَهُوَ جَالِسٌ ، فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ } ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ","part":3,"page":150},{"id":1150,"text":"( 906 ) فَصْلٌ : إذَا عَلِمَ الْمَأْمُومُونَ بِتَرْكِهِ التَّشَهُّدَ الْأَوَّلَ ، قَبْلَ قِيَامِهِمْ ، وَبَعْدَ قِيَامِ إمَامِهِمْ ، تَابَعُوهُ فِي الْقِيَامِ ، وَلَمْ يَجْلِسُوا لِلتَّشَهُّدِ .\rحَكَاهُ الْآجُرِّيُّ عَنْ أَحْمَدَ ، وَقَالَ : هَذَا قَوْلُ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَأَهْلِ الْعِرَاقِ .\rوَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا سَهَا عَنْ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ وَقَامَ ، قَامَ النَّاسُ مَعَهُ ، وَفَعَلَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ الصَّحَابَةِ مِمَّنْ صَلَّى بِالنَّاسِ ، نَهَضُوا فِي الثَّانِيَةِ عَنْ الْجُلُوسِ ، فَسَبَّحُوا بِهِمْ ، فَلَمْ يَلْتَفِتُوا إلَى مَنْ سَبَّحَ بِهِمْ ، وَبَعْضُهُمْ أَوْمَأَ إلَيْهِمْ بِالْقِيَامِ ، فَقَامُوا .\rقَالُوا وَمِمَّا احْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ مِنْ فِعْلِ الصَّحَابَةِ ، أَنَّهُمْ كَانُوا يَقُومُونَ مَعَهُ .\rقَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونُ ، أَخْبَرَنَا : الْمَسْعُودِيُّ ، عَنْ هِلَالِ بْنِ عُلَاثَةَ قَالَ : { صَلَّى بِنَا الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ ، فَلَمَّا صَلَّى رَكْعَتَيْنِ قَامَ وَلَمْ يَجْلِسْ ، فَسَبَّحَ بِهِ مَنْ خَلْفَهُ ، فَأَشَارَ إلَيْهِمْ أَنْ قُومُوا ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ سَلَّمَ ، وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ وَسَلَّمَ ثُمَّ قَالَ : هَكَذَا صَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ } قَالَ : وَحَدَّثَنَا وَكِيعٌ قَالَ : أَخْبَرَنَا عِمْرَانُ بْنُ حُدَيْرٍ ، عَنْ مُضَرَ بْنِ عَاصِمٍ اللَّيْثِيِّ ، قَالَ : أُوهِمَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي الْقَعْدَةِ ، فَسَبَّحُوا بِهِ ، فَقَالَ : سُبْحَانَ اللَّهِ هَكَذَا .\rأَيْ قُومُوا .\rوَرُوِيَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلُ ذَلِكَ عَنْ سَعْدٍ .\rوَرَوَاهُ الْآجُرِّيِّ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ، وَقَالَ : إنِّي سَمِعْتُكُمْ تَقُولُونَ سُبْحَانَ اللَّهِ لِكَيْمَا أَجْلِسَ ، فَلَيْسَتْ تِلْكَ السُّنَّةَ ، إنَّمَا السُّنَّةُ الَّتِي صَنَعْتُ .\rوَقَدْ ذَكَرْنَا حَدِيثَ ابْنِ بُحَيْنَةَ فَأَمَّا إنْ سَبَّحُوا بِهِ قَبْلَ قِيَامِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ ، تَشَهَّدُوا ، لِأَنْفُسِهِمْ ، وَلَمْ يَتَّبِعُوهُ فِي تَرْكِهِ ؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ وَاجِبًا","part":3,"page":151},{"id":1151,"text":"تَعَيَّنَ فِعْلُهُ عَلَيْهِ ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مُتَابَعَتُهُ فِي تَرْكِهِ .\rوَلَوْ رَجَعَ إلَى التَّشَهُّدِ بَعْدَ شُرُوعِهِ فِي الْقِرَاءَةِ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مُتَابَعَتُهُ فِي ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ أَخْطَأَ .\rفَأَمَّا الْإِمَامُ ، فَمَتَى فَعَلَ ذَلِكَ عَالِمًا بِتَحْرِيمِهِ ، بَطَلَتْ صَلَاتُهُ ؛ لِأَنَّهُ زَادَ فِي الصَّلَاةِ مِنْ جِنْسِهَا عَمْدًا ، أَوْ تَرَكَ وَاجِبًا عَمْدًا ، وَإِنْ كَانَ جَاهِلًا بِالتَّحْرِيمِ أَوْ نَاسِيًا ، لَمْ تَبْطُلْ ؛ لِأَنَّهُ زَادَ فِي الصَّلَاةِ سَهْوًا .\rوَمَتَى عَلِمَ بِتَحْرِيمِ ذَلِكَ وَهُوَ فِي التَّشَهُّدِ ، نَهَضَ ، وَلَمْ يُتِمَّ الْجُلُوسَ .\rوَلَوْ ذَكَرَ الْإِمَامُ التَّشَهُّدَ قَبْلَ انْتِصَابِهِ ، وَبَعْدَ قِيَامِ الْمَأْمُومِينَ ، وَشُرُوعِهِمْ فِي الْقِرَاءَةِ ، فَرَجَعَ ، لَزِمَهُمْ الرُّجُوعُ ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ رَجَعَ إلَى وَاجِبٍ ، فَلَزِمَهُمْ مُتَابَعَتُهُ وَلَا اعْتِبَارَ بِقِيَامِهِمْ قَبْلَهُ","part":3,"page":152},{"id":1152,"text":"( 907 ) فَصْلٌ : وَإِنْ نَسِيَ التَّشَهُّدَ دُونَ الْجُلُوسِ لَهُ ، فَحُكْمُهُ فِي الرُّجُوعِ إلَيْهِ حُكْمُ مَا لَوْ نَسِيَهُ مَعَ الْجُلُوسِ ؛ لِأَنَّ التَّشَهُّدَ هُوَ الْمَقْصُودُ .\rفَأَمَّا إنْ نَسِيَ شَيْئًا مِنْ الْأَذْكَارِ الْوَاجِبَةِ ، كَتَسْبِيحِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ ، وَقَوْلِ : رَبِّ اغْفِرْ لِي بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ ، وَقَوْلِ : رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ .\rفَإِنَّهُ لَا يَرْجِعُ إلَيْهِ بَعْدَ الْخُرُوجِ مِنْ مَحِلِّهِ ؛ لِأَنَّ مَحِلَّ الذِّكْرِ رُكْنٌ قَدْ وَقَعَ مُجْزِئًا صَحِيحًا .\rفَلَوْ رَجَعَ إلَيْهِ لَكَانَ زِيَادَةً فِي الصَّلَاةِ ، وَتَكْرَارًا لِرُكْنٍ ، ثُمَّ يَأْتِي بِالذِّكْرِ فِي رُكُوعٍ أَوْ سُجُودٍ زَائِدٍ غَيْرِ مَشْرُوعٍ ، بِخِلَافِ التَّشَهُّدِ ، وَلَكِنَّهُ يَمْضِي وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ لِتَرْكِهِ ، قِيَاسًا عَلَى تَرْكِ التَّشَهُّدِ .\rالصُّورَةُ الثَّانِيَةُ : قَامَ مِنْ السَّجْدَةِ الْأُولَى ، وَلَمْ يَجْلِسْ لِلْفَصْلِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ ، فَهَذَا قَدْ تَرَكَ رُكْنَيْنِ ؛ جَلْسَةَ الْفَصْلِ ، وَالسَّجْدَةَ الثَّانِيَةَ .\rفَلَا يَخْلُو مِنْ حَالَيْنِ : أَحَدُهُمَا ، أَنْ يَذْكُرَ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الْقِرَاءَةِ ، فَيَلْزَمَهُ الرُّجُوعُ .\rوَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا ، فَإِذَا رَجَعَ ، فَإِنَّهُ يَجْلِسُ جَلْسَةَ الْفَصْلِ ، ثُمَّ يَسْجُدُ السَّجْدَةَ الثَّانِيَةَ ، ثُمَّ يَقُومُ إلَى الرَّكْعَةِ الْأُخْرَى .\rوَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ لَا يَحْتَاجُ إلَى الْجُلُوسِ ؛ لِأَنَّ الْفَصْلَ قَدْ حَصَلَ بِالْقِيَامِ .\rوَلَيْسَ بِصَحِيحٍ ؛ لِأَنَّ الْجَلْسَةَ وَاجِبَةٌ ، وَلَا يَنُوبُ عَنْهَا الْقِيَامُ كَمَا لَوْ عَمَدَ ذَلِكَ .\rفَأَمَّا إنْ كَانَ جَلَسَ لِلْفَصْلِ ، ثُمَّ قَامَ وَلَمْ يَسْجُدْ فَإِنَّهُ يَسْجُدُ ، وَلَا يَلْزَمُهُ الْجُلُوسُ .\rوَقِيلَ : يَلْزَمُهُ ؛ لِيَأْتِيَ بِالسَّجْدَةِ عَنْ جُلُوسٍ .\rوَلَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِالْجَلْسَةِ ، فَلَمْ تَبْطُلْ بِسَهْوٍ بَعْدَهَا كَالسَّجْدَةِ الْأُولَى ، وَيَصِيرُ كَأَنَّهُ سَجَدَ عَقِيبَ الْجُلُوسِ .\rفَإِنْ كَانَ يَظُنُّ أَنَّهُ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ ، وَجَلَسَ جَلْسَةَ الِاسْتِرَاحَةِ ، لَمْ يَجْزِهِ عَنْ","part":3,"page":153},{"id":1153,"text":"جَلْسَةِ الْفَصْلِ ؛ لِأَنَّهَا هَيْئَةٌ ، فَلَا تَنُوبُ عَنْ الْوَاجِبِ ، كَمَا لَوْ تَرَكَ سَجْدَةً مِنْ رَكْعَةٍ ، ثُمَّ سَجَدَ لِلتِّلَاوَةِ .\rوَهَكَذَا الْحُكْمُ فِي تَرْكِ رُكْنٍ غَيْرِ السُّجُودِ مِثْلِ الرُّكُوعِ ، أَوْ الِاعْتِدَالِ عَنْهُ ؛ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ إلَيْهِ مَتَى ذَكَرَهُ ، قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي قِرَاءَةِ الرَّكْعَةِ الْأُخْرَى ، فَيَأْتِي بِهِ ، ثُمَّ بِمَا بَعْدَهُ لِأَنَّ مَا أَتَى بِهِ بَعْدَهُ غَيْرُ مُعْتَدٍّ بِهِ ؛ لِفَوَاتِ التَّرْتِيبِ .\rالْحَالُ الثَّانِي : تَرَكَ رُكْنًا ؛ إمَّا سَجْدَةً ، أَوْ رُكُوعًا ، سَاهِيًا ، ثُمَّ ذَكَرَهُ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي قِرَاءَةِ الرَّكْعَةِ الَّتِي تَلِيهَا ، بَطَلَتْ الرَّكْعَةُ الَّتِي تَرَكَ الرُّكْنَ مِنْهَا ، وَصَارَتْ الَّتِي شَرَعَ فِي قِرَاءَتِهَا مَكَانَهَا .\rنَصَّ عَلَى هَذَا أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ قَالَ ، الْأَثْرَمُ : سَأَلْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَنْ رَجُلٍ صَلَّى رَكْعَةً ، ثُمَّ قَامَ لِيُصَلِّيَ أُخْرَى ، فَذَكَرَ أَنَّهُ إنَّمَا سَجَدَ لِلرَّكْعَةِ الْأُولَى سَجْدَةً وَاحِدَةً ؟ فَقَالَ : إنْ كَانَ أَوَّلُ مَا قَامَ قَبْلَ أَنْ يُحْدِثَ عَمَلَهُ لِلْأُخْرَى ، فَإِنَّهُ ، يَنْحَطُّ وَيَسْجُدُ ، وَيَعْتَدُّ بِهَا .\rوَإِنْ كَانَ أَحْدَثَ عَمَلَهُ لِلْأُخْرَى ، أَلْغَى الْأُولَى ، وَجَعَلَ هَذِهِ الْأُولَى .\rقُلْت : يَسْتَفْتِحُ أَوْ يُجْزِئُ الِاسْتِفْتَاحُ الْأَوَّلُ ؟ قَالَ : لَا يَسْتَفْتِحُ ، وَيُجْزِئُهُ الْأَوَّلُ .\rقُلْت : فَنَسِيَ سَجْدَتَيْنِ مِنْ رَكْعَتَيْنِ ؟ قَالَ : لَا يَعْتَدُّ بِتَيْنِكَ الرَّكْعَتَيْنِ ، وَالِاسْتِفْتَاحُ ثَابِتٌ .\rوَهَذَا قَوْلُ إِسْحَاقَ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : إذَا ذَكَرَ الرُّكْنَ الْمَتْرُوكَ قَبْلَ السُّجُودِ فِي الثَّانِيَةِ ، فَإِنَّهُ يَعُودُ إلَى السَّجْدَةِ الْأُولَى .\rوَإِنْ ذَكَرَهُ بَعْدَ سُجُودِهِ فِي الثَّانِيَةِ وَقَعَتَا عَنْ الْأُولَى ، لِأَنَّ الرَّكْعَةَ الْأُولَى قَدْ صَحَّ فِعْلُهَا ، وَمَا فَعَلَهُ فِي الثَّانِيَةِ - سَهْوًا - لَا يُبْطِلُ الْأُولَى ، كَمَا لَوْ ذَكَرَ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ .\rوَقَدْ ذَكَرَ أَحْمَدُ هَذَا الْقَوْلَ عَنْ الشَّافِعِيِّ وَقَرَّبَهُ ، وَقَالَ : هُوَ أَشْبَهُ .\rيَعْنِي مِنْ قَوْلِ","part":3,"page":154},{"id":1154,"text":"أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ .\rإلَّا أَنَّهُ اخْتَارَ الْقَوْلَ الَّذِي حَكَاهُ عَنْهُ الْأَثْرَمُ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : إنْ تَرَكَ سَجْدَةً فَذَكَرَهَا قَبْلَ رَفْعِ رَأْسِهِ مِنْ رُكُوعِ الثَّانِيَةِ ، أَلْغَى الْأُولَى .\rوَقَالَ الْحَسَنُ وَالنَّخَعِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ : مَنْ نَسِيَ سَجْدَةً ، ثُمَّ ذَكَرَهَا ، سَجَدَهَا فِي الصَّلَاةِ مَتَى مَا ذَكَرَهَا .\rوَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : يَرْجِعُ إلَى حَيْثُ كَانَ مِنْ الصَّلَاةِ وَقْتَ ذِكْرِهَا ، فَيَمْضِي فِيهَا وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ ، فِي مَنْ نَسِيَ أَرْبَعَ سَجَدَاتٍ مِنْ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ ، ثُمَّ ذَكَرَهَا فِي التَّشَهُّدِ : سَجَدَ فِي الْحَالِ أَرْبَعَ سَجَدَاتٍ ، وَتَمَّتْ صَلَاتُهُ .\rوَلَنَا أَنَّ الْمَزْحُومَ فِي الْجُمُعَةِ ، إذَا زَالَ الزِّحَامُ وَالْإِمَامُ رَاكِعٌ فِي الثَّانِيَةِ ، فَإِنَّهُ يَتَّبِعُهُ وَيَسْجُدُ مَعَهُ ، وَيَكُونُ السُّجُودُ مِنْ الثَّانِيَةِ دُونَ الْأُولَى ، كَذَا هَاهُنَا","part":3,"page":155},{"id":1155,"text":"( 908 ) فَصْلٌ : فَإِنْ مَضَى فِي مَوْضِعٍ يَلْزَمُهُ الرُّجُوعُ ، أَوْ رَجَعَ فِي مَوْضِعٍ يَلْزَمُهُ الْمُضِيُّ ، عَالِمًا بِتَحْرِيمِ ذَلِكَ ، فَسَدَتْ صَلَاتُهُ ؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ وَاجِبًا فِي الصَّلَاةِ عَمْدًا .\rوَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ مُعْتَقِدًا جَوَازَهُ ، لَمْ تَبْطُلْ ؛ لِأَنَّهُ تَرَكَهُ مِنْ غَيْرِ تَعَمُّدٍ ، أَشْبَهَ مَا لَوْ مَضَى قَبْلَ ذِكْرِ الْمَتْرُوكِ ، لَكِنْ إذَا مَضَى فِي مَوْضِعٍ يَلْزَمُهُ الرُّجُوعُ ، فَسَدَتْ الرَّكْعَةُ الَّتِي تَرَكَ رُكْنَهَا ، كَمَا لَوْ لَمْ يَذْكُرْهُ إلَّا بَعْدَ شُرُوعِهِ فِي الْقِرَاءَةِ .\rوَإِنْ رَجَعَ فِي مَوْضِعِ الْمُضِيِّ لَمْ يَعْتَدَّ بِمَا يَفْعَلُهُ فِي الرَّكْعَةِ الَّتِي تَرَكَهُ مِنْهَا ، لِأَنَّهَا فَسَدَتْ بِشُرُوعِهِ فِي قِرَاءَةِ غَيْرِهَا ، فَلَمْ يَعُدْ إلَى الصِّحَّةِ بِحَالٍ .\rالصُّورَةُ الثَّالِثَةُ : قَامَ عَنْ التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ إلَى رَكْعَةٍ زَائِدَةٍ ، فَإِنَّهُ يَرْجِعُ إلَيْهِ مَتَى مَا ذَكَرَهُ ؛ لِأَنَّهُ قَامَ إلَى زِيَادَةٍ غَيْرِ مُعْتَدٍّ لَهُ بِهَا فَلَزِمَهُ الرُّجُوعُ ، كَمَا لَوْ ذَكَرَ قَبْلَ السُّجُودِ .\rوَيَأْتِي تَفْصِيلُ هَذِهِ الصُّورَةِ فِيمَا إذَا صَلَّى خَمْسًا .\rوَفِي هَذِهِ الصُّوَرِ الثَّلَاثِ يَلْزَمُهُ السُّجُودُ قَبْلَ السَّلَامِ","part":3,"page":156},{"id":1156,"text":"( 909 ) فَصْلٌ : قَوْلُهُ : \" أَوْ جَلَسَ فِي مَوْضِعِ قِيَامٍ \" فَهَذَا يُتَصَوَّرُ بِأَنْ يَجْلِسَ عَقِيبَ الْأُولَى أَوْ الثَّالِثَةِ ، يَظُنُّ أَنَّهُ مَوْضِعُ التَّشَهُّدِ أَوْ جَلْسَةِ الْفَصْلِ فَمَتَى مَا ذَكَرَ قَامَ .\rوَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ حَتَّى قَامَ ، أَتَمَّ صَلَاتَهُ وَسَجَدَ لِلسَّهْوِ ؛ لِأَنَّهُ زَادَ فِي الصَّلَاةِ مِنْ جِنْسِهَا مَا لَوْ فَعَلَهُ عَمْدًا أَبْطَلَهَا ، فَلَزِمَهُ السُّجُودُ إذَا كَانَ سَهْوًا ، كَزِيَادَةِ رَكْعَةٍ","part":3,"page":157},{"id":1157,"text":"( 910 ) فَصْلٌ : وَالزِّيَادَاتُ عَلَى ضَرْبَيْنِ ؛ زِيَادَةِ أَفْعَالٍ ، وَزِيَادَةِ أَقْوَالٍ : فَزِيَادَاتُ الْأَفْعَالِ قِسْمَانِ : أَحَدُهُمَا ، زِيَادَةٌ مِنْ جِنْسِ الصَّلَاةِ ، مِثْلُ أَنْ يَقُومَ فِي مَوْضِعِ جُلُوسٍ ، أَوْ يَجْلِسَ فِي مَوْضِعِ قِيَامٍ ، أَوْ يَزِيدَ رَكْعَةً أَوْ رُكْنًا ، فَهَذَا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِعَمْدِهِ ، وَيَسْجُدُ لِسَهْوِهِ ، قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إذَا زَادَ الرَّجُلُ أَوْ نَقَصَ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ } رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالثَّانِي ، مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الصَّلَاةِ كَالْمَشْيِ وَالْحَكِّ وَالتَّرَوُّحِ ، فَهَذَا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِكَثِيرِهِ ، وَيُعْفَى عَنْ يَسِيرِهِ ، وَلَا يَسْجُدُ لَهُ ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ عَمْدِهِ وَسَهْوِهِ .\rالضَّرْبُ الثَّانِي ، زِيَادَاتُ الْأَقْوَالِ ، وَهِيَ قِسْمَانِ أَيْضًا .\rأَحَدُهُمَا ، مَا يُبْطِلُ عَمْدُهُ الصَّلَاةَ ، كَالسَّلَامِ وَكَلَامِ الْآدَمِيِّينَ ، فَإِذَا أَتَى بِهِ سَهْوًا فَسَلَّمَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ ، سَجَدَ ، عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فِي حَدِيثِ ذِي الْيَدَيْنِ وَإِنْ تَكَلَّمَ فِي الصَّلَاةِ سَهْوًا ، فَهَلْ تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِهِ أَوْ يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ .\rالْقِسْمُ الثَّانِي ، مَا لَا يُبْطِلُ عَمْدُهُ الصَّلَاةَ ، وَهُوَ نَوْعَانِ : أَحَدُهُمَا ، أَنْ يَأْتِيَ بِذِكْرٍ مَشْرُوعٍ فِي الصَّلَاةِ فِي غَيْرِ مَحِلِّهِ ، كَالْقِرَاءَةِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ ، وَالتَّشَهُّدِ فِي الْقِيَامِ وَالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ ، وَقِرَاءَةِ السُّورَةِ فِي الْأُخْرَيَيْنِ مِنْ الرُّبَاعِيَّةِ أَوْ الْأَخِيرَةِ مِنْ الْمَغْرِبِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ ، إذَا فَعَلَهُ سَهْوًا ، فَهَلْ يُشْرَعُ لَهُ سُجُودُ السَّهْوِ ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ .\rإحْدَاهُمَا ، لَا يُشْرَعُ لَهُ سُجُودٌ ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ لَا تَبْطُلُ بِعَمْدِهِ ، فَلَمْ يُشْرَعْ السُّجُودُ لِسَهْوِهِ ، كَتَرْكِ سُنَنِ الْأَفْعَالِ .\rوَالثَّانِيَةُ ، يُشْرَعُ لَهُ السُّجُودُ ، لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { إذَا نَسِيَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ","part":3,"page":158},{"id":1158,"text":"وَهُوَ جَالِسٌ } رَوَاهُ مُسْلِمٌ .\rفَإِذَا قُلْنَا : يُشْرَعُ لَهُ السُّجُودُ .\rفَذَلِكَ مُسْتَحَبٌّ غَيْرُ وَاجِبٍ لِأَنَّهُ جَبْرٌ لِغَيْرِ وَاجِبٍ ، فَلَمْ يَكُنْ وَاجِبًا ، كَجَبْرِ سَائِرِ السُّنَنِ .\rقَالَ أَحْمَدُ : إنَّمَا السَّهْوُ الَّذِي يَجِبُ فِيهِ السُّجُودُ ، مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ وُجُوبِ السُّجُودِ .\rالنَّوْعُ الثَّانِي ، أَنْ يَأْتِيَ فِيهَا بِذِكْرٍ أَوْ دُعَاءٍ لَمْ يَرِدْ الشَّرْعُ بِهِ فِيهَا ، كَقَوْلِهِ \" آمِينَ رَبَّ الْعَالَمِينَ \" وَقَوْلِهِ فِي التَّكْبِيرِ \" اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا \" وَنَحْوِ ذَلِكَ .\rفَهَذَا لَا يُشْرَعُ لَهُ السُّجُودُ ؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ فِي الصَّلَاةِ : الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى .\rفَلَمْ يَأْمُرْهُ بِالسُّجُودِ }","part":3,"page":159},{"id":1159,"text":"( 911 ) فَصْلٌ : وَإِذَا جَلَسَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ التَّشَهُّدِ قَدْرَ جَلْسَةِ الِاسْتِرَاحَةِ ، فَقَالَ الْقَاضِي : يَلْزَمُهُ السُّجُودُ ، سَوَاءٌ قُلْنَا : جَلْسَةُ الِاسْتِرَاحَةِ ، مَسْنُونَةٌ أَوْ لَمْ نَقُلْ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُرِدْهَا بِجُلُوسِهِ ، إنَّمَا أَرَادَ غَيْرَهَا فَكَانَ سَهْوًا .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَلْزَمَهُ ؛ لِأَنَّهُ فِعْلٌ لَوْ تَعَمَّدَهُ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ ، فَلَا يَسْجُدُ لِسَهْوِهِ ، كَالْعَمَلِ الْيَسِيرِ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الصَّلَاةِ","part":3,"page":160},{"id":1160,"text":"( 912 ) فَصْلٌ : قَوْلُهُ أَوْ جَهَرَ فِي مَوْضِعِ تَخَافُتٍ ، أَوْ خَافَتَ فِي مَوْضِعِ جَهْرٍ .\rوَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْجَهْرَ وَالْإِخْفَاتَ - فِي مَوْضِعِهِمَا - مِنْ سُنَنِ الصَّلَاةِ ، لَا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِتَرْكِهِ عَمْدًا وَإِنْ تَرَكَهُ سَهْوًا فَهَلْ يُشْرَعُ لَهُ السُّجُودُ مِنْ أَجْلِهِ ؟ فِيهِ عَنْ أَحْمَدَ رِوَايَتَانِ : إحْدَاهُمَا ، لَا يُشْرَعُ قَالَ الْحَسَنُ ، وَعَطَاءٌ ، وَسَالِمٌ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَالْقَاسِمُ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَالْحَاكِمُ : لَا سَهْوَ عَلَيْهِ .\rوَجَهَرَ أَنَسٌ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَلَمْ يَسْجُدْ ، وَكَذَلِكَ عَلْقَمَةُ وَالْأَسْوَدُ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الْأَوْزَاعِيِّ ، وَالشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ سُنَّةٌ ، فَلَا يُشْرَعُ السُّجُودُ لِتَرْكِهِ الْيَدَيْنِ .\rوَالثَّانِيَةُ يُشْرَعُ وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ فِي الْإِمَامِ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إذَا نَسِيَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ } وَلِأَنَّهُ أَخَلَّ بِسُنَّةٍ قَوْلِيَّةٍ ، فَشُرِعَ السُّجُودُ لَهَا ، كَتَرْكِ الْقُنُوتِ وَمَا ذَكَرُوهُ يَبْطُلُ بِالْقُنُوتِ ، وَبِالتَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ ، فَإِنَّهُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ سُنَّةٌ وَيَسْجُدُ تَارِكُهُ ، فَإِذَا قُلْنَا بِهَذَا كَانَ السُّجُودُ مُسْتَحَبًّا غَيْرَ وَاجِبٍ نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .\rقَالَ الْأَثْرَمُ : سَمِعْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يُسْأَلُ عَنْ رَجُلٍ سَهَا ، فَجَهَرَ فِيمَا يُخَافِتُ فِيهِ ، فَهَلْ عَلَيْهِ سَجْدَتَا السَّهْوِ ؟ قَالَ : أَمَّا عَلَيْهِ فَلَا أَقُولُ عَلَيْهِ ، وَلَكِنْ إنْ شَاءَ سَجَدَ .\rوَذَكَرَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَدِيثَ عَنْ عُمَرَ ، أَوْ غَيْرِهِ ، أَنَّهُ كَانَ يُسْمَعُ مِنْهُ نَغْمَةٌ فِي صَلَاةِ الظُّهْرِ قَالَ : وَأَنَسٌ جَهَرَ فَلَمْ يَسْجُدْ .\rوَقَالَ : إنَّمَا السَّهْوُ الَّذِي يَجِبُ فِيهِ السُّجُودُ مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ صَالِحٌ : قَالَ أَبِي إنْ سَجَدَ فَلَا بَأْسَ وَإِنْ لَمْ يَسْجُدْ فَلَيْسَ عَلَيْهِ .\rوَلِأَنَّهُ جَبْرٌ لِمَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ ، فَلَمْ يَكُنْ وَاجِبًا كَسَائِرِ السُّنَنِ","part":3,"page":161},{"id":1161,"text":"( 913 ) فَصْلٌ : قَوْلُهُ أَوْ صَلَّى خَمْسًا يَعْنِي فِي صَلَاةٍ رُبَاعِيَّةٍ فَإِنَّهُ مَتَى قَامَ إلَى الْخَامِسَةِ فِي الرُّبَاعِيَّةِ ، أَوْ إلَى الرَّابِعَةِ فِي الْمَغْرِبِ ، أَوْ إلَى الثَّالِثَةِ فِي الصُّبْحِ ، لَزِمَهُ الرُّجُوعُ مَتَى مَا ذَكَرَ ، فَيَجْلِسُ ؛ فَإِنْ كَانَ قَدْ تَشَهَّدَ عَقِيبَ الرَّكْعَةِ الَّتِي تَمَّتْ بِهَا صَلَاتُهُ ، سَجَدَ لِلسَّهْوِ ، ثُمَّ يُسَلِّمُ وَإِنْ كَانَ تَشَهَّدَ ، وَلَمْ يُصَلِّ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى عَلَيْهِ ، ثُمَّ سَجَدَ لِلسَّهْوِ .\rوَسَلَّمَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ تَشَهَّدَ ، تَشَهَّدَ وَسَجَدَ لِلسَّهْوِ ، ثُمَّ سَلَّمَ .\rفَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ حَتَّى فَرَغَ مِنْ الصَّلَاةِ ، سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ ، عَقِيبَ ذِكْرِهِ ، وَتَشَهَّدَ وَصَلَاتُهُ صَحِيحَةٌ .\rوَبِهَذَا قَالَ عَلْقَمَةُ وَالْحَسَنُ ، وَعَطَاءٌ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَاللَّيْثُ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إنْ ذَكَرَ قَبْلَ أَنْ يَسْجُدَ ، جَلَسَ لِلتَّشَهُّدِ وَإِنْ ذَكَرَ بَعْدَ السُّجُودِ وَكَانَ جَلَسَ عَقِيبَ الرَّابِعَةِ قَدْرَ التَّشَهُّدِ ، صَحَّتْ صَلَاتُهُ ، وَيُضِيفُ إلَى الزِّيَادَةِ أُخْرَى ، لِتَكُونَ نَافِلَةً .\rفَإِنْ لَمْ يَكُنْ جَلَسَ فِي الرَّابِعَةِ بَطَلَ فَرْضُهُ ، وَصَارَتْ صَلَاتُهُ نَافِلَةً وَلَزِمَهُ إعَادَةُ الصَّلَاةِ ، وَنَحْوَهُ قَالَ حَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ .\rوَقَالَ قَتَادَةُ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، فِي مَنْ صَلَّى الْمَغْرِبَ أَرْبَعًا : يُضِيفُ إلَيْهَا أُخْرَى ، فَتَكُونُ الرَّكْعَتَانِ تَطَوُّعًا ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ فِي مَنْ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ { فَإِنْ كَانَتْ صَلَاتُهُ تَامَّةً كَانَتْ الرَّكْعَةُ وَالسَّجْدَتَانِ نَافِلَةً } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَابْنُ مَاجَهْ .\rوَفِي رِوَايَةٍ { فَإِنْ كَانَ صَلَّى خَمْسًا شَفَعْنَ لَهُ صَلَاتَهُ } رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَلَنَا : مَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ ، قَالَ { صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَمْسًا فَلَمَّا انْفَتَلَ تَوَشْوَشَ الْقَوْمُ بَيْنَهُمْ ، فَقَالَ : مَا","part":3,"page":162},{"id":1162,"text":"شَأْنُكُمْ ؟ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ زِيدَ فِي الصَّلَاةِ ؟ قَالَ : لَا قَالُوا : فَإِنَّك قَدْ صَلَّيْتَ خَمْسًا فَانْفَتَلَ ، ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ ، ثُمَّ سَلَّمَ ثُمَّ قَالَ : إنَّمَا أَنَا بَشَرٌ أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ ، فَإِذَا نَسِيَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ } .\rوَفِي رِوَايَةٍ قَالَ : { إنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَذْكُرُ كَمَا تَذْكُرُونَ وَأَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْ السَّهْوِ } .\rوَفِي رِوَايَةٍ ، فَقَالَ { فَإِذَا زَادَ الرَّجُلُ أَوْ نَقَصَ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ } رَوَاهُ كُلَّهُ مُسْلِمٌ وَالظَّاهِرُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَجْلِسْ عَقِيبَ الرَّابِعَةِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ ، وَلِأَنَّهُ قَامَ إلَى الْخَامِسَةِ مُعْتَقِدًا أَنَّهُ قَامَ عَنْ ثَالِثَةٍ وَلَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ بِهَذَا ، وَلَمْ يُضِفْ إلَى الْخَامِسَةِ أُخْرَى .\rوَحَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ أَيْضًا ، فَإِنَّهُ جَعَلَ الزَّائِدَةَ نَافِلَةً ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَفْصِلَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الَّتِي قَبْلَهَا بِجُلُوسٍ ، وَجَعَلَ السَّجْدَتَيْنِ يَشْفَعَانِهَا ، وَلَمْ يَضُمَّ إلَيْهَا رَكْعَةً أُخْرَى ، وَهَذَا كُلُّهُ خِلَافٌ لِمَا قَالُوهُ ، فَقَدْ خَالَفُوا الْخَبَرَيْنِ جَمِيعًا ، وَقَوْلُنَا يُوَافِقُ الْخَبَرَيْنِ جَمِيعًا .\rوَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ .","part":3,"page":163},{"id":1163,"text":"( 914 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ ( فَإِنْ نَسِيَ أَنَّ عَلَيْهِ سُجُودَ سَهْوٍ وَسَلَّمَ ، كَبَّرَ وَسَجَدَ سَجْدَتَيْ السَّهْوِ ، وَتَشَهَّدَ ، وَسَلَّمَ ، مَا كَانَ فِي الْمَسْجِدِ وَإِنْ تَكَلَّمَ ، لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَجَدَ بَعْدَ السَّلَامِ وَالْكَلَامِ ) .\rالْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي ثَلَاثَةِ فُصُولٍ : ( 915 ) الْفَصْلُ : الْأَوَّلُ : أَنَّهُ إذَا نَسِيَ سُجُودَ السَّهْوِ ، ثُمَّ ذَكَرَهُ قَبْلَ طُولِ الْفَصْلِ فِي الْمَسْجِدِ فَإِنَّهُ يَسْجُدُ ، سَوَاءٌ تَكَلَّمَ أَوْ لَمْ يَتَكَلَّمْ وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ .\rوَكَانَ الْحَسَنُ ، وَابْنُ سِيرِينَ يَقُولَانِ : إذَا صَرَفَ وَجْهَهُ عَنْ الْقِبْلَةِ ، لَمْ يَبْنِ ، وَلَمْ يَسْجُدْ .\rوَقَالَ : أَبُو حَنِيفَةَ : إنْ تَكَلَّمَ بَعْدَ الصَّلَاةِ ، سَقَطَ عَنْهُ سُجُودُ السَّهْوِ وَلِأَنَّهُ أَتَى بِمَا يُنَافِيهَا ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَحْدَثَ .\rوَلَنَا مَا رَوَى ابْنُ مَسْعُودٍ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَجَدَ بَعْدَ السَّلَامِ وَالْكَلَامِ } .\rرَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَيْضًا الْحَدِيثُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي الْمَسْأَلَةِ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ ، فَإِنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ تَكَلَّمَ ، وَتَكَلَّمَ الْمَأْمُومُونَ ، ثُمَّ سَجَدَ وَسَجَدُوا مَعَهُ وَهَذَا حُجَّةٌ عَلَى الْحَسَنِ وَابْنِ سِيرِينَ لِقَوْلِهِ فَلَمَّا انْفَتَلَ تَوَشْوَشَ الْقَوْمُ بَيْنَهُمْ ، ثُمَّ سَجَدَ بَعْدَ انْصِرَافِهِ عَنْ الْقِبْلَةِ .\rوَلِأَنَّهُ إذَا جَازَ إتْمَامُ رَكْعَتَيْنِ مِنْ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْكَلَامِ وَالِانْصِرَافِ ، كَمَا فِي حَدِيثِ ذِي الْيَدَيْنِ ، فَالسُّجُودُ أَوْلَى ( 916 ) الْفَصْلُ الثَّانِي : أَنَّهُ لَا يَسْجُدُ بَعْدَ طُولِ الْمُدَّةِ .\rوَاخْتُلِفَ فِي ضَبْطِ الْمُدَّةِ الَّتِي يَسْجُدُ فِيهَا ، فَفِي قَوْلِ الْخِرَقِيِّ ، يَسْجُدُ مَا كَانَ فِي الْمَسْجِدِ ، فَإِنْ خَرَجَ لَمْ يَسْجُدْ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ وَهُوَ قَوْلُ الْحَكَمِ ، وَابْنِ شُبْرُمَةَ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : يُرْجَعُ فِي طُولِ الْفَصْلِ وَقِصَرِهِ إلَى الْعَادَةِ ، وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ","part":3,"page":164},{"id":1164,"text":"صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجَعَ إلَى الْمَسْجِدِ بَعْدَ خُرُوجِهِ مِنْهُ فِي حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ، فَالسُّجُودُ أَوْلَى ، وَحَكَى ابْنُ أَبِي مُوسَى ، عَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةً أُخْرَى ، أَنَّهُ يَسْجُدُ وَإِنْ خَرَجَ وَتَبَاعَدَ وَهُوَ قَوْلٌ ثَانٍ لِلشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ جُبْرَانٌ يَأْتِي بِهِ بَعْدَ طُولِ الزَّمَانِ كَجُبْرَانِ الْحَجِّ .\rوَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ إنْ كَانَ لِزِيَادَةٍ وَإِنْ كَانَ لِنَقْصٍ أَتَى بِهِ مَا لَمْ يَطُلْ الْفَصْلُ ؛ لِأَنَّهُ لِتَكْمِيلِ الصَّلَاةِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ لِتَكْمِيلِ الصَّلَاةِ ، فَلَا يَأْتِي بِهِ بَعْدَ طُولِ الْفَصْلِ ، كَرُكْنٍ مِنْ أَرْكَانِهَا ، وَكَمَا لَوْ كَانَ مِنْ نَقْصٍ وَإِنَّمَا ضَبَطْنَاهُ بِالْمَسْجِدِ ؛ لِأَنَّهُ مَحَلُّ الصَّلَاةِ وَمَوْضِعُهَا ، فَاعْتُبِرَتْ فِيهِ الْمُدَّةُ ، كَخِيَارِ الْمَجْلِسِ .\r( 917 ) الْفَصْلُ الثَّالِثُ : أَنَّهُ مَتَى سَجَدَ لِلسَّهْوِ ، فَإِنَّهُ يُكَبِّرُ لِلسُّجُودِ وَالرَّفْعِ مِنْهُ ، سَوَاءٌ كَانَ قَبْلَ السَّلَامِ أَوْ بَعْدَهُ .\rفَإِنْ كَانَ قَبْلَ السَّلَامِ سَلَّمَ عَقِبَهُ .\rوَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ تَشَهَّدَ ، وَسَلَّمَ ، سَوَاءٌ كَانَ مَحِلُّهُ بَعْدَ السَّلَامِ ، أَوْ كَانَ قَبْلَ السَّلَامِ فَنَسِيَهُ إلَى مَا بَعْدَهُ .\rوَبِهَذَا قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَقَتَادَةُ ، وَالْحَكَمُ وَحَمَّادٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ فِي التَّشَهُّدِ وَالسَّلَامِ وَقَالَ أَنَسٌ ، وَالْحَسَنُ ، وَعَطَاءٌ : لَيْسَ فِيهِمَا تَشَهُّدٌ وَلَا تَسْلِيمٌ .\rوَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ فِيهِمَا تَسْلِيمٌ بِغَيْرِ تَشَهُّدٍ .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : التَّسْلِيمُ فِيهِمَا ثَابِتٌ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ ، وَفِي ثُبُوتِ التَّشَهُّدِ نَظَرٌ وَعَنْ عَطَاءٍ : إنْ شَاءَ تَشَهَّدَ وَسَلَّمَ ، وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَفْعَلْ .\rوَلَنَا ، عَلَى التَّكْبِيرِ قَوْلُ ابْنِ بُحَيْنَةَ : { فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ ، كَبَّرَ فِي كُلِّ سَجْدَةٍ وَهُوَ جَالِسٌ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ وَسَجَدَهُمَا النَّاسُ مَعَهُ .\r} وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ وَقَوْلُ أَبِي هُرَيْرَةَ ، ثُمَّ كَبَّرَ وَسَجَدَ","part":3,"page":165},{"id":1165,"text":"مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَكَبَّرَ وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُكَبِّرُ فِي كُلِّ رَفْعٍ وَخَفْضٍ .\rوَأَمَّا التَّسْلِيمُ فَقَدْ ذَكَرَهُ عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ ، فِي حَدِيثِهِ الَّذِي رَوَاهُ مُسْلِمٌ ، قَالَ فِيهِ { سَجَدَ سَجْدَتَيْ السَّهْوِ ثُمَّ سَلَّمَ } وَفِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ { ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ } وَأَمَّا التَّشَهُّدُ فَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد فِي حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى بِهِمْ فَسَهَا ، فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ ثُمَّ تَشَهَّدَ ، ثُمَّ سَلَّمَ } ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ .\rوَلِأَنَّهُ سُجُودٌ يُسَلِّمُ لَهُ ، فَكَانَ مَعَهُ تَشَهُّدٌ ، كَسُجُودِ صُلْبِ الصَّلَاةِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَجِبَ التَّشَهُّدُ ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَ الْحَدِيثَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ أَنَّهُ سَلَّمَ مِنْ غَيْرِ تَشَهُّدٍ ، وَهُمَا أَصَحُّ مِنْ هَذِهِ الرِّوَايَةِ ، وَلِأَنَّهُ سُجُودٌ مُفْرَدٌ ، فَلَمْ يَجِبْ لَهُ تَشَهُّدٌ ، كَسُجُودِ التِّلَاوَةِ","part":3,"page":166},{"id":1166,"text":"( 918 ) فَصْلٌ : وَإِذَا نَسِيَ سُجُودَ السَّهْوِ حَتَّى طَالَ الْفَصْلُ ، لَمْ تَبْطُلْ الصَّلَاةُ .\rوَبِذَلِكَ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ : أَنَّهُ إنْ خَرَجَ مِنْ الْمَسْجِدِ أَعَادَ الصَّلَاةَ ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَكَمِ ، وَابْنِ شُبْرُمَةَ وَقَوْلُ مَالِكٍ وَأَبِي ثَوْرٍ فِي السُّجُودِ الَّذِي قَبْلَ السَّلَامِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ جَابِرٌ لِلْعِبَادَةِ بَعْدَهَا ، فَلَمْ تَبْطُلْ بِتَرْكِهِ كَجُبْرَانَاتِ الْحَجِّ ، وَلِأَنَّهُ مَشْرُوعٌ لِلصَّلَاةِ خَارِجٌ مِنْهَا ، فَلَمْ تَفْسُدْ بِتَرْكِهِ ، كَالْأَذَانِ ( 919 ) فَصْلٌ : وَيَقُولُ فِي سُجُودِهِ مَا يَقُولُ فِي سُجُودِ صُلْبِ الصَّلَاةِ ؛ لِأَنَّهُ سُجُودٌ مَشْرُوعٌ فِي الصَّلَاةِ ، أَشْبَهَ سُجُودَ صُلْبِ الصَّلَاةِ","part":3,"page":167},{"id":1167,"text":"( 920 ) فَصْلٌ : وَإِنْ نَسِيَ السُّجُودَ حَتَّى شَرَعَ فِي صَلَاةٍ أُخْرَى ، سَجَدَ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْهَا ، فِي ظَاهِرِ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ ؛ لِأَنَّهُ فِي الْمَسْجِدِ .\rوَعَلَى قَوْلِ غَيْرِهِ ، إنْ طَالَ الْفَصْلُ لَمْ يَسْجُدْ وَإِلَّا سَجَدَ .","part":3,"page":168},{"id":1168,"text":"( 921 ) فَصْلٌ : وَسُجُودُ السَّهْوِ لِمَا يُبْطِلُ عَمْدُهُ الصَّلَاةَ وَاجِبٌ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ غَيْرُ وَاجِبٍ .\rوَلَعَلَّ مَبْنَاهَا عَلَى أَنَّ الْوَاجِبَاتِ الَّتِي شُرِعَ السُّجُودُ لِجَبْرِهَا غَيْرُ وَاجِبَةٍ ، فَيَكُونُ جَبْرُهَا غَيْرَ وَاجِبٍ .\rوَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { كَانَتْ الرَّكْعَةُ وَالسَّجْدَتَانِ نَافِلَةً لَهُ } .\rوَلَنَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِهِ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَأَبِي سَعِيدٍ وَفَعَلَهُ ، وَقَالَ { صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي } وَقَوْلُهُ \" نَافِلَةً \" يَعْنِي أَنَّ لَهُ ثَوَابًا فِيهِ كَمَا أَنَّهُ سَمَّى الرَّكْعَةَ أَيْضًا نَافِلَةً وَهِيَ وَاجِبَةٌ عَلَى السَّاهِي بِلَا خِلَافٍ .\rفَأَمَّا الْمَشْرُوعُ لِمَا لَا يُبْطِلُ عَمْدُهُ الصَّلَاةَ فَغَيْرُ وَاجِبٍ قَالَ أَحْمَدُ : إنَّمَا يَجِبُ السُّجُودُ فِيمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْنِي وَمَا كَانَ فِي مَعْنَاهُ فَنَقِيسُ عَلَى زِيَادَةِ خَامِسَةٍ سَائِرَ زِيَادَاتِ الْأَفْعَالِ مِنْ جِنْسِ الصَّلَاةِ ، وَعَلَى تَرْكِ التَّشَهُّدِ تَرْكَ غَيْرِهِ مِنْ الْوَاجِبَاتِ ، وَعَلَى التَّسْلِيمِ مِنْ نُقْصَانٍ زِيَادَاتِ الْأَقْوَالِ الْمُبْطِلَةِ عَمْدًا ( 922 ) فَصْلٌ : فَإِنْ تَرَكَ الْوَاجِبَ عَمْدًا ؛ فَإِنْ كَانَ قَبْلَ السَّلَامِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ ؛ لِأَنَّهُ أَخَلَّ بِوَاجِبٍ فِي الصَّلَاةِ عَمْدًا .\rوَإِنْ تَرَكَ الْوَاجِبَ بَعْدَ السَّلَامِ ، لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ ؛ لِأَنَّهُ جَبْرٌ لِلْعِبَادَةِ خَارِجٌ مِنْهَا ، فَلَمْ تَبْطُلْ بِتَرْكِهِ كَجُبْرَانَاتِ الْحَجِّ ، وَسَوَاءٌ كَانَ مَحِلُّهُ بَعْدَ السَّلَامِ أَوْ قَبْلَهُ ، فَنَسِيَهُ ، فَصَارَ بَعْدَ السَّلَامِ وَقَدْ نُقِلَ عَنْ أَحْمَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى بُطْلَانِ الصَّلَاةِ ، وَنُقِلَ عَنْهُ التَّوَقُّفُ ، فَنَقَلَ عَنْهُ الْأَثْرَمُ فِي مَنْ نَسِيَ سُجُودَ السَّهْوِ ، فَقَالَ : إنْ كَانَ فِي سَهْوٍ خَفِيفٍ ، فَأَرْجُو أَنْ لَا يَكُونَ عَلَيْهِ قُلْت : فَإِنْ كَانَ فِيمَا سَهَا فِيهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ فَقَالَ : هَاهْ .\rوَلَمْ","part":3,"page":169},{"id":1169,"text":"يُجِبْ ، فَبَلَغَنِي عَنْهُ أَنَّهُ يَسْتَحِبُّ أَنْ يُعِيدَ .\rفَإِذَا كَانَ هَذَا فِي السَّهْوِ ، فَفِي الْعَمْدِ أَوْلَى","part":3,"page":170},{"id":1170,"text":"( 923 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : وَإِنْ نَسِيَ أَرْبَعَ سَجَدَاتٍ مِنْ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ ، وَذَكَرَ وَهُوَ فِي التَّشَهُّدِ ، سَجَدَ سَجْدَةً تَصِحُّ لَهُ رَكْعَةٌ ، وَيَأْتِي بِثَلَاثِ رَكَعَاتٍ ، وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ رَحِمَهُ اللَّهُ وَالرِّوَايَةُ الْأُخْرَى ، قَالَ : كَانَ هَذَا يَلْعَبُ ، يَبْتَدِئُ الصَّلَاةَ مِنْ أَوَّلِهَا هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى مَنْ تَرَكَ رُكْنًا مِنْ رَكْعَةٍ فَلَمْ يَذْكُرْهُ إلَّا فِي الَّتِي بَعْدَهَا ، وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهُ إذَا لَمْ يَذْكُرْهُ حَتَّى شَرَعَ فِي قِرَاءَةِ الَّتِي بَعْدَهَا ، بَطَلَتْ ، فَلَمَّا شَرَعَ فِي قِرَاءَةِ الثَّانِيَةِ هَاهُنَا قَبْلَ ذِكْرِ سَجْدَةِ الْأُولَى ، بَطَلَتْ الْأُولَى ، وَلَمَّا شَرَعَ فِي قِرَاءَةِ الثَّالِثَةِ قَبْلَ ذِكْرِ سَجْدَةِ الثَّانِيَةِ ، بَطَلَتْ الثَّانِيَةُ ، وَكَذَلِكَ الثَّالِثَةُ ، تَبْطُلُ بِالشُّرُوعِ فِي قِرَاءَةِ الرَّابِعَةِ ، فَلَمْ يَبْقَ إلَّا الرَّابِعَةُ ، وَلَمْ يَسْجُدْ فِيهَا إلَّا سَجْدَةً فَيَسْجُدُ الثَّانِيَةَ حِينَ ذَكَرَ وَتَتِمُّ لَهُ رَكْعَةٌ ، وَيَأْتِي بِثَلَاثِ رَكَعَاتٍ .\rوَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ ، وَاللَّيْثِ لِأَنَّ كُلَّ رَكْعَةٍ بَطَلَتْ بِشُرُوعِهِ فِي الثَّانِيَةِ قَبْلَ إتْمَامِ الْأُولَى .\rوَفِيهِ رِوَايَةٌ أُخْرَى عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّ صَلَاتَهُ تَبْطُلُ ، وَيَبْتَدِئُهَا ؛ لِأَنَّ هَذَا يُؤَدِّي إلَى أَنْ يَكُونَ مُتَلَاعِبًا بِصَلَاتِهِ ، ثُمَّ يَحْتَاجُ إلَى إلْغَاءِ عَمَلٍ كَثِيرٍ فِي الصَّلَاةِ ، فَإِنَّ بَيْنَ التَّحْرِيمَةِ وَالرَّكْعَةِ الْمُعْتَدِّ بِهَا ثَلَاثَ رَكَعَاتٍ لَاغِيَةٍ .\rوَهَذَا قَوْلُ إِسْحَاقَ ، وَأَبِي بَكْرٍ الْآجُرِّيِّ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يَصِحُّ لَهُ رَكْعَتَانِ ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا قَامَ إلَى الثَّانِيَةِ سَهْوًا قَبْلَ إتْمَامِ الْأُولَى ، كَانَ عَمَلُهُ فِيهَا لَاغِيًا ، فَلَمَّا سَجَدَ فِيهَا ، انْضَمَّتْ سَجْدَتُهَا إلَى سَجْدَةِ الْأُولَى ، فَكَمَلَتْ لَهُ رَكْعَةٌ ، وَهَكَذَا الثَّالِثَةُ وَالرَّابِعَةُ يَحْصُلُ لَهُ مِنْهَا رَكْعَةٌ .\rوَحَكَى أَبُو عَبْدِ اللَّهِ هَذَا الْقَوْلَ عَنْ الشَّافِعِيِّ ، ثُمَّ قَالَ : هُوَ أَشْبَهُ بِمَا","part":3,"page":171},{"id":1171,"text":"يَقُولُ هَؤُلَاءِ - يَعْنِي أَصْحَابَ الرَّأْيِ - قَالَ الْأَثْرَمُ : فَقُلْت لَهُ ، فَإِنَّهُ إذًا فِعْلٌ لَا يَسْتَقِيمُ ، لِأَنَّهُ إنَّمَا نَوَى بِهَذِهِ السَّجْدَةِ عَنْ الثَّانِيَةِ ، لَا عَنْ الْأُولَى .\rقَالَ : فَكَذَلِكَ أَقُولُ إنَّهُ يَحْتَاجُ أَنْ يَسْجُدَ لِكُلِّ رَكْعَةٍ سَجْدَتَيْنِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْقَوْلُ الْمَحْكِيُّ عَنْ الشَّافِعِيِّ هُوَ الصَّحِيحَ ، وَأَنْ يَكُونَ مَذْهَبًا لِأَحْمَدَ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ حَسَّنَهُ ، وَإِنَّمَا اعْتَذَرَ عَنْ الْمَصِيرِ إلَيْهِ ، لِكَوْنِهِ إنَّمَا نَوَى بِالسَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ عَنْ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ ، وَهَذَا لَا يَمْنَعُ جَعْلَهَا عَنْ الْأُولَى ، كَمَا لَوْ سَجَدَ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى يَحْسِبُ أَنَّهُ فِي الثَّانِيَةِ ، أَوْ سَجَدَ فِي الثَّانِيَةِ يَحْسِبُ أَنَّهُ فِي الْأُولَى .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .\rوَقَالَ الثَّوْرِيُّ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ : يَسْجُدُ فِي الْحَالِ أَرْبَعَ سَجَدَاتٍ .\rوَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ ، فِيمَنْ نَسِيَ مِنْ كُلِّ رَكْعَةٍ سَجْدَتَيْهَا : يَسْجُدُ فِي الْحَالِ ثَمَانِيَ سَجَدَاتٍ .\rوَهَذَا فَاسِدٌ ؛ لِأَنَّ تَرْتِيبَ الصَّلَاةِ شَرْطٌ فِيهَا ، فَلَا يَسْقُطُ بِالنِّسْيَانِ ، كَمَا لَوْ قَدَّمَ السُّجُودَ عَلَى الرُّكُوعِ نَاسِيًا وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ حَتَّى سَلَّمَ ، ابْتَدَأَ الصَّلَاةَ ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَبْقَ لَهُ غَيْرُ رَكْعَةٍ تَنْقُصُ سَجْدَةً فَإِذَا سَلَّمَ بَطَلَتْ أَيْضًا .\rنَصَّ أَحْمَدُ عَلَى بُطْلَانِهَا فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ ، فَحِينَئِذٍ يَسْتَأْنِفُ الصَّلَاةَ","part":3,"page":172},{"id":1172,"text":"( 924 ) فَصْلٌ : وَإِذَا تَرَكَ رُكْنًا ، ثُمَّ ذَكَرَهُ وَلَمْ يَعْلَمْ مَوْضِعَهُ ، بَنَى الْأَمْرَ عَلَى أَسْوَأِ الْأَحْوَالِ ، مِثْلُ أَنْ يَتْرُكَ سَجْدَةً لَا يَعْلَمُ أَمِنْ الرَّكْعَةِ .\rالرَّابِعَةِ أَمْ مِنْ الرَّكْعَةِ الَّتِي قَبْلَهَا جَعَلَهَا مِنْ الَّتِي قَبْلَهَا ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ حِينَئِذٍ رَكْعَةٌ كَامِلَةٌ ، وَلَوْ حَسِبَهَا مِنْ الرَّكْعَةِ الرَّابِعَةِ ، أَجْزَأَتْهُ سَجْدَةٌ وَاحِدَةٌ .\rفَإِنْ تَرَكَ سَجْدَتَيْنِ لَا يَعْلَمُ أَمِنْ الرَّكْعَتَيْنِ أَمْ مِنْ رَكْعَةٍ ، جَعَلَهُمَا مِنْ رَكْعَتَيْنِ لِيَلْزَمَهُ رَكْعَتَانِ .\rوَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ تَرَكَ رُكْنًا مِنْ رَكْعَةٍ هُوَ فِيهَا لَا يَعْلَمُ أَرُكُوعٌ هُوَ أَمْ سُجُودٌ ، جَعَلَهُ رُكُوعًا ؛ لِيَلْزَمَهُ الْإِتْيَانُ بِهِ وَبِمَا بَعْدَهُ .\rوَعَلَى قِيَاسِ هَذَا ، يَأْتِي بِمَا يَتَيَقَّنُ بِهِ إتْمَامَ الصَّلَاةِ لِئَلَّا يَخْرُجَ مِنْهَا وَهُوَ شَاكٌّ فِيهَا ، فَيَكُونَ مَغْرُورًا بِهَا .\rوَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَا غِرَارَ فِي صَلَاةٍ وَلَا تَسْلِيمٍ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَقَالَ الْأَثْرَمُ : سَأَلْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَنْ تَفْسِيرِ هَذَا الْحَدِيثِ ، فَقَالَ : أَمَّا أَنَا فَأَرَى أَنْ لَا يَخْرُجَ مِنْهَا إلَّا عَلَى يَقِينٍ ، لَا يَخْرُجُ مِنْهَا عَلَى غَرَرٍ حَتَّى يَتَيَقَّنَ أَنَّهَا قَدْ تَمَّتْ ، وَلَوْ تَرَكَ سَجْدَةً مِنْ الْأُولَى فَذَكَرَهَا فِي التَّشَهُّدِ ، أَتَى بِرَكْعَةٍ وَأَجْزَأَتْهُ وَقَدْ رَوَى الْأَثْرَمُ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ الْحَسَنِ فِي رَجُلٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى الْعَصْرَ أَوْ غَيْرَهَا ، فَنَسِيَ أَنْ يَرْكَعَ فِي الثَّانِيَةِ ، حَتَّى ذَكَرَ ذَلِكَ فِي الرَّابِعَةِ ، قَالَ : يَمْضِي فِي صَلَاتِهِ وَيُتِمُّهَا أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ ، وَلَا يَحْتَسِبُ بِاَلَّتِي لَمْ يَرْكَعْ فِيهَا ، ثُمَّ يَسْجُدُ لِلْوَهْمِ","part":3,"page":173},{"id":1173,"text":"( 925 ) فَصْلٌ : وَإِنْ شَكَّ فِي تَرْكِ رُكْنٍ مِنْ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ ، وَهُوَ فِيهَا - هَلْ أَخَلَّ بِهِ أَوْ لَا ؟ - فَحُكْمُهُ حُكْمُ مَنْ لَمْ يَأْتِ بِهِ ، إمَامًا كَانَ أَوْ مُنْفَرِدًا ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ وَإِنْ شَكَّ فِي زِيَادَةٍ تُوجِبُ السُّجُودَ ، فَلَا سُجُودَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهَا فَلَا يَجِبُ السُّجُودُ بِالشَّكِّ فِيهَا .\rوَإِنْ شَكَّ فِي تَرْكِ وَاجِبٍ يُوجِبُ تَرْكُهُ سُجُودَ السَّهْوِ فَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ : لَا سُجُودَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ شَكَّ فِي سَبَبِهِ ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ بِالشَّكِّ ، كَمَا لَوْ شَكَّ فِي الزِّيَادَةِ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : يَحْتَمِلُ أَنْ يَلْزَمَهُ السُّجُودُ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ .\rوَلَوْ شَكَّ فِي عَدَدِ الرَّكَعَاتِ ، أَوْ فِي رُكْنٍ ذُكِرَ فِي الصَّلَاةِ لَمْ يَسْجُدْ ؛ لِأَنَّ السُّجُودَ لِزِيَادَةٍ أَوْ نَقْصٍ أَوْ احْتِمَالِ ذَلِكَ ، وَلَمْ يُوجَدْ","part":3,"page":174},{"id":1174,"text":"( 926 ) فَصْلٌ : إذَا سَهَا سَهْوَيْنِ ، أَوْ أَكْثَرَ مِنْ جِنْسٍ ، كَفَاهُ سَجْدَتَانِ لِلْجَمِيعِ .\rلَا نَعْلَمُ أَحَدًا خَالَفَ فِيهِ .\rوَإِنْ كَانَ السَّهْوُ مِنْ جِنْسَيْنِ ، فَكَذَلِكَ .\rحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ قَوْلًا لِأَحْمَدَ ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْهُمْ النَّخَعِيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَمَالِكٌ وَاللَّيْثُ ، وَالشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ فِيهِ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا ، مَا ذَكَرْنَا .\rوَالثَّانِي ، يَسْجُدُ سُجُودَيْنِ .\rوَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَابْنُ أَبِي حَازِمٍ وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ : إذَا كَانَ عَلَيْهِ سُجُودَانِ ، أَحَدُهُمَا قَبْلَ السَّلَامِ .\rوَالْآخَرُ بَعْدَهُ ، سَجَدَهُمَا فِي مَحِلَّيْهِمَا ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لِكُلِّ سَهْوٍ سَجْدَتَانِ } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ وَهَذَانِ سَهْوَانِ ، فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا سَجْدَتَانِ ، وَلِأَنَّ كُلَّ سَهْوٍ يَقْتَضِي سُجُودًا ، وَإِنَّمَا تَدَاخَلَا فِي الْجِنْسِ الْوَاحِدِ لِاتِّفَاقِهِمَا ، وَهَذَانِ مُخْتَلِفَانِ وَلَنَا قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إذَا نَسِيَ أَحَدُكُمْ ، فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ } وَهَذَا يَتَنَاوَلُ السَّهْوَ فِي مَوْضِعَيْنِ وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَهَا فَسَلَّمَ ، وَتَكَلَّمَ بَعْدَ صَلَاتِهِ فَسَجَدَ لَهُمَا سُجُودًا وَاحِدًا ، وَلِأَنَّ السُّجُودَ أُخِّرَ إلَى آخِرِ الصَّلَاةِ ، لِيَجْمَعَ السَّهْوَ كُلَّهُ وَإِلَّا فَعَلَهُ عَقِيبَ سَبَبِهِ ، وَلِأَنَّهُ شُرِعَ لِلْجَبْرِ فَجَبَرَ نَقْصَ الصَّلَاةِ ، وَإِنْ كَثُرَ ، بِدَلِيلِ السَّهْوِ مَرَّاتٍ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ ، وَإِذَا انْجَبَرَتْ لَمْ يَحْتَجْ إلَى جَابِرٍ آخَرَ فَنَقُولُ : سَهْوَانِ .\rفَأَجْزَأَ عَنْهُمَا سُجُودٌ وَاحِدٌ ، كَمَا لَوْ كَانَا مِنْ جِنْسٍ .\rوَقَوْلُهُ { : لِكُلِّ سَهْوٍ سَجْدَتَانِ } فِي إسْنَادِهِ مَقَالٌ ثُمَّ إنَّ الْمُرَادَ بِهِ لِكُلِّ سَهْوٍ فِي صَلَاةٍ ، وَالسَّهْوُ وَإِنْ كَثُرَ فَهُوَ دَاخِلٌ فِي لَفْظِ السَّهْوِ لِأَنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ ، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ : لِكُلِّ صَلَاةٍ فِيهَا سَهْوٌ سَجْدَتَانِ","part":3,"page":175},{"id":1175,"text":"وَلِذَلِكَ قَالَ { : لِكُلِّ سَهْوٍ سَجْدَتَانِ } بَعْدَ السَّلَامِ \" هَكَذَا فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد ، وَلَا يَلْزَمُهُ بَعْدَ السَّلَامِ سُجُودَانِ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِنَّ مَعْنَى الْجِنْسَيْنِ أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا .\rقَبْلَ السَّلَامِ ، وَالْآخَرُ بَعْدَهُ ؛ لِأَنَّ مَحِلَّيْهِمَا مُخْتَلِفَانِ ، وَكَذَلِكَ سَبَبَاهُمَا وَأَحْكَامُهُمَا .\rوَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا : الْجِنْسَانِ أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا مِنْ نَقْصٍ ، وَالْآخَرُ مِنْ زِيَادَةٍ وَالْأَوْلَى مَا قُلْنَاهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .\rفَعَلَى هَذَا إذَا اجْتَمَعَا ، سَجَدَ لَهُمَا قَبْلَ السَّلَامِ ؛ لِأَنَّهُ أَسْبَقُ وَآكَدُ ، وَلِأَنَّ الَّذِي قَبْلَ السَّلَامِ قَدْ وَجَبَ لِوُجُوبِ سَبَبِهِ ، وَلَمْ يُوجَدْ قَبْلَهُ مَا يَمْنَعُ وُجُوبَهُ ، وَلَا يَقُومُ مَقَامَهُ ، فَلَزِمَهُ الْإِتْيَانُ بِهِ ، كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ سَهْوٌ آخَرُ ، وَإِذَا سَجَدَ لَهُ ، سَقَطَ الثَّانِي ؛ لِإِغْنَاءِ الْأَوَّلِ عَنْهُ ، وَقِيَامِهِ مَقَامَهُ","part":3,"page":176},{"id":1176,"text":"( 927 ) فَصْلٌ : وَلَوْ أَحْرَمَ مُنْفَرِدًا ، فَصَلَّى رَكْعَةً ، ثُمَّ نَوَى مُتَابَعَةَ الْإِمَامِ ، وَقُلْنَا بِجَوَازِ ذَلِكَ فَسَهَا فِيمَا انْفَرَدَ فِيهِ ، وَسَهَا إمَامُهُ فِيمَا تَابَعَهُ فِيهِ ، فَإِنَّ صَلَاتَهُ تَنْتَهِي قَبْلَ صَلَاةِ إمَامِهِ فَعَلَى قَوْلِنَا هُمَا مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ إنْ كَانَ مَحِلُّهُمَا وَاحِدًا ، وَعَلَى قَوْلِ مَنْ فَسَّرَ الْجِنْسَيْنِ بِالزِّيَادَةِ وَالنَّقْصِ ، يَحْتَمِلُ كَوْنَهُمَا مِنْ جِنْسَيْنِ وَهَكَذَا لَوْ صَلَّى مِنْ الرُّبَاعِيَّةِ رَكْعَةً وَدَخَلَ مَعَ مُسَافِرٍ ، فَنَوَى مُتَابَعَتَهُ ، فَلَمَّا سَلَّمَ إمَامُهُ قَامَ لِيُتِمَّ مَا عَلَيْهِ ، فَقَدْ حَصَلَ مَأْمُومًا فِي وَسَطِ صَلَاتِهِ ، مُنْفَرِدًا فِي طَرَفَيْهَا فَإِذَا سَهَا فِي الْوَسَطِ وَالطَّرَفَيْنِ جَمِيعًا ، فَعَلَى قَوْلِنَا إنْ كَانَ مَحِلُّ سُجُودِهِمَا وَاحِدًا فَهِيَ جِنْسٌ وَاحِدٌ وَإِنْ اخْتَلَفَ مَحِلُّ السُّجُودِ فَهِيَ جِنْسَانِ .\rوَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا : هِيَ جِنْسَانِ .\rهَلْ يُجْزِئُهُ لَهَا سَجْدَتَانِ ، أَوْ أَرْبَعُ سَجَدَاتٍ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ وَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ فِيهَا وَجْهَانِ كَهَذَيْنِ ، وَوَجْهٌ ثَالِثٌ أَنَّهُ يَحْتَاجُ أَنْ يَسْجُدَ سِتَّ سَجَدَاتٍ ، لِكُلِّ سَهْوٍ سَجْدَتَانِ","part":3,"page":177},{"id":1177,"text":"( 928 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَلَيْسَ عَلَى الْمَأْمُومِ سُجُودُ سَهْوٍ ، إلَّا أَنْ يَسْهُوَ إمَامُهُ ، فَيَسْجُدَ مَعَهُ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْمَأْمُومَ إذَا سَهَا دُونَ إمَامِهِ ، فَلَا سُجُودَ عَلَيْهِ ، فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَحُكِيَ عَنْ مَكْحُولٍ أَنَّهُ قَامَ عَنْ قُعُودِ إمَامِهِ فَسَجَدَ .\rوَلَنَا أَنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ الْحَكَمِ تَكَلَّمَ خَلْفَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يَأْمُرْهُ بِسُجُودٍ وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيّ فِي سُنَنِهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { لَيْسَ عَلَى مَنْ خَلْفَ الْإِمَامِ سَهْوٌ فَإِنْ سَهَا إمَامُهُ فَعَلَيْهِ وَعَلَى مَنْ خَلْفَهُ } .\rوَلِأَنَّ الْمَأْمُومَ تَابِعٌ لِلْإِمَامِ وَحُكْمُهُ حُكْمُهُ إذَا سَهَا ، وَكَذَلِكَ إذَا لَمْ يَسْهُ وَإِذَا سَهَا الْإِمَامُ ، فَعَلَى الْمَأْمُومِ مُتَابَعَتُهُ فِي السُّجُودِ سَوَاءٌ سَهَا مَعَهُ ، أَوْ انْفَرَدَ الْإِمَامُ بِالسَّهْوِ .\rوَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى ذَلِكَ .\rوَذَكَرَ إِسْحَاقُ أَنَّهُ إجْمَاعُ أَهْلِ الْعِلْمِ ، سَوَاءٌ كَانَ السُّجُودُ قَبْلَ السَّلَامِ ، أَوْ بَعْدَهُ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ ، فَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا } وَلِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ، الَّذِي رَوَيْنَاهُ .\rوَإِذَا كَانَ الْمَأْمُومُ مَسْبُوقًا فَسَهَا الْإِمَامُ فِيمَا لَمْ يُدْرِكْهُ فِيهِ ، فَعَلَيْهِ مُتَابَعَتُهُ فِي السُّجُودِ ، سَوَاءٌ كَانَ قَبْلَ السَّلَامِ أَوْ بَعْدَهُ .\rرُوِيَ هَذَا عَنْ عَطَاءٍ ، وَالْحَسَنِ وَالنَّخَعِيِّ ، وَالشَّعْبِيِّ ، وَأَبِي ثَوْرٍ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ .\rوَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ ، وَإِسْحَاقُ : يَقْضِي ثُمَّ يَسْجُدُ .\rوَقَالَ مَالِكٌ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَاللَّيْثُ ، وَالشَّافِعِيُّ فِي السُّجُودِ قَبْلَ السَّلَامِ ، كَقَوْلِنَا ، وَبَعْدَهُ ، كَقَوْلِ ابْنِ سِيرِينَ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَحْمَدَ ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ فِي زَادِ الْمُسَافِرِ لِأَنَّهُ فِعْلٌ خَارِجٌ مِنْ الصَّلَاةِ ، فَلَمْ يَتَّبِعْ الْإِمَامَ فِيهِ ، كَصَلَاةٍ أُخْرَى .","part":3,"page":178},{"id":1178,"text":"وَلَنَا قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { فَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا } وَقَوْلُهُ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ { فَإِنْ سَهَا إمَامُهُ فَعَلَيْهِ وَعَلَى مَنْ خَلْفَهُ } وَلِأَنَّ السُّجُودَ مِنْ تَمَامِ الصَّلَاةِ فَيُتَابِعُهُ فِيهِ ، كَاَلَّذِي قَبْلَ السَّلَامِ ، وَكَغَيْرِ الْمَسْبُوقِ ، وَفَارَقَ صَلَاةً أُخْرَى ، فَإِنَّهُ ، غَيْرُ مُؤْتَمٍّ بِهِ فِيهَا .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا فَمَتَى قَضَى فَفِي إعَادَةِ السُّجُودِ رِوَايَتَانِ : إحْدَاهُمَا ، يُعِيدُهُ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ لَزِمَهُ حُكْمُ السَّهْوِ ، وَمَا فَعَلَهُ مِنْ السُّجُودِ مَعَ الْإِمَامِ كَانَ مُتَابِعًا لَهُ ، فَلَا يَسْقُطُ بِهِ مَا لَزِمَهُ ، كَالتَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ .\rوَالثَّانِيَةُ ، لَا يَلْزَمَهُ السُّجُودُ ؛ لِأَنَّ سُجُودَ إمَامِهِ قَدْ كَمَلَتْ بِهِ الصَّلَاةُ فِي حَقِّهِ ، وَحَصَلَ بِهِ الْجُبْرَانُ ، فَلَمْ يَحْتَجْ إلَى سُجُودٍ ثَانٍ ، كَالْمَأْمُومِ إذَا سَهَا وَحْدَهُ .\rوَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ كَالرِّوَايَتَيْنِ .\rفَإِنْ نَسِيَ الْإِمَامُ السُّجُودَ ، سَجَدَ الْمَسْبُوقُ فِي آخِرِ صَلَاتِهِ ، رِوَايَةً وَاحِدَةً ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْ الْإِمَامِ مَا يَكْمُلُ بِهِ صَلَاةُ الْمَأْمُومِ .\rوَإِذَا سَهَا الْمَأْمُومُ فِيمَا تَفَرَّدَ فِيهِ بِالْقَضَاءِ ، سَجَدَ ، رِوَايَةً وَاحِدَةً ؛ لِأَنَّهُ قَدْ صَارَ مُنْفَرِدًا ، فَلَمْ يَتَحَمَّلْ عَنْهُ الْإِمَامُ وَهَكَذَا لَوْ سَهَا ، فَسَلَّمَ مَعَ إمَامِهِ ، قَامَ فَأَتَمَّ صَلَاتَهُ ، ثُمَّ سَجَدَ بَعْدَ السَّلَامِ ، كَالْمُنْفَرِدِ ، سَوَاءً","part":3,"page":179},{"id":1179,"text":"( 929 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا غَيْرُ الْمَسْبُوقِ إذَا سَهَا إمَامُهُ فَلَمْ يَسْجُدْ ، فَهَلْ يَسْجُدُ الْمَأْمُومُ ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ : إحْدَاهُمَا ، يَسْجُدُ ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ سِيرِينَ ، وَالْحَكَمِ ، وَحَمَّادٍ وَقَتَادَةَ وَمَالِكٍ ، وَاللَّيْثِ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي ثَوْرٍ قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ : وَهِيَ أَصَحُّ ؛ لِأَنَّ صَلَاةَ الْمَأْمُومِ نَقَصَتْ بِسَهْوِ الْإِمَامِ ، وَلَمْ تَنْجَبِرْ بِسُجُودِهِ ، فَيَلْزَمُ الْمَأْمُومَ جَبْرُهَا .\rوَالثَّانِيَةُ : لَا يَسْجُدُ .\rرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَطَاءٍ ، وَالْحَسَنِ ، وَالنَّخَعِيِّ ، وَالْقَاسِمِ وَحَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ ؛ لِأَنَّ الْمَأْمُومَ إنَّمَا يَسْجُدُ تَبَعًا ، فَإِذَا لَمْ يَسْجُدْ الْإِمَامُ لَمْ يُوجَدْ الْمُقْتَضِي لِسُجُودِ الْمَأْمُومِ .\rوَهَذَا إذَا تَرَكَهُ الْإِمَامُ لِعُذْرٍ ، فَإِنْ تَرَكَهُ قَبْلَ السَّلَامِ عَمْدًا ، وَكَانَ الْإِمَامُ مِمَّنْ لَا يَرَى أَنَّ السُّجُودَ وَاجِبٌ ، فَهُوَ كَتَارِكِهِ سَهْوًا .\rوَإِنْ كَانَ يَعْتَقِدُ وُجُوبَهُ ، بَطَلَتْ صَلَاتُهُ .\rوَهَلْ تَبْطُلُ صَلَاةُ الْمَأْمُومِ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا : تَبْطُلُ ؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ وَاجِبًا فِي الصَّلَاةِ عَمْدًا فَبَطَلَتْ صَلَاةُ الْمَأْمُومِ ، كَتَرْكِ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ .\rوَالثَّانِي : لَا تَبْطُلُ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنْ الصَّلَاةِ إلَّا السَّلَامُ","part":3,"page":180},{"id":1180,"text":"( 930 ) فَصْلٌ : إذَا قَامَ الْمَأْمُومُ لِقَضَاءِ مَا فَاتَهُ ، فَسَجَدَ إمَامُهُ بَعْدَ السَّلَامِ ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْقَائِمِ عَنْ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ ؛ إنْ سَجَدَ إمَامُهُ قَبْلَ انْتِصَابِهِ قَائِمًا لَزِمَهُ الرُّجُوعُ ، وَإِنْ انْتَصَبَ قَائِمًا وَلَمْ يَشْرَعْ فِي الْقِرَاءَةِ ، لَمْ يَرْجِعْ وَإِنْ رَجَعَ جَازَ وَإِنْ شَرَعَ فِي الْقِرَاءَةِ لَمْ يَكُنْ لَهُ الرُّجُوعُ ، نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ قَالَ الْأَثْرَمُ : قِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ : رَجُلٌ أَدْرَكَ بَعْضَ الصَّلَاةِ ، فَلَمَّا قَامَ لِيَقْضِيَ ، إذَا عَلَى الْإِمَامِ سُجُودُ سَهْوٍ ؟ فَقَالَ : إنْ كَانَ عَمِلَ فِي قِيَامِهِ ، وَابْتَدَأَ فِي الْقِرَاءَةِ ، مَضَى ، ثُمَّ سَجَدَ .\rقُلْت : فَإِنْ لَمْ يَسْتَتِمَّ قَائِمًا ؟ قَالَ : يَرْجِعُ مَا لَمْ يَعْمَلْ .\rقِيلَ لَهُ : قَدْ اسْتَتَمَّ قَائِمًا ؟ فَقَالَ : إذَا اسْتَتَمَّ قَائِمًا ، وَأَخَذَ فِي عَمَلِ الْقَضَاءِ ، سَجَدَ بَعْدَمَا يَقْضِي .\rوَذَلِكَ لِأَنَّهُ قَامَ عَنْ وَاجِبٍ إلَى رُكْنٍ أَشْبَهَ الْقِيَامَ عَنْ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ .\rوَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ أَنَّ فِيهِ رِوَايَاتٍ ثَلَاثًا .\rوَهَذَا أَوْلَى ، وَهُوَ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ بِمَا قَدْ رَوَيْنَاهُ .","part":3,"page":181},{"id":1181,"text":"( 931 ) فَصْلٌ : وَلَيْسَ عَلَى الْمَسْبُوقِ بِبَعْضِ الصَّلَاةِ سُجُودٌ لِذَلِكَ ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَيُرْوَى عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ الزُّبَيْرِ ، وَأَبِي سَعِيدٍ ، وَعَطَاءٍ ، وَطَاوُسٍ ، وَمُجَاهِدٍ ، وَإِسْحَاقَ ، فِي مَنْ أَدْرَكَ وِتْرًا مِنْ صَلَاةِ إمَامِهِ سَجَدَ لِلسَّهْوِ ؛ لِأَنَّهُ يَجْلِسُ لِلتَّشَهُّدِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ التَّشَهُّدِ وَلَنَا : قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا } وَفِي رِوَايَةٍ { فَاقْضُوا } وَلَمْ يَأْمُرْ بِسُجُودٍ وَلَا نُقِلَ ذَلِكَ ، وَقَدْ فَاتَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْضُ الصَّلَاةِ مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ فَقَضَاهَا وَلَمْ يَكُنْ لِذَلِكَ سُجُودٌ وَالْحَدِيثُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَقَدْ جَلَسَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ تَشَهُّدِهِ ، وَلِأَنَّ السُّجُودَ يُشْرَعُ لِلسَّهْوِ ، هَاهُنَا وَلِأَنَّ مُتَابَعَةَ الْإِمَامِ وَاجِبَةٌ ، فَلَمْ يَسْجُدْ لِفِعْلِهَا كَسَائِرِ الْوَاجِبَاتِ .","part":3,"page":182},{"id":1182,"text":"( 932 ) فَصْلٌ : وَلَا يُشْرَعُ السُّجُودُ لِشَيْءٍ فَعَلَهُ أَوْ تَرَكَهُ عَامِدًا .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يَسْجُدُ لِتَرْكِ التَّشَهُّدِ وَالْقُنُوتِ عَمْدًا ؛ لِأَنَّ مَا تَعَلَّقَ الْجَبْرُ بِسَهْوِهِ تَعَلَّقَ بِعَمْدِهِ ، كَجُبْرَانَاتِ الْحَجِّ .\rوَلَنَا ، أَنَّ السُّجُودَ يُضَافُ إلَى السَّهْوِ ، فَيَدُلُّ عَلَى اخْتِصَاصِهِ بِهِ ، وَالشَّرْعُ إنَّمَا وَرَدَ بِهِ فِي السَّهْوِ ، فَقَالَ { إذَا نَسِيَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ } وَلَا يَلْزَمُ مِنْ انْجِبَارِ السَّهْوِ بِهِ انْجِبَارُ الْعَمْدِ ؛ لِأَنَّهُ مَعْذُورٌ فِي السَّهْوِ غَيْرُ مَعْذُورٍ فِي الْعَمْدِ ، وَمَا ذَكَرُوهُ يَبْطُلُ بِزِيَادَةِ رُكْنٍ أَوْ رَكْعَةٍ ، أَوْ قِيَامٍ فِي مَوْضِعِ جُلُوسٍ ، أَوْ جُلُوسٍ فِي مَوْضِعِ قِيَامٍ ، وَلَا يُشْرَعُ لِحَدِيثِ النَّفْسِ ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ لَمْ يَرِدْ بِهِ فِيهِ ، وَلِأَنَّ هَذَا لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ ، وَلَا تَكَادُ صَلَاةٌ تَخْلُو مِنْهُ ، وَلِأَنَّهُ مَعْفُوٌّ عَنْهُ .","part":3,"page":183},{"id":1183,"text":"( 933 ) فَصْلٌ : وَحُكْمُ النَّافِلَةِ حُكْمُ الْفَرْضِ فِي سُجُودِ السَّهْوِ ، فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، لَا نَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا ، إلَّا أَنَّ ابْنَ سِيرِينَ قَالَ : لَا يُشْرَعُ فِي النَّافِلَةِ .\rوَهَذَا يُخَالِفُ عُمُومَ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إذَا نَسِيَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ .\r} وَقَالَ { إذَا نَسِيَ أَحَدُكُمْ فَزَادَ أَوْ نَقَصَ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ } وَلَمْ يُفَرِّقْ ، وَلِأَنَّهَا صَلَاةٌ ذَاتُ رُكُوعٍ وَسُجُودٍ فَيَسْجُدُ لِسَهْوِهَا كَالْفَرِيضَةِ ، وَلَوْ قَامَ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْقِيَامِ إلَى ثَالِثَةٍ فِي الْفَجْرِ ، نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ وَقَالَ مَالِكٌ يُتِمُّهَا أَرْبَعًا ، وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ ، لَيْلًا كَانَ أَوْ نَهَارًا .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ بِالْعِرَاقِ كَقَوْلِهِ وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ فِي صَلَاةِ النَّهَارِ كَقَوْلِهِ ، وَفِي صَلَاةِ اللَّيْلِ : إنْ ذَكَرَ قَبْلَ رُكُوعِهِ فِي الثَّالِثَةِ جَلَسَ وَسَجَدَ لِلسَّهْوِ ، وَإِنْ ذَكَرَ بَعْدَ رُكُوعِهِ أَتَمَّهَا أَرْبَعًا .\rوَلَنَا : قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى } وَلِأَنَّهَا صَلَاةُ شُرِعَتْ رَكْعَتَيْنِ ، فَكَانَ حُكْمُهَا مَا ذَكَرْنَا فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ ، فَأَمَّا صَلَاةُ النَّهَارِ فَيُتِمُّهَا أَرْبَعًا","part":3,"page":184},{"id":1184,"text":"( 934 ) فَصْلٌ : وَلَا يُشْرَعُ السُّجُودُ لِلسَّهْوِ فِي صَلَاةِ جِنَازَةٍ لِأَنَّهَا لَا سُجُودَ فِي صُلْبِهَا ، فَفِي جَبْرِهَا أَوْلَى وَلَا فِي سُجُودِ تِلَاوَةٍ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ شُرِعَ لَكَانَ الْجَبْرُ زَائِدًا عَلَى الْأَصْلِ وَلَا فِي سُجُودِ سَهْوٍ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .\rوَقَالَ إِسْحَاقُ هُوَ إجْمَاعٌ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُفْضِي إلَى التَّسَلْسُلِ ، وَلَوْ سَهَا بَعْدَ سُجُودِ السَّهْوِ لَمْ يَسْجُدْ لِذَلِكَ .\rوَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ","part":3,"page":185},{"id":1185,"text":"( 935 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَمَنْ تَكَلَّمَ عَامِدًا أَوْ سَاهِيًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ ) أَمَّا الْكَلَامُ عَمْدًا ، وَهُوَ أَنْ يَتَكَلَّمَ عَالِمًا أَنَّهُ فِي الصَّلَاةِ ، مَعَ عِلْمِهِ بِتَحْرِيمِ ذَلِكَ لِغَيْرِ مَصْلَحَةِ الصَّلَاةِ ، وَلَا لِأَمْرٍ يُوجِبُ الْكَلَامَ ، فَتَبْطُلَ الصَّلَاةُ إجْمَاعًا .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ مَنْ تَكَلَّمَ فِي صَلَاتِهِ عَامِدًا وَهُوَ يُرِيدُ صَلَاحَ صَلَاتِهِ ، أَنَّ صَلَاتَهُ فَاسِدَةٌ وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ ، إنَّمَا هِيَ التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ } رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ : { كُنَّا نَتَكَلَّمُ فِي الصَّلَاةِ ، يُكَلِّمُ أَحَدُنَا صَاحِبَهُ وَهُوَ إلَى جَنْبِهِ ، حَتَّى نَزَلَتْ { وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ } فَأُمِرْنَا بِالسُّكُوتِ } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلِمُسْلِمٍ : وَنُهِينَا عَنْ الْكَلَامِ وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : { كُنَّا نُسَلِّمُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ فَيَرُدُّ عَلَيْنَا ، فَلَمَّا رَجَعْنَا مِنْ عِنْدِ النَّجَاشِيِّ سَلَّمْنَا عَلَيْهِ ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْنَا ، فَقُلْنَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، كُنَّا نُسَلِّمُ فِي الصَّلَاةِ فَتَرُدُّ عَلَيْنَا .\rقَالَ : إنَّ فِي الصَّلَاةِ لَشُغْلًا } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَرَوَاهُمَا أَبُو دَاوُد ، وَلَفْظُهُ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ : { فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصَّلَاةَ ، قَالَ : إنَّ اللَّهَ يُحْدِثُ مِنْ أَمْرِهِ مَا يَشَاءُ ، وَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَحْدَثَ أَنْ لَا تَكَلَّمُوا فِي الصَّلَاةِ } فَأَمَّا الْكَلَامُ غَيْرَ ذَلِكَ ، فَيُقَسَّمُ خَمْسَةَ أَقْسَامٍ : أَحَدُهَا أَنْ يَتَكَلَّمَ جَاهِلًا بِتَحْرِيمِ الْكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ .\rفَقَالَ الْقَاضِي فِي \" الْجَامِعِ \" لَا أَعْرِفُ عَنْ أَحْمَدَ نَصًّا فِي ذَلِكَ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا تَبْطُلَ صَلَاتُهُ لِأَنَّ الْكَلَامَ كَانَ مُبَاحًا فِي الصَّلَاةِ ، بِدَلِيلِ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَزِيدَ بْنِ","part":3,"page":186},{"id":1186,"text":"أَرْقَمَ ، وَلَا يَثْبُتْ حُكْمُ النَّسْخِ فِي حَقِّ مَنْ لَمْ يَعْلَمْهُ ، بِدَلِيلِ أَنَّ أَهْلَ قُبَاءَ لَمْ يَثْبُتْ فِي حَقِّهِمْ حُكْمُ نَسْخِ الْقِبْلَةِ قَبْلَ عِلْمِهِمْ ، فَبَنَوْا عَلَى صَلَاتِهِمْ بِخِلَافِ النَّاسِي ، فَإِنَّ الْحُكْمَ قَدْ ثَبَتَ فِي حَقِّهِ ، وَبِخِلَافِ الْأَكْلِ فِي الصَّوْمِ جَاهِلًا بِتَحْرِيمِهِ ، فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُبَاحًا ، وَقَدْ دَلَّ عَلَى صِحَّةِ هَذَا حَدِيثُ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ السُّلَمِيِّ قَالَ : { بَيْنَا أَنَا أُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذْ عَطَسَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ ، فَقُلْت : يَرْحَمُك اللَّهُ .\rفَرَمَانِي الْقَوْمُ بِأَبْصَارِهِمْ ، فَقُلْت وَاثُكْلَ أُمِّيَاهُ ، مَا شَأْنُكُمْ تَنْظُرُونَ إلَيَّ ؟ فَجَعَلُوا يَضْرِبُونَ بِأَيْدِيهِمْ عَلَى أَفْخَاذِهِمْ ، فَلَمَّا رَأَيْتُهُمْ يُصَمِّتُونِي ، لَكِنِّي سَكَتُّ ، فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَبِأَبِي هُوَ وَأُمِّي مَا رَأَيْتُ مُعَلِّمًا قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ أَحْسَنَ تَعْلِيمًا مِنْهُ ، فَوَاَللَّهِ مَا كَهَرَنِي وَلَا ضَرَبَنِي وَلَا شَتَمَنِي ، ثُمَّ قَالَ : إنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ ، إنَّمَا هِيَ التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ } أَوْ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَوَاهُ مُسْلِمٌ فَلَمْ يَأْمُرْهُ بِالْإِعَادَةِ ، فَدَلَّ عَلَى صِحَّتِهَا وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَالْأَوْلَى أَنْ يُخَرَّجَ هَذَا عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي كَلَامِ النَّاسِي ، لِأَنَّهُ مَعْذُورٌ مِثْلُهُ .\rالْقِسْمُ الثَّانِي ، أَنْ يَتَكَلَّمَ نَاسِيًا ، وَذَلِكَ نَوْعَانِ ؛ أَحَدُهُمَا أَنْ يَنْسَى أَنَّهُ فِي صَلَاةٍ ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ .\rإحْدَاهُمَا ، لَا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ .\rوَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ لِأَنَّ ؛ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَكَلَّمَ فِي حَدِيثِ ذِي الْيَدَيْنِ ، وَلَمْ يَأْمُرْ مُعَاوِيَةَ بْنَ الْحَكَمِ بِالْإِعَادَةِ إذْ تَكَلَّمَ جَاهِلًا ، وَمَا عُذِرَ فِيهِ بِالْجَهْلِ عُذِرَ فِيهِ بِالنِّسْيَانِ .\rوَالثَّانِيَةُ : تَفْسُدُ صَلَاتُهُ .\rوَهُوَ","part":3,"page":187},{"id":1187,"text":"قَوْلُ النَّخَعِيِّ ، وَقَتَادَةَ ، وَحَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ ؛ لِعُمُومِ أَحَادِيثِ الْمَنْعِ مِنْ الْكَلَامِ وَلِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ جِنْسِ مَا هُوَ مَشْرُوعٌ فِي الصَّلَاةِ ، فَلَمْ يُسَامَحْ فِيهِ بِالنِّسْيَانِ ، كَالْعَمَلِ الْكَثِيرِ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الصَّلَاةِ .\rالنَّوْعُ الثَّانِي : أَنْ يَظُنَّ أَنَّ صَلَاتَهُ تَمَّتْ ، فَيَتَكَلَّمَ ، فَهَذَا إنْ كَانَ سَلَامًا لَمْ تَبْطُلْ الصَّلَاةُ ، رِوَايَةً وَاحِدَةً ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابَهُ فَعَلُوهُ ، وَبَنَوْا عَلَى صَلَاتِهِمْ ، وَلِأَنَّ جِنْسَهُ مَشْرُوعٌ فِي الصَّلَاةِ ، فَأَشْبَهَ الزِّيَادَةَ فِيهَا مِنْ جِنْسِهَا .\rوَإِنْ لَمْ يَكُنْ سَلَامًا ، فَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ ، فِي رِوَايَةِ جَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ ، أَنَّهُ إذَا تَكَلَّمَ بِشَيْءٍ مِمَّا تَكْمُلُ بِهِ الصَّلَاةُ ، أَوْ شَيْءٍ مِنْ شَأْنِ الصَّلَاةِ ، مِثْلُ كَلَامِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَا الْيَدَيْنِ ، لَمْ تَفْسُدْ صَلَاتُهُ وَإِنْ تَكَلَّمَ بِشَيْءٍ مِنْ غَيْرِ أَمْرِ الصَّلَاةِ كَقَوْلِهِ : يَا غُلَامُ اسْقِنِي مَاءً .\rفَصَلَاتُهُ بَاطِلَةٌ .\rوَقَالَ فِي رِوَايَةِ يُوسُفَ بْنِ مُوسَى مَنْ تَكَلَّمَ نَاسِيًا فِي صَلَاتِهِ يَظُنُّ أَنَّ صَلَاتَهُ قَدْ تَمَّتْ ، إنْ كَانَ كَلَامُهُ فِيمَا تَتِمُّ بِهِ الصَّلَاةُ ، بَنَى عَلَى صَلَاتِهِ كَمَا كَلَّمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَا الْيَدَيْنِ .\rوَإِذَا قَالَ : يَا غُلَامُ اسْقِنِي مَاءً .\rأَوْ شِبْهَهُ أَعَادَ وَمِمَّنْ تَكَلَّمَ بَعْدَ أَنْ سَلَّمَ ، وَأَتَمَّ صَلَاتَهُ ، الزُّبَيْرُ ، وَابْنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ وَعُرْوَةُ ، وَصَوَّبَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَلَا نَعْلَمُ عَنْ غَيْرِهِمْ فِي عَصْرِهِمْ خِلَافَهُ .\rوَفِيهِ رِوَايَةٌ ثَانِيَةٌ أَنَّ الصَّلَاةَ تَفْسُدُ بِكُلِّ حَالٍ .\rقَالَ فِي رِوَايَةِ حَرْبٍ : أَمَّا مَنْ تَكَلَّمَ الْيَوْمَ وَأَجَابَهُ أَحَدٌ أَعَادَ الصَّلَاةَ .\rوَهَذِهِ الرِّوَايَةُ اخْتِيَارُ الْخَلَّالِ .\rوَقَالَ : عَلَى هَذَا اسْتَقَرَّتْ الرِّوَايَاتُ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بَعْدَ تَوَقُّفِهِ وَهَذَا مَذْهَبُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ ؛ لِعُمُومِ","part":3,"page":188},{"id":1188,"text":"الْأَخْبَارِ فِي مَنْعِ الْكَلَامِ .\rوَفِيهِ رِوَايَةٌ ثَالِثَةٌ أَنَّ الصَّلَاةَ لَا تَفْسُدُ بِالْكَلَامِ فِي تِلْكَ الْحَالِ بِحَالٍ سَوَاءٌ كَانَ مِنْ شَأْنِ الصَّلَاةِ ، أَوْ لَمْ يَكُنْ ، إمَامًا كَانَ أَوْ مَأْمُومًا .\rوَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ نَوْعٌ مِنْ النِّسْيَانِ فَأَشْبَهَ الْمُتَكَلِّمَ جَاهِلًا ، وَلِذَلِكَ تَكَلَّمَ النَّبِيُّ ؛ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ ، وَبَنَوْا عَلَى صَلَاتِهِمْ ، وَتُخَرَّجُ فِيهِ رِوَايَةٌ رَابِعَةٌ ، وَهُوَ أَنَّ الْمُتَكَلِّمَ إنْ كَانَ إمَامًا تَكَلَّمَ لِمَصْلَحَةِ الصَّلَاةِ لَمْ تَفْسُدْ صَلَاتُهُ ، وَإِنْ تَكَلَّمَ غَيْرُهُ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ .\rوَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا فِيمَا بَعْدُ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .\rالْقِسْمُ الثَّالِثُ ، أَنْ يَتَكَلَّمَ مَغْلُوبًا عَلَى الْكَلَامِ ، وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ : أَحَدُهَا أَنْ تَخْرُجَ الْحُرُوفُ مِنْ فِيهِ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ ، مِثْلُ أَنْ يَتَثَاءَبَ ، فَيَقُولَ : هَاهْ ، أَوْ يَتَنَفَّسَ ، فَيَقُولَ : آهْ .\rأَوْ يَسْعُلَ ، فَيَنْطِقَ فِي السَّعْلَةِ بِحَرْفَيْنِ ، وَمَا أَشْبَهَ هَذَا أَوْ يَغْلَطَ فِي الْقِرَاءَةِ ، فَيَعْدِلَ إلَى كَلِمَةٍ مِنْ غَيْرِ الْقُرْآنِ ، أَوْ يَجِيئَهُ الْبُكَاءُ فَيَبْكِيَ وَلَا يَقْدِرَ عَلَى رَدِّهِ ، فَهَذَا لَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي الرَّجُلِ يَكُونُ فِي الصَّلَاةِ فَيَجِيئُهُ الْبُكَاءُ فَيَبْكِي ، فَقَالَ : إذَا كَانَ لَا يَقْدِرُ عَلَى رَدِّهِ لَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ .\rوَقَالَ : قَدْ كَانَ عُمَرُ يَبْكِي ، حَتَّى يُسْمَعَ لَهُ نَشِيجٌ .\rوَقَالَ مُهَنَّا : صَلَّيْتُ إلَى جَنْبِ أَحْمَدَ فَتَثَاءَبَ خَمْسَ مَرَّاتٍ ، وَسَمِعْتُ لِتَثَاؤُبِهِ : هَاهْ هَاهْ وَهَذَا لِأَنَّ الْكَلَامَ هَاهُنَا لَا يُنْسَبُ إلَيْهِ ، وَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حُكْمٌ مِنْ أَحْكَامِ الْكَلَامِ .\rوَقَالَ الْقَاضِي فِي مَنْ تَثَاءَبَ ، فَقَالَ آهْ آهْ : تَفْسُدُ صَلَاتُهُ .\rوَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ غَيْرَ مَغْلُوبٍ عَلَيْهِ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ فِعْلِ أَحْمَدَ خِلَافَهُ .\rوَالنَّوْعُ الثَّانِي أَنْ يَنَامَ فَيَتَكَلَّمَ ، فَقَدْ تَوَقَّفَ","part":3,"page":189},{"id":1189,"text":"أَحْمَدُ عَنْ الْجَوَابِ فِيهِ .\rوَيَنْبَغِي أَنْ لَا تَبْطُلَ صَلَاتُهُ ؛ لِأَنَّ الْقَلَمَ مَرْفُوعٌ عَنْهُ .\rوَلَا حُكْمَ لِكَلَامِهِ ، فَإِنَّهُ لَوْ طَلَّقَ أَوْ أَقَرَّ أَوْ أَعْتَقَ لَمْ يَلْزَمْهُ حُكْمُ ذَلِكَ .\rالنَّوْعُ الثَّالِثُ : أَنْ يُكْرَهَ عَلَى الْكَلَامِ فَيَحْتَمِلَ أَنْ يُخَرَّجَ عَلَى كَلَامِ النَّاسِي ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَمَعَ بَيْنَهُمَا فِي الْعَفْوِ ، بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { عُفِيَ لِأُمَّتِي عَنْ الْخَطَأِ ، وَالنِّسْيَانِ ، وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ } وَقَالَ الْقَاضِي ؛ هَذَا أَوْلَى بِالْعَفْوِ ، وَصَحَّتْ الصَّلَاةُ ؛ لِأَنَّ الْفِعْلَ غَيْرُ مَنْسُوبٍ إلَيْهِ ، وَلِهَذَا لَوْ أُكْرِهَ عَلَى إتْلَافِ مَالٍ لَمْ يَضْمَنْهُ وَلَوْ أَتْلَفَهُ نَاسِيًا ضَمِنَهُ وَالصَّحِيحُ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ ، أَنَّ هَذَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِمَا يُفْسِدُ الصَّلَاةَ عَمْدًا ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أُكْرِهَ عَلَى صَلَاةِ الْفَجْرِ أَرْبَعًا ، أَوْ عَلَى أَنْ يَرْكَعَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ رُكُوعَيْنِ .\rوَلَا يَصِحُّ قِيَاسُهُ عَلَى النَّاسِي لِوَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا أَنَّ النِّسْيَانَ يَكْثُرُ ، وَلَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ بِخِلَافِ الْإِكْرَاهِ ، وَالثَّانِي أَنَّهُ لَوْ نَسِيَ فَزَادَ فِي الصَّلَاةِ ، أَوْ نَسِيَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ سَجْدَةً ، لَمْ تَفْسُدْ صَلَاتُهُ ، وَلَمْ يَثْبُتْ مِثْلُ هَذَا فِي الْإِكْرَاهِ .\rالْقِسْمُ الرَّابِعُ ، أَنْ يَتَكَلَّمَ بِكَلَامٍ وَاجِبٍ ، مِثْلُ أَنْ يَخْشَى عَلَى صَبِيٍّ أَوْ ضَرِيرٍ الْوُقُوعَ فِي هَلَكَةٍ ، أَوْ يَرَى حَيَّةً وَنَحْوَهَا تَقْصِدُ غَافِلًا أَوْ نَائِمًا أَوْ يَرَى نَارًا يَخَافُ أَنْ تَشْتَعِلَ فِي شَيْءٍ وَنَحْوَ هَذَا ، وَلَا يُمْكِنُ التَّنْبِيهُ بِالتَّسْبِيحِ .\rفَقَالَ أَصْحَابُنَا : تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِهَذَا .\rوَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا فِي كَلَامِ الْمُكْرَهِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا تَبْطُلَ الصَّلَاةُ بِهِ .\rوَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ أَحْمَدَ ، رَحِمَهُ اللَّهُ ؛ فَإِنَّهُ قَالَ فِي قِصَّةِ ذِي الْيَدَيْنِ : إنَّمَا كَلَّمَ الْقَوْمُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ","part":3,"page":190},{"id":1190,"text":"وَسَلَّمَ حِينَ كَلَّمَهُمْ لِأَنَّهُ كَانَ عَلَيْهِمْ أَنْ يُجِيبُوهُ .\rفَعَلَّلَ صِحَّةَ صَلَاتِهِمْ بِوُجُوبِ الْإِجَابَةِ عَلَيْهِمْ .\rوَهَذَا مُتَحَقِّقٌ هَاهُنَا ، وَهَذَا ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ .\rوَالصَّحِيحُ عِنْدَ أَصْحَابِهِ ، أَنَّ الصَّلَاةَ لَا تَبْطُلُ بِالْكَلَامِ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الْأَقْسَامِ ، وَوَجْهُ صِحَّةِ الصَّلَاةِ هَاهُنَا ، أَنَّهُ تَكَلَّمَ بِكَلَامٍ وَاجِبٍ عَلَيْهِ ، أَشْبَهَ كَلَامَ الْمُجِيبِ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rالْقِسْمُ الْخَامِسُ : أَنْ يَتَكَلَّمَ لِإِصْلَاحِ الصَّلَاةِ وَنَذْكُرُهُ فِيمَا بَعْدُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .\r( 936 ) فَصْلٌ : وَكُلُّ كَلَامٍ حَكَمْنَا بِأَنَّهُ لَا يُفْسِدُ الصَّلَاةَ فَإِنَّمَا هُوَ فِي الْيَسِيرِ مِنْهُ ، فَإِنْ كَثُرَ ، وَطَالَ ، أَفْسَدَ الصَّلَاةَ .\rوَهَذَا مَنْصُوصُ الشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ الْقَاضِي ، فِي الْمُجَرَّدِ كَلَامُ النَّاسِي إذَا طَالَ يُعِيدُ رِوَايَةً وَاحِدَةً .\rوَقَالَ فِي الْجَامِعِ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ فِي ظَاهِرِ كَلَامِ أَحْمَدَ لِأَنَّ مَا عُفِيَ عَنْهُ بِالنِّسْيَانِ اسْتَوَى قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ كَالْأَكْلِ فِي الصِّيَامِ .\rوَهَذَا قَوْلُ بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ وَلَنَا : أَنَّ دَلَالَةَ أَحَادِيثِ الْمَنْعِ مِنْ الْكَلَامِ عَامَّةٌ تُرِكَتْ فِي الْيَسِيرِ بِمَا وَرَدَ فِيهِ الْأَخْبَارِ ، فَتَبْقَى فِيمَا عَدَاهُ عَلَى مُقْتَضَى الْعُمُومِ ، وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُ الْكَثِيرِ عَلَى الْيَسِيرِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ ، وَقَدْ عُفِيَ عَنْهُ فِي الْعَمَلِ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الصَّلَاةِ بِخِلَافِ الْكَثِيرِ","part":3,"page":191},{"id":1191,"text":"( 937 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ إلَّا الْإِمَامَ خَاصَّةً ؛ فَإِنَّهُ إذَا تَكَلَّمَ لِمَصْلَحَةِ الصَّلَاةِ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ وَمَنْ ذَكَرَ وَهُوَ فِي التَّشَهُّدِ أَنَّهُ قَدْ تَرَكَ سَجْدَةً مِنْ رَكْعَةٍ فَلْيَأْتِ بِرَكْعَةٍ بِسَجْدَتَيْهَا وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ .\rوَجُمْلَتُهُ أَنَّ مَنْ سَلَّمَ عَنْ نَقْصٍ مِنْ صَلَاتِهِ يَظُنُّ أَنَّهَا قَدْ تَمَّتْ ، ثُمَّ تَكَلَّمَ فَفِيهِ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ : إحْدَاهُنَّ أَنَّ الصَّلَاةَ لَا تَفْسُدُ إذَا كَانَ الْكَلَامُ فِي شَأْنِ الصَّلَاةِ مِثْلُ الْكَلَامِ فِي بَيَانِ الصَّلَاةِ مِثْلُ كَلَامِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ فِي حَدِيثِ ذِي الْيَدَيْنِ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابَهُ تَكَلَّمُوا ، ثُمَّ بَنَوْا عَلَى صَلَاتِهِمْ ، وَلَنَا فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ .\rوَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ : تَفْسُدُ صَلَاتُهُمْ .\rوَهُوَ قَوْلُ الْخَلَّالِ وَصَاحِبِهِ ، وَمَذْهَبُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ ؛ لِعُمُومِ أَحَادِيثِ النَّهْيِ .\rوَالثَّالِثَةُ : أَنَّ صَلَاةَ الْإِمَامِ لَا تَفْسُدُ - لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إمَامًا ، فَتَكَلَّمَ وَبَنَى عَلَى صَلَاتِهِ - ، وَصَلَاةَ الْمَأْمُومِينَ الَّذِينَ تَكَلَّمُوا تَفْسُدُ ؛ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ اقْتِدَاؤُهُمْ بِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا لِأَنَّهُمَا تَكَلَّمَا مُجِيبَيْنِ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِجَابَتُهُ وَاجِبَةٌ عَلَيْهِمَا ، وَلَا بِذِي الْيَدَيْنِ ، لِأَنَّهُ تَكَلَّمَ سَائِلًا عَنْ نَقْصِ الصَّلَاةِ ، فِي وَقْتٍ يُمْكِنُ ذَلِكَ فِيهَا ، وَلَيْسَ بِمَوْجُودٍ فِي زَمَانِنَا وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ اخْتِيَارُ الْخِرَقِيِّ وَاخْتُصَّ هَذَا بِالْكَلَامِ فِي شَأْنِ الصَّلَاةِ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابَهُ إنَّمَا تَكَلَّمُوا فِي شَأْنِهَا ، فَاخْتُصَّتْ إبَاحَةُ الْكَلَامِ بِوُرُودِ النَّصِّ ؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ تَدْعُو إلَى ذَلِكَ ، دُونَ غَيْرِهِ ، فَيَمْتَنِعُ قِيَاسُ غَيْرِهِ عَلَيْهِ .\rفَأَمَّا مَنْ تَكَلَّمَ فِي صُلْبِ الصَّلَاةِ مِنْ غَيْرِ سَلَامٍ ، وَلَا ظَنَّ التَّمَامَ ، فَإِنَّ","part":3,"page":192},{"id":1192,"text":"صَلَاتَهُ تَفْسُدُ ؛ إمَامًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ ، لِمَصْلَحَةِ الصَّلَاةِ أَوْ غَيْرِهَا .\rوَذَكَرَ الْقَاضِي فِي ذَلِكَ الرِّوَايَاتِ الثَّلَاثَ ، وَيَحْتَمِلُهُ كَلَامُ الْخِرَقِيِّ ؛ لِعُمُومِ لَفْظِهِ ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْأَوْزَاعِيِّ ، فَإِنَّهُ قَالَ : لَوْ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلْإِمَامِ وَقَدْ جَهَرَ بِالْقِرَاءَةِ فِي الْعَصْرِ : إنَّهَا الْعَصْرُ لَمْ تَفْسُدْ صَلَاتُهُ وَلِأَنَّ الْإِمَامَ قَدْ تَطَرَّقَهُ حَالٌ يَحْتَاجُ إلَى الْكَلَامِ فِيهَا ، وَهُوَ مَا لَوْ نَسِيَ الْقِرَاءَةَ فِي رَكْعَةٍ فَذَكَرَهَا فِي الثَّانِيَةِ ، فَقَدْ فَسَدَتْ عَلَيْهِ رَكْعَةٌ ، فَيَحْتَاجُ أَنْ يُبْدِلَهَا بِرَكْعَةٍ هِيَ فِي ظَنِّ الْمَأْمُومِينَ خَامِسَةٌ لَيْسَ لَهُمْ مُوَافَقَتُهُ فِيهَا ، وَلَا سَبِيلَ إلَى إعْلَامِهِمْ بِغَيْرِ الْكَلَامِ وَقَدْ شَكَّ فِي صَلَاتِهِ ، فَيَحْتَاجُ إلَى السُّؤَالِ ، فَلِذَلِكَ أُبِيحَ لَهُ الْكَلَامُ .\rوَلَمْ أَعْلَمْ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا عَنْ صَحَابَتِهِ وَلَا عَنْ الْإِمَامِ نَصًّا فِي الْكَلَامِ فِي غَيْرِ الْحَالِ الَّتِي سَلَّمَ فِيهَا مُعْتَقِدًا تَمَامَ الصَّلَاةِ ، ثُمَّ تَكَلَّمَ بَعْدَ السَّلَامِ ، وَقِيَاسُ الْكَلَامِ فِي صُلْبِ الصَّلَاةِ عَالِمًا بِهَا عَلَى هَذِهِ الْحَالِ مُمْتَنِعٌ ؛ لِأَنَّ هَذِهِ حَالُ نِسْيَانٍ ، غَيْرُ مُمْكِنٍ التَّحَرُّزُ مِنْ الْكَلَامِ فِيهَا ، وَهِيَ أَيْضًا حَالٌ يَتَطَرَّقُ الْجَهْلُ إلَى صَاحِبِهَا بِتَحْرِيمِ الْكَلَامِ فِيهَا ، فَلَا يَصِحُّ قِيَاسُ مَا يُفَارِقُهَا فِي هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ عَلَيْهَا ، وَلَا نَصَّ فِيهَا ، وَإِذَا عُدِمَ النَّصُّ وَالْقِيَاسُ وَالْإِجْمَاعُ ، امْتَنَعَ ثُبُوتُ الْحُكْمِ ؛ لِأَنَّ إثْبَاتَهُ يَكُونُ ابْتِدَاءَ حُكْمٍ بِغَيْرِ دَلِيلٍ ، وَلَا سَبِيلَ إلَيْهِ .","part":3,"page":193},{"id":1193,"text":"فَصْلٌ : وَالْكَلَامُ الْمُبْطِلُ مَا انْتَظَمَ حَرْفَيْنِ .\rهَذَا قَوْلُ أَصْحَابِنَا وَأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ لِأَنَّ بِالْحَرْفَيْنِ تَكُونُ كَلِمَةٌ كَقَوْلِهِ : أَبٌ وَأَخٌ وَدَمٌ .\rوَكَذَلِكَ الْأَفْعَالُ وَالْحُرُوفُ ، وَلَا تَنْتَظِمُ كَلِمَةٌ مِنْ أَقَلَّ مِنْ حَرْفَيْنِ .\rوَلَوْ قَالَ : لَا .\rفَسَدَتْ صَلَاتَهُ ، لِأَنَّهَا حَرْفَانِ لَامٌ وَأَلِفٌ .\rوَإِنْ ضَحِكَ فَبَانَ حَرْفَانِ .\rفَسَدَتْ صَلَاتُهُ وَكَذَلِكَ وَإِنْ قَهْقَهَ وَلَمْ يَكُنْ حَرْفَانِ .\rوَبِهَذَا قَالَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، وَعَطَاءٌ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَالْحَسَنُ ، وَقَتَادَةُ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ، وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الضَّحِكَ يُفْسِدُ الصَّلَاةَ ، وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ التَّبَسُّمَ لَا يُفْسِدُهَا ، وَقَدْ رَوَى جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ { الْقَهْقَهَةُ تَنْقُضُ الصَّلَاةَ وَلَا تَنْقُضُ الْوُضُوءَ } رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي سُنَنِهِ","part":3,"page":194},{"id":1194,"text":"( 939 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا النَّفْخُ فِي الصَّلَاةِ ، فَإِنْ انْتَظَمَ حَرْفَيْنِ أَفْسَدَ صَلَاتَهُ ؛ لِأَنَّهُ كَلَامٌ وَإِلَّا فَلَا يُفْسِدُهَا .\rوَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ النَّفْخُ عِنْدِي بِمَنْزِلَةِ الْكَلَامِ وَقَالَ أَيْضًا : قَدْ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ ؛ لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ \" مَنْ نَفَخَ فِي الصَّلَاةِ فَقَدْ تَكَلَّمَ \" وَرُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَيْضًا ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ .\rوَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : لَا يَثْبُتُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَلَا أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ : أَكْرَهُهُ ، وَلَا أَقُولُ يَقْطَعُ الصَّلَاةَ ، لَيْسَ هُوَ كَلَامًا وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَابْنِ سِيرِينَ ، وَالنَّخَعِيِّ ، وَيَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ، وَإِسْحَاقَ .\rقَالَ الْقَاضِي : الْمَوْضِعُ الَّذِي قَالَ أَحْمَدُ يَقْطَعُ الصَّلَاةَ إذَا انْتَظَمَ حَرْفَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَهُ كَلَامًا وَلَا يَكُونُ كَلَامًا بِأَقَلَّ مِنْ حَرْفَيْنِ ، وَالْمَوْضِعُ الَّذِي قَالَ : لَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ إذَا لَمْ يَنْتَظِمْ مِنْهُ حَرْفَانِ ؛ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إنْ سُمِعَ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْكَلَامِ وَإِلَّا فَلَا يَضُرُّ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ مَا لَمْ يَنْتَظِمْ مِنْهُ حَرْفَانِ ؛ لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ قَالَ : { انْكَسَفَتْ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ إلَى أَنْ قَالَ : ثُمَّ نَفَخَ فِي سُجُودِهِ ، فَقَالَ : أُفْ أُفْ } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَأَمَّا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، فَإِنْ أَرَادَ مَا لَا يَسْمَعُهُ الْإِنْسَانُ مِنْ نَفْسِهِ ، فَلَيْسَ ذَلِكَ بِنَفْخٍ وَإِنَّمَا أَرَادَ مَا لَا يَسْمَعُهُ غَيْرُهُ فَلَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ مَا أَبْطَلَ الصَّلَاةَ إظْهَارُهُ أَبْطَلَهَا إسْرَارُهُ ، وَمَا لَا فَلَا ، كَالْكَلَامِ","part":3,"page":195},{"id":1195,"text":"( 940 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا النَّحْنَحَةُ ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا : إنْ بَانَ مِنْهَا حَرْفَانِ ، بَطَلَتْ الصَّلَاةُ بِهَا كَالنَّفْخِ .\rوَنَقَلَ الْمَرُّوذِيُّ قَالَ : كُنْت آتِي أَبَا عَبْدِ اللَّهِ فَيَتَنَحْنَحُ فِي صَلَاتِهِ ، لِأَعْلَمَ أَنَّهُ يُصَلِّي .\rوَقَالَ مُهَنَّا : رَأَيْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يَتَنَحْنَحُ فِي الصَّلَاةِ .\rقَالَ أَصْحَابُنَا : هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَنْتَظِمُ حَرْفَيْنِ .\rوَظَاهِرُ حَالِ أَحْمَدَ أَنَّهُ لَمْ يَعْتَبِرُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ النَّحْنَحَةَ لَا تُسَمَّى كَلَامًا ، وَتَدْعُو الْحَاجَةُ إلَيْهَا فِي الصَّلَاةِ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ { كَانَتْ لِي سَاعَةٌ فِي السَّحَرِ أَدْخُلُ فِيهَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنْ كَانَ فِي صَلَاةٍ تَنَحْنَحَ ، فَكَانَ ذَلِكَ إذْنِي وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي صَلَاةٍ أَذِنَ لِي } .\rرَوَاهُ الْخَلَّالُ بِإِسْنَادِهِ وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ فِي كَرَاهَةِ تَنْبِيهِ الْمُصَلِّي بِالنَّحْنَحَةِ فِي صَلَاتِهِ ، فَقَالَ فِي مَوْضِعٍ : لَا تَنَحْنُحَ فِي الصَّلَاةِ ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إذَا نَابَكُمْ شَيْءٌ فِي صَلَاتِكُمْ فَلْيُسَبِّحْ الرِّجَالُ ، وَلْتُصَفِّقْ النِّسَاءُ } وَرَوَى عَنْهُ الْمَرُّوذِيُّ أَنَّهُ كَانَ يَتَنَحْنَحُ لِيُعْلِمَهُ أَنَّهُ فِي صَلَاةٍ وَحَدِيثُ عَلِيٍّ يَدُلُّ عَلَيْهِ ، وَهُوَ خَاصٌّ فَيُقَدَّمُ عَلَى الْعَامِّ","part":3,"page":196},{"id":1196,"text":"( 941 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا الْبُكَاءُ وَالتَّأَوُّهُ وَالْأَنِينُ الَّذِي يَنْتَظِمُ مِنْهُ حَرْفَانِ فَمَا كَانَ مَغْلُوبًا عَلَيْهِ لَمْ يُؤَثِّرْ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ قَبْلُ وَمَا كَانَ مِنْ غَيْرِ غَلَبَةٍ فَإِنْ كَانَ لِغَيْرِ خَوْفِ اللَّهِ أَفْسَدَ الصَّلَاةَ ، وَإِنْ كَانَ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ، فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ بَطَّةَ ، فِي الرَّجُلِ يَتَأَوَّهُ فِي الصَّلَاةِ : إنْ تَأَوَّهَ مِنْ النَّارِ فَلَا بَأْسَ .\rوَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : إذَا تَأَوَّهَ ، أَوْ أَنَّ ، أَوْ بَكَى لِخَوْفِ اللَّهِ ، لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ .\rقَالَ الْقَاضِي : التَّأَوُّهُ ذِكْرٌ ، مَدَحَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ إبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فَقَالَ : { إنَّ إبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ } وَالذِّكْرُ لَا يُفْسِدُ الصَّلَاةُ ، وَمَدَحَ الْبَاكِينَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى { خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا } وَقَالَ : { وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ } وَرُوِيَ عَنْ مُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ عَنْ أَبِيهِ ، أَنَّهُ قَالَ : { رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي وَلِصَدْرِهِ أَزِيزٌ كَأَزِيزِ الْمِرْجَلِ مِنْ الْبُكَاءِ } .\rرَوَاهُ الْخَلَّالُ وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدَّادٍ : سَمِعْت نَشِيجَ عُمَرَ وَأَنَا فِي آخِرِ الصُّفُوفِ .\rوَلَمْ أَرَ عَنْ أَحْمَدَ فِي التَّأَوُّهِ شَيْئًا ، وَلَا فِي الْأَنِينِ ، وَالْأَشْبَهُ بِأُصُولِنَا أَنَّهُ مَتَى فَعَلَهُ مُخْتَارًا أَفْسَدَ صَلَاتَهُ ؛ فَإِنَّهُ قَالَ فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا ، فِي الْبُكَاءِ الَّذِي لَا يُفْسِدُ الصَّلَاةَ : إنَّهُ مَا كَانَ عَنْ غَلَبَةٍ وَلِأَنَّ الْحُكْمَ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِنَصٍّ أَوْ قِيَاسٍ أَوْ إجْمَاعٍ وَالنُّصُوصُ الْعَامَّةُ تَمْنَعُ مِنْ الْكَلَامِ كُلِّهِ ، وَلَمْ يَرِدْ فِي التَّأَوُّهِ وَالْأَنِينِ مَا يَخُصُّهُمَا وَيُخْرِجُهُمَا مِنْ الْعُمُومِ ، وَالْمَدْحُ عَلَى التَّأَوُّهِ لَا يُوجِبُ تَخْصِيصَهُ ، كَتَشْمِيتِ الْعَاطِسِ ، وَرَدِّ السَّلَامِ ، وَالْكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ الَّتِي هِيَ صَدَقَةٌ","part":3,"page":197},{"id":1197,"text":"( 942 ) فَصْلٌ : إذَا أَتَى بِذِكْرٍ مَشْرُوعٍ يَقْصِدُ بِهِ تَنْبِيهَ غَيْرِهِ .\rفَذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ : الْأَوَّلُ مَشْرُوعٌ فِي الصَّلَاةِ ، مِثْلُ أَنْ يَسْهُوَ إمَامُهُ فَيُسَبِّحَ بِهِ لِيُذَكِّرَهُ أَوْ يَتْرُكَ إمَامُهُ ذِكْرًا فَيَرْفَعَ الْمَأْمُومُ صَوْتَهُ لِيُذَكِّرَهُ أَوْ يَسْتَأْذِنَ عَلَيْهِ إنْسَانٌ فِي الصَّلَاةِ أَوْ يُكَلِّمَهُ أَوْ يَنُوبَهُ شَيْءٌ ، فَيُسَبِّحَ لِيَعْلَمَ أَنَّهُ فِي صَلَاةٍ ، أَوْ يَخْشَى عَلَى إنْسَانٍ الْوُقُوعَ فِي شَيْءٍ فَيُسَبِّحَ بِهِ لِيُوقِظَهُ ، أَوْ يَخْشَى أَنْ يُتْلِفَ شَيْئًا ، فَيُسَبِّحَ بِهِ لِيَتْرُكَهُ .\rفَهَذَا لَا يُؤَثِّرُ فِي الصَّلَاةِ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ؛ مِنْهُمْ الْأَوْزَاعِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ وَحُكِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ مَنْ أَفْهَمْ غَيْرَ إمَامِهِ بِالتَّسْبِيحِ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ ؛ لِأَنَّهُ خِطَابُ آدَمِيٍّ فَيَدْخُلُ فِي عُمُومِ أَحَادِيثِ النَّهْيِ عَنْ الْكَلَامِ وَلَنَا قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { مَنْ نَابَهُ شَيْءٌ فِي الصَّلَاةِ فَلْيَقُلْ : سُبْحَانَ اللَّهِ فَإِنَّهُ لَا يَسْمَعُهُ أَحَدٌ يَقُولُ سُبْحَانَ اللَّهِ إلَّا الْتَفَتَ وَفِي لَفْظٍ إذَا نَابَكُمْ أَمْرٌ فَلْيُسَبِّحْ الرِّجَالُ وَلْتُصَفِّقْ النِّسَاءُ } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَهُوَ عَامٌّ فِي كُلِّ أَمْرٍ يَنُوبُ الْمُصَلِّيَ وَفِي \" الْمُسْنَدِ \" عَنْ عَلِيٍّ { كُنْت إذَا اسْتَأْذَنْت عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنْ كَانَ فِي صَلَاةٍ سَبَّحَ وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِ صَلَاةٍ أَذِنَ } وَلِأَنَّهُ نَبَّهَ بِالتَّسْبِيحِ أَشْبَهَ مَا لَوْ نَبَّهَ الْإِمَامَ ، وَلَوْ كَانَ تَنْبِيهُ غَيْرِ الْإِمَامِ كَلَامًا مُبْطِلًا لَكَانَ تَنْبِيهُ الْإِمَامِ كَذَلِكَ .\r( 943 ) فَصْلٌ : وَفِي مَعْنَى هَذَا النَّوْعِ ، إذَا فَتَحَ عَلَى الْإِمَامِ إذَا ارْتَجَّ عَلَيْهِ ، أَوْ رَدَّ عَلَيْهِ إذَا غَلِطَ فَلَا بَأْسَ بِهِ فِي الْفَرْضِ وَالنَّفَلِ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُثْمَانَ ، وَعَلِيٍّ ، وَابْنِ عُمَرَ .\rرَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ ، وَالْحَسَنُ ، وَابْنُ سِيرِينَ ، وَابْنُ مَعْقِلٍ ، وَنَافِعُ بْنُ جُبَيْرِ","part":3,"page":198},{"id":1198,"text":"بْنِ مُطْعِمٍ ، وَأَبُو أَسْمَاءَ الرَّحَبِيُّ ، وَأَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ .\rوَكَرِهَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وَشُرَيْحٌ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِهِ ؛ لِمَا رَوَى الْحَارِثُ عَنْ عَلِيٍّ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَا يَفْتَحُ عَلَى الْإِمَامِ } وَلَنَا : مَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ ، { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى صَلَاةً ، فَقَرَأَ فِيهَا ، فَلُبِسَ عَلَيْهِ ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ لِأُبَيٍّ أَصْلَيْتَ مَعَنَا ؟ .\rقَالَ : نَعَمْ قَالَ : فَمَا مَنَعَك ؟ } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَإِسْنَادُهُ جَيِّدٌ وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ { : تَرَدَّدَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْقِرَاءَةِ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ ، فَلَمْ يَفْتَحُوا عَلَيْهِ ، فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ نَظَرَ فِي وُجُوهِ الْقَوْمِ ، فَقَالَ : أَمَا شَهِدَ الصَّلَاةَ مَعَكُمْ أُبَيّ بْنُ كَعْبٍ ؟ قَالُوا : لَا } فَرَأَى الْقَوْمُ أَنَّهُ إنَّمَا تَفَقَّدَهُ لِيَفْتَحَ عَلَيْهِ .\rرَوَاهُ الْأَثْرَمُ وَرَوَى مُسَوَّرُ بْنُ يَزِيدَ الْمَالِكِيُّ قَالَ : { شَهِدْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ فِي الصَّلَاةِ فَتَرَكَ آيَةً مِنْ الْقُرْآنِ فَقِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، آيَةَ كَذَا وَكَذَا تَرَكْتَهَا .\rقَالَ : فَهَلَّا ذَكَّرْتَنِيهَا ؟ } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالْأَثْرَمُ وَلِأَنَّهُ تَنْبِيهٌ لِإِمَامِهِ بِمَا هُوَ مَشْرُوعٌ فِي الصَّلَاةِ ، فَأَشْبَهَ التَّسْبِيحَ وَحَدِيثُ عَلِيٍّ يَرْوِيهِ الْحَارِثُ وَقَالَ الشَّعْبِيُّ : كَانَ كَذَّابًا ، وَقَدْ قَالَ عَنْ نَفْسِهِ : إذَا اسْتَطْعَمَك الْإِمَامُ فَأَطْعِمْهُ .\rيَعْنِي إذَا تَعَايَى فَارْدُدْ عَلَيْهِ .\rرَوَاهُ الْأَثْرَمُ .\rوَقَالَ الْحَسَنُ إنَّ أَهْلَ الْكُوفَةِ يَقُولُونَ : لَا تَفْتَحْ عَلَى الْإِمَامِ .\rوَمَا بَأْسٌ بِهِ ، أَلَيْسَ يَقُولُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَقَالَ أَبُو دَاوُد : لَمْ يَسْمَعْ أَبُو إِسْحَاقَ مِنْ الْحَارِثِ إلَّا أَرْبَعَةَ أَحَادِيثَ ، لَيْسَ هَذَا مِنْهَا .","part":3,"page":199},{"id":1199,"text":"( 944 ) فَصْلٌ : وَإِذَا ارْتَجَّ عَلَى الْإِمَامِ فِي الْفَاتِحَةِ لَزِمَ مَنْ وَرَاءَهُ الْفَتْحُ عَلَيْهِ ، كَمَا لَوْ نَسِيَ سَجْدَةً لَزِمَهُمْ تَنْبِيهُهُ بِالتَّسْبِيحِ .\rفَإِنْ عَجَزَ عَنْ إتْمَامِ الْفَاتِحَةِ فَلَهُ أَنْ يَسْتَخْلِفَ مَنْ يُصَلِّي بِهِمْ ؛ لِأَنَّهُ عُذْرٌ ، فَجَازَ أَنْ يَسْتَخْلِفَ مِنْ أَجْلِهِ ، كَمَا لَوْ سَبَقَهُ الْحَدَثُ .\rوَكَذَلِكَ لَوْ عَجَزَ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ عَنْ رُكْنٍ يَمْنَعُ الِائْتِمَامَ ، كَالرُّكُوعِ أَوْ السُّجُودِ ، فَإِنَّهُ يَسْتَخْلِفُ مَنْ يُتِمُّ بِهِمْ الصَّلَاةَ ، كَمَنْ سَبَقَهُ الْحَدَثُ بَلْ هَذَا أَوْلَى بِالِاسْتِخْلَافِ ؛ لِأَنَّ مَنْ سَبَقَهُ الْحَدَثُ قَدْ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ ، وَهَذَا صَلَاتُهُ صَحِيحَةُ فَكَانَ بِالِاسْتِخْلَافِ أَوْلَى .\rوَإِذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى إتْمَامِ الْفَاتِحَةِ ، فَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ : يَأْتِي بِمَا يُحْسِنُ وَيَسْقُطُ عَنْهُ مَا عَجَزَ عَنْهُ ، وَتَصِحُّ صَلَاتُهُ لِأَنَّ الْقِرَاءَةَ رُكْنٌ عَجَزَ عَنْهُ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ ، فَسَقَطَ كَالْقِيَامِ ، فَأَمَّا الْمَأْمُومُ فَإِنْ كَانَ أُمِّيًّا عَاجِزًا عَنْ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ صَحَّتْ صَلَاتُهُ أَيْضًا وَإِنْ كَانَ قَارِئًا نَوَى مُفَارَقَتَهُ ، وَأَتَمَّ وَحْدَهُ ، وَلَا يَصِحُّ لَهُ إتْمَامُ الصَّلَاةِ خَلْفَهُ لِأَنَّ هَذَا قَدْ صَارَ حُكْمُهُ حُكْمَ الْأُمِّيِّ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ أَنَّ صَلَاتَهُ تَفْسُدُ لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى الصَّلَاةِ بِقِرَاءَتِهَا فَلَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ بِدُونِ ذَلِكَ ، لِعُمُومِ قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ } وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُ هَذَا عَلَى الْأُمِّيِّ لِأَنَّ الْأُمِّيَّ لَوْ قَدَرَ عَلَى تَعَلُّمِهَا قَبْلَ خُرُوجِ الْوَقْتِ ، لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ بِدُونِهَا ، وَهَذَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَخْرُجَ فَيَسْأَلَ عَمَّا وَقَفَ عَلَيْهِ وَيُصَلِّيَ ، وَلَا قِيَاسُهُ عَلَى أَرْكَانِ الْأَفْعَالِ ؛ لِأَنَّ خُرُوجَهُ عَنْ الصَّلَاةِ لَا يُزِيلُ عَجْزَهُ عَنْهَا ، وَلَا يَأْمَنُ عَوْدَ مِثْلِ ذَلِكَ لِعَجْزٍ بِخِلَافِ هَذَا .\rالنَّوْعُ الثَّانِي : مَا لَا يَتَعَلَّقُ","part":3,"page":200},{"id":1200,"text":"بِتَنْبِيهِ آدَمِيٍّ ، إلَّا أَنَّهُ لِسَبَبٍ مِنْ غَيْرِ الصَّلَاةِ ، مِثْلُ أَنْ يَعْطِسُ فَيَحْمَدَ اللَّهَ ، أَوْ تَلْسَعَهُ عَقْرَبٌ فَيَقُولَ : بِسْمِ اللَّهِ .\rأَوْ يَسْمَعَ ، أَوْ يَرَى مَا يَغُمُّهُ فَيَقُولَ : { إنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ } أَوْ يَرَى عَجَبًا فَيَقُولَ : سُبْحَانَ اللَّهِ .\rفَهَذَا لَا يُسْتَحَبُّ فِي الصَّلَاةِ وَلَا يُبْطِلُهَا نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ ، فِي مَنْ عَطَسَ فَحَمِدَ اللَّهَ ، لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ وَقَالَ ، فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا ، فِي مَنْ قِيلَ لَهُ وَهُوَ يُصَلِّي : وُلِدَ لَك غُلَامٌ .\rفَقَالَ : الْحَمْدُ لِلَّهِ أَوْ قِيلَ لَهُ : احْتَرَقَ دُكَّانُك قَالَ : لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ أَوْ ذَهَبَ كِيسُك : فَقَالَ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ فَقَدْ مَضَتْ صَلَاتُهُ وَلَوْ قِيلَ : لَهُ مَاتَ أَبُوك .\rفَقَالَ { إنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ } فَلَا يُعِيدُ صَلَاتَهُ .\rوَذَكَرَ حَدِيثَ عَلِيٍّ حِينَ أَجَابَ الْخَارِجِيَّ .\rوَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي يُوسُفَ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : تَفْسُدُ صَلَاتُهُ لِأَنَّهُ كَلَامُ آدَمِيٍّ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ مِثْلُ هَذَا ؛ فَإِنَّهُ قَالَ فِي مَنْ قِيلَ لَهُ : وُلِدَ لَك غُلَامٌ .\rفَقَالَ : الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ .\rأَوْ ذَكَرَ مُصِيبَةً ، فَقَالَ : { إنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ } .\rقَالَ يُعِيدُ الصَّلَاةَ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ قَصَدَ خِطَابَ آدَمِيٍّ .\rوَلَنَا مَا رَوَى عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ ، قَالَ : { عَطَسَ شَابٌّ مِنْ الْأَنْصَارِ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ ، فَقَالَ : الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ ، حَتَّى يَرْضَى رَبُّنَا ، وَبَعْدَمَا يَرْضَى مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ .\rفَلَمَّا انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَنْ الْقَائِلُ هَذِهِ الْكَلِمَةَ ؟ فَإِنَّهُ لَمْ يَقُلْ بَأْسًا ، مَا تَنَاهَتْ دُونَ الْعَرْشِ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَعَنْ عَلِيٍّ ، أَنَّهُ قَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنْ الْخَوَارِجِ ، وَهُوَ فِي","part":3,"page":201},{"id":1201,"text":"صَلَاةِ الْغَدَاةِ ، فَنَادَاهُ : { لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ } .\rقَالَ : فَأَنْصَتَ لَهُ حَتَّى فَهِمَ ، ثُمَّ أَجَابَهُ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ : { فَاصْبِرْ إنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ } احْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ ، وَرَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ النَّجَّادُ ، بِإِسْنَادِهِ .\rوَلِأَنَّ مَا لَا يُبْطِلُ الصَّلَاةَ ابْتِدَاءً لَا يُبْطِلُهَا إذَا أَتَى بِهِ عَقِيبَ سَبَبٍ ، كَالتَّسْبِيحِ لِتَنْبِيهِ إمَامِهِ .\rقَالَ الْخَلَّالُ : اتَّفَقَ الْجَمِيعُ ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ، عَلَى أَنَّهُ - لَا يَرْفَعُ صَوْتَهُ - يَعْنِي : الْعَاطِسُ لَا يَرْفَعُ صَوْتَهُ - بِالْحَمْدِ ، وَإِنْ رَفَعَ فَلَا بَأْسَ ؛ بِدَلِيلِ حَدِيثِ الْأَنْصَارِيِّ .\rوَقَالَ أَحْمَدُ ، فِي الْإِمَامِ يَقُولُ : \" لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ \" .\rفَيَقُولُ مَنْ خَلْفَهُ : \" لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ \" يَرْفَعُونَ بِهَا أَصْوَاتَهُمْ ، قَالَ : يَقُولُونَ ، وَلَكِنْ يُخْفُونَ ذَلِكَ فِي أَنْفُسِهِمْ .\rوَإِنَّمَا لَمْ يَكْرَهْ أَحْمَدُ ذَلِكَ ، كَمَا كَرِهَ الْقِرَاءَةَ خَلْفَ الْإِمَامِ ؛ لِأَنَّهُ يَسِيرٌ لَا يَمْنَعُ الْإِنْصَاتَ ، فَجَرَى مَجْرَى التَّأْمِينِ .\rقِيلَ لِأَحْمَدَ : فَإِنْ رَفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِهَذَا ؟ قَالَ : أَكْرَهُهُ .\rقِيلَ : فَيَنْهَاهُمْ الْإِمَامُ ؟ قَالَ : لَا يَنْهَاهُمْ .\rقَالَ الْقَاضِي : إنَّمَا لَمْ يَنْهَهُمْ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْجَهْرُ بِمِثْلِ ذَلِكَ فِي صَلَاةِ الْإِخْفَاءِ ، فَإِنَّهُ كَانَ يُسْمِعُهُمْ الْآيَةَ أَحْيَانًا .\r( 945 ) فَصْلٌ : قِيلَ لِأَحْمَدَ ، رَحِمَهُ اللَّهُ : إذَا قَرَأَ : { أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى } هَلْ يَقُولُ : \" سُبْحَانَ رَبِّي الْأَعْلَى \" .\rقَالَ : إنْ شَاءَ قَالَهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ نَفْسِهِ ، وَلَا يَجْهَرُ بِهِ فِي الْمَكْتُوبَةِ وَغَيْرِهَا .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَرَأَ فِي الصَّلَاةِ : { سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى } .\rفَقَالَ : سُبْحَانَ رَبِّي الْأَعْلَى ، .\rوَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّهُ قَرَأَ فِي الصَّلَاةِ :","part":3,"page":202},{"id":1202,"text":"{ أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى } .\rفَقَالَ : سُبْحَانَكَ ، وَبَلَى .\rوَعَنْ مُوسَى بْنِ أَبِي عَائِشَةَ ، قَالَ : { كَانَ رَجُلٌ يُصَلِّي فَوْقَ بَيْتِهِ ، فَكَانَ إذَا قَرَأَ : { أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى } .\rقَالَ : سُبْحَانَكَ فَبَكَى ، فَسَأَلُوهُ عَنْ ذَلِكَ ، فَقَالَ : سَمِعْته عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَلِأَنَّهُ ذِكْرٌ وَرَدَ الشَّرْعُ بِهِ ، فَجَازَ التَّسْبِيحُ فِي مَوْضِعِهِ .\rالنَّوْعُ الثَّالِثُ : أَنْ يَقْرَأَ الْقُرْآنَ يَقْصِدُ بِهِ تَنْبِيهَ آدَمِيٍّ ، مِثْلُ أَنْ يَقُولَ : { اُدْخُلُوهَا بِسَلَامٍ } .\rيُرِيدُ الْإِذْنَ ، أَوْ يَقُولَ لِرَجُلٍ اسْمُهُ يَحْيَى : { يَا يَحْيَى خُذْ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ } .\rأَوْ { : يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا } .\rفَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّ صَلَاتَهُ تَبْطُلُ بِذَلِكَ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّهُ خِطَابُ آدَمِيٍّ فَأَشْبَهَ مَا لَوْ كَلَّمَهُ .\rوَرُوِيَ عَنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا لَا تَبْطُلُ ؛ لِأَنَّهُ قَالَ فِي مَنْ قِيلَ لَهُ : مَاتَ أَبُوكَ .\rفَقَالَ { إنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ } .\rلَا يُعِيدُ الصَّلَاةَ .\rوَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ عَلِيٍّ ، حِينَ قَالَ لِلْخَارِجِيِّ : { فَاصْبِرْ إنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ } .\rوَرُوِيَ نَحْوُ هَذَا عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ أَبِي لَيْلَى .\rوَرَوَى أَبُو بَكْرٍ الْخَلَّالُ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ ، قَالَ : اسْتَأْذَنَّا عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى ، وَهُوَ يُصَلِّي .\rفَقَالَ { : اُدْخُلُوا مِصْرَ إنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ } .\rفَقُلْنَا : كَيْفَ صَنَعْتَ ، فَقَالَ : اسْتَأْذَنَّا عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَهُوَ يُصَلِّي ، فَقَالَ { : اُدْخُلُوا مِصْرَ إنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ } .\rوَلِأَنَّهُ قَرَأَ الْقُرْآنَ ، فَلَمْ تَفْسُدْ صَلَاتُهُ ، كَمَا لَوْ لَمْ يَقْصِدْ بِهِ التَّنْبِيهَ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : إنْ قَصَدَ التِّلَاوَةَ دُونَ التَّنْبِيهِ ، لَمْ تَفْسُدْ صَلَاتُهُ ، وَإِنْ قَصَدَ التَّنْبِيهَ دُونَ التِّلَاوَةِ ، فَسَدَتْ صَلَاتُهُ ؛","part":3,"page":203},{"id":1203,"text":"لِأَنَّهُ خَاطَبَ آدَمِيًّا ، وَإِنْ قَصَدَهُمَا جَمِيعًا فَفِيهِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا ، لَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْآثَارِ وَالْمَعْنَى .\rوَالثَّانِي : تَفْسُدُ صَلَاتُهُ ؛ لِأَنَّهُ خَاطَبَ آدَمِيًّا ، أَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ يَقْصِدْ التِّلَاوَةَ .\rفَأَمَّا إنْ أَتَى مَا لَا يَتَمَيَّزُ بِهِ الْقُرْآنُ مِنْ غَيْرِهِ ، كَقَوْلِهِ لِرَجُلٍ اسْمُهُ إبْرَاهِيمُ .\rيَا إبْرَاهِيمُ .\rأَوْ لِعِيسَى : يَا عِيسَى .\rوَنَحْوِ ذَلِكَ ، فَسَدَتْ صَلَاتُهُ ؛ لِأَنَّ هَذَا كَلَامُ النَّاسِ ، وَلَمْ يَتَمَيَّزْ عَنْ كَلَامِهِمْ بِمَا يَتَمَيَّزُ بِهِ الْقُرْآنُ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ جَمَعَ بَيْنَ كَلِمَاتٍ مُتَفَرِّقَةٍ فِي الْقُرْآنِ ، فَقَالَ يَا إبْرَاهِيمُ خُذْ الْكِتَابَ الْكَبِيرَ .","part":3,"page":204},{"id":1204,"text":"( 946 ) فَصْلٌ : يُكْرَهُ أَنْ يَفْتَحَ مَنْ هُوَ فِي الصَّلَاةِ عَلَى مَنْ هُوَ فِي صَلَاةٍ أُخْرَى ، أَوْ عَلَى مَنْ لَيْسَ فِي صَلَاةٍ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَشْغَلُهُ عَنْ صَلَاتِهِ ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : إنَّ فِي الصَّلَاةِ لَشُغْلًا } .\rوَقَدْ سُئِلَ أَحْمَدُ عَنْ رَجُلٍ جَالِسٍ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي يَقْرَأُ ، فَإِذَا أَخْطَأَ ، فَتَحَ عَلَيْهِ الْمُصَلِّي .\rفَقَالَ : كَيْفَ يَفْتَحُ إذَا أَخْطَأَ هَذَا ، وَيَتَعَجَّبُ مِنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ .\rفَإِنْ فَعَلَ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ ؛ لِأَنَّهُ قُرْآنٌ ، وَإِنَّمَا قَصَدَ قِرَاءَتَهُ دُونَ خِطَابِ الْآدَمِيِّ بِغَيْرِهِ .\rوَلَا بَأْسَ أَنْ يَفْتَحَ عَلَى الْمُصَلِّي مَنْ لَيْسَ مَعَهُ فِي الصَّلَاةِ .\rوَقَدْ رَوَى النَّجَّادُ بِإِسْنَادِهِ ، قَالَ : كُنْتُ قَاعِدًا بِمَكَّةَ ، فَإِذَا رَجُلٌ عِنْدَ الْمَقَامِ يُصَلِّي ، وَإِذَا رَجُلٌ قَاعِدٌ خَلْفَهُ يُلَقِّنُهُ ، فَإِذَا هُوَ عُثْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .","part":3,"page":205},{"id":1205,"text":"( 947 ) فَصْلٌ : إذَا سَلَّمَ عَلَى الْمُصَلِّي ، لَمْ يَكُنْ لَهُ رَدُّ السَّلَامِ بِالْكَلَامِ ، فَإِنْ فَعَلَ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ .\rرُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ أَبِي ذَرٍّ وَعَطَاءٍ وَالنَّخَعِيِّ .\rوَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ .\rوَكَانَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَالْحَسَنُ وَقَتَادَةُ ، لَا يَرَوْنَ بِهِ بَأْسًا ، وَرُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ أَمَرَ بِذَلِكَ .\rوَقَالَ إِسْحَاقُ : إنَّ فَعَلَهُ مُتَأَوِّلًا ، جَازَتْ صَلَاتُهُ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى جَابِرٌ قَالَ { : كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَاجَةٍ ، فَرَجَعْت وَهُوَ يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَتِهِ ، وَوَجْهُهُ إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ ، فَسَلَّمْت عَلَيْهِ ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ ، فَلَمَّا انْصَرَفَ ، قَالَ : أَمَا إنَّهُ لَمْ يَمْنَعْنِي أَنْ أَرُدَّ عَلَيْك إلَّا أَنِّي كُنْت أُصَلِّي } .\rوَقَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ { ، قُلْنَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، كُنَّا نُسَلِّمُ عَلَيْك فِي الصَّلَاةِ فَتَرُدُّ عَلَيْنَا ؟ قَالَ : إنَّ فِي الصَّلَاةِ لَشُغْلًا } .\rرَوَاهُمَا مُسْلِمٌ .\rوَلِأَنَّهُ كَلَامُ آدَمِيٍّ ، فَأَشْبَهَ تَشْمِيتَ الْعَاطِسِ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِنَّهُ يَرُدُّ السَّلَامَ بِالْإِشَارَةِ .\rوَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَإِسْحَاقَ ، وَأَبِي ثَوْرٍ .\rوَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ سَلَّمَ عَلَيْهِ مُوسَى بْنُ جَمِيلٍ وَهُوَ يُصَلِّي ، فَقَبَضَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَلَى ذِرَاعِهِ ، فَكَانَ ذَلِكَ رَدًّا مِنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَلَيْهِ .\rوَإِنْ رَدَّ عَلَيْهِ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ الصَّلَاةِ فَحَسَنٌ .\rرُوِيَ هَذَا عَنْ أَبِي ذَرٍّ وَعَطَاءٍ وَالنَّخَعِيِّ وَدَاوُد ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ مَسْعُودٍ ، قَالَ { : فَقَدِمْت عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يُصَلِّي ، فَسَلَّمْت عَلَيْهِ ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ السَّلَامَ ، فَأَخَذَنِي مَا قُدِّمَ وَمَا حَدَثَ ، فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصَّلَاةَ قَالَ : وَإِنَّ اللَّهَ يُحْدِثُ مِنْ أَمْرِهِ مَا يَشَاءُ ، وَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَحْدَثَ أَنْ لَا تَكَلَّمُوا فِي الصَّلَاةِ } .\rفَرَدَّ عَلَيَّ السَّلَامَ .\rوَقَدْ","part":3,"page":206},{"id":1206,"text":"رَوَى صُهَيْبٌ ، قَالَ { : مَرَرْت بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يُصَلِّي ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ ، وَكَلَّمْتُهُ فَرَدَّ إشَارَةً ، } .\rقَالَ بَعْضُ الرُّوَاةِ : وَلَا أَعْلَمُهُ إلَّا قَالَ إشَارَةً بِأُصْبُعِهِ .\rوَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ : { خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى قُبَاءَ ، فَصَلَّى فِيهِ قَالَ : فَجَاءَتْهُ الْأَنْصَارُ فَسَلَّمُوا عَلَيْهِ وَهُوَ يُصَلِّي ، قَالَ : فَقُلْت لِبِلَالٍ : كَيْفَ رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرُدُّ عَلَيْهِمْ حِينَ كَانُوا يُسَلِّمُونَ عَلَيْهِ وَهُوَ يُصَلِّي ؟ قَالَ يَعْقُوبُ : هَكَذَا : وَبَسَطَ - يَعْنِي كَفَّهُ - وَجَعَلَ بَطْنَهُ أَسْفَلَ ، وَظُهْرَهُ إلَى فَوْقُ .\r} قَالَ التِّرْمِذِيُّ : كِلَا الْحَدِيثَيْنِ صَحِيحٌ .\rرَوَاهُمَا أَبُو دَاوُد ، وَالْأَثْرَمُ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ فِيمَا مَضَى .","part":3,"page":207},{"id":1207,"text":"( 948 ) فَصْلٌ : وَإِذَا دَخَلَ قَوْمٌ عَلَى قَوْمٍ وَهُمْ يُصَلُّونَ ، فَسُئِلَ أَحْمَدُ عَنْ الرَّجُلِ يَدْخُلُ عَلَى الْقَوْمِ وَهُمْ يُصَلُّونَ ، أَيُسَلِّمُ عَلَيْهِمْ ؟ قَالَ : نَعَمْ .\rوَرَوَى ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ سَلَّمَ عَلَى مُصَلٍّ .\rوَفَعَلَ ذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ ، وَكَرِهَهُ عَطَاءٌ ، وَأَبُو مِجْلَزٍ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا غَلِطَ الْمُصَلِّي فَرَدَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ .\rوَقَدْ رَوَى مَالِكٌ فِي مُوَطَّئِهِ : أَنَّ ابْنَ عُمَرَ سَلَّمَ عَلَى رَجُلٍ وَهُوَ يُصَلِّي ، فَرَدَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، فَرَجَعَ إلَيْهِ ابْنُ عُمَرَ فَنَهَاهُ عَنْ ذَلِكَ ، وَمَنْ ذَهَبَ إلَى تَجْوِيزِهِ احْتَجَّ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ } أَيْ عَلَى أَهْلِ دِينِكُمْ ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ سَلَّمَ أَصْحَابُهُ عَلَيْهِ رَدَّ عَلَيْهِمْ إشَارَةً ، وَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ .","part":3,"page":208},{"id":1208,"text":"( 949 ) فَصْلٌ : إذَا أَكَلَ أَوْ شَرِبَ فِي الْفَرِيضَةِ عَامِدًا ، بَطَلَتْ صَلَاتُهُ ، رِوَايَةً ، وَاحِدَةً .\rوَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْمُصَلِّيَ مَمْنُوعٌ مِنْ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ ، وَأَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ مَنْ أَكَلَ أَوْ شَرِبَ فِي صَلَاةِ الْفَرْضِ عَامِدًا أَنَّ عَلَيْهِ الْإِعَادَةَ ، وَأَنَّ ذَلِكَ يُفْسِدُ الصَّوْمَ الَّذِي لَا يَفْسُدُ بِالْأَفْعَالِ ، فَالصَّلَاةُ أَوْلَى .\rفَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ فِي التَّطَوُّعِ أَبْطَلَهُ ، فِي الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ ؛ لِأَنَّ مَا أَبْطَلَ الْفَرْضَ أَبْطَلَ التَّطَوُّعَ ، كَسَائِرِ مُبْطِلَاتِهِ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى ، أَنَّهُ لَا يُبْطِلُهَا .\rوَيُرْوَى عَنْ ابْنِ الزُّبَيْرِ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، أَنَّهُمَا شَرِبَا فِي التَّطَوُّعِ .\rوَعَنْ طَاوُسٍ ، أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ .\rوَكَذَلِكَ قَالَ إِسْحَاقُ ؛ لِأَنَّهُ عَمَلٌ يَسِيرٌ ، فَأَشْبَهَ غَيْرَ الْأَكْلِ ، فَأَمَّا إنْ أَكْثَرَ فَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ يُفْسِدُهَا ؛ لِأَنَّ غَيْرَ الْأَكْلِ مِنْ الْأَعْمَالِ يُفْسِدُ إذَا كَثُرَ ، فَالْأَكْلُ وَالشُّرْبُ أَوْلَى .\rوَإِنْ أَكَلَ أَوْ شَرِبَ فِي فَرِيضَةٍ أَوْ تَطَوُّعٍ نَاسِيًا لَمْ تَفْسُدْ .\rوَبِهَذَا قَالَ عَطَاءٌ وَالشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ تَفْسُدُ صَلَاتُهُ ؛ لِأَنَّهُ فِعْلٌ مُبْطِلٌ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الصَّلَاةِ ، فَاسْتَوَى عَمْدُهُ وَسَهْوُهُ ، كَالْعَمَلِ الْكَثِيرِ .\rوَلَنَا عُمُومُ قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { : عُفِيَ لِأُمَّتِي عَنْ الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ } .\rوَلِأَنَّهُ يُسَوَّى بَيْنَ قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ حَالَ الْعَمْدِ .\rوَيُعْفَى عَنْهُ فِي الصَّلَاةِ كَالْعَمَلِ مِنْ جِنْسِهَا ، وَيُشْرَعُ لِذَلِكَ سُجُودُ السَّهْوِ .\rوَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ؛ فَإِنَّ مَا يُبْطِلُ عَمْدُهُ الصَّلَاةَ إذَا عُفِيَ عَنْهُ لِأَجْلِ السَّهْوِ شُرِعَ لَهُ السُّجُودُ ، كَالزِّيَادَةِ مِنْ جِنْسِ الصَّلَاةِ ، وَمَتَى كَثُرَ ذَلِكَ أَبْطَلَ الصَّلَاةَ بِغَيْرِ خِلَافٍ ؛ لِأَنَّ الْأَفْعَالَ","part":3,"page":209},{"id":1209,"text":"الْمَعْفُوَّ عَنْ يَسِيرِهَا إذَا كَثُرَتْ أَبْطَلَتْ ، فَهَذَا أَوْلَى .","part":3,"page":210},{"id":1210,"text":"فَصْلٌ : إذَا تَرَكَ فِي فِيهِ مَا يَذُوبُ كَالسُّكَّرِ ، فَذَابَ مِنْهُ شَيْءٌ ، فَابْتَلَعَهُ ، أَفْسَدَ صَلَاتَهُ ؛ لِأَنَّهُ أَكْلٌ .\rوَإِنْ بَقِيَ بَيْنَ أَسْنَانِهِ ، أَوْ فِي فِيهِ مِنْ بَقَايَا الطَّعَامِ يَسِيرٌ يَجْرِي بِهِ الرِّيقُ ، فَابْتَلَعَهُ ، لَمْ تَفْسُدْ صَلَاتُهُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ .\rوَإِنْ تَرَكَ فِي فِيهِ لُقْمَةً وَلَمْ يَبْتَلِعْهَا ، كُرِهَ ؛ لِأَنَّهُ يَشْغَلُهُ عَنْ خُشُوعِ الصَّلَاةِ وَالذِّكْرِ وَالْقِرَاءَةِ فِيهَا ، وَلَا يُبْطِلُهَا ؛ لِأَنَّهُ عَمَلٌ يَسِيرٌ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَمْسَكَ شَيْئًا فِي يَدِهِ .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":3,"page":211},{"id":1211,"text":"مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَإِذَا لَمْ تَكُنْ ثِيَابُهُ طَاهِرَةً ، وَمَوْضِعُ صَلَاتِهِ طَاهِرًا ، أَعَادَ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ ، أَنَّ الطَّهَارَةَ مِنْ النَّجَاسَةِ فِي بَدَنِ الْمُصَلِّي وَثَوْبِهِ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الصَّلَاةِ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ؛ مِنْهُمْ ابْنُ عَبَّاسٍ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَقَتَادَةُ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَيُرْوَى عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ : لَيْسَ عَلَى ثَوْبٍ جَنَابَةٌ .\rوَنَحْوُهُ عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَالنَّخَعِيِّ .\rوَقَالَ الْحَارِثُ الْعُكْلِيُّ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى : لَيْسَ فِي ثَوْبٍ إعَادَةٌ ، وَرَأَى طَاوُسٌ دَمًا كَثِيرًا فِي ثَوْبِهِ ، وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ فَلَمْ يُبَالِهِ .\rوَسُئِلَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، عَنْ الرَّجُلِ يَرَى فِي ثَوْبِهِ الْأَذَى وَقَدْ صَلَّى ؟ فَقَالَ : اقْرَأْ عَلَيَّ الْآيَةَ الَّتِي فِيهَا غَسْلُ الثِّيَابِ .\rوَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ } .\rقَالَ ابْنُ سِيرِينَ : هُوَ الْغَسْلُ بِالْمَاءِ .\rوَعَنْ أَسْمَاءَ ابْنَةِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَتْ : { سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ دَمِ الْحَيْضِ يَكُونُ فِي الثَّوْبِ ؟ قَالَ : اُقْرُصِيهِ ، وَصَلِّي فِيهِ } .\rوَفِي لَفْظٍ قَالَتْ : { سَمِعْت امْرَأَةً تَسْأَلُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : كَيْفَ تَصْنَعُ إحْدَانَا بِثَوْبِهَا إذَا رَأَتْ الطُّهْرَ ، أَتُصَلِّي فِيهِ ؟ قَالَ : تَنْظُرُ فِيهِ ، فَإِنْ رَأَتْ دَمًا فَلْتَقْرُصْهُ بِشَيْءٍ مِنْ مَاءٍ ، وَلْتَنْضَحْ مَا لَمْ تَرَ ، وَلْتُصَلِّ فِيهِ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ { إنَّهُمَا يُعَذَّبَانِ وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَفِي رِوَايَةٍ : \" لَا يَسْتَنْزِهُ مِنْ بَوْلِهِ \" .\rوَلِأَنَّهَا إحْدَى الطَّهَارَتَيْنِ ، فَكَانَتْ شَرْطًا لِلصَّلَاةِ ، كَالطَّهَارَةِ مِنْ الْحَدَثِ .","part":3,"page":212},{"id":1212,"text":"( 952 ) فَصْلٌ : وَطَهَارَةُ مَوْضِعِ الصَّلَاةِ شَرْطٌ أَيْضًا ، وَهُوَ الْمَوْضِعُ الَّذِي تَقَعُ عَلَيْهِ أَعْضَاؤُهُ وَتُلَاقِيهِ ثِيَابُهُ الَّتِي عَلَيْهِ ، فَلَوْ كَانَ عَلَى رَأْسِهِ طَرَفُ عِمَامَةٍ ، وَطَرَفُهَا الْآخَرُ يَسْقُطُ عَلَى نَجَاسَةٍ ، لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ .\rوَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ احْتِمَالًا فِيمَا تَقَعُ عَلَيْهِ ثِيَابُهُ خَاصَّةً ، أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ طَهَارَتُهُ ؛ لِأَنَّهُ يُبَاشِرُهَا بِمَا هُوَ مُنْفَصِلٌ عَنْ ذَاتِهِ ، أَشْبَهَ مَا لَوْ صَلَّى إلَى جَانِبِهِ إنْسَانٌ نَجِسُ الثَّوْبِ ، فَالْتَصَقَ ثَوْبُهُ بِهِ .\rوَالْأَوَّلُ الْمَذْهَبُ لِأَنَّ سُتْرَتَهُ تَابِعَةٌ لَهُ ، فَهِيَ كَأَعْضَاءِ سُجُودِهِ .\rفَأَمَّا إذَا كَانَ ثَوْبُهُ يَمَسُّ شَيْئًا نَجِسًا ، كَثَوْبِ مَنْ يُصَلِّي إلَى جَانِبِهِ ، أَوْ حَائِطٍ لَا يَسْتَنِدُ إلَيْهِ ، فَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ : لَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ بِذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَحَلٍّ لِبَدَنِهِ وَلَا سُتْرَتِهِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَفْسُدَ ؛ لِأَنَّ سُتْرَتَهُ مُلَاقِيَةٌ لِنَجَاسَةِ ، أَشْبَهَ مَا لَوْ وَقَعَتْ عَلَيْهَا .\rوَإِنْ كَانَتْ النَّجَاسَةُ مُحَاذِيَةً لِجِسْمِهِ فِي حَالِ سُجُودِهِ بِحَيْثُ لَا يَلْتَصِقُ بِهَا شَيْءٌ مِنْ بَدَنِهِ وَلَا أَعْضَائِهِ ، لَمْ يَمْنَعْ صِحَّةَ صَلَاتِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُبَاشِرْ النَّجَاسَةَ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ خَرَجَتْ عَنْ مُحَاذَاتِهِ .","part":3,"page":213},{"id":1213,"text":"( 953 ) فَصْلٌ : وَإِذَا صَلَّى ، ثُمَّ رَأَى عَلَيْهِ نَجَاسَةً فِي بَدَنِهِ أَوْ ثِيَابِهِ ، لَا يَعْلَمُ ؛ هَلْ كَانَتْ عَلَيْهِ فِي الصَّلَاةِ ، أَوْ لَا ؟ فَصَلَاتُهُ صَحِيحَةٌ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهَا فِي الصَّلَاةِ .\rوَإِنْ عَلِمَ أَنَّهَا كَانَتْ فِي الصَّلَاةِ ، لَكِنْ جَهِلَهَا حَتَّى فَرَغَ مِنْ الصَّلَاةِ ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ : إحْدَاهُمَا ، لَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ .\rهَذَا قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ وَعَطَاءٍ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَسَالِمٍ ، وَمُجَاهِدٍ ، وَالشَّعْبِيِّ ، وَالنَّخَعِيِّ ، وَالزُّهْرِيِّ وَيَحْيَى الْأَنْصَارِيِّ ، وَإِسْحَاقَ وَابْنِ الْمُنْذِرِ .\rوَالثَّانِيَةُ : يُعِيدُ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي قِلَابَةَ وَالشَّافِعِيِّ لِأَنَّهَا طَهَارَةٌ مُشْتَرَطَةٌ لِلصَّلَاةِ ، فَلَمْ تَسْقُطْ بِجَهْلِهَا ، كَطَهَارَةِ الْحَدَثِ .\rوَقَالَ رَبِيعَةُ وَمَالِكٌ : يُعِيدُ مَا كَانَ فِي الْوَقْتِ ، وَلَا يُعِيدُ بَعْدَهُ .\rوَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى ، مَا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ ، قَالَ { : بَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي بِأَصْحَابِهِ ، إذْ خَلَعَ نَعْلَيْهِ فَوَضَعَهُمَا عَنْ يَسَارِهِ ، فَخَلَعَ النَّاسُ نِعَالَهُمْ ، فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَاتَهُ قَالَ : مَا حَمَلَكُمْ عَلَى إلْقَائِكُمْ نِعَالَكُمْ ؟ .\rقَالُوا : رَأَيْنَاكَ أَلْقَيْتَ نَعْلَيْكَ ، فَأَلْقَيْنَا نِعَالَنَا .\rقَالَ : إنَّ جِبْرِيلَ أَتَانِي فَأَخْبَرَنِي أَنَّ فِيهِمَا قَذَرًا } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَلَوْ كَانَتْ الطَّهَارَةُ شَرْطًا ، مَعَ عَدَمِ الْعِلْمِ بِهَا ، لَزِمَهُ اسْتِئْنَافُ الصَّلَاةِ ، وَتُفَارِقُ طَهَارَةَ الْحَدَثِ ؛ لِأَنَّهَا آكَدُ ؛ لِأَنَّهَا لَا يُعْفَى عَنْ يَسِيرِهَا ، وَتَخْتَصُّ الْبَدَنَ ، وَإِنْ كَانَ قَدْ عَلِمَ بِالنَّجَاسَةِ ثُمَّ نَسِيَهَا ، وَصَلَّى ، فَقَالَ الْقَاضِي : حَكَى أَصْحَابُنَا فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ رِوَايَتَيْنِ .\rوَذَكَرَ هُوَ فِي مَسْأَلَةِ النِّسْيَانِ ، أَنَّ الصَّلَاةَ بَاطِلَةٌ ؛ لِأَنَّهُ مَنْسُوبٌ إلَى التَّفْرِيطِ ، بِخِلَافِ الْجَاهِلِ بِهَا .\rقَالَ الْآمِدِيُّ : يُعِيدُ إذَا كَانَ قَدْ تَوَانَى ، رِوَايَةً وَاحِدَةً .\rوَالصَّحِيحُ","part":3,"page":214},{"id":1214,"text":"التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُمَا ؛ لِأَنَّ مَا عُذِرَ فِيهِ بِالْجَهْلِ عُذِرَ فِيهِ بِالنِّسْيَانِ ، بَلْ النِّسْيَانُ أَوْلَى ؛ لِوُرُودِ النَّصِّ بِالْعَفْوِ فِيهِ ، بِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { عُفِيَ لِأُمَّتِي عَنْ الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ } وَإِنْ عَلِمَ بِالنَّجَاسَةِ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ ، فَإِنْ قُلْنَا .\rيُعْذَرُ .\rفَصَلَاتُهُ صَحِيحَةٌ .\rثُمَّ إنْ طَرَحَ النَّجَاسَةَ مِنْ غَيْرِ زَمَنٍ طَوِيلٍ ، وَلَا عَمَلٍ كَثِيرٍ ، أَلْقَاهَا ، وَبَنَى ، كَمَا خَلَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَعْلَيْهِ حِينَ أَخْبَرَهُ جِبْرِيلُ بِالْقَذَرِ فِيهِمَا .\rوَإِنْ احْتَاجَ أَحَدَ هَذَيْنِ ، بَطَلَتْ صَلَاتُهُ ؛ لِأَنَّهُ يُفْضِي إلَى أَحَدِ أَمْرَيْنِ ؛ إمَّا اسْتِصْحَابُ النَّجَاسَةِ مَعَ الْعِلْمِ بِهَا زَمَنًا طَوِيلًا ، أَوْ يَعْمَلُ فِي الصَّلَاةِ عَمَلًا كَثِيرًا ، فَتَبْطُلُ بِهِ الصَّلَاةُ ، فَصَارَ كَالْعُرْيَانِ يَجِدُ السُّتْرَةَ بَعِيدَةً مِنْهُ .\r( 954 ) فَصْلٌ : وَإِذَا سَقَطَتْ عَلَيْهِ نَجَاسَةٌ ، ثُمَّ زَالَتْ عَنْهُ ، أَوْ أَزَالَهَا فِي الْحَالِ ، لَمْ تَبْطُلُ صَلَاتُهُ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا عَلِمَ بِالنَّجَاسَةِ فِي نَعْلَيْهِ خَلَعَهُمَا ، وَأَتَمَّ صَلَاتَهُ ، وَلِأَنَّ النَّجَاسَةَ يُعْفَى عَنْ يَسِيرِهَا ، فَعُفِيَ عَنْ يَسِيرِ زَمَنِهَا ، كَكَشْفِ الْعَوْرَةِ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .","part":3,"page":215},{"id":1215,"text":"( 955 ) فَصْلٌ : وَإِذَا صَلَّى عَلَى مِنْدِيلٍ ، طَرَفُهُ نَجِسٌ أَوْ كَانَ تَحْتَ قَدَمِهِ حَبْلٌ مَشْدُودٌ فِي نَجَاسَةٍ ، وَمَا يُصَلِّي عَلَيْهِ طَاهِرٌ ، فَصَلَاتُهُ صَحِيحَةٌ ، سَوَاءٌ تَحَرَّكَ النَّجِسُ بِحَرَكَتِهِ ، أَوْ لَمْ يَتَحَرَّكْ ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِحَامِلٍ لِلنَّجَاسَةِ ، وَلَا بِمُصَلٍّ عَلَيْهَا ، وَإِنَّمَا اتَّصَلَ مُصَلَّاهُ بِهَا ، أَشْبَهَ مَا لَوْ صَلَّى عَلَى أَرْضٍ طَاهِرَةٍ مُتَّصِلَةٍ بِأَرْضٍ نَجِسَةٍ .\rوَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا : إذَا كَانَ النَّجِسُ يَتَحَرَّكُ بِحَرَكَتِهِ ، لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ .\rوَالْمُعَوَّلُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا .\rفَأَمَّا إنْ كَانَ الْحَبْلُ أَوْ الْمَنْدِيلُ مُتَعَلِّقًا بِهِ ، بِحَيْثُ يَنْجَرُّ مَعَهُ إذَا مَشَى ، لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَتْبِعٌ لَهَا ، فَهُوَ كَحَامِلِهَا .\rوَلَوْ كَانَ فِي يَدِهِ أَوْ وَسَطِهِ حَبْلٌ مَشْدُودٌ فِي نَجَاسَةٍ ، أَوْ حَيَوَانٍ نَجِسٍ ، أَوْ سَفِينَةٍ صَغِيرَةٍ فِيهَا نَجَاسَةٌ تَنْجَرُّ مَعَهُ إذَا مَشَى ، لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَتْبِعٌ لَهَا ، فَهُوَ كَحَامِلِهَا .\rوَإِنْ كَانَتْ السَّفِينَةُ كَبِيرَةً لَا يُمْكِنُهُ جَرُّهَا ، أَوْ الْحَيَوَانُ كَبِيرًا لَا يَقْدِرُ عَلَى جَرِّهِ إذَا اسْتَعْصَى عَلَيْهِ ، لَمْ تَفْسُدْ صَلَاتُهُ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُسْتَتْبِعٍ لَهَا .\rقَالَ الْقَاضِي : هَذَا إذَا كَانَ الشَّدُّ فِي مَوْضِعٍ طَاهِرٍ ، فَإِنْ كَانَ مَشْدُودًا فِي مَوْضِعٍ نَجِسٍ ، فَسَدَتْ صَلَاتُهُ ؛ لِأَنَّهُ حَامِلٌ لِمَا هُوَ مُلَاقٍ لِلنَّجَاسَةِ .\rوَالْأَوْلَى أَنَّ صَلَاتَهُ لَا تَفْسُدُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى اسْتِتْبَاعِ مَا هُوَ مُلَاقٍ لِلنَّجَاسَةِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَمْسَكَ سَفِينَةً عَظِيمَةً فِيهَا نَجَاسَةٌ ، أَوْ غُصْنًا مِنْ شَجَرَةٍ عَلَيْهَا نَجَاسَةٌ .","part":3,"page":216},{"id":1216,"text":"( 956 ) فَصْلٌ : وَإِذَا حَمَلَ فِي الصَّلَاةِ حَيَوَانًا طَاهِرًا أَوْ صَبِيًّا ، لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى وَهُوَ حَامِلٌ أُمَامَةَ ابْنَةَ أَبِي الْعَاصِ .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَرَكِبَ الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ عَلَى ظَهْرِهِ وَهُوَ سَاجِدٌ ، وَلِأَنَّ مَا فِي الْحَيَوَانِ مِنْ النَّجَاسَةِ فِي مَعِدَتِهِ ، فَهِيَ كَالنَّجَاسَةِ فِي مَعِدَةِ الْمُصَلِّي ، وَلَوْ حَمَلَ قَارُورَةً فِيهَا نَجَاسَةٌ مَسْدُودَةً ، لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ .\rوَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ : لَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ ؛ لِأَنَّ النَّجَاسَةَ لَا تَخْرُجُ مِنْهَا ، فَهِيَ كَالْحَيَوَانِ .\rوَلَيْسَ بِصَحِيحٍ ؛ لِأَنَّهُ حَامِلٌ لِنَجَاسَةٍ غَيْرِ مَعْفُوٍّ عَنْهَا فِي غَيْرِ مَعْدِنِهَا ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ حَمَلَهَا فِي كُمِّهِ .","part":3,"page":217},{"id":1217,"text":"( 957 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَكَذَلِكَ إنْ صَلَّى فِي الْمَقْبَرَةِ أَوْ الْحُشِّ أَوْ الْحَمَّامِ أَوْ فِي أَعْطَانِ الْإِبِلِ ؛ أَعَادَ ) اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، فِي الصَّلَاةِ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ ، فَرُوِيَ أَنَّ الصَّلَاةَ لَا تَصِحُّ فِيهَا بِحَالٍ .\rوَمِمَّنْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ كَرِهَ الصَّلَاةَ فِي الْمَقْبَرَةِ عَلِيٌّ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ ، وَابْنُ عُمَرَ وَعَطَاءٌ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ .\rوَمِمَّنْ رَأَى أَنْ يُصَلَّى فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ وَلَا يُصَلَّى فِي مَبَارِكِ الْإِبِلِ ابْنُ عُمَرَ وَجَابِرُ بْنُ سَمُرَةَ ، وَالْحَسَنُ ، وَمَالِكٌ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى ، أَنَّ الصَّلَاةَ فِي هَذِهِ صَحِيحَةٌ مَا لَمْ تَكُنْ نَجِسَةً .\rوَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ ؛ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ { : جُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا } وَفِي لَفْظٍ { فَحَيْثُمَا أَدْرَكَتْكَ الصَّلَاةُ فَصَلِّ ، فَإِنَّهُ مَسْجِدٌ } .\rوَفِي لَفْظٍ { : أَيْنَمَا أَدْرَكَتْك الصَّلَاةُ فَصَلِّ ، فَإِنَّهُ مَسْجِدٌ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهَا ، وَلِأَنَّهُ مَوْضِعٌ طَاهِرٌ ، فَصَحَّتْ الصَّلَاةُ فِيهِ ، كَالصَّحْرَاءِ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : الْأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدٌ إلَّا الْحَمَّامَ وَالْمَقْبَرَةَ } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَهَذَا خَاصٌّ مُقَدَّمٌ عَلَى عُمُومِ مَا رَوَوْهُ .\rوَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ { ، أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَنُصَلِّي فِي فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ ؟ قَالَ : نَعَمْ .\rقَالَ : أَنُصَلِّي فِي مَبَارِكِ الْإِبِلِ ؟ قَالَ : لَا } .\rرَوَاهُ مُسْلِمٌ وَعَنْ الْبَرَاءِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : لَا تُصَلُّوا فِي مَبَارِكِ الْإِبِلِ فَإِنَّهَا مِنْ الشَّيَاطِينِ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَعَنْ أُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { صَلُّوا فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ ، وَلَا تُصَلُّوا فِي مَبَارِكِ الْإِبِلِ } رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي \"","part":3,"page":218},{"id":1218,"text":"مُسْنَدِهِ \" .\rوَالنَّهْيُ يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ ، وَهَذَا خَاصٌّ يُقَدَّمُ عَلَى عُمُومِ مَا رَوَوْهُ ، وَرُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ ، رَوَاهُنَّ الْأَثْرَمُ .\rفَأَمَّا الْحُشُّ فَإِنَّ الْحُكْمَ يَثْبُتُ فِيهِ بِالتَّنْبِيهِ ؛ لِأَنَّهُ إذَا مُنِعَ مِنْ الصَّلَاةِ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ لِكَوْنِهَا مَظَانَّ النَّجَاسَةِ ، فَالْحُشُّ مُعَدٌّ لِلنَّجَاسَةِ وَمَقْصُودٌ لَهَا ، فَهُوَ أَوْلَى بِالْمَنْعِ فِيهِ .\rوَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا : إنْ كَانَ الْمُصَلِّي عَالِمًا بِالنَّهْيِ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ ، لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ فِيهَا ؛ لِأَنَّهُ عَاصٍ بِصَلَاتِهِ فِيهَا ، وَالْمَعْصِيَةُ لَا تَكُونُ قُرْبَةً وَلَا طَاعَةً ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَالِمًا فَهَلْ تَصِحُّ صَلَاتُهُ ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ .\rإحْدَاهُمَا ، لَا تَصِحُّ لِأَنَّهُ صَلَّى فِيمَا لَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ فِيهِ مَعَ الْعِلْمِ ، فَلَا تَصِحُّ مَعَ الْجَهْلِ ، كَالصَّلَاةِ فِي مَحَلٍّ نَجِسٍ .\rوَالثَّانِيَةُ : تَصِحُّ لِأَنَّهُ مَعْذُورٌ .\r( 958 ) فَصْلٌ : وَذَكَرَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا مَعَ هَذِهِ الْمَوَاضِعِ الْمَزْبَلَةَ ، وَالْمَجْزَرَةَ ، وَمَحَجَّةَ الطَّرِيقِ ، وَظَهْرَ بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ ، وَالْمَوْضِعَ الْمَغْصُوبَ لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { سَبْعُ مَوَاطِنَ لَا تَجُوزُ فِيهَا الصَّلَاةُ ؛ ظَهْرُ بَيْتِ اللَّهِ ، وَالْمَقْبَرَةُ ، وَالْمَزْبَلَةُ ، وَالْمَجْزَرَةُ ، وَالْحَمَّامُ ، وَعَطَنُ الْإِبِلِ ، وَمَحَجَّةُ الطَّرِيقِ } رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ .\rوَعَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ { : نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُصَلَّى فِي سَبْعِ مَوَاطِن .\rوَذَكَرَهَا ، وَقَالَ : وَقَارِعَةُ الطَّرِيقِ ، وَمَعَاطِنُ الْإِبِلِ ، وَفَوْقَ الْكَعْبَةِ } .\rوَقَالَ : الْحُكْمُ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ السَّبْعَةِ كَالْحُكْمِ فِي الْأَرْبَعَةِ سَوَاءً .\rوَلِأَنَّ الْمَوَاضِعَ مَظِنَّةُ النَّجَاسَاتِ ، فَعُلِّقَ الْحُكْمُ عَلَيْهَا دُونَ حَقِيقَتِهَا ، كَمَا يَثْبُتُ حُكْمُ نَقْضِ الطَّهَارَةِ بِالنَّوْمِ ، وَوُجُوبِ الْغُسْلِ","part":3,"page":219},{"id":1219,"text":"بِالْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ .\r( 959 ) فَصْلٌ : قَالَ الْقَاضِي : الْمَنْعُ مِنْ هَذِهِ الْمَوَاضِعِ تَعَبُّدٌ ، لَا لِعِلَّةٍ مَعْقُولَةٍ ، فَعَلَى هَذَا يَتَنَاوَلُ النَّهْيُ كُلَّ مَا وَقَعَ عَلَيْهِ الِاسْمُ فَلَا فَرْقَ فِي الْمَقْبَرَةِ بَيْنَ الْقَدِيمَةِ وَالْحَدِيثَةِ ، وَمَا تَقَلَّبَتْ أَتْرِبَتُهَا أَوْ لَمْ تَتَقَلَّبْ ؛ لِتَنَاوُلِ الِاسْمِ لَهَا ، فَإِنْ كَانَ فِي الْمَوْضِعِ قَبْرٌ أَوْ قَبْرَانِ ، لَمْ يُمْنَعْ مِنْ الصَّلَاةِ فِيهَا .\rلِأَنَّهَا لَا يَتَنَاوَلُهَا اسْمُ الْمَقْبَرَةِ .\rوَإِنْ نُقِلَتْ الْقُبُورُ مِنْهَا ، جَازَتْ الصَّلَاةُ فِيهَا ؛ لِأَنَّ مَسْجِدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَتْ فِيهِ قُبُورُ الْمُشْرِكِينَ ، فَنُبِشَتْ .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَلَا فَرْقَ فِي الْحَمَّامِ بَيْنَ مَكَانِ الْغَسْلِ وَصَبِّ الْمَاءِ ، وَبَيْنَ بَيْتِ الْمَسْلَخِ - الَّذِي يُنْزَعُ فِيهِ الثِّيَابُ - وَالْأَتُّونِ وَكُلِّ مَا يُغْلَقُ عَلَيْهِ بَابُ الْحَمَّامِ ؛ لِتَنَاوُلِ الِاسْمِ لَهُ .\rوَأَمَّا الْمَعَاطِنُ ، فَقَالَ أَحْمَدُ : هِيَ الَّتِي تُقِيمُ فِيهَا الْإِبِلُ وَتَأْوِي إلَيْهَا .\rوَقِيلَ : هِيَ الْمَوَاضِعُ الَّتِي تُنَاخُ فِيهَا إذَا وَرَدَتْ .\rوَالْأَوَّلُ أَجْوَدُ ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَهُ مُقَابِلَةَ مَرَاحِ الْغَنَمِ .\rوَالْحُشُّ : الْمَكَانُ الَّذِي يُتَّخَذُ لِلْغَائِطِ وَالْبَوْلِ فَيُمْنَعُ مِنْ الصَّلَاةِ فِيمَا هُوَ دَاخِلُ بَابِهِ .\rوَلَا أَعْلَمُ فِي مَنْعِ الصَّلَاةِ فِيهِ إلَّا أَنَّهُ قَدْ مُنِعَ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى فِيهِ وَالْكَلَامِ ، فَمَنْعُ الصَّلَاةِ فِيهِ أَوْلَى ، وَلِأَنَّهُ إذَا مُنِعَ الصَّلَاةُ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ لِكَوْنِهَا مَظَانَّ لِلنَّجَاسَاتِ ، فَهَذَا أَوْلَى ؛ فَإِنَّهُ بُنِيَ لَهَا وَيَحْتَمِلُ أَنَّ الْمَنْعَ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ مُعَلَّلٌ بِأَنَّهَا مَظَانُّ لِلنَّجَاسَاتِ ، فَإِنَّ الْمَقْبَرَةَ تُنْبَشُ وَيَظْهَرُ التُّرَابُ الَّذِي فِيهِ صَدِيدُ الْمَوْتَى وَدِمَاؤُهُمْ وَلُحُومُهُمْ ، وَمَعَاطِنُ الْإِبِلِ يُبَالُ فِيهَا ، فَإِنَّ الْبَعِيرَ الْبَارِكَ كَالْجِدَارِ يُمْكِنُ أَنْ يَسْتَتِرَ بِهِ وَيَبُولَ ، كَمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، أَنَّهُ أَنَاخَ","part":3,"page":220},{"id":1220,"text":"بَعِيرَهُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ ، ثُمَّ جَلَسَ يَبُولُ إلَيْهِ .\rوَلَا يَتَحَقَّقُ هَذَا فِي حَيَوَانٍ سِوَاهَا ؛ لِأَنَّهُ فِي حَالِ رَبْضِهِ لَا يَسْتُرُ ، وَفِي حَالِ قِيَامِهِ لَا يَثْبُتُ وَلَا يَسْتُرُ .\rوَالْحَمَّامُ مَوْضِعُ الْأَوْسَاخِ وَالْبَوْلِ ، فَنُهِيَ عَنْ الصَّلَاةِ فِيهَا لِذَلِكَ .\rوَتَعَلَّقَ الْحُكْمُ بِهَا وَإِنْ كَانَتْ طَاهِرَةً لِأَنَّ الْمَظِنَّةَ يَتَعَلَّقُ الْحُكْمُ بِهَا وَإِنْ خَفِيَتْ الْحِكْمَةُ فِيهَا ، وَمَتَى أَمْكَنَ تَعْلِيلُ الْحُكْمِ تَعَيَّنَ تَعْلِيلُهُ ، وَكَانَ أَوْلَى مِنْ قَهْرِ التَّعَبُّدِ وَمَرَارَةِ التَّحَكُّمِ ، يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ هَذَا تَعْدِيَةُ الْحُكْمِ إلَى الْحُشِّ الْمَسْكُوتِ عَنْهُ ، بِالتَّنْبِيهِ مِنْ وُجُودِ مَعْنَى الْمَنْطُوقِ فِيهِ ، وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ تَنْبِيهًا ، فَعَلَى هَذَا يُمْكِنُ قَصْرُ الْحُكْمِ عَلَى مَا هُوَ مَظِنَّةٌ مِنْهَا ، فَلَا يَثْبُتُ حُكْمُ الْمَنْعِ فِي مَوْضِعِ الْمَسْلَخِ مِنْ الْحَمَّامِ ، وَلَا فِي وَسَطِهِ ، لِعَدَمِ الْمَظِنَّةِ فِيهِ ، وَكَذَلِكَ مَا أَشْبَهَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .\r( 960 ) فَصْلٌ : وَزَادَ أَصْحَابُنَا الْمَجْزَرَةَ ، وَالْمَزْبَلَةَ ، وَمَحَجَّةَ الطَّرِيقِ ، وَظَهْرَ الْكَعْبَةِ ؛ لِأَنَّهَا فِي خَبَرِ عُمَرَ وَابْنِهِ .\rوَقَالُوا : لَا يَجُوزُ فِيهَا الصَّلَاةُ .\rوَلَمْ يَذْكُرْهَا الْخِرَقِيِّ فَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ جَوَّزَ الصَّلَاةَ فِيهَا ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ؛ لِعُمُومِ قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { : جُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا } وَهُوَ صَحِيحٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَاسْتَثْنَى مِنْهُ الْمَقْبَرَةَ ، وَالْحَمَّامَ ، وَمَعَاطِنَ الْإِبِلِ ، بِأَحَادِيثَ صَحِيحَةٍ خَاصَّةٍ ، فَفِيمَا عَدَا ذَلِكَ يَبْقَى عَلَى الْعُمُومِ .\rوَحَدِيثُ عُمَرَ وَابْنِهِ يَرْوِيهِمَا الْعُمَرِيُّ ، وَزَيْدُ بْنُ جُبَيْرٍ ؛ وَقَدْ تُكُلِّمَ فِيهِمَا مِنْ قِبَلِ حِفْظِهِمَا ، فَلَا يُتْرَكُ الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ بِحَدِيثِهِمَا .\rوَهَذَا أَصَحُّ ، وَأَكْثَرُ أَصْحَابِنَا ، فِيمَا عَلِمْتُ ، عَمِلُوا بِخَبَرِ عُمَرَ وَابْنِهِ فِي الْمَنْعِ مِنْ الصَّلَاةِ فِي الْمَوَاضِعِ السَّبْعَةِ .\rوَمَعْنَى مَحَجَّةِ الطَّرِيقِ :","part":3,"page":221},{"id":1221,"text":"الْجَادَّةُ الْمَسْلُوكَةُ الَّتِي تَسْلُكُهَا السَّابِلَةُ .\rوَقَارِعَةُ الطَّرِيقِ : يَعْنِي الَّتِي تَقْرَعُهَا الْأَقْدَامُ ، فَاعِلَةٌ بِمَعْنَى مَفْعُولَةٍ ، مِثْلُ الْأَسْوَاقِ وَالْمَشَارِعِ وَالْجَادَّةِ لِلسَّفَرِ .\rوَلَا بَأْسَ بِالصَّلَاةِ فِيمَا عَلَا مِنْهَا يَمْنَةً وَيَسْرَةً وَلَمْ يَكْثُرْ قَرْعُ الْأَقْدَامِ فِيهِ .\rوَكَذَلِكَ لَا بَأْسَ بِالصَّلَاةِ فِي الطَّرِيقِ الَّتِي يَقِلُّ سَالِكُوهَا ، كَطُرُقِ الْأَبْيَاتِ الْيَسِيرَةِ .\rوَالْمَجْزَرَةُ : الْمَوْضِعُ الَّذِي يَذْبَحُ الْقَصَّابُونَ فِيهِ الْبَهَائِمَ ، وَشِبْهَهُمْ مَعْرُوفًا بِذَلِكَ مُعَدًّا .\rوَالْمَزْبَلَةُ : الْمَوْضِعُ الَّذِي يُجْمَعُ فِيهِ الزِّبْلُ .\rوَلَا فَرْقَ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ بَيْنَ مَا كَانَ مِنْهَا طَاهِرًا وَنَجِسًا ، وَلَا بَيْنَ كَوْنِ الطَّرِيقِ فِيهَا سَالِكًا أَوْ لَمْ يَكُنْ ؛ وَلَا فِي الْمَعَاطِنِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ فِيهَا إبِلٌ فِي الْوَقْتِ أَوْ لَمْ يَكُنْ .\rوَأَمَّا الْمَوَاضِعُ الَّتِي تَبِيتُ فِيهَا الْإِبِلُ فِي مَسِيرِهَا ، أَوْ تُنَاخُ فِيهَا لِعَلْفِهَا أَوْ وِرْدِهَا ، فَلَا يُمْنَعُ الصَّلَاةُ فِيهَا .\rقَالَ الْأَثْرَمُ : سَمِعْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يُسْأَلُ عَنْ مَوْضِعٍ فِيهِ أَبْعَارُ الْإِبِلِ يُصَلَّى فِيهِ ؟ فَرَخَّصَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ : إذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ مَعَاطِنِ الْإِبِلِ ، الَّتِي نُهِيَ عَنْ الصَّلَاةِ فِيهَا ، الَّتِي تَأْوِي إلَيْهَا الْإِبِلُ .\r( 961 ) فَصْلٌ : وَيُكْرَهُ أَنْ يُصَلِّيَ إلَى هَذِهِ الْمَوَاضِعِ فَإِنْ فَعَلَ صَحَّتْ صَلَاتُهُ نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ وَقَدْ سُئِلَ عَنْ الصَّلَاةِ إلَى الْمَقْبَرَةِ وَالْحَمَّامِ وَالْحُشِّ ؟ قَالَ : لَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِي الْقِبْلَةِ قَبْرٌ ، وَلَا حُشٌّ وَلَا حَمَّامٌ ، فَإِنْ كَانَ يُجْزِئُهُ .\rوَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : يَتَوَجَّهُ فِي الْإِعَادَةِ قَوْلَانِ ؛ أَحَدُهُمَا : يُعِيدُ ؛ لِمَوْضِعِ النَّهْيِ ، وَبِهِ أَقُولُ .\rوَالثَّانِي : يَصِحُّ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُصَلِّ فِي شَيْءٍ مِنْ الْمَوَاضِعِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا .\rوَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ حَامِدٍ : إنْ صَلَّى إلَى الْمَقْبَرَةِ وَالْحُشِّ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْمُصَلِّي","part":3,"page":222},{"id":1222,"text":"فِيهِمَا إذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمَا حَائِلٌ ؛ لِمَا رَوَى أَبُو مَرْثَدٍ الْغَنَوِيُّ ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : { لَا تُصَلُّوا إلَى الْقُبُورِ ، وَلَا تَجْلِسُوا إلَيْهَا } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَقَالَ الْأَثْرَمُ : ذَكَرَ أَحْمَدُ حَدِيثَ أَبِي مَرْثَدٍ ، ثُمَّ قَالَ : إسْنَادُهُ جَيِّدٌ .\rوَقَالَ أَنَسٌ : رَآنِي عُمَرُ ، وَأَنَا أُصَلِّي إلَى قَبْرٍ ، فَجَعَلَ يُشِيرُ إلَيَّ : الْقَبْرَ ، الْقَبْرَ .\rقَالَ الْقَاضِي : وَفِي هَذَا تَنْبِيهٌ عَلَى نَظَائِرِهِ مِنْ الْمَوَاضِعِ الَّتِي نُهِيَ عَنْ الصَّلَاةِ فِيهَا .\rوَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِالصَّلَاةِ إلَى شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْمَوَاضِعِ إلَّا الْمَقْبَرَةَ ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { : جُعِلَتْ الْأَرْضُ مَسْجِدًا } يَتَنَاوَلُ الْمَوْضِعَ الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ مَنْ هِيَ فِي قِبْلَتِهِ ، وَقِيَاسُ ذَلِكَ عَلَى الصَّلَاةِ إلَى الْمَقْبَرَةِ لَا يَصِحُّ لِأَنَّ النَّهْيَ إنْ كَانَ تَعَبُّدًا غَيْرَ مَعْقُولِ الْمَعْنَى امْتَنَعَ تَعْدِيَتُهُ وَدُخُولُ الْقِيَاسِ فِيهِ ، وَإِنْ كَانَ لِمَعْنًى مُخْتَصٍّ بِهَا ، وَهُوَ اتِّخَاذُ الْقُبُورِ مَسْجِدًا ، وَالتَّشَبُّهُ بِمَنْ يُعَظِّمُهَا وَيُصَلِّي إلَيْهَا ، فَلَا يَتَعَدَّاهَا الْحُكْمُ ؛ لِعَدَمِ وُجُودِ الْمَعْنَى فِي غَيْرِهَا ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : إنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانُوا يَتَّخِذُونَ قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ وَصَالِحِيهِمْ مَسَاجِدَ أَلَا فَلَا تَتَّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ ، إنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ } .\rوَقَالَ { : لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى ، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ } .\rيُحَذِّرُ مَا صَنَعُوا .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا .\rفَعَلَى هَذَا لَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ إلَى الْقُبُورِ لِلنَّهْيِ عَنْهَا ، وَيَصِحُّ إلَى غَيْرِهَا لِبَقَائِهَا فِي عُمُومِ الْإِبَاحَةِ وَامْتِنَاعِ قِيَاسِهَا عَلَى مَا وَرَدَ النَّهْيُ فِيهِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .\r( 962 ) فَصْلٌ : وَإِنْ صَلَّى عَلَى سَطْحِ الْحُشِّ أَوْ الْحَمَّامِ أَوْ عَطَنِ الْإِبِلِ أَوْ غَيْرِهَا ، فَذَكَرَ الْقَاضِي","part":3,"page":223},{"id":1223,"text":"أَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الْمُصَلِّي فِيهَا ؛ لِأَنَّ الْهَوَاءَ تَابِعٌ لِلْقَرَارِ ، فَيَثْبُتُ فِيهِ حُكْمُهُ ، وَلِذَلِكَ لَوْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ دَارًا ، فَدَخَلَ سَطْحَهَا ، حَنِثَ ، وَلَوْ خَرَجَ الْمُعْتَكِفُ إلَى سَطْحِ الْمَسْجِدِ كَانَ لَهُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الْمَسْجِدِ .\rوَالصَّحِيحُ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ ، قَصْرُ النَّهْيِ عَلَى مَا تَنَاوَلَهُ ، وَأَنَّهُ لَا يُعَدَّى إلَى غَيْرِهِ ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ إنْ كَانَ تَعَبُّدِيًّا فَالْقِيَاسُ فِيهِ مُمْتَنِعٌ ، وَإِنْ عُلِّلَ فَإِنَّمَا تَعَلَّلَ بِكَوْنِهِ لِلنَّجَاسَةِ ، وَلَا يُتَخَيَّلُ هَذَا فِي سَطْحِهَا .\rفَأَمَّا إنْ بَنَى عَلَى طَرِيقٍ سَابَاطًا أَوْ أُخْرِجَ عَلَيْهِ خُرُوجًا ، فَعَلَى قَوْلِ الْقَاضِي : حُكْمُهُ حُكْمُ الطَّرِيقِ ، لِمَا ذَكَرَهُ فِيمَا تَقَدَّمَ .\rوَعَلَى قَوْلِنَا ، إنْ كَانَ السَّابَاطُ مُبَاحًا لَهُ ، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ فِي دَرْبٍ غَيْرِ نَافِذٍ بِإِذْنِ أَهْلِهِ ، أَوْ مُسْتَحِقًّا لَهُ ، أَوْ حَدَثَ الطَّرِيقُ بَعْدَهُ ، فَلَا بَأْسَ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ ، وَإِنْ كَانَ عَلَى طَرِيقٍ نَافِذٍ ، فَلَيْسَ ذَلِكَ لَهُ ، فَيَكُونُ الْمُصَلِّي فِيهِ كَالْمُصَلِّي فِي الْمَوْضِعِ الْمَغْصُوبِ .\rعَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .\rوَإِنْ كَانَ السَّابَاطُ عَلَى نَهْرٍ تَجْرِي فِيهِ السُّفُنُ ، فَهُوَ كَالسَّابَاطِ عَلَى الطَّرِيقِ ، فِي الْقَوْلَيْنِ جَمِيعًا .\rوَهَذَا مِمَّا يَدُلُّ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَتْ الْعِلَّةُ كَوْنَهُ تَابِعًا لِلْقَرَارِ ، لَجَازَتْ الصَّلَاةُ هَاهُنَا ، لِكَوْنِ الْقَرَارِ غَيْرَ مَمْنُوعٍ مِنْ الصَّلَاةِ فِيهِ ، بِدَلِيلِ مَا لَوْ صَلَّى عَلَيْهِ فِي سَفِينَةٍ ، أَوْ لَوْ جَمَدَ مَاؤُهُ فَصَلَّى عَلَيْهِ ، صَحَّ ، وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَتْ الْعِلَّةُ مَا ذَكَرَهُ لَصَحَّتْ الصَّلَاةُ عَلَى مَا حَاذَى مَيْمَنَةَ الطَّرِيقِ وَمَيْسَرَتَهَا ، وَمَا لَا تَقْرَعُهُ الْأَقْدَامُ مِنْهَا ، وَهَذَا فِيمَا إذَا كَانَ السَّطْحُ جَارِيًا عَلَى مَوْضِعِ النَّهْيِ ، فَإِنْ كَانَ الْمَسْجِدُ سَابِقًا ، وَجُعِلَ تَحْتَهُ طَرِيقٌ أَوْ عَطَنٌ أَوْ غَيْرُهُمَا مِنْ مَوَاضِعِ النَّهْيِ .\rأَوْ كَانَ فِي غَيْرِ مَقْبَرَةٍ","part":3,"page":224},{"id":1224,"text":"فَحَدَثَتْ الْمَقْبَرَةُ حَوْلَهُ ، لَمْ تَمْتَنِعْ الصَّلَاةُ فِيهِ ، بِغَيْرِ خِلَافٍ ، لِأَنَّهُ لَمْ يَتْبَعْ مَا حَدَثَ بَعْدَهُ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":3,"page":225},{"id":1225,"text":"( 963 ) فَصْلٌ : وَإِنْ بَنَى مَسْجِدًا فِي الْمَقْبَرَةِ بَيْنَ الْقُبُورِ ، فَحُكْمُهُ حُكْمُهَا ؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْرُجُ بِذَلِكَ عَنْ أَنْ يَكُونَ فِي الْمَقْبَرَةِ .\rوَقَدْ رَوَى قَتَادَةُ : أَنَّ أَنَسًا مَرَّ عَلَى مَقْبَرَةٍ ، وَهُمْ يَبْنُونَ فِيهَا مَسْجِدًا ، فَقَالَ أَنَسٌ : كَانَ يُكْرَهُ أَنْ يُبْنَى مَسْجِدٌ فِي وَسَطِ الْقُبُورِ .","part":3,"page":226},{"id":1226,"text":"( 964 ) فَصْلٌ : وَلَا تَصِحُّ الْفَرِيضَةُ فِي الْكَعْبَةِ ، وَلَا عَلَى ظَهْرِهَا .\rوَجَوَّزَهُ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّهُ مَسْجِدٌ ، وَلِأَنَّهُ مَحَلٌّ لِصَلَاةِ النَّفْلِ ، فَكَانَ مَحَلًّا لِلْفَرْضِ ، كَخَارِجِهَا .\rوَلَنَا : قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى { وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ } .\rوَالْمُصَلِّي فِيهَا أَوْ عَلَى ظَهْرِهَا غَيْرُ مُسْتَقْبِلٍ لِجِهَتِهَا ، وَالنَّافِلَةُ مَبْنَاهَا عَلَى التَّخْفِيفِ وَالْمُسَامَحَةِ ، بِدَلِيلِ صَلَاتِهَا قَاعِدًا ، وَإِلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ ، فِي السَّفَرِ عَلَى الرَّاحِلَةِ .\r( 965 ) فَصْلٌ : وَتَصِحُّ النَّافِلَةُ فِي الْكَعْبَةِ وَعَلَى ظَهْرِهَا .\rلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى فِي الْبَيْتِ رَكْعَتَيْنِ .\rإلَّا أَنَّهُ إنْ صَلَّى تِلْقَاءَ الْبَابِ أَوْ عَلَى ظَهْرِهَا ، وَكَانَ بَيْنَ يَدَيْهِ شَيْءٌ مِنْ بِنَاءِ الْكَعْبَةِ مُتَّصِلٌ بِهَا ، صَحَّتْ صَلَاتُهُ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ يَدَيْهِ شَيْءٌ شَاخِصٌ ، أَوْ كَانَ بَيْنَ يَدَيْهِ آجُرٌّ مُعَبَّأٌ غَيْرُ مَبْنِيٍّ ، أَوْ خَشْبٌ غَيْرُ مَسْمُورٍ فِيهَا ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا : لَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُسْتَقْبِلٍ لِشَيْءٍ مِنْهَا .\rوَإِنْ كَانَ الْخَشَبُ مَسْمُورًا وَالْآجُرُّ مَبْنِيًّا ، صَحَّتْ صَلَاتُهُ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ تَابِعٌ لَهَا .\rوَالْأَوْلَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ كَوْنُ شَيْءٍ مِنْهَا بَيْنَ يَدَيْهِ ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ اسْتِقْبَالُ مَوْضِعِهَا وَهَوَائِهَا ، دُونَ حِيطَانِهَا ، بِدَلِيلِ مَا لَوْ انْهَدَمْت الْكَعْبَةُ ، صَحَّتْ الصَّلَاةُ إلَى مَوْضِعِهَا ، وَلَوْ صَلَّى عَلَى جَبَلٍ عَالٍ يَخْرُجُ عَنْ مُسَامَتَتِهَا ، صَحَّتْ صَلَاتُهُ إلَى هَوَائِهَا ، كَذَا هَاهُنَا .","part":3,"page":227},{"id":1227,"text":"( 966 ) فَصْلٌ : وَفِي الصَّلَاةِ فِي الْمَوْضِعِ الْمَغْصُوبِ رِوَايَتَانِ : إحْدَاهُمَا ، لَا تَصِحُّ .\rوَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ .\rوَالثَّانِيَةُ ، تَصِحُّ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ ، وَالْقَوْلُ الثَّانِي لِلشَّافِعِيِّ لِأَنَّ النَّهْيَ لَا يَعُودُ إلَى الصَّلَاةِ ، فَلَمْ يَمْنَعْ صِحَّتَهَا ، كَمَا لَوْ صَلَّى وَهُوَ يَرَى غَرِيقًا ، يُمْكِنُهُ إنْقَاذُهُ ، فَلَمْ يُنْقِذْهُ ، أَوْ حَرِيقًا يَقْدِرُ عَلَى إطْفَائِهِ ، فَلَمْ يُطْفِئْهُ ، أَوْ مَطَلَ غَرِيمَهُ الَّذِي يُمْكِنُ إيفَاؤُهُ وَصَلَّى .\rوَلَنَا أَنَّ الصَّلَاةَ عِبَادَةٌ أَتَى بِهَا عَلَى الْوَجْهِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ ، فَلَمْ تَصِحَّ ، كَصَلَاةِ الْحَائِضِ وَصَوْمِهَا ، وَذَلِكَ لِأَنَّ النَّهْيَ يَقْتَضِي تَحْرِيمَ الْفِعْلِ ، وَاجْتِنَابَهُ ، وَالتَّأْثِيمَ بِفِعْلِهِ ، فَكَيْفَ يَكُونُ مُطِيعًا بِمَا هُوَ عَاصٍ بِهِ ، مُمْتَثِلًا بِمَا هُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْهِ ، مُتَقَرِّبًا بِمَا يَبْعُدُ بِهِ ، فَإِنَّ حَرَكَاتِهِ وَسَكَنَاتِهِ مِنْ الْقِيَامِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ أَفْعَالٌ اخْتِيَارِيَّةٌ ، هُوَ عَاصٍ بِهَا مَنْهِيٌّ عَنْهَا .\rفَأَمَّا مَنْ رَأَى الْحَرِيقَ فَلَيْسَ بِمَنْهِيٍّ عَنْ الصَّلَاةِ ، إنَّمَا هُوَ مَأْمُورٌ بِإِطْفَاءِ الْحَرِيقِ ، وَإِنْقَاذِ الْغَرِيقِ ، وَبِالصَّلَاةِ ، إلَّا أَنَّ أَحَدَهُمَا آكَدُ مِنْ الْآخَرِ ، أَمَّا فِي مَسْأَلَتِنَا فَإِنَّ أَفْعَالَ الصَّلَاةِ فِي نَفْسِهَا مَنْهِيٌّ عَنْهَا .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا فَلَا فَرْقَ بَيْنَ غَصْبِهِ لِرَقَبَةِ الْأَرْضِ بِأَخْذِهَا ، أَوْ دَعْوَاهُ مِلْكِيَّتَهَا ، وَبَيْنَ غَصْبِهِ مَنَافِعَهَا ، بِأَنْ يَدَّعِيَ إجَارَتَهَا ظَالِمًا ، أَوْ يَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهَا لِيَسْكُنَهَا مُدَّةً أَوْ يُخْرِجَ رَوْشَنًا أَوْ سَابَاطًا فِي مَوْضِعٍ لَا يَحِلُّ لَهُ ، أَوْ يَغْصِبَ رَاحِلَةً وَيُصَلِّيَ عَلَيْهَا أَوْ سَفِينَةً وَيُصَلِّيَ فِيهَا ، أَوْ لَوْحًا فَيَجْعَلَهُ فِي سَفِينَةٍ وَيُصَلِّيَ عَلَيْهَا ، كُلُّ ذَلِكَ حُكْمُهُ فِي الصَّلَاةِ حُكْمُ الدَّارِ ، عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ .\r( 967 ) فَصْلٌ : قَالَ أَحْمَدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - : تُصَلَّى الْجُمُعَةُ فِي الْمَوْضِعِ الْغَصْبِ .\rيَعْنِي لَوْ كَانَ","part":3,"page":228},{"id":1228,"text":"الْجَامِعُ أَوْ مَوْضِعٌ مِنْهُ مَغْصُوبًا صَحَّتْ الصَّلَاةُ فِيهِ ؛ لِأَنَّ الْجُمُعَةَ ، تَخْتَصُّ بِبُقْعَةٍ ، فَإِذَا صَلَّاهَا الْإِمَامُ فِي الْمَوْضِعِ الْمَغْصُوبِ ، فَامْتَنَعَ النَّاسُ مِنْ الصَّلَاةِ فِيهِ ، فَاتَتْهُمْ الْجُمُعَةُ ، وَإِنْ امْتَنَعَ بَعْضُهُمْ ، فَاتَتْهُ الْجُمُعَةُ ، وَلِذَلِكَ أُبِيحَتْ خَلْفَ الْخَوَارِجِ وَالْمُبْتَدِعَةِ ، وَكَذَلِكَ تَصِحُّ فِي الطُّرُقِ وَرِحَابِ الْمَسْجِدِ ، لِدُعَاءِ الْحَاجَةِ إلَى فِعْلِهَا فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ ، وَكَذَلِكَ فِي الْأَعْيَادِ وَالْجِنَازَةِ .","part":3,"page":229},{"id":1229,"text":"( 968 ) فَصْلٌ : قَالَ أَحْمَدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - : أَكْرَهُ الصَّلَاةَ فِي أَرْضِ الْخَسْفِ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهَا مَوْضِعٌ مَسْخُوطٌ عَلَيْهِ .\rوَقَدْ { قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَصْحَابِهِ يَوْمَ مَرَّ بِالْحِجْرِ : لَا تَدْخُلُوا عَلَى هَؤُلَاءِ الْمُعَذَّبِينَ إلَّا أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ ، أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَهُمْ .\r} مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .","part":3,"page":230},{"id":1230,"text":"( 969 ) فَصْلٌ : وَلَا بَأْسَ بِالصَّلَاةِ فِي الْكَنِيسَةِ النَّظِيفَةِ ، رَخَّصَ فِيهَا الْحَسَنُ وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَالشَّعْبِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَسَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ عُمَرَ وَأَبِي مُوسَى ، وَكَرِهَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمَالِكٌ الْكَنَائِسَ ؛ مِنْ أَجْلِ الصُّوَرِ .\rوَلَنَا { ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى فِي الْكَعْبَةِ وَفِيهَا صُوَرٌ } ، ثُمَّ هِيَ دَاخِلَةٌ فِي قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ { : فَأَيْنَمَا أَدْرَكَتْكَ الصَّلَاةُ فَصَلِّ ، فَإِنَّهُ مَسْجِدٌ }","part":3,"page":231},{"id":1231,"text":"( 970 ) فَصْلٌ : وَإِذَا كَانَتْ الْأَرْضُ نَجِسَةً ، فَطَيَّنَهَا بِطَاهِرٍ ، أَوْ بَسَطَ عَلَيْهَا شَيْئًا طَاهِرًا ، صَحَّتْ الصَّلَاةُ مَعَ الْكَرَاهَةِ ، فِي ظَاهِرِ كَلَامِ أَحْمَدَ ، رَحِمَهُ اللَّهُ .\rوَهُوَ قَوْلُ طَاوُسٍ ، وَمَالِكٍ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَإِسْحَاقَ ، وَذَكَرَ أَصْحَابُنَا فِي الْمَسْأَلَةِ رِوَايَتَيْنِ ؛ إحْدَاهُمَا : لَا تَصِحُّ ؛ لِأَنَّهَا مَدْفِنُ النَّجَاسَةِ ، فَأَشْبَهَتْ الْمَقْبَرَةَ .\rوَلَنَا أَنَّ الطَّهَارَةَ إنَّمَا تُشْتَرَطُ فِي بَدَنِ الْمُصَلِّي وَثَوْبِهِ وَمَوْضِعِ صَلَاتِهِ ، وَقَدْ وُجِدَ ذَلِكَ كُلُّهُ ، وَلَا نُسَلِّمُ الْعِلَّةَ فِي الْأَصْلِ ، فَإِنَّهُ لَوْ صَلَّى بَيْنَ الْقُبُورِ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَدْفِنًا لِلنَّجَاسَةِ ، وَقَدْ قِيلَ : إنَّ الْحُكْمَ غَيْرُ مُعَلَّلٍ ؛ فَلَا يُقَاسُ عَلَيْهِ .","part":3,"page":232},{"id":1232,"text":"( 971 ) فَصْلٌ : وَيُكْرَهُ تَطْيِينُ الْمَسْجِدِ بِطِينٍ نَجِسٍ ، أَوْ تَطْبِيقُهُ بِطَوَابِقَ نَجِسَةٍ ، أَوْ بِنَاؤُهُ بِلَبِنٍ نَجِسٍ ، أَوْ آجُرٍّ نَجِسٍ ، فَإِنْ فُعِلَ ، وَبَاشَرَ الْمُصَلِّي أَرْضَهُ النَّجِسَةَ بِبَدَنِهِ أَوْ ثِيَابِهِ ، لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ .\rوَأَمَّا الْآجُرُّ الْمَعْجُونُ بِالنَّجَاسَةِ ، فَهُوَ نَجِسٌ ؛ لِأَنَّ النَّارَ لَا تُطَهِّرُهُ ، فَإِنْ غُسِلَ طَهُرَ ظَاهِرُهُ ؛ لِأَنَّ النَّارَ أَكَلَتْ أَجْزَاءَ النَّجَاسَةِ الظَّاهِرَةِ ، وَبَقِيَ أَثَرُهَا ، فَتَطْهُرُ بِالْغَسْلِ ، كَالْأَرْضِ النَّجِسَةِ وَيَبْقَى بَاطِنُهَا نَجِسًا لِأَنَّ الْمَاءَ لَمْ يَصِلْ إلَيْهِ ، فَإِنْ صَلَّى عَلَيْهِ بَعْدَ الْغَسْلِ فَهُوَ كَمَا لَوْ صَلَّى عَلَى بِسَاطٍ طَاهِرٍ مَفْرُوشٍ عَلَى أَرْضٍ نَجِسَةٍ ، وَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي الْبِسَاطِ الَّذِي بَاطِنُهُ نَجِسٌ وَظَاهِرُهُ طَاهِرٌ .\rوَمَتَى انْكَسَرَ مِنْ الْآجُرِّ النَّجِسِ قِطْعَةٌ ، فَظَهَرَ بَعْضُ بَاطِنِهِ ، فَهُوَ نَجِسٌ ، لَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ .","part":3,"page":233},{"id":1233,"text":"( 972 ) فَصْلٌ : وَلَا بَأْسَ بِالصَّلَاةِ عَلَى الْحَصِيرِ وَالْبُسُطِ مِنْ الصُّوفِ وَالشَّعَرِ وَالْوَبَرِ ، وَالثِّيَابِ مِنْ الْقُطْنِ وَالْكَتَّانِ وَسَائِرِ الطَّاهِرَاتِ .\rوَصَلَّى عُمَرُ عَلَى عَبْقَرِيٍّ وَابْنُ عَبَّاسٍ عَلَى طُنْفُسَةٍ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَجَابِرٌ عَلَى حَصِيرٍ وَعَلِيٌّ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ مَسْعُودٍ وَأَنَسٌ عَلَى الْمَنْسُوجِ .\rوَهُوَ قَوْلُ عَوَامِّ أَهْلِ الْعِلْمِ ، إلَّا مَا رُوِيَ عَنْ جَابِرٍ ، أَنَّهُ كَرِهَ الصَّلَاةَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مِنْ الْحَيَوَانِ ، وَاسْتَحَبَّ الصَّلَاةَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مِنْ نَبَاتِ الْأَرْضِ .\rوَنَحْوَهُ قَالَ مَالِكٌ ، إلَّا أَنَّهُ قَالَ فِي بِسَاطِ الصُّوفِ وَالشَّعَرِ : إذَا كَانَ سُجُودُهُ عَلَى الْأَرْضِ لَمْ أَرَ بِالْقِيَامِ عَلَيْهِ بَأْسًا .\rوَالصَّحِيحُ : أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِالصَّلَاةِ عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ ، وَقَدْ صَلَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَصِيرٍ فِي بَيْتِ عِتْبَانَ بْنِ مَالِكٍ ، وَأَنَسٍ ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا .\rوَرَوَى عَنْهُ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ { ، أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي عَلَى الْحَصِيرِ وَالْفَرْوَةِ الْمَدْبُوغَةِ } .\rوَفِيمَا رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى مُلْتَفًّا بِكِسَاءٍ ، يَضَعُ يَدَهُ عَلَيْهِ إذَا سَجَدَ } .\rوَلِأَنَّ مَا لَمْ تُكْرَهْ الصَّلَاةُ فِيهِ لَمْ تُكْرَهْ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ كَالْكَتَّانِ وَالْخُوصِ .\rوَتَصِحُّ الصَّلَاةُ عَلَى ظَهْرِ الْحَيَوَانِ ، إذَا أَمْكَنَهُ اسْتِيفَاءُ الْأَرْكَانِ عَلَيْهِ ، وَالنَّافِلَةُ فِي السَّفَرِ .\rوَإِنْ كَانَ الْحَيَوَانُ نَجِسًا ، أَوْ عَلَيْهِ بِسَاطٌ طَاهِرٌ ، صَحَّتْ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى عَلَى حِمَارٍ .\rوَفَعَلَهُ أَنَسٌ وَتَصِحُّ الصَّلَاةُ عَلَى الْعَجَلَةِ ، وَهِيَ خَشَبٌ عَلَى بَكَرَاتٍ ، إذَا أَمْكَنَهُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهَا مَحَلٌّ تَسْتَقِرُّ عَلَيْهِ أَعْضَاؤُهُ ، فَهِيَ كَغَيْرِهَا .","part":3,"page":234},{"id":1234,"text":"( 973 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَإِنْ صَلَّى وَفِي ثَوْبِهِ نَجَاسَةٌ ، وَإِنْ قَلَّتْ ، أَعَادَ ) وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الطَّهَارَةَ مِنْ النَّجَاسَةِ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الصَّلَاةِ ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَثِيرِهَا وَقَلِيلِهَا ، إلَّا فِيمَا نَذْكُرُهُ بَعْدُ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .\rوَمِمَّنْ قَالَ : لَا يُعْفَى عَنْ يَسِيرِ الْبَوْلِ مِثْلِ رُءُوسِ الْإِبَرِ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يُعْفَى عَنْ يَسِيرِ جَمِيعِ النَّجَاسَاتِ ؛ لِأَنَّهُ يُتَحَرَّى فِيهَا بِالْمَسْحِ فِي مَحَلِّ الِاسْتِنْجَاءِ ، وَلَوْ لَمْ يُعْفَ عَنْهَا لَمْ يَكْفِ فِيهَا الْمَسْحُ كَالْكَثِيرِ ، وَلِأَنَّهُ يَشُقُّ التَّحَرُّزُ مِنْهُ ، فَعُفِيَ عَنْهُ كَالدَّمِ .\rوَلَنَا : عُمُومُ قَوْله تَعَالَى { : وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ } .\rوَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : تَنَزَّهُوا مِنْ الْبَوْلِ ، فَإِنَّ عَامَّةَ عَذَابِ الْقَبْرِ مِنْهُ } وَلِأَنَّهَا نَجَاسَةٌ لَا تَشُقُّ إزَالَتُهَا ، فَوَجَبَتْ إزَالَتُهَا كَالْكَثِيرِ ، وَأَمَّا الدَّمُ فَإِنَّهُ يَشُقُّ التَّحَرُّزُ مِنْهُ ، فَإِنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَكَادُ يَخْلُو مِنْ بَثْرَةٍ أَوْ حَكَّةٍ أَوْ دُمَّلٍ ، وَيَخْرُجُ مِنْ أَنْفِهِ وَفِيهِ وَغَيْرِهِمَا ، فَيَشُقُّ التَّحَرُّزُ مِنْ يَسِيرِهِ أَكْثَرَ مِنْ كَثِيرِهِ ، وَلِهَذَا فُرِّقَ فِي الْوُضُوءِ بَيْنَ قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ .\rمَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( إلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ دَمًا أَوْ قَيْحًا يَسِيرًا مِمَّا لَا يَفْحُشُ فِي الْقَلْبِ ) أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ يَرَوْنَ الْعَفْوَ عَنْ يَسِيرِ الدَّمِ وَالْقَيْحِ .\rوَمِمَّنْ رُوِيَ عَنْهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ ، وَجَابِرٌ ، وَابْنُ أَبِي أَوْفَى ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَطَاوُسٌ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَعُرْوَةُ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ كِنَانَةَ ، وَالنَّخَعِيُّ وَقَتَادَةُ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَنْصَرِفُ مِنْ قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ .\rوَقَالَ الْحَسَنُ : كَثِيرُهُ وَقَلِيلُهُ سَوَاءٌ .\rوَنَحْوُهُ عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ ؛ لِأَنَّهُ نَجَاسَةٌ .","part":3,"page":235},{"id":1235,"text":"فَأَشْبَهَ الْبَوْلَ .\rوَلَنَا ، مَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ ، قَالَتْ : قَدْ كَانَ يَكُونُ لِإِحْدَانَا الدِّرْعُ ، فِيهِ تَحِيضُ وَفِيهِ تُصِيبُهَا الْجَنَابَةُ ، ثُمَّ تَرَى فِيهِ قَطْرَةً مِنْ دَمٍ ، فَتَقْصَعُهُ بِرِيقِهَا .\rوَفِي لَفْظٍ : مَا كَانَ لِإِحْدَانَا إلَّا ثَوْبٌ ، فِيهِ تَحِيضُ ، فَإِنْ أَصَابَهُ شَيْءٌ مِنْ دَمِهَا بَلَّتْهُ بِرِيقِهَا ، ثُمَّ قَصَعَتْهُ بِظُفُرِهَا .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَهَذَا يَدُلُّ عَلَى الْعَفْوِ عَنْهُ ؛ لِأَنَّ الرِّيقَ لَا يُطَهَّرُ بِهِ وَيَتَنَجَّسُ بِهِ ظُفُرُهَا ، وَهُوَ إخْبَارٌ عَنْ دَوَامِ الْفِعْلِ ، وَمِثْلُ هَذَا لَا يَخْفَى عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا يَصْدُرُ إلَّا عَنْ أَمْرِهِ ، وَلِأَنَّهُ قَوْلُ مَنْ سَمَّيْنَا مِنْ الصَّحَابَةِ ، وَلَا مُخَالِفَ لَهُمْ فِي عَصْرِهِمْ ، فَيَكُونُ إجْمَاعًا .\rوَمَا حُكِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ فَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ خِلَافُهُ ، فَرَوَى الْأَثْرَمُ بِإِسْنَادِهِ ، عَنْ نَافِعٍ ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَسْجُدُ ، فَيُخْرِجُ يَدَيْهِ ، فَيَضَعُهُمَا بِالْأَرْضِ ، وَهُمَا يَقْطُرَانِ دَمًا ، مِنْ شِقَاقٍ كَانَ فِي يَدَيْهِ ، وَعَصَرَ بَثْرَةً فَخَرَجَ مِنْهَا شَيْءٌ مِنْ دَمٍ وَقَيْحٍ ، فَمَسَحَهُ بِيَدِهِ وَصَلَّى ، وَلَمْ يَتَوَضَّأْ .\rوَانْصِرَافُهُ مِنْهُ فِي بَعْضِ الْحَالَاتِ لَا يُنَافِي مَا رَوَيْنَاهُ عَنْهُ ، فَقَدْ يَتَوَرَّعُ الْإِنْسَانُ عَنْ بَعْضِ مَا يَرَى جَوَازَهُ ، وَلِأَنَّهُ يَشُقُّ التَّحَرُّزُ مِنْهُ ، فَعُفِيَ عَنْهُ كَأَثَرِ الِاسْتِنْجَاءِ .\r( 975 ) فَصْلٌ : وَظَاهِرُ مَذْهَبِ أَحْمَدَ ، أَنَّ الْيَسِيرَ مَا لَا يَفْحُشُ فِي الْقَلْبِ .\rوَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : إلَّا إذَا كَانَ فَاحِشًا أَعَادَهُ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ .\rوَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الْكَثِيرِ ؟ فَقَالَ : شِبْرٌ فِي شِبْرٍ .\rوَقَالَ فِي مَوْضِعٍ ، قَالَ : قَدْرُ الْكَفِّ فَاحِشٌ .\rوَظَاهِرُ مَذْهَبِهِ ، أَنَّهُ مَا فَحُشَ فِي قَلْبِ مَنْ عَلَيْهِ الدَّمُ .\rوَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : مَا فَحُشَ فِي قَلْبِك .\rقَالَ الْخَلَّالُ : وَاَلَّذِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ فِي الْفَاحِشِ ، أَنَّهُ عَلَى قَدْرِ مَا","part":3,"page":236},{"id":1236,"text":"يَسْتَفْحِشُهُ كُلُّ إنْسَانٍ فِي نَفْسِهِ .\rوَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ : إنَّمَا يُعْتَبَرُ مَا يَفْحُشُ فِي نُفُوسِ أَوْسَاطِ النَّاسِ .\rوَقَالَ قَتَادَةُ ، فِي مَوْضِعِ الدِّرْهَمِ : فَاحِشٌ .\rوَنَحْوُهُ عَنْ النَّخَعِيِّ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَحَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ ؛ لِأَنَّهُ يُرْوَى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ { : تُعَادُ الصَّلَاةُ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ مِنْ الدَّمِ } .\rوَلَنَا أَنَّهُ لَا حَدَّ لَهُ فِي الشَّرْعِ ، فَرُجِعَ فِيهِ إلَى الْعُرْفِ ، كَالتَّفَرُّقِ وَالْإِحْرَازِ ، وَمَا رَوَوْهُ لَا يَصِحُّ ، فَإِنَّ الْحَافِظَ أَبَا الْفَضْلِ الْمَقْدِسِيَّ ، قَالَ : هُوَ مَوْضُوعٌ .\rوَلِأَنَّهُ إنَّمَا يَدُلُّ عَلَى مَحَلِّ النِّزَاعِ ، بِدَلِيلِ خِطَابِهِ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ لَا يَرَوْنَهُ حُجَّةً .\r( 976 ) فَصْلٌ : وَالْقَيْحُ ، وَالصَّدِيدُ ، وَمَا تَوَلَّدَ مِنْ الدَّمِ ، بِمَنْزِلَتِهِ ، إلَّا أَنَّ أَحْمَدَ قَالَ : هُوَ أَسْهَلُ مِنْ الدَّمِ وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، وَالْحَسَنِ أَنَّهُمَا لَمْ يَرَيَاهُ كَالدَّمِ .\rوَقَالَ أَبُو مِجْلَزٍ ، فِي الصَّدِيدِ : إنَّمَا ذَكَرَ اللَّهُ الدَّمَ الْمَسْفُوحَ .\rوَقَالَ أُمَيُّ بْنُ رَبِيعَةَ ، رَأَيْت طَاوُسًا كَأَنَّ إزَارَهُ نُطِعَ مِنْ قُرُوحٍ كَانَتْ بِرِجْلَيْهِ .\rوَقَالَ إسْمَاعِيلُ السَّرَّاجُ : رَأَيْت حَاشِيَةَ إزَارِ مُجَاهِدٍ قَدْ ثَبَتَتْ مِنْ الصَّدِيدِ وَالدَّمِ مِنْ قُرُوحٍ كَانَتْ بِسَاقَيْهِ .\rوَقَالَ إبْرَاهِيمُ ، فِي الَّذِي يَكُونُ بِهِ الْحُبُونُ : يُصَلِّي ، وَلَا يَغْسِلُهُ ، فَإِذَا بَرِئَ غَسَلَهُ .\rوَقَالَ عُرْوَةُ وَمُحَمَّدُ بْنُ كِنَانَةَ مِثْلَ ذَلِكَ .\rفَعَلَى هَذَا يُعْفَى مِنْهُ عَنْ أَكْثَرَ مِمَّا يُعْفَى عَنْ مِثْلِهِ مِنْ الدَّمِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَفْحُشُ مِنْهُ إلَّا أَكْثُرُ مِنْ الدَّمِ ، وَلِأَنَّ هَذَا لَا نَصَّ فِيهِ ، وَإِنَّمَا ثَبَتَتْ النَّجَاسَةُ فِيهِ لِأَنَّهُ مُسْتَحِيلٌ مِنْ الدَّمِ إلَى حَالٍ مُسْتَقْذَرَةٍ .\r( 977 ) فَصْلٌ : وَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ الدَّمِ مُجْتَمِعًا أَوْ مُتَفَرِّقًا ، بِحَيْثُ إذَا جُمِعَ بَلَغَ هَذَا الْقَدْرَ ، وَلَوْ كَانَتْ النَّجَاسَةُ","part":3,"page":237},{"id":1237,"text":"فِي شَيْءٍ صَفِيقٍ ، قَدْ نَفَذَتْ مِنْ الْجَانِبَيْنِ ، فَاتَّصَلَ ظَاهِرُهُ بِبَاطِنِهِ ، فَهُوَ نَجَاسَةٌ وَاحِدَةٌ .\rوَإِنْ لَمْ يَتَّصِلَا ، بَلْ كَانَ بَيْنَهُمَا شَيْءٌ لَمْ يُصِبْهُ الدَّمُ ، فَهُمَا نَجَاسَتَانِ ، إذَا بَلَغَا - لَوْ جُمِعَا - قَدْرًا لَا يُعْفَى عَنْهُ لَمْ يُعْفَ عَنْهُمَا ، كَمَا لَوْ كَانَا فِي جَانِبَيْ الثَّوْبِ ( 978 ) .\rفَصْلٌ : وَيُعْفَى عَنْ يَسِيرِ دَمِ الْحَيْضِ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ، وَعَنْ سَائِرِ دِمَاءِ الْحَيَوَانَاتِ الطَّاهِرَةِ .\rفَأَمَّا دَمُ الْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ فَلَا يُعْفَى عَنْ يَسِيرِهِ ؛ لِأَنَّ رُطُوبَاتِهِ الطَّاهِرَةَ مِنْ غَيْرِهِ لَا يُعْفَى عَنْ شَيْءٍ مِنْهَا ، فَدَمُهُ أَوْلَى ، وَلِأَنَّهُ أَصَابَ جِسْمَ الْكَلْبِ فَلَمْ يُعْفَ عَنْهُ ، كَالْمَاءِ إذَا أَصَابَهُ .\rوَهَكَذَا كُلُّ دَمٍ أَصَابَ نَجَاسَةً غَيْرَ مَعْفُوٍّ عَنْهَا ، لَمْ يُعْفَ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ لِذَلِكَ .\r( 979 ) فَصْلٌ : وَدَمُ مَا لَا نَفْسَ لَهُ سَائِلَةٌ ، كَالْبَقِّ ، وَالْبَرَاغِيثِ ، وَالذُّبَابِ ، وَنَحْوِهِ ، فِيهِ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، أَنَّهُ طَاهِرٌ .\rوَمِمَّنْ رَخَّصَ فِي دَمِ الْبَرَاغِيثِ عَطَاءٌ وَطَاوُسٌ وَالْحَسَنُ ، وَالشَّعْبِيُّ وَالْحَاكِمُ وَحَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ وَحَمَّادٌ وَالشَّافِعِيُّ وَإِسْحَاقُ ؛ وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ نَجِسًا لَنَجُسَ الْمَاءُ الْيَسِيرُ إذَا مَاتَ فِيهِ ، فَإِنَّهُ إذَا مَكَثَ فِي الْمَاءِ لَا يَسْلَمُ مِنْ خُرُوجِ فَضْلَةٍ مِنْهُ فِيهِ ، وَلِأَنَّهُ لَيْسَ بِدَمٍ مَسْفُوحٍ ، وَإِنَّمَا حَرَّمَ اللَّهُ الدَّمَ الْمَسْفُوحَ .\rوَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ ، عَنْ أَحْمَدَ ، قَالَ فِي دَمِ الْبَرَاغِيثِ إذَا كَثُرَ : إنِّي لَأَفْزَعُ مِنْهُ .\rوَقَالَ النَّخَعِيُّ : اغْسِلْ مَا اسْتَطَعْتَ .\rوَقَالَ مَالِكٌ فِي دَمِ الْبَرَاغِيثِ : إذَا كَثُرَ وَانْتَشَرَ ، فَإِنِّي أَرَى أَنْ يُغْسَلَ .\rوَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ .\rوَقَوْلُ أَحْمَدَ : إنِّي لَأَفْزَعُ مِنْهُ .\rلَيْسَ بِصَرِيحٍ فِي نَجَاسَتِهِ ، وَإِنَّمَا هُوَ دَلِيلٌ عَلَى تَوَقُّفِهِ فِيهِ ، وَلَيْسَ الْمَنْسُوبُ إلَى الْبَرَاغِيثِ دَمًا إنَّمَا هُوَ بَوْلُهَا فِي الظَّاهِرِ ، وَبَوْلُ","part":3,"page":238},{"id":1238,"text":"هَذِهِ الْحَشَرَاتِ لَيْسَ بِنَجِسٍ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .\rوَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : دَمُ السَّمَكِ طَاهِرٌ ؛ لِأَنَّ إبَاحَتَهُ لَا تَقِفُ عَلَى سَفْحِهِ ، وَلَوْ كَانَ نَجِسًا ، لَوَقَفَتْ الْإِبَاحَةُ عَلَى إرَاقَتِهِ بِالذَّبْحِ كَحَيَوَانِ الْبَرِّ ، وَلِأَنَّهُ إذَا تُرِكَ اسْتَحَالَ فَصَارَ مَاءً .\rوَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ : هُوَ نَجِسٌ ؛ لِأَنَّهُ دَمٌ مَسْفُوحٌ ، فَيَدْخُلُ فِي عُمُومِ قَوْله تَعَالَى { أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا } .\r( 980 ) فَصْلٌ : وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ فِي الْعَفْوِ عَنْ يَسِيرِ الْقَيْءِ ، فَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّهُ قَالَ : هُوَ عِنْدِي بِمَنْزِلَةِ الدَّمِ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ خَارِجٌ مِنْ الْإِنْسَانِ نَجِسٌ مِنْ غَيْرِ السَّبِيلِ ، فَأَشْبَهَ الدَّمَ .\rوَرُوِيَ عَنْهُ فِي الْمَذْيِ أَنَّهُ قَالَ : يُغْسَلُ مَا أَصَابَ الثَّوْبَ مِنْهُ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ يَسِيرًا .\rوَرَوَى الْخَلَّالُ ، بِإِسْنَادِهِ قَالَ : سُئِلَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَسُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ عَنْ الْمَذْيِ يَخْرُجُ ، فَكُلُّهُمْ قَالَ : إنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْقُرْحَةِ ، فَمَا عَلِمْت مِنْهُ فَاغْسِلْهُ ، وَمَا غَلَبَك مِنْهُ فَدَعْهُ ، وَلِأَنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ الشَّبَابِ كَثِيرًا ، فَيَشُقُّ التَّحَرُّزُ مِنْهُ ، فَعُفِيَ عَنْ يَسِيرِهِ ، كَالدَّمِ .\rوَكَذَلِكَ الْمَنِيُّ إذَا قُلْنَا بِنَجَاسَتِهِ .\rوَرُوِيَ عَنْهُ فِي الْوَدْيِ مِثْلُ ذَلِكَ ، إلَّا أَنَّ الظَّاهِرَ عَنْهُ أَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الْبَوْلِ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ مَخْرَجِهِ .\rوَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَيْضًا أَنَّهُ يُعْفَى عَنْ رِيقِ الْبَغْلِ وَالْحِمَارِ وَعَرَقِهِمَا ، إذَا كَانَ يَسِيرًا .\rوَهُوَ الظَّاهِرُ عَنْ أَحْمَدَ .\rقَالَ الْخَلَّالُ : وَعَلَيْهِ مَذْهَبُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ؛ لِأَنَّهُ يَشُقُّ التَّحَرُّزُ مِنْهُ .\rقَالَ أَحْمَدُ : مَنْ يَسْلَمُ مِنْ هَذَا مِمَّنْ يَرْكَبُ الْحَمِيرَ ، إلَّا إنِّي أَرْجُو أَنْ يَكُونَ مَا خَفَّ مِنْهُ أَسْهَلَ .\rقَالَ الْقَاضِي : وَكَذَلِكَ مَا كَانَ فِي مَعْنَاهُمَا مِنْ سِبَاعِ الْبَهَائِمِ ، سِوَى الْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ ، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي أَبْوَالِهَا","part":3,"page":239},{"id":1239,"text":"وَأَرْوَاثِهَا ، وَبَوْلِ الْخُفَّاشِ .\rقَالَ الشَّعْبِيُّ وَالْحَاكِمُ وَحَمَّادُ وَحَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ : لَا بَأْسَ بِبَوْلِ الْخَفَافِيشِ .\rوَكَذَلِكَ الْخُفَّاشُ ؛ لِأَنَّهُ يَشُقُّ التَّحَرُّزُ مِنْهُ ، فَإِنَّهُ فِي الْمَسَاجِدِ يَكْثُرُ ، فَلَوْ لَمْ يُعْفَ عَنْ يَسِيرِهِ لَمْ يُقَرَّ فِي الْمَسَاجِدِ .\rوَكَذَلِكَ بَوْلُ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ ، إنْ قُلْنَا بِنَجَاسَتِهِ ؛ لِأَنَّهُ يَشُقُّ التَّحَرُّزُ مِنْهُ لِكَثْرَتِهِ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ : لَا يُعْفَى عَنْ يَسِيرِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ أَنْ لَا يُعْفَى عَنْ شَيْءٍ مِنْ النَّجَاسَةِ ، خُولِفَ فِي الدَّمِ وَمَا تَوَلَّدَ مِنْهُ ، فَيَبْقَى فِيمَا عَدَاهُ عَلَى الْأَصْلِ .","part":3,"page":240},{"id":1240,"text":"( 981 ) فَصْلٌ : وَقَدْ عُفِيَ عَنْ النَّجَاسَاتِ الْمُغَلَّظَةِ لِأَجْلِ مَحَلِّهَا ، فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ ؛ أَحَدُهَا ، مَحَلُّ الِاسْتِنْجَاءِ ، فَعُفِيَ فِيهِ عَنْ أَثَرِ الِاسْتِجْمَارِ بَعْدَ الْإِنْقَاءِ ، وَاسْتِيفَاءِ الْعَدَدِ ، بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ .\rوَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي طَهَارَتِهِ ، فَذَهَبَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ حَامِدٍ ، وَأَبُو حَفْصِ بْنُ الْمَسْلَمَةِ ، إلَى طَهَارَتِهِ .\rوَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ ؛ فَإِنَّهُ قَالَ فِي الْمُسْتَجْمِرُ يَعْرَقُ فِي سَرَاوِيلِهِ : لَا بَأْسَ بِهِ .\rوَلَوْ كَانَ نَجِسًا لَنَجَّسَهُ ، وَوَجْهُ ذَلِكَ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { ، فِي الرَّوْثِ وَالرِّمَّةِ : إنَّهُمَا لَا يَطْهُرَانِ } .\rمَفْهُومُهُ أَنَّ غَيْرَهُمَا يَطْهُرُ ، وَلِأَنَّهُ مَعْنًى يُزِيلُ حُكْمَ النَّجَاسَةِ ، فَيُزِيلُهَا كَالْمَاءِ .\rوَقَالَ أَصْحَابُنَا الْمُتَأَخِّرُونَ : لَا يَطْهُرُ الْمَحَلُّ ، بَلْ هُوَ نَجِسٌ ، فَلَوْ قَعَدَ الْمُسْتَجْمِرُ فِي مَاءٍ يَسِيرٍ نَجَّسَهُ ، وَلَوْ عَرِقَ كَانَ عَرَقُهُ نَجِسًا ؛ لِأَنَّ الْمَسْحَ لَا يُزِيلُ أَجْزَاءَ النَّجَاسَةِ كُلَّهَا ، فَالْبَاقِي مِنْهَا نَجِسٌ ، لِأَنَّهُ عَيْنُ النَّجَاسَةِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ وُجِدَ فِي الْمَحَلِّ وَحْدَهُ .\rالثَّانِي : أَسْفَلُ الْخُفِّ وَالْحِذَاءِ ، إذَا أَصَابَتْهُ نَجَاسَةٌ ، فَدَلَكَهَا بِالْأَرْضِ حَتَّى زَالَتْ عَيْنُ النَّجَاسَةِ فَفِيهِ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ : إحْدَاهُنَّ ، يُجْزِئُ دَلْكُهُ بِالْأَرْضِ ، وَتُبَاحُ الصَّلَاةُ فِيهِ .\rوَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ ، وَإِسْحَاقَ ؛ لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ { : إذَا وَطِئَ أَحَدُكُمْ الْأَذَى بِخُفَّيْهِ فَطَهُورُهُمَا التُّرَابُ } .\rوَفِي لَفْظٍ { : إذَا وَطِئَ أَحَدُكُمْ بِنَعْلِهِ الْأَذَى ، فَإِنَّ التُّرَابَ لَهُ طَهُورٌ } .\rوَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلُ ذَلِكَ ، وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : إذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ إلَى","part":3,"page":241},{"id":1241,"text":"الْمَسْجِدِ فَلْيَنْظُرْ ، فَإِنْ رَأَى فِي نَعْلَيْهِ قَذَرًا أَوْ أَذًى ، فَلْيَمْسَحْهُ ، وَلْيُصَلِّ فِيهِمَا } .\rوَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : كُنَّا لَا نَتَوَضَّأُ مِنْ مَوْطِئٍ .\rرَوَاهُمَا أَبُو دَاوُد .\rوَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابَهُ كَانُوا يُصَلُّونَ فِي نِعَالِهِمْ .\rقَالَ أَبُو مَسْلَمَةَ سَعِيدُ بْنُ يَزِيدَ : سَأَلْت أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ : أَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي فِي نَعْلَيْهِ ؟ قَالَ : نَعَمْ .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَالظَّاهِرُ أَنَّ النَّعْلَ لَا تَخْلُو مِنْ نَجَاسَةٍ تُصِيبُهَا ، فَلَوْ لَمْ يُجْزِئْ دَلْكُهَا لَمْ تَصِحَّ الصَّلَاةُ فِيهَا .\rوَالثَّانِيَةُ ، يَجِبُ غَسْلُهُ كَسَائِرِ النَّجَاسَاتِ ؛ فَإِنَّ الدَّلْكَ لَا يُزِيلُ جَمِيعَ أَجْزَاءِ النَّجَاسَةِ .\rوَالثَّالِثَةُ يَجِبُ غَسْلُهُ مِنْ الْبَوْلِ وَالْعَذِرَةِ دُونَ غَيْرِهِمَا ؛ لِتَغَلُّظِ نَجَاسَتِهِمَا وَفُحْشِهِمَا .\rوَالْأَوَّلُ أَوْلَى ، لِأَنَّ اتِّبَاعَ الْأَثَرِ وَاجِبٌ .\rفَإِنْ قِيلَ : فَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي نَعْلَيْهِ ، إنَّ فِيهِمَا قَذَرًا .\rيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَجُزْ دَلْكُهُمَا ، وَلَمْ يَزُلْ الْقَذَرُ مِنْهُمَا .\rقُلْنَا : لَا دَلَالَةَ فِي هَذَا ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُ دَلَكَهُمَا ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَمْ يَدْلُكْهُمَا ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ بِالْقَذَرِ فِيهِمَا ، حَتَّى أَخْبَرَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، إذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّ دَلْكَهُمَا يُطَهِّرُهُمَا فِي قَوْلِ ابْنِ حَامِدٍ ؛ لِظَاهِرِ الْأَخْبَارِ وَقَالَ غَيْرُهُ : يُعْفَى عَنْهُ مَعَ بَقَاءِ نَجَاسَتِهِ ، كَقَوْلِهِمْ فِي أَثَرِ الِاسْتِنْجَاءِ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : إنَّمَا يُجْزِئُ دَلْكُهُمَا بَعْدَ جَفَافِ نَجَاسَتِهِمَا ؛ لِأَنَّهُ لَا يَبْقَى لَهَا أَثَرٌ وَإِنْ دَلَكَهُمَا قَبْلَ جَفَافِهِمَا لَمْ يَجْزِهِ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ رُطُوبَةَ النَّجَاسَةِ بَاقِيَةٌ فَلَا يُعْفَى عَنْهَا .\rوَظَاهِرُ الْأَخْبَارِ لَا يُفَرِّقُ بَيْنَ رَطْبٍ وَجَافٍّ .\rوَلِأَنَّهُ مَحَلٌّ اُجْتُزِئَ فِيهِ بِالْمَسْحِ ، فَجَازَ فِي حَالِ رُطُوبَةِ الْمَمْسُوحِ كَمَحَلِّ","part":3,"page":242},{"id":1242,"text":"الِاسْتِنْجَاءِ ، وَلِأَنَّ رُطُوبَةَ الْمَحَلِّ مَعْفُوٌّ عَنْهَا إذَا جَفَّتْ قَبْلَ الدَّلْكِ ، فَيُعْفَى عَنْهَا إذَا جَفَّتْ بِهِ كَالِاسْتِجْمَارِ .\rالثَّالِثُ : إذَا جَبَرَ عَظْمَهُ بِعَظْمٍ نَجِسٍ فَجُبِرَ ، لَمْ يَلْزَمْهُ قَلْعُهُ إذَا خَافَ الضَّرَرَ ، وَأَجْزَأَتْهُ صَلَاتُهُ ، لِأَنَّهَا نَجَاسَةٌ بَاطِنَةٌ يَتَضَرَّرُ بِإِزَالَتِهَا ، فَأَشْبَهَتْ دِمَاءَ الْعُرُوقِ .\rوَقِيلَ : يَلْزَمُهُ قَلْعُهُ ، مَا لَمْ يَخَفْ التَّلَفَ .\rوَإِنْ سَقَطَ سِنٌّ مِنْ أَسْنَانِهِ فَأَعَادَهَا بِحَرَارَتِهَا ، فَثَبَتَتْ ، فَهِيَ طَاهِرَةٌ ؛ لِأَنَّهَا بَعْضُهُ ، وَالْآدَمِيُّ بِجُمْلَتِهِ طَاهِرٌ حَيًّا وَمَيِّتًا ، فَكَذَلِكَ بَعْضُهُ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : هِيَ نَجِسَةٌ ، حُكْمُهَا حُكْمُ سَائِرِ الْعِظَامِ النَّجِسَةِ ؛ لِأَنَّ مَا أُبِينَ مِنْ حَيٍّ فَهُوَ مَيِّتٌ .\rوَإِنَّمَا حُكِمَ بِطَهَارَةِ الْجُمْلَةِ لِحُرْمَتِهَا ، وَحُرْمَتُهَا آكَدُ مِنْ حُرْمَةِ الْبَعْضِ ، فَلَا يَلْزَمُ مِنْ الْحُكْمِ بِطَهَارَتِهَا الْحُكْمُ بِطَهَارَةِ مَا دُونَهَا .\r( 982 ) فَصْلٌ : وَإِذَا كَانَ عَلَى الْأَجْسَامِ الصَّقِيلَةِ ، كَالسَّيْفِ وَالْمِرْآةِ نَجَاسَةٌ ، فَعُفِيَ عَنْ يَسِيرِهَا ، كَالدَّمِ وَنَحْوِهِ ، عُفِيَ عَنْ أَثَرِ كَثِيرِهَا بِالْمَسْحِ ؛ لِأَنَّ الْبَاقِيَ بَعْدَ الْمَسْحِ يَسِيرٌ .\rوَإِنْ كَثُرَ مَحَلُّهُ ، عُفِيَ عَنْهُ ، كَيَسِيرِ غَيْرِهِ .","part":3,"page":243},{"id":1243,"text":"( 983 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ ( : وَإِذَا خَفِيَ مَوْضِعُ النَّجَاسَةِ مِنْ الثَّوْبِ اسْتَظْهَرَ ، حَتَّى يَتَيَقَّنَ أَنَّ الْغَسْلَ قَدْ أَتَى عَلَى النَّجَاسَةِ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ النَّجَاسَةَ إذَا خَفِيَتْ فِي بَدَنٍ أَوْ ثَوْبٍ ، وَأَرَادَ الصَّلَاةَ فِيهِ ، لَمْ يَجُزْ لَهُ ذَلِكَ حَتَّى يَتَيَقَّنَ زَوَالَهَا ، وَلَا يَتَيَقَّنُ ذَلِكَ حَتَّى يَغْسِلَ كُلَّ مَحَلٍّ يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ النَّجَاسَةُ أَصَابَتْهُ ، فَإِذَا لَمْ يَعْلَمْ جِهَتَهَا مِنْ الثَّوْبِ غَسَلَهُ كُلَّهُ .\rوَإِنْ عَلِمَهَا فِي إحْدَى جِهَتَيْهِ غَسَلَ تِلْكَ الْجِهَةَ كُلَّهَا .\rوَإِنْ رَآهَا فِي بَدَنِهِ ، أَوْ ثَوْبٍ - هُوَ لَابِسُهُ - ، غَسَلَ كُلَّ مَا يُدْرِكُهُ بَصَرُهُ مِنْ ذَلِكَ .\rوَبِهَذَا قَالَ النَّخَعِيُّ وَالشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَقَالَ عَطَاءٌ وَالْحَكَمُ وَحَمَّادٌ : إذَا خَفِيَتْ النَّجَاسَةُ فِي الثَّوْبِ نَضَحَهُ كُلَّهُ .\rوَقَالَ ابْنُ شُبْرُمَةَ : يَتَحَرَّى مَكَانَ النَّجَاسَةِ فَيَغْسِلُهُ .\rوَلَعَلَّهُمْ يَحْتَجُّونَ بِحَدِيثِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ فِي الْمَذْيِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ فَكَيْفَ بِمَا أَصَابَ ثَوْبِي مِنْهُ ؟ قَالَ : { يُجْزِئُكَ أَنْ تَأْخُذَ كَفًّا مِنْ مَاءٍ ، فَتَنْضَحَ بِهِ حَيْثُ تَرَى أَنَّهُ أَصَابَ مِنْهُ .\r} فَأَمَرَهُ بِالتَّحَرِّي وَالنَّضْحِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ مُتَيَقَّنٌ لِلْمَانِعِ مِنْ الصَّلَاةِ .\rفَلَمْ تُبَحْ لَهُ الصَّلَاةُ إلَّا بِتَيَقُّنِ زَوَالِهِ كَمَنْ تَيَقَّنَ الْحَدَثَ وَشَكَّ فِي الطَّهَارَةِ ، وَالنَّضْحُ لَا يُزِيلُ النَّجَاسَةَ ، وَحَدِيثُ سَهْلٍ فِي الْمَذْيِ دُونَ غَيْرِهِ ، فَلَا يُعَدَّى ، لِأَنَّ أَحْكَامَ النَّجَاسَةِ تَخْتَلِفُ .\rوَقَوْلُهُ : حَيْثُ تَرَى أَنَّهُ أَصَابَ مِنْهُ \" .\rمَحْمُولٌ عَلَى مَنْ ظَنَّ أَنَّهُ أَصَابَ نَاحِيَةً مِنْ ثَوْبِهِ ، مِنْ غَيْرِ تَيَقُّنٍ ، فَيُجْزِئُهُ نَضْحُ الْمَكَانِ أَوْ غَسْلُهُ .","part":3,"page":244},{"id":1244,"text":"( 984 ) فَصْلٌ : وَإِنْ خَفِيَتْ النَّجَاسَةُ فِي فَضَاءٍ وَاسِعٍ ، صَلَّى حَيْثُ شَاءَ ، وَلَا يَجِبُ غَسْلُ جَمِيعِهِ ، لِأَنَّ ذَلِكَ يَشُقُّ ، فَلَوْ مُنِعَ مِنْ الصَّلَاةِ أَفْضَى إلَى أَنْ لَا يَجِدَ مَوْضِعًا يُصَلِّي فِيهِ ، فَأَمَّا إنْ كَانَ مَوْضِعًا صَغِيرًا ، كَبَيْتٍ وَنَحْوِهِ ، فَإِنَّهُ يَغْسِلُهُ كُلَّهُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَشُقُّ غَسْلُهُ ، فَأَشْبَهَ الثَّوْبَ .","part":3,"page":245},{"id":1245,"text":"( 985 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَمَا خَرَجَ مِنْ الْإِنْسَانِ ، أَوْ الْبَهِيمَةِ الَّتِي لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهَا مِنْ بَوْلٍ أَوْ غَيْرِهِ ، فَهُوَ نَجِسٌ ) يَعْنِي مَا خَرَجَ مِنْ السَّبِيلَيْنِ ، كَالْبَوْلِ ، وَالْغَائِطِ ، وَالْمَذْيِ ، وَالْوَدْيِ ، وَالدَّمِ ، وَغَيْرِهِ .\rفَهَذَا لَا نَعْلَمُ فِي نَجَاسَتِهِ خِلَافًا ، إلَّا أَشْيَاءَ يَسِيرَةً ، نَذْكُرُهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .\rأَمَّا بَوْلُ الْآدَمِيِّ ، فَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { فِي الَّذِي مَرَّ بِهِ وَهُوَ يُعَذَّبُ فِي قَبْرِهِ إنَّهُ كَانَ لَا يَسْتَبْرِئُ مِنْ بَوْلِهِ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَرُوِيَ فِي خَبَرٍ { أَنَّ عَامَّةَ عَذَابِ الْقَبْرِ مِنْ الْبَوْلِ .\r} وَأَمَّا الْوَدْيُ ، فَهُوَ مَاءٌ أَبْيَضُ يَخْرُجُ عَقِيبَ الْبَوْلِ خَاثِرٌ ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْبَوْلِ سَوَاءً ؛ لِأَنَّهُ خَارِجٌ مِنْ مَخْرَجِ الْبَوْلِ ، وَجَارٍ مَجْرَاهُ .\rوَأَمَّا الْمَذْيُ ، فَهُوَ مَاءٌ لَزِجٌ رَقِيقٌ يَخْرُجُ عَقِيبَ الشَّهْوَةِ ، عَلَى طَرَفِ الذَّكَرِ ، فَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ نَجِسٌ .\rقَالَ هَارُونُ الْحَمَّالُ : سَمِعْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يَذْهَبُ فِي الْمَذْيِ إلَى أَنَّهُ يَغْسِلَ مَا أَصَابَ الثَّوْبَ مِنْهُ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ يَسِيرًا .\rوَقَدْ ذَكَرْنَا الِاخْتِلَافَ فِي الْعَفْوِ عَنْ يَسِيرِهِ فِيمَا مَضَى وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْمَنِيِّ .\rقَالَ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَكَمِ : إنَّهُ سَأَلَ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَنْ الْمَذْيِ أَشَدُّ أَوْ الْمَنِيُّ ، قَالَ : هُمَا سَوَاءٌ ، لَيْسَا مِنْ مَخْرَجِ الْبَوْلِ ، إنَّمَا هُمَا مِنْ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ ، كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : هُوَ عِنْدِي بِمَنْزِلَةِ الْبُصَاقِ وَالْمُخَاطِ .\rوَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ نَحْوَ هَذَا ، وَعَلَّلَ بِأَنَّ الْمَذْيَ جُزْءٌ مِنْ الْمَنِيِّ ؛ لِأَنَّ سَبَبَهُمَا جَمِيعًا الشَّهْوَةُ ، وَلِأَنَّهُ خَارِجٌ تُحَلِّلُهُ الشَّهْوَةُ ، أَشْبَهَ الْمَنِيَّ فَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ نَجِسٌ لِأَنَّهُ خَارِجٌ مِنْ السَّبِيلِ ، لَيْسَ بَدْءًا لِخَلْقِ آدَمِيٍّ ، فَأَشْبَهَ الْبَوْلَ ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى","part":3,"page":246},{"id":1246,"text":"اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِغَسْلِ الذَّكَرِ مِنْهُ ، وَالْأَمْرُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ .\rثُمَّ اُخْتُلِفَ عَنْ أَحْمَدَ : هَلْ يُجْزِئُ فِيهِ النَّضْحُ ، أَوْ يَجِبُ غَسْلُهُ ؟ قَالَ ، فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَكَمِ : الْمَذْيُ يُرَشُّ عَلَيْهِ الْمَاءُ ، أَذْهَبُ إلَى حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ لَيْسَ يَدْفَعُهُ شَيْءٌ ، وَإِنْ كَانَ حَدِيثًا وَاحِدًا .\rوَقَالَ الْأَثْرَمُ : قُلْت لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ حَدِيثُ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ فِي الْمَذْيِ ، مَا تَقُولُ فِيهِ ؟ قَالَ : الَّذِي يَرْوِيهِ ابْنُ إِسْحَاقَ ؟ قُلْت : نَعَمْ .\rقَالَ : لَا أَعْلَمُ شَيْئًا يُخَالِفُهُ .\rوَهُوَ مَا رَوَى سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ ، قَالَ { : كُنْت أَلْقَى مِنْ الْمَذْيِ شِدَّةً وَعَنَاءً ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يُجْزِئُكَ مِنْهُ الْوُضُوءُ .\rقُلْت : فَكَيْفَ بِمَا أَصَابَ ثَوْبِي مِنْهُ ؟ قَالَ : يَكْفِيك أَنْ تَأْخُذَ كَفًّا مِنْ مَاءٍ فَتَنْضَحَ بِهِ حَيْثُ تَرَى أَنَّهُ أَصَابَ مِنْهُ } .\rقَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ .\rوَرُوِيَ عَنْهُ وُجُوبُ غَسْلِهِ ، قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ دَاوُد سَأَلْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَنْ الْمَذْيِ يُصِيبُ الثَّوْبَ ، كَيْفَ الْعَمَلُ فِيهِ ؟ قَالَ : الْغَسْلُ لَيْسَ فِي الْقَلْبِ مِنْهُ شَيْءٌ .\rوَقَالَ : حَدِيثُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ رُبَّمَا تَهَيَّبْتُهُ .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : وَمِمَّنْ أَمَرَ بِغَسْلِ الْمَذْيِ عُمَرُ وَابْنُ عَبَّاسٍ ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَإِسْحَاقَ وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَكَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِغَسْلِ الذَّكَرِ مِنْهُ فِي حَدِيثِ الْمِقْدَادِ ، وَلِأَنَّهُ نَجَاسَةٌ ، فَوَجَبَ غَسْلُهَا كَسَائِرِ النَّجَاسَاتِ ، وَلِحَدِيثِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ .\rقَالَ أَحْمَدُ : حَدِيثُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ لَا أَعْرِفُهُ عَنْ غَيْرِهِ ، وَلَا أَحْكُمُ لِمُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ، وَرُبَّمَا تَهَيَّبْتُهُ .\rوَهَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ ، وَاخْتِيَارُ الْخَلَّالِ .","part":3,"page":247},{"id":1247,"text":"فَصْلٌ : وَفِي رُطُوبَةِ فَرْجِ الْمَرْأَةِ احْتِمَالَانِ : أَحَدُهُمَا ، أَنَّهُ نَجِسٌ ؛ لِأَنَّهُ فِي الْفَرْجِ لَا يُخْلَقُ مِنْهُ الْوَلَدُ ، أَشْبَهَ الْمَذْيَ .\rوَالثَّانِي : طَهَارَتُهُ ؛ لِأَنَّ عَائِشَةَ كَانَتْ تَفْرُكُ الْمَنِيَّ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مِنْ جِمَاعٍ ، فَإِنَّهُ مَا احْتَلَمَ نَبِيٌّ قَطُّ ، وَهُوَ يُلَاقِي رُطُوبَةَ الْفَرْجِ ، وَلِأَنَّنَا لَوْ حَكَمْنَا بِنَجَاسَةِ فَرْجِ الْمَرْأَةِ ، لَحَكَمْنَا بِنَجَاسَةِ مَنِيِّهَا ؛ لِأَنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ فَرْجِهَا ، فَيَتَنَجَّسُ بِرُطُوبَتِهِ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : مَا أَصَابَ مِنْهُ فِي حَالِ الْجِمَاعِ فَهُوَ نَجِسٌ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَسْلَمُ مِنْ الْمَذْيِ ، وَهُوَ نَجِسٌ .\rوَلَا يَصِحُّ التَّعْلِيلُ ، فَإِنَّ الشَّهْوَةَ إذَا اشْتَدَّتْ خَرَجَ الْمَنِيُّ دُونَ الْمَذْيِ ، كَحَالِ الِاحْتِلَامِ .","part":3,"page":248},{"id":1248,"text":"( 987 ) فَصْلٌ : وَبَوْلُ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ وَرَوْثُهُ طَاهِرٌ .\rوَهَذَا مَفْهُومُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ .\rوَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ وَالنَّخَعِيِّ وَالثَّوْرِيِّ وَمَالِكٍ : قَالَ مَالِكٌ : لَا يَرَى أَهْلُ الْعِلْمِ أَبْوَالَ مَا أُكِلَ لَحْمُهُ وَشُرِبَ لَبَنُهُ نَجِسًا .\rوَرَخَّصَ فِي أَبْوَالِ الْغَنَمِ الزُّهْرِيُّ وَيَحْيَى الْأَنْصَارِيُّ وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى إبَاحَةِ الصَّلَاةِ فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ ، إلَّا الشَّافِعِيَّ ، فَإِنَّهُ اشْتَرَطَ أَنْ تَكُونَ سَلِيمَةً مِنْ أَبْعَارِهَا وَأَبْوَالِهَا .\rوَرَخَّصَ فِي ذَرْقِ الطَّائِرِ أَبُو جَعْفَرٍ وَالْحَكَمُ وَحَمَّادٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَعَنْ أَحْمَدَ : أَنَّ ذَلِكَ نَجِسٌ .\rوَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَنَحْوُهُ عَنْ الْحَسَنِ ؛ لِأَنَّهُ دَاخِلٌ فِي عُمُومِ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { تَنَزَّهُوا مِنْ الْبَوْلِ } .\rوَلِأَنَّهُ رَجِيعٌ ، فَكَانَ نَجِسًا كَرَجِيعِ الْآدَمِيِّ .\rوَلَنَا ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ الْعُرَنِيِّينَ أَنْ يَشْرَبُوا مِنْ أَبْوَالِ الْإِبِلِ } ، وَالنَّجِسُ لَا يُبَاحُ شُرْبُهُ ، وَلَوْ أُبِيحَ لِلضَّرُورَةِ لَأَمَرَهُمْ بِغَسْلِ أَثَرِهِ إذَا أَرَادُوا الصَّلَاةَ { ، وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَقَالَ { : صَلُّوا فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَهُوَ إجْمَاعٌ كَمَا ذَكَرَ ابْنُ الْمُنْذِرِ ، وَصَلَّى أَبُو مُوسَى فِي مَوْضِعٍ فِيهِ أَبْعَارُ الْغَنَمِ .\rفَقِيلَ لَهُ : لَوْ تَقَدَّمْت إلَى هَاهُنَا ؟ فَقَالَ : هَذَا وَذَاكَ وَاحِدٌ .\rوَلَمْ يَكُنْ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ مَا يُصَلُّونَ عَلَيْهِ مِنْ الْأَوْطِئَةِ وَالْمُصَلَّيَاتِ ، وَإِنَّمَا كَانُوا يُصَلُّونَ عَلَى الْأَرْضِ ، وَمَرَابِضُ الْغَنَمِ لَا تَخْلُو مِنْ أَبْعَارِهَا وَأَبْوَالِهَا ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا يُبَاشِرُونَهَا فِي صَلَاتِهِمْ ، وَلِأَنَّهُ مُتَحَلِّلٌ مُعْتَادٌ مِنْ حَيَوَانٍ يُؤْكَلُ لَحْمُهُ ، فَكَانَ طَاهِرًا","part":3,"page":249},{"id":1249,"text":"كَاللَّبَنِ ، وَذَرْقِ الطَّائِرِ عِنْدَ مَنْ سَلَّمَهُ ، وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ نَجِسًا لَتَنَجَّسَتْ الْحُبُوبُ الَّتِي تَدُوسُهَا الْبَقَرُ ، فَإِنَّهَا لَا تَسْلَمُ مِنْ أَبْوَالِهَا ، فَيَتَنَجَّسُ بَعْضُهَا ، وَيَخْتَلِطُ النَّجِسُ بِالطَّاهِرِ ، فَيَصِيرُ حُكْمُ الْجَمِيعِ حُكْمَ النَّجِسِ .","part":3,"page":250},{"id":1250,"text":"( 988 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا الْخَارِجُ مِنْ غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ ، فَالْحَيَوَانَاتُ فِيهِ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ : أَحَدُهَا : الْآدَمِيُّ ، فَالْخَارِجُ مِنْهُ نَوْعَانِ ، طَاهِرٌ وَهُوَ رِيقُهُ وَدَمْعُهُ وَعَرَقُهُ وَمُخَاطُهُ ، وَنُخَامَتُهُ ، فَإِنَّهُ جَاءَ { عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي يَوْمِ الْحُدَيْبِيَةِ ، أَنَّهُ مَا تَنَخَّمَ نُخَامَةً إلَّا وَقَعَتْ فِي كَفِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ ، فَدَلَكَ بِهَا وَجْهَهُ } .\rرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ .\rوَلَوْلَا طَهَارَتُهَا لَمْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ { ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى نُخَامَةً فِي قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ ، فَأَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ ، فَقَالَ : مَا بَالُ أَحَدِكُمْ يَقُومُ يَسْتَقْبِلُ رَبَّهُ ، فَيَتَنَخَّعُ أَمَامَهُ ، أَيُحِبُّ أَنْ يُسْتَقْبَلَ فَيُتَنَخَّعَ فِي وَجْهِهِ ؟ فَإِذَا تَنَخَّعَ أَحَدُكُمْ فَلْيَتَنَخَّعْ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيَقُلْ هَكَذَا } .\rوَوَصَفَ الْقَاسِمُ : فَتَفَلَ فِي ثَوْبِهِ ، ثُمَّ مَسَحَ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ .\rرَوَاهُ مُسْلِمٌ .\rوَلَوْ كَانَتْ نَجِسَةً لَمَا أَمَرَ بِمَسْحِهَا فِي ثَوْبِهِ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ ، وَلَا تَحْتَ قَدَمِهِ .\rوَلَا فَرْقَ بَيْنَ مَا يَخْرُجُ مِنْ الرَّأْسِ وَالْبَلْغَمِ الْخَارِجِ مِنْ الصَّدْرِ .\rذَكَرَهُ الْقَاضِي .\rوَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ .\rوَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : الْبَلْغَمُ نَجِسٌ ؛ لِأَنَّهُ طَعَامٌ اسْتَحَالَ فِي الْمَعِدَةِ ، أَشْبَهَ الْقَيْءَ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ دَاخِلٌ فِي عُمُومِ الْخَبَرَيْنِ ، وَلِأَنَّهُ أَحَدُ نَوْعَيْ النُّخَامَةِ ، أَشْبَهَ الْآخَرَ ، وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ نَجِسًا نَجُسَ بِهِ الْفَمُ ، وَنَقَضَ الْوُضُوءَ ، وَلَمْ يَبْلُغْنَا عَنْ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - مَعَ عُمُومِ الْبَلْوَى بِهِ - شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ .\rوَقَوْلُهُمْ \" إنَّهُ طَعَامٌ مُسْتَحِيلٌ فِي الْمَعِدَةِ \" غَيْرُ مُسَلَّمٍ ، إنَّمَا هُوَ مُنْعَقِدٌ مِنْ الْأَبْخِرَةِ ، فَهُوَ كَالنَّازِلِ مِنْ الرَّأْسِ ، وَكَالْمُخَاطِ ؛ وَلِأَنَّهُ يَشُقُّ التَّحَرُّزُ مِنْهُ ، أَشْبَهَ الْمُخَاطَ .\rالنَّوْعُ الثَّانِي : نَجِسٌ ،","part":3,"page":251},{"id":1251,"text":"وَهُوَ الدَّمُ وَمَا تَوَلَّدَ مِنْهُ مِنْ الْقَيْحِ وَالصَّدِيدِ ، وَمَا يَخْرُجُ مِنْ الْمَعِدَةِ مِنْ الْقَيْءِ وَالْقَلْسِ ، فَهَذَا نَجِسٌ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ حُكْمِهِ .\rالْقِسْمُ الثَّانِي : مَا أُكِلَ لَحْمُهُ ، فَالْخَارِجُ مِنْهُ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ : أَحَدُهَا ، نَجِسٌ ، وَهُوَ الدَّمُ ، وَمَا تَوَلَّدَ مِنْهُ .\rالثَّانِي ، طَاهِرٌ ، وَهُوَ الرِّيقُ وَالدَّمْعُ وَالْعَرَقُ وَاللَّبَنُ .\rفَهَذَا لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا .\rالثَّالِثُ : الْقَيْءُ ، وَنَحْوُهُ ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ بَوْلِهِ ؛ لِأَنَّهُ طَعَامٌ مُسْتَحِيلٌ ، فَأَشْبَهَ الرَّوْثَ ، وَقَدْ دَلَّلْنَا عَلَى طَهَارَةِ بَوْلِهِ ، فَهَذَا أَوْلَى ، وَكَذَلِكَ مَنِيُّهُ .\rالْقِسْمُ الثَّالِثُ : مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ ، وَيُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ ، وَهُوَ نَوْعَانِ : أَحَدُهُمَا : الْكَلْبُ وَالْخِنْزِيرُ ، فَهُمَا نَجِسَانِ بِجَمِيعِ أَجْزَائِهِمَا وَفَضَلَاتِهِمَا ، وَمَا يَنْفَصِلُ عَنْهُمَا .\rالثَّانِي ، مَا عَدَاهُمَا مِنْ سِبَاعِ الْبَهَائِمِ وَجَوَارِحِ الطَّيْرِ وَالْبَغْلِ وَالْحِمَارِ ، فَعَنْ أَحْمَدَ ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، أَنَّهَا نَجِسَةٌ بِجَمِيعِ أَجْزَائِهَا وَفَضَلَاتِهَا ، إلَّا أَنَّهُ يُعْفَى عَنْ يَسِيرِ نَجَاسَتِهَا .\rوَعَنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى طَهَارَتِهَا .\rفَحُكْمُهَا حُكْمُ الْآدَمِيِّ ، عَلَى مَا فُصِّلَ .\rالْقِسْمُ الرَّابِعُ : مَا لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ ، وَهُوَ نَوْعَانِ : أَحَدُهُمَا ، مَا يَنْجُسُ بِالْمَوْتِ ، وَهُوَ السِّنَّوْرُ وَمَا دُونَهُ فِي الْخِلْقَةِ ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْآدَمِيِّ ؛ مَا حَكَمْنَا بِنَجَاسَتِهِ مِنْ الْآدَمِيِّ ، فَهُوَ مِنْهُ نَجِسٌ .\rوَمَا حَكَمْنَا بِطَهَارَتِهِ مِنْ الْآدَمِيِّ ، فَهُوَ مِنْهُ طَاهِرٌ ، إلَّا مَنِيَّهُ ، فَإِنَّهُ نَجِسٌ ؛ لِأَنَّ مَنِيَّ الْآدَمِيِّ بَدْءُ خَلْقِ آدَمِيٍّ فَشَرُفَ بِتَطْهِيرِهِ ، وَهَذَا مَعْدُومٌ هَاهُنَا .\rالنَّوْعُ الثَّانِي ، مَا لَا نَفْسَ لَهُ سَائِلَةٌ ، فَهُوَ طَاهِرٌ بِجَمِيعِ أَجْزَائِهِ وَفَضَلَاتِهِ .","part":3,"page":252},{"id":1252,"text":"( 989 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( إلَّا بَوْلَ الْغُلَامِ الَّذِي لَمْ يَأْكُلْ الطَّعَامَ ، فَإِنَّهُ يُرَشُّ الْمَاءُ عَلَيْهِ ) هَذَا اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ ، إذْ لَيْسَ مَعْنَى الْكَلَامِ طَهَارَةَ بَوْلِ الْغُلَامِ ، إنَّمَا أَرَادَ أَنَّ بَوْلَ الْغُلَامِ الَّذِي لَمْ يَطْعَمْ الطَّعَامَ يُجْزِئُ فِيهِ الرَّشُّ ، وَهُوَ أَنْ يَنْضَحَ عَلَيْهِ الْمَاءَ حَتَّى يَغْمُرَهُ ، وَلَا يَحْتَاجَ إلَى رَشٍّ وَعَصْرٍ ، ، وَبَوْلَ الْجَارِيَةِ يُغْسَلُ وَإِنْ لَمْ تَطْعَمْ .\rوَهَذَا قَوْلُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .\rوَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ ، وَالْحَسَنُ وَالشَّافِعِيُّ وَإِسْحَاقُ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : رَأَيْت لِأَبِي إِسْحَاقَ بْنِ شَاقِلَا كَلَامًا يَدُلُّ عَلَى طَهَارَةِ بَوْلِ الْغُلَامِ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ نَجِسًا لَوَجَبَ غَسْلُهُ .\r( 1 ) وَقَالَ الثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ : يُغْسَلُ بَوْلُ الْغُلَامِ كَمَا يُغْسَلُ بَوْلُ الْجَارِيَةِ ؛ لِأَنَّهُ بَوْلٌ نَجِسٌ ، فَوَجَبَ غَسْلُهُ كَسَائِرِ الْأَبْوَالِ النَّجِسَةِ ، وَلِأَنَّهُ حُكْمٌ يَتَعَلَّقُ بِالنَّجَاسَةِ ، فَاسْتَوَى فِيهِ الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى ، كَسَائِرِ أَحْكَامِهِمَا .\rوَلَنَا مَا رَوَتْ أُمُّ قَيْسٍ بِنْتُ مُحْصِنٍ { ، أَنَّهَا أَتَتْ بِابْنٍ ، لَهَا صَغِيرٍ ، لَمْ يَأْكُلْ الطَّعَامَ ، إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَجْلَسَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حِجْرِهِ ، فَبَالَ عَلَى ثَوْبِهِ ، فَدَعَا بِمَاءٍ ، فَنَضَحَهُ ، وَلَمْ يَغْسِلْهُ .\r} وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ { ، أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِصَبِيٍّ ، فَبَالَ عَلَى ثَوْبِهِ فَدَعَا بِمَاءٍ فَأَتْبَعَهُ بَوْلَهُ ، وَلَمْ يَغْسِلْهُ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا .\rوَعَنْ لُبَابَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ قَالَتْ { : كَانَ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ فِي حِجْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَبَالَ عَلَيْهِ ، فَقُلْت : الْبَسْ ثَوْبًا آخَرَ ، وَأَعْطِنِي إزَارَك حَتَّى أَغْسِلَهُ .\rفَقَالَ : إنَّمَا يُغْسَلُ مِنْ بَوْلِ الْأُنْثَى ، وَيَنْضَحُ مِنْ بَوْلِ الْغُلَامِ الذَّكَرِ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ","part":3,"page":253},{"id":1253,"text":"اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { بَوْلُ الْغُلَامِ يُنْضَحُ ، وَبَوْلُ الْجَارِيَةِ يُغْسَلُ } .\rقَالَ قَتَادَةُ : هَذَا مَا لَمْ يَطْعَمَا الطَّعَامَ ، فَإِذَا طَعِمَا غُسِلَ بَوْلُهُمَا .\rرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ .\rوَهَذِهِ نُصُوصٌ صَحِيحَةٌ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَاتِّبَاعُهَا أَوْلَى ، وَقَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَصَحُّ مِنْ قَوْلِ مَنْ خَالَفَهُ .\r( 990 ) فَصْلٌ : قَالَ أَحْمَدُ : الصَّبِيُّ إذَا طَعِمَ الطَّعَامَ ، وَأَرَادَهُ ، وَاشْتَهَاهُ ، غُسِلَ بَوْلُهُ ، وَلَيْسَ إذَا أُطْعِمَ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَلْعَقُ الْعَسَلَ سَاعَةَ يُولَدُ ، وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَنَّكَ بِالتَّمْرِ .\rوَلَكِنْ إذَا كَانَ يَأْكُلُ وَيُرِيدُ الْأَكْلَ ، فَعَلَى هَذَا مَا يُسْقَاهُ الصَّبِيُّ أَوْ يَلْعَقُهُ لِلتَّدَاوِي لَا يُعَدُّ طَعَامًا يُوجِبُ الْغَسْلَ ، وَمَا يَطْعَمُهُ لِغِذَائِهِ وَهُوَ يُرِيدُهُ وَيَشْتَهِيهِ ، هُوَ الْمُوجِبُ لِغَسْلِ بَوْلِهِ .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":3,"page":254},{"id":1254,"text":"( 991 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَالْمَنِيُّ طَاهِرٌ .\rوَعَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ، رَحِمَهُ اللَّهُ رِوَايَةٌ أُخْرَى ، أَنَّهُ كَالدَّمِ ) اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ فِي الْمَنِيِّ ، فَالْمَشْهُورُ : أَنَّهُ طَاهِرٌ .\rوَعَنْهُ أَنَّهُ كَالدَّمِ ، أَيْ أَنَّهُ نَجِسٌ .\rوَيُعْفَى عَنْ يَسِيرِهِ .\rوَعَنْهُ : أَنَّهُ لَا يُعْفَى عَنْ يَسِيرِهِ .\rوَيُجْزِئُ فَرْكُ يَابِسِهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ .\rوَالرِّوَايَةُ الْأُولَى هِيَ الْمَشْهُورَةُ فِي الْمَذْهَبِ ، وَهُوَ قَوْلُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ، وَابْنِ عُمَرَ .\rوَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : امْسَحْهُ عَنْكَ بِإِذْخِرَةٍ أَوْ خِرْقَةٍ ، وَلَا تَغْسِلْهُ إنْ شِئْت .\rوَقَالَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ : إذَا صَلَّى فِيهِ لَمْ يُعِدْ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي ثَوْرٍ وَابْنِ الْمُنْذِرِ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : غَسْلُ الِاحْتِلَامِ أَمْرٌ وَاجِبٌ .\rوَعَلَى هَذَا مَذْهَبُ الْأَوْزَاعِيِّ وَالثَّوْرِيِّ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ : هُوَ نَجِسٌ ، وَيُجْزِئُ فَرْكُ يَابِسِهِ ؛ لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ أَنَّهَا كَانَتْ تَغْسِلُ الْمَنِيَّ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ : ثُمَّ أَرَى فِيهِ بُقْعَةً أَوْ بُقَعًا .\rوَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ .\rقَالَ صَالِحٌ : قَالَ أَبِي : غَسْلُ الْمَنِيِّ مِنْ الثَّوْبِ أَحْوَطُ وَأَثْبَتُ فِي الرِّوَايَةِ .\rوَقَدْ جَاءَ الْفَرْكُ أَيْضًا عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا { ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي الْمَنِيِّ يُصِيبُ الثَّوْبَ : إنْ كَانَ رَطْبًا فَاغْسِلِيهِ .\rوَإِنْ كَانَ يَابِسًا فَافْرُكِيهِ } .\rوَهَذَا أَمْرٌ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ .\rوَلِأَنَّهُ خَارِجٌ مُعْتَادٌ مِنْ السَّبِيلِ ، أَشْبَهَ الْبَوْلَ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ { : كُنْت أَفْرُكُ الْمَنِيَّ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَيُصَلِّي فِيهِ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : امْسَحْهُ عَنْكَ بِإِذْخِرَةٍ أَوْ بِخِرْقَةٍ ، وَلَا تَغْسِلْهُ ، إنَّمَا هُوَ كَالْبُزَاقِ وَالْمُخَاطِ .\rرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ مَرْفُوعًا إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ","part":3,"page":255},{"id":1255,"text":"وَسَلَّمَ .\rوَلِأَنَّهُ لَا يَجِبُ غَسْلُهُ إذَا جَفَّ ، فَلَمْ يَكُنْ نَجِسًا كَالْمُخَاطِ ، وَلِأَنَّهُ بَدْءُ خَلْقِ آدَمِيٍّ ، فَكَانَ طَاهِرًا كَالطِّينِ ، وَيُفَارِقُ الْبَوْلَ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ بَدْءُ خَلْقِ آدَمِيٍّ .\r( 992 ) فَصْلٌ : فَإِنْ خَفِيَ مَوْضِعُ الْمَنِيِّ فَرَكَ الثَّوْبُ كُلُّهُ ، إنْ قُلْنَا بِنَجَاسَتِهِ ، وَإِنْ قُلْنَا بِطَهَارَتِهِ اُسْتُحِبَّ فَرْكُهُ .\rوَإِنْ صَلَّى فِيهِ مِنْ غَيْرِ فَرْكٍ ، أَجْزَأَهُ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ مِمَّنْ قَالَ بِالطَّهَارَةِ .\rوَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : يَنْضَحُ الثَّوْبَ كُلَّهُ .\rوَبِهِ قَالَ النَّخَعِيُّ وَحَمَّادٌ .\rوَنَحْوُهُ عَنْ عَائِشَةَ وَعَطَاءٍ .\rوَقَالَ ابْنُ عُمَرَ وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَالْحَسَنُ : يُغْسَلُ الثَّوْبُ كُلُّهُ .\rوَلَنَا ، أَنَّ فَرْكَهُ يُجْزِئُ إذَا عُلِمَ مَكَانُهُ ، فَكَذَلِكَ إذَا خَفِيَ ، وَأَمَّا النَّضْحُ فَلَا يُفِيدُ ، فَإِنَّهُ لَا يُطَهِّرُهُ إذَا عُلِمَ مَكَانُهُ ، فَكَذَلِكَ إذَا خَفِيَ .\rوَأَمَّا إذَا قُلْنَا بِالطَّهَارَةِ فَلَا يَجِبُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ ، لَكِنْ يُسْتَحَبُّ ، كَحَالِ الْعِلْمِ بِهِ .\rفَصْلٌ : قَالَ أَحْمَدُ رَحِمَهُ اللَّهُ : إنَّمَا يُفْرَكُ مَنِيُّ الرَّجُلِ ، أَمَّا مَنِيُّ الْمَرْأَةِ فَلَا يُفْرَكُ ؛ لِأَنَّ الَّذِي لِلرَّجُلِ ثَخِينٌ ، وَاَلَّذِي لِلْمَرْأَةِ رَقِيقٌ .\rوَالْمَعْنَى فِي هَذَا أَنَّ الْفَرْكَ يُرَادُ لِلتَّخْفِيفِ وَالرَّقِيقُ لَا يَبْقَى لَهُ جِسْمٌ بَعْدَ جَفَافِهِ يَزُولُ بِالْفَرْكِ ، فَلَا يُفِيدُ فِيهِ شَيْئًا ، فَعَلَى هَذَا إنْ قُلْنَا بِنَجَاسَتِهِ ، فَلَا بُدَّ مِنْ غَسْلِهِ رَطْبًا كَانَ أَوْ يَابِسًا ، كَالْبَوْلِ .\rوَإِنْ قُلْنَا بِطَهَارَتِهِ ، اُسْتُحِبَّ غَسْلُهُ ، كَمَا يُسْتَحَبُّ فَرْكُ مَنِيِّ الرَّجُلِ .\rوَأَمَّا الطَّهَارَةُ وَالنَّجَاسَةُ فَلَا يَفْتَرِقَانِ فِيهِ ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَنِيٌّ ، وَهُوَ بَدْءٌ لِخَلْقِ آدَمِيٍّ ، خَارِجٌ مِنْ السَّبِيلِ .\r( 994 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا الْعَلَقَةُ ، فَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ : فِيهَا رِوَايَتَانِ ، كَالْمَنِيِّ ؛ لِأَنَّهَا بَدْءُ خَلْقِ آدَمِيٍّ .\rوَالصَّحِيحُ نَجَاسَتُهَا ؛ لِأَنَّهَا دَمٌ ، وَلَمْ يَرِدْ مِنْ الشَّرْعِ فِيهَا","part":3,"page":256},{"id":1256,"text":"طَهَارَةٌ ، وَقِيَاسُهَا عَلَى الْمَنِيِّ مُمْتَنِعٌ ، لِكَوْنِهَا دَمًا خَارِجًا مِنْ الْفَرْجِ ، فَأَشْبَهَتْ دَمَ الْحَيْضِ ( 995 ) .\rفَصْلٌ : وَمَنْ أَمْنَى وَعَلَى فَرْجِهِ نَجَاسَةٌ نَجُسَ مَنِيُّهُ ؛ لِإِصَابَتِهِ النَّجَاسَةَ ، وَلَمْ يُعْفَ عَنْ يَسِيرِهِ لِذَلِكَ .\rوَذَكَرَ الْقَاضِي فِي الْمَنِيِّ مِنْ الْجِمَاعِ أَنَّهُ نَجِسٌ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَسْلَمُ مِنْ الْمَذْيِ .\rوَقَدْ ذَكَرْنَا فَسَادَ هَذَا .\rفَإِنَّ مَنِيَّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّمَا كَانَ مِنْ جِمَاعٍ ، وَهُوَ الَّذِي وَرَدَتْ الْأَخْبَارُ بِفَرْكِهِ ، وَالطَّهَارَةُ لِغَيْرِهِ إنَّمَا أُخِذَتْ مِنْ طَهَارَتِهِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":3,"page":257},{"id":1257,"text":"( 996 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَالْبَوْلَةُ عَلَى الْأَرْضِ يُطَهِّرُهَا دَلْوٌ مِنْ مَاءٍ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْأَرْضَ إذَا تَنَجَّسَتْ بِنَجَاسَةٍ مَائِعَةٍ ، كَالْبَوْلِ وَالْخَمْرِ وَغَيْرِهِمَا .\rفَطَهُورُهَا أَنْ يَغْمُرَهَا بِالْمَاءِ ، بِحَيْثُ يَذْهَبُ لَوْنُ النَّجَاسَةِ وَرِيحُهَا .\rفَمَا انْفَصَلَ عَنْهَا غَيْرَ مُتَغَيِّرٍ بِهَا فَهُوَ طَاهِرٌ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا تَطْهُرُ الْأَرْضُ حَتَّى يَنْفَصِلَ الْمَاءُ ، فَيَكُونَ الْمُنْفَصِلُ نَجِسًا ؛ لِأَنَّ النَّجَاسَةَ انْتَقَلَتْ إلَيْهِ ، فَكَانَ نَجِسًا ، كَمَا لَوْ وَرَدَتْ عَلَيْهِ .\rوَلَنَا .\rمَا رَوَى أَنَسٌ ، قَالَ { : جَاءَ أَعْرَابِيٌّ ، فَبَالَ فِي طَائِفَةِ الْمَسْجِدِ ، فَزَجَرَهُ النَّاسُ ، فَنَهَاهُمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا قَضَى بَوْلَهُ أَمَرَ بِذَنُوبٍ مِنْ مَاءٍ فَأُهْرِيقَ عَلَيْهِ } .\rوَفِي لَفْظٍ : فَدَعَاهُ ، فَقَالَ : \" إنَّ الْمَسَاجِدَ لَا تَصْلُحُ لِشَيْءٍ مِنْ هَذَا الْبَوْلِ وَالْقَذَرِ ، وَإِنَّمَا هِيَ لِذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَالصَّلَاةِ ، وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ \" .\rأَوْ كَمَا { قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَمَرَ رَجُلًا فَجَاءَ بِدَلْوٍ مِنْ مَاءٍ فَشَنَّهُ عَلَيْهِ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَلَوْلَا أَنَّ الْمُنْفَصِلَ طَاهِرٌ لَكَانَ قَدْ أَمَرَ بِزِيَادَةِ تَنْجِيسِهِ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ فِي مَوْضِعٍ فَصَارَ فِي مَوَاضِعَ ، وَإِنَّمَا أَرَادَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَطْهِيرَ الْمَسْجِدِ .\rفَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ مَعْقِلٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { خُذُوا مَا بَالَ عَلَيْهِ مِنْ التُّرَابِ ، وَأَهْرِيقُوا عَلَى مَكَانِهِ مَاءً } .\rوَرَوَى أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ ، عَنْ سَمْعَانَ ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : فَأَمَرَ بِهِ فَحُفِرَ .\rقُلْنَا : لَيْسَتْ هَذِهِ الزِّيَادَةُ فِي خَبَرٍ مُتَّصِلٍ ، قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ .\rوَحَدِيثُ ابْنِ مَعْقِلٍ مُرْسَلٌ .\rقَالَ أَبُو دَاوُد : ابْنُ مَعْقِلٍ لَمْ يُدْرِكْ النَّبِيَّ","part":3,"page":258},{"id":1258,"text":"صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rوَحَدِيثُ سَمْعَانَ مُنْكَرٌ .\rقَالَهُ الْإِمَامُ .\rوَقَالَ : مَا أَعْرِفُ سَمْعَانَ .\rوَلِأَنَّ الْبَلَّةَ الْبَاقِيَةَ فِي الْمَحَلِّ بَعْدَ غَسْلِهِ طَاهِرَةٌ ، وَهِيَ بَعْضُ الْمُنْفَصِلِ ، فَكَذَلِكَ الْمُنْفَصِلُ .\rوَقَوْلُهُمْ : إنَّ النَّجَاسَةَ انْتَقَلَتْ إلَيْهِ .\rقُلْنَا : بَعْدَ طَهَارَتِهَا ، لِأَنَّ الْمَاءَ لَوْ لَمْ يُطَهِّرْهَا لَنَجُسَ بِهَا حَالَ مُلَاقَاتِهِ لَهَا ، وَلَوْ نَجُسَ بِهَا لَمَا طَهُرَ الْمَحَلُّ ، وَلَكَانَ الْبَاقِي مِنْهُ فِي الْمَحَلِّ نَجِسًا .\rقَالَ الْقَاضِي : إنَّمَا يُحْكَمُ بِطَهَارَةِ الْمُنْفَصِلِ إذَا نَشَفَتْ النَّجَاسَةُ ، وَذَهَبَتْ أَجْزَاؤُهَا ، وَلَمْ يَبْقَ إلَّا أَثَرُهَا ، فَإِنْ كَانَتْ أَجْزَاؤُهَا بَاقِيَةً ، طَهُرَ الْمَحَلُّ ، وَنَجُسَ الْمُنْفَصِلُ .\rوَهَذَا الشَّرْطُ الَّذِي ذَكَرَهُ لَمْ أَرَهُ عَنْ أَحْمَدَ ، وَلَا يَقْتَضِيهِ كَلَامُ الْخِرَقِيِّ ، وَلَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّهُ إنْ أَرَادَ بِبَقَاءِ أَجْزَائِهَا بَقَاءَ رُطُوبَتِهَا ، فَهُوَ خِلَافُ الْخَبَرِ ، فَإِنَّ قَوْلَهُ : فَلَمَّا قَضَى بَوْلَهُ أَمَرَ بِذَنُوبٍ مِنْ مَاءٍ فَأُهْرِيقَ عَلَيْهِ ، يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ صُبَّ عَلَيْهِ عَقِيبَ فَرَاغِهِ مِنْهُ .\rوَإِنْ أَرَادَ بَقَاءَ الْبَوْلِ مُتَنَقِّعًا ، فَلَا فَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الرُّطُوبَةِ ، فَإِنَّ قَلِيلَ الْبَوْلِ وَكَثِيرَهُ فِي التَّنْجِيسِ سَوَاءٌ .\rوَالرُّطُوبَةُ أَجْزَاءٌ تَنْجُسُ كَمَا تَنْجُسُ الْمُتَنَقِّعُ ، فَلَا فَرْقَ إذًا .","part":3,"page":259},{"id":1259,"text":"( 997 ) فَصْلٌ : وَإِنْ أَصَابَ الْأَرْضَ مَاءُ الْمَطَرِ أَوْ السُّيُولِ ، فَغَمَرَهَا ، وَجَرَى عَلَيْهَا ، فَهُوَ كَمَا لَوْ صُبَّ عَلَيْهَا ؛ لَأَنْ تَطْهِيرَ النَّجَاسَةِ لَا تُعْتَبَرُ فِيهِ نِيَّةٌ وَلَا فِعْلٌ ، فَاسْتَوَى مَا صَبَّهُ الْآدَمِيُّ وَمَا جَرَى بِغَيْرِ صَبِّهِ .\rقَالَ أَحْمَدُ ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، فِي الْبَوْلِ يَكُونُ فِي الْأَرْضِ فَتُمْطِرُ عَلَيْهِ السَّمَاءُ : إذَا أَصَابَهُ مِنْ الْمَطَرِ بِقَدْرِ مَا يَكُونُ ذَنُوبًا ، كَمَا أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُصَبَّ عَلَى الْبَوْلِ ، فَقَدْ طَهُرَ .\rوَقَالَ الْمَرُّوذِيُّ : سُئِلَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عَنْ مَاءِ الْمَطَرِ يَخْتَلِطُ بِالْبَوْلِ ، فَقَالَ : مَاءُ الْمَطَرِ عِنْدِي لَا يُخَالِطُ شَيْئًا إلَّا طَهَّرَهُ ، إلَّا الْعَذِرَةَ .\rفَإِنَّهَا تُقْطَعُ .\rوَسُئِلَ عَنْ مَاءِ الْمَطَرِ يُصِيبُ الثَّوْبَ ، فَلَمْ يَرَ بِهِ بَأْسًا إلَّا أَنْ يَكُونَ بِيلَ فِيهِ بَعْدَ الْمَطَرِ .\rوَقَالَ : كُلّ مَا يَنْزِلُ مِنْ السَّمَاءِ إلَى الْأَرْضِ فَهُوَ نَظِيفٌ ، دَاسَتْهُ الدَّوَابُّ أَوْ لَمْ تَدُسْهُ .\rوَقَالَ فِي الْمِيزَابِ : إذَا كَانَ فِي الْمَوْضِعِ النَّظِيفِ فَلَا بَأْسَ بِمَا قَطَرَ عَلَيْك مِنْ الْمَطَرِ .\rإذَا لَمْ تَعْلَمْ أَنَّهُ قَذَرٌ .\rقِيلَ لَهُ : فَأَسْأَلُ عَنْهُ ؟ قَالَ : لَا تَسْأَلْ ، وَمَا دَعَاك إلَى أَنْ تَسْأَلَ وَهُوَ مَاءُ الْمَطَرِ ، إذَا لَمْ يَكُنْ مَوْضِعَ مَخْرَجٍ ، أَوْ مَوْضِعَ قَذَرٍ .\rفَلَا تَغْسِلْهُ .\rوَاحْتُجَّ فِي طَهَارَةِ طِينِ الْمَطَرِ بِحَدِيثِ الْأَعْرَابِيِّ الَّذِي بَالَ فِي الْمَسْجِدِ .\rقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ ، وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ ، كَمَا قَالَ أَحْمَدُ .\rوَاحْتُجَّ بِأَنَّ أَصْحَابَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالتَّابِعِينَ كَانُوا يَخُوضُونَ الْمَطَرَ فِي الطُّرُقَاتِ ، فَلَا يَغْسِلُونَ أَرْجُلَهُمْ ، لَمَّا غَلَبَ الْمَاءُ الْقَذِرُ .\rوَمِمَّنْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ خَاضَ طِينَ الْمَطَرِ ، وَصَلَّى ، وَلَمْ يَغْسِلْ رِجْلَيْهِ عُمَرُ ، وَعَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ : كُنَّا لَا نَتَوَضَّأُ مِنْ مَوْطِئٍ .\rوَنَحْوُهُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ .","part":3,"page":260},{"id":1260,"text":"وَقَالَ بِذَلِكَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَعَلْقَمَةُ وَالْأَسْوَدُ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَعْقِلِ بْنِ مُقَرِّنٍ وَالْحَسَنُ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ، وَعَوَامُّ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rلِأَنَّ الْأَصْلَ الطَّهَارَةُ ، فَلَا تَزُولُ بِالشَّكِّ .\r( 998 ) فَصْلٌ : وَلَا تُطَهَّرُ الْأَرْضُ حَتَّى يَذْهَبَ لَوْنُ النَّجَاسَةِ وَرَائِحَتُهَا ؛ لِأَنَّ بَقَاءَهُمَا دَلِيلٌ عَلَى بَقَاءِ النَّجَاسَةِ .\rفَإِنْ كَانَتْ مِمَّا لَا يَزُولُ لَوْنُهَا إلَّا بِمَشَقَّةٍ سَقَطَ عَنْهُ إزَالَتُهَا ، كَالثَّوْبِ ، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي الرَّائِحَةِ .\r\" ( 999 ) فَصْلٌ : وَإِذَا كَانَتْ النَّجَاسَةُ ذَاتَ أَجْزَاءٍ مُتَفَرِّقَةٍ ، كَالرَّمِيمِ ، وَالرَّوْثِ ، وَالدَّمِ إذَا جَفَّ ، فَاخْتَلَطَتْ بِأَجْزَاءِ الْأَرْضِ ، لَمْ تَطْهُرْ بِالْغَسْلِ ؛ لِأَنَّ عَيْنَهَا لَا تَنْقَلِبُ ، وَلَا تَطْهُرُ إلَّا بِإِزَالَةِ أَجْزَاءِ الْمَكَانِ ، بِحَيْثُ يُتَيَقَّنُ زَوَالُ أَجْزَاءِ النَّجَاسَةِ .\rوَلَوْ بَادَرَ الْبَوْلَ وَهُوَ رَطْبٌ ، فَقَلَعَ التُّرَابَ الَّذِي عَلَيْهِ أَثَرُهُ ، فَالْبَاقِي طَاهِرٌ ؛ لِأَنَّ النَّجِسَ كَانَ رَطْبًا وَقَدْ زَالَ .\rوَإِنْ جَفَّ فَأَزَالَ مَا وَجَدَ عَلَيْهِ الْأَثَرَ ، لَمْ يَطْهُرْ ؛ لِأَنَّ الْأَثَرَ إنَّمَا يَبِينُ عَلَى ظَاهِرِ الْأَرْضِ ، لَكِنْ إنْ قَلَعَ مَا تَيَقَّنَ بِهِ زَوَالَ مَا أَصَابَهُ الْبَوْلُ ، فَالْبَاقِي طَاهِرٌ .\rفَصْلٌ : وَلَا تَطْهُرُ الْأَرْضُ النَّجِسَةُ بِشَمْسٍ وَلَا رِيحٍ وَلَا جَفَافٍ .\rوَهَذَا قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ وَابْنِ الْمُنْذِرِ وَالشَّافِعِيِّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ : تَطْهُرُ إذَا ذَهَبَ أَثَرُ النَّجَاسَةِ .\rوَقَالَ أَبُو قِلَابَةَ : جُفُوفُ الْأَرْضِ طَهُورُهَا ؛ لِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ رَوَى أَنَّ الْكِلَابَ كَانَتْ تَبُولُ ، وَتُقْبِلُ وَتُدْبِرُ فِي الْمَسْجِدِ ، فَلَمْ يَكُونُوا يَرُشُّونَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ .\rأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد .\rوَلَنَا ، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : أَهْرِيقُوا عَلَى بَوْلِهِ سَجْلًا مِنْ مَاءٍ } .\rوَالْأَمْرُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ ، وَلِأَنَّهُ مَحَلٌّ نَجِسٌ ، فَلَمْ يَطْهُرْ بِغَيْرِ الْغَسْلِ ،","part":3,"page":261},{"id":1261,"text":"كَالثِّيَابِ ، وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ ، فَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ، وَلَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ الْبَوْلِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ أَنَّهَا كَانَتْ تَبُولُ ، ثُمَّ تُقْبِلُ وَتُدْبِرُ فِي الْمَسْجِدِ ، فَيَكُونُ إقْبَالُهَا وَإِدْبَارُهَا فِيهِ بَعْدَ بَوْلِهَا .\r( 1001 ) فَصْلٌ : وَلَا تَطْهُرُ النَّجَاسَةُ بِالِاسْتِحَالَةِ ، فَلَوْ أُحْرِقَ السِّرْجِينُ النَّجِسُ فَصَارَ رَمَادًا ، أَوْ وَقَعَ كَلْبٌ فِي مَلَّاحَةٍ فَصَارَ مِلْحًا ، لَمْ تَطْهُرْ .\rلِأَنَّهَا نَجَاسَةٌ لَمْ تَحْصُلْ بِالِاسْتِحَالَةِ .\rفَلَمْ تَطْهُرْ بِهَا ، كَالدَّمِ إذَا صَارَ قَيْحًا أَوْ صَدِيدًا ، وَخُرِّجَ عَلَيْهِ الْخَمْرُ ، فَإِنَّهُ نَجِسٌ بِالِاسْتِحَالَةِ ، فَجَازَ أَنْ يَطْهُرَ بِهَا .","part":3,"page":262},{"id":1262,"text":"( 1002 ) فَصْلٌ : وَالْمُنْفَصِلُ مِنْ غُسَالَةِ النَّجَاسَةِ ، يَنْقَسِمُ إلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ : أَحَدُهَا : أَنْ يَنْفَصِلَ مُتَغَيِّرًا بِهَا ، فَهُوَ نَجِسٌ إجْمَاعًا ؛ لِأَنَّهُ مُتَغَيِّرٌ بِالنَّجَاسَةِ ، فَكَانَ نَجِسًا ، كَمَا لَوْ وَرَدَتْ عَلَيْهِ .\rالثَّانِي : أَنْ يَنْفَصِلَ غَيْرَ مُتَغَيِّرٍ قَبْلَ طَهَارَةِ الْمَحَلِّ ، فَهُوَ نَجِسٌ أَيْضًا ؛ لِأَنَّهُ مَاءٌ يَسِيرٌ لَاقَى نَجَاسَةً لَمْ يُطَهِّرْهَا ، فَكَانَ نَجِسًا ، كَالْمُتَغَيِّرِ ، وَكَالْبَاقِي فِي الْمَحَلِّ ، فَإِنَّ الْبَاقِيَ فِي الْمَحَلِّ نَجِسٌ ، وَهُوَ جُزْءٌ مِنْ الْمَاءِ الَّذِي غُسِلَتْ بِهِ النَّجَاسَةُ ، وَلِأَنَّهُ كَانَ فِي الْمَحَلِّ نَجِسًا ، وَعَصْرُهُ لَا يَجْعَلُهُ طَاهِرًا .\rالثَّالِثُ : أَنْ يَنْفَصِلَ غَيْرَ مُتَغَيِّرٍ مِنْ الْغَسْلَةِ الَّتِي طَهَّرَتْ الْمَحَلَّ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ، أَصَحُّهُمَا أَنَّهُ طَاهِرٌ .\rوَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ لِأَنَّهُ جُزْءٌ مِنْ الْمُتَّصِلِ ، وَالْمُتَّصِلُ طَاهِرٌ ، فَكَذَلِكَ الْمُنْفَصِلُ ، وَلِأَنَّهُ مَاءٌ أَزَالَ حُكْمَ النَّجَاسَةِ ، وَلَمْ يَتَغَيَّرْ بِهَا ، فَكَانَ طَاهِرًا ، كَالْمُنْفَصِلِ مِنْ الْأَرْضِ .\rوَالثَّانِي ، هُوَ نَجِسٌ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّهُ مَاءٌ يَسِيرٌ لَاقَى نَجَاسَةً ، فَنَجُسَ بِهَا ، كَمَا لَوْ وَرَدَتْ عَلَيْهِ ، وَإِذَا حَكَمْنَا بِطَهَارَتِهِ ، فَهَلْ يَكُونُ طَهُورًا ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا ، يَكُونُ طَهُورًا ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ طَهُورِيَّتُهُ ، وَلِأَنَّ الْحَادِثَ فِيهِ لَمْ يُنَجِّسْهُ ، وَلَمْ يُغَيِّرْهُ ، فَلَمْ تَزُلْ طَهُورِيَّتُهُ ، كَمَا لَوْ غَسَلَ بِهِ ثَوْبًا طَاهِرًا .\rوَالثَّانِي ، أَنَّهُ غَيْرُ مُطَهِّرٍ ، لِأَنَّهُ أَزَالَ مَانِعًا مِنْ الصَّلَاةِ ، أَشْبَهَ مَا رُفِعَ بِهِ الْحَدَثُ .\r( 1003 ) فَصْلٌ : إذَا جُمِعَ الْمَاءُ الَّذِي أُزِيلَتْ بِهِ النَّجَاسَةُ قَبْلَ طَهَارَةِ الْمَحَلِّ وَبَعْدَهُ فِي إنَاءٍ وَاحِدٍ ، وَكَانَ دُونَ الْقُلَّتَيْنِ ، فَالْجَمِيعُ نَجِسٌ ، تَغَيَّرَ أَوْ لَمْ يَتَغَيَّرْ .\rوَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ : هُوَ طَاهِرٌ ؛ لِأَنَّهُ مَاءٌ أُزِيلَتْ بِهِ النَّجَاسَةُ وَلَمْ يَتَغَيَّرْ بِهَا ، فَأَشْبَهَ","part":3,"page":263},{"id":1263,"text":"مَاءَ الْغَسْلَةِ الَّتِي طَهَّرَتْ الْمَحَلَّ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ اجْتَمَعَ الْمَاءُ النَّجِسُ وَالطَّاهِرُ وَهُوَ يَسِيرٌ ، فَكَانَ نَجِسًا ، كَمَا لَوْ اجْتَمَعَ مَعَ مَاءٍ غَيْرِ الَّذِي غَسَلَ الْمَحَلَّ .","part":3,"page":264},{"id":1264,"text":"( 1004 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَإِذَا نَسِيَ فَصَلَّى بِهِمْ جُنُبًا ، أَعَادَ وَحْدَهُ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْإِمَامَ إذَا صَلَّى بِالْجَمَاعَةِ مُحْدِثًا ، أَوْ جُنُبًا ، غَيْرَ عَالِمٍ بِحَدَثِهِ ، فَلَمْ يَعْلَمْ هُوَ وَلَا الْمَأْمُومُونَ ، حَتَّى فَرَغُوا مِنْ الصَّلَاةِ ، فَصَلَاتُهُمْ صَحِيحَةٌ ، وَصَلَاةُ الْإِمَامِ بَاطِلَةٌ .\rرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ ، وَعُثْمَانَ ، وَعَلِيٍّ ، وَابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَمَالِكٌ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ، وَأَبُو ثَوْرٍ .\rوَعَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ يُعِيدُ وَيُعِيدُونَ .\rوَبِهِ قَالَ ابْنُ سِيرِينَ وَالشَّعْبِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ ؛ لِأَنَّهُ صَلَّى بِهِمْ مُحْدِثًا ، أَشْبَهَ مَا لَوْ عَلِمَ .\rوَلَنَا ، إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ صَلَّى بِالنَّاسِ الصُّبْحَ ، ثُمَّ خَرَجَ إلَى الْجُرُفِ ، فَأَهْرَقَ الْمَاءَ ، فَوَجَدَ فِي ثَوْبِهِ احْتِلَامًا ، فَأَعَادَ وَلَمْ يُعِيدُوا وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْمُصْطَلِقِ الْخُزَاعِيِّ ، أَنَّ عُثْمَانَ صَلَّى بِالنَّاسِ صَلَاةَ الْفَجْرِ ، فَلَمَّا أَصْبَحَ وَارْتَفَعَ النَّهَارُ فَإِذَا هُوَ بِأَثَرِ الْجَنَابَةِ .\rفَقَالَ : كَبِرْتُ وَاَللَّهِ ، كَبِرْتُ وَاَللَّهِ ، فَأَعَادَ الصَّلَاةَ ، وَلَمْ يَأْمُرْهُمْ أَنْ يُعِيدُوا .\rوَعَنْ عَلِيٍّ ، أَنَّهُ قَالَ : إذَا صَلَّى الْجُنُبُ بِالْقَوْمِ فَأَتَمَّ بِهِمْ الصَّلَاةَ آمُرُهُ أَنْ يَغْتَسِلَ وَيُعِيدَ ، وَلَا آمُرُهُمْ أَنْ يُعِيدُوا .\rوَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ، أَنَّهُ صَلَّى بِهِمْ الْغَدَاةَ ، ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ صَلَّى بِغَيْرِ وُضُوءٍ ، فَأَعَادَ وَلَمْ يُعِيدُوا .\rرَوَاهُ كُلَّهُ الْأَثْرَمُ .\rوَهَذَا فِي مَحَلِّ الشُّهْرَةِ ، وَلَمْ يُنْقَلْ خِلَافُهُ ، فَكَانَ إجْمَاعًا ، وَلَمْ يَثْبُتْ مَا نُقِلَ عَنْ عَلِيٍّ فِي خِلَافِهِ ، وَعَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { إذَا صَلَّى الْجُنُبُ بِالْقَوْمِ ، أَعَادَ صَلَاتَهُ ، وَتَمَّتْ لِلْقَوْمِ صَلَاتُهُمْ } .\rأَخْرَجَهُ أَبُو","part":3,"page":265},{"id":1265,"text":"سُلَيْمَانَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحَرَّانِيُّ ، فِي \" جُزْءٍ \" .\rوَلِأَنَّ الْحَدَثَ مِمَّا يَخْفَى ، وَلَا سَبِيلَ لِلْمَأْمُومِ إلَى مَعْرِفَتِهِ مِنْ الْإِمَامِ ، فَكَانَ مَعْذُورًا فِي الِاقْتِدَاءِ بِهِ ، وَيُفَارِقُ مَا إذَا كَانَ عَلَى الْإِمَامِ حَدَثُ نَفْسِهِ ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ مُسْتَهْزِئًا بِالصَّلَاةِ فَاعِلًا لِمَا لَا يَحِلُّ .\rوَكَذَلِكَ إنْ عَلِمَ الْمَأْمُومُ ، فَإِنَّهُ لَا عُذْرَ لَهُ فِي الِاقْتِدَاءِ بِهِ .\rوَقِيَاسُ الْمَعْذُورِ عَلَى غَيْرِهِ لَا يَصِحُّ ، وَالْحُكْمُ فِي النَّجَاسَةِ كَالْحُكْمِ فِي الْحَدَثِ سَوَاءً ؛ لِأَنَّهَا إحْدَى الطَّهَارَتَيْنِ ، فَأَشْبَهَتْ الْأُخْرَى ، وَلِأَنَّهَا فِي مَعْنَاهَا فِي خَفَائِهَا عَلَى الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ ، بَلْ حُكْمُ النَّجَاسَةِ أَخَفُّ ، وَخَفَاؤُهَا أَكْثَرُ ، إلَّا أَنَّ فِي النَّجَاسَةِ رِوَايَةً أُخْرَى ، أَنَّ صَلَاةَ الْإِمَامِ تَصِحُّ أَيْضًا ، إذَا نَسِيَهَا .","part":3,"page":266},{"id":1266,"text":"( 1005 ) فَصْلٌ : إذَا عَلِمَ بِحَدَثِ نَفْسِهِ فِي الصَّلَاةِ ، أَوْ عَلِمَ الْمَأْمُومُونَ ، لَزِمَهُمْ اسْتِئْنَافُ الصَّلَاةِ .\rنَصَّ عَلَيْهِ .\rقَالَ الْأَثْرَمُ : سَأَلْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ رَجُلٍ صَلَّى بِقَوْمٍ وَهُوَ غَيْرُ طَاهِرٍ ، بَعْضَ الصَّلَاةِ ، فَذَكَرَ ؟ قَالَ : يُعْجِبُنِي أَنْ يَبْتَدِئُوا الصَّلَاةَ .\rقُلْت لَهُ : يَقُولُ لَهُمْ اسْتَأْنِفُوا الصَّلَاةَ ؟ قَالَ : لَا ، وَلَكِنْ يَنْصَرِفُ وَيَتَكَلَّمُ ، وَيَبْتَدِئُونَ هُمْ الصَّلَاةَ .\rوَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ : فِيهِ عَنْ أَحْمَدَ ، رَحِمَهُ اللَّهُ رِوَايَةٌ أُخْرَى ، إذَا عَلِمَ الْمَأْمُومُونَ أَنَّهُمْ يَبْنُونَ عَلَى صَلَاتِهِمْ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يَبْنُونَ عَلَى صَلَاتِهِمْ ، سَوَاءٌ عَلِمَ بِذَلِكَ ، أَوْ عَلِمَ الْمَأْمُومُونَ ؛ لِأَنَّ مَا مَضَى مِنْ صَلَاتِهِمْ صَحِيحٌ ، فَكَانَ لَهُمْ الْبِنَاءُ عَلَيْهِ ، كَمَا لَوْ قَامَ إلَى خَامِسَةٍ فَسَبَّحُوا بِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ ائْتَمَّ بِمَنْ صَلَاتُهُ فَاسِدَةٌ مَعَ الْعِلْمِ مِنْهُمَا أَوْ مِنْ أَحَدِهِمَا أَشْبَهَ مَا لَوْ ائْتَمَّ بِامْرَأَةٍ .\rوَإِنَّمَا خُولِفَ هَذَا فِيمَا إذَا اسْتَمَرَّ الْجَهْلُ مِنْهُمَا لِلْإِجْمَاعِ ، وَلِأَنَّ وُجُوبَ الْإِعَادَةِ عَلَى الْمَأْمُومِينَ حَالَ اسْتِمْرَارِ الْجَهْلِ يَشُقُّ ، لِتَفَرُّقِهِمْ ، بِخِلَافِ مَا إذَا عَلِمُوا فِي الصَّلَاةِ .\rوَإِنْ عَلِمَ بَعْضُ الْمَأْمُومِينَ دُونَ بَعْضٍ ، فَالْمَنْصُوصُ أَنَّ صَلَاةَ الْجَمِيعِ تَفْسُدُ ، وَالْأَوْلَى أَنْ يَخْتَصَّ الْبُطْلَانُ بِمَنْ عَلِمَ دُونَ مَنْ جَهِلَ ؛ لِأَنَّهُ مَعْنًى مُبْطِلٌ اخْتَصَّ بِهِ ، فَاخْتَصَّ بِالْبُطْلَانِ ، كَحَدَثِ نَفْسِهِ .\r( 1006 ) فَصْلٌ : إذَا اخْتَلَّ غَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الشُّرُوطِ فِي حَقِّ الْإِمَامِ ، كَالسِّتَارَةِ وَاسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ ، لَمْ يُعْفَ عَنْهُ فِي حَقِّ الْمَأْمُومِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَخْفَى غَالِبًا ، بِخِلَافِ الْحَدَثِ وَالنَّجَاسَةِ .\rوَكَذَا إنْ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ لِتَرْكِ رُكْنٍ ، فَسَدَتْ صَلَاتُهُمْ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، فِي مَنْ تَرَكَ الْقِرَاءَةَ ، يُعِيدُ وَيُعِيدُونَ ، وَكَذَلِكَ فِي مَنْ تَرَكَ تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ .\r( 1007 )","part":3,"page":267},{"id":1267,"text":"فَصْلٌ : وَإِنْ فَسَدَتْ لِفِعْلٍ يُبْطِلُ الصَّلَاةَ ، فَإِنْ كَانَ عَنْ عَمْدٍ ، أَفْسَدَ صَلَاةَ الْجَمِيعِ ، وَإِنْ كَانَ عَنْ غَيْرِ عَمْدٍ ، لَمْ تَفْسُدْ صَلَاةُ الْمَأْمُومِينَ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي الضَّحِكِ أَنَّهُ يُبْطِلُ صَلَاةَ الْإِمَامِ ، وَلَا تَفْسُدُ صَلَاةُ الْمَأْمُومِينَ ، وَعَنْ أَحْمَدَ فِي مَنْ سَبَقَهُ الْحَدَثُ رِوَايَتَانِ : إحْدَاهُمَا ، أَنَّ صَلَاةَ الْمَأْمُومِينَ تَفْسُدُ لِأَنَّهُ أَمْرٌ أَفْسَدَ صَلَاةَ الْإِمَامِ ، فَأَفْسَدَ صَلَاةَ الْمَأْمُومِينَ كَتَرْكِ الشَّرْطِ ، وَقَدْ ثَبَتَ هَذَا الْحُكْمُ فِي الشَّرْطِ بِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، أَنَّهُ صَلَّى بِالنَّاسِ الْمَغْرِبَ ، فَلَمْ يَسْمَعُوا لَهُ قِرَاءَةً ، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ قَالُوا : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ كَأَنَّك خَفَضْتَ مِنْ صَوْتِك : قَالَ : وَمَا سَمِعْتُمْ ؟ قَالُوا : مَا سَمِعْنَا لَك قِرَاءَةً .\rقَالَ : فَمَا قَرَأْتُ فِي نَفْسِي ، شَغَلَتْنِي عِيرٌ جَهَّزْتُهَا إلَى الشَّامِ .\rثُمَّ قَالَ : لَا صَلَاةَ إلَّا بِقِرَاءَةٍ .\rثُمَّ أَقَامَ ، فَأَعَادَ وَأَعَادَ النَّاسُ .\rوَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ ؛ لِأَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمَّا طُعِنَ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ ، أَخَذَ بِيَدِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ فَقَدَّمَهُ ، فَأَتَمَّ بِهِمْ الصَّلَاةَ ، وَلَوْ فَسَدَتْ صَلَاتُهُمْ لَلَزِمَهُمْ اسْتِئْنَافُهَا ، وَلَا يَصِحُّ الْقِيَاسُ عَلَى تَرْكِ الشَّرْطِ ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ آكَدُ ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يُعْفَى عَنْهُ بِالنِّسْيَانِ بِخِلَافِ الْمُبْطِلِ .","part":3,"page":268},{"id":1268,"text":"( 1008 ) فَصْلٌ : إذَا سَبَقَ الْإِمَامَ الْحَدَثُ فَلَهُ أَنْ يَسْتَخْلِفَ مَنْ يُتِمُّ بِهِمْ الصَّلَاةَ ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ ، وَعَلْقَمَةَ ، وَعَطَاءٍ ، وَالْحَسَنِ ، وَالنَّخَعِيِّ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ .\rوَحُكِيَ عَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى ، أَنَّ صَلَاةَ الْمَأْمُومِينَ تَبْطُلُ ؛ لِأَنَّ أَحْمَدَ قَالَ : كُنْت أَذْهَبُ إلَى جَوَازِ الِاسْتِخْلَافِ ، وَجَبُنْتُ عَنْهُ .\rوَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : تَبْطُلُ صَلَاتُهُمْ ، رِوَايَةً وَاحِدَةً ؛ لِأَنَّهُ فُقِدَ شَرْطُ صِحَّةِ الصَّلَاةِ فِي حَقِّ الْإِمَامِ ، فَبَطَلَتْ صَلَاةُ الْمَأْمُومِ ، كَمَا لَوْ تَعَمَّدَ الْحَدَثَ .\rوَلَنَا ، أَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، لَمَّا طُعِنَ أَخَذَ بِيَدِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ فَقَدَّمَهُ ، فَأَتَمَّ بِهِمْ الصَّلَاةَ ، وَكَانَ ذَلِكَ بِمَحْضَرٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ وَلَمْ يُنْكِرْهُ مُنْكِرٌ ، فَكَانَ إجْمَاعًا .\rوَقَدْ احْتَجَّ أَحْمَدُ بِقَوْلِ عُمَرَ وَعَلِيٍّ ، وَقَوْلُهُمَا عِنْدَهُ حُجَّةٌ ، فَلَا مَعْدِلَ عَنْهُ .\rوَقَوْلُ أَحْمَدَ : جَبُنْتُ عَنْهُ .\rإنَّمَا يَدُلُّ عَلَى التَّوَقُّفِ ، وَتَوَقُّفُهُ مَرَّةً لَا يُبْطِلُ مَا انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَيْهِ .\rوَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَسْتَخْلِفَ مَنْ يُتِمُّ بِهِمْ الصَّلَاةَ ، كَمَا فَعَلَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَإِنْ لَمْ يَسْتَخْلِفْ فَقَدَّمَ الْمَأْمُومُونَ مِنْهُمْ رَجُلًا فَأَتَمَّ بِهِمْ ، جَازَ .\rوَإِنْ صَلَّوْا وُحْدَانًا جَازَ .\rقَالَ الزُّهْرِيُّ ، فِي إمَامٍ يَنُوبُهُ الدَّمُ أَوْ رَعَفَ أَوْ يَجِدُ مَذْيًا يَنْصَرِفُ ، وَلْيَقُلْ : أَتِمُّوا صَلَاتَكُمْ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، فِي آخِرِ قَوْلَيْهِ : الِاخْتِيَارُ أَنْ يُصَلِّيَ الْقَوْمُ فُرَادَى إذَا كَانَ ذَلِكَ .\rوَلَعَلَّ تَوَقُّفَ أَحْمَدَ إنَّمَا كَانَ فِي الِاسْتِخْلَافِ ، لَا فِي صِحَّةِ صَلَاةِ الْمَأْمُومِينَ ، فَإِنَّهُ قَدْ نَصَّ عَلَى أَنَّ صَلَاةَ الْمَأْمُومِينَ لَا تَفْسُدُ بِضَحِكِ الْإِمَامِ ، فَهَذَا أَوْلَى .\rوَإِنْ قَدَّمَتْ كُلُّ طَائِفَةٍ مِنْ الْمَأْمُومِينَ لَهُمْ إمَامًا فَصَلَّى بِهِمْ ، فَقِيَاسُ","part":3,"page":269},{"id":1269,"text":"الْمَذْهَبِ جَوَازُهُ ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ : تَفْسُدُ صَلَاتُهُمْ كُلِّهِمْ .\rوَلَنَا ، أَنَّ لَهُمْ أَنْ يُصَلُّوا وُحْدَانًا .\rفَكَانَ لَهُمْ أَنْ يُقَدِّمُوا رَجُلًا ، كَحَالَةِ ابْتِدَاءِ الصَّلَاةِ وَإِنْ قَدَّمَ بَعْضُهُمْ رَجُلًا ، وَصَلَّى الْبَاقُونَ وُحْدَانًا ، جَازَ .\r( 1009 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا الَّذِي سَبَقَهُ الْحَدَثُ ، فَتَبْطُلُ صَلَاتُهُ ، وَيَلْزَمُهُ اسْتِئْنَافُهَا .\rقَالَ أَحْمَدُ : يُعْجِبُنِي أَنْ يَتَوَضَّأَ وَيَسْتَقْبِلَ .\rهَذَا قَوْلُ الْحَسَنِ وَعَطَاءٍ وَالنَّخَعِيِّ وَمَكْحُولٍ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ يَتَوَضَّأُ ، وَيَبْنِي .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { مَنْ قَاءَ أَوْ رَعَفَ فِي صَلَاتِهِ ، فَلْيَنْصَرِفْ ، فَلْيَتَوَضَّأْ ، وَلْيَبْنِ عَلَى مَا مَضَى مِنْ صَلَاتِهِ } .\rوَعَنْهُ ، رِوَايَةٌ ثَالِثَةٌ ، إنْ كَانَ الْحَدَثُ مِنْ السَّبِيلَيْنِ ابْتَدَأَ ، وَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِهِمَا بَنَى لِأَنَّ حُكْمَ نَجَاسَةِ السَّبِيلِ أَغْلَظُ ، وَالْأَثَرُ إنَّمَا وَرَدَ بِالْبِنَاءِ فِي الْخَارِجِ مِنْ غَيْرِ السَّبِيلِ ، فَلَا يَلْحَقُ بِهِ مَا لَيْسَ فِي مَعْنَاهُ .\rوَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ ؛ لِمَا رَوَى عَلِيُّ بْنُ طَلْقٍ ، قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إذَا فَسَا أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ ، فَلْيَنْصَرِفْ ، فَلْيَتَوَضَّأْ ، وَلْيُعِدْ صَلَاتَهُ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَالْأَثْرَمُ .\rوَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ { ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ قَائِمًا يُصَلِّي بِهِمْ ، فَانْصَرَفَ ، ثُمَّ جَاءَ وَرَأْسُهُ يَقْطُرُ ، فَقَالَ : إنِّي قُمْتُ بِكُمْ ، ثُمَّ ذَكَرْتُ أَنِّي كُنْتُ جُنُبًا وَلَمْ أَغْتَسِلْ ، فَانْصَرَفْتُ فَاغْتَسَلْتُ ، فَمَنْ أَصَابَهُ مِنْكُمْ مِثْلُ الَّذِي أَصَابَنِي ، أَوْ أَصَابَهُ فِي بَطْنِهِ رِزٌّ ، فَلْيَنْصَرِفْ فَلْيَغْتَسِلْ ، أَوْ لِيَتَوَضَّأْ ، وَلْيَسْتَقْبِلْ صَلَاتَهُ } رَوَاهُ الْأَثْرَمُ .\rوَلِأَنَّهُ فَقَدَ شَرْطَ الصَّلَاةِ فِي أَثْنَائِهَا","part":3,"page":270},{"id":1270,"text":"عَلَى وَجْهٍ لَا يَعُودُ إلَّا بَعْدَ زَمَنٍ طَوِيلٍ وَعَمَلٍ كَثِيرٍ ، فَفَسَدَتْ صَلَاتُهُ ، كَمَا لَوْ تَنَجَّسَ نَجَاسَةً يَحْتَاجُ فِي إزَالَتِهَا إلَى مِثْلِ ذَلِكَ ، أَوْ انْكَشَفَتْ عَوْرَتُهُ وَلَمْ يَجِدْ السُّتْرَةَ إلَّا بَعِيدَةً مِنْهُ ، أَوْ تَعَمَّدَ الْحَدَثَ ، أَوْ انْقَضَتْ مُدَّةُ الْمَسْحِ ، وَحَدِيثُهُمْ ضَعِيفٌ .\r( 1010 ) فَصْلٌ : قَالَ أَصْحَابُنَا : يَجُوزُ أَنْ يُسْتَخْلَفَ مَنْ سُبِقَ بِبَعْضِ الصَّلَاةِ ، وَلِمَنْ جَاءَ بَعْدَ حَدَثِ الْإِمَامِ ، فَيَبْنِي عَلَى مَا مَضَى مِنْ صَلَاةِ الْإِمَامِ مِنْ قِرَاءَةٍ أَوْ رَكْعَةٍ أَوْ سَجْدَةٍ ، وَيَقْضِي بَعْدَ فَرَاغِ صَلَاةِ الْمَأْمُومِينَ .\rوَحُكِيَ هَذَا الْقَوْلُ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ ، وَأَكْثَرِ مَنْ وَافَقَهُمَا فِي الِاسْتِخْلَافِ .\rوَفِيهِ رِوَايَةٌ أُخْرَى ، أَنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يَبْنِيَ أَوْ يَبْتَدِئَ قَالَ مَالِكٌ : وَيُصَلِّي لِنَفْسِهِ صَلَاةً تَامَّةً ، فَإِذَا فَرَغُوا مِنْ صَلَاتِهِمْ قَعَدُوا وَانْتَظَرُوهُ حَتَّى يُتِمَّ وَيُسَلِّمَ مَعَهُمْ ؛ لِأَنَّ اتِّبَاعَ الْمَأْمُومِينَ لِلْإِمَامِ أَوْلَى مِنْ اتِّبَاعِهِ لَهُمْ ، فَإِنَّ الْإِمَامَ إنَّمَا جُعِلَ لِيُؤْتَمَّ بِهِ .\rوَعَلَى كِلْتَا الرِّوَايَتَيْنِ إذَا فَرَغَ الْمَأْمُومُونَ قَبْلَ فَرَاغِ إمَامِهِمْ ، وَقَامَ لِقَضَاءِ مَا فَاتَهُ ، فَإِنَّهُمْ يَجْلِسُونَ وَيَنْتَظِرُونَهُ حَتَّى يُتِمَّ وَيُسَلِّمَ بِهِمْ ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ يَنْتَظِرُ الْمَأْمُومِينَ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ ، فَانْتِظَارُهُمْ لَهُ أَوْلَى .\rوَإِنْ سَلَّمُوا وَلَمْ يَنْتَظِرُوهُ جَازَ .\rوَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ : يَسْتَخْلِفُ مَنْ يُسَلِّمُ بِهِمْ ، وَالْأَوْلَى انْتِظَارُهُ .\rوَإِنْ سَلَّمُوا لَمْ يَحْتَاجُوا إلَى خَلِيفَةٍ ، فَإِنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنْ الصَّلَاةِ إلَّا السَّلَامُ ، فَلَا حَاجَةَ إلَى الِاسْتِخْلَافِ فِيهِ .\rوَيَقْوَى عِنْدِي أَنَّهُ لَا يَصِحُّ الِاسْتِخْلَافُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ ؛ لِأَنَّهُ إنْ بَنَى جَلَسَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ جُلُوسِهِ ، وَصَارَ تَابِعًا لِلْمَأْمُومِينَ ، وَإِنْ ابْتَدَأَ جَلَسَ الْمَأْمُومُونَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ جُلُوسِهِمْ ، وَلَمْ يَرِدْ الشَّرْعُ بِهَذَا ، وَإِنَّمَا ثَبَتَ الِاسْتِخْلَافُ","part":3,"page":271},{"id":1271,"text":"فِي مَوْضِعِ الْإِجْمَاعِ حَيْثُ لَمْ يُحْتَجْ إلَى شَيْءٍ مِنْ هَذَا ، فَلَا يُلْحَقُ بِهِ مَا لَيْسَ فِي مَعْنَاهُ .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":3,"page":272},{"id":1272,"text":"( 1011 ) فَصْلٌ : وَإِذَا اسْتَخْلَفَ مَنْ لَا يَدْرِي كَمْ صَلَّى ؟ احْتَمَلَ أَنْ يَبْنِيَ عَلَى الْيَقِينِ ، فَإِنْ وَافَقَ الْحَقَّ ، وَإِلَّا سَبَّحُوا بِهِ ، فَرَجَعَ إلَيْهِمْ ، وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ .\rوَقَالَ النَّخَعِيُّ : يَنْظُرُ مَا يَصْنَعُ مَنْ خَلْفَهُ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ .\rيَتَصَنَّعُ ، فَإِنْ سَبَّحُوا بِهِ جَلَسَ ، وَعَلِمَ أَنَّهَا الرَّابِعَةُ .\rوَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : يُصَلِّي بِهِمْ رَكْعَةً ؛ لِأَنَّهُ تَيَقَّنَ بَقَاءَ رَكْعَةٍ ، ثُمَّ يَتَأَخَّرُ وَيُقَدِّمُ رَجُلًا يُصَلِّي بِهِمْ مَا بَقِيَ مِنْ صَلَاتِهِمْ ، فَإِذَا سَلَّمَ قَامَ الرَّجُلُ فَأَتَمَّ صَلَاتَهُ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : يُصَلِّي لِنَفْسِهِ صَلَاةً تَامَّةً فَإِنْ فَرَغُوا مِنْ صَلَاتِهِمْ قَعَدُوا وَانْتَظَرُوهُ .\rوَالْأَقْوَالُ الثَّلَاثَةُ الْأُولَى مُتَقَارِبَةٌ .\rوَلَنَا ، عَلَى أَنَّهُ لَا يُسْتَخْلَفُ ، أَنَّهُ إنْ شَكَّ فِي عَدَدِ الرَّكَعَاتِ ، فَلَمْ يَجُزْ لَهُ الِاسْتِخْلَافُ لِذَلِكَ ، كَغَيْرِ الْمُسْتَخْلَفِ .\rوَلَنَا ، عَلَى أَنَّهُ يَبْنِي عَلَى الْيَقِينِ أَنَّهُ شَكٌّ مِمَّنْ لَا ظَنَّ لَهُ ، فَوَجَبَ الْبِنَاءُ عَلَى الْيَقِينِ ، كَسَائِرِ الْمُصَلَّيْنَ .","part":3,"page":273},{"id":1273,"text":"( 1012 ) فَصْلٌ : وَمَنْ أَجَازَ الِاسْتِخْلَافَ ، فَقَدْ أَجَازَ نَقْلَ الْجَمَاعَةِ إلَى جَمَاعَةٍ أُخْرَى ، لِلْعُذْرِ ، وَيَشْهَدُ لِذَلِكَ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَاءَ وَأَبُو بَكْرٍ فِي الصَّلَاةِ ، فَتَأَخَّرَ أَبُو بَكْرٍ .\rوَتَقَدَّمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَتَمَّ بِهِمْ الصَّلَاةَ .\rوَفَعَلَ هَذَا مَرَّةً أُخْرَى ، جَاءَ حَتَّى جَلَسَ إلَى جَانِبِ أَبِي بَكْرٍ عَنْ يَسَارٍ ، وَأَبُو بَكْرٍ عَنْ يَمِينِهِ قَائِمٌ ، يَأْتَمُّ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَأْتَمُّ النَّاسُ بِأَبِي بَكْرٍ .\r} وَكِلَا الْحَدِيثَيْنِ صَحِيحٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا .\rوَهَذَا يُقَوِّي جَوَازَ الِاسْتِخْلَافِ وَالِانْتِقَالِ مِنْ جَمَاعَةٍ إلَى جَمَاعَةٍ أُخْرَى حَالَ الْعُذْرِ .\rفَيُخَرَّجُ مِنْ هَذَا أَنَّهُ لَوْ أَدْرَكَ اثْنَانِ بَعْضَ الصَّلَاةِ مَعَ الْإِمَامِ ، فَلَمَّا سَلَّمَ الْإِمَامُ ائْتَمَّ أَحَدُهُمَا بِصَاحِبِهِ ، وَنَوَى الْآخَرُ إمَامَتَهُ ، أَنَّ ذَلِكَ يَصِحُّ ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الِاسْتِخْلَافِ ، وَمَنْ لَمْ يُجِزْ الِاسْتِخْلَافَ لَمْ يُجِزْ ذَلِكَ .\rوَلَوْ تَخَلَّفَ إمَامُ الْحَيِّ مِنْ الصَّلَاةِ لِغَيْبَةٍ ، أَوْ مَرَضٍ ، أَوْ عُذْرٍ ، وَصَلَّى غَيْرُهُ ، وَحَضَرَ إمَامُ الْحَيِّ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ ، فَتَأَخَّرَ الْإِمَامُ ، وَتَقَدَّمَ إمَامُ الْحَيِّ ، فَبَنَى عَلَى صَلَاةِ خَلِيفَتِهِ ، كَمَا فَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو بَكْرٍ ، فَفِي ذَلِكَ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا ، يَجُوزُ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَلَهُ ، فَيَجُوزُ لِغَيْرِهِ أَنْ يَفْعَلَ مِثْلَ فِعْلِهِ .\rوَالثَّانِي ، لَا يَجُوزُ ؛ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ خَاصًّا بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَدَمِ مُسَاوَاةِ غَيْرِهِ لَهُ فِي الْفَضْلِ .","part":3,"page":274},{"id":1274,"text":"( 1013 ) فَصْلٌ : إذَا وُجِدَ الْمُبْطِلُ فِي الْمَأْمُومِ دُونَ الْإِمَامِ ، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ الْمَأْمُومُ مُحْدِثًا أَوْ نَجِسًا وَلَمْ يَعْلَمْ بِذَلِكَ إلَّا بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ الصَّلَاةِ ، أَوْ سَبَقَهُ الْحَدَثُ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ ، أَوْ ضَحِكَ أَوْ تَكَلَّمَ أَوْ تَرَكَ رُكْنًا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ مِنْ الْمُبْطِلَاتِ ، وَلَمْ يَكُنْ مَعَ الْإِمَامِ مَنْ تَنْعَقِدُ بِهِ الصَّلَاةُ سِوَاهُ ، فَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنَّ حُكْمَهُ كَحُكْمِ الْإِمَامِ مَعَهُ عَلَى مَا فَصَّلْنَاهُ ؛ لِأَنَّ ارْتِبَاطَ صَلَاةِ الْإِمَامِ بِالْمَأْمُومِ كَارْتِبَاطِ صَلَاةِ الْمَأْمُومِ بِالْإِمَامِ ، فَمَا فَسَدَ ثَمَّ فَسَدَ هَاهُنَا ، وَمَا صَحَّ ثَمَّ صَحَّ هَاهُنَا ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":3,"page":275},{"id":1275,"text":"( 1014 ) فَصْلٌ : قَالَ أَحْمَدُ ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، فِي رَجُلَيْنِ أَمَّ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ ، فَشَمَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا رِيحًا ، أَوْ سَمِعَ صَوْتًا يَعْتَقِدُ أَنَّهُ مِنْ صَاحِبِهِ ؛ وَكُلٌّ يَقُولُ لَيْسَ مِنِّي : يَتَوَضَّآنِ جَمِيعًا ، وَيُصَلِّيَانِ ؛ إنَّمَا فَسَدَتْ صَلَاتُهُمَا لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَعْتَقِدُ فَسَادَ صَلَاةِ صَاحِبِهِ ، وَأَنَّهُ صَارَ فَذًّا ، وَهَذَا عَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي تَقُولُ بِفَسَادِ صَلَاةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ بِفَسَادِ صَلَاةِ صَاحِبِهِ لِكَوْنِهِ صَارَ فَذًّا .\rوَعَلَى الرِّوَايَةِ الْمَنْصُورَةِ ، يَنْوِي كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الِانْفِرَادَ ، وَيُتِمُّ صَلَاتَهُ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ إنَّمَا قَضَى بِفَسَادِ صَلَاتِهِمَا إذَا أَتَمَّا الصَّلَاةَ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ فَسْخِ النِّيَّةِ ، فَإِنَّ الْمَأْمُومَ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ مُؤْتَمٌّ بِمُحْدِثِ ، وَالْإِمَامَ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ يَؤُمُّ مُحْدِثًا .\rوَأَمَّا الْوُضُوءُ فَلَعَلَّ الْإِمَامَ أَحْمَدَ ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، إنَّمَا أَرَادَ بِقَوْلِهِ : يَتَوَضَّآنِ لِتَصِحَّ صَلَاتُهُمَا جَمَاعَةً .\rإذْ لَيْسَ لِأَحَدِهِمَا أَنْ يَأْتَمَّ بِصَاحِبِهِ أَوْ يَؤُمَّهُ مَعَ اعْتِقَادِ حَدَثِهِ ، وَلَعَلَّهُ أَمَرَ بِذَلِكَ احْتِيَاطًا ، أَمَّا إذَا صَلَّيَا مُنْفَرِدَيْنِ فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ الْوُضُوءُ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا ؛ لِأَنَّ يَقِينَ الطَّهَارَةِ مَوْجُودٌ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ، وَالْحَدَثَ مَشْكُوكٌ فِيهِ ، فَلَا يَزُولُ الْيَقِينُ بِالشَّكِّ .\r( 1015 ) فَصْلٌ : وَنُقِلَ عَنْ أَحْمَدَ ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، فِي إمَامٍ صَلَّى بِقَوْمٍ ، فَشَهِدَ اثْنَانِ عَنْ يَمِينِهِ أَنَّهُ أَحْدَثَ ، وَأَنْكَرَ الْإِمَامُ وَبَقِيَّةُ الْمَأْمُومِينَ : يُعِيدُ ، وَيُعِيدُونَ .\rوَهَذَا لِأَنَّ شَهَادَتَهُمَا إثْبَاتٌ يُقَدَّمُ عَلَى النَّفْيِ ، لِاحْتِمَالِ عِلْمِهِمَا بِهِ ، مَعَ خَفَائِهِ عَنْهُ وَعَنْ بَقِيَّةِ الْمَأْمُومِينَ .\rوَقَوْلُهُ : \" يُعِيدُونَ \" .\rلِأَنَّ الْمَأْمُومِينَ مَتَى عَلِمَ بَعْضُهُمْ بِحَدَثِ إمَامِهِمْ ، لَزِمَتْ الْجَمِيعَ الْإِعَادَةُ عَلَى الْمَنْصُوصِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ تَخْتَصُّ","part":3,"page":276},{"id":1276,"text":"الْإِعَادَةُ مَنْ عَلِمَ دُونَ غَيْرِهِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":3,"page":277},{"id":1277,"text":"بَابُ السَّاعَاتِ الَّتِي نُهِيَ عَنْ الصَّلَاةِ فِيهَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ : { شَهِدَ عِنْدِي رِجَالٌ مَرْضِيُّونَ ، وَأَرْضَاهُمْ عِنْدِي عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصُّبْحِ ، حَتَّى تُشْرِقَ الشَّمْسُ ، وَبَعْدَ الْعَصْرِ ، حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ } .\rوَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا صَلَاةَ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَرْتَفِعَ الشَّمْسُ ، وَلَا صَلَاةَ بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا .\rوَفِي لَفْظٍ بَعْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَبَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ .\rرَوَاهُ مُسْلِمٌ .\rوَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مِثْلُ حَدِيثِ عُمَرَ إلَّا أَنَّهُ قَالَ : وَعَنْ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ .\rوَعَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إذَا بَدَا حَاجِبُ الشَّمْسِ فَأَخِّرُوا الصَّلَاةَ حَتَّى تَبْرُزَ ، وَإِذَا غَابَ حَاجِبُ الشَّمْسِ فَأَخِّرُوا الصَّلَاةَ حَتَّى تَغِيبَ } رَوَاهُمَا مُسْلِمٌ .\rوَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ، قَالَ : { ثَلَاثُ سَاعَاتٍ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْهَانَا أَنْ نُصَلِّيَ فِيهِنَّ أَوْ أَنْ نَقْبُرَ فِيهَا مَوْتَانَا ؛ حِينَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ بَازِغَةً حَتَّى تَرْتَفِعَ ، وَحِينَ يَقُومُ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ حَتَّى تَمِيلَ ، وَحِينَ تَضَيَّفُ الشَّمْسُ لِلْغُرُوبِ حَتَّى تَغْرُبَ } .\rوَعَنْ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ ، قَالَ : { قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَخْبِرْنِي عَنْ الصَّلَاةِ .\rقَالَ : صَلِّ صَلَاةَ الصُّبْحِ ، ثُمَّ أَقْصِرْ عَنْ الصَّلَاةِ حِينَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ ، حَتَّى تَرْتَفِعَ ؛ فَإِنَّهَا تَطْلُعُ حِينَ تَطْلُعُ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ ، وَحِينَئِذٍ يَسْجُدُ لَهَا الْكُفَّارُ ، ثُمَّ صَلِّ ؛ فَإِنَّ الصَّلَاةَ مَحْضُورَةٌ مَشْهُودَةٌ ، حَتَّى يَسْتَقِلَّ الظِّلُّ بِالرُّمْحِ ، ثُمَّ أَقْصِرْ عَنْ الصَّلَاةِ ، فَإِنَّ حِينَئِذٍ تُسَجَّرُ جَهَنَّمُ فَإِذَا أَقْبَلَ الْفَيْءُ فَصَلِّ ، فَإِنَّ الصَّلَاةَ مَشْهُودَةٌ مَحْضُورَةٌ","part":3,"page":278},{"id":1278,"text":"حَتَّى تُصَلِّيَ الْعَصْرَ ، ثُمَّ أَقْصِرْ عَنْ الصَّلَاةِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ ؛ فَإِنَّهَا تَغْرُبُ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ ، وَحِينَئِذٍ يَسْجُدُ لَهَا الْكُفَّارُ } .\rرَوَاهُنَّ مُسْلِمٌ .","part":3,"page":279},{"id":1279,"text":"( 1016 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ : ( وَيَقْضِي الْفَوَائِتَ مِنْ الصَّلَوَاتِ الْفَرْضِ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ يَجُوزُ قَضَاءُ الْفَرَائِضِ الْفَائِتَةِ فِي جَمِيعِ أَوْقَاتِ النَّهْيِ وَغَيْرِهَا .\rرُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَغَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ .\rوَبِهِ قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَالْحَكَمُ ، وَحَمَّادٌ ، وَمَالِكٌ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ ، وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ : لَا تُقْضَى الْفَوَائِتُ فِي الْأَوْقَاتِ الثَّلَاثَةِ الَّتِي فِي حَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ، إلَّا عَصْرَ يَوْمِهِ يُصَلِّيهَا قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ ؛ لِعُمُومِ النَّهْيِ ، وَهُوَ مُتَنَاوِلٌ لِلْفَرَائِضِ وَغَيْرِهَا ، وَلِأَنَّ { النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا نَامَ عَنْ صَلَاةِ الْفَجْرِ حَتَّى طَلَعَتْ الشَّمْسُ ، أَخَّرَهَا حَتَّى ابْيَضَّتْ الشَّمْسُ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَلِأَنَّهَا صَلَاةٌ ، فَلَمْ تَجُزْ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ كَالنَّوَافِلِ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ نَامَ فِي دَالِيَةٍ ، فَاسْتَيْقَظَ عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ ، فَانْتَظَرَ حَتَّى غَابَتْ الشَّمْسُ ثُمَّ صَلَّى .\rوَعَنْ كَعْبٍ - أَحْسِبُهُ ابْنَ عُجْرَةَ - أَنَّهُ نَامَ حَتَّى طَلَعَ قَرْنُ الشَّمْسِ فَأَجْلَسَهُ ، فَلَمَّا أَنْ تَعَالَتْ الشَّمْسُ قَالَ لَهُ : صَلِّ الْآنَ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا ، فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرَهَا } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَفِي حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ : { إنَّمَا التَّفْرِيطُ فِي الْيَقَظَةِ عَلَى مَنْ لَمْ يُصَلِّ الصَّلَاةَ حَتَّى يَجِيءَ وَقْتُ الْأُخْرَى ، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَلْيُصَلِّهَا حِينَ يَنْتَبِهُ لَهَا } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَخَبَرُ النَّهْيِ مَخْصُوصٌ بِالْقَضَاءِ فِي الْوَقْتَيْنِ الْآخَرَيْنِ ، وَبِعَصْرِ يَوْمِهِ ، فَنَقِيسُ مَحَلَّ النِّزَاعِ عَلَى الْمَخْصُوصِ ، وَقِيَاسُهُمْ مَنْقُوضٌ بِذَلِكَ أَيْضًا ، وَحَدِيثُ أَبِي قَتَادَةَ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ","part":3,"page":280},{"id":1280,"text":"التَّأْخِيرِ ، لَا عَلَى تَحْرِيمِ الْفِعْلِ .","part":3,"page":281},{"id":1281,"text":"( 1017 ) فَصْلٌ : وَلَوْ طَلَعْت الشَّمْسُ وَهُوَ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ ، أَتَمَّهَا .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ : تَفْسُدُ ؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ فِي وَقْتِ النَّهْيِ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { إذَا أَدْرَكَ أَحَدُكُمْ سَجْدَةً مِنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ ، قَبْلَ أَنْ تَغِيبَ الشَّمْسُ ، فَلْيُتِمَّ صَلَاتَهُ ، وَإِذَا أَدْرَكَ سَجْدَةً مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ ، فَلْيُتِمَّ صَلَاتَهُ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَهَذَا نَصٌّ فِي الْمَسْأَلَةِ ، يُقَدَّمُ عَلَى عُمُومِ غَيْرِهِ .","part":3,"page":282},{"id":1282,"text":"( 1018 ) فَصْلٌ : وَيَجُوزُ فِعْلُ الصَّلَاةِ الْمَنْذُورَةِ فِي وَقْتِ النَّهْيِ ، سَوَاءٌ كَانَ النَّذْرُ مُطْلَقًا أَوْ مُؤَقَّتًا .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَجُوزُ ، وَيَتَخَرَّجُ لَنَا مِثْلُهُ بِنَاءً عَلَى صَوْمِ الْوَاجِبِ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ .\rوَلَنَا أَنَّهَا صَلَاةٌ وَاجِبَةٌ ، فَأَشْبَهَتْ الْفَوَائِتَ مِنْ الْفَرَائِضِ وَصَلَاةَ الْجِنَازَةِ ، وَقَدْ وَافَقَنَا فِيهِ فِيمَا بَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ وَصَلَاةِ الصُّبْحِ .","part":3,"page":283},{"id":1283,"text":"( 1019 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَيَرْكَعُ لِلطَّوَافِ ) يَعْنِي فِي أَوْقَاتِ النَّهْيِ ، وَمِمَّنْ طَافَ بَعْدَ الصُّبْحِ وَالْعَصْرِ وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ابْنُ عُمَرَ ، وَابْنُ الزُّبَيْرِ ، وَعَطَاءٌ ، وَطَاوُسٌ ، وَفَعَلَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَالْحَسَنُ ، وَالْحُسَيْنُ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَالْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، وَفَعَلَهُ عُرْوَةُ بَعْدَ الصُّبْحِ ، وَهَذَا مَذْهَبُ عَطَاءٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي ثَوْرٍ .\rوَأَنْكَرَتْ طَائِفَةٌ ذَلِكَ ، مِنْهُمْ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٌ .\rوَاحْتَجُّوا بِعُمُومِ أَحَادِيثِ النَّهْيِ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى جُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ ، { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ ، لَا تَمْنَعُوا أَحَدًا طَافَ بِهَذَا الْبَيْتِ ، وَصَلَّى فِي أَيِّ سَاعَةٍ شَاءَ ، مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ } .\rرَوَاهُ الْأَثْرَمُ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَقَالَ : حَدِيثٌ صَحِيحٌ .\rوَلِأَنَّهُ قَوْلُ مَنْ سَمَّيْنَا مِنْ الصَّحَابَةِ ، وَلِأَنَّ رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ تَابِعَةٌ لَهُ ، فَإِذَا أُبِيحَ الْمَتْبُوعُ يَنْبَغِي أَنْ يُبَاحَ التَّبَعُ ، وَحَدِيثُهُمْ مَخْصُوصٌ بِالْفَوَائِتِ ، وَحَدِيثُنَا لَا تَخْصِيصَ فِيهِ ، فَيَكُونُ أَوْلَى .","part":3,"page":284},{"id":1284,"text":"( 1020 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَيُصَلِّي عَلَى الْجِنَازَةِ ) أَمَّا الصَّلَاةُ عَلَى الْجِنَازَةِ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ ، وَبَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَمِيلَ لِلْغُرُوبِ ، فَلَا خِلَافَ فِيهِ ، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : إجْمَاعُ الْمُسْلِمِينَ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْجِنَازَةِ بَعْدَ الْعَصْرِ وَالصُّبْحِ ، وَأَمَّا الصَّلَاةُ عَلَيْهَا فِي الْأَوْقَاتِ الثَّلَاثَةِ الَّتِي فِي حَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ فَلَا يَجُوزُ .\rذَكَرَهَا الْقَاضِي ، وَغَيْرُهُ .\rقَالَ الْأَثْرَمُ : سَأَلْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَنْ الصَّلَاةِ عَلَى الْجِنَازَةِ إذَا طَلَعَتْ الشَّمْسُ ؟ قَالَ : أَمَّا حِينَ تَطْلُعُ فَمَا يُعْجِبُنِي .\rثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ جَابِرٍ ، وَابْنِ عُمَرَ نَحْوُ هَذَا الْقَوْلِ ، وَذَكَرَهُ مَالِكٌ فِي \" الْمُوَطَّأِ \" عَنْ ابْنِ عُمَرَ .\rوَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : هَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rوَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ ، عَنْ أَحْمَدَ ، رِوَايَةٌ أُخْرَى : إنَّ الصَّلَاةَ عَلَى الْجِنَازَةِ تَجُوزُ فِي جَمِيعِ أَوْقَاتِ النَّهْي .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهَا صَلَاةٌ تُبَاحُ بَعْدَ الصُّبْحِ وَالْعَصْرِ ، فَأُبِيحَتْ فِي سَائِرِ الْأَوْقَاتِ ، كَالْفَرَائِضِ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ : { ثَلَاثُ سَاعَاتٍ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْهَانَا أَنْ نُصَلِّيَ فِيهِنَّ ، وَأَنْ نَقْبُرَ فِيهِنَّ مَوْتَانَا } .\rوَذِكْرُهُ لِلصَّلَاةِ مَقْرُونًا بِالدَّفْنِ دَلِيلٌ عَلَى إرَادَةِ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ .\rوَلِأَنَّهَا صَلَاةٌ مِنْ غَيْرِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ ، فَلَمْ يَجُزْ فِعْلُهَا فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ الثَّلَاثَةِ ، كَالنَّوَافِلِ الْمُطْلَقَةِ ، وَإِنَّمَا أُبِيحَتْ بَعْدَ الصُّبْحِ وَالْعَصْرِ لِأَنَّ مُدَّتَهُمَا تَطُولُ ، فَالِانْتِظَارُ يُخَافُ مِنْهُ عَلَيْهَا ، وَهَذِهِ مُدَّتُهَا تَقْصُرُ ، وَأَمَّا الْفَرَائِضُ فَلَا يُقَاسُ عَلَيْهَا ؛ لِأَنَّهَا آكَدُ ، وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُ هَذِهِ الْأَوْقَاتِ الثَّلَاثَةِ عَلَى الْوَقْتَيْنِ الْآخَرَيْنِ ، لِأَنَّ النَّهْيَ فِيهَا آكَدُ ، وَزَمَنُهَا أَقْصَرُ ، فَلَا يُخَافُ عَلَى","part":3,"page":285},{"id":1285,"text":"الْمَيِّتِ فِيهَا ، وَلِأَنَّهُ نُهِيَ عَنْ الدَّفْنِ فِيهَا ، وَالصَّلَاةُ الْمَقْرُونَةُ بِالدَّفْنِ تَتَنَاوَلُ صَلَاةَ الْجِنَازَةِ ، وَتَمْنَعُهَا الْقَرِينَةُ مِنْ الْخُرُوجِ بِالتَّخْصِيصِ ، بِخِلَافِ الْوَقْتَيْنِ الْآخَرَيْنِ .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":3,"page":286},{"id":1286,"text":"( 1021 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَيُصَلِّي إذَا كَانَ فِي الْمَسْجِدِ وَأُقِيمَتْ الصَّلَاةُ وَقَدْ كَانَ صَلَّاهَا ) .\rوَجُمْلَتُهُ أَنَّ مَنْ صَلَّى فَرْضَهُ ثُمَّ أَدْرَكَ تِلْكَ الصَّلَاةَ فِي جَمَاعَةٍ ، اُسْتُحِبَّ لَهُ إعَادَتُهَا ، أَيَّ صَلَاةٍ كَانَتْ ، بِشَرْطِ أَنْ تُقَامَ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ ، أَوْ يَدْخُلَ الْمَسْجِدَ وَهُمْ يُصَلُّونَ .\rوَهَذَا قَوْلُ الْحَسَنِ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي ثَوْرٍ .\rفَإِنْ أُقِيمَتْ صَلَاةُ الْفَجْرِ أَوْ الْعَصْرِ وَهُوَ خَارِجُ الْمَسْجِدِ ، لَمْ يُسْتَحَبَّ لَهُ الدُّخُولُ .\rوَاشْتَرَطَ الْقَاضِي لِجَوَازِ الْإِعَادَةِ فِي وَقْتِ النَّهْيِ ، أَنْ يَكُونَ مَعَ إمَامِ الْحَيِّ .\rوَلَمْ يُفَرِّقْ الْخِرَقِيِّ بَيْنَ إمَامِ الْحَيِّ وَغَيْرِهِ ، وَلَا بَيْنَ الْمُصَلِّي جَمَاعَةً وَفُرَادَى .\rوَكَلَامُ أَحْمَدَ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا .\rقَالَ الْأَثْرَمُ : سَأَلْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَنْ مَنْ صَلَّى فِي جَمَاعَةٍ ، ثُمَّ دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَهُمْ يُصَلُّونَ ، أَيُصَلِّي مَعَهُمْ ؟ قَالَ : نَعَمْ .\rوَذَكَرَ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَمَّا هَذَا فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ .\rإنَّمَا هِيَ نَافِلَةٌ فَلَا يَدْخُلُ ، فَإِنْ دَخَلَ صَلَّى ، وَإِنْ كَانَ قَدْ صَلَّى فِي جَمَاعَةٍ ، قِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ : وَالْمَغْرِبُ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، إلَّا أَنَّهُ فِي الْمَغْرِبِ يَشْفَعُ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : إنْ كَانَ صَلَّى وَحْدَهُ أَعَادَ الْمَغْرِبَ ، وَإِنْ كَانَ صَلَّى فِي جَمَاعَةٍ لَمْ يُعِدْهَا ؛ لِأَنَّ الْحَدِيثَ الدَّالَّ عَلَى الْإِعَادَةِ قَالَ فِيهِ : صَلَّيْنَا فِي رِحَالِنَا .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا تُعَادُ الْفَجْرُ وَلَا الْعَصْرُ وَلَا الْمَغْرِبُ ؛ لِأَنَّهَا نَافِلَةٌ فَلَا يَجُوزُ فِعْلُهَا فِي وَقْتِ النَّهْيِ ؛ لِعُمُومِ الْحَدِيثِ فِيهِ ، وَلَا تُعَادُ الْمَغْرِبُ لِأَنَّ التَّطَوُّعَ لَا يَكُونُ بِوِتْرٍ .\rوَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ، وَالنَّخَعِيِّ : تُعَادُ الصَّلَوَاتُ كُلُّهَا إلَّا الصُّبْحَ وَالْمَغْرِبَ .\rوَقَالَ أَبُو مُوسَى ، وَأَبُو مِجْلَزٍ ، وَمَالِكٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ : تُعَادُ كُلُّهَا إلَّا الْمَغْرِبَ ، لِئَلَّا يَتَطَوَّعَ بِوِتْرٍ .\rوَقَالَ الْحَاكِمُ :","part":3,"page":287},{"id":1287,"text":"إلَّا الصُّبْحَ وَحْدَهَا .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى جَابِرُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ الْأَسْوَدِ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : { شَهِدْت مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَجَّتَهُ فَصَلَّيْت مَعَهُ صَلَاةَ الْفَجْرِ فِي مَسْجِدِ الْخَيْفِ ، وَأَنَا غُلَامٌ شَابٌّ ، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ إذَا هُوَ بِرَجُلَيْنِ فِي آخِرِ الْقَوْمِ لَمْ يُصَلِّيَا مَعَهُ .\rفَقَالَ : عَلَيَّ بِهِمَا فَأُتِيَ بِهِمَا تَرْعَدُ فَرَائِصُهُمَا ، فَقَالَ : مَا مَنَعَكُمَا أَنْ تُصَلِّيَا مَعَنَا ؟ ، فَقَالَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَدْ صَلَّيْنَا فِي رِحَالِنَا .\rقَالَ : لَا تَفْعَلَا ، إذَا صَلَّيْتُمَا فِي رِحَالِكُمَا ، ثُمَّ أَتَيْتُمَا مَسْجِدَ جَمَاعَةٍ فَصَلِّيَا مَعَهُمْ ؛ فَإِنَّهَا لَكُمْ نَافِلَةٌ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَالْأَثْرَمُ .\rوَرَوَى مَالِكٌ ، فِي \" الْمُوَطَّأِ \" عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ بُسْرِ بْنِ مِحْجَنٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، { أَنَّهُ كَانَ جَالِسًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأُذِّنَ لِلصَّلَاةِ ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَصَلَّى ، ثُمَّ رَجَعَ وَمِحْجَنٌ فِي مَجْلِسِهِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا مَنَعَكَ أَنْ تُصَلِّيَ مَعَ النَّاسِ ، أَلَسْتَ بِرَجُلٍ مُسْلِمٍ ؟ .\rفَقَالَ : بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَلَكِنِّي قَدْ صَلَّيْت فِي أَهْلِي .\rفَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إذَا جِئْت فَصَلِّ مَعَ النَّاسِ ، وَإِنْ كُنْت قَدْ صَلَّيْت } .\rوَعَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ : { إنَّ خَلِيلِي - يَعْنِي النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْصَانِي أَنْ أُصَلِّيَ الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا ، فَإِذَا أَدْرَكْتهَا مَعَهُمْ فَصَلِّ ، فَإِنَّهَا لَكَ نَافِلَةٌ } .\rرَوَاهُ مُسْلِمٌ .\rوَفِي رِوَايَةٍ : { فَإِنْ أَدْرَكْتهَا مَعَهُمْ فَصَلِّ ، وَلَا تَقُلْ : إنِّي قَدْ صَلَّيْت ، فَلَا أُصَلِّي } .\rرَوَاهُ النَّسَائِيّ .\rوَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ بِعُمُومِهَا تَدُلُّ عَلَى مَحَلِّ النِّزَاعِ ، وَحَدِيثُ يَزِيدَ بْنِ الْأَسْوَدِ صَرِيحٌ فِي إعَادَةِ الْفَجْرِ ، وَالْعَصْرُ مِثْلُهَا","part":3,"page":288},{"id":1288,"text":"، وَالْأَحَادِيثُ بِإِطْلَاقِهَا تَدُلُّ عَلَى الْإِعَادَةِ ، سَوَاءٌ كَانَ مَعَ إمَامِ الْحَيِّ أَوْ غَيْرِهِ ، وَسَوَاءٌ صَلَّى وَحْدَهُ أَوْ فِي جَمَاعَةٍ .\rوَقَدْ رَوَى أَنَسٌ ، قَالَ : صَلَّى بِنَا أَبُو مُوسَى الْغَدَاةَ فِي الْمِرْبَدِ ، فَانْتَهَيْنَا إلَى الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ ، فَأُقِيمَتْ الصَّلَاةُ ، فَصَلَّيْنَا مَعَ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ .\rوَعَنْ صِلَةَ ، عَنْ حُذَيْفَةَ : أَنَّهُ أَعَادَ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ ، وَكَانَ قَدْ صَلَّاهُنَّ فِي جَمَاعَةٍ .\rرَوَاهُمَا الْأَثْرَمُ .","part":3,"page":289},{"id":1289,"text":"( 1022 ) فَصْلٌ : إذَا أَعَادَ الْمَغْرِبَ شَفَعَهَا بِرَابِعَةٍ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .\rوَبِهِ قَالَ الْأَسْوَدُ بْنُ يَزِيدَ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَرَوَاهُ قَتَادَةُ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ .\rوَرَوَى صِلَةُ ، عَنْ حُذَيْفَةَ ، أَنَّهُ لَمَّا أَعَادَ الْمَغْرِبَ ، قَالَ : ذَهَبْت أَقُومُ فِي الثَّالِثَةِ ، فَأَجْلَسَنِي ، وَهَذَا يَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَمَرَهُ بِالِاقْتِصَارِ عَلَى رَكْعَتَيْنِ ؛ لِتَكُونَ شَفْعًا ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَمَرَهُ بِالصَّلَاةِ مِثْلَ صَلَاةِ الْإِمَامِ .\rوَلَنَا أَنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ نَافِلَةٌ ، وَلَا يُشْرَعُ التَّنَفُّلُ بِوِتْرٍ غَيْرِ الْوِتْرِ ، فَكَانَ زِيَادَةُ رَكْعَةٍ أَوْلَى مِنْ نُقْصَانِهَا ؛ لِئَلَّا يُفَارِقَ إمَامَهُ قَبْلَ إتْمَامِ صَلَاتِهِ .","part":3,"page":290},{"id":1290,"text":"( 1023 ) فَصْلٌ : إنْ أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ وَهُوَ خَارِجٌ مِنْ الْمَسْجِدِ ، فَإِنْ كَانَ فِي وَقْتِ نَهْيٍ لَمْ يُسْتَحَبَّ لَهُ الدُّخُولُ ، وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِ وَقْتِ نَهْيٍ اُسْتُحِبَّ لَهُ الدُّخُولُ فِي الصَّلَاةِ مَعَهُمْ ، وَإِنْ دَخَلَ وَصَلَّى مَعَهُمْ فَلَا بَأْسَ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ خَبَرِ أَبِي مُوسَى .\rوَلَا يُسْتَحَبُّ ؛ لِمَا رَوَى مُجَاهِدٌ ، قَالَ : خَرَجْت مَعَ ابْنِ عُمَرَ مِنْ دَارِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدِ بْنِ أَسِيدٍ حَتَّى إذَا نَظَرَ إلَى بَابِ الْمَسْجِدِ إذَا النَّاسُ فِي الصَّلَاةِ ، فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حَتَّى صَلَّى النَّاسُ ، وَقَالَ : إنِّي صَلَّيْت فِي الْبَيْتِ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي الْمُسْنَدِ .","part":3,"page":291},{"id":1291,"text":"( 1024 ) فَصْلٌ : إذَا أَعَادَ الصَّلَاةَ فَالْأُولَى فَرْضُهُ .\rرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَإِسْحَاقُ ، وَالشَّافِعِيُّ فِي الْجَدِيدِ .\rوَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، وَعَطَاءٍ ، وَالشَّعْبِيِّ ، الَّتِي صَلَّى مَعَهُمْ الْمَكْتُوبَةَ ؛ لِمَا رُوِيَ فِي حَدِيثِ يَزِيدَ بْنِ الْأَسْوَدِ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { إذَا جِئْت إلَى الصَّلَاةِ فَوَجَدْت النَّاسَ فَصَلِّ مَعَهُمْ ، وَإِنْ كُنْتَ قَدْ صَلَّيْتَ تَكُنْ لَكَ نَافِلَةً ، وَهَذِهِ مَكْتُوبَةً } .\rوَلَنَا قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ : { تَكُنْ لَكُمَا نَافِلَةً } .\rوَقَوْلُهُ فِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ : { فَإِنَّهَا لَكَ نَافِلَةٌ } .\rوَلِأَنَّ الْأُولَى قَدْ وَقَعَتْ فَرِيضَةً ، وَأَسْقَطَتْ الْفَرْضَ ، بِدَلِيلِ أَنَّهَا لَا تَجِبُ ثَانِيًا ؛ وَإِذَا بَرِئَتْ الذِّمَّةُ بِالْأُولَى اسْتَحَالَ كَوْنُ الثَّانِيَةِ فَرِيضَةً ، وَجَعْلُ الْأُولَى نَافِلَةً .\rقَالَ حَمَّادٌ ، قَالَ إبْرَاهِيمُ : إذَا نَوَى الرَّجُلُ صَلَاةً وَكَتَبَتْهَا الْمَلَائِكَةُ فَمَنْ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُحَوِّلَهَا ، فَمَا صَلَّى بَعْدَهَا فَهُوَ تَطَوُّعٌ .\rوَحَدِيثُهُمْ لَا تَصْرِيحَ فِيهِ ، فَيَجِبُ أَنْ يُحْمَلَ مَعْنَاهُ عَلَى مَا فِي الْأَحَادِيثِ الْبَاقِيَةِ سَوَاءً .\rفَعَلَى هَذَا لَا يَنْوِي الثَّانِيَةَ فَرْضًا ، لَكِنْ يَنْوِيهَا ظُهْرًا مُعَادَةً ، وَإِنْ نَوَاهَا نَافِلَةً صَحَّ .\r( 1025 ) فَصْلٌ : وَلَا تَجِبُ الْإِعَادَةُ .\rقَالَ الْقَاضِي : لَا تَجِبُ ، رِوَايَةً وَاحِدَةً .\rوَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا فِيهَا رِوَايَةً أُخْرَى : إنَّهَا تَجِبُ مَعَ إمَامِ الْحَيِّ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِهَا .\rوَلَنَا ، أَنَّهَا نَافِلَةٌ ، وَالنَّافِلَةُ لَا تَجِبُ ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا تُصَلِّ صَلَاةً فِي يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَمَعْنَاهُ وَاجِبَتَانِ .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ ، وَالْأَمْرُ لِلِاسْتِحْبَابِ .\rفَعَلَى هَذَا إنْ قَصَدَ الْإِعَادَةَ فَلَمْ يُدْرِكْ إلَّا رَكْعَتَيْنِ ، فَقَالَ الْآمِدِيُّ : يَجُوزُ أَنْ","part":3,"page":292},{"id":1292,"text":"يُسَلِّمَ مَعَهُمْ ؛ لِأَنَّهَا نَافِلَةٌ ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُتِمَّهَا ؛ لِأَنَّهُ قَصَدَهَا أَرْبَعًا .\rوَنَصَّ أَحْمَدُ ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، عَلَى أَنَّهُ يُتِمُّهَا أَرْبَعًا ؛ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا } .","part":3,"page":293},{"id":1293,"text":"( 1026 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( فِي كُلِّ وَقْتٍ نُهِيَ عَنْ الصَّلَاةِ فِيهِ ، وَهُوَ بَعْدَ الْفَجْرِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ ، وَبَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ ) اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي الْأَوْقَاتِ الْمَنْهِيِّ عَنْ الصَّلَاةِ فِيهَا ؛ فَذَهَبَ أَحْمَدُ ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، إلَى أَنَّهَا مِنْ بَعْدِ الْفَجْرِ حَتَّى تَرْتَفِعَ الشَّمْسُ قَدْرَ رُمْحٍ ، وَبَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ ، وَحَالَ قِيَامِ الشَّمْسِ حَتَّى تَزُولَ ، وَعَدَّهَا أَصْحَابُهُ خَمْسَةَ أَوْقَاتٍ ؛ مِنْ الْفَجْرِ إلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقْتٌ ، وَمِنْ طُلُوعِهَا إلَى ارْتِفَاعِهَا وَقْتٌ ، وَحَالَ قِيَامِهَا وَقْتٌ ، وَمِنْ الْعَصْرِ إلَى شُرُوعِ الشَّمْسِ فِي الْغُرُوبِ وَقْتٌ ، وَإِلَى تَكَامُلِ الْغُرُوبِ وَقْتٌ .\rوَالصَّحِيحُ أَنَّ الْوَقْتَ الْخَامِسَ مِنْ حِينِ تَتَضَيَّفُ الشَّمْسُ لِلْغُرُوبِ إلَى أَنْ تَغْرُبَ ؛ لِأَنَّ عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ قَالَ : ثَلَاثُ سَاعَاتٍ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْهَانَا أَنْ نُصَلِّيَ فِيهِنَّ ، وَأَنْ نَقْبُرَ فِيهِنَّ مَوْتَانَا ؛ حِينَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ بَازِغَةً حَتَّى تَرْتَفِعَ ، وَحِينَ يَقُومُ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ حَتَّى تَمِيلَ ، وَحِينَ تَتَضَيَّفُ الشَّمْسُ لِلْغُرُوبِ حَتَّى تَغْرُبَ .\rفَجَعَلَ هَذِهِ ثَلَاثَةَ أَوْقَاتٍ ، وَقَدْ ثَبَتَ لَنَا وَقْتَانِ آخَرَانِ بِحَدِيثِ عُمَرَ وَأَبِي سَعِيدٍ ، فَيَكُونُ الْجَمِيعُ خَمْسَةً .\rوَمَنْ جَعَلَ الْخَامِسَ وَقْتَ الْغُرُوبِ ، فَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَصَّهُ بِالنَّهْيِ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { إذَا بَدَا حَاجِبُ الشَّمْسِ فَأَخِّرُوا الصَّلَاةَ حَتَّى تَبْرُزَ ، وَإِذَا غَابَ حَاجِبُ الشَّمْسِ فَأَخِّرُوا الصَّلَاةَ حَتَّى تَغِيبَ } .\rوَفِي حَدِيثٍ : { وَلَا تَتَحَرَّوْا بِصَلَاتِكُمْ طُلُوعَ الشَّمْسِ وَلَا غُرُوبَهَا } .\rوَعَلَى كُلِّ حَالٍ فَهَذِهِ الْأَوْقَاتُ الْمَذْكُورَةُ مَنْهِيٌّ عَنْ الصَّلَاةِ فِيهَا ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ .\rوَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : إنَّمَا الْمَنْهِيُّ عَنْهُ","part":3,"page":294},{"id":1294,"text":"الْأَوْقَاتُ الثَّلَاثَةُ الَّتِي فِي حَدِيثِ عُقْبَةَ ؛ بِدَلِيلِ تَخْصِيصِهَا بِالنَّهْيِ فِي حَدِيثِهِ وَحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ .\rوَقَوْلُهُ : { لَا تُصَلُّوا بَعْدَ الْعَصْرِ إلَّا أَنْ تُصَلُّوا وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَقَالَتْ عَائِشَةُ : وَهِمَ عُمَرُ إنَّمَا نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُتَحَرَّى طُلُوعُ الشَّمْسِ أَوْ غُرُوبُهَا .\rوَلَنَا مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْأَحَادِيثِ فِي أَوَّلِ الْبَابِ ، وَهِيَ صَحِيحَةٌ صَرِيحَةٌ ، وَالتَّخْصِيصُ فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ لَا يُعَارِضُ الْعُمُومَ الْمُوَافِقَ لَهُ ، بَلْ يَدُلُّ عَلَى تَأَكُّدِ الْحُكْمِ فِيمَا خَصَّهُ ، وَقَوْلُ عَائِشَةَ فِي رَدِّ خَبَرِ عُمَرَ غَيْرُ مَقْبُولٍ ، فَإِنَّهُ مُثْبِتٌ لِرِوَايَتِهِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهِيَ تَقُولُ بِرَأْيِهَا ، وَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَصَحُّ مِنْ قَوْلِهَا ، ثُمَّ هِيَ قَدْ رَوَتْ ذَلِكَ أَيْضًا ، فَرَوَى ذَكْوَانُ مَوْلَى عَائِشَةَ ، أَنَّهَا حَدَّثَتْهُ ، { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُصَلِّي بَعْدَ الْعَصْرِ ، وَيَنْهَى عَنْهُ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، فَكَيْفَ يُقْبَلُ رَدُّهَا لِمَا قَدْ أَقَرَّتْ بِصِحَّتِهِ ، وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو سَعِيدٍ ، وَعَمْرُو بْنُ عَبَسَةَ ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ ، وَابْنُ عُمَرَ ، وَالصُّنَابِحِيُّ ، وَأُمُّ سَلَمَةَ ، كَنَحْوِ رِوَايَةِ عُمَرَ ، فَلَا يُتْرَكُ هَذَا بِمُجَرَّدِ رَأْيٍ مُخْتَلِفٍ مُتَنَاقِضٍ .\r( 1027 ) فَصْلٌ : وَالنَّهْيُ عَنْ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْعَصْرِ مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلِ الصَّلَاةِ ، فَمَنْ لَمْ يُصَلِّ أُبِيحَ لَهُ التَّنَفُّلُ ، وَإِنْ صَلَّى غَيْرُهُ .\rوَمَنْ صَلَّى الْعَصْرَ فَلَيْسَ لَهُ التَّنَفُّلُ وَإِنْ لَمْ يُصَلِّ أَحَدٌ سِوَاهُ .\rلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا عِنْدَ مَنْ يَمْنَعُ الصَّلَاةَ بَعْدَ الْعَصْرِ .\rفَأَمَّا النَّهْيُ بَعْدَ الْفَجْرِ فَيَتَعَلَّقُ بِطُلُوعِ الْفَجْرِ ، وَبِهَذَا قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ، وَالْعَلَاءُ بْنُ زِيَادٍ ، وَحُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَقَالَ النَّخَعِيُّ : كَانُوا","part":3,"page":295},{"id":1295,"text":"يَكْرَهُونَ ذَلِكَ .\rيَعْنِي التَّطَوُّعَ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ .\rوَرُوِيَتْ كَرَاهَتُهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو .\rوَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى ، أَنَّ النَّهْيَ مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلِ الصَّلَاةِ أَيْضًا كَالْعَصْرِ .\rوَرُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ الْحَسَنِ ، وَالشَّافِعِيِّ ؛ لِمَا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { لَا صَلَاةِ بَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ ، وَلَا صَلَاةَ بَعْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ } .\rرَوَاهُ مُسْلِمٌ ، وَرَوَى أَبُو دَاوُد حَدِيثَ عُمَرَ بِهَذَا اللَّفْظِ .\rوَفِي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ قَالَ : { صَلِّ صَلَاةَ الصُّبْحِ ثُمَّ أَقْصِرْ عَنْ الصَّلَاةِ ، كَذَا } رَوَاهُ مُسْلِمٌ .\rوَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد قَالَ : { قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَيُّ اللَّيْلِ أَسْمَعُ ؟ قَالَ : جَوْفُ اللَّيْلِ الْآخِرُ ، فَصَلِّ مَا شِئْت ، فَإِنَّ الصَّلَاةَ مَكْتُوبَةٌ مَشْهُودَةٌ حَتَّى تُصَلِّيَ الصُّبْحَ ، ثُمَّ أَقْصِرْ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ ، فَتَرْتَفِعَ قَدْرَ رُمْحٍ أَوْ رُمْحَيْنِ } .\rوَلِأَنَّ لَفْظَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْعَصْرِ عُلِّقَ عَلَى الصَّلَاةِ دُونَ وَقْتِهَا ، فَكَذَلِكَ الْفَجْرُ ، وَلِأَنَّهُ وَقْتُ نَهْيٍ بَعْدَ صَلَاةٍ ، فَيَتَعَلَّقُ بِفِعْلِهَا ، كَبَعْدِ الْعَصْرِ .\rوَالْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ الْأَوَّلُ ؛ لِمَا رَوَى { يَسَارٌ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ : رَآنِي ابْنُ عُمَرَ وَأَنَا أُصَلِّي بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ فَقَالَ : يَا يَسَارُ ، إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ عَلَيْنَا وَنَحْنُ نُصَلِّي هَذِهِ الصَّلَاةَ ، فَقَالَ : لِيُبَلِّغْ شَاهِدُكُمْ غَائِبَكُمْ ، لَا تُصَلُّوا بَعْدَ الْفَجْرِ إلَّا سَجْدَتَيْنِ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَفِي لَفْظٍ : { لَا صَلَاةَ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ إلَّا سَجْدَتَانِ } .\rرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ .\rوَفِي لَفْظٍ : { إلَّا رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ } ، وَقَالَ : هُوَ غَرِيبٌ ، رَوَاهُ قُدَامَةُ بْنُ مُوسَى .\rوَقَدْ رَوَى عَنْهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rوَقَالَ : هَذَا","part":3,"page":296},{"id":1296,"text":"مَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْعِلْمِ .\rوَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إذَا طَلَعَ الْفَجْرُ فَلَا صَلَاةَ إلَّا رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ } .\rوَهَذَا يُبَيِّنُ مُرَادَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ اللَّفْظِ الْمُجْمَلِ ، وَلَا يُعَارِضُهُ تَخْصِيصُ مَا بَعْدَ الصَّلَاةِ بِالنَّهْيِ ، فَإِنَّ ذَلِكَ دَلِيلُ خِطَابٍ ، وَهَذَا مَنْطُوقٌ ، فَيَكُونُ أَوْلَى .\rوَحَدِيثُ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ قَدْ اخْتَلَفَتْ أَلْفَاظُ الرُّوَاةِ فِيهِ ، وَهُوَ فِي سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ : { حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ } .","part":3,"page":297},{"id":1297,"text":"( 1028 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَلَا يَبْتَدِئُ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ صَلَاةً يَتَطَوَّعُ بِهَا ) .\rلَا أَعْلَمُ خِلَافًا فِي الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَبْتَدِئَ صَلَاةَ تَطَوُّعٍ غَيْرَ ذَاتِ سَبَبٍ .\rوَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ .\rوَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : رَخَّصَتْ طَائِفَةٌ فِي الصَّلَاةِ بَعْدَ الْعَصْرِ ، رَوَيْنَا ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ ، وَالزُّبَيْرِ ، وَابْنِهِ ، وَتَمِيمٍ الدَّارِيِّ ، وَالنُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ، وَأَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ ، وَعَائِشَةَ ، وَفَعَلَهُ الْأَسْوَدُ بْنُ يَزِيدَ ، وَعُمَرُ ، وَابْنُ مَيْمُونٍ ، وَمَسْرُوقٌ ، وَشُرَيْحٌ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي الْهُذَيْلِ ، وَأَبُو بُرْدَةَ ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْأَسْوَدِ ، وَابْنُ الْبَيْلَمَانِيِّ ، وَالْأَحْنَفُ بْنُ قَيْسٍ .\rوَحُكِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ : لَا نَفْعَلُهُ وَلَا نَعِيبُ فَاعِلَهُ .\rوَذَلِكَ لِقَوْلِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا : { مَا تَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ عِنْدِي قَطُّ } .\rوَقَوْلُهَا : وَهِمَ عُمَرُ ، إنَّمَا { نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُتَحَرَّى طُلُوعُ الشَّمْسِ أَوْ غُرُوبُهَا } .\rرَوَاهُمَا مُسْلِمٌ .\rوَقَوْلُ عَلِيٍّ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا صَلَاةَ بَعْدَ الْعَصْرِ إلَّا وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ } .\rوَلَنَا ، الْأَحَادِيثُ الْمَذْكُورَةُ فِي أَوَّلِ الْبَابِ ، وَهِيَ صَحِيحَةٌ صَرِيحَةٌ ، وَرَوَى أَبُو بَصْرَةَ ، قَالَ : { صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَاةَ الْعَصْرِ بِالْمُخَمَّصِ ، فَقَالَ : إنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ عُرِضَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ فَضَيَّعُوهَا ، فَمَنْ حَافَظَ عَلَيْهَا كَانَ لَهُ أَجْرُهُ مَرَّتَيْنِ ، وَلَا صَلَاةَ بَعْدَهَا حَتَّى يَطْلُعَ الشَّاهِدُ } .\rرَوَاهُ مُسْلِمٌ .\rوَهَذَا خَاصٌّ فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ .\rوَأَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ ؛ فَقَدْ رَوَى عَنْهَا ذَكْوَانُ مَوْلَاهَا ، أَنَّهَا حَدَّثَتْهُ ، { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُصَلِّي بَعْدَ الْعَصْرِ","part":3,"page":298},{"id":1298,"text":"وَيَنْهَى عَنْهَا } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَرَوَى أَبُو سَلَمَةَ ، أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ عَنْ السَّجْدَتَيْنِ اللَّتَيْنِ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّيهِمَا بَعْدَ الْعَصْرِ ، فَقَالَتْ : كَانَ يُصَلِّيهِمَا قَبْلَ الْعَصْرِ ، ثُمَّ إنَّهُ شُغِلَ عَنْهُمَا ، أَوْ نَسِيَهُمَا ، فَصَلَّاهُمَا بَعْدَ الْعَصْرِ ، ثُمَّ أَثْبَتَهُمَا وَكَانَ إذَا صَلَّى صَلَاةً أَثْبَتَهَا .\rوَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ : { سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْهَى عَنْهُمَا ، ثُمَّ رَأَيْته يُصَلِّيهِمَا ، وَقَالَ : يَا بِنْتَ أَبِي أُمَيَّةَ ، إنَّهُ أَتَانِي نَاسٌ مِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ بِالْإِسْلَامِ مِنْ قَوْمِهِمْ ، فَشَغَلُونِي عَنْ الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ بَعْدَ الظُّهْرِ ، فَهُمَا هَاتَانِ } .\rرَوَاهُمَا مُسْلِمٌ .\rوَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّمَا فَعَلَهُ لِسَبَبٍ ، وَهُوَ قَضَاءُ مَا فَاتَهُ مِنْ السُّنَّةِ ، وَأَنَّهُ نَهَى عَنْ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْعَصْرِ ، كَمَا رَوَاهُ غَيْرُهُمَا ، وَحَدِيثُ عَائِشَةَ يَدُلُّ عَلَى اخْتِصَاصِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ ، وَنَهْيِهِ غَيْرَهُ ، وَهَذَا حُجَّةٌ عَلَى مَنْ خَالَفَ ذَلِكَ ، فَإِنَّ النِّزَاعَ إنَّمَا هُوَ فِي غَيْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ ثَبَتَ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ مُعَارِضٍ لَهُ .\r( 1029 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا التَّطَوُّعُ لِسَبَبٍ غَيْرِ مَا ذَكَرَهُ الْخِرَقِيِّ ، فَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، فِي الْوِتْرِ أَنَّهُ يَفْعَلُهُ قَبْلَ صَلَاةِ الْفَجْرِ .\rقَالَ الْأَثْرَمُ : سَمِعْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يُسْأَلُ : أَيُوتِرُ الرَّجُلُ بَعْدَمَا يَطْلُعُ الْفَجْرُ ؟ قَالَ : نَعَمْ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَابْنِ عُمَرَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَحُذَيْفَةَ ، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ ، وَعُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ، وَفُضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ ، وَعَائِشَةَ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ ، وَعَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ ، وَقَالَ أَيُّوبُ السِّخْتِيَانِيُّ وَحُمَيْدٌ الطَّوِيلُ : إنَّ أَكْثَرَ وِتْرِنَا لَبَعْدَ طُلُوعِ","part":3,"page":299},{"id":1299,"text":"الْفَجْرِ .\rوَبِهِ قَالَ مَالِكٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ .\rوَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ خَرَجَ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ ، فَقَالَ : لَنِعْمَ سَاعَةُ الْوِتْرِ هَذِهِ .\rوَرُوِيَ عَنْ عَاصِمٍ ، قَالَ : جَاءَ نَاسٌ إلَى أَبِي مُوسَى ، فَسَأَلُوهُ عَنْ رَجُلٍ لَمْ يُوتِرْ حَتَّى أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ ؟ قَالَ : لَا وِتْرَ لَهُ ، فَأَتَوْا عَلِيًّا فَسَأَلُوهُ فَقَالَ : أَغْرَقَ فِي النَّزْعِ ، الْوِتْرُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصَّلَاةِ .\rوَأَنْكَرَ ذَلِكَ عَطَاءٌ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي مُوسَى عَلَى مَا حَكَيْنَا ، وَاحْتَجُّوا بِعُمُومِ النَّهْيِ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى أَبُو بَصْرَةَ الْغِفَارِيُّ ، قَالَ : سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : { إنَّ اللَّهَ زَادَكُمْ صَلَاةً فَصَلُّوهَا مَا بَيْنَ الْعِشَاءِ إلَى صَلَاةِ الصُّبْحِ ، الْوِتْرُ الْوِتْرُ } .\rرَوَاهُ الْأَثْرَمُ ، وَاحْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ ، وَلِأَنَّهُ قَوْلُ مَنْ سَمَّيْنَا مِنْ الصَّحَابَةِ ، وَأَحَادِيثُ النَّهْيِ الصَّحِيحَةُ لَيْسَتْ صَرِيحَةً فِي النَّهْيِ قَبْلَ صَلَاةِ الْفَجْرِ ، عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ ، إنَّمَا فِيهِ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ وَهُوَ غَرِيبٌ ، وَقَدْ رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ نَامَ عَنْ الْوِتْرِ أَوْ نَسِيَهُ ، فَلْيُصَلِّهِ إذَا أَصْبَحَ أَوْ ذَكَرَ } .\rرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ .\rوَهَذَا صَرِيحٌ فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَتَعَمَّدَ تَرْكَ الْوِتْرِ حَتَّى يُصْبِحَ ؛ لِهَذَا الْخَبَرِ ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { فَإِذَا خَشِيَ أَحَدُكُمْ الصُّبْحَ فَلْيُصَلِّ رَكْعَةً تُوتِرُ لَهُ مَا قَدْ صَلَّى } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَهَكَذَا قَالَ مَالِكٌ .\rوَقَالَ : مَنْ فَاتَتْهُ صَلَاةُ اللَّيْلِ فَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَ بَعْدَ الصُّبْحِ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ الصُّبْحَ ، وَحَكَاهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى ، فِي \" الْإِرْشَادِ \" مَذْهَبًا لِأَحْمَدَ ، قِيَاسًا عَلَى الْوِتْرِ ، وَلِأَنَّ هَذَا الْوَقْتَ لَمْ يَثْبُتْ","part":3,"page":300},{"id":1300,"text":"النَّهْيُ فِيهِ صَرِيحًا ، فَكَانَ حُكْمُهُ خَفِيفًا .","part":3,"page":301},{"id":1301,"text":"( 1030 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا قَضَاءُ سُنَّةِ الْفَجْرِ بَعْدَهَا فَجَائِزٌ ، إلَّا أَنَّ أَحْمَدَ اخْتَارَ أَنْ يَقْضِيَهُمَا مِنْ الضُّحَى ، وَقَالَ : إنْ صَلَّاهُمَا بَعْدَ الْفَجْرِ أَجْزَأَ ، وَأَمَّا أَنَا فَأَخْتَارُ ذَلِكَ .\rوَقَالَ عَطَاءٌ ، وَابْنُ جُرَيْجٍ ، وَالشَّافِعِيُّ : يَقْضِيهِمَا بَعْدَهَا ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ قَيْسِ بْنِ فَهْدٍ ، قَالَ : { رَآنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا أُصَلِّي رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ بَعْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ ، فَقَالَ : مَا هَاتَانِ الرَّكْعَتَانِ يَا قَيْسُ ؟ .\rقُلْت : يَا رَسُولَ اللَّهِ لَمْ أَكُنْ صَلَّيْت رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ ، فَهُمَا هَاتَانِ } .\rرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ، وَأَبُو دَاوُد ، وَالتِّرْمِذِيُّ .\rوَسُكُوتُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدُلُّ عَلَى الْجَوَازِ ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى سُنَّةَ الظُّهْرِ بَعْدَ الْعَصْرِ ، وَهَذِهِ فِي مَعْنَاهَا ، وَلِأَنَّهَا صَلَاةٌ ذَاتُ سَبَبٍ ، فَأَشْبَهَتْ رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ : لَا يَجُوزُ ؛ لِعُمُومِ النَّهْيِ ، وَلِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ لَمْ يُصَلِّ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ فَلْيُصَلِّهِمَا بَعْدَمَا تَطْلُعُ الشَّمْسُ } .\rرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَقَالَ : لَا نَعْرِفُهُ إلَّا مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ عَاصِمٍ .\rقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ ، رَحِمَهُ اللَّهُ : وَهُوَ ثِقَةٌ ، أَخْرَجَ عَنْهُ الْبُخَارِيُّ .\rوَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقْضِيهِمَا مِنْ الضُّحَى ، وَحَدِيثُ قَيْسٍ مُرْسَلٌ ، قَالَهُ أَحْمَدُ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، لِأَنَّهُ يَرْوِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ إبْرَاهِيمَ عَنْ قَيْسٍ ، وَلَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ ، وَرُوِيَ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ جَدِّهِ ، وَهُوَ مُرْسَلٌ أَيْضًا ، وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ ، قَالَ : { قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ : إنِّي لَمْ أَكُنْ رَكَعْت رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ .\rقَالَ : فَلَا إذًا } .\rوَهَذَا يَحْتَمِلُ النَّهْيَ .\rوَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ هَكَذَا كَانَ تَأْخِيرُهَا إلَى وَقْتِ الضُّحَى أَحْسَنَ ؛ لِنَخْرُجَ مِنْ الْخِلَافِ ، وَلَا نُخَالِفُ","part":3,"page":302},{"id":1302,"text":"عُمُومَ الْحَدِيثِ ، وَإِنْ فَعَلَهَا فَهُوَ جَائِزٌ ؛ لِأَنَّ هَذَا الْخَبَرَ لَا يَقْصُرُ عَنْ الدَّلَالَةِ عَلَى الْجَوَازِ .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":3,"page":303},{"id":1303,"text":"( 1031 ) فَصْلٌ : وَأَمَّا قَضَاءُ السُّنَنِ الرَّاتِبَةِ بَعْدَ الْعَصْرِ ، فَالصَّحِيحُ جَوَازُهُ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَلَهُ ، فَإِنَّهُ قَضَى الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ بَعْدَ الظُّهْرِ بَعْدَ الْعَصْرِ فِي حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ ، وَقَضَى الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ قَبْلَ الْعَصْرِ بَعْدَهَا فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ ، وَالِاقْتِدَاءُ بِمَا فَعَلَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُتَعَيَّنٌ .\rوَلِأَنَّ النَّهْيِ بَعْدَ الْعَصْرِ خَفِيفٌ ؛ لِمَا رُوِيَ فِي خِلَافِهِ مِنْ الرُّخْصَةِ ، وَمَا وَقَعَ مِنْ الْخِلَافِ فِيهِ ، وَقَوْلُ عَائِشَةَ : إنَّهُ كَانَ يَنْهَى عَنْهَا مَعْنَاهُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّهُ نَهَى عَنْهَا لِغَيْرِ هَذَا السَّبَبِ ، أَوْ أَنَّهُ كَانَ يَفْعَلُهَا عَلَى الدَّوَامِ ، وَيَنْهَى عَنْ ذَلِكَ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rوَمَنَعَهُ أَصْحَابُ الرَّأْيِ لِعُمُومِ النَّهْيِ .\rوَمَا ذَكَرْنَاهُ خَاصٌّ ، فَالْأَخْذُ بِهِ أَوْلَى ، إلَّا أَنَّ الصَّحِيحَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْعَصْرِ أَنَّهَا لَا تُقْضَى ؛ لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّاهُمَا .\rفَقُلْت لَهُ : أَنَقْضِيهِمَا إذَا فَاتَتَا ؟ قَالَ : لَا } .\rرَوَاهُ ابْنُ النَّجَّارِ ، فِي الْجُزْءِ الْخَامِسِ مِنْ حَدِيثِهِ .","part":3,"page":304},{"id":1304,"text":"( 1032 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا قَضَاءُ السُّنَنِ فِي سَائِرِ أَوْقَاتِ النَّهْيِ ، وَفِعْلُ غَيْرِهَا مِنْ الصَّلَوَاتِ الَّتِي لَهَا سَبَبٌ ، كَتَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ ، وَصَلَاةِ الْكُسُوفِ ، وَسُجُودِ التِّلَاوَةِ ، فَالْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ .\rذَكَرَهُ الْخِرَقِيِّ فِي سُجُودِ التِّلَاوَةِ وَصَلَاةِ الْكُسُوفِ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : فِي ذَلِكَ رِوَايَتَانِ ؛ أَصَحُّهُمَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ ؛ لِعُمُومِ النَّهْيِ .\rوَالثَّانِيَةُ : يَجُوزُ .\rوَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { إذَا دَخَلَ أَحَدُكُمْ الْمَسْجِدَ فَلَا يَجْلِسْ حَتَّى يَرْكَعَ رَكْعَتَيْنِ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَقَالَ فِي الْكُسُوفِ : { فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا فَصَلُّوا } .\rوَهَذَا خَاصٌّ فِي هَذِهِ الصَّلَاةِ ، فَيُقَدَّمُ عَلَى النَّهْيِ الْعَامِّ فِي الصَّلَاةِ كُلِّهَا ، وَلِأَنَّهَا صَلَاةٌ ذَاتُ سَبَبٍ ، فَأَشْبَهَتْ مَا ثَبَتَ جَوَازُهُ .\rوَلَنَا ، أَنَّ النَّهْيَ لِلتَّحْرِيمِ ، وَالْأَمْرَ لِلنَّدْبِ ، وَتَرْكَ الْمُحَرَّمِ أَوْلَى مِنْ فِعْلِ الْمَنْدُوبِ .\rوَقَوْلُهُمْ : إنَّ الْأَمْرَ خَاصٌّ فِي الصَّلَاةِ .\rقُلْنَا : وَلَكِنَّهُ عَامٌّ فِي الْوَقْتِ ، وَالنَّهْيُ خَاصٌّ فِيهِ ، فَيُقَدَّمُ ، وَلَا يَصِحُّ الْقِيَاسُ عَلَى الْقَضَاءِ بَعْدَ الْعَصْرِ ؛ لِأَنَّ حُكْمَ النَّهْيِ فِيهِ أَخَفُّ ، لِمَا ذَكَرْنَا ، وَلَا عَلَى قَضَاءِ الْوِتْرِ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ لِذَلِكَ ، وَلِأَنَّهُ وَقْتٌ لَهُ ، بِدَلِيلِ حَدِيثِ أَبِي بَصْرَةَ ، وَلَا عَلَى صَلَاةِ الْجِنَازَةِ لِأَنَّهَا فَرْضُ كِفَايَةٍ ، وَيُخَافُ عَلَى الْمَيِّتِ ، وَلَا عَلَى رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ ، لِأَنَّهُمَا تَابِعَتَانِ لِمَا لَا يَمْنَعُ مِنْهُ النَّهْيُ ، مَعَ أَنَّنَا قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الصَّحِيحَ أَنَّهُ لَا يُصَلَّى عَلَى الْجِنَازَةِ فِي الْأَوْقَاتِ الثَّلَاثَةِ الَّتِي فِي حَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ .\rوَكَذَلِكَ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَرْكَعَ لِلطَّوَافِ فِيهَا ، وَلَا يُعِيدَ فِيهَا جَمَاعَةً .\rوَإِذَا مُنِعَتْ هَذِهِ الصَّلَوَاتُ الْمُتَأَكِّدَةُ فِيهَا فَغَيْرُهَا أَوْلَى بِالْمَنْعِ ،","part":3,"page":305},{"id":1305,"text":"وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .\r( 1033 ) فَصْلٌ : وَلَا فَرْقَ بَيْنَ مَكَّةَ وَغَيْرِهَا فِي الْمَنْعِ مِنْ التَّطَوُّعِ فِي أَوْقَاتِ النَّهْيِ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يُمْنَعُ فِيهَا ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا تَمْنَعُوا أَحَدًا طَافَ بِهَذَا الْبَيْتِ وَصَلَّى فِي أَيِّ سَاعَةٍ شَاءَ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ } .\rوَعَنْ أَبِي ذَرٍّ ، قَالَ : سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : { لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ بَعْدَ الصُّبْحِ إلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ ، وَلَا بَعْدَ الْعَصْرِ إلَى أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ ، إلَّا بِمَكَّةَ يَقُولُ : قَالَ ذَلِكَ ثَلَاثًا } .\rرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ .\rوَلَنَا عُمُومُ النَّهْيِ ، وَأَنَّهُ مَعْنًى يَمْنَعُ الصَّلَاةَ ، فَاسْتَوَتْ فِيهِ مَكَّةُ وَغَيْرُهَا ، كَالْحَيْضِ ، وَحَدِيثُهُمْ أَرَادَ بِهِ رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ ، فَيَخْتَصُّ بِهِمَا ، وَحَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ ضَعِيفٌ ، يَرْوِيهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُؤَمَّلِ ، وَهُوَ ضَعِيفٌ ، قَالَهُ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ .\r( 1034 ) فَصْلٌ : وَلَا فَرْقَ فِي وَقْتِ الزَّوَالِ بَيْنَ الْجُمُعَةِ وَغَيْرِهَا ، وَلَا بَيْنَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ ، كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَنْهَى عَنْهُ ، وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ : { كُنَّا نُنْهَى عَنْ ذَلِكَ .\rيَعْنِي يَوْمَ الْجُمُعَةِ } .\rوَقَالَ سَعِيدٌ الْمَقْبُرِيُّ : أَدْرَكْت النَّاسَ وَهُمْ يَتَّقُونَ ذَلِكَ .\rوَعَنْ عَمْرِو بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : كُنْت أَلْقَى أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَإِذَا زَالَتْ الشَّمْسُ قَامُوا فَصَلَّوْا أَرْبَعًا .\rوَرَخَّصَ فِيهِ الْحَسَنُ ، وَطَاوُسٌ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَسَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ ؛ لِمَا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ الصَّلَاةِ نِصْفَ النَّهَارِ إلَّا يَوْمَ الْجُمُعَةِ } .\rوَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ مِثْلُهُ ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَلِأَنَّ النَّاسَ يَنْتَظِرُونَ الْجُمُعَةِ فِي هَذَا الْوَقْتِ ، وَلَيْسَ عَلَيْهِمْ قَطْعُ النَّوَافِلِ .\rوَقَالَ مَالِكٌ :","part":3,"page":306},{"id":1306,"text":"أَكْرَهْهُ إذَا عَلِمْت انْتِصَافَ النَّهَارِ ، وَإِذَا كُنْت فِي مَوْضِعٍ لَا أَعْلَمُهُ ، وَلَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَنْظُرَ ، فَإِنِّي أَرَاهُ وَاسِعًا .\rوَأَبَاحَهُ فِيهَا عَطَاءٌ فِي الشِّتَاءِ دُونَ الصَّيْفِ ؛ لِأَنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ ، وَذَلِكَ الْوَقْتُ حِينَ تُسَجَّرُ جَهَنَّمُ .\rوَلَنَا ، عُمُومُ الْأَحَادِيثِ فِي النَّهْيِ .\rوَذُكِرَ لِأَحْمَدَ الرُّخْصَةُ فِي الصَّلَاةِ نِصْفَ النَّهَارِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ، قَالَ : فِيهِ حَدِيثُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ ثَلَاثَةِ وُجُوهٍ : حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ ، وَحَدِيثُ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ، وَحَدِيثُ الصُّنَابِحِيِّ ، رَوَاهُ الْأَثْرَمُ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ الصُّنَابِحِيِّ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { إنَّ الشَّمْسَ تَطْلُعُ وَمَعَهَا قَرْنُ الشَّيْطَانِ ، فَإِذَا ارْتَفَعَتْ فَارَقَهَا ، ثُمَّ إذَا اسْتَوَتْ قَارَنَهَا ، فَإِذَا زَالَتْ فَارَقَهَا ، فَإِذَا دَنَتْ لِلْغُرُوبِ قَارَنَهَا ، فَإِذَا غَرَبَتْ فَارَقَهَا } .\rوَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الصَّلَاةِ فِي تِلْكَ السَّاعَاتِ .\rوَلِأَنَّهُ وَقْتُ نَهْيٍ ، فَاسْتَوَى فِيهِ يَوْمُ الْجُمُعَةِ وَغَيْرُهُ ، كَسَائِرِ الْأَوْقَاتِ ، وَحَدِيثُهُمْ ضَعِيفٌ ، فِي إسْنَادِهِ لَيْثُ بْنُ أَبِي سُلَيْمٍ ، وَهُوَ ضَعِيفٌ ، وَهُوَ مُرْسَلٌ ؛ لِأَنَّ أَبَا الْخَلِيلِ يَرْوِيهِ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ ، وَلَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ .\rوَقَوْلُهُمْ : إنَّهُمْ يَنْتَظِرُونَ الْجُمُعَةَ .\rقُلْنَا : إذَا عَلِمَ وَقْتَ النَّهْيِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ ، فَإِنْ شَكَّ فَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَ حَتَّى يَعْلَمَ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ الْإِبَاحَةُ ، فَلَا تَزُولُ بِالشَّكِّ .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ","part":3,"page":307},{"id":1307,"text":"( 1035 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَصَلَاةُ التَّطَوُّعِ مَثْنَى مَثْنَى ) يَعْنِي يُسَلِّمُ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ ، وَالتَّطَوُّعُ قِسْمَانِ ؛ تَطَوُّعُ لَيْلٍ ، وَتَطَوُّعُ نَهَارٍ ، فَأَمَّا تَطَوُّعُ اللَّيْلِ فَلَا يَجُوزُ إلَّا مَثْنَى مَثْنَى .\rهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَبِهِ قَالَ أَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إنْ شِئْت رَكْعَتَيْنِ ، وَإِنْ شِئْت أَرْبَعًا ، وَإِنْ شِئْت سِتًّا ، وَإِنْ شِئْت ثَمَانِيًا .\rوَلَنَا ، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مِفْتَاحُ الصَّلَاةِ الطُّهُورُ ، وَبَيْنَ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ تَسْلِيمَةٌ } .\rرَوَاهُ الْأَثْرَمُ .","part":3,"page":308},{"id":1308,"text":"( 1036 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَإِنْ تَطَوَّعَ بِأَرْبَعٍ فِي النَّهَارِ فَلَا بَأْسَ ) الْأَفْضَلُ فِي تَطَوُّعِ النَّهَارِ : أَنْ يَكُونَ مَثْنَى مَثْنَى .\rلِمَا رَوَى عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَارِقِيُّ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { صَلَاةُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مَثْنَى مَثْنَى } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَالْأَثْرَمُ .\rوَلِأَنَّهُ أَبْعَدُ عَنْ السَّهْوِ ، وَأَشْبَهُ بِصَلَاةِ اللَّيْلِ ، وَتَطَوُّعَاتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّ الصَّحِيحَ فِي تَطَوُّعَاتِهِ رَكْعَتَانِ .\rوَذَهَبَ الْحَسَنُ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَحَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ إلَى أَنَّ تَطَوُّعَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مَثْنَى مَثْنَى لِذَلِكَ .\rوَالصَّحِيحُ أَنَّهُ إنْ تَطَوَّعَ فِي النَّهَارِ بِأَرْبَعٍ فَلَا بَأْسَ ، فَعَلَ ذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ ، وَكَانَ إِسْحَاقُ يَقُولُ : صَلَاةُ النَّهَارِ أَخْتَارُ أَرْبَعًا ، وَإِنْ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ جَازَ .\rوَيُشْبِهُهُ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { أَرْبَعٌ قَبْلَ الظُّهْرِ لَا تَسْلِيمَ فِيهِنَّ تُفْتَحُ لَهُنَّ أَبْوَابُ السَّمَاءِ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَلِأَنَّ مَفْهُومَ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى } أَنَّ صَلَاةَ النَّهَارِ رُبَاعِيَّةٌ .\rوَلَنَا عَلَى أَنَّ الْأَفْضَلَ مَثْنَى ، مَا تَقَدَّمَ ، وَحَدِيثُ أَبِي أَيُّوبَ يَرْوِيهِ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَتَّبٍ ، وَهُوَ ضَعِيفٌ ، وَمَفْهُومُ الْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ الْأَرْبَعِ لَا عَلَى تَفْضِيلِهَا ، وَأَمَّا حَدِيثُ الْبَارِقِيِّ فَإِنَّهُ تَفَرَّدَ بِزِيَادَةِ لَفْظَةِ \" النَّهَارِ \" مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الرُّوَاةِ ، وَقَدْ رَوَاهُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ نَحْوٌ مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ نَفْسًا ، لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ أَحَدٌ سِوَاهُ ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يُصَلِّي أَرْبَعًا ، فَيَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى ضَعْفِ رِوَايَتِهِ ، أَوْ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ","part":3,"page":309},{"id":1309,"text":"الْفَضِيلَةُ ، مَعَ جَوَازِ غَيْرِهِ .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .\r( 1037 ) فَصْلٌ : قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا : وَلَا يُزَادُ فِي اللَّيْلِ عَلَى اثْنَتَيْنِ ، وَلَا فِي النَّهَارِ عَلَى أَرْبَعٍ ، وَلَا يَصِحُّ التَّطَوُّعُ بِرَكْعَةٍ وَلَا بِثَلَاثٍ .\rوَهَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : لَوْ صَلَّى سِتًّا فِي لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ ، كُرِهَ وَصَحَّ .\rوَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : فِي صِحَّةِ التَّطَوُّعِ بِرَكْعَةٍ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، يَجُوزُ ؛ لِمَا رَوَى سَعِيدٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا جَرِيرٌ ، عَنْ قَابُوسَ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : دَخَلَ عُمَرُ الْمَسْجِدَ فَصَلَّى رَكْعَةً ، ثُمَّ خَرَجَ فَتَبِعَهُ رَجُلٌ ، فَقَالَ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، إنَّمَا صَلَّيْت رَكْعَةً .\rقَالَ : هُوَ تَطَوُّعٌ ، فَمَنْ شَاءَ زَادَ ، وَمَنْ شَاءَ نَقَصَ .\rوَلَنَا ، أَنَّ هَذَا خِلَافُ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى } .\rوَلِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ الشَّرْعُ بِمِثْلِهِ ، وَالْأَحْكَامُ إنَّمَا تُتَلَقَّى مِنْ الشَّارِعِ ، إمَّا مِنْ نَصِّهِ ، أَوْ مَعْنَى نَصِّهِ ، وَلَيْسَ هَاهُنَا شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ .","part":3,"page":310},{"id":1310,"text":"فَصْلٌ : وَالتَّطَوُّعَاتُ قِسْمَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، مَا تُسَنُّ لَهُ الْجَمَاعَةُ ، وَهُوَ صَلَاةُ الْكُسُوفِ وَالِاسْتِسْقَاءِ وَالتَّرَاوِيحِ ، وَنَذْكُرُهَا ، إنْ شَاءَ اللَّهُ ، فِي مَوَاضِعِهَا .\rوَالثَّانِي ، مَا يُفْعَلُ عَلَى الِانْفِرَادِ ، وَهِيَ قِسْمَانِ ؛ سُنَّةٌ مُعَيَّنَةٌ ، وَنَافِلَةٌ مُطْلَقَةٌ ، فَأَمَّا الْمُعَيَّنَةُ فَتَتَنَوَّعُ أَنْوَاعًا ؛ مِنْهَا السُّنَنُ الرَّوَاتِبُ مَعَ الْفَرَائِضِ ، وَهِيَ عَشْرُ رَكَعَاتٍ : رَكْعَتَانِ قَبْلَ الظُّهْرِ ، وَرَكْعَتَانِ بَعْدَهَا ، وَرَكْعَتَانِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ ، وَرَكْعَتَانِ بَعْدَ الْعِشَاءِ ، وَرَكْعَتَانِ قَبْلَ الْفَجْرِ .\rوَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : وَأَرْبَعٌ قَبْلَ الْعَصْرِ ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { رَحِمَ اللَّهُ امْرَأً صَلَّى قَبْلَ الْعَصْرِ أَرْبَعًا } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : قَبْلَ الظُّهْرِ أَرْبَعٌ ؛ لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَقِيقٍ ، قَالَ : { سَأَلْت عَائِشَةَ عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ فَقَالَتْ : كَانَ يُصَلِّي فِي بَيْتِهِ قَبْلَ الظُّهْرِ أَرْبَعًا ، ثُمَّ يَخْرُجُ فَيُصَلِّي بِالنَّاسِ ، ثُمَّ يَدْخُلُ فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ ، وَكَانَ يُصَلِّي بِالنَّاسِ الْمَغْرِبَ ، ثُمَّ يَدْخُلُ فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ ، ثُمَّ يُصَلِّي بِالنَّاسِ الْعِشَاءَ وَيَدْخُلُ بَيْتِي ، فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ } .\rرَوَاهُ مُسْلِمٌ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ ، قَالَ : { حَفِظْت عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشْرَ رَكَعَاتٍ ؛ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الظُّهْرِ ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَهَا ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ فِي بَيْتِهِ ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعِشَاءِ فِي بَيْتِهِ ، وَرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الصُّبْحِ ، كَانَتْ سَاعَةً لَا يُدْخَلُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهَا ، حَدَّثَتْنِي حَفْصَةُ ، أَنَّهُ كَانَ إذَا أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ وَطَلَعَ الْفَجْرُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَلِمُسْلِمٍ : وَبَعْدَ الْجُمُعَةِ سَجْدَتَيْنِ .\rوَلَمْ يَذْكُرْ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الصُّبْحِ .","part":3,"page":311},{"id":1311,"text":"وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَائِشَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَ ذَلِكَ .\rوَقَالَ : هُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ .\rوَقَوْلُهُ : { رَحِمَ اللَّهُ امْرَأً صَلَّى قَبْلَ الْعَصْرِ أَرْبَعًا } .\rتَرْغِيبٌ فِيهَا ، وَلَمْ يَجْعَلْهَا مِنْ السُّنَنِ الرَّوَاتِبِ ، بِدَلِيلِ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ رَاوِيهِ ، وَلَمْ يَحْفَظْهَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحَدِيثُ عَائِشَةَ قَدْ اُخْتُلِفَ فِيهِ ، فَرُوِيَ عَنْهَا مِثْلُ رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ .","part":3,"page":312},{"id":1312,"text":"( 1039 ) فَصْلٌ : وَآكَدُ هَذِهِ الرَّكَعَاتِ رَكْعَتَا الْفَجْرِ ، قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا : { إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ عَلَى شَيْءٍ مِنْ النَّوَافِلِ أَشَدَّ مُعَاهَدَةً مِنْهُ عَلَى رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَفِي لَفْظٍ : { مَا رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي شَيْءٍ مِنْ النَّوَافِلِ أَسْرَعَ مِنْهُ إلَى الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْفَجْرِ } .\rأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ .\rوَقَالَ : { رَكْعَتَا الْفَجْرِ خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا .\rوَفِي لَفْظٍ : أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا } .\rرَوَاهُ مُسْلِمٌ .\rوَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { صَلُّوهُمَا وَلَوْ طَرَدَتْكُمْ الْخَيْلُ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَيُسْتَحَبُّ تَخْفِيفُهُمَا ، فَإِنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ : { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ فَيُخَفِّفُ ، حَتَّى إنِّي لَأَقُولُ : هَلْ قَرَأَ فِيهِمَا بِأُمِّ الْكِتَابِ ؟ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْرَأَ فِيهِمَا { قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ } ، وَ { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ } لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ، { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَرَأَ فِي رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ { قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ } وَ { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ } } .\rرَوَاهُ مُسْلِمٌ .\rوَقَالَ ابْنُ عُمَرَ : { رَمَقْت النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَهْرًا ، فَكَانَ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْفَجْرِ { قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ } وَ { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ } } .\rقَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ .\rوَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ فِي رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ { قُولُوا آمَنَّا بِاَللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إلَيْنَا } الْآيَةَ الَّتِي فِي الْبَقَرَةِ ، وَفِي الْآخِرَةِ مِنْهُمَا { آمَنَّا بِاَللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ } } .\rرَوَاهُ مُسْلِمٌ .","part":3,"page":313},{"id":1313,"text":"( 1040 ) فَصْلٌ : وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَضْطَجِعَ بَعْدَ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ عَلَى جَنْبِهِ الْأَيْمَنِ ، وَكَانَ أَبُو مُوسَى وَرَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ ، وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ يَفْعَلُونَهُ ، وَأَنْكَرَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ ، وَكَانَ الْقَاسِمُ ، وَسَالِمٌ ، وَنَافِعٌ لَا يَفْعَلُونَهُ .\rوَاخْتُلِفَ فِيهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ .\rوَرَوِيَ عَنْ أَحْمَدَ : أَنَّهُ لَيْسَ بِسُنَّةٍ ؛ لِأَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ أَنْكَرَهُ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ ، فَلْيَضْطَجِعْ } .\rقَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ .\rرَوَاهُ الْبَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ وَقَالَ : { عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ } وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : { كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا صَلَّى رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ اضْطَجَعَ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَهَذَا لَفْظُ رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ ، وَاتِّبَاعُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْلِهِ وَفِعْلِهِ أَوْلَى مِنْ اتِّبَاعِ مَنْ خَالَفَهُ كَائِنًا مَنْ كَانَ .","part":3,"page":314},{"id":1314,"text":"( 1041 ) فَصْلٌ : وَيَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ { قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ } وَ { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ } ؛ لِمَا رَوَى { ابْنُ مَسْعُودٍ ، قَالَ : مَا أُحْصِي مَا سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ ، وَفِي الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْفَجْرِ قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ وَ { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ } } .\rأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ .","part":3,"page":315},{"id":1315,"text":"وَيُسْتَحَبُّ فِعْلُ السُّنَنِ فِي الْبَيْتِ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ : { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ فِي بَيْتِهِ } ، وَقَالَ أَبُو دَاوُد : مَا رَأَيْت أَحْمَدَ رَكَعَهُمَا ، يَعْنِي رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ ، فِي الْمَسْجِدِ قَطُّ ، إنَّمَا كَانَ يَخْرُجُ فَيَقْعُدُ فِي الْمَسْجِدِ حَتَّى تُقَامَ الصَّلَاةُ .\rوَقَالَ الْأَثْرَمُ : سَمِعْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ سُئِلَ عَنْ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الظُّهْرِ أَيْنَ يُصَلَّيَانِ ؟ قَالَ : فِي الْمَسْجِدِ ، ثُمَّ قَالَ : أَمَّا الرَّكْعَتَانِ قَبْلَ الْفَجْرِ فَفِي بَيْتِهِ ، وَبَعْدَ الْمَغْرِبِ فِي بَيْتِهِ .\rثُمَّ قَالَ : لَيْسَ هَاهُنَا شَيْءٌ آكَدُ مِنْ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ .\rوَذَكَرَ حَدِيثَ ابْنِ إِسْحَاقَ : { صَلُّوا هَاتَيْنِ الرَّكْعَتَيْنِ فِي بُيُوتِكُمْ } .\rقِيلَ لِأَحْمَدَ : فَإِنْ كَانَ مَنْزِلُ الرَّجُلِ بَعِيدًا ؟ قَالَ : لَا أَدْرِي .\rوَذَلِكَ لِمَا رَوَى سَعْدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَاهُمْ فِي مَسْجِدِ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ ، فَصَلَّى الْمَغْرِبَ ، فَرَآهُمْ يَتَطَوَّعُونَ بَعْدَهَا .\rفَقَالَ : هَذِهِ صَلَاةُ الْبُيُوتِ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَعَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ، قَالَ : { أَتَانَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ ، فَصَلَّى بِنَا الْمَغْرِبَ فِي مَسْجِدِنَا ، ثُمَّ قَالَ : ارْكَعُوا هَاتَيْنِ الرَّكْعَتَيْنِ فِي بُيُوتِكُمْ } .\rرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ ، وَالْأَثْرَمُ ، وَلَفْظُهُ ، قَالَ : { صَلُّوا هَاتَيْنِ الرَّكْعَتَيْنِ فِي بُيُوتِكُمْ } .","part":3,"page":316},{"id":1316,"text":"( 1042 ) فَصْلٌ : كُلُّ سُنَّةٍ قَبْلَ الصَّلَاةِ ، فَوَقْتُهَا مِنْ دُخُولِ وَقْتِهَا إلَى فِعْلِ الصَّلَاةِ ، وَكُلُّ سُنَّةٍ بَعْدَهَا ، فَوَقْتُهَا مِنْ فِعْلِ الصَّلَاةِ إلَى خُرُوجِ وَقْتِهَا ، فَإِنْ فَاتَ شَيْءٌ مِنْ وَقْتِ هَذِهِ السُّنَنِ ، فَقَالَ أَحْمَدُ : لَمْ يَبْلُغْنَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى شَيْئًا مِنْ التَّطَوُّعِ ، إلَّا رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ ، وَالرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ .\rوَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ : تُقْضَى جَمِيعُ السُّنَنِ الرَّوَاتِبِ فِي جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ إلَّا أَوْقَاتَ النَّهْيِ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى بَعْضَهَا ، وَقِسْنَا الْبَاقِيَ عَلَيْهِ .\rوَقَالَ الْقَاضِي وَبَعْضُ أَصْحَابِنَا : لَا يُقْضَى إلَّا رَكْعَتَا الْفَجْرِ تُقْضَى ، إلَى وَقْتِ الضُّحَى ، وَرَكْعَتَا الظُّهْرِ .\rفَإِنَّ أَحْمَدَ قَالَ : مَا أَعْرِفُ وِتْرًا بَعْدَ الْفَجْرِ .\rوَرَكْعَتَا الْفَجْرِ تُقْضَى إلَى وَقْتِ الضُّحَى .\rقَالَ مَالِكٌ : تُقْضَى رَكْعَتَا الْفَجْرِ إلَى وَقْتِ الزَّوَالِ ، وَلَا تُقْضَى بَعْدَ ذَلِكَ وَقَالَ النَّخَعِيُّ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَالْحَسَنُ : إذَا طَلَعَتْ الشَّمْسُ فَلَا وِتْرَ .\rوَقَالَ بَعْضُهُمْ : مَنْ صَلَّى الْغَدَاةَ فَلَا وِتْرَ عَلَيْهِ .\rوَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا وَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ ، رَحِمَهُ اللَّهُ : أُحِبُّ أَنْ يَكُونَ لَهُ شَيْءٌ مِنْ النَّوَافِلِ يُحَافِظُ عَلَيْهِ ، إذَا فَاتَ قَضَى .","part":3,"page":317},{"id":1317,"text":"النَّوْعُ الثَّانِي : تَطَوُّعَاتٌ مَعَ السُّنَنِ الرَّوَاتِبِ ، يُسْتَحَبُّ أَنْ يُصَلِّيَ قَبْلَ الظُّهْرِ أَرْبَعًا وَأَرْبَعًا بَعْدَهَا ؛ لِمَا رَوَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ ، قَالَتْ : سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : { مَنْ حَافَظَ عَلَى أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ قَبْلَ الظُّهْرِ ، وَأَرْبَعٍ بَعْدَهَا ، حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ : حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ .\rوَرَوَى أَبُو أَيُّوبَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { أَرْبَعٌ قَبْلَ الظُّهْرِ لَيْسَ فِيهِنَّ تَسْلِيمٌ تُفْتَحُ لَهُنَّ أَبْوَابُ السَّمَاءِ } .\rوَقَدْ ذَكَرْنَاهُ وَعَلَى أَرْبَعٍ قَبْلَ الْعَصْرِ ؛ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { رَحِمَ اللَّهُ امْرَأً صَلَّى قَبْلَ الْعَصْرِ أَرْبَعًا } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي صِفَةِ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَأَرْبَعًا قَبْلَ الظُّهْرِ إذَا زَالَتْ الشَّمْسُ ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَهَا ، وَأَرْبَعًا قَبْلَ الْعَصْرِ ، يَفْصِلُ بَيْنَ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ بِالسَّلَامِ عَلَى الْمَلَائِكَةِ الْمُقَرَّبِينَ وَالنَّبِيِّينَ وَمَنْ تَبِعَهُمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ .\rرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ .\rوَعَلَى أَرْبَعٍ بَعْدَ سُنَّةِ الْمَغْرِبِ ؛ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ صَلَّى بَعْدَ الْمَغْرِبِ سِتَّ رَكَعَاتٍ ، لَمْ يَتَكَلَّمْ بَيْنَهُنَّ بِسُوءٍ ، عُدِلْنَ لَهُ بِعِبَادَةِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً } رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَقَالَ : لَا نَعْرِفُهُ إلَّا مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ بْنِ أَبِي خَثْعَمٌ .\rوَضَعَّفَهُ الْبُخَارِيُّ جِدًّا .\rوَعَلَى أَرْبَعٍ بَعْدَ الْعِشَاءِ ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ { شُرَيْحِ بْنِ هَانِئٍ ، عَنْ عَائِشَةَ ، قَالَ : سَأَلْتهَا عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ فَقَالَتْ : مَا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْعِشَاءَ قَطُّ إلَّا صَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ ، أَوْ سِتَّ رَكَعَاتٍ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .","part":3,"page":318},{"id":1318,"text":"( 1043 ) فَصْلٌ : وَاخْتُلِفَ فِي أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ ، مِنْهَا رَكْعَتَانِ قَبْلَ الْمَغْرِبِ بَعْدَ الْأَذَانِ ؛ فَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ ، أَنَّهُمَا جَائِزَتَانِ وَلَيْسَتَا سُنَّةً .\rقَالَ الْأَثْرَمُ : قُلْت لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ ، الرَّكْعَتَانِ قَبْلَ الْمَغْرِبِ ؟ قَالَ : مَا فَعَلْته قَطُّ إلَّا مَرَّةً ، حِينَ سَمِعْت الْحَدِيثَ ، وَقَالَ : فِيهِمَا أَحَادِيثُ جِيَادٌ ، أَوْ قَالَ : صِحَاحٌ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ وَالتَّابِعِينَ .\rإلَّا أَنَّهُ قَالَ : \" لِمَنْ شَاءَ \" .\rفَمَنْ شَاءَ صَلَّى .\rوَقَالَ : هَذَا شَيْءٌ يُنْكِرُهُ النَّاسُ .\rوَضَحِكَ كَالْمُتَعَجِّبِ ، وَقَالَ : هَذَا عِنْدَهُمْ عَظِيمٌ .\rوَالدَّلِيلُ عَلَى جَوَازِهِمَا مَا رَوَى أَنَسٌ ، قَالَ : { كُنَّا نُصَلِّي عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ قَبْلَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ .\rقَالَ الْمُخْتَارُ بْنُ فُلْفُلٍ : فَقُلْت لَهُ ، أَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّاهُمَا ؟ قَالَ : كَانَ يَرَانَا نُصَلِّيهِمَا ، فَلَمْ يَأْمُرْنَا وَلَمْ يَنْهَنَا } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَقَالَ أَنَسٌ : كُنَّا بِالْمَدِينَةِ إذَا أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ لِصَلَاةِ الْمَغْرِبِ ابْتَدَرُوا السَّوَارِيَ ، فَرَكَعُوا رَكْعَتَيْنِ ، حَتَّى إنَّ الرَّجُلَ الْغَرِيبَ لَيَدْخُلُ الْمَسْجِدَ فَيَحْسِبُ أَنَّ الصَّلَاةَ قَدْ صُلِّيَتْ ، مِنْ كَثْرَةِ مَنْ يُصَلِّيهِمَا .\rرَوَاهُ مُسْلِمٌ .\rوَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُغَفَّلِ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلَاةٌ .\rقَالَهَا ثَلَاثًا ، ثُمَّ قَالَ فِي الثَّالِثَةِ : لِمَنْ شَاءَ } .\rأَخْرَجَهُمَا مُسْلِمٌ .\rوَقَالَ عُقْبَةُ : كُنَّا نَفْعَلُهُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rوَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُزَنِيّ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { صَلُّوا قَبْلَ الْمَغْرِبِ رَكْعَتَيْنِ .\rقَالَ : ثُمَّ قَالَ : صَلُّوا قَبْلَ الْمَغْرِبِ رَكْعَتَيْنِ .\rقَالَ : ثُمَّ قَالَ : صَلُّوا قَبْلَ الْمَغْرِبِ","part":3,"page":319},{"id":1319,"text":"رَكْعَتَيْنِ لِمَنْ شَاءَ .\rخَشْيَةَ أَنْ يَتَّخِذَهَا النَّاسُ سُنَّةً } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .","part":3,"page":320},{"id":1320,"text":"وَمِنْهَا ، الرَّكْعَتَانِ بَعْدَ الْوِتْرِ ، فَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ فِعْلُهُمَا ، وَإِنْ فَعَلَهُمَا إنْسَانٌ جَازَ .\rقَالَ الْأَثْرَمُ : سَمِعْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يُسْأَلُ عَنْ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْوِتْرِ ، قِيلَ لَهُ : قَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ وُجُوهٍ ، فَمَا تَرَى فِيهِمَا ؟ فَقَالَ : أَرْجُو إنْ فَعَلَهُ إنْسَانٌ أَنْ لَا يُضَيَّقَ عَلَيْهِ ، وَلَكِنْ يَكُونُ وَهُوَ جَالِسٌ ، كَمَا جَاءَ الْحَدِيثُ .\rقُلْت : تَفْعَلُهُ أَنْتَ ؟ قَالَ : لَا ، مَا أَفْعَلُهُ .\rوَعَدَّهُمَا أَبُو الْحَسَنِ الْآمِدِيُّ مِنْ السُّنَنِ الرَّاتِبَةِ .\rوَالصَّحِيحُ أَنَّهُمَا لَيْسَتَا بِسُنَّةٍ ؛ لِأَنَّ أَكْثَرَ مَنْ وَصَفَ تَهَجُّدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَذْكُرْهُمَا ؛ مِنْ ذَلِكَ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ ، وَعَائِشَةَ ، فِيمَا رَوَاهُ عَنْهُمَا عُرْوَةُ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَقِيقٍ ، وَالْقَاسِمُ ، وَاخْتُلِفَ فِيهِ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، وَأَكْثَرُ الصَّحَابَةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى تَرْكِهِمَا .\rوَوَجْهُ الْجَوَازِ ، مَا رَوَى سَعْدُ بْنُ هِشَامٍ ، عَنْ عَائِشَةَ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُصَلِّي مِنْ اللَّيْلِ تِسْعَ رَكَعَاتٍ ، ثُمَّ يُسَلِّمُ تَسْلِيمًا يُسْمِعُنَا ، ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ بَعْدَمَا يُسَلِّمُ ، وَهُوَ قَاعِدٌ ، فَتِلْكَ إحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً } .\rوَقَالَ { أَبُو سَلَمَةَ : سَأَلْت عَائِشَةَ عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ : كَانَ يُصَلِّي ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً ، يُصَلِّي ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ ، ثُمَّ يُوتِرُ ، ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ قَامَ فَرَكَعَ ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ بَيْنَ النِّدَاءِ وَالْإِقَامَةِ مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ } .\rرَوَاهُمَا مُسْلِمٌ .\rوَرَوَى ذَلِكَ أَبُو أُمَامَةَ أَيْضًا ، وَأَوْصَى بِهِمَا خَالِدُ بْنُ مَعْدَانَ ، وَكَثِيرُ بْنُ مُرَّةَ الْحَضْرَمِيُّ ، وَفَعَلَهُمَا الْحَسَنُ ، فَهَذَا وَجْهُ جَوَازِهِمَا .","part":3,"page":321},{"id":1321,"text":"النَّوْعُ الثَّالِثُ : صَلَوَاتٌ مُعَيَّنَةٌ سِوَى ذَلِكَ ، مِنْهَا صَلَاةُ الضُّحَى ، وَهِيَ مُسْتَحَبَّةٌ ؛ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ : { أَوْصَانِي خَلِيلِي بِثَلَاثٍ : صِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ، وَرَكْعَتَيْ الضُّحَى ، وَأَنْ أُوتِرَ قَبْلَ أَنْ أَرْقُدَ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : { أَوْصَانِي حَبِيبِي بِثَلَاثٍ لَنْ أَدَعَهُنَّ مَا عِشْت : بِصِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلّ شَهْرٍ ، وَصَلَاةِ الضُّحَى ، وَأَنْ لَا أَنَامَ حَتَّى أُوتِرَ } .\rوَرَوَى أَبُو ذَرٍّ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { يُصْبِحُ عَلَى كُلِّ سُلَامَى مِنْ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ ، فَكُلُّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةٌ ، وَكُلُّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَةٌ ، وَكُلُّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَةٌ ، وَكُلُّ تَكْبِيرَةٍ صَدَقَةٌ ، وَأَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ ، وَنَهْيٌ عَنْ الْمُنْكَرِ صَدَقَةٌ ، وَيُجْزِئُ مِنْ ذَلِكَ رَكْعَتَانِ يَرْكَعُهُمَا مِنْ الضُّحَى } .\rرَوَاهُمَا مُسْلِمٌ .\rفَأَقَلُّهَا رَكْعَتَانِ لِهَذَا الْخَبَرِ ، وَأَكْثَرُهَا ثَمَانٍ فِي قَوْلِ أَصْحَابِنَا ؛ لِمَا رَوَتْ أُمُّ هَانِئٍ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ بَيْتَهَا يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ ، وَصَلَّى ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ ، فَلَمْ أَرَ صَلَاةً قَطُّ أَخَفَّ مِنْهَا ، غَيْرَ أَنَّهُ يُتِمُّ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَوَقْتُهَا إذَا عَلَتْ الشَّمْسُ وَاشْتَدَّ حَرُّهَا ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { صَلَاةُ الْأَوَّابِينَ حِينَ تَرْمَضُ الْفِصَالُ } .\rرَوَاهُ مُسْلِمٌ .\rقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا : لَا تُسْتَحَبُّ الْمُدَاوَمَةُ عَلَيْهَا ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُدَاوِمْ عَلَيْهَا ، { قَالَتْ عَائِشَةُ : مَا رَأَيْت النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي الضُّحَى قَطُّ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ ، قَالَ : { قُلْت لِعَائِشَةَ : أَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي الضُّحَى ؟ قَالَتْ : لَا ، إلَّا أَنْ يَجِيءَ مِنْ مَغِيبِهِ } .","part":3,"page":322},{"id":1322,"text":"رَوَاهُ مُسْلِمٌ .\rوَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى : { مَا حَدَّثَنِي أَحَدٌ أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي الضُّحَى إلَّا أُمُّ هَانِئٍ ، فَإِنَّهَا حَدَّثَتْ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ بَيْتَهَا يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ ، فَصَلَّى ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ ، مَا رَأَيْته قَطُّ صَلَّى صَلَاةً أَخَفَّ مِنْهَا ، غَيْرَ أَنَّهُ كَانَ يُتِمُّ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَلِأَنَّ فِي الْمُدَاوَمَةِ عَلَيْهَا تَشْبِيهًا بِالْفَرَائِضِ .\rوَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : تُسْتَحَبُّ الْمُدَاوَمَةُ عَلَيْهَا ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْصَى بِهَا أَصْحَابَهُ .\rوَقَالَ : { مَنْ حَافَظَ عَلَى شُفْعَةِ الضُّحَى غُفِرَتْ ذُنُوبُهُ وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ } .\rقَالَ التِّرْمِذِيُّ : لَا نَعْرِفُهُ إلَّا مِنْ حَدِيثِ النَّهَّاسِ بْنِ قَهْمٍ .\rوَلِأَنَّ أَحَبَّ الْعَمَلِ إلَى اللَّهِ مَا دَاوَمَ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ .","part":3,"page":323},{"id":1323,"text":"( 1044 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا صَلَاةُ التَّسْبِيحِ ، فَإِنَّ أَحْمَدَ قَالَ : مَا يُعْجِبُنِي .\rقِيلَ لَهُ : لِمَ ؟ قَالَ : لَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ يَصِحُّ .\rوَنَفَضَ يَدَهُ كَالْمُنْكِرِ .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ : { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِلْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ : يَا عَمَّاهُ ، أَلَا أُعْطِيكَ ، أَلَا أَمْنَحُكَ ، أَلَا أَحْبُوكَ ، أَلَا أَفْعَلُ بِكَ عَشْرَ خِصَالٍ إذَا أَنْتَ فَعَلْتَ ذَلِكَ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ ذَنْبَك ، أَوَّلَهُ وَآخِرَهُ ، وَقَدِيمَهُ وَحَدِيثَهُ ، وَخَطَأَهُ وَعَمْدَهُ ، وَصَغِيرَهُ وَكَبِيرَهُ ، وَسِرَّهُ وَعَلَانِيَتَهُ عَشْرَ خِصَالٍ ؛ أَنْ تُصَلِّيَ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ ، تَقْرَأُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ وَسُورَةً ، فَإِذَا فَرَغْتَ مِنْ الْقُرْآنِ ، قُلْتَ سُبْحَانَ اللَّهِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ ، وَلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ، وَاَللَّهُ أَكْبَرُ ، خَمْسَ عَشْرَةَ مَرَّةً ، ثُمَّ تَرْكَعُ ، فَتَقُولُهَا وَأَنْتَ رَاكِعٌ عَشْرًا ، ثُمَّ تَرْفَعُ رَأْسَكَ مِنْ الرُّكُوعِ ، فَتَقُولُهَا عَشْرًا ، ثُمَّ تَهْوِي سَاجِدًا ، فَتَقُولُهَا وَأَنْتَ سَاجِدٌ عَشْرًا ، ثُمَّ تَرْفَعُ رَأْسَكَ مِنْ السُّجُودِ فَتَقُولُهَا عَشْرًا ، ثُمَّ تَسْجُدُ ، فَتَقُولُهَا عَشْرًا .\rثُمَّ تَرْفَعُ رَأْسَكَ ، فَتَقُولُهَا عَشْرًا ، فَذَلِكَ خَمْسٌ وَسَبْعُونَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ ، تَفْعَلُ ذَلِكَ فِي الْأَرْبَعِ رَكَعَاتٍ ، إنْ اسْتَطَعْتَ أَنْ تُصَلِّيَهَا فِي كُلِّ يَوْمٍ مَرَّةً فَافْعَلْ ، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَفِي كُلِّ جُمُعَةٍ مَرَّةً ، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَفِي كُلِّ شَهْرٍ مَرَّةً ، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَفِي كُلِّ سَنَةٍ مَرَّةً ، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَفِي عُمُرِكَ مَرَّةً } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَالتِّرْمِذِيُّ .\rوَلَمْ يُثْبِتْ أَحْمَدُ الْحَدِيثَ الْمَرْوِيَّ فِيهَا ، وَلَمْ يَرَهَا مُسْتَحَبَّةً ، وَإِنْ فَعَلَهَا إنْسَانٌ فَلَا بَأْسَ ؛ فَإِنَّ النَّوَافِلَ وَالْفَضَائِلَ لَا يُشْتَرَطُ صِحَّةُ الْحَدِيثِ فِيهَا .","part":3,"page":324},{"id":1324,"text":"( 1045 ) فَصْلٌ : فِي صَلَاةِ الِاسْتِخَارَةِ : عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيِّ ، قَالَ : { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعَلِّمُنَا الِاسْتِخَارَةَ فِي الْأُمُورِ كُلِّهَا ، كَمَا يُعَلِّمُنَا السُّورَةَ مِنْ الْقُرْآنِ ، يَقُولُ : إذَا هَمَّ أَحَدُكُمْ بِالْأَمْرِ ، فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ الْفَرِيضَةِ ، ثُمَّ لِيَقُلْ : اللَّهُمَّ إنِّي أَسْتَخِيرُك بِعِلْمِكَ ، وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ ، وَأَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِك الْعَظِيمِ ، فَإِنَّكَ تَقْدِرُ وَلَا أَقْدِرُ ، وَتَعْلَمُ وَلَا أَعْلَمُ ، وَأَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ ، اللَّهُمَّ إنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ خَيْرٌ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي - أَوْ قَالَ : فِي عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ - ، فَاقْدُرْهُ لِي وَيَسِّرْهُ لِي ، ثُمَّ بَارِكْ لِي فِيهِ ، وَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ شَرٌّ لِي فِي دِينِي وَمَعِيشَتِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي أَوْ قَالَ : فِي عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ ، فَاصْرِفْهُ عَنِّي ، وَاصْرِفْنِي عَنْهُ ، وَاقْدُرْ لِي الْخَيْرَ حَيْثُ كَانَ ، ثُمَّ أَرْضِنِي بِهِ وَيُسَمِّي حَاجَتَهُ } .\rأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ .","part":3,"page":325},{"id":1325,"text":"( 1046 ) فَصْلٌ : فِي صَلَاةِ الْحَاجَةِ : عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ كَانَتْ لَهُ إلَى اللَّهِ حَاجَةٌ ، أَوْ إلَى أَحَدٍ مِنْ بَنِي آدَمَ ، فَلْيَتَوَضَّأْ ، وَلْيُحْسِنْ الْوُضُوءَ ، ثُمَّ لِيُصَلِّ رَكْعَتَيْنِ ، وَلْيُثْنِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى ، وَلْيُصَلِّ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ لِيَقُلْ : لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ الْحَلِيمُ الْكَرِيمُ ، لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ ، سُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ، الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ، أَسْأَلُكَ مُوجِبَاتِ رَحْمَتِكَ ، وَعَزَائِمَ مَغْفِرَتِكَ ، وَالْغَنِيمَةَ مِنْ كُلِّ بِرٍّ ، وَالسَّلَامَةَ مِنْ كُلِّ إثْمٍ ، لَا تَدَعْ لِي ذَنْبًا إلَّا غَفَرْتَهُ ، وَلَا هَمًّا إلَّا فَرَّجْتَهُ ، وَلَا حَاجَةً هِيَ لَكَ رِضًا إلَّا قَضَيْتَهَا ، يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ } .\rرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَقَالَ : حَدِيثٌ غَرِيبٌ .","part":3,"page":326},{"id":1326,"text":"( 1047 ) فَصْلٌ : فِي صَلَاةِ التَّوْبَةِ : عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍ ، وَصَدَقَ أَبُو بَكْرٍ ، قَالَ : سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : { مَا مِنْ رَجُلٍ يُذْنِبُ ذَنْبًا ، ثُمَّ يَقُومُ فَيَتَطَهَّرُ ، ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ ، ثُمَّ يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ تَعَالَى إلَّا غَفَرَ لَهُ .\rثُمَّ قَرَأَ { وَاَلَّذِينَ إذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ } إلَى آخِرِهَا } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَقَالَ : حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ .","part":3,"page":327},{"id":1327,"text":"( 1048 ) فَصْلٌ : وَيُسَنُّ لِمَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ أَنْ لَا يَجْلِسَ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ جُلُوسِهِ ؛ لِمَا رَوَى أَبُو قَتَادَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إذَا دَخَلَ أَحَدُكُمْ الْمَسْجِدَ ، فَلَا يَجْلِسْ حَتَّى يَرْكَعَ رَكْعَتَيْنِ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rفَإِذَا جَلَسَ قَبْلَ الصَّلَاةِ سُنَّ لَهُ أَنْ يَقُومَ فَيُصَلِّيَ ؛ لِمَا رَوَى جَابِرٌ ، قَالَ : { جَاءَ سُلَيْكٌ الْغَطَفَانِيُّ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ ، فَجَلَسَ فَقَالَ : يَا سُلَيْكُ ، قُمْ فَارْكَعْ رَكْعَتَيْنِ ، وَتَجَوَّزْ فِيهِمَا } .\rرَوَاهُ مُسْلِمٌ .\rوَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَطَوَّعَ بِمِثْلِ تَطَوُّعِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ فَإِنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إذَا صَلَّى الْفَجْرَ يُمْهِلُ حَتَّى إذَا كَانَتْ الشَّمْسُ مِنْ هَاهُنَا - يَعْنِي مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ - مِقْدَارَهَا مِنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ مِنْ الْعَصْرِ مِنْ هَاهُنَا - يَعْنِي مِنْ قِبَلِ الْمَغْرِبِ - قَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ، ثُمَّ يُمْهِلُ حَتَّى إذَا كَانَتْ الشَّمْسُ مِنْ هَاهُنَا - يَعْنِي مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ - مِقْدَارَهَا مِنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ مِنْ هَاهُنَا قَامَ فَصَلَّى أَرْبَعًا ، وَأَرْبَعًا قَبْلَ الظُّهْرِ إذَا زَالَتْ الشَّمْسُ ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَهَا ، وَأَرْبَعًا قَبْلَ الْعَصْرِ ، يَفْصِلُ بَيْنَ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ بِالسَّلَامِ عَلَى الْمَلَائِكَةِ الْمُقَرَّبِينَ وَالنَّبِيِّينَ وَمَنْ تَبِعَهُمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ .\rفَتِلْكَ سِتَّ عَشْرَةَ رَكْعَةً ، تَطَوُّعُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالنَّهَارِ ، وَقَلَّ مَنْ يُدَاوِمُ عَلَيْهَا .\r}","part":3,"page":328},{"id":1328,"text":"( 1049 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا النَّوَافِلُ الْمُطْلَقَةُ فَتُشْرَعُ فِي اللَّيْلِ كُلِّهِ ، وَفِي النَّهَارِ فِيمَا سِوَى أَوْقَاتِ النَّهْيِ ، وَتَطَوُّعُ اللَّيْلِ أَفْضَلُ مِنْ تَطَوُّعِ النَّهَارِ .\rقَالَ أَحْمَدُ : لَيْسَ بَعْدَ الْمَكْتُوبَةِ عِنْدِي أَفْضَلُ مِنْ قِيَامِ اللَّيْلِ .\rوَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ أُمِرَ بِذَلِكَ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَمِنْ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ } .\rوَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { أَفْضَلُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْفَرِيضَةِ صَلَاةُ اللَّيْلِ } .\rقَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ .\rوَكَانَ قِيَامُ اللَّيْلِ مَفْرُوضًا ؛ بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى : { يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمْ اللَّيْلَ إلَّا قَلِيلًا نِصْفَهُ } ثُمَّ نُسِخَ بِقَوْلِهِ : { إنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيْ اللَّيْلِ } الْآيَةَ .","part":3,"page":329},{"id":1329,"text":"( 1050 ) فَصْلٌ : وَأَفْضَلُ التَّهَجُّدِ جَوْفُ اللَّيْلِ الْآخِرُ ؛ لِمَا رَوَى عَمْرُو بْنُ عَبَسَةَ ، قَالَ { : قُلْت : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَيُّ اللَّيْلِ أَسْمَعُ ؟ قَالَ : جَوْفُ اللَّيْلِ الْآخِرُ ، فَصَلِّ مَا شِئْتَ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { أَفْضَلُ الصَّلَاةِ صَلَاةُ دَاوُد ، كَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ ، وَيَقُومُ ثُلُثَهُ ، وَيَنَامُ سُدُسَهُ } .\rوَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي { صِفَةِ تَهَجُّدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ نَامَ حَتَّى انْتَصَفَ اللَّيْلُ ، أَوْ قَبْلَهُ بِقَلِيلٍ ، أَوْ بَعْدَهُ بِقَلِيلٍ ، ثُمَّ اسْتَيْقَظَ - فَوَصَفَ تَهَجُّدَهُ حَتَّى قَالَ : ثُمَّ أَوْتَرَ ، ثُمَّ اضْطَجَعَ حَتَّى جَاءَ الْمُؤَذِّنُ } .\rوَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ : { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنَامُ أَوَّلَ اللَّيْلِ ، وَيُحْيِي آخِرَهُ ، ثُمَّ إنْ كَانَتْ لَهُ حَاجَةٌ إلَى أَهْلِهِ قَضَى حَاجَتَهُ ، ثُمَّ نَامَ ، فَإِذَا كَانَ عِنْدَ النِّدَاءِ الْأَوَّلِ وَثَبَ ، فَأَفَاضَ عَلَيْهِ الْمَاءَ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَاجَةٌ تَوَضَّأَ .\rوَقَالَتْ : مَا أَلْفَى عِنْدِي رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ السَّحَرُ الْأَعْلَى فِي بَيْتِي إلَّا نَائِمًا } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِنَّ .\rوَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد : { فَمَا يَجِيءُ السَّحَرُ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ وِتْرِهِ } ، وَلِأَنَّ آخِرَ اللَّيْلِ يَنْزِلُ فِيهِ الرَّبُّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى إلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا ؛ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { يَنْزِلُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى إلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرُ ، فَيَقُولُ : مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ ؟ وَمَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ ؟ وَمَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ ؟ } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ : إذَا أَغْفَى - يَعْنِي بَعْدَ التَّهَجُّدِ - فَإِنَّهُ لَا يَبِينُ عَلَيْهِ أَثَرُ السَّهَرِ ، وَإِذَا لَمْ يُغْفِ يَبِينُ عَلَيْهِ .\rوَقَالَ مَسْرُوقٌ : { سَأَلْت","part":3,"page":330},{"id":1330,"text":"عَائِشَةَ : أَيَّ حِينٍ كَانَ يُصَلِّي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قَالَتْ : كَانَ إذَا سَمِعَ الصَّارِخَ قَامَ ، فَصَلَّى .\r} مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\r( 1051 ) فَصْلٌ : وَيَقُولُ عِنْدَ انْتِبَاهِهِ مَا رَوَاهُ عُبَادَةُ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { مَنْ تَعَارَّ مِنْ اللَّيْلِ ، فَقَالَ : لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ، الْحَمْدُ لِلَّهِ ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ ، وَلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ، وَاَللَّهُ أَكْبَرُ ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ ، ثُمَّ قَالَ : اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ، أَوْ دَعَا اُسْتُجِيبَ لَهُ ، فَإِنْ تَوَضَّأَ وَصَلَّى ، قُبِلَتْ صَلَاتُهُ } .\rرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ .\rوَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا قَامَ مِنْ اللَّيْلِ يَتَهَجَّدُ ، قَالَ : اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ ، أَنْتَ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ ، وَلَكَ الْحَمْدُ ، أَنْتَ قَيُّومُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ ، وَلَكَ الْحَمْدُ ، أَنْتَ مَلِكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ ، وَلَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ الْحَقُّ ؛ وَوَعْدُكَ الْحَقُّ ، وَقَوْلُكَ الْحَقُّ ، وَلِقَاؤُكَ حَقٌّ ، وَالْجَنَّةُ حَقٌّ ، وَالنَّارُ حَقٌّ ، وَالسَّاعَةُ حَقٌّ ، وَالنَّبِيُّونَ حَقٌّ ، وَمُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَقٌّ ، اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ ، وَبِكَ آمَنْتُ ، وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ ، وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ ، وَبِكَ خَاصَمْتُ ، وَإِلَيْكَ حَاكَمْتُ ، فَاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ ، وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ ، أَنْتَ الْمُقَدِّمُ وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ ، لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِكَ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَفِي مُسْلِمٍ : { أَنْتَ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ .\rوَفِيهِ : أَنْتَ إلَهِي لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ } .\rوَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا قَامَ مِنْ اللَّيْلِ افْتَتَحَ صَلَاتَهُ : اللَّهُمَّ رَبَّ جِبْرِيلَ","part":3,"page":331},{"id":1331,"text":"وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ ، فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ ، عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ ، أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ، اهْدِنِي لِمَا اُخْتُلِفَ فِيهِ مِنْ الْحَقِّ بِإِذْنِكَ ، إنَّكَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ } .\rأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَعَنْهَا .\rقَالَتْ : { كَانَ - تَعْنِي رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا قَامَ كَبَّرَ عَشْرًا ، وَحَمَدَ عَشْرًا ، وَسَبَّحَ عَشْرًا ، وَهَلَّلَ عَشْرًا ، وَاسْتَغْفَرَ عَشْرًا ، وَقَالَ : اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ، وَاهْدِنِي ، وَارْزُقْنِي ، وَعَافِنِي وَيَتَعَوَّذُ مِنْ ضِيقِ الْمُقَامِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\r( 1052 ) فَصْلٌ : وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَسَوَّكَ ؛ لِمَا رَوَى حُذَيْفَةُ ، قَالَ : { كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا قَامَ مِنْ اللَّيْلِ يَشُوصُ فَاهُ بِالسِّوَاكِ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، { أَنَّهُ رَقَدَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاسْتَيْقَظَ ، فَسَوَّكَ وَتَوَضَّأَ } .\rوَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ : كُنَّا نُعِدُّ لَهُ - تَعْنِي رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سِوَاكَهُ وَطَهُورَهُ ، فَيَبْعَثُهُ اللَّهُ مَا شَاءَ أَنْ يَبْعَثَهُ ، فَيَتَسَوَّكُ ، وَيَتَوَضَّأُ ، وَيُصَلِّي تِسْعَ رَكَعَاتٍ .\rأَخْرَجَهُمَا مُسْلِمٌ .","part":3,"page":332},{"id":1332,"text":"( 1053 ) فَصْلٌ : وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَفْتَتِحَ تَهَجُّدَهُ بِرَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ ؛ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { إذَا قَامَ أَحَدُكُمْ مِنْ اللَّيْلِ فَلْيَفْتَتِحْ صَلَاتَهُ بِرَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ } وَعَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ أَنَّهُ قَالَ { : لَأَرْمُقَنَّ صَلَاةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اللَّيْلَةَ ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ طَوِيلَتَيْنِ طَوِيلَتَيْنِ ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ ، وَهُمَا دُونَ اللَّتَيْنِ قَبْلَهُمَا ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَهُمَا دُونَ اللَّتَيْنِ قَبْلَهُمَا ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَهُمَا دُونَ اللَّتَيْنِ قَبْلَهُمَا ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَهُمَا دُونَ اللَّتَيْنِ قَبْلَهُمَا ، ثُمَّ أَوْتَرَ ، وَذَلِكَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً } .\rوَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي مِنْ اللَّيْلِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً } .\rأَخْرَجَهُمَا مُسْلِمٌ .\rوَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي عَدَدِ رَكَعَاتِ تَهَجُّدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ فَفِي هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ أَنَّهُ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً ، وَقَالَتْ عَائِشَةُ ، مَا كَانَ يَزِيدُ فِي رَمَضَانَ وَلَا غَيْرِهِ عَلَى إحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً ، يُصَلِّي أَرْبَعًا ، فَلَا تَسْأَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ ، ثُمَّ يُصَلِّي أَرْبَعًا ، فَلَا تَسْأَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ ، ثُمَّ يُصَلِّي ثَلَاثًا .\rوَفِي لَفْظٍ قَالَتْ : كَانَتْ صَلَاتُهُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ وَغَيْرِهِ بِاللَّيْلِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً ، مِنْهَا رَكْعَتَا الْفَجْرِ .\rوَفِي لَفْظٍ : مِنْهَا الْوِتْرُ وَرَكْعَتَا الْفَجْرِ .\rوَفِي لَفْظٍ : كَانَ يُصَلِّي ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً ، بِرَكْعَتَيْ الْفَجْرِ .\rوَفِي لَفْظٍ : كَانَ يُصَلِّي فِيمَا بَيْنَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ إلَى الْفَجْرِ إحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً ، يُسَلِّمُ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ ، وَيُوتِرُ بِوَاحِدَةٍ .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِنَّ .\rوَلَعَلَّهَا لَمْ تَعُدَّ الرَّكْعَتَيْنِ الْخَفِيفَتَيْنِ اللَّتَيْنِ ذَكَرَهُمَا","part":3,"page":333},{"id":1333,"text":"غَيْرُهَا ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ صَلَّى فِي لَيْلَةٍ ثَلَاثَ عَشْرَةَ ، وَفِي لَيْلَةٍ إحْدَى عَشْرَةَ .","part":3,"page":334},{"id":1334,"text":"( 1054 ) فَصْلٌ : وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْرَأَ الْمُتَهَجِّدُ جُزْءًا مِنْ الْقُرْآنِ فِي تَهَجُّدِهِ ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَفْعَلُهُ ، وَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْجَهْرِ بِالْقِرَاءَةِ وَالْإِسْرَارِ بِهَا ، إلَّا أَنَّهُ إنْ كَانَ الْجَهْرُ أَنْشَطَ لَهُ فِي الْقِرَاءَةِ ، أَوْ كَانَ بِحَضْرَتِهِ مَنْ يَسْتَمِعُ قِرَاءَتَهُ ، أَوْ يَنْتَفِعُ بِهَا ، فَالْجَهْرُ أَفْضَلُ ، وَإِنْ كَانَ قَرِيبًا مِنْهُ مَنْ يَتَهَجَّدُ ، أَوْ مَنْ يُسْتَضَرُّ بِرَفْعِ صَوْتِهِ فَالْإِسْرَارُ أَوْلَى ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَا هَذَا وَلَا هَذَا ، فَلْيَفْعَلْ مَا شَاءَ .\r{ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي قَيْسٍ : سَأَلْت عَائِشَةَ : كَيْفَ كَانَتْ قِرَاءَةُ رَسُولِ اللَّهِ ؟ فَقَالَتْ : كُلَّ ذَلِكَ كَانَ يَفْعَلُ ، رُبَّمَا أَسَرَّ وَرُبَّمَا جَهَرَ } .\rقَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ .\rوَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : { كَانَتْ قِرَاءَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرْفَعُ طَوْرًا ، وَيَخْفِضُ طَوْرًا } .\rوَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : { كَانَتْ قِرَاءَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى قَدْرِ مَا يَسْمَعُهُ مَنْ فِي الْحُجْرَةِ وَهُوَ فِي الْبَيْتِ } .\rرَوَاهُمَا أَبُو دَاوُد .\rوَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ ، فَإِذَا هُوَ بِأَبِي بَكْرٍ يُصَلِّي ، يَخْفِضُ مِنْ صَوْتِهِ ، وَمَرَّ بِعُمَرَ وَهُوَ يُصَلِّي رَافِعًا صَوْتَهُ ، قَالَ : فَلَمَّا اجْتَمَعْنَا عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : يَا أَبَا بَكْرٍ ، مَرَرْتُ بِكَ وَأَنْتَ تُصَلِّي تَخْفِضُ صَوْتَكَ قَالَ : إنِّي أَسْمَعْتُ مَنْ نَاجَيْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ .\rقَالَ : ارْفَعْ قَلِيلًا .\rوَقَالَ لِعُمَرَ : مَرَرْتُ بِكَ وَأَنْتَ تُصَلِّي رَافِعًا صَوْتَك .\rقَالَ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أُوقِظُ الْوَسْنَانَ ، وَأَطْرُدُ الشَّيْطَانَ .\rقَالَ : اخْفِضْ مِنْ صَوْتِكَ شَيْئًا } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ : { اعْتَكَفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَسْجِدِ ، فَسَمِعَهُمْ يَجْهَرُونَ بِالْقِرَاءَةِ ،","part":3,"page":335},{"id":1335,"text":"فَكَشَفَ السِّتْرَ ، وَقَالَ : أَلَا إنَّ كُلَّكُمْ مُنَاجٍ رَبَّهُ ، فَلَا يُؤْذِيَنَّ بَعْضُكُمْ بَعْضًا ، وَلَا يَرْفَعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الْقِرَاءَةِ أَوْ قَالَ : فِي الصَّلَاةِ } .\rأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد .","part":3,"page":336},{"id":1336,"text":"( 1055 ) فَصْلٌ : وَمَنْ كَانَ لَهُ تَهَجُّدٌ فَفَاتَهُ ، اُسْتُحِبَّ لَهُ قَضَاؤُهُ بَيْنَ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَالظُّهْرِ ؛ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ نَامَ عَنْ حِزْبِهِ أَوْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ ، فَقَرَأَهُ فِيمَا بَيْنَ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَصَلَاةِ الظُّهْرِ ، كُتِبَ لَهُ كَأَنَّمَا قَرَأَهُ مِنْ اللَّيْلِ } .\rوَعَنْ عَائِشَةَ ، قَالَتْ : { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا عَمِلَ عَمَلًا أَثْبَتَهُ ، وَكَانَ إذَا نَامَ مِنْ اللَّيْلِ ، أَوْ مَرِضَ ، صَلَّى مِنْ النَّهَارِ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً .\rقَالَتْ : وَمَا رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ لَيْلَةً حَتَّى الصَّبَاحِ ، وَمَا صَامَ شَهْرًا مُتَتَابِعًا إلَّا رَمَضَانَ } .\rأَخْرَجَهُمَا مُسْلِمٌ .","part":3,"page":337},{"id":1337,"text":"( 1056 ) فَصْلٌ : وَيُسْتَحَبُّ التَّنَفُّلُ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ : { تَتَجَافَى جَنُوبُهُمْ عَنْ الْمَضَاجِعِ } الْآيَةَ ، قَالَ : كَانُوا يَتَنَفَّلُونَ مَا بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ ، يُصَلُّونَ .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { مَنْ صَلَّى بَعْدَ الْمَغْرِبِ عِشْرِينَ رَكْعَةً بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ } .\rقَالَ أَبُو عِيسَى : هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ .","part":3,"page":338},{"id":1338,"text":"فَصْلٌ : وَمَا وَرَدَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَخْفِيفُهُ أَوْ تَطْوِيلُهُ ، فَالْأَفْضَلُ اتِّبَاعُهُ فِيهِ ، فَإِنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَا يَفْعَلُ إلَّا الْأَفْضَلَ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا بَعْضَ مَا { كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُخَفِّفُهُ وَيُطَوِّلُهُ } ، وَمَا عَدَا ذَلِكَ فَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ فِيهِ ؛ فَرُوِيَ أَنَّ الْأَفْضَلَ كَثْرَةُ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ ، { لِقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ : إنِّي لَأَعْلَمُ النَّظَائِرَ الَّتِي كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرُنُ بَيْنَهُنَّ سُورَتَيْنِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ ، عِشْرُونَ سُورَةً مِنْ الْمُفَصَّلِ } .\rرَوَاهُ مُسْلِمٌ .\rوَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَا مِنْ عَبْدٍ سَجَدَ سَجْدَةً إلَّا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِهَا حَسَنَةً ، وَمَحَا عَنْهُ بِهَا سَيِّئَةً ، وَرَفَعَ لَهُ بِهَا دَرَجَةً } .\rوَالثَّانِيَةُ ، التَّطْوِيلُ أَفْضَلُ ؛ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { أَفْضَلُ الصَّلَاةِ طُولُ الْقُنُوتِ } .\rرَوَاهُ مُسْلِمٌ .\r{ وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ أَكْثَرُ صَلَاتِهِ التَّهَجُّدَ وَكَانَ يُطِيلُهُ ، عَلَى مَا قَدْ مَرَّ ذِكْرُهُ ، وَلَا يُدَاوِمُ إلَّا عَلَى الْأَفْضَلِ } .\rوَالثَّالِثَةُ ، هُمَا سَوَاءٌ ؛ لِتَعَارُضِ الْأَخْبَارِ فِي ذَلِكَ .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":3,"page":339},{"id":1339,"text":"( 1058 ) فَصْلٌ : وَالتَّطَوُّعُ فِي الْبَيْتِ أَفْضَلُ ؛ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { عَلَيْكُمْ بِالصَّلَاةِ فِي بُيُوتِكُمْ ، فَإِنَّ خَيْرَ صَلَاةِ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ إلَّا الصَّلَاةَ الْمَكْتُوبَةَ } .\rرَوَاهُ مُسْلِمٌ .\rوَعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { صَلَاةُ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهِ فِي مَسْجِدِي هَذَا ، إلَّا الْمَكْتُوبَةَ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَقَالَ : { إذَا قَضَى أَحَدُكُمْ الصَّلَاةَ فِي مَسْجِدِهِ فَلْيَجْعَلْ لِبَيْتِهِ نَصِيبًا مِنْ صَلَاتِهِ ؛ فَإِنَّ اللَّهَ جَاعِلٌ فِي بَيْتِهِ مِنْ صَلَاتِهِ خَيْرًا } .\rرَوَاهُ مُسْلِمٌ .\rوَلِأَنَّ الصَّلَاةَ فِي الْبَيْتِ أَقْرَبُ إلَى الْإِخْلَاصِ .\rوَأَبْعَدُ مِنْ الرِّيَاءِ ، وَهُوَ مِنْ عَمَلِ السِّرِّ ، وَفِعْلُهُ فِي الْمَسْجِدِ عَلَانِيَةٌ وَالسِّرُّ أَفْضَلُ .","part":3,"page":340},{"id":1340,"text":"( 1059 ) فَصْلٌ : وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ لِلْإِنْسَانِ تَطَوُّعَاتٌ يُدَاوِمُ عَلَيْهَا ، وَإِذَا فَاتَتْ يَقْضِيهَا .\rقَالَ أَبُو دَاوُد : سَمِعْت أَحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ يَقُولُ : يُعْجِبُنِي أَنْ يَكُونَ لِلرَّجُلِ رَكَعَاتٌ مِنْ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مَعْلُومَةٌ ، فَإِذَا نَشِطَ ، طَوَّلَهَا ، وَإِذَا لَمْ يَنْشَطْ خَفَّفَهَا .\rوَقَالَتْ عَائِشَةُ : { سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ ؟ قَالَ : أَدْوَمُهُ وَإِنْ قَلَّ .\rوَفِي لَفْظٍ قَالَ : أَحَبُّ الْأَعْمَالِ إلَى اللَّهِ الَّذِي يُدَاوِمُ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ ، وَإِنْ قَلَّ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَقَالَتْ : { كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا صَلَّى صَلَاةً أَحَبَّ أَنْ يُدَاوِمَ عَلَيْهَا } .\rوَقَالَتْ : { كَانَ عَمَلُهُ دِيمَةً ، وَكَانَ إذَا عَمِلَ عَمَلًا أَثْبَتَهُ } .\rرَوَاهُ مُسْلِمٌ .\rوَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو : قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا تَكُنْ مِثْلَ فُلَانٍ ، كَانَ يَقُومُ اللَّيْلَ ، فَتَرَكَ قِيَامَ اللَّيْلِ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .","part":3,"page":341},{"id":1341,"text":"( 1060 ) فَصْلٌ : يَجُوزُ التَّطَوُّعُ جَمَاعَةً وَفُرَادَى ؛ { لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَلَ الْأَمْرَيْنِ كِلَيْهِمَا ، وَكَانَ أَكْثَرُ تَطَوُّعِهِ مُنْفَرِدًا ، وَصَلَّى بِحُذَيْفَةَ مَرَّةً ، وَبِابْنِ عَبَّاسٍ مَرَّةً ، وَبِأَنَسٍ وَأُمِّهِ وَالْيَتِيمِ مَرَّةً ، وَأَمَّ أَصْحَابَهُ فِي بَيْتِ عِتْبَانَ مَرَّةً ، وَأَمَّهُمْ فِي لَيَالِي رَمَضَانَ ثَلَاثًا } ، وَسَنَذْكُرُ أَكْثَرَ هَذِهِ الْأَخْبَارِ فِي مَوَاضِعِهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ، وَهِيَ كُلُّهَا صِحَاحٌ جِيَادٌ .","part":3,"page":342},{"id":1342,"text":"( 1061 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَيُبَاحُ أَنْ يَتَطَوَّعَ جَالِسًا ) لَا نَعْلَمُ خِلَافًا فِي إبَاحَةِ التَّطَوُّعِ جَالِسًا ، وَأَنَّهُ فِي الْقِيَامِ أَفْضَلُ ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ صَلَّى قَائِمًا فَهُوَ أَفْضَلُ ، وَمَنْ صَلَّى قَاعِدًا فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِ الْقَائِمِ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَفِي لَفْظِ مُسْلِمٍ : { صَلَاةُ الرَّجُلِ قَاعِدًا نِصْفُ الصَّلَاةِ } .\rوَقَالَتْ عَائِشَةُ : { إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَمُتْ حَتَّى كَانَ كَثِيرٌ مِنْ صَلَاتِهِ وَهُوَ جَالِسٌ } .\rوَرُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ حَفْصَةَ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، وَجَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ، أَخْرَجَهُنَّ مُسْلِمٌ .\rوَلِأَنَّ كَثِيرًا مِنْ النَّاسِ يَشُقُّ عَلَيْهِ طُولُ الْقِيَامِ ، فَلَوْ وَجَبَ فِي التَّطَوُّعِ لَتُرِكَ أَكْثَرُهُ ، فَسَامَحَ الشَّارِعُ فِي تَرْكِ الْقِيَامِ فِيهِ تَرْغِيبًا فِي تَكْثِيرِهِ ، كَمَا سَامَحَ فِي فِعْلِهِ عَلَى الرَّاحِلَةِ فِي السَّفَرِ ، وَسَامَحَ فِي نِيَّةِ صَوْمِ التَّطَوُّعِ مِنْ النَّهَارِ .","part":3,"page":343},{"id":1343,"text":"( 1062 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَيَكُونُ فِي حَالِ الْقِيَامِ مُتَرَبِّعًا ، وَيَثْنِي رِجْلَيْهِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلْمُتَطَوِّعِ جَالِسًا أَنْ يَكُونَ فِي حَالِ الْقِيَامِ مُتَرَبِّعًا ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، وَأَنَسٍ ، وَابْنِ سِيرِينَ ، وَمُجَاهِدٍ ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَمَالِكٍ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَإِسْحَاقَ .\rوَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ كَقَوْلِنَا .\rوَعَنْهُ يَجْلِسُ كَيْفَ شَاءَ .\rوَرُوِيَ عَنْ ابْنِ الْمُسَيِّبِ ، وَعُرْوَةَ ، وَابْنِ عُمَرَ : يَجْلِسُ كَيْفَ شَاءَ ؛ لِأَنَّ الْقِيَامَ سَقَطَ ، فَسَقَطَتْ هَيْئَتُهُ .\rوَرُوِيَ عَنْ ابْنِ الْمُسَيِّبِ ، وَعُرْوَةَ ، وَابْنِ سِيرِينَ ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَعَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ ، أَنَّهُمْ كَانُوا يَحْتَبُونَ فِي التَّطَوُّعِ .\rوَاخْتُلِفَ فِيهِ عَنْ عَطَاءٍ ، وَالنَّخَعِيِّ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الْقِيَامَ يُخَالِفُ الْقُعُودَ فَيَنْبَغِي أَنْ تُخَالِفَ هَيْئَتُهُ فِي بَدَلِهِ هَيْئَةَ غَيْرِهِ ، كَمُخَالَفَةِ الْقِيَامِ غَيْرَهُ ، وَهُوَ مَعَ هَذَا أَبْعَدُ مِنْ السَّهْوِ وَالِاشْتِبَاهِ ، وَلَيْسَ إذَا سَقَطَ الْقِيَامُ لِمَشَقَّتِهِ يَلْزَمُ سُقُوطُ مَا لَا مَشَقَّةَ فِيهِ ، كَمَنْ سَقَطَ عَنْهُ الرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ ، لَا يَلْزَمُ سُقُوطُ الْإِيمَاءِ بِهِمَا .\rوَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَا مِنْ صِفَةِ الْجُلُوسِ مُسْتَحَبٌّ غَيْرُ وَاجِبٍ ، إذْ لَمْ يَرِدْ بِإِيجَابِهِ دَلِيلٌ .\rفَأَمَّا قَوْلُهُ : { وَيَثْنِي رِجْلَيْهِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ } .\rفَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَنَسٍ .\rقَالَ أَحْمَدُ : يُرْوَى عَنْ أَنَسٍ ، أَنَّهُ صَلَّى مُتَرَبِّعًا ، فَلَمَّا رَكَعَ ثَنَى رِجْلَهُ .\rوَهَذَا قَوْلُ الثَّوْرِيِّ .\rوَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ ، عَنْ أَحْمَدَ ، وَإِسْحَاقَ ، أَنَّهُ لَا يَثْنِي رِجْلَيْهِ إلَّا فِي السُّجُودِ خَاصَّةً ، وَيَكُونُ فِي الرُّكُوعِ عَلَى هَيْئَةِ الْقِيَامِ .\rوَذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ ، وَهُوَ أَقْيَسُ ؛ لِأَنَّ هَيْئَةَ الرَّاكِعِ فِي رِجْلَيْهِ هَيْئَةُ الْقَائِمِ ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ عَلَى هَيْئَتِهِ ، وَهَذَا أَصَحُّ فِي النَّظَرِ إلَّا","part":3,"page":344},{"id":1344,"text":"أَنَّ أَحْمَدَ ذَهَبَ إلَى فِعْلِ أَنَسٍ ، وَأَخَذَ بِهِ .\r( 1063 ) فَصْلٌ : وَهُوَ مُخَيَّرٌ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ ، إنْ شَاءَ مِنْ قِيَامٍ ، وَإِنْ شَاءَ مِنْ قُعُودٍ ؛ { لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَلَ الْأَمْرَيْنِ } .\r{ قَالَتْ عَائِشَةُ : لَمْ أَرَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي صَلَاةَ اللَّيْلِ قَاعِدًا قَطُّ ، حَتَّى أَسَنَّ ، فَكَانَ يَقْرَأُ قَاعِدًا ، حَتَّى إذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ ، قَامَ فَقَرَأَ نَحْوًا مِنْ ثَلَاثِينَ آيَةً ، أَوْ أَرْبَعِينَ آيَةً ، ثُمَّ رَكَعَ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَعَنْهَا ، { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُصَلِّي لَيْلًا طَوِيلًا قَائِمًا ، وَلَيْلًا طَوِيلًا قَاعِدًا ، وَكَانَ إذَا قَرَأَ وَهُوَ قَائِمٌ رَكَعَ وَسَجَدَ وَهُوَ قَائِمٌ ، وَإِذَا قَرَأَ وَهُوَ قَاعِدٌ رَكَعَ وَسَجَدَ وَهُوَ قَاعِدٌ } .\rرَوَاهُ مُسْلِمٌ .\rقَالَ التِّرْمِذِيُّ : كِلَا الْحَدِيثَيْنِ صَحِيحٌ ، قَالَ : وَقَالَ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ : وَالْعَمَلُ عَلَى كِلَا الْحَدِيثَيْنِ .","part":3,"page":345},{"id":1345,"text":"( 1064 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَالْمَرِيضُ إذَا كَانَ الْقِيَامُ يَزِيدُ فِي مَرَضِهِ صَلَّى قَاعِدًا ) أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ مَنْ لَا يُطِيقُ الْقِيَامَ ، لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ جَالِسًا .\rوَقَدْ { قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ : صَلِّ قَائِمًا ، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا ، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ } .\rرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ، وَأَبُو دَاوُد ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَزَادَ : { فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَمُسْتَلْقِيًا ، { لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَا } } .\rوَرَوَى أَنَسٌ قَالَ : { سَقَطَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ فَرَسٍ ، فَخُدِشَ أَوْ جُحِشَ شِقُّهُ الْأَيْمَنُ ، فَدَخَلْنَا عَلَيْهِ نَعُودُهُ .\rفَحَضَرَتْ الصَّلَاةُ ، فَصَلَّى قَاعِدًا ، وَصَلَّيْنَا خَلْفَهُ قُعُودًا } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَإِنْ أَمْكَنَهُ الْقِيَامُ ، إلَّا أَنَّهُ يَخْشَى زِيَادَةَ مَرَضِهِ بِهِ ، أَوْ تَبَاطُؤَ بُرْئِهِ ، أَوْ يَشُقُّ عَلَيْهِ مَشَقَّةً شَدِيدَةً ، فَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَ قَاعِدًا .\rوَنَحْوَ هَذَا قَالَ مَالِكٌ وَإِسْحَاقُ .\rوَقَالَ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ : إذَا لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَقُومَ لِدُنْيَاهُ ، فَلْيُصَلِّ جَالِسًا .\rوَحُكِيَ عَنْ أَحْمَدَ نَحْوُ ذَلِكَ .\rوَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ } .\rوَتَكْلِيفُ الْقِيَامِ فِي هَذِهِ الْحَالِ حَرَجٌ ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى جَالِسًا لَمَّا جُحِشَ شِقُّهُ الْأَيْمَنُ ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَعْجِزُ عَنْ الْقِيَامِ بِالْكُلِّيَّةِ ؛ لَكِنْ لَمَّا شَقَّ عَلَيْهِ الْقِيَامُ سَقَطَ عَنْهُ ، فَكَذَلِكَ تَسْقُطُ عَنْ غَيْرِهِ .\rوَإِذَا صَلَّى قَاعِدًا فَإِنَّهُ يَكُونُ جُلُوسُهُ عَلَى صِفَةِ جُلُوسِ الْمُتَطَوِّعِ ، جَالِسًا عَلَى مَا ذَكَرْنَا .","part":3,"page":346},{"id":1346,"text":"( 1065 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَدَرَ عَلَى الْقِيَامِ ، بِأَنْ يَتَّكِئَ عَلَى عَصًى ، أَوْ يَسْتَنِدَ إلَى حَائِطٍ ، أَوْ يَعْتَمِدَ عَلَى أَحَدِ جَانِبَيْهِ ، لَزِمَهُ ؛ لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى الْقِيَامِ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ ، فَلَزِمَهُ ، كَمَا لَوْ قَدَرَ بِغَيْرِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ .","part":3,"page":347},{"id":1347,"text":"( 1066 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَدَرَ عَلَى الْقِيَامِ ، إلَّا أَنَّهُ يَكُونُ عَلَى هَيْئَةِ الرَّاكِعِ كَالْأَحْدَبِ ، أَوْ مَنْ هُوَ فِي بَيْتٍ قَصِيرِ السَّقْفِ ، لَا يُمْكِنُهُ الْخُرُوجُ مِنْهُ ، أَوْ فِي سَفِينَةٍ ، أَوْ خَائِفٍ لَا يَأْمَنُ أَنْ يُعْلَمَ بِهِ إذَا رَفَعَ رَأْسَهُ ، فَإِنَّهُ إنْ كَانَ ذَلِكَ لِحَدَبٍ أَوْ كِبَرٍ ، لَزِمَهُ قِيَامُ مِثْلِهِ ، وَإِنْ كَانَ لِغَيْرِ ذَلِكَ ، احْتَمَلَ أَنْ يَلْزَمَهُ الْقِيَامُ ، قِيَاسًا عَلَى الْأَحْدَبِ ، وَاحْتَمَلَ أَنْ لَا يَلْزَمَهُ ، فَإِنَّ أَحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - ، قَالَ فِي الَّذِي فِي السَّفِينَةِ لَا يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يَسْتَتِمَّ قَائِمًا ، لِقِصَرِ سَمَاءِ السَّفِينَةِ : يُصَلِّي قَاعِدًا ، إلَّا أَنْ يَكُونَ شَيْئًا يَسِيرًا .\rفَيُقَاسُ عَلَيْهِ سَائِرُ مَا فِي مَعْنَاهُ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { صَلِّ قَائِمًا ، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا } وَهَذَا لَمْ يَسْتَطِعْ الْقِيَامَ .","part":3,"page":348},{"id":1348,"text":"( 1067 ) فَصْلٌ : وَمَنْ قَدَرَ عَلَى الْقِيَامِ ، وَعَجَزَ عَنْ الرُّكُوعِ أَوْ السُّجُودِ ، لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ الْقِيَامُ ، وَيُصَلِّي قَائِمًا ، فَيُومِئُ بِالرُّكُوعِ ، ثُمَّ يَجْلِسُ فَيُومِئُ بِالسُّجُودِ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَسْقُطُ الْقِيَامُ .\rوَلِأَنَّهَا صَلَاةٌ لَا رُكُوعَ فِيهَا وَلَا سُجُودَ ، فَسَقَطَ فِيهَا الْقِيَامُ كَصَلَاةِ النَّافِلَةِ عَلَى الرَّاحِلَةِ .\rوَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ } .\rوَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { صَلِّ قَائِمًا } .\rوَلِأَنَّ الْقِيَامَ رُكْنٌ قَدَرَ عَلَيْهِ ، فَلَزِمَهُ الْإِتْيَانُ بِهِ ، كَالْقِرَاءَةِ ، وَالْعَجْزُ عَنْ غَيْرِهِ لَا يَقْتَضِي سُقُوطَهُ ، كَمَا لَوْ عَجَزَ عَنْ الْقِرَاءَةِ ، وَقِيَاسُهُمْ فَاسِدٌ لِوُجُوهٍ : أَحَدُهَا ، أَنَّ الصَّلَاةَ عَلَى الرَّاحِلَةِ لَا يَسْقُطُ فِيهَا الرُّكُوعُ .\rوَالثَّانِي ، أَنَّ النَّافِلَةَ لَا يَجِبُ فِيهَا الْقِيَامُ ، فَمَا سَقَطَ عَلَى الرَّاحِلَةِ لِسُقُوطِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ .\rوَالثَّالِثُ : أَنَّهُ مَنْقُوضٌ بِصَلَاةِ الْجِنَازَةِ .","part":3,"page":349},{"id":1349,"text":"( 1068 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَدَرَ الْمَرِيضُ عَلَى الصَّلَاةِ وَحْدَهُ قَائِمًا ، وَلَا يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ مَعَ الْإِمَامِ لِتَطْوِيلِهِ ، يَحْتَمِلُ أَنْ يَلْزَمَهُ الْقِيَامُ وَيُصَلِّيَ وَحْدَهُ ؛ لِأَنَّ الْقِيَامَ آكَدُ لِكَوْنِهِ رُكْنًا فِي الصَّلَاةِ لَا تَتِمُّ إلَّا بِهِ ، وَالْجَمَاعَةُ تَصِحُّ الصَّلَاةُ بِدُونِهَا ، وَاحْتَمَلَ أَنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ ، لِأَنَّنَا أَبَحْنَا لَهُ تَرْكَ الْقِيَامِ الْمَقْدُورِ عَلَيْهِ ، مَعَ إمَامِ الْحَيِّ الْعَاجِزِ عَنْ الْقِيَامِ ، مُرَاعَاةً لِلْجَمَاعَةِ ، فَهَاهُنَا أَوْلَى ، وَلِأَنَّ الْعَجْزَ يَتَضَاعَفُ بِالْجَمَاعَةِ أَكْثَرَ مِنْ تَضَاعُفِهِ بِالْقِيَامِ ، بِدَلِيلِ أَنَّ { صَلَاةَ الْقَاعِدِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ صَلَاةِ الْقَائِمِ } .\rوَ { صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ تَفْضُلُ عَلَى صَلَاةِ الرَّجُلِ وَحْدَهُ سَبْعًا وَعِشْرِينَ دَرَجَةً } .\rوَهَذَا أَحْسَنُ ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .","part":3,"page":350},{"id":1350,"text":"( 1069 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( فَإِنْ لَمْ يُطِقْ جَالِسًا فَنَائِمًا ) يَعْنِي مُضْطَجِعًا ، سَمَّاهُ نَائِمًا لِأَنَّهُ فِي هَيْئَةِ النَّائِمِ ، وَقَدْ جَاءَ مِثْلُ هَذِهِ التَّسْمِيَةِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { صَلَاةُ الْقَاعِدِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ صَلَاةِ الْقَائِمِ ، وَصَلَاةُ النَّائِمِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ صَلَاةِ الْقَاعِدِ } .\rرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ هَكَذَا .\rفَمَنْ عَجَزَ عَنْ الصَّلَاةِ قَاعِدًا فَإِنَّهُ يُصَلِّي عَلَى جَنْبِهِ ، مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ بِوَجْهِهِ ، وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ .\rوَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ، وَالْحَارِثُ الْعُكْلِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ : يُصَلِّي مُسْتَلْقِيًا ، وَوَجْهُهُ وَرِجْلَاهُ إلَى الْقِبْلَةِ ؛ لِيَكُونَ إيمَاؤُهُ إلَيْهَا ، فَإِنَّهُ إذَا صَلَّى عَلَى جَنْبِهِ كَانَ وَجْهُهُ فِي الْإِيمَاءِ إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ .\rوَلَنَا قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ } .\rوَلَمْ يَقُلْ : فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَمُسْتَلْقِيًا .\rوَلِأَنَّهُ يَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ إذَا كَانَ عَلَى جَنْبِهِ ، وَلَا يَسْتَقْبِلُهَا إذَا كَانَ عَلَى ظَهْرِهِ ، وَإِنَّمَا يَسْتَقْبِلُ السَّمَاءَ ، وَلِذَلِكَ يُوضَعُ الْمَيِّتُ فِي قَبْرِهِ عَلَى جَنْبِهِ قَصْدَ التَّوْجِيهِ إلَى الْقِبْلَةِ .\rوَقَوْلُهُمْ : إنَّ وَجْهَهُ فِي الْإِيمَاءِ يَكُونُ إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ .\rقُلْنَا : اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ مِنْ الصَّحِيحِ لَا يَكُونَ فِي حَالِ الرُّكُوعِ بِوَجْهِهِ ، وَلَا فِي حَالِ السُّجُودِ ، إنَّمَا يَكُونُ إلَى الْأَرْضِ ، فَلَا يُعْتَبَرُ فِي الْمَرِيضِ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ فِيهِمَا أَيْضًا .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى جَنْبِهِ الْأَيْمَنِ ، فَإِنْ صَلَّى عَلَى الْأَيْسَرِ ، جَازَ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُعَيِّنْ جَنْبًا بِعَيْنِهِ ، وَلِأَنَّهُ يَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ عَلَى أَيِّ الْجَنْبَيْنِ كَانَ .\rوَإِنْ صَلَّى عَلَى ظَهْرِهِ ، مَعَ إمْكَانِ الصَّلَاةِ عَلَى جَنْبِهِ ، فَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ","part":3,"page":351},{"id":1351,"text":"أَنَّهُ يَصِحُّ ؛ لِأَنَّهُ نَوْعُ اسْتِقْبَالٍ ، وَلِهَذَا يُوَجَّهُ الْمَيِّتُ عِنْدَ الْمَوْتِ كَذَلِكَ .\rوَالدَّلِيلُ يَقْتَضِي أَنْ لَا يَصِحَّ ؛ لِأَنَّهُ خَالَفَ أَمْرَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْلِهِ : { فَعَلَى جَنْبٍ } .\rوَلِأَنَّهُ نَقَلَهُ إلَى الِاسْتِلْقَاءِ عِنْدَ عَجْزِهِ عَنْ الصَّلَاةِ عَلَى جَنْبِهِ ، فَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ مَعَ إمْكَانِ الصَّلَاةِ عَلَى جَنْبِهِ ، وَلِأَنَّهُ تَرَكَ الِاسْتِقْبَالَ مَعَ إمْكَانِهِ ، وَإِنْ عَجَزَ عَنْ الصَّلَاةِ عَلَى جَنْبِهِ ، صَلَّى مُسْتَلْقِيًا ؛ لِلْخَبَرِ ، وَلِأَنَّهُ عَجَزَ عَنْ الصَّلَاة عَلَى جَنْبِهِ ، فَسَقَطَ ، كَالْقِيَامِ وَالْقُعُودِ .","part":3,"page":352},{"id":1352,"text":"( 1070 ) فَصْلٌ : إذَا كَانَ بِعَيْنِهِ مَرَضٌ .\rفَقَالَ ثِقَاتٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ بِالطِّبِّ : إنْ صَلَّيْت مُسْتَلْقِيًا أَمْكَنَ مُدَاوَاتُكَ .\rفَقَالَ الْقَاضِي : قِيَاسُ الْمَذْهَبِ جَوَازُ ذَلِكَ .\rوَهُوَ قَوْلُ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ .\rوَكَرِهَهُ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ ، وَأَبُو وَائِلٍ .\rوَقَالَ مَالِكٌ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ : لَا يَجُوزُ ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّهُ لَمَّا كُفَّ بَصَرُهُ أَتَاهُ رَجُلٌ ، فَقَالَ : لَوْ صَبَرْت عَلَيَّ سَبْعَةَ أَيَّامٍ لَمْ تُصَلِّ إلَّا مُسْتَلْقِيًا دَاوَيْتُ عَيْنَكَ ، وَرَجَوْتُ أَنْ تَبْرَأَ .\rفَأَرْسَلَ فِي ذَلِكَ إلَى عَائِشَةَ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ، وَغَيْرِهِمَا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكُلٌّ قَالَ لَهُ : إنْ مِتَّ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ فَمَا الَّذِي تَصْنَعُ بِالصَّلَاةِ ؟ فَتَرَكَ مُعَالَجَةَ عَيْنِهِ .\rوَلَنَا : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى جَالِسًا لَمَّا جُحِشَ شِقُّهُ الْأَيْمَنُ ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَعْجِزُ عَنْ الْقِيَامِ ، لَكِنْ كَانَتْ عَلَيْهِ مَشَقَّةٌ فِيهِ ، أَوْ خَوْفُ ضَرَرٍ ، وَأَيُّهُمَا قُدِّرَ فَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى الْجَوَازِ هَاهُنَا ، وَلِأَنَّا أَبَحْنَا لَهُ تَرْكَ الْوُضُوءِ إذَا لَمْ يَجِدْ الْمَاءَ إلَّا بِزِيَادَةٍ عَلَى ثَمَنِ الْمِثْلِ - حِفْظًا لِجُزْءٍ مِنْ مَالِهِ - ، وَتَرْكَ الصَّوْمِ لِأَجْلِ الْمَرَضِ وَالرَّمَدِ ، وَدَلَّتْ الْأَخْبَارُ عَلَى جَوَازِ تَرْكِ الْقِيَامِ لِأَجْلِ الصَّلَاةِ عَلَى الرَّاحِلَةِ ، خَوْفًا مِنْ ضَرَرِ الطِّينِ فِي ثِيَابِهِ وَبَدَنِهِ ، وَجَازَ تَرْكُ الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَةِ صِيَانَةً لِنَفْسِهِ وَثِيَابِهِ مِنْ الْبَلَلِ وَالتَّلَوُّثِ بِالطِّينِ ، وَجَازَ تَرْكُ الْقِيَامِ اتِّبَاعًا لِإِمَامِ الْحَيِّ إذَا صَلَّى جَالِسًا ، وَالصَّلَاةُ عَلَى جَنْبِهِ وَمُسْتَلْقِيًا فِي حَالِ الْخَوْفِ مِنْ الْعَدُوِّ ، وَلَا يَنْقُصُ الضَّرَرُ بِفَوَاتِ الْبَصَرِ عَنْ الضَّرَرِ فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ ، فَأَمَّا خَبَرُ ابْنِ عَبَّاسٍ - إنْ صَحَّ - فَيَحْتَمِلُ أَنَّ الْمُخْبِرَ لَمْ يُخْبِرْ عَنْ","part":3,"page":353},{"id":1353,"text":"يَقِينٍ ، وَإِنَّمَا قَالَ : أَرْجُو .\rأَوْ أَنَّهُ لَمْ يُقْبَلْ خَبَرُهُ لِكَوْنِهِ وَاحِدًا ، أَوْ مَجْهُولَ الْحَالِ ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا .","part":3,"page":354},{"id":1354,"text":"( 1071 ) فَصْلٌ : وَإِنْ عَجَزَ عَنْ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ أَوْمَأَ بِهِمَا ، كَمَا يُومِئُ بِهِمَا فِي حَالَةِ الْخَوْفِ ، وَيَجْعَلُ السُّجُودَ أَخْفَضَ مِنْ الرُّكُوعِ ، وَإِنْ عَجَزَ عَنْ السُّجُودِ وَحْدَهُ رَكَعَ ، وَأَوْمَأَ بِالسُّجُودِ ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ أَنْ يَحْنِيَ ظَهْرَهُ حَنَى رَقَبَتَهُ ، وَإِنْ تَقَوَّسَ ظَهْرُهُ فَصَارَ كَأَنَّهُ وَاقِعٌ ، فَمَتَى أَرَادَ الرُّكُوعَ زَادَ فِي انْحِنَائِهِ قَلِيلًا ، وَيُقَرِّبُ وَجْهَهُ إلَى الْأَرْضِ فِي السُّجُودِ أَكْثَرَ مَا يُمْكِنُهُ .\rوَإِنْ قَدَرَ عَلَى السُّجُودِ عَلَى صُدْغِهِ لَمْ يَفْعَلْ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَعْضَاءِ السُّجُودِ .\rوَإِنْ وَضَعَ بَيْنَ يَدَيْهِ وِسَادَةً ، أَوْ شَيْئًا عَالِيًا ، أَوْ سَجَدَ عَلَى رَبْوَةٍ أَوْ حَجَرٍ ، جَازَ ، إذَا لَمْ يُمْكِنْهُ تَنْكِيسُ وَجْهِهِ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ .\rوَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ ، عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّهُ قَالَ : أَخْتَارُ السُّجُودَ عَلَى الْمِرْفَقَةِ .\rوَقَالَ : هُوَ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ الْإِيمَاءِ .\rوَكَذَلِكَ قَالَ إِسْحَاقُ .\rوَجَوَّزَهُ الشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَرَخَّصَ فِيهِ ابْنُ عَبَّاسٍ .\rوَسَجَدَتْ أُمُّ سَلَمَةَ عَلَى الْمِرْفَقَةِ .\rوَكَرِهَ ابْنُ مَسْعُودٍ السُّجُودَ عَلَى عُودٍ ، وَقَالَ : يُومِئُ إيمَاءً .\rوَوَجْهُ الْجَوَازِ ؛ أَنَّهُ أَتَى بِمَا يُمْكِنُهُ مِنْ الِانْحِطَاطِ ، فَأَجْزَأَهُ ، كَمَا لَوْ أَوْمَأَ ، فَأَمَّا إنْ رَفَعَ إلَى وَجْهِهِ شَيْئًا فَسَجَدَ عَلَيْهِ ، فَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا : لَا يُجْزِئُهُ .\rوَرُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَابْنِ عُمَرَ ، وَجَابِرٍ ، وَأَنَسٍ ، أَنَّهُمْ قَالُوا : يُومِئُ ، وَلَا يَرْفَعُ إلَى وَجْهِهِ شَيْئًا .\rوَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ ، وَمَالِكٍ ، وَالثَّوْرِيِّ .\rوَرَوَى الْأَثْرَمُ عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّهُ قَالَ : أَيَّ ذَلِكَ فَعَلَ ، فَلَا بَأْسَ ، يُومِئُ ، أَوْ يَرْفَعُ الْمِرْفَقَةَ فَيَسْجُدُ عَلَيْهَا .\rقِيلَ لَهُ : الْمِرْوَحَةُ ؟ قَالَ : لَا .\rأَمَّا الْمِرْوَحَةُ فَلَا .\rوَعَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّهُ قَالَ : الْإِيمَاءُ أَحَبُّ إلَيَّ .\rوَإِنْ رَفَعَ إلَى وَجْهِهِ شَيْئًا فَسَجَدَ عَلَيْهِ ، أَجْزَأَهُ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ .\rوَلَا بُدَّ مِنْ","part":3,"page":355},{"id":1355,"text":"أَنْ يَكُونَ بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُهُ الِانْحِطَاطُ أَكْثَرَ مِنْهُ ، وَوَجْهُ ذَلِكَ ، أَنَّهُ أَتَى بِمَا أَمْكَنَهُ مِنْ وَضْعِ رَأْسِهِ ، فَأَجْزَأَهُ ، كَمَا لَوْ أَوْمَأَ .\rوَوَجْهُ الْأَوَّلِ أَنَّهُ سَجَدَ عَلَى مَا هُوَ حَامِلٌ لَهُ ، فَلَمْ يَجْزِهِ ، كَمَا لَوْ سَجَدَ عَلَى يَدَيْهِ .","part":3,"page":356},{"id":1356,"text":"( 1072 ) فَصْلٌ : وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْإِيمَاءِ بِرَأْسِهِ ، أَوْمَأَ بِطَرَفِهِ ، وَنَوَى بِقَلْبِهِ ، وَلَا تَسْقُطُ الصَّلَاةُ عَنْهُ مَا دَامَ عَقْلُهُ ثَابِتًا .\rوَحُكِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الصَّلَاةِ تَسْقُطُ عَنْهُ .\rوَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّ هَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ فِي مَرَضِهِ : الصَّلَاةَ .\rفَقَالَ : قَدْ كَفَانِي ، إنَّمَا الْعَمَلُ فِي الصِّحَّةِ وَلِأَنَّ الصَّلَاةَ أَفْعَالٌ عَجَزَ عَنْهَا بِالْكُلِّيَّةِ ، فَسَقَطَتْ عَنْهُ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَا } .\rوَلَنَا مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ حَدِيثِ عِمْرَانَ ، وَأَنَّهُ مُسْلِمٌ بَالِغٌ عَاقِلٌ ، فَلَزِمَتْهُ الصَّلَاةُ ، كَالْقَادِرِ عَلَى الْإِيمَاءِ بِرَأْسِهِ ، وَلِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى الْإِيمَاءِ ، أَشْبَهَ الْأَصْلَ .","part":3,"page":357},{"id":1357,"text":"( 1073 ) فَصْلٌ : إذَا صَلَّى جَالِسًا ، فَسَجَدَ سَجْدَةً ، وَأَوْمَأَ بِالثَّانِيَةِ ، مَعَ إمْكَانِ السُّجُودِ ، جَاهِلًا بِتَحْرِيمِ ذَلِكَ ، وَفَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ فِي الثَّانِيَةِ ، ثُمَّ عَلِمَ قَبْلَ سَلَامِهِ ، سَجَدَ سَجْدَةً تُتِمُّ لَهُ الرَّكْعَةَ الثَّانِيَةَ ، وَأَتَى بِرَكْعَةٍ ، كَمَا لَوْ تَرَكَ السُّجُودَ نِسْيَانًا .\rوَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّهُ تَتِمُّ لَهُ الرَّكْعَةُ الْأُولَى بِسَجْدَةِ الثَّانِيَةِ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ، وَلَيْسَ هَذَا مُقْتَضَى مَذْهَبِنَا ؛ فَإِنَّهُ مَتَى شَرَعَ فِي قِرَاءَةِ الثَّانِيَةِ قَبْلَ إتْمَامِ الْأُولَى ، بَطَلَتْ الْأُولَى ، وَصَارَتْ الثَّانِيَةُ أُولَاهُ ، وَقَدْ مَضَى هَذَا فِي سُجُودِ السَّهْوِ .","part":3,"page":358},{"id":1358,"text":"( 1074 ) فَصْلٌ : وَمَتَى قَدَرَ الْمَرِيضُ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ ، عَلَى مَا كَانَ عَاجِزًا عَنْهُ ، مِنْ قِيَامٍ ، أَوْ قُعُودٍ ، أَوْ رُكُوعٍ ، أَوْ سُجُودٍ ، أَوْ إيمَاءٍ ، انْتَقَلَ إلَيْهِ ، وَبَنَى عَلَى مَا مَضَى مِنْ صَلَاتِهِ .\rوَهَكَذَا لَوْ كَانَ قَادِرًا ، فَعَجَزَ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ ، أَتَمَّ صَلَاتَهُ عَلَى حَسَبِ حَالِهِ ؛ لِأَنَّ مَا مَضَى مِنْ الصَّلَاةِ كَانَ صَحِيحًا ، فَيَبْنِي عَلَيْهِ ، كَمَا لَوْ لَمْ يَتَغَيَّرْ حَالُهُ .","part":3,"page":359},{"id":1359,"text":"( 1075 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَالْوِتْرُ رَكْعَةٌ ) نَصَّ عَلَى هَذَا أَحْمَدُ رَحِمَهُ اللَّهُ .\rفَقَالَ : إنَّا نَذْهَبُ فِي الْوِتْرِ إلَى رَكْعَةٍ ، وَمِمَّنْ رُوِيَ عَنْهُ ذَلِكَ : عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ ، وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ ، وَابْنُ عُمَرَ ، وَابْنُ الزُّبَيْرِ ، وَأَبُو مُوسَى ، وَمُعَاوِيَةُ ، وَعَائِشَةُ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، وَفَعَلَ ذَلِكَ مُعَاذٌ الْقَارِئُ ، وَمَعَهُ رِجَالٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يُنْكِرُ ذَلِكَ مِنْهُمْ أَحَدٌ ، وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ : الْوِتْرُ رَكْعَةٌ ، كَانَ ذَلِكَ وِتْرَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبِي بَكْرٍ ، وَعُمَرَ .\rوَبِهَذَا قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ، وَعَطَاءٌ ، وَمَالِكٌ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ .\rوَقَالَ هَؤُلَاءِ : يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ يُسَلِّمُ ، ثُمَّ يُوتِرُ بِرَكْعَةٍ .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { الْوِتْرُ رَكْعَةٌ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ } .\rوَقَالَتْ : عَائِشَةُ : { كَانَتْ صَلَاةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ اللَّيْلِ عَشْرَ رَكَعَاتٍ ، وَيُوتِرُ بِسَجْدَةٍ } .\rوَفِي لَفْظٍ : { كَانَ يُصَلِّي بِاللَّيْلِ إحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً ، يُوتِرُ مِنْهَا بِوَاحِدَةٍ } .\rوَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى ، فَإِذَا خَشِيتَ الصُّبْحَ فَأَوْتِرْ بِوَاحِدَةٍ } .\rأَخْرَجَهُنَّ مُسْلِمٌ .\r( 1076 ) فَصْلٌ : قَوْلُهُ : { الْوِتْرُ رَكْعَةٌ } يَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ : جَمِيعُ الْوِتْرِ رَكْعَةٌ ، وَمَا يُصَلَّى قَبْلَهُ لَيْسَ مِنْ الْوِتْرِ ، كَمَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : إنَّمَا نَذْهَبُ فِي الْوِتْرِ إلَى رَكْعَةٍ ، وَلَكِنْ يَكُونُ قَبْلَهَا صَلَاةُ عَشْرِ رَكَعَاتٍ ، ثُمَّ يُوتِرُ وَيُسَلِّمُ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ أَقَلُّ الْوِتْرِ رَكْعَةٌ .\rفَإِنَّ أَحْمَدَ قَالَ : إنَّا نَذْهَبُ فِي الْوِتْرِ إلَى رَكْعَةٍ ، وَإِنْ أَوْتَرَ بِثَلَاثٍ أَوْ أَكْثَرَ","part":3,"page":360},{"id":1360,"text":"فَلَا بَأْسَ ، وَمِمَّنْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ أَوْتَرَ بِثَلَاثٍ ؛ عُمَرُ ، وَعَلِيٌّ ، وَأُبَيُّ ، وَابْنُ مَسْعُودٍ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ ، وَأَبُو أُمَامَةَ ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ .\rوَبِهِ قَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : أَقَلُّ الْوِتْرِ رَكْعَةٌ ، وَأَكْثَرُهُ إحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً ، وَأَدْنَى الْكَمَالِ ثَلَاثُ رَكَعَاتٍ .\rوَقَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَإِسْحَاقُ : الْوِتْرُ ثَلَاثٌ ، وَخَمْسٌ ، وَسَبْعٌ ، وَتِسْعٌ ، وَإِحْدَى عَشْرَةَ .\rوَقَالَ أَبُو مُوسَى : ثَلَاثٌ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ وَاحِدَةٍ ، وَخَمْسٌ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ ثَلَاثٍ ، وَسَبْعٌ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ خَمْسٍ ، وَتِسْعٌ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ سَبْعٍ .\rوَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : إنَّمَا هِيَ وَاحِدَةٌ ، أَوْ خَمْسٌ ، أَوْ سَبْعٌ ، أَوْ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ ، يُوتِرُ بِمَا شَاءَ .\rوَقَدْ رَوَى أَبُو أَيُّوبَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الْوِتْرُ حَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ ، فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِخَمْسٍ فَلْيَفْعَلْ ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِثَلَاثٍ فَلْيَفْعَلْ ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِوَاحِدَةٍ فَلْيَفْعَلْ } .\rأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد .\rوَرَوَتْ عَائِشَةُ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُوتِرُ بِتِسْعٍ ، وَرَوَتْ ، أَنَّهُ كَانَ يُوتِرُ بِسَبْعٍ ، وَرَوَتْ ، أَنَّهُ كَانَ يُوتِرُ بِخَمْسٍ } .\rرَوَاهُنَّ مُسْلِمٌ .\rوَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ ، قَالَ : { قُلْت لِعَائِشَةَ : بِكَمْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُوتِرُ ؟ قَالَتْ : كَانَ يُوتِرُ بِأَرْبَعٍ وَثَلَاثٍ وَسِتٍّ وَثَلَاثٍ ، وَثَمَانٍ وَثَلَاثٍ ، وَعَشْرٍ وَثَلَاثٍ ، وَلَمْ يَكُنْ يُوتِرُ بِأَقَلَّ مِنْ سَبْعٍ ، وَلَا بِأَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَ عَشْرَةَ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .","part":3,"page":361},{"id":1361,"text":"( 1077 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( يَقْنُتُ فِيهَا ) يَعْنِي أَنَّ الْقُنُوتَ مَسْنُونٌ فِي الْوِتْرِ ، فِي الرَّكْعَةِ الْوَاحِدَةِ ، فِي جَمِيعِ السَّنَةِ .\rهَذَا الْمَنْصُوصُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا ، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَإِبْرَاهِيمَ ، وَإِسْحَاقَ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ الْحَسَنِ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى ، أَنَّهُ لَا يَقْنُتُ إلَّا فِي النِّصْفِ الْأَخِيرِ مِنْ رَمَضَانَ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ وَأُبَيُّ .\rوَبِهِ قَالَ ابْنُ سِيرِينَ ، وَسَعِيدُ بْنُ أَبِي الْحَسَنِ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَيَحْيَى بْنُ وَثَّابٍ ، وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَاخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ الْأَثْرَمُ ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ الْحَسَنِ ، أَنَّ عُمَرَ جَمَعَ النَّاسَ عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ، فَكَانَ يُصَلِّي لَهُمْ عِشْرِينَ لَيْلَةً ، وَلَا يَقْنُتُ إلَّا فِي النِّصْفِ الثَّانِي .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَهَذَا كَالْإِجْمَاعِ .\rوَقَالَ قَتَادَةُ : يَقْنُتُ فِي السَّنَةِ كُلِّهَا إلَّا فِي النِّصْفِ الْأَوَّلِ مِنْ رَمَضَانَ ؛ لِهَذَا الْخَبَرِ ، وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ لَا يَقْنُتُ إلَّا فِي النِّصْفِ الْأَخِيرِ مِنْ رَمَضَانَ .\rوَعَنْهُ لَا يَقْنُتُ فِي صَلَاةٍ بِحَالٍ .\rوَالرِّوَايَةُ الْأُولَى هِيَ الْمُخْتَارَةُ عِنْدَ أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ .\rوَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ ، فِي رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيِّ : كُنْت أَذْهَبُ إلَى أَنَّهُ فِي النِّصْفِ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ ، ثُمَّ إنِّي قَنَتُّ ، هُوَ دُعَاءٌ وَخَيْرٌ .\rوَوَجْهُهُ مَا رُوِيَ عَنْ أُبَيٍّ ، { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُوتِرُ ، فَيَقْنُتُ قَبْلَ الرُّكُوعِ } .\rوَعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ فِي آخِرِ وِتْرِهِ : { اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ ، وَأَعُوذُ بِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ ، لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ ، أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ } .\rوَكَانَ لِلدَّوَامِ ، وَفِعْلُ أُبَيٍّ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ رَآهُ .\rوَلَا يُنْكَرُ اخْتِلَافُ الصَّحَابَةِ فِي هَذَا ، وَلِأَنَّهُ وِتْرٌ ، فَيُشْرَعُ فِيهِ الْقُنُوتُ ،","part":3,"page":362},{"id":1362,"text":"كَالنِّصْفِ الْآخِرِ ، وَلِأَنَّهُ ذِكْرٌ يُشْرَعُ فِي الْوِتْرِ ، فَيُشْرَعُ فِي جَمِيعِ السَّنَةِ ، كَسَائِرِ الْأَذْكَارِ .","part":3,"page":363},{"id":1363,"text":"( 1078 ) فَصْلٌ : وَيَقْنُتُ بَعْدَ الرُّكُوعِ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .\rوَرُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ، وَعُمَرَ ، وَعُثْمَانَ ، وَعَلِيٍّ ، وَأَبِي قِلَابَةَ ، وَأَبِي الْمُتَوَكِّلِ ، وَأَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيُّ .\rوَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ : أَنَا أَذْهَبُ إلَى أَنَّهُ بَعْدَ الرُّكُوعِ ، فَإِنْ قَنَتَ قَبْلَهُ ، فَلَا بَأْسَ .\rوَنَحْوَ هَذَا قَالَ أَيُّوبُ السِّخْتِيَانِيُّ ؛ لِمَا رَوَى حُمَيْدٍ ، قَالَ : سُئِلَ أَنَسٌ عَنْ الْقُنُوتِ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ ، فَقَالَ : كُنَّا نَقْنُتُ قَبْلَ الرُّكُوعِ وَبَعْدَهُ ، رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ .\rوَقَالَ مَالِكٌ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ : يَقْنُتُ قَبْلَ الرُّكُوعِ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أُبَيٍّ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ ، وَأَبِي مُوسَى ، وَالْبَرَاءِ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَأَنَسٍ ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَعُبَيْدَةَ ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى ، وَحُمَيْدٍ الطَّوِيلِ ؛ لِأَنَّ فِي حَدِيثِ أُبَيٍّ : وَيَقْنُتُ قَبْلَ الرُّكُوعِ .\rوَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَنَتَ قَبْلَ الرُّكُوعِ } .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ، وَأَنَسٌ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَنَتَ بَعْدَ الرُّكُوعِ } .\rرَوَاهُ مُسْلِمٌ .\rقَالَ الْأَثْرَمُ : سَمِعْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يُسْأَلُ عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ؟ فَقَالَ : أَقْنُتُ بَعْدَ الرُّكُوعِ .\rوَذَكَرَ حَدِيثَ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَعِيدٍ ، وَأَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَسٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَغَيْرُ وَاحِدٍ قَنَتَ بَعْدَ الرُّكُوعِ .\rوَحَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ يَرْوِيهِ أَبَانُ بْنُ أَبِي عَيَّاشٍ ، وَهُوَ مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ .\rوَحَدِيثُ أُبَيٍّ قَدْ تُكُلِّمَ فِيهِ أَيْضًا ، وَقِيلَ ذِكْرُ الْقُنُوتِ فِيهِ غَيْرُ صَحِيحٍ .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":3,"page":364},{"id":1364,"text":"( 1079 ) فَصْلٌ : وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَ فِي قُنُوتِ الْوِتْرِ مَا رَوَى { الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا ، قَالَ : عَلَّمَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَلِمَاتٍ أَقُولُهُنَّ فِي الْوِتْرِ : اللَّهُمَّ اهْدِنِي فِي مَنْ هَدَيْتَ ، وَعَافِنِي فِي مَنْ عَافَيْتَ وَتَوَلَّنِي فِي مَنْ تَوَلَّيْتَ ، وَبَارِكْ لِي فِيمَا أَعْطَيْتَ ، وَقِنِي شَرَّ مَا قَضَيْتَ ، إنَّكَ تَقْضِي وَلَا يُقْضَى عَلَيْكَ ، وَإِنَّهُ لَا يَذِلُّ مَنْ وَالَيْتَ ، وَلَا يَعِزُّ مَنْ عَادَيْتَ ، تَبَارَكْتَ رَبَّنَا وَتَعَالَيْتَ } .\rأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَقَالَ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ ، وَلَا نَعْرِفُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْقُنُوتِ شَيْئًا أَحْسَنَ مِنْ هَذَا .\rوَيَقُولُ مَا رَوَى عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُهُ فِي وِتْرِهِ } وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ وَعَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ { أَنَّهُ قَنَتَ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ ، فَقَالَ : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، اللَّهُمَّ إنَّا نَسْتَعِينُكَ ، وَنَسْتَهْدِيكَ ، وَنَسْتَغْفِرُكَ ، وَنُؤْمِنُ بِكَ ، وَنَتَوَكَّلُ عَلَيْكَ ، وَنُثْنِي عَلَيْكَ الْخَيْرَ كُلَّهُ ، وَنَشْكُرُكَ ، وَلَا نَكْفُرُكَ ، اللَّهُمَّ إيَّاكَ نَعْبُدُ ، وَلَكَ نُصَلِّي وَنَسْجُدُ ، وَإِلَيْكَ نَسْعَى وَنَحْفِدُ ، وَنَرْجُو رَحْمَتَكَ ، وَنَخْشَى عَذَابَكَ ، إنَّ عَذَابَكَ الْجِدَّ بِالْكُفَّارِ مُلْحِقٌ ، اللَّهُمَّ عَذِّبْ كَفَرَةَ أَهْلِ الْكِتَابِ الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِكَ } .\rوَهَاتَانِ سُورَتَانِ فِي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ .\rوَرَوَى أَبُو عُبَيْدٍ ، بِإِسْنَادِهِ ، عَنْ عُرْوَةَ ، أَنَّهُ قَالَ : قَرَأْت فِي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ هَاتَيْنِ السُّورَتَيْنِ : \" اللَّهُمَّ إنَّا نَسْتَعِينُكَ .\rاللَّهُمَّ إيَّاكَ نَعْبُدُ \" .\rوَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ : كَتَبَهُمَا أُبَيٌّ فِي مُصْحَفِهِ .\rيَعْنِي إلَى قَوْلِهِ : \" بِالْكُفَّارِ مُلْحِقٌ \" .\rقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ : \" نَحْفِدُ \" نُبَادِرُ .\rوَأَصْلُ الْحَفْدِ : مُدَارَكَةُ الْخَطْوِ وَالْإِسْرَاعُ .\r\" وَالْجِدُّ \"","part":3,"page":365},{"id":1365,"text":"بِكَسْرِ الْجِيمِ ، أَيْ الْحَقُّ لَا اللَّعِبُ ، \" مُلْحِقٌ \" بِكَسْرِ الْحَاءِ لَاحِقٌ .\rوَهَكَذَا يُرْوَى هَذَا الْحَرْفُ ، يُقَالُ : لَحِقْتُ الْقَوْمَ وَأَلْحَقْتُهُمْ بِمَعْنًى وَاحِدٍ .\rوَمَنْ فَتَحَ الْحَاءَ أَرَادَ أَنَّ اللَّهَ يُلْحِقُهُ إيَّاهُ ، وَهُوَ مَعْنًى صَحِيحٌ ، غَيْرَ أَنَّ الرِّوَايَةَ هِيَ الْأُولَى .\rوَقَالَ الْخَلَّالُ : سَأَلْت ثَعْلَبًا عَنْ مُلْحِقٍ وَمُلْحَقٍ ؟ فَقَالَ : الْعَرَبُ تَقُولُهُمَا مَعًا .","part":3,"page":366},{"id":1366,"text":"( 1080 ) فَصْلٌ : إذَا أَخَذَ الْإِمَامُ فِي الْقُنُوتِ ، أَمَّنَ مَنْ خَلْفَهُ .\rلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا .\rوَقَالَهُ إِسْحَاقُ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : وَإِنْ دَعَوْا مَعَهُ فَلَا بَأْسَ .\rوَقِيلَ لِأَحْمَدَ : إذَا لَمْ أَسْمَعْ قُنُوتَ الْإِمَامِ أَدْعُو ؟ قَالَ : نَعَمْ .\rفَيَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي حَالِ الْقُنُوتِ .\rقَالَ الْأَثْرَمُ : كَانَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي الْقُنُوتِ إلَى صَدْرِهِ .\rوَاحْتَجَّ بِأَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ رَفَعَ يَدَيْهِ فِي الْقُنُوتِ إلَى صَدْرِهِ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ .\rوَبِهِ قَالَ إِسْحَاقُ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَأَنْكَرَهُ مَالِكٌ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَيَزِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ وَلَنَا ، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إذَا دَعَوْت اللَّهَ فَادْعُ بِبُطُونِ كَفَّيْكَ ، وَلَا تَدْعُ بِظُهُورِهِمَا ، فَإِذَا فَرَغْتَ فَامْسَحْ بِهِمَا وَجْهَكَ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَابْنُ مَاجَهْ .\rوَلِأَنَّهُ فِعْلُ مَنْ سَمَّيْنَا مِنْ الصَّحَابَةِ .\rوَإِذَا فَرَغَ مِنْ الْقُنُوتِ فَهَلْ يَمْسَحُ وَجْهَهُ بِيَدِهِ ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ : إحْدَاهُمَا ، لَا يَفْعَلُ ؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ : لَمْ أَسْمَعْ فِيهِ بِشَيْءٍ .\rوَلِأَنَّهُ دُعَاءٌ فِي الصَّلَاةِ ، فَلَمْ يُسْتَحَبَّ مَسْحُ وَجْهِهِ فِيهِ ، كَسَائِرِ دُعَائِهَا .\rالثَّانِيَةُ : يُسْتَحَبُّ ؛ لِلْخَبَرِ الَّذِي رَوَيْنَاهُ .\rوَرَوَى السَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ ، { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إذَا دَعَا رَفَعَ يَدَيْهِ ، وَمَسَحَ وَجْهَهُ بِيَدَيْهِ } .\rوَلِأَنَّهُ دُعَاءٌ يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِيهِ ، فَيَمْسَحُ بِهِمَا وَجْهَهُ ، كَمَا لَوْ كَانَ خَارِجًا عَنْ الصَّلَاةِ ، وَفَارَقَ سَائِرَ الدُّعَاءِ ، فَإِنَّهُ لَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِيهِ .","part":3,"page":367},{"id":1367,"text":"( 1081 ) فَصْلٌ : وَلَا يُسَنُّ الْقُنُوتُ فِي الصُّبْحِ ، وَلَا غَيْرِهَا مِنْ الصَّلَوَاتِ ، سِوَى الْوِتْرِ .\rوَبِهَذَا قَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ .\rوَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَابْنِ عُمَرَ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ ، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ .\rوَقَالَ مَالِكٌ ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى ، وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ ، وَالشَّافِعِيُّ : يُسَنُّ الْقُنُوتُ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ ، فِي جَمِيعِ الزَّمَانِ ؛ لِأَنَّ أَنَسًا قَالَ : { مَا زَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْنُتُ فِي الْفَجْرِ حَتَّى فَارَقَ الدُّنْيَا } .\rرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ، فِي \" الْمُسْنَدِ \" ، وَكَانَ عُمَرُ يَقْنُتُ فِي الصُّبْحِ بِمَحْضَرٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ .\rوَلَنَا ، مَا رُوِيَ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَنَتَ شَهْرًا ، يَدْعُو عَلَى حَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ ، ثُمَّ تَرَكَهُ } .\rرَوَاهُ مُسْلِمٌ .\rوَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ، وَأَبُو مَسْعُودٍ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَ ذَلِكَ .\rوَعَنْ { أَبِي مَالِكٍ قَالَ : قُلْت لِأَبِي : يَا أَبَتِ ، إنَّكَ قَدْ صَلَّيْتَ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبِي بَكْرٍ ، وَعُمَرَ ، وَعُثْمَانَ ، وَعَلِيٍّ هَاهُنَا بِالْكُوفَةِ نَحْوًا مِنْ خَمْسِ سِنِينَ ، أَكَانُوا يَقْنُتُونَ ؟ قَالَ : أَيْ بُنَيَّ مُحْدَثٌ } .\rقَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ .\rوَالْعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rوَقَالَ إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ : أَوَّلُ مَنْ قَنَتَ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ عَلِيٌّ ، وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ رَجُلًا مُحَارِبًا يَدْعُو عَلَى أَعْدَائِهِ .\rوَرَوَى سَعِيدٌ فِي \" سُنَنِهِ \" عَنْ هُشَيْمٍ ، عَنْ عُرْوَةَ الْهَمَذَانِيِّ ، عَنْ الشَّعْبِيِّ قَالَ : لَمَّا قَنَتَ عَلِيٌّ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ ، أَنْكَرَ ذَلِكَ النَّاسُ .\rفَقَالَ عَلِيٌّ : إنَّمَا اسْتَنْصَرْنَا عَلَى عَدُوِّنَا هَذَا .\rوَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : { إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ لَا يَقْنُتُ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ ، إلَّا إذَا دَعَا لِقَوْمٍ ، أَوْ دَعَا عَلَى قَوْمٍ } .","part":3,"page":368},{"id":1368,"text":"رَوَاهُ سَعِيدٌ ، وَحَدِيثُ أَنَسٍ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ طُولَ الْقِيَامِ ، فَإِنَّهُ يُسَمَّى قُنُوتًا .\rوَقُنُوتُ عُمَرَ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ كَانَ فِي أَوْقَاتِ النَّوَازِلِ ؛ فَإِنَّ أَكْثَرَ الرِّوَايَاتِ عَنْهُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَقْنُتُ ، وَرَوَى ذَلِكَ عَنْهُ جَمَاعَةٌ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ قُنُوتَهُ كَانَ فِي وَقْتِ نَازِلَةٍ .\r( 1082 ) فَصْلٌ : فَإِنْ نَزَلَ بِالْمُسْلِمِينَ نَازِلَةٌ ، فَلِلْإِمَامِ أَنْ يَقْنُتَ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ قَالَ الْأَثْرَمُ : سَمِعْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ سُئِلَ عَنْ الْقُنُوتِ فِي الْفَجْرِ ؟ فَقَالَ : إذَا نَزَلَ بِالْمُسْلِمِينَ نَازِلَةٌ ، قَنَتَ الْإِمَامُ وَأَمَّنَ مَنْ خَلْفَهُ .\rثُمَّ قَالَ : مِثْلُ مَا نَزَلَ بِالْمُسْلِمِينَ مِنْ هَذَا الْكَافِرِ .\rيَعْنِي بَابَكَ .\rقَالَ أَبُو دَاوُد : سَمِعْت أَحْمَدَ يُسْأَلُ عَنْ الْقُنُوتِ فِي الْفَجْرِ ؟ فَقَالَ : لَوْ قَنَتَ أَيَّامًا مَعْلُومَةً ، ثُمَّ يَتْرُكُ كَمَا فَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ قَنَتَ عَلَى الْخَرْمِيَّةِ أَوْ قَنَتَ عَلَى الدَّوَامِ .\rوَالْخُرَّمِيَّةُ : هُمْ أَصْحَابُ بَابَكَ وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ ؛ وَذَلِكَ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَنَتَ شَهْرًا يَدْعُو عَلَى حَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ ثُمَّ تَرَكَهُ وَأَنَّ عَلِيًّا قَنَتَ ، وَقَالَ : إنَّمَا اسْتَنْصَرْنَا عَلَى عَدُوِّنَا هَذَا وَلَا يَقْنُتُ آحَادُ النَّاسِ .\rوَيَقُولُ فِي قُنُوتِهِ نَحْوًا مِمَّا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ .\rوَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي الْقُنُوتِ \" اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ ، وَأَلِّفْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ، وَأَصْلِحْ ذَاتَ بَيْنِهِمْ وَانْصُرْهُمْ عَلَى عَدُوِّكَ وَعَدُوِّهِمْ ، اللَّهُمَّ الْعَنْ كَفَرَةَ أَهْلِ الْكِتَابِ ، الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ رُسُلَكَ ، وَيُقَاتِلُونَ أَوْلِيَاءَكَ ، اللَّهُمَّ خَالِفْ بَيْنَ كَلِمَتِهِمْ وَزَلْزِلْ أَقْدَامَهُمْ وَأَنْزِلْ بِهِمْ بَأْسَكَ الَّذِي لَا يُرَدُّ عَنْ الْقَوْمِ","part":3,"page":369},{"id":1369,"text":"الْمُجْرِمِينَ اللَّهُمَّ إنَّا نَسْتَعِينُكَ ، وَلَا يَقْنُتُ فِي غَيْرِ الصُّبْحِ مِنْ الْفَرَائِضِ .\rقَالَ عَبْدُ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ : كُلُّ شَيْءٍ يَثْبُتُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْقُنُوتِ إنَّمَا هُوَ فِي الْفَجْرِ .\rوَلَا يَقْنُتُ فِي الصَّلَاةِ إلَّا فِي الْوِتْرِ وَالْغَدَاةِ إذَا كَانَ مُسْتَنْصِرًا يَدْعُو لِلْمُسْلِمِينَ .\rوَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ يَقْنُتُ فِي الْفَجْرِ وَالْمَغْرِبِ ، لِأَنَّهُمَا صَلَاتَا جَهْرٍ فِي طَرَفَيْ النَّهَارِ .\rوَقِيلَ : يَقْنُتُ ، فِي صَلَاةِ الْجَهْرِ كُلِّهَا ، قِيَاسًا عَلَى الْفَجْرِ وَلَا يَصِحُّ هَذَا ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ ، الْقُنُوتُ فِي غَيْرِ الْفَجْرِ وَالْوِتْرِ","part":3,"page":370},{"id":1370,"text":"( 1083 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( مَفْصُولَةً مِمَّا قَبْلَهَا ) الَّذِي يَخْتَارُهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ أَنْ يَفْصِلَ رَكْعَةَ الْوِتْرِ بِمَا قَبْلَهَا .\rوَقَالَ : إنْ أَوْتَرَ بِثَلَاثٍ لَمْ يُسَلِّمْ فِيهِنَّ ، لَمْ يُضَيَّقْ عَلَيْهِ عِنْدِي .\rوَقَالَ يُعْجِبُنِي أَنْ يُسَلِّمَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ ، وَمِمَّنْ كَانَ يُسَلِّمُ بَيْنَ الرَّكْعَتَيْنِ وَالرَّكْعَةِ ابْنُ عُمَرَ حَتَّى يَأْمُرَ بِبَعْضِ حَاجَتِهِ وَهُوَ مَذْهَبُ مُعَاذٍ الْقَارِئِ ، وَمَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَإِسْحَاقَ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَفْصِلُ بِسَلَامٍ وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ إنْ فَصَلَ فَحَسَنٌ وَإِنْ لَمْ يَفْصِلْ فَحَسَنٌ .\rوَحُجَّةُ مَنْ لَمْ يَفْصِلْ قَوْلُ عَائِشَةَ : { إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُوتِرُ بِأَرْبَعٍ وَثَلَاثٍ ، وَسِتٍّ وَثَلَاثٍ وَثَمَانٍ وَثَلَاثٍ } وَقَوْلُهَا { كَانَ يُصَلِّي أَرْبَعًا ، فَلَا تَسْأَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ ، ثُمَّ يُصَلِّي أَرْبَعًا ، فَلَا تَسْأَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ ثُمَّ يُصَلِّي ثَلَاثًا } فَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي الثَّلَاثَ بِتَسْلِيمٍ وَاحِدٍ ، وَرَوَتْ أَيْضًا ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُوتِرُ بِخَمْسٍ ، لَا يَجْلِسُ إلَّا فِي آخِرِهِنَّ } رَوَاهُ مُسْلِمٌ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَتْ عَائِشَةُ قَالَتْ : { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي فِيمَا بَيْنَ أَنْ يَفْرُغَ مِنْ صَلَاةِ الْعِشَاءِ إلَى الْفَجْرِ إحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً ، يُسَلِّمُ بَيْنَ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ وَيُوتِرُ بِوَاحِدَةٍ .\r} رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى فَإِذَا خِفْت الصُّبْحَ فَأَوْتِرْ بِوَاحِدَةٍ } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَقِيلَ لِابْنِ عُمَرَ مَا مَثْنَى مَثْنَى ؟ قَالَ يُسَلِّمُ فِي كُلِّ رَكْعَتَيْنِ .\rوَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ { الْوِتْرُ رَكْعَةٌ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ } رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَعَنْ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ، ابْنِ عُمَرَ { أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْوِتْرِ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ","part":3,"page":371},{"id":1371,"text":"صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ افْصِلْ بَيْنَ الْوَاحِدَةِ وَالثِّنْتَيْنِ بِالتَّسْلِيمِ } رَوَاهُ الْأَثْرَمُ بِإِسْنَادِهِ وَهَذَا نَصٌّ .\rفَأَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ الَّذِي احْتَجُّوا بِهِ ، فَلَيْسَ فِيهِ تَصْرِيحٌ بِأَنَّهَا بِتَسْلِيمٍ وَاحِدٍ وَقَدْ قَالَتْ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ : يُسَلِّمُ بَيْنَ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ .\rوَأَمَّا إذَا أَوْتَرَ بِخَمْسٍ فَيَأْتِي الْكَلَامُ فِيهِ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّهُ إذَا صَلَّى خَلْفَ إمَامٍ يُصَلِّي الثَّلَاثَ بِتَسْلِيمٍ وَاحِدٍ تَابَعَهُ لِئَلَّا يُخَالِفَ إمَامَهُ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد فِي مَنْ يُوتِرُ فَيُسَلِّمُ مِنْ الثِّنْتَيْنِ ، فَيَكْرَهُونَهُ .\rيَعْنِي أَهْلَ الْمَسْجِدِ قَالَ : فَلَوْ صَارَ إلَى مَا يُرِيدُونَ يَعْنِي أَنَّ ذَلِكَ سَهْلٌ ، لَا تَضُرُّ مُوَافَقَتُهُ إيَّاهُمْ فِيهِ ( 1084 ) فَصْلٌ : يَجُوزُ أَنْ يُوتِرَ بِإِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً وَبِتِسْعٍ وَبِسَبْعٍ وَبِخَمْسٍ وَبِثَلَاثٍ وَبِوَاحِدَةٍ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْأَخْبَارِ فَإِنْ أَوْتَرَ بِإِحْدَى عَشْرَةَ سَلَّمَ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ ، وَإِنْ أَوْتَرَ بِثَلَاثٍ ، سَلَّمَ مِنْ الثِّنْتَيْنِ وَأَوْتَرَ بِوَاحِدَةٍ وَإِنْ أَوْتَرَ بِخَمْسٍ ، لَمْ يَجْلِسْ إلَّا فِي آخِرِهِنَّ وَإِنْ أَوْتَرَ بِسَبْعٍ ، جَلَسَ عَقِيبَ السَّادِسَةِ ، فَتَشَهَّدَ وَلَمْ يُسَلِّمْ ثُمَّ يَجْلِسُ بَعْدَ السَّابِعَةِ ، فَيَتَشَهَّدُ وَيُسَلِّمُ وَإِنْ أَوْتَرَ بِتِسْعٍ لَمْ يَجْلِسْ إلَّا عَقِيبَ الثَّامِنَةِ فَيَتَشَهَّدُ ثُمَّ يَقُومُ فَيَأْتِي بِالتَّاسِعَةِ ، وَيُسَلِّمُ .\rوَنَحْوَ هَذَا قَالَ إِسْحَاقُ وَقَالَ الْقَاضِي : فِي السَّبْعِ لَا يَجْلِسُ إلَّا فِي آخِرِهِنَّ أَيْضًا ، كَالْخَمْسِ .\rفَأَمَّا الْإِحْدَى عَشْرَةَ وَالثَّلَاثُ فَقَدْ ذَكَرْنَاهُمَا وَأَمَّا الْخَمْسُ فَقَدْ رُوِيَ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّهُ كَانَ يُوتِرُ بِخَمْسٍ ، لَا يَنْصَرِفُ إلَّا فِي آخِرِهَا وَرَوَى عُرْوَةُ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي مِنْ اللَّيْلِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً ، يُوتِرُ مِنْ ذَلِكَ بِخَمْسٍ ، لَا يَجْلِسُ فِي شَيْءٍ مِنْهَا ، إلَّا","part":3,"page":372},{"id":1372,"text":"فِي آخِرِهَا } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { ثُمَّ أَوْتَرَ بِخَمْسٍ لَمْ يَجْلِسْ بَيْنَهُنَّ } .\rوَفِي لَفْظٍ : { فَتَوَضَّأَ ، ثُمَّ صَلَّى سَبْعًا أَوْ خَمْسًا ، أَوْتَرَ بِهِنَّ ، لَمْ يُسَلِّمْ إلَّا فِي آخِرِهِنَّ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَقَالَ صَالِحٌ مَوْلَى التَّوْأَمَةِ : أَدْرَكْت النَّاسَ قَبْلَ الْحَرَّةِ يَقُومُونَ بِإِحْدَى وَأَرْبَعِينَ رَكْعَةً وَيُوتِرُونَ بِخَمْسٍ ، يُسَلِّمُونَ بَيْنَ كُلِّ اثْنَتَيْنِ ، وَيُوتِرُونَ بِوَاحِدَةٍ ، وَيُصَلُّونَ الْخَمْسَ جَمِيعًا رَوَاهُ الْأَثْرَمُ وَأَمَّا التِّسْعُ وَالسَّبْعُ فَرَوَى زُرَارَةُ بْنُ أَوْفَى ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ هِشَامٍ ، قَالَ : { قُلْت يَعْنِي لِعَائِشَةَ : يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ ، أَنْبِئِينِي عَنْ وِتْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ فَقَالَتْ : كُنَّا نُعِدُّ لَهُ سِوَاكَهُ وَطَهُورَهُ ، فَيَبْعَثُهُ اللَّهُ مَا شَاءَ أَنْ يَبْعَثَهُ فَيَتَسَوَّكُ وَيَتَوَضَّأُ ، وَيُصَلِّي سَبْعَ رَكَعَاتٍ ، لَا يَجْلِسُ فِيهَا إلَّا فِي الثَّامِنَةِ فَيَذْكُرُ اللَّهَ وَيَحْمَدُهُ وَيَدْعُوهُ ، ثُمَّ يَنْهَضُ وَلَا يُسَلِّمُ ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلِّي التَّاسِعَةَ ثُمَّ يَقْعُدُ فَيَذْكُرُ اللَّهَ وَيَحْمَدُهُ وَيَدْعُوهُ ، ثُمَّ يُسَلِّمُ تَسْلِيمًا يُسْمِعُنَا ، ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ بَعْدَمَا يُسَلِّمُ وَهُوَ قَاعِدٌ ، فَتِلْكَ إحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً يَا بُنَيَّ ، فَلَمَّا أَسَنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَخَذَهُ اللَّحْمُ ، أَوْتَرَ بِسَبْعٍ ، وَصَنَعَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ مِثْلَ صُنْعِهِ فِي الْأَوَّلِ .\rقَالَ : فَانْطَلَقْت إلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَحَدَّثْته بِحَدِيثِهَا فَقَالَ : صَدَقَتْ } رَوَاهُ مُسْلِمٌ ، وَأَبُو دَاوُد ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي دَاوُد ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : هَذَا هُوَ الْحَدِيثُ .\rوَفِيهِ : أَوْتَرَ بِسَبْعٍ لَمْ يَجْلِسْ إلَّا فِي السَّادِسَةِ وَالسَّابِعَةِ ، وَلَمْ يُسَلِّمْ إلَّا فِي السَّابِعَةِ وَفِيهِ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى وَيُسَلِّمُ بِتَسْلِيمَةٍ شَدِيدَةٍ يَكَادُ يُوقِظُ أَهْلَ الْبَيْتِ مِنْ شِدَّةِ تَسْلِيمِهِ .\rوَهَذَا صَرِيحٌ فِي","part":3,"page":373},{"id":1373,"text":"أَنَّ السَّبْعَ يَجْلِسُ فِيهَا عَقِيبَ السَّادِسَةِ وَلَعَلَّ الْقَاضِيَ يَحْتَجُّ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ صَلَّى سَبْعًا ، أَوْ خَمْسًا أَوْتَرَ بِهِنَّ ، لَمْ يُسَلِّمْ إلَّا فِي آخِرِهِنَّ وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ : { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُوتِرُ بِسَبْعٍ ، أَوْ خَمْسٍ ، لَا يَفْصِلُ بَيْنَهُنَّ بِتَسْلِيمٍ وَلَا كَلَامٍ } .\rرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَكِلَا الْحَدِيثَيْنِ فِيهِ شَكٌّ فِي السَّبْعِ وَلَيْسَ فِي وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّهُ لَا يَجْلِسُ عَقِيبَ السَّادِسَةِ ، وَحَدِيثُ عَائِشَةَ فِيهِ تَصْرِيحٌ بِذَلِكَ ، وَهُوَ ثَابِتٌ فَيَتَعَيَّنُ تَقْدِيمُهُ","part":3,"page":374},{"id":1374,"text":"( 1085 ) فَصْلٌ : الْوِتْرُ غَيْرُ وَاجِبٍ وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : وَهُوَ وَاجِبٌ .\rوَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { إذَا خِفْت الصُّبْحَ ، فَأَوْتِرْ بِوَاحِدَةٍ } وَأَمَرَ بِهِ فِي أَحَادِيثَ كَثِيرَةٍ وَالْأَمْرُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ وَرَوَى أَبُو أَيُّوبَ قَالَ ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الْوِتْرُ حَقٌّ ، فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِخَمْسٍ فَلْيَفْعَلْ ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِثَلَاثٍ فَلْيَفْعَلْ وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِوَاحِدَةٍ فَلْيَفْعَلْ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَابْنُ مَاجَهْ .\rوَعَنْ بُرَيْدَةَ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ { الْوِتْرُ حَقٌّ ؛ فَمَنْ لَمْ يُوتِرْ فَلَيْسَ مِنَّا ، الْوِتْرُ حَقٌّ فَمَنْ لَمْ يُوتِرْ فَلَيْسَ مِنَّا ، الْوِتْرُ حَقٌّ فَمَنْ لَمْ يُوتِرْ فَلَيْسَ مِنَّا } ، رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي \" الْمُسْنَدِ \" مِنْ غَيْرِ تَكْرَارٍ .\rوَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلُهُ مِنْ ( الْمُسْنَدِ ) أَيْضًا وَعَنْ خَارِجَةَ بْنِ حُذَافَةَ ، قَالَ : { خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ غَدَاةٍ فَقَالَ : إنَّ اللَّهَ قَدْ أَمَرَكُمْ بِصَلَاةٍ فَهِيَ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ ، وَهِيَ الْوِتْرُ ، فَجَعَلَهَا لَكُمْ فِيمَا بَيْنَ الْعِشَاءِ إلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ } رَوَاهُ أَحْمَدُ ، وَأَبُو دَاوُد .\rوَعَنْ أَبِي بَصْرَةَ قَالَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ { إنَّ اللَّهَ زَادَكُمْ صَلَاةً ، فَصَلُّوهَا مَا بَيْنَ الْعِشَاءِ إلَى صَلَاةِ الصُّبْحِ ، الْوِتْرُ الْوِتْرُ } .\rرَوَاهُ الْأَثْرَمُ ، وَاحْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَيْرِيزٍ ، أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي كِنَانَةَ يُدْعَى الْمُخْدَجِيَّ ، سَمِعَ رَجُلًا بِالشَّامِ يُدْعَى أَبَا مُحَمَّدٍ يَقُولُ : إنَّ الْوِتْرَ وَاجِبٌ .\rقَالَ : فَرُحْتُ إلَى عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ فَأَخْبَرْتُهُ ، فَقَالَ عُبَادَةُ : كَذَبَ","part":3,"page":375},{"id":1375,"text":"أَبُو مُحَمَّدٍ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : { خَمْسُ صَلَوَاتٍ كَتَبَهُنَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى الْعِبَادِ ، فَمَنْ جَاءَ بِهِنَّ لَمْ يُضَيِّعْ مِنْهُنَّ شَيْئًا ، اسْتِخْفَافًا بِحَقِّهِنَّ ، كَانَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدٌ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ ، وَمَنْ لَمْ يَأْتِ بِهِنَّ ، فَلَيْسَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدٌ إنْ شَاءَ عَذَّبَهُ وَإِنْ شَاءَ أَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَأَحْمَدُ .\rوَعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ { أَنَّ الْوِتْرَ لَيْسَ بِخَتْمٍ ، وَلَا كَصَلَوَاتِكُمْ الْمَكْتُوبَةِ ، وَلَكِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْتَرَ .\rثُمَّ قَالَ : يَا أَهْلَ الْقُرْآنِ أَوْتِرُوا ، فَإِنَّ اللَّهَ وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ } .\rرَوَاهُ أَحْمَدُ ، فِي \" الْمُسْنَدِ \" وَقَدْ ثَبَتَ { أَنَّ الْأَعْرَابِيَّ لَمَّا سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ ؟ قَالَ خَمْسُ صَلَوَاتٍ .\rقَالَ : هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُنَّ ؟ قَالَ لَا ، إلَّا أَنْ تَتَطَوَّعَ فَقَالَ الْأَعْرَابِيُّ : وَاَلَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَا أَزِيدُ عَلَيْهِنَّ ، وَلَا أَنْقُصُ مِنْهُنَّ .\rفَقَالَ : أَفْلَحَ الرَّجُلُ إنْ صَدَقَ } وَلِأَنَّهُ يَجُوزُ فِعْلُهُ عَلَى الرَّاحِلَةِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ ، فَلَمْ يَكُنْ وَاجِبًا ، كَالسُّنَنِ ، وَقَدْ رَوَى ابْنُ عُمَرَ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { كَانَ يُوتِرُ عَلَى بَعِيرِهِ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ، وَقَالَ : { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُسَبِّحُ عَلَى الرَّاحِلَةِ قَبْلَ أَيِّ وَجْهٍ تَوَجَّهَ ، وَيُوتِرُ عَلَيْهَا ، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يُصَلِّي عَلَيْهَا الْمَكْتُوبَةَ } .\rرَوَاهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ .\rوَأَحَادِيثُهُمْ قَدْ تُكُلِّمَ فِيهَا ، ثُمَّ إنَّ الْمُرَادَ بِهَا تَأْكِيدُهُ وَفَضِيلَتُهُ ، وَأَنَّهُ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ ، وَذَلِكَ حَقٌّ ، وَزِيَادَةُ الصَّلَاةِ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ سُنَّةً ، وَالتَّوَعُّدُ عَلَى تَرْكِهِ لِلْمُبَالَغَةِ فِي تَأْكِيدِهِ ، كَقَوْلِهِ : { مَنْ أَكَلَ هَاتَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ فَلَا يَقْرَبَنَّ","part":3,"page":376},{"id":1376,"text":"مَسْجِدَنَا }","part":3,"page":377},{"id":1377,"text":"( 1086 ) فَصْلٌ : وَهُوَ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ ، قَالَ أَحْمَدُ : مَنْ تَرَكَ الْوِتْرَ عَمْدًا فَهُوَ رَجُلُ سَوْءٍ ، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ تُقْبَلَ لَهُ شَهَادَةٌ .\rوَأَرَادَ الْمُبَالَغَةَ فِي تَأْكِيدِهِ ؛ لِمَا قَدْ وَرَدَ فِيهِ مِنْ الْأَحَادِيثِ فِي الْأَمْرِ بِهِ ، وَالْحَثِّ عَلَيْهِ ، فَخَرَجَ كَلَامُهُ مَخْرَجَ كَلَامِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِلَّا فَقَدْ صَرَّحَ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ ، فَقَالَ : الْوِتْرُ لَيْسَ بِمَنْزِلَةِ الْفَرْضِ ، فَلَوْ أَنَّ رَجُلًا صَلَّى الْفَرِيضَةَ وَحْدَهَا ، جَازَ لَهُ وَهُمَا سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ ؛ الرَّكْعَتَانِ قَبْلَ الْفَجْرِ وَالْوِتْرُ ، فَإِنْ شَاءَ قَضَى الْوِتْرَ ، وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَقْضِهِ ، وَلَيْسَ هُمَا بِمَنْزِلَةِ الْمَكْتُوبَةِ .\rوَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي الْوِتْرِ وَرَكْعَتَيْ الْفَجْرِ ، فَقَالَ الْقَاضِي : رَكْعَتَا الْفَجْرِ آكَدُ مِنْ الْوِتْرِ ؛ لِاخْتِصَاصِهِمَا بِعَدَدٍ لَا يَزِيدُ وَلَا يَنْقُصُ ، فَأَشْبَهَا الْمَكْتُوبَةَ .\rوَقَالَ غَيْرُهُ : الْوِتْرُ آكَدُ .\rوَهُوَ أَصَحُّ ؛ لِأَنَّهُ مُخْتَلَفٌ فِي وُجُوبِهِ ، وَفِيهِ مِنْ الْأَخْبَارِ مَا لَمْ يَأْتِ مِثْلُهُ فِي رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ ، لَكِنْ رَكْعَتَا الْفَجْرِ تَلِيهِ فِي التَّأْكِيدِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":3,"page":378},{"id":1378,"text":"( 1087 ) فَصْلٌ : وَوَقْتُهُ مَا بَيْنَ الْعِشَاءِ وَطُلُوعِ الْفَجْرِ الثَّانِي ، فَلَوْ أَوْتَرَ قَبْلَ الْعِشَاءِ ، لَمْ يَصِحَّ .\rوِتْرُهُ .\rوَقَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ : إنْ صَلَّاهُ قَبْلَ الْعِشَاءِ نَاسِيًا لَمْ يُعِدْهُ ، وَخَالَفَهُ صَاحِبَاهُ .\rفَقَالَا : يُعِيدُ .\rوَكَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { الْوِتْرُ جَعَلَهُ اللَّهُ لَكُمْ مَا بَيْنَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ إلَى صَلَاةِ الْفَجْرِ .\r} وَفِيهِ حَدِيثُ أَبِي بَصْرَةَ { إنَّ اللَّهَ زَادَكُمْ صَلَاةً ، فَصَلُّوهَا مَا بَيْنَ الْعِشَاءِ إلَى صَلَاةِ الصُّبْحِ } .\rوَفِي \" الْمُسْنَدِ \" عَنْ مُعَاذٍ ، قَالَ : سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : { زَادَنِي رَبِّي صَلَاةً ، وَهِيَ الْوِتْرُ ، وَوَقْتُهَا مَا بَيْنَ الْعِشَاءِ إلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ } وَلِأَنَّهُ صَلَّاهُ قَبْلَ وَقْتِهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ صَلَّى نَهَارًا .\rوَإِنْ أَخَّرَ الْوِتْرَ حَتَّى يَطْلُعَ الصُّبْحُ ، فَاتَ وَقْتُهُ وَصَلَّاهُ قَضَاءً .\rوَرُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ، أَنَّهُ قَالَ : الْوِتْرُ مَا بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ .\rوَعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ نَحْوُهُ ، لِحَدِيثِ أَبِي بَصْرَةَ .\rوَالصَّحِيحُ أَنَّ وَقْتَهُ إلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ ؛ لِحَدِيثِ مُعَاذٍ ، وَالْحَدِيثِ الْآخَرِ ، وَقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : فَإِذَا خَشِيَ أَحَدُكُمْ الصُّبْحَ صَلَّى رَكْعَةً ، فَأَوْتَرَتْ لَهُ مَا قَدْ صَلَّى } .\rوَقَالَ { : اجْعَلُوا آخِرَ صَلَاتِكُمْ بِاللَّيْلِ وِتْرًا } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَقَالَ { أَوْتِرُوا قَبْلَ أَنْ تُصْبِحُوا } وَقَالَ { : الْوِتْرُ رَكْعَةٌ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ } وَقَالَ { مَنْ خَافَ أَنْ لَا يَقُومَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ فَلْيُوتِرْ مِنْ أَوَّلِهِ } .\rأَخْرَجَهُنَّ مُسْلِمٌ .","part":3,"page":379},{"id":1379,"text":"( 1088 ) فَصْلٌ : وَالْأَفْضَلُ فِعْلُهُ فِي آخِرِ اللَّيْلِ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : مَنْ خَافَ أَنْ لَا يَقُومَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ ، فَلْيُوتِرْ مِنْ أَوَّلِهِ ، وَمَنْ طَمِعَ أَنْ يَقُومَ آخِرَهُ ، فَلْيُوتِرْ آخِرَ اللَّيْلِ ؛ فَإِنَّ صَلَاةَ آخِرِ اللَّيْلِ مَشْهُودَةٌ } وَذَلِكَ أَفْضَلُ وَهَذَا صَرِيحٌ .\rوَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ { الْوِتْرُ رَكْعَةٌ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ } وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُوتِرُ آخِرَ اللَّيْلِ وَقَالَتْ عَائِشَةُ : { مِنْ كُلِّ اللَّيْلِ قَدْ أَوْتَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَانْتَهَى وِتْرُهُ إلَى السَّحَرِ } .\rوَمَنْ كَانَ لَهُ تَهَجُّدٌ جَعَلَ الْوِتْرَ بَعْدَ تَهَجُّدِهِ ، لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ .\rوَقَالَ : { اجْعَلُوا آخِرَ صَلَاتِكُمْ بِاللَّيْلِ وِتْرًا } مَعَ مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْأَخْبَارِ .\rفَإِنْ خَافَ أَنْ لَا يَقُومَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ ، اُسْتُحِبَّ أَنْ يُوتِرَ أَوَّلَهُ ؛ لِأَنَّ { النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْصَى أَبَا هُرَيْرَةَ وَأَبَا ذَرٍّ وَأَبَا الدَّرْدَاءِ بِالْوِتْرِ قَبْلَ النَّوْمِ .\rوَقَالَ مَنْ خَافَ أَنْ لَا يَقُومَ آخِرَ اللَّيْلِ فَلْيُوتِرْ مِنْ أَوَّلِهِ } وَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ كُلُّهَا صِحَاحٌ ، رَوَاهَا مُسْلِمٌ ، وَغَيْرُهُ .\rوَرَوَى أَبُو دَاوُد ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِأَبِي بَكْرٍ : مَتَى تُوتِرُ ؟ قَالَ : أُوتِرُ مِنْ أَوَّلِ اللَّيْلِ .\rوَقَالَ لِعُمَرَ : مَتَى تُوتِرُ ؟ قَالَ : آخِرَ اللَّيْلِ .\rفَقَالَ لِأَبِي بَكْرٍ : أَخَذَ هَذَا بِالْحَزْمِ وَأَخَذَ هَذَا بِالْقُوَّةِ } وَأَيَّ وَقْتٍ أَوْتَرَ مِنْ اللَّيْلِ ، بَعْدَ الْعِشَاءِ أَجْزَأَهُ .\rلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا ، وَقَدْ دَلَّتْ الْأَخْبَارُ عَلَيْهِ .","part":3,"page":380},{"id":1380,"text":"( 1089 ) فَصْلٌ : وَمَنْ أَوْتَرَ مِنْ اللَّيْلِ ، ثُمَّ قَامَ لِلتَّهَجُّدِ ، فَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يُصَلِّيَ مَثْنَى مَثْنَى ، وَلَا يَنْقُضَ وِتْرَهُ .\rرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ، وَعَمَّارٍ ، وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ وَعَائِذِ بْنِ عَمْرٍو ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ، وَعَائِشَةَ .\rوَكَانَ عَلْقَمَةُ لَا يَرَى نَقْضَ الْوِتْرِ .\rوَبِهِ قَالَ طَاوُسٌ ، وَأَبُو مِجْلَزٍ .\rوَبِهِ قَالَ النَّخَعِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ .\rوَقِيلَ لِأَحْمَدَ : وَلَا تَرَى نَقْضَ الْوِتْرِ ؟ فَقَالَ لَا ثُمَّ قَالَ : وَإِنْ ذَهَبَ إلَيْهِ رَجُلٌ فَأَرْجُو ، لِأَنَّهُ قَدْ فَعَلَهُ جَمَاعَةٌ .\rوَمَرْوِيٌّ .\rعَنْ عَلِيٍّ ، وَأُسَامَةَ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ، وَعُمَرَ ، وَعُثْمَانَ وَسَعْدٍ ، وَابْنِ عُمَرَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ وَهُوَ قَوْلُ إِسْحَاقَ .\rوَمَعْنَاهُ أَنَّهُ إذَا قَامَ لِلتَّهَجُّدِ يُصَلِّي رَكْعَةً تَشْفَعُ الْوِتْرَ الْأَوَّلَ ، ثُمَّ يُصَلِّي مَثْنَى مَثْنَى ، ثُمَّ يُوتِرُ فِي آخِرِ التَّهَجُّدِ .\rوَلَعَلَّهُمْ ذَهَبُوا إلَى قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { اجْعَلُوا آخِرَ صَلَاتِكُمْ بِاللَّيْلِ وِتْرًا } .\rوَلَنَا : مَا رَوَى قَيْسُ بْنُ طَلْقٍ ، قَالَ : { زَارَنَا طَلْقُ بْنُ عَلِيٍّ فِي يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ ، فَأَمْسَى عِنْدَنَا وَأَفْطَرَ ، ثُمَّ قَامَ بِنَا تِلْكَ اللَّيْلَةَ ، ثُمَّ انْحَدَرَ إلَى الْمَسْجِدِ فَصَلَّى بِأَصْحَابِهِ ، حَتَّى إذَا بَقِيَ الْوِتْرُ قَدَّمَ رَجُلًا ، فَقَالَ : أَوْتِرْ بِأَصْحَابِكَ ، فَإِنِّي سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : لَا وِتْرَانِ فِي لَيْلَةٍ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَقَالَ : حَدِيثٌ حَسَنٌ وَرُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : أَمَّا أَنَا فَإِنِّي أَنَامُ عَلَى فِرَاشِي ، فَإِنْ اسْتَيْقَظْتُ صَلَّيْتُ شَفْعًا حَتَّى الصَّبَاحِ .\rرَوَاهُ الْأَثْرَمُ .\rوَكَانَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ يَفْعَلُهُ .","part":3,"page":381},{"id":1381,"text":"( 1090 ) فَصْلٌ : فَإِنْ صَلَّى مَعَ الْإِمَامِ ، وَأَحَبَّ مُتَابَعَتَهُ فِي الْوِتْرِ ، وَأَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ آخِرَ اللَّيْلِ ، فَإِنَّهُ إذَا سَلَّمَ الْإِمَامُ لَمْ يُسَلِّمْ مَعَهُ ، وَقَامَ فَصَلَّى رَكْعَةً أُخْرَى يَشْفَعُ بِهَا صَلَاتَهُ مَعَ الْإِمَامِ .\rنَصَّ عَلَيْهِ .\rوَقَالَ : إنْ شَاءَ أَقَامَ عَلَى وِتْرٍ وَشَفَعَ إذَا قَامَ .\rوَإِنْ شَاءَ صَلَّى مَثْنَى ، قَالَ : وَيَشْفَعُ مَعَ الْإِمَامِ بِرَكْعَةٍ أَحَبُّ إلَيَّ .\rوَسُئِلَ أَحْمَدُ عَمَّنْ أَوْتَرَ ، يُصَلِّي بَعْدَهَا مَثْنَى مَثْنَى ؟ قَالَ : نَعَمْ ، وَلَكِنْ يَكُونُ الْوِتْرُ بَعْدَ ضِجْعَةٍ .","part":3,"page":382},{"id":1382,"text":"( 1091 ) فَصْلٌ : وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْرَأَ فِي رَكَعَاتِ الْوِتْرِ الثَّلَاثِ ، فِي الْأُولَى بِ { سَبِّحْ } ، وَفِي الثَّانِيَةِ { قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ } ، وَفِي الثَّالِثَةِ { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ } .\rوَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يَقْرَأُ فِي الثَّالِثَةِ { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ } ، وَالْمُعَوِّذَتَيْنِ .\rوَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي الْوِتْرِ .\rوَقَالَ فِي الشَّفْعِ : لَمْ يَبْلُغْنِي فِيهِ شَيْءٌ مَعْلُومٌ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّهُ سُئِلَ ، يَقْرَأُ بِالْمُعَوِّذَتَيْنِ فِي الْوِتْرِ ؟ قَالَ : وَلِمَ لَا يَقْرَأُ ، وَذَلِكَ لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ ، { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى \" بِسَبِّحْ \" ، وَفِي الثَّانِيَةِ \" قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ \" ، وَفِي الثَّالِثَةِ \" قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ \" ، وَالْمُعَوِّذَتَيْنِ } ، رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ .\rوَلَنَا : مَا رَوَى أُبَيّ بْنُ كَعْبٍ ، قَالَ { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُوتِرُ \" بِسَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى وَ \" قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ \" وَ \" قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ \" } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَابْنُ مَاجَهْ .\rوَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلُهُ .\rرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ .\rوَحَدِيثُ عَائِشَةَ فِي هَذَا لَا يَثْبُتُ ؛ فَإِنَّهُ يَرْوِيهِ يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ ، وَهُوَ ضَعِيفٌ .\rوَقَدْ أَنْكَرَ أَحْمَدُ وَيَحْيَى بْنُ مَعِينٍ زِيَادَةَ الْمُعَوِّذَتَيْنِ .","part":3,"page":383},{"id":1383,"text":"( 1092 ) فَصْلٌ : قَالَ أَحْمَدُ رَحِمَهُ اللَّهُ : الْأَحَادِيثُ الَّتِي جَاءَتْ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْتَرَ بِرَكْعَةٍ ، كَانَ قَبْلَهَا صَلَاةٌ مُتَقَدِّمَةٌ } .\rقِيلَ لَهُ : أَوْتَرَ فِي السَّفَرِ بِوَاحِدَةٍ ؟ قَالَ : يُصَلِّي قَبْلَهَا رَكْعَتَيْنِ .\rقِيلَ لَهُ : يَكُونُ بَيْنَ الرَّكْعَةِ وَبَيْنَ الْمَثْنَى سَاعَةٌ ؟ قَالَ يُعْجِبُنِي أَنْ يَكُونَ بَعْدَهُ وَمَعَهُ .\rثُمَّ احْتَجَّ فَقَالَ : { صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى ، فَإِذَا خَشِيَ أَحَدُكُمْ الصُّبْحَ فَلْيُوتِرْ بِرَكْعَةٍ } .\rفَقِيلَ لَهُ : رَجُلٌ تَنَفَّلَ بَعْدَ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ ثُمَّ تَعَشَّى ، ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُوتِرَ يُعْجِبُكَ أَنْ يَرْكَعَ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ يُوتِرَ ؟ قَالَ : نَعَمْ .\rوَسُئِلَ عَمَّنْ صَلَّى مِنْ اللَّيْلِ ، ثُمَّ نَامَ وَلَمْ يُوتِرْ ؟ قَالَ : يُعْجِبُنِي أَنْ يَرْكَعَ رَكْعَتَيْنِ ، ثُمَّ يُسَلِّمَ ، ثُمَّ يُوتِرَ بِوَاحِدَةٍ .\rوَسُئِلَ عَنْ رَجُلٍ أَصْبَحَ وَلَمْ يُوتِرْ ؟ قَالَ : لَا يُوتِرُ بِرَكْعَةٍ ، إلَّا أَنْ يَخَافَ طُلُوعَ الشَّمْسِ .\rقِيلَ : يُوتِرُ بِثَلَاثٍ ؟ قَالَ : نَعَمْ .\rيُصَلِّي الرَّكْعَتَيْنِ ، إلَّا أَنْ يَخَافَ طُلُوعَ الشَّمْسِ .\rقِيلَ لَهُ : فَإِذَا لَحِقَ مَعَ الْإِمَامِ رَكْعَةَ الْوِتْرِ ؟ قَالَ : إنْ كَانَ الْإِمَامُ يَفْصِلُ بَيْنَهُنَّ بِسَلَامٍ أَجْزَأَتْهُ الرَّكْعَةُ ، وَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ لَا يُسَلِّمُ فِي الثِّنْتَيْنِ تَبِعَهُ ، وَيَقْضِي مِثْلَ مَا صَلَّى ، فَإِذَا فَرَغَ قَامَ يَقْضِي وَلَا يَقْنُتُ .\rوَقِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ : رَجُلٌ ابْتَدَأَ يُصَلِّي تَطَوُّعًا ، ثُمَّ بَدَا لَهُ ، فَجَعَلَ تِلْكَ الرَّكْعَةَ وِتْرًا ؟ فَقَالَ : لَا ، كَيْفَ يَكُونُ هَذَا ؟ قَدْ قَلَبَ نِيَّتَهُ .\rقِيلَ لَهُ : أَيَبْتَدِئُ الْوِتْرَ ؟ قَالَ : نَعَمْ .\rوَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ : إذَا قَنَتَ قَبْلَ الرُّكُوعِ كَبَّرَ ، ثُمَّ أَخَذَ فِي الْقُنُوتِ .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ إذَا فَرَغَ مِنْ الْقِرَاءَةِ كَبَّرَ ، ثُمَّ قَنَتَ ، ثُمَّ كَبَّرَ حِينَ يَرْكَعُ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ ، وَالْبَرَاءِ ، وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ","part":3,"page":384},{"id":1384,"text":"وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا .","part":3,"page":385},{"id":1385,"text":"( 1093 ) فَصْلٌ : يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَ بَعْدَ وِتْرِهِ : سُبْحَانَ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ .\rثَلَاثًا ، وَيَمُدَّ صَوْتَهُ بِهَا فِي الثَّالِثَةِ ؛ لِمَا رَوَى أُبَيّ بْنُ كَعْبٍ ، قَالَ : { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا سَلَّمَ مِنْ الْوِتْرِ قَالَ : سُبْحَانَ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ } .\rهَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَرَوَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبْزَى قَالَ : { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُوتِرُ بِ { سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى } ، وَ { قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ } ، وَ { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ } وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَنْصَرِفَ مِنْ الْوِتْرِ قَالَ : سُبْحَانَ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، ثُمَّ يَرْفَعُ صَوْتَهُ بِهَا فِي الثَّالِثَةِ } .\rأَخْرَجَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي \" الْمُسْنَدِ \" .","part":3,"page":386},{"id":1386,"text":"( 1094 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ ( وَقِيَامُ شَهْرِ رَمَضَانَ عِشْرُونَ رَكْعَةً ) .\r( يَعْنِي ) ( صَلَاةَ التَّرَاوِيحِ ) وَهِيَ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ ، وَأَوَّلُ مَنْ سَنَّهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرْغَبُ فِي قِيَامِ رَمَضَانَ ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَأْمُرَهُمْ فِيهِ بِعَزِيمَةٍ ، فَيَقُولُ : مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إيمَانًا وَاحْتِسَابًا ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ } وَقَالَتْ عَائِشَةُ : { صَلَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَسْجِدِ ذَاتَ لَيْلَةٍ ، فَصَلَّى بِصَلَاتِهِ نَاسٌ ، ثُمَّ صَلَّى مِنْ الْقَابِلَةِ ، وَكَثُرَ النَّاسُ ، ثُمَّ اجْتَمَعُوا مِنْ اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ أَوْ الرَّابِعَةِ ، فَلَمْ يَخْرُجْ إلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا أَصْبَحَ ، قَالَ : قَدْ رَأَيْت الَّذِي صَنَعْتُمْ ، فَلَمْ يَمْنَعْنِي مِنْ الْخُرُوجِ إلَيْكُمْ إلَّا أَنِّي خَشِيتُ أَنْ تُفْرَضَ عَلَيْكُمْ قَالَ : وَذَلِكَ فِي رَمَضَانَ } .\rرَوَاهُمَا مُسْلِمٌ وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ ، قَالَ : { صُمْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَمَضَانَ فَلَمْ يَقُمْ بِنَا شَيْئًا مِنْ الشَّهْرِ ، حَتَّى بَقِيَ سَبْعٌ .\rفَقَامَ بِنَا حَتَّى ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ ، فَلَمَّا كَانَتْ السَّادِسَةُ لَمْ يَقُمْ بِنَا ، فَلَمَّا كَانَتْ الْخَامِسَةُ قَامَ بِنَا حَتَّى ذَهَبَ شَطْرُ اللَّيْلِ .\rفَقُلْت : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، لَوْ نَفَّلْتَنَا قِيَامَ هَذِهِ اللَّيْلَةِ ؟ قَالَ : فَقَالَ : إنَّ الرَّجُلَ إذَا صَلَّى مَعَ الْإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ ، حُسِبَ لَهُ قِيَامُ لَيْلَةٍ .\rقَالَ : فَلَمَّا كَانَتْ الرَّابِعَةُ لَمْ يَقُمْ ، فَلَمَّا كَانَتْ الثَّالِثَةُ جَمَعَ أَهْلَهُ وَنِسَاءَهُ وَالنَّاسَ ، فَقَامَ بِنَا حَتَّى خَشِينَا أَنْ يَفُوتَنَا الْفَلَاحُ ؟ قَالَ : قُلْت : وَمَا الْفَلَاحُ ؟ قَالَ : السُّحُورُ .\rثُمَّ لَمْ يَقُمْ بِنَا بَقِيَّةَ الشَّهْرِ .\r} رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَالْأَثْرَمُ ، وَابْنُ مَاجَهْ .\rوَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ { : خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ","part":3,"page":387},{"id":1387,"text":"فَإِذَا النَّاسُ فِي رَمَضَانَ يُصَلُّونَ فِي نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ .\rفَقَالَ : مَا هَؤُلَاءِ ؟ فَقِيلَ : هَؤُلَاءِ نَاسٌ لَيْسَ مَعَهُمْ قُرْآنٌ ، وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ يُصَلِّي بِهِمْ ، وَهُمْ يُصَلُّونَ بِصَلَاتِهِ .\rفَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَصَابُوا ، وَنِعْمَ مَا صَنَعُوا } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَقَالَ رَوَاهُ مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ ، وَهُوَ ضَعِيفٌ .\rوَنُسِبَتْ التَّرَاوِيحُ إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِأَنَّهُ جَمَعَ النَّاسَ عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ، فَكَانَ يُصَلِّيهَا بِهِمْ ، فَرَوَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدٍ الْقَارِي ، قَالَ : خَرَجْت مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ لَيْلَةً فِي رَمَضَانَ ، فَإِذَا النَّاسُ أَوْزَاعٌ مُتَفَرِّقُونَ ، يُصَلِّي الرَّجُلُ لِنَفْسِهِ ، وَيُصَلِّي الرَّجُلُ فَيُصَلِّي بِصَلَاتِهِ الرَّهْطُ ، فَقَالَ عُمَرُ : إنِّي أَرَى لَوْ جَمَعْتُ هَؤُلَاءِ عَلَى قَارِئٍ وَاحِدٍ ، لَكَانَ أَمْثَلَ ثُمَّ عَزَمَ فَجَمَعَهُمْ عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ، قَالَ : ثُمَّ خَرَجْت مَعَهُ لَيْلَةً أُخْرَى وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ بِصَلَاةِ قَارِئِهِمْ .\rفَقَالَ : نِعْمَتْ الْبِدْعَةُ هَذِهِ ، وَاَلَّتِي يَنَامُونَ عَنْهَا أَفْضَلُ مِنْ الَّتِي يَقُومُونَ .\rيُرِيدُ آخِرَ اللَّيْلِ ، وَكَانَ النَّاسُ يَقُومُونَ أَوَّلَهُ .\rأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ .\r( 1095 ) فَصْلٌ : وَالْمُخْتَارُ عِنْدَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، فِيهَا عِشْرُونَ رَكْعَةً .\rوَبِهَذَا قَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : سِتَّةٌ وَثَلَاثُونَ .\rوَزَعَمَ أَنَّهُ الْأَمْرُ الْقَدِيمُ ، وَتَعَلَّقَ بِفِعْلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ، فَإِنَّ صَالِحًا مَوْلَى التَّوْأَمَةِ ، قَالَ : أَدْرَكْتُ النَّاسَ يَقُومُونَ بِإِحْدَى وَأَرْبَعِينَ رَكْعَةً ، يُوتِرُونَ مِنْهَا بِخَمْسٍ .\rوَلَنَا ، أَنَّ عُمَرَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمَّا جَمَعَ النَّاسَ عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ، وَكَانَ يُصَلِّي لَهُمْ عِشْرِينَ رَكْعَةً ، وَقَدْ رَوَى الْحَسَنُ أَنَّ عُمَرَ جَمَعَ النَّاسَ عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ، فَكَانَ يُصَلِّي لَهُمْ عِشْرِينَ لَيْلَةً ، وَلَا يَقْنُتُ بِهِمْ إلَّا فِي","part":3,"page":388},{"id":1388,"text":"النِّصْفِ الثَّانِي .\rفَإِذَا كَانَتْ الْعَشْرُ الْأَوَاخِرُ تَخَلَّفَ أُبَيٌّ ، فَصَلَّى فِي بَيْتِهِ ، فَكَانُوا يَقُولُونَ : أَبَقَ أُبَيٌّ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَرَوَاهُ السَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ ، وَرُوِيَ عَنْهُ مِنْ طُرُقٍ .\rوَرَوَى مَالِكٌ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ ، قَالَ : كَانَ النَّاسُ يَقُومُونَ فِي زَمَنِ عُمَرَ فِي رَمَضَانَ بِثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ رَكْعَةً .\rوَعَنْ عَلِيٍّ ، أَنَّهُ أَمَرَ رَجُلًا يُصَلِّي بِهِمْ فِي رَمَضَانَ عِشْرِينَ رَكْعَةً .\rوَهَذَا كَالْإِجْمَاعِ ، فَأَمَّا مَا رَوَاهُ صَالِحٌ ، فَإِنَّ صَالِحًا ضَعِيفٌ ، ثُمَّ لَا نَدْرِي مَنْ النَّاسُ الَّذِينَ أَخْبَرَ عَنْهُمْ ؟ فَلَعَلَّهُ قَدْ أَدْرَكَ جَمَاعَةً مِنْ النَّاسِ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِحُجَّةٍ ، ثُمَّ لَوْ ثَبَتَ أَنَّ أَهْلَ الْمَدِينَةِ كُلَّهُمْ فَعَلُوهُ لَكَانَ مَا فَعَلَهُ عُمَرُ ، وَأَجْمَعَ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ فِي عَصْرِهِ ، أَوْلَى بِالِاتِّبَاعِ ، قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ : إنَّمَا فَعَلَ هَذَا أَهْلُ الْمَدِينَةِ لِأَنَّهُمْ أَرَادُوا مُسَاوَاةَ أَهْلِ مَكَّةَ ، فَإِنَّ أَهْلَ مَكَّةَ يَطُوفُونَ سَبْعًا بَيْنَ كُلِّ تَرْوِيحَتَيْنِ ، فَجَعَلَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ مَكَانَ كُلِّ سَبْعٍ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ ، وَمَا كَانَ عَلَيْهِ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْلَى وَأَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ .","part":3,"page":389},{"id":1389,"text":"( 1096 ) فَصْلٌ : وَالْمُخْتَارُ عِنْدَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ، فِعْلُهَا فِي الْجَمَاعَةِ ، قَالَ ، فِي رِوَايَةِ يُوسُفَ بْنِ مُوسَى : الْجَمَاعَةُ فِي التَّرَاوِيحِ أَفْضَلُ ، وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُقْتَدَى بِهِ ، فَصَلَّاهَا فِي بَيْتِهِ ، خِفْت أَنْ يَقْتَدِيَ النَّاسُ بِهِ .\rوَقَدْ جَاءَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { اقْتَدُوا بِالْخُلَفَاءِ } وَقَدْ جَاءَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي فِي الْجَمَاعَةِ .\rوَبِهَذَا قَالَ الْمُزَنِيّ ، وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ ، وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ ، قَالَ أَحْمَدُ : كَانَ جَابِرٌ ، وَعَلِيٌّ وَعَبْدُ اللَّهِ يُصَلُّونَهَا فِي جَمَاعَةٍ .\rقَالَ الطَّحَاوِيُّ : كُلُّ مَنْ اخْتَارَ التَّفَرُّدَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَلَى أَنْ لَا يَقْطَعَ مَعَهُ الْقِيَامَ فِي الْمَسَاجِدِ ، فَأَمَّا التَّفَرُّدُ الَّذِي يَقْطَعُ مَعَهُ الْقِيَامَ فِي الْمَسَاجِدِ فَلَا .\rوَرُوِيَ نَحْوُ هَذَا عَنْ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ .\rوَقَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ : قِيَامُ رَمَضَانَ لِمَنْ قَوِيَ فِي الْبَيْتِ أَحَبُّ إلَيْنَا ؛ لِمَا رَوَى زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ قَالَ : { احْتَجَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حُجَيْرَةً بِخَصَفَةٍ أَوْ حَصِيرٍ ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهَا .\rفَتَتَبَّعَ إلَيْهِ رِجَالٌ ، وَجَاءُوا يُصَلُّونَ بِصَلَاتِهِ قَالَ ثُمَّ : جَاءُوا لَيْلَةً فَحَضَرُوا ، وَأَبْطَأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْهُمْ ، فَلَمْ يَخْرُجْ إلَيْهِمْ ، فَرَفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ ، وَحَصَبُوا الْبَابَ ، فَخَرَجَ إلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُغْضَبًا ، فَقَالَ : مَا زَالَ بِكُمْ صَنِيعُكُمْ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُكْتَبُ عَلَيْكُمْ ، فَعَلَيْكُمْ بِالصَّلَاةِ فِي بُيُوتِكُمْ ، فَإِنَّ خَيْرَ صَلَاةِ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ ، إلَّا الصَّلَاةَ الْمَكْتُوبَةَ } .\rرَوَاهُ مُسْلِمٌ .\rوَلَنَا إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ عَلَى ذَلِكَ ، وَجَمْعُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَصْحَابَهُ وَأَهْلَهُ فِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ ، وَقَوْلُهُ لَهُ : { إنَّ الْقَوْمَ إذَا صَلَّوْا مَعَ","part":3,"page":390},{"id":1390,"text":"الْإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ ، كُتِبَ لَهُمْ قِيَامُ تِلْكَ اللَّيْلَةِ } .\rوَهَذَا خَاصٌّ فِي قِيَامِ رَمَضَانَ ، فَيُقَدَّمُ عَلَى عُمُومِ مَا احْتَجُّوا بِهِ ، وَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ لَهُمْ مُعَلَّلٌ بِخَشْيَةِ فَرْضِهِ عَلَيْهِمْ ، وَلِهَذَا تَرَكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْقِيَامَ بِهِمْ مُعَلَّلًا بِذَلِكَ أَيْضًا ، أَوْ خَشْيَةَ أَنْ يَتَّخِذَهُ النَّاسُ فَرْضًا ، وَقَدْ أُمِنَ هَذَا أَنْ يُفْعَلَ بَعْدَهُ .\rفَإِنْ قِيلَ : فَعَلِيٌّ لَمْ يَقُمْ مَعَ الصَّحَابَةِ ؟ قُلْنَا : قَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ أَنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَامَ بِهِمْ فِي رَمَضَانَ .\rوَعَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ زِيَادٍ ، قَالَ : مَرَّ عَلِيٌّ عَلَى الْمَسَاجِدِ وَفِيهَا الْقَنَادِيلُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ .\rفَقَالَ نَوَّرَ اللَّهُ عَلَى عُمَرَ قَبْرَهُ ، كَمَا نَوَّرَ عَلَيْنَا مَسَاجِدَنَا .\rرَوَاهُمَا الْأَثْرَمُ .","part":3,"page":391},{"id":1391,"text":"( 1097 ) فَصْلٌ : قَالَ أَحْمَدُ ، رَحِمَهُ اللَّهُ : يَقْرَأُ بِالْقَوْمِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ مَا يَخِفُّ عَلَى النَّاسِ ، وَلَا يَشُقُّ عَلَيْهِمْ ، وَلَا سِيَّمَا فِي اللَّيَالِي الْقِصَارِ ، وَالْأَمْرُ عَلَى مَا يَحْتَمِلُهُ النَّاسُ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : لَا يُسْتَحَبُّ النُّقْصَانُ عَنْ خَتْمِهِ فِي الشَّهْرِ ؛ لِيَسْمَعَ النَّاسُ جَمِيعَ الْقُرْآنِ ، وَلَا يَزِيدُ عَلَى خَتْمِهِ كَرَاهِيَةَ الْمَشَقَّةِ عَلَى مَنْ خَلْفَهُ .\rوَالتَّقْدِيرُ بِحَالِ النَّاسِ أَوْلَى ؛ فَإِنَّهُ لَوْ اتَّفَقَ جَمَاعَةٌ يَرْضَوْنَ بِالتَّطْوِيلِ وَيَخْتَارُونَهُ ، كَانَ أَفْضَلَ .\rكَمَا رَوَى أَبُو ذَرٍّ ، قَالَ : { قُمْنَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى خَشِينَا أَنْ يَفُوتَنَا الْفَلَاحُ .\rيَعْنِي السُّحُورَ .\r} وَقَدْ كَانَ السَّلَفُ يُطِيلُونَ الصَّلَاةَ ، حَتَّى قَالَ بَعْضُهُمْ : كَانُوا إذَا انْصَرَفُوا يَسْتَعْجِلُونَ خَدَمَهُمْ بِالطَّعَامِ ، مَخَافَةَ طُلُوعِ الْفَجْرِ ، وَكَانَ الْقَارِئُ يَقْرَأُ بِالْمِائَتَيْنِ .","part":3,"page":392},{"id":1392,"text":"( 1098 ) فَصْلٌ : قَالَ أَبُو دَاوُد : سَمِعْت أَحْمَدَ يَقُولُ : يُعْجِبُنِي أَنْ يُصَلِّيَ مَعَ الْإِمَامِ ، وَيُوتِرَ مَعَهُ .\rقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إنَّ الرَّجُلَ إذَا قَامَ مَعَ الْإِمَامِ ، حَتَّى يَنْصَرِفَ ، كُتِبَ لَهُ بَقِيَّةُ لَيْلَتِهِ } .\rقَالَ : وَكَانَ أَحْمَدُ يَقُومُ مَعَ النَّاسِ ، وَيُوتِرُ مَعَهُمْ .\rقَالَ الْأَثْرَمُ : وَأَخْبَرَنِي الَّذِي كَانَ يَؤُمُّهُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ ، أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي مَعَهُمْ التَّرَاوِيحَ كُلَّهَا وَالْوِتْرَ .\rقَالَ : وَيَنْتَظِرُنِي بَعْدَ ذَلِكَ حَتَّى أَقُومَ ثُمَّ يَقُومَ ، كَأَنَّهُ يَذْهَبُ إلَى حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ { إذَا قَامَ مَعَ الْإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ كُتِبَ لَهُ بَقِيَّةُ لَيْلَتِهِ } قَالَ أَبُو دَاوُد : وَسُئِلَ أَحْمَدُ عَنْ قَوْمٍ صَلَّوْا فِي رَمَضَانَ خَمْسَ تَرَاوِيحَ ، لَمْ يَتَرَوَّحُوا بَيْنَهَا ؟ قَالَ : لَا بَأْسَ .\rقَالَ : وَسُئِلَ عَمَّنْ أَدْرَكَ مِنْ تَرْوِيحِهِ رَكْعَتَيْنِ ، يُصَلِّي إلَيْهَا رَكْعَتَيْنِ ؟ فَلَمْ يَرَ ذَلِكَ .\rوَقَالَ هِيَ تَطَوُّعٌ .\rوَقِيلَ لِأَحْمَدَ : تُؤَخِّرُ الْقِيَامَ يَعْنِي فِي التَّرَاوِيحِ إلَى آخِرِ اللَّيْلِ ؟ قَالَ : لَا ، سُنَّةُ الْمُسْلِمِينَ أَحَبُّ إلَيَّ .","part":3,"page":393},{"id":1393,"text":"( 1099 ) فَصْلٌ : وَكَرِهَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ التَّطَوُّعَ بَيْنَ التَّرَاوِيحِ ، وَقَالَ : فِيهِ عَنْ ثَلَاثَةٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ عُبَادَةُ ، وَأَبُو الدَّرْدَاءِ ، وَعُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ .\rفَذُكِرَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ فِيهِ رُخْصَةٌ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ ، فَقَالَ : هَذَا بَاطِلٌ ، إنَّمَا فِيهِ عَنْ الْحَسَنِ ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ .\rوَقَالَ أَحْمَدُ : يَتَطَوَّعُ بَعْدَ الْمَكْتُوبَةِ ، وَلَا يَتَطَوَّعُ بَيْنَ التَّرَاوِيحِ .\rوَرَوَى الْأَثْرَمُ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ، أَنَّهُ أَبْصَرَ قَوْمًا يُصَلُّونَ بَيْنَ التَّرَاوِيحِ ، فَقَالَ : مَا هَذِهِ الصَّلَاةُ ؟ أَتُصَلِّي وَإِمَامُكَ بَيْنَ يَدَيْكَ ؟ لَيْسَ مِنَّا مَنْ رَغِبَ عَنَّا .\rوَقَالَ : مِنْ قِلَّةِ فِقْهِ الرَّجُلِ أَنْ يُرَى أَنَّهُ فِي الْمَسْجِدِ وَلَيْسَ فِي صَلَاةٍ .","part":3,"page":394},{"id":1394,"text":"( 1100 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا التَّعْقِيبُ ، وَهُوَ أَنْ يُصَلِّيَ بَعْدَ التَّرَاوِيحِ نَافِلَةً أُخْرَى جَمَاعَةً ، أَوْ يُصَلِّيَ التَّرَاوِيحَ فِي جَمَاعَةٍ أُخْرَى .\rفَعَنْ أَحْمَدَ : أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ ؛ لِأَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ : مَا يَرْجِعُونَ إلَّا لِخَيْرٍ يَرْجُونَهُ ، أَوْ لِشَرٍّ يَحْذَرُونَهُ .\rوَكَانَ لَا يَرَى بِهِ بَأْسًا .\rوَنَقَلَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَكَمِ عَنْهُ الْكَرَاهَةَ ، إلَّا أَنَّهُ قَوْلٌ قَدِيمٌ ، وَالْعَمَلُ عَلَى مَا رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ .\rوَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : الصَّلَاةُ إلَى نِصْفِ اللَّيْلِ ، أَوْ إلَى آخِرِهِ ، لَمْ تُكْرَهْ رِوَايَةً وَاحِدَةً ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِيمَا إذَا رَجَعُوا قَبْلَ النَّوْمِ ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ ؛ لِأَنَّهُ خَيْرٌ وَطَاعَةٌ ، فَلَمْ يُكْرَهْ ، كَمَا لَوْ أَخَّرَهُ إلَى آخِرِ اللَّيْلِ .","part":3,"page":395},{"id":1395,"text":"( 1101 ) فَصْلٌ : فِي خَتْمِ الْقُرْآنِ : قَالَ الْفَضْلُ بْنُ زِيَادٍ : سَأَلْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ فَقُلْت : أَخْتِمُ الْقُرْآنَ ، أَجْعَلُهُ فِي الْوِتْرِ أَوْ فِي التَّرَاوِيحِ ؟ قَالَ : اجْعَلْهُ فِي التَّرَاوِيحِ ، حَتَّى يَكُونَ لَنَا دُعَاءً بَيْنَ اثْنَيْنِ .\rقُلْت كَيْفَ أَصْنَعُ .\r؟ قَالَ إذَا فَرَغْتَ مِنْ آخِرِ الْقُرْآنِ فَارْفَعْ يَدَيْكَ قَبْلَ أَنْ تَرْكَعَ ، وَادْعُ بِنَا وَنَحْنُ فِي الصَّلَاةِ ، وَأَطِلْ الْقِيَامَ .\rقُلْت : بِمَ أَدْعُو ؟ قَالَ : بِمَا شِئْت .\rقَالَ : فَفَعَلْت بِمَا أَمَرَنِي ، وَهُوَ خَلْفِي يَدْعُو قَائِمًا ، وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ ، وَقَالَ حَنْبَلٌ : سَمِعْت أَحْمَدَ يَقُولُ فِي خَتْمِ الْقُرْآنِ : إذَا فَرَغْت مِنْ قِرَاءَةِ { قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ } فَارْفَعْ يَدَيْكَ فِي الدُّعَاءِ قَبْلَ الرُّكُوعِ .\rقُلْت : إلَى أَيِّ شَيْءٍ تَذْهَبُ فِي هَذَا ؟ قَالَ : رَأَيْت أَهْلَ مَكَّةَ يَفْعَلُونَهُ ، وَكَانَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ يَفْعَلُهُ مَعَهُمْ بِمَكَّةَ .\rقَالَ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْعَظِيمِ : وَكَذَلِكَ أَدْرَكْنَا النَّاسَ بِالْبَصْرَةِ وَبِمَكَّةَ .\rوَيَرْوِي أَهْلُ الْمَدِينَةِ فِي هَذَا شَيْئًا ، وَذُكِرَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ .","part":3,"page":396},{"id":1396,"text":"( 1102 ) فَصْلٌ : وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي قِيَامِ لَيْلَةِ الشَّكِّ ؛ فَحُكِيَ عَنْ الْقَاضِي أَنَّهُ قَالَ : جَرَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِي وَقْتِ شَيْخِنَا أَبِي عَبْدِ اللَّهِ فَصَلَّى ، وَصَلَّاهَا الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى أَيْضًا ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { إنَّ اللَّهَ فَرَضَ عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ ، وَسَنَنْتُ لَكُمْ قِيَامَهُ } فَجَعَلَ الْقِيَامَ مَعَ الصِّيَامِ .\rوَذَهَبَ أَبُو حَفْصٍ الْعُكْبَرِيُّ إلَى تَرْكِ الْقِيَامِ ، وَقَالَ : الْمُعَوَّلُ فِي الصِّيَامِ عَلَى حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ، وَفِعْلِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ ، وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْهُمْ قِيَامُ تِلْكَ اللَّيْلَةِ .\rوَاخْتَارَهُ التَّمِيمِيُّونَ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ شَعْبَانَ ، وَإِنَّمَا صِرْنَا إلَى الصَّوْمِ احْتِيَاطًا لِلْوَاجِبِ ، وَالصَّلَاةُ غَيْرُ وَاجِبَةٍ ، فَتَبْقَى عَلَى الْأَصْلِ .","part":3,"page":397},{"id":1397,"text":"( 1103 ) فَصْلٌ : قَالَ أَبُو طَالِبٍ : سَأَلْت أَحْمَدَ إذَا قَرَأَ { قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ } يَقْرَأُ مِنْ الْبَقَرَةِ شَيْئًا ؟ قَالَ : لَا فَلَمْ يَسْتَحِبَّ أَنْ يَصِلَ خَتْمَتَهُ بِقِرَاءَةِ شَيْءٍ ، وَلَعَلَّهُ لَمْ يَثْبُتْ فِيهِ عِنْدَهُ أَثَرٌ صَحِيحٌ يَصِيرُ إلَيْهِ .\rقَالَ أَبُو دَاوُد : وَذَكَرْت لِأَحْمَدَ قَوْلَ ابْنِ الْمُبَارَكِ : إذَا كَانَ الشِّتَاءُ فَاخْتِمْ الْقُرْآنَ فِي أَوَّلِ اللَّيْلِ ، وَإِذَا كَانَ الصَّيْفُ فَاخْتِمْهُ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ .\rفَكَأَنَّهُ أَعْجَبَهُ .\rوَذَلِكَ ، لِمَا رُوِيَ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ ، قَالَ : أَدْرَكْتُ أَهْلَ الْخَيْرِ مِنْ صَدْرِ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَسْتَحِبُّونَ الْخَتْمَ فِي أَوَّلِ اللَّيْلِ ، وَفِي أَوَّلِ النَّهَارِ ، يَقُولُونَ : إذَا خَتَمَ فِي أَوَّلِ اللَّيْلِ صَلَّتْ عَلَيْهِ الْمَلَائِكَةُ حَتَّى يُصْبِحَ ، وَإِذَا خَتَمَ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ صَلَّتْ عَلَيْهِ الْمَلَائِكَةُ حَتَّى يُمْسِيَ .\rوَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ : يُسْتَحَبُّ أَنْ يَجْعَلَ خَتْمَةَ النَّهَارِ فِي رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ أَوْ بَعْدَهُمَا ، وَخَتْمَةَ اللَّيْلِ فِي رَكْعَتَيْ الْمَغْرِبِ أَوْ بَعْدَهُمَا ، يَسْتَقْبِلُ بِخَتْمِهِ أَوَّلَ اللَّيْلِ وَأَوَّلَ النَّهَارِ .","part":3,"page":398},{"id":1398,"text":"( 1104 ) فَصْلٌ : : وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَجْمَعَ أَهْلَهُ عِنْدَ خَتْمِ الْقُرْآنِ وَغَيْرَهُمْ ؛ لِحُضُورِ الدُّعَاءِ .\rقَالَ أَحْمَدُ : كَانَ أَنَسٌ إذَا خَتَمَ الْقُرْآنَ جَمَعَ أَهْلَهُ وَوَلَدَهُ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَغَيْرِهِ .\rوَرَوَاهُ ابْنُ شَاهِينَ مَرْفُوعًا إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rوَاسْتَحْسَنَ أَبُو بَكْرٍ التَّكْبِيرَ عِنْدَ آخِرِ كُلِّ سُورَةٍ مِنْ الضُّحَى إلَى آخِرِ الْقُرْآنِ ؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ { أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَمَرَهُ بِذَلِكَ } ، رَوَاهُ الْقَاضِي ، فِي \" الْجَامِعِ \" بِإِسْنَادِهِ .","part":3,"page":399},{"id":1399,"text":"( 1105 ) فَصْلٌ : وَسُئِلَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ الْإِمَامِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ ، يَدَعُ الْآيَاتِ مِنْ السُّورَةِ ، تَرَى لِمَنْ خَلْفَهُ أَنْ يَقْرَأَهَا ؟ قَالَ : نَعَمْ يَنْبَغِي أَنْ يَفْعَلَ ، قَدْ كَانَ بِمَكَّةَ يُوكِلُونَ رَجُلًا يَكْتُبُ مَا تَرَكَ الْإِمَامُ مِنْ الْحُرُوفِ وَغَيْرِهَا ، فَإِذَا كَانَ لَيْلَةُ الْخَتْمَةِ أَعَادَهُ وَإِنَّمَا اُسْتُحِبَّ ذَلِكَ لِتَتِمَّ الْخَتْمَةُ ، وَيَكْمُلَ الثَّوَابُ .","part":3,"page":400},{"id":1400,"text":"( 1106 ) فَصْلٌ : وَلَا بَأْسَ بِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فِي الطَّرِيقِ ، وَالْإِنْسَانُ مُضْطَجِعٌ ، قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ : خَرَجْتُ مَعَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ إلَى الْجَامِعِ فَسَمِعْتُهُ يَقْرَأُ سُورَةَ الْكَهْفِ .\rوَعَنْ إبْرَاهِيمَ التَّمِيمِيِّ قَالَ : كُنْت أَقْرَأُ عَلَى أَبِي مُوسَى وَهُوَ يَمْشِي فِي الطَّرِيقِ ، فَإِذَا قَرَأْت السَّجْدَةَ قُلْت لَهُ : أَتَسْجُدُ فِي الطَّرِيقِ ؟ قَالَ نَعَمْ .\rوَعَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ : إنِّي لَأَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَأَنَا مُضْطَجِعَةٌ عَلَى سَرِيرِي .\rرَوَاهُ الْفِرْيَابِيُّ ، فِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ عَنْ عَائِشَةَ .","part":3,"page":401},{"id":1401,"text":"( 1107 ) فَصْلٌ : يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْرَأَ الْقُرْآنَ فِي كُلِّ سَبْعَةِ أَيَّامٍ ، لِيَكُونَ لَهُ خَتْمَةٌ فِي كُلِّ أُسْبُوعٍ .\rقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ : كَانَ أَبِي يَخْتِمُ الْقُرْآنَ فِي النَّهَارِ فِي كُلِّ سَبْعَةٍ يَقْرَأُ فِي كُلِّ يَوْمٍ سُبُعًا ، لَا يَتْرُكُهُ نَظَرًا .\rوَقَالَ حَنْبَلٌ : كَانَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ يَخْتِمُ مِنْ الْجُمُعَةِ إلَى الْجُمُعَةِ .\rوَذَلِكَ لِمَا رُوِيَ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو : اقْرَأْ الْقُرْآنَ فِي سَبْعٍ ، وَلَا تَزِيدَنَّ عَلَى ذَلِكَ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَعَنْ أَوْسِ بْنِ حُذَيْفَةَ ، قَالَ : { قُلْنَا لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَقَدْ أَبْطَأْتَ عَنَّا اللَّيْلَةَ .\rقَالَ إنَّهُ طَرَأَ عَلَيَّ حِزْبِي مِنْ الْقُرْآنِ ، فَكَرِهْتُ أَنْ أَخْرُجَ حَتَّى أُتِمَّهُ } قَالَ أَوْسٌ سَأَلْتُ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : كَيْفَ تُحَزِّبُونَ الْقُرْآنَ ؛ قَالُوا : ثَلَاثٌ وَخَمْسٌ ، وَسَبْعٌ ، وَتِسْعٌ وَإِحْدَى عَشْرَةَ ، وَثَلَاثَ عَشْرَةَ ، وَحِزْبُ الْمُفَصَّلِ وَحْدَهُ .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَيُكْرَهُ أَنْ يُؤَخِّرَ خَتْمَةَ الْقُرْآنِ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِينَ يَوْمًا { ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَأَلَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو : فِي كَمْ يُخْتَمُ الْقُرْآنُ ؟ قَالَ : فِي أَرْبَعِينَ يَوْمًا ثُمَّ قَالَ : فِي شَهْرٍ .\rثُمَّ قَالَ : فِي عِشْرِينَ ثُمَّ قَالَ : فِي خَمْسَ عَشْرَةَ .\rثُمَّ قَالَ : فِي عَشْرٍ .\rثُمَّ قَالَ : فِي سَبْعٍ } .\rلَمْ يَنْزِلْ مِنْ سَبْعٍ .\rأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد .\rوَقَالَ أَحْمَدُ : أَكْثَرُ مَا سَمِعْتُ أَنْ يُخْتَمَ الْقُرْآنُ فِي أَرْبَعِينَ .\rوَلِأَنَّ تَأْخِيرَهُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ يُفْضِي إلَى نِسْيَانِ الْقُرْآنِ وَالتَّهَاوُنِ بِهِ ، فَكَانَ مَا ذَكَرْنَا أَوْلَى ، وَهَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ عُذْرٌ ، فَأَمَّا مَعَ الْعُذْرِ فَوَاسِعٌ لَهُ .\r( 1108 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَرَأَهُ فِي ثَلَاثٍ فَحَسَنٌ ؛ لِمَا رُوِيَ { عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، قَالَ : قُلْت لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ","part":3,"page":402},{"id":1402,"text":"وَسَلَّمَ إنَّ بِي قُوَّةً قَالَ : اقْرَأْهُ فِي ثَلَاثٍ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد فَإِنْ قَرَأَهُ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ ، فَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ قَالَ : أَكْرَهُ أَنْ يَقْرَأَهُ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ .\rوَذَلِكَ لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : لَا يَفْقَهُ مَنْ قَرَأَهُ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ } ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُقَدَّرٍ وَهُوَ عَلَى حَسَبِ مَا يَجِدُ مِنْ النَّشَاطِ وَالْقُوَّةِ ؛ لِأَنَّ عُثْمَانَ كَانَ يَخْتِمُهُ فِي لَيْلَةٍ ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ السَّلَفِ .\rوَالتَّرْتِيلُ أَفْضَلُ مِنْ قِرَاءَةِ الْكَثِيرِ مَعَ الْعَجَلَةِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : { وَرَتِّلْ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا } .\rوَعَنْ عَائِشَةَ { أَنَّهَا قَالَتْ : وَلَا أَعْلَمُ نَبِيَّ اللَّهِ قَرَأَ الْقُرْآنَ كُلَّهُ فِي لَيْلَةٍ } ، وَعَنْهَا قَالَتْ : { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَخْتِمُ الْقُرْآنَ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ } .\rرَوَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ ، فِي \" فَضَائِلِ الْقُرْآنِ \" وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ : مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ ، فَهَذُّهُ كَهَذِّ الشِّعْرِ ، وَنَثْرٌ كَنَثْرِ الدَّقَلِ .","part":3,"page":403},{"id":1403,"text":"( 1109 ) فَصْلٌ : كَرِهَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْقِرَاءَةَ بِالْأَلْحَانِ ، وَقَالَ : هِيَ بِدْعَةٌ ؛ وَذَلِكَ لِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَنَّهُ ذَكَرَ فِي أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ يُتَّخَذَ الْقُرْآنُ مَزَامِيرَ ، يُقَدِّمُونَ أَحَدَهُمْ لَيْسَ بِأَقْرَئِهِمْ وَلَا أَفْضَلِهِمْ إلَّا لِيُغَنِّيَهُمْ غِنَاءً } وَلِأَنَّ الْقُرْآنَ مُعْجِزٌ فِي لَفْظِهِ وَنَظْمِهِ ، وَالْأَلْحَانُ تُغَيِّرُهُ .\rوَكَلَامُ أَحْمَدَ فِي هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى الْإِفْرَاطِ فِي ذَلِكَ ، بِحَيْثُ يَجْعَلُ الْحَرَكَاتِ حُرُوفًا ، وَيَمُدُّ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ ، فَأَمَّا تَحْسِينُ الْقِرَاءَةِ وَالتَّرْجِيعُ فَغَيْرُ مَكْرُوهٍ ؛ فَإِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْمُغَفَّلِ قَالَ : { سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ يَقْرَأُ سُورَةَ الْفَتْحِ .\rقَالَ : فَقَرَأَ ابْنُ الْمُغَفَّلِ ، فَرَجَّعَ فِي قِرَاءَتِهِ .\rوَفِي لَفْظٍ قَالَ : قَرَأَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامَ الْفَتْحِ فِي مَسِيرٍ لَهُ سُورَةَ الْفَتْحِ عَلَى رَاحِلَتِهِ ، فَرَجَّعَ فِي قِرَاءَتِهِ } قَالَ مُعَاوِيَةُ بْنُ قُرَّةَ : لَوْلَا أَنِّي أَخَافُ أَنْ تَجْتَمِعَ عَلَيَّ النَّاسُ لَحَكَيْتُ لَكُمْ قِرَاءَتَهُ .\r.\rرَوَاهُمَا مُسْلِمٌ .\rوَفِي بَعْضِ الْأَلْفَاظِ فَقَالَ : \" أ أ أ \" .\rوَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { مَا أَذِنَ اللَّهُ لِشَيْءٍ كَإِذْنِهِ لِنَبِيٍّ حَسَنِ الصَّوْتِ يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ } ، يَجْهَرُ بِهِ .\rيَعْنِي لِيُسْتَمَعَ .\rوَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { زَيِّنُوا الْقُرْآنَ بِأَصْوَاتِكُمْ } وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ } وَقَدْ اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ : \" يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ \" فَقَالَ : ابْنُ عُيَيْنَةَ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ ، وَجَمَاعَةٌ ، وَغَيْرُهُمَا : مَعْنَاهُ يَسْتَغْنِي بِالْقُرْآنِ .\rقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : وَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى أَنَّ مَنْ لَمْ يُغَنِّ بِالْقُرْآنِ لَيْسَ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ","part":3,"page":404},{"id":1404,"text":"عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ : مَعْنَاهُ يُحْسِنُ قِرَاءَتَهُ ، وَيَتَرَنَّمُ بِهِ ، وَيَرْفَعُ صَوْتَهُ بِهِ .\rكَمَا قَالَ أَبُو مُوسَى لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَوْ عَلِمْتُ أَنَّكَ تَسْمَعُ قِرَاءَتِي لَحَبَّرْتُهُ لَكَ تَحْبِيرًا .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يَرْفَعُ صَوْتَهُ بِهِ .\rوَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ : حُزْنُهُ فَيَقْرَؤُهُ بِحُزْنٍ مِثْلُ صَوْتِ أَبِي مُوسَى .\rوَعَلَى كُلِّ حَالٍ ، فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ تَحْسِينَ الصَّوْتِ بِالْقُرْآنِ ، وَتَطْرِيبَهُ ، مُسْتَحَبٌّ غَيْرُ مَكْرُوهٍ ، مَا لَمْ يَخْرُجْ ذَلِكَ إلَى تَغْيِيرِ لَفْظِهِ ، وَزِيَادَةِ حُرُوفِهِ ، فَقَدْ رُوِيَ { عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَسْتَمِعُ قِرَاءَةَ رَجُلٍ فِي الْمَسْجِدِ لَمْ أَسْمَعْ قِرَاءَةً أَحْسَنَ مِنْ قِرَاءَتِهِ .\rفَقَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاسْتَمَعَ قِرَاءَتَهُ ، ثُمَّ قَالَ هَذَا سَالِمٌ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ ، الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ فِي أُمَّتِي مِثْلَ هَذَا } .\r{ وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَبِي مُوسَى : إنِّي مَرَرْتُ بِكَ الْبَارِحَةَ وَأَنْتَ تَقْرَأُ ، فَقَدْ أُوتِيتَ مِزْمَارًا مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُد فَقَالَ أَبُو مُوسَى : لَوْ أَعْلَمُ أَنَّكَ تَسْتَمِعُ لَحَبَّرْتُهُ لَكَ تَحْبِيرًا } .\rمَعَ مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْأَخْبَارِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":3,"page":405},{"id":1405,"text":"بَابُ الْإِمَامَةِ وَصَلَاةِ الْجَمَاعَةِ الْجَمَاعَةُ وَاجِبَةٌ لِلصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ ، رُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَأَبِي مُوسَى .\rوَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ .\rوَلَمْ يُوجِبْهَا مَالِكٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { تَفْضُلُ صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ عَلَى صَلَاةِ الْفَذِّ بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُنْكِرْ عَلَى اللَّذَيْنِ قَالَا : صَلَّيْنَا فِي رِحَالِنَا .\rوَلَوْ كَانَتْ وَاجِبَةً لَأَنْكَرَ عَلَيْهِمَا ، وَلِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ وَاجِبَةً فِي الصَّلَاةِ لَكَانَتْ شَرْطًا لَهَا كَالْجُمُعَةِ .\rوَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمْ الصَّلَاةَ } .\rالْآيَةَ ، وَلَوْ لَمْ تَكُنْ وَاجِبَةً لَرَخَّصَ فِيهَا حَالَةَ الْخَوْفِ ، وَلَمْ يُجِزْ الْإِخْلَالَ بِوَاجِبَاتِ الصَّلَاةِ مِنْ أَجْلِهَا ، وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِحَطَبِ لِيُحْتَطَبَ ، ثُمَّ آمُرَ بِالصَّلَاةِ فَيُؤَذَّنَ لَهَا ؛ ثُمَّ آمُرَ رَجُلًا فَيَؤُمَّ النَّاسَ ، ثُمَّ أُخَالِفَ إلَى رِجَالٍ لَا يَشْهَدُونَ الصَّلَاةَ فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَفِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ الْجَمَاعَةَ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَرَادَ الْجُمُعَةَ لَمَا هَمَّ بِالتَّخَلُّفِ عَنْهَا .\rوَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ { : أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ أَعْمَى ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، لَيْسَ لِي قَائِدٌ يَقُودُنِي إلَى الْمَسْجِدِ فَسَأَلَهُ أَنْ يُرَخِّصَ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ فِي بَيْتِهِ ، فَرَخَّصَ لَهُ ، فَلَمَّا وَلَّى دَعَاهُ ، فَقَالَ : تَسْمَعُ النِّدَاءَ بِالصَّلَاةِ ؟ قَالَ : نَعَمْ .\rقَالَ : فَأَجِبْ } .\rرَوَاهُ مُسْلِمٌ .\rوَإِذَا لَمْ يُرَخَّصْ لِلْأَعْمَى الَّذِي لَمْ يَجِدْ قَائِدًا لَهُ ، فَغَيْرُهُ أَوْلَى .\rوَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى","part":3,"page":406},{"id":1406,"text":"عَنْهُمَا قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { : مَنْ سَمِعَ الْمُنَادِيَ فَلَمْ يَمْنَعْهُ مِنْ اتِّبَاعِهِ عُذْرٌ قَالُوا : وَمَا الْعُذْرُ ؟ قَالَ : خَوْفٌ ، أَوْ مَرَضٌ ، لَمْ تُقْبَلْ مِنْهُ الصَّلَاةُ الَّتِي صَلَّى } .\rأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد .\rوَرَوَى أَبُو الدَّرْدَاءِ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { مَا مِنْ ثَلَاثَةٍ فِي قَرْيَةٍ ، أَوْ بَلَدٍ ، لَا تُقَامُ فِيهِمْ الصَّلَاةُ إلَّا اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمْ الشَّيْطَانُ ، فَعَلَيْكَ بِالْجَمَاعَةِ ، فَإِنَّ الذِّئْبَ يَأْكُلُ الْقَاصِيَةَ } .\rأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد .\rوَحَدِيثُهُمْ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْجَمَاعَةَ غَيْرُ مُشْتَرَطَةٍ ، وَلَا نِزَاعَ بَيْنَنَا فِيهِ ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ الْوُجُوبِ الِاشْتِرَاطُ ، كَوَاجِبَاتِ الْحَجِّ ، وَالْإِحْدَادِ فِي الْعِدَّةِ .\r( 1110 ) فَصْلٌ : وَلَيْسَتْ الْجَمَاعَةُ شَرْطًا لِصِحَّةِ الصَّلَاةِ نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .\rوَخَرَّجَ ابْنُ عَقِيلٍ وَجْهًا فِي اشْتِرَاطِهَا ، قِيَاسًا عَلَى سَائِرِ وَاجِبَاتِ الصَّلَاةِ .\rوَهَذَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ ؛ بِدَلِيلِ الْحَدِيثَيْنِ اللَّذَيْنِ احْتَجُّوا بِهِمَا وَالْإِجْمَاعِ ، فَإِنَّنَا لَا نَعْلَمُ قَائِلًا بِوُجُوبِ الْإِعَادَةِ عَلَى مَنْ صَلَّى وَحْدَهُ ، إلَّا أَنَّهُ رُوِيَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ ، مِنْهُمْ ابْنُ مَسْعُودٍ ، وَأَبُو مُوسَى ، أَنَّهُمْ قَالُوا : مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ وَتَخَلَّفَ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ ، فَلَا صَلَاةَ لَهُ .","part":3,"page":407},{"id":1407,"text":"( 1111 ) فَصْلٌ : وَتَنْعَقِدُ الْجَمَاعَةُ بِاثْنَيْنِ فَصَاعِدًا .\rلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا .\rوَقَدْ رَوَى أَبُو مُوسَى أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { الِاثْنَانِ فَمَا فَوْقَهُمَا جَمَاعَةٌ } .\rرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ .\r{ وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ وَصَاحِبِهِ : إذَا حَضَرَتْ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ أَحَدُكُمَا ، وَلْيَؤُمَّكُمَا أَكْبَرُكُمَا } .\rوَأَمَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حُذَيْفَةَ مَرَّةً ، وَابْنَ مَسْعُودٍ مَرَّةً ، وَابْنَ عَبَّاسٍ مَرَّةً .\rوَلَوْ أَمَّ الرَّجُلُ عَبْدَهُ أَوْ زَوْجَتَهُ أَدْرَكَ فَضِيلَةَ الْجَمَاعَةِ ، وَإِنْ أَمَّ صَبِيًّا جَازَ فِي التَّطَوُّعِ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَّ فِيهِ ابْنَ عَبَّاسٍ وَهُوَ صَبِيٌّ .\rوَإِنْ أَمَّهُ فِي الْفَرْضِ ، فَقَالَ أَحْمَدُ : لَا تَنْعَقِدُ بِهِ الْجَمَاعَةُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ إمَامًا ؛ لِنَقْصِ حَالِهِ ، فَأَشْبَهَ مَنْ لَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ .\rوَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ الْآمِدِيُّ : فِيهِ رِوَايَةٌ أُخْرَى ، أَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ إمَامًا ؛ لِأَنَّهُ مُتَنَفِّلٌ ، فَجَازَ أَنْ يَكُونَ مَأْمُومًا بِالْمُفْتَرِضِ ، كَالْبَالِغِ ، وَلِذَلِكَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الرَّجُلِ الَّذِي فَاتَتْهُ الْجَمَاعَةُ : { مَنْ يَتَصَدَّقُ عَلَى هَذَا ، فَيُصَلِّيَ مَعَهُ } .","part":3,"page":408},{"id":1408,"text":"( 1112 ) فَصْلٌ : وَيَجُوزُ فِعْلُهَا فِي الْبَيْتِ وَالصَّحْرَاءِ ، وَقِيلَ : فِيهِ رِوَايَةٌ أُخْرَى : أَنَّ حُضُورَ الْمَسْجِدِ وَاجِبٌ إذَا كَانَ قَرِيبًا مِنْهُ ؛ لِأَنَّهُ يُرْوَى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { لَا صَلَاةَ لِجَارِ الْمَسْجِدِ إلَّا فِي الْمَسْجِدِ } .\rوَلَنَا قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { : أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي : جُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ طَيِّبَةً وَطَهُورًا وَمَسْجِدًا ، فَأَيُّمَا رَجُلٍ أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ صَلَّى حَيْثُ كَانَ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَقَالَتْ عَائِشَةُ : { صَلَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَيْتِهِ ، وَهُوَ شَاكٍ فَصَلَّى جَالِسًا ، وَصَلَّى وَرَاءَهُ قَوْمٌ قِيَامًا ، فَأَشَارَ إلَيْهِمْ أَنْ اجْلِسُوا } .\rرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ، وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِرَجُلَيْنِ { : إذَا صَلَّيْتُمَا فِي رِحَالِكُمَا ، ثُمَّ أَدْرَكْتُمَا الْجَمَاعَةَ فَصَلِّيَا مَعَهُمْ ، تَكُنْ لَكُمَا نَافِلَةً } .\rوَقَوْلُهُ : \" لَا صَلَاةَ لِجَارِ الْمَسْجِدِ إلَّا فِي الْمَسْجِدِ \" لَا نَعْرِفُهُ إلَّا مِنْ قَوْلِ عَلِيٍّ نَفْسِهِ ، كَذَلِكَ رَوَاهُ سَعِيدٌ فِي \" سُنَنِهِ \" ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ إنَّمَا أَرَادَ الْجَمَاعَةَ ؛ وَعَبَّرَ بِالْمَسْجِدِ عَنْ الْجَمَاعَةِ لِأَنَّهُ مَحَلُّهَا ، وَمَعْنَاهُ لَا صَلَاةَ لِجَارِ الْمَسْجِدِ إلَّا مَعَ الْجَمَاعَةِ .\rوَقِيلَ : أَرَادَ بِهِ الْكَمَالَ وَالْفَضِيلَةَ ، فَإِنَّ الْأَخْبَارَ الصَّحِيحَةَ دَالَّةٌ عَلَى أَنَّ الصَّلَاةَ فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ صَحِيحَةٌ جَائِزَةٌ","part":3,"page":409},{"id":1409,"text":"( 1113 ) فَصْلٌ : وَفِعْلُ الصَّلَاةِ فِيمَا كَثُرَ فِيهِ الْجَمْعُ مِنْ الْمَسَاجِدِ أَفْضَلُ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : صَلَاةُ الرَّجُلِ مَعَ الرَّجُلِ أَزْكَى مِنْ صَلَاتِهِ وَحْدَهُ ، وَصَلَاتُهُ مَعَ الرَّجُلَيْنِ أَزْكَى مِنْ صَلَاتِهِ مَعَ الرَّجُلِ ؛ وَمَا كَانَ أَكْثَرَ ، فَهُوَ أَحَبُّ إلَى اللَّهِ تَعَالَى } .\rرَوَاهُ أَحْمَدُ فِي \" الْمُسْنَدِ \" ، فَإِنْ تَسَاوَيَا فِي الْجَمَاعَةِ فَفِعْلُهَا فِي الْمَسْجِدِ الْعَتِيقِ أَفْضَلُ ؛ لِأَنَّ الْعِبَادَةَ فِيهِ أَكْثَرُ .\rوَإِنْ كَانَ فِي جِوَارِهِ أَوْ غَيْرِ جِوَارِهِ مَسْجِدٌ لَا تَنْعَقِدُ الْجَمَاعَةُ فِيهِ إلَّا بِحُضُورِهِ فَفِعْلُهَا فِيهِ أَوْلَى ؛ لِأَنَّهُ يَعْمُرُهُ بِإِقَامَةِ الْجَمَاعَةِ فِيهِ ، وَيُحَصِّلُهَا لِمَنْ يُصَلِّي فِيهِ .\rوَإِنْ كَانَتْ تُقَامُ فِيهِ ، وَكَانَ فِي قَصْدِهِ غَيْرَهُ كَسْرُ قَلْبِ إمَامِهِ أَوْ جَمَاعَتِهِ ، فَجَبْرُ قُلُوبِهِمْ أَوْلَى .\rوَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَهَلْ الْأَفْضَلُ قَصْدُ الْأَبْعَدِ أَوْ الْأَقْرَبِ ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ : إحْدَاهُمَا قَصْدُ الْأَبْعَدِ ؛ لِتَكْثُرَ خُطَاهُ فِي طَلَبِ الثَّوَابِ فَتَكْثُرَ حَسَنَاتُهُ .\rوَالثَّانِيَةُ الْأَقْرَبُ لِأَنَّ لَهُ جِوَارًا ، فَكَانَ أَحَقَّ بِصَلَاتِهِ كَمَا أَنَّ الْجَارَ أَحَقُّ بِهَدِيَّةِ جَارِهِ وَمَعْرُوفِهِ مِنْ الْبَعِيدِ .\rوَإِنْ كَانَ الْبَلَدُ ثَغْرًا ، فَالْأَفْضَلُ اجْتِمَاعُ النَّاسِ فِي مَسْجِدٍ وَاحِدٍ لِيَكُونَ أَعْلَى لِلْكَلِمَةِ ، وَأَوْقَعَ لِلْهَيْبَةِ ، وَإِذَا جَاءَهُمْ خَبَرٌ عَنْ عَدُوِّهِمْ سَمِعَهُ جَمِيعُهُمْ ، وَإِنْ أَرَادُوا التَّشَاوُرَ فِي أَمْرٍ حَضَرَ جَمِيعُهُمْ ، وَإِنْ جَاءَ عَيْنُ الْكُفَّارِ رَآهُمْ فَأَخْبَرَ بِكَثْرَتِهِمْ .\rقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : لَوْ كَانَ الْأَمْرُ إلَيَّ لَسَمَّرْت أَبْوَابَ الْمَسَاجِدِ الَّتِي فِي الثُّغُورِ أَوْ نَحْوِ هَذَا لِيَجْتَمِعَ النَّاسُ فِي مَسْجِدٍ وَاحِدٍ .","part":3,"page":410},{"id":1410,"text":"( 1114 ) فَصْلٌ : وَلَا يُكْرَهُ إعَادَةُ الْجَمَاعَةِ فِي الْمَسْجِدِ ، وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ إذَا صَلَّى إمَامُ الْحَيِّ ، وَحَضَرَ جَمَاعَةٌ أُخْرَى ، اُسْتُحِبَّ لَهُمْ أَنْ يُصَلُّوا جَمَاعَةً ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَعَطَاءٍ ، وَالْحَسَنِ ، وَالنَّخَعِيِّ ، وَقَتَادَةَ ، وَإِسْحَاقَ .\rوَقَالَ سَالِمٌ ، وَأَبُو قِلَابَةَ ، وَأَيُّوبُ ، وَابْنُ عَوْنٍ ، وَاللَّيْثُ ، وَالْبَتِّيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ : لَا تُعَادُ الْجَمَاعَةُ فِي مَسْجِدٍ لَهُ إمَامٌ رَاتِبٌ ، فِي غَيْرِ مَمَرِّ النَّاسِ .\rفَمَنْ فَاتَتْهُ الْجَمَاعَةُ ، صَلَّى مُنْفَرِدًا ؛ لِئَلَّا يُفْضِيَ إلَى اخْتِلَافِ الْقُلُوبِ وَالْعَدَاوَةِ وَالتَّهَاوُنِ فِي الصَّلَاةِ مَعَ الْإِمَامِ ، وَلِأَنَّهُ مَسْجِدٌ لَهُ إمَامٌ رَاتِبٌ ، فَكُرِهَ فِيهِ إعَادَةُ الْجَمَاعَةِ ، كَمَسْجِدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rوَلَنَا عُمُومُ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { : صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ تَفْضُلُ عَلَى صَلَاةِ الْفَذِّ بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً .\rوَفِي رِوَايَةٍ : بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً } .\rوَرَوَى أَبُو سَعِيدٍ قَالَ : { جَاءَ رَجُلٌ ، وَقَدْ صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : أَيُّكُمْ يَتَّجِرُ عَلَى هَذَا ؟ فَقَامَ رَجُلٌ ، فَصَلَّى مَعَهُ } قَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ .\rوَرَوَاهُ الْأَثْرَمُ ، وَأَبُو دَاوُد ، فَقَالَ : \" أَلَا رَجُلٌ يَتَصَدَّقُ عَلَى هَذَا فَيُصَلِّيَ مَعَهُ \" .\rوَرَوَى الْأَثْرَمُ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَهُ ، وَزَادَ : قَالَ فَلَمَّا صَلَّيَا ، قَالَ : \" وَهَذَانِ جَمَاعَةٌ \" .\rوَلِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى الْجَمَاعَةِ ، فَاسْتُحِبَّ لَهُ فِعْلُهَا ، كَمَا لَوْ كَانَ الْمَسْجِدُ فِي مَمَرِّ النَّاسِ .\r( 1115 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا إعَادَةُ الْجَمَاعَةِ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ، وَمَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى ، فَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ كَرَاهَةُ إعَادَةِ الْجَمَاعَةِ فِيهَا .\rوَذَكَرَهُ أَصْحَابُنَا ،","part":3,"page":411},{"id":1411,"text":"لِئَلَّا يَتَوَانَى النَّاسُ فِي حُضُورِ الْجَمَاعَةِ مَعَ الْإِمَامِ الرَّاتِبِ فِيهَا إذَا أَمْكَنَتْهُمْ الصَّلَاةُ فِي الْجَمَاعَةِ مَعَ غَيْرِهِ .\rوَظَاهِرُ خَبَرِ أَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي أُمَامَةَ ، أَنَّ ذَلِكَ لَا يُكْرَهُ ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ هَذَا كَانَ فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمَعْنَى يَقْتَضِيهِ أَيْضًا ، فَإِنَّ فَضِيلَةَ الْجَمَاعَةِ تَحْصُلُ فِيهَا ، كَحُصُولِهَا فِي غَيْرِهَا .","part":3,"page":412},{"id":1412,"text":"( 1116 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : ( وَيَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى ) لَا خِلَافَ فِي التَّقْدِيمِ بِالْقِرَاءَةِ وَالْفِقْهِ عَلَى غَيْرِهِمَا .\rوَاخْتُلِفَ فِي أَيِّهِمَا يُقَدَّمُ عَلَى صَاحِبِهِ ؟ فَمَذْهَبُ أَحْمَدَ ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، تَقْدِيمُ الْقَارِئِ .\rوَبِهَذَا قَالَ ابْنُ سِيرِينَ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَقَالَ عَطَاءٌ ، وَمَالِكٌ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ : يَؤُمُّهُمْ أَفْقَهُهُمْ إذَا كَانَ يَقْرَأُ مَا يَكْفِي فِي الصَّلَاةِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَنُوبُهُ فِي الصَّلَاةِ مَا لَا يَدْرِي مَا يَفْعَلُ فِيهِ إلَّا بِالْفِقْهِ ، فَيَكُونُ أَوْلَى ، كَالْإِمَامَةِ الْكُبْرَى وَالْحُكْمِ .\rوَلَنَا مَا رَوَى أَوْسُ بْنُ ضَمْرَةَ ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ ، فَإِنْ كَانُوا فِي الْقِرَاءَةِ سَوَاءً فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ ، فَإِنْ كَانُوا فِي السُّنَّةِ سَوَاءً فَأَقْدَمُهُمْ هِجْرَةً ، فَإِنْ كَانُوا فِي الْهِجْرَةِ سَوَاءً فَأَقْدَمُهُمْ سِنًّا .\r} أَوْ قَالَ : \" سِلْمًا \" .\rوَرَوَى أَبُو سَعِيدٍ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { إذَا اجْتَمَعَ ثَلَاثَةٌ فَلْيَؤُمَّهُمْ أَحَدُهُمْ ، وَأَحَقُّهُمْ بِالْإِمَامَةِ أَقْرَؤُهُمْ .\r} رَوَاهُمَا مُسْلِمٌ .\rوَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ : لَمَّا قَدِمَ الْمُهَاجِرُونَ الْأَوَّلُونَ الْعُصْبَةَ ، مَوْضِعٌ بِقُبَاءَ ، كَانَ يَؤُمُّهُمْ سَالِمٌ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ ، وَكَانَ أَكْثَرَهُمْ قُرْآنًا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ، وَأَبُو دَاوُد .\rوَكَانَ فِيهِمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ، وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الْأَسَدِ .\rوَفِي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ سَلَمَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { : لِيَؤُمَّكُمْ أَكْثَرُكُمْ قُرْآنًا } .\rوَلِأَنَّ الْقِرَاءَةَ رُكْنٌ فِي الصَّلَاةِ فَكَانَ الْقَادِرُ عَلَيْهَا أَوْلَى ، كَالْقَادِرِ عَلَى الْقِيَامِ مَعَ الْعَاجِزِ عَنْهُ .\rفَإِنْ قِيلَ : إنَّمَا أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِتَقْدِيمِ الْقَارِئِ لِأَنَّ","part":3,"page":413},{"id":1413,"text":"أَصْحَابَهُ كَانَ أَقْرَؤُهُمْ أَفْقَهَهُمْ ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا إذَا تَعَلَّمُوا الْقُرْآنَ تَعَلَّمُوا مَعَهُ أَحْكَامَهُ ، قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ كُنَّا لَا نُجَاوِزُ عَشْرَ آيَاتٍ حَتَّى نَعْرِفَ أَمْرَهَا ، وَنَهْيَهَا ، وَأَحْكَامَهَا .\rقُلْنَا : اللَّفْظُ عَامُّ فَيَجِبُ الْأَخْذُ بِعُمُومِهِ دُونَ خُصُوصِ السَّبَبِ ، وَلَا يُخَصُّ مَا لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلَى تَخْصِيصِهِ ، عَلَى أَنَّ فِي الْحَدِيثِ مَا يُبْطِلُ هَذَا التَّأْوِيلَ ، فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { فَإِنْ اسْتَوَوْا فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ } .\rفَفَاضَلَ بَيْنَهُمْ فِي الْعِلْمِ بِالسُّنَّةِ مَعَ تَسَاوِيهِمْ فِي الْقِرَاءَةِ ، وَلَوْ قَدَّمَ الْقَارِئَ لِزِيَادَةِ عِلْمٍ لَمَا نَقَلَهُمْ عِنْدَ التَّسَاوِي فِيهِ إلَى الْأَعْلَمِ بِالسُّنَّةِ ، وَلَوْ كَانَ الْعِلْمُ بِالْفِقْهِ عَلَى قَدْرِ الْقِرَاءَةِ لَلَزِمَ مِنْ التَّسَاوِي فِي الْقِرَاءَةِ التَّسَاوِي فِيهِ ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { أَقْرَؤُكُمْ أُبَيٌّ ، وَأَقْضَاكُمْ عَلِيٌّ ، وَأَعْلَمُكُمْ بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ ، وَأَفْرَضُكُمْ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ } .\rفَقَدْ فَضَّلَ بِالْفِقْهِ مَنْ هُوَ مَفْضُولٌ بِالْقِرَاءَةِ ، وَفَضَّلَ بِالْقِرَاءَةِ مَنْ هُوَ مَفْضُولٌ بِالْقَضَاءِ وَالْفَرَائِضِ وَعِلْمِ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ .\rقِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ : حَدِيثُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : \" مُرُوا أَبَا بَكْرٍ يُصَلِّي بِالنَّاسِ \" أَهُوَ خِلَافُ حَدِيثِ أَبِي مَسْعُودٍ ؟ قَالَ : لَا ، إنَّمَا قَوْلُهُ لِأَبِي بَكْرٍ - عِنْدِي - \" يُصَلِّي بِالنَّاسِ \" لِلْخِلَافَةِ ، يَعْنِي أَنَّ الْخَلِيفَةَ أَحَقُّ بِالْإِمَامَةِ ، وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ أَقْرَأَ مِنْهُ ، فَأَمْرُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبَا بَكْرٍ بِالصَّلَاةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ اسْتِخْلَافَهُ .\r( 1117 ) فَصْلٌ : وَيُرَجَّحُ أَحَدُ الْقَارِئَيْنِ عَلَى الْآخَرِ بِكَثْرَةِ الْقُرْآنِ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { : لِيَؤُمَّكُمْ أَكْثَرُكُمْ قُرْآنًا .\r} وَإِنْ تَسَاوَيَا فِي قَدْرِ مَا يَحْفَظُ كُلُّ","part":3,"page":414},{"id":1414,"text":"وَاحِدٍ مِنْهُمَا ، وَكَانَ أَحَدُهُمَا أَجْوَدَ قِرَاءَةً وَإِعْرَابًا فَهُوَ أَوْلَى ؛ لِأَنَّهُ أَقْرَأُ ، فَيَدْخُلُ فِي عُمُومِ قَوْلِهِ : { يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ } .\rوَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا أَكْثَرَ حِفْظًا ، وَالْآخَرُ أَقَلَّ لَحْنًا وَأَجْوَدَ قِرَاءَةً ، فَهُوَ أَوْلَى ؛ لِأَنَّهُ أَعْظَمُ أَجْرًا فِي قِرَاءَتِهِ ؛ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ فَأَعْرَبَهُ فَلَهُ بِكُلِّ حَرْفٍ عَشْرُ حَسَنَاتٍ ، وَمَنْ قَرَأَهُ وَلَحَنَ فِيهِ فَلَهُ بِكُلِّ حَرْفٍ حَسَنَةٌ .\r} رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَقَالَ : حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ .\r( 1118 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : ( فَإِنْ اسْتَوَوْا فَأَفْقَهُهُمْ ) وَذَلِكَ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { فَإِنْ كَانُوا فِي الْقِرَاءَةِ سَوَاءٌ فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ ، } وَلِأَنَّ الْفِقْهَ يُحْتَاجُ إلَيْهِ فِي الصَّلَاةِ لِلْإِتْيَانِ بِوَاجِبَاتِهَا وَسُنَنِهَا ، وَجَبْرِهَا إنْ عَرَضَ مَا يُحْوِجُ إلَيْهِ فِيهَا ، فَإِنْ اجْتَمَعَ فَقِيهَانِ قَارِئَانِ ، وَأَحَدُهُمَا أَقْرَأُ ، وَالْآخَرُ أَفْقَهُ ، قُدِّمَ الْأَقْرَأُ .\rنَصَّ عَلَيْهِ لِلْخَبَرِ .\rوَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ : الْأَفْقَهُ أَوْلَى ؛ لِتَمَيُّزِهِ بِمَا لَا يُسْتَغْنَى عَنْهُ فِي الصَّلَاةِ .\rوَهَذَا يُخَالِفُ عُمُومَ الْخَبَرِ ، فَلَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ .\rوَإِنْ اجْتَمَعَ فَقِيهَانِ ، أَحَدُهُمَا أَعْلَمُ بِأَحْكَامِ الصَّلَاةِ ، وَالْآخَرُ أَعْرَفُ بِمَا سِوَاهَا ، فَالْأَعْلَمُ بِأَحْكَامِ الصَّلَاةِ أَوْلَى ، لِأَنَّ عِلْمَهُ يُؤَثِّرُ فِي تَكْمِيلِ الصَّلَاةِ بِخِلَافِ الْآخَرِ .\r( 1119 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( فَإِنْ اسْتَوَوْا فَأَسَنُّهُمْ ) .\rيَعْنِي : أَكْبَرُهُمْ سِنًّا ، يُقَدَّمُ عِنْدَ اسْتِوَائِهِمْ فِي الْقِرَاءَةِ وَالْفِقْهِ .\rوَظَاهِرُ قَوْلِ أَحْمَدَ ، أَنَّهُ يُقَدَّمُ أَقْدَمُهُمَا هِجْرَةً ، ثُمَّ أَسَنُّهُمَا ؛ لِأَنَّهُ ذَهَبَ إلَى حَدِيثِ أَبِي مَسْعُودٍ ، وَهُوَ مُرَتَّبٌ هَكَذَا .\rقَالَ الْخَطَّابِيُّ : وَعَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ تُوجَدُ أَكْثَرُ أَقَاوِيلِ الْعُلَمَاءِ .\rوَمَعْنَى تُقَدَّمُ الْهِجْرَةُ أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا أَسْبَقَ هِجْرَةً مِنْ","part":3,"page":415},{"id":1415,"text":"دَارِ الْحَرْبِ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ ، لِأَنَّ الْهِجْرَةَ قُرْبَةٌ وَطَاعَةٌ فَيُقَدَّمُ السَّابِقُ إلَيْهَا لِسَبْقِهِ إلَى الطَّاعَةِ .\rفَإِذَا اسْتَوَيَا فِيهَا ، إمَّا لِهِجْرَتِهِمَا مَعًا ، أَوْ عَدَمِهَا مِنْهُمَا ، فَأَسَنُّهُمْ ؛ { لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ وَصَاحِبِهِ : لِيَؤُمَّكُمَا أَكْبَرُكُمَا } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَلِأَنَّ الْأَسَنَّ أَحَقُّ بِالتَّوْقِيرِ وَالتَّقْدِيمِ .\rوَكَذَلِكَ { قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَهْلٍ ، لَمَّا تَكَلَّمَ فِي أَخِيهِ : كَبِّرْ كَبِّرْ } .\rأَيْ دَعْ الْأَكْبَرَ يَتَكَلَّمُ .\rوَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ حَامِدٍ أَحَقُّهُمْ بَعْدَ الْقِرَاءَةِ وَالْفِقْهِ أَشْرَفُهُمْ ، ثُمَّ أَقْدَمُهُمْ هِجْرَةً ، ثُمَّ أَسَنُّهُمْ .\rوَالصَّحِيحُ ، الْأَخْذُ بِمَا دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيثُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي تَقْدِيمِ السَّابِقِ بِالْهِجْرَةِ ، ثُمَّ الْأَسَنِّ ؛ لِتَصْرِيحِهِ بِالدَّلَالَةِ ، وَلَا دَلَالَةَ فِي حَدِيثِ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ عَلَى تَقْدِيمِ الْأَسَنِّ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ فِي حَقِّهِمَا هِجْرَةٌ وَلَا تَفَاضُلُهُمَا فِي شَرَفٍ ، وَيُرَجَّحُ بِتَقْدِيمِ الْإِسْلَامِ كَالتَّرْجِيحِ بِتَقْدِيمِ الْهِجْرَةِ ، فَإِنَّ فِي بَعْضِ أَلْفَاظِ حَدِيثِ أَبِي مَسْعُودٍ : { فَإِنْ كَانُوا فِي الْهِجْرَةِ سَوَاءً فَأَقْدَمُهُمْ سِلْمًا } وَلِأَنَّ الْإِسْلَامَ أَشْرَفُ مِنْ الْهِجْرَةِ ، فَإِذَا قُدِّمَ بِتَقَدُّمِهَا فَتَقَدُّمُهُ أَوْلَى .\rفَإِذَا اسْتَوَوْا فِي هَذَا كُلِّهِ قُدِّمَ أَشْرَفُهُمْ ، أَيْ أَعْلَاهُمْ نَسَبًا ، وَأَفْضَلُهُمْ فِي نَفْسِهِ ، وَأَعْلَاهُمْ قَدْرًا ؛ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { قَدِّمُوا قُرَيْشًا وَلَا تَقَدَّمُوهَا } .\r( 1120 ) فَصْلٌ : فَإِنْ اسْتَوَوْا فِي هَذِهِ الْخِصَالِ ، قُدِّمَ أَتْقَاهُمْ وَأَوْرَعُهُمْ ؛ لِأَنَّهُ أَشْرَفُ فِي الدِّينِ ، وَأَفْضَلُ وَأَقْرَبُ إلَى الْإِجَابَةِ ، وَقَدْ جَاءَ : \" إذَا أَمَّ الرَّجُلُ الْقَوْمَ وَفِيهِمْ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ لَمْ يَزَالُوا فِي سَفَالٍ \" .\rذَكَرَهُ","part":3,"page":416},{"id":1416,"text":"الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي \" رِسَالَتِهِ \" ، وَيُحْمَلُ تَقْدِيمُ هَذَا عَلَى الْأَشْرَفِ ، لِأَنَّ شَرَفَ الدِّينِ خَيْرٌ مِنْ شَرَفِ الدُّنْيَا ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { إنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ } .\rفَإِذَا اسْتَوَوْا فِي هَذَا كُلِّهِ أُقْرِعَ بَيْنَهُمْ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، رَحِمَهُ اللَّهُ .\rوَذَلِكَ لِأَنَّ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ أَقْرَعَ بَيْنَهُمْ فِي الْأَذَانِ ، فَالْإِمَامَةُ أَوْلَى ، وَلِأَنَّهُمْ تَسَاوَوْا فِي الِاسْتِحْقَاقِ ، وَتَعَذَّرَ الْجَمْعُ ، فَأَقْرَعَ بَيْنَهُمْ كَسَائِرِ الْحُقُوقِ .\rوَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا يَقُومُ بِعِمَارَةِ الْمَسْجِدِ وَتَعَاهُدِهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ ، وَكَذَلِكَ إنْ رَضِيَ الْجِيرَانُ أَحَدُهُمَا دُونَ الْآخَرِ ، قُدِّمَ بِذَلِكَ .\rوَلَا يُقَدَّمُ بِحُسْنِ الْوَجْهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا مَدْخَلَ لَهُ فِي الْإِمَامَةِ ، وَلَا أَثَرَ لَهُ فِيهَا ، وَهَذَا كُلُّهُ تَقْدِيمُ اسْتِحْبَابٍ ، لَا تَقْدِيمُ اشْتِرَاطٍ ، وَلَا إيجَابٍ ، لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا ، فَلَوْ قُدِّمَ الْمَفْضُولُ كَانَ ذَلِكَ جَائِزًا ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ بِهَذَا أَمْرُ أَدَبٍ وَاسْتِحْبَابٍ .","part":3,"page":417},{"id":1417,"text":"( 1121 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَمَنْ صَلَّى خَلْفَ مَنْ يُعْلِنُ بِبِدْعَةٍ ، أَوْ يَسْكَرُ ، أَعَادَ ) .\rالْإِعْلَانُ الْإِظْهَارُ ، وَهُوَ ضِدُّ الْإِسْرَارِ .\rفَظَاهِرُ هَذَا أَنَّ مَنْ ائْتَمَّ بِمَنْ يُظْهِرُ بِدْعَتَهُ ، وَيَتَكَلَّمُ بِهَا ، وَيَدْعُو إلَيْهَا ، أَوْ يُنَاظِرُ عَلَيْهَا ، فَعَلَيْهِ الْإِعَادَةُ .\rوَمَنْ لَمْ يُظْهِرْ بِدْعَتَهُ ، فَلَا إعَادَةَ عَلَى الْمُؤْتَمِّ بِهِ ، وَإِنْ كَانَ مُعْتَقِدًا لَهَا .\rقَالَ الْأَثْرَمُ : قُلْت لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ : الرَّافِضَةُ الَّذِينَ يَتَكَلَّمُونَ بِمَا تَعْرِفُ ؟ فَقَالَ : نَعَمْ ، آمُرُهُ أَنْ يُعِيدَ .\rقِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ : وَهَكَذَا أَهْلُ الْبِدَعِ كُلُّهُمْ ؟ قَالَ : لَا ، إنَّ مِنْهُمْ مَنْ يَسْكُتُ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقِفُ وَلَا يَتَكَلَّمُ .\rوَقَالَ : لَا تُصَلِّ خَلْفَ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ ، إذَا كَانَ دَاعِيَةً إلَى هَوَاهُ .\rوَقَالَ : لَا تُصَلِّ خَلْفَ الْمُرْجِئِ إذَا كَانَ دَاعِيَةً .\rوَتَخْصِيصُهُ الدَّاعِيَةَ ، وَمَنْ يَتَكَلَّمُ بِالْإِعَادَةِ ، دُونَ مَنْ يَقِفُ وَلَا يَتَكَلَّمُ ، يَدُلُّ عَلَى مَا قُلْنَاهُ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : الْمُعْلِنُ بِالْبِدْعَةِ مَنْ يَعْتَقِدُهَا بِدَلِيلٍ ، وَغَيْرُ الْمُعْلِنِ مَنْ يَعْتَقِدُهَا تَقْلِيدًا .\rوَلَنَا ، أَنَّ حَقِيقَةَ الْإِعْلَانِ هُوَ الْإِظْهَارُ ، وَهُوَ ضِدُّ الْإِخْفَاءِ وَالْإِسْرَارِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ } وَقَالَ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ إبْرَاهِيمَ : { رَبَّنَا إنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُحْفِي وَمَا نُعْلِنُ } وَلِأَنَّ الْمُظْهِرَ لِبِدْعَتِهِ لَا عُذْرَ لِلْمُصَلِّي خَلْفَهُ - لِظُهُورِ حَالِهِ - ، وَالْمُخْفِيَ لَهَا مَنْ يُصَلِّي خَلْفَهُ مَعْذُورٌ ، وَهَذَا لَهُ أَثَرٌ فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ ، وَلِهَذَا لَمْ تَجِبْ الْإِعَادَةُ خَلْفَ الْمُحْدِثِ وَالنَّجِسِ إذَا لَمْ يُعْلَمْ حَالُهُمَا ؛ لِخَفَاءِ ذَلِكَ وَمِنْهُمَا وَوَجَبَتْ عَلَى الْمُصَلِّي خَلْفَ الْكَافِرِ وَالْأُمِّيِّ ، لِظُهُورِ حَالِهِمَا غَالِبًا .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّهُ لَا يُصَلَّى خَلْفَ مُبْتَدِعٍ بِحَالٍ .\rقَالَ ، فِي رِوَايَةِ أَبِي الْحَارِثِ : لَا يُصَلِّي خَلْفَ","part":3,"page":418},{"id":1418,"text":"مُرْجِئٍ وَلَا رَافِضِيٍّ ، وَلَا فَاسِقٍ ، إلَّا أَنْ يَخَافَهُمْ فَيُصَلِّيَ ، ثُمَّ يُعِيدَ .\rوَقَالَ أَبُو دَاوُد ، قَالَ أَحْمَدُ : مَتَى مَا صَلَّيْت خَلْفَ مَنْ يَقُولُ : الْقُرْآنُ مَخْلُوقٌ فَأَعِدْ .\rقُلْت : وَتَعْرِفُهُ .\rقَالَ : نَعَمْ .\rوَعَنْ مَالِكٍ ، أَنَّهُ لَا يُصَلَّى خَلْفَ أَهْلِ الْبِدَعِ .\rفَحَصَلَ مِنْ هَذَا أَنَّ مَنْ صَلَّى خَلْفَ مُبْتَدِعٍ مُعْلِنٍ بِبِدْعَتِهِ ، فَعَلَيْهِ الْإِعَادَةُ .\rوَمَنْ لَمْ يُعْلِنْهَا فَفِي الْإِعَادَةِ خَلْفَهُ رِوَايَتَانِ .\rوَأَبَاحَ الْحَسَنُ ، وَأَبُو جَعْفَرٍ ، وَالشَّافِعِيُّ الصَّلَاةَ خَلْفَ أَهْلِ الْبِدَعِ ؛ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { صَلُّوا خَلْفَ مَنْ قَالَ : لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ .\r} رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ .\rوَلِأَنَّهُ رَجُلٌ صَلَاتُهُ صَحِيحَةٌ ، فَصَحَّ الِائْتِمَامُ بِهِ كَغَيْرِهِ .\rوَقَالَ نَافِعٌ : كَانَ ابْنُ عُمَرَ يُصَلِّي مَعَ الْخَشَبِيَّةِ وَالْخَوَارِجِ زَمَنَ ابْنِ الزُّبَيْرِ ، وَهُمْ يَقْتَتِلُونَ .\rفَقِيلَ لَهُ : أَتُصَلِّي مَعَ هَؤُلَاءِ ، وَمَعَ هَؤُلَاءِ ، وَبَعْضُهُمْ يَقْتُلُ بَعْضًا ؟ فَقَالَ : مَنْ قَالَ : حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ .\rأَجَبْتُهُ ، وَمَنْ قَالَ : حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ .\rأَجَبْتُهُ ، وَمَنْ قَالَ : حَيَّ عَلَى قَتْلِ أَخِيك الْمُسْلِمِ ، وَأَخْذِ مَالِهِ .\rقُلْت : لَا .\rرَوَاهُ سَعِيدٌ .\rوَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ ، وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ : مَنْ نُكَفِّرُهُ بِبِدْعَتِهِ كَاَلَّذِي يُكَذِّبُ اللَّهَ أَوْ رَسُولَهُ بِبِدْعَتِهِ ، لَا يُصَلَّى خَلْفَهُ ، وَمَنْ لَا نُكَفِّرُهُ تَصِحُّ الصَّلَاةُ خَلْفَهُ .\rوَلَنَا : مَا رَوَى جَابِرٌ ، قَالَ : \" سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مِنْبَرِهِ يَقُولُ : { لَا تَؤُمَّنَّ امْرَأَةٌ رَجُلًا ، وَلَا فَاجِرٌ مُؤْمِنًا ، إلَّا أَنْ يَقْهَرَهُ بِسُلْطَانٍ ، أَوْ يَخَافَ سَوْطَهُ أَوْ سَيْفَهُ } .\rرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ ، وَهَذَا أَخَصُّ مِنْ حَدِيثِهِمْ ، فَتَعَيَّنَ تَقْدِيمُهُ ، وَحَدِيثُهُمْ نَقُولُ بِهِ فِي الْجُمَعِ وَالْأَعْيَادِ ، وَتُعَادُ ، وَهُوَ مُطْلَقٌ ، فَالْعَمَلُ بِهِ فِي مَوْضِعٍ يُحَصِّلُ الْوَفَاءَ بِدَلَالَتِهِمْ ، وَقِيَاسِهِمْ","part":3,"page":419},{"id":1419,"text":"مَنْقُوضٌ بِالْخُنْثَى وَالْأُمِّيِّ .\rوَيُرْوَى عَنْ حَبِيبِ بْنِ عُمَرَ الْأَنْصَارِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : سَأَلْت وَاثِلَةَ بْنَ الْأَسْقَعِ ، قُلْت : أُصَلِّي خَلْفَ الْقَدَرِيِّ ؟ قَالَ : لَا تُصَلِّ خَلْفَهُ .\rثُمَّ قَالَ : أَمَّا أَنَا لَوْ صَلَّيْت خَلْفَهُ لَأَعَدْت صَلَاتِي .\rرَوَاهُ الْأَثْرَمُ .\rوَأَمَّا قَوْلُ الْخِرَقِيِّ : \" أَوْ يَسْكَرُ \" .\rفَإِنَّهُ يَعْنِي مَنْ يَشْرَبُ مَا يُسْكِرُهُ مِنْ أَيِّ شَرَابٍ كَانَ ، فَإِنَّهُ لَا يُصَلَّى خَلْفَهُ لِفِسْقِهِ .\rوَإِنَّمَا خَصَّهُ بِالذِّكْرِ ، فِيمَا يُرَى مِنْ سَائِرِ الْفُسَّاقِ ، لِنَصِّ أَحْمَدَ عَلَيْهِ .\rقَالَ أَبُو دَاوُد : سَأَلْت أَحْمَدَ وَقِيلَ لَهُ : إذَا كَانَ الْإِمَامُ يَسْكَرُ ؟ قَالَ : لَا تُصَلِّ خَلْفَهُ أَلْبَتَّةَ .\rوَسَأَلَهُ رَجُلٌ ، قَالَ : صَلَّيْت خَلْفَ رَجُلٍ ، ثُمَّ عَلِمْت أَنَّهُ يَسْكَرُ ، أُعِيدُ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، أَعِدْ .\rقَالَ : أَيَّتُهُمَا صَلَاتِي ؟ قَالَ : الَّتِي صَلَّيْتَ وَحْدَك .\rوَسَأَلَهُ رَجُلٌ .\rقَالَ : رَأَيْت رَجُلًا سَكْرَانَ ، أُصَلِّي خَلْفَهُ ؟ قَالَ : لَا .\rقَالَ : فَأُصَلِّي وَحْدِي ؟ قَالَ أَيْنَ أَنْتَ ؟ فِي الْبَادِيَةِ ؟ الْمَسَاجِدُ كَثِيرَةٌ .\rقَالَ : أَنَا فِي حَانُوتِي .\rقَالَ : تَخَطَّاهُ إلَى غَيْرِهِ مِنْ الْمَسَاجِدِ .\rفَأَمَّا مَنْ يَشْرَبُ مِنْ النَّبِيذِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ مَا لَا يُسْكِرُهُ ، مُعْتَقِدًا حِلَّهُ ، فَلَا بَأْسَ بِالصَّلَاةِ خَلْفَهُ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .\rفَقَالَ : يُصَلَّى خَلْفَ مَنْ يَشْرَبُ الْمُسْكِرَ عَلَى التَّأْوِيلِ ، نَحْنُ نَرْوِي عَنْهُمْ الْحَدِيثَ ، وَلَا نُصَلِّي خَلْفَ مَنْ يَسْكَرُ .\rوَكَلَامُ الْخِرَقِيِّ بِمَفْهُومِهِ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ ، لِتَخْصِيصِهِ مَنْ سَكِرَ بِالْإِعَادَةِ خَلْفَهُ .\rوَفِي مَعْنَى شَارِبِ مَا يُسْكِرُ كُلُّ فَاسِقٍ ، فَلَا يُصَلَّى خَلْفَهُ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .\rفَقَالَ : لَا تُصَلِّ خَلْفَ فَاجِرٍ وَلَا فَاسِقٍ .\rوَقَالَ أَبُو دَاوُد سَمِعْت أَحْمَدَ ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، سُئِلَ عَنْ إمَامٍ ، قَالَ : أُصَلِّي بِكُمْ رَمَضَانَ بِكَذَا وَكَذَا دِرْهَمًا .\rقَالَ : أَسْأَلُ اللَّهَ الْعَافِيَةَ ، مَنْ يُصَلِّي خَلْفَ هَذَا ؟ وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ :","part":3,"page":420},{"id":1420,"text":"لَا تُصَلُّوا خَلْفَ مَنْ لَا يُؤَدِّي الزَّكَاةَ ، وَقَالَ لَا تُصَلِّ خَلْفَ مَنْ يُشَارِطُ ، وَلَا بَأْسَ أَنْ يَدْفَعُوا إلَيْهِ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ .\rوَهَذِهِ النُّصُوصُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُصَلَّى خَلْفَ فَاسِقٍ .\rوَعَنْهُ رِوَايَةٌ أُخْرَى ، أَنَّ الصَّلَاةَ جَائِزَةٌ ، ذَكَرَهَا أَصْحَابُنَا .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { صَلُّوا خَلْفَ مَنْ قَالَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ } .\rوَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يُصَلِّي خَلْفَ الْحَجَّاجِ ، وَالْحُسَيْنُ وَالْحَسَنُ ، وَغَيْرُهُمَا مِنْ الصَّحَابَةِ كَانُوا يُصَلُّونَ مَعَ مَرْوَانَ .\rوَاَلَّذِينَ كَانُوا فِي وِلَايَةِ زِيَادٍ وَابْنِهِ كَانُوا يُصَلُّونَ مَعَهُمَا .\rوَصَلَّوْا وَرَاءَ الْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ ، وَقَدْ شَرِبَ الْخَمْرَ وَصَلَّى الصُّبْحَ أَرْبَعًا ، وَقَالَ : أَزِيدُكُمْ .\rفَصَارَ هَذَا إجْمَاعًا ، وَرُوِيَ عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ : قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { كَيْفَ أَنْتَ إذَا كَانَتْ عَلَيْك أُمَرَاءُ يُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ عَنْ وَقْتِهَا ؟ قَالَ : قُلْت .\rفَمَا تَأْمُرُنِي ؟ قَالَ : صَلِّ الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا ، فَإِنْ أَدْرَكْتَهَا مَعَهُمْ فَصَلِّ ، فَإِنَّهَا لَك نَافِلَةٌ } .\rرَوَاهُ مُسْلِمٌ .\rوَفِي لَفْظٍ : { فَإِنْ صَلَّيْتَ لِوَقْتِهَا كَانَتْ نَافِلَةً ، وَإِلَّا كُنْتَ قَدْ أَحْرَزْتَ صَلَاتَكَ } .\rوَفِي لَفْظٍ : { فَإِنْ أَدْرَكْتَ الصَّلَاةَ مَعَهُمْ فَصَلِّ ، وَلَا تَقُلْ : إنِّي قَدْ صَلَّيْت ، فَلَا أُصَلِّي } .\rوَفِي لَفْظٍ : \" فَإِنَّهَا زِيَادَةُ خَيْرٍ \" .\rوَهَذَا فِعْلٌ يَقْتَضِي فِسْقَهُمْ ، وَقَدْ أَمَرَهُ بِالصَّلَاةِ مَعَهُمْ ، وَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ تَفْضُلُ صَلَاةَ الْفَذِّ بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً } عَامٌّ ، فَيَتَنَاوَلُ مَحَلَّ النِّزَاعِ ، وَلِأَنَّهُ رَجُلٌ تَصِحُّ صَلَاتُهُ لِنَفْسِهِ ، فَصَحَّ الِائْتِمَامُ بِهِ كَالْعَدْلِ .\rوَوَجْهُ الْأُولَى قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { لَا يُؤَمَّنَّ فَاجِرٌ مُؤْمِنًا ، إلَّا أَنْ يَقْهَرَهُ بِسُلْطَانِهِ أَوْ سَيْفِهِ } .\rوَلِأَنَّ الْإِمَامَةَ تَتَضَمَّنُ حَمْلَ","part":3,"page":421},{"id":1421,"text":"الْقِرَاءَةِ ، وَلَا يُؤْمَنُ تَرْكُهُ لَهَا ، وَلَا يُؤْمَنُ تَرْكُ بَعْضِ شَرَائِطِهَا كَالطَّهَارَةِ ، وَلَيْسَ ثَمَّ أَمَارَةٌ وَلَا غَلَبَةُ ظَنٍّ يُؤَمِّنَانِ ذَلِكَ .\rوَالْحَدِيثُ أَجَبْنَا عَنْهُ ، وَفِعْلُ الصَّحَابَةِ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُمْ خَافُوا الضَّرَرَ بِتَرْكِ الصَّلَاةِ مَعَهُمْ ، فَقَدْ رَوَيْنَا عَنْ عَطَاءٍ ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، أَنَّهُمَا كَانَا فِي الْمَسْجِدِ ، وَالْحَجَّاجُ يَخْطُبُ ، فَصَلَّيَا بِالْإِيمَاءِ ، وَإِنَّمَا فَعَلَا ذَلِكَ لِخَوْفِهِمَا عَلَى أَنْفُسِهِمَا إنْ صَلَّيَا عَلَى وَجْهٍ يَعْلَمُ بِهِمَا .\rوَرَوَيْنَاهُ عَنْ قَسَامَةَ بْنِ زُهَيْرٍ .\rقَالَ : لَمَّا كَانَ مِنْ شَأْنِ فُلَانٍ مَا كَانَ ، قَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ : تَنَحَّ عَنْ مُصَلَّانَا ، فَإِنَّا لَا نُصَلِّي خَلْفَك .\rوَحَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ : يَدُلُّ عَلَى صِحَّتِهَا نَافِلَةً ، وَالنِّزَاعُ فِي الْفَرْضِ .\r( 1122 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا الْجُمَعُ وَالْأَعْيَادُ فَإِنَّهَا تُصَلَّى خَلْفَ كُلِّ بَرٍّ وَفَاجِرٍ .\rوَقَدْ كَانَ أَحْمَدُ يَشْهَدُهَا مَعَ الْمُعْتَزِلَةِ ، وَكَذَلِكَ الْعُلَمَاءُ الَّذِينَ فِي عَصْرِهِ .\rوَقَدْ رَوَيْنَا أَنَّ رَجُلًا جَاءَ مُحَمَّدَ بْنَ النَّضْرِ ، فَقَالَ لَهُ : إنَّ لِي جِيرَانًا مِنْ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ ، لَا يَشْهَدُونَ الْجُمُعَةَ .\rقَالَ حَسْبُكَ ، مَا تَقُولُ فِي مَنْ رَدَّ عَلَى أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ؟ قَالَ : رَجُلُ سَوْءٍ .\rقَالَ : فَإِنْ رَدَّ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قَالَ : يُكَفَّرُ .\rقَالَ : فَإِنْ رَدَّ عَلَى الْعَلِيِّ الْأَعْلَى ؟ ثَمَّ غُشِيَ عَلَيْهِ ، ثُمَّ أَفَاقَ ، فَقَالَ : رَدُّوا عَلَيْهِ وَاَلَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ فَإِنَّهُ قَالَ : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إلَى ذِكْرِ اللَّهِ } وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ بَنِي الْعَبَّاسِ سَيَلُونَهَا .\rوَلِأَنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ مِنْ شَعَائِرِ الْإِسْلَامِ الظَّاهِرَةِ ؛ وَتَلِيهَا الْأَئِمَّةُ دُونَ غَيْرِهِمْ ، فَتَرْكُهَا خَلْفَهُمْ يُفْضِي إلَى تَرْكِهَا بِالْكُلِّيَّةِ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِنَّهَا تُعَادُ خَلْفَ مَنْ يُعَادُ خَلْفَهُ غَيْرُهَا .\rقَالَ أَحْمَدُ :","part":3,"page":422},{"id":1422,"text":"أَمَّا الْجُمُعَةُ فَيَنْبَغِي شُهُودُهَا ، فَإِنْ كَانَ الَّذِي يُصَلِّي مِنْهُمْ أَعَادَ .\rوَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : مَنْ أَعَادَهَا فَهُوَ مُبْتَدِعٌ .\rوَهَذَا يَدُلُّ بِعُمُومِهِ عَلَى أَنَّهَا لَا تُعَادُ خَلْفَ فَاسِقٍ وَلَا مُبْتَدِعٍ ؛ لِأَنَّهَا صَلَاةٌ أُمِرَ بِهَا ، فَلَمْ تَجِبْ إعَادَتُهَا كَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ .\r( 1123 ) فَصْلٌ : فَإِنْ كَانَ الْمُبَاشِرُ لَهَا عَدْلًا ، وَالْمُوَلِّي لَهُ غَيْرَ مَرْضِيِّ الْحَالِ لِبِدْعَتِهِ أَوْ فِسْقِهِ ، لَمْ يُعِدْهَا .\rنَصَّ عَلَيْهِ .\rوَقِيلَ لَهُ : إنَّهُمْ يَقُولُونَ إذَا كَانَ الَّذِي وَضَعَهُ يَقُولُ بِقَوْلِهِمْ فَسَدَتْ الصَّلَاةُ .\rقَالَ : لَسْت أَقُولُ بِهَذَا .\rوَلِأَنَّ صَلَاتَهُ إنَّمَا تَرْتَبِطُ بِصَلَاةِ إمَامِهِ ، فَلَا يَضُرُّ وُجُودُ مَعْنًى فِي غَيْرِهِ ، كَالْحَدَثِ أَوْ كَوْنِهِ أُمِّيًّا .\rوَعَنْهُ : تُعَادُ .\rوَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ .\r( 1124 ) فَصْلٌ : وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ فِسْقَ إمَامِهِ ، وَلَا بِدْعَتَهُ ، حَتَّى صَلَّى مَعَهُ ، فَإِنَّهُ يُعِيدُ .\rنَصَّ عَلَيْهِ .\rوَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ : لَا إعَادَةَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا يَخْفَى ، فَأَشْبَهَ الْمُحْدِثَ وَالنَّجِسَ .\rوَالصَّحِيحُ أَنَّ هَذَا يُنْظَرُ فِيهِ ، فَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يُخْفِي بِدْعَتَهُ وَفُسُوقَهُ ، صَحَّتْ الصَّلَاةُ خَلْفَهُ ، لِمَا ذَكَرْنَا فِي أَوَّلِ الْمَسْأَلَةِ ، وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يُظْهِرُ ذَلِكَ ، وَجَبَتْ الْإِعَادَةُ خَلْفَهُ ، عَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي تَقُولُ بِوُجُوبِ إعَادَتِهَا خَلْفَ الْمُبْتَدِعِ ؛ وَلِأَنَّهُ مَعْنًى يَمْنَعُ الِائْتِمَامَ ، فَاسْتَوَى فِيهِ الْعِلْمُ وَعَدَمُهُ ، كَمَا لَوْ كَانَ أُمِّيًّا ، وَالْحَدَثُ وَالنَّجَاسَةُ يُشْتَرَطُ خَفَاؤُهُمَا عَلَى الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ مَعًا ، وَلَا يَخْفَى عَلَى الْفَاسِقِ فِسْقُ نَفْسِهِ ، وَلِأَنَّ الْإِعَادَةَ إنَّمَا تَجِبُ خَلْفَ مَنْ يُعْلِنُ بِبِدْعَتِهِ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي مَظِنَّةِ الْخَفَاءِ ، بِخِلَافِ الْحَدَثِ وَالنَّجَاسَةِ .\r( 1125 ) فَصْلٌ : وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ حَالُهُ وَلَمْ يَظْهَرْ مِنْهُ مَا يَمْنَعُ الِائْتِمَامَ بِهِ ، فَصَلَاةُ الْمَأْمُومِ صَحِيحَةٌ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ","part":3,"page":423},{"id":1423,"text":"فِي الْمُسْلِمِينَ السَّلَامَةُ .\rوَلَوْ صَلَّى خَلْفَ مَنْ يَشُكُّ فِي إسْلَامِهِ ، فَصَلَاتُهُ صَحِيحَةٌ ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ لَا يَتَقَدَّمُ لِلْإِمَامَةِ إلَّا مُسْلِمٌ .","part":3,"page":424},{"id":1424,"text":"( 1126 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا الْمُخَالِفُونَ فِي الْفُرُوعِ كَأَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، فَالصَّلَاةُ خَلْفَهُمْ صَحِيحَةٌ غَيْرُ مَكْرُوهَةٍ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ؛ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ وَالتَّابِعِينَ ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ لَمْ يَزَلْ بَعْضُهُمْ يَأْتَمُّ بِبَعْضٍ ، مَعَ اخْتِلَافِهِمْ فِي الْفُرُوعِ ، فَكَانَ ذَلِكَ إجْمَاعًا ، وَلِأَنَّ الْمُخَالِفَ إمَّا أَنْ يَكُونَ مُصِيبًا فِي اجْتِهَادِهِ ، فَلَهُ أَجْرَانِ أَجْرٌ لِاجْتِهَادِهِ وَأَجْرٌ لِإِصَابَتِهِ ، أَوْ مُخْطِئًا فَلَهُ أَجْرٌ عَلَى اجْتِهَادِهِ ، وَلَا إثْمَ عَلَيْهِ فِي الْخَطَأِ ، لِأَنَّهُ مَحْطُوطٌ عَنْهُ .\rفَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ يَتْرُكُ رُكْنًا أَوْ شَرْطًا يَعْتَقِدُهُ الْمَأْمُومُ دُونَ الْإِمَامِ ، فَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ صِحَّةُ الِائْتِمَامِ بِهِ .\rقَالَ الْأَثْرَمُ : سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يُسْأَلُ عَنْ رَجُلٍ صَلَّى بِقَوْمٍ ، وَعَلَيْهِ جُلُودُ الثَّعَالِبِ ، فَقَالَ : إنْ كَانَ يَلْبَسُهُ وَهُوَ يَتَأَوَّلُ : { أَيُّمَا إهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ } .\rيُصَلَّى خَلْفَهُ .\rقِيلَ لَهُ ، أَفَتَرَاهُ أَنْتَ جَائِزًا ؟ قَالَ : لَا ، نَحْنُ لَا نَرَاهُ جَائِزًا وَلَكِنْ إذَا كَانَ هُوَ يَتَأَوَّلُ فَلَا بَأْسَ أَنْ يُصَلَّى خَلْفَهُ .\rثُمَّ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ : لَوْ أَنَّ رَجُلًا لَمْ يَرَ الْوُضُوءَ مِنْ الدَّمِ لَمْ يُصَلَّ خَلْفَهُ ؟ ثُمَّ قَالَ : نَحْنُ نَرَى الْوُضُوءَ مِنْ الدَّمِ ، فَلَا نُصَلِّي خَلْفَ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، وَمَالِكٍ وَمَنْ سَهَّلَ فِي الدَّمِ ؟ أَيْ : بَلَى .\rوَرَأَيْت لِبَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ مَسْأَلَةً مُفْرَدَةً فِي الرَّدِّ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ هَذَا ، وَاسْتَدَلَّ بِأَنَّ الصَّحَابَةَ كَانَ يُصَلِّي بَعْضُهُمْ خَلْفَ بَعْضٍ مَعَ الِاخْتِلَافِ .\rوَلِأَنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ ، أَوْ كَالْمُصِيبِ فِي حَطِّ الْمَأْثَمِ عَنْهُ ، وَحُصُولِ الثَّوَابِ ، وَصِحَّةِ الصَّلَاةِ لِنَفْسِهِ ، فَجَائِزٌ الِائْتِمَامُ بِهِ ، كَمَا لَوْ لَمْ يَتْرُكْ شَيْئًا .\rوَذَكَرَ الْقَاضِي فِيهِ رِوَايَةً أُخْرَى ، أَنَّهُ لَا يَصِحُّ ائْتِمَامُهُ بِهِ ؛ لِأَنَّهُ يَرْتَكِبُ مَا يَعْتَقِدُهُ الْمَأْمُومُ مُفْسِدًا","part":3,"page":425},{"id":1425,"text":"لِلصَّلَاةِ ، فَلَمْ يَصِحَّ ائْتِمَامُهُ بِهِ ، كَمَا لَوْ خَالَفَهُ فِي الْقِبْلَةِ حَالَ الِاجْتِهَادِ فِيهَا .\r( 1127 ) فَصْلٌ : وَإِنْ فَعَلَ شَيْئًا مِنْ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ ، يَعْتَقِدُ تَحْرِيمَهُ ، فَإِنْ كَانَ يَتْرُكُ مَا يَعْتَقِدُهُ شَرْطًا لِلصَّلَاةِ أَوْ وَاجِبًا فِيهَا ، فَصَلَاتُهُ فَاسِدَةٌ ، وَصَلَاةُ مَنْ يَأْتَمُّ بِهِ ، وَإِنْ كَانَ الْمَأْمُومُ يُخَالِفُهُ فِي اعْتِقَادِ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ وَاجِبًا فِي الصَّلَاةِ ، فَفَسَدَتْ صَلَاتُهُ وَصَلَاةُ مَنْ ائْتَمَّ بِهِ ، كَالْمُجْمَعِ عَلَيْهِ .\rوَإِنْ كَانَ يَفْعَلُ مَا يَعْتَقِدُ تَحْرِيمَهُ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ ، كَالْمُتَزَوِّجِ بِغَيْرِ وَلِيٍّ مِمَّنْ يَرَى فَسَادَهُ ، وَشَارِبِ يَسِيرِ النَّبِيذِ مِمَّنْ يَعْتَقِدُ تَحْرِيمَهُ ، فَهَذَا إنْ دَامَ عَلَى ذَلِكَ ، فَهُوَ فَاسِقٌ ، حُكْمُهُ حُكْمُ سَائِرِ الْفُسَّاقِ ، فَإِنْ لَمْ يَدُمْ عَلَيْهِ ، فَلَا بَأْسَ بِالصَّلَاةِ خَلْفَهُ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الصَّغَائِرِ .\rوَمَتَى كَانَ الْفَاعِلُ كَذَلِكَ عَامِّيًّا قَلَّدَ مَنْ يَعْتَقِدُ جَوَازَهُ ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ فَرْضَ الْعَامِّيِّ سُؤَالُ الْعُلَمَاءِ وَتَقْلِيدُهُمْ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { : فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ }","part":3,"page":426},{"id":1426,"text":"( 1128 ) فَصْلٌ : وَلَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ خَلْفَ مَجْنُونٍ ؛ لِأَنَّ صَلَاتَهُ لِنَفْسِهِ بَاطِلَةٌ .\rوَإِنْ كَانَ يُجَنُّ تَارَةً ، وَيُفِيقُ أُخْرَى ، فَصَلَّى وَرَاءَهُ حَالَ إفَاقَتِهِ ، صَحَّتْ صَلَاتُهُ ، وَيُكْرَهُ الِائْتِمَامُ بِهِ ؛ لِئَلَّا يَكُونَ قَدْ احْتَلَمَ حَالَ جُنُونِهِ وَلَمْ يَعْلَمْ ، وَلِئَلَّا يُعَرِّضَ الصَّلَاةَ لِلْإِبْطَالِ فِي أَثْنَائِهَا ، لِوُجُودِ الْجُنُونِ فِيهَا ، وَالصَّلَاةُ صَحِيحَةٌ ، لِأَنَّ الْأَصْلَ السَّلَامَةُ ، فَلَا تَفْسُدُ بِالِاحْتِمَالِ .","part":3,"page":427},{"id":1427,"text":"( 1129 ) فَصْلٌ : وَإِذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ وَالْإِنْسَانُ فِي الْمَسْجِدِ ، وَالْإِمَامُ مِمَّنْ لَا يَصْلُحُ لِلْإِمَامَةِ ، فَإِنْ شَاءَ صَلَّى خَلْفَهُ ، وَأَعَادَ وَإِنْ نَوَى الصَّلَاةَ وَحْدَهُ ، وَوَافَقَ الْإِمَامَ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَالْقِيَامِ وَالْقُعُودِ ، فَصَلَاتُهُ صَحِيحَةٌ ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِأَفْعَالِ الصَّلَاةِ وَشُرُوطِهَا عَلَى الْكَمَالِ ، فَلَا تَفْسُدُ بِمُوَافَقَتِهِ غَيْرَهُ فِي الْأَفْعَالِ ، كَمَا لَوْ لَمْ يَقْصِدْ الْمُوَافَقَةَ .\rوَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ يُعِيدُ .\rقَالَ الْأَثْرَمُ : قُلْت لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ : الرَّجُلُ يَكُونُ فِي الْمَسْجِدِ ، فَتُقَامُ الصَّلَاةُ ، وَيَكُونُ الرَّجُلُ الَّذِي يُصَلِّي بِهِمْ لَا يَرَى الصَّلَاةَ خَلْفَهُ ، وَيُكْرَهُ الْخُرُوجُ مِنْ الْمَسْجِدِ بَعْدَ النِّدَاءِ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَيْفَ يَصْنَعُ ؟ قَالَ : إنْ خَرَجَ كَانَ فِي ذَلِكَ شُنْعَةٌ ، وَلَكِنْ يُصَلِّي مَعَهُ ، وَيُعِيدُ ، وَإِنْ شَاءَ أَنْ يُصَلِّيَ بِصَلَاتِهِ ، وَيَكُونَ يُصَلِّي لِنَفْسِهِ ، ثُمَّ يُكَبِّرُ لِنَفْسِهِ وَيَرْكَعُ لِنَفْسِهِ ، وَيَسْجُدُ لِنَفْسِهِ ، وَلَا يُبَالِي أَنْ يَكُونَ سُجُودُهُ مَعَ سُجُودِهِ ، وَتَكْبِيرُهُ مَعَ تَكْبِيرِهِ .\rقُلْت : فَإِنْ فَعَلَ هَذَا لِنَفْسِهِ أَيُعِيدُ ؟ قَالَ : نَعَمْ .\rقُلْت : فَكَيْفَ يُعِيدُ ، وَقَدْ جَاءَ أَنَّ الصَّلَاةَ هِيَ الْأَوْلَى ، وَحَدِيثُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { اجْعَلُوا صَلَاتَكُمْ مَعَهُمْ سُبْحَةً } .\rقَالَ : إنَّمَا ذَاكَ إذَا صَلَّى وَحْدَهُ فَنَوَى الْفَرْضَ ، أَمَّا إذَا صَلَّى مَعَهُ وَهُوَ يَنْوِي أَنْ لَا يَعْتَدَّ بِهَا فَلَيْسَ هَذَا مِثْلَ هَذَا .\rفَقَدْ نَصَّ عَلَى الْإِعَادَةِ ، وَلَكِنَّ تَعْلِيلَهُ إفْسَادَهَا بِكَوْنِهِ نَوَى أَنْ لَا يَعْتَدَّ بِهَا ، يَدُلُّ عَلَى صِحَّتِهَا وَإِجْزَائِهَا إذَا نَوَى الِاعْتِدَادَ بِهَا ، وَهُوَ الصَّحِيحُ لِمَا ذَكَرْنَا أَوَّلًا ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الَّذِينَ لَا يَرْضَوْنَ الصَّلَاةَ خَلْفَهُ جَمَاعَةً ، فَأَمَّهُمْ أَحَدُهُمْ وَوَافَقُوا الْإِمَامَ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ ، كَانَ جَائِزًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":3,"page":428},{"id":1428,"text":"( 1130 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِمَامَةُ الْعَبْدِ وَالْأَعْمَى جَائِزَةٌ ) .\rهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rوَرُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ غُلَامًا لَهَا كَانَ يَؤُمُّهَا .\rوَصَلَّى ابْنُ مَسْعُودٍ ، وَحُذَيْفَةُ ، وَأَبُو ذَرٍّ وَرَاءَ أَبِي سَعِيدٍ مَوْلَى أَبِي أُسَيْدَ ، وَهُوَ عَبْدٌ .\rوَمِمَّنْ أَجَازَ ذَلِكَ : الْحَسَنُ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَالْحَكَمُ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَكَرِهَ أَبُو مِجْلَزٍ إمَامَةَ الْعَبْدِ ، وَقَالَ مَالِكٌ : لَا يَؤُمُّهُمْ إلَّا أَنْ يَكُونَ قَارِئًا وَهُمْ أُمِّيُّونَ .\rوَلَنَا قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى } ، وَقَالَ أَبُو ذَرٍّ : { إنَّ خَلِيلِي أَوْصَانِي أَنْ أَسْمَعَ وَأُطِيعَ ، وَإِنْ كَانَ عَبْدًا مُجَدَّعَ الْأَطْرَافِ ، وَأَنْ أُصَلِّيَ الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا ، فَإِنْ أَدْرَكْتَ الْقَوْمَ وَقَدْ صَلَّوْا ، كُنْتَ أَحْرَزْتَ صَلَاتَك ، وَإِلَّا كَانَتْ لَك نَافِلَةً } .\rرَوَاهُ مُسْلِمٌ .\rوَلِأَنَّهُ إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ ، فَعَلَتْ عَائِشَةُ ذَلِكَ وَرُوِيَ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ مَوْلَى أَبِي أُسَيْدَ ، قَالَ : تَزَوَّجْت وَأَنَا عَبْدٌ ، فَدَعَوْتُ نَفَرًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَجَابُونِي ، فَكَانَ فِيهِمْ أَبُو ذَرٍّ ، وَابْنُ مَسْعُودٍ ، وَحُذَيْفَةُ ، فَحَضَرَتْ الصَّلَاةُ وَهُمْ فِي بَيْتِي ، فَتَقَدَّمَ أَبُو ذَرٍّ لِيُصَلِّيَ بِهِمْ ، فَقَالُوا لَهُ .\rوَرَاءَك ؟ فَالْتَفَتَ إلَى ابْنِ مَسْعُودٍ ، فَقَالَ : أَكَذَلِكَ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ ؟ قَالَ : نَعَمْ .\rفَقَدَّمُونِي ، وَأَنَا عَبْدٌ ، فَصَلَّيْت بِهِمْ .\rرَوَاهُ صَالِحٌ فِي \" مَسَائِلِهِ \" بِإِسْنَادِهِ ، وَهَذِهِ قِصَّةٌ مِثْلُهَا يَنْتَشِرُ ، وَلَمْ يُنْكَرْ وَلَا عُرِفَ مُخَالِفٌ لَهَا ، فَكَانَ ذَلِكَ إجْمَاعًا ، وَلِأَنَّ الرِّقَّ حَقٌّ ثَبَتَ عَلَيْهِ ، فَلَمْ يَمْنَعْ صِحَّةَ إمَامَتِهِ كَالدَّيْنِ ، وَلِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْأَذَانِ لِلرِّجَالِ يَأْتِي بِالصَّلَاةِ عَلَى الْكَمَالِ فَكَانَ لَهُ أَنْ يَؤُمَّهُمْ","part":3,"page":429},{"id":1429,"text":"كَالْحُرِّ .\rوَأَمَّا الْأَعْمَى فَلَا نَعْلَمُ فِي صِحَّةِ إمَامَتِهِ خِلَافًا ، إلَّا مَا حُكِيَ عَنْ أَنَسٍ ، أَنَّهُ قَالَ : مَا حَاجَتُهُمْ إلَيْهِ .\rوَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّهُ قَالَ : كَيْفَ أَؤُمُّهُمْ وَهُمْ يَعْدِلُونَنِي إلَى الْقِبْلَةِ .\rوَالصَّحِيحُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يَؤُمُّ وَهُوَ أَعْمَى ، وَعِتْبَانُ بْنُ مَالِكٍ ، وَقَتَادَةُ وَجَابِرٌ .\rوَقَالَ أَنَسٌ : { إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَخْلَفَ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ يَؤُمُّ النَّاسَ وَهُوَ أَعْمَى } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\r.\rوَعَنْ الشَّعْبِيِّ ، أَنَّهُ قَالَ { : غَزَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ غَزْوَةً ، كُلَّ ذَلِكَ يُقَدِّمُ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ يُصَلِّي بِالنَّاسِ } .\rرَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ .\rوَلِأَنَّ الْعَمَى فَقْدُ حَاسَّةٍ لَا يُخِلُّ بِشَيْءٍ مِنْ أَفْعَالِ الصَّلَاةِ وَلَا بِشُرُوطِهَا ، فَأَشْبَهَ فَقْدَ الشَّمِّ .\rفَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَالْحُرُّ أَوْلَى مِنْ الْعَبْدِ ، لِأَنَّهُ أَكْمَلُ مِنْهُ وَأَشْرَفُ ، وَيُصَلِّي الْجُمُعَةَ وَالْعِيدَ إمَامًا بِخِلَافِ الْعَبْدِ .\rوَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : وَالْبَصِيرُ أَوْلَى مِنْ الْأَعْمَى ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ بِعِلْمِهِ ، وَيَتَوَقَّى النَّجَاسَاتِ بِبَصَرِهِ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : هُمَا سَوَاءٌ ؛ لِأَنَّ الْأَعْمَى أَخْشَعُ ، لِأَنَّهُ لَا يَشْتَغِلُ فِي الصَّلَاةِ بِالنَّظَرِ إلَى مَا يُلْهِيهِ ، فَيَكُونُ ذَلِكَ فِي مُقَابَلَةِ فَضِيلَةِ الْبَصِيرِ عَلَيْهِ ، فَيَتَسَاوَيَانِ .\rوَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ؛ لِأَنَّ الْبَصِيرَ لَوْ أَغْمَضَ عَيْنَيْهِ كَانَ مَكْرُوهًا ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ فَضِيلَةً لَكَانَ مُسْتَحَبًّا ، لِأَنَّهُ يُحَصِّلُ بِتَغْمِيضِهِ مَا يُحَصِّلُهُ الْأَعْمَى ، وَلِأَنَّ الْبَصِيرَ إذَا غَضَّ بَصَرَهُ مَعَ إمْكَانِ النَّظَرِ كَانَ لَهُ الْأَجْرُ فِيهِ ، لِأَنَّهُ يَتْرُكُ الْمَكْرُوهَ مَعَ إمْكَانِهِ اخْتِيَارًا ، وَالْأَعْمَى يَتْرُكُهُ اضْطِرَارًا فَكَانَ أَدْنَى حَالًا ، وَأَقَلَّ فَضِيلَةً .","part":3,"page":430},{"id":1430,"text":"( 1131 ) فَصْلٌ : وَلَا تَصِحُّ إمَامَةُ الْأَخْرَسِ بِمِثْلِهِ ، وَلَا غَيْرِهِ ، لِأَنَّهُ يَتْرُكُ رُكْنًا ، وَهُوَ الْقِرَاءَةُ ، تَرْكًا مَأْيُوسًا مِنْ زَوَالِهِ ، فَلَمْ تَصِحَّ إمَامَتُهُ ، كَالْعَاجِزِ عَنْ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ .","part":3,"page":431},{"id":1431,"text":"( 1132 ) فَصْلٌ : وَتَصِحُّ إمَامَةُ الْأَصَمِّ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُخِلُّ بِشَيْءٍ مِنْ أَفْعَالِ الصَّلَاةِ ، وَلَا شُرُوطِهَا ، فَأَشْبَهَ الْأَعْمَى ؛ فَإِنْ كَانَ أَصَمَّ أَعْمَى صَحَّتْ إمَامَتُهُ لِذَلِكَ .\rوَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا : لَا تَصِحُّ إمَامَتُهُ ؛ لِأَنَّهُ إذَا سَهَا لَا يُمْكِنُ تَنْبِيهُهُ بِتَسْبِيحٍ وَلَا إشَارَةٍ ، وَالْأَوْلَى صِحَّتُهَا ؛ فَإِنَّهُ لَا يَمْنَعُ مِنْ صِحَّةِ الصَّلَاةِ احْتِمَالُ عَارِضٍ لَا يُتَيَقَّنُ وُجُودُهُ ، كَالْمَجْنُونِ حَالَ إفَاقَتِهِ .","part":3,"page":432},{"id":1432,"text":"( 1133 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا أَقْطَعُ الْيَدَيْنِ ، فَقَالَ أَحْمَدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - : لَمْ أَسْمَعْ فِيهِ شَيْئًا .\rوَذَكَرَ الْآمِدِيُّ فِيهِ رِوَايَتَيْنِ ؛ إحْدَاهُمَا : تَصِحُّ إمَامَتُهُ .\rاخْتَارَهَا الْقَاضِي ؛ لِأَنَّهُ عَجْزٌ لَا يُخِلُّ بِرُكْنٍ فِي الصَّلَاةِ .\rفَلَمْ يَمْنَعْ صِحَّةَ إمَامَتِهِ ، كَأَقْطَعِ أَحَدِ الرِّجْلَيْنِ وَالْأَنْفِ .\rوَالثَّانِيَةُ : لَا تَصِحُّ .\rاخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ ؛ لِأَنَّهُ يُخِلُّ بِالسُّجُودِ عَلَى بَعْضِ أَعْضَاءِ السُّجُودِ ، أَشْبَهَ الْعَاجِزَ عَنْ السُّجُودِ عَلَى جَبْهَتِهِ .\rوَحُكْمُ أَقْطَعِ الْيَدِ الْوَاحِدَةِ كَالْحُكْمِ فِي قَطْعِهِمَا جَمِيعًا ، وَأَمَّا أَقْطَعُ الرِّجْلَيْنِ فَلَا يَصِحُّ الِائْتِمَامُ بِهِ ؛ لِأَنَّهُ مَأْيُوسٌ مِنْ قِيَامِهِ ، فَلَمْ تَصِحَّ إمَامَتُهُ كَالزَّمِنِ .\rوَإِنْ كَانَ مَقْطُوعَ إحْدَى الرِّجْلَيْنِ ، وَيُمْكِنُهُ الْقِيَامُ ، صَحَّتْ إمَامَتُهُ .\rوَيَتَخَرَّجُ عَلَى قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ أَنْ لَا تَصِحَّ إمَامَتُهُ ؛ لِإِخْلَالِهِ بِالسُّجُودِ عَلَى عُضْوٍ .\rوَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ؛ لِأَنَّهُ يَسْجُدُ عَلَى الْبَاقِي مِنْ رِجْلِهِ أَوْ حَائِلِهَا .","part":3,"page":433},{"id":1433,"text":"( 1134 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَإِنْ ) ( أَمَّ أُمِّيٌّ أُمِّيًّا وَقَارِئًا ) ( أَعَادَ الْقَارِئُ وَحْدَهُ ) .\rالْأُمِّيُّ مَنْ لَا يُحْسِنُ الْفَاتِحَةَ أَوْ بَعْضَهَا ، أَوْ يُخِلُّ بِحَرْفٍ مِنْهَا ، وَإِنْ كَانَ يُحْسِنُ غَيْرَهَا ، فَلَا يَجُوزُ لِمَنْ يُحْسِنُهَا أَنْ يَأْتَمَّ بِهِ ، وَيَصِحُّ لِمِثْلِهِ أَنْ يَأْتَمَّ بِهِ ، وَلِذَلِكَ خَصَّ الْخِرَقِيِّ الْقَارِئَ بِالْإِعَادَةِ فِيمَا إذَا أَمَّ أُمِّيًّا وَقَارِئًا .\rوَقَالَ الْقَاضِي : هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مَحْمُولَةٌ عَلَى أَنَّ الْقَارِئَ مَعَ جَمَاعَةٍ أُمِّيِّينَ حَتَّى إذَا فَسَدَتْ صَلَاةُ الْقَارِئِ بَقِيَ خَلْفَ الْإِمَامِ اثْنَانِ فَصَاعِدًا .\rفَإِنْ كَانَ مَعَهُ أُمِّيٌّ وَاحِدٌ ، وَكَانَا خَلْفَ الْإِمَامِ أَعَادَا جَمِيعًا ؛ لِأَنَّ الْأُمِّيَّ صَارَ فَذًّا .\rوَالظَّاهِرُ أَنَّ الْخِرَقِيِّ إنَّمَا قَصَدَ بَيَانَ مَنْ تَفْسُدُ صَلَاتُهُ بِالِائْتِمَامِ بِالْأُمِّيِّ ، وَهَذَا يَخُصُّ الْقَارِئَ دُونَ الْأُمِّيِّ ، وَيَجُوزُ أَنْ تَصِحَّ صَلَاةُ الْأُمِّيِّ ؛ لِكَوْنِهِ عَنْ يَمِينِ الْإِمَامِ ، أَوْ كَوْنِهِمَا جَمِيعًا عَنْ يَمِينِهِ ، أَوْ مَعَهُمْ أُمِّيٌّ آخَرُ ، وَإِنْ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ لِكَوْنِهِ فَذًّا ، فَمَا فَسَدَتْ لِائْتِمَامِهِ بِمِثْلِهِ ، إنَّمَا فَسَدَتْ لِمَعْنًى آخَرَ .\rوَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ فِي الْجَدِيدِ .\rوَقِيلَ عَنْهُ : يَصِحُّ أَنْ يَأْتَمَّ الْقَارِئُ بِالْأُمِّيِّ فِي صَلَاةِ الْإِسْرَارِ دُونَ صَلَاةِ الْجَهْرِ .\rوَقِيلَ عَنْهُ : يَجُوزُ أَنْ يَأْتَمَّ بِهِ فِي الْحَالَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ عَجَزَ عَنْ رُكْنٍ ، فَجَازَ لِلْقَادِرِ عَلَيْهِ الِائْتِمَامُ بِهِ ، كَالْقَاعِدِ بِالْقَائِمِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : تَفْسُدُ صَلَاةُ الْإِمَامِ أَيْضًا ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا أَحْرَمَ مَعَهُ الْقَارِئُ لَزِمَتْهُ الْقِرَاءَةُ عَنْهُ ، لِكَوْنِ الْإِمَامِ يَتَحَمَّلُ الْقِرَاءَةَ عَنْ الْمَأْمُومِ ، فَعَجَزَ عَنْهَا ، فَفَسَدَتْ صَلَاتُهُ .\rوَلَنَا عَلَى الْأَوَّلِ ، أَنَّهُ ائْتَمَّ بِعَاجِزٍ عَنْ رُكْنٍ سِوَى الْقِيَامِ يَقْدِرُ عَلَيْهِ الْمَأْمُومُ ، فَلَمْ تَصِحَّ ، كَالْمُؤْتَمِّ بِالْعَاجِزِ عَنْ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ ، وَلِأَنَّ الْإِمَامَ","part":3,"page":434},{"id":1434,"text":"يَتَحَمَّلُ الْقِرَاءَةَ عَنْ الْمَأْمُومِ ، وَهَذَا عَاجِزٌ عَنْ التَّحَمُّلِ لِلْقِرَاءَةِ الْوَاجِبَةِ عَلَى الْمَأْمُومِ ، فَلَمْ يَصِحَّ لَهُ الِائْتِمَامُ بِهِ ، لِئَلَّا يُفْضِيَ إلَى أَنْ يُصَلِّيَ بِغَيْرِ قِرَاءَةٍ ، وَقِيَاسُهُمْ يَبْطُلُ بِالْأَخْرَسِ وَالْعَاجِزِ عَنْ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَالْقِيَامِ ، وَلَا مَدْخَلَ لِلتَّحَمُّلِ فِيهِ ، بِخِلَافِ الْقِرَاءَةِ .\rوَلَنَا عَلَى صِحَّةِ صَلَاةِ الْإِمَامِ ، أَنَّهُ أَمَّ مَنْ لَا يَصِحُّ لَهُ الِائْتِمَامُ بِهِ ، فَلَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ ، كَمَا لَوْ أَمَّتْ امْرَأَةٌ رَجُلًا وَنِسَاءً .\rوَقَوْلُهُمْ : إنَّهُ يَلْزَمُ الْقِرَاءَةُ عَنْ الْقَارِئِ .\rلَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : { لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَا } وَمَنْ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ الْقِرَاءَةُ عَنْ نَفْسِهِ ، فَعَنْ غَيْرِهِ أَوْلَى .\rوَإِنْ أَمَّ الْأُمِّيُّ قَارِئًا وَاحِدًا ، لَمْ تَصِحَّ صَلَاةُ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ؛ لِأَنَّ الْأُمِّيَّ نَوَى الْإِمَامَةَ وَقَدْ صَارَ فَذًّا .\r( 1135 ) فَصْلٌ : وَإِنْ صَلَّى الْقَارِئُ خَلْفَ مَنْ لَا يُعْلَمُ حَالُهُ فِي صَلَاةِ الْإِسْرَارِ صَحَّتْ صَلَاتُهُ ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ لَا يَتَقَدَّمُ إلَّا مَنْ يُحْسِنُ الْقِرَاءَةَ ، وَلَمْ يَتَخَرَّمْ الظَّاهِرُ ، فَإِنَّهُ أَسَرَّ فِي مَوْضِعِ الْإِسْرَارِ ، وَإِنْ كَانَ يُسِرُّ فِي صَلَاةِ الْجَهْرِ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا ، لَا تَصِحُّ صَلَاةُ الْقَارِئِ .\rذَكَرَهُ الْقَاضِي ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ لَوْ أَحْسَنَ الْقِرَاءَةَ لَجَهَرَ .\rوَالثَّانِي : تَصِحُّ ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ لَا يَؤُمُّ النَّاسَ إلَّا مَنْ يُحْسِنُ الْقِرَاءَةَ ، وَإِسْرَارُهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ نِسْيَانًا ، أَوْ لِجَهْلِهِ ، أَوْ لِأَنَّهُ لَا يُحْسِنُ أَكْثَرَ مِنْ الْفَاتِحَةِ ، فَلَا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِالِاحْتِمَالِ .\rفَإِنْ قَالَ : قَدْ قَرَأْتُ فِي الْإِسْرَارِ .\rصَحَّتْ الصَّلَاةُ عَلَى الْوَجْهَيْنِ ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ صِدْقُهُ .\rوَيُسْتَحَبُّ الْإِعَادَةُ احْتِرَازًا مِنْ أَنْ يَكُونَ كَاذِبًا ، وَلَوْ أَسَرَّ فِي صَلَاةِ الْإِسْرَارِ ، ثُمَّ قَالَ : مَا كُنْت قَرَأْت الْفَاتِحَةَ .\rلَزِمَهُ وَمَنْ","part":3,"page":435},{"id":1435,"text":"وَرَاءَهُ الْإِعَادَةُ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْهُ ، أَنَّهُ صَلَّى بِهِمْ الْمَغْرِبَ ، فَلَمَّا سَلَّمَ قَالَ : أَمَّا سَمِعْتُمُونِي قَرَأْتُ ؟ قَالُوا : لَا .\rقَالَ : فَمَا قَرَأْتُ فِي نَفْسِي .\rفَأَعَادَ بِهِمْ الصَّلَاةَ .\r( 1136 ) فَصْلٌ : وَمَنْ تَرَكَ حَرْفًا مِنْ حُرُوفِ الْفَاتِحَةِ ؛ لِعَجْزِهِ عَنْهُ ، أَوْ أَبْدَلَهُ بِغَيْرِهِ ، كَالْأَلْثَغِ الَّذِي يَجْعَلُ الرَّاءَ غَيْنًا ، وَالْأَرَتِّ الَّذِي يُدْغِمُ حَرْفًا فِي حَرْفٍ ، أَوْ يَلْحَنُ لَحْنًا يُحِيلُ الْمَعْنَى ، كَاَلَّذِي يَكْسِرُ الْكَافَ مِنْ إيَّاكَ ، أَوْ يَضُمُّ التَّاءَ مِنْ أَنْعَمْتَ ، وَلَا يَقْدِرُ عَلَى إصْلَاحِهِ ، فَهُوَ كَالْأُمِّيِّ ، لَا يَصِحُّ أَنْ يَأْتَمَّ بِهِ قَارِئٌ .\rوَيَجُوزُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَنْ يَؤُمَّ مِثْلَهُ ؛ لِأَنَّهُمَا أُمِّيَّانِ ، فَجَازَ لِأَحَدِهِمَا الِائْتِمَامُ بِالْآخَرِ ، كَاَللَّذَيْنِ لَا يُحْسِنَانِ شَيْئًا .\rوَإِنْ كَانَ يَقْدِرُ عَلَى إصْلَاحِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فَلَمْ يَفْعَلْ ، لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ ، وَلَا صَلَاةُ مَنْ يَأْتَمُّ بِهِ .\r( 1137 ) فَصْلٌ : إذَا كَانَ رَجُلَانِ لَا يُحْسِنُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا الْفَاتِحَةَ ، وَأَحَدُهُمَا يُحْسِنُ سَبْعَ آيَاتٍ مِنْ غَيْرِهَا ، وَالْآخَرُ لَا يُحْسِنُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ ، فَهُمَا أُمِّيَّانِ ، لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الِائْتِمَامُ بِالْآخَرِ ، وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَؤُمَّ الَّذِي يُحْسِنُ الْآيَاتِ ؛ لِأَنَّهُ أَقْرَأُ ، وَعَلَى هَذَا كُلُّ مَنْ لَا يُحْسِنُ الْفَاتِحَةَ ، يَجُوزُ أَنْ يَؤُمَّ مَنْ لَا يُحْسِنُهَا ، سَوَاءٌ اسْتَوَيَا فِي الْجَهْلِ أَوْ كَانَا مُتَفَاوِتَيْنِ فِيهِ .\r( 1138 ) فَصْلٌ : تُكْرَهُ إمَامَةُ اللَّحَّان ، الَّذِي لَا يُحِيلُ الْمَعْنَى ، نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .\rوَتَصِحُّ صَلَاتُهُ بِمَنْ لَا يَلْحَنُ ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِفَرْضِ الْقِرَاءَةِ ، فَإِنْ أَحَالَ الْمَعْنَى فِي غَيْرِ الْفَاتِحَةِ ، لَمْ يُمْنَعْ صِحَّةُ الصَّلَاةِ ، وَلَا الِائْتِمَامِ بِهِ ، إلَّا أَنْ يَتَعَمَّدَهُ ، فَتَبْطُلَ صَلَاتُهُمَا .\r( 1139 ) فَصْلٌ : وَمَنْ لَا يُفْصِحُ بِبَعْضِ الْحُرُوفِ ، كَالضَّادِ وَالْقَافِ ، فَقَالَ الْقَاضِي : تُكْرَهُ","part":3,"page":436},{"id":1436,"text":"إمَامَتُهُ ، وَتَصِحُّ ، أَعْجَمِيًّا كَانَ أَوْ عَرَبِيًّا ، وَقِيلَ فِي مَنْ قَرَأَ { وَلَا الضَّالِّينَ } بِالظَّاءِ : لَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ ؛ لِأَنَّهُ يُحِيلُ الْمَعْنَى يُقَالُ : ظَلَّ يَفْعَلُ كَذَا : إذَا فَعَلَهُ نَهَارًا ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْأَلْثَغِ .\rوَتُكْرَهُ إمَامَةُ التَّمْتَامِ - وَهُوَ مَنْ يُكَرِّرُ التَّاءَ - ، وَالْفَأْفَاءِ ، وَهُوَ مَنْ يُكَرِّرُ الْفَاءَ .\rوَتَصِحُّ الصَّلَاةُ خَلْفَهُمَا ؛ لِأَنَّهُمَا يَأْتِيَانِ بِالْحُرُوفِ عَلَى الْكَمَالِ ، وَيَزِيدَانِ زِيَادَةً هُمَا مَغْلُوبَانِ عَلَيْهَا ، فَعُفِيَ عَنْهَا ، وَيُكْرَهُ تَقْدِيمُهُمَا لِهَذِهِ الزِّيَادَةِ .","part":3,"page":437},{"id":1437,"text":"( 1140 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِنْ صَلَّى خَلْفَ مُشْرِكٍ أَوْ امْرَأَةٍ أَوْ خُنْثَى مُشْكِلٍ ، أَعَادَ الصَّلَاةَ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْكَافِرَ لَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ خَلْفَهُ بِحَالٍ سَوَاءٌ عَلِمَ بِكُفْرِهِ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ الصَّلَاةِ ، أَوْ قَبْلَ ذَلِكَ ، وَعَلَى مَنْ صَلَّى وَرَاءَهُ الْإِعَادَةُ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ، وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ ، وَالْمُزَنِيُّ : لَا إعَادَةَ عَلَى مَنْ صَلَّى خَلْفَهُ ، وَهُوَ لَا يَعْلَمُ ؛ لِأَنَّهُ ائْتَمَّ بِمَنْ لَا يُعْلَمُ حَالُهُ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ ائْتَمَّ بِمُحْدِثٍ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ ائْتَمَّ بِمَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاةِ ، فَلَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ ، كَمَا لَوْ ائْتَمَّ بِمَجْنُونٍ ، وَأَمَّا الْمُحْدِثُ فَيُشْتَرَطُ أَنْ لَا يَعْلَمَ حَدَثَ نَفْسِهِ ، وَالْكَافِرُ يَعْلَمُ حَالَ نَفْسِهِ .\rوَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَلَا يَصِحُّ أَنْ يَأْتَمَّ بِهَا الرَّجُلُ بِحَالٍ ، فِي فَرْضٍ وَلَا نَافِلَةٍ ، فِي قَوْلِ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ ، وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ : لَا إعَادَةَ عَلَى مَنْ صَلَّى خَلْفَهَا .\rوَهُوَ قِيَاسُ قَوْلِ الْمُزَنِيّ وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا : يَجُوزُ أَنْ تَؤُمَّ الرِّجَالَ فِي التَّرَاوِيحِ ، وَتَكُونَ وَرَاءَهُمْ ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ أُمِّ وَرَقَةَ بِنْتِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ ، { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَعَلَ لَهَا مُؤَذِّنًا يُؤَذِّنُ لَهَا ، وَأَمَرَهَا أَنْ تَؤُمَّ أَهْلَ دَارِهَا .\r} رَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَهَذَا عَامٌّ فِي الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ .\rوَلَنَا قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا تَؤُمَّنَّ امْرَأَةٌ رَجُلًا } ، وَلِأَنَّهَا لَا تُؤَذِّنُ لِلرِّجَالِ ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ تَؤُمَّهُمْ ، كَالْمَجْنُونِ .\rوَحَدِيثُ أُمِّ وَرَقَةَ إنَّمَا أَذِنَ لَهَا أَنْ تَؤُمَّ نِسَاءَ أَهْلِ دَارِهَا ، كَذَلِكَ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ .\rوَهَذِهِ زِيَادَةٌ يَجِبُ قَبُولُهَا ، وَلَوْ لَمْ يُذْكَرْ ذَلِكَ لَتَعَيَّنَ حَمْلُ الْخَبَرِ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ أَذِنَ لَهَا أَنْ تَؤُمَّ فِي الْفَرَائِضِ ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ جَعَلَ لَهَا مُؤَذِّنًا ، وَالْأَذَانُ إنَّمَا يُشْرَعُ فِي","part":3,"page":438},{"id":1438,"text":"الْفَرَائِضِ ، وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهَا لَا تَؤُمُّهُمْ فِي الْفَرَائِضِ ، وَلِأَنَّ تَخْصِيصَ ذَلِكَ بِالتَّرَاوِيحِ وَاشْتِرَاطَ تَأَخُّرِهَا تَحَكُّمٌ يُخَالِفُ الْأُصُولَ بِغَيْرِ دَلِيلٍ ، فَلَا يَجُوزُ الْمَصِيرُ إلَيْهِ ، وَلَوْ قُدِّرَ ثُبُوتُ ذَلِكَ لِأُمِّ وَرَقَةَ ، لَكَانَ خَاصًّا بِهَا ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يُشْرَعُ لِغَيْرِهَا مِنْ النِّسَاءِ أَذَانٌ وَلَا إقَامَةٌ ، فَتَخْتَصُّ بِالْإِمَامَةِ لِاخْتِصَاصِهَا بِالْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ .\rوَأَمَّا الْخُنْثَى فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَؤُمَّ رَجُلًا ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ امْرَأَةً ، وَلَا يَؤُمُّ خُنْثَى مِثْلَهُ ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْإِمَامُ امْرَأَةً وَالْمَأْمُومُ رَجُلًا .\rوَلَا يَجُوزُ أَنْ تَؤُمَّهُ امْرَأَةٌ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ رَجُلًا .\rقَالَ الْقَاضِي : رَأَيْت لِأَبِي حَفْصٍ الْبَرْمَكِيِّ أَنَّ الْخُنْثَى لَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ فِي جَمَاعَةٍ ؛ لِأَنَّهُ إنْ قَامَ مَعَ الرِّجَالِ احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ امْرَأَةً ، وَإِنْ قَامَ مَعَ النِّسَاءِ أَوْ وَحْدَهُ أَوْ ائْتَمَّ بِامْرَأَةٍ احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ رَجُلًا ، وَإِنْ أَمَّ الرِّجَالَ احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ امْرَأَةً .\rوَإِنْ أَمَّ النِّسَاءَ فَقَامَ وَسَطَهُنَّ احْتَمَلَ أَنَّهُ رَجُلٌ ، وَإِنْ قَامَ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ احْتَمَلَ أَنَّهُ امْرَأَةٌ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ ، وَفِي صُورَةٍ أُخْرَى ، وَهُوَ أَنْ يَقُومَ فِي صَفِّ الرِّجَالِ مَأْمُومًا ؛ فَإِنَّ الْمَرْأَةَ إذَا قَامَتْ فِي صَفِّ الرِّجَالِ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهَا وَلَا صَلَاةُ مَنْ يَلِيهَا .\r( 1141 ) فَصْلٌ : يُكْرَهُ أَنْ يَؤُمَّ الرَّجُلُ نِسَاءً أَجَانِبَ ، لَا رَجُلَ مَعَهُنَّ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى أَنْ يَخْلُوَ الرَّجُلُ بِالْمَرْأَةِ الْأَجْنَبِيَّةِ .\rوَلَا بَأْسَ أَنْ يَؤُمَّ ذَوَاتَ مَحَارِمِهِ ، وَأَنْ يَؤُمَّ النِّسَاءَ مَعَ الرِّجَالِ ، فَإِنَّ النِّسَاءَ كُنَّ يُصَلِّينَ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَسْجِدِ ، وَقَدْ أَمَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نِسَاءً ، وَقَدْ أَمَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ","part":3,"page":439},{"id":1439,"text":"وَسَلَّمَ أَنَسًا وَأُمَّهُ فِي بَيْتِهِمْ .\r( 1142 ) فَصْلٌ : إذَا صَلَّى خَلْفَ مَنْ شَكَّ فِي إسْلَامِهِ ، أَوْ كَوْنِهِ خُنْثَى ، فَصَلَاتُهُ صَحِيحَةٌ ، مَا لَمْ يَبِنْ كُفْرُهُ ، وَكَوْنُهُ خُنْثَى مُشْكِلًا ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ الْمُصَلِّينَ الْإِسْلَامُ ، سِيَّمَا إذَا كَانَ إمَامًا ، وَالظَّاهِرُ السَّلَامَةُ مِنْ كَوْنِهِ خُنْثَى ، سِيَّمَا مَنْ يَؤُمُّ الرِّجَالَ ، فَإِنْ تَبَيَّنَ بَعْدَ الصَّلَاةِ أَنَّهُ كَانَ كَافِرًا أَوْ خُنْثَى مُشْكِلًا ، فَعَلَيْهِ الْإِعَادَةُ عَلَى مَا بَيَّنَّا .\rوَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ مِمَّنْ يُسْلِمُ تَارَةً وَيَرْتَدُّ أُخْرَى ، لَمْ يُصَلِّ خَلْفَهُ ، حَتَّى يَعْلَمَ عَلَى أَيِّ دِينٍ هُوَ ، فَإِنْ صَلَّى خَلْفَهُ ، وَهُوَ لَمْ يَعْلَمْ مَا هُوَ عَلَيْهِ نَظَرْنَا ؛ فَإِنْ كَانَ قَدْ عَلِمَ قَبْلَ الصَّلَاةِ إسْلَامَهُ ، وَشَكَّ فِي رِدَّتِهِ ، فَهُوَ مُسْلِمٌ .\rوَإِنْ عَلِمَ رِدَّتَهُ ، وَشَكَّ فِي إسْلَامِهِ ، لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ .\rفَإِنْ كَانَ عَلِمَ إسْلَامَهُ ، فَصَلَّى خَلْفَهُ ، فَقَالَ بَعْدَ الصَّلَاةِ : مَا كُنْت أَسْلَمْت أَوْ ارْتَدَدْت .\rلَمْ تَبْطُلْ الصَّلَاةُ ؛ لِأَنَّ صَلَاتَهُ كَانَتْ صَحِيحَةً حُكْمًا ، فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُ هَذَا فِي إبْطَالِهَا ؛ لِأَنَّهُ مِمَّنْ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ .\rوَإِذَا صَلَّى خَلْفَ مَنْ عَلِمَ رِدَّتَهُ ، فَقَالَ بَعْدَ الصَّلَاةِ : قَدْ كُنْتُ أَسْلَمْتُ .\rقُبِلَ قَوْلُهُ ؛ لِأَنَّهُ مِمَّنْ يُقْبَلُ قَوْلُهُ .\rفَصْلٌ : قَالَ أَصْحَابُنَا : يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ بِالصَّلَاةِ ، سَوَاءٌ كَانَ فِي دَارِ الْحَرْبِ أَوْ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ ، وَسَوَاءٌ صَلَّى جَمَاعَةً أَوْ فُرَادَى ، فَإِنْ أَقَامَ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى الْإِسْلَامِ فَلَا كَلَامَ ، وَإِنْ لَمْ يُقِمْ عَلَيْهِ فَهُوَ مُرْتَدٌّ ، يَجْرِي عَلَيْهِ أَحْكَامُ الْمُرْتَدِّينَ .\rوَإِنْ مَاتَ قَبْلَ ظُهُورِ مَا يُنَافِي الْإِسْلَامَ فَهُوَ مُسْلِمٌ يَرِثُهُ وَرَثَتُهُ الْمُسْلِمُونَ دُونَ الْكَافِرِينَ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إنْ صَلَّى جَمَاعَةً أَوْ مُنْفَرِدًا فِي الْمَسْجِدِ ، كَقَوْلِنَا ، وَإِنْ صَلَّى فُرَادَى فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ ، لَمْ يُحْكَمْ بِإِسْلَامِهِ .\rوَقَالَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ :","part":3,"page":440},{"id":1440,"text":"لَا يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ بِحَالٍ ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ مِنْ فُرُوعِ الْإِسْلَامِ ، فَلَمْ يَصِرْ مُسْلِمًا بِفِعْلِهَا ، كَالْحَجِّ وَالصِّيَامِ ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا : لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ، فَإِذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ ، إلَّا بِحَقِّهَا .\r} وَقَالَ بَعْضُهُمْ : إنْ صَلَّى فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فَلَيْسَ بِمُسْلِمٍ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَقْصِدُ الِاسْتِتَارَ بِالصَّلَاةِ ، وَإِخْفَاءَ دِينِهِ ، وَإِنْ صَلَّى فِي دَارِ الْحَرْبِ فَهُوَ مُسْلِمٌ ؛ لِأَنَّهُ لَا تُهْمَةَ فِي حَقِّهِ .\rوَلَنَا قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { نُهِيتُ عَنْ قَتْلِ الْمُصَلِّينَ } .\rوَقَالَ : { بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ الصَّلَاةُ .\r} فَجَعَلَ الصَّلَاةَ حَدًّا بَيْنَ الْإِسْلَامِ وَالْكُفْرِ ، فَمَنْ صَلَّى فَقَدْ دَخَلَ فِي حَدِّ الْإِسْلَامِ ، وَقَالَ فِي الْمَمْلُوكِ : { فَإِذَا صَلَّى فَهُوَ أَخُوكَ } .\rوَلِأَنَّهَا عِبَادَةٌ تَخْتَصُّ بِالْمُسْلِمِينَ ، فَالْإِتْيَانُ بِهَا إسْلَامٌ كَالشَّهَادَتَيْنِ ، وَأَمَّا الْحَجُّ فَإِنَّ الْكُفَّارَ كَانُوا يَفْعَلُونَهُ ، وَالصِّيَامُ إمْسَاكٌ عَنْ الْمُفْطِرَاتِ ، وَقَدْ يَفْعَلُهُ مَنْ لَيْسَ بِصَائِمٍ .\r( 1144 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا صَلَاتُهُ فِي نَفْسِهِ ، فَأَمْرٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى ، فَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ كَانَ قَدْ أَسْلَمَ ، ثُمَّ تَوَضَّأَ وَصَلَّى بِنِيَّةٍ صَحِيحَةٍ ، فَصَلَاتُهُ صَحِيحَةٌ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ ، فَعَلَيْهِ الْإِعَادَةُ ، لِأَنَّ الْوُضُوءَ لَا يَصِحُّ مِنْ كَافِرٍ ، وَإِذَا لَمْ يُسْلِمْ قَبْلَ الصَّلَاةِ ، كَانَ حَالَ شُرُوعِهِ فِيهَا غَيْرَ مُسْلِمٍ ، وَلَا مُتَطَهِّرٍ ، فَلَمْ يَصِحَّ مِنْهُ .","part":3,"page":441},{"id":1441,"text":"( 1145 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَإِنْ صَلَّتْ امْرَأَةٌ بِالنِّسَاءِ قَامَتْ مَعَهُنَّ فِي الصَّفِّ وَسَطًا ) .\rاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ ، هَلْ يُسْتَحَبُّ أَنْ تُصَلِّي الْمَرْأَةُ بِالنِّسَاءِ جَمَاعَةً ؟ فَرُوِيَ أَنَّ ذَلِكَ مُسْتَحَبٌّ ، وَمِمَّنْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّ الْمَرْأَةَ تَؤُمُّ النِّسَاءَ عَائِشَةُ ، وَأُمُّ سَلَمَةَ ، وَعَطَاءٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ .\rوَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، أَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُسْتَحَبٍّ وَكَرِهَهُ أَصْحَابُ الرَّأْيِ ، وَإِنْ فَعَلَتْ أَجْزَأَهُنَّ .\rوَقَالَ الشَّعْبِيُّ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَقَتَادَةُ : لَهُنَّ ذَلِكَ فِي التَّطَوُّعِ دُونَ الْمَكْتُوبَةِ .\rوَقَالَ الْحَسَنُ ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ : لَا تَؤُمُّ فِي فَرِيضَةٍ وَلَا نَافِلَةٍ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : لَا يَنْبَغِي لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَؤُمَّ أَحَدًا ، لِأَنَّهُ يُكْرَهُ لَهَا الْأَذَانُ ، وَهُوَ دُعَاءٌ إلَى الْجَمَاعَةِ ، فَكُرِهَ لَهَا مَا يُرَادُ الْأَذَانُ لَهُ .\rوَلَنَا حَدِيثُ أُمِّ وَرَقَةَ وَلِأَنَّهُنَّ مِنْ أَهْلِ الْفَرْضِ ، فَأَشْبَهْنَ الرِّجَالَ ، وَإِنَّمَا كُرِهَ لَهُنَّ الْأَذَانُ لِمَا فِيهِ مِنْ رَفْعِ الصَّوْتِ ، وَلَسْنَ مِنْ أَهْلِهِ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّهَا إذَا صَلَّتْ بِهِنَّ قَامَتْ فِي وَسَطِهِنَّ ، لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا بَيْنَ مَنْ رَأَى لَهَا أَنْ تَؤُمَّهُنَّ ، وَلِأَنَّ الْمَرْأَةَ يُسْتَحَبُّ لَهَا التَّسَتُّرُ ، وَلِذَلِكَ لَا يُسْتَحَبُّ لَهَا التَّجَافِي ، وَكَوْنُهَا فِي وَسَطِ الصَّفِّ أَسْتَرُ لَهَا ؛ لِأَنَّهَا تَسْتَتِرُ بِهِنَّ مِنْ جَانِبَيْهَا ، فَاسْتُحِبَّ لَهَا ذَلِكَ كَالْعُرْيَانِ ، فَإِنْ صَلَّتْ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ احْتَمَلَ أَنْ يَصِحَّ ؛ لِأَنَّهُ مَوْقِفٌ فِي الْجُمْلَةِ ، وَلِهَذَا كَانَ مَوْقِفًا لِلرَّجُلِ ، وَاحْتَمَلَ أَنْ لَا يَصِحَّ ؛ لِأَنَّهَا خَالَفَتْ مَوْقِفَهَا ، أَشْبَهَ مَا لَوْ خَالَفَ الرَّجُلُ مَوْقِفَهُ .\r( 1146 ) فَصْلٌ : وَتَجْهَرُ فِي صَلَاةِ الْجَهْرِ ، وَإِنْ كَانَ ثُمَّ رِجَالٌ لَا تَجْهَرُ ، إلَّا أَنْ يَكُونُوا مِنْ مَحَارِمِهَا ، فَلَا بَأْسَ .\rفَصْلٌ : وَيُبَاحُ لَهُنًّ حُضُورُ","part":3,"page":442},{"id":1442,"text":"الْجَمَاعَةِ مَعَ الرِّجَالِ ؛ لِأَنَّ النِّسَاءَ كُنَّ يُصَلِّينَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ عَائِشَةُ : { كَانَ النِّسَاءُ يُصَلِّينَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ يَنْصَرِفْنَ مُتَلَفِّعَاتٍ بِمُرُوطِهِنَّ ، مَا يُعْرَفْنَ مِنْ الْغَلَسِ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا تَمْنَعُوا إمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّهِ ، وَلْيَخْرُجْنَ تَفِلَاتٍ .\rيَعْنِي غَيْرَ مُتَطَيِّبَاتٍ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَصَلَاتُهَا فِي بَيْتِهَا خَيْرٌ لَهَا وَأَفْضَلُ لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا تَمْنَعُوا نِسَاءَكُمْ الْمَسَاجِدَ ، وَبُيُوتُهُنَّ خَيْرٌ لَهُنَّ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { صَلَاةُ الْمَرْأَةِ فِي بَيْتِهَا أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهَا فِي حُجْرَتِهَا ، وَصَلَاتُهَا فِي مَخْدَعِهَا أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهَا فِي بَيْتِهَا } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .","part":3,"page":443},{"id":1443,"text":"( 1148 ) فَصْلٌ : إذَا أَمَّتْ الْمَرْأَةُ امْرَأَةً وَاحِدَةً ، قَامَتْ الْمَرْأَةُ عَنْ يَمِينِهَا ، كَالْمَأْمُومِ مَعَ الرِّجَالِ ، وَإِنْ صَلَّتْ خَلْفَ رَجُلٍ قَامَتْ خَلْفَهُ ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَخِّرُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَخَّرَهُنَّ اللَّهُ } .\rوَإِنْ كَانَ مَعَهُمَا رَجُلٌ قَامَ عَنْ يَمِينِ الْإِمَامِ وَالْمَرْأَةُ خَلْفَهُمَا ، كَمَا رَوَى { أَنَسٌ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى بِهِ وَبِأُمِّهِ أَوْ خَالَتِهِ ، فَأَقَامَنِي عَنْ يَمِينِهِ ، وَأَقَامَ الْمَرْأَةَ خَلْفَنَا } .\rرَوَاهُ مُسْلِمٌ .\rوَإِنْ كَانَ مَعَ الْإِمَامِ رَجُلٌ وَصَبِيٌّ وَامْرَأَةٌ ، وَكَانُوا فِي تَطَوُّعٍ ، قَامَا خَلْفَ الْإِمَامِ وَالْمَرْأَةُ خَلْفَهُمَا .\rكَمَا رَوَى أَنَسٌ { ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى بِهِمْ ، قَالَ : فَصَفَفْت أَنَا وَالْيَتِيمُ وَرَاءَهُ ، وَالْمَرْأَةُ خَلْفَنَا ، فَصَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَكْعَتَيْنِ ، ثُمَّ انْصَرَفَ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَإِنْ كَانَتْ فَرْضًا جَعَلَ الرَّجُلَ عَنْ يَمِينِهِ ، وَالْغُلَامَ عَنْ يَسَارِهِ ، كَمَا فَعَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ بِعَلْقَمَةَ وَالْأَسْوَدِ وَرَوَاهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَإِنْ وَقَفَا جَمِيعًا عَنْ يَمِينِهِ فَلَا بَأْسَ ، وَإِنْ وَقَفَا وَرَاءَهُ فَرَوَى الْأَثْرَمُ أَنَّ أَحْمَدَ تَوَقَّفَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ، وَقَالَ : مَا أَدْرِي .\rفَذُكِرَ لَهُ حَدِيثُ أَنَسٍ .\rفَقَالَ : ذَاكَ فِي التَّطَوُّعِ .\rوَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيهِ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ الصَّبِيَّ لَا يَصْلُحُ إمَامًا لِلرِّجَالِ فِي الْفَرَائِضِ فَلَمْ يُصَافَّهُمْ كَالْمَرْأَةِ .\rوَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ : يَصِحُّ ؛ لِأَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يُصَافَّ الرَّجُلَ فِي النَّفْلِ فَصَحَّ فِي الْفَرْضِ ، كَالْمُتَنَفِّلِ يَقِفُ مَعَ الْمُفْتَرِضِ ، وَلَا يُشْتَرَطُ فِي صِحَّةِ مُصَافَّتِهِ صِحَّةُ إمَامَتِهِ ، بِدَلِيلِ الْفَاسِقِ وَالْعَبْدِ وَالْمُسَافِرِ فِي الْجُمُعَةِ ، وَالْمُفْتَرِضِ مَعَ","part":3,"page":444},{"id":1444,"text":"الْمُتَنَفِّلِ ، وَيُفَارِقُ الْمَرْأَةَ ؛ لِأَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يُصَافَّ الرِّجَالَ فِي التَّطَوُّعِ وَيَؤُمَّهُمْ فِيهِ فِي رِوَايَةٍ ، بِخِلَافِ الْمَرْأَةِ .\rوَقَالَ الْحَسَنُ فِي ثَلَاثَةٍ أَحَدُهُمْ امْرَأَةٌ : يَقُومُونَ مُتَوَاتِرِينَ ، بَعْضُهُمْ خَلْفَ بَعْضٍ .\rوَلَنَا ، حَدِيثُ أَنَسٍ ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، لَا نَعْلَمُ أَحَدًا خَالَفَ فِيهِ ، إلَّا الْحَسَنَ ، وَاتِّبَاعُ السُّنَّةِ أَوْلَى ، وَقَوْلُ الْحَسَنِ يُفْضِي إلَى وُقُوفِ الرَّجُلِ وَحْدَهُ فَذًّا ، وَيَرُدُّهُ حَدِيثُ وَابِصَةَ وَعَلِيِّ بْنِ شَيْبَانَ .\rوَإِنْ اجْتَمَعَ رِجَالٌ وَصِبْيَانٌ وَخَنَاثَى وَنِسَاءٌ تَقَدَّمَ الرِّجَالُ ، ثُمَّ الصِّبْيَانُ ، ثُمَّ الْخَنَاثَى ، ثُمَّ النِّسَاءُ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { صَلَّى فَصَفَّ الرِّجَالَ ، ثُمَّ صَفَّ خَلْفَهُمْ الْغِلْمَانَ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\r( 1149 ) فَصْلٌ : وَإِنْ وَقَفَتْ الْمَرْأَةُ فِي صَفِّ الرِّجَالِ كُرِهَ ، وَلَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهَا ، وَلَا صَلَاةُ مَنْ يَلِيهَا .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : تَبْطُلُ صَلَاةُ مَنْ يَلِيهَا وَمَنْ خَلْفَهَا دُونَهَا .\rوَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ لِأَنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْ الْوُقُوفِ إلَى جَانِبِهَا ، أَشْبَهَ مَا لَوْ وَقَفَ بَيْنَ يَدَيْ الْإِمَامِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهَا لَوْ وَقَفَتْ فِي غَيْرِ صَلَاةٍ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ ، فَكَذَلِكَ فِي الصَّلَاةِ ، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ عَائِشَةَ كَانَتْ تَعْتَرِضُ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَائِمَةً وَهُوَ يُصَلِّي .\rوَقَوْلُهُمْ : إنَّهُ مَنْهِيٌّ قُلْنَا : هِيَ الْمَنْهِيَّةُ عَنْ الْوُقُوفِ مَعَ الرِّجَالِ ، وَلَمْ تَفْسُدْ صَلَاتُهَا ، فَصَلَاةُ مَنْ يَلِيهَا أَوْلَى .","part":3,"page":445},{"id":1445,"text":"( 1150 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَصَاحِبُ الْبَيْتِ أَحَقُّ بِالْإِمَامَةِ إلَّا أَنْ يَكُونَ بَعْضُهُمْ ذَا سُلْطَانٍ ) .\rوَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْجَمَاعَةَ إذَا أُقِيمَتْ فِي بَيْتٍ ، فَصَاحِبُهُ أَوْلَى بِالْإِمَامَةِ مِنْ غَيْرِهِ ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ مَنْ هُوَ أَقْرَأُ مِنْهُ وَأَفْقَهُ ، إذَا كَانَ مِمَّنْ يُمْكِنُهُ إمَامَتُهُمْ ، وَتَصِحُّ صَلَاتُهُمْ وَرَاءَهُ ، فَعَلَ ذَلِكَ ابْنُ مَسْعُودٍ ، وَأَبُو ذَرٍّ ، وَحُذَيْفَةُ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا حَدِيثَهُمْ ، وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ ، وَالشَّافِعِيُّ .\rوَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا ، وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { : وَلَا يُؤَمَّنَّ الرَّجُلُ فِي بَيْتِهِ ، وَلَا فِي سُلْطَانِهِ ، وَلَا يُجْلَسُ عَلَى تَكْرِمَتِهِ إلَّا بِإِذْنِهِ } .\rرَوَاهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ .\rوَرَوَى مَالِكُ بْنُ الْحُوَيْرِثِ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : مَنْ زَارَ قَوْمًا فَلَا يَؤُمَّهُمْ وَلْيَؤُمَّهُمْ رَجُلٌ مِنْهُمْ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَإِنْ كَانَ فِي الْبَيْتِ ذُو سُلْطَانٍ فَهُوَ أَحَقُّ مِنْ صَاحِبِ الْبَيْتِ ؛ لِأَنَّ وِلَايَتَهُ عَلَى الْبَيْتِ وَعَلَى صَاحِبِهِ وَغَيْرِهِ ، وَقَدْ أَمَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِتْبَانَ بْنَ مَالِكٍ وَأَنَسًا فِي بُيُوتِهِمَا .\r( 1151 ) فَصْلٌ : وَإِمَامُ الْمَسْجِدِ الرَّاتِبُ أَوْلَى مِنْ غَيْرِهِ ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى صَاحِبِ الْبَيْتِ وَالسُّلْطَانِ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ أَتَى أَرْضًا لَهُ ، وَعِنْدَهَا مَسْجِدٌ يُصَلِّي فِيهِ مَوْلًى لِابْنِ عُمَرَ ، فَصَلَّى مَعَهُمْ ، فَسَأَلُوهُ أَنْ يُصَلِّيَ بِهِمْ ، فَأَبَى ، وَقَالَ : صَاحِبُ الْمَسْجِدِ أَحَقُّ .\rوَلِأَنَّهُ دَاخِلٌ فِي قَوْلِهِ : { مَنْ زَارَ قَوْمًا فَلَا يَؤُمَّهُمْ .\r} ( 1152 ) فَصْلٌ : وَإِذَا أَذِنَ الْمُسْتَحِقُّ مِنْ هَؤُلَاءِ لِرَجُلٍ فِي الْإِمَامَةِ ، جَازَ وَصَارَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ أَذِنَ فِي اسْتِحْقَاقِ التَّقَدُّمِ ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" إلَّا بِإِذْنِهِ \" .\rوَلِأَنَّ الْإِمَامَةَ حَقٌّ لَهُ فَلَهُ نَقْلُهَا إلَى مَنْ شَاءَ ، قَالَ أَحْمَدُ : قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى","part":3,"page":446},{"id":1446,"text":"اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا يُؤَمُّ الرَّجُلُ فِي سُلْطَانِهِ ، وَلَا يُجْلَسُ عَلَى تَكْرِمَتِهِ فِي بَيْتِهِ إلَّا بِإِذْنِهِ } .\rأَرْجُو أَنْ يَكُونَ الْإِذْنُ فِي الْكُلِّ ، وَلَمْ يَرَ بَأْسًا إذَا أَذِنَ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ .\r( 1153 ) فَصْلٌ : وَإِنْ دَخَلَ السُّلْطَانُ بَلَدًا لَهُ فِيهِ خَلِيفَةٌ فَهُوَ أَحَقُّ مِنْ خَلِيفَتِهِ ، لِأَنَّ وِلَايَتَهُ عَلَى خَلِيفَتِهِ وَغَيْرِهِ وَلَوْ اجْتَمَعَ الْعَبْدُ وَسَيِّدُهُ فِي بَيْتِ الْعَبْدِ فَالسَّيِّدُ أَوْلَى ، لِأَنَّهُ الْمَالِكُ عَلَى الْحَقِيقَةِ ، وَوِلَايَتُهُ عَلَى الْعَبْدِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ سَيِّدُهُ مَعَهُمْ فَالْعَبْدُ أَوْلَى ؛ لِأَنَّهُ صَاحِبُ الْبَيْتِ ، وَلِذَلِكَ لَمَّا اجْتَمَعَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَحُذَيْفَةُ وَأَبُو ذَرٍّ فِي بَيْتِ أَبِي سَعِيدٍ مَوْلَى أَبِي أُسَيْدَ وَهُوَ عَبْدٌ ، تَقَدَّمَ أَبُو ذَرٍّ لِيُصَلِّيَ بِهِمْ ، فَقَالُوا لَهُ : وَرَاءَك .\rفَالْتَفَتَ إلَى أَصْحَابِهِ ، فَقَالَ : أَكَذَلِكَ ؟ قَالُوا : نَعَمْ .\rفَتَأَخَّرَ ، وَقَدَّمُوا أَبَا سَعِيدٍ ، فَصَلَّى بِهِمْ وَإِنْ اجْتَمَعَ الْمُؤَجِّرُ وَالْمُسْتَأْجِرُ فِي الدَّارِ الْمُؤَجَّرَةِ ، فَالْمُسْتَأْجِرُ أَوْلَى ؛ لِأَنَّهُ أَحَقُّ بِالسُّكْنَى وَالْمَنْفَعَةِ .\r( 1154 ) فَصْلٌ : وَالْمُقِيمُ أَوْلَى مِنْ الْمُسَافِرِ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ إمَامًا حَصَلَتْ لَهُ الصَّلَاةُ كُلُّهَا فِي جَمَاعَةٍ ، وَإِنْ أَمَّهُ الْمُسَافِرُ احْتَاجَ إلَى إتْمَامِ الصَّلَاةِ مُنْفَرِدًا .\rوَإِنْ ائْتَمَّ بِالْمُسَافِرِ جَازَ ، وَيُتِمُّ الصَّلَاةَ بَعْدَ سَلَامِ إمَامِهِ .\rفَإِنْ أَتَمَّ الْمُسَافِرُ الصَّلَاةَ جَازَتْ صَلَاتُهُمْ .\rوَحُكِيَ عَنْ أَحْمَدَ فِي صَلَاةِ الْمُقِيمِينَ رِوَايَةٌ أُخْرَى أَنَّهَا لَا تَجُوزُ ؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ نَفْلٌ أَمَّ بِهَا مُفْتَرِضِينَ .\rوَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ ؛ لِأَنَّ الْمُسَافِرَ إذَا نَوَى إتْمَامَ الصَّلَاةِ أَوْ لَمْ يَنْوِ الْقَصْرَ ، لَزِمَهُ الْإِتْمَامُ ، فَيَصِيرُ الْجَمِيعُ فَرْضًا .","part":3,"page":447},{"id":1447,"text":"( 1155 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَيَأْتَمُّ بِالْإِمَامِ مَنْ فِي أَعْلَى الْمَسْجِدِ وَغَيْرِ الْمَسْجِدِ ، إذَا اتَّصَلَتْ الصُّفُوفُ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَأْمُومُ مُسَاوِيًا لِلْإِمَامِ أَوْ أَعْلَى مِنْهُ ، كَاَلَّذِي عَلَى سَطْحِ الْمَسْجِدِ أَوْ عَلَى دِكَّةٍ عَالِيَةٍ ، أَوْ رَفٍّ فِيهِ ، رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ صَلَّى بِصَلَاةِ الْإِمَامِ عَلَى سَطْحِ الْمَسْجِدِ وَفَعَلَهُ سَالِمٌ .\rوَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَقَالَ مَالِكٌ يُعِيدُ الْجُمُعَةَ إذَا صَلَّى فَوْقَ سَطْحِ الْمَسْجِدِ بِصَلَاةِ الْإِمَامِ .\rوَلَنَا أَنَّهُمَا فِي الْمَسْجِدِ ، وَلَمْ يَعْلُ الْإِمَامُ ، فَصَحَّ أَنْ يَأْتَمَّ بِهِ كَالْمُتَسَاوِيَيْنِ ، وَلَا يُعْتَبَرُ اتِّصَالُ الصُّفُوفِ إذَا كَانَا جَمِيعًا فِي الْمَسْجِدِ .\rقَالَ الْآمِدِيُّ : لَا خِلَافَ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّهُ إذَا كَانَ فِي أَقْصَى الْمَسْجِدِ ، وَلَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْإِمَامِ مَا يَمْنَعُ الِاسْتِطْرَاقَ وَالْمُشَاهَدَةَ ، أَنَّهُ يَصِحُّ اقْتِدَاؤُهُ بِهِ ، وَإِنْ لَمْ تَتَّصِلْ الصُّفُوفُ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَسْجِدَ بُنِيَ لِلْجَمَاعَةِ ، فَكُلُّ مَنْ حَصَلَ فِيهِ فَقَدْ حَصَلَ فِي مَحَلِّ الْجَمَاعَةِ .\rوَإِنْ كَانَ الْمَأْمُومُ فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ أَوْ كَانَا جَمِيعًا فِي غَيْرِ مَسْجِدٍ ، صَحَّ أَنْ يَأْتَمَّ بِهِ ، سَوَاءٌ كَانَ مُسَاوِيًا لِلْإِمَامِ أَوْ أَعْلَى مِنْهُ ، كَثِيرًا كَانَ الْعُلُوُّ أَوْ قَلِيلًا ، بِشَرْطِ كَوْنِ الصُّفُوفِ مُتَّصِلَةً وَيُشَاهِدُ مَنْ وَرَاءَ الْإِمَامِ ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْمَأْمُومُ فِي رَحْبَةِ الْجَامِعِ ، أَوْ دَارٍ ، أَوْ عَلَى سَطْحٍ وَالْإِمَامُ عَلَى سَطْحٍ آخَرَ ، أَوْ كَانَا فِي صَحْرَاءَ ، أَوْ فِي سَفِينَتَيْنِ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ، إلَّا أَنَّهُ يَشْتَرِطُ أَنْ لَا يَكُونَ بَيْنَهُمَا مَا يَمْنَعُ الِاسْتِطْرَاقَ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ هَذَا لَا تَأْثِيرَ لَهُ فِي الْمَنْعِ مِنْ الِاقْتِدَاءِ بِالْإِمَامِ ، وَلَمْ يَرِدْ فِيهِ نَهْيٌ ، وَلَا هُوَ فِي مَعْنَى ذَلِكَ ، فَلَمْ يَمْنَعْ صِحَّةَ الِائْتِمَامِ بِهِ ، كَالْفَصْلِ","part":3,"page":448},{"id":1448,"text":"الْيَسِيرِ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّ مَعْنَى اتِّصَالِ الصُّفُوفِ أَنْ لَا يَكُونَ بَيْنَهُمَا بُعْدٌ لَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِهِ ، وَلَا يَمْنَعُ إمْكَانَ الِاقْتِدَاءِ .\rوَحُكِيَ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ حَدَّ الِاتِّصَالَ بِمَا دُونَ ثَلَاثِ مِائَةِ ذِرَاعٍ .\rوَالتَّحْدِيدَاتُ بَابُهَا التَّوْقِيفُ ، وَالْمَرْجِعُ فِيهَا إلَى النُّصُوصِ وَالْإِجْمَاعِ ، وَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا نَصًّا نَرْجِعُ إلَيْهِ وَلَا إجْمَاعًا نَعْتَمِدُ عَلَيْهِ ، فَوَجَبَ الرُّجُوعُ فِيهِ إلَى الْعُرْفِ ، كَالتَّفَرُّقِ وَالْإِحْرَازِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .\r( 1156 ) فَصْلٌ : فَإِنْ كَانَ بَيْنَ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ حَائِلٌ يَمْنَعُ رُؤْيَةَ الْإِمَامِ ، أَوْ مَنْ وَرَاءَهُ ، فَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ : فِيهِ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، لَا يَصِحُّ الِائْتِمَامُ بِهِ .\rاخْتَارَهُ الْقَاضِي ؛ لِأَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ لِنِسَاءٍ كُنَّ يُصَلِّينَ فِي حُجْرَتِهَا : لَا تُصَلِّينَ بِصَلَاةِ الْإِمَامِ ، فَإِنَّكُنَّ دُونَهُ فِي حِجَابٍ .\rوَلِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ الِاقْتِدَاءُ بِهِ فِي الْغَالِبِ .\rوَالثَّانِيَةُ : يَصِحُّ .\rقَالَ أَحْمَدُ فِي رَجُلٍ يُصَلِّي خَارِجَ الْمَسْجِدِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَأَبْوَابُ الْمَسْجِدِ مُغْلَقَةٌ : أَرْجُو أَنْ لَا يَكُونَ بِهِ بَأْسٌ .\rوَسُئِلَ عَنْ رَجُلٍ يُصَلِّي يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ الْإِمَامِ سُتْرَةٌ قَالَ : إذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ .\rوَقَالَ فِي الْمِنْبَرِ إذَا قَطَعَ الصَّفَّ : لَا يَضُرُّ .\rوَلِأَنَّهُ أَمْكَنَهُ الِاقْتِدَاءُ بِالْإِمَامِ ، فَيَصِحُّ اقْتِدَاؤُهُ بِهِ مِنْ غَيْرِ مُشَاهَدَةٍ ، كَالْأَعْمَى ، وَلِأَنَّ الْمُشَاهَدَةَ تُرَادُ لِلْعِلْمِ بِحَالِ الْإِمَامِ ، وَالْعِلْمُ يَحْصُلُ بِسَمَاعِ التَّكْبِيرِ ، فَجَرَى مَجْرَى الرُّؤْيَةِ ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْمَأْمُومُ فِي الْمَسْجِدِ أَوْ فِي غَيْرِهِ ، وَاخْتَارَ الْقَاضِي أَنَّهُ يَصِحُّ إذَا كَانَا فِي الْمَسْجِدِ ، وَلَا يَصِحُّ فِي غَيْرِهِ ؛ لِأَنَّ الْمَسْجِدَ مَحَلُّ الْجَمَاعَةِ ، وَفِي مَظِنَّةِ الْقُرْبِ ، وَلَا يَصِحُّ فِي غَيْرِهِ لِعَدَمِ هَذَا الْمَعْنَى ، وَلِخَبَرِ عَائِشَةَ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الْمَعْنَى الْمُجَوِّزَ","part":3,"page":449},{"id":1449,"text":"أَوْ الْمَانِعَ قَدْ اسْتَوَيَا فِيهِ ، فَوَجَبَ اسْتِوَاؤُهُمَا فِي الْحُكْمِ ، وَلَا بُدَّ لِمَنْ لَا يُشَاهِدُ أَنْ يَسْمَعَ التَّكْبِيرَ ، لِيُمْكِنَهُ الِاقْتِدَاءُ ، فَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ ، لَمْ يَصِحَّ ائْتِمَامُهُ بِهِ بِحَالٍ ، لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ الِاقْتِدَاءُ بِهِ .\rفَصْلٌ : وَكُلُّ مَوْضِعٍ اعْتَبَرْنَا الْمُشَاهَدَةَ ، فَإِنَّهُ يَكْفِيهِ مُشَاهَدَةُ مَنْ وَرَاءُ الْإِمَامِ ، سَوَاءٌ شَاهَدَهُ مِنْ بَابٍ أَمَامَهُ أَوْ عَنْ يَمِينِهِ أَوْ عَنْ يَسَارِهِ ، أَوْ شَاهَدَهُ طَرَفَ الصَّفِّ الَّذِي وَرَاءَهُ ، فَإِنَّ ذَلِكَ يُمْكِنُهُ الِاقْتِدَاءُ بِهِ .\rوَإِنْ كَانَتْ الْمُشَاهَدَةُ تَحْصُلُ فِي بَعْضِ أَحْوَالِ الصَّلَاةِ ، فَالظَّاهِرُ صِحَّةُ الصَّلَاةِ ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ ، قَالَتْ { : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي مِنْ اللَّيْلِ ، وَجِدَارُ الْحُجْرَةِ قَصِيرٌ ، فَرَأَى النَّاسُ شَخْصَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَامَ أُنَاسٌ يُصَلُّونَ بِصَلَاتِهِ ، وَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ بِذَلِكَ ، فَقَامَ اللَّيْلَةَ الثَّانِيَةَ ، فَقَامَ مَعَهُ أُنَاسٌ يُصَلُّونَ بِصَلَاتِهِ } .\rرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ .\rوَالظَّاهِرُ أَنَّهُمْ كَانُوا يَرَوْنَهُ فِي حَالِ قِيَامِهِ .\r( 1158 ) فَصْلٌ : وَإِذَا كَانَ بَيْنَهُمَا طَرِيقٌ أَوْ نَهْرٌ تَجْرِي فِيهِ السُّفُنُ ، أَوْ كَانَا فِي سَفِينَتَيْنِ مُفْتَرِقَتَيْنِ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا ، لَا يَصِحُّ أَنْ يَأْتَمَّ بِهِ ، وَهُوَ اخْتِيَارُ أَصْحَابِنَا ، وَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ لِأَنَّ الطَّرِيقَ لَيْسَتْ مَحَلًّا لِلصَّلَاةِ ، فَأَشْبَهَ مَا يَمْنَعُ الِاتِّصَالَ .\rوَالثَّانِي : يَصِحُّ ، وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدِي ، وَمَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ لَا نَصَّ فِي مَنْعِ ذَلِكَ ، وَلَا إجْمَاعَ وَلَا هُوَ فِي مَعْنَى ذَلِكَ ، لِأَنَّهُ لَا يَمْنَعُ الِاقْتِدَاءَ ، فَإِنَّ الْمُؤَثِّرَ فِي ذَلِكَ مَا يَمْنَعُ الرُّؤْيَةَ أَوْ سَمَاعَ الصَّوْتِ ، وَلَيْسَ هَذَا بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا ، وَقَوْلُهُمْ : إنَّ بَيْنَهُمَا مَا لَيْسَ بِمَحَلٍّ لِلصَّلَاةِ ، فَأَشْبَهَ مَا يَمْنَعُ .\rوَإِنْ سَلَّمْنَا ذَلِكَ فِي الطَّرِيقِ فَلَا","part":3,"page":450},{"id":1450,"text":"يَصِحُّ فِي النَّهْرِ ، فَإِنَّهُ تَصِحُّ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ فِي السَّفِينَةِ ، وَإِذَا كَانَ جَامِدًا ، ثُمَّ كَوْنُهُ لَيْسَ بِمَحَلٍّ لِلصَّلَاةِ إنَّمَا يَمْنَعُ الصَّلَاةَ فِيهِ ، أَمَّا الْمَنْعُ مِنْ الِاقْتِدَاءِ بِالْإِمَامِ فَتَحَكُّمٌ مَحْضٌ ، لَا يَلْزَمُ الْمَصِيرُ إلَيْهِ ، وَلَا الْعَمَلُ بِهِ ، وَلَوْ كَانَتْ صَلَاةَ جِنَازَةٍ أَوْ جُمُعَةٍ أَوْ عِيدٍ ، لَمْ يُؤَثِّرْ ذَلِكَ فِيهَا ؛ لِأَنَّهَا تَصِحُّ فِي الطَّرِيقِ ، وَقَدْ صَلَّى أَنَسٌ فِي مَوْتِ حُمَيْدٍ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بِصَلَاةِ الْإِمَامِ ، وَبَيْنَهُمَا طَرِيقٌ .","part":3,"page":451},{"id":1451,"text":"( 1159 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَلَا يَكُونُ الْإِمَامُ أَعْلَى مِنْ الْمَأْمُومِ ) .\rالْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يُكْرَهُ أَنْ يَكُونَ الْإِمَامُ أَعْلَى مِنْ الْمَأْمُومِينَ ، سَوَاءٌ أَرَادَ تَعْلِيمَهُمْ الصَّلَاةَ أَوْ لَمْ يُرِدْ ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ .\rوَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ ؛ فَإِنَّ عَلِيَّ بْنَ الْمَدِينِيِّ قَالَ : سَأَلَنِي أَحْمَدُ عَنْ حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ، وَقَالَ : إنَّمَا أَرَدْتُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ أَعْلَى مِنْ النَّاسِ .\rفَلَا بَأْسَ أَنْ يَكُونَ الْإِمَامُ أَعْلَى مِنْ النَّاسِ بِهَذَا الْحَدِيثِ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : أَخْتَارُ لِلْإِمَامِ الَّذِي يُعَلِّمُ مَنْ خَلْفَهُ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى الشَّيْءِ الْمُرْتَفِعِ ، فَيَرَاهُ مَنْ خَلْفَهُ ، فَيَقْتَدُونَ بِهِ ؛ لِمَا رَوَى سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ ، قَالَ { : لَقَدْ رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ عَلَيْهِ - يَعْنِي الْمِنْبَرَ - فَكَبَّرَ ، وَكَبَّرَ النَّاسُ وَرَاءَهُ ، ثُمَّ رَكَعَ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ ، ثُمَّ رَفَعَ فَنَزَلَ الْقَهْقَرَى حَتَّى سَجَدَ فِي أَصْلِ الْمِنْبَرِ ، ثُمَّ عَادَ حَتَّى فَرَغَ مِنْ آخِرِ صَلَاتِهِ ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ : أَيُّهَا النَّاسُ ، إنَّمَا فَعَلْتُ هَذَا لِتَأْتَمُّوا بِي ، وَلِتَعْلَمُوا صَلَاتِي } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَلَنَا ، مَا رُوِيَ أَنَّ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ كَانَ بِالْمَدَائِنِ ، فَأُقِيمَتْ الصَّلَاةُ ، فَتَقَدَّمَ عَمَّارٌ فَقَامَ عَلَى دُكَّانٍ ، وَالنَّاسُ أَسْفَلَ مِنْهُ ، فَتَقَدَّمَ حُذَيْفَةُ فَأَخَذَ بِيَدِهِ فَاتَّبَعَهُ عَمَّارٌ حَتَّى أَنْزَلَهُ حُذَيْفَةُ ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ ، قَالَ لَهُ حُذَيْفَةُ : أَلَمْ تَسْمَعْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ { : إذَا أَمَّ الرَّجُلُ الْقَوْمَ ، فَلَا يَقُومَنَّ فِي مَكَان أَرْفَعَ مِنْ مَقَامِهِمْ } ؟ قَالَ عَمَّارٌ : فَلِذَلِكَ اتَّبَعْتُك حِينَ أَخَذْتَ عَلَى يَدَيَّ .\rوَعَنْ هَمَّامٍ ، أَنَّ حُذَيْفَةَ أَمَّ النَّاسَ بِالْمَدَائِنِ عَلَى دُكَّانٍ ، فَأَخَذَ","part":3,"page":452},{"id":1452,"text":"أَبُو مَسْعُودٍ بِقَمِيصِهِ ، فَجَبَذَهُ ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ ، قَالَ : أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّهُمْ كَانُوا يُنْهَوْنَ عَنْ ذَلِكَ ؟ قَالَ : بَلَى ، فَذَكَرْتُ حِينَ مَدَدْتَنِي .\rرَوَاهُمَا أَبُو دَاوُد .\rوَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ، أَنَّ رَجُلًا تَقَدَّمَ يَؤُمُّ بِقَوْمٍ عَلَى مَكَان ، فَقَامَ عَلَى دُكَّانٍ ، فَنَهَاهُ ابْنُ مَسْعُودٍ ، وَقَالَ لِلْإِمَامِ : اسْتَوِ مَعَ أَصْحَابِك .\rوَلِأَنَّهُ يَحْتَاجُ أَنْ يَقْتَدِيَ بِإِمَامِهِ ، فَيَنْظُرَ رُكُوعَهُ وَسُجُودَهُ ، فَإِذَا كَانَ أَعْلَى مِنْهُ احْتَاجَ أَنْ يَرْفَعَ بَصَرَهُ إلَيْهِ لِيُشَاهِدَهُ ، وَذَلِكَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ فِي الصَّلَاةِ .\rفَأَمَّا حَدِيثُ سَهْلٍ ، فَالظَّاهِرُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ عَلَى الدَّرَجَةِ السُّفْلَى ، لِئَلَّا يَحْتَاجَ إلَى عَمَلٍ كَبِيرٍ فِي الصُّعُودِ وَالنُّزُولِ ، فَيَكُونَ ارْتِفَاعًا يَسِيرًا ، فَلَا بَأْسَ بِهِ ، جَمْعًا بَيْنَ الْأَخْبَارِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَخْتَصَّ ذَلِكَ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ لِأَنَّهُ فَعَلَ شَيْئًا وَنَهَى عَنْهُ ، فَيَكُونُ فِعْلُهُ لَهُ وَنَهْيُهُ لِغَيْرِهِ ، وَلِذَلِكَ لَا يُسْتَحَبُّ مِثْلُهُ لِغَيْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rوَلِأَنَّ النَّبِيَّ لَمْ يُتِمَّ الصَّلَاةَ عَلَى الْمِنْبَرِ ، فَإِنَّ سُجُودَهُ وَجُلُوسَهُ إنَّمَا كَانَ عَلَى الْأَرْضِ ، بِخِلَافِ مَا اخْتَلَفْنَا فِيهِ .\r( 1160 ) فَصْلٌ : وَلَا بَأْسَ بِالْعُلُوِّ الْيَسِيرِ ؛ لِحَدِيثِ سَهْلٍ ، وَلِأَنَّ النَّهْيَ مُعَلَّلٌ بِمَا يُفْضِي إلَيْهِ مِنْ رَفْعِ الْبَصَرِ فِي الصَّلَاةِ ، وَهَذَا يَخُصُّ الْكَثِيرَ ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْيَسِيرُ مِثْلَ دَرَجَةِ الْمِنْبَرِ وَنَحْوِهَا ، لِمَا ذَكَرْنَا فِي حَدِيثِ سَهْلٍ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .\r( 1161 ) فَصْلٌ : فَإِنْ صَلَّى الْإِمَامُ فِي مَكَان أَعْلَى مِنْ الْمَأْمُومِينَ ، فَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ : لَا تَصِحُّ صَلَاتُهُمْ .\rوَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ يَقْتَضِي فَسَادَ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : لَا تَبْطُلُ وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ ؛ لِأَنَّ عَمَّارًا أَتَمَّ صَلَاتَهُ ؛ وَلَوْ كَانَتْ","part":3,"page":453},{"id":1453,"text":"فَاسِدَةً ، لَاسْتَأْنَفَهَا ، وَلِأَنَّ النَّهْيَ مُعَلَّلٌ بِمَا يُفْضِي إلَيْهِ مِنْ رَفْعِ الْبَصَرِ فِي الصَّلَاةِ ، وَذَلِكَ لَا يُفْسِدُهَا ، فَسَبَبُهُ أَوْلَى .\r( 1162 ) فَصْلٌ : وَإِنْ كَانَ مَعَ الْإِمَامِ مَنْ هُوَ مُسَاوٍ لَهُ أَوْ أَعْلَى مِنْهُ ، وَمَنْ هُوَ أَسْفَلَ مِنْهُ اخْتَصَّتْ الْكَرَاهَةُ بِمَنْ هُوَ أَسْفَلَ مِنْهُ ، لِأَنَّ الْمَعْنَى وُجِدَ فِيهِمْ دُونَ غَيْرِهِمْ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَتَنَاوَلَ النَّهْيُ الْإِمَامَ ؛ لِكَوْنِهِ مَنْهِيًّا عَنْ الْقِيَامِ فِي مَكَان أَعْلَى مِنْ مَقَامِهِمْ ، فَعَلَى هَذَا الِاحْتِمَالِ تَبْطُلُ صَلَاةُ الْجَمِيعِ عِنْدَ مَنْ أَبْطَلَ الصَّلَاةَ بِارْتِكَابِ النَّهْيِ .","part":3,"page":454},{"id":1454,"text":"( 1163 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَمَنْ صَلَّى خَلْفَ الصَّفِّ وَحْدَهُ ، أَوْ قَامَ بِجَنْبِ الْإِمَامِ عَنْ يَسَارِهِ ، أَعَادَ الصَّلَاةَ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ مَنْ صَلَّى وَحْدَهُ رَكْعَةً كَامِلَةً ، لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ .\rوَهَذَا قَوْلُ النَّخَعِيِّ ، وَالْحَكَمِ ، وَالْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ ، وَإِسْحَاقَ ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ .\rوَأَجَازَهُ الْحَسَنُ ، وَمَالِكٌ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ؛ لِأَنَّ أَبَا بَكْرَةَ رَكَعَ دُونَ الصَّفِّ ، فَلَمْ يَأْمُرْهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْإِعَادَةِ ، وَلِأَنَّهُ مَوْقِفٌ لِلْمَرْأَةِ فَكَانَ مَوْقِفًا لِلرَّجُلِ ، كَمَا لَوْ كَانَ مَعَ جَمَاعَةٍ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى وَابِصَةُ بْنُ مَعْبَدٍ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { رَأَى رَجُلًا يُصَلِّي خَلْفَ الصَّفِّ وَحْدَهُ ، فَأَمَرَهُ أَنْ يُعِيدَ .\r} رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَغَيْرُهُ .\rوَقَالَ أَحْمَدُ : حَدِيثُ وَابِصَةَ حَسَنٌ .\rوَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : ثَبَّتَ الْحَدِيثَ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ .\rوَفِي لَفْظٍ : { سُئِلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ رَجُلٍ صَلَّى وَرَاءُ الصُّفُوفِ وَحْدَهُ .\rقَالَ : يُعِيدُ } .\rرَوَاهُ تَمَّامٌ فِي \" الْفَوَائِدِ \" .\rوَعَنْ عَلِيِّ بْنِ شَيْبَانَ ، أَنَّهُ { صَلَّى بِهِمْ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَانْصَرَفَ وَرَجُلٌ فَرْدٌ خَلْفَ الصَّفِّ ، فَوَقَفَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى انْصَرَفَ الرَّجُلُ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اسْتَقْبِلْ صَلَاتَك ، وَلَا صَلَاةَ لِفَرْدٍ خَلْفَ الصَّفِّ .\r} .\rرَوَاهُ الْأَثْرَمُ .\rوَقَالَ : قُلْت لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ : حَدِيثُ مُلَازِمِ بْنِ عَمْرٍو - يَعْنِي هَذَا الْحَدِيثَ فِي هَذَا أَيْضًا - حَسَنٌ ؟ قَالَ : نَعَمْ وَلِأَنَّهُ خَالَفَ الْمَوْقِفَ ، فَلَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ ، كَمَا لَوْ وَقَفَ أَمَامَ الْإِمَامِ ، فَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي بَكْرَةَ ، فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ نَهَاهُ فَقَالَ : \" لَا تُعِدْ \" .\rوَالنَّهْيُ يَقْتَضِي الْفَسَادَ ، وَعُذْرُهُ فِيمَا فَعَلَهُ لِجَهْلِهِ","part":3,"page":455},{"id":1455,"text":"بِتَحْرِيمِهِ ، وَلِلْجَهْلِ تَأْثِيرٌ فِي الْعَفْوِ ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ مَوْقِفًا لِلْمَرْأَةِ كَوْنُهُ مَوْقِفًا لِلرَّجُلِ ، بِدَلِيلِ اخْتِلَافِهِمَا فِي كَرَاهِيَةِ الْوُقُوفِ وَاسْتِحْبَابِهِ .\rوَأَمَّا إذَا وَقَفَ عَنْ يَسَارِ الْإِمَامِ ، فَإِنْ كَانَ عَنْ يَمِينِ الْإِمَامِ أَحَدٌ ، صَحَّتْ صَلَاتُهُ ؛ لِأَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ صَلَّى بَيْنَ عَلْقَمَةَ وَالْأَسْوَدِ ، فَلَمَّا فَرَغُوا قَالَ : هَكَذَا رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَلَ .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَلِأَنَّ وَسَطَ الصَّفِّ مَوْقِفٌ لِلْإِمَامِ فِي حَقِّ النِّسَاءِ وَالْعُرَاةِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَنْ يَمِينِهِ أَحَدٌ فَصَلَاةُ مَنْ وَقَفَ عَنْ يَسَارِهِ فَاسِدَةٌ ، سَوَاءٌ كَانَ وَاحِدًا أَوْ جَمَاعَةً ، وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ يَرَوْنَ لِلْمَأْمُومِ الْوَاحِدِ أَنْ يَقِفَ عَنْ يَمِينِ الْإِمَامِ ، وَأَنَّهُ إنْ وَقَفَ عَنْ يَسَارِهِ ، خَالَفَ السُّنَّةَ .\rوَحُكِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، أَنَّهُ كَانَ إذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ إلَّا مَأْمُومٌ وَاحِدٌ جَعَلَهُ عَنْ يَسَارِهِ .\rوَقَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ : إنْ وَقَفَ عَنْ يَسَارِ الْإِمَامِ صَحَّتْ صَلَاتُهُ ؛ لِأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ لَمَّا أَحْرَمَ عَنْ يَسَارِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَدَارَهُ عَنْ يَمِينِهِ ، وَلَمْ تَبْطُلْ تَحْرِيمَتُهُ ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مَوْقِفًا ، لَاسْتَأْنَفَ التَّحْرِيمَةَ ، كَأَمَامِ الْإِمَامِ ، وَلِأَنَّهُ مَوْقِفٌ فِيمَا إذَا كَانَ عَنْ الْجَانِبِ الْآخَرِ آخَرُ ، فَكَانَ مَوْقِفًا ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ آخَرُ كَالْيَمِينِ ، وَلِأَنَّهُ أَحَدُ جَانِبَيْ الْإِمَامِ ، فَأَشْبَهَ الْيَمِينَ .\rوَلَنَا ، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ ، قَالَ : { قَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي مِنْ اللَّيْلِ ، فَجِئْت ، فَقُمْت فَوَقَفْت عَنْ يَسَارِهِ ، فَأَخَذَ بِذُؤَابَتِي ، فَأَدَارَنِي عَنْ يَمِينِهِ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَرَوَى جَابِرٌ ، قَالَ : { قَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي ، فَجِئْت ، فَوَقَفْت عَنْ يَسَارِهِ ، فَأَدَارَنِي عَنْ يَمِينِهِ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .","part":3,"page":456},{"id":1456,"text":"وَقَوْلُهُمْ : إنَّهُ لَمْ يَأْمُرْهُ بِابْتِدَاءِ التَّحْرِيمَةِ .\rقُلْنَا : لِأَنَّ مَا فَعَلَهُ قَبْلَ الرُّكُوعِ لَا يُؤَثِّرُ ، فَإِنَّ الْإِمَامَ يُحْرِمُ قَبْلَ الْمَأْمُومِينَ ، وَلَا يَضُرُّ انْفِرَادُهُ بِمَا قَبْلَ إحْرَامِهِمْ ، وَكَذَلِكَ الْمَأْمُومُونَ يُحْرِمُ أَحَدُهُمْ قَبْلَ الْبَاقِينَ فَلَا يَضُرُّ ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ الْعَفْوِ عَنْ ذَلِكَ الْعَفْوُ عَنْ رَكْعَةٍ كَامِلَةٍ .\rوَقَوْلُهُمْ : إنَّهُ مَوْقِفٌ إذَا كَانَ عَنْ يَمِينِ الْإِمَامِ آخَرُ .\rقُلْنَا : كَوْنُهُ مَوْقِفًا فِي صُورَةٍ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ كَوْنُهُ مَوْقِفًا فِي أُخْرَى ، كَمَا خَلْفَ الصَّفِّ ، فَإِنَّهُ مَوْقِفٌ لِاثْنَيْنِ ، وَلَا يَكُونُ مَوْقِفًا لِوَاحِدٍ ، فَإِنْ مَنَعُوا هَذَا أَثْبَتْنَاهُ بِالنَّصِّ .\r( 1164 ) فَصْلٌ : فَإِنْ وَقَفَ عَنْ يَسَارِ إمَامِهِ وَخَلْفَ الْإِمَامِ صَفٌّ ، احْتَمَلَ أَنْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ ، لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَلَسَ عَنْ يَسَارِ أَبِي بَكْرٍ ، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ الْإِمَامَ وَلِأَنَّ مَعَ الْإِمَامِ مَنْ تَنْعَقِدُ صَلَاتُهُ بِهِ ، فَصَحَّ الْوُقُوفُ عَنْ يَسَارِهِ ، كَمَا لَوْ كَانَ مَعَهُ عَنْ يَمِينِهِ آخَرُ ، وَاحْتَمَلَ أَنْ لَا تَصِحَّ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَوْقِفٍ إذَا لَمْ يَكُنْ صَفٌّ ، فَلَمْ يَكُنْ مَوْقِفًا مَعَ الصَّفِّ كَأَمَامِ الْإِمَامِ ، وَفَارَقَ مَا إذَا كَانَ عَنْ يَمِينِهِ آخَرُ ، لِأَنَّهُ مَعَهُ فِي الصَّفِّ ، فَكَانَ صَفًّا وَاحِدًا ، كَمَا لَوْ كَانَ وَقَفَ مَعَهُ خَلْفَ الصَّفِّ .\r( 1165 ) فَصْلٌ : السُّنَّةُ أَنْ يَقِفَ الْمَأْمُومُونَ خَلْفَ الْإِمَامِ ، فَإِنْ وَقَفُوا قُدَّامَهُ ، لَمْ تَصِحَّ ، وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ مَالِكٌ ، وَإِسْحَاقُ : تَصِحُّ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَمْنَعُ الِاقْتِدَاءَ بِهِ ، فَأَشْبَهَ مَنْ خَلْفَهُ .\rوَلَنَا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : \" إنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ \" .\rوَلِأَنَّهُ يَحْتَاجُ فِي الِاقْتِدَاءِ إلَى الِالْتِفَاتِ إلَى وَرَائِهِ ، وَلِأَنَّ ذَلِكَ لَمْ يُنْقَلْ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا هُوَ فِي مَعْنَى الْمَنْقُولِ .\rفَلَمْ","part":3,"page":457},{"id":1457,"text":"يَصِحَّ ، كَمَا لَوْ صَلَّى فِي بَيْتِهِ بِصَلَاةِ الْإِمَامِ وَيُفَارِقُ مَنْ خَلْفَ الْإِمَامِ فَإِنَّهُ لَا يَحْتَاجُ فِي الِاقْتِدَاءِ إلَى الِالْتِفَاتِ إلَى وَرَائِهِ .\r( 1166 ) فَصْلٌ : وَإِذَا كَانَ الْمَأْمُومُ وَاحِدًا ذَكَرًا ، فَالسُّنَّةُ أَنْ يَقِفَ عَنْ يَمِينِ الْإِمَامِ رَجُلًا كَانَ ، أَوْ غُلَامًا ؛ لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَنَسٍ ، وَرَوَى جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، قَالَ : { سِرْت مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَةٍ ، فَقَامَ يُصَلِّي ، فَتَوَضَّأْتُ ، ثُمَّ جِئْتُ حَتَّى قُمْتُ عَنْ يَسَارِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخَذَ بِيَدِي فَأَدَارَنِي حَتَّى أَقَامَنِي عَنْ يَمِينِهِ ، فَجَاءَ جَبَّارُ بْنُ صَخْرٍ حَتَّى قَامَ عَنْ يَسَارِهِ ، فَأَخَذَنَا بِيَدَيْهِ جَمِيعًا حَتَّى أَقَامَنَا خَلْفَهُ .\r} رَوَاهُ مُسْلِمٌ ، وَأَبُو دَاوُد .\rفَإِنْ كَانُوا ثَلَاثَةً تَقَدَّمَ الْإِمَامُ ، وَوَقَفَ الْمَأْمُومَانِ خَلْفَهُ .\rوَهَذَا قَوْلُ عُمَرَ ، وَعَلِيٍّ ، وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ ، وَالْحَسَنِ ، وَعَطَاءٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ .\rوَكَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ يَرَى أَنْ يَقِفُوا جَمِيعًا صَفًّا .\rوَلَنَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْرَجَ جَبَّارًا وَجَابِرًا ، فَجَعَلَهُمَا خَلْفَهُ ، وَلَمَّا صَلَّى بِأَنَسٍ وَالْيَتِيمِ جَعَلَهُمَا خَلْفَهُ ، وَحَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ ذَلِكَ ، وَحَدِيثُ جَابِرٍ وَجَبَّارٍ يَدُلُّ عَلَى الْفَضْلِ ؛ لِأَنَّهُ أَخَّرَهُمَا إلَى خَلْفِهِ ، وَلَا يَنْقُلُهُمَا إلَّا إلَى الْأَكْمَلِ .\rفَإِنْ كَانَ أَحَدُ الْمَأْمُومَيْنِ صَبِيًّا ، وَكَانَتْ الصَّلَاةُ تَطَوُّعًا ، جَعَلَهُمَا خَلْفَهُ ، لِخَبَرِ أَنَسٍ .\rوَإِنْ كَانَتْ فَرْضًا ، جَعَلَ الرَّجُلَ عَنْ يَمِينِهِ ، وَالْغُلَامَ عَنْ يَسَارِهِ ، كَمَا جَاءَ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ .\rوَإِنْ جَعَلَهُمَا جَمِيعًا عَنْ يَمِينِهِ جَازَ ، وَإِنْ وَقَفَهُمَا خَلْفَهُ ، فَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا : لَا تَصِحُّ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَؤُمُّهُ ، فَلَمْ يُصَافَّهُ كَالْمَرْأَةِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ تَصِحَّ ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْمُتَنَفِّلِ ، وَالْمُتَنَفِّلُ","part":3,"page":458},{"id":1458,"text":"يَصِحُّ أَنْ يُصَافَّ الْمُفْتَرِضَ ، كَذَا هَاهُنَا .\r( 1167 ) فَصْلٌ : وَإِنْ أَمَّ امْرَأَةً وَقَفَتْ خَلْفَهُ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { أَخِّرُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَخَّرَهُنَّ اللَّهُ } .\rوَلِأَنَّ أُمَّ أَنَسٍ وَقَفَتْ خَلْفَهُمَا وَحْدَهَا .\rفَإِنْ كَانَ مَعَهُمَا رَجُلٌ وَقَفَ عَنْ يَمِينِهِ ، وَوَقَفَتْ الْمَرْأَةُ خَلْفَهُمَا .\rوَإِنْ كَانَ مَعَهُمَا رَجُلَانِ وَقَفَا خَلْفَهُ ، وَوَقَفَتْ الْمَرْأَةُ خَلْفَهُمَا .\rوَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا غُلَامًا فِي تَطَوُّعٍ ، وَقَفَ الرَّجُلُ وَالْغُلَامُ وَرَاءَهُ ، وَالْمَرْأَةُ خَلْفَهُمَا ؛ لِحَدِيثِ أَنَسٍ .\rوَإِنْ كَانَتْ فَرِيضَةً ، فَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ .\rوَتَقِفُ الْمَرْأَةُ خَلْفَهُمَا .\rوَإِنْ وَقَفَتْ مَعَهُمْ فِي الصَّفِّ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ ، صَحَّ وَلَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهَا وَلَا صَلَاتُهُمْ عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِيمَا تَقَدَّمَ .\rوَإِنْ وَقَفَ الرَّجُلُ الْوَاحِدُ وَالْمَرْأَةُ خَلْفَ الْإِمَامِ .\rفَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ : لَا تَصِحُّ ؛ لِأَنَّهَا لَا تَؤُمُّهُ ، فَلَا تَكُونُ مَعَهُ صَفًّا .\rوَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ : تَصِحُّ عَلَى أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ وَقَفَ مَعَهُ مُفْتَرِضٌ صَلَاتُهُ صَحِيحَةٌ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ وَقَفَ مَعَهُ رَجُلٌ ، وَلَيْسَ مِنْ الشَّرْطِ أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ تَصِحُّ إمَامَتُهُ ، بِدَلِيلِ الْقَارِئِ .\rمَعَ الْأُمِّيِّ ، وَالْفَاسِقِ وَالْمُتَنَفِّلِ مَعَ الْمُفْتَرِضِ ( 1168 ) فَصْلٌ : إذَا كَانَ الْمَأْمُومُ وَاحِدًا ، فَكَبَّرَ عَنْ يَسَارِ الْإِمَامِ ، أَدَارَهُ الْإِمَامُ عَنْ يَمِينِهِ ، وَلَمْ تَبْطُلْ تَحْرِيمَتُهُ ، كَمَا فَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِابْنِ عَبَّاسٍ وَجَابِرٍ .\rوَإِنْ كَبَّرَ فَذًّا خَلْفَ الْإِمَامِ ، ثُمَّ تَقَدَّمَ عَنْ يَمِينِهِ ، أَوْ جَاءَ آخَرُ فَوَقَفَ مَعَهُ ، أَوْ تَقَدَّمَ إلَى صَفٍّ بَيْنَ يَدَيْهِ ، أَوْ كَانَا اثْنَيْنِ فَكَبَّرَ أَحَدُهُمَا وَتَوَسْوَسَ الْآخَرُ ، ثُمَّ كَبَّرَ قَبْلَ رَفْعِ الْإِمَامِ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ ، أَوْ كَبَّرَ وَاحِدٌ عَنْ يَمِينِهِ فَأَحَسَّ بِآخَرَ ، فَتَأَخَّرَ مَعَهُ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ الثَّانِي ، ثُمَّ أَحْرَمَ مَعَهُ أَوْ","part":3,"page":459},{"id":1459,"text":"أَحْرَمَ عَنْ يَسَارِهِ ، فَجَاءَ آخَرُ ، فَوَقَفَ عَنْ يَمِينِهِ قَبْلَ رَفْعِ الْإِمَامِ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ ، صَحَّتْ صَلَاتُهُمْ .\rوَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ ، فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ ، فِي الرَّجُلَيْنِ يَقُومَانِ خَلْفَ الْإِمَامِ ، لَيْسَ خَلْفَهُ غَيْرُهُمَا ، فَإِنْ كَبَّرَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ صَاحِبِهِ خَافَ أَنْ يَدْخُلَ فِي الصَّلَاةِ خَلْفَ الصَّفِّ ، فَقَالَ : لَيْسَ هَذَا مِنْ ذَاكَ ، ذَاكَ فِي الصَّلَاةِ بِكَمَالِهَا ، أَوْ صَلَّى رَكْعَةً كَامِلَةً ، وَمَا أَشْبَهَ هَذَا ، فَأَمَّا هَذَا فَأَرْجُو أَنْ لَا يَكُونَ بِهِ بَأْسٌ .\rوَلَوْ أَحْرَمَ رَجُلٌ خَلْفَ الصَّفِّ ، ثُمَّ خَرَجَ مِنْ الصَّفِّ رَجُلٌ فَوَقَفَ مَعَهُ ، صَحَّ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا .\r( 1169 ) فَصْلٌ : وَإِنْ كَبَّرَ الْمَأْمُومُ عَنْ يَمِينِ الْإِمَامِ ، ثُمَّ جَاءَ آخَرُ فَكَبَّرَ عَنْ يَسَارِهِ ، أَخْرَجَهُمَا الْإِمَامُ إلَى وَرَائِهِ ، كَمَا فَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِجَابِرٍ وَجَبَّارٍ ، وَلَا يَتَقَدَّمُ الْإِمَامُ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ وَرَاءَهُ ضَيِّقٌ .\rوَإِنْ تَقَدَّمَ ، جَازَ ، وَإِنْ كَبَّرَ الثَّانِي مَعَ الْأَوَّلِ عَنْ الْيَمِينِ وَخَرَجَا ، جَازَ .\rوَإِنْ دَخَلَ الثَّالِثُ ، وَهُمَا فِي التَّشَهُّدِ ، كَبَّرَ وَجَلَسَ عَنْ يَمِينِ صَاحِبِهِ ، أَوْ عَنْ يَسَارِهِ ، وَلَا يَتَأَخَّرَانِ فِي التَّشَهُّدِ ، فَإِنَّ فِي ذَلِكَ مَشَقَّةً .\r( 1170 ) فَصْلٌ : وَإِنْ أَحْرَمَ اثْنَانِ وَرَاءُ الْإِمَامِ ، فَخَرَجَ أَحَدُهُمَا لِعُذْرٍ ، أَوْ لِغَيْرِ عُذْرٍ ، دَخَلَ الْآخَرُ فِي الصَّفِّ ، أَوْ نَبَّهَ رَجُلًا فَخَرَجَ مَعَهُ ، أَوْ دَخَلَ فَوَقَفَ عَنْ يَمِينِ الْإِمَامِ ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ نَوَى الِانْفِرَادَ ، وَأَتَمَّ مُنْفَرِدًا ؛ لِأَنَّهُ عُذْرٌ حَدَثَ لَهُ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ سَبَقَ إمَامَهُ الْحَدَثُ .","part":3,"page":460},{"id":1460,"text":"( 1171 ) فَصْلٌ : إذَا دَخَلَ الْمَأْمُومُ ، فَوَجَدَ فِي الصَّفِّ فُرْجَةً ، دَخَلَ فِيهَا ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ ، وَقَفَ عَنْ يَمِينِ الْإِمَامِ ، وَلَا يُسْتَحَبُّ أَنْ يَجْذِبَ رَجُلًا ، فَيَقُومَ مَعَهُ ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ ذَلِكَ نَبَّهَ رَجُلًا فَخَرَجَ فَوَقَفَ مَعَهُ .\rوَبِهَذَا قَالَ عَطَاءٌ ، وَالنَّخَعِيُّ ، قَالَا : يَجْذِبُ رَجُلًا فَيَقُومُ مَعَهُ .\rوَكَرِهَ ذَلِكَ مَالِكٌ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَاسْتَقْبَحَهُ أَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ .\rقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ : جَوَّزَ أَصْحَابُنَا جَذْبَ رَجُلٍ يَقُومُ مَعَهُ صَفًّا ، وَاخْتَارَ هُوَ أَنْ لَا يَفْعَلَ ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّصَرُّفِ فِيهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ .\rوَالصَّحِيحُ جَوَازُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الْحَالَةَ دَاعِيَةٌ إلَيْهِ ، فَجَازَ ، كَالسُّجُودِ عَلَى ظَهْرِهِ أَوْ قَدَمِهِ حَالَ الزِّحَامِ وَلَيْسَ هَذَا تَصَرُّفًا فِيهِ ، إنَّمَا هُوَ تَنْبِيهٌ لَهُ لِيَخْرُجَ مَعَهُ ، فَجَرَى مَجْرَى مَسْأَلَتِهِ أَنْ يُصَلِّيَ مَعَهُ ؛ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { لِينُوا فِي أَيْدِي إخْوَانِكُمْ } .\rيُرِيدُ ذَلِكَ .\rفَإِنْ امْتَنَعَ مِنْ الْخُرُوجِ مَعَهُ لَمْ يُكْرِهْهُ وَصَلَّى وَحْدَهُ .","part":3,"page":461},{"id":1461,"text":"( 1172 ) فَصْلٌ : قَالَ أَحْمَدُ : يُصَلِّي الْإِمَامُ بِرَجُلٍ قَائِمٍ وَقَاعِدٍ وَيَتَقَدَّمُهُمَا .\rوَقَالَ : إذَا أَمَّ بِرَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا غَيْرُ طَاهِرٍ ، ائْتَمَّ الطَّاهِرُ مَعَهُ .\rوَهَذَا يَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ إذَا عَلِمَ الْمُحْدِثُ بِحَدَثِهِ ، فَخَرَجَ ، ائْتَمَّ الْآخَرُ إنْ كَانَ عَنْ يَمِينِ الْإِمَامِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَنْ يَمِينِهِ صَارَ عَنْ يَمِينِهِ ، كَمَا ذَكَرْنَا ، فَأَمَّا إنْ كَانَ خَلْفَهُ ، وَعَلِمَ الْمُحْدِثُ ، فَإِنَّمَا الصَّلَاةُ لَمْ تَصِحَّ .\rوَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ الْمُحْدِثُ بِحَدَثِهِ حَتَّى تَمَّتْ الصَّلَاةُ ، صَحَّتْ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ إمَامًا صَحَّ الِائْتِمَامُ بِهِ ، فَلَأَنْ تَصِحَّ مُصَافَّتُهُ أَوْلَى .","part":3,"page":462},{"id":1462,"text":"فَصْلٌ : ( 1173 ) وَمَنْ وَقَفَ مَعَهُ كَافِرٌ ، أَوْ مَنْ لَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ غَيْرَ مَا ذَكَرْنَا ، لَمْ تَصِحَّ مُصَافَّتُهُ ؛ لِأَنَّ وُجُودَهُ وَعَدَمَهُ وَاحِدٌ .\rوَإِنْ وَقَفَ مَعَهُ فَاسِقٌ ، أَوْ مُتَنَفِّلٌ ، صَارَ صَفًّا ؛ لِأَنَّهُمَا رَجُلَانِ صَلَاتُهُمَا صَحِيحَةٌ ، وَكَذَلِكَ لَوْ وَقَفَ قَارِئٌ مَعَ أُمِّيٍّ ، أَوْ مَنْ بِهِ سَلَسُ الْبَوْلِ مَعَ صَحِيحٍ ، أَوْ مُتَيَمِّمٌ مَعَ مُتَوَضِّئٍ ، كَانَا صَفًّا ؛ لِمَا ذَكَرْنَا .\rفَإِنْ وَقَفَ مَعَهُ خُنْثَى مُشْكِلٌ ، لَمْ يَكُنْ صَفًّا مَعَهُ ، إلَّا مَنْ أَجَازَ وُقُوفَ الْمَرْأَةِ مَعَ الرَّجُلِ ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ امْرَأَةً .\r( 1174 ) فَصْلٌ : وَلَوْ كَانَ مَعَ الْإِمَامِ خُنْثَى مُشْكِلٌ وَحْدَهُ ، فَالصَّحِيحُ أَنْ يَقِفَهُ عَنْ يَمِينِهِ ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ رَجُلًا فَقَدْ وَقَفَ فِي مَوْقِفِهِ ، وَإِنْ كَانَ امْرَأَةً لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهَا بِوُقُوفِهَا مَعَ الْإِمَامِ ، كَمَا لَا تَبْطُلُ بِوُقُوفِهَا مَعَ الرِّجَالِ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَقِفَ وَحْدَهُ ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ رَجُلًا .\rفَإِنْ كَانَ مَعَهُمَا رَجُلٌ ، وَقَفَ الرَّجُلُ عَنْ يَمِينِ الْإِمَامِ ، وَالْخُنْثَى عَنْ يَسَارِهِ ، أَوْ عَنْ يَمِينِ الرَّجُلِ ، وَلَا يَقِفَا خَلْفَهُ ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ امْرَأَةً ، إلَّا عِنْدَ مَنْ أَجَازَ مُصَافَّةَ الْمَرْأَةِ .\rفَإِنْ كَانَ مَعَهُمْ رَجُلٌ آخَرُ ، وَقَفَ الثَّلَاثَةُ خَلْفَهُ صَفًّا ؛ لِمَا ذَكَرْنَا .\rوَإِنْ كَانَ مَعَ الْخُنْثَى خُنْثَى آخَرُ ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا : يَقِفُ الْخُنْثَيَانِ صَفًّا خَلْفَ الرَّجُلَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَا امْرَأَتَيْنِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يَقِفَا مَعَ الرَّجُلَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا وَحْدَهُ رَجُلًا ، فَلَا تَصِحَّ صَلَاتُهُ .\rوَإِنْ كَانَ مَعَهُمْ نِسَاءٌ ، وَقَفْنَ خَلْفَ الْخَنَاثَى .\rقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : إذَا اجْتَمَعَ رِجَالٌ وَصِبْيَانٌ وَخَنَاثَى وَنِسَاءٌ ، تَقَدَّمَ الرِّجَالُ ، ثُمَّ الصِّبْيَانُ ، ثُمَّ الْخَنَاثَى ، ثُمَّ النِّسَاءُ .\rوَرَوَى أَبُو مَالِكٍ الْأَشْعَرِيُّ ، عَنْ أَبِيهِ ، أَنَّهُ قَالَ : { أَلَا أُحَدِّثُكُمْ بِصَلَاةِ","part":3,"page":463},{"id":1463,"text":"النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قَالَ : أَقَامَ الصَّلَاةَ ، فَصَفَّ الرِّجَالَ ، وَصَفَّ خَلْفَهُمْ الْغِلْمَانَ ، ثُمَّ صَلَّى بِهِمْ .\rثُمَّ قَالَ : هَكَذَا صَلَاتُهُ } .\rقَالَ عَبْدُ الْأَعْلَى : لَا أَحْسِبُهُ إلَّا قَالَ : \" صَلَاةُ أُمَّتِي \" .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .","part":3,"page":464},{"id":1464,"text":"فَصْلٌ ( 1175 ) : السُّنَّةُ أَنْ يَتَقَدَّمَ فِي الصَّفِّ الْأَوَّلِ أُولُو الْفَضْلِ وَالسِّنِّ ، وَيَلِي الْإِمَامَ أَكْمَلُهُمْ وَأَفْضَلُهُمْ .\rقَالَ أَحْمَدُ : يَلِي الْإِمَامَ الشُّيُوخُ وَأَهْلُ الْقُرْآنِ ، وَتُؤَخَّرُ الصِّبْيَانُ وَالْغِلْمَانُ ، وَلَا يَلُونَ الْإِمَامَ ؛ لِمَا رَوَى أَبُو مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيُّ قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : { لِيَلِنِي مِنْكُمْ أُولُو الْأَحْلَامِ وَالنُّهَى ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ } .\rرَوَاهُ مُسْلِمٌ .\rوَعَنْ أَنَسٍ ، قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحِبُّ أَنْ يَلِيَهُ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ ؛ لِيَأْخُذُوا عَنْهُ .\rوَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ : إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى فِي أَصْحَابِهِ تَأَخُّرًا ، فَقَالَ : { تَقَدَّمُوا فَأَتَمُّوا بِي ، وَلْيَأْتَمَّ بِكُمْ مَنْ بَعْدَكُمْ ، وَلَا يَزَالُ قَوْمٌ يَتَأَخَّرُونَ حَتَّى يُؤَخِّرَهُمْ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ } .\rرَوَاهُ مُسْلِمٌ ، وَأَبُو دَاوُد .\rوَرَوَى أَحْمَدُ ، فِي \" مُسْنَدِهِ \" ، عَنْ قَيْسِ بْنِ عَبَّادٍ ، قَالَ : أَتَيْت الْمَدِينَةَ لِلِقَاءِ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأُقِيمَتْ الصَّلَاةُ ، وَخَرَجَ عُمَرُ مَعَ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُمْت فِي الصَّفِّ الْأَوَّلِ ، فَجَاءَ رَجُلٌ فَنَظَرَ فِي وُجُوهِ الْقَوْمِ ، فَعَرَفَهُمْ غَيْرِي ، فَنَحَّانِي ، وَقَامَ فِي مَكَانِي ، فَمَا عَقَلْت صَلَاتِي ، فَلَمَّا صَلَّى قَالَ : أَيْ بُنَيَّ ، لَا يَسُؤْكَ اللَّهُ ، فَإِنِّي لَمْ آتِكَ الَّذِي أَتَيْتُ بِجَهَالَةٍ ، وَلَكِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَنَا : { كُونُوا فِي الصَّفِّ الَّذِي يَلِيَنِي } .\rوَإِنِّي نَظَرْتُ فِي وُجُوهِ الْقَوْمِ فَعَرَفْتُهُمْ غَيْرَك .\rوَكَانَ الرَّجُلُ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ .","part":3,"page":465},{"id":1465,"text":"فَصْلٌ : ( 1176 ) وَخَيْرُ صُفُوفِ الرِّجَالِ أَوَّلُهَا ، وَشَرُّهَا آخِرُهَا ، وَخَيْرُ صُفُوفِ النِّسَاءِ آخِرُهَا ، وَشَرُّهَا أَوَّلُهَا ؛ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { خَيْرُ صُفُوفِ الرِّجَالِ أَوَّلُهَا ، وَشَرُّهَا آخِرُهَا ، وَخَيْرُ صُفُوفِ النِّسَاءِ آخِرُهَا ، وَشَرُّهَا أَوَّلُهَا } .\rرَوَاهُ مُسْلِمٌ ، وَأَبُو دَاوُد .\rوَعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الصَّفُّ الْأَوَّلُ عَلَى مِثْلِ صَفِّ الْمَلَائِكَةِ ، وَلَوْ تَعْلَمُونَ فَضِيلَتَهُ لَابْتَدَرْتُمُوهُ } .\rرَوَاهُ أَحْمَدُ ، فِي \" الْمُسْنَدِ \" .\rوَعَنْ أَنَسٍ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { أَتِمُّوا الصَّفَّ الْمُقَدَّمَ ، فَمَا كَانَ مِنْ نَقْصٍ فَلْيَكُنْ فِي الصَّفِّ الْمُؤَخَّرِ } .\rوَعَنْ عَائِشَةَ ، قَالَتْ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى مَيَامِنِ الصُّفُوفِ } .\rرَوَاهُمَا أَبُو دَاوُد .","part":3,"page":466},{"id":1466,"text":"( 1177 ) فَصْلٌ : وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقِفَ الْإِمَامُ فِي مُقَابَلَةِ وَسَطِ الصَّفِّ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { وَسِّطُوا الْإِمَامَ ، وَسُدُّوا الْخَلَلَ } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَيُكْرَهُ أَنْ يَدْخُلَ فِي طَاقِ الْقِبْلَةِ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمَسْجِدُ ضَيِّقًا ، وَكَرِهَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ ، وَعَلْقَمَةُ ، وَالْحَسَنُ ، وَإِبْرَاهِيمُ .\rوَفَعَلَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَأَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ ، وَقَيْسُ بْنُ أَبِي حَازِمٍ .\rوَلَنَا : أَنَّهُ يَسْتَتِرُ بِهِ عَنْ بَعْضِ الْمَأْمُومِينَ فَكُرِهَ ، كَمَا لَوْ جَعَلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ حِجَابًا .\r( 1178 ) فَصْلٌ : وَلَا يُكْرَهُ لِلْإِمَامِ أَنْ يَقِفَ بَيْنَ السَّوَارِي ، وَيُكْرَهُ لِلْمَأْمُومِينَ لِأَنَّهَا تَقْطَعُ صُفُوفَهُمْ .\rوَكَرِهَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَرُوِيَ عَنْ حُذَيْفَةَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ .\rوَرَخَّصَ فِيهِ ابْنُ سِيرِينَ ، وَمَالِكٌ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ وَابْنُ الْمُنْذِرِ ؛ لِأَنَّهُ لَا دَلِيلَ عَلَى الْمَنْعِ مِنْهُ .\rوَلَنَا ، مَا رُوِيَ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : كُنَّا نُنْهَى أَنْ نَصُفَّ بَيْنَ السَّوَارِي عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنُطْرَدُ عَنْهَا طَرْدًا .\rرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ .\rوَلِأَنَّهَا تَقْطَعُ الصَّفَّ ، فَإِنْ كَانَ الصَّفُّ صَغِيرًا قَدْرَ مَا بَيْنَ السَّارِيَتَيْنِ لَمْ يُكْرَهْ ، لِأَنَّهُ لَا يَنْقَطِعُ بِهَا .","part":3,"page":467},{"id":1467,"text":"( 1179 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَإِذَا صَلَّى إمَامُ الْحَيِّ جَالِسًا صَلَّى مَنْ وَرَاءَهُ جُلُوسًا ) .\rالْمُسْتَحَبُّ لِلْإِمَامِ إذَا مَرِضَ ، وَعَجَزَ عَنْ الْقِيَامِ ، أَنْ يَسْتَخْلِفَ ؛ لِأَنَّ النَّاسَ اخْتَلَفُوا فِي صِحَّةِ إمَامَتِهِ ، فَيَخْرُجُ مِنْ الْخِلَافِ ، وَلِأَنَّ صَلَاةَ الْقَائِمِ أَكْمَلُ ، فَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ الْإِمَامُ كَامِلَ الصَّلَاةِ .\rفَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ صَلَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَاعِدًا بِأَصْحَابِهِ ، وَلَمْ يَسْتَخْلِفْ .\rقُلْنَا : صَلَّى قَاعِدًا لِيُبَيِّنَ الْجَوَازَ ، وَاسْتَخْلَفَ مَرَّةً أُخْرَى ، وَلِأَنَّ صَلَاةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَاعِدًا أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ غَيْرِهِ قَائِمًا .\rفَإِنْ صَلَّى بِهِمْ قَاعِدًا جَازَ ، وَيُصَلُّونَ مِنْ وَرَائِهِ جُلُوسًا ، فَعَلَ ذَلِكَ أَرْبَعَةٌ مِنْ الصَّحَابَةِ ، أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ ، وَجَابِرٌ ، وَقَيْسُ بْنُ قَهْدٍ ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ .\rوَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ ، وَحَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، وَإِسْحَاقُ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ .\rوَقَالَ مَالِكٌ فِي إحْدَى رِوَايَتَيْهِ : لَا تَصِحُّ صَلَاةُ الْقَادِرِ عَلَى الْقِيَامِ خَلْفَ الْقَاعِدِ .\rوَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ ؛ لِأَنَّ الشَّعْبِيَّ رَوَى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { لَا يَؤُمَّنَّ أَحَدٌ بَعْدِي جَالِسًا } أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيّ .\rوَلِأَنَّ الْقِيَامَ رُكْنٌ ، فَلَا يَصِحُّ ائْتِمَامُ الْقَادِرِ عَلَيْهِ بِالْعَاجِزِ عَنْهُ كَسَائِرِ الْأَرْكَانِ .\rوَقَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ : يُصَلُّونَ خَلْفَهُ قِيَامًا ؛ لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَخْلَفَ أَبَا بَكْرٍ ، ثُمَّ إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجَدَ فِي نَفْسِهِ خِفَّةً ، فَخَرَجَ بَيْنَ رَجُلَيْنِ ، فَأَجْلَسَاهُ إلَى جَنْبِ أَبِي بَكْرٍ ، فَجَعَلَ أَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي وَهُوَ قَائِمٌ بِصَلَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ بِصَلَاةِ أَبِي بَكْرٍ ، وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَاعِدٌ } .","part":3,"page":468},{"id":1468,"text":"مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَهَذَا آخِرُ الْأَمْرَيْنِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلِأَنَّهُ رُكْنٌ قَدَرَ عَلَيْهِ ، فَلَمْ يَجُزْ لَهُ تَرْكُهُ ، كَسَائِرِ الْأَرْكَانِ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ ، فَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ ، وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا ، فَصَلُّوا جُلُوسًا أَجْمَعُونَ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\r.\rوَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ : { صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَيْتِهِ ، وَهُوَ شَاكٍ ، فَصَلَّى جَالِسًا ، وَصَلَّى وَرَاءَهُ قَوْمٌ قِيَامًا ، فَأَشَارَ إلَيْهِمْ ، أَنْ اجْلِسُوا ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ : إنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ ، فَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا ، وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا ، وَإِذَا قَالَ : سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ ، فَقُولُوا : رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ .\rوَإِذَا صَلَّى جَالِسًا ، فَصَلُّوا جُلُوسًا أَجْمَعُونَ } وَرَوَى أَنَسٌ نَحْوَهُ ، أَخْرَجَهُمَا الْبُخَارِيُّ ، وَمُسْلِمٌ .\rوَرَوَى جَابِرٌ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَهُ .\rأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ .\rوَرَوَاهُ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ ، وَعَمِلَ بِهِ .\rوَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ طُرُقٍ مُتَوَاتِرَةٍ ، مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ ، وَجَابِرٍ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ، وَابْنِ عُمَرَ ، وَعَائِشَةَ ، كُلُّهَا بِأَسَانِيدَ صِحَاحٍ .\rوَلِأَنَّهَا حَالَةُ قُعُودِ الْإِمَامِ ، فَكَانَ عَلَى الْمَأْمُومِينَ مُتَابَعَتُهُ ، كَحَالِ التَّشَهُّدِ .\rفَأَمَّا حَدِيثُ الشَّعْبِيِّ فَمُرْسَلٌ ، يَرْوِيهِ جَابِرٌ الْجُعْفِيُّ ، وَهُوَ مَتْرُوكٌ .\rوَقَدْ فَعَلَهُ أَرْبَعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَهُ .\rوَأَمَّا حَدِيثُ الْآخَرِينَ ، فَقَالَ أَحْمَدُ : لَيْسَ فِي هَذَا حُجَّةٌ ؛ لِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ ابْتَدَأَ الصَّلَاةَ ، فَإِذَا ابْتَدَأَ الصَّلَاةَ قَائِمًا صَلَّوْا قِيَامًا .\rفَأَشَارَ أَحْمَدُ إلَى أَنَّهُ","part":3,"page":469},{"id":1469,"text":"يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ ، بِحَمْلِ الْأَوَّلِ عَلَى مَنْ ابْتَدَأَ الصَّلَاةَ جَالِسًا ، وَالثَّانِي عَلَى مَا إذَا ابْتَدَأَ الصَّلَاةَ قَائِمًا ، ثُمَّ اعْتَلَّ فَجَلَسَ ، وَمَتَى أَمْكَنَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ وَجَبَ ، وَلَمْ يُحْمَلْ عَلَى النَّسْخِ ، ثُمَّ يَحْتَمِلُ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ الْإِمَامَ .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : فِي بَعْضِ الْأَخْبَارِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى بِالنَّاسِ ، وَفِي بَعْضِهَا أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ الْإِمَامَ .\rوَقَالَتْ عَائِشَةُ : صَلَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَلْفَ أَبِي بَكْرٍ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ قَاعِدًا .\rوَقَالَ أَنَسٌ : صَلَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَرَضِهِ خَلْفَ أَبِي بَكْرٍ قَاعِدًا فِي ثَوْبٍ مُتَوَشِّحًا بِهِ .\rقَالَ التِّرْمِذِيُّ : كِلَا الْحَدِيثَيْنِ حَسَنٌ صَحِيحٌ ، وَلَا يُعْرَفُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَلْفَ أَبِي بَكْرٍ صَلَاةٌ إلَّا فِي هَذَا الْحَدِيثِ .\rوَرَوَى مَالِكٌ عَنْ رَبِيعَةَ الْحَدِيثَ ، قَالَ : وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ الْإِمَامَ ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي بِصَلَاةِ أَبِي بَكْرٍ .\rوَقَالَ { : مَا مَاتَ نَبِيٌّ حَتَّى يَؤُمَّهُ رَجُلٌ مِنْ أُمَّتِهِ } .\rقَالَ مَالِكٌ : الْعَمَلُ عِنْدَنَا عَلَى حَدِيثِ رَبِيعَةَ هَذَا ، وَهُوَ أَحَبُّ إلَيَّ .\rفَإِنْ قِيلَ : لَوْ كَانَ أَبُو بَكْرٍ الْإِمَامَ لَكَانَ عَنْ يَسَارِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُلْنَا : يَحْتَمِلُ أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ وَرَاءَهُ صَفًّا .\r( 1180 ) فَصْلٌ : فَإِنْ صَلَّوْا وَرَاءَهُ قِيَامًا ، فَفِيهِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا ، لَا تَصِحُّ صَلَاتُهُمْ .\rأَوْمَأَ إلَيْهِ أَحْمَدُ ، فَإِنَّهُ قَالَ : إنْ صَلَّى الْإِمَامُ جَالِسًا ، وَاَلَّذِينَ خَلْفَهُ قِيَامًا .\rلَمْ يَقْتَدُوا بِالْإِمَامِ ، إنَّمَا اتِّبَاعُهُمْ لَهُ إذَا صَلَّى جَالِسًا صَلَّوْا جُلُوسًا ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَهُمْ بِالْجُلُوسِ ، وَنَهَاهُمْ عَنْ الْقِيَامِ ، فَقَالَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ : { إذَا صَلَّى","part":3,"page":470},{"id":1470,"text":"الْإِمَامُ قَاعِدًا فَصَلُّوا قُعُودًا ، وَإِذَا صَلَّى قَائِمًا فَصَلُّوا قِيَامًا ، وَلَا تَقُومُوا وَالْإِمَامُ جَالِسٌ ، كَمَا يَفْعَلُ أَهْلُ فَارِسَ بِعُظَمَائِهَا .\rفَقَعَدْنَا } وَالْأَمْرُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ ، وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي فَسَادَ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ .\rوَلِأَنَّهُ تَرَكَ اتِّبَاعَ إمَامِهِ ، مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَيْهِ ، أَشْبَهَ تَارِكَ الْقِيَامِ فِي حَالِ قِيَامِ إمَامِهِ .\rوَالثَّانِي : تَصِحُّ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا صَلَّى وَرَاءَهُ قَوْمٌ قِيَامًا ، لَمْ يَأْمُرْهُمْ بِالْإِعَادَةِ ، فَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ الْأَمْرُ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ ، وَلِأَنَّهُ يَتَكَلَّفُ لِلْقِيَامِ فِي مَوْضِعٍ يَجُوزُ لَهُ الْقُعُودُ أَشْبَهَ الْمَرِيضَ إذَا تَكَلَّفَ الْقِيَامَ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ تَصِحَّ صَلَاةُ الْجَاهِلِ بِوُجُوبِ الْقُعُودِ ، دُونَ الْعَالِمِ بِذَلِكَ ، كَقَوْلِنَا فِي الَّذِي رَكَعَ دُونَ الصَّفِّ .\rفَأَمَّا مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقِيَامُ فَقَعَدَ ، فَإِنَّ صَلَاتَهُ لَا تَصِحُّ ؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ رُكْنًا يَقْدِرُ عَلَى الْإِتْيَانِ بِهِ .\rفَصْلٌ : وَلَا يَؤُمُّ الْقَاعِدُ مَنْ يَقْدِرُ عَلَى الْقِيَامِ إلَّا بِشَرْطَيْنِ : أَحَدُهُمَا ، أَنْ يَكُونَ إمَامَ الْحَيِّ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فَقَالَ : ذَلِكَ لِإِمَامِ الْحَيِّ ؛ لِأَنَّهُ لَا حَاجَةَ بِهِمْ إلَى تَقْدِيمِ عَاجِزٍ عَنْ الْقِيَامِ إذَا لَمْ يَكُنْ الْإِمَامَ الرَّاتِبَ .\rفَلَا يَتَحَمَّلُ إسْقَاطَ رُكْنٍ فِي الصَّلَاةِ لِغَيْرِ حَاجَةٍ ، وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَيْثُ فَعَلَ ذَلِكَ كَانَ هُوَ الْإِمَامَ الرَّاتِبَ .\rالثَّانِي : أَنْ يَكُونَ مَرَضُهُ يُرْجَى زَوَالُهُ ؛ لِأَنَّ اتِّخَاذَ الزَّمِنِ ، وَمَنْ لَا يُرْجَى قُدْرَتُهُ عَلَى الْقِيَامِ إمَامًا رَاتِبًا ، يُفْضِي إلَى تَرْكِهِمْ الْقِيَامَ عَلَى الدَّوَامِ ، وَلَا حَاجَةَ إلَيْهِ ، وَلِأَنَّ الْأَصْلَ فِي هَذَا فِعْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُرْجَى بُرْؤُهُ .","part":3,"page":471},{"id":1471,"text":"( 1182 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( فَإِنْ ابْتَدَأَ الصَّلَاةَ قَائِمًا ، ثُمَّ اعْتَلَّ فَجَلَسَ ، ائْتَمُّوا خَلْفَهُ قِيَامًا .\r) إنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ لِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ حَيْثُ ابْتَدَأَ بِهِمْ الصَّلَاةَ قَائِمًا ، ثُمَّ جَاءَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَتَمَّ الصَّلَاةَ بِهِمْ جَالِسًا ، أَتَمُّوا قِيَامًا ، وَلَمْ يَجْلِسُوا .\rوَلِأَنَّ الْقِيَامَ هُوَ الْأَصْلُ ، فَمَنْ بَدَأَ بِهِ فِي الصَّلَاةِ لَزِمَهُ فِي جَمِيعِهَا إذَا قَدَرَ عَلَيْهِ ، كَالتَّنَازُعِ فِي صَلَاةِ الْمُقِيمِ يَلْزَمُهُ إتْمَامُهَا ، وَإِنْ حَدَثَ مُبِيحُ الْقَصْرِ فِي أَثْنَائِهَا .\r( 1183 ) فَصْلٌ : فَإِنْ اسْتَخْلَفَ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ فِي زَمَانِنَا ، ثُمَّ زَالَ عُذْرُهُ فَحَضَرَ ، فَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يَفْعَلَ كَفِعْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ أَبِي بَكْرٍ ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ : إحْدَاهُمَا ، لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ .\rقَالَ أَحْمَدُ ، فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد : ذَلِكَ خَاصٌّ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دُونَ غَيْرِهِ ؛ لِأَنَّ هَذَا أَمْرٌ يُخَالِفُ الْقِيَاسَ ، فَإِنَّ انْتِقَالَ الْإِمَامِ مَأْمُومًا ، وَانْتِقَالَ الْمَأْمُومِينَ مِنْ إمَامٍ إلَى آخَرَ ، لَا يَجُوزُ إلَّا لِعُذْرٍ يُحْوِجُ إلَيْهِ ، وَلَيْسَ فِي تَقْدِيمِ الْإِمَامِ الرَّاتِبِ مَا يُحْوِجُ إلَى هَذَا ، أَمَّا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَانَتْ لَهُ مِنْ الْفَضِيلَةِ عَلَى غَيْرِهِ ، وَعِظَمِ التَّقَدُّمِ عَلَيْهِ ، مَا لَيْسَ لِغَيْرِهِ ، وَلِهَذَا قَالَ أَبُو بَكْرٍ : مَا كَانَ لِابْنِ أَبِي قُحَافَةَ أَنْ يَتَقَدَّمَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالثَّانِيَةُ : يَجُوزُ ذَلِكَ لِغَيْرِهِ .\rقَالَ أَحْمَدُ ، فِي رِوَايَةِ أَبِي الْحَارِثِ : مَنْ فَعَلَ كَمَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُكَبِّرُ ، وَيَقْعُدُ إلَى جَنْبِ الْإِمَامِ ، يَبْتَدِئُ الْقِرَاءَةَ مِنْ حَيْثُ بَلَغَ الْإِمَامُ ، وَيُصَلِّي لِلنَّاسِ قِيَامًا ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْأَصْلَ أَنَّ مَا فَعَلَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ جَائِزًا لِأُمَّتِهِ ، مَا لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلَى","part":3,"page":472},{"id":1472,"text":"اخْتِصَاصِهِ بِهِ .\rوَفِيهِ رِوَايَةٌ ثَالِثَةٌ ، أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ إلَّا لِلْخَلِيفَةِ دُونَ بَقِيَّةِ الْأَئِمَّةِ .\rقَالَ فِي رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيِّ : لَيْسَ هَذَا لَأَحَدٍ إلَّا لِلْخَلِيفَةِ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ رُتْبَةَ الْخِلَافَةِ تَفْضُلُ رُتْبَةَ سَائِرِ الْأَئِمَّةِ ، فَلَا يُلْحَقُ بِهَا غَيْرُهَا ، وَكَانَ ذَلِكَ لِلْخَلِيفَةِ ؛ لِأَنَّ خَلِيفَةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُومُ مَقَامَهُ","part":3,"page":473},{"id":1473,"text":"( 1184 ) فَصْلٌ : وَيَجُوزُ لِلْعَاجِزِ عَنْ الْقِيَامِ أَنْ يَؤُمَّ مِثْلَهُ ؛ لِأَنَّهُ إذَا أَمَّ الْقَادِرِينَ عَلَى الْقِيَامِ فَمِثْلُهُ أَوْلَى ، وَلَا يُشْتَرَطُ فِي اقْتِدَائِهِمْ بِهِ أَنْ يَكُونَ إمَامًا رَاتِبًا ، وَلَا مَرْجُوًّا زَوَالُ مَرَضِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي إمَامَتِهِ لَهُمْ تَرْكُ رُكْنٍ مَقْدُورٍ عَلَيْهِ ، بِخِلَافِ إمَامَتِهِ لِلْقَادِرِينَ عَلَى الْقِيَامِ .","part":3,"page":474},{"id":1474,"text":"( 1185 ) فَصْلٌ : وَلَا يَجُوزُ لِتَارِكِ رُكْنٍ مِنْ الْأَفْعَالِ إمَامَةُ أَحَدٍ ، كَالْمُضْطَجِعِ ، وَالْعَاجِزِ عَنْ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٌ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يَجُوزُ ؛ لِأَنَّهُ فِعْلٌ أَجَازَهُ الْمَرَضُ ، فَلَمْ يُغَيِّرْ حُكْمَ الِائْتِمَامِ ، كَالْقَاعِدِ بِالْقِيَامِ .\rوَلَنَا أَنَّهُ أَخَلَّ بِرُكْنٍ لَا يَسْقُطُ فِي النَّافِلَةِ ، فَلَمْ يَجُزْ لِلْقَادِرِ عَلَيْهِ الِائْتِمَامُ بِهِ ، كَالْقَارِئِ بِالْأُمِّيِّ ، وَحُكْمُ الْقِيَامِ حَقٌّ بِدَلِيلِ سُقُوطِهِ فِي النَّافِلَةِ ، وَعَنْ الْمُقْتَدِينَ بِالْعَاجِزِ ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ الْمُصَلِّينَ خَلْفَ الْجَالِسِ بِالْجُلُوسِ ، وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ الْمُصَلِّي خَلْفَ الْمُضْطَجِعِ لَا يَضْطَجِعُ .\rفَأَمَّا إنْ أَمَّ مِثْلَهُ ، فَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ صِحَّتُهُ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى بِأَصْحَابِهِ فِي الْمَطَرِ بِالْإِيمَاءِ ، وَالْعُرَاةُ يُصَلُّونَ جَمَاعَةً بِالْإِيمَاءِ ، وَكَذَلِكَ حَالَ الْمُسَايَفَةِ .","part":3,"page":475},{"id":1475,"text":"( 1186 ) فَصْلٌ : وَيَصِحُّ ائْتِمَامُ الْمُتَوَضِّئِ ، بِالْمُتَيَمِّمِ لَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا ؛ لِأَنَّ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ صَلَّى بِأَصْحَابِهِ مُتَيَمِّمًا ، وَبَلَغَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يُنْكِرْهُ .\rوَأَمَّ ابْنُ عَبَّاسٍ أَصْحَابَهُ مُتَيَمِّمًا ، وَفِيهِمْ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ ، فِي نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يُنْكِرُوهُ .\rوَلِأَنَّهُ مُتَطَهِّرٌ طَهَارَةً صَحِيحَةً ، فَأَشْبَهَ الْمُتَوَضِّئَ .\rوَلَا يَصِحُّ ائْتِمَامُ الصَّحِيحِ بِمَنْ بِهِ سَلَسُ الْبَوْلِ ، وَلَا غَيْرِ الْمُسْتَحَاضَةِ بِهَا : لِأَنَّهُمَا يُصَلِّيَانِ مَعَ خُرُوجِ الْحَدَثِ مِنْ غَيْرِ طَهَارَةٍ لَهُ ، بِخِلَافِ الْمُتَيَمِّمِ .\rفَأَمَّا مَنْ كَانَتْ عَلَيْهِ نَجَاسَةٌ ، فَإِنْ كَانَتْ عَلَى بَدَنِهِ فَتَيَمَّمَ لَهَا ، جَازَ لِلطَّاهِرِ الِائْتِمَامُ بِهِ عِنْدَ الْقَاضِي ؛ لِأَنَّهُ كَالْمُتَيَمِّمِ لِلْحَدَثِ .\rوَعَلَى قِيَاسِ قَوْلِ أَبِي الْخَطَّابِ لَا يَجُوزُ الِائْتِمَامُ بِهِ ؛ لِأَنَّهُ أَوْجَبَ عَلَيْهِ الْإِعَادَةَ .\rوَإِنْ كَانَتْ عَلَى ثَوْبِهِ ، لَمْ يَصِحَّ الِائْتِمَامُ بِهِ ؛ لِأَنَّهُ تَارِكٌ لِشَرْطٍ .\rوَلَا يَجُوزُ ائْتِمَامُ الْمُتَوَضِّئِ وَلَا الْمُتَيَمِّمِ بِعَادِمِ الْمَاءِ وَالتُّرَابِ ، وَاللَّابِسِ بِالْعَارِي ، وَلَا الْقَادِرِ عَلَى الِاسْتِقْبَالِ بِالْعَاجِزِ عَنْهُ ؛ لِأَنَّهُ تَارِكٌ لِشَرْطٍ يَقْدِرُ عَلَيْهِ الْمَأْمُومُ ، فَأَشْبَهَ الْمُعَافَى بِمَنْ بِهِ سَلَسُ الْبَوْلِ .\rوَيَصِحُّ ائْتِمَامُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ بِمِثْلِهِ ؛ لِأَنَّ الْعُرَاةَ يُصَلُّونَ جَمَاعَةً ، وَقَدْ سَبَقَ هَذَا .","part":3,"page":476},{"id":1476,"text":"( 1187 ) فَصْلٌ : وَفِي صَلَاةِ الْمُفْتَرِضِ خَلْفَ الْمُتَنَفِّلِ رِوَايَتَانِ : إحْدَاهُمَا : لَا تَصِحُّ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، فِي رِوَايَةِ أَبِي الْحَارِثِ ، وَحَنْبَلٍ .\rوَاخْتَارَهَا أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا .\rوَهَذَا قَوْلُ الزُّهْرِيِّ ، وَمَالِكٍ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ ، فَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَلِأَنَّ صَلَاةَ الْمَأْمُومِ لَا تَتَأَدَّى بِنِيَّةِ الْإِمَامِ ، أَشْبَهَ صَلَاةَ الْجُمُعَةِ خَلْفَ مَنْ يُصَلِّي الظُّهْرَ .\rوَالثَّانِيَةُ : يَجُوزُ .\rنَقَلَهَا إسْمَاعِيلُ بْنُ سَعِيدٍ .\rوَنَقَلَ أَبُو دَاوُد ، قَالَ : سَمِعْتُ أَحْمَدَ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ صَلَّى الْعَصْرَ ، ثُمَّ جَاءَ فَنَسِيَ ، فَتَقَدَّمَ يُصَلِّي بِقَوْمٍ تِلْكَ الصَّلَاةَ ، ثُمَّ ذَكَرَ لَمَّا أَنْ صَلَّى رَكْعَةً ، فَمَضَى فِي صَلَاتِهِ ؟ قَالَ : لَا بَأْسَ .\rوَهَذَا قَوْلُ عَطَاءٍ ، وَطَاوُسٍ ، وَأَبِي رَجَاءٍ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَسُلَيْمَانَ بْنِ حَرْبٍ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ ، وَأَبِي إِسْحَاقَ الْجُوزَجَانِيِّ ، وَهِيَ أَصَحُّ ؛ لِمَا رَوَى جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، { أَنَّ مُعَاذًا كَانَ يُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ يَرْجِعُ فَيُصَلِّي بِقَوْمِهِ تِلْكَ الصَّلَاةَ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ { صَلَّى بِطَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ فِي الْخَوْفِ رَكْعَتَيْنِ ، ثُمَّ سَلَّمَ ، ثُمَّ صَلَّى بِالطَّائِفَةِ الْأُخْرَى رَكْعَتَيْنِ ، ثُمَّ سَلَّمَ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَالْأَثْرَمُ .\rوَالثَّانِيَةُ مِنْهُمَا تَقَعُ نَافِلَةً ، وَقَدْ أَمَّ بِهَا مُفْتَرِضِينَ .\rوَرُوِيَ عَنْ أَبِي خَلْدَةَ ، قَالَ : أَتَيْنَا أَبَا رَجَاءٍ لِنُصَلِّيَ مَعَهُ الْأُولَى ، فَوَجَدْنَاهُ قَدْ صَلَّى ، فَقُلْنَا : جِئْنَاك لِنُصَلِّيَ مَعَك .\rفَقَالَ : قَدْ صَلَّيْنَا وَلَكِنْ لَا أُخَيِّبُكُمْ ، فَأَقَامَ فَصَلَّى وَصَلَّيْنَا مَعَهُ .\rرَوَاهُ الْأَثْرَمُ .\rوَلِأَنَّهُمَا صَلَاتَانِ اتَّفَقَتَا فِي الْأَفْعَالِ ، فَجَازَ","part":3,"page":477},{"id":1477,"text":"ائْتِمَامُ الْمُصَلِّي فِي إحْدَاهُمَا بِالْمُصَلِّي فِي الْأُخْرَى ، كَالْمُتَنَفِّلِ خَلْفَ الْمُفْتَرِضِ .\rفَأَمَّا حَدِيثُهُمْ فَالْمُرَادُ بِهِ ، لَا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ فِي الْأَفْعَالِ ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ : { فَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا ، وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا ، وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا ، وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا أَجْمَعُونَ } .\rوَلِهَذَا يَصِحُّ ائْتِمَامُ الْمُتَنَفِّلِ بِالْمُفْتَرِضِ مَعَ اخْتِلَافِ نِيَّتِهِمَا ، ، وَقِيَاسُهُمْ يَنْتَقِضُ بِالْمَسْبُوقِ فِي الْجُمُعَةِ يُدْرِكُ أَقَلَّ مِنْ رَكْعَةٍ ، يَنْوِي الظُّهْرَ خَلْفَ مَنْ يُصَلِّي الْجُمُعَةَ .\rفَصْلٌ : وَلَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ فِي صِحَّةِ صَلَاةِ الْمُتَنَفِّلِ وَرَاءَ الْمُفْتَرِضِ .\rوَلَا نَعْلَمُ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِيهِ اخْتِلَافًا ، وَقَدْ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { : أَلَا رَجُلٌ يَتَصَدَّقُ عَلَى هَذَا ، فَيُصَلِّيَ مَعَهُ } .\rوَالْأَحَادِيثُ الَّتِي فِي إعَادَةِ الْجَمَاعَةِ ، وَلِأَنَّ صَلَاةَ الْمَأْمُومِ تَتَأَدَّى بِنِيَّةِ الْإِمَامِ ، بِدَلِيلِ مَا لَوْ نَوَى مَكْتُوبَةً ، فَبَانَ قَبْلَ وَقْتِهَا .\r( 1189 ) فَصْلٌ : فَإِنْ صَلَّى الظُّهْرَ خَلْفَ مَنْ يُصَلِّي الْعَصْرَ ، فَفِيهِ أَيْضًا رِوَايَتَانِ : نَقَلَ إسْمَاعِيلُ بْنُ سَعِيدٍ جَوَازَهُ .\rوَنَقَلَ غَيْرُهُ الْمَنْعَ مِنْهُ .\rوَنَقَلَ إسْمَاعِيلُ بْنُ سَعِيدٍ ، قَالَ : قُلْتُ لِأَحْمَدَ : فَمَا تَرَى إنْ صَلَّى فِي رَمَضَانَ خَلْفَ إمَامٍ يُصَلِّي بِهِمْ التَّرَاوِيحَ ؟ قَالَ : يَجُوزُ ذَلِكَ مِنْ الْمَكْتُوبَةِ .\rوَقَالَ فِي رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيِّ : لَا يُعْجِبُنَا أَنْ يُصَلِّيَ مَعَ قَوْمٍ التَّرَاوِيحَ ، وَيَأْتَمَّ بِهَا لِلْعَتَمَةِ .\rوَهَذِهِ فَرْعٌ عَلَى ائْتِمَامِ الْمُفْتَرِضِ بِالْمُتَنَفِّلِ ، وَقَدْ مَضَى الْكَلَامُ فِيهَا .\r( 1190 ) فَصْلٌ : فَإِنْ كَانَتْ إحْدَى الصَّلَاتَيْنِ تُخَالِفُ الْأُخْرَى فِي الْأَفْعَالِ ، كَصَلَاةِ الْكُسُوفِ ، أَوْ الْجُمُعَةِ ، خَلْفَ مَنْ يُصَلِّي غَيْرَهُمَا ، وَصَلَاةِ غَيْرِهِمَا وَرَاءَ مَنْ يُصَلِّيهِمَا ، لَمْ تَصِحَّ ، رِوَايَةً وَاحِدَةً ؛ لِأَنَّهُ يُفْضِي إلَى مُخَالَفَةِ إمَامِهِ فِي","part":3,"page":478},{"id":1478,"text":"الْأَفْعَالِ ، وَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ .\r( 1191 ) فَصْلٌ : وَمَنْ صَلَّى الْفَجْرَ ، ثُمَّ شَكَّ ، هَلْ طَلَعَ الْفَجْرُ أَوْ لَا ؟ أَوْ شَكَّ فِي صَلَاةٍ صَلَّاهَا ، هَلْ فَعَلَهَا فِي وَقْتِهَا أَوْ قَبْلَهُ ؟ لَزِمَتْهُ إعَادَتُهَا ، وَلَهُ أَنْ يَؤُمَّ فِي الْإِعَادَةِ مَنْ لَمْ يُصَلِّ .\rوَقَالَ أَصْحَابُنَا : يُخَرَّجُ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي إمَامَةِ الْمُتَنَفِّلِ مُفْتَرِضًا .\rوَلَنَا أَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الصَّلَاةِ فِي ذِمَّتِهِ ، وَوُجُوبُ فِعْلِهَا ، فَيَصِحُّ أَنْ يَؤُمَّ فِيهَا مُفْتَرِضًا ، كَمَا لَوْ شَكَّ ، هَلْ صَلَّى أَمْ لَا ؟ وَلَوْ فَاتَتْ الْمَأْمُومَ رَكْعَةٌ فَصَلَّى الْإِمَامُ خَمْسًا سَاهِيًا ، فَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ : لَا يُعْتَدُّ لِلْمَأْمُومِ بِالْخَامِسَةِ ؛ لِأَنَّهَا سَهْوٌ وَغَلَطٌ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : هَذِهِ الرَّكْعَةُ نَافِلَةٌ لَهُ ، وَفَرْضٌ لِلْمَأْمُومِ .\rفَيُخَرَّجُ فِيهَا الرِّوَايَتَانِ .\rوَقَدْ سُئِلَ أَحْمَدُ عَنْ هَذِهِ الْمَسَائِلِ ، فَتَوَقَّفَ فِيهَا .\rوَالْأَوْلَى ، أَنْ يُحْتَسَبَ لَهُ بِهَا ، لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يُحْتَسَبْ لَهُ بِهَا لَلَزِمَهُ أَنْ يُصَلِّيَ خَمْسًا مَعَ عِلْمِهِ بِذَلِكَ ، وَلِأَنَّ الْخَامِسَةَ وَاجِبَةٌ عَلَى الْإِمَامِ عِنْدَ مَنْ يُوجِبُ عَلَيْهِ الْبِنَاءَ عَلَى الْيَقِينِ ، وَعِنْدَ اسْتِوَاءِ الْأَمْرَيْنِ عِنْدَهُ ، ثُمَّ إنْ كَانَتْ نَفْلًا ، فَالصَّحِيحُ صِحَّةُ الِائْتِمَامِ بِهِ .\rوَقَوْلُهُ : إنَّهُ غَلَطٌ .\rقُلْنَا : لَا يُخْرِجُهُ الْغَلَطُ عَنْ أَنْ يَكُونَ نَفْلًا مُثَابًا فِيهِ ، فَلِذَلِكَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { كَانَتْ الرَّكْعَةُ وَالسَّجْدَتَانِ نَافِلَةً لَهُ } .\rوَإِنْ صَلَّى بِقَوْمٍ الظُّهْرَ يَظُنُّهَا الْعَصْرَ .\rفَقَالَ أَحْمَدُ : يُعِيدُ ، وَيُعِيدُونَ .\rوَهَذَا عَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي مَنَعَ فِيهَا ائْتِمَامَ الْمُفْتَرِضِ بِالْمُتَنَفِّلِ .\rفَإِنْ ذَكَرَ الْإِمَامُ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ ، فَأَتَمَّهَا عَصْرًا ، كَانَتْ لَهُ نَافِلَةً ، وَإِنْ قَلَبَ نِيَّتَهُ إلَى الظُّهْرِ ، بَطَلَتْ صَلَاتُهُ ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ مُتَقَدِّمًا .\rوَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ : يُتِمُّهَا وَالْفَرْضُ بَاقٍ فِي ذِمَّتِهِ .","part":3,"page":479},{"id":1479,"text":"( 1192 ) فَصْلٌ : وَلَا يَصِحُّ ائْتِمَامُ الْبَالِغِ بِالصَّبِيِّ فِي الْفَرْضِ ، نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ .\rوَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ .\rوَأَجَازَهُ الْحَسَنُ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ .\rوَيَتَخَرَّجُ لَنَا مِثْلُ ذَلِكَ بِنَاءً عَلَى إمَامَةِ الْمُتَنَفِّلِ لِلْمُفْتَرِضِ ؛ وَوَجْهُ ذَلِكَ عُمُومُ قَوْلِهِ { : يَؤُمُّكُمْ أَقْرَؤُكُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى } .\rوَهَذَا دَاخِلٌ فِي عُمُومِهِ .\rوَرَوَى عَمْرُو بْنُ سَلَمَةَ الْجَرْمِيُّ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِقَوْمِهِ { : يَؤُمُّكُمْ أَقْرَؤُكُمْ .\rقَالَ : فَكُنْت أَؤُمُّهُمْ وَأَنَا ابْنُ سَبْعِ سِنِينَ أَوْ ثَمَانِ سِنِينَ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَغَيْرُهُ .\rوَلِأَنَّهُ يُؤَذِّنُ لِلرِّجَالِ ، فَجَازَ أَنْ يَؤُمَّهُمْ كَالْبَالِغِ .\rوَلَنَا قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَلِأَنَّ الْإِمَامَةَ حَالُ كَمَالٍ ، وَالصَّبِيُّ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْكَمَالِ ، فَلَا يَؤُمُّ الرِّجَالَ كَالْمَرْأَةِ ، وَلِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ مِنْ الصَّبِيِّ الْإِخْلَالُ بِشَرْطٍ مِنْ شَرَائِطِ الصَّلَاةِ أَوْ الْقِرَاءَةِ حَالَ الْإِسْرَارِ .\rفَأَمَّا حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ سَلَمَةَ الْجَرْمِيِّ ، فَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : كَانَ أَحْمَدُ يُضَعِّفُ أَمْرَ عَمْرِو بْنِ سَلَمَةَ .\rوَقَالَ مَرَّةً : دَعْهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ بَيِّنٍ .\rوَقَالَ أَبُو دَاوُد : قِيلَ لِأَحْمَدَ : حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ سَلَمَةَ ؟ قَالَ : لَا أَدْرِي أَيُّ شَيْءٍ هَذَا ، وَلَعَلَّهُ إنَّمَا تَوَقَّفَ عَنْهُ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَحَقَّقْ بُلُوغَ الْأَمْرِ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّهُ كَانَ بِالْبَادِيَةِ فِي حَيٍّ مِنْ الْعَرَبِ بَعِيدٍ مِنْ الْمَدِينَةِ ، وَقَوَّى هَذَا الِاحْتِمَالَ قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ : وَكُنْت إذَا سَجَدْت خَرَجَتْ اسْتِي .\rوَهَذَا غَيْرُ سَائِغٍ .\r( 1193 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا إمَامَتُهُ فِي النَّفْلِ فَفِيهَا رِوَايَتَانِ : إحْدَاهُمَا ، لَا تَصِحُّ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا فِي الْفَرْضِ .","part":3,"page":480},{"id":1480,"text":"وَالثَّانِيَةُ ، تَصِحُّ ؛ لِأَنَّهُ مُتَنَفِّلٌ يَؤُمُّ مُتَنَفِّلِينَ ، وَلِأَنَّ النَّافِلَةَ يَدْخُلُهَا التَّخْفِيفُ ، وَلِذَلِكَ تَنْعَقِدُ الْجَمَاعَةُ بِهِ فِيهَا إذَا كَانَ مَأْمُومًا .","part":3,"page":481},{"id":1481,"text":"( 1194 ) فَصْلٌ : يُكْرَهُ أَنْ يَؤُمَّ قَوْمًا أَكْثَرُهُمْ لَهُ كَارِهُونَ ؛ لِمَا رَوَى أَبُو أُمَامَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { ثَلَاثَةٌ لَا تُجَاوِزُ صَلَاتُهُمْ آذَانَهُمْ : الْعَبْدُ الْآبِقُ حَتَّى يَرْجِعَ ، وَامْرَأَةٌ بَاتَتْ وَزَوْجُهَا عَلَيْهَا سَاخِطٌ ، وَإِمَامُ قَوْمٍ وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ } .\rقَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ .\rوَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { ثَلَاثَةٌ لَا تُقْبَلُ مِنْهُمْ صَلَاةٌ : مَنْ تَقَدَّمَ قَوْمًا هُمْ لَهُ كَارِهُونَ ، وَرَجُلٌ يَأْتِي الصَّلَاةَ دِبَارًا - وَالدِّبَارُ : أَنْ يَأْتِيَ بَعْدَ أَنْ يَفُوتَهُ الْوَقْتُ - وَرَجُلٌ اعْتَبَدَ مُحَرَّرًا } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَقَالَ عَلِيٌّ لِرَجُلٍ أَمَّ قَوْمًا وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ : إنَّكَ لَخَرُوطٌ .\rقَالَ أَحْمَدُ ، رَحِمَهُ اللَّهُ : إذَا كَرِهَهُ وَاحِدٌ أَوْ اثْنَانِ أَوْ ثَلَاثَةٌ فَلَا بَأْسَ ، حَتَّى يَكْرَهَهُ أَكْثَرُ الْقَوْمِ ، وَإِنْ كَانَ ذَا دِينٍ وَسُنَّةٍ فَكَرِهَهُ الْقَوْمُ لِذَلِكَ ، لَمْ تُكْرَهْ إمَامَتُهُ .\rقَالَ مَنْصُورٌ : أَمَا إنَّا سَأَلْنَا أَمْرَ الْإِمَامَةِ ، فَقِيلَ لَنَا : إنَّمَا عَنَى بِهَذَا الظَّلَمَةَ فَأَمَّا مَنْ أَقَامَ السُّنَّةَ فَإِنَّمَا الْإِثْمُ عَلَى مَنْ كَرِهَهُ .","part":3,"page":482},{"id":1482,"text":"( 1195 ) فَصْلٌ : وَلَا تُكْرَهُ إمَامَةُ الْأَعْرَابِيِّ إذَا كَانَ يَصْلُحُ لَهَا .\rنَصَّ عَلَيْهِ .\rوَهَذَا قَوْلُ عَطَاءٍ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَإِسْحَاقَ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ ، وَكَرِهَ أَبُو مِجْلَزٍ إمَامَتَهُ ، وَقَالَ مَالِكٌ : لَا يَؤُمُّهُمْ ، وَإِنْ كَانَ أَقْرَأَهُمْ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى { : الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ } .\rوَلَنَا ، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى } .\rوَلِأَنَّهُ مُكَلَّفٌ مِنْ أَهْلِ الْإِمَامَةِ ، أَشْبَهَ الْمُهَاجِرَ ، وَالْمُهَاجِرُ أَوْلَى مِنْهُ ؛ لِأَنَّهُ يُقَدَّمُ عَلَى الْمَسْبُوقِ بِالْهِجْرَةِ ، فَمَنْ لَا هِجْرَةَ لَهُ أَوْلَى .\rقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : وَالْحَضَرِيُّ أَوْلَى مِنْ الْبَدَوِيِّ ؛ لِأَنَّهُ مُخْتَلَفٌ فِي إمَامَتِهِ ، وَلِأَنَّ الْغَالِبَ جَفَاؤُهُمْ ، وَقِلَّةُ مَعْرِفَتِهِمْ بِحُدُودِ اللَّهِ .","part":3,"page":483},{"id":1483,"text":"فَصْلٌ : وَلَا تُكْرَهُ إمَامَةُ وَلَدِ الزِّنَا إذَا سَلِمَ دِينُهُ .\rقَالَ عَطَاءٌ : لَهُ أَنْ يَؤُمَّ إذَا كَانَ مَرْضِيًّا ، وَبِهِ قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى ، وَالْحَسَنُ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ ، وَإِسْحَاقُ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ : لَا تُجْزِئُ الصَّلَاةُ خَلْفَهُ .\rوَكَرِهَ مَالِكٌ أَنْ يُتَّخَذَ إمَامًا رَاتِبًا .\rوَكَرِهَ الشَّافِعِيُّ إمَامَتَهُ ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَةَ مَوْضِعُ فَضِيلَةٍ ، فَكُرِهَ تَقْدِيمُهُ فِيهَا كَالْعَبْدِ .\rوَلَنَا ، قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ } .\rوَقَالَتْ عَائِشَةُ : لَيْسَ عَلَيْهِ مِنْ وِزْرِ أَبَوَيْهِ شَيْءٌ .\rوَقَدْ قَالَ تَعَالَى { : وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى } وَقَالَ { : إنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ } وَالْعَبْدُ لَا تُكْرَهُ إمَامَتُهُ ، وَإِنَّمَا الْحُرُّ أَوْلَى مِنْهُ ، ثُمَّ إنَّ الْعَبْدَ نَاقِصٌ فِي أَحْكَامِهِ ، لَا يَلِي النِّكَاحَ وَلَا الْمَالَ ، وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ فِي بَعْضِ الْأَشْيَاءِ ، بِخِلَافِ هَذَا .\r( 1197 ) فَصْلٌ : وَلَا تُكْرَهُ إمَامَةُ الْجُنْدِيِّ وَالْخَصِيِّ إذَا سَلِمَ دِينُهُمَا ؛ لِمَا ذَكَرْنَا فِي الْعَبْدِ ، وَلِأَنَّهُ عَدْلٌ مِنْ أَهْلِ الْإِمَامَةِ ، أَشْبَهَ غَيْرَهُ .","part":3,"page":484},{"id":1484,"text":"( 1198 ) فَصْلٌ : مِنْ شَرْطِ صِحَّةِ الْجَمَاعَةِ أَنْ يَنْوِيَ الْإِمَامُ وَالْمَأْمُومُ حَالَهُمَا ، فَيَنْوِي الْإِمَامُ أَنَّهُ إمَامٌ ، وَالْمَأْمُومُ أَنَّهُ مَأْمُومٌ ، فَإِنْ صَلَّى رَجُلَانِ يَنْوِي كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّهُ إمَامُ صَاحِبِهِ ، أَوْ مَأْمُومٌ لَهُ ، فَصَلَاتُهُمَا فَاسِدَةٌ .\rنُصَّ عَلَيْهِمَا ؛ لِأَنَّهُ ائْتَمَّ بِمَنْ لَيْسَ بِإِمَامٍ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى ، وَأَمَّ مَنْ لَمْ يَأْتَمَّ بِهِ فِي الثَّانِيَةِ .\rوَلَوْ رَأَى رَجُلَيْنِ يُصَلِّيَانِ ، فَنَوَى الِائْتِمَامَ بِالْمَأْمُومِ ، لَمْ يَصِحَّ ؛ لِأَنَّهُ ائْتَمَّ بِمَنْ لَمْ يَنْوِ إمَامَتَهُ .\rوَإِنْ نَوَى الِائْتِمَامَ بِأَحَدِهِمَا لَا بِعَيْنِهِ ، لَمْ يَصِحَّ ، حَتَّى يُعَيِّنَ الْإِمَامَ ؛ لِأَنَّ تَعْيِينَهُ شَرْطٌ .\rوَإِنْ نَوَى الِائْتِمَامَ بِهِمَا مَعًا ، لَمْ يَصِحَّ ، لِأَنَّهُ نَوَى الِائْتِمَامَ بِمَنْ لَيْسَ بِإِمَامٍ ، وَلِأَنَّهُ نَوَى الِائْتِمَامَ بِاثْنَيْنِ ، وَلَا يَجُوزُ الِائْتِمَامُ بِأَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ .\rوَلَوْ نَوَى الِائْتِمَامَ بِإِمَامَيْنِ ، لَمْ يَجُزْ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ اتِّبَاعُهُمَا مَعًا .","part":3,"page":485},{"id":1485,"text":"( 1199 ) فَصْلٌ : وَلَوْ أَحْرَمَ مُنْفَرِدًا ثُمَّ جَاءَ آخَرُ فَصَلَّى مَعَهُ ، فَنَوَى إمَامَتَهُ ، صَحَّ فِي النَّفْلِ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .\rوَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَهُوَ { أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ ، قَالَ : بِتُّ عِنْدَ خَالَتِي مَيْمُونَةَ ، فَقَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُتَطَوِّعًا مِنْ اللَّيْلِ ، فَقَامَ إلَى الْقِرْبَةِ فَتَوَضَّأَ ، فَقَامَ فَصَلَّى ، فَقُمْت لَمَّا رَأَيْتُهُ صَنَعَ ذَلِكَ فَتَوَضَّأْتُ مِنْ الْقِرْبَةِ ، ثُمَّ قُمْتُ إلَى شِقِّهِ الْأَيْسَرِ ، فَأَخَذَ بِيَدَيْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِهِ يَعْدِلُنِي كَذَلِكَ إلَى الشِّقِّ الْأَيْمَنِ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَهَذَا لَفْظُ رِوَايَةِ مُسْلِمٍ .\rفَأَمَّا فِي الْفَرِيضَةِ ، فَإِنْ كَانَ يَنْتَظِرُ أَحَدًا كَإِمَامِ الْمَسْجِدِ يُحْرِمُ وَحْدَهُ وَيَنْتَظِرُ مَنْ يَأْتِي فَيُصَلِّي مَعَهُ ، فَيَجُوزُ ذَلِكَ أَيْضًا .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحْرَمَ وَحْدَهُ ، ثُمَّ جَاءَ جَابِرٌ وَجُبَارَةُ فَأَحْرَمَا مَعَهُ ، فَصَلَّى بِهِمَا ، وَلَمْ يُنْكِرْ فِعْلَهُمَا .\rوَالظَّاهِرُ أَنَّهَا كَانَتْ صَلَاةً مَفْرُوضَةً ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا مُسَافِرِينَ .\rوَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ ، فَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ ، هَذَا قَوْلُ الثَّوْرِيِّ ، وَإِسْحَاقَ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ ، فِي الْفَرْضِ وَالنَّفَلِ جَمِيعًا ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْوِ الْإِمَامَةَ فِي ابْتِدَاءِ الصَّلَاةِ ، فَلَمْ يَصِحَّ ، كَمَا لَوْ ائْتَمَّ بِمَأْمُومٍ .\rوَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ : فِي النَّفْسِ مِنْهَا شَيْءٌ .\rمَعَ أَنَّ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ يُقَوِّيهِ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ، وَهُوَ الصَّحِيحُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ؛ لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ فِي النَّفْلِ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَحَدِيثِ عَائِشَةَ { : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي مِنْ اللَّيْلِ وَجِدَارُ الْحُجْرَةِ قَصِيرٌ ، فَرَأَى النَّاسُ شَخْصَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَامَ أُنَاسٌ يُصَلُّونَ بِصَلَاتِهِ } .\rوَقَدْ ذَكَرْنَاهُ .\rوَالْأَصْلُ مُسَاوَاةُ الْفَرْضِ","part":3,"page":486},{"id":1486,"text":"لِلنَّفْلِ فِي النِّيَّةِ ، وَقَوَّى ذَلِكَ حَدِيثُ جَابِرٍ وَجُبَارَةَ فِي الْفَرْضِ ، وَلِأَنَّ الْحَاجَةَ تَدْعُو إلَى نَقْلِ النِّيَّةِ إلَى الْإِمَامَةِ فَصَحَّ كَحَالَةِ الِاسْتِخْلَافِ ، وَبَيَانُ الْحَاجَةِ أَنَّ الْمُنْفَرِدَ إذَا جَاءَ قَوْمٌ فَأَحْرَمُوا وَرَاءَهُ ، فَإِنْ قَطَعَ الصَّلَاةَ وَأَخْبَرَ بِحَالِهِ قَبُحَ ، وَكَانَ مُرْتَكِبًا لِلنَّهْيِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { : وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ } وَإِنْ أَتَمَّ الصَّلَاةَ بِهِمْ ، ثُمَّ أَخْبَرَهُمْ بِفَسَادِ صَلَاتِهِمْ كَانَ أَقْبَحَ وَأَشَقَّ .\rوَلِأَنَّ الِانْفِرَادَ أَحَدُ حَالَتَيْ عَدَمِ الْإِمَامَةِ فِي الصَّلَاةِ ، فَجَازَ الِانْتِقَالُ مِنْهَا إلَى الْإِمَامَةِ ، كَمَا لَوْ كَانَ مَأْمُومًا ، وَقِيَاسُهُمْ يَنْتَقِضُ بِحَالَةِ الِاسْتِخْلَافِ .","part":3,"page":487},{"id":1487,"text":"( 1200 ) فَصْلٌ : وَإِنْ أَحْرَمَ مُنْفَرِدًا ، ثُمَّ نَوَى جَعْلَ نَفْسِهِ مَأْمُومًا ، بِأَنْ يَحْضُرَ جَمَاعَةً ، فَيَنْوِيَ الدُّخُولَ مَعَهُمْ فِي صَلَاتِهِمْ ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ : إحْدَاهُمَا ، هُوَ جَائِزٌ ، سَوَاءٌ كَانَ فِي أَوَّلِ الصَّلَاةِ ، أَوْ قَدْ صَلَّى رَكْعَةً فَأَكْثَرَ ؛ لِأَنَّهُ نَقَلَ نَفْسَهُ إلَى الْجَمَاعَةِ ، فَجَازَ ، كَمَا لَوْ نَوَى الْإِمَامَةَ .\rوَالثَّانِيَةُ ، لَا يَجُوزُ ؛ لِأَنَّهُ نَقَلَ نَفْسَهُ إلَى جَعْلِهِ مَأْمُومًا مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ ، فَلَمْ يَجُزْ كَالْإِمَامِ ، وَفَارَقَ نَقْلَهُ إلَى الْإِمَامَةِ ؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ دَاعِيَةٌ إلَيْهِ ، فَعَلَى هَذَا يَقْطَعُ صَلَاتَهُ ، وَيَسْتَأْنِفُ الصَّلَاةَ مَعَهُمْ .\rقَالَ أَحْمَدُ ، فِي رَجُلٍ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ، أَوْ ثَلَاثًا ، يَنْوِي الظُّهْرَ ، ثُمَّ جَاءَ الْمُؤَذِّنُ فَأَقَامَ الصَّلَاةَ : سَلَّمَ مِنْ هَذِهِ ، وَتَصِيرُ لَهُ تَطَوُّعًا ، وَيَدْخُلُ مَعَهُمْ .\rقِيلَ لَهُ : فَإِنْ دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ مَعَ الْقَوْمِ ، وَاحْتَسَبَ بِهِ .\rقَالَ : لَا يُجْزِئُهُ حَتَّى يَنْوِيَ بِهَا الصَّلَاةَ مَعَ الْإِمَامِ فِي ابْتِدَاءِ الْفَرْضِ .","part":3,"page":488},{"id":1488,"text":"( 1201 ) فَصْلٌ : وَإِنْ أَحْرَمَ مَأْمُومًا ، ثُمَّ نَوَى مُفَارَقَةَ الْإِمَامِ ، وَإِتْمَامَهَا مُنْفَرِدًا لِعُذْرٍ ، جَازَ ؛ لِمَا رَوَى جَابِرٌ ، قَالَ { : كَانَ مُعَاذٌ يُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَاةَ الْعِشَاءِ ، ثُمَّ يَرْجِعُ إلَى قَوْمِهِ فَيَؤُمُّهُمْ ، فَأَخَّرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَاةَ الْعِشَاءِ ، فَصَلَّى مَعَهُ ، ثُمَّ رَجَعَ إلَى قَوْمِهِ فَقَرَأَ سُورَةَ الْبَقَرَةِ ، فَتَأَخَّرَ رَجُلٌ فَصَلَّى وَحْدَهُ ، فَقِيلَ لَهُ : نَافَقْت يَا فُلَانُ .\rقَالَ : مَا نَافَقْت ، وَلَكِنْ لَآتِيَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأُخْبِرُهُ ، فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ لَهُ ذَلِكَ ، فَقَالَ : أَفَتَّانٌ أَنْتَ يَا مُعَاذُ ؟ أَفَتَّانٌ أَنْتَ يَا مُعَاذُ ؟ مَرَّتَيْنِ اقْرَأْ سُورَةَ كَذَا وَسُورَةَ كَذَا ، قَالَ : وَسُورَةَ ذَاتِ الْبُرُوجِ ، وَاللَّيْلِ إذَا يَغْشَى ، وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ ، وَ هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَلَمْ يَأْمُرْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الرَّجُلَ بِالْإِعَادَةِ ، وَلَا أَنْكَرَ عَلَيْهِ فِعْلَهُ ، وَالْأَعْذَارُ الَّتِي يَخْرُجُ لِأَجْلِهَا ، مِثْلُ الْمَشَقَّةِ بِتَطْوِيلِ الْإِمَامِ ، أَوْ الْمَرَضِ ، أَوْ خَشْيَةِ غَلَبَةِ النُّعَاسِ ، أَوْ شَيْءٍ يُفْسِدُ صَلَاتَهُ ، أَوْ خَوْفِ فَوَاتِ مَالٍ أَوْ تَلَفِهِ ، أَوْ فَوْتِ رُفْقَتِهِ ، أَوْ مَنْ يَخْرُجُ مِنْ الصَّفِّ لَا يَجِدُ مَنْ يَقِفُ مَعَهُ ، وَأَشْبَاهُ هَذَا .\rوَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ لِغَيْرِ عُذْرٍ ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ : إحْدَاهُمَا ، تَفْسُدُ صَلَاتُهُ ؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ مُتَابَعَةَ إمَامِهِ لِغَيْرِ عُذْرٍ ، أَشْبَهَ مَا لَوْ تَرَكَهَا مِنْ غَيْرِ نِيَّةِ الْمُفَارَقَةِ .\rوَالثَّانِيَةُ : تَصِحُّ لِأَنَّهُ لَوْ نَوَى الْمُنْفَرِدُ كَوْنَهُ مَأْمُومًا لَصَحَّ فِي رِوَايَةٍ ، فَنِيَّةُ الِانْفِرَادِ أَوْلَى ، فَإِنَّ الْمَأْمُومَ قَدْ يَصِيرُ مُنْفَرِدًا بِغَيْرِ نِيَّةٍ ، وَهُوَ الْمَسْبُوقُ إذَا سَلَّمَ إمَامُهُ ، وَغَيْرُهُ لَا يَصِيرُ مَأْمُومًا بِغَيْرِ نِيَّةٍ بِحَالِ .","part":3,"page":489},{"id":1489,"text":"( 1202 ) فَصْلٌ : وَإِنْ أَحْرَمَ مَأْمُومًا ، ثُمَّ صَارَ إمَامًا ، أَوْ نَقَلَ نَفْسَهُ إلَى الِائْتِمَامِ بِإِمَامٍ آخَرَ ، جَازَ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ ، وَهُوَ إذَا سَبَقَ الْإِمَامَ الْحَدَثُ ، فَاسْتَخْلَفَ مَنْ يُتِمُّ بِهِمْ الصَّلَاةَ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذَا .\rوَلَا يَصِحُّ فِي غَيْرِهِ ، إلَّا أَنْ يُدْرِكَ اثْنَانِ بَعْضَ الصَّلَاةِ مَعَ الْإِمَامِ ، فَلَمَّا سَلَّمَ ائْتَمَّ أَحَدُهُمَا بِصَاحِبِهِ فِي بَقِيَّةِ الصَّلَاةِ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ .\rوَإِنْ نَوَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّهُ إمَامُ صَاحِبِهِ ، أَوْ مَأْمُومٌ لَهُ ، فَسَدَتْ صَلَاتُهُمَا ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ قَبْلُ .\rوَإِنْ نَوَى الْإِمَامُ الِائْتِمَامَ بِغَيْرِهِ لَمْ يَصِحَّ إلَّا فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ ، وَهُوَ إذَا اسْتَخْلَفَ الْإِمَامُ مَنْ يُصَلِّي ، ثُمَّ جَاءَ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ ، فَتَقَدَّمَ فَصَارَ إمَامًا ، وَبَنَى عَلَى صَلَاةِ خَلِيفَتِهِ ، وَفِي ذَلِكَ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ ، قَدْ ذَكَرْنَاهَا .","part":3,"page":490},{"id":1490,"text":"( 1203 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَمَنْ أَدْرَكَ الْإِمَامَ رَاكِعًا فَرَكَعَ دُونَ الصَّفِّ ، ثُمَّ مَشَى حَتَّى دَخَلَ فِي الصَّفِّ ، وَهُوَ لَا يَعْلَمُ بِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَبِي بَكْرَةَ : { زَادَك اللَّهُ حِرْصًا وَلَا تَعُدْ } قِيلَ لَهُ : لَا تَعُدْ .\rوَقَدْ أَجْزَأَتْهُ صَلَاتُهُ ، فَإِنْ عَادَ بَعْدَ النَّهْيِ لَمْ تُجْزِئْهُ صَلَاتُهُ ، وَنَصَّ أَحْمَدُ ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، عَلَى هَذَا فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ ، أَنَّ مَنْ رَكَعَ دُونَ الصَّفِّ ، ثُمَّ دَخَلَ فِيهِ ، لَا يَخْلُو مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ : إمَّا أَنْ يُصَلِّيَ رَكْعَةً كَامِلَةً ، فَلَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا صَلَاةَ لِفَرْدٍ خَلْفَ الصَّفِّ } .\rوَالثَّانِي ، أَنْ يَدِبَّ رَاكِعًا حَتَّى يَدْخُلَ فِي الصَّفِّ قَبْلَ رَفْعِ الْإِمَامِ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ ، أَوْ أَنْ يَأْتِيَ آخَرُ فَيَقِفَ مَعَهُ قَبْلَ أَنْ يَرْفَعَ الْإِمَامُ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ فَإِنَّ صَلَاتَهُ تَصِحُّ ؛ لِأَنَّهُ أَدْرَكَ مَعَ الْإِمَامِ فِي الصَّفِّ مَا يُدْرِكُ بِهِ الرَّكْعَةَ .\rوَمِمَّنْ رَخَّصَ فِي رُكُوعِ الرَّجُلِ دُونَ الصَّفِّ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ ، وَفَعَلَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ ، وَزَيْدُ بْنُ وَهْبٍ ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَعُرْوَةُ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَابْنُ جُرَيْجٍ .\rوَجَوَّزَهُ الزُّهْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، إذَا كَانَ قَرِيبًا مِنْ الصَّفِّ .\rالْحَالُ الثَّالِثُ ، إذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ ، ثُمَّ دَخَلَ فِي الصَّفِّ ، أَوْ جَاءَ آخَرُ فَوَقَفَ مَعَهُ قَبْلَ إتْمَامِ الرَّكْعَةِ ، فَهَذِهِ الْحَالُ الَّتِي يُحْمَلُ عَلَيْهَا قَوْلُ الْخِرَقِيِّ : \" وَنَصُّ أَحْمَدَ \" .\rفَمَتَى كَانَ جَاهِلًا بِتَحْرِيمِ ذَلِكَ ، صَحَّتْ صَلَاتُهُ ، وَإِنْ عَلِمَ ، لَمْ تَصِحَّ .\rوَرَوَى أَبُو دَاوُد ، عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّهُ يَصِحُّ ، وَلَمْ يُفَرِّقْ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ ؛ لِأَنَّ أَبَا بَكْرَةَ فَعَلَ ذَلِكَ ، وَفَعَلَهُ مَنْ ذَكَرْنَا مِنْ الصَّحَابَةِ وَلَنَا ، مَا رُوِيَ","part":3,"page":491},{"id":1491,"text":"أَنَّ أَبَا بَكْرَةَ انْتَهَى إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ رَاكِعٌ ، فَرَكَعَ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إلَى الصَّفِّ ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ { : زَادَك اللَّهُ حِرْصًا وَلَا تَعُدْ } .\rرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَلَفْظُهُ : أَنَّ أَبَا بَكْرَةَ جَاءَ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَاكِعٌ ، فَرَكَعَ دُونَ الصَّفِّ ، ثُمَّ مَشَى إلَى الصَّفِّ ، فَلَمَّا قَضَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصَّلَاةَ ، قَالَ { : أَيُّكُمْ الَّذِي رَكَعَ دُونَ الصَّفِّ ، ثُمَّ مَشَى إلَى الصَّفِّ ؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرَةَ : أَنَا .\rفَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : زَادَك اللَّهُ حِرْصًا ، وَلَا تَعُدْ } .\rفَلَمْ يَأْمُرْهُ بِإِعَادَةِ الصَّلَاةِ ، وَنَهَاهُ عَنْ الْعَوْدِ ، وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي الْفَسَادَ .\rفَإِنْ قِيلَ : إنَّمَا نَهَاهُ عَنْ التَّهَاوُنِ وَالتَّخَلُّفِ عَنْ الصَّلَاةِ .\rقُلْنَا : إنَّمَا يَعُودُ النَّهْيُ إلَى الْمَذْكُورِ ، وَالْمَذْكُورُ الرُّكُوعُ دُونَ الصَّفِّ ، وَلَمْ يَنْسُبهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى التَّهَاوُنِ ، وَإِنَّمَا نَسَبَهُ إلَى الْحِرْصِ ، وَدَعَا لَهُ بِالزِّيَادَةِ فِيهِ ، فَكَيْفَ يَنْهَاهُ عَنْ التَّهَاوُنِ ، وَهُوَ مَنْسُوبٌ إلَى ضِدِّهِ ؟ وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، رِوَايَةٌ أُخْرَى ، أَنَّهَا لَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ ، عَالِمًا كَانَ أَوْ جَاهِلًا ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُدْرِكْ فِي الصَّفِّ مَا يُدْرِكُ بِهِ الرَّكْعَةَ ، أَشْبَهَ مَا لَوْ صَلَّى رَكْعَةً كَامِلَةً ، وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ حَدِيثُ أَبِي بَكْرَةَ ، عَلَى أَنَّهُ دَخَلَ فِي الصَّفِّ قَبْلَ رَفْعِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأْسَهُ ، وَقَدْ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : لَا يَرْكَعْ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَأْخُذَ مَقَامَهُ مِنْ الصَّفِّ .\rوَلَمْ يُفَرِّقْ الْقَاضِي فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بَيْنَ مِنْ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ ثُمَّ دَخَلَ ، وَبَيْنَ مِنْ دَخَلَ فِيهِ رَاكِعًا ، وَكَذَلِكَ كَلَامُ أَحْمَدَ وَالْخِرَقِيِّ ، وَلَا تَفْرِيقَ فِيهِ ، وَالدَّلِيلُ يَقْتَضِي","part":3,"page":492},{"id":1492,"text":"التَّفْرِيقَ ، فَيُحْمَلُ كَلَامُهُمْ عَلَيْهِ ، وَقَدْ ذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ نَحْوًا مِمَّا ذَكَرْنَا .\r( 1204 ) فَصْلٌ : وَإِنْ فَعَلَ هَذَا لِغَيْرِ عُذْرٍ ، وَلَا خَشِيَ الْفَوَاتَ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا ، يُجْزِئُهُ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يُجْزِ مُطْلَقًا لَمْ يُجْزِ حَالَ الْعُذْرِ ، كَالرَّكْعَةِ كُلِّهَا .\rوَالثَّانِي ، لَا يُجْزِئُهُ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ أَنْ لَا يَجُوزَ ؛ لِكَوْنِهِ يَفُوتُهُ فِي الصَّفِّ مَا تَفُوتُهُ الرَّكْعَةُ بِفَوَاتِهِ ، وَإِنَّمَا أُبِيحَ فِي الْمَعْذُورِ لِحَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ ، فَفِي غَيْرِهِ يَبْقَى عَلَى الْأَصْلِ .","part":3,"page":493},{"id":1493,"text":"( 1205 ) فَصْلٌ : إذَا أَحَسَّ بِدَاخِلٍ ، وَهُوَ فِي الرُّكُوعِ ، يُرِيدُ الصَّلَاةَ مَعَهُ ، وَكَانَتْ الْجَمَاعَةُ كَثِيرَةً ، كُرِهَ انْتِظَارُهُ ؛ لِأَنَّهُ يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ فِيهِمْ مَنْ لَا يَشُقُّ عَلَيْهِ ، وَإِنْ كَانَتْ الْجَمَاعَةُ يَسِيرَةً ، وَكَانَ انْتِظَارُهُ يَشُقُّ عَلَيْهِمْ ، كُرِهَ أَيْضًا ؛ لِأَنَّ الَّذِينَ مَعَهُ أَعْظَمُ حُرْمَةً مِنْ الدَّاخِلِ ، فَلَا يَشُقُّ عَلَيْهِمْ لِنَفْعِهِ ، وَإِنْ لَمْ يَشُقَّ لِكَوْنِهِ يَسِيرًا ، فَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ : يَنْتَظِرُهُ مَا لَمْ يَشُقَّ عَلَى مَنْ خَلْفَهُ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي مِجْلَزٍ ، وَالشَّعْبِيِّ ، وَالنَّخَعِيِّ ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى ، وَإِسْحَاقَ ، وَأَبِي ثَوْرٍ .\rوَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَنْتَظِرُهُ ؛ لِأَنَّ انْتِظَارَهُ تَشْرِيكٌ فِي الْعِبَادَةِ ، فَلَا يُشْرَعُ ، كَالرِّيَاءِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ انْتِظَارٌ يَنْفَعُ وَلَا يَشُقُّ ، فَشُرِعَ ، كَتَطْوِيلِ الرَّكْعَةِ وَتَخْفِيفِ الصَّلَاةِ ، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُطِيلُ الرَّكْعَةَ الْأُولَى حَتَّى لَا يَسْمَعَ وَقْعَ قَدَمٍ .\rوَأَطَالَ السُّجُودَ حِينَ رَكِبَ الْحَسَنُ عَلَى ظَهْرِهِ ، وَقَالَ { : إنَّ ابْنِي هَذَا ارْتَحَلَنِي فَكَرِهْتُ أَنْ أُعَجِّلَهُ } .\rوَقَالَ { : إنِّي لَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ وَأَنَا فِي الصَّلَاةِ فَأُخَفِّفُهَا كَرَاهَةَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمِّهِ } .\rوَقَالَ { : مَنْ أَمَّ النَّاسَ فَلْيُخَفِّفْ فَإِنَّ فِيهِمْ الْكَبِيرَ وَالضَّعِيفَ وَذَا الْحَاجَةِ } .\rوَشُرِعَ الِانْتِظَارُ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ لِتُدْرِكَهُ الطَّائِفَةُ الثَّانِيَةُ ، وَلِأَنَّ مُنْتَظِرَ الصَّلَاةِ فِي صَلَاةٍ ، وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْتَظِرُ الْجَمَاعَةَ ، فَقَالَ جَابِرٌ { : كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي الْعِشَاءَ أَحْيَانًا ، وَأَحْيَانًا إذَا رَآهُمْ قَدْ اجْتَمَعُوا عَجَّلَ ، وَإِذَا رَآهُمْ قَدْ أَبْطَئُوا أَخَّرَ } وَبِهَذَا كُلِّهِ يَبْطُلُ مَا ذَكَرُوهُ مِنْ التَّشْرِيكِ .\rقَالَ الْقَاضِي : وَالِانْتِظَارُ جَائِزٌ ، غَيْرُ","part":3,"page":494},{"id":1494,"text":"مُسْتَحَبٍّ ، وَإِنَّمَا يَنْتَظِرُ مَنْ كَانَ ذَا حُرْمَةٍ ، كَأَهْلِ الْعِلْمِ وَنُظَرَائِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْفَضْلِ","part":3,"page":495},{"id":1495,"text":"( 1206 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَسُتْرَةُ الْإِمَامِ سُتْرَةٌ لِمَنْ خَلْفَهُ ) .\rوَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلْمُصَلِّي أَنْ يُصَلِّيَ إلَى سُتْرَةٍ ، فَإِنْ كَانَ فِي مَسْجِدٍ أَوْ بَيْتٍ صَلَّى إلَى الْحَائِطِ أَوْ سَارِيَةٍ ، وَإِنْ كَانَ فِي فَضَاءٍ صَلَّى إلَى شَيْءٍ شَاخِصٍ بَيْنَ يَدَيْهِ ، أَوْ نَصَبَ بَيْنَ يَدَيْهِ حَرْبَةً أَوْ عَصًا ، أَوْ عَرَضَ الْبَعِيرَ فَصَلَّى إلَيْهِ ، أَوْ جَعَلَ رَحْلَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ .\rوَسُئِلَ أَحْمَدُ : يُصَلِّي الرَّاحِلُ إلَى سُتْرَةٍ فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، مِثْلُ آخِرَةِ الرَّحْلِ .\rوَلَا نَعْلَمُ فِي اسْتِحْبَابِ ذَلِكَ خِلَافًا ، وَالْأَصْلُ فِيهِ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ تُرْكَزُ لَهُ الْحَرْبَةُ فَيُصَلِّي إلَيْهَا ، وَيُعْرَضُ الْبَعِيرُ فَيُصَلِّي إلَيْهِ } ، وَرَوَى أَبُو جُحَيْفَةَ { ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رُكِّزَتْ لَهُ الْعَنَزَةُ ، فَتَقَدَّمَ وَصَلَّى الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ ، يَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ الْحِمَارُ وَالْكَلْبُ ، لَا يُمْنَعُ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَعَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : إذَا وَضَعَ أَحَدُكُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ مِثْلَ مُؤْخِرَةِ الرَّحْلِ ، فَلْيُصَلِّ ، وَلَا يُبَالِ مَنْ مَرَّ وَرَاءَ ذَلِكَ } .\rأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّ سُتْرَةَ الْإِمَامِ سُتْرَةٌ لِمَنْ خَلْفَهُ نَصَّ عَلَى هَذَا أَحْمَدُ ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ .\rوَقَالَ التِّرْمِذِيُّ ، قَالَ أَهْلُ الْعِلْمِ : سُتْرَةُ الْإِمَامِ سُتْرَةٌ لِمَنْ خَلْفَهُ .\rقَالَ أَبُو الزِّنَادِ : كُلُّ مَنْ أَدْرَكْت مِنْ فُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ الَّذِينَ يُنْتَهَى إلَى قَوْلِهِمْ ؛ سَعِيدُ بْن الْمُسَيِّبِ ، وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ ، وَالْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَخَارِجَةُ بْنُ زَيْدٍ ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ ، وَغَيْرُهُمْ ، يَقُولُونَ : سُتْرَةُ الْإِمَامِ سُتْرَةٌ لِمَنْ خَلْفَهُ .\rوَرُوِيَ","part":3,"page":496},{"id":1496,"text":"ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ .\rوَبِهِ قَالَ النَّخَعِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَغَيْرُهُمْ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى إلَى سُتْرَةٍ ، وَلَمْ يَأْمُرْ أَصْحَابَهُ بِنَصْبِ سُتْرَةٍ أُخْرَى .\rوَفِي حَدِيثٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ { : أَقْبَلْت رَاكِبًا عَلَى حِمَارٍ أَتَانٍ ، وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي بِالنَّاسِ بِمِنًى إلَى غَيْرِ جِدَارٍ ، فَمَرَرْت بَيْنَ يَدَيْ بَعْضِ أَهْلِ الصَّفِّ ، فَنَزَلْت ، فَأَرْسَلْت الْأَتَانَ تَرْتَعُ ، فَدَخَلْت فِي الصَّفِّ ، فَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيَّ أَحَدٌ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَمَعْنَى قَوْلِهِمْ : سُتْرَةُ الْإِمَامِ سُتْرَةٌ لِمَنْ خَلْفَهُ .\rأَنَّهُ مَتَى لَمْ يَحُلْ بَيْنَ الْإِمَامِ وَسُتْرَتِهِ شَيْءٌ يَقْطَعُ الصَّلَاةَ ، فَصَلَاةُ الْمَأْمُومِينَ صَحِيحَةٌ ، لَا يَضُرُّهَا مُرُورُ شَيْءٍ بَيْنَ أَيْدِيهمْ فِي بَعْضِ الصَّفِّ ، وَلَا فِيمَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْإِمَامِ ، وَإِنْ مَرَّ مَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ بَيْنَ الْإِمَامِ وَسُتْرَتِهِ قَطَعَ صَلَاتَهُ وَصَلَاتَهُمْ ، وَقَدْ دَلَّ عَلَى هَذَا مَا رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، قَالَ { : هَبَطْنَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ ثَنِيَّةِ أَذَاخِرَ فَحَضَرَتْ الصَّلَاةُ - يَعْنِي فَصَلَّى إلَى جُدُرٍ - فَاِتَّخَذَهَا قِبْلَةً ، وَنَحْنُ خَلْفَهُ ، فَجَاءَتْ بَهْمَةٌ تَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ ، فَمَا زَالَ يَدْرَؤُهَا حَتَّى لَصِقَ بَطْنُهُ بِالْجُدُرِ ، فَمَرَّتْ مِنْ وَرَائِهِ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rفَلَوْلَا أَنَّ سُتْرَتَهُ سُتْرَةٌ لَهُمْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ مُرُورِهَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَخَلْفَهُ فَرْقٌ .","part":3,"page":497},{"id":1497,"text":"( 1207 ) فَصْلٌ : وَقَدْرُ السُّتْرَةِ فِي طُولِهَا ذِرَاعٌ أَوْ نَحْوُهُ .\rقَالَ الْأَثْرَمُ : سُئِلَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عَنْ آخِرَةِ الرَّحْلِ كَمْ مِقْدَارُهَا ؟ قَالَ : ذِرَاعٌ .\rكَذَا قَالَ عَطَاءٌ : ذِرَاعٌ .\rوَبِهَذَا قَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّهَا قَدْرُ عَظْمِ الذِّرَاعِ .\rوَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ .\rوَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا عَلَى سَبِيلِ التَّقْرِيبِ لَا التَّحْدِيدِ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدَّرَهَا بِآخِرَةِ الرَّحْلِ ، وَآخِرَةُ الرَّحْلِ تَخْتَلِفُ فِي الطُّولِ وَالْقِصَرِ ، فَتَارَةً تَكُونُ ذِرَاعًا ، وَتَارَةً تَكُونُ أَقَلَّ مِنْهُ ، فَمَا قَارَبَ الذِّرَاعَ أَجْزَأَ الِاسْتِتَارُ بِهِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .\rفَأَمَّا قَدْرُهَا فِي الْغِلَظِ وَالدِّقَّةِ فَلَا حَدَّ لَهُ نَعْلَمُهُ ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ دَقِيقَةً كَالسَّهْمِ وَالْحَرْبَةِ ، وَغَلِيظَةً كَالْحَائِطِ ، فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَسْتَتِرُ بِالْعَنَزَةِ .\rوَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ : كُنَّا نَسْتَتِرُ بِالسَّهْمِ وَالْحَجَرِ فِي الصَّلَاةِ .\rوَرُوِيَ عَنْ سَبْرَةَ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { : اسْتَتِرُوا فِي الصَّلَاةِ وَلَوْ بِسَهْمٍ } .\rرَوَاهُ الْأَثْرَمُ .\rوَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : يُجْزِئْهُ السَّهْمُ وَالسَّوْطُ .\rقَالَ أَحْمَدُ : وَمَا كَانَ أَعْرَضَ فَهُوَ أَعْجَبُ إلَيَّ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ قَوْلَهُ \" وَلَوْ بِسَهْمٍ \" يَدُلُّ عَلَى أَنَّ غَيْرَهُ أَوْلَى مِنْهُ","part":3,"page":498},{"id":1498,"text":"( 1208 ) فَصْلٌ : وَيُسْتَحَبُّ لِلْمُصَلِّي أَنْ يَدْنُوَ مِنْ سُتْرَتِهِ ؛ لِمَا رَوَى سَهْلُ بْنُ أَبِي حَثْمَةَ ، يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ { : إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ إلَى سُتْرَةٍ ، فَلْيَدْنُ مِنْهَا ، لَا يَقْطَعُ الشَّيْطَانُ عَلَيْهِ صَلَاتَهُ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيُصَلِّ إلَى سُتْرَةٍ ، وَلْيَدْنُ مِنْهَا } .\rرَوَاهُ الْأَثْرَمُ .\rوَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ، قَالَ { : كَانَ بَيْنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ مَمَرُّ الشَّاةِ } .\rرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ .\rوَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا قَالَتْ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { ارْهَقُوا الْقِبْلَةَ } .\rرَوَاهُ الْأَثْرَمُ .\rوَذَكَرَ الْخَطَّابِيُّ فِي \" مَعَالِمِ السُّنَنِ \" أَنَّ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ كَانَ يُصَلِّي يَوْمًا مُتَنَائِيًا عَنْ السُّتْرَةِ ، فَمَرَّ بِهِ رَجُلٌ لَا يَعْرِفُهُ ، فَقَالَ : يَا أَيُّهَا الْمُصَلِّي ، اُدْنُ مِنْ سُتْرَتِكَ .\rفَجَعَلَ مَالِكٌ يَتَقَدَّمُ وَهُوَ يَقْرَأُ { : وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا } .\rوَلِأَنَّ قُرْبَهُ مِنْ السُّتْرَةِ أَصُونُ لِصَلَاتِهِ وَأَبْعَدُ مِنْ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا شَيْءٌ يَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّهُ يَجْعَلُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سُتْرَتِهِ ثَلَاثَةَ أَذْرُعٍ فَمَا دُونَ .\rقَالَ مُهَنَّا : سَأَلْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَنْ الرَّجُلِ يُصَلِّي ، كَمْ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ ؟ قَالَ يَدْنُو مِنْ الْقِبْلَةِ مَا اسْتَطَاعَ .\rثُمَّ قَالَ بَعْدُ : إنَّ ابْنَ عُمَرَ ، قَالَ { : صَلَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْكَعْبَةِ ، فَكَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَائِطِ ثَلَاثَةُ أَذْرُعٍ } .\rقَالَ الْمَيْمُونِي : فَقَدْ رَأَيْتُك عَلَى نَحْوٍ مِنْ أَرْبَعَةٍ .\rقَالَ : بِالسَّهْوِ .\rوَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُغَفَّلٍ يَجْعَلُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سُتْرَتِهِ سِتَّةَ أَذْرُعٍ .","part":3,"page":499},{"id":1499,"text":"قَالَ عَطَاءٌ : أَقَلُّ مَا يَكْفِيك ثَلَاثَةُ أَذْرُعٍ .\rوَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ ؛ لِخَبَرِ ابْنِ عُمَرَ ، عَنْ بِلَالٍ { ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى فِي مُقَدَّمِ الْبَيْتِ ، وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِدَارِ ثَلَاثَةُ أَذْرُعٍ } .\rوَكَلَّمَا دَنَا فَهُوَ أَفْضَلُ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْأَخْبَارِ وَالْمَعْنَى .","part":3,"page":500},{"id":1500,"text":"( 1209 ) فَصْلٌ : وَلَا بَأْسَ أَنْ يَسْتَتِرَ بِبَعِيرٍ أَوْ حَيَوَانٍ ، وَفَعَلَهُ ابْنُ عُمَرَ ، وَأَنَسٌ .\rوَحُكِيَ عَنْ الشَّافِعِيِّ ، أَنَّهُ لَا يَسْتَتِرُ بِدَابَّةِ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى إلَى بَعِيرٍ .\rرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ، وَمُسْلِمٌ .\rوَفِي لَفْظٍ { : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْرِضُ رَاحِلَتَهُ ، وَيُصَلِّي إلَيْهَا .\rقَالَ : قُلْت : فَإِذَا ذَهَبَ الرِّكَابُ ؟ قَالَ : يَعْرِضُ الرَّحْلَ ، وَيُصَلِّي إلَى آخِرَتِهِ ، فَإِنْ اسْتَتَرَ بِإِنْسَانٍ فَلَا بَأْسَ ، فَإِنَّهُ يَقُومُ مَقَامَ غَيْرِهِ مِنْ السُّتْرَةِ } وَقَدْ رُوِيَ عَنْ حُمَيْدٍ بْنِ هِلَالٍ ، قَالَ : رَأَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَجُلًا يُصَلِّي ، وَالنَّاسُ يَمُرُّونَ بَيْنَ يَدَيْهِ ، فَوَلَّاهُ ظَهْرَهُ ، وَقَالَ بِثَوْبِهِ هَكَذَا ، وَبَسَطَ يَدَيْهِ هَكَذَا .\rوَقَالَ : صَلِّ ، وَلَا تُعَجِّلْ .\rوَعَنْ نَافِعٍ ، قَالَ : كَانَ ابْنُ عُمَرَ إذَا لَمْ يَجِدْ سَبِيلًا إلَى سَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ ، قَالَ : وَلِّنِي ظَهْرَكَ .\rرَوَاهُمَا النَّجَّادُ بِإِسْنَادِهِ .","part":4,"page":1},{"id":1501,"text":"( 1210 ) فَصْلٌ : فَإِنْ لَمْ يَجِدْ سُتْرَةً خَطَّ خَطًّا ، وَصَلَّى إلَيْهِ ، وَقَامَ ذَلِكَ مَقَامَ السُّتْرَةِ ، نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .\rوَبِهِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَأَنْكَرَ مَالِكٌ الْخَطَّ وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ بِالْخَطِّ بِالْعِرَاقِ ، وَقَالَ بِمِصْرَ : لَا يَخُطُّ الْمُصَلِّي خَطًّا ، إلَّا أَنْ يَكُونَ فِيهِ سُنَّةٌ تُتَّبَعُ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { : إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَجْعَلْ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ شَيْئًا ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيَنْصِبْ عَصًا ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ مَعَهُ عَصًا فَلْيَخُطَّ خَطًّا ، ثُمَّ لَا يَضُرُّهُ مَنْ مَرَّ أَمَامَهُ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَسُنَّةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْلَى أَنْ تُتَّبَعَ .\r( 1211 ) فَصْلٌ : وَصِفَةُ الْخَطِّ مِثْلُ الْهِلَالِ .\rقَالَ أَبُو دَاوُد : سَمِعْت أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ يَقُولُ غَيْرَ مَرَّةٍ ، وَسُئِلَ عَنْ الْخَطِّ فَقَالَ : هَكَذَا عَرْضًا مِثْلَ الْهِلَالِ .\rقَالَ : وَسَمِعْت مُسَدِّدًا ، قَالَ : قَالَ ابْنُ دَاوُد : الْخَطُّ بِالطُّولِ .\rوَقَالَ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ : قَالُوا : طُولًا ، وَقَالُوا : عَرْضًا .\rوَقَالَ : أَمَّا أَنَا فَأَخْتَارُ هَذَا .\rوَدَوَّرَ بِإِصْبَعِهِ مِثْلَ الْقَنْطَرَةِ .\rوَكَيْفَ مَا خَطَّهُ أَجْزَأَهُ ، فَقَدْ نَقَلَ حَنْبَلٌ ، أَنَّهُ قَالَ : إنْ شَاءَ مُعْتَرِضًا ، وَإِنْ شَاءَ طُولًا ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْحَدِيثَ مُطْلَقٌ فِي الْخَطِّ ، فَكَيْفَ مَا أَتَى بِهِ فَقَدْ أَتَى بِالْخَطِّ ، فَيُجْزِئُهُ ذَلِكَ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .\r( 1212 ) فَصْلٌ : وَإِنْ كَانَ مَعَهُ عَصَا فَلَمْ يُمْكِنْهُ نَصْبُهَا .\rفَقَالَ الْأَثْرَمُ : قُلْت لِأَحْمَدَ : الرَّجُلُ يَكُونُ مَعَهُ عَصًا ، لَمْ يَقْدِرْ عَلَى غَرْزِهَا ، فَأَلْقَاهَا بَيْنَ يَدَيْهِ ، أَيُلْقِيهَا طُولًا أَمْ عَرْضًا ؟ قَالَ : لَا ، بَلْ عَرْضًا .\rوَكَذَلِكَ قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ .\rوَكَرِهَهُ النَّخَعِيُّ .\rوَلَنَا ، أَنَّ هَذَا فِي مَعْنَى الْخَطِّ ، فَيَقُومُ مَقَامَهُ ، وَقَدْ ثَبَتَ","part":4,"page":2},{"id":1502,"text":"اسْتِحْبَابُ الْخَطِّ بِالْحَدِيثِ الَّذِي رَوَيْنَاهُ .","part":4,"page":3},{"id":1503,"text":"( 1213 ) فَصْلٌ : وَإِذَا صَلَّى إلَى عُودٍ أَوْ عَمُودٍ أَوْ شَيْءٍ فِي مَعْنَاهُمَا ، اُسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ يَنْحَرِفَ عَنْهُ ، وَلَا يَصْمُدُ لَهُ صَمَدًا ؛ لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد ، عَنْ الْمِقْدَادِ بْنِ الْأَسْوَدِ قَالَ { : مَا رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى إلَى عُودٍ أَوْ إلَى عَمُودٍ وَلَا شَجَرَةٍ ، إلَّا جَعَلَهُ عَلَى حَاجِبِهِ الْأَيْمَنِ أَوْ الْأَيْسَرِ ، وَلَا يَصْمُدُ لَهُ صَمَدًا .\rأَيْ لَا يَسْتَقْبِلُهُ فَيَجْعَلُهُ وَسَطًا } .\rوَمَعْنَى الصَّمَدِ : الْقَصْدُ .","part":4,"page":4},{"id":1504,"text":"( 1214 ) فَصْلٌ : تُكْرَهُ الصَّلَاةُ إلَى الْمُتَحَدِّثِينَ ، لِئَلَّا يَشْتَغِلَ بِحَدِيثِهِمْ .\rوَاخْتُلِفَ فِي الصَّلَاةِ إلَى النَّائِمِ ، فَرُوِيَ أَنَّهُ يُكْرَهُ ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يُكْرَهُ فِي الْفَرِيضَةِ خَاصَّةً ، وَلَا يُكْرَهُ فِي التَّطَوُّعِ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُصَلِّي مِنْ اللَّيْلِ وَعَائِشَةُ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ يَدَيْهِ كَاعْتِرَاضِ الْجِنَازَةِ .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rقَالَ أَحْمَدُ : هَذَا فِي التَّطَوُّعِ ، وَالْفَرِيضَةُ أَشَدُّ .\rوَقَدْ رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ الصَّلَاةِ إلَى النَّائِمِ وَالْمُتَحَدِّثِ .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rفَخَرَجَ التَّطَوُّعُ مِنْ عُمُومِهِ ، لِحَدِيثِ عَائِشَةَ ، بَقِيَ الْفَرْضُ عَلَى مُقْتَضَى الْعُمُومِ .\rوَقِيلَ : لَا يُكْرَهُ فِيهِمَا ؛ لِأَنَّ حَدِيثَ عَائِشَةَ صَحِيحٌ ، وَحَدِيثُ النَّهْيِ ضَعِيفٌ .\rقَالَهُ الْخَطَّابِيُّ .\rوَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ : لَا فَرْقَ بَيْنَ الْفَرِيضَةِ وَالنَّافِلَةِ إلَّا فِي صَلَاةِ الرَّاكِبِ .\rوَتَقْدِيمُ قِيَاسِ الْخَبَرِ الصَّحِيحِ أَوْلَى مِنْ الْخَبَرِ الضَّعِيفِ .","part":4,"page":5},{"id":1505,"text":"( 1215 ) فَصْلٌ : وَيُكْرَهُ أَنْ يُصَلِّيَ مُسْتَقْبِلًا وَجْهَ إنْسَانٍ ؛ لِأَنَّ عُمَرَ أَدَّبَ عَلَى ذَلِكَ .\rوَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ { ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُصَلِّي حِذَاءَ وَسَطِ السَّرِيرِ ، وَأَنَا مُضْطَجِعَةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ ، تَكُونُ لِي الْحَاجَةُ فَأَكْرَهُ أَنْ أَقُومَ فَأَسْتَقْبِلَهُ ، فَأَنْسَلَّ انْسِلَالًا } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَلِأَنَّهُ شِبْهُ السُّجُودِ لِذَلِكَ الشَّخْصِ .\rوَيُكْرَهُ أَنْ يُصَلِّيَ إلَى نَارٍ .\rقَالَ أَحْمَدُ : إذَا كَانَ التَّنُّورُ فِي قِبْلَتِهِ لَا يُصَلِّي إلَيْهِ .\rوَكَرِهَ ابْنُ سِيرِينَ ذَلِكَ .\rوَقَالَ أَحْمَدُ ، فِي السِّرَاجِ وَالْقِنْدِيلِ يَكُونُ فِي الْقِبْلَةِ : أَكْرَهُهُ .\rوَأَكْرَهُ كُلَّ شَيْءٍ .\rحَتَّى كَانُوا يَكْرَهُونَ أَنْ يَجْعَلُوا شَيْئًا فِي الْقِبْلَةِ حَتَّى الْمُصْحَفَ ، وَإِنَّمَا كَرِهَ ذَلِكَ لِأَنَّ النَّارَ تُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ ، فَالصَّلَاةُ إلَيْهَا تُشْبِهُ الصَّلَاةَ لَهَا .\rوَقَالَ أَحْمَدُ : لَا تُصَلِّ إلَى صُورَةٍ مَنْصُوبَةٍ فِي وَجْهِكَ ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الصُّورَةَ تُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ ، قَالَتْ : كَانَ لَنَا ثَوْبٌ فِيهِ تَصَاوِيرُ ، فَجَعَلْتُهُ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يُصَلِّي ، فَنَهَانِي .\rأَوْ قَالَتْ : كَرِهَ ذَلِكَ .\rرَوَاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ ، بِإِسْنَادِهِ .\rوَلِأَنَّ التَّصَاوِيرَ تَشْغَلُ الْمُصَلِّيَ بِالنَّظَرِ إلَيْهَا ، وَتُذْهِلُهُ عَنْ صَلَاتِهِ .\rوَقَالَ أَحْمَدُ : يُكْرَهُ أَنْ يَكُونَ فِي الْقِبْلَةِ شَيْءٌ مُعَلَّقٌ ، مُصْحَفٌ أَوْ غَيْرُهُ ، وَلَا بَأْسَ أَنْ يَكُونَ مَوْضُوعًا بِالْأَرْضِ .\rوَقَدْ رَوَى مُجَاهِدٌ ، قَالَ : لَمْ يَكُنْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ يَدَعُ شَيْئًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ إلَّا نَزَعَهُ ، لَا سَيْفًا وَلَا مُصْحَفًا .\rرَوَاهُ الْخَلَّالُ بِإِسْنَادِهِ .\rقَالَ أَحْمَدُ : وَلَا يُكْتَبُ فِي الْقِبْلَةِ شَيْءٌ ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ يَشْغَلُ قَلْبَ الْمُصَلِّي ، وَرُبَّمَا اشْتَغَلَ بِقِرَاءَتِهِ عَنْ صَلَاتِهِ ، وَكَذَلِكَ يُكْرَهُ تَزْوِيقُهَا ، وَكُلُّ مَا","part":4,"page":6},{"id":1506,"text":"يَشْغَلُ الْمُصَلِّيَ عَنْ صَلَاتِهِ ، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى فِي خَمِيصَةٍ لَهَا أَعْلَامٌ ، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ ، قَالَ { : اذْهَبُوا بِهَذِهِ إلَى أَبِي جَهْمِ بْنِ حُذَيْفَةَ ، فَإِنَّهَا أَلْهَتْنِي آنِفًا عَنْ صَلَاتِي .\rوَأْتُونِي بِأَنْبِجَانِيَّتِهِ } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِعَائِشَةَ { : أَمِيطِي عَنَّا قِرَامَك ، فَإِنَّهُ لَا يَزَالُ تَصَاوِيرُهُ تَعْرِضُ لِي فِي صَلَاتِي } .\rرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ .\rوَإِذَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ مَا أَيَّدَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ مِنْ الْعِصْمَةِ وَالْخُشُوعِ ، يَشْغَلُهُ ذَلِكَ ، فَغَيْرُهُ مِنْ النَّاسِ أَوْلَى .","part":4,"page":7},{"id":1507,"text":"( 1216 ) فَصْلٌ : وَيُكْرَهُ أَنْ يُصَلِّيَ وَأَمَامَهُ امْرَأَةٌ ؛ تُصَلِّي ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : أَخِّرُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَخَّرَهُنَّ اللَّهُ } .\rفَأَمَّا فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ فَلَا يُكْرَهُ ؛ لِخَبَرِ عَائِشَةَ .\rوَرَوَى أَبُو حَفْصٍ ، بِإِسْنَادِهِ ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ، قَالَتْ : كَانَ فِرَاشِي حِيَالَ مُصَلَّى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rوَإِنْ كَانَتْ عَنْ يَمِينِهِ أَوْ يَسَارِهِ ، لَمْ يُكْرَهْ ، وَإِنْ كَانَتْ فِي صَلَاةٍ .\rوَكَرِهَ أَحْمَدُ أَنْ يُصَلِّيَ وَبَيْنَ يَدَيْهِ كَافِرٌ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ إِسْحَاقَ ؛ لِأَنَّ الْمُشْرِكِينَ نَجَسٌ .","part":4,"page":8},{"id":1508,"text":"( 1217 ) فَصْلٌ : وَلَا بَأْسَ أَنْ يُصَلِّيَ بِمَكَّةَ إلَى غَيْرِ سُتْرَةٍ ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ الزُّبَيْرِ ، وَعَطَاءٍ ، وَمُجَاهِدٍ .\rقَالَ الْأَثْرَمُ ، قِيلَ لِأَحْمَدَ : الرَّجُلُ يُصَلِّي بِمَكَّةَ ، وَلَا يَسْتَتِرُ بِشَيْءٍ ؟ فَقَالَ : قَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ صَلَّى ثَمَّ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الطَّوَافِ سُتْرَةٌ .\rقَالَ أَحْمَدُ : لِأَنَّ مَكَّةَ لَيْسَتْ كَغَيْرِهَا ، كَأَنَّ مَكَّةَ مَخْصُوصَةٌ .\rوَذَلِكَ لِمَا رَوَى كَثِيرُ بْنُ كَثِيرِ بْنِ الْمُطَّلِبِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ الْمُطَّلَبِ ، قَالَ : رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي حِيَالَ الْحِجْرِ ، وَالنَّاسُ يَمُرُّونَ بَيْنَ يَدَيْهِ .\rرَوَاهُ الْخَلَّالُ بِإِسْنَادِهِ .\rوَرَوَى الْأَثْرَمُ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ الْمُطَّلَبِ ، قَالَ : رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا فَرَغَ مِنْ سَعْيِهِ ، جَاءَ حَتَّى يُحَاذِيَ الرُّكْنَ بَيْنَهُ وَبَيْنِ السَّقِيفَةِ ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْهِ فِي حَاشِيَةِ الْمَطَافِ ، وَلَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الطَّوَافِ أَحَدٌ .\rوَقَالَ ابْنُ أَبِي عَمَّارٍ : رَأَيْت ابْنَ الزُّبَيْرِ جَاءَ يُصَلِّي ، وَالطَّوَافُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ ، تَمُرُّ الْمَرْأَةُ بَيْنَ يَدَيْهِ ، فَيَنْتَظِرهَا حَتَّى تَمُرَّ ، ثُمَّ يَضَعُ جَبْهَتَهُ فِي مَوْضِعِ قَدَمِهَا .\rرَوَاهُ حَنْبَلٌ ، فِي كِتَابِ \" الْمَنَاسِكِ \" .\rوَقَالَ الْمُعْتَمِرُ ، قُلْت لِطَاوُسٍ : الرَّجُلُ يُصَلِّي - يَعْنِي بِمَكَّةَ - فَيَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ ؟ فَقَالَ : أُوَلًا يَرَى النَّاسُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا .\rوَإِذَا هُوَ يَرَى أَنَّ لِهَذَا الْبَلَدِ حَالًا لَيْسَ لِغَيْرِهِ مِنْ الْبُلْدَانِ ، وَذَلِكَ لِأَنَّ النَّاسَ يَكْثُرُونَ بِمَكَّةَ لِأَجْلِ قَضَاءِ نُسُكِهِمْ ، وَيَزْدَحِمُونَ فِيهَا ، وَلِذَلِكَ سُمِّيَتْ بَكَّةَ ، لِأَنَّ النَّاسَ يَتَبَاكَوْنَ فِيهَا ، أَيْ : يَزْدَحِمُونَ وَيَدْفَعُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا ، فَلَوْ مَنَعَ الْمُصَلِّي مَنْ يَجْتَازُ بَيْنَ يَدَيْهِ لَضَاقَ عَلَى النَّاسِ ، وَحُكْمُ الْحَرَمِ كُلِّهِ حُكْمُ مَكَّةَ فِي هَذَا ، بِدَلِيلِ مَا","part":4,"page":9},{"id":1509,"text":"رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ ، قَالَ : أَقْبَلْت رَاكِبًا عَلَى حِمَارٍ أَتَانٍ ، وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي بِالنَّاسِ بِمِنَى إلَى غَيْرِ جِدَارٍ .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَلِأَنَّ الْحَرَمَ كُلَّهُ مَحِلُّ الْمَشَاعِرِ وَالْمَنَاسِكِ ، فَجَرَى مَجْرَى مَكَّةَ فِي مَا ذَكَرْنَاهُ .\rفَصْلٌ : وَلَوْ صَلَّى فِي غَيْرِ مَكَّةَ إلَى غَيْرِ سُتْرَةٍ ، لَمْ يَكُنْ بِهِ بَأْسٌ ، لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ ، قَالَ : صَلَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي فَضَاءٍ لَيْسَ بَيْن يَدَيْهِ شَيْءٌ .\rرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ .\rوَرُوِيَ عَنْ الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَاهُمْ فِي بَادِيَتِهِمْ فَصَلَّى إلَى غَيْرِ سُتْرَةٍ .\rوَلِأَنَّ السُّتْرَةَ لَيْسَتْ شَرْطًا فِي الصَّلَاةِ ، وَإِنَّمَا هِيَ مُسْتَحَبَّةٌ .\rقَالَ أَحْمَدُ ، فِي الرَّجُلِ يُصَلِّي فِي فَضَاءٍ لَيْسَ بَيْنَ يَدَيْهِ سُتْرَةٌ وَلَا خَطٌّ : صَلَاتُهُ جَائِزَةٌ .\rوَقَالَ : أَحَبُّ أَنْ يَفْعَلَ ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ يُجَزِّئهُ .","part":4,"page":10},{"id":1510,"text":"( 1219 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَمَنْ مَرَّ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي فَلْيَرْدُدْهُ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ لَيْسَ لَأَحَدٍ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي إذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَ يَدَيْهِ سُتْرَةٌ ، فَإِنْ كَانَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ سُتْرَةٌ لَمْ يَمُرّ أَحَدٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا ؛ لِمَا رَوَى أَبُو جَهْمٍ الْأَنْصَارِيُّ ، قَالَ ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَوْ يَعْلَمُ الْمَارُّ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي مَاذَا عَلَيْهِ مِنْ الْإِثْمِ ، لَكَانَ أَنْ يَقِفَ أَرْبَعِينَ خَيْرًا لَهُ مِنْ أَنْ يَمُرّ بَيْنَ يَدَيْهِ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَلِمُسْلِمِ : { لَأَنْ يَقِفَ أَحَدُكُمْ مِائَةَ عَامٍ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْ أَخِيهِ وَهُوَ يُصَلِّي } .\rوَقَدْ سَمَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي يَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي شَيْطَانًا ، وَأَمَرَ بِرَدِّهِ وَمُقَاتَلَتِهِ .\rوَرُوِيَ عَنْ يَزِيدَ بْن نِمْرَانِ أَنَّهُ قَالَ : رَأَيْت رَجُلًا بِتَبُوك مُقْعَدًا ، فَقَالَ { : مَرَرْت بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا عَلَى حِمَارٍ وَهُوَ يُصَلِّي ، فَقَالَ : اللَّهُمَّ اقْطَعْ أَثَرَهُ فَمَا مَشَيْت عَلَيْهَا بَعْدُ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَفِي لَفْظٍ قَالَ { : قَطَعَ صَلَاتَنَا ، قَطَعَ اللَّهُ أَثَرَهُ } .\rوَإِنْ أَرَادَ أَحَدٌ الْمُرُورَ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي ، فَلَهُ مَنَعَهُ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ؛ مِنْهُمْ ابْنُ مَسْعُودٍ ، وَابْنُ عُمَرَ ، وَسَالِم .\rوَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ .\rوَلَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا ، وَالْأَصْلُ فِيهِ مَا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ ، قَالَ : سَمِعْت النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ { : إذَا كَانَ أَحَدُكُمْ يُصَلِّي إلَى شَيْءٍ يَسْتُرُهُ مِنْ النَّاسِ ، فَأَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَجْتَازَ بَيْنَ يَدَيْهِ ، فَلْيَدْفَعْهُ ، فَإِنْ أَبَى فَلْيُقَاتِلْهُ ، فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَلَفْظُ رِوَايَتِهِ { : إذَا كَانَ أَحَدُكُمْ يُصَلِّي فَلَا يَدَعْ أَحَدًا يَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ ، وَلِيَدْرَأْهُ","part":4,"page":11},{"id":1511,"text":"مَا اسْتَطَاعَ ، فَإِنْ أَبَى فَلْيُقَاتِلْهُ ، فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ } .\rوَمَعْنَاهُ : أَيْ لِيَدْفَعْهُ .\rوَهَذَا فِي أُولِي الْأَمْرِ لَا يَزِيدُ عَلَى دَفْعِهِ ، فَإِنْ أَبَى ، وَلَجَّ ، فَلِيُقَاتِلْهُ ، أَيْ يُعَنِّفْهُ فِي دَفْعِهِ مِنْ الْمُرُورِ ، فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ ، أَيْ فِعْلُهُ فِعْلُ الشَّيْطَانِ ، أَوْ الشَّيْطَانُ يَحْمِلُهُ عَلَى ذَلِكَ .\rوَقِيلَ مَعْنَاهُ : أَنَّ مَعَهُ شَيْطَانًا .\rوَأَكْثَرُ الرِّوَايَاتِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ، أَنَّ الْمَارَّ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي إذَا لَجَّ فِي الْمُرُورِ ، وَأَبَى الرُّجُوعَ ، أَنَّ الْمُصَلِّيَ يَشْتَدُّ عَلَيْهِ فِي الدَّفْعِ ، وَيَجْتَهِدُ فِي رَدِّهِ ، مَا لَمْ يُخْرِجْهُ ذَلِكَ إلَى إفْسَادِ صَلَاتِهِ بِكَثْرَةِ الْعَمَلِ فِيهَا .\rوَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : يَدْرَأُ مَا اسْتَطَاعَ ، وَأَكْرَهُ الْقِتَالَ فِي الصَّلَاةِ .\rوَذَلِكَ لِمَا يُفْضِي إلَيْهِ مِنْ الْفِتْنَةِ وَفَسَادِ الصَّلَاةِ ، وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّمَا أَمَرَ بِرَدِّهِ وَدَفْعِهِ حِفْظًا لِلصَّلَاةِ عَمَّا يَنْقُصُهَا ، فَيُعْلَمُ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ مَا يُفْسِدُهَا وَيَقْطَعُهَا بِالْكُلِّيَّةِ ، فَيُحْمَلُ لَفْظُ الْمُقَاتَلَةِ عَلَى دَفْعٍ أَبْلَغَ مِنْ الدَّفْعِ الْأَوَّلِ .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .\rوَقَدْ رَوَتْ أُمُّ سَلَمَةَ ؛ قَالَتْ { : كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي فِي حُجْرَةِ أُمِّ سَلَمَةَ ، فَمَرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ ، أَوْ عُمَرُ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ .\rفَقَالَ بِيَدِهِ ، فَرَجَعَ ، فَمَرَّتْ زَيْنَبُ بِنْتُ أُمِّ سَلَمَةَ ، فَقَالَ بِيَدِهِ هَكَذَا ، فَمَضَتْ ، فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : هُنَّ أَغْلَبُ } .\rرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ .\rوَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَجْتَهِدْ فِي الدَّفْعِ .\rفَصْلٌ : يُسْتَحَبُّ أَنْ يَرُدَّ مَا مَرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ كَبِيرٍ وَصَغِيرٍ ، وَإِنْسَانٍ وَبَهِيمَةٍ ؛ لِمَا رَوَيْنَا مِنْ رَدِّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عُمَرَ وَزَيْنَبَ وَهُمَا صَغِيرَانِ ، وَفِي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ،","part":4,"page":12},{"id":1512,"text":"عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى إلَى جُدُرٍ ، فَاِتَّخَذَهُ قِبْلَةً وَنَحْنُ خَلْفَهُ ، فَجَاءَتْ بَهِيمَةٌ تَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ ، فَمَا زَالَ يَدْرَأُ بِهَا حَتَّى لَصِقَ بَطْنُهُ بِالْجِلْدِ ، فَمَرَّتْ مِنْ وَرَائِهِ .\r( 1221 ) فَصْلٌ : فَإِنْ مَرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ إنْسَانٌ فَعَبَرَ ، لَمْ يُسْتَحَبَّ رَدُّهُ مِنْ حَيْثُ جَاءَ .\rوَهَذَا قَوْلُ الشَّعْبِيِّ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَإِسْحَاقَ ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ ، وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ؛ أَنَّهُ يَرُدُّهُ مِنْ حَيْثُ جَاءَ ، وَفَعَلَهُ سَالِمٌ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِرَدِّهِ ، فَتَنَاوَلَ الْعَابِرَ .\rوَلَنَا ، أَنَّ هَذَا مُرُورٌ ثَانٍ ، فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُنْسَبَ إلَيْهِ كَالْأَوَّلِ ، وَلِأَنَّ الْمَارَّ لَوْ أَرَادَ أَنْ يَعُودَ مِنْ حَيْثُ جَاءَ لَكَانَ مَأْمُورًا بِمَنْعِهِ ، وَلَمْ يَحِلَّ لِلْعَابِرِ الْعَوْدُ ، وَالْحَدِيثُ لَمْ يَتَنَاوَلْ الْعَابِرَ ، إنَّمَا فِي الْخَبَرِ { : فَأَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَجْتَازَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلْيَدْفَعْهُ } .\rوَبَعْدَ الْعُبُورِ فَلَيْسَ هَذَا مُرِيدًا لِلِاجْتِيَازِ .\r( 1222 ) فَصْلٌ : وَالْمُرُورُ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي يَنْقُصُ الصَّلَاةَ وَلَا يَقْطَعُهَا .\rقَالَ أَحْمَدُ : يَضَعُ مِنْ صَلَاتِهِ ، وَلَكِنْ لَا يَقْطَعُهَا .\rوَرُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ، أَنَّ مَمَرَّ الرَّجُلِ يَضَعُ نِصْفَ الصَّلَاةِ .\rوَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ إذَا مَرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ رَجُلٌ الْتَزَمَهُ حَتَّى يَرُدَّهُ .\rرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ بِإِسْنَادِهِ .\rقَالَ الْقَاضِي : يَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ نَقْصُ الصَّلَاةِ عَلَى مَنْ أَمْكَنَهُ الرَّدُّ فَلَمْ يَفْعَلْهُ ، أَمَّا إذَا رَدَّ فَلَمْ يُمْكِنْهُ الرَّدُّ فَصَلَاتُهُ تَامَّةٌ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ مَا يَنْقُصُ الصَّلَاةَ ، فَلَا يُؤَثِّرُ فِيهَا ذَنْبُ غَيْرِهِ .","part":4,"page":13},{"id":1513,"text":"( 1223 ) فَصْلٌ : وَلَا بَأْسَ بِالْعَمَلِ الْيَسِيرِ فِي الصَّلَاةِ لِلْحَاجَةِ .\rقَالَ أَحْمَدُ : لَا بَأْسَ أَنْ يَحْمِلَ الرَّجُلُ وَلَدَهُ فِي الصَّلَاةِ الْفَرِيضَةِ ؛ لِحَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ ، وَحَدِيثِ عَائِشَةَ ، أَنَّهَا اسْتَفْتَحَتْ الْبَابَ ، فَمَشَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ حَتَّى فَتَحَ لَهَا .\rوَأَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَتْلِ الْأَسْوَدَيْنِ فِي الصَّلَاةِ .\rفَإِذَا رَأَى الْعَقْرَبَ خَطَا إلَيْهَا ، وَأَخَذَ النَّعْلَ ، وَقَتَلَهَا ، وَرَدَّ النَّعْلَ إلَى مَوْضِعِهَا ؛ لِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ نَظَرَ إلَى رِيشَةٍ فَحَسِبَهَا عَقْرَبًا ، فَضَرَبَهَا بِنَعْلِهِ ، وَحَدِيثُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ الْتَحَفَ بِإِزَارِهِ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ .\rفَلَا بَأْسَ إنْ سَقَطَ رِدَاءُ الرَّجُلِ أَنْ يَرْفَعَهُ ، وَإِنْ انْحَلَّ إزَارُهُ أَنْ يَشُدَّهُ .\rوَإِذَا عَتَقَتْ الْأَمَةُ وَهِيَ تُصَلِّي اخْتَمَرَتْ ، وَبَنَتْ عَلَى صَلَاتِهَا .\rوَقَالَ : مِنْ فَعَلَ كَفِعْلِ أَبِي بَرْزَةَ ، حِينَ مَشَى إلَى الدَّابَّةِ وَقَدْ أَفْلَتَتْ مِنْهُ ، فَصَلَاتُهُ جَائِزَةٌ .\rوَهَذَا لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ الْمُشَرِّعُ ، فَمَا فَعَلَهُ أَوْ أَمَرَ بِهِ ، فَلَا بَأْسَ بِهِ .\rوَمِثْلُ هَذَا مَا رَوَى سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى عَلَى مِنْبَرِهِ ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَسْجُدَ نَزَلَ عَنْ الْمِنْبَرِ فَسَجَدَ بِالْأَرْضِ ، ثُمَّ رَجَعَ إلَى الْمِنْبَرِ كَذَلِكَ ، حَتَّى قَضَى صَلَاتَهُ .\rوَحَدِيثُ جَابِرٍ فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ ، قَالَ : ثُمَّ تَأَخَّرَ ، وَتَأَخَّرَتْ الصُّفُوفُ خَلْفَهُ ، حَتَّى انْتَهَيْنَا إلَى النِّسَاءِ ، ثُمَّ تَقَدَّمَ ، وَتَقَدَّمَ النَّاسُ مَعَهُ ، حَتَّى قَامَ فِي مَقَامِهِ .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ ، قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي بِنَا ، فَكَانَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ يَجِيءُ وَهُوَ صَغِيرٌ ، فَكَانَ كُلَّمَا سَجَدَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَثَبَ عَلَى ظَهْرِهِ ، وَيَرْفَعُ النَّبِيُّ","part":4,"page":14},{"id":1514,"text":"صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأْسَهُ رَفْعًا رَفِيقًا حَتَّى يَضَعَهُ بِالْأَرْضِ .\rرَوَاهُ الْأَثْرَمُ .\rوَحَدِيثُ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَزُلْ يُدَارِئُ الْبَهْمَةَ حَتَّى لَصِقَ بِالْجُدُرِ وَحَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ بِالْأَمْرِ بِدَفْعِ الْمَارِّ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي ، وَمُقَاتَلَتِهِ إذَا أَبَى الرُّجُوعَ .\rفَكُلُّ هَذَا وَأَشْبَاهُهُ لَا بَأْسَ بِهِ فِي الصَّلَاةِ ، وَلَا يُبْطِلُهَا ، وَلَوْ فَعَلَ هَذَا لِغَيْرِ حَاجَةٍ ، كُرِهَ ، وَلَا يُبْطِلُهَا أَيْضًا .\rوَلَا يَتَقَدَّرُ الْجَائِزُ مِنْ هَذَا بِثَلَاثٍ وَلَا بِغَيْرِهَا مِنْ الْعَدَدِ ؛ لِأَنَّ فِعْلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الظَّاهِرُ مِنْهُ زِيَادَتُهُ عَلَى ثَلَاثٍ ، كَتَأَخُّرِهِ حَتَّى تَأَخَّرَ الرِّجَالُ فَانْتَهَوْا إلَى النِّسَاءِ ، وَفِي حَمْلِهِ أُمَامَةَ وَوَضْعِهَا فِي كُلِّ رَكْعَةٍ ، وَهَذَا فِي الْغَالِبِ يَزِيدُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَفْعَالٍ ، وَكَذَلِكَ مَشْيُ أَبِي بَرْزَةَ مَعَ دَابَّتِهِ .\rوَلِأَنَّ التَّقْدِيرَ بَابُهُ التَّوْقِيفُ ، وَهَذَا لَا تَوْقِيفَ فِيهِ ، وَلَكِنْ يُرْجَعُ فِي الْكَثِيرِ وَالْيَسِيرِ إلَى الْعُرْفِ ، فِيمَا يُعَدُّ كَثِيرًا أَوْ يَسِيرًا ، وَكُلُّ مَا شَابَهُ فِعْلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَهُوَ مَعْدُودٌ يَسِيرًا .\rوَإِنْ فَعَلَ أَفْعَالًا مُتَفَرِّقَةً لَوْ جُمِعَتْ كَانَتْ كَثِيرَةً ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا بِمُفْرَدِهِ يَسِيرٌ ، فَهِيَ فِي حَدِّ الْيَسِيرِ ؛ بِدَلِيلِ حَمْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأُمَامَةَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ وَوَضْعِهَا .\rوَمَا كَثُرَ وَزَادَ عَلَى فِعْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبْطَلَ الصَّلَاةَ سَوَاءٌ كَانَ لِحَاجَةٍ أَوْ غَيْرِهَا ، إلَّا أَنْ يَكُونَ لِضَرُورَةِ ، فَيَكُونُ حُكْمُهُ حُكْمَ الْخَائِفِ ، فَلَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ بِهِ ، وَإِنْ احْتَاجَ إلَى الْفِعْلِ الْكَثِيرِ فِي الصَّلَاةِ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ ، قَطَعَ الصَّلَاةَ ، وَفَعَلَهُ .\rقَالَ أَحْمَدُ : إذَا رَأَى صَبِيَّيْنِ يَقْتَتِلَانِ ، يَتَخَوَّفُ أَنْ يُلْقِيَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ فِي الْبِئْرِ ، فَإِنَّهُ يَذْهَبُ","part":4,"page":15},{"id":1515,"text":"إلَيْهِمَا فَيُخَلِّصُهُمَا ، وَيَعُودُ فِي صَلَاتِهِ .\rوَقَالَ : إذَا لَزِمَ رَجُلٌ رَجُلًا ، فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ ، وَقَدْ أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ ، فَلَمَّا سَجَدَ الْإِمَامُ خَرَجَ الْمَلْزُومُ ، فَإِنَّ الَّذِي كَانَ يَلْزَمُهُ يَخْرُجُ فِي طَلَبِهِ .\rيَعْنِي : وَيَبْتَدِئُ الصَّلَاةَ .\rوَهَكَذَا لَوْ رَأَى حَرِيقًا يُرِيدُ إطْفَاءَهُ ، أَوْ غَرِيقًا يُرِيدُ إنْقَاذَهُ ، خَرَجَ إلَيْهِ ، وَابْتَدَأَ الصَّلَاةَ .\rوَلَوْ انْتَهَى الْحَرِيقُ إلَيْهِ ، أَوْ السَّيْلُ ، وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ ، فَفَرَّ مِنْهُ ، بَنَى عَلَى صَلَاتِهِ ، وَأَتَمَّهَا صَلَاةَ خَائِفٍ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ قَبْلُ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":4,"page":16},{"id":1516,"text":"( 1224 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَلَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ إلَّا الْكَلْبُ الْأَسْوَدُ الْبَهِيمُ ) .\rيَعْنِي إذَا مَرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ .\rهَذَا الْمَشْهُورُ عَنْ أَحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ ، نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ عَنْهُ .\rقَالَ الْأَثْرَمُ : سُئِلَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ ؟ قَالَ لَا يَقْطَعُهَا عِنْدِي شَيْءٌ إلَّا الْكَلْبُ الْأَسْوَدُ الْبَهِيمُ .\rوَهَذَا قَوْلُ عَائِشَةَ وَحُكِيَ عَنْ طَاوُسٍ وَرَوَى عَنْ مُعَاذٍ وَمُجَاهِدٍ أَنَّهُمَا قَالَا : الْكَلْبُ الْأَسْوَدُ الْبَهِيمُ شَيْطَانٌ ، وَهُوَ يَقْطَعُ الصَّلَاةَ .\rوَمَعْنَى الْبَهِيمِ الَّذِي لَيْسَ فِي لَوْنِهِ شَيْءٌ سِوَى السَّوَادِ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى ، أَنَّهُ يَقْطَعُهَا الْكَلْبُ الْأَسْوَدُ ، وَالْمَرْأَةُ إذَا مَرَّتْ ، وَالْحِمَارُ .\rقَالَ : وَحَدِيثُ عَائِشَةَ مِنْ النَّاسِ مَنْ قَالَ : لَيْسَ بِحَجَّةِ عَلَى هَذَا ؛ لِأَنَّ الْمَارَّ غَيْرُ اللَّابِثِ ، وَهُوَ فِي التَّطَوُّعِ ، وَهُوَ أَسْهَلُ ، وَالْفَرْضُ آكَدُ .\rوَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ : مَرَرْت بَيْنَ يَدَيْ بَعْضِ الصَّفِّ .\rلَيْسَ بِحَجَّةِ ؛ لِأَنَّ سُتْرَةَ الْإِمَامِ سُتْرَةٌ لِمَنْ خَلْفَهُ وَرُوِيَ هَذَا الْقَوْلُ عَنْ أَنَسٍ وَعِكْرِمَةَ ، وَالْحَسَنِ ، وَأَبِي الْأَحْوَصِ .\rوَوَجْهُ هَذَا الْقَوْلِ مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { يَقْطَعُ الصَّلَاةَ الْمَرْأَةُ ، وَالْحِمَارُ ، وَالْكَلْبُ ، وَيَقِي ذَلِكَ مِثْلُ مُؤْخِرَةِ الرَّحْلِ .\r} وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إذَا قَامَ أَحَدُكُمْ يُصَلِّي ، فَإِنَّهُ يَسْتُرُهُ مِثْلُ آخِرَةِ الرَّحْلِ ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَ يَدَيْهِ مِثْلُ آخِرَةِ الرَّحْلِ فَإِنَّهُ يَقْطَعُ صَلَاتَهُ الْحِمَارُ ، وَالْمَرْأَةُ ، وَالْكَلْبُ الْأَسْوَدُ } قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الصَّامِتِ : يَا أَبَا ذَرٍّ ، مَا بَالُ الْكَلْبِ الْأَسْوَدِ مِنْ الْكَلْبِ الْأَحْمَرِ مِنْ الْكَلْبِ الْأَصْفَرِ ؟ قَالَ : يَا ابْنَ أَخِي ، سَأَلْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا سَأَلْتنِي فَقَالَ { الْكَلْبُ الْأَسْوَدُ شَيْطَانٌ } .","part":4,"page":17},{"id":1517,"text":"رَوَاهُمَا مُسْلِمٌ ، وَأَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُمَا .\rوَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلَّذِي مَرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ عَلَى حِمَارٍ : \" قَطَعَ صَلَاتَنَا \" .\rوَقَدْ ذَكَرْنَا هَذَا الْحَدِيثَ وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَعَطَاءٌ يَقُولَانِ : يَقْطَعُ الصَّلَاةَ الْكَلْبُ ، وَالْمَرْأَةُ الْحَائِضُ وَرَوَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد ، وَابْنُ مَاجَهْ .\rقَالَ أَبُو دَاوُد : رَفَعَهُ شُعْبَةُ ، وَوَقَفَهُ ، سَعِيدٌ ، وَهِشَامٌ ، وَهَمَّامٌ ، عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ .\rوَقَالَ عُرْوَةُ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ : لَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ شَيْءٌ ؛ لِمَا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ شَيْءٌ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَعَنْ الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : { أَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَحْنُ فِي بَادِيَةٍ ، فَصَلَّى فِي صَحْرَاءَ لَيْسَ بَيْنَ يَدَيْهِ سُتْرَةٌ ، وَحِمَارَةٌ لَنَا وَكَلْبَةٌ يَعْبَثَانِ بَيْنَ يَدَيْهِ ، فَمَا بَالَى ذَلِكَ } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَقَالَتْ عَائِشَةُ : { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي صَلَاتَهُ مِنْ اللَّيْلِ ، وَأَنَا مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ } .\rوَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ : { أَقْبَلْت رَاكِبًا عَلَى حِمَارٍ أَتَانٍ ، وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي ، فَمَرَرْت عَلَى بَعْضِ الصَّفِّ ، وَنَزَلْت ، فَأَرْسَلْت الْأَتَانَ تَرْتَعُ .\rفَدَخَلْت فِي الصَّفِّ ، فَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيَّ أَحَدٌ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا .\rوَحَدِيثُ زَيْنَبَ بِنْتِ أُمِّ سَلَمَةَ ، حِينَ مَرَّتْ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يَقْطَعْ صَلَاتَهُ .\rوَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُصَلِّي ، فَجَاءَتْ جَارِيَتَانِ مِنْ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ، حَتَّى أَخَذَتَا بِرُكْبَتَيْهِ ، فَقَرَعَ بَيْنَهُمَا فَمَا بَالَى ذَلِكَ .\rوَلَنَا ، حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي","part":4,"page":18},{"id":1518,"text":"ذَرٍّ ، وَحَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ : { لَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ شَيْءٌ } .\rيَرْوِيهِ مُجَالِدُ بْنُ سَعِيدٍ ، وَهُوَ ضَعِيفٌ ، فَلَا يُعَارَضُ بِهِ الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ ، ثُمَّ حَدِيثُنَا أَخَصُّ ، فَيَجِبُ تَقْدِيمُهُ لِصِحَّتِهِ وَخُصُوصِهِ ، وَحَدِيثُ الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ فِي إسْنَادِهِ مُقَاتِلٌ ، ثُمَّ يَحْتَمِلُ أَنَّ الْكَلْبَ لَمْ يَكُنْ أَسْوَدَ وَلَا بَهِيمًا ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَا بَعِيدَيْنِ ، ثُمَّ هَذِهِ الْأَحَادِيثُ كُلُّهَا فِي الْمَرْأَةِ ، وَالْحِمَارِ ، يُعَارِضُ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي ذَرٍّ فِيهِمَا ، فَيَبْقَى الْكَلْبُ الْأَسْوَدُ خَالِيًا عَنْ مُعَارِضٍ ، فَيَجِبُ الْقَوْلُ بِهِ لِثُبُوتِهِ ، وَخُلُوِّهِ عَنْ مُعَارِضٍ ( 1225 ) فَصْلٌ : وَلَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ شَيْءٌ سِوَى مَا ذَكَرْنَا ، لَا مِنْ الْكِلَابِ وَلَا مِنْ غَيْرِهَا ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَصَّهَا بِالذِّكْرِ .\rوَقِيلَ لَهُ : مَا بَالُ الْكَلْبِ الْأَسْوَدِ مِنْ الْكَلْبِ الْأَحْمَرِ مِنْ الْكَلْبِ الْأَصْفَرِ ؟ قَالَ : \" الْكَلْبُ الْأَسْوَدُ شَيْطَانٌ \" وَكَذَلِكَ الْكَلْبُ الْأَسْوَدُ إذَا لَمْ يَكُنْ بَهِيمًا لَمْ يَقْطَعْ الصَّلَاةَ ؛ لِتَخْصِيصِهِ الْبَهِيمَ بِالذِّكْرِ ، وَلِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { لَوْلَا أَنَّ الْكِلَابَ أُمَّةٌ مِنْ الْأُمَمِ لَأَمَرْت بِقَتْلِهَا ، فَاقْتُلُوا مِنْهَا كُلَّ أَسْوَدَ بَهِيمٍ ، فَإِنَّهُ شَيْطَانٌ } .\rفَبَيَّنَ أَنَّ الشَّيْطَانَ هُوَ الْأَسْوَدُ الْبَهِيمُ ، قَالَ ثَعْلَبٌ : الْبَهِيمُ كُلُّ لَوْنٍ لَمْ يُخَالِطْهُ لَوْنٌ آخَرُ فَهُوَ بَهِيمٌ .\rفَمَتَى كَانَ فِيهِ لَوْنٌ آخَرُ فَلَيْسَ بِبَهِيمِ .\rوَإِنْ كَانَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ نُكْتَتَانِ يُخَالِفَانِ لَوْنَهُ لَمْ يَخْرُجْ بِهَذَا عَنْ كَوْنِهِ بَهِيمًا ، يَتَعَلَّقُ بِهِ أَحْكَامُ الْأَسْوَدِ الْبَهِيمِ ؛ مِنْ قَطْعِ الصَّلَاةِ ، وَتَحْرِيمِ صَيْدِهِ ، وَإِبَاحَةِ قَتْلِهِ ؛ فَإِنَّهُ قَدْ رُوِيَ فِي حَدِيثٍ : { عَلَيْكُمْ بِالْأَسْوَدِ الْبَهِيمِ ذِي الْغُرَّتَيْنِ ، فَإِنَّهُ شَيْطَانٌ } .","part":4,"page":19},{"id":1519,"text":"( 1226 ) فَصْلٌ : وَلَا فَرْقَ فِي بُطْلَانِ الصَّلَاةِ بَيْنَ الْفَرْضِ وَالتَّطَوُّعِ ؛ لِعُمُومِ الْحَدِيثِ فِي كُلِّ صَلَاةٍ ، وَلِأَنَّ مُبْطِلَاتِ الصَّلَاةِ يَتَسَاوَى فِيهَا الْفَرْضُ وَالتَّطَوُّعُ فِي غَيْرِ هَذَا ، فَكَذَلِكَ هَذَا ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ كَلَامٌ يَدُلُّ عَلَى التَّسْهِيلِ فِي التَّطَوُّعِ ، وَالصَّحِيحُ التَّسْوِيَةُ وَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ : يَحْتَجُّونَ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ ، فَإِنَّهُ فِي التَّطَوُّعِ ، وَمَا أَعْلَمُ بَيْنِ التَّطَوُّعِ وَالْفَرِيضَةِ فَرْقًا إلَّا أَنَّ التَّطَوُّعَ يُصَلَّى عَلَى الدَّابَّةِ .","part":4,"page":20},{"id":1520,"text":"( 1227 ) فَصْلٌ : فَإِنْ كَانَ الْكَلْبُ الْأَسْوَدُ الْبَهِيمُ وَاقِفًا بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي ، أَوْ نَائِمًا وَلَمْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ : إحْدَاهُمَا ، تَبْطُلُ ؛ لِأَنَّهُ بَيْنَ يَدَيْهِ أَشْبَهَ الْمَارَّ ، وَقَدْ قَالَتْ عَائِشَةُ : عَدَلْتُمُونَا بِالْكِلَابِ وَالْحُمُرِ وَذَكَرَتْ فِي مُعَارَضَةِ ذَلِكَ وَدَفْعِهِ أَنَّهَا كَانَتْ تَكُونُ مُعْتَرِضَةً بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يُصَلِّي ، كَاعْتِرَاضِ الْجِنَازَةِ .\rفَيَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى التَّسْوِيَةِ بَيْنَهُمَا .\rوَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { يَقْطَعُ الصَّلَاةَ الْمَرْأَةُ ، وَالْحِمَارُ ، وَالْكَلْبُ } .\rوَلَمْ يَذْكُرْ مُرُورًا .\rوَالثَّانِيَةُ ، لَا تُبْطِلُ الصَّلَاةَ بِهِ ؛ لِأَنَّ الْوُقُوفَ وَالنَّوْمَ مُخَالِفٌ لِحُكْمِ الْمُرُورِ ، بِدَلِيلِ أَنَّ عَائِشَةَ كَانَتْ تَنَامُ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَا يَكْرَهُهُ ، وَلَا يُنْكِرهُ ، وَقَدْ قَالَ فِي الْمَارِّ : \" لَكَانَ أَنْ يَقِفَ أَرْبَعِينَ ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ \" .\rوَكَانَ يُصَلِّي إلَى الْبَعِيرِ ، وَلَوْ مَرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ لَمْ يَدَعْهُ ، وَلِهَذَا مَنَعَ الْبَهِيمَةَ مِنْ الْمُرُورِ .\rوَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ لِنَافِعِ : وَلِّنِي ظَهْرَكَ .\rلِيَسْتَتِرَ بِهِ مِمَّنْ يَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ .\rوَقَعَدَ عُمَرُ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي يَسْتُرُهُ مِنْ الْمُرُورِ .\rفَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْوُقُوفَ لَيْسَ فِي حُكْمِ الْمُرُورِ ، فَلَا يُقَاسُ عَلَيْهِ .\rوَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : \" يَقْطَعُ الصَّلَاةَ \" .\rلَا بُدَّ فِيهِ مِنْ إضْمَارِ الْمُرُورِ أَوْ غَيْرِهِ ، فَيَتَعَيَّنُ حَمْلُهُ عَلَيْهِ","part":4,"page":21},{"id":1521,"text":"( 1228 ) فَصْلٌ : وَمَنْ صَلَّى إلَى سُتْرَةٍ فَمَرَّ مِنْ وَرَائِهَا مَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ ، لَمْ تَنْقَطِعْ .\rوَإِنْ مَرَّ مِنْ وَرَائِهَا غَيْرُ مَا يَقْطَعُهَا ، لَمْ يُكْرَهْ ؛ لِمَا مَرَّ مِنْ الْأَحَادِيثِ .\rوَإِنْ مَرَّ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا ، قَطَعَهَا إنْ كَانَ مِمَّا يَقْطَعُهَا ، كُرِهَ إنْ كَانَ مِمَّا لَا يَقْطَعُهَا .\rوَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ يَدَيْهِ سُتْرَةٌ ، فَمَرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ قَرِيبًا مِنْهُ مَا يَقْطَعُهَا ، قَطَعَهَا ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يَقْطَعُهَا ، كُرِهَ ، وَإِنْ كَانَ بَعِيدًا ، لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ حُكْمٌ .\rوَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ حَدَّ الْبَعِيدَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا الْقَرِيبَ ، إلَّا أَنَّ عِكْرِمَةَ قَالَ : إذَا كَانَ بَيْنَك وَبَيْنَ الَّذِي يَقْطَعُ الصَّلَاةَ قَذْفَةٌ بِحَجَرٍ ، لَمْ يَقْطَعْ الصَّلَاةَ .\rوَقَدْ رَوَى عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ ، فِي \" مُسْنَدِهِ \" وَأَبُو دَاوُد فِي \" سُنَنِهِ \" ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : أَحْسَبُهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ إلَى غَيْرِ سُتْرَةٍ فَإِنَّهُ يَقْطَعُ صَلَاتَهُ الْكَلْبُ ، وَالْحِمَارُ ، وَالْخِنْزِيرُ ، وَالْمَجُوسِيُّ ، وَالْيَهُودِيُّ ، وَالْمَرْأَةُ ، وَيُجْزِئُ عَنْهُ إذَا مَرُّوا بَيْنَ يَدَيْهِ قَذْفَةٌ بِحَجَرِ } هَذَا لَفْظُ رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد .\rوَفِي \" مُسْنَدِ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ \" : \" وَالنَّصْرَانِيُّ ، وَالْمَرْأَةُ الْحَائِضُ \" .\rوَهَذَا الْحَدِيثُ لَوْ ثَبَتَ ، لَتَعَيَّنَ الْمَصِيرُ إلَيْهِ ، غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَجْزِمْ بِرَفْعِهِ ، وَفِيهِ مَا هُوَ مَتْرُوكٌ بِالْإِجْمَاعِ ، وَهُوَ مَا عَدَا الثَّلَاثَةَ الْمَذْكُورَةَ ، وَلَا يُمْكِنُ تَقْيِيدُ ذَلِكَ بِمَوْضِعِ السُّجُودِ ؛ فَإِنَّ قَوْلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" إذَا لَمْ تَكُنْ بَيْنَ يَدَيْهِ مِثْلُ آخِرَةِ الرَّحْلِ ، قَطَعَ صَلَاتَهُ الْكَلْبُ الْأَسْوَدُ \" .\rيَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَا هُوَ أَبْعَدُ مِنْ السُّتْرَةِ تَنْقَطِعُ صَلَاتُهُ بِمُرُورِ الْكَلْبِ فِيهِ ، وَالسُّتْرَةُ تَكُونُ أَبْعَدَ مِنْ مَوْضِعِ السُّجُودِ ، وَالصَّحِيحُ تَحْدِيدُ ذَلِكَ بِمَا إذَا مَشَى إلَيْهِ ،","part":4,"page":22},{"id":1522,"text":"وَدَفَعَ الْمَارَّ بَيْنَ يَدَيْهِ ، لَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِدَفْعِ الْمَارِّ بَيْنَ يَدَيْهِ ، فَتَقَيَّدَ لِدَلَالَةِ الْإِجْمَاعِ بِمَا يَقْرُبُ مِنْهُ ، بِحَيْثُ إذَا مَشَى إلَيْهِ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ ، وَاللَّفْظُ فِي الْحَدِيثَيْنِ وَاحِدٌ ، وَقَدْ تَعَذَّرَ حَمْلُهُمَا عَلَى إطْلَاقِهِمَا ، وَقَدْ تَقَيَّدَ أَحَدُهُمَا بِدَلَالَةِ الْإِجْمَاعِ بِقَيْدٍ ، فَتَقَيَّدَ الْآخَرُ بِهِ .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":4,"page":23},{"id":1523,"text":"( 1229 ) فَصْلٌ : إذَا صَلَّى إلَى سُتْرَةٍ مَغْصُوبَةٍ ، فَاجْتَازَ وَرَاءَهَا كَلْبٌ أَسْوَدُ ، فَهَلْ تَنْقَطِعُ صَلَاتُهُ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ ذَكَرَهُمَا ابْنُ حَامِدٍ : أَحَدُهُمَا ، تَبْطُلُ صَلَاتُهُ ؛ لِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْ نَصْبِهَا ، وَالصَّلَاةِ إلَيْهَا ، فَوُجُودُهَا كَعَدَمِهَا ، وَالثَّانِي ، لَا تَبْطُلُ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَقِي ذَلِكَ مِثْلُ آخِرَةِ الرَّحْلِ \" .\rوَهَذَا قَدْ وُجِدَ .\rوَأَصْلُ الْوَجْهَيْنِ إذَا صَلَّى فِي ثَوْبٍ مَغْصُوبٍ ، هَلْ تَصِحُّ صَلَاتُهُ ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ .","part":4,"page":24},{"id":1524,"text":"الْأَصْلُ فِي قَصْرِ الصَّلَاةِ الْكِتَابُ ، وَالسُّنَّةُ ، وَالْإِجْمَاعُ ؛ أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنْ الصَّلَاةِ إنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا } .\r{ قَالَ - يَعْلَى بْنُ أُمَيَّةَ - قُلْت لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنْ الصَّلَاةِ إنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا وَقَدْ أَمِنَ النَّاسُ ؟ فَقَالَ : عَجِبْت مِمَّا عَجِبْت مِنْهُ ، فَسَأَلْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ بِهَا عَلَيْكُمْ فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ } .\rأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ .\r.\rوَأَمَّا السُّنَّةُ ، فَقَدْ تَوَاتَرَتْ الْأَخْبَارُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقْصُرُ فِي أَسْفَارِهِ ، حَاجًّا ، وَمُعْتَمِرًا ، وَغَازِيًا .\rوَقَالَ ابْنُ عُمَرَ : صَحِبْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى قُبِضَ - يَعْنِي فِي السَّفَرِ - وَكَانَ { لَا يَزِيدُ عَلَى رَكْعَتَيْنِ ، وَأَبَا بَكْرٍ حَتَّى قُبِضَ ، وَكَانَ لَا يَزِيدُ عَلَى رَكْعَتَيْنِ ، وَعُمَرَ ، وَعُثْمَانَ كَذَلِكَ } .\rوَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ : { صَلَّيْت مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَكْعَتَيْنِ ، وَمَعَ أَبِي بَكْرٍ رَكْعَتَيْنِ ، وَمَعَ عُمَرَ رَكْعَتَيْنِ ، ثُمَّ تَفَرَّقَتْ بِكُمْ الطُّرُقُ .\rوَوَدِدْت أَنَّ لِي مِنْ أَرْبَعٍ رَكْعَتَيْنِ مُتَقَبَّلَتَيْنِ } .\rوَقَالَ أَنَسٌ : { خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى مَكَّةَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ حَتَّى رَجَعَ ، وَأَقَمْنَا بِمَكَّةَ عَشْرًا نَقْصُرُ الصَّلَاةَ حَتَّى رَجَعَ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِنَّ .\rوَأَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ مَنْ سَافَرَ سَفَرًا تَقْصُرُ فِي مِثْلِهِ الصَّلَاةُ فِي حَجٍّ ، أَوْ عُمْرَةٍ ، أَوْ جِهَادٍ ، أَنَّ لَهُ أَنْ يَقْصُرَ الرَّبَاعِيَّةَ فَيُصَلِّيَهَا رَكْعَتَيْنِ .","part":4,"page":25},{"id":1525,"text":"( 1230 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِذَا كَانَتْ مَسَافَةُ سَفَرِهِ سِتَّةَ عَشَرَ فَرْسَخًا ، أَوْ ثَمَانِيَةَ وَأَرْبَعِينَ مِيلًا بِالْهَاشِمِيِّ ، فَلَهُ أَنْ يَقْصُرَ ) .\rقَالَ الْأَثْرَمُ : قِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ : فِي كَمْ تُقْصَرُ الصَّلَاةُ ؟ قَالَ : فِي أَرْبَعَةِ بُرُدٍ .\rقِيلَ لَهُ : مَسِيرَةُ يَوْمٍ تَامٍّ ؟ قَالَ : لَا .\rأَرْبَعَةُ بُرُدٍ ، سِتَّةَ عَشَرَ فَرْسَخًا ، وَمَسِيرَةُ يَوْمَيْنِ .\rفَمَذْهَبُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ الْقَصْرَ لَا يَجُوزُ فِي أَقَلِّ مِنْ سِتَّةَ عَشَرَ فَرْسَخًا ، وَالْفَرْسَخُ : ثَلَاثَةُ أَمْيَالٍ ، فَيَكُونُ ثَمَانِيَةً وَأَرْبَعِينَ مِيلًا ، قَالَ الْقَاضِي : وَالْمِيلُ : اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ قَدَمٍ ، وَذَلِكَ مَسِيرَةُ يَوْمَيْنِ قَاصِدَيْنِ .\rوَقَدْ قَدَرَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ، فَقَالَ : مِنْ عُسْفَانَ إلَى مَكَّةَ وَمِنْ الطَّائِفِ إلَى مَكَّةَ وَمِنْ جُدَّةَ إلَى مَكَّةَ .\rوَذَكَرَ صَاحِبُ الْمَسَالِكِ ، أَنَّ مِنْ دِمَشْقَ إلَى الْقَطِيفَةِ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ مِيلًا ، وَمِنْ دِمَشْقَ إلَى الْكُسْوَةِ اثْنَا عَشَرَ مِيلًا ، وَمِنْ الْكُسْوَةِ إلَى جَاسِمٍ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ مِيلًا .\rفَعَلَى هَذَا تَكُونُ مَسَافَةُ الْقَصْرِ يَوْمَيْنِ قَاصِدَيْنِ .\rوَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ .\rوَإِلَيْهِ ذَهَبَ مَالِكٌ ، وَاللَّيْثُ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ .\rوَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَقْصُرُ فِي مَسِيرَةِ عَشْرَةِ فَرَاسِخَ ، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : ثَبَتَ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَقْصُرُ إلَى أَرْضٍ لَهُ ، وَهِيَ ثَلَاثُونَ مِيلًا .\rوَرُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، فَإِنَّهُ قَالَ : يَقْصُرُ فِي الْيَوْمِ ، وَلَا يَقْصُرُ فِيمَا دُونَهُ .\rوَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْأَوْزَاعِيُّ .\rوَقَالَ : عَامَّةُ الْعُلَمَاءِ يَقُولُونَ : مَسِيرَةُ يَوْمٍ تَامٍّ .\rوَبِهِ نَأْخُذُ .\rوَيُرْوَى عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ، أَنَّهُ يَقْصُرُ فِي مَسِيرَةِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ .\rوَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { يَمْسَحُ الْمُسَافِرُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهنَّ } .\rوَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ كُلَّ مُسَافِرٍ لَهُ ذَلِكَ ،","part":4,"page":26},{"id":1526,"text":"وَلِأَنَّ الثَّلَاثَةَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا ، وَلَيْسَ فِي أَقَلِّ مِنْ ذَلِكَ تَوْقِيفٌ وَلَا اتِّفَاقٌ .\rوَرُوِيَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ السَّلَفِ ، رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ ، مَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ الْقَصْرِ فِي أَقَلَّ مِنْ يَوْمٍ ، فَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : كَانَ أَنَسٌ يَقْصُرُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ خَمْسَةِ فَرَاسِخَ .\rوَكَانَ قَبِيصَةُ بْنُ ذُؤَيْبٍ ، وَهَانِئُ بْنُ كُلْثُومٍ ، وَابْنُ مُحَيْرِيزٍ يَقْصُرُونَ فِيمَا بَيْنَ الرَّمْلَةِ وَبَيْتِ الْمَقْدِسِ .\rوَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ خَرَجَ مِنْ قَصْرِهِ بِالْكُوفَةِ حَتَّى أَتَى النُّخَيْلَةَ فَصَلَّى بِهَا الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ رَجَعَ مِنْ يَوْمِهِ ، فَقَالَ : أَرَدْت أَنَّ أُعَلِّمَكُمْ سُنَّتَكُمْ .\rوَعَنْ جُبَيْرِ بْنِ نَفِيرٍ ، قَالَ : { خَرَجْت مَعَ شُرَحْبِيلَ بْنِ السَّمْطِ إلَى قَرْيَةٍ عَلَى رَأْسِ سَبْعَةَ عَشَرَ مِيلًا ، أَوْ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ مِيلًا ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ، فَقُلْت لَهُ ، فَقَالَ : رَأَيْت عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يُصَلِّي بِالْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ ، وَقَالَ : إنَّمَا فَعَلْت كَمَا رَأَيْت النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَفْعَلُ } .\rرَوَاهُ مُسْلِمٌ وَرُوِيَ { أَنَّ دِحْيَةَ الْكَلْبِيَّ خَرَجَ مِنْ قَرْيَةٍ مِنْ دِمَشْقَ مَرَّةً إلَى قَدْرِ ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ فِي رَمَضَانَ ، ثُمَّ إنَّهُ أَفْطَرَ ، وَأَفْطَرَ مَعَهُ أُنَاسٌ ، وَكَرِهَ آخَرُونَ أَنْ يُفْطِرُوا ، فَلَمَّا رَجَعَ إلَى قَرْيَتِهِ ، قَالَ : وَاَللَّهِ لَقَدْ رَأَيْت الْيَوْمَ أَمْرًا مَا كُنْت أَظُنُّ أَنِّي أَرَاهُ ، إنَّ قَوْمًا رَغِبُوا عَنْ هَدْيِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rيَقُولُ ذَلِكَ لِلَّذِينَ صَامُوا قَبْلُ } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَرَوَى سَعِيدٌ ، ثنا هَاشِمٌ عَنْ أَبِي هَارُونُ الْعَبْدِيُّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، قَالَ : { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا سَافَرَ فَرْسَخًا قَصَرَ الصَّلَاةَ } .\rوَقَالَ أَنَسٌ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إذَا خَرَجَ مَسِيرَةَ ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ ، أَوْ ثَلَاثَةَ فَرَاسِخَ ، صَلَّى رَكْعَتَيْنِ } .\rشُعْبَةُ","part":4,"page":27},{"id":1527,"text":"الشَّاكُّ .\rرَوَاهُ مُسْلِمٌ .\rوَأَبُو دَاوُد .\rوَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بُقُولِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : يَا أَهْلَ مَكَّةَ ، لَا تَقْصُرُوا فِي أَدْنَى مِنْ أَرْبَعَةِ بُرُدٍ مَنْ عُسْفَانَ إلَى مَكَّةَ .\rقَالَ الْخَطَّابِيُّ : وَهُوَ أَصَحُّ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ .\rوَلِأَنَّهَا مَسَافَةٌ تَجْمَعُ مَشَقَّةَ السَّفَرِ ، مِنْ الْحَلِّ وَالشَّدِّ ، فَجَازَ الْقَصْرُ فِيهَا ، كَمَسَافَةِ الثَّلَاثِ ، وَلَمْ يَجُزْ فِيمَا دُونَهَا ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ دَلِيلٌ يُوجِبُ الْقَصْرَ فِيهِ .\rوَقَوْلُ : أَنَسٍ : إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إذَا خَرَجَ مَسِيرَةَ ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ ، أَوْ ثَلَاثَةِ فَرَاسِخَ ، صَلَّى رَكْعَتَيْنِ .\rيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ إذَا سَافَرَ سَفَرًا طَوِيلًا قَصَرَ إذَا بَلَغَ ثَلَاثَةَ أَمْيَالٍ .\rكَمَا قَالَ فِي لَفْظِهِ الْآخَرِ { : إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى بِالْمَدِينَةِ أَرْبَعًا ، وَبِذِي الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ } .\rقَالَ الْمُصَنِّفُ : وَلَا أَرَى لِمَا صَارَ إلَيْهِ الْأَئِمَّةُ حُجَّةً ، لِأَنَّ أَقْوَالَ الصَّحَابَةِ مُتَعَارِضَةٌ مُخْتَلِفَةٌ ، وَلَا حُجَّةَ فِيهَا مَعَ الِاخْتِلَافِ .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَابْنِ عُمَرَ ، خِلَافُ مَا احْتَجَّ بِهِ أَصْحَابُنَا .\rثُمَّ لَوْ لَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ فِي قَوْلِهِمْ حُجَّةٌ مَعَ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِعْلِهِ ، وَإِذَا لَمْ تَثْبُتْ أَقْوَالُهُمْ امْتَنَعَ الْمَصِيرُ إلَى التَّقْدِيرِ الَّذِي ذَكَرُوهُ ؛ لِوَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا ، أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِسُنَّةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّتِي رَوَيْنَاهَا ، وَلِظَاهِرِ الْقُرْآنِ ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَهُ إبَاحَةُ الْقَصْرِ لِمَنْ ضَرَبَ فِي الْأَرْضِ ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنْ الصَّلَاةِ } .\rوَقَدْ سَقَطَ شَرْطُ الْخَوْفِ بِالْخَبَرِ الْمَذْكُورِ عَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ .\rفَبَقِيَ ظَاهِرُ الْآيَةِ مُتَنَاوِلًا كُلَّ ضَرْبٍ فِي الْأَرْضِ .\rوَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى","part":4,"page":28},{"id":1528,"text":"اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { يَمْسَحُ الْمُسَافِرُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ } .\rجَاءَ لِبَيَانِ أَكْثَرِ مُدَّةِ الْمَسْحِ ، فَلَا يَصِحُّ الِاحْتِجَاجُ بِهِ هَاهُنَا ، وَعَلَى أَنَّهُ يُمْكِنُهُ قَطْعُ الْمَسَافَةِ الْقَصِيرَةِ فِي ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ، وَقَدْ سَمَّاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَفَرًا ، فَقَالَ : { لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ تُسَافِرَ مَسِيرَةَ يَوْمٍ إلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ } .\rوَالثَّانِي : أَنَّ التَّقْدِيرَ بَابُهُ التَّوْقِيفُ ، فَلَا يَجُوزُ الْمَصِيرُ إلَيْهِ بِرَأْيٍ مُجَرَّدٍ ، سِيَّمَا وَلَيْسَ لَهُ أَصْلٌ يُرَدُّ إلَيْهِ ، وَلَا نَظِيرٌ يُقَاسُ عَلَيْهِ ، وَالْحُجَّةُ مَعَ مَنْ أَبَاحَ الْقَصْرَ لِكُلِّ مُسَافِرٍ ، إلَّا أَنْ يَنْعَقِدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى خِلَافِهِ .\r( 1231 ) فَصْلٌ : وَإِذَا كَانَ فِي سَفِينَةٍ فِي الْبَحْرِ ، فَهُوَ كَالْبَرِّ ، إنْ كَانَتْ مَسَافَةُ سَفَرِهِ تَبْلُغُ مَسَافَةَ الْقَصْرِ ، أُبِيحَ لَهُ ، وَإِلَّا فَلَا ، سَوَاءٌ قَطَعَهَا فِي زَمَنٍ طَوِيلٍ أَوْ قَصِيرٍ ، اعْتِبَارًا بِالْمَسَافَةِ وَإِنْ شَكَّ هَلْ السَّفَرُ مُبِيحٌ لِلْقَصْرِ أَوْ لَا ؟ لَمْ يُبَحْ لَهُ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ وُجُوبُ الْإِتْمَامِ ، فَلَا يَزُولُ بِالشَّكِّ .\rوَإِنْ قَصَرَ ، لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ ، وَإِنْ تَبَيَّنَ لَهُ بَعْدَهَا أَنَّهُ طَوِيلٌ ؛ لِأَنَّهُ صَلَّى شَاكًّا فِي صِحَّةِ صَلَاتِهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ صَلَّى شَاكًّا فِي دُخُولِ الْوَقْتِ .","part":4,"page":29},{"id":1529,"text":"( 1232 ) فَصْلٌ : وَالِاعْتِبَارُ بِالنِّيَّةِ لَا بِالْفِعْلِ ، فَيُعْتَبَرُ أَنْ يَنْوِيَ مَسَافَةً تُبِيحُ الْقَصْرَ ، فَلَوْ خَرَجَ يَقْصِدُ سَفَرًا بَعِيدًا ، فَقَصَرَ الصَّلَاةَ ، ثُمَّ بَدَا لَهُ فَرَجَعَ ، كَانَ مَا صَلَّاهُ مَاضِيًا صَحِيحًا ، وَلَا يَقْصُرُ فِي رُجُوعِهِ ، إلَّا أَنْ تَكُونَ مَسَافَةُ الرُّجُوعِ مُبِيحَةٌ بِنَفْسِهَا .\rنَصَّ أَحْمَدُ عَلَى هَذَا .\rوَلَوْ خَرَجَ طَالِبًا لِعَبْدِ آبِقٍ ، لَا يَعْلَمُ أَيْنَ هُوَ ، أَوْ مُنْتَجَعًا غَيْثًا أَوْ كَلَأً ، مَتَى وَجَدَهُ أَقَامَ أَوْ رَجَعَ ، أَوْ سَائِحًا فِي الْأَرْضِ لَا يَقْصِدُ مَكَانًا ، لَمْ يُبَحْ لَهُ الْقَصْرُ ، وَإِنْ سَارَ سَفَرًا أَيَّامًا .\rوَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ : يُبَاحُ لَهُ الْقَصْرُ إذَا بَلَغَ مَسَافَةً مُبِيحَةً لَهُ ؛ لِأَنَّهُ مُسَافِرٌ سَفَرًا طَوِيلًا .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ مَسَافَةَ الْقَصْرِ ، فَلَمْ يُبَحْ لَهُ ، كَابْتِدَاءِ سَفَرِهِ ، وَلِأَنَّهُ لَمْ يُبِحْ الْقَصْرَ فِي ابْتِدَائِهِ فَلَمْ يُبِحْهُ فِي أَثْنَائِهِ ، إذَا لَمْ يُغَيِّرْ نِيَّتَهُ ، كَالسَّفَرِ الْقَصِيرِ ، وَسَفَرِ الْمَعْصِيَةِ ، وَمَتَى رَجَعَ هَذَا يَقْصِدُ بَلَدَهُ ، أَوْ نَوَى مَسَافَةَ الْقَصْرِ ، فَلَهُ الْقَصْرُ ؛ لِوُجُودِ نِيَّتِهِ الْمُبِيحَةِ ، وَلَوْ قَصَدَ بَلَدًا بَعِيدًا ، أَوْ فِي عَزْمِهِ أَنَّهُ مَتَى وَجَدَ طَلَبَتْهُ دُونَهُ رَجَعَ أَوْ أَقَامَ ، لَمْ يُبَحْ لَهُ الْقَصْرُ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَجْزِمْ بِسَفَرٍ طَوِيلٍ .\rوَإِنْ كَانَ لَا يَرْجِعُ وَلَا يُقِيمُ بِوُجُودِهِ ، فَلَهُ الْقَصْرُ .","part":4,"page":30},{"id":1530,"text":"( 1233 ) فَصْلٌ : وَمَتَى كَانَ لِمَقْصِدِهِ طَرِيقَانِ ، يُبَاحُ الْقَصْرُ فِي أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرَ ، فَسَلَكَ الْبَعِيدَ لِيَقْصُرَ الصَّلَاةَ فِيهِ ، أُبِيحَ لَهُ ؛ لِأَنَّهُ مُسَافِرٌ سَفَرًا بَعِيدًا مُبَاحًا ، فَأُبِيحَ لَهُ الْقَصْرُ ، كَمَا لَوْ لَمْ يَجِدْ سِوَاهُ أَوْ كَانَ الْآخَرُ مَخُوفًا أَوْ شَاقًّا","part":4,"page":31},{"id":1531,"text":"( 1234 ) فَصْلٌ : وَإِنْ خَرَجَ الْإِنْسَانُ إلَى السَّفَرِ مُكْرَهًا ، كَالْأَسِيرِ ، فَلَهُ الْقَصْرُ إذَا كَانَ سَفَرُهُ بَعِيدًا ، نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يَقْصُرُ ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ نَاوٍ لِلسَّفَرِ وَلَا جَازِمٍ بِهِ ، فَإِنَّ نِيَّتَهُ أَنَّهُ مَتَى أَفْلَتَ رَجَعَ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ مُسَافِرٌ سَفَرًا بَعِيدًا غَيْر مُحَرَّمٍ ، فَأُبِيحَ لَهُ الْقَصْرُ ، كَالْمَرْأَةِ مَعَ زَوْجِهَا ، وَالْعَبْدِ مَعَ سَيِّدِهِ ، إذَا كَانَ عَزْمُهُمَا أَنَّهُ لَوْ مَاتَ أَوْ زَالَ مُلْكُهُمَا ، رَجَعَ .\rوَقِيَاسُهُمْ مُنْتَقِضٌ بِهَذَا .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّهُ يُتِمُّ إذَا صَارَ فِي حُصُونِهِمْ ، نَصَّ عَلَيْهِ أَيْضًا ؛ لِأَنَّهُ قَدْ انْقَضَى سَفَرُهُ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الْإِتْمَامُ ؛ لِأَنَّ فِي عَزْمِهِ أَنَّهُ مَتَى أَفْلَتَ رَجَعَ ، فَأَشْبَهَ الْمَحْبُوسَ ظُلْمًا .","part":4,"page":32},{"id":1532,"text":"( 1235 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( إذَا جَاوَزَ بُيُوتَ قَرْيَتِهِ ) .\rوَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ لَيْسَ لِمَنْ نَوَى السَّفَرَ الْقَصْرُ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ بُيُوتِ قَرْيَتِهِ ، وَيَجْعَلَهَا وَرَاءَ ظَهْرِهِ .\rوَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ التَّابِعِينَ .\rوَحُكِيَ عَنْ عَطَاءٍ ، وَسُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى ، أَنَّهُمَا أَبَاحَا الْقَصْرَ فِي الْبَلَدِ لِمَنْ نَوَى السَّفَرَ .\r.\rوَعَنْ الْحَارِثِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ ، أَنَّهُ أَرَادَ سَفَرًا ، فَصَلَّى بِهِمْ فِي مَنْزِلِهِ رَكْعَتَيْنِ ، وَفِيهِمْ الْأَسْوَدُ بْنُ يَزِيدَ ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ عَبْدِ اللَّهِ .\rوَرَوَى عُبَيْدُ بْنُ جَبْرٍ ، قَالَ : { كُنْت مَعَ أَبِي بَصْرَةَ الْغِفَارِيِّ فِي سَفِينَةٍ مِنْ الْفُسْطَاطِ ، فِي شَهْرِ رَمَضَانَ ، فَدَفَعَ ، ثُمَّ قَرُبَ غِذَاؤُهُ ، فَلَمْ يُجَاوِزْ الْبُيُوتَ حَتَّى دَعَا بِالسُّفْرَةِ ، ثُمَّ قَالَ : اقْتَرِبْ .\rفَقُلْت : أَلَسْت تَرَى الْبُيُوتَ ؟ قَالَ أَبُو بَصْرَةَ : أَتَرْغَبُ عَنْ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rفَأَكَلَ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَلَنَا ، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنْ الصَّلَاةِ } وَلَا يَكُونُ ضَارِبًا فِي الْأَرْضِ حَتَّى يَخْرُجَ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ يَبْتَدِئُ الْقَصْرَ إذَا خَرَجَ مِنْ الْمَدِينَةِ .\rقَالَ أَنَسٌ : { صَلَّيْت مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الظُّهْرَ بِالْمَدِينَةِ أَرْبَعًا ، وَبِذِي الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ، فَأَمَّا أَبُو بَصْرَةَ فَإِنَّهُ لَمْ يَأْكُلْ حَتَّى دَفَعَ ، وَقَوْلُهُ : لَمْ يُجَاوِزْ الْبُيُوتَ : مَعْنَاهُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - لَمْ يَبْعُدْ مِنْهَا ؛ بِدَلِيلِ قَوْلِ عُبَيْدٍ لَهُ : أَلَسْت تَرَى الْبُيُوتَ ؟ إذَا ثَبَتَ هَذَا ؛ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ الْقَصْرُ وَإِنْ كَانَ قَرِيبًا مِنْ الْبُيُوتِ .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ،","part":4,"page":33},{"id":1533,"text":"أَنَّ لِلَّذِي يُرِيدُ السَّفَرَ أَنْ يَقْصُرَ الصَّلَاةَ إذَا خَرَجَ مِنْ بُيُوتِ الْقَرْيَةِ الَّتِي يَخْرُجُ مِنْهَا .\rوَرُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ ، أَنَّهُ قَالَ : إذَا خَرَجْت مُسَافِرًا فَلَا تَقْصُرْ الصَّلَاةَ يَوْمَك ذَلِكَ إلَى اللَّيْلِ ، وَإِذَا رَجَعْت لَيْلًا فَلَا تَقْصُرْ لَيْلَتَك حَتَّى تُصْبِحَ .\rوَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنْ الصَّلَاةِ } .\rوَأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إذَا خَرَجَ مِنْ الْمَدِينَةِ لَمْ يَزِدْ عَلَى رَكْعَتَيْنِ حَتَّى يَرْجِعَ إلَيْهَا .\rوَحَدِيثُ أَبِي بَصْرَةَ ، وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْهَمَذَانِيُّ : خَرَجْنَا مَعَ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَخْرَجَهُ إلَى صِفِّينَ ، فَرَأَيْته صَلَّى رَكْعَتَيْنِ بَيْنَ الْجِسْرِ وَقَنْطَرَةِ الْكُوفَةِ .\rوَقَالَ الْبُخَارِيُّ : خَرَجَ عَلِيٌّ فَقَصَرَ ، وَهُوَ يَرَى الْبُيُوتَ ، فَلَمَّا رَجَعَ قِيلَ لَهُ : هَذِهِ الْكُوفَةُ .\rقَالَ : لَا حَتَّى نَدْخُلَهَا .\rوَلِأَنَّهُ مُسَافِرٌ ، فَأُبِيحَ لَهُ الْقَصْرُ ، كَمَا لَوْ بَعُدَ .\r( 1236 ) فَصْلٌ : وَإِنْ خَرَجَ مِنْ الْبَلَدِ ، وَصَارَ بَيْنَ حِيطَانِ بَسَاتِينِهِ ، فَلَهُ الْقَصْرُ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَرَكَ الْبُيُوتَ وَرَاءَ ظَهْرِهِ وَإِنْ كَانَ حَوْلَ الْبَلَدِ خَرَابٌ قَدْ تَهَدَّمَ وَصَارَ فَضَاءً ، أُبِيحَ لَهُ الْقَصْرُ فِيهِ كَذَلِكَ .\rوَإِنْ كَانَتْ حِيطَانُهُ قَائِمَةً فَكَذَلِكَ .\rقَالَهُ الْآمِدِيُّ ، وَقَالَ الْقَاضِي : لَا يُبَاحُ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ لِأَنَّ السُّكْنَى فِيهِ مُمْكِنَةٌ ، أَشْبَهَ الْعَامِرَ .\rوَلَنَا ، أَنَّهَا غَيْرُ مُعَدَّةٍ لِلسُّكْنَى ، أَشْبَهَتْ حِيطَانَ الْبَسَاتِينِ .\rوَإِنْ كَانَ فِي وَسَطِ الْبَلَدِ نَهْرٌ فَاجْتَازَهُ ، فَلَيْسَ لَهُ الْقَصْرُ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ الْبَلَدِ وَلَمْ يُفَارِقْ الْبُنْيَانَ ، فَأَشْبَهَ الرَّحْبَةَ وَالْمَيْدَانَ فِي وَسَطِ الْبَلَدِ .\rوَإِنْ كَانَ لِلْبَلَدِ مَحَالُّ ، كُلُّ مَحَلَّةٍ مُنْفَرِدَةٌ عَنْ الْأُخْرَى ، كَبَغْدَادَ ، فَمَتَى خَرَجَ مِنْ مَحَلَّتِهِ أُبِيحَ لَهُ الْقَصْرُ إذَا فَارَقَ مَحَلَّتَهُ ، وَإِنْ كَانَ","part":4,"page":34},{"id":1534,"text":"بَعْضُهَا مُتَّصِلًا بِبَعْضٍ ، لَمْ يَقْصُرْ حَتَّى يُفَارِقَ جَمِيعَهَا .\rوَلَوْ كَانَتْ قَرْيَتَانِ مُتَدَانِيَتَيْنِ ، فَاتَّصَلَ بِنَاءُ إحْدَاهُمَا بِالْأُخْرَى ، فَهُمَا كَالْوَاحِدَةِ ، وَإِنْ لَمْ يَتَّصِلْ ، فَلِكُلِّ قَرْيَةٍ حُكْمُ نَفْسِهَا .\r( 1237 ) فَصْلٌ : وَإِذَا كَانَ الْبَدَوِيُّ فِي حِلَّةٍ ، لَمْ يَقْصُرْ حَتَّى يُفَارِقَ حِلَّتَهُ ، وَإِنْ كَانَتْ حِلَلًا فَلِكُلِّ حِلَّةٍ حُكْمُ نَفْسِهَا ، كَالْقُرَى .\rوَإِنْ كَانَ بَيْتُهُ مُنْفَرِدًا فَحَتَّى يُفَارِقَ مَنْزِلَهُ وَرَحْلَهُ ، وَيَجْعَلَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ ، كَالْحَضَرِيِّ .","part":4,"page":35},{"id":1535,"text":"( 1238 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( إذَا كَانَ سَفَرُهُ وَاجِبًا أَوْ مُبَاحًا ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الرُّخَصَ الْمُخْتَصَّةَ بِالسَّفَرِ ؛ مِنْ الْقَصْرِ ، وَالْجَمْعِ ، وَالْفِطْرِ ، وَالْمَسْحِ ثَلَاثًا ، وَالصَّلَاةِ عَلَى الرَّاحِلَةِ تَطَوُّعًا ، يُبَاحُ فِي السَّفَرِ الْوَاجِبِ وَالْمَنْدُوبِ وَالْمُبَاحِ ، كَسَفَرِ التِّجَارَةِ وَنَحْوِهِ ، وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَابْنِ عُمَرَ .\rوَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ : لَا يَقْصُرُ إلَّا فِي حَجٍّ أَوْ جِهَادٍ ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ لَا يُتْرَكُ إلَّا لِوَاجِبٍ .\rوَعَنْ عَطَاءٍ كَقَوْلِ الْجَمَاعَةِ .\rوَعَنْهُ : لَا يَقْصُرُ إلَّا فِي سَبِيلٍ مِنْ سُبُلِ الْخَيْرِ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّمَا قَصَرَ فِي سَفَرٍ وَاجِبٍ أَوْ مَنْدُوبٍ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنْ الصَّلَاةِ } وَقَوْلُهُ تَعَالَى : { وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ } وَقَالَتْ عَائِشَةُ : إنَّ الصَّلَاةَ أَوَّلُ مَا فُرِضَتْ رَكْعَتَانِ ، فَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ ، وَأُتِمَّتْ صَلَاةُ الْحَضَرِ .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : { فَرَضَ اللَّهُ الصَّلَاةَ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّكُمْ فِي الْحَضَرِ أَرْبَعًا ، وَفِي السَّفَرِ رَكْعَتَيْنِ ، وَفِي الْخَوْفِ رَكْعَةً } .\rرَوَاهُ مُسْلِمٌ .\rوَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ { صَلَاةُ السَّفَرِ رَكْعَتَانِ ، وَالْجُمُعَةِ رَكْعَتَانِ ، وَالْعِيدِ رَكْعَتَانِ ، تَمَامٌ غَيْرُ قَصْرٍ ، عَلَى لِسَانِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ خَابَ مَنْ افْتَرَى } .\rرَوَاهُ سَعِيدٌ ، وَابْنُ مَاجَهْ .\rوَرُوِيَ عَنْ إبْرَاهِيمَ أَنَّهُ قَالَ : { أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي أُرِيدُ الْبَحْرَيْنِ فِي تِجَارَةٍ ، فَكَيْفَ تَأْمُرُنِي فِي الصَّلَاةِ ؟ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ","part":4,"page":36},{"id":1536,"text":"عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : صَلِّ رَكْعَتَيْنِ } .\rرَوَاهُ سَعِيدٌ ، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ ، عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ إبْرَاهِيمَ .\rوَقَالَ صَفْوَانُ بْنُ عَسَّالٍ : { أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا كُنَّا مُسَافِرِينَ سَفَرًا أَنْ لَا نَنْزِعَ خِفَافَنَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهِنَّ } .\rوَهَذِهِ النُّصُوصُ تَدُلُّ عَلَى إبَاحَةِ التَّرَخُّصِ فِي كُلِّ سَفَرٍ ، وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَرَخَّصُ فِي عَوْدِهِ مِنْ سَفَرِهِ ، وَهُوَ مُبَاحٌ .","part":4,"page":37},{"id":1537,"text":"( 1239 ) فَصْلٌ : وَلَا تُبَاحُ هَذِهِ الرُّخَصُ فِي سَفَرِ الْمَعْصِيَةِ كَالْإِبَاقِ ، وَقَطْعِ الطَّرِيقِ ، وَالتِّجَارَةِ فِي الْخَمْرِ وَالْمُحَرَّمَاتِ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .\rوَهُوَ مَفْهُومُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ لِتَخْصِيصِهِ الْوَاجِبَ وَالْمُبَاحَ ، وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَقَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ : لَهُ ذَلِكَ ؛ احْتِجَاجًا بِمَا ذَكَرْنَا مِنْ النُّصُوصِ ، وَلِأَنَّهُ مُسَافِرٌ ، فَأُبِيحَ لَهُ التَّرَخُّصَ كَالْمُطِيعِ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { فَمَنْ اُضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إثْمَ عَلَيْهِ } أَبَاحَ الْأَكْلَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ عَادِيًا وَلَا بَاغِيًا ، فَلَا يُبَاحُ لِبَاغٍ وَلَا عَادٍ .\rقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : غَيْرَ بَاغٍ عَلَى الْمُسْلِمِينَ ، مُفَارِقٍ لِجَمَاعَتِهِمْ ، يُخِيفُ السَّبِيلَ ، وَلَا عَادٍ عَلَيْهِمْ .\rوَلِأَنَّ التَّرَخُّصَ شُرِعَ لِلْإِعَانَةِ عَلَى تَحْصِيلِ الْمَقْصِدِ الْمُبَاحِ ، تَوَصُّلًا إلَى الْمَصْلَحَةِ ، فَلَوْ شُرِعَ هَاهُنَا لَشُرِعَ إعَانَةٌ عَلَى الْمُحَرَّمِ ، تَحْصِيلًا لِلْمَفْسَدَةِ ، وَالشَّرْعُ مُنَزَّهٌ عَنْ هَذَا ، وَالنُّصُوصُ وَرَدَتْ فِي حَقِّ الصَّحَابَةِ ، وَكَانَتْ أَسْفَارُهُمْ مُبَاحَةً ، فَلَا يَثْبُتُ الْحُكْمُ فِي مَنْ سَفَرُهُ مُخَالِفٌ لِسَفَرِهِمْ ، وَيَتَعَيَّنْ حَمْلُهُ عَلَى ذَلِكَ جَمْعًا بَيْنَ النَّصَّيْنِ ، وَقِيَاسُ الْمَعْصِيَةِ عَلَى الطَّاعَةِ بَعِيدٌ ، لِتَضَادِّهِمَا .\r( 1240 ) فَصْلٌ : فَإِنْ عَدِمَ الْعَاصِي بِسَفَرِهِ الْمَاءَ ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَتَيَمَّمَ ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ وَاجِبَةٌ لَا تَسْقُطُ ، وَالطَّهَارَةُ لَهَا وَاجِبَةٌ أَيْضًا ، فَيَكُونُ ذَلِكَ عَزِيمَةً ، وَهَلْ تَلْزَمُهُ الْإِعَادَةُ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا ، لَا تَلْزَمُهُ ؛ لِأَنَّ التَّيَمُّمَ عَزِيمَةٌ ، بِدَلِيلِ وُجُوبِهِ ، وَالرُّخَصُ لَا تَجِبُ ، وَالثَّانِي : عَلَيْهِ الْإِعَادَةُ ؛ لِأَنَّهُ حُكْمٌ يَتَعَلَّقُ بِالسَّفَرِ ، أَشْبَهَ بَقِيَّةَ الرُّخَصِ .\rوَالْأَوَّلُ أَوْلَى ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِمَا أُمِرَ بِهِ مِنْ التَّيَمُّمِ وَالصَّلَاةِ ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ إعَادَتُهَا ، وَيُفَارِقُ بَقِيَّةَ الرُّخَصِ ، فَإِنَّهُ","part":4,"page":38},{"id":1538,"text":"يُمْنَعُ مِنْهَا ، وَهَذَا يَجِبُ فِعْلُهُ ، وَلِأَنَّ حُكْمَ بَقِيَّةِ الرُّخَصِ الْمَنْعُ مِنْ فِعْلِهَا ، وَلَا يُمْكِنُ تَعْدِيَةُ هَذَا الْحُكْمِ إلَى التَّيَمُّمِ ، وَلَا إلَى الصَّلَاةِ ، لِوُجُوبِ فِعْلِهِمَا ، وَوُجُوبُ الْإِعَادَةِ لَيْسَ بِحُكْمٍ فِي بَقِيَّةِ الرُّخَصِ ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ أَخْذُهُ مِنْهَا أَوْ تَعْدِيَتُهُ عَنْهَا .\rوَيُبَاحُ لَهُ الْمَسْحُ يَوْمًا وَلَيْلَةً ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَخْتَصُّ السَّفَرَ ، فَأَشْبَهَ الِاسْتِجْمَارَ ، وَالتَّيَمُّمَ وَغَيْرَهُمَا مِنْ رُخَصِ الْحَضَرِ .\rوَقِيلَ : لَا يَجُوزُ ؛ لِأَنَّهُ رُخْصَةٌ ، فَلَمْ تُبَحْ لَهُ كَرُخْصِ السَّفَرِ ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى ، وَهَذَا يَنْتَقِضُ بِسَائِرِ رُخَصِ الْحَضَرِ .","part":4,"page":39},{"id":1539,"text":"( 1241 ) فَصْلٌ : إذَا كَانَ السَّفَرُ مُبَاحًا ، فَغَيَّرَ نِيَّتَهُ إلَى الْمَعْصِيَةِ ، انْقَطَعَ التَّرَخُّصُ لِزَوَالِ سَبَبِهِ .\rوَلَوْ سَافَرَ لِمَعْصِيَةٍ فَغَيَّرَ نِيَّتَهُ إلَى مُبَاحٍ ، صَارَ سَفَرًا مُبَاحًا ، وَأُبِيحَ لَهُ مَا يُبَاحُ فِي السَّفَرِ الْمُبَاحِ ، وَتُعْتَبَرُ مَسَافَةُ السَّفَرِ مِنْ حِينِ غَيَّرَ النِّيَّةَ .\rوَلَوْ كَانَ سَفَرُهُ مُبَاحًا ، فَنَوَى الْمَعْصِيَةَ بِسَفَرِهِ ، ثُمَّ رَجَعَ إلَى نِيَّةِ الْمُبَاحِ ، اُعْتُبِرَتْ مَسَافَةُ الْقَصْرِ مِنْ حِينَ رُجُوعِهِ إلَى نِيَّةِ الْمُبَاحِ ؛ لِأَنَّ حُكْمَ سَفَرِهِ انْقَطَعَ بِنِيَّةِ الْمَعْصِيَةِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ نَوَى الْإِقَامَةَ ، ثُمَّ عَادَ فَنَوَى السَّفَرَ .\rفَأَمَّا إنْ كَانَ السَّفَرُ مُبَاحًا ، لَكِنَّهُ يَعْصِي فِيهِ ، لَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ التَّرَخُّصَ ؛ لِأَنَّ السَّبَبَ هُوَ السَّفَرُ الْمُبَاحُ ، وَقَدْ وُجِدَ ، فَثَبَتَ حُكْمُهُ ، وَلَمْ يَمْنَعْهُ وُجُودُ مَعْصِيَةٍ ، كَمَا أَنَّ مَعْصِيَتَهُ فِي الْحَضَرِ لَا تَمْنَعُ التَّرَخُّصَ فِيهِ .","part":4,"page":40},{"id":1540,"text":"( 1242 ) فَصْلٌ : وَفِي سَفَرِ التَّنَزُّهِ وَالتَّفَرُّجِ رِوَايَتَانِ : إحْدَاهُمَا ، تُبِيحُ التَّرَخُّصَ .\rوَهَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ لِأَنَّهُ سَفَرٌ مُبَاحٌ ، فَدَخَلَ فِي عُمُومِ النُّصُوصِ الْمَذْكُورَةِ ، وَقِيَاسًا عَلَى سَفَرِ التِّجَارَةِ .\rوَالثَّانِيَةُ : لَا يَتَرَخَّصُ فِيهِ .\rقَالَ أَحْمَدُ : إذَا خَرَجَ الرَّجُلُ إلَى بَعْضِ الْبُلْدَانِ تَنَزُّهًا وَتَلَذُّذًا ، وَلَيْسَ فِي طَلَبِ حَدِيثٍ وَلَا حَجٍّ وَلَا عُمْرَةٍ وَلَا تِجَارَةٍ ، فَإِنَّهُ لَا يَقْصُرُ الصَّلَاةَ ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا شُرِعَ إعَانَةً عَلَى تَحْصِيلِ الْمَصْلَحَةِ ، وَلَا مَصْلَحَةَ فِي هَذَا .\rوَالْأَوَّلُ أَوْلَى .","part":4,"page":41},{"id":1541,"text":"( 1243 ) فَصْلٌ : فَإِنْ سَافَرَ لِزِيَارَةِ الْقُبُورِ وَالْمَشَاهِدِ .\rفَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ : لَا يُبَاحُ لَهُ التَّرَخُّصُ ؛ لِأَنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْ السَّفَرِ إلَيْهَا ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلَّا إلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ، وَالصَّحِيحُ إبَاحَتُهُ ، وَجَوَازُ الْقَصْرِ فِيهِ ؛ لَانَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَأْتِي قُبَاءَ رَاكِبًا وَمَاشِيًا ، وَكَانَ يَزُورُ الْقُبُورَ ، وَقَالَ : { زُورُوهَا تُذَكِّرْكُمْ الْآخِرَةَ } .\rوَأَمَّا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : \" لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلَّا إلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ \" فَيُحْمَلُ عَلَى نَفْيِ التَّفْضِيلِ ، لَا عَلَى التَّحْرِيمِ ، وَلَيْسَتْ الْفَضِيلَةُ شَرْطًا فِي إبَاحَةِ الْقَصْرِ ، فَلَا يَضُرُّ انْتِفَاؤُهَا .","part":4,"page":42},{"id":1542,"text":"( 1244 ) فَصْلٌ : وَالْمَلَّاحُ الَّذِي يَسِيرُ فِي سَفِينِهِ ، وَلَيْسَ لَهُ بَيْتٌ سِوَى سَفِينَتِهِ ، فِيهَا أَهْلُهُ وَتَنُّورُهُ وَحَاجَتُهُ ، لَا يُبَاحُ لَهُ التَّرَخُّصُ .\rقَالَ الْأَثْرَمُ : سَمِعْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يُسْأَلُ عَنْ الْمَلَّاحِ ، أَيَقْصُرُ ، وَيُفْطِرُ فِي السَّفِينَةِ ؟ قَالَ : أَمَّا إذَا كَانَتْ السَّفِينَةُ بَيْتَهُ فَإِنَّهُ يُتِمُّ وَيَصُومُ .\rقِيلَ لَهُ : وَكَيْفَ تَكُونُ بَيْتَهُ ؟ قَالَ : لَا يَكُونُ لَهُ بَيْتٌ غَيْرَهَا ، مَعَهُ فِيهَا أَهْلُهُ وَهُوَ فِيهَا مُقِيمٌ .\rوَهَذَا قَوْلُ عَطَاءٍ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ يَقْصُرُ وَيُفْطِرُ ؛ لِعُمُومِ النُّصُوصِ ، وَقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنْ الْمُسَافِرِ الصَّوْمَ وَشَطْرَ الصَّلَاةِ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَلِأَنَّ كَوْنَ أَهْلِهِ مَعَهُ لَا يَمْنَعُ التَّرَخُّصَ ، كَالْجَمَّالِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ غَيْرُ ظَاعِنٍ عَنْ مَنْزِلِهِ ، فَلَمْ يُبَحْ لَهُ التَّرَخُّصُ ، كَالْمُقِيمِ فِي الْمُدُنِ ، فَأَمَّا النُّصُوصُ فَإِنَّ الْمُرَادَ بِهَا الظَّاعِنُ عَنْ مَنْزِلِهِ ، وَلَيْسَ هَذَا كَذَلِكَ ، وَأَمَّا الْجَمَّالُ وَالْمُكَارِي فَلَهُمْ التَّرَخُّصُ وَإِنْ سَافَرُوا بِأَهْلِهِمْ .\rقَالَ : أَبُو دَاوُد : سَمِعْت أَحْمَدَ يَقُولُ فِي الْمُكَارِي الَّذِي هُوَ دَهْرُهُ فِي السَّفَرِ : لَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَقْدَمَ فَيُقِيمَ الْيَوْمَ .\rقِيلَ : فَيُقِيمُ الْيَوْمَ وَالْيَوْمَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ فِي تَهَيُّئِهِ لِلسَّفَرِ .\rقَالَ : هَذَا يَقْصُرُ .\rوَذَكَرَ الْقَاضِي ، وَأَبُو الْخَطَّابِ ، أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ الْقَصْرُ كَالْمَلَّاحِ .\rوَهَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ ؛ لِأَنَّهُ مُسَافِرٌ مَشْفُوقٌ عَلَيْهِ ، فَكَانَ لَهُ الْقَصْرُ كَغَيْرِهِ ، وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُهُ عَلَى الْمَلَّاحِ ؛ فَإِنَّ الْمَلَّاحَ فِي مَنْزِلِهِ سَفَرًا وَحَضَرَا ، وَمَعَهُ مَصَالِحُهُ وَتَنُّورُهُ وَأَهْلُهُ ، وَهَذَا لَا يُوجَدُ فِي غَيْرِهِ .\rوَإِنْ سَافَرَ هَذَا بِأَهْلِهِ كَانَ أَشَقَّ عَلَيْهِ ، وَأَبْلَغَ فِي اسْتِحْقَاقِ التَّرَخُّصِ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا نَصَّ أَحْمَدَ فِي الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا ، وَالنُّصُوصُ مُتَنَاوِلَةٌ لِهَذَا بِعُمُومِهَا ، وَلَيْسَ هُوَ","part":4,"page":43},{"id":1543,"text":"فِي مَعْنَى الْمَخْصُوصِ ، فَوَجَبَ الْقَوْلُ بِثُبُوتِ حُكْمِ النَّصِّ فِيهِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":4,"page":44},{"id":1544,"text":"( 1245 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَمَنْ لَمْ يَنْوِ الْقَصْرَ فِي وَقْتِ دُخُولِهِ إلَى الصَّلَاةِ لَمْ يَقْصُرْ ) .\rوَجُمْلَتُهُ أَنَّ نِيَّةَ الْقَصْرِ شَرْطٌ فِي جَوَازِهِ ، وَيُعْتَبَرُ وُجُودُهَا عِنْدَ أَوَّلِ الصَّلَاةِ ، كَنِيَّةِ الصَّلَاةِ .\rوَهَذَا قَوْلُ الْخِرَقِيِّ وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي .\rوَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : لَا تُشْتَرَطُ نِيَّتُهُ ؛ لِأَنَّ مَنْ خُيِّرَ فِي الْعِبَادَةِ قَبْلَ الدُّخُولِ فِيهَا خُيِّرَ بَعْدَ الدُّخُولِ فِيهَا ، كَالصَّوْمِ ، وَلِأَنَّ الْقَصْرَ هُوَ الْأَصْلُ ؛ بِدَلِيلِ خَبَرِ عَائِشَةَ ، وَعُمَرَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، فَلَا يَحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ ، كَالْإِتْمَامِ فِي الْحَضَرِ ، وَوَجْهُ الْأَوَّلِ أَنَّ الْإِتْمَامَ هُوَ الْأَصْلُ ، عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ فِي مَسْأَلَةِ \" وَلِلْمُسَافِرِ أَنْ يَقْصُرَ وَلَهُ أَنْ يُتِمَّ \" ، وَإِطْلَاقُ النِّيَّةِ يَنْصَرِفُ إلَى الْأَصْلِ ، وَلَا يَنْصَرِفُ عَنْهُ إلَّا بِتَعْيِينِ مَا يَصْرِفُهُ إلَيْهِ ، كَمَا لَوْ نَوَى الصَّلَاةَ مُطْلَقًا ، وَلَمْ يَنْوِ إمَامًا وَلَا مَأْمُومًا ، فَإِنَّهُ يَنْصَرِفُ إلَى الِانْفِرَادِ ، إذْ هُوَ الْأَصْلُ .\rوَالتَّفْرِيعُ يَقَعُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ ، فَلَوْ شَكَّ فِي أَثْنَاءِ صَلَاتِهِ ، هَلْ نَوَى الْقَصْرَ فِي ابْتِدَائِهَا أَوْ لَا ، لَزِمَهُ إتْمَامُهَا احْتِيَاطًا ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهَا ، فَإِنْ ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ قَدْ نَوَى الْقَصْرَ ، لَمْ يَجُزْ لَهُ الْقَصْرُ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ لَزِمَهُ الْإِتْمَامُ ، فَلَمْ يَزُلْ .\rوَلَوْ نَوَى الْإِتْمَامَ ، أَوْ ائْتَمَّ بِمُقِيمٍ ، فَفَسَدَتْ الصَّلَاةُ ، وَأَرَادَ إعَادَتَهَا ، لَزِمَهُ الْإِتْمَامُ أَيْضًا ؛ لِأَنَّهَا وَجَبَتْ عَلَيْهِ تَامَّةً بِتَلَبُّسِهِ بِهَا خَلْفَ الْمُقِيمِ ، وَنِيَّةِ الْإِتْمَامِ .\rوَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ : إذَا فَسَدَتْ صَلَاةُ الْإِمَامِ عَادَ الْمُسَافِرُ إلَى حَالِهِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهَا وَجَبَتْ بِالشُّرُوعِ فِيهَا تَامَّةً ، فَلَمْ يَجُزْ لَهُ قَصْرُهَا ، كَمَا لَوْ لَمْ تَفْسُدْ .","part":4,"page":45},{"id":1545,"text":"( 1246 ) فَصْلٌ : وَمِنْ نَوَى الْقَصْرَ ، ثُمَّ نَوَى الْإِتْمَامَ ، أَوْ نَوَى مَا يَلْزَمُهُ بِهِ الْإِتْمَامُ مِنْ الْإِقَامَةِ ، أَوْ قَلَبَ نِيَّتَهُ إلَى سَفَرِ مَعْصِيَةٍ ، أَوْ نَوَى الرُّجُوعَ عَنْ سَفَرِهِ ، وَمَسَافَةُ رُجُوعِهِ لَا يُبَاحُ فِيهِ الْقَصْرُ ، وَنَحْوُ هَذَا لَزِمَهُ الْإِتْمَامُ ، وَلَزِمَ مَنْ خَلْفَهُ مُتَابَعَتُهُ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ : مَالِكٌ : لَا يَجُوزُ لَهُ الْإِتْمَامُ ؛ لِأَنَّهُ نَوَى عَدَدًا ، فَإِذَا زَادَ عَلَيْهِ ، حَصَلَتْ الزِّيَادَةُ بِغَيْرِ نِيَّةٍ .\rوَلَنَا ، أَنَّ نِيَّةَ صَلَاةِ الْوَقْتِ قَدْ وُجِدَتْ ، وَهِيَ أَرْبَعٌ ، وَإِنَّمَا أُبِيحَ تَرْكُ رَكْعَتَيْنِ رُخْصَةً ، فَإِذَا أَسْقَطَ نِيَّةَ التَّرَخُّصِ ، صَحَّتْ الصَّلَاةُ بِنِيَّتِهِمَا ، وَلَزِمَهُ الْإِتْمَامُ ، وَلِأَنَّ الْإِتْمَامَ الْأَصْلُ ، وَإِنَّمَا أُبِيحَ تَرْكُهُ بِشَرْطٍ ، فَإِذَا زَالَ الشَّرْطُ عَادَ الْأَصْلُ إلَى حَالِهِ .","part":4,"page":46},{"id":1546,"text":"( 1247 ) فَصْلٌ : وَإِذَا قَصَرَ الْمُسَافِرُ مُعْتَقِدًا لِتَحْرِيمِ الْقَصْرِ ، لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ ؛ لِأَنَّهُ فَعَلَ مَا يَعْتَقِدُ تَحْرِيمَهُ ، فَلَمْ يَقَعْ مُجْزِئًا ، كَمَنْ صَلَّى يَعْتَقِدُ أَنَّهُ مُحْدِثٌ ، وَلِأَنَّ نِيَّةَ التَّقَرُّبِ بِالصَّلَاةِ شَرْطٌ ، وَهَذَا يَعْتَقِدُ أَنَّهُ عَاصٍ ، فَلَمْ تَحْصُلُ نِيَّةُ التَّقَرُّبِ .","part":4,"page":47},{"id":1547,"text":"مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَالصُّبْحُ وَالْمَغْرِبُ لَا يُقْصَرَانِ ، وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ ) .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنْ لَا يُقْصَرَ فِي صَلَاةِ الْمَغْرِبِ وَالصُّبْحِ ، وَأَنَّ الْقَصْرَ إنَّمَا هُوَ فِي الرُّبَاعِيَّةِ ، وَلِأَنَّ الصُّبْحَ رَكْعَتَانِ ، فَلَوْ قُصِرَتْ صَارَتْ رَكْعَةً ، وَلَيْسَ فِي الصَّلَاةِ رَكْعَةٌ إلَّا الْوَتْرَ ، وَالْمَغْرِبُ وِتْرُ النَّهَارِ ، فَلَوْ قُصِرَ مِنْهَا رَكْعَةٌ لَمْ تَبْقَ وِتْرًا ، وَإِنْ قُصِرَتْ اثْنَتَانِ صَارَتْ رَكْعَةً ، فَيَكُونُ إجْحَافًا بِهَا ، وَإِسْقَاطًا لَأَكْثَرِهَا .\rوَقَدْ رَوَى عَلِيُّ بْنُ عَاصِمٍ ، عَنْ دَاوُد بْنِ أَبِي هِنْدٍ ، عَنْ عَامِرٍ ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ، قَالَتْ : { افْتَرَضَ اللَّهُ الصَّلَاةَ عَلَى نَبِيِّكُمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَكَّةَ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ ، إلَّا صَلَاةَ الْمَغْرِبِ ، فَلَمَّا هَاجَرَ إلَى الْمَدِينَةِ ، فَأَقَامَ بِهَا ، وَاِتَّخَذَهَا دَارَ هِجْرَةٍ ، زَادَ إلَى كُلِّ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ إلَّا صَلَاةَ الْغَدَاةِ ؛ لِطُولِ الْقِرَاءَةِ فِيهَا ، وَإِلَّا صَلَاةَ الْجُمُعَةِ لِلْخُطْبَةِ ، وَإِلَّا صَلَاةَ الْمَغْرِبِ فَإِنَّهَا وِتْرُ النَّهَارِ ، فَافْتَرَضَهَا اللَّهُ عَلَى عِبَادِهِ إلَّا هَذِهِ الصَّلَاةُ ، فَإِذَا سَافَرَ صَلَّى الصَّلَاةَ الَّتِي كَانَ افْتَرَضَهَا اللَّهُ عَلَيْهِ .\r}","part":4,"page":48},{"id":1548,"text":"( 1249 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَلِلْمُسَافِرِ أَنْ يُتِمَّ وَيَقْصُرَ ، كَمَا لَهُ أَنْ يَصُومَ وَيُفْطِرَ ) .\rالْمَشْهُورُ عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّ الْمُسَافِرَ إنْ شَاءَ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ ، وَإِنْ شَاءَ أَتَمَّ .\rوَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ تَوَقَّفَ ، وَقَالَ : أَنَا أُحِبُّ الْعَافِيَةَ مِنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ .\rوَمِمَّنْ رُوِيَ عَنْهُ الْإِتْمَامُ فِي السَّفَرِ : عُثْمَانُ ، وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ ، وَابْنُ مَسْعُودٍ ، وَابْنُ عُمَرَ ، وَعَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ مَالِكٍ .\rوَقَالَ حَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ : لَيْسَ لَهُ الْإِتْمَامُ فِي السَّفَرِ .\rوَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ .\rوَأَوْجَبَ حَمَّادٌ الْإِعَادَةَ عَلَى مَنْ أَتَمَّ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ : إنْ كَانَ جَلَسَ بَعْدَ الرَّكْعَتَيْنِ قَدْرَ التَّشَهُّدِ ، فَصَلَاتُهُ صَحِيحَةٌ ، وَإِلَّا لَمْ تَصِحَّ .\rوَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ : الصَّلَاةُ فِي السَّفَرِ رَكْعَتَانِ حَتْمٌ ، لَا يَصْلُحُ غَيْرُهُمَا .\rوَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ : مَنْ صَلَّى فِي السَّفَرِ أَرْبَعًا فَهُوَ كَمَنْ صَلَّى فِي الْحَضَرِ رَكْعَتَيْنِ .\rوَاحْتَجُّوا بِأَنَّ صَلَاةَ السَّفَرِ رَكْعَتَانِ بِدَلِيلِ قَوْلِ عُمَرَ ، وَعَائِشَةَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ .\rوَرُوِيَ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ مُحْرِزٍ ، أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ عُمَرَ عَنْ الصَّلَاةِ فِي السَّفَرِ ، فَقَالَ : رَكْعَتَانِ ، فَمَنْ خَالَفَ السُّنَّةَ كَفَرَ ، وَلِأَنَّ الرَّكْعَتَيْنِ الْأُخْرَيَيْنِ يَجُوزُ تَرْكُهُمَا إلَى غَيْرِ بَدَلٍ ، فَلَمْ تَجُزْ زِيَادَتُهُمَا عَلَى الرَّكْعَتَيْنِ الْمَفْرُوضَتَيْنِ ، كَمَا لَوْ زَادَهُمَا عَلَى صَلَاةِ الْفَجْرِ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنْ الصَّلَاةِ إنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا } وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْقَصْرَ رُخْصَةٌ مُخَيَّرٌ بَيْنَ فِعْلِهِ وَتَرْكِهِ ، كَسَائِرِ الرُّخَصِ .\rوَقَالَ يَعْلَى بْنُ أُمَيَّةَ : { قُلْت لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ : { فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ","part":4,"page":49},{"id":1549,"text":"تَقْصُرُوا مِنْ الصَّلَاةِ إنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا } ، فَقَالَ عَجِبْتُ مِمَّا عَجِبْتَ مِنْهُ ، فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ بِهَا عَلَيْكُمْ ، فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ } .\rرَوَاهُ مُسْلِمٌ .\rوَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ رُخْصَةٌ ، وَلَيْسَ بِعَزِيمَةٍ ، وَأَنَّهَا مَقْصُورَةٌ .\rوَرَوَى الْأَسْوَدُ ، عَنْ عَائِشَةَ ، أَنَّهَا قَالَتْ : { خَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي عُمْرَةِ رَمَضَانَ ، فَأَفْطَرَ وَصُمْت ، وَقَصَرَ وَأَتْمَمْت ، فَقُلْت : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي ، أَفْطَرْت وَصُمْت ، وَقَصَرْت وَأَتْمَمْت .\rفَقَالَ : أَحْسَنْت } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيُّ ، فِي \" مُسْنَدِهِ \" .\rوَهَذَا صَرِيحٌ فِي الْحُكْمِ .\rوَلِأَنَّهُ لَوْ ائْتَمَّ بِمُقِيمٍ صَلَّى أَرْبَعًا ، وَصَحَّتْ الصَّلَاةُ ، وَالصَّلَاةُ لَا تَزِيدُ بِالِائْتِمَامِ .\rقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : وَفِي إجْمَاعِ الْجُمْهُورِ مِنْ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّ الْمُسَافِرَ إذَا دَخَلَ فِي صَلَاةِ الْمُقِيمِينَ ، فَأَدْرَكَ مِنْهَا رَكْعَةً أَنْ يَلْزَمَهُ أَرْبَعٌ ، دَلِيلٌ وَاضِحٌ عَلَى أَنَّ الْقَصْرَ رُخْصَةٌ ، إذْ لَوْ كَانَ فَرْضُهُ رَكْعَتَيْنِ لَمْ يَلْزَمْهُ أَرْبَعٌ بِحَالٍ .\rوَرَوَى بِإِسْنَادِهِ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنْ عَائِشَةَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { كَانَ يُتِمُّ فِي السَّفَرِ وَيَقْصُرُ } .\rوَعَنْ أَنَسٍ ، قَالَ : كُنَّا - أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نُسَافِرُ ، فَيُتِمُّ بَعْضُنَا ، وَيَقْصُرُ بَعْضُنَا ، وَيَصُومُ بَعْضُنَا ، وَيُفْطِرُ بَعْضُنَا ، فَلَا يَعِيبُ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ ، وَلِأَنَّ ذَلِكَ إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ ، رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ ، بِدَلِيلِ أَنَّ فِيهِمْ مَنْ كَانَ يُتِمُّ الصَّلَاةَ ، وَلَمْ يُنْكِرْ الْبَاقُونَ عَلَيْهِ ، بِدَلِيلِ حَدِيثِ أَنَسٍ ، وَكَانَتْ عَائِشَةُ تُتِمُّ الصَّلَاةَ .\rرَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالْبُخَارِيُّ وَأَتَمَّهَا عُثْمَانُ ، وَابْنُ مَسْعُودٍ ، وَسَعْدٌ .\rوَقَالَ عَطَاءٌ : كَانَتْ عَائِشَةُ وَسَعْدٌ يُوفِيَانِ","part":4,"page":50},{"id":1550,"text":"الصَّلَاةَ فِي السَّفَرِ ، وَيَصُومَانِ ، وَرَوَى الْأَثْرَمُ بِإِسْنَادِهِ ، عَنْ سَعْدٍ ، أَنَّهُ أَقَامَ بِعَمَّانَ شَهْرَيْنِ ، فَكَانَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ ، وَيُصَلِّي أَرْبَعًا .\rوَعَنْ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ ، قَالَ : أَقَمْنَا مَعَ سَعْدٍ بِبَعْضِ قُرَى الشَّامِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً يَقْصُرُهَا سَعْدٌ وَنُتِمُّهَا .\rوَسَأَلَ ابْنَ عَبَّاسٍ رَجُلٌ ، فَقَالَ : كُنْت أُتِمُّ الصَّلَاةَ فِي السَّفَرِ .\rفَلَمْ يَأْمُرْهُ بِالْإِعَادَةِ .\rفَأَمَّا قَوْلُ عَائِشَةَ : فُرِضَتْ الصَّلَاةُ رَكْعَتَيْنِ .\rفَإِنَّمَا أَرَادَتْ أَنَّ ابْتِدَاءَ فَرْضِهَا كَانَ رَكْعَتَيْنِ ، ثُمَّ أُتِمَّتْ بَعْدَ الْهِجْرَةِ ، فَصَارَتْ أَرْبَعًا .\rوَقَدْ صَرَّحَتْ بِذَلِكَ حِينَ شَرَحَتْ ، وَلِذَلِكَ كَانَتْ تُتِمُّ الصَّلَاةَ ، وَلَوْ اعْتَقَدَتْ مَا أَرَادَ هَؤُلَاءِ لَمْ تُتِمَّ .\rوَقَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلُ قَوْلِهَا ، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ أَخَذَهُ مِنْهَا ، فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي زَمَنِ فَرْضِ الصَّلَاةِ فِي سِنِّ مَنْ يَعْقِلُ الْأَحْكَامَ ، وَيَعْرِفُ حَقَائِقَهَا ، وَلَعَلَّهُ لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا ، أَوْ كَانَ فَرْضُهَا فِي السَّنَةِ الَّتِي وُلِدَ فِيهَا ، فَإِنَّهَا فُرِضَتْ بِمَكَّةَ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِثَلَاثِ سِنِينَ ، وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ حِينَ مَاتَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ابْنَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً ، وَفِي حَدِيثِهِ مَا اُتُّفِقَ عَلَى تَرْكِهِ ، وَهُوَ قَوْلُهُ : وَالْخَوْفُ رَكْعَةٌ .\rوَالظَّاهِرُ أَنَّهُ أَرَادَ مَا أَرَادَتْ عَائِشَةُ مِنْ ابْتِدَاءِ الْفَرْضِ ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَأْمُرْ مَنْ أَتَمَّ بِالْإِعَادَةِ .\rوَقَوْلُ عُمَرَ : تَمَامٌ غَيْرُ قَصْرٍ .\rأَرَادَ بِهَا تَمَامٌ فِي فَضْلِهَا غَيْرُ نَاقِصَةِ الْفَضِيلَةِ .\rوَلَمْ يُرِدْ أَنَّهَا غَيْرُ مَقْصُورَةِ الرَّكَعَاتِ ؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْآيَةُ وَالْإِجْمَاعُ ، إذْ الْخِلَافُ إنَّمَا هُوَ فِي الْقَصْرِ وَالْإِتْمَامِ ، وَقَدْ ثَبَتَ بِرِوَايَتِهِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثِ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ أَنَّهَا مَقْصُورَةٌ ، وَيُشْبِهُ هَذَا مَا رَوَاهُ مُجَاهِدٌ ، قَالَ : جَاءَ","part":4,"page":51},{"id":1551,"text":"رَجُلٌ إلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ، فَقَالَ : إنِّي وَصَاحِبٌ لِي كُنَّا فِي سَفَرٍ ، وَكَانَ صَاحِبِي يَقْصُرُ وَأَنَا أُتِمُّ .\rفَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ : أَنْتَ كُنْت تَقْصُرُ وَصَاحِبُك يُتِمُّ ؛ رَوَاهُ الْأَثْرَمُ ، أَرَادَ أَنَّ فِعْلَهُ أَفْضَلُ مِنْ فِعْلِك .\rثُمَّ لَوْ ثَبَتَ أَنَّ أَصْلَ الْفَرْضِ رَكْعَتَانِ لَمْ يَمْتَنِعْ جَوَازُ الزِّيَادَةِ عَلَيْهَا ، كَمَا لَوْ ائْتَمَّ بِمُقِيمٍ ، وَيُخَالِفُ زِيَادَةَ رَكْعَتَيْنِ عَلَى صَلَاةِ الْفَجْرِ ، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ زِيَادَتُهُمَا بِحَالٍ .\r( 1250 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَالْقَصْرُ وَالْفِطْرُ أَعْجَبُ إلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ، رَحِمَهُ اللَّهُ ) .\rأَمَّا الْقَصْرُ فَهُوَ أَفْضَلُ مِنْ الْإِتْمَامِ فِي قَوْلِ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ ، وَقَدْ كَرِهَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ الْإِتْمَامَ .\rقَالَ أَحْمَدُ : مَا يُعْجِبُنِي .\rوَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ لِلَّذِي قَالَ لَهُ : كُنْت أُتِمُّ الصَّلَاةَ وَصَاحِبِي يَقْصُرُ : أَنْتَ الَّذِي كُنْت تَقْصُرُ وَصَاحِبُك يُتِمُّ .\rوَشَدَّدَ ابْنُ عُمَرَ عَلَى مَنْ أَتَمَّ الصَّلَاةَ ، رُوِيَ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَهُ عَنْ صَلَاةِ السَّفَرِ ، فَقَالَ : رَكْعَتَانِ ، فَمَنْ خَالَفَ السُّنَّةَ كَفَرَ .\rوَقَالَ بِشْرُ بْنُ حَرْبٍ : سَأَلْت ابْنَ عُمَرَ : كَيْفَ صَلَاةُ السَّفَرِ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ ؟ قَالَ إمَّا أَنْتُمْ تَتَّبِعُونَ سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْبَرْتُكُمْ ، وَإِمَّا لَا تَتَّبِعُونَ سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ فَلَا أُخْبِرُكُمْ ؟ قُلْنَا : فَخَيْرُ مَا اُتُّبِعَ سُنَّةُ نَبِيِّنَا يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ .\rقَالَ : { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا خَرَجَ مِنْ الْمَدِينَةِ لَمْ يَزِدْ عَلَى رَكْعَتَيْنِ حَتَّى يَرْجِعَ إلَيْهَا .\r} رَوَاهُ سَعِيدٌ .\rقَالَ : حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ بِشْرٍ .\rوَلَمَّا بَلَغَ ابْنَ مَسْعُودٍ أَنَّ عُثْمَانَ صَلَّى أَرْبَعًا اسْتَرْجَعَ ، وَقَالَ : { صَلَّيْت مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَكْعَتَيْنِ ، وَمَعَ أَبِي بَكْرٍ رَكْعَتَيْنِ ، وَمَعَ عُمَرَ رَكْعَتَيْنِ ، ثُمَّ تَفَرَّقَتْ بِكُمْ الطُّرُقُ ، وَوَدِدْت أَنَّ حَظِّي مِنْ","part":4,"page":52},{"id":1552,"text":"أَرْبَعٍ رَكْعَتَانِ مُتَقَبَّلَتَانِ } .\rوَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ .\rوَلَا أَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا مِنْ الْأَئِمَّةِ إلَّا الشَّافِعِيَّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ ، قَالَ : الْإِتْمَامُ أَفْضَلُ ؛ لِأَنَّهُ أَكْثَرُ عَمَلًا وَعَدَدًا ، وَهُوَ الْأَصْلُ ، فَكَانَ أَفْضَلَ ، كَغَسْلِ الرِّجْلَيْنِ .\rوَلَنَا ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُدَاوِمُ عَلَى الْقَصْرِ } ، بِدَلِيلِ مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْأَخْبَارِ ، وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ : { صَحِبْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي السَّفَرِ ، فَلَمْ يَزِدْ عَلَى رَكْعَتَيْنِ حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ ، وَصَحِبْت أَبَا بَكْرٍ فَلَمْ يَزِدْ عَلَى رَكْعَتَيْنِ حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ ، وَصَحِبْت عُمَرَ فَلَمْ يَزِدْ عَلَى رَكْعَتَيْنِ حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ تَعَالَى } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ مِثْلُ ذَلِكَ .\rوَرَوَى سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { خِيَارُكُمْ مَنْ قَصَرَ فِي السَّفَرِ وَأَفْطَرَ } رَوَاهُ الْأَثْرَمُ .\rمَعَ مَا ذَكَرْنَا مِنْ أَقْوَالِ الصَّحَابَةِ فِيمَا مَضَى ، وَلِأَنَّهُ إذَا قَصَرَ أَدَّى الْفَرْضَ بِالْإِجْمَاعِ ، وَإِذْ أَتَمَّ اُخْتُلِفَ فِيهِ ، وَأَمَّا الْغَسْلُ فَلَا نُسَلِّمُ لَهُ أَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ الْمَسْحِ ، وَالْفِطْرُ نَذْكُرُهُ فِي بَابِهِ .","part":4,"page":53},{"id":1553,"text":"( 1251 ) فَصْلٌ : وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ فِي الْجَمْعِ ، فَرُوِيَ أَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ التَّفْرِيقِ ؛ لِأَنَّهُ أَكْثَرُ تَخْفِيفًا وَسُهُولَةً ، فَكَانَ أَفْضَلَ كَالْقَصْرِ .\rوَعَنْهُ التَّفْرِيقُ أَفْضَلُ ؛ لِأَنَّهُ خُرُوجٌ مِنْ الْخِلَافِ ، فَكَانَ أَفْضَلَ كَالْقَصْرِ ، وَلِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُدَاوَمَةُ عَلَيْهِ ، وَلَوْ كَانَ أَفْضَلَ لَأَدَامَهُ كَالْقَصْرِ .","part":4,"page":54},{"id":1554,"text":"( 1252 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِذَا دَخَلَ وَقْتُ الظُّهْرِ عَلَى مُسَافِرٍ ، وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَرْتَحِلَ ، صَلَّاهَا وَارْتَحَلَ ، فَإِذَا دَخَلَ وَقْتُ الْعَصْرِ صَلَّاهَا ، وَكَذَلِكَ الْمَغْرِبُ وَالْعِشَاءُ الْآخِرَةُ ، وَإِنْ كَانَ سَائِرًا فَأَحَبَّ أَنْ يُؤَخِّرَ الْأُولَى إلَى وَقْتِ الثَّانِيَةِ فَجَائِزٌ ) .\rجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فِي السَّفَرِ ، فِي وَقْتِ إحْدَاهُمَا ، جَائِزٌ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rوَمِمَّنْ رُوِيَ عَنْهُ ذَلِكَ سَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ ، وَسَعْدٌ ، وَأُسَامَةُ ، وَمُعَاذُ بْن جَبَلٍ ، وَأَبُو مُوسَى ، وَابْنُ عَبَّاسٍ ، وَابْنُ عُمَرَ .\rوَبِهِ قَالَ : طَاوُسٌ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَعِكْرِمَةُ ، وَمَالِكٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ .\rوَرُوِيَ عَنْ سُلَيْمَانِ بْنِ أَخِي زُرَيْقِ بْنِ حَكِيمٍ ، قَالَ : مَرَّ بِنَا نَائِلَةُ بْنُ رَبِيعَةَ ، وَأَبُو الزِّنَادِ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ ، وَصَفْوَانُ بْنُ سُلَيْمٍ ، وَأَشْيَاخٍ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ، فَأَتَيْنَاهُمْ فِي مَنْزِلِهِمْ ، وَقَدْ أَخَذُوا فِي الرَّحِيلِ ، فَصَلَّوْا الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا حِينَ زَالَتْ الشَّمْسُ ، ثُمَّ أَتَيْنَا الْمَسْجِدَ ، فَإِذَا زُرَيْقُ بْنُ حَكِيمٍ يُصَلِّي لِلنَّاسِ الظُّهْرَ .\rوَقَالَ الْحَسَنُ ، وَابْنُ سِيرِينَ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ : لَا يَجُوزُ الْجَمْعُ إلَّا فِي يَوْمِ عَرَفَةَ بِعَرَفَةَ ، وَلَيْلَةِ مُزْدَلِفَةَ بِهَا ، وَهَذَا رِوَايَةُ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِك وَاخْتِيَارُهُ ، وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ الْمَوَاقِيتَ تَثْبُتُ بِالتَّوَاتُرِ ، فَلَا يَجُوزُ تَرْكُهَا بِخَبَرِ وَاحِدٍ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى نَافِعٌ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، أَنَّهُ كَانَ إذَا جَدَّ بِهِ السَّيْرُ جَمَعَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ ، وَيَقُولُ : { إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إذَا جَدَّ بِهِ السَّيْرُ جَمَعَ بَيْنَهُمَا .\r} وَعَنْ أَنَسٌ ، قَالَ : { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا ارْتَحَلَ قَبْلَ أَنْ تَزِيغَ الشَّمْسُ أَخَّرَ الظُّهْرَ إلَى وَقْتِ الْعَصْرِ ، ثُمَّ نَزَلَ","part":4,"page":55},{"id":1555,"text":"فَجَمَعَ بَيْنَهُمَا ، وَإِنْ زَاغَتْ الشَّمْسُ قَبْلَ أَنْ يَرْتَحِلَ ، صَلَّى الظُّهْرَ ثُمَّ رَكِبَ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا .\rوَلِمُسْلِمِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إذَا عَجِلَ عَلَيْهِ السَّيْرُ يُؤَخِّرُ الظُّهْرَ إلَى وَقْتِ الْعَصْرِ ، فَيَجْمَعُ بَيْنَهُمَا ، وَيُؤَخِّرُ الْمَغْرِبَ حَتَّى يَجْمَعَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْعِشَاءِ حَتَّى يَغِيبَ الشَّفَقُ .\r} وَرَوَى الْجَمْعَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ ، وَسَنَذْكُرُ أَحَادِيثَهُمَا فِيمَا بَعْدُ ، وَقَوْلُهُمْ : لَا نَتْرُكُ الْأَخْبَارَ الْمُتَوَاتِرَةَ .\rقُلْنَا : لَا نَتْرُكُهَا ، وَإِنَّمَا نُخَصِّصُهَا ، وَتَخْصِيصُ الْمُتَوَاتِرِ بِالْخَبَرِ الصَّحِيحِ جَائِزٌ بِالْإِجْمَاعِ ، وَقَدْ جَازَ تَخْصِيصُ الْكِتَابِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ بِالْإِجْمَاعِ ، فَتَخْصِيصُ السُّنَّةِ بِالسُّنَّةِ أَوْلَى ، وَهَذَا ظَاهِرٌ جِدًّا .\rفَإِنْ قِيلَ : مَعْنَى الْجَمْعِ فِي الْأَخْبَارِ أَنْ يُصَلِّيَ الْأُولَى فِي آخِرِ وَقْتِهَا ، وَالْأُخْرَى فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا .\rقُلْنَا : هَذَا فَاسِدٌ لِوَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا ، أَنَّهُ قَدْ جَاءَ الْخَبَرُ صَرِيحًا فِي أَنَّهُ كَانَ يَجْمَعُهُمَا فِي وَقْتِ إحْدَاهُمَا ، عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ ، وَلِقَوْلِ أَنَسٌ : أَخَّرَ الظُّهْرَ إلَى وَقْتِ الْعَصْرِ ، ثُمَّ نَزَلَ فَجَمَعَ بَيْنَهُمَا ، وَيُؤَخِّرُ الْمَغْرِبَ حَتَّى يَجْمَعَ بَيْنهَا وَبَيْنَ الْعِشَاءِ حِين يَغِيبَ الشَّفَقُ .\rفَيَبْطُلُ التَّأْوِيلُ .\rالثَّانِي ، أَنَّ الْجَمْعَ رُخْصَةٌ ، فَلَوْ كَانَ عَلَى مَا ذَكَرُوهُ لَكَانَ أَشَدِّ ضِيقًا ، وَأَعْظَمِ حَرَجًا مِنْ الْإِتْيَانِ بِكُلِّ صَلَاةٍ فِي وَقْتِهَا ؛ لِأَنَّ الْإِتْيَانَ بِكُلِّ صَلَاةٍ فِي وَقْتِهَا أَوْسَعُ مِنْ مُرَاعَاةِ طَرَفَيْ الْوَقْتَيْنِ ، بِحَيْثُ لَا يَبْقَى مِنْ وَقْتِ الْأُولَى إلَّا قَدْرُ فِعْلِهَا ، وَمَنْ تَدَبَّرَ هَذَا وَجَدَهُ كَمَا وَصَفْنَا ، وَلَوْ كَانَ الْجَمْعُ هَكَذَا لَجَازَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْعَصْرِ وَالْمَغْرِبِ ، وَالْعِشَاءِ وَالصُّبْحِ ، وَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْأُمَّةِ فِي تَحْرِيمِ ذَلِكَ ، وَالْعَمَلُ بِالْخَبَرِ عَلَى الْوَجْهِ السَّابِقِ إلَى الْفَهْمِ مِنْهُ ( أَوْلَى ) مِنْ","part":4,"page":56},{"id":1556,"text":"هَذَا ( التَّكَلُّفِ ) الَّذِي يُصَانُ كَلَامُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ حَمْلِهِ عَلَيْهِ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا فَمَفْهُومُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ أَنَّ الْجَمْعَ إنَّمَا يَجُوزُ إذَا كَانَ سَائِرًا فِي وَقْتِ الْأُولَى ، فَيُؤَخَّرُ إلَى وَقْتِ الثَّانِيَةِ ، ثُمَّ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا ، وَرَوَاهُ الْأَثْرَمُ عَنْ أَحْمَدَ ، وَرُوِيَ نَحْوُ هَذَا الْقَوْلِ عَنْ سَعْدٍ ، وَابْنِ عُمَرَ ، وَعِكْرِمَةَ ، أَخْذًا بِالْخَبَرَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرْنَاهُمَا .\rوَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ جَوَازُ تَقْدِيمِ الصَّلَاةِ الثَّانِيَةِ إلَى الْأُولَى ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ .\rقَالَ الْقَاضِي : الْأَوَّلُ هُوَ الْفَضِيلَةُ وَالِاسْتِحْبَابُ ، وَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فِي وَقْتِ الْأُولَى مِنْهُمَا ، جَازَ ، نَازِلًا كَانَ ، أَوْ سَائِرًا ، أَوْ مُقِيمًا فِي بَلَدٍ إقَامَةً لَا تَمْنَعُ الْقَصْرَ .\rوَهَذَا قَوْلُ عَطَاءٍ ، وَجُمْهُورِ عُلَمَاءِ الْمَدِينَةِ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَإِسْحَاقَ ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ ؛ لِمَا رَوَى مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ ، قَالَ : { خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ فَكَانَ إذَا ارْتَحَلَ قَبْلَ زَيْغِ الشَّمْسِ أَخَّرَ الظُّهْرَ حَتَّى يَجْمَعَهَا إلَى الْعَصْرِ ، فَيُصَلِّيَهُمَا جَمِيعًا ، وَإِذَا ارْتَحَلَ بَعْدَ زَيْغِ الشَّمْسِ ، صَلَّى الظَّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا ، ثُمَّ سَارَ ، وَإِذَا ارْتَحَلَ قَبْلَ الْمَغْرِبِ ، أَخَّرَ الْمَغْرِبَ حَتَّى يُصَلِّيَهَا مَعَ الْعِشَاءِ ، وَإِذَا ارْتَحَلَ بَعْدَ الْمَغْرِبِ ، عَجَّلَ الْعِشَاءَ ، فَصَلَّاهَا مَعَ الْمَغْرِبِ .\r} رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَقَالَ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ .\rوَرَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ مِثْلَ ذَلِكَ .\rوَقِيلَ : إنَّهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَهَذَا صَرِيحٌ فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ .\rوَرَوَى مَالِكٌ فِي \" الْمُوَطَّأِ \" ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ ، أَنَّ مُعَاذًا أَخْبَرَهُ ، أَنَّهُمْ { خَرَجُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ","part":4,"page":57},{"id":1557,"text":"وَسَلَّمَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ ، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَجْمَعُ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ ، وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ .\rقَالَ : فَأَخَّرَ الصَّلَاةَ يَوْمًا ، ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا ، ثُمَّ دَخَلَ ، ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ جَمِيعًا .\r} قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ ، ثَابِتُ الْإِسْنَادِ .\rوَقَالَ أَهْلُ السِّيَرِ : إنَّ غَزْوَةَ ( تَبُوكَ ) كَانَتْ فِي رَجَبٍ ، سَنَةَ تِسْعٍ ، وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَوْضَحُ الدَّلَائِلِ ، وَأَقْوَى الْحُجَجِ ، فِي الرَّدِّ عَلَى مَنْ قَالَ : لَا يَجْمَعُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ إلَّا إذَا جَدَّ بِهِ السَّيْرُ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يَجْمَعُ وَهُوَ نَازِلٌ غَيْرُ سَائِرٍ ، مَاكِثٌ فِي خِبَائِهِ ، يَخْرُجُ فَيُصَلِّي الصَّلَاتَيْنِ جَمِيعًا ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ إلَى خِبَائِهِ .\rوَرَوَى هَذَا الْحَدِيثَ مُسْلِمٌ فِي \" صَحِيحِهِ \" قَالَ : فَكَانَ يُصَلِّي الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ جَمِيعًا .\rوَالْأَخْذُ بِهَذَا الْحَدِيثِ ( مُتَعَيَّنٌ ) ؛ لِثُبُوتِهِ وَكَوْنِهِ صَرِيحًا فِي الْحُكْمِ ، وَلَا مُعَارِضَ لَهُ ، وَلِأَنَّ الْجَمْعَ رُخْصَةٌ مِنْ رُخَصِ السَّفَرِ ، فَلَمْ يَخْتَصَّ بِحَالَةِ السَّيْرِ ، كَالْقَصْرِ وَالْمَسْحِ ، وَلَكِنَّ الْأَفْضَلَ التَّأْخِيرُ ، لِأَنَّهُ أَخْذٌ بِالِاحْتِيَاطِ ، وَخُرُوجٌ مِنْ خِلَافِ الْقَائِلِينَ بِالْجَمْعِ ، وَعَمَلٌ بِالْأَحَادِيثِ كُلِّهَا .","part":4,"page":58},{"id":1558,"text":"( 1253 ) فَصْلٌ : وَلَا يَجُوزُ الْجَمْعُ إلَّا فِي سَفَرٍ يُبِيحُ الْقَصْرَ .\rوَقَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ : يَجُوزُ فِي السَّفَرِ الْقَصِيرِ ؛ لِأَنَّ أَهْلَ مَكَّةَ يَجْمَعُونَ بِعَرَفَةَ وَمُزْدَلِفَةَ ، وَهُوَ سَفَرٌ قَصِيرٌ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ رُخْصَةٌ تَثْبُتُ لِدَفْعِ الْمَشَقَّةِ فِي السَّفَرِ ، فَاخْتَصَّتْ بِالطَّوِيلِ ، كَالْقَصْرِ وَالْمَسْحِ ثَلَاثًا ؛ وَلِأَنَّهُ تَأْخِيرٌ لِلْعِبَادَةِ عَنْ وَقْتِهَا ، فَأَشْبَهَ الْفِطْرَ ، وَلِأَنَّ دَلِيلَ الْجَمْعِ فِعْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْفِعْلُ لَا صِيغَةَ لَهُ ، وَإِنَّمَا هُوَ قَضِيَّةٌ فِي عَيْنٍ ، فَلَا يَثْبُتُ حُكْمُهَا إلَّا فِي مِثْلِهَا ، وَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُ جَمَعَ إلَّا فِي سَفَرٍ طَوِيلٍ .","part":4,"page":59},{"id":1559,"text":"( 1254 ) فَصْلٌ : وَيَجُوزُ الْجَمْعُ لِأَجْلِ الْمَطَرِ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ .\rوَيُرْوَى ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، وَفَعَلَهُ أَبَانُ بْنُ عُثْمَانَ فِي أَهْلِ الْمَدِينَةِ .\rوَهُوَ قَوْلُ الْفُقَهَاءِ السَّبْعَةِ ، وَمَالِكٍ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَإِسْحَاقَ ، وَرُوِيَ عَنْ مَرْوَانَ ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ .\rوَلَمْ ( يُجَوِّزْهُ ) أَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rفَصْلٌ : وَلَنَا ، أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ .\rقَالَ : إنَّ مِنْ السُّنَّةِ إذَا كَانَ يَوْمٌ مَطِيرٌ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ .\rرَوَاهُ الْأَثْرَمُ .\rوَهَذَا يَنْصَرِفُ إلَى سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rوَقَالَ نَافِعٌ : إنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَجْمَعُ إذَا جَمَعَ الْأُمَرَاءُ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ .\rوَقَالَ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ : رَأَيْتُ أَبَانَ بْنَ عُثْمَانَ يَجْمَعُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فِي اللَّيْلَةِ الْمَطِيرَةِ ؛ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ ، فَيُصَلِّيَهُمَا مَعَهُ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ ، ، وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، لَا يُنْكِرُونَهُ .\rوَلَا يُعْرَفُ لَهُمْ فِي عَصْرِهِمْ مُخَالِفٌ ، فَكَانَ إجْمَاعًا .\rرَوَاهُ الْأَثْرَمُ ( 1255 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا الْجَمْعُ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ ، فَغَيْرُ جَائِزٍ .\rقَالَ : الْأَثْرَمُ : قِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ : الْجَمْعُ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ فِي الْمَطَرِ ؟ قَالَ : لَا ، مَا سَمِعْت .\rوَهَذَا ( اخْتِيَارُ ) أَبِي بَكْرٍ ، وَابْنِ حَامِدٍ ، وَقَوْلُ مَالِكٍ .\rوَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ التَّمِيمِيُّ : فِيهِ ( قَوْلَانِ ، ) أَحَدُهُمَا أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي الْخَطَّابِ ، ( وَمَذْهَبُ ) الشَّافِعِيِّ ، لِمَا رَوَى يَحْيَى بْنُ وَاضِحٍ ، عَنْ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ ، عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَمَعَ فِي الْمَدِينَةِ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ فِي الْمَطَرِ } .\rوَلِأَنَّهُ ( مَعْنًى ) أَبَاحَ الْجَمْعَ ، فَأَبَاحَهُ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ ، كَالسَّفَرِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ","part":4,"page":60},{"id":1560,"text":"مُسْتَنَدَ الْجَمْعِ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ قَوْلِ ( أَبِي سَلَمَةَ ) ، وَالْإِجْمَاعِ ، وَلَمْ يَرِدْ إلَّا فِي الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ ، وَحَدِيثُهُمْ غَيْرُ صَحِيحٍ ؛ فَإِنَّهُ غَيْرُ مَذْكُورٍ فِي الصِّحَاحِ وَالسُّنَنِ .\rوَقَوْلُ أَحْمَدَ : مَا سَمِعْتُ .\rيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ ، وَلَا يَصِحُّ الْقِيَاسُ عَلَى الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ ؛ لِمَا فِيهِمَا مِنْ الْمَشَقَّةِ لِأَجْلِ الظُّلْمَةِ وَالْمَضَرَّةِ ، وَلَا الْقِيَاسُ عَلَى السَّفَرِ ؛ لِأَنَّ مَشَقَّتَهُ لِأَجْلِ السَّيْرِ وَفَوَاتِ الرُّفْقَةِ ، وَهُوَ غَيْرُ مَوْجُودٍ هَاهُنَا .","part":4,"page":61},{"id":1561,"text":"( 1256 ) فَصْلٌ : وَالْمَطَرُ الْمُبِيحُ لِلْجَمْعِ هُوَ مَا ( يَبُلُّ ) الثِّيَابَ ، وَتَلْحَقُ الْمَشَقَّةُ بِالْخُرُوجِ فِيهِ .\rوَأَمَّا الطَّلُّ ، وَالْمَطَرُ الْخَفِيفُ الَّذِي لَا يَبُلُّ الثِّيَابَ ، فَلَا يُبِيحُ ، وَالثَّلْجُ كَالْمَطَرِ فِي ذَلِكَ ، لِأَنَّهُ فِي مَعْنَاهُ ، وَكَذَلِكَ الْبَرَدُ .","part":4,"page":62},{"id":1562,"text":"( 1257 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا الْوَحْلُ بِمُجَرَّدِهِ .\rفَقَالَ الْقَاضِي : قَالَ أَصْحَابُنَا : هُوَ عُذْرٌ ؛ لِأَنَّ الْمَشَقَّةَ تَلْحَقُ بِذَلِكَ فِي النِّعَالِ وَالثِّيَابِ ، كَمَا تَلْحَقُ بِالْمَطَرِ .\rوَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ .\rوَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ فِيهِ وَجْهًا ثَانِيًا ، أَنَّهُ لَا يُبِيحُ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ؛ لِأَنَّ مَشَقَّتَهُ دُونَ مَشَقَّةِ الْمَطَرِ ، فَإِنَّ الْمَطَرَ يَبُلُّ النِّعَالَ وَالثِّيَابَ ، وَالْوَحْلُ لَا يَبُلُّهَا ، فَلَمْ يَصِحَّ قِيَاسُهُ عَلَيْهِ .\rوَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ؛ لِأَنَّ الْوَحْلَ يُلَوِّثُ الثِّيَابَ وَالنِّعَالَ ، وَيَتَعَرَّضُ الْإِنْسَانُ لِلزَّلَقِ ، فَيَتَأَذَّى نَفْسُهُ وَثِيَابُهُ ، وَذَلِكَ أَعْظَمُ مِنْ الْبَلَلِ ، وَقَدْ سَاوَى الْمَطَرَ فِي الْعُذْرِ فِي تَرْكِ الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَةِ ، فَدَلَّ عَلَى تَسَاوِيهِمَا فِي الْمَشَقَّةِ الْمَرْعِيَّةِ فِي الْحُكْمِ .","part":4,"page":63},{"id":1563,"text":"( 1258 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا الرِّيحُ الشَّدِيدَةُ ، فِي اللَّيْلَةِ الْمُظْلِمَةِ الْبَارِدَةِ ، فَفِيهَا وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا ، يُبِيحُ الْجَمْعَ .\rقَالَ الْآمِدِيُّ : وَهُوَ أَصَحُّ .\rوَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ عُذْرٌ فِي الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَةِ ، بِدَلِيلِ مَا رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَر ، قَالَ : { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُنَادِي مُنَادِيهِ فِي اللَّيْلَةِ الْمَطِيرَةِ ، أَوْ اللَّيْلَةِ الْبَارِدَةِ ذَاتِ الرِّيحِ : صَلُّوا فِي رِحَالِكُمْ } .\rرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّبَّاحِ .\rوَالثَّانِي ، لَا يُبِيحُهُ ؛ لِأَنَّ الْمَشَقَّةَ فِيهِ دُونَ الْمَشَقَّةِ فِي الْمَطَرِ ، فَلَا يَصِحُّ قِيَاسُهُ عَلَيْهِ ، وَلِأَنَّ مَشَقَّتَهَا مِنْ غَيْرِ جِنْسِ مَشَقَّةِ الْمَطَرِ ، وَلَا ضَابِطَ لِذَلِكَ يَجْتَمِعَانِ فِيهِ ، فَلَمْ يَصِحَّ إلْحَاقُهُ بِهِ .","part":4,"page":64},{"id":1564,"text":"( 1259 ) فَصْلٌ : هَلْ يَجُوزُ الْجَمْعُ لِمُنْفَرِدٍ ، أَوْ مَنْ كَانَ طَرِيقُهُ إلَى الْمَسْجِدِ فِي ظِلَالٍ يَمْنَعُ وُصُولَ الْمَطَرِ إلَيْهِ ، أَوْ مَنْ كَانَ مُقَامُهُ فِي الْمَسْجِدِ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا ، الْجَوَازُ ؛ لِأَنَّ الْعُذْرَ إذَا وُجِدَ اسْتَوَى فِيهِ حَالُ وُجُودِ الْمَشَقَّةِ وَعَدَمِهَا ، كَالسَّفَرِ ، وَلِأَنَّ الْحَاجَةَ الْعَامَّةَ إذَا وُجِدَتْ أَثْبَتَتْ الْحُكْمَ فِي حَقِّ مَنْ لَيْسَتْ لَهُ حَاجَةٌ ، كَالسَّلَمِ ، وَإِبَاحَةِ اقْتِنَاءِ الْكَلْبِ لِلصَّيْدِ وَالْمَاشِيَةِ فِي حَقِّ مَنْ لَا يَحْتَاجُ إلَيْهِمَا ، وَلِأَنَّهُ قَدْ رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَمَعَ فِي الْمَطَرِ ، وَلَيْسَ بَيْنَ حُجْرَتِهِ وَالْمَسْجِدِ شَيْءٌ .\rوَالثَّانِي ، الْمَنْعُ ؛ لِأَنَّ الْجَمْعَ لِأَجْلِ الْمَشَقَّةِ ، فَيَخْتَصُّ بِمَنْ تَلْحَقُهُ الْمَشَقَّةُ ، دُونَ مَنْ لَا تَلْحَقُهُ ؛ كَالرُّخْصَةِ فِي التَّخَلُّفِ عَنْ الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَةِ ، يَخْتَصُّ بِمَنْ تَلْحَقُهُ الْمَشَقَّةُ ، دُونَ مِنْ لَا تَلْحَقُهُ ، كَمَنْ فِي الْجَامِعِ وَالْقَرِيبِ مِنْهُ .","part":4,"page":65},{"id":1565,"text":"( 1260 ) فَصْلٌ : وَيَجُوزُ الْجَمْعُ لِأَجْلِ الْمَرَضِ ، وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ ، وَمَالِكٍ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ وَالشَّافِعِيُّ : لَا يَجُوزُ ، فَإِنَّ أَخْبَارَ التَّوْقِيتِ ثَابِتَةٌ ، فَلَا تُتْرَكُ بِأَمْرٍ مُحْتَمَلٍ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ ، قَالَ : { جَمَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ ، وَبَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ ، مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ وَلَا مَطَرٍ .\r} وَفِي رِوَايَةٍ : { مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ وَلَا سَفَرٍ } .\rرَوَاهُمَا مُسْلِمٌ .\rوَقَدْ أَجْمَعْنَا عَلَى أَنَّ الْجَمْعَ لَا يَجُوزُ لِغَيْرِ عُذْرٍ ، ثَبَتَ أَنَّهُ كَانَ لِمَرَضٍ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ قَالَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ : هَذَا عِنْدِي رُخْصَةٌ لِلْمَرِيضِ وَالْمُرْضِعِ .\rوَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ سَهْلَةَ بِنْتَ سُهَيْلٍ ، وَحَمْنَةَ بِنْتَ جَحْشٍ ، لَمَّا كَانَتَا مُسْتَحَاضَتَيْنِ بِتَأْخِيرِ الظُّهْرِ وَتَعْجِيلِ الْعَصْرِ ، وَالْجَمْعِ بَيْنَهُمَا بِغُسْلٍ وَاحِدٍ .\rفَأَبَاحَ لَهُمَا الْجَمْعَ لِأَجْلِ الِاسْتِحَاضَةِ .\rوَأَخْبَارُ الْمَوَاقِيتِ مَخْصُوصَةٌ بِالصُّوَرِ الَّتِي أَجْمَعْنَا عَلَى جَوَازِ الْجَمْعِ فِيهَا ، فَيُخَصُّ مِنْهَا مَحَلُّ النِّزَاعِ بِمَا ذَكَرْنَا .","part":4,"page":66},{"id":1566,"text":"( 1261 ) فَصْلٌ : وَالْمَرَضُ الْمُبِيحُ لِلْجَمْعِ هُوَ مَا يَلْحَقهُ بِهِ بِتَأْدِيَةِ كُلِّ صَلَاةٍ فِي وَقْتِهَا مَشَقَّةٌ وَضَعْفٌ .\rقَالَ الْأَثْرَمُ ، قِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ : الْمَرِيضُ يَجْمَعُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ ؟ فَقَالَ : إنِّي لِأَرْجُوَ لَهُ ذَلِكَ إذَا ضَعُفَ ، وَكَانَ لَا يَقْدِرُ إلَّا عَلَى ذَلِكَ .\rوَكَذَلِكَ يَجُوزُ الْجَمْعُ لِلْمُسْتَحَاضَةِ ، وَلِمَنْ بِهِ سَلَسُ الْبَوْلِ ، وَمَنْ فِي مَعْنَاهُمَا ؛ لِمَا رَوَيْنَا مِنْ الْحَدِيثِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":4,"page":67},{"id":1567,"text":"فَصْلٌ : وَالْمَرِيضُ مُخَيَّرٌ فِي التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ كَالْمُسَافِرِ .\rفَإِنْ اسْتَوَى عِنْدَهُ الْأَمْرَانِ فَالتَّأْخِيرُ أَوْلَى ؛ لِمَا ذَكَرْنَا فِي الْمُسَافِرِ ، فَأَمَّا الْجَمْعُ لِلْمَطَرِ فَإِنَّمَا يَجْمَعُ فِي وَقْتِ الْأُولَى ، لِأَنَّ السَّلَفَ إنَّمَا كَانُوا يَجْمَعُونَ فِي وَقْتِ الْأُولَى ، وَلِأَنَّ تَأْخِيرَ الْأُولَى إلَى وَقْتِ الثَّانِيَةِ يُفْضِي إلَى لُزُومِ الْمَشَقَّةِ ، وَالْخُرُوجِ فِي الظُّلْمَةِ ، أَوْ طُولِ الِانْتِظَارِ فِي الْمَسْجِدِ إلَى دُخُولِ وَقْتِ الْعِشَاءِ ، وَلِأَنَّ الْعَادَةَ اجْتِمَاعُ النَّاسِ لِلْمَغْرِبِ ، فَإِذَا حَبَسَهُمْ فِي الْمَسْجِدِ لِيَجْمَعَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ ، كَانَ أَشَقَّ مِنْ أَنْ يُصَلِّيَ كُلَّ صَلَاةٍ فِي وَقْتِهَا ، وَرُبَّمَا يَزُولُ الْعُذْرُ قَبْلَ خُرُوجِ وَقْتِ الْأُولَى ، فَيَبْطُلُ الْجَمْعُ وَيَمْتَنِعُ .\rوَإِنْ اخْتَارُوا تَأْخِيرَ الْجَمْعِ ، جَازَ .\rوَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يُؤَخِّرَ الْأُولَى عَنْ أَوَّلِ وَقْتِهَا شَيْئًا .\rقَالَ الْأَثْرَمُ : سَأَلْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَنْ الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فِي الْمَطَرِ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا ، إذَا اخْتَلَطَ الظَّلَامُ قَبْلَ أَنْ يَغِيبَ الشَّفَقُ ، كَذَا صَنَعَ ابْنُ عُمَرَ .\rقَالَ الْأَثْرَمُ : وَحَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ ، عَنْ نَافِعٍ ، قَالَ : كَانَ أُمَرَاؤُنَا إذَا كَانَتْ اللَّيْلَةُ الْمَطِيرَةِ أَبْطَئُوا بِالْمَغْرِبِ ، وَعَجَّلُوا الْعِشَاءِ قَبْلَ أَنْ يَغِيبَ الشَّفَقُ ، فَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يُصَلِّي مَعَهُمْ ، وَلَا يَرَى بِذَلِكَ بَأْسًا .\rقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ : وَرَأَيْت الْقَاسِمَ وَسَالِمًا يُصَلِّيَانِ مَعَهُمْ ، فِي مِثْلِ تِلْكَ اللَّيْلَةِ .\rقِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ : فَكَأَنَّ سُنَّةَ الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فِي الْمَطَرِ عِنْدَك أَنْ يُجْمَعَ قَبْلَ أَنْ يَغِيبَ الشَّفَقُ ، وَفِي السَّفَرِ يُؤَخَّرُ حَتَّى يَغِيبَ الشَّفَقُ .\rقَالَ : نَعَمْ .","part":4,"page":68},{"id":1568,"text":"( 1263 ) فَصْلٌ : وَلَا يَجُوزُ الْجَمْعُ لِغَيْرِ مَنْ ذَكَرْنَا .\rوَقَالَ ابْنُ شُبْرُمَةَ : يَجُوزُ إذَا كَانَتْ حَاجَةٌ أَوْ شَيْءٌ ، مَا لَمْ يَتَّخِذْهُ عَادَةً ؛ لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَمَعَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ ، وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ ، مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ وَلَا مَطَرٍ .\r} فَقِيلَ لِابْنِ عَبَّاسٍ : لِمَ فَعَلَ ذَلِكَ ؟ قَالَ : أَرَادَ أَنْ لَا يُحْرِجَ أُمَّتَهُ .\rوَلَنَا ، عُمُومُ أَخْبَارِ التَّوْقِيتِ ، وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ حَمَلْنَاهُ عَلَى حَالَةِ الْمَرَضِ ، وَيَجُوزُ أَنْ يَتَنَاوَلَ مَنْ عَلَيْهِ مَشَقَّةٌ ، كَالْمُرْضِعِ ، وَالشَّيْخِ الضَّعِيفِ ، وَأَشْبَاهِهِمَا مِمَّنْ عَلَيْهِ مَشَقَّةٌ فِي تَرْكِ الْجَمْعِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ صَلَّى الْأُولَى فِي آخِرِ وَقْتِهَا ، وَالثَّانِيَةَ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا ، فَإِنَّ عَمْرَو بْنَ دِينَارٍ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ عَمْرُو : قُلْت : لَجَابِرٍ أَبَا الشَّعْثَاءِ ، أَظُنُّهُ أَخَّرَ الظُّهْرَ وَعَجَّلَ الْعَصْرَ ، وَأَخَّرَ الْمَغْرِبَ وَعَجَّلَ الْعِشَاءَ ؟ قَالَ : وَأَنَا أَظُنُّ ذَلِكَ .","part":4,"page":69},{"id":1569,"text":"( 1264 ) فَصْلٌ : قَالَ وَمِنْ شَرْطِ جَوَازِ الْجَمْعِ نِيَّةُ الْجَمْعِ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ ، وَالْآخَرُ لَا يُشْتَرَطُ ذَلِكَ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ .\rوَالتَّفْرِيعُ عَلَى اشْتِرَاطِهِ .\rوَمَوْضِعُ النِّيَّةِ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْجَمْعِ ، فَإِنْ جَمَعَ فِي وَقْتِ الْأُولَى فَمَوْضِعُهُ عِنْدَ الْإِحْرَامِ بِالْأُولَى ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ ، لِأَنَّهَا نِيَّةٌ يَفْتَقِرُ إلَيْهَا ، فَاعْتُبِرَتْ عِنْدَ الْإِحْرَامِ ، كَنِيَّةِ الْقَصْرِ .\rوَالثَّانِي مَوْضِعُهَا مِنْ أَوَّلِ الصَّلَاةِ الْأُولَى إلَى سَلَامِهَا ، أَيَّ ذَلِكَ نَوَى فِيهِ أَجْزَأَهُ ؛ لِأَنَّ مَوْضِعَ الْجَمْعِ حِينَ الْفَرَاغِ مِنْ آخِرِ الْأُولَى إلَى الشُّرُوعِ فِي الثَّانِيَةِ ، فَإِذَا لَمْ تَتَأَخَّرْ النِّيَّةُ عَنْهُ ، أَجْزَأَهُ ذَلِكَ .\rوَإِنْ جَمَعَ فِي وَقْتِ الثَّانِيَةِ ، فَمَوْضِعُ النِّيَّةِ فِي وَقْتِ الْأُولَى مِنْ أَوَّلِهِ إلَى أَنْ يَبْقَى مِنْهُ قَدْرُ مَا يُصَلِّيهَا ؛ لِأَنَّهُ مَتَى أَخَّرَهَا عَنْ ذَلِكَ بِغَيْرِ نِيَّةٍ صَارَتْ قَضَاءً لَا جَمْعًا .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ وَقْتُ النِّيَّةِ إلَى أَنْ يَبْقَى مِنْهُ قَدْرُ مَا يُدْرِكُهَا بِهِ ، وَهُوَ رَكْعَةٌ ، أَوْ تَكْبِيرَةُ الْإِحْرَامِ ، عَلَى مَا قَدَّمْنَا .\rوَاَلَّذِي ذَكَرَهُ أَصْحَابُنَا أَوْلَى ، فَإِنَّ تَأْخِيرَهَا مِنْ الْقَدْرِ الَّذِي يَضِيقُ عَنْ فِعْلِهَا حَرَامٌ .","part":4,"page":70},{"id":1570,"text":"( 1265 ) فَصْلٌ : فَإِنْ جَمَعَ فِي وَقْتِ الْأُولَى اُعْتُبِرَتْ الْمُوَاصَلَةُ بَيْنَهُمَا ، وَهُوَ أَنْ لَا يُفَرِّقَ بَيْنَهُمَا إلَّا تَفْرِيقًا يَسِيرًا .\rفَإِنْ أَطَالَ الْفَصْلَ بَيْنَهُمَا بَطَلَ الْجَمْعُ .\rلِأَنَّ مَعْنَى الْجَمْعِ الْمُتَابَعَةُ أَوْ الْمُقَارَنَةُ ، وَلَمْ تَكُنْ الْمُتَابَعَةُ فَلَمْ يَبْقَ إلَّا الْمُقَارَنَةُ ، فَإِنْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا تَفْرِيقًا كَثِيرًا ، بَطَلَ الْجَمْعُ ، سَوَاءٌ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا لِنَوْمٍ أَوْ سَهْوٍ أَوْ شُغْلٍ أَوْ قَصْدٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ ، لِأَنَّ الشَّرْطَ لَا يَثْبُتُ الْمَشْرُوطُ بِدُونِهِ ، وَإِنْ كَانَ يَسِيرًا لَمْ يَمْنَعْ ، لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنْ التَّحَرُّزُ مِنْهُ ، وَالْمَرْجِعُ فِي الْيَسِيرِ وَالْكَثِيرِ إلَى الْعُرْفِ وَالْعَادَةِ ، لَا حَدَّ لَهُ سِوَى ذَلِكَ ، وَقَدَّرَهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا بِقَدْرِ الْإِقَامَةِ وَالْوُضُوءِ .\rوَالصَّحِيحُ : أَنَّهُ لَا حَدَّ لَهُ ، لِأَنَّ مَا لَمْ يَرِدْ الشَّرْعُ بِتَقْدِيرِهِ لَا سَبِيلَ إلَى تَقْدِيرِهِ ، وَالْمَرْجِعُ فِيهِ إلَى الْعُرْفِ ، كَالْإِحْرَازِ وَالْقَبْضِ ، وَمَتَى احْتَاجَ إلَى الْوُضُوءِ وَالتَّيَمُّمِ ، فَعَلَهُ إذَا لَمْ يُطِلْ الْفَصْلَ ، وَإِنْ تَكَلَّمَ بِكَلَامٍ يَسِيرٍ ، لَمْ يَبْطُلْ الْجَمْعُ ، وَإِنْ صَلَّى بَيْنَهُمَا السُّنَّةَ ، بَطَلَ الْجَمْعُ ، لِأَنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا بِصَلَاةٍ فَبَطَلَ الْجَمْعُ ، كَمَا لَوْ صَلَّى بَيْنَهُمَا غَيْرَهَا .\rوَعَنْهُ : لَا يَبْطُلُ ؛ لِأَنَّهُ تَفْرِيقٌ يَسِيرٌ ، أَشْبَهَ مَا لَوْ تَوَضَّأَ .\rوَإِنْ جَمَعَ فِي وَقْتِ الثَّانِيَةِ ، جَازَ التَّفْرِيقُ ؛ لِأَنَّهُ مَتَى صَلَّى الْأُولَى فَالثَّانِيَةُ فِي وَقْتِهَا ، لَا تَخْرُجُ بِتَأْخِيرِهَا عَنْ كَوْنِهَا مُؤَدَّاةً .\rوَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ ، أَنَّ الْمُتَابَعَةَ مُشْتَرَطَةٌ ؛ لِأَنَّ الْجَمْعَ حَقِيقَتُهُ ضَمُّ الشَّيْءِ إلَى الشَّيْءِ ، وَلَا يَحْصُلُ مَعَ التَّفْرِيقِ .\rوَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ؛ لِأَنَّ الْأَوْلَى بَعْدَ وُقُوعِهَا صَحِيحَةً لَا تَبْطُلُ بِشَيْءٍ يُوجَدُ بَعْدَهَا ، وَالثَّانِيَةُ لَا تَقَعُ إلَّا فِي وَقْتِهَا .","part":4,"page":71},{"id":1571,"text":"( 1266 ) فَصْلٌ : وَمَتَى جَمَعَ فِي وَقْتِ الْأُولَى اُعْتُبِرَ وُجُودُ الْعُذْرِ الْمُبِيحِ حَالَ افْتِتَاحِ الْأُولَى وَالْفَرَاغِ مِنْهَا وَافْتِتَاحِ الثَّانِيَةِ ، فَمَتَى زَالَ الْعُذْرُ فِي أَحَدِ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ لَمْ يُبَحْ الْجَمْعُ .\rوَإِنْ زَالَ الْمَطَرُ فِي أَثْنَاءِ الْأُولَى ، ثُمَّ عَادَ قَبْلَ الْفَرَاغِ مِنْهَا ، أَوْ انْقَطَعَ بَعْدَ الْإِحْرَامِ بِالثَّانِيَةِ ، جَازَ الْجَمْعُ ، وَلَمْ يُؤَثِّرْ انْقِطَاعُهُ ؛ لِأَنَّ الْعُذْرَ وُجِدَ فِي وَقْتِ النِّيَّةِ ، وَهُوَ عِنْدَ الْإِحْرَامِ بِالْأُولَى ، وَفِي وَقْتِ الْجَمْعِ ، وَهُوَ آخِرُ الْأُولَى وَأَوَّلُ الثَّانِيَةِ ، فَلَمْ يَضُرَّ عَدَمُهُ فِي غَيْرِ ذَلِكَ ، فَأَمَّا الْمُسَافِرُ إذَا نَوَى الْإِقَامَةَ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ الْأُولَى ، انْقَطَعَ الْجَمْعُ وَالْقَصْرُ ، وَلَزِمَهُ الْإِتْمَامُ .\rوَلَوْ عَادَ فَنَوَى السَّفَرَ ، لَمْ يُبَحْ لَهُ التَّرَخُّصُ حَتَّى يُفَارِقَ الْبَلَدَ الَّذِي هُوَ فِيهِ .\rوَإِنْ نَوَى الْإِقَامَةَ بَعْدَ الْإِحْرَامِ بِالثَّانِيَةِ ، أَوْ دَخَلَتْ بِهِ السَّفِينَةُ بَلَدَهُ فِي أَثْنَائِهَا ، احْتَمَلَ أَنْ يُتِمَّهَا ، وَيَصِحُّ قِيَاسًا عَلَى انْقِطَاعِ الْمَطَرِ .\rقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ : هَذَا الَّذِي يَقْتَضِيهِ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يَنْقَلِبَ نَفْلًا ، وَيَبْطُلَ الْجَمْعُ ؛ لِأَنَّهُ أَحَدُ رُخَصِ السَّفَرِ ، فَبَطَلَ بِذَلِكَ ، كَالْقَصْرِ وَالْمَسْحِ ، وَلِأَنَّهُ زَالَ شَرْطُهَا فِي أَثْنَائِهَا ، أَشْبَهَ بِسَائِرِ شُرُوطِهَا .\rوَيُفَارِقُ انْقِطَاعَ الْمَطَرِ مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا ، أَنَّهُ لَا يَتَحَقَّقُ انْقِطَاعُهُ ؛ لِاحْتِمَالِ عَوْدِهِ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ ، وَالثَّانِي أَنْ يَخْلُفَهُ عُذْرٌ مُبِيحٌ ، وَهُوَ الْوَحْلُ ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا .\rوَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي الْمَرِيضِ يَبْرَأُ وَيَزُولُ عُذْرُهُ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ الثَّانِيَةِ .\rفَأَمَّا إنْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا فِي وَقْتِ الثَّانِيَةِ اُعْتُبِرَ بَقَاءُ الْعُذْرِ إلَى حِينِ دُخُولِ وَقْتِهَا ، فَإِنْ زَالَ فِي وَقْتِ الْأُولَى ، كَالْمَرِيضِ يَبْرَأُ ، وَالْمُسَافِرِ يَقْدَمُ ، وَالْمَطَرِ يَنْقَطِعُ ، لَمْ يُبَحْ","part":4,"page":72},{"id":1572,"text":"الْجَمْعُ ؛ لِزَوَالِ سَبَبِهِ .\rوَإِنْ اسْتَمَرَّ إلَى حِينِ دُخُولِ وَقْتِ الثَّانِيَةِ ، جَمَعَ ، وَإِنْ زَالَ الْعُذْرُ ؛ لِأَنَّهُمَا صَارَتَا وَاجِبَتَيْنِ فِي ذِمَّتِهِ ، وَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ فِعْلِهِمَا .","part":4,"page":73},{"id":1573,"text":"( 1267 ) فَصْلٌ : وَإِنْ أَتَمَّ الصَّلَاتَيْنِ فِي وَقْتِ الْأُولَى ، ثُمَّ زَالَ الْعُذْرُ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْهُمَا قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِ الثَّانِيَةِ ، أَجْزَأَتْهُ ، وَلَمْ تَلْزَمْهُ الثَّانِيَةُ فِي وَقْتِهَا ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ وَقَعَتْ صَحِيحَةً مُجْزِيَةً عَنْ مَا فِي ذِمَّتِهِ ، وَبَرِئَتْ ذِمَّتُهُ مِنْهَا ، فَلَمْ تَشْتَغِلْ الذِّمَّةُ بِهَا بَعْدَ ذَلِكَ ، وَلِأَنَّهُ أَدَّى فَرْضَهُ حَالَ الْعُذْرِ ، فَلَمْ يَبْطُلْ بِزَوَالِهِ بَعْدَ ذَلِكَ ، كَالْمُتَيَمِّمِ إذَا وَجَدَ الْمَاءَ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ الصَّلَاةِ .","part":4,"page":74},{"id":1574,"text":"( 1268 ) فَصْلٌ : وَإِذَا جَمَعَ فِي وَقْتِ الْأُولَى ، فَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَ سُنَّةَ الثَّانِيَةِ مِنْهُمَا ، وَيُوتِرُ قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِ الثَّانِيَةِ ؛ لِأَنَّ سُنَّتَهَا تَابِعَةٌ لَهَا ، فَيَتْبَعُهَا فِي فِعْلِهَا وَوَقْتِهَا ، وَالْوِتْرُ وَقْتُهُ مَا بَيْنَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ إلَى صَلَاةِ الصُّبْحِ ، وَقَدْ صَلَّى الْعِشَاءَ فَدَخَلَ وَقْتُهُ .","part":4,"page":75},{"id":1575,"text":"( 1269 ) فَصْلٌ : وَإِذَا صَلَّى إحْدَى صَلَاتَيْ الْجَمْعِ مَعَ إمَامٍ ، وَصَلَّى الثَّانِيَةَ مَعَ إمَامٍ آخَرَ ، وَصَلَّى مَعَهُ مَأْمُومٌ فِي إحْدَى الصَّلَاتَيْنِ ، وَصَلَّى مَعَهُ فِي الثَّانِيَةِ مَأْمُومٌ ثَانٍ ، صَحَّ .\rوَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ : لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ أَحَدُ مَنْ يَتِمُّ بِهِ الْجَمْعُ ، فَلَمْ يَجُزْ اخْتِلَافُهُ ، وَإِذَا اُشْتُرِطَ دَوَامُهُ كَالْعُذْرِ اُشْتُرِطَ دَوَامُهُ فِي الصَّلَاتَيْنِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ لِكُلِّ صَلَاةٍ حُكْمَ نَفْسِهَا ، وَهِيَ مُنْفَرِدَةٌ بِنِيَّتِهَا ، فَلَمْ يُشْتَرَطْ اتِّحَادُ الْإِمَامِ وَلَا الْمَأْمُومِ ، كَغَيْرِ الْمَجْمُوعَتَيْنِ .\rوَقَوْلُهُ : إنَّ الْإِمَامَ وَالْمَأْمُومَ أَحَدُ مَنْ يَتِمُّ بِهِ الْجَمْعُ .\rلَا يَصِحُّ ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ لِلْمَرِيضِ وَالْمُسَافِرِ الْجَمْعُ مُنْفَرِدًا وَفِي الْمَطَرِ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ .\rوَإِنْ قُلْنَا : إنَّ الْجَمْعَ فِي الْمَطَرِ لَا يَصِحُّ إلَّا فِي الْجَمَاعَةِ .\rفَاَلَّذِي يَتِمُّ بِهِ الْجَمْعُ الْجَمَاعَةُ ، لَا عَيْنُ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ ، وَلَمْ تَخْتَلَّ الْجَمَاعَةُ ، وَعَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ ، لَوْ ائْتَمَّ الْمَأْمُومُ بِإِمَامٍ لَا يَنْوِي الْجَمْعَ ، فَنَوَاهُ الْمَأْمُومُ ، فَلَمَّا سَلَّمَ الْإِمَامُ صَلَّى الْمَأْمُومُ الثَّانِيَةَ ، جَازَ .\rلِأَنَّنَا أَبَحْنَا لَهُ مُفَارَقَةَ إمَامَةِ فِي الصَّلَاةِ الْوَاحِدَةِ لِعُذْرِ ، فَفِي الصَّلَاتَيْنِ أَوْلَى ، وَلِأَنَّ نِيَّتَهُمَا لَمْ تَخْتَلِفْ فِي الصَّلَاةِ الْأُولَى ، وَإِنَّمَا نَوَى أَنْ يَفْعَلَ فِعْلًا فِي غَيْرِهَا ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ نَوَى الْمُسَافِرُ فِي الصَّلَاةِ الْأُولَى إتْمَامَ الثَّانِيَةِ ، وَهَكَذَا لَوْ صَلَّى الْمُسَافِرُ بِمُقِيمِينَ ، فَنَوَى الْجَمْعَ ، فَلَمَّا صَلَّى بِهِمْ الْأُولَى قَامَ فَصَلَّى الثَّانِيَةَ ، جَازَ عَلَى هَذَا .\rوَكَذَلِكَ لَوْ صَلَّى أَحَدَ صَلَاتَيْ الْجَمْعِ مُنْفَرِدًا ، ثُمَّ حَضَرَتْ جَمَاعَةٌ يُصَلُّونَ الثَّانِيَةَ ، فَأَمَّهُمْ فِيهَا ، أَوْ صَلَّى مَعَهُمْ مَأْمُومًا ، جَازَ .\rوَقَوْلُ ابْنِ عَقِيلٍ يَقْتَضِي أَنْ لَا يَجُوزَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ .","part":4,"page":76},{"id":1576,"text":"( 1270 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِذَا نَسِيَ صَلَاةَ حَضَرٍ ، فَذَكَرَهَا فِي السَّفَرِ ، أَوْ صَلَاةَ سَفَرٍ ، فَذَكَرَهَا فِي الْحَضَرِ ، صَلَّى فِي الْحَالَتَيْنِ صَلَاةَ حَضَرٍ ) .\rنَصَّ أَحْمَدُ ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، عَلَى هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد وَالْأَثْرَمِ .\rقَالَ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ : أَمَّا الْمُقِيمُ إذَا ذَكَرَهَا فِي السَّفَرِ ، فَذَاكَ بِالْإِجْمَاعِ يُصَلِّي أَرْبَعًا ، وَإِذَا نَسِيَهَا فِي السَّفَرِ ، فَذَكَرَهَا فِي الْحَضَرِ ، صَلَّى أَرْبَعًا بِالِاحْتِيَاطِ ، فَإِنَّمَا وَجَبَتْ عَلَيْهِ السَّاعَةَ ، فَذَهَبَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ رَحِمَهُ اللَّهُ ، إلَى ظَاهِرِ الْحَدِيثِ : \" فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرَهَا \" .\rأَمَّا إذَا نَسِيَ صَلَاةَ الْحَضَرِ ، فَذَكَرَهَا فِي السَّفَرِ ، فَعَلَيْهِ الْإِتْمَامُ إجْمَاعًا ، ذَكَرَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَابْنُ الْمُنْذِرِ ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ فِعْلُهَا أَرْبَعًا ، فَلَمْ يَجُزْ لَهُ النُّقْصَانُ مِنْ عَدَدِهَا ، كَمَا لَوْ لَمْ يُسَافِرْ ، وَلِأَنَّهُ إنَّمَا يَقْضِي مَا فَاتَهُ ، وَقَدْ فَاتَهُ أَرْبَعٌ .\rوَأَمَّا إنْ نَسِيَ صَلَاةَ السَّفَرِ ، فَذَكَرَهَا فِي الْحَضَرِ ، فَقَالَ أَحْمَدُ : عَلَيْهِ الْإِتْمَامُ احْتِيَاطًا .\rوَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ ، وَدَاوُد ، وَالشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ .\rوَقَالَ مَالِكٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ : يُصَلِّيهَا صَلَاةَ سَفَرٍ ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَقْضِي مَا فَاتَهُ ، وَلَمْ يَفُتْهُ إلَّا رَكْعَتَانِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الْقَصْرَ رُخْصَةٌ مِنْ رُخَصِ السَّفَرِ ، فَيَبْطُلُ بِزَوَالِهِ ، كَالْمَسْحِ ثَلَاثًا .\rوَلِأَنَّهَا وَجَبَتْ عَلَيْهِ فِي الْحَضَرِ ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : \" فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرَهَا \" .\rوَلِأَنَّهَا عِبَادَةٌ تَخْتَلِفُ بِالْحَضَرِ وَالسَّفَرِ ، فَإِذَا وُجِدَ أَحَدُ طَرَفَيْهَا فِي الْحَضَرِ ، غَلَبَ فِيهَا حُكْمُهُ ، كَمَا لَوْ دَخَلَتْ بِهِ السَّفِينَةُ الْبَلَدَ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ وَكَالْمَسْحِ .\rوَقِيَاسُهُمْ يَنْتَقِضُ بِالْجُمُعَةِ إذَا فَاتَتْ ، وَبِالْمُتَيَمِّمِ إذَا فَاتَتْهُ الصَّلَاةُ ، فَقَضَاهَا عِنْدَ وُجُودِ الْمَاءِ .","part":4,"page":77},{"id":1577,"text":"( 1271 ) فَصْلٌ : وَإِنْ نَسِيَهَا فِي سَفَرٍ ، فَذَكَرَهَا فِيهِ ، قَضَاهَا مَقْصُورَةً ، لِأَنَّهَا وَجَبَتْ فِي السَّفَرِ ، وَفُعِلَتْ فِيهِ ، أَشْبَهَ مَا لَوْ صَلَّاهَا فِي وَقْتِهَا .\rوَإِنْ ذَكَرَهَا فِي سَفَرٍ آخَرَ ، فَكَذَلِكَ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا .\rوَسَوَاءٌ ذَكَرَهَا فِي الْحَضَرِ أَوْ لَمْ يَذْكُرْهَا .\rوَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ إذَا ذَكَرَهَا فِي الْحَضَرِ لَزِمَتْهُ تَامَّةً ؛ لِأَنَّهُ وَجَبَ عَلَيْهِ فِعْلُهَا تَامَّةً بِذِكْرِهِ إيَّاهَا .\rفَبَقِيَتْ فِي ذِمَّتِهِ .\rوَالْأَوَّلُ أَوْلَى ؛ لِأَنَّ وُجُوبَهَا وَفِعْلَهَا فِي السَّفَرِ ، فَكَانَتْ صَلَاةَ سَفَرٍ ، كَمَا لَوْ لَمْ يَذْكُرْهَا فِي الْحَضَرِ .\rوَذَكَرَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا ، أَنَّ مِنْ شَرْطِ الْقَصْرِ كَوْنَ الصَّلَاةِ مُؤَدَّاةً ؛ لِأَنَّهَا صَلَاةٌ مَقْصُورَةٌ ، فَاشْتُرِطَ لَهَا الْوَقْتُ ، كَالْجُمُعَةِ .\rوَهَذَا فَاسِدٌ ؛ فَإِنَّ هَذَا اشْتِرَاطٌ بِالرَّأْيِ وَالتَّحَكُّمِ لَمْ يَرِدْ الشَّرْعُ بِهِ ، وَالْقِيَاسُ عَلَى الْجُمُعَةِ غَيْرُ صَحِيحٍ ، فَإِنَّ الْجُمُعَةَ لَا تُقْضَى ، وَيُشْتَرَطُ لَهَا الْخُطْبَتَانِ وَالْعَدَدُ وَالِاسْتِيطَانُ ، فَجَازَ اشْتِرَاطُ الْوَقْتِ لَهَا ، بِخِلَافِ صَلَاةِ السَّفَرِ .","part":4,"page":78},{"id":1578,"text":"( 1272 ) فَصْلٌ : وَإِذَا سَافَرَ بَعْدَ دُخُولِ وَقْتِ الصَّلَاةِ ، فَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ : فِيهِ رِوَايَتَانِ : إحْدَاهُمَا ، قَصْرُهَا قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ لَهُ قَصْرَهَا .\rوَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ ؛ لِأَنَّهُ سَافَرَ قَبْلَ خُرُوجِ وَقْتِهَا .\rأَشْبَهَ مَا لَوْ سَافَرَ قَبْلَ وُجُوبِهَا .\rوَالثَّانِيَةُ ، لَيْسَ لَهُ قَصْرُهَا ؛ لِأَنَّهَا وَجَبَتْ عَلَيْهِ فِي الْحَضَرِ ، فَلَزِمَهُ إتْمَامُهَا ، كَمَا لَوْ سَافَرَ بَعْدَ خُرُوجِ وَقْتِهَا ، أَوْ بَعْدَ إحْرَامِهِ بِهَا ، وَفَارَقَ مَا قَبْلَ الْوَقْتِ ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ .","part":4,"page":79},{"id":1579,"text":"( 1273 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَإِذَا دَخَلَ مَعَ مُقِيمٍ ، وَهُوَ مُسَافِرٌ ، ائْتَمَّ ) .\rوَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْمُسَافِرَ مَتَى ائْتَمَّ بِمُقِيمٍ ، لَزِمَهُ الْإِتْمَامُ ، سَوَاءٌ أَدْرَكَ جَمِيعَ الصَّلَاةِ أَوْ رَكْعَةً ، أَوْ أَقَلَّ .\rقَالَ الْأَثْرَمُ : سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَنْ الْمُسَافِرِ ، يَدْخُلُ فِي تَشَهُّدِ الْمُقِيمِينَ ؟ قَالَ : يُصَلِّي أَرْبَعًا .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَجَمَاعَةٍ مِنْ التَّابِعِينَ .\rوَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ وَقَالَ إِسْحَاقُ : لِلْمُسَافِرِ الْقَصْرُ ؛ لِأَنَّهَا صَلَاةٌ يَجُوزُ فِعْلُهَا رَكْعَتَيْنِ ، فَلَمْ تَزِدْ بِالِائْتِمَامِ ، كَالْفَجْرِ .\rوَقَالَ طَاوُسٌ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَتَمِيمُ بْنُ حَذْلَمَ ، فِي الْمُسَافِرِ يُدْرِكُ مِنْ صَلَاةِ الْمُقِيمِ رَكْعَتَيْنِ : يُجْزِيَانِ وَقَالَ الْحَسَنُ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَقَتَادَةُ ، وَمَالِكٌ : إنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً أَتَمَّ ، وَإِنْ أَدْرَكَ دُونَهَا قَصَرَ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ أَدْرَكَ مِنْ الصَّلَاةِ رَكْعَةً فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ } .\rوَلِأَنَّ مَنْ أَدْرَكَ مِنْ الْجُمُعَةِ رَكْعَةً أَتَمَّهَا جُمُعَةً ، وَمَنْ أَدْرَكَ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ ، لَا يَلْزَمُهُ فَرْضُهَا .\rوَلَنَا ، مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّهُ قِيلَ لَهُ : { مَا بَالُ الْمُسَافِرِ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ فِي حَالِ الِانْفِرَادِ ، وَأَرْبَعًا إذَا ائْتَمَّ بِمُقِيمٍ ؟ فَقَالَ : تِلْكَ السُّنَّةُ .\r} رَوَاهُ أَحْمَدُ ، فِي \" الْمُسْنَدِ \" وَقَوْلُهُ : السُّنَّةُ .\rيَنْصَرِفُ إلَى سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rوَلِأَنَّهُ فِعْلُ مَنْ سَمَّيْنَا مِنْ الصَّحَابَةِ ، وَلَا نَعْرِفُ لَهُمْ فِي عَصْرِهِمْ مُخَالِفًا .\rقَالَ نَافِعٌ : كَانَ ابْنُ عُمَرَ إذَا صَلَّى مَعَ الْإِمَامِ صَلَّاهَا أَرْبَعًا ، وَإِذَا صَلَّى وَحْدَهُ صَلَّاهَا رَكْعَتَيْنِ .\rرَوَاهُ مُسْلِمٌ .\rوَلِأَنَّ هَذِهِ صَلَاةٌ مَرْدُودَةٌ مِنْ أَرْبَعٍ إلَى رَكْعَتَيْنِ ، فَلَا يُصَلِّيهَا خَلْفَ مَنْ يُصَلِّي","part":4,"page":80},{"id":1580,"text":"الْأَرْبَعَ كَالْجُمُعَةِ وَمَا ذَكَرَهُ إِسْحَاقُ لَا يَصِحُّ عِنْدَنَا ؛ فَإِنَّهُ لَا تَصِحُّ لَهُ صَلَاةُ الْفَجْرِ خَلْفَ مَنْ يُصَلِّي الرُّبَاعِيَّةَ ، وَإِدْرَاكُ الْجُمُعَةِ يُخَالِفُ مَا نَحْنُ فِيهِ ، فَإِنَّهُ لَوْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الْجُمُعَةِ رَجَعَ إلَى رَكْعَتَيْنِ ، وَهَذَا بِخِلَافِهِ .\rوَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { إنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ فَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ } .\rوَمُفَارَقَةُ إمَامِهِ اخْتِلَافٌ عَلَيْهِ ، فَلَمْ يَجُزْ مَعَ إمْكَانِ مُتَابَعَتِهِ .\rوَإِذَا أَحْرَمَ الْمُسَافِرُونَ خَلْفَ مُسَافِرٍ فَأَحْدَثَ ، وَاسْتَخْلَفَ مُسَافِرًا آخَرَ ، فَلَهُمْ الْقَصْرُ ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَأْتَمُّوا بِمُقِيمٍ .\rوَإِنْ اسْتَخْلَفَ مُقِيمًا ، لَزِمَهُمْ الْإِتْمَامُ ؛ لِأَنَّهُمْ ائْتَمُّوا بِمُقِيمٍ ، وَلِلْإِمَامِ الَّذِي أَحْدَثَ أَنْ يُصَلِّيَ صَلَاةَ الْمُسَافِرِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتَمَّ بِمُقِيمٍ .\rوَلَوْ صَلَّى الْمُسَافِرُونَ خَلْفَ مُقِيمٍ ، فَأَحْدَثَ وَاسْتَخْلَفَ مُسَافِرًا أَوْ مُقِيمًا ، لَزِمَهُمْ الْإِتْمَامُ ؛ لِأَنَّهُمْ ائْتَمُّوا بِمُقِيمٍ ، فَإِنْ اسْتَخْلَفَ مُسَافِرًا لَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ فِي الصَّلَاةِ ، فَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَ صَلَاةَ السَّفَرِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتَمَّ بِمُقِيمٍ .","part":4,"page":81},{"id":1581,"text":"( 1274 ) فَصْلٌ : وَإِذَا أَحْرَمَ الْمُسَافِرُ خَلْفَ مُقِيمٍ ، أَوْ مَنْ يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ مُقِيمٌ ، أَوْ مَنْ يَشُكُّ هَلْ هُوَ مُقِيمٌ أَوْ مُسَافِرٌ ؟ لَزِمَ الْإِتْمَامُ ، وَإِنْ قَصَرَ إمَامُهُ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ وُجُوبُ الصَّلَاةِ تَامَّةً ، فَلَيْسَ لَهُ نِيَّةُ قَصْرِهَا مَعَ الشَّكِّ فِي وُجُوبِ إتْمَامِهَا ، وَيَلْزَمُهُ إتْمَامُهَا اعْتِبَارًا بِالنِّيَّةِ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rوَإِنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّ الْإِمَامَ مُسَافِرٌ ؛ لِرُؤْيَةِ حِلْيَةِ الْمُسَافِرِينَ عَلَيْهِ وَآثَارِ السَّفَرِ ، فَلَهُ أَنْ يَنْوِيَ الْقَصْرَ ، فَإِنْ قَصَرَ إمَامُهُ قَصَرَ مَعَهُ ، وَإِنْ أَتَمَّ لَزِمَهُ مُتَابَعَتُهُ ، وَإِنْ نَوَى الْإِتْمَامَ لَزِمَهُ الْإِتْمَامُ ، سَوَاءٌ قَصَرَ إمَامُهُ ، أَوْ أَتَمَّ ، اعْتِبَارًا بِالنِّيَّةِ .\rوَإِنْ نَوَى الْقَصْرَ فَأَحْدَثَ إمَامُهُ قَبْلَ عِلْمِهِ بِحَالِهِ ، فَلَهُ الْقَصْرُ ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ إمَامَهُ مُسَافِرٌ ؛ لِوُجُودِ دَلِيلِهِ ، وَقَدْ أُبِيحَتْ لَهُ نِيَّةُ الْقَصْرِ ، بِنَاءً عَلَى هَذَا الظَّاهِرِ .\rوَيُحْتَمَلُ أَنْ يَلْزَمَهُ الْإِتْمَامُ احْتِيَاطًا .","part":4,"page":82},{"id":1582,"text":"( 1275 ) فَصْلٌ : إذَا صَلَّى الْمُسَافِرُ صَلَاةَ الْخَوْفِ بِمُسَافِرِينَ ، فَفَرَّقَهُمْ فِرْقَتَيْنِ ، فَأَحْدَثَ قَبْلَ مُفَارَقَةِ الطَّائِفَةِ الْأُولَى ، وَاسْتَخْلَفَ مُقِيمًا ، لَزِمَ الطَّائِفَتَيْنِ الْإِتْمَامُ ، لِوُجُودِ الِائْتِمَامِ بِمُقِيمٍ ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ بَعْدَ مُفَارَقَةِ الْأُولَى ، أَتَمَّتْ الثَّانِيَةُ وَحْدَهَا ، لِاخْتِصَاصِهَا بِالِائْتِمَامِ بِالْمُقِيمِ .\rوَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ مُقِيمًا ، فَاسْتَخْلَفَ مُسَافِرًا مِمَّنْ كَانَ مَعَهُ فِي الصَّلَاةِ ، فَعَلَى الْجَمِيعِ الْإِتْمَامُ ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَخْلَفَ قَدْ لَزِمَهُ الْإِتْمَامُ بِاقْتِدَائِهِ بِالْمُقِيمِ ، فَصَارَ كَالْمُقِيمِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ دَخَلَ مَعَهُ فِي الصَّلَاةِ ، وَكَانَ اسْتِخْلَافُهُ قَبْلَ مُفَارَقَةِ الْأُولَى ، فَعَلَيْهَا الْإِتْمَامُ ؛ لِائْتِمَامِهَا بِمُقِيمٍ ، وَيَقْصُرُ الْإِمَامُ وَالطَّائِفَةُ الثَّانِيَةُ .\rوَإِنْ اسْتَخْلَفَ بَعْدَ دُخُولِ الثَّانِيَةِ مَعَهُ ، فَعَلَى الْجَمِيعِ الْإِتْمَامُ ، وَلِلْمُسْتَخْلَفِ الْقَصْرُ وَحْدَهُ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتَمَّ بِمُقِيمٍ","part":4,"page":83},{"id":1583,"text":"( 1276 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَإِذَا صَلَّى مُسَافِرٌ وَمُقِيمٌ خَلْفَ مُسَافِرٍ ، أَتَمَّ الْمُقِيمُ إذَا سَلَّمَ إمَامُهُ ) أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْمُقِيمَ إذَا ائْتَمَّ بِالْمُسَافِرِ ، وَسَلَّمَ الْمُسَافِرُ مِنْ رَكْعَتَيْنِ ، أَنَّ عَلَى الْمُقِيمِ إتْمَامَ الصَّلَاةِ .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ : { شَهِدْتُ الْفَتْحَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَقَامَ بِمَكَّةَ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ لَيْلَةً ، لَا يُصَلِّي إلَّا رَكْعَتَيْنِ ، ثُمَّ يَقُولُ لِأَهْلِ الْبَلَدِ : صَلُّوا أَرْبَعًا ، فَإِنَّا سَفَرٌ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَلِأَنَّ الصَّلَاةَ وَاجِبَةٌ عَلَيْهِ أَرْبَعًا ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ تَرْكُ شَيْءٍ مِنْ رَكَعَاتِهَا ، كَمَا لَوْ لَمْ يَأْتَمَّ بِمُسَافِرٍ .","part":4,"page":84},{"id":1584,"text":"( 1277 ) فَصْلٌ : وَيُسْتَحَبُّ لِلْإِمَامِ إذَا صَلَّى بِمُقِيمِينَ أَنْ يَقُولَ لَهُمْ عَقِيبَ تَسْلِيمِهِ : أَتِمُّوا ، فَإِنَّا سَفَرٌ .\rلِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْحَدِيثِ ، وَلِئَلَّا يَشْتَبِهَ عَلَى الْجَاهِلِ عَدَدُ رَكَعَاتِ الصَّلَاةِ ، فَيَظُنُّ أَنَّ الرُّبَاعِيَّةَ رَكْعَتَانِ .\rوَقَدْ رَوَى الْأَثْرَمُ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، أَنَّ عُثْمَانَ إنَّمَا أَتَمَّ الصَّلَاةَ لِأَنَّ الْأَعْرَابَ حَجُّوا ، فَأَرَادَ أَنْ يُعَرِّفَهُمْ أَنَّ الصَّلَاةَ أَرْبَعٌ .","part":4,"page":85},{"id":1585,"text":"( 1278 ) فَصْلٌ : وَإِذَا أَمَّ الْمُسَافِرُ الْمُقِيمِينَ ، فَأَتَمَّ بِهِمْ الصَّلَاةَ ، فَصَلَاتُهُمْ تَامَّةٌ صَحِيحَةٌ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَإِسْحَاقُ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالثَّوْرِيُّ : تَفْسُدُ صَلَاةُ الْمُقِيمِينَ ، وَتَصِحُّ صَلَاةُ الْإِمَامِ وَالْمُسَافِرِينَ مَعَهُ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ نَحْوُ ذَلِكَ .\rقَالَ الْقَاضِي : لِأَنَّ الرَّكْعَتَيْنِ الْأُخْرَيَيْنِ نَفْلٌ مِنْ الْإِمَامِ ، فَلَا يَؤُمُّ بِهَا مُفْتَرِضِينَ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الْمُسَافِرَ يَلْزَمُهُ الْإِتْمَامُ بِنِيَّتِهِ ، فَيَكُونُ الْجَمِيعُ وَاجِبًا ، وَلَوْ كَانَتْ نَفْلًا فَائْتِمَامُ الْمُفْتَرِضِ بِالْمُتَنَفِّلِ جَائِزٌ ، عَلَى مَا مَضَى .","part":4,"page":86},{"id":1586,"text":"( 1279 ) فَصْلٌ : وَإِنْ أَمَّ الْمُسَافِرُ مُسَافِرِينَ ، فَنَسِيَ فَصَلَّاهَا تَامَّةً ، صَحَّتْ صَلَاتُهُ وَصَلَاتُهُمْ ، وَلَا يَلْزَمُ لِذَلِكَ سُجُودُ سَهْوٍ ؛ لِأَنَّهَا زِيَادَةٌ لَا يُبْطِلُ الصَّلَاةَ عَمْدُهَا ، فَلَا يَجِبُ السُّجُودُ لِسَهْوِهَا ، كَزِيَادَاتِ الْأَقْوَالِ ، مِثْلِ الْقِرَاءَةِ فِي السُّجُودِ وَالْقُعُودِ ، وَهَلْ يُشْرَعُ السُّجُودُ لَهَا ؟ يُخَرَّجُ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي الزِّيَادَاتِ الْمَذْكُورَةِ .\rوَاخْتَارَ ابْنُ عَقِيلٍ أَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى سُجُودٍ ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِالْأَصْلِ فَلَمْ يَحْتَجْ إلَى جُبْرَانٍ .\rوَوَجْهُ مَشْرُوعِيَّتِهِ أَنَّ هَذِهِ زِيَادَةٌ نَقَصَتْ الْفَضِيلَةَ ، وَأَخَلَّتْ بِالْكَمَالِ ، فَأَشْبَهَتْ الْقِرَاءَةَ فِي غَيْرِ مَحَلِّهَا ، وَقِرَاءَةَ السُّورَةِ فِي الْأُخْرَيَيْنِ .\rوَإِذَا ذَكَرَ الْإِمَامُ بَعْدَ قِيَامِهِ إلَى الثَّالِثَةِ ، لَمْ يَلْزَمْهُ الْإِتْمَامُ ، وَلَهُ أَنْ يَجْلِسَ ، فَإِنَّ الْمُوجِبَ لِلْإِتْمَامِ نِيَّتُهُ ، أَوْ الِائْتِمَامُ بِمُقِيمٍ ، وَلَمْ يُوجَدْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا .\rوَإِنْ عَلِمَ الْمَأْمُومُ أَنَّ قِيَامَهُ لِسَهْوٍ ، وَسَبَّحُوا بِهِ ، لَمْ يَلْزَمْهُ مُتَابَعَتُهُ ؛ لِأَنَّهُ سَهْوٌ فَلَا يَجِبُ اتِّبَاعُهُ فِيهِ ، وَلَهُمْ مُفَارَقَتُهُ إنْ لَمْ يَرْجِعْ ، كَمَا لَوْ قَامَ إلَى ثَالِثَةٍ فِي الْفَجْرِ ، وَإِنْ تَابَعُوهُ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُمْ ؛ لِأَنَّهَا زِيَادَةٌ لَا تُبْطِلُ صَلَاةَ الْإِمَامِ ، فَلَا تُبْطِلُ صَلَاةَ الْمَأْمُومِ بِمُتَابَعَتِهِ فِيهَا ، كَزِيَادَاتِ الْأَقْوَالِ ، وَلِأَنَّهُمْ لَوْ فَارَقُوا الْإِمَامَ ، وَأَتَمُّوا ، صَحَّتْ صَلَاتُهُمْ ، فَمَعَ مُوَافَقَتِهِ أَوْلَى .\rوَقَالَ الْقَاضِي : تَفْسُدُ صَلَاتُهُمْ ؛ لِأَنَّهُمْ زَادُوا رَكْعَتَيْنِ عَمْدًا .\rوَإِنْ لَمْ يَعْلَمُوا هَلْ قَامَ سَهْوًا أَوْ عَمْدًا ، لَزِمَهُمْ مُتَابَعَتُهُ ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مُفَارَقَتُهُ ، لِأَنَّ حُكْمَ وُجُوبِ الْمُتَابَعَةِ ثَابِتٌ ، فَلَا يَزُولُ بِالشَّكِّ .","part":4,"page":87},{"id":1587,"text":"( 1280 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَإِذَا نَوَى الْمُسَافِرُ الْإِقَامَةَ فِي بَلَدٍ أَكْثَرَ مِنْ إحْدَى وَعِشْرِينَ صَلَاةً ، أَتَمَّ ) الْمَشْهُورُ عَنْ أَحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّ الْمُدَّةَ الَّتِي تُلْزِمُ الْمُسَافِرَ الْإِتْمَامَ بِنِيَّةِ الْإِقَامَةِ فِيهَا ، هِيَ مَا كَانَ أَكْثَرَ مِنْ إحْدَى وَعِشْرِينَ صَلَاةً .\rرَوَاهُ الْأَثْرَمُ ، وَالْمَرُّوذِيُّ ، وَغَيْرُهُمَا ، وَعَنْهُ أَنَّهُ إذَا نَوَى إقَامَةَ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ أَتَمَّ ، وَإِنْ نَوَى دُونَهَا قَصَرَ .\rوَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ؛ لِأَنَّ الثَّلَاثَ حَدُّ الْقِلَّةِ ، بِدَلِيلِ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { يُقِيمُ الْمُهَاجِرُ بَعْدَ قَضَاءِ مَنْسَكِهِ ثَلَاثًا } .\rوَلَمَّا أَخْلَى عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَهْلَ الذِّمَّةِ ، ضَرَبَ لِمَنْ قَدِمَ مِنْهُمْ تَاجِرًا ثَلَاثًا ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الثَّلَاثَ فِي حُكْمِ السَّفَرِ ، وَمَا زَادَ فِي حُكْمِ الْإِقَامَةِ .\rوَيُرْوَى هَذَا الْقَوْلُ عَنْ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .\rوَقَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ : إنْ أَقَامَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا مَعَ الْيَوْمِ الَّذِي يَخْرُجُ فِيهِ أَتَمَّ ، وَإِنْ نَوَى دُونَ ذَلِكَ قَصَرَ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّهُمَا قَالَا : إذَا قَدِمْتَ وَفِي نَفْسِكَ أَنْ تُقِيمَ بِهَا خَمْسَ عَشْرَةَ لَيْلَةً فَأَكْمِلْ الصَّلَاةَ .\rوَلَا يُعْرَفُ لَهُمْ مُخَالِفٌ .\rوَرُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ مِثْلُ هَذَا الْقَوْلِ .\rوَرَوَى عَنْهُ قَتَادَةُ ، قَالَ : إذَا أَقَمْتَ أَرْبَعًا فَصَلِّ أَرْبَعًا .\rوَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : يُتِمُّ الصَّلَاةَ الَّذِي يُقِيمُ عَشْرًا ، وَيَقْصُرُ الصَّلَاةَ الَّذِي يَقُولُ : أَخْرُجُ الْيَوْمَ ، أَخْرُجُ غَدًا ، شَهْرًا .\rوَهَذَا قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ وَابْنِهِ وَالْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ .\rوَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : إذَا قَدِمْتَ بَلْدَةً ، فَلَمْ تَدْرِ مَتَى تَخْرُجُ ، فَأَتِمَّ الصَّلَاةَ ، وَإِنْ قُلْتَ : أَخْرُجُ الْيَوْمَ ،","part":4,"page":88},{"id":1588,"text":"أَخْرُجُ غَدًا .\rفَأَقَمْتَ عَشْرًا ، فَأَتِمَّ الصَّلَاةَ .\rوَعَنْهُ ، أَنَّهُ قَالَ : { إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقَامَ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ تِسْعَ عَشْرَةَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ .\rقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : فَنَحْنُ إذَا أَقَمْنَا تِسْعَ عَشْرَةَ نُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ ، وَإِذَا زِدْنَا عَلَى ذَلِكَ أَتْمَمْنَا .\r} رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَقَالَ الْحَسَنُ : صَلِّ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ ، إلَى أَنْ تَقْدَمَ مِصْرًا ، فَأَتِمَّ الصَّلَاةَ وَصُمْ .\rوَقَالَتْ عَائِشَةُ : إذَا وَضَعْتَ الزَّادَ وَالْمَزَادَ فَأَتِمَّ الصَّلَاةَ .\rوَكَانَ طَاوُسٌ إذَا قَدِمَ مَكَّةَ صَلَّى أَرْبَعًا .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى أَنَسٌ ، قَالَ : { خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى مَكَّةَ ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ حَتَّى رَجَعَ ، وَأَقَامَ بِمَكَّةَ عَشْرًا يَقْصُرُ الصَّلَاةَ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَذَكَرَ أَحْمَدُ حَدِيثَ جَابِرٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدِمَ لِصُبْحِ رَابِعَةٍ ، فَأَقَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْيَوْمَ الرَّابِعَ وَالْخَامِسَ وَالسَّادِسَ وَالسَّابِعَ ، وَصَلَّى الْفَجْرَ بِالْأَبْطَحِ يَوْمَ الثَّامِنِ ، } فَكَانَ يَقْصُرُ الصَّلَاةَ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ ، وَقَدْ أَجْمَعَ عَلَى إقَامَتِهَا .\rقَالَ : فَإِذَا أَجْمَعَ أَنْ يُقِيمَ كَمَا أَقَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَصَرَ ، وَإِذَا أَجْمَعَ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ أَتَمَّ .\rقَالَ الْأَثْرَمُ : وَسَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يَذْكُرُ حَدِيثَ أَنَسٌ فِي الْإِجْمَاعِ عَلَى الْإِقَامَةِ لِلْمُسَافِرِ .\rفَقَالَ : هُوَ كَلَامٌ لَيْسَ يَفْقَهُهُ كُلُّ أَحَدٍ .\rوَقَوْلُهُ : أَقَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشْرًا يَقْصُرُ الصَّلَاةَ فَقَالَ : قَدِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِصُبْحِ رَابِعَةٍ وَخَامِسَةٍ وَسَادِسَةٍ وَسَابِعَةٍ .\rثُمَّ قَالَ : وَثَامِنَةِ يَوْمِ التَّرْوِيَةِ ، وَتَاسِعَةٍ وَعَاشِرَةٍ .\rفَإِنَّمَا وَجْهُ حَدِيثِ أَنَسٍ أَنَّهُ حَسَبُ مُقَامِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَكَّةَ وَمِنًى ، وَإِلَّا","part":4,"page":89},{"id":1589,"text":"فَلَا وَجْهَ لَهُ عِنْدِي غَيْرُ هَذَا .\rفَهَذِهِ أَرْبَعَةُ أَيَّامٍ ، وَصَلَاةُ الصُّبْحِ بِهَا يَوْمَ التَّرْوِيَةِ تَمَامُ إحْدَى وَعِشْرِينَ صَلَاةً يَقْصُرُ ، فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَنْ أَقَامَ إحْدَى وَعِشْرِينَ صَلَاةً يَقْصُرُ ، وَهِيَ تَزِيدُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ ، وَهَذَا صَرِيحٌ فِي خِلَافِ قَوْلِ مَنْ حَدَّهُ بِأَرْبَعَةِ أَيَّامٍ .\rوَقَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ : لَمْ نَعْرِفْ لَهُمْ مُخَالِفًا فِي الصَّحَابَةِ ، غَيْرُ صَحِيحٍ ، فَقَدْ ذَكَرْنَا الْخِلَافَ فِيهِ عَنْهُمْ ، وَذَكَرْنَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ نَفْسِهِ خِلَافَ مَا حَكَوْهُ عَنْهُ .\rرَوَاهُ سَعِيدٌ فِي سُنَنِهِ ، وَلَمْ أَجِدْ مَا حَكَوْهُ عَنْهُ فِيهِ .\rوَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي إقَامَةِ تِسْعَ عَشْرَةَ ، وَجْهُهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُجْمِعْ الْإِقَامَةَ .\rقَالَ أَحْمَدُ : أَقَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَكَّةَ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ زَمَنَ الْفَتْحِ ؛ لِأَنَّهُ أَرَادَ حُنَيْنًا ، وَلَمْ يَكُنْ ثَمَّ إجْمَاعُ الْمُقَامِ .\rوَهَذِهِ هِيَ إقَامَتُهُ الَّتِي رَوَاهَا ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":4,"page":90},{"id":1590,"text":"( 1281 ) فَصْلٌ : وَمَنْ قَصَدَ بَلَدًا بِعَيْنِهِ ، فَوَصَلَهُ غَيْرَ عَازِمٍ عَلَى الْإِقَامَةِ بِهِ مُدَّةً يَنْقَطِعُ فِيهَا حُكْمُ سَفَرِهِ ، فَلَهُ الْقَصْرُ فِيهِ .\rقَالَ أَحْمَدُ ، فِي مَنْ دَخَلَ مَكَّةَ لَمْ يُجْمِعْ عَلَى إقَامَةٍ تَزِيدُ عَلَى إقَامَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَا ، وَهُوَ أَنْ يَقْدَمَ رَابِعَ ذِي الْحِجَّةِ : فَلَهُ الْقَصْرُ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ فِي أَسْفَارِهِ يَقْصُرُ حَتَّى يَرْجِعَ ، وَحِينَ قَدِمَ مَكَّةَ وَأَقَامَ بِهَا مَا أَقَامَ كَانَ يَقْصُرُ فِيهَا ، وَهَذَا خِلَافُ قَوْلِ عَائِشَةَ وَالْحَسَنِ .\rوَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَقْصِدَ الرُّجُوعَ إلَى بَلَدِهِ ، كَمَا فَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ، عَلَى مَا فِي حَدِيثِ أَنَسٍ ، وَبَيْنَ أَنْ يُرِيدَ بَلَدًا آخَرَ ، كَمَا فَعَلَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَةِ الْفَتْحِ ، عَلَى مَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ .","part":4,"page":91},{"id":1591,"text":"( 1282 ) فَصْلٌ : وَإِنْ مَرَّ فِي طَرِيقِهِ عَلَى بَلَدٍ لَهُ فِيهِ أَهْلٌ أَوْ مَالٌ .\rفَقَالَ أَحْمَدُ ، فِي مَوْضِعٍ : يُتِمُّ .\rوَقَالَ فِي مَوْضِعٍ : يُتِمُّ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَارًّا .\rوَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ .\rوَقَالَ الزُّهْرِيُّ : إذَا مَرَّ بِمَزْرَعَةٍ لَهُ أَتَمَّ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : إذَا مَرَّ بِقَرْيَةٍ فِيهَا أَهْلُهُ أَوْ مَالُهُ أَتَمَّ ، إذَا أَرَادَ أَنْ يُقِيمَ بِهَا يَوْمًا وَلَيْلَةً .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ : يَقْصُرُ ، مَا لَمْ يُجْمِعْ عَلَى إقَامَةِ أَرْبَعٍ ؛ لِأَنَّهُ مُسَافِرٌ لَمْ يُجْمِعْ عَلَى أَرْبَعٍ .\rوَلَنَا ، مَا رُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ ، أَنَّهُ صَلَّى بِمِنًى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ ، فَأَنْكَرَ النَّاسُ عَلَيْهِ ، فَقَالَ : يَا أَيُّهَا النَّاسُ ، إنِّي تَأَهَّلْتُ بِمَكَّةَ مُنْذُ قَدِمْتُ ، وَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : { مَنْ تَأَهَّلَ فِي بَلَدٍ فَلْيُصَلِّ صَلَاةَ الْمُقِيمِ } .\rرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي \" الْمُسْنَدِ \" .\rوَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : إذَا قَدِمْتَ عَلَى أَهْلٍ لَكَ أَوْ مَالٍ ، فَصَلِّ صَلَاةَ الْمُقِيمِ .\rوَلِأَنَّهُ مُقِيمٌ بِبَلَدٍ فِيهِ أَهْلُهُ ، فَأَشْبَهَ الْبَلَدَ الَّذِي سَافَرَ مِنْهُ .","part":4,"page":92},{"id":1592,"text":"( 1283 ) فَصْلٌ : قَالَ أَحْمَدُ : مَنْ كَانَ مُقِيمًا بِمَكَّةَ ، ثُمَّ خَرَجَ إلَى الْحَجِّ ، وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَرْجِعَ إلَى مَكَّةَ ، فَلَا يُقِيمُ بِهَا حَتَّى يَنْصَرِفَ ، فَهَذَا يُصَلِّي بِعَرَفَةَ رَكْعَتَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ حِينَ خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ أَنْشَأَ السَّفَرَ ، فَهُوَ فِي سَفَرٍ مِنْ حِينَ خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ .\rوَلَوْ أَنَّ رَجُلًا كَانَ مُقِيمًا بِبَغْدَادَ ، فَأَرَادَ الْخُرُوجَ إلَى الْكُوفَةِ ، فَعَرَضَتْ لَهُ حَاجَةٌ بِالنَّهْرَوَانِ ، ثُمَّ رَجَعَ فَمَرَّ بِبَغْدَادَ ذَاهِبًا إلَى الْكُوفَةِ ، صَلَّى رَكْعَتَيْنِ إذَا كَانَ يَمُرُّ بِبَغْدَادَ مُجْتَازًا ، لَا يُرِيدُ الْإِقَامَةَ بِهَا .\rوَإِنْ كَانَ الَّذِي خَرَجَ إلَى عَرَفَةَ فِي نِيَّتِهِ الْإِقَامَةُ بِمَكَّةَ إذَا رَجَعَ ، فَإِنَّهُ لَا يَقْصُرُ بِعَرَفَةَ ، وَلِذَلِكَ أَهْلُ مَكَّةَ لَا يَقْصُرُونَ .\rوَإِنْ صَلَّى رَجُلٌ خَلْفَ مَكِّيٍّ يَقْصُرُ الصَّلَاةَ بِعَرَفَةَ رَكْعَتَيْنِ ، ثُمَّ قَامَ بَعْدَ صَلَاةِ الْإِمَامِ ، فَأَضَافَ إلَيْهَا رَكْعَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ ، صَحَّتْ الصَّلَاةُ ؛ لِأَنَّ الْمَكِّيَّ يَقْصُرُ بِتَأْوِيلٍ ، فَصَحَّتْ صَلَاةُ مَنْ يَأْتَمُّ بِهِ .","part":4,"page":93},{"id":1593,"text":"( 1284 ) فَصْلٌ : وَإِذَا خَرَجَ الْمُسَافِرُ ، فَذَكَرَ حَاجَةً ، فَرَجَعَ إلَيْهَا ، فَلَهُ الْقَصْرُ فِي رُجُوعِهِ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ نَوَى أَنْ يُقِيمَ إذَا رَجَعَ مُدَّةً تَقْطَعُ الْقَصْرَ ، أَوْ يَكُونَ أَهْلُهُ أَوْ مَالُهُ فِي الْبَلَدِ الَّذِي رَجَعَ إلَيْهِ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا .\rهَكَذَا حُكِيَ عَنْ أَحْمَدَ .\rوَقَوْلُهُ ، فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى : أَتَمَّ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ مَارًّا .\rيَقْتَضِي أَنَّهُ إذَا قَصَدَ أَخْذَ حَاجَتِهِ ، وَالرُّجُوعَ مِنْ غَيْرِ إقَامَةٍ ، أَنَّهُ يَقْصُرُ ، وَالشَّافِعِيُّ يَرَى لَهُ الْقَصْرَ ، مَا لَمْ يَنْوِ فِي رُجُوعِهِ الْإِقَامَةَ فِي الْبَلَدِ أَرْبَعًا ، قَالَ : وَلَوْ كَانَ أَتَمَّ أَحَبُّ إلَيَّ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : يُتِمُّ حَتَّى يَخْرُجَ فَاصِلًا لِلثَّانِيَةِ .\rوَنَحْوُهُ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ لَهُ حُكْمُ السَّفَرِ بِخُرُوجِهِ ، وَلَمْ تُوجَدْ إقَامَةٌ تَقْطَعُ حُكْمَهُ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَتَى قَرْيَةً غَيْرَ مَخْرَجِهِ .","part":4,"page":94},{"id":1594,"text":"( 1285 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَإِنْ قَالَ الْيَوْمَ أَخْرُجُ ، وَغَدًا أَخْرُجُ .\rقَصَرَ ، وَإِنْ أَقَامَ شَهْرًا ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ مَنْ لَمْ يُجْمِعْ الْإِقَامَةَ مُدَّةً تَزِيدُ عَلَى إحْدَى وَعِشْرِينَ صَلَاةً ، فَلَهُ الْقَصْرُ ، وَلَوْ أَقَامَ سِنِينَ ، مِثْلُ أَنْ يُقِيمَ لِقَضَاءِ حَاجَةٍ يَرْجُو نَجَاحَهَا ، أَوْ لِجِهَادِ عَدُوٍّ ، أَوْ حَبَسَهُ سُلْطَانٌ أَوْ مَرَضٌ ، وَسَوَاءٌ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ انْقِضَاءُ الْحَاجَةِ فِي مُدَّةٍ يَسِيرَةٍ ، أَوْ كَثِيرَةٍ ، بَعْدَ أَنْ يَحْتَمِلَ انْقِضَاؤُهَا فِي الْمُدَّةِ الَّتِي لَا تَقْطَعُ حُكْمَ السَّفَرِ .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ أَنَّ لِلْمُسَافِرِ أَنْ يَقْصُرَ مَا لَمْ يُجْمِعْ إقَامَةً ، وَإِنْ أَتَى عَلَيْهِ سِنُونَ .\rوَقَدْ رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ ، قَالَ { : أَقَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ تِسْعَ عَشْرَةَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ .\r} رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ .\rوَقَالَ جَابِرٌ : { أَقَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ عِشْرِينَ يَوْمًا يَقْصُرُ الصَّلَاةَ } .\rرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي \" مُسْنَدِهِ \" .\rوَفِي حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقَامَ بِمَكَّةَ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ لَا يُصَلِّي إلَّا رَكْعَتَيْنِ } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْمِسْوَرِ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : أَقَمْنَا مَعَ سَعْدٍ بِعَمَّانَ أَوْ سَلْمَانَ ، فَكَانَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ ، وَيُصَلِّي أَرْبَعًا ، فَذَكَرْنَا ذَلِكَ لَهُ .\rفَقَالَ : نَحْنُ أَعْلَمُ رَوَاهُ الْأَثْرَمُ .\rوَرَوَى سَعِيدٌ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ ، قَالَ : أَقَمْنَا مَعَ سَعْدٍ بِبَعْضِ قُرَى الشَّامِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً يَقْصُرُهَا سَعْدٌ ، وَنُتِمُّهَا .\rوَقَالَ نَافِعٌ : أَقَامَ ابْنُ عُمَرَ بِأَذْرَبِيجَانَ سِتَّةَ أَشْهُرٍ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ ، وَقَدْ حَالَ الثَّلْجُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الدُّخُولِ .\rوَعَنْ حَفْصِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ : أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ أَقَامَ بِالشَّامِ سَنَتَيْنِ يُصَلِّي صَلَاةَ الْمُسَافِرِ .\rوَقَالَ","part":4,"page":95},{"id":1595,"text":"أَنَسٌ : أَقَامَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِرَامَهُرْمُزَ سَبْعَةَ أَشْهُرٍ يَقْصُرُونَ الصَّلَاةَ .\rوَعَنْ الْحَسَنِ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ ، قَالَ : أَقَمْتُ مَعَهُ سَنَتَيْنِ بِكَابُلَ يَقْصُرُ الصَّلَاةَ ، وَلَا يُجْمِعُ .\rوَقَالَ إبْرَاهِيمُ : كَانُوا يُقِيمُونَ بِالرَّيِّ السَّنَةَ وَأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ ، وَبِسِجِسْتَانَ السَّنَتَيْنِ ، يُجْمِعُونَ وَلَا يَصُومُونَ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : وَيَقْصُرُ إذَا قَالَ : الْيَوْمَ أَخْرُجُ ، غَدًا أَخْرُجُ - شَهْرًا .\rوَهَذَا مِثْلُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ ، وَلَعَلَّ الْخِرَقِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - إنَّمَا قَالَ ذَلِكَ اقْتِدَاءً بِهِ ، وَلَمْ يُرِدْ أَنَّ نِهَايَةَ الْقَصْرِ إلَى شَهْرٍ ، وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنَّهُ لَا نِهَايَةَ لِلْقَصْرِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":4,"page":96},{"id":1596,"text":"( 1286 ) فَصْلٌ : وَإِنْ عَزَمَ عَلَى إقَامَةٍ طَوِيلَةٍ فِي رُسْتَاقٍ ، يَتَنَقَّلُ فِيهِ مِنْ قَرْيَةٍ إلَى قَرْيَةٍ ، لَا يُجْمِعُ عَلَى الْإِقَامَةِ بِوَاحِدَةٍ مِنْهَا مُدَّةً تُبْطِلُ حُكْمَ السَّفَرِ ، لَمْ يَبْطُلْ حُكْمُ سَفَرِهِ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقَامَ عَشْرًا بِمَكَّةَ وَعَرَفَةَ وَمِنًى ، فَكَانَ يَقْصُرُ فِي تِلْكَ الْأَيَّامِ كُلِّهَا .\rوَرَوَى الْأَثْرَمُ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ مُوَرِّقٍ ، قَالَ : سَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ ، قُلْتُ : إنِّي رَجُلٌ تَاجِرٌ ، آتِي الْأَهْوَازَ ، فَأَنْتَقِلُ فِي قُرَاهَا مِنْ قَرْيَةٍ إلَى قَرْيَةٍ ، فَأُقِيمُ الشَّهْرَ وَأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ .\rقَالَ : تَنْوِي الْإِقَامَةَ ؟ .\rقُلْتُ : لَا .\rقَالَ : لَا أَرَاك إلَّا مُسَافِرًا ، صَلِّ صَلَاةَ الْمُسَافِرِينَ .\rوَلِأَنَّهُ لَمْ يَنْوِ الْإِقَامَةَ فِي بَلَدٍ بِعَيْنِهِ ، فَأَشْبَهَ الْمُتَنَقِّلَ فِي سَفَرِهِ مِنْ مَنْزِلٍ إلَى مَنْزِلٍ .","part":4,"page":97},{"id":1597,"text":"( 1287 ) فَصْلٌ : وَإِذَا دَخَلَ بَلَدًا ، فَقَالَ : إنْ لَقِيتُ فُلَانًا أَقَمْتُ ، وَإِنْ لَمْ أَلْقِهِ لَمْ أُقِمْ .\rلَمْ يَبْطُلْ حُكْمُ سَفَرِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَجْزِمْ بِالْإِقَامَةِ ، وَلِأَنَّ الْمُبْطِلَ لِحُكْمِ السَّفَرِ هُوَ الْعَزْمُ عَلَى الْإِقَامَةِ ، وَلَمْ يُوجَدْ ، وَإِنَّمَا عَلَّقَهُ عَلَى شَرْطٍ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِحَرَامٍ .","part":4,"page":98},{"id":1598,"text":"( 1288 ) فَصْلٌ : وَلَا بَأْسَ بِالتَّطَوُّعِ نَازِلًا وَسَائِرًا عَلَى الرَّاحِلَةِ ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ ، { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُسَبِّحُ عَلَى ظَهْرِ رَاحِلَتِهِ حَيْثُ كَانَ وَجْهُهُ يُومِئُ بِرَأْسِهِ .\r} وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَفْعَلُهُ .\rوَرُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ جَابِرٍ ، وَأَنَسٍ .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِنَّ .\rوَرَوَتْ أُمُّ هَانِئٍ بِنْتُ أَبِي طَالِبٍ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ اغْتَسَلَ فِي بَيْتِهَا ، فَصَلَّى ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَتَطَوَّعُ فِي السَّفَرِ .\r} رَوَاهُ سَعِيدٌ .\rوَيُصَلِّي رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ وَالْوَتْرَ ؛ لِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ رَوَى أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُوتِرُ عَلَى بَعِيرِهِ وَلَمَّا نَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ صَلَاةِ الْفَجْرِ حَتَّى طَلَعَتْ الشَّمْسُ ، صَلَّى رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ قَبْلَهَا .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا .\rفَأَمَّا سَائِرُ السُّنَنِ وَالتَّطَوُّعَاتِ قَبْلَ الْفَرَائِضِ وَبَعْدَهَا ، فَقَالَ أَحْمَدُ : أَرْجُو أَنْ لَا يَكُونَ بِالتَّطَوُّعِ فِي السَّفَرِ بَأْسٌ .\rوَرُوِيَ عَنْ الْحَسَنِ ، قَالَ : كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُسَافِرُونَ ، فَيَتَطَوَّعُونَ قَبْلَ الْمَكْتُوبَةِ وَبَعْدَهَا .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ ، وَعَلِيٍّ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ ، وَجَابِرٍ ، وَأَنَسٍ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَأَبِي ذَرٍّ ، وَجَمَاعَةٍ مِنْ التَّابِعِينَ كَثِيرٍ ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَإِسْحَاقَ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ .\rوَكَانَ ابْنُ عُمَرَ لَا يَتَطَوَّعُ مَعَ الْفَرِيضَةِ قَبْلَهَا وَلَا بَعْدَهَا ، إلَّا مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ ، وَنُقِلَ ذَلِكَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَعَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ ؛ لِمَا رُوِيَ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ رَأَى قَوْمًا يُسَبِّحُونَ بَعْدَ الصَّلَاةِ .\rفَقَالَ : لَوْ كُنْتُ مُسَبِّحًا لَأَتْمَمْتُ صَلَاتِي ، يَا ابْنَ أَخِي : {","part":4,"page":99},{"id":1599,"text":"صَحِبْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يَزِدْ عَلَى رَكْعَتَيْنِ حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ ، وَصَحِبْتُ أَبَا بَكْرٍ فَلَمْ يَزِدْ عَلَى رَكْعَتَيْنِ حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ .\rوَذَكَرَ عُمَرَ ، وَعُثْمَانَ ، وَقَالَ : { لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ } } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَوَجْهُ الْأَوَّلِ مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : { فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَاةَ الْحَضَرِ ، فَكُنَّا نُصَلِّي قَبْلَهَا وَبَعْدَهَا ، وَكُنَّا نُصَلِّي فِي السَّفَرِ قَبْلَهَا وَبَعْدَهَا .\r} رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ .\rوَعَنْ أَبِي بَصْرَةَ الْغِفَارِيِّ ، عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ، قَالَ : { صَحِبْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ سَفَرًا ، فَمَا رَأَيْتُهُ تَرَكَ رَكْعَتَيْنِ إذَا زَاغَتْ الشَّمْسُ قَبْلَ الظُّهْرِ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَحَدِيثُ الْحَسَنِ عَنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ ذَكَرْنَاهُ .\rفَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِفِعْلِهَا ، وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِتَرْكِهَا ، فَيُجْمَعُ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":4,"page":100},{"id":1600,"text":"كِتَابُ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ الْأَصْلُ فِي فَرْضِ الْجُمُعَةِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ .\rأَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ } .\rفَأَمَرَ بِالسَّعْيِ ، وَيَقْتَضِي الْأَمْرُ الْوُجُوبَ ، وَلَا يَجِبُ السَّعْيُ إلَّا إلَى الْوَاجِبِ .\rوَنَهَى عَنْ الْبَيْعِ ؛ لِئَلَّا يَشْتَغِلَ بِهِ عَنْهَا ، فَلَوْ لَمْ تَكُنْ وَاجِبَةً لَمَا نَهَى عَنْ الْبَيْعِ مِنْ أَجْلِهَا ، وَالْمُرَادُ بِالسَّعْيِ هَاهُنَا الذَّهَابُ إلَيْهَا ، لَا الْإِسْرَاعُ ، فَإِنَّ السَّعْيَ فِي كِتَابِ اللَّهِ لَمْ يُرَدْ بِهِ الْعَدْوُ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى } .\rوَقَالَ : { وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا } وَقَالَ : { سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا } .\rوَقَالَ : { وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا } .\rوَأَشْبَاهُ هَذَا لَمْ يُرِدْ بِشَيْءٍ مِنْ الْعَدْوِ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَؤُهَا : فَامْضُوا إلَى ذِكْرِ اللَّهِ .\rوَأَمَّا السُّنَّةُ ، فَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ عَنْ وَدْعِهِمْ الْجُمُعَاتِ أَوْ لَيَخْتِمَنَّ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ ، ثُمَّ لَيَكُونُنَّ مِنْ الْغَافِلِينَ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَعَنْ أَبِي الْجَعْدِ الضَّمْرِيِّ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { مَنْ تَرَكَ ثَلَاثَ جُمَعٍ تَهَاوُنًا طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قَلْبِهِ } وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { الْجُمُعَةُ حَقٌّ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ ، إلَّا أَرْبَعَةً : عَبْدٌ مَمْلُوكٌ ، أَوْ امْرَأَةٌ ، أَوْ صَبِيٌّ ، أَوْ مَرِيضٌ } .\rرَوَاهُمَا أَبُو دَاوُد .\rوَعَنْ جَابِرٍ ، قَالَ : خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : { وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ افْتَرَضَ عَلَيْكُمْ الْجُمُعَةَ فِي مَقَامِي هَذَا ، فِي يَوْمِي هَذَا ، فِي شَهْرِي هَذَا ، مِنْ عَامِي هَذَا ، فَمَنْ تَرَكَهَا فِي حَيَاتِي أَوْ بَعْدَ مَمَاتِي ، وَلَهُ إمَامٌ عَادِلٌ أَوْ جَائِرٌ ، اسْتِخْفَافًا بِهَا ، أَوْ جُحُودًا","part":4,"page":101},{"id":1601,"text":"لَهَا ، فَلَا جَمَعَ اللَّهُ لَهُ شَمْلَهُ ، وَلَا بَارَكَ لَهُ فِي أَمْرِهِ ، أَلَا وَلَا صَلَاةَ لَهُ ، أَلَا وَلَا زَكَاةَ لَهُ ، أَلَا وَلَا حَجَّ لَهُ ، أَلَا وَلَا صَوْمَ لَهُ ، وَلَا بِرَّ لَهُ ، حَتَّى يَتُوبَ ، فَإِنْ تَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ } رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ .\rوَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى وُجُوبِ الْجُمُعَةِ .","part":4,"page":102},{"id":1602,"text":"( 1289 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَإِذَا زَالَتْ الشَّمْسُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ صَعِدَ الْإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ ) الْمُسْتَحَبُّ إقَامَةُ الْجُمُعَةِ بَعْدَ الزَّوَالِ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ .\rقَالَ مَسْلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ : { كُنَّا نُجَمِّعُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا زَالَتْ الشَّمْسُ ، ثُمَّ نَرْجِعُ نَتَتَبَّعُ الْفَيْءَ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَعَنْ أَنَسٍ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { كَانَ يُصَلِّي الْجُمُعَةَ حِينَ تَمِيلُ الشَّمْسُ .\r} أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ .\rوَلِأَنَّ فِي ذَلِكَ خُرُوجًا مِنْ الْخِلَافِ ، فَإِنَّ عُلَمَاءَ الْأُمَّةِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ مَا بَعْدَ الزَّوَالِ وَقْتٌ لِلْجُمُعَةِ ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِيمَا قَبْلَهُ .\rوَلَا فَرْقَ فِي اسْتِحْبَابِ إقَامَتِهَا عَقِيبَ الزَّوَالِ بَيْنَ شِدَّةِ الْحَرِّ ، وَبَيْنَ غَيْرِهِ ؛ فَإِنَّ الْجُمُعَةَ يَجْتَمِعُ لَهَا النَّاسُ ، فَلَوْ انْتَظَرُوا الْإِبْرَادَ شَقَّ عَلَيْهِمْ ، وَكَذَلِكَ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَفْعَلُهَا إذَا زَالَتْ الشَّمْسُ فِي الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ عَلَى مِيقَاتٍ وَاحِدٍ .\rوَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَصْعَدَ لِلْخُطْبَةِ عَلَى مِنْبَرٍ لِيُسْمِعَ النَّاسَ ، وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ النَّاسَ عَلَى مِنْبَرِهِ .\rوَقَالَ سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ : { أَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى فُلَانَةَ - امْرَأَةٍ سَمَّاهَا سَهْلٌ - أَنْ مُرِي غُلَامَكِ النَّجَّارَ يَعْمَلُ لِي أَعْوَادًا أَجْلِسُ عَلَيْهِنَّ إذَا كَلَّمْتُ النَّاسَ } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَقَالَتْ أُمُّ هِشَامٍ بِنْتُ حَارِثَةَ بْنِ النُّعْمَانِ : { مَا أَخَذْتُ ق إلَّا عَنْ لِسَانِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَؤُهَا كُلَّ جُمُعَةٍ عَلَى الْمِنْبَرِ إذَا خَطَبَ النَّاسَ } .\rوَلَيْسَ ذَلِكَ وَاجِبًا ، فَلَوْ خَطَبَ عَلَى الْأَرْضِ ، أَوْ عَلَى رَبْوَةٍ ، أَوْ وِسَادَةٍ ، أَوْ عَلَى رَاحِلَتِهِ ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ ، جَازَ ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ كَانَ قَبْلَ","part":4,"page":103},{"id":1603,"text":"أَنْ يُصْنَعَ الْمِنْبَرُ يَقُومُ عَلَى الْأَرْضِ ا هـ .\r( 1290 ) فَصْلٌ : وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ الْمِنْبَرُ عَلَى يَمِينِ الْقِبْلَةِ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَكَذَا صَنَعَ .","part":4,"page":104},{"id":1604,"text":"( 1291 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( فَإِذَا اسْتَقْبَلَ النَّاسَ سَلَّمَ عَلَيْهِمْ ، وَرَدُّوا عَلَيْهِ ، وَجَلَسَ ) يُسْتَحَبُّ لِلْإِمَامِ إذَا خَرَجَ أَنْ يُسَلِّمَ عَلَى النَّاسِ ، ثُمَّ إذَا صَعِدَ الْمِنْبَرَ فَاسْتَقْبَلَ الْحَاضِرِينَ سَلَّمَ عَلَيْهِمْ ، وَجَلَسَ إلَى أَنْ يَفْرَغَ الْمُؤَذِّنُونَ مِنْ أَذَانِهِمْ .\rكَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ إذَا عَلَا عَلَى الْمِنْبَرِ سَلَّمَ ، وَفَعَلَهُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ .\rوَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَالشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ مَالِكٍ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ : لَا يُسَنُّ السَّلَامُ عَقِيبَ الِاسْتِقْبَالِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ سَلَّمَ حَالَ خُرُوجِهِ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى جَابِرٌ ، قَالَ : { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا صَعِدَ الْمِنْبَرَ سَلَّمَ } .\rرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ .\rوَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ : { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ سَلَّمَ عَلَى مَنْ عِنْدَ الْمِنْبَرِ جَالِسًا ، فَإِذَا صَعِدَ الْمِنْبَرَ تَوَجَّهَ النَّاسَ ثُمَّ سَلَّمَ عَلَيْهِمْ } .\rرَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ ، بِإِسْنَادِهِ .\rعَنْ الشَّعْبِيِّ ، قَالَ : { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا صَعِدَ الْمِنْبَرَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ اسْتَقْبَلَ النَّاسَ ، فَقَالَ : السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ ، وَيَحْمَدُ اللَّهَ تَعَالَى ، وَيُثْنِي عَلَيْهِ ، وَيَقْرَأُ سُورَةً ، ثُمَّ يَجْلِسُ ، ثُمَّ يَقُومُ فَيَخْطُبُ ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ يَفْعَلَانِهِ .\r} رَوَاهُ الْأَثْرَمُ .\rوَمَتَى سَلَّمَ رَدَّ عَلَيْهِ النَّاسُ ؛ لِأَنَّ رَدَّ السَّلَامِ آكَدُ مِنْ ابْتِدَائِهِ .\rثُمَّ يَجْلِسُ حَتَّى يَفْرَغَ الْمُؤَذِّنُونَ لِيَسْتَرِيحَ .\rوَقَدْ رَوَى ابْنُ عُمَرَ ، قَالَ : { كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ خُطْبَتَيْنِ ، يَجْلِسُ إذَا صَعِدَ الْمِنْبَرَ حَتَّى يَفْرَغَ الْمُؤَذِّنُونَ ، ثُمَّ يَقُومُ فَيَخْطُبُ ، ثُمَّ يَجْلِسُ فَلَا يَتَكَلَّمُ ، ثُمَّ يَقُومُ فَيَخْطُبُ } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد .","part":4,"page":105},{"id":1605,"text":"( 1292 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَأَخَذَ الْمُؤَذِّنُونَ فِي الْأَذَانِ ، وَهَذَا الْأَذَانُ الَّذِي يَمْنَعُ الْبَيْعَ ، وَيُلْزِمُ السَّعْيَ ، إلَّا لِمَنْ مَنْزِلُهُ فِي بُعْدٍ ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَسْعَى فِي الْوَقْتِ الَّذِي يَكُونُ بِهِ مُدْرِكًا لِلْجُمُعَةِ ) أَمَّا مَشْرُوعِيَّةُ الْأَذَانِ عَقِيبَ صُعُودِ الْإِمَامِ فَلَا خِلَافَ فِيهِ ، فَقَدْ كَانَ يُؤَذَّنُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ السَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ : { كَانَ النِّدَاءُ إذَا صَعِدَ الْإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ، فَلَمَّا كَانَ عُثْمَانُ كَثُرَ النَّاسُ ، فَزَادَ النِّدَاءَ الثَّالِثَ عَلَى الزَّوْرَاءِ } .\rرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ .\rوَأَمَّا قَوْلُهُ : \" هَذَا الْأَذَانُ الَّذِي يَمْنَعُ الْبَيْعَ وَيُلْزِمُ السَّعْيَ فَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِالسَّعْيِ ، وَنَهَى عَنْ الْبَيْعِ بَعْدَ النِّدَاءِ ، بِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ : { إذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ } وَالنِّدَاءُ الَّذِي كَانَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ النِّدَاءُ عَقِيبَ جُلُوسِ الْإِمَامِ عَلَى الْمِنْبَرِ ، فَتَعَلَّقَ الْحُكْمُ بِهِ دُونَ غَيْرِهِ ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَبْلَ الزَّوَالِ أَوْ بَعْدَهُ .\rوَحَكَى الْقَاضِي رِوَايَةً عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّ الْبَيْعَ يَحْرُمُ بِزَوَالِ الشَّمْسِ ، وَإِنْ لَمْ يَجْلِسْ الْإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ .\rوَلَا يَصِحُّ هَذَا ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَلَّقَهُ عَلَى النِّدَاءِ ، لَا عَلَى الْوَقْتِ ، وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِهَذَا إدْرَاكُ الْجُمُعَةِ ، وَهُوَ يَحْصُلُ بِمَا ذَكَرْنَا دُونَ مَا ذَكَرَهُ ، وَلَوْ كَانَ تَحْرِيمُ الْبَيْعِ مُعَلَّقًا بِالْوَقْتِ لَمَا اخْتَصَّ بِالزَّوَالِ ، فَإِنَّ مَا قَبْلَهُ وَقْتٌ أَيْضًا .\rفَأَمَّا مَنْ كَانَ مَنْزِلُهُ بَعِيدًا لَا يُدْرِكُ الْجُمُعَةَ بِالسَّعْيِ وَقْتَ النِّدَاءِ ، فَعَلَيْهِ السَّعْيُ فِي الْوَقْتِ الَّذِي يَكُونُ بِهِ مُدْرِكًا لِلْجُمُعَةِ ؛ لِأَنَّ الْجُمُعَةَ وَاجِبَةٌ ، وَالسَّعْيُ قَبْلَ","part":4,"page":106},{"id":1606,"text":"النِّدَاءِ مِنْ ضَرُورَةِ إدْرَاكِهَا ، وَمَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ وَاجِبٌ ، كَاسْتِقَاءِ الْمَاءِ مِنْ الْبِئْرِ لِلْوُضُوءِ إذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى غَيْرِهِ ، وَإِمْسَاكِ جُزْءٍ مِنْ اللَّيْلِ مَعَ النَّهَارِ فِي الصَّوْمِ ، وَنَحْوِهِمَا .","part":4,"page":107},{"id":1607,"text":"( 1293 ) فَصْلٌ : وَتَحْرِيمُ الْبَيْعِ ، وَوُجُوبُ السَّعْيِ ، يَخْتَصُّ بِالْمُخَاطَبِينَ بِالْجُمُعَةِ ، فَأَمَّا غَيْرُهُمْ مِنْ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ وَالْمُسَافِرِينَ ، فَلَا يَثْبُتُ فِي حَقِّهِ ذَلِكَ .\rوَذَكَرَ ابْنُ أَبِي مُوسَى فِي غَيْرِ الْمُخَاطَبِينَ رِوَايَتَيْنِ .\rوَالصَّحِيحُ مَا ذَكَرْنَا ؛ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى إنَّمَا نَهَى عَنْ الْبَيْعِ مَنْ أَمَرَهُ بِالسَّعْيِ ، فَغَيْرُ الْمُخَاطَبِ بِالسَّعْيِ لَا يَتَنَاوَلُهُ النَّهْيُ ، وَلِأَنَّ تَحْرِيمَ الْبَيْعِ مُعَلَّلٌ بِمَا يَحْصُلُ بِهِ مِنْ الِاشْتِغَالِ عَنْ الْجُمُعَةِ ، وَهَذَا مَعْدُومٌ فِي حَقِّهِمْ .\rفَإِنْ كَانَ الْمُسَافِرُ فِي غَيْرِ الْمِصْرِ ، أَوْ كَانَ إنْسَانًا مُقِيمًا بِقَرْيَةٍ لَا جُمُعَةَ عَلَى أَهْلِهَا ، لَمْ يَحْرُمْ الْبَيْعُ قَوْلًا وَاحِدًا ، وَلَمْ يُكْرَهْ .\rوَإِنْ كَانَ أَحَدُ الْمُتَبَايِعَيْنِ مُخَاطَبًا وَالْآخَرُ غَيْرَ مُخَاطَبٍ ، حَرُمَ فِي حَقِّ الْمُخَاطَبِ ، وَكُرِهَ فِي حَقِّ غَيْرِهِ ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِعَانَةِ عَلَى الْإِثْمِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَحْرُمَ أَيْضًا : { وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ .\r}","part":4,"page":108},{"id":1608,"text":"( 1294 ) فَصْلٌ : وَلَا يَحْرُمُ غَيْرُ الْبَيْعِ مِنْ الْعُقُودِ ، كَالْإِجَارَةِ وَالصُّلْحِ وَالنِّكَاحِ .\rوَقِيلَ : يَحْرُمُ ؛ لِأَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ ، أَشْبَهَ الْبَيْعَ .\rوَلَنَا ، أَنَّ النَّهْيَ مُخْتَصٌّ بِالْبَيْعِ ، وَغَيْرُهُ لَا يُسَاوِيهِ فِي الشَّغْلِ عَنْ السَّعْيِ ؛ لِقِلَّةِ وُجُودِهِ ، فَلَا يَصِحُّ قِيَاسُهُ عَلَى الْبَيْعِ .","part":4,"page":109},{"id":1609,"text":"( 1295 ) فَصْلٌ : وَلِلسَّعْيِ إلَى الْجُمُعَةِ وَقْتَانِ : وَقْتُ وُجُوبٍ ، وَوَقْتُ فَضِيلَةٍ .\rفَأَمَّا وَقْتُ الْوُجُوبِ فَمَا ذَكَرْنَاهُ ، وَأَمَّا وَقْتُ الْفَضِيلَةِ فَمِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ ، فَكُلَّمَا كَانَ أَبْكَرَ كَانَ أَوْلَى وَأَفْضَلَ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الْأَوْزَاعِيِّ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : لَا يُسْتَحَبُّ التَّبْكِيرُ قَبْلَ الزَّوَالِ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : \" مَنْ رَاحَ إلَى الْجُمُعَةِ \" .\rوَالرَّوَاحُ بَعْدَ الزَّوَالِ ، وَالْغُدُوُّ قَبْلَهُ ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { غَدْوَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ رَوْحَةٌ خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا } .\rوَيُقَالُ : تَرَوَّحْتُ عِنْدَ انْتِصَافِ النَّهَارِ .\rقَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ : تَرُوحُ مِنْ الْحَيِّ أَمْ تَبْتَكِرُ وَلَنَا ، مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { مَنْ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ غُسْلَ الْجَنَابَةِ ، ثُمَّ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الْأُولَى ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً ، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةً ، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ كَبْشًا أَقْرَنَ ، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الرَّابِعَةِ ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ دَجَاجَةً ، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الْخَامِسَةِ ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَيْضَةً ، فَإِذَا خَرَجَ الْإِمَامُ حَضَرَتْ الْمَلَائِكَةُ يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَفِي لَفْظٍ : { إذَا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ وَقَفَ عَلَى كُلِّ بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ الْمَسْجِدِ مَلَائِكَةٌ يَكْتُبُونَ الْأَوَّلَ فَالْأَوَّلَ ، فَإِذَا خَرَجَ الْإِمَامُ طَوَوْا الصُّحُفَ ، وَجَاءُوا يَسْتَمِعُونَ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَقَالَ عَلْقَمَةُ : خَرَجْتُ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ إلَى الْجُمُعَةِ ، فَوَجَدْتُ ثَلَاثَةً قَدْ سَبَقُوهُ ، فَقَالَ : رَابِعُ أَرْبَعَةٍ ، وَمَا رَابِعُ أَرْبَعَةٍ بِبَعِيدٍ ، إنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : { إنَّ النَّاسَ يَجْلِسُونَ مِنْ اللَّهِ","part":4,"page":110},{"id":1610,"text":"عَزَّ وَجَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى قَدْرِ رَوَاحِهِمْ إلَى الْجُمُعَةِ } .\rرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ .\rوَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { مَنْ غَسَّلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَاغْتَسَلَ ، وَبَكَّرَ وَابْتَكَرَ ، كَانَ لَهُ بِكُلِّ خُطْوَةٍ يَخْطُوهَا أَجْرُ سَنَةٍ ، صِيَامُهَا وَقِيَامُهَا } .\rأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَقَالَ : حَدِيثٌ حَسَنٌ .\rرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ ، وَزَادَ : { وَمَشَى وَلَمْ يَرْكَبْ ، وَدَنَا مِنْ الْإِمَامِ فَاسْتَمَعَ وَلَمْ يَلْغُ .\r} قَوْلُهُ \" بَكَّرَ \" أَيْ خَرَجَ فِي بُكْرَةِ النَّهَارِ ، وَهِيَ أَوَّلُهُ \" وَابْتَكَرَ \" بَالَغَ فِي التَّبْكِيرِ ، أَيْ جَاءَ فِي أَوَّلِ الْبُكْرَةِ ، عَلَى مَا قَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ : تَرُوحُ مِنْ الْحَيِّ أَمْ تَبْتَكِرُ وَقِيلَ : مَعْنَاهُ ابْتَكَرَ الْعِبَادَةَ مَعَ بُكُورَةٍ .\rوَقِيلَ : ابْتَكَرَ الْخُطْبَةَ .\rأَيْ : حَضَرَ الْخُطْبَةَ ، مَأْخُوذٌ مِنْ بَاكُورَةِ الثَّمَرَةِ ، وَهِيَ أَوَّلُهَا .\rوَغَيْرُ هَذَا أَجْوَدُ ؛ لِأَنَّ مَنْ جَاءَ فِي بُكْرَةِ النَّهَارِ ، لَزِمَ أَنْ يَحْضُرَ أَوَّلَ الْخُطْبَةِ وَقَوْلُهُ : \" غَسَّلَ وَاغْتَسَلَ \" أَيْ : جَامَعَ امْرَأَتَهُ ثُمَّ اغْتَسَلَ .\rوَلِهَذَا قَالَ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ : { مَنْ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ غُسْلَ الْجَنَابَةِ } .\rقَالَ أَحْمَدُ : تَفْسِيرُ قَوْلِهِ : \" مَنْ غَسَّلَ وَاغْتَسَلَ \" مُشَدَّدَةً ، يُرِيدُ يُغَسِّلُ أَهْلَهُ ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ التَّابِعِينَ : عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْأَسْوَدِ ، وَهِلَالُ بْنُ يَسَافٍ ، يَسْتَحِبُّونَ أَنْ يُغَسِّلَ الرَّجُلُ أَهْلَهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ، وَإِنَّمَا هُوَ عَلَى أَنْ يَطَأَ وَإِنَّمَا اُسْتُحِبَّ ذَلِكَ لِيَكُونَ أَسْكَنَ لِنَفْسِهِ ، وَأَغَضَّ لِطَرْفِهِ فِي طَرِيقِهِ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ وَكِيعٍ أَيْضًا .\rوَقِيلَ : الْمُرَادُ بِهِ غَسَّلَ رَأْسَهُ ، وَاغْتَسَلَ فِي بَدَنِهِ .\rحُكِيَ هَذَا عَنْ ابْنِ الْمُبَارَكِ .\rوَقَوْلُهُ : \" غُسْلَ الْجَنَابَةِ \" عَلَى هَذَا التَّفْسِيرِ أَيْ كَغُسْلِ الْجَنَابَةِ .\rوَأَمَّا قَوْلُ مَالِكٍ فَمُخَالِفٌ لِلْآثَارِ ؛ لِأَنَّ الْجُمُعَةَ يُسْتَحَبُّ فِعْلُهَا عِنْدَ الزَّوَالِ ، وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى","part":4,"page":111},{"id":1611,"text":"اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُبَكِّرُ بِهَا ، وَمَتَى خَرَجَ الْإِمَامُ طُوِيَتْ الصُّحُفُ ، فَلَمْ يُكْتَبْ مَنْ أَتَى الْجُمُعَةَ بَعْدَ ذَلِكَ ، فَأَيُّ فَضِيلَةٍ لِهَذَا ؟ وَإِنْ أَخَّرَ بَعْدَ ذَلِكَ شَيْئًا دَخَلَ فِي النَّهْيِ وَالذَّمِّ ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلَّذِي جَاءَ يَتَخَطَّى النَّاسَ : { رَأَيْتُكَ آنَيْتَ وَآذَيْتَ } .\rأَيْ أَخَّرْتَ الْمَجِيءَ .\rوَقَالَ عُمَرُ لِعُثْمَانَ حِينَ جَاءَ وَهُوَ يَخْطُبُ : أَيُّ سَاعَةٍ هَذِهِ ؟ عَلَى سَبِيلِ الْإِنْكَارِ عَلَيْهِ .\rوَإِنْ أَخَّرَ أَكْثَرَ مِنْ هَذَا فَاتَتْهُ الْجُمُعَةُ ، فَكَيْفَ يَكُونُ لِهَؤُلَاءِ بَدَنَةٌ ، أَوْ بَقَرَةٌ ، أَوْ فَضْلٌ ، وَهُمْ مِنْ أَهْلِ الذَّمِّ .\rوَقَوْلُهُ : \" رَاحَ إلَى الْجُمُعَةِ \" أَيْ : ذَهَبَ إلَيْهَا .\rلَا يَحْتَمِلُ غَيْرَ هَذَا .","part":4,"page":112},{"id":1612,"text":"( 1296 ) فَصْلٌ : وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَمْشِيَ وَلَا يَرْكَبَ فِي طَرِيقِهَا ؛ لِقَوْلِهِ : \" وَمَشَى وَلَمْ يَرْكَبْ \" .\rوَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَنَّهُ لَمْ يَرْكَبْ فِي عِيدٍ وَلَا جِنَازَةٍ .\r} وَالْجُمُعَةُ فِي مَعْنَاهُمَا ، وَإِنَّمَا لَمْ يَذْكُرْهَا ، لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ بَابُ حُجْرَتِهِ شَارِعًا فِي الْمَسْجِدِ ، يَخْرُجُ مِنْهُ إلَيْهِ ، فَلَا يَحْتَمِلُ الرُّكُوبَ ، وَلِأَنَّ الثَّوَابَ عَلَى الْخُطُوَاتِ ، بِدَلِيلِ مَا رَوَيْنَاهُ ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ السَّكِينَةُ وَالْوَقَارُ فِي حَالِ مَشْيِهِ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إذَا سَمِعْتُمْ الْإِقَامَةَ فَامْشُوا وَعَلَيْكُمْ السَّكِينَةُ وَالْوَقَارُ ، وَلَا تُسْرِعُوا } .\rوَلِأَنَّ الْمَاشِيَ إلَى الصَّلَاةِ فِي صَلَاةٍ ، وَلَا يُشَبِّكُ بَيْنَ أَصَابِعِهِ ، وَيُقَارِبُ بَيْنَ خُطَاهُ ، لِتَكْثُرَ حَسَنَاتُهُ .\rوَقَدْ رَوَيْنَا عَنْ { النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ خَرَجَ مَعَ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ إلَى الصَّلَاةِ ، فَقَارَبَ بَيْنَ خُطَاهُ ، ثُمَّ قَالَ : إنَّمَا فَعَلْتُ لِتَكْثُرَ خُطَانَا فِي طَلَبِ الصَّلَاةِ } .\rوَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ ، أَنَّهُ كَانَ يُبَكِّرُ إلَى الْجُمُعَةِ ، وَيَخْلَعُ نَعْلَيْهِ ، وَيَمْشِي حَافِيًا ، وَيَقْصُرُ فِي مَشْيِهِ ، رَوَاهُ الْأَثْرَمُ .\rوَيُكْثِرُ ذِكْرَ اللَّهِ فِي طَرِيقِهِ ، وَيَغُضُّ بَصَرَهُ ، وَيَقُولُ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي بَابِ صِفَةِ الصَّلَاةِ .\rوَيَقُولُ أَيْضًا : \" اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنْ أَوْجَهِ مَنْ تَوَجَّهَ إلَيْكَ ، وَأَقْرَبِ مَنْ تَوَسَّلَ إلَيْكَ ، وَأَفْضَلِ مَنْ سَأَلَكَ وَرَغِبَ إلَيْكَ \" .\rوَرَوَيْنَا عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ ، أَنَّهُ مَشَى إلَى الْجُمُعَةِ حَافِيًا ، فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ ، فَقَالَ : إنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : { مَنْ اغْبَرَّتْ قَدَمَاهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، حَرَّمَهُمَا اللَّهُ عَلَى النَّارِ .\r}","part":4,"page":113},{"id":1613,"text":"( 1297 ) فَصْلٌ : وَتَجِبُ الْجُمُعَةُ وَالسَّعْيُ إلَيْهَا ، سَوَاءٌ كَانَ مَنْ يُقِيمُهَا سُنِّيًّا ، أَوْ مُبْتَدِعًا ، أَوْ عَدْلًا ، أَوْ فَاسِقًا .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، وَرُوِيَ عَنْ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْعَظِيمِ ، أَنَّهُ سَأَلَ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ الصَّلَاةِ خَلْفَهُمْ - يَعْنِي الْمُعْتَزِلَةَ - يَوْمَ الْجُمُعَةِ ، قَالَ : أَمَّا الْجُمُعَةُ فَيَنْبَغِي شُهُودُهَا ، فَإِنْ كَانَ الَّذِي يُصَلِّي مِنْهُمْ ، أَعَادَ ، وَإِنْ كَانَ لَا يَدْرِي أَنَّهُ مِنْهُمْ ، فَلَا يُعِيدُ .\rقُلْتُ : فَإِنْ كَانَ يُقَالُ : إنَّهُ قَدْ قَالَ بِقَوْلِهِمْ قَالَ : حَتَّى يَسْتَيْقِنَ .\rوَلَا أَعْلَمُ فِي هَذَا بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ خِلَافًا ، وَالْأَصْلُ فِي هَذَا عُمُومُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { إذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ } وَقَوْلُ النَّبِيِّ : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { فَمَنْ تَرَكَهَا فِي حَيَاتِي أَوْ بَعْدِي وَلَهُ إمَامٌ عَادِلٌ أَوْ جَائِرٌ ، اسْتِخْفَافًا بِهَا ، أَوْ جُحُودًا بِهَا ، فَلَا جَمَعَ اللَّهُ لَهُ شَمْلَهُ } .\rوَإِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، فَإِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ وَغَيْرَهُ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانُوا يَشْهَدُونَهَا مَعَ الْحَجَّاجِ وَنُظَرَائِهِ ، وَلَمْ يُسْمَعْ مِنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ التَّخَلُّفُ عَنْهَا .\rوَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي الْهُذَيْلِ : تَذَاكَرْنَا الْجُمُعَةَ أَيَّامَ الْمُخْتَارِ ، فَأَجْمَعَ رَأْيُهُمْ عَلَى أَنْ يَأْتُوهُ ، فَإِنَّمَا عَلَيْهِ كَذِبُهُ .\rوَلِأَنَّ الْجُمُعَةَ مِنْ أَعْلَامِ الدِّينِ الظَّاهِرَةِ ، وَيَتَوَلَّاهَا الْأَئِمَّةُ وَمَنْ وَلَّوْهُ ، فَتَرْكُهَا خَلْفَ مَنْ هَذِهِ صِفَتُهُ يُؤَدِّي إلَى سُقُوطِهَا .\rوَجَاءَ رَجُلٌ إلَى مُحَمَّدِ بْنِ النَّضْرِ الْحَارِثِيِّ ، فَقَالَ : إنَّ لِي جِيرَانًا مِنْ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ ، فَكُنْتُ أَعِيبُهُمْ وَأَنْقُصُهُمْ ، فَجَاءُونِي فَقَالُوا : مَا تَخْرُجُ تُذَكِّرُنَا ؟ قَالَ : وَأَيَّ شَيْءٍ يَقُولُونَ ؟ قَالَ : أَوَّلُ مَا أَقُولُ لَكَ ، أَنَّهُمْ لَا يَرَوْنَ الْجُمُعَةَ .\rقَالَ :","part":4,"page":114},{"id":1614,"text":"حَسْبُكَ ، مَا قَوْلُكَ فِي مَنْ رَدَّ عَلَى أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ، رَحِمَهُمَا اللَّهُ ؟ قَالَ : قُلْتُ رَجُلُ سُوءٍ .\rقَالَ : فَمَا قَوْلُكَ فِي مَنْ رَدَّ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قَالَ : قُلْتُ كَافِرٌ .\rثُمَّ مَكَثَ سَاعَةً ، ثُمَّ قَالَ : مَا قَوْلُكَ فِي مَنْ رَدَّ عَلَى الْعَلِيِّ الْأَعْلَى ؟ ثُمَّ غُشِيَ عَلَيْهِ ، فَمَكَثَ سَاعَةً ، ثُمَّ قَالَ : رَدُّوا عَلَيْهِ وَاَللَّهِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إلَى ذِكْرِ اللَّهِ } قَالَهَا وَاَللَّهِ ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ بَنِي الْعَبَّاسِ يَسْأَلُونَهَا .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِنَّهَا لَا تُعَادُ خَلْفَ مَنْ يُعَادُ خَلْفَهُ بَقِيَّةُ الصَّلَوَاتِ .\rوَحُكِيَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ رِوَايَةٌ أُخْرَى ، أَنَّهَا لَا تُعَادُ .\rوَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ فِيمَا مَضَى .\rوَالظَّاهِرُ مِنْ حَالِ الصَّحَابَةِ ، رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ ، أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يُعِيدُونَهَا ، فَإِنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنْهُمْ ذَلِكَ .","part":4,"page":115},{"id":1615,"text":"( 1298 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( فَإِذَا فَرَغُوا مِنْ الْأَذَانِ خَطَبَهُمْ قَائِمًا ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْخُطْبَةَ شَرْطٌ فِي الْجُمُعَةِ ، لَا تَصِحُّ بِدُونِهَا كَذَلِكَ قَالَ عَطَاءٌ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَقَتَادَةُ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَلَا نَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا ، إلَّا الْحَسَنَ ، قَالَ : تُجْزِئُهُمْ جَمِيعَهُمْ ، خَطَبَ الْإِمَامُ أَوْ لَمْ يَخْطُبْ ؛ لِأَنَّهَا صَلَاةُ عِيدٍ ، فَلَمْ تُشْتَرَطْ لَهَا الْخُطْبَةُ ، كَصَلَاةِ الْأَضْحَى .\rوَلَنَا ، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { فَاسْعَوْا إلَى ذِكْرِ اللَّهِ } وَالذِّكْرُ هُوَ الْخُطْبَةُ ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا تَرَكَ الْخُطْبَةَ لِلْجُمُعَةِ فِي حَالٍ ؛ وَقَدْ قَالَ : { صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي } وَعَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : قَصُرَتْ الصَّلَاةُ لِأَجْلِ الْخُطْبَةِ .\rوَقَوْلُ عَائِشَةَ نَحْوٌ مِنْ هَذَا .\rوَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ : كَانَتْ الْجُمُعَةُ أَرْبَعًا فَجُعِلَتْ الْخُطْبَةُ مَكَانَ الرَّكْعَتَيْنِ .\rوَقَوْلُهُ : \" خَطَبَهُمْ قَائِمًا \" .\rيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ اشْتِرَاطَ الْقِيَامِ فِي الْخُطْبَةِ ، وَأَنَّهُ مَتَى خَطَبَ قَاعِدًا لِغَيْرِ عُذْرٍ ، لَمْ تَصِحَّ .\rوَيَحْتَمِلُهُ كَلَامُ أَحْمَدَ ، رَحِمَهُ اللَّهُ .\rقَالَ الْأَثْرَمُ : سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يُسْأَلُ عَنْ الْخُطْبَةِ قَاعِدًا ، أَوْ يَقْعُدُ فِي إحْدَى الْخُطْبَتَيْنِ ؟ فَلَمْ يُعْجِبْهُ ، وَقَالَ : قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَتَرَكُوكَ قَائِمًا } وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ قَائِمًا .\rفَقَالَ لَهُ الْهَيْثَمُ بْنُ خَارِجَةَ : كَانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَجْلِسُ فِي خُطْبَتِهِ فَظَهَرَ مِنْهُ إنْكَارٌ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : يُجْزِئُهُ الْخُطْبَةُ قَاعِدًا .\rوَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّهُ ذِكْرٌ لَيْسَ مِنْ شَرْطِهِ الِاسْتِقْبَالُ ، فَلَمْ يَجِبْ لَهُ الْقِيَامُ كَالْأَذَانِ .\rوَوَجْهُ الْأَوَّلِ مَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى","part":4,"page":116},{"id":1616,"text":"اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَخْطُبُ خُطْبَتَيْنِ وَهُوَ قَائِمٌ ، يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا بِجُلُوسٍ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَقَالَ جَابِرُ بْنُ سَمُرَةَ : إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { كَانَ يَخْطُبُ قَائِمًا ، ثُمَّ يَجْلِسُ ، ثُمَّ يَقُومُ فَيَخْطُبُ قَائِمًا ، فَمَنْ نَبَّأَكَ أَنَّهُ يَخْطُبُ جَالِسًا فَقَدْ كَذَبَ ، فَقَدْ وَاَللَّهِ صَلَّيْتُ مَعَهُ أَكْثَرَ مِنْ أَلْفَيْ صَلَاةٍ .\r} أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، وَأَبُو دَاوُد ، وَالنَّسَائِيُّ .\rفَأَمَّا إنْ قَعَدَ لِعُذْرٍ ، مِنْ مَرَضٍ ، أَوْ عَجْزٍ عَنْ الْقِيَامِ ، فَلَا بَأْسَ ، فَإِنَّ الصَّلَاةَ تَصِحُّ مِنْ الْقَاعِدِ الْعَاجِزِ عَنْ الْقِيَامِ ، فَالْخُطْبَةُ أَوْلَى .\rوَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَشْرَعَ فِي الْخُطْبَةِ عِنْدَ فَرَاغِ الْمُؤَذِّنِ مِنْ أَذَانِهِ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ .","part":4,"page":117},{"id":1617,"text":"( 1299 ) فَصْلٌ : وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَسْتَقْبِلَ النَّاسُ الْخَطِيبَ إذَا خَطَبَ .\rقَالَ الْأَثْرَمُ : قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ : يَكُونُ الْإِمَامُ عَنْ يَمِينِي مُتَبَاعِدًا ، فَإِذَا أَرَدْتُ أَنْ أَنْحَرِفَ إلَيْهِ حَوَّلْتُ وَجْهِي عَنْ الْقِبْلَةِ ، فَقَالَ : نَعَمْ ، تَنْحَرِفُ إلَيْهِ وَمِمَّنْ كَانَ يَسْتَقْبِلُ الْإِمَامَ ابْنُ عُمَرَ ، وَأَنَسٌ .\rوَهُوَ قَوْلُ شُرَيْحٍ ، وَعَطَاءٍ ، وَمَالِكٍ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَسَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَابْنِ جَابِرٍ ، وَيَزِيدَ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَإِسْحَاقَ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : هَذَا كَالْإِجْمَاعِ .\rوَرُوِيَ عَنْ الْحَسَنِ أَنَّهُ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ ، وَلَمْ يَنْحَرِفْ إلَى الْإِمَامِ وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّهُ كَانَ لَا يَسْتَقْبِلُ هِشَامَ بْنَ إسْمَاعِيلَ إذَا خَطَبَ ، فَوَكَلَ بِهِ هِشَامٌ شُرْطِيًّا يَعْطِفُهُ إلَيْهِ .\rوَالْأَوَّلُ أَوْلَى ؛ لِمَا رَوَى عَدِيُّ بْنُ ثَابِتٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، قَالَ : { كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا قَامَ عَلَى الْمِنْبَرِ اسْتَقْبَلَهُ أَصْحَابُهُ بِوُجُوهِهِمْ } ، رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ .\rوَعَنْ مُطِيعِ بْنِ يَحْيَى الْمَدَنِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، قَالَ : { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا قَامَ عَلَى الْمِنْبَرِ أَقْبَلْنَا بِوُجُوهِنَا إلَيْهِ } .\rأَخْرَجَهُ الْأَثْرَمُ .\rوَلِأَنَّ ذَلِكَ أَبْلَغُ فِي سَمَاعِهِمْ ، فَاسْتُحِبَّ ، كَاسْتِقْبَالِ الْإِمَامِ إيَّاهُمْ .","part":4,"page":118},{"id":1618,"text":"( 1300 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( فَحَمِدَ اللَّهَ ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَصَلَّى عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجَلَسَ وَقَامَ ، فَأَتَى أَيْضًا بِالْحَمْدِ لِلَّهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ ، وَالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَقَرَأَ وَوَعَظَ ، وَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَدْعُوَ لِإِنْسَانٍ دَعَا ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ لِلْجُمُعَةِ خُطْبَتَانِ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ مَالِكٌ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ : يُجْزِيهِ خُطْبَةٌ وَاحِدَةٌ .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ ، فَإِنَّهُ قَالَ : لَا تَكُونُ الْخُطْبَةُ إلَّا كَمَا خَطَبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ خُطْبَةً تَامَّةً .\rوَوَجْهُ الْأَوَّلِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَخْطُبُ خُطْبَتَيْنِ ، كَمَا رَوَيْنَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ، وَجَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ، وَقَدْ قَالَ : { صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي } وَلِأَنَّ الْخُطْبَتَيْنِ أُقِيمَتَا مَقَامَ الرَّكْعَتَيْنِ .\rفَكُلُّ خُطْبَةٍ مَكَانَ رَكْعَةٍ ، فَالْإِخْلَالُ بِإِحْدَاهُمَا كَالْإِخْلَالِ بِإِحْدَى الرَّكْعَتَيْنِ .\rوَيُشْتَرَطُ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا حَمْدُ اللَّهِ تَعَالَى ، وَالصَّلَاةُ عَلَى رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِحَمْدِ اللَّهِ فَهُوَ أَبْتَرُ } .\rوَإِذَا وَجَبَ ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى ، وَجَبَ ذِكْرُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَا رُوِيَ فِي تَفْسِيرِ قَوْله تَعَالَى : { أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ } { وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ } قَالَ : لَا أُذْكَرُ إلَّا ذُكِرْتَ مَعِي ، وَلِأَنَّهُ مَوْضِعٌ وَجَبَ فِيهِ ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى ، وَالثَّنَاءُ عَلَيْهِ ، فَوَجَبَ فِيهِ الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَالْأَذَانِ وَالتَّشَهُّدِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا تَجِبَ الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى","part":4,"page":119},{"id":1619,"text":"اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَذْكُرْ فِي خُطَبِهِ ذَلِكَ .\rفَأَمَّا الْقِرَاءَةُ ، فَقَالَ الْقَاضِي : يَحْتَمِلُ أَنْ يُشْتَرَطَ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ الْخُطْبَتَيْنِ ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ ؛ لِأَنَّ الْخُطْبَتَيْنِ أُقِيمَتَا مَقَامَ رَكْعَتَيْنِ ، فَكَانَتْ الْقِرَاءَةُ شَرْطًا فِيهِمَا كَالرَّكْعَتَيْنِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ تُشْتَرَطَ فِي إحْدَاهُمَا ؛ لِمَا رَوَى الشَّعْبِيُّ ، قَالَ : { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا صَعِدَ الْمِنْبَرَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ اسْتَقْبَلَ النَّاسَ ، فَقَالَ : السَّلَامُ عَلَيْكُمْ .\rوَيَحْمَدُ اللَّهَ ، وَيُثْنِي عَلَيْهِ ، وَيَقْرَأُ سُورَةً ، ثُمَّ يَجْلِسُ ، ثُمَّ يَقُومُ فَيَخْطُبُ ثُمَّ يَنْزِلُ ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ يَفْعَلَانِهِ } .\rرَوَاهُ الْأَثْرَمُ .\rفَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ إنَّمَا قَرَأَ فِي الْخُطْبَةِ الْأُولَى ، وَوَعَظَ فِي الْخُطْبَةِ الثَّانِيَةِ .\rوَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ أَنَّ الْمَوْعِظَةَ إنَّمَا تَكُونُ فِي الْخُطْبَةِ الثَّانِيَةِ ؛ لِهَذَا الْخَبَرِ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : تَجِبُ فِي الْخُطْبَتَيْنِ ؛ لِأَنَّهَا بَيَانُ الْمَقْصُودِ مِنْ الْخُطْبَةِ ، فَلَمْ يَجُزْ الْإِخْلَالُ بِهَا .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَوْ أَتَى بِتَسْبِيحَةٍ وَاحِدَةٍ أَجْزَأَ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : { فَاسْعَوْا إلَى ذِكْرِ اللَّهِ } وَلَمْ يُعَيِّنْ ذِكْرًا ، فَأَجْزَأَ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الذِّكْرِ ، وَيَقَعُ اسْمُ الْخُطْبَةِ عَلَى دُونِ مَا ذَكَرْتُمُوهُ ، بِدَلِيلِ أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : عَلِّمْنِي عَمَلًا أَدْخُلُ بِهِ الْجَنَّةَ .\rفَقَالَ : \" لَئِنْ أَقْصَرْتَ فِي الْخُطْبَةِ لَقَدْ أَعْرَضْتَ فِي الْمَسْأَلَةِ \" .\rوَعَنْ مَالِكٍ رِوَايَتَانِ ، كَالْمَذْهَبَيْنِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَّرَ الذِّكْرَ بِفِعْلِهِ ، فَيَجِبُ الرُّجُوعُ إلَى تَفْسِيرِهِ ، قَالَ جَابِرُ بْنُ سَمُرَةَ : { كَانَتْ صَلَاةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَصْدًا ، وَخُطْبَتُهُ قَصْدًا ، يَقْرَأُ آيَاتٍ مِنْ الْقُرْآنِ ، وَيُذَكِّرُ النَّاسَ } .\rوَقَالَ","part":4,"page":120},{"id":1620,"text":"جَابِرٌ : { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ النَّاسَ ، يَحْمَدُ اللَّهَ ، وَيُثْنِي عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ، ثُمَّ يَقُولُ : مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ } .\rوَقَالَ ابْنُ عُمَرَ : { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ قَائِمًا ، ثُمَّ يَجْلِسُ ، ثُمَّ يَقُومُ .\rكَمَا يَفْعَلُونَ الْيَوْمَ } .\rفَأَمَّا التَّسْبِيحُ وَالتَّهْلِيلُ فَلَا يُسَمَّى خُطْبَةً .\rوَالْمُرَادُ بِالذِّكْرِ الْخُطْبَةُ ، وَمَا رَوَوْهُ مَجَازٌ ؛ فَإِنَّ السُّؤَالَ لَا يُسَمَّى خُطْبَةً ، وَلِذَلِكَ لَوْ أَلْقَى مَسْأَلَةً عَلَى الْحَاضِرِينَ لَمْ يَكْفِ ذَلِكَ اتِّفَاقًا .\rقَالَ أَصْحَابُنَا : وَلَا يَكْفِي فِي الْقِرَاءَةِ أَقَلُّ مِنْ آيَةٍ ، لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَقْتَصِرْ عَلَى أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ ، وَلِأَنَّ الْحُكْمَ لَا يَتَعَلَّقُ بِمَا دُونَهَا ، بِدَلِيلِ مَنْعِ الْجُنُبِ مِنْ قِرَاءَتِهَا ، دُونَ مَا هُوَ أَقَلُّ مِنْ ذَلِكَ .\rوَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ لَا يَشْتَرِطُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ قَالَ : الْقِرَاءَةُ فِي الْخُطْبَةِ عَلَى الْمِنْبَرِ لَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ مُؤَقَّتٌ ، مَا شَاءَ قَرَأَ .\rوَقَالَ : إنْ خَطَبَ بِهِمْ وَهُوَ جُنُبٌ ، ثُمَّ اغْتَسَلَ وَصَلَّى بِهِمْ ، فَإِنَّهُ يُجْزِئُهُ .\rوَالْجُنُبُ مَمْنُوعٌ مِنْ قِرَاءَةِ آيَةٍ .\rوَالْخِرَقِيُّ قَالَ : قَرَأَ شَيْئًا مِنْ الْقُرْآنِ وَلَمْ يُعَيِّنْ الْمَقْرُوءَ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَجِبَ شَيْءٌ سِوَى حَمْدِ اللَّهِ وَالْمَوْعِظَةِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُسَمَّى خُطْبَةً ، وَيَحْصُلُ بِهِ الْمَقْصُودُ ، فَأَجْزَأَ ، وَمَا عَدَاهُ فَلَيْسَ عَلَى اشْتِرَاطِهِ دَلِيلٌ .\rوَلَا يَجِبُ أَنْ يَخْطُبَ عَلَى صِفَةِ خُطْبَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالِاتِّفَاقِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ رُوِيَ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ آيَاتٍ وَلَا يَجِبُ قِرَاءَةُ آيَاتٍ ، وَلَكِنْ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْرَأَ آيَاتٍ كَذَلِكَ ، وَلِمَا رَوَتْ أُمُّ هِشَامٍ بِنْتُ حَارِثَةَ بْنِ النُّعْمَانِ ، قَالَتْ : { مَا أَخَذْتُ ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ إلَّا مِنْ فِي رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى","part":4,"page":121},{"id":1621,"text":"اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ بِهَا فِي كُلِّ جُمُعَةٍ } .\rوَعَنْ أُخْتٍ لِعَمْرَةَ كَانَتْ أَكْبَرَ مِنْهَا مِثْلُ هَذَا ، رَوَاهُمَا مُسْلِمٌ ، وَفِي حَدِيثِ الشَّعْبِيِّ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقْرَأُ سُورَةً .","part":4,"page":122},{"id":1622,"text":"( 1301 ) فَصْلٌ : يُسْتَحَبُّ أَنْ يَجْلِسَ بَيْنَ الْخُطْبَتَيْنِ جَلْسَةً خَفِيفَةً ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ كَمَا رَوَيْنَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ، وَجَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ وَلَيْسَتْ وَاجِبَةً فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : هِيَ وَاجِبَةٌ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَجْلِسُهَا وَلَنَا ، أَنَّهَا جَلْسَةٌ لَيْسَ فِيهَا ذِكْرٌ مَشْرُوعٌ ، فَلَمْ تَكُنْ وَاجِبَةً كَالْأُولَى ، وَقَدْ سَرَدَ الْخُطْبَةَ جَمَاعَةٌ ، مِنْهُمْ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ ، وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ .\rقَالَهُ أَحْمَدُ .\rوَرُوِيَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، قَالَ : رَأَيْتُ عَلِيًّا يَخْطُبُ عَلَى الْمِنْبَرِ ، فَلَمْ يَجْلِسْ حَتَّى فَرَغَ .\rوَجُلُوسُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ لِلِاسْتِرَاحَةِ ، فَلَمْ تَكُنْ وَاجِبَةً ، كَالْأُولَى ، وَلَكِنْ يُسْتَحَبُّ ، فَإِنْ خَطَبَ جَالِسًا لِعُذْرٍ فَصَلَ بَيْنَ الْخُطْبَتَيْنِ بِسَكْتَةٍ ، وَكَذَلِكَ إنْ خَطَبَ قَائِمًا فَلَمْ يَجْلِسْ .\rقَالَ : ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : ذَهَبَ مَالِكٌ ، وَالْعِرَاقِيُّونَ ، وَسَائِرُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ إلَّا الشَّافِعِيَّ ، أَنَّ الْجُلُوسَ بَيْنَ الْخُطْبَتَيْنِ لَا شَيْءَ عَلَى مَنْ تَرَكَهُ .","part":4,"page":123},{"id":1623,"text":"( 1302 ) فَصْلٌ : وَالسُّنَّةُ أَنْ يَخْطُبَ مُتَطَهِّرًا .\rقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : وَعَنْهُ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ شَرَائِطِهَا ، وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ ، كَالرِّوَايَتَيْنِ .\rوَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ ، فِي مَنْ خَطَبَ وَهُوَ جُنُبٌ ، ثُمَّ اغْتَسَلَ وَصَلَّى بِهِمْ : يُجْزِئُهُ .\rوَهَذَا إنَّمَا يَكُونُ إذَا خَطَبَ فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ ، أَوْ خَطَبَ فِي الْمَسْجِدِ غَيْرَ عَالِمٍ بِحَالِ نَفْسِهِ ، ثُمَّ عَلِمَ بَعْدَ ذَلِكَ ، وَالْأَشْبَهُ بِأُصُولِ الْمَذْهَبِ اشْتِرَاطُ الطَّهَارَةِ مِنْ الْجَنَابَةِ ؛ فَإِنَّ أَصْحَابَنَا قَالُوا : يُشْتَرَطُ قِرَاءَةُ آيَةٍ فَصَاعِدًا .\rوَلَيْسَ ذَلِكَ لِلْجُنُبِ ، وَلِأَنَّ الْخِرَقِيِّ اشْتَرَطَ لِلْأَذَانِ الطَّهَارَةَ مِنْ الْجَنَابَةِ ، فَالْخُطْبَةُ أَوْلَى .\rفَأَمَّا الطَّهَارَةُ الصُّغْرَى فَلَا يُشْتَرَطُ ؛ لِأَنَّهُ ذِكْرٌ يَتَقَدَّمُ الصَّلَاةَ ، فَلَمْ تَكُنْ الطَّهَارَةُ فِيهِ شَرْطًا كَالْأَذَانِ ، لَكِنْ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ مُتَطَهِّرًا مِنْ الْحَدَثِ وَالنَّجَسِ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُصَلِّي عَقِيبَ الْخُطْبَةِ ، لَا يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا بِطَهَارَةٍ ، فَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ مُتَطَهِّرًا ، وَالِاقْتِدَاءُ بِهِ إنْ لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا فَهُوَ سُنَّةٌ .\rوَلِأَنَّنَا اسْتَحْبَبْنَا ذَلِكَ لِلْأَذَانِ ، فَالْخُطْبَةُ أَوْلَى ، وَلِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ مُتَطَهِّرًا احْتَاجَ إلَى الطَّهَارَةِ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالْخُطْبَةِ ، فَيَفْصِلُ بَيْنَهُمَا ، وَرُبَّمَا طَوَّلَ عَلَى الْحَاضِرِينَ .","part":4,"page":124},{"id":1624,"text":"( 1303 ) فَصْلٌ : وَالسُّنَّةُ أَنْ يَتَوَلَّى الصَّلَاةَ مَنْ يَتَوَلَّى الْخُطْبَةَ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَتَوَلَّاهُمَا بِنَفْسِهِ ، وَكَذَلِكَ خُلَفَاؤُهُ مِنْ بَعْدِهِ .\rوَإِنْ خَطَبَ رَجُلٌ ، وَصَلَّى آخَرُ لِعُذْرٍ ، جَازَ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .\rوَلَوْ خَطَبَ أَمِيرٌ ، فَعُزِلَ وَوُلِّيَ غَيْرُهُ ، فَصَلَّى بِهِمْ ، فَصَلَاتُهُمْ تَامَّةٌ .\rنَصَّ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ إذَا جَازَ الِاسْتِخْلَافُ فِي الصَّلَاةِ الْوَاحِدَةِ لِلْعُذْرِ ، فَفِي الْخُطْبَةِ مَعَ الصَّلَاةِ أَوْلَى .\rوَإِنْ لَمْ يَكُنْ عُذْرٌ ، فَقَالَ أَحْمَدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - : لَا يُعْجِبُنِي مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ .\rفَيُحْتَمَلُ الْمَنْعُ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَتَوَلَّاهُمَا ، وَقَدْ قَالَ : { صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي } .\rوَلِأَنَّ الْخُطْبَةَ أُقِيمَتْ مَقَامَ رَكْعَتَيْنِ .\rوَيُحْتَمَلُ الْجَوَازُ ؛ لِأَنَّ الْخُطْبَةَ مُنْفَصِلَةٌ عَنْ الصَّلَاةِ ، فَأَشْبَهَتَا صَلَاتَيْنِ .\rوَهَلْ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الْمُصَلِّي مِمَّنْ حَضَرَ الْخُطْبَةَ ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ : إحْدَاهُمَا ، يُشْتَرَطُ ذَلِكَ .\rوَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ؛ لِأَنَّهُ إمَامٌ فِي الْجُمُعَةِ ، فَاشْتُرِطَ حُضُورُهُ الْخُطْبَةَ ، كَمَا لَوْ لَمْ يَسْتَخْلِفْ .\rوَالثَّانِيَةُ ، لَا يُشْتَرَطُ .\rوَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ ، وَالشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ مِمَّنْ تَنْعَقِدُ بِهِ الْجُمُعَةُ ، فَجَازَ أَنْ يَؤُمَّ فِيهَا .\rكَمَا لَوْ حَضَرَ الْخُطْبَةَ .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الِاسْتِخْلَافُ لِعُذْرٍ وَلَا غَيْرِهِ .\rقَالَ ، فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ ، فِي الْإِمَامِ إذَا أَحْدَثَ بَعْدَ مَا خَطَبَ ، فَقَدَّمَ رَجُلًا يُصَلِّي بِهِمْ : لَمْ يُصَلِّ بِهِمْ إلَّا أَرْبَعًا ، إلَّا أَنْ يُعِيدَ الْخُطْبَةَ ، ثُمَّ يُصَلِّيَ بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ .\rوَذَلِكَ لِأَنَّ هَذَا لَمْ يُنْقَلْ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ خُلَفَائِهِ وَالْأَوَّلُ الْمَذْهَبُ .","part":4,"page":125},{"id":1625,"text":"( 1304 ) فَصْلٌ : وَمِنْ سُنَنِ الْخُطْبَةِ أَنْ يَقْصِدَ الْخَطِيبُ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ ، وَلِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي سَمَاعِ النَّاسِ ، وَأَعْدَلُ بَيْنَهُمْ ، فَإِنَّهُ لَوْ الْتَفَتَ إلَى أَحَدِ جَانِبَيْهِ لَأَعْرَضَ عَنْ الْجَانِبِ الْآخَرِ ، وَلَوْ خَالَفَ هَذَا ، وَاسْتَدْبَرَ النَّاسَ ، وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ ، صَحَّتْ الْخُطْبَةُ ؛ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ بِدُونِهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَذَّنَ غَيْرَ مُسْتَقْبِلٍ الْقِبْلَةَ .\rوَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَرْفَعَ صَوْتَهُ ؛ لِيُسْمِعَ النَّاسَ .\rقَالَ جَابِرٌ : { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا خَطَبَ احْمَرَّتْ عَيْنَاهُ ، وَعَلَا صَوْتُهُ ، وَاشْتَدَّ غَضَبُهُ ، حَتَّى كَأَنَّهُ مُنْذِرُ جَيْشٍ يَقُولُ : صَبَّحَكُمْ وَمَسَّاكُمْ ، وَيَقُولُ : أَمَّا بَعْدُ ، فَإِنَّ خَيْرَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ تَعَالَى ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا ، وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ } .\rوَيُسْتَحَبُّ تَقْصِيرُ الْخُطْبَةِ ؛ لِمَا رَوَى عَمَّارٌ ، قَالَ : إنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : { إنَّ طُولَ صَلَاةِ الرَّجُلِ ، وَقِصَرَ خُطْبَتِهِ مَئِنَّةٌ مِنْ فِقْهِهِ ، فَأَطِيلُوا الصَّلَاةَ ، وَاقْصُرُوا الْخُطْبَةَ } .\rوَقَالَ جَابِرُ بْنُ سَمُرَةَ : { كُنْتُ أُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَتْ صَلَاتُهُ قَصْدًا ، وَخُطْبَتُهُ قَصْدًا } ، رَوَى هَذِهِ الْأَحَادِيثَ كُلَّهَا مُسْلِمٌ .\rوَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ، قَالَ : { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يُطِيلُ الْمَوْعِظَةَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ، إنَّمَا هِيَ كَلِمَاتٌ يَسِيرَاتٌ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَعْتَمِدَ عَلَى قَوْسٍ ، أَوْ سَيْفٍ ، أَوْ عَصًا ؛ لِمَا رَوَى الْحَكَمُ بْنُ حَزْنٍ الْكُلَفِيُّ قَالَ : { وَفَدْتُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَقَمْنَا أَيَّامًا شَهِدْنَا فِيهَا الْجُمُعَةَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ","part":4,"page":126},{"id":1626,"text":"فَقَامَ مُتَوَكِّئًا عَلَى عَصًا أَوْ قَوْسٍ ، فَحَمِدَ اللَّهَ ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ كَلِمَاتٍ طَيِّبَاتٍ خَفِيفَاتٍ مُبَارَكَاتٍ .\r} رَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَلِأَنَّ ذَلِكَ أَعْوَنُ لَهُ ؛ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ ، فَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُسَكِّنَ أَطْرَافَهُ ، إمَّا أَنْ يَضَعَ يَمِينَهُ عَلَى شِمَالِهِ ، أَوْ يُرْسِلَهُمَا سَاكِنَتَيْنِ مَعَ جَنْبَيْهِ .\rوَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَبْدَأَ بِالْحَمْدِ قَبْلَ الْمَوْعِظَةِ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ ، وَلِأَنَّ كُلَّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِحَمْدِ اللَّهِ فَهُوَ أَبْتَرُ ، ثُمَّ يُثْنِي بِالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ يَعِظُ .\rفَإِنْ عَكَسَ ذَلِكَ صَحَّ ؛ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ مِنْهُ .\rوَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ فِي خُطْبَتِهِ مُتَرَسِّلًا ، مُبِينًا ، مُعْرِبًا ، لَا يُعَجِّلْ فِيهَا ، وَلَا يَمْطُطْهَا ، وَأَنْ يَكُونَ مُتَخَشِّعًا ، مُتَّعِظًا بِمَا يَعِظُ النَّاسَ بِهِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { عُرِضَ عَلَيَّ قَوْمٌ تُقْرَضُ شِفَاهُهُمْ بِمَقَارِيضَ مِنْ نَارٍ ، فَقِيلَ لِي : هَؤُلَاءِ خُطَبَاءُ مِنْ أُمَّتِكَ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ .\r}","part":4,"page":127},{"id":1627,"text":"( 1305 ) فَصْلٌ : سُئِلَ أَحْمَدُ عَنْ قِرَاءَةِ سُورَةِ الْحَجِّ عَلَى الْمِنْبَرِ ، أَيُجْزِئُهُ ؟ قَالَ : لَا .\rلَمْ يَزَلْ النَّاسُ يَخْطُبُونَ بِالثَّنَاءِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى ، وَالصَّلَاةِ عَلَى رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rوَقَالَ : لَا تَكُونُ الْخُطْبَةُ إلَّا كَمَا خَطَبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ خُطْبَةً تَامَّةً ، وَلِأَنَّ هَذَا لَا يُسَمَّى خُطْبَةً ، وَلَا يَجْمَعُ شُرُوطَهَا .\rوَإِنْ قَرَأَ آيَاتٍ فِيهَا حَمْدُ اللَّهِ تَعَالَى ، وَالْمَوْعِظَةُ ، وَصَلَّى عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَحَّ ؛ لِاجْتِمَاعِ الشُّرُوطِ .","part":4,"page":128},{"id":1628,"text":"( 1306 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَرَأَ السَّجْدَةَ فِي أَثْنَاءِ الْخُطْبَةِ ، فَإِنْ شَاءَ نَزَلَ فَسَجَدَ ، وَإِنْ أَمْكَنَ السُّجُودُ عَلَى الْمِنْبَرِ ، سَجَدَ عَلَيْهِ .\rوَإِنْ تَرَكَ السُّجُودَ ، فَلَا حَرَجَ ، فَعَلَهُ عُمَرُ وَتَرَكَ ، وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَتَرَكَ عُثْمَانُ ، وَأَبُو مُوسَى ، وَعَمَّارٌ ، وَالنُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ ، وَعُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ .\rوَبِهِ قَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ ؛ لِأَنَّ السُّجُودَ عِنْدَهُمْ وَاجِبٌ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : لَا يَنْزِلُ ؛ لِأَنَّهُ صَلَاةُ تَطَوُّعٍ ، فَلَا يَشْتَغِلُ بِهَا فِي أَثْنَاءِ الْخُطْبَةِ ، كَصَلَاةِ رَكْعَتَيْنِ .\rوَلَنَا ، فِعْلُ عُمَرَ وَتَرْكُهُ ، وَفِعْلُ مَنْ سَمَّيْنَا مِنْ الصَّحَابَةِ ، رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ ، وَلِأَنَّهُ سُنَّةٌ وُجِدَ سَبَبُهَا ، لَا يَطُولُ الْفَصْلُ بِهَا ، فَاسْتُحِبَّ فِعْلُهَا ، كَحَمْدِ اللَّهِ تَعَالَى إذَا عَطَسَ ، وَتَشْمِيتِ الْعَاطِسِ .\rوَلَا يَجِبُ ذَلِكَ ؛ لِمَا قَدَّمْنَا مِنْ أَنَّ سُجُودَ التِّلَاوَةِ غَيْرُ وَاجِبٍ .\rوَيُفَارِقُ صَلَاةَ رَكْعَتَيْنِ ، لِأَنَّ سَبَبَهَا لَمْ يُوجَدْ ، وَيَطُولُ الْفَصْلُ بِهَا .","part":4,"page":129},{"id":1629,"text":"( 1307 ) فَصْلٌ : وَالْمُوَالَاةُ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الْخُطْبَةِ فَإِنْ فَصَلَ بَعْضَهَا مِنْ بَعْضٍ ، بِكَلَامٍ طَوِيلٍ ، أَوْ سُكُوتٍ طَوِيلٍ ، أَوْ شَيْءٍ غَيْرِ ذَلِكَ يَقْطَعُ الْمُوَالَاةَ ، اسْتَأْنَفَهَا .\rوَالْمَرْجِعُ فِي طُولِ الْفَصْلِ وَقِصَرِهِ إلَى الْعَادَةِ .\rوَكَذَلِكَ يُشْتَرَطُ الْمُوَالَاةُ بَيْنَ الْخُطْبَةِ وَالصَّلَاةِ .\rوَإِنْ احْتَاجَ إلَى الطَّهَارَةِ تَطَهَّرَ ، وَبَنَى عَلَى خُطْبَتِهِ ، مَا لَمْ يَطُلْ الْفَصْلُ .","part":4,"page":130},{"id":1630,"text":"( 1308 ) فَصْلٌ : وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَدْعُوَ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ، وَلِنَفْسِهِ ، وَالْحَاضِرِينَ ، وَإِنْ دَعَا لِسُلْطَانِ الْمُسْلِمِينَ بِالصَّلَاحِ فَحَسَنٌ .\rوَقَدْ رَوَى ضَبَّةُ بْنُ مُحَصِّنٍ ، أَنَّ أَبَا مُوسَى كَانَ إذَا خَطَبَ ، فَحَمِدَ اللَّهَ ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَصَلَّى عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْعُو لِعُمَرَ ، وَأَبِي بَكْرٍ .\rوَأَنْكَرَ عَلَيْهِ ضَبَّةُ الْبِدَايَةَ بِعُمَرَ قَبْلَ الدُّعَاءِ لِأَبِي بَكْرٍ ، وَرَفَعَ ذَلِكَ إلَى عُمَرَ ، فَقَالَ لِضَبَّةَ : أَنْتَ أَوْثَقُ مِنْهُ وَأَرْشَدُ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : لَا يُسْتَحَبُّ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ عَطَاءً قَالَ : هُوَ مُحَدِّثٌ .\rوَقَدْ ذَكَرْنَا فِعْلَ الصَّحَابَةِ لَهُ ، وَهُوَ مُقَدَّمٌ عَلَى قَوْلِ عَطَاءٍ ؛ وَلِأَنَّ سُلْطَانَ الْمُسْلِمِينَ إذَا صَلَحَ كَانَ فِيهِ صَلَاحٌ لَهُمْ ، فَفِي الدُّعَاءِ لَهُ دُعَاءٌ لَهُمْ ، وَذَلِكَ مُسْتَحَبٌّ غَيْرُ مَكْرُوهٍ .","part":4,"page":131},{"id":1631,"text":"( 1309 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَيَنْزِلُ فَيُصَلِّي بِهِمْ الْجُمُعَةَ رَكْعَتَيْنِ ، يَقْرَأُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ الْحَمْدُ لِلَّهِ ، وَسُورَةً ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ صَلَاةَ الْجُمُعَةِ رَكْعَتَانِ عَقِيبَ الْخُطْبَةِ ، يَقْرَأُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ ( الْحَمْدُ لِلَّهِ ) وَسُورَةً ، وَيَجْهَرُ بِالْقِرَاءَةِ فِيهِمَا .\rلَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ صَلَاةَ الْجُمُعَةِ رَكْعَتَانِ وَجَاءَ الْحَدِيثُ عَنْ عُمَرَ ، أَنَّهُ قَالَ : { صَلَاةُ الْجُمُعَةِ رَكْعَتَانِ ، تَمَامٌ غَيْرُ قَصْرٍ ، عَلَى لِسَانِ نَبِيِّكُمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ } رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ، وَابْنُ مَاجَهْ .\rوَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْرَأَ فِي الْأُولَى بِسُورَةِ الْجُمُعَةِ ، وَالثَّانِيَةِ بِسُورَةِ الْمُنَافِقِينَ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي ثَوْرٍ لِمَا رُوِيَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ ، قَالَ : { صَلَّى بِنَا أَبُو هُرَيْرَةَ الْجُمُعَةَ فَقَرَأَ سُورَةَ الْجُمُعَةِ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى ، وَفِي الرَّكْعَةِ الْآخِرَةِ : إذَا جَاءَك الْمُنَافِقُونَ .\rفَلَمَّا قَضَى أَبُو هُرَيْرَةَ الصَّلَاةَ أَدْرَكْتُهُ ، فَقُلْتُ : يَا أَبَا هُرَيْرَةَ ، إنَّكَ قَرَأْتَ بِسُورَتَيْنِ كَانَ عَلِيٌّ يَقْرَأُ بِهِمَا بِالْكُوفَةِ .\rقَالَ : إنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ بِهِمَا فِي الْجُمُعَةِ .\r} أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ .\rوَإِنْ قَرَأَ فِي الثَّانِيَةِ بِالْغَاشِيَةِ ، فَحَسَنٌ ؛ فَإِنَّ الضَّحَّاكَ بْنَ قَيْسٍ سَأَلَ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ : { مَاذَا كَانَ يَقْرَؤُهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ، عَلَى إثْرِ سُورَةِ الْجُمُعَةِ فَقَالَ : كَانَ يَقْرَأُ بِ هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ } أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ .\rوَإِنْ قَرَأَ فِي الْأُولَى بِ ( سَبِّحْ ) وَفِي الثَّانِيَةِ بِالْغَاشِيَةِ ، فَحَسَنٌ ؛ فَإِنَّ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ ، قَالَ : { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ فِي الْعِيدَيْنِ ، وَفِي الْجُمُعَةِ ، بِ \" سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى \" ، وَ \" هَلْ أَتَاكَ","part":4,"page":132},{"id":1632,"text":"حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ \" فَإِذَا اجْتَمَعَ الْعِيدُ وَالْجُمُعَةُ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ ، قَرَأَ بِهِمَا أَيْضًا فِي الصَّلَاتَيْنِ } .\rأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ .\rوَرَوَى سَمُرَةُ بْنُ جُنْدُبٍ ، { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقْرَأُ فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ بِ { سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى } وَ { هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ } مَعًا } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَالنَّسَائِيُّ وَقَالَ مَالِكٌ : أَمَّا الَّذِي جَاءَ بِهِ الْحَدِيثُ ( هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ ) مَعَ سُورَةِ الْجُمُعَةِ ، وَاَلَّذِي أَدْرَكْتُ عَلَيْهِ النَّاسَ بِ ( سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ) وَحُكِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، أَنَّهُ كَانَ يَسْتَحِبُّ أَنْ يَقْرَأَ فِي الثَّانِيَةِ ( سَبِّحْ ) ، وَلَعَلَّهُ صَارَ إلَى مَا حَكَاهُ مَالِكٌ أَنَّهُ أَدْرَكَ النَّاسَ عَلَيْهِ ، وَاتِّبَاعُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحْسَنُ .\rوَمَهْمَا قَرَأَ فَهُوَ جَائِزٌ حَسَنٌ ، إلَّا أَنَّ الِاقْتِدَاءَ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحْسَنُ ، وَلِأَنَّ سُورَةَ الْجُمُعَةِ تَلِيقُ بِالْجُمُعَةِ ؛ لِمَا فِيهَا مِنْ ذِكْرِهَا ، وَالْأَمْرِ بِهَا ، وَالْحَثِّ عَلَيْهَا .","part":4,"page":133},{"id":1633,"text":"( 1310 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَمَنْ أَدْرَكَ مَعَ الْإِمَامِ مِنْهَا رَكْعَةً بِسَجْدَتَيْهَا ، أَضَافَ إلَيْهَا أُخْرَى ، وَكَانَتْ لَهُ جُمُعَةً ) أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ يَرَوْنَ أَنَّ مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الْجُمُعَةِ مَعَ الْإِمَامِ ، فَهُوَ مُدْرِكٌ لَهَا ، يُضِيفُ إلَيْهَا أُخْرَى ، وَيُجْزِئُهُ .\rوَهَذَا قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عُمَرَ ، وَأَنَسٍ ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، وَالْحَسَنِ ، وَعَلْقَمَةَ ، وَالْأَسْوَدِ ، وَعُرْوَةَ ، وَالزُّهْرِيِّ ، وَالنَّخَعِيِّ ، وَمَالِكٍ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَإِسْحَاقَ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ .\rوَقَالَ عَطَاءٌ ، وَطَاوُسٌ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَمَكْحُولٌ : مَنْ لَمْ يُدْرِكْ الْخُطْبَةَ صَلَّى أَرْبَعًا ؛ لِأَنَّ الْخُطْبَةَ شَرْطٌ لِلْجُمُعَةِ ، فَلَا تَكُونُ جُمُعَةً فِي حَقِّ مَنْ لَمْ يُوجَدْ فِي حَقِّهِ شَرْطُهَا .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى الزُّهْرِيُّ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { مَنْ أَدْرَكَ مِنْ الْجُمُعَةِ رَكْعَةً ، فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ } .\rرَوَاهُ الْأَثْرَمُ ، وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ ، وَلَفْظُهُ : \" فَلْيَصِلْ إلَيْهَا أُخْرَى \" وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الصَّلَاةِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَلِأَنَّهُ قَوْلُ مَنْ سَمَّيْنَا مِنْ الصَّحَابَةِ ، وَلَا مُخَالِفَ لَهُمْ فِي عَصْرِهِمْ .","part":4,"page":134},{"id":1634,"text":"( 1311 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَمَنْ أَدْرَكَ مَعَهُ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ ، بَنَى عَلَيْهَا ظُهْرًا ، إذَا كَانَ قَدْ دَخَلَ بِنِيَّةِ الظُّهْرِ ) .\rأَمَّا مَنْ أَدْرَكَ أَقَلَّ مِنْ رَكْعَةٍ ، فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ مُدْرِكًا لِلْجُمُعَةِ ، وَيُصَلِّي ظُهْرًا أَرْبَعًا .\rوَهُوَ قَوْلُ جَمِيعِ مَنْ ذَكَرْنَا فِي الْمَسْأَلَةِ قَبْلَ هَذِهِ .\rوَقَالَ الْحَكَمُ ، وَحَمَّادٌ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ يَكُونُ مُدْرِكًا لِلْجُمُعَةِ بِأَيِّ قَدْرٍ أَدْرَكَ مِنْ الصَّلَاةِ مَعَ الْإِمَامِ ؛ لِأَنَّ مَنْ لَزِمَهُ أَنْ يَبْنِيَ عَلَى صَلَاةِ الْإِمَامِ إذَا أَدْرَكَ رَكْعَةً ، لَزِمَهُ إذَا أَدْرَكَ أَقَلَّ مِنْهَا ، كَالْمُسَافِرِ يُدْرِكُ الْمُقِيمَ ، وَلِأَنَّهُ أَدْرَكَ جُزْءًا مِنْ الصَّلَاةِ ، فَكَانَ مُدْرِكًا لَهَا ، كَالظُّهْرِ .\rوَلَنَا ، قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ { مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الْجُمُعَةِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ } .\rفَمَفْهُومُهُ أَنَّهُ إذَا أَدْرَكَ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مُدْرِكًا لَهَا .\rوَلِأَنَّهُ قَوْلُ مَنْ سَمَّيْنَا مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ ، وَلَا مُخَالِفَ لَهُمْ فِي عَصْرِهِمْ ، فَيَكُونُ إجْمَاعًا ، وَقَدْ رَوَى بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ الزَّيَّاتُ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { مَنْ أَدْرَكَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ رَكْعَةً فَلْيُضِفْ إلَيْهَا أُخْرَى ، وَمَنْ أَدْرَكَ دُونَهَا صَلَّاهَا أَرْبَعًا } وَلِأَنَّهُ لَمْ يُدْرِكْ رَكْعَةً ، فَلَمْ تَصِحَّ لَهُ الْجُمُعَةُ ، كَالْإِمَامِ إذَا انْفَضُّوا قَبْلَ أَنْ يَسْجُدَ .\rوَأَمَّا الْمُسَافِرُ فَإِدْرَاكُهُ إدْرَاكُ إلْزَامٍ ، وَهَذَا إدْرَاكُ إسْقَاطٍ لِلْعَدَدِ ، فَافْتَرَقَا ، وَكَذَلِكَ يُتِمُّ الْمُسَافِرُ خَلْفَ الْمُقِيمِ ، وَلَا يَقْصُرُ الْمُقِيمُ خَلْفَ الْمُسَافِرِ ، وَأَمَّا الظُّهْرُ فَلَيْسَ مِنْ شَرْطِهَا الْجَمَاعَةُ ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا .","part":4,"page":135},{"id":1635,"text":"( 1312 ) فَصْلٌ : وَأَمَّا قَوْلُهُ \" بِسَجْدَتَيْهَا \" فَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ لِلتَّأْكِيدِ ، كَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ } وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ لِلِاحْتِرَازِ مِنْ الَّذِي أَدْرَكَ الرُّكُوعَ ، ثُمَّ فَاتَتْهُ السَّجْدَتَانِ ، أَوْ إحْدَاهُمَا ، حَتَّى سَلَّمَ الْإِمَامُ ، لِزِحَامٍ ، أَوْ نِسْيَانٍ ، أَوْ نَوْمٍ ، أَوْ غَفْلَةٍ ، وَقَدْ اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ فِي مَنْ أَحْرَمَ مَعَ الْإِمَامِ ، ثُمَّ زُحِمَ فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ حَتَّى سَلَّمَ الْإِمَامُ ، فَرَوَى الْأَثْرَمُ ، وَالْمَيْمُونِيُّ ، وَغَيْرُهُمَا ، أَنَّهُ يَكُونُ مُدْرِكًا لِلْجُمُعَةِ ، يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ .\rاخْتَارَهَا الْخَلَّالُ .\rوَهَذَا قَوْلُ الْحَسَنِ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ ؛ لِأَنَّهُ أَحْرَمَ بِالصَّلَاةِ مَعَ الْإِمَامِ فِي أَوَّلِ رَكْعَةٍ ، أَشْبَهَ مَا لَوْ رَكَعَ وَسَجَدَ مَعَهُ .\rوَنَقَلَ صَالِحٌ ، وَابْنُ مَنْصُورٍ ، وَغَيْرُهُمَا ، أَنَّهُ يَسْتَقْبِلُ الصَّلَاةَ أَرْبَعًا .\rوَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ وَابْنِ أَبِي مُوسَى ، وَاخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ ، وَقَوْلُ قَتَادَةَ ، وَأَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيُّ ، وَيُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ ، لِأَنَّهُ لَمْ يُدْرِكْ رَكْعَةً كَامِلَةً ، فَلَمْ يَكُنْ مُدْرِكًا لِلْجُمُعَةِ ، كَاَلَّتِي قَبْلَهَا .","part":4,"page":136},{"id":1636,"text":"( 1313 ) فَصْلٌ : وَمَتَى قَدَرَ الْمَزْحُومُ عَلَى السُّجُودِ عَلَى ظَهْرِ إنْسَانٍ ، أَوْ قَدَمِهِ ، لَزِمَهُ ذَلِكَ ، وَأَجْزَأَهُ .\rقَالَ أَحْمَدُ ، فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ بْنِ هَاشِمٍ يَسْجُدُ عَلَى ظَهْرِ الرَّجُلِ وَالْقَدَمِ ، وَيُمَكِّنُ الْجَبْهَةَ وَالْأَنْفَ ، فِي الْعِيدَيْنِ وَالْجُمُعَةِ .\rوَبِهَذَا قَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ ، وَقَالَ عَطَاءٌ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَمَالِكٌ : لَا يَفْعَلُ .\rقَالَ مَالِكٌ : وَتَبْطُلُ الصَّلَاةُ إنْ فَعَلَ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { وَمَكِّنْ جَبْهَتَكَ مِنْ الْأَرْضِ } .\rوَلَنَا ، مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، أَنَّهُ قَالَ : إذَا اشْتَدَّ الزِّحَامُ فَلْيَسْجُدْ عَلَى ظَهْرِ أَخِيهِ .\rرَوَاهُ سَعِيدٌ فِي \" سُنَنِهِ \" .\rوَهَذَا قَالَهُ بِمَحْضَرٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ وَلَمْ يَظْهَرْ لَهُ مُخَالِفٌ ، فَكَانَ إجْمَاعًا .\rوَلِأَنَّهُ أَتَى بِمَا يُمْكِنُهُ حَالَ الْعَجْزِ ، فَصَحَّ ، كَالْمَرِيضِ يَسْجُدُ عَلَى الْمِرْفَقَةِ ، وَالْخَبَرُ لَمْ يَتَنَاوَلْ الْعَاجِزَ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ لَا يُكَلِّفُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَا ، وَلَا يَأْمُرُ الْعَاجِزَ عَنْ الشَّيْءِ بِفِعْلِهِ .","part":4,"page":137},{"id":1637,"text":"( 1314 ) فَصْلٌ : وَإِذَا زُحِمَ فِي إحْدَى الرَّكْعَتَيْنِ ، لَمْ يَخْلُ مِنْ أَنْ يُزْحَمَ فِي الْأُولَى أَوْ فِي الثَّانِيَةِ ، فَإِنْ زُحِمَ فِي الْأُولَى ، وَلَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ السُّجُودِ عَلَى ظَهْرٍ وَلَا قَدَمٍ ، انْتَظَرَ حَتَّى يَزُولَ الزِّحَامُ ، ثُمَّ يَسْجُدُ ، وَيَتْبَعُ إمَامَهُ ، مِثْلُ مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ بِعُسْفَانَ ، سَجَدَ مَعَهُ صَفٌّ ، وَبَقِيَ صَفٌّ لَمْ يَسْجُدْ مَعَهُ ، فَلَمَّا قَامَ إلَى الثَّانِيَةِ سَجَدُوا ، وَجَازَ ذَلِكَ لِلْحَاجَةِ ، كَذَا هَاهُنَا .\rفَإِذَا قَضَى مَا عَلَيْهِ ، وَأَدْرَكَ الْإِمَامَ فِي الْقِيَامِ ، أَوْ فِي الرُّكُوعِ ، أَتْبَعَهُ فِيهِ ، وَصَحَّتْ لَهُ الرَّكْعَةُ ، وَكَذَا إذَا تَعَذَّرَ عَلَيْهِ السُّجُودُ مَعَ إمَامِهِ ، لِمَرَضٍ ، أَوْ نَوْمٍ ، أَوْ نِسْيَانٍ ؛ لِأَنَّهُ مَعْذُورٌ فِي ذَلِكَ ، فَأَشْبَهَ الْمَزْحُومَ .\rفَإِنْ خَافَ أَنَّهُ إنْ تَشَاغَلَ بِالسُّجُودِ فَاتَهُ الرُّكُوعُ مَعَ الْإِمَامِ فِي الثَّانِيَةِ ، لَزِمَهُ مُتَابَعَتُهُ ، وَتَصِيرُ الثَّانِيَةُ أُولَاهُ .\rوَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَشْتَغِلُ بِقَضَاءِ السُّجُودِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ رَكَعَ مَعَ الْإِمَامِ ، فَيَجِبُ عَلَيْهِ السُّجُودُ بَعْدَهُ ، كَمَا لَوْ زَالَ الزِّحَامُ وَالْإِمَامُ قَائِمٌ وَلِلشَّافِعِيِّ كَالْمَذْهَبَيْنِ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ ، فَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا } .\rفَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ قَالَ : \" فَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا \" .\rقُلْنَا : قَدْ سَقَطَ الْأَمْرُ بِالْمُتَابَعَةِ فِي السُّجُودِ عَنْ هَذَا لِعُذْرِهِ ، وَبَقِيَ الْأَمْرُ بِالْمُتَابَعَةِ فِي الرُّكُوعِ مُتَوَجِّهًا لِإِمْكَانِهِ ، وَلِأَنَّهُ خَائِفٌ فَوَاتَ الرُّكُوعِ ، فَلَزِمَهُ مُتَابَعَةُ إمَامِهِ فِيهِ ، كَالْمَسْبُوقِ ، فَأَمَّا إذَا كَانَ الْإِمَامُ قَائِمًا فَلَيْسَ هَذَا اخْتِلَافًا كَثِيرًا ، وَقَدْ فَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَهُ بِعُسْفَانَ .\rإذَا تَقَرَّرَ هَذَا ، فَإِنَّهُ إنْ اشْتَغَلَ بِالسُّجُودِ مُعْتَقِدًا تَحْرِيمَهُ ، لَمْ تَصِحَّ","part":4,"page":138},{"id":1638,"text":"صَلَاتُهُ ؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ وَاجِبًا عَمْدًا ، وَفَعَلَ مَا لَا يَجُوزُ لَهُ فِعْلُهُ .\rوَإِنْ اعْتَقَدَ جَوَازَ ذَلِكَ فَسَجَدَ ، لَمْ يُعْتَدَّ بِسُجُودِهِ ؛ لِأَنَّهُ سَجَدَ فِي مَوْضِعِ الرُّكُوعِ جَهْلًا ، فَأَشْبَهَ السَّاهِيَ ، ثُمَّ إنْ أَدْرَكَ الْإِمَامَ فِي الرُّكُوعِ ، رَكَعَ مَعَهُ ، وَصَحَّتْ لَهُ الثَّانِيَةُ دُونَ الْأُولَى ، وَتَصِيرُ الثَّانِيَةُ أُولَاهُ ، وَإِنْ فَاتَهُ الرُّكُوعُ سَجَدَ مَعَهُ ، فَإِنْ سَجَدَ السَّجْدَتَيْنِ مَعَهُ ، فَقَالَ الْقَاضِي : يُتِمُّ بِهِمَا الرَّكْعَةَ الْأُولَى .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rوَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ مَتَى قَامَ إلَى الثَّانِيَةِ ، وَشَرَعَ فِي رُكُوعِهَا ، أَوْ شَيْءٍ مِنْ أَفْعَالِهَا الْمَقْصُودَةِ ، أَنَّ الرَّكْعَةَ الْأُولَى تَبْطُلُ ، عَلَى مَا ذُكِرَ فِي سُجُودِ السَّهْوِ ، وَلَكِنْ إنْ لَمْ يَقُمْ ، وَلَكِنْ سَجَدَ السَّجْدَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ قِيَامٍ ، تَمَّتْ رَكْعَتُهُ .\rوَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : إذَا سَجَدَ مُعْتَقِدًا جَوَازَ ذَلِكَ ، اُعْتُدَّ لَهُ بِهِ ، وَتَصِحُّ لَهُ الرَّكْعَةُ ، كَمَا لَوْ سَجَدَ وَإِمَامُهُ قَائِمٌ ، ثُمَّ إنْ أَدْرَكَ الْإِمَامَ فِي رُكُوعِ الثَّانِيَةِ ، صَحَّتْ لَهُ الرَّكْعَتَانِ ، وَإِنْ أَدْرَكَ بَعْدَ رَفْعِ رَأْسِهِ مِنْ رُكُوعِهِ ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَرْكَعَ وَيَتْبَعَهُ ، لِأَنَّ هَذَا سَبْقٌ يَسِيرٌ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ تَفُوتَهُ الثَّانِيَةُ بِفَوَاتِ الرُّكُوعِ .\rوَإِنْ أَدْرَكَهُ فِي التَّشَهُّدِ ، تَابَعَهُ ، وَقَضَى رَكْعَةً بَعْدَ سَلَامِهِ كَالْمَسْبُوقِ .\rقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ .\rوَلَا وَجْهَ لِلسُّجُودِ هَاهُنَا ؛ لِأَنَّ الْمَأْمُومَ لَا سُجُودَ عَلَيْهِ لِسَهْوٍ ، وَلِأَنَّ هَذَا فَعَلَهُ عَمْدًا ، وَلَا يُشْرَعُ السُّجُودُ لِلْعَمْدِ .\rوَإِنْ زُحِمَ عَنْ سَجْدَةٍ وَاحِدَةٍ ، أَوْ عَنْ الِاعْتِدَالِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ ، أَوْ بَيْنَ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ ، أَوْ عَنْ جَمِيعِ ذَلِكَ ، فَالْحُكْمُ فِيهِ كَالْحُكْمِ فِي الزِّحَامِ عَنْ السُّجُودِ .\rفَأَمَّا إنْ زُحِمَ عَنْ السُّجُودِ فِي الثَّانِيَةِ ، فَزَالَ الزِّحَامُ قَبْلَ سَلَامِ الْإِمَامِ ، سَجَدَ ، وَاتَّبَعَهُ ، وَصَحَّتْ الرَّكْعَةُ .\rوَإِنْ","part":4,"page":139},{"id":1639,"text":"لَمْ يَزُلْ حَتَّى سَلَّمَ ، فَلَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ الْأُولَى ، أَوْ لَمْ يُدْرِكْهَا ، فَإِنْ أَدْرَكَهَا فَقَدْ أَدْرَكَ الْجُمُعَةَ بِإِدْرَاكِهَا ، وَيَسْجُدُ الثَّانِيَةَ بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ ، وَيَتَشَهَّدُ وَيُسَلِّمُ ، وَقَدْ تَمَّتْ جُمُعَتُهُ .\rوَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَدْرَكَ الْأُولَى ، فَإِنَّهُ يَسْجُدُ بَعْدَ سَلَامِ إمَامِهِ ، وَتَصِحُّ لَهُ الرَّكْعَةُ .\rوَهَلْ يَكُونُ مُدْرِكًا لِلْجُمُعَةِ بِذَلِكَ ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ .","part":4,"page":140},{"id":1640,"text":"( 1315 ) فَصْلٌ : وَإِذَا رَكَعَ مَعَ الْإِمَامِ رَكْعَةً ، فَلَمَّا قَامَ لِيَقْضِيَ الْأُخْرَى ذَكَرَ أَنَّهُ لَمْ يَسْجُدْ مَعَ إمَامِهِ إلَّا سَجْدَةً وَاحِدَةً ، أَوْ شَكَّ هَلْ سَجَدَ وَاحِدَةً أَوْ اثْنَتَيْنِ ؟ فَإِنَّهُ إنْ لَمْ يَكُنْ شَرَعَ فِي قِرَاءَةِ الثَّانِيَةِ ، رَجَعَ فَسَجَدَ لِلْأُولَى ، فَأَتَمَّهَا ، وَقَضَى الثَّانِيَةَ ، وَتَمَّتْ جُمُعَتُهُ .\rنَصَّ أَحْمَدُ عَلَى هَذَا ، فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ .\rوَإِنْ كَانَ شَرَعَ فِي قِرَاءَةِ الثَّانِيَةِ ، بَطَلَتْ الْأُولَى ، وَصَارَتْ الثَّانِيَةُ أُولَاهُ .\rوَعَلَى كِلَا الْحَالَتَيْنِ يُتِمُّهَا جُمُعَةً ، عَلَى مَا نَقَلَهُ الْأَثْرَمُ .\rوَقِيَاسُ الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى فِي الْمَزْحُومِ أَنَّهُ يُتِمُّهَا هَاهُنَا ظُهْرًا ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُدْرِكْ رَكْعَةً كَامِلَةً .\rوَلَوْ قَضَى الرَّكْعَةَ الثَّانِيَةَ ، ثُمَّ عَلِمَ أَنَّهُ تَرَكَ سَجْدَةً مِنْ إحْدَاهُمَا ، لَا يَدْرِي مِنْ أَيِّ الرَّكْعَتَيْنِ تَرَكَهَا ، أَوْ شَكَّ فِي تَرْكِهَا ، فَالْحُكْمُ وَاحِدٌ ، وَيَجْعَلُهَا مِنْ الْأُولَى ، وَيَأْتِي بِرَكْعَةٍ مَكَانَهَا .\rوَفِي كَوْنِهِ مُدْرِكًا لِلْجُمُعَةِ وَجْهَانِ ، بِنَاءً عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ .\rفَأَمَّا إنْ شَكَّ فِي إدْرَاكِ الرُّكُوعِ مَعَ الْإِمَامِ ، مِثْلُ أَنْ كَبَّرَ وَالْإِمَامُ رَاكِعٌ ، فَرَفَعَ إمَامُهُ رَأْسَهُ ، فَشَكَّ هَلْ أَدْرَكَ الْمُجْزِئَ مِنْ الرُّكُوعِ مَعَ الْإِمَامِ أَوْ لَا ؟ لَمْ يُعْتَدَّ بِتِلْكَ الرَّكْعَةِ ، وَيُصَلِّي ظُهْرًا ، قَوْلًا وَاحِدًا ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ أَنَّهُ مَا أَتَى بِهَا مَعَهُ .","part":4,"page":141},{"id":1641,"text":"( 1316 ) فَصْلٌ : وَكُلُّ مَنْ أَدْرَكَ مَعَ الْإِمَامِ مَا لَا يَتِمُّ بِهِ جُمُعَةٌ ، فَإِنَّهُ فِي قَوْلِ الْخِرَقِيِّ يَنْوِي ظُهْرًا ، فَإِنْ نَوَى جُمُعَةً لَمْ تَصِحَّ فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِ ؛ لِأَنَّهُ اشْتَرَطَ لِلْبِنَاءِ عَلَى مَا أَدْرَكَ أَنْ يَكُونَ قَدْ دَخَلَ بِنِيَّةِ الظُّهْرِ ، فَمَفْهُومُهُ أَنَّهُ إذَا دَخَلَ بِنِيَّةِ الْجُمُعَةِ لَمْ يَبْنِ عَلَيْهَا .\rوَكَلَامُ أَحْمَدَ ، فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ وَابْنِ مَنْصُورٍ ، يَحْتَمِلُ هَذَا ؛ لِقَوْلِهِ فِي مَنْ أَحْرَمَ ، ثُمَّ زُحِمَ عَنْ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ حَتَّى سَلَّمَ إمَامُهُ ، قَالَ : يَسْتَقْبِلُ ظُهْرًا أَرْبَعًا فَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ أَنَّهُ يَسْتَأْنِفُ الصَّلَاةَ ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الظُّهْرَ لَا تَتَأَدَّى بِنِيَّةِ الْجُمُعَةِ ابْتِدَاءً ، فَكَذَلِكَ دَوَامًا ، كَالظُّهْرِ مَعَ الْعَصْرِ .\rوَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ بْنُ شَاقِلَا يَنْوِي جُمُعَةً ؛ لِئَلَّا يُخَالِفَ نِيَّةَ إمَامِهِ ، ثُمَّ يَبْنِي عَلَيْهَا ظُهْرًا .\rأَرْبَعًا .\rوَهَذَا ظَاهِرُ قَوْلِ قَتَادَةَ ، وَأَيُّوبَ ، وَيُونُسَ ، وَالشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُمْ قَالُوا فِي الَّذِي أَحْرَمَ مَعَ الْإِمَامِ بِالْجُمُعَةِ ، ثُمَّ زُحِمَ عَنْ السُّجُودِ حَتَّى سَلَّمَ الْإِمَامُ : أَتَمَّهَا أَرْبَعًا .\rفَجَوَّزُوا لَهُ إتْمَامَهَا ظُهْرًا ، مَعَ كَوْنِهِ إنَّمَا أَحْرَمَ بِالْجُمُعَةِ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً ، فَلَمَّا سَلَّمَ الْإِمَامُ عَلِمَ أَنَّ عَلَيْهِ مِنْهَا سَجْدَةً ، قَالَ : يَسْجُدُ سَجْدَةً ، وَيَأْتِي بِثَلَاثِ رَكَعَاتٍ ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَأْتَمَّ بِمَنْ يُصَلِّي الْجُمُعَةَ ، فَجَازَ أَنْ يَبْنِيَ صَلَاتَهُ عَلَى نِيَّتِهَا ، كَصَلَاةِ الْمُقِيمِ مَعَ الْمُسَافِرِ ، وَكَمَا يَنْوِي أَنَّهُ مَأْمُومٌ ، وَيُتِمُّ بَعْدَ سَلَامِ إمَامِهِ مُنْفَرِدًا ، وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَنْوِيَ الظُّهْرَ خَلْفَ مَنْ يُصَلِّي الْجُمُعَةَ فِي ابْتِدَائِهَا ، وَكَذَلِكَ فِي أَثْنَائِهَا .","part":4,"page":142},{"id":1642,"text":"( 1317 ) فَصْلٌ : وَإِذَا صَلَّى الْإِمَامُ الْجُمُعَةَ قَبْلَ الزَّوَالِ ، فَأَدْرَكَ الْمَأْمُومُ مَعَهُ دُونَ الرَّكْعَةِ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ الدُّخُولُ مَعَهُ ؛ لِأَنَّهَا فِي حَقِّهِ ظُهْرٌ ، فَلَا يَجُوزُ قَبْلَ الزَّوَالِ ، كَعُذْرِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ ، فَإِنْ دَخَلَ مَعَهُ كَانَتْ نَفْلًا فِي حَقِّهِ وَلَمْ تُجْزِئْهُ عَنْ الظُّهْرِ .\rوَلَوْ أَدْرَكَ مِنْهَا رَكْعَةً ، ثُمَّ زُحِمَ عَنْ سُجُودِهَا ، وَقُلْنَا تَصِيرُ ظُهْرًا ، فَإِنَّهَا تَنْقَلِبُ نَفْلًا ؛ لِئَلَّا تَكُونَ ظُهْرًا قَبْلَ وَقْتِهَا .","part":4,"page":143},{"id":1643,"text":"( 1318 ) فَصْلٌ : وَلَوْ صَلَّى مَعَ الْإِمَامِ رَكْعَةً ، ثُمَّ زُحِمَ فِي الثَّانِيَةِ ، وَأُخْرِجَ مِنْ الصَّفِّ ، فَصَارَ فَذًّا ، فَنَوَى الِانْفِرَادَ عَنْ الْإِمَامِ ، فَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يُتِمُّهَا جُمُعَةً ؛ لِأَنَّهُ مُدْرِكٌ لِرَكْعَةٍ مِنْهَا مَعَ الْإِمَامِ ، فَيَبْنِي عَلَيْهَا جُمُعَةً ، كَمَا لَوْ أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ الثَّانِيَةَ .\rوَإِنْ لَمْ يَنْوِ الِانْفِرَادَ ، وَأَتَمَّهَا مَعَ الْإِمَامِ ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ : إحْدَاهُمَا ، لَا تَصِحُّ ؛ لِأَنَّهُ فَذٌّ فِي رَكْعَةٍ كَامِلَةٍ ، أَشْبَهَ مَا لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ عَمْدًا .\rوَالثَّانِيَةُ ، تَصِحُّ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُعْفَى فِي الْبِنَاءِ عَنْ تَكْمِيلِ الشُّرُوطِ ، كَمَا لَوْ خَرَجَ الْوَقْتُ وَقَدْ صَلَّوْا رَكْعَةً ، وَكَالْمَسْبُوقِ بِرَكْعَةٍ ، يَقْضِي رَكْعَةً وَحْدَهُ .","part":4,"page":144},{"id":1644,"text":"( 1319 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَمَتَى دَخَلَ وَقْتُ الْعَصْرِ ، وَقَدْ صَلَّوْا رَكْعَةً ، أَتَمُّوا بِرَكْعَةٍ أُخْرَى ، وَأَجْزَأَتْهُمْ جُمُعَةً ) ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ أَنَّهُ لَا يُدْرِكُ الْجُمُعَةَ إلَّا بِإِدْرَاكِ رَكْعَةٍ فِي وَقْتِهَا ، وَمَتَى دَخَلَ وَقْتُ الْعَصْرِ قَبْلَ رَكْعَةٍ لَمْ تَكُنْ جُمُعَةً .\rوَقَالَ الْقَاضِي : مَتَى دَخَلَ وَقْتُ الْعَصْرِ بَعْدَ إحْرَامِهِ بِهَا أَتَمَّهَا جُمُعَةً .\rوَنَحْوَ هَذَا قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ ؛ لِأَنَّهُ أَحْرَمَ بِهَا فِي وَقْتِهَا ، أَشْبَهَ مَا لَوْ أَتَمَّهَا فِيهِ .\rوَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ إذَا دَخَلَ وَقْتُ الْعَصْرِ بَعْدَ تَشَهُّدِهِ وَقَبْلَ سَلَامِهِ ، سَلَّمَ وَأَجْزَأَتْهُ .\rوَهَذَا قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٍ .\rوَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ مَتَى دَخَلَ الْوَقْتُ قَبْلَ ذَلِكَ ، بَطَلَتْ أَوْ انْقَلَبَتْ ظُهْرًا .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إذَا خَرَجَ وَقْتُ الْجُمُعَةِ قَبْلَ فَرَاغِهِ مِنْهَا ، بَطَلَتْ ، وَلَا يَبْنِي عَلَيْهَا ظُهْرًا ، لِأَنَّهُمَا صَلَاتَانِ مُخْتَلِفَتَانِ ، فَلَا يَبْنِي أَحَدَهُمَا عَلَى الْأُخْرَى ، كَالظُّهْرِ وَالْعَصْرِ .\rوَالظَّاهِرُ أَنَّ مَذْهَبَ أَبِي حَنِيفَةَ فِي هَذَا كَمَا ذَكَرْنَا عَنْ أَحْمَدَ ؛ لِأَنَّ السَّلَامَ عِنْدَهُ لَيْسَ مِنْ الصَّلَاةِ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يُتِمُّهَا جُمُعَةً ، وَيَبْنِي عَلَيْهَا ظُهْرًا ؛ لِأَنَّهُمَا صَلَاتَا وَقْتٍ وَاحِدٍ ، فَجَازَ بِنَاءُ إحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى ، كَصَلَاةِ الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ .\rوَاحْتَجُّوا عَلَى أَنَّهُ لَا يُتِمُّهَا جُمُعَةً ، بِأَنَّ مَا كَانَ شَرْطًا فِي بَعْضِهَا كَانَ شَرْطًا فِي جَمِيعِهَا ، كَالطَّهَارَةِ ، وَسَائِرِ الشُّرُوطِ .\rوَلَنَا قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { مَنْ أَدْرَكَ مِنْ الْجُمُعَةِ رَكْعَةً فَقْد أَدْرَكَ الصَّلَاةَ } .\rوَلِأَنَّهُ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الْجُمُعَةِ ، فَكَانَ مُدْرِكًا لَهَا ، كَالْمَسْبُوقِ بِرَكْعَةٍ ، وَلِأَنَّ الْوَقْتَ شَرْطٌ يَخْتَصُّ الْجُمُعَةَ ، فَاكْتُفِيَ بِهِ فِي رَكْعَةٍ ، كَالْجَمَاعَةِ ، وَمَا ذَكَرُوهُ يَنْتَقِضُ بِالْجَمَاعَةِ ، فَإِنَّهُ يَكْتَفِي بِإِدْرَاكِهَا فِي رَكْعَةٍ ، فَعَلَى هَذَا إنْ دَخَلَ","part":4,"page":145},{"id":1645,"text":"وَقْتُ الْعَصْرِ قَبْلَ رَكْعَةٍ ، فَعَلَى قِيَاسِ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ ، تَفْسُدُ وَيَسْتَأْنِفُهَا ظُهْرًا ، كَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ .\rوَعَلَى قَوْلِ أَبِي إِسْحَاقَ بْنِ شَاقِلَا ، يُتِمُّهَا ظُهْرًا .\rكَقَوْلِ الشَّافِعِيِّ وَقَدْ ذَكَرْنَا وَجْهَ الْقَوْلَيْنِ .","part":4,"page":146},{"id":1646,"text":"( 1320 ) فَصْلٌ : إذَا أَدْرَكَ مِنْ الْوَقْتِ مَا يُمَكِّنُهُ أَنْ يَخْطُبَ ثُمَّ يُصَلِّيَ رَكْعَةً ، فَقِيَاسُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ ، أَنَّ لَهُ التَّلَبُّسَ بِهَا ؛ لِأَنَّهُ أَدْرَكَ مِنْ الْوَقْتِ مَا يُدْرِكُهَا فِيهِ فَإِنْ شَكَّ هَلْ أَدْرَكَ مِنْ الْوَقْتِ مَا يُدْرِكُهَا بِهِ أَوْ لَا ؟ صَحَّتْ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الْوَقْتِ وَصِحَّتُهَا .","part":4,"page":147},{"id":1647,"text":"( 1321 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ ( وَمَنْ دَخَلَ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ ، لَمْ يَجْلِسْ حَتَّى يَرْكَعَ رَكْعَتَيْنِ ، يُوجِزُ فِيهِمَا ) وَبِهَذَا قَالَ الْحَسَنُ ، وَابْنُ عُيَيْنَةَ ، وَمَكْحُولٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ ، وَقَالَ شُرَيْحٌ ، وَابْنُ سِيرِينَ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَقَتَادَةُ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَاللَّيْثُ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، يَجْلِسُ ، وَيُكْرَهُ لَهُ أَنْ يَرْكَعَ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { لِلَّذِي جَاءَ يَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ : اجْلِسْ ، فَقَدْ آذَيْتَ وَأَنَيْتَ } .\rرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَلِأَنَّ الرُّكُوعَ يَشْغَلُهُ عَنْ اسْتِمَاعِ الْخُطْبَةِ ، فَكُرِهَ ، كَرُكُوعِ غَيْرِ الدَّاخِلِ .\rوَلَنَا مَا رَوَى جَابِرٌ ، قَالَ : { جَاءَ رَجُلٌ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ النَّاسَ ، فَقَالَ : صَلَّيْتَ يَا فُلَانُ ؟ قَالَ : لَا ، قَالَ : قُمْ ، فَارْكَعْ } وَفِي رِوَايَةٍ : { فَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلِمُسْلِمٍ ، قَالَ : ثُمَّ قَالَ : { إذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ، وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ ، فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ ، وَلْيَتَجَوَّزْ فِيهِمَا } وَهَذَا نَصٌّ .\rوَلِأَنَّهُ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فِي غَيْرِ وَقْتِ النَّهْيِ عَنْ الصَّلَاةِ ، فَسُنَّ لَهُ الرُّكُوعُ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إذَا دَخَلَ أَحَدُكُمْ الْمَسْجِدَ ، فَلَا يَجْلِسْ حَتَّى يَرْكَعَ رَكْعَتَيْنِ } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَحَدِيثُهُمْ قَضِيَّةٌ فِي عَيْنٍ ، يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمَوْضِعُ يَضِيقُ عَنْ الصَّلَاةِ ، أَوْ يَكُونَ فِي آخِرِ الْخُطْبَةِ ، بِحَيْثُ لَوْ تَشَاغَلَ بِالصَّلَاةِ فَاتَتْهُ تَكْبِيرَةُ الْإِحْرَامِ ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّمَا أَمَرَهُ بِالْجُلُوسِ ، لِيَكُفَّ أَذَاهُ عَنْ النَّاسِ ، لِتَخَطِّيهِ إيَّاهُمْ فَإِنْ كَانَ دُخُولُهُ فِي آخِرِ الْخُطْبَةِ ، بِحَيْثُ إذَا تَشَاغَلَ بِالرُّكُوعِ فَاتَهُ أَوَّلُ الصَّلَاةِ ، لَمْ يُسْتَحَبَّ لَهُ التَّشَاغُلُ بِالرُّكُوعِ .","part":4,"page":148},{"id":1648,"text":"( 1322 ) فَصْلٌ : وَيَنْقَطِعُ التَّطَوُّعُ بِجُلُوسِ الْإِمَامِ عَلَى الْمِنْبَرِ ، فَلَا يُصَلِّي أَحَدٌ غَيْرَ الدَّاخِلِ يُصَلِّي تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ ، وَيَتَجَوَّزُ فِيهَا ؛ لِمَا رَوَى ثَعْلَبَةُ بْنُ أَبِي مَالِكٍ ، أَنَّهُمْ كَانُوا فِي زَمَنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ يُصَلُّونَ حَتَّى يَخْرُجَ عُمَرُ ، فَإِذَا خَرَجَ عُمَرُ ، وَجَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ ، وَأَذَّنَ الْمُؤَذِّنُونَ ، جَلَسُوا يَتَحَدَّثُونَ ، حَتَّى إذَا سَكَتَ الْمُؤَذِّنُ وَقَامَ عُمَرُ سَكَتُوا ، فَلَمْ يَتَكَلَّمْ أَحَدٌ .\rوَهَذَا يَدُلُّ عَلَى شُهْرَةِ الْأَمْرِ بَيْنَهُمْ .","part":4,"page":149},{"id":1649,"text":"( 1323 ) فَصْلٌ : وَيَجِبُ الْإِنْصَاتُ مِنْ حِينِ يَأْخُذُ الْإِمَامُ فِي الْخُطْبَةِ ، فَلَا يَجُوزُ الْكَلَامُ لِأَحَدٍ مِنْ الْحَاضِرِينَ ، وَنَهَى عَنْ ذَلِكَ عُثْمَانُ وَابْنُ عُمَرَ وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ : إذَا رَأَيْتَهُ يَتَكَلَّمُ ، وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ ، فَاقْرَعْ رَأْسَهُ بِالْعَصَا .\rوَكَرِهَ ذَلِكَ عَامَّةُ أَهْلِ الْعِلْمِ ، مِنْهُمْ : مَالِكٌ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى ؛ لَا يَحْرُمُ الْكَلَامُ وَكَانَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ مُهَاجِرٍ ، وَأَبُو بُرْدَةَ يَتَكَلَّمُونَ وَالْحَجَّاجُ يَخْطُبُ .\rوَقَالَ بَعْضُهُمْ : إنَّا لَمْ نُؤْمَرْ أَنْ نُنْصِتَ لِهَذَا وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ ، كَالرِّوَايَتَيْنِ وَاحْتَجَّ مَنْ أَجَازَ ذَلِكَ بِمَا رَوَى أَنَسٌ ، قَالَ : { بَيْنَمَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ، إذْ قَامَ رَجُلٌ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، هَلَكَ الْكُرَاعُ وَهَلَكَ الشَّاءُ ، فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يَسْقِيَنَا .\r.\rوَذَكَرَ الْحَدِيثَ ، إلَى أَنْ قَالَ : ثُمَّ دَخَلَ رَجُلٌ مِنْ ذَلِكَ الْبَابِ فِي الْجُمُعَةِ الْمُقْبِلَةِ ، وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَائِمٌ يَخْطُبُ ، فَاسْتَقْبَلَهُ قَائِمًا ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، هَلَكَتْ الْأَمْوَالُ ، وَانْقَطَعَتْ السُّبُلُ ، فَادْعُ اللَّهَ يَرْفَعْهَا عَنَّا .\r} مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَرُوِيَ { أَنَّ رَجُلًا قَامَ ، وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَتَى السَّاعَةُ ؟ فَأَعْرَضَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَوْمَأَ النَّاسُ إلَيْهِ بِالسُّكُوتِ ، فَلَمْ يَقْبَلْ ، وَأَعَادَ الْكَلَامَ ، فَلَمَّا كَانَ فِي الثَّالِثَةِ ، قَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَيْحَكَ ، مَاذَا أَعْدَدْتَ لَهَا ؟ قَالَ : حُبَّ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ، قَالَ : إنَّكَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ } وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَلَامَهُمْ ، وَلَوْ حَرُمَ عَلَيْهِمْ لَأَنْكَرَهُ عَلَيْهِمْ .","part":4,"page":150},{"id":1650,"text":"وَلَنَا ، مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ، قَالَ : إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { إذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ أَنْصِتْ - يَوْمَ الْجُمُعَةِ - وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ ، فَقَدْ لَغَوْتَ } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَرُوِيَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَرَأَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ \" تَبَارَكَ \" فَذَكَّرَنَا بِأَيَّامِ اللَّهِ ، وَأَبُو الدَّرْدَاءِ أَوْ أَبُو ذَرٍّ يَغْمِزُنِي فَقَالَ : مَتَى أُنْزِلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ ، فَإِنِّي لَمْ أَسْمَعْهَا إلَّا الْآنَ ؟ فَأَشَارَ إلَيْهِ أَنْ اُسْكُتْ ، فَلَمَّا انْصَرَفُوا ، قَالَ : سَأَلْتُكَ مَتَى أُنْزِلَتْ هَذِهِ فَلَمْ تُخْبِرْنِي .\rقَالَ أُبَيٌّ : لَيْسَ لَكَ مِنْ صَلَاتِكَ الْيَوْمَ إلَّا مَا لَغَوْتَ فَذَهَبَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ لَهُ وَأَخْبَرَهُ بِمَا قَالَ أُبَيٌّ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" صَدَقَ أُبَيٌّ \" رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ ، فِي \" الْمُسْنَدِ \" وَابْنُ مَاجَهْ ، وَرَوَى أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، بِإِسْنَادِهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ نَحْوَهُ .\rوَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { مَنْ تَكَلَّمَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ، وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ ، فَهُوَ كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا } رَوَاهُ ابْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ .\rوَمَا احْتَجُّوا بِهِ ، فَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ مُخْتَصٌّ بِمَنْ كَلَّمَ الْإِمَامَ ، أَوْ كَلَّمَهُ الْإِمَامُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَشْتَغِلُ بِذَلِكَ عَنْ سَمَاعِ خُطْبَتِهِ ، وَلِذَلِكَ سَأَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَلْ صَلَّى ؟ فَأَجَابَهُ .\rوَسَأَلَ عُمَرُ عُثْمَانَ حِينَ دَخَلَ وَهُوَ يَخْطُبُ ، فَأَجَابَهُ ، فَتَعَيَّنَ حَمْلُ أَخْبَارِهِمْ عَلَى هَذَا ، جَمْعًا بَيْنَ الْأَخْبَارِ ، وَتَوْفِيقًا بَيْنَهَا ، وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُ غَيْرِهِ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ كَلَامَ الْإِمَامِ لَا يَكُونُ فِي حَالِ خُطْبَتِهِ بِخِلَافِ غَيْرِهِ ، وَإِنْ قُدِّرَ التَّعَارُضُ فَالْأَخْذُ بِحَدِيثِنَا أَوْلَى ؛ لِأَنَّهُ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ","part":4,"page":151},{"id":1651,"text":"وَسَلَّمَ وَنَصُّهُ ، وَذَلِكَ سُكُوتُهُ ، وَالنَّصُّ أَقْوَى مِنْ السُّكُوتِ ( 1324 ) فَصْلٌ : وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْقَرِيبِ وَالْبَعِيدِ ؛ لِعُمُومِ مَا ذَكَرْنَاهُ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : مَنْ كَانَ قَرِيبًا يَسْمَعُ وَيُنْصِتُ وَمَنْ كَانَ بَعِيدًا يُنْصِتُ ؛ فَإِنَّ لِلْمُنْصِتِ الَّذِي لَا يَسْمَعُ مِنْ الْحَظِّ مَا لِلسَّامِعِ ، وَقَدْ رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { يَحْضُرُ الْجُمُعَةَ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ ، رَجُلٌ حَضَرَهَا يَلْغُو ، وَهُوَ حَظُّهُ مِنْهَا ، وَرَجُلٌ حَضَرَهَا يَدْعُو ، فَهُوَ رَجُلٌ دَعَا اللَّهَ ، فَإِنْ شَاءَ أَعْطَاهُ ، وَإِنْ شَاءَ مَنَعَهُ ، وَرَجُلٌ حَضَرَهَا بِإِنْصَاتٍ وَسُكُونٍ ، وَلَمْ يَتَخَطَّ رَقَبَةَ مُسْلِمٍ ، وَلَمْ يُؤْذِ أَحَدًا ، فَهِيَ كَفَّارَةٌ إلَى الْجُمُعَةِ الَّتِي تَلِيهَا ، وَزِيَادَةُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ : { مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا } } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\r( 1325 ) فَصْلٌ : وَلِلْبَعِيدِ أَنْ يَذْكُرَ اللَّهَ تَعَالَى ، وَيَقْرَأَ الْقُرْآنَ ، وَيُصَلِّيَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا يَرْفَعُ صَوْتَهُ ، قَالَ أَحْمَدُ : لَا بَأْسَ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ نَفْسِهِ .\rوَرَخَّصَ لَهُ فِي الْقِرَاءَةِ وَالذِّكْرِ عَطَاءٌ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَالنَّخَعِيُّ وَالشَّافِعِيُّ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْفَعَ صَوْتَهُ ، وَلَا يُذَاكِرَ فِي الْفِقْهِ ، وَلَا يُصَلِّيَ ، وَلَا يَجْلِسَ فِي حَلْقَةٍ .\rوَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ أَنَّ لَهُ الْمُذَاكَرَةَ فِي الْفِقْهِ ، وَصَلَاةَ النَّافِلَةِ .\rوَلَنَا ، عُمُومُ مَا رَوَيْنَاهُ ، وَأَنَّ { النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ الْحَلْقِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَبْلَ الصَّلَاةِ .\r} رَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَلِأَنَّهُ إذَا رَفَعَ صَوْتَهُ مَنَعَ مَنْ هُوَ أَقْرَبُ مِنْهُ مِنْ السَّمَاعِ ، فَيَكُونُ مُؤْذِيًا لَهُ ، فَيَكُونُ عَلَيْهِ إثْمُ مَنْ آذَى الْمُسْلِمِينَ ، وَصَدَّ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ","part":4,"page":152},{"id":1652,"text":"تَعَالَى .\rوَإِذَا ذَكَرَ اللَّهَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ نَفْسِهِ ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يُسْمِعَ أَحَدًا ، فَلَا بَأْسَ .\rوَهَلْ ذَلِكَ أَفْضَلُ أَوْ الْإِنْصَاتُ ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا ، الْإِنْصَاتُ أَفْضَلُ ؛ لِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، وَقَوْلِ عُثْمَانَ .\rوَالثَّانِي ، الذِّكْرُ أَفْضَلُ ؛ لِأَنَّهُ يَحْصُلُ لَهُ ثَوَابُهُ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ ، فَكَانَ أَفْضَلَ ، كَمَا قَبْلَ الْخُطْبَةِ .","part":4,"page":153},{"id":1653,"text":"( 1326 ) فَصْلٌ : وَلَا يَحْرُمُ الْكَلَامُ عَلَى الْخَطِيبِ ، وَلَا عَلَى مَنْ سَأَلَهُ الْخَطِيبُ ؛ { لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَأَلَ سُلَيْكًا الدَّاخِلَ وَهُوَ يَخْطُبُ : أَصَلَّيْتَ ؟ قَالَ : لَا } وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ، أَنَّ عُمَرَ بَيْنَا هُوَ يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ، إذْ دَخَلَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَادَاهُ عُمَرُ : أَيَّةُ سَاعَةٍ هَذِهِ ؟ قَالَ : إنِّي شُغِلْتُ الْيَوْمَ ، فَلَمْ أَنْقَلِبْ إلَى أَهْلِي حَتَّى سَمِعْتُ النِّدَاءَ ، فَلَمْ أَزِدْ عَلَى أَنْ تَوَضَّأْتُ .\rقَالَ عُمَرُ : الْوُضُوءَ أَيْضًا ؟ وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَأْمُرُ بِالْغُسْلِ .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَلِأَنَّ تَحْرِيمَ الْكَلَامِ عِلَّتُهُ الِاشْتِغَالُ بِهِ عَنْ الْإِنْصَاتِ الْوَاجِبِ ، وَسَمَاعِ الْخُطْبَةِ .\rوَلَا يَحْصُلُ هَاهُنَا ، وَكَذَلِكَ مَنْ كَلَّمَ الْإِمَامَ لِحَاجَةٍ ، أَوْ سَأَلَهُ عَنْ مَسْأَلَةٍ ، بِدَلِيلِ الْخَبَرِ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ .","part":4,"page":154},{"id":1654,"text":"( 1327 ) فَصْلٌ : وَإِذَا سَمِعَ الْإِنْسَانُ مُتَكَلِّمًا لَمْ يَنْهَهُ بِالْكَلَامِ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ أَنْصِتْ ، وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ ، فَقَدْ لَغَوْتَ } وَلَكِنْ يُشِيرُ إلَيْهِ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فَيَضَعُ أُصْبُعَهُ عَلَى فِيهِ .\rوَمِمَّنْ رَأَى أَنْ يُشِيرَ وَلَا يَتَكَلَّمَ ، زَيْدُ بْنُ صُوحَانَ ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ ، وَكَرِهَ الْإِشَارَةَ طَاوُسٌ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الَّذِي قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَتَى السَّاعَةُ ؟ أَوْمَأَ النَّاسُ إلَيْهِ بِحَضْرَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالسُّكُوتِ ، وَلِأَنَّ الْإِشَارَةَ تَجُوزُ فِي الصَّلَاةِ الَّتِي يُبْطِلُهَا الْكَلَامُ ، فَفِي الْخُطْبَةِ أَوْلَى .","part":4,"page":155},{"id":1655,"text":"( 1328 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا الْكَلَامُ الْوَاجِبُ ، كَتَحْذِيرِ الضَّرِيرِ مِنْ الْبِئْرِ ، أَوْ مَنْ يَخَافُ عَلَيْهِ نَارًا ، أَوْ حَيَّةً أَوْ حَرِيقًا ، وَنَحْوَ ذَلِكَ ، فَلَهُ فِعْلُهُ ، لِأَنَّ هَذَا يَجُوزُ فِي نَفْسِ الصَّلَاةِ مَعَ إفْسَادِهَا ، فَهَاهُنَا أَوْلَى فَأَمَّا تَشْمِيتُ الْعَاطِسِ ، وَرَدُّ السَّلَامِ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ قَالَ الْأَثْرَمُ : سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ سُئِلَ : يَرُدُّ الرَّجُلُ السَّلَامَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ؟ فَقَالَ : نَعَمْ .\rوَيُشَمِّتُ الْعَاطِسَ ؟ فَقَالَ : نَعَمْ ، وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ .\rوَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ : قَدْ فَعَلَهُ غَيْرُ وَاحِد قَالَ ذَلِكَ غَيْرَ مَرَّةٍ .\rوَمِمَّنْ رَخَّصَ فِي ذَلِكَ الْحَسَنُ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَالْحَكَمُ ، وَقَتَادَةُ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَذَلِكَ لِأَنَّ هَذَا وَاجِبٌ ، فَوَجَبَ ، الْإِتْيَانُ بِهِ فِي الْخُطْبَةِ ، كَتَحْذِيرِ الضَّرِيرِ .\rوَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ : إنْ كَانَ لَا يَسْمَعُ رَدَّ السَّلَامَ وَشَمَّتَ الْعَاطِسَ ، وَإِنْ كَانَ يَسْمَعُ لَمْ يَفْعَلْ .\rقَالَ أَبُو طَالِبٍ ، قَالَ أَحْمَدُ : إذَا سَمِعْتَ الْخُطْبَةَ فَاسْتَمِعْ وَأَنْصِتْ ، وَلَا تَقْرَأْ ، وَلَا تُشَمِّتْ ، وَإِذَا لَمْ تَسْمَعْ الْخُطْبَةَ فَاقْرَأْ وَشَمِّتْ وَرُدَّ السَّلَامَ .\rوَقَالَ أَبُو دَاوُد ، قُلْتُ لِأَحْمَدَ : يَرُدُّ السَّلَامَ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ ، وَيُشَمِّتُ الْعَاطِسَ ؟ فَقَالَ : إذَا كَانَ لَيْسَ يَسْمَعُ الْخُطْبَةَ فَيَرُدُّ ، وَإِذَا كَانَ يَسْمَعُ فَلَا ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا } وَقِيلَ لِأَحْمَدَ : الرَّجُلُ يَسْمَعُ نَغْمَةَ الْإِمَامِ بِالْخُطْبَةِ ، وَلَا يَدْرِي مَا يَقُولُ ، يَرُدُّ السَّلَامَ ؟ قَالَ : لَا ، إذَا سَمِعَ شَيْئًا وَرُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ عَطَاءٍ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْإِنْصَاتَ وَاجِبٌ ، فَلَمْ يَجُزْ الْكَلَامُ الْمَانِعُ مِنْهُ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ ، كَالْأَمْرِ بِالْإِنْصَاتِ ، بِخِلَافِ مَنْ لَمْ يَسْمَعْ وَقَالَ الْقَاضِي : لَا يَرُدُّ وَلَا يُشَمِّتُ .\rوَرُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ وَاخْتَلَفَ","part":4,"page":156},{"id":1656,"text":"فِيهِ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْقَوْلُ مُخْتَصًّا بِمَنْ يَسْمَعُ دُونَ مَنْ لَمْ يَسْمَعْ ، فَيَكُونُ مِثْلَ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَامًّا فِي كُلِّ حَاضِرٍ يَسْمَعُ أَوْ لَمْ يَسْمَعْ ، لِأَنَّ وُجُوبَ الْإِنْصَاتِ شَامِلٌ لَهُمْ ، فَيَكُونُ الْمَنْعُ مِنْ رَدِّ السَّلَامِ وَتَشْمِيتِ الْعَاطِسِ ثَابِتًا فِي حَقِّهِمْ ، كَالسَّامِعِينَ .","part":4,"page":157},{"id":1657,"text":"( 1329 ) فَصْلٌ : لَا يُكْرَهُ الْكَلَامُ قَبْلَ شُرُوعِهِ فِي الْخُطْبَةِ ، وَبَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْهَا وَبِهَذَا قَالَ عَطَاءٌ ، وَطَاوُسٌ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَبَكْرٌ الْمُزَنِيّ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَيَعْقُوبُ ، وَمُحَمَّدٌ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، وَكَرِهَهُ ، الْحَكَمُ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إذَا خَرَجَ الْإِمَامُ حَرُمَ الْكَلَامُ .\rقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : إنَّ عُمَرَ وَابْنَ عَبَّاسٍ كَانَا يَكْرَهَانِ الْكَلَامَ وَالصَّلَاةَ بَعْدَ خُرُوجِ الْإِمَامِ ، وَلَا مُخَالِفَ لَهُمَا فِي الصَّحَابَةِ .\rوَلَنَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { إذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ أَنْصِتْ ، فَقَدْ لَغَوْتَ } فَخَصَّهُ بِوَقْتِ الْخُطْبَةِ .\rوَقَالَ ثَعْلَبَةُ بْنُ أَبِي مَالِكٍ : إنَّهُمْ كَانُوا فِي زَمَنِ عُمَرَ إذَا خَرَجَ عُمَرُ ، وَجَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ ، وَأَذَّنَ الْمُؤَذِّنُونَ ، جَلَسُوا يَتَحَدَّثُونَ ، حَتَّى إذَا سَكَتَ الْمُؤَذِّنُونَ ، وَقَامَ عُمَرُ سَكَتُوا ، فَلَمْ يَتَكَلَّمْ أَحَدٌ ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى شُهْرَةِ الْأَمْرِ بَيْنَهُمْ وَلِأَنَّ الْكَلَامَ إنَّمَا حَرُمَ لِأَجْلِ الْإِنْصَاتِ لِلْخُطْبَةِ ، فَلَا وَجْهَ لِتَحْرِيمِهِ مَعَ عَدَمِهَا .\rوَقَوْلُهُمْ : لَا مُخَالِفَ لَهُمَا فِي الصَّحَابَةِ .\rقَدْ ذَكَرْنَا عَنْ عُمُومِهِمْ خِلَافَ هَذَا الْقَوْلِ .","part":4,"page":158},{"id":1658,"text":"( 1330 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا الْكَلَامُ فِي الْجَلْسَةِ بَيْنَ الْخُطْبَتَيْنِ ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ جَائِزًا ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ غَيْرُ خَاطِبٍ وَلَا مُتَكَلِّمٍ ، فَأَشْبَهَ مَا قَبْلَهَا وَبَعْدَهَا .\rوَهَذَا قَوْلُ الْحَسَنِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يُمْنَعَ مِنْهُ ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَإِسْحَاقَ ؛ لِأَنَّهُ سُكُوتٌ يَسِيرٌ فِي أَثْنَاءِ الْخُطْبَتَيْنِ ، أَشْبَهَ السُّكُوتَ لِلتَّنَفُّسِ .","part":4,"page":159},{"id":1659,"text":"( 1331 ) فَصْلٌ : إذَا بَلَغَ الْخَطِيبُ إلَى الدُّعَاءِ ، فَهَلْ يُسَوَّغُ الْكَلَامُ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا ، الْجَوَازُ ، لِأَنَّهُ فَرَغَ مِنْ الْخُطْبَةِ ، وَشَرَعَ فِي غَيْرِهَا ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ نَزَلَ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَجُوزَ ؛ لِأَنَّهُ تَابِعٌ لِلْخُطْبَةِ ، فَيَثْبُتُ لَهُ مَا ثَبَتَ لَهَا ، كَالتَّطْوِيلِ فِي الْمَوْعِظَةِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ كَانَ دُعَاءً مَشْرُوعًا ، كَالدُّعَاءِ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلِلْإِمَامِ الْعَادِلِ ، أَنْصَتَ لَهُ ، وَإِنْ كَانَ لِغَيْرِهِ لَمْ يَلْزَمْ الْإِنْصَاتُ ؛ لِأَنَّهُ لَا حُرْمَةَ لَهُ .","part":4,"page":160},{"id":1660,"text":"( 1332 ) فَصْلٌ : وَيُكْرَهُ الْعَبَثُ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { وَمَنْ مَسَّ الْحَصَى فَقَدْ لَغَا } رَوَاهُ مُسْلِمٌ .\rقَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ .\rوَاللَّغْوُ : الْإِثْمُ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَاَلَّذِينَ هُمْ عَنْ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ } وَلِأَنَّ الْعَبَثَ يَمْنَعُ الْخُشُوعَ وَالْفَهْمَ ، وَيُكْرَهُ أَنْ يَشْرَبَ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ ، إنْ كَانَ مِمَّنْ يَسْمَعُ ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ .\rوَرَخَّصَ فِيهِ مُجَاهِدٌ ، وَطَاوُسٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَشْغَلُ عَنْ السَّمَاعِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ فِعْلٌ يَشْتَغِلُ بِهِ ، أَشْبَهَ مَسَّ الْحَصَى .\rفَأَمَّا إنْ كَانَ لَا يَسْمَعُ ، فَلَا يُكْرَهُ ، نَصَّ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَمِعُ ، فَلَا يَشْتَغِلُ بِهِ .","part":4,"page":161},{"id":1661,"text":"( 1333 ) فَصْلٌ : قَالَ أَحْمَدُ : لَا تَتَصَدَّقْ عَلَى السُّؤَالِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا لَا يَجُوزُ ، فَلَا يُعِينُهُمْ عَلَيْهِ .\rقَالَ أَحْمَدُ : وَإِنْ حَصَبَهُ كَانَ أَعْجَبَ إلَيَّ ، لِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ رَأَى سَائِلًا يَسْأَلُ ، وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ، فَحَصَبَهُ وَقِيلَ لِأَحْمَدَ : فَإِنْ تَصَدَّقَ عَلَيْهِ إنْسَانٌ ، فَنَاوَلَهُ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ ؟ قَالَ : لَا يَأْخُذُ مِنْهُ قِيلَ : فَإِنْ سَأَلَ قَبْلَ خُطْبَةِ الْإِمَامِ ، ثُمَّ جَلَسَ ، فَأَعْطَانِي رَجُلٌ صَدَقَةً أُنَاوِلُهَا إيَّاهُ ؟ قَالَ نَعَمْ ، هَذَا لَمْ يَسْأَلْ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ .","part":4,"page":162},{"id":1662,"text":"( 1334 ) فَصْلٌ : وَلَا بَأْسَ بِالِاحْتِبَاءِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، وَجَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rوَإِلَيْهِ ذَهَبَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ، وَالْحَسَنُ ، وَابْنُ سِيرِينَ ، وَعَطَاءٌ ، وَشُرَيْحٌ ، وَعِكْرِمَةُ بْنُ خَالِدٍ ، وَسَالِمٌ ، وَنَافِعٌ ، وَمَالِكٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rقَالَ أَبُو دَاوُد : لَمْ يَبْلُغْنِي أَنَّ أَحَدًا كَرِهَهُ إلَّا عُبَادَةَ بْنَ نُسَيٍّ ، لِأَنَّ سَهْلَ بْنَ مُعَاذٍ رَوَى ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ الْحَبْوَةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ .\r} رَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى يَعْلَى بْنُ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ ، قَالَ : شَهِدْتُ مَعَ مُعَاوِيَةَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ ، فَجَمَّعَ بِنَا ، فَنَظَرْتُ ، فَإِذَا جُلُّ مَنْ فِي الْمَسْجِدِ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَأَيْتُهُمْ مُحْتَبِينَ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ وَفَعَلَهُ ابْنُ عُمَرَ ، وَأَنَسٌ وَلَمْ نَعْرِفْ لَهُمْ مُخَالِفًا ، فَصَارَ إجْمَاعًا وَالْحَدِيثُ فِي إسْنَادِهِ مَقَالٌ .\rقَالَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ .\rوَالْأَوْلَى تَرْكُهُ لِأَجْلِ الْخَبَرِ ، وَإِنْ كَانَ ضَعِيفًا ، وَلِأَنَّهُ يَكُونُ مُتَهَيِّئًا لِلنَّوْمِ وَالْوُقُوعِ وَانْتِقَاضِ الْوُضُوءِ ، فَيَكُونُ تَرْكُهُ أَوْلَى ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .\rوَيُحْمَلُ النَّهْيُ فِي الْحَدِيثِ عَلَى الْكَرَاهَةِ ، وَيُحْمَلُ أَحْوَالُ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ فَعَلُوا ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُمْ لَمْ يَبْلُغْهُمْ الْخَبَرُ .","part":4,"page":163},{"id":1663,"text":"( 1335 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْقَرْيَةِ أَرْبَعُونَ رَجُلًا عُقَلَاءُ ، لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِمْ الْجُمُعَةُ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْجُمُعَةَ إنَّمَا تَجِبُ بِسَبْعَةِ شَرَائِطَ : إحْدَاهَا ، أَنْ تَكُونَ فِي قَرْيَةٍ .\rوَالثَّانِي ، أَنْ يَكُونُوا أَرْبَعِينَ .\rوَالثَّالِثُ ، الذُّكُورِيَّةُ .\rوَالرَّابِعُ ، الْبُلُوغُ .\rوَالْخَامِسُ ، الْعَقْلُ .\rوَالسَّادِسُ ، الْإِسْلَامُ .\rوَالسَّابِعُ ، الِاسْتِيطَانُ .\rوَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، فَأَمَّا الْقَرْيَةُ فَيُعْتَبَرُ أَنْ تَكُونَ مَبْنِيَّةً بِمَا جَرَتْ الْعَادَةُ بِبِنَائِهَا بِهِ ، مِنْ حَجَرٍ أَوْ طِينٍ أَوْ لَبَنٍ أَوْ قَصَبٍ أَوْ شَجَرٍ وَنَحْوِهِ ، فَأَمَّا أَهْلُ الْخِيَامِ وَبُيُوتِ الشَّعْرِ وَالْحَرَكَاتِ فَلَا جُمُعَةَ عَلَيْهِمْ ، وَلَا تَصِحُّ مِنْهُمْ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُنْصَبُ لِلِاسْتِيطَانِ غَالِبًا ، وَكَذَلِكَ كَانَتْ قَبَائِلُ الْعَرَبِ حَوْلَ الْمَدِينَةِ ، فَلَمْ يُقِيمُوا جُمُعَةً ، وَلَا أَمَرَهُمْ بِهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ لَمْ يَخْفَ ، وَلَمْ يُتْرَكْ نَقْلُهُ ، مَعَ كَثْرَتِهِ وَعُمُومِ الْبَلْوَى بِهِ ، لَكِنْ إنْ كَانُوا مُقِيمِينَ بِمَوْضِعٍ يَسْمَعُونَ النِّدَاءَ ، لَزِمَهُمْ السَّعْيُ إلَيْهَا ، كَأَهْلِ الْقَرْيَةِ الصَّغِيرَةِ إلَى جَانِبِ الْمِصْرِ ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَيُشْتَرَطُ فِي الْقَرْيَةِ أَيْضًا أَنْ تَكُونَ مُجْتَمِعَةَ الْبِنَاءِ بِمَا جَرَتْ الْعَادَةُ فِي الْقَرْيَةِ الْوَاحِدَةِ ، فَإِنْ كَانَتْ مُتَفَرِّقَةَ الْمَنَازِلِ تَفَرُّقًا لَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِهِ ، لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِمْ الْجُمُعَةُ ، إلَّا أَنْ يَجْتَمِعَ مِنْهَا مَا يَسْكُنُهُ أَرْبَعُونَ ، فَتَجِبُ الْجُمُعَةُ بِهِمْ ، وَيَتْبَعُهُمْ الْبَاقُونَ وَلَا يُشْتَرَطُ اتِّصَالُ الْبُنْيَانِ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ ، وَحُكِيَ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ شَرْطٌ ، وَلَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ الْقَرْيَةَ الْمُتَقَارِبَةَ الْبُنْيَانِ قَرْيَةٌ مَبْنِيَّةٌ عَلَى مَا جَرَتْ بِهِ عَادَةُ الْقُرَى ، فَأَشْبَهَتْ الْمُتَّصِلَةَ ، وَمَتَى كَانَتْ الْقَرْيَةُ لَا تَجِبُ الْجُمُعَةُ عَلَى أَهْلِهَا بِأَنْفُسِهِمْ ، وَكَانُوا بِحَيْثُ","part":4,"page":164},{"id":1664,"text":"يَسْمَعُونَ النِّدَاءَ مِنْ مِصْرٍ ، أَوْ مِنْ قَرْيَةٍ تُقَامُ فِيهَا الْجُمُعَةُ ، لَزِمَهُمْ السَّعْيُ إلَيْهَا ، لِعُمُومِ الْآيَةِ .\r( 1336 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا الْإِسْلَامُ وَالْعَقْلُ وَالذُّكُورِيَّةُ ، فَلَا خِلَافَ فِي اشْتِرَاطِهَا لِوُجُوبِ الْجُمُعَةِ وَانْعِقَادِهَا ؛ لِأَنَّ الْإِسْلَامَ وَالْعَقْلَ شَرْطَانِ لِلتَّكْلِيفِ وَصِحَّةِ الْعِبَادَةِ الْمَحْضَةِ ، وَالذُّكُورِيَّةُ شَرْطٌ لِوُجُوبِ الْجُمُعَةِ وَانْعِقَادِهَا ، لِأَنَّ الْجُمُعَةَ يَجْتَمِعُ لَهَا الرِّجَالُ ، وَالْمَرْأَةُ لَيْسَتْ مِنْ أَهْلِ الْحُضُورِ فِي مَجَامِعِ الرِّجَالِ ، وَلَكِنَّهَا تَصِحُّ مِنْهَا لِصِحَّةِ الْجَمَاعَةِ مِنْهَا ، فَإِنَّ النِّسَاءَ كُنَّ يُصَلِّينَ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْجَمَاعَةِ .\rوَأَمَّا الْبُلُوغُ ، فَهُوَ شَرْطٌ أَيْضًا لِوُجُوبِ الْجُمُعَةِ وَانْعِقَادِهَا ، فِي الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ ، وَقَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ شَرَائِطِ التَّكْلِيفِ ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ : عَلَيْهِ السَّلَامُ { رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ : عَنْ الصَّبِيِّ حَتَّى يَبْلُغَ } ، وَذَكَرَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا فِي الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ رِوَايَةً أُخْرَى ، أَنَّهَا وَاجِبَةٌ عَلَيْهِ ، بِنَاءً عَلَى تَكْلِيفِهِ ، وَلَا مُعَوَّلَ عَلَيْهِ .\r( 1337 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا الْأَرْبَعُونَ ، فَالْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّهُ شَرْطٌ لِوُجُوبِ الْجُمُعَةِ وَصِحَّتِهَا .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهَا لَا تَنْعَقِدُ إلَّا بِخَمْسِينَ ؛ لِمَا رَوَى أَبُو بَكْرٍ النَّجَّادُ ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ الرَّقَاشِيِّ ، حَدَّثَنَا رَجَاءُ بْنُ سَلَمَةَ ، حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ عَبَّادٍ الْمُهَلَّبِيُّ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ ، عَنْ الْقَاسِمِ ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { تَجِبُ الْجُمُعَةُ عَلَى خَمْسِينَ رَجُلًا ، وَلَا تَجِبُ عَلَى مَا دُونَ ذَلِكَ } وَبِإِسْنَادِهِ عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، قَالَ","part":4,"page":165},{"id":1665,"text":"{ : قُلْتُ لِأَبِي هُرَيْرَةَ : عَلَى كَمْ تَجِبُ الْجُمُعَةُ مِنْ رَجُلٍ ؟ قَالَ : لَمَّا بَلَغَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَمْسِينَ جَمَّعَ بِهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ } .\rوَعَنْ أَحْمَدَ أَنَّهَا تَنْعَقِدُ بِثَلَاثَةٍ ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ؛ لِأَنَّهُ يَتَنَاوَلُهُ اسْمُ الْجَمْعِ ، فَانْعَقَدَتْ بِهِ الْجَمَاعَةُ كَالْأَرْبَعِينَ ، وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : { إذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إلَى ذِكْرِ اللَّهِ } وَهَذِهِ صِيغَةُ الْجَمْعِ ، فَيَدْخُلُ فِيهِ الثَّلَاثَةُ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : تَنْعَقِدُ بِأَرْبَعَةٍ ؛ لِأَنَّهُ عَدَدٌ يَزِيدُ عَلَى أَقَلِّ الْجَمْعِ الْمُطْلَقِ ، أَشْبَهَ الْأَرْبَعِينَ .\rوَقَالَ رَبِيعَةُ : تَنْعَقِدُ بِاثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، { أَنَّهُ كَتَبَ إلَى مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ بِالْمَدِينَةِ ، فَأَمَرَهُ أَنْ يُصَلِّيَ الْجُمُعَةَ عِنْدَ الزَّوَالِ رَكْعَتَيْنِ ، وَأَنْ يَخْطُبَ فِيهِمَا فَجَمَّعَ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ فِي بَيْتِ سَعْدِ بْنِ خَيْثَمَةَ بِاثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا } .\rوَعَنْ جَابِرٍ قَالَ : { كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ، فَقَدِمَتْ سُوَيْقَةٌ ، فَخَرَجَ النَّاسُ إلَيْهَا ، فَلَمْ يَبْقَ إلَّا اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا ، أَنَا فِيهِمْ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا } .\rإلَى آخِرِ الْآيَةِ .\r} رَوَاهُ مُسْلِمٌ .\rوَمَا يُشْتَرَطُ لِلِابْتِدَاءِ يُشْتَرَطُ لِلِاسْتِدَامَةِ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ ، قَالَ : أَوَّلُ مَنْ جَمَّعَ بِنَا أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ ، فِي هَزْمِ النَّبِيتِ ، مِنْ حَرَّةِ بَنِي بَيَاضَةَ ، فِي نَقِيعٍ يُقَالُ لَهُ : نَقِيعُ الْخَضِمَاتِ قُلْتُ لَهُ : كَمْ كُنْتُمْ يَوْمَئِذٍ ؟ قَالَ : أَرْبَعُونَ .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَالْأَثْرَمُ .\rوَرَوَى خُصَيْفٌ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، قَالَ : مَضَتْ السُّنَّةُ أَنَّ فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ","part":4,"page":166},{"id":1666,"text":"فَمَا فَوْقَهَا جُمُعَةً .\rرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ .\rوَضَعَّفَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ .\rوَقَوْلُ الصَّحَابِيِّ : مَضَتْ السُّنَّةُ .\rيَنْصَرِفُ إلَى سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rفَأَمَّا مَنْ رَوَى أَنَّهُمْ كَانُوا اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا ، فَلَا يَصِحُّ ؛ فَإِنَّ مَا رَوَيْنَاهُ أَصَحُّ مِنْهُ رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ .\rوَالْخَبَرُ الْآخَرُ يَحْتَمِلُ أَنَّهُمْ عَادُوا فَحَضَرُوا الْقَدْرَ الْوَاجِبَ ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُمْ عَادُوا قَبْلَ طُولِ الْفَصْلِ .\rفَأَمَّا الثَّلَاثَةُ وَالْأَرْبَعَةُ فَتَحَكُّمٌ بِالرَّأْيِ فِيمَا لَا مَدْخَلَ لَهُ فِيهِ ، فَإِنَّ التَّقْدِيرَاتِ بَابُهَا التَّوْقِيفُ ، فَلَا مَدْخَلَ لِلرَّأْيِ فِيهَا ، وَلَا مَعْنَى لِاشْتِرَاطِ كَوْنِهِ جَمْعًا ، وَلَا لِلزِّيَادَةِ عَلَى الْجَمْعِ ، إذْ لَا نَصَّ فِي هَذَا وَلَا مَعْنَى نَصٍّ ، وَلَوْ كَانَ الْجَمْعُ كَافِيًا فِيهِ ، لَاكْتُفِيَ بِالِاثْنَيْنِ ، فَإِنَّ الْجَمَاعَةَ تَنْعَقِدُ بِهِمَا .\r( 1338 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا الِاسْتِيطَانُ ، فَهُوَ شَرْطٌ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rوَهُوَ الْإِقَامَةُ فِي قَرْيَةٍ ، عَلَى الْأَوْصَافِ الْمَذْكُورَةِ ، لَا يَظْعَنُونَ عَنْهَا صَيْفًا وَلَا شِتَاءً ، وَلَا تَجِبُ عَلَى مُسَافِرٍ وَلَا عَلَى مُقِيمٍ فِي قَرْيَةٍ يَظْعَنُ أَهْلُهَا عَنْهَا فِي الشِّتَاءِ دُونَ الصَّيْفِ ، أَوْ فِي بَعْضِ السَّنَةِ فَإِنْ خَرِبَتْ الْقَرْيَةُ أَوْ بَعْضُهَا ، وَأَهْلُهَا مُقِيمُونَ بِهَا ، عَازِمُونَ عَلَى إصْلَاحِهَا ، فَحُكْمُهَا بَاقٍ فِي إقَامَةِ الْجُمُعَةِ بِهَا .\rوَإِنْ عَزَمُوا عَلَى النُّقْلَةِ عَنْهَا ، لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِمْ ؛ لِعَدَمِ الِاسْتِيطَانِ فَصْلٌ : وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ فِي شَرْطَيْنِ آخَرَيْنِ : أَحَدُهُمَا ، الْحُرِّيَّةُ .\rوَنَذْكُرُهَا فِي مَوْضِعِهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .\rوَالثَّانِي ، إذْنُ الْإِمَامِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ وَالثَّانِيَةُ : هُوَ شَرْطٌ ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ الْحَسَنِ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَحَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُقِيمُهَا إلَّا الْأَئِمَّةُ فِي كُلِّ","part":4,"page":167},{"id":1667,"text":"عَصْرٍ ، فَصَارَ ذَلِكَ إجْمَاعًا .\rوَلَنَا ، أَنَّ عَلِيًّا صَلَّى الْجُمُعَةَ بِالنَّاسِ وَعُثْمَانُ مَحْصُورٌ ، فَلَمْ يُنْكِرْهُ أَحَدٌ ، وَصَوَّبَ ذَلِكَ عُثْمَانُ وَأَمَرَ بِالصَّلَاةِ مَعَهُمْ ، فَرَوَى حُمَيْدٍ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ الْخِيَارِ ، أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى عُثْمَانَ وَهُوَ مَحْصُورٌ ، فَقَالَ : إنَّهُ قَدْ نَزَلَ بِكَ مَا تَرَى ، وَأَنْتَ إمَامُ الْعَامَّةِ ، وَهُوَ يُصَلِّي بِنَا إمَامُ فِتْنَةٍ ، وَأَنَا أَتَحَرَّجُ مِنْ الصَّلَاةِ مَعَهُ .\rفَقَالَ : إنَّ الصَّلَاةَ مِنْ أَحْسَنِ مَا يَعْمَلُ النَّاسُ ، فَإِذَا أَحْسَنُوا فَأَحْسِنْ مَعَهُمْ ، وَإِذَا أَسَاءُوا فَاجْتَنِبْ إسَاءَتَهُمْ .\rأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ، وَالْأَثْرَمُ ، وَهَذَا لَفْظُ رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ .\rوَقَالَ أَحْمَدُ وَقَعَتْ الْفِتْنَةُ بِالشَّامِ تِسْعَ سِنِينَ ، فَكَانُوا يُجَمِّعُونَ .\rوَرَوَى مَالِكٌ ، فِي \" الْمُوَطَّأِ \" عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الْقَارِئِ أَنَّهُ رَأَى صَاحِبَ الْمَقْصُورَةِ فِي الْفِتْنَةِ حِينَ حَضَرَتْ الصَّلَاةُ ، فَخَرَجَ يَتْبَعُ النَّاسَ ، يَقُولُ : مَنْ يُصَلِّي بِالنَّاسِ .\rحَتَّى انْتَهَى إلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ : تَقَدَّمْ أَنْتَ فَصَلِّ بَيْنَ يَدَيْ النَّاسِ وَلِأَنَّهَا مِنْ فَرَائِضِ الْأَعْيَانِ ، فَلَمْ يُشْتَرَطْ لَهَا إذْنُ الْإِمَامِ ، كَالظُّهْرِ ، وَلِأَنَّهَا صَلَاةٌ أَشْبَهَتْ سَائِرَ الصَّلَوَاتِ ، وَمَا ذَكَرُوهُ إجْمَاعًا لَا يَصِحُّ ، فَإِنَّ النَّاسَ يُقِيمُونَ الْجُمُعَاتِ فِي الْقُرَى مِنْ غَيْرِ اسْتِئْذَانِ أَحَدٍ ، ثُمَّ لَوْ صَحَّ أَنَّهُ لَمْ يَقَعْ إلَّا ذَلِكَ لَكَانَ إجْمَاعًا عَلَى جَوَازِ مَا وَقَعَ ، لَا عَلَى تَحْرِيمِ غَيْرِهِ ، كَالْحَجِّ يَتَوَلَّاهُ الْأَئِمَّةُ ، وَلَيْسَ بِشَرْطٍ فِيهِ .\rفَإِنْ قُلْنَا : هُوَ شَرْطٌ فَلَمْ يَأْذَنْ الْإِمَامُ فِيهِ ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يُصَلُّوا جُمُعَةً وَصَلَّوْا ظُهْرًا .\rوَإِنْ أَذِنَ فِي إقَامَتِهَا ثُمَّ مَاتَ ، بَطَلَ إذْنُهُ بِمَوْتِهِ ، فَإِنْ صَلَّوْا ، ثُمَّ بَانَ أَنَّهُ قَدْ مَاتَ قَبْلَ ذَلِكَ ، فَهَلْ تُجْزِئُهُمْ صَلَاتُهُمْ ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ : أَصَحُّهُمَا ،","part":4,"page":168},{"id":1668,"text":"أَنَّهَا تُجْزِئُهُمْ ؛ لِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ فِي الْأَمْصَارِ النَّائِيَةِ عَنْ بَلَدِ الْإِمَامِ لَا يُعِيدُونَ مَا صَلَّوْا مِنْ الْجُمُعَاتِ بَعْدَ مَوْتِهِ ، وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا أَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ ، فَكَانَ إجْمَاعًا ، وَلِأَنَّ وُجُوبَ الْإِعَادَةِ يَشُقُّ ؛ لِعُمُومِهِ فِي أَكْثَرِ الْبُلْدَانِ وَإِنْ تَعَذَّرَ إذْنُ الْإِمَامِ لِفِتْنَةٍ ، فَقَالَ الْقَاضِي : ظَاهِرُ كَلَامِهِ صِحَّتُهَا بِغَيْرِ إذْنٍ ، عَلَى كِلْتَا الرِّوَايَتَيْنِ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْإِذْنُ مُعْتَبَرًا مَعَ إمْكَانِهِ ، وَيَسْقُطُ اعْتِبَارُهُ بِتَعَذُّرِهِ .","part":4,"page":169},{"id":1669,"text":"( 1340 ) فَصْلٌ : وَلَا يُشْتَرَطُ لِلْجُمُعَةِ الْمِصْرُ رُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَاللَّيْثِ ، وَمَكْحُولٍ ، وَعِكْرِمَةَ ، وَالشَّافِعِيِّ .\rوَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : لَا جُمُعَةَ وَلَا تَشْرِيقَ إلَّا فِي مِصْرٍ جَامِعٍ .\rوَبِهِ قَالَ : الْحَسَنُ ، وَابْنُ سِيرِينَ وَإِبْرَاهِيمُ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { لَا جُمُعَةَ وَلَا تَشْرِيقَ إلَّا فِي مِصْرٍ جَامِعٍ .\r} وَلَنَا ، مَا رَوَى كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ : أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ أَوَّلُ مَنْ جَمَّعَ بِنَا فِي هَزْمِ النَّبِيتِ مِنْ حَرَّةِ بَنِي بَيَاضَةَ ، فِي نَقِيعٍ يُقَالُ لَهُ : نَقِيعُ الْخَضِمَاتِ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : قُلْتُ لِعَطَاءٍ : تَعْنِي إذَا كَانَ ذَلِكَ بِأَمْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قَالَ .\rنَعَمْ قَالَ الْخَطَّابِيُّ : حَرَّةُ بَنِي بَيَاضَةَ قَرْيَةٌ عَلَى مِيلٍ مِنْ الْمَدِينَةِ وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : إنَّ أَوَّلَ جُمُعَةٍ جُمِّعَتْ بَعْدَ جُمُعَةِ الْمَدِينَةِ لَجُمُعَةٌ جُمِّعَتْ بِجُوَاثَا مِنْ الْبَحْرَيْنِ مِنْ قُرَى عَبْدِ الْقَيْسِ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ .\rوَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ، أَنَّهُ كَتَبَ إلَى عُمَرَ يَسْأَلُهُ عَنْ الْجُمُعَةِ بِالْبَحْرَيْنِ ، وَكَانَ عَامَلَهُ عَلَيْهَا فَكَتَبَ إلَيْهِ عُمَرُ : جَمِّعُوا حَيْثُ كُنْتُمْ رَوَاهُ الْأَثْرَمُ قَالَ أَحْمَدُ : إسْنَادٌ جَيِّدٌ فَأَمَّا خَبَرُهُمْ فَلَمْ يَصِحَّ .\rقَالَ أَحْمَدُ : لَيْسَ هَذَا بِحَدِيثٍ ، وَرَوَاهُ الْأَعْمَشُ ، عَنْ أَبِي سَعِيد الْمَقْبُرِيُّ ، وَلَمْ يَلْقَهُ .\rقَالَ أَحْمَدُ : الْأَعْمَشُ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِي سَعِيدٍ ، إنَّمَا هُوَ عَنْ عَلِيٍّ ، وَقَوْلُ عُمَرَ يُخَالِفُهُ ( 1341 ) فَصْلٌ : وَلَا يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الْجُمُعَةِ إقَامَتُهَا فِي الْبُنْيَانِ ، وَيَجُوزُ إقَامَتُهَا فِيمَا قَارَبَهُ مِنْ الصَّحْرَاءِ .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا تَجُوزُ فِي غَيْرِ الْبُنْيَانِ ؛","part":4,"page":170},{"id":1670,"text":"لِأَنَّهُ مَوْضِعٌ يَجُوزُ لِأَهْلِ الْمِصْرِ قَصْرُ الصَّلَاةِ فِيهِ ، فَأَشْبَهَ الْبَعِيدَ .\rوَلَنَا ، أَنَّ مُصْعَبَ بْنَ عُمَيْرٍ جَمَّعَ بِالْأَنْصَارِ فِي هَزْمِ النَّبِيتِ فِي نَقِيعِ الْخَضِمَاتِ ، وَالنَّقِيعُ : بَطْنٌ مِنْ الْأَرْضِ يَسْتَنْقِعُ فِيهِ الْمَاءُ مُدَّةً ، فَإِذَا نَضَبَ الْمَاءُ نَبَتَ الْكَلَأُ .\rوَلِأَنَّهُ مَوْضِعٌ لِصَلَاةِ الْعِيدِ ، فَجَازَتْ فِيهِ الْجُمُعَةُ ، كَالْجَامِعِ ، وَلِأَنَّ الْجُمُعَةَ صَلَاةُ عِيدٍ ، فَجَازَتْ فِي الْمُصَلَّى كَصَلَاةِ الْأَضْحَى ، وَلِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ اشْتِرَاطِ ذَلِكَ ، وَلَا نَصَّ فِي اشْتِرَاطِهِ ، وَلَا مَعْنَى نَصٍّ ، فَلَا يُشْتَرَطُ .","part":4,"page":171},{"id":1671,"text":"( 1342 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَإِنْ صَلَّوْا أَعَادُوهَا ظُهْرًا ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ مَا كَانَ شَرْطًا لِوُجُوبِ الْجُمُعَةِ ، فَهُوَ شَرْطٌ لِانْعِقَادِهَا ، فَمَتَى صَلَّوْا جُمُعَةً مَعَ اخْتِلَالِ بَعْضِ شُرُوطِهَا ، لَمْ يَصِحَّ ، وَلَزِمَهُمْ أَنْ يُصَلُّوا ظُهْرًا ، وَلَا يُعَدُّ فِي الْأَرْبَعِينَ الَّذِينَ تَنْعَقِدُ بِهِمْ الْجُمُعَةُ مَنْ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ ، وَلَا يُعْتَبَرُ اجْتِمَاعُ الشُّرُوطِ لِلصِّحَّةِ ، بَلْ تَصِحُّ مِمَّنْ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ ، تَبَعًا لِمَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ ، وَلَا يُعْتَبَرُ فِي وُجُوبِهَا كَوْنُهُ مِمَّنْ تَنْعَقِدُ بِهِ ، فَإِنَّهَا تَجِبُ عَلَى مَنْ يَسْمَعُ النِّدَاءَ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الْمِصْرِ ، وَلَا تَنْعَقِدُ بِهِ .\r( 1343 ) فَصْلٌ : وَيُعْتَبَرُ اسْتِدَامَةُ الشُّرُوطِ فِي الْقَدْرِ الْوَاجِبِ مِنْ الْخُطْبَتَيْنِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ : لَا يُشْتَرَطُ الْعَدَدُ فِيهِمَا ؛ لِأَنَّهُ ذِكْرٌ يَتَقَدَّمُ الصَّلَاةَ ، فَلَمْ يُشْتَرَطْ لَهُ الْعَدَدُ ، كَالْأَذَانِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ ذِكْرٌ مِنْ شَرَائِطِ الْجُمُعَةِ ، فَكَانَ مِنْ شَرْطِهِ الْعَدَدُ ، كَتَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ ، وَيُفَارِقُ الْأَذَانَ ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ ، وَإِنَّمَا مَقْصُودُهُ الْإِعْلَامُ ، وَالْإِعْلَامُ لِلْغَائِبِينَ ، وَالْخُطْبَةُ مَقْصُودُهَا التَّذْكِيرُ وَالْمَوْعِظَةُ ، وَذَلِكَ إنَّمَا يَكُونُ لِلْحَاضِرِينَ ، وَهِيَ مُشْتَقَّةٌ مِنْ الْخِطَابِ ، وَالْخِطَابُ إنَّمَا يَكُونُ لِلْحَاضِرِينَ فَعَلَى هَذَا إنْ انْفَضُّوا فِي أَثْنَاءِ الْخُطْبَةِ ، ثُمَّ عَادُوا فَحَضَرُوا الْقَدْرَ الْوَاجِبَ ، أَجْزَأَهُمْ ، وَإِلَّا لَمْ يُجْزِئْهُمْ ، إلَّا أَنْ يَحْضُرُوا الْقَدْرَ الْوَاجِبَ ، ثُمَّ يَنْفَضُّوا وَيَعُودُوا قَبْلَ شُرُوعِهِ فِي الصَّلَاةِ ، مِنْ غَيْرِ طُولِ الْفَصْلِ ، فَإِنْ طَالَ الْفَصْلُ ، لَزِمَهُ إعَادَةُ الْخُطْبَةِ ، إنْ كَانَ الْوَقْتُ مُتَّسِعًا ؛ لِأَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ وُجُوبِ الْجُمُعَةِ ، وَالْوَقْتُ مُتَّسِعٌ لَهَا ، لِتَصِحَّ لَهُمْ الْجُمُعَةُ ، وَإِنْ ضَاقَ الْوَقْتُ صَلَّوْا ظُهْرًا ، وَالْمَرْجِعُ فِي طُولِ الْفَصْلِ وَقِصَرِهِ إلَى الْعَادَةِ ( 1344 ) فَصْلٌ : وَيُعْتَبَرُ","part":4,"page":172},{"id":1672,"text":"اسْتِدَامَةُ الشُّرُوطِ فِي جَمِيعِ الصَّلَاةِ ، فَإِنْ نَقَصَ الْعَدَدُ قَبْلَ كَمَالِهَا ، فَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ لَا يُتِمُّهَا جُمُعَةً وَهَذَا أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ لِأَنَّهُ فَقَدَ بَعْضَ شَرَائِطِ الصَّلَاةِ ، فَأَشْبَهَ فَقْدَ الطَّهَارَةِ .\rوَقِيَاسُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ أَنَّهُمْ إنْ انْفَضُّوا بَعْدَ رَكْعَةٍ ، أَنَّهُ يُتِمُّهَا جُمُعَةً ، وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ ، وَقَالَ الْمُزَنِيّ : هُوَ الْأَشْبَهُ عِنْدِي ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ أَدْرَكَ مِنْ الْجُمُعَةِ رَكْعَةً أَضَافَ إلَيْهَا أُخْرَى .\r} وَلِأَنَّهُمْ أَدْرَكُوا رَكْعَةً ، فَصَحَّتْ لَهُمْ جُمُعَةً ، كَالْمَسْبُوقِينَ بِرَكْعَةٍ ، وَلِأَنَّ الْعَدَدَ شَرْطٌ يَخْتَصُّ الْجُمُعَةَ ، فَلَمْ يَفُتْ بِفَوَاتِهِ فِي رَكْعَةٍ ، كَمَا لَوْ دَخَلَ وَقْتُ الْعَصْرِ وَقَدْ صَلَّوْا رَكْعَةً .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إنْ انْفَضُّوا بَعْدَمَا صَلَّى رَكْعَةً بِسَجْدَةٍ وَاحِدَةٍ ، أَتَمَّهَا جُمُعَةً ؛ لِأَنَّهُمْ أَدْرَكُوا مُعْظَمَ الرَّكْعَةِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَدْرَكُوهَا بِسَجْدَتَيْهَا .\rوَقَالَ إِسْحَاقُ : إنْ بَقِيَ مَعَهُ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا ، أَتَمَّهَا جُمُعَةً لِأَنَّ أَصْحَابَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انْفَضُّوا عَنْهُ ، فَلَمْ يَبْقَ مَعَهُ إلَّا اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا ، فَأَتَمَّهَا جُمُعَةً .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، فِي أَحَدِ أَقْوَالِهِ : إنْ بَقِيَ مَعَهُ اثْنَانِ ، أَتَمَّهَا جُمُعَةً وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ ؛ لِأَنَّهُمْ أَقَلُّ الْجَمْعِ وَحَكَى عَنْهُ أَبُو ثَوْرٍ : إنْ بَقِيَ مَعَهُ وَاحِدٌ أَتَمَّهَا جُمُعَةً ؛ لِأَنَّ الِاثْنَيْنِ جَمَاعَةٌ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُمْ لَمْ يُدْرِكُوا رَكْعَةً كَامِلَةً بِشُرُوطِ الْجُمُعَةِ فَأَشْبَهَ مَا لَوْ انْفَضَّ الْجَمِيعُ قَبْلَ الرُّكُوعِ فِي الْأُولَى .\rوَقَوْلُهُمْ : أَدْرَكَ مُعْظَمَ الرَّكْعَةِ ، يَبْطُلُ بِمَنْ لَمْ يَفُتْهُ مِنْ الرَّكْعَةِ إلَّا السَّجْدَتَانِ ، فَإِنَّهُ قَدْ أَدْرَكَ مُعْظَمَهَا .\rوَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ : بَقِيَ مَعَهُ مَنْ تَنْعَقِدُ بِهِ الْجَمَاعَةُ قُلْنَا : لَا يَصِحُّ ، لِأَنَّ هَذَا لَا يَكْفِي فِي الِابْتِدَاءِ ، فَلَا","part":4,"page":173},{"id":1673,"text":"يَكْفِي فِي الدَّوَامِ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا فَكُلُّ مَوْضِعٍ قُلْنَا لَا يُتِمُّهَا جُمُعَةً ، فَقِيَاسُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ أَنَّهَا تَبْطُلُ ، وَيَسْتَأْنِفُ ظُهْرًا ، إلَّا أَنْ يُمْكِنَهُمْ فِعْلُ الْجُمُعَةِ مَرَّةً أُخْرَى ، فَيُعِيدُونَهَا قَالَ أَبُو بَكْرٍ : لَا أَعْلَمُ خِلَافًا عَنْ أَحْمَدَ ، إنْ لَمْ يَتِمَّ الْعَدَدُ فِي الصَّلَاةِ وَالْخُطْبَةِ ، أَنَّهُمْ يُعِيدُونَ الصَّلَاةَ .\rوَقِيَاسُ قَوْلِ أَبِي إِسْحَاقَ بْنِ شَاقِلَا أَنَّهُمْ يُتِمُّونَهَا ظُهْرًا وَهَذَا قَوْلُ الْقَاضِي وَقَالَ : قَدْ نَصَّ عَلَيْهَا أَحْمَدُ فِي الَّذِي زُحِمَ عَنْ أَفْعَالِ الْجُمُعَةِ حَتَّى سَلَّمَ الْإِمَامُ ، يُتِمُّهَا ظُهْرًا ، وَوَجْهُ الْقَوْلَيْنِ قَدْ تَقَدَّمَ .","part":4,"page":174},{"id":1674,"text":"( 1345 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَإِذَا كَانَ الْبَلَدُ كَبِيرًا يَحْتَاجُ إلَى جَوَامِعَ ، فَصَلَاةُ الْجُمُعَةِ فِي جَمِيعِهَا جَائِزَةٌ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْبَلَدَ مَتَى كَانَ كَبِيرًا ، يَشُقُّ عَلَى أَهْلِهِ الِاجْتِمَاعُ فِي مَسْجِدٍ وَاحِدٍ ، وَيَتَعَذَّرُ ذَلِكَ لِتَبَاعُدِ أَقْطَارِهِ ، أَوْ ضِيقِ مَسْجِدِهِ عَنْ أَهْلِهِ ، كَبَغْدَادَ وَأَصْبَهَانَ وَنَحْوِهِمَا مِنْ الْأَمْصَارِ الْكِبَارِ ، جَازَتْ إقَامَةُ الْجَمَاعَةِ فِيمَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ جَوَامِعِهَا ، وَهَذَا قَوْلُ عَطَاءٍ .\rوَأَجَازَهُ أَبُو يُوسُفَ فِي بَغْدَادَ دُونَ غَيْرِهَا ؛ لِأَنَّ الْحُدُودَ تُقَامُ فِيهَا فِي مَوْضِعَيْنِ ، وَالْجُمُعَةُ حَيْثُ تُقَامُ الْحُدُودُ ، وَمُقْتَضَى قَوْلِهِ : إنَّهُ لَوْ وُجِدَ بَلَدٌ آخَرُ تُقَامُ فِيهِ الْحُدُودُ فِي مَوْضِعَيْنِ ، جَازَتْ إقَامَةُ الْجُمُعَةِ فِي مَوْضِعَيْنِ مِنْهُ ؛ لِأَنَّ الْجُمُعَةَ حَيْثُ تُقَامُ الْحُدُودُ ، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ الْمُبَارَكِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ : لَا تَجُوزُ الْجُمُعَةُ فِي بَلَدٍ وَاحِدٍ فِي أَكْثَرِ مِنْ مَوْضِعٍ وَاحِدٍ ؛ { لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ يُجَمِّعُ إلَّا فِي مَسْجِدٍ وَاحِدٍ ، } وَكَذَلِكَ الْخُلَفَاءُ بَعْدَهُ ، وَلَوْ جَازَ لَمْ يُعَطِّلُوا الْمَسَاجِدَ ، حَتَّى قَالَ ابْنُ عُمَرَ : لَا تُقَامُ الْجُمُعَةُ إلَّا فِي الْمَسْجِدِ الْأَكْبَرِ ، الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ الْإِمَامُ .\rوَلَنَا ، أَنَّهَا صَلَاةٌ شُرِعَ لَهَا الِاجْتِمَاعُ وَالْخُطْبَةُ ، فَجَازَتْ فِيمَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ الْمَوَاضِعِ ، كَصَلَاةِ الْعِيدِ .\rوَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ عَلِيًّا ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَانَ يَخْرُجُ يَوْمَ الْعِيدِ إلَى الْمُصَلَّى ، وَيَسْتَخْلِفُ عَلَى ضَعَفَةِ النَّاسِ أَبَا مَسْعُودٍ الْبَدْرِيَّ ، فَيُصَلِّي بِهِمْ .\rفَأَمَّا تَرْكُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إقَامَةَ جُمُعَتَيْنِ ، فَلِغِنَاهُمْ عَنْ إحْدَاهُمَا ، وَلِأَنَّ أَصْحَابَهُ كَانُوا يَرَوْنَ سَمَاعَ خُطْبَتِهِ ، وَشُهُودَ جُمُعَتِهِ ، وَإِنْ بَعُدَتْ مَنَازِلُهُمْ ، لِأَنَّهُ الْمُبَلِّغُ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى ، وَشَارِعُ الْأَحْكَامِ ، وَلَمَّا","part":4,"page":175},{"id":1675,"text":"دَعَتْ الْحَاجَةُ إلَى ذَلِكَ فِي الْأَمْصَارِ صُلِّيَتْ فِي أَمَاكِنَ ، وَلَمْ يُنْكَرْ ، فَصَارَ إجْمَاعًا .\rوَقَوْلُ ابْنِ عُمَرَ ، يَعْنِي أَنَّهَا لَا تُقَامُ فِي الْمَسَاجِدِ الصِّغَارِ وَيُتْرَكُ الْكَبِيرُ ، وَأَمَّا اعْتِبَارُ ذَلِكَ بِإِقَامَةِ الْحُدُودِ ، فَلَا وَجْهَ لَهُ .\rقَالَ أَبُو دَاوُد : سَمِعْتُ أَحْمَدَ يَقُولُ : أَيُّ حَدٍّ كَانَ يُقَامُ بِالْمَدِينَةِ ، قَدِمَهَا مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ وَهُمْ مُخْتَبِئُونَ فِي دَارٍ ، فَجَمَّعَ بِهِمْ وَهُمْ أَرْبَعُونَ .\r( 1346 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا مَعَ عَدَمِ الْحَاجَةِ فَلَا يَجُوزُ فِي أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ ، وَإِنْ حَصَلَ الْغِنَى بِاثْنَتَيْنِ لَمْ تَجُزْ الثَّالِثَةُ ، وَكَذَلِكَ مَا زَادَ ، لَا نَعْلَمُ فِي هَذَا مُخَالِفًا ، إلَّا أَنَّ عَطَاءً قِيلَ لَهُ : إنَّ أَهْلَ الْبَصْرَةِ لَا يَسَعُهُمْ الْمَسْجِدُ الْأَكْبَرُ .\rقَالَ : لِكُلِّ قَوْمٍ مَسْجِدٌ يُجَمِّعُونَ فِيهِ ، وَيُجْزِئُ ذَلِكَ مِنْ التَّجْمِيعِ فِي الْمَسْجِدِ الْأَكْبَرِ .\rوَمَا عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ أَوْلَى ، إذْ لَمْ يُنْقَلْ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَخُلَفَائِهِ أَنَّهُمْ جَمَّعُوا أَكْثَرَ مِنْ جُمُعَةٍ ، إذْ لَمْ تَدْعُ الْحَاجَةُ إلَى ذَلِكَ ، وَلَا يَجُوزُ إثْبَاتُ الْأَحْكَامِ بِالتَّحَكُّمِ بِغَيْرِ دَلِيلٍ ، فَإِنْ صَلَّوْا جُمُعَتَيْنِ فِي مِصْرٍ وَاحِدٍ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ ، وَإِحْدَاهُمَا جُمُعَةُ الْإِمَامِ ، فَهِيَ صَحِيحَةٌ تَقَدَّمَتْ أَوْ تَأَخَّرَتْ ، وَالْأُخْرَى بَاطِلَةٌ ، لِأَنَّ فِي الْحُكْمِ بِبُطْلَانِ جُمُعَةِ الْإِمَامِ افْتِيَاتًا عَلَيْهِ ، وَتَفْوِيتًا لَهُ الْجُمُعَةَ وَلِمَنْ يُصَلِّي مَعَهُ ، وَيُفْضِي إلَى أَنَّهُ مَتَى شَاءَ أَرْبَعُونَ أَنْ يُفْسِدُوا صَلَاةَ أَهْلِ الْبَلَدِ أَمْكَنَهُمْ ذَلِكَ ، بِأَنْ يَجْتَمِعُوا فِي مَوْضِعٍ ، وَيَسْبِقُوا أَهْلَ الْبَلَدِ بِصَلَاةِ الْجُمُعَةِ وَقِيلَ : السَّابِقَةُ هِيَ الصَّحِيحَةُ ، لِأَنَّهَا لَمْ يَتَقَدَّمْهَا مَا يُفْسِدُهَا ، وَلَا تَفْسُدُ بَعْدَ صِحَّتِهَا بِمَا بَعْدَهَا .\rوَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ، لِمَا ذَكَرْنَا .\rوَإِنْ كَانَتْ إحْدَاهُمَا فِي الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ وَالْأُخْرَى فِي مَكَان صَغِيرٍ لَا يَسَعُ الْمُصَلِّينً","part":4,"page":176},{"id":1676,"text":"، أَوْ لَا يُمْكِنُهُمْ الصَّلَاةُ فِيهِ ؛ لِاخْتِصَاصِ السُّلْطَانِ وَجُنْدِهِ بِهِ ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ ، أَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا فِي قَصَبَةِ الْبَلَدِ ، وَالْآخَرُ فِي أَقْصَى الْمَدِينَةِ ، كَانَ مَنْ وُجِدَتْ فِيهِ هَذِهِ الْمَعَانِي صَلَاتُهُمْ صَحِيحَةٌ دُونَ الْأُخْرَى .\rوَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ ؛ فَإِنَّهُ قَالَ : لَا أَرَى الْجُمُعَةَ إلَّا لِأَهْلِ الْقَصَبَةِ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ لِهَذِهِ الْمَعَانِي مَزِيَّةً تَقْتَضِي التَّقْدِيمَ ، فَقُدِّمَ بِهَا ، كَجُمُعَةِ الْإِمَامِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ تَصِحَّ السَّابِقَةُ مِنْهُمَا دُونَ الْأُخْرَى ، لِأَنَّ إذْنَ الْإِمَامِ آكَدُ ، وَلِذَلِكَ اُشْتُرِطَ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ .\rوَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِإِحْدَاهُمَا مَزِيَّةٌ ، لِكَوْنِهِمَا جَمِيعًا مَأْذُونًا فِيهِمَا ، أَوْ غَيْرَ مَأْذُونٍ فِي وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا ، وَتَسَاوَى الْمَكَانَانِ فِي إمْكَانِ إقَامَةِ الْجُمُعَةِ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ، فَالسَّابِقَةُ هِيَ الصَّحِيحَةُ ؛ لِأَنَّهَا وَقَعَتْ بِشُرُوطِهَا ، وَلَمْ يُزَاحِمْهَا مَا يُبْطِلُهَا ، وَلَا سَبَقَهَا مَا يُغْنِي عَنْهَا ، وَالثَّانِيَةُ بَاطِلَةٌ ؛ لِكَوْنِهَا وَاقِعَةً فِي مِصْرٍ أُقِيمَتْ فِيهِ جُمُعَةٌ صَحِيحَةٌ ، تُغْنِي عَمَّا سِوَاهَا وَيُعْتَبَرُ السَّبْقُ بِالْإِحْرَامِ ؛ لِأَنَّهُ مَتَى أَحْرَمَ بِإِحْدَاهُمَا حَرُمَ الْإِحْرَامُ بِغَيْرِهَا ؛ لِلْغِنَى عَنْهَا ، فَإِنْ وَقَعَ الْإِحْرَامُ بِهِمَا مَعًا فَهُمَا بَاطِلَتَانِ مَعًا ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ صِحَّتُهُمَا مَعًا ، وَلَيْسَتْ إحْدَاهُمَا بِالْفَسَادِ أَوْلَى مِنْ الْأُخْرَى ، فَبَطَلَتَا كَالْمُتَزَوِّجِ أُخْتَيْنِ ، أَوْ إذَا زَوَّجَ الْوَلِيَّانِ رَجُلَيْنِ .\rوَإِنْ لَمْ تُعْلَم الْأَوْلَى مِنْهُمَا ، أَوْ لَمْ يُعْلَمْ كَيْفِيَّةُ وُقُوعِهِمَا ، بَطَلَتَا أَيْضًا ؛ لِأَنَّ إحْدَاهُمَا بَاطِلَةٌ ، وَلَمْ تُعْلَمْ بِعَيْنِهَا ، وَلَيْسَتْ إحْدَاهُمَا بِالْإِبْطَالِ أَوْلَى مِنْ الْأُخْرَى ، فَبَطَلَتَا كَالْمَسْأَلَتَيْنِ .\rثُمَّ إنْ عَلِمْنَا فَسَادَ الْجُمُعَتَيْنِ لِوُقُوعِهِمَا مَعًا ، وَجَبَ إعَادَةُ الْجُمُعَةِ إنْ أَمْكَنَ ذَلِكَ ، لِبَقَاءِ الْوَقْتِ ، لِأَنَّهُ مِصْرٌ مَا أُقِيمَتْ فِيهِ جُمُعَةٌ صَحِيحَةٌ","part":4,"page":177},{"id":1677,"text":"، وَالْوَقْتُ مُتَّسِعٌ لِإِقَامَتِهَا فَلَزِمَتْهُمْ ، كَمَا لَوْ لَمْ يُصَلُّوا شَيْئًا .\rوَإِنْ تَيَقَّنَّا صِحَّةَ إحْدَاهُمَا لَا بِعَيْنِهَا ، فَلَيْسَ لَهُمْ أَنْ يُصَلُّوا إلَّا ظُهْرًا ، لِأَنَّهُ مِصْرٌ تَيَقَّنَّا سُقُوطَ فَرْضِ الْجُمُعَةِ فِيهِ بِالْأَوْلَى مِنْهُمَا ، فَلَمْ تَجُزْ إقَامَةُ الْجُمُعَةِ فِيهِ ، كَمَا لَوْ عَلِمْنَاهَا وَقَالَ الْقَاضِي : يَحْتَمِلُ أَنَّ لَهُمْ إقَامَةَ جُمُعَةٍ أُخْرَى ؛ لِأَنَّنَا حَكَمْنَا بِفَسَادِهِمَا مَعًا ، فَكَأَنَّ الْمِصْرَ مَا صُلِّيَتْ فِيهِ جُمُعَةٌ صَحِيحَةٌ .\rوَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ ؛ لِأَنَّ الصَّحِيحَةَ لَمْ تَفْسُدْ ، وَإِنَّمَا لَمْ يُمْكِنْ إثْبَاتُ حُكْمِ الصِّحَّةِ لَهَا بِعَيْنِهَا ؛ لِجَهْلِهَا ، فَيَصِيرُ هَذَا كَمَا لَوْ زَوَّجَ الْوَلِيَّانِ أَحَدُهُمَا قَبْلَ الْآخَرِ ، وَجَهِلَ السَّابِقُ مِنْهُمَا ، فَإِنَّهُ لَا يَثْبُتُ حُكْمُ الصِّحَّةِ بِالنِّسْبَةِ إلَى وَاحِدٍ بِعَيْنِهِ ، وَثَبَتَ حُكْمُ النِّكَاحِ فِي حَقِّ الْمَرْأَةِ ، بِحَيْثُ لَا يَحِلُّ لَهَا أَنْ تَنْكِحَ زَوْجًا آخَرَ فَأَمَّا إنْ جَهِلْنَا كَيْفِيَّةَ وُقُوعِهِمَا ، فَالْأَوْلَى أَنْ لَا يَجُوزَ إقَامَةُ الْجُمُعَةِ أَيْضًا ، لِأَنَّ الظَّاهِرَ صِحَّةُ إحْدَاهُمَا ، لِأَنَّ وُقُوعَهُمَا مَعًا - بِحَيْثُ لَا يَسْبِقُ إحْرَامُ إحْدَاهُمَا الْأُخْرَى - بَعِيدٌ جِدًّا ، وَمَا كَانَ فِي غَايَةِ النُّدْرَةِ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْمَعْدُومِ ، وَلِأَنَّنَا شَكَكْنَا فِي شَرْطِ إقَامَةِ الْجُمُعَةِ ، فَلَمْ يَجُزْ إقَامَتُهَا مَعَ الشَّكِّ فِي شَرْطِهَا ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّ لَهُمْ إقَامَتَهَا ؛ لِأَنَّنَا لَمْ نَتَيَقَّنْ الْمَانِعَ مِنْ صِحَّتِهَا .\rوَالْأَوَّلُ أَوْلَى ( 1347 ) فَصْلٌ : وَإِنْ أَحْرَمَ بِالْجُمُعَةِ فَتَبَيَّنَ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ أَنَّ الْجُمُعَةَ قَدْ أُقِيمَتْ فِي الْمِصْرِ ، بَطَلَتْ الْجُمُعَةُ ، وَلَزِمَهُمْ اسْتِئْنَافُ الظُّهْرِ ؛ لِأَنَّنَا تَبَيَّنَّا أَنَّهُ أَحْرَمَ بِهَا فِي وَقْتٍ لَا يَجُوزُ الْإِحْرَامُ بِالْجُمُعَةِ ، فَلَا تَصِحُّ ، فَأَشْبَهَ ، مَا لَوْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ أَحْرَمَ بِهَا بَعْدَ دُخُولِ وَقْتِ الْعَصْرِ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : يُسْتَحَبُّ أَنْ يَسْتَأْنِفَ ظُهْرًا ، وَهَذَا مِنْ","part":4,"page":178},{"id":1678,"text":"قَوْلِهِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ لَهُ إتْمَامَهَا ظُهْرًا قِيَاسًا عَلَى الْمَسْبُوقِ الَّذِي أَدْرَكَ دُونَ الرَّكْعَةِ ، وَكَمَا لَوْ أَحْرَمَ بِالْجُمُعَةِ فَانْفَضَّ الْعَدَدُ قَبْلَ إتْمَامِهَا .\rوَالْفَرْقُ ظَاهِرٌ ؛ فَإِنَّ هَذَا أَحْرَمَ بِهَا فِي وَقْتٍ لَا تَصِحُّ الْجُمُعَةُ فِيهِ ، وَلَا يَجُوزُ الْإِحْرَامُ بِهَا ، وَالْأَصْلُ الَّذِي قَاسَ عَلَيْهِ بِخِلَافِ هَذَا .\r( 1348 ) فَصْلٌ : وَإِذَا كَانَتْ قَرْيَةٌ إلَى جَانِبِ مِصْرٍ ، يَسْمَعُونَ النِّدَاءَ مِنْهُ ، فَأَقَامُوا جُمُعَةً فِيهَا ، لَمْ تَبْطُلْ جُمُعَةُ أَهْلِ الْمِصْرِ ؛ لِأَنَّهُمْ فِي غَيْرِ الْمِصْرِ ، وَلِأَنَّ لِجُمُعَةِ الْمِصْرِ مَزِيَّةً بِكَوْنِهَا فِيهِ .\rوَلَوْ كَانَ مِصْرَانِ مُتَقَارِبَانِ ، يَسْمَعُ أَهْلُ كُلِّ مِصْرٍ نِدَاءَ الْمِصْرِ الْآخَرِ ، كَأَهْلِ مِصْرَ وَالْقَاهِرَةِ ، لَمْ تَبْطُلْ جُمُعَةُ أَحَدِهِمَا بِجُمُعَةِ الْآخَرِ .\rوَكَذَلِكَ الْقَرْيَتَانِ الْمُتَقَارِبَتَانِ ؛ لِأَنَّ لِكُلِّ قَوْمٍ مِنْهُمْ حُكْمَ أَنْفُسِهِمْ ، بِدَلِيلِ أَنَّ جُمُعَةَ أَحَدِ الْفَرِيقَيْنِ لَا يَتِمُّ عَدَدُهَا بِالْفَرِيقِ الْآخَرِ ، وَلَا تَلْزَمُهُمْ الْجُمُعَةُ بِكَمَالِ الْعِدَّةِ بِالْفَرِيقِ الْآخَرِ ، وَإِنَّمَا يَلْزَمُهُمْ السَّعْيُ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ جُمُعَةٌ ، فَهُمْ كَأَهْلِ الْمَحَلَّةِ الْقَرِيبَةِ مِنْ الْمِصْرِ .","part":4,"page":179},{"id":1679,"text":"( 1349 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَلَا جُمُعَةَ عَلَى مُسَافِرٍ ، وَلَا عَبْدٍ ، وَلَا امْرَأَةٍ ) وَعَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، فِي الْعَبْدِ رِوَايَتَانِ : إحْدَاهُمَا ، أَنَّ الْجُمُعَةَ عَلَيْهِ وَاجِبَةٌ .\rوَالرِّوَايَةُ الْأُخْرَى لَيْسَتْ عَلَيْهِ بِوَاجِبَةٍ .\rأَمَّا الْمَرْأَةُ فَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهَا لَا جُمُعَةَ عَلَيْهَا .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنْ لَا جُمُعَةَ عَلَى النِّسَاءِ .\rوَلِأَنَّ الْمَرْأَةَ لَيْسَتْ مِنْ أَهْلِ الْحُضُورِ فِي مَجَامِعِ الرِّجَالِ ، وَلِذَلِكَ لَا تَجِبُ عَلَيْهَا جَمَاعَةٌ .\rوَأَمَّا الْمُسَافِرُ فَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ يَرَوْنَ أَنَّهُ لَا جُمُعَةَ عَلَيْهِ كَذَلِكَ .\rقَالَهُ مَالِكٌ فِي أَهْلِ الْمَدِينَةِ ، وَالثَّوْرِيُّ فِي أَهْلِ الْعِرَاقِ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَطَاءٍ ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَالْحَسَنِ ، وَالشَّعْبِيِّ وَحُكِيَ عَنْ الزُّهْرِيِّ ، وَالنَّخَعِيِّ ، أَنَّهَا تَجِبُ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ الْجَمَاعَةَ تَجِبُ عَلَيْهِ ، فَالْجُمُعَةُ أَوْلَى وَلَنَا { ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُسَافِرُ فَلَا يُصَلِّي الْجُمُعَةَ فِي سَفَرِهِ وَكَانَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ بِعَرَفَةَ يَوْمَ جُمُعَةٍ ، فَصَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ ، وَجَمَعَ بَيْنَهُمَا ، وَلَمْ يُصَلِّ جُمُعَةً ، } وَالْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، كَانُوا يُسَافِرُونَ فِي الْحَجِّ وَغَيْرِهِ ، فَلَمْ يُصَلِّ أَحَدٌ مِنْهُمْ الْجُمُعَةَ فِي سَفَرِهِ ، وَكَذَلِكَ غَيْرُهُمْ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ .\rوَقَدْ قَالَ إبْرَاهِيمُ : كَانُوا يُقِيمُونَ بِالرَّيِّ السَّنَةَ وَأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ ، وَبِسِجِسْتَانَ السِّنِينَ .\rلَا يُجَمِّعُونَ وَلَا يُشَرِّقُونَ وَعَنْ الْحَسَنِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ : أَقَمْتُ مَعَهُ سَنَتَيْنِ بِكَابُلَ ، يَقْصُرُ الصَّلَاةَ ، وَلَا يُجَمِّعُ رَوَاهُمَا سَعِيدٌ .\rوَأَقَامَ أَنَسٌ بِنَيْسَابُورَ سَنَةً أَوْ سَنَتَيْنِ ، فَكَانَ لَا يُجَمِّعُ ، ذَكَرَهُ","part":4,"page":180},{"id":1680,"text":"ابْنُ الْمُنْذِرِ ، وَهَذَا إجْمَاعٌ مَعَ السُّنَّةِ الثَّابِتَةِ فِيهِ ، فَلَا يُسَوَّغُ مُخَالَفَتُهُ .\r( 1350 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا الْعَبْدُ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ : إحْدَاهُمَا ، لَا تَجِبُ عَلَيْهِ الْجُمُعَةُ .\rوَهُوَ قَوْلُ مَنْ سَمَّيْنَا فِي حَقِّ الْمُسَافِرِ .\rوَالثَّانِيَةُ ، تَجِبُ عَلَيْهِ ، وَلَا يَذْهَبُ مِنْ غَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ .\rنَقَلَهَا الْمَرُّوذِيُّ ، وَاخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ ، وَبِذَلِكَ قَالَتْ طَائِفَةٌ ، إلَّا أَنَّ لَهُ تَرْكَهَا إذَا مَنَعَهُ السَّيِّدُ ، وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إلَى ذِكْرِ اللَّهِ } .\rوَلِأَنَّ الْجَمَاعَةَ تَجِبُ عَلَيْهِ ، وَالْجُمُعَةُ آكَدُ مِنْهَا ، فَتَكُونُ أَوْلَى بِالْوُجُوبِ وَحُكِيَ عَنْ الْحَسَنِ ، وَقَتَادَةَ ، أَنَّهَا تَجِبُ عَلَى الْعَبْدِ الَّذِي يُؤَدِّي الضَّرِيبَةَ ، لِأَنَّ حَقَّهُ عَلَيْهِ قَدْ تَحَوَّلَ إلَى الْمَالِ ، فَأَشْبَهَ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى طَارِقُ بْنُ شِهَابٍ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { الْجُمُعَةُ حَقٌّ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ ، إلَّا أَرْبَعَةً : عَبْدٌ مَمْلُوكٌ ، أَوْ امْرَأَةٌ ، أَوْ صَبِيٌّ ، أَوْ مَرِيضٌ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَقَالَ : طَارِقٌ رَأَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ ، وَهُوَ مِنْ أَصْحَابِهِ .\rوَعَنْ جَابِرٍ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَعَلَيْهِ الْجُمُعَةُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ، إلَّا مَرِيضًا ، أَوْ مُسَافِرًا ، أَوْ امْرَأَةً ، أَوْ صَبِيًّا ، أَوْ مَمْلُوكًا } .\rرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَعَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ ، قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : { الْجُمُعَةُ وَاجِبَةٌ إلَّا عَلَى خَمْسَةٍ : امْرَأَةٍ ، أَوْ صَبِيٍّ ، أَوْ مَرِيضٍ ، أَوْ مُسَافِرٍ ، أَوْ عَبْدٍ } .\rرَوَاهُ رَجَاءُ بْنُ مُرَجًّى الْغِفَارِيُّ ، فِي \" سُنَنِهِ \" وَلِأَنَّ الْجُمُعَةَ يَجِبُ السَّعْيُ إلَيْهَا مِنْ مَكَان بَعِيدٍ ، فَلَمْ تَجِبْ","part":4,"page":181},{"id":1681,"text":"عَلَيْهِ ، كَالْحَجِّ وَالْجِهَادِ ، وَلِأَنَّهُ مَمْلُوكُ الْمَنْفَعَةِ ، مَحْبُوسٌ عَلَى السَّيِّدِ أَشْبَهَ الْمَحْبُوسَ بِالدَّيْنِ ، وَلِأَنَّهَا لَوْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ لَجَازَ لَهُ الْمُضِيُّ إلَيْهَا مِنْ غَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ ، وَلَمْ يَكُنْ لِسَيِّدِهِ مَنْعُهُ مِنْهَا ، كَسَائِرِ الْفَرَائِضِ ، وَالْآيَةُ مَخْصُوصَةٌ بِذَوِي الْأَعْذَارِ ، وَهَذَا مِنْهُمْ .\r( 1351 ) فَصْلٌ : وَالْمُكَاتَبُ وَالْمُدَبَّرُ حُكْمُهُمَا فِي ذَلِكَ حُكْمُ الْقِنِّ ، لِبَقَاءِ الرِّقِّ فِيهِمَا .\rوَكَذَلِكَ مَنْ بَعْضُهُ حُرٌّ ، فَإِنَّ حَقَّ سَيِّدِهِ مُتَعَلِّقٌ بِهِ وَكَذَلِكَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِمَّا يَسْقُطُ عَنْ الْعَبْدِ .\r( 1352 ) فَصْلٌ : إذَا أَجْمَعَ الْمُسَافِرُ إقَامَةً تَمْنَعُ الْقَصْرَ ، وَلَمْ يُرِدْ اسْتِيطَانَ الْبَلَدِ كَطَلَبِ الْعِلْمِ ، أَوْ الرِّبَاطِ ، أَوْ التَّاجِرِ الَّذِي يُقِيمُ لِبَيْعِ مَتَاعِهِ ، أَوْ مُشْتَرِي شَيْءٍ لَا يُنْجَزُ إلَّا فِي مُدَّةٍ طَوِيلَةٍ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا ، تَلْزَمُهُ الْجُمُعَةُ ؛ لِعُمُومِ الْآيَةِ ، وَدَلَالَةِ الْأَخْبَارِ الَّتِي رَوَيْنَاهَا ، فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْجَبَهَا إلَّا عَلَى الْخَمْسَةِ الَّذِينَ اسْتَثْنَاهُمْ ، وَلَيْسَ هَذَا مِنْهُمْ .\rوَالثَّانِي : لَا تَجِبُ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُسْتَوْطِنٍ ، وَالِاسْتِيطَانُ مِنْ شَرْطِ الْوُجُوبِ ، وَلِأَنَّهُ لَمْ يَنْوِ الْإِقَامَةَ فِي هَذَا الْبَلَدِ عَلَى الدَّوَامِ ، فَأَشْبَهَ أَهْلَ الْقَرْيَةِ الَّذِينَ يَسْكُنُونَهَا صَيْفًا وَيَظْعَنُونَ عَنْهَا شِتَاءً ، وَلِأَنَّهُمْ كَانُوا يُقِيمُونَ السَّنَةَ وَالسَّنَتَيْنِ لَا يُجَمِّعُونَ وَلَا يُشَرِّقُونَ ، أَيْ لَا يُصَلُّونَ جُمُعَةً وَلَا عِيدًا .\rفَإِنْ قُلْنَا : تَجِبُ الْجُمُعَةُ عَلَيْهِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهَا لَا تَنْعَقِدُ بِهِ ، لِعَدَمِ الِاسْتِيطَانِ الَّذِي هُوَ مِنْ شَرْطِ الِانْعِقَادِ .\r( 1353 ) فَصْلٌ : وَلَا تَجِبُ الْجُمُعَةُ عَلَى مَنْ فِي طَرِيقِهِ إلَيْهَا مَطَرٌ يَبُلُّ الثِّيَابَ ، أَوْ وَحَلٌ يَشُقُّ الْمَشْيُ إلَيْهَا فِيهِ .\rوَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ كَانَ لَا يَجْعَلُ الْمَطَرَ عُذْرًا فِي التَّخَلُّفِ عَنْهَا .","part":4,"page":182},{"id":1682,"text":"وَلَنَا مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّهُ أَمَرَ مُؤَذِّنَهُ فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ فِي يَوْمٍ مَطِيرٍ إذَا قُلْتَ : أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ فَلَا تَقُلْ : حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ قُلْ : صَلُّوا فِي بُيُوتِكُمْ فَقَالَ : فَكَأَنَّ النَّاسَ اسْتَنْكَرُوا ذَلِكَ .\rفَقَالَ : أَتَعْجَبُونَ مِنْ ذَا ؟ فَعَلَ ذَا مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي إنَّ الْجُمُعَةَ عَزْمَةٌ وَإِنِّي كَرِهْتُ أَنْ أُخْرِجَكُمْ إلَيْهَا فَتَمْشُوا فِي الطِّينِ وَالدَّحْضِ .\rأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ .\rوَلِأَنَّهُ عُذْرٌ فِي الْجَمَاعَةِ ، فَكَانَ عُذْرًا فِي الْجُمُعَةِ ، كَالْمَرَضِ ، وَتَسْقُطُ الْجُمُعَةُ بِكُلِّ عُذْرٍ يُسْقِطُ الْجَمَاعَةَ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا الْأَعْذَارَ فِي آخِرِ صِفَةِ الصَّلَاةِ ، وَإِنَّمَا ذَكَرْنَا الْمَطَرَ هَاهُنَا لِوُقُوعِ الْخِلَافِ فِيهِ .\r( 1354 ) فَصْلٌ : تَجِبُ الْجُمُعَةُ عَلَى الْأَعْمَى وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا تَجِبُ عَلَيْهِ .\rوَلَنَا عُمُومُ الْآيَةِ ، وَالْأَخْبَارِ ، وَقَوْلُهُ : { الْجُمُعَةُ وَاجِبَةٌ إلَّا عَلَى أَرْبَعَةٍ } وَمَا ذَكَرْنَا فِي وُجُوبِ الْجَمَاعَةِ عَلَيْهِ .\r( 1355 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَإِنْ حَضَرُوهَا أَجْزَأَتْهُمْ ) يَعْنِي تُجْزِئُهُمْ الْجُمُعَةُ عَنْ الظُّهْرِ ، وَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنْ لَا جُمُعَةَ عَلَى النِّسَاءِ ، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُنَّ إذَا حَضَرْنَ فَصَلَّيْنَ الْجُمُعَةَ أَنَّ ذَلِكَ يُجْزِئُ عَنْهُنَّ ؛ لِأَنَّ إسْقَاطَ الْجُمُعَةِ لِلتَّخْفِيفِ عَنْهُنَّ ، فَإِذَا تَحَمَّلُوا الْمَشَقَّةَ وَصَلَّوْا ، أَجْزَأَهُمْ ، كَالْمَرِيضِ .\r( 1356 ) فَصْلٌ : وَالْأَفْضَلُ لِلْمُسَافِرِ حُضُورُ الْجُمُعَةِ ، ؛ لِأَنَّهَا أَكْمَلُ .\rفَأَمَّا الْعَبْدُ فَإِنْ أَذِنَ لَهُ سَيِّدُهُ فِي حُضُورِهَا فَهُوَ أَفْضَلُ ؛ لِيَنَالَ فَضْلَ الْجُمُعَةِ وَثَوَابَهَا ، وَيَخْرُجَ مِنْ الْخِلَافِ .\rوَإِنْ مَنَعَهُ سَيِّدُهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ حُضُورُهَا ، إلَّا أَنْ نَقُولَ بِوُجُوبِهَا عَلَيْهِ .\rوَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَإِنْ كَانَتْ مُسِنَّةً فَلَا بَأْسَ بِحُضُورِهَا وَإِنْ كَانَتْ شَابَّةً ، جَازَ حُضُورُهَا ،","part":4,"page":183},{"id":1683,"text":"وَصَلَاتُهُمَا فِي بُيُوتِهِمَا خَيْرٌ لَهُمَا ، كَمَا رُوِيَ فِي الْخَبَرِ : { وَبُيُوتُهُنَّ خَيْرٌ لَهُنَّ } .\rوَقَالَ أَبُو عَمْرٍو الشَّيْبَانِيُّ : رَأَيْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ يُخْرِجُ النِّسَاءَ مِنْ الْجَامِعِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ، يَقُولُ : اُخْرُجْنَ إلَى بُيُوتِكُنَّ خَيْرٌ لَكُنَّ .\r( 1357 ) فَصْلٌ : وَلَا تَنْعَقِدُ الْجُمُعَةُ بِأَحَدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ ، وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ إمَامًا فِيهَا .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْعَبْدُ وَالْمُسَافِرُ إمَامًا فِيهَا ، وَوَافَقَهُمْ مَالِكٌ فِي الْمُسَافِرِ .\rوَحُكِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْجُمُعَةَ تَصِحُّ بِالْعَبِيدِ وَالْمُسَافِرِينَ ؛ لِأَنَّهُمْ رِجَالٌ تَصِحُّ مِنْهُمْ الْجُمُعَةُ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُمْ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ فَرْضِ الْجُمُعَةِ ، فَلَمْ تَنْعَقِدْ الْجُمُعَةُ بِهِمْ ، وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَؤُمُّوا فِيهَا ، كَالنِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ ، وَلِأَنَّ الْجُمُعَةَ إنَّمَا تَنْعَقِدُ بِهِمْ تَبَعًا لِمَنْ انْعَقَدَتْ بِهِ ، فَلَوْ انْعَقَدَتْ بِهِمْ أَوْ كَانُوا أَئِمَّةً فِيهَا صَارَ التَّبَعُ مَتْبُوعًا ، وَعَلَيْهِ يَخْرُجُ الْحُرُّ الْمُقِيمُ ، وَلِأَنَّ الْجُمُعَةَ لَوْ انْعَقَدَتْ بِهِمْ لَانْعَقَدَتْ بِهِمْ مُنْفَرِدِينَ ، كَالْأَحْرَارِ الْمُقِيمِينَ ، وَقِيَاسُهُمْ مُنْتَقِضٌ بِالنِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ .\r( 1358 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا الْمَرِيضُ ، وَمَنْ حَبَسَهُ الْعُذْرُ مِنْ الْمَطَرِ وَالْخَوْفِ ، فَإِذَا تَكَلَّفَ حُضُورَهَا وَجَبَتْ عَلَيْهِ ، وَانْعَقَدَتْ بِهِ ، وَيَصِحُّ أَنْ يَكُونَ إمَامًا فِيهَا ؛ لِأَنَّ سُقُوطَهَا عَنْهُمْ إنَّمَا كَانَ لِمَشَقَّةِ السَّعْيِ ، فَإِذَا تَكَلَّفُوا وَحَصَلُوا فِي الْجَامِعِ ، زَالَتْ الْمَشَقَّةُ ، فَوَجَبَتْ عَلَيْهِمْ ، كَغَيْرِ أَهْلِ الْأَعْذَارِ .","part":4,"page":184},{"id":1684,"text":"مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَمَنْ صَلَّى الظُّهْرَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ مِمَّنْ عَلَيْهِ حُضُورُ الْجُمُعَةِ قَبْلَ صَلَاةِ الْإِمَامِ أَعَادَهَا بَعْدَ صَلَاتِهِ ظُهْرًا ) يَعْنِي مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الْجُمُعَةُ إذَا صَلَّى الظُّهْرَ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ الْإِمَامُ الْجُمُعَةَ ، لَمْ يَصِحَّ ، وَيَلْزَمُهُ السَّعْيُ إلَى الْجُمُعَةِ إنْ ظَنَّ أَنَّهُ يُدْرِكُهَا ؛ لِأَنَّهَا الْمَفْرُوضَةُ عَلَيْهِ ، فَإِنْ أَدْرَكَهَا مَعَهُ صَلَّاهَا ، وَإِنْ فَاتَتْهُ فَعَلَيْهِ صَلَاةُ الظُّهْرِ ، وَإِنْ ظَنَّ أَنَّهُ لَا يُدْرِكُهَا انْتَظَرَ حَتَّى يَتَيَقَّنَ أَنَّ الْإِمَامَ قَدْ صَلَّى ، ثُمَّ يُصَلِّي الظُّهْرَ .\rوَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَالشَّافِعِيِّ فِي الْجَدِيدِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ : تَصِحُّ ظُهْرُهُ قَبْلَ صَلَاةِ الْإِمَامِ ؛ لِأَنَّ الظُّهْرَ فَرْضُ الْوَقْتِ بِدَلِيلِ سَائِرِ الْأَيَّامِ ، وَإِنَّمَا الْجُمُعَةُ بَدَلٌ عَنْهَا ، وَقَائِمَةٌ مَقَامَهَا ، وَلِهَذَا إذَا تَعَذَّرَتْ الْجُمُعَةُ صَلَّى ظُهْرًا ، فَمَنْ صَلَّى الظُّهْرَ فَقَدْ أَتَى بِالْأَصْلِ ، فَأَجْزَأَهُ كَسَائِرِ الْأَيَّامِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : وَيَلْزَمُهُ السَّعْيُ إلَى الْجُمُعَةِ ، فَإِنْ سَعَى بَطَلَتْ ظُهْرُهُ ، وَإِنْ لَمْ يَسْعَ ، أَجْزَأَتْهُ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ صَلَّى مَا لَمْ يُخَاطَبْ بِهِ ، وَتَرَكَ مَا خُوطِبَ بِهِ ، فَلَمْ تَصِحَّ ، كَمَا لَوْ صَلَّى الْعَصْرَ مَكَانَ الظُّهْرِ ، وَلَا نِزَاعَ فِي أَنَّهُ مُخَاطَبٌ بِالْجُمُعَةِ ، فَسَقَطَتْ عَنْهُ الظُّهْرُ ، كَمَا لَوْ كَانَ بَعِيدًا ، وَقَدْ دَلَّ عَلَيْهِ النَّصُّ وَالْإِجْمَاعُ .\rوَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ يَأْثَمُ بِتَرْكِهَا وَتَرْكِ السَّعْيِ إلَيْهَا ، وَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ لَا يُخَاطَبَ بِالظُّهْرِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُخَاطَبُ فِي الْوَقْتِ بِصَلَاتَيْنِ ، وَلِأَنَّهُ يَأْثَمُ بِتَرْكِ الْجُمُعَةِ وَإِنْ صَلَّى الظُّهْرَ ، وَلَا يَأْثَمُ بِفِعْلِ الْجُمُعَةِ وَتَرْكِ الظُّهْرِ بِالْإِجْمَاعِ ، وَالْوَاجِبُ مَا يَأْثَمُ بِتَرْكِهِ دُونَ مَا لَمْ يَأْثَمْ بِهِ .\rوَقَوْلُهُمْ : إنَّ الظُّهْرَ فَرْضُ الْوَقْتِ لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ الْأَصْلَ","part":4,"page":185},{"id":1685,"text":"لَوَجَبَ عَلَيْهِ فِعْلُهَا ، وَأَثِمَ بِتَرْكِهَا ، وَلَمْ تُجْزِهِ صَلَاةُ الْجُمُعَةِ مَعَ إمْكَانِهَا ، فَإِنَّ الْبَدَلَ لَا يُصَارُ إلَيْهِ إلَّا عِنْدَ تَعَذُّرِ الْمُبْدَلِ ، بِدَلِيلِ سَائِرِ الْأَبْدَالِ مَعَ مُبْدَلَاتِهَا ، وَلِأَنَّ الظُّهْرَ لَوْ صَحَّتْ لَمْ تَبْطُلْ بِالسَّعْيِ إلَى غَيْرِهَا ، كَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ الصَّحِيحَةِ ، وَلِأَنَّ الصَّلَاةَ إذَا صَحَّتْ بَرِئَتْ الذِّمَّةُ مِنْهَا ، وَأَسْقَطَتْ الْفَرْضَ عَمَّنْ صَلَّاهَا ، فَلَا يَجُوزُ اشْتِغَالُهَا بِهَا بَعْدَ ذَلِكَ ، وَلِأَنَّ الصَّلَاةَ إذَا فُرِغَ مِنْهَا لَمْ تَبْطُلْ بِشَيْءٍ مِنْ مُبْطِلَاتِهَا ، فَكَيْفَ تَبْطُلُ بِمَا لَيْسَ مِنْ مُبْطِلَاتِهَا ، وَلَا وَرَدَ الشَّرْعُ بِهِ فَأَمَّا إذَا فَاتَتْهُ الْجُمُعَةُ فَإِنَّهُ يَصِيرُ إلَى الظُّهْرِ ؛ لِأَنَّ الْجُمُعَةَ لَا يُمْكِنُ قَضَاؤُهَا ؛ لِأَنَّهَا لَا تَصِحُّ إلَّا بِشُرُوطِهَا ، وَلَا يُوجَدُ ذَلِكَ فِي قَضَائِهَا ، فَتَعَيَّنَ الْمَصِيرُ إلَى الظُّهْرِ عِنْدَ عَدَمِهَا ، وَهَذَا حَالُ الْبَدَلِ ( 1360 ) فَصْلٌ : فَإِنْ صَلَّى الظُّهْرِ ، ثُمَّ شَكَّ : هَلْ صَلَّى قَبْلَ صَلَاةِ الْإِمَامِ أَوْ بَعْدَهَا ؟ لَزِمَهُ إعَادَتُهَا ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الصَّلَاةِ فِي ذِمَّتِهِ ، فَلَا يَبْرَأُ مِنْهَا إلَّا بِيَقِينٍ ، وَلِأَنَّهُ ، صَلَّاهَا مَعَ الشَّكِّ فِي شَرْطِهَا ، فَلَمْ تَصِحَّ ، كَمَا لَوْ صَلَّاهَا مَعَ الشَّكِّ فِي طَهَارَتِهَا .\rوَإِنْ صَلَّاهَا مَعَ صَلَاةِ الْإِمَامِ لَمْ تَصِحَّ ؛ لِأَنَّهُ صَلَّاهَا قَبْلَ فَرَاغِ الْإِمَامِ مِنْهَا ، أَشْبَهَ مَا لَوْ صَلَّاهَا قَبْلَهُ فِي وَقْتٍ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يُدْرِكُهَا .\r( 1361 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا مَنْ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ الْجُمُعَةُ ، كَالْمُسَافِرِ ، وَالْعَبْدِ ، وَالْمَرْأَةِ ، وَالْمَرِيضِ ، وَسَائِرِ الْمَعْذُورِينَ ، فَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَ الظُّهْرَ قَبْلَ صَلَاةِ الْإِمَامِ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rوَقَالَ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ : لَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ قَبْلَ الْإِمَامِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَيَقَّنُ بَقَاءَ الْعُذْرِ ، فَلَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ كَغَيْرِ الْمَعْذُورِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ لَمْ يُخَاطَبْ بِالْجُمُعَةِ ، فَصَحَّتْ","part":4,"page":186},{"id":1686,"text":"مِنْهُ الظُّهْرُ ، كَمَا لَوْ كَانَ بَعِيدًا مِنْ مَوْضِعِ الْجُمُعَةِ .\rوَقَوْلُهُ : لَا يَتَيَقَّنُ بَقَاءُ الْعُذْرِ .\rقُلْنَا : أَمَّا الْمَرْأَةُ فَمَعْلُومٌ بَقَاءُ عُذْرِهَا ، وَأَمَّا غَيْرُهَا فَالظَّاهِرُ بَقَاءُ عُذْرِهِ ، وَالْأَصْلُ اسْتِمْرَارُهُ ، فَأَشْبَهَ الْمُتَيَمِّمَ إذَا صَلَّى فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ ، وَالْمَرِيضَ إذَا صَلَّى جَالِسًا ، إذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّهُ إنْ صَلَّاهَا ، ثُمَّ سَعَى إلَى الْجُمُعَةِ ، لَمْ تَبْطُلْ ظُهْرُهُ ، وَكَانَتْ الْجُمُعَةُ نَفْلًا فِي حَقِّهِ ، سَوَاءٌ زَالَ عُذْرُهُ أَوْ لَمْ يَزُلْ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : تَبْطُلُ ظُهْرُهُ بِالسَّعْيِ إلَيْهَا ، كَاَلَّتِي قَبْلَهَا .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى أَبُو الْعَالِيَةِ ، قَالَ : سَأَلْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الصَّامِتِ ، فَقُلْتُ : نُصَلِّي يَوْمَ الْجُمُعَةِ خَلْفَ أُمَرَاءَ فَيُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ ؟ فَقَالَ : سَأَلْتُ أَبَا ذَرٍّ عَنْ ذَلِكَ ، فَقَالَ : سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ ، فَقَالَ : { صَلُّوا الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا ، وَاجْعَلُوا صَلَاتَكُمْ مَعَهُمْ نَافِلَةً .\r} وَفِي لَفْظٍ : { فَإِنْ أَدْرَكْتَهَا مَعَهُمْ فَصَلِّ ، فَإِنَّهَا لَكَ نَافِلَةٌ } .\rوَلِأَنَّهَا صَلَاةٌ صَحِيحَةٌ أَسْقَطَتْ فَرْضَهُ ، وَأَبْرَأَتْ ذِمَّتَهُ ، فَأَشْبَهَتْ مَا لَوْ صَلَّى الظُّهْرَ مُنْفَرِدًا ، ثُمَّ سَعَى إلَى الْجَمَاعَةِ ، وَالْأَفْضَلُ أَنْ لَا يُصَلُّوا إلَّا بَعْدَ صَلَاةِ الْإِمَامِ ؛ لِيَخْرُجُوا مِنْ الْخِلَافِ ، وَلِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ زَوَالُ أَعْذَارِهِمْ ، فَيُدْرِكُونَ الْجُمُعَةَ .\r( 1362 ) فَصْلٌ : وَلَا يُكْرَهُ لِمَنْ فَاتَتْهُ الْجُمُعَةُ ، أَوْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ فَرْضِهَا ، أَنْ يُصَلِّيَ الظُّهْرَ فِي جَمَاعَةٍ إذَا أَمِنَ أَنْ يُنْسَبَ إلَى مُخَالَفَةِ الْإِمَامِ ، وَالرَّغْبَةِ عَنْ الصَّلَاةِ مَعَهُ ، أَوْ أَنَّهُ يَرَى الْإِعَادَةَ إذَا صَلَّى مَعَهُ .\rفَعَلَ ذَلِكَ ابْنُ مَسْعُودٍ ، وَأَبُو ذَرٍّ ، وَالْحَسَنُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ ، وَإِيَاسُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَعْمَشِ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَإِسْحَاقَ .\rوَكَرِهَهُ الْحَسَنُ ، وَأَبُو قِلَابَةَ ، وَمَالِكٌ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ،","part":4,"page":187},{"id":1687,"text":"لِأَنَّ زَمَنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَخْلُ مِنْ مَعْذُورِينَ ، فَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُمْ صَلَّوْا جَمَاعَةً .\rوَلَنَا قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ تَفْضُلُ صَلَاةَ الْفَذِّ بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً } وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ فَاتَتْهُ الْجُمُعَةُ ، فَصَلَّى بِعَلْقَمَةَ وَالْأَسْوَدِ وَاحْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ ، وَفَعَلَهُ مَنْ ذَكَرْنَا مِنْ قَبْلُ وَمُطَرِّفٌ ، وَإِبْرَاهِيمُ .\rقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ : مَا أَعْجَبَ النَّاسَ يُنْكِرُونَ هَذَا ، فَأَمَّا زَمَنُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يُنْقَلْ إلَيْنَا أَنَّهُ اجْتَمَعَ جَمَاعَةٌ مَعْذُورُونَ يَحْتَاجُونَ إلَى إقَامَةِ الْجَمَاعَةِ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ إعَادَتُهَا جَمَاعَةً فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا فِي مَسْجِدٍ تُكْرَهُ إعَادَةُ الْجَمَاعَةِ فِيهِ .\rوَتُكْرَهُ أَيْضًا فِي الْمَسْجِدِ الَّذِي أُقِيمَتْ فِيهِ الْجُمُعَةُ ؛ لِأَنَّهُ يُفْضِي إلَى النِّسْبَةِ إلَى الرَّغْبَةِ عَنْ الْجُمُعَةِ ، أَوْ أَنَّهُ لَا يَرَى الصَّلَاةَ خَلْفَ الْإِمَامِ ، أَوْ يُعِيدُ الصَّلَاةَ مَعَهُ فِيهِ ، وَفِيهِ افْتِيَاتٌ عَلَى الْإِمَامِ ، وَرُبَّمَا أَفْضَى إلَى فِتْنَةٍ ، أَوْ لِخَوْفِ ضَرَرٍ بِهِ وَبِغَيْرِهِ ، وَإِنَّمَا يُصَلِّيهَا فِي مَنْزِلِهِ ، أَوْ مَوْضِعٍ لَا تَحْصُلُ هَذِهِ الْمَفْسَدَةُ بِصَلَاتِهَا فِيهِ .","part":4,"page":188},{"id":1688,"text":"( 1363 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ أَتَى الْجُمُعَةَ أَنْ يَغْتَسِلَ ، وَيَلْبَسَ ثَوْبَيْنِ نَظِيفَيْنِ ، وَيَتَطَيَّبَ ) لَا خِلَافَ فِي اسْتِحْبَابِ ذَلِكَ ، وَفِيهِ آثَارٌ كَثِيرَةٌ صَحِيحَةٌ ، مِنْهَا مَا رَوَى سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَا يَغْتَسِلُ رَجُلٌ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ، وَيَتَطَهَّرُ مَا اسْتَطَاعَ مِنْ طُهْرٍ ، وَيَدَّهِنُ مِنْ دُهْنِهِ ، أَوْ يَمَسُّ مِنْ طِيبِ بَيْتِهِ ، ثُمَّ يَخْرُجُ ، فَلَا يُفَرِّقُ بَيْنَ اثْنَيْنِ ، ثُمَّ يُصَلِّي مَا كُتِبَ لَهُ ، ثُمَّ يُنْصِتُ إذَا تَكَلَّمَ الْإِمَامُ ، إلَّا غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ الْأُخْرَى } .\rرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ .\rوَلَيْسَ ذَلِكَ بِوَاجِبٍ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rقَالَ التِّرْمِذِيُّ : الْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ .\rوَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَمَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ ، وَقِيلَ : إنَّ هَذَا إجْمَاعٌ .\rقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : أَجْمَعَ عُلَمَاءُ الْمُسْلِمِينَ قَدِيمًا وَحَدِيثًا عَلَى أَنَّ غُسْلَ الْجُمُعَةِ لَيْسَ بِفَرْضٍ وَاجِبٍ .\rوَحُكِيَ عَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى ، أَنَّهُ وَاجِبٌ ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَعَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ وَقَاوَلَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ رَجُلًا ، فَقَالَ عَمَّارٌ : أَنَا إذًا أَشَرُّ مِمَّنْ لَا يَغْتَسِلُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَوَجْهُهُ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { غُسْلُ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ } ، وَقَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ { : مَنْ أَتَى مِنْكُمْ الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ } وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { حَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يَغْتَسِلَ فِي كُلِّ سَبْعَةِ أَيَّامٍ يَوْمًا ، يَغْسِلُ رَأْسَهُ وَجَسَدَهُ } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِنَّ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى سَمُرَةُ بْنُ جُنْدُبٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : {","part":4,"page":189},{"id":1689,"text":"مَنْ تَوَضَّأَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَبِهَا وَنِعْمَتْ ، وَمَنْ اغْتَسَلَ فَالْغُسْلُ أَفْضَلُ } رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَقَالَ : حَدِيثٌ حَسَنٌ .\rوَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ تَوَضَّأَ ، فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ ، ثُمَّ أَتَى الْجُمُعَةَ فَاسْتَمَعَ وَأَنْصَتَ ، غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ ، وَزِيَادَةُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ، وَمَنْ مَسَّ الْحَصَى فَقَدْ لَغَا } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَأَيْضًا فَإِنَّهُ إجْمَاعٌ ، حَيْثُ قَالَ عُمَرُ لِعُثْمَانَ : أَيَّةُ سَاعَةٍ هَذِهِ ؟ فَقَالَ : إنِّي شُغِلْتُ الْيَوْمَ فَلَمْ أَنْقَلِبْ إلَى أَهْلِي حَتَّى سَمِعْتُ النِّدَاءَ ، فَلَمْ أَزِدْ عَلَى الْوُضُوءِ ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ : وَالْوُضُوءُ أَيْضًا وَقَدْ عَلِمْتَ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَأْمُرُ بِالْغُسْلِ ؟ } وَلَوْ كَانَ وَاجِبًا لَرَدَّهُ ، وَلَمْ يَخْفَ عَلَى عُثْمَانَ وَعَلَى مَنْ حَضَرَ مِنْ الصَّحَابَةِ ، وَحَدِيثُهُمْ مَحْمُولٌ عَلَى تَأْكِيدِ النَّدْبِ ، وَلِذَلِكَ ذُكِرَ فِي سِيَاقِهِ : \" وَسِوَاكٌ ، وَأَنْ يَمَسَّ طِيبًا \" كَذَلِكَ رَوَاهُ مُسْلِمٌ .\rوَالسِّوَاكُ ، وَمَسُّ الطِّيبِ ، لَا يَجِبُ ، وَلِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْأَخْبَارِ ، وَقَالَتْ عَائِشَةُ : كَانَ النَّاسُ مَهَنَةَ أَنْفُسِهِمْ ، وَكَانُوا يَرُوحُونَ إلَى الْجُمُعَةِ بِهَيْئَتِهِمْ ، فَتَظْهَرُ لَهُمْ رَائِحَةٌ ، فَقِيلَ لَهُمْ : لَوْ اغْتَسَلْتُمْ .\rرَوَاهُ مُسْلِمٌ بِنَحْوِ هَذَا الْمَعْنَى ( 1364 ) فَصْلٌ : وَقْتُ الْغُسْلِ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ ، فَمَنْ اغْتَسَلَ بَعْدَ ذَلِكَ أَجْزَأَهُ ، وَإِنْ اغْتَسَلَ قَبْلَهُ لَمْ يُجْزِئْهُ ، وَهَذَا قَوْلُ مُجَاهِدٍ ، وَالْحَسَنِ ، وَالنَّخَعِيِّ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَإِسْحَاقَ وَحُكِيَ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ أَنَّهُ يُجْزِئُهُ الْغُسْلُ قَبْلَ الْفَجْرِ .\rوَعَنْ مَالِكٍ : أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ الْغُسْلُ إلَّا أَنْ يَتَعَقَّبَهُ الرَّوَاحُ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ } وَالْيَوْمُ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ ، وَإِنْ اغْتَسَلَ ، ثُمَّ","part":4,"page":190},{"id":1690,"text":"أَحْدَثَ ، أَجْزَأَهُ الْغُسْلُ ، وَكَفَاهُ الْوُضُوءُ ، وَهَذَا قَوْلُ مُجَاهِدٍ ، وَالْحَسَنِ ، وَمَالِكٍ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَالشَّافِعِيِّ .\rوَاسْتَحَبَّ طَاوُسٌ وَالزُّهْرِيُّ ، وَقَتَادَةُ ، وَيَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ ، إعَادَةَ الْغُسْلِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ، فَدَخَلَ فِي عُمُومِ الْخَبَرِ ، وَأَشْبَهَ مَنْ لَمْ يُحْدِثْ ، وَالْحَدَثُ إنَّمَا يُؤَثِّرُ فِي الطَّهَارَةِ الصُّغْرَى ، وَلَا يُؤَثِّرُ فِي الْمَقْصُودِ مِنْ الْغُسْلِ ، وَهُوَ التَّنْظِيفُ ، وَإِزَالَةُ الرَّائِحَةِ ، وَلِأَنَّهُ غُسْلٌ ، فَلَا يُؤَثِّرُ الْحَدَثُ فِي إبْطَالِهِ ، كَغُسْلِ الْجَنَابَةِ .\r( 1365 ) فَصْلٌ : وَيَفْتَقِرُ الْغُسْلُ إلَى النِّيَّةِ ؛ لِأَنَّهُ عِبَادَةُ مَحْضَةٌ ، فَافْتَقَرَ إلَى النِّيَّةِ ، كَتَجْدِيدِ الْوُضُوءِ ، فَإِنْ اغْتَسَلَ لِلْجُمُعَةِ وَالْجَنَابَةِ غُسْلًا وَاحِدًا وَنَوَاهُمَا ، أَجْزَأَهُ ، وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، وَمُجَاهِدٍ ، وَمَكْحُولٍ ، وَمَالِكٍ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي ثَوْرٍ .\rوَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَعْنَى قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { مَنْ غَسَّلَ وَاغْتَسَلَ } أَيْ : جَامَعَ وَاغْتَسَلَ ، وَلِأَنَّهُمَا غُسْلَانِ اجْتَمَعَا ، فَأَشْبَهَا غُسْلَ الْحَيْضِ وَالْجَنَابَةِ ، وَإِنْ اغْتَسَلَ لِلْجَنَابَةِ ، وَلَمْ يَنْوِ غُسْلَ الْجُمُعَةِ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ، أَحَدُهُمَا لَا يُجْزِئُهُ .\rوَرُوِيَ عَنْ بَعْضِ بَنِي أَبِي قَتَادَةَ ، أَنَّهُ دَخَلَ عَلَيْهِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ مُغْتَسِلًا ، فَقَالَ : لِلْجُمُعَةِ اغْتَسَلْتَ ؟ فَقَالَ : لَا ، وَلَكِنْ لِلْجَنَابَةِ .\rقَالَ : فَأَعِدْ غُسْلَ الْجُمُعَةِ .\rوَوَجْهُ ذَلِكَ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى } .\rوَالثَّانِي : يُجْزِئُهُ ، لِأَنَّهُ مُغْتَسِلٌ ، فَيَدْخُلُ فِي عُمُومِ الْحَدِيثِ ، وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ التَّنْظِيفُ ، وَهُوَ حَاصِلٌ بِهَذَا الْغُسْلِ ، وَقَدْ رُوِيَ فِي بَعْضِ الْحَدِيثِ : { مَنْ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ غُسْلَ الْجَنَابَةِ } ( 1366 ) فَصْلٌ : وَمَنْ لَا يَأْتِي","part":4,"page":191},{"id":1691,"text":"الْجُمُعَةَ فَلَا غُسْلَ عَلَيْهِ قَالَ أَحْمَدُ : لَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ غُسْلُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ ، وَعَلَى قِيَاسِهِنَّ الصِّبْيَانُ وَالْمُسَافِرُ وَالْمَرِيضُ .\rوَكَانَ ابْنُ عُمَرَ ، وَعَلْقَمَةُ ، لَا يَغْتَسِلَانِ فِي السَّفَرِ ، وَكَانَ طَلْحَةُ يَغْتَسِلُ وَرُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ ، وَطَاوُسٍ ، وَلَعَلَّهُمْ أَخَذُوا بِعُمُومِ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { غُسْلُ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ } وَغَيْرِهِ مِنْ الْأَخْبَارِ الْعَامَّةِ .\rوَلَنَا قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { مَنْ أَتَى الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ } وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ التَّنْظِيفُ ، وَقَطْعُ الرَّائِحَةِ حَتَّى لَا يَتَأَذَّى غَيْرُهُ بِهِ ، وَهَذَا مُخْتَصٌّ بِمَنْ أَتَى الْجُمُعَةَ ، وَالْأَخْبَارُ الْعَامَّةُ يُرَادُ بِهَا هَذَا ، وَلِهَذَا سَمَّاهُ غُسْلَ الْجُمُعَةِ ، وَمَنْ لَا يَأْتِيهَا لَا يَكُونُ غُسْلُهُ غُسْلَ الْجُمُعَةِ ، وَإِنْ أَتَاهَا أَحَدٌ مِمَّنْ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ اُسْتُحِبَّ لَهُ الْغُسْلُ لِعُمُومِ الْخَبَرِ ، وَوُجُودِ الْمَعْنَى فِيهِ .","part":4,"page":192},{"id":1692,"text":"( 1367 ) فَصْلٌ : وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَلْبَسَ ثَوْبَيْنِ نَظِيفَيْنِ ؛ لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ يَقُولُ : { مَا عَلَى أَحَدِكُمْ لَوْ اشْتَرَى ثَوْبَيْنِ لِيَوْمِ جُمُعَةٍ سِوَى ثَوْبَيْ مِهْنَتِهِ } رَوَاهُ مُسْلِمٌ ، وَأَبُو دَاوُد ، وَابْنُ مَاجَهْ وَجَاءَ فِي حَدِيثٍ : { مَنْ لَبِسَ أَحْسَنَ ثِيَابِهِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ، وَاغْتَسَلَ .\r} وَذَكَرَ الْحَدِيثَ .\rوَأَفْضَلُهَا الْبَيَاضُ ؛ لِقَوْلِهِ : عَلَيْهِ السَّلَامُ { خَيْرُ ثِيَابِكُمْ الْبَيَاضُ ، أَلْبِسُوهَا أَحْيَاءَكُمْ ، وَكَفِّنُوا فِيهَا مَوْتَاكُمْ } وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَعْتَمَّ وَيَرْتَدِيَ ، لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ ، وَالْإِمَامُ فِي هَذَا وَنَحْوِهِ آكَدُ مِنْ غَيْرِهِ ، لِأَنَّهُ الْمَنْظُورُ إلَيْهِ مِنْ بَيْنِ النَّاسِ .","part":4,"page":193},{"id":1693,"text":"( 1368 ) فَصْلٌ : وَالتَّطَيُّبُ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ ، وَالسِّوَاكُ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { غُسْلُ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ ، وَسِوَاكٌ ، وَأَنْ يَمَسَّ طِيبًا } .\rوَرَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : إنَّ هَذَا يَوْمُ عِيدٍ ، جَعَلَهُ اللَّهُ لِلْمُسْلِمِينَ ، فَمَنْ جَاءَ مِنْكُمْ إلَى الْجُمُعَةِ فَلْيَغْتَسِلْ ، وَإِنْ كَانَ طِيبٌ فَلْيَمَسَّ مِنْهُ ، وَعَلَيْكُمْ بِالسِّوَاكِ } وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَدَّهِنَ ، وَيَتَنَظَّفَ بِأَخْذِ الشَّعْرِ ، وَقَطْعِ الرَّائِحَةِ ؛ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ { : لَا يَغْتَسِلُ رَجُلٌ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ، وَيَتَطَهَّرُ مَا اسْتَطَاعَ مِنْ طُهْرٍ ، وَيَدَّهِنُ مِنْ دُهْنِهِ ، أَوْ يَمَسُّ مِنْ طِيبِ بَيْتِهِ ، ثُمَّ يَخْرُجُ فَلَا يُفَرِّقُ بَيْنَ اثْنَيْنِ ، ثُمَّ يُصَلِّي مَا كُتِبَ لَهُ ، ثُمَّ يُنْصِتُ إذَا تَكَلَّمَ الْإِمَامُ إلَّا غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ الْأُخْرَى .\r}","part":4,"page":194},{"id":1694,"text":"( 1369 ) فَصْلٌ : إذَا أَتَى الْمَسْجِدَ كُرِهَ لَهُ أَنْ يَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { فَلَا يُفَرِّقُ بَيْنَ اثْنَيْنِ .\r} وَقَوْلِهِ : { وَلَمْ يَتَخَطَّ رَقَبَةَ مُسْلِمٍ ، وَلَمْ يُؤْذِ أَحَدًا } .\rوَقَوْلِهِ فِي الَّذِي جَاءَ يَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ { : اجْلِسْ ، فَقَدْ آذَيْتَ وَآنَيْتَ } وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { مَنْ تَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ اتَّخَذَ جِسْرًا إلَى جَهَنَّمَ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَقَالَ : لَا نَعْرِفُهُ إلَّا مِنْ حَدِيثِ رِشْدِينَ بْنِ سَعْدٍ ، وَقَدْ ضَعَّفَهُ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ قِبَلِ حِفْظِهِ ، فَأَمَّا الْإِمَامُ إذَا لَمْ يَجِدْ طَرِيقًا ، فَلَا يُكْرَهُ لَهُ التَّخَطِّي ، لِأَنَّهُ مَوْضِعُ حَاجَةٍ .","part":4,"page":195},{"id":1695,"text":"( 1370 ) فَصْلٌ : فَإِنْ رَأَى فُرْجَةً لَا يَصِلُ إلَيْهَا إلَّا بِالتَّخَطِّي ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ : إحْدَاهُمَا ، لَهُ التَّخَطِّي .\rقَالَ أَحْمَدُ : يَدْخُلُ الرَّجُلُ مَا اسْتَطَاعَ ، وَلَا يَدَعُ بَيْنَ يَدَيْهِ مَوْضِعًا فَارِغًا ، فَإِنْ جَهِلَ فَتَرَكَ بَيْنَ يَدَيْهِ خَالِيًا فَلْيَتَخَطَّ الَّذِي يَأْتِي بَعْدَهُ ، وَيَتَجَاوَزْهُ إلَى الْمَوْضِعِ الْخَالِي ، فَإِنَّهُ لَا حُرْمَةَ لِمَنْ تَرَكَ بَيْنَ يَدَيْهِ خَالِيًا ، وَقَعَدَ فِي غَيْرِهِ .\rوَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : يَتَخَطَّاهُمْ إلَى السَّعَةِ .\rوَقَالَ قَتَادَةُ : يَتَخَطَّاهُمْ إلَى مُصَلَّاهُ .\rوَقَالَ الْحَسَنُ : تَخَطُّوا رِقَابَ الَّذِينَ يَجْلِسُونَ عَلَى أَبْوَابِ الْمَسَاجِدِ ، فَإِنَّهُ لَا حُرْمَةَ لَهُمْ ، وَعَنْ أَحْمَدَ ، رِوَايَةٌ أُخْرَى ، إنْ كَانَ يَتَخَطَّى الْوَاحِدَ وَالِاثْنَيْنِ فَلَا بَأْسَ ، لِأَنَّهُ يَسِيرٌ ، فَعُفِيَ عَنْهُ ، وَإِنْ كَثُرَ كَرِهْنَاهُ ، وَكَذَلِكَ قَالَ الشَّافِعِيُّ ، إلَّا أَنْ لَا يَجِدَ السَّبِيلَ إلَى مُصَلَّاهُ إلَّا بِأَنْ يَتَخَطَّى ، فَيَسَعُهُ التَّخَطِّي ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ، وَلَعَلَّ قَوْلَ أَحْمَدَ ، وَمَنْ وَافَقَهُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُولَى ، فِيمَا إذَا تَرَكُوا مَكَانًا وَاسِعًا ، مِثْلُ الَّذِينَ يَصُفُّونَ فِي آخِرِ الْمَسْجِدِ ، وَيَتْرُكُونَ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ صُفُوفًا خَالِيَةً ، فَهَؤُلَاءِ لَا حُرْمَةَ لَهُمْ كَمَا قَالَ الْحَسَنُ ؛ لِأَنَّهُمْ خَالَفُوا أَمْرَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَغِبُوا عَنْ الْفَضِيلَةِ وَخَيْرِ الصُّفُوفِ ، وَجَلَسُوا فِي شَرِّهَا ، وَلِأَنَّ تَخَطِّيَهُمْ مِمَّا لَا بُدَّ مِنْهُ ، وَقَوْلُهُ الثَّانِي فِي حَقِّ مَنْ لَمْ يُفَرِّطُوا ، وَإِنَّمَا جَلَسُوا فِي مَكَانِهِمْ ؛ لِامْتِلَاءِ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ ، لَكِنْ فِيهِ سَعَةٌ يُمْكِنُ الْجُلُوسُ فِيهِ لِازْدِحَامِهِمْ ، وَمَتَى كَانَ لَمْ يُمْكِنْ الصَّلَاةُ إلَّا بِالدُّخُولِ وَتَخَطِّيهِمْ ، جَازَ ؛ لِأَنَّهُ مَوْضِعُ حَاجَةٍ .","part":4,"page":196},{"id":1696,"text":"( 1371 ) فَصْلٌ : إذَا جَلَسَ فِي مَكَان ، ثُمَّ بَدَتْ لَهُ حَاجَةٌ ، أَوْ احْتَاجَ إلَى الْوُضُوءِ ، فَلَهُ الْخُرُوجُ .\r{ قَالَ عُقْبَةُ : صَلَّيْتُ وَرَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمَدِينَةِ الْعَصْرَ ، فَسَلَّمَ ، ثُمَّ قَامَ مُسْرِعًا ، فَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ إلَى حُجَرِ بَعْضِ نِسَائِهِ فَقَالَ : ذَكَرْتُ شَيْئًا مِنْ تِبْرٍ عِنْدَنَا فَكَرِهْتُ أَنْ يَحْبِسَنِي ، فَأَمَرْتُ بِقِسْمَتِهِ } رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ، فَإِذَا قَامَ مِنْ مَجْلِسِهِ ، ثُمَّ رَجَعَ إلَيْهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { مَنْ قَامَ مِنْ مَجْلِسِهِ ، ثُمَّ رَجَعَ إلَيْهِ ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ } .\rوَحُكْمُهُ فِي التَّخَطِّي إلَى مَوْضِعِهِ حُكْمُ مَنْ رَأَى بَيْنَ يَدَيْهِ فُرْجَةً .\r( 1372 ) فَصْلٌ : وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُقِيمَ إنْسَانًا وَيَجْلِسَ فِي مَوْضِعِهِ ، سَوَاءٌ كَانَ الْمَكَانُ رَاتِبًا لِشَخْصٍ يَجْلِسُ فِيهِ ، أَوْ مَوْضِعَ حَلْقَةٍ لِمَنْ يُحَدِّثُ فِيهَا ، أَوْ حَلْقَةً لِلْفُقَهَاءِ يَتَذَاكَرُونَ فِيهَا ، أَوْ لَمْ يَكُنْ ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ ، قَالَ : { نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُقِيمَ الرَّجُلُ - يَعْنِي أَخَاهُ - مِنْ مَقْعَدِهِ ، وَيَجْلِسَ فِيهِ .\r} مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَلِأَنَّ الْمَسْجِدَ بَيْتُ اللَّهِ ، وَالنَّاسُ فِيهِ سَوَاءٌ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ } فَمَنْ سَبَقَ إلَى مَكَان فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ سَبَقَ إلَى مَاءٍ لَمْ يَسْبِقْ إلَيْهِ مُسْلِمٌ ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَكَمَقَاعِدِ الْأَسْوَاقِ ، وَمَشَارِعِ الْمِيَاهِ وَالْمَعَادِنِ ، فَإِنْ قَدَّمَ صَاحِبًا لَهُ ، فَجَلَسَ فِي مَوْضِعٍ ، حَتَّى إذَا جَاءَ قَامَ النَّائِبُ وَأَجْلَسَهُ ، جَازَ ؛ لِأَنَّ النَّائِبَ يَقُومُ بِاخْتِيَارِهِ ، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ سِيرِينَ كَانَ يُرْسِلُ غُلَامًا لَهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ، فَيَجْلِسُ فِيهِ ، فَإِذَا جَاءَ مُحَمَّدٌ قَامَ الْغُلَامُ ، وَجَلَسَ مُحَمَّدٌ فِيهِ .\rفَإِنْ لَمْ يَكُنْ نَائِبًا فَقَامَ","part":4,"page":197},{"id":1697,"text":"لِيَجْلِسَ آخَرُ فِي مَكَانِهِ ، فَلَهُ الْجُلُوسُ فِيهِ ؛ لِأَنَّهُ قَامَ بِاخْتِيَارِ نَفْسِهِ ، فَأَشْبَهَ النَّائِبَ .\rوَأَمَّا الْقَائِمُ فَإِنْ انْتَقَلَ إلَى مِثْلِ مَكَانِهِ الَّذِي آثَرَ بِهِ فِي الْقُرْبِ ، وَسَمَاعِ الْخُطْبَةِ ، فَلَا بَأْسَ ، وَإِنْ انْتَقَلَ إلَى مَا دُونَهُ ، كُرِهَ لَهُ ؛ لِأَنَّهُ يُؤْثِرُ عَلَى نَفْسِهِ فِي الدِّينِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يُكْرَهَ ؛ لِأَنَّ تَقْدِيمَ أَهْلِ الْفَضْلِ إلَى مَا يَلِي الْإِمَامَ مَشْرُوعٌ ، وَلِذَلِكَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لِيَلِنِي مِنْكُمْ أُولُو الْأَحْلَامِ وَالنُّهَى } وَلَوْ آثَرَ شَخْصًا بِمَكَانِهِ ، لَمْ يَجُزْ لِغَيْرِهِ أَنْ يَسْبِقَهُ إلَيْهِ ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لِلْجَالِسِ آثَرَ بِهِ غَيْرَهُ فَقَامَ مَقَامَهُ فِي اسْتِحْقَاقِهِ ، كَمَا لَوْ يَحْجُرُ مَوَاتًا ، أَوْ سَبَقَ إلَيْهِ ، ثُمَّ آثَرَ غَيْرَهُ بِهِ .\rوَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ نَحْوَ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الْقَائِمَ أَسْقَطَ حَقَّهُ بِالْقِيَامِ ، فَبَقِيَ عَلَى الْأَصْلِ ، فَكَانَ السَّابِقُ إلَيْهِ أَحَقَّ بِهِ ، كَمَنْ وَسَّعَ لِرَجُلٍ فِي طَرِيقٍ ، فَمَرَّ غَيْرُهُ ، وَمَا قُلْنَا أَصَحُّ ، وَيُفَارِقُ التَّوْسِعَةَ فِي الطَّرِيقِ ، لِأَنَّهَا إنَّمَا جُعِلَتْ لِلْمُرُورِ فِيهَا ، فَمَنْ انْتَقَلَ مِنْ مَكَان فِيهَا لَمْ يَبْقَ لَهُ فِيهِ حَقٌّ يُؤْثِرُ بِهِ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْمَسْجِدُ ، فَإِنَّهُ لِلْإِقَامَةِ فِيهِ ، وَلَا يَسْقُطُ حَقُّ الْمُنْتَقِلِ مِنْ مَكَانِهِ إذَا انْتَقَلَ لِحَاجَةٍ ، وَهَذَا إنَّمَا انْتَقَلَ مُؤْثِرًا لِغَيْرِهِ ، فَأَشْبَهَ النَّائِبَ الَّذِي بَعَثَهُ إنْسَانٌ لِيَجْلِسَ فِي مَوْضِعٍ يَحْفَظُهُ لَهُ .\rوَلَوْ كَانَ الْجَالِسُ مَمْلُوكًا ، لَمْ يَكُنْ لِسَيِّدِهِ أَنْ يُقِيمَهُ ؛ لِعُمُومِ الْخَبَرِ ، وَلِأَنَّ هَذَا لَيْسَ بِمَالٍ ، وَهُوَ حَقٌّ دِينِيٌّ ، فَاسْتَوَى هُوَ وَسَيِّدُهُ فِيهِ ، كَالْحُقُوقِ الدِّينِيَّةِ كُلِّهَا ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":4,"page":198},{"id":1698,"text":"( 1373 ) فَصْلٌ : وَإِنْ فَرَشَ مُصَلَّى لَهُ فِي مَكَان ، فَفِيهِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا ، يَجُوزُ رَفْعُهُ ، وَالْجُلُوسُ فِي مَوْضِعِهِ ، لِأَنَّهُ لَا حُرْمَةَ لَهُ ، وَلِأَنَّ السَّبْقَ بِالْأَجْسَامِ ، لَا بِالْأَوْطِئَةِ وَالْمُصَلَّيَاتِ ، وَلِأَنَّ تَرْكَهُ يُفْضِي إلَى أَنَّ صَاحِبَهُ يَتَأَخَّرُ ، ثُمَّ يَتَخَطَّى رِقَابَ الْمُصَلِّينَ ، وَرَفْعُهُ يَنْفِي ذَلِكَ وَالثَّانِي : لَا يَجُوزُ ؛ لِأَنَّ ؛ فِيهِ افْتِيَاتًا عَلَى صَاحِبِهِ ، رُبَّمَا أَفْضَى إلَى الْخُصُومَةِ ، وَلِأَنَّهُ سَبَقَ إلَيْهِ ، فَكَانَ كَمُحْتَجِرِ الْمَوَاتِ .","part":4,"page":199},{"id":1699,"text":"( 1374 ) فَصْلٌ : وَيُسْتَحَبُّ الدُّنُوُّ مِنْ الْإِمَامِ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ غَسَّلَ وَاغْتَسَلَ ، وَبَكَّرَ ، وَابْتَكَرَ ، وَمَشَى وَلَمْ يَرْكَبْ ، وَدَنَا مِنْ الْإِمَامِ فَاسْتَمَعَ ، وَلَمْ يَلْغُ ، كَانَ لَهُ بِكُلِّ خُطْوَةٍ عَمَلُ سَنَةٍ ، أَجْرُ صِيَامِهَا وَقِيَامِهَا } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ .\rوَهَذَا لَفْظُهُ .\rوَعَنْ سَمُرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { اُحْضُرُوا الذِّكْرَ ، وَادْنُوا مِنْ الْإِمَامِ ، فَإِنَّ الرَّجُلَ لَا يَزَالُ يَتَبَاعَدُ حَتَّى يُؤَخَّرَ فِي الْجَنَّةِ ، وَإِنْ دَخَلَهَا } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَلِأَنَّهُ أَمْكَنُ لَهُ مِنْ السَّمَاعِ .","part":4,"page":200},{"id":1700,"text":"( 1375 ) فَصْلٌ : وَتُكْرَهُ الصَّلَاةُ فِي الْمَقْصُورَةِ الَّتِي تُحْمَى نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ إذَا حَضَرَتْ الصَّلَاةُ ، وَهُوَ فِي الْمَقْصُورَةِ ، خَرَجَ .\rوَكَرِهَهُ الْأَحْنَفُ ، وَابْنُ مُحَيْرِيزٍ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَإِسْحَاقُ وَرَخَّصَ فِيهَا أَنَسٌ ، وَالْحَسَنُ ، وَالْحُسَيْنُ ، وَالْقَاسِمُ ، وَسَالِمٌ ، وَنَافِعٌ ، لِأَنَّهُ مَكَانٌ مِنْ الْجَامِعِ ، فَلَمْ تُكْرَهْ الصَّلَاةُ فِيهِ ، كَسَائِرِ الْمَسْجِدِ .\rوَوَجْهُ الْأَوَّلِ ، أَنَّهُ يُمْنَعُ النَّاسُ مِنْ الصَّلَاةِ فِيهِ ، كَالْمَغْصُوبِ ، فَكُرِهَ لِذَلِكَ فَأَمَّا إنْ كَانَتْ لَا تُحْمَى ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا تُكْرَهَ الصَّلَاةُ فِيهَا ، لِعَدَمِ شَبَهِ الْغَصْبِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ تُكْرَهَ ؛ لِأَنَّهَا تَقْطَعُ الصُّفُوفَ ، فَأَشْبَهَتْ مَا بَيْنَ السَّوَارِي .\rوَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ فِي الصَّفِّ الْأَوَّلِ ، فَقَالَ فِي مَوْضِعٍ : هُوَ الَّذِي يَلِي الْمَقْصُورَةَ ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُورَةَ تُحْمَى .\rوَقَالَ : مَا أَدْرِي هَلْ الصَّفُّ الْأَوَّلُ الَّذِي يَقْطَعُهُ الْمِنْبَرُ ، أَوْ الَّذِي يَلِيهِ ؟ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ الَّذِي يَقْطَعُهُ الْمِنْبَرُ ، لِأَنَّهُ هُوَ الْأَوَّلُ فِي الْحَقِيقَةِ ، وَلَوْ كَانَ الْأَوَّلُ مَا دُونَهُ أَفْضَى إلَى خُلُوِّ مَا يَلِي الْإِمَامَ .\rوَلِأَنَّ أَصْحَابَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَلِيهِ فُضَلَاؤُهُمْ ، وَلَوْ كَانَ الصَّفُّ الْأَوَّلُ وَرَاءَ الْمِنْبَرِ ، لَوَقَفُوا فِيهِ .","part":4,"page":201},{"id":1701,"text":"( 1376 ) فَصْلٌ : وَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ نَعَسَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ، أَنْ يَتَحَوَّلَ عَنْ مَوْضِعِهِ ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ ، قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : { إذَا نَعَسَ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فِي مَجْلِسِهِ ، فَلْيَتَحَوَّلْ إلَى غَيْرِهِ } رَوَاهُ أَبُو مَسْعُودٍ أَحْمَدُ بْنُ الْفُرَاتِ ، فِي \" سُنَنِهِ \" ، وَالْإِمَامُ أَحْمَدُ ، فِي \" مُسْنَدِهِ \" وَلِأَنَّ تَحَوُّلَهُ عَنْ مَجْلِسِهِ يَصْرِفُ عَنْهُ النَّوْمَ .","part":4,"page":202},{"id":1702,"text":"( 1377 ) فَصْلٌ : وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُكْثِرَ مِنْ الصَّلَاةِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { أَكْثِرُوا الصَّلَاةَ عَلَيَّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ؛ فَإِنَّهُ مَشْهُودٌ تَشْهَدُهُ الْمَلَائِكَةُ } .\rرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ .\rوَعَنْ أَوْسِ بْنِ أَوْسٍ قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { أَفْضَلُ أَيَّامِكُمْ يَوْمُ الْجُمُعَةِ ، فِيهِ خُلِقَ آدَم ، وَفِيهِ قُبِضَ ، وَفِيهِ النَّفْخَةُ ، وَفِيهِ الصَّعْقَةُ ، فَأَكْثِرُوا عَلَيَّ مِنْ الصَّلَاةِ فِيهِ ، فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ مَعْرُوضَةٌ عَلَيَّ .\rقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ : وَكَيْفَ تُعْرَضُ صَلَاتُنَا عَلَيْكَ وَقَدْ أَرِمْتَ ، أَيْ بَلِيتَ .\rقَالَ : إنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ حَرَّمَ عَلَى الْأَرْضِ أَجْسَادَ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمْ السَّلَامُ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .","part":4,"page":203},{"id":1703,"text":"( 1378 ) فَصْلٌ : وَيُسْتَحَبُّ قِرَاءَةُ الْكَهْفِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ قَرَأَ الْكَهْفَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَهُوَ مَعْصُومٌ إلَى ثَمَانِيَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ فِتْنَةٍ ، فَإِنْ خَرَجَ الدَّجَّالُ عُصِمَ مِنْهُ } .\rرَوَاهُ زَيْدُونُ بْنُ عَلِيٍّ فِي كِتَابِهِ بِإِسْنَادِهِ .\rوَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، أَنَّهُ قَالَ : مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْكَهْفِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَضَاءَ لَهُ مِنْ النُّورِ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ الْعَتِيقِ .\rوَقَالَ خَالِدُ بْنُ مَعْدَانَ : مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْكَهْفِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ الْإِمَامُ كَانَتْ لَهُ كَفَّارَةَ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ ، وَبَلَغَ نُورُهَا الْبَيْتَ الْعَتِيقَ .","part":4,"page":204},{"id":1704,"text":"( 1379 ) فَصْلٌ : يُسْتَحَبُّ الْإِكْثَارُ مِنْ الدُّعَاءِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ، لَعَلَّهُ يُوَافِقُ سَاعَةَ الْإِجَابَةِ ، { لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَكَرَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ، فَقَالَ : فِيهِ سَاعَةٌ لَا يُوَافِقُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ وَهُوَ يُصَلِّي ، يَسْأَلُ اللَّهَ شَيْئًا ، إلَّا أَعْطَاهُ إيَّاهُ } .\rوَأَشَارَ بِيَدِهِ يُقَلِّلُهَا ، وَفِي لَفْظٍ : { وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي .\r} مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَاخْتُلِفَ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ ، وَطَاوُسٌ : هِيَ آخِرُ سَاعَةٍ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ .\rوَفَسَّرَ ابْنُ سَلَامٍ الصَّلَاةَ بِانْتِظَارِهَا .\rوَرُوِيَ مَرْفُوعًا ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَرُوِيَ عَنْ { عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ قَالَ : قُلْتُ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَالِسٌ : إنَّا لَنَجِدُ فِي كِتَابِ اللَّهِ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ سَاعَةً لَا يُوَافِقُهَا عَبْدٌ مُؤْمِنٌ يُصَلِّي يَسْأَلُ اللَّهَ فِيهَا شَيْئًا إلَّا قَضَى اللَّهُ حَاجَتَهُ .\rقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ : فَأَشَارَ إلَيَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ بَعْضُ سَاعَةٍ .\rفَقُلْتُ : صَدَقْتَ أَوْ بَعْضُ سَاعَةٍ .\rقُلْتُ : أَيُّ سَاعَةٍ هِيَ ؟ قَالَ : هِيَ آخِرُ سَاعَةٍ مِنْ سَاعَاتِ النَّهَارِ .\rقُلْتُ : إنَّهَا لَيْسَتْ سَاعَةَ صَلَاةٍ .\rقَالَ : بَلَى ، إنَّ الْعَبْدَ الْمُؤْمِنَ إذَا صَلَّى ، ثُمَّ جَلَسَ لَا يُجْلِسُهُ إلَّا الصَّلَاةُ ، فَهُوَ فِي صَلَاةٍ } .\rرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَيَكُونُ الْقِيَامُ عَلَى هَذَا بِمَعْنَى الْمُلَازَمَةِ وَالْإِقَامَةِ ، كَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَمِنْهُمْ مَنْ إنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إلَيْكَ إلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا } .\rوَعَنْ أَنَسٍ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { الْتَمِسُوا السَّاعَةَ الَّتِي تُرْجَى فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ بَعْدَ الْعَصْرِ إلَى غَيْبُوبَةِ الشَّمْسِ } .\rأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ .\rوَقِيلَ : هِيَ مَا بَيْنَ أَنْ يَجْلِسَ الْإِمَامُ إلَى أَنْ يَقْضِيَ الصَّلَاةَ ؛ لِمَا رَوَى أَبُو مُوسَى ، قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ","part":4,"page":205},{"id":1705,"text":"صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { : هِيَ مَا بَيْنَ أَنْ يَجْلِسَ الْإِمَامُ إلَى أَنْ يَقْضِيَ الصَّلَاةَ } .\rرَوَاهُ مُسْلِمٌ ، وَعَنْ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ الْمُزَنِيّ ، قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ { : فِي الْجُمُعَةِ سَاعَةٌ مِنْ النَّهَارِ ، لَا يَسْأَلُ الْعَبْدُ فِيهَا شَيْئًا إلَّا أُعْطِيَ سُؤْلَهُ .\rقِيلَ : أَيُّ سَاعَةٍ هِيَ ؟ قَالَ : حِينَ تُقَامُ الصَّلَاةُ إلَى الِانْصِرَافِ مِنْهَا } .\rقَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ .\rفَعَلَى هَذَا التَّفْسِيرِ تَكُونُ السَّاعَةُ مُخْتَلِفَةً ، فَتَكُونُ فِي حَقِّ كُلِّ قَوْمٍ فِي وَقْتِ صَلَاتِهِمْ .\rوَقِيلَ : هِيَ مَا بَيْنَ الْفَجْرِ إلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ ، وَمِنْ الْعَصْرِ إلَى غُرُوبِهَا .\rوَقِيلَ : هِيَ السَّاعَةُ الثَّالِثَةُ مِنْ النَّهَارِ .\rوَقَالَ كَعْبٌ : لَوْ قَسَّمَ الْإِنْسَانُ جُمَعَهُ فِي جُمَعٍ أَتَى عَلَى تِلْكَ السَّاعَةِ .\rوَقِيلَ هِيَ مُتَنَقِّلَةٌ فِي الْيَوْمِ .\rوَقَالَ ابْنُ عُمَرَ : إنَّ طَلَبَ حَاجَةٍ فِي يَوْمٍ لَيَسِيرٌ .\rوَقِيلَ : أَخْفَى اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ السَّاعَةَ لِيَجْتَهِدَ عِبَادُهُ فِي دُعَائِهِ فِي جَمِيعِ الْيَوْمِ طَلَبًا لَهَا ، كَمَا أَخْفَى لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي لَيَالِي رَمَضَانَ ، وَأَوْلِيَاءَهُ فِي الْخَلْقِ ، لِيُحْسَنَ الظَّنُّ بِالصَّالِحِينَ كُلِّهِمْ .","part":4,"page":206},{"id":1706,"text":"( 1380 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَإِنْ صَلَّوْا الْجُمُعَةَ قَبْلَ الزَّوَالِ فِي السَّاعَةِ السَّادِسَةِ ، أَجْزَأَتْهُمْ ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ ، فِي السَّاعَةِ الْخَامِسَةِ .\rوَالصَّحِيحُ فِي السَّاعَةِ السَّادِسَةِ .\rوَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ صَلَاتُهَا فِيمَا قَبْلَ السَّادِسَةِ .\rوَرُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَجَابِرٍ ، وَسَعِيدٍ ، وَمُعَاوِيَةَ ، أَنَّهُمْ صَلَّوْهَا قَبْلَ الزَّوَالِ .\rوَقَالَ الْقَاضِي ، وَأَصْحَابُهُ : يَجُوزُ فِعْلُهَا فِي وَقْتِ صَلَاةِ الْعِيدِ .\rوَرَوَى ذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : نَذْهَبُ إلَى أَنَّهَا كَصَلَاةِ الْعِيدِ .\rوَقَالَ مُجَاهِدٌ : مَا كَانَ لِلنَّاسِ عِيدٌ إلَّا فِي أَوَّلِ النَّهَارِ .\rوَقَالَ عَطَاءٌ : كُلُّ عِيدٍ حِينَ يَمْتَدُّ الضُّحَى ؛ الْجُمُعَةُ ، وَالْأَضْحَى ، وَالْفِطْرُ ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ، أَنَّهُ قَالَ : { مَا كَانَ عِيدٌ إلَّا فِي أَوَّلِ النَّهَارِ ، وَلَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي بِنَا الْجُمُعَةَ فِي ظِلِّ الْحَطِيمِ } .\rرَوَاهُ ابْنُ الْبَخْتَرِيِّ فِي \" أَمَالِيهِ \" بِإِسْنَادِهِ .\rوَرُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَمُعَاوِيَةَ ، أَنَّهُمَا صَلَّيَا الْجُمُعَةَ ضُحًى ، وَقَالَا : إنَّمَا عَجَّلْنَا خَشْيَةَ الْحَرِّ عَلَيْكُمْ .\rوَرَوَى الْأَثْرَمُ حَدِيثَ ابْنِ مَسْعُودٍ .\rوَلِأَنَّهَا عِيدٌ فَجَازَتْ فِي وَقْتِ الْعِيدِ ، كَالْفِطْرِ وَالْأَضْحَى وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهَا عِيدٌ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إنَّ هَذَا يَوْمٌ جَعَلَهُ اللَّهُ عِيدًا لِلْمُسْلِمِينَ } .\rوَقَوْلُهُ : { قَدْ اجْتَمَعَ لَكُمْ فِي يَوْمِكُمْ هَذَا عِيدَانِ } .\rوَقَالَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ : وَقْتُهَا وَقْتُ الظُّهْرِ ، إلَّا أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ تَعْجِيلُهَا فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا ؛ لِقَوْلِ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ : { كُنَّا نُجَمِّعُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا زَالَتْ الشَّمْسُ ، ثُمَّ نَرْجِعُ نَتْبَعُ الْفَيْءَ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَقَالَ أَنَسٌ : { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي الْجُمُعَةَ حِينَ تَمِيلُ","part":4,"page":207},{"id":1707,"text":"الشَّمْسُ } .\rرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ .\rوَلِأَنَّهُمَا صَلَاتَا وَقْتٍ ، فَكَانَ وَقْتُهُمَا وَاحِدًا ، كَالْمَقْصُورَةِ وَالتَّامَّةِ ، وَلِأَنَّ إحْدَاهُمَا بَدَلٌ عَنْ الْأُخْرَى ، وَقَائِمَةٌ مَقَامَهَا ، فَأَشْبَهَا الْأَصْلَ الْمَذْكُورَ ، وَلِأَنَّ آخِرَ وَقْتِهِمَا وَاحِدٌ ، فَكَانَ أَوَّلُهُ وَاحِدًا ، كَصَلَاةِ الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ .\rوَلَنَا ، عَلَى جَوَازِهَا فِي السَّادِسَةِ السُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ ؛ أَمَّا السُّنَّةُ فَمَا رَوَى جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، قَالَ : { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي - يَعْنِي الْجُمُعَةَ - ثُمَّ نَذْهَبُ إلَى جِمَالِنَا فَنُرِيحُهَا حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ .\r} أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ .\rوَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ، قَالَ : { مَا كُنَّا نُقِيلُ وَلَا نَتَغَدَّى إلَّا بَعْدَ الْجُمُعَةِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ : لَا يُسَمَّى غَدَاءٌ ، وَلَا قَائِلَةٌ بَعْدَ الزَّوَالِ .\rوَعَنْ سَلَمَةَ ، قَالَ : { كُنَّا نُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْجُمُعَةَ ، ثُمَّ نَنْصَرِفُ وَلَيْسَ لِلْحِيطَانِ فَيْءٌ .\r} رَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَأَمَّا الْإِجْمَاعُ ، فَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ وَكِيعٍ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ بُرْقَانَ ، عَنْ ثَابِتِ بْنِ الْحَجَّاجِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سِيدَانَ ، قَالَ : شَهِدْتُ الْخُطْبَةَ مَعَ أَبِي بَكْرٍ ، فَكَانَتْ صَلَاتُهُ وَخُطْبَتُهُ قَبْلَ نِصْفِ النَّهَارِ ، وَشَهِدْتُهَا مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، فَكَانَتْ صَلَاتُهُ وَخُطْبَتُهُ إلَى أَنْ أَقُولَ قَدْ انْتَصَفَ النَّهَارُ ، ثُمَّ صَلَّيْتُهَا مَعَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ، فَكَانَتْ صَلَاتُهُ وَخُطْبَتُهُ إلَى أَنْ أَقُولَ قَدْ زَالَ النَّهَارُ ، فَمَا رَأَيْتُ أَحَدًا عَابَ ذَلِكَ وَلَا أَنْكَرَهُ .\rقَالَ : وَكَذَلِكَ رُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَجَابِرٍ ، وَسَعِيدٍ ، وَمُعَاوِيَةَ ، أَنَّهُمْ صَلَّوْا قَبْلَ الزَّوَالِ ، وَأَحَادِيثُهُمْ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَلَهَا بَعْدَ الزَّوَالِ فِي كَثِيرٍ مِنْ أَوْقَاتِهِ ، وَلَا خِلَافَ فِي","part":4,"page":208},{"id":1708,"text":"جَوَازِهِ ، وَأَنَّهُ الْأَفْضَلُ وَالْأَوْلَى ، وَأَحَادِيثُنَا تَدُلُّ عَلَى جَوَازِ فِعْلِهَا قَبْلَ الزَّوَالِ ، وَلَا تَنَافِيَ بَيْنَهُمَا .\rوَأَمَّا فِي أَوَّلِ النَّهَارِ ، فَالصَّحِيحُ أَنَّهَا لَا تَجُوزُ ، لِمَا ذَكَرَهُ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَلِأَنَّ التَّوْقِيتَ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِدَلِيلٍ ، مِنْ نَصٍّ ، أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ ، وَمَا ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا عَنْ خُلَفَائِهِ ، أَنَّهُمْ صَلَّوْهَا فِي أَوَّلِ النَّهَارِ ، وَلِأَنَّ مُقْتَضَى الدَّلِيلِ كَوْنُ وَقْتِهَا وَقْتَ الظُّهْرِ ، وَإِنَّمَا جَازَ تَقْدِيمُهَا عَلَيْهِ بِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الدَّلِيلِ ، وَهُوَ مُخْتَصٌّ بِالسَّاعَةِ السَّادِسَةِ ، فَلَمْ يَجُزْ تَقْدِيمُهَا عَلَيْهَا ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .\rوَلِأَنَّهَا لَوْ صُلِّيَتْ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ لَفَاتَتْ أَكْثَرَ الْمُصَلِّينَ ، فَإِنَّ الْعَادَةَ اجْتِمَاعُهُمْ لَهَا عِنْدَ الزَّوَالِ ، وَإِنَّمَا يَأْتِيهَا ضُحًى آحَادٌ مِنْ النَّاسِ ، وَعَدَدٌ يَسِيرٌ ، كَمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ أَتَى الْجُمُعَةَ ، فَوَجَدَ أَرْبَعَةً قَدْ سَبَقُوهُ ، فَقَالَ : رَابِعُ أَرْبَعَةٍ ، وَمَا رَابِعُ أَرْبَعَةٍ بِبَعِيدٍ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَالْأَوْلَى أَنْ لَا تُصَلَّى إلَّا بَعْدَ الزَّوَالِ ؛ لِيَخْرُجَ مِنْ الْخِلَافِ ، وَيَفْعَلُهَا فِي الْوَقْتِ الَّذِي كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَفْعَلُهَا فِيهِ فِي أَكْثَرِ أَوْقَاتِهِ ، وَيُعَجِّلُهَا فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا فِي الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُعَجِّلُهَا ، بِدَلِيلِ الْأَخْبَارِ الَّتِي رَوَيْنَاهَا ، وَلِأَنَّ النَّاسَ يَجْتَمِعُونَ لَهَا فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا ، وَيُبَكِّرُونَ إلَيْهَا قَبْلَ وَقْتِهَا ، فَلَوْ انْتَظَرَ الْإِبْرَادَ بِهَا لَشَقَّ عَلَى الْحَاضِرِينَ ، وَإِنَّمَا جُعِلَ الْإِبْرَادُ بِالظُّهْرِ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ دَفْعًا لِلْمَشَقَّةِ الَّتِي يَحْصُلُ أَعْظَمُ مِنْهَا بِالْإِبْرَادِ بِالْجُمُعَةِ .","part":4,"page":209},{"id":1709,"text":"( 1381 ) فَصْلٌ : وَإِنْ اتَّفَقَ عِيدٌ فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ ، سَقَطَ حُضُورُ الْجُمُعَةِ عَمَّنْ صَلَّى الْعِيدَ ، إلَّا الْإِمَامَ ، فَإِنَّهَا لَا تَسْقُطُ عَنْهُ إلَّا أَنْ لَا يَجْتَمِعَ لَهُ مَنْ يُصَلِّي بِهِ الْجُمُعَةَ .\rوَقِيلَ : فِي وُجُوبِهَا عَلَى الْإِمَامِ رِوَايَتَانِ وَمِمَّنْ قَالَ بِسُقُوطِهَا الشَّعْبِيُّ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ .\rوَقِيلَ : هَذَا مَذْهَبُ عُمَرَ ، وَعُثْمَانَ ، وَعَلِيٍّ ، وَسَعِيدٍ ، وَابْنِ عُمَرَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ ، وَقَالَ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ تَجِبُ الْجُمُعَةُ ؛ لِعُمُومِ الْآيَةِ ، وَالْأَخْبَارِ الدَّالَّةِ عَلَى وُجُوبِهَا وَلِأَنَّهُمَا صَلَاتَانِ وَاجِبَتَانِ ، فَلَمْ تَسْقُطْ إحْدَاهُمَا بِالْأُخْرَى ، كَالظُّهْرِ مَعَ الْعِيدِ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى إيَاسُ بْنُ أَبِي رَمْلَةَ الشَّامِيُّ ، قَالَ : { شَهِدْتُ مُعَاوِيَةَ يَسْأَلُ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ : هَلْ شَهِدْتَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِيدَيْنِ اجْتَمَعَا فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ ؟ قَالَ : نَعَمْ .\rقَالَ : فَكَيْفَ صَنَعَ ؟ قَالَ : صَلَّى الْعِيدَ ، ثُمَّ رَخَّصَ فِي الْجُمُعَةِ ، فَقَالَ : مَنْ شَاءَ أَنْ يُصَلِّيَ فَلْيُصَلِّ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَالْإِمَامُ أَحْمَدُ ، وَلَفْظُهُ { مَنْ شَاءَ أَنْ يُجَمِّعَ فَلْيُجَمِّعْ } .\rوَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { : اجْتَمَعَ فِي يَوْمِكُمْ هَذَا عِيدَانِ ، فَمَنْ شَاءَ أَجْزَأَهُ مِنْ الْجُمُعَةِ ، وَإِنَّا مُجَمِّعُونَ } .\rرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ .\rوَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحْوُ ذَلِكَ .\rوَلِأَنَّ الْجُمُعَةَ إنَّمَا زَادَتْ عَنْ الظُّهْرِ بِالْخُطْبَةِ ، وَقَدْ حَصَلَ سَمَاعُهَا فِي الْعِيدِ ، فَأَجْزَأَ عَنْ سَمَاعِهَا ثَانِيًا ، وَلِأَنَّ وَقْتَهُمَا وَاحِدٌ بِمَا بَيَّنَّاهُ ، فَسَقَطَتْ إحْدَاهُمَا بِالْأُخْرَى ، كَالْجُمُعَةِ مَعَ الظُّهْرِ ، وَمَا احْتَجُّوا بِهِ مَخْصُوصٌ بِمَا رَوَيْنَاهُ ، وَقِيَاسُهُمْ مَنْقُوضٌ بِالظُّهْرِ مَعَ الْجُمُعَةِ ، فَأَمَّا الْإِمَامُ فَلَمْ تَسْقُطْ عَنْهُ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى","part":4,"page":210},{"id":1710,"text":"اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { وَإِنَّا مُجَمِّعُونَ } وَلِأَنَّهُ لَوْ تَرَكَهَا لَامْتَنَعَ فِعْلُ الْجُمُعَةِ فِي حَقِّ مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ ، وَمَنْ يُرِيدُهَا مِمَّنْ سَقَطَتْ عَنْهُ ، بِخِلَافِ غَيْرِهِ مِنْ النَّاسِ .\r( 1382 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَدَّمَ الْجُمُعَةَ فَصَلَّاهَا فِي وَقْتِ الْعِيدِ ، فَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ ، قَالَ : تُجْزِئُ الْأُولَى مِنْهُمَا ، فَعَلَى هَذَا تُجْزِئُهُ عَنْ الْعِيدِ وَالظُّهْرِ ، وَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ إلَى الْعَصْرِ عِنْدَ مَنْ جَوَّزَ الْجُمُعَةَ فِي وَقْتِ الْعِيدِ .\rوَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَطَاءٍ ، قَالَ : اجْتَمَعَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ وَيَوْمُ فِطْرٍ عَلَى عَهْدِ ابْنِ الزُّبَيْرِ ، فَقَالَ : عِيدَانِ قَدْ اجْتَمَعَا فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ ، فَجَمَّعَهُمَا وَصَلَّاهُمَا رَكْعَتَيْنِ بُكْرَةً ، فَلَمْ يَزِدْ عَلَيْهِمَا حَتَّى صَلَّى الْعَصْرَ .\rوَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ فِعْلُ ابْنِ الزُّبَيْرِ ، فَقَالَ : أَصَابَ السُّنَّةَ .\rقَالَ الْخَطَّابِيُّ : وَهَذَا لَا يَجُوزُ أَنْ يُحْمَلَ إلَّا عَلَى قَوْلِ مَنْ يَذْهَبُ إلَى تَقْدِيمِ الْجُمُعَةِ قَبْلَ الزَّوَالِ ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ ابْنُ الزُّبَيْرِ قَدْ صَلَّى الْجُمُعَةَ فَسَقَطَ الْعِيدُ ، وَالظُّهْرُ ، وَلِأَنَّ الْجُمُعَةَ إذَا سَقَطَتْ مَعَ تَأَكُّدِهَا ، فَالْعِيدُ أَوْلَى أَنْ يَسْقُطَ بِهَا ، أَمَّا إذَا قَدَّمَ الْعِيدَ فَإِنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى أَنْ يُصَلِّيَ الظُّهْرَ فِي وَقْتِهَا إذَا لَمْ يُصَلِّ الْجُمُعَةَ .","part":4,"page":211},{"id":1711,"text":"( 1383 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَتَجِبُ الْجُمُعَةُ عَلَى مَنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجَامِعِ فَرْسَخٌ ) هَذَا فِي حَقِّ غَيْرِ أَهْلِ الْمِصْرِ ، أَمَّا أَهْلُ الْمِصْرِ فَيَلْزَمُهُمْ كُلَّهُمْ الْجُمُعَةُ ، بَعُدُوا أَوْ قَرُبُوا .\rقَالَ أَحْمَدُ : أَمَّا أَهْلُ الْمِصْرِ فَلَا بُدَّ لَهُمْ مِنْ شُهُودِهَا ، سَمِعُوا النِّدَاءَ أَوْ لَمْ يَسْمَعُوا ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْبَلَدَ الْوَاحِدَ بُنِيَ لِلْجُمُعَةِ ، فَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْقَرِيبِ وَالْبَعِيدِ ، وَلِأَنَّ الْمِصْرَ لَا يَكَادُ يَكُونُ أَكْثَرَ مِنْ فَرْسَخٍ ، فَهُوَ فِي مَظِنَّةِ الْقُرْبِ ، فَاعْتُبِرَ ذَلِكَ .\rوَهَذَا قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ ، وَنَحْوُهُ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ .\rفَأَمَّا غَيْرُ أَهْلِ الْمِصْرِ ، فَمَنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجَامِعِ فَرْسَخٌ فَمَا دُونَ ، فَعَلَيْهِ الْجُمُعَةُ ، وَإِنْ كَانَ أَبْعَدَ فَلَا جُمُعَةَ عَلَيْهِ .\rوَرُوِيَ نَحْوُ هَذَا عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَاللَّيْثِ .\rوَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، قَالَ : الْجُمُعَةُ عَلَى مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ .\rوَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَإِسْحَاقَ ؛ لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { الْجُمُعَةُ عَلَى مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَالْأَشْبَهُ أَنَّهُ مِنْ كَلَامِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { قَالَ لِلْأَعْمَى الَّذِي قَالَ : لَيْسَ لِي قَائِدٌ يَقُودُنِي : أَتَسْمَعُ النِّدَاءَ ؟ قَالَ : نَعَمْ .\rقَالَ : فَأَجِبْ } .\rوَلِأَنَّ مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ دَاخِلٌ فِي عُمُومِ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إلَى ذِكْرِ اللَّهِ } .\rوَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ، وَأَنَسٍ ، وَالْحَسَنِ ، وَنَافِعٍ ، وَعِكْرِمَةَ ، وَالْحَكَمِ وَعَطَاءٍ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، أَنَّهُمْ قَالُوا : الْجُمُعَةُ عَلَى مَنْ آوَاهُ اللَّيْلُ إلَى أَهْلِهِ ؛ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { الْجُمُعَةُ عَلَى","part":4,"page":212},{"id":1712,"text":"مَنْ آوَاهُ اللَّيْلُ إلَى أَهْلِهِ } .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ : لَا جُمُعَةَ عَلَى مَنْ كَانَ خَارِجَ الْمِصْرِ ؛ لِأَنَّ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ صَلَّى الْعِيدَ فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ ، ثُمَّ قَالَ لِأَهْلِ الْعَوَالِي : مَنْ أَرَادَ مِنْكُمْ أَنْ يَنْصَرِفَ فَلْيَنْصَرِفْ ، وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُقِيمَ حَتَّى يُصَلِّيَ الْجُمُعَةَ فَلْيُقِمْ .\rوَلِأَنَّهُمْ خَارِجُ الْمِصْرِ ، فَأَشْبَهَ أَهْلَ الْحِلَلِ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { إذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إلَى ذِكْرِ اللَّهِ } .\rوَهَذَا يَتَنَاوَلُ غَيْرَ أَهْلِ الْمِصْرِ إذَا سَمِعُوا النِّدَاءَ ، وَحَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، وَلِأَنَّ غَيْرَ أَهْلِ الْمِصْرِ يَسْمَعُونَ النِّدَاءَ ، وَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْجُمُعَةِ ، فَلَزِمَهُمْ السَّعْيُ إلَيْهَا ، كَأَهْلِ الْمِصْرِ .\rوَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ غَيْرُ صَحِيحٍ ، يَرْوِيهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيُّ ، وَهُوَ ضَعِيفٌ ، قَالَ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ : ذَكَرْتُ هَذَا الْحَدِيثَ لِأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ، فَغَضِبَ ، وَقَالَ : اسْتَغْفِرْ رَبَّكَ ، اسْتَغْفِرْ رَبَّكَ .\rوَإِنَّمَا فَعَلَ أَحْمَدُ هَذَا ، لِأَنَّهُ لَمْ يَرَ الْحَدِيثَ شَيْئًا لِحَالِ إسْنَادِهِ .\rقَالَ ذَلِكَ التِّرْمِذِيُّ .\rوَأَمَّا تَرْخِيصُ عُثْمَانَ لِأَهْلِ الْعَوَالِي فَلِأَنَّهُ إذَا اجْتَمَعَ عِيدَانِ اُجْتُزِئَ بِالْعِيدِ ، وَسَقَطَتْ الْجُمُعَةُ عَمَّنْ حَضَرَهُ ، عَلَى مَا قَرَّرْنَاهُ فِيمَا مَضَى .\rوَأَمَّا اعْتِبَارُ أَهْلِ الْقُرَى بِأَهْلِ الْحِلَلِ فَلَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ أَهْلَ الْحِلَلِ غَيْرُ مُسْتَوْطِنِينَ ، وَلَا هُمْ سَاكِنُونَ بِقَرْيَةٍ ، وَلَا فِي مَوْضِعٍ جُعِلَ لِلِاسْتِيطَانِ .\rوَأَمَّا اعْتِبَارُ حَقِيقَةِ النِّدَاءِ فَلَا يُمْكِنُ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ مِنْ النَّاسِ الْأَصَمُّ وَثَقِيلُ السَّمْعِ ، وَقَدْ يَكُونُ النِّدَاءُ بَيْنَ يَدَيْ الْمِنْبَرِ ، فَلَا يَسْمَعُهُ إلَّا مَنْ فِي الْجَامِعِ ، وَقَدْ يَكُونُ الْمُؤَذِّنُ خَفِيَّ الصَّوْتِ ، أَوْ فِي يَوْمٍ ذِي رِيحٍ ، وَيَكُونُ الْمُسْتَمِعُ نَائِمًا أَوْ مَشْغُولًا بِمَا يَمْنَعُ السَّمَاعَ ، فَلَا يَسْمَعُ ، وَيَسْمَعُ مَنْ","part":4,"page":213},{"id":1713,"text":"هُوَ أَبْعَدُ مِنْهُ ، فَيُفْضِي إلَى وُجُوبِهَا عَلَى الْبَعِيدِ دُونَ الْقَرِيبِ ، وَمَا هَذَا سَبِيلُهُ يَنْبَغِي أَنْ يُقَدَّرَ بِمِقْدَارٍ لَا يَخْتَلِفُ ، وَالْمَوْضِعُ الَّذِي يُسْمَعُ مِنْهُ النِّدَاءُ فِي الْغَالِبِ - إذَا كَانَ الْمُنَادِي صَيِّتًا ، فِي مَوْضِعٍ عَالٍ ، وَالرِّيحُ سَاكِنَةٌ ، وَالْأَصْوَاتُ هَادِئَةٌ ، وَالْمُسْتَمِعُ سَمِيعٌ غَيْرُ سَاهٍ وَلَا لَاهٍ - فَرْسَخٌ ، أَوْ مَا قَارَبَهُ ، فَحُدَّ بِهِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .\r( 1384 ) فَصْلٌ : وَأَهْلُ الْقَرْيَةِ لَا يَخْلُونَ مِنْ حَالَيْنِ : إمَّا أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمِصْرِ أَكْثَرُ مِنْ فَرْسَخٍ ، أَوْ لَا ، فَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمْ أَكْثَرُ مِنْ فَرْسَخٍ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِمْ السَّعْيُ إلَيْهِ ، وَحَالُهُمْ مُعْتَبَرٌ بِأَنْفُسِهِمْ ، فَإِنْ كَانُوا أَرْبَعِينَ وَاجْتَمَعَتْ فِيهِمْ شَرَائِطُ الْجُمُعَةِ ، فَعَلَيْهِمْ إقَامَتُهَا ، وَهُمْ مُخَيَّرُونَ بَيْنَ السَّعْيِ إلَى الْمِصْرِ ، وَبَيْنَ إقَامَتِهَا فِي قَرْيَتِهِمْ ، وَالْأَفْضَلُ إقَامَتُهَا ؛ لِأَنَّهُ مَتَى سَعَى بَعْضُهُمْ أَخَلَّ عَلَى الْبَاقِينَ الْجُمُعَةَ ، وَإِذَا أَقَامُوا حَضَرَهَا جَمِيعُهُمْ ، وَفِي إقَامَتِهَا بِمَوْضِعِهِمْ تَكْثِيرُ جَمَاعَاتِ الْمُسْلِمِينَ .\rوَإِنْ كَانُوا مِمَّنْ لَا تَجِبُ عَلَيْهِمْ الْجُمُعَةُ بِأَنْفُسِهِمْ فَهُمْ مُخَيَّرُونَ بَيْنَ السَّعْيِ إلَيْهَا ، وَبَيْنَ أَنْ يُصَلُّوا ظُهْرًا ، وَالْأَفْضَلُ السَّعْيُ إلَيْهَا ، لِيَنَالَ فَضْلَ السَّاعِي إلَى الْجُمُعَةِ وَيَخْرُجَ مِنْ الْخِلَافِ .\rوَالْحَالُ الثَّانِي ، أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمِصْرِ فَرْسَخٌ فَمَا دُونَ ، فَيُنْظَرُ فِيهِمْ ، فَإِنْ كَانُوا أَقَلَّ مِنْ أَرْبَعِينَ فَعَلَيْهِمْ السَّعْيُ إلَى الْجُمُعَةِ ، لِمَا قَدَّمْنَا .\rوَإِنْ كَانُوا مِمَّنْ تَجِبُ عَلَيْهِمْ الْجُمُعَةُ بِأَنْفُسِهِمْ ، وَكَانَ مَوْضِعُ الْجُمُعَةِ الْقَرِيبُ مِنْهُمْ قَرْيَةً أُخْرَى ، لَمْ يَلْزَمْهُمْ السَّعْيُ إلَيْهَا ، وَصَلَّوْا فِي مَكَانِهِمْ ، إذْ لَيْسَتْ إحْدَى الْقَرْيَتَيْنِ بِأَوْلَى مِنْ الْأُخْرَى .\rوَإِنْ أَحَبُّوا السَّعْيَ إلَيْهَا ، جَازَ ، وَالْأَفْضَلُ أَنْ يُصَلُّوا فِي مَكَانِهِمْ ، كَمَا ذَكَرْنَا","part":4,"page":214},{"id":1714,"text":"مِنْ قَبْلُ .\rفَإِنْ سَعَى بَعْضُهُمْ فَنَقَصَ عَدَدُ الْبَاقِينَ ، لَزِمَهُمْ السَّعْيُ ؛ لِئَلَّا يُؤَدِّيَ إلَى تَرْكِ الْجُمُعَةِ مِمَّنْ تَجِبُ عَلَيْهِ .\rوَإِنْ كَانَ مَوْضِعُ الْجُمُعَةِ الْقَرِيبُ مِصْرًا ، فَهُمْ مُخَيَّرُونَ أَيْضًا بَيْنَ السَّعْيِ إلَى الْمِصْرِ ، وَبَيْنَ إقَامَةِ الْجُمُعَةِ فِي مَكَانِهِمْ ، كَاَلَّتِي قَبْلَهَا .\rذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّ السَّعْيَ يَلْزَمُهُمْ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُمْ عُذْرٌ فَيُصَلُّونَ جُمُعَةً .\rوَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ؛ لِأَنَّ أَهْلَ الْقَرْيَةِ لَا تَنْعَقِدُ بِهِمْ جُمُعَةُ أَهْلِ الْمِصْرِ ، فَكَانَ لَهُمْ إقَامَةُ الْجُمُعَةِ فِي مَكَانِهِمْ ، كَمَا لَوْ سَمِعُوا النِّدَاءَ مِنْ قَرْيَةٍ أُخْرَى ، وَلِأَنَّ أَهْلَ الْقُرَى يُقِيمُونَ الْجُمَعَ فِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ ، وَإِنْ كَانُوا قَرِيبًا مِنْ الْمِصْرِ ، مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ .","part":4,"page":215},{"id":1715,"text":"( 1385 ) فَصْلٌ : وَإِذَا كَانَ أَهْلُ الْمِصْرِ دُونَ الْأَرْبَعِينَ ، فَجَاءَهُمْ أَهْلُ الْقَرْيَةِ ، فَأَقَامُوا الْجُمُعَةَ فِي الْمِصْرِ ، لَمْ يَصِحَّ ؛ لِأَنَّ أَهْلَ الْقَرْيَةِ غَيْرُ مُسْتَوْطِنِينَ فِي الْمِصْرِ ، وَأَهْلُ الْمِصْرِ لَا تَنْعَقِدُ بِهِمْ الْجُمُعَةُ لِقِلَّتِهِمْ .\rوَإِنْ كَانَ أَهْلُ الْقَرْيَةِ مِمَّنْ تَجِبُ عَلَيْهِمْ الْجُمُعَةُ بِأَنْفُسِهِمْ لَزِمَ أَهْلَ الْمِصْرِ السَّعْيُ إلَيْهِمْ ، لِأَنَّهُمْ مِمَّنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَوْضِعِ الْجُمُعَةِ أَقَلُّ مِنْ فَرْسَخٍ ، فَلَزِمَهُمْ السَّعْيُ إلَيْهَا ، كَمَا يَلْزَمُ أَهْلَ الْقَرْيَةِ السَّعْيُ إلَى الْمِصْرِ إذَا أُقِيمَتْ بِهِ وَكَانَ أَهْلُ الْقَرْيَةِ دُونَ الْأَرْبَعِينَ .\rوَإِنْ كَانَ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا دُونَ الْأَرْبَعِينَ ، لَمْ يَجُزْ إقَامَةُ الْجُمُعَةِ فِي وَاحِدٍ مِنْهُمَا .","part":4,"page":216},{"id":1716,"text":"( 1386 ) فَصْلٌ : وَمَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ الْجُمُعَةُ لَا يَجُوزُ لَهُ السَّفَرُ بَعْدَ دُخُولِ وَقْتِهَا .\rوَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَجُوزُ .\rوَسُئِلَ الْأَوْزَاعِيُّ عَنْ مُسَافِرٍ يَسْمَعُ أَذَانَ الْجُمُعَةِ ، وَقَدْ أَسْرَجَ دَابَّتَهُ ، فَقَالَ : لِيَمْضِ فِي سَفَرِهِ ؛ لِأَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : الْجُمُعَةُ لَا تَحْبِسُ عَنْ سَفَرٍ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { مَنْ سَافَرَ مِنْ دَارِ إقَامَةٍ يَوْمَ الْجُمُعَةِ دَعَتْ عَلَيْهِ الْمَلَائِكَةُ ، لَا يُصْحَبُ فِي سَفَرِهِ ، وَلَا يُعَانُ عَلَى حَاجَتِهِ } رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي الْأَفْرَادِ .\rوَهَذَا وَعِيدٌ لَا يَلْحَقُ بِالْمُبَاحِ .\rوَلِأَنَّ الْجُمُعَةَ قَدْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ ، فَلَمْ يَجُزْ لَهُ الِاشْتِغَالُ بِمَا يَمْنَعُ مِنْهَا ، كَاللَّهْوِ ، وَالتِّجَارَةِ ، وَمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ ، فَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِهِ وَعَائِشَةَ ، أَخْبَارٌ تَدُلُّ عَلَى كَرَاهِيَةِ السَّفَرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ، فَتُعَارِضُ قَوْلَهُ ، ثُمَّ نَحْمِلُهُ عَلَى السَّفَرِ قَبْلَ الْوَقْتِ .\r( 1387 ) فَصْلٌ : وَإِنْ سَافَرَ قَبْلَ الْوَقْتِ ، فَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ فِيهِ ثَلَاثَ رِوَايَاتٍ : إحْدَاهَا ، الْمَنْعُ لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ .\rوَالثَّانِيَةَ ، الْجَوَازُ : وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ ، وَابْنِ سِيرِينَ ، وَأَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، لِقَوْلِ عُمَرَ ، وَلِأَنَّ الْجُمُعَةَ لَمْ تَجِبْ ، فَلَمْ يَحْرُمْ السَّفَرُ كَاللَّيْلِ .\rوَالثَّالِثَةَ ، يُبَاحُ لِلْجِهَادِ دُونَ غَيْرِهِ .\rوَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الْقَاضِي ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجَّهَ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ ، وَجَعْفَرَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ فِي جَيْشِ مُؤْتَةَ ، فَتَخَلَّفَ عَبْدُ اللَّهِ ، فَرَآهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : مَا خَلَّفَكَ ؟ قَالَ : الْجُمُعَةُ .\rفَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَرَوْحَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ قَالَ : غَدْوَةٌ ، خَيْرٌ مِنْ","part":4,"page":217},{"id":1717,"text":"الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا .\rقَالَ : فَرَاحَ مُنْطَلِقًا .\r} رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ، فِي \" الْمُسْنَدِ \" .\rوَالْأَوْلَى الْجَوَازُ مُطْلَقًا ؛ لِأَنَّ ذِمَّتَهُ بَرِيئَةٌ مِنْ الْجُمُعَةِ فَلَمْ يَمْنَعْهُ إمْكَانُ وُجُوبِهَا عَلَيْهِ كَمَا قَبْلَ يَوْمِهَا .\rوَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ أَنَّ الْوَقْتَ الَّذِي يَمْنَعُ السَّفَرَ ، وَيُخْتَلَفُ فِيمَا قَبْلَهُ ، زَوَالُ الشَّمْسِ .\rوَلَمْ يُفَرِّقْ الْقَاضِي بَيْنَ مَا قَبْلَ الزَّوَالِ وَمَا بَعْدَهُ .\rوَلَعَلَّهُ بَنَى عَلَى أَنَّ وَقْتَهَا وَقْتُ الْعِيدِ ، وَوَجْهُ قَوْلِ أَبِي الْخَطَّابِ عَلَى أَنَّ تَقْدِيمَهَا رُخْصَةٌ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ ، فَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ حُكْمُ الْمَنْعِ ، كَتَقْدِيمِ الْآخِرَةِ مِنْ الْمَجْمُوعَتَيْنِ إلَى وَقْتِ الْأُولَى .\r( 1388 ) فَصْلٌ : وَإِنْ خَافَ الْمُسَافِرُ فَوَاتِ رُفْقَتِهِ ، جَازَ لَهُ تَرْكُ الْجُمُعَةِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ الْأَعْذَارِ الْمُسْقِطَةِ لِلْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَةِ ، وَسَوَاءٌ كَانَ فِي بَلَدِهِ فَأَرَادَ إنْشَاءَ السَّفَرِ ، أَوْ فِي غَيْرِهِ .","part":4,"page":218},{"id":1718,"text":"( 1389 ) فَصْلٌ : قَالَ أَحْمَدُ : إنْ شَاءَ صَلَّى بَعْدَ الْجُمُعَةِ رَكْعَتَيْنِ ، وَإِنْ شَاءَ صَلَّى أَرْبَعًا ، وَفِي رِوَايَةٍ : وَإِنْ شَاءَ سِتًّا ، وَكَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ يَرَوْنَ أَنْ يُصَلِّيَ بَعْدَهَا أَرْبَعًا ؛ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ كَانَ مِنْكُمْ مُصَلِّيًا بَعْدَ الْجُمُعَةِ فَلْيُصَلِّ بَعْدَهَا أَرْبَعًا } .\rرَوَاهُ مُسْلِمٌ .\rوَعَنْ عَلِيٍّ ، وَأَبِي مُوسَى ، وَعَطَاءٍ ، وَمُجَاهِدٍ ، وَحُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَالثَّوْرِيِّ ، أَنَّهُ يُصَلِّي سِتًّا ، لِمَا رُوِيَ { عَنْ ابْنِ عُمَرَ : أَنَّهُ كَانَ إذَا كَانَ بِمَكَّةَ ، فَصَلَّى الْجُمُعَةَ ، تَقَدَّمَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ، ثُمَّ تَقَدَّمَ فَصَلَّى أَرْبَعًا ، وَإِذَا كَانَ فِي الْمَدِينَةِ صَلَّى الْجُمُعَةَ ، ثُمَّ رَجَعَ إلَى بَيْتِهِ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ، وَلَمْ يُصَلِّ فِي الْمَسْجِدِ ، فَقِيلَ لَهُ ، فَقَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَفْعَلُ ذَلِكَ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَلَنَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ كُلَّهُ ، بِدَلِيلِ مَا رُوِيَ مِنْ الْأَخْبَارِ ، وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُصَلِّي بَعْدَ الْجُمُعَةِ رَكْعَتَيْنِ .\r} مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ : وَكَانَ لَا يُصَلِّي فِي الْمَسْجِدِ حَتَّى يَنْصَرِفَ ، فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ فِي بَيْتِهِ .\rوَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مَهْمَا فَعَلَ مِنْ ذَلِكَ كَانَ حَسَنًا : قَالَ أَحْمَدُ ، فِي رِوَايَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ : وَلَوْ صَلَّى مَعَ الْإِمَامِ ثُمَّ لَمْ يُصَلِّ شَيْئًا حَتَّى صَلَّى الْعَصْرَ ، كَانَ جَائِزًا .\rقَدْ فَعَلَهُ عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ .\rوَقَالَ ، فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد : يُعْجِبُنِي أَنْ يُصَلِّيَ .\rيَعْنِي بَعْدَ الْجُمُعَةِ .","part":4,"page":219},{"id":1719,"text":"( 1390 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا الصَّلَاةُ قَبْلَ الْجُمُعَةِ ، فَلَا أَعْلَمُ فِيهِ إلَّا مَا رُوِيَ { ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَرْكَعُ مِنْ قَبْلِ الْجُمُعَةِ أَرْبَعًا } .\rأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ .\rوَرَوَى عَمْرُو بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : كُنْتُ أَلْقَى أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِذَا زَالَتْ الشَّمْسُ قَامُوا فَصَلَّوْا أَرْبَعًا .\rقَالَ أَبُو بَكْرٍ : كُنَّا نَكُونُ مَعَ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ فِي الْجُمُعَةِ ، فَيَقُولُ : أَزَالَتْ الشَّمْسُ بَعْدُ ؟ وَيَلْتَفِتُ وَيَنْظُرُ فَإِذَا زَالَتْ الشَّمْسُ ، صَلَّى الْأَرْبَعَ الَّتِي قَبْلَ الْجُمُعَةِ .\rوَعَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ، أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي قَبْلَ الْجُمُعَةِ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ ، وَبَعْدَهَا أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ .\rرَوَاهُ سَعِيدٌ .\r( 1391 ) فَصْلٌ : وَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ أَرَادَ الرُّكُوعَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَنْ يَفْصِلَ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ بِكَلَامٍ ، أَوْ انْتِقَالٍ مِنْ مَكَانِهِ ، أَوْ خُرُوجٍ إلَى مَنْزِلِهِ ؛ لِمَا رَوَى السَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ ابْنُ أُخْتِ النَّمِرِ ، قَالَ : { صَلَّيْتُ مَعَ مُعَاوِيَةَ الْجُمُعَةَ فِي الْمَقْصُورَةِ ، فَلَمَّا سَلَّمَ الْإِمَامُ قُمْتُ فِي مَقَامِي فَصَلَّيْتُ ، فَلَمَّا دَخَلَ أَرْسَلَ إلَيَّ ، فَقَالَ : لَا تَعُدْ لِمَا فَعَلْتَ ، إذَا صَلَّيْتَ الْجُمُعَةَ فَلَا تَصِلْهَا بِصَلَاةٍ ، حَتَّى تَتَكَلَّمَ أَوْ تَخْرُجَ ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَنَا بِذَلِكَ ، أَنْ لَا نُوصِلَ صَلَاةً حَتَّى نَتَكَلَّمَ أَوْ نَخْرُجَ } .\rأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ .\rوَعَنْ نَافِعٍ ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ رَأَى رَجُلًا يُصَلِّي يَوْمَ الْجُمُعَةِ رَكْعَتَيْنِ ، فَدَفَعَهُ ، وَقَالَ : أَتُصَلِّي الْجُمُعَةَ أَرْبَعًا ؟ { وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ يُصَلِّي يَوْمَ الْجُمُعَةِ رَكْعَتَيْنِ فِي بَيْتِهِ ، وَيَقُولُ : هَكَذَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ .\rصَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ }","part":4,"page":220},{"id":1720,"text":"( 1392 ) فَصْلٌ : قَالَ أَحْمَدُ : إذَا كَانُوا يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ عَلَى النَّاسِ بَعْدَ الصَّلَاةِ ، أَعْجَبُ إلَيَّ أَنْ يَسْمَعَ إذَا كَانَ فَتْحًا مِنْ فُتُوحِ الْمُسْلِمِينَ ، أَوْ كَانَ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ فَلْيَسْتَمِعْ ، وَإِنْ كَانَ شَيْئًا إنَّمَا فِيهِ ذِكْرُهُمْ فَلَا يَسْتَمِعْ .\rوَقَالَ فِي الَّذِينَ يُصَلُّونَ فِي الطُّرُقَاتِ : إذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمْ بَابٌ مُغْلَقٌ فَلَا بَأْسَ .\rوَسُئِلَ عَنْ رَجُلٍ يُصَلِّي خَارِجًا مِنْ الْمَسْجِدِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ، وَأَبْوَابُ الْمَسْجِدِ مُغْلَقَةٌ ، قَالَ : أَرْجُو أَنْ لَا يَكُونَ بِهِ بَأْسٌ .\rوَسُئِلَ عَنْ الرَّجُلِ يُصَلِّي يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ الْإِمَامِ سُتْرَةٌ .\rقَالَ : إذَا لَمْ يَكُنْ يَقْدِرُ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ .\rوَقَالَ : إذَا دَخَلُوا يَوْمَ الْجُمُعَةِ فِي دَارٍ فِي الرَّحْبَةِ ، فَأَغْلَقُوا عَلَيْهِمْ الْبَابَ ، فَلَمْ يَقْدِرُوا أَنْ يَخْرُجُوا ، وَكَانُوا يَسْمَعُونَ التَّكْبِيرَ ، فَإِنْ كَانَ الْبَابُ مَفْتُوحًا وَيَرَوْنَ النَّاسَ ، كَانَ جَائِزًا ، وَيُعِيدُونَ الصَّلَاةَ إذَا كَانَ مُغْلَقًا ؛ لِأَنَّ هَؤُلَاءِ لَمْ يَكُونُوا مَعَ صَلَاةِ الْإِمَامِ .\rوَهَذَا ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ، لِأَنَّهُمْ إذَا كَانُوا فِي دَارٍ وَلَمْ يَرَوْا الْإِمَامَ ، كَانُوا مُتَحَيِّزِينَ عَنْ الْجَمَاعَةِ ، فَإِذَا اتَّفَقَ مَعَ ذَلِكَ عَدَمُ الرُّؤْيَةِ ، لَمْ يَصِحَّ .\rوَأَمَّا إنْ كَانُوا فِي الرَّحْبَةِ أَوْ الطَّرِيقِ ، فَلَيْسَ بَيْنَهُمْ إلَّا بَابُ الْمَسْجِدِ ، وَيَسْمَعُونَ حِسَّ الْجَمَاعَةِ ، وَلَمْ يَفُتْ إلَّا الرُّؤْيَةُ ، فَلَمْ يَمْنَعْ مِنْ الِاقْتِدَاءِ .","part":4,"page":221},{"id":1721,"text":"( 1393 ) فَصْلٌ : وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْرَأَ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ \" الم \" وَ \" هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ \" نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقْرَأُ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَلَمْ تَنْزِيلُ وَ هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنْ الدَّهْرِ } رَوَاهُمَا مُسْلِمٌ .\rقَالَ أَحْمَدُ ، رَحِمَهُ اللَّهُ : وَلَا أُحِبُّ أَنْ يُدَاوِمَ عَلَيْهَا ، لِئَلَّا يَظُنَّ النَّاسُ أَنَّهَا مُفَضَّلَةٌ بِسَجْدَةٍ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يُسْتَحَبَّ الْمُدَاوَمَةُ عَلَيْهَا ؛ لِأَنَّ لَفْظَ الْخَبَرِ يَدُلُّ عَلَيْهَا ، وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا عَمِلَ عَمَلًا أَثْبَتَهُ ، وَدَامَ عَلَيْهِ ، وَكَانَ عَمَلُهُ دِيمَةً .","part":4,"page":222},{"id":1722,"text":"بَابُ صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ .\rالْأَصْلُ فِي صَلَاةِ الْعِيدِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ ؛ أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ } .\rالْمَشْهُورُ فِي التَّفْسِيرِ أَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ صَلَاةُ الْعِيدِ .\rوَأَمَّا السُّنَّةُ فَثَبَتَ بِالتَّوَاتُرِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُصَلِّي صَلَاةَ الْعِيدَيْنِ .\rقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : { شَهِدْتُ صَلَاةَ الْفِطْرِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبِي بَكْرٍ ، وَعُمَرَ ، فَكُلُّهُمْ يُصَلِّيهَا قَبْلَ الْخُطْبَةِ .\r} وَعَنْهُ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى الْعِيدَ بِغَيْرِ أَذَانٍ وَلَا إقَامَةٍ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا .\rوَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ .\rوَصَلَاةُ الْعِيدِ فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ ، فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ ، إذَا قَامَ بِهَا مَنْ يَكْفِي سَقَطَتْ عَنْ الْبَاقِينَ ، وَإِنْ اتَّفَقَ أَهْلُ بَلَدٍ عَلَى تَرْكِهَا قَاتَلَهُمْ الْإِمَامُ .\rوَبِهِ قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : هِيَ وَاجِبَةٌ عَلَى الْأَعْيَانِ ، وَلَيْسَتْ فَرْضًا ، لِأَنَّهَا صَلَاةٌ شُرِعَتْ لَهَا الْخُطْبَةُ ، فَكَانَتْ وَاجِبَةً عَلَى الْأَعْيَانِ ، وَلَيْسَتْ فَرْضًا .\rكَالْجُمُعَةِ .\rوَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى : قِيلَ إنَّهَا سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ غَيْرُ وَاجِبَةٍ .\rوَبِهِ قَالَ مَالِكٌ ، وَأَكْثَرُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ؛ { لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْأَعْرَابِيِّ حِينَ ذَكَرَ خَمْسَ صَلَوَاتٍ قَالَ : هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُنَّ ؟ قَالَ : لَا إلَّا أَنْ تَطَوَّعَ .\r} وَقَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { خَمْسُ صَلَوَاتٍ كَتَبَهُنَّ اللَّهُ عَلَى الْعَبْدِ .\r} الْحَدِيثَ .\rوَلِأَنَّهَا صَلَاةٌ ذَاتُ رُكُوعٍ وَسُجُودٍ لَمْ يُشْرَعْ لَهَا أَذَانٌ ، فَلَمْ تَجِبْ ابْتِدَاءً بِالشَّرْعِ ، كَصَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ وَالْكُسُوفِ .\rثُمَّ اخْتَلَفُوا ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : إذَا امْتَنَعَ جَمِيعُ النَّاسِ مِنْ فِعْلِهَا قَاتَلَهُمْ الْإِمَامُ عَلَيْهَا .\rوَقَالَ بَعْضُهُمْ : لَا يُقَاتِلُهُمْ .\rوَلَنَا ، عَلَى أَنَّهَا","part":4,"page":223},{"id":1723,"text":"لَا تَجِبُ عَلَى الْأَعْيَانِ أَنَّهَا لَا يُشْرَعُ لَهَا الْأَذَانُ ، فَلَمْ تَجِبْ عَلَى الْأَعْيَانِ ، كَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ ، وَلِأَنَّ الْخَبَرَ الَّذِي ذَكَرَهُ مَالِكٌ وَمَنْ وَافَقَهُ يَقْتَضِي نَفْيَ وُجُوبِ صَلَاةٍ سِوَى الْخَمْسِ ، وَإِنَّمَا خُولِفَ بِفِعْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَنْ صَلَّى مَعَهُ ، فَيَخْتَصُّ بِمَنْ كَانَ مِثْلَهُمْ ، وَلِأَنَّهَا لَوْ وَجَبَتْ عَلَى الْأَعْيَانِ لَوَجَبَتْ خُطْبَتُهَا ، وَوَجَبَ اسْتِمَاعُهَا كَالْجُمُعَةِ .\rوَلَنَا ، عَلَى وُجُوبِهَا فِي الْجُمْلَةِ ، أَمْرُ اللَّهِ تَعَالَى بِهَا ، بِقَوْلِهِ { : فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ } وَالْأَمْرُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ ، وَمُدَاوَمَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى فِعْلِهَا ، وَهَذَا دَلِيلُ الْوُجُوبِ .\rوَلِأَنَّهَا مِنْ أَعْلَامِ الدِّينِ الظَّاهِرَةِ ، فَكَانَتْ وَاجِبَةً كَالْجُمُعَةِ ، وَلِأَنَّهَا لَوْ لَمْ تَجِبْ لَمْ يَجِبْ قِتَالُ تَارِكِيهَا ، كَسَائِرِ السُّنَنِ ، يُحَقِّقُهُ أَنَّ الْقِتَالَ عُقُوبَةٌ لَا تَتَوَجَّهُ إلَى تَارِكِ مَنْدُوبٍ كَالْقَتْلِ وَالضَّرْبِ .\rفَأَمَّا حَدِيثُ الْأَعْرَابِيِّ فَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ ؛ لِأَنَّ الْأَعْرَابَ لَا تَلْزَمُهُمْ الْجُمُعَةُ ، لِعَدَمِ الِاسْتِيطَانِ ، فَالْعِيدُ أَوْلَى .\rوَالْحَدِيثُ الْآخَرُ مَخْصُوصٌ بِمَا ذَكَرْنَاهُ ، عَلَى أَنَّهُ إنَّمَا صَرَّحَ بِوُجُوبِ الْخَمْسِ ، وَخَصَّهَا بِالذِّكْرِ ، لِتَأْكِيدِهَا وَوُجُوبِهَا عَلَى الْأَعْيَانِ ، وَوُجُوبِهَا عَلَى الدَّوَامِ ، وَتَكَرُّرِهَا فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ ، وَغَيْرُهَا يَجِبُ نَادِرًا وَلِعَارِضٍ ، كَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ وَالْمَنْذُورَةِ وَالصَّلَاةِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا ، فَلَمْ يَذْكُرْهَا ، وَقِيَاسُهُمْ لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ كَوْنَهَا ذَاتَ رُكُوعٍ وَسُجُودٍ لَا أَثَرَ لَهُ ، بِدَلِيلِ أَنَّ النَّوَافِلَ كُلَّهَا فِيهَا رُكُوعٌ وَسُجُودٌ ، وَهِيَ غَيْرُ وَاجِبَةٍ ، فَيَجِبُ حَذْفُ هَذَا الْوَصْفِ ، لِعَدَمِ أَثَرِهِ ، ثُمَّ يُنْقَضُ قِيَاسُهُمْ بِصَلَاةِ الْجِنَازَةِ ، وَيَنْتَقِضُ عَلَى كُلِّ حَالٍ بِالْمَنْذُورَةِ .","part":4,"page":224},{"id":1724,"text":"مَسْأَلَةٌ : قَالَ ( وَيُظْهِرُونَ التَّكْبِيرَ فِي لَيَالِي الْعِيدَيْنِ ، وَهُوَ فِي الْفِطْرِ آكَدُ ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى { وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلنَّاسِ إظْهَارُ التَّكْبِيرِ فِي لَيْلَتَيْ الْعِيدَيْنِ فِي مَسَاجِدِهِمْ وَمَنَازِلِهِمْ وَطُرُقِهِمْ ، مُسَافِرِينَ كَانُوا أَوْ مُقِيمِينَ ، لِظَاهِرِ الْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ .\rقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي تَفْسِيرِهَا : لِتُكْمِلُوا عِدَّةَ رَمَضَانَ ، وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عِنْدَ إكْمَالِهِ عَلَى مَا هَدَاكُمْ .\rوَمَعْنَى إظْهَارِ التَّكْبِيرِ رَفْعُ الصَّوْتِ بِهِ ، وَاسْتُحِبَّ ذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنْ إظْهَارِ شَعَائِرِ الْإِسْلَامِ ، وَتَذْكِيرِ الْغَيْرِ ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يُكَبِّرُ فِي قُبَّتِهِ بِمِنًى ، يَسْمَعُهُ أَهْلُ الْمَسْجِدِ فَيُكَبِّرُونَ ، وَيُكَبِّرُ أَهْلُ الْأَسْوَاقِ ، حَتَّى تَرْتَجَّ مِنًى تَكْبِيرًا .\rقَالَ أَحْمَدُ : كَانَ ابْنُ عُمَرَ يُكَبِّرُ فِي الْعِيدَيْنِ جَمِيعًا ، وَيُعْجِبُنَا ذَلِكَ .\rوَاخْتُصَّ الْفِطْرُ بِمَزِيدِ تَأْكِيدٍ ؛ لِوُرُودِ النَّصِّ فِيهِ ، وَلَيْسَ التَّكْبِيرُ وَاجِبًا .\rوَقَالَ دَاوُد : هُوَ وَاجِبٌ فِي الْفِطْرِ ؛ لِظَاهِرِ الْآيَةِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ تَكْبِيرٌ فِي عِيدٍ ، فَأَشْبَهَ تَكْبِيرَ الْأَضْحَى ، وَلِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْوُجُوبِ ، وَلَمْ يَرِدْ مِنْ الشَّرْعِ إيجَابُهُ ، فَيَبْقَى عَلَى الْأَصْلِ ، وَالْآيَةُ لَيْسَ فِيهَا أَمْرٌ ، إنَّمَا أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ إرَادَتِهِ ، فَقَالَ : { يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ } ( 1395 ) فَصْلٌ : وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُكَبِّرَ فِي طَرِيقِ الْعِيدِ ، وَيَجْهَرَ بِالتَّكْبِيرِ .\rقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى : يُكَبِّرُ النَّاسُ فِي خُرُوجِهِمْ مِنْ مَنَازِلِهِمْ لِصَلَاتَيْ الْعِيدَيْنِ جَهْرًا ، حَتَّى يَأْتِيَ الْإِمَامُ الْمُصَلَّى ، وَيُكَبِّرُ النَّاسُ بِتَكْبِيرِ الْإِمَامِ فِي خُطْبَتِهِ ، وَيُنْصِتُونَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ .\rقَالَ سَعِيدٌ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ","part":4,"page":225},{"id":1725,"text":"بْنُ مُحَمَّدٍ ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ إذَا خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ إلَى الْعِيدِ كَبَّرَ حَتَّى يَأْتِيَ الْمُصَلَّى .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى ، وَاخْتُلِفَ فِيهِ عَنْ إبْرَاهِيمَ ( 1396 ) فَصْلٌ : قَالَ الْقَاضِي : التَّكْبِيرُ فِي الْأَضْحَى مُطْلَقٌ وَمُقَيَّدٌ ؛ فَالْمُقَيَّدُ عَقِيبَ الصَّلَوَاتِ .\rوَالْمُطْلَقُ فِي كُلِّ حَالٍ فِي الْأَسْوَاقِ ، وَفِي كُلِّ زَمَانٍ .\rوَأَمَّا الْفِطْرُ فَمَسْنُونُهُ مُطْلَقٌ غَيْرُ مُقَيَّدٍ ، عَلَى ظَاهِرِ كَلَامِ أَحْمَدَ .\rوَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ .\rوَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : يُكَبِّرُ مِنْ غُرُوبِ الشَّمْسِ مِنْ لَيْلَةِ الْفِطْرِ إلَى خُرُوجِ الْإِمَامِ إلَى الصَّلَاةِ ، فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ .\rوَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ .\rوَفِي الْأُخْرَى إلَى فَرَاغِ الْإِمَامِ مِنْ الصَّلَاةِ .","part":4,"page":226},{"id":1726,"text":"( 1397 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( فَإِذَا أَصْبَحُوا تَطَهَّرُوا ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَطَهَّرَ بِالْغُسْلِ لِلْعِيدِ ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَغْتَسِلُ يَوْمَ الْفِطْرِ ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَبِهِ قَالَ عَلْقَمَةُ ، وَعُرْوَةُ ، وَعَطَاءٌ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَقَتَادَةُ ، وَأَبُو الزِّنَادِ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَالْفَاكِهُ بْنُ سَعْدٍ { ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَغْتَسِلُ يَوْمَ الْفِطْرِ وَالْأَضْحَى .\r} وَرُوِيَ أَيْضًا { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي جُمُعَةٍ مِنْ الْجُمَعِ : إنَّ هَذَا يَوْمٌ جَعَلَهُ اللَّهُ عِيدًا لِلْمُسْلِمِينَ ، فَاغْتَسِلُوا ، وَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ طِيبٌ فَلَا يَضُرُّهُ أَنْ يَمَسَّ مِنْهُ ، وَعَلَيْكُمْ بِالسِّوَاكِ .\r} رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ .\rفَعَلَى هَذِهِ الْأَشْيَاءِ تَكُونُ الْجُمُعَةُ عِيدًا .\rوَلِأَنَّهُ يَوْمٌ يَجْتَمِعُ النَّاسُ فِيهِ لِلصَّلَاةِ ، فَاسْتُحِبَّ الْغُسْلُ فِيهِ ، كَيَوْمِ الْجُمُعَةِ ، وَإِنْ اقْتَصَرَ عَلَى الْوُضُوءِ أَجْزَأَهُ ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَجِبْ الْغُسْلُ لِلْجُمُعَةِ مَعَ الْأَمْرِ بِهِ فِيهَا ، فَغَيْرُهَا أَوْلَى ( 1398 ) فَصْلٌ : وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَنَظَّفَ ، وَيَلْبَسَ أَحْسَنَ مَا يَجِدُ ، وَيَتَطَيَّبَ ، وَيَتَسَوَّكَ ، كَمَا ذَكَرْنَا فِي الْجُمُعَةِ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْحَدِيثِ .\rوَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ : { وَجَدَ عُمَرُ حُلَّةً مِنْ إسْتَبْرَقٍ فِي السُّوقِ ، فَأَخَذَهَا ، فَأَتَى بِهَا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، ابْتَعْ هَذِهِ تَتَجَمَّلْ بِهَا فِي الْعِيدَيْنِ وَالْوَفْدِ .\rفَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّمَا هَذِهِ لِبَاسُ مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُمْ } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّجَمُّلَ عِنْدَهُمْ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ كَانَ مَشْهُورًا .\rوَرَوَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ جَابِرٍ ، { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُقِيمُ وَيَلْبَسُ","part":4,"page":227},{"id":1727,"text":"بُرْدَهُ الْأَحْمَرَ فِي الْعِيدَيْنِ وَالْجُمُعَةِ } بِإِسْنَادِهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَلْبَسُ فِي الْعِيدَيْنِ بُرْدَ حِبَرَةٍ .\r} وَبِإِسْنَادِهِ عَنْ عَائِشَةَ ، قَالَتْ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَا عَلَى أَحَدِكُمْ أَنْ يَكُونَ لَهُ ثَوْبَانِ سِوَى ثَوْبَيْ مِهْنَتِهِ لِجُمُعَتِه وَعِيدِهِ .\r} وَقَالَ مَالِكٌ : سَمِعْتُ أَهْلَ الْعِلْمِ يَسْتَحِبُّونَ الطِّيبَ وَالزِّينَةَ فِي كُلِّ عِيدٍ ، وَالْإِمَامُ بِذَلِكَ أَحَقُّ ، لِأَنَّهُ الْمَنْظُورُ إلَيْهِ مِنْ بَيْنِهِمْ إلَّا أَنَّ الْمُعْتَكِفَ يُسْتَحَبُّ لَهُ الْخُرُوجُ فِي ثِيَابِ اعْتِكَافِهِ ، لِيَبْقَى عَلَيْهِ أَثَرُ الْعِبَادَةِ وَالنُّسُكِ .\rوَقَالَ أَحْمَدُ ، فِي رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيِّ : طَاوُسٌ كَانَ يَأْمُرُ بِزِينَةِ الثِّيَابِ وَعَطَاءٌ قَالَ : هُوَ يَوْمُ التَّخَشُّعِ .\rوَأَسْتَحْسِنُهُمَا جَمِيعًا .\rوَذَكَرَ اسْتِحْبَابَ خُرُوجِهِ فِي ثِيَابِ اعْتِكَافِهِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ .\r( 1399 ) فَصْلٌ : وَوَقْتُ الْغُسْلِ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ فِي ظَاهِرِ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ ، لِقَوْلِهِ : \" فَإِذَا أَصْبَحُوا تَطَهَّرُوا \" .\rقَالَ الْقَاضِي ، وَالْآمِدِيُّ : إنْ اغْتَسَلَ قَبْلَ الْفَجْرِ لَمْ يُصِبْ سُنَّةَ الِاغْتِسَالِ ؛ لِأَنَّهُ غُسْلُ الصَّلَاةِ فِي الْيَوْمِ فَلَمْ يَجُزْ قَبْلَ الْفَجْرِ كَغُسْلِ الْجُمُعَةِ .\rوَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ : الْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَبْلَ الْفَجْرِ وَبَعْدَهُ ؛ لِأَنَّ زَمَنَ الْعِيدِ أَضْيَقُ مِنْ وَقْتِ الْجُمُعَةِ ، فَلَوْ وُقِفَ عَلَى الْفَجْرِ رُبَّمَا فَاتَ ، وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ التَّنْظِيفُ ، وَذَلِكَ يَحْصُلُ بِالْغُسْلِ فِي اللَّيْلِ لِقُرْبِهِ مِنْ الصَّلَاةِ ، وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ الْفَجْرِ ، لِيَخْرُجَ مِنْ الْخِلَافِ ، وَيَكُونَ أَبْلَغَ فِي النَّظَافَةِ ، لِقُرْبِهِ مِنْ الصَّلَاةِ .\rوَقَوْلُ الْخِرَقِيِّ : \" تَطَهَّرُوا \" لَمْ يَخُصَّ بِهِ الْغُسْلَ ، بَلْ هُوَ ظَاهِرٌ فِي الْوُضُوءِ ، وَهُوَ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِمَا بَعْدَ الْفَجْرِ .","part":4,"page":228},{"id":1728,"text":"( 1400 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَأَكَلُوا إنْ كَانَ فِطْرًا ) السُّنَّةُ أَنْ يَأْكُلَ فِي الْفِطْرِ قَبْلَ الصَّلَاةِ ، وَلَا يَأْكُلَ فِي الْأَضْحَى حَتَّى يُصَلِّيَ .\rوَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ؛ مِنْهُمْ عَلِيٌّ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ ، وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُمْ ، لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا قَالَ : أَنَسٌ : { كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَغْدُو يَوْمَ الْفِطْرِ حَتَّى يَأْكُلَ تَمَرَاتٍ } .\rرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ .\rوَفِي رِوَايَةٍ اسْتَشْهَدَ بِهَا : \" وَيَأْكُلُهُنَّ وِتْرًا \" .\rوَرُوِيَ عَنْ بُرَيْدَةَ ، قَالَ { كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَخْرُجُ يَوْمَ الْفِطْرِ حَتَّى يُفْطِرَ ، وَلَا يَطْعَمُ يَوْمَ الْأَضْحَى حَتَّى يُصَلِّيَ } .\rرَوَاهُ الْأَثْرَمُ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَلَفْظُ رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ : \" حَتَّى يُضَحِّيَ \" .\rوَلِأَنَّ يَوْمَ الْفِطْرِ يَوْمٌ حَرُمَ فِيهِ الصِّيَامُ عَقِيبَ وُجُوبِهِ ، فَاسْتُحِبَّ تَعْجِيلُ الْفِطْرِ لِإِظْهَارِ الْمُبَادَرَةِ إلَى طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَامْتِثَالِ أَمْرِهِ فِي الْفِطْرِ عَلَى خِلَافِ الْعَادَةِ ، وَالْأَضْحَى بِخِلَافِهِ .\rوَلِأَنَّ فِي الْأَضْحَى شُرِعَ الْأُضْحِيَّةُ وَالْأَكْلُ مِنْهَا ، فَاسْتُحِبَّ أَنْ يَكُونَ فِطْرُهُ عَلَى شَيْءٍ مِنْهَا .\rقَالَ أَحْمَدُ : وَالْأَضْحَى لَا يَأْكُلُ فِيهِ حَتَّى يَرْجِعَ إذَا كَانَ لَهُ ذِبْحٌ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَكَلَ مِنْ ذَبِيحَتِهِ ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ ذِبْحٌ لَمْ يُبَالِ أَنْ يَأْكُلَ .\r( 1401 ) فَصْلٌ : وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يُفْطِرَ عَلَى التَّمْرِ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُفْطِرُ عَلَيْهِ ، وَيَأْكُلُهُنَّ وِتْرًا ، لِقَوْلِ أَنَسٍ : يَأْكُلُهُنَّ وِتْرًا ؛ وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ ، وَلِأَنَّ الصَّائِمَ يُسْتَحَبُّ لَهُ الْفِطْرُ كَذَلِكَ .","part":4,"page":229},{"id":1729,"text":"( 1402 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( ثُمَّ غَدَوْا إلَى الْمُصَلَّى ، مُظْهِرِينَ لِلتَّكْبِيرِ ) السُّنَّةُ أَنْ يُصَلِّيَ الْعِيدَ فِي الْمُصَلَّى ، أَمَرَ بِذَلِكَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .\rوَاسْتَحْسَنَهُ الْأَوْزَاعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْمُنْذِرِ .\rوَحُكِيَ عَنْ الشَّافِعِيِّ : إنْ كَانَ مَسْجِدُ الْبَلَدِ وَاسِعًا ، فَالصَّلَاةُ فِيهِ أَوْلَى ؛ لِأَنَّهُ خَيْرُ الْبِقَاعِ وَأَطْهَرُهَا ، وَلِذَلِكَ يُصَلِّي أَهْلُ مَكَّةَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ .\rوَلَنَا { ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَخْرُجُ إلَى الْمُصَلَّى وَيَدَعُ مَسْجِدَهُ } ، وَكَذَلِكَ الْخُلَفَاءُ بَعْدَهُ ، وَلَا يَتْرُكُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْأَفْضَلَ مَعَ قُرْبِهِ ، وَيَتَكَلَّفُ فِعْلَ النَّاقِصِ مَعَ بُعْدِهِ ، وَلَا يَشْرَعُ لِأُمَّتِهِ تَرْكَ الْفَضَائِلِ ، وَلِأَنَّنَا قَدْ أُمِرْنَا بِاتِّبَاعِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالِاقْتِدَاءِ بِهِ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَأْمُورُ بِهِ هُوَ النَّاقِصَ ، وَالْمَنْهِيُّ عَنْهُ هُوَ الْكَامِلَ ، وَلَمْ يُنْقَلُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ صَلَّى الْعِيدَ بِمَسْجِدِهِ إلَّا مِنْ عُذْرٍ ، وَلِأَنَّ هَذَا إجْمَاعُ الْمُسْلِمِينَ .\rفَإِنَّ النَّاسَ فِي كُلِّ عَصْرٍ وَمِصْرٍ يَخْرُجُونَ إلَى الْمُصَلَّى ، فَيُصَلُّونَ الْعِيدَ فِي الْمُصَلَّى ، مَعَ سَعَةِ الْمَسْجِدِ وَضِيقِهِ ، وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي فِي الْمُصَلَّى مَعَ شَرَفِ مَسْجِدِهِ ، وَصَلَاةُ النَّفْلِ فِي الْبَيْتِ أَفْضَلُ مِنْهَا فِي الْمَسْجِدِ مَعَ شَرَفِهِ ، وَرَوَيْنَا عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ : قَدْ اجْتَمَعَ فِي الْمَسْجِدِ ضُعَفَاءُ النَّاسِ وَعُمْيَانُهُمْ فَلَوْ صَلَّيْتَ بِهِمْ فِي الْمَسْجِدِ ؟ فَقَالَ : أُخَالِفُ السُّنَّةَ إذًا ، وَلَكِنْ نَخْرُجُ إلَى الْمُصَلَّى ، وَأَسْتَخْلِفُ مَنْ يُصَلِّي بِهِمْ فِي الْمَسْجِدِ أَرْبَعًا .","part":4,"page":230},{"id":1730,"text":"( 1403 ) فَصْلٌ : وَيُسْتَحَبُّ لِلْإِمَامِ إذَا خَرَجَ أَنْ يُخْلِفَ مَنْ يُصَلِّي بِضَعَفَةِ النَّاسِ فِي الْمَسْجِدِ كَمَا فَعَلَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَرَوَى هُزَيْلُ بْنُ شُرَحْبِيلَ ، قَالَ : قِيلَ لِعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَوْ أَمَرْتَ رَجُلًا يُصَلِّي بِضَعَفَةِ النَّاسِ هَوْنًا فِي الْمَسْجِدِ الْأَكْبَرِ ؟ قَالَ : إنْ أَمَرْتُ رَجُلًا يُصَلِّي أَمَرْتُهُ أَنْ يُصَلِّيَ لَهُمْ أَرْبَعًا .\rرَوَاهُ سَعِيدٌ .\rوَرُوِيَ أَنَّهُ اسْتَخْلَفَ أَبَا مَسْعُودٍ ، فَصَلَّى بِهِمْ فِي الْمَسْجِدِ .\r( 1404 ) فَصْلٌ : وَإِنْ كَانَ عُذْرٌ يَمْنَعُ الْخُرُوجَ ، مِنْ مَطَرٍ ، أَوْ خَوْفٍ ، أَوْ غَيْرِهِ ، صَلَّوْا فِي الْجَامِعِ ، كَمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ، أَنَّهُ { أَصَابَهُمْ مَطَرٌ فِي يَوْمِ عِيدٍ ، فَصَلَّى بِهِمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَاةَ الْعِيدِ فِي الْمَسْجِدِ .\r} رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَابْنُ مَاجَهْ .","part":4,"page":231},{"id":1731,"text":"( 1405 ) فَصْلٌ : يُسْتَحَبُّ التَّبْكِيرُ إلَى الْعِيدِ بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ إلَّا الْإِمَامَ فَإِنَّهُ يَتَأَخَّرُ إلَى وَقْتِ الصَّلَاةِ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَفْعَلُ كَذَلِكَ .\rقَالَ أَبُو سَعِيدٍ : { كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْرُجُ يَوْمَ الْفِطْرِ وَالْأَضْحَى إلَى الْمُصَلَّى ، فَأَوَّلُ شَيْءٍ يَبْدَأُ بِهِ الصَّلَاةُ } .\rرَوَاهُ مُسْلِمٌ .\rوَلِأَنَّ الْإِمَامَ يُنْتَظَرُ وَلَا يَنْتَظِرُ ، وَلَوْ جَاءَ إلَى الْمُصَلَّى وَقَعَدَ فِي مَكَان مُسْتَتِرٍ عَنْ النَّاسِ ، فَلَا بَأْسَ .\rقَالَ مَالِكٌ : مَضَتْ السُّنَّةُ أَنْ يَخْرُجَ الْإِمَامُ مِنْ مَنْزِلِهِ قَدْرَ مَا يَبْلُغُ مُصَلَّاهُ ، وَقَدْ حَلَّتْ الصَّلَاةُ ، فَأَمَّا غَيْرُهُ فَيُسْتَحَبُّ لَهُ التَّبْكِيرُ ، وَالدُّنُوُّ مِنْ الْإِمَامِ .\rلِيَحْصُلَ لَهُ أَجْرُ التَّبْكِيرِ ، وَانْتِظَارِ الصَّلَاةِ وَالدُّنُوِّ مِنْ الْإِمَامِ مِنْ غَيْرِ تَخَطِّي رِقَابِ النَّاسِ ، وَلَا أَذَى أَحَدٍ .\rقَالَ عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ : كَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَعْقِلٍ يُصَلِّيَانِ الْفَجْرَ يَوْمَ الْعِيدِ ، وَعَلَيْهِمَا ثِيَابُهُمَا ، ثُمَّ يَتَدَافَعَانِ إلَى الْجَبَّانَةِ ، أَحَدُهُمَا يُكَبِّرُ ، وَالْآخَرُ يُهَلِّلُ وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ : أَنَّهُ كَانَ لَا يَخْرُجُ حَتَّى تَخْرُجَ الشَّمْسُ .","part":4,"page":232},{"id":1732,"text":"( 1406 ) فَصْلٌ : وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَخْرُجَ إلَى الْعِيدِ مَاشِيًا ، وَعَلَيْهِ السَّكِينَةُ وَالْوَقَارُ ، كَمَا ذَكَرْنَا فِي الْجُمُعَةِ .\rوَمِمَّنْ اسْتَحَبَّ الْمَشْيَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ وَالشَّافِعِيُّ ، وَغَيْرُهُمْ ؛ لِمَا رُوِيَ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَرْكَبْ فِي عِيدٍ وَلَا جِنَازَةٍ } .\rوَرَوَى ابْنُ عُمَرَ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَخْرُجُ إلَى الْعِيدِ مَاشِيًا ، وَيَرْجِعُ مَاشِيًا } .\rرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ .\rوَقَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : مِنْ السُّنَّةِ أَنْ يَأْتِيَ الْعِيدَ مَاشِيًا .\rرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَقَالَ : حَدِيثٌ حَسَنٌ وَإِنْ كَانَ لَهُ عُذْرٌ ، وَكَانَ مَكَانُهُ بَعِيدًا فَرَكِبَ ، فَلَا بَأْسَ .\rقَالَ أَحْمَدُ : رَحِمَهُ اللَّهُ نَحْنُ نَمْشِي وَمَكَانُنَا قَرِيبٌ ، وَإِنْ بَعُدَ ذَلِكَ عَلَيْهِ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَرْكَبَ .\rقَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَلَاءِ بْنِ زُبَيْرٍ ، أَنَّهُ سَمِعَ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَلَى الْمِنْبَرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ يَقُولُ : إنَّ الْفِطْرَ غَدًا ، فَامْشُوا إلَى مُصَلَّاكُمْ ، فَإِنَّ ذَلِكَ كَانَ يُفْعَلُ ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلْيَرْكَبْ ، فَإِذَا جَاءَ الْمَدِينَةَ فَلْيَمْشِ إلَى الْمُصَلَّى .\r( 1407 ) فَصْلٌ : وَيُكَبِّرُ فِي طَرِيقِ الْعِيدِ ، وَيَرْفَعُ صَوْتَهُ بِالتَّكْبِيرِ ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ الْخِرَقِيِّ : \" مُظْهِرِينَ لِلتَّكْبِيرِ \" .\rقَالَ أَحْمَدُ : يُكَبِّرُ جَهْرًا إذَا خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ حَتَّى يَأْتِيَ الْمُصَلَّى .\rرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عُمَرَ ، وَأَبِي أُمَامَةَ ، وَأَبِي رُهْمٍ ، وَنَاسٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rوَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَأَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ وَأَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ .\rوَفَعَلَهُ النَّخَعِيُّ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى .\rوَبِهِ قَالَ الْحَكَمُ ، وَحَمَّادٌ ، وَمَالِكٌ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَابْنُ","part":4,"page":233},{"id":1733,"text":"الْمُنْذِرِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يُكَبِّرُ يَوْمَ الْأَضْحَى ، وَلَا يُكَبِّرُ يَوْمَ الْفِطْرِ ؛ لِأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ سَمِعَ التَّكْبِيرَ يَوْمَ الْفِطْرِ ، فَقَالَ : مَا شَأْنُ النَّاسِ ؟ فَقِيلَ : يُكَبِّرُونَ .\rفَقَالَ : أَمَجَانِينُ النَّاسُ ؟ وَقَالَ إبْرَاهِيمُ : إنَّمَا يَفْعَلُ ذَلِكَ الْحَوَّاكُونَ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ فِعْلُ مَنْ ذَكَرْنَا مِنْ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، وَقَوْلُهُمْ .\rقَالَ نَافِعٌ : كَانَ ابْنُ عُمَرَ يُكَبِّرُ يَوْمَ الْعِيدِ فِي الْأَضْحَى وَالْفِطْرِ ، وَيُكَبِّرُ وَيَرْفَعُ صَوْتَهُ .\rوَقَالَ أَبُو جَمِيلَةَ : رَأَيْتُ عَلِيًّا ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ خَرَجَ يَوْمَ الْعِيدِ ، فَلَمْ يَزَلْ يُكَبِّرُ حَتَّى انْتَهَى إلَى الْجَبَّانَةِ .\rفَأَمَّا ابْنُ عَبَّاسٍ فَكَانَ يَقُولُ : يُكَبِّرُونَ مَعَ الْإِمَامِ ، وَلَا يُكَبِّرُونَ وَحْدَهُمْ .\rوَهَذَا خِلَافُ مَذْهَبِهِمْ .\rوَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِنَّهُ يُكَبِّرُ حَتَّى يَأْتِيَ الْمُصَلَّى ؛ لِمَا ذَكَرْنَا عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَغَيْرِهِ .\rقَالَ الْأَثْرَمُ : قِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ فِي الْجَهْرِ بِالتَّكْبِيرِ حَتَّى يَأْتِيَ الْمُصَلَّى ، أَوْ حَتَّى يَخْرُجَ الْإِمَامُ ؟ قَالَ : حَتَّى يَأْتِيَ الْمُصَلَّى .\rوَقَالَ الْقَاضِي : فِيهِ رِوَايَةٌ أُخْرَى : حَتَّى يَخْرُجَ الْإِمَامُ .","part":4,"page":234},{"id":1734,"text":"( 1408 ) فَصْلٌ : وَلَا بَأْسَ بِخُرُوجِ النِّسَاءِ يَوْمَ الْعِيدِ إلَى الْمُصَلَّى .\rوَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ : يُسْتَحَبُّ ذَلِكَ .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ ، وَعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، أَنَّهُمَا قَالَا : حَقٌّ عَلَى كُلِّ ذَاتِ نِطَاقٍ أَنْ تَخْرُجَ إلَى الْعِيدَيْنِ .\rوَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يُخْرِجُ مَنْ اسْتَطَاعَ مِنْ أَهْلِهِ فِي الْعِيدَيْنِ .\rوَرَوَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ ، قَالَتْ { : أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ نُخْرِجَهُنَّ فِي الْفِطْرِ وَالْأَضْحَى : الْعَوَاتِقَ ، وَذَوَاتِ الْخُدُورِ ، فَأَمَّا الْحُيَّضُ فَيَعْتَزِلْنَ الصَّلَاةَ ، وَيَشْهَدْنَ الْخَيْرَ ، وَدَعْوَةَ الْمُسْلِمِينَ ، قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ : إحْدَانَا لَا يَكُونُ لَهَا جِلْبَابٌ ؟ قَالَ : لِتُلْبِسْهَا أُخْتُهَا مِنْ جِلْبَابِهَا } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَهَذَا لَفْظُ رِوَايَةِ مُسْلِمٍ وَلَفْظُ رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ ، قَالَتْ : { كُنَّا نُؤْمَرُ أَنْ نَخْرُجَ يَوْمَ الْعِيدِ ، حَتَّى تَخْرُجَ الْبِكْرُ مِنْ خِدْرِهَا ، وَحَتَّى يَخْرُجَ الْحُيَّضُ فِيكُنَّ خَلْفَ النَّاسِ ، فَيُكَبِّرْنَ بِتَكْبِيرِهِمْ ، وَيَدْعُونَ بِدُعَائِهِمْ ، يَرْجُونَ بَرَكَةَ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَطُهْرَتَهُ } .\rوَعَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ ، { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَمَعَ نِسَاءَ الْأَنْصَارِ فِي بَيْتٍ ، فَأَرْسَلَ إلَيْنَا عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ، فَقَامَ عَلَى الْبَابِ ، فَسَلَّمَ ، فَرَدَدْنَا عَلَيْهِ ، فَقَالَ : أَنَا رَسُولُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَيْكُنَّ ، وَأَمَرَنَا بِالْعِيدَيْنِ أَنْ نُخْرِجَ فِيهِمَا الْحُيَّضَ وَالْعُتَّقَ ، وَلَا جُمُعَةَ عَلَيْنَا ، وَنَهَانَا عَنْ اتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ } .\rرَوَاهُ .\rأَبُو دَاوُد .\rوَقَالَ الْقَاضِي ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ غَيْرُ مُسْتَحَبٍّ .\rوَكَرِهَهُ النَّخَعِيُّ ، وَيَحْيَى الْأَنْصَارِيُّ ، وَقَالَا : لَا نَعْرِفُ خُرُوجَ الْمَرْأَةِ فِي الْعِيدَيْنِ عِنْدَنَا .\rوَكَرِهَهُ سُفْيَانُ ، وَابْنُ الْمُبَارَكِ وَرَخَّصَ أَهْلُ الرَّأْيِ لِلْمَرْأَةِ الْكَبِيرَةِ ، وَكَرِهُوهُ لِلشَّابَّةِ ؛ لِمَا فِي خُرُوجِهِنَّ مِنْ","part":4,"page":235},{"id":1735,"text":"الْفِتْنَةِ ، وَقَوْلِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا لَوْ رَأَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا أَحْدَثَ النِّسَاءُ لَمَنَعَهُنَّ الْمَسَاجِدَ ، كَمَا مُنِعَتْ نِسَاءُ بَنِي إسْرَائِيلَ .\rوَسُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَقُّ أَنْ تُتَّبَعَ .\rوَقَوْلُ عَائِشَةَ مُخْتَصٌّ بِمَنْ أَحْدَثَتْ دُونَ غَيْرِهَا ، وَلَا شَكَّ بِأَنَّ تِلْكَ يُكْرَهُ لَهَا الْخُرُوجُ وَإِنَّمَا يُسْتَحَبُّ لَهُنَّ الْخُرُوجُ غَيْرَ مُتَطَيِّبَاتٍ وَلَا يَلْبَسْنَ ثَوْبَ شُهْرَةٍ وَلَا زِينَةٍ ، وَلَا يَخْرُجْنَ فِي ثِيَابِ الْبِذْلَةِ ؛ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { وَلْيَخْرُجْنَ تَفِلَاتٍ } .\rوَلَا يُخَالِطْنَ الرِّجَالَ ، بَلْ يَكُنَّ نَاحِيَةً مِنْهُمْ .","part":4,"page":236},{"id":1736,"text":"( 1409 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( فَإِذَا حَلَّتْ الصَّلَاةُ ، تَقَدَّمَ الْإِمَامُ فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ ) لَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي أَنَّ صَلَاةَ الْعِيدِ مَعَ الْإِمَامِ رَكْعَتَانِ ، وَفِيمَا تَوَاتَرَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ صَلَّى الْعِيدَ رَكْعَتَيْنِ ، وَفَعَلَهُ الْأَئِمَّةُ بَعْدَهُ إلَى عَصْرِنَا ، لَمْ نَعْلَمْ أَحَدًا فَعَلَ غَيْرَ ذَلِكَ ، وَلَا خَالَفَ فِيهِ .\rوَقَدْ قَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : صَلَاةُ الْعِيدِ رَكْعَتَانِ ، تَمَامٌ غَيْرُ قَصْرٍ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّكُمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ خَابَ مَنْ افْتَرَى وَقَوْلُهُ : \" حَلَّتْ الصَّلَاةُ \" يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ : أَحَدَهُمَا ، أَنَّ مَعْنَاهُ إذَا دَخَلَ وَقْتُهَا ، وَالصَّلَاةُ هَاهُنَا صَلَاةُ الْعِيدِ ، وَحَلَّتْ مِنْ الْحُلُولِ كَقَوْلِهِمْ : حَلَّ الدَّيْنُ .\rإذَا جَاءَ أَجَلُهُ .\rوَالثَّانِي ، مَعْنَاهُ إذَا أُبِيحَتْ الصَّلَاةُ .\rيَعْنِي النَّافِلَةَ ، وَمَعْنَاهُ إذَا خَرَجَ وَقْتُ النَّهْيِ ، وَهُوَ إذَا ارْتَفَعَتْ الشَّمْسُ قِيدَ رُمْحٍ ، وَحَلَّتْ مِنْ الْحِلِّ وَهُوَ الْإِبَاحَةُ ، كَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَيُحِلُّ لَهُمْ الطَّيِّبَاتِ } .\rوَهَذَا الْمَعْنَى أَحْسَنُ ، لِأَنَّ فِيهِ تَفْسِيرًا لِوَقْتِهَا ، وَتَعْرِيفًا لَهُ بِالْوَقْتِ الَّذِي عُرِفَ فِي مَكَان آخَرَ .\rوَعَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ لَيْسَ فِيهِ بَيَانٌ ، لِوَقْتِهَا ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ وَقْتُهَا مِنْ حِينِ تَرْتَفِعُ الشَّمْسُ قِيدَ رُمْحٍ ، إلَى أَنْ يَقُومَ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ ، وَذَلِكَ مَا بَيْنَ وَقْتَيْ النَّهْيِ عَنْ صَلَاةِ النَّافِلَةِ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ : أَوَّلُ وَقْتِهَا إذَا طَلَعَتْ الشَّمْسُ ؛ لِمَا رَوَى يَزِيدُ بْنُ خُمَيْرٍ ، قَالَ : خَرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُسْرٍ ، صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي يَوْمِ عِيدِ فِطْرٍ أَوْ أَضْحًى ، فَأَنْكَرَ إبْطَاءَ الْإِمَامِ ، وَقَالَ : إنَّا كُنَّا قَدْ فَرَغْنَا سَاعَتَنَا هَذِهِ ، وَذَلِكَ حِينَ صَلَاةِ التَّسْبِيحِ .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَابْنُ مَاجَهْ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ قَالَ : {","part":4,"page":237},{"id":1737,"text":"ثَلَاثُ سَاعَاتٍ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْهَانَا أَنْ نُصَلِّيَ فِيهِنَّ ، وَأَنْ نَقْبُرَ فِيهِنَّ مَوْتَانَا ؛ حِينَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ بَازِغَةً حَتَّى تَرْتَفِعَ } .\rوَلِأَنَّهُ وَقْتٌ نُهِيَ عَنْ الصَّلَاةِ فِيهِ ، فَلَمْ يَكُنْ وَقْتًا لِلْعِيدِ ، كَقَبْلِ طُلُوعِ الشَّمْسِ ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَنْ بَعْدَهُ لَمْ يُصَلُّوا حَتَّى ارْتَفَعَتْ الشَّمْسُ ، بِدَلِيلِ الْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ الْأَفْضَلَ فِعْلُهَا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ ، وَلَمْ يَكُنْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَفْعَلُ إلَّا الْأَفْضَلَ وَالْأَوْلَى ، وَلَوْ كَانَ لَهَا وَقْتٌ قَبْلَ ذَلِكَ ، لَكَانَ تَقْيِيدُهُ بِطُلُوعِ الشَّمْسِ تَحَكُّمًا بِغَيْرِ نَصٍّ وَلَا مَعْنَى نَصٍّ ، وَلَا يَجُوزُ التَّوْقِيتُ بِالتَّحَكُّمِ .\rوَأَمَّا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ ، فَإِنَّهُ أَنْكَرَ إبْطَاءَ الْإِمَامِ عَنْ وَقْتِهَا الْمُجْمَعِ عَلَيْهِ ، فَإِنَّهُ لَوْ حُمِلَ عَلَى غَيْرِ هَذَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ إبْطَاءً ، وَلَا جَازَ إنْكَارُهُ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُحْمَلَ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي وَقْتِ النَّهْيِ ؛ لِأَنَّهُ مَكْرُوهٌ بِالِاتِّفَاقِ عَلَى أَنَّ الْأَفْضَلَ خِلَافُهُ ، وَلَمْ يَكُنْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيُدَاوِمَ عَلَى الْمَكْرُوهِ وَلَا الْمَفْضُولِ ، وَلَوْ كَانَ يُدَاوِمُ عَلَى الصَّلَاةِ فِيهِ ، لَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْأَفْضَلَ وَالْأَوْلَى ، فَتَعَيَّنَ حَمْلُهُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا .\r( 1410 ) فَصْلٌ : وَيُسَنُّ تَقْدِيمُ الْأَضْحَى ؛ لِيَتَّسِعَ وَقْتُ التَّضْحِيَةِ ، وَتَأْخِيرُ الْفِطْرِ ؛ لِيَتَّسِعَ وَقْتُ إخْرَاجِ صَدَقَةِ الْفِطْرِ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ، وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا .\rوَقَدْ رُوِيَ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَتَبَ إلَى عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ : أَنْ أَخِّرْ صَلَاةَ الْفِطْرِ ، وَعَجِّلْ صَلَاةَ الْأَضْحَى } .\rوَلِأَنَّ لِكُلِّ عِيدٍ وَظِيفَةً ، فَوَظِيفَةُ الْفِطْرِ إخْرَاجُ الْفِطْرَةِ ، وَوَقْتُهَا قَبْلَ الصَّلَاةِ ، وَوَظِيفَةُ","part":4,"page":238},{"id":1738,"text":"الْأَضْحَى التَّضْحِيَةُ ، وَوَقْتُهَا بَعْدَ الصَّلَاةِ وَفِي تَأْخِيرِ الْفِطْرِ وَتَقْدِيمِ الْأَضْحَى تَوْسِيعٌ لِوَظِيفَةِ كُلٍّ مِنْهُمَا .","part":4,"page":239},{"id":1739,"text":"( 1411 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( بِلَا أَذَانٍ وَلَا إقَامَةٍ ) وَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا مِمَّنْ يُعْتَدُّ بِخِلَافِهِ ، إلَّا أَنَّهُ رُوِيَ عَنْ ابْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ أَذَّنَ وَأَقَامَ .\rوَقِيلَ : أَوَّلُ مَنْ أَذَّنَ فِي الْعِيدِ ابْنُ زِيَادٍ .\rوَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى انْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ قَبْلَهُ ، عَلَى أَنَّهُ لَا يُسَنُّ لَهَا أَذَانٌ وَلَا إقَامَةٌ .\rوَبِهِ يَقُولُ مَالِكٌ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُصَلِّي الْعِيدَ بِلَا أَذَانٍ وَلَا إقَامَةٍ ، فَرَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى الْعِيدَيْنِ بِغَيْرِ أَذَانٍ وَلَا إقَامَةٍ } .\rوَعَنْ جَابِرٍ مِثْلُهُ .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا .\rوَقَالَ جَابِرُ بْنُ سَمُرَةَ : { صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْعِيدَ غَيْرَ مَرَّةٍ وَلَا مَرَّتَيْنِ ، بِلَا أَذَانٍ وَلَا إقَامَةٍ } .\rرَوَاهُ مُسْلِمٌ .\rوَعَنْ عَطَاءٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي جَابِرٌ أَنْ لَا أَذَانَ يَوْمَ الْفِطْرِ حِينَ يَخْرُجُ الْإِمَامُ ، وَلَا بَعْدَ مَا يَخْرُجُ الْإِمَامُ ، وَلَا إقَامَةَ ، وَلَا نِدَاءَ وَلَا شَيْءَ ، لَا نِدَاءَ يَوْمَئِذٍ وَلَا إقَامَةَ .\rرَوَاهُ مُسْلِمٌ .\rوَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا : يُنَادَى لَهَا : الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ .\rوَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ .\rوَسُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَقُّ أَنْ تُتَّبَعَ .\r( 1412 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَيَقْرَأُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ مِنْهَا بِ \" الْحَمْدُ لِلَّهِ \" وَسُورَةٍ ، وَيَجْهَرُ بِالْقِرَاءَةِ ) لَا نَعْلَمُ خِلَافًا بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي أَنَّهُ يُشْرَعُ قِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ وَسُورَةٍ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ مِنْ صَلَاةِ الْعِيدِ ، وَأَنَّهُ يُسَنُّ الْجَهْرُ ، إلَّا أَنَّهُ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ إذَا قَرَأَ فِي الْعِيدَيْنِ أَسْمَعَ مَنْ يَلِيهِ ، وَلَمْ يَجْهَرْ ذَلِكَ الْجَهْرَ .\rوَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ يَرَوْنَ الْجَهْرَ بِالْقِرَاءَةِ ، وَفِي إخْبَارِ مَنْ أَخْبَرَ بِقِرَاءَةِ","part":4,"page":240},{"id":1740,"text":"النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَجْهَرُ ، وَلِأَنَّهَا صَلَاةُ عِيدٍ ، فَأَشْبَهَتْ الْجُمُعَةَ .\rوَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْرَأَ فِي الْأَوْلَى بِ ( سَبِّحْ ) ، وَفِي الثَّانِيَةِ بِالْغَاشِيَةِ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ؛ لِأَنَّ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ ، قَالَ : { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ فِي الْعِيدَيْنِ وَفِي الْجُمُعَةِ بِ سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى وَ هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ .\rوَرُبَّمَا اجْتَمَعَا فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ ، فَقَرَأَ بِهِمَا } .\rرَوَاهُ مُسْلِمٌ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يَقْرَأُ بِ ( ق ) وَ ( اقْتَرَبَتْ السَّاعَةُ ) .\rلِمَا رُوِيَ { أَنَّ عُمَرَ سَأَلَ أَبَا وَاقِدٍ اللَّيْثِيَّ : مَاذَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ بِهِ فِي الْفِطْرِ وَالْأَضْحَى ؟ فَقَالَ : كَانَ يَقْرَأُ بِ ق وَالْقُرْءَانِ الْمَجِيدِ ، وَ اقْتَرَبَتْ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ } .\rرَوَاهُ مُسْلِمٌ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ يُوَقَّتُ وَكَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ يَقْرَأُ بِالْفَاتِحَةِ وَسُورَةٍ مِنْ الْمُفَصَّلِ .\rوَمَهْمَا قَرَأَ بِهِ أَجْزَأَهُ ، وَكَانَ حَسَنًا ، إلَّا أَنَّ الْأَوَّلَ أَحْسَنُ ؛ لِأَنَّ عُمَرَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَمِلَ بِهِ ، وَكَانَ ذَلِكَ مَذْهَبَهُ ، وَلِأَنَّ فِي ( سَبِّحْ ) الْحَثَّ عَلَى الصَّلَاةِ ، وَزَكَاةِ الْفِطْرِ .\rعَلَى مَا قَالَهُ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، فِي تَفْسِيرِ قَوْله تَعَالَى : { قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى } فَاخْتُصَّتْ الْفَضِيلَةُ بِهَا ، كَاخْتِصَاصِ الْجُمُعَةِ بِسُورَتِهَا .\r( 1413 ) فَصْلٌ : وَتَكُونُ الْقِرَاءَةُ بَعْدَ التَّكْبِيرِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَفُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ السَّبْعَةِ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَالزُّهْرِيِّ ، وَمَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَاللَّيْثِ .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ يُوَالِي بَيْنَ الْقِرَاءَتَيْنِ .\rوَمَعْنَاهُ أَنَّهُ يُكَبِّرُ فِي الْأَوْلَى قَبْلَ الْقِرَاءَةِ ، وَفِي","part":4,"page":241},{"id":1741,"text":"الثَّانِيَةِ بَعْدَهَا .\rاخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَحُذَيْفَةَ ، وَأَبِي مُوسَى ، وَأَبِي مَسْعُودٍ الْبَدْرِيِّ وَالْحَسَنِ ، وَابْنِ سِيرِينَ ، وَالثَّوْرِيِّ وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي مُوسَى ، قَالَ : { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُكَبِّرُ تَكْبِيرَهُ عَلَى الْجِنَازَةِ .\rوَيُوَالِي بَيْنَ الْقِرَاءَتَيْنِ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَرَوَى أَبُو عَائِشَةَ ، جَلِيسٌ لِأَبِي هُرَيْرَةَ { ، أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْعَاصِ سَأَلَ أَبَا مُوسَى وَحُذَيْفَةَ : كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُكَبِّرُ فِي الْأَضْحَى وَالْفِطْرِ ؟ فَقَالَ أَبُو مُوسَى : كَانَ يُكَبِّرُ أَرْبَعًا تَكْبِيرَهُ عَلَى الْجِنَازَةِ .\rفَقَالَ حُذَيْفَةُ : صَدَقَ .\r} وَلَنَا ، مَا رَوَى كَثِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَبَّرَ فِي الْعِيدَيْنِ ، فِي الْأُولَى سَبْعًا قَبْلَ الْقِرَاءَةِ ، وَفِي الثَّانِيَةِ خَمْسًا قَبْلَ الْقِرَاءَةِ } .\rرَوَاهُ الْأَثْرَمُ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَقَالَ : هُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ ، وَهُوَ أَحْسَنُ حَدِيثٍ فِي الْبَابِ .\rوَعَنْ عَائِشَةَ ، { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُكَبِّرُ فِي الْعِيدَيْنِ سَبْعًا وَخَمْسًا قَبْلَ الْقِرَاءَةِ } .\rرَوَاهُ أَحْمَدُ ، فِي \" الْمُسْنَدِ \" .\rوَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { التَّكْبِيرُ فِي الْفِطْرِ سَبْعٌ فِي الْأُولَى ، وَخَمْسٌ فِي الْأَخِيرَةِ ، وَالْقِرَاءَةُ بَعْدَهُمَا كِلَيْهِمَا } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَالْأَثْرَمُ ، وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ سَعْدٍ مُؤَذِّنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَ ذَلِكَ .\rوَحَدِيثُ أَبِي مُوسَى ضَعِيفٌ .\rقَالَهُ الْخَطَّابِيُّ وَلَيْسَ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد أَنَّهُ وَالَى بَيْنَ الْقِرَاءَتَيْنِ ، ثُمَّ نَحْمِلُهُ عَلَى أَنَّهُ وَالَى بَيْنَ الْفَاتِحَةِ وَالسُّورَةِ ، لِأَنَّ قِرَاءَةَ الرَّكْعَتَيْنِ لَا يُمْكِنُ الْمُوَالَاةُ","part":4,"page":242},{"id":1742,"text":"بَيْنَهُمَا ؛ لِمَا بَيْنَهُمَا مِنْ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ .","part":4,"page":243},{"id":1743,"text":"مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَيُكَبِّرُ فِي الْأُولَى سَبْعَ تَكْبِيرَاتٍ ، مِنْهَا تَكْبِيرَةُ الِافْتِتَاحِ ) قَالَ : أَبُو عَبْدِ اللَّهِ : يُكَبِّرُ فِي الْأُولَى سَبْعًا مَعَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ ، وَلَا يَعْتَدُّ بِتَكْبِيرَةِ الرُّكُوعِ ؛ لِأَنَّ بَيْنَهُمَا قِرَاءَةً ، وَيُكَبِّرُ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ خَمْسَ تَكْبِيرَاتٍ ، وَلَا يَعْتَدُّ بِتَكْبِيرَةِ النُّهُوضِ ، ثُمَّ يَقْرَأُ فِي الثَّانِيَةِ ، ثُمَّ يُكَبِّرُ وَيَرْكَعُ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ فُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ السَّبْعَةِ ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَالزُّهْرِيِّ ، وَمَالِكٍ ، وَالْمُزَنِيِّ ، وَرُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَابْنِ عُمَرَ ، وَيَحْيَى الْأَنْصَارِيِّ ، قَالُوا : يُكَبِّرُ فِي الْأُولَى سَبْعًا وَفِي الثَّانِيَةِ خَمْسًا .\rوَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، إلَّا أَنَّهُمْ قَالُوا : يُكَبِّرُ سَبْعًا فِي الْأُولَى سِوَى تَكْبِيرَةِ الِافْتِتَاحِ ؛ لِقَوْلِ عَائِشَةَ { : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُكَبِّرُ فِي الْعِيدَيْنِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ تَكْبِيرَةً سِوَى تَكْبِيرَةِ الِافْتِتَاحِ } .\rوَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَأَنَسٍ ، وَالْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، وَالنَّخَعِيِّ : يُكَبِّرُ سَبْعًا سَبْعًا : وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ : فِي الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ ثَلَاثًا ثَلَاثًا .\rوَاحْتَجُّوا بِحَدِيثَيْ أَبِي مُوسَى اللَّذَيْنِ ذَكَرْنَاهُمَا .\rوَلَنَا ، أَحَادِيثُ كَثِيرٍ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، وَعَائِشَةَ ، الَّتِي قَدَّمْنَاهَا .\rقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : قَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمِنْ طُرُقٍ كَثِيرَةٍ حِسَانٍ { ، أَنَّهُ كَبَّرَ فِي الْعِيدِ سَبْعًا فِي الْأُولَى ، وَخَمْسًا فِي الثَّانِيَةِ .\r} مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، وَابْنِ عُمَرَ ، وَجَابِرٍ ، وَعَائِشَةَ ، وَأَبِي وَاقِدٍ ، وَعَمْرِو بْنِ عَوْفٍ الْمُزَنِيّ ، وَلَمْ يُرْوَ عَنْهُ مِنْ وَجْهٍ قَوِيٍّ وَلَا ضَعِيفٍ خِلَافُ هَذَا ، وَهُوَ أَوْلَى مَا عُمِلَ بِهِ .\rوَحَدِيثُ عَائِشَةَ","part":4,"page":244},{"id":1744,"text":"الْمَعْرُوفُ عَنْهَا { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَبَّرَ فِي الْفِطْرِ وَالْأَضْحَى سَبْعًا وَخَمْسًا سِوَى تَكْبِيرَتَيْ الرُّكُوعِ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَابْنُ مَاجَهْ .\rوَحَدِيثُ أَبِي مُوسَى ضَعِيفٌ ، يَرْوِيهِ ، أَبُو عَائِشَةَ جَلِيسٌ لِأَبِي هُرَيْرَةَ وَهُوَ غَيْرُ مَعْرُوفٍ .\r( 1415 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ مَعَ كُلِّ تَكْبِيرَةٍ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَرْفَعَ يَدَيْهِ فِي حَالِ تَكْبِيرِهِ حَسَبَ رَفْعِهِمَا مَعَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ .\rوَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ مَالِكٌ ، وَالثَّوْرِيُّ : لَا يَرْفَعُهُمَا فِيمَا عَدَا تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ ؛ لِأَنَّهَا تَكْبِيرَاتٌ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ ؛ فَأَشْبَهَتْ تَكْبِيرَاتِ السُّجُودِ .\rوَلَنَا ، مَا رُوِيَ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ مَعَ التَّكْبِيرِ .\r} قَالَ أَحْمَدُ : أَمَّا أَنَا فَأَرَى أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ يَدْخُلُ فِيهِ هَذَا كُلُّهُ .\rوَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ ، أَنَّهُ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي كُلِّ تَكْبِيرَةٍ فِي الْجِنَازَةِ وَفِي الْعِيدِ .\rرَوَاهُ الْأَثْرَمُ .\rوَلَا يُعْرَفُ لَهُ مُخَالِفٌ فِي الصَّحَابَةِ ، وَلَا يُشْبِهُ هَذَا تَكْبِيرَ السُّجُودِ ؛ لِأَنَّ هَذِهِ يَقَعُ طَرَفَاهَا فِي حَالِ الْقِيَامِ ، فَهِيَ بِمَنْزِلَةِ تَكْبِيرَةِ الِافْتِتَاحِ .","part":4,"page":245},{"id":1745,"text":"( 1416 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَيَسْتَفْتِحُ فِي أَوَّلِهَا ، وَيَحْمَدُ اللَّهَ وَيُثْنِي عَلَيْهِ ، وَيُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ كُلِّ تَكْبِيرَتَيْنِ ، وَإِنْ أَحَبَّ قَالَ : اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهُ وَسَلَّمَ وَإِنْ أَحَبَّ قَالَ غَيْرَ ذَلِكَ .\rوَيُكَبِّرُ فِي الثَّانِيَةِ خَمْسَ تَكْبِيرَاتٍ سِوَى التَّكْبِيرَةِ الَّتِي يَقُومُ بِهَا مِنْ السُّجُودِ ، وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ مَعَ كُلِّ تَكْبِيرَةٍ ) قَوْلُهُ : \" يَسْتَفْتِحُ \" .\rيَعْنِي يَدْعُو بِدُعَاءِ الِاسْتِفْتَاحِ عَقِيبَ التَّكْبِيرَةِ الْأُولَى ، ثُمَّ يُكَبِّرُ تَكْبِيرَاتِ الْعِيدِ ، ثُمَّ يَتَعَوَّذُ ثُمَّ يَقْرَأُ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى ، أَنَّ الِاسْتِفْتَاحَ بَعْدَ التَّكْبِيرَاتِ .\rاخْتَارَهَا الْخَلَّالُ وَصَاحِبُهُ .\rوَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ ؛ لِأَنَّ الِاسْتِفْتَاحَ تَلِيهِ الِاسْتِعَاذَةُ ، وَهِيَ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ .\rوَقَالَ أَبُو يُوسُفَ : يَتَعَوَّذُ قَبْلَ التَّكْبِيرِ ؛ لِئَلَّا يَفْصِلَ بَيْنَ الِاسْتِفْتَاحِ وَالِاسْتِعَاذَةِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الِاسْتِفْتَاحَ شُرِعَ لِيَسْتَفْتِحَ بِهِ الصَّلَاةَ ، فَكَانَ فِي أَوَّلِهَا كَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ ، وَالِاسْتِعَاذَةُ شُرِعَتْ لِلْقِرَاءَةِ ، فَهِيَ تَابِعَةٌ لَهَا ، فَتَكُونُ عِنْدَ الِابْتِدَاءِ بِهَا ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاَللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ } .\rوَقَدْ رَوَى أَبُو سَعِيدٍ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَتَعَوَّذُ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ .\r} وَإِنَّمَا جَمَعَ بَيْنَهُمَا فِي سَائِرِ الصَّلَوَاتِ ؛ لِأَنَّ الْقِرَاءَةَ تَلِي الِاسْتِفْتَاحَ مِنْ غَيْرِ فَاصِلٍ ، فَلَزِمَ أَنْ يَلِيَهُ مَا يَكُونُ فِي أَوَّلِهَا ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا ، وَأَيًّا مَا فَعَلَ كَانَ جَائِزًا .\rوَإِذَا فَرَغَ مِنْ الِاسْتِفْتَاحِ حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَصَلَّى عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ","part":4,"page":246},{"id":1746,"text":"وَسَلَّمَ ثُمَّ فَعَلَ هَذَا بَيْنَ كُلِّ تَكْبِيرَتَيْنِ ، فَإِنْ قَالَ مَا ذَكَرَهُ الْخِرَقِيِّ فَحَسَنٌ ؛ لِأَنَّهُ يَجْمَعُ مَا ذَكَرْنَاهُ ، وَإِنْ قَالَ غَيْرَهُ نَحْوَ أَنْ يَقُولَ : سُبْحَانَ اللَّهِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ ، وَلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ، وَاَللَّهُ أَكْبَرُ .\rأَوْ مَا شَاءَ مِنْ الذِّكْرِ ، فَجَائِزٌ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٌ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ : يُكَبِّرُ مُتَوَالِيًا ، لَا ذِكْرَ بَيْنَهُ ، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ بَيْنَهُ ذِكْرٌ مَشْرُوعٌ لَنُقِلَ ، كَمَا نُقِلَ التَّكْبِيرُ ، وَلِأَنَّهُ ذِكْرٌ مِنْ جِنْسٍ مَسْنُونٍ ، فَكَانَ مُتَوَالِيًا ، كَالتَّسْبِيحِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى عَلْقَمَةُ ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ ، وَأَبَا مُوسَى ، وَحُذَيْفَةَ ، خَرَجَ عَلَيْهِمْ الْوَلِيدُ بْنُ عُقْبَةَ قَبْلَ الْعِيدِ يَوْمًا ، فَقَالَ لَهُمْ : إنَّ هَذَا الْعِيدَ قَدْ دَنَا ، فَكَيْفَ التَّكْبِيرُ فِيهِ ؟ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ تَبْدَأُ فَتُكَبِّرُ تَكْبِيرَةً تَفْتَتِحُ بِهَا الصَّلَاةَ ، وَتَحْمَدُ رَبَّكَ ، وَتُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ تَدْعُو وَتُكَبِّرُ ، وَتَفْعَلُ مِثْلَ ذَلِكَ ، ثُمَّ تَدْعُو وَتُكَبِّرُ ، وَتَفْعَلُ مِثْلَ ذَلِكَ ، ثُمَّ تَدْعُو وَتُكَبِّرُ ، وَتَفْعَلُ مِثْلَ ذَلِكَ ، ثُمَّ تَدْعُو وَتُكَبِّرُ ، وَتَفْعَلُ مِثْلَ ذَلِكَ ، ثُمَّ تَدْعُو وَتُكَبِّرُ ، وَتَفْعَلُ مِثْلَ ذَلِكَ ، ثُمَّ تَقْرَأُ ثُمَّ تُكَبِّرُ وَتَرْكَعُ ، ثُمَّ تَقُومُ فَتَقْرَأُ وَتَحْمَدُ رَبَّكَ ، وَتُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ تَدْعُو وَتُكَبِّرُ وَتَفْعَلُ مِثْلَ ذَلِكَ ، ثُمَّ تُكَبِّرُ وَتَفْعَلُ مِثْلَ ذَلِكَ ، ثُمَّ تُكَبِّرُ وَتَفْعَلُ مِثْلَ ذَلِكَ ، ثُمَّ تَرْكَعُ .\rفَقَالَ حُذَيْفَةُ وَأَبُو مُوسَى : صَدَقَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ .\rرَوَاهُ الْأَثْرَمُ ، فِي \" سُنَنِهِ \" وَلِأَنَّهَا تَكْبِيرَاتٌ حَالَ الْقِيَامِ فَاسْتُحِبَّ أَنْ يَتَخَلَّلَهَا ذِكْرٌ ، كَتَكْبِيرَاتِ الْجِنَازَةِ ، وَتُفَارِقُ التَّسْبِيحَ ، لِأَنَّهُ ذِكْرٌ يَخْفَى وَلَا يَظْهَرُ بِخِلَافِ التَّكْبِيرِ .\rوَقِيَاسُهُمْ","part":4,"page":247},{"id":1747,"text":"مُنْتَقِضٌ بِتَكْبِيرَاتِ الْجِنَازَةِ .\rقَالَ الْقَاضِي : يَقِفُ بَيْنَ كُلِّ تَكْبِيرَتَيْنِ بِقَدْرِ آيَةٍ ، لَا طَوِيلَةٍ وَلَا قَصِيرَةٍ .\rوَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ .\r( 1417 ) فَصْلٌ : وَالتَّكْبِيرَاتُ وَالذِّكْرُ بَيْنهَا سُنَّةٌ ، وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ ، وَلَا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِتَرْكِهِ عَمْدًا وَلَا سَهْوًا ، وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا ، فَإِنْ نَسِيَ التَّكْبِيرَ ، وَشَرَعَ فِي الْقِرَاءَةِ ، لَمْ يَعُدْ إلَيْهِ .\rقَالَهُ ابْنُ عَقِيلٍ ، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ ، لِأَنَّهُ سُنَّةٌ فَلَمْ يَعُدْ إلَيْهِ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي الْقِرَاءَةِ ، كَالِاسْتِفْتَاحِ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : فِيهَا وَجْهٌ آخَرُ ، أَنَّهُ يَعُودُ إلَى التَّكْبِيرِ .\rوَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَالْقَوْلُ الثَّانِي لِلشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَهُ فِي مَحَلِّهِ ، فَيَأْتِي بِهِ كَمَا قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الْقِرَاءَةِ ، وَهَذَا لِأَنَّ مَحَلَّهُ الْقِيَامُ ، وَقَدْ ذَكَرَهُ فِيهِ ، فَعَلَى هَذَا يَقْطَعُ الْقِرَاءَةَ وَيُكَبِّرُ ، ثُمَّ يَسْتَأْنِفُ الْقِرَاءَةَ ، لِأَنَّهُ قَطَعَهَا مُتَعَمِّدًا بِذِكْرٍ طَوِيلٍ .\rوَإِنْ كَانَ الْمَنْسِيُّ شَيْئًا يَسِيرًا احْتَمَلَ أَنْ يَبْنِيَ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَطُلْ الْفَصْلُ ، أَشْبَهَ مَا لَوْ قَطَعَهَا بِقَوْلِ \" آمِينَ \" .\rوَاحْتَمَلَ أَنْ يَبْتَدِئَ ؛ لِأَنَّ مَحَلَّ التَّكْبِيرِ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ ، وَمَحَلَّ الْقِرَاءَةِ بَعْدَهُ ، فَيَسْتَأْنِفُهَا ، لِيَأْتِيَ بِهَا بَعْدَهُ وَإِنْ ذَكَرَ التَّكْبِيرَ بَعْدَ الْقِرَاءَةِ ، فَأَتَى بِهِ ، لَمْ يُعِدْ الْقِرَاءَةَ وَجْهًا وَاحِدًا ؛ لِأَنَّهَا وَقَعَتْ مَوْقِعَهَا .\rوَإِنْ لَمْ يَذْكُرْهُ حَتَّى رَكَعَ ، سَقَطَ وَجْهًا وَاحِدًا ، لِأَنَّهُ فَاتَ الْمَحَلَّ .\rوَكَذَلِكَ الْمَسْبُوقُ إذَا أَدْرَكَ الرُّكُوعَ ، لَمْ يُكَبِّرْ فِيهِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يُكَبِّرُ فِيهِ ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْقِيَامِ ، بِدَلِيلِ إدْرَاكِ الرَّكْعَةِ بِهِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ ذِكْرٌ مَسْنُونٌ حَالَ الْقِيَامِ ، فَلَمْ يَأْتِ بِهِ فِي الرُّكُوعِ ، كَالِاسْتِفْتَاحِ ، وَقِرَاءَةِ السُّورَةِ ، وَالْقُنُوتِ عِنْدَهُ ، وَإِنَّمَا أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ بِإِدْرَاكِهِ ،","part":4,"page":248},{"id":1748,"text":"لِأَنَّهُ أَدْرَكَ مُعْظَمَهَا ، وَلَمْ يَفُتْهُ إلَّا الْقِيَامُ ، وَقَدْ حَصَلَ مِنْهُ مَا يُجْزِئُ فِي تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ .\rفَأَمَّا الْمَسْبُوقُ إذَا أَدْرَكَ الْإِمَامَ بَعْدَ تَكْبِيرِهِ ، فَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ : يُكَبِّرُ ؛ لِأَنَّهُ أَدْرَكَ مَحَلَّهُ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يُكَبِّرَ ؛ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِالْإِنْصَاتِ إلَى قِرَاءَةِ الْإِمَامِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ إنْ كَانَ يَسْمَعُ قِرَاءَةَ الْإِمَامِ أَنْصَتَ ، وَإِنْ كَانَ بَعِيدًا كَبَّرَ .\r( 1418 ) فَصْلٌ : وَإِذَا شَكَّ فِي عَدَدِ التَّكْبِيرَاتِ بَنَى عَلَى الْيَقِينِ ، فَإِنْ كَبَّرَ ثُمَّ شَكَّ هَلْ نَوَى الْإِحْرَامَ أَوْ لَا ، ابْتَدَأَ الصَّلَاةَ هُوَ وَمَنْ خَلْفَهُ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ النِّيَّةِ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ وَسْوَاسًا ، فَلَا يَلْتَفِتْ إلَيْهِ .\rوَسَائِرُ الْمَسْأَلَةِ قَدْ سَبَقَ شَرْحُهَا .","part":4,"page":249},{"id":1749,"text":"( 1419 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( فَإِذَا سَلَّمَ خَطَبَ بِهِمْ خُطْبَتَيْنِ ، يَجْلِسُ بَيْنَهُمَا ، فَإِنْ كَانَ فِطْرًا حَضَّهُمْ عَلَى الصَّدَقَةِ ، وَبَيَّنَ لَهُمْ مَا يُخْرِجُونَ ، وَإِنْ كَانَ أَضْحَى يُرَغِّبُهُمْ فِي الْأُضْحِيَّةِ ، وَيُبَيِّنُ لَهُمْ مَا يُضَحَّى بِهِ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ خُطْبَتَيْ الْعِيدَيْنِ بَعْدَ الصَّلَاةِ ، لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ ، إلَّا عَنْ بَنِي أُمَيَّةَ .\rوَرُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُمَا فَعَلَاهُ ، وَلَمْ يَصِحَّ ذَلِكَ عَنْهُمَا ، وَلَا يُعْتَدُّ بِخِلَافِ بَنِي أُمَيَّةَ ؛ لِأَنَّهُ مَسْبُوقٌ بِالْإِجْمَاعِ الَّذِي كَانَ قَبْلَهُمْ ، وَمُخَالِفٌ لِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصَّحِيحَةِ ، وَقَدْ أُنْكِرَ عَلَيْهِمْ فِعْلُهُمْ ، وَعُدَّ بِدْعَةً وَمُخَالِفًا لِلسُّنَّةِ ، فَإِنَّ ابْنَ عُمَرَ قَالَ : { إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبَا بَكْرٍ ، وَعُمَرَ ، وَعُثْمَانَ ، كَانُوا يُصَلُّونَ الْعِيدَيْنِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَرَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ مِثْلَهُ .\rرَوَاهُ مُسْلِمٌ .\rوَرَوَاهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَمَاعَةٌ ، وَرَوَى طَارِقُ بْنُ شِهَابٍ قَالَ : قَدَّمَ مَرْوَانُ الْخُطْبَةَ قَبْلَ الصَّلَاةِ فَقَامَ رَجُلٌ ، فَقَالَ : خَالَفْتَ السُّنَّةَ ، كَانَتْ الْخُطْبَةُ بَعْدَ الصَّلَاةِ .\rفَقَالَ : تُرِكَ ذَاكَ يَا أَبَا فُلَانٍ .\rفَقَامَ أَبُو سَعِيدٍ ، فَقَالَ : أَمَّا هَذَا الْمُتَكَلِّمُ فَقَدْ قَضَى مَا عَلَيْهِ ، قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُنْكِرْهُ بِيَدِهِ ، فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَلْيُنْكِرْهُ بِلِسَانِهِ ، فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَلْيُنْكِرْهُ بِقَلْبِهِ ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ .\r} .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيُّ ، عَنْ شُعْبَةَ ، عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ ، عَنْ طَارِقٍ .\rوَرَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ ، وَلَفْظُهُ : \" فَلْيُغَيِّرْهُ \" .\rفَعَلَى هَذَا مَنْ خَطَبَ قَبْلَ الصَّلَاةِ فَهُوَ كَمَنْ لَمْ يَخْطُبْ ؛ لِأَنَّهُ خَطَبَ فِي غَيْرِ مَحَلِّ الْخُطْبَةِ ، أَشْبَهَ","part":4,"page":250},{"id":1750,"text":"مَا لَوْ خَطَبَ فِي الْجُمُعَةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِنَّ صِفَةَ الْخُطْبَتَيْنِ كَصِفَةِ خُطْبَتَيْ الْجُمُعَةِ ، إلَّا أَنَّهُ يَسْتَفْتِحُ الْأُولَى بِتِسْعِ تَكْبِيرَاتٍ مُتَوَالِيَاتٍ ، وَالثَّانِيَةَ بِسَبْعٍ مُتَوَالِيَاتٍ .\rقَالَ الْقَاضِي : وَإِنْ أَدْخَلَ بَيْنَهُمَا تَهْلِيلًا أَوْ ذِكْرًا فَحَسَنٌ .\rوَقَالَ سَعِيدٌ : حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ ، قَالَ : يُكَبِّرُ الْإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ يَوْمَ الْعِيدِ قَبْلَ أَنْ يَخْطُبَ تِسْعَ تَكْبِيرَاتٍ ، ثُمَّ يَخْطُبُ ، وَفِي الثَّانِيَةِ سَبْعَ تَكْبِيرَاتٍ ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُكْثِرَ التَّكْبِيرَ فِي أَضْعَافِ خُطْبَتِهِ .\rوَرَوَى سَعْدٌ مُؤَذِّنُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُكَبِّرُ بَيْنَ أَضْعَافِ الْخُطْبَةِ ، يُكْثِرُ التَّكْبِيرَ فِي خُطْبَتَيْ الْعِيدَيْنِ } .\rرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ ، فَإِذَا كَبَّرَ فِي أَثْنَاءِ الْخُطْبَةِ كَبَّرَ النَّاسُ بِتَكْبِيرِهِ .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي مُوسَى أَنَّهُ كَانَ يُكَبِّرُ يَوْمَ الْعِيدِ عَلَى الْمِنْبَرِ اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعِينَ تَكْبِيرَةً ، وَيَجْلِسُ بَيْنَ الْخُطْبَتَيْنِ ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ مَاجَهْ ، بِإِسْنَادِهِ ، عَنْ جَابِرٍ ، قَالَ : { خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ فِطْرٍ أَوْ أَضْحًى ، فَخَطَبَ قَائِمًا ، ثُمَّ قَعَدَ قَعْدَةً ، ثُمَّ قَامَ .\r} وَيَجْلِسُ عَقِيبَ صُعُودِهِ الْمِنْبَرَ .\rوَقِيلَ : لَا يَجْلِسُ عَقِيبَ صُعُودِهِ ؛ لِأَنَّ الْجُلُوسَ فِي الْجُمُعَةِ لِلْأَذَانِ ، وَلَا أَذَانَ هَاهُنَا .\rفَإِنْ كَانَ فِي الْفِطْرِ أَمَرَهُمْ بِصَدَقَةِ الْفِطْرِ ، وَبَيَّنَ لَهُمْ وُجُوبَهَا ، وَثَوَابَهَا ، وَقَدْرَ الْمُخْرَجِ ، وَجِنْسَهُ ، وَعَلَى مَنْ تَجِبُ ، وَالْوَقْتَ الَّذِي يُخْرَجُ فِيهِ .\rوَفِي الْأَضْحَى يَذْكُرُ الْأُضْحِيَّةَ ، وَفَضْلَهَا ، وَأَنَّهَا سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ ، وَمَا يُجْزِئُ فِيهَا ، وَوَقْتَ ذَبْحِهَا ، وَالْعُيُوبَ الَّتِي تَمْنَعُ مِنْهَا ، وَكَيْفِيَّةَ تَفْرِقَتِهَا ، وَمَا يَقُولُهُ عِنْدَ","part":4,"page":251},{"id":1751,"text":"ذَبْحِهَا ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ : { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْرُجُ يَوْمَ الْفِطْرِ وَالْأَضْحَى إلَى الْمُصَلَّى ، فَأَوَّلُ مَا يَبْدَأُ بِهِ الصَّلَاةُ ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ فَيَقُومُ مُقَابِلَ النَّاسِ ، وَالنَّاسُ جُلُوسٌ عَلَى صُفُوفِهِمْ ، فَيَعِظُهُمْ وَيُوصِيهِمْ وَيَأْمُرُهُمْ ، وَإِنْ كَانَ يُرِيدُ أَنْ يَقْطَعَ بَعْثًا قَطَعَهُ ، أَوْ يَأْمُرَ بِشَيْءٍ أَمَرَ بِهِ ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ } .\rرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ، وَرَوَى مُسْلِمٌ نَحْوَهُ .\rوَعَنْ جَابِرٍ ، قَالَ : { شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصَّلَاةَ يَوْمَ الْعِيدِ ، فَبَدَأَ بِالصَّلَاةِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ بِلَا أَذَانٍ وَلَا إقَامَةٍ ، ثُمَّ قَامَ مُتَوَكِّئًا عَلَى بِلَالٍ ، فَأَمَرَ بِتَقْوَى اللَّهِ ، وَحَثَّ عَلَى طَاعَتِهِ ، وَوَعَظَ النَّاسَ فَذَكَّرَهُمْ ، ثُمَّ مَضَى حَتَّى أَتَى النِّسَاءَ فَوَعَظَهُنَّ وَذَكَّرَهُنَّ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَعَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ فَإِنَّمَا هُوَ شَاةُ لَحْمٍ عَجَّلَهُ لِأَهْلِهِ ، لَيْسَ مِنْ النُّسُكِ فِي شَيْءٍ ، وَمَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلَاةِ فَلْيَذْبَحْ مَكَانَهَا أُخْرَى ، وَمَنْ ذَبَحَ بَعْدَ الصَّلَاةِ فَقَدْ تَمَّ نُسُكُهُ وَقَدْ أَصَابَ سُنَّةَ الْمُسْلِمِينَ } .\r( 1420 ) فَصْلٌ : وَالْخُطْبَتَانِ سُنَّةٌ ، لَا يَجِبُ حُضُورُهَا وَلَا اسْتِمَاعُهَا ؛ لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ السَّائِبِ قَالَ : { شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْعِيدَ ، فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ ، قَالَ : إنَّا نَخْطُبُ فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَجْلِسَ لِلْخُطْبَةِ فَلْيَجْلِسْ ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَذْهَبَ فَلْيَذْهَبْ } .\rرَوَاهُ النَّسَائِيّ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَقَالَ : هُوَ مُرْسَلٌ .\rوَإِنَّمَا أُخِّرَتْ عَنْ الصَّلَاةِ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - لِأَنَّهَا لَمَّا كَانَتْ غَيْرَ وَاجِبَةٍ جُعِلَتْ فِي وَقْتٍ يَتَمَكَّنُ مَنْ أَرَادَ تَرْكَهَا ، مِنْ تَرْكِهَا ، بِخِلَافِ خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ .\rوَالِاسْتِمَاعُ لَهَا أَفْضَلُ .\rوَقَدْ رُوِيَ","part":4,"page":252},{"id":1752,"text":"عَنْ الْحَسَنِ ، وَابْنِ سِيرِينَ ، أَنَّهُمَا كَرِهَا الْكَلَامَ يَوْمَ الْعِيدِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ .\rوَقَالَ إبْرَاهِيمُ : يَخْطُبُ الْإِمَامُ يَوْمَ الْعِيدِ قَدْرَ مَا يَرْجِعُ النِّسَاءُ إلَى بُيُوتِهِنَّ .\rوَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ لَهُنَّ الْجُلُوسُ لِاسْتِمَاعِ الْخُطْبَةِ ، لِئَلَّا يَخْتَلِطْنَ بِالرِّجَالِ .\rوَحَدِيثُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَوْعِظَتِهِ النِّسَاءَ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ خُطْبَتِهِ ، دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُنَّ لَمْ يَنْصَرِفْنَ قَبْلَ فَرَاغِهِ ، وَسُنَّةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَقُّ بِالِاتِّبَاعِ .\r( 1421 ) فَصْلٌ : وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَخْطُبَ قَائِمًا ؛ لِمَا رَوَى جَابِرٌ ، قَالَ : { خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ فِطْرٍ أَوْ أَضْحًى ، فَخَطَبَ قَائِمًا ، ثُمَّ قَعَدَ ثُمَّ قَامَ } ، رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ .\rوَلِأَنَّهَا خُطْبَةُ عِيدٍ ، فَأَشْبَهَتْ خُطْبَةَ الْجُمُعَةِ .\rوَإِنْ خَطَبَ قَاعِدًا فَلَا بَأْسَ ؛ لِأَنَّهَا غَيْرُ وَاجِبَةٍ ، فَأَشْبَهَتْ صَلَاةَ النَّافِلَةِ .\rوَإِنْ خَطَبَ عَلَى رَاحِلَتِهِ فَحَسَنٌ .\rقَالَ سَعِيدٌ حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ ، حَدَّثَنَا حُصَيْنٌ ، حَدَّثَنَا أَبُو جَمِيلَةَ ، قَالَ : رَأَيْتُ عَلِيًّا صَلَّى يَوْمَ عِيدٍ فَبَدَأَ بِالصَّلَاةِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ ، ثُمَّ خَطَبَ عَلَى دَابَّتِهِ ، وَرَأَيْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ يَخْطُبُ عَلَى رَاحِلَتِهِ ، وَرَأَيْتُ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ يَخْطُبُ عَلَى رَاحِلَتِهِ .","part":4,"page":253},{"id":1753,"text":"( 1422 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَلَا يَتَنَفَّلُ قَبْلَ صَلَاةِ الْعِيدِ ، وَلَا بَعْدَهَا ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ يُكْرَهُ التَّنَفُّلُ قَبْلَ صَلَاةِ الْعِيدِ وَبَعْدَهَا لِلْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ فِي مَوْضِعِ الصَّلَاةِ ، سَوَاءٌ كَانَ فِي الْمُصَلَّى أَوْ الْمَسْجِدِ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَابْنِ عُمَرَ ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ ، وَحُذَيْفَةَ ، وَبُرَيْدَةَ ، وَسَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ ، وَجَابِرٍ ، وَابْنِ أَبِي أَوْفَى ، وَقَالَ بِهِ شُرَيْحٌ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُغَفَّلٍ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَالضَّحَّاكُ ، وَالْقَاسِمُ ، وَسَالِمٌ ، وَمَعْمَرٌ ، وَابْنُ جُرَيْجٍ ، وَمَسْرُوقٌ .\rوَقَالَ الزُّهْرِيُّ : لَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا مِنْ عُلَمَائِنَا يَذْكُرُ أَنَّ أَحَدًا مِنْ سَلَفِ هَذِهِ الْأُمَّةِ كَانَ يُصَلِّي قَبْلَ تِلْكَ الصَّلَاةِ وَلَا بَعْدَهَا .\rيَعْنِي صَلَاةَ الْعِيدِ .\rوَقَالَ : مَا صَلَّى قَبْلَ الْعِيدِ بَدْرِيٌّ .\rوَنَهَى عَنْهُ أَبُو مَسْعُودٍ الْبَدْرِيُّ .\rوَرُوِيَ أَنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ رَأَى قَوْمًا يُصَلُّونَ قَبْلَ الْعِيدِ ، فَقَالَ : مَا كَانَ هَذَا يُفْعَلُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rوَقَالَ أَحْمَدُ : أَهْلُ الْمَدِينَةِ لَا يَتَطَوَّعُونَ قَبْلَهَا ، وَلَا بَعْدَهَا ، وَأَهْلُ الْبَصْرَةِ يَتَطَوَّعُونَ قَبْلَهَا ، وَبَعْدَهَا ، وَأَهْلُ الْكُوفَةِ لَا يَتَطَوَّعُونَ قَبْلَهَا ، وَيَتَطَوَّعُونَ بَعْدَهَا .\rوَهَذَا قَوْلُ عَلْقَمَةَ ، وَالْأَسْوَدِ ، وَمُجَاهِدٍ ، وَابْنِ أَبِي لَيْلَى ، وَالنَّخَعِيِّ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : لَا يَتَطَوَّعُ فِي الْمُصَلَّى قَبْلَهَا وَلَا بَعْدَهَا .\rوَلَهُ فِي الْمَسْجِدِ رِوَايَتَانِ : إحْدَاهُمَا ، يَتَطَوَّعُ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إذَا دَخَلَ أَحَدُكُمْ الْمَسْجِدَ فَلَا يَجْلِسْ حَتَّى يَرْكَعَ رَكْعَتَيْنِ } .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يُكْرَهُ التَّطَوُّعُ لِلْإِمَامِ دُونَ الْمَأْمُومِ ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ لَا يُسْتَحَبُّ لَهُ التَّشَاغُلُ عَنْ الصَّلَاةِ ، وَلَمْ يُكْرَهْ لِلْمَأْمُومِ ، لِأَنَّهُ","part":4,"page":254},{"id":1754,"text":"وَقْتٌ لَمْ يُنْهَ عَنْ الصَّلَاةِ فِيهِ ، أَشْبَهَ مَا بَعْدَ الزَّوَالِ .\rوَلَنَا مَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ يَوْمَ الْفِطْرِ ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ، لَمْ يُصَلِّ قَبْلَهُمَا وَلَا بَعْدَهُمَا } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَرَوَى ابْنُ عُمَرَ نَحْوَهُ .\rوَلِأَنَّهُ إجْمَاعٌ كَمَا ذَكَرْنَاهُ عَنْ الزُّهْرِيِّ وَغَيْرِهِ ، وَنَهَى أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْهُ ، وَرَوَوْا الْحَدِيثَ وَعَمِلُوا بِهِ ، وَلِأَنَّهُ وَقْتٌ نُهِيَ الْإِمَامُ عَنْ التَّنَفُّلِ فِيهِ ، فَكُرِهَ لِلْمَأْمُومِ ، كَسَائِرِ أَوْقَاتِ النَّهْيِ ، وَكَمَا قَبْلَ الصَّلَاةِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَكَمَا لَوْ كَانَ فِي الْمُصَلَّى عِنْد مَالِكٍ .\rقَالَ الْأَثْرَمُ : قُلْت لِأَحْمَدَ : قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ : إنَّمَا تَرَكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ التَّطَوُّعَ لِأَنَّهُ كَانَ إمَامًا .\rقَالَ أَحْمَدُ : فَاَلَّذِينَ رَوَوْا هَذَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَتَطَوَّعُوا .\rثُمَّ قَالَ ابْنُ عُمَرَ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ ، هُمَا رَاوِيَاهُ ، وَأَخَذَا بِهِ .\rيُشِيرُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ إلَى أَنَّ عَمَلَ رَاوِي الْحَدِيثِ بِهِ تَفْسِيرٌ لَهُ ، وَتَفْسِيرُهُ يُقَدَّمُ عَلَى تَفْسِيرِ غَيْرِهِ .\rوَلَوْ كَانَتْ الْكَرَاهَةُ لِلْإِمَامِ كَيْ لَا يَشْتَغِلَ عَنْ الصَّلَاةِ ، لَاخْتَصَّتْ بِمَا قَبْلَ الصَّلَاةِ ، إذْ لَمْ يَبْقَ بَعْدَهَا مَا يَشْتَغِلُ بِهِ ، وَلِأَنَّهُ تَنَفُّلٌ فِي الْمُصَلَّى وَقْتَ صَلَاةِ الْعِيدِ فَكُرِهَ ، كَاَلَّذِي سَلَّمُوهُ ، وَقِيَاسُهُمْ مُنْتَقِضٌ بِالْإِمَامِ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { كَانَ يُكَبِّرُ فِي صَلَاةِ الْعِيدِ سَبْعًا وَخَمْسًا ، وَيَقُولُ : لَا صَلَاةَ قَبْلَهَا وَلَا بَعْدَهَا } .\rحَكَى ابْنُ عَقِيلٍ أَنَّ الْإِمَامَ ابْنَ بَطَّةَ رَوَاهُ بِإِسْنَادِهِ .","part":4,"page":255},{"id":1755,"text":"( 1423 ) فَصْلٌ : قِيلَ لِأَحْمَدَ : فَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُصَلِّي صَلَاةً فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ ؟ قَالَ : أَخَافُ أَنْ يَقْتَدِيَ بِهِ بَعْضُ مَنْ يَرَاهُ .\rيَعْنِي لَا يُصَلِّي .\rقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ : وَكَرِهَ أَحْمَدُ أَنْ يَتَعَمَّدَ لِقَضَاءِ ، صَلَاةٍ ، وَقَالَ : أَخَافُ أَنْ يَقْتَدُوا بِهِ ( 1424 ) .\rفَصْلٌ : وَإِنَّمَا يُكْرَهُ التَّنَفُّلُ فِي مَوْضِعِ الصَّلَاةِ ، فَأَمَّا فِي غَيْرِهِ فَلَا بَأْسَ بِهِ ، وَكَذَلِكَ لَوْ خَرَجَ مِنْهُ ، ثُمَّ عَادَ إلَيْهِ بَعْدَ الصَّلَاةِ ، فَلَا بَأْسَ بِالتَّطَوُّعِ فِيهِ .\rقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ : سَمِعْت أَبِي يَقُولُ : رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُصَلِّ قَبْلَهَا وَلَا بَعْدَهَا } .\rوَرَأَيْتُهُ يُصَلِّي بَعْدَهَا رَكَعَاتٍ فِي الْبَيْتِ ، وَرُبَّمَا صَلَّاهَا فِي الطَّرِيقِ ، يَدْخُلُ بَعْضَ الْمَسَاجِدِ .\rوَرُوِيَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ، قَالَ { : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يُصَلِّي قَبْلَ الْعِيدِ شَيْئًا فَإِذَا رَجَعَ إلَى مَنْزِلِهِ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ } .\rرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ .\rوَلِأَنَّهُ إنَّمَا تَرَكَ الصَّلَاةَ فِي مَوْضِعِ الصَّلَاةِ اقْتِدَاءً بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ ، وَلِاشْتِغَالِهِ بِالصَّلَاةِ وَانْتِظَارِهَا ، وَهَذَا مَعْدُومٌ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ الصَّلَاةِ .","part":4,"page":256},{"id":1756,"text":"( 1425 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِذَا غَدَا مِنْ طَرِيقٍ رَجَعَ مِنْ غَيْرِهِ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الرُّجُوعَ فِي غَيْرِ الطَّرِيقِ الَّتِي غَدَا مِنْهَا سُنَّةٌ .\rوَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ .\rوَالْأَصْلُ فِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَفْعَلُهُ ، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا خَرَجَ يَوْمَ الْعِيدِ فِي طَرِيقٍ رَجَعَ فِي غَيْرِهِ } .\rقَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ .\rوَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ : إنَّمَا فَعَلَ هَذَا قَصْدًا لِسُلُوكِ الْأَبْعَدِ فِي الذَّهَابِ لِيَكْثُرَ ثَوَابُهُ وَخُطُوَاتُهُ إلَى الصَّلَاةِ .\rوَيَعُودُ فِي الْأَقْرَبِ لِأَنَّهُ أَسْهَلُ وَهُوَ رَاجِعٌ إلَى مَنْزِلِهِ .\rوَقِيلَ : كَانَ يُحِبُّ أَنْ يَشْهَدَ لَهُ الطَّرِيقَانِ .\rوَقِيلَ : كَانَ يُحِبُّ الْمُسَاوَاةَ بَيْن أَهْلِ الطَّرِيقَيْنِ فِي التَّبَرُّكِ بِمُرُورِهِ بِهِمْ ، وَسُرُورِهِمْ بِرُؤْيَتِهِ ، وَيَنْتَفِعُونَ بِمَسْأَلَتِهِ .\rوَقِيلَ : لِتَحْصُلَ الصَّدَقَةُ مِمَّنْ صَحِبَهُ عَلَى أَهْلَ الطَّرِيقَيْنِ مِنْ الْفُقَرَاءِ .\rوَقِيلَ : لِتَبَرُّكِ الطَّرِيقَيْنِ بِوَطْئِهِ عَلَيْهِمَا .\rوَفِي الْجُمْلَةِ الِاقْتِدَاءُ بِهِ سُنَّةٌ ؛ لِاحْتِمَالِ بَقَاءِ الْمَعْنَى الَّذِي فَعَلَهُ مِنْ أَجْلِهِ ، وَلِأَنَّهُ قَدْ يَفْعَلُ الشَّيْءَ لِمَعْنَى وَيَبْقَى فِي حَقِّ غَيْرِهِ سُنَّةً ، مَعَ زَوَالِ الْمَعْنَى ، كَالرَّمَلِ وَالِاضْطِبَاعِ فِي طَوَافِ الْقُدُومِ ، فَعَلَهُ هُوَ وَأَصْحَابُهُ لِإِظْهَارِ الْجَلَدِ لِلْكُفَّارِ ، وَبَقِيَ سُنَّةً بَعْدَ زَوَالِهِمْ .\rوَلِهَذَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : فِيمَ الرَّمَلَانُ الْآنَ ، وَلِمَنْ نُبْدِي مَنَاكِبَنَا وَقَدْ نَفَى اللَّهُ الْمُشْرِكِينَ ؟ ثُمَّ قَالَ مَعَ ذَلِكَ : لَا نَدَعُ شَيْئًا فَعَلْنَاهُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .","part":4,"page":257},{"id":1757,"text":"( 1426 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَمَنْ فَاتَتْهُ صَلَاةُ الْعِيدِ صَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ ، كَصَلَاةِ التَّطَوُّعِ ، وَإِنْ أَحَبَّ فَصَلَّ بِسَلَامٍ بَيْنَ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ ) .\rوَجُمْلَتُهُ أَنَّ مَنْ فَاتَتْهُ صَلَاةُ الْعِيدِ فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهَا فَرْضُ كِفَايَةٍ ، قَامَ بِهَا مَنْ حَصَلَتْ الْكِفَايَةُ بِهِ ، فَإِنْ أَحَبَّ قَضَاءَهَا فَهُوَ مُخَيَّرٌ ، إنْ شَاءَ صَلَّاهَا أَرْبَعًا ، إمَّا بِسَلَامٍ وَاحِدٍ وَإِمَّا بِسَلَامَيْنِ .\rوَرُوِيَ هَذَا عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ ؛ وَذَلِكَ لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ ، أَنَّهُ قَالَ : مَنْ فَاتَهُ الْعِيدُ فَلْيُصَلِّ أَرْبَعًا ، وَمَنْ فَاتَتْهُ الْجُمُعَةُ فَلْيُصَلِّ أَرْبَعًا .\rوَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : إنْ أَمَرْت رَجُلًا أَنْ يُصَلِّيَ بِضَعَفَةِ النَّاسِ ، أَمَرْته أَنْ يُصَلِّيَ أَرْبَعًا .\rرَوَاهُمَا سَعِيدٌ .\rقَالَ أَحْمَدُ ، رَحِمَهُ اللَّهُ : يُقَوِّي ذَلِكَ حَدِيثُ عَلِيٍّ ، أَنَّهُ أَمَرَ رَجُلًا يُصَلِّي بِضَعَفَةِ النَّاسِ أَرْبَعًا ، وَلَا يَخْطُبُ .\rوَلِأَنَّهُ قَضَاءُ صَلَاةِ عِيدٍ ، فَكَانَ أَرْبَعًا كَصَلَاةِ الْجُمُعَةِ ، وَإِنْ شَاءَ أَنْ يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ كَصَلَاةِ التَّطَوُّعِ .\rوَهَذَا قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ لِأَنَّ ذَلِكَ تَطَوُّعٌ .\rوَإِنْ شَاءَ صَلَّاهَا عَلَى صِفَةِ صَلَاةِ الْعِيدِ بِتَكْبِيرٍ .\rنَقَلَ ذَلِكَ عَنْ أَحْمَدَ إسْمَاعِيلُ بْنُ سَعِيدٍ ، وَاخْتَارَهُ الْجُوزَجَانِيُّ .\rوَهَذَا قَوْلُ النَّخَعِيِّ ، وَمَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي ثَوْرٍ وَابْنِ الْمُنْذِرِ ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ أَنَسٍ ، أَنَّهُ كَانَ إذَا لَمْ يَشْهَدْ الْعِيدَ مَعَ الْإِمَامِ بِالْبَصْرَةِ جَمَعَ أَهْلَهُ وَمَوَالِيهِ ، ثُمَّ قَامَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي عُتْبَةَ مَوْلَاهُ فَيُصَلَّى بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ ، يُكَبِّرُ فِيهِمَا .\rوَلِأَنَّهُ قَضَاءُ صَلَاةٍ ، فَكَانَ عَلَى صِفَتِهَا ، كَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ ، وَهُوَ مُخَيَّرٌ ، إنْ شَاءَ صَلَّاهَا وَحْدَهُ ، وَإِنْ شَاءَ فِي جَمَاعَةٍ .\rقِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ : أَيْنَ يُصَلِّي ؟ قَالَ : إنْ شَاءَ مَضَى إلَى الْمُصَلَّى ، وَإِنْ شَاءَ حَيْثُ شَاءَ .\r(","part":4,"page":258},{"id":1758,"text":"1427 ) فَصْلٌ : وَإِنْ أَدْرَكَ الْإِمَامَ فِي التَّشَهُّدِ جَلَسَ مَعَهُ ، فَإِذَا سَلَّمَ الْإِمَامُ قَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ، يَأْتِي فِيهِمَا بِالتَّكْبِيرِ ؛ لِأَنَّهُ أَدْرَكَ بَعْضَ الصَّلَاةِ الَّتِي لَيْسَتْ مُبْدَلَةً مِنْ أَرْبَعٍ ، فَقَضَاهَا عَلَى صِفَتِهَا كَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ .\rوَإِنْ أَدْرَكَهُ فِي الْخُطْبَةِ ، فَإِنْ كَانَ فِي الْمَسْجِدِ صَلَّى تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ ؛ لِأَنَّهَا إذَا صُلِّيَتْ فِي خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ الَّتِي يَجِبُ الْإِنْصَاتُ لَهَا ، فَفِي خُطْبَةِ الْعِيدِ أَوْلَى ، وَلَا يَكُونُ حُكْمُهُ فِي تَرْكِ التَّحِيَّةِ حُكْمَ مَنْ أَدْرَكَ الْعِيدَ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : يَجْلِسُ فَيَسْتَمِعُ الْخُطْبَةَ ، وَلَا يُصَلِّي ؛ لِئَلَّا يَشْتَغِلَ بِالصَّلَاةِ عَنْ اسْتِمَاعِ الْخُطْبَةِ .\rوَهَذَا التَّعْلِيلُ يَبْطُلُ بِالدَّاخِلِ فِي خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ ، فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ الدَّاخِلَ بِالرُّكُوعِ ، مَعَ أَنَّ خُطْبَةَ الْجُمُعَةِ آكَدُ .\rفَأَمَّا إنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْمَسْجِدِ ، فَإِنَّهُ يَجْلِسُ فَيَسْتَمِعُ ، ثُمَّ إنْ أَحَبَّ قَضَى صَلَاةَ الْعِيدِ ، عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ .","part":4,"page":259},{"id":1759,"text":"( 1428 ) فَصْلٌ : إذَا لَمْ يَعْلَمْ بِيَوْمِ الْعِيدِ إلَّا بَعْدَ زَوَالِ الشَّمْسِ ، خَرَجَ مِنْ الْغَدِ ، فَصَلَّى بِهِمْ الْعِيدَ .\rوَهَذَا قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَإِسْحَاقَ ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ .\rوَصَوَّبَهُ الْخَطَّابِيُّ .\rوَحُكِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهَا لَا تُقْضَى .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : إنْ عَلِمَ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ كَقَوْلِنَا ، وَإِنْ عَلِمَ بَعْدَ الزَّوَالِ لَمْ يُصَلِّ ، لِأَنَّهَا صَلَاةٌ شُرِعَ لَهَا الِاجْتِمَاعُ وَالْخُطْبَةُ ، فَلَا تُقْضَى بَعْدَ فَوَاتِ وَقْتِهَا ، كَصَلَاةِ الْجُمُعَةِ .\rوَإِنَّمَا يُصَلِّيهَا إذَا عَلِمَ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ ؛ لِأَنَّ الْعِيدَ هُوَ الْغَدُ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { فِطْرُكُمْ يَوْمَ تُفْطِرُونَ ، وَأَضْحَاكُمْ يَوْمَ تُضَحُّونَ ، وَعَرَفَتُكُمْ يَوْمَ تُعَرِّفُونَ } .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى أَبُو عُمَيْرِ بْنُ أَنَسٍ ، عَنْ عُمُومَةٍ لَهُ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَنَّ رَكْبًا جَاءُوا إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَشَهِدُوا أَنَّهُمْ رَأَوْا الْهِلَالَ بِالْأَمْسِ ، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يُفْطِرُوا .\rفَإِذَا أَصْبَحُوا أَنْ يَغْدُوا إلَى مُصَلَّاهُمْ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rقَالَ الْخَطَّابِيُّ : سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْلَى ، وَحَدِيثُ أَبِي عُمَيْرٍ صَحِيحٌ ، فَالْمَصِيرُ إلَيْهِ وَاجِبٌ .\rوَلِأَنَّهَا صَلَاةٌ مُؤَقَّتَةٌ ، فَلَا تَسْقُطُ بِفَوَاتِ الْوَقْتِ ، كَسَائِرِ الْفَرَائِضِ ، وَقِيَاسُهُمْ عَلَى الْجُمُعَةِ لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّهَا مَعْدُولٌ بِهَا عَنْ الظُّهْرِ بِشَرَائِطَ مِنْهَا الْوَقْتُ ، فَإِذَا فَاتَ وَاحِدٌ مِنْهَا رَجَعَ إلَى الْأَصْلِ .","part":4,"page":260},{"id":1760,"text":"( 1429 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا الْوَاحِد إذَا فَاتَتْهُ حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ ، وَأَحَبَّ قَضَاءَهَا ، قَضَاهَا مَتَى أَحَبَّ .\rوَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ : لَا يَقْضِيهَا إلَّا مِنْ الْغَدِ ، قِيَاسًا عَلَى الْمَسْأَلَةِ الَّتِي قَبْلَهَا .\rوَهَذَا لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ مَا يَفْعَلُهُ تَطَوُّعٌ ، فَمَتَى أَحَبَّ أَتَى بِهِ ، وَفَارَقَ مَا إذَا لَمْ يَعْلَمْ الْإِمَامُ وَالنَّاسُ ، لِأَنَّ النَّاسَ تَفَرَّقُوا يَوْمئِذٍ عَلَى أَنَّ الْعِيدَ فِي الْغَدِ ، فَلَا يَجْتَمِعُونَ إلَّا مِنْ الْغَدِ ، وَلَا كَذَلِكَ هَاهُنَا ، فَإِنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى اجْتِمَاعِ الْجَمَاعَةِ .\rوَلِأَنَّ صَلَاةَ الْإِمَامِ هِيَ الصَّلَاةُ الْوَاجِبَةُ ، الَّتِي يُعْتَبَرُ لَهَا شُرُوطُ الْعِيدِ وَمَكَانُهُ وَصِفَةُ صَلَاتِهِ ، فَاعْتُبِرَ لَهَا الْوَقْتُ ، وَهَذَا بِخِلَافِهِ .","part":4,"page":261},{"id":1761,"text":"( 1430 ) فَصْلٌ : وَيُشْتَرَطُ الِاسْتِيطَانُ لِوُجُوبِهَا ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُصَلِّهَا فِي سَفَرِهِ .\rوَلَا خُلَفَاؤُهُ وَكَذَلِكَ الْعَدَدُ الْمُشْتَرَطُ لِلْجُمُعَةِ ؛ لِأَنَّهَا صَلَاةُ عِيدٍ ، فَأَشْبَهَتْ الْجُمُعَةَ .\rوَفِي إذْنِ الْإِمَامِ رِوَايَتَانِ : أَصَحُّهُمَا ، لَيْسَ بِشَرْطٍ .\rوَلَا يُشْتَرَطُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ لِصِحَّتِهَا ، لِأَنَّهَا تَصِحُّ مِنْ الْوَاحِدِ فِي الْقَضَاءِ ، وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ رِوَايَتَانِ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : كَلَامُ أَحْمَدَ يَقْتَضِي رِوَايَتَيْنِ : إحْدَاهُمَا ، لَا يُقَامُ الْعِيدُ إلَّا حَيْثُ تُقَامُ الْجُمُعَةُ وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ إلَّا أَنَّهُ لَا يَرَى ذَلِكَ إلَّا فِي مِصْرٍ ، لِقَوْلِهِ : لَا جُمُعَة وَلَا تَشْرِيقَ إلَّا فِي مِصْرٍ جَامِعٍ .\rوَالثَّانِيَةُ ، يُصَلِّيهَا الْمُنْفَرِدُ وَالْمُسَافِرُ ، وَالْعَبْدُ وَالنِّسَاءُ ، عَلَى كُلِّ حَالٍ .\rوَهَذَا قَوْلُ الْحَسَنِ وَالشَّافِعِيِّ ، لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ شَرْطِهَا الِاسْتِيطَانُ فَلَمْ يَكُنْ مِنْ شَرْطِهَا الْجَمَاعَةُ ، كَالنَّوَافِلِ ، إلَّا أَنَّ الْإِمَامَ إذَا خَطَبَ مَرَّةً ، ثُمَّ أَرَادُوا أَنْ يُصَلُّوا ، لَمْ يَخْطُبُوا وَصَلَّوْا بِغَيْرِ خُطْبَةٍ ، كَيْ لَا يُؤَدِّيَ إلَى تَفْرِيق الْكَلِمَةِ ، وَالتَّفْصِيلُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ أَوْلَى مَا قِيلَ بِهِ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .","part":4,"page":262},{"id":1762,"text":"( 1431 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَيَبْتَدِئُ التَّكْبِيرَ يَوْمَ عَرَفَةَ مِنْ صَلَاةِ الْفَجْرِ ) لَا خِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ رَحِمَهُمُ اللَّهُ ، فِي أَنَّ التَّكْبِيرَ مَشْرُوعٌ فِي عِيدِ النَّحْرِ ، وَاخْتَلَفُوا فِي مُدَّتِهِ ، فَذَهَبَ إمَامُنَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إلَى أَنَّهُ مِنْ صَلَاةِ الْفَجْرِ يَوْمَ عَرَفَةَ إلَى الْعَصْرِ مِنْ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ .\rوَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ ، وَعَلِيٍّ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الثَّوْرِيُّ ، وَابْنُ عُيَيْنَةَ وَأَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَالشَّافِعِيُّ فِي بَعْضِ أَقْوَالِهِ .\rوَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ كَانَ يُكَبِّرُ مِنْ غَدَاةِ عَرَفَةَ إلَى الْعَصْرِ مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ .\rوَإِلَيْهِ ذَهَبَ عَلْقَمَةُ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ؛ لِقَوْلِهِ : { وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ } وَهِيَ الْعَشْرُ ، وَأَجْمَعْنَا عَلَى أَنَّهُ لَا يُكَبِّرُ قَبْلَ يَوْمِ عَرَفَةَ ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُكَبِّرَ يَوْمَ عَرَفَةَ وَيَوْمَ النَّحْرِ .\rوَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، أَنَّ التَّكْبِيرَ مِنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ يَوْمَ النَّحْرِ إلَى الصُّبْحِ مِنْ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ .\rوَبِهِ قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ ؛ لِأَنَّ النَّاسَ تَبَعٌ لِلْحَاجِّ ، وَالْحُجَّاجُ يَقْطَعُونَ التَّلْبِيَةَ مَعَ أَوَّلِ حَصَاةٍ ، وَيُكَبِّرُونَ مَعَ الرَّمْيِ ، وَإِنَّمَا يَرْمُونَ يَوْمَ النَّحْرِ ، فَأَوَّلُ صَلَاةٍ بَعْدَ ذَلِكَ الظُّهْرُ ، وَآخِرُ صَلَاةٍ يُصَلُّونَ بِمِنًى الْفَجْرَ مِنْ الْيَوْمِ الثَّالِثِ مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى جَابِرٌ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى الصُّبْحَ يَوْمَ عَرَفَةَ ، وَأَقْبَلَ عَلَيْنَا ، فَقَالَ : اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ .\rوَمَدَّ التَّكْبِيرَ إلَى الْعَصْرِ مِنْ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ } .\rأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيّ مِنْ طُرُقٍ ، وَفِي بَعْضِهَا : \" اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ ، لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ، وَاَللَّهُ أَكْبَرُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ \" .","part":4,"page":263},{"id":1763,"text":"وَلِأَنَّهُ إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ ، وَعَلِيٍّ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ رَوَاهُ سَعِيدٌ عَنْ عُمَرَ ، وَعَلِيٍّ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَرَوَى بِإِسْنَادِهِ عَنْ عُمَيْرِ بْنِ سَعِيدٍ ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ كَانَ يُكَبِّرُ مِنْ صَلَاةِ الْغَدَاةِ يَوْمَ عَرَفَةَ إلَى الْعَصْرِ مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ ، فَأَتَانَا عَلِيٌّ بَعْدَهُ فَكَبَّرَ مِنْ غَدَاةِ عَرَفَةَ إلَى صَلَاةِ الْعَصْرِ مِنْ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ : اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ ، لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ، وَاَللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ .\rقِيلَ لِأَحْمَدْ ، رَحِمَهُ اللَّهُ : بِأَيِّ حَدِيثٍ تَذْهَبُ ، إلَى أَنَّ التَّكْبِيرَ مِنْ صَلَاةِ الْفَجْرِ يَوْمَ عَرَفَةَ إلَى آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ ؟ قَالَ : بِالْإِجْمَاعِ عُمَرُ ، وَعَلِيٌّ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ ، وَابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ .\rوَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : { وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ } .\rوَهِيَ أَيَّامُ التَّشْرِيقِ ، فَتَعَيَّنَ الذِّكْرُ فِي جَمِيعِهَا .\rوَلِأَنَّهَا أَيَّامٌ يُرْمَى فِيهَا ، فَكَانَ التَّكْبِيرُ فِيهَا كَيَوْمِ النَّحْرِ .\rوقَوْله تَعَالَى : { وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ } .\rفَالْمُرَادُ بِهِ ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى الْهَدَايَا وَالْأَضَاحِيّ .\rوَيُسْتَحَبُّ التَّكْبِيرُ عِنْدَ رُؤْيَةِ الْأَنْعَامِ فِي جَمِيعِ الْعَشْرِ ، وَهَذَا أَوْلَى مِنْ قَوْلِهِمْ وَتَفْسِيرِهِمْ ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَعْمَلُوا بِهِ فِي كُلِّ الْعَشْرِ وَلَا فِي أَكْثَرِهِ ، وَإِنْ صَحَّ قَوْلُهُمْ فَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِالذِّكْرِ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ ، وَهِيَ أَيَّامُ التَّشْرِيقِ ، فَيُعْمَلُ بِهِ أَيْضًا .\rوَأَمَّا الْمُحْرِمُونَ فَإِنَّهُمْ يُكَبِّرُونَ مِنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ يَوْمَ النَّحْرِ ؛ لِمَا ذَكَرُوهُ ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا مَشْغُولِينَ قَبْلَ ذَلِكَ بِالتَّلْبِيَةِ ، وَغَيْرُهُمْ يَبْتَدِئُ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ ؛ لِعَدَمِ الْمَانِعِ فِي حَقِّهِمْ مَعَ وُجُودِ الْمُقْتَضِي .\rوَقَوْلُهُمْ : إنَّ النَّاسَ تَبَعٌ لَهُمْ فِي هَذَا .\rدَعْوَى مُجَرَّدَةٌ ، لَا","part":4,"page":264},{"id":1764,"text":"دَلِيلَ عَلَيْهَا ، فَلَا تُسْمَعُ .","part":4,"page":265},{"id":1765,"text":"( 1432 ) فَصْلٌ : وَصِفَةُ التَّكْبِيرِ : اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ ، لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ، وَاَللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ .\rوَهَذَا قَوْلُ عُمَرَ ، وَعَلِيٍّ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ .\rوَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَإِسْحَاقُ ، وَابْنُ الْمُبَارَكِ ، إلَّا أَنَّهُ زَادَ : عَلَى مَا هَدَانَا .\rلِقَوْلِهِ : { لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ } .\rوَقَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، يَقُول : اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ ثَلَاثًا ؛ لِأَنَّ جَابِرًا صَلَّى فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ ، قَالَ : اللَّهُ أَكْبَرُ ، اللَّهُ أَكْبَرُ ، اللَّهُ أَكْبَرُ .\rوَهَذَا لَا يَقُولُهُ إلَّا تَوْقِيفًا ، وَلِأَنَّ التَّكْبِيرَ شِعَارُ الْعِيدِ ، فَكَانَ وِتْرًا ، كَتَكْبِيرِ الصَّلَاةِ وَالْخُطْبَةِ .\rوَلَنَا ، خَبَرُ جَابِرٍ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ نَصٌّ فِي كَيْفِيَّةِ التَّكْبِيرِ ، وَأَنَّهُ قَوْلُ الْخَلِيفَتَيْنِ الرَّاشِدَيْنِ ، وَقَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَقَوْلُ جَابِرٍ لَا يُسْمَعُ مَعَ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا يُقَدَّمُ عَلَى قَوْلِ أَحَدٍ مِمَّنْ ذَكَرْنَا ، فَكَيْفَ قَدَّمُوهُ عَلَى قَوْلِ جَمِيعِهِمْ ؟ وَلِأَنَّهُ تَكْبِيرٌ خَارِجَ الصَّلَاةِ ، فَكَانَ شَفْعًا ، كَتَكْبِيرِ الْأَذَانِ .\rوَقَوْلُهُمْ : إنَّ جَابِرًا لَا يَفْعَلُهُ إلَّا تَوْقِيفًا .\rفَاسِدٌ ؛ لَوُجُوهٍ : أَحَدُهَا ، أَنَّهُ قَدْ رَوَى خِلَافَ قَوْلِهِ ، فَكَيْفَ يَتْرُكُ مَا صَرَّحَ بِهِ لِاحْتِمَالِ وُجُودِ ضِدِّهِ ؟ الثَّانِي ، أَنَّهُ إنْ كَانَ قَوْلُهُ تَوْقِيفًا ، كَانَ قَوْلُ مَنْ خَالَفَهُ تَوْقِيفًا ، فَكَيْفَ قَدَّمُوا الضَّعِيفَ عَلَى مَا هُوَ أَقْوَى مِنْهُ ، مَعَ إمَامَةِ مَنْ خَالَفَهُ وَفَضْلِهِمْ فِي الْعِلْمِ عَلَيْهِ ، وَكَثْرَتِهِمْ ؟ الثَّالِثُ ، أَنَّ هَذَا لَيْسَ بِمَذْهَبٍ لَهُمْ ، فَإِنَّ قَوْلَ الصَّحَابِيِّ لَا يُحْمَلُ عَلَى التَّوْقِيفِ عِنْدَهُمْ .\rالرَّابِعُ ، أَنَّهُ إنَّمَا يُحْمَلُ عَلَى التَّوْقِيفِ مَا خَالَفَ الْأُصُولَ ، وَذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى لَا يُخَالِفُ الْأَصْلَ ، وَلَا سِيَّمَا إذَا كَانَ وِتْرًا .","part":4,"page":266},{"id":1766,"text":"( 1433 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( ثُمَّ لَا يَزَالُ يُكَبِّرُ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ صَلَّاهَا فِي جَمَاعَةٍ ، وَعَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، أَنَّهُ يُكَبِّرُ لِصَلَاةِ الْفَرْضِ ، وَإِنْ كَانَ وَحْدَهُ ، حَتَّى يُكَبِّرَ لِصَلَاةِ الْعَصْرِ مِنْ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ ، ثُمَّ يَقْطَعُ ) الْمَشْرُوعُ عِنْدَ إمَامِنَا ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، التَّكْبِيرُ عَقِيبَ الْفَرَائِضِ فِي الْجَمَاعَاتِ ، فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ .\rقَالَ الْأَثْرَمُ : قُلْت لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ : أَذْهَبُ إلَى فِعْلِ ابْنِ عُمَرَ ، أَنَّهُ كَانَ لَا يُكَبِّرُ إذَا صَلَّى وَحْدَهُ ؟ قَالَ أَحْمَدُ : نَعَمْ .\rوَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ : إنَّمَا التَّكْبِيرُ عَلَى مَنْ صَلَّى فِي جَمَاعَةٍ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الثَّوْرِيِّ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : لَا يُكَبِّرُ عَقِيبَ النَّوَافِلِ ، وَيُكَبِّرُ عَقِيبَ الْفَرَائِضِ كُلِّهَا .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يُكَبِّرُ عَقِيبَ كُلِّ صَلَاةٍ ، فَرِيضَةً كَانَتْ ، أَوْ نَافِلَةً ، مُنْفَرِدًا صَلَّاهَا ، أَوْ فِي جَمَاعَةٍ ؛ لِأَنَّهَا صَلَاةٌ مَفْعُولَةٌ ، فَيُكَبِّرُ عَقِيبَهَا ، كَالْفَرْضِ فِي جَمَاعَةٍ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَفِعْلُ ابْنِ عُمَرَ ، وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُمَا مُخَالِفٌ فِي الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، فَكَانَ إجْمَاعًا .\rوَلِأَنَّهُ ذِكْرٌ مُخْتَصٌّ بِوَقْتِ الْعِيدِ .\rفَاخْتُصَّ بِالْجَمَاعَةِ ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ مَشْرُوعِيَّتِهِ لِلْفَرَائِضِ مَشْرُوعِيَّتُهُ لِلنَّوَافِلِ ، كَالْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، رِوَايَةٌ أُخْرَى ، أَنَّهُ يُكَبِّرُ لِلْفَرْضِ ، وَإِنْ كَانَ مُنْفَرِدًا .\rوَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ ؛ لِأَنَّهُ ذِكْرٌ مُسْتَحَبٌّ لِلْمَسْبُوقِ ، فَاسْتُحِبَّ لِلْمُنْفَرِدِ ، كَالسَّلَامِ .","part":4,"page":267},{"id":1767,"text":"( 1434 ) فَصْلٌ : وَالْمُسَافِرُونَ كَالْمُقِيمِينَ ، فِيمَا ذَكَرْنَا ، وَكَذَلِكَ النِّسَاءُ يُكَبِّرْنَ فِي الْجَمَاعَةِ ، وَفِي تَكْبِيرِهِنَّ فِي الِانْفِرَادِ رِوَايَتَانِ كَالرِّجَالِ .\rقَالَ ابْنُ مَنْصُورٍ : قُلْت لِأَحْمَدَ ، قَالَ سُفْيَانُ : لَا يُكَبِّرُ النِّسَاءُ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ إلَّا فِي جَمَاعَةٍ .\rقَالَ : أَحْسَنُ .\rوَقَالَ الْبُخَارِيُّ : كَانَ النِّسَاءُ يُكَبِّرْنَ خَلْفَ أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ لَيَالِيَ التَّشْرِيقِ مَعَ الرِّجَالِ فِي الْمَسْجِدِ .\rوَيَنْبَغِي لَهُنَّ أَنْ يَخْفِضْنَ أَصْوَاتَهُنَّ ، حَتَّى لَا يَسْمَعَهُنَّ الرِّجَالُ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى ، أَنَّهُنَّ لَا يُكَبِّرْنَ ؛ لِأَنَّ التَّكْبِيرَ ذِكْرٌ يُشْرَعُ فِيهِ رَفْعُ الصَّوْتِ ، فَلَمْ يُشْرَعْ فِي حَقِّهِنَّ ، كَالْأَذَانِ","part":4,"page":268},{"id":1768,"text":"( 1435 ) فَصْلٌ : وَالْمَسْبُوقُ بِبَعْضِ الصَّلَاةِ يُكَبِّرُ إذَا فَرَغَ مِنْ قَضَاءِ مَا فَاتَهُ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .\rوَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rوَقَالَ الْحَسَنُ : يُكَبِّرُ ، ثُمَّ يَقْضِي ، لِأَنَّهُ ذِكْرٌ مَشْرُوعٌ فِي آخِرِ الصَّلَاةِ ، فَيَأْتِي بِهِ الْمَسْبُوقُ قَبْلَ الْقَضَاءِ ، كَالتَّشَهُّدِ .\rوَعَنْ مُجَاهِدٍ ، وَمَكْحُولٍ : يُكَبِّرُ ، ثَمَّ يَقْضِي ، ثُمَّ يُكَبِّرُ لِذَلِكَ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ ذِكْرٌ شُرِعَ بَعْدَ السَّلَامِ ، فَلَمْ يَأْتِ بِهِ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ ، كَالتَّسْلِيمَةِ الثَّانِيَةِ ، وَالدُّعَاءِ بَعْدَهَا .\rوَإِنْ كَانَ عَلَى الْمُصَلِّي سُجُودُ سَهْوٍ بَعْدَ السَّلَامِ سَجَدَهُ ، ثُمَّ يُكَبِّرُ .\rوَبِهَذَا قَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَلَا أَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ سُجُودٌ مَشْرُوعٌ لِلصَّلَاةِ ، فَكَانَ التَّكْبِيرُ بَعْدَهُ ، وَبَعْدَ تَشَهُّدِهِ كَسُجُودِ صُلْبِ الصَّلَاةِ ، وَآخِرُ مُدَّةِ التَّكْبِيرِ الْعَصْرُ مِنْ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ فِي الْمَسْأَلَةِ الَّتِي قَبْلَهَا .","part":4,"page":269},{"id":1769,"text":"( 1436 ) فَصْلٌ : وَإِذَا فَاتَتْهُ صَلَاةٌ مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ فَقَضَاهَا فِيهَا ، فَحُكْمُهَا حُكْمُ الْمُؤَدَّاةِ فِي التَّكْبِيرِ ؛ لِأَنَّهَا صَلَاةٌ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ .\rوَكَذَلِكَ إنْ فَاتَتْهُ مِنْ غَيْرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ فَقَضَاهَا فِيهَا كَذَلِكَ .\rوَإِنْ فَاتَتْهُ مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ ، فَقَضَاهَا فِي غَيْرِهَا ، لَمْ يُكَبِّرْ ؛ لِأَنَّ التَّكْبِيرَ مُقَيَّدٌ بِالْوَقْتِ ، فَلَمْ يُفْعَلْ فِي غَيْرِهِ ، كَالتَّلْبِيَةِ .","part":4,"page":270},{"id":1770,"text":"( 1437 ) فَصْلٌ : وَيُكَبِّرُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ .\rحَكَاهُ أَحْمَدُ عَنْ إبْرَاهِيمَ .\rقَالَ أَبُو بَكْرٍ : وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ .\rوَذَلِكَ لِأَنَّهُ ذِكْرٌ مُخْتَصٌّ بِالصَّلَاةِ ، أَشْبَهَ الْأَذَانَ وَالْإِقَامَةَ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يُكَبِّرَ كَيْفَمَا شَاءَ ؛ لِمَا رَوَى جَابِرٌ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقْبَلَ عَلَيْهِمْ ، فَقَالَ : اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ } .\rوَإِنْ نَسِيَ التَّكْبِيرَ حَتَّى خَرَجَ مِنْ الْمَسْجِدِ لَمْ يُكَبِّرْ .\rوَهَذَا قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ ؛ لِأَنَّهُ مُخْتَصٌّ بِالصَّلَاةِ مِنْ بَعْدِهَا ، فَأَشْبَهَ سُجُودَ السَّهْوِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يُكَبِّرَ ؛ لِأَنَّهُ ذِكْرٌ ، فَاسْتُحِبَّ وَإِنْ خَرَجَ وَبَعُدَ ، كَالدُّعَاءِ وَالذِّكْرِ الْمَشْرُوعِ بَعْدَهَا .\rوَإِنْ ذَكَرَهُ فِي الْمَسْجِدِ عَادَ إلَى مَكَانِهِ ، فَجَلَسَ ، وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ ، فَكَبَّرَ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يُكَبِّرُ مَاشِيًا .\rوَهَذَا أَقْيَسُ ؛ لِأَنَّ التَّكْبِيرَ ذِكْرٌ مَشْرُوعٌ بَعْدَ الصَّلَاةِ ، فَأَشْبَهَ سَائِرَ الذِّكْرِ .\rقَالَ أَصْحَابُنَا : وَإِذَا أَحْدَثَ قَبْلَ التَّكْبِيرِ لَمْ يُكَبِّرْ ، عَامِدًا كَانَ أَوْ سَاهِيًا ، لِأَنَّ الْحَدَثَ يَقْطَعُ الصَّلَاةَ عَمْدُهُ وَسَهْوُهُ .\rوَبَالَغَ ابْنُ عَقِيلٍ ، فَقَالَ : إنْ تَرَكَهُ حَتَّى تَكَلَّمَ ، لَمْ يُكَبِّرْ .\rوَالْأَوْلَى إنْ شَاءَ اللَّهُ أَنَّهُ يُكَبِّرُ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ ذِكْرٌ مُنْفَرِدٌ بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ ، فَلَا تُشْتَرَطُ لَهُ الطَّهَارَةُ ، كَسَائِرِ الذِّكْرِ ، وَلِأَنَّ اشْتِرَاطَ الطَّهَارَةِ إمَّا بِنَصٍّ أَوْ مَعْنَاهُ ، وَلَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ .\rوَإِذَا نَسِيَ الْإِمَامُ التَّكْبِيرَ كَبَّرَ الْمَأْمُومُ .\rوَهَذَا قَوْلُ الثَّوْرِيِّ ؛ لِأَنَّهُ ذِكْرٌ يَتْبَعُ الصَّلَاةَ ، أَشْبَهَ سَائِرَ الذِّكْرِ .\r( 1438 ) فَصْلٌ : قَالَ الْقَاضِي : ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ يُكَبِّرُ عَقِيبَ صَلَاةِ الْعِيدِ ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ ؛ لِأَنَّهَا صَلَاةٌ مَفْرُوضَةٌ فِي جَمَاعَةٍ ، فَأَشْبَهَتْ الْفَجْرَ .\rوَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : لَا يُسَنُّ ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ ، أَشْبَهَتْ النَّوَافِلَ .","part":4,"page":271},{"id":1771,"text":"وَالْأَوَّلُ أَوْلَى ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ أَخَصُّ بِالْعِيدِ ، فَكَانَتْ أَحَقَّ بِتَكْبِيرِهِ .","part":4,"page":272},{"id":1772,"text":"( 1439 ) فَصْلٌ : وَيُشْرَعُ التَّكْبِيرُ فِي غَيْرِ أَدْبَارِ الصَّلَوَاتِ ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يُكَبِّرُ بِمِنًى فِي تِلْكَ الْأَيَّامِ خَلْفَ الصَّلَوَاتِ ، وَعَلَى فِرَاشِهِ ، وَفِي فُسْطَاطِهِ ، وَمَجْلِسِهِ ، وَمَمْشَاهُ ، تِلْكَ الْأَيَّامِ جَمِيعًا ، وَكَانَ يُكَبِّرُ فِي قُبَّتِهِ بِمَا يَسْمَعُهُ أَهْلُ الْمَسْجِدِ ، فَيُكَبِّرُونَ ، وَيُكَبِّرُ أَهْلُ الْأَسْوَاقِ ، حَتَّى تَرْتَجَّ مِنًى تَكْبِيرًا .\rوَكَذَلِكَ يُسْتَحَبُّ التَّكْبِيرُ فِي أَيَّامِ الْعَشْرِ كُلِّهَا ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ } .\rكَمَا قَالَ : { وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ } .\rوَالْأَيَّامُ الْمَعْلُومَاتُ أَيَّامُ الْعَشْرِ ، وَالْمَعْدُودَاتُ أَيَّامُ التَّشْرِيقِ .\rقَالَ الْبُخَارِيُّ : وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ ، يَخْرُجَانِ إلَى السُّوقِ فِي أَيَّامِ الْعَشْرِ ، يُكَبِّرَانِ ، وَيُكَبِّرُ النَّاسُ بِتَكْبِيرِهِمَا .\rوَيُسْتَحَبُّ الِاجْتِهَادُ فِي عَمَلِ الْخَيْرِ فِي أَيَّامِ الْعَشْرِ ، مِنْ الذِّكْرِ ، وَالصَّلَاةِ ، وَالصِّيَامِ ، وَالصَّدَقَةِ ، وَسَائِرِ أَعْمَالِ الْبِرِّ .\rلِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { مَا الْعَمَلُ فِي أَيَّامٍ أَفْضَلَ مِنْهَا فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ قَالُوا : وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ؟ قَالَ : وَلَا الْجِهَادُ ، إلَّا رَجُلٌ خَرَجَ يُخَاطِرُ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ } .\rأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ .","part":4,"page":273},{"id":1773,"text":"( 1440 ) فَصْلٌ : قَالَ أَحْمَدُ ، رَحِمَهُ اللَّهُ : وَلَا بَأْسَ أَنْ يَقُولَ الرَّجُل لِلرَّجُلِ يَوْمَ الْعِيدِ : تَقَبَّلَ اللَّهُ مِنَّا وَمِنْك .\rوَقَالَ حَرْبٌ : سُئِلَ أَحْمَدُ عَنْ قَوْلِ النَّاسِ فِي الْعِيدَيْنِ تَقَبَّلَ اللَّهُ وَمِنْكُمْ .\rقَالَ : لَا بَأْسَ بِهِ ، يَرْوِيه أَهْلُ الشَّامِ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ .\rقِيلَ : وَوَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ ؟ قَالَ : نَعَمْ .\rقِيلَ : فَلَا تُكْرَهُ أَنْ يُقَالَ هَذَا يَوْمَ الْعِيدِ .\rقَالَ : لَا .\rوَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي تَهْنِئَةِ الْعِيدِ أَحَادِيثَ ، مِنْهَا ، أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ زِيَادٍ ، قَالَ : كُنْت مَعَ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ وَغَيْرِهِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَانُوا إذَا رَجَعُوا مِنْ الْعِيدِ يَقُولُ بَعْضُهُمْ لَبَعْضٍ : تَقَبَّلَ اللَّهُ مِنَّا وَمِنْك .\rوَقَالَ أَحْمَدُ : إسْنَادُ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ إسْنَادٌ جَيِّدٌ .\rوَقَالَ عَلِيُّ بْنُ ثَابِتٍ : سَأَلْت مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ مُنْذُ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً ، وَقَالَ : لَمْ يَزُلْ يُعْرَفُ هَذَا بِالْمَدِينَةِ .\rوَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ : لَا أَبْتَدِي بِهِ أَحَدًا ، وَإِنْ قَالَهُ أَحَدٌ رَدَدْتُهُ عَلَيْهِ .","part":4,"page":274},{"id":1774,"text":"( 1441 ) فَصْلٌ : قَالَ الْقَاضِي : وَلَا بَأْسَ بِالتَّعْرِيفِ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ بِالْأَمْصَارِ .\rوَقَالَ الْأَثْرَمُ : سَأَلْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَنْ التَّعْرِيفِ فِي الْأَمْصَارِ ، يَجْتَمِعُونَ فِي الْمَسَاجِدِ يَوْمَ عَرَفَةَ ، قَالَ : أَرْجُو أَنْ لَا يَكُونَ بِهِ بَأْسٌ ، قَدْ فَعَلَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ .\rوَرَوَى الْأَثْرَمُ ، عَنْ الْحَسَنِ ، قَالَ : أَوَّلُ مَنْ عَرَّفَ بِالْبَصْرَةِ ابْنُ عَبَّاسٍ ، رَحِمَهُ اللَّهُ .\rوَقَالَ أَحْمَدُ : أَوَّلُ مَنْ فَعَلَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَعَمْرُو بْنُ حُرَيْثٍ .\rوَقَالَ الْحَسَنُ ، وَبَكْرٌ ، وَثَابِتٌ وَمُحَمَّدُ بْنُ وَاسِعٍ : كَانُوا يَشْهَدُونَ الْمَسْجِدَ يَوْمَ عَرَفَةَ .\rقَالَ أَحْمَدُ : لَا بَأْسَ بِهِ ، إنَّمَا هُوَ دُعَاءٌ وَذِكْرٌ لِلَّهِ .\rفَقِيلَ لَهُ : تَفْعَلُهُ أَنْتَ ؟ قَالَ : أَمَّا أَنَا فَلَا .\rوَرُوِيَ عَنْ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ أَنَّهُ حَضَرَ مَعَ النَّاسِ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ .","part":4,"page":275},{"id":1775,"text":"كِتَابُ صَلَاةِ الْخَوْفِ صَلَاةُ الْخَوْفِ ثَابِتَةٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ؛ أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمْ الصَّلَاةَ } الْآيَةُ .\rوَأَمَّا السُّنَّةُ فَثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { كَانَ يُصَلِّي صَلَاةَ الْخَوْفِ } ، وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ حُكْمَهَا بَاقٍ بَعْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rوَقَالَ أَبُو يُوسُفَ : إنَّمَا كَانَتْ تَخْتَصُّ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ } .\rوَلَيْسَ بِصَحِيحٍ ؛ فَإِنَّ مَا ثَبَتَ فِي حَقِّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَبَتَ فِي حَقِّنَا ، مَا لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلَى اخْتِصَاصِهِ بِهِ ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِاتِّبَاعِهِ بِقَوْلِهِ : { فَاتَّبِعُوهُ } { .\rوَسُئِلَ عَنْ الْقُبْلَةِ لِلصَّائِمِ ، فَأَجَابَ : بِأَنَّنِي أَفْعَلُ ذَلِكَ ، فَقَالَ السَّائِلُ : لَسْتَ مِثْلَنَا ، فَغَضِبَ وَقَالَ : إنِّي لَأَرْجُوَ أَنْ أَكُونَ أَخْشَاكُمْ لِلَّهِ تَعَالَى ، وَأَعْلَمَكُمْ بِمَا أَتَّقِي } .\rوَلَوْ اخْتَصَّ بِفِعْلِهِ لَمَا كَانَ الْإِخْبَارُ بِفِعْلِهِ جَوَابًا ، وَلَا غَضِبَ مِنْ قَوْلِ السَّائِلِ : لَسْت مِثْلَنَا ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ - إذًا - يَكُونُ صَوَابًا .\rوَكَانَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَحْتَجُّونَ بِأَفْعَالِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَيَرَوْنَهَا مُعَارِضَةً لِقَوْلِهِ وَنَاسِخَةً لَهُ ؛ وَلِذَلِكَ لَمَّا أَخْبَرَتْ عَائِشَةُ وَأُمُّ سَلَمَةَ { بِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُصْبِحُ جُنُبًا مِنْ غَيْرِ احْتِلَامٍ ، ثُمَّ يَغْتَسِلُ ، وَيَصُومُ ذَلِكَ الْيَوْمَ } .\rتَرَكُوا بِهِ خَبَرَ أَبِي هُرَيْرَةَ { : مَنْ أَصْبَحَ جُنُبًا فَلَا صَوْمَ لَهُ } .\rوَلَمَّا ذَكَرُوا ذَلِكَ لِأَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : هُنَّ أَعْلَمُ ، إنَّمَا حَدَّثَنِي بِهِ الْفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ .\rوَرَجَعَ عَنْ قَوْلِهِ .\rوَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِعْلُهُ حُجَّةً لِغَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ مُعَارِضًا لِقَوْلِهِ ، وَأَيْضًا فَإِنَّ الصَّحَابَةَ رَضِيَ","part":4,"page":276},{"id":1776,"text":"اللَّهُ عَنْهُمْ ، أَجْمَعُوا عَلَى صَلَاةِ الْخَوْفِ ، فَرُوِيَ أَنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ صَلَّى صَلَاةَ الْخَوْفِ لَيْلَةَ الْهَدِيرِ ، وَصَلَّى أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ صَلَاةَ الْخَوْفِ بِأَصْحَابِهِ .\rوَرُوِيَ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْعَاصِ كَانَ أَمِيرًا عَلَى الْجَيْشِ بِطَبَرِسْتَانَ ، فَقَالَ : أَيُّكُمْ صَلَّى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَاةَ الْخَوْفِ ؟ فَقَالَ حُذَيْفَةُ : أَنَا .\rفَقَدَّمَهُ ، فَصَلَّى بِهِمْ .\rفَأَمَّا تَخْصِيصُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْخِطَابِ ، فَلَا يُوجِبُ تَخْصِيصَهُ بِالْحُكْمِ ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ ، وَلِأَنَّ الصَّحَابَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، أَنْكَرُوا عَلَى مَانِعِي الزَّكَاةِ قَوْلَهُمْ : إنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَصَّ نَبِيَّهُ بِأَخْذِ الزَّكَاةِ ، بِقَوْلِهِ : { خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً } .\rوَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ } وَهَذَا لَا يَخْتَصُّ بِهِ .\rفَإِنْ قِيلَ : فَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخَّرَ الصَّلَاةَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ ، وَلَمْ يُصَلِّ .\rقُلْنَا : هَذَا كَانَ قَبْلَ نُزُولِ صَلَاةِ الْخَوْفِ ، وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ بِالْآخِرِ فَالْآخِرِ مِنْ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَكُونُ نَاسِخًا لِمَا قَبْلَهُ ، ثُمَّ إنَّ هَذَا الِاعْتِرَاضَ بَاطِلٌ فِي نَفْسِهِ ؛ إذْ لَا خِلَافَ فِي أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ صَلَاةَ الْخَوْفِ ، وَقَدْ أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِذَلِكَ فِي كِتَابِهِ ، فَلَا يَجُوزُ الِاحْتِجَاجُ بِمَا يُخَالِفُ الْكِتَابَ وَالْإِجْمَاعَ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخَّرَ الصَّلَاةَ نِسْيَانًا ، فَإِنَّهُ رُوِيَ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَأَلَهُمْ عَنْ صَلَاتِهَا ، فَقَالُوا : مَا صَلَّيْنَا } .\rوَرُوِيَ أَنَّ عُمَرَ { قَالَ : مَا صَلَّيْت الْعَصْرَ .\rفَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَاَللَّهِ مَا صَلَّيْتُهَا } .\rأَوْ كَمَا جَاءَ ، وَيَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ هَذَا أَنَّهُ لَمْ","part":4,"page":277},{"id":1777,"text":"يَكُنْ ثَمَّ قِتَالٌ يَمْنَعُهُ مِنْ الصَّلَاةِ ، فَدَلَّ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ .","part":4,"page":278},{"id":1778,"text":"( 1442 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَصَلَاةُ الْخَوْفِ إذَا كَانَ بِإِزَاءِ الْعَدُوِّ وَهُوَ فِي سَفَرٍ ، صَلَّى بِطَائِفَةٍ رَكْعَةً ، وَأَتَمَّتْ لِأَنْفُسِهَا أُخْرَى بِالْحَمْدُ لِلَّهِ وَسُورَةٍ ، ثُمَّ ذَهَبَتْ تَحْرُسُ ، وَجَاءَتْ الطَّائِفَةُ الْأُخْرَى الَّتِي بِإِزَاءِ الْعَدُوِّ ، فَصَلَّتْ مَعَهُ رَكْعَةً وَأَتَمَّتْ لِأَنْفُسِهَا أُخْرَى بِالْحَمْدُ لِلَّهِ وَسُورَةٍ ، وَيُطِيلُ التَّشَهُّدَ حَتَّى يُتِمُّوا التَّشَهُّدَ ، وَيُسَلِّمُ بِهِمْ ) .\rوَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْخَوْفَ لَا يُؤَثِّرُ فِي عَدَدِ الرَّكَعَاتِ فِي حَقِّ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ جَمِيعًا ، فَإِذَا كَانَ فِي سَفَرٍ يُبِيحُ الْقَصْرَ ، صَلَّى بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ ، بِكُلِّ طَائِفَةٍ رَكْعَةً ، وَتُتِمُّ لِأَنْفُسِهَا أُخْرَى عَلَى الصِّفَةِ الْمَذْكُورَةِ ، وَإِنَّمَا يَجُوزُ ذَلِكَ بِشَرَائِطَ : مِنْهَا أَنْ يَكُونَ الْعَدُوُّ مُبَاحَ الْقِتَالِ ، وَأَنْ لَا يُؤْمَنَ هُجُومُهُ .\rقَالَ الْقَاضِي : وَمِنْ شَرْطِهَا كَوْنُ الْعَدُوِّ فِي غَيْرِ جِهَةِ الْقِبْلَةِ .\rوَنَصَّ أَحْمَدُ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ ، فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ ، فَإِنَّهُ قَالَ : قُلْت لَهُ ، حَدِيثُ سَهْلٍ ، نَسْتَعْمِلُهُ مُسْتَقْبِلِينَ الْقِبْلَةَ كَانُوا أَوْ مُسْتَدْبِرِينَ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، هُوَ أَنْكَى .\rوَلِأَنَّ الْعَدُوَّ قَدْ يَكُونُ فِي جِهَةِ الْقِبْلَةِ عَلَى وَجْهٍ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُصَلِّيَ بِهِمْ صَلَاةَ عُسْفَانَ لِانْتِشَارِهِمْ ، أَوْ اسْتِتَارِهِمْ ، أَوْ الْخَوْفِ مِنْ كَمِينٍ ، فَالْمَنْعُ مِنْ هَذِهِ الصَّلَاةِ يُفْضِي إلَى تَفْوِيتهَا .\rقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : وَمِنْ شَرْطِهَا أَنْ يَكُونَ فِي الْمُصَلِّينَ كَثْرَةٌ يُمْكِنْ تَفْرِيقُهُمْ طَائِفَتَيْنِ ، كُلُّ طَائِفَةٍ ثَلَاثَةٌ فَأَكْثَرُ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : إنْ كَانَتْ كُلُّ فِرْقَةٍ أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةٍ كَرِهْنَاهُ ، لِأَنَّ أَحْمَدْ ذَهَبَ إلَى ظَاهِرِ فِعْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rوَوَجْهُ .\rقَوْلِهِمَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذَكَرَ الطَّائِفَةَ بِلَفْظِ الْجَمْعِ ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ } .\rوَأَقَلُّ لَفْظِ الْجَمْعِ ثَلَاثَةٌ ، وَالْأَوْلَى أَنْ لَا","part":4,"page":279},{"id":1779,"text":"يُشْتَرَطَ هَذَا ؛ لِأَنَّ مَا دُونَ الثَّلَاثَةِ عَدَدٌ تَصِحُّ بِهِ الْجَمَاعَةُ ، فَجَازَ أَنْ يَكُونَ طَائِفَةً كَالثَّلَاثَةِ ، وَأَمَّا فِعْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ أَنْ يَكُونَ الْمُصَلُّونَ مِثْلَ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْعَدَدِ وَجْهًا وَاحِدًا ؛ وَلِذَلِكَ اكْتَفَيْنَا بِثَلَاثَةٍ ، وَلَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rوَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُخَفِّفَ بِهِمْ الصَّلَاةَ ؛ لِأَنَّ مَوْضُوعَ صَلَاةِ الْخَوْفِ عَلَى التَّخْفِيفِ ، وَكَذَلِكَ الطَّائِفَةُ الَّتِي تُفَارِقُهُ تُصَلِّي لِنَفْسِهَا ، تَقْرَأُ بِسُورَةٍ خَفِيفَةٍ ، وَلَا تُفَارِقُهُ حَتَّى يَسْتَقِلَّ قَائِمًا ؛ لِأَنَّ النُّهُوضَ يَشْتَرِكُونَ فِيهِ جَمِيعًا ، فَلَا حَاجَةَ إلَى مُفَارَقَتِهِمْ إيَّاهُ قَبْلَهُ ، وَالْمُفَارَقَةُ إنَّمَا جَازَتْ لِلْعُذْرِ .\rوَيَقْرَأُ ، وَيَتَشَهَّدُ ، وَيُطِيلُ فِي حَالِ الِانْتِظَارِ حَتَّى يُدْرِكُوهُ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ : لَا يَقْرَأُ حَالَ الِانْتِظَارِ ، بَلْ يُؤَخِّرُ الْقِرَاءَةَ لِيَقْرَأَ بِالطَّائِفَةِ الثَّانِيَةِ ، لِيَكُونَ قَدْ سَوَّى بَيْنَ الطَّائِفَتَيْنِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الصَّلَاةَ لَيْسَ فِيهَا حَالُ سُكُوتٍ ، وَالْقِيَامُ مَحَلٌّ لِلْقِرَاءَةِ ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَأْتِيَ بِهَا فِيهِ ، كَمَا فِي التَّشَهُّدِ إذَا انْتَظَرَهُمْ فَإِنَّهُ يَتَشَهَّدُ وَلَا يَسْكُتُ ، كَذَلِكَ هَاهُنَا ، وَالتَّسْوِيَةُ بَيْنَهُمْ تَحْصُلُ بِانْتِظَارِهِ إيَّاهُمْ فِي مَوْضِعَيْنِ ، وَالْأَوْلَى فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا فَقَالَ الْقَاضِي : إنْ قَرَأَ فِي انْتِظَارِهِمْ قَرَأَ بَعْدَ مَا جَاءُوا بِقَدْرِ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَسُورَةٍ خَفِيفَةٍ ، وَإِنْ لَمْ يَقْرَأْ فِي انْتِظَارِهِمْ قَرَأَ إذَا جَاءُوا بِالْفَاتِحَةِ وَسُورَةٍ خَفِيفَةٍ ، وَهَذَا عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِحْبَابِ ، وَلَوْ قَرَأَ قَبْلَ مَجِيئِهِمْ ثُمَّ رَكَعَ عِنْدَ مَجِيئِهِمْ أَوْ قَبْلَهُ فَأَدْرَكُوهُ رَاكِعًا رَكَعُوا مَعَهُ ، وَصَحَّتْ لَهُمْ الرَّكْعَةُ مَعَ تَرْكِهِ السُّنَّةَ ، وَإِذَا جَلَسَ","part":4,"page":280},{"id":1780,"text":"لِلتَّشَهُّدِ قَامُوا فَصَلَّوْا رَكْعَةً أُخْرَى ، وَأَطَالَ التَّشَهُّدَ بِالدُّعَاءِ وَالتَّوَسُّلِ حَتَّى يُدْرِكُوهُ وَيَتَشَهَّدُوا ، ثُمَّ يُسَلِّمُ بِهِمْ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : يَتَشَهَّدُونَ مَعَهُ ، فَإِذَا سَلَّمَ الْإِمَامُ قَامُوا فَقَضَوْا مَا فَاتَهُمْ كَالْمَسْبُوقِ .\rوَمَا ذَكَرْنَاهُ أَوْلَى .\rلِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ } .\rوَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ صَلَاتَهُمْ كُلَّهَا مَعَهُ .\rوَفِي حَدِيثِ سَهْلٍ { ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَعَدَ حَتَّى صَلَّى الَّذِينَ خَلْفَهُ رَكْعَةً ، ثُمَّ سَلَّمَ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَرُوِيَ أَنَّهُ سَلَّمَ بِالطَّائِفَةِ الثَّانِيَةِ .\rوَلِأَنَّ الْأُولَى أَدْرَكَتْ مَعَهُ فَضِيلَةَ الْإِحْرَامِ ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُسَلِّمَ بِالثَّانِيَةِ ، لِيُسَوِّيَ بَيْنَهُمْ .\rوَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، إلَّا فِيمَا ذَكَرْنَا مِنْ الِاخْتِلَافِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يُصَلِّي كَمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ ، قَالَ { : صَلَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَاةَ الْخَوْفِ بِإِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ رَكْعَةً وَسَجْدَتَيْنِ ، وَالطَّائِفَةُ الْأُخْرَى مُوَاجِهَةٌ لِلْعَدُوِّ ، ثُمَّ انْصَرَفُوا ، وَقَامُوا فِي مَقَامِ أَصْحَابِهِمْ مُقْبِلِينَ عَلَى الْعَدُوِّ ، وَجَاءَ أُولَئِكَ ، ثُمَّ صَلَّى لَهُمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَكْعَةً ، ثُمَّ سَلَّمَ ، ثُمَّ قَضَى هَؤُلَاءِ رَكْعَةً وَهَؤُلَاءِ رَكْعَةً .\r} مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يُصَلِّي بِإِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ رَكْعَةً ، وَالْأُخْرَى مُوَاجِهَةٌ لِلْعَدُوِّ ، ثُمَّ تَنْصَرِفُ الَّتِي صَلَّتْ مَعَهُ إلَى وَجْهِ الْعَدُوِّ ، وَهِيَ فِي صَلَاتِهَا ، ثُمَّ تَجِيءُ الطَّائِفَةُ الْأُخْرَى ، فَتُصَلِّي مَعَ الْإِمَامِ الرَّكْعَةَ الثَّانِيَةَ ، ثُمَّ يُسَلِّمُ الْإِمَامُ ، وَتَرْجِعُ الطَّائِفَةُ إلَى وَجْهِ الْعَدُوِّ ، وَهِيَ فِي الصَّلَاةِ ، ثُمَّ تَأَتَّى الطَّائِفَةُ الْأُولَى إلَى مَوْضِعِ صَلَاتِهَا ، فَتُصَلِّي رَكْعَةً مُنْفَرِدَةً وَلَا تَقْرَأُ فِيهَا ؛ لِأَنَّهَا فِي حُكْمِ الِائْتِمَامِ ، ثُمَّ","part":4,"page":281},{"id":1781,"text":"تَنْصَرِفُ إلَى وَجْهِ الْعَدُوِّ ، ثُمَّ تَأْتِي الطَّائِفَةُ الْأُخْرَى إلَى مَوْضِعِ الصَّلَاةِ ، فَتُصَلِّي الرَّكْعَةَ الثَّانِيَةَ مُنْفَرِدَةً ، وَتَقْرَأُ فِيهَا ؛ لِأَنَّهَا قَدْ فَارَقَتْ الْإِمَامَ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ الصَّلَاةِ ، فَحُكْمُهَا حُكْمُ الْمَسْبُوقِ إذَا فَارَقَ إمَامَهُ .\rقَالَ : وَهَذَا أَوْلَى ؛ لِأَنَّكُمْ جَوَّزْتُمْ لِلْمَأْمُومِ فِرَاقَ إمَامِهِ قَبْلَ فَرَاغِهِ مِنْ الصَّلَاةِ ، وَهِيَ الطَّائِفَةُ الْأُولَى ، وَلِلثَّانِيَةِ فِرَاقُهُ فِي الْأَفْعَالِ ، فَيَكُونُ جَالِسًا وَهُمْ قِيَامٌ يَأْتُونَ بِرَكْعَةٍ وَهُمْ فِي إمَامَتِهِ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى { صَالِحُ بْنُ خَوَّاتٍ ، عَمَّنْ صَلَّى مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ ذَاتِ الرِّقَاعِ صَلَاةَ الْخَوْفِ ، أَنَّ طَائِفَةً صَفَّتْ مَعَهُ ، وَطَائِفَةً وِجَاهَ الْعَدُوِّ ، فَصَلَّى بِاَلَّتِي مَعَهُ رَكْعَةً ، ثُمَّ ثَبَتَ قَائِمًا ، وَأَتَمُّوا لِأَنْفُسِهِمْ ، ثُمَّ انْصَرَفُوا وَصَفُّوا وِجَاهَ الْعَدُوِّ ، وَجَاءَتْ الطَّائِفَةُ الْأُخْرَى ، فَصَلَّى بِهِمْ الرَّكْعَةَ الَّتِي بَقِيَتْ مِنْ صَلَاتِهِ ، ثُمَّ ثَبَتَ جَالِسًا ، وَأَتَمُّوا لِأَنْفُسِهِمْ ، ثُمَّ سَلَّمَ بِهِمْ .\r} رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَرَوَى سَهْلُ بْنُ أَبِي حَثْمَةَ مِثْلَ ذَلِكَ ، وَالْعَمَلُ بِهَذَا أَوْلَى ؛ لِأَنَّهُ أَشْبَهُ بِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَأَحْوَطُ لِلصَّلَاةِ وَالْحَرْبِ .\rأَمَّا مُوَافَقَةُ الْكِتَابِ ، فَإِنَّ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى : { وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ } .\rيَقْتَضِي أَنَّ جَمِيعَ صَلَاتِهَا مَعَهُ ، وَعِنْدَهُ تُصَلِّي مَعَهُ رَكْعَةً فَقَطْ ، وَعِنْدَنَا جَمِيعُ صَلَاتِهَا مَعَهُ ، إحْدَى الرَّكْعَتَيْنِ تُوَافِقُهُ فِي أَفْعَالِهِ وَقِيَامِهِ ، وَالثَّانِيَةُ تَأْتِي بِهَا قَبْلَ سَلَامِهِ ، ثُمَّ تُسَلِّمُ مَعَهُ ، وَمِنْ مَفْهُومِ قَوْلِهِ : لَمْ يُصَلُّوا أَنَّ الطَّائِفَةَ الْأُولَى قَدْ صَلَّتْ جَمِيعَ صَلَاتِهَا ، وَعَلَى قَوْلِهِمْ : لَمْ تُصَلِّ إلَّا بَعْضَهَا .\rوَأَمَّا الِاحْتِيَاطُ لِلصَّلَاةِ ، فَإِنَّ كُلَّ طَائِفَةٍ تَأْتِي بِصَلَاتِهَا مُتَوَالِيَةً ، بَعْضُهَا تُوَافِقُ الْإِمَامَ فِيهَا فِعْلًا","part":4,"page":282},{"id":1782,"text":"، وَبَعْضُهَا تُفَارِقُهُ ، وَتَأْتِي بِهِ وَحْدَهَا كَالْمَسْبُوقِ .\rوَعِنْدَهُ تَنْصَرِفُ فِي الصَّلَاةِ ، فَإِمَّا أَنْ تَمْشِيَ ، وَإِمَّا أَنْ تَرْكَبَ ، وَهَذَا عَمَلٌ كَثِيرٌ ، وَتَسْتَدْبِرُ الْقِبْلَةَ ، وَهَذَا يُنَافِي الصَّلَاةَ ، وَتَفَرَّقُ بَيْنَ الرَّكْعَتَيْنِ تَفْرِيقًا كَثِيرًا بِمَا يُنَافِيهَا .\rثُمَّ جَعَلُوا الطَّائِفَةَ الْأُولَى مُؤْتَمَّةً بِالْإِمَامِ بَعْدَ سَلَامِهِ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَأْمُومُ مَأْمُومًا فِي رَكْعَةٍ يَأْتِي بِهَا بَعْدَ سَلَامِ إمَامِهِ .\rوَأَمَّا الِاحْتِيَاطُ لِلْحَرْبِ ، فَإِنَّهُ يَتَمَكَّنُ مِنْ الضَّرْبِ وَالطَّعْنِ وَالتَّحْرِيضِ ، وَإِعْلَامِ غَيْرِهِ بِمَا يَرَاهُ مِمَّا خَفِيَ عَلَيْهِ مِنْ أَمْرِ الْعَدُوِّ وَتَحْذِيرِهِ ، وَإِعْلَامِ الَّذِينَ مَعَ الْإِمَامِ بِمَا يَحْدُثُ ، وَلَا يُمْكِنُ هَذَا عَلَى قَوْلِهِمْ ، وَلِأَنَّ مَبْنَى صَلَاةِ الْخَوْفِ عَلَى التَّخْفِيفِ ؛ لِأَنَّهُمْ فِي مَوْضِعِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ .\rوَعَلَى قَوْلِهِمْ تَطُولُ الصَّلَاةُ أَضْعَافَ مَا كَانَتْ حَالَ الْأَمْنِ ؛ لِأَنَّ كُلَّ طَائِفَةٍ تَحْتَاجُ إلَى مُضِيٍّ إلَى مَكَانِ الصَّلَاةِ ، وَرُجُوعٍ إلَى وِجَاهِ الْعَدُوِّ ، وَانْتِظَارٍ لِمُضِيِّ الطَّائِفَةِ الْأُخْرَى وَرُجُوعِهَا ، فَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ الْمَكَانَيْنِ نِصْفُ مِيلٍ ، تَحْتَاجُ كُلُّ طَائِفَةٍ إلَى مَشْيِ مِيلٍ ، وَانْتِظَارٍ لِلْأُخْرَى قَدْرَ مَشْيِ مِيلٍ وَهِيَ فِي الصَّلَاةِ ، ثُمَّ تَحْتَاجُ إلَى تَكْلِيفِ الرُّجُوعِ إلَى مَوْضِعِ الصَّلَاةِ لِإِتْمَامِ الصَّلَاةِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إلَيْهِ .\rوَلَا مَصْلَحَةٍ تَتَعَلَّقُ بِهِ ، فَلَوْ احْتَاجَ الْآمِنُ إلَى مِثْلِ هَذِهِ الْكُلْفَةِ فِي الْجَمَاعَةِ لَسَقَطَتْ عَنْهُ ، فَكَيْفَ يُكَلَّفُ الْخَائِفُ هَذَا وَهُوَ فِي مَظِنَّةِ التَّخْفِيفِ ، وَالْحَاجَةِ إلَى الرِّفْقِ بِهِ .\rوَأَمَّا مُفَارَقَةُ الْإِمَامِ فَجَائِزَةٌ لِلْعُذْرِ ، وَلَا بُدَّ مِنْهَا عَلَى الْقَوْلَيْنِ ، فَإِنَّهُمْ جَوَّزُوا لِلطَّائِفَةِ الْأُولَى مُفَارَقَةَ الْإِمَامِ وَالذَّهَابَ إلَى وَجْهِ الْعَدُوِّ ، وَهَذَا أَعْظَمُ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ ، فَإِنَّهُ لَا نَظِيرَ لَهُ فِي الشَّرْعِ ، وَلَا يُوجَدُ مِثْلُهُ","part":4,"page":283},{"id":1783,"text":"فِي مَوْضِعٍ آخَرَ .\r( 1443 ) فَصْلٌ : وَإِنْ صَلَّى بِهِمْ كَمَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ ، جَازَ ، نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .\rوَلَكِنْ يَكُونُ تَارِكًا لِلْأَوْلَى وَالْأَحْسَنِ .\rوَبِهَذَا قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ ، وَبَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ .\r( 1444 ) فَصْلٌ : وَلَا تَجِبُ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الطَّائِفَتَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ بِذَلك نَصٌّ وَلَا قِيَاسٌ .\rوَيَجِبُ أَنْ تَكُونَ الطَّائِفَةُ الَّتِي بِإِزَاءِ الْعَدُوِّ مِمَّنْ تَحْصُلُ الثِّقَةُ بِكِفَايَتِهَا وَحِرَاسَتِهَا ، وَمَتَى خُشِيَ اخْتِلَالُ حَالِهِمْ وَاحْتِيجَ إلَى مَعُونَتِهِمْ بِالطَّائِفَةِ الْأُخْرَى ، فَلِلْإِمَامِ أَنْ يَنْهَدَ إلَيْهِمْ بِمَنْ مَعَهُ ، وَيَبْنُوا عَلَى مَا مَضَى مِنْ صَلَاتِهِمْ .","part":4,"page":284},{"id":1784,"text":"( 1445 ) فَصْلٌ : فَإِنْ صَلَّوْا الْجُمُعَةَ صَلَاةَ الْخَوْفِ جَازَ ، إذَا كَانَتْ كُلُّ طَائِفَةٍ أَرْبَعِينَ .\rفَإِنْ قِيلَ : فَالْعَدَدُ شَرْطٌ فِي الْجُمُعَةِ كُلِّهَا ، وَمَتَى ذَهَبَتْ الطَّائِفَةُ الْأُولَى بَقِيَ الْإِمَامُ مُنْفَرِدًا ، فَتَبْطُلُ كَمَا لَوْ نَقَصَ الْعَدَدُ .\rفَالْجَوَابُ : أَنَّ هَذَا جَازَ لِأَجْلِ الْعُذْرِ ، وَلِأَنَّهُ يَتَرَقَّبُ مَجِيءَ الطَّائِفَةِ الْأُخْرَى ، بِخِلَافِ الِانْفِضَاضِ .\rوَلَا يَجُوزُ أَنْ يَخْطُبَ بِإِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ ، وَيُصَلِّيَ بِالْأُخْرَى ، حَتَّى يُصَلِّيَ مَعَهُ مَنْ حَضَرَ الْخُطْبَةَ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .","part":4,"page":285},{"id":1785,"text":"( 1446 ) فَصْلٌ : وَالطَّائِفَةُ الْأُولَى فِي حُكْمِ الِائْتِمَامِ قَبْلَ مُفَارَقَةِ الْإِمَامِ ، فَإِنْ سَهَا لَحِقَهُمْ حُكْمُ سَهْوِهِ فِيمَا قَبْلَ مُفَارَقَتِهِ ، وَإِنْ سَهَوْا لَمْ يَلْزَمْهُمْ حُكْمُ سَهْوِهِمْ ، لِأَنَّهُمْ مَأْمُومُونَ .\rوَأَمَّا بَعْدَ مُفَارَقَتِهِ : فَإِنْ سَهَا لَمْ يَلْزَمْهُمْ حُكْمُ سَهْوِهِ ، فَإِنْ سَهَوْا لَحِقَهُمْ حُكْمُ سَهْوِهِمْ ؛ لِأَنَّهُمْ مُنْفَرِدُونَ .\rوَأَمَّا الطَّائِفَةُ الثَّانِيَةُ ، فَيَلْحَقُهَا حُكْمُ سَهْوِ إمَامِهَا فِي جَمِيعِ صَلَاتِهِ ، مَا أَدْرَكَتْ مِنْهَا وَمَا فَاتَهَا ، كَالْمَسْبُوقِ يَلْحَقُهُ حُكْمُ سَهْوِ إمَامِهِ فِيمَا لَمْ يُدْرِكْهُ .\rوَلَا يَلْحَقُهَا حُكْمُ سَهْوِهَا فِي شَيْءٍ مِنْ صَلَاتِهَا ؛ لِأَنَّهَا إنْ فَارَقَتْهُ فِعْلًا لِقَضَاءِ مَا فَاتَهَا ، فَهِيَ فِي حُكْمِ الْمُؤْتَمِّ بِهِ ، لِأَنَّهُمْ يُسَلِّمُونَ بِسَلَامِهِ ، فَإِذَا فَرَغَتْ مِنْ قَضَاءِ مَا فَاتَهَا ، سَجَدَ وَسَجَدَتْ مَعَهُ ، فَإِنْ سَجَدَ الْإِمَامُ قَبْلَ إتْمَامِهَا سَجَدَتْ ؛ لِأَنَّهَا مُؤْتَمَّةٌ بِهِ ، فَيَلْزَمُهَا مُتَابَعَتُهُ ، وَلَا تُعِيدُ السُّجُودَ بَعْدَ فَرَاغِهَا مِنْ التَّشَهُّدِ ، لِأَنَّهَا لَمْ تَنْفَرِدْ عَنْ الْإِمَامِ ، فَلَا يَلْزَمُهَا مِنْ السُّجُودِ أَكْثَرُ مِمَّا يَلْزَمهُ ، بِخِلَافِ الْمَسْبُوقِ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : يَنْبَنِي هَذَا عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي الْمَسْبُوقِ إذَا سَجَدَ مَعَ إمَامِهِ ثُمَّ قَضَى مَا عَلَيْهِ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا .","part":4,"page":286},{"id":1786,"text":"( 1447 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِنْ خَافَ وَهُوَ مُقِيمٌ ، صَلَّى بِكُلِّ طَائِفَةٍ رَكْعَتَيْنِ ، وَأَتَمَّتْ الطَّائِفَةُ الْأُولَى بِالْحَمْدُ لِلَّهِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ ، وَالطَّائِفَةُ الْأُخْرَى تُتِمُّ بِالْحَمْدُ لِلَّهِ وَسُورَةٍ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ صَلَاةَ الْخَوْفِ جَائِزَةٌ فِي الْحَضَرِ ، إذَا اُحْتِيجَ إلَى ذَلِكَ بِنُزُولِ الْعَدُوِّ قَرِيبًا مِنْ الْبَلَدِ .\rوَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ .\rوَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهَا لَا تَجُوزُ فِي الْحَضَرِ ؛ لِأَنَّ الْآيَةَ إنَّمَا دَلَّتْ عَلَى صَلَاةِ رَكْعَتَيْنِ ، وَصَلَاةُ الْحَضَرِ أَرْبَعًا ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَفْعَلْهَا فِي الْحَضَرِ .\rوَخَالَفَهُ أَصْحَابُهُ ، فَقَالُوا كَقَوْلِنَا .\rوَلَنَا ، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمْ الصَّلَاةَ } الْآيَةُ ، وَهَذَا عَامٌّ فِي كُلِّ حَالٍ ، وَتَرْكُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِعْلَهَا فِي الْحَضَرِ إنَّمَا كَانَ لِغِنَاهُ عَنْ فِعْلِهَا فِي الْحَضَرِ .\rوَقَوْلُهُمْ : إنَّمَا دَلَّتْ الْآيَةُ عَلَى رَكْعَتَيْنِ .\rقُلْنَا : وَقَدْ يَكُونُ فِي الْحَضَرِ رَكْعَتَانِ ، الصُّبْحُ وَالْجُمُعَةُ ، وَالْمَغْرِبُ ثَلَاثٌ ، وَيَجُوزُ فِعْلُهَا فِي الْخَوْفِ فِي السَّفَرِ ، وَلِأَنَّهَا حَالَةُ خَوْفٍ ، فَجَازَتْ فِيهَا صَلَاةُ الْخَوْفِ كَالسَّفَرِ ، فَإِذَا صَلَّى بِهِمْ الرُّبَاعِيَّةَ صَلَاةَ الْخَوْفِ ، فَرَّقَهُمْ فِرْقَتَيْنِ ، فَصَلَّى بِكُلِّ طَائِفَةٍ رَكْعَتَيْنِ ، وَهَلْ تُفَارِقُهُ الطَّائِفَةُ الْأُولَى فِي التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ ، أَوْ حِينَ يَقُومُ إلَى الثَّالِثَةِ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا ، حِينَ قِيَامِهِ إلَى الثَّالِثَةِ .\rوَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى التَّطْوِيلِ مِنْ أَجْلِ الِانْتِظَارِ ، وَالتَّشَهُّدُ يُسْتَحَبُّ تَخْفِيفُهُ ، وَلِذَلِكَ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا جَلَسَ لِلتَّشَهُّدِ كَأَنَّهُ عَلَى الرَّضْفِ حَتَّى يَقُومَ .\rوَلِأَنَّ ثَوَابَ الْقَائِمِ أَكْثَرُ ، وَلِأَنَّهُ إذَا انْتَظَرَهُمْ جَالِسًا ، فَجَاءَتْ الطَّائِفَةُ ، فَإِنَّهُ","part":4,"page":287},{"id":1787,"text":"يَقُومُ قَبْل إحْرَامِهِمْ ، فَلَا يَحْصُلُ اتِّبَاعُهُمْ لَهُ فِي الْقِيَامِ .\rوَالثَّانِي ، فِي التَّشَهُّدِ ؛ لِتُدْرِكْ الطَّائِفَةُ الثَّانِيَةُ جَمِيعَ الرَّكْعَةِ الثَّالِثَة ، وَلِأَنَّ الِانْتِظَارَ فِي الْجُلُوسِ أَخَفُّ عَلَى الْإِمَامِ ، وَلِأَنَّهُ مَتَى انْتَظَرَهُمْ قَائِمًا احْتَاجَ إلَى قِرَاءَةِ السُّورَةِ فِي الرَّكْعَةِ الثَّالِثَةِ ، وَهُوَ خِلَافُ السُّنَّةِ .\rوَأَيًّا مَا فَعَلَ كَانَ جَائِزًا .\rوَإِذَا جَلَسَ الْإِمَامُ لِلتَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ ، جَلَسَتْ الطَّائِفَةُ مَعَهُ ، فَتَشَهَّدَتْ التَّشَهُّدَ الْأَوَّلَ ، وَقَامَتْ وَهُوَ جَالِسٌ فَأَتَمَّتْ صَلَاتَهَا ، وَتَقْرَأُ فِي كُلّ رَكْعَةٍ بِالْحَمْدُ لِلَّهِ وَسُورَةٍ ؛ لِأَنَّ مَا تَقْضِيهِ أَوَّلُ صَلَاتِهَا ، وَلِأَنَّهَا لَمْ يَحْصُلْ لَهَا مَعَ الْإِمَامِ قِرَاءَةُ السُّورَةِ .\rوَيُطَوِّلُ الْإِمَامُ التَّشَهُّدَ وَالدُّعَاءَ حَتَّى تُصَلِّيَ الرَّكْعَتَيْنِ ثُمَّ يَتَشَهَّدُ وَيُسَلِّمُ بِهِمْ .\rفَأَمَّا الطَّائِفَةُ الْأُولَى ، فَإِنَّمَا تَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ مُفَارَقَةِ إمَامِهَا الْفَاتِحَةَ وَحْدَهَا ، لِأَنَّهَا آخِرُ صَلَاتِهَا .\rوَقَدْ قَرَأَ إمَامُهَا بِهَا السُّورَةَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ ، وَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّ مَا تَقْضِيهِ الطَّائِفَةُ الثَّانِيَةُ أَوَّلُ صَلَاتِهَا ، فَعَلَى هَذَا تَسْتَفْتِحُ إذَا فَارَقَتْ إمَامَهَا ، وَتَسْتَعِيذُ ، وَتَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ وَسُورَةً .\rوَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ آخِرُ صَلَاتِهَا ، وَمُقْتَضَاهُ أَلَّا تَسْتَفْتِحَ وَلَا تَسْتَعِيذَ وَلَا تَقْرَأَ السُّورَةَ .\rوَعَلَى كُلِّ حَالٍ فَيَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُخَفِّفَ ، وَإِنْ قَرَأَتْ سُورَةً فَلْتَكُنْ مِنْ أَخَفِّ السُّوَرِ ، أَوْ تَقْرَأَ آيَةً أَوْ اثْنَتَيْنِ مِنْ سُورَةٍ .\rوَيَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ لَا يُعَجِّلَ بِالسَّلَامِ حَتَّى يَفْرَغَ أَكْثَرُهُمْ مِنْ التَّشَهُّدِ ، فَإِنْ سَلَّمَ قَبْلَ فَرَاغِ بَعْضِهِمْ ، أَتَمَّ تَشَهُّدَهُ وَسَلَّمَ .","part":4,"page":288},{"id":1788,"text":"( 1448 ) فَصْلٌ : وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ فِيمَا يَقْضِيهِ الْمَسْبُوقُ ، فَرُوِيَ أَنَّهُ أَوَّلُ صَلَاتِهِ ، وَمَا يُدْرِكُهُ مَعَ الْإِمَامِ آخِرَهَا .\rوَهَذَا ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ .\rوَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ عُمَرَ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَابْنُ سِيرِينَ ، وَمَالِكٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَحُكِيَ عَنْ الشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَأَبِي يُوسُفَ ، وَالْحَسَنِ بْنِ حَيٍّ .\rوَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنْ مَا يَقْضِيه آخِرُ صَلَاتِهِ .\rوَبِهِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ، وَالْحَسَنُ ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَمَكْحُولٌ ، وَعَطَاءٌ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَالْمُزَنِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ .\rوَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَرِوَايَةٌ عَنْ مَالِكٍ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ { : وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَلِأَنَّهُ آخِرُ صَلَاتِهِ حَقِيقَةً ، فَكَانَ آخِرَهَا حُكْمًا ، كَغَيْرِ الْمَسْبُوقِ ، وَلِأَنَّهُ يَتَشَهَّدُ فِي آخِرِ مَا يَقْضِيه وَيُسَلِّمُ ، وَلَوْ كَانَ أَوَّلَ صَلَاتِهِ لَمَا تَشَهَّدَ وَكَانَ يَكْفِيهِ تَشَهُّدُهُ مَعَ الْإِمَامِ .\rوَلِلرِّوَايَةِ الْأُولَى قَوْلُهُ : { وَمَا فَاتَكُمْ فَاقْضُوا } .\rوَهُوَ صَحِيحٌ ، وَلِأَنَّهُ يُسَمَّى قَضَاءً ، وَالْقَضَاءُ لِلْفَائِتِ ، وَالْفَائِتُ أَوَّلُ الصَّلَاةِ ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ : \" فَأَتِمُّوا \" أَيْ اقْضُوا ، لِأَنَّ الْقَضَاءَ إتْمَامٌ ؛ وَلِذَلِكَ سَمَّاهُ فَائِتًا ، وَالْفَائِتُ أَوَّلُ الصَّلَاةِ ، وَلِأَنَّهُ يَقْرَأُ فِيمَا يَقْضِيهِ الْفَاتِحَةَ وَسُورَةً ، فَكَانَ أَوَّلَ الصَّلَاةِ ، كَغَيْرِ الْمَسْبُوقِ .\rوَلَا أَعْلَمُ خِلَافًا بَيْنَ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ فِي قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ وَسُورَةٍ .\rقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : كُلُّ هَؤُلَاءِ الْقَائِلِينَ بِالْقَوْلَيْنِ جَمِيعًا يَقُولُونَ : يَقْضِي مَا فَاتَهُ بِالْحَمْدُ لِلَّهِ وَسُورَةٍ ، عَلَى حَسَبِ مَا قَرَأَ إمَامُهُ ، إلَّا إِسْحَاقَ وَالْمُزَنِيِّ وَدَاوُد ، قَالُوا : يَقْرَأُ بِالْحَمْدُ وَحْدَهَا .\rوَعَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ : إنَّهُ يَقْرَأُ فِي الْقَضَاءِ بِالْفَاتِحَةِ وَسُورَةٍ ، لَا تَظْهَرُ فَائِدَةُ الْخِلَافِ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي الِاسْتِفْتَاحِ","part":4,"page":289},{"id":1789,"text":"وَالِاسْتِعَاذَةِ حَالَ مُفَارَقَةِ الْإِمَامِ ، وَفِي مَوْضِعِ الْجَلْسَةِ لِلتَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ ، فِي حَقِّ مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الْمَغْرِبِ وَالرُّبَاعِيَّةِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ","part":4,"page":290},{"id":1790,"text":"( 1449 ) فَصْلٌ : وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ فِي مَوْضِعِ الْجَلْسَةِ وَالتَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ فِي حَقِّ مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الْمَغْرِبِ أَوْ الرُّبَاعِيَّةِ ، إذَا قَضَى ، فَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ إذَا قَامَ اسْتَفْتَحَ ، وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ مُتَوَالِيَتَيْنِ ، يَقْرَأُ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ بِالْحَمْدُ لِلَّهِ وَسُورَةٍ .\rنَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ حَرْبٍ ، وَفَعَلَ ذَلِكَ جُنْدُبٌ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُمَا أَوَّلُ صَلَاتِهِ ، فَلَمْ يَتَشَهَّدْ بَيْنَهُمَا كَغَيْرِ الْمَسْبُوقِ ، وَلِأَنَّ الْقَضَاءَ عَلَى صِفَةِ الْأَدَاءِ ، وَالْأَدَاءُ لَا جُلُوسَ فِيهِ ، وَلِأَنَّهُمَا رَكْعَتَانِ يَقْرَأُ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بِالْحَمْدُ لِلَّهِ وَسُورَةٍ ، فَلَمْ يَجْلِسْ بَيْنَهُمَا كالمؤداتين .\rوَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ أَنَّهُ يَقُومُ فَيَأْتِي بِرَكْعَةٍ ، يَقْرَأُ فِيهَا بِالْحَمْدُ لِلَّهِ وَسُورَةٍ ، ثُمَّ يَجْلِسُ ، ثُمَّ يَقُومُ فَيَأْتِيَ بِأُخْرَى بِالْحَمْدُ لِلَّهِ وَسُورَةٍ ، فِي الْمَغْرِبِ ، أَوْ بِرَكْعَتَيْنِ مُتَوَالِيَتَيْنِ فِي الرُّبَاعِيَّةِ ، يَقْرَأُ فِي أُولَاهَا بِالْحَمْدُ لِلَّهِ وَسُورَةٍ ، وَفِي الثَّانِيَةِ بِالْحَمْدُ وَحْدَهَا .\rنَقَلَهَا صَالِحٌ ، وَأَبُو دَاوُد ، وَالْأَثْرَمُ .\rوَفَعَلَ ذَلِكَ مَسْرُوقٌ .\rوَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ : كَمَا فَعَلَ مَسْرُوقٌ يَفْعَلُ .\rوَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، فَإِنَّهُ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ لِلزُّهْرِيِّ : مَا صَلَاةٌ يَجْلِسُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ مِنْهَا ؟ قَالَ سَعِيدٌ : هِيَ الْمَغْرِبُ إذَا أَدْرَكْت مِنْهَا رَكْعَةً ، وَلِأَنَّ الثَّالِثَةَ آخِرُ صَلَاتِهِ فِعْلًا ، فَيَجِبُ أَنْ يَجْلِسَ قَبْلَهَا كَغَيْرِ الْمَسْبُوقِ وَقَدْ رَوَى الْأَثْرَمُ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ إبْرَاهِيمَ .\rقَالَ : جَاءَ جُنْدُبٌ وَمَسْرُوقٌ إلَى الْمَسْجِدِ وَقَدْ صَلَّوْا رَكْعَتَيْنِ مِنْ الْمَغْرِبِ ، فَدَخَلَا فِي الصَّفِّ ، فَقَرَأَ جُنْدُبٌ فِي الرَّكْعَةِ الَّتِي أَدْرَكَ مَعَ الْإِمَامِ ، وَلَمْ يَقْرَأْ مَسْرُوقٌ ، فَلَمَّا سَلَّمَ الْإِمَامُ قَامَا فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ ، فَقَرَأَ جُنْدُبٌ وَقَرَأَ مَسْرُوقٌ ، وَجَلَسَ مَسْرُوقٌ فِي الرَّكْعَةِ","part":4,"page":291},{"id":1791,"text":"الثَّانِيَةِ وَقَامَ جُنْدُبٌ ، وَقَرَأَ مَسْرُوقٌ فِي الرَّكْعَةِ الثَّالِثَةِ وَلَمْ يَقْرَأْ جُنْدُبٌ ، فَلَمَّا قَضَيَا الصَّلَاةَ أَتَيَا عَبْدَ اللَّهِ فَسَأَلَاهُ عَنْ ذَلِكَ وَقَصَّا عَلَيْهِ الْقِصَّةَ ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ : كَمَا فَعَلَ مَسْرُوقٌ يُفْعَلُ .\rوَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ : إذَا أَدْرَكْت رَكْعَةً مِنْ الْمَغْرِبِ فَاجْلِسْ فِيهِنَّ كُلِّهِنَّ .\rوَأَيًّا مَا فَعَلَ مِنْ ذَلِكَ جَازَ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .\rوَلِذَلِكَ لَمْ يُنْكِرْ عَبْدُ اللَّهِ عَلَى جُنْدُبٍ فِعْلَهُ ، وَلَا أَمَرَهُ بِإِعَادَةِ صَلَاتِهِ .","part":4,"page":292},{"id":1792,"text":"( 1450 ) فَصْلٌ : إذَا فَرَّقَهُمْ فِي الرُّبَاعِيَّةِ فِرْقَتَيْنِ ، فَصَلَّى بِالْأُولَى ثَلَاثَ رَكَعَاتٍ ، وَبِالثَّانِيَةِ رَكْعَةً ، أَوْ بِالْأُولًى رَكْعَةً وَبِالثَّانِيَةِ ثَلَاثًا ، صَحَّتْ الصَّلَاةُ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَزِدْ عَلَى انْتِظَارَيْنِ وَرَدَ الشَّرْعُ بِمِثْلِهِمَا .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ، إلَّا أَنَّهُ قَالَ : يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ .\rوَلَا حَاجَةَ إلَيْهِ ؛ لِأَنَّ السُّجُودَ لِلسَّهْوِ ، وَلَا سَهْوَ هَاهُنَا ، وَلَوْ قُدِّرَ أَنَّهُ فَعَلَهُ سَاهِيًا لَمْ يَحْتَجْ إلَى سُجُودٍ ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا لَا يُبْطِلُ عَمْدُهُ الصَّلَاةَ ، فَلَا يَسْجُدُ لِسَهْوِهِ ، كَمَا لَوْ رَفَعَ يَدَيْهِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ الرَّفْعِ وَتَرَكَ رَفْعَهُمَا فِي مَوْضِعِهِ .\rفَأَمَّا إِن فَرَّقَهُمْ أَرْبَعَ فِرَقٍ ، فَصَلَّى فِي كُلِّ طَائِفَةٍ رَكْعَةً ، أَوْ ثَلَاثَ فِرَقٍ فَصَلَّى بِإِحْدَاهُنَّ رَكْعَتَيْنِ ، وَبِالْبَاقِينَ رَكْعَةً رَكْعَةً .\rصَحَّتْ صَلَاةُ الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ ، لِأَنَّهُمَا ائْتَمَّا بِمَنْ صَلَاتُهُ صَحِيحَةٌ ، وَلَمْ يُوجَدْ مِنْهُمَا مَا يُبْطِلُ صَلَاتَهُمَا ، وَتَبْطُلُ صَلَاةُ الْإِمَامِ بِالِانْتِظَارِ الثَّالِثِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَزَادَ انْتِظَارًا لَمْ يَرِدْ الشَّرْعُ بِهِ ، فَتَبْطُلُ صَلَاتُهُ بِهِ ، كَمَا لَوْ فَعَلَهُ مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ .\rوَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ بِهِ حَاجَةٌ إلَى ذَلِكَ أَوْ لَمْ يَكُنْ ؛ لِأَنَّ الرُّخَصَ إنَّمَا يُصَارُ فِيهَا إلَى مَا وَرَدَ الشَّرْعُ بِهِ ، وَلَا تَصِحُّ صَلَاةُ الثَّالِثَةِ وَالرَّابِعَةِ ؛ لِائْتِمَامِهَا بِمَنْ صَلَاتُهُ بَاطِلَةٌ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَتْ صَلَاتُهُ بَاطِلَةً مِنْ أَوَّلِهَا .\rفَإِنْ لَمْ يَعْلَمَا بِبُطْلَانِ صَلَاةِ الْإِمَامِ ، فَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ : لَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُمَا ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا يَخْفَى ، فَلَمْ تَبْطُلْ صَلَاةُ الْمَأْمُومِ ، كَمَا لَوْ ائْتَمَّ بِمُحَدِّثٍ ، وَيَنْبَغِي عَلَى هَذَا أَنْ يَخْفَى عَلَى الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ ، كَمَا اعْتَبَرْنَا فِي صِحَّةِ صَلَاةِ مَنْ ائْتَمَّ بِمُحَدِّثٍ - خَفَاءَهُ عَلَى الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا","part":4,"page":293},{"id":1793,"text":"تَصِحَّ صَلَاتُهُمَا ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ وَالْمَأْمُومَ يَعْلَمَانِ وُجُودَ الْمُبْطِلِ .\rوَإِنَّمَا خَفِيَ عَلَيْهِمْ حُكْمُهُ ، فَلَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ الْبُطْلَانَ ، كَمَا لَوْ عَلِمَ الْإِمَامُ وَالْمَأْمُومُ حَدَثَ الْإِمَامِ ، وَلَمْ يَعْلَمَا كَوْنَهُ مُبْطِلًا .\rوَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ كَقَوْلِ ابْنِ حَامِدٍ .\rوَقَالَ بَعْضُهُمْ : تَصِحُّ صَلَاةُ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِينَ جَمِيعًا ؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ تَدْعُو إلَى ذَلِكَ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ فَرَّقَهُمْ فِرْقَتَيْنِ .\rوَقَالَ بَعْضُهُمْ : الْمَنْصُوصُ أَنَّ صَلَاتَهُمْ تَبْطُلُ بِالِانْتِظَارِ الْأَوَّلِ ؛ لِأَنَّهُ زَادَ عَلَى انْتِظَارِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زِيَادَةً لَمْ يَرِدْ الشَّرْعُ بِهَا .\rوَلَنَا عَلَى الْأَوَّلِ ، أَنَّ الرُّخَصَ إنَّمَا تُتَلَقَّى مِنْ الشَّرْعِ ، وَلَمْ يَرِدْ الشَّرْعُ بِهَذَا .\rوَعَلَى الثَّانِي ، أَنَّ طُولَ الِانْتِظَارِ لَا عِبْرَةَ بِهِ ، كَمَا لَوْ أَبْطَأَتْ الثَّانِيَةُ فِيمَا إذَا فَرَّقَهُمْ فِرْقَتَيْنِ .","part":4,"page":294},{"id":1794,"text":"( 1451 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِنْ كَانَتْ الصَّلَاةُ مَغْرِبًا صَلَّى بِالطَّائِفَةِ الْأُولَى رَكْعَتَيْنِ ، وَأَتَمَّتْ لِأَنْفُسِهَا رَكْعَةً تَقْرَأُ فِيهَا بِالْحَمْدُ لِلَّهِ ، وَيُصَلَّى بِالطَّائِفَةِ الْأُخْرَى رَكْعَةً ، وَأَتَمَّتْ لِأَنْفُسِهَا رَكْعَتَيْنِ ، تَقْرَأُ فِيهِمَا بِالْحَمْدُ لِلَّهِ وَسُورَةٍ ) وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَسُفْيَانُ ، وَالشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ .\rوَقَالَ فِي آخَرَ : يُصَلِّي بِالْأُولَى رَكْعَةً ، وَالثَّانِيَةِ رَكْعَتَيْنِ ، لِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ صَلَّى لَيْلَةَ الْهَدِيرِ هَكَذَا ، وَلِأَنَّ الْأُولَى أَدْرَكَتْ مَعَهُ فَضِيلَةَ الْإِحْرَامِ وَالتَّقَدُّمِ ، فَيَنْبَغِي أَنْ تَزِيدَ الثَّانِيَةُ فِي الرَّكَعَاتِ ؛ لِيُجْبَرَ نَقْصُهُمْ ، وَتُسَاوِيَ الْأُولَى .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ التَّفْضِيلِ ، فَالْأُولَى أَحَقُّ بِهِ ، وَلِأَنَّهُ يُجْبَرُ مَا فَاتَ الثَّانِيَةَ بِإِدْرَاكِهَا السَّلَامَ مَعَ الْإِمَامِ ، وَلِأَنَّهَا تُصَلِّي جَمِيعَ صَلَاتِهَا فِي حُكْمِ الِائْتِمَامِ ، وَالْأُولَى تَفْعَلُ بَعْضَ صَلَاتِهَا فِي حُكْمِ الِانْفِرَادِ ، وَأَيًّا مَا فَعَلَ فَهُوَ جَائِزٌ عَلَى مَا قَدَّمْنَا .\rوَهَلْ تُفَارِقُهُ الطَّائِفَةُ الْأُولَى فِي التَّشَهُّدِ ، أَوْ حِينَ يَقُومُ إلَى الثَّالِثَةِ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ .\rوَإِذَا صَلَّى بِالثَّانِيَةِ الرَّكْعَةَ الثَّالِثَةَ ، وَجَلَسَ لِلتَّشَهُّدِ ، فَإِنَّ الطَّائِفَةَ تَقُومُ وَلَا تَتَشَهَّدُ مَعَهُ .\rذَكَرَهُ الْقَاضِي ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَوْضِعٍ لِتَشَهُّدِهَا ، بِخِلَافِ الرُّبَاعِيَّةِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ تَتَشَهَّدَ مَعَهُ ، لِأَنَّهَا تَقْضِي رَكْعَتَيْنِ مُتَوَالِيَتَيْنِ ، عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ ، فَيُفْضِي إلَى أَنْ تُصَلِّيَ ثَلَاثَ رَكَعَاتٍ بِتَشَهُّدٍ وَاحِدٍ ، وَلَا نَظِيرَ لِهَذَا فِي الصَّلَوَاتِ ، فَعَلَى هَذَا الِاحْتِمَالِ تَتَشَهَّدُ مَعَهُ التَّشَهُّدَ الْأَوَّلَ ، ثُمَّ تَقُومُ ، كَالصَّلَاةِ الرُّبَاعِيَّةِ سَوَاءً .","part":4,"page":295},{"id":1795,"text":"فَصْلٌ : وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَحْمِلَ السِّلَاحَ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ } .\rوَلِأَنَّهُمْ لَا يَأْمَنُونَ أَنْ يَفْجَأَهُمْ عَدُوُّهُمْ ، فَيَمِيلُونَ عَلَيْهِمْ ، كَمَا قَالَ اللَّه تَعَالَى : { وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً } .\rوَالْمُسْتَحَبُّ مِنْ ذَلِكَ مَا يَدْفَعُ عَنْ نَفْسِهِ .\rكَالسَّيْفِ ، وَالسِّكِّينِ ، وَلَا يُثْقِلُهُ ، كَالْجَوْشَنِ ، وَلَا يَمْنَعُ مِنْ إكْمَالِ السُّجُودِ ، كَالْمِغْفَرِ ، وَلَا مَا يُؤْذِي غَيْرَهُ ، كَالرُّمْحِ إذَا كَانَ مُتَوَسِّطًا ، فَإِنْ كَانَ فِي الْحَاشِيَةِ لَمْ يُكْرَهْ ، وَلَا يَجُوزُ حَمْلُ نَجَسٍ ، وَلَا مَا يُخِلُّ بِرُكْنٍ مِنْ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ إلَّا عِنْدَ الضَّرُورَةِ ، مِثْلُ أَنْ يَخَافَ وُقُوعَ الْحِجَارَةِ أَوْ السِّهَامِ بِهِ ، فَيَجُوزُ لَهُ حَمْلُهُ لِلضَّرُورَةِ .\rقَالَ أَصْحَابُنَا : وَلَا يَجِبُ حَمْلُ السِّلَاحِ .\rوَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَأَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ وَجَبَ لَكَانَ شَرْطًا فِي الصَّلَاةِ كَالسُّتْرَةِ ، وَلِأَنَّ الْأَمْرَ بِهِ لِلرِّفْقِ بِهِمْ وَالصِّيَانَةِ لَهُمْ ، فَلَمْ يَكُنْ لِلْإِيجَابِ ، كَمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا نَهَى عَنْ الْوِصَالِ رِفْقًا بِهِمْ لَمْ يَكُنْ لِلتَّحْرِيمِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ وَاجِبًا ، وَبِهِ قَالَ دَاوُد ، وَالشَّافِعِيُّ فِي الْقَوْلِ الْآخَرِ ، وَالْحُجَّةُ مَعَهُمْ ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَ الْأَمْرِ الْوُجُوبُ ، وَقَدْ اقْتَرَنَ بِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى إرَادَةِ الْإِيجَابِ بِهِ ، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى : { وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ } .\rوَنَفْيُ الْحَرَجِ مَشْرُوطًا بِالْأَذَى دَلِيلٌ عَلَى لُزُومِهِ عِنْدَ عَدَمِهِ ، فَأَمَّا إنْ كَانَ بِهِمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ مَرَضٍ ، فَلَا يَجِبُ بِغَيْرِ خِلَافٍ ، بِتَصْرِيحِ النَّصِّ بِنَفْيِ الْحَرَجِ فِيهِ .","part":4,"page":296},{"id":1796,"text":"( 1453 ) فَصْلٌ : وَيَجُوزُ أَنْ يُصَلِّيَ صَلَاةَ الْخَوْفِ عَلَى كُلِّ صِفَةٍ صَلَّاهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rقَالَ أَحْمَدُ : كُلُّ حَدِيثٍ يُرْوَى فِي أَبْوَابِ صَلَاةِ الْخَوْفِ فَالْعَمَلُ بِهِ جَائِزٌ .\rوَقَالَ : سِتَّةُ أَوْجُهٍ أَوْ سَبْعَةٌ يُرْوَى فِيهَا ، كُلُّهَا جَائِزٌ .\rوَقَالَ الْأَثْرَمُ : قُلْت لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ : تَقُولُ بِالْأَحَادِيثِ كُلِّهَا كُلُّ حَدِيثٍ فِي مَوْضِعِهِ ، أَوْ تَخْتَارُ وَاحِدًا مِنْهَا .\rقَالَ : أَنَا أَقُولُ مَنْ ذَهَبَ إلَيْهَا كُلَّهَا فَحَسَنٌ ، وَأَمَّا حَدِيث سَهْلٍ فَأَنَا أَخْتَارُهُ .\rإذَا تَقَرَّرَ هَذَا فَنَذْكُرُ الْوُجُوهَ الَّتِي بَلَغَنَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى عَلَيْهَا ، وَقَدْ ذَكَرْنَا مِنْهَا وَجْهَيْنِ أَحَدَهُمَا ، مَا ذَكَرَهُ الْخِرَقِيِّ ، وَهُوَ حَدِيثُ سَهْلٍ .\rوَالثَّانِي حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ ، وَهُوَ الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ أَبُو حَنِيفَةَ .\rوَالثَّالِثُ ، صَلَاةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعُسْفَانَ ، وَهُوَ مَا رَوَى أَبُو عَيَّاشٍ الزُّرَقِيُّ قَالَ { كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعُسْفَانَ وَعَلَى الْمُشْرِكِينَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ .\rفَصَلَّيْنَا الظُّهْرَ .\rفَقَالَ الْمُشْرِكُونَ : لَقَدْ أَصَبْنَا غِرَّةً لَوْ حَمَلْنَا عَلَيْهِمْ فِي الصَّلَاةِ .\rفَنَزَلَتْ آيَةُ الْقَصْرِ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ .\rفَلَمَّا حَضَرَتْ الْعَصْرُ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ ، وَالْمُشْرِكُونَ أَمَامَهُ ، فَصَفَّ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَفٌّ ، وَصَفَّ خَلْفَ ذَلِكَ الصَّفِّ صَفٌّ آخَرُ ، فَرَكَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَكَعُوا جَمِيعًا ، ثُمَّ سَجَدَ وَسَجَدَ الصَّفُّ الَّذِي يَلِيهِ ، وَقَامَ الْآخَرُونَ يَحْرُسُونَهُمْ ، فَلَمَّا صَلَّى بِهَؤُلَاءِ السَّجْدَتَيْنِ وَقَامُوا ، سَجَدَ الْآخَرُونَ الَّذِينَ كَانُوا خَلْفَهُمْ ، ثُمَّ تَأَخَّرَ الصَّفُّ الَّذِي يَلِيهِ إلَى مَقَامِ الْآخَرِينَ ، وَتَقَدَّمَ الصَّفُّ الْآخَرُ إلَى مَقَامِ الصَّفِّ الْأَوَّلِ ، ثُمَّ رَكَعَ","part":4,"page":297},{"id":1797,"text":"رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَكَعُوا جَمِيعًا ، ثُمَّ سَجَدَ وَسَجَدَ الصَّفُّ الَّذِي يَلِيهِ ، وَقَامَ الْآخَرُونَ يَحْرُسُونَهُمْ ، فَلَمَّا جَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالصَّفُّ الَّذِي يَلِيهِ سَجَدَ الْآخَرُونَ ، ثُمَّ جَلَسُوا جَمِيعًا ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ ، فَصَلَّاهَا بِعُسْفَانَ ، وَصَلَّاهَا يَوْمَ بَنِي سُلَيْمٍ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَرَوَى جَابِرٌ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحْوَ هَذَا الْمَعْنَى .\rأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ .\rوَرُوِيَ عَنْ حُذَيْفَةَ ، أَنَّهُ أَمَرَ سَعِيدَ بْنَ الْعَاصِ بِطَبَرِسْتَانَ حِينَ سَأَلَهُمْ : أَيُّكُمْ شَهِدَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَاةَ الْخَوْفِ ؟ فَقَالَ حُذَيْفَةُ : أَنَا .\rوَأَمَرَهُ بِنَحْوِ هَذِهِ الصَّلَاةِ ، وَقَالَ : وَتَأْمُرُ أَصْحَابَكَ إنْ هَاجَهُمْ هَيْجٌ فَقَدْ حَلَّ لَهُمْ الْقِتَالُ وَالْكَلَامُ .\rرَوَاهُ الْأَثْرَمُ بِإِسْنَادِهِ .\rوَإِنْ حَرَسَ الصَّفُّ الْأَوَّلُ فِي الْأُولَى ، وَالثَّانِي فِي الثَّانِيَةِ ، أَوْ لَمْ يَتَقَدَّمْ الثَّانِي إلَى مَقَامِ الْأَوَّلِ ، أَوْ حَرَسَ بَعْضُ الصَّفِّ وَسَجَدَ الْبَاقُونَ ، جَازَ ذَلِكَ كُلُّهُ ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ يَحْصُلُ ، لَكِنَّ الْأُولَى فِعْلُ مِثْلَمَا فَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rوَمِنْ شَرْطِ هَذِهِ الصَّلَاةِ أَنْ يَكُونَ الْعَدُوُّ فِي جِهَةِ الْقِبْلَةِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ حِرَاسَتُهُمْ فِي الصَّلَاةِ إلَّا كَذَلِكَ ، وَأَنْ يَكُونُوا بِحَيْثُ لَا يَخْفَى بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ ، وَلَا يُخَافُ كَمِينٌ لَهُمْ .\r( 1454 ) فَصْلٌ : الْوَجْهُ الرَّابِعُ ، أَنْ يُصَلِّيَ بِكُلِّ طَائِفَةٍ صَلَاةً مُنْفَرِدَةً ، وَيُسَلِّمَ بِهَا ، كَمَا رَوَى أَبُو بَكْرَةَ : قَالَ { صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي خَوْفٍ الظُّهْرَ ، فَصَفَّ بَعْضُهُمْ خَلْفَهُ ، وَبَعْضُهُمْ بِإِزَاءِ الْعَدُوِّ ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ، ثُمَّ سَلَّمَ ، فَانْطَلَقَ الَّذِينَ صَلَّوْا فَوَقَفُوا مَوْقِفَ أَصْحَابِهِمْ ، ثُمَّ جَاءَ أُولَئِكَ فَصَلَّوْا خَلْفَهُ فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ ، ثُمَّ سَلَّمَ ،","part":4,"page":298},{"id":1798,"text":"فَكَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْبَعٌ ، وَلِأَصْحَابِهِ رَكْعَتَانِ } .\rأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد ، وَالْأَثْرَمُ .\rوَهَذِهِ صِفَةٌ حَسَنَةٌ ، قَلِيلَةُ الْكُلْفَةِ ، لَا يَحْتَاجُ فِيهَا إلَى مُفَارَقَةِ الْإِمَامِ ، وَلَا إلَى تَعْرِيفِ كَيْفِيَّةِ الصَّلَاةِ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الْحَسَنِ ، وَلَيْسَ فِيهَا أَكْثَرُ مِنْ أَنَّ الْإِمَامَ فِي الثَّانِيَةِ مُتَنَفِّلٌ يَؤُمُّ مُفْتَرِضِينَ .\r( 1455 ) فَصْلٌ : الْوَجْهُ الْخَامِسُ أَنْ يُصَلِّيَ بِالطَّائِفَةِ الْأُولَى رَكْعَتَيْنِ ، وَلَا يُسَلِّمَ ، ثُمَّ تُسَلِّمُ الطَّائِفَةُ ، وَتَنْصَرِفُ وَلَا تَقْضِي شَيْئًا .\rوَتَأْتِي الطَّائِفَةُ الْأُخْرَى ، فَيُصَلِّي بِهَا رَكْعَتَيْنِ ، وَيُسَلِّمُ بِهَا ، وَلَا تَقْضِي شَيْئًا .\rوَهَذَا مِثْلُ الْوَجْهِ الَّذِي قَبْلَهُ ، إلَّا أَنَّهُ لَا يُسَلِّمُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ ؛ لِمَا رَوَى جَابِرٌ ، قَالَ { : أَقْبَلْنَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى إذَا كُنَّا بِذَاتِ الرِّقَاعِ .\rفَذَكَرَ الْحَدِيثَ .\rقَالَ : فَنُودِيَ بِالصَّلَاةِ ، فَصَلَّى بِطَائِفَةٍ رَكْعَتَيْنِ ، ثُمَّ تَأَخَّرُوا ، وَصَلَّى بِالطَّائِفَةِ الْأُخْرَى رَكْعَتَيْنِ .\rقَالَ : وَكَانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ ، وَلِلْقَوْمِ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَتَأَوَّلَ الْقَاضِي هَذَا عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى بِهِمْ كَصَلَاةِ الْحَضَرِ ، وَأَنَّ كُلَّ طَائِفَةٍ قَضَتْ رَكْعَتَيْنِ .\rوَهَذَا ظَاهِرُ الْفَسَادِ جِدًّا ؛ لِأَنَّهُ يُخَالِفُ صِفَةَ الرِّوَايَةِ ، وَقَوْلَ أَحْمَدَ ، وَيَحْمِلُهُ عَلَى مَحْمَلٍ فَاسِدٍ .\rأَمَّا الرِّوَايَةُ فَإِنَّهُ ذَكَرَ أَنَّهُ صَلَّى بِكُلِّ طَائِفَةٍ رَكْعَتَيْنِ ، وَلَمْ يَذْكُرْ قَضَاءً ، ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهَا : وَلِلْقَوْمِ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ .\rوَأَمَّا قَوْلُ أَحْمَدَ ، فَإِنَّهُ قَالَ : سِتَّةُ أَوْجُهٍ أَوْ سَبْعَةٌ ، يُرْوَى فِيهَا ، كُلُّهَا جَائِزٌ .\rوَعَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ لَا تَكُونُ سِتَّةً وَلَا خَمْسَةً .\rوَلِأَنَّهُ قَالَ : كُلُّ حَدِيثٍ يُرْوَى فِي أَبْوَابِ صَلَاةِ","part":4,"page":299},{"id":1799,"text":"الْخَوْفِ فَهُوَ جَائِزٌ .\rوَهَذَا مُخَالِفٌ لِهَذَا التَّأْوِيلِ .\rوَأَمَّا فَسَادُ الْمَحْمَلِ ، فَإِنَّ الْخَوْفَ يَقْتَضِي تَخْفِيفَ الصَّلَاةِ وَقَصْرَهَا ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنْ الصَّلَاةِ إنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا } .\rوَعَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ يَجْعَلُ مَكَانَ الرَّكْعَتَيْنِ أَرْبَعًا .\rوَيُتِمُّ الصَّلَاةَ الْمَقْصُورَةَ ، وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ أَتَمَّ صَلَاةَ السَّفَرِ ، فَكَيْفَ يُحْمَلُ هَاهُنَا عَلَى أَنَّهُ أَتَمَّهَا ، فِي مَوْضِعٍ وُجِدَ فِيهِ مَا يَقْتَضِي التَّخْفِيفَ .\r( 1456 ) فَصْلٌ : الْوَجْهُ السَّادِسُ ، أَنْ يُصَلِّيَ بِكُلِّ طَائِفَةٍ رَكْعَةً ، وَلَا تَقْضِي شَيْئًا ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ ، قَالَ : { صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذِي قَرَدٍ صَلَاةَ الْخَوْفِ ، وَالْمُشْرِكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ ، فَصَفَّ صَفًّا خَلْفَهُ ، وَصَفًّا مُوَازِيَ الْعَدُوِّ ، فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَةً ، ثُمَّ ذَهَبَ هَؤُلَاءِ إلَى مَصَافِّ هَؤُلَاءِ ، وَرَجَعَ هَؤُلَاءِ إلَى مَصَافِّ هَؤُلَاءِ ، فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَةً ، ثُمَّ سَلَّمَ عَلَيْهِمْ ، فَكَانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَكْعَتَانِ ، وَكَانَتْ لَهُمْ رَكْعَةٌ رَكْعَةٌ .\r} رَوَاهُ .\rالْأَثْرَمُ وَعَنْ حُذَيْفَةَ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى صَلَاةَ الْخَوْفِ بِهَؤُلَاءِ رَكْعَةً ، وَبِهَؤُلَاءِ رَكْعَةً ، وَلَمْ يَقْضُوا شَيْئًا } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَرُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ .\rرَوَاهُنَّ الْأَثْرَمُ .\rوَكَذَلِكَ قَالَ أَبُو دَاوُد ، فِي \" السُّنَنِ \" ، وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَجَابِرٍ .\rقَالَ : إنَّمَا الْقَصْرُ رَكْعَةٌ عِنْدَ الْقِتَالِ .\rوَقَالَ طَاوُسٌ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَالْحَسَنُ وَقَتَادَةُ ، وَالْحَكَمُ كَذَا يَقُولُونَ : رَكْعَةً فِي شِدَّةِ الْخَوْفِ ، يُومِئُ إيمَاءً .\rوَقَالَ إِسْحَاقُ : يُجْزِئُكَ عِنْدَ الشِّدَّةِ رَكْعَةٌ ، تُومِئُ إيمَاءً ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ فَسَجْدَةٌ وَاحِدَةٌ ، فَإِنْ لَمْ","part":4,"page":300},{"id":1800,"text":"يَقْدِرْ فَتَكْبِيرَةٌ ، لِأَنَّهَا ذِكْرٌ لِلَّهِ تَعَالَى .\rوَعَنْ الضَّحَّاكِ ، أَنَّهُ قَالَ : رَكْعَةٌ ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ كَبَّرَ تَكْبِيرَةً حَيْثُ كَانَ وَجْهُهُ .\rفَهَذِهِ الصَّلَاةُ يَقْتَضِي عُمُومُ كَلَامِ أَحْمَدَ جَوَازَهَا ؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَ سِتَّةَ أَوْجُهٍ ، وَلَا أَعْلَمُ وَجْهًا سَادِسًا سِوَاهَا ، وَأَصْحَابُنَا يُنْكِرُونَ ذَلِكَ .\rقَالَ الْقَاضِي : لَا تَأْثِيرَ لِلْخَوْفِ فِي عَدَدِ الرَّكَعَاتِ .\rوَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْل الْعِلْمِ ؛ مِنْهُمْ ابْنُ عُمَرَ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ وَسَائِرُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ عُلَمَاءِ الْأَمْصَارِ ، لَا يُجِيزُونَ رَكْعَةً ، وَاَلَّذِي قَالَ مِنْهُمْ رَكْعَةً ، إنَّمَا جَعَلَهَا عِنْدَ شِدَّةِ الْقِتَالِ وَاَلَّذِينَ رَوَيْنَا عَنْهُمْ صَلَاةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَكْثَرُهُمْ لَمْ يَنْقُصُوا عَنْ رَكْعَتَيْنِ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ لَمْ يَكُنْ مِمَّنْ يَحْضُرُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزَوَاتِهِ ، وَلَا يَعْلَمُ ذَلِكَ إلَّا بِالرِّوَايَةِ عَنْ غَيْرِهِ ، فَالْأَخْذُ بِرِوَايَةِ مَنْ حَضَرَ الصَّلَاةَ وَصَلَّاهَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْلَى .","part":4,"page":301},{"id":1801,"text":"( 1457 ) فَصْلٌ : وَمَتَى صَلَّى بِهِمْ صَلَاةَ الْخَوْفِ ، مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ ، فَصَلَاتُهُ وَصَلَاتُهُمْ فَاسِدَةٌ ؛ لِأَنَّهَا لَا تَخْلُو مِنْ مُفَارِقِ إمَامِهِ لِغَيْرِ عُذْرٍ ، وَتَارِكِ مُتَابَعَةِ إمَامِهِ فِي ثَلَاثَةِ أَرْكَانٍ ، أَوْ قَاصِرٍ لِلصَّلَاةِ مَعَ إتْمَامِ إمَامِهِ ، وَكُلُّ ذَلِكَ يُفْسِدُ الصَّلَاةَ ، إلَّا مُفَارَقَةَ الْإِمَامِ لِغَيْرِ عُذْرٍ ، عَلَى اخْتِلَافٍ فِيهِ .\rوَإِذَا فَسَدَتْ صَلَاتُهُمْ ، فَسَدَتْ صَلَاةُ الْإِمَامِ ؛ لِأَنَّهُ صَلَّى إمَامًا بِمَنْ صَلَاتُهُ فَاسِدَةٌ ، إلَّا أَنْ يُصَلِّيَ بِهِمْ صَلَاتَيْنِ كَامِلَتَيْنِ ؛ فَإِنَّهُ تَصِحُّ صَلَاتُهُ ، وَصَلَاةُ الطَّائِفَةِ الْأُولَى ، وَصَلَاةُ الثَّانِيَةِ تُبْنَى عَلَى ائْتِمَامِ الْمُفْتَرِضِ بِالْمُتَنَفِّلِ ، وَقَدْ نَصَرْنَا جَوَازَهُ .","part":4,"page":302},{"id":1802,"text":"( 1458 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِذَا كَانَ الْخَوْفُ شَدِيدًا ، وَهُمْ فِي حَالِ الْمُسَايَفَةِ ، صَلَّوْا رِجَالًا وَرُكْبَانًا ، إلَى الْقِبْلَةِ وَإِلَى غَيْرِهَا ، يُومِئُونَ إيمَاءً ، يَبْتَدِئُونَ تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ إلَى الْقِبْلَةِ إنْ قَدَرُوا ، أَوْ إلَى غَيْرِهَا ) .\rأَمَّا إذَا اشْتَدَّ الْخَوْفُ ، وَالْتَحَمَ الْقِتَالُ ، فَلَهُمْ أَنْ يُصَلُّوا كَيْفَمَا أَمْكَنَهُمْ ؛ رِجَالًا وَرُكْبَانًا ، إلَى الْقِبْلَةِ إنْ أَمْكَنَهُمْ ، وَإِلَى غَيْرِهَا إنْ لَمْ يُمْكِنْهُمْ ، يُومِئُونَ بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ عَلَى قَدْرِ الطَّاقَةِ ، وَيَجْعَلُونَ السُّجُودَ أَخْفَضَ مِنْ الرُّكُوعِ ، وَيَتَقَدَّمُونَ وَيَتَأَخَّرُونَ ، وَيَضْرِبُونَ وَيَطْعَنُونَ ، وَيَكُرُّونَ وَيَفِرُّونَ ، وَلَا يُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ عَنْ وَقْتِهَا .\rوَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى : لَا يُصَلِّي مَعَ الْمُسَايَفَةِ ، وَلَا مَعَ الْمَشْيِ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُصَلِّ يَوْمَ الْخَنْدَقِ ، وَأَخَّرَ الصَّلَاةَ ، وَلِأَنَّ مَا مَنَعَ الصَّلَاةَ فِي غَيْرِ شِدَّةِ الْخَوْفِ مَنَعَهَا مَعَهُ ، كَالْحَدَثِ وَالصِّيَاحِ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يُصَلِّي ، وَلَكِنْ إنْ تَابَعَ الطَّعْنَ ، أَوْ الضَّرْبَ ، أَوْ الْمَشْيَ ، أَوْ فَعَلَ مَا يَطُولُ ، بَطَلَتْ صَلَاتُهُ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ مُبْطِلَاتِ الصَّلَاةِ ، أَشْبَهَ الْحَدَثَ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا } ، قَالَ ابْنُ عُمَرَ : فَإِنْ كَانَ خَوْفٌ أَشَدُّ مِنْ ذَلِكَ ، صَلُّوا رِجَالًا قِيَامًا عَلَى أَقْدَامِهِمْ ، وَرُكْبَانًا مُسْتَقْبِلِي الْقِبْلَةِ وَغَيْرَ مُسْتَقْبِلِيهَا .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى بِأَصْحَابِهِ فِي غَيْرِ شِدَّةِ الْخَوْفِ ، فَأَمَرَهُمْ بِالْمَشْيِ إلَى وِجَاهِ الْعَدُوِّ ، ثُمَّ يَعُودُونَ لِقَضَاءِ مَا بَقِيَ مِنْ صَلَاتِهِمْ ، وَهَذَا مَشْيٌ كَثِيرٌ ، وَعَمَلٌ طَوِيلٌ ، وَاسْتِدْبَارٌ لِلْقِبْلَةِ ، وَأَجَازَ ذَلِكَ مِنْ","part":4,"page":303},{"id":1803,"text":"أَجْلِ الْخَوْفِ الَّذِي لَيْسَ بِشَدِيدٍ ، فَمَعَ الْخَوْفِ الشَّدِيدِ أَوْلَى .\rوَمِنْ الْعَجَبِ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ اخْتَارَ هَذَا الْوَجْهَ دُونَ سَائِرِ الْوُجُوهِ الَّتِي لَا تَشْتَمِلُ عَلَى الْعَمَلِ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ ، وَسَوَّغَهُ مَعَ الْغِنَى عَنْهُ ، وَإِمْكَانِ الصَّلَاةِ بِدُونِهِ ، ثُمَّ مَنَعَهُ فِي حَالٍ لَا يَقْدِرُ إلَّا عَلَيْهِ ، وَكَانَ الْعَكْسُ أَوْلَى ، سِيَّمَا مَعَ نَصِّ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى الرُّخْصَةِ فِي هَذِهِ الْحَالِ ، وَلِأَنَّهُ مُكَلَّفٌ تَصِحُّ طَهَارَتُهُ ، فَلَمْ يَجُزْ لَهُ إخْلَاءُ وَقْتِ الصَّلَاةِ عَنْ فِعْلِهَا ، كَالْمَرِيضِ ، وَيَخُصُّ الشَّافِعِيُّ بِأَنَّهُ عَمَلٌ أُبِيحَ مِنْ أَجْلِ الْخَوْفِ ، فَلَمْ تَبْطُلْ الصَّلَاةُ بِهِ ، كَاسْتِدْبَارِ الْقِبْلَةِ ، وَالرُّكُوبِ ، وَالْإِيمَاءِ .\rوَلِأَنَّهُ لَا يَخْلُو عِنْدَ الْحَاجَةِ إلَى الْعَمَلِ الْكَثِيرِ مِنْ أَجْلِ ثَلَاثَةِ أُمُورٍ : إمَّا تَأْخِيرُ الصَّلَاةِ عَنْ وَقْتِهَا ، وَلَا خِلَافَ بَيْنَنَا فِي تَحْرِيمِهِ ، أَوْ تَرْكُ الْقِتَالِ وَفِيهِ هَلَاكُهُ ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَةِ } .\rوَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ هَذَا ، أَوْ مُتَابَعَةُ الْعَمَلِ لِلْمُتَنَازَعِ فِيهِ ، وَهُوَ جَائِزٌ بِالْإِجْمَاعِ ، فَتَعَيَّنَ فِعْلُهُ وَصِحَّةُ الصَّلَاةِ مَعَهُ .\rثُمَّ مَا ذَكَرَهُ يَبْطُلُ بِالْمَشْيِ الْكَثِيرِ ، وَالْعَدْوِ فِي الْهَرَبِ وَغَيْرِهِ .\rوَأَمَّا تَأْخِيرُ الصَّلَاةِ يَوْمَ الْخَنْدَقِ ، فَرَوَى أَبُو سَعِيدٍ ، أَنَّهُ كَانَ قَبْلَ نُزُولِ صَلَاةِ الْخَوْفِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ شَغَلَهُ الْمُشْرِكُونَ فَنَسِيَ الصَّلَاةَ ، فَقَدْ نُقِلَ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِيمَا مَضَى ، وَأَكَّدَهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابَهُ لَمْ يَكُونُوا فِي مُسَايَفَةٍ تُوجِبُ قَطْعَ الصَّلَاةِ .\rوَأَمَّا الصِّيَاحُ ، وَالْحَدَثُ ، فَلَا حَاجَةَ بِهِمْ إلَيْهِ ، وَيُمْكِنُهُمْ التَّيَمُّمُ ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ الشَّيْءِ مُبْطِلًا مَعَ عَدَمِ الْعُذْرِ أَنْ يُبْطِلَ مَعَهُ ، كَخُرُوجِ النَّجَاسَةِ مِنْ الْمُسْتَحَاضَةِ ،","part":4,"page":304},{"id":1804,"text":"وَمَنْ بِهِ سَلَسُ الْبَوْلِ .\rوَإِنْ هَرَبَ مِنْ الْعَدُوِّ هَرَبًا مُبَاحًا ، أَوْ مِنْ سَيْلٍ ، أَوْ سَبُعٍ ، أَوْ حَرِيقٍ لَا يُمْكِنُهُ التَّخَلُّصُ مِنْهُ بِدُونِ الْهَرَبِ .\rفَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَ صَلَاةَ شِدَّةِ الْخَوْفِ ، سَوَاءٌ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ ، أَوْ مَالِهِ ، أَوْ أَهْلِهِ .\rوَالْأَسِيرُ إذَا خَافَهُمْ عَلَى نَفْسِهِ إنْ صَلَّى ، وَالْمُخْتَفِي فِي مَوْضِعٍ ، يُصَلِّيَانِ كَيْفَمَا أَمْكَنَهُمَا .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي الْأَسِيرِ .\rوَلَوْ كَانَ الْمُخْتَفِي قَاعِدًا لَا يُمْكِنُهُ الْقِيَامُ ، أَوْ مَضْجَعًا لَا يُمْكِنُهُ الْقُعُودُ ، وَلَا الْحَرَكَةُ ، صَلَّى عَلَى حَسَبِ حَالِهِ .\rوَهَذَا قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يُصَلِّي وَيُعِيدُ .\rوَلَيْسَ بِصَحِيحٍ ؛ لِأَنَّهُ خَائِفٌ صَلَّى عَلَى حَسَبِ مَا يُمْكِنُهُ ، فَلَمْ تَلْزَمْهُ الْإِعَادَةُ كَالْهَارِبِ .\rوَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ فِي هَذَا ؛ لِأَنَّ الْمُبِيحَ خَوْفُ الْهَلَاكِ ، وَقَدْ تَسَاوَيَا فِيهِ ، وَمَتَى أَمْكَنَ التَّخَلُّصُ بِدُونِ ذَلِكَ ، كَالْهَارِبِ مِنْ السَّيْلِ يَصْعَدُ إلَى رَبْوَةٍ ، وَالْخَائِفِ مِنْ الْعَدُوِّ يُمْكِنُهُ دُخُولُ حِصْنٍ يَأْمَنُ فِيهِ صَوْلَةَ الْعَدُوِّ ، وَلُحُوقَ الضَّرَرِ ، فَيُصَلِّي فِيهِ ، ثُمَّ يَخْرُجُ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ صَلَاةَ شِدَّةِ الْخَوْفِ ؛ لِأَنَّهَا إنَّمَا أُبِيحَتْ لِلضَّرُورَةِ ، فَاخْتَصَّتْ بِوُجُودِ الضَّرُورَةِ .\r( 1459 ) فَصْلٌ : وَالْعَاصِي بِهَرَبِهِ كَاَلَّذِي يَهْرُبُ مِنْ حَقٍّ تَوَجَّهَ عَلَيْهِ ، وَقَاطِعُ الطَّرِيقِ ، وَاللِّصُّ ، وَالسَّارِقُ ، لَيس لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ صَلَاةَ الْخَوْفِ ؛ لِأَنَّهَا رُخْصَةٌ ثَبَتَتْ لِلدَّفْعِ عَنْ نَفْسِهِ فِي مَحَلٍّ مُبَاحٍ ، فَلَا تَثْبُتُ بِالْمَعْصِيَةِ ، كَرُخَصِ السَّفَرِ .\r( 1460 ) فَصْلٌ : قَالَ أَصْحَابُنَا : يَجُوزُ أَنْ يُصَلُّوا فِي حَالِ شِدَّةِ الْخَوْفِ جَمَاعَةً ، رِجَالًا ، وَرُكْبَانًا .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَجُوزَ ذَلِكَ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّهُمْ يَحْتَاجُونَ إلَى التَّقَدُّمِ وَالتَّأَخُّرِ ، وَرُبَّمَا تَقَدَّمُوا الْإِمَامَ ، وَتَعَذَّرَ عَلَيْهِمْ الِائْتِمَامُ .","part":4,"page":305},{"id":1805,"text":"وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِأَنَّهَا حَالَةٌ يَجُوزُ فِيهَا الصَّلَاةُ عَلَى الِانْفِرَادِ ، فَجَازَ فِيهَا صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ ، كَرُكُوبِ السَّفِينَةِ ، وَيُعْفَى عَنْ تَقَدُّمِ الْإِمَامِ لِلْحَاجَةِ إلَيْهِ ، كَالْعَفْوِ عَنْ الْعَمَلِ الْكَثِيرِ .\rوَلِمَنْ نَصَرَ الْأَوَّلَ أَنْ يَقُولَ : الْعَفْوُ عَنْ ذَلِكَ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِنَصٍّ أَوْ مَعْنَى نَصٍّ ، وَلَمْ يُوجَدْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا ، وَلَيْسَ هَذَا فِي مَعْنَى الْعَمَلِ الْكَثِيرِ ؛ لِأَنَّ الْعَمَلَ الْكَثِيرَ لَا يَخْتَصُّ الْإِمَامَةَ ، بَلْ هُوَ فِي حَالِ الِانْفِرَادِ ، كَحَالِ الِائْتِمَامِ ، فَلَا يُؤَثِّرُ الِانْفِرَادُ فِي نَفْسِهِ بِخِلَافِ تَقَدُّمِ الْإِمَامِ .","part":4,"page":306},{"id":1806,"text":"( 1461 ) فَصْلٌ : وَإِذَا صَلَّوْا صَلَاةَ الْخَوْفِ ، ظَنًّا مِنْهُمْ أَنَّ ثُمَّ عَدُوًّا ، فَبَانَ أَنَّهُ لَا عَدُوَّ ، أَوْ بَانَ عَدُوٌّ لَكِنْ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ مَا يَمْنَعُ عُبُورَهُ إلَيْهِمْ ، فَعَلَيْهِمْ الْإِعَادَةُ ، سَوَاءٌ صَلَّوْا صَلَاةَ شِدَّةِ الْخَوْفِ أَوْ غَيْرَهَا ، وَسَوَاءٌ كَانَ ظَنُّهُمْ مُسْتَنِدًا إلَى خَبَرِ ثِقَةٍ أَوْ غَيْرِهِ ، أَوْ رُؤْيَةِ سَوَادٍ ، أَوْ نَحْوِهِ ؛ لِأَنَّهُمْ تَرَكُوا بَعْضَ وَاجِبَاتِ الصَّلَاةِ ظَنًّا مِنْهُمْ سُقُوطَهَا ، فَلَزِمَتْهُمْ الْإِعَادَةُ ، كَمَا لَوْ تَرَكَ الْمُتَوَضِّئُ غَسْلَ رِجْلَيْهِ ، وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ ، ظَنًّا مِنْهُ أَنَّ ذَلِكَ يُجْزِئُ عَنْهُ وَصَلَّى ، ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّ خُفَّهُ كَانَ مُخَرَّقًا ، وَكَمَا لَوْ ظَنَّ الْمُحْدِثُ أَنَّهُ مُتَطَهِّرٌ فَصَلَّى .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا تَلْزَمَ الْإِعَادَةُ إذَا كَانَ عَدُوًّا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ مَا يَمْنَعُ الْعُبُورَ ؛ لِأَنَّ السَّبَبَ لِلْخَوْفِ مُتَحَقِّقٌ ، وَإِنَّمَا خَفِيَ الْمَانِعُ","part":4,"page":307},{"id":1807,"text":"( 1462 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَمَنْ أَمِنَ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ ، أَتَمَّهَا صَلَاةَ آمِنٍ ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ آمِنًا ، فَاشْتَدَّ خَوْفُهُ ، أَتَمَّهَا صَلَاةَ خَائِفٍ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ إذَا صَلَّى بَعْضَ الصَّلَاةِ حَالَ شِدَّةِ الْخَوْفِ ، مَعَ الْإِخْلَالِ بِشَيْءٍ مِنْ وَاجِبَاتِهَا ، كَالِاسْتِقْبَالِ وَغَيْرِهِ ، فَأَمِنَ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ ، أَتَمَّهَا آتِيًا بِوَاجِبَاتِهَا ، فَإِذَا كَانَ رَاكِبًا إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ ، نَزَلَ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ ، وَإِنْ كَانَ مَاشِيًا ، وَقَفَ وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ ، وَبَنَى عَلَى مَا مَضَى ؛ لِأَنَّ مَا مَضَى كَانَ صَحِيحًا قَبْلَ الْأَمْنِ ، فَجَازَ الْبِنَاءُ عَلَيْهِ ، كَمَا لَوْ لَمْ يُخِلَّ بِشَيْءٍ مِنْ الْوَاجِبَاتِ .\rوَإِنْ تَرَكَ الِاسْتِقْبَالَ حَالَ نُزُولِهِ ، أَوْ أَخَلَّ بِشَيْءٍ مِنْ وَاجِبَاتِهَا بَعْدَ أَمْنِهِ ، فَسَدَتْ صَلَاتُهُ .\rوَإِنْ ابْتَدَأَ الصَّلَاةَ آمِنًا بِشُرُوطِهَا وَوَاجِبَاتِهَا ، ثُمَّ حَدَثَ شِدَّةُ خَوْفٍ ، أَتَمَّهَا ، عَلَى حَسَبِ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ ، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ قَائِمًا عَلَى الْأَرْضِ مُسْتَقْبِلًا ، فَيَحْتَاجُ أَنْ يَرْكَبَ وَيَسْتَدْبِرَ الْقِبْلَةَ ، أَتَمَّهَا عَلَى حَسَبِ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ ، وَيَطْعَنُ وَيَضْرِبُ وَنَحْوُ ذَلِكَ ، فَإِنَّهُ يَصِيرُ إلَيْهِ ، وَيَبْنِي عَلَى مَا مَضَى مِنْ صَلَاتِهِ .\rوَحُكِيَ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ إذَا أَمِنَ نَزَلَ فَبَنَى ، وَإِذَا خَافَ فَرَكِبَ ابْتَدَأَ ؛ لِأَنَّ الرُّكُوبَ عَمَلٌ كَثِيرٌ .\rوَلَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ الرُّكُوبَ قَدْ يَكُونُ يَسِيرًا ، فَمِثْلُهُ فِي حَقِّ الْآمِنِ لَا يُبْطِلُ ، فَفِي حَقِّ الْخَائِفِ أَوْلَى كَالنُّزُولِ ، وَلِأَنَّهُ عَمَلٌ أُبِيحَ لِلْحَاجَةِ ، فَلَمْ يَمْنَعْ صِحَّةَ الصَّلَاةِ كَالْهَرَبِ .","part":4,"page":308},{"id":1808,"text":"كِتَابُ صَلَاةِ الْكُسُوفِ الْكُسُوفُ وَالْخُسُوفُ شَيْءٌ وَاحِدٌ ، وَكِلَاهُمَا قَدْ وَرَدَتْ بِهِ الْأَخْبَارُ ، وَجَاءَ الْقُرْآنُ بِلَفْظِ الْخُسُوفِ .\r( 1463 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ : ( وَإِذَا خَسَفَتْ الشَّمْسُ أَوْ الْقَمَرُ ، فَزِعَ النَّاسُ إلَى الصَّلَاةِ ، إنْ أَحَبُّوا جَمَاعَةً ، وَإِنْ أَحَبُّوا فُرَادَى ) صَلَاةُ الْكُسُوفِ ثَابِتَةٌ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ ، وَلَا نَعْلَمُ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي مَشْرُوعِيَّتِهَا لِكُسُوفِ الشَّمْسِ خِلَافًا ، وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّهَا مَشْرُوعَةٌ لِخُسُوفِ الْقَمَرِ ، فَعَلَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ .\rوَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ ، وَالْحَسَنُ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : لَيس لِكُسُوفِ الْقَمَرِ سُنَّةٌ .\rوَحَكَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْهُ ، وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُمَا قَالَا : يُصَلِّي النَّاسُ لِخُسُوفِ الْقَمَرِ وُحْدَانًا رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ ، وَلَا يُصَلُّونَ جَمَاعَةً ؛ لِأَنَّ فِي خُرُوجِهِمْ إلَيْهَا مَشَقَّةً .\rوَلَنَا ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { إنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ ، لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَصَلُّوا } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rفَأَمَرَ بِالصَّلَاةِ لَهُمَا أَمْرًا وَاحِدًا .\rوَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّهُ صَلَّى بِأَهْلِ الْبَصْرَةِ فِي خُسُوفِ الْقَمَرِ رَكْعَتَيْنِ ، وَقَالَ : إنَّمَا صَلَّيْت لِأَنِّي رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي .\rوَلِأَنَّهُ أَحَدُ الْكُسُوفَيْنِ ، فَأَشْبَهَ كُسُوفَ الشَّمْسِ .\rوَيُسَنُّ فِعْلُهَا جَمَاعَةً وَفُرَادَى .\rوَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ .\rوَحُكِيَ عَنْ الثَّوْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ : إنْ صَلَّاهَا الْإِمَامُ صَلُّوهَا مَعَهُ ، وَإِلَّا فَلَا تُصَلُّوا .\rوَلَنَا ، قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { : فَإِذَا رَأَيْتُمُوهَا فَصَلُّوا } .\rوَلِأَنَّهَا نَافِلَةٌ ، فَجَازَتْ فِي الِانْفِرَادِ ، كَسَائِرِ النَّوَافِلِ .\rوَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِنَّ فِعْلَهَا فِي","part":4,"page":309},{"id":1809,"text":"الْجَمَاعَةِ أَفْضَلُ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّاهَا فِي جَمَاعَةٍ ، وَالسُّنَّةُ أَنْ يُصَلِّيَهَا فِي الْمَسْجِدِ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَلَهَا فِيهِ .\rقَالَتْ عَائِشَةُ : خَسَفَتْ الشَّمْسُ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَخَرَجَ إلَى الْمَسْجِدِ ، فَصَفَّ النَّاسَ وَرَاءَهُ .\rرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ .\rوَلِأَنَّ وَقْتَ الْكُسُوفِ يَضِيقُ ، فَلَوْ خَرَجَ إلَى الْمُصَلَّى احْتَمَلَ التَّجَلِّي قَبْلَ فِعْلِهَا .\rوَتُشْرَعُ فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ ، بِإِذْنِ الْإِمَامِ وَغَيْرِ إذْنِهِ .\rوَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : هِيَ كَصَلَاةِ الْعِيدِ ، فِيهَا رِوَايَتَانِ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { فَإِذَا رَأَيْتُمُوهَا فَصَلُّوا } .\rوَلِأَنَّهَا نَافِلَةٌ أَشْبَهَتْ سَائِرَ النَّوَافِلِ .\rوَتُشْرَعُ فِي حَقِّ النِّسَاءِ ؛ لِأَنَّ عَائِشَةَ وَأَسْمَاءَ صَلَّتَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ .\rوَيُسَنُّ أَنْ يُنَادَى لَهَا : الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، قَالَ : لَمَّا كَسَفَتْ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نُودِيَ بِالصَّلَاةُ جَامِعَةٌ .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَلَا يُسَنُّ لَهَا أَذَانٌ وَلَا إقَامَةٌ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّاهَا بِغَيْرِ أَذَانٍ وَلَا إقَامَةٍ ، وَلِأَنَّهَا مِنْ غَيْرِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ ، فَأَشْبَهَتْ سَائِرَ النَّوَافِلِ","part":4,"page":310},{"id":1810,"text":"( 1464 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( يَقْرَأُ فِي الْأُولَى بِأُمِّ الْكِتَابِ وَسُورَةٍ طَوِيلَةٍ ، يَجْهَرُ بِالْقِرَاءَةِ ، ثُمَّ يَرْكَعُ فَيُطِيلُ الرُّكُوعَ ، ثُمَّ يَرْفَعُ فَيَقْرَأُ وَيُطِيلُ الْقِيَامَ ، وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ ، ثُمَّ يَرْكَعُ فَيُطِيلُ الرُّكُوعَ ، وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ ، ثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ طَوِيلَتَيْنِ ، فَإِذَا قَامَ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ ، فَيَكُونُ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ ، ثُمَّ يَتَشَهَّدُ وَيُسَلِّمُ ) .\rوَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْمُسْتَحَبَّ فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ أَنْ يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ ، يُحْرِمُ بِالْأُولَى ، وَيَسْتَفْتِحُ ، وَيَسْتَعِيذُ ، وَيَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ وَسُورَةَ الْبَقَرَةِ ، أَوْ قَدْرَهَا فِي الطُّولِ ، ثُمَّ يَرْكَعُ فَيُسَبِّحُ اللَّهَ تَعَالَى قَدْرَ مِائَةِ آيَةٍ ، ثُمَّ يَرْفَعُ فَيَقُولُ : سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ ، رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ .\rثُمَّ يَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ وَآلَ عِمْرَانَ ، أَوْ قَدْرَهَا ، ثُمَّ يَرْكَعُ بِقَدْرِ ثُلُثَيْ رُكُوعِهِ الْأَوَّلِ ، ثُمَّ يَرْفَعُ فَيُسَمِّعُ وَيَحْمَدُ ، ثُمَّ يَسْجُدُ فَيُطِيلُ السُّجُودَ فِيهِمَا ، ثُمَّ يَقُومُ إلَى الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ ، فَيَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ وَسُورَةَ النِّسَاءِ ، ثُمَّ يَرْكَعُ فَيُسَبِّحُ بِقَدْرِ ثُلُثَيْ تَسْبِيحِهِ فِي الثَّانِيَةِ ، ثُمَّ يَرْفَعُ فَيَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ وَالْمَائِدَةَ ، ثُمَّ يَرْكَعُ فَيُطِيلُ دُونَ الَّذِي قَبْلَهُ ، ثُمَّ يَرْفَعُ فَيُسَمِّعُ وَيَحْمَد ، ثُمَّ يَسْجُدُ فَيُطِيلُ ، فَيَكُونُ الْجَمِيعُ رَكْعَتَيْنِ ، فِي كُلِّ رَكْعَةٍ قِيَامَانِ وَقِرَاءَتَانِ وَرُكُوعَانِ وَسُجُودَانِ .\rوَيَجْهَرُ بِالْقِرَاءَةِ لَيْلًا كَانَ أَوْ نَهَارًا .\rوَلَيْسَ هَذَا التَّقْدِيرُ فِي الْقِرَاءَةِ مَنْقُولًا عَنْ أَحْمَدَ ، لَكِنْ قَدْ نُقِلَ عَنْهُ أَنَّ الْأُولَى أَطْوَلُ مِنْ الثَّانِيَةِ ، وَجَاءَ التَّقْدِيرُ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ قِيَامًا طَوِيلًا ، نَحْوًا مِنْ سُورَةِ الْبَقَرَةِ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَفِي حَدِيثٍ لِعَائِشَةَ : { حَزَرْت قِرَاءَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ","part":4,"page":311},{"id":1811,"text":"وَسَلَّمَ فَرَأَيْت أَنَّهُ قَرَأَ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى سُورَةَ الْبَقَرَةِ ، وَفِي الثَّانِيَةِ سُورَةَ آلِ عِمْرَانَ .\r} وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، إلَّا أَنَّهُمَا قَالَا : لَا يُطِيلُ السُّجُودَ .\rحَكَاهُ عَنْهُمَا ابْنُ الْمُنْذِرِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَمْ يُنْقَلْ .\rوَقَالَا : لَا يُجْهَرُ فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ ، وَيُجْهَرُ فِي خُسُوفِ الْقَمَرِ .\rوَوَافَقَهُمْ أَبُو حَنِيفَةَ ، لِقَوْلِ عَائِشَةَ : حَزَرْت قِرَاءَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rوَلَوْ جَهَرَ بِالْقِرَاءَةِ لَمْ تَحْتَجْ إلَى الظَّنِّ وَالتَّخْمِينِ .\rوَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : قَامَ قِيَامًا طَوِيلًا ، نَحْوًا مِنْ سُورَةِ الْبَقَرَةِ .\rوَرَوَى سَمُرَةُ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى فِي خُسُوفِ الشَّمْسِ ، فَلَمْ أَسْمَعْ لَهُ صَوْتًا .\r} قَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ .\rوَلِأَنَّهَا صَلَاةُ نَهَارٍ ، فَلَمْ يَجْهَرْ فِيهَا كَالظُّهْرِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ كَصَلَاةِ التَّطَوُّعِ ؛ لِمَا رَوَى النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ ، قَالَ : انْكَسَفَتْ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَخَرَجَ فَكَانَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ وَيُسَلِّمُ ، وَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ وَيُسَلِّمُ ، حَتَّى انْجَلَتْ الشَّمْسُ .\rرَوَاهُ أَحْمَدُ ، عَنْ عَبْدِ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيِّ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ ، عَنْ النُّعْمَانِ وَرَوَى قَبِيصَةُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { فَإِذَا رَأَيْتُمُوهَا فَصَلُّوا كَأَحْدَثِ صَلَاةٍ صَلَّيْتُمُوهَا مِنْ الْمَكْتُوبَةِ } .\rوَلَنَا ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو قَالَ فِي صِفَةِ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْكُسُوفِ : ثُمَّ سَجَدَ ، فَلَمْ يَكَدْ يَرْفَعُ .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ : { ثُمَّ رَفَعَ ، ثُمَّ سَجَدَ سُجُودًا طَوِيلًا ، ثُمَّ قَامَ قِيَامًا طَوِيلًا ، وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا ، وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ ، ثُمَّ سَجَدَ سُجُودًا طَوِيلًا ، وَهُوَ دُونَ","part":4,"page":312},{"id":1812,"text":"السُّجُودِ الْأَوَّلِ } .\rرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ .\rوَتَرْكُ ذِكْرِهِ فِي حَدِيثٍ لَا يَمْنَعُ مَشْرُوعِيَّتَهُ إذَا ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rوَأَمَّا الْجَهْرُ فَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَفَعَلَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ وَبِحَضْرَتِهِ الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ وَزَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ ، وَبِهِ قَالَ أَبُو يُوسُفَ ، وَإِسْحَاقُ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ .\rوَرَوَتْ عَائِشَةُ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَهَرَ فِي صَلَاةِ الْخُسُوفِ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَعَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى صَلَاةَ الْكُسُوفِ ، وَجَهَرَ فِيهَا بِالْقِرَاءَةِ } .\rقَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ .\rوَلِأَنَّهَا نَافِلَةٌ شُرِعَتْ لَهَا الْجَمَاعَةُ ، فَكَانَ مِنْ سُنَنِهَا الْجَهْرُ كَصَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ وَالْعِيدِ وَالتَّرَاوِيحِ .\rفَأَمَّا قَوْلُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا : حَزَرْت قِرَاءَتَهُ .\rفَفِي إسْنَادِهِ مَقَالٌ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ سَمِعَتْ صَوْتَهُ وَلَمْ تَفْهَمْ لِلْبُعْدِ ، أَوْ قَرَأَ مِنْ غَيْرِ أَوَّلِ الْقُرْآنِ بِقَدْرِ الْبَقَرَةِ .\rثُمَّ حَدِيثُنَا صَحِيحٌ صَرِيحٌ ، فَكَيْفَ يُعَارَضُ بِمِثْلِ هَذَا ، وَحَدِيثُ سَمُرَةَ يَجُوزُ أَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ لِبُعْدِهِ ؛ فَإِنَّ فِي حَدِيثِهِ : دَفَعْت إلَى الْمَسْجِدِ ، وَهُوَ بَازِرٌ .\rيَعْنِي مُغْتَصًّا بِالزِّحَامِ .\rقَالَهُ الْخَطَّابِيُّ .\rوَمَنْ هَذَا حَالُهُ لَا يَصِلُ مَكَانًا يَسْمَعُ مِنْهُ .\rثُمَّ هَذَا نَفْيٌ مُحْتَمِلٌ لِأُمُورٍ كَثِيرَةٍ ، فَكَيْفَ يُتْرَكُ مِنْ أَجْلِهِ الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ الصَّرِيحُ ، وَقِيَاسُهُمْ مُنْتَقِضٌ بِالْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ وَالِاسْتِسْقَاءِ ، وَقِيَاسُ هَذِهِ الصَّلَاةِ عَلَى هَذِهِ الصَّلَوَاتِ أَوْلَى مِنْ قِيَاسِهَا عَلَى الظُّهْرِ ؛ لِبُعْدِهَا مِنْهَا ، وَشَبَهِهَا بِهَذِهِ .\rوَأَمَّا الدَّلِيلُ عَلَى صِفَةِ الصَّلَاةِ ، فَرَوَتْ عَائِشَةُ ، قَالَتْ : { خَسَفَتْ الشَّمْسُ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَخَرَجَ رَسُولُ","part":4,"page":313},{"id":1813,"text":"اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى الْمَسْجِدِ ، فَقَامَ ، وَكَبَّرَ ، وَصَفَّ النَّاسَ وَرَاءَهُ ، فَاقْتَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قِرَاءَةً طَوِيلَةً ، ثُمَّ كَبَّرَ فَرَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ ، فَقَالَ : سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ ، رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ .\rثُمَّ قَامَ فَاقْتَرَأَ قِرَاءَةً طَوِيلَةً ، هِيَ أَدْنَى مِنْ الْقِرَاءَةِ الْأُولَى ، ثُمَّ كَبَّرَ فَرَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا ، هُوَ أَدْنَى مِنْ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ ، ثُمَّ قَالَ : سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ ، رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ ، ثُمَّ سَجَدَ ، ثُمَّ فَعَلَ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى مِثْلَ ذَلِكَ ، حَتَّى اسْتَكْمَلَ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ ، وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ ، وَانْجَلَتْ الشَّمْسُ قَبْلَ أَنْ يَنْصَرِفَ .\r} وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلُ ذَلِكَ ، وَفِيهِ { أَنَّهُ قَامَ فِي الْأُولَى قِيَامًا طَوِيلًا نَحْوًا مِنْ سُورَةِ الْبَقَرَةِ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا .\rوَلِأَنَّهَا صَلَاةٌ يُشْرَعُ لَهَا الِاجْتِمَاعُ ، فَخَالَفَتْ سَائِرَ النَّوَافِلِ ، كَصَلَاةِ الْعِيدَيْنِ وَالِاسْتِسْقَاءِ ، فَأَمَّا أَحَادِيثُهُمْ فَمَتْرُوكَةٌ غَيْرُ مَعْمُولٍ بِهَا بِاتِّفَاقِنَا ، فَإِنَّهُمْ قَالُوا : يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ .\rوَحَدِيثُ النُّعْمَانِ فِيهِ أَنَّهُ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ حَتَّى انْجَلَتْ الشَّمْسُ ، وَحَدِيثُ قَبِيصَةَ فِيهِ أَنَّهُ يُصَلِّي كَأَحْدَثِ صَلَاةٍ صَلَّيْتُمُوهَا .\rوَأَحَدُ الْحَدِيثَيْنِ يُخَالِفُ الْآخَرَ .\rثُمَّ حَدِيثُ قَبِيصَةَ مُرْسَلٌ .\rثُمَّ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ رُكُوعَيْنِ ، وَلَوْ قُدِّرَ التَّعَارُضُ لَكَانَ الْأَخْذُ بِأَحَادِيثِنَا أَوْلَى ؛ لِصِحَّتِهَا وَشُهْرَتِهَا ، وَاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ عَلَى صِحَّتِهَا ، وَالْأَخْذِ بِهَا ، وَاشْتِمَالِهَا عَلَى الزِّيَادَةِ ، وَالزِّيَادَةُ مِنْ الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ ، ثُمَّ هِيَ نَافِلَةٌ عَنْ الْعَادَةِ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُرْوَةَ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ : إنَّ أَخَاك صَلَّى رَكْعَتَيْنِ .\rفَقَالَ : إنَّهُ أَخْطَأَ السُّنَّةَ .\r( 1465 ) فَصْلٌ : وَمَهْمَا قَرَأَ بِهِ جَازَ سَوَاءٌ كَانَتْ","part":4,"page":314},{"id":1814,"text":"الْقِرَاءَةُ طَوِيلَةً أَوْ قَصِيرَةً .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُصَلِّي فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ ، وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ ، وَقَرَأَ فِي الْأُولَى بِالْعَنْكَبُوتِ وَالرُّومِ ، وَفِي الثَّانِيَةِ بِيس .\rأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيّ .\r( 1466 ) فَصْلٌ : وَلَمْ يَبْلُغْنَا عَنْ أَحْمَدَ ، رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّ لَهَا خُطْبَةً ، وَأَصْحَابُنَا عَلَى أَنَّهَا لَا خُطْبَةَ لَهَا .\rوَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يُخْطَبُ كَخُطْبَتَيْ الْجُمُعَةِ ؛ لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا { ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انْصَرَفَ وَقَدْ انْجَلَتْ الشَّمْسُ ، فَخَطَبَ النَّاسَ ، وَحَمِدَ اللَّهَ ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، ثُمَّ قَالَ : إنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ ، لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَادْعُوا اللَّهَ ، وَكَبِّرُوا ، وَصَلُّوا ، وَتَصَدَّقُوا ثُمَّ قَالَ : يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ، وَاَللَّهِ مَا أَحَدٌ أَغْيَرُ مِنْ اللَّهِ أَنْ يَزْنِيَ عَبْدُهُ أَوْ تَزْنِيَ أَمَتُهُ ، يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَلَنَا ، هَذَا الْخَبَرُ ، فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَهُمْ بِالصَّلَاةِ وَالدُّعَاءِ وَالتَّكْبِيرِ وَالصَّدَقَةِ ، وَلَمْ يَأْمُرْهُمْ بِخُطْبَةٍ ، وَلَوْ كَانَتْ سُنَّةً لَأَمَرَهُمْ بِهَا ، وَلِأَنَّهَا صَلَاةٌ يَفْعَلُهَا الْمُنْفَرِدُ فِي بَيْتِهِ ، فَلَمْ يُشْرَعْ لَهَا خُطْبَةٌ ، وَإِنَّمَا خَطَبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ الصَّلَاةِ لِيُعَلِّمَهُمْ حُكْمَهَا ، وَهَذَا مُخْتَصٌّ بِهِ ، وَلَيْسَ فِي الْخَبَرِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ خَطَبَ كَخُطْبَتَيْ الْجُمُعَةِ .\r( 1467 ) فَصْلٌ : وَيُسْتَحَبُّ ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى ، وَالدُّعَاءُ ، وَالتَّكْبِيرُ ، وَالِاسْتِغْفَارُ ، وَالصَّدَقَةُ ، وَالْعِتْقُ ، وَالتَّقَرُّبُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى بِمَا اسْتَطَاعَ ؛ لِخَبَرِ","part":4,"page":315},{"id":1815,"text":"عَائِشَةَ هَذَا .\rوَفِي خَبَرِ أَبِي مُوسَى : \" فَافْزَعُوا إلَى ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَدُعَائِهِ ، وَاسْتِغْفَارِهِ \" .\rوَرُوِيَ عَنْ أَسْمَاءَ ، { أَنَّهَا قَالَتْ : إنْ كُنَّا لَنُؤْمَرُ بِالْعِتْقِ فِي الْكُسُوفِ } .\rوَلِأَنَّهُ تَخْوِيفٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُبَادِرَ إلَى طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى ، لِيَكْشِفَهُ عَنْ عِبَادِهِ ( 1468 ) فَصْلٌ : وَمُقْتَضَى مَذْهَبِ أَحْمَدَ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُصَلِّيَ صَلَاةَ الْكُسُوفِ عَلَى كُلِّ صِفَةٍ رُوِيَتْ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَقَوْلِهِ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ ، إلَّا أَنَّ اخْتِيَارَهُ مِنْ ذَلِكَ الصَّلَاةُ عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي ذَكَرْنَا .\rقَالَ أَحْمَدُ ، رَحِمَهُ اللَّهُ : رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَعَائِشَةُ ، فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ ، وَأَمَّا عَلِيٌّ فَيَقُولُ : سِتُّ رَكَعَاتٍ وَأَرْبَعُ سَجَدَاتٍ .\rفَذَهَبَ إلَى قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةَ .\rوَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّهُ صَلَّى سِتَّ رَكَعَاتٍ وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ .\rوَكَذَلِكَ حُذَيْفَةُ .\rوَهَذَا قَوْلُ إِسْحَاقَ ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ .\rوَبَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ قَالُوا : تَجُوزُ صَلَاةَ الْكُسُوفِ عَلَى كُلِّ صِفَةٍ صَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَلَهَا ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى سِتَّ رَكَعَاتٍ ، وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ .\rأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ .\rوَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ صَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ ، وَسَجْدَتَيْنِ ، فِي كُلّ رَكْعَةٍ .\rرَوَاهُ مُسْلِمٌ ، وَالدَّارَقُطْنِيّ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ طَاوُسٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : وَرَوَيْنَا عَنْ عَلِيٍّ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّهُمَا صَلَّيَا هَذِهِ الصَّلَاةَ .\rوَحُكِيَ عَنْ إِسْحَاقَ أَنَّهُ قَالَ : وَجْهُ الْجَمْعِ بَيْنَ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّمَا كَانَ يَزِيدُ فِي الرُّكُوعِ إذَا لَمْ يَرَ الشَّمْسَ قَدْ انْجَلَتْ ، فَإِذَا انْجَلَتْ سَجَدَ ، فَمِنْ هَاهُنَا","part":4,"page":316},{"id":1816,"text":"صَارَتْ زِيَادَةُ الرَّكَعَاتِ ، وَلَا يُجَاوِزُ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِنَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ .","part":4,"page":317},{"id":1817,"text":"( 1469 ) فَصْلٌ : وَصَلَاةُ الْكُسُوفِ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَلَهَا ، وَأَمَرَ بِهَا ، وَوَقْتُهَا مِنْ حِينِ الْكُسُوفِ إلَى حِينِ التَّجَلِّي ، فَإِنْ فَاتَتْ لَمْ تُقْضَ ؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَنَّهُ قَالَ : إذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَافْزَعُوا إلَى الصَّلَاةِ حَتَّى تَنْجَلِيَ } .\rفَجَعَلَ الِانْجِلَاءَ غَايَةً لِلصَّلَاةِ .\rوَلِأَنَّ الصَّلَاةَ إنَّمَا سُنَّتْ رَغْبَةً إلَى اللَّهِ فِي رَدِّهَا ، فَإِذَا حَصَلَ ذَلِكَ حَصَلَ مَقْصُودُ الصَّلَاةِ .\rوَإِنْ انْجَلَتْ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ أَتَمَّهَا ، وَخَفَّفَهَا .\rوَإِنْ اسْتَتَرَتْ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِالسَّحَابِ ، وَهُمَا مُنْكَسِفَانِ ، صَلَّى ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الْكُسُوفِ .\rوَإِنْ غَابَتْ الشَّمْسُ كَاسِفَةً ، أَوْ طَلَعَتْ عَلَى الْقَمَرِ وَهُوَ خَاسِفٌ ، لَمْ يُصَلِّ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ ذَهَبَ وَقْتُ الِانْتِفَاعِ بِنُورِهِمَا .\rوَإِنْ غَابَ الْقَمَرُ لَيْلًا ، فَقَالَ الْقَاضِي : يُصَلِّي ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَذْهَبْ وَقْتُ الِانْتِفَاعِ بِنُورِهِ وَضَوْئِهِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يُصَلِّيَ ؛ لِأَنَّ مَا يُصَلِّي لَهُ قَدْ غَابَ ، أَشْبَهَ مَا لَوْ غَابَتْ الشَّمْسُ .\rوَإِنْ فَرَغَ مِنْ الصَّلَاةِ وَالْكُسُوفُ قَائِمٌ لَمْ يَزِدْ ، وَاشْتَغَلَ بِالذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَزِدْ عَلَى رَكْعَتَيْنِ .","part":4,"page":318},{"id":1818,"text":"فَصْلٌ : وَإِذَا اجْتَمَعَ صَلَاتَانِ ، كَالْكُسُوفِ مَعَ غَيْرِهِ مِنْ الْجُمُعَةِ ، أَوْ الْعِيدِ ، أَوْ صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ ، أَوْ الْوِتْرِ ، بَدَأَ بِأَخْوَفِهِمَا فَوْتًا ، فَإِنْ خِيفَ فَوْتُهُمَا بَدَأَ بِالصَّلَاةِ الْوَاجِبَةِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِمَا وَاجِبَةٌ كَالْكُسُوفِ وَالْوِتْرِ أَوْ التَّرَاوِيحِ ، بَدَأَ بِآكَدِهِمَا ، كَالْكُسُوفِ وَالْوِتْرِ ، بَدَأَ بِالْكُسُوفِ ؛ لِأَنَّهُ آكَدُ ، وَلِهَذَا تُسَنُّ لَهُ الْجَمَاعَةُ ، وَلِأَنَّ الْوِتْرَ يُقْضَى ، وَصَلَاةُ الْكُسُوفِ لَا تُقْضَى .\rفَإِنْ اجْتَمَعَتْ التَّرَاوِيحُ وَالْكُسُوفُ ، فَبِأَيِّهِمَا يُبْدَأُ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ .\rهَذَا قَوْلُ أَصْحَابِنَا .\rوَالصَّحِيحُ عِنْدِي أَنَّ الصَّلَوَاتِ الْوَاجِبَةَ الَّتِي تُصَلَّى فِي الْجَمَاعَةِ مُقَدَّمَةٌ عَلَى الْكُسُوفِ بِكُلِّ حَالٍ ؛ لِأَنَّ تَقْدِيمَ الْكُسُوفِ عَلَيْهَا يُفْضِي إلَى الْمَشَقَّةِ ، لِإِلْزَامِ الْحَاضِرِينَ بِفِعْلِهَا مَعَ كَوْنِهَا لَيْسَتْ وَاجِبَةً عَلَيْهِمْ ، وَانْتِظَارِهِمْ لِلصَّلَاةِ الْوَاجِبَةِ ، مَعَ أَنَّ فِيهِمْ الضَّعِيفَ وَالْكَبِيرَ وَذَا الْحَاجَةِ .\rوَقَدْ أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِتَخْفِيفِ الصَّلَاةِ الْوَاجِبَةِ ، كِير لَا يَشُقَّ عَلَى الْمَأْمُومِينَ ، فَإِلْحَاقُ الْمَشَقَّةِ بِهَذِهِ الصَّلَاةِ الطَّوِيلَةِ الشَّاقَّةِ ، مَعَ أَنَّهَا غَيْرُ وَاجِبَةٍ ، أَوْلَى .\rوَكَذَلِكَ الْحُكْمُ إذَا اجْتَمَعَتْ مَعَ التَّرَاوِيحِ ، قُدِّمَتْ التَّرَاوِيحُ لِذَلِكَ ، وَإِنْ اجْتَمَعَتْ مَعَ الْوِتْرِ فِي أَوَّلِ وَقْتِ الْوِتْرِ ، قُدِّمَتْ لِأَنَّ الْوِتْرَ لَا يَفُوتُ ، وَإِنْ خِيفَ فَوَاتُ الْوِتْرِ قُدِّمَ ؛ لِأَنَّهُ يَسِيرٌ يُمْكِنُ فِعْلُهُ وَإِدْرَاكُ وَقْتِ الْكُسُوفِ ، وَإِنْ لَمْ يَبْقَ إلَّا قَدْرُ الْوِتْرِ ، فَلَا حَاجَةَ بِالتَّلَبُّسِ بِصَلَاةِ الْكُسُوفِ ؛ لِأَنَّهَا إنَّمَا تَقَعُ فِي وَقْتِ النَّهْيِ .\rوَإِنْ اجْتَمَعَ الْكُسُوفُ وَصَلَاةُ الْجِنَازَةِ ، قُدِّمَتْ الْجِنَازَةُ وَجْهًا وَاحِدًا ؛ لِأَنَّ الْمَيِّتَ يُخَافُ عَلَيْهِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":4,"page":319},{"id":1819,"text":"( 1471 ) فَصْلٌ : إذَا أَدْرَكَ الْمَأْمُومُ الْإِمَامَ فِي الرُّكُوعِ الثَّانِي ، احْتَمَلَ أَنْ تَفُوتَهُ الرَّكْعَةُ .\rقَالَ الْقَاضِي : لِأَنَّهُ قَدْ فَاتَهُ مِنْ الرَّكْعَةِ رُكُوعٌ ، أَشْبَهَ مَا لَوْ فَاتَهُ الرُّكُوعُ مِنْ غَيْرِ هَذِهِ الصَّلَاةِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنَّ صَلَاتَهُ تَصِحُّ ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُصَلِّيَ هَذِهِ الصَّلَاةَ بِرُكُوعٍ وَاحِدٍ ، فَاجْتُزِئَ بِهِ فِي حَقِّ الْمَسْبُوقِ .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":4,"page":320},{"id":1820,"text":"( 1472 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِذَا كَانَ الْكُسُوفُ فِي غَيْرِ وَقْتِ الصَّلَاةِ ، جَعَلَ مَكَانَ الصَّلَاةِ تَسْبِيحًا ، هَذَا ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ ، لِأَنَّ النَّافِلَةَ لَا تُفْعَلُ فِي أَوْقَاتِ النَّهْيِ ، سَوَاءٌ كَانَ لَهَا سَبَبٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ ) رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ الْحَسَنِ ، وَعَطَاءٍ ، وَعِكْرِمَةَ بْنِ خَالِدٍ ، وَابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ ، وَعَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ وَأَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ ، وَمَالِكٍ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ، خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ .\rوَقَدْ مَضَى الْكَلَامُ فِي هَذَا .\rوَنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .\rقَالَ الْأَثْرَمُ : سَمِعْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يُسْأَلُ عَنْ الْكُسُوفِ يَكُونُ فِي غَيْرِ وَقْتِ الصَّلَاةِ ، كَيْفَ يَصْنَعُونَ ؟ قَالَ : يَذْكُرُونَ اللَّهَ ، وَلَا يُصَلُّونَ إلَّا فِي وَقْتِ صَلَاةٍ .\rقِيلَ لَهُ : وَكَذَلِكَ بَعْدَ الْفَجْرِ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، لَا يُصَلُّونَ .\rوَرُوِيَ عَنْ قَتَادَةَ ، قَالَ : انْكَسَفَتْ الشَّمْسُ بَعْدَ الْعَصْرِ ، وَنَحْنُ بِمَكَّةَ ، فَقَامُوا قِيَامًا يَدْعُونَ ، فَسَأَلْت عَنْ ذَلِكَ عَطَاءً ، قَالَ : هَكَذَا يَصْنَعُونَ ، فَسَأَلْت عَنْ ذَلِكَ الزُّهْرِيَّ ، قَالَ : هَكَذَا يَصْنَعُونَ .\rوَرَوَى إسْمَاعِيلُ بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّهُمْ يُصَلُّونَ الْكُسُوفَ فِي أَوْقَاتِ النَّهْيِ ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ : وَبِالْأَوَّلِ أَقُولُ .\rوَهُوَ أَظْهَرُ الْقَوْلَيْنِ عِنْدِي ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي ذَلِكَ فِي بَابِهِ .","part":4,"page":321},{"id":1821,"text":"( 1473 ) فَصْلٌ : قَالَ أَصْحَابُنَا : يُصَلِّي لِلزَّلْزَلَةِ كَصَلَاةِ الْكُسُوفِ .\rنَصَّ عَلَيْهِ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ إِسْحَاقَ ، وَأَبِي ثَوْرٍ .\rقَالَ الْقَاضِي : وَلَا يُصَلِّي لِلرَّجْفَةِ ، وَالرِّيحِ الشَّدِيدَةِ ، وَالظُّلْمَةِ ، وَنَحْوِهَا .\rوَقَالَ الْآمِدِيُّ : يُصَلِّي لِذَلِكَ ، وَلِرَمْيِ الْكَوَاكِبِ وَالصَّوَاعِقِ وَكَثْرَةِ الْمَطَرِ .\rوَحَكَاهُ عَنْ ابْنِ أَبِي مُوسَى .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ : الصَّلَاةُ لِسَائِرِ الْآيَاتِ حَسَنَةٌ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَّلَ الْكُسُوفَ بِأَنَّهُ آيَةٌ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ تَعَالَى يُخَوِّفُ بِهَا عِبَادَهُ ، وَصَلَّى ابْنُ عَبَّاسٍ لِلزَّلْزَلَةِ بِالْبَصْرَةِ .\rرَوَاهُ سَعِيدٌ .\rوَقَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ : لَا يُصَلِّي لِشَيْءِ مِنْ الْآيَاتِ سِوَى الْكُسُوفِ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُصَلِّ لِغَيْرِهِ ، وَقَدْ كَانَ فِي عَصْرِهِ بَعْضُ هَذِهِ الْآيَاتِ ، وَكَذَلِكَ خُلَفَاؤُهُ .\rوَوَجْهُ الصَّلَاةِ لِلزَّلْزَلَةِ فِعْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَغَيْرُهَا لَا يُصَلِّي لَهُ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُصَلِّ لَهَا ، وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ","part":4,"page":322},{"id":1822,"text":"بَابُ صَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ صَلَاةُ الِاسْتِسْقَاءِ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ ، ثَابِتَةٌ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَخُلَفَائِهِ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ .\r( 1474 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ أَبُو الْقَاسِم ، رَحِمَهُ اللَّهُ : ( وَإِذَا أَجْدَبَتْ الْأَرْضُ ، وَاحْتَبَسَ الْقَطْرُ ، خَرَجُوا مَعَ الْإِمَامِ ، فَكَانُوا فِي خُرُوجِهِمْ ، كَمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { ، أَنَّهُ كَانَ إذَا خَرَجَ إلَى الِاسْتِسْقَاءِ ، خَرَجَ مُتَوَاضِعًا ، مُتَبَذِّلًا ، مُتَخَشِّعًا ، مُتَذَلِّلًا ، مُتَضَرِّعًا } ) .\rوَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ السُّنَّةَ الْخُرُوجُ لِصَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ الْمَذْكُورَةِ ، مُتَوَاضِعًا لِلَّهِ تَعَالَى ، مُتَبَذِّلًا ، أَيْ فِي ثِيَابِ الْبِذْلَةِ ، أَيْ لَا يَلْبَسُ ثِيَابَ الزِّينَةِ ، وَلَا يَتَطَيَّبُ ، لِأَنَّهُ مِنْ كَمَالِ الزِّينَةِ ، وَهَذَا يَوْمُ تَوَاضُعٍ وَاسْتِكَانَةٍ ، وَيَكُونُ مُتَخَشَّعًا فِي مَشْيِهِ وَجُلُوسِهِ ، فِي خُضُوعٍ ، مُتَضَرِّعًا لِلَّهِ تَعَالَى ، مُتَذَلِّلًا لَهُ ، رَاغِبًا إلَيْهِ .\rقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ { : خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلِاسْتِسْقَاءِ مُتَبَذِّلًا ، مُتَوَاضِعًا ، مُتَخَشِّعًا ، مُتَضَرِّعًا ، حَتَّى أَتَى الْمُصَلَّى ، فَلَمْ يَخْطُبْ كَخُطْبَتِكُمْ هَذِهِ ، وَلَكِنْ لَمْ يَزَلْ فِي الدُّعَاءِ وَالتَّضَرُّعِ وَالتَّكْبِيرِ ، وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ كَمَا كَانَ يُصَلِّي فِي الْعِيدِ } .\rقَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ .\rوَيُسْتَحَبُّ التَّنْظِيفُ بِالْمَاءِ ، وَاسْتِعْمَالُ السِّوَاكِ وَمَا يَقْطَعُ الرَّائِحَةَ ، وَيُسْتَحَبُّ الْخُرُوجُ لِكَافَّةِ النَّاسِ ، وَخُرُوجُ مَنْ كَانَ ذَا دِينٍ وَسِتْرٍ وَصَلَاحٍ ، وَالشُّيُوخُ أَشَدُّ اسْتِحْبَابًا ، لِأَنَّهُ أَسْرَعُ لِلْإِجَابَةِ .\rفَأَمَّا النِّسَاءُ فَلَا بَأْسَ بِخُرُوجِ الْعَجَائِزِ ، وَمَنْ لَا هَيْئَةَ لَهَا ، فَأَمَّا الشَّوَابُّ وَذَوَاتُ الْهَيْئَةِ ، فَلَا يُسْتَحَبُّ لَهُنَّ الْخُرُوجُ ، لِأَنَّ الضَّرَرَ فِي خُرُوجِهِنَّ أَكْثَرُ مِنْ النَّفْعِ .\rوَلَا يُسْتَحَبُّ إخْرَاجُ الْبَهَائِمِ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ","part":4,"page":323},{"id":1823,"text":"صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَفْعَلْهُ .\rوَإِذَا عَزَمَ الْإِمَامُ عَلَى الْخُرُوجِ ، اُسْتُحِبَّ أَنْ يَعِدَ النَّاسَ يَوْمًا يَخْرُجُونَ فِيهِ ، وَيَأْمُرَهُمْ بِالتَّوْبَةِ مِنْ الْمَعَاصِي ، وَالْخُرُوجِ مِنْ الْمَظَالِمِ ، وَالصِّيَامِ ، وَالصَّدَقَةِ ، وَتَرْكِ التَّشَاحُنِ ؛ لِيَكُونَ أَقْرَبَ لَإِجَابَتِهِمْ ، فَإِنَّ الْمَعَاصِيَ سَبَبُ الْجَدْبِ ، وَالطَّاعَةُ تَكُونُ سَبَبًا لِلْبَرَكَاتِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنْ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ } .","part":4,"page":324},{"id":1824,"text":"( 1475 ) مَسْأَلَةٌ ؛ ( قَالَ : فَيُصَلِّي بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ ) لَا نَعْلَمُ بَيْنَ الْقَائِلِينَ بِصَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ خِلَافًا فِي أَنَّهَا رَكْعَتَانِ ، وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ فِي صِفَتِهَا ، فَرُوِيَ أَنَّهُ يُكَبِّرُ فِيهِمَا كَتَكْبِيرِ الْعِيدِ سَبْعًا فِي الْأُولَى ، وَخَمْسًا فِي الثَّانِيَةِ .\rوَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَأَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ ، وَدَاوُد ، وَالشَّافِعِيِّ .\rوَحُكِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ؛ وَذَلِكَ لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي حَدِيثِهِ : وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ، كَمَا كَانَ يُصَلِّي فِي الْعِيدِ .\rوَرَوَى جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ { ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبَا بَكْرٍ ، وَعُمَرَ ، كَانُوا يُصَلُّونَ صَلَاةَ الِاسْتِسْقَاءِ ، يُكَبِّرُونَ فِيهَا سَبْعًا وَخَمْسًا } .\rوَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ ، أَنَّهُ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ كَصَلَاةِ التَّطَوُّعِ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَإِسْحَاقَ ؛ لِأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ زَيْدٍ قَالَ : اسْتَسْقَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ، وَقَلَبَ رِدَاءَهُ .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ نَحْوَهُ .\rوَلَمْ يَذْكُرْ التَّكْبِيرَ ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَمْ يُكَبِّرْ ، وَهَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ ، وَكَيْفَمَا فَعَلَ كَانَ جَائِزًا حَسَنًا .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا تُسَنُّ الصَّلَاةُ لِلِاسْتِسْقَاءِ ، وَلَا الْخُرُوجُ لَهَا ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { اسْتَسْقَى عَلَى الْمِنْبَرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ، وَلَمْ يُصَلِّ لَهَا } ، وَاسْتَسْقَى عُمَرُ بِالْعَبَّاسِ وَلَمْ يُصَلِّ .\rوَلَيْسَ هَذَا بِشَيْءٍ ، فَإِنَّهُ قَدْ ثَبَتَ بِمَا رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّهُ خَرَجَ وَصَلَّى ، وَمَا ذَكَرُوهُ لَا يُعَارِضُ مَا رَوَوْهُ ، لِأَنَّهُ يَجُوزُ الدُّعَاءُ بِغَيْرِ صَلَاةٍ ، وَفِعْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَا ذَكَرُوهُ لَا يَمْنَعُ فِعْلَ مَا ذَكَرْنَاهُ ، بَلْ قَدْ فَعَلَ","part":4,"page":325},{"id":1825,"text":"النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْأَمْرَيْنِ .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى صَلَاةَ الِاسْتِسْقَاءِ ، وَخَطَبَ .\rوَبِهِ قَالَ عَوَامُّ أَهْلِ الْعِلْمِ إلَّا أَبَا حَنِيفَةَ ، وَخَالَفَهُ أَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ ، فَوَافَقَا سَائِرَ الْعُلَمَاءِ ، وَالسُّنَّةُ يُسْتَغْنَى بِهَا عَنْ كُلِّ قَوْلٍ .\rوَيُسَنُّ أَنْ يَجْهَرَ بِالْقِرَاءَةِ ؛ لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ ، قَالَ { : خَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَسْقِي ، فَتَوَجَّهَ إلَى الْقِبْلَةِ يَدْعُو ، وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ ، جَهَرَ فِيهِمَا بِالْقِرَاءَةِ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَإِنْ قَرَأَ فِيهِمَا ب { سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى } ، و { هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ } فَحَسَنٌ لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ : صَلَّى رَكْعَتَيْنِ ، كَمَا كَانَ يُصَلِّي فِي الْعِيدِ .\rوَرَوَى ابْنُ قُتَيْبَةَ ، فِي \" غَرِيبِ الْحَدِيثِ \" ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَنَسٍ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ لِلِاسْتِسْقَاءِ ، فَتَقَدَّمَ فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ ، يَجْهَرُ فِيهِمَا بِالْقِرَاءَةِ ، وَكَانَ يَقْرَأُ فِي الْعِيدَيْنِ وَالِاسْتِسْقَاءِ ، فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ ، و \" سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى \" وَفِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ ، و \" هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ \" } .","part":4,"page":326},{"id":1826,"text":"( 1476 ) فَصْلٌ : وَلَا يُسَنُّ لَهَا أَذَانٌ وَلَا إقَامَةٌ .\rوَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا .\rوَقَدْ رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ، قَالَ { خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا يَسْتَسْقِي ، فَصَلَّى بِنَا رَكْعَتَيْنِ ، بِلَا أَذَانٍ وَلَا إقَامَةٍ ، ثُمَّ خَطَبَنَا ، وَدَعَا اللَّهَ تَعَالَى ، وَحَوَّلَ وَجْهَهُ نَحْوَ الْقِبْلَةِ ، رَافِعًا يَدَيْهِ ، وَقَلَبَ رِدَاءَهُ ، فَجَعَلَ الْأَيْمَنَ عَلَى الْأَيْسَرِ ، وَالْأَيْسَرَ عَلَى الْأَيْمَنِ .\r} رَوَاهُ الْأَثْرَمُ .\rوَلِأَنَّهَا صَلَاةُ نَافِلَةٍ ، فَلَمْ يُؤَذَّنْ لَهَا كَسَائِرِ النَّوَافِلِ .\rقَالَ أَصْحَابُنَا : وَيُنَادَى لَهَا : الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ .\rكَقَوْلِهِمْ فِي صَلَاةِ الْعِيدِ وَالْكُسُوفِ .\r.","part":4,"page":327},{"id":1827,"text":"( 1477 ) فَصْلٌ : وَلَيْسَ لِصَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ وَقْتٌ مُعَيَّنٌ ، إلَّا أَنَّهَا لَا تُفْعَلُ فِي وَقْتِ النَّهْيِ بِغَيْرِ خِلَافٍ ؛ لِأَنَّ وَقْتَهَا مُتَّسِعٌ ، فَلَا حَاجَةَ إلَى فِعْلِهَا فِي وَقْتِ النَّهْيِ ، وَالْأَوْلَى فِعْلُهَا فِي وَقْتِ الْعِيدِ ؛ لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ حِينَ بَدَا حَاجِبُ الشَّمْسِ .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَلِأَنَّهَا تُشْبِهُهَا فِي الْمَوْضِعِ وَالصِّفَةِ ، فَكَذَلِكَ فِي الْوَقْتِ ، لِأَنَّ وَقْتَهَا لَا يَفُوتُ بِزَوَالِ الشَّمْسِ ، لِأَنَّهَا لَيْسَ لَهَا يَوْمٌ مُعَيَّنٌ ، فَلَا يَكُونُ لَهَا وَقْتٌ مُعَيَّنٌ .\rوَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : الْخُرُوجُ إلَيْهَا عِنْدَ زَوَالِ الشَّمْسِ ، عِنْدَ جَمَاعَةِ الْعُلَمَاءِ ، إلَّا أَبَا بَكْرِ بْنَ حَزْمٍ .\rوَهَذَا عَلَى سَبِيلِ الِاخْتِيَارِ ، لَا أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ فِعْلُهَا فِيهِ .","part":4,"page":328},{"id":1828,"text":"( 1478 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( ثُمَّ يَخْطُبُ ، وَيَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ ) اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ فِي الْخُطْبَةِ لِلِاسْتِسْقَاءِ ، وَفِي وَقْتِهَا ، وَالْمَشْهُورُ أَنَّ فِيهَا خُطْبَةً بَعْدَ الصَّلَاةِ .\rقَالَ أَبُو بَكْرٍ : اتَّفَقُوا عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ فِي صَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ خُطْبَةً ، وَصُعُودًا عَلَى الْمِنْبَرِ .\rوَالصَّحِيحُ أَنَّهَا بَعْدَ الصَّلَاةِ .\rوَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ .\rقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : وَعَلَيْهِ جَمَاعَةُ الْفُقَهَاءِ ؛ لِقَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ : صَلَّى رَكْعَتَيْنِ ، ثُمَّ خَطَبَنَا .\rوَلِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ : صَنَعَ فِي الِاسْتِسْقَاءِ ، كَمَا صَنَعَ فِي الْعِيدَيْنِ .\rوَلِأَنَّهَا صَلَاةٌ ذَاتُ تَكْبِيرٍ ، فَأَشْبَهَتْ صَلَاةَ الْعِيدِ .\rوَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ ، أَنَّهُ يُخْطَبُ قَبْلَ الصَّلَاةِ .\rرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ ، وَأَبَانُ بْنُ عُثْمَانَ ، وَهِشَامُ بْنُ إسْمَاعِيلَ ، وَأَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ .\rوَذَهَبَ إلَيْهِ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ ؛ لِمَا رَوَى أَنَسٌ وَعَائِشَةُ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ وَصَلَّى } .\rوَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ ، قَالَ { : رَأَيْت النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ يَسْتَسْقِي ، فَحَوَّلَ ظَهْرَهُ إلَى النَّاسِ ، وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ يَدْعُو ، ثُمَّ حَوَّلَ رِدَاءَهُ ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ ، جَهَرَ فِيهِمَا بِالْقِرَاءَةِ .\r} مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَرَوَى الْأَثْرَمُ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ ، قَالَ : أَدْرَكْت أَبَانَ بْنَ عُثْمَانَ ، وَهِشَامَ بْنَ إسْمَاعِيلَ ، وَعُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَأَبَا بَكْرِ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ ، كَانُوا إذَا أَرَادُوا أَنْ يَسْتَسْقُوا ، خَرَجُوا لِلْبَرَازِ ، فَكَانُوا يَخْطُبُونَ ، ثُمَّ يَدْعُونَ اللَّهَ ، وَيُحَوِّلُونَ وُجُوهَهُمْ إلَى الْقِبْلَةِ حِينَ يَدْعُونَ ، ثُمَّ يُحَوِّلُ أَحَدُهُمْ رِدَاءَهُ مِنْ الْجَانِبِ الْأَيْمَنِ عَلَى الْأَيْسَرِ ، وَمَا عَلَى الْأَيْسَرِ عَلَى الْأَيْمَنِ ، وَيَنْزِلُ","part":4,"page":329},{"id":1829,"text":"أَحَدُهُمْ فَيَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ ، يَجْهَرُ بِهِمْ .\rالرِّوَايَةُ الثَّالِثَةُ ، هُوَ مُخَيَّرٌ فِي الْخُطْبَةِ قَبْلَ الصَّلَاةِ وَبَعْدَهَا ؛ لِوُرُودِ الْأَخْبَارِ بِكِلَا الْأَمْرَيْنِ ، وَدَلَالَتِهَا عَلَى كِلْتَا الصِّفَتَيْنِ ، فَيَحْتَمِلُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَلَ الْأَمْرَيْنِ .\rوَالرَّابِعَةُ ، أَنَّهُ لَا يَخْطُبُ ، وَإِنَّمَا يَدْعُو وَيَتَضَرَّعُ ؛ لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ : لَمْ يَخْطُبْ كَخُطْبَتِكُمْ هَذِهِ ، لَكِنْ لَمْ يَزَلْ فِي الدُّعَاءِ وَالتَّضَرُّعِ .\rوَأَيًّا مَا فَعَلَ مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ جَائِزٌ ؛ لِأَنَّ الْخُطْبَةَ غَيْرُ وَاجِبَةٍ ، عَلَى الرِّوَايَاتِ كُلِّهَا ، فَإِنْ شَاءَ فَعَلَهَا ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَهَا .\rوَالْأَوْلَى أَنْ يَخْطُبَ بَعْدَ الصَّلَاةِ خُطْبَةً وَاحِدَةً ؛ لِتَكُونَ كَالْعِيدِ ، وَلِيَكُونُوا قَدْ فَرَغُوا مِنْ الصَّلَاةِ إنْ أُجِيبَ دُعَاؤُهُمْ فَأُغِيثُوا ، فَلَا يَحْتَاجُونَ إلَى الصَّلَاةِ فِي الْمَطَرِ .\rوَقَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ : لَمْ يَخْطُبْ كَخُطْبَتِكُمْ هَذِهِ .\rنَفْيٌ لِلصِّفَةِ لَا لِأَصْلِ الْخُطْبَةِ ، أَيْ لَمْ يَخْطُبْ كَخُطْبَتِكُمْ هَذِهِ ، إنَّمَا كَانَ جُلُّ خُطْبَتِهِ الدُّعَاءَ وَالتَّضَرُّعَ وَالتَّكْبِيرَ","part":4,"page":330},{"id":1830,"text":"( 1479 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَيَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ ، وَيُحَوِّلُ رِدَاءَهُ ، فَيَجْعَلُ الْيَمِينَ يَسَارًا ، وَالْيَسَارَ يَمِينًا ، وَيَفْعَلُ النَّاسُ كَذَلِكَ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلْخَطِيبِ اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ فِي أَثْنَاءِ الْخُطْبَةِ ؛ لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ يَسْتَسْقِي ، فَتَوَجَّهَ إلَى الْقِبْلَةِ يَدْعُو .\r} رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ .\rوَفِي لَفْظٍ : { فَحَوَّلَ إلَى النَّاسِ ظَهْرَهُ ، وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ يَدْعُو } .\rوَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَدْعُوَ سِرًّا حَالَ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ ، فَيَقُولُ : اللَّهُمَّ إنَّك أَمَرْتَنَا بِدُعَائِك ، وَوَعَدْتَنَا إجَابَتَك ، فَقَدْ دَعَوْنَاك كَمَا أَمَرْتنَا ، فَاسْتَجِبْ لَنَا كَمَا وَعَدْتنَا ، اللَّهُمَّ فَامْنُنْ عَلَيْنَا بِمَغْفِرَةِ ذُنُوبِنَا ، وَإِجَابَتِنَا فِي سُقْيَانَا ، وَسَعَةِ أَرْزَاقِنَا .\rثُمَّ يَدْعُو بِمَا شَاءَ مِنْ أَمْرِ دِينٍ وَدُنْيَا .\rوَإِنَّمَا يُسْتَحَبُّ الْإِسْرَارُ ؛ لِيَكُونَ أَقْرَبَ مِنْ الْإِخْلَاصِ ، وَأَبْلَغَ فِي الْخُشُوعِ وَالْخُضُوعِ وَالتَّضَرُّعِ ، وَأَسْرَعَ فِي الْإِجَابَةِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { اُدْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً } .\rوَاسْتُحِبَّ الْجَهْرُ بِبَعْضِهِ ؛ لِيَسْمَعَ النَّاسُ ، فَيُؤَمِّنُونَ عَلَى دُعَائِهِ .\rوَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُحَوِّلَ رِدَاءَهُ فِي حَالِ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ ؛ لِأَنَّ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { يَوْمَ خَرَجَ يَسْتَسْقِي ، فَحَوَّلَ إلَى النَّاسِ ظَهْرَهُ ، وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ ، ثُمَّ حَوَّلَ رِدَاءَهُ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَهَذَا لَفْظٌ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ .\rوَفِي لَفْظٍ رَوَاهُ مُسْلِمٌ : { فَحَوَّلَ رِدَاءَهُ حِينَ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ } .\rوَفِي لَفْظٍ : { وَقَلَبَ رِدَاءَهُ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَيُسْتَحَبُّ تَحْوِيلُ الرِّدَاءِ لِلْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يُسَنُّ ؛ لِأَنَّهُ دُعَاءٌ ، فَلَا يُسْتَحَبُّ تَحْوِيلُ الرِّدَاءِ فِيهِ ، كَسَائِرِ الْأَدْعِيَةِ .","part":4,"page":331},{"id":1831,"text":"وَسُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَقُّ أَنْ تُتَّبَعَ .\rوَحُكِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، وَعُرْوَةَ ، وَالثَّوْرِيِّ ، أَنَّ تَحْوِيلَ الرِّدَاءِ مُخْتَصٌّ بِالْإِمَامِ دُونَ الْمَأْمُومِ .\rوَهُوَ قَوْلُ اللَّيْثِ ، وَأَبِي يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ ، لِأَنَّهُ نُقِلَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دُونَ أَصْحَابِهِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ مَا فَعَلَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَبَتَ فِي حَقِّ غَيْرِهِ ، مَا لَمْ يَقُمْ عَلَى اخْتِصَاصِهِ بِهِ دَلِيلٌ ، كَيْفَ وَقَدْ عُقِلَ الْمَعْنَى فِي ذَلِكَ ، وَهُوَ التَّفَاؤُلُ بِقَلْبِ الرِّدَاءِ ، لِيَقْلِبَ اللَّهُ مَا بِهِمْ مِنْ الْجَدْبِ إلَى الْخِصْبِ ، وَقَدْ جَاءَ ذَلِكَ فِي بَعْضِ الْحَدِيثِ .\rوَصِفَةُ تَقْلِيبِ الرِّدَاءِ أَنْ يَجْعَلَ مَا عَلَى الْيَمِينِ عَلَى الْيَسَارِ ، وَمَا عَلَى الْيَسَارِ عَلَى الْيَمِينِ .\rرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَهِشَامِ بْنِ إسْمَاعِيلَ ، وَأَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ ، وَمَالِكٍ .\rوَكَانَ الشَّافِعِيُّ يَقُول بِهِ ، ثُمَّ رَجَعَ ، فَقَالَ : يَجْعَلُ أَعْلَاهُ أَسْفَلَهُ ؛ { لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَسْقَى وَعَلَيْهِ خَمِيصَةٌ سَوْدَاءُ ، فَأَرَادَ أَنْ يَجْعَلَ أَسْفَلَهَا أَعْلَاهَا ، فَلَمَّا ثَقُلَتْ عَلَيْهِ جَعَلَ الْعِطَافَ الَّذِي عَلَى الْأَيْسَرِ عَلَى عَاتِقِهِ الْأَيْمَنِ ، وَاَلَّذِي عَلَى الْأَيْمَنِ عَلَى عَاتِقِهِ الْأَيْسَرِ .\r} رَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَدَلِيلُنَا مَا رَوَى أَبُو دَاوُد ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَوَّلَ رِدَاءَهُ ، وَجَعَلَ عِطَافَهُ الْأَيْمَنَ عَلَى عَاتِقِهِ الْأَيْسَرِ ، وَجَعَلَ عِطَافَهُ الْأَيْسَرَ عَلَى عَاتِقِهِ الْأَيْمَنِ } .\rوَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ نَحْوُ ذَلِكَ .\rوَالزِّيَادَةُ الَّتِي نَقَلُوهَا ، إنْ ثَبَتَتْ ، فَهِيَ ظَنُّ الرَّاوِي ، لَا يُتْرَكُ لَهَا فِعْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ نَقَلَ تَحْوِيلَ الرِّدَاءِ جَمَاعَةٌ ، لَمْ يَنْقُلْ","part":4,"page":332},{"id":1832,"text":"أَحَدٌ مِنْهُمْ أَنَّهُ جَعَلَ أَعْلَاهُ أَسْفَلَهُ ، وَيَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَرَكَ ذَلِكَ فِي جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ لِثِقَلِ الرِّدَاءِ .","part":4,"page":333},{"id":1833,"text":"( 1480 ) فَصْلٌ : وَيُسْتَحَبُّ رَفْعُ الْأَيْدِي فِي دُعَاءِ الِاسْتِسْقَاءِ ؛ لِمَا رَوَى الْبُخَارِيُّ ، عَنْ أَنَسٍ ، قَالَ : { كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي شَيْءٍ مِنْ دُعَائِهِ ، إلَّا الِاسْتِسْقَاءَ ، وَأَنَّهُ يَرْفَعُ حَتَّى يُرَى بَيَاضُ إبْطَيْهِ .\r} وَفِي حَدِيثٍ أَيْضًا لَأَنَسٍ { : فَرَفَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَفَعَ النَّاسُ أَيْدِيَهُمْ } .","part":4,"page":334},{"id":1834,"text":"( 1481 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَيَدْعُو ، وَيَدْعُونَ ، وَيُكْثِرُونَ فِي دُعَائِهِمْ الِاسْتِغْفَارَ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْإِمَامَ إذَا صَعِدَ الْمِنْبَرَ جَلَسَ ، وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَجْلِسْ ؛ لِأَنَّ الْجُلُوسَ لَمْ يُنْقَلْ ، وَلَا هَاهُنَا أَذَانٌ لِيَجْلِسَ فِي وَقْتِهِ ، ثُمَّ يَخْطُبُ خُطْبَةً وَاحِدَةً ، يَفْتَتِحُهَا بِالتَّكْبِيرِ ، وَبِهَذَا قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ .\rوَقَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ : يَخْطُبُ خُطْبَتَيْنِ كَخُطْبَتَيْ الْعِيدَيْنِ ؛ لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ : صَنَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا صَنَعَ فِي الْعِيدِ .\rوَلِأَنَّهَا أَشْبَهَتْهَا فِي التَّكْبِيرِ ، وَفِي صِفَةِ الصَّلَاةِ ، فَتُشْبِهُهَا فِي الْخُطْبَتَيْنِ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ : لَمْ يَخْطُبْ كَخُطْبَتِكُمْ هَذِهِ ، وَلَكِنْ لَمْ يَزَلْ فِي الدُّعَاءِ وَالتَّضَرُّعِ وَالتَّكْبِيرِ .\rوَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مَا فَصَلَ بَيْنَ ذَلِكَ بِسُكُوتٍ وَلَا جُلُوسٍ .\rوَلِأَنَّ كُلَّ مَنْ نَقَلَ الْخُطْبَةَ لَمْ يَنْقُلْ خُطْبَتَيْنِ ، وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ إنَّمَا هُوَ دُعَاءُ اللَّهِ تَعَالَى لِيُغِيثَهُمْ ، وَلَا أَثَرَ لِكَوْنِهَا خُطْبَتَيْنِ فِي ذَلِكَ ، وَالصَّحِيحُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ : صَلَّى رَكْعَتَيْنِ ، كَمَا كَانَ يُصَلِّي فِي الْعِيدِ .\rوَلَوْ كَانَ النَّقْلُ كَمَا ذَكَرُوهُ ، فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الصَّلَاةِ ، بِدَلِيلِ أَوَّلِ الْحَدِيثِ .\rوَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَسْتَفْتِحَ الْخُطْبَةَ بِالتَّكْبِيرِ ، كَخُطْبَةِ الْعِيدِ ، وَيُكْثِرَ مِنْ الِاسْتِغْفَارِ وَالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَقْرَأَ كَثِيرًا : { اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يُرْسِلْ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا } وَسَائِرَ الْآيَاتِ الَّتِي فِيهَا الْأَمْرُ بِهِ ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَعَدَهُمْ بِإِرْسَالِ الْغَيْثِ إذَا اسْتَغْفَرُوهُ .\rوَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ خَرَجَ يَسْتَسْقِي ، فَلَمْ يَزِدْ عَلَى الِاسْتِغْفَارِ ، وَقَالَ : لَقَدْ اسْتَسْقَيْت بِمَجَادِيحِ السَّمَاءِ .\rوَعَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، أَنَّهُ كَتَبَ إلَى","part":4,"page":335},{"id":1835,"text":"مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ يَقُولُ : قَدْ كَتَبْت إلَى الْبُلْدَانِ أَنْ يَخْرُجُوا إلَى الِاسْتِسْقَاءِ إلَى مَوْضِعِ كَذَا وَكَذَا ، وَأَمَرْتُهُمْ بِالصَّدَقَةِ وَالصَّلَاةِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { قَدْ أَفْلَح مَنْ تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى } .\rوَأَمَرْتهمْ أَنْ يَقُولُوا كَمَا قَالَ أَبُوهُمْ آدَم : { رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ } .\rوَيَقُولُوا كَمَا قَالَ نُوحٌ : { وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنْ الْخَاسِرِينَ } .\rوَيَقُولُوا كَمَا قَالَ يُونُسُ : { فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنْ الظَّالِمِينَ } .\rوَيَقُولُوا كَمَا قَالَ مُوسَى : { رَبِّ إنِّي ظَلَمْت نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ } .\rوَلِأَنَّ الْمَعَاصِيَ سَبَبُ انْقِطَاعِ الْغَيْثِ ، وَالِاسْتِغْفَارُ وَالتَّوْبَةُ تَمْحُو الْمَعَاصِيَ الْمَانِعَةَ مِنْ الْغَيْثِ ، فَيَأْتِي اللَّهُ بِهِ .\rوَيُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَدْعُو بِدُعَائِهِ ، فَرَوَى جَابِرٌ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : اللَّهُمَّ اسْقِنَا غَيْثًا مُغِيثًا مَرِيئًا مَرِيعًا نَافِعًا غَيْرَ ضَارٍّ عَاجِلًا غَيْرَ آجِلٍ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rقَالَ الْخَطَّابِيُّ : مَرِيعًا يُرْوَى عَلَى وَجْهَيْنِ بِالْيَاءِ وَالْبَاءِ ، فَمَنْ رَوَاهُ بِالْيَاءِ جَعَلَهُ مِنْ الْمُرَاعَةِ ، يُقَال : أَمْرَعَ الْمَكَانُ : إذَا أَخْصَبَ ، وَمَنْ رَوَاهُ مُرْبِعًا ، كَانَ مَعْنَاهُ مُنْبِتًا لِلرَّبِيعِ .\rوَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : { شَكَا النَّاسُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُحُوطَ الْمَطَرِ ، فَأَمَرَ بِمِنْبَرٍ فَوُضِعَ لَهُ فِي الْمُصَلَّى ، وَوَعَدَ النَّاسَ يَوْمًا يَخْرُجُونَ فِيهِ ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ بَدَا حَاجِبُ الشَّمْسِ ، فَقَعَدَ عَلَى الْمِنْبَرِ ، فَكَبَّرَ ، وَحَمِدَ اللَّهَ ، ثُمَّ قَالَ : إنَّكُمْ شَكَوْتُمْ جَدْبَ دِيَارِكُمْ ، وَاسْتِئْخَارَ الْمَطَرِ عَنْ إبَّانِ زَمَانِهِ عَنْكُمْ ، وَقَدْ","part":4,"page":336},{"id":1836,"text":"أَمَرَكُمْ اللَّهُ أَنْ تَدْعُوهُ ، وَوَعَدَكُمْ أَنْ يَسْتَجِيبَ لَكُمْ .\rثُمَّ قَالَ : { الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ } لَا إلَهَ إلَّا هُوَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ ، اللَّهُمَّ أَنْتَ اللَّهُ لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ الْغَنِيُّ وَنَحْنُ الْفُقَرَاءُ ، أَنْزِلْ عَلَيْنَا الْغَيْثَ وَاجْعَلْ مَا أَنْزَلْت لَنَا قُوَّةً وَبَلَاغًا إلَى حِينٍ .\rثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ ، فَلَمْ يَزَلْ فِي الرَّفْعِ حَتَّى بَدَا بَيَاضُ إبِطَيْهِ ، ثُمَّ حَوَّلَ إلَى النَّاسِ ظَهْرَهُ وَقَلَبَ أَوْ حَوَّلَ رِدَاءَهُ ، وَهُوَ رَافِعٌ يَدَيْهِ ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ ، فَنَزَلَ ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ } .\rوَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرو { : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا اسْتَسْقَى ، قَالَ : اللَّهُمَّ اسْقِ عِبَادَك وَبَهَائِمَك ، وَانْشُرْ رَحْمَتَك ، وَأَحْيِ بَلَدَك الْمَيِّتَ } .\rرَوَاهُمَا أَبُو دَاوُد .\rرَوَى ابْنُ قُتَيْبَةَ ، بِإِسْنَادِهِ فِي \" غَرِيبِ الْحَدِيثِ \" ، عَنْ أَنَسٍ : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { خَرَجَ لِلِاسْتِسْقَاءِ ، فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ ، يَجْهَرُ فِيهِمَا بِالْقِرَاءَةِ ، وَكَانَ يَقْرَأُ فِي الْعِيدَيْنِ وَالِاسْتِسْقَاءِ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ ، و \" سَبِّحْ اسْمَ رَبِّك الْأَعْلَى \" ، وَفِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ ، و \" هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ \" ، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ اسْتَقْبَلَ الْقَوْمَ بِوَجْهِهِ ، وَقَلَبَ رِدَاءَهُ ، وَرَفَعَ يَدَيْهِ ، وَكَبَّرَ تَكْبِيرَةً قَبْلَ أَنْ يَسْتَسْقِيَ ، ثُمَّ قَالَ : اللَّهُمَّ اسْقِنَا وَأَغِثْنَا ، اللَّهُمَّ اسْقِنَا غَيْثًا مُغِيثًا ، وَحَيًّا رَبِيعًا ، وَجَدًّا طَبَقًا غَدَقًا مُغْدِقًا مُونِقًا ، هَنِيئًا مَرِيئًا مَرِيعًا مَرْبَعًا مَرْتَعًا ، سَائِلًا مُسْبِلًا مُجَلِّلًا ، دِيَمًا دَرُورًا ، نَافِعًا غَيْرَ ضَارٍّ ، عَاجِلًا غَيْرَ رَائِثٍ ؛ اللَّهُمَّ تُحْيِي بِهِ الْبِلَادَ ، وَتُغِيثُ بِهِ الْعِبَادَ ، وَتَجْعَلُهُ بَلَاغًا لِلْحَاضِرِ مِنَّا وَالْبَادِ ، اللَّهُمَّ أَنْزِلْ فِي أَرْضِنَا زِينَتَهَا ، وَأَنْزِلْ عَلَيْنَا","part":4,"page":337},{"id":1837,"text":"فِي أَرْضِنَا سَكَنَهَا ، اللَّهُمَّ أَنْزِلْ عَلَيْنَا مِنْ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا ، فَأَحْيِي بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا ، وَأَسْقِهِ مِمَّا خَلَقْت أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا .\r} قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ : الْمُغِيثُ : الْمُحْيِي بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى .\rوَالْحَيَا : الَّذِي تَحْيَا بِهِ الْأَرْضُ وَالْمَالُ .\rوَالْجَدَّا : الْمَطَرُ الْعَامُّ ، وَمِنْهُ أُخِذَ جَدَّا الْعَطِيَّةِ ، وَالْجَدْوَى مَقْصُورٌ .\rوَالطَّبَقُ : الَّذِي يُطْبِقُ الْأَرْضَ .\rوَالْغَدَقُ وَالْمُغْدِقُ : الْكَثِيرُ الْقَطْرِ .\rوَالْمُونِقُ : الْمُعْجِبُ .\rوَالْمَرِيعُ : ذُو الْمَرَاعَةِ وَالْخِصْبِ .\rوَالْمَرْبَعُ مِنْ قَوْلِك : رَبَعْت مَكَانَ كَذَا : إذَا أَقَمْت بِهِ .\rوَارْبَعْ عَلَى نَفْسِك : اُرْفُقْ .\rوَالْمَرْتَعُ : مِنْ رَتَعَتْ الْإِبِلُ ، إذَا أَرْعَتْ .\rوَالسَّابِلُ : مِنْ السَّبْلِ ، وَهُوَ الْمَطَرُ .\rيُقَال سَبَلٌ سَابِلٌ ، كَمَا يُقَال : مَطَرٌ مَاطِرٌ .\rوَالرَّائِثُ : الْبَطِيءُ .\rوَالسَّكَنُ : الْقُوَّة ، لِأَنَّ الْأَرْضَ تَسْكُنُ بِهِ .\rوَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إذَا اسْتَسْقَى ، قَالَ : { اللَّهُمَّ اسْقِنَا غَيْثًا مُغِيثًا ، هَنِيئًا مَرِيعًا ، غَدَقًا مُجَلِّلًا ، طَبَقًا سَحًّا دَائِمًا ، اللَّهُمَّ اسْقِنَا الْغَيْثَ ، وَلَا تَجْعَلْنَا مِنْ الْقَانِطِينَ ، اللَّهُمَّ إنَّ بِالْعِبَادِ وَالْبِلَادِ مِنْ اللَّأْوَاءِ وَالضَّنْكِ وَالْجَهْدِ مَا لَا نَشْكُوهُ إلَّا إلَيْك ، اللَّهُمَّ أَنْبِتْ لَنَا الزَّرْعَ ، وَأَدِرَّ لَنَا الضَّرْعَ ، وَاسْقِنَا مِنْ بَرَكَاتِ السَّمَاءِ ، وَأَنْزِلْ عَلَيْنَا مِنْ بَرَكَاتِكَ ، اللَّهُمَّ ارْفَعْ عَنَّا الْجَهْدَ وَالْجُوعَ وَالْعُرْيَ ، وَاكْشِفْ عَنَّا مِنْ الْبَلَاءِ مَا لَا يَكْشِفُهُ غَيْرُك ، اللَّهُمَّ إنَّا نَسْتَغْفِرُك إنَّك كُنْت غَفَّارًا ، فَأَرْسِلْ السَّمَاءَ عَلَيْنَا مِدْرَارًا }","part":4,"page":338},{"id":1838,"text":"( 1482 ) فَصْلٌ : وَهَلْ مِنْ شَرْطِ هَذِهِ الصَّلَاةِ إذْنُ الْإِمَامِ ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ : إحْدَاهُمَا ، لَا يُسْتَحَبُّ إلَّا بِخُرُوجِ الْإِمَامِ ، أَوْ رَجُلٍ مِنْ قِبَلِهِ .\rقَالَ أَبُو بَكْرٍ : فَإِذَا خَرَجُوا بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ دَعَوْا ، وَانْصَرَفُوا بِلَا صَلَاةٍ وَلَا خُطْبَةٍ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .\rوَعَنْهُ أَنَّهُمْ يُصَلُّونَ لِأَنْفُسِهِمْ ، وَيَخْطُبُ بِهِمْ أَحَدُهُمْ .\rفَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ يَكُونُ الِاسْتِسْقَاءُ مَشْرُوعًا فِي حَقِّ كُلِّ أَحَدٍ ؛ مُقِيمٍ ، وَمُسَافِرٍ ، وَأَهْلِ الْقُرَى ، وَالْأَعْرَابِ ؛ لِأَنَّهَا صَلَاةُ نَافِلَةٍ ، فَأَشْبَهَتْ صَلَاةَ الْكُسُوفِ .\rوَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَأْمُرْ بِهَا ، وَإِنَّمَا فَعَلَهَا عَلَى صِفَةٍ ، فَلَا يَتَعَدَّى تِلْكَ الصِّفَةَ ، وَهُوَ أَنَّهُ صَلَّاهَا بِأَصْحَابِهِ ، وَكَذَلِكَ خُلَفَاؤُهُ وَمَنْ بَعْدَهُمْ ، فَلَا تُشْرَعُ إلَّا فِي مِثْلِ تِلْكَ الصِّفَةِ .","part":4,"page":339},{"id":1839,"text":"( 1483 ) فَصْلٌ : وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُسْتَسْقَى بِمَنْ ظَهَرَ صَلَاحُهُ ؛ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى إجَابَةِ الدُّعَاءِ ، فَإِنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ اسْتَسْقَى بِالْعَبَّاسِ عَمِّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rقَالَ ابْنُ عُمَرَ : اسْتَسْقَى عُمَرُ عَامَ الرَّمَادَةِ بِالْعَبَّاسِ ، فَقَالَ : اللَّهُمَّ إنَّ هَذَا عَمُّ نَبِيِّك صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَتَوَجَّهُ إلَيْك بِهِ فَاسْقِنَا .\rفَمَا بَرِحُوا حَتَّى سَقَاهُمْ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ .\rوَرُوِيَ أَنَّ مُعَاوِيَةَ خَرَجَ يَسْتَسْقِي ، فَلَمَّا جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ ، قَالَ : أَيْنَ يَزِيدُ بْنُ الْأَسْوَدِ الْجُرَشِيُّ ؟ فَقَامَ يَزِيدُ ، فَدَعَاهُ مُعَاوِيَةُ ، فَأَجْلَسَهُ عِنْدَ رِجْلَيْهِ ، ثُمَّ قَالَ : اللَّهُمَّ إنَّا نَسْتَشْفِعُ إلَيْك بِخَيْرِنَا وَأَفْضَلِنَا يَزِيدَ بْنِ الْأَسْوَدِ ، يَا يَزِيدُ ، ارْفَعْ يَدَيْكَ .\rفَرَفَعَ يَدَيْهِ ، وَدَعَا اللَّهَ تَعَالَى ، فَثَارَتْ فِي الْغَرْبِ سَحَابَةٌ مِثْلُ التُّرْسِ ، وَهَبَّ لَهَا رِيحٌ ، فَسُقُوا حَتَّى كَادُوا لَا يَبْلُغُونَ مَنَازِلَهُمْ .\rوَاسْتَسْقَى بِهِ الضَّحَّاكُ مَرَّةً أُخْرَى .","part":4,"page":340},{"id":1840,"text":"مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( فَإِنْ سُقُوا ، وَإِلَّا عَادُوا فِي الْيَوْمِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ ) وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ إِسْحَاقُ : لَا يَخْرُجُونَ إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَخْرُجْ إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً ، وَلَكِنْ يَجْتَمِعُونَ فِي مَسَاجِدِهِمْ ، فَإِذَا فَرَغُوا مِنْ الصَّلَاةِ ذَكَرُوا اللَّهَ تَعَالَى ، وَدَعَوْا ، وَيَدْعُو الْإِمَامُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ عَلَى الْمِنْبَرِ ، وَيُؤَمِّنُ النَّاسُ .\rوَلَنَا ، أَنَّ هَذَا أَبْلَغُ فِي الدُّعَاءِ وَالتَّضَرُّعِ ، وَقَدْ جَاءَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُلِحِّينَ فِي الدُّعَاءِ } .\rوَأَمَّا النَّبِيُّ فَلَمْ يَخْرُجْ ثَانِيًا ؛ لِاسْتِغْنَائِهِ عَنْ الْخُرُوجِ بِإِجَابَتِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ ، وَالْخُرُوجُ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى آكَدُ مِمَّا بَعْدَهَا ؛ لِوُرُودِ السُّنَّةِ بِهِ .","part":4,"page":341},{"id":1841,"text":"( 1485 ) فَصْلٌ : وَإِنْ تَأَهَّبُوا لِلْخُرُوجِ ، فَسُقُوا قَبْلَ خُرُوجِهِمْ ، لَمْ يَخْرُجُوا ، وَشَكَرُوا اللَّهَ عَلَى نِعْمَتِهِ ، وَسَأَلُوهُ الْمَزِيدَ مِنْ فَضْلِهِ ، وَإِنْ خَرَجُوا فَسُقُوا قَبْلَ أَنْ يُصَلُّوا ، صَلَّوْا شُكْرًا لِلَّهِ تَعَالَى ، وَحَمِدُوهُ وَدَعَوْهُ .\rوَيُسْتَحَبُّ الدُّعَاءُ عِنْدَ نُزُولِ الْغَيْثِ ؛ لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { اُطْلُبُوا اسْتِجَابَةَ الدُّعَاءِ عِنْدَ ثَلَاثٍ : عِنْدَ الْتِقَاءِ الْجُيُوشِ ، وَإِقَامَةِ الصَّلَاةِ ، وَنُزُولِ الْغَيْثِ } .\rوَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا { ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إذَا رَأَى الْمَطَرَ ، قَالَ : صَيِّبًا نَافِعًا } .\rرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ .","part":4,"page":342},{"id":1842,"text":"( 1486 ) فَصْلٌ : وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقِفَ فِي أَوَّلِ الْمَطَرِ ، وَيُخْرِجَ رَحْلَهُ ؛ لِيُصِيبَهُ الْمَطَرُ ؛ لِمَا رَوَى أَنَسٌ { ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَنْزِلْ عَنْ مِنْبَرِهِ حَتَّى رَأَيْنَا الْمَطَرَ يَتَحَادَرُ عَنْ لِحْيَتِهِ .\r} رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ .\rوَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّهُ كَانَ إذَا أَمْطَرَتْ السَّمَاءُ قَالَ لِغُلَامِهِ .\rأَخْرِجْ رَحْلِي وَفِرَاشِي يُصِبْهُ الْمَطَرُ .\rوَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَوَضَّأَ مِنْ مَاءِ الْمَطَرِ إذَا سَالَ السَّيْلُ ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَنَّهُ كَانَ إذَا سَالَ السَّيْلُ يَقُول : اُخْرُجُوا بِنَا إلَى هَذَا الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ طَهُورًا ، فَنَتَطَهَّرَ } .","part":4,"page":343},{"id":1843,"text":"( 1487 ) فَصْلٌ : وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَسْتَسْقُوا عَقِيبَ صَلَوَاتِهِمْ ، وَيَوْمَ الْجُمُعَةِ يَدْعُو الْإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ ، وَيُؤَمِّنُ النَّاسُ .\rقَالَ الْقَاضِي : الِاسْتِسْقَاءِ ثَلَاثَةُ أَضْرُبٍ ، أَكْمَلُهَا الْخُرُوجُ وَالصَّلَاةُ عَلَى مَا وَصَفْنَا .\rوَيَلِيهِ اسْتِسْقَاءُ الْإِمَامِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ عَلَى الْمِنْبَرِ ؛ لِمَا رُوِيَ ، { أَنَّ رَجُلًا دَخَلَ الْمَسْجِدَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ، وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ ، فَاسْتَقْبَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَائِمًا ، ثُمَّ قَالَ : يَا رَسُولُ اللَّهِ ، هَلَكَتْ الْأَمْوَالُ ، وَانْقَطَعَتْ السُّبُلُ فَادْعُ اللَّه يُغِثْنَا .\rفَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَيْهِ ، فَقَالَ : اللَّهُمَّ أَغِثْنَا ، اللَّهُمَّ أَغِثْنَا ، اللَّهُمَّ أَغِثْنَا .\r} { قَالَ أَنَسٌ : وَلَا وَاَللَّهِ مَا يُرَى فِي السَّمَاءِ مِنْ سَحَابٍ وَلَا قَزَعَةٍ وَلَا شَيْءٍ ، وَمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ سَلْعٍ مِنْ بَيْتٍ وَلَا دَارٍ ، فَطَلَعَتْ مِنْ وَرَائِهِ سَحَابَةٌ مِثْلُ التُّرْسِ ، فَلَمَّا تَوَسَّطَتْ السَّمَاءَ ، انْتَشَرَتْ ثُمَّ أَمْطَرَتْ ، فَلَا وَاَللَّهِ مَا رَأَيْنَا الشَّمْسَ سِتًّا ، ثُمَّ دَخَلَ مِنْ ذَلِكَ الْبَابِ رَجُلٌ فِي الْجُمُعَةِ الْمُقْبِلَةِ ، وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ ، فَاسْتَقْبَلَهُ قَائِمًا ، وَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، هَلَكَتْ الْمَوَاشِي ، وَانْقَطَعَتْ السُّبُلُ ، فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يُمْسِكَهَا عَنَّا .\rقَالَ فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَيْهِ ، وَقَالَ : اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا ، اللَّهُمَّ عَلَى الظِّرَابِ وَالْآكَامِ وَبُطُونِ الْأَوْدِيَةِ وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ .\rقَالَ : فَانْقَطَعَتْ ، وَخَرَجْنَا نَمْشِي فِي الشَّمْسِ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَالثَّالِثُ أَنْ يَدْعُوَ اللَّهَ تَعَالَى عَقِيبَ صَلَوَاتِهِمْ ، وَفِي خَلَوَاتِهِمْ .","part":4,"page":344},{"id":1844,"text":"( 1488 ) فَصْلٌ : وَإِذَا كَثُرَ الْمَطَرُ بِحَيْثُ يَضُرُّهُمْ أَوْ مِيَاهُ الْعُيُونِ ، دَعَوْا اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يُخَفِّفَهُ ، وَيَصْرِفَ عَنْهُمْ مَضَرَّتَهُ ، وَيَجْعَلَهُ فِي أَمَاكِنَ تَنْفَعُ وَلَا تَضُرُّ ، كَدُعَاءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْفَصْلِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا ، وَلِأَنَّ الضَّرَرَ بِزِيَادَةِ الْمَطَرِ أَحَدُ الضَّرَرَيْنِ ، فَيُسْتَحَبُّ الدُّعَاءُ لِإِزَالَتِهِ كَانْقِطَاعِهِ .","part":4,"page":345},{"id":1845,"text":"( 1489 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِنْ خَرَجَ مَعَهُمْ أَهْلُ الذِّمَّةِ لَمْ يُمْنَعُوا وَأُمِرُوا أَنْ يَكُونُوا مُنْفَرِدِينَ عَنْ الْمُسْلِمِينَ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ إخْرَاجُ أَهْلِ الذِّمَّةِ ؛ لِأَنَّهُمْ أَعْدَاءُ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِهِ ، وَبَدَّلُوا نِعْمَتَهُ كُفْرًا ، فَهُمْ بَعِيدُونَ مِنْ الْإِجَابَةِ ، وَإِنْ أُغِيثَ الْمُسْلِمُونَ فَرُبَّمَا قَالُوا : هَذَا حَصَلَ بِدُعَائِنَا وَإِجَابَتِنَا .\rوَإِنْ خَرَجُوا لَمْ يُمْنَعُوا ؛ لِأَنَّهُمْ يَطْلُبُونَ أَرْزَاقَهُمْ مِنْ رَبِّهِمْ ، فَلَا يُمْنَعُونَ مِنْ ذَلِكَ ، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُجِيبَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى ؛ لِأَنَّهُ قَدْ ضَمِنَ أَرْزَاقَهُمْ فِي الدُّنْيَا ، كَمَا ضَمِنَ أَرْزَاقَ الْمُؤْمِنِينَ ، وَيُؤْمَرُوا بِالِانْفِرَادِ عَنْ الْمُسْلِمِينَ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ أَنْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ ، فَيَعُمَّ مَنْ حَضَرَهُمْ ، فَإِنَّ قَوْمَ عَادٍ اسْتَسْقَوْا ، فَأَرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا ، فَأَهْلَكَتْهُمْ .\rفَإِنْ قِيلَ : فَيَنْبَغِي أَنْ يُمْنَعُوا الْخُرُوجَ يَوْمَ يَخْرُجُ الْمُسْلِمُونَ ؛ لِئَلَّا يَظُنُّوا أَنَّ مَا حَصَلَ مِنْ السُّقْيَا بِدُعَائِهِمْ .\rقُلْنَا : وَلَا يُؤْمَنُ أَنْ يَتَّفِقَ نُزُولُ الْغَيْثِ يَوْمَ يَخْرُجُونَ وَحْدَهُمْ ، فَيَكُونُ أَعْظَمَ لِفِتْنَتِهِمْ ، وَرُبَّمَا افْتَتَنَ غَيْرُهُمْ بِهِمْ .","part":4,"page":346},{"id":1846,"text":"بَابُ الْحُكْمِ فِي مَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ ( 1490 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَمَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ ، وَهُوَ بَالِغٌ عَاقِلٌ ، جَاحِدًا لَهَا ، أَوْ غَيْرَ جَاحِدٍ ، دُعِيَ إلَيْهَا فِي وَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ ، ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ، فَإِنْ صَلَّى ، وَإِلَّا قُتِلَ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ تَارِكَ الصَّلَاةِ لَا يَخْلُو ؛ إمَّا أَنْ يَكُونَ جَاحِدًا لِوُجُوبِهَا ، أَوْ غَيْرَ جَاحِدٍ ، فَإِنْ كَانَ جَاحِدًا لِوُجُوبِهَا نُظِرَ فِيهِ ، فَإِنْ كَانَ جَاهِلًا بِهِ ، وَهُوَ مِمَّنْ يَجْهَلُ ذَلِكَ ، كَالْحَدِيثِ الْإِسْلَامِ ، وَالنَّاشِئِ بِبَادِيَةٍ ، عُرِّفَ وُجُوبَهَا ، وَعُلِّمَ ذَلِكَ ، وَلَمْ يُحْكَمْ بِكُفْرِهِ ؛ لِأَنَّهُ مَعْذُورٌ .\rوَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِمَّنْ يَجْهَلُ ذَلِكَ ، كَالنَّاشِئِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فِي الْأَمْصَارِ وَالْقُرَى ، لَمْ يُعْذَرْ ، وَلَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ ادِّعَاءُ الْجَهْلِ ، وَحُكِمَ بِكُفْرِهِ ؛ لِأَنَّ أَدِلَّةَ الْوُجُوبِ ظَاهِرَةٌ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ، وَالْمُسْلِمُونَ يَفْعَلُونَهَا عَلَى الدَّوَامِ ، فَلَا يَخْفَى وُجُوبُهَا عَلَى مَنْ هَذَا حَالُهُ ، فَلَا يَجْحَدُهَا إلَّا تَكْذِيبًا لِلَّهِ تَعَالَى وَلِرَسُولِهِ وَإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ ، وَهَذَا يَصِيرُ مُرْتَدًّا عَنْ الْإِسْلَامِ ، وَحُكْمُهُ حُكْمُ سَائِرِ الْمُرْتَدِّينَ ، فِي الِاسْتِتَابَةِ وَالْقَتْلِ ، وَلَا أَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا .\rوَإِنْ تَرَكَهَا لِمَرَضٍ ، أَوْ عَجْزٍ عَنْ أَرْكَانِهَا وَشُرُوطِهَا ، قِيلَ لَهُ : إنَّ ذَلِكَ لَا يُسْقِطُ الصَّلَاةَ ، وَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى حَسَبِ طَاقَتِهِ .\rوَإِنْ تَرَكَهَا تَهَاوُنًا أَوْ كَسَلًا ، دُعِيَ إلَى فِعْلِهَا ، وَقِيلَ لَهُ : إنْ صَلَّيْت ، وَإِلَّا قَتَلْنَاكَ .\rفَإِنْ صَلَّى ، وَإِلَّا وَجَبَ قَتْلُهُ .\rوَلَا يُقْتَلُ حَتَّى يُحْبَسَ ثَلَاثًا ، وَيُضَيَّقَ عَلَيْهِ فِيهَا ، وَيُدْعَى فِي وَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ إلَى فِعْلِهَا ، وَيُخَوَّفَ بِالْقَتْلِ ، فَإِنْ صَلَّى ، وَإِلَّا قُتِلَ بِالسَّيْفِ .\rوَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ ، وَحَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، وَوَكِيعٌ وَالشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ الزُّهْرِيُّ : يُضْرَبُ وَيُسْجَنُ .\rوَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، قَالَ : وَلَا يُقْتَلُ ؛ لِأَنَّ","part":4,"page":347},{"id":1847,"text":"النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { : لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ : كُفْرٍ بَعْدَ إيمَانٍ ، أَوْ زِنًا بَعْدَ إحْصَانٍ ، أَوْ قَتْلِ نَفْسٍ بِغَيْرِ حَقٍّ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَهَذَا لَمْ يَصْدُرْ مِنْهُ أَحَدُ الثَّلَاثَةِ .\rفَلَا يَحِلُّ دَمُهُ .\rوَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : أُمِرْت أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ، فَإِذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إلَّا بِحَقِّهَا } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَلِأَنَّهُ فَرْعٌ مِنْ فُرُوعِ الدِّينِ .\rفَلَا يُقْتَلُ بِتَرْكِهِ كَالْحَجِّ ، وَلِأَنَّ الْقَتْلَ لَوْ شُرِعَ لَشُرِعَ زَجْرًا عَنْ تَرْكِ الصَّلَاةِ ، وَلَا يَجُوزُ شَرْعُ زَاجِرٍ تَحَقَّقَ الْمَزْجُورُ عَنْهُ ، وَالْقَتْلُ يَمْنَعُ فِعْلَ الصَّلَاةِ دَائِمًا ، فَلَا يُشْرَعُ ، وَلِأَنَّ الْأَصْلَ تَحْرِيمُ الدَّمِ ، فَلَا تَثْبُتُ الْإِبَاحَةُ إلَّا بِنَصٍّ أَوْ مَعْنَى نَصٍّ .\rوَالْأَصْلُ عَدَمُهُ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ } إلَى قَوْله : { فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ } .\rفَأَبَاحَ قَتْلَهُمْ ، وَشَرَطَ فِي تَخْلِيَةِ سَبِيلِهِمْ التَّوْبَةَ ، وَهِيَ الْإِسْلَامُ ، وَإِقَامُ الصَّلَاةِ ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ ، فَمَتَى تَرَكَ الصَّلَاةَ مُتَعَمِّدًا لَمْ يَأْتِ بِشَرْطِ تَخْلِيَتِهِ ، فَيَبْقَى عَلَى وُجُوبِ الْقَتْلِ ، وَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : مَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ مُتَعَمِّدًا فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ الذِّمَّةُ } .\rوَهَذَا يَدُلُّ عَلَى إبَاحَةِ قَتْلِهِ ، وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ { : بَيْنَ الْعَبْدِ وَبَيْنَ الْكُفْرِ تَرْكُ الصَّلَاةِ } .\rرَوَاهُ مُسْلِمٌ .\rوَالْكُفْرُ مُبِيحٌ لِلْقَتْلِ ، وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ { : نُهِيتُ عَنْ قَتْلِ الْمُصَلِّينَ } .\rفَمَفْهُومُهُ أَنَّ غَيْرَ الْمُصَلِّينَ يُبَاحُ قَتْلُهُمْ .\rوَلِأَنَّهَا رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ لَا تَدْخُلُهُ النِّيَابَةُ بِنَفْسٍ وَلَا مَالٍ ، فَوَجَبَ أَنْ يُقْتَلَ تَارِكُهُ كَالشَّهَادَةِ ، وَحَدِيثُهُمْ حُجَّةٌ لَنَا ؛","part":4,"page":348},{"id":1848,"text":"لِأَنَّ الْخَبَرَ الَّذِي رَوَيْنَاهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ تَرْكَهَا كُفْرٌ ، وَالْحَدِيثُ الْآخَرُ اسْتَثْنَى مِنْهُ { إلَّا بِحَقِّهَا } .\rوَالصَّلَاةُ مِنْ حَقِّهَا .\rوَعَنْ أَنَسٍ ، قَالَ : قَالَ أَبُو بَكْرٍ : إنَّمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إذَا شَهِدُوا أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ، وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ ، وَآتَوْا الزَّكَاةَ .\r} رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ .\rثُمَّ إنَّ أَحَادِيثَنَا خَاصَّةٌ ، فَنَخُصُّ بِهَا عُمُومَ مَا ذَكَرُوهُ ، وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُهَا عَلَى الْحَجِّ ؛ لِأَنَّ الْحَجَّ مُخْتَلَفٌ فِي جَوَازِ تَأْخِيرِهِ ، وَلَا يَجِبُ الْقَتْلُ بِفِعْلٍ مُخْتَلَفٍ فِيهِ .\rوَقَوْلُهُمْ : إنَّ هَذَا يُفْضِي إلَى تَرْكِ الصَّلَاةِ بِالْكُلِّيَّةِ .\rقُلْنَا : الظَّاهِرُ أَنَّ مَنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ يُقْتَلُ إنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ لَا يَتْرُكُهَا ، سِيَّمَا بَعْدَ اسْتِتَابَتِهِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ، فَإِنْ تَرَكَهَا بَعْدَ هَذَا كَانَ مَيْئُوسًا مِنْ صَلَاتِهِ ، فَلَا فَائِدَةَ فِي بَقَائِهِ ، وَلَا يَكُونُ الْقَتْلُ هُوَ الْمُفَوِّتُ لَهُ ، ثُمَّ لَوْ فَاتَ بِهِ احْتِمَالُ الصَّلَاةِ ، لَحَصَلَ بِهِ صَلَاةُ أَلْفِ إنْسَانٍ ، وَتَحْصِيلُ ذَلِكَ بِتَفْوِيتِ احْتِمَالِ صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ لَا يُخَالِفُ الْأَصْلَ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا فَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ أَنَّهُ يَجِبُ قَتْلُهُ بِتَرْكِ صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ ، وَهِيَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ ؛ لِأَنَّهُ تَارِكٌ لِلصَّلَاةِ ، فَلَزِمَ قَتْلُهُ ، كَتَارِكِ ثَلَاثٍ ، وَلِأَنَّ الْأَخْبَارَ تَتَنَاوَلُ تَارِكَ صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ ، لَكِنْ لَا يَثْبُتُ الْوُجُوبُ حَتَّى يَضِيقَ وَقْتُ الَّتِي بَعْدَهَا ؛ لِأَنَّ الْأُولَى لَا يُعْلَمُ تَرْكُهَا إلَّا بِفَوَاتِ وَقْتِهَا ، فَتَصِيرُ فَائِتَةً لَا يَجِبُ الْقَتْلُ بِفَوَاتِهَا ، فَإِذَا ضَاقَ وَقْتُهَا عُلِمَ أَنَّهُ يُرِيدُ تَرْكَهَا ، فَوَجَبَ قَتْلُهُ .\rوَالثَّانِيَةُ : لَا يَجِبُ قَتْلُهُ حَتَّى يَتْرُكَ ثَلَاثَ صَلَوَاتٍ ، وَيَضِيقَ وَقْتُ الرَّابِعَةِ عَنْ فِعْلِهَا ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَتْرُكُ الصَّلَاةَ وَالصَّلَاتَيْنِ لِشُبْهَةٍ ، فَإِذَا تَكَرَّرَ ذَلِكَ ثَلَاثًا .\rتَحَقَّقَ","part":4,"page":349},{"id":1849,"text":"أَنَّهُ تَارِكٌ لَهَا رَغْبَةً عَنْهَا ، وَيُعْتَبَرُ أَنْ يَضِيقَ وَقْتُ الرَّابِعَة عَنْ فِعْلِهَا ؛ لِمَا ذَكَرْنَا .\rوَحَكَى ابْنُ حَامِدٍ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ بْنِ شَاقِلَا ، أَنَّهُ إنْ تَرَكَ صَلَاةً لَا تُجْمَعُ إلَى مَا بَعْدَهَا ، كَصَلَاةِ الْفَجْرِ وَالْعَصْرِ ، وَجَبَ قَتْلُهُ ، وَإِنْ تَرَكَ الْأُولَى مِنْ صَلَاتَيْ الْجَمْعِ ، لَمْ يَجِبْ قَتْلُهُ ؛ لِأَنَّ الْوَقْتَيْنِ كَالْوَقْتِ الْوَاحِدِ عِنْدَ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ .\rوَهَذَا قَوْلٌ حَسَنٌ .\rوَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ ، هَلْ يُقْتَلُ لِكُفْرِهِ ، أَوْ حَدًّا ؟ فَرُوِيَ أَنَّهُ يُقْتَلُ لِكُفْرِهِ كَالْمُرْتَدِّ ، فَلَا يُغَسَّلُ ، وَلَا يُكَفَّنُ ، وَلَا يُدْفَنُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ ، وَلَا يَرِثُهُ أَحَدٌ ، وَلَا يَرِثُ أَحَدًا ، اخْتَارَهَا أَبُو إِسْحَاقَ بْنُ شَاقِلَا وَابْنُ حَامِدٍ ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَسَنِ ، وَالنَّخَعِيِّ ، وَالشَّعْبِيِّ ، وَأَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَابْنِ الْمُبَارَكِ وَحَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ ، وَإِسْحَاقَ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ ، لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : بَيْنَ الْعَبْدِ وَبَيْنَ الْكُفْرِ تَرْكُ الصَّلَاةِ } .\rوَفِي لَفْظٍ عَنْ جَابِرٍ ، قَالَ : سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : { إنَّ بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الشِّرْكِ تَرْكَ الصَّلَاةِ } .\rوَعَنْ بُرَيْدَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ تَرْكُ الصَّلَاةِ ، فَمَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ كَفَرَ } رَوَاهُنَّ مُسْلِمٌ وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { أَوَّلُ مَا تَفْقِدُونَ مِنْ دِينِكُمْ الْأَمَانَةُ ، وَآخِرُ مَا تَفْقِدُونَ الصَّلَاةُ } .\rقَالَ أَحْمَدُ : كُلُّ شَيْءٍ ذَهَبَ آخِرُهُ لَمْ يَبْقَ مِنْهُ شَيْءٌ .\rوَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : لَا حَظَّ فِي الْإِسْلَامِ لِمَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ .\rوَقَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : مَنْ لَمْ يُصَلِّ فَهُوَ كَافِرٌ .\rوَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ : مَنْ لَمْ يُصَلِّ فَلَا دِينَ لَهُ .\rوَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَقِيقٍ : لَمْ يَكُنْ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّهُ","part":4,"page":350},{"id":1850,"text":"عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرَوْنَ شَيْئًا مِنْ الْأَعْمَالِ ، تَرْكُهُ كُفْرٌ ، غَيْرَ الصَّلَاةِ .\rوَلِأَنَّهَا عِبَادَةٌ يَدْخُلُ بِهَا فِي الْإِسْلَامِ ، فَيَخْرُجُ بِتَرْكِهَا مِنْهُ كَالشَّهَادَةِ .\rوَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ ، يُقْتَلُ حَدًّا ، مَعَ الْحُكْمِ بِإِسْلَامِهِ ، كَالزَّانِي الْمُحْصَنِ ، وَهَذَا اخْتِيَارُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَطَّةَ ، وَأَنْكَرَ قَوْلَ مَنْ قَالَ : إنَّهُ يَكْفُر .\rوَذَكَرَ أَنَّ الْمَذْهَبَ عَلَى هَذَا ، لَمْ يَجِدْ فِي الْمَذْهَبِ خِلَافًا فِيهِ .\rوَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ ، وَقَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ .\rوَرُوِيَ عَنْ حُذَيْفَةَ أَنَّهُ قَالَ : يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ لَا يَبْقَى مَعَهُمْ مِنْ الْإِسْلَامِ إلَّا قَوْلُ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ .\rفَقِيلَ لَهُ : وَمَا يَنْفَعُهُمْ ؟ قَالَ : تُنْجِيهِمْ مِنْ النَّارِ ، لَا أَبَا لَكَ .\rوَعَنْ وَالَانَ ، قَالَ : انْتَهَيْت إلَى دَارِي ، فَوَجَدْت شَاةً مَذْبُوحَةً ، فَقُلْت : مَنْ ذَبَحَهَا ؟ قَالُوا : غُلَامُك .\rقُلْت : وَاَللَّهِ إنَّ غُلَامِي لَا يُصَلِّي ، فَقَالَ النِّسْوَةُ : نَحْنُ عَلَّمْنَاهُ ، يُسَمِّيَ ، فَرَجَعْتُ إلَى ابْنِ مَسْعُودٍ ، فَسَأَلْته عَنْ ذَلِكَ ، فَأَمَرَنِي بِأَكْلِهَا .\rوَالدَّلِيلُ عَلَى هَذَا قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : إنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَى النَّارِ مَنْ قَالَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ، يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ } .\rوَعَنْ أَبِي ذَرٍّ ، قَالَ : أَتَيْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : { مَا مِنْ عَبْدٍ قَالَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ، ثُمَّ مَاتَ عَلَى ذَلِكَ ، إلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ } .\rوَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ، قَالَ : سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : { مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ، وَأَنَّ عِيسَى عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ ، وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إلَى مَرْيَمَ ، وَرُوحٌ مِنْهُ ، وَأَنَّ الْجَنَّةَ حَقٌّ ، وَالنَّارَ حَقٌّ ، أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ عَلَى مَا كَانَ مِنْ عَمَلٍ } .\rوَعَنْ أَنَسٍ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ","part":4,"page":351},{"id":1851,"text":"عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ { : يَخْرُجُ مِنْ النَّارِ مَنْ قَالَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ، وَكَانَ فِي قَلْبِهِ مِنْ الْخَيْرِ مَا يَزِنُ بُرَّةً } .\rمُتَّفَقٌ عَلَى هَذِهِ الْأَحَادِيثِ كُلِّهَا ، وَمِثْلُهَا كَثِيرٌ .\rوَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { : خَمْسُ صَلَوَاتٍ كَتَبَهُنَّ اللَّهُ عَلَى الْعَبْدِ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ ، فَمَنْ جَاءَ بِهِنَّ ، لَمْ يُضَيِّعْ مِنْهُنَّ شَيْئًا اسْتِخْفَافًا بِحَقِّهِنَّ ، كَانَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدٌ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ ، وَمَنْ لَمْ يَأْتِ بِهِنَّ ، فَلَيْسَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدٌ ، إنْ شَاءَ عَذَّبَهُ ، وَإِنْ شَاءَ أَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ } .\rوَلَوْ كَانَ كَافِرًا لَمْ يُدْخِلْهُ فِي الْمَشِيئَةِ .\rوَقَالَ الْخَلَّالُ ، فِي \" جَامِعِهِ \" : ثنا يَحْيَى ، ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ ، ثنا هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِي شَمِيلَةَ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ إلَى قُبَاءَ فَاسْتَقْبَلَهُ رَهْطٌ مِنْ الْأَنْصَارِ يَحْمِلُونَ جِنَازَةً عَلَى بَابٍ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا هَذَا ؟ قَالُوا : مَمْلُوكٌ لِآلِ فُلَانٍ ، كَانَ مِنْ أَمْرِهِ .\rقَالَ : أَكَانَ يَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ؟ قَالُوا : نَعَمْ ، وَلَكِنَّهُ كَانَ وَكَانَ .\rفَقَالَ لَهُمْ : أَمَا كَانَ يُصَلِّي ؟ فَقَالُوا : قَدْ كَانَ يُصَلِّي وَيَدَعُ .\rفَقَالَ لَهُمْ : ارْجِعُوا بِهِ ، فَغَسِّلُوهُ ، وَكَفِّنُوهُ ، وَصَلُّوا عَلَيْهِ ، وَادْفِنُوهُ ، وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ، لَقَدْ كَادَتْ الْمَلَائِكَةُ تَحُولُ بَيْنِي وَبَيْنَهُ } .\rوَرَوَى بِإِسْنَادِهِ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : صَلَّوْا عَلَى مَنْ قَالَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ } .\rوَلِأَنَّ ذَلِكَ إجْمَاعُ الْمُسْلِمِينَ ، فَإِنَّا لَا نَعْلَمُ فِي عَصْرٍ مِنْ الْأَعْصَارِ أَحَدًا مِنْ تَارِكِي الصَّلَاةِ تُرِكَ تَغْسِيلُهُ ، وَالصَّلَاةُ عَلَيْهِ ، وَدَفْنُهُ فِي مَقَابِر الْمُسْلِمِينَ ، وَلَا مُنِعَ وَرَثَتُهُ","part":4,"page":352},{"id":1852,"text":"مِيرَاثَهُ ، وَلَا مُنِعَ هُوَ مِيرَاثَ مُوَرِّثِهِ ، وَلَا فُرِّقَ بَيْنَ زَوْجَيْنِ لِتَرْكِ الصَّلَاةِ مِنْ أَحَدِهِمَا ؛ مَعَ كَثْرَةِ تَارِكِي الصَّلَاةِ ، وَلَوْ كَانَ كَافِرًا لَثَبَتَتْ هَذِهِ الْأَحْكَامُ كُلُّهَا ، وَلَا نَعْلَمُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ خِلَافًا فِي أَنَّ تَارِكَ الصَّلَاةِ يَجِبُ عَلَيْهِ قَضَاؤُهَا ، وَلَوْ كَانَ مُرْتَدًّا لَمْ يَجِبُ عَلَيْهِ قَضَاءُ صَلَاةٍ وَلَا صِيَامٍ .\rوَأَمَّا الْأَحَادِيثُ الْمُتَقَدِّمَةُ فَهِيَ عَلَى سَبِيلِ التَّغْلِيظِ ، وَالتَّشْبِيهِ لَهُ بِالْكُفَّارِ ، لَا عَلَى الْحَقِيقَةِ ، كَقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ { : سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ } .\rوَقَوْلِهِ { : كُفْرٌ بِاَللَّهِ تَبَرُّؤٌ مِنْ نَسَبٍ وَإِنْ دَقَّ } .\rوَقَوْلُهُ { : مَنْ قَالَ لِأَخِيهِ يَا كَافِرُ .\rفَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا } .\rوَقَوْلُهُ { : مَنْ أَتَى حَائِضًا أَوْ امْرَأَةً فِي دُبُرِهَا ، فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ } .\rقَالَ { : وَمَنْ قَالَ : مُطِرْنَا بِنَوْءِ الْكَوَاكِبِ .\rفَهُوَ كَافِرٌ بِاَللَّهِ ، مُؤْمِنٌ بِالْكَوَاكِبِ } .\rوَقَوْلُهُ { : مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ أَشْرَكَ } .\rوَقَوْلِهِ { : شَارِبُ الْخَمْرِ كَعَابِدِ وَثَنٍ } .\rوَأَشْبَاهِ هَذَا مِمَّا أُرِيدَ بِهِ التَّشْدِيدُ فِي الْوَعِيدِ ، وَهُوَ أَصْوَبُ الْقَوْلَيْنِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":4,"page":353},{"id":1853,"text":"( 1491 ) فَصْلٌ : وَمَنْ تَرَكَ شَرْطًا مُجْمَعًا عَلَى صِحَّتِهِ ، أَوْ رُكْنًا ، كَالطَّهَارَةِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ ، فَهُوَ كَتَارِكِهَا ، حُكْمُهُ حُكْمُهُ ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ مَعَ ذَلِكَ وُجُودُهَا كَعَدَمِهَا .\rوَإِنْ تَرَكَ مُخْتَلَفًا فِيهِ ، كَإِزَالَةِ النَّجَاسَةِ ، وَقِرَاءَةِ الْفَاتِحَةَ ، وَالطُّمَأْنِينَةِ ، وَالِاعْتِدَالِ بَيْنَ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ ، أَوْ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ ، مُعْتَقِدًا جَوَازَ ذَلِكَ ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ .\rوَإِنْ تَرَكَهُ مُعْتَقِدًا تَحْرِيمَهُ ، لَزِمَهُ إعَادَةُ الصَّلَاةِ .\rوَلَا يُقْتَلُ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ بِحَالٍ ؛ لِأَنَّهُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ ، فَأَشْبَهَ الْمُتَزَوِّجَ بِغَيْرِ وَلِيٍّ ، وَسَارِقَ مَالٍ لَهُ فِيهِ شُبْهَةٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":4,"page":354},{"id":1854,"text":"كِتَابُ الْجَنَائِزِ يُسْتَحَبُّ لِلْإِنْسَانِ ذِكْرُ الْمَوْتِ وَالِاسْتِعْدَادُ لَهُ ، فَإِنَّهُ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ { : أَكْثِرُوا مِنْ ذِكْرِ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ ، فَمَا ذُكِرَ فِي كَثِيرٍ إلَّا قَلَّلَهُ ، وَلَا فِي قَلِيلٍ إلَّا كَثَّرَهُ } .\rرَوَى الْبُخَارِيُّ أَوَّلَهُ .\rوَإِذَا مَرِضَ اُسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ يَصْبِرَ ، وَيُكْرَهُ الْأَنِينُ ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ طَاوُسٍ أَنَّهُ كَرِهَهُ .\rوَلَا يَتَمَنَّى الْمَوْتَ لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : وَلَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمْ الْمَوْتَ لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ ، وَلْيَقُلْ : اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مَا كَانَتْ الْحَيَاةُ خَيْرًا لِي ، وَتَوَفَّنِي إذَا كَانَتْ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِي } .\rوَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ .\rوَيُحْسِنُ ظَنَّهُ بِرَبِّهِ تَعَالَى ، قَالَ جَابِرٌ : سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { يَقُولُ قَبْلَ مَوْتِهِ بِثَلَاثٍ : لَا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إلَّا وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِاَللَّهِ تَعَالَى } .\rرَوَاهُ مُسْلِمٌ ، وَأَبُو دَاوُد .\rوَقَالَ مُعْتَمِرٌ عَنْ أَبِيهِ ، إنَّهُ قَالَ لَهُ عِنْدَ مَوْتِهِ : حَدِّثْنِي بِالرُّخَصِ .","part":4,"page":355},{"id":1855,"text":"( 1492 ) فَصْلٌ : وَيُسْتَحَبُّ عِيَادَةُ الْمَرِيضِ ، قَالَ الْبَرَاءُ : أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِاتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ ، وَعِيَادَةِ الْمَرِيضِ .\rرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ، وَمُسْلِمٌ .\rوَعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { : مَا مِنْ رَجُلٍ يَعُودُ مَرِيضًا مُمْسِيًا ، إلَّا خَرَجَ مَعَهُ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ ، يَسْتَغْفِرُونَ لَهُ حَتَّى يُصْبِحَ ، وَكَانَ لَهُ خَرِيفٌ فِي الْجَنَّةِ ، وَمَنْ أَتَاهُ مُصْبِحًا ، خَرَجَ مَعَهُ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ يَسْتَغْفِرُونَ لَهُ حَتَّى يُمْسِيَ ، وَكَانَ لَهُ خَرِيفٌ فِي الْجَنَّةِ .\r} قَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ .\rوَإِذَا دَخَلَ عَلَى الْمَرِيضِ دَعَا لَهُ ، وَرَقَاهُ .\rقَالَ ثَابِتٌ لَأَنَسٍ : يَا أَبَا حَمْزَةَ ، اشْتَكَيْتُ .\rقَالَ أَنَسٌ ، أَفَلَا أَرْقِيكَ بِرُقْيَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قَالَ : بَلَى .\rقَالَ { اللَّهُمَّ رَبَّ النَّاسِ ، مُذْهِبَ الْبَاسِ ، اشْفِ أَنْتَ الشَّافِي ، شِفَاءً لَا يُغَادِرُ سَقَمًا } .\rوَرَوَى أَبُو سَعِيدٍ ، قَالَ : { أَتَى جِبْرِيلُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا مُحَمَّدُ ، اشْتَكَيْتُ ؟ قَالَ : نَعَمْ .\rقَالَ : بِسْمِ اللَّهِ أَرْقِيك ، مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يُؤْذِيك ، مِنْ شَرِّ كُلِّ نَفْسٍ وَعَيْنٍ حَاسِدَةٍ اللَّهُ يَشْفِيك } .\rوَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ : كِلَا هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ صَحِيحٌ .\rوَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { : إذَا دَخَلْتُمْ عَلَى الْمَرِيضِ فَنَفِّسُوا لَهُ فِي الْأَجَلِ ؛ فَإِنَّهُ لَا يَرُدُّ مِنْ قَضَاءِ اللَّهِ شَيْئًا ، وَإِنَّهُ يُطَيِّبُ نَفْسَ الْمَرِيضِ } .\rرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ .\rوَيُرَغِّبُهُ فِي التَّوْبَةِ وَالْوَصِيَّةِ ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ ، وَلَهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ ، إلَّا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ","part":4,"page":356},{"id":1856,"text":"( 1493 ) فَصْلٌ : وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَلِيَ الْمَرِيضَ أَرْفَقُ أَهْلِهِ بِهِ ، وَأَعْلَمُهُمْ بِسِيَاسَتِهِ ، وَأَتْقَاهُمْ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ؛ لِيُذَكِّرَهُ اللَّهَ تَعَالَى ، وَالتَّوْبَةَ مِنْ الْمَعَاصِي ، وَالْخُرُوجَ مِنْ الْمَظَالِمِ ، وَالْوَصِيَّةَ .\rوَإِذَا رَآهُ مَنْزُولًا بِهِ تَعَهَّدَ بَلَّ حَلْقِهِ ، بِتَقْطِيرِ مَاءٍ أَوْ شَرَابٍ فِيهِ ، وَيُنَدِّي شَفَتَيْهِ بِقُطْنَةٍ ، وَيَسْتَقْبِلُ بِهِ الْقِبْلَةَ ؛ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : خَيْرُ الْمَجَالِسِ مَا اُسْتُقْبِلَ بِهِ الْقِبْلَةُ } .\rوَيُلَقِّنُهُ قَوْلَ \" لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ \" ؛ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ } .\rرَوَاهُ مُسْلِمٌ .\rوَقَالَ الْحَسَنُ : سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ ؟ قَالَ { : أَنْ تَمُوتَ يَوْمَ تَمُوتُ وَلِسَانُك رَطْبٌ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ } .\rرَوَاهُ سَعِيدٌ .\rوَيَكُونُ ذَلِكَ فِي لُطْفٍ وَمُدَارَاةٍ ، وَلَا يُكَرِّرُ عَلَيْهِ ، وَلَا يُضَجِّرَهُ ، إلَّا أَنْ يَتَكَلَّمَ بِشَيْءٍ ، فَيُعِيدُ تَلْقِينَهُ ؛ لِتَكُونَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ آخِرَ كَلَامِهِ نَصَّ عَلَى هَذَا أَحْمَدُ ، وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ ، أَنَّهُ لَمَّا حَضَرَهُ الْمَوْتُ جَعَلَ رَجُلٌ يُلَقِّنُهُ \" لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ \" فَأَكْثَرَ عَلَيْهِ ؛ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ : إذَا قُلْت مَرَّةً فَأَنَا عَلَى ذَلِكَ مَا لَمْ أَتَكَلَّمْ ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ : إنَّمَا أَرَادَ عَبْدُ اللَّهِ مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ { : مَنْ كَانَ آخِرُ كَلَامِهِ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، بِإِسْنَادِهِ .\rوَرَوَى سَعِيدٌ ، بِإِسْنَادِهِ ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ أَنَّهُ لَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ ، قَالَ : أَجْلِسُونِي .\rفَلَمَّا أَجْلَسُوهُ قَالَ : كَلِمَةٌ سَمِعْتهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُنْت أَخْبَؤُهَا ، وَلَوْلَا مَا حَضَرَنِي مِنْ الْمَوْتِ مَا أَخْبَرْتُكُمْ بِهَا ، سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ","part":4,"page":357},{"id":1857,"text":"صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ { : مَنْ كَانَ آخِرُ كَلَامِهِ عِنْدَ الْمَوْتِ أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ، إلَّا هَدَمَتْ مَا كَانَ قَبْلَهَا مِنْ الْخَطَايَا وَالذُّنُوبِ ، فَلَقِّنُوهَا مَوْتَاكُمْ فَقِيلَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَكَيْفَ هِيَ لِلْأَحْيَاءِ ؟ قَالَ هِيَ أَهْدَمُ وَأَهْدَمُ } .\rقَالَ أَحْمَدُ : وَيَقْرَءُونَ عِنْدَ الْمَيِّتِ إذَا حَضَرَ ، لِيُخَفَّفَ عَنْهُ بِالْقِرَاءَةِ ، يُقْرَأُ { يس } ، وَأَمَرَ بِقِرَاءَةِ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ .\rوَرَوَى سَعِيدٌ ، حَدَّثَنَا فَرْجُ بْنُ فَضَالَةَ ، عَنْ أَسَدِ بْنِ وَدَاعَةَ ، قَالَ : لَمَّا حَضَرَ غُضَيْفَ بْنَ حَارِثٍ الْمَوْتُ ، حَضَرَهُ إخْوَانُهُ ، فَقَالَ : هَلْ فِيكُمْ مَنْ يَقْرَأُ سُورَةَ ( يس ) ؟ قَالَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ : نَعَمْ .\rقَالَ : اقْرَأْ ، وَرَتِّلْ ، وَأَنْصِتُوا .\rفَقَرَأَ ، وَرَتَّلَ .\rوَأَسْمَعَ الْقَوْمَ ، فَلَمَّا بَلَغَ { : فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } .\rخَرَجَتْ نَفْسُهُ .\rقَالَ أَسَدُ بْنُ وَدَاعَةَ : فَمَنْ حَضَرَ مِنْكُمْ الْمَيِّتَ ، فَشُدِّدَ عَلَيْهِ الْمَوْتُ ، فَلْيَقْرَأْ عِنْدَهُ سُورَةَ ( يس ) ، فَإِنَّهُ يُخَفَّفُ عَنْهُ الْمَوْتُ .","part":4,"page":358},{"id":1858,"text":"( 1494 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ : \" ( وَإِذَا تُيُقِّنَ الْمَوْتُ ، وُجِّهَ إلَى الْقِبْلَةِ ، وَغُمِّضَتْ عَيْنَاهُ ، وَشُدَّ لَحْيَاهُ ، لِئَلَّا يَسْتَرْخِيَ فَكُّهُ ، وَجُعِلَ عَلَى بَطْنِهِ مِرْآةٌ أَوْ غَيْرُهَا ؛ لِئَلَّا يَعْلُوَ بَطْنُهُ ) قَوْله : \" إذَا تُيُقِّنَ الْمَوْتُ \" يَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ حُضُورَ الْمَوْتِ ؛ لِأَنَّ التَّوْجِيهَ إلَى الْقِبْلَةِ يُسْتَحَبُّ تَقْدِيمُهُ عَلَى الْمَوْتِ ، وَاسْتَحَبَّهُ عَطَاءٌ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَأَهْلُ الشَّامِ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَنْكَرَهُ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ، فَإِنَّهُمْ لَمَّا أَرَادُوا أَنْ يُحَوِّلُوهُ إلَى الْقِبْلَةِ ، قَالَ : مَا لَكُمْ ؟ قَالُوا : نُحَوِّلُك إلَى الْقِبْلَةِ .\rقَالَ : أَلَمْ أَكُنْ عَلَى الْقِبْلَةِ إلَى يَوْمِي هَذَا ؟ وَالْأَوَّلُ أَوْلَى ؛ لِأَنَّ حُذَيْفَةَ قَالَ : وَجِّهُونِي .\rوَلِأَنَّ فِعْلَهُمْ ذَلِكَ بِسَعِيدٍ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ مَشْهُورًا بَيْنَهُمْ ، يَفْعَلُهُ الْمُسْلِمُونَ كُلُّهُمْ بِمَوْتَاهُمْ ، وَلِأَنَّ خَيْرَ الْمَجَالِسِ مَا اُسْتُقْبِلَ بِهِ الْقِبْلَةُ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنَّ الْخِرَقِيِّ أَرَادَ تَيَقُّنَ وُجُودِ الْمَوْتِ ، لِأَنَّ سَائِرَ مَا ذَكَرَهُ إنَّمَا يُفْعَلُ بَعْدَ الْمَوْتِ ، وَهُوَ تَغْمِيضُ الْمَيِّتِ ، فَإِنَّهُ يُسَنُّ عَقِيبَ الْمَوْتِ ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ، قَالَتْ : دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَبِي سَلَمَةَ وَقَدْ شَقَّ بَصَرُهُ ، فَأَغْمَضَهُ ، ثُمَّ قَالَ { : إنَّ الرُّوحَ إذَا قُبِضَ تَبِعَهُ الْبَصَرُ .\rفَضَجَّ النَّاسُ مِنْ أَهْلِهِ ، فَقَالَ : لَا تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ إلَّا بِخَيْرٍ ، فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ يُؤَمِّنُونَ عَلَى مَا تَقُولُونَ .\rثُمَّ قَالَ : اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِأَبِي سَلَمَةَ ، وَارْفَعْ دَرَجَتَهُ فِي الْمَهْدِيِّينَ الْمُقَرَّبِينَ ، وَاخْلُفْهُ فِي عَقِبِهِ فِي الْغَابِرِينَ ، وَاغْفِرْ لَنَا وَلَهُ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ ، وَأَفْسِحْ لَهُ فِي قَبْرِهِ ، وَنَوِّرْ لَهُ فِيهِ } .\rأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ .\rوَرَوَى شَدَّادُ بْنُ أَوْسٍ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ","part":4,"page":359},{"id":1859,"text":"عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : إذَا حَضَرْتُمْ مَوْتَاكُمْ ، فَأَغْمِضُوا الْبَصَرَ ، فَإِنَّ الْبَصَرَ يَتْبَعُ الرُّوحَ ، وَقُولُوا خَيْرًا ؛ فَإِنَّهُ يُؤَمَّنُ عَلَى مَا قَالَ أَهْلُ الْمَيِّتِ } .\rرَوَاهُ أَحْمَدُ ، فِي \" الْمُسْنَدِ \" .\rوَرُوِيَ أَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ لِابْنِهِ حِينَ حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ : اُدْنُ مِنِّي ، فَإِذَا رَأَيْت رُوحِي قَدْ بَلَغَتْ لَهَاتِي ، فَضَعْ كَفَّك الْيُمْنَى عَلَى جَبْهَتِي ، وَالْيُسْرَى تَحْتَ ذَقَنِي ، وَأَغْمِضْنِي .\rوَيُسْتَحَبُّ شَدُّ لَحْيَيْهِ بِعِصَابَةٍ عَرِيضَةٍ ، يَرْبُطُهَا مِنْ فَوْقِ رَأْسِهِ ؛ لِأَنَّ الْمَيِّتَ إذَا كَانَ مَفْتُوحَ الْعَيْنَيْنِ وَالْفَمِ ، فَلَمْ يُغَمَّضْ حَتَّى يَبْرُدَ ، بَقِيَ مَفْتُوحًا ، فَيَقْبُحُ مَنْظَرُهُ ، وَلَا يُؤْمَنُ دُخُولُ الْهَوَامِّ فِيهِ ، وَالْمَاءِ فِي وَقْتِ غُسْلِهِ .\rوَقَالَ بَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيّ : وَيَقُولُ الَّذِي يُغَمِّضُهُ : بِسْمِ اللَّهِ ، وَعَلَى وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rوَيُجْعَلُ عَلَى بَطْنِهِ شَيْءٌ مِنْ الْحَدِيدِ ، كَمِرْآةٍ أَوْ غَيْرِهَا ؛ لِئَلَّا يَنْتَفِخَ بَطْنُهُ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنْ الْحَدِيدِ فَطِينٌ مَبْلُولٌ .\rوَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَلِيَ ذَلِكَ مِنْهُ أَرْفَقُ النَّاسِ بِهِ ، بِأَرْفَقِ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ .\rقَالَ أَحْمَدُ : تُغَمِّضُ الْمَرْأَةُ عَيْنَيْهِ إذَا كَانَتْ ذَاتَ مَحْرَمٍ لَهُ .\rوَقَالَ : يُكْرَهُ لِلْحَائِضِ وَالْجُنُبِ تَغْمِيضُهُ ، وَأَنْ تَقْرَبَاهُ .\rوَكَرِهَ ذَلِكَ عَلْقَمَةُ .\rوَرُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ الشَّافِعِيِّ .\rوَكَرِهَ الْحَسَنُ ، وَابْنُ سِيرِينَ ، وَعَطَاءٌ ، أَنْ يُغَسِّلَ الْحَائِضُ وَالْجُنُبُ الْمَيِّتَ .\rوَبِهِ قَالَ مَالِكٌ .\rوَقَالَ إِسْحَاقُ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ : يُغَسِّلُهُ الْجُنُبُ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : الْمُؤْمِنُ لَيْسَ بِنَجَسٍ } .\rوَلَا نَعْلَمُ بَيْنَهُمْ اخْتِلَافًا فِي صِحَّةِ تَغْسِيلِهِمَا وَتَغْمِيضِهِمَا لَهُ ، وَلَكِنْ الْأَوْلَى أَنْ يَكُونَ الْمُتَوَلِّي لِأُمُورِهِ ، فِي تَغْمِيضِهِ وَتَغْسِيلِهِ ، طَاهِرًا لِأَنَّهُ أَكْمَلُ وَأَحْسَنُ","part":4,"page":360},{"id":1860,"text":"( 1495 ) فَصْلٌ : وَيُسْتَحَبُّ الْمُسَارَعَةُ إلَى تَجْهِيزِهِ إذَا تُيُقِّنَ مَوْتُهُ ؛ لِأَنَّهُ أَصْوَبُ لَهُ ، وَأَحْفَظُ مِنْ أَنْ يَتَغَيَّرَ ، وَتَصْعُبَ مُعَافَاتُهُ .\rقَالَ أَحْمَدُ : كَرَامَةُ الْمَيِّتِ تَعْجِيلُهُ .\rوَفِيمَا رَوَى أَبُو دَاوُد ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { : إنِّي لَأُرَى طَلْحَةَ قَدْ حَدَثَ فِيهِ الْمَوْتُ ، فَآذِنُونِي بِهِ ، وَعَجِّلُوا فَإِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِجِيفَةِ مُسْلِمٍ أَنْ تُحْبَسَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ أَهْلِهِ } .\rوَلَا بَأْسَ أَنْ يُنْتَظَرَ بِهَا مِقْدَارُ مَا يَجْتَمِعُ لَهَا جَمَاعَةٌ ؛ لِمَا يُؤَمَّلُ مِنْ الدُّعَاءِ لَهُ إذَا صُلِّيَ عَلَيْهِ ، مَا لَمْ يُخَفْ عَلَيْهِ ، أَوْ يَشُقَّ عَلَى النَّاسِ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .\rوَإِنْ اشْتَبَهَ أَمْرُ الْمَيِّتِ ، اُعْتُبِرَ بِظُهُورِ أَمَارَاتِ الْمَوْتِ ، مِنْ اسْتِرْخَاءِ رِجْلَيْهِ ، وَانْفِصَالِ كَفَّيْهِ ، وَمَيْلِ أَنْفِهِ ، وَامْتِدَادِ جِلْدَةِ وَجْهِهِ ، وَانْخِسَافِ صُدْغَيْهِ .\rوَإِنْ مَاتَ فَجْأَةً كَالْمَصْعُوقِ ، أَوْ خَائِفًا مِنْ حَرْبٍ أَوْ سَبُعٍ ، أَوْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ ، اُنْتُظِرَ بِهِ هَذِهِ الْعَلَامَاتُ ، حَتَّى يُتَيَقَّنَ مَوْتُهُ .\rقَالَ الْحَسَنُ فِي الْمَصْعُوقِ : يُنْتَظَرُ بِهِ ثَلَاثًا .\rقَالَ أَحْمَدُ ، رَحِمَهُ اللَّهُ : إنَّهُ رُبَّمَا تَغَيَّرَ فِي الصَّيْفِ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ .\rقِيلَ : فَكَيْفَ تَقُولُ ؟ قَالَ : يُتْرَكُ بِقَدْرِ مَا يُعْلَمُ أَنَّهُ مَيِّتٌ .\rقِيلَ لَهُ : مِنْ غَدْوَةٍ إلَى اللَّيْلِ .\rقَالَ : نَعَمْ .","part":4,"page":361},{"id":1861,"text":"( 1496 ) فَصْلٌ : وَيُسَارَعُ فِي قَضَاءِ دَيْنِهِ ؛ لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { : نَفْسُ الْمُؤْمِنِ مُعَلَّقَةٌ بِدَيْنِهِ حَتَّى يُقْضَى عَنْهُ } .\rقَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ .\rوَإِنْ تَعَذَّرَ إيفَاءُ دَيْنِهِ فِي الْحَالِ ، اُسْتُحِبَّ لِوَارِثِهِ أَوْ غَيْرِهِ أَنْ يَتَكَفَّلَ بِهِ عَنْهُ ، كَمَا فَعَلَ أَبُو قَتَادَةَ لَمَّا أُتِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِجِنَازَةٍ ، فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهَا ، قَالَ أَبُو قَتَادَةَ : صَلِّ عَلَيْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَعَلَيَّ دَيْنُهُ .\rفَصَلَّى عَلَيْهِ .\rرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ .\rوَيُسْتَحَبُّ الْمُسَارَعَةُ إلَى تَفْرِيقِ وَصِيَّتِهِ ؛ لِيُعَجَّلَ لَهُ ثَوَابُهَا بِجَرَيَانِهَا عَلَى الْمُوصَى لَهُ .","part":4,"page":362},{"id":1862,"text":"( 1497 ) فَصْلٌ : وَيُسْتَحَبُّ خَلْعُ ثِيَابِ الْمَيِّتِ ؛ لِئَلَّا يَخْرُجَ مِنْهُ شَيْءٌ يَفْسُدُ بِهِ ، وَيَتَلَوَّثُ بِهَا ، إذَا نُزِعَتْ عَنْهُ ، وَيُسَجَّى بِثَوْبٍ يَسْتُرُ جَمِيعَهُ .\rقَالَتْ عَائِشَةُ : سُجِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِثَوْبٍ حِبَرَةٍ .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَلَا يُتْرَكُ الْمَيِّتُ عَلَى الْأَرْضِ ؛ لِأَنَّهُ أَسْرَعُ لِفَسَادِهِ ، وَلَكِنْ عَلَى سَرِيرٍ أَوْ لَوْحٍ ، لِيَكُونَ أَحْفَظَ لَهُ .","part":4,"page":363},{"id":1863,"text":"( 1498 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( فَإِذَا أَخَذَ فِي غُسْلِهِ سَتَرَ مِنْ سُرَّتِهِ إلَى رُكْبَتَيْهِ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْمُسْتَحَبَّ تَجْرِيدُ الْمَيِّتِ عِنْدَ غُسْلِهِ ، وَيَسْتُرُ عَوْرَتَهُ بِمِئْزَرٍ .\rهَذَا ظَاهِرُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ ، فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ عَنْ أَحْمَدَ فَقَالَ : يُغَطِّي مَا بَيْنَ سُرَّتِهِ وَرُكْبَتَيْهِ .\rوَهَذَا اخْتِيَارُ أَبِي الْخَطَّابِ وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ سِيرِينَ وَمَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَرَوَى الْمَرُّوذِيُّ ، عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّهُ قَالَ : يُعْجِبُنِي أَنْ يُغَسِّلَ الْمَيِّتَ وَعَلَيْهِ ثَوْبٌ يُدْخِلُ يَدَهُ مِنْ تَحْتِ الثَّوْبِ .\rقَالَ : وَكَانَ أَبُو قِلَابَةَ إذَا غَسَّلَ مَيِّتًا جَلَّلَهُ بِثَوْبٍ .\rقَالَ الْقَاضِي : السُّنَّةُ أَنْ يُغَسَّلَ فِي قَمِيصٍ رَقِيقٍ يَنْزِلُ الْمَاءُ فِيهِ ، وَلَا يَمْنَعُ أَنْ يَصِلَ إلَى بَدَنِهِ ، وَيُدْخِلُ يَدَهُ فِي كُمِّ الْقَمِيصِ ، فَيُمِرُّهَا عَلَى بَدَنِهِ وَالْمَاءُ يُصَبُّ ، فَإِنْ كَانَ الْقَمِيصُ ضَيِّقًا فَتَقَ رَأْسَ الدَّخَارِيصِ ، وَأَدْخَلَ يَدَهُ مِنْهُ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غُسِّلَ فِي قَمِيصِهِ .\rوَقَالَ سَعْدٌ اصْنَعُوا بِي كَمَا صُنِعَ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rقَالَ أَحْمَدُ غُسِّلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَمِيصِهِ ، وَقَدْ أَرَادُوا خَلْعَهُ ، فَنُودُوا ، أَنْ لَا تَخْلَعُوهُ ، وَاسْتُرُوا نَبِيَّكُمْ .\rوَلَنَا ، أَنَّ تَجْرِيدَهُ أَمْكَنُ لِتَغْسِيلِهِ ، وَأَبْلَغُ فِي تَطْهِيرِهِ ، وَالْحَيُّ يَتَجَرَّدُ إذَا اغْتَسَلَ ، فَكَذَا الْمَيِّتُ ، وَلِأَنَّهُ إذَا غُسِّلَ فِي ثَوْبِهِ تَنَجَّسَ الثَّوْبُ بِمَا يَخْرُجُ ، وَقَدْ لَا يَطْهُرُ بِصَبِّ الْمَاءِ عَلَيْهِ ، فَيَتَنَجَّسَ الْمَيِّتُ بِهِ .\rفَأَمَّا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَاكَ خَاصٌّ لَهُ ، أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ قَالُوا : نُجَرِّدُهُ كَمَا نُجَرِّدُ مَوْتَانَا .\rكَذَلِكَ رَوَتْ عَائِشَةُ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرّ : رُوِيَ ذَلِكَ عَنْهَا مِنْ وَجْهٍ صَحِيحٍ .\rفَالظَّاهِرُ أَنَّ تَجْرِيدَ الْمَيِّتِ فِيمَا عَدَا الْعَوْرَةَ كَانَ مَشْهُورًا عِنْدَهُمْ ،","part":4,"page":364},{"id":1864,"text":"وَلَمْ يَكُنْ هَذَا لِيَخْفَى عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَلْ الظَّاهِرُ أَنَّهُ كَانَ بِأَمْرِهِ ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَنْتَهُونَ إلَى رَأْيِهِ ، وَيَصْدُرُونَ عَنْ أَمْرِهِ فِي الشَّرْعِيَّاتِ ، وَاتِّبَاعُ أَمْرِهِ وَفِعْلِهِ أَوْلَى مِنْ اتِّبَاعِ غَيْرِهِ .\rوَلِأَنَّ مَا يُخْشَى مِنْ تَنْجِيسِ قَمِيصِهِ بِمَا يَخْرُجُ مِنْهُ كَانَ مَأْمُونًا فِي حَقِّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ لِأَنَّهُ طَيِّبٌ حَيًّا وَمَيِّتًا ، بِخِلَافِ غَيْرِهِ ، وَإِنَّمَا قَالَ سَعْدٌ الْحَدُوا لِي لَحْدًا ، وَانْصُبُوا عَلَيَّ اللَّبِنَ نَصْبًا ، كَمَا صُنِعَ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rوَلَوْ ثَبَتَ أَنَّهُ أَرَادَ الْغُسْلَ فَأَمْرُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْلَى بِالِاتِّبَاعِ .\rوَأَمَّا سَتْرُ مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ فَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا ، فَإِنَّ ذَلِكَ عَوْرَةٌ ، وَسَتْرُ الْعَوْرَةِ مَأْمُورٌ بِهِ ، وَقَدْ { قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَلِيٍّ : لَا تَنْظُرْ إلَى فَخِذِ حَيٍّ ، وَلَا مَيِّتٍ } .\rقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : وَرُوِيَ : \" النَّاظِرُ مِنْ الرِّجَالِ إلَى فُرُوجِ الرِّجَالِ ، كَالنَّاظِرِ مِنْهُمْ إلَى فُرُوجِ النِّسَاءِ ، وَالْمُتَكَشِّفُ مَلْعُونٌ \" .\r( 1499 ) فَصْلٌ : قَالَ أَبُو دَاوُد : قُلْت لِأَحْمَدَ الصَّبِيُّ يُسْتَرُ كَمَا يُسْتَرُ الْكَبِيرُ ، أَعْنِي الصَّبِيَّ الْمَيِّتَ فِي الْغُسْلِ .\rقَالَ : أَيُّ شَيْءٍ يُسْتَرُ مِنْهُ ، وَلَيْسَتْ عَوْرَتُهُ بِعَوْرَةٍ وَيُغَسِّلُهُ النِّسَاءُ ؟","part":4,"page":365},{"id":1865,"text":"( 1500 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَالِاسْتِحْبَابُ أَنْ لَا يُغَسَّلَ تَحْتَ السَّمَاءِ ، وَلَا يَحْضُرُهُ إلَّا مَنْ يُعِينُ فِي أَمْرِهِ ، مَا دَامَ يُغَسَّلُ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْمُسْتَحَبَّ أَنْ يُغَسَّلَ فِي بَيْتٍ .\rوَكَانَ ابْنُ سِيرِينَ يَسْتَحِبُّ أَنْ يَكُونَ الْبَيْتُ الَّذِي يُغَسَّلُ فِيهِ مُظْلِمًا .\rوَذَكَرَهُ أَحْمَدُ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ جُعِلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ السَّمَاءِ سِتْرًا .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ كَانَ النَّخَعِيُّ يُحِبُّ أَنْ يُغَسَّلَ وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ السَّمَاءِ سُتْرَةٌ .\rوَرَوَى أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادِهِ ؛ قَالَ : أَوْصَى الضَّحَّاكُ أَخَاهُ سَالِمًا ، قَالَ : إذَا غَسَّلْتنِي فَاجْعَلْ حَوْلِي سِتْرًا ، وَاجْعَلْ بَيْنِي وَبَيْنَ السَّمَاءِ سِتْرًا .\rوَذَكَرَ الْقَاضِي ، أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ : { أَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَحْنُ نُغَسِّلُ ابْنَتَهُ ، فَجَعَلْنَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ السَّقْفِ سِتْرًا } .\rقَالَ : وَإِنَّمَا اُسْتُحِبَّ ذَلِكَ خَشْيَةَ أَنْ يَسْتَقْبِلَ السَّمَاءَ بِعَوْرَتِهِ ، وَإِنَّمَا كُرِهَ أَنْ يَحْضُرَهُ مَنْ لَا يُعِينُ فِي أَمْرِهِ ، لِأَنَّهُ يُكْرَهُ النَّظَرُ إلَى الْمَيِّتِ إلَّا لِحَاجَةٍ .\rوَيُسْتَحَبُّ لِلْحَاضِرِينَ غَضُّ أَبْصَارِهِمْ عَنْهُ ، إلَّا مِنْ حَاجَةٍ ، وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُ رُبَّمَا كَانَ بِالْمَيِّتِ عَيْبٌ يَكْتُمُهُ ، وَيَكْرَهُ أَنْ يُطَّلَعَ عَلَيْهِ بَعْدَ مَوْتِهِ ، وَرُبَّمَا حَدَثَ مِنْهُ أَمْرٌ يَكْرَهُ الْحَيُّ أَنْ يُطَّلَعَ مِنْهُ عَلَى مِثْلِهِ ، وَرُبَّمَا ظَهَرَ فِيهِ شَيْءٌ هُوَ فِي الظَّاهِرِ مُنْكَرٌ فَيُحَدَّثُ بِهِ ، فَيَكُونُ فَضِيحَةً لَهُ ، وَرُبَّمَا بَدَتْ عَوْرَتُهُ فَشَاهَدَهَا ، وَلِهَذَا أَحْبَبْنَا أَنْ يَكُونَ الْغَاسِلُ ثِقَةً أَمِينًا صَالِحًا ؛ لِيَسْتُرَ مَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ ، وَفِي الْحَدِيثِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { لِيُغَسِّلْ مَوْتَاكُمْ الْمَأْمُونُونَ .\r} رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ .\rوَرُوِيَ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ : { مَنْ غَسَّلَ مَيِّتًا ، ثُمَّ لَمْ يُفْشِ عَلَيْهِ ، خَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ .\r} رَوَاهُ ابْنُ","part":4,"page":366},{"id":1866,"text":"مَاجَهْ أَيْضًا .\rوَفِي \" الْمُسْنَدِ \" عَنْ عَائِشَةَ ، قَالَتْ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : مَنْ غَسَّلَ مَيِّتًا ، فَأَدَّى فِيهِ الْأَمَانَةَ ، وَلَمْ يُفْشِ عَلَيْهِ مَا يَكُونُ مِنْهُ عِنْدَ ذَلِكَ ، خَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ } .\rوَقَالَ : { لِيَلِهِ أَقْرَبُكُمْ مِنْهُ إنْ كَانَ يَعْلَمُ ، فَإِنْ كَانَ لَا يَعْلَمُ فَمَنْ تَرَوْنَ أَنَّ عِنْدَهُ حَظًّا مِنْ وَرَعٍ وَأَمَانَةٍ } .\rوَقَالَ الْقَاضِي : لِوَلِيِّهِ أَنْ يَدْخُلَ كَيْفَ شَاءَ .\rوَكَلَامُ الْخِرَقِيِّ عَامٌّ فِي الْمَنْعِ ، وَلَعَلَّهُ يَقْتَضِي التَّعْمِيمَ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":4,"page":367},{"id":1867,"text":"( 1501 ) فَصْلٌ : وَيَنْبَغِي لِلْغَاسِلِ ، وَلِمَنْ حَضَرَ ، إذَا رَأَى مِنْ الْمَيِّتِ شَيْئًا مِمَّا ذَكَرْنَاهُ وَمِمَّا يُحِبُّ الْمَيِّتُ سَتْرَهُ ، أَنْ يَسْتُرَهُ ، وَلَا يُحَدِّثَ بِهِ ؛ لِمَا رَوَيْنَاهُ ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { مَنْ سَتَرَ عَوْرَةَ مُسْلِمٍ ، سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ } .\rوَإِنْ رَأَى حَسَنًا مِثْلَ أَمَارَاتِ الْخَيْرِ ، مِنْ وَضَاءَةِ الْوَجْهِ ، وَالتَّبَسُّمِ ، وَنَحْوِ ذَلِكَ ، اُسْتُحِبَّ إظْهَارُهُ ، لِيَكْثُرَ التَّرَحُّمُ عَلَيْهِ ، وَيَحْصُلَ الْحَثُّ عَلَى مِثْلِ طَرِيقَتِهِ ، وَالتَّشَبُّهُ بِجَمِيلِ سِيرَتِهِ .\rقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ : وَإِنْ كَانَ الْمَيِّتُ مَغْمُوصًا عَلَيْهِ فِي الدِّينِ وَالسُّنَّةِ ، مَشْهُورًا بِبِدْعَتِهِ ، فَلَا بَأْسَ بِإِظْهَارِ الشَّرِّ عَلَيْهِ ، لِتُحْذَرَ طَرِيقَتُهُ .\rوَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَكْتُمَ مَا يَرَى عَلَيْهِ مِنْ أَمَارَاتِ الْخَيْرِ ؛ لِئَلَّا يَغْتَرَّ مُغْتَرٌّ بِذَلِكَ ، فَيَقْتَدِيَ بِهِ فِي بِدْعَتِهِ .\r( 1502 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَتُلَيَّنُ مَفَاصِلُهُ إنْ سَهُلَتْ عَلَيْهِ ، وَإِلَّا تَرَكَهَا ) مَعْنَى تَلْيِينِ الْمَفَاصِل هُوَ أَنْ يَرُدَّ ذِرَاعَيْهِ إلَى عَضُدَيْهِ ، وَعَضُدَيْهِ إلَى جَنْبَيْهِ ، ثُمَّ يَرُدَّهُمَا ، وَيَرُدّ سَاقَيْهِ إلَى فَخِذَيْهِ ، وَفَخِذَيْهِ ، إلَى بَطْنِهِ ، ثُمَّ يَرُدُّهَا ، لِيَكُونَ ذَلِكَ أَبْقَى لِلِينِهِ ، فَيَكُون ذَلِكَ أَمْكَنَ لِلْغَاسِلِ ، مِنْ تَكْفِينِهِ ، وَتَمْدِيدِهِ ، وَخَلْعِ ثِيَابِهِ ، وَتَغْسِيلِهِ .\rقَالَ أَصْحَابُنَا : وَيُسْتَحَبُّ ذَلِكَ فِي مَوْضِعَيْنِ ، عَقِيبَ مَوْتِهِ قَبْلَ قَسْوَتِهَا بِبُرُودَتِهِ ، وَإِذَا أَخَذَ فِي غُسْلِهِ .\rوَإِنْ شَقَّ ذَلِكَ لِقَسْوَةِ الْمَيِّتِ أَوْ غَيْرِهَا ، تَرَكَهُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ أَنْ تَنْكَسِرَ أَعْضَاؤُهُ ، وَيَصِيرَ بِهِ ذَلِكَ إلَى الْمُثْلَةِ .","part":4,"page":368},{"id":1868,"text":"( 1503 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ ( وَيَلُفُّ عَلَى يَدِهِ خِرْقَةً ، فَيُنَقِّي مَا بِهِ مِنْ نَجَاسَةٍ ، وَيَعْصِرُ بَطْنَهُ عَصْرًا رَفِيقًا ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يُغَسَّلَ الْمَيِّتُ عَلَى سَرِيرٍ ، يُتْرَكُ عَلَيْهِ مُتَوَجِّهًا إلَى الْقِبْلَةِ مُنْحَدِرًا نَحْوَ رِجْلَيْهِ ، لِيَنْحَدِرَ الْمَاءُ بِمَا يَخْرُجُ مِنْهُ ، وَلَا يَرْجِعَ إلَى جِهَةِ رَأْسِهِ ، وَيَبْدَأُ الْغَاسِلُ ، فَيَحْنِي الْمَيِّتَ حَنْيًا رَفِيقًا ، لَا يَبْلُغُ بِهِ قَرِيبًا مِنْ الْجُلُوسِ ، لِأَنَّ فِي الْجُلُوسِ أَذِيَّةً لَهُ ، ثُمَّ يُمِرُّ يَدَهُ عَلَى بَطْنِهِ ، يَعْصِرُهُ عَصْرًا رَفِيقًا ؛ لِيُخْرِج مَا مَعَهُ مِنْ نَجَاسَةٍ ، لِئَلَّا يَخْرُجَ بَعْدَ ذَلِكَ ، وَيَصُبُّ عَلَيْهِ الْمَاءُ حِينَ يُمِرُّ يَدَهُ صَبًّا كَثِيرًا ، لِيُخْفِيَ مَا يَخْرُجُ مِنْهُ ، وَيَذْهَبُ بِهِ الْمَاءُ ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ بِقُرْبِهِ مِجْمَرٌ فِيهِ بَخُورٌ حَتَّى لَا يَظْهَرَ مِنْهُ رِيحٌ .\rوَقَالَ أَحْمَدُ رَحِمَهُ اللَّهُ : لَا يَعْصِرُ بَطْنَ الْمَيِّتِ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى ، وَلَكِنْ فِي الثَّانِيَةِ .\rوَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ : يَعْصِرُ بَطْنَهُ فِي الثَّالِثَةِ ، يَمْسَحُ مَسْحًا رَفِيقًا مَرَّةً وَاحِدَةً .\rوَقَالَ أَيْضًا : عَصْرُ بَطْنِ الْمَيِّتِ فِي الثَّانِيَةِ أَمْكَنُ ؛ لِأَنَّ الْمَيِّتَ لَا يَلِينُ حَتَّى يُصِيبَهُ الْمَاءُ .\rوَيَلُفُّ الْغَاسِلُ عَلَى يَدِهِ خِرْقَةً خَشِنَةً ، فَيُنْجِيهِ بِهَا ؛ لِئَلَّا يَمَسَّ عَوْرَتَهُ ، لِأَنَّ النَّظَرَ إلَى الْعَوْرَةِ حَرَامٌ ، فَاللَّمْسُ أَوْلَى ، وَيُزِيلُ مَا عَلَى بَدَنِهِ مِنْ نَجَاسَةٍ ؛ لِأَنَّ الْحَيَّ يَبْدَأُ بِذَلِكَ فِي اغْتِسَالِهِ مِنْ الْجَنَابَةِ .\rوَيُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَمَسَّ بَقِيَّةَ بَدَنِهِ إلَّا بِخِرْقَةٍ .\rقَالَ الْقَاضِي : يُعِدُّ الْغَاسِلُ خِرْقَتَيْنِ ، يَغْسِلُ بِإِحْدَاهُمَا السَّبِيلَيْنِ ، وَبِالْأُخْرَى سَائِرَ بَدَنِهِ ، فَإِنْ كَانَ الْمَيِّتُ امْرَأَةً حَامِلًا لَمْ يَعْصِرْ بَطْنَهَا ، لِئَلَّا يُؤْذِيَ الْوَلَدَ ، وَقَدْ جَاءَ فِي حَدِيثٍ رَوَاهُ الْخَلَّالُ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ أُمِّ سُلَيْمٍ قَالَتْ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إذَا","part":4,"page":369},{"id":1869,"text":"تُوُفِّيَتْ الْمَرْأَةُ ، فَأَرَادُوا غَسْلَهَا ، فَلْيَبْدَأْ بِبَطْنِهَا ، فَلْيَمْسَحْ مَسْحًا رَفِيقًا إنْ لَمْ تَكُنْ حُبْلَى ، فَإِنْ كَانَتْ حُبْلَى فَلَا يُحَرِّكْهَا .\r}","part":4,"page":370},{"id":1870,"text":"( 1504 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَيُوَضِّئُهُ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ ، وَلَا يُدْخِلُ الْمَاءَ فِي فِيهِ ، وَلَا فِي أَنْفِهِ ، وَإِنْ كَانَ فِيهِمَا أَذَى أَزَالَهُ بِخِرْقَةِ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا أَنْجَاهُ ، وَأَزَالَ عَنْهُ النَّجَاسَةَ ، بَدَأَ بَعْدَ ذَلِكَ فَوَضَّأَهُ وُضُوءَ الصَّلَاةِ ، فَيَغْسِلُ كَفَّيْهِ ، ثُمَّ يَأْخُذُ خِرْقَةً خَشِنَةً فَيَبُلُّهَا وَيَجْعَلُهَا عَلَى أُصْبُعِهِ ، فَيَمْسَحُ أَسْنَانَهُ وَأَنْفَهُ ، حَتَّى يُنَظِّفَهُمَا ، وَيَكُونُ ذَلِكَ فِي رِفْقٍ ، ثُمَّ يَغْسِلُ وَجْهَهُ ، وَيُتِمُّ وُضُوءَهُ ، لِأَنَّ الْوُضُوءَ يُبْدَأُ بِهِ فِي غُسْلِ الْحَيِّ ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلنِّسَاءِ اللَّاتِي غَسَّلْنَ ابْنَتَهُ { : ابْدَأْنَ بِمَيَامِنِهَا ، وَمَوَاضِعِ الْوُضُوءِ مِنْهَا } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَفِي حَدِيثِ أُمِّ سُلَيْمٍ : { فَإِذَا فَرَغْتِ مِنْ غَسْلِ سُفْلَتِهَا غَسْلًا نَقِيًّا بِمَاءٍ وَسِدْرٍ ، فَوَضِّئِيهَا وُضُوءَ الصَّلَاةِ ، ثُمَّ اغْسِلِيهَا } وَلَا يُدْخِلُ الْمَاءَ فَاهُ ، وَلَا مَنْخَرَيْهِ ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rكَذَلِكَ قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَالنَّخَعِيِّ ، وَالثَّوْرِيِّ وَأَبُو حَنِيفَةَ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ يُمَضْمِضُهُ وَيُنَشِّقُهُ كَمَا يَفْعَلُ الْحَيُّ .\rوَلَنَا ، أَنَّ إدْخَالَ الْمَاءِ فَاهُ وَأَنْفَهُ لَا يُؤْمَنُ مَعَهُ وُصُولُهُ إلَى جَوْفِهِ ، فَيُفْضِي إلَى الْمُثْلَةِ بِهِ ، وَلَا يُؤْمَنُ خُرُوجُهُ فِي أَكْفَانِهِ .","part":4,"page":371},{"id":1871,"text":"( 1505 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَيَصُبُّ عَلَيْهِ الْمَاءَ ، فَيَبْدَأُ بِمَيَامِنِهِ ، وَيَقْلِبُهُ عَلَى جَنْبَيْهِ ، لِيَعُمَّ الْمَاءُ سَائِرَ جِسْمِهِ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا وَضَّأَهُ بَدَأَ بِغَسْلِ رَأْسِهِ ، ثُمَّ لِحْيَتِهِ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .\rفَيَضْرِبُ السِّدْرَ فَيَغْسِلُهُمَا بِرَغْوَتِهِ ، وَيَغْسِلُ وَجْهَهُ ، وَيَغْسِلُ الْيَدَ الْيُمْنَى مِنْ الْمَنْكِبِ إلَى الْكَفَّيْنِ وَصَفْحَةَ عُنُقِهِ الْيُمْنَى ، وَشِقَّ صَدْرِهِ وَجَنْبَيْهِ وَفَخِذَهُ وَسَاقَهُ ، يَغْسِلُ الظَّاهِرَ مِنْ ذَلِكَ وَهُوَ مُسْتَلْقٍ ، ثُمَّ يَصْنَعُ ذَلِكَ بِالْجَانِبِ الْأَيْسَرِ ، ثُمَّ يَرْفَعُهُ مِنْ جَانِبِهِ الْأَيْمَنِ ، وَلَا يَكُبُّهُ لِوَجْهِهِ ، فَيَغْسِلُ الظَّهْرَ وَمَا هُنَاكَ مِنْ وَرِكِهِ وَفَخِذِهِ وَسَاقِهِ ، ثُمَّ يَعُودُ فَيُحَرِّفهُ عَلَى جَنْبِهِ الْأَيْمَنِ ، وَيَغْسِلُ شِقَّهُ الْأَيْسَرَ كَذَلِكَ .\rهَكَذَا ذَكَرَهُ إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ ، وَالْقَاضِي .\rوَهُوَ أَقْرَبُ إلَى مُوَافَقَةِ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ { ابْدَأْنَ بِمَيَامِنِهَا } .\rوَهُوَ أَشْبَهُ بِغُسْلِ الْحَيِّ .","part":4,"page":372},{"id":1872,"text":"( 1506 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَيَكُونُ فِي كُلِّ الْمِيَاهِ شَيْءٌ مِنْ السِّدْرِ ، وَيَضْرِبُ السِّدْرَ فَيَغْسِلُ بِرَغْوَتِهِ رَأْسَهُ وَلِحْيَتَهُ ) .\rهَذَا الْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ قَالَ صَالِحٌ : قَالَ أَبِي : الْمَيِّتُ يُغَسَّلُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ ، ثَلَاثَ غَسَلَاتٍ ، قُلْت : فَيَبْقَى عَلَيْهِ ؟ قَالَ : أَيُّ شَيْءٍ يَكُونُ هُوَ أَنْقَى لَهُ .\rوَذُكِرَ عَنْ عَطَاءٍ ، أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ قَالَ لَهُ : إنَّهُ يَبْقَى عَلَيْهِ السِّدْرُ إذَا غُسِّلَ بِهِ كُلَّ مَرَّةٍ .\rفَقَالَ عَطَاءٌ : هُوَ طَهُورٌ .\rوَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد عَنْ أَحْمَدَ ، قَالَ : قُلْت ، يَعْنِي لِأَحْمَدَ : أَفَلَا تَصُبُّونَ مَاءً قَرَاحًا يُنَظِّفُهُ ؟ قَالَ : إنْ صَبُّوا فَلَا بَأْسَ .\rوَاحْتَجَّ أَحْمَدُ بِحَدِيثِ أُمِّ عَطِيَّةَ { ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ تُوُفِّيَتْ ابْنَتُهُ قَالَ : اغْسِلْنَهَا ثَلَاثًا ، أَوْ خَمْسًا ، أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ ، إنْ رَأَيْتُنَّ ، بِمَاءٍ وَسِدْرٍ ، وَاجْعَلْنَ فِي الْآخِرَةِ كَافُورًا } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { : اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَفِي حَدِيثِ أُمِّ سُلَيْمٍ { : ثُمَّ اغْسِلِيهَا بَعْدَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ .\r} وَذَهَبَ كَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِنَا الْمُتَأَخِّرِينَ ، إلَى أَنَّهُ لَا يَتْرُكُ مَعَ الْمَاءِ سِدْرًا يُغَيِّرُهُ ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا ، فَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ : يُطْرَحُ فِي كُلِّ الْمِيَاهِ شَيْءٌ يَسِيرٌ مِنْ السِّدْرِ لَا يُغَيِّرُهُ لِيَجْمَعَ بَيْنَ الْعَمَلِ بِالْحَدِيثِ ، وَيَكُونَ الْمَاءُ بَاقِيًا عَلَى طَهُورِيَّته .\rوَقَالَ الْقَاضِي وَأَبُو الْخَطَّابِ : يُغَسَّلُ أَوَّلَ مَرَّةٍ بِالسِّدْرِ ، ثُمَّ يُغَسَّلُ بَعْدَ ذَلِكَ بِالْمَاءِ الْقَرَاحِ ، فَيَكُونُ الْجَمِيعُ غَسْلَةً وَاحِدَةً ، وَيَكُونُ الِاعْتِدَادُ بِالْآخِرِ دُونَ الْأَوَّلِ ؛ لِأَنَّ أَحْمَدَ ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، شَبَّهَ غُسْلَهُ بِغُسْلِ الْجَنَابَةِ ، وَلِأَنَّ السِّدْرَ إنْ غَيَّرَ الْمَاءَ سَلَبَهُ وَصْفَ الطَّهُورِيَّة ، وَإِنْ لَمْ يُغَيِّرْهُ فَلَا فَائِدَةَ فِي تَرْكِ","part":4,"page":373},{"id":1873,"text":"يَسِيرٍ لَا يُؤَثِّرُ .\rوَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ الْأَوَّلُ .\rوَيَكُونُ هَذَا مِنْ قَوْلِهِ دَالًّا عَلَى أَنَّ تَغَيُّرَ الْمَاءِ بِالسِّدْرِ لَا يُخْرِجُهُ عَنْ طَهُورِيَّته .\rقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا : يَتَّخِذُ الْغَاسِلُ ثَلَاثَةَ أَوَانٍ ؛ آنِيَةً كَبِيرَةً يَجْمَعُ فِيهَا الْمَاءَ الَّذِي يُغَسِّلُ بِهِ الْمَيِّتَ يَكُونُ بِالْبُعْدِ مِنْهُ ، وَإِنَاءَيْنِ صَغِيرَيْنِ يَطْرَحُ مِنْ أَحَدِهِمَا عَلَى الْمَيِّتِ ، وَالثَّالِثَ يَغْرِفُ بِهِ مِنْ الْكَبِيرِ فِي الصَّغِيرِ الَّذِي يُغَسِّلُ بِهِ الْمَيِّتَ ، لِيَكُونَ الْكَبِيرُ مَصُونًا ، فَإِذَا فَسَدَ الْمَاءُ الَّذِي فِي الصَّغِيرِ ، وَطَارَ فِيهِ مِنْ رَشَّاش الْمَاءِ ، كَانَ مَا بَقِيَ فِي الْكَبِيرِ كَافِيًا ، وَيَضْرِبُ السِّدْرَ ، فَيَغْسِلُ بِرَغْوَتِهِ رَأْسَهُ وَلِحْيَتَهُ ، وَيُبْلِغُهُ سَائِرَ بَدَنِهِ ، كَمَا يَفْعَلُ الْحَيُّ إذَا اغْتَسَلَ .\r( 1507 ) فَصْلٌ : فَإِنْ لَمْ يَجِدْ السِّدْرَ غَسَّلَهُ بِمَا يَقُومُ مَقَامَهُ ، وَيَقْرُبُ مِنْهُ ، كَالْخَطْمِيِّ وَنَحْوِهِ ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ يَحْصُلُ مِنْهُ ، وَإِنْ غَسَّلَهُ بِذَلِكَ مَعَ وُجُودِ السِّدْرِ جَازَ ، لِأَنَّ الشَّرْعَ وَرَدَ بِهَذَا لِمَعْنًى مَعْقُولٍ ، وَهُوَ التَّنْظِيفُ ، فَيَتَعَدَّى إلَى كُلِّ مَا وُجِدَ فِيهِ الْمَعْنَى .","part":4,"page":374},{"id":1874,"text":"( 1508 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَيَسْتَعْمِلُ فِي كُلِّ أُمُورِهِ الرِّفْقَ بِهِ ) وَيُسْتَحَبُّ الرِّفْقُ بِالْمَيِّتِ فِي تَقْلِيبِهِ ، وَعَرْكِ أَعْضَائِهِ ، وَعَصْرِ بَطْنِهِ ، وَتَلْيِينِ مَفَاصِلِهِ ، وَسَائِرِ أُمُورِهِ ، احْتِرَامًا لَهُ ؛ فَإِنَّهُ مُشَبَّهٌ بِالْحَيِّ فِي حُرْمَتِهِ ، وَلَا يَأْمَنُ إنْ عَنُفَ بِهِ أَنْ يَنْفَصِلَ مِنْهُ عُضْوٌ ، فَيَكُونَ مُثْلَةً بِهِ ، وَقَدْ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { : كَسْرُ عَظْمِ الْمَيِّتِ كَكَسْرِ عَظْمِ الْحَيِّ } .\rوَقَالَ { إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الْأَمْرِ كُلِّهِ } .","part":4,"page":375},{"id":1875,"text":"( 1509 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ ( وَالْمَاءُ الْحَارُّ وَالْأُشْنَانُ ، وَالْخِلَالُ ، يُسْتَعْمَلُ إنْ اُحْتِيجَ إلَيْهِ ) هَذِهِ الثَّلَاثَةُ تُسْتَعْمَلُ عِنْدَ الْحَاجَةِ إلَيْهَا ، مِثْلُ أَنْ يُحْتَاجَ إلَى الْمَاءِ الْحَارِّ لِشِدَّةِ الْبَرْدِ ، أَوْ لَوَسَخٍ لَا يَزُولُ إلَّا بِهِ ، وَكَذَا الْأُشْنَانُ يُسْتَعْمَلُ إذَا كَانَ عَلَى الْمَيِّتِ وَسَخٌ .\rقَالَ أَحْمَدُ : إذَا طَالَ ضَنَى الْمَرِيضِ غُسِّلَ بِالْأُشْنَانِ .\rيَعْنِي أَنَّهُ يَكْثُرُ وَسَخُهُ ، فَيَحْتَاجُ إلَى الْأُشْنَانِ لِيُزِيلَهُ .\rوَالْخِلَالُ : يُحْتَاجُ إلَيْهِ لِإِخْرَاجِ شَيْءٍ ، وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ مِنْ شَجَرَةٍ لَيِّنَةٍ كَالصَّفْصَافِ وَنَحْوِهِ ، مِمَّا يُنَقِّي وَلَا يَجْرَحُ ، وَإِنْ لَفَّ عَلَى رَأْسِهِ قُطْنًا ، فَحَسَنٌ .\rوَيَتَتَبَّعُ مَا تَحْتَ أَظْفَارِهِ حَتَّى يُنَقِّيَهُ ، فَإِنْ لَمْ يَحْتَجْ إلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ لَمْ يُسْتَحَبَّ اسْتِعْمَالُهُ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ الْمُسَخَّنُ أَوْلَى بِكُلِّ حَالٍ ؛ لِأَنَّهُ يُنَقِّي مَا لَا يُنَقِّي الْبَارِدُ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الْبَارِدَ يُمْسِكُهُ وَالْمُسَخَّنَ يُرْخِيهِ ، وَلِهَذَا يُطْرَحُ الْكَافُورُ فِي الْمَاءِ لِيَشُدَّهُ وَيُبَرِّدَهُ ، وَالْإِنْقَاءُ يَحْصُلُ بِالسِّدْرِ إذَا لَمْ يَكْثُرْ وَسَخُهُ ، فَإِنْ كَثُرَ وَلَمْ يَزُلْ إلَّا بِالْحَارِّ صَارَ مُسْتَحَبًّا .","part":4,"page":376},{"id":1876,"text":"( 1510 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَيُغَسَّلُ الثَّالِثَةَ بِمَاءٍ فِيهِ كَافُورٌ وَسِدْرٌ ، وَلَا يَكُونُ فِيهِ سِدْرٌ صِحَاحٌ ) الْوَاجِبُ فِي غُسْلِ الْمَيِّتِ مَرَّةٌ وَاحِدَةٌ ؛ لِأَنَّهُ غُسْلٌ وَاجِبٌ مِنْ غَيْرِ نَجَاسَةٍ أَصَابَتْهُ ، فَكَانَ مَرَّةً وَاحِدَةً ، كَغُسْلِ الْجَنَابَةِ وَالْحَيْضِ ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُغَسَّلَ ثَلَاثًا ، كُلُّ غَسْلَةٍ بِالْمَاءِ وَالسِّدْرِ ، عَلَى مَا وَصَفْنَا ، وَيُجْعَلَ فِي الْمَاءِ كَافُورٌ فِي الْغَسْلَةِ الثَّالِثَةِ ؛ لِيَشُدَّهُ وَيُبَرِّدَهُ وَيُطَيِّبَهُ ، لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلنِّسَاءِ اللَّاتِي غَسَّلْنَ ابْنَتَهُ : { اغْسِلْنَهَا بِالسِّدْرِ وِتْرًا ثَلَاثًا ، أَوْ خَمْسًا ، أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ إنْ رَأَيْتُنَّ ، وَاجْعَلْنَ فِي الْغَسْلَةِ الْأَخِيرَةِ كَافُورًا } .\rوَفِي حَدِيثِ أُمِّ سُلَيْمٍ : { فَإِذَا كَانَ فِي آخِرِ غَسْلَةٍ مِنْ الثَّالِثَةِ أَوْ غَيْرِهَا ، فَاجْعَلِي مَاءً فِيهِ شَيْءٌ مِنْ كَافُورٍ ، وَشَيْءٌ مِنْ سِدْرٍ ، ثُمَّ اجْعَلِي ذَلِكَ فِي جَرَّةٍ جَدِيدَةٍ ، ثُمَّ أَفْرِغِيهِ عَلَيْهَا ، وَابْدَئِي بِرَأْسِهَا حَتَّى يَبْلُغَ رِجْلَيْهَا } .\rوَلَا يُجْعَلُ فِي الْمَاءِ سِدْرٌ صَحِيحٌ ؛ لِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِيهِ ، لِأَنَّ السِّدْرَ إنَّمَا أُمِرَ بِهِ لِلتَّنْظِيفِ ، وَالْمُعَدُّ لِلتَّنْظِيفِ إنَّمَا هُوَ الْمَطْحُونُ ، وَلِهَذَا لَا يَسْتَعْمِلُهُ الْمُغْتَسِلُ بِهِ مِنْ الْأَحْيَاءِ إلَّا كَذَلِكَ .\rقَالَ أَبُو دَاوُد : قُلْت لِأَحْمَدَ إنَّهُمْ يَأْتُونَ بِسَبْعِ وَرَقَاتٍ مِنْ سِدْرٍ ، فَيُلْقُونَهَا فِي الْمَاءِ فِي الْغَسْلَةِ الْأَخِيرَةِ .\rفَأَنْكَرَ ذَلِكَ ، وَلَمْ يُعْجِبْهُ ، وَإِذَا فَرَغَ مِنْ الْغَسْلَةِ الثَّالِثَةِ لَمْ يُمِرَّ يَدَهُ عَلَى بَطْنِ الْمَيِّتِ ، لِئَلَّا يَخْرُجَ مِنْهُ شَيْءٌ ، وَيَقَعَ فِي أَكْفَانِهِ .\rقَالَ أَحْمَدُ : وَيُوَضَّأُ الْمَيِّتُ مَرَّةً وَاحِدَةً فِي الْغَسْلَةِ الْأُولَى .\rوَمَا سَمِعْنَا إلَّا أَنَّهُ يُوَضَّأُ أَوَّلَ مَرَّةٍ ، وَهَذَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ، مَا لَمْ يَخْرُجْ مِنْهُ شَيْءٌ ، وَمَتَى خَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ ، أَعَادَ وُضُوءَهُ لِأَنَّ ذَلِكَ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ مِنْ الْحَيِّ","part":4,"page":377},{"id":1877,"text":"وَيُوجِبُهُ ، وَإِنْ رَأَى الْغَاسِلُ أَنْ يَزِيدَ عَلَى ثَلَاثٍ ، لِكَوْنِهِ لَمْ يُنَقَّ بِهَا ، أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ ، غَسَلَهُ خَمْسًا أَوْ سَبْعًا ، وَلَمْ يَقْطَعْ إلَّا عَلَى وِتْرٍ .\rقَالَ أَحْمَدُ وَلَا يُزَادُ عَلَى سَبْعٍ وَالْأَصْلُ فِي هَذَا قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { اغْسِلْنَهَا ثَلَاثًا ، أَوْ خَمْسًا ، أَوْ سَبْعًا } لَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ وَجَعَلَ جَمِيعَ مَا أَمَرَ بِهِ وَتْرًا وَقَالَ أَيْضًا : \" اغْسِلْنَهَا وِتْرًا \" وَإِنْ لَمْ يُنَقَّ بِسَبْعٍ فَالْأَوْلَى غَسْلُهُ حَتَّى يُنَقَّى ، وَلَا يُقْطَعُ إلَّا عَلَى وَتْرٍ ؛ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : \" اغْسِلْنَهَا ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ سَبْعًا ، أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ إنْ رَأَيْتُنَّ \" .\rوَلِأَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى الثَّلَاثِ إنَّمَا كَانَتْ لِلْإِنْقَاءِ ، وَلِلْحَاجَةِ إلَيْهَا ، فَكَذَلِكَ فِيمَا بَعْدَ السَّبْعِ .\rوَلَمْ يَذْكُرْ أَصْحَابُنَا أَنَّهُ يَزِيدُ عَلَى سَبْعٍ .","part":4,"page":378},{"id":1878,"text":"( 1511 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : \" فَإِنْ خَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ غَسَلَهُ إلَى خَمْسٍ ، فَإِنْ زَادَ فَإِلَى سَبْعٍ \" يَعْنِي إنْ خَرَجَتْ نَجَاسَةٌ مِنْ قُبُلِهِ أَوْ دُبُرِهِ ، وَهُوَ عَلَى مُغْتَسَلِهِ بَعْدَ الثَّلَاثِ ، غَسَلَهُ إلَى خَمْسٍ ، فَإِنْ خَرَجَ بَعْدَ الْخَامِسَةِ ، غَسَلَهُ إلَى سَبْعٍ وَيُوَضِّئُهُ فِي الْغَسْلَةِ الَّتِي تَلِي خُرُوجَ النَّجَاسَةِ .\rقَالَ صَالِحٌ : قَالَ أَبِي : يُوَضَّأُ الْمَيِّتُ مَرَّةً وَاحِدَةً ، إلَّا أَنْ يَخْرُجَ مِنْهُ شَيْءٌ ، فَيُعَادُ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ ، وَيَغْسِلُهُ إلَى سَبْعٍ .\rوَهُوَ قَوْلُ ابْنِ سِيرِينَ ، وَإِسْحَاقَ .\rوَاخْتَارَ أَبُو الْخَطَّابِ أَنَّهُ يَغْسِلُ مَوْضِعَ النَّجَاسَةِ ، وَيُوَضَّأُ ، وَلَا يَجِبُ إعَادَةُ غُسْلِهِ .\rوَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ ، وَمَالِكٍ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّ خُرُوجَ النَّجَاسَةِ مِنْ الْحَيِّ بَعْدَ غُسْلِهِ لَا يُبْطِلُهُ ، فَكَذَلِكَ الْمَيِّتُ .\rوَعَنْ الشَّافِعِيَّ كَالْمَذْهَبَيْنِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الْقَصْدَ مِنْ غُسْلِ الْمَيِّتِ أَنْ يَكُونَ خَاتِمَةُ أَمْرِهِ الطَّهَارَةَ الْكَامِلَةَ ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْمَوْتَ جَرَى مَجْرَى زَوَالِ الْعَقْلِ فِي حَقِّ الْحَيِّ ، وَقَدْ أُوجِبَ الْغُسْلُ فِي حَقِّ الْحَيِّ ، فَكَذَلِكَ هَذَا ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { اغْسِلْنَهَا ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ سَبْعًا ، إنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكَ ، بِمَاءٍ وَسِدْرٍ } .\r( 1512 ) فَصْلٌ : وَإِنْ خَرَجَتْ مِنْهُ نَجَاسَةٌ مِنْ غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ .\rفَقَالَ أَحْمَدُ فِيمَا رَوَى أَبُو دَاوُد : الدَّمُ أَسْهَلُ مِنْ الْحَدَثِ .\rوَمَعْنَاهُ أَنَّ الدَّمَ الَّذِي يَخْرُجُ مِنْ أَنْفِهِ أَسْهَلُ مِنْ الْحَدَثِ فِي أَنْ لَا يُعَادَ لَهُ الْغُسْلُ ؛ لِأَنَّ الْحَدَثَ يَنْقُضُ الطَّهَارَةَ بِالِاتِّفَاقِ ، وَيُسَوَّى بَيْنَ كَثِيرِهِ وَقَلِيلِهِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ أَنَّ الْغُسْلَ لَا يُعَادُ مِنْ يَسِيرِهِ ، كَمَا لَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ ، بِخِلَافِ الْخَارِجِ مِنْ السَّبِيلَيْنِ .","part":4,"page":379},{"id":1879,"text":"( 1513 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( فَإِنْ زَادَ حَشَاهُ بِالْقُطْنِ ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَمْسِكْ فَبِالطِّينِ الْحُرِّ ) .\rوَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا خَرَجَتْ مِنْهُ نَجَاسَةٌ بَعْدَ السَّبْعِ لَمْ يَعْدُ إلَى الْغُسْلِ .\rقَالَ أَحْمَدُ مَنْ غَسَّلَ مَيِّتًا لَمْ يُغَسِّلْهُ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعٍ ، لَا يُجَاوِزُهُ ، خَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ أَوْ لَمْ يَخْرُجْ .\rقِيلَ لَهُ : فَنُوَضِّئُهُ إذَا خَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ بَعْدَ السَّبْعِ ؟ قَالَ : لَا ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَذَا أَمَرَ ، ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ سَبْعًا ، فِي حَدِيثِ أُمِّ عَطِيَّةَ ، وَلِأَنَّ زِيَادَةَ الْغُسْلِ وَتَكْرِيرَهُ عِنْدَ كُلِّ خَارِجٍ يُرْخِيهِ ، وَيُفْضِي إلَى الْحَرَجِ ، لَكِنَّهُ يَغْسِلُ النَّجَاسَةَ ، وَيَحْشُو مَخْرَجَهَا بِالْقُطْنِ .\rوَقِيلَ : يُلَجِّمُ بِالْقُطْنِ كَمَا تَفْعَلُ الْمُسْتَحَاضَةُ ، وَمَنْ بِهِ سَلَسُ الْبَوْلِ ، فَإِنْ لَمْ يُمْسِكْهُ ذَلِكَ حُشِيَ بِالطِّينِ الْحُرِّ ، وَهُوَ الْخَالِصُ الصُّلْبِ الَّذِي لَهُ قُوَّةٌ تُمْسِكُ الْمَحَلَّ .\rوَقَدْ ذَكَرَ أَحْمَدُ أَنَّهُ لَا يُوَضَّأُ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ يُوَضَّأُ وُضُوءَ الصَّلَاةِ ، كَالْجُنُبِ إذَا أَحْدَثَ بَعْدَ غُسْلِهِ ، وَهَذَا أَحْسَنُ .","part":4,"page":380},{"id":1880,"text":"( 1514 ) فَصْلٌ : وَالْحَائِضُ وَالْجُنُبُ إذَا مَاتَا كَغَيْرِهِمَا فِي الْغُسْلِ .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : هَذَا قَوْلُ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ عُلَمَاءِ الْأَمْصَارِ .\rوَقَالَ الْحَسَنُ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ : مَا مَاتَ مَيِّتٌ إلَّا جُنُبٌ .\rوَقِيلَ عَنْ الْحَسَنِ : إنَّهُ يُغَسَّلُ الْجُنُبُ لِلْجَنَابَةِ ، وَالْحَائِضُ لِلْحَيْضِ ، ثُمَّ يُغَسَّلَانِ لِلْمَوْتِ .\rوَالْأَوَّلُ أَوْلَى ؛ لِأَنَّهُمَا خَرَجَا مِنْ أَحْكَامِ التَّكْلِيفِ ، وَلَمْ يَبْقَ عَلَيْهِمَا عِبَادَةٌ وَاجِبَةٌ ، وَإِنَّمَا الْغُسْلُ لِلْمَيِّتِ تَعَبُّدٌ ، وَلِيَكُونَ فِي حَالِ خُرُوجِهِ مِنْ الدُّنْيَا عَلَى أَكْمَلِ حَالٍ مِنْ النَّظَافَةِ وَالنَّضَارَةِ ، وَهَذَا يَحْصُلُ بِغُسْلٍ وَاحِدٍ ، وَلِأَنَّ الْغُسْلَ الْوَاحِدَ يُجْزِئُ مَنْ وُجِدَ فِي حَقِّهِ مُوجِبَانِ لَهُ ، كَمَا لَوْ اجْتَمَعَ الْحَيْضُ وَالْجَنَابَةُ .","part":4,"page":381},{"id":1881,"text":"( 1515 ) فَصْلٌ : وَالْوَاجِبُ فِي غُسْلِ الْمَيِّتِ النِّيَّةُ ، وَالتَّسْمِيَةُ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ ، وَغَسْلُهُ مَرَّةً وَاحِدَةً ، لِأَنَّهُ غُسْلُ تَعَبُّدٍ عَنْ غَيْرِ نَجَاسَةٍ أَصَابَتْهُ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الصَّلَاةِ ، فَوَجَبَ ذَلِكَ فِيهِ كَغُسْلِ الْجَنَابَةِ ، وَقَدْ شَبَّهَ أَحْمَدُ غُسْلَهُ بِغُسْلِ الْجَنَابَةِ ، وَلَمَّا تَعَذَّرَتْ النِّيَّةُ وَالتَّسْمِيَةُ مِنْ الْمَيِّتِ اُعْتُبِرَتْ فِي الْغَاسِلِ ، لِأَنَّهُ الْمُخَاطَبُ بِالْغُسْلِ .\rقَالَ عَطَاءٌ يُجْزِئُهُ غَسْلَةٌ وَاحِدَةٌ إنْ أَنْقَوْهُ .\rوَقَالَ أَحْمَدُ : لَا يُعْجِبُنِي أَنْ يُغَسَّلَ وَاحِدَةً ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { اغْسِلْنَهَا ثَلَاثًا ، أَوْ خَمْسًا } .\rوَهَذَا عَلَى سَبِيلِ الْكَرَاهَةِ دُونَ الْإِجْزَاءِ ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي الْمُحْرِمِ الَّذِي وَقَصَتْهُ نَاقَتُهُ : { اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ } .\rوَلَمْ يَذْكُرْ عَدَدًا .\rوَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ : يَحْتَمِلُ أَنْ لَا تُعْتَبَرَ النِّيَّةُ ، لِأَنَّ الْقَصْدَ التَّنْظِيفُ ، فَأَشْبَهَ غَسْلَ النَّجَاسَةِ ، وَلَا يَصِحُّ هَذَا ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمَا وَجَبَ غَسْلُ مُتَنَظِّفٍ ، وَلَجَازَ غَسْلُهُ بِمَاءِ الْوَرْدِ وَسَائِرِ مَا يَحْصُلُ بِهِ التَّنْظِيفُ ، وَإِنَّمَا هُوَ غُسْلُ تَعَبُّدٍ ، أَشْبَهَ غُسْلَ الْجَنَابَةِ .","part":4,"page":382},{"id":1882,"text":"( 1516 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَيُنَشِّفُهُ بِثَوْبٍ ، وَيُجَمِّرُ أَكْفَانَهُ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ إذَا فَرَغَ الْغَاسِلُ مِنْ غَسْلِ الْمَيِّتِ ، نَشَّفَهُ بِثَوْبِ لِئَلَّا يَبُلَّ أَكْفَانَهُ ، وَفِي حَدِيثِ أُمِّ سُلَيْمٍ : \" فَإِذَا فَرَغْتِ مِنْهَا ، فَأَلْقِي عَلَيْهَا ثَوْبًا نَظِيفًا \" .\rوَذَكَرَ الْقَاضِي فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، فِي غُسْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : فَجَفَّفُوهُ بِثَوْبٍ .\rوَمَعْنَى تَجْمِيرِ أَكْفَانِهِ تَبْخِيرُهَا بِالْعُودِ ، وَهُوَ أَنْ يُتْرَكَ الْعُودُ عَلَى النَّارِ فِي مِجْمَرٍ ، ثُمَّ يُبَخَّرُ بِهِ الْكَفَنُ حَتَّى تَعْبَقَ رَائِحَتُهُ ، وَيَطِيبَ ، وَيَكُونُ ذَلِكَ بَعْدَ أَنْ يُرَشَّ عَلَيْهِ مَاءُ الْوَرْدِ ، لِتَعْلَقَ الرَّائِحَةُ بِهِ .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ جَابِرٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إذَا جَمَّرْتُمْ الْمَيِّتَ فَجَمِّرُوهُ ثَلَاثًا } وَأَوْصَى أَبُو سَعِيدٍ ، وَابْنُ عُمَرَ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ أَنْ تُجَمَّرَ أَكْفَانُهُمْ بِالْعُودِ .\rوَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : يُجَمَّرُ الْمَيِّتُ .\rوَلِأَنَّ هَذَا عَادَةُ الْحَيِّ عِنْدَ غُسْلِهِ ، وَتَجْمِيرِ ثِيَابِهِ ، أَنْ يُجَمِّرَ بِالطِّيبِ وَالْعُودِ ، فَكَذَلِكَ الْمَيِّتُ .","part":4,"page":383},{"id":1883,"text":"( 1517 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَيُكَفَّنُ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ بِيضٍ ، يُدْرَجُ فِيهَا إدْرَاجًا ، وَيُجْعَلُ الْحَنُوطُ فِيمَا بَيْنَهَا ) الْأَفْضَلُ عِنْدَ إمَامِنَا ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، أَنْ يُكَفَّنَ الرَّجُلُ فِي ثَلَاثِ لَفَائِفَ بِيضٍ ، لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلَا عِمَامَةٌ ، وَلَا يَزِيدُ عَلَيْهَا وَلَا يَنْقُصُ مِنْهَا .\rقَالَ التِّرْمِذِيُّ : وَالْعَمَلُ عَلَيْهَا عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَغَيْرِهِمْ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rوَيُسْتَحَبُّ كَوْنُ الْكَفَنِ أَبْيَضَ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُفِّنَ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ بِيضٍ .\rوَلِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الْبَسُوا مِنْ ثِيَابِكُمْ الْبِيضَ ، فَإِنَّهُ أَطْهَرُ وَأَطْيَبُ ، وَكَفِّنُوا فِيهِ مَوْتَاكُمْ } .\rرَوَاهُ النَّسَائِيّ .\rوَحُكِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ، أَنَّ الْمُسْتَحَبَّ أَنْ يُكَفَّنَ فِي إزَارٍ وَرِدَاءٍ وَقَمِيصٍ ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ الْمُغَفَّلِ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : كُفِّنَ فِي قَمِيصِهِ .\rوَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَلْبَسَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ قَمِيصَهُ ، وَكَفَّنَهُ بِهِ .\rرَوَاهُ النَّسَائِيّ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا { : كُفِّنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ بِيضٍ سَحُولِيَّةٍ ، لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلَا عِمَامَةٌ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَهُوَ أَصَحُّ حَدِيثٍ رُوِيَ فِي كَفَنِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَائِشَةُ أَقْرَبُ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَعْرَفُ بِأَحْوَالِهِ وَلِهَذَا لَمَّا ذُكِرَ لَهَا قَوْلُ النَّاسِ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُفِّنَ فِي بُرْدٍ ، قَالَتْ : قَدْ أُتِيَ بِالْبُرْدِ ، وَلَكِنَّهُمْ لَمْ يُكَفِّنُوهُ فِيهِ ، فَحَفِظَتْ مَا أَغْفَلَهُ غَيْرُهَا .\rوَقَالَتْ أَيْضًا : { أُدْرِجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حُلَّةٍ يَمَنِيَّةٍ كَانَتْ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ ، ثُمَّ","part":4,"page":384},{"id":1884,"text":"نُزِعَتْ عَنْهُ ، فَرَفَعَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْحُلَّةَ ، وَقَالَ : أُكَفَّنُ فِيهَا .\rثُمَّ قَالَ : لَمْ يُكَفَّنْ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأُكَفَّنُ فِيهَا فَتَصَدَّقَ بِهَا } .\rرَوَاهُ مُسْلِمٌ .\rوَلِأَنَّ حَالَ الْإِحْرَامِ أَكْمَلُ أَحْوَالِ الْحَيِّ وَهُوَ لَا يَلْبَسُ الْمَخِيطَ ، وَكَذَلِكَ حَالَةُ الْمَوْتِ أَشْبَهُ بِهَا .\rوَأَمَّا إلْبَاسُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ قَمِيصَهُ ، فَإِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ تَكْرِمَةً لِابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ، وَإِجَابَةً لِسُؤَالِهِ حِين سَأَلَهُ ذَلِكَ ؛ لِيَتَبَرَّكَ بِهِ أَبُوهُ ، وَيَنْدَفِعَ عَنْهُ الْعَذَابُ بِبَرَكَةِ قَمِيصِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rوَقِيلَ : إنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ جَزَاءً لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ عَنْ كُسْوَتِهِ الْعَبَّاسَ قَمِيصَهُ يَوْمَ بَدْرٍ .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":4,"page":385},{"id":1885,"text":"فَصْلٌ : وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يُؤْخَذَ أَحْسَنُ اللَّفَائِفِ وَأَوْسَعُهَا ، فَيُبْسَطَ أَوَّلًا ؛ لِيَكُونَ الظَّاهِرُ لِلنَّاسِ أَحْسَنَهَا ، فَإِنَّ هَذَا عَادَةُ الْحَيِّ ، يَجْعَلُ الظَّاهِرَ أَفْخَرَ ثِيَابِهِ ، وَيَجْعَلُ عَلَيْهَا حَنُوطًا ، ثُمَّ يَبْسُطُ الثَّانِيَةَ الَّتِي تَلِيهَا فِي الْحُسْنِ وَالسَّعَةِ عَلَيْهَا ، وَيَجْعَلُ فَوْقَهَا حَنُوطًا وَكَافُورًا ، ثُمَّ يَبْسُطُ فَوْقَهُمَا الثَّالِثَةَ ، وَيَجْعَلُ فَوْقَهَا حَنُوطًا وَكَافُورًا ، وَلَا يُجْعَلُ عَلَى وَجْهِ الْعُلْيَا ، وَلَا عَلَى النَّعْشِ شَيْءٌ مِنْ الْحَنُوطِ ؛ لِأَنَّ الصِّدِّيقَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : لَا تَجْعَلُوا عَلَى أَكْفَانِي حَنُوطًا .\rثُمَّ يُحْمَلُ الْمَيِّتُ مَسْتُورًا بِثَوْبٍ فَيُوضَعُ فِيهَا مُسْتَلْقِيًا ؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنُ لِإِدْرَاجِهِ فِيهَا ، وَيُجْعَلُ مَا عِنْدَ رَأْسِهِ أَكْثَرَ مِمَّا عِنْدَ رِجْلَيْهِ ، وَيُجْعَلُ مِنْ الطِّيبِ عَلَى وَجْهِهِ وَمَوَاضِعِ سُجُودِهِ وَمَغَابِنِهِ ؛ لِأَنَّ الْحَيَّ يَتَطَيَّبُ هَكَذَا ، وَيُجْعَلُ بَقِيَّةُ الْحَنُوطِ وَالْكَافُورِ فِي قُطْنٍ ، وَيُجْعَلُ مِنْهُ بَيْنَ أَلْيَتَيْهِ بِرِفْقٍ ، وَيُكْثِرُ ذَلِكَ لِيَرُدَّ شَيْئًا إنْ خَرَجَ مِنْهُ حِينَ تَحْرِيكِهِ ، وَيَشُدُّ فَوْقَهُ خِرْقَةً مَشْقُوقَةَ الطَّرَفِ كَالتُّبَّانِ ، وَهُوَ السَّرَاوِيلُ بِلَا أَكْمَامٍ ، وَيَجْعَلُ الْبَاقِيَ عَلَى مَنَافِذِ وَجْهِهِ ، فِي فِيهِ ، وَمَنْخِرَيْهِ ، وَعَيْنَيْهِ ؛ لِئَلَّا يَحْدُثَ مِنْهُنَّ حَادِثٌ .\rوَكَذَلِكَ فِي الْجِرَاحِ النَّافِذَةِ ، وَيَتْرُكُ عَلَى مَوَاضِعِ السُّجُودِ مِنْهُ ؛ لِأَنَّهَا أَعْضَاءٌ شَرِيفَةٌ ، ثُمَّ يَثْنِي طَرَفَ اللِّفَافَةِ الْعُلْيَا عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ ، ثُمَّ يَرُدُّ طَرَفَهَا الْآخَرَ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْسَرِ ، وَإِنَّمَا اُسْتُحِبَّ ذَلِكَ لِئَلَّا يَسْقُطَ عَنْهُ الطَّرَفُ الْأَيْمَنُ إذَا وُضِعَ عَلَى يَمِينه فِي الْقَبْرِ ، ثُمَّ يَفْعَلُ بِالثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ كَذَلِكَ ، ثُمَّ يَجْمَعُ مَا فَضَلَ عِنْدَ رَأْسِهِ وَرِجْلَيْهِ ، فَيُرَدَّ عَلَى وَجْهِهِ وَرِجْلَيْهِ ، وَإِنْ خَافَ انْتِشَارَهَا عَقَدَهَا ، وَإِذَا وُضِعَ فِي الْقَبْرِ حَلَّهَا ، وَلَمْ يَخْرِقْ الْكَفَنَ","part":4,"page":386},{"id":1886,"text":".\r( 1519 ) فَصْل : وَتُكْرَهُ الزِّيَادَةُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ فِي الْكَفَنِ ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ إضَاعَةِ الْمَالِ ، وَقَدْ نَهَى عَنْهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَحْرُمُ تَرْكُ شَيْءٍ مَعَ الْمَيِّتِ مِنْ مَالِهِ لِغَيْرِ حَاجَةٍ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا ، إلَّا مِثْلَ مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ تُرِكَ تَحْتَهُ قَطِيفَةٌ فِي قَبْرِهِ ، فَإِنْ تُرِكَ نَحْوُ ذَلِكَ فَلَا بَأْسَ .","part":4,"page":387},{"id":1887,"text":"( 1520 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ ( وَإِنْ كُفِّنَ فِي قَمِيصٍ وَمِئْزَرٍ وَلِفَافَةٍ جُعِلَ الْمِئْزَرُ مِمَّا يَلِي جِلْدَهُ ، وَلَمْ يُزَرَّ عَلَيْهِ الْقَمِيصُ ) .\rالتَّكْفِينُ فِي الْقَمِيصِ وَالْمِئْزَرِ وَاللِّفَافَةِ غَيْرُ مَكْرُوهٍ ، وَإِنَّمَا الْأَفْضَلُ الْأَوَّلُ ، وَهَذَا جَائِزٌ لَا كَرَاهَةَ فِيهِ ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَلْبَسَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ قَمِيصَهُ لَمَّا مَاتَ .\rرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ .\rفَيُؤْزَرُ بِالْمِئْزَرِ ، وَيُلْبَسُ الْقَمِيصَ ، ثُمَّ يُلَفُّ بِاللِّفَافَةِ بَعْدَ ذَلِكَ .\rوَقَالَ أَحْمَدُ : إنْ جَعَلُوهُ قَمِيصًا فَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَكُونَ مِثْلَ قَمِيصِ الْحَيِّ ، لَهُ كُمَّانِ وَدَخَارِيصُ وَأَزْرَارٌ ، وَلَا يُزَرُّ عَلَيْهِ الْقَمِيصُ .","part":4,"page":388},{"id":1888,"text":"( 1521 ) فَصْلٌ : قَالَ أَبُو دَاوُد : قُلْت لِأَحْمَدَ : يَتَّخِذُ الرَّجُلُ كَفَنَهُ يُصَلِّي فِيهِ أَيَّامًا ، أَوْ قُلْت : يُحْرِمُ فِيهِ ، ثُمَّ يَغْسِلُهُ وَيَضَعُهُ لِكَفَنِهِ ؟ فَرَآهُ حَسَنًا .\rقَالَ : يُعْجِبُنِي أَنْ يَكُونَ جَدِيدًا أَوْ غَسِيلًا وَكَرِهَ أَنْ يَلْبَسَهُ حَتَّى لَا يُدَنِّسَهُ .","part":4,"page":389},{"id":1889,"text":"( 1522 ) فَصْلٌ : وَيَجُوزُ التَّكْفِينُ فِي ثَوْبَيْنِ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمُحْرِمِ الَّذِي وَقَصَتْهُ دَابَّتُهُ : { اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْنِ } .\rرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ .\rوَكَانَ سُوَيْد بْنُ غَفَلَةَ يَقُولُ : يُكَفَّنُ فِي ثَوْبَيْنِ .\rوَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : يُجْزِئُ ثَوْبَانِ ، وَأَقَلُّ مَا يُجْزِئُ ثَوْبٌ وَاحِدٌ يَسْتُرُ جَمِيعَهُ .\r{ قَالَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ : لَمَّا فَرَغْنَا .\rيَعْنِي مِنْ غُسْلِ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَلْقَى إلَيْنَا حَقْوَهُ ، فَقَالَ : أَشْعِرْنَهَا إيَّاهُ .\rوَلَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ } .\rرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ .\rوَقَالَ : مَعْنَى أَشْعِرْنَهَا إيَّاهُ اُلْفُفْنَهَا فِيهِ .\rقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ : الْعَوْرَةُ الْمُغَلَّظَةُ يَسْتُرُهَا ثَوْبٌ وَاحِدٌ ، فَجَسَدُ الْمَيِّتِ أُولَى .\rوَقَالَ الْقَاضِي : لَا يُجْزِئُ أَقَلُّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ لِمَنْ يَقْدِرُ عَلَيْهَا .\rوَيُرْوَى مِثْلُ ذَلِكَ عَنْ عَائِشَةَ ، وَاحْتَجَّ بِأَنَّهُ لَوْ جَازَ أَقَلُّ مِنْهَا لَمْ يَجُزْ التَّكْفِينُ بِهَا فِي حَقِّ مَنْ لَهُ أَيْتَامٌ ، احْتِيَاطًا لَهُمْ .\rوَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ ، وَمَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي لَا يَصِحُّ ؛ فَإِنَّهُ يَجُوزُ التَّكْفِينُ بِالْحَسَنِ مَعَ حُصُولِ الْإِجْزَاءِ بِمَا دُونَهُ .","part":4,"page":390},{"id":1890,"text":"( 1523 ) فَصْلٌ : قَالَ أَحْمَدُ : يُكَفَّنُ الصَّبِيُّ فِي خِرْقَةٍ ، وَإِنْ كُفِّنَ فِي ثَلَاثَةٍ فَلَا بَأْسَ .\rوَكَذَلِكَ قَالَ إِسْحَاقُ وَنَحْوُهُ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ، وَغَيْرُهُمْ .\rلَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ فِي أَنَّ ثَوْبًا يُجْزِئُهُ ، وَإِنْ كُفِّنَ فِي ثَلَاثَةٍ فَلَا بَأْسَ ، لِأَنَّهُ ذَكَرٌ فَأَشْبَهَ الرَّجُلَ .","part":4,"page":391},{"id":1891,"text":"( 1524 ) فَصْلٌ : فَإِنْ لَمْ يَجِدْ الرَّجُلُ ثَوْبًا يَسْتُرُ جَمِيعَهُ ، سَتَرَ رَأْسَهُ ، وَجَعَلَ عَلَى رِجْلَيْهِ حَشِيشًا أَوْ وَرَقًا ، كَمَا رُوِيَ عَنْ خَبَّابٍ ، { أَنَّ مُصْعَبَ بْنَ عُمَيْرٍ قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ ، فَلَمْ يُوجَدْ لَهُ شَيْءٌ يُكَفَّنُ فِيهِ ، إلَّا نَمِرَةً .\rفَكُنَّا إذَا وَضَعْنَاهَا عَلَى رَأْسِهِ خَرَجَتْ رِجْلَاهُ ، وَإِذَا وَضَعْنَاهَا عَلَى رِجْلَيْهِ خَرَجَ رَأْسُهُ ، فَأَمَرَنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ نُغَطِّيَ رَأْسَهُ ، وَنَجْعَلَ عَلَى رِجْلَيْهِ مِنْ الْإِذْخِرِ } .\rرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ إلَّا مَا يَسْتُرُ الْعَوْرَةَ سَتَرَهَا ؛ لِأَنَّهَا أَهَمُّ فِي السَّتْرِ ، بِدَلِيلِ حَالَةِ الْحَيَاةِ .\rفَإِنْ كَثُرَ الْقَتْلَى ، وَقَلَّتْ الْأَكْفَانُ ، كُفِّنَ الرَّجُلَانِ وَالثَّلَاثَةُ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ ، كَمَا صُنِعَ بِقَتْلَى أُحُدٍ .\rقَالَ أَنَسٌ : كَثُرَتْ قَتْلَى أُحُدٍ ، وَقَلَّتْ الثِّيَابُ .\rقَالَ : فَكُفِّنَ الرَّجُلُ وَالرَّجُلَانِ وَالثَّلَاثَةُ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ ، ثُمَّ يُدْفَنُونَ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ .\rقَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَدِيثُ أَنَسٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ .","part":4,"page":392},{"id":1892,"text":"( 1525 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَيَجْعَلُ الذَّرِيرَةَ فِي مَفَاصِلِهِ ، وَيَجْعَلُ الطِّيبَ فِي مَوَاضِعِ السُّجُودِ وَالْمَغَابِنِ ، وَيُفْعَلُ بِهِ كَمَا يُفْعَلُ بِالْعَرُوسِ ) الذَّرِيرَةُ هِيَ الطِّيبُ الْمَسْحُوقُ ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُجْعَلَ فِي مَفَاصِلِ الْمَيِّتِ وَمَغَابِنِهِ ، وَهِيَ الْمَوَاضِعُ الَّتِي تَنْثَنِي مِنْ الْإِنْسَانِ ، كَطَيِّ الرُّكْبَتَيْنِ ، وَتَحْتَ الْإِبْطَيْنِ ، وَأُصُولِ الْفَخِذَيْنِ ؛ لِأَنَّهَا مَوَاضِعُ الْوَسَخِ ، وَيَتْبَعُ بِإِزَالَةِ الْوَسَخِ وَالدَّرَنِ مِنْهَا مِنْ الْحَيِّ ، وَيَتْبَعُ بِالطِّيبِ مِنْ الْمِسْكِ وَالْكَافُورِ مَوَاضِعَ السُّجُودِ ؛ لِأَنَّهَا أَعْضَاءٌ شَرِيفَةٌ ، وَيُفْعَلُ بِهِ كَمَا يُفْعَلُ بِالْعَرُوسِ ؛ لِأَنَّهُ يُرْوَى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { اصْنَعُوا بِمَوْتَاكُمْ كَمَا تَصْنَعُونَ بِعَرَائِسِكُمْ } .\rوَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَتْبَع مَغَابِنَ الْمَيِّتِ وَمَرَافِقَهُ بِالْمِسْكِ .\rقَالَ أَحْمَدُ يُخْلَطُ الْكَافُورُ بِالذَّرِيرَةِ .\rوَقِيلَ لَهُ : يُذَرُّ الْمِسْكُ عَلَى الْمَيِّتِ أَوْ يُطْلَى بِهِ ؟ قَالَ : لَا يُبَالِي ، قَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ ذَرَّ عَلَيْهِ ، وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ مَسَحَهُ بِالْمِسْكِ مَسْحًا ، وَابْنُ سِيرِينَ طَلَى إنْسَانًا بِالْمِسْكِ مِنْ قَرْنِهِ إلَى قَدَمِهِ .\rوَقَالَ إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ : يُوضَعُ الْحَنُوطُ عَلَى أَعْظُمِ السُّجُودِ ، الْجَبْهَةِ ، وَالرَّاحَتَيْنِ ، وَالرُّكْبَتَيْنِ ، وَصُدُورِ الْقَدَمَيْنِ .\r( 1526 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَلَا يَجْعَلُ فِي عَيْنَيْهِ كَافُورًا ) إنَّمَا كُرِهَ هَذَا لِأَنَّهُ يُفْسِدُ الْعُضْوَ وَيُتْلِفُهُ ، وَلَا يُصْنَعُ مِثْلُهُ بِالْحَيِّ .\rقَالَ أَحْمَدُ : مَا سَمِعْنَا إلَّا فِي الْمَسَاجِدِ .\rوَحُكِيَ لَهُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَفْعَلُ ، فَأَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ ابْنُ عُمَرَ فَعَلَهُ ، وَكَرِهَ ذَلِكَ .","part":4,"page":393},{"id":1893,"text":"( 1527 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِنْ خَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ يَسِيرٌ بَعْدَ وَضْعِهِ فِي أَكْفَانِهِ ، لَمْ يُعَدْ إلَى الْغُسْلِ ، وَحُمِلَ ) لَا نَعْلَمُ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي هَذَا خِلَافًا .\rوَالْوَجْهُ فِي ذَلِكَ أَنَّ إعَادَةَ الْغُسْلِ فِيهَا مَشَقَّةٌ شَدِيدَةٌ ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى إخْرَاجِهِ ، وَإِعَادَةِ غُسْلِهِ وَغَسْلِ أَكْفَانِهِ ، وَتَجْفِيفِهَا أَوْ إبْدَالِهَا ، ثُمَّ لَا يُؤْمَنُ مِثْلُ هَذَا فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ ، فَسَقَطَ لِذَلِكَ ، وَلَا يَحْتَاجُ أَيْضًا إلَى إعَادَةِ وُضُوئِهِ ، وَلَا غَسْلِ مَوْضِعِ النَّجَاسَةِ ، دَفْعًا لِهَذِهِ الْمَشَقَّةِ ، وَيُحْمَلُ بِحَالِهِ .\rوَيُرْوَى عَنْ الشَّعْبِيِّ أَنَّ ابْنَةً لَهُ لَمَّا لُفَّتْ فِي أَكْفَانِهَا .\rبَدَا مِنْهَا شَيْءٌ ، فَقَالَ الشَّعْبِيُّ : ارْفَعُوا .\rفَأَمَّا إنْ كَانَ الْخَارِجُ كَثِيرًا فَاحِشًا فَمَفْهُومُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ هَاهُنَا أَنَّهُ يُعَادُ غُسْلُهُ إنْ كَانَ قَبْلَ تَمَامِ السَّبْعَةِ ؛ لِأَنَّ الْكَثِيرَ يَتَفَاحَشُ ، وَيُؤْمَنُ مِثْلُهُ فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ ، لِتَحَفُّظِهِمْ ، بِالشَّدِّ وَالتَّلَجُّمِ وَنَحْوِهِ .\rوَرَوَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ عَنْ أَحْمَدَ .\rقَالَ الْخَلَّالُ : وَخَالَفَهُ أَصْحَابُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ، كُلُّهُمْ رَوَوْا عَنْهُ : لَا يُعَادُ إلَى الْغُسْلِ بِحَالٍ .\rقَالَ : وَالْعَمَلُ عَلَى مَا اُتُّفِقَ عَلَيْهِ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْمَشَقَّةِ فِيهِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ تُحْمَلَ الرِّوَايَتَانِ عَلَى حَالَتَيْنِ ، فَالْمَوْضِعُ الَّذِي قَالَ لَا يُعَادُ غُسْلُهُ إذَا كَانَ يَسِيرًا وَيَخْفَى عَلَى الْمُشَيِّعِينَ ، وَالْمَوْضِعُ الَّذِي أَمَرَ بِإِعَادَتِهِ إذَا كَانَ يَظْهَرُ لَهُمْ وَيَفْحُشُ .","part":4,"page":394},{"id":1894,"text":"( 1528 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِنْ أَحَبَّ أَهْلُهُ أَنْ يَرَوْهُ لَمْ يُمْنَعُوا ) وَذَلِكَ لِمَا رُوِيَ عَنْ { جَابِرٍ قَالَ : لَمَّا قُتِلَ أَبِي جَعَلْت أَكْشِفُ الثَّوْبَ عَنْ وَجْهِهِ وَأَبْكِي ، وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَنْهَانِي .\r} وَقَالَتْ عَائِشَةُ : { رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقَبِّلُ عُثْمَانَ بْنَ مَظْعُونٍ وَهُوَ مَيِّتٌ ، حَتَّى رَأَيْت الدُّمُوعَ تَسِيلُ } .\rوَقَالَتْ : أَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ فَتَيَمَّمَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مُسَجَّى بِبُرْدٍ حِبَرَةٍ فَكَشَفَ عَنْ وَجْهِهِ ، ثُمَّ أَكَبَّ عَلَيْهِ فَقَبَّلَهُ ، ثُمَّ بَكَى .\rفَقَالَ : بِأَبِي أَنْتَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ ، لَا يَجْمَعُ اللَّهُ عَلَيْك مَوْتَتَيْنِ .\rوَهَذِهِ أَحَادِيثُ صِحَاحٌ .","part":4,"page":395},{"id":1895,"text":"( 1529 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَالْمَرْأَةُ تُكَفَّنُ فِي خَمْسَةِ أَثْوَابٍ : قَمِيصٍ ، وَمِئْزَرٍ ، وَلِفَافَةٍ ، وَمُقَنَّعَةٍ ، وَخَامِسَةٍ تُشَدُّ بِهَا فَخِذَاهَا ) قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَكْثَرُ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَرَى أَنْ تُكَفَّنَ الْمَرْأَةُ فِي خَمْسَةِ أَثْوَابٍ ، وَإِنَّمَا اُسْتُحِبَّ ذَلِكَ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ تَزِيدُ فِي حَالِ حَيَاتِهَا عَلَى الرَّجُلِ فِي السَّتْرِ لِزِيَادَةِ عَوْرَتِهَا عَلَى عَوْرَتِهِ ، فَكَذَلِكَ بَعْدَ الْمَوْتِ ، وَلَمَّا كَانَتْ تَلْبَسُ الْمَخِيطَ فِي إحْرَامِهَا ، وَهُوَ أَكْمَلُ أَحْوَالِ الْحَيَاةِ ، اُسْتُحِبَّ إلْبَاسُهَا إيَّاهُ بَعْدَ مَوْتِهَا ، وَالرَّجُلُ بِخِلَافِ ذَلِكَ ، فَافْتَرَقَا فِي اللُّبْسِ بَعْدَ الْمَوْتِ ، لِافْتِرَاقِهِمَا فِيهِ فِي الْحَيَاةِ ، وَاسْتَوَيَا فِي الْغُسْلِ بَعْدَ الْمَوْتِ لِاسْتِوَائِهِمَا فِيهِ فِي الْحَيَاةِ .\rوَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ لَيْلَى بِنْتِ قَانِفٍ الثَّقَفِيَّة ، قَالَتْ : كُنْت فِي مَنْ غَسَّلَ أُمَّ كُلْثُومٍ بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ وَفَاتِهَا ، فَكَانَ أَوَّلُ مَا أَعْطَانَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْحَقْوَ ، ثُمَّ الدِّرْعَ ، ثُمَّ الْخِمَارَ ، ثُمَّ الْمِلْحَفَةَ ، ثُمَّ أُدْرِجَتْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الثَّوْبِ الْآخِرِ .\rقَالَتْ : وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ الْبَابِ مَعَهُ كَفَنُهَا ، يُنَاوِلُنَاهَا ثَوْبًا ثَوْبًا .\rإلَّا أَنَّ الْخِرَقِيِّ إنَّمَا ذَكَرَ لِفَافَةً وَاحِدَةً ، فَعَلَى هَذَا تُشَدُّ الْخِرْقَةُ عَلَى فَخِذَيْهَا أَوَّلًا ، ثُمَّ تُؤْزَرُ بِالْمِئْزَرِ ، ثُمَّ يُلْبَسُ الْقَمِيصُ ، ثُمَّ تُخَمَّرُ بِالْمُقَنَّعَةِ ، ثُمَّ تُلَفُّ بِلِفَافَةٍ وَاحِدَةٍ .\rوَقَدْ أَشَارَ إلَيْهِ أَحْمَدُ ، فَقَالَ : تُخَمَّرُ ، وَيُتْرَكُ قَدْرُ ذِرَاعٍ ، يُسْدَلُ عَلَى وَجْهِهَا ، وَيُسْدَلُ عَلَى فَخِذَيْهَا الْحَقْوُ .\rوَسُئِلَ عَنْ الْحَقْوِ ؟ فَقَالَ : هُوَ الْإِزَارُ .\rقِيلَ : الْخَامِسَةُ .\rقَالَ : خِرْقَةٌ تُشَدُّ عَلَى فَخِذَيْهَا .\rقِيلَ لَهُ : قَمِيصُ الْمَرْأَةِ ؟ قَالَ : يُخَيَّطُ .\rقِيلَ : يُكَفُّ","part":4,"page":396},{"id":1896,"text":"وَيُزَرُّ ؟ قَالَ : يُكَفُّ وَلَا يُزَرُّ عَلَيْهَا .\rوَاَلَّذِي عَلَيْهِ أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا وَغَيْرُهُمْ ، أَنَّ الْأَثْوَابَ الْخَمْسَةَ إزَارٌ ، وَدِرْعٌ ، وَخِمَارٌ ، وَلِفَافَتَانِ ، وَهُوَ الصَّحِيحُ ، لِحَدِيثِ لَيْلَى الَّذِي ذَكَرْنَاهُ ، وَلِمَا رَوَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَاوَلَهَا إزَارًا ، وَدِرْعًا ، وَخِمَارًا ، وَثَوْبَيْنِ .","part":4,"page":397},{"id":1897,"text":"فَصْلٌ : قَالَ الْمَرُّوذِيُّ : سَأَلْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ : فِي كَمْ تُكَفَّنُ الْجَارِيَةُ إذَا لَمْ تَبْلُغْ ؟ قَالَ : فِي لِفَافَتَيْنِ ، وَقَمِيصٍ ، لَا خِمَارَ فِيهِ .\rوَكَفَّنَ ابْنُ سِيرِينَ بِنْتًا لَهُ قَدْ أَعْصَرَتْ فِي قَمِيصٍ وَلِفَافَتَيْنِ .\rوَرُوِيَ فِي بَقِيرٍ وَلِفَافَتَيْنِ .\rقَالَ أَحْمَدُ : الْبَقِيرُ الْقَمِيصُ الَّذِي لَيْسَ لَهُ كُمَّانِ .\rوَلِأَنَّ غَيْرَ الْبَالِغِ لَا يَلْزَمُهَا سَتْرُ رَأْسِهَا فِي الصَّلَاةِ .\rوَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَة عَنْ أَحْمَدَ فِي الْحَدِّ الَّذِي تَصِيرُ بِهِ فِي حُكْمِ الْمَرْأَةِ فِي الْكَفَنِ ، فَرُوِيَ عَنْهُ : إذَا بَلَغَتْ .\rوَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ ، فِي رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيِّ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ حَائِضٍ إلَّا بِخِمَارٍ } مَفْهُومُهُ أَنَّ غَيْرَهَا لَا تَحْتَاجُ إلَى خِمَارٍ فِي صَلَاتِهَا ، فَكَذَلِكَ فِي كَفَنِهَا .\rوَلِأَنَّ ابْنَ سِيرِينَ كَفَّنَ ابْنَتَهُ ، وَقَدْ أَعْصَرَتْ أَيْ قَارَبَتْ الْمَحِيضَ بِغَيْرِ خِمَارٍ .\rوَرَوَى عَنْ أَحْمَدَ أَكْثَرُ أَصْحَابِهِ : إذَا كَانَتْ بِنْتَ تِسْعٍ يُصْنَعُ بِهَا مَا يُصْنَعُ بِالْمَرْأَةِ .\rوَاحْتُجَّ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ بِهَا وَهِيَ بِنْتُ تِسْعِ سِنِينَ } .\rوَرُوِيَ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ : إذَا بَلَغْت الْجَارِيَةُ تِسْعًا فَهِيَ امْرَأَةٌ .","part":4,"page":398},{"id":1898,"text":"( 1531 ) فَصْلٌ : قَالَ أَحْمَدُ لَا يُعْجِبُنِي أَنْ تُكَفَّنَ فِي شَيْءٍ مِنْ الْحَرِيرِ .\rوَكَرِهَ ذَلِكَ الْحَسَنُ ، وَابْنُ الْمُبَارَكِ ، وَإِسْحَاقُ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : وَلَا أَحْفَظُ مِنْ غَيْرِهِمْ خِلَافَهُمْ .\rوَفِي جَوَازِ تَكْفِينِ الْمَرْأَةِ بِالْحَرِيرِ احْتِمَالَانِ ؛ لِأَنَّ أَقْيَسَهُمَا الْجَوَازُ ، لِأَنَّهُ مِنْ لِبَاسِهَا فِي حَيَاتِهَا ، لَكِنْ كَرِهْنَاهُ لَهَا ، لِأَنَّهَا خَرَجَتْ عَنْ كَوْنِهَا مَحَلًّا لِلزِّينَةِ وَالشَّهْوَةِ ، وَكَذَلِكَ يُكْرَهُ تَكْفِينُهَا بِالْمُعَصْفَرِ ، وَنَحْوِهِ ؛ لِذَلِكَ .\rقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : لَا يُكَفَّنُ الْمَيِّتُ فِي الثِّيَابِ الْمُصْبَغَةِ ، إلَّا مَا كَانَ مِنْ الْعَصْبِ ، يَعْنِي مَا صُنِعَ بِالْعَصْبِ ، وَهُوَ نَبْتٌ يَنْبُتُ بِالْيَمَنِ .","part":4,"page":399},{"id":1899,"text":"( 1532 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَيُضَفَّرُ شَعْرُهَا ثَلَاثَةَ قُرُونٍ ، وَيُسْدَلُ مِنْ خَلْفِهَا ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ شَعْرَ الْمَيِّتَةِ يُغْسَلُ ، وَإِنْ كَانَ مَعْقُوصًا نُقِضَ ، ثُمَّ غُسِلَ ، ثُمَّ ضُفِّرَ ثَلَاثَةَ قُرُونٍ ، قَرْنَيْهَا ، وَنَاصِيَتَهَا ، وَيُلْقَى مِنْ خَلْفِهَا .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ .\rوَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ : لَا يُضَفَّرُ ، وَلَكِنْ يُرْسَلُ مَعَ خَدَّيْهَا ، مِنْ بَيْنَ يَدَيْهَا مِنْ الْجَانِبَيْنِ ، ثُمَّ يُرْسَلُ عَلَيْهِ الْخِمَارُ ؛ لِأَنَّ ضُفْرَهُ يَحْتَاجُ إلَى تَسْرِيحِهَا ، فَيَنْقَطِعُ ، شَعْرُهَا وَيُنْتَفُ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ ، قَالَتْ : { ضَفَّرْنَا شَعْرَهَا ثَلَاثَةَ قُرُونٍ ، وَأَلْقَيْنَاهُ خَلْفهَا .\rيَعْنِي بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَلِمُسْلِمٍ : فَضَفَّرْنَا شَعْرَهَا ثَلَاثَةَ قُرُونٍ ؛ قَرْنَيْهَا ، وَنَاصِيَتَهَا .\rوَلِلْبُخَارِيِّ : جَعَلْنَ رَأْسَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَلَاثَةَ قُرُونٍ ، نَقَضْنَهُ ، ثُمَّ غَسَلْنَهُ ، ثُمَّ جَعَلْنَهُ ثَلَاثَةَ قُرُونٍ .\rوَإِنَّمَا غَسَلْنَهُ بِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَعْلِيمِهِ .\rوَفِي حَدِيثِ أُمِّ سُلَيْمٍ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { وَاضْفِرْنَ شَعْرَهَا ثَلَاثَةَ قُرُونٍ ؛ قُصَّةٍ ، وَقَرْنَيْنِ ، وَلَا تُشَبِّهْنَهَا بِالرِّجَالِ } .\rفَأَمَّا التَّسْرِيحُ فَكَرِهَهُ أَحْمَدُ ، وَقَالَ : قَالَتْ عَائِشَةُ : عَلَامَ تَنُصُّونَ مَيِّتَكُمْ ؟ قَالَ : يَعْنِي لَا تُسَرِّحُوا رَأْسَهُ بِالْمُشْطِ .\rوَلِأَنَّ ذَلِكَ يَقْطَعُ شَعْرَهُ وَيَنْتِفُهُ .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ ، قَالَتْ : مَشَطْنَاهَا ثَلَاثَةَ قُرُونٍ .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rقَالَ أَحْمَدُ : إنَّمَا ضَفَّرْنَ .\rوَأَنْكَرَ الْمُشْطَ .\rفَكَأَنَّهُ تَأَوَّلَ قَوْلَهَا : مَشَطْنَاهَا .\rعَلَى أَنَّهَا أَرَادَتْ ضَفَّرْنَاهَا ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":4,"page":400},{"id":1900,"text":"( 1533 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : \" وَالْمَشْيُ بِالْجِنَازَةِ الْإِسْرَاعُ \" لَا خِلَافَ بَيْنَ الْأَئِمَّةِ ، رَحِمَهُمُ اللَّهُ ، فِي اسْتِحْبَابِ الْإِسْرَاعِ بِالْجِنَازَةِ ، وَبِهِ وَرَدَ النَّصُّ ، وَهُوَ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { أَسْرِعُوا بِالْجِنَازَةِ ، فَإِنْ تَكُنْ صَالِحَةً فَخَيْرٌ تُقَدِّمُونَهَا إلَيْهِ ، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ ذَلِكَ فَشَرٌّ تَضَعُونَهُ عَنْ رِقَابِكُمْ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا تَبِعَ الْجِنَازَةَ قَالَ : انْبَسِطُوا بِهَا ، وَلَا تَدِبُّوا دَبِيبَ الْيَهُودِ بِجَنَائِزِهَا } .\rرَوَاهُ أَحْمَدُ ، فِي \" الْمُسْنَدِ \" .\rوَاخْتَلَفُوا فِي الْإِسْرَاعِ الْمُسْتَحَبِّ ، فَقَالَ الْقَاضِي : الْمُسْتَحَبُّ إسْرَاعٌ لَا يَخْرُجُ عَنْ الْمَشْيِ الْمُعْتَادِ .\rوَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ : يَخُبُّ ، وَيَرْمُلُ ؛ لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ عُيَيْنَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِيهِ .\rقَالَ { : كُنَّا فِي جِنَازَةِ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ فَكُنَّا نَمْشِي مَشْيًا خَفِيفًا ، فَلَحِقَنَا أَبُو بَكْرٍ ؛ فَرَفَعَ سَوْطَهُ ، فَقَالَ : لَقَدْ رَأَيْتُنَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَرْمُلُ رَمْلًا } .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { أَنَّهُ مُرَّ عَلَيْهِ بِجِنَازَةٍ تَمْخُضُ مَخْضًا ، فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ : عَلَيْكُمْ بِالْقَصْدِ فِي جَنَائِزِكُمْ } .\rمِنْ \" الْمُسْنَدِ \" .\rوَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : { سَأَلْنَا نَبِيَّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْمَشْيِ بِالْجِنَازَةِ .\rفَقَالَ : مَا دُونَ الْخَبَبِ } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَالتِّرْمِذِيُّ .\rوَقَالَ : يَرْوِيهِ أَبُو مَاجِدٍ ، وَهُوَ مَجْهُولٌ .\rوَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { انْبَسِطُوا بِهَا ، وَلَا تَدِبُّوا دَبِيبَ الْيَهُودِ } .\rيَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ إسْرَاعٌ يَخْرُجُ بِهِ عَنْ شِبْهِ مَشْيِ الْيَهُودِ بِجَنَائِزِهِمْ ، وَلِأَنَّ الْإِسْرَافَ فِي الْإِسْرَاعِ يَمْخُضُهَا ، وَيُؤْذِي","part":4,"page":401},{"id":1901,"text":"حَامِلِيهَا وَمُتَّبِعِيهَا ، وَلَا يُؤْمَنُ عَلَى الْمَيِّتِ .\rوَقَدْ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ، فِي جِنَازَةِ مَيْمُونَةَ : لَا تُزَلْزِلُوا ، وَارْفُقُوا ، فَإِنَّهَا أُمُّكُمْ .","part":4,"page":402},{"id":1902,"text":"( 1534 ) فَصْلٌ : وَاتِّبَاعُ الْجَنَائِزِ سُنَّةٌ .\rقَالَ الْبَرَاءُ : { أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِاتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ } .\rوَهُوَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ : أَحَدُهَا ، أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهَا ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ .\rقَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ : إذَا صَلَّيْت فَقَدْ قَضَيْت الَّذِي عَلَيْك .\rوَقَالَ أَبُو دَاوُد : رَأَيْت أَحْمَدَ مَا لَا أُحْصِي صَلَّى عَلَى جَنَائِزَ ، وَلَمْ يَتْبَعْهَا إلَى الْقَبْرِ ، وَلَمْ يَسْتَأْذِنْ .\rالثَّانِي ، أَنْ يَتْبَعَهَا إلَى الْقَبْرِ ، ثُمَّ يَقِفَ حَتَّى تُدْفَنَ ؛ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ شَهِدَ الْجِنَازَةَ حَتَّى يُصَلِّيَ فَلَهُ قِيرَاطٌ ، وَمَنْ شَهِدَهَا حَتَّى تُدْفَنَ كَانَ لَهُ قِيرَاطَانِ .\rقِيلَ : وَمَا الْقِيرَاطَانِ ؟ قَالَ : مِثْلُ الْجَبَلَيْنِ الْعَظِيمَيْنِ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rالثَّالِثُ ، أَنْ يَقِفَ بَعْدَ الدَّفْنِ ، فَيَسْتَغْفِرَ لَهُ ، وَيَسْأَلَ اللَّهَ لَهُ التَّثْبِيتَ ، وَيَدْعُوَ لَهُ بِالرَّحْمَةِ ، فَإِنَّهُ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ إذَا دَفَنَ مَيِّتًا وَقَفَ ، وَقَالَ : { اسْتَغْفِرُوا لَهُ ، وَاسْأَلُوا اللَّهَ لَهُ التَّثْبِيتَ ؛ فَإِنَّهُ الْآنَ يُسْأَلُ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ عِنْدَهُ بَعْدَ الدَّفْنِ أَوَّلَ الْبَقَرَةِ وَخَاتِمَتَهَا .\r( 1535 ) فَصْلٌ : وَيُسْتَحَبُّ لِمُتَّبِعِ الْجِنَازَةِ أَنْ يَكُونَ مُتَخَشِّعًا ، مُتَفَكِّرًا فِي مَآلِهِ ، مُتَّعِظًا بِالْمَوْتِ ، وَبِمَا يَصِيرُ إلَيْهِ الْمَيِّتُ ، وَلَا يَتَحَدَّثُ بِأَحَادِيثِ الدُّنْيَا ، وَلَا يَضْحَكُ ، قَالَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ : مَا تَبِعْت جِنَازَةً فَحَدَّثْت نَفْسِي بِغَيْرِ مَا هُوَ مَفْعُولٌ بِهَا .\rوَرَأَى بَعْضُ السَّلَفِ رَجُلًا يَضْحَكُ فِي جِنَازَةٍ ، فَقَالَ : أَتَضْحَكُ وَأَنْتَ تَتْبَعُ الْجِنَازَةَ ؟ لَا كَلَّمْتُك أَبَدًا .","part":4,"page":403},{"id":1903,"text":"( 1536 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : \" وَالْمَشْيُ أَمَامَهَا أَفْضَلُ \" أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ يَرَوْنَ الْفَضِيلَةَ لِلْمَاشِي أَنْ يَكُونَ أَمَامَ الْجِنَازَةِ ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ ، وَعُمَرَ ، وَعُثْمَانَ ، وَابْنِ عُمَرَ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَالْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ ، وَأَبِي قَتَادَةَ ، وَأَبِي أُسَيْدَ ، وَعُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ ، وَشُرَيْحٍ ، وَالْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، وَسَالِمٍ ، وَالزُّهْرِيِّ ، وَمَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ : الْمَشْيُ خَلْفَهَا أَفْضَلُ ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ مَسْعُودٍ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { الْجِنَازَةُ مَتْبُوعَةٌ ، وَلَا تُتْبَعُ ، لَيْسَ مِنْهَا مَنْ تَقَدَّمَهَا } .\rوَقَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : { فَضْلُ الْمَاشِي خَلْفَ الْجِنَازَةِ عَلَى الْمَاشِي قُدَّامَهَا ، كَفَضْلِ الْمَكْتُوبَةِ عَلَى التَّطَوُّعِ ، سَمِعْته مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ } .\rوَلِأَنَّهَا مَتْبُوعَةٌ فَيَجِبُ أَنْ تُقَدَّمَ كَالْإِمَامِ فِي الصَّلَاةِ ، وَلِهَذَا قَالَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ : \" مَنْ تَبِعَ جِنَازَةً \" .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ ، قَالَ : رَأَيْت النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبَا بَكْرٍ ، وَعُمَرَ يَمْشُونَ أَمَامَ الْجِنَازَةِ .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَالتِّرْمِذِيُّ .\rوَعَنْ أَنَسٍ نَحْوُهُ ، رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ .\rوَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبَا بَكْرٍ ، وَعُمَرَ ، كَانُوا يَمْشُونَ أَمَامَ الْجِنَازَةِ .\rوَقَالَ أَبُو صَالِحٍ : كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمْشُونَ أَمَامَ الْجِنَازَةِ ، وَلِأَنَّهُمْ شُفَعَاءُ لَهُ ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { مَا مِنْ مَيِّتٍ تُصَلِّي عَلَيْهِ أُمَّةٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ، يَبْلُغُونَ مِائَةً ، كُلُّهُمْ يَشْفَعُونَ لَهُ ، إلَّا شُفِّعُوا فِيهِ } .\rرَوَاهُ مُسْلِمٌ .\rوَالشَّفِيعُ يَتَقَدَّمُ الْمَشْفُوعَ لَهُ ، وَحَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ يَرْوِيه أَبُو مَاجِدٍ ، وَهُوَ مَجْهُولٌ ، قِيلَ لِيَحْيَى :","part":4,"page":404},{"id":1904,"text":"مَنْ أَبُو مَاجِدٍ هَذَا ؟ قَالَ : طَائِرٌ طَارَ .\rقَالَ التِّرْمِذِيُّ : سَمِعْت مُحَمَّدَ بْنَ إسْمَاعِيلَ يُضَعِّفُ هَذَا الْحَدِيثَ .\rوَالْحَدِيثُ الْآخَرُ لَمْ يَذْكُرْهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ .\rوَقَالُوا : هُوَ ضَعِيفٌ .\rثُمَّ نَحْمِلُهُ عَلَى مَنْ تَقَدَّمَهَا إلَى مَوْضِعِ الصَّلَاةِ أَوْ الدَّفْنِ ، وَلَمْ يَكُنْ مَعَهَا .\rوَقِيَاسُهُمْ يَبْطُلُ بِسُنَّةِ الصُّبْحِ وَالظُّهْرِ ، فَإِنَّهَا تَابِعَةٌ لَهُمَا ، وَتَتَقَدَّمُهُمَا فِي الْوُجُودِ .","part":4,"page":405},{"id":1905,"text":"( 1537 ) فَصْلٌ : وَيُكْرَهُ الرُّكُوبُ فِي اتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ .\rقَالَ ثَوْبَانُ : { خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي جِنَازَةٍ ، فَرَأَى نَاسًا رُكْبَانًا ، فَقَالَ : أَلَا تَسْتَحْيُونَ ؟ إنَّ مَلَائِكَةَ اللَّهِ عَلَى أَقْدَامِهِمْ ، وَأَنْتُمْ عَلَى ظُهُورِ الدَّوَابِّ } .\rرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ .\rفَإِنْ رَكِبَ فِي جِنَازَةٍ فَالسُّنَّةُ أَنْ يَكُونَ خَلْفَهَا ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي الرَّاكِبِ : لَا أَعْلَمُهُمْ اخْتَلَفُوا فِي أَنَّهُ يَكُونُ خَلْفَهَا ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الرَّاكِبُ يَسِيرُ خَلْفَ الْجِنَازَةِ ، وَالْمَاشِي يَمْشِي خَلْفَهَا وَأَمَامَهَا ، وَعَنْ يَمِينهَا وَعَنْ يَسَارِهَا ، قَرِيبًا مِنْهَا } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَرَوَى التِّرْمِذِيُّ نَحْوَهُ ، وَلَفْظُهُ : { الرَّاكِبُ خَلْفَ الْجِنَازَةِ ، وَالْمَاشِي حَيْثُ شَاءَ مِنْهَا ، وَالطِّفْلُ يُصَلَّى عَلَيْهِ } .\rوَقَالَ : هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ .\rوَلِأَنَّ سَيْرَ الرَّاكِبِ أَمَامَهَا يُؤْذِي الْمُشَاةَ ؛ لِأَنَّهُ مَوْضِعُ مَشْيِهِمْ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ ، فَأَمَّا الرُّكُوب فِي الرُّجُوعِ مِنْهَا فَلَا بَأْسَ بِهِ .\rقَالَ جَابِرُ بْنُ سَمُرَةَ : { إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اتَّبَعَ جِنَازَةَ ابْنِ الدَّحْدَاحِ مَاشِيًا ، وَرَجَعَ عَلَى فَرَسٍ } .\rرَوَاهُ مُسْلِمٌ .\rقَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ .","part":4,"page":406},{"id":1906,"text":"( 1538 ) فَصْلٌ : وَيُكْرَهُ رَفْعُ الصَّوْتِ عِنْدَ الْجِنَازَةِ ؛ لِنَهْيِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ تُتْبَعَ الْجِنَازَةُ بِصَوْتٍ .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : رَوَيْنَا عَنْ قَيْسِ بْنِ عَبَّادٍ أَنَّهُ قَالَ : كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَكْرَهُونَ رَفْعَ الصَّوْتِ ؛ عِنْدَ ثَلَاثٍ ؛ عِنْدَ الْجَنَائِزِ ، وَعِنْدَ الذِّكْرِ ، وَعِنْدَ الْقِتَالِ وَذَكَرَ الْحَسَنُ ، عَنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَسْتَحِبُّونَ خَفْضَ الصَّوْتِ عِنْدَ ثَلَاثٍ .\rفَذَكَرَ نَحْوَهُ .\rوَكَرِهَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَالْحَسَنُ ، وَالنَّخَعِيّ ، وَإِمَامُنَا وَإِسْحَاقُ ، قَوْلَ الْقَائِلِ خَلْفَ الْجِنَازَةِ : اسْتَغْفِرُوا لَهُ .\rوَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ بِدْعَةٌ .\rوَقَالَ عَطَاءٌ : مُحْدَثَةٌ .\rوَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّب فِي مَرَضِهِ : إيَّايَ وَحَادِيهمْ ، هَذَا الَّذِي يَحْدُو لَهُمْ ، يَقُولُ : اسْتَغْفِرُوا لَهُ ، غَفَرَ اللَّهُ لَكْم .\rوَقَالَ فُضَيْلٍ بْنُ عَمْرٍو : بَيْنَا ابْنُ عُمَرَ فِي جِنَازَةٍ ، إذْ سَمِعَ قَائِلًا يَقُولُ : اسْتَغْفِرُوا لَهُ ، غَفَرَ اللَّهُ لَكُمْ .\rفَقَالَ ابْنُ عُمَرَ : لَا غَفَرَ اللَّهُ لَكَ .\rرَوَاهُمَا سَعِيدٌ .\rقَالَ أَحْمَدُ وَلَا يَقُولُ خَلْفَ الْجِنَازَةِ : سَلِّمْ رَحِمَك اللَّهُ .\rفَإِنَّهُ بِدْعَةٌ .\rوَلَكِنْ يَقُول : بِسْمِ اللَّهِ ، وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rوَيَذْكُرُ اللَّهَ إذَا تَنَاوَلَ السَّرِيرَ .","part":4,"page":407},{"id":1907,"text":"فَصْلٌ : وَمَسُّ الْجِنَازَةِ بِالْأَيْدِي وَالْأَكْمَامِ وَالْمَنَادِيلِ مُحْدَثٌ مَكْرُوهٌ ، وَلَا يُؤْمَنُ مَعَهُ فَسَادُ الْمَيِّتِ ، وَقَدْ مَنَعَ الْعُلَمَاءُ مَسَّ الْقَبْرِ ، فَمَسُّ الْجَسَدِ مَعَ خَوْفِ الْأَذَى أَوْلَى بِالْمَنْعِ .","part":4,"page":408},{"id":1908,"text":"( 1540 ) فَصْلٌ : وَيُكْرَهُ اتِّبَاعُ الْمَيِّتِ بِنَارٍ ، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : يَكْرَهُ ذَلِكَ كُلُّ مَنْ يُحْفَظُ عَنْهُ .\rرُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ ، وَمَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ ، وَأَبِي سَعِيدٍ ، وَعَائِشَةَ ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، أَنَّهُمْ وَصَّوْا أَنْ لَا يُتْبَعُوا بِنَارٍ .\rوَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ ، أَنَّ أَبَا مُوسَى حِينَ حَضَرَهُ الْمَوْتُ قَالَ : { لَا تَتْبَعُونِي بِمِجْمَرٍ .\rقَالُوا لَهُ : أَوَسَمِعْت فِيهِ شَيْئًا ؟ قَالَ : نَعَمْ ، مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ } .\rوَرَوَى أَبُو دَاوُد ، بِإِسْنَادِهِ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { لَا تُتْبَعُ الْجِنَازَةُ بِصَوْتٍ وَلَا نَارٍ } .\rفَإِنْ دُفِنَ لَيْلًا فَاحْتَاجُوا إلَى ضَوْءٍ ، فَلَا بَأْسَ بِهِ ، إنَّمَا كُرِهَ الْمَجَامِرُ فِيهَا الْبَخُورُ .\rوَفِي حَدِيثٍ { عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ قَبْرًا لَيْلًا ، فَأُسْرِجَ لَهُ سِرَاجٌ } .\rقَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ .","part":4,"page":409},{"id":1909,"text":"( 1541 ) فَصْلٌ : وَيُكْرَهُ اتِّبَاعُ النِّسَاءِ الْجَنَائِزَ ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ : { نُهِينَا عَنْ اتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ ، وَلَمْ يُعْزَمْ عَلَيْنَا } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَكَرِهَ ذَلِكَ ابْنُ مَسْعُودٍ ، وَابْنُ عُمَرَ ، وَأَبُو أُمَامَةَ ، وَعَائِشَةُ ، وَمَسْرُوقٌ ، وَالْحَسَنُ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ .\rوَرُوِيَ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ ، فَإِذَا نِسْوَةٌ جُلُوسٌ ، قَالَ مَا يُجْلِسُكُنَّ ؟ قُلْنَ : نَنْتَظِرُ الْجِنَازَةَ .\rقَالَ : هَلْ تُغَسِّلْنَ ؟ قُلْنَ : لَا .\rقَالَ : هَلْ تَحْمِلْنَ ؟ قُلْنَ : لَا .\rقَالَ : هَلْ تُدْلِينَ فِي مَنْ يُدْلِي ؟ قُلْنَ : لَا .\rقَالَ فَارْجِعْنَ مَأْزُورَاتٍ غَيْرَ مَأْجُورَاتٍ } .\rرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ .\rوَرُوِيَ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَقِيَ فَاطِمَةَ ، فَقَالَ : مَا أَخْرَجَك يَا فَاطِمَةُ مِنْ بَيْتِك ؟ .\rقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَتَيْت أَهْلَ هَذَا الْبَيْتِ ، فَرَحِمْت إلَيْهِمْ مَيِّتَهُمْ ، أَوْ عَزَّيْتُهُمْ بِهِ .\rقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَلَعَلَّك بَلَغْت مَعَهُمْ الْكُدَى ؟ .\rقَالَتْ : مَعَاذَ اللَّهِ ، وَقَدْ سَمِعْتُك تَذْكُرُ فِيهَا مَا تَذْكُرُ .\rقَالَ : لَوْ بَلَغْت مَعَهُمْ الْكُدَى .\rفَذَكَرَ تَشْدِيدًا .\r} رَوَاهُ أَبُو دَاوُد .","part":4,"page":410},{"id":1910,"text":"( 1542 ) فَصْلٌ : فَإِنْ كَانَ مَعَ الْجِنَازَةِ مُنْكَرٌ يَرَاهُ أَوْ يَسْمَعُهُ ، فَإِنْ قَدَرَ عَلَى إنْكَارِهِ وَإِزَالَتِهِ ، أَزَالَهُ ، وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى إزَالَتِهِ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا ، يُنْكِرُهُ وَيَتْبَعُهَا ، فَيَسْقُطُ فَرْضُهُ بِالْإِنْكَارِ ، وَلَا يَتْرُكُ حَقًّا لِبَاطِلٍ .\rوَالثَّانِي ، يَرْجِعُ ، لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى اسْتِمَاعِ مَحْظُورٍ وَرُؤْيَتِهِ ، مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى تَرْكِ ذَلِكَ .\rوَأَصْلُ هَذَا فِي الْغُسْلِ ، فَإِنَّ فِيهِ رِوَايَتَيْنِ ، فَيُخَرَّجُ فِي اتِّبَاعِهَا وَجْهَانِ .","part":4,"page":411},{"id":1911,"text":"( 1543 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَالتَّرْبِيعُ أَنْ يُوضَعَ عَلَى الْكَتِفِ الْيُمْنَى إلَى الرِّجْلِ ، ثُمَّ الْكَتِفِ الْيُسْرَى إلَى الرِّجْلِ ) التَّرْبِيعُ هُوَ الْأَخْذُ بِجَوَانِبِ السَّرِيرِ الْأَرْبَعِ ، وَهُوَ سُنَّةٌ فِي حَمْلِ الْجِنَازَةِ لِقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ : { إذَا تَبِعَ أَحَدُكُمْ جِنَازَةً ، فَلْيَأْخُذْ بِجَوَانِبِ السَّرِيرِ الْأَرْبَعِ ، ثُمَّ لْيَتَطَوَّعْ بَعْدُ أَوْ لِيَذَرْ ، فَإِنَّهُ مِنْ السُّنَّةِ } .\rرَوَاهُ سَعِيدٌ ، فِي \" سُنَنِهِ \" .\rوَهَذَا يَقْتَضِي سُنَّةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rوَصِفَةُ التَّرْبِيعِ الْمَسْنُونِ أَنْ يَبْدَأَ فَيَضَعَ قَائِمَةَ السَّرِيرِ الْيُسْرَى عَلَى كَتِفِهِ الْيُمْنَى ، مِنْ عِنْدِ رَأْسِ الْمَيِّتِ ، ثُمَّ يَضَعَ الْقَائِمَةَ الْيُسْرَى مِنْ عِنْدِ الرِّجْلِ عَلَى الْكَتِفِ الْيُمْنَى ، ثُمَّ يَعُود أَيْضًا إلَى الْقَائِمَةِ الْيُمْنَى مِنْ عِنْدِ رَأْسِ الْمَيِّتِ فَيَضَعَهَا عَلَى كَتِفِهِ الْيُسْرَى ، ثُمَّ يَنْتَقِلَ إلَى الْيُمْنَى مِنْ عِنْدِ رِجْلَيْهِ .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَعَنْ أَحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ ، أَنَّهُ يَدُورُ عَلَيْهَا فَيَأْخُذُ بَعْدَ يَاسِرَةِ الْمُؤَخِّرَةِ يَامِنَةَ الْمُؤَخِّرَةِ ثُمَّ الْمُقَدِّمَةَ وَهُوَ مَذْهَبُ إِسْحَاقُ وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَابْنِ عُمَرَ ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَأَيُّوبَ وَلِأَنَّهُ أَخَفُّ وَوَجْهُ الْأَوَّلِ ، أَنَّهُ أَحَدُ الْجَانِبَيْنِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَبْدَأَ فِيهِ بِمُقَدَّمِهِ كَالْأَوَّلِ .\rفَأَمَّا الْحَمْلُ بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ ، فَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ رَوَيْنَا عَنْ عُثْمَانَ وَسَعْدِ بْنِ مَالِكٍ وَابْنِ عُمَرَ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُمْ حَمَلُوا بَيْنَ عَمُودَيْ السَّرِيرِ .\rوَقَالَ بِهِ الشَّافِعِيُّ ، وَأَحْمَدُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَكَرِهَهُ النَّخَعِيُّ ، وَالْحَسَنُ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَإِسْحَاقُ .\rوَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ ؛ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ ، رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ ، قَدْ فَعَلُوهُ ، وَفِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ .\rوَقَالَ مَالِكٌ لَيْسَ فِي حَمْلِ الْمَيِّتِ تَوْقِيتٌ يَحْمِلُ مِنْ حَيْثُ شَاءَ .","part":4,"page":412},{"id":1912,"text":"وَنَحْوُهُ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَاتِّبَاعُ الصَّحَابَةِ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، فِيمَا فَعَلُوهُ وَقَالُوهُ ، أَحْسَنُ وَأَوْلَى","part":4,"page":413},{"id":1913,"text":"( 1544 ) فَصْلٌ : إذَا مَرَّتْ بِهِ جِنَازَةٌ لَمْ يُسْتَحَبَّ لَهُ الْقِيَامُ لَهَا ؛ لِقَوْلِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ { : قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ قَعَدَ } رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَقَالَ إِسْحَاقُ مَعْنَى قَوْل عَلِيٍّ يَقُولُ : كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا رَأَى جِنَازَةً قَامَ ، ثُمَّ تَرَكَ ذَلِكَ بَعْدُ .\rقَالَ أَحْمَدُ : إنْ قَامَ لَمْ أَعِبْهُ ، وَإِنْ قَعَدَ فَلَا بَأْسَ وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي مُوسَى ، وَالْقَاضِي ، أَنَّ الْقِيَامَ مُسْتَحَبٌّ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { : إذَا رَأَى أَحَدُكُمْ الْجِنَازَةَ فَلْيَقُمْ حِينَ يَرَاهَا ، حَتَّى تَخْلُفَهُ } رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَقَدْ ذَكَرْنَا : أَنَّ آخِرَ الْأَمْرَيْنِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَرْكُ الْقِيَامِ لَهَا ، وَالْأَخْذُ بِالْآخِرِ مِنْ أَمْرِهِ أَوْلَى ، فَقَدْ رُوِيَ فِي حَدِيثٍ { أَنَّ يَهُودِيًّا رَأَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ لِلْجِنَازَةِ ، فَقَالَ : يَا مُحَمَّدُ : هَكَذَا نَصْنَعُ .\rفَتَرَكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْقِيَامَ لَهَا }","part":4,"page":414},{"id":1914,"text":"( 1545 ) فَصْلٌ : وَمَنْ يَتَّبِعُ الْجِنَازَةَ اُسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ لَا يَجْلِسَ حَتَّى تُوضَعَ ، مِمَّنْ رَأَى أَنْ لَا يَجْلِسَ حَتَّى تُوضَعَ عَنْ أَعْنَاقِ الرِّجَالِ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ وَابْنُ عُمَرَ ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ ، وَابْنُ الزُّبَيْرِ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ .\rوَوَجْهُ ذَلِكَ مَا رَوَى مُسْلِمٌ بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي سَعِيد قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : إذَا اتَّبَعْتُمْ الْجِنَازَةَ فَلَا تَجْلِسُوا حَتَّى تُوضَعَ } وَرَأَى الشَّافِعِيُّ أَنَّ هَذَا مَنْسُوخٌ بِحَدِيثِ عَلِيٍّ وَلَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ قَوْلَ عَلِيٍّ يَحْتَمِلُ مَا ذَكَرَهُ إِسْحَاقُ وَالسَّبَبَ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِيهِ ، وَلَيْسَ فِي اللَّفْظِ عُمُومٌ ، فَيَعُمُّ الْأَمْرَيْنِ جَمِيعًا ، فَلَمْ يَجُزْ النَّسْخُ بِأَمْرِ مُحْتَمَلٍ ، وَلِأَنَّ قَوْلَ عَلِيٍّ : قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ قَعَدَ .\rيَدُلُّ عَلَى ابْتِدَاءِ فِعْلِ الْقِيَامِ ، وَهَا هُنَا إنَّمَا وُجِدَتْ مِنْهُ الِاسْتِدَامَةُ ، إذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَأَظْهَرُ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ أُرِيدَ بِالْوَضْعِ وَضْعُهَا عَنْ أَعْنَاقِ الرِّجَالِ ، وَهُوَ قَوْلُ مَنْ ذَكَرْنَا مِنْ قَبْلُ .\rوَقَدْ رَوَى الثَّوْرِيُّ الْحَدِيثَ { : إذَا اتَّبَعْتُمْ الْجِنَازَةَ فَلَا تَجْلِسُوا حَتَّى تُوضَعَ بِالْأَرْضِ } وَرَوَاهُ أَبُو مُعَاوِيَةَ { حَتَّى تُوضَعَ فِي اللَّحْدِ } وَحَدِيثُ سُفْيَانَ أَصَحُّ .\rفَأَمَّا مَنْ تَقَدَّمَ الْجِنَازَةَ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَجْلِسَ قَبْلَ أَنْ تَنْتَهِيَ إلَيْهِ .\rقَالَ التِّرْمِذِيُّ رُوِيَ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَتَقَدَّمُونَ الْجِنَازَةَ ، فَيَجْلِسُونَ قَبْلَ أَنْ تَنْتَهِيَ إلَيْهِمْ ، فَإِذَا جَاءَتْ الْجِنَازَةُ لَمْ يَقُومُوا لَهَا .\rلِمَا تَقَدَّمَ .","part":4,"page":415},{"id":1915,"text":"( 1546 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَأَحَقُّ النَّاسِ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ مَنْ أَوْصَى لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ ) هَذَا مَذْهَبُ أَنَسٍ ، وَزَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ وَأَبِي بَرْزَةَ ، وَسَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ ، وَأُمِّ سَلَمَةَ ، وَابْنِ سِيرِينَ وَقَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ : الْوَلِيُّ أَحَقُّ ، لِأَنَّهَا وِلَايَةٌ تَتَرَتَّبُ بِتَرَتُّبِ الْعَصَبَاتِ ، فَالْوَلِيُّ فِيهَا أَوْلَى ، كَوِلَايَةِ النِّكَاحِ .\rوَلَنَا ، إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، رُوِيَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ أَوْصَى أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ عُمَرُ قَالَهُ أَحْمَدُ قَالَ : وَعُمَرُ أَوْصَى أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ صُهَيْبٌ وَأُمُّ سَلَمَةَ أَوْصَتْ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهَا سَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ وَأَبُو بَكْرَةَ أَوْصَى أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ أَبُو بَرْزَةَ .\rوَقَالَ غَيْرُهُ : عَائِشَةُ أَوْصَتْ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهَا أَبُو هُرَيْرَةَ وَابْنُ مَسْعُودٍ أَوْصَى أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ الزُّبَيْرُ ، وَيُونُسُ بْنُ جُبَيْرٍ أَوْصَى أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ وَأَبُو سَرِيحَةَ أَوْصَى أَنْ يُصَلِّي عَلَيْهِ زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ فَجَاءَ عَمْرُو بْنُ حُرَيْثٍ وَهُوَ أَمِيرُ الْكُوفَةَ لِيَتَقَدَّمَ فَيُصَلِّيَ عَلَيْهِ .\rفَقَالَ ابْنُهُ : أَيُّهَا الْأَمِيرُ إنَّ أَبِي أَوْصَى أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ فَقَدَّمَ زَيْدًا وَهَذِهِ قَضَايَا انْتَشَرَتْ ، فَلَمْ يَظْهَرْ مُخَالِفٌ ، فَكَانَ إجْمَاعًا ، وَلِأَنَّهُ حَقٌّ لِلْمَيِّتِ ، فَإِنَّهَا شَفَاعَةٌ لَهُ ، فَتُقَدَّمُ وَصِيَّتُهُ فِيهَا كَتَفْرِيقِ ثُلُثِهِ ، وَوِلَايَةُ النِّكَاحِ يُقَدَّمُ فِيهَا الْوَصِيُّ أَيْضًا ، فَهِيَ كَمَسْأَلَتِنَا ، وَإِنْ سُلِّمَتْ فَلَيْسَتْ حَقًّا لَهُ ، إنَّمَا هِيَ حَقٌّ لِلْمُوَلَّى عَلَيْهِ ، ثُمَّ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْأَمِيرَ يُقَدَّمُ فِي الصَّلَاةِ ، بِخِلَافِ وِلَايَةِ النِّكَاحِ ، وَلِأَنَّ الْغَرَضَ فِي الصَّلَاةِ الدُّعَاءُ ، وَالشَّفَاعَةُ إلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، فَالْمَيِّتُ يَخْتَارُ لِذَلِكَ مَنْ هُوَ أَظْهَرُ صَلَاحًا ، وَأَقْرَبُ إجَابَةً فِي الظَّاهِرِ ، بِخِلَافِ وِلَايَةِ النِّكَاحِ ( 1547 ) فَصْلٌ","part":4,"page":416},{"id":1916,"text":": فَإِنْ كَانَ الْوَصِيُّ فَاسِقًا ، أَوْ مُبْتَدِعًا ، لَمْ تُقْبَلْ الْوَصِيَّةُ ؛ لِأَنَّ الْمُوصِيَ جَهِلَ الشَّرْعَ فَرَدَدْنَا وَصِيَّتَهُ ، كَمَا لَوْ كَانَ الْوَصِيُّ ذِمِّيًّا ، فَإِنْ كَانَ الْأَقْرَبُ إلَيْهِ كَذَلِكَ لَمْ يُقَدَّمْ ، وَصَلَّى غَيْرُهُ ، كَمَا يُمْنَعُ مِنْ التَّقْدِيمِ فِي الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ","part":4,"page":417},{"id":1917,"text":"( 1548 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : \" ثُمَّ الْأَمِيرُ \" أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ يَرَوْنَ تَقْدِيمَ الْأَمِيرِ عَلَى الْأَقَارِبِ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْمَيِّتِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ : يُقَدَّمُ الْوَلِيُّ ، قِيَاسًا عَلَى تَقْدِيمِهِ فِي النِّكَاحِ ، بِجَامِعِ اعْتِبَارِ تَرْتِيبِ الْعَصَبَاتِ ، وَهُوَ خِلَافُ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : لَا يُؤَمُّ الرَّجُلُ فِي سُلْطَانِهِ } .\rوَحَكَى أَبُو حَازِمٍ قَالَ : شَهِدْت حُسَيْنًا حِينَ مَاتَ الْحَسَنُ ، وَهُوَ يَدْفَعُ فِي قَفَا سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ ، وَيَقُول : تَقَدَّمْ ، لَوْلَا السُّنَّةُ مَا قَدَّمْتُك وَسَعِيدٌ أَمِيرُ الْمَدِينَةِ وَهَذَا يَقْتَضِي سُنَّةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَمَّارٍ مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ قَالَ : شَهِدْت جِنَازَةَ أُمِّ كُلْثُومٍ بِنْتِ عَلِيٍّ ، وَزَيْدِ بْنِ عُمَرَ فَصَلَّى عَلَيْهَا سَعِيدُ بْنُ الْعَاصِ وَكَانَ أَمِيرَ الْمَدِينَةِ وَخَلْفَهُ يَوْمئِذٍ ثَمَانُونَ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِمْ ابْنُ عُمَرَ ، وَالْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ وَسَمَّى فِي مَوْضِعٍ آخَرَ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ ، وَأَبَا هُرَيْرَةَ .\rوَقَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ الْإِمَامُ أَحَقُّ مَنْ صَلَّى عَلَى الْجِنَازَةِ وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ نَحْوُ ذَلِكَ .\rوَهَذَا اشْتَهَرَ فَلَمْ يُنْكَرْ ، فَكَانَ إجْمَاعًا ، وَلِأَنَّهَا صَلَاةٌ شُرِعَتْ فِيهَا الْجَمَاعَةُ ، فَكَانَ الْإِمَامُ أَحَقَّ بِالْإِمَامَةِ فِيهَا كَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي عَلَى الْجَنَائِزِ ، مَعَ حُضُورِ أَقَارِبِهَا ، وَالْخُلَفَاءُ بَعْدَهُ وَلَمْ يُنْقَلْ إلَيْنَا أَنَّهُمْ اسْتَأْذَنُوا أَوْلِيَاءَ الْمَيِّتِ فِي التَّقَدُّمِ عَلَيْهَا .\r( 1549 ) فَصْلٌ : وَالْأَمِيرُ هَاهُنَا الْإِمَامُ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَالْأَمِيرُ مِنْ قِبَلِهِ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَالنَّائِبُ مِنْ قِبَلِهِ فِي الْإِمَامَةِ ، فَإِنَّ الْحُسَيْنَ قَدَّمَ سَعِيدَ بْنَ الْعَاصِ ، وَإِنَّمَا كَانَ أَمِيرًا مِنْ قِبَلِ مُعَاوِيَةَ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَالْحَاكِمُ","part":4,"page":418},{"id":1918,"text":"مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( ثُمَّ الْأَبُ وَإِنْ عَلَا ، ثُمَّ الِابْنُ وَإِنْ سَفَلَ ، ثُمَّ أَقْرَبُ الْعَصَبَةِ ) الصَّحِيحُ فِي الْمَذْهَبِ مَا ذَكَرَهُ الْخِرَقِيِّ فِي أَنَّ أَوْلَى النَّاسِ بَعْدَ الْأَمِيرِ الْأَبُ ، ثُمَّ الْجَدُّ أَبُو الْأَبِ وَإِنْ عَلَا ، ثُمَّ الِابْنُ ، ثُمَّ ابْنُهُ وَإِنْ نَزَلَ ، ثُمَّ الْأَخُ الَّذِي هُوَ عَصَبَةٌ ، ثُمَّ ابْنُهُ ، ثُمَّ الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ مِنْ الْعَصَبَاتِ ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : إذَا اجْتَمَعَ جَدٌّ وَأَخٌ ، فَفِيهِ قَوْلَانِ وَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ الِابْنَ أَحَقُّ مِنْ الْأَبِ ؛ لِأَنَّهُ أَقْوَى تَعْصِيبًا مِنْهُ ، بِدَلِيلِ الْإِرْثِ ، وَالْأَخَ أَوْلَى مِنْ الْجَدِّ ؛ لِأَنَّهُ يُدْلِي بِالْبُنُوَّةِ وَالْجَدَّ يُدْلِي بِالْأُبُوَّةِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُمَا اسْتَوَيَا فِي الْإِدْلَاءِ ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُدْلِي بِنَفْسِهِ ، وَالْأَبُ أَرْأَفُ وَأَشْفَقُ ، وَدُعَاؤُهُ لِأَبْنِهِ أَقْرَبُ إلَى الْإِجَابَةِ ، فَكَانَ أَوْلَى ، كَالْقَرِيبِ مَعَ الْبَعِيدِ ، إذْ كَانَ الْمَقْصُودُ الدُّعَاءَ لِلْمَيِّتِ وَالشَّفَاعَةَ لَهُ ، بِخِلَافِ الْمِيرَاثِ","part":4,"page":419},{"id":1919,"text":"( 1551 ) فَصْلٌ : وَإِنْ اجْتَمَعَ زَوْجُ الْمَرْأَةِ وَعَصَبَتُهَا فَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ تَقْدِيمُ الْعَصَبَاتِ ، وَهُوَ أَكْثَرُ الرِّوَايَاتِ عَنْ أَحْمَدَ ، وَقَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، وَالزُّهْرِيِّ ، وَبُكَيْرِ بْنِ الْأَشَجِّ وَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ إلَّا أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ يُقَدِّمُ زَوْجَ الْمَرْأَةِ عَلَى ابْنِهَا مِنْهُ .\rوَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ تَقْدِيمُ الزَّوْجِ عَلَى الْعَصَبَاتِ ؛ لِأَنَّ أَبَا بَكْرَةَ صَلَّى عَلَى امْرَأَتِهِ ، وَلَمْ يَسْتَأْذِنْ إخْوَتَهَا وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَالشَّعْبِيِّ ، وَعَطَاءٍ ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَإِسْحَاقَ ، وَلِأَنَّهُ أَحَقُّ بِالْغُسْلِ ، فَكَانَ أَحَقَّ بِالصَّلَاةِ ، كَمَحَلِّ الْوِفَاقِ وَلَنَا ، أَنَّهُ يُرْوَى عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ لِأَهْلِ امْرَأَتِهِ : أَنْتُمْ أَحَقُّ بِهَا وَلِأَنَّ الزَّوْجَ قَدْ زَالَتْ زَوْجِيَّتُهُ بِالْمَوْتِ فَصَارَ أَجْنَبِيًّا ، وَالْقَرَابَةُ لَمْ تَزُلْ ، فَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ ، إنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا عَصَبَاتٌ ، فَالزَّوْجُ أَوْلَى ؛ لِأَنَّ لَهُ سَبَبًا وَشَفَقَةً ، فَكَانَ أَوْلَى مِنْ الْأَجْنَبِيِّ","part":4,"page":420},{"id":1920,"text":"( 1552 ) فَصْلٌ : فَإِنْ اجْتَمَعَ أَخٌ مِنْ الْأَبَوَيْنِ ، وَأَخٌ مِنْ أَبٍ فَفِي تَقْدِيمِ الْأَخِ مِنْ الْأَبَوَيْنِ ، أَوْ التَّسْوِيَةِ ، وَجْهَانِ ، أَخْذًا مِنْ الرِّوَايَتَيْنِ فِي وِلَايَةِ النِّكَاحِ ، وَالْحُكْمُ فِي أَوْلَادِهِمَا ، وَفِي الْأَعْمَامِ وَأَوْلَادِهِمْ ، كَالْحُكْمِ فِيهِمَا سَوَاءٌ .\rفَإِنْ انْقَرَضَ الْعَصَبَةُ مِنْ النَّسَبِ فَالْمَوْلَى الْمُنْعِمُ ، ثُمَّ أَقْرَبُ عَصَبَاتِهِ ، ثُمَّ الرَّجُلُ مِنْ ذَوِي أَرْحَامِهِ ، الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ ، ثُمَّ الْأَجَانِبُ","part":4,"page":421},{"id":1921,"text":"( 1553 ) فَصْلٌ : فَإِنْ اسْتَوَى وَلِيَّانِ فِي دَرَجَةٍ وَاحِدَةٍ فَأَوْلَاهُمَا أَحَقُّهُمَا بِالْإِمَامَةِ فِي الْمَكْتُوبَاتِ لِعُمُومِ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ } قَالَ الْقَاضِي : وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَدَّمَ لَهُ الْأَسَنُّ ؛ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى إجَابَةِ الدُّعَاءِ ، وَأَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ قَدْرًا .\rوَهَذَا ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ .\rوَالْأَوَّلُ أَوْلَى ، وَفَضِيلَةُ السِّنِّ مُعَارَضَةٌ بِفَضِيلَةِ الْعِلْمِ ، وَقَدْ رَجَّحَهَا الشَّارِعُ فِي سَائِرِ الصَّلَوَاتِ ، مَعَ أَنَّهُ يُقْصَدُ فِيهَا إجَابَةُ الدُّعَاءِ وَالْحَظُّ لِلْمَأْمُومِينَ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ : { أَئِمَّتُكُمْ شُفَعَاؤُكُمْ } وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْأَسَنَّ الْجَاهِلَ أَعْظَمُ قَدْرًا مِنْ الْعَالِمِ ، وَلَا أَقْرَبُ إجَابَةً فَإِنْ اسْتَوَوْا وَتَشَاحُّوا ، أُقْرِعَ بَيْنَهُمْ ، كَمَا فِي سَائِرِ الصَّلَوَاتِ","part":4,"page":422},{"id":1922,"text":"( 1554 ) فَصْلٌ : وَمَنْ قَدَّمَهُ الْوَلِيُّ فَهُوَ بِمَنْزِلَتِهِ ؛ لِأَنَّهَا وِلَايَةٌ تَثْبُتُ لَهُ ، فَكَانَتْ لَهُ الِاسْتِنَابَةُ فِيهَا ، وَيُقَدَّمُ نَائِبُهُ فِيهَا عَلَى غَيْرِهِ ، كَوِلَايَةِ النِّكَاحِ .","part":4,"page":423},{"id":1923,"text":"( 1555 ) فَصْلٌ : وَالْحُرُّ الْبَعِيدُ أَوْلَى مِنْ الْعَبْدِ الْقَرِيبِ لِأَنَّ الْعَبْدَ لَا وِلَايَة لَهُ ، وَلِهَذَا لَا يَلِي فِي النِّكَاحِ وَلَا الْمَالِ فَإِنْ اجْتَمَعَ صَبِيٌّ وَمَمْلُوكٌ وَنِسَاءٌ فَالْمَمْلُوكُ أَوْلَى ؛ لِأَنَّهُ تَصِحُّ إمَامَتُهُ بِهِمَا .\rفَإِنْ لَمْ يَكُنْ إلَّا نِسَاءٌ وَصِبْيَانٌ ، فَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ أَنْ يَؤُمَّ أَحَدُ الْجِنْسَيْنِ الْآخَرَ ، وَيُصَلِّي كُلُّ نَوْعٍ لَأَنْفُسِهِمْ وَإِمَامُهُمْ مِنْهُمْ ، وَيُصَلِّي النِّسَاءُ جَمَاعَةً إمَامَتُهُنَّ فِي وَسَطِهِنَّ نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يُصَلِّينَ مُفْرَدَاتٍ ، لَا يَسْبِقُ بَعْضُهُنَّ بَعْضًا ، وَإِنْ صَلَّيْنَ جَمَاعَةً جَازَ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُنَّ مِنْ أَهْلِ الْجَمَاعَةِ ، فَيُصَلِّينَ جَمَاعَةً كَالرِّجَالِ ، وَمَا ذَكَرُوهُ مِنْ كَوْنِهِنَّ مُنْفَرِدَاتٍ ، لَا يَسْبِقُ بَعْضُهُنَّ بَعْضًا ، تَحَكُّمٌ لَا يُصَارُ إلَيْهِ إلَّا بِنَصٍّ أَوْ إجْمَاعٍ ، وَقَدْ صَلَّى أَزْوَاجُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ رَوَاهُ مُسْلِمٌ .","part":4,"page":424},{"id":1924,"text":"( 1556 ) فَصْلٌ : فَإِنْ اجْتَمَعَ جَنَائِزُ ، فَتَشَاحَّ أَوْلِيَاؤُهُمْ فِي مَنْ يَتَقَدَّمُ لِلصَّلَاةِ عَلَيْهِمْ ، قُدِّمَ أَوْلَاهُمْ بِالْإِمَامَةِ فِي الْفَرَائِضِ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : يُقَدَّمُ السَّابِقُ ، يَعْنِي مَنْ سَبَقَ مَيِّتُهُ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُمْ تَسَاوَوْا فَأَشْبَهُوا الْأَوْلِيَاءَ إذَا تَسَاوَوْا فِي الدَّرَجَةِ ، مَعَ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ } وَإِنْ أَرَادَ وَلِيُّ كُلِّ مَيِّتٍ إفْرَادَ مَيِّتِهِ بِصَلَاةٍ جَازَ .","part":4,"page":425},{"id":1925,"text":"( 1557 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ وَالصَّلَاةُ عَلَيْهِ ، يُكَبِّرُ ، وَيَقْرَأُ الْحَمْدَ وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ سُنَّةَ التَّكْبِيرِ عَلَى الْجِنَازَةِ أَرْبَعٌ ، وَلَا تُسَنُّ الزِّيَادَةُ عَلَيْهَا ، وَلَا يَجُوزُ النَّقْصُ مِنْهَا ، فَيُكَبِّرُ الْأُولَى ، ثُمَّ يَسْتَعِيذُ ، وَيَقْرَأُ الْحَمْدَ ، وَيَبْدَؤُهَا بِبَسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، وَلَا يُسَنُّ الِاسْتِفْتَاحُ .\rقَالَ أَبُو دَاوُد سَمِعْت أَحْمَدَ يُسْأَلُ عَنْ الرَّجُلِ يَسْتَفْتِحُ الصَّلَاةَ عَلَى الْجِنَازَةِ بِسُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك ؟ قَالَ : مَا سَمِعْت قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ كَانَ الثَّوْرِيُّ يَسْتَحِبُّ أَنْ يُسْتَفْتَحَ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ ، وَلَمْ نَجِدْهُ فِي كُتُبِ سَائِرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ مِثْلُ قَوْلِ الثَّوْرِيِّ لِأَنَّ الِاسْتِعَاذَةَ فِيهَا مَشْرُوعَةٌ فَسُنَّ فِيهَا الِاسْتِفْتَاحُ ، كَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ صَلَاةَ الْجِنَازَةِ شُرِعَ فِيهَا التَّخْفِيفُ ، وَلِهَذَا لَا يُقْرَأُ فِيهَا بَعْدَ الْفَاتِحَةِ بِشَيْءٍ ، وَلَيْسَ فِيهَا رُكُوعٌ وَلَا سُجُودٌ ، وَالتَّعَوُّذُ سُنَّةٌ لِلْقِرَاءَةِ مُطْلَقًا فِي الصَّلَاةِ ، وَغَيْرِهَا ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى { فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاَللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ } إذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِنَّ قِرَاءَةَ الْفَاتِحَةِ وَاجِبَةٌ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَقَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَقْرَأُ فِيهَا بِشَيْءٍ مِنْ الْقُرْآنِ ؛ لِأَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ قَالَ : إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُوَقِّتْ فِيهَا قَوْلًا وَلَا قِرَاءَةً .\rوَلِأَنَّ مَا لَا رُكُوعَ فِيهِ لَا قِرَاءَةَ فِيهِ ، كَسُجُودِ التِّلَاوَةِ وَلَنَا ، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ فَقَرَأَ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ فَقَالَ : إنَّهُ مِنْ السُّنَّةِ .\rأَوْ : مِنْ تَمَامِ السُّنَّةِ قَالَ التِّرْمِذِيُّ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ .\rوَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادِهِ عَنْ أُمِّ شَرِيكٍ قَالَتْ { أَمَرَنَا رَسُولُ","part":4,"page":426},{"id":1926,"text":"اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ نَقْرَأَ عَلَى الْجِنَازَةِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ } .\rوَرَوَى الشَّافِعِيُّ ، فِي \" مُسْنَدِهِ \" بِإِسْنَادِهِ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَبَّرَ عَلَى الْجِنَازَةِ أَرْبَعًا ، وَقَرَأَ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ بَعْدَ التَّكْبِيرَةِ الْأُولَى ثُمَّ هُوَ دَاخِلٌ فِي عُمُومِ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ { لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِأُمِّ الْقُرْآنِ } وَلِأَنَّهَا صَلَاةٌ يَجِبُ فِيهَا الْقِيَامُ ، فَوَجَبَتْ فِيهَا الْقِرَاءَةُ ، كَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ وَإِنْ صَحَّ مَا رَوَوْهُ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ فَإِنَّمَا قَالَ : لَمْ يُوَقِّتْ .\rأَيْ لَمْ يُقَدِّرْ .\rوَلَا يَدُلُّ هَذَا عَلَى نَفْيِ أَصْلِ الْقِرَاءَةِ وَقَدْ رَوَى ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْهُ ، أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى جِنَازَةٍ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ ثُمَّ لَا يُعَارِضُ مَا رَوَيْنَاهُ ؛ لِأَنَّهُ نَفْيٌ يُقَدَّمُ ، عَلَيْهِ الْإِثْبَاتُ ، وَيُفَارِقُ سُجُودَ التِّلَاوَةِ فَإِنَّهُ لَا قِيَامَ فِيهِ ، وَالْقِرَاءَةُ إنَّمَا مَحَلُّهَا الْقِيَامُ","part":4,"page":427},{"id":1927,"text":"( 1558 ) فَصْلٌ : وَيُسِرُّ الْقِرَاءَةَ وَالدُّعَاءَ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ لَا نَعْلَمُ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِيهِ خِلَافًا ، وَلَا يَقْرَأُ بَعْدَ أُمِّ الْقُرْآنِ شَيْئًا .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ جَهَرَ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ قَالَ أَحْمَدُ : إنَّمَا جَهَرَ لِيُعَلِّمَهُمْ","part":4,"page":428},{"id":1928,"text":"( 1559 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَيُكَبِّرُ الثَّانِيَةَ ، وَيُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ كَمَا يُصَلِّي عَلَيْهِ فِي التَّشَهُّدِ ) هَكَذَا وَصَفَ أَحْمَدُ الصَّلَاةَ عَلَى الْمَيِّتِ ، كَمَا ذَكَرَ الْخِرَقِيِّ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ بِمَكَّةَ فَكَبَّرَ ، ثُمَّ قَرَأَ وَجَهَرَ وَصَلَّى عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ دَعَا لِصَاحِبِهَا فَأَحْسَنَ ، ثُمَّ انْصَرَفَ وَقَالَ : هَكَذَا يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ الصَّلَاةُ عَلَى الْجِنَازَةِ وَرَوَى الشَّافِعِيُّ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلٍ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ السُّنَّةَ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْجِنَازَةِ ، أَنْ يُكَبِّرَ الْإِمَامُ ، ثُمَّ يَقْرَأَ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ بَعْدَ التَّكْبِيرَةِ الْأُولَى ، يَقْرَأُ فِي نَفْسِهِ ، ثُمَّ يُصَلِّيَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيُخْلِصَ الدُّعَاءَ لِلْجِنَازَةِ فِي التَّكْبِيرَاتِ ، لَا يَقْرَأُ فِي شَيْءٍ مِنْهُنَّ ثُمَّ يُسَلِّمَ سِرًّا فِي نَفْسِهِ .\rوَصِفَةُ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَصِفَةِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ فِي التَّشَهُّدِ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا سَأَلُوهُ : كَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْك ؟ عَلَّمَهُمْ ذَلِكَ .\rوَإِنْ أَتَى بِهَا عَلَى غَيْرِ مَا ذُكِرَ فِي التَّشَهُّدِ ، فَلَا بَأْسَ ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ مُطْلَقُ الصَّلَاةِ .\rقَالَ الْقَاضِي ، يَقُولُ : اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مَلَائِكَتِك الْمُقَرَّبِينَ ، وَأَنْبِيَائِك الْمُرْسَلِينَ وَأَهْلِ طَاعَتِك أَجْمَعِينَ ، مِنْ أَهْلِ السَّمَوَاتِ وَأَهْلِ الْأَرَضِينِ ، إنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ .\rلِأَنَّ أَحْمَدَ قَالَ ، فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيُصَلِّي عَلَى الْمَلَائِكَةِ الْمُقَرَّبِينَ","part":4,"page":429},{"id":1929,"text":"( 1560 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَيُكَبِّرُ الثَّالِثَةَ ، وَيَدْعُو لِنَفْسِهِ وَلِوَالِدَيْهِ وَلِلْمُسْلِمِينَ وَيَدْعُو لِلْمَيِّتِ ) .\rوَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يَقُولَ : اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِحَيِّنَا وَمَيِّتِنَا ، وَشَاهِدِنَا وَغَائِبِنَا ، وَصَغِيرِنَا وَكَبِيرِنَا ، وَذَكَرِنَا وَأُنْثَانَا ، إنَّك تَعْلَمُ مُنْقَلَبَنَا وَمَثْوَانَا ، إنَّك عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ، اللَّهُمَّ مَنْ أَحْيَيْته مِنَّا فَأَحْيِهِ عَلَى الْإِسْلَامِ ، وَمَنْ تَوَفَّيْته مِنَّا فَتَوَفَّهُ عَلَى الْإِيمَانِ ، اللَّهُمَّ إنَّهُ عَبْدُك وَابْنُ أَمَتِك ، نَزَلَ بِك وَأَنْتَ خَيْرُ مَنْزُولٍ بِهِ ، وَلَا نَعْلَمُ إلَّا خَيْرًا ، اللَّهُمَّ إنْ كَانَ مُحْسِنًا فَجَازِهِ بِإِحْسَانِهِ ، وَإِنْ كَانَ مُسِيئًا فَتَجَاوَزْ عَنْهُ ، اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُ ، وَلَا تَفْتِنَّا بَعْدَهُ .\rوَالْوَاجِبُ أَدْنَى دُعَاءٍ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { إذَا صَلَّيْتُمْ عَلَى الْمَيِّتِ فَأَخْلِصُوا لَهُ الدُّعَاءَ } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَهَذَا يَحْصُلُ بِأَدْنَى دُعَاءٍ ، وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ الشَّفَاعَةُ لِلْمَيِّتِ ، وَالدُّعَاءُ فَيَجِبُ أَقَلُّ ذَلِكَ .\rوَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَدْعُوَ لِنَفْسِهِ وَلِوَالِدَيْهِ وَلِلْمُسْلِمِينَ قَالَ أَحْمَدُ وَلَيْسَ عَلَى الْمَيِّتِ دُعَاءٌ مُؤَقَّتٌ .\rوَاَلَّذِي ذَكَرَهُ الْخِرَقِيِّ حَسَنٌ ، يَجْمَعُ ذَلِكَ ، وَقَدْ رُوِيَ أَكْثَرُهُ فِي الْحَدِيثِ ، فَمِنْ ذَلِكَ ، مَا رَوَى أَبُو إبْرَاهِيمَ الْأَشْهَلِيُّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ { : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا صَلَّى عَلَى الْجِنَازَةِ ، قَالَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِحَيِّنَا وَمَيِّتِنَا ، وَشَاهِدِنَا وَغَائِبِنَا ، وَصَغِيرِنَا وَكَبِيرِنَا ، وَذَكَرِنَا وَأُنْثَانَا } قَالَ التِّرْمِذِيُّ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ .\rوَرَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَ حَدِيثِ أَبِي إبْرَاهِيمَ وَزَادَ : \" اللَّهُمَّ مَنْ أَحْيَيْته مِنَّا فَأَحْيِهِ عَلَى الْإِيمَانِ ، وَمَنْ تَوَفَّيْته مِنَّا فَتَوَفَّهُ عَلَى الْإِسْلَامِ ، اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُ ، وَلَا","part":4,"page":430},{"id":1930,"text":"تُضِلَّنَا بَعْدَهُ وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبُّهَا ، وَأَنْتَ خَلَقْتهَا ، وَأَنْتَ هَدَيْتهَا لِلْإِسْلَامِ ، وَأَنْتَ قَبَضْتهَا ، وَأَنْتَ أَعْلَمُ بِسِرِّهَا وَعَلَانِيَتِهَا ، جِئْنَا شُفَعَاءَ ، فَاغْفِرْ لَهُ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَرَوَى مُسْلِمٌ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : { صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى جِنَازَةٍ فَحَفِظْت مِنْ دُعَائِهِ ، وَهُوَ يَقُولُ : اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ ، وَارْحَمْهُ ، وَعَافِهِ ، وَاعْفُ عَنْهُ وَأَكْرِمْ نُزُلَهُ ، وَأَوْسِعْ مُدْخَلَهُ ، وَاغْسِلْهُ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ ، وَنَقِّهِ مِنْ الْخَطَايَا ، كَمَا نَقَّيْت الثَّوْبَ الْأَبْيَضَ مِنْ الدَّنَسِ ، وَأَبْدِلْهُ دَارًا خَيْرًا مِنْ دَارِهِ وَأَهْلًا خَيْرًا مِنْ أَهْلِهِ ، وَزَوْجًا خَيْرًا مِنْ زَوْجِهِ ، وَأَعِذْهُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَمِنْ عَذَابِ النَّارِ .\rحَتَّى تَمَنَّيْت أَنْ أَكُونَ ذَلِكَ الْمَيِّتَ .\r} ( 1561 ) فَصْلٌ : زَادَ أَبُو الْخَطَّابِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْخِرَقِيِّ : اللَّهُمَّ جِئْنَاك شُفَعَاءَ لَهُ ، فَشَفِّعْنَا فِيهِ ، وَقِه فِتْنَةَ الْقَبْرِ ، وَعَذَابَ النَّارِ ، وَأَكْرِمْ مَثْوَاهُ ، وَأَبْدِلْهُ دَارًا خَيْرًا مِنْ دَارِهِ ، وَجِوَارًا خَيْرًا مِنْ جِوَارِهِ ، وَافْعَلْ بِنَا ذَلِكَ وَبِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ .\rوَزَادَ ابْنُ أَبِي مُوسَى : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَمَاتَ وَأَحْيَا ، الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي يُحْيِي الْمَوْتَى ، لَهُ الْعَظَمَةُ وَالْكِبْرِيَاءُ ، وَالْمُلْكُ وَالْقُدْرَةُ وَالثَّنَاءُ ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ .\rاللَّهُمَّ إنَّهُ عَبْدُك ، ابْنُ عَبْدِك ، ابْنُ أَمَتِك ، أَنْتَ خَلَقْته وَرَزَقْته ، وَأَنْتَ أَمَتَّهُ وَأَنْتَ تُحْيِيهِ ، وَأَنْتَ تَعْلَمُ سِرَّهُ جِئْنَاك شُفَعَاءَ لَهُ فَشَفِّعْنَا فِيهِ ، اللَّهُمَّ إنَّا نَسْتَجِيرُ بِحَبْلِ جِوَارِك لَهُ ، إنَّك ذُو وَفَاءٍ وَذِمَّةٍ ، اللَّهُمَّ وَقِه مِنْ فِتْنَةِ الْقَبْرِ ، وَمِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ ، اللَّهُمَّ إنْ كَانَ مُحْسِنًا فَجَازِهِ بِإِحْسَانِهِ ، وَإِنْ كَانَ مُسِيئًا","part":4,"page":431},{"id":1931,"text":"فَتَجَاوَزْ عَنْهُ ، اللَّهُمَّ قَدْ نَزَلَ بِك وَأَنْتَ خَيْرُ مَنْزُولٍ بِهِ ، فَقِيرًا إلَى رَحْمَتِك ، وَأَنْتَ غَنِيٌّ عَنْ عَذَابِهِ ، اللَّهُمَّ ثَبِّتْ عِنْدَ الْمَسْأَلَةِ مَنْطِقَهُ ، وَلَا تَبْتَلِهِ فِي قَبْرِهِ اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُ ، وَلَا تَفْتِنَّا بَعْدَهُ .\r( 1562 ) فَصْلٌ : وَقَوْله : لَا نَعْلَمُ إلَّا خَيْرًا إنَّمَا يَقُولُهُ لِمَنْ لَمْ يَعْلَمْ مِنْهُ شَرًّا ، لِئَلَّا يَكُونَ كَاذِبًا .\rوَقَدْ رَوَى الْقَاضِي حَدِيثًا ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ عَنْ أَبِيهِ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَّمَهُمْ الصَّلَاةَ عَلَى الْمَيِّتِ : اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِأَحْيَائِنَا وَأَمْوَاتِنَا ، وَصَغِيرِنَا وَكَبِيرِنَا ، وَشَاهِدِنَا وَغَائِبِنَا ، اللَّهُمَّ إنَّ عَبْدَك وَابْنَ عَبْدِك نَزَلَ بِفِنَائِك فَاغْفِرْ لَهُ وَارْحَمْهُ ، وَلَا نَعْلَمُ إلَّا خَيْرًا فَقُلْت ، وَأَنَا أَصْغَرُ الْجَمَاعَةِ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَإِنْ لَمْ أَعْلَمْ خَيْرًا ؟ قَالَ لَا تَقْلُ إلَّا مَا تَعْلَمُ } وَإِنَّمَا شُرِعَ هَذَا لِلْخَبَرِ ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا أُثْنِيَ عِنْدَهُ عَلَى جِنَازَةٍ بِخَيْرٍ ، فَقَالَ : \" وَجَبَتْ \" وَأُثْنِيَ عَلَى أُخْرَى بِشَرٍّ ، فَقَالَ : \" وَجَبَتْ \" ثُمَّ قَالَ { إنَّ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ شَهِيدٌ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَفِي حَدِيثٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ { : مَا مِنْ عَبْدٍ مُسْلِمٍ يَمُوتُ ، يَشْهَدُ لَهُ اثْنَانِ مِنْ جِيرَانِهِ الْأَدْنَيْنَ بِخَيْرٍ ، إلَّا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : قَدْ قَبِلْت شَهَادَةَ عِبَادِي عَلَى مَا عَلِمُوا ، وَغَفَرْت مَا أَعْلَمُ } .\rرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ، فِي \" الْمُسْنَدِ \" وَفِي لَفْظٍ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَمُوتُ ، فَيَقُومُ رَجُلَانِ مِنْ جِيرَانِهِ الْأَدْنَيْنَ ، فَيَقُولَانِ : اللَّهُمَّ لَا نَعْلَمُ إلَّا خَيْرًا ، إلَّا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : قَدْ قَبِلْت شَهَادَتَهُمَا لِعَبْدِي ، وَغَفَرْت لَهُ مَا لَا يَعْلَمَانِ } أَخْرَجَهُ اللَّالَكَائِيُّ .\r( 1563 ) فَصْلٌ","part":4,"page":432},{"id":1932,"text":": وَإِنْ كَانَ الْمَيِّتُ طِفْلًا ، جَعَلَ مَكَانَ الِاسْتِغْفَارِ لَهُ : اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ فَرَطًا لِوَالِدَيْهِ ، وَذُخْرًا وَسَلَفًا وَأَجْرًا ، اللَّهُمَّ ثَقِّلْ بِهِ مَوَازِينَهُمَا ، وَأَعْظِمْ بِهِ أُجُورَهُمَا ، اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ فِي كَفَالَةِ إبْرَاهِيمَ وَأَلْحِقْهُ بِصَالِحِ سَلَفِ الْمُؤْمِنِينَ ، وَأَجِرْهُ بِرَحْمَتِك مِنْ عَذَابِ الْجَحِيمِ ، وَأَبْدِلْهُ دَارًا خَيْرًا مِنْ دَارِهِ ، وَأَهْلًا خَيْرًا مِنْ أَهْلِهِ ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِأَسْلَافِنَا وَأَفْرَاطِنَا وَمَنْ سَبَقَنَا بِالْإِيمَانِ .\rوَنَحْوَ ذَلِكَ وَبِأَيِّ شَيْءٍ دَعَا مِمَّا ذَكَرْنَا أَوْ نَحْوَهُ أَجْزَأَهُ وَلَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مُوَقَّتٌ","part":4,"page":433},{"id":1933,"text":"( 1564 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : وَيُكَبِّرُ الرَّابِعَةَ ، وَيَقِفُ قَلِيلًا ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ أَنَّهُ لَا يَدْعُو بَعْدَ الرَّابِعَةِ شَيْئًا وَنَقَلَهُ عَنْ أَحْمَدَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ .\rوَقَالَ : لَا أَعْلَمُ فِيهِ شَيْئًا ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ فِيهِ دُعَاءٌ مَشْرُوعٌ لَنُقِلَ .\rوَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ يَدْعُو ، ثُمَّ يُسَلِّمُ ، لِأَنَّهُ قِيَامٌ فِي صَلَاةٍ ، فَكَانَ فِيهِ ذِكْرٌ مَشْرُوعٌ ، كَاَلَّذِي قَبْلَ التَّكْبِيرَةِ الرَّابِعَةِ .\rقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى وَأَبُو الْخَطَّابِ يَقُولُ : رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ وَقِيلَ يَقُولُ : اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُ ، وَلَا تَفْتِنَّا بَعْدَهُ .\rوَهَذَا الْخِلَافُ فِي اسْتِحْبَابِهِ ، وَلَا خِلَافَ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّهُ غَيْرُ وَاجِبٍ وَأَنَّ الْوُقُوفَ بَعْدَ التَّكْبِيرِ قَلِيلًا مَشْرُوعٌ ، وَقَدْ رَوَى الْجُوزَجَانِيُّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُكَبِّرُ أَرْبَعًا ثُمَّ ، يَقُولُ مَا شَاءَ اللَّهُ ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ .\rقَالَ الْجُوزَجَانِيُّ وَكُنْتُ أَحْسَبُ أَنَّ هَذِهِ الْوَقْفَةَ لِيُكَبِّرَ آخِرُ الصُّفُوفِ ، فَإِنَّ الْإِمَامَ إذَا كَبَّرَ ثُمَّ سَلَّمَ ، خِفْتُ أَنْ يَكُونَ تَسْلِيمُهُ قَبْلَ أَنْ يُكَبِّرَ آخِرُ الصُّفُوفِ ، فَإِنْ كَانَ هَكَذَا فَاَللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الْمُوَفِّقُ لَهُ ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ فَإِنِّي أَبْرَأُ إلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ أَنْ أَتَأَوَّلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمْرًا لَمْ يُرِدْهُ ، أَوْ أَرَادَ خِلَافَهُ .","part":4,"page":434},{"id":1934,"text":"( 1565 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ ( وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي كُلِّ تَكْبِيرَةٍ ) .\rأَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْمُصَلِّيَ عَلَى الْجَنَائِزِ يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي أَوَّلِ تَكْبِيرَةٍ يُكَبِّرُهَا ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي كُلِّ تَكْبِيرَةٍ وَبِهِ قَالَ سَالِمٌ ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَعَطَاءٌ ، وَقَيْسُ بْنُ أَبِي حَازِمٍ ، وَالزُّهْرِيُّ وَإِسْحَاقُ وَابْنُ الْمُنْذِرِ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ مَالِكٌ ، وَالثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ إلَّا فِي الْأُولَى ؛ لِأَنَّ كُلَّ تَكْبِيرَةٍ مَقَامُ رَكْعَةٍ ، وَلَا تُرْفَعُ الْأَيْدِي فِي جَمِيعِ الرَّكَعَاتِ .\rوَلَنَا ، مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ { : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي كُلِّ تَكْبِيرَةٍ } رَوَاهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ، وَأَنَسٍ أَنَّهُمَا كَانَا يَفْعَلَانِ ذَلِكَ .\rوَلِأَنَّهَا تَكْبِيرَةٌ حَالَ الِاسْتِقْرَارِ أَشْبَهَتْ الْأُولَى ، وَمَا ذَكَرُوهُ غَيْرُ مُسَلَّمٍ ، فَإِذَا رَفَعَ يَدَيْهِ فَإِنَّهُ يَحُطُّهُمَا عِنْدَ انْقِضَاءِ التَّكْبِيرِ ، وَيَضَعُ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى ، كَمَا فِي بَقِيَّةِ الصَّلَوَاتِ .\rوَفِيمَا رَوَى ابْنُ أَبِي مُوسَى { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ ، فَوَضَعَ يَمِينَهُ عَلَى شِمَالِهِ .\r}","part":4,"page":435},{"id":1935,"text":"( 1566 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : وَيُسَلِّمُ تَسْلِيمَةً وَاحِدَةً عَنْ يَمِينِهِ .\rالسُّنَّةُ أَنْ يُسَلِّمَ عَلَى الْجِنَازَةِ تَسْلِيمَةً وَاحِدَةً .\rقَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - : التَّسْلِيمُ عَلَى الْجِنَازَةِ تَسْلِيمَةٌ وَاحِدَةٌ ، عَنْ سِتَّةٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَيْسَ فِيهِ اخْتِلَافٌ إلَّا عَنْ إبْرَاهِيمَ وَرُوِيَ تَسْلِيمَةٌ وَاحِدَةٌ عَنْ عَلِيٍّ ، وَابْنِ عُمَرَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَجَابِرٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ ، وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، وَابْنِ أَبِي أَوْفَى ، وَوَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ .\rوَبِهِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَالْحَسَنُ وَابْنُ سِيرِينَ ، وَأَبُو أُمَامَةَ بْنُ سَهْلٍ ، وَالْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، وَالْحَارِثُ ، وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَابْنُ عُيَيْنَةَ ، وَابْنُ الْمُبَارَكِ ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ وَإِسْحَاقُ .\rوَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ : مَنْ سَلَّمَ عَلَى الْجِنَازَةِ تَسْلِيمَتَيْنِ فَهُوَ جَاهِلٌ جَاهِلٌ ، وَاخْتَارَ الْقَاضِي أَنَّ الْمُسْتَحَبَّ تَسْلِيمَتَانِ ، وَتَسْلِيمَةٌ وَاحِدَةٌ تُجْزِي .\rوَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ، قِيَاسًا عَلَى سَائِرِ الصَّلَوَاتِ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَلَّمَ عَلَى الْجِنَازَةِ تَسْلِيمَةً وَاحِدَةً .\r} رَوَاهُ الْجُوزَجَانِيُّ بِإِسْنَادِهِ ، وَأَنَّهُ قَوْلُ مَنْ سَمَّيْنَا مِنْ الصَّحَابَةِ ، وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُمْ مُخَالِفٌ فِي عَصْرِهِمْ ، فَكَانَ إجْمَاعًا قَالَ أَحْمَدُ : لَيْسَ فِيهِ اخْتِلَافٌ إلَّا عَنْ إبْرَاهِيمَ قَالَ الْجُوزَجَانِيُّ هَذَا عِنْدَنَا لَا اخْتِلَافَ فِيهِ ؛ لِأَنَّ الِاخْتِلَافَ إنَّمَا يَكُونُ بَيْنَ الْأَقْرَانِ وَالْأَشْكَالِ ، أَمَّا إذَا أَجْمَعَ النَّاسُ وَاتَّفَقَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ ، فَشَذَّ عَنْهُمْ رَجُلٌ ، لَمْ يُقَلْ لِهَذَا اخْتِلَافٌ .\rوَاخْتِيَارُ الْقَاضِي فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مُخَالِفٌ لِقَوْلِ إمَامِهِ وَأَصْحَابِهِ وَإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ إذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِنَّ الْمُسْتَحَبَّ أَنْ يُسَلِّمَ","part":4,"page":436},{"id":1936,"text":"تَسْلِيمَةً وَاحِدَةً عَنْ يَمِينِهِ ، وَإِنْ سَلَّمَ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ فَلَا بَأْسَ قَالَ أَحْمَدُ : يُسَلِّمُ تَسْلِيمَةً وَاحِدَةً .\rوَسُئِلَ يُسَلِّمُ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ ؟ قَالَ : كُلُّ هَذَا ، وَأَكْثَرُ مَا رُوِيَ فِيهِ عَنْ يَمِينِهِ .\rقِيلَ : خِفْيَةً ؟ قَالَ : نَعَمْ .\rيَعْنِي أَنَّ الْكُلَّ جَائِزٌ ، وَالتَّسْلِيمُ عَنْ يَمِينِهِ أَوْلَى ، لِأَنَّهُ أَكْثَرُ مَا رُوِيَ ، وَهُوَ أَشْبَهُ بِالتَّسْلِيمِ فِي سَائِرِ الصَّلَوَاتِ .\rقَالَ أَحْمَدُ يَقُولُ : السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ .\rوَرَوَى عَنْهُ عَلِيُّ بْنُ سَعِيدٍ أَنَّهُ قَالَ : إذَا قَالَ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ .\rأَجْزَأَهُ .\rوَرَوَى الْخَلَّالُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ صَلَّى عَلَى يَزِيدَ بْنِ الْمُكَفِّفِ فَسَلَّمَ وَاحِدَةً عَنْ يَمِينِهِ : السَّلَامُ عَلَيْكُمْ .","part":4,"page":437},{"id":1937,"text":"( 1567 ) فَصْلٌ : وَرُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ قَالَ : إذَا صَلَّيْتَ فَلَا تَبْرَحْ مُصَلَّاكَ حَتَّى تُرْفَعَ .\rقَالَ وَرَأَيْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ لَا يَبْرَحُ مُصَلَّاهُ إذَا صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ حَتَّى يَرَاهَا عَلَى أَيْدِي الرِّجَالِ .\rقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ لَا تُنْقَضُ الصُّفُوفُ حَتَّى تُرْفَعَ الْجِنَازَةُ .","part":4,"page":438},{"id":1938,"text":"( 1568 ) فَصْلٌ : وَالْوَاجِبُ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ النِّيَّةُ ، وَالتَّكْبِيرَاتُ ، وَالْقِيَامُ ، وَقِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ ، وَالصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَدْنَى دُعَاءٍ لِلْمَيِّتِ ، وَتَسْلِيمَةٌ وَاحِدَةٌ .\rوَيُشْتَرَطُ لَهَا شَرَائِطُ الْمَكْتُوبَةِ ، إلَّا الْوَقْتَ .\rوَتَسْقُطُ بَعْضُ وَاجِبَاتِهَا عَنْ الْمَسْبُوقِ ، عَلَى مَا سَنُبَيِّنُ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى الْجَنَائِزِ وَهُوَ رَاكِبٌ ؛ لِأَنَّهُ يُفَوِّتُ الْقِيَامَ الْوَاجِبَ ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي ثَوْرٍ وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا .","part":4,"page":439},{"id":1939,"text":"( 1569 ) فَصْلٌ : وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُصَفَّ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْجَنَائِزِ ثَلَاثَةُ صُفُوفٍ ، لِمَا رُوِيَ عَنْ مَالِكِ بْنِ هُبَيْرَةَ - حِمْصِيٌّ وَكَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ - قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { مَنْ صَلَّى عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ صُفُوفٍ فَقَدْ أَوْجَبَ } قَالَ فَكَانَ مَالِكُ بْنُ هُبَيْرَةَ إذَا اسْتَقَلَّ أَهْلَ الْجِنَازَةِ جَزَّأَهُمْ ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ .\rرَوَاهُ الْخَلَّالُ بِإِسْنَادِهِ .\rوَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ .\rقَالَ أَحْمَدُ : أُحِبُّ إذَا كَانَ فِيهِمْ قِلَّةٌ أَنْ يَجْعَلَهُمْ ثَلَاثَةَ صُفُوفٍ ، قَالُوا : فَإِنْ كَانَ وَرَاءَهُ أَرْبَعَةٌ كَيْفَ يَجْعَلُهُمْ ؟ قَالَ : يَجْعَلُهُمْ صَفَّيْنِ ، فِي كُلِّ صَفٍّ رَجُلَيْنِ ، وَكَرِهَ أَنْ يَكُونُوا ثَلَاثَةً فَيَكُونُ فِي صَفٍّ رَجُلٌ وَاحِدٌ .\rوَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ أَنَّ عَطَاءَ بْنَ أَبِي رَبَاحٍ رَوَى ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ ، فَكَانُوا سَبْعَةً ، فَجَعَلَ الصَّفَّ الْأَوَّلَ ثَلَاثَةً ، وَالثَّانِيَ اثْنَيْنِ ، وَالثَّالِثَ وَاحِدًا .\rقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ وَيُعَايَا بِهَا ، فَيُقَالُ : أَيْنَ تَجِدُونَ فَذًّا انْفِرَادُهُ أَفْضَلُ ؟ وَلَا أَحْسَبُ هَذَا الْحَدِيثَ صَحِيحًا ، فَإِنِّي لَمْ أَرَهُ فِي غَيْرِ كِتَابِ ابْنِ عَقِيلٍ ، وَأَحْمَدُ قَدْ صَارَ إلَى خِلَافِهِ ، وَكَرِهَ أَنْ يَكُونَ الْوَاحِدُ صَفًّا ، وَلَوْ عَلِمَ أَحْمَدُ فِي هَذَا حَدِيثًا لَمْ يَعْدُهُ إلَى غَيْرِهِ .\rوَالصَّحِيحُ فِي هَذَا أَنْ يَجْعَلَ كُلَّ اثْنَيْنِ صَفًّا .","part":4,"page":440},{"id":1940,"text":"( 1570 ) فَصْلٌ : وَيُسْتَحَبُّ تَسْوِيَةُ الصَّفِّ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْجِنَازَةِ نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ وَقِيلَ لِعَطَاءٍ : أُخِذَ عَلَى النَّاسِ أَنْ يَصُفُّوا عَلَى الْجِنَازَةِ كَمَا يَصُفُّونَ فِي الصَّلَاةِ ؟ قَالَ : لَا ، قَوْمٌ يَدْعُونَ وَيَسْتَغْفِرُونَ وَلَمْ يُعْجِبْ أَحْمَدَ ، قَوْلُ عَطَاءٍ هَذَا .\rوَقَالَ يُسَوُّونَ صُفُوفَهُمْ ، فَإِنَّهَا صَلَاةٌ وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَعَى النَّجَاشِيَّ فِي الْيَوْمِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ ، وَخَرَجَ إلَى الْمُصَلَّى ، فَصَفَّ بِهِمْ ، وَكَبَّرَ أَرْبَعًا .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَرُوِيَ عَنْ أَبِي الْمَلِيحِ أَنَّهُ صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ ، فَالْتَفَتَ ، فَقَالَ اسْتَوُوا لِتَحْسُنَ شَفَاعَتُكُمْ .","part":4,"page":441},{"id":1941,"text":"( 1571 ) فَصْلٌ : وَلَا بَأْسَ بِالصَّلَاةِ عَلَى الْمَيِّتِ فِي الْمَسْجِدِ إذَا لَمْ يُخَفْ تَلْوِيثُهُ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ وَدَاوُد وَكَرِهَ ذَلِكَ مَالِكٌ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ لِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { مَنْ صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ فِي الْمَسْجِدِ فَلَا شَيْءَ لَهُ } مِنْ الْمُسْنَدِ .\rوَلَنَا مَا رَوَى مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ : مَا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى سُهَيْلِ ابْنِ بَيْضَاءَ إلَّا فِي الْمَسْجِدِ .\rوَقَالَ سَعِيدٌ : حَدَّثَنَا مَالِكٌ عَنْ سَالِمٍ أَبِي النَّضْرِ قَالَ : لَمَّا مَاتَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَتْ عَائِشَةُ : رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا مُرُّوا بِهِ عَلَيَّ حَتَّى أَدْعُوَ لَهُ .\rفَأَنْكَرَ النَّاسُ ذَلِكَ ، فَقَالَتْ : مَا أَسْرَعَ مَا نَسِيَ النَّاسُ ، مَا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى سُهَيْلِ ابْنِ بَيْضَاءَ إلَّا فِي الْمَسْجِدِ .\rوَقَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : صُلِّيَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ فِي الْمَسْجِدِ وَقَالَ : حَدَّثَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : صُلِّيَ عَلَى عُمَرَ فِي الْمَسْجِدِ وَهَذَا كَانَ بِمَحْضَرٍ مِنْ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ فَلَمْ يُنْكَرْ ، فَكَانَ إجْمَاعًا ، وَلِأَنَّهَا صَلَاةٌ فَلَمْ يُمْنَعْ مِنْهَا فِي الْمَسْجِدِ كَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ ، وَحَدِيثُهُمْ يَرْوِيهِ صَالِحٌ مَوْلَى التَّوْأَمَةِ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مَنْ لَا يَقْبَلُ مِنْ حَدِيثِهِ شَيْئًا لِضَعْفِهِ ، لِأَنَّهُ اخْتَلَطَ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقْبَلُ مِنْهُ مَا رَوَاهُ عَنْ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ خَاصَّةً ، ثُمَّ يُحْمَلُ عَلَى مَنْ خِيفَ عَلَيْهِ الِانْفِجَارُ ، وَتَلْوِيثُ الْمَسْجِدِ .","part":4,"page":442},{"id":1942,"text":"( 1572 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا الصَّلَاةُ عَلَى الْجِنَازَةِ فِي الْمَقْبَرَةِ فَعَنْ أَحْمَدَ فِيهَا رِوَايَتَانِ .\rإحْدَاهُمَا : لَا بَأْسَ بِهَا ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى عَلَى قَبْرٍ وَهُوَ فِي الْمَقْبَرَةِ .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ ذَكَرَ نَافِعٌ أَنَّهُ صُلِّيَ عَلَى عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ وَسْطَ قُبُورِ الْبَقِيعِ صَلَّى عَلَى عَائِشَةَ أَبُو هُرَيْرَةَ ، وَحَضَرَ ذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ وَفَعَلَ ذَلِكَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ .\rوَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ : يُكْرَهُ ذَلِكَ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : وَالْأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدٌ إلَّا الْمَقْبَرَةَ وَالْحَمَّامَ } وَلِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَوْضِعٍ لِلصَّلَاةِ غَيْرِ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ فَكُرِهَتْ فِيهِ صَلَاةُ الْجِنَازَةِ كَالْحَمَّامِ .","part":4,"page":443},{"id":1943,"text":"( 1573 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : وَمَنْ فَاتَهُ شَيْءٌ مِنْ التَّكْبِيرِ قَضَاهُ مُتَتَابِعًا ، فَإِنْ سَلَّمَ مَعَ الْإِمَامِ وَلَمْ يَقْضِ ، فَلَا بَأْسَ وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْمَسْبُوقَ بِتَكْبِيرِ الصَّلَاةِ فِي الْجِنَازَةِ يُسَنُّ لَهُ قَضَاءُ مَا فَاتَهُ مِنْهَا .\rوَمِمَّنْ قَالَ : يَقْضِي مَا فَاتَهُ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ، وَعَطَاءٌ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَابْنُ سِيرِينَ ، وَقَتَادَةُ ، وَمَالِكٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ فَإِنْ سَلَّمَ قَبْلَ الْقَضَاءِ فَلَا بَأْسَ .\rهَذَا قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ ، وَالْحَسَنِ ، وَأَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ قَالُوا : لَا يَقْضِي مَا فَاتَ مِنْ تَكْبِيرَةِ الْجِنَازَةِ .\rقَالَ أَحْمَدُ : إذَا لَمْ يَقْضِ لَمْ يُبَالِ .\rالْعُمَرِيُّ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ لَا يَقْضِي .\rوَإِنْ كَبَّرَ مُتَتَابِعًا فَلَا بَأْسَ .\rكَذَلِكَ قَالَ إبْرَاهِيمُ وَقَالَ أَيْضًا يُبَادِرُ بِالتَّكْبِيرِ قَبْلَ أَنْ يَرْفَعَ وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ إنْ سَلَّمَ قَبْلَ أَنْ يَقْضِيَهُ فَهَلْ تَصِحُّ صَلَاتُهُ ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ ؛ إحْدَاهُمَا : لَا تَصِحُّ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ؛ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ { مَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا ، وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا } وَفِي لَفْظٍ : \" فَاقْضُوا \" وَقِيَاسًا عَلَى سَائِرِ الصَّلَوَاتِ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُ فِي الصَّحَابَةِ مُخَالِفٌ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنِّي أُصَلِّي عَلَى الْجِنَازَةِ ، وَيَخْفَى عَلَيَّ بَعْضُ التَّكْبِيرِ ؟ قَالَ { : مَا سَمِعْتِ فَكَبِّرِي ، وَمَا فَاتَكِ فَلَا قَضَاءَ عَلَيْكِ } وَهَذَا صَرِيحٌ .\rوَلِأَنَّهَا تَكْبِيرَاتٌ مُتَوَالِيَاتٌ حَالَ الْقِيَامِ ، فَلَمْ يَجِبْ قَضَاءُ مَا فَاتَهُ مِنْهَا ، كَتَكْبِيرَاتِ الْعِيدِ ، وَحَدِيثُهُمْ وَرَدَ فِي الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ فِي صَدْرِ الْحَدِيثِ : { وَلَا تَأْتُوهَا وَأَنْتُمْ تَسْعَوْنَ } وَرُوِيَ أَنَّهُ سَعَى فِي جِنَازَةِ سَعْدٍ حَتَّى سَقَطَ رِدَاؤُهُ عَنْ مَنْكِبَيْهِ ، فَعُلِمَ ،","part":4,"page":444},{"id":1944,"text":"أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِالْحَدِيثِ هَذِهِ الصَّلَاةَ ، ثُمَّ الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَيْنَاهُ أَخَصُّ مِنْهُ ، فَيَجِبُ تَقْدِيمُهُ .\rوَالْقِيَاسُ عَلَى سَائِرِ الصَّلَوَاتِ لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْضِي فِي شَيْءٍ مِنْ الصَّلَوَاتِ التَّكْبِيرَ الْمُنْفَرِدَ ، ثُمَّ يَبْطُلُ بِتَكْبِيرَاتِ الْعِيدِ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِنَّهُ مَتَى قَضَى أَتَى بِالتَّكْبِيرِ مُتَوَالِيًا ، لَا ذِكْرَ مَعَهُ كَذَلِكَ قَالَ أَحْمَدُ وَحَكَاهُ عَنْ إبْرَاهِيمَ قَالَ : يُبَادِرُ بِالتَّكْبِيرِ مُتَتَابِعًا ، وَإِنْ لَمْ يَرْفَعْ قَضَى مَا فَاتَهُ ، وَإِذَا أَدْرَكَ الْإِمَامَ فِي الدُّعَاءِ عَلَى الْمَيِّتِ تَابَعَهُ فِيهِ ، فَإِذَا سَلَّمَ الْإِمَامُ كَبَّرَ ، وَقَرَأَ الْفَاتِحَةَ ، ثُمَّ كَبَّرَ وَصَلَّى عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَبَّرَ وَسَلَّمَ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : مَتَى دَخَلَ الْمَسْبُوقُ فِي الصَّلَاةِ ابْتَدَأَ الْفَاتِحَةَ ثُمَّ أَتَى بِالصَّلَاةِ فِي الثَّانِيَةِ .\rوَوَجْهُ الْأَوَّلِ أَنَّ الْمَسْبُوقَ فِي سَائِرِ الصَّلَوَاتِ يَقْرَأُ فِيمَا يَقْضِيهِ الْفَاتِحَةَ وَسُورَةً ، عَلَى صِفَةِ مَا فَاتَهُ ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَأْتِيَ هَاهُنَا بِالْقِرَاءَةِ عَلَى صِفَةِ مَا فَاتَهُ .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ","part":4,"page":445},{"id":1945,"text":"( 1574 ) فَصْلٌ : وَإِذَا أَدْرَكَ الْإِمَامَ فِيمَا بَيْنَ تَكْبِيرَتَيْنِ فَعَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ يَنْتَظِرُ الْإِمَامَ حَتَّى يُكَبِّرَ مَعَهُ ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ؛ لِأَنَّ التَّكْبِيرَاتِ كَالرَّكَعَاتِ ، ثُمَّ لَوْ فَاتَتْهُ رَكْعَةٌ لَمْ يَتَشَاغَلْ بِقَضَائِهَا ، وَكَذَلِكَ إذَا فَاتَتْهُ تَكْبِيرَةٌ .\rوَالثَّانِيَةُ ، يُكَبِّرُ وَلَا يَنْتَظِرْ .\rوَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ فِي سَائِرِ الصَّلَوَاتِ مَتَى أَدْرَكَ الْإِمَامَ كَبَّرَ مَعَهُ ، وَلَمْ يَنْتَظِرْ ، وَلَيْسَ هَذَا اشْتِغَالًا بِقَضَاءِ مَا فَاتَهُ ، وَإِنَّمَا يُصَلِّي مَعَهُ مَا أَدْرَكَهُ ، فَيُجْزِئُهُ ، كَاَلَّذِي عَقِيبَ تَكْبِيرِ الْإِمَامِ ، أَوْ يَتَأَخَّرُ عَنْ ذَلِكَ قَلِيلًا .\rوَعَنْ مَالِكٍ كَالرِّوَايَتَيْنِ .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : سَهَّلَ أَحْمَدُ فِي الْقَوْلَيْنِ جَمِيعًا وَمَتَى أَدْرَكَ الْإِمَامَ فِي التَّكْبِيرَةِ الْأُولَى فَكَبَّرَ ، وَشَرَعَ فِي الْقِرَاءَةِ ، ثُمَّ كَبَّرَ الْإِمَامُ قَبْلَ أَنْ يُتِمَّهَا ، فَإِنَّهُ يُكَبِّرُ ، وَيُتَابِعُهُ ، وَيَقْطَعُ الْقِرَاءَةَ كَالْمَسْبُوقِ فِي بَقِيَّةِ الصَّلَوَاتِ ، إذَا رَكَعَ الْإِمَامُ قَبْلَ إتْمَامِ الْقِرَاءَةِ .","part":4,"page":446},{"id":1946,"text":"( 1575 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَيُدْخَلُ قَبْرَهُ مِنْ عِنْدِ رِجْلَيْهِ إنْ كَانَ أَسْهَلَ عَلَيْهِمْ ) الضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ \" رِجْلَيْهِ \" يَعُودُ إلَى الْقَبْرِ .\rأَيْ : مِنْ عِنْدِ مَوْضِعِ الرِّجْلَيْنِ .\rوَذَلِكَ أَنَّ الْمُسْتَحَبَّ أَنْ يُوضَعَ رَأْسُ الْمَيِّتِ عِنْدَ رِجْلِ الْقَبْرِ ، ثُمَّ يُسَلُّ سَلًّا إلَى الْقَبْرِ .\rرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، وَأَنَسٍ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْأَنْصَارِيِّ ، وَالنَّخَعِيِّ ، وَالشَّعْبِيِّ ، وَالشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ تُوضَعُ الْجِنَازَةُ عَلَى جَانِبِ الْقَبْرِ ، مِمَّا يَلِي الْقِبْلَةَ ، ثُمَّ يُدْخَلُ الْقَبْرَ مُعْتَرِضًا ؛ لِأَنَّهُ يُرْوَى عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَلِأَنَّ النَّخَعِيّ قَالَ : حَدَّثَنِي مَنْ رَأَى أَهْلَ الْمَدِينَةِ فِي الزَّمَنِ الْأَوَّلِ يُدْخِلُونَ مَوْتَاهُمْ مِنْ قِبَلِ الْقِبْلَةِ وَأَنَّ السَّلَّ شَيْءٌ أَحْدَثَهُ أَهْلُ الْمَدِينَةِ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْأَنْصَارِيِّ ، { أَنَّ الْحَارِثَ أَوْصَى أَنْ يَلِيَهُ عِنْدَ مَوْتِهِ ، فَصَلَّى عَلَيْهِ ، ثُمَّ دَخَلَ الْقَبْرَ ، فَأَدْخَلَهُ مِنْ رِجْلَيْ الْقَبْرِ ، وَقَالَ : هَذَا السُّنَّةُ .\r} وَهَذَا يَقْتَضِي سُنَّةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَوَى ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُلَّ مِنْ قِبَلِ رَأْسِهِ سَلًّا .\r} وَمَا ذُكِرَ عَنْ النَّخَعِيِّ لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ مَذْهَبَهُ بِخِلَافِهِ ، وَلِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ عَلَى الْعَدَدِ الْكَثِيرِ أَنْ يُغَيِّرُوا سُنَّةً ظَاهِرَةً فِي الدَّفْنِ إلَّا بِسَبَبٍ ظَاهِرٍ ، أَوْ سُلْطَانٍ قَاهِرٍ .\rقَالَ : وَلَمْ يُنْقَلْ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ ، وَلَوْ ثَبَتَ فَسُنَّةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُقَدَّمَةٌ عَلَى فِعْلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَإِنْ كَانَ الْأَسْهَلُ عَلَيْهِمْ أَخْذَهُ مِنْ قِبَلِ الْقِبْلَةِ ، أَوْ مِنْ رَأْسِ الْقَبْرِ ، فَلَا حَرَجَ فِيهِ ، لِأَنَّ اسْتِحْبَابَ أَخْذِهِ مِنْ رِجْلَيْ الْقَبْرِ ، إنَّمَا كَانَ طَلَبًا لِلسُّهُولَةِ عَلَيْهِمْ ، وَالرِّفْقِ بِهِمْ فَإِذَا","part":4,"page":447},{"id":1947,"text":"كَانَ الْأَسْهَلُ غَيْرَهُ كَانَ مُسْتَحَبًّا .\rقَالَ أَحْمَدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - : كُلٌّ لَا بَأْسَ بِهِ .","part":4,"page":448},{"id":1948,"text":"( 1576 ) فَصْلٌ : قَالَ أَحْمَدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - : يُعَمَّقُ الْقَبْرُ إلَى الصَّدْرِ ، الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ .\rكَانَ الْحَسَنُ ، وَابْنُ سِيرِينَ يَسْتَحِبَّانِ أَنْ يُعَمَّقُ الْقَبْرُ إلَى الصَّدْرِ .\rوَقَالَ سَعِيدٌ حَدَّثَنَا إسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُهَاجِرٍ ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ لَمَّا مَاتَ ابْنُهُ ، أَمَرَهُمْ أَنْ يَحْفِرُوا قَبْرَهُ إلَى السُّرَّةِ وَلَا يُعَمِّقُوا ، فَإِنَّ مَا عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ أَفْضَلُ مِمَّا سَفَلَ مِنْهَا .\rوَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يُعَمَّقَ قَدْرَ قَامَةٍ وَبَسْطَةً .\rوَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { احْفِرُوا ، وَأَوْسِعُوا ، وَأَعْمِقُوا } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَلِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ أَوْصَى بِذَلِكَ فِي قَبْرِهِ ، وَلِأَنَّهُ أَحْرَى أَنْ لَا تَنَالَهُ السِّبَاعُ ، وَأَبْعَدُ عَلَى مَنْ يَنْبُشُهُ .\rوَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّ الْمُسْتَحَبَّ تَعْمِيقُهُ إلَى الصَّدْرِ ، لِأَنَّ التَّعْمِيقَ قَدْرَ قَامَةٍ وَبَسْطَةٍ يَشُقُّ ، وَيَخْرُجُ عَنْ الْعَادَةِ .\rوَقَوْلُ النَّبِيِّ : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( أَعْمِقُوا ) لَيْسَ فِيهِ بَيَانٌ لِقَدْرِ التَّعْمِيقِ ، وَلَمْ يَصِحَّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ أَوْصَى بِذَلِكَ فِي قَبْرِهِ ، وَلَوْ صَحَّ عِنْدَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ لَمْ يَعْدُهُ إلَى غَيْرِهِ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّهُ يُسْتَحَبُّ تَحْسِينُهُ وَتَعْمِيقُهُ وَتَوْسِيعُهُ ؛ لِلْخَبَرِ .\rوَقَدْ رَوَى زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ ، قَالَ : وَقَفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى قَبْرٍ ، فَقَالَ : ( اصْنَعُوا كَذَا ، اصْنَعُوا كَذَا ) ، ثُمَّ قَالَ : { مَا بِي أَنْ يَكُونَ يُغْنِي عَنْهُ شَيْئًا ، وَلَكِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ إذَا عُمِلَ الْعَمَلُ أَنْ يُحْكَمَ } قَالَ مَعْمَرُ وَبَلَغَنِي أَنَّهُ قَالَ : \" وَلَكِنَّهُ أَطْيَبُ لِأَنْفُسِ أَهْلِهِ \" رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي كِتَابِ الْجَنَائِزِ .","part":4,"page":449},{"id":1949,"text":"( 1577 ) فَصْلٌ : وَالسُّنَّةُ أَنْ يُلْحَدَ قَبْرُ الْمَيِّتِ ، كَمَا صُنِعَ بِقَبْرِ النَّبِيِّ .\rصَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ الْحَدُوا لِي لَحْدًا ، وَانْصِبُوا عَلَيَّ اللَّبِنَ نَصْبًا ، كَمَا صُنِعَ بِرَسُولِ اللَّهِ .\rصَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَمَعْنَى اللَّحْدِ ، أَنَّهُ إذَا بَلَغَ أَرْضَ الْقَبْرِ حَفَرَ فِيهِ مِمَّا يَلِي الْقِبْلَةَ مَكَانًا يُوضَعُ الْمَيِّتُ فِيهِ ، فَإِنْ كَانَتْ الْأَرْضُ رَخْوَةً جَعَلَ لَهُ مِنْ الْحِجَارَةِ شِبْهَ اللَّحْدِ .\rقَالَ أَحْمَدُ وَلَا أُحِبُّ الشَّقَّ .\rلِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { اللَّحْدُ لَنَا ، وَالشَّقُّ لِغَيْرِنَا } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ : هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ اللَّحْدُ شُقَّ لَهُ فِي الْأَرْضِ ، وَمَعْنَى الشَّقِّ أَنْ يَحْفِرَ فِي أَرْضِ الْقَبْرِ شَقًّا يَضَعُ الْمَيِّتَ فِيهِ ، وَيَسْقُفَهُ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ ، وَيَضَعَ الْمَيِّتَ فِي اللَّحْدِ عَلَى جَنْبِهِ الْأَيْمَنِ ، مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ بِوَجْهِهِ ، وَيَضَعَ تَحْتَ رَأْسِهِ لَبِنَةً ، أَوْ حَجَرًا ، أَوْ شَيْئًا مُرْتَفِعًا ، كَمَا يَصْنَعُ الْحَيُّ .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : إذَا جَعَلْتُمُونِي فِي اللَّحْدِ فَأَفْضُوا بِخَدِّي إلَى الْأَرْضِ .\rوَيُدْنَى مِنْ الْحَائِطِ لِئَلَّا يَنْكَبَّ عَلَى وَجْهِهِ وَيُسْنَدُ مِنْ وَرَائِهِ بِتُرَابٍ ، لِئَلَّا يَنْقَلِبَ .\rقَالَ أَحْمَدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - : مَا أُحِبُّ أَنْ يُجْعَلَ فِي الْقَبْرِ مُضَرَّبَةٌ وَلَا مِخَدَّةٌ .\rوَقَدْ جُعِلَ فِي قَبْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَطِيفَةٌ حَمْرَاءُ ، فَإِنْ جَعَلُوا قَطِيفَةً فَلِعِلَّةٍ ، فَإِذَا فَرَغُوا نَصَبُوا عَلَيْهِ اللَّبِنَ نَصْبًا .\rوَيُسَدُّ خَلَلُهُ بِالطِّينِ لِئَلَّا يَصِلَ إلَيْهِ التُّرَابُ ، وَإِنْ جَعَلَ مَكَانَ اللَّبِنِ قَصَبًا ، فَحَسَنٌ .\rلِأَنَّ الشَّعْبِيَّ قَالَ : جُعِلَ عَلَى لَحْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طُنُّ قَصَبٍ ، فَإِنِّي رَأَيْتُ الْمُهَاجِرِينَ يَسْتَحِبُّونَ ذَلِكَ","part":4,"page":450},{"id":1950,"text":".\rقَالَ الْخَلَّالُ : كَانَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ يَمِيلُ إلَى اللَّبِنِ ، وَيَخْتَارُهُ عَلَى الْقَصَبِ ، ثُمَّ تَرَكَ ذَلِكَ .\rوَمَالَ إلَى اسْتِحْبَابِ الْقَصَبِ عَلَى اللَّبِنِ ، وَأَمَّا الْخَشَبُ فَكَرِهَهُ عَلَى كُلِّ حَالٍ .\rوَرَخَّصَ فِيهِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ إذَا لَمْ يُوجَدْ غَيْرُهُ ، وَأَكْثَرُ الرِّوَايَاتِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ اسْتِحْبَابُ اللَّبِنِ ، وَتَقْدِيمُهُ عَلَى الْقَصَبِ ؛ لِقَوْلِ سَعْدٍ : انْصِبُوا عَلَيَّ اللَّبِنَ نَصْبًا ، كَمَا صُنِعَ بِرَسُولِ اللَّهِ .\rصَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَوْلُ سَعْدٍ أَوْلَى مِنْ قَوْلِ الشَّعْبِيِّ فَإِنَّ الشَّعْبِيَّ لَمْ يَرَ ، وَلَمْ يَحْضُرْ ، وَأَيُّهُمَا فَعَلَهُ كَانَ حَسَنًا .\rقَالَ حَنْبَلٌ : قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ : فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَبِنٌ ؟ قَالَ يُنْصَبُ عَلَيْهِ الْقَصَبُ وَالْحَشِيشُ ، وَمَا أَمْكَنَ مِنْ ذَلِكَ ، ثُمَّ يُهَالُ عَلَيْهِ التُّرَابُ .","part":4,"page":451},{"id":1951,"text":"( 1578 ) فَصْلٌ : رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ حَضَرَ جِنَازَةً ، فَلَمَّا أُلْقِيَ عَلَيْهَا التُّرَابُ ، قَامَ إلَى الْقَبْرِ ، فَحَثَى عَلَيْهِ ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ ، ثُمَّ رَجَعَ إلَى مَكَانِهِ وَقَالَ : قَدْ جَاءَ عَنْ عَلِيٍّ وَصَحَّ ، أَنَّهُ حَثَى عَلَى قَبْرِ ابْنِ مُكَفِّفٍ وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : إنْ فَعَلَ فَحَسَنٌ ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَلَا بَأْسَ .\rوَوَجْهُ اسْتِحْبَابِهِ مَا رُوِيَ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ ، ثُمَّ أَتَى قَبْرَ الْمَيِّتِ مِنْ قِبَلِ رَأْسِهِ ، فَحَثَى عَلَيْهِ ثَلَاثًا .\r} أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ .\rوَعَنْ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى عَلَى عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ فَكَبَّرَ عَلَيْهِ أَرْبَعًا ، ثُمَّ أَتَى الْقَبْرَ فَحَثَى عَلَيْهِ ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ وَهُوَ قَائِمٌ عِنْدَ رَأْسِهِ .\r} رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ .\rوَعَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَثَى عَلَى الْمَيِّتِ ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ بِيَدَيْهِ جَمِيعًا .\r} أَخْرَجَهُ الشَّافِعِيُّ فِي مُسْنَدِهِ .\rوَفَعَلَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .\rوَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّهُ لَمَّا دَفَنَ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ حَثَى فِي قَبْرِهِ ثَلَاثًا ، وَقَالَ : هَكَذَا يَذْهَبُ الْعِلْمُ .","part":4,"page":452},{"id":1952,"text":"( 1579 ) فَصْلٌ : وَيَقُولُ حِينَ يَضَعُهُ فِي قَبْرِهِ مَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إذَا أُدْخِلَ الْمَيِّتُ الْقَبْرَ ، قَالَ : بِسْمِ اللَّهِ وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرُوِيَ وَعَلَى سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ } .\rقَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ .\rوَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَ : { حَضَرْتُ ابْنَ عُمَرَ فِي جِنَازَةٍ فَلَمَّا وَضَعَهَا فِي اللَّحْدِ ، قَالَ : بِسْمِ اللَّهِ ، وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا أَخَذَ فِي تَسْوِيَةِ اللَّبِنِ عَلَى اللَّحْدِ ، قَالَ : اللَّهُمَّ أَجِرْهَا مِنْ الشَّيْطَانِ ، وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ ، اللَّهُمَّ جَافِ الْأَرْضَ عَنْ جَنْبَيْهَا ، وَصَعِّدْ رُوحَهَا ، وَلَقِّهَا مِنْكَ رِضْوَانًا قُلْتُ : يَا ابْنَ عُمَرَ أَشَيْءٌ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمْ قُلْتَهُ بِرَأْيِكَ ؟ قَالَ : إنِّي إذًا لَقَادِرٌ عَلَى الْقَوْلِ ، بَلْ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ .\rصَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ } وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ إذَا سُوِّيَ عَلَى الْمَيِّتِ قَالَ : اللَّهُمَّ أَسْلَمَهُ إلَيْكَ الْأَهْلُ وَالْمَالُ وَالْعَشِيرَةُ ، وَذَنْبُهُ عَظِيمٌ ، فَاغْفِرْ لَهُ .\rرَوَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ .","part":4,"page":453},{"id":1953,"text":"( 1580 ) فَصْلٌ : إذَا مَاتَ فِي سَفِينَةٍ فِي الْبَحْرِ فَقَالَ أَحْمَدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - : يُنْتَظَرُ بِهِ إنْ كَانُوا يَرْجُونَ أَنْ يَجِدُوا لَهُ مَوْضِعًا يَدْفِنُونَهُ فِيهِ ، حَبَسُوهُ يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ ، مَا لَمْ يَخَافُوا عَلَيْهِ الْفَسَادَ ، فَإِنْ لَمْ يَجِدُوا غُسِّلَ ، وَكُفِّنَ ، وَحُنِّطَ ، وَيُصَلَّى عَلَيْهِ وَيُثَقَّلُ بِشَيْءٍ ، وَيُلْقَى فِي الْمَاءِ .\rوَهَذَا قَوْلُ عَطَاءٍ ، وَالْحَسَنِ .\rقَالَ الْحَسَنُ : يُتْرَكُ فِي زِنْبِيلٍ ، وَيُلْقَى فِي الْبَحْرِ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يُرْبَطُ بَيْنَ لَوْحَيْنِ ؛ لِيَحْمِلَهُ الْبَحْرُ إلَى السَّاحِلِ فَرُبَّمَا وَقَعَ إلَى قَوْمٍ يَدْفِنُونَهُ ، وَإِنْ أَلْقَوْهُ فِي الْبَحْرِ لَمْ يَأْثَمُوا .\rوَالْأَوَّلُ أَوْلَى ؛ لِأَنَّهُ يَحْصُلُ بِهِ السَّتْرُ الْمَقْصُودُ مِنْ دَفْنِهِ ، وَإِلْقَاؤُهُ بَيْنَ لَوْحَيْنِ تَعْرِيضٌ لَهُ لِلتَّغَيُّرِ وَالْهَتْكِ ، وَرُبَّمَا بَقِيَ عَلَى السَّاحِلِ مَهْتُوكًا عُرْيَانًا ، وَرُبَّمَا وَقَعَ إلَى قَوْمٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ ، فَكَانَ مَا ذَكَرْنَاهُ أَوْلَى .","part":4,"page":454},{"id":1954,"text":"( 1581 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَالْمَرْأَةُ يُخَمَّرُ قَبْرُهَا بِثَوْبٍ ) لَا نَعْلَمُ فِي اسْتِحْبَابِ هَذَا بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ خِلَافًا .\rوَقَدْ رَوَى ابْنُ سِيرِينَ ، أَنَّ عُمَرَ كَانَ يُغَطِّي قَبْرَ الْمَرْأَةِ .\rوَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ مَرَّ بِقَوْمٍ قَدْ دَفَنُوا مَيِّتًا ، وَبَسَطُوا عَلَى قَبْرِهِ الثَّوْبَ ، فَجَذَبَهُ وَقَالَ : إنَّمَا يُصْنَعُ هَذَا بِالنِّسَاءِ .\rوَشَهِدَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ دَفْنَ أَبِي زَيْدٍ الْأَنْصَارِيِّ فَخَمَّرَ الْقَبْرَ بِثَوْبٍ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَنَسٍ : ارْفَعُوا الثَّوْبَ ، إنَّمَا يُخَمَّرُ قَبْرُ النِّسَاءِ ، وَأَنَسٌ شَاهِدٌ عَلَى شَفِيرِ الْقَبْرِ لَا يُنْكِرُ .\rوَلِأَنَّ الْمَرْأَةَ عَوْرَةٌ ، وَلَا يُؤْمَنُ أَنْ يَبْدُوَ مِنْهَا شَيْءٌ فَيَرَاهُ الْحَاضِرُونَ ، فَإِنْ كَانَ الْمَيِّتُ رَجُلًا كُرِهَ سَتْرُ قَبْرِهِ .\rلِمَا ذَكَرْنَا .\rوَكَرِهَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ وَلَمْ يَكْرَهْهُ أَصْحَابُ الرَّأْيِ وَأَبُو ثَوْرٍ وَالْأَوَّلُ أَوْلَى ؛ لِأَنَّ فِعْلَ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَنَسٍ يَدُلُّ عَلَى كَرَاهَتِهِ ، وَلِأَنَّ كَشْفَهُ أَمْكَنُ وَأَبْعَدُ مِنْ التَّشَبُّهِ بِالنِّسَاءِ ، مَعَ مَا فِيهِ مِنْ اتِّبَاعِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ .\rصَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ","part":4,"page":455},{"id":1955,"text":"( 1582 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَيُدْخِلُهَا مَحْرَمُهَا ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَالنِّسَاءُ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَالْمَشَايِخُ .\r) لَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي أَنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِدْخَالِ الْمَرْأَةِ قَبْرَهَا مَحْرَمُهَا ، وَهُوَ مَنْ كَانَ يَحِلُّ لَهُ النَّظَرُ إلَيْهَا فِي حَيَاتِهَا ، وَلَهَا السَّفَرُ مَعَهُ ، وَقَدْ رَوَى الْخَلَّالُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَامَ عِنْدَ مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ تُوُفِّيَتْ زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ فَقَالَ : أَلَا إنِّي أَرْسَلْتُ إلَى النِّسْوَةِ مَنْ يُدْخِلُهَا قَبْرَهَا فَأَرْسَلْنَ مَنْ كَانَ يَحِلُّ لَهُ الدُّخُولُ عَلَيْهَا فِي حَيَاتِهَا .\rفَرَأَيْتُ أَنْ قَدْ صَدَقْنَ .\rوَلَمَّا تُوُفِّيَتْ امْرَأَةُ عُمَرَ قَالَ لِأَهْلِهَا : أَنْتُمْ أَحَقُّ بِهَا وَلِأَنَّ مَحْرَمَهَا أَوْلَى النَّاسِ بِوَلَايَتِهَا فِي الْحَيَاةِ ، فَكَذَلِكَ بَعْدَ الْمَوْتِ .\rوَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ أَنَّ الْأَقَارِبَ يُقَدَّمُونَ عَلَى الزَّوْجِ .\rقَالَ الْخَلَّالُ : اسْتَقَامَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ إذَا حَضَرَ الْأَوْلِيَاءُ وَالزَّوْجُ ، فَالْأَوْلِيَاءُ أَحَبُّ إلَيْهِ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْأَوْلِيَاءُ فَالزَّوْجُ أَحَقُّ مِنْ الْغَرِيبِ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ خَبَرِ عُمَرَ .\rوَلِأَنَّ الزَّوْجَ قَدْ زَالَتْ زَوْجِيَّتُهُ بِمَوْتِهَا ، وَالْقَرَابَةُ بَاقِيَةٌ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : الزَّوْجُ أَحَقُّ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ ، لِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ أَدْخَلَ امْرَأَتَهُ قَبْرَهَا دُونَ أَقَارِبِهَا ، وَلِأَنَّهُ أَحَقُّ بِغُسْلِهَا مِنْهُمْ ، فَكَانَ أَوْلَى بِإِدْخَالِهَا قَبْرَهَا ، كَمَحَلِّ الْوِفَاقِ ، وَأَيُّهُمَا قُدِّمَ فَالْآخَرُ بَعْدَهُ .\rفَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا ، فَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ : أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يُدْخِلَهَا النِّسَاءُ ؛ لِأَنَّهُ مُبَاحٌ لَهُنَّ النَّظَرُ إلَيْهَا ، وَهُنَّ أَحَقُّ بِغُسْلِهَا .\rوَعَلَى هَذَا يُقَدَّمُ الْأَقْرَبُ مِنْهُنَّ فَالْأَقْرَبُ ، كَمَا فِي حَقِّ الرَّجُلِ .\rوَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّ النِّسَاءَ لَا يَسْتَطِعْنَ أَنْ يَدْخُلْنَ الْقَبْرَ ، وَلَا","part":4,"page":456},{"id":1956,"text":"يَدْفِنَّ .\rوَهَذَا أَصَحُّ وَأَحْسَنُ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ مَاتَتْ ابْنَتُهُ أَمَرَ أَبَا طَلْحَةَ فَنَزَلَ فِي قَبْرِهَا .\rوَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { أَيُّكُمْ لَمْ يُقَارِفْ اللَّيْلَةَ ؟ قَالَ أَبُو طَلْحَةَ : أَنَا .\rفَأَمَرَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَزَلَ فَأَدْخَلَهَا قَبْرَهَا } رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَرَأَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النِّسَاءَ فِي جِنَازَةٍ ، فَقَالَ : \" هَلْ تَحْمِلْنَ ؟ \" قُلْنَ : لَا .\rقَالَ : \" هَلْ تُدْلِينَ فِي مَنْ يُدْلِي ؟ \" قُلْنَ : لَا .\rقَالَ { : فَارْجِعْنَ مَأْزُورَاتٍ غَيْرَ مَأْجُورَاتٍ } .\rرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ .\rوَهَذَا اسْتِفْهَامُ إنْكَارٍ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مَشْرُوعٍ لَهُنَّ بِحَالٍ وَكَيْفَ يُشْرَعُ لَهُنَّ وَقَدْ نَهَاهُنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ اتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ ؟ وَلِأَنَّ ذَلِكَ لَوْ كَانَ مَشْرُوعًا لَفُعِلَ فِي عَصْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ خُلَفَائِهِ ، وَلَنُقِلَ عَنْ بَعْضِ الْأَئِمَّةِ ، وَلِأَنَّ الْجِنَازَةَ يَحْضُرُهَا جُمُوعُ الرِّجَالِ ، وَفِي نُزُولِ النِّسَاءِ فِي الْقَبْرِ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ هَتْكٌ لَهُنَّ ، مَعَ عَجْزِهِنَّ عَنْ الدَّفْنِ ، وَضَعْفِهِنَّ عَنْ حَمْلِ الْمَيِّتَةِ وَتَقْلِيبِهَا ، فَلَا يُشْرَعُ .\rلَكِنْ إنْ عُدِمَ مَحْرَمُهَا ، اُسْتُحِبَّ ذَلِكَ لِلْمَشَايِخِ ؛ لِأَنَّهُمْ أَقَلُّ شَهْوَةً وَأَبْعَدُ مِنْ الْفِتْنَةِ ، وَكَذَلِكَ مَنْ يَلِيهِمْ مِنْ فُضَلَاءِ النَّاسِ وَأَهْلِ الدِّينِ ، لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ أَبَا طَلْحَةَ ، فَنَزَلَ فِي قَبْرِ ابْنَتِهِ دُونَ غَيْرِهِ .","part":4,"page":457},{"id":1957,"text":"( 1583 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا الرَّجُلُ فَأَوْلَى النَّاسِ بِدَفْنِهِ أَوْلَاهُمْ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ مِنْ أَقَارِبِهِ ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ طَلَبُ الْحَظِّ لِلْمَيِّتِ وَالرِّفْقُ بِهِ .\rقَالَ عَلِيٌّ : رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إنَّمَا يَلِي الرَّجُلَ أَهْلُهُ .\rوَلَمَّا تُوُفِّيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَلْحَدَهُ الْعَبَّاسُ ، وَعَلِيٌّ وَأُسَامَةُ .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَلَا تَوْقِيفَ فِي عَدَدِ مَنْ يَدْخُلُ الْقَبْرَ نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .\rفَعَلَى هَذَا يَكُونُ عَدَدُهُمْ عَلَى حَسَبِ حَالِ الْمَيِّتِ وَحَاجَتِهِ وَمَا هُوَ أَسْهَلُ فِي أَمْرِهِ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : يُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ وِتْرًا ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَلْحَدَهُ ثَلَاثَةٌ ، وَلَعَلَّ هَذَا كَانَ اتِّفَاقًا أَوْ لِحَاجَتِهِمْ إلَيْهِ .\rوَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ أَبِي مَرْحَبٍ ، أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ نَزَلَ فِي قَبْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : كَأَنِّي أَنْظُرُ إلَيْهِمْ أَرْبَعَةً .\rوَإِذَا كَانَ الْمُتَوَلِّي فَقِيهًا كَانَ حَسَنًا ؛ لِأَنَّهُ مُحْتَاجٌ إلَى مَعْرِفَةِ مَا يَصْنَعُهُ فِي الْقَبْرِ .","part":4,"page":458},{"id":1958,"text":"( 1584 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ ( وَلَا يُشَقُّ الْكَفَنُ فِي الْقَبْرِ ، وَتُحَلُّ الْعُقَدُ .\r) أَمَّا شَقُّ الْكَفَنِ فَغَيْرُ جَائِزٍ ، لِأَنَّهُ إتْلَافٌ مُسْتَغْنًى عَنْهُ ، وَلَمْ يَرِدْ الشَّرْعُ بِهِ ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إذَا كَفَّنَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيُحْسِنْ كَفَنَهُ } رَوَاهُ مُسْلِمٌ .\rوَتَخْرِيقُهُ يُتْلِفُهُ ، وَيَذْهَبُ بِحُسْنِهِ .\rوَأَمَّا حَلُّ الْعُقَدِ مِنْ عِنْدِ رَأْسِهِ وَرِجْلَيْهِ ، فَمُسْتَحَبٌّ ؛ لِأَنَّ عَقْدَهَا كَانَ لِلْخَوْفِ مِنْ انْتِشَارِهَا ، وَقَدْ أُمِنَ ذَلِكَ بِدَفْنِهِ ، وَقَدْ رُوِيَ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا أَدْخَلَ نُعَيْمَ بْنَ مَسْعُودٍ الْأَشْجَعِيَّ الْقَبْرَ نَزَعَ الْأَخِلَّةَ بِفِيهِ .\r} وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَسَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ نَحْوُ ذَلِكَ .","part":4,"page":459},{"id":1959,"text":"( 1585 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : \" وَلَا يُدْخِلُ الْقَبْرَ آجُرًّا ، وَلَا خَشَبًا ، وَلَا شَيْئًا مَسَّتْهُ النَّارُ \" قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ اللَّبِنَ وَالْقَصَبَ مُسْتَحَبٌّ ، وَكَرِهَ أَحْمَدُ الْخَشَبَ .\rوَقَالَ إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ كَانُوا يَسْتَحِبُّونَ اللَّبِنَ وَيَكْرَهُونَ الْخَشَبَ .\rوَلَا يُسْتَحَبُّ الدَّفْنُ فِي تَابُوتٍ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا أَصْحَابِهِ ، وَفِيهِ تَشَبُّهٌ بِأَهْلِ الدُّنْيَا ، وَالْأَرْضُ أَنْشَفُ لِفَضَلَاتِهِ .\rوَيُكْرَهُ الْآجُرُّ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ بِنَاءِ الْمُتْرَفِينَ ، وَسَائِرُ مَا مَسَّتْهُ النَّارُ ، تَفَاؤُلًا بِأَنْ لَا تَمَسَّهُ النَّارُ .","part":4,"page":460},{"id":1960,"text":"( 1586 ) فَصْلٌ : وَإِذَا فَرَغَ مِنْ اللَّحْدِ أَهَالَ عَلَيْهِ التُّرَابَ ، وَيُرْفَعُ الْقَبْرُ عَنْ الْأَرْضِ قَدْرَ شِبْرٍ ؛ لِيُعْلَمَ أَنَّهُ قَبْرٌ ، فَيُتَوَقَّى وَيُتَرَحَّمَ عَلَى صَاحِبِهِ .\rوَرَوَى السَّاجِيُّ ، عَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رُفِعَ قَبْرُهُ عَنْ الْأَرْضِ قَدْرَ شِبْرٍ .\rوَرَوَى الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : قُلْتُ لِعَائِشَةَ : يَا أُمَّهْ اكْشِفِي لِي عَنْ قَبْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصَاحِبَيْهِ فَكَشَفَتْ لِي عَنْ ثَلَاثَةِ قُبُورٍ ، لَا مُشْرِفَةٍ وَلَا لَاطِئَةٍ ، مَبْطُوحَةٍ بِبَطْحَاءِ الْعَرْصَةِ الْحَمْرَاءِ .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَلَا يُسْتَحَبُّ رَفْعُهُ بِأَكْثَرَ مِنْ تُرَابِهِ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، وَرَوَى بِإِسْنَادِهِ ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ أَنَّهُ قَالَ : \" لَا يُجْعَلُ فِي الْقَبْرِ مِنْ التُّرَابِ أَكْثَرُ مِمَّا خَرَجَ مِنْهُ حِينَ حُفِرَ .\rوَرَوَى الْخَلَّالُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ { : نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُزَادَ عَلَى الْقَبْرِ عَلَى حُفْرَتِهِ } وَلَا يُسْتَحَبُّ رَفْعُ الْقَبْرِ إلَّا شَيْئًا يَسِيرًا ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَلِيٍّ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ { : لَا تَدَعْ تِمْثَالًا إلَّا طَمَسْتَهُ ، وَلَا قَبْرًا مُشْرِفًا إلَّا سَوَّيْتَهُ } رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ .\rوَالْمُشْرِفُ مَا رُفِعَ كَثِيرًا ، بِدَلِيلِ قَوْلِ الْقَاسِمِ فِي صِفَةِ قَبْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصَاحِبَيْهِ : لَا مُشْرِفَةٍ ، وَلَا لَاطِئَةٍ .\rوَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُرَشَّ عَلَى الْقَبْرِ مَاءٌ لِيَلْتَزِقَ تُرَابُهُ .\rقَالَ أَبُو رَافِعٍ { سَلَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَعْدًا وَرَشَّ عَلَى قَبْرِهِ مَاءً .\r} رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ .\rوَعَنْ جَابِرٍ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَشَّ عَلَى قَبْرِهِ مَاءً } رَوَاهُمَا الْخَلَّالُ جَمِيعًا .","part":4,"page":461},{"id":1961,"text":"( 1587 ) فَصْلٌ : وَلَا بَأْسَ بِتَعْلِيمِ الْقَبْرِ بِحَجَرٍ أَوْ خَشَبَةٍ .\rقَالَ أَحْمَدُ لَا بَأْسَ أَنْ يُعَلِّمَ الرَّجُلُ الْقَبْرَ عَلَامَةً يَعْرِفُهُ بِهَا ، وَقَدْ عَلَّمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْرَ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ .\rوَرَوَى أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادِهِ عَنْ الْمُطَّلِبِ قَالَ { : لَمَّا مَاتَ عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ أُخْرِجَ بِجِنَازَتِهِ ، فَدُفِنَ ، أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا أَنْ يَأْتِيَهُ بِحَجَرٍ فَلَمْ يَسْتَطِعْ حَمْلَهُ ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَحَسَرَ عَنْ ذِرَاعَيْهِ ، ثُمَّ حَمَلَهَا ، فَوَضَعَهَا عِنْدَ رَأْسِهِ ، وَقَالَ : أُعَلِّمُ بِهَا قَبْرَ أَخِي ، وَأَدْفِنُ إلَيْهِ مَنْ مَاتَ مِنْ أَهْلِهِ } وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ رِوَايَةِ أَنَسٍ .","part":4,"page":462},{"id":1962,"text":"( 1588 ) فَصْلٌ : وَتَسْنِيمُ الْقَبْرِ أَفْضَلُ مِنْ تَسْطِيحِهِ .\rوَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَالثَّوْرِيُّ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : تَسْطِيحُهُ أَفْضَلُ .\rقَالَ : وَبَلَغَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَطَّحَ قَبْرَ ابْنِهِ إبْرَاهِيمَ .\rوَعَنْ الْقَاسِمِ قَالَ : رَأَيْتُ قَبْرَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ مُسَطَّحَةً .\rوَلَنَا مَا رَوَى سُفْيَانُ التَّمَّارُ ، أَنَّهُ قَالَ : رَأَيْتُ قَبْرَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُسَنَّمًا .\rرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ بِإِسْنَادِهِ وَعَنْ الْحَسَنِ مِثْلُهُ وَلِأَنَّ التَّسْطِيحَ يُشْبِهُ أَبْنِيَةَ أَهْلِ الدُّنْيَا ، وَهُوَ أَشْبَهُ بِشِعَارِ أَهْلِ الْبِدَعِ ، فَكَانَ مَكْرُوهًا .\rوَحَدِيثُنَا أَثْبَتُ مِنْ حَدِيثِهِمْ وَأَصَحُّ ، فَكَانَ الْعَمَلُ بِهِ أَوْلَى .","part":4,"page":463},{"id":1963,"text":"( 1589 ) فَصْلٌ : وَسُئِلَ أَحْمَدُ عَنْ الْوُقُوفِ عَلَى الْقَبْرِ بَعْدَمَا يَدْفِنُ ، يَدْعُو لِلْمَيِّتِ ؟ قَالَ : لَا بَأْسَ بِهِ ، قَدْ وَقَفَ عَلِيٌّ وَالْأَحْنَفُ بْنُ قَيْسٍ ، وَرَوَى أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادِهِ عَنْ عُثْمَانَ ، قَالَ { كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا دَفَنَ الرَّجُلَ وَقَفَ عَلَيْهِ ، فَقَالَ : اسْتَغْفِرُوا لِأَخِيكُمْ ، وَاسْأَلُوا لَهُ التَّثْبِيتَ ، فَإِنَّهُ الْآنَ يُسْأَلُ } .\rوَرَوَى الْخَلَّالُ بِإِسْنَادِهِ وَمُسْلِمٌ وَالْبُخَارِيُّ عَنْ السَّرِيِّ قَالَ : لَمَّا حَضَرَتْ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ الْوَفَاةُ ، قَالَ : اجْلِسُوا عِنْدَ قَبْرِي قَدْرَ مَا يُنْحَرُ جَزُورٌ ، وَيُقْسَمُ ، فَإِنِّي أَسْتَأْنِسُ بِكُمْ .","part":4,"page":464},{"id":1964,"text":"( 1590 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا التَّلْقِينُ بَعْدَ الدَّفْنِ فَلَمْ أَجِدْ فِيهِ عَنْ أَحْمَدَ شَيْئًا ، وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ لِلْأَئِمَّةِ قَوْلًا ، سِوَى مَا رَوَاهُ الْأَثْرَمُ قَالَ : قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ فَهَذَا الَّذِي يَصْنَعُونَ إذَا دُفِنَ الْمَيِّتُ ، يَقِفُ الرَّجُلُ ، وَيَقُولُ : يَا فُلَانُ بْنَ فُلَانَةَ ، اُذْكُرْ مَا فَارَقْتَ عَلَيْهِ ، شَهَادَةَ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ؟ فَقَالَ : مَا رَأَيْتُ أَحَدًا فَعَلَ هَذَا إلَّا أَهْلَ الشَّامِ ، حِينَ مَاتَ أَبُو الْمُغِيرَةِ جَاءَ إنْسَانٌ ، فَقَالَ ذَاكَ .\rقَالَ : وَكَانَ أَبُو الْمُغِيرَةِ يَرْوِي فِيهِ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ ، عَنْ أَشْيَاخِهِمْ ، أَنَّهُمْ كَانُوا يَفْعَلُونَهُ ، وَكَانَ ابْنُ عَيَّاشٍ يَرْوِي فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ فِيهِ : إنَّمَا لِأُثْبِتَ عَذَابَ الْقَبْرِ .\rقَالَ الْقَاضِي ، وَأَبُو الْخَطَّابِ : يُسْتَحَبُّ ذَلِكَ .\rوَرَوَيَا فِيهِ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { : إذَا مَاتَ أَحَدُكُمْ ، فَسَوَّيْتُمْ عَلَيْهِ التُّرَابَ ، فَلْيَقِفْ أَحَدُكُمْ عِنْدَ رَأْسِ قَبْرِهِ ، ثُمَّ لِيَقُلْ : يَا فُلَانُ بْنَ فُلَانَةَ فَإِنَّهُ يَسْمَعُ ، وَلَا يُجِيبُ ، ثُمَّ لِيَقُلْ : يَا فُلَانُ بْنَ فُلَانَةَ الثَّانِيَةَ ، فَيَسْتَوِي قَاعِدًا ، ثُمَّ لِيَقُلْ : يَا فُلَانُ بْنَ فُلَانَةَ ، فَإِنَّهُ يَقُولُ : أَرْشِدْنَا يَرْحَمُكَ اللَّهُ ، وَلَكِنْ لَا تَسْمَعُونَ .\rفَيَقُولُ : اُذْكُرْ مَا خَرَجْتَ عَلَيْهِ مِنْ الدُّنْيَا ، شَهَادَةَ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ، وَأَنَّكَ رَضِيتَ بِاَللَّهِ رَبًّا ، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا ، وَبِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَبِيًّا ، وَبِالْقُرْآنِ إمَامًا .\rفَإِنَّ مُنْكَرًا وَنَكِيرًا يَتَأَخَّرُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَيَقُولُ : انْطَلِقْ ، فَمَا يُقْعِدُنَا عِنْدَ هَذَا وَقَدْ لُقِّنَ حُجَّتَهُ ، وَيَكُونُ اللَّهُ تَعَالَى حُجَّتَهُ دُونَهُمَا فَقَالَ رَجُلٌ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ اسْمَ أُمِّهِ ؟ قَالَ : فَلْيَنْسُبْهُ إلَى حَوَّاءَ } رَوَاهُ ابْنُ شَاهِينَ فِي ( كِتَابِ ذِكْرِ","part":4,"page":465},{"id":1965,"text":"الْمَوْتِ ) بِإِسْنَادِهِ .","part":4,"page":466},{"id":1966,"text":"( 1591 ) فَصْلٌ : سُئِلَ أَحْمَدُ عَنْ تَطْيِينِ الْقُبُورِ فَقَالَ : أَرْجُو أَنْ لَا يَكُونَ بِهِ بَأْسٌ .\rوَرَخَّصَ فِي ذَلِكَ الْحَسَنُ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَرَوَى أَحْمَدُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَتَعَاهَدُ قَبْرَ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ .\rقَالَ نَافِعٌ وَتُوُفِّيَ ابْنٌ لَهُ وَهُوَ غَائِبٌ ، فَقَدِمَ فَسَأَلَنَا عَنْهُ ، فَدَلَلْنَاهُ عَلَيْهِ ، فَكَانَ يَتَعَاهَدُ الْقَبْرَ وَيَأْمُرُ بِإِصْلَاحِهِ .\rوَرُوِيَ عَنْ الْحَسَنِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَا يَزَالُ الْمَيِّتُ يَسْمَعُ الْأَذَانَ مَا لَمْ يُطَيَّنْ قَبْرُهُ .\rأَوْ قَالَ : مَا لَمْ يُطْوَ قَبْرُهُ .\r}","part":4,"page":467},{"id":1967,"text":"( 1592 ) فَصْلٌ : وَيُكْرَهُ الْبِنَاءُ عَلَى الْقَبْرِ ، وَتَجْصِيصُهُ ، وَالْكِتَابَةُ عَلَيْهِ لِمَا رَوَى مُسْلِمٌ فِي \" صَحِيحِهِ \" قَالَ : { نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُجَصَّصَ الْقَبْرُ ، وَأَنْ يُبْنَى عَلَيْهِ ، وَأَنْ يُقْعَدَ عَلَيْهِ .\r} زَادَ التِّرْمِذِيُّ وَأَنْ يُكْتَبَ عَلَيْهِ .\rوَقَالَ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ .\rوَلِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ زِينَةِ الدُّنْيَا ، فَلَا حَاجَةَ بِالْمَيِّتِ إلَيْهِ .\rوَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى الرُّخْصَةِ فِي طِينِ الْقَبْرِ ، لِتَخْصِيصِهِ التَّجْصِيصَ بِالنَّهْيِ وَنَهَى عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنْ يُبْنَى عَلَى الْقَبْرِ بِآجُرٍّ ، وَأَوْصَى بِذَلِكَ .\rوَأَوْصَى الْأَسْوَدُ بْنُ يَزِيدَ أَنْ لَا تَجْعَلُوا عَلَى قَبْرِي آجُرًّا وَقَالَ إبْرَاهِيمُ كَانُوا يَكْرَهُونَ الْآجُرَّ فِي قُبُورِهِمْ .\rوَكَرِهَ أَحْمَدُ أَنْ يُضْرَبَ عَلَى الْقَبْرِ فُسْطَاطٌ وَأَوْصَى أَبُو هُرَيْرَةَ حِينَ حَضَرَهُ الْمَوْتُ أَنْ لَا تَضْرِبُوا عَلَيَّ فُسْطَاطًا .","part":4,"page":468},{"id":1968,"text":"( 1593 ) فَصْلٌ : وَيُكْرَهُ الْجُلُوسُ عَلَى الْقَبْرِ ، وَالِاتِّكَاءُ عَلَيْهِ ، وَالِاسْتِنَادُ إلَيْهِ ، وَالْمَشْيُ عَلَيْهِ ، وَالتَّغَوُّطُ بَيْنَ الْقُبُورِ ؛ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ وَفِي حَدِيثِ أَبِي مَرْثَدٍ الْغَنَوِيِّ : { لَا تَجْلِسُوا عَلَى الْقُبُورِ ، وَلَا تُصَلُّوا إلَيْهَا } صَحِيحٌ .\rوَذُكِرَ لِأَحْمَدَ أَنَّ مَالِكًا يَتَأَوَّلُ حَدِيثَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ نَهَى أَنْ يُجْلَسَ عَلَى الْقُبُورِ أَيْ لِلْخَلَاءِ .\rفَقَالَ : لَيْسَ هَذَا بِشَيْءٍ ، وَلَمْ يُعْجِبْهُ رَأْيُ مَالِكٍ وَرَوَى الْخَلَّالُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَأَنْ أَطَأَ عَلَى جَمْرَةٍ ، أَوْ سَيْفٍ ، أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أَطَأَ عَلَى قَبْرِ مُسْلِمٍ ، وَلَا أُبَالِي أَوَسْطَ الْقُبُورِ قَضَيْتُ حَاجَتِي ، أَوْ وَسْطَ السُّوقِ } رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ .","part":4,"page":469},{"id":1969,"text":"( 1594 ) فَصْلٌ : وَلَا يَجُوزُ اتِّخَاذُ السَّرْجِ عَلَى الْقُبُورِ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَعَنَ اللَّهُ زَوَّارَاتِ الْقُبُورِ ، الْمُتَّخِذَاتِ عَلَيْهِنَّ الْمَسَاجِدَ وَالسُّرُجَ } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَلَفْظُهُ : لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ .\rصَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَوْ أُبِيحَ لَمْ يَلْعَنْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ فَعَلَهُ ، وَلِأَنَّ فِيهِ تَضْيِيعًا لِلْمَالِ فِي غَيْرِ فَائِدَةٍ ، وَإِفْرَاطًا فِي تَعْظِيمِ الْقُبُورِ أَشْبَهَ تَعْظِيمَ الْأَصْنَامِ وَلَا يَجُوزُ اتِّخَاذُ الْمَسَاجِدِ عَلَى الْقُبُورِ لِهَذَا الْخَبَرِ ؛ وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ ، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ } يُحَذِّرُ مِثْلَ مَا صَنَعُوا .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَقَالَتْ عَائِشَةُ : إنَّمَا لَمْ يُبْرَزْ قَبْرُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِئَلَّا يُتَّخَذَ مَسْجِدًا ، وَلِأَنَّ تَخْصِيصَ الْقُبُورِ بِالصَّلَاةِ عِنْدَهَا يُشْبِهُ تَعْظِيمَ الْأَصْنَامِ بِالسُّجُودِ لَهَا ، وَالتَّقَرُّبِ إلَيْهَا ، وَقَدْ رَوَيْنَا أَنَّ ابْتِدَاءَ عِبَادَةِ الْأَصْنَامِ تَعْظِيمُ الْأَمْوَاتِ ، بِاتِّخَاذِ صُوَرِهِمْ ، وَمَسْحِهَا ، وَالصَّلَاةِ عِنْدَهَا .","part":4,"page":470},{"id":1970,"text":"( 1595 ) فَصْلٌ : وَالدَّفْنُ فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ أَعْجَبُ إلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مِنْ الدَّفْنِ فِي الْبُيُوتِ ؛ لِأَنَّهُ أَقَلُّ ضَرَرًا عَلَى الْأَحْيَاءِ مِنْ وَرَثَتِهِ ، وَأَشْبَهُ بِمَسَاكِنِ الْآخِرَةِ ، وَأَكْثَرُ لِلدُّعَاءِ لَهُ ، وَالتَّرَحُّمِ عَلَيْهِ .\rوَلَمْ يَزَلْ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ يُقْبَرُونَ فِي الصَّحَارِي .\rفَإِنْ قِيلَ : فَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُبِرَ فِي بَيْتِهِ ، وَقُبِرَ صَاحِبَاهُ مَعَهُ ؟ قُلْنَا : قَالَتْ عَائِشَةُ إنَّمَا فُعِلَ ذَلِكَ لِئَلَّا يُتَّخَذَ قَبْرُهُ مَسْجِدًا .\rرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ .\rوَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَدْفِنُ أَصْحَابَهُ فِي الْبَقِيعِ ، وَفِعْلُهُ أَوْلَى مِنْ فِعْلِ غَيْرِهِ ، وَإِنَّمَا أَصْحَابُهُ رَأَوْا تَخْصِيصَهُ بِذَلِكَ .\rوَلِأَنَّهُ رُوِيَ : \" يُدْفَنُ الْأَنْبِيَاءُ حَيْثُ يَمُوتُونَ \" وَصِيَانَةً لَهُمْ عَنْ كَثْرَةِ الطُّرَّاقِ ، وَتَمْيِيزًا لَهُ عَنْ غَيْرِهِ .","part":4,"page":471},{"id":1971,"text":"( 1596 ) فَصْلٌ : وَيُسْتَحَبُّ الدَّفْنُ فِي الْمَقْبَرَةِ الَّتِي يَكْثُرُ فِيهَا الصَّالِحُونَ وَالشُّهَدَاءُ ؛ لِتَنَالَهُ بَرَكَتُهُمْ ، وَكَذَلِكَ فِي الْبِقَاعِ الشَّرِيفَةِ .\rوَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ بِإِسْنَادِهِمَا { أَنَّ مُوسَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمَّا حَضَرَهُ الْمَوْتُ سَأَلَ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يُدْنِيَهُ إلَى الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ رَمْيَةً بِحَجَرٍ ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَوْ كُنْتُ ثَمَّ لَأَرَيْتُكُمْ قَبْرَهُ عِنْدَ الْكَثِيبِ الْأَحْمَرِ .\r}","part":4,"page":472},{"id":1972,"text":"( 1597 ) فَصْلٌ : وَجَمْعُ الْأَقَارِبِ فِي الدَّفْنِ حَسَنٌ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَمَّا دَفَنَ عُثْمَانَ بْنَ مَظْعُونٍ أَدْفِنُ إلَيْهِ مَنْ مَاتَ مِنْ أَهْلِهِ } وَلِأَنَّ ذَلِكَ أَسْهَلُ لِزِيَارَتِهِمْ ، وَأَكْثَرُ لِلتَّرَحُّمِ عَلَيْهِمْ .\rوَيُسَنُّ تَقْدِيمُ الْأَبِ ثُمَّ مَنْ يَلِيهِ فِي السِّنِّ وَالْفَضِيلَةِ ، إذَا أَمْكَنَ .","part":4,"page":473},{"id":1973,"text":"( 1598 ) فَصْلٌ : وَيُسْتَحَبُّ دَفْنُ الشَّهِيدِ حَيْثُ قُتِلَ قَالَ أَحْمَدُ : أَمَّا الْقَتْلَى فَعَلَى حَدِيثِ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { ادْفِنُوا الْقَتْلَى فِي مَصَارِعِهِمْ } وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِقَتْلَى أُحُدٍ أَنْ يُرَدُّوا إلَى مَصَارِعِهِمْ .\rفَأَمَّا غَيْرُهُمْ فَلَا يُنْقَلُ الْمَيِّتُ مِنْ بَلَدِهِ إلَى بَلَدٍ آخَرَ إلَّا لِغَرَضٍ صَحِيحٍ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الْأَوْزَاعِيِّ ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ .\rقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ : تُوُفِّيَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ بِالْحَبَشَةِ ، فَحُمِلَ إلَى مَكَّةَ فَدُفِنَ ، فَلَمَّا قَدِمَتْ عَائِشَةُ أَتَتْ قَبْرَهُ ثُمَّ قَالَتْ : وَاَللَّهِ لَوْ حَضَرْتُكَ مَا دُفِنْتَ إلَّا حَيْثُ مِتَّ ، وَلَوْ شَهِدْتُكَ مَا زُرْتُكَ وَلِأَنَّ ذَلِكَ أَخَفُّ لِمُؤْنَتِهِ وَأَسْلَمُ لَهُ مِنْ التَّغْيِيرِ .\rفَأَمَّا إنْ كَانَ فِيهِ غَرَضٌ صَحِيحٌ جَازَ .\rوَقَالَ أَحْمَدُ : مَا أَعْلَمُ بِنَقْلِ الرَّجُلِ يَمُوتُ فِي بَلَدِهِ إلَى بَلَدٍ أُخْرَى بَأْسًا .\rوَسُئِلَ الزُّهْرِيُّ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ : قَدْ حُمِلَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ ، وَسَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ ، مِنْ الْعَقِيقِ إلَى الْمَدِينَةِ .\rوَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ مَاتَ ابْنُ عُمَرَ هُنَا ، فَأَوْصَى أَنْ لَا يُدْفَنَ هَاهُنَا ، وَأَنْ يُدْفَنَ بِسَرِفٍ .","part":4,"page":474},{"id":1974,"text":"( 1599 ) فَصْلٌ : وَإِذَا تَنَازَعَ اثْنَانِ مِنْ الْوَرَثَةِ ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا : يُدْفَنُ فِي الْمَقْبَرَةِ الْمُسَبَّلَةِ .\rوَقَالَ الْآخَرُ : يُدْفَنُ فِي مِلْكِهِ دُفِنَ فِي الْمُسَبَّلَةِ ؛ لِأَنَّهُ لَا مِنَّةَ فِيهِ ، وَهُوَ أَقَلُّ ضَرَرًا عَلَى الْوَارِثِ .\rفَإِنْ تَشَاحَّا فِي الْكَفَنِ ، قُدِّمَ قَوْلُ مَنْ قَالَ : نُكَفِّنُهُ مِنْ مِلْكِهِ ؛ لِأَنَّ ضَرَرَهُ عَلَى الْوَارِثِ بِلُحُوقِ الْمِنَّةِ ، وَتَكْفِينُهُ مِنْ مَالِهِ قَلِيلُ الضَّرَرِ .\rوَسُئِلَ أَحْمَدُ عَنْ الرَّجُلِ يُوصِي أَنْ يُدْفَنَ فِي دَارِهِ قَالَ : يُدْفَنُ فِي الْمَقَابِرِ مَعَ الْمُسْلِمِينَ ، إنْ دُفِنَ فِي دَارِهِ أَضَرَّ بِالْوَرَثَةِ .\rوَقَالَ : لَا بَأْسَ أَنْ يَشْتَرِيَ الرَّجُلُ مَوْضِعَ قَبْرِهِ ، وَيُوصِيَ أَنْ يُدْفَنَ فِيهِ ، فَعَلَ ذَلِكَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ ، وَعَائِشَةُ ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ .\rرَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ","part":4,"page":475},{"id":1975,"text":"( 1600 ) فَصْلٌ : وَإِذَا تَشَاحَّ اثْنَانِ فِي الدَّفْنِ فِي الْمَقْبَرَةِ الْمُسَبَّلَةِ ، قُدِّمَ أَسْبَقُهُمَا ، كَمَا لَوْ تَنَازَعَا فِي مَقَاعِدِ الْأَسْوَاقِ ، وَرِحَابِ الْمَسَاجِدِ ، فَإِنْ تَسَاوَيَا أُقْرِعَ بَيْنَهُمَا .","part":4,"page":476},{"id":1976,"text":"( 1601 ) فَصْلٌ : وَإِنْ تَيَقَّنَ أَنَّ الْمَيِّتَ قَدْ بَلِيَ وَصَارَ رَمِيمًا ، جَازَ نَبْشُ قَبْرِهِ ، وَدَفْنُ غَيْرِهِ فِيهِ وَإِنْ شَكَّ فِي ذَلِكَ رَجَعَ إلَى أَهْلِ الْخِبْرَةِ .\rفَإِنْ حَفَرَ ، فَوَجَدَ فِيهَا عِظَامًا دَفَنَهَا ، وَحَفَرَ فِي مَكَان آخَرَ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، وَاسْتَدَلَّ بِأَنَّ كَسْرَ عَظْمِ الْمَيِّتِ كَكَسْرِ عَظْمِ الْحَيِّ .\rوَسُئِلَ أَحْمَدُ عَنْ الْمَيِّتِ يُخْرَجُ مِنْ قَبْرِهِ إلَى غَيْرِهِ فَقَالَ : إذَا كَانَ شَيْءٌ يُؤْذِيهِ ، قَدْ حُوِّلَ طَلْحَةُ وَحُوِّلَتْ عَائِشَةُ وَسُئِلَ عَنْ قَوْمٍ دُفِنُوا فِي بَسَاتِينَ وَمَوَاضِعَ رَدِيئَةٍ .\rفَقَالَ : قَدْ نَبَشَ مُعَاذٌ امْرَأَتَهُ ، وَقَدْ كَانَتْ كُفِّنَتْ فِي خَلَقَيْنِ فَكَفَنَهَا وَلَمْ يَرَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بَأْسًا أَنْ يُحَوَّلُوا .","part":4,"page":477},{"id":1977,"text":"( 1602 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَمَنْ فَاتَتْهُ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ صَلَّى عَلَى الْقَبْرِ ) .\rوَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ مَنْ فَاتَتْهُ الصَّلَاةُ عَلَى الْجِنَازَةِ ، فَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهَا ، مَا لَمْ تُدْفَنْ ، فَإِنْ دُفِنَتْ ، فَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى الْقَبْرِ إلَى شَهْرٍ .\rهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَغَيْرِهِمْ ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي مُوسَى ، وَابْنِ عُمَرَ ، وَعَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْأَوْزَاعِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ النَّخَعِيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَمَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ : لَا تُعَادُ الصَّلَاةُ عَلَى الْمَيِّتِ ، إلَّا لِلْوَلِيِّ إذَا كَانَ غَائِبًا ، وَلَا يُصَلَّى عَلَى الْقَبْرِ إلَّا كَذَلِكَ ، وَلَوْ جَازَ ذَلِكَ لَكَانَ قَبْرُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلَّى عَلَيْهِ فِي جَمِيعِ الْأَعْصَارِ .\rوَلَنَا ، مَا رُوِيَ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَكَرَ رَجُلًا مَاتَ ، فَقَالَ : فَدَلُّونِي عَلَى قَبْرِهِ فَأَتَى قَبْرَهُ ، فَصَلَّى عَلَيْهِ .\r} مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ { أَنَّهُ مَرَّ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى قَبْرٍ مَنْبُوذٍ ، فَأَمَّهُمْ وَصَلَّوْا خَلْفَهُ .\r} قَالَ أَحْمَدُ رَحِمَهُ اللَّهُ : وَمَنْ شَكَّ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْقَبْرِ يَرْوِي عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ سِتَّةِ وُجُوهٍ كُلُّهَا حِسَانٌ وَلِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاةِ ، فَيُسَنُّ لَهُ الصَّلَاةُ عَلَى الْقَبْرِ ، كَالْوَلِيِّ ، وَقَبْرُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُصَلَّى عَلَى الْقَبْرِ بَعْدَ شَهْرٍ .","part":4,"page":478},{"id":1978,"text":"( 1603 ) فَصْلٌ : وَمَنْ صَلَّى مَرَّةً فَلَا يُسَنُّ لَهُ إعَادَةُ الصَّلَاةِ عَلَيْهَا .\rوَإِذَا صُلِّيَ عَلَى الْجِنَازَةِ مَرَّةً لَمْ تُوضَعْ لِأَحَدٍ يُصَلِّي عَلَيْهَا .\rقَالَ الْقَاضِي : لَا يَحْسُنُ بَعْدَ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ ، وَيُبَادَرُ بِدَفْنِهِ ، فَإِنْ رُجِيَ مَجِيءُ الْوَلِيِّ أُخِّرَ إلَى أَنْ يَجِيءَ ، إلَّا أَنْ يُخَافَ تَغَيُّرُهُ .\rقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ لَا يَنْتَظِرُ بِهِ أَحَدٌ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي طَلْحَةَ بْنِ الْبَرَاءِ { اعْجَلُوا بِهِ ، فَإِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِجِيفَةِ مُسْلِمٍ أَنْ تُحْبَسَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ أَهْلِهِ } فَأَمَّا مَنْ أَدْرَكَ الْجِنَازَةَ مِمَّنْ لَمْ يُصَلِّ ، فَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهَا ، فَعَلَ ذَلِكَ عَلِيٌّ ، وَأَنَسٌ ، وَسَلْمَانُ بْنُ رَبِيعَةَ ، وَأَبُو حَمْزَةَ وَمَعْمَرُ بْنُ سَمِيرٍ .","part":4,"page":479},{"id":1979,"text":"( 1604 ) فَصْلٌ : وَيُصَلَّى عَلَى الْقَبْرِ ، وَتُعَادُ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ قَبْلَ الدَّفْنِ جَمَاعَةً وَفُرَادَى .\rنَصَّ عَلَيْهِمَا أَحْمَدُ وَقَالَ : وَمَا بَأْسٌ بِذَلِكَ ، قَدْ فَعَلَهُ عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ { انْتَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى قَبْرٍ رَطْبٍ ، فَصَفُّوا خَلْفَهُ ، وَكَبَّرَ أَرْبَعًا .\r} مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .","part":4,"page":480},{"id":1980,"text":"( 1605 ) فَصْلٌ : وَتَجُوزُ الصَّلَاةُ عَلَى الْغَائِبِ فِي بَلَدٍ آخَرَ بِالنِّيَّةِ فَيَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ ، وَيُصَلِّي عَلَيْهِ كَصَلَاتِهِ عَلَى حَاضِرٍ ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْمَيِّتُ فِي جِهَةِ الْقِبْلَةِ أَوْ لَمْ يَكُنْ ، وَسَوَاءٌ كَانَ بَيْنَ الْبَلَدَيْنِ مَسَافَةُ الْقَصْرِ أَوْ لَمْ يَكُنْ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ مَالِكٌ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَجُوزُ .\rوَحَكَى ابْنُ أَبِي مُوسَى عَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةً أُخْرَى كَقَوْلِهِمَا ؛ لِأَنَّ مِنْ شَرْطِ الصَّلَاةِ عَلَى الْجِنَازَةِ حُضُورَهَا ، بِدَلِيلِ مَا لَوْ كَانَ فِي الْبَلَدِ لَمْ تَجُزْ الصَّلَاةُ عَلَيْهَا مَعَ غَيْبَتِهَا عَنْهُ .\rوَلَنَا ، مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَنَّهُ نَعَى النَّجَاشِيَّ صَاحِبَ الْحَبَشَةِ الْيَوْمَ الَّذِي مَاتَ فِيهِ ، وَصَلَّى بِهِمْ بِالْمُصَلَّى ، فَكَبَّرَ عَلَيْهِ أَرْبَعًا .\r} مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rفَإِنْ قِيلَ : فَيَحْتَمِلُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زُوِيَتْ لَهُ الْأَرْضُ ، فَأُرِيَ الْجِنَازَةَ .\rقُلْنَا : هَذَا لَمْ يُنْقَلْ ، وَلَوْ كَانَ لَأَخْبَرَ بِهِ .\rوَلَنَا أَنْ نَقْتَدِيَ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا لَمْ يَثْبُتْ مَا يَقْتَضِي اخْتِصَاصَهُ ، وَلِأَنَّ الْمَيِّتَ مَعَ الْبُعْدِ لَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ وَإِنْ رُئِيَ ، ثُمَّ لَوْ رَآهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَاخْتَصَّتْ الصَّلَاةُ بِهِ ، وَقَدْ صَفَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَصَلَّى بِهِمْ .\rفَإِنْ قِيلَ : لَمْ يَكُنْ بِالْحَبَشَةِ مَنْ يُصَلِّي عَلَيْهِ ، قُلْنَا : لَيْسَ هَذَا مَذْهَبَكُمْ ، فَإِنَّكُمْ لَا تُجِيزُونَ الصَّلَاةَ عَلَى الْغَرِيقِ ، وَالْأَسِيرِ ، وَمَنْ مَاتَ بِالْبَوَادِي ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ ، وَلِأَنَّ هَذَا بَعِيدٌ ؛ لِأَنَّ النَّجَاشِيَّ مَلِكُ الْحَبَشَةِ ، وَقَدْ أَسْلَمَ وَظَهَرَ إسْلَامُهُ ، فَيَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ لَمْ يُوَافِقْهُ أَحَدٌ يُصَلِّي عَلَيْهِ .","part":4,"page":481},{"id":1981,"text":"( 1606 ) فَصْلٌ : فَإِنْ كَانَ الْمَيِّتُ فِي أَحَدِ جَانِبَيْ الْبَلَدِ لَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ مَنْ فِي الْجَانِبِ الْآخَرِ قَالَ : وَهَذَا اخْتِيَارُ أَبِي حَفْصٍ الْبَرْمَكِيِّ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ الْحُضُورُ لِلصَّلَاةِ عَلَيْهِ ، أَوْ عَلَى قَبْرِهِ ، وَصَلَّى أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ حَامِدٍ عَلَى مَيِّتٍ مَاتَ فِي أَحَدِ جَانِبَيْ بَغْدَادَ وَهُوَ فِي الْجَانِبِ الْآخَرِ لِأَنَّهُ غَائِبٌ ، فَجَازَتْ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ ، كَالْغَائِبِ فِي بَلَدٍ آخَرَ ، وَهَذَا مُنْتَقِضٌ بِمَا إذَا كَانَ مَعَهُ فِي هَذَا الْجَانِبِ .","part":4,"page":482},{"id":1982,"text":"( 1607 ) فَصْلٌ : وَتَتَوَقَّفُ الصَّلَاةُ عَلَى الْغَائِبِ بِشَهْرٍ ، كَالصَّلَاةِ عَلَى الْقَبْرِ لِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ بَقَاؤُهُ مِنْ غَيْرِ تَلَاشٍ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ .\rوَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي أَكِيلِ السَّبُعِ ، وَالْمُحْتَرِقِ بِالنَّارِ : يَحْتَمِلُ أَنْ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ ؛ لِذَهَابِهِ بِخِلَافِ الضَّائِعِ وَالْغَرِيقِ ؛ فَإِنَّهُ قَدْ بَقِيَ مِنْهُ مَا يُصَلَّى عَلَيْهِ ، وَيُصَلَّى عَلَيْهِ إذَا غَرِقَ قَبْلَ الْغُسْلِ ، كَالْغَائِبِ فِي بَلَدٍ بَعِيدٍ ؛ لِأَنَّ الْغُسْلَ تَعَذَّرَ لِمَانِعٍ ، أَشْبَهَ الْحَيَّ إذَا عَجَزَ عَنْ الْغُسْلِ وَالتَّيَمُّمِ ، صَلَّى عَلَى حَسَبِ حَالِهِ .","part":4,"page":483},{"id":1983,"text":"( 1608 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ ( وَإِنْ كَبَّرَ الْإِمَامُ خَمْسًا كَبَّرَ بِتَكْبِيرِهِ ) لَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الزِّيَادَةُ عَلَى سَبْعِ تَكْبِيرَاتٍ ، وَلَا أَنْقَصُ ، مِنْ أَرْبَعٍ وَالْأَوْلَى أَرْبَعٌ لَا يُزَادُ عَلَيْهَا ، وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ ، فَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ أَنَّ الْإِمَامَ إذَا كَبَّرَ خَمْسًا تَابَعَهُ الْمَأْمُومُ ، وَلَا يُتَابِعُهُ فِي زِيَادَةٍ عَلَيْهَا .\rرَوَاهُ الْأَثْرَمُ عَنْ أَحْمَدَ وَرَوَى حَرْبٌ عَنْ أَحْمَدَ إذَا كَبَّرَ خَمْسًا ، لَا يُكَبِّرُ مَعَهُ ، وَلَا يُسَلِّمُ إلَّا مَعَ الْإِمَامِ .\rقَالَ الْخَلَّالُ : وَكُلُّ مَنْ رَوَى عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ يُخَالِفُهُ .\rوَمِمَّنْ لَمْ يَرَ مُتَابَعَةَ الْإِمَامِ فِي زِيَادَةٍ عَلَى أَرْبَعٍ ؛ الثَّوْرِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَاخْتَارَهَا ابْنُ عَقِيلٍ ؛ لِأَنَّهَا زِيَادَةٌ غَيْرُ مَسْنُونَةٍ لِلْإِمَامِ ، فَلَا يُتَابِعُهُ الْمَأْمُومُ فِيهَا ، كَالْقُنُوتِ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى .\rوَلَنَا : مَا رُوِيَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ أَنَّهُ { كَبَّرَ عَلَى جِنَازَةٍ خَمْسًا ، وَقَالَ : كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُكَبِّرُهَا .\r} أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ وَغَيْرُهُمَا .\rوَفِي رِوَايَةِ سَعِيدٍ : فَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ ، فَقَالَ : سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ سَعِيدٌ : ثنا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ يَحْيَى الْجَابِرِيِّ عَنْ عِيسَى مَوْلًى لِحُذَيْفَةَ ، أَنَّهُ كَبَّرَ عَلَى جِنَازَةٍ خَمْسًا فَقِيلَ لَهُ فَقَالَ : مَوْلَايَ وَوَلِيُّ نِعْمَتِي صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ وَكَبَّرَ عَلَيْهَا خَمْسًا .\rوَذَكَرَ حُذَيْفَةُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَلَ ذَلِكَ وَرَوَى بِإِسْنَادِهِ أَنَّ عَلِيًّا صَلَّى عَلَى سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ فَكَبَّرَ عَلَيْهِ خَمْسًا .\rوَكَانَ أَصْحَابُ مُعَاذٍ يُكَبِّرُونَ عَلَى الْجَنَائِزِ خَمْسًا وَرَوَى الْخَلَّالُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ : كُلُّ ذَلِكَ قَدْ كَانَ ، أَرْبَعًا وَخَمْسًا وَأَمَرَ النَّاسَ بِأَرْبَعٍ .\rقَالَ أَحْمَدُ فِي","part":4,"page":484},{"id":1984,"text":"إسْنَادِ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ : إسْنَادٌ جَيِّدٌ رَوَاهُ شُعْبَةُ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمُصَلِّينَ مَعَهُ كَانُوا يُتَابِعُونَهُ .\rوَرَوَى الْأَثْرَمُ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يُكَبِّرُ عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَيْرِ أَهْلِ بَدْرٍ خَمْسًا ، وَعَلَى سَائِرِ النَّاسِ أَرْبَعًا .\rوَهَذَا أَوْلَى مِمَّا ذَكَرُوهُ .\rفَأَمَّا إنْ زَادَ الْإِمَامُ عَنْ خَمْسٍ ، فَعَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ يُكَبِّرُ مَعَ الْإِمَامِ إلَى سَبْعٍ .\rقَالَ الْخَلَّالُ : ثَبَتَ الْقَوْلُ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ يُكَبِّرُ مَعَ الْإِمَامِ إلَى سَبْعٍ ، ثُمَّ لَا يُزَادُ عَلَى سَبْعٍ ، وَلَا يُسَلِّمُ إلَّا مَعَ الْإِمَامِ .\rوَهَذَا قَوْلُ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيّ .\rوَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ كَبِّرْ مَا كَبَّرَ إمَامُكَ فَإِنَّهُ لَا وَقْتٌ وَلَا عَدَدٌ .\rوَوَجْهُ ذَلِكَ مَا رُوِيَ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَبَّرَ عَلَى حَمْزَةَ سَبْعًا } رَوَاهُ ابْنُ شَاهِينَ .\rوَكَبَّرَ عَلِيٌّ عَلَى جِنَازَةِ أَبِي قَتَادَةَ سَبْعًا وَعَلَى سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ سِتًّا ، وَقَالَ : إنَّهُ بَدْرِيٌّ .\rوَرُوِيَ أَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ جَمَعَ النَّاسَ فَاسْتَشَارَهُمْ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : كَبَّرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَبْعًا .\rوَقَالَ بَعْضُهُمْ : خَمْسًا .\rوَقَالَ بَعْضُهُمْ : أَرْبَعًا ، فَجَمَعَ عُمَرُ النَّاسَ عَلَى أَرْبَعِ تَكْبِيرَاتٍ ، وَقَالَ : هُوَ أَطْوَلُ الصَّلَاةِ وَقَالَ الْحَكَمُ بْنُ عُتَيْبَةَ : إنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ صَلَّى عَلَى سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ ، فَكَبَّرَ عَلَيْهِ سِتًّا ، وَكَانُوا يُكَبِّرُونَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ خَمْسًا وَسِتًّا وَسَبْعًا .\rفَإِنْ زَادَ عَلَى سَبْعٍ لَمْ يُتَابِعْهُ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، وَقَالَ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد : إنْ زَادَ عَلَى سَبْعٍ يَنْبَغِي أَنْ يُسَبِّحَ بِهِ ، وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا قَالَ بِالزِّيَادَةِ عَلَى سَبْعٍ إلَّا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ فَإِنَّ","part":4,"page":485},{"id":1985,"text":"عَلْقَمَةَ رَوَى أَنَّ أَصْحَابَ عَبْدِ اللَّهِ قَالُوا لَهُ : إنَّ أَصْحَابَ مُعَاذٍ يُكَبِّرُونَ عَلَى الْجَنَائِزِ خَمْسًا ، فَلَوْ وَقَّتَّ لَنَا وَقْتًا فَقَالَ : إذَا تَقَدَّمَكُمْ إمَامُكُمْ فَكَبِّرُوا مَا يُكَبِّرُ ، فَإِنَّهُ لَا وَقْتٌ وَلَا عَدَدٌ .\rرَوَاهُ سَعِيدٌ وَالْأَثْرَمُ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يُزَادُ عَلَى سَبْعٍ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ ، وَلَكِنْ لَا يُسَلِّمُ حَتَّى يُسَلِّمَ إمَامُهُ .\rقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ لَا يَخْتَلِفُ قَوْلُ أَحْمَدَ إذَا كَبَّرَ الْإِمَامُ زِيَادَةً عَلَى أَرْبَعٍ ، أَنَّهُ لَا يُسَلِّمُ قَبْلَ إمَامِهِ ، عَلَى الرِّوَايَاتِ الثَّلَاثِ ، بَلْ يَتْبَعُهُ وَيَقِفُ فَيُسَلِّمُ مَعَهُ .\rقَالَ الْخَلَّالُ الْعَمَلُ فِي نَصِّ قَوْلِهِ ، وَمَا ثَبَتَ عَنْهُ أَنَّهُ يُكَبِّرُ مَا كَبَّرَ الْإِمَامُ إلَى سَبْعٍ وَإِنْ زَادَ عَلَى سَبْعٍ فَلَا ، وَلَا يُسَلِّمُ إلَّا مَعَ الْإِمَامِ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فِي أَنَّهُ لَا يُسَلِّمُ قَبْلَ إمَامِهِ .\rوَقَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ يَنْصَرِفُ ، كَمَا لَوْ قَامَ الْإِمَامُ إلَى خَامِسَةٍ ، فَارَقَهُ ، وَلَمْ يَنْتَظِرْ تَسْلِيمَهُ .\rقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ : مَا أَعْجَبَ حَالَ الْكُوفِيِّينَ ، سُفْيَانُ يَنْصَرِفُ إذَا كَبَّرَ الرَّابِعَةَ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَبَّرَ خَمْسًا ، وَفَعَلَهُ زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ وَحُذَيْفَةُ وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ كَبِّرْ مَا كَبَّرَ إمَامُكَ .\rوَلِأَنَّ هَذِهِ زِيَادَةُ قَوْلٍ مُخْتَلَفٍ فِيهِ ، فَلَا يُسَلِّمُ قَبْلَ إمَامِهِ إذَا اشْتَغَلَ بِهِ ، كَمَا لَوْ صَلَّى خَلْفَ مَنْ يَقْنُتُ فِي صَلَاةٍ يُخَالِفُهُ الْإِمَامُ فِي الْقُنُوتِ فِيهَا .\rوَيُخَالِفُ مَا قَاسُوا عَلَيْهِ مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا ، أَنَّ الرَّكْعَةَ الْخَامِسَةَ لَا خِلَافَ فِيهَا .\rوَالثَّانِي ، أَنَّهَا فِعْلٌ ، وَالتَّكْبِيرَةُ الزَّائِدَةُ بِخِلَافِهَا ، وَكُلُّ تَكْبِيرَةٍ قُلْنَا يُتَابِعُ الْإِمَامَ فِيهَا فَلَهُ فِعْلُهَا ، وَمَا لَا فَلَا .\r( 1609 ) فَصْلٌ : وَالْأَفْضَلُ أَنْ لَا يَزِيدَ عَلَى أَرْبَعٍ لِأَنَّ فِيهِ","part":4,"page":486},{"id":1986,"text":"خُرُوجًا مِنْ الْخِلَافِ ، وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ يَرَوْنَ التَّكْبِيرَ أَرْبَعًا ؛ مِنْهُمْ عُمَرُ وَابْنُهُ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ ، وَجَابِرٌ ، وَابْنُ أَبِي أَوْفَى ، وَالْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ ، وَالْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَعُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ ، وَابْنُ الْحَنَفِيَّةِ ، وَعَطَاءٌ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَالشَّافِعِيِّ ، لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَبَّرَ عَلَى النَّجَاشِيِّ أَرْبَعًا .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَكَبَّرَ عَلَى قَبْرٍ بَعْدَمَا دُفِنَ أَرْبَعًا .\rوَجَمَعَ عُمَرُ النَّاسَ عَلَى أَرْبَعٍ .\rوَلِأَنَّ أَكْثَرَ الْفَرَائِضِ لَا تَزِيدُ عَلَى أَرْبَعٍ ، وَلَا يَجُوزُ النُّقْصَانُ مِنْهَا .\rوَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَبَّرَ عَلَى الْجِنَازَةِ ثَلَاثًا ، وَلَمْ يُعْجِبْ ذَلِكَ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ وَقَالَ : قَدْ كَبَّرَ أَنَسٌ ثَلَاثًا نَاسِيًا فَأَعَادَ .\rوَلِأَنَّهُ خِلَافُ مَا نُقِلَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلِأَنَّ الصَّلَاةَ الرُّبَاعِيَّةَ إذَا نَقَصَ مِنْهَا رَكْعَةً بَطَلَتْ ، كَذَلِكَ هَاهُنَا فَإِنْ نَقَصَ مِنْهَا تَكْبِيرَةً عَامِدًا بَطَلَتْ ، كَمَا لَوْ تَرَكَ رَكْعَةً عَمْدًا ، وَإِنْ تَرَكَهَا سَهْوًا احْتَمَلَ أَنْ يُعِيدَهَا ، كَمَا فَعَلَ أَنَسٌ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُكَبِّرَهَا ، مَا لَمْ يَطُلْ الْفَصْلُ ، كَمَا لَوْ نَسِيَ رَكْعَةً ، وَلَا يُشْرَعُ لَهَا سُجُودُ سَهْوٍ فِي الْمَوْضِعَيْنِ .","part":4,"page":487},{"id":1987,"text":"( 1610 ) فَصْلٌ : قَالَ أَحْمَدُ رَحِمَهُ اللَّهُ : يُكَبِّرُ عَلَى الْجِنَازَةِ فَيَجِيئُونَ بِأُخْرَى ، يُكَبِّرُ إلَى سَبْعٍ ثُمَّ يَقْطَعُ ، وَلَا يَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى تُرْفَعَ الْأَرْبَعُ .\rقَالَ أَصْحَابُنَا : إذَا كَبَّرَ عَلَى جِنَازَةٍ ، ثُمَّ جِيءَ بِأُخْرَى ، كَبَّرَ الثَّانِيَةَ عَلَيْهِمَا ، وَيَنْوِيهِمَا فَإِنْ جِيءَ بِثَالِثَةٍ كَبَّرَ الثَّالِثَةَ عَلَيْهِنَّ ، وَنَوَاهُنَّ ، فَإِنْ جِيءَ بِرَابِعَةٍ كَبَّرَ الرَّابِعَةَ عَلَيْهِنَّ ، وَنَوَاهُنَّ ، ثُمَّ يُكْمِلُ التَّكْبِيرَ عَلَيْهِنَّ إلَى سَبْعٍ ، لِيَحْصُلَ لِلرَّابِعَةِ أَرْبَعُ تَكْبِيرَاتٍ ، إذْ لَا يَجُوزُ النُّقْصَانُ مِنْهُنَّ ، وَيَحْصُلُ لِلْأُولَى سَبْعٌ ، وَهُوَ أَكْثَرُ مَا يَنْتَهِي إلَيْهِ التَّكْبِيرُ ، فَإِنْ جِيءَ بِخَامِسَةٍ لَمْ يَنْوِهَا بِالتَّكْبِيرِ ، وَإِنْ نَوَاهَا لَمْ يَجُزْ ؛ لِأَنَّهُ دَائِرٌ بَيْنَ أَنْ يَزِيدَ عَلَى سَبْعٍ أَوْ يَنْقُصَ فِي تَكْبِيرِهَا عَنْ أَرْبَعٍ ، وَكِلَاهُمَا لَا يَجُوزُ ، وَهَكَذَا لَوْ جِيءَ بِثَانِيَةٍ بَعْدَ الرَّابِعَةِ ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يُكَبِّرَ عَلَيْهَا الْخَامِسَةَ ؛ لِمَا بَيَّنَّا .\rفَإِنْ أَرَادَ أَهْلُ الْجِنَازَةِ الْأُولَى رَفْعَهَا قَبْلَ سَلَامِ الْإِمَامِ لَمْ يَجُزْ ؛ لِأَنَّ السَّلَامَ رُكْنٌ لَا تَتِمُّ الصَّلَاةُ إلَّا بِهِ .\rإذَا تَقَرَّرَ هَذَا ، فَإِنَّهُ يَقْرَأُ فِي التَّكْبِيرَةِ الْخَامِسَةِ الْفَاتِحَةَ ، وَفِي السَّادِسَةِ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَدْعُو فِي السَّابِعَةِ لِيَكْمُلَ لِجَمِيعِ الْجَنَائِزِ الْقِرَاءَةُ وَالْأَذْكَارُ كَمَا كَمُلَ لَهُنَّ التَّكْبِيرَاتُ .\rوَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ وَجْهًا ثَانِيًا ، قَالَ : وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُكَبِّرَ مَا زَادَ عَلَى الْأَرْبَعِ مُتَتَابِعًا ، كَمَا قُلْنَا فِي الْقَضَاءِ لِلْمَسْبُوقِ ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَبَّرَ سَبْعًا ، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَمْ يُرْوَ أَنَّهُ قَرَأَ قِرَاءَتَيْنِ .\rوَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ؛ لِأَنَّ الثَّانِيَةَ وَمَا بَعْدَهَا جَنَائِزُ ، فَيُعْتَبَرُ فِي الصَّلَاةِ عَلَيْهِنَّ شُرُوطُ الصَّلَاةِ وَوَاجِبَاتُهَا ، كَالْأُولَى .","part":4,"page":488},{"id":1988,"text":"( 1611 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَالْإِمَامُ يَقُومُ عِنْدَ صَدْرِ الرَّجُلِ وَوَسَطِ الْمَرْأَةِ ) ، لَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ فِي أَنَّ السُّنَّةَ أَنْ يَقُومَ الْإِمَامُ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ حِذَاءَ وَسَطِ الْمَرْأَةِ ، وَعِنْدَ صَدْرِ الرَّجُلِ أَوْ عِنْدَ مَنْكِبَيْهِ ، وَإِنْ وَقَفَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْقِفِ خَالَفَ سُنَّةَ الْمَوْقِفِ ، وَأَجْزَأَهُ .\rوَهَذَا قَوْلُ إِسْحَاقَ ، وَنَحْوُهُ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ إلَّا أَنَّ بَعْضَ أَصْحَابِهِ قَالَ : يَقُومُ عِنْدَ رَأْسِ الرَّجُلِ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٍ ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ أَنَسٍ { أَنَّهُ صَلَّى عَلَى رَجُلٍ ، فَقَامَ عِنْدَ رَأْسِهِ ، ثُمَّ صَلَّى عَلَى امْرَأَةٍ فَقَامَ حِيَالَ وَسَطِ السَّرِيرِ ، فَقَالَ لَهُ الْعَلَاءُ بْنُ زِيَادٍ : هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ عَلَى الْجِنَازَةِ مَقَامَكَ مِنْهَا ، وَمِنْ الرَّجُلِ مَقَامَكَ مِنْهُ ؟ قَالَ : نَعَمْ .\rفَلَمَّا فَرَغَ ، قَالَ : احْفَظُوا } .\rقَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَقُومُ عِنْدَ صَدْرِ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ ؛ لِأَنَّهُمَا سَوَاءٌ ، فَإِذَا وَقَفَ عِنْدَ صَدْرِ الرَّجُلِ فَكَذَا الْمَرْأَةُ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : يَقِفُ مِنْ الرَّجُلِ عِنْدَ وَسَطِهِ ؛ لِأَنَّهُ يُرْوَى مِثْلُ هَذَا عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَيَقِفُ مِنْ الْمَرْأَةِ عِنْدَ مَنْكِبَيْهَا ؛ لِأَنَّ الْوُقُوفَ عِنْدَ أَعَالِيهَا أَمْثَلُ وَأَسْلَمُ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى سَمُرَةُ ، قَالَ { : صَلَّيْتُ وَرَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى امْرَأَةٍ مَاتَتْ فِي نِفَاسِهَا فَقَامَ وَسَطَهَا } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَحَدِيثُ أَنَسٍ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ ، وَالْمَرْأَةُ تُخَالِفُ الرَّجُلَ فِي الْمَوْقِفِ ، فَجَازَ أَنْ تُخَالِفَهُ هَاهُنَا .\rوَلِأَنَّ قِيَامَهُ عِنْدَ وَسَطِ الْمَرْأَةِ أَسْتَرُ لَهَا مِنْ النَّاسِ ، فَكَانَ أَوْلَى .\rفَأَمَّا قَوْلُ مَنْ قَالَ : يَقِفُ عِنْدَ رَأْسِ الرَّجُلِ فَغَيْرُ مُخَالِفٍ لِقَوْلِ مَنْ قَالَ بِالْوُقُوفِ عِنْدَ الصَّدْرِ ؛ لِأَنَّهُمَا مُتَقَارِبَانِ ، فَالْوَاقِفُ عِنْدَ أَحَدِهِمَا وَاقِفٌ عِنْدَ الْآخَرِ ،","part":4,"page":489},{"id":1989,"text":"وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":4,"page":490},{"id":1990,"text":"( 1612 ) فَصْلٌ : فَإِنْ اجْتَمَعَ جَنَائِزُ رِجَالٍ وَنِسَاءٍ ، فَعَنْ أَحْمَدَ فِيهِ رِوَايَتَانِ : إحْدَاهُمَا ، يُسَوِّي بَيْنَ رُءُوسِهِمْ .\rوَهَذَا اخْتِيَارُ الْقَاضِي ، وَقَوْلُ إبْرَاهِيمَ وَأَهْلِ مَكَّةَ ، وَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّهُ يُرْوَى عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، أَنَّهُ كَانَ يُسَوِّي بَيْنَ رُءُوسِهِمْ .\rوَرَوَى سَعِيدٌ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ الشَّعْبِيِّ ، أَنَّ أُمَّ كُلْثُومٍ بِنْتَ عَلِيٍّ وَابْنَهَا زَيْدَ بْنَ عُمَرَ تُوُفِّيَا جَمِيعًا ، فَأُخْرِجَتْ جِنَازَتَاهُمَا ، فَصَلَّى عَلَيْهِمَا أَمِيرُ الْمَدِينَةِ ، فَسَوَّى بَيْنَ رُءُوسِهِمَا وَأَرْجُلِهِمَا حِينَ صَلَّى عَلَيْهِمَا وَبِإِسْنَادِهِ عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، قَالَ : قَدِمَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ ، وَهُمْ يُسَوُّونَ بَيْنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ إذَا صُلِّيَ عَلَيْهِمَا ، فَأَرَادَهُمْ عَلَى أَنْ يَجْعَلُوا رَأْسَ الْمَرْأَةِ عِنْدَ وَسَطِ الرَّجُلِ ، فَأَبَوْا عَلَيْهِ .\rوَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ ، أَنْ يَصُفَّ الرِّجَالَ صَفًّا وَالنِّسَاءَ صَفًّا ، وَيَجْعَلَ وَسَطَ النِّسَاءِ عِنْدَ صُدُورِ الرِّجَالِ .\rوَهَذَا اخْتِيَارُ أَبِي الْخَطَّابِ ؛ لِيَكُونَ مَوْقِفُ الْإِمَامِ عِنْدَ صَدْرِ الرَّجُلِ وَوَسَطِ الْمَرْأَةِ .\rوَقَالَ سَعِيدٌ : حَدَّثَنِي خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ أَبِي مَالِكٍ الدِّمَشْقِيُّ .\rقَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، قَالَ : رَأَيْتُ وَاثِلَةَ بْنَ الْأَسْقَعِ يُصَلِّي عَلَى جَنَائِزِ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ إذَا اجْتَمَعَتْ ، فَيَصُفُّ الرِّجَالَ صَفًّا ، ثُمَّ يَصُفُّ النِّسَاءَ خَلْفَ الرِّجَالِ ، رَأْسُ أَوَّلِ امْرَأَةٍ يَضَعُهَا عِنْدَ رُكْبَةِ آخِرِ الرِّجَالِ ، ثُمَّ يَصُفُّهُنَّ ، ثُمَّ يَقُومُ وَسَطَ الرِّجَالِ ، وَإِذَا كَانُوا رِجَالًا كُلُّهُمْ صَفَّهُمْ ، ثُمَّ قَامَ وَسَطَهُمْ .\rوَهَذَا يُشْبِهُ مَذْهَبَ مَالِكٍ ، وَقَوْلَ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ .\rوَمَا ذَكَرْنَاهُ أَوْلَى ؛ لِأَنَّهُ مَدْلُولٌ عَلَيْهِ بِفِعْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا حُجَّةَ فِي قَوْلِ أَحَدٍ خَالَفَ فِعْلَهُ أَوْ قَوْلَهُ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":4,"page":491},{"id":1991,"text":"مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَلَا يُصَلَّى عَلَى الْقَبْرِ بَعْدَ شَهْرٍ ) .\rوَبِهَذَا قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ بَعْضُهُمْ : يُصَلَّى عَلَيْهِ أَبَدًا وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى عَلَى شُهَدَاءِ أُحُدٍ بَعْدَ ثَمَانِي سِنِينَ .\rحَدِيثٌ صَحِيحٌ ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَقَالَ بَعْضُهُمْ يُصَلَّى عَلَيْهِ مَا لَمْ يَبْلَ جَسَدُهُ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يُصَلِّي عَلَيْهِ الْوَلِيُّ إلَى ثَلَاثٍ ، وَلَا يُصَلِّي عَلَيْهِ غَيْرُهُ بِحَالٍ .\rوَقَالَ إِسْحَاقُ : يُصَلِّي عَلَيْهِ الْغَائِبُ إلَى شَهْرٍ ، وَالْحَاضِرُ إلَى ثَلَاثٍ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ { ، أَنَّ أُمَّ سَعْدٍ مَاتَتْ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَائِبٌ ، فَلَمَّا قَدِمَ صَلَّى عَلَيْهَا ، وَقَدْ مَضَى لِذَلِكَ شَهْرٌ .\r} أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ .\rوَقَالَ أَحْمَدُ : أَكْثَرُ مَا سَمِعْنَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى عَلَى قَبْرِ أُمِّ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ بَعْدَ شَهْرٍ .\rوَلِأَنَّهَا مُدَّةٌ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ بَقَاءُ الْمَيِّتِ فِيهَا ، فَجَازَتْ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ فِيهَا ، كَمَا قَبْلَ الثَّلَاثِ ، وَكَالْغَائِبِ ، وَتَجْوِيزُ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ مُطْلَقًا بَاطِلٌ بِقَبْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّهُ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ الْآنَ اتِّفَاقًا ، وَكَذَلِكَ التَّحْدِيدُ بِبِلَى الْمَيِّتِ ، فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَبْلَى ، وَلَا يُصَلَّى عَلَى قَبْرِهِ .\rفَإِنْ قِيلَ : فَالْخَبَرُ دَلَّ عَلَى الْجَوَازِ بَعْدَ شَهْرٍ ، فَكَيْفَ مَنَعْتُمُوهُ ؟ قُلْنَا : تَحْدِيدُهُ بِالشَّهْرِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ صَلَاةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَتْ عِنْدَ رَأْسِهِ ، لِيَكُونَ مُقَارِبًا لِلْحَدِّ ، وَتَجُوزُ الصَّلَاةُ بَعْدَ الشَّهْرِ قَرِيبًا مِنْهُ ؛ لِدَلَالَةِ الْخَبَرِ عَلَيْهِ ، وَلَا يَجُوزُ بَعْدَ ذَلِكَ لِعَدَمِ وُرُودِهِ .","part":4,"page":492},{"id":1992,"text":"( 1614 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَإِذَا تَشَاحَّ الْوَرَثَةُ فِي الْكَفَنِ ، جُعِلَ بِثَلَاثِينَ دِرْهَمًا ، فَإِنْ كَانَ مُوسِرًا فَبِخَمْسِينَ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ تَحْسِينُ كَفَنِ الْمَيِّتِ ، بِدَلِيلِ مَا رَوَى مُسْلِمٌ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَكَرَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِهِ قُبِضَ ، فَكُفِّنَ فِي كَفَنٍ غَيْرِ طَائِلٍ ، فَقَالَ : { إذَا كَفَّنَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ ، فَلْيُحْسِنْ كَفَنَهُ } .\rوَيُسْتَحَبُّ تَكْفِينُهُ فِي الْبَيَاضِ ؛ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الْبَسُوا مِنْ ثِيَابِكُمْ الْبَيَاضَ ؛ فَإِنَّهُ أَطْهَرُ وَأَطْيَبُ ، وَكَفِّنُوا فِيهَا مَوْتَاكُمْ } .\rرَوَاهُ النَّسَائِيّ .\rوَكُفِّنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ سَحُولِيَّةٍ .\rوَإِنْ تَشَاحَّ الْوَرَثَةُ فِي الْكَفَنِ ، جُعِلَ كَفَنُهُ بِحَسَبِ حَالِهِ ، إنْ كَانَ مُوسِرًا كَانَ كَفَنُهُ رَفِيعًا حَسَنًا ، وَيُجْعَلُ عَلَى حَسَبِ مَا كَانَ يَلْبَسُ فِي حَالِ الْحَيَاةِ ، وَإِنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ فَعَلَى حَسَبِ حَالِهِ .\rوَقَوْلُ الْخِرَقِيِّ : \" جُعِلَ بِثَلَاثِينَ دِرْهَمًا ، وَإِنْ كَانَ مُوسِرًا فَبِخَمْسِينَ \" لَيْسَ هُوَ عَلَى سَبِيلِ التَّحْدِيدِ ، إذْ لَمْ يَرِدْ فِيهِ نَصٌّ ، وَلَا فِيهِ إجْمَاعٌ ، وَالتَّحْدِيدُ إنَّمَا يَكُونُ بِأَحَدِهِمَا ، وَإِنَّمَا هُوَ تَقْرِيبٌ ، فَلَعَلَّهُ كَانَ يَحْصُلُ الْجَيِّدُ وَالْمُتَوَسِّطُ فِي وَقْتِهِ بِالْقَدْرِ الَّذِي ذَكَرَهُ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ، أَنَّهُ أَوْصَى أَنْ يُكَفَّنَ بِنَحْوٍ مِنْ ثَلَاثِينَ دِرْهَمًا .\rوَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يُكَفَّنَ فِي جَدِيدٍ ، إلَّا أَنْ يُوصِيَ الْمَيِّتُ بِغَيْرِ ذَلِكَ ، فَتُمْتَثَلُ وَصِيَّتُهُ .\rكَمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : كَفِّنُونِي فِي ثَوْبَيَّ هَذَيْنِ ، فَإِنَّ الْحَيَّ أَحْوَجُ إلَى الْجَدِيدِ مِنْ الْمَيِّتِ ، وَإِنَّمَا هُمَا لِلْمَهْنَةِ وَالتُّرَابِ .\rوَذَهَبَ ابْنُ عَقِيلٍ إلَى أَنَّ التَّكْفِينَ فِي الْخَلِيعِ أَوْلَى لِهَذَا الْخَبَرِ ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى لِدَلَالَةِ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى","part":4,"page":493},{"id":1993,"text":"اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِعْلِ أَصْحَابِهِ عَلَيْهِ .","part":4,"page":494},{"id":1994,"text":"( 1615 ) فَصْلٌ : وَيَجِبُ كَفَنُ الْمَيِّتِ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِهِ ، وَلِأَنَّ سُتْرَتَهُ وَاجِبَةٌ فِي الْحَيَاةِ ، فَكَذَلِكَ بَعْدَ الْمَوْتِ وَيَكُونُ ذَلِكَ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ مُقَدَّمًا عَلَى الدَّيْنِ وَالْوَصِيَّةِ وَالْمِيرَاثِ ؛ لِأَنَّ حَمْزَةَ ، وَمُصْعَبَ بْنَ عُمَيْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَا لَمْ يُوجَدْ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إلَّا ثَوْبٌ ، فَكُفِّنَ فِيهِ ، وَلِأَنَّ لِبَاسَ الْمُفْلِسِ مُقَدَّمٌ عَلَى قَضَاءِ دَيْنِهِ ، فَكَذَلِكَ كَفَنُ الْمَيِّتِ .\rوَلَا يَنْتَقِلُ إلَى الْوَارِثِ مِنْ مَالِ الْمَيِّتِ إلَّا مَا فَضَلَ عَنْ حَاجَتِهِ الْأَصْلِيَّةِ ، وَكَذَلِكَ مَئُونَةُ دَفْنِهِ وَتَجْهِيزِهِ ، وَمَا لَا بُدَّ لِلْمَيِّتِ مِنْهُ ، فَأَمَّا الْحَنُوطُ وَالطِّيبُ ، فَلَيْسَ بِوَاجِبٍ .\rذَكَرَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ حَامِدٍ وَلِأَنَّهُ لَا يَجِبُ فِي الْحَيَاةِ ، فَكَذَلِكَ بَعْدَ الْمَوْتِ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : يَحْتَمِلُ أَنَّهُ وَاجِبٌ ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا جَرَتْ الْعَادَةُ بِهِ وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ ؛ فَإِنَّ الْعَادَةَ جَرَتْ بِتَحْسِينِ الْكَفَنِ ، وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ .","part":4,"page":495},{"id":1995,"text":"( 1616 ) فَصْلٌ : وَكَفَنُ الْمَرْأَةِ وَمَئُونَةُ دَفْنِهَا مِنْ مَالِهَا إنْ كَانَ لَهَا مَالٌ .\rوَهَذَا قَوْلُ الشَّعْبِيِّ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَبَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ بَعْضُهُمْ : يَجِبُ عَلَى الزَّوْجِ .\rوَاخْتَلَفُوا عَنْ مَالِكٍ فِيهِ .\rوَاحْتَجُّوا بِأَنَّ كُسْوَتَهَا وَنَفَقَتَهَا وَاجِبَةٌ عَلَيْهِ فَوَجَبَ عَلَيْهِ كَفَنُهَا ، كَسَيِّدِ الْعَبْدِ وَالْوَالِدِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ النَّفَقَةَ وَالْكُسْوَةَ تَجِبُ فِي النِّكَاحِ لِلتَّمَكُّنِ مِنْ الِاسْتِمْتَاعِ ، وَلِهَذَا تَسْقُطُ بِالنُّشُوزِ وَالْبَيْنُونَةِ ، وَقَدْ انْقَطَعَ ذَلِكَ بِالْمَوْتِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ انْقَطَعَ بِالْفُرْقَةِ فِي الْحَيَاةِ ، وَلِأَنَّهَا بَانَتْ مِنْهُ بِالْمَوْتِ فَأَشْبَهَتْ الْأَجْنَبِيَّةَ ، وَفَارَقَتْ الْمَمْلُوكَ ، فَإِنَّ نَفَقَتَهُ تَجِبُ بِحَقِّ الْمِلْكِ لَا بِالِانْتِفَاعِ وَلِهَذَا تَجِبُ نَفَقَةُ الْآبِقِ وَفِطْرَتُهُ ، وَالْوَلَدُ تَجِبُ نَفَقَتُهُ بِالْقَرَابَةِ ، وَلَا يَبْطُلُ ذَلِكَ بِالْمَوْتِ ؛ بِدَلِيلِ أَنَّ السَّيِّدَ وَالْوَالِدَ أَحَقُّ بِدَفْنِهِ وَتَوَلِّيهِ .\rإذَا تَقَرَّرَ هَذَا فَإِنَّهُ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا مَالٌ ، فَعَلَى مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهَا مِنْ الْأَقَارِبِ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَفِي بَيْتِ الْمَالِ ، كَمَنْ لَا زَوْجَ لَهَا .","part":4,"page":496},{"id":1996,"text":"( 1617 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : وَالسِّقْطُ إذَا وُلِدَ لِأَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ ، غُسِّلَ ، وَصُلِّيَ عَلَيْهِ .\rالسِّقْطُ : الْوَلَدُ تَضَعُهُ الْمَرْأَةُ مَيِّتًا ، أَوْ لِغَيْرِ تَمَامٍ ، فَأَمَّا إنْ خَرَجَ حَيًّا وَاسْتَهَلَّ ، فَإِنَّهُ يُغَسَّلُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ ، بِغَيْرِ خِلَافٍ .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الطِّفْلَ إذَا عُرِفَتْ حَيَاتُهُ وَاسْتَهَلَّ صُلِّيَ عَلَيْهِ .\rوَإِنْ لَمْ يَسْتَهِلَّ ، فَقَالَ أَحْمَدُ : إذَا أَتَى لَهُ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ غُسِّلَ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ .\rوَهَذَا قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، وَابْنِ سِيرِينَ ، وَإِسْحَاقَ ، وَصَلَّى ابْنُ عُمَرَ عَلَى ابْنٍ لِابْنَتِهِ وُلِدَ مَيِّتًا .\rوَقَالَ الْحَسَنُ ، وَإِبْرَاهِيمُ ، وَالْحَكَمُ وَحَمَّادٌ ، وَمَالِكٌ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ : لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ حَتَّى يَسْتَهِلَّ .\rوَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ كَالْمَذْهَبَيْنِ ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ { : الطِّفْلُ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ ، وَلَا يَرِثُ ، وَلَا يُورَثُ ، حَتَّى يَسْتَهِلَّ } رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَلِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ لَهُ حُكْمُ الْحَيَاةِ وَلَا يَرِثُ وَلَا يُورَثُ ، فَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ ، كَمَنْ دُونَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى الْمُغِيرَةُ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { : وَالسِّقْطُ يُصَلَّى عَلَيْهِ } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَفِي لَفْظِ رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ : ( وَالطِّفْلُ يُصَلَّى عَلَيْهِ ) وَقَالَ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ، وَذَكَرَهُ أَحْمَدُ وَاحْتَجَّ بِهِ ، وَبِحَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : مَا أَحَدٌ أَحَقَّ أَنْ يُصَلَّى عَلَيْهِ مِنْ الطِّفْلِ ، وَلِأَنَّهُ نَسَمَةٌ نُفِخَ فِيهِ الرُّوحُ فَيُصَلَّى عَلَيْهِ كَالْمُسْتَهِلِّ ، فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْبَرَ فِي حَدِيثِهِ الصَّادِقِ الْمَصْدُوقِ ، أَنَّهُ يُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ لِأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ .\rوَحَدِيثُهُمْ ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ : قَدْ اضْطَرَبَ النَّاسُ فِيهِ ، فَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ","part":4,"page":497},{"id":1997,"text":"مَوْقُوفًا .\rقَالَ التِّرْمِذِيُّ : كَأَنَّ هَذَا أَصَحُّ مِنْ الْمَرْفُوعِ .\rوَأَمَّا الْإِرْثُ فَلِأَنَّهُ لَا تُعْلَمُ حَيَاتُهُ حَالَ مَوْتِ مُوَرِّثِهِ ، وَذَلِكَ مِنْ شَرْطِ الْإِرْثِ .\rوَالصَّلَاةُ مِنْ شَرْطِهَا أَنْ تُصَادِفَ مَنْ كَانَتْ فِيهِ حَيَاةٌ ، وَقَدْ عُلِمَ ذَلِكَ بِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْحَدِيثِ ، وَلِأَنَّ الصَّلَاةَ عَلَيْهِ دُعَاءٌ لَهُ وَلِوَالِدَيْهِ ، وَخَيْرٌ ، فَلَا يُحْتَاجُ فِيهَا إلَى الِاحْتِيَاطِ وَالْيَقِينِ ؛ لِوُجُودِ الْحَيَاةِ ، بِخِلَافِ الْمِيرَاثِ .\rفَأَمَّا مَنْ لَمْ يَأْتِ لَهُ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ ، فَإِنَّهُ لَا يُغَسَّلُ ، وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ ، وَيُلَفُّ فِي خِرْقَةٍ ، وَيُدْفَنُ .\rوَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا ، إلَّا عَنْ ابْنِ سِيرِينَ ، فَإِنَّهُ قَالَ : يُصَلَّى عَلَيْهِ إذَا عُلِمَ أَنَّهُ نُفِخَ فِيهِ الرُّوحُ وَحَدِيثُ الصَّادِقِ الْمَصْدُوقِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ إلَّا بَعْدَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ ، وَقَبْلَ ذَلِكَ فَلَا يَكُونُ نَسَمَةً ، فَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ ، كَالْجَمَادَاتِ وَالدَّمِ .","part":4,"page":498},{"id":1998,"text":"( 1618 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( فَإِنْ لَمْ يَتَبَيَّنْ ، أَذَكَرٌ هُوَ أَمْ أُنْثَى ، سُمِّيَ اسْمًا يَصْلُحُ لِلذَّكَرِ وَالْأُنْثَى ) هَذَا عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِحْبَابِ ؛ لِأَنَّهُ يُرْوَى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ { سَمُّوا أَسْقَاطَكُمْ ، فَإِنَّهُمْ أَسْلَافُكُمْ } رَوَاهُ ابْنُ السَّمَّاكِ بِإِسْنَادِهِ قِيلَ : إنَّهُمْ إنَّمَا يُسَمَّوْنَ لِيُدْعَوْا يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِأَسْمَائِهِمْ .\rفَإِذَا لَمْ يُعْلَمْ هَلْ السِّقْطُ ذَكَرٌ أَوْ أُنْثَى ، سُمِّيَ اسْمًا يَصْلُحُ لَهُمَا جَمِيعًا ؛ كَسَلَمَةَ ، وَقَتَادَةَ ، وَسَعَادَةَ ، وَهِنْدٍ ، وَعُتْبَةَ ، وَهِبَةِ اللَّهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ .","part":4,"page":499},{"id":1999,"text":"( 1619 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : وَتُغَسِّلُ الْمَرْأَةُ زَوْجَهَا قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ تُغَسِّلُ زَوْجَهَا إذَا مَاتَ .\rقَالَتْ عَائِشَةُ : لَوْ اسْتَقْبَلْنَا مِنْ أَمْرِنَا مَا اسْتَدْبَرْنَا مَا غَسَّلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَّا نِسَاؤُهُ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَأَوْصَى أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنْ تُغَسِّلَهُ امْرَأَتُهُ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ ، وَكَانَتْ صَائِمَةً ، فَعُزِمَ عَلَيْهَا أَنْ تُفْطِرَ ، فَلَمَّا فَرَغَتْ مِنْ غُسْلِهِ ذَكَرَتْ يَمِينَهُ ، فَقَالَتْ : لَا أُتْبِعُهُ الْيَوْمَ حِنْثًا .\rفَدَعَتْ بِمَاءٍ فَشَرِبَتْ .\rوَغَسَّلَ أَبَا مُوسَى امْرَأَتُهُ أُمُّ عَبْدِ اللَّهِ ، وَأَوْصَى جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ أَنْ تُغَسِّلَهُ امْرَأَتُهُ .\rقَالَ أَحْمَدُ لَيْسَ فِيهِ اخْتِلَافٌ بَيْنَ النَّاسِ .","part":4,"page":500},{"id":2000,"text":"( 1620 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : وَإِنْ دَعَتْ الضَّرُورَةُ إلَى أَنْ يُغَسِّلَ الرَّجُلُ زَوْجَتَهُ ، فَلَا بَأْسَ .\rالْمَشْهُورُ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّ لِلزَّوْجِ غُسْلَ امْرَأَتِهِ .\rوَهُوَ قَوْلُ عَلْقَمَةَ ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ الْأَسْوَدِ ، وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ ، وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ ، وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَقَتَادَةَ ، وَحَمَّادٍ ، وَمَالِكٍ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَإِسْحَاقَ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ ثَانِيَةٌ ، لَيْسَ لِلزَّوْجِ غَسْلُهَا .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَالثَّوْرِيِّ ؛ لِأَنَّ الْمَوْتَ فُرْقَةٌ تُبِيحُ أُخْتَهَا ، وَأَرْبَعًا سِوَاهَا ، فَحَرَّمَتْ النَّظَرَ وَاللَّمْسَ ، كَالطَّلَاقِ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى ابْنُ الْمُنْذِرِ أَنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ غَسَّلَ فَاطِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا وَاشْتُهِرَ ذَلِكَ فِي الصَّحَابَةِ فَلَمْ يُنْكِرُوهُ ، فَكَانَ إجْمَاعًا وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِعَائِشَةَ : رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا { لَوْ مِتَّ قَبْلِي لَغَسَّلْتُكِ وَكَفَّنْتُكِ } رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ .\rوَالْأَصْلُ فِي إضَافَةِ الْفِعْلِ إلَى الشَّخْصِ أَنْ يَكُونَ لِلْمُبَاشَرَةِ ، وَحَمْلُهُ عَلَى الْأَمْرِ يُبْطِلُ فَائِدَةَ التَّخْصِيصِ .\rوَلِأَنَّهُ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ ، فَأُبِيحَ لَهُ غَسْلُ صَاحِبِهِ كَالْآخَرِ ، وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الزَّوْجَيْنِ يَسْهُلُ عَلَيْهِ إطْلَاعُ الْآخَرِ عَلَى عَوْرَتِهِ دُونَ غَيْرِهِ ، لِمَا كَانَ بَيْنَهُمَا فِي الْحَيَاةِ ، وَيَأْتِي بِالْغُسْلِ عَلَى أَكْمَلِ مَا يُمْكِنُهُ ، لِمَا بَيْنَهُمَا مِنْ الْمَوَدَّةِ وَالرَّحْمَةِ .\rوَمَا قَاسُوا عَلَيْهِ لَا يَصِحُّ ، لِأَنَّهُ يَمْنَعُ الزَّوْجَةَ مِنْ النَّظَرِ ، وَهَذَا بِخِلَافِهِ ، وَلِأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ إلَّا بَقَاءُ الْعِدَّةِ ، وَلَا أَثَرَ لَهَا ، بِدَلِيلِ ، مَا لَوْ مَاتَ الْمُطَلِّقُ ثَلَاثًا ، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهَا غَسْلُهُ مَعَ الْعِدَّةِ وَلِأَنَّ الْمَرْأَةَ لَوْ وَضَعَتْ حَمْلَهَا عَقِبَ مَوْتِهِ كَانَ لَهَا غَسْلُهُ ، وَلَا عِدَّةَ عَلَيْهَا .\rوَقَوْلُ الْخِرَقِيِّ وَإِنْ دَعَتْ","part":5,"page":1},{"id":2001,"text":"الضَّرُورَةُ إلَى أَنْ يُغَسِّلَ الرَّجُلُ زَوْجَتَهُ فَلَا بَأْسَ \" يَعْنِي بِهِ ، أَنَّهُ يُكْرَهُ لَهُ غَسْلُهَا مَعَ وُجُودِ مَنْ يُغَسِّلُهَا سِوَاهُ ، لِمَا فِيهِ مِنْ الْخِلَافِ وَالشُّبْهَةِ ، وَلَمْ يَرِدْ أَنَّهُ مُحَرَّمٌ ؛ فَإِنَّ غَسْلَهَا لَوْ كَانَ مُحَرَّمًا لَمْ تُبِحْهُ الضَّرُورَةُ ، كَغَسْلِ ذَوَاتِ مَحَارِمِهِ وَالْأَجْنَبِيَّاتِ .","part":5,"page":2},{"id":2002,"text":"( 1621 ) فَصْلٌ : فَإِنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ، ثُمَّ مَاتَ أَحَدُهُمَا فِي الْعِدَّةِ ، وَكَانَ الطَّلَاقُ رَجْعِيًّا ، فَحُكْمُهُمَا حُكْمُ الزَّوْجَيْنِ قَبْلَ الطَّلَاقِ ؛ لِأَنَّهَا زَوْجَةٌ تَعْتَدُّ لِلْوَفَاةِ ، وَتَرِثُهُ وَيَرِثُهَا ، وَيُبَاحُ لَهُ وَطْؤُهَا .\rوَإِنْ كَانَ بَائِنًا لَمْ يَجُزْ لِأَنَّ اللَّمْسَ وَالنَّظَرَ مُحَرَّمٌ حَالَ الْحَيَاةِ ، فَبَعْدَ الْمَوْتِ أَوْلَى .\rوَإِنْ قُلْنَا : إنَّ الرَّجْعِيَّةَ مُحَرَّمَةٌ لَمْ يُبَحْ لِأَحَدِهِمَا غَسْلُ صَاحِبِهِ ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ .","part":5,"page":3},{"id":2003,"text":"( 1622 ) فَصْلٌ : وَحُكْمُ أُمِّ الْوَلَدِ حُكْمُ الْمَرْأَةِ فِيمَا ذَكَرْنَا وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ : يَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَجُوزَ لَهَا غَسْلُ سَيِّدِهَا ؛ لِأَنَّ عِتْقَهَا حَصَلَ بِالْمَوْتِ ، وَلَمْ يُبْقِ عُلْقَةً مِنْ مِيرَاثٍ وَلَا غَيْرِهِ .\rوَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ .\rوَلَنَا ، أَنَّهَا فِي مَعْنَى الزَّوْجَةِ فِي اللَّمْسِ وَالنَّظَرِ وَالِاسْتِمْتَاعِ ، فَكَذَلِكَ فِي الْغُسْلِ ، وَالْمِيرَاثُ لَيْسَ مِنْ الْمُقْتَضَى ، بِدَلِيلِ الزَّوْجَيْنِ إذَا كَانَ أَحَدُهُمَا رَقِيقًا ، وَالِاسْتِبْرَاءُ هَاهُنَا كَالْعِدَّةِ .\rوَلِأَنَّهَا إذَا مَاتَتْ يَلْزَمُهُ كَفَنُهَا وَدَفْنُهَا وَمُؤْنَتُهَا ، بِخِلَافِ الزَّوْجَةِ .\rفَأَمَّا غَيْرُ أُمِّ الْوَلَدِ مِنْ الْإِمَاءِ ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَجُوزَ لَهَا غَسْلُ سَيِّدِهَا ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ انْتَقَلَ فِيهَا إلَى غَيْرِهِ ، وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا مِنْ الِاسْتِمْتَاعِ مَا تَصِيرُ بِهِ فِي مَعْنَى الزَّوْجَاتِ .\rوَلَوْ مَاتَ قَبْلَ الدُّخُولِ بِامْرَأَتِهِ احْتَمَلَ أَنْ لَا يُبَاحَ لَهَا غَسْلُهُ لِذَلِكَ .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":5,"page":4},{"id":2004,"text":"( 1623 ) فَصْلٌ : وَإِنْ كَانَتْ الزَّوْجَةُ ذِمِّيَّةً ، فَلَيْسَ لَهَا غَسْلُ زَوْجِهَا ، لِأَنَّ الْكَافِرَ لَا يُغَسِّلُ الْمُسْلِمَ ، لِأَنَّ النِّيَّةَ وَاجِبَةٌ فِي الْغُسْلِ ، وَالْكَافِرُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا ، وَلَيْسَ لِزَوْجِهَا غَسْلُهَا ؛ لِأَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يُغَسِّلُ الْكَافِرَ ، وَلَا يَتَوَلَّى دَفْنَهُ ، وَلِأَنَّهُ لَا مِيرَاثَ بَيْنَهُمَا ، وَلَا مُوَالَاةَ ، وَقَدْ انْقَطَعَتْ الزَّوْجِيَّةُ بِالْمَوْتِ وَيَتَخَرَّجُ جَوَازُ ذَلِكَ بِنَاءً عَلَى جَوَازِ غَسْلِ الْمُسْلِمِ الْكَافِرَ .","part":5,"page":5},{"id":2005,"text":"( 1624 ) فَصْلٌ : وَلَيْسَ لِغَيْرِ مَنْ ذَكَرْنَا مِنْ الرِّجَالِ غَسْلُ أَحَدٍ مِنْ النِّسَاءِ ، وَلَا أَحَدٍ مِنْ النِّسَاءِ غَسْلُ غَيْرِ مَنْ ذَكَرْنَا مِنْ الرِّجَالِ وَإِنْ كُنَّ ذَوَاتِ رَحِمٍ مَحْرَمٍ .\rوَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَحُكِيَ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ أَنَّهُ غَسَّلَ ابْنَتَهُ .\rوَاسْتَعْظَمَ أَحْمَدُ هَذَا ، وَلَمْ يُعْجِبْهُ وَقَالَ : أَلَيْسَ قَدْ قِيلَ : اسْتَأْذِنْ عَلَى أُمِّكَ .\rوَذَلِكَ لِأَنَّهَا مُحَرَّمَةٌ حَالَ الْحَيَاةِ ، فَلَمْ يَجُزْ غَسْلُهَا كَالْأَجْنَبِيَّةِ ، وَأُخْتِهِ مِنْ الرَّضَاعِ .\rفَإِنْ دَعَتْ الضَّرُورَةُ إلَى ذَلِكَ بِأَنْ لَا يُوجَدَ مَنْ يُغَسِّلُ الْمَرْأَةَ مِنْ النِّسَاءِ ، فَقَالَ مُهَنَّا : سَأَلْتُ أَحْمَدَ عَنْ الرَّجُلِ يُغَسِّلُ أُخْتَهُ إذَا لَمْ يَجِدْ نِسَاءً قَالَ : لَا .\rقُلْتُ : فَكَيْفَ يَصْنَعُ ؟ قَالَ : يُغَسِّلُهَا وَعَلَيْهَا ثِيَابُهَا ، يَصُبُّ عَلَيْهَا الْمَاءَ صَبًّا .\rقُلْتُ لِأَحْمَدَ : وَكَذَلِكَ كُلُّ ذَاتِ مَحْرَمٍ تُغَسَّلُ وَعَلَيْهَا ثِيَابُهَا ؟ قَالَ : نَعَمْ .\rوَقَالَ الْحَسَنُ وَمُحَمَّدٌ وَمَالِكٌ : لَا بَأْسَ بِغَسْلِ ذَاتِ مَحْرَمٍ عِنْدَ الضَّرُورَةِ فَأَمَّا إنْ مَاتَ رَجُلٌ بَيْنَ نِسْوَةٍ أَجَانِبَ ، أَوْ امْرَأَةٌ بَيْنَ رِجَالٍ أَجَانِبَ ، أَوْ مَاتَ خُنْثَى مُشْكِلٌ ، فَإِنَّهُ يُيَمَّمُ .\rوَهَذَا قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، وَالنَّخَعِيِّ ، وَحَمَّادٍ ، وَمَالِكٍ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ وَابْنِ الْمُنْذِرِ .\rوَحَكَى أَبُو الْخَطَّابِ رِوَايَةً ثَانِيَةً ، أَنَّهُ يُغَسَّلُ مِنْ فَوْقِ الْقَمِيصِ ، يُصَبُّ عَلَيْهِ الْمَاءُ مِنْ فَوْقِ الْقَمِيصِ صَبًّا ، وَلَا يُمَسُّ .\rوَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ ، وَإِسْحَاقَ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى تَمَّامٌ الرَّازِيّ فِي \" فَوَائِدِهِ \" بِإِسْنَادِهِ عَنْ مَكْحُولٍ عَنْ وَاثِلَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : إذَا مَاتَتْ الْمَرْأَةُ مَعَ الرِّجَالِ ، لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُمْ مَحْرَمٌ ، تُيَمَّمُ كَمَا يُيَمَّمُ الرِّجَالُ } .\rوَلِأَنَّ الْغُسْلَ مِنْ غَيْرِ مَسٍّ لَا يَحْصُلُ بِهِ التَّنْظِيفُ ، وَلَا إزَالَةُ النَّجَاسَةِ ، بَلْ رُبَّمَا كَثُرَتْ وَلَا يَسْلَمُ مِنْ","part":5,"page":6},{"id":2006,"text":"النَّظَرِ ، فَكَانَ الْعُدُولُ إلَى التَّيَمُّمِ أَوْلَى ، كَمَا لَوْ عُدِمَ الْمَاءُ .","part":5,"page":7},{"id":2007,"text":"( 1625 ) فَصْلٌ : وَلِلنِّسَاءِ غَسْلُ الطِّفْلِ بِغَيْرِ خِلَافٍ .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ يُحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ، عَلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ تُغَسِّلُ الصَّبِيَّ الصَّغِيرَ .\rقَالَ أَحْمَدُ : لَهُنَّ غَسْلُ مَنْ لَهُ دُونَ سَبْعِ سِنِينَ .\rوَقَالَ الْحَسَنُ : إذَا كَانَ فَطِيمًا ، أَوْ فَوْقَهُ .\rوَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : ابْنُ أَرْبَعٍ أَوْ خَمْسٍ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ : الَّذِي لَمْ يَتَكَلَّمْ .\r- وَلَنَا ، أَنَّ مَنْ لَهُ دُونَ السَّبْعِ لَمْ نُؤْمَرْ بِأَمْرِهِ بِالصَّلَاةِ ، وَلَا عَوْرَةَ لَهُ ، فَأَشْبَهَ مَا سَلَّمُوهُ ، فَأَمَّا مَنْ بَلَغَ السَّبْعَ وَلَمْ يَبْلُغْ عَشْرًا ، فَحَكَى أَبُو الْخَطَّابِ فِيهِ رِوَايَتَيْنِ .\rوَالصَّحِيحُ أَنَّ مَنْ بَلَغَ عَشْرًا لَيْسَ لِلنِّسَاءِ غَسْلُهُ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ } .\rوَأَمَرَ بِضَرْبِهِمْ لِلصَّلَاةِ لِعَشْرٍ .\rوَمَنْ دُونَ الْعَشْرِ يَحْتَمِلُ أَنْ يَلْحَقَ بِمَنْ دُونَ السَّبْعِ ، لِأَنَّهُ فِي مَعْنَاهُ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَلْحَقَ بِهِ ، لِأَنَّهُ يُفَارِقُهُ فِي أَمْرِهِ بِالصَّلَاةِ ، وَقُرْبِهِ مِنْ الْمُرَاهَقَةِ .\rفَأَمَّا الْجَارِيَةُ الصَّغِيرَةُ ، فَلَمْ يَرَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ أَنْ يُغَسِّلَهَا الرَّجُلُ ، وَقَالَ : النِّسَاءُ أَعْجَبُ إلَيَّ .\rوَذُكِرَ لَهُ أَنَّ الثَّوْرِيَّ يَقُولُ : تُغَسِّلُ الْمَرْأَةُ الصَّبِيَّ ، وَالرَّجُلُ الصَّبِيَّةَ .\rقَالَ : لَا بَأْسَ أَنْ تُغَسِّلَ الْمَرْأَةُ الصَّبِيَّ ، وَأَمَّا الرَّجُلُ يُغَسِّلُ الصَّبِيَّةَ فَلَا أَجْتَرِئُ عَلَيْهِ ، إلَّا أَنْ يُغَسِّلَ الرَّجُلُ ابْنَتَهُ الصَّغِيرَةَ ، فَإِنَّهُ يُرْوَى عَنْ أَبِي قِلَابَةَ أَنَّهُ غَسَّلَ بِنْتًا لَهُ صَغِيرَةً .\rوَالْحَسَنُ قَالَ : لَا بَأْسَ أَنْ يُغَسِّلَ الرَّجُلُ ابْنَتَهُ ، إذَا كَانَتْ صَغِيرَةً .\rوَكَرِهَ غَسْلَ الرَّجُلِ الصَّغِيرَةَ سَعِيدٌ وَالزُّهْرِيُّ .\rقَالَ الْخَلَّالُ : الْقِيَاسُ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الْغُلَامِ وَالْجَارِيَةِ ، لَوْلَا أَنَّ التَّابِعِينَ فَرَّقُوا بَيْنَهُمَا ، فَكَرِهَهُ أَحْمَدُ لِذَلِكَ .\rوَسَوَّى أَبُو الْخَطَّابِ بَيْنَهُمَا ،","part":5,"page":8},{"id":2008,"text":"فَجَعَلَ فِيهِمَا رِوَايَتَيْنِ ، جَرْيًا عَلَى مُوجِبِ الْقِيَاسِ .\rوَالصَّحِيحُ مَا عَلَيْهِ السَّلَفُ ، مِنْ أَنَّ الرَّجُلَ لَا يُغَسِّلُ الْجَارِيَةَ ، وَالتَّفْرِقَةُ بَيْنَ عَوْرَةِ الْغُلَامِ وَالْجَارِيَةِ ؛ لِأَنَّ عَوْرَةَ الْجَارِيَةِ أَفْحَشُ ، وَلِأَنَّ الْعَادَةَ مُعَانَاةُ الْمَرْأَةِ لِلْغُلَامِ الصَّغِيرِ ، وَمُبَاشَرَةُ عَوْرَتِهِ فِي حَالِ تَرْبِيَتِهِ ، وَلَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِمُبَاشَرَةِ الرَّجُلِ عَوْرَةَ الْجَارِيَةِ فِي الْحَيَاةِ ، فَكَذَلِكَ حَالَةَ الْمَوْتِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .\rفَأَمَّا الصَّبِيُّ إذَا غَسَّلَ الْمَيِّتَ ، فَإِنْ كَانَ عَاقِلًا صَحَّ غَسْلُهُ صَغِيرًا كَانَ أَوْ كَبِيرًا ؛ لِأَنَّهُ يَصِحُّ طَهَارَتُهُ ، فَصَحَّ أَنْ يُطَهِّرَ غَيْرَهُ ، كَالْكَبِيرِ فَصْلٌ : وَيَصِحُّ أَنْ يُغَسِّلَ الْمُحْرِمُ الْحَلَالَ ، وَالْحَلَالُ الْمُحْرِمَ ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا تَصِحُّ طَهَارَتُهُ وَغَسْلُهُ ، فَكَانَ لَهُ أَنْ يُغَسِّلَ غَيْرَهُ .","part":5,"page":9},{"id":2009,"text":"( 1627 ) فَصْلٌ : وَلَا يَصِحُّ غُسْلُ الْكَافِرِ لِلْمُسْلِمِ ؛ لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ ، وَلَيْسَ الْكَافِرُ مِنْ أَهْلِهَا .\rوَقَالَ مَكْحُولٌ فِي امْرَأَةٍ تُوُفِّيَتْ فِي سَفَرٍ ، وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ وَنِسَاءٌ نَصَارَى : يُغَسِّلُهَا النِّسَاءُ .\rوَقَالَ سُفْيَانُ فِي رَجُلٍ مَاتَ مَعَ نِسَاءٍ ، لَيْسَ مَعَهُنَّ رَجُلٌ ، قَالَ : إنْ وَجَدُوا نَصْرَانِيًّا أَوْ مَجُوسِيًّا ، فَلَا بَأْسَ إذَا تَوَضَّأَ أَنْ يُغَسِّلَهُ ، وَيُصَلِّيَ عَلَيْهِ النِّسَاءُ .\rوَغَسَّلَتْ امْرَأَةَ عَلْقَمَةَ امْرَأَةٌ نَصْرَانِيَّةٌ .\rوَلَمْ يُعْجِبْ هَذَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ .\rوَقَالَ : لَا يُغَسِّلُهُ إلَّا مُسْلِمٌ ، وَيُيَمَّمُ ؛ لِأَنَّ الْكَافِرَ نَجِسٌ ، فَلَا يُطَهِّرُ غُسْلُهُ الْمُسْلِمَ .\rوَلِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْعِبَادَةِ فَلَا يَصِحُّ غُسْلُهُ لِلْمُسْلِمِ ، كَالْمَجْنُونِ .\rوَإِنْ مَاتَ كَافِرٌ مَعَ مُسْلِمِينَ ، لَمْ يُغَسِّلُوهُ ، سَوَاءٌ كَانَ قَرِيبًا لَهُمْ أَوْ لَمْ يَكُنْ ، وَلَا يَتَوَلَّوْا دَفْنَهُ ، إلَّا أَنْ لَا يَجِدُوا مَنْ يُوَارِيهِ .\rوَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ .\rوَقَالَ أَبُو حَفْصٍ الْعُكْبَرِيُّ : يَجُوزُ لَهُ غُسْلُ قَرِيبِهِ الْكَافِرِ ، وَدَفْنُهُ .\rوَحَكَاهُ قَوْلًا لِأَحْمَدَ ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ لِمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : { قُلْت لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إنَّ عَمَّك الشَّيْخَ الضَّالَّ قَدْ مَاتَ .\rفَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اذْهَبْ فَوَارِهِ } .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ لَا يُصَلِّي عَلَيْهِ ، وَلَا يَدْعُو لَهُ ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ غُسْلُهُ ، وَتَوَلِّي أَمْرِهِ ، كَالْأَجْنَبِيِّ ، وَالْحَدِيثُ إنْ صَحَّ يَدُلُّ عَلَى مُوَارَاتِهِ لَهُ ، وَذَلِكَ إذَا خَافَ مِنْ التَّعْيِيرِ بِهِ ، وَالضَّرَرِ بِبَقَائِهِ .\rقَالَ أَحْمَدُ ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، فِي يَهُودِيٍّ أَوْ نَصْرَانِيٍّ مَاتَ ، وَلَهُ وَلَدٌ مُسْلِمٌ : فَلْيَرْكَبْ دَابَّةً ، وَلْيَسِرْ أَمَامَ الْجِنَازَةِ ، وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَدْفِنَ رَجَعَ ، مِثْلُ قَوْلِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .","part":5,"page":10},{"id":2010,"text":"( 1628 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَالشَّهِيدُ إذَا مَاتَ فِي مَوْضِعِهِ ، لَمْ يُغَسَّلْ ، وَلَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ ) يَعْنِي إذَا مَاتَ فِي الْمُعْتَرَكِ ، فَإِنَّهُ لَا يُغَسَّلُ ، رِوَايَةً وَاحِدَةً ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا ، إلَّا عَنْ الْحَسَنِ ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، قَالَا : يُغَسَّلُ الشَّهِيدُ ، مَا مَاتَ مَيِّتٌ إلَّا جُنُبًا .\rوَالِاقْتِدَاءُ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ فِي تَرْكِ غُسْلِهِمْ أَوْلَى .\rفَأَمَّا الصَّلَاةُ عَلَيْهِ ، فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ .\rوَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَإِسْحَاقَ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ ، رِوَايَةٌ أُخْرَى ، أَنَّهُ يُصَلَّى عَلَيْهِ .\rاخْتَارَهَا الْخَلَّالُ .\rوَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ .\rإلَّا أَنَّ كَلَامَ أَحْمَدَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ يُشِيرُ إلَى أَنَّ الصَّلَاةَ عَلَيْهِ مُسْتَحَبَّةٌ ، غَيْرُ وَاجِبَةٍ .\rقَالَ فِي مَوْضِعٍ : إنْ صُلِّيَ عَلَيْهِ فَلَا بَأْسَ بِهِ .\rوَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ ، قَالَ : يُصَلَّى ، وَأَهْلُ الْحِجَازِ لَا يُصَلُّونَ عَلَيْهِ ، وَمَا تَضُرُّهُ الصَّلَاةُ ، لَا بَأْسَ بِهِ .\rوَصَرَّحَ بِذَلِكَ فِي رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيِّ ، فَقَالَ : الصَّلَاةُ عَلَيْهِ أَجْوَدُ ، وَإِنْ لَمْ يُصَلُّوا عَلَيْهِ أَجْزَأَ .\rفَكَأَنَّ الرِّوَايَتَيْنِ فِي اسْتِحْبَابِ الصَّلَاةِ ، لَا فِي وُجُوبِهَا ، إحْدَاهُمَا يُسْتَحَبُّ ؛ لِمَا رَوَى عُقْبَةُ ، أَنَّ { النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ يَوْمًا ، فَصَلَّى عَلَى أَهْلِ أُحُدٍ صَلَاتَهُ عَلَى الْمَيِّتِ ، ثُمَّ انْصَرَفَ إلَى الْمِنْبَرِ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى عَلَى قَتْلَى أُحُدٍ } .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى جَابِرٌ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِدَفْنِ شُهَدَاءِ أُحُدٍ فِي دِمَائِهِمْ ، وَلَمْ يُغَسِّلْهُمْ ، وَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِمْ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَلِأَنَّهُ لَا يُغَسَّلُ مَعَ إمْكَانِ غُسْلِهِ ، فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ ، كَسَائِرِ مَنْ لَمْ يُغَسَّلْ ، وَحَدِيثُ عُقْبَةَ","part":5,"page":11},{"id":2011,"text":"مَخْصُوصٌ بِشُهَدَاءِ أُحُدٍ ، فَإِنَّهُ صَلَّى عَلَيْهِمْ فِي الْقُبُورِ بَعْدَ ثَمَانِي سِنِينَ ، وَهُمْ لَا يُصَلُّونَ عَلَى الْقَبْرِ أَصْلًا ، وَنَحْنُ لَا نُصَلِّي عَلَيْهِ بَعْدَ شَهْرٍ .\rوَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ يَرْوِيهِ الْحَسَنُ بْنُ عُمَارَةَ ، وَهُوَ ضَعِيفٌ ، وَقَدْ أَنْكَرَ عَلَيْهِ شُعْبَةُ رِوَايَةَ هَذَا الْحَدِيثِ .\rوَقَالَ : إنَّ جَرِيرَ بْنَ حَازِمٍ يُكَلِّمُنِي فِي أَنْ لَا أَتَكَلَّمْ فِي الْحَسَنِ بْنِ عُمَارَةَ ، وَكَيْفَ لَا أَتَكَلَّمُ فِيهِ وَهُوَ يَرْوِي هَذَا الْحَدِيثَ ثُمَّ نَحْمِلُهُ عَلَى الدُّعَاءِ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا فَيَحْتَمِلُ أَنَّ تَرْكَ غُسْلِ الشَّهِيدِ لِمَا تَضَمَّنَهُ الْغُسْلُ مِنْ إزَالَةِ أَثَرِ الْعِبَادَةِ الْمُسْتَحْسَنَةِ شَرْعًا ، فَإِنَّهُ جَاءَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ، لَا يُكْلَمُ أَحَدٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِهِ ، إلَّا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَاللَّوْنُ لَوْنُ دَمٍ ، وَالرِّيحُ رِيحُ مِسْكٍ .\r} رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ .\rوَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَيْسَ شَيْءٌ أَحَبَّ إلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ قَطْرَتَيْنِ وَأَثَرَيْنِ : أَمَّا الْأَثَرَانِ ، فَأَثَرٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَأَثَرٌ فِي فَرِيضَةٍ مِنْ فَرَائِضِ اللَّهِ تَعَالَى .\r} رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَقَالَ : هُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ ، وَقَدْ جَاءَ ذِكْرُ هَذِهِ الْعِلَّةِ فِي الْحَدِيثِ ، فَإِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ ثَعْلَبَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { زَمِّلُوهُمْ بِدِمَائِهِمْ ، فَإِنَّهُ لَيْسَ كَلْمٌ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ إلَّا يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَدْمَى ، لَوْنُهُ لَوْنُ الدَّمِ ، وَرِيحُهُ رِيحُ الْمِسْكِ .\r} رَوَاهُ النَّسَائِيّ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنَّ الْغُسْلَ لَا يَجِبُ إلَّا مِنْ أَجْلِ الصَّلَاةِ ، إلَّا أَنَّ الْمَيِّتَ لَا فِعْلَ لَهُ ، فَأُمِرْنَا بِغُسْلِهِ لِنُصَلِّيَ عَلَيْهِ ، فَمَنْ لَمْ تَجِبْ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ لَمْ يَجِبْ غُسْلُهُ ، كَالْحَيِّ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنَّ الشُّهَدَاءَ فِي الْمَعْرَكَةِ يَكْثُرُونَ ، فَيَشُقُّ","part":5,"page":12},{"id":2012,"text":"غُسْلُهُمْ ، وَرُبَّمَا يَكُونُ فِيهِمْ الْجِرَاحُ فَيَتَضَرَّرُونَ ، فَعُفِيَ عَنْ غُسْلِهِمْ لِذَلِكَ .\rوَأَمَّا سُقُوطُ الصَّلَاةِ عَلَيْهِمْ ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ عِلَّتُهُ كَوْنَهُمْ أَحْيَاءً عِنْدَ رَبِّهِمْ ، وَالصَّلَاةُ إنَّمَا شُرِعَتْ فِي حَقِّ الْمَوْتَى .\rوَيَحْتَمِلُ أَنَّ ذَلِكَ لِغِنَاهُمْ عَنْ الشَّفَاعَةِ لَهُمْ ، فَإِنَّ الشَّهِيدَ يُشَفَّعُ فِي سَبْعِينَ مِنْ أَهْلِهِ ، فَلَا يَحْتَاجُ إلَى شَفِيعٍ ، وَالصَّلَاةُ إنَّمَا شُرِعَتْ لِلشَّفَاعَةِ .","part":5,"page":13},{"id":2013,"text":"( 1629 ) فَصْلٌ : فَإِنْ كَانَ الشَّهِيدُ جُنُبًا غُسِّلَ ، وَحُكْمُهُ فِي الصَّلَاةِ عَلَيْهِ حُكْمُ غَيْرِهِ مِنْ الشُّهَدَاءِ .\rوَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : لَا يُغَسَّلُ ؛ لِعُمُومِ الْخَبَرِ .\rوَعَنْ الشَّافِعِيِّ كَالْمَذْهَبَيْنِ .\rوَلَنَا ، مَا رُوِيَ { أَنَّ حَنْظَلَةَ بْنَ الرَّاهِبِ قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا شَأْنُ حَنْظَلَةَ ؟ فَإِنِّي رَأَيْت الْمَلَائِكَةَ تُغَسِّلُهُ .\rفَقَالُوا : إنَّهُ جَامَعَ ، ثُمَّ سَمِعَ الْهَيْعَةَ فَخَرَجَ إلَى الْقِتَالِ .\r} رَوَاهُ ابْنُ إِسْحَاقَ ، فِي \" الْمَغَازِي \" .\rوَلِأَنَّهُ غُسْلٌ وَاجِبٌ لِغَيْرِ الْمَوْتِ ، فَلَمْ يَسْقُطْ بِالْمَوْتِ كَغُسْلِ الْجَنَابَةِ .\rوَحَدِيثُهُمْ لَا عُمُومَ لَهُ ، فَإِنَّهُ قَضِيَّةٌ فِي عَيْنٍ وَرَدَ فِي شُهَدَاءِ أُحُدٍ ، وَحَدِيثُنَا خَاصٌّ فِي حَنْظَلَةَ ، وَهُوَ مِنْ شُهَدَاءِ أُحُدٍ ، فَيَجِبُ تَقْدِيمُهُ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَمَنْ وَجَبَ الْغُسْلُ عَلَيْهِ بِسَبَبٍ سَابِقٍ عَلَى الْمَوْتِ ، كَالْمَرْأَةِ تَطْهُرُ مِنْ حَيْضٍ أَوْ نِفَاسٍ ، ثُمَّ تُقْتَلُ ، فَهِيَ كَالْجُنُبِ ؛ لِلْعِلَّةِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا .\rوَلَوْ قُتِلَتْ فِي حَيْضِهَا أَوْ نِفَاسِهَا ، لَمْ يَجِبْ الْغُسْلُ ؛ لِأَنَّ الطُّهْرَ مِنْ الْحَيْضِ شَرْطٌ فِي الْغُسْلِ ، أَوْ فِي السَّبَبِ الْمُوجِبِ ، فَلَا يَثْبُتُ الْحُكْمُ بِدُونِهِ .\rفَأَمَّا إنْ أَسْلَمَ ، ثُمَّ اُسْتُشْهِدَ ، فَلَا غُسْلَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ أَنَّ أُصَيْرِمَ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ أَسْلَمَ يَوْمَ أُحُدٍ ، ثُمَّ قُتِلَ ، فَلَمْ يُؤْمَرْ بِغُسْلِهِ .","part":5,"page":14},{"id":2014,"text":"( 1630 ) فَصْلٌ : وَالْبَالِغُ وَغَيْرُهُ سَوَاءٌ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَثْبُتُ حُكْمُ الشَّهَادَةِ لِغَيْرِ الْبَالِغِ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْقِتَالِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ مُسْلِمٌ قُتِلَ فِي مُعْتَرَكِ الْمُشْرِكِينَ بِقِتَالِهِمْ ، أَشْبَهَ الْبَالِغَ ، وَلِأَنَّهُ أَشْبَهَ الْبَالِغَ فِي الصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَالْغُسْلِ إذَا لَمْ يَقْتُلْهُ الْمُشْرِكُونَ ، فَيُشْبِهُهُ فِي سُقُوطِ ذَلِكَ عَنْهُ بِالشَّهَادَةِ ، وَقَدْ كَانَ فِي شُهَدَاءِ أُحُدٍ حَارِثَةُ بْنُ النُّعْمَانِ ، وَعُمَيْرُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ أَخُو سَعْدٍ ، وَهُمَا صَغِيرَانِ ، وَالْحَدِيثُ عَامٌّ فِي الْكُلِّ .\rوَمَا ذَكَرَهُ يَبْطُلُ بِالنِّسَاءِ .","part":5,"page":15},{"id":2015,"text":"( 1631 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَدُفِنَ فِي ثِيَابِهِ ، وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ الْجُلُودِ وَالسِّلَاحِ نُحِّيَ عَنْهُ ) أَمَّا دَفْنُهُ بِثِيَابِهِ ، فَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا ، وَهُوَ ثَابِتٌ بِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { ادْفِنُوهُمْ بِثِيَابِهِمْ } .\rوَرَوَى أَبُو دَاوُد ، وَابْنُ مَاجَهْ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَمَرَ بِقَتْلَى أُحُدٍ أَنْ يُنْزَعَ عَنْهُمْ الْحَدِيدُ وَالْجُلُودُ ، وَأَنْ يُدْفَنُوا فِي ثِيَابِهِمْ ، بِدِمَائِهِمْ .\r} وَلَيْسَ هَذَا بِحَتْمٍ ، لَكِنَّهُ الْأَوْلَى .\rوَلِلْوَلِيِّ أَنْ يَنْزِعَ عَنْهُ ثِيَابَهُ ، وَيُكَفِّنَهُ بِغَيْرِهَا ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يُنْزَعُ عَنْهُ شَيْءٌ ؛ لِظَاهِرِ الْخَبَرِ .\rوَلَنَا ، مَا رُوِيَ ، { أَنَّ صَفِيَّةَ أَرْسَلَتْ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَوْبَيْنِ ؛ لِيُكَفِّنَ فِيهِمَا حَمْزَةَ ، فَكَفَّنَهُ فِي أَحَدِهِمَا ، وَكَفَّنَ فِي الْآخَرِ رَجُلًا آخَرَ .\r} رَوَاهُ يَعْقُوبُ بْنُ شَيْبَةَ ، وَقَالَ : هُوَ صَالِحُ الْإِسْنَادِ .\rفَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْخِيَارَ لِلْوَلِيِّ .\rوَالْحَدِيثُ الْآخَرُ يُحْمَلُ عَلَى الْإِبَاحَةِ وَالِاسْتِحْبَابِ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّهُ يُنْزَعُ عَنْهُ مِنْ لِبَاسِهِ مَا لَمْ يَكُنْ مِنْ عَامَّةِ لِبَاسِ النَّاسِ ، مِنْ الْجُلُودِ وَالْفِرَاءِ وَالْحَدِيدِ .\rقَالَ أَحْمَدُ : لَا يُتْرَكُ عَلَيْهِ فَرْوٌ ، وَلَا خُفٌّ ، وَلَا جِلْدٌ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : لَا يُنْزَعُ عَنْهُ فَرْوٌ وَلَا خُفٌّ وَلَا مَحْشُوٌّ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { ادْفِنُوهُمْ بِثِيَابِهِمْ .\r} وَهَذَا عَامٌّ فِي الْكُلِّ ، وَمَا رَوَيْنَاهُ أَخَصُّ ، فَكَانَ أَوْلَى .","part":5,"page":16},{"id":2016,"text":"( 1632 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِنْ حُمِلَ وَبِهِ رَمَقٌ غُسِّلَ ، وَصُلِّيَ عَلَيْهِ ) مَعْنَى قَوْلِهِ : \" رَمَقٌ \" أَيْ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ .\rفَهَذَا يُغَسَّلُ ، وَيُصَلَّى عَلَيْهِ ، وَإِنْ كَانَ شَهِيدًا ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { غَسَّلَ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ ، وَصَلَّى عَلَيْهِ ، وَكَانَ شَهِيدًا ، رَمَاهُ ابْنُ الْعَرِقَةِ يَوْمَ الْخَنْدَقِ بِسَهْمٍ ، فَقَطَعَ أَكْحَلَهُ ، فَحُمِلَ إلَى الْمَسْجِدِ ، فَلَبِثَ فِيهِ أَيَّامًا ، حَتَّى حَكَمَ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ ، ثُمَّ انْفَتَحَ جُرْحُهُ فَمَاتَ .\r} وَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ أَنَّهُ مَتَى طَالَتْ حَيَاتُهُ بَعْدَ حَمْلِهِ غُسِّلَ ، وَصُلِّيَ عَلَيْهِ ، وَإِنْ مَاتَ فِي الْمُعْتَرَكِ ، أَوْ عَقِبَ حَمْلِهِ ، لَمْ يُغَسَّلْ ، وَلَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ .\rوَنَحْوُ هَذَا قَوْلُ مَالِكٍ ، قَالَ : إنْ أَكَلَ ، أَوْ شَرِبَ ، أَوْ بَقِيَ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً ، غُسِّلَ .\rوَقَالَ أَحْمَدُ فِي مَوْضِعٍ : إنْ تَكَلَّمَ ، أَوْ أَكَلَ ، أَوْ شَرِبَ ، صُلِّيَ عَلَيْهِ .\rوَقَوْلُ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ نَحْوٌ مِنْ هَذَا .\rوَعَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الْمَجْرُوحِ إذَا بَقِيَ فِي الْمُعْتَرَكِ يَوْمًا إلَى اللَّيْلِ ، ثُمَّ مَاتَ ، فَرَأَى أَنْ يُصَلَّى عَلَيْهِ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ : إنْ مَاتَ حَالَ الْحَرْبِ ، لَمْ يُغَسَّلْ ، وَلَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ ، وَإِلَّا فَلَا .\rوَالصَّحِيحُ : التَّحْدِيدُ بِطُولِ الْفَصْلِ ، أَوْ الْأَكْلِ ؛ لِأَنَّ الْأَكْلَ لَا يَكُونُ إلَّا مِنْ ذِي حَيَاةٍ مُسْتَقِرَّةٍ ، وَطُولُ الْفَصْلِ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ ، وَقَدْ ثَبَتَ اعْتِبَارُهُ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْمَوَاضِع .\rوَأَمَّا الْكَلَامُ وَالشُّرْبُ ، وَحَالَةُ الْحَرْبِ ، فَلَا يَصِحُّ التَّحْدِيدُ بِشَيْءٍ مِنْهَا ؛ لِأَنَّهُ يُرْوَى { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ يَوْمَ أُحُدٍ : مَنْ يَنْظُرُ مَا فَعَلَ سَعْدُ بْنُ الرَّبِيعِ ؟ فَقَالَ رَجُلٌ : أَنَا أَنْظُرُ لَك يَا رَسُولَ اللَّهِ .\rفَنَظَرَ فَوَجَدَهُ جَرِيحًا ، بِهِ رَمَقٌ ، فَقَالَ لَهُ : إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَنِي أَنْ أَنْظُرَ فِي الْأَحْيَاءِ أَنْتَ أَمْ","part":5,"page":17},{"id":2017,"text":"فِي الْأَمْوَاتِ ؟ قَالَ : فَأَنَا فِي الْأَمْوَاتِ ، فَأَبْلِغْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِّي السَّلَامَ .\rوَذَكَرَ الْحَدِيثَ ، قَالَ : ثُمَّ لَمْ أَبْرَحْ أَنْ مَاتَ .\r} وَرُوِيَ أَنَّ أُصَيْرِمَ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ وُجِدَ صَرِيعًا يَوْمَ أُحُدٍ ، فَقِيلَ لَهُ : مَا جَاءَ بِك ؟ قَالَ : أَسْلَمْت ، ثُمَّ جِئْت .\rوَهُمَا مِنْ شُهَدَاءِ أُحُدٍ ، دَخَلَا فِي عُمُومِ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { ادْفِنُوهُمْ بِدِمَائِهِمْ وَثِيَابِهِمْ } .\rوَلَمْ يُغَسِّلْهُمْ ، وَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِمْ ، وَقَدْ تَكَلَّمَا ، وَمَاتَا بَعْدَ انْقِضَاءِ الْحَرْبِ .\rوَفِي قِصَّةِ أَهْلِ الْيَمَامَةِ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، أَنَّهُ طَافَ فِي الْقَتْلَى ، فَوَجَدَ أَبَا عَقِيلٍ الْأُنَيْفِيَّ قَالَ : فَسَقَيْته مَاءً ، وَبِهِ أَرْبَعَةَ عَشَرَ جُرْحًا ، كُلُّهَا قَدْ خَلَصَ إلَى مَقْتَلٍ ، فَخَرَجَ الْمَاءُ مِنْ جِرَاحَاتِهِ كُلِّهَا ، فَلَمْ يُغَسَّل .\r.\rوَفِي فُتُوحِ الشَّامِ : أَنَّ رَجُلًا قَالَ : أَخَذْت مَاءً لِعَلِيٍّ أَسْقِي ابْنَ عَمِّي إنْ وَجَدْت بِهِ حَيَاةً ، فَوَجَدْت الْحَارِثَ بْنَ هِشَامٍ فَأَرَدْت أَنْ أَسْقِيَهُ ، فَإِذَا رَجُلٌ يَنْظُرُ إلَيْهِ ، فَأَوْمَأَ لِي أَنْ أَسْقِيَهُ ، فَذَهَبْت إلَيْهِ لِأَسْقِيَهُ ، فَإِذَا آخَرُ يَنْظُرُ إلَيْهِ ، فَأَوْمَأَ لِي أَنْ أَسْقِيَهُ ، فَلَمْ أَصِلْ إلَيْهِ حَتَّى مَاتُوا كُلُّهُمْ ، وَلَمْ يُفْرَدْ أَحَدٌ مِنْهُمْ بِغُسْلٍ وَلَا صَلَاةٍ ، وَقَدْ مَاتُوا بَعْدَ انْقِضَاءِ الْحَرْبِ .","part":5,"page":18},{"id":2018,"text":"( 1633 ) فَصْلٌ : فَإِنْ كَانَ الشَّهِيدُ عَادَ عَلَيْهِ سِلَاحُهُ فَقَتَلَهُ ، فَهُوَ كَالْمَقْتُولِ بِأَيْدِي الْعَدُوِّ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : يُغَسَّلُ ، وَيُصَلَّى عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ مَاتَ بِغَيْرِ أَيْدِي الْمُشْرِكِينَ ، أَشْبَهَ مَا لَوْ أَصَابَهُ ذَلِكَ فِي غَيْرِ الْمُعْتَرَكِ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى أَبُو دَاوُد ، عَنْ { رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : أَغَرْنَا عَلَى حَيٍّ مِنْ جُهَيْنَةَ ، فَطَلَبَ رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ رَجُلًا مِنْهُمْ ، فَضَرَبَهُ فَأَخْطَأَهُ ، فَأَصَابَ نَفْسَهُ بِالسَّيْفِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَخُوكُمْ يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ .\rفَابْتَدَرَهُ النَّاسُ ، فَوَجَدُوهُ قَدْ مَاتَ ، فَلَفَّهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِثِيَابِهِ وَدِمَائِهِ ، وَصَلَّى عَلَيْهِ ، فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَشَهِيدٌ هُوَ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، وَأَنَا لَهُ شَهِيدٌ .\r} وَعَامِرُ بْنُ الْأَكْوَعِ بَارَزَ مَرْحَبًا يَوْمَ خَيْبَرَ ، فَذَهَبَ يُسْفِلُ لَهُ ، فَرَجَعَ سَيْفُهُ عَلَى نَفْسِهِ ، فَكَانَتْ فِيهَا نَفْسُهُ .\rفَلَمْ يُفْرَدْ عَنْ الشُّهَدَاءِ بِحُكْمٍ .\rوَلِأَنَّهُ شَهِيدُ الْمَعْرَكَةِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَتَلَهُ الْكُفَّارُ ، وَبِهَذَا فَارَقَ ، مَا لَوْ كَانَ فِي غَيْرِ الْمُعْتَرَكِ ، فَأَمَّا إنْ سَقَطَ مِنْ دَابَّتِهِ ، أَوْ وُجِدَ مَيِّتًا وَلَا أَثَرَ بِهِ ، فَإِنَّهُ يُغَسَّلُ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، وَتَأَوَّلَ الْحَدِيثَ : { ادْفِنُوهُمْ بِكُلُومِهِمْ } .\rفَإِذَا كَانَ بِهِ كَلْمٌ لَمْ يُغَسَّلْ .\rوَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ فِي الَّذِي يُوجَدُ مَيِّتًا لَا أَثَرَ بِهِ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يُغَسَّلُ بِحَالٍ ؛ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ مَاتَ بِسَبَبٍ مِنْ أَسْبَابِ الْقِتَالِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الْأَصْلَ وُجُوبُ الْغُسْلِ ، فَلَا يَسْقُطُ بِالِاحْتِمَالِ ، وَلِأَنَّ سُقُوطَ الْغُسْلِ فِي مَحَلِّ الْوِفَاقِ مَقْرُونٌ بِمَنْ كُلِمَ ، فَلَا يَجُوزُ حَذْفُ ذَلِكَ عَنْ دَرَجَةِ الِاعْتِبَارِ .","part":5,"page":19},{"id":2019,"text":"( 1634 ) فَصْلٌ : وَمَنْ قُتِلَ مِنْ أَهْلِ الْعَدْلِ فِي الْمَعْرَكَةِ ، فَحُكْمُهُ فِي الْغُسْلِ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِ ، حُكْمُ مَنْ قُتِلَ فِي مَعْرَكَةِ الْمُشْرِكِينَ ؛ لِأَنَّ عَلِيًّا لَمْ يُغَسِّلْ مَنْ قُتِلَ مَعَهُ ، وَعَمَّارٌ أَوْصَى أَنْ لَا يُغَسَّلَ ، وَقَالَ : ادْفِنُونِي فِي ثِيَابِي ، فَإِنِّي مُخَاصِمٌ .\rقَالَ أَحْمَدُ : قَدْ أَوْصَى أَصْحَابُ الْجَمَلِ : إنَّا مُسْتَشْهِدُونَ غَدًا ، فَلَا تَنْزِعُوا عَنَّا ثَوْبًا ، وَلَا تَغْسِلُوا عَنَّا دَمًا .\rوَلِأَنَّهُ شَهِيدُ الْمَعْرَكَةِ ، أَشْبَهَ قَتِيلَ الْكُفَّارِ .\rوَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ : يُغَسَّلُونَ ؛ لِأَنَّ أَسْمَاءَ غَسَّلَتْ ابْنَهَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ .\rوَالْأَوَّلُ أَوْلَى ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ ، وَأَمَّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ فَإِنَّهُ أُخِذَ وَصُلِبَ ، فَهُوَ كَالْمَقْتُولِ ظُلْمًا ، وَلَيْسَ بِشَهِيدِ الْمَعْرَكَةِ .\rوَأَمَّا الْبَاغِي ، فَقَالَ الْخِرَقِيِّ : مَنْ قُتِلَ مِنْهُمْ ، غُسِّلَ ، وَكُفِّنَ ، وَصُلِّيَ عَلَيْهِ .\rوَيُحْتَمَلُ إلْحَاقُهُ بِأَهْلِ الْعَدْلِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ إلَيْنَا غُسْلُ أَهْلِ الْجَمَلِ وَصِفِّينَ مِنْ الْجَانِبَيْنِ ، وَلِأَنَّهُمْ يَكْثُرُونَ فِي الْمُعْتَرَكِ ، فَيَشُقُّ غُسْلُهُمْ ، فَأَشْبَهُوا أَهْلَ الْعَدْلِ .\rفَأَمَّا الصَّلَاةُ عَلَى أَهْلِ الْعَدْلِ ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِمْ ؛ لِأَنَّنَا شَبَّهْنَاهُمْ بِشُهَدَاءِ مَعْرَكَةِ الْمُشْرِكِينَ فِي الْغُسْلِ ، فَكَذَلِكَ فِي الصَّلَاةِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُصَلَّى عَلَيْهِمْ ؛ لِأَنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ صَلَّى عَلَيْهِمْ .","part":5,"page":20},{"id":2020,"text":"( 1635 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا مَنْ قُتِلَ ظُلْمًا ، أَوْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ ، أَوْ دُونَ نَفْسِهِ وَأَهْلِهِ ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ : إحْدَاهُمَا ، يُغَسَّلُ .\rاخْتَارَهَا الْخَلَّالُ ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ ، وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ، وَمَالِكٍ ؛ لِأَنَّ رُتْبَتَهُ دُونَ رُتْبَةِ الشَّهِيدِ فِي الْمُعْتَرَكِ ، فَأَشْبَهَ الْمَبْطُونَ ؛ وَلِأَنَّ هَذَا لَا يَكْثُرُ الْقَتْلُ فِيهِ ، فَلَمْ يَجُزْ إلْحَاقُهُ بِشُهَدَاءِ الْمُعْتَرَكِ .\rوَالثَّانِيَةُ ، لَا يُغَسَّلُ ، وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ .\rوَهُوَ قَوْلُ الشَّعْبِيِّ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَإِسْحَاقَ فِي الْغُسْلِ ؛ لِأَنَّهُ قُتِلَ شَهِيدًا ، أَشْبَهَ شَهِيدَ الْمُعْتَرَكِ ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ .\r}","part":5,"page":21},{"id":2021,"text":"( 1636 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا الشَّهِيدُ بِغَيْرِ قَتْلٍ ، كَالْمَبْطُونِ ، وَالْمَطْعُونِ ، وَالْغَرِقِ ، وَصَاحِبِ الْهَدْمِ ، وَالنُّفَسَاءِ ، فَإِنَّهُمْ يُغَسَّلُونَ ، وَيُصَلَّى عَلَيْهِمْ ؛ لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا ، إلَّا مَا يُحْكَى عَنْ الْحَسَنِ : لَا يُصَلَّى عَلَى النُّفَسَاءِ ؛ لِأَنَّهَا شَهِيدَةٌ .\rوَلَنَا ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى عَلَى امْرَأَةٍ مَاتَتْ فِي نِفَاسِهَا ، فَقَامَ وَسَطَهَا .\r} مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\r{ وَصَلَّى عَلَى سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ ، وَهُوَ شَهِيدٌ .\r} وَصَلَّى الْمُسْلِمُونَ عَلَى عُمَرَ وَعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، وَهُمَا شَهِيدَانِ .\rوَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الشُّهَدَاءُ خَمْسَةٌ : الْمَطْعُونُ ، وَالْمَبْطُونُ ، وَالْغَرِقُ ، وَصَاحِبُ الْهَدْمِ ، وَالشَّهِيدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ .\r} قَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَعَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { الشَّهَادَةُ سَبْعٌ سِوَى الْقَتْلِ .\r} وَزَادَ عَلَى مَا ذُكِرَ فِي هَذَا الْخَبَرِ : \" صَاحِبُ الْحَرِيقِ ، وَصَاحِبُ ذَاتِ الْجَنْبِ ، وَالْمَرْأَةُ تَمُوتُ بِجَمْعٍ شَهِيدَةٌ \" .\rوَكُلُّ هَؤُلَاءِ يُغَسَّلُونَ وَيُصَلَّى عَلَيْهِمْ ، لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَرَكَ غُسْلَ الشَّهِيدِ فِي الْمَعْرَكَةِ ؛ لِمَا يَتَضَمَّنُهُ مِنْ إزَالَةِ الدَّمِ الْمُسْتَطَابِ شَرْعًا ، أَوْ لِمَشَقَّةِ غُسْلِهِمْ ، لِكَثْرَتِهِمْ ، أَوْ لِمَا فِيهِمْ مِنْ الْجِرَاحِ ، وَلَا يُوجَدُ ذَلِكَ هَاهُنَا .","part":5,"page":22},{"id":2022,"text":"( 1637 ) فَصْلٌ : فَإِنْ اخْتَلَطَ مَوْتَى الْمُسْلِمِينَ بِمَوْتَى الْمُشْرِكِينَ ، فَلَمْ يُمَيَّزُوا ، صَلَّى عَلَى جَمِيعِهِمْ يَنْوِي الْمُسْلِمِينَ .\rقَالَ أَحْمَدُ : وَيَجْعَلُهُمْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ ، ثُمَّ يُصَلِّي عَلَيْهِمْ .\rوَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إنْ كَانَ الْمُسْلِمُونَ أَكْثَرَ ، صَلَّى عَلَيْهِمْ ، وَإِلَّا فَلَا ؛ لِأَنَّ الِاعْتِبَارَ بِالْأَكْثَرِ ، بِدَلِيلِ أَنَّ دَارَ الْمُسْلِمِينَ الظَّاهِرُ فِيهَا الْإِسْلَامُ ؛ لِكَثْرَةِ الْمُسْلِمِينَ بِهَا ، وَعَكْسُهَا دَارُ الْحَرْبِ ، لِكَثْرَةِ مَنْ بِهَا مِنْ الْكُفَّارِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ أَمْكَنَ الصَّلَاةَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ ، فَوَجَبَ ، كَمَا لَوْ كَانُوا أَكْثَرَ ، وَلِأَنَّهُ إذَا جَازَ أَنْ يَقْصِدَ بِصَلَاتِهِ وَدُعَائِهِ الْأَكْثَرَ ، جَازَ قَصْدُ الْأَقَلِّ ، وَيَبْطُلُ مَا قَالُوهُ بِمَا إذَا اخْتَلَطَتْ أُخْتُهُ بِأَجْنَبِيَّاتٍ ، أَوْ مَيْتَةٌ بِمُذَكَّيَاتٍ ، ثَبَتَ الْحُكْمُ لِلْأَقَلِّ ، دُونَ الْأَكْثَرِ .","part":5,"page":23},{"id":2023,"text":"( 1638 ) فَصْلٌ : وَإِنْ وُجِدَ مَيِّتٌ ، فَلَمْ يُعْلَمْ أَمُسْلِمٌ هُوَ أَمْ كَافِرٌ ، نُظِرَ إلَى الْعَلَامَاتِ ، مِنْ الْخِتَانِ ، وَالثِّيَابِ ، وَالْخِضَابِ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ عَلَامَةٌ ، وَكَانَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ ، غُسِّلَ ، وَصُلِّيَ عَلَيْهِ ، وَإِنْ كَانَ فِي دَارِ الْكُفْرِ ، لَمْ يُغَسَّلْ ، وَلَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ أَنَّ مَنْ كَانَ فِي دَارٍ ، فَهُوَ مِنْ أَهْلِهَا ، يَثْبُتُ لَهُ حُكْمُهُمْ مَا لَمْ يَقُمْ عَلَى خِلَافِهِ دَلِيلٌ .","part":5,"page":24},{"id":2024,"text":"( 1639 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَالْمُحْرِمُ يُغَسَّلُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ ، وَلَا يُقَرَّبُ طِيبًا ، وَيُكَفَّنُ فِي ثَوْبَيْهِ ، وَلَا يُغَطَّى رَأْسُهُ ، وَلَا رِجْلَاهُ ) إنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُحْرِمَ لَا يَبْطُلُ حُكْمُ إحْرَامِهِ بِمَوْتِهِ ، فَلِذَلِكَ جُنِّبَ مَا يُجَنَّبُهُ الْمُحْرِمُ مِنْ الطِّيبِ ، وَتَغْطِيَةِ الرَّأْسِ ، وَلُبْسِ الْمَخِيطِ ، وَقَطْعِ الشَّعْرِ .\rرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُثْمَانَ ، وَعَلِيٍّ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ .\rوَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ .\rوَقَالَ مَالِكٌ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ : يَبْطُلُ إحْرَامُهُ بِالْمَوْتِ ، وَيُصْنَعُ بِهِ كَمَا يُصْنَعُ بِالْحَلَالِ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَائِشَةَ ، وَابْنِ عُمَرَ ، وَطَاوُسٍ ؛ لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ شَرْعِيَّةٌ ، فَبَطَلَتْ بِالْمَوْتِ ، كَالصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ ، { أَنَّ رَجُلًا وَقَصَهُ بَعِيرُهُ ، وَنَحْنُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْنِ ، وَلَا تُمِسُّوهُ طِيبًا ، وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ ، فَإِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبَّدًا .\r} وَفِي رِوَايَةٍ \" مُلَبِّيًا \" .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rفَإِنْ قِيلَ : هَذَا خَاصٌّ لَهُ ؛ لِأَنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا .\rقُلْنَا : حُكْمُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي وَاحِدٍ حُكْمُهُ فِي مِثْلِهِ ، إلَّا أَنْ يَرِدَ تَخْصِيصُهُ ، وَلِهَذَا ثَبَتَ حُكْمُهُ فِي شُهَدَاءِ أُحُدٍ فِي سَائِرِ الشُّهَدَاءِ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { حُكْمِي عَلَى الْوَاحِدِ حُكْمِي عَلَى الْجَمَاعَةِ .\r} قَالَ أَبُو دَاوُد : سَمِعْت أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ يَقُولُ : فِي هَذَا الْحَدِيثِ خَمْسُ سُنَنٍ ؛ كَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْهِ ، أَيْ يُكَفَّنُ فِي ثَوْبَيْنِ .\rوَأَنْ يَكُونَ فِي الْغَسَلَاتِ كُلِّهَا سِدْرٌ ، وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ ، وَلَا تُقَرِّبُوهُ طِيبًا ، وَيَكُون الْكَفَنُ مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ .\rوَقَالَ أَحْمَدُ فِي مَوْضِعٍ","part":5,"page":25},{"id":2025,"text":": يُصَبُّ عَلَيْهِ الْمَاءُ صَبًّا ، وَلَا يُغَسَّلُ كَمَا يُغَسَّلُ الْحَلَالُ .\rوَإِنَّمَا كُرِهَ عَرْكُ رَأْسِهِ ، وَمَوَاضِعِ الشَّعْرِ ، كَيْ لَا يَتَقَطَّعَ شَعْرُهُ .\rوَاخْتُلِفَ عَنْهُ فِي تَغْطِيَةِ رِجْلَيْهِ ، فَرَوَى حَنْبَلٌ عَنْهُ : لَا تُغَطَّى رِجْلَاهُ .\rوَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ الْخِرَقِيِّ .\rوَقَالَ الْخَلَّالُ : لَا أَعْرِفُ هَذَا فِي الْأَحَادِيثِ ، وَلَا رَوَاهُ أَحَدٌ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ غَيْرَ حَنْبَلٍ ، وَهُوَ عِنْدِي وَهْمٌ مِنْ حَنْبَلٍ ، وَالْعَمَلُ عَلَى أَنَّهُ يُغَطَّى جَمِيعُ الْمُحْرِمِ ، إلَّا رَأْسَهُ ، لِأَنَّ إحْرَامَ الرَّجُلِ فِي رَأْسِهِ ، وَلَا يُمْنَعُ مِنْ تَغْطِيَةِ رِجْلَيْهِ فِي حَيَاتِهِ ، فَكَذَلِكَ فِي مَمَاتِهِ .\rوَاخْتَلَفُوا عَنْ أَحْمَدَ فِي تَغْطِيَةِ وَجْهِهِ ، فَنَقَلَ عَنْهُ إسْمَاعِيلُ بْنُ سَعِيدٍ : لَا يُغَطَّى وَجْهُهُ ؛ لِأَنَّ فِي بَعْضِ الْحَدِيثِ : { وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ وَلَا وَجْهَهُ } .\rوَنَقَلَ عَنْهُ سَائِرُ أَصْحَابِهِ : لَا بَأْسَ بِتَغْطِيَةِ وَجْهِهِ ؛ لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ الَّذِي رَوَيْنَاهُ ، وَهُوَ أَصَحُّ مَا رُوِيَ فِيهِ ، وَلَيْسَ فِيهِ إلَّا الْمَنْعُ مِنْ تَغْطِيَةِ الرَّأْسِ ، وَلِأَنَّ إحْرَامَ الرَّجُلِ فِي رَأْسِهِ ، وَلَا يُمْنَعُ مِنْ تَغْطِيَةِ وَجْهِهِ فِي الْحَيَاةِ ، فَبَعْدَ الْمَوْتِ أَوْلَى ، وَلَمْ يَرَ أَنْ يُلْبَسَ الْمُحْرِمُ الْمَخِيطَ بَعْدَ مَوْتِهِ ، كَمَا لَا يَلْبَسهُ فِي حَيَاتِهِ .\rوَإِنْ كَانَ الْمَيِّتُ امْرَأَةً مُحْرِمَةً ، أُلْبِسَتْ الْقَمِيصَ ، وَخُمِّرَتْ ، كَمَا تَفْعَلُ ذَلِكَ فِي حَيَاتِهَا ، وَلَمْ تَقْرَبْ طِيبًا ؛ لِأَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهَا فِي حَيَاتِهَا ، فَكَذَلِكَ بَعْدَ مَوْتِهَا .","part":5,"page":26},{"id":2026,"text":"( 1640 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِنْ سَقَطَ مِنْ الْمَيِّتِ شَيْءٌ غُسِّلَ ، وَجُعِلَ مَعَهُ فِي أَكْفَانِهِ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ إذَا بَانَ مِنْ الْمَيِّتِ شَيْءٌ ، وَهُوَ مَوْجُودٌ ، غُسِّلَ ، وَجُعِلَ مَعَهُ فِي أَكْفَانِهِ .\rقَالَهُ ابْنُ سِيرِينَ ، وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَسْمَاءَ ، أَنَّهَا غَسَّلَتْ ابْنَهَا ، فَكَانَتْ تَنْزِعُهُ أَعْضَاءً ، كُلَّمَا غَسَّلَتْ عُضْوًا طَيَّبَتْهُ ، وَجَعَلَتْهُ فِي كَفَنِهِ .\rوَلِأَنَّ فِي ذَلِكَ جَمْعَ أَجْزَاءِ الْمَيِّتِ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ ، وَهُوَ أَوْلَى مِنْ تَفْرِيقِهَا .","part":5,"page":27},{"id":2027,"text":"( 1641 ) فَصْلٌ : فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ إلَّا بَعْضُ الْمَيِّتِ ، فَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ يُغَسَّلُ ، وَيُصَلَّى عَلَيْهِ .\rوَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ .\rوَنَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّهُ لَا يُصَلَّى عَلَى الْجَوَارِحِ .\rقَالَ الْخَلَّالُ : وَلَعَلَّهُ قَوْلٌ قَدِيمٌ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ ، وَاَلَّذِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ قَوْلُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ يُصَلَّى عَلَى الْأَعْضَاءِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٌ : إنْ وُجِدَ الْأَكْثَرُ صُلِّيَ عَلَيْهِ ، وَإِلَّا فَلَا ؛ لِأَنَّهُ بَعْضٌ لَا يَزِيدُ عَلَى النِّصْفِ ، فَلَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ ، كَاَلَّذِي بَانَ فِي حَيَاةِ صَاحِبِهِ ، كَالشَّعْرِ وَالظُّفْرِ .\rوَلَنَا ، إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ قَالَ أَحْمَدُ : صَلَّى أَبُو أَيُّوبَ عَلَى رِجْلٍ ، وَصَلَّى عُمَرُ عَلَى عِظَامٍ بِالشَّامِ ، وَصَلَّى أَبُو عُبَيْدَةَ عَلَى رُءُوسٍ بِالشَّامِ .\rرَوَاهُمَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ ، بِإِسْنَادِهِ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : أَلْقَى طَائِرٌ يَدًا بِمَكَّةَ مِنْ وَقْعَةِ الْجَمَلِ ، فَعُرِفَتْ بِالْخَاتَمِ ، وَكَانَتْ يَدَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَتَّابِ بْنِ أَسِيدٍ ، فَصَلَّى عَلَيْهَا أَهْلُ مَكَّةَ .\rوَكَانَ ذَلِكَ بِمَحْضَرٍ مِنْ الصَّحَابَةِ ، وَلَمْ نَعْرِفْ مِنْ الصَّحَابَةِ مُخَالِفًا فِي ذَلِكَ ، وَلِأَنَّهُ بَعْضٌ مِنْ جُمْلَةٍ تَجِبُ الصَّلَاةُ عَلَيْهَا ، فَيُصَلَّى عَلَيْهِ كَالْأَكْثَرِ ، وَفَارَقَ مَا بَانَ فِي الْحَيَاةِ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ جُمْلَةٍ لَا يُصَلَّى عَلَيْهَا ، وَالشَّعْرُ وَالظُّفْرُ لَا حَيَاةَ فِيهِ .","part":5,"page":28},{"id":2028,"text":"( 1642 ) فَصْلٌ : وَإِنْ وُجِدَ الْجُزْءُ بَعْدَ دَفْنِ الْمَيِّتِ ، غُسِّلَ ، وَصُلِّيَ عَلَيْهِ ، وَدُفِنَ إلَى جَانِبِ الْقَبْرِ ، أَوْ نُبِشَ بَعْضُ الْقَبْرِ وَدُفِنَ فِيهِ ، وَلَا حَاجَةَ إلَى كَشْفِ الْمَيِّتِ ، لِأَنَّ ضَرَرَ نَبْشِ الْمَيِّتِ وَكَشْفِهِ أَعْظَمُ مِنْ الضَّرَرِ بِتَفْرِقَةِ أَجْزَائِهِ .","part":5,"page":29},{"id":2029,"text":"( 1643 ) فَصْلٌ : وَالْمَجْدُورُ ، وَالْمُحْتَرِقُ ، وَالْغَرِيقُ ، إذَا أَمْكَنَ غُسْلُهُ غُسِّلَ ، وَإِنْ خِيفَ تَقَطُّعُهُ بِالْغُسْلِ صُبَّ عَلَيْهِ الْمَاءُ صَبًّا ، وَلَمْ يُمَسَّ ، فَإِنْ خِيفَ تَقَطُّعُهُ بِالْمَاءِ لَمْ يُغَسَّلْ ، وَيُيَمَّمُ إنْ أَمْكَنَ ، كَالْحَيِّ الَّذِي يُؤْذِيه الْمَاءُ ، وَإِنْ تَعَذَّرَ غُسْلُ الْمَيِّتِ لِعَدَمِ الْمَاءِ يُيَمَّمُ ، وَإِنْ تَعَذَّرَ غُسْلُ بَعْضِهِ دُونَ بَعْضٍ ، غُسِّلَ مَا أَمْكَنَ غُسْلُهُ ، وَيُيَمَّمُ الْبَاقِي ، كَالْحَيِّ سَوَاءً .","part":5,"page":30},{"id":2030,"text":"( 1644 ) فَصْلٌ : فَإِنْ مَاتَ فِي بِئْرٍ ذَاتِ نَفَسٍ ، فَأَمْكَنَ مُعَالَجَةُ الْبِئْرِ بِالْأَكْسِيَةِ الْمَبْلُولَةِ تُدَارُ فِي الْبِئْرِ حَتَّى تَجْتَذِبَ بُخَارَهُ ، ثُمَّ يَنْزِلُ مَنْ يُطْلِعُهُ ، أَوْ أَمْكَنَ إخْرَاجُهُ بِكَلَالِيبَ مِنْ غَيْرِ مُثْلَةٍ ، لَزِمَ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنَ غُسْلُهُ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ ، فَلَزِمَ ، كَمَا لَوْ كَانَ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ .\rوَإِذَا شُكَّ فِي زَوَالِ بُخَارِهِ ، أُنْزِلَ إلَيْهِ سِرَاجٌ أَوْ نَحْوُهُ ، فَإِنْ انْطَفَأَ فَالْبُخَارُ بَاقٍ ، وَإِنْ لَمْ يَنْطَفِئْ فَقَدْ زَالَ ، فَإِنَّهُ يُقَالُ : لَا تَبْقَى النَّارُ إلَّا فِيمَا يَعِيشُ فِيهِ الْحَيَوَانُ .\rوَإِنْ لَمْ يُمْكِنُ إخْرَاجُهُ إلَّا بِمُثْلَةٍ ، وَلَمْ يَكُنْ إلَى الْبِئْرِ حَاجَةٌ ، طُمَّتْ عَلَيْهِ ، فَكَانَتْ قَبْرَهُ .\rوَإِنْ كَانَ طَمُّهَا يَضُرُّ بِالْمَارَّةِ ، أُخْرِجَ بِالْكَلَالِيبِ ، سَوَاءٌ أَفْضَى إلَى الْمُثْلَةِ أَوْ لَمْ يُفْضِ ؛ لِأَنَّ فِيهِ جَمْعًا بَيْنَ حُقُوقٍ كَثِيرَةٍ ؛ نَفْعِ الْمَارَّةِ ، وَغُسْلِ الْمَيِّتِ ، وَرُبَّمَا كَانَتْ الْمُثْلَةُ فِي بَقَائِهِ أَعْظَمَ ؛ لِأَنَّهُ يَتَقَطَّعُ وَيُنْتِنُ .\rفَإِنْ نَزَلَ عَلَى الْبِئْرِ قَوْمٌ ، فَاحْتَاجُوا إلَى الْمَاءِ ، وَخَافُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ ، فَلَهُمْ إخْرَاجُهُ ، وَجْهًا وَاحِدًا ، وَإِنْ حَصَلَتْ مُثْلَةٌ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ أَسْهَلُ مِنْ تَلَفِ نُفُوسِ الْأَحْيَاءِ ، وَلِهَذَا لَوْ لَمْ يَجِدْ مِنْ السُّتْرَةِ إلَّا كَفَنَ الْمَيِّتِ ، وَاضْطُرَّ الْحَيُّ إلَيْهِ ، قُدِّمَ الْحَيُّ ، وَلِأَنَّ حُرْمَةَ الْحَيِّ ، وَحِفْظَ نَفْسِهِ ، أَوْلَى مِنْ حِفْظِ الْمَيِّت عَنْ الْمُثْلَةِ .\rلِأَنَّ زَوَالَ الدُّنْيَا أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ مِنْ قَتْلِ مُسْلِمٍ ، وَلِأَنَّ الْمَيِّتَ لَوْ بَلَعَ مَالَ غَيْرِهِ شُقَّ بَطْنُهُ لِحِفْظِ مَالِ الْحَيِّ ، وَحِفْظُ النَّفْسِ أَوْلَى مِنْ حِفْظِ الْمَالِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":5,"page":31},{"id":2031,"text":"( 1645 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِنْ كَانَ شَارِبُهُ طَوِيلًا أُخِذَ ، وَجُعِلَ مَعَهُ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ شَارِبَ الْمَيِّتِ إنْ كَانَ طَوِيلًا اُسْتُحِبَّ قَصُّهُ .\rوَهَذَا قَوْلُ الْحَسَنِ ، وَبَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَإِسْحَاقَ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٌ : لَا يُؤْخَذُ مِنْ الْمَيِّتِ شَيْءٌ لِأَنَّهُ قَطْعُ شَيْءٍ مِنْهُ فَلَمْ يُسْتَحَبَّ ، كَالْخِتَانِ .\rوَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ كَالْقَوْلَيْنِ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { اصْنَعُوا بِمَوْتَاكُمْ كَمَا تَصْنَعُونَ بِعَرَائِسِكُمْ .\r} وَالْعَرُوسُ يُحَسَّنُ ، وَيُزَالُ عَنْهُ مَا يُسْتَقْبَحُ مِنْ الشَّارِبِ وَغَيْرِهِ ، وَلِأَنَّ تَرْكَهُ يُقَبِّحُ مَنْظَرَهُ ، فَشُرِعَتْ إزَالَتُهُ ، كَفَتْحِ عَيْنَيْهِ وَفَمِهِ شُرِعَ مَا يُزِيلُهُ ، وَلِأَنَّهُ فِعْلٌ مَسْنُونٌ فِي الْحَيَاةِ لَا مَضَرَّةَ فِيهِ ، فَشُرِعَ بَعْدَ الْمَوْتِ ، كَالِاغْتِسَالِ .\rوَيُخَرَّجُ عَلَى هَذَا الْخِتَانُ ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ الْمَضَرَّةِ .\rفَإِذَا أُخِذَ الشَّعْرُ جُعِلَ مَعَهُ فِي أَكْفَانِهِ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْمَيِّتِ ، فَيُسْتَحَبُّ جَعْلُهُ فِي أَكْفَانِهِ كَأَعْضَائِهِ ؛ وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا أُخِذَ مِنْ الْمَيِّتِ مِنْ شَعْرٍ أَوْ ظُفْرٍ أَوْ غَيْرِهِمَا ، فَإِنَّهُ يُغَسَّلُ وَيُجْعَلُ مَعَهُ فِي أَكْفَانِهِ كَذَلِكَ .\r( 1646 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا الْأَظْفَارُ إذَا طَالَتْ فَفِيهَا رِوَايَتَانِ : إحْدَاهُمَا ، لَا تُقَلَّمُ .\rقَالَ أَحْمَدُ : لَا تُقَلَّمُ أَظْفَارُهُ ، وَيُنَقَّى وَسَخُهَا .\rوَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ ؛ لِقَوْلِهِ : وَالْخِلَالُ يُسْتَعْمَلُ إنْ اُحْتِيجَ إلَيْهِ .\rوَالْخِلَالُ يُزَالُ بِهِ مَا تَحْتَ الْأَظْفَارِ ؛ لِأَنَّ الظُّفْرَ لَا يَظْهَرُ كَظُهُورِ الشَّارِبِ ، فَلَا حَاجَةَ إلَى قَصِّهِ .\rوَالثَّانِيَةُ ، يُقَصُّ إذَا كَانَ فَاحِشًا .\rنَصَّ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ السُّنَّةِ ، وَلَا مَضَرَّةَ فِيهِ ، فَيُشْرَعُ أَخْذُهُ كَالشَّارِبِ .\rوَيُمْكِنُ أَنْ تُحْمَلَ الرِّوَايَةُ الْأُولَى عَلَى مَا إذَا لَمْ تَكُنْ فَاحِشَةً .\rوَأَمَّا الْعَانَةُ فَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ أَنَّهَا لَا تُؤْخَذُ ؛","part":5,"page":32},{"id":2032,"text":"لِتَرْكِهِ ذِكْرَهَا .\rوَهُوَ قَوْلُ ابْنِ سِيرِينَ ، وَمَالِكٍ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّهُ يُحْتَاجُ فِي أَخْذِهَا إلَى كَشْفِ الْعَوْرَةِ ، وَلَمْسِهَا ، وَهَتْكِ الْمَيِّتِ ، وَذَلِكَ مُحَرَّمٌ لَا يُفْعَلُ لِغَيْرِ وَاجِبٍ ، وَلِأَنَّ الْعَوْرَةَ مَسْتُورَةٌ يُسْتَغْنَى بِسَتْرِهَا عَنْ إزَالَتِهَا .\rوَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّ أَخْذَهَا مَسْنُونٌ .\rوَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ ، وَبَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، وَسَعِيدِ بْن جُبَيْرٍ ، وَإِسْحَاقَ ؛ لِأَنَّ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ جَزَّ عَانَةَ مَيِّتٍ .\rوَلِأَنَّهُ شَعْرٌ إزَالَتُهُ مِنْ السُّنَّةِ ، فَأَشْبَهَ الشَّارِبَ .\rوَالْأَوَّلُ أَوْلَى .\rوَيُفَارِقُ الشَّارِبُ الْعَانَةَ ؛ لِأَنَّهُ ظَاهِرٌ يُتَفَاحَشُ لِرُؤْيَتِهِ ، وَلَا يُحْتَاجُ فِي أَخْذِهِ إلَى كَشْفِ الْعَوْرَةِ وَلَا مَسِّهَا .\rفَإِذَا قُلْنَا بِأَخْذِهَا ، فَإِنَّ حَنْبَلًا رَوَى أَنَّ أَحْمَدَ سُئِلَ : تَرَى أَنْ تُسْتَعْمَلَ النُّورَةُ ؟ قَالَ : الْمُوسَى ، أَوْ مِقْرَاضٌ يُؤْخَذُ بِهِ الشَّعْرُ مِنْ عَانَتِهِ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : تُزَالُ بِالنُّورَةِ ؛ لِأَنَّهُ أَسْهَلُ ، وَلَا يَمَسُّهَا .\rوَوَجْهُ قَوْلِ أَحْمَدَ أَنَّهُ فِعْلُ سَعْدٍ ، وَالنُّورَةُ لَا يُؤْمَنُ أَنْ تُتْلِفَ جِلْدَ الْمَيِّتِ .\r( 1647 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا الْخِتَانُ فَلَا يُشْرَعُ ؛ لِأَنَّهُ إبَانَةُ جُزْءٍ مِنْ أَعْضَائِهِ .\rوَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rوَحُكِيَ عَنْ بَعْضِ النَّاسِ أَنَّهُ يُخْتَنُ .\rحَكَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ .\rوَالْأَوَّلُ أَوْلَى ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ .\rوَلَا يُحْلَقُ رَأْسُ الْمَيِّتِ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ السُّنَّةِ فِي الْحَيَاةِ ، وَإِنَّمَا يُرَادُ لِزِينَةِ أَوْ نُسُكٍ ، وَلَا يُطْلَبُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ هَاهُنَا .","part":5,"page":33},{"id":2033,"text":"( 1648 ) فَصْلٌ : وَإِنْ جُبِرَ عَظْمُهُ بِعَظْمٍ فَجَبَرَ ، ثُمَّ مَاتَ ، لَمْ يُنْزَعْ إنْ كَانَ طَاهِرًا .\rوَإِنْ كَانَ نَجِسًا فَأَمْكَنَ إزَالَتُهُ مِنْ غَيْرِ مُثْلَةٍ أُزِيلَ ؛ لِأَنَّهُ نَجَاسَةٌ مَقْدُورٌ عَلَى إزَالَتِهَا مِنْ غَيْرِ مَضَرَّةٍ .\rوَإِنْ أَفْضَى إلَى الْمُثْلَةِ لَمْ يُقْلَعْ ، وَصَارَ فِي حُكْمِ الْبَاطِنِ ، كَمَا لَوْ كَانَ حَيًّا .\rوَإِنْ كَانَ عَلَى الْمَيِّتِ جَبِيرَةٌ يُفْضِي نَزْعُهَا إلَى مُثْلَةٍ ، مُسِحَتْ كَمَسْحِ جَبِيرَةِ الْحَيِّ .\rوَإِنْ لَمْ يُفْضِ إلَى مُثْلَةٍ ، نُزِعَتْ فَغُسِلَ مَا تَحْتَهَا .\rقَالَ أَحْمَدُ ، فِي الْمَيِّتِ تَكُونُ أَسْنَانُهُ مَرْبُوطَةً بِذَهَبٍ : إنْ قَدَرَ عَلَى نَزْعِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَسْقُطَ بَعْضُ أَسْنَانِهِ نَزَعَهُ ، وَإِنْ خَافَ أَنْ يَسْقُطَ بَعْضُهَا تَرَكَهُ .\r( 1649 ) فَصْلٌ : وَمَنْ كَانَ مُشَنَّجًا ، أَوْ بِهِ حُدْبٌ ، أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ ، فَأَمْكَنَ تَمْدِيدُهُ بِالتَّلْيِينِ وَالْمَاءِ الْحَارِّ ، فُعِلَ ذَلِكَ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ إلَّا بِعُنْفٍ ، تَرَكَهُ بِحَالِهِ .\rفَإِنْ كَانَ عَلَى صِفَةٍ لَا يُمْكِنُ تَرْكُهُ عَلَى النَّعْشِ إلَّا عَلَى وَجْهٍ يَشْتَهِرُ بِالْمُثْلَةِ ، تُرِكَ فِي تَابُوتٍ ، أَوْ تَحْتَ مُكِبَّةٍ ، مِثْلُ مَا يُصْنَعُ بِالْمَرْأَةِ لِأَنَّهُ أَصْوَنُ لَهُ ، وَأَسْتَرُ لِحَالِهِ .\r( 1650 ) فَصْلٌ : وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُتْرَكَ فَوْقَ سَرِيرِ الْمَرْأَةِ شَيْءٌ مِنْ الْخَشَبِ أَوْ الْجَرِيدِ ، مِثْلُ الْقُبَّةِ ، يُتْرَكُ فَوْقَهُ ثَوْبٌ ؛ لِيَكُونَ أَسْتَرَ لَهَا .\rوَقَدْ رُوِيَ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَوَّلُ مَنْ صُنِعَ لَهَا ذَلِكَ بِأَمْرِهَا .","part":5,"page":34},{"id":2034,"text":"( 1651 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَيُسْتَحَبُّ تَعْزِيَةُ أَهْلِ الْمَيِّتِ ) لَا نَعْلَمُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ خِلَافًا ، إلَّا أَنَّ الثَّوْرِيَّ قَالَ : لَا تُسْتَحَبُّ التَّعْزِيَةُ بَعْدَ الدَّفْنِ ؛ لِأَنَّهُ خَاتِمَةُ أَمْرِهِ .\rوَلَنَا ، عُمُومُ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ { : مَنْ عَزَّى مُصَابًا ، فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ .\r} رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ .\rوَقَالَ : هُوَ حَدِيثٌ غَرِيبٌ .\rوَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ ، فِي \" سُنَنِهِ \" عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْن عَمْرو بْنِ حَزْمٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { مَا مِنْ مُؤْمِنٍ يُعَزِّي أَخَاهُ بِمُصِيبَةٍ ، إلَّا كَسَاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ حُلَلِ الْكَرَامَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ .\r} وَقَالَ أَبُو بَرْزَةَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ عَزَّى ثَكْلَى ، كُسِيَ بُرْدًا فِي الْجَنَّةِ .\r} قَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا لَيْسَ إسْنَادُهُ بِالْقَوِيِّ .\rوَالْمَقْصُودُ بِالتَّعْزِيَةِ تَسْلِيَةُ أَهْلِ الْمُصِيبَةِ ، وَقَضَاءُ حُقُوقِهِمْ ، وَالتَّقَرُّبُ إلَيْهِمْ ، وَالْحَاجَةُ إلَيْهَا بَعْدَ الدَّفْنِ كَالْحَاجَةِ إلَيْهَا قَبْلَهُ .","part":5,"page":35},{"id":2035,"text":"( 1652 ) فَصْلٌ : وَيُسْتَحَبُّ تَعْزِيَةُ جَمِيعِ أَهْلِ الْمُصِيبَةِ ، كِبَارِهِمْ وَصِغَارِهِمْ ، وَيَخُصُّ خِيَارَهُمْ ، وَالْمَنْظُورَ إلَيْهِ مِنْ بَيْنِهِمْ ؛ لِيَسْتَنَّ بِهِ غَيْرُهُ ، وَذَا الضَّعْفِ مِنْهُمْ عَنْ تَحَمُّلِ الْمُصِيبَةِ ، لِحَاجَتِهِ إلَيْهَا ، وَلَا يُعَزِّي الرَّجُلُ الْأَجْنَبِيُّ شَوَابَّ النِّسَاءِ ؛ مَخَافَةَ الْفِتْنَةِ .","part":5,"page":36},{"id":2036,"text":"( 1653 ) فَصْلٌ : وَلَا نَعْلَمُ فِي التَّعْزِيَةِ شَيْئًا مَحْدُودًا ، إلَّا أَنَّهُ يُرْوَى أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { عَزَّى رَجُلًا ، فَقَالَ : رَحِمَكَ اللَّهُ وَآجَرَكَ .\r} رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ .\rوَعَزَّى أَحْمَدُ أَبَا طَالِبٍ ، فَوَقَفَ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ فَقَالَ : أَعْظَمَ اللَّهُ أَجْرَكُمْ ، وَأَحْسَنَ عَزَاءَكُمْ .\rوَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا : إذَا عَزَّى مُسْلِمًا بِمُسْلِمٍ قَالَ : أَعْظَمَ اللَّهُ أَجْرَك ، وَأَحْسَنَ عَزَاك ، وَرَحِمَ اللَّهُ مَيِّتَك .\rوَاسْتَحَبَّ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنْ يَقُولَ مَا رَوَى جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، قَالَ : { لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجَاءَتْ التَّعْزِيَةُ ، سَمِعُوا قَائِلًا يَقُولُ : إنَّ فِي اللَّهِ عَزَاءً مِنْ كُلِّ مُصِيبَةٍ ، وَخَلَفًا مِنْ كُلِّ هَالِكٍ ، وَدَرَكًا مِنْ كُلِّ مَا فَاتَ ، فَبِاَللَّهِ فَثِقُوا ، وَإِيَّاهُ فَارْجُوا ، فَإِنَّ الْمُصَابَ مَنْ حُرِمَ الثَّوَابَ .\r} رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ ، فِي \" مُسْنَدِهِ \" وَإِنْ عَزَّى مُسْلِمًا بِكَافِرٍ ، قَالَ : أَعْظَمَ اللَّهُ أَجْرَك ، وَأَحْسَنَ عَزَاءَك .","part":5,"page":37},{"id":2037,"text":"( 1654 ) فَصْلٌ : وَتَوَقَّفَ أَحْمَدُ ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، عَنْ تَعْزِيَةِ أَهْلِ الذِّمَّةِ ، وَهِيَ تُخَرَّجُ عَلَى عِيَادَتِهِمْ ، وَفِيهَا رِوَايَتَانِ : إحْدَاهُمَا ، لَا نَعُودُهُمْ ، فَكَذَلِكَ لَا نُعَزِّيهِمْ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا تَبْدَءُوهُمْ بِالسَّلَامِ .\r} وَهَذَا فِي مَعْنَاهُ .\rوَالثَّانِيَةُ ، نَعُودُهُمْ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَتَى غُلَامًا مِنْ الْيَهُودِ كَانَ مَرِضَ يَعُودُهُ ، فَقَعَدَ عِنْدَ رَأْسِهِ ، فَقَالَ لَهُ : أَسْلِمْ .\rفَنَظَرَ إلَى أَبِيهِ وَهُوَ عِنْدَ رَأْسِهِ ، فَقَالَ لَهُ : أَطِعْ أَبَا الْقَاسِمِ .\rفَأَسْلَمَ ، فَقَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَقُولُ : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْقَذَهُ بِي مِنْ النَّارِ .\r} رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ .\rفَعَلَى هَذَا نُعَزِّيهِمْ فَنَقُولُ فِي تَعْزِيَتِهِمْ بِمُسْلِمٍ : أَحْسَنَ اللَّهُ عَزَاءَك ، وَغَفَرَ لِمَيِّتِك .\rوَعَنْ كَافِرٍ : أَخْلَفَ اللَّهُ عَلَيْك ، وَلَا نَقَصَ عَدَدَك .\rوَيَقْصِدُ زِيَادَةَ عَدَدِهِمْ لِتَكْثُرَ جِزْيَتُهُمْ .\rوَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ بَطَّةَ ، يَقُولُ : أَعْطَاك اللَّهُ عَلَى مُصِيبَتِك أَفْضَلَ مَا أَعْطَى أَحَدًا مِنْ أَهْلِ دِينِك .\rفَأَمَّا الرَّدُّ مِنْ الْمُعَزَّى ، فَبَلَغَنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ الْحُسَيْنِ ، قَالَ : سَمِعْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ، وَهُوَ يُعَزِّي فِي عَبْثَرٍ ابْنِ عَمِّهِ ، وَهُوَ يَقُولُ : اسْتَجَابَ اللَّهُ دُعَاك ، وَرَحِمَنَا وَإِيَّاكَ .","part":5,"page":38},{"id":2038,"text":"( 1655 ) فَصْلٌ : قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : يُكْرَهُ الْجُلُوسُ لِلتَّعْزِيَةِ .\rوَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ : يُكْرَهُ الِاجْتِمَاعُ بَعْدَ خُرُوجِ الرُّوحِ ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَهْيِيجًا لِلْحُزْنِ .\rوَقَالَ أَحْمَدُ : أَكْرَهُ التَّعْزِيَةَ عِنْدَ الْقَبْرِ ، إلَّا لِمَنْ لَمْ يُعَزِّ ، فَيُعَزِّي إذَا دُفِنَ الْمَيِّتُ ، أَوْ قَبْلَ أَنْ يُدْفَنَ .\rوَقَالَ : إنْ شِئْت أَخَذْت بِيَدِ الرَّجُلِ فِي التَّعْزِيَةِ ، وَإِنْ شِئْت لَمْ تَأْخُذْ .\rوَإِذَا رَأَى الرَّجُلَ قَدْ شَقَّ ثَوْبَهُ عَلَى الْمُصِيبَةِ عَزَّاهُ ، وَلَمْ يَتْرُكْ حَقًّا لِبَاطِلٍ ، وَإِنْ نَهَاهُ فَحَسَنٌ .","part":5,"page":39},{"id":2039,"text":"( 1656 ) مَسْأَلَةٌ ؛ ( قَالَ : وَالْبُكَاءُ غَيْرُ مَكْرُوهٍ ، إذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ نَدْبٌ وَلَا نِيَاحَةٌ ) أَمَّا الْبُكَاءُ بِمُجَرَّدِهِ فَلَا يُكْرَهُ فِي حَالٍ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يُبَاحُ إلَى أَنْ تَخْرُجَ الرُّوحُ ، وَيُكْرَهُ بَعْدَ ذَلِكَ ؛ لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَتِيكٍ قَالَ : { جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ثَابِتٍ يَعُودُهُ ، فَوَجَدَهُ قَدْ غُلِبَ فَصَاحَ بِهِ فَلَمْ يُجِبْهُ ، فَاسْتَرْجَعَ ، وَقَالَ : غُلِبْنَا عَلَيْك أَبَا الرَّبِيعِ .\rفَصَاحَ النِّسْوَةُ ، وَبَكَيْنَ ، فَجَعَلَ ابْنُ عَتِيكٍ يُسْكِتُهُنَّ .\rفَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : دَعْهُنَّ ، فَإِذَا وَجَبَ فَلَا تَبْكِينَ بَاكِيَةٌ .\r} يَعْنِي إذَا مَاتَ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى أَنَسٌ ، قَالَ : { شَهِدْنَا بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَالِسٌ عَلَى الْقَبْرِ ، فَرَأَيْت عَيْنَيْهِ تَدْمَعَانِ } .\r{ وَقَبَّلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عُثْمَانَ بْنَ مَظْعُونٍ وَهُوَ مَيِّتٌ ، وَرَفَعَ رَأْسَهُ ، وَعَيْنَاهُ تُهْرَاقَانِ } .\rوَقَالَ أَنَسٌ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { أَخَذَ الرَّايَةَ زَيْدٌ فَأُصِيبَ ، ثُمَّ أَخَذَهَا جَعْفَرٌ فَأُصِيبَ ، ثُمَّ أَخَذَهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ فَأُصِيبَ وَإِنَّ عَيْنَيْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَتَذْرِفَانِ } وَقَالَتْ عَائِشَةُ : دَخَلَ أَبُو بَكْرٍ ، فَكَشَفَ عَنْ وَجْهِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَبَّلَهُ ، ثُمَّ بَكَى .\rوَكُلُّهَا أَحَادِيثُ صِحَاحٌ .\rوَرَوَى الْأُمَوِيُّ ، فِي \" الْمَغَازِي \" ، عَنْ عَائِشَةَ ، أَنَّ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ لَمَّا مَاتَ ، جَعَلَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ يَنْتَحِبَانِ ، حَتَّى اخْتَلَطَتْ عَلَيَّ أَصْوَاتُهُمَا .\rوَرُوِيَ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ عَلَى سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ ، وَهُوَ فِي غَاشِيَتِهِ ، فَبَكَى ، وَبَكَى أَصْحَابُهُ ، وَقَالَ : أَلَا تَسْمَعُونَ ؟ إنَّ اللَّهَ لَا يُعَذِّبُ بِدَمْعِ الْعَيْنِ","part":5,"page":40},{"id":2040,"text":"، وَلَا بِحُزْنِ الْقَلْبِ ، وَلَكِنْ يُعَذِّبُ بِهَذَا ، وَأَشَارَ إلَى لِسَانِهِ .\rأَوْ يَرْحَمُ .\r} وَعَنْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، { أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى ابْنِهِ إبْرَاهِيمَ ، وَهُوَ يَجُودُ بِنَفْسِهِ ، فَجَعَلَتْ عَيْنَا رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَذْرِفَانِ ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ : وَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ فَقَالَ : يَا ابْنَ عَوْفٍ إنَّهَا رَحْمَةٌ .\rثُمَّ أَتْبَعَهَا بِأُخْرَى ، فَقَالَ : إنَّ الْعَيْنَ تَدْمَعُ ، وَالْقَلْبَ يَحْزَنُ ، وَلَا نَقُولُ إلَّا مَا يُرْضِي رَبَّنَا ، وَإِنَّا بِفِرَاقِك يَا إبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ .\r} مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا .\rوَحَدِيثُهُمْ مَحْمُولٌ عَلَى رَفْعِ الصَّوْتِ وَالنَّدْبِ وَشِبْهِهِمَا ، بِدَلِيلِ مَا رَوَى جَابِرٌ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخَذَ ابْنَهُ ، فَوَضَعَهُ فِي حِجْرِهِ ، فَبَكَى ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ : أَتَبْكِي ؟ أَوْ لَمْ تَكُنْ نَهَيْت عَنْ الْبُكَاءِ ؟ قَالَ : لَا ، وَلَكِنْ نَهَيْت عَنْ صَوْتَيْنِ أَحْمَقَيْنِ فَاجِرَيْنِ ؛ صَوْتٍ عِنْدَ مُصِيبَةٍ ، وَخَمْشِ وُجُوهٍ ، وَشَقِّ جُيُوبٍ ، وَرَنَّةِ شَيْطَانٍ .\r} قَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ .\rوَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَنْهَ عَنْ مُطْلَقِ الْبُكَاءِ ، وَإِنَّمَا نَهَى عَنْهُ مَوْصُوفًا بِهَذِهِ الصِّفَاتِ .\rوَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : مَا عَلَى نِسَاءِ بَنِي الْمُغِيرَة أَنْ يَبْكِينَ عَلَى أَبِي سُلَيْمَانَ ، مَا لَمْ يَكُنْ نَقْعٌ أَوْ لَقْلَقَةٌ .\rقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : اللَّقْلَقَةُ : رَفْعُ الصَّوْتِ ، وَالنَّقْعُ : التُّرَابُ يُوضَعُ عَلَى الرَّأْسِ .","part":5,"page":41},{"id":2041,"text":"( 1657 ) فَصْلٌ : وَأَمَّا النَّدْبُ فَهُوَ تَعْدَادُ مَحَاسِنِ الْمَيِّتِ ، وَمَا يَلْقَوْنَ بِفَقْدِهِ بِلَفْظِ النِّدَاءِ ؛ إلَّا أَنَّهُ يَكُونُ بِالْوَاوِ مَكَانَ الْيَاءِ ، وَرُبَّمَا زِيدَتْ فِيهِ الْأَلْفُ وَالْهَاءُ ، مِثْلُ قَوْلِهِمْ : وَارَجُلَاه وَاجَبَلَاه ، وَانْقِطَاعُ ظَهْرَاهُ .\rوَأَشْبَاهُ هَذَا .\rوَالنِّيَاحَةُ ، وَخَمْشُ الْوُجُوهِ ، وَشَقُّ الْجُيُوبِ ، وَضَرْبُ الْخُدُودِ ، وَالدُّعَاءُ بِالْوَيْلِ وَالثُّبُورِ ، فَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا : هُوَ مَكْرُوهٌ .\rوَنَقَلَ حَرْبٌ عَنْ أَحْمَدَ كَلَامًا فِيهِ احْتِمَالُ إبَاحَةِ النَّوْحِ وَالنَّدْبِ .\rوَاخْتَارَهُ الْخَلَّالُ وَصَاحِبُهُ ؛ لِأَنَّ وَاثِلَةَ بْنَ الْأَسْقَعِ ، وَأَبَا وَائِلٍ ، كَانَا يَسْتَمِعَانِ النَّوْحَ وَيَبْكِيَانِ .\rوَقَالَ أَحْمَدُ : إذَا ذَكَرَتْ الْمَرْأَةُ مِثْلَ مَا حُكِيَ عَنْ فَاطِمَةَ ، فِي مِثْلِ الدُّعَاءِ ، لَا يَكُونُ مِثْلَ النَّوْحِ .\rيَعْنِي لَا بَأْسَ بِهِ .\rوَرَوَى الْبُخَارِيُّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ فَاطِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ : يَا أَبَتَاهُ ، مِنْ رَبِّهِ مَا أَدْنَاهُ ، يَا أَبَتَاهُ ، إلَى جِبْرِيلَ أَنْعَاهُ ، يَا أَبَتَاهُ ، أَجَابَ رَبًّا دَعَاهُ .\rوَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ فَاطِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَخَذَتْ قَبْضَةً مِنْ تُرَابِ قَبْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَوَضَعَتْهَا عَلَى عَيْنِهَا ، ثُمَّ قَالَتْ : مَاذَا عَلَى مُشْتَمِّ تُرْبَةِ أَحْمَدَ أَنْ لَا يَشَمَّ مَدَى الزَّمَانِ غَوَالِيَا صُبَّتْ عَلَيَّ مُصِيبَةٌ لَوْ أَنَّهَا صُبَّتْ عَلَى الْأَيَّامِ عُدْنَ لَيَالِيَا وَظَاهِرُ الْأَخْبَارِ تَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِ النَّوْحِ ، وَهَذِهِ الْأَشْيَاءِ الْمَذْكُورَة ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْهَا فِي حَدِيثِ جَابِرٍ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ } .\rقَالَ أَحْمَدُ : هُوَ النَّوْحُ .\r{ وَلَعَنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّائِحَةَ وَالْمُسْتَمِعَةَ } .\rوَقَالَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ : { أَخَذَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ الْبَيْعَةِ أَنْ لَا نَنُوحَ } .","part":5,"page":42},{"id":2042,"text":"مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَعَنْ أَبِي مُوسَى ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَرِئَ مِنْ الصَّالِقَةِ ، وَالْحَالِقَةِ ، وَالشَّاقَّةِ .\rوَالصَّالِقَةُ : الَّتِي تَرْفَعُ صَوْتَهَا .\rوَعَنْ ابْن مَسْعُودٍ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الْخُدُودَ ، وَشَقَّ الْجُيُوبَ ، وَدَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَلِأَنَّ ذَلِكَ يُشْبِهُ التَّظَلُّمَ وَالِاسْتِغَاثَةَ وَالسَّخَطَ بِقَضَاءِ اللَّهِ ، وَفِي بَعْضِ الْآثَارِ : إنَّ أَهْلَ الْبَيْتِ إذَا دَعَوْا بِالْوَيْلِ وَالثُّبُورِ ، وَقَفَ مَلَكُ الْمَوْتِ فِي عَتَبَةِ الْبَابِ ، وَقَالَ : إنْ كَانَتْ صَيْحَتُكُمْ عَلَيَّ فَإِنِّي مَأْمُورٌ ، وَإِنْ كَانَتْ عَلَى مَيِّتِكُمْ فَإِنَّهُ مَقْبُورٌ ، وَإِنْ كَانَتْ عَلَى رَبِّكُمْ فَالْوَيْلُ لَكُمْ وَالثُّبُورُ ، وَإِنَّ لِي فِيكُمْ عَوْدَاتٍ ثُمَّ عَوْدَاتٍ .\rوَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إذَا حَضَرْتُمْ الْمَيِّتَ ، فَقُولُوا خَيْرًا ؛ فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ يُؤَمِّنُونَ عَلَى مَا تَقُولُونَ } .","part":5,"page":43},{"id":2043,"text":"( 1658 ) فَصْلٌ : وَقَدْ صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { إنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ فِي قَبْرِهِ بِمَا يُنَاحُ عَلَيْهِ } .\rوَفِي لَفْظٍ : { إنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ } .\rوَرَوَى ذَلِكَ عُمَرُ وَابْنُهُ ، وَالْمُغِيرَةُ ، وَهِيَ أَحَادِيثُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا .\rوَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي مَعْنَاهَا ، فَحَمَلَهَا قَوْمٌ عَلَى ظَوَاهِرِهَا ؛ وَقَالُوا : يَتَصَرَّفُ اللَّهُ فِي خَلْقِهِ بِمَا شَاءَ ، وَأَيَّدُوا ذَلِكَ بِمَا رَوَى أَبُو مُوسَى ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { مَا مِنْ مَيِّتٍ يَمُوتُ ، فَيَقُومُ بَاكِيهِمْ فَيَقُولُ : وَاجَبَلَاهْ ، وَاسَنَدَاهْ ، وَنَحْوَ ذَلِكَ ، إلَّا وَكَّلَ اللَّهُ بِهِ مَلَكَيْنِ يَلْهَزَانِهِ : أَهَكَذَا كُنْت ؟ } .\rقَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ .\rوَرَوَى النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ ، قَالَ : أُغْمِيَ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ ، فَجَعَلَتْ أُخْتُهُ عَمْرَةُ تَبْكِي ، وَتَقُولُ : وَا جَبَلَاهْ ، وَا كَذَا وَا كَذَا .\rتُعَدِّدُ عَلَيْهِ .\rفَقَالَ حِينَ أَفَاقَ : مَا قُلْت لِي شَيْئًا إلَّا قِيلَ لِي : أَنْتَ كَذَلِكَ ؟ فَلَمَّا مَاتَ لَمْ تَبْكِ عَلَيْهِ .\rأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ .\rوَأَنْكَرَتْ عَائِشَةُ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا حَمْلَهَا عَلَى ظَاهِرِهَا ، وَوَافَقَهَا ابْنُ عَبَّاسٍ ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : ذَكَرْت ذَلِكَ لِعَائِشَةَ فَقَالَتْ : يَرْحَمُ اللَّهُ عُمَرَ ، وَاَللَّهِ مَا حَدَّثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إنَّ اللَّهَ لَيُعَذِّبُ الْمُؤْمِنَ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ } .\rوَلَكِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { إنَّ اللَّهَ لَيَزِيدُ الْكَافِرَ عَذَابًا بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ } .\rوَقَالَتْ : حَسْبُكُمْ الْقُرْآنُ : { وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى } .\rقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ عِنْدَ ذَلِكَ : وَاَللَّهُ أَضْحَكَ وَأَبْكَى .\rوَذَكَرَ ذَلِكَ ابْنُ عَبَّاسٍ لِابْنِ عُمَرَ حِينَ رَوَى حَدِيثَهُ ، فَمَا قَالَ شَيْئًا .\rرَوَاهُ مُسْلِمٌ .\rوَحَمَلَهُ قَوْمٌ عَلَى مَنْ كَانَ النَّوْحُ سُنَّتَهُ ، وَلَمْ يَنْهَ أَهْلَهُ ؛","part":5,"page":44},{"id":2044,"text":"لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا } .\rوَقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { كُلُّكُمْ رَاعٍ ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ } .\rوَحَمَلَهُ آخَرُونَ عَلَى مَنْ أَوْصَى بِذَلِكَ فِي حَيَاتِهِ ، كَقَوْلِ طَرَفَةَ : إذَا مِتُّ فَانْعِينِي بِمَا أَنَا أَهْلُهُ وَشِقِّي عَلَيَّ الْجَيْبَ يَا ابْنَةَ مَعْبَدِ وَقَالَ آخَرُ : مَنْ كَانَ مِنْ أُمَّهَاتِي بَاكِيًا أَبَدًا فَالْيَوْمَ إنِّي أَرَانِي الْيَوْمَ مَقْبُوضًا يُسْمِعْنَنِيهِ فَإِنِّي غَيْرُ سَامِعِهِ إذَا جُعِلْت عَلَى الْأَعْنَاقِ مَعْرُوضًا وَلَا بُدَّ مِنْ حَمْلِ الْبُكَاءِ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ عَلَى الْبُكَاءِ غَيْرِ الْمَشْرُوعِ ، وَهُوَ الَّذِي مَعَهُ نَدْبٌ وَنِيَاحَةٌ وَنَحْوُ هَذَا ، بِدَلِيلِ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ الْأَحَادِيثِ فِي صَدْرِ الْمَسْأَلَةِ .","part":5,"page":45},{"id":2045,"text":"( 1659 ) فَصْلٌ : وَيَنْبَغِي لِلْمُصَابِ أَنْ يَسْتَعِينَ بِاَللَّهِ تَعَالَى ، وَيَتَعَزَّى بِعَزَائِهِ ، وَيَمْتَثِلَ أَمْرَهُ فِي الِاسْتِعَانَةِ بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ، وَيَتَنَجَّزَ مَا وَعَدَ اللَّهُ بِهِ الصَّابِرِينَ ، حَيْثُ يَقُولُ سُبْحَانَهُ : { وَبَشِّرْ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمْ الْمُهْتَدُونَ } .\rوَرَوَى مُسْلِمٌ ، فِي \" صَحِيحِهِ \" ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ : سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : { مَا مِنْ عَبْدٍ تُصِيبُهُ مُصِيبَةٌ ، فَيَقُولُ : إنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ ، اللَّهُمَّ اُؤْجُرْنِي فِي مُصِيبَتِي ، وَاخْلُفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا .\rإلَّا أَجَرَهُ اللَّهُ فِي مُصِيبَتِهِ ، وَأَخْلَفَ لَهُ خَيْرًا مِنْهَا } قَالَتْ : فَلَمَّا مَاتَ أَبُو سَلَمَةَ ، قُلْت كَمَا أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْلَفَ لِي خَيْرًا مِنْهُ ، رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rوَلْيَحْذَرْ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِشَيْءٍ يُحْبِطُ أَجْرَهُ ، وَيُسْخِطُ رَبَّهُ ، مِمَّا يُشْبِهُ التَّظَلُّمَ وَالِاسْتِغَاثَةَ ، فَإِنَّ اللَّهَ عَدْلٌ لَا يَجُورُ ، وَلَهُ مَا أَخَذَ وَلَهُ مَا أَعْطَى ، وَهُوَ الْفَعَّالُ لِمَا يُرِيدُ ، فَلَا يَدْعُو عَلَى نَفْسِهِ ، فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ، لَمَّا مَاتَ أَبُو سَلَمَةَ : { لَا تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ إلَّا بِخَيْرٍ ؛ فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ يُؤَمِّنُونَ عَلَى مَا تَقُولُونَ } .\rوَيَحْتَسِبُ ثَوَابَ اللَّهِ تَعَالَى وَيَحْمَدُهُ ؛ لِمَا رَوَى أَبُو مُوسَى ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { إذَا مَاتَ وَلَدُ الْعَبْدِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِمَلَائِكَتِهِ : قَبَضْتُمْ وَلَدَ عَبْدِي ؟ فَيَقُولُونَ : نَعَمْ .\rفَيَقُولُ : قَبَضْتُمْ ثَمَرَةَ فُؤَادِهِ ؟ فَيَقُولُونَ : نَعَمْ .\rفَيَقُولُ : مَاذَا قَالَ عَبْدِي ؟ فَيَقُولُونَ : حَمِدَك ، وَاسْتَرْجَعَ .\rفَيَقُولُ : ابْنُوا لِعَبْدِي بَيْتًا فِي","part":5,"page":46},{"id":2046,"text":"الْجَنَّةِ ، وَسَمُّوهُ بَيْتَ الْحَمْدِ } .\rقَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ .","part":5,"page":47},{"id":2047,"text":"( 1660 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَلَا بَأْسَ أَنْ يُصْلِحَ لِأَهْلِ الْمَيِّتِ طَعَامًا ، يَبْعَثُ بِهِ إلَيْهِمْ ، وَلَا يُصْلِحُونَ هُمْ طَعَامًا يُطْعِمُونَ النَّاسَ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ إصْلَاحُ طَعَامٍ لِأَهْلِ الْمَيِّتِ ، يَبْعَثُ بِهِ إلَيْهِمْ ، إعَانَةً لَهُمْ ، وَجَبْرًا لِقُلُوبِهِمْ ؛ فَإِنَّهُمْ رُبَّمَا اشْتَغَلُوا بِمُصِيبَتِهِمْ وَبِمَنْ يَأْتِي إلَيْهِمْ عَنْ إصْلَاحِ طَعَامٍ لَأَنْفُسِهِمْ .\rوَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد ، فِي \" سُنَنِهِ \" ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ ، قَالَ : لَمَّا جَاءَ نَعْيُ جَعْفَرٍ ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { اصْنَعُوا لِآلِ جَعْفَرٍ طَعَامًا ؛ فَإِنَّهُ قَدْ أَتَاهُمْ أَمْرٌ شَغَلَهُمْ } .\rوَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ ، أَنَّهُ قَالَ : فَمَازَالَتْ السُّنَّةُ فِينَا ، حَتَّى تَرَكَهَا مَنْ تَرَكَهَا .\rفَأَمَّا صُنْعُ أَهْلِ الْمَيِّتِ طَعَامًا لِلنَّاسِ ، فَمَكْرُوهٌ ؛ لِأَنَّ فِيهِ زِيَادَةً عَلَى مُصِيبَتِهِمْ ، وَشُغْلًا لَهُمْ إلَى شُغْلِهِمْ ، وَتَشَبُّهًا بِصُنْعِ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ .\rوَرُوِيَ أَنَّ جَرِيرًا وَفَدَ عَلَى عُمَرَ ، فَقَالَ : هَلْ يُنَاحُ عَلَى مَيِّتِكُمْ ؟ قَالَ : لَا .\rقَالَ : فَهَلْ يَجْتَمِعُونَ عِنْدَ أَهْلِ الْمَيِّتِ ، وَيَجْعَلُونَ الطَّعَامَ ؟ قَالَ : نَعَمْ .\rقَالَ : ذَاكَ النَّوْحُ .\rوَإِنْ دَعَتْ الْحَاجَةُ إلَى ذَلِكَ جَازَ ؛ فَإِنَّهُ رُبَّمَا جَاءَهُمْ مَنْ يَحْضُرُ مَيِّتَهُمْ مِنْ الْقُرَى وَالْأَمَاكِنِ الْبَعِيدَةِ ، وَيَبِيتُ عِنْدَهُمْ ، وَلَا يُمْكِنُهُمْ إلَّا أَنْ يُضَيِّفُوهُ .","part":5,"page":48},{"id":2048,"text":"( 1661 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَالْمَرْأَةُ إذَا مَاتَتْ ، وَفِي بَطْنِهَا وَلَدٌ يَتَحَرَّكُ ، فَلَا يُشَقُّ بَطْنُهَا ، وَيَسْطُو عَلَيْهِ الْقَوَابِلُ ، فَيُخْرِجْنَهُ ) مَعْنَى \" يَسْطُو الْقَوَابِلُ \" أَنْ يُدْخِلْنَ أَيْدِيَهُنَّ فِي فَرْجِهَا ، فَيُخْرِجْنَ الْوَلَدَ مِنْ مَخْرَجِهِ .\rوَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَا يُشَقُّ بَطْنُ الْمَيِّتَةِ لِإِخْرَاجِ وَلَدِهَا ، مُسْلِمَةً كَانَتْ أَوْ ذِمِّيَّةً ، وَتُخْرِجُهُ الْقَوَابِلُ إنْ عُلِمَتْ حَيَاتُهُ بِحَرَكَةٍ .\rوَإِنْ لَمْ يُوجَدْ نِسَاءٌ لَمْ يَسْطُ الرِّجَالُ عَلَيْهِ ، وَتُتْرَكُ أُمُّهُ حَتَّى يُتَيَقَّنُ مَوْتُهُ ، ثُمَّ تُدْفَنُ .\rوَمَذْهَبُ مَالِكٍ ، وَإِسْحَاقَ قَرِيبٌ مِنْ هَذَا .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يُشَقَّ بَطْنُ الْأُمِّ ، إنْ غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ أَنَّ الْجَنِينَ يَحْيَا ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ إتْلَافُ جُزْءٍ مِنْ الْمَيِّتِ لِإِبْقَاءِ حَيٍّ ، فَجَازَ ، كَمَا لَوْ خَرَجَ بَعْضُهُ حَيًّا ، وَلَمْ يُمْكِنْ خُرُوجُ بَقِيَّتِهِ إلَّا بِشَقٍّ ، وَلِأَنَّهُ يُشَقُّ لِإِخْرَاجِ الْمَالِ مِنْهُ ، فَلِإِبْقَاءِ الْحَيِّ أَوْلَى .\rوَلَنَا ، أَنَّ هَذَا الْوَلَدَ لَا يَعِيشُ عَادَةً ، وَلَا يَتَحَقَّقُ أَنَّهُ يَحْيَا ، فَلَا يَجُوزُ هَتْكُ حُرْمَةٍ مُتَيَقَّنَةٍ لَأَمْرٍ مَوْهُومٍ ، وَقَدْ قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { كَسْرُ عَظْمِ الْمَيِّتِ كَكَسْرِ عَظْمِ الْحَيِّ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَفِيهِ مُثْلَةٌ ، وَقَدْ { نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْمُثْلَةِ } .\rوَفَارَقَ الْأَصْلَ ؛ فَإِنَّ حَيَاتَهُ مُتَيَقَّنَةٌ ، وَبَقَاءَهُ مَظْنُونٌ ، فَعَلَى هَذَا إنْ خَرَجَ بَعْضُ الْوَلَدِ حَيًّا ، وَلَمْ يُمْكِنْ إخْرَاجُهُ إلَّا بِشَقٍّ ، شُقَّ الْمَحَلُّ ، وَأُخْرِجَ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا .\rوَإِنْ مَاتَ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ ، فَأَمْكَنَ إخْرَاجُهُ ، أُخْرِجَ وَغُسِّلَ .\rوَإِنْ تَعَذَّرَ غُسْلُهُ تُرِكَ ، وَغُسِّلَتْ الْأُمُّ ، وَمَا ظَهَرَ مِنْ الْوَلَدِ ، وَمَا بَقِيَ فَفِي حُكْمِ الْبَاطِنِ لَا يَحْتَاجُ إلَى التَّيَمُّمِ مِنْ أَجْلِهِ ؛ لِأَنَّ الْجَمِيعَ كَانَ فِي حُكْمِ الْبَاطِنِ ، فَظَهَرَ الْبَعْضُ ، فَتَعَلَّقَ بِهِ الْحُكْمُ ، وَمَا بَقِيَ فَهُوَ عَلَى","part":5,"page":49},{"id":2049,"text":"مَا كَانَ عَلَيْهِ .\rذَكَرَ هَذَا ابْنُ عَقِيلٍ .\rوَقَالَ : هِيَ حَادِثَةٌ سُئِلْت عَنْهَا ، فَأَفْتَيْت فِيهَا .","part":5,"page":50},{"id":2050,"text":"( 1662 ) فَصْلٌ : وَإِنْ بَلَعَ الْمَيِّتُ مَالًا ، لَمْ يَخْلُ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ ، فَإِنْ كَانَ لَهُ لَمْ يُشَقَّ بَطْنُهُ ؛ لِأَنَّهُ اسْتَهْلَكَهُ فِي حَيَاتِهِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ إنْ كَانَ يَسِيرًا تُرِكَ ، وَإِنْ كَثُرَتْ قِيمَتُهُ ، شُقَّ بَطْنُهُ وَأُخْرِجَ ؛ لِأَنَّ فِيهِ حِفْظَ الْمَالِ عَنْ الضَّيَاعِ ، وَنَفْعَ الْوَرَثَةِ الَّذِينَ تَعَلَّقَ حَقُّهُمْ بِمَالِهِ بِمَرَضِهِ .\rوَإِنْ كَانَ الْمَالُ لِغَيْرِهِ ، وَابْتَلَعَهُ بِإِذْنِهِ ، فَهُوَ كَمَالِهِ ؛ لِأَنَّ صَاحِبَهُ أَذِنَ فِي إتْلَافِهِ .\rوَإِنْ بَلَعَهُ غَصْبًا فَفِيهِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا ، لَا يُشَقُّ بَطْنُهُ ، وَيُغَرَّمُ مِنْ تَرِكَتِهِ ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يُشَقَّ مِنْ أَجْلِ الْوَلَدِ الْمَرْجُوِّ حَيَاتُهُ ، فَمِنْ أَجْلِ الْمَالِ أَوْلَى .\rوَالثَّانِي ، يُشَقُّ إنْ كَانَ كَثِيرًا ؛ لِأَنَّ فِيهِ دَفْعَ الضَّرَرِ عَنْ الْمَالِكِ بِرَدِّ مَالِهِ إلَيْهِ ، وَعَنْ الْمَيِّتِ بِإِبْرَاءِ ذِمَّتِهِ ، وَعَنْ الْوَرَثَةِ بِحِفْظِ التَّرِكَةِ لَهُمْ .\rوَيُفَارِقُ الْجَنِينَ مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا ، أَنَّهُ لَا يَتَحَقَّقُ حَيَاتَهُ .\rوَالثَّانِي ، أَنَّهُ مَا حَصَلَ بِجِنَايَتِهِ .\rفَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ الْأَوَّلِ إذَا بَلِيَ جَسَدُهُ ، وَغَلَبَ عَلَى الظَّنِّ ظُهُورُ الْمَالِ ، وَتَخَلُّصُهُ مِنْ أَعْضَاءِ الْمَيِّتِ ، جَازَ نَبْشُهُ وَإِخْرَاجُهُ .\rوَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { إنَّ هَذَا قَبْرُ أَبِي رِغَالٍ ، وَآيَةُ ذَلِكَ أَنَّ مَعَهُ غُصْنًا مِنْ ذَهَبٍ ، إنْ أَنْتُمْ نَبَشْتُمْ عَنْهُ أَصَبْتُمُوهُ مَعَهُ } .\rفَابْتَدَرَهُ النَّاسُ ، فَاسْتَخْرَجُوا الْغُصْنَ .\rوَلَوْ كَانَ فِي أُذُنِ الْمَيِّتِ حَلَقٌ ، أَوْ فِي أُصْبُعِهِ خَاتَمٌ أُخِذَ .\rفَإِنْ صَعُبَ أَخْذُهُ ، بُرِدَ ، وَأُخِذَ ؛ لِأَنَّ تَرْكَهُ تَضْيِيعٌ لِلْمَالِ .","part":5,"page":51},{"id":2051,"text":"( 1663 ) فَصْلٌ : وَإِنْ وَقَعَ فِي الْقَبْرِ مَا لَهُ قِيمَةٌ ، نُبِشَ وَأُخْرِجَ .\rقَالَ أَحْمَدُ : إذَا نَسِيَ الْحَفَّارُ مِسْحَاتَهُ فِي الْقَبْرِ ، جَازَ أَنْ يَنْبُشَ عَنْهَا .\rوَقَالَ فِي الشَّيْءِ يَسْقُطُ فِي الْقَبْرِ ، مِثْلُ الْفَأْسِ وَالدَّرَاهِمِ : يُنْبَشُ .\rقَالَ : إذَا كَانَ لَهُ قِيمَةٌ .\rيَعْنِي يُنْبَشُ .\rقِيلَ : فَإِنْ أَعْطَاهُ أَوْلِيَاءُ الْمَيِّتِ ؟ قَالَ : إنْ أَعْطَوْهُ حَقَّهُ أَيَّ شَيْءٍ يُرِيدُ ، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ طُرِحَ خَاتَمُهُ فِي قَبْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ قَالَ : خَاتَمِي .\rفَفُتِحَ مَوْضِعٌ مِنْهُ ، فَأَخَذَ الْمُغِيرَةُ خَاتَمَهُ ، فَكَانَ يَقُولُ : أَنَا أَقْرَبُكُمْ عَهْدًا بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .","part":5,"page":52},{"id":2052,"text":"( 1664 ) فَصْلٌ : وَإِنْ دُفِنَ مِنْ غَيْرِ غُسْلٍ ، أَوْ إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ ، نُبِشَ ، وَغُسِّلَ ، وَوُجِّهَ ، إلَّا أَنْ يُخَافَ عَلَيْهِ أَنْ يَتَفَسَّخَ ، فَيُتْرَكَ .\rوَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي ثَوْرٍ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يُنْبَشُ ؛ لِأَنَّ النَّبْشَ مُثْلَةٌ ، وَقَدْ نُهِيَ عَنْهَا .\rوَلَنَا ، أَنَّ الصَّلَاةَ تَجِبُ وَلَا تَسْقُطُ بِذَلِكَ ، كَإِخْرَاجِ مَا لَهُ قِيمَةٌ .\rوَقَوْلُهُمْ : إنَّ النَّبْشَ مُثْلَةٌ .\rقُلْنَا : إنَّمَا هُوَ مُثْلَةٌ فِي حَقِّ مَنْ يُقْبَرُ وَلَا يُنْبَشُ .","part":5,"page":53},{"id":2053,"text":"( 1665 ) فَصْلٌ : وَإِنْ دُفِنَ قَبْلَ الصَّلَاةِ ، فَعَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ يُنْبَشُ ، وَيُصَلَّى عَلَيْهِ .\rوَعَنْهُ أَنَّهُ إنْ صُلِّيَ عَلَى الْقَبْرِ جَازَ .\rوَاخْتَارَ الْقَاضِي أَنَّهُ يُصَلَّى عَلَى الْقَبْرِ وَلَا يُنْبَشُ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { صَلَّى عَلَى قَبْرِ الْمِسْكِينَةِ وَلَمْ يَنْبُشْهَا } .\rوَوَجْهُ الْأَوَّلِ أَنَّهُ دُفِنَ قَبْلَ وَاجِبٍ ، فَنُبِشَ ، كَمَا لَوْ دُفِنَ مِنْ غَيْرِ غُسْلٍ ، وَإِنَّمَا يُصَلَّى عَلَى الْقَبْرِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ .\rوَأَمَّا الْمِسْكِينَةُ فَقَدْ كَانَتْ صُلِّيَ عَلَيْهَا ، وَلَمْ تَبْقَ الصَّلَاةُ عَلَيْهَا وَاجِبَةً ، فَلَمْ تُنْبَشْ لِذَلِكَ .\rفَأَمَّا إنْ تَغَيَّرَ الْمَيِّتُ ، لَمْ يُنْبَشْ بِحَالٍ .","part":5,"page":54},{"id":2054,"text":"( 1666 ) فَصْلٌ : وَإِنْ دُفِنَ بِغَيْرِ كَفَنٍ فَفِيهِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا ، يُتْرَكُ ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ بِالْكَفَنِ سَتْرُهُ ، وَقَدْ حَصَلَ سَتْرُهُ بِالتُّرَابِ .\rوَالثَّانِي ، يُنْبَشُ وَيُكَفَّنُ ؛ لِأَنَّ التَّكْفِينَ وَاجِبٌ ، فَأَشْبَهَ الْغُسْلَ .\rوَإِنْ كُفِّنَ بِثَوْبٍ مَغْصُوبٍ ، فَقَالَ الْقَاضِي : يَغْرَمُ قِيمَتَهُ مِنْ تَرِكَتِهِ ، وَلَا يُنْبَشُ ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ هَتْكِ حُرْمَتِهِ مَعَ إمْكَانِ دَفْعِ الضَّرَرِ بِدُونِهَا .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يُنْبَشَ ، إذَا كَانَ الْكَفَنُ بَاقِيًا بِحَالِهِ ؛ لِيُرَدَّ إلَى مَالِكِهِ عَنْ مَالِهِ ، وَإِنْ كَانَ بَالِيًا فَقِيمَتُهُ مِنْ تَرِكَتِهِ .\rفَإِنْ دُفِنَ فِي أَرْضِ غَصْبٍ ، أَوْ أَرْضٍ مُشْتَرَكَةٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِ شَرِيكِهِ ، نُبِشَ وَأُخْرِجَ ؛ لِأَنَّ الْقَبْرَ فِي الْأَرْضِ يَدُومُ ضَرَرُهُ ، وَيَكْثُرُ ، بِخِلَافِ الْكَفَنِ .\rوَإِنْ أَذِنَ الْمَالِكُ فِي الدَّفْنِ فِي أَرْضِهِ ، ثُمَّ أَرَادَ إخْرَاجَهُ ، لَمْ يَمْلِكْ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ ضَرَرًا .\rوَإِنْ بَلِيَ الْمَيِّتُ وَعَادَ تُرَابًا ، فَلِصَاحِبِ الْأَرْضِ أَخْذُهَا ، وَكُلُّ مَوْضِعٍ أَجَزْنَا نَبْشَهُ لِحُرْمَةِ مِلْكِ الْآدَمِيِّ ، فَالْمُسْتَحَبُّ تَرْكُهُ احْتِرَامًا لِلْمَيِّتِ .","part":5,"page":55},{"id":2055,"text":"( 1667 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِذَا حَضَرَتْ الْجِنَازَةُ وَصَلَاةُ الْفَجْرِ ، بُدِئَ بِالْجِنَازَةِ ، وَإِذَا حَضَرَتْ صَلَاةُ الْمَغْرِبِ بُدِئَ بِالْمَغْرِبِ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ مَتَى حَضَرَتْ الْجِنَازَةُ وَالْمَكْتُوبَةُ ، بُدِئَ بِالْمَكْتُوبَةِ ، إلَّا الْفَجْرَ وَالْعَصْرَ ؛ لِأَنَّ مَا بَعْدَهُمَا وَقْتٌ نُهِيَ عَنْ الصَّلَاةِ فِيهِ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ عَلَى نَحْوٍ مِنْ هَذَا ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ سِيرِينَ .\rوَيُرْوَى عَنْ مُجَاهِدٍ ، وَالْحَسَنِ ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، وَقَتَادَةَ ، أَنَّهُمْ قَالُوا : يَبْدَأُ بِالْمَكْتُوبَةِ ؛ لِأَنَّهَا أَهَمُّ وَأَيْسَرُ ، وَالْجِنَازَةُ يَتَطَاوَلُ أَمْرُهَا ، وَالِاشْتِغَالُ بِهَا ، فَإِنْ قَدَّمَ جَمِيعَ أَمْرِهَا عَلَى الْمَكْتُوبَةِ أَفْضَى إلَى تَفْوِيتِهَا ، وَإِنْ صَلَّى عَلَيْهَا ثُمَّ انْتَظَرَ فَرَاغَ الْمَكْتُوبَةِ لَمْ يَعُدْ تَقْدِيمُهَا شَيْئًا ، إلَّا فِي الْفَجْرِ وَالْعَصْرِ ، فَإِنَّ تَقْدِيمَ الصَّلَاةِ عَلَيْهَا بَعِيدٌ أَنْ يَقَعُ فِي غَيْرِ وَقْتِ النَّهْيِ عَنْ الصَّلَاةِ ، فَيَكُونُ أَوَّلًا .","part":5,"page":56},{"id":2056,"text":"( 1668 ) فَصْلٌ : قَالَ أَحْمَدُ : تُكْرَهُ الصَّلَاةُ - يَعْنِي عَلَى الْمَيِّتِ - فِي ثَلَاثَةِ أَوْقَاتٍ : عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ ، وَنِصْفِ النَّهَارِ ، وَعِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ .\rوَذَكَرَ حَدِيثَ عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ : { ثَلَاثُ سَاعَاتٍ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْهَانَا أَنْ نُصَلِّيَ فِيهِنَّ ، أَوْ نَقْبُرَ فِيهِنَّ مَوْتَانَا : حِينَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ بَازِغَةً حَتَّى تَرْتَفِعَ ، وَحِينَ يَقُومُ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ حَتَّى يَمِيلَ ، وَحِينَ تَتَضَيَّفُ الشَّمْسُ لِلْغُرُوبِ حَتَّى تَغْرُبَ } .\rرَوَاهُ مُسْلِمٌ .\rوَمَعْنَى تَتَضَيَّفُ : أَيْ تَجْنَحُ وَتَمِيلُ لِلْغُرُوبِ ، مِنْ قَوْلِك : تَضَيَّفْتُ فُلَانًا : إذَا مِلْت إلَيْهِ .\rقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ : مَعْنَى أَنْ نَقْبُرَ فِيهِنَّ مَوْتَانَا ، يَعْنِي الصَّلَاةَ عَلَى الْجِنَازَةِ .\rقِيلَ لِأَحْمَدَ : الشَّمْسُ عَلَى الْحِيطَانِ مُصْفَرَّةٌ ؟ قَالَ : يُصَلَّى عَلَيْهَا مَا لَمْ تُدْلِ لِلْغُرُوبِ .\rفَلَا .\rوَتَجُوزُ الصَّلَاةُ عَلَى الْمَيِّتِ فِي غَيْرِ هَذِهِ الْأَوْقَاتِ .\rرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، وَعَطَاءٍ ، وَالنَّخَعِيِّ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَإِسْحَاقَ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ .\rوَحُكِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ .\rوَهُوَ قَوْلٌ لِلشَّافِعِيِّ ، قِيَاسًا عَلَى مَا بَعْدَ الْفَجْرِ وَالْعَصْرِ .\rوَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ؛ لِحَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ، وَلَا يَصِحُّ الْقِيَاسُ عَلَى الْوَقْتَيْنِ الْآخَرَيْنِ ؛ لِأَنَّ مُدَّتَهُمَا تَطُولُ ، فَيُخَافُ عَلَى الْمَيِّتِ فِيهِمَا ، وَيَشُقُّ انْتِظَارُ خُرُوجِهِمَا ، بِخِلَافِ هَذِهِ .\rوَكَرِهَ أَحْمَدُ أَيْضًا دَفْنَ الْمَيِّتِ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ ، لِحَدِيثِ عُقْبَةَ .\rفَأَمَّا الصَّلَاةُ عَلَى الْقَبْرِ وَالْغَائِبِ ، فَلَا يَجُوزُ فِي شَيْءٍ مِنْ أَوْقَاتِ النَّهْيِ ؛ لِأَنَّ عِلَّةَ تَجْوِيزِهَا عَلَى الْمَيِّتِ مُعَلَّلَةٌ بِالْخَوْفِ عَلَيْهِ ، وَقَدْ أُمِنَ ذَلِكَ هَاهُنَا ، فَيَبْقَى عَلَى أَصْلِ الْمَنْعِ ، وَالْعَمَلِ بِعُمُومِ النَّهْيِ","part":5,"page":57},{"id":2057,"text":"( 1669 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا الدَّفْنُ لَيْلًا ، فَقَالَ أَحْمَدُ : وَمَا بَأْسٌ بِذَلِكَ .\rوَقَالَ : أَبُو بَكْرٍ دُفِنَ لَيْلًا ، وَعَلِيٌّ دَفَنَ فَاطِمَةَ لَيْلًا ، وَحَدِيثُ عَائِشَةَ : كُنَّا سَمِعْنَا صَوْتَ الْمَسَّاحِي مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ فِي دَفْنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rوَمِمَّنْ دُفِنَ لَيْلًا : عُثْمَانُ ، وَعَائِشَةُ ، وَابْنُ مَسْعُودٍ .\rوَرَخَّصَ فِيهِ عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ، وَعَطَاءٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ .\rوَكَرِهَهُ الْحَسَنُ ؛ لِمَا رَوَى مُسْلِمٌ ، فِي \" صَحِيحِهِ \" ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ يَوْمًا ، فَذَكَرَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِهِ قُبِضَ ، فَكُفِّنَ فِي كَفَنٍ غَيْرِ طَائِلٍ ، وَدُفِنَ لَيْلًا ، فَزَجَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُقْبَرَ الرَّجُلُ بِاللَّيْلِ إلَّا أَنْ يَضْطَرَّ الْإِنْسَانُ إلَى ذَلِكَ } .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ : إلَيْهِ أَذْهَبُ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى ابْنُ مَسْعُودٍ ، قَالَ : { وَاَللَّهِ لَكَأَنِّي أَسْمَعُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ ، وَهُوَ فِي قَبْرِ ذِي النِّجَادَيْنِ ، وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ ، وَهُوَ يَقُول : أَدْنِيَا مِنِّي أَخَاكُمَا حَتَّى أُسْنِدَهُ فِي لَحْدِهِ .\rثُمَّ قَالَ لَمَّا فَرَغَ مِنْ دَفْنِهِ ، وَقَامَ عَلَى قَبْرِهِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ : اللَّهُمَّ إنِّي أَمْسَيْت عَنْهُ رَاضِيًا ، فَارْضَ عَنْهُ .\rوَكَانَ ذَلِكَ لَيْلًا ، قَالَ : فَوَاَللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُنِي وَلَوَدِدْت أَنِّي مَكَانَهُ ، وَلَقَدْ أَسْلَمْت قَبْلَهُ بِخَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً ، وَأَخَذَهُ مِنْ قِبَلِ الْقِبْلَةِ .\r} رَوَاهُ الْخَلَّالُ ، فِي \" جَامِعِهِ \" .\rوَرَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ قَبْرًا لَيْلًا ، فَأُسْرِجَ لَهُ سِرَاجٌ ، فَأَخَذَ مَنْ قِبَلَ الْقِبْلَةِ ، وَقَالَ : رَحِمَك اللَّهُ ، إنْ كُنْت لَأَوَّاهًا ، تَلَّاءً لِلْقُرْآنِ .\r} قَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ .\rوَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { سَأَلَ عَنْ رَجُلٍ ،","part":5,"page":58},{"id":2058,"text":"فَقَالَ : مَنْ هَذَا ؟ قَالُوا : فُلَانٌ ، دُفِنَ الْبَارِحَةَ .\rفَصَلَّى عَلَيْهِ } .\rأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ .\rفَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمْ ، وَلِأَنَّهُ أَحَدُ الْآيَتَيْنِ ، فَجَازَ الدَّفْنُ فِيهِ كَالنَّهَارِ ، وَحَدِيثُ الزَّجْرِ مَحْمُولٌ عَلَى الْكَرَاهَةِ وَالتَّأْدِيبِ ؛ فَإِنَّ الدَّفْنَ نَهَارًا أَوْلَى ؛ لِأَنَّهُ أَسْهَلُ عَلَى مُتَّبِعِهَا ، وَأَكْثَرُ لِلْمُصَلِّينَ عَلَيْهَا ، وَأَمْكَنُ لِإِتْبَاعِ السُّنَّةِ فِي دَفْنِهِ وَإِلْحَادِهِ .","part":5,"page":59},{"id":2059,"text":"( 1670 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَلَا يُصَلِّي الْإِمَامُ عَلَى الْغَالِّ مِنْ الْغَنِيمَةِ ، وَلَا عَلَى مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ ) الْغَالُّ : هُوَ الَّذِي يَكْتُمُ غَنِيمَتَهُ أَوْ بَعْضَهَا ، لِيَأْخُذَهُ لِنَفْسِهِ ، وَيَخْتَصَّ بِهِ .\rفَهَذَا لَا يُصَلِّي عَلَيْهِ الْإِمَامُ ، وَلَا عَلَى مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ مُتَعَمِّدًا .\rوَيُصَلِّي عَلَيْهِمَا سَائِرُ النَّاسِ .\rنَصَّ عَلَيْهِمَا أَحْمَدُ .\rوَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ : لَا يُصَلَّى عَلَى قَاتِلِ نَفْسِهِ بِحَالٍ ؛ لِأَنَّ مَنْ لَا يُصَلِّي عَلَيْهِ الْإِمَامُ لَا يُصَلِّي عَلَيْهِ غَيْرُهُ ، كَشَهِيدِ الْمَعْرَكَةِ .\rوَقَالَ عَطَاءٌ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ : يُصَلِّي الْإِمَامُ وَغَيْرُهُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { صَلُّوا عَلَى مَنْ قَالَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ } .\rرَوَاهُ الْخَلَّالُ بِإِسْنَادِهِ .\rوَلَنَا مَا رَوَى جَابِرُ بْنُ سَمُرَةَ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَاءُوهُ بِرَجُلٍ قَتَلَ نَفْسَهُ بِمَشَاقِصَ ، فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ } .\rرَوَاهُ مُسْلِمٌ .\rوَرَوَى أَبُو دَاوُد { أَنَّ رَجُلًا انْطَلَقَ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرَهُ عَنْ رَجُلٍ أَنَّهُ قَدْ مَاتَ ، قَالَ : وَمَا يُدْرِيك ؟ قَالَ : رَأَيْته يَنْحَرُ نَفْسَهُ بِمَشَاقِصَ ، قَالَ : أَنْتَ رَأَيْته ؟ قَالَ : نَعَمْ ، قَالَ : إذًا لَا أُصَلِّي عَلَيْهِ } .\rوَرَوَى زَيْدُ بْنُ خَالِدٍ الْجُهَنِيُّ ، قَالَ : { تُوُفِّيَ رَجُلٌ مِنْ جُهَيْنَةَ يَوْمَ خَيْبَرَ ، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ .\rفَتَغَيَّرَتْ وُجُوهُ الْقَوْمِ ، فَلَمَّا رَأَى مَا بِهِمْ قَالَ : إنَّ صَاحِبَكُمْ غَلَّ مِنْ الْغَنِيمَةِ } .\rاحْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ .\rوَاخْتَصَّ هَذَا الِامْتِنَاعُ بِالْإِمَامِ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا امْتَنَعَ مِنْ الصَّلَاةِ عَلَى الْغَالِّ ، قَالَ : { صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ } .\rوَرُوِيَ أَنَّهُ أَمَرَ بِالصَّلَاةِ عَلَى قَاتِلِ نَفْسِهِ ، وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ","part":5,"page":60},{"id":2060,"text":"وَسَلَّمَ هُوَ الْإِمَامَ ، فَأُلْحِقَ بِهِ مَنْ سَاوَاهُ فِي ذَلِكَ ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ تَرْكِ صَلَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَرْكُ صَلَاةِ غَيْرِهِ ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ فِي بَدْءِ الْإِسْلَامِ لَا يُصَلِّي عَلَى مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ لَا وَفَاءَ لَهُ ، وَيَأْمُرُهُمْ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ .\rفَإِنْ قِيلَ : هَذَا خَاصٌّ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ لِأَنَّ صَلَاتَهُ سَكَنٌ .\rقُلْنَا : مَا ثَبَتَ فِي حَقِّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَبَتَ فِي حَقِّ غَيْرِهِ ، مَا لَمْ يَقُمْ عَلَى اخْتِصَاصِهِ دَلِيلٌ .\rفَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ تَرَكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصَّلَاةَ عَلَى مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ .\rقُلْنَا : ثُمَّ صَلَّى عَلَيْهِ بَعْدُ ، فَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُؤْتَى بِالرَّجُلِ الْمُتَوَفَّى عَلَيْهِ الدَّيْنُ ، فَيَقُولُ : هَلْ تَرَكَ لِدَيْنِهِ مِنْ وَفَاءٍ ؟ .\rفَإِنْ حُدِّثَ أَنَّهُ تَرَكَ وَفَاءً صَلَّى عَلَيْهِ ، وَإِلَّا قَالَ لِلْمُسْلِمِينَ : صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ فَلَمَّا فَتَحَ اللَّهُ الْفُتُوحَ قَامَ فَقَالَ : أَنَا أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ، فَمَنْ تُوُفِّيَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ ، وَتَرَكَ دَيْنًا ، عَلَيَّ قَضَاؤُهُ ، وَمَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِلْوَرَثَةِ .\r} قَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ .\rوَلَوْلَا النَّسْخُ كَانَ كَمَسْأَلَتِنَا ، وَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ خَاصَّةٌ ، فَيَجِبُ تَقْدِيمُهَا عَلَى قَوْلِهِ : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { صَلُّوا عَلَى مَنْ قَالَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ } .\rعَلَى أَنَّهُ لَا تَعَارُضَ بَيْنَ الْخَبَرَيْنِ ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَرَكَ الصَّلَاةَ عَلَى هَذَيْنِ ، وَأَمَرَ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِمَا ، فَلَمْ يَكُنْ أَمْرُهُ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِمَا مُنَافِيًا لِتَرْكِهِ الصَّلَاةَ عَلَيْهِمَا ، كَذَلِكَ أَمْرُهُ بِالصَّلَاةِ عَلَى مَنْ قَالَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ .","part":5,"page":61},{"id":2061,"text":"( 1671 ) فَصْلٌ : قَالَ أَحْمَدُ : لَا أَشْهَدُ الْجَهْمِيَّةَ وَلَا الرَّافِضَةَ ، وَيَشْهَدُهُ مَنْ شَاءَ ، قَدْ تَرَكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصَّلَاةَ عَلَى أَقَلِّ مِنْ هَذَا ؛ الدَّيْنُ ، وَالْغُلُولُ ، وَقَاتِلُ نَفْسِهِ .\rوَقَالَ : لَا يُصَلَّى عَلَى الرَّافِضِيِّ .\rوَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ : لَا أُصَلِّي عَلَى رَافِضِيٌّ ، وَلَا حَرُورِيٍّ .\rوَقَالَ الْفِرْيَابِيُّ : مَنْ شَتَمَ أَبَا بَكْرٍ فَهُوَ كَافِرٌ ، لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ .\rقِيلَ لَهُ : فَكَيْفَ نَصْنَعُ بِهِ ، وَهُوَ يَقُولُ : لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ؟ قَالَ : لَا تَمَسُّوهُ بِأَيْدِيكُمْ ، ارْفَعُوهُ بِالْخَشَبِ حَتَّى تُوَارُوهُ فِي حُفْرَتِهِ .\rوَقَالَ أَحْمَدُ : أَهْلُ الْبِدَعِ لَا يُعَادُونَ إنْ مَرِضُوا ، وَلَا تُشْهَدُ جَنَائِزُهُمْ إنْ مَاتُوا .\rوَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ .\rقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : وَسَائِرُ الْعُلَمَاءِ يُصَلُّونَ عَلَى أَهْلِ الْبِدَعِ وَالْخَوَارِجِ وَغَيْرِهِمْ ؛ لِعُمُومِ قَوْلِهِ : عَلَيْهِ السَّلَامُ { صَلُّوا عَلَى مَنْ قَالَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ } وَلَنَا ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { تَرَكَ الصَّلَاةَ بِأَدْوَنَ مِنْ هَذَا ، فَأَوْلَى أَنْ نَتْرُكَ الصَّلَاةَ بِهِ } ، وَرَوَى ابْنُ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { إنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ مَجُوسًا ، وَإِنَّ مَجُوسَ أُمَّتِي الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا قَدَرَ ، فَإِنْ مَرِضُوا فَلَا تَعُودُوهُمْ ، وَإِنْ مَاتُوا فَلَا تَشْهَدُوهُمْ } .\rرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ .","part":5,"page":62},{"id":2062,"text":"( 1672 ) فَصْلٌ : وَلَا يُصَلَّى عَلَى أَطْفَالِ الْمُشْرِكِينَ ؛ لِأَنَّ لَهُمْ حُكْمَ آبَائِهِمْ ، إلَّا مَنْ حَكَمْنَا بِإِسْلَامِهِ ، مِثْل أَنْ يُسْلِمَ أَحَدُ أَبَوَيْهِ ، أَوْ يَمُوتَ ، أَوْ يُسْبَى مُنْفَرِدًا مِنْ أَبَوَيْهِ ، أَوْ مِنْ أَحَدِهِمَا ، فَإِنَّهُ يُصَلَّى عَلَيْهِ .\rقَالَ أَبُو ثَوْرٍ مَنْ سُبِيَ مَعَ أَحَدِ أَبَوَيْهِ ، لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ ، حَتَّى يَخْتَارَ الْإِسْلَامَ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ مَحْكُومٌ لَهُ بِالْإِسْلَامِ ، أَشْبَهَ مَا لَوْ سُبِيَ مُنْفَرِدًا مِنْهُمَا .","part":5,"page":63},{"id":2063,"text":"( 1673 ) فَصْلٌ : وَيُصَلَّى عَلَى سَائِرِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَهْلِ الْكَبَائِرِ ، وَالْمَرْجُومِ فِي الزِّنَا ، وَغَيْرِهِمْ .\rقَالَ أَحْمَدُ : مَنْ اسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنَا ، وَصَلَّى بِصَلَاتِنَا ، نُصَلِّي عَلَيْهِ وَنَدْفِنُهُ .\rوَيُصَلَّى عَلَى وَلَدِ الزِّنَا ، وَالزَّانِيَةِ ، وَاَلَّذِي يُقَادُ مِنْهُ بِالْقِصَاصِ ، أَوْ يُقْتَلُ فِي حَدٍّ .\rوَسُئِلَ عَمَّنْ لَا يُعْطِي زَكَاةَ مَالِهِ ، فَقَالَ : يُصَلَّى عَلَيْهِ ، مَا يُعْلَمُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَرَكَ الصَّلَاةَ عَلَى أَحَدٍ ، إلَّا عَلَى قَاتِلِ نَفْسِهِ وَالْغَالِّ .\rوَهَذَا قَوْلُ عَطَاءٍ ، وَالنَّخَعِيِّ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ ، إلَّا أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ ، قَالَ : لَا يُصَلَّى عَلَى الْبُغَاةِ ، وَلَا الْمُحَارِبِينَ ؛ لِأَنَّهُمْ بَايَنُوا أَهْلَ الْإِسْلَامِ ، وَأَشْبَهُوا أَهْلَ دَارِ الْحَرْبِ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : لَا يُصَلَّى عَلَى مَنْ قُتِلَ فِي حَدٍّ ؛ لِأَنَّ أَبَا بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيَّ قَالَ : { لَمْ يُصَلِّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَاعِزِ بْنِ مَالِكٍ ، وَلَمْ يَنْهَ عَنْ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَلَنَا ، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { صَلُّوا عَلَى مَنْ قَالَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ } .\rرَوَاهُ الْخَلَّالُ بِإِسْنَادِهِ ، وَرَوَى الْخَلَّالُ بِإِسْنَادِهِ ، عَنْ أَبِي شُمَيْلَةَ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ إلَى قُبَاءَ ، فَاسْتَقْبَلَهُ رَهْطٌ مِنْ الْأَنْصَارِ ، يَحْمِلُونَ جِنَازَةً عَلَى بَابٍ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا هَذَا ؟ قَالُوا : مَمْلُوكٌ لِآلِ فُلَانٍ .\rقَالَ : أَكَانَ يَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ؟ قَالُوا : نَعَمْ ، وَلَكِنَّهُ كَانَ وَكَانَ .\rفَقَالَ : أَكَانَ يُصَلِّي ؟ قَالُوا : قَدْ كَانَ يُصَلِّي وَيَدَعُ .\rفَقَالَ لَهُمْ : ارْجِعُوا بِهِ ، فَغَسِّلُوهُ ، وَكَفِّنُوهُ ، وَصَلُّوا عَلَيْهِ ، وَادْفِنُوهُ ، وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ كَادَتْ الْمَلَائِكَةُ تَحُولُ بَيْنِي وَبَيْنَهُ .\r} وَأَمَّا أَهْلُ الْحَرْبِ فَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِمْ ؛","part":5,"page":64},{"id":2064,"text":"لِأَنَّهُمْ كُفَّارٌ ، وَلَا يُقْبَلُ فِيهِمْ شَفَاعَةٌ ، وَلَا يُسْتَجَابُ فِيهِمْ دُعَاءٌ ، وَقَدْ نُهِينَا عَنْ الِاسْتِغْفَارِ لَهُمْ ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ } وَقَالَ : { إنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ } .\rوَأَمَّا تَرْكُ الصَّلَاةِ عَلَى مَاعِزٍ فَيَحْتَمِلُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ مَنْ يُصَلِّي عَلَيْهِ لِعُذْرٍ ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { رَجَمَ الْغَامِدِيَّةَ ، وَصَلَّى عَلَيْهَا .\rفَقَالَ لَهُ عُمَرُ : تَرْجُمُهَا ، وَتُصَلِّي عَلَيْهَا ؟ فَقَالَ : لَقَدْ تَابَتْ تَوْبَةً لَوْ قُسِّمَتْ عَلَى أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَوَسِعَتْهُمْ } .\rكَذَلِكَ رَوَاهُ الْأَوْزَاعِيُّ .\rوَرَوَى مَعْمَرٌ ، وَهِشَامٌ ، عَنْ أَبَانَ أَنَّهُ أَمَرَهُمْ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهَا .\rقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : وَهُوَ الصَّحِيحُ .","part":5,"page":65},{"id":2065,"text":"( 1674 ) مَسْأَلَةٌ ؛ ( قَالَ : وَإِذَا حَضَرَتْ جِنَازَةُ رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ وَصَبِيٍّ ، جُعِلَ الرَّجُلُ مِمَّا يَلِي الْإِمَامَ ، وَالْمَرْأَةُ خَلْفَهُ ، وَالصَّبِيُّ خَلْفَهُمَا ) لَا خِلَافَ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّهُ إذَا اجْتَمَعَ مَعَ الرِّجَالِ غَيْرُهُمْ ، أَنَّهُ يُجْعَلُ الرِّجَالُ مِمَّا يَلِي الْإِمَامَ ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، فَإِنْ كَانَ مَعَهُمْ نِسَاءٌ وَصِبْيَانٌ ، فَنَقَلَ الْخِرَقِيِّ هَاهُنَا ، أَنَّ الْمَرْأَةَ تُقَدَّمُ مِمَّا يَلِي الرَّجُل ، ثُمَّ يُجْعَلُ الصَّبِيُّ خَلْفَهُمَا مِمَّا يَلِي الْقِبْلَةَ ؛ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ شَخْصٌ مُكَلَّفٌ ، فَهِيَ أَحْوَجُ إلَى الشَّفَاعَةِ ، وَلِأَنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنْ عَمَّارٍ مَوْلَى الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ ، أَنَّهُ شَهِدَ جِنَازَةَ أُمِّ كُلْثُومٍ وَابْنِهَا ، فَجُعِلَ الْغُلَامُ مِمَّا يَلِي الْقِبْلَةَ ، فَأَنْكَرْت ذَلِكَ ، وَفِي الْقَوْمِ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَأَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، وَأَبُو قَتَادَةَ ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ ، فَقَالُوا : هَذِهِ السُّنَّةُ .\rوَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ ، فِي رِوَايَةِ جَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ ، أَنَّ الرِّجَالَ مِمَّا يَلِي الْإِمَامَ ، وَالصِّبْيَانَ أَمَامَهُمْ ، وَالنِّسَاءَ يَلِينَ الْقِبْلَةَ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُمْ يُقَدَّمُونَ عَلَيْهِنَّ فِي الصَّفِّ فِي الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ ، فَكَذَلِكَ يُقَدَّمُونَ عَلَيْهِنَّ مِمَّا يَلِي الْإِمَامَ عِنْدَ اجْتِمَاعِ الْجَنَائِزِ ، كَالرِّجَالِ .\rوَأَمَّا حَدِيثُ عَمَّارٍ ، فَالصَّحِيحُ فِيهِ أَنَّهُ جَعَلَهَا مِمَّا يَلِي الْقِبْلَةَ ، وَجَعَلَ ابْنَهَا مِمَّا يَلِيهِ .\rكَذَلِكَ رَوَاهُ سَعِيدٌ ، وَعَمَّارٌ مَوْلَى بَنِي سُلَيْمٍ ، عَنْ عَمَّارٍ مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ .\rوَأَخْرَجَهُ كَذَلِكَ أَبُو دَاوُد ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَغَيْرُهُمَا ، وَلَفْظُهُ قَالَ : شَهِدْت جِنَازَةَ صَبِيٍّ وَامْرَأَةٍ ، فَقُدِّمَ الصَّبِيُّ مِمَّا يَلِي الْقَوْمَ ، وَوُضِعَتْ الْمَرْأَةُ وَرَاءَهُ وَفِي الْقَوْمِ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ ، وَأَبُو قَتَادَةَ ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ ، فَقُلْنَا لَهُمْ ، فَقَالُوا : السُّنَّةُ .\rوَأَمَّا الْحَدِيثُ","part":5,"page":66},{"id":2066,"text":"الْأَوَّلُ فَلَا يَصِحُّ ؛ فَإِنَّ زَيْدَ بْنَ عُمَرَ هُوَ ابْنُ أُمِّ كُلْثُومٍ بِنْتِ عَلِيٍّ ، الَّذِي صُلِّيَ عَلَيْهِ مَعَهَا ، وَكَانَ رَجُلًا لَهُ أَوْلَادٌ .\rكَذَلِكَ قَالَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارَ .\rوَلَا خِلَافَ فِي تَقْدِيمِ الرَّجُلِ عَلَى الْمَرْأَةِ ، وَلِأَنَّ زَيْدًا ضُرِبَ فِي حَرْبٍ كَانَتْ بَيْنَ عَدِيٍّ فِي خِلَافَةِ بَعْضِ بَنِي أُمَيَّةَ فَصُرِعَ وَحُمِلَ ، وَمَاتَ ، وَالْتَفَّتْ صَارِخَتَانِ عَلَيْهِ وَعَلَى أُمِّهِ ، وَلَا يَكُونُ إلَّا رَجُلًا .\r( 1675 ) فَصْلٌ : وَلَا خِلَافَ فِي تَقْدِيمِ الْخُنْثَى عَلَى الْمَرْأَةِ ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ رَجُلًا ، وَأَدْنَى أَحْوَالِهِ أَنْ يَكُونَ مُسَاوِيًا لَهَا ، وَلَا فِي تَقْدِيمِ الْحُرِّ عَلَى الْعَبْدِ ؛ لِشَرَفِهِ وَتَقْدِيمِهِ عَلَيْهِ فِي الْإِمَامَةِ ، وَلَا فِي تَقْدِيمِ الْكَبِيرِ عَلَى الصَّغِيرِ كَذَلِكَ .\rوَقَدْ رَوَى الْخَلَّالُ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي جِنَازَةِ رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ ، وَحُرٍّ وَعَبْدٍ ، وَصَغِيرٍ وَكَبِيرٍ ، يُجْعَلُ الرَّجُلُ مِمَّا يَلِي الْإِمَامَ ، وَالْمَرْأَةُ أَمَامَ ذَلِكَ ، وَالْكَبِيرُ مِمَّا يَلِي الْإِمَامَ ، وَالصَّغِيرُ أَمَامَ ذَلِكَ ، وَالْحُرُّ مِمَّا يَلِي الْإِمَامَ ، وَالْمَمْلُوكُ أَمَامَ ذَلِكَ .\rفَإِنْ اجْتَمَعَ حُرٌّ صَغِيرٌ وَعَبْدٌ كَبِيرٌ ، قَالَ أَحْمَدُ ، فِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، فِي غُلَامٍ حُرٍّ وَشَيْخٍ عَبْدٍ : يُقَدَّمُ الْحُرُّ إلَى الْإِمَامِ .\rهَذَا اخْتِيَارُ الْخَلَّالِ ، وَغَلِطَ مَنْ رَوَى خِلَافَ ذَلِكَ ، وَاحْتَجَّ بِقَوْلِ عَلِيٍّ : الْحُرُّ مِمَّا يَلِي الْإِمَامَ ، وَالْمَمْلُوكُ وَرَاءَ ذَلِكَ .\rوَنَقَلَ أَبُو الْحَارِثِ : يُقَدَّمُ أَكْبَرُهُمَا إلَى الْإِمَامِ ، وَهُوَ أَصَحُّ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ؛ لِأَنَّهُ يُقَدَّمُ فِي الصَّفِّ فِي الصَّلَاةِ .\rوَقَوْلُ عَلِيٍّ أَرَادَ بِهِ إذَا تَسَاوَيَا فِي الْكِبَرِ وَالصِّغَرِ ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ قَالَ : وَالْكَبِيرُ مِمَّا يَلِي الْإِمَامَ ، وَالصَّغِيرُ أَمَامَ ذَلِكَ .\r( 1676 ) فَصْلٌ : فَإِنْ كَانُوا نَوْعًا وَاحِدًا ، قُدِّمَ إلَى الْإِمَامِ أَفْضَلُهُمْ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ","part":5,"page":67},{"id":2067,"text":"{ كَانَ يَوْمَ أُحُدٍ يَدْفِنُ الِاثْنَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ فِي الْقَبْرِ الْوَاحِدِ ، وَيُقَدِّمُ أَكْثَرَهُمْ أَخْذًا لِلْقُرْآنِ .\r} وَلِأَنَّ الْأَفْضَلَ يُقَدَّمُ فِي صَفِّ الْمَكْتُوبَةِ ، فَيُقَدَّمُ هَاهُنَا ، كَالرِّجَالِ مَعَ الْمَرْأَةِ .\rوَقَدْ دَلَّ عَلَى الْأَصْلِ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { لِيَلِنِي مِنْكُمْ أُولُوا الْأَحْلَامِ وَالنُّهَى .\r} وَإِنْ تَسَاوَوْا فِي الْفَضْلِ ، قُدِّمَ الْأَكْبَرُ فَالْأَكْبَرُ .\rفَإِنْ تَسَاوَوْا قُدِّمَ السَّابِقُ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : يُقَدَّمُ السَّابِقُ وَإِنْ كَانَ صَبِيًّا ، وَلَا تُقَدَّمُ الْمَرْأَةُ وَإِنْ كَانَتْ سَابِقَةً ؛ لِمَوْضِعِ الذُّكُورِيَّةِ ، فَإِنْ تَسَاوَوْا قَدَّمَ الْإِمَامُ مَنْ شَاءَ مِنْهُمْ ، فَإِنْ تَشَاحَّ الْأَوْلِيَاءُ فِي ذَلِكَ أُقْرِعَ بَيْنَهُمْ .","part":5,"page":68},{"id":2068,"text":"فَصْلٌ : وَلَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي جَوَازِ الصَّلَاةِ عَلَى الْجَنَائِز ، دَفْعَةً وَاحِدَةً ، وَإِنْ أَفْرَدَ كُلَّ جِنَازَةٍ بِصَلَاةٍ جَازَ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَنَّهُ صَلَّى عَلَى حَمْزَةَ مَعَ غَيْرِهِ } .\rوَقَالَ حَنْبَلٌ : صَلَّيْت مَعَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عَلَى جِنَازَةِ امْرَأَةٍ مَنْفُوسَةٍ ، فَصَلَّى أَبُو إِسْحَاقَ عَلَى الْأُمِّ ، وَاسْتَأْمَرَ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ، وَقَالَ : صَلِّ عَلَى ابْنَتِهَا الْمَوْلُودَةِ أَيْضًا ؟ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ : لَوْ أَنَّهُمَا وُضِعَا جَمِيعًا كَانَتْ صَلَاتُهُمَا وَاحِدَةً ، تَصِيرُ إذَا كَانَتْ أُنْثَى عَنْ يَمِينِ الْمَرْأَةِ ، وَإِذَا كَانَ ذَكَرًا عَنْ يَسَارِهَا .\rوَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا : إفْرَادُ كُلِّ جِنَازَةٍ بِصَلَاةٍ أَفْضَلُ ، مَا لَمْ يُرِيدُوا الْمُبَادَرَةَ .\rوَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا ، أَنَّهُ أَفْضَلُ فِي الْإِفْرَادِ ، وَهُوَ ظَاهِرُ حَالِ السَّلَفِ ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنْهُمْ ذَلِكَ .","part":5,"page":69},{"id":2069,"text":"( 1678 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِنْ دُفِنُوا فِي قَبْرٍ يَكُونُ الرَّجُلُ مَا يَلِي الْقِبْلَةَ ، وَالْمَرْأَةُ خَلْفَهُ ، وَالصَّبِيُّ خَلْفَهُمَا ، وَيَجْعَلُ بَيْنَ كُلِّ اثْنَيْنِ حَاجِزًا مِنْ تُرَابٍ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ إذَا دُفِنَ الْجَمَاعَةُ فِي الْقَبْرِ ، قُدِّمَ الْأَفْضَلُ مِنْهُمْ إلَى الْقِبْلَةِ ، ثُمَّ الَّذِي يَلِيهِ فِي الْفَضِيلَةِ ، عَلَى حَسَبِ تَقْدِيمِهِمْ إلَى الْإِمَامِ فِي الصَّلَاةِ سَوَاءً ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي الْمَسْأَلَةِ قَبْلَ هَذِهِ ؛ لِمَا رَوَى هِشَامُ بْنُ عَامِرٍ ، قَالَ : { شُكِيَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْجِرَاحَاتُ يَوْمَ أُحُدٍ ، فَقَالَ : احْفِرُوا وَأَوْسِعُوا ، وَأَحْسِنُوا ، وَادْفِنُوا الِاثْنَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ ، وَقَدِّمُوا أَكْثَرَهُمْ قُرْآنًا } .\rرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَقَالَ : حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ .\rفَإِذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّهُ يَجْعَلُ بَيْنَ كُلِّ اثْنَيْنِ حَاجِزًا مِنْ التُّرَابِ ، فَيَجْعَلُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِي مِثْلِ الْقَبْرِ الْمُنْفَرِدِ ؛ لِأَنَّ الْكَفَنَ حَائِلٌ غَيْرُ حَصِينٍ .\rقَالَ أَحْمَدُ : وَلَوْ جُعِلَ لَهُمْ شِبْهُ النَّهْرِ ، وَجُعِلَ رَأْسُ أَحَدِهِمْ عِنْدَ رِجْلِ الْآخَرِ ، وَجُعِلَ بَيْنَهُمَا شَيْءٌ مِنْ التُّرَابِ ، لَمْ يَكُنْ بِهِ بَأْسٌ .\rأَوْ كَمَا قَالَ .\r( 1679 ) فَصْلٌ : وَلَا يُدْفَنُ اثْنَانِ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ ، إلَّا لِضَرُورَةٍ .\rوَسُئِلَ أَحْمَدُ عَنْ الِاثْنَيْنِ وَالثَّلَاثَةِ يُدْفَنُونَ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ .\rقَالَ : أَمَّا فِي مِصْرٍ فَلَا ، وَأَمَّا فِي بِلَادِ الرُّومِ فَتَكْثُرُ الْقَتْلَى ، فَيَحْفِرُ شِبْهَ النَّهْرِ ، رَأْسُ هَذَا عِنْدَ رِجْلِ هَذَا ، وَيَجْعَلُ بَيْنهمَا حَاجِزًا ، لَا يَلْتَزِقُ وَاحِدٌ بِالْآخَرِ .\rوَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ .\rوَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا يَتَعَذَّرُ فِي الْغَالِبِ إفْرَادُ كُلِّ وَاحِدٍ بِقَبْرٍ فِي الْمِصْرِ ، وَيَتَعَذَّرُ ذَلِكَ غَالِبًا فِي دَارِ الْحَرْبِ ، وَفِي مَوْضِعِ الْمُعْتَرَكِ .\rوَإِنْ وُجِدَتْ الضَّرُورَةُ جَازَ دَفْنُ الِاثْنَيْنِ وَالثَّلَاثَةِ وَأَكْثَرَ فِي الْقَبْرِ الْوَاحِدِ ، حَيْثُمَا كَانَ مِنْ مِصْرٍ أَوْ غَيْرِهِ .\rفَإِنْ","part":5,"page":70},{"id":2070,"text":"مَاتَ لَهُ أَقَارِبُ بَدَأَ بِمَنْ يَخَافُ تَغَيُّرَهُ ، وَإِنْ اسْتَوَوْا فِي ذَلِكَ بَدَأَ بِأَقْرَبِهِمْ إلَيْهِ ، عَلَى تَرْتِيبِ النَّفَقَاتِ ، فَإِنْ اسْتَوَوْا فِي الْقُرْبِ قَدَّمَ أَنْسَبَهُمْ وَأَفْضَلَهُمْ .","part":5,"page":71},{"id":2071,"text":"( 1680 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِنْ مَاتَتْ نَصْرَانِيَّةٌ ، وَهِيَ حَامِلَةٌ مِنْ مُسْلِمٍ ، دُفِنَتْ بَيْنَ مَقْبَرَةِ الْمُسْلِمِينَ وَمَقْبَرَةِ النَّصَارَى ) اخْتَارَ هَذَا أَحْمَدُ ؛ لِأَنَّهَا كَافِرَةٌ ، لَا تُدْفَنُ فِي مَقْبَرَةِ الْمُسْلِمِينَ ، فَيَتَأَذَّوْا بِعَذَابِهَا ، وَلَا فِي مَقْبَرَةِ الْكُفَّارِ ؛ لِأَنَّ وَلَدَهَا مُسْلِمٌ فَيَتَأَذَّى بِعَذَابِهِمْ ، وَتُدْفَنُ مُنْفَرِدَةً .\rمَعَ أَنَّهُ رُوِيَ عَنْ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ مِثْلُ هَذَا الْقَوْلِ ، وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهَا تُدْفَنُ فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : لَا يَثْبُتُ ذَلِكَ .\rقَالَ أَصْحَابُنَا : وَيُجْعَلُ ظَهْرُهَا إلَى الْقِبْلَةِ عَلَى جَانِبِهَا الْأَيْسَرِ ، لِيَكُونَ وَجْهُ الْجَنِينِ إلَى الْقِبْلَةِ عَلَى جَانِبِهِ الْأَيْمَنِ ، لِأَنَّ وَجْهَ الْجَنِينِ إلَى ظَهْرِهَا .","part":5,"page":72},{"id":2072,"text":"( 1681 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَيَخْلَعُ النِّعَالَ إذَا دَخَلَ الْمَقَابِرَ ) .\rهَذَا مُسْتَحَبٌّ ؛ لِمَا رَوَى بَشِيرُ ابْنُ الْخَصَاصِيَةِ ، قَالَ : { بَيْنَا أَنَا أُمَاشِي رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا رَجُلٌ يَمْشِي فِي الْقُبُورِ ، عَلَيْهِ نَعْلَانِ ، فَقَالَ : يَا صَاحِبَ السِّبْتِيَّتَيْنِ ، أَلْقِ سِبْتِيَّتَيْك .\rفَنَظَرَ الرَّجُلُ ، فَلَمَّا عَرَفَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَلَعَهُمَا ، فَرَمَى بِهِمَا } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَقَالَ أَحْمَدُ : إسْنَادُ حَدِيثِ بَشِيرِ ابْنِ الْخَصَاصِيَةِ جَيِّدٌ ، أَذْهَبُ إلَيْهِ ، إلَّا مِنْ عِلَّةٍ .\rوَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ لَا يَرَوْنَ بِذَلِكَ بَأْسًا .\rقَالَ جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ : رَأَيْت الْحَسَنَ ، وَابْنَ سِيرِينَ ، يَمْشِيَانِ بَيْنَ الْقُبُورِ فِي نِعَالِهِمَا .\rوَمِنْهُمْ مَنْ احْتَجَّ بِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إنَّ الْعَبْدَ إذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ ، وَتَوَلَّى عَنْهُ أَصْحَابُهُ ، إنَّهُ يَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ } .\rرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّمَا كَرِهَ لِلرَّجُلِ الْمَشْيَ فِي نَعْلَيْهِ لِمَا فِيهِمَا مِنْ الْخُيَلَاءِ ، فَإِنَّ نِعَالَ السِّبْتِ مِنْ لِبَاسِ أَهْلِ النَّعِيمِ ، قَالَ عَنْتَرَةُ : يُحْذَى نِعَالَ السِّبْتِ لَيْسَ بِتَوْأَمِ وَلَنَا ، أَمْرُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْخَبَرِ الَّذِي تَقَدَّمَ ، وَأَقَلُّ أَحْوَالِهِ النَّدْبُ ، وَلِأَنَّ خَلْعَ النَّعْلَيْنِ أَقْرَبُ إلَى الْخُشُوعِ ، وَزِيُّ أَهْلِ التَّوَاضُعِ ، وَاحْتِرَامُ أَمْوَاتِ الْمُسْلِمِينَ ، وَإِخْبَارُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنَّ الْمَيِّتَ يَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ لَا يَنْفِي الْكَرَاهَةَ ، فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى وُقُوعِ هَذَا مِنْهُمْ ، وَلَا نِزَاعَ فِي وُقُوعِهِ وَفِعْلِهِمْ إيَّاهُ مَعَ كَرَاهِيَتِهِ ، فَأَمَّا إنْ كَانَ لِلْمَاشِيَّ عُذْرٌ يَمْنَعُهُ مِنْ خَلْعِ نَعْلَيْهِ ، مِثْلُ الشَّوْكِ يَخَافُهُ عَلَى قَدَمَيْهِ ، أَوْ نَجَاسَةٍ تَمَسُّهُمَا ، لَمْ يُكْرَه الْمَشْيُ فِي","part":5,"page":73},{"id":2073,"text":"النَّعْلَيْنِ .\rقَالَ أَحْمَدُ ، فِي الرَّجُلِ يَدْخُلُ الْمَقَابِرَ وَفِيهَا شَوْكٌ يَخْلَعُ نَعْلَيْهِ : هَذَا يُضَيِّقُ عَلَى النَّاسِ حَتَّى يَمْشِيَ الرَّجُلُ فِي الشَّوْكِ ، وَإِنْ فَعَلَهُ فَحَسَنٌ ، هُوَ أَحْوَطُ ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْهُ رَجُلٌ .\rيَعْنِي لَا بَأْسَ .\rوَذَلِكَ لِأَنَّ الْعُذْرَ يَمْنَعُ الْوُجُوبَ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ ، وَالِاسْتِحْبَابُ أَوْلَى ، وَلَا يَدْخُلُ فِي الِاسْتِحْبَابِ نَزْعُ الْخِفَافِ ؛ لِأَنَّ نَزْعَهَا يَشُقُّ .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ كَانَ إذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ إلَى الْجِنَازَةِ لَبِسَ خُفَّيْهِ ، مَعَ أَمْرِهِ بِخَلْعِ النِّعَالِ .\rوَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّ الْكَرَاهَةَ لَا تَتَعَدَّى النِّعَالَ إلَى الشِّمْشِكَاتِ وَلَا غَيْرِهَا ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ غَيْرُ مُعَلَّلٍ ، فَلَا يَتَعَدَّى مَحَلَّهُ .","part":5,"page":74},{"id":2074,"text":"( 1682 ) فَصْلٌ : وَيُكْرَهُ الْمَشْيُ عَلَى الْقُبُورِ .\rوَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { نَهَى أَنْ تُوطَأَ الْقُبُورُ } .\rوَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَأَنْ أَمْشِيَ عَلَى جَمْرَةٍ ، أَوْ سَيْفٍ ، أَوْ أَخْصِفَ نَعْلِي بِرِجْلِي ، أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أَمْشِيَ عَلَى قَبْرِ مُسْلِمٍ ، وَمَا أُبَالِي أَوَسْطَ الْقُبُورِ - كَذَا قَالَ - قَضَيْتُ حَاجَتِي ، أَوْ وَسْطَ السُّوقِ } .\rوَلِأَنَّهُ كَرِهَ الْمَشْيَ بَيْنهَا بِالنَّعْلَيْنِ ، فَالْمَشْيُ عَلَيْهَا أَوْلَى .","part":5,"page":75},{"id":2075,"text":"( 1683 ) فَصْلٌ : وَيُكْرَهُ الْجُلُوسُ عَلَيْهَا ، وَالِاتِّكَاءُ عَلَيْهَا ؛ لِمَا رَوَى أَبُو يَزِيدَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا تَجْلِسُوا عَلَى الْقُبُورِ ، وَلَا تُصَلُّوا إلَيْهَا } .\rوَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : { لَأَنْ يَجْلِسَ أَحَدُكُمْ عَلَى جَمْرَةٍ ، تَحْرِقُ ثِيَابَهُ فَتَخْلُصَ إلَى جِلْدِهِ ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَجْلِسَ عَلَى قَبْرٍ } .\rرَوَاهُ مُسْلِمٌ : قَالَ الْخَطَّابِيُّ : وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { رَأَى رَجُلًا قَدْ اتَّكَأَ عَلَى قَبْرٍ ، فَقَالَ : لَا تُؤْذِ صَاحِبَ الْقَبْرِ .\r}","part":5,"page":76},{"id":2076,"text":"( 1684 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَلَا بَأْسَ أَنْ يَزُورَ الرَّجُلُ الْمَقَابِرَ ) لَا نَعْلَمُ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ خِلَافًا فِي إبَاحَةِ زِيَارَةِ الرِّجَالِ الْقُبُورَ .\rوَقَالَ عَلِيُّ بْنُ سَعِيدٍ : سَأَلْت أَحْمَدَ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ ، تَرْكُهَا أَفْضَلُ عِنْدَك أَوْ زِيَارَتُهَا ؟ قَالَ : زِيَارَتُهَا .\rوَقَدْ صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { كُنْت نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ ، فَزُورُوهَا ؛ فَإِنَّهَا تُذَكِّرُكُمْ الْمَوْتَ } .\rرَوَاهُ مُسْلِمٌ .\rوَالتِّرْمِذِيُّ بِلَفْظِ : \" فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ الْآخِرَةَ \" .\r( 1685 ) فَصْلٌ : وَإِذَا مَرَّ بِالْقُبُورِ ، أَوْ زَارَهَا ، اُسْتُحِبَّ أَنْ يَقُولَ مَا رَوَى مُسْلِمٌ ، عَنْ بُرَيْدَةَ ، قَالَ : { كَانَ رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعَلِّمُهُمْ إذَا خَرَجُوا إلَى الْمَقَابِرِ ، فَكَانَ قَائِلُهُمْ يَقُولُ : السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الدِّيَارِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ ، وَإِنَّا إنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَلَاحِقُونَ ، نَسْأَلُ اللَّهَ لَنَا وَلَكُمْ الْعَافِيَةَ .\r} وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ : { وَيَرْحَمُ اللَّهُ الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنَّا وَالْمُسْتَأْخِرِينَ .\r} وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ : { اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُمْ ، وَلَا تَفْتِنَّا بَعْدَهُمْ } .\rوَإِنْ أَرَادَ قَالَ : اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنَا وَلَهُمْ .\rكَانَ حَسَنًا .","part":5,"page":77},{"id":2077,"text":"( 1686 ) فَصْلٌ : قَالَ : وَلَا بَأْسَ بِالْقِرَاءَةِ عِنْدَ الْقَبْرِ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ : إذَا دَخَلْتُمْ الْمَقَابِرَ اقْرَءُوا آيَةَ الْكُرْسِيِّ وَثَلَاثَ مَرَّاتٍ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ، ثُمَّ قُلْ : اللَّهُمَّ إنَّ فَضْلَهُ لِأَهْلِ الْمَقَابِرِ .\rوَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : الْقِرَاءَةُ عِنْدَ الْقَبْرِ بِدْعَةٌ ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ هُشَيْمٍ ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ : نَقَلَ ذَلِكَ عَنْ أَحْمَدَ جَمَاعَةٌ ، ثُمَّ رَجَعَ رُجُوعًا أَبَانَ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ ، فَرَوَى جَمَاعَةٌ أَنَّ أَحْمَدَ نَهَى ضَرِيرًا أَنْ يَقْرَأَ عِنْدَ الْقَبْرِ ، وَقَالَ لَهُ : إنَّ الْقِرَاءَةَ عِنْدَ الْقَبْرِ بِدْعَةٌ .\rفَقَالَ لَهُ مُحَمَّدُ بْنُ قُدَامَةَ الْجَوْهَرِيُّ : يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ : مَا تَقُولُ فِي مُبَشِّرٍ الْحَلَبِيِّ ؟ قَالَ : ثِقَةٌ .\rقَالَ : فَأَخْبَرَنِي مُبَشِّرٌ ، عَنْ أَبِيهِ ، أَنَّهُ أَوْصَى إذَا دُفِنَ يُقْرَأُ عِنْدَهُ بِفَاتِحَةِ الْبَقَرَةِ وَخَاتِمَتِهَا ، وَقَالَ : سَمِعْت ابْنَ عُمَرَ يُوصِي بِذَلِكَ .\rقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ : فَارْجِعْ فَقُلْ لِلرَّجُلِ يَقْرَأُ .\rوَقَالَ الْخَلَّالُ : حَدَّثَنِي أَبُو عَلِيٍّ الْحَسَنُ بْنُ الْهَيْثَمِ الْبَزَّارُ ، شَيْخُنَا الثِّقَةُ الْمَأْمُونُ ، قَالَ : رَأَيْت أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ يُصَلِّي خَلْفَ ضَرِيرٍ يَقْرَأُ عَلَى الْقُبُورِ .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { مَنْ دَخَلَ الْمَقَابِرَ فَقَرَأَ سُورَةَ يس خُفِّفَ عَنْهُمْ يَوْمَئِذٍ ، وَكَانَ لَهُ بِعَدَدِ مَنْ فِيهَا حَسَنَاتٌ } .\rوَرُوِيَ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ { مَنْ زَارَ قَبْرَ وَالِدَيْهِ أَوْ أَحَدِهِمَا ، فَقَرَأَ عِنْدَهُ أَوْ عِنْدَهُمَا يس غُفِرَ لَهُ } .","part":5,"page":78},{"id":2078,"text":"فَصْلٌ : وَأَيُّ قُرْبَةٍ فَعَلَهَا ، وَجَعَلَ ثَوَابَهَا لِلْمَيِّتِ الْمُسْلِمِ ، نَفَعَهُ ذَلِكَ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ ، أَمَّا الدُّعَاءُ ، وَالِاسْتِغْفَارُ ، وَالصَّدَقَةُ ، وَأَدَاءُ الْوَاجِبَاتِ ، فَلَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا ، إذَا كَانَتْ الْوَاجِبَاتُ مِمَّا يَدْخُلُهُ النِّيَابَةُ ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَاَلَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ } .\rوَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ } .\r{ وَدَعَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَبِي سَلَمَةَ حِينَ مَاتَ } ، وَلِلْمَيِّتِ الَّذِي صَلَّى عَلَيْهِ فِي حَدِيثِ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ ، وَلِكُلِّ مَيِّتٍ صَلَّى عَلَيْهِ .\rوَلِذِي النِّجَادَيْنِ حَتَّى دَفَنَهُ .\rوَشَرَعَ اللَّهُ ذَلِكَ لِكُلِّ مَنْ صَلَّى عَلَى مَيِّتٍ { وَسَأَلَ رَجُلٌ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنَّ أُمِّي مَاتَتْ ، فَيَنْفَعُهَا إنْ تَصَدَّقْت عَنْهَا ؟ قَالَ : نَعَمْ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ .\r{ وَجَاءَتْ امْرَأَةٌ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنَّ فَرِيضَةَ اللَّهِ فِي الْحَجِّ أَدْرَكَتْ أَبِي شَيْخًا كَبِيرًا ، لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَثْبُتَ عَلَى الرَّاحِلَةِ ، أَفَأَحُجُّ عَنْهُ ؟ قَالَ : أَرَأَيْت لَوْ كَانَ عَلَى أَبِيك دَيْنٌ أَكُنْتِ قَاضِيَتَهُ ؟ قَالَتْ : نَعَمْ .\rقَالَ : فَدَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى .\r} { وَقَالَ لِلَّذِي سَأَلَهُ : إنَّ أُمِّي مَاتَتْ ، وَعَلَيْهَا صَوْمُ شَهْرٍ ، أَفَأَصُومُ عَنْهَا ؟ قَالَ : نَعَمْ .\r} وَهَذِهِ أَحَادِيثُ صِحَاحٌ ، وَفِيهَا دَلَالَةٌ عَلَى انْتِفَاعِ الْمَيِّتِ بِسَائِرِ الْقُرَبِ ؛ لِأَنَّ الصَّوْمَ وَالْحَجَّ وَالدُّعَاءَ وَالِاسْتِغْفَارَ عِبَادَاتٌ بَدَنِيَّةٌ ، وَقَدْ أَوْصَلَ اللَّه نَفْعَهَا إلَى الْمَيِّتِ ، فَكَذَلِكَ مَا سِوَاهَا ، مَعَ مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْحَدِيثِ فِي ثَوَابِ مَنْ قَرَأَ يس ، وَتَخْفِيفِ اللَّه تَعَالَى عَنْ أَهْلِ الْمَقَابِرِ بِقِرَاءَتِهِ .","part":5,"page":79},{"id":2079,"text":"وَرَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ : لَوْ كَانَ أَبُوك مُسْلِمًا ، فَأَعْتَقْتُمْ عَنْهُ ، أَوْ تَصَدَّقْتُمْ عَنْهُ ، أَوْ حَجَجْتُمْ عَنْهُ ، بَلَغَهُ ذَلِكَ } .\rوَهَذَا عَامٌ فِي حَجِّ التَّطَوُّعِ وَغَيْرِهِ ، وَلِأَنَّهُ عَمَلُ بِرٍّ وَطَاعَةٍ ، فَوَصَلَ نَفْعُهُ وَثَوَابُهُ ، كَالصَّدَقَةِ وَالصِّيَامِ وَالْحَجِّ الْوَاجِبِ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : مَا عَدَا الْوَاجِبَ وَالصَّدَقَةَ وَالدُّعَاءَ وَالِاسْتِغْفَارَ ، لَا يُفْعَلُ عَنْ الْمَيِّتِ ، وَلَا يَصِلُ ثَوَابُهُ إلَيْهِ ؛ لِقَوْلِ اللَّه تَعَالَى : { وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إلَّا مَا سَعَى } .\rوَقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إلَّا مِنْ ثَلَاثٍ : صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ مِنْ بَعْدِهِ ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ } .\rوَلِأَنَّ نَفْعَهُ لَا يَتَعَدَّى فَاعِلَهُ ، فَلَا يَتَعَدَّى ثَوَابُهُ .\rوَقَالَ بَعْضُهُمْ : إذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ عِنْدَ الْمَيِّتِ ، أَوْ أُهْدِيَ إلَيْهِ ثَوَابُهُ ، كَانَ الثَّوَابُ لِقَارِئِهِ ، وَيَكُونُ الْمَيِّتُ كَأَنَّهُ حَاضِرُهَا ، فَتُرْجَى لَهُ الرَّحْمَةُ .\rوَلَنَا ، مَا ذَكَرْنَاهُ ، وَأَنَّهُ إجْمَاعُ الْمُسْلِمِينَ ؛ فَإِنَّهُمْ فِي كُلِّ عَصْرٍ وَمِصْرٍ يَجْتَمِعُونَ وَيَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ ، وَيُهْدُونَ ثَوَابَهُ إلَى مَوْتَاهُمْ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ .\rوَلِأَنَّ الْحَدِيثَ صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ } .\rوَاَللَّهُ أَكْرَمُ مِنْ أَنْ يُوصِلَ عُقُوبَةَ الْمَعْصِيَةِ إلَيْهِ ، وَيَحْجُبَ عَنْهُ الْمَثُوبَةَ .\rوَلِأَنَّ الْمُوصِلَ لِثَوَابِ مَا سَلَّمُوهُ ، قَادِرٌ عَلَى إيصَالِ ثَوَابِ مَا مَنَعُوهُ ، وَالْآيَةُ مَخْصُوصَةٌ بِمَا سَلَّمُوهُ ، وَمَا اخْتَلَفْنَا فِيهِ فِي مَعْنَاهُ ، فَنَقِيسُهُ عَلَيْهِ .\rوَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِي الْخَبَرِ الَّذِي احْتَجُّوا بِهِ ، فَإِنَّمَا دَلَّ عَلَى انْقِطَاعِ عَمَلِهِ ، فَلَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَيْهِ ؛ ثُمَّ لَوْ دَلَّ عَلَيْهِ","part":5,"page":80},{"id":2080,"text":"كَانَ مَخْصُوصًا بِمَا سَلَّمُوهُ ، وَفِي مَعْنَاهُ مَا مَنَعُوهُ ، فَيَتَخَصَّصُ بِهِ أَيْضًا بِالْقِيَاسِ عَلَيْهِ ، وَمَا ذَكَرُوهُ مِنْ الْمَعْنَى غَيْرُ صَحِيحٍ ، فَإِنْ تَعَدِّيَ الثَّوَابِ لَيْسَ بِفَرْعِ لِتَعَدِّي النَّفْعِ ، ثُمَّ هُوَ بَاطِلٌ بِالصَّوْمِ وَالدُّعَاءِ وَالْحَجِّ ، وَلَيْسَ لَهُ أَصْلٌ يُعْتَبَرُ بِهِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":5,"page":81},{"id":2081,"text":"( 1688 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَتُكْرَهُ لِلنِّسَاءِ ) اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ فِي زِيَارَةِ النِّسَاءِ الْقُبُورَ ، فَرُوِيَ عَنْهُ كَرَاهَتُهَا ؛ لِمَا رَوَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ ، قَالَتْ : { نُهِينَا عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ وَلَمْ يُعْزَمْ عَلَيْنَا .\r} رَوَاهُ مُسْلِمٌ .\rوَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { لَعَنَ اللَّهُ زَوَّارَاتِ الْقُبُورِ } .\rقَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ .\rوَهَذَا خَاصٌّ فِي النِّسَاءِ ، وَالنَّهْيُ الْمَنْسُوخُ كَانَ عَامًا لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ كَانَ خَاصًّا لِلرِّجَالِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَيْضًا كَوْنَ الْخَبَرِ فِي لَعْنِ زَوَّارَاتِ الْقُبُورِ ، بَعْدَ أَمْرِ الرِّجَالِ بِزِيَارَتِهَا ، فَقَدْ دَارَ بَيْنَ الْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ ، فَأَقَلُّ أَحْوَالِهِ الْكَرَاهَةُ .\rوَلِأَنَّ الْمَرْأَةَ قَلِيلَةُ الصَّبْرِ ، كَثِيرَةُ الْجَزَعِ ، وَفِي زِيَارَتِهَا لِلْقَبْرِ تَهْيِيجٌ لِحُزْنِهَا ، وَتَجْدِيدٌ لِذِكْرِ مُصَابِهَا ، فَلَا يُؤْمَنُ أَنْ يُفْضِيَ بِهَا ذَلِكَ إلَى فِعْلِ مَا لَا يَجُوزُ ، بِخِلَافِ الرَّجُلِ ، وَلِهَذَا اخْتَصَصْنَ بِالنُّوحِ وَالتَّعْدِيدِ ، وَخُصِصْنَ بِالنَّهْيِ عَنْ الْحَلْقِ وَالصَّلْقِ وَنَحْوِهِمَا .\rوَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ ، لَا يُكْرَهُ ؛ لِعُمُومِ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { كُنْت نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ ، فَزُورُوهَا } .\rوَهَذَا يَدُلُّ عَلَى سَبْقِ النَّهْيِ وَنَسْخِهِ ، فَيَدْخُلُ فِي عُمُومِهِ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ .\rوَرُوِيَ عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ ، أَنَّهُ قَالَ لِعَائِشَةَ : يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ ، مِنْ أَيْنَ أَقْبَلْت ؟ قَالَتْ : مِنْ قَبْرِ أَخِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ .\rفَقُلْت لَهَا : قَدْ { نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ ؟ قَالَتْ : نَعَمْ ، قَدْ نَهَى ، ثُمَّ أَمَرَ بِزِيَارَتِهَا } ، وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ أَنَّ عَائِشَةَ زَارَتْ قَبْرَ أَخِيهَا ، وَرُوِيَ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ : لَوْ شَهِدْته مَا زُرْته .","part":5,"page":82},{"id":2082,"text":"( 1689 ) فَصْلٌ : وَيُكْرَهُ النَّعْيُ ، وَهُوَ أَنْ يَبْعَثَ مُنَادِيًا يُنَادِي فِي النَّاسِ : إنَّ فُلَانًا قَدْ مَاتَ .\rلِيَشْهَدُوا جِنَازَتَهُ ؛ لِمَا رَوَى حُذَيْفَةُ ، قَالَ : سَمِعْت النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { يَنْهَى عَنْ النَّعْيِ } .\rقَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ .\rوَاسْتَحَبَّ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنْ لَا يُعْلَمَ النَّاسُ بِجَنَائِزِهِمْ ؛ مِنْهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ ، وَأَصْحَابُهُ عَلْقَمَةُ ، وَالرَّبِيعُ بْنُ خَيْثَمٍ ، وَعَمْرُو بْنُ شُرَحْبِيلَ .\rقَالَ عَلْقَمَةُ : لَا تُؤْذِنُوا بِي أَحَدًا .\rوَقَالَ عَمْرُو بْنُ شُرَحْبِيلَ : إذَا أَنَا مِتَّ فَلَا أُنْعَى إلَى أَحَدٍ .\rوَقَالَ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ : لَا بَأْسَ أَنْ يَعْلَمَ بِالرَّجُلِ إخْوَانُهُ وَمَعَارِفُهُ وَذَوُو الْفَضْلِ ، مِنْ غَيْرِ نِدَاءٍ .\rقَالَ إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ : لَا بَأْسَ إذَا مَاتَ الرَّجُلُ أَنْ يُؤْذِنَ صَدِيقَهُ وَأَصْحَابَهُ ، وَإِنَّمَا كَانُوا يَكْرَهُونَ أَنْ يُطَافَ فِي الْمَجَالِسِ : أَنْعِي فُلَانًا .\rكَفِعْلِ الْجَاهِلِيَّةِ .\rوَمِمَّنْ رَخَّصَ فِي هَذَا ؛ أَبُو هُرَيْرَةَ ، وَابْنُ عُمَرَ ، وَابْنُ سِيرِينَ .\rوَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ نُعِيَ إلَيْهِ رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ ، قَالَ : كَيْفَ تُرِيدُونَ أَنْ تَصْنَعُوا بِهِ ؟ قَالَ : نَحْبِسُهُ حَتَّى نُرْسِلَ إلَى قُبَاءَ ، وَإِلَى مِنْ قَدْ بَاتَ حَوْلَ الْمَدِينَةِ لِيَشْهَدُوا جِنَازَتَهُ .\rقَالَ : نَعَمْ مَا رَأَيْتُمْ .\rوَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { فِي الَّذِي دُفِنَ لَيْلًا : أَلَا آذَنْتُمُونِي } .\rوَقَدْ صَحَّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَعَى لِلنَّاسِ النَّجَاشِيَّ ، فِي الْيَوْمِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ ، وَخَرَجَ بِهِمْ إلَى الْمُصَلَّى ، فَصَفَّ بِهِمْ ، وَكَبَّرَ أَرْبَعَ تَكْبِيرَاتٍ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَفِي لَفْظٍ : { إنَّ أَخَاكُمْ النَّجَاشِيَّ قَدْ مَاتَ ، فَقُومُوا فَصَلُّوا عَلَيْهِ } .\rوَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَنَّهُ قَالَ : لَا يَمُوتُ فِيكُمْ أَحَدٌ إلَّا آذَنْتُمُونِي بِهِ } .\rأَوْ كَمَا قَالَ .","part":5,"page":83},{"id":2083,"text":"وَلِأَنَّ فِي كَثْرَةِ الْمُصَلَّيْنَ عَلَيْهِ أَجْرًا لَهُمْ ، وَنَفْعًا لِلْمَيِّتِ ، فَإِنَّهُ يَحْصُلُ لِكُلِّ مُصَلٍّ مِنْهُمْ قِيرَاطٌ مِنْ الْأَجْرِ .\rوَجَاءَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَمُوتُ ، فَيُصَلِّي عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ صُفُوفٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ، إلَّا أَوْجَبَ } ، وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذَا .\rوَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي الْمَلِيحِ ، أَنَّهُ صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ ، فَالْتَفَتَ فَقَالَ : اسْتَوُوا .\rوَلْتَحْسُنْ شَفَاعَتُكُمْ ، أَلَا وَإِنَّهُ حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلِيطٍ ، عَنْ إحْدَى أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ ، وَهِيَ مَيْمُونَةُ ، وَكَانَ أَخَاهَا مِنْ الرَّضَاعَةِ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُصَلِّي عَلَيْهِ أُمَّةٌ مِنْ النَّاسِ إلَّا شُفِّعُوا فِيهِ } .\rفَسَأَلْت أَبَا الْمَلِيحِ عَنْ الْأُمَّةِ ؟ فَقَالَ : أَرْبَعُونَ .\r.","part":5,"page":84},{"id":2084,"text":"قَالَ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ قُتَيْبَةَ : الزَّكَاةُ مِنْ الزَّكَاءِ وَالنَّمَاءِ وَالزِّيَادَةِ ؛ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا تُثْمِرُ الْمَالَ وَتُنَمِّيه .\rيُقَالُ : زَكَا الزَّرْعُ ، إذَا كَثُرَ رَيْعُهُ .\rوَزَكَّتْ النَّفَقَةُ ، إذَا بُورِكَ فِيهَا .\rوَهِيَ فِي الشَّرِيعَةِ حَقٌّ يَجِبُ فِي الْمَالِ ، فَعِنْدَ إطْلَاقِ لَفْظِهَا فِي مَوَارِدِ الشَّرِيعَةِ يَنْصَرِفُ إلَى ذَلِكَ .\rوَالزَّكَاةُ أَحَدُ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ الْخَمْسَةِ ، وَهِيَ وَاجِبَةٌ بِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَسُنَّةِ رَسُولِهِ ، وَإِجْمَاعِ أُمَّتِهِ ؛ أَمَّا الْكِتَابُ ، فَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { وَآتُوا الزَّكَاةَ } .\rوَأَمَّا السُّنَّةُ ، { فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ مُعَاذًا إلَى الْيَمَنِ ، فَقَالَ : أَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ ، فَتُرَدُّ فِي فُقَرَائِهِمْ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rفِي آيٍ وَأَخْبَارٍ سِوَى هَذَيْنِ كَثِيرَةٍ .\rوَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ فِي جَمِيعِ الْأَعْصَارِ عَلَى وُجُوبهَا ، وَاتَّفَقَ الصَّحَابَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ عَلَى قِتَالِ مَانِعِيهَا ، فَرَوَى الْبُخَارِيُّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : لَمَّا تُوُفِّيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ ، وَكَفَرَ مِنْ كَفَرَ مِنْ الْعَرَبِ ، فَقَالَ عُمَرُ : كَيْفَ تُقَاتِلُ النَّاسَ ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { أُمِرْت أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ، فَمَنْ قَالَهَا فَقَدْ عَصَمَ مِنِّي مَالَهُ وَنَفْسَهُ إلَّا بِحَقِّهِ ، وَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ ؟ } فَقَالَ : وَاَللَّهِ لَأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ ؛ فَإِنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ الْمَالِ ، وَاَللَّهِ لَوْ مَنَعُونِي عَنَاقًا كَانُوا يُؤَدُّونَهَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِهَا .\rقَالَ عُمَرُ : فَوَاَللَّهِ مَا هُوَ إلَّا أَنْ رَأَيْت اللَّهَ قَدْ شَرَحَ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ لِلْقِتَالِ ، فَعَرَفْت أَنَّهُ الْحَقُّ .\rوَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَقَالَ : \" لَوْ","part":5,"page":85},{"id":2085,"text":"مَنَعُونِي عِقَالًا \" .\rقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : الْعِقَالُ ، صَدَقَةُ الْعَامِ .\rقَالَ الشَّاعِرُ : سَعَى عِقَالًا فَلَمْ يَتْرُكْ لَنَا سَبَدًا فَكَيْفَ لَوْ قَدْ سَعَى عَمْرو عِقَالَيْنِ وَقِيلَ : كَانُوا إذَا أَخَذُوا الْفَرِيضَةَ أَخَذُوا مَعَهَا عِقَالَهَا .\rوَمِنْ رَوَاهُ \" عَنَاقًا \" فَفِي رِوَايَتِهِ دَلِيلٌ عَلَى أَخْذِ الصَّغِيرَةِ مِنْ الصِّغَارِ .\r( 1690 ) فَصْلٌ : فَمَنْ أَنْكَرَ وُجُوبَهَا جَهْلًا بِهِ ، وَكَانَ مِمَّنْ يَجْهَلُ ذَلِكَ إمَّا لِحَدَاثَةِ عَهْدِهِ بِالْإِسْلَامِ ، أَوْ لِأَنَّهُ نَشَأَ بِبَادِيَةٍ نَائِيَةٍ عَنْ الْأَمْصَارِ ، عُرِّفَ وُجُوبَهَا ، وَلَا يُحْكَمْ بِكُفْرِهِ ؛ لِأَنَّهُ مَعْذُورٌ ، وَإِنْ كَانَ مُسْلِمًا نَاشِئًا بِبِلَادِ الْإِسْلَامِ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فَهُوَ مُرْتَدٌّ ، تَجْرِي عَلَيْهِ أَحْكَامُ الْمُرْتَدِّينَ وَيُسْتَتَابُ ثَلَاثًا ، فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ ؛ لِأَنَّ أَدِلَّةَ وُجُوبِ الزَّكَاةِ ظَاهِرَةٌ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ ، فَلَا تَكَادُ تَخْفَى عَلَى أَحَدِ مِمَّنْ هَذِهِ حَالُهُ ، فَإِذَا جَحَدَهَا لَا يَكُونُ إلَّا لِتَكْذِيبِهِ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ ، وَكُفْرِهِ بِهِمَا .","part":5,"page":86},{"id":2086,"text":"( 1691 ) فَصْلٌ : وَإِنْ مَنَعَهَا مُعْتَقِدًا وُجُوبَهَا ، وَقَدَرَ الْإِمَامُ عَلَى أَخْذِهَا مِنْهُ ، أَخَذَهَا وَعَزَّرَهُ ، وَلَمْ يَأْخُذْ زِيَادَةً عَلَيْهَا ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، مِنْهُمْ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُهُمْ .\rوَكَذَلِكَ إنَّ غَلَّ مَالَهُ فَكَتَمَهُ حَتَّى لَا يَأْخُذَ الْإِمَامُ زَكَاتَهُ ، فَظَهَرَ عَلَيْهِ .\rوَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ وَأَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ : يَأْخُذُهَا وَشَطْرَ مَالِهِ ؛ لِمَا رَوَى بَهْزُ بْنُ حَكِيمٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : { فِي كُلِّ سَائِمَةِ الْإِبِلِ ، فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ ، لَا تُفَرَّقُ عَنْ حِسَابِهَا ، مَنْ أَعْطَاهَا مُؤْتَجِرًا فَلَهُ أَجْرُهَا ، وَمَنْ أَبَاهَا فَإِنِّي آخُذْهَا وَشَطْرَ مَالِهِ ، عَزْمَةٌ مِنْ عَزَمَاتِ رَبِّنَا ، لَا يَحِلُّ لِآلِ مُحَمَّدٍ مِنْهَا شَيْءٌ } وَذُكِرَ هَذَا الْحَدِيثُ لِأَحْمَدَ فَقَالَ : مَا أَدْرِي مَا وَجْهُهُ ؟ وَسُئِلَ عَنْ إسْنَادِهِ ، فَقَالَ : هُوَ عِنْدِي صَالِحُ الْإِسْنَادِ .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَالنَّسَائِيُّ ، فِي \" سُنَنِهِمَا \" .\rوَوَجْهُ الْأَوَّلِ ، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَيْسَ فِي الْمَالِ حَقٌّ سِوَى الزَّكَاةِ } .\rوَلِأَنَّ مَنْعَ الزَّكَاةِ كَانَ فِي زَمَنِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِمَوْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ تَوَفُّرِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، فَلَمْ يَنْقُلْ أَحَدٌ عَنْهُمْ زِيَادَةً ، وَلَا قَوْلًا بِذَلِكَ .\rوَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي الْعُذْرِ عَنْ هَذَا الْخَبَرِ .\rفَقِيلَ : كَانَ فِي بَدْءِ الْإِسْلَامِ ، حَيْثُ كَانَتْ الْعُقُوبَاتُ فِي الْمَالِ ، ثُمَّ نُسِخَ بِالْحَدِيثِ الَّذِي رَوَيْنَاهُ .\rوَحَكَى الْخَطَّابِيُّ ، عَنْ إبْرَاهِيمَ الْحَرْبِيِّ أَنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْهُ السِّنُّ الْوَاجِبَةُ عَلَيْهِ مِنْ خِيَارِ مَالِهِ ، مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ فِي سِنٍّ وَلَا عَدَدٍ ، لَكِنَّ يَنْتَقِي مِنْ خَيْرِ مَالِهِ مَا تَزِيدُ بِهِ صَدَقَتُهُ فِي الْقِيمَةِ بِقَدْرِ شَطْرِ قِيمَةِ","part":5,"page":87},{"id":2087,"text":"الْوَاجِبِ عَلَيْهِ .\rفَيَكُونُ الْمُرَادُ ب \" مَا لَهُ \" هَاهُنَا الْوَاجِبَ عَلَيْهِ مِنْ مَالِهِ ، فَيُزَادُ عَلَيْهِ فِي الْقِيمَةِ بِقَدْرِ شَطْرِهِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .\rفَأَمَّا إنْ كَانَ مَانِعُ الزَّكَاةِ خَارِجًا عَنْ قَبْضَةِ الْإِمَامِ قَاتَلَهُ ؛ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ قَاتَلُوا مَانِعِيهَا ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : لَوْ مَنَعُونِي عِقَالًا كَانُوا يُؤَدُّونَهُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَقَاتَلْتهمْ عَلَيْهِ .\rفَإِنْ ظَفِرَ بِهِ وَبِمَالِهِ ، أَخَذَهَا مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ أَيْضًا ، وَلَمْ تُسْبَ ذُرِّيَّتُهُ ؛ لِأَنَّ الْجِنَايَةَ مِنْ غَيْرِهِمْ ، وَلِأَنَّ الْمَانِعَ لَا يُسْبَى ، فَذُرِّيَّتُهُ أَوْلَى .\rوَإِنْ ظَفِرَ بِهِ دُونَ مَالِهِ ، دَعَاهُ إلَى أَدَائِهَا ، وَاسْتَتَابَهُ ثَلَاثًا ، فَإِنْ تَابَ وَأَدَّى ، وَإِلَّا قُتِلَ ، وَلَمْ يَحْكُمْ بِكُفْرِهِ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَكْفُرُ بِقِتَالِهِ عَلَيْهَا ، فَرَوَى الْمَيْمُونِيُّ عَنْهُ : إذَا مَنَعُوا الزَّكَاةَ كَمَا مَنَعُوا أَبَا بَكْرٍ ، وَقَاتَلُوا عَلَيْهَا ، لَمْ يُوَرَّثُوا ، وَلَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِمْ .\rقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ : مَا تَارِكُ الزَّكَاةِ بِمُسْلِمٍ .\rوَوَجْهُ ذَلِكَ ، مَا رُوِيَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمَّا قَاتَلَهُمْ ، وَعَضَّتْهُمْ الْحَرْبُ ، قَالُوا : نُؤَدِّيهَا .\rقَالَ : لَا أَقْبَلُهَا حَتَّى تَشْهَدُوا أَنَّ قَتْلَانَا فِي الْجَنَّةِ وَقَتْلَاكُمْ فِي النَّارِ .\rوَلَمْ يُنْقَلْ إنْكَارُ ذَلِكَ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ ، فَدَلَّ عَلَى كُفْرِهِمْ .\rوَوَجْهُ الْأَوَّلِ ، أَنَّ عُمَرَ وَغَيْرَهُ مِنْ الصَّحَابَةِ امْتَنَعُوا مِنْ الْقِتَالِ فِي بَدْءِ الْأَمْرِ ، وَلَوْ اعْتَقَدُوا كُفْرَهُمْ لَمَا تَوَقَّفُوا عَنْهُ ، ثُمَّ اتَّفَقُوا عَلَى الْقِتَالِ ، وَبَقِيَ الْكُفْرُ عَلَى أَصْلِ النَّفْيِ ، وَلِأَنَّ الزَّكَاةَ فَرْعٌ مِنْ فُرُوعِ الدِّينِ ، فَلَمْ يَكْفُرْ تَارِكُهُ بِمُجَرَّدِ تَرْكِهِ ؛ كَالْحَجِّ ، وَإِذَا لَمْ يَكْفُرْ بِتَرْكِهِ ، لَمْ يَكْفُرْ بِالْقِتَالِ عَلَيْهِ كَأَهْلِ الْبَغْيِ .\rوَأَمَّا الَّذِينَ","part":5,"page":88},{"id":2088,"text":"قَالَ لَهُمْ أَبُو بَكْرٍ هَذَا الْقَوْلَ ، فَيَحْتَمِلُ أَنَّهُمْ جَحَدُوا وُجُوبَهَا ، فَإِنَّهُ نُقِلَ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ قَالُوا : إنَّمَا كُنَّا نُؤَدِّي إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ لِأَنَّ صَلَاتَهُ سَكَنٌ لَنَا ، وَلَيْسَ صَلَاةُ أَبِي بَكْرٍ سَكَنًا لَنَا ، فَلَا نُؤَدِّي إلَيْهِ .\rوَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ جَحَدُوا وُجُوبَ الْأَدَاءِ إلَى أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَلِأَنَّ هَذِهِ قَضِيَّةٌ فِي عَيْنٍ ، وَلَا يَتَحَقَّقُ مِنْ الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ أَبُو بَكْرٍ هَذَا الْقَوْلَ ، فَيَحْتَمِلُ أَنَّهُمْ كَانُوا مُرْتَدِّينَ ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُمْ جَحَدُوا وُجُوبَ الزَّكَاةِ ، وَيَحْتَمِلُ غَيْرَ ذَلِكَ ، فَلَا يَجُوزُ الْحُكْمُ بِهِ فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ قَالَ ذَلِكَ لِأَنَّهُمْ ارْتَكَبُوا كَبَائِرَ ، وَمَاتُوا مِنْ غَيْرِ تَوْبَةٍ ، فَحُكِمَ لَهُمْ بِالنَّارِ ظَاهِرًا ، كَمَا حُكِمَ لِقَتْلَى الْمُجَاهِدِينَ بِالْجَنَّةِ ظَاهِرًا ، وَالْأَمْرُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي الْجَمِيعِ ، وَلَمْ يَحْكُمْ عَلَيْهِمْ بِالتَّخْلِيدِ ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ الْحُكْمِ بِالنَّارِ الْحُكْمُ بِالتَّخْلِيدِ ، بَعْدَ أَنْ أَخْبَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ قَوْمًا مِنْ أُمَّتِهِ يَدْخُلُونَ النَّارَ ، ثُمَّ يُخْرِجُهُمْ اللَّهُ تَعَالَى مِنْهَا وَيُدْخِلُهُمْ الْجَنَّةَ .","part":5,"page":89},{"id":2089,"text":"( 1692 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى : ( وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسٍ مِنْ الْإِبِلِ سَائِمَةٍ صَدَقَةٌ ) .\rبَدَأَ الْخِرَقِيِّ ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، بِذِكْرِ صَدَقَةِ الْإِبِلِ ؛ لِأَنَّهَا أَهَمُّ ، فَإِنَّهَا أَعْظَمُ النَّعَمِ قِيمَةً وَأَجْسَامًا ، وَأَكْثَرُ أَمْوَالِ الْعَرَبِ ، فَالِاهْتِمَامُ بِهَا أَوْلَى ، وَوُجُوبُ زَكَاتِهَا مِمَّا أَجْمَعَ عَلَيْهِ عُلَمَاءُ الْإِسْلَامِ ، وَصَحَّتْ فِيهِ السُّنَّةُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rوَمِنْ أَحْسَنِ مَا رُوِيَ فِي ذَلِكَ ، مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي \" صَحِيحِهِ \" ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُثَنَّى الْأَنْصَارِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، قَالَ : حَدَّثَنَا ثُمَامَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَنَسٌ ، أَنَّ أَنَسًا حَدَّثَهُ ، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ ، كَتَبَ لَهُ هَذَا الْكِتَابَ ، لَمَّا وَجَّهَ إلَى الْبَحْرَيْنِ : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ .\rهَذِهِ فَرِيضَةُ الصَّدَقَةِ الَّتِي فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ ، وَاَلَّتِي أَمَرَ اللَّهُ بِهَا رَسُولَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمَنْ سُئِلَهَا عَلَى وَجْهِهَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَلْيُعْطِهَا ، وَمِنْ سُئِلَ فَوْقَهَا فَلَا يُعْطِ : \" فِي أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ فَمَا دُونَهَا مِنْ الْإِبِلِ فِي كُلِّ خَمْسٍ شَاةٌ ، فَإِذَا بَلَغَتْ خَمْسًا وَعِشْرِينَ إلَى خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ ، فَفِيهَا بِنْتُ مَخَاضٍ أُنْثَى ، فَإِذَا بَلَغَتْ سِتًّا وَثَلَاثِينَ إلَى خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ ، فَفِيهَا بِنْتُ لَبُونٍ أُنْثَى ، فَإِذَا بَلَغَتْ سِتًّا وَأَرْبَعِينَ إلَى سِتِّينَ ، فَفِيهَا حِقَّةٌ طَرُوقَةُ الْجَمَلِ ، فَإِذَا بَلَغَتْ وَاحِدَةً وَسِتِّينَ إلَى خَمْسٍ وَسَبْعِينَ ، فَفِيهَا جَذَعَةٌ ، فَإِذَا بَلَغَتْ سِتًّا وَسَبْعِينَ إلَى تِسْعِينَ ، فَفِيهَا ابْنَتَا لَبُونٍ ، فَإِذَا بَلَغَتْ إحْدَى وَتِسْعِينَ إلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ ، فَفِيهَا حِقَّتَانِ طَرُوقَتَا الْفَحْلِ ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ ، فَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ ، وَفِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ ، وَمَنْ","part":5,"page":90},{"id":2090,"text":"لَمْ يَكُنْ مَعَهُ إلَّا أَرْبَعٌ مِنْ الْإِبِلِ ، فَلَيْسَ فِيهَا صَدَقَةٌ إلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبُّهَا ، فَإِذَا بَلَغَتْ خَمْسًا مِنْ الْإِبِلِ ، فَفِيهَا شَاةٌ \" .\rوَذِكْرُ تَمَامِ الْحَدِيثِ نَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي أَبْوَابِهِ ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، فِي \" سُنَنِهِ \" ، وَزَادَ : \" وَإِذَا بَلَغَتْ خَمْسًا وَعِشْرِينَ ، فَفِيهَا بِنْتُ مَخَاضٍ ، إلَى أَنْ تَبْلُغَ خَمْسًا وَثَلَاثِينَ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا ابْنَةُ مَخَاضٍ ، فَفِيهَا ابْنُ لَبُونٍ ذَكَرٌ \" .\rوَهَذَا كُلّه مُجْمَعٌ عَلَيْهِ إلَى أَنْ يَبْلُغَ عِشْرِينَ وَمِائَةً ، ذَكَرَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ .\rقَالَ : وَلَا يَصِحُّ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَا رُوِيَ عَنْهُ فِي خَمْسٍ وَعِشْرِينَ .\rيَعْنِي مَا حُكِيَ عَنْهُ فِي خَمْسٍ وَعِشْرِينَ خَمْسُ شِيَاهٍ .\rوَقَوْلُ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : الَّتِي فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rيَعْنِي قَدَّرَ ، وَالتَّقْدِيرُ يُسَمَّى فَرْضًا ، وَمِنْهُ فَرَضَ الْحَاكِمُ لِلْمَرْأَةِ فَرْضًا .\rوَقَوْلُهُ : وَمِنْ سُئِلَ فَوْقَهَا فَلَا يُعْطِ .\rيَعْنِي لَا يُعْطِي فَوْقَ الْفَرْضِ .\rوَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ مَا دُونَ خَمْسٍ مِنْ الْإِبِلِ لَا زَكَاةَ فِيهِ .\rوَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : { وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ إلَّا أَرْبَعٌ مِنْ الْإِبِلِ ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ فِيهَا صَدَقَةٌ إلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبُّهَا } .\rوَقَالَ : { لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ صَدَقَةٌ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَالسَّائِمَةُ : الرَّاعِيَةُ ، وَقَدْ سَامَتْ تَسُومُ سَوْمًا : إذَا رَعَتْ ، وَأَسْمَتْهَا إذَا رَعَيْتهَا ، وَسَوَّمْتهَا : إذَا جَعَلْتهَا سَائِمَةً ، وَمِنْهُ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ } أَيْ تَرْعَوْنَ .\rوَفِي ذِكْرِ السَّائِمَةِ احْتِرَازٌ مِنْ الْمَعْلُوفَةِ وَالْعَوَامِلِ ؛ فَإِنَّهُ لَا زَكَاةَ فِيهَا عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rوَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ فِي الْإِبِلِ النَّوَاضِحِ وَالْمَعْلُوفَةِ الزَّكَاةَ ؛ لِعُمُومِ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { فِي كُلِّ خَمْسِ شِيَاهٍ } .\rقَالَ أَحْمَدُ :","part":5,"page":91},{"id":2091,"text":"لَيْسَ فِي الْعَوَامِلِ زَكَاةٌ ، وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ يَرَوْنَ فِيهَا الزَّكَاةَ ، وَلَيْسَ عِنْدَهُمْ فِي هَذَا أَصْلٌ .\rوَلَنَا قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { فِي كُلِّ سَائِمَةٍ فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ } .\rفِي حَدِيثِ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ ، فَقَيَّدَهُ بِالسَّائِمَةِ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا زَكَاةَ فِي غَيْرِهَا ، وَحَدِيثُهُمْ مُطْلَقٌ ، فَيُحْمَلُ عَلَى الْمُقَيَّدِ ، وَلِأَنَّ وَصْفَ النَّمَاءِ مُعْتَبَرٌ فِي الزَّكَاةِ ، وَالْمَعْلُوفَةُ يَسْتَغْرِقُ عَلْفُهَا نَمَاءَهَا ، إلَّا أَنْ يُعِدَّهَا لِلتِّجَارَةِ ، فَيَكُونَ فِيهَا زَكَاةُ التِّجَارَةِ .\r( 1693 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( فَإِذَا مَلَكَ خَمْسًا مِنْ الْإِبِلِ ، فَأَسَامَهَا أَكْثَرَ السَّنَةِ ، فَفِيهَا شَاةٌ ، وَفِي الْعَشْرِ شَاتَانِ ، وَفِي الْخَمْسَ عَشْرَةَ ثَلَاثُ شِيَاهٍ ، وَفِي الْعِشْرِينَ أَرْبَعُ شِيَاهٍ ) وَهَذَا كُلُّهُ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ ، وَثَابِتٌ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا رَوَيْنَاهُ وَغَيْرِهِ ، إلَّا قَوْلَهُ : \" فَأَسَامَهَا أَكْثَرَ السَّنَةِ \" .\rفَإِنَّ مَذْهَبَ إمَامِنَا وَمَذْهَبَ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهَا إذَا كَانَتْ سَائِمَةً أَكْثَرَ السَّنَةِ فَفِيهَا الزَّكَاةُ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : إنْ لَمْ تَكُنْ سَائِمَةً فِي جَمِيعِ الْحَوْلِ فَلَا زَكَاةَ فِيهَا ؛ لِأَنَّ السَّوْمَ شَرْطٌ فِي الزَّكَاةِ ، فَاعْتُبِرَ فِي جَمِيعِ الْحَوْلِ ، كَالْمِلْكِ وَكَمَالِ النِّصَابِ ، وَلِأَنَّ الْعَلْفَ يُسْقِطُ وَالسَّوْمَ يُوجِبُ ، فَإِذَا اجْتَمَعَا غَلَبَ الْإِسْقَاطُ ، كَمَا لَوْ مَلَكَ نِصَابًا بَعْضُهُ سَائِمَةٌ وَبَعْضُهُ مَعْلُوفَةٌ .\rوَلَنَا عُمُومُ النُّصُوصِ الدَّالَّةِ عَلَى وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي نُصُبِ الْمَاشِيَةِ ، وَاسْمُ السَّوْمِ لَا يَزُولُ بِالْعَلْفِ الْيَسِيرِ ، فَلَا يَمْنَعُ دُخُولَهَا فِي الْخَبَرِ ، وَلِأَنَّهُ لَا يَمْنَعُ حَقَّهُ لَلْمُؤْنَةُ ، فَأَشْبَهَتْ السَّائِمَةَ فِي جَمِيعِ الْحَوْلِ ، وَلِأَنَّ الْعَلْفَ الْيَسِيرَ لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ فَاعْتِبَارُهُ فِي جَمِيعِ الْحَوْلِ يُسْقِطُ الزَّكَاةَ بِالْكُلِّيَّةِ ، سِيَّمَا عِنْدَ مَنْ يَسُوغُ لَهُ الْفِرَارُ","part":5,"page":92},{"id":2092,"text":"مِنْ الزَّكَاةِ ، فَإِنَّهُ إذَا أَرَادَ إسْقَاطَ الزَّكَاةِ عَلَفَهَا يَوْمًا فَأَسْقَطَهَا ، وَلِأَنَّ هَذَا وَصْفٌ مُعْتَبَرٌ فِي رَفْعِ الْكُلْفَةِ فَاعْتُبِرَ فِيهِ الْأَكْثَرُ ، كَالسَّقْيِ بِمَا لَا كُلْفَةَ فِي الزَّرْعِ وَالثِّمَارِ .\rوَقَوْلُهُمْ \" السَّوْمُ شَرْطٌ \" يَحْتَمِلُ أَنْ يَمْنَعَ .\rوَنَقُولُ : بَلْ الْعَلْفُ إذَا وُجِدَ فِي نِصْفِ الْحَوْلِ فَمَا زَادَ مَانِعٌ ، كَمَا أَنَّ السَّقْيَ بِكُلْفَةِ مَانِعٌ مِنْ وُجُوبِ الْعُشْرِ ، وَلَا يَكُونُ مَانِعًا حَتَّى يُوجَدَ فِي النِّصْفِ فَصَاعِدًا ، كَذَا فِي مَسْأَلَتِنَا ، وَإِنْ سَلَّمْنَا كَوْنَهُ شَرْطًا فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ شَرْطُ وُجُودِهِ فِي أَكْثَرِ الْحَوْلِ ، كَالسَّقْيِ بِمَا لَا كُلْفَةَ فِيهِ شَرْطٌ فِي وُجُوبِ الْعُشْرِ ، وَيُكْتَفَى بِوُجُودِهِ فِي الْأَكْثَرِ ، وَيُفَارِقُ مَا إذَا كَانَ فِي بَعْضِ النِّصَابِ مَعْلُوفٌ ؛ لِأَنَّ النِّصَابَ سَبَبٌ لِلْوُجُوبِ ، فَلَا بُدَّ مِنْ وُجُودِ الشَّرْطِ فِي جَمِيعِهِ ، وَأَمَّا الْحَوْلُ فَإِنَّهُ شَرْطُ الْوُجُوبِ ، فَجَازَ أَنْ يُعْتَبَرَ الشَّرْطُ فِي أَكْثَرِهِ .","part":5,"page":93},{"id":2093,"text":"( 1694 ) فَصْلٌ : وَلَا يُجْزِئُ فِي الْغَنَمِ الْمُخْرَجَةِ فِي الزَّكَاةِ إلَّا الْجَذَعُ مِنْ الضَّأْنِ ، وَالثَّنِيُّ مِنْ الْمَعْزِ ، وَكَذَلِكَ شَاةُ الْجُبْرَانِ ، وَأَيَّهُمَا أَخْرَجَ أَجْزَأَهُ .\rوَلَا يُعْتَبَرُ كَوْنُهَا مِنْ جِنْسِ غَنَمِهِ ، وَلَا جِنْسِ غَنَمِ الْبَلَدِ ؛ لِأَنَّ الشَّاةَ مُطْلَقَةٌ فِي الْخَبَرِ الَّذِي ثَبَتَ بِهِ وُجُوبُهَا ، وَلَيْسَ غَنَمُهُ وَلَا غَنَمُ الْبَلَدِ سَبَبًا لِوُجُوبِهَا ، فَلَمْ يَتَقَيَّدْ بِذَلِكَ ، كَالشَّاةِ الْوَاجِبَةِ فِي الْفِدْيَةِ ، وَتَكُونُ أُنْثَى ، فَإِنْ أَخْرَجَ ذَكَرًا لَمْ يُجْزِئْهُ ؛ لِأَنَّ الْغَنَمَ الْوَاجِبَةَ فِي نُصُبِهَا إنَاثٌ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُجْزِئَهُ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَطْلَقَ لَفْظَ الشَّاةِ ، فَدَخْلُ فِيهِ الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى ، وَلِأَنَّ الشَّاةَ إذَا تَعَلَّقَتْ بِالذِّمَّةِ دُونَ الْعَيْنِ أَجْزَأَ فِيهَا الذَّكَرُ كَالْأُضْحِيَّةِ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ غَنَمٌ لَزِمَهُ شِرَاءُ شَاةٍ .\rوَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : يُخْرِجُ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ ، قِيَاسًا عَلَى شَاةِ الْجُبْرَانِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَصَّ عَلَى الشَّاةِ ، فَيَجِبُ الْعَمَلُ بِنَصِّهِ ، وَلِأَنَّ هَذَا إخْرَاجُ قِيمَةٍ فَلَمْ يَجُزْ ، كَمَا لَوْ كَانَتْ الشَّاةُ وَاجِبَةً فِي نِصَابِهَا ، وَشَاةُ الْجُبْرَانِ مُخْتَصَّةٌ بِالْبَدَلِ بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ ، بِدَلِيلِ أَنَّهَا لَا تَجُوزُ بَدَلًا عَنْ الشَّاةِ الْوَاجِبَةِ فِي سَائِمَةِ الْغَنَمِ .","part":5,"page":94},{"id":2094,"text":"( 1695 ) فَصْل : فَإِنْ أَخْرَجَ عَنْ الشَّاةِ بَعِيرًا لَمْ يُجْزِئْهُ ، سَوَاءٌ كَانَتْ قِيمَتُهُ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَةِ الشَّاةِ أَوْ لَمْ يَكُنْ ، وَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ مَالِكٍ وَدَاوُد .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ : يُجْزِئُهُ الْبَعِيرُ عَنْ الْعِشْرِينَ فَمَا دُونَهَا .\rوَيَتَخَرَّجُ لَنَا مِثْلُ ذَلِكَ إذَا كَانَ الْمُخْرَجُ مِمَّا يُجْزِئُ عَنْ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ ؛ لِأَنَّهُ يُجْزِئُ عَنْ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ ، وَالْعِشْرُونَ دَاخِلَةٌ فِيهَا ، وَلِأَنَّ مَا أَجْزَأَ عَنْ الْكَثِيرِ أَجْزَأَ عَمَّا دُونَهُ ، كَابْنَتَيْ لَبُونٍ عَمَّا دُونَ سِتَّةٍ وَسَبْعِينَ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ أَخْرَجَ غَيْرَ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ ، فَلَمْ يُجْزِهِ ، كَمَا لَوْ أَخْرَجَ بَعِيرًا عَنْ أَرْبَعِينَ شَاةً ، وَلِأَنَّ النَّصَّ وَرَدَ بِالشَّاةِ ، فَلَمْ يُجْزِئ الْبَعِيرُ كَالْأَصْلِ ، أَوْ كَشَاةِ الْجُبْرَانِ ، وَلِأَنَّهَا فَرِيضَةٌ وَجَبَتْ فِيهَا شَاةٌ فَلَمْ يُجْزِئْ عَنْهَا الْبَعِيرُ ، كَنِصَابِ الْغَنَمِ ، وَيُفَارِقُ ابْنَتَيْ لَبُونٍ عَنْ الْجَذَعَةِ ؛ لِأَنَّهَا مِنْ الْجِنْسِ .","part":5,"page":95},{"id":2095,"text":"( 1696 ) فَصْلٌ : وَتَكُونُ الشَّاةُ الْمُخْرَجَةُ كَحَالِ الْإِبِلِ فِي الْجَوْدَةِ وَالرَّدَاءَةِ ، فَيُخْرِجُ عَنْ الْإِبِلِ السِّمَانِ سَمِينَةً ، وَعَنْ الْهُزَالِ هَزِيلَةً ، وَعَنْ الْكَرَائِمِ كَرِيمَةً ، وَعَنْ اللِّئَامِ لَئِيمَةً ، فَإِنْ كَانَتْ مِرَاضًا أَخْرَجَ شَاةً صَحِيحَةً عَلَى قَدْرِ الْمَالِ ، فَيُقَالُ لَهُ : لَوْ كَانَتْ الْإِبِلُ صِحَاحًا كَمْ كَانَتْ قِيمَتُهَا وَقِيمَةُ الشَّاةِ ؟ فَيُقَالُ : قِيمَةُ الْإِبِلِ مِائَةٌ وَقِيمَةُ الشَّاةِ خَمْسَةٌ ، فَيَنْقُصُ مِنْ قِيمَتِهَا قَدْرُ مَا نَقَصَتْ الْإِبِلُ ، فَإِذَا نَقَصَتْ الْإِبِلُ خُمْسَ قِيمَتِهَا وَجَبَ شَاةٌ قِيمَتُهَا أَرْبَعَةٌ .\rوَقِيلَ : تُجْزِئُهُ شَاةٌ تُجْزِئُ فِي الْأُضْحِيَّةِ ، مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إلَى الْقِيمَةِ .\rوَعَلَى الْقَوْلَيْنِ لَا تُجْزِئُهُ مَرِيضَةٌ ؛ لِأَنَّ الْمُخْرَجَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهَا ، وَلَيْسَ كُلُّهُ مِرَاضًا ، فَيُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ اجْتِمَاعِ الصِّحَاحِ ، وَالْمِرَاضُ لَا تُجْزِئُ فِيهِ إلَّا الصَّحِيحَةُ .","part":5,"page":96},{"id":2096,"text":"( 1697 ) مَسْأَلَةٌ : ( قَالَ : فَإِذَا صَارَتْ خَمْسًا وَعِشْرِينَ ، فَفِيهَا بِنْتُ مَخَاضٍ ، إلَى خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ ) ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا بِنْتُ مَخَاضٍ وَابْنُ لَبُونٍ ذَكَرٌ ، فَإِذَا بَلَغَتْ سِتًّا وَثَلَاثِينَ فَفِيهَا ابْنَةُ لَبُونٍ إلَى خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ ، فَإِذَا بَلَغَتْ سِتًّا وَأَرْبَعِينَ فَفِيهَا حِقَّةٌ طَرُوقَةُ الْفَحْلِ ، إلَى سِتِّينَ ، فَإِذَا بَلَغَتْ إحْدَى وَسِتِّينَ فَفِيهَا جَذَعَةٌ إلَى خَمْسٍ وَسَبْعِينَ ، فَإِذَا بَلَغَتْ سِتًّا وَسَبْعِينَ فَفِيهَا ابْنَتَا لَبُونٍ إلَى تِسْعِينَ ، فَإِذَا بَلَغَتْ إحْدَى وَتِسْعِينَ فَفِيهَا حِقَّتَانِ طَرُوقَتَا الْفَحْلِ إلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ .\rوَهَذَا كُلُّهُ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ ، وَالْخَبَرُ الَّذِي رَوَيْنَاهُ مُتَنَاوِلٌ لَهُ .\rوَابْنَةُ الْمَخَاضِ : الَّتِي لَهَا سَنَةٌ وَقَدْ دَخَلَتْ فِي الثَّانِيَةِ ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّ أُمَّهَا قَدْ حَمَلَتْ غَيْرَهَا ، وَالْمَاخِضُ الْحَامِلُ ، وَلَيْسَ كَوْنُ أُمِّهَا مَاخِضًا شَرْطًا فِيهَا ، وَإِنَّمَا ذُكِرَ تَعْرِيفًا لَهَا بِغَالِبِ حَالِهَا ، كَتَعْرِيفِهِ الرَّبِيبَةَ بِالْحِجْرِ ، وَكَذَلِكَ بِنْتُ لَبُونٍ وَبِنْتُ الْمَخَاضِ أَدْنَى سِنٍّ يُوجَدُ فِي الزَّكَاةِ ، وَلَا تَجِبُ إلَّا فِي خَمْسٍ وَعِشْرِينَ إلَى خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ خَاصَّةً .\rوَبِنْتُ اللَّبُونِ : الَّتِي تَمَّتْ لَهَا سَنَتَانِ وَدَخَلَتْ فِي الثَّالِثَةِ ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّ أُمَّهَا قَدْ وَضَعَتْ حَمْلَهَا وَلَهَا لَبَنٌ .\rوَالْحِقَّةُ : الَّتِي لَهَا ثَلَاثُ سِنِينَ وَدَخَلَتْ فِي الرَّابِعَةِ ؛ لِأَنَّهَا قَدْ اسْتَحَقَّتْ أَنْ يَطْرُقَهَا الْفَحْلُ ، وَلِهَذَا قَالَ : طَرُوقَةُ الْفَحْلِ .\rوَاسْتَحَقَّتْ أَنْ يُحْمَلَ عَلَيْهَا وَتُرْكَبَ .\rوَالْجَذَعَةُ : الَّتِي لَهَا أَرْبَعُ سِنِينَ وَدَخَلَتْ فِي الْخَامِسَةِ ، وَقِيلَ لَهَا ذَلِكَ لِأَنَّهَا تَجْذَعُ إذَا سَقَطَتْ سِنُّهَا ، وَهِيَ أَعْلَى سِنٍّ تَجِبُ فِي الزَّكَاةِ ، وَلَا تَجِبُ إلَّا فِي إحْدَى وَسِتِّينَ إلَى خَمْسٍ وَسَبْعِينَ .\rوَإِنْ رَضِيَ رَبُّ الْمَالِ أَنْ يُخْرِجَ مَكَانَهَا ثَنِيَّةً جَازَ ، وَهِيَ الَّتِي لَهَا خَمْسُ سِنِينَ وَدَخَلَتْ فِي السَّادِسَةِ ، وَسُمِّيَتْ","part":5,"page":97},{"id":2097,"text":"ثَنِيَّةً ، لِأَنَّهَا قَدْ أَلْقَتْ ثَنِيَّتَيْهَا .\rوَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي الْأَسْنَانِ ذَكَرَهُ أَبُو عُبَيْدٍ وَحَكَاهُ عَنْ الْأَصْمَعِيِّ ، وَأَبِي زَيْدٍ الْأَنْصَارِيِّ ، وَأَبِي زِيَادٍ الْكِلَابِيِّ وَغَيْرِهِمْ .\rوَقَوْلُ الْخِرَقِيِّ : \" فَإِنْ لَمْ يَكُنْ ابْنَةُ مَخَاضٍ \" أَرَادَ إنْ لَمْ يَكُنْ فِي إبِلِهِ ابْنَةُ مَخَاضٍ أَجْزَأَهُ ابْنُ لَبُونٍ ، وَلَا يُجْزِئُهُ مَعَ وُجُودِ ابْنَةِ مَخَاضٍ ؛ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا ابْنَةُ مَخَاضٍ فَابْنُ لَبُونٍ ذَكَرٌ } .\rفِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَيْنَاهُ شَرَطَ فِي إخْرَاجِهِ عَدَمَهَا .\rفَإِنْ اشْتَرَاهَا وَأَخْرَجَهَا جَازَ ، وَإِنْ أَرَادَ إخْرَاجَ ابْنِ لَبُونٍ بَعْدَ شِرَائِهَا لَمْ تَجُزْ ؛ لِأَنَّهُ صَارَ فِي إبِلِهِ بِنْتُ مَخَاضٍ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي إبِلِهِ ابْنُ لَبُونٍ ، وَأَرَادَ الشِّرَاءَ ، لَزِمَهُ شِرَاءُ بِنْتِ مَخَاضٍ .\rوَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يُجْزِئْهُ شِرَاءُ ابْنِ لَبُونٍ ؛ لِظَاهِرِ الْخَبَرِ وَعُمُومِهِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُمَا اسْتَوَيَا فِي الْعَدَمِ ، فَلَزِمَتْهُ ابْنَةُ مَخَاضٍ ، كَمَا لَوْ اسْتَوَيَا فِي الْوُجُودِ ، وَالْحَدِيثُ مَحْمُولٌ عَلَى وُجُودِهِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لِلرِّفْقِ بِهِ ، إغْنَاءً لَهُ عَنْ الشِّرَاءِ ، وَمَعَ عَدَمِهِ لَا يَسْتَغْنِي عَنْ الشِّرَاءِ ، فَكَانَ شِرَاءُ الْأَصْلِ أَوْلَى .\rعَلَى أَنَّ فِي بَعْضِ أَلْفَاظِ الْحَدِيثِ : \" فَمَنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ ابْنَةُ مَخَاضٍ عَلَى وَجْهِهَا ، وَعِنْدَهُ ابْنُ لَبُونٍ ، فَإِنَّهُ يُقْبَلُ مِنْهُ ، وَلَيْسَ مَعَهُ شَيْءٌ \" .\rفَشَرَطَ فِي قَبُولِهِ وُجُودَهُ وَعَدَمَهَا ، وَهَذَا فِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ ، وَفِي بَعْضِ الْأَلْفَاظِ : \" وَمَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ صَدَقَةُ بِنْتِ مَخَاضٍ ، وَلَيْسَ عِنْدَهُ إلَّا ابْنُ لَبُونٍ \" .\rوَهَذَا يَفْسُدُ بِتَعَيُّنِ حَمْلِ الْمُطْلَقِ عَلَيْهِ ، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ إلَّا ابْنَةَ مَخَاضٍ مُعَيَّنَةً ، فَلَهُ الِانْتِقَالُ إلَى ابْنِ لَبُونٍ ؛ لِقَوْلِهِ فِي الْخَبَرِ : \" فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ بِنْتُ مَخَاضٍ ، عَلَى وَجْهِهَا \" وَلِأَنَّ وُجُودَهَا كَعَدَمِهَا ، لِكَوْنِهَا لَا يَجُوزُ","part":5,"page":98},{"id":2098,"text":"إخْرَاجُهَا ، فَأَشْبَهَ الَّذِي لَا يَجِدُ إلَّا مَا لَا يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِهِ فِي انْتِقَالِهِ إلَى التَّيَمُّمِ .\rوَإِنْ وَجَدَ ابْنَةَ مَخَاضٍ أَعْلَى مِنْ صِفَةِ الْوَاجِبِ ، لَمْ يُجْزِهِ ابْنُ لَبُونٍ ؛ لِوُجُودِ بِنْتِ مَخَاضٍ عَلَى وَجْهِهَا ، وَيُخَيَّرُ بَيْن إخْرَاجِهَا وَبَيْنَ شِرَاءِ بِنْتِ مَخَاضٍ عَلَى صِفَةِ الْوَاجِبِ ، وَلَا يُخَيَّرُ بَعْضُ الذُّكُورِيَّةِ بِزِيَادَةِ سِنٍّ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ ، وَلَا يُجْزِئُهُ أَنْ يُخْرِجَ عَنْ ابْنِ لَبُونٍ حِقًّا ، وَلَا عَنْ الْحِقَّةِ جَذَعًا ، لِعَدَمِهِمَا وَلَا وُجُودِهِمَا .\rوَقَالَ الْقَاضِي ، وَابْنُ عَقِيلٍ : يَجُوزُ ذَلِكَ مَعَ عَدَمِهِمَا ؛ لِأَنَّهُمَا أَعْلَى وَأَفْضَلُ ، فَيَثْبُتُ الْحُكْمُ فِيهِمَا بِطَرِيقِ التَّنْبِيهِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ لَا نَصَّ فِيهِمَا ، وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُهُمَا عَلَى ابْنِ لَبُونٍ مَكَانَ بِنْتِ مَخَاضٍ ؛ لِأَنَّ زِيَادَةَ سِنِّ ابْنِ لَبُونٍ عَلَى بِنْتِ مَخَاضٍ يَمْتَنِعُ بِهَا مِنْ صِغَارِ السِّبَاعِ ، وَيَرْعَى الشَّجَرَ بِنَفْسِهِ ، وَيَرِدُ الْمَاءَ ، وَلَا يُوجَدُ هَذَا فِي الْحِقِّ مَعَ بِنْتِ لَبُونٍ ، لِأَنَّهُمَا يَشْتَرِكَانِ فِي هَذَا ، فَلَمْ يَبْقَ إلَّا مُجَرَّدُ السِّنِّ فَلَمْ يُقَابَلْ إلَّا بِتَوْجِيهٍ .\rوَقَوْلُهُمَا : إنَّهُ يَدُلُّ عَلَى ثُبُوتِ الْحُكْمِ فِيهِمَا بِطَرِيقِ التَّنْبِيهِ .\rقُلْنَا : بَلْ يَدُلُّ عَلَى انْتِفَاءِ الْحُكْمِ فِيهِمَا بِدَلِيلِ خِطَابِهِ ، فَإِنَّ تَخْصِيصَهُ بِالذِّكْرِ دُونَهُمَا دَلِيلٌ عَلَى اخْتِصَاصِهِ بِالْحُكْمِ دُونَهُمَا .","part":5,"page":99},{"id":2099,"text":"( 1698 ) فَصْلٌ : وَإِنْ أَخْرَجَ عَنْ الْوَاجِبِ سِنًّا أَعْلَى مِنْ جِنْسِهِ ، مِثْلُ أَنْ يُخْرِجَ بِنْتَ لَبُونٍ عَنْ بِنْتِ مَخَاضٍ ، وَحِقَّةً عَنْ بِنْتِ لَبُونٍ أَوْ بِنْتِ مَخَاضٍ ، أَوْ أَخْرَجَ عَنْ الْجَذَعَةِ ابْنَتَيْ لَبُونٍ أَوْ حِقَّتَيْنِ ، جَازَ .\rلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا ؛ لِأَنَّهُ زَادَ عَلَى الْوَاجِبِ مِنْ جِنْسِهِ مَا يُجْزِئُ عَنْهُ مَعَ غَيْرِهِ ، فَكَانَ مُجْزِيًا عَنْهُ عَلَى انْفِرَادِهِ ، كَمَا لَوْ كَانَتْ الزِّيَادَةُ فِي الْعَدَدِ .\rوَقَدْ رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي \" مُسْنَدِهِ \" ، وَأَبُو دَاوُد ، فِي \" سُنَنِهِ \" ، بِإِسْنَادِهِمَا عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ : { بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُصَدِّقًا ، فَمَرَرْت بِرَجُلٍ ، فَلَمَّا جَمَعَ لِي مَالَهُ لَمْ أَجِدْ عَلَيْهِ فِيهِ إلَّا بِنْتَ مَخَاضٍ .\rفَقُلْت لَهُ : أَدِّ بِنْتَ مَخَاضٍ ، فَإِنَّهَا صَدَقَتُك .\rفَقَالَ : ذَاكَ مَا لَا لَبَنَ فِيهِ وَلَا ظَهْرَ ، وَلَكِنْ هَذِهِ نَاقَةٌ فَتِيَّةٌ عَظِيمَةٌ سَمِينَةٌ ، فَخُذْهَا .\rفَقُلْت : مَا أَنَا بِآخِذِ مَا لَمْ أُؤْمَرْ بِهِ ، وَهَذَا رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْك قَرِيبٌ ، فَإِنْ أَحْبَبْت أَنْ تَأْتِيَهُ فَتَعْرِضَ عَلَيْهِ مَا عَرَضْت عَلَيَّ فَافْعَلْ ، فَإِنْ قَبِلَهُ مِنْك قَبِلْته ، وَإِنْ رَدَّهُ عَلَيْك رَدَدْته .\rقَالَ : فَإِنِّي فَاعِلٌ .\rفَخَرَجَ مَعِي وَخَرَجَ بِالنَّاقَةِ الَّتِي عَرَضَ عَلَيَّ ، حَتَّى قَدِمْنَا عَلَى رَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَهُ : يَا نَبِيَّ اللَّهِ ، أَتَانِي رَسُولُك لِيَأْخُذَ مِنِّي صَدَقَةَ مَالِي ، وَأَيْمُ اللَّهِ ، مَا قَامَ فِي مَالِي رَسُولُ اللَّهِ وَلَا رَسُولُهُ قَطُّ قَبْلَهُ ، فَجَمَعْت لَهُ مَالِي ، فَزَعَمَ أَنَّ مَا عَلَيَّ فِيهِ بِنْتُ مَخَاضٍ ، وَذَاكَ مَا لَا لَبَنَ فِيهِ وَلَا ظَهْرَ ، وَقَدْ عَرَضْت عَلَيْهِ نَاقَةً فَتِيَّةً سَمِينَةً عَظِيمَةً لِيَأْخُذَهَا فَأَبَى ، وَهَا هِيَ ذِهِ ، قَدْ جِئْتُك بِهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ ، خُذْهَا .\rفَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ذَاكَ الَّذِي وَجَبَ عَلَيْك ، فَإِنْ تَطَوَّعْت بِخَيْرٍ أَجْزَلَ اللَّهُ","part":5,"page":100},{"id":2100,"text":"فِيهِ ، وَقَبِلْنَاهُ مِنْك .\rفَقَالَ : فَهَا هِيَ ذِهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَدْ جِئْتُك بِهَا .\rقَالَ : فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَبْضِهَا ، وَدَعَا لَهُ فِي مَالِهِ بِالْبَرَكَةِ .\r} وَهَكَذَا الْحُكْمُ إذَا أَخْرَجَ أَعْلَى مِنْ الْوَاجِبِ فِي الصِّفَةِ مِثْلُ أَنْ يُخْرِجَ السَّمِينَةَ مَكَانَ الْهَزِيلَةِ ، وَالصَّحِيحَةَ مَكَانَ الْمَرِيضَةِ ، وَالْكَرِيمَةَ مَكَانِ اللَّئِيمَةِ ، وَالْحَامِلَ عَنْ الْحَوَائِلِ ، فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ وَتُجْزِئُهُ ، وَلَهُ أَجْرُ الزِّيَادَةِ .","part":5,"page":101},{"id":2101,"text":"( 1699 ) فَصْلٌ : وَيُخْرِجُ عَنْ مَاشِيَتِهِ مِنْ جِنْسِهَا عَلَى صِفَتِهَا ، فَيُخْرِجُ عَنْ الْبَخَاتِيِّ بُخْتِيَّةً ، وَعَنْ الْعِرَابِ عَرَبِيَّةً ، وَعَنْ الْكِرَامِ كَرِيمَةً ، وَعَنْ السِّمَانِ سَمِينَةً ، وَعَنْ اللِّئَامِ وَالْهُزَالِ لَئِيمَةً هَزِيلَةً .\rفَإِنْ أَخْرَجَ عَنْ الْبَخَاتِيِّ عَرَبِيَّةً بِقِيمَةِ الْبُخْتِيَّةِ ، أَوْ أَخْرَجَ عَنْ السِّمَانِ هَزِيلَةً بِقِيمَةِ السَّمِينَةِ ، جَازَ ؛ لِأَنَّ الْقِيمَةَ مَعَ اتِّحَادِ الْجِنْسِ هِيَ الْمَقْصُودُ .\rأَجَازَ هَذَا أَبُو بَكْرٍ وَحُكِيَ عَنْ الْقَاضِي وَجْهٌ آخَرُ : أَنَّهُ لَا يَجُوزُ ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَفْوِيتَ صِفَةٍ مَقْصُودَةٍ ، فَلَمْ يَجُزْ ، كَمَا لَوْ أَخْرَجَ مِنْ جِنْسٍ آخَرَ .\rوَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا ، وَفَارَقَ خِلَافَ الْجِنْسِ .\rفَإِنَّ الْجِنْسَ مَرْعِيٌّ فِي الزَّكَاةِ ، وَلِهَذَا لَوْ أَخْرَجَ الْبَعِيرَ عَنْ الشَّاةِ لَمْ يَجُزْ ، وَمَعَ الْجِنْسِ يَجُوزُ إخْرَاجُ الْجَيِّدِ عَنْ الرَّدِيءِ ، بِغَيْرِ خِلَافٍ .","part":5,"page":102},{"id":2102,"text":"( 1700 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( فَإِذَا زَادَتْ عَلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ ، فَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ ، وَفِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ ) ظَاهِرُ هَذَا أَنَّهَا إذَا زَادَتْ عَلَى الْعِشْرِينَ وَالْمِائَةِ وَاحِدَةً فَفِيهَا ثَلَاثُ بَنَاتِ لَبُونٍ ، وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ ، وَمَذْهَبُ الْأَوْزَاعِيِّ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَإِسْحَاقَ .\rوَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ ، لَا يَتَعَدَّى الْفَرْضُ إلَى ثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ ، فَيَكُونُ فِيهَا حِقَّةٌ وَبِنْتَا لَبُونٍ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ يَسَارٍ ، وَأَبِي عُبَيْدٍ .\rوَلِمَالِكٍ رِوَايَتَانِ ؛ لِأَنَّ الْفَرْضَ لَا يَتَغَيَّرُ بِزِيَادَةِ الْوَاحِدَةِ ؛ بِدَلِيلِ سَائِرِ الْفُرُوضِ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { فَإِذَا زَادَتْ عَلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ ، فَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ } .\rوَالْوَاحِدَةُ زِيَادَةٌ ، وَقَدْ جَاءَ مُصَرَّحًا بِهِ فِي حَدِيثِ الصَّدَقَاتِ الَّذِي كَتَبَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَ عِنْدَ الْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَقَالَ : هُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ .\rوَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : هُوَ أَحْسَنُ شَيْءٍ رُوِيَ فِي أَحَادِيثِ الصَّدَقَاتِ .\rوَفِيهِ : { فَإِذَا كَانَتْ إحْدَى وَعِشْرِينَ وَمِائَةً ، فَفِيهَا ثَلَاثُ بَنَاتِ لَبُونٍ } .\rوَفِي لَفْظٍ : { إلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ ، فَإِذَا زَادَتْ وَاحِدَةً فَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ ، وَفِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ } أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيّ .\rوَأَخْرَجَ حَدِيثَ أَنَسٍ ، مِنْ رِوَايَةِ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ ، عَنْ النَّضْرِ بْنِ إسْمَاعِيلَ ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ ، قَالَ : أَخَذْنَا هَذَا الْكِتَابَ مِنْ ثُمَامَةَ يُحَدِّثُ بِهِ عَنْ أَنَسٍ .\rوَفِيهِ : { فَإِذَا بَلَغَتْ إحْدَى وَعِشْرِينَ وَمِائَةً ، فَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ ، وَفِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ } .\rوَلِأَنَّ سَائِرَ مَا جَعَلَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَايَةً لِلْفَرْضِ ، إذَا زَادَ عَلَيْهِ وَاحِدَةٌ تَغَيَّرَ الْفَرْضُ ، كَذَا هَذَا .\rوَقَوْلُهُمْ :","part":5,"page":103},{"id":2103,"text":"إنَّ الْفَرْضَ لَا يَتَغَيَّرُ بِزِيَادَةِ الْوَاحِدَةِ .\rقُلْنَا : وَهَذَا مَا تَغَيَّرَ بِالْوَاحِدَةِ وَحْدَهَا ، وَإِنَّمَا تَغَيَّرَ بِهَا مَعَ مَا قَبْلَهَا ، فَأَشْبَهَتْ الْوَاحِدَةَ الزَّائِدَةَ عَنْ التِّسْعِينَ وَالسِّتِّينَ وَغَيْرَهُمَا .\rوَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ : إذَا زَادَتْ الْإِبِلُ عَلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ ، اُسْتُؤْنِفَتْ الْفَرِيضَةُ ، فِي كُلِّ خَمْسٍ شَاةٌ إلَى خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ ، فَيَكُونُ فِيهَا حِقَّتَانِ وَبِنْتُ مَخَاضٍ ، إلَى خَمْسِينَ وَمِائَةٍ ، فَفِيهَا ثَلَاثُ حِقَاقٍ .\rوَتُسْتَأْنَفُ الْفَرِيضَةُ فِي كُلِّ خَمْسٍ شَاةٌ ؛ لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَتَبَ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ كِتَابًا ، ذَكَرَ فِيهِ الصَّدَقَاتِ وَالدِّيَاتِ ، وَذَكَرَ فِيهِ مِثْلَ هَذَا .\rوَلَنَا ، أَنَّ فِي حَدِيثَيْ الصَّدَقَاتِ الَّذِي كَتَبَهُ أَبُو بَكْرٍ لِأَنَسِ ، وَاَلَّذِي كَانَ عِنْدَ آلِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ مِثْلَ مَذْهَبِنَا ، وَهُمَا صَحِيحَانِ ، وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلِهِ : { هَذِهِ فَرِيضَةُ الصَّدَقَةِ الَّتِي فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ } .\rوَأَمَّا كِتَابُ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ ، فَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي صِفَتِهِ ، فَرَوَاهُ الْأَثْرَمُ فِي \" سُنَنِهِ \" مِثْلَ مَذْهَبِنَا .\rوَالْأَخْذُ بِذَلِكَ أَوْلَى ، لِمُوَافَقَتِهِ الْأَحَادِيثَ الصِّحَاحَ ، وَمُوَافَقَتِهِ الْقِيَاسَ ، فَإِنَّ الْمَالَ إذَا وَجَبَ فِيهِ مِنْ جِنْسِهِ لَمْ يَجِبْ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ ، كَسَائِرِ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ ، وَلِأَنَّهُ مَالٌ احْتَمَلَ الْمُوَاسَاةَ مِنْ جِنْسِهِ ، فَلَمْ يَجِبْ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ ، كَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ .\rوَإِنَّمَا وَجَبَ فِي الِابْتِدَاءِ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ ، لِأَنَّهُ مَا احْتَمَلَ الْمُوَاسَاةَ مِنْ جِنْسِهِ ، فَلَمْ يَجِبْ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ ، فَعَدَلْنَا إلَى غَيْرِ الْجِنْسِ ضَرُورَةً ، وَقَدْ زَالَ ذَلِكَ بِزِيَادَةِ الْمَالِ وَكَثْرَتِهِ ، وَلِأَنَّهُ عِنْدَهُمْ يَنْقُلُ مِنْ بِنْتِ مَخَاضٍ إلَى حِقَّةٍ ، بِزِيَادَةِ","part":5,"page":104},{"id":2104,"text":"خَمْسٍ مِنْ الْإِبِلِ ، وَهِيَ زِيَادَةٌ يَسِيرَةٌ لَا تَقْتَضِي الِانْتِقَالَ إلَى حِقَّةٍ ، فَإِنَّا لَمْ نَنْقُلْ فِي مَحَلِّ الْوِفَاقِ مِنْ بِنْتِ مَخَاضٍ إلَى حِقَّةٍ ، إلَّا بِزِيَادَةِ إحْدَى وَعِشْرِينَ ، وَإِنَّ زَادَتْ عَلَى مِائَةٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا مِنْ بَعِيرٍ ، لَمْ يَتَغَيَّرْ الْفَرْضُ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ النَّاسِ ؛ لِأَنَّ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ : \" فَإِذَا زَادَتْ وَاحِدَةً \" .\rوَهَذَا يُقَيِّدُ مُطْلَقَ الزِّيَادَةِ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى ، وَلِأَنَّ سَائِرَ الْفُرُوضِ لَا تَتَغَيَّرُ بِزِيَادَةِ جُزْءٍ .\rوَعَلَى كِلْتَا الرِّوَايَتَيْنِ مَتَى بَلَغْت الْإِبِلُ مِائَةً وَثَلَاثِينَ فَفِيهَا حِقَّةٌ وَبِنْتَا لَبُونٍ ، وَفِي مِائَةٍ وَأَرْبَعِينَ حِقَّتَانِ وَبِنْتَا لَبُونٍ ، وَفِي مِائَةٍ وَخَمْسِينَ ثَلَاثُ حِقَاقٍ ، وَفِي مِائَةٍ وَسِتِّينَ أَرْبَعُ بَنَاتِ لَبُونٍ .\rثُمَّ كُلَّمَا زَادَتْ عَشْرًا أُبْدِلَتْ مَكَانَ بِنْتِ لَبُونٍ حِقَّةٌ ، فَفِي مِائَةٍ وَسَبْعِينَ حِقَّةٌ وَثَلَاثُ بَنَاتِ لَبُونٍ ، وَفِي مِائَةٍ وَثَمَانِينَ حِقَّتَانِ وَابْنَتَا لَبُونٍ ، وَفِي مِائَةٍ وَتِسْعِينَ ثَلَاثُ حِقَاقٍ وَبِنْتُ لَبُونٍ .\rفَإِذَا بَلَغَتْ مِائَتَيْنِ اجْتَمَعَ الْفَرْضَانِ ؛ لِأَنَّ فِيهِمَا خَمْسِينَ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ ، وَأَرْبَعِينَ خَمْسَ مَرَّاتٍ ، فَيَجِبُ عَلَيْهِ أَرْبَعُ حِقَاقٍ أَوْ خَمْسُ بَنَاتِ لَبُونٍ ، أَيَّ الْفَرْضَيْنِ شَاءَ أَخْرَجَ ، وَإِنْ كَانَ الْآخَرُ أَفْضَلِ مِنْهُ .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّ عَلَيْهِ أَرْبَعَ حِقَاقٍ .\rوَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ عَلَيْهِ أَرْبَعَ حِقَاقٍ بِصِيغَةِ التَّخْيِيرِ ، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُخْرِجُ وَلِيًّا لِيَتِيمٍ أَوْ مَجْنُونٍ ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُخْرِجَ مِنْ مَالِهِ إلَّا أَدْنَى الْفَرْضَيْنِ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : الْخِيَرَةُ إلَى السَّاعِي .\rوَمُقْتَضَى قَوْلِهِ أَنَّ رَبَّ الْمَالِ إذَا أَخْرَجَ لَزِمَهُ إخْرَاجُ أَعْلَى الْفَرْضَيْنِ ، وَاحْتَجَّ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ } .\rوَلِأَنَّهُ وُجِدَ سَبَبُ الْفَرْضَيْنِ ، فَكَانَتْ الْخِيَرَةُ إلَى مُسْتَحِقِّهِ أَوْ نَائِبِهِ ، كَقَتْلِ الْعَمْدِ","part":5,"page":105},{"id":2105,"text":"الْمُوجِبِ لِلْقِصَاصِ أَوْ الدِّيَةِ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي كِتَابِ الصَّدَقَاتِ ، الَّذِي كَتَبَهُ ، وَكَانَ عِنْدَ الْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ : { فَإِذَا كَانَتْ مِائَتَيْنِ ، فَفِيهَا أَرْبَعُ حِقَاقٍ ، أَوْ خَمْسُ بَنَاتِ لَبُونٍ ، أَيُّ الْبِنْتَيْنِ وُجِدَتْ أُخِذَتْ } .\rوَهَذَا نَصٌّ لَا يَعْرُجُ مَعَهُ عَلَى شَيْءٍ يُخَالِفُهُ ، وَقَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ { لِمُعَاذٍ : إيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ } .\rوَلِأَنَّهَا زَكَاةٌ ثَبَتَ فِيهَا الْخِيَارُ ، فَكَانَ ذَلِكَ لِرَبِّ الْمَالِ ، كَالْخِيَرَةِ فِي الْجُبْرَانِ بَيْنَ مِائَتَيْنِ أَوْ عِشْرِينَ دِرْهَمًا ، وَبَيْنَ النُّزُولِ وَالصُّعُودِ ، وَتَعْيِينِ الْمُخْرَجِ ، وَلَا تَتَنَاوَلُ الْآيَةُ مَا نَحْنُ فِيهِ ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَأْخُذُ الْفَرْضَ بِصِفَةِ الْمَالِ ، فَيَأْخُذُ مِنْ الْكِرَامِ كَرَائِمَ ، وَمِنْ غَيْرِهَا مِنْ وَسَطِهَا ، فَلَا يَكُونُ خَبِيثًا ، لِأَنَّ الْأَدْنَى لَيْسَ بِخَبِيثٍ ، وَكَذَلِكَ لَوْ لَمْ يُوجَدْ إلَّا سَبَبُ وُجُوبِهِ وَجَبَ إخْرَاجُهُ ، وَقِيَاسُهُمْ يَبْطُلُ بِشَاةِ الْجُبْرَانِ ، وَقِيَاسُنَا أَوْلَى مِنْهُ ؛ لِأَنَّ قِيَاسَ الزَّكَاةِ عَلَى الزَّكَاةِ أَوْلَى مِنْ قِيَاسِهَا عَلَى الدِّيَاتِ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا فَكَانَ أَحَدُ الْفَرْضَيْنِ فِي مَالِهِ دُونَ الْآخَرِ ، فَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ إخْرَاجِهِ أَوْ شِرَاءِ الْآخَرِ ، وَلَا يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ سِوَى إخْرَاجِ الْمَوْجُودِ ؛ لِأَنَّ الزَّكَاةَ لَا تَجِبُ فِي عَيْنِ الْمَالِ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ إخْرَاجُ الْمَوْجُودِ لِأَنَّ الزَّكَاةَ لَا تَجِبْ فِي عَيْنِ الْمَالِ .\rوَلَعَلَّهُ أَرَادَ إذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى شِرَاءِ الْآخَرِ .","part":5,"page":106},{"id":2106,"text":"( 1701 ) فَصْلٌ : فَإِنْ أَرَادَ إخْرَاجَ الْفَرْضِ مِنْ النَّوْعَيْنِ ، نَظَرْنَا ؛ فَإِنْ لَمْ يَحْتَجْ إلَى تَشْقِيصٍ ، كَرَجُلٍ عِنْدَهُ أَرْبَعُمِائَةٍ يُخْرِجُ مِنْهَا أَرْبَعَ حِقَاقٍ وَخَمْسَ بَنَاتِ لَبُونٍ ، جَازَ ، وَإِنْ احْتَاجَ إلَى تَشْقِيصٍ ، كَزَكَاةِ الْمِائَتَيْنِ ، لَمْ يَجُزْ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ ذَلِكَ إلَّا بِالتَّشْقِيصِ .\rوَقِيلَ : يَحْتَمِلُ أَنْ يَجُوزَ ، عَلَى قِيَاسِ قَوْلِ أَصْحَابِنَا : وَيَجُوزُ أَنْ يُعْتِقَ نِصْفَيْ عَبْدَيْنِ فِي الْكَفَّارَةِ .\rوَهَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ ؛ فَإِنَّ الشَّرْعَ لَمْ يَرِدْ بِالتَّشْقِيصِ فِي زَكَاةِ السَّائِمَةِ إلَّا مِنْ حَاجَةٍ ، وَلِذَلِكَ جَعَلَ لَهَا أَوْقَاصًا ، دَفْعًا لِلتَّشْقِيصِ عَنْ الْوَاجِبِ فِيهَا ، وَعَدَلَ فِيهَا دُونَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ مِنْ الْإِبِلِ عَنْ إيجَابِ الْإِبِلِ إلَى إيجَابِ الْغَنَمِ ، فَلَا يَجُوزُ الْقَوْلُ بِتَجْوِيزِهِ مَعَ إمْكَانِ الْعُدُولِ عَنْهُ إلَى إيجَابِ فَرِيضَةٍ كَامِلَةٍ .\rوَإِنْ وَجَدَ أَحَدَ الْفَرْضَيْنِ كَامِلًا وَالْآخَرَ نَاقِصًا ، لَا يُمْكِنُهُ إخْرَاجُهُ إلَّا بِجُبْرَانٍ مَعَهُ ، مِثْلُ أَنْ يَجِدَ فِي الْمِائَتَيْنِ خَمْسَ بَنَاتِ لَبُونٍ وَثَلَاثَ حِقَاقٍ ، تَعَيَّنَ أَخْذُ الْفَرِيضَةِ الْكَامِلَةِ ؛ لِأَنَّ الْجُبْرَانَ بَدَلٌ يُشْتَرَطُ لَهُ عَدَمُ الْمُبْدَلِ .\rوَإِنْ كَانَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ تَحْتَاجُ إلَى جُبْرَانٍ ، مِثْلُ أَنْ يَجِدَ أَرْبَعَ بَنَاتِ لَبُونٍ وَثَلَاثَ حِقَاقٍ ، فَهُوَ مُخَيَّرٌ أَيَّهُمَا شَاءَ أَخْرَجَ مَعَ الْجُبْرَانِ ، إنْ شَاءَ أَخْرَجَ بَنَاتِ اللَّبُونِ وَحِقَّةً وَأَخَذَ بِالْجُبْرَانِ ، وَإِنْ شَاءَ أَخْرَجَ الْحِقَاقَ وَبِنْتَ اللَّبُونِ مَعَ جُبْرَانِهَا .\rفَإِنْ قَالَ : خُذُوا مِنِّي حِقَّةً وَثَلَاثَ بَنَاتِ لَبُونٍ مَعَ الْجُبْرَانِ .\rلَمْ يَجُزْ ؛ لِأَنَّهُ يَعْدِلُ عَنْ الْفَرْضِ مَعَ وُجُودِهِ إلَى الْجُبْرَانِ .\rوَيَحْتَمِلُ الْجَوَازَ ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الْجُبْرَانِ .\rوَإِنْ لَمْ يُوجَدْ إلَّا حِقَّةٌ وَأَرْبَعُ بَنَاتِ لَبُونٍ ، أَدَّاهَا وَأَخَذَ الْجُبْرَانَ ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ دَفْعُ ثَلَاثِ بَنَاتِ لَبُونٍ مَعَ الْجُبْرَانِ ، فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ .\rوَإِنْ كَانَ الْفَرْضَانِ","part":5,"page":107},{"id":2107,"text":"مَعْدُومَيْنِ ، أَوْ مَعِيبَيْنِ ، فَلَهُ الْعُدُولُ عَنْهُمَا مَعَ الْجُبْرَانِ ، فَإِنْ شَاءَ أَخْرَجَ أَرْبَعَ جَذَعَاتٍ وَأَخَذَ ثَمَانِيَ شِيَاهٍ أَوْ ثَمَانِينَ دِرْهَمًا ، وَإِنْ شَاءَ دَفَعَ خَمْسَ بَنَاتِ مَخَاضٍ وَمَعَهَا عَشْرُ شِيَاهٍ أَوْ مِائَةُ دِرْهَمٍ .\rوَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يَنْقُلَ عَنْ الْحِقَاقِ إلَى بَنَاتِ الْمَخَاضِ ، أَوْ عَنْ بَنَاتِ اللَّبُونِ إلَى الْجِذَاعِ ، لَمْ يَجُزْ ؛ لِأَنَّ الْحِقَاقَ وَبَنَاتِ اللَّبُونِ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِنَّ فِي هَذَا الْمَالِ ، فَلَا يَصْعَدُ إلَى الْحِقَاقِ بِجُبْرَانٍ ، وَلَا يَنْزِلُ إلَى بَنَاتِ اللَّبُونِ بِجُبْرَانٍ .","part":5,"page":108},{"id":2108,"text":"( 1702 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَمَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ حِقَّةٌ وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ ، وَعِنْدَهُ ابْنَةُ لَبُونٍ ، أُخِذَتْ مِنْهُ وَمَعَهَا شَاتَانِ أَوْ عِشْرُونَ دِرْهَمًا ، وَمَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ ابْنَةُ لَبُونٍ ، وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ ، وَعِنْدَهُ حِقَّةٌ ، أُخِذَتْ مِنْهُ وَأُعْطِيَ الْجُبْرَانَ شَاتَيْنِ أَوْ عِشْرِينَ دِرْهَمًا ) الْمَذْهَبُ فِي هَذَا أَنَّهُ مَتَى وَجَبَتْ عَلَيْهِ سِنٌّ وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ ، فَلَهُ أَنْ يُخْرِجَ سِنًّا أَعْلَى مِنْهَا ، وَيَأْخُذَ شَاتَيْنِ أَوْ عِشْرِينَ دِرْهَمًا ، أَوْ سِنًّا أَنْزَلَ مِنْهَا وَمَعَهَا شَاتَيْنِ أَوْ عِشْرِينَ دِرْهَمًا ، إلَّا ابْنَةَ مَخَاضٍ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُخْرِجَ أَنْزَلَ مِنْهَا ؛ لِأَنَّهَا أَدْنَى سِنٍّ تَجِبُ فِي الزَّكَاةِ ، أَوْ جَذَعَةً .\rفَلَا يُخْرِجُ أَعْلَى مِنْهَا ، إلَّا أَنْ يَرْضَى رَبُّ الْمَالِ بِإِخْرَاجِهَا لَا جُبْرَانَ مَعَهَا ، فَتُقْبَلَ مِنْهُ .\rوَالِاخْتِيَارُ فِي الصُّعُودِ وَالنُّزُولِ ، وَالشِّيَاهِ وَالدَّرَاهِمِ ، إلَى رَبِّ الْمَالِ .\rوَبِهَذَا قَالَ النَّخَعِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ .\rوَاخْتَلَفَ فِيهِ عَنْ إِسْحَاقَ .\rوَقَالَ الثَّوْرِيُّ : يُخْرِجُ شَاتَيْنِ أَوْ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ ؛ لِأَنَّ الشَّاةَ فِي الشَّرْعِ مُتَقَوِّمَةٌ بِخَمْسَةِ دَرَاهِمَ ، بِدَلِيلِ أَنَّ نِصَابَهَا أَرْبَعُونَ ، وَنِصَابَ الدَّرَاهِمِ مِائَتَانِ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ : يَدْفَعُ قِيمَةَ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ ، أَوْ دُونَ السِّنِّ الْوَاجِبَةِ وَفَضْلَ مَا بَيْنَهُمَا دَرَاهِمَ .\rوَلَنَا ، قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَيْنَاهُ مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ : { وَمَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ مِنْ الْإِبِلِ صَدَقَةُ الْجَذَعَةِ ، وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ جَذَعَةٌ ، وَعِنْدَهُ حِقَّةٌ ، فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ الْحِقَّةُ ، وَيَجْعَلُ مَعَهَا شَاتَيْنِ ، إنْ اسْتَيْسَرَتَا لَهُ ، أَوْ عِشْرِينَ دِرْهَمًا ، وَمَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ صَدَقَةُ الْحِقَّةِ ، وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ ، وَعِنْدَهُ الْجَذَعَةُ ، فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ الْجَذَعَةُ ، وَيُعْطِيهِ الْمُصَدِّقُ عِشْرِينَ دِرْهَمًا أَوْ شَاتَيْنِ .\rوَمَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ صَدَقَةُ الْحِقَّةِ","part":5,"page":109},{"id":2109,"text":"وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ إلَّا بِنْتُ لَبُونٍ ، فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ بِنْتُ لَبُونٍ ، وَيُعْطِي شَاتَيْنِ ، أَوْ عِشْرِينَ دِرْهَمًا ، وَمَنْ بَلَغَتْ صَدَقَتُهُ بِنْتَ لَبُونٍ ، وَعِنْدَهُ حِقَّةٌ ، فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ الْحِقَّةُ ، وَيُعْطِيهِ الْمُصَدِّقُ عِشْرِينَ دِرْهَمًا أَوْ شَاتَيْنِ ، وَمَنْ بَلَغَتْ صَدَقَتُهُ بِنْتَ لَبُونٍ ، وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ ، وَعِنْدَهُ ابْنَةُ مَخَاضٍ ، فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ ابْنَةُ مَخَاضٍ وَيُعْطِي مَعَهَا عِشْرِينَ دِرْهَمًا ، أَوْ شَاتَيْنِ } وَهَذَا نَصٌّ ثَابِتٌ صَحِيحٌ لَمْ يُلْتَفَتُ إلَى مَا سِوَاهُ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ الْعُدُولُ إلَى هَذَا الْجُبْرَانِ مَعَ وُجُودِ الْأَصْلِ ؛ لِأَنَّهُ مَشْرُوطٌ فِي الْخَبَرِ بِعَدَمِ الْأَصْلِ ، وَإِنْ أَرَادَ أَنْ يُخْرِجَ فِي الْجُبْرَانِ شَاةً ، وَعَشَرَةَ دَرَاهِمَ .\rفَقَالَ الْقَاضِي : لَا يُمْنَعُ هَذَا ، كَمَا قُلْنَا فِي الْكَفَّارَةِ ، فَلَهُ إخْرَاجُهَا مِنْ جِنْسَيْنِ ؛ لِأَنَّ الشَّاةَ مَقَامُ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ ، فَإِذَا اخْتَارَ إخْرَاجَهَا وَعَشَرَةً جَازَ .\rوَيَحْتَمِلُ الْمَنْعَ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَيَّرَ بَيْنَ شَاتَيْنِ وَعِشْرِينَ دِرْهَمًا ، وَهَذَا قِسْمٌ ثَالِثٌ ، فَتَجْوِيزُهُ يُخَالِفُ الْخَبَرَ .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ .","part":5,"page":110},{"id":2110,"text":"( 1703 ) فَصْلٌ : فَإِنْ عَدِمَ السِّنَّ الْوَاجِبَةَ وَاَلَّتِي تَلِيهَا ، كَمَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ جَذَعَةٌ فَعَدِمَهَا وَعَدِمَ الْحِقَّةَ ، أَوْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ حِقَّةٌ فَعَدِمَهَا وَعَدِمَ الْجَذَعَةَ وَابْنَةَ اللَّبُونِ ، فَقَالَ الْقَاضِي : يَجُوزُ أَنْ يَنْتَقِلَ إلَى السِّنِّ الثَّالِثِ مَعَ الْجُبْرَانِ ، فَيُخْرِجَ ابْنَةَ اللَّبُونِ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى ، وَيُخْرِجَ مَعَهَا أَرْبَعَ شِيَاهٍ وَأَرْبَعِينَ دِرْهَمًا ، وَيُخْرِجَ ابْنَةَ مَخَاضٍ فِي الثَّانِيَةِ ، وَيُخْرِجَ مَعَهَا مِثْلَ ذَلِكَ .\rوَذَكَرَ أَنَّ أَحْمَدَ أَوْمَأَ إلَيْهِ وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : لَا يَنْتَقِلُ إلَى سِنٍّ تَلِي الْوَاجِبَ ، فَأَمَّا إنَّ انْتَقَلَ مِنْ حِقَّةٍ إلَى بِنْتِ مَخَاضٍ ، أَوْ مِنْ جَذَعَةٍ إلَى بِنْتِ لَبُونٍ ، لَمْ يَجُزْ ؛ لِأَنَّ النَّصَّ وَرَدَ بِالْعُدُولِ إلَى سِنٍّ وَاحِدَةٍ ، فَيَجِبُ الِاقْتِصَارُ عَلَيْهَا ، كَمَا اقْتَصَرْنَا فِي أَخْذِ الشِّيَاهِ عَنْ الْإِبِلِ عَلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي وَرَدَ بِهِ النَّصُّ .\rهَذَا قَوْلُ ابْنِ الْمُنْذِرِ .\rوَوَجْهُ الْأَوَّلِ أَنَّهُ قَدْ جَوَّزَ الِانْتِقَالَ إلَى السِّنِّ الَّذِي تَلِيه مَعَ الْجُبْرَانِ ، وَجَوَّزَ الْعُدُولَ عَنْ ذَلِكَ أَيْضًا إذَا عَدِمَ مَعَ الْجُبْرَانِ إذَا كَانَ هُوَ الْفَرْضَ ، وَهَاهُنَا لَوْ كَانَ مَوْجُودًا أَجْزَأَ ، فَإِنْ عَدِمَ جَازَ الْعُدُولُ إلَى مَا يَلِيهِ مَعَ الْجُبْرَانِ ، وَالنَّصُّ إذَا عَقَلَهُ عَدَّى وَعَمِلَ بِمَعْنَاهُ ، وَعَلَى مُقْتَضَى هَذَا الْقَوْلِ يَجُوزُ الْعُدُولُ عَنْ الْجَذَعَةِ إلَى بِنْتِ الْمَخَاضِ مَعَ سِتِّ شِيَاهٍ ، أَوْ سِتِّينَ دِرْهَمًا ، وَيَعْدِلُ عَنْ ابْنَةِ الْمَخَاضِ إلَى الْجَذَعَةِ ، وَيَأْخُذُ سِتَّ شِيَاهٍ ، أَوْ سِتِّينَ دِرْهَمًا .\rوَإِنْ أَرَادَ أَنْ يُخْرِجَ عَنْ الْأَرْبَعِ شِيَاهٍ شَاتَيْنِ وَعِشْرِينَ دِرْهَمًا ، جَازَ .\rلِأَنَّهُمَا جُبْرَانَانِ ، فَهُمَا كَالْكَفَّارَتَيْنِ .\rوَكَذَلِكَ فِي الْجُبْرَانِ الَّذِي يُخْرِجُهُ عَنْ فَرْضِ الْمِائَتَيْنِ مِنْ الْإِبِلِ ، إذَا أَخْرَجَ عَنْ خَمْسِ بَنَاتِ لَبُونٍ خَمْسَ بَنَاتِ مَخَاضٍ ، أَوْ مَكَانَ أَرْبَعِ حِقَاقٍ أَرْبَعَ جَذَعَاتٍ ، جَازَ","part":5,"page":111},{"id":2111,"text":"أَنْ يُخْرِجَ بَعْضَ الْجُبْرَانِ دَرَاهِمَ ، وَبَعْضَهُ شِيَاهًا .\rوَمَتَى وَجَدَ سِنًّا تَلِي الْوَاجِبَ لَا يَجُوزُ الْعُدُولُ إلَى سِنٍّ لَا تَلِيه ؛ لِأَنَّ الِانْتِقَالَ عَنْ السِّنِّ الَّتِي تَلِيه إلَى السِّنِّ الْأُخْرَى بَدَلٌ ، فَلَا يَجُوزُ مَعَ إمْكَانِ الْأَصْلِ .\rفَإِنْ عَدِمَ الْحِقَّةَ وَابْنَةَ اللَّبُونِ ، وَوَجَدَ الْجَذَعَةَ وَابْنَةَ الْمَخَاضِ ، وَكَانَ الْوَاجِبُ الْحِقَّةَ ، لَمْ يَجُزْ الْعُدُولُ إلَى بِنْتِ الْمَخَاضِ ، وَإِنْ كَانَ الْوَاجِبُ ابْنَةَ لَبُونٍ ، لَمْ يَجُزْ إخْرَاجُ الْجَذَعَةِ .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":5,"page":112},{"id":2112,"text":"فَصْلٌ : فَإِنْ كَانَ النِّصَابُ كُلُّهُ مِرَاضًا ، وَفَرِيضَتُهُ مَعْدُومَةً ، فَلَهُ أَنْ يَعْدِلَ إلَى السِّنِّ السُّفْلَى مَعَ دَفْعِ الْجُبْرَانِ ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَصْعَدَ مَعَ أَخْذِ الْجُبْرَانِ ، لِأَنَّ الْجُبْرَانَ أَكْثَرُ مِنْ الْفَضْلِ الَّذِي بَيْنَ الْفَرْضَيْنِ ، وَقَدْ يَكُونُ الْجُبْرَانُ جَبْرًا مِنْ الْأَصْلِ ، فَإِنَّ قِيمَةَ الصَّحِيحَتَيْنِ أَكْثَرُ مِنْ قِيمَةِ الْمَرِيضَتَيْنِ ، فَكَذَلِكَ قِيمَةُ مَا بَيْنَهُمَا ، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَجُزْ فِي الصُّعُودِ ، وَجَازَ فِي النُّزُولِ ؛ لِأَنَّهُ مُتَطَوِّعٌ بِشَيْءِ مِنْ مَالِهِ ، وَرَبُّ الْمَالِ يُقْبَلُ مِنْهُ الْفَضْلُ ، وَلَا يَجُوزُ لِلسَّاعِي أَنْ يُعْطِيَ الْفَضْلَ مِنْ الْمَسَاكِينِ .\rفَإِنْ كَانَ الْمُخْرِجُ وَلِيَّ الْيَتِيمِ ، لَمْ يَجُزْ لَهُ أَيْضًا النُّزُولُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُعْطِيَ الْفَضْلَ مِنْ مَالِ الْيَتِيمِ ، فَيَتَعَيَّنُ شِرَاءُ الْفَرْضِ مِنْ غَيْرِ الْمَالِ .","part":5,"page":113},{"id":2113,"text":"( 1705 ) فَصْلٌ : وَلَا يَدْخُلُ الْجُبْرَانِ فِي غَيْرِ الْإِبِلِ ؛ لِأَنَّ النَّصَّ فِيهَا وَرَدَ ، وَلَيْسَ غَيْرُهَا فِي مَعْنَاهَا ، لِأَنَّهَا أَكْثَرُ قِيمَةً ، وَلِأَنَّ الْغَنَمَ لَا تَخْتَلِفُ فَرِيضَتُهَا بِاخْتِلَافِ سِنِّهَا ، وَمَا بَيْنَ الْفَرِيضَتَيْنِ فِي الْبَقَرِ يُخَالِفُ مَا بَيْنَ الْفَرِيضَتَيْنِ فِي الْإِبِلِ فَامْتَنَعَ الْقِيَاسُ .\rفَمِنْ عَدِمَ فَرِيضَةَ الْبَقَرِ أَوْ الْغَنَمِ ، وَوَجَدَ دُونَهَا ، لَمْ يَجُزْ لَهُ إخْرَاجُهَا ، فَإِنْ وَجَدَ أَعْلَى مِنْهَا ، فَأَحَبَّ أَنْ يَدْفَعَهَا مُتَطَوِّعًا بِغَيْرِ جُبْرَانٍ ، قُبِلَتْ مِنْهُ ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ كُلِّفَ شِرَاءَهَا مِنْ غَيْرِ مَالِهِ .","part":5,"page":114},{"id":2114,"text":"( 1706 ) فَصْلٌ : قَالَ الْأَثْرَمُ : قُلْت لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ رَحِمَهُ اللَّهُ : تَفْسِيرُ الْأَوْقَاصِ .\rقَالَ : الْأَوْقَاصُ مَا بَيْنَ الْفَرِيضَتَيْنِ .\rقُلْت لَهُ : كَأَنَّهُ مَا بَيْنَ الثَّلَاثِينَ إلَى الْأَرْبَعِينَ فِي الْبَقَرِ وَمَا أَشْبَهِ هَذَا ؟ قَالَ : نَعَمْ ، وَالسَّبَقُ مَا دُونَ الْفَرِيضَةِ .\rقُلْت لَهُ : كَأَنَّهُ مَا دُونَ الثَّلَاثِينَ مِنْ الْبَقَرِ ، وَمَا دُونَ الْفَرِيضَةِ ؟ فَقَالَ : نَعَمْ .\rوَقَالَ الشَّعْبِيُّ : السَّبَقُ مَا بَيْنَ الْفَرِيضَتَيْنِ أَيْضًا .\rقَالَ أَصْحَابُنَا : الزَّكَاةُ تَتَعَلَّقُ بِالنِّصَابِ دُونَ الْوَقْصِ .\rوَمَعْنَاهُ : أَنَّهُ إذَا كَانَ عِنْدَهُ أَكْثَرُ مِنْ الْفَرِيضَةِ ، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ عِنْده ثَلَاثُونَ مِنْ الْإِبِلِ ، فَالزَّكَاةُ تَتَعَلَّقُ بِخَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ ، دُونَ الْخَمْسَةِ الزَّائِدَةِ عَلَيْهَا .\rفَعَلَى هَذَا لَوْ وَجَبَتْ الزَّكَاةُ فِيهَا ، وَتَلِفَتْ الْخَمْسُ الزَّائِدَةُ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنْ أَدَائِهَا ، وَقُلْنَا : إنَّ تَلَفَ النِّصَابِ قَبْلَ التَّمَكُّنِ يُسْقِطُ الزَّكَاةَ ، لَمْ يَسْقُطْ هَاهُنَا مِنْهَا شَيْءٌ ؛ لِأَنَّ التَّالِفَ لَمْ تَتَعَلَّقْ الزَّكَاةُ بِهِ ، وَإِنْ تَلِفَ مِنْهَا عَشْرٌ سَقَطَ مِنْ الزَّكَاةِ خُمْسُهَا ؛ لِأَنَّ الِاعْتِبَارَ بِتَلَفِ جُزْءٍ مِنْ النِّصَابِ ، وَإِنَّمَا تَلِفَ مِنْهَا مِنْ النِّصَابِ خَمْسَةٌ .\rوَأَمَّا مَنْ قَالَ : لَا تَأْثِيرَ لِتَلَفِ النِّصَابِ فِي إسْقَاطِ الزَّكَاةِ فَلَا فَائِدَةَ فِي الْخِلَافِ عِنْدَهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِيمَا أَعْلَمُ .\rوَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .","part":5,"page":115},{"id":2115,"text":"بَابُ صَدَقَةِ الْبَقَرِ وَهِيَ وَاجِبَةٌ بِالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ ؛ أَمَّا السُّنَّةُ فَمَا رَوَى أَبُو ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { مَا مِنْ صَاحِبِ إبِلٍ وَلَا بَقَرٍ وَلَا غَنَمٍ لَا يُؤَدِّي زَكَاتَهَا ، إلَّا جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْظَمَ مَا كَانَتْ وَأَسْمَنَ ، تَنْطَحُهُ بِقُرُونِهَا ، وَتَطَؤُهُ بِأَخْفَافِهَا ، كُلَّمَا نَفِدَتْ أُخْرَاهَا عَادَتْ عَلَيْهِ أُولَاهَا ، حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَرَوَى النَّسَائِيّ ، وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ مَسْرُوقٍ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ مُعَاذًا إلَى الْيَمَنِ ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ كُلِّ حَالِمٍ دِينَارًا ، وَمِنْ الْبَقَرِ مِنْ كُلِّ ثَلَاثِينَ تَبِيعًا أَوْ تَبِيعَةً ، وَمِنْ كُلِّ أَرْبَعِينَ مُسِنَّةً } .\rوَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ يَحْيَى بْنِ الْحَكَمِ ، أَنَّ مُعَاذًا قَالَ : { بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُصَدِّقُ أَهْلَ الْيَمَنِ ، وَأَمَرَنِي أَنْ آخُذَ مِنْ الْبَقَرِ مِنْ كُلِّ ثَلَاثِينَ تَبِيعًا ، وَمِنْ كُلِّ أَرْبَعِينَ مُسِنَّةً .\rقَالَ : فَعَرَضُوا عَلَيَّ أَنْ آخُذَ مَا بَيْن الْأَرْبَعِينَ وَالْخَمْسِينَ ، وَمَا بَيْنَ السِّتِّينَ وَالسَّبْعِينَ ، وَمَا بَيْنَ الثَّمَانِينَ وَالتِّسْعِينَ ، فَأَبَيْت ذَلِكَ .\rوَقُلْت لَهُمْ : حَتَّى أَسْأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ فَقَدِمْت ، فَأَخْبَرْت النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَمَرَنِي أَنْ آخُذَ مِنْ كُلِّ ثَلَاثِينَ تَبِيعًا ، وَمِنْ كُلِّ أَرْبَعِينَ مُسِنَّةً وَمِنْ السِّتِّينَ تَبِيعَيْنِ ، وَمِنْ السَّبْعِينَ مُسِنَّةً وَتَبِيعًا ، وَمِنْ الثَّمَانِينَ مُسِنَّتَيْنِ ، وَمِنْ التِّسْعِينَ ثَلَاثَةَ أَتْبَاعٍ ، وَمِنْ الْمِائَةِ مُسِنَّةً وَتَبِيعَيْنِ ، وَمِنْ الْعَشَرَةِ وَمِائَةٍ مُسِنَّتَيْنِ وَتَبِيعًا ، وَمِنْ الْعِشْرِينَ وَمِائَةٍ ثَلَاثَ مُسِنَّاتٍ أَوْ أَرْبَعَةَ أَتْبَاعٍ ، وَأَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ لَا آخُذَ فِيهَا بَيْنَ ذَلِكَ شَيْئًا إلَّا","part":5,"page":116},{"id":2116,"text":"إنْ بَلَغَ مُسِنَّةً أَوْ جَذَعًا .\rيَعْنِي تَبِيعًا .\rوَزَعَمَ أَنَّ الْأَوْقَاصَ لَا فَرِيضَةَ فِيهَا } .\rوَأَمَّا الْإِجْمَاعُ فَلَا أَعْلَمْ اخْتِلَافًا فِي وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي الْبَقَرِ .\rوَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : لَا أَعْلَمُ النَّاسَ يَخْتَلِفُونَ فِيهِ الْيَوْمَ .\rوَلِأَنَّهَا أَحَدُ أَصْنَافِ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ ، فَوَجَبَتْ الزَّكَاةُ فِي سَائِمَتِهَا ، كَالْإِبِلِ وَالْغَنَمِ .","part":5,"page":117},{"id":2117,"text":"( 1707 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ ثَلَاثِينَ مِنْ الْبَقَرِ سَائِمَةٍ صَدَقَةٌ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَا زَكَاةَ فِيمَا دُونَ الثَّلَاثِينَ مِنْ الْبَقَرِ فِي قَوْلِ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ .\rوَحُكِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، وَالزُّهْرِيِّ أَنَّهُمَا قَالَا : فِي كُلِّ خَمْسٍ شَاةٌ .\rوَلِأَنَّهَا عَدَلَتْ بِالْإِبِلِ فِي الْهَدْيِ وَالْأُضْحِيَّةِ ، فَكَذَلِكَ فِي الزَّكَاةِ .\rوَلَنَا ، مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْخَبَرِ ، وَلِأَنَّ نُصُبَ الزَّكَاةِ إنَّمَا ثَبَتَتْ بِالنَّصِّ وَالتَّوْقِيفِ ، وَلَيْسَ فِيمَا ذَكَرَاهُ نَصٌّ وَلَا تَوْقِيفٌ ، فَلَا يَثْبُتُ ، وَقِيَاسُهُمْ فَاسِدٌ ، فَإِنَّ خَمْسًا وَثَلَاثِينَ مِنْ الْغَنَمِ تَعْدِلُ خَمْسًا مِنْ الْإِبِلِ فِي الْهَدْيِ ، وَلَا زَكَاةَ فِيهَا .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِنَّهُ لَا زَكَاةَ فِي غَيْرِ السَّائِمَةِ مِنْ الْبَقَرِ فِي قَوْلِ الْجُمْهُورِ .\rوَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ فِي الْعَوَامِلِ وَالْمَعْلُوفَةِ صَدَقَةٌ ، كَقَوْلِهِ فِي الْإِبِلِ .\rوَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ مَعَهُ .\rوَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ الرَّاوِي : أَحْسَبُهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي صَدَقَةِ الْبَقَرِ ، قَالَ : \" وَلَيْسَ فِي الْعَوَامِلِ شَيْءٌ \" .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَرُوِيَ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { لَيْسَ فِي الْبَقَرِ الْعَوَامِلِ صَدَقَةٌ } .\rوَهَذَا مُقَيَّدٌ يُحْمَلُ عَلَيْهِ الْمُطْلَقُ .\rوَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ، وَمُعَاذٍ ، وَجَابِرٍ ، أَنَّهُمْ قَالُوا : لَا صَدَقَةَ فِي الْبَقَرِ الْعَوَامِلِ .\rوَلِأَنَّ صِفَةَ النَّمَاءِ مُعْتَبَرَةٌ فِي الزَّكَاةِ ، وَلَا يُوجَدُ إلَّا فِي السَّائِمَةِ .","part":5,"page":118},{"id":2118,"text":"( 1708 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَإِذَا مَلَكَ الثَّلَاثِينَ مِنْ الْبَقَرِ ، فَأَسَامَهَا أَكْثَرَ السَّنَةِ ، فَفِيهَا تَبِيعٌ أَوْ تَبِيعَةٌ ، إلَى تِسْعٍ وَثَلَاثِينَ ، فَإِذَا بَلَغَتْ أَرْبَعِينَ ، فَفِيهَا مُسِنَّةٌ ، إلَى تِسْعٍ وَخَمْسِينَ ، فَإِذَا بَلَغَتْ سِتِّينَ ، فَفِيهَا تَبِيعَانِ ، إلَى تِسْعٍ وَسِتِّينَ ، فَإِذَا بَلَغَتْ سَبْعِينَ ، فَفِيهَا تَبِيعٌ وَمُسِنَّةٌ ، فَإِذَا زَادَتْ ، فَفِي كُلِّ ثَلَاثِينَ تَبِيعٌ ، وَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ مُسِنَّةٌ ) التَّبِيعُ : الَّذِي لَهُ سَنَةٌ ، وَدَخَلَ فِي الثَّانِيَةِ ، وَقِيلَ لَهُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ يَتْبَعُ أُمَّهُ .\rوَالْمُسِنَّةُ : الَّتِي لَهَا سَنَتَانِ ، وَهِيَ الثَّنِيَّةُ .\rوَلَا فَرْضَ فِي الْبَقَرِ غَيْرُهُمَا ، وَبِمَا ذَكَرَ الْخِرَقِيِّ هَاهُنَا قَالَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ ؛ مِنْهُمْ الشَّعْبِيُّ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَالْحَسَنُ ، وَمَالِكٍ ، وَاللَّيْثُ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَابْنُ الْمَاجِشُونِ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ ، وَأَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ عَنْهُ ، فِيمَا زَادَ عَلَى الْأَرْبَعِينَ بِحِسَابِهِ ، فِي كُلِّ بَقَرَةٍ رُبْعُ عُشْرِ مُسِنَّةٍ .\rفِرَارًا مِنْ جَعْلِ الْوَقْصِ تِسْعَةَ عَشَرَ .\rوَهُوَ مُخَالِفٌ لِجَمِيعِ أَوْقَاصِهَا ، فَإِنَّ جَمِيعَ أَوْقَاصِهَا عَشَرَةٌ عَشَرَةٌ .\rوَلَنَا ، حَدِيثُ يَحْيَى بْنِ الْحَكَمِ الَّذِي رَوَيْنَاهُ ، وَهُوَ صَرِيحٌ فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ ، وَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ : { فِي كُلِّ ثَلَاثِينَ تَبِيعٌ ؛ وَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ مُسِنَّةٌ } .\rيَدُلُّ عَلَى أَنَّ الِاعْتِبَارَ بِهَذَيْنِ الْعَدَدَيْنِ ، وَلِأَنَّ الْبَقَرَ أَحَدُ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ ، وَلَا يَجُوزُ فِي زَكَاتِهَا كَسْرٌ كَسَائِرِ الْأَنْوَاعِ ، وَلَا يُنْقَلُ مِنْ فَرْضٍ فِيهَا إلَى فَرْضٍ بِغَيْرِ وَقْصٍ ، كَسَائِرِ الْفُرُوضِ ، وَلِأَنَّ هَذِهِ زِيَادَةٌ لَا يَتِمُّ بِهَا أَحَدُ الْعَدَدَيْنِ ، فَلَا يَجِبُ فِيهَا شَيْءٌ ، كَمَا بَيْنَ الثَّلَاثِينَ وَالْأَرْبَعِينَ ، وَمَا بَيْنَ السِّتِّينَ وَالسَّبْعِينَ ،","part":5,"page":119},{"id":2119,"text":"وَمُخَالَفَةُ قَوْلِهِمْ لِلْأُصُولِ أَشَدُّ مِنْ الْوُجُوهِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا ، وَعَلَى أَنَّ أَوْقَاصَ الْإِبِلِ وَالْغَنَمِ مُخْتَلِفَةٌ ، فَجَازَ الِاخْتِلَافُ هَاهُنَا .","part":5,"page":120},{"id":2120,"text":"( 1709 ) فَصْلٌ : وَإِذَا رَضِيَ رَبُّ الْمَالِ بِإِعْطَاءِ الْمُسِنَّةِ عَنْ التَّبِيعِ ، وَالتَّبِيعَيْنِ عَنْ الْمُسِنَّةِ ، أَوْ أَخْرَجَ أَكْثَرَ مِنْهَا سِنًّا عَنْهَا ، جَازَ ، وَلَا مَدْخَلَ لِلْجُبْرَانِ فِيهَا ، كَمَا قَدَّمْنَاهُ فِي زَكَاةِ الْإِبِلِ .","part":5,"page":121},{"id":2121,"text":"( 1710 ) فَصْلٌ : وَلَا يُخْرَجُ الذَّكَرُ فِي الزَّكَاةِ أَصْلًا إلَّا فِي الْبَقَرِ ، فَإِنَّ ابْنَ اللَّبُونِ لَيْسَ بِأَصْلٍ ، إنَّمَا هُوَ بَدَلٌ عَنْ ابْنَةِ مَخَاضٍ ، وَلِهَذَا لَا يُجْزِئُ مَعَ وُجُودِهَا ، وَإِنَّمَا يُجْزِئُ الذَّكَرُ فِي الْبَقَرِ عَنْ الثَّلَاثِينَ ، وَمَا تَكَرَّرَ مِنْهَا ، كَالسِّتِّينَ وَالسَّبْعِينَ ، وَمَا تَرَكَّبَ مِنْ الثَّلَاثِينَ وَغَيْرِهَا ، كَالسَّبْعِينَ ، فِيهَا تَبِيعٌ وَمُسِنَّةٌ ، وَالْمِائَةُ فِيهَا مُسِنَّةٌ وَتَبِيعَانِ .\rوَإِنْ شَاءَ أَخْرَجَ مَكَانَ الذُّكُورِ إنَاثًا ؛ لِأَنَّ النَّصَّ وَرَدَ بِهِمَا جَمِيعًا ، فَأَمَّا الْأَرْبَعُونَ وَمَا تَكَرَّرَ مِنْهَا كَالثَّمَانِينَ ، فَلَا يُجْزِئُ فِي فَرْضِهَا إلَّا الْإِنَاثُ ، إلَّا أَنْ يُخْرِجَ عَنْ الْمُسِنَّةِ تَبِيعِينَ ، فَيَجُوزُ .\rوَإِذَا بَلَغْت الْبَقَرُ مِائَةً وَعِشْرِينَ ، اتَّفَقَ الْفَرْضَانِ جَمِيعًا ، فَيُخَيَّرُ رَبُّ الْمَالِ بَيْنَ إخْرَاجِ ثَلَاثِ مُسِنَّاتٍ ، أَوْ أَرْبَعَةِ أَتْبِعَةٍ ، وَالْوَاجِبُ أَحَدُهُمَا ، أَيَّهُمَا شَاءَ عَلَى مَا نَطَقَ بِهِ الْخَبَرُ الْمَذْكُورُ ، وَالْخِيَرَةُ فِي الْإِخْرَاجِ إلَى رَبِّ الْمَالِ ، كَمَا ذَكَرْنَا فِي زَكَاةِ الْإِبِلِ .\rوَهَذَا التَّفْصِيلُ فِيمَا إذَا كَانَ فِيهَا إنَاثٌ ، فَإِنْ كَانَتْ كُلُّهَا ذُكُورًا ، أَجْزَأَ الذَّكَرُ فِيهَا بِكُلِّ حَالٍ ؛ لِأَنَّ الزَّكَاةَ مُوَاسَاةٌ ، فَلَا يُكَلَّفُ الْمُوَاسَاةَ مِنْ غَيْرِ مَالِهِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ إلَّا إنَاثٌ فِي الْأَرْبَعِينِيَّات ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَصَّ عَلَى الْمُسِنَّاتِ ، فَيَجِبُ اتِّبَاعُ مَوْرِدِهِ ، فَيُكَلَّفُ شِرَاءَهَا ، فَإِذَا لَمْ تَكُنْ فِي مَاشِيَتِهِ ، كَمَا لَوْ لَمْ يَجِدْ إلَّا دُونَهَا فِي السِّنِّ ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى ؛ لِأَنَّنَا أَخَّرْنَا الذَّكَرَ فِي الْغَنَمِ ، مَعَ أَنَّهُ لَا مَدْخَلَ لَهُ فِي زَكَاتِهَا مَعَ وُجُودِ الْإِنَاثِ ، فَالْبَقَرُ الَّتِي لِلذَّكَرِ فِيهَا مَدْخَلٌ أَوْلَى ؛ لِأَنَّ لِلذَّكَرِ فِيهَا مَدْخَلًا .","part":5,"page":122},{"id":2122,"text":"( 1711 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَالْجَوَامِيسُ كَغَيْرِهَا مِنْ الْبَقَرِ ) لَا خِلَافَ فِي هَذَا نَعْلَمُهُ .\rوَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ يُحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى هَذَا ، وَلِأَنَّ الْجَوَامِيسَ مِنْ أَنْوَاعِ الْبَقَرِ ، كَمَا أَنَّ الْبَخَاتِيَّ مِنْ أَنْوَاعِ الْإِبِلِ ، فَإِذَا اتَّفَقَ فِي الْمَالِ جَوَامِيسُ وَصِنْفٌ آخَرُ مِنْ الْبَقَرِ ، أَوْ بَخَاتِيٌّ وَعِرَابٌ ، أَوْ مَعْزٌ وَضَأْنٌ ، كَمَّلَ نِصَابَ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ ، وَأَخَذَ الْفَرْضَ مِنْ أَحَدِهِمَا عَلَى قَدْرِ الْمَالَيْنِ .\rعَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .","part":5,"page":123},{"id":2123,"text":"فَصْلٌ : وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ فِي بَقَرِ الْوَحْشِ ، فَرُوِيَ أَنَّ فِيهَا الزَّكَاةَ .\rاخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ ؛ لِأَنَّ اسْمَ الْبَقَرِ يَشْمَلُهَا ، فَيَدْخُلُ فِي مُطْلَقِ الْخَبَرِ .\rوَعَنْهُ لَا زَكَاةَ فِيهَا .\rوَهِيَ أَصَحُّ ، وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ؛ لِأَنَّ اسْمَ الْبَقَرِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ لَا يَنْصَرِفُ إلَيْهَا ، وَلَا يُفْهَمُ مِنْهُ ، إذَا كَانَتْ لَا تُسَمَّى بَقَرًا بِدُونِ الْإِضَافَةِ ، فَيُقَالُ : بَقَرُ الْوَحْشِ .\rوَلِأَنَّ وُجُودَ نِصَابٍ مِنْهَا مَوْصُوفًا بِصِفَةِ السَّوْمِ حَوْلًا لَا وُجُودَ لَهُ ، وَلِأَنَّهَا حَيَوَانٌ لَا يُجْزِئُ نَوْعُهُ فِي الْأُضْحِيَّةِ وَالْهَدْيِ ، فَلَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ ، كَالظِّبَاءِ ، وَلِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ ، فَلَا تَجِبُ فِيهَا الزَّكَاةُ ، كَسَائِرِ الْوُحُوشِ ، وَسِرُّ ذَلِكَ أَنَّ الزَّكَاةَ إنَّمَا وَجَبَتْ فِي بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ دُونَ غَيْرِهَا ، لِكَثْرَةِ النَّمَاءِ فِيهَا مِنْ دَرِّهَا وَنَسْلِهَا ، وَكَثْرَةِ الِانْتِفَاعِ بِهَا ، لِكَثْرَتِهَا وَخِفَّةِ مَئُونَتِهَا ، وَهَذَا الْمَعْنَى يَخْتَصُّ بِهَا ، فَاخْتَصَّتْ الزَّكَاةُ بِهَا دُونَ غَيْرِهَا ، وَلَا تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي الظِّبَاءِ ، رِوَايَةً وَاحِدَةً ؛ لِعَدَمِ تَنَاوُلِ اسْمِ الْغَنَمِ لَهَا .","part":5,"page":124},{"id":2124,"text":"( 1713 ) فَصْلٌ : قَالَ أَصْحَابُنَا : تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي الْمُتَوَلِّدِ بَيْنَ الْوَحْشِيِّ وَالْأَهْلِيِّ ، سَوَاءٌ كَانَتْ الْوَحْشِيَّةُ الْفُحُولَ أَوْ الْأُمَّهَاتِ .\rوَقَالَ مَالِكٌ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ : إنْ كَانَتْ الْأُمَّهَاتُ أَهْلِيَّةً وَجَبَتْ الزَّكَاةُ فِيهَا ، وَإِلَّا فَلَا ؛ لِأَنَّ وَلَدَ الْبَهِيمَةِ يَتْبَعُ أُمَّهُ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا زَكَاةَ فِيهَا ؛ لِأَنَّهَا مُتَوَلِّدَةٌ مِنْ وَحْشِيٍّ ، أَشْبَهَ الْمُتَوَلِّدَ مِنْ وَحْشِيَّيْنِ .\rوَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِأَنَّهَا مُتَوَلِّدَةٌ بَيْنَ مَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ ، وَمَا لَا تَجِبُ فِيهِ ، فَوَجَبَتْ فِيهَا الزَّكَاةُ ، كَالْمُتَوَلِّدَةِ بَيْنِ سَائِمَةٍ وَمَعْلُوفَةٍ .\rوَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ غَنَمَ مَكَّةَ مُتَوَلِّدَةٌ مِنْ الظِّبَاءِ وَالْغَنَمِ ، وَفِيهَا الزَّكَاةُ بِالِاتِّفَاقِ ، فَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ تُضَمُّ إلَى جِنْسِهَا مِنْ الْأَهْلِيِّ فِي وُجُوبِ الزَّكَاةِ ، وَتُكْمَلُ بِهَا نِصَابُهُ ، وَتَكُونُ كَأَحَدِ أَنْوَاعِهِ ، وَالْقَوْلُ بِانْتِفَاءِ الزَّكَاةِ فِيهَا أَصَحُّ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ انْتِفَاءُ الْوُجُوبِ ، وَإِنَّمَا ثَبَتَ بِنَصِّ أَوْ إجْمَاعٍ أَوْ قِيَاسٍ ، وَلَا نَصَّ فِي هَذِهِ وَلَا إجْمَاعَ ، إنَّمَا هُوَ فِي بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ مِنْ الْأَزْوَاجِ الثَّمَانِيَةِ ، وَلَيْسَتْ هَذِهِ دَاخِلَةً فِي أَجْنَاسِهَا ، وَلَا حُكْمِهَا ، وَلَا حَقِيقَتِهَا ، وَلَا مَعْنَاهَا .\rفَإِنَّ الْمُتَوَلِّدَ بَيْنَ شَيْئَيْنِ يَنْفَرِدُ بِاسْمِهِ وَجِنْسِهِ وَحُكْمِهِ عَنْهُمَا ، كَالْبَغْلِ الْمُتَوَلِّدِ بَيْنَ الْفَرَسِ وَالْحِمَارِ ، وَالسَّبْعِ الْمُتَوَلِّدِ بَيْنَ الذِّئْبِ وَالضَّبُعِ ، وَالْعِسْبَارِ الْمُتَوَلِّدِ بَيْنَ الضَّبُعَانِ وَالذِّئْبَةِ ، فَكَذَلِكَ الْمُتَوَلِّدُ بَيْنَ الظِّبَاءِ وَالْمَعْزِ لَيْسَ بِمَعْزٍ وَلَا ظَبْيٍ ، وَلَا يَتَنَاوَلُهُ نُصُوصُ الشَّارِعِ ، وَلَا يُمْكِنُ قِيَاسُهُ عَلَيْهَا ، لِتَبَاعُدِ مَا بَيْنَهُمَا ، وَاخْتِلَافِ حُكْمِهِمَا ، فِي كَوْنِهِ لَا يُجْزِئُ فِي هَدْيٍ وَلَا أُضْحِيَّةٍ وَلَا دِيَةٍ ، وَلَوْ أَسْلَمَ فِي الْغَنَمِ لَمْ يَتَنَاوَلْهُ الْعَقْدُ ، وَلَوْ وَكَّلَ وَكِيلًا فِي شِرَاءِ شَاةٍ ، لَمْ","part":5,"page":125},{"id":2125,"text":"يَدْخُلْ فِي الْوَكَالَةِ ، وَلَا يَحْصُلُ مِنْهُ مَا يَحْصُلُ مِنْ الشِّيَاهِ ؛ مِنْ الدَّرِّ ، وَكَثْرَةِ النَّسْلِ ، بَلْ الظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَنْسَلُّ لَهُ أَصْلًا ، فَإِنَّ الْمُتَوَلِّدَ بَيْنَ ثِنْتَيْنِ لَا نَسْلَ لَهُ كَالْبِغَالِ ، وَمَا لَا نَسْلَ لَهُ لَا دَرَّ فِيهِ ، فَامْتَنَعَ الْقِيَاسُ ، وَلَمْ يَدْخُلْ فِي نَصٍّ وَلَا إجْمَاعٍ ، فَإِيجَابُ الزَّكَاةِ فِيهَا تَحَكُّمٌ بِالرَّأْيِ .\rوَإِذَا قِيلَ : تَجِبُ الزَّكَاةُ احْتِيَاطًا وَتَغْلِيبًا لِلْإِيجَابِ ، كَمَا أَثْبَتِنَا التَّحْرِيمَ فِيهَا فِي الْحَرَمِ وَالْإِحْرَامِ احْتِيَاطًا .\rلَمْ يَصِحَّ ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَاتِ لَا تَثْبُتُ احْتِيَاطًا بِالشَّكِّ ، وَلِهَذَا لَا تَجِبُ الطَّهَارَةُ عَلَى مَنْ تَيَقَّنَهَا ، وَشَكَّ فِي الْحَدَثِ ، وَلَا غَيْرِهَا مِنْ الْوَاجِبَاتِ .\rوَأَمَّا السَّوْمُ وَالْعَلَفُ فَالِاعْتِبَارُ فِيهِ بِمَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ ، لَا بِأَصْلِهِ الَّذِي تَوَلَّدَ مِنْهُ ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ عَلَفَ الْمُتَوَلِّدَ مِنْ السَّائِمَةِ لَمْ تَجِبْ زَكَاتُهُ ، وَلَوْ أَسَامَ أَوْلَادَ الْمَعْلُوفَةِ ، لَوَجَبَتْ زَكَاتُهَا .\rوَقَوْلُ مَنْ زَعَمَ أَنَّ غَنَمَ مَكَّةَ مُتَوَلِّدَةٌ مِنْ الْغَنَمِ وَالظِّبَاءِ لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ كَذَلِكَ لَحُرِّمَتْ فِي الْحَرَمِ وَالْإِحْرَامِ ، وَوَجَبَ فِيهَا الْجَزَاءُ ، كَسَائِرِ الْمُتَوَلِّدِ بَيْنَ الْوَحْشِيِّ وَالْأَهْلِيِّ ، وَلِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ كَذَلِكَ مُتَوَلِّدَةً مِنْ جِنْسَيْنِ لَمَا كَانَ لَهَا نَسْلٌ كَالسَّبُعِ وَالْبِغَالِ .","part":5,"page":126},{"id":2126,"text":"بَابُ صَدَقَةِ الْغَنَمِ وَهِيَ وَاجِبَةٌ بِالسُّنَّةِ ، وَالْإِجْمَاعِ ؛ أَمَّا السُّنَّةُ فَمَا رَوَى أَنَسٌ ، فِي كِتَابِ أَبِي بَكْرٍ ، الَّذِي ذَكَرْنَا أَوَّلَهُ ، قَالَ : { وَفِي صَدَقَةِ الْغَنَمِ فِي سَائِمَتِهَا ، إذَا كَانَتْ أَرْبَعِينَ إلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ ، شَاةٌ ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ إلَى مِائَتَيْنِ ، فَفِيهَا شَاتَانِ ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى مِائَتَيْنِ إلَى ثَلَاثِمِائَةٍ ، فَفِيهَا ثَلَاثُ شِيَاهٍ ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى ثَلَاثِمِائَةٍ ، فَفِي كُلِّ مِائَةٍ شَاةٌ ، وَإِذَا كَانَتْ سَائِمَةُ الرَّجُلِ نَاقِصَةً مِنْ أَرْبَعِينَ شَاةً وَاحِدَةً ، فَلَيْسَ فِيهَا صَدَقَةٌ إلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبُّهَا ، وَلَا يُخْرِجُ فِي الصَّدَقَةِ هَرِمَةً ، وَلَا ذَاتَ عَوَارٍ ، وَلَا تَيْسًا ، إلَّا مَا شَاءَ الْمُصَدِّقُ } .\rوَاخْتَارَ سِوَى هَذَا كَثِيرٌ ، وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِيهَا .\r( 1714 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ : ( وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ أَرْبَعِينَ مِنْ الْغَنَمِ سَائِمَةٍ صَدَقَةٌ ، فَإِذَا مَلَكَ أَرْبَعِينَ مِنْ الْغَنَمِ ، فَأَسَامَهَا أَكْثَرَ السَّنَةِ ، فَفِيهَا شَاةٌ ، إلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ ، فَإِذَا زَادَتْ وَاحِدَةً ، فَفِيهَا شَاتَانِ إلَى مِائَتَيْنِ ، فَإِذَا زَادَتْ وَاحِدَةً ، فَفِيهَا ثَلَاثُ شِيَاهٍ ) وَهَذَا كُلُّهُ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ .\rقَالَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ : إلَّا الْمَعْلُوفَةَ فِي أَقَلَّ مِنْ نِصْفِ الْحَوْلِ ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْخِلَافِ فِيهِ .\rوَحُكِيَ عَنْ مُعَاذٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ الْفَرْضَ لَا يَتَغَيَّرُ بَعْدَ الْمِائَةِ وَإِحْدَى وَعِشْرِينَ ، حَتَّى تَبْلُغَ مِائَتَيْنِ وَاثْنَيْنِ وَأَرْبَعِينَ ، لِيَكُونَ مِثْلَيْ مِائَةٍ وَإِحْدَى وَعِشْرِينَ .\rوَلَا يَثْبُتُ عَنْهُ .\rوَرَوَى سَعِيدٌ ، عَنْ خَالِدِ ، بْنِ مُغِيرَةَ ، عَنْ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ مُعَاذٍ ، قَالَ : كَانَ إذَا بَلَغَتْ الشِّيَاهُ مِائَتَيْنِ لَمْ يُغَيِّرْهَا ، حَتَّى تَبْلُغَ أَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ ، فَيَأْخُذَ مِنْهَا ثَلَاثَ شِيَاهٍ ، فَإِذَا بَلَغَتْ ثَلَاثَمِائَةٍ ، لَمْ يُغَيِّرْهَا ، حَتَّى تَبْلُغَ أَرْبَعِينَ وَثَلَاثَمِائَةٍ ، فَيَأْخُذَ مِنْهَا أَرْبَعًا .","part":5,"page":127},{"id":2127,"text":"وَلَفْظُ الْحَدِيثِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ دَلِيلٌ عَلَيْهِ ، وَالْإِجْمَاعُ عَلَى خِلَافِ هَذَا الْقَوْلِ دَلِيلٌ عَلَى فَسَادِهِ ، وَالشَّعْبِيُّ لَمْ يَلْقَ مُعَاذًا .\r( 1715 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( فَإِذَا زَادَتْ فَفِي كُلِّ مِائَةِ شَاةٍ شَاةٌ ) ظَاهِرُ هَذَا الْقَوْلِ أَنَّ الْفَرْضَ لَا يَتَغَيَّرُ بَعْدَ الْمِائَتَيْنِ وَوَاحِدَةٍ ، حَتَّى يَبْلُغَ أَرْبَعَمِائَةٍ ، فَيَجِبُ فِي كُلِّ مِائَةٍ شَاةٌ ، وَيَكُونُ الْوَقْصُ مَا بَيْنَ الْمِائَتَيْنِ وَوَاحِدَةٍ إلَى أَرْبَعِمِائَةٍ ، وَذَلِكَ مِائَةٌ وَتِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ .\rوَهَذَا إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ ، وَقَوْلُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى ، أَنَّهَا إذَا زَادَتْ عَلَى ثَلَاثِمِائَةٍ وَوَاحِدَةٍ ، فَفِيهَا أَرْبَعُ شِيَاهٍ ، ثُمَّ لَا يَتَغَيَّرُ الْفَرْضُ حَتَّى تَبْلُغَ خَمْسَمِائَةٍ ، فَيَكُونُ فِي كُلِّ مِائَةٍ شَاةٌ ، وَيَكُونُ الْوَقْصُ الْكَبِيرُ بَيْنَ ثَلَاثِمِائَةٍ وَوَاحِدَةٍ إلَى خَمْسِمِائَةٍ ، وَهُوَ أَيْضًا مِائَةٌ وَتِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ ، وَهَذَا اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ .\rوَحُكِيَ عَنْ النَّخَعِيِّ ، وَالْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ ، لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَعَلَ الثَّلَاثَمِائَةِ حَدًّا لِلْوَقْصِ ، وَغَايَةً لَهُ ، فَيَجِبُ أَنْ يَتَعَقَّبَهُ تَغَيُّرُ النِّصَابِ ، كَالْمِائَتَيْنِ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { فَإِذَا زَادَتْ ، فَفِي كُلِّ مِائَةٍ شَاةٌ } .\rوَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ لَا يَجِبَ فِي دُونِ الْمِائَةِ شَيْءٌ ، وَفِي كِتَابِ الصَّدَقَاتِ الَّذِي كَانَ عِنْدَ الْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ : \" فَإِذَا زَادَتْ عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ وَوَاحِدَةٍ ، فَلَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ ، حَتَّى تَبْلُغَ أَرْبَعَمِائَةِ شَاةٍ ، فَفِيهَا أَرْبَعُ شِيَاهٍ \" .\rوَهَذَا نَصٌّ لَا يَجُوزُ خِلَافُهُ إلَّا بِمِثْلِهِ أَوْ أَقْوَى مِنْهُ ، وَتَحْدِيدُ النِّصَابِ لِاسْتِقْرَارِ الْفَرِيضَةِ ، لَا لِلْغَايَةِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":5,"page":128},{"id":2128,"text":"( 1716 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَلَا يُؤْخَذُ فِي الصَّدَقَةِ تَيْسٌ ، وَلَا هَرِمَةٌ ، وَلَا ذَاتُ عَوَارٍ ) ذَاتُ الْعَوَارِ : الْمَعِيبَةُ .\rوَهَذِهِ الثَّلَاثُ لَا تُؤْخَذُ لِدَنَاءَتِهَا ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : { وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ } .\rوَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : وَلَا يُخْرَجُ فِي الصَّدَقَةِ هَرِمَةٌ ، وَلَا ذَاتُ عَوَارٍ ، وَلَا تَيْسٌ ، إلَّا مَا شَاءَ الْمُصَدِّقُ } .\rوَقَدْ قِيلَ : لَا يُؤْخَذُ تَيْسُ الْغَنَمِ ، وَهُوَ فَحْلُهَا لِفَضِيلَتِهِ .\rوَكَانَ أَبُو عُبَيْدٍ يَرْوِي الْحَدِيثَ : \" إلَّا مَا شَاءَ الْمُصَدَّقُ \" .\rبِفَتْحِ الدَّالِ .\rيَعْنِي صَاحِبَ الْمَالِ ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ الِاسْتِثْنَاءُ فِي الْحَدِيثِ رَاجِعًا إلَى التَّيْسِ وَحْدَهُ .\rوَذَكَرَ الْخَطَّابِيُّ أَنَّ جَمِيعَ الرُّوَاةِ يُخَالِفُونَهُ فِي هَذَا ، فَيَرْوُونَهُ : \" الْمُصَدِّقُ \" بِكَسْرِ الدَّالِ ، أَيْ الْعَامِلُ .\rوَقَالَ : التَّيْسُ لَا يُؤْخَذُ ؛ لِنَقْصِهِ ، وَفَسَادِ لَحْمِهِ ، وَكَوْنِهِ ذَكَرًا ، وَعَلَى هَذَا لَا يَأْخُذُ الْمُصَدِّقُ ، وَهُوَ السَّاعِي ، أَحَدَ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ ، إلَّا أَنْ يَرَى ذَلِكَ ، بِأَنْ يَكُونَ جَمِيعُ النِّصَابِ مِنْ جِنْسِهِ فَيَكُونَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ جِنْسِ الْمَالِ فَيَأْخُذَ هَرِمَةً ، وَهِيَ الْكَبِيرَةُ مِنْ الْهَرِمَاتِ ، وَذَاتَ عَوَارٍ مِنْ أَمْثَالِهَا ، وَتَيْسًا مِنْ التُّيُوسِ .\rوَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ إنَّ رَأَى الْمُصَدِّقُ أَنَّ أَخْذَ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ خَيْرٌ لَهُ ، وَأَنْفَعُ لِلْفُقَرَاءِ ، فَلَهُ أَخْذُهُ ؛ لِظَاهِرِ الِاسْتِثْنَاءِ .\rوَلَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَخْذُ الذَّكَرِ فِي شَيْءٍ مِنْ الزَّكَاةِ ، إذَا كَانَ فِي النِّصَابِ إنَاثٌ ، فِي غَيْرِ أَتْبِعَةِ الْبَقَرِ وَابْنِ اللَّبُونِ ، بَدَلًا عَنْ بِنْتِ مَخَاضٍ إذَا عَدِمَهَا .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَجُوزُ إخْرَاجُ الذَّكَرِ مِنْ الْغَنَمِ الْإِنَاثِ ؛ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : فِي أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةٌ } .\rوَلَفْظُ الشَّاةِ يَقَعُ عَلَى الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى ، وَلِأَنَّ الشَّاةَ إذَا أُمِرَ بِهَا مُطْلَقًا ،","part":5,"page":129},{"id":2129,"text":"أَجْزَأَ فِيهَا الذَّكَرُ ، كَالْأُضْحِيَّةِ وَالْهَدْيِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ حَيَوَانٌ تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي عَيْنِهِ ، فَكَانَتْ الْأُنُوثَةُ مُعْتَبَرَةً فِي فَرْضِهِ ، كَالْإِبِلِ ، وَالْمُطْلَقُ يَتَقَيَّدُ بِالْقِيَاسِ عَلَى سَائِرِ النُّصُبِ ، وَالْأُضْحِيَّةُ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ بِالْمَالِ ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا .\rفَإِنْ قِيلَ : فَمَا فَائِدَةُ تَخْصِيصِ التَّيْسِ بِالنَّهْيِ إذَا ؟ قُلْنَا : لِأَنَّهُ لَا يُؤْخَذُ عَنْ الذُّكُورِ أَيْضًا ، فَلَوْ مَلَكَ أَرْبَعِينَ ذَكَرًا وَفِيهَا تَيْسٌ مُعَدٌّ لِلضِّرَابِ ، لَمْ يَجُزْ أَخْذُهُ ؛ إمَّا لِفَضِيلَتِهِ ، فَإِنَّهُ لَا يُعَدُّ لِلضِّرَابِ إلَّا أَفْضَلُ الْغَنَمِ وَأَعْظَمُهَا ، وَإِمَّا لِدَنَاءَتِهِ وَفَسَادِ لَحْمِهِ .\rوَيَجُوزُ أَنْ يُمْنَعَ مِنْ أَخْذِهِ لِلْمَعْنَيَيْنِ جَمِيعًا .\rوَإِنْ كَانَ النِّصَابُ كُلُّهُ ذُكُورًا ، جَازَ إخْرَاجُ الذَّكَرِ فِي الْغَنَمِ وَجْهًا وَاحِدًا ، وَفِي الْبَقَرِ فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ ، وَفِي الْإِبِلِ وَجْهَانِ .\rوَالْفَرْقُ بَيْنَ النُّصُبِ الثَّلَاثَةِ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَصَّ عَلَى الْأُنْثَى فِي فَرَائِضِ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ ، وَأَطْلَقَ الشَّاةَ الْوَاجِبَةَ ، وَقَالَ فِي الْإِبِلِ { مَنْ لَمْ يَجِدْ بِنْتَ مَخَاضٍ ، أَخْرَجَ ابْنَ لَبُونٍ ذَكَرًا } .\rوَمِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى أَنَّ الْإِبِلَ يَتَغَيَّرُ فَرْضُهَا بِزِيَادَةِ السِّنِّ ، فَإِذَا جَوَّزْنَا إخْرَاجَ الذَّكَرِ أَفْضَى إلَى التَّسْوِيَةِ بَيْنَ الْفَرِيضَتَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ يُخْرِجُ ابْنَ لَبُونٍ عَنْ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ ، وَيُخْرِجُهُ عَنْ سِتَّةٍ وَثَلَاثِينَ ، وَهَذَا الْمَعْنَى يَخْتَصُّ الْإِبِلَ .\rفَإِنْ قِيلَ : فَالْبَقَرُ أَيْضًا يَأْخُذُ مِنْهَا تَبِيعًا عَنْ ثَلَاثِينَ ، وَتَبِيعًا عَنْ أَرْبَعِينَ إذَا كَانَتْ أَتْبِعَةً كُلُّهَا ، وَقُلْنَا : تُؤْخَذُ الصَّغِيرَةُ عَنْ الصِّغَارِ .\rقُلْنَا : هَذَا يَلْزَمُ مِثْلُهُ فِي إخْرَاجِ الْأُنْثَى ، فَلَا فَرْقَ ، وَمِنْ جَوَّزَ إخْرَاجَ الذَّكَرِ فِي الْكُلِّ ، قَالَ : يَأْخُذُ ابْنَ لَبُونٍ مِنْ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ ، قِيمَتُهُ دُونَ قِيمَةِ ابْنِ لَبُونٍ يَأْخُذُهُ مِنْ سِتَّةٍ وَثَلَاثِينَ ، وَيَكُونُ","part":5,"page":130},{"id":2130,"text":"بَيْنَهُمَا فِي الْقِيمَةِ كَمَا بَيْنَهُمَا فِي الْعَدَدِ ، وَيَكُونُ الْفَرْضُ بِصِفَةِ الْمَالِ ، وَإِذَا اعْتَبَرْنَا الْقِيمَةَ لَمْ يُؤَدِّ إلَى التَّسْوِيَةِ ، كَمَا قُلْنَا فِي الْغَنَمِ .","part":5,"page":131},{"id":2131,"text":"( 1717 ) فَصْلٌ : وَلَا يَجُوزُ إخْرَاجُ الْمَعِيبَةِ عَنْ الصِّحَاحِ ، وَإِنْ كَثُرَتْ قِيمَتُهَا ؛ لِلنَّهْيِ عَنْ أَخْذِهَا ، وَلِمَا فِيهِ مِنْ الْإِضْرَارِ بِالْفُقَرَاءِ ، وَلِهَذَا يَسْتَحِقُّ رَدَّهَا فِي الْبَيْعِ وَإِنْ كَثُرَتْ قِيمَتُهَا وَإِنْ كَانَ فِي النِّصَابِ صِحَاحٌ وَمِرَاضٌ ، أَخْرَجَ صَحِيحَةً ، قِيمَتُهَا عَلَى قَدْرِ قِيمَةِ الْمَالَيْنِ ، فَإِنْ كَانَ النِّصَابُ كُلُّهُ مِرَاضًا إلَّا مِقْدَارَ الْفَرْضِ ، فَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ إخْرَاجِهِ ، وَبَيْنَ شِرَاءِ مَرِيضَةٍ قَلِيلَةِ الْقِيمَةِ فَيُخْرِجُهَا ، وَلَوْ كَانَتْ الصَّحِيحَةُ غَيْرَ الْفَرِيضَةِ بِعَدَدِ الْفَرِيضَةِ ، مِثْلُ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ ابْنَتَا لَبُونٍ ، وَعِنْدَهُ حِوَارَانِ صَحِيحَانِ ، كَانَ عَلَيْهِ شِرَاءُ صَحِيحَتَيْنِ ، فَيُخْرِجُهُمَا .\rوَإِنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ حِقَّتَانِ وَعِنْدَهُ ابْنَتَا لَبُونٍ صَحِيحَتَانِ ، خُيِّرَ بَيْنَ إخْرَاجِهِمَا مَعَ الْجُبْرَانِ ، وَبَيْنَ شِرَاءِ حِقَّتَيْنِ صَحِيحَتَيْنِ عَلَى قَدْرِ قِيمَةِ الْمَالِ .\rوَإِنْ كَانَ عِنْدَهُ جَذَعَتَانِ صَحِيحَتَانِ ، فَلَهُ إخْرَاجُهُمَا مَعَ أَخْذِ الْجُبْرَانِ .\rوَإِنْ كَانَتْ عَلَيْهِ حِقَّتَانِ وَنِصْفُ مَالِهِ صَحِيحٌ وَنِصْفُهُ مَرِيضٌ فَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ لَهُ إخْرَاجُ حِقَّةٍ صَحِيحَةٍ ، وَحِقَّةٍ مَرِيضَةٍ ؛ لِأَنَّ النِّصْفَ الَّذِي يَجِبُ فِيهِ إحْدَى الْحِقَّتَيْنِ مَرِيضٌ كُلُّهُ .\rوَالصَّحِيحُ فِي الْمَذْهَبِ خِلَافُ هَذَا ؛ لِأَنَّ فِي مَالِهِ صَحِيحًا وَمَرِيضًا ، فَلَمْ يَمْلِكْ إخْرَاجَ مَرِيضَةٍ ، كَمَا لَوْ كَانَ نِصَابًا وَاحِدًا ، وَلَمْ يَتَعَيَّنْ النِّصْفُ الَّذِي وَجَبَتْ فِيهِ الْحِقَّةُ فِي الْمِرَاضِ ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ لِشَرِيكَيْنِ ، لَمْ يَتَعَيَّنْ حَقُّ أَحَدِهِمَا فِي الْمِرَاضِ دُونَ الْآخَرِ .\rوَإِنْ كَانَ النِّصَابُ مِرَاضًا كُلُّهُ ، فَالصَّحِيحُ فِي الْمَذْهَبِ جَوَازُ إخْرَاجِ الْفَرْضِ مِنْهُ ، وَيَكُونُ وَسَطًا فِي الْقِيمَةِ ، وَلَا اعْتِبَارَ بِقِلَّةِ الْعَيْبِ وَكَثْرَتِهِ ؛ لِأَنَّ الْقِيمَةَ تَأْتِي عَلَى ذَلِكَ .\rوَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ وَقَالَ مَالِكٌ إنْ كَانَتْ كُلُّهَا جَرْبَاءَ أَخْرَجَ جَرْبَاءَ ، وَإِنْ","part":5,"page":132},{"id":2132,"text":"كَانَتْ كُلُّهَا هَتْمَاءَ كُلِّفَ شِرَاءَ صَحِيحَةٍ .\rوَقَالَ أَبُو بَكْرٍ لَا تُجْزِئُ إلَّا صَحِيحَةٌ لِأَنَّ أَحْمَدَ قَالَ : لَا يُؤْخَذُ إلَّا مَا يَجُوزُ فِي الْأَضَاحِيِّ ، وَلِلنَّهْيِ عَنْ أَخْذِ ذَاتِ الْعَوَارِ ، فَعَلَى هَذَا يُكَلَّفُ شِرَاءَ صَحِيحَةٍ بِقَدْرِ قِيمَةِ الْمَرِيضَةِ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : إيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ } وَقَالَ { إنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَسْأَلْكُمْ خَيْرَهُ ، وَلَمْ يَأْمُرْكُمْ بِشَرِّهِ .\r} رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَلِأَنَّ مَبْنَى الزَّكَاةِ عَلَى الْمُوَاسَاةِ ، وَتَكْلِيفُ الصَّحِيحَةِ عَنْ الْمِرَاضِ إخْلَالٌ بِالْمُوَاسَاةِ ، وَلِهَذَا يَأْخُذُ مِنْ الرَّدِيءِ مِنْ الْحُبُوبِ وَالثِّمَارِ مِنْ جِنْسِهِ ، وَيَأْخُذُ مِنْ اللِّئَامِ وَالْهُزَالِ مِنْ الْمَوَاشِي مِنْ جِنْسِهِ ، كَذَا هَاهُنَا .\rوَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ فِي الْحَدِيثِ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ إخْرَاجِ الْمَعِيبَةِ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ ، أَوْ نَحْمِلُهُ عَلَى مَا إذَا كَانَ فِيهِ صَحِيحٌ ، فَإِنَّ الْغَالِبَ الصِّحَّةُ ، وَإِنْ كَانَ جَمِيعُ النِّصَابِ مَرِيضًا إلَّا بَعْضَ الْفَرِيضَةِ ، أَخْرَجَ الصَّحِيحَةَ ، وَتَمَّمَ الْفَرِيضَةَ مِنْ الْمِرَاضِ عَلَى قَدْرِ الْمَالِ ، وَلَا فَرْقَ فِي هَذَا بَيْنَ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ ، وَالْحُكْمُ فِي الْهَرِمَةِ كَالْحُكْمِ فِي الْمَعِيبَةِ سَوَاءٌ .","part":5,"page":133},{"id":2133,"text":"( 1718 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَلَا الرُّبَى ، وَلَا الْمَاخِضُ ، وَلَا الْأَكُولَةُ ) قَالَ أَحْمَدُ : الرُّبَى الَّتِي قَدْ وَضَعَتْ وَهِيَ تُرَبِّي وَلَدَهَا .\rيَعْنِي قَرِيبَةَ الْعَهْدِ بِالْوِلَادَةِ .\rتَقُولُ الْعَرَبُ : فِي رُبَابِهَا .\rكَمَا تَقُولُ : فِي نِفَاسِهَا .\rقَالَ الشَّاعِرُ : حُنَيْنَ أُمِّ الْبَوِّ فِي رُبَابِهَا قَالَ أَحْمَدُ : وَالْمَاخِضُ الَّتِي قَدْ حَانَ وِلَادُهَا ، فَإِنْ كَانَ فِي بَطْنِهَا وَلَدٌ لَمْ يَحِنْ وِلَادُهَا ، فَهِيَ خِلْفَةٌ وَهَذِهِ الثَّلَاثُ لَا تُؤْخَذُ لِحَقِّ رَبِّ الْمَالِ .\rقَالَ عُمَرُ لِسَاعِيهِ : لَا تَأْخُذْ الرُّبَى وَلَا الْمَاخِضَ ، وَلَا الْأَكُولَةَ ، وَلَا فَحْلَ الْغَنَمِ .\rوَإِنْ تَطَوَّعَ رَبُّ الْمَالِ بِإِخْرَاجِهَا جَازَ أَخْذُهَا ، وَلَهُ ثَوَابُ الْفَضْلِ ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي حَدِيثِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ .\rوَإِذَا ثَبَتَ هَذَا ، وَأَنَّهُ مُنِعَ مِنْ أَخْذِ الرَّدِيءِ مِنْ أَجْلِ الْفُقَرَاءِ ، وَمِنْ أَخْذِ كَرَائِمِ الْأَمْوَالِ مِنْ أَجْلِ أَرْبَابِهِ ، ثَبَتَ أَنَّ الْحَقَّ فِي الْوَسَطِ مِنْ الْمَالِ .\rقَالَ الزُّهْرِيُّ إذَا جَاءَ الْمُصَدِّقُ قَسَّمَ الشِّيَاهَ أَثْلَاثًا : ثُلُثٌ خِيَارٌ ، وَثُلُثٌ أَوْسَاطٌ وَثُلُثٌ شِرَارٌ ، وَأَخَذَ الْمُصَدِّقُ مِنْ الْوَسَطِ .\rوَرُوِيَ نَحْوُ هَذَا عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، وَقَالَهُ إمَامُنَا ، وَذَهَبَ إلَيْهِ .\rوَالْأَحَادِيثُ تَدُلُّ عَلَى هَذَا ، فَرَوَى أَبُو دَاوُد ، وَالنَّسَائِيُّ ، بِإِسْنَادِهِمَا عَنْ سَعْدِ بْنِ دُلَيْمٍ ، { قَالَ : كُنْت فِي غَنَمٍ لِي ، فَجَاءَنِي رَجُلَانِ عَلَى بَعِيرٍ ، فَقَالَا : إنَّا رَسُولَا رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَيْكَ ؛ لِتُؤَدِّيَ إلَيْنَا صَدَقَةَ غَنَمِك ، قُلْت : وَمَا عَلَيَّ فِيهَا ؟ قَالَا : شَاةٌ .\rفَعَمَدَ إلَى شَاةٍ قَدْ عَرَفَ مَكَانَهَا مُمْتَلِئَةً مَخْضًا وَشَحْمًا ، فَأَخْرَجَهَا إلَيْهِمَا .\rفَقَالَا : هَذِهِ شَافِعٌ ، وَقَدْ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ نَأْخُذَ شَاةً شَافِعًا .\r} وَالشَّافِعُ : الْحَامِلُ ؛ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّ وَلَدَهَا قَدْ شَفَعَهَا ، وَالْمَخْضُ : اللَّبَنُ .\r{ وَقَالَ سُوَيْد بْنُ غَفَلَةَ","part":5,"page":134},{"id":2134,"text":": سِرْت ، أَوْ أَخْبَرَنِي مَنْ سَارَ ، مَعَ مُصَدِّقِ رَسُولِ اللَّهِ فَإِذَا فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ لَا نَأْخُذَ مِنْ رَاضِعِ لَبَنٍ .\rقَالَ : فَكَانَ يَأْتِي الْمِيَاهَ حِينَ تَرِدُ الْغَنَمُ فَيَقُولُ : أَدُّوا صَدَقَاتِ أَمْوَالِكُمْ .\rقَالَ : فَعَمَدَ رَجُلٌ مِنْهُمْ إلَى نَاقَةٍ كَوْمَاءَ ، وَهِيَ الْعَظِيمَةُ السَّنَامِ ، فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَهَا } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَالنَّسَائِيُّ .\rوَرَوَى أَبُو دَاوُد ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { ثَلَاثٌ مَنْ فَعَلَهُنَّ فَقَدْ طَعِمَ طَعْمَ الْإِيمَانِ : مَنْ عَبَدَ اللَّهَ وَحْدَهُ ، وَأَنَّهُ لَا إلَهَ إلَّا هُوَ ، وَأَعْطَى زَكَاةَ مَالِهِ طَيِّبَةً بِهَا نَفْسُهُ ، رَافِدَةً عَلَيْهِ كُلَّ عَامٍ ، وَلَمْ يُعْطِ الْهَرِمَةَ ، وَلَا الدَّرِنَةَ ، وَلَا الْمَرِيضَةَ ، وَلَا الشَّرَطَ اللَّئِيمَةَ ، وَلَكِنْ مِنْ وَسَطِ أَمْوَالِكُمْ ، فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَسْأَلْكُمْ خَيْرَهُ ، وَلَمْ يَأْمُرْكُمْ بِشَرِّهِ .\r} رَافِدَةً : يَعْنِي مَعِيبَةً ، وَالدَّرِنَةُ : الْجَرْبَاءُ ، وَالشَّرَطُ : رَذَالَةُ الْمَالِ .","part":5,"page":135},{"id":2135,"text":"( 1719 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَتُعَدُّ عَلَيْهِمْ السَّخْلَةُ ، وَلَا تُؤْخَذُ مِنْهُمْ ) السَّخْلَةُ ، بِفَتْحِ السِّينِ وَكَسْرِهَا : الصَّغِيرَةُ مِنْ أَوْلَادِ الْمَعْزِ .\rوَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ مَتَى كَانَ عِنْدَهُ نِصَابٌ كَامِلٌ فَنُتِجَتْ مِنْهُ سِخَالٌ فِي أَثْنَاءِ الْحَوْلِ ، وَجَبَتْ الزَّكَاةُ فِي الْجَمِيعِ عِنْدَ تَمَامِ حَوْلِ الْأُمَّهَاتِ ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rوَحُكِيَ عَنْ الْحَسَنِ وَالنَّخَعِيِّ لَا زَكَاةَ فِي السِّخَالِ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ .\rوَلِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ { لَا زَكَاةَ فِي مَالٍ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ .\r} وَلَنَا ، مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ لِسَاعِيهِ : اعْتَدَّ عَلَيْهِمْ بِالسَّخْلَةِ ، يَرُوحُ بِهَا الرَّاعِي عَلَى يَدَيْهِ ، وَلَا تَأْخُذْهَا مِنْهُمْ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ عَلِيٍّ ، وَلَا نَعْرِفُ لَهُمَا فِي عَصْرِهِمَا مُخَالِفًا ، فَكَانَ إجْمَاعًا ، وَلِأَنَّهُ نَمَاءُ نِصَابٍ ، فَيَجِبُ أَنْ يُضَمَّ إلَيْهِ فِي الْحَوْلِ ، كَأَمْوَالِ التِّجَارَةِ ، وَالْخَبَرُ مَخْصُوصٌ بِمَالِ التِّجَارَةِ ، فَنَقِيسُ عَلَيْهِ .\rفَأَمَّا إنْ لَمْ يَكْمُلْ النِّصَابُ إلَّا بِالسِّخَالِ ، اُحْتُسِبَ الْحَوْلُ مِنْ حِينِ كَمَلَ النِّصَابُ ، فِي الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ .\rوَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَإِسْحَاقَ وَأَبِي ثَوْرٍ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى ، أَنَّهُ يُعْتَبَرُ حَوْلُ الْجَمِيعِ مِنْ حِينِ مَلَكَ الْأُمَّهَاتِ .\rوَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ لِأَنَّ الِاعْتِبَارَ بِحَوْلِ الْأُمَّهَاتِ دُونَ السِّخَالِ فِيمَا إذَا كَانَتْ نِصَابًا ، وَكَذَلِكَ إذَا لَمْ تَكُنْ نِصَابًا .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ لَمْ يَحِلَّ الْحَوْلُ عَلَى نِصَابٍ ، فَلَمْ تَجِبْ الزَّكَاةُ فِيهَا ، كَمَا لَوْ كَمَلَتْ بِغَيْرِ سِخَالِهَا ، أَوْ كَمَالِ التِّجَارَةِ ، فَإِنَّهُ لَا تَخْتَلِفُ الرِّوَايَةُ فِيهِ .\rوَإِنْ نُتِجَتْ السِّخَالُ بَعْدَ الْحَوْلِ ، ضُمَّتْ إلَى أُمَّهَاتِهَا فِي الْحَوْلِ الثَّانِي وَحْدَهُ .\rوَالْحُكْمُ فِي فِصْلَانِ الْإِبِلِ ، وَعُجُولِ الْبَقَرِ ، كَالْحُكْمِ فِي السِّخَالِ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِنَّ السَّخْلَةَ لَا تُؤْخَذُ فِي","part":5,"page":136},{"id":2136,"text":"الزَّكَاةِ ، لِمَا قَدَّمْنَا مِنْ قَوْلِ عُمَرَ ، وَلِمَا سَنَذْكُرُهُ فِي الْمَسْأَلَةِ الَّتِي تَلِي هَذِهِ ، وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا ، إلَّا أَنْ يَكُونَ النِّصَابُ كُلُّهُ صِغَارًا ، فَيَجُوزُ أَخْذُ الصَّغِيرَةِ فِي الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ ، وَإِنَّمَا يُتَصَوَّرُ ذَلِكَ ، بِأَنْ يُبَدِّلَ كِبَارًا بِصِغَارِ فِي أَثْنَاءِ الْحَوْلِ ، أَوْ يَكُونَ عِنْدَهُ نِصَابٌ مِنْ الْكِبَارِ ، فَتَوَالَدَ نِصَابٌ مِنْ الصِّغَارِ ، ثُمَّ تَمُوتُ الْأُمَّهَاتُ ، وَيَحُولُ الْحَوْلُ عَلَى الصِّغَارِ .\rوَقَالَ أَبُو بَكْرٍ لَا يُؤْخَذُ أَيْضًا إلَّا كَبِيرَةٌ تُجْزِئُ فِي الْأُضْحِيَّةِ .\rوَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إنَّمَا حَقُّنَا فِي الْجَذَعَةِ } أَوْ الثَّنِيَّةِ .\rوَلِأَنَّ زِيَادَةَ السِّنِّ فِي الْمَالِ لَا يَزِيدُ بِهِ الْوَاجِبُ ، كَذَلِكَ نُقْصَانُهُ لَا يَنْقُصُ بِهِ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَاَللَّهِ لَوْ مَنَعُونِي عَنَاقًا كَانُوا يُؤَدُّونَهَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَيْهَا .\rفَدَلَّ عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا يُؤَدُّونَ الْعَنَاقَ ، وَلِأَنَّهُ مَالٌ تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ قِيمَتِهِ ، فَيَجِبُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ عَيْنِهِ ، كَسَائِرِ الْأَمْوَالِ ، وَالْحَدِيثُ مَحْمُولٌ عَلَى مَا فِيهِ كِبَارٌ .\rوَأَمَّا زِيَادَةُ السِّنِّ فَلَيْسَ تَمْنَعُ الرِّفْقَ بِالْمَالِكِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ ، كَمَا أَنَّ مَا دُونَ النِّصَابِ عَفْوٌ ، وَمَا فَوْقَهُ عَفْوٌ ، وَظَاهِرُ قَوْلِ أَصْحَابِنَا أَنَّ الْحُكْمَ فِي الْفِصْلَانِ وَالْعُجُولِ ، كَالْحُكْمِ فِي السِّخَالِ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا فِي الْغَنَمِ ، وَيَكُونُ التَّعْدِيلُ بِالْقِيمَةِ مَكَانَ زِيَادَةِ السِّنِّ ، كَمَا قُلْنَا فِي إخْرَاجِ الذَّكَرِ مِنْ الذُّكُورِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَجُوزَ إخْرَاجُ الْفِصْلَانِ وَالْعُجُولِ ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ كَيْ لَا يُفْضِيَ إلَى التَّسْوِيَةِ بَيْنَ الْفُرُوضِ ، فَإِنَّهُ يُفْضِي إلَى إخْرَاجِ ابْنَةِ الْمَخَاضِ عَنْ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ ، وَسِتٍّ وَثَلَاثِينَ ، وَسِتٍّ وَأَرْبَعِينَ ، وَإِحْدَى وَسِتِّينَ ،","part":5,"page":137},{"id":2137,"text":"وَيُخْرِجُ ابْنَتَيْ اللَّبُونِ عَنْ سِتٍّ وَسَبْعِينَ ، وَإِحْدَى وَتِسْعِينَ ، وَمِائَةٍ وَعِشْرِينَ ، وَيُفْضِي إلَى الِانْتِقَالِ مِنْ ابْنَةِ اللَّبُونِ الْوَاحِدَةِ مِنْ إحْدَى وَسِتِّينَ ، إلَى اثْنَتَيْنِ فِي سِتٍّ وَسَبْعِينَ ، مَعَ تَقَارُبِ الْوَقْصِ بَيْنَهُمَا ، وَبَيْنَهُمَا فِي الْأَصْلِ أَرْبَعُونَ ، وَالْخَبَرُ وَرَدَ فِي السِّخَالِ ، فَيَمْتَنِعُ قِيَاسُ الْفِصْلَانِ وَالْعُجُولِ عَلَيْهِمَا ؛ لِمَا بَيْنَهُمَا مِنْ الْفَرْقِ .","part":5,"page":138},{"id":2138,"text":"( 1720 ) فَصْلٌ : وَإِنْ مَلَكَ نِصَابًا مِنْ الصِّغَارِ ، انْعَقَدَ عَلَيْهِ حَوْلُ الزَّكَاةِ مِنْ حِينِ مَلَكَهُ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ لَا يَنْعَقِدُ عَلَيْهِ الْحَوْلُ حَتَّى يَبْلُغَ سِنًّا يُجْزِئُ مِثْلُهُ فِي الزَّكَاةِ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ الشَّعْبِيِّ لِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ { : لَيْسَ فِي السِّخَالِ زَكَاةٌ .\r} وَقَالَ : { لَا تَأْخُذْ مِنْ رَاضِعِ لَبَنٍ .\r} وَلِأَنَّ السِّنَّ مَعْنًى يَتَغَيَّرُ بِهِ الْفَرْضُ ، فَكَانَ لِنُقْصَانِهِ تَأْثِيرٌ فِي الزَّكَاةِ ، كَالْعَدَدِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ السِّخَالَ تُعَدُّ مَعَ غَيْرِهَا ، فَتُعَدُّ مُنْفَرِدَةً ، كَالْأُمَّهَاتِ ، وَالْخَبَرُ يَرْوِيهِ جَابِرٌ الْجُعْفِيُّ ، وَهُوَ ضَعِيفٌ ، عَنْ الشَّعْبِيِّ مُرْسَلًا ، ثُمَّ هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ لَا تَجِبُ فِيهَا قَبْلَ حَوْلِ الْحَوْلِ ، وَالْعَدَدُ تَزِيدُ الزَّكَاةُ بِزِيَادَتِهِ ، بِخِلَافِ السِّنِّ ، فَإِذَا قُلْنَا بِهَذِهِ الرِّوَايَةِ ، فَإِذَا مَاتَتْ الْأُمَّهَاتُ إلَّا وَاحِدَةً ، لَمْ يَنْقَطِعْ الْحَوْلُ ، وَإِنْ مَاتَتْ كُلُّهَا ، انْقَطَعَ الْحَوْلُ .","part":5,"page":139},{"id":2139,"text":"( 1721 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَيُؤْخَذُ مِنْ الْمَعْزِ الثَّنِيُّ ، وَمِنْ الضَّأْنِ الْجَذَعُ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ فِي صَدَقَةِ الْغَنَمِ إلَّا الْجَذَعُ مِنْ الضَّأْنِ ، وَهُوَ مَا لَهُ سِتَّةُ أَشْهُرٍ ، وَالثَّنِيُّ مِنْ الْمَعْزِ ، وَهُوَ مَا لَهُ سَنَةٌ .\rفَإِنْ تَطَوَّعَ الْمَالِكُ بِأَفْضَلَ مِنْهُمَا فِي السِّنِّ جَازَ ، فَإِنْ كَانَ الْفَرْضُ فِي النِّصَابِ أَخَذَهُ ، وَإِنْ كَانَ كُلُّهُ فَوْقَ الْفَرْضِ خُيِّرَ الْمَالِكُ بَيْنَ دَفْعِ وَاحِدَةٍ مِنْهُ ، وَبَيْنَ شِرَاءِ الْفَرْضِ فَيُخْرِجُهُ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ : لَا يُجْزِئُ إلَّا الثَّنِيَّةُ مِنْهُمَا جَمِيعًا ؛ لِأَنَّهُمَا نَوْعَا جِنْسٍ ، فَكَانَ الْفَرْضُ مِنْهُمَا وَاحِدًا ، كَأَنْوَاعِ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ .\rوَقَالَ مَالِكٌ تُجْزِئُ الْجَذَعَةُ مِنْهُمَا ، لِذَلِكَ ، وَلِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : إنَّمَا حَقُّنَا فِي الْجَذَعَةِ وَالثَّنِيَّةِ } .\rوَلَنَا ، عَلَى جَوَازِ إخْرَاجِ الْجَذَعَةِ مِنْ الضَّأْنِ مَعَ هَذَا الْخَبَرِ ، { قَوْلُ سَعْدِ بْنِ دُلَيْمٍ : أَتَانِي رَجُلَانِ عَلَى بَعِيرٍ ، فَقَالَا : إنَّا رَسُولَا رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَيْكَ ؛ لِتُؤَدِّيَ صَدَقَةَ غَنَمِك .\rقُلْت : فَأَيَّ شَيْءٍ تَأْخُذَانِ ؟ قَالَا : عَنَاقَ جَذَعَةٍ أَوْ ثَنِيَّةً .\r} أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد .\rوَلَنَا مَا رَوَى مَالِكٌ عَنْ سُوَيْد بْنِ غَفَلَةَ ، قَالَ : { أَتَانَا مُصَدِّقُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ : أُمِرْنَا أَنْ نَأْخُذَ الْجَذَعَةَ مِنْ الضَّأْنِ ، وَالثَّنِيَّةَ مِنْ الْمَعْزِ } .\rوَهَذَا صَرِيحٌ ، وَفِيهِ بَيَانُ الْمُطْلَقِ فِي الْحَدِيثَيْنِ قَبْلَهُ ، وَلِأَنَّ جَذَعَةَ الضَّأْنِ تُجْزِئُ فِي الْأُضْحِيَّةِ ، بِخِلَافِ جَذَعَةِ الْمَعْزِ ، بِدَلِيلِ { قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَبِي بُرْدَةَ بْنِ نِيَارٍ ، فِي جَذَعَةِ الْمَعْزِ : تُجْزِئُكَ ، وَلَا تُجْزِئُ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ .\r} قَالَ إبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ إنَّمَا أَجْزَأَ الْجَذَعُ مِنْ الضَّأْنِ ، لِأَنَّهُ يُلَقِّحُ ،","part":5,"page":140},{"id":2140,"text":"وَالْمَعْزُ لَا يُلَقِّحُ إلَّا إذَا كَانَ ثَنِيًّا .","part":5,"page":141},{"id":2141,"text":"( 1722 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ ( فَإِنْ كَانَتْ عِشْرِينَ ضَأْنًا ، وَعِشْرِينَ مَعْزًا ، أَخَذَ مِنْ أَحَدِهِمَا مَا يَكُونُ قِيمَتُهُ نِصْفَ شَاةِ ضَأْنٍ وَنِصْفَ مَعْزٍ ) لَا نَعْلَمُ خِلَافًا بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي ضَمِّ أَنْوَاعِ الْأَجْنَاسِ بَعْضِهَا إلَى بَعْضٍ ، فِي إيجَابِ الزَّكَاةِ ، وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ أَجْمَعَ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ، عَلَى ضَمَّ الضَّأْنِ إلَى الْمَعْزِ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِنَّهُ يُخْرِجُ الزَّكَاةَ مِنْ أَيِّ الْأَنْوَاعِ أَحَبَّ ، سَوَاءٌ دَعَتْ الْحَاجَةُ إلَى ذَلِكَ ، بِأَنْ يَكُونَ الْوَاجِبُ وَاحِدًا ، أَوْ لَا يَكُونَ أَحَدُ النَّوْعَيْنِ مُوجِبًا لِوَاحِدٍ ، أَوْ لَمْ يَدَّعِ ، بِأَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ النَّوْعَيْنِ يَجِبُ فِيهِ فَرِيضَةٌ كَامِلَةٌ .\rوَقَالَ عِكْرِمَةُ وَمَالِكٌ وَإِسْحَاقُ يُخْرِجُ مِنْ أَكْثَرِ الْعَدَدَيْنِ ، فَإِنْ اسْتَوَيَا أَخْرَجَ مِنْ أَيِّهِمَا شَاءَ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ الْقِيَاسُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ كُلِّ نَوْعٍ مَا يَخُصُّهُ .\rاخْتَارَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ لِأَنَّهَا أَنْوَاعٌ تَجِبُ فِيهَا الزَّكَاةُ ، فَتَجِبُ زَكَاةُ كُلِّ نَوْعٍ مِنْهُ ، كَأَنْوَاعِ الثَّمَرَةِ وَالْحُبُوبِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُمَا نَوْعَا جِنْسٍ مِنْ الْمَاشِيَةِ ، فَجَازَ الْإِخْرَاجُ مِنْ أَيِّهِمَا شَاءَ ، كَمَا لَوْ اسْتَوَى الْعَدَدَانِ ، وَكَالسِّمَانِ وَالْمَهَازِيلِ ، وَمَا ذَكَرَهُ الشَّافِعِيُّ يُفْضِي إلَى تَشْقِيصِ الْفَرْضِ ، وَقَدْ عَدَلَ إلَى غَيْرِ الْجِنْسِ فِيمَا دُونَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ مِنْ أَجْلِهِ ، فَالْعُدُولُ إلَى النَّوْعِ أَوْلَى .\rفَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِنَّهُ يُخْرِجُ مِنْ أَحَدِ النَّوْعَيْنِ مَا قِيمَتُهُ كَقِيمَةِ الْمُخْرَجِ مِنْ النَّوْعَيْنِ ، فَإِذَا كَانَ النَّوْعَانِ سَوَاءً ، وَقِيمَةُ الْمُخْرَجِ مِنْ أَحَدِهِمَا اثْنَا عَشَرَ ، وَقِيمَةُ الْمُخْرَجِ مِنْ الْآخَرِ خَمْسَةَ عَشَرَ ، أَخْرَجَ مِنْ أَحَدِهِمَا مَا قِيمَتُهُ ثَلَاثَةَ عَشَرَ وَنِصْفٌ ، وَإِنْ كَانَ الثُّلُثُ مَعْزًا ، وَالثُّلُثَانِ ضَأْنًا ، أَخْرَجَ مَا قِيمَتُهُ أَرْبَعَةَ عَشَرَ ، وَإِنْ كَانَ الثُّلُثُ ضَأْنًا ، وَالثُّلُثَانِ مَعْزًا ، أَخْرَجَ مَا قِيمَتُهُ ثَلَاثَةَ عَشَرَ .","part":5,"page":142},{"id":2142,"text":"وَهَكَذَا لَوْ كَانَ فِي إبِلِهِ عَشْرٌ بَخَاتِيٌّ ، وَعَشْرٌ مُهْرِيَّةٌ ، وَعَشْرٌ عَرَابِيَّةٌ ، وَقِيمَةُ ابْنَةِ الْمَخَاضِ الْبُخْتِيَّةُ ثَلَاثُونَ ، وَقِيمَةُ الْمُهْرِيَّةُ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ ، وَقِيمَةُ الْعَرَابِيَّةِ اثْنَا عَشَرَ ، أَخْرَجَ ابْنَةَ مَخَاضٍ قِيمَتُهَا ثُلُثُ قِيمَةِ ابْنَةِ مَخَاضٍ بُخْتِيَّةٍ ، وَهُوَ عَشَرَةٌ ، وَثُلُثَ قِيمَةِ مُهْرِيَّةٍ ثَمَانِيَةٌ ، وَثُلُثَ قِيمَةِ عَرَابِيَّةٍ أَرْبَعَةٌ ، فَصَارَ الْجَمِيعُ اثْنَيْنِ وَعِشْرِينَ .\rوَهَكَذَا الْحُكْمُ فِي أَنْوَاعِ الْبَقَرِ ، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي السِّمَانِ مَعَ الْمَهَازِيلِ ، وَالْكِرَامِ مَعَ اللِّئَامِ .\rفَأَمَّا الصِّحَاحُ مَعَ الْمِرَاضِ ، وَالذُّكُورُ مَعَ الْإِنَاثِ ، وَالْكِبَارُ مَعَ الصِّغَارِ ، فَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ صَحِيحَةٌ كَبِيرَةٌ أُنْثَى ، عَلَى قَدْرِ قِيمَةِ الْمَالَيْنِ ، إلَّا أَنْ يَتَطَوَّعَ رَبُّ الْمَالِ بِالْفَضْلِ ، وَقَدْ ذُكِرَ هَذَا .","part":5,"page":143},{"id":2143,"text":"( 1723 ) فَصْلٌ : فَإِنْ أَخْرَجَ عَنْ النِّصَابِ مِنْ غَيْرِ نَوْعِهِ مِمَّا لَيْسَ فِي مَالِهِ مِنْهُ شَيْءٌ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا ، يُجْزِئُ ؛ لِأَنَّهُ أَخْرَجَ عَنْهُ مِنْ جِنْسِهِ ، فَجَازَ ، كَمَا لَوْ كَانَ الْمَالُ نَوْعَيْنِ ، فَأَخْرَجَ مِنْ أَحَدِهِمَا عَنْهُمَا .\rوَالثَّانِي ، لَا يُجْزِئُ ؛ لِأَنَّهُ أَخْرَجَ ، مِنْ غَيْرِ نَوْعِ مَالِهِ ، أَشْبَهَ مَا لَوْ أَخْرَجَ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ ، وَفَارَقَ مَا إذَا أَخْرَجَ مِنْ أَحَدِ نَوْعَيْ مَالِهِ ؛ لِأَنَّهُ جَازَ فِرَارًا مِنْ تَشْقِيصِ الْفَرْضِ ، وَقَدْ جَوَّزَ الشَّارِعُ الْإِخْرَاجَ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ فِي قَلِيلِ الْإِبِلِ وَشَاةِ الْجُبْرَانِ لِذَلِكَ ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا .","part":5,"page":144},{"id":2144,"text":"مَسْأَلَةٌ : قَالَ ( وَإِنَّ اخْتَلَطَ جَمَاعَةٌ فِي خَمْسٍ مِنْ الْإِبِلِ ، أَوْ ثَلَاثِينَ مِنْ الْبَقَرِ ، أَوْ أَرْبَعِينَ مِنْ الْغَنَمِ ، وَكَانَ مَرْعَاهُمْ وَمَسْرَحُهُمْ وَمَبِيتُهُمْ وَمُحْلَبُهُمْ وَفَحْلُهُمْ وَاحِدًا ، أُخِذَتْ مِنْهُمْ الصَّدَقَةُ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْخَلْطَةَ فِي السَّائِمَةِ تَجْعَلُ مَالَ الرَّجُلَيْنِ كَمَالِ الرَّجُلِ الْوَاحِدِ فِي الزَّكَاةِ ، سَوَاءٌ كَانَتْ خُلْطَةَ أَعْيَانٍ ، وَهِيَ أَنْ تَكُونَ الْمَاشِيَةُ مُشْتَرَكَةً بَيْنَهُمَا ، لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نَصِيبٌ مَشَاعٌ ، مِثْلُ أَنْ يَرِثَا نِصَابًا أَوْ يَشْتَرِيَاهُ ، أَوْ يُوهَبَ لَهُمَا ، فَيُبْقِيَاهُ بِحَالِهِ ، أَوْ خُلْطَةَ أَوْصَافٍ ، وَهِيَ أَنْ يَكُونَ مَالُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُمَيَّزًا ، فَخَلَطَاهُ ، وَاشْتَرَكَا فِي الْأَوْصَافِ الَّتِي نَذْكُرُهَا ، وَسَوَاءٌ تَسَاوَيَا فِي الشَّرِكَةِ ، أَوْ اخْتَلَفَا ، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ لِرَجِلٍ شَاةٌ ، وَلِآخَرَ تِسْعَةٌ وَثَلَاثُونَ ، أَوْ يَكُونَ لِأَرْبَعِينَ رَجُلًا أَرْبَعُونَ شَاةً ، لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ شَاةٌ ، نَصَّ عَلَيْهِمَا أَحْمَدُ وَهَذَا قَوْلُ عَطَاءٍ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَالشَّافِعِيِّ وَاللَّيْثِ وَإِسْحَاقَ وَقَالَ مَالِكٌ إنَّمَا تُؤَثِّرُ الْخُلْطَةُ إذَا كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الشُّرَكَاءِ نِصَابٌ .\rوَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ الثَّوْرِيِّ وَأَبِي ثَوْرٍ وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا أَثَرَ لَهَا بِحَالٍ ؛ لِأَنَّ مِلْكَ كُلِّ وَاحِدٍ دُونَ النِّصَابِ ، فَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ زَكَاةٌ ، كَمَا لَوْ لَمْ يَخْتَلِطْ بِغَيْرِهِ .\rوَلِأَبِي حَنِيفَةَ فِيمَا إذَا اخْتَلَطَا فِي نِصَابَيْنِ ، أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَمْلِكُ أَرْبَعِينَ مِنْ الْغَنَمِ ، فَوَجَبَتْ عَلَيْهِ شَاةٌ ؛ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ { : فِي أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةٌ } .\rوَلَنَا مَا رَوَى الْبُخَارِيُّ ، فِي حَدِيثِ أَنَسٍ الَّذِي ذَكَرْنَا أَوَّلَهُ { : لَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ ، وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ ، خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ ، } وَمَا كَانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ ، فَإِنَّهُمَا يَتَرَاجَعَانِ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ \" .\rوَلَا يَجِيءُ التَّرَاجُعُ إلَّا عَلَى","part":5,"page":145},{"id":2145,"text":"قَوْلِنَا فِي خُلْطَةِ الْأَوْصَافِ .\rوَقَوْلُهُ : لَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ .\rإنَّمَا يَكُونُ هَذَا إذَا كَانَ لِجَمَاعَةٍ ، فَإِنَّ الْوَاحِدَ يَضُمُّ مَالَهُ بَعْضَهُ إلَى بَعْضٍ ، وَإِنْ كَانَ فِي أَمَاكِنَ ، وَهَكَذَا لَا يُفَرِّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ .\rوَلِأَنَّ لِلْخُلْطَةِ تَأْثِيرًا فِي تَخْفِيفِ الْمُؤْنَةِ ، فَجَازَ أَنْ تُؤَثِّرَ فِي الزَّكَاةِ كَالسَّوْمِ وَالسَّقْيِ ، وَقِيَاسُهُمْ مَعَ مُخَالَفَةِ النَّصِّ غَيْرُ مَسْمُوعٍ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِنَّ خُلْطَةَ الْأَوْصَافِ يُعْتَبَرُ فِيهَا اشْتِرَاكُهُمْ فِي خَمْسَةِ أَوْصَافٍ : الْمَسْرَحُ ، وَالْمَبِيتُ ، وَالْمَحْلَبُ ، وَالْمَشْرَبُ ، وَالْفَحْلُ .\rقَالَ أَحْمَدُ : الْخَلِيطَانِ أَنْ يَكُونَ رَاعِيهُمَا وَاحِدًا ، وَمُرَاحُهُمَا وَاحِدًا ، وَشِرْبُهُمَا وَاحِدًا .\rوَقَدْ ذَكَرَ أَحْمَدُ فِي كَلَامِهِ شَرْطًا سَادِسًا ، وَهُوَ الرَّاعِي .\rقَالَ الْخِرَقِيِّ : \" وَكَانَ مَرْعَاهُمْ وَمَسْرَحُهُمْ وَاحِدًا \" .\rفَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ بِالْمَرْعَى الرَّاعِيَ ، لِيَكُونَ مُوَافِقًا لِقَوْلِ أَحْمَدَ ، وَلِكَوْنِ الْمَرْعَى هُوَ الْمَسْرَحُ .\rقَالَ ابْنُ حَامِدٍ : الْمَرْعَى وَالْمَسْرَحُ شَرْطٌ وَاحِدٌ ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ أَحْمَدُ الْمَسْرَحَ لِيَكُونَ فِيهِ رَاعٍ وَاحِدٌ ، وَالْأَصْلُ فِي هَذَا مَا رَوَى الدَّارَقُطْنِيّ ، فِي \" سُنَنِهِ \" ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ، قَالَ : سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ { : لَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ ، وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ ، خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ ، } وَالْخَلِيطَانِ مَا اجْتَمَعَا فِي الْحَوْضِ وَالْفَحْلِ وَالرَّاعِي \" وَرُوِيَ \" الْمَرْعَى \" .\rوَبِنَحْوٍ مِنْ هَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ مَالِكٍ : لَا يُعْتَبَرُ فِي الْخُلْطَةِ إلَّا شَرْطَانِ : الرَّاعِي ، وَالْمَرْعَى ؛ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : \" لَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ وَلَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ \" .\rوَالِاجْتِمَاعُ يَحْصُلُ بِذَلِكَ ، وَيُسَمَّى خُلْطَةً ، فَاكْتُفِيَ بِهِ .\rوَلَنَا ، قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : وَالْخَلِيطَانِ : مَا اجْتَمَعَا فِي الْحَوْضِ","part":5,"page":146},{"id":2146,"text":"وَالرَّاعِي وَالْفَحْلِ .\r} فَإِنَّ قِيلَ : فَلِمَ اعْتَبَرْتُمْ زِيَادَةً عَلَى هَذَا ؟ قُلْنَا : هَذَا تَنْبِيهٌ عَلَى بَقِيَّةِ الشَّرَائِطِ ، وَإِلْغَاءٌ لِمَا ذَكَرُوهُ ، وَلِأَنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْأَوْصَافِ تَأْثِيرًا .\rفَاعْتُبِرَ كَالْمَرْعَى .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا فَالْمَبِيتُ مَعْرُوفٌ ، وَهُوَ الْمُرَاحُ الَّذِي تَرُوحُ إلَيْهِ الْمَاشِيَةُ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى { : حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ } .\rوَالْمَسْرَحُ وَالْمَرْعَى وَاحِدٌ ، وَهُوَ الَّذِي تَرْعَى فِيهِ الْمَاشِيَةُ ، يُقَالُ : سَرَحَتْ الْغَنَمُ ، إذَا مَضَتْ إلَى الْمَرْعَى ، وَسَرَحْتهَا ، أَيْ بِالتَّخْفِيفِ وَالتَّثْقِيلِ ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى : { وَحِينَ تَسْرَحُونَ } .\rوَالْمَحْلَبُ : الْمَوْضِعُ الَّذِي تُحْلَبُ فِيهِ الْمَاشِيَةُ ، يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ وَاحِدًا ، وَلَا يُفْرِدُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِحَلْبِ مَاشِيَتِهِ مَوْضِعًا ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ مِنْهُ خَلْطَ اللَّبَنِ فِي إنَاءٍ وَاحِدٍ ؛ لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ بِمُرْفِقٍ ، بَلْ مَشَقَّةٌ ، لِمَا فِيهِ مِنْ الْحَاجَةِ إلَى قَسْمِ اللَّبَنِ .\rوَمَعْنَى كَوْنِ الْفَحْلِ وَاحِدًا ، أَنْ لَا تَكُونَ فُحُولَةُ أَحَدِ الْمَالَيْنِ لَا تَطْرُقُ غَيْرَهُ .\rوَكَذَلِكَ الرَّاعِي ، هُوَ أَنْ لَا يَكُونَ لِكُلِّ مَالٍ رَاعٍ ، يَنْفَرِدُ بِرِعَايَتِهِ دُونَ الْآخَرِ .\rوَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الْمُخْتَلِطَانِ مِنْ أَهْلِ الزَّكَاةِ ، فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا ذِمِّيًّا أَوْ مُكَاتَبًا لَمْ يُعْتَدَّ بِخَلْطَتِهِ ، وَلَا تُشْتَرَطُ نِيَّةُ الْخُلْطَةِ وَحُكِيَ عَنْ الْقَاضِي ، أَنَّهُ اشْتَرَطَهَا .\rوَلَنَا ، قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ { : وَالْخَلِيطَانِ مَا اجْتَمَعَا فِي الْحَوْضِ وَالرَّاعِي وَالْفَحْلِ } .\rوَلِأَنَّ النِّيَّةَ لَا تُؤَثِّرُ فِي الْخُلْطَةِ ، فَلَا تُؤَثِّرُ فِي حُكْمِهَا ، وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِالْخُلْطَةِ مِنْ الِارْتِفَاقِ يَحْصُلُ بِدُونِهَا ، فَلَمْ يَتَغَيَّرْ وُجُودُهَا مَعَهُ ، كَمَا لَا تَتَغَيَّرُ نِيَّةُ السَّوْمِ فِي الْإِسَامَةِ ، وَلَا نِيَّةُ السَّقْيِ فِي الزَّرْعِ وَالثِّمَارِ ، وَلَا نِيَّةُ مُضِيِّ الْحَوْلِ فِيمَا يُشْتَرَطُ الْحَوْلُ فِيهِ .","part":5,"page":147},{"id":2147,"text":"( 1725 ) فَصْلٌ : فَإِنْ كَانَ بَعْضُ مَالِ الرَّجُلِ مُخْتَلِطًا ، وَبَعْضُهُ مُنْفَرِدًا ، أَوْ مُخْتَلِطًا مَعَ مَالٍ لِرَجِلٍ آخَرَ ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا : يَصِيرُ مَالُهُ كُلُّهُ كَالْمُخْتَلِطِ ، بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ مَالُ الْخُلْطَةِ نِصَابًا ، فَإِنْ كَانَ دُونَ النِّصَابِ لَمْ يَثْبُتْ حُكْمُهَا ، فَلَوْ كَانَ لِرَجِلٍ سِتُّونَ شَاةً ، مِنْهَا عِشْرُونَ مُخْتَلِطَةٌ مَعَ عِشْرِينَ لِرَجِلٍ آخَرَ ، وَجَبَ عَلَيْهِمَا شَاةٌ وَاحِدَةٌ ، رُبْعُهَا عَلَى صَاحِبِ الْعِشْرِينَ ، وَبَاقِيهَا عَلَى صَاحِبِ السِّتِّينَ ؛ لِأَنَّنَا لَمَّا ضَمَمْنَا مِلْكَ صَاحِبِ السِّتِّينَ صَارَ صَاحِبُ الْعِشْرِينَ كَالْمُخَالِطِ لِسِتِّينَ ، فَيَكُونُ الْجَمِيعُ ثَمَانِينَ ، عَلَيْهَا شَاةٌ بِالْحِصَصِ .\rوَلَوْ كَانَ لِصَاحِبِ السِّتِّينَ ثَلَاثَةُ خُلَطَاءَ ، كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِعِشْرِينَ ، وَجَبَ عَلَى الْجَمِيعِ شَاةٌ ، نِصْفُهَا عَلَى صَاحِبِ السِّتِّينَ ، وَنِصْفُهَا عَلَى الْخُلَطَاءِ ، عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ سُدْسُ شَاةٍ .\rوَلَوْ كَانَ رَجُلَانِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا سِتُّونَ ، فَخَالَطَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ بِعِشْرِينَ فَقَطْ ، وَجَبَ عَلَيْهِمَا شَاةٌ وَاحِدَةٌ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ .\rفَإِنْ اخْتَلَطَا فِي أَقَلِّ مِنْ ذَلِكَ ، لَمْ يَثْبُتْ لَهُمَا حُكْمُ الْخُلْطَةِ ، وَوَجَبَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا شَاةٌ كَامِلَةٌ .\rوَإِنْ اخْتَلَطَا فِي أَرْبَعِينَ ، لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا عَشَرَةٌ ، وَلِلْآخَرِ ثَلَاثُونَ ، ثَبَتَ لَهُمَا حُكْمُ الْخُلْطَةِ لِوُجُودِهَا فِي نِصَابٍ كَامِلٍ .","part":5,"page":148},{"id":2148,"text":"( 1726 ) فَصْلٌ : وَيُعْتَبَرُ اخْتِلَاطُهُمْ فِي جَمِيعِ الْحَوْلِ ، فَإِنْ ثَبَتَ لَهُمْ حُكْمُ الِانْفِرَادِ فِي بَعْضِهِ زَكَّوْا زَكَاةَ الْمُنْفَرِدِينَ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْجَدِيدِ .\rوَقَالَ مَالِكٌ لَا يُعْتَبَرُ اخْتِلَاطُهُمْ فِي أَوَّلِ الْحَوْلِ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ ، وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ } .\rيَعْنِي فِي وَقْتِ أَخْذِ الزَّكَاةِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ هَذَا مَالٌ ثَبَتَ لَهُ حُكْمُ الِانْفِرَادِ ، فَكَانَتْ زَكَاتُهُ زَكَاةَ الْمُنْفَرِدِ ، كَمَا لَوْ انْفَرَدَ فِي آخِرِ الْحَوْلِ ، وَالْحَدِيثُ مَحْمُولٌ عَلَى الْمُجْتَمِعِ فِي جَمِيعِ الْحَوْلِ .\rإذَا تَقَرَّرَ هَذَا فَمَتَى كَانَ لِرَجُلَيْنِ ثَمَانُونَ شَاةً بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ ، وَكَانَا مُنْفَرِدَيْنِ ، فَاخْتَلَطَا فِي أَثْنَاءِ الْحَوْلِ ، فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عِنْدَ تَمَامِ حَوْلِهِ شَاةٌ ، وَفِيمَا بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ السِّنِينَ يُزَكِّيَانِ زَكَاةَ الْخُلْطَةِ ، فَإِنْ اتَّفَقَ حَوْلَاهُمَا أَخْرَجَا شَاةً عِنْدَ تَمَامِ كُلِّ حَوْلٍ ، عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفُهَا وَإِنْ اخْتَلَفَ حَوْلَاهُمَا فَعَلَى الْأَوَّلِ مِنْهُمَا عِنْدَ تَمَامِ حَوْلِهِ نِصْفُ شَاةٍ ، فَإِذَا تَمَّ حَوْلُ الثَّانِي ، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ أَخْرَجَهَا مِنْ غَيْرِ الْمَالِ ، فَعَلَى الثَّانِي نِصْفُ شَاةٍ أَيْضًا ، وَإِنْ أَخْرَجَهَا مِنْ النِّصَابِ نَظَرْت ، فَإِنْ أَخْرَجَ الشَّاةَ جَمِيعَهَا عَنْ مِلْكِهِ ، فَعَلَى الثَّانِي أَرْبَعُونَ جُزْءًا ، مِنْ تِسْعَةٍ وَسَبْعِينَ جُزْءًا مِنْ شَاةٍ ، وَإِنْ أَخْرَجَ نِصْفَ شَاةٍ فَعَلَى الثَّانِي أَرْبَعُونَ جُزْءًا ، مِنْ تِسْعَةٍ وَسَبْعِينَ وَنِصْفُ جُزْءٍ مِنْ شَاةٍ .","part":5,"page":149},{"id":2149,"text":"( 1727 ) فَصْلٌ : وَإِنْ ثَبَتَ لَأَحَدِهِمَا حُكْمُ الِانْفِرَادِ دُونَ صَاحِبِهِ ، وَيُتَصَوَّرُ ذَلِكَ بِأَنْ يَمْلِكَ رَجُلَانِ نِصَابَيْنِ فَيَخْلِطَاهُمَا ، ثُمَّ يَبِيعَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ أَجْنَبِيًّا ، أَوْ يَكُونُ لِأَحَدِهِمَا نِصَابٌ مُنْفَرِدٌ ، فَيَشْتَرِي آخَرُ نِصَابًا ، وَيَخْلِطُهُ بِهِ فِي الْحَالِ ، إذَا قُلْنَا : الْيَسِيرُ مَعْفُوٌّ عَنْهُ .\rفَإِنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ عَقِيبَ مِلْكِهَا مُنْفَرِدَةً فِي جُزْءٍ ، وَإِنْ قَلَّ ، أَوْ يَكُونَ لَأَحَدِهِمَا نِصَابٌ وَلِلْآخَرِ دُونَ النِّصَابِ ، فَاخْتَلَطَا فِي أَثْنَاءِ الْحَوْلِ ، فَإِذَا تَمَّ حَوْلُ الْأَوَّلِ فَعَلَيْهِ شَاةٌ ، فَإِذَا تَمَّ حَوْلُ الثَّانِي فَعَلَيْهِ زَكَاةُ الْخُلْطَةِ ، عَلَى التَّفْصِيلِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ .\rوَيُزَكِّيَانِ فِيمَا بَعْدَ ذَلِكَ زَكَاةَ الْخُلْطَةِ ، كُلَّمَا تَمَّ حَوْلُ أَحَدِهِمَا فَعَلَيْهِ مِنْ زَكَاةِ الْجَمِيعِ بِقَدْرِ مَالِهِ مِنْهُ ، فَإِذَا كَانَ الْمَالَانِ جَمِيعًا ثَمَانِينَ شَاةً ، فَأَخْرَجَ الْأَوَّلُ مِنْهَا شَاةً ، زَكَاةَ الْأَرْبَعِينَ الَّتِي يَمْلِكُهَا ، فَعَلَى الثَّانِي أَرْبَعُونَ جُزْءًا ، مِنْ تِسْعَةٍ وَسَبْعِينَ جُزْءًا .\rفَإِنْ أَخْرَجَ الشَّاةَ كُلَّهَا مِنْ مِلْكِهِ ، وَحَالَ الْحَوْلُ الثَّانِي ، فَعَلَى الْأَوَّلِ نِصْفُ شَاةٍ ، زَكَاةَ خُلْطَةِ .\rفَإِنْ أَخْرَجَهُ وَحْدَهُ ، فَعَلَى الثَّانِي تِسْعَةٌ وَثَلَاثُونَ جُزْءًا ، مِنْ سَبْعَةٍ وَسَبْعِينَ جُزْءًا وَنِصْفُ جُزْءٍ مِنْ شَاةٍ ، وَإِنْ تَوَالَدَتْ شَيْئًا حُسِبَ مَعَهَا .","part":5,"page":150},{"id":2150,"text":"( 1728 ) فَصْلٌ : وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا ثَمَانُونَ شَاةً مُخْتَلِطَةً ، مَضَى عَلَيْهَا بَعْضُ الْحَوْلِ ، فَتَبَايَعَاهَا ، بَاعَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا غَنَمَهُ صَاحِبَهُ مُخْتَلِطَةً ، وَبَعَثَاهَا عَلَى الْخُلْطَةِ ، لَمْ يُقْطَعْ حَوْلُهُمَا ، وَلَمْ تَزُلْ خُلْطَتُهُمَا .\rوَكَذَلِكَ لَوْ بَاعَ بَعْضَ غَنَمِهِ مِنْ غَيْرِ إفْرَادٍ ، قَلَّ الْمَبِيعُ أَوْ كَثُرَ .\rفَأَمَّا إنْ أَفْرَدَاهَا ثُمَّ تَبَايَعَاهَا ثُمَّ خَلَطَاهَا ، وَتَطَاوَلَ زَمَنُ الْإِفْرَادِ ، بَطَلَ حُكْمُ الْخُلْطَةِ .\rوَإِنْ خَلَطَاهَا عَقِيبَ الْبَيْعِ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا ، لَا يَنْقَطِعُ ؛ لِأَنَّ هَذَا زَمَنٌ يَسِيرٌ يُعْفَى وَالثَّانِي ، يَنْقَطِعُ ؛ لِأَنَّ الِانْفِرَادَ قَدْ وُجِدَ فِي بَعْضِ الْحَوْلِ ، فَيُزَكِّيَانِ زَكَاةَ الْمُنْفَرِدَيْنِ .\rوَإِنْ أَفْرَدَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفَ نِصَابٍ وَتَبَايَعَاهُ ، لَمْ يَنْقَطِعْ حُكْمُ الْخُلْطَةِ ؛ لِأَنَّ مِلْكَ الْإِنْسَانِ يُضَمُّ بَعْضُهُ إلَى بَعْضٍ ، فَكَأَنَّ الثَّمَانِينَ مُخْتَلِطَةٌ بِحَالِهَا .\rوَكَذَلِكَ إنْ تَبَايَعَا أَقَلِّ مِنْ النِّصْفِ .\rوَإِنْ تَبَايَعَا أَكْثَرَ مِنْ النِّصْفِ مُنْفَرِدًا ، بَطَلَ حُكْمُ الْخُلْطَةِ ؛ لِأَنَّ مِنْ شَرْطِهَا كَوْنَهَا فِي نِصَابٍ ، فَمَتَى بَقِيَتْ فِيمَا دُونَ النِّصَابِ صَارَا مُنْفَرِدَيْنِ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : تَبْطُلُ الْخُلْطَةُ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ فِي الْمَبِيعِ ، وَيَصِيرُ مُنْفَرِدًا .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ عِنْدَهُ أَنَّ الْمَبِيعَ بِجِنْسِهِ يَنْقَطِعُ حُكْمُ الْحَوْلِ فِيهِ .\rفَتَنْقَطِعُ الْخُلْطَةُ ضَرُورَةَ انْقِطَاعِ الْحَوْلِ .\rوَسَنُبَيِّنُ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ ، أَنَّ حُكْمَ الْحَوْلِ لَا يَنْقَطِعُ فِي وُجُوبِ الزَّكَاةِ ، فَلَا تَنْقَطِعُ الْخُلْطَةُ ؛ لِأَنَّ الزَّكَاةَ إنَّمَا تَجِبُ فِي الْمُشْتَرَى بِبِنَائِهِ عَلَى حَوْلِ الْمَبِيعِ ، فَيَجِبُ أَنْ يُبْنَى عَلَيْهِ فِي الصِّفَةِ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا .\rفَأَمَّا إنْ كَانَ مَالُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُنْفَرِدًا ، فَخَلَطَاهُ ، ثُمَّ تَبَايَعَاهُ ، فَعَلَيْهِمَا فِي الْحَوْلِ زَكَاةُ الِانْفِرَادِ ؛ لِأَنَّ الزَّكَاةَ تَجِبُ فِيهِ بِبِنَائِهِ عَلَى","part":5,"page":151},{"id":2151,"text":"حَوْلِ الْأَوَّلِ ، وَهُوَ مُنْفَرِدٌ فِيهِ .\rوَلَوْ كَانَ لِرَجِلٍ نِصَابٌ مُنْفَرِدٌ ، فَبَاعَهُ بِنِصَابٍ مُخْتَلِطٍ ، زَكَّى كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا زَكَاةَ الِانْفِرَادِ ؛ لِأَنَّ الزَّكَاةَ فِي الثَّانِي تَجِبُ بِبِنَائِهِ عَلَى الْأَوَّلِ ، فَهُمَا كَالْمَالِ الْوَاحِدِ الَّذِي حَصَلَ الِانْفِرَادُ فِي أَحَدِ طَرَفَيْهِ فَإِنْ كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَرْبَعُونَ مُخْتَلِطَةٌ مَعَ مَالٍ آخَرَ ، فَتَبَايَعَاهَا ، وَبَعَثَاهَا مُخْتَلِطَةً ، لَمْ يَبْطُلْ حُكْمُ الْخُلْطَةِ .\rوَإِنْ اشْتَرَى أَحَدُهُمَا بِالْأَرْبَعِينَ الْمُخْتَلِطَةِ أَرْبَعِينَ مُنْفَرِدَةً ، وَخَلَطَهَا فِي الْحَالِ ، احْتَمَلَ أَنْ يُزَكِّيَ زَكَاةَ الْخُلْطَةِ ؛ لِأَنَّهُ يَبْنِي حَوْلَهَا عَلَى حَوْلِ مُخْتَلِطَةٍ ، وَزَمَنُ الِانْفِرَادِ يَسِيرٌ ، فَعُفِيَ عَنْهُ ، وَاحْتَمَلَ أَنْ يُزَكِّيَ زَكَاةَ الْمُنْفَرِدِ ، لِوُجُودِ الِانْفِرَادِ فِي بَعْضِ الْحَوْلِ .","part":5,"page":152},{"id":2152,"text":"( 1729 ) فَصْلٌ : وَإِذَا كَانَ لِرَجِلٍ أَرْبَعُونَ شَاةً ، وَمَضَى عَلَيْهَا بَعْضُ الْحَوْلِ ، فَبَاعَ بَعْضَهَا مَشَاعًا فِي بَعْضِ الْحَوْلِ .\rفَقَالَ أَبُو بَكْرٍ يَنْقَطِعُ الْحَوْلُ ، وَيَسْتَأْنِفَانِ حَوْلًا مِنْ حِينِ الْبَيْعِ ؛ لِأَنَّ النِّصْفَ الْمُشْتَرَى قَدْ انْقَطَعَ الْحَوْلُ فِيهِ ، فَكَأَنَّهُ لَمْ يَجُزْ فِي حَوْلِ الزَّكَاةِ أَصْلًا ، فَلَزِمَ انْقِطَاعُ الْحَوْلِ فِي الْآخَرِ .\rوَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ لَا يَنْقَطِعُ الْحَوْلُ فِيمَا بَقِيَ لِلْبَائِعِ ؛ لِأَنَّ حُدُوثَ الْخُلْطَةِ لَا يَمْنَعُ ابْتِدَاءَ الْحَوْلِ ، فَلَا يَمْنَعُ اسْتَدَامَتْهُ ، وَلِأَنَّهُ لَوْ خَالَطَ غَيْرَهُ فِي جَمِيعِ الْحَوْلِ ، وَجَبَتْ الزَّكَاةُ ، فَإِذَا خَالَطَ فِي بَعْضِهِ نَفْسَهُ ، وَفِي بَعْضِهِ غَيْرَهُ ، كَانَ أَوْلَى بِالْإِيجَابِ ، وَإِنَّمَا بَطَلَ حَوْلُ الْمَبِيعَةِ لِانْتِقَالِ الْمِلْكِ فِيهَا ، وَإِلَّا فَهَذِهِ الْعِشْرُونَ لَمْ تَزَلْ مُخَالِطَةً لِمَالٍ جَارٍ فِي الزَّكَاةِ ، وَهَكَذَا الْحُكْمُ فِيمَا إذَا عَلَّمَ عَلَى بَعْضِهَا وَبَاعَهُ مُخْتَلِطًا .\rفَأَمَّا إنْ أَفْرَدَ بَعْضَهَا وَبَاعَهُ ، فَخَلَطَهُ الْمُشْتَرِي فِي الْحَالِ بِغَنَمِ الْأَوَّلِ ، فَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ يَنْقَطِعُ الْحَوْلُ ؛ لِثُبُوتِ حُكْمِ الِانْفِرَادِ فِي الْبَعْضِ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ كَمَا لَوْ بَاعَهَا مُخْتَلِطَةً ؛ لِأَنَّ هَذَا زَمَنٌ يَسِيرٌ .\rوَهَكَذَا الْحُكْمُ فِيمَا إذَا كَانَتْ الْأَرْبَعُونَ لِرَجُلَيْنِ ، فَبَاعَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ أَجْنَبِيًّا ، فَعَلَى هَذَا إذَا تَمَّ حَوْلُ الْأَوَّلِ فَعَلَيْهِ نِصْفُ شَاةٍ ، ثُمَّ إذَا تَمَّ حَوْلُ الثَّانِي نَظَرْنَا فِي الْبَائِعِ ، فَإِنْ كَانَ أَخْرَجَ الزَّكَاةَ مِنْ غَيْرِ الْمَالِ فَلَا شَيْءَ عَلَى الْمُشْتَرِي ؛ لِأَنَّ النِّصَابَ نَقَصَ فِي بَعْضِ الْحَوْلِ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْفَقِيرُ مُخَالِطًا لَهُمَا بِالنِّصْفِ الَّذِي صَارَ لَهُ ، فَلَا يَنْقُصُ النِّصَابُ إذًا ، وَيُخْرِجُ الثَّانِي نِصْفَ شَاةٍ .\rوَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ أَخْرَجَ الزَّكَاةَ مِنْ غَيْرِ الْمَالِ ، وَقُلْنَا : الزَّكَاةُ تَتَعَلَّقُ بِالذِّمَّةِ .\rوَجَبَ عَلَى الْمُشْتَرِي نِصْفُ شَاةٍ .\rوَإِنْ قُلْنَا","part":5,"page":153},{"id":2153,"text":"تَتَعَلَّقُ بِالْعَيْنِ .\rفَقَالَ الْقَاضِي : يَجِبُ نِصْفُ شَاةٍ أَيْضًا ؛ لِأَنَّ تَعَلُّقَ الزَّكَاةِ بِالْعَيْنِ ، لَا بِمَعْنَى أَنَّ الْفُقَرَاءَ مَلَكُوا جُزْءًا مِنْ النِّصَابِ ، بَلْ بِمَعْنَى أَنَّهُ تَعَلَّقَ حَقُّهُمْ بِهِ ، كَتَعَلُّقِ أَرْشِ الْجِنَايَةِ بِالْجَانِي ، فَلَمْ يَمْنَعْ وُجُوبَ الزَّكَاةِ .\rوَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ لَا شَيْءَ عَلَى الْمُشْتَرِي ؛ لِأَنَّ تَعَلُّقَ الزَّكَاةِ بِالْعَيْنِ نَقَصَ النِّصَابَ .\rوَهَذَا الصَّحِيحُ ؛ فَإِنَّ فَائِدَةَ قَوْلِنَا : الزَّكَاةُ تَتَعَلَّقُ بِالْعَيْنِ إنَّمَا تَظْهَرُ فِي مَنْعِ الزَّكَاةِ ، وَقَدْ ذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ .\rوَعَلَى قِيَاسِ هَذَا ، لَوْ كَانَ لِرَجُلَيْنِ نِصَابٌ خُلْطَةٌ ، فَبَاعَ أَحَدُهُمَا خَلِيطَهُ فِي بَعْضِ الْحَوْلِ ، فَهِيَ عَكْسُ الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى فِي الصُّورَةِ ، وَمِثْلُهَا فِي الْمَعْنَى ؛ لِأَنَّهُ كَانَ فِي الْأَوَّلِ خَلِيطَ نَفْسِهِ ، ثُمَّ صَارَ خَلِيطَ أَجْنَبِيٍّ ، وَهَا هُنَا كَانَ خَلِيطَ أَجْنَبِيٍّ ، ثُمَّ صَارَ خَلِيطَ نَفْسِهِ .\rوَمِثْلُهُ لَوْ كَانَ رَجُلَانِ مُتَوَارِثَانِ ، لَهُمَا نِصَابُ خُلْطَةٍ ، فَمَاتَ أَحَدُهُمَا فِي بَعْضِ الْحَوْلِ ، فَوَرِثَهُ صَاحِبُهُ ، عَلَى قِيَاسِ قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ حَتَّى يَتِمَّ الْحَوْلُ عَلَى الْمَالَيْنِ ، مِنْ حِينِ مِلْكِهِ لَهُمَا ، إلَّا أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا بِمُفْرَدِهِ يَبْلُغُ نِصَابًا .\rوَعَلَى قِيَاسِ قَوْلِ ابْنِ حَامِدٍ تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي النِّصْفِ الَّذِي كَانَ لَهُ خَاصَّةً .","part":5,"page":154},{"id":2154,"text":"( 1730 ) فَصْلٌ : إذَا اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا يَرْعَى لَهُ بِشَاةٍ مُعَيَّنَةٍ مِنْ النِّصَابِ ، فَحَالَ الْحَوْلُ ، وَلَمْ يُفْرِدْهَا ، فَهُمَا خَلِيطَانِ تَجِبُ عَلَيْهِمَا زَكَاةُ الْخُلْطَةِ .\rوَإِنْ أَفْرَدَهَا قَبْلَ الْحَوْلِ ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِمَا ، لِنُقْصَانِ النِّصَابِ .\rوَإِنْ اسْتَأْجَرَهُ بِشَاةٍ مَوْصُوفَةٍ فِي الذِّمَّةِ ، صَحَّ أَيْضًا ، فَإِذَا حَالَ الْحَوْلُ ، وَلَيْسَ لَهُ مَا يَقْتَضِيه غَيْرُ النِّصَابِ ، انْبَنَى عَلَى الدَّيْنِ ، هَلْ يَمْنَعُ الزَّكَاةَ فِي الْأَمْوَالِ الظَّاهِرَةِ ؟ وَسَنَذْكُرُهُ فِيمَا بَعْدُ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .","part":5,"page":155},{"id":2155,"text":"( 1731 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَتَرَاجَعُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ بِالْحِصَصِ ) قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْخُلَطَاءَ تُؤْخَذُ الصَّدَقَةُ مِنْ أَمْوَالِهِمْ ، كَمَا تُؤْخَذُ مِنْ مَالِ الْوَاحِدِ .\rوَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ أَنَّ السَّاعِيَ يَأْخُذُ الْفَرْضَ مِنْ مَالِ أَيِّ الْخَلِيطَيْنِ شَاءَ ، سَوَاءٌ دَعَتْ الْحَاجَةُ إلَى ذَلِكَ ، بِأَنْ تَكُونَ الْفَرِيضَةُ عَيْنًا وَاحِدَةً لَا يُمْكِنُ أَخْذُهَا مِنْ الْمَالَيْنِ جَمِيعًا ، أَوْ لَا يَجِدَ فَرْضَهُمَا جَمِيعًا إلَّا فِي أَحَدِ الْمَالَيْنِ ، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ مَالُ أَحَدِهِمَا صِحَاحًا كِبَارًا ، وَمَالُ خَلِيطِهِ صِغَارًا أَوْ مِرَاضًا ، فَإِنَّهُ تَجِبُ صَحِيحَةٌ كَبِيرَةٌ ، أَوْ لَمْ تَدْعُ الْحَاجَةُ إلَى ذَلِكَ ، بِأَنْ يَجِدَ فَرْضَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمَالَيْنِ فِيهِ .\rقَالَ أَحْمَدُ إنَّمَا يَجِيءُ الْمُصَدِّقُ فَيَجِدُ الْمَاشِيَةَ ، فَيُصَدِّقُهَا ، لَيْسَ يَجِيءُ فَيَقُولُ : أَيُّ شَيْءٍ لَك ؟ وَإِنَّمَا يُصَدِّقُ مَا يَجِدُهُ ، وَالْخَلِيطُ قَدْ يَنْفَعُ وَقَدْ يَضُرُّ .\rقَالَ الْهَيْثَمُ بْنُ خَارِجَةَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ أَنَا رَأَيْت مِسْكِينًا كَانَ لَهُ فِي غَنَمٍ شَاتَانِ ، فَجَاءَ الْمُصَدِّقُ فَأَخَذَ إحْدَاهُمَا .\rوَالْوَجْهُ فِي ذَلِكَ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { مَا كَانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ ، فَإِنَّهُمَا يَتَرَاجَعَانِ بِالسَّوِيَّةِ .\r} وَقَوْلُهُ { : لَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ ، وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ ، خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ .\r} وَهُمَا خَشْيَتَانِ : خَشْيَةُ رَبِّ الْمَالِ مِنْ زِيَادَةِ الصَّدَقَةِ ، وَخَشْيَةُ السَّاعِي مِنْ نُقْصَانِهَا .\rفَلَيْسَ لِأَرْبَابِ الْأَمْوَالِ أَنْ يَجْمَعُوا أَمْوَالَهُمْ الْمُتَفَرِّقَةَ ، الَّتِي كَانَ الْوَاجِبُ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا شَاةً ، لِيَقِلَّ الْوَاجِبُ فِيهَا ، وَلَا أَنْ يُفَرِّقُوا أَمْوَالَهُمْ الْمُجْتَمِعَةَ ، الَّتِي كَانَ فِيهَا بِاجْتِمَاعِهَا فَرْضٌ ، لِيَسْقُطَ عَنْهَا بِتَفْرِقَتِهَا ، وَلَيْسَ لِلسَّاعِي أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ الْخُلَطَاءِ ، لِتَكْثُرَ الزَّكَاةُ ، وَلَا أَنْ يَجْمَعَهَا إذَا كَانَتْ مُتَفَرِّقَةً لِتَجِبَ الزَّكَاةُ ، وَلِأَنَّ الْمَالَيْنِ قَدْ صَارَا","part":5,"page":156},{"id":2156,"text":"كَالْمَالِ الْوَاحِدِ فِي وُجُوبِ الزَّكَاةِ ، فَكَذَلِكَ فِي إخْرَاجِهَا .\rوَمَتَى أَخَذَ السَّاعِي الْفَرْضَ مِنْ مَالِ أَحَدِهِمَا ، رَجَعَ عَلَى خَلِيطِهِ بِقَدْرِ قِيمَةِ حِصَّتِهِ مِنْ الْفَرْضِ ، فَإِذَا كَانَ لَأَحَدِهِمَا ثُلُثُ الْمَالِ ، وَلِلْآخَرِ ثُلُثَاهُ ، فَأَخَذَ الْفَرْضَ مِنْ مَالِ صَاحِبِ الثُّلُثِ ، رَجَعَ بِثُلُثَيْ قِيمَةِ الْمُخْرَجِ عَلَى صَاحِبِهِ .\rوَإِنْ أَخَذَهُ مِنْ الْآخَرِ ، رَجَعَ عَلَى صَاحِبِ الثُّلُثِ بِثُلُثِ قِيمَةِ الْمُخْرَجِ ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَرْجُوعِ عَلَيْهِ مَعَ يَمِينِهِ إذَا اخْتَلَفَا ، وَعَدِمَتْ الْبَيِّنَةُ ؛ لِأَنَّهُ غَارِمٌ ، فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ ، كَالْغَاصِبِ إذَا اخْتَلَفَا فِي قِيمَةِ الْمَغْصُوبِ بَعْدَ تَلَفِهِ .","part":5,"page":157},{"id":2157,"text":"( 1732 ) فَصْلٌ : إذَا أَخَذَ السَّاعِي أَكْثَرَ مِنْ الْفَرْضِ بِغَيْرِ تَأْوِيلٍ ، مِثْلُ أَنْ يَأْخُذَ شَاتَيْنِ مَكَانَ شَاةٍ ، أَوْ يَأْخُذَ جَذَعَةً مَكَانَ حِقَّةٍ ، لَمْ يَكُنْ لِلْمَأْخُوذِ مِنْهُ الرُّجُوعُ إلَّا بِقَدْرِ الْوَاجِبِ .\rوَإِنْ كَانَ بِتَأْوِيلٍ سَائِغٍ ، مِثْلُ أَنْ يَأْخُذَ الصَّحِيحَةَ عَنْ الْمِرَاضِ ، وَالْكَبِيرَةَ عَنْ الصِّغَارِ ، فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِالْحِصَّةِ مِنْهَا ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ إلَى اجْتِهَادِ الْإِمَامِ ، فَإِذَا أَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ إلَى أَخْذِهِ ، وَجَبَ عَلَيْهِ دَفْعُهُ إلَيْهِ ، وَصَارَ بِمَنْزِلَةِ الْفَرْضِ الْوَاجِبِ .\rوَكَذَلِكَ إذَا أَخَذَ الْقِيمَةَ ، رَجَعَ بِمَا يَخُصُّ شَرِيكَهُ مِنْهَا ؛ لِأَنَّهُ بِتَأْوِيلٍ .","part":5,"page":158},{"id":2158,"text":"( 1733 ) فَصْلٌ : إذَا مَلَكَ رَجُلٌ أَرْبَعِينَ شَاةً فِي الْمُحَرَّمِ ، وَأَرْبَعِينَ فِي صَفَرٍ ، وَأَرْبَعِينَ فِي رَبِيعٍ ، فَعَلَيْهِ فِي الْأَوَّلِ عِنْدَ تَمَامِ حَوْلِهِ شَاةٌ ، فَإِذَا تَمَّ حَوْلُ الثَّانِي ، فَعَلَى وَجْهَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، لَا زَكَاةَ فِيهِ ؛ لِأَنَّ الْجَمِيعَ مِلْكُ وَاحِدٍ ، فَلَمْ يَزِدْ فَرْضُهُ عَلَى شَاةٍ وَاحِدَةٍ ، كَمَا لَوْ اتَّفَقَتْ أَحْوَالُهُ .\rوَالثَّانِي ، فِيهِ الزَّكَاةُ ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ اسْتَقَلَّ بِشَاةٍ ، فَيَجِبُ الزَّكَاةُ فِي الثَّانِي ، وَهِيَ نِصْفُ شَاةٍ ؛ لِاخْتِلَاطِهَا بِالْأَرْبَعِينَ الْأُولَى مِنْ حِينِ مَلَكَهَا .\rوَإِذَا تَمَّ حَوْلُ الثَّالِثِ فَعَلَى وَجْهَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا لَا زَكَاةَ فِيهِ .\rوَالثَّانِي ، فِيهِ الزَّكَاةُ ، وَهُوَ ثُلُثُ شَاةٍ ؛ لِأَنَّهُ مَلَكَهُ مُخْتَلِطًا بِالثَّمَانِينَ الْمُتَقَدِّمَةِ .\rوَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ فِيهِ وَجْهًا ثَالِثًا ، وَهُوَ أَنَّهُ يَجِبُ فِي الثَّانِي شَاةٌ كَامِلَةٌ ، وَفِي الثَّالِثِ شَاةٌ كَامِلَةٌ لِأَنَّهُ نِصَابٌ كَامِلٌ وَجَبَتْ الزَّكَاةُ فِيهِ بِنَفْسِهِ ، فَوَجَبَتْ فِيهِ شَاةٌ كَامِلَةٌ ، كَمَا لَوْ انْفَرَدَ .\rوَهَذَا ضَعِيفٌ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمَالِكُ لِلثَّانِي وَالثَّالِثِ أَجْنَبِيَّيْنِ ، مَلَكَاهُمَا مُخْتَلِطَيْنِ ، لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِمَا إلَّا زَكَاةُ خُلْطَةٍ ، فَإِذَا كَانَ لِمَالِكِ الْأَوَّلِ كَانَ أَوْلَى ، فَإِنْ ضَمَّ بَعْضَ مَالِهِ إلَى بَعْضٍ أَوْلَى مِنْ ضَمِّ مِلْكِ الْخَلِيطِ إلَى خَلِيطِهِ .\rوَإِنْ مَلَكَ فِي الشَّهْرِ الثَّانِي مَا يُغَيِّرُ الْفَرْضَ ، مِثْلُ أَنْ مَلَكَ مِائَةَ شَاةٍ ، فَعَلَيْهِ فِيهِ عِنْدَ تَمَامِ حَوْلِهِ شَاةٌ ثَانِيَةٌ ، عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ .\rوَكَذَلِكَ الثَّالِثُ ؛ لِأَنَّنَا نَجْعَلُ مِلْكَهُ فِي الْإِيجَابِ ، كَمِلْكِهِ لِلْكُلِّ فِي حَالٍ وَاحِدَةٍ ، فَيَصِيرُ كَأَنَّهُ مَلَكَ مِائَتَيْنِ وَأَرْبَعِينَ ، فَيَجِبُ عَلَيْهِ ثَلَاثُ شِيَاهٍ ، عِنْدَ تَمَامِ حَوْلِ كُلِّ مَالٍ شَاةٌ .\rوَعَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي ، يَجِبُ عَلَيْهِ فِي الشَّهْرِ الثَّانِي حِصَّتُهُ مِنْ فَرْضِ الْمَالَيْنِ مَعًا ، وَهُوَ شَاةٌ وَثَلَاثَةُ أَسْبَاعِ شَاةٍ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ مَلَكَ الْمَالَيْنِ","part":5,"page":159},{"id":2159,"text":"دُفْعَةً وَاحِدَةً ، كَانَ عَلَيْهِ فِيهِمَا شَاتَانِ ، حِصَّةُ الْمِائَةِ مِنْهَا خَمْسَةُ أَسْبَاعِهِمَا ، وَهُوَ شَاةٌ وَثَلَاثَةُ أَسْبَاعِ شَاةٍ ، وَعَلَيْهِ فِي الثَّالِثِ شَاةٌ وَرُبْعٌ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ مَلَكَ الْجَمِيعَ دُفْعَةً وَاحِدَةً ، وَهُوَ مِائَتَانِ وَأَرْبَعُونَ شَاةً ، لَكَانَ عَلَيْهِ ثَلَاثُ شِيَاهٍ ، حِصَّةُ الثَّالِثِ مِنْهُنَّ رُبْعُهُنَّ وَسُدْسُهُنَّ ، وَهُوَ شَاةٌ وَرُبْعٌ .\rوَلَوْ كَانَ الْمَالِكُ لِلْأَمْوَالِ الثَّلَاثَةِ ثَلَاثَةَ أَشْخَاصٍ ، وَمَلَكَ الثَّانِي سَائِمَتَهُ مُخْتَلِطَةً بِسَائِمَةِ الْأَوَّلِ ، ثُمَّ مَلَكَ الثَّالِثُ سَائِمَتَهُ مُخْتَلِطَةً بِغَنَمِهِمَا ، لَكَانَ الْوَاجِبُ عَلَى الثَّانِي وَالثَّالِثِ كَالْوَاجِبِ عَلَى الْمَالِكِ فِي الْوَجْهِ الثَّانِي ، لَا غَيْرُ .","part":5,"page":160},{"id":2160,"text":"( 1734 ) فَصْلٌ : فَإِنْ مَلَكَ عِشْرِينَ مِنْ الْإِبِلِ فِي الْمُحَرَّمِ ، وَخَمْسًا فِي صَفَرٍ ، فَعَلَيْهِ فِي الْعِشْرِينَ عِنْدَ تَمَامِ حَوْلِهَا ، أَرْبَعُ شِيَاهٍ ، وَفِي الْخَمْسِ عِنْدَ تَمَامِ حَوْلِهَا خُمْسُ بِنْتِ مَخَاضٍ .\rعَلَى الْوَجْهَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ .\rوَعَلَى الْوَجْهِ الثَّالِثِ ، عَلَيْهِ شَاةٌ .\rوَإِنْ مَلَكَ فِي الْمُحَرَّمِ خَمْسًا وَعِشْرِينَ ، وَفِي صَفَرٍ خَمْسًا ، فَعَلَيْهِ فِي الْأَوَّلِ عِنْدَ تَمَامِ حَوْلِهِ بِنْتُ مَخَاضٍ ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي الْخَمْسِ فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ .\rوَعَلَى الثَّانِي : عَلَيْهِ سُدْسُ بِنْتِ مَخَاضٍ .\rوَعَلَى الثَّالِثِ عَلَيْهِ فِيهَا شَاةٌ .\rفَإِنْ مَلَكَ مَعَ ذَلِكَ فِي رَبِيعٍ شَيْئًا ، فَفِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ ، عَلَيْهِ فِي الْأَوَّلِ عِنْدَ تَمَامِ حَوْلِهِ بِنْتُ مَخَاضٍ ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي الْخَمْسِ حَتَّى يَتِمَّ حَوْلُ السِّتِّ ، فَيَجِبُ فِيهِمَا رُبْعُ بِنْتِ لَبُونٍ وَنِصْفُ تُسْعِهَا .\rوَفِي الْوَجْهِ الثَّانِي ، عَلَيْهِ فِي الْخَمْسِ سُدْسُ بِنْتِ مَخَاضٍ إذَا تَمَّ حَوْلُهَا ، وَفِي السِّتِّ سُدْسُ بِنْتِ لَبُونٍ عِنْدَ تَمَامِ حَوْلِهَا .\rوَفِي الْوَجْهِ الثَّالِثِ ، عَلَيْهِ فِي الْخَمْسِ الثَّانِيَةِ شَاةٌ عِنْدَ تَمَامِ حَوْلِهَا ، وَفِي السِّتِّ شَاةٌ عِنْدَ تَمَامِ حَوْلِهَا .","part":5,"page":161},{"id":2161,"text":"( 1735 ) فَصْلٌ : فَإِنْ كَانَتْ سَائِمَةُ الرَّجُلِ فِي بُلْدَانٍ شَتَّى ، وَبَيْنَهُمَا مَسَافَةٌ لَا تُقْصَرُ فِيهَا الصَّلَاةُ ، أَوْ كَانَتْ مُجْتَمِعَةً ، ضُمَّ بَعْضُهَا إلَى بَعْضٍ ، وَكَانَتْ زَكَاتُهَا كَزَكَاةِ الْمُخْتَلِطَةِ ، بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ .\rوَإِنْ كَانَ بَيْنَ الْبُلْدَانِ مَسَافَةُ الْقَصْرِ ، فَعَنْ أَحْمَدَ فِيهِ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، أَنَّ لِكُلِّ مَالٍ حُكْمَ نَفْسِهِ ، يُعْتَبَرُ عَلَى حِدَتِهِ ، إنْ كَانَ نِصَابًا فَفِيهِ الزَّكَاةُ ، وَإِلَّا فَلَا ، وَلَا يُضَمُّ إلَى الْمَالِ الَّذِي فِي الْبَلَدِ الْآخَرِ .\rنَصَّ عَلَيْهِ .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ لَا أَعْلَمُ هَذَا الْقَوْلَ عَنْ غَيْرِ أَحْمَدَ وَاحْتَجَّ بِظَاهِرِ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ { : لَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ ، وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ ، خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ .\r} وَهَذَا مُفَرَّقٌ فَلَا يُجْمَعُ ، وَلِأَنَّهُ لَمَّا أَثَّرَ اجْتِمَاعُ مَالَيْنِ لِرَجُلَيْنِ ، فِي كَوْنِهِمَا كَالْمَالِ الْوَاحِدِ ، يَجِبُ أَنْ يُؤَثِّرَ افْتِرَاقُ مَالِ الرَّجُلِ الْوَاحِدِ ، حَتَّى يَجْعَلَهُ كَالْمَالَيْنِ .\rوَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ ، قَالَ فِي مَنْ لَهُ مِائَةُ شَاةٍ فِي بُلْدَانٍ مُتَفَرِّقَةٍ : لَا يَأْخُذُ الْمُصَدِّقُ مِنْهَا شَيْئًا ؛ لِأَنَّهُ لَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ ، وَصَاحِبُهَا إذَا ضَبَطَ ذَلِكَ وَعَرَفَهُ أَخْرَجَ هُوَ بِنَفْسِهِ ، يَضَعُهَا فِي الْفُقَرَاءِ .\rرُوِيَ هَذَا عَنْ الْمَيْمُونِيِّ وَحَنْبَلٍ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ زَكَاتَهَا تَجِبُ مَعَ اخْتِلَافِ الْبُلْدَانِ ، إلَّا أَنَّ السَّاعِيَ لَا يَأْخُذُهَا ؛ لِكَوْنِهِ لَا يَجِدُ نِصَابًا كَامِلًا مُجْتَمِعًا ، وَلَا يَعْلَمُ حَقِيقَةَ الْحَالِ فِيهَا ، فَأَمَّا الْمَالِكُ الْعَالِمُ بِمِلْكِهِ نِصَابًا كَامِلًا ، فَعَلَيْهِ أَدَاءُ الزَّكَاةِ وَهَذَا اخْتِيَارُ أَبِي الْخَطَّابِ وَمَذْهَبُ سَائِرِ الْفُقَهَاءِ .\rقَالَ مَالِكٌ أَحْسَنُ مَا سَمِعْت فِي مَنْ كَانَ لَهُ غَنَمٌ عَلَى رَاعِيَيْنِ مُتَفَرِّقَيْنِ بِبُلْدَانٍ شَتَّى ، أَنَّ ذَلِكَ يُجْمَعُ عَلَى صَاحِبِهِ ، فَيُؤَدِّي صَدَقَتَهُ .\rوَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ؛ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ","part":5,"page":162},{"id":2162,"text":"السَّلَامُ : \" فِي أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةٌ \" .\rوَلِأَنَّهُ مِلْكٌ وَاحِدٌ أَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَ فِي بُلْدَانٍ مُتَقَارِبَةٍ ، أَوْ غَيْرَ السَّائِمَةِ .\rوَنَحْمِلُ كَلَامَ أَحْمَدَ ، فِي الرِّوَايَةِ الْأُولَى ، عَلَى أَنَّ الْمُصَدِّقَ لَا يَأْخُذُهَا ، وَأَمَّا رَبُّ الْمَالِ فَيُخْرِجُ .\rفَعَلَى هَذَا يُخْرِجُ الْفَرْضَ فِي أَحَدِ الْبَلَدَيْنِ شَاءَ ، لِأَنَّهُ مَوْضِعُ حَاجَةٍ .","part":5,"page":163},{"id":2163,"text":"( 1736 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَإِنْ اخْتَلَطُوا فِي غَيْرِ هَذَا ، أَخَذَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَلَى انْفِرَادِهِ ، إذَا كَانَ مَا يَخُصُّهُ تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ ) وَمَعْنَاهُ أَنَّهُمْ إذَا اخْتَلَطُوا فِي غَيْرِ السَّائِمَةِ ، كَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَعُرُوضِ التِّجَارَةِ وَالزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ ، لَمْ تُؤَثِّرْ خَلَطَتْهُمْ شَيْئًا ، وَكَانَ حُكْمُهُمْ حُكْمَ الْمُنْفَرِدِينَ .\rوَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى ، أَنَّ شَرِكَةَ الْأَعْيَانِ تُؤَثِّرُ فِي غَيْرِ الْمَاشِيَةِ ، فَإِذَا كَانَ بَيْنَهُمْ نِصَابٌ يَشْتَرِكُونَ فِيهِ ، فَعَلَيْهِمْ الزَّكَاةُ .\rوَهَذَا قَوْلُ إِسْحَاقَ وَالْأَوْزَاعِيِّ فِي الْحَبِّ وَالثَّمَرِ .\rوَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ .\rقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ : الْأَوْزَاعِيُّ يَقُولُ فِي الزَّرْعِ ، إذَا كَانُوا شُرَكَاءَ فَخَرَجَ لَهُمْ خَمْسَةُ أَوْسُقٍ ، يَقُولُ : فِيهِ الزَّكَاةُ .\rقَاسَهُ عَلَى الْغَنَمِ ، وَلَا يُعْجِبُنِي قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ وَأَمَّا خُلْطَةُ الْأَوْصَافِ ، فَلَا مَدْخَلَ لَهَا فِي غَيْرِ الْمَاشِيَةِ بِحَالٍ ، لِأَنَّ الِاخْتِلَاطَ لَا يَحْصُلُ .\rوَخَرَّجَ الْقَاضِي وَجْهًا آخَرَ ، أَنَّهَا تُؤَثِّرُ ؛ لِأَنَّ الْمَئُونَةَ تَخِفُّ إذَا كَانَ الْمُلَقِّحُ وَاحِدًا ، وَالصِّعَادُ ، وَالنَّاطُورُ ، وَالْجَرِينُ ، وَكَذَلِكَ أَمْوَالُ التِّجَارَةِ ؛ الدُّكَّانُ وَاحِدٌ ، وَالْمَخْزَنُ وَالْمِيزَانُ وَالْبَائِعُ ، فَأَشْبَهَ الْمَاشِيَةَ .\rوَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ عَلَى نَحْوٍ مِمَّا حَكَيْنَا فِي مَذْهَبِنَا .\rوَالصَّحِيحُ أَنَّ الْخُلْطَةَ لَا تُؤَثِّرُ فِي غَيْرِ الْمَاشِيَةِ ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { وَالْخَلِيطَانِ مَا اشْتَرَكَا فِي الْحَوْضِ وَالْفَحْلِ وَالرَّاعِي .\r} فَدَلَّ عَلَى أَنَّ مَا لَمْ يُوجَدْ فِيهِ ذَلِكَ لَا يَكُونُ خُلْطَةً مُؤَثِّرَةً ، وَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : لَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ ، خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ } .\rإنَّمَا يَكُونُ فِي الْمَاشِيَةِ ؛ لِأَنَّ الزَّكَاةَ تَقِلُّ بِجَمْعِهَا تَارَةً ، وَتَكْثُرُ أُخْرَى ، وَسَائِرُ الْأَمْوَالِ تَجِبُ فِيهَا فِيمَا زَادَ","part":5,"page":164},{"id":2164,"text":"عَلَى النِّصَابِ بِحِسَابِهِ ، فَلَا أَثَرَ لِجَمْعِهَا ، وَلِأَنَّ الْخُلْطَةَ فِي الْمَاشِيَةِ تُؤَثِّرُ فِي النَّفْعِ تَارَةً ، وَفِي الضَّرَرِ أُخْرَى ، وَلَوْ اعْتَبَرْنَاهَا فِي غَيْرِ الْمَاشِيَةِ أَثَّرَتْ ضَرَرًا مَحْضًا بِرَبِّ الْمَالِ ، فَلَا يَجُوزُ اعْتِبَارُهَا إذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنْ كَانَ لِجَمَاعَةٍ وَقْفٌ أَوْ حَائِطٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمْ ، فِيهِ ثَمَرَةٌ أَوْ زَرْعٌ ، فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِمْ ، إلَّا أَنْ يَحْصُلَ فِي يَدِ بَعْضِهِمْ نِصَابٌ كَامِلٌ ، فَيَجِبُ عَلَيْهِ ، وَقَدْ ذَكَرَ الْخِرَقِيِّ هَذَا فِي بَابِ الْوَقْفِ .\rوَعَلَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى ، إذَا كَانَ الْخَارِجُ نِصَابًا ، فَفِيهِ الزَّكَاةُ ، وَإِنْ كَانَ الْوَقْفُ نِصَابًا مِنْ السَّائِمَةِ ، فَيَحْتَمِلُ أَنَّ عَلَيْهِمْ الزَّكَاةَ ؛ لِاشْتِرَاكِهِمْ فِي مِلْكِ نِصَابٍ تُؤَثِّرُ الْخُلْطَةُ فِيهِ ، وَيَنْبَغِي أَنْ تُخْرَجَ الزَّكَاةُ مِنْ غَيْرِهِ ؛ لِأَنَّ الْوَقْفَ لَا يَجُوزُ نَقْلُ الْمِلْكِ فِيهِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا تَجِبَ الزَّكَاةُ فِيهِ ؛ لِنَقْصِ الْمِلْكِ فِيهِ ، وَكَمَالُهُ مُعْتَبَرٌ فِي إيجَابِ الزَّكَاةِ ، بِدَلِيلِ مَالِ الْمُكَاتَبِ .","part":5,"page":165},{"id":2165,"text":"( 1737 ) فَصْلٌ : وَلَا زَكَاةَ فِي غَيْرِ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ مِنْ الْمَاشِيَةِ ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي الْخَيْلِ الزَّكَاةُ ، إذَا كَانَتْ ذُكُورًا وَإِنَاثًا ، وَإِنْ كَانَتْ ذُكُورًا مُفْرَدَةً ، أَوْ إنَاثًا مُفْرَدَةً ، فَفِيهَا رِوَايَتَانِ ، وَزَكَاتُهَا دِينَارٌ عَنْ كُلِّ فَرَسٍ ، أَوْ رُبْعُ عُشْرِ قِيمَتِهَا ، وَالْخِيَرَةُ فِي ذَلِكَ إلَى صَاحِبِهَا ، أَيَّهُمَا شَاءَ أَخْرَجَ ؛ لِمَا رَوَى جَابِرٌ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { فِي الْخَيْلِ السَّائِمَةِ ، فِي كُلِّ فَرَسٍ دِينَارٌ .\r} وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَأْخُذُ مِنْ الرَّأْسِ عَشَرَةً ، وَمِنْ الْفَرَسِ عَشَرَةً ، وَمِنْ الْبِرْذَوْنِ خَمْسَةً .\rوَلِأَنَّهُ حَيَوَانٌ يُطْلَبُ نَمَاؤُهُ مِنْ جِهَةِ السَّوْمِ ، أَشْبَهَ النَّعَمَ .\rوَلَنَا ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { قَالَ : لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِ فِي فَرَسِهِ وَغُلَامِهِ صَدَقَةٌ .\r} مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَفِي لَفْظٍ { : لَيْسَ عَلَى الرَّجُلِ فِي فَرَسِهِ وَلَا فِي عَبْدِهِ صَدَقَةٌ .\r} وَعَنْ عَلِيٍّ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { : عَفَوْت لَكُمْ عَنْ صَدَقَةِ الْخَيْلِ وَالرَّقِيقِ .\r} رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ .\rوَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ .\rوَرَوَى أَبُو عُبَيْدٍ ، فِي \" الْغَرِيبِ \" ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : لَيْسَ فِي الْجَبْهَةِ ، وَلَا فِي النُّخَّةِ ، وَلَا فِي الْكُسْعَةِ صَدَقَةٌ .\r} وَفَسَّرَ الْجَبْهَةَ بِالْخَيْلِ ، وَالنُّخَّةَ بِالرَّقِيقِ ، وَالْكُسْعَةَ بِالْحَمِيرِ .\rوَقَالَ الْكِسَائِيُّ : النُّخَّةُ : بِضَمِّ النُّونِ : الْبَقَرُ الْعَوَامِلُ .\rوَلِأَنَّ مَا لَا زَكَاةَ فِي ذُكُورِهِ الْمُفْرَدَةِ ، وَإِنَاثِهِ الْمُفْرَدَةِ ، لَا زَكَاةَ فِيهِمَا إذَا اجْتَمَعَا ، كَالْحَمِيرِ .\rوَلِأَنَّ مَا لَا يُخْرَجُ زَكَاتُهُ مِنْ جِنْسِهِ مِنْ السَّائِمَةِ لَا تَجِبُ فِيهِ ، كَسَائِرِ الدَّوَابِّ ، وَلِأَنَّ الْخَيْلَ دَوَابُّ ، فَلَا تَجِبُ الزَّكَاةُ فِيهَا ، كَسَائِرِ الدَّوَابِّ ، وَلِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ ، فَلَمْ تَجِبْ زَكَاتُهَا ،","part":5,"page":166},{"id":2166,"text":"كَالْوُحُوشِ .\rوَحَدِيثُهُمْ يَرْوِيهِ غَوْرَكُ السَّعْدِيُّ ، وَهُوَ ضَعِيفٌ .\rوَأَمَّا عُمَرُ فَإِنَّمَا أَخَذَ مِنْهُمْ شَيْئًا تَبَرَّعُوا بِهِ ، وَسَأَلُوهُ أَخْذَهُ ، وَعَوَّضَهُمْ عَنْهُ بِرِزْقِ عَبِيدِهِمْ ، فَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ حَارِثَةَ ، قَالَ : جَاءَ نَاسٌ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ إلَى عُمَرَ فَقَالُوا : إنَّا قَدْ أَصَبْنَا مَالًا وَخَيْلًا وَرَقِيقًا ، نُحِبُّ أَنْ يَكُونَ لَنَا فِيهَا زَكَاةٌ وَطَهُورٌ .\rقَالَ : مَا فَعَلَهُ صَاحِبَايَ قَبْلِي ، فَأَفْعَلُهُ فَاسْتَشَارَ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِيهِمْ عَلِيٌّ فَقَالَ : هُوَ حَسَنٌ إنْ لَمْ يَكُنْ جِزْيَةً يُؤْخَذُونَ بِهَا مِنْ بَعْدِكَ .\rقَالَ أَحْمَدُ : فَكَانَ عُمَرُ يَأْخُذُ مِنْهُمْ ، ثُمَّ يَرْزُقُ عَبِيدَهُمْ ، .\rفَصَارَ حَدِيثُ عُمَرَ حُجَّةً عَلَيْهِمْ مِنْ وُجُوهٍ ؛ أَحَدُهَا ، قَوْلُهُ : مَا فَعَلَهُ صَاحِبَايَ .\rيَعْنِي النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبَا بَكْرٍ ، وَلَوْ كَانَ وَاجِبًا لَمَا تَرَكَا فِعْلَهُ .\rالثَّانِي ، أَنَّ عُمَرَ امْتَنَعَ مِنْ أَخْذِهَا ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَمْتَنِعَ مِنْ الْوَاجِبِ .\rالثَّالِثُ ، قَوْلُ عَلِيٍّ : هُوَ حَسَنٌ إنْ لَمْ يَكُنْ جِزْيَةٌ يُؤْخَذُونَ بِهَا مِنْ بَعْدِكَ .\rفَسَمَّى جِزْيَةً إنْ أُخِذُوا بِهَا ، وَجَعَلَ حُسْنَهُ مَشْرُوطًا بِعَدَمِ أَخْذِهِمْ بِهِ ، فَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَخْذَهُمْ بِذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ .\rالرَّابِعُ ، اسْتِشَارَةُ عُمَرَ أَصْحَابَهُ فِي أَخْذِهِ ، وَلَوْ كَانَ وَاجِبًا لَمَا احْتَاجَ إلَى الِاسْتِشَارَةِ .\rالْخَامِسُ ، أَنَّهُ لَمْ يُشِرْ عَلَيْهِ بِأَخْذِهِ أَحَدٌ سِوَى عَلِيٍّ بِهَذَا الشَّرْطِ الَّذِي ذَكَرَهُ ، وَلَوْ كَانَ وَاجِبًا لَأَشَارُوا بِهِ .\rالسَّادِسُ ، أَنَّ عُمَرَ عَوَّضَهُمْ عَنْهُ رِزْقَ عَبِيدِهِمْ ، وَالزَّكَاةُ لَا يُؤْخَذُ عَنْهَا عِوَضٌ وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُهَا عَلَى النَّعَمِ ؛ لِأَنَّهَا يَكْمُلُ نَمَاؤُهَا ، وَيُنْتَفَعُ بِدَرِّهَا وَلَحْمِهَا ، وَيُضَحَّى بِجِنْسِهَا ، وَتَكُونُ هَدْيًا ، وَفِدْيَةً عَنْ مَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ ، وَتَجِبُ الزَّكَاةُ مِنْ عَيْنِهَا ، وَيُعْتَبَرُ كَمَالُ نِصَابِهَا ،","part":5,"page":167},{"id":2167,"text":"وَلَا يُعْتَبَرُ قِيمَتُهَا ، وَالْخَيْلُ بِخِلَافِ ذَلِكَ .","part":5,"page":168},{"id":2168,"text":"( 1738 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَالصَّدَقَةُ لَا تَجِبُ إلَّا عَلَى أَحْرَارِ الْمُسْلِمِينَ ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ : \" إلَّا عَلَى الْأَحْرَارِ الْمُسْلِمِينَ \" .\rوَمَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ ، وَهُوَ أَنَّ الزَّكَاةَ لَا تَجِبُ إلَّا عَلَى حُرٍّ مُسْلِمٍ تَامِّ الْمِلْكِ ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا إلَّا عَنْ عَطَاءٍ وَأَبِي ثَوْرٍ فَإِنَّهُمَا قَالَا : عَلَى الْعَبْدِ زَكَاةُ مَالِهِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الْعَبْدَ لَيْسَ بِتَامِّ الْمِلْكِ ، فَلَمْ تَلْزَمْهُ زَكَاةٌ ، كَالْمُكَاتَبِ .\rفَأَمَّا الْكَافِرُ فَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ لَا زَكَاةَ عَلَيْهِ ، وَمَتَى صَارَ أَحَدُ هَؤُلَاءِ مِنْ أَهْلِ الزَّكَاةِ ، وَهُوَ مَالِكٌ لِلنِّصَابِ ، اسْتَقْبَلَ بِهِ حَوْلًا ثُمَّ زَكَّاهُ ، فَأَمَّا الْحُرُّ الْمُسْلِمُ إذَا مَلَكَ نِصَابًا خَالِيًا عَنْ دَيْنٍ ، فَعَلَيْهِ الزَّكَاةُ عِنْدَ تَمَامِ حَوْلِهِ ، سَوَاءٌ كَانَ كَبِيرًا أَوْ صَغِيرًا ، أَوْ عَاقِلًا أَوْ مَجْنُونًا .","part":5,"page":169},{"id":2169,"text":"مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَالصَّبِيُّ وَالْمَجْنُونُ يُخْرِجُ عَنْهُمَا وَلِيُّهُمَا ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الزَّكَاةَ تَجِبُ فِي مَالِ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ ؛ لِوُجُودِ الشَّرَائِطِ الثَّلَاثِ فِيهِمَا ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ عُمَرَ وَعَائِشَةَ وَالْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ وَجَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ .\rوَبِهِ قَالَ جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ وَابْنُ سِيرِينَ وَعَطَاءٌ وَمُجَاهِدٌ وَرَبِيعَةُ وَمَالِكٌ وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى وَالشَّافِعِيُّ وَالْعَنْبَرِيُّ وَابْنُ عُيَيْنَةَ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو عُبَيْدٍ وَأَبُو ثَوْرٍ وَيُحْكَى عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَالثَّوْرِيِّ وَالْأَوْزَاعِيِّ أَنَّهُمْ قَالُوا : تَجِبُ الزَّكَاةُ ، وَلَا تُخْرَجُ حَتَّى يَبْلُغَ الصَّبِيُّ ، وَيُفِيقَ الْمَعْتُوهُ .\rقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ أُحْصِي مَا يَجِبُ فِي مَالِ الْيَتِيمِ مِنْ الزَّكَاةِ ، فَإِذَا بَلَغَ أُعْلِمُهُ ، فَإِنْ شَاءَ زَكَّى ، وَإِنْ شَاءَ لَمْ يُزَكِّ .\rوَرُوِيَ نَحْوُ هَذَا عَنْ إبْرَاهِيمَ وَقَالَ الْحَسَنُ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَأَبُو وَائِلٍ وَالنَّخَعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ لَا تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي أَمْوَالِهِمَا .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَجِبُ الْعُشْرُ فِي زُرُوعِهِمَا وَثَمَرَتِهِمَا ، وَتَجِبُ صَدَقَةُ الْفِطْرِ عَلَيْهِمَا .\rوَاحْتَجَّ فِي نَفْيِ الزَّكَاةِ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ { : رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ : عَنْ الصَّبِيِّ حَتَّى يَبْلُغَ ، وَعَنْ الْمَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ .\r} وَبِأَنَّهَا عِبَادَةٌ مَحْضَةٌ ؛ فَلَا تَجِبُ عَلَيْهِمَا ، كَالصَّلَاةِ وَالْحَجِّ .\rوَلَنَا ، مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ { : مَنْ وَلِيَ يَتِيمًا لَهُ مَالٌ فَلْيَتَّجِرْ لَهُ ، وَلَا يَتْرُكُهُ حَتَّى تَأْكُلَهُ الصَّدَقَةُ .\r} أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيّ .\rوَفِي رُوَاتِهِ الْمُثَنَّى بْنُ الصَّبَّاحِ ، وَفِيهِ مَقَالٌ ، وَرُوِيَ مَوْقُوفًا عَلَى عُمَرَ : \" وَإِنَّمَا تَأْكُلُهُ الصَّدَقَةُ بِإِخْرَاجِهَا \" .\rوَإِنَّمَا يَجُوزُ إخْرَاجُهَا إذَا كَانَتْ وَاجِبَةً ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَبَرَّعَ بِمَالِ الْيَتِيمِ ، وَلِأَنَّ مِنْ وَجَبَ","part":5,"page":170},{"id":2170,"text":"الْعُشْرُ فِي زَرْعِهِ وَجَبَ رُبْعُ الْعُشْرِ فِي وَرِقِهِ ، كَالْبَالِغِ الْعَاقِلِ ، وَيُخَالِفُ الصَّلَاةَ وَالصَّوْمَ ، فَإِنَّهَا مُخْتَصَّةٌ بِالْبَدَنِ ، وَبِنْيَةُ الصَّبِيِّ ضَعِيفَةٌ عَنْهَا ، وَالْمَجْنُونُ لَا يَتَحَقَّقُ مِنْهُ نِيَّتُهَا ، وَالزَّكَاةُ حَقٌّ يَتَعَلَّقُ بِالْمَالِ ، فَأَشْبَهَ نَفَقَةَ الْأَقَارِبِ وَالزَّوْجَاتِ ، وَأُرُوشَ الْجِنَايَات ، وَقِيَمَ الْمُتْلَفَاتِ ، وَالْحَدِيثُ أُرِيدَ بِهِ رَفْعُ الْإِثْمِ وَالْعِبَادَاتِ الْبَدَنِيَّةِ ، بِدَلِيلِ وُجُوبِ الْعُشْرِ وَصَدَقَةِ الْفِطْرِ وَالْحُقُوقِ الْمَالِيَّةِ ، ثُمَّ هُوَ مَخْصُوصٌ بِمَا ذَكَرْنَاهُ ، وَالزَّكَاةُ فِي الْمَالِ فِي مَعْنَاهُ ، فَنَقِيسُهَا عَلَيْهِ .\rإذَا تَقَرَّرَ هَذَا ، فَإِنَّ الْوَلِيَّ يُخْرِجُهَا عَنْهُمَا مِنْ مَالِهِمَا ؛ لِأَنَّهَا زَكَاةٌ وَاجِبَةٌ ، فَوَجَبَ إخْرَاجُهَا ، كَزَكَاةِ الْبَالِغِ الْعَاقِلِ ، وَالْوَلِيُّ يَقُومُ مَقَامَهُ فِي أَدَاءِ مَا عَلَيْهِ ؛ وَلِأَنَّهَا حَقٌّ وَاجِبٌ عَلَى الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ ، فَكَانَ عَلَى الْوَلِيِّ أَدَاؤُهُ عَنْهُمَا ، كَنَفَقَةِ أَقَارِبِهِ ، وَتُعْتَبَرُ نِيَّةُ الْوَلِيِّ فِي الْإِخْرَاجِ ، كَمَا تُعْتَبَرُ النِّيَّةُ مِنْ رَبِّ الْمَالِ .","part":5,"page":171},{"id":2171,"text":"( 1740 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَالسَّيِّدُ يُزَكِّي عَمَّا فِي يَدِ عَبْدِهِ ؛ لِأَنَّهُ مَالِكُهُ ) يَعْنِي أَنَّ السَّيِّدَ مَالِكٌ لِمَا فِي يَدِ عَبْدِهِ ، وَقَدْ اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ ، فِي زَكَاةِ مَالِ الْعَبْدِ الَّذِي مَلَّكَهُ إيَّاهُ ، فَرُوِيَ عَنْهُ : زَكَاتُهُ عَلَى سَيِّدِهِ .\rهَذَا مَذْهَبُ سُفْيَانَ وَإِسْحَاقَ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ .\rوَرُوِيَ عَنْهُ : لَا زَكَاةَ فِي مَالِهِ ؛ لَا عَلَى الْعَبْدِ وَلَا عَلَى سَيِّدِهِ .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ وَجَابِرٍ وَالزُّهْرِيِّ وَقَتَادَةَ وَمَالِكٍ وَأَبِي عُبَيْدٍ وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ كَالْمَذْهَبَيْنِ .\rقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْمَسْأَلَةُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي مِلْكِ الْعَبْدِ ، إذَا مَلَّكَهُ سَيِّدُهُ ؛ إحْدَاهُمَا ، لَا يَمْلِكُ .\rقَالَ أَبُو بَكْرٍ وَهُوَ اخْتِيَارِيٌّ .\rوَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ هَاهُنَا ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ السَّيِّدَ مَالِكًا لِمَالِ عَبْدِهِ ، وَلَوْ كَانَ مَمْلُوكًا لِلْعَبْدِ لَمْ يَكُنْ مَمْلُوكًا لِسَيِّدِهِ ، لِأَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ اجْتِمَاعُ مِلْكَيْنِ كَامِلَيْنِ فِي مَالٍ وَاحِدٍ ، وَوَجْهُهُ أَنَّ الْعَبْدَ مَالٌ ، فَلَا يَمْلِكُ الْمَالَ كَالْبَهَائِمِ ، فَعَلَى هَذَا تَكُونُ زَكَاتُهُ عَلَى سَيِّدِ الْعَبْدِ ، لِأَنَّهُ مِلْكٌ لَهُ فِي يَدِ عَبْدِهِ ، فَكَانَتْ زَكَاتُهُ عَلَيْهِ ، كَالْمَالِ الَّذِي فِي يَدِ الْمُضَارِبِ وَالْوَكِيلِ .\rوَالثَّانِيَةُ ، يَمْلِكُ ؛ لِأَنَّهُ آدَمِيٌّ يَمْلِكُ النِّكَاحَ ، فَمَلَكَ الْمَالَ ، كَالْحُرِّ ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ بِالْآدَمِيَّةِ يَتَمَهَّدُ لِلْمِلْكِ ، مِنْ قِبَلِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ الْمَالَ لِبَنِي آدَمَ لِيَسْتَعِينُوا بِهِ عَلَى الْقِيَامِ بِوَظَائِفِ الْعِبَادَاتِ ، وَأَعْبَاءِ التَّكَالِيفِ ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى : خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا .\rفَبِالْآدَمِيَّةِ يَتَمَهَّدُ لِلْمِلْكِ وَيَصْلُحُ لَهُ ، كَمَا يَتَمَهَّدُ لِلتَّكْلِيفِ وَالْعِبَادَةِ ، فَعَلَى هَذَا لَا زَكَاةَ عَلَى السَّيِّدِ فِي مَالِ الْعَبْدِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُهُ ، وَلَا عَلَى الْعَبْدِ ؛ لِأَنَّ مِلْكَهُ نَاقِصٌ ،","part":5,"page":172},{"id":2172,"text":"وَالزَّكَاةُ إنَّمَا تَجِبُ عَلَى تَامِّ الْمِلْكِ .\r( 1741 ) فَصْلٌ : وَمِنْ بَعْضُهُ حُرٌّ عَلَيْهِ زَكَاةُ مَالِهِ ؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُهُ بِجُزْئِهِ الْحُرِّ ، وَيُورَثُ عَنْهُ ، وَمِلْكُهُ كَامِلٌ فِيهِ ، فَكَانَتْ زَكَاتُهُ عَلَيْهِ ، كَالْحُرِّ الْكَامِلِ .\rوَالْمُدَبَّرُ وَأُمُّ الْوَلَدِ كَالْقِنِّ ؛ لِأَنَّهُ لَا حُرِّيَّةَ فِيهِمَا .","part":5,"page":173},{"id":2173,"text":"( 1742 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَلَا زَكَاةَ عَلَى مُكَاتَبٍ ) فَإِنْ عَجَزَ اسْتَقْبَلَ سَيِّدُهُ بِمَا فِي يَدِهِ مِنْ الْمَالِ حَوْلًا وَزَكَاةً ، إنْ كَانَ نِصَابًا ، وَإِنْ أَدَّى ، وَبَقِيَ فِي يَدِهِ نِصَابٌ لِلزَّكَاةِ ، اسْتَقْبَلَ بِهِ حَوْلًا .\rلَا أَعْلَمُ خِلَافًا بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي أَنَّهُ لَا زَكَاةَ عَلَى الْمُكَاتَبِ ؛ وَلَا عَلَى سَيِّدِهِ فِي مَالِهِ ؛ إلَّا قَوْلَ أَبِي ثَوْرٍ ذَكَرَ ابْنُ الْمُنْذِرِ نَحْوَ هَذَا .\rوَاحْتَجَّ أَبُو ثَوْرٍ بِأَنَّ الْحَجْرَ مِنْ السَّيِّدِ لَا يَمْنَعُ وُجُوبَ الزَّكَاةِ ، كَالْحَجْرِ عَلَى الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ وَالْمَرْهُونِ .\rوَحُكِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ أَوْجَبَ الْعُشْرَ فِي الْخَارِجِ مِنْ أَرْضِهِ ، بِنَاءً عَلَى أَصْلِهِ فِي أَنَّ الْعُشْرَ مُؤْنَةُ الْأَرْضِ ، وَلَيْسَ بِزَكَاةٍ .\rوَلَنَا ، مَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { لَا زَكَاةَ فِي مَالِ الْمُكَاتَبِ .\r} رَوَاهُ الْفُقَهَاءُ فِي كُتُبِهِمْ ، وَلِأَنَّ الزَّكَاةَ تَجِبُ عَلَى طَرِيقِ الْمُوَاسَاةِ ، فَلَمْ تَجِبْ فِي مَالِ الْمُكَاتَبِ ، كَنَفَقَةِ الْأَقَارِبِ ، وَفَارَقَ الْمَحْجُورَ عَلَيْهِ ، فَإِنَّهُ مُنِعَ التَّصَرُّفَ لِنَقْصِ تَصَرُّفِهِ ، لَا لِنَقْصِ مِلْكِهِ ، وَالْمَرْهُونُ مُنِعَ مِنْ التَّصَرُّفِ فِيهِ بِعَقْدِهِ ، فَلَمْ يَسْقُطْ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى ، وَمَتَى كَانَ مَنْعُ التَّصَرُّفِ فِيهِ لِدَيْنٍ لَا يُمْكِنُ وَفَاؤُهُ مِنْ غَيْرِهِ ، فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَمَتَى عَجَزَ وَرُدَّ فِي الرِّقِّ ، صَارَ مَا كَانَ فِي يَدِهِ مِلْكًا لِسَيِّدِهِ ، فَإِنْ كَانَا نِصَابًا ، أَوْ يَبْلُغُ بِضَمِّهِ إلَى مَا فِي يَدِهِ نِصَابًا ، اسْتَأْنَفَ لَهُ حَوْلًا مِنْ حِينِ مَلَكَهُ ، وَزَكَّاهُ ، كَالْمُسْتَفَادِ سَوَاءً .\rوَلَا أَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا فَإِنْ أَدَّى الْمُكَاتَبُ نُجُومَ كِتَابَتِهِ ، وَبَقِيَ فِي يَدِهِ نِصَابٌ ، فَقَدْ صَارَ حُرًّا كَامِلَ الْمِلْكِ ، فَيَسْتَأْنِفُ الْحَوْلَ مِنْ حِينِ عِتْقِهِ ، وَيُزَكِّيه إذَا تَمَّ الْحَوْلُ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":5,"page":174},{"id":2174,"text":"( 1743 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَلَا زَكَاةَ فِي مَالٍ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ ) وَرَوَى أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ مَاجَهْ ، فِي \" السُّنَنِ \" بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ ، قَالَتْ : سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ { : لَا زَكَاةَ فِي مَالٍ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ } .\rوَهَذَا اللَّفْظُ غَيْرُ مُبْقًى عَلَى عُمُومِهِ ، فَإِنَّ الْأَمْوَالَ الزَّكَاتِيَّةَ خَمْسَةٌ : السَّائِمَةُ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ ، وَالْأَثْمَانُ ؛ وَهِيَ الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ ، وَقِيَمُ عُرُوضِ التِّجَارَةِ ، وَهَذِهِ الثَّلَاثَةُ الْحَوْلُ شَرْطٌ فِي وُجُوبِ زَكَاتِهَا .\rلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا ، سِوَى مَا سَنَذْكُرُهُ فِي الْمُسْتَفَادِ .\rوَالرَّابِعُ : مَا يُكَالُ وَيُدَّخَرُ مِنْ الزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ ، وَالْخَامِسُ : الْمَعْدِنُ .\rوَهَذَانِ لَا يُعْتَبَرُ لَهُمَا حَوْلٌ .\rوَالْفَرْقُ بَيْنَ مَا اُعْتُبِرَ لَهُ الْحَوْلُ وَمَا لَمْ يُعْتَبَرْ لَهُ ، أَنَّ مَا اُعْتُبِرَ لَهُ الْحَوْلُ مَرْصَدٌ لِلنَّمَاءِ ، فَالْمَاشِيَةُ مُرْصَدَةٌ لِلدَّرِّ وَالنَّسْلِ ، وَعُرُوضُ التِّجَارَةِ مُرْصَدَةٌ لِلرِّبْحِ ، وَكَذَا الْأَثْمَانُ ، فَاعْتُبِرَ لَهُ الْحَوْلُ ؛ فَإِنَّهُ مَظِنَّةُ النَّمَاءِ ، لِيَكُونَ إخْرَاجُ الزَّكَاةِ مِنْ الرِّبْحِ ، فَإِنَّهُ أَسْهَلُ وَأَيْسَرُ ، وَلِأَنَّ الزَّكَاةَ إنَّمَا وَجَبَتْ مُوَاسَاةً ، وَلَمْ نَعْتَبِرْ حَقِيقَةَ النَّمَاءِ لِكَثْرَةِ اخْتِلَافِهِ ، وَعَدَمِ ضَبْطِهِ ، وَلِأَنَّ مَا اُعْتُبِرَتْ مَظِنَّتُهُ لَمْ يُلْتَفَتْ إلَى حَقِيقَتِهِ ، كَالْحُكْمِ مَعَ الْأَسْبَابِ ، وَلِأَنَّ الزَّكَاةَ تَتَكَرَّرُ فِي هَذِهِ الْأَمْوَالِ ، فَلَا بُدَّ لَهَا مِنْ ضَابِطٍ ، كَيْ لَا يُفْضِيَ إلَى تَعَاقُبِ الْوُجُوبِ فِي الزَّمَنِ الْوَاحِدِ مَرَّاتٍ ، فَيَنْفَدَ مَالُ الْمَالِكِ .\rأَمَّا الزُّرُوعُ وَالثِّمَارُ ، فَهِيَ نَمَاءٌ فِي نَفْسِهَا ، تَتَكَامَلُ عِنْدَ إخْرَاجِ الزَّكَاةِ مِنْهَا ، فَتُؤْخَذُ الزَّكَاةُ مِنْهَا حِينَئِذٍ ، ثُمَّ تَعُودُ فِي النَّقْصِ لَا فِي النَّمَاءِ ؛ فَلَا تَجِبُ فِيهَا زَكَاةٌ ثَانِيَةٌ ، لِعَدَمِ إرْصَادِهَا لِلنَّمَاءِ ، وَالْخَارِجُ مِنْ الْمَعْدِنِ","part":5,"page":175},{"id":2175,"text":"مُسْتَفَادٌ خَارِجٌ مِنْ الْأَرْضِ ، بِمَنْزِلَةِ الزَّرْعِ وَالثَّمَرِ ، إلَّا أَنَّهُ إنْ كَانَ مِنْ جِنْسِ الْأَثْمَانِ ، فَفِيهِ الزَّكَاةُ عِنْدَ كُلِّ حَوْلٍ ، لِأَنَّهُ مَظِنَّةٌ لِلنَّمَاءِ ، مِنْ حَيْثُ إنَّ الْأَثْمَانَ قِيَمُ الْأَمْوَالِ ، وَرَأْسُ مَالِ التِّجَارَاتِ ، وَبِهَذَا تَحْصُلُ الْمُضَارَبَةُ وَالشَّرِكَةُ ، وَهِيَ مَخْلُوقَةٌ لِذَلِكَ ، فَكَانَتْ بِأَصْلِهَا وَخِلْقَتِهَا ، كَمَالِ التِّجَارَةِ الْمُعَدِّ لَهَا .\r( 1744 ) فَصْلٌ : فَإِنْ اسْتَفَادَ مَالًا مِمَّا يُعْتَبَرُ لَهُ الْحَوْلُ ، وَلَا مَالَ لَهُ سِوَاهُ ، وَكَانَ نِصَابًا ، أَوْ كَانَ لَهُ مَالٌ مِنْ جِنْسِهِ لَا يَبْلُغُ نِصَابًا ، فَبَلَغَ بِالْمُسْتَفَادِ نِصَابًا ، انْعَقَدَ عَلَيْهِ حَوْلُ الزَّكَاةِ مِنْ حِينَئِذٍ ، فَإِذَا تَمَّ حَوْلٌ وَجَبَتْ الزَّكَاةُ فِيهِ ، وَإِنْ كَانَ عِنْدَهُ نِصَابٌ ، لَمْ يَخْلُ الْمُسْتَفَادُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ : أَحَدُهَا ، أَنْ يَكُونَ الْمُسْتَفَادُ مِنْ نَمَائِهِ كَرِبْحِ مَالِ التِّجَارَةِ وَنَتَاجِ السَّائِمَةِ ، فَهَذَا يَجِبُ ضَمُّهُ إلَى مَا عِنْدَهُ مِنْ أَصْلِهِ ، فَيُعْتَبَرُ حَوْلُهُ بِحَوْلِهِ .\rلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا ؛ لِأَنَّهُ تَبَعٌ لَهُ مِنْ جِنْسِهِ ، فَأَشْبَهَ النَّمَاءَ الْمُتَّصِلَ ، وَهُوَ زِيَادَةُ قِيمَةِ عُرُوضِ التِّجَارَةِ ، وَيَشْمَلُ الْعَبْدَ وَالْجَارِيَةَ .\rالثَّانِي ، أَنْ يَكُونَ الْمُسْتَفَادُ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ مَا عِنْدَهُ ، فَهَذَا لَهُ حُكْمُ نَفْسِهِ ، لَا يُضَمُّ إلَى مَا عِنْدَهُ فِي حَوْلٍ وَلَا نِصَابٍ ، بَلْ إنْ كَانَ نِصَابًا اسْتَقْبَلَ بِهِ حَوْلًا وَزَكَّاهُ ، وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ فِيهِ .\rوَهَذَا قَوْلُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ .\rوَرُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَمُعَاوِيَةَ أَنَّ الزَّكَاةَ تَجِبُ فِيهِ حِينَ اسْتَفَادَهُ .\rقَالَ أَحْمَدُ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ : يُزَكِّيهِ حِينَ يَسْتَفِيدُهُ .\rوَرَوَى بِإِسْنَادِهِ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ، قَالَ : كَانَ عَبْدُ اللَّهِ يُعْطِينَا وَيُزَكِّيه .\rوَعَنْ الْأَوْزَاعِيِّ فِي مَنْ بَاعَ عَبْدَهُ أَوْ دَارِهِ ، أَنَّهُ يُزَكِّي الثَّمَنَ حِينَ يَقَعُ فِي يَدِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ شَهْرٌ يُعْلَمُ ، فَيُؤَخِّرَهُ حَتَّى","part":5,"page":176},{"id":2176,"text":"يُزَكِّيَهُ مَعَ مَالِهِ .\rوَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ عَلَى خِلَافِ هَذَا الْقَوْلِ ؛ مِنْهُمْ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ .\rقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَلَى هَذَا جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ ، وَالْخِلَافُ فِي ذَلِكَ شُذُوذٌ ، وَلَمْ يُعَرِّجْ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ ، وَلَا قَالَ بِهِ أَحَدٌ مِنْ أَئِمَّةِ الْفَتْوَى .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ فِي مَنْ بَاعَ دَارِهِ بِعَشَرَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ إلَى سَنَةٍ ، إذَا قَبَضَ الْمَالَ يُزَكِّيهِ .\rوَإِنَّمَا نَرَى أَنَّ أَحْمَدَ قَالَ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ مَلَكَ الدَّرَاهِمَ فِي أَوَّلِ الْحَوْلِ ، وَصَارَتْ دَيْنًا لَهُ عَلَى الْمُشْتَرِي ، فَإِذَا قَبَضَهُ زَكَّاهُ لِلْحَوْلِ الَّذِي مَرَّ عَلَيْهِ فِي مِلْكِهِ ، كَسَائِرِ الدُّيُونِ .\rوَقَدْ صَرَّحَ بِهَذَا الْمَعْنَى فِي رِوَايَةِ بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، فَقَالَ : إذَا كَرَى دَارًا أَوْ عَبْدًا فِي سَنَةٍ بِأَلْفٍ ، فَحَصَلَتْ لَهُ الدَّرَاهِمُ وَقَبَضَهَا ، زَكَّاهَا إذَا حَالَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ ، مِنْ حِينِ قَبَضَهَا ، وَإِنْ كَانَتْ عَلَى الْمُكْتَرِي فَمِنْ يَوْمِ وَجَبَتْ لَهُ فِيهَا الزَّكَاةُ .\rبِمَنْزِلَةِ الدَّيْنِ إذَا وَجَبَ لَهُ عَلَى صَاحِبِهِ ، زَكَاةٌ مِنْ يَوْمِ وَجَبَ لَهُ .\rالْقِسْمُ الثَّالِثُ ، أَنْ يَسْتَفِيدَ مَالًا مِنْ جِنْسِ نِصَابٍ عِنْدَهُ ، قَدْ انْعَقَدَ عَلَيْهِ حَوْلُ الزَّكَاةِ بِسَبَبٍ مُسْتَقِلٍّ ، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُ أَرْبَعُونَ مِنْ الْغَنَمِ ، مَضَى عَلَيْهَا بَعْضُ الْحَوْلِ ، فَيَشْتَرِي أَوْ يَتَّهِبُ مِائَةً ، فَهَذَا لَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ حَتَّى يَمْضِيَ عَلَيْهِ حَوْلٌ أَيْضًا .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَضُمُّهُ إلَى مَا عِنْدَهُ فِي الْحَوْلِ ، فَيُزَكِّيهِمَا جَمِيعًا عِنْدَ تَمَامِ حَوْلِ الْمَالِ الَّذِي كَانَ عِنْدَهُ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ عِوَضًا عَنْ مَالٍ مُزَكًّى ؛ لِأَنَّهُ يُضَمُّ إلَى جِنْسِهِ فِي النِّصَابِ ، فَوَجَبَ ضَمُّهُ إلَيْهِ فِي الْحَوْلِ كَالنِّتَاجِ ، وَلِأَنَّهُ إذَا ضُمَّ فِي النِّصَابِ وَهُوَ سَبَبٌ ، فَضَمُّهُ إلَيْهِ فِي الْحَوْلِ الَّذِي هُوَ شَرْطٌ أَوْلَى .\rوَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ","part":5,"page":177},{"id":2177,"text":"كَانَ عِنْدَهُ مِائَتَا دِرْهَمٍ ، مَضَى عَلَيْهَا نِصْفُ الْحَوْلِ ، فَوَهَبَ لَهُ مِائَةٌ أُخْرَى ، فَإِنَّ الزَّكَاةَ تَجِبُ فِيهَا إذَا تَمَّ حَوْلُهَا ، بِغَيْرِ خِلَافٍ ، وَلَوْلَا الْمِائَتَانِ مَا وَجَبَ فِيهَا شَيْءٌ ، فَإِذَا ضُمَّتْ إلَى الْمِائَتَيْنِ فِي أَصْلِ الْوُجُوبِ فَكَذَلِكَ فِي وَقْتِهِ ، وَلِأَنَّ إفْرَادَهُ بِالْحَوْلِ يُفْضِي إلَى تَشْقِيصِ الْوَاجِبِ فِي السَّائِمَةِ ، وَاخْتِلَافِ أَوْقَاتِ الْوَاجِبِ ، وَالْحَاجَةِ إلَى ضَبْطِ مَوَاقِيتِ التَّمَلُّكِ ، وَمَعْرِفَةِ قَدْرِ الْوَاجِبِ فِي كُلِّ جُزْءٍ مَلَكَهُ ، وَوُجُوبِ الْقَدْرِ الْيَسِيرِ الَّذِي لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ إخْرَاجِهِ ، ثُمَّ يَتَكَرَّرُ ذَلِكَ فِي كُلِّ حَوْلٍ وَوَقْتٍ ، وَهَذَا حَرَجٌ مَدْفُوعٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ } .\rوَقَدْ اعْتَبَرَ الشَّرْعُ ذَلِكَ بِإِيجَابِ غَيْرِ الْجِنْسِ فِيمَا دُونَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ مِنْ الْإِبِلِ ، وَجَعَلَ الْأَوْقَاصَ فِي السَّائِمَةِ ، وَضَمَّ الْأَرْبَاحَ وَالنِّتَاجَ إلَى حَوْلِ أَصْلِهَا مَقْرُونًا بِدَفْعِ هَذِهِ الْمَفْسَدَةِ ، فَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ عِلَّةٌ لِذَلِكَ ، فَيَجِبُ تَعْدِيَةُ الْحُكْمِ إلَى مَحَلِّ النِّزَاعِ .\rوَقَالَ مَالِكٌ كَقَوْلِهِ فِي السَّائِمَةِ ؛ دَفْعًا لِلتَّشْقِيصِ فِي الْوَاجِبِ ، وَكَقَوْلِنَا فِي الْأَثْمَانِ ؛ لِعَدَمِ ذَلِكَ فِيهَا .\rوَلَنَا ، حَدِيثُ عَائِشَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : لَا زَكَاةَ فِي مَالٍ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ .\r} وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، أَنَّهُ قَالَ : مَنْ اسْتَفَادَ مَالًا ، فَلَا زَكَاةَ فِيهِ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ .\rوَرُوِيَ مَرْفُوعًا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَّا أَنَّ التِّرْمِذِيَّ قَالَ : الْمَوْقُوفُ أَصَحُّ ، وَإِنَّمَا رَفَعَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ أَسْلَمَ ، وَهُوَ ضَعِيفٌ .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وَعَلِيٍّ وَابْنِ عُمَرَ وَعَائِشَةَ وَعَطَاءٍ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَسَالِمٍ وَالنَّخَعِيِّ أَنَّهُ لَا زَكَاةَ فِي الْمُسْتَفَادِ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ .\rوَلِأَنَّهُ","part":5,"page":178},{"id":2178,"text":"مَمْلُوكٌ أَصْلًا ، فَيُعْتَبَرُ فِيهِ الْحَوْلُ شَرْطًا ، كَالْمُسْتَفَادِ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ ، وَلَا تُشْبِهُ هَذِهِ الْأَمْوَالُ الزُّرُوعَ وَالثِّمَارَ ، لِأَنَّهَا تَتَكَامَلُ ثِمَارُهَا دُفْعَةً وَاحِدَةً ، وَلِهَذَا لَا تَتَكَرَّرُ الزَّكَاةُ فِيهَا ، وَهَذِهِ نَمَاؤُهَا بِنَقْلِهَا ، فَاحْتَاجَتْ إلَى الْحَوْلِ .\rوَأَمَّا الْأَرْبَاحُ وَالنِّتَاجُ ، فَإِنَّمَا ضُمَّتْ إلَى أَصْلِهَا ؛ لِأَنَّهَا تَبَعٌ لَهُ ، وَمُتَوَلِّدَةٌ مِنْهُ ، وَلَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ فِي مَسْأَلَتِنَا ، وَإِنْ سَلَّمْنَا أَنَّ عِلَّةَ ضَمِّهَا ، مَا ذَكَرُوهُ مِنْ الْحَرَجِ ، فَلَا يُوجَدُ ذَلِكَ فِي مَسْأَلَتِنَا ؛ لِأَنَّ الْأَرْبَاحَ تَكْثُرُ وَتَتَكَرَّرُ فِي الْأَيَّامِ وَالسَّاعَاتِ ، وَيَعْسَرُ ضَبْطُهَا ، وَكَذَلِكَ النِّتَاجُ ، وَقَدْ يُوجَدُ وَلَا يُشْعَرُ بِهِ ، فَالْمَشَقَّةُ فِيهِ أَتَمُّ ، لِكَثْرَةِ تَكَرُّرِهِ ، بِخِلَافِ هَذِهِ الْأَسْبَابِ الْمُسْتَقِلَّةِ ، فَإِنَّ الْمِيرَاثَ وَالِاغْتِنَامَ وَالِاتِّهَابَ وَنَحْوَ ذَلِكَ يَنْدُرُ وَلَا يَتَكَرَّرُ ، فَلَا يَشُقُّ ذَلِكَ فِيهِ ، وَإِنْ شَقَّ فَهُوَ دُونَ الْمَشَقَّةِ فِي الْأَرْبَاحِ وَالنِّتَاجِ ، فَيَمْتَنِعُ قِيَاسُهُ عَلَيْهِ .\rوَالْيُسْرُ فِيمَا ذَكَرْنَا أَكْثَرُ ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ يَتَخَيَّرُ بَيْنَ التَّأْخِيرِ وَالتَّعْجِيلِ ، وَمَا ذَكَرُوهُ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ التَّعْجِيلُ ، وَلَا شَكَّ أَنَّ التَّخْيِيرَ بَيْنَ شَيْئَيْنِ أَيْسَرُ مِنْ تَعْيِينِ أَحَدِهِمَا ، لِأَنَّهُ مَعَ التَّخْيِيرِ ، فَيَخْتَارُ أَيْسَرَهُمَا عَلَيْهِ ، وَأَحَبَّهُمَا إلَيْهِ ، وَمَعَ التَّعْيِينِ يَفُوتُهُ ذَلِكَ .\rوَأَمَّا ضَمُّهُ إلَيْهِ فِي النِّصَابِ ، فَلِأَنَّ النِّصَابَ مُعْتَبَرٌ لِحُصُولِ الْغِنَى ، وَقَدْ حَصَلَ الْغِنَى بِالنِّصَابِ الْأَوَّلِ ، وَالْحَوْلُ مُعْتَبَرٌ ، لِاسْتِنْمَاءِ الْمَالِ ؛ لِيَحْصُلَ أَدَاءُ الزَّكَاةِ مِنْ الرِّبْحِ ، وَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ بِمُرُورِ الْحَوْلِ عَلَى أَصْلِهِ ، فَوَجَبَ أَنْ يُعْتَبَرَ الْحَوْلُ لَهُ .\r( 1745 ) فَصْلٌ : وَيُعْتَبَرُ وُجُودُ النِّصَابِ فِي جَمِيعِ الْحَوْلِ ، فَإِنْ نَقَصَ الْحَوْلُ نَقْصًا يَسِيرًا ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ ثَبَتَ ، أَنَّ نَقْصَ الْحَوْلِ","part":5,"page":179},{"id":2179,"text":"سَاعَةً أَوْ سَاعَتَيْنِ مَعْفُوٌّ عَنْهُ .\rوَظَاهِرُ كَلَامِ الْقَاضِي ، أَنَّ النَّقْصَ الْيَسِيرَ فِي أَثْنَاءِ الْحَوْلِ يَمْنَعُ ؛ لِأَنَّهُ قَالَ فِي مَنْ لَهُ أَرْبَعُونَ شَاةً فَمَاتَتْ مِنْهَا شَاةٌ وَنُتِجَتْ أُخْرَى : إذَا كَانَ النِّتَاجُ وَالْمَوْتُ حَصَلَا فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ لَمْ تَسْقُطْ الزَّكَاةُ ؛ لِأَنَّ النِّصَابَ لَمْ يَنْقُصْ ، وَكَذَلِكَ إنْ تَقَدَّمَ النِّتَاجُ الْمَوْتَ ، وَإِنْ تَقَدَّمَ الْمَوْتُ النِّتَاجَ سَقَطَتْ الزَّكَاةُ ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْحَوْلِ سَقَطَ بِنُقْصَانِ النِّصَابِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنَّ كَلَامَ أَبِي بَكْرٍ أَرَادَ بِهِ النَّقْصَ فِي طَرَفِ الْحَوْلِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّ الْقَاضِيَ أَرَادَ بِالْوَقْتِ الْوَاحِدِ الزَّمَنَ الْمُتَقَارِبَ ، فَلَا يَكُونُ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ اخْتِلَافٌ .\rوَحُكِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ النِّصَابَ إذَا كَمَلَ فِي طَرَفَيْ الْحَوْلِ ، لَمْ يَضُرَّ نَقْصُهُ فِي وَسَطِهِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ قَوْلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : لَا زَكَاةَ فِي مَالٍ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ .\r} يَقْتَضِي مُرُورَ الْحَوْلِ عَلَى جَمِيعِهِ ، وَلِأَنَّ مَا اُعْتُبِرَ فِي طَرَفَيْ الْحَوْلِ اُعْتُبِرَ فِي وَسَطِهِ ، كَالْمِلِكِ وَالْإِسْلَامِ .\r( 1746 ) فَصْلٌ : وَإِذَا ادَّعَى رَبُّ الْمَالِ أَنَّهُ مَا حَالُ الْحَوْلُ عَلَى الْمَالِ ، أَوْ لَمْ يَتِمَّ النِّصَابُ إلَّا مُنْذُ شَهْرٍ ، أَوْ أَنَّهُ كَانَ فِي يَدِي وَدِيعَةً ، وَإِنَّمَا اشْتَرَيْته مِنْ قَرِيبٍ ، أَوْ قَالَ : بِعْته فِي الْحَوْلِ ، ثُمَّ اشْتَرَيْته .\rأَوْ رُدَّ عَلَيَّ وَنَحْوَ هَذَا ، مِمَّا يَنْفِي وُجُوبَ الزَّكَاةِ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مِنْ غَيْرِ يَمِينٍ .\rقَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ : لَا يُسْتَحْلَفُ النَّاسُ عَلَى صَدَقَاتِهِمْ .\rفَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ لَا يَسْتَحْلِفُ وُجُوبًا وَلَا اسْتِحْبَابًا ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الزَّكَاةَ عِبَادَةٌ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ مِنْ تَجِبُ عَلَيْهِ بِغَيْرِ يَمِينٍ ، كَالصَّلَاةِ وَالْكَفَّارَاتِ .","part":5,"page":180},{"id":2180,"text":"( 1747 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَيَجُوزُ تَقْدِمَةُ الزَّكَاةِ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ مَتَى وُجِدَ سَبَبُ وُجُوبِ الزَّكَاةِ ، وَهُوَ النِّصَابُ الْكَامِلُ ، جَازَ تَقْدِيمُ الزَّكَاةِ .\rوَبِهَذَا قَالَ الْحَسَنُ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَالزُّهْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو عُبَيْدٍ وَحُكِيَ عَنْ الْحَسَنِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ .\rوَبِهِ قَالَ رَبِيعَةُ ، وَمَالِكٌ وَدَاوُد لِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { ، أَنَّهُ قَالَ : لَا تُؤَدَّى زَكَاةٌ قَبْلَ حُلُولِ الْحَوْلِ } .\rوَلِأَنَّ الْحَوْلَ أَحَدُ شَرْطَيْ الزَّكَاةِ ، فَلَمْ يَجُزْ تَقْدِيمُ الزَّكَاةِ عَلَيْهِ كَالنِّصَابِ ، وَلِأَنَّ لِلزَّكَاةِ وَقْتًا ، فَلَمْ يَجُزْ تَقْدِيمُهَا عَلَيْهِ ، كَالصَّلَاةِ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى عَلِيٌّ ، { أَنَّ الْعَبَّاسَ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي تَعْجِيلِ صَدَقَتِهِ قَبْلَ أَنْ تَحِلَّ ، فَرَخَّصَ لَهُ فِي ذَلِكَ .\rوَفِي لَفْظٍ : فِي تَعْجِيلِ الزَّكَاةِ ، فَرَخَّصَ لَهُ فِي ذَلِكَ .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\r} رَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَقَالَ يَعْقُوبُ بْنُ شَيْبَةَ : هُوَ أَثْبَتُهَا إسْنَادًا .\rوَرَوَى التِّرْمِذِيُّ ، عَنْ عَلِيٍّ ، { عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَنَّهُ قَالَ لِعُمَرَ : إنَّا قَدْ أَخَذْنَا زَكَاةَ الْعَبَّاسِ عَامَ الْأَوَّلِ لِلْعَامِ .\rوَفِي لَفْظٍ قَالَ : إنَّا كُنَّا تَعَجَّلْنَا صَدَقَةَ الْعَبَّاسِ لِعَامِنَا هَذَا عَامَ أَوَّلَ } .\rرَوَاهُ سَعِيدٌ عَنْ عَطَاءٍ ، وَابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ ، وَالْحَسَنِ بْنِ مُسْلِمٍ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُرْسَلًا ، وَلِأَنَّهُ تَعْجِيلٌ لِمَالٍ وُجِدَ سَبَبُ وُجُوبِهِ قَبْلَ وُجُوبِهِ ، فَجَازَ ، كَتَعْجِيلِ قَضَاءِ الدَّيْنِ قَبْلَ حُلُولِ أَجَلِهِ ، وَأَدَاءِ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ بَعْدَ الْحَلِفِ وَقَبْلَ الْحِنْثِ ، وَكَفَّارَةِ الْقَتْلِ بَعْدَ الْجَرْحِ قَبْلَ الزَّهُوقِ ، وَقَدْ سَلَّمَ مَالِكٌ تَعْجِيلَ الْكَفَّارَةِ ، وَفَارَقَ تَقْدِيمَهَا عَلَى النِّصَابِ ، لِأَنَّهُ تَقْدِيمٌ لَهَا عَلَى سَبَبِهَا ، فَأَشْبَهَ تَقْدِيمَ الْكَفَّارَةِ","part":5,"page":181},{"id":2181,"text":"عَلَى الْيَمِينِ ، وَكَفَّارَةَ الْقَتْلِ عَلَى الْجَرْحِ ، وَلِأَنَّهُ قَدْ قَدَّمَهَا عَلَى الشَّرْطَيْنِ ، وَهَاهُنَا قَدَّمَهَا عَلَى أَحَدِهِمَا .\rوَقَوْلُهُمْ : إنَّ لِلزَّكَاةِ وَقْتًا .\rقُلْنَا : الْوَقْتُ إذَا دَخَلَ فِي الشَّيْءِ رِفْقًا بِالْإِنْسَانِ ، كَانَ لَهُ أَنْ يُعَجِّلَهُ وَيَتْرُكَ الْإِرْفَاقَ بِنَفْسِهِ ، كَالدَّيْنِ الْمُؤَجَّلِ ، وَكَمَنْ أَدَّى زَكَاةَ مَالِ غَائِبٍ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى يَقِينٍ مِنْ وُجُوبِهَا ، وَمِنْ الْجَائِزِ أَنْ يَكُونَ الْمَالُ تَالِفًا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ ، وَأَمَّا الصَّلَاةُ وَالصِّيَامُ فَتَعَبُّدٌ مَحْضٌ ، وَالتَّوْقِيتُ فِيهِمَا غَيْرُ مَعْقُولٍ ، فَيُجِبْ أَنْ يُقْتَصَرَ عَلَيْهِ .","part":5,"page":182},{"id":2182,"text":"( 1748 ) فَصْلٌ : وَلَا يَجُوزُ تَعْجِيلُ الزَّكَاةِ قَبْلَ مِلْكِ النِّصَابِ ، بِغَيْرِ خِلَافٍ عَلِمْنَاهُ .\rوَلَوْ مَلَكَ بَعْضَ نِصَابٍ ، فَعَجَّلَ زَكَاتَهُ ، أَوْ زَكَاةَ نِصَابٍ ، لَمْ يَجُزْ ؛ لِأَنَّهُ تَعَجَّلَ الْحُكْمَ قَبْلَ سَبَبِهِ .\rوَإِنْ مَلَكَ نِصَابًا فَعَجَّلَ زَكَاتَهُ وَزَكَاةَ مَا يَسْتَفِيدُهُ ، وَمَا يُنْتَجُ مِنْهُ ، أَوْ يَرْبَحُهُ فِيهِ ، أَجْزَأَهُ عَنْ النِّصَابِ دُونَ الزِّيَادَةِ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يُجْزِئُهُ ؛ لِأَنَّهُ تَابِعٌ لِمَا هُوَ مَالِكُهُ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ عَجَّلَ زَكَاةَ مَالٍ لَيْسَ فِي مِلْكِهِ ، فَلَمْ يَجُزْ كَالنِّصَابِ الْأَوَّلِ ، وَلِأَنَّ الزَّائِدَ مِنْ الزَّكَاةِ عَلَى زَكَاةِ النِّصَابِ إنَّمَا سَبَبُهَا الزَّائِدُ فِي الْمِلْكِ ، فَقَدْ عَجَّلَ الزَّكَاةَ قَبْلَ وُجُودِ سَبَبِهَا ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ عَجَّلَ الزَّكَاةَ قَبْلَ مِلْكِ النِّصَابِ .\rوَقَوْلُهُ : إنَّهُ تَابِعٌ ، قُلْنَا : إنَّمَا يَتْبَعُ فِي الْحَوْلِ ، فَأَمَّا فِي الْإِيجَابِ فَإِنَّ الْوُجُوبَ ثَبَتَ بِالزِّيَادَةِ ، لَا بِالْأَصْلِ ، وَلِأَنَّهُ إنَّمَا يَصِيرُ لَهُ حُكْمٌ بَعْدَ الْوُجُودِ ، فَأَمَّا قَبْلَ ظُهُورِهِ فَلَا حُكْمَ لَهُ فِي الزَّكَاةِ .","part":5,"page":183},{"id":2183,"text":"( 1749 ) فَصْلٌ : وَإِنْ عَجَّلَ زَكَاةَ نِصَابٍ مِنْ الْمَاشِيَةِ ، فَتَوَالَدَتْ نِصَابًا ، ثُمَّ مَاتَتْ الْأُمَّهَاتُ وَحَالَ الْحَوْلُ عَلَى النِّتَاجِ ، أَجْزَأَ الْمُعَجَّلُ عَنْهَا ؛ لِأَنَّهَا دَخَلَتْ فِي حَوْلِ الْأُمَّهَاتِ ، وَقَامَتْ مَقَامَهَا ، فَأَجْزَأَتْ زَكَاتُهَا عَنْهَا .\rفَإِذَا كَانَ عِنْدَهُ أَرْبَعُونَ مِنْ الْغَنَمِ ، فَعَجَّلَ عَنْهَا شَاةً ، ثُمَّ تَوَالَدَتْ أَرْبَعِينَ سَخْلَةً ، وَمَاتَتْ الْأُمَّهَاتُ ، وَحَالَ الْحَوْلُ عَلَى السِّخَالِ ، أَجْزَأَتْ الْمُعَجَّلَةُ عَنْهَا ، لِأَنَّهَا كَانَتْ مُجْزِئَةً عَنْهَا وَعَنْ أُمَّهَاتِهَا لَوْ بَقِيَتْ ، فَلَأَنْ تُجْزِئَ عَنْ إحْدَاهُمَا أَوْلَى .\rوَإِنْ كَانَ عِنْدَهُ ثَلَاثُونَ مِنْ الْبَقَرِ ، فَعَجَّلَ عَنْهَا تَبِيعًا ، ثُمَّ تَوَالَدَتْ ثَلَاثِينَ عِجْلَةً ، وَمَاتَتْ الْأُمَّهَاتُ ، وَحَالَ الْحَوْلُ عَلَى الْعُجُولِ ، احْتَمَلَ أَنْ يُجْزِئَ عَنْهَا ، لِأَنَّهَا تَابِعَةٌ لَهَا فِي الْحَوْلِ .\rوَاحْتَمَلَ أَنْ لَا يُجْزِئَ عَنْهَا ؛ لِأَنَّهُ لَوْ عَجَّلَ عَنْهَا تَبِيعًا مَعَ بَقَاءِ الْأُمَّهَاتِ لَمْ يُجْزِئْ عَنْهَا ، فَلَأَنْ لَا يُجْزِئَ عَنْهَا إذَا كَانَ التَّعْجِيلُ عَنْ غَيْرِهَا أَوْلَى .\rوَهَكَذَا الْحُكْمُ فِي مِائَةِ شَاةٍ إذَا عَجَّلَ عَنْهَا شَاةً فَتَوَالَدَتْ مِائَةً ، ثُمَّ مَاتَتْ الْأُمَّهَاتُ ، وَحَالَ الْحَوْلُ عَلَى السِّخَالِ .\rوَإِنْ تَوَالَدَ نِصْفُهَا ، وَمَاتَ نِصْفُ الْأُمَّهَاتِ ، وَحَالَ الْحَوْلُ عَلَى الصِّغَارِ وَنِصْفِ الْكِبَارِ ، فَإِنْ قُلْنَا بِالْوَجْهِ الْأَوَّلِ ، أَجْزَأَ الْمُعَجَّلُ عَنْهُمَا جَمِيعًا .\rوَإِنْ قُلْنَا بِالثَّانِي ، فَعَلَيْهِ فِي الْخَمْسِينَ سَخْلَةً شَاةٌ ؛ لِأَنَّهَا نِصَابٌ لَمْ تُؤَدَّ زَكَاتُهُ .\rوَلَيْسَ عَلَيْهِ فِي الْعُجُولِ إذَا كَانَتْ خَمْسَةَ عَشَرَ شَيْءٌ ، لِأَنَّهَا لَمْ تَبْلُغْ نِصَابًا ، وَإِنَّمَا وَجَبَتْ الزَّكَاةُ فِيهَا بِنَاءً عَلَى أُمَّهَاتِهَا الَّتِي عُجِّلَتْ زَكَاتُهَا .\rوَإِنْ مَلَكَ ثَلَاثِينَ مِنْ الْبَقَرِ ، فَعَجَّلَ مُسِنَّةً زَكَاةً لَهَا وَلِنَتَاجِهَا ، فَنُتِجَتْ عَشْرًا ، أَجْزَأَتْهُ عَنْ الثَّلَاثِينَ دُونَ الْعَشْرِ ، وَوَجَبَ عَلَيْهِ فِي الْعَشْرَ رُبْعُ مُسِنَّةٍ .","part":5,"page":184},{"id":2184,"text":"وَيَحْتَمِلُ أَنْ تُجْزِئَهُ الْمُسِنَّةُ الْمُعَجَّلَةُ عَنْ الْجَمِيعِ ؛ لِأَنَّ الْعَشْرَ تَابِعَةٌ لِلثَّلَاثِينَ فِي الْوُجُوبِ وَالْحَوْلِ فَإِنَّهُ لَوْلَا مِلْكُهُ لِلثَّلَاثِينَ لَمَا وَجَبَ عَلَيْهِ فِي الْعَشْرِ شَيْءٌ .\rفَصَارَتْ الزِّيَادَةُ عَلَى النِّصَابِ مُنْقَسِمَةً أَرْبَعَةَ أَقْسَامٍ : أَحَدُهَا ، مَا لَا يَتْبَعُ فِي وُجُوبٍ وَلَا حَوْلٍ ، وَهُوَ الْمُسْتَفَادُ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ ، وَلَا يُجْزِئُ تَعْجِيلُ زَكَاتِهِ قَبْلَ وُجُودِهِ ، وَكَمَالِ نِصَابِهِ ، بِغَيْرِ خِلَافٍ .\rالثَّانِي ، مَا يَتْبَعُ فِي الْوُجُوبِ دُونَ الْحَالِ ، وَهُوَ الْمُسْتَفَادُ مِنْ الْجِنْسِ بِسَبَبٍ مُسْتَقِلٍّ ، فَلَا يُجْزِئُ تَعْجِيلُ زَكَاتِهِ أَيْضًا قَبْلَ وُجُودِهِ ، مَعَ الْخِلَافِ فِي ذَلِكَ .\rالثَّالِثُ ، مَا يَتْبَعُ فِي الْحَوْلِ دُونَ الْوُجُوبِ ، كَالنِّتَاجِ وَالرِّبْحِ إذَا بَلَغَ نِصَابًا ، فَإِنَّهُ يَتْبَعُ أَصْلَهُ فِي الْحَوْلِ ، فَلَا يُجْزِئُ التَّعْجِيلُ عَنْهُ قَبْلَ وُجُودِهِ ، كَاَلَّذِي قَبْلَهُ .\rالرَّابِعُ ، مَا يَتْبَعُ فِي الْوُجُوبِ وَالْحَوْلِ ، وَهُوَ الرِّبْحُ وَالنِّتَاجُ إذَا لَمْ يَبْلُغْ نِصَابًا ، فَهَذَا يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، لَا يُجْزِئُ تَعْجِيلُ زَكَاتِهِ قَبْلَ وُجُودِهِ ، كَاَلَّذِي قَبْلَهُ .\rوَالثَّانِي : يُجْزِئُ ؛ لِأَنَّهُ تَابِعٌ لَهُ فِي الْوُجُوبِ وَالْحَوْلِ ، فَأَشْبَهَ الْمَوْجُودَ .","part":5,"page":185},{"id":2185,"text":"( 1750 ) فَصْلٌ : إذَا عَجَّلَ الزَّكَاةَ لِأَكْثَرَ مِنْ حَوْلٍ ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ إحْدَاهُمَا ، لَا يَجُوزُ ؛ لِأَنَّ النَّصَّ لَمْ يَرِدْ بِتَعْجِيلِهَا لِأَكْثَرَ مِنْ حَوْلٍ .\rوَالثَّانِيَةُ ، يَجُوزُ .\rوَرُوِيَ عَنْ الْحَسَنِ أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى بَأْسًا أَنْ يُخْرِجَ الرَّجُلُ زَكَاةَ مَالِهِ قَبْلَ حِلِّهَا لِثَلَاثِ سِنِينَ ؛ لِأَنَّهُ تَعْجِيلٌ لَهَا بَعْدَ وُجُودِ النِّصَابِ ، أَشْبَهَ تَقْدِيمَهَا عَلَى الْحَوْلِ الْوَاحِدِ .\rوَمَا لَمْ يَرِدْ بِهِ النَّصُّ يُقَاسُ عَلَى الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ إذَا كَانَ فِي مَعْنَاهُ ، وَلَا نَعْلَمُ لَهُ مَعْنًى سِوَى أَنَّهُ تَقْدِيمٌ لِلْمَالِ الَّذِي وُجِدَ سَبَبُ وُجُوبِهِ عَلَى شَرْطِ وُجُوبِهِ ، وَهَذَا مُتَحَقِّقٌ فِي التَّقْدِيمِ فِي الْحَوْلَيْنِ ، كَتَحَقُّقِهِ فِي الْحَوْلِ الْوَاحِدِ .\rفَعَلَى هَذَا إذَا كَانَ عِنْدَهُ أَكْثَرُ مِنْ النِّصَابِ ، فَعَجَّلَ زَكَاتَهُ لِحَوْلَيْنِ ، جَازَ .\rوَإِنْ كَانَ قَدْرُ النِّصَابِ مِثْلَ مَنْ عِنْدَهُ أَرْبَعُونَ شَاةً فَعَجَّلَ شَاتَيْنِ لِحَوْلَيْنِ وَكَانَ الْمُعَجِّلُ مِنْ غَيْرِهِ جَازَ وَإِنْ أَخْرَجَ شَاةً مِنْهُ وَشَاةً مِنْ غَيْرِهِ جَازَ عَنْ الْحَوْلِ الْأَوَّلِ وَلَمْ يَجُزْ عَنْ الثَّانِي لِأَنَّ النِّصَابَ نَقَصَ فَإِنْ كَمَلَ بَعْدَ ذَلِكَ وَصَارَ إخْرَاجُ زَكَاتِهِ وَتَعْجِيلُهُ لَهَا قَبْلَ كَمَالِ نِصَابِهَا وَإِنْ أَخْرَجَ الشَّاتَيْنِ جَمِيعًا مِنْ النِّصَابِ لَمْ تَجُزْ الزَّكَاةُ فِي الْحَوْلِ الْأَوَّلِ إذَا قُلْنَا لَيْسَ لَهُ ارْتِجَاعُ مَا عَجَّلَهُ لِأَنَّهُ كَالتَّالِفِ فَيَكُونُ النِّصَابُ نَاقِصًا فَإِنْ كَمَلَ بَعْدَ ذَلِكَ اُسْتُؤْنِفَ الْحَوْلُ مِنْ حِينِ كَمَلَ النِّصَابُ وَكَانَ مَا عَجَّلَهُ سَابِقًا عَلَى كَمَالِ النِّصَابِ فَلَمْ يَجُزْ عَنْهُ .","part":5,"page":186},{"id":2186,"text":"( 1751 ) فَصْلٌ وَإِنْ عَجَّلَ زَكَاةَ مَالِهِ فَحَالُ الْحَوْلُ وَالنِّصَابُ نَاقِصٌ مِقْدَارَ مَا عَجَّلَهُ أَجْزَأَتْ عَنْهُ وَيَكُونُ حُكْمُ مَا عَجَّلَهُ حُكْمَ الْمَوْجُودِ فِي مِلْكِهِ يَتِمُّ النِّصَابُ بِهِ فَلَوْ زَادَ مَالُهُ حَتَّى بَلَغَ النِّصَابَ أَوْ زَادَ عَلَيْهِ وَحَالَ الْحَوْلُ أَجْزَأَ الْمُعَجَّلُ عَنْ زَكَاتِهِ لِمَا ذَكَرْنَا .\rفَإِنْ نَقَصَ أَكْثَرُ مِمَّا عَجَّلَهُ فَقَدْ خَرَجَ بِذَلِكَ مِنْ كَوْنِهِ سَبَبًا لِلزَّكَاةِ ، مِثْلُ مَنْ لَهُ أَرْبَعُونَ شَاةً فَعَجَّلَ شَاةً ثُمَّ تَلِفَتْ أُخْرَى فَقَدْ خَرَجَ عَنْ كَوْنِهِ سَبَبًا لِلزَّكَاةِ فَإِنْ زَادَ بَعْدَ ذَلِكَ إمَّا بِنَتَاجٍ أَوْ شِرَاءِ مَا يَتِمُّ بِهِ النِّصَابُ اُسْتُؤْنِفَ الْحَوْلُ مِنْ حِينِ كَمَلَ النِّصَابُ وَلَمْ يَجُزْ مَا عَجَّلَهُ عَنْهُ لِمَا ذَكَرْنَا .\rوَإِنْ زَادَ بِحَيْثُ يَكُونُ انْضِمَامُهُ إلَى مَا عَجَّلَهُ يَتَغَيَّرُ بِهِ الْفَرْضُ ، مِثْلُ مَنْ لَهُ مِائَةٌ وَعِشْرُونَ فَعَجَّلَ زَكَاتَهَا شَاةً ثُمَّ حَالَ الْحَوْلُ وَقَدْ أُنْتِجَتْ سَخْلَةٌ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ إخْرَاجُ شَاةٍ ثَانِيَةٍ وَبِمَا ذَكَرْنَاهُ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ مَا عَجَّلَهُ فِي حُكْمِ التَّالِفِ فَقَالَ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى لَا تَجِبُ الزَّكَاةُ وَلَا يَكُونُ الْمُخْرَجُ زَكَاةً .\rوَقَالَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ زِيَادَةٌ لِأَنَّ مَا عَجَّلَهُ زَالَ مِلْكُهُ عَنْهُ فَلَمْ يُحْسَبْ مِنْ مَالِهِ كَمَا لَوْ تَصَدَّقَ بِهِ تَطَوُّعًا وَلَنَا أَنَّ هَذَا نِصَابٌ تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ بِحَوْلِ الْحَوْلِ فَجَازَ تَعْجِيلُهَا مِنْهُ كَمَا لَوْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِينَ وَلِأَنَّ مَا عَجَّلَهُ بِمَنْزِلَةِ الْمَوْجُودِ فِي إجْزَائِهِ عَنْ مَالِهِ فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ الْمَوْجُودِ فِي تَعَلُّقِ الزَّكَاةِ بِهِ وَلِأَنَّهَا لَوْ لَمْ تُعَجَّلْ كَانَ عَلَيْهِ شَاتَانِ .\rفَكَذَلِكَ إذَا عُجِّلَتْ لِأَنَّ التَّعْجِيلَ إنَّمَا كَانَ رِفْقًا بِالْمَسَاكِينِ فَلَا يَصِيرُ سَبَبًا لِنَقْصِ حُقُوقِهِمْ ، وَالتَّبَرُّعُ يُخْرِجُ مَا تَبَرَّعَ بِهِ عَنْ حُكْمِ الْمَوْجُودِ فِي مَالِهِ وَهَذَا فِي حُكْمِ الْمَوْجُودِ فِي الْإِجْزَاءِ عَنْ الزَّكَاةِ","part":5,"page":187},{"id":2187,"text":"( 1752 ) فَصْلٌ وَكُلُّ مَوْضِعٍ قُلْنَا لَا يُجْزِئُهُ مَا عَجَّلَهُ عَنْ الزَّكَاةِ فَإِنْ كَانَ دَفَعَهَا إلَى الْفُقَرَاءِ مُطْلَقًا فَلَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ فِيهَا وَإِنْ كَانَ دَفَعَهَا بِشَرْطِ أَنَّهَا زَكَاةٌ مُعَجَّلَةٌ فَهَلْ لَهُ الرُّجُوعُ عَلَى وَجْهَيْنِ يَأْتِي تَوْجِيهُهُمَا","part":5,"page":188},{"id":2188,"text":"( 1753 ) فَصْلٌ فَأَمَّا تَعْجِيلُ الْعُشْرِ مِنْ الزَّرْعِ وَالثَّمَرِ فَظَاهِرُ كَلَامِ الْقَاضِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ قَالَ كُلُّ مَا تَتَعَلَّقُ الزَّكَاةُ فِيهِ بِسَبَبَيْنِ : حَوْلٌ وَنِصَابٌ جَازَ تَعْجِيلُ زَكَاتِهِ .\rفَمَفْهُومُ هَذَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَعْجِيلُ زَكَاةِ غَيْرِهِ لِأَنَّ الزَّكَاةَ مُعَلَّقَةٌ بِسَبَبٍ وَاحِدٍ وَهُوَ ادِّرَاكُ الزَّرْعِ وَالثَّمَرَةِ فَإِذَا قَدَّمَهَا قَدَّمَهَا قَبْلَ وُجُودِ سَبَبِهَا لَكِنْ إنْ أَدَّاهَا بَعْدَ الْإِدْرَاكِ وَقَبْلَ يُبْسِ الثَّمَرَةِ وَتَصْفِيَةِ الْحَبِّ جَازَ ، وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ يَجُوزُ إخْرَاجُهَا بَعْدَ وُجُودِ الطَّلْعِ وَالْحِصْرِمِ ، وَنَبَاتِ الزَّرْعِ .\rوَلَا يَجُوزُ قَبْلَ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ وُجُودَ الزَّرْعِ وَاطِّلَاعَ النَّخِيلِ بِمَنْزِلَةِ النِّصَابِ ، وَالْإِدْرَاكُ بِمَنْزِلَةِ حُلُولِ الْحَوْلِ ؛ فَجَازَ تَقْدِيمُهَا عَلَيْهِ ، وَتَعَلُّقُ الزَّكَاةِ بِالْإِدْرَاكِ لَا يَمْنَعُ جَوَازَ التَّعْجِيلِ بِدَلِيلِ أَنَّ زَكَاةَ الْفِطْرِ يَتَعَلَّقُ وُجُوبُهَا بِهِلَالِ شَوَّالٍ ، وَهُوَ زَمَنُ الْوُجُوبِ .\rفَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ تَقْدِيمُهَا قَبْلَ ذَلِكَ ، لِأَنَّهُ يَكُونُ قَبْلَ وُجُودِ سَبَبِهَا .","part":5,"page":189},{"id":2189,"text":"( 1754 ) فَصْلٌ : وَإِنْ عَجَّلَ زَكَاةَ مَالِهِ ، ثُمَّ مَاتَ ، فَأَرَادَ الْوَارِثُ الِاحْتِسَابَ بِهَا عَنْ زَكَاةِ حَوْلِهِ ، لَمْ يَجُزْ .\rوَذَكَرَ الْقَاضِي وَجْهًا فِي جَوَازِهِ ، بِنَاءً عَلَى مَا لَوْ عَجَّلَ زَكَاةَ عَامَيْنِ .\rوَلَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّهُ تَعْجِيلٌ لِلزَّكَاةِ قَبْلَ وُجُودِ سَبَبِهَا ، أَشْبَهَ مَا لَوْ عَجَّلَ زَكَاةَ نِصَابٍ لِغَيْرِهِ ، ثُمَّ اشْتَرَاهُ ، وَذَلِكَ لِأَنَّ سَبَبَ الزَّكَاةِ مِلْكُ النِّصَابِ ، وَمِلْكُ الْوَارِثِ حَادِثٌ ، وَلَا يَبْنِي الْوَارِثُ عَلَى حَوْلِ الْمَوْرُوثِ ، وَلِأَنَّهُ لَمْ يُخْرِجْ الزَّكَاةَ ، وَإِنَّمَا أَخْرَجَهَا غَيْرُهُ عَنْ نَفْسِهِ ، وَإِخْرَاجُ الْغَيْرِ عَنْهُ مِنْ غَيْرِ وِلَايَةٍ وَلَا نِيَابَةٍ لَا يُجْزِئُ وَلَوْ نَوَى ، فَكَيْفَ إذَا لَمْ يَنْوِ .\rوَقَدْ قَالَ أَصْحَابُنَا : لَوْ أَخْرَجَ زَكَاتَهُ وَقَالَ : إنْ كَانَ مُوَرِّثِي قَدْ مَاتَ فَهَذِهِ زَكَاةُ مَالِهِ ، فَبَانَ أَنَّهُ قَدْ مَاتَ ، لَمْ يَقَعْ الْمَوْقِعُ .\rوَهَذَا أَبْلَغُ ، وَلَا يُشْبِهُ هَذَا تَعْجِيلَ زَكَاةِ الْعَامَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ عَجَّلَ بَعْدَ وُجُودِ السَّبَبِ ، وَأَخْرَجَهَا بِنَفْسِهِ ، بِخِلَافِ هَذَا .\rفَإِنْ قِيلَ : فَإِنَّهُ لَمَّا مَاتَ الْمُوَرِّثُ قَبْلَ الْحَوْلِ ، كَانَ لِلْوَارِثِ ارْتِجَاعُهَا ، فَإِذَا لَمْ يَرْتَجِعْهَا احْتَسَبَ بِهَا كَالدَّيْنِ قُلْنَا : فَلَوْ أَرَادَ أَنْ يَحْتَسِبَ الدَّيْنَ عَنْ زَكَاتِهِ لَمْ يَصِحَّ ، وَلَوْ كَانَ لَهُ عِنْدَ رَجُلٍ شَاةٌ مِنْ غَصْبٍ أَوْ قَرْضٍ ، فَأَرَادَ أَنْ يَحْسُبَهَا عَنْ زَكَاتِهِ ، لَمْ تُجْزِهِ .","part":5,"page":190},{"id":2190,"text":"( 1755 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَمَنْ قَدَّمَ زَكَاةَ مَالِهِ ، فَأَعْطَاهَا لِمُسْتَحِقِّهَا ، فَمَاتَ الْمُعْطَى قَبْلَ الْحَوْلِ ، أَوْ بَلَغَ الْحَوْلَ وَهُوَ غَنِيٌّ مِنْهَا ، أَوْ مِنْ غَيْرِهَا ، أَجْزَأَتْ عَنْهُ ) .\rوَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا دَفَعَ الزَّكَاةَ الْمُعَجَّلَةَ إلَى مُسْتَحِقِّهَا ، لَمْ يَخْلُ مِنْ أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ : أَحَدُهَا ، أَنْ لَا يَتَغَيَّرَ الْحَالُ ، فَإِنَّ الْمَدْفُوعَ يَقَعُ مَوْقِعَهُ ، وَيُجْزِئُ عَنْ الْمُزَكِّي ، وَلَا يَلْزَمُهُ بَدَلُهُ ، وَلَا لَهُ اسْتِرْجَاعُهُ ، كَمَا لَوْ دَفَعَهَا بَعْدَ وُجُوبِهَا .\rالثَّانِي : أَنْ يَتَغَيَّرَ حَالُ الْآخِذِ لَهَا ، بِأَنْ يَمُوتَ قَبْلَ الْحَوْلِ ، أَوْ يَسْتَغْنِيَ ، أَوْ يَرْتَدَّ قَبْلَ الْحَوْلِ .\rفَهَذَا فِي حُكْمِ الْقِسْمِ الَّذِي قَبْلَهُ ، وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يُجْزِئُ ؛ لِأَنَّ مَا كَانَ شَرْطًا لِلزَّكَاةِ إذَا عُدِمَ قَبْلَ الْحَوْلِ لَمْ يَجُزْ ، كَمَا لَوْ تَلِفَ الْمَالُ ، أَوْ مَاتَ رَبُّهُ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ أَدَّى الزَّكَاةَ إلَى مُسْتَحِقِّهَا ، فَلَمْ يَمْنَعُ الْإِجْزَاءَ تَغَيُّرُ حَالِهِ ، كَمَا لَوْ اسْتَغْنَى بِهَا ، وَلِأَنَّهُ حَقٌّ أَدَّاهُ إلَى مُسْتَحِقِّهِ ، فَبَرِئَ مِنْهُ ، كَالدَّيْنِ يُعَجِّلُهُ قَبْلَ أَجَلِهِ ، وَمَا ذَكَرُوهُ مُنْتَقِضٌ بِمَا إذَا اسْتَغْنَى بِهَا ، وَالْحُكْمُ فِي الْأَصْلِ مَمْنُوعٌ ، ثُمَّ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا ظَاهِرٌ ، فَإِنَّ الْمَالَ إذَا تَلِفَ تَبَيَّنَ عَدَمُ الْوُجُوبِ ؛ فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَدَّى إلَى غَرِيمِهِ دَرَاهِمَ يَظُنُّهَا عَلَيْهِ ، فَتَبَيَّنَ أَنَّهَا لَيْسَتْ عَلَيْهِ ، وَكَمَا لَوْ أَدَّى الضَّامِنُ الدَّيْنَ ، فَبَانَ أَنَّ الْمَضْمُونَ عَنْهُ قَدْ قَضَاهُ ، وَفِي مَسْأَلَتِنَا الْحَقُّ وَاجِبٌ ، وَقَدْ أَخَذَهُ مُسْتَحِقُّهُ .\rالْقِسْمُ الثَّالِثُ ، أَنْ يَتَغَيَّرَ حَالُ رَبِّ الْمَالِ قَبْلَ الْحَوْلِ بِمَوْتِهِ أَوْ رِدَّتِهِ ، أَوْ تَلَفِ النِّصَابِ ، أَوْ نَقْصِهِ ، أَوْ بَيْعِهِ ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : لَا يَرْجِعُ بِهَا عَلَى الْفَقِيرِ ، سَوَاءٌ أَعْلَمَهُ أَنَّهَا زَكَاةٌ مُعَجَّلَةٌ أَوْ لَمْ يُعْلِمْهُ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : وَهُوَ","part":5,"page":191},{"id":2191,"text":"الْمَذْهَبُ عِنْدِي ؛ لِأَنَّهَا وَصَلَتْ إلَى الْفَقِيرِ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ ارْتِجَاعُهَا ، كَمَا لَوْ لَمْ يُعْلِمْهُ ، وَلِأَنَّهَا زَكَاةٌ دُفِعَتْ إلَى مُسْتَحِقِّهَا ، فَلَمْ يَجُزْ اسْتِرْجَاعُهَا ، كَمَا لَوْ تَغَيَّرَ حَالُ الْفَقِيرِ وَحْدَهُ .\rقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ حَامِدٍ : إنْ كَانَ الدَّافِعُ لَهَا السَّاعِيَ ، اسْتَرْجَعَهَا بِكُلِّ حَالٍ ، وَإِنْ كَانَ الدَّافِعُ رَبَّ الْمَالِ ، وَأَعْلَمَهُ أَنَّهَا زَكَاةٌ مُعَجَّلَةٌ ، رَجَعَ بِهَا ، وَإِنْ أَطْلَقَ لَمْ يَرْجِعْ بِهَا .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ مَالٌ دَفَعَهُ عَمَّا يَسْتَحِقُّهُ الْقَابِضُ فِي الثَّانِي ؛ فَإِذَا طَرَأَ مَا يَمْنَعُ الِاسْتِحْقَاقَ ، وَجَبَ رَدُّهُ ، كَالْأُجْرَةِ إذَا انْهَدَمَتْ الدَّارُ قَبْلَ السُّكْنَى ، أَمَّا إذَا لَمْ يُعْلِمْهُ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ تَطَوُّعًا وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هِبَةً ، فَلَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ فِي الرُّجُوعِ ، فَعَلَى قَوْلِ ابْنِ حَامِدٍ إنْ كَانَتْ الْعَيْنُ بَاقِيَةً لَمْ تَتَغَيَّرْ ، أَخَذَهَا ، وَإِنْ زَادَتْ زِيَادَةً مُتَّصِلَةً ، أَخَذَهَا بِزِيَادَتِهَا ؛ لِأَنَّهَا تُمْنَعُ فِي الْفُسُوخِ ، وَإِنْ كَانَتْ مُنْفَصِلَةً ، أَخَذَهَا دُونَ زِيَادَتِهَا ؛ لِأَنَّهَا حَدَثَتْ فِي مِلْكِ الْفَقِيرِ .\rوَإِنْ كَانَتْ نَاقِصَةً ، رَجَعَ عَلَى الْفَقِيرِ بِالنَّقْصِ ؛ لِأَنَّ الْفَقِيرَ قَدْ مَلَكَهَا بِالنَّقْصِ ؛ فَكَانَ نَقْصُهَا عَلَيْهِ ، كَالْمَبِيعِ إذَا نَقَصَ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي ، ثُمَّ عَلِمَ عَيْبَهُ .\rوَإِنْ كَانَتْ تَالِفَةً أَخَذَ قِيمَتَهَا يَوْمَ الْقَبْضِ ؛ لِأَنَّ مَا زَادَ بَعْدَ ذَلِكَ أَوْ نَقَصَ فَإِنَّمَا هُوَ فِي مِلْكُ الْفَقِيرِ ، فَلَمْ يَضْمَنْهُ ، كَالصَّدَاقِ يَتْلَفُ فِي يَدِ الْمَرْأَةِ .\rالْقِسْمُ الرَّابِعُ ، أَنْ يَتَغَيَّرَ حَالُهُمَا جَمِيعًا ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْقِسْمِ الَّذِي قَبْلَهُ سَوَاءٌ .","part":5,"page":192},{"id":2192,"text":"( 1756 ) فَصْلٌ : إذَا قَالَ رَبُّ الْمَالِ : قَدْ أَعْلَمْته أَنَّهَا زَكَاةٌ مُعَجَّلَةٌ ، فَلِي الرُّجُوعُ .\rفَأَنْكَرَ الْآخِذُ .\rفَالْقَوْلُ قَوْلُ الْآخِذِ ؛ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ وَالْأَصْلُ عَدَمُ الْإِعْلَامِ ، وَعَلَيْهِ الْيَمِينُ .\rوَإِنْ مَاتَ الْآخِذُ ، وَاخْتَلَفَ الْمُخْرِجُ وَوَارِثُ الْآخِذِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْوَارِثِ ، وَيَحْلِفُ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ أَنَّ مُوَرِّثَهُ أَعْلَمَ بِذَلِكَ .\rفَأَمَّا مَنْ قَالَ بِعَدَمِ الِاسْتِرْجَاعِ ، فَلَا يَمِينَ وَلَا غَيْرَهَا .","part":5,"page":193},{"id":2193,"text":"( 1757 ) فَصْلٌ : إذَا تَسَلَّفَ الْإِمَامُ الزَّكَاةَ ، فَهَلَكَتْ فِي يَدِهِ ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ ، وَكَانَتْ مِنْ ضَمَانِ الْفُقَرَاءِ .\rوَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَسْأَلَهُ ذَلِكَ رَبُّ الْمَالِ أَوْ الْفُقَرَاءُ أَوْ لَمْ يَسْأَلْهُ أَحَدٌ ؛ لِأَنَّ يَدَهُ كَيَدِ الْفُقَرَاءِ ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : إنْ تَسَلَّفَهَا مِنْ غَيْرِ سُؤَالٍ ضَمِنَهَا ؛ لِأَنَّ الْفُقَرَاءَ رُشَّدٌ ، لَا يُوَلَّى عَلَيْهِمْ ، فَإِذَا قَبَضَ بِغَيْرِ إذْنِهِمْ ضَمِنَ ، كَالْأَبِ إذَا قَبَضَ لِابْنِهِ الْكَبِيرِ .\rوَإِنْ كَانَ بِسُؤَالِهِمْ كَانَ مِنْ ضَمَانِهِمْ ؛ لِأَنَّهُ وَكِيلُهُمْ .\rفَإِذَا كَانَ بِسُؤَالِ أَرْبَابِ الْأَمْوَالِ ، لَمْ يُجْزِئْهُمْ الدَّفْعُ ، وَكَانَ مِنْ ضَمَانِهِمْ ؛ لِأَنَّهُ وَكِيلُهُمْ .\rوَإِنْ كَانَ بِسُؤَالِهِمْ فَفِيهِ وَجْهَانِ ، أَصَحُّهُمَا ، أَنَّهُ مِنْ ضَمَانِ الْفُقَرَاءِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ لِلْإِمَامِ وِلَايَةً عَلَى الْفُقَرَاءِ ، بِدَلِيلِ جَوَازِ قَبْضِ الصَّدَقَةِ لَهُمْ بِغَيْرِ إذْنِهِمْ سَلَفًا وَغَيْرِهِ ، فَإِذَا تَلِفَتْ فِي يَدِهِ مِنْ غَيْرِ تَفْرِيطٍ ، لَمْ يَضْمَنْ ، كَوَلِيِّ الْيَتِيمِ إذَا قَبَضَ لَهُ .\rوَمَا ذَكَرُوهُ يَبْطُلُ بِمَا إذَا قَبَضَ الصَّدَقَةَ بَعْدَ وُجُوبِهَا ، وَفَارَقَ الْأَبَ فِي حَقِّ وَلَدِهِ الْكَبِيرِ ؛ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ الْقَبْضُ لَهُ ؛ لِعَدَمِ وِلَايَتِهِ عَلَيْهِ ، وَلِهَذَا يَضْمَنُ مَا قَبَضَهُ لَهُ مِنْ الْحَقِّ بَعْدَ وُجُوبِهِ .","part":5,"page":194},{"id":2194,"text":"( 1758 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَلَا يَجُوزُ إخْرَاجُ الزَّكَاةِ إلَّا بِنِيَّةٍ ) .\rإلَّا أَنْ يَأْخُذَهَا الْإِمَامُ مِنْهُ قَهْرًا .\rمَذْهَبُ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ أَنَّ النِّيَّةَ شَرْطٌ فِي أَدَاءِ الزَّكَاةِ ، إلَّا مَا حُكِيَ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ أَنَّهُ قَالَ : لَا تَجِبُ لَهَا النِّيَّةُ ، لِأَنَّهَا دَيْنٌ فَلَا تَجِبُ لَهَا النِّيَّةُ ، كَسَائِرِ الدُّيُونِ ، وَلِهَذَا يُخْرِجُهَا وَلِيُّ الْيَتِيمِ ، وَيَأْخُذُهَا السُّلْطَانُ مِنْ الْمُمْتَنِعِ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ } وَأَدَاؤُهَا عَمَلٌ ، وَلِأَنَّهَا عِبَادَةٌ تَتَنَوَّعُ إلَى فَرْضٍ وَنَفْلٍ ، فَافْتَقَرَتْ إلَى النِّيَّةِ كَالصَّلَاةِ ، وَتُفَارِقُ قَضَاءَ الدَّيْنِ ؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِعِبَادَةٍ ، وَلِهَذَا يَسْقُطُ بِإِسْقَاطِ مُسْتَحِقِّهِ ، وَوَلِيُّ الصَّبِيِّ وَالسُّلْطَانُ يَنُوبَانِ عِنْدَ الْحَاجَةِ .\rفَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِنَّ النِّيَّةَ أَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّهَا زَكَاتُهُ ، أَوْ زَكَاةُ مَنْ يُخْرِجُ عَنْهُ .\rكَالصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ ، وَمَحَلُّهَا الْقَلْبُ ؛ لِأَنَّ مَحَلَّ الِاعْتِقَادَاتِ كُلِّهَا الْقَلْبُ .\r( 1759 ) فَصْلٌ : وَيَجُوزُ تَقْدِيمُ النِّيَّةِ عَلَى الْأَدَاءِ بِالزَّمَنِ الْيَسِيرِ ، كَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ ؛ وَلِأَنَّ هَذِهِ تَجُوزُ النِّيَابَةُ فِيهَا ، فَاعْتِبَارُ مُقَارَنَةِ النِّيَّةِ لِلْإِخْرَاجِ يُؤَدِّي إلَى التَّغْرِيرِ بِمَالِهِ ، فَإِنْ دَفَعَ الزَّكَاةَ إلَى وَكِيلِهِ ، وَنَوَى هُوَ دُونَ الْوَكِيلِ ، جَازَ إذَا لَمْ تَتَقَدَّمْ نِيَّتُهُ الدَّفْعَ بِزَمَنِ طَوِيلٍ .\rوَإِنْ تَقَدَّمَتْ بِزَمَنٍ طَوِيلٍ لَمْ يَجُزْ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ نَوَى حَالَ الدَّفْعِ إلَى الْوَكِيلِ ، وَنَوَى الْوَكِيلُ عِنْدَ الدَّفْعِ إلَى الْمُسْتَحِقِّ ، وَلَوْ نَوَى الْوَكِيلُ وَلَمْ يَنْوِ الْمُوَكِّلُ لَمْ يَجُزْ ؛ لِأَنَّ الْفَرْضَ يَتَعَلَّقُ بِهِ ، وَالْإِجْزَاءُ يَقَعُ عَنْهُ .\rوَإِنْ دَفَعَهَا إلَى الْإِمَامِ نَاوِيًا وَلَمْ يَنْوِ الْإِمَامُ حَالَ دَفْعِهَا إلَى الْفُقَرَاءِ ، جَازَ ، وَإِنْ طَالَ ؛ لِأَنَّهُ وَكِيلُ الْفُقَرَاءِ .\rوَلَوْ تَصَدَّقَ الْإِنْسَانُ بِجَمِيعِ مَالِهِ","part":5,"page":195},{"id":2195,"text":"تَطَوُّعًا وَلَمْ يَنْوِ بِهِ الزَّكَاةَ ، لَمْ يُجْزِئْهُ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ : يُجْزِئُهُ اسْتِحْبَابًا وَلَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْوِ بِهِ الْفَرْضَ ، فَلَمْ يُجْزِئْهُ ، كَمَا لَوْ تَصَدَّقَ بِبَعْضِهِ ، وَكَمَا لَوْ صَلَّى مِائَةَ رَكْعَةٍ وَلَمْ يَنْوِ الْفَرْضَ بِهَا .\r( 1760 ) فَصْلٌ : وَلَوْ كَانَ لَهُ مَالٌ غَائِبٌ فَشَكَّ فِي سَلَامَتِهِ ، جَازَ لَهُ إخْرَاجُ الزَّكَاةِ عَنْهُ ، وَكَانَتْ نِيَّةُ الْإِخْرَاجِ صَحِيحَةً ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاؤُهُ .\rفَإِنْ نَوَى إنْ كَانَ مَالِي سَالِمًا فَهَذِهِ زَكَاتُهُ ، وَإِنْ كَانَ تَالِفًا فَهِيَ تَطَوُّعٌ .\rفَبَانَ سَالِمًا ، أَجْزَأَتْ نِيَّتُهُ ؛ لِأَنَّهُ أَخْلَصَ النِّيَّةَ لِلْفَرْضِ ، ثُمَّ رَتَّبَ عَلَيْهَا النَّفَلَ ، وَهَذَا حُكْمُهَا كَمَا لَوْ لَمْ يَقُلْهُ ، فَإِذَا قَالَهُ لَمْ يَضُرَّ .\rوَلَوْ قَالَ : هَذَا زَكَاةُ مَالِي الْغَائِبِ أَوْ الْحَاضِرِ .\rصَحَّ ؛ لِأَنَّ التَّعْيِينَ لَيْسَ بِشَرْطٍ ، بِدَلِيلِ أَنَّ مَنْ لَهُ أَرْبَعُونَ دِينَارًا إذَا أَخْرَجَ نِصْفَ دِينَارٍ عَنْهَا ، صَحَّ ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ يَقَعُ عَنْ عِشْرِينَ غَيْرِ مُعَيَّنَةٍ .\rوَإِنْ قَالَ : هَذَا زَكَاةُ مَالِي الْغَائِبِ أَوْ تَطَوُّعٌ .\rلَمْ يُجْزِئْهُ ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ لِأَنَّهُ لَمْ يُخْلِصْ النِّيَّةَ لِلْفَرْضِ .\rأَشْبَهَ مَا لَوْ قَالَ : أُصَلِّي فَرْضًا أَوْ تَطَوُّعًا .\rوَإِنْ قَالَ : هَذَا زَكَاةُ مَالِي الْغَائِبِ إنْ كَانَ سَالِمًا وَإِلَّا فَهُوَ زَكَاةُ مَالِي الْحَاضِرِ .\rأَجْزَأَهُ عَنْ السَّالِمِ مِنْهُمَا .\rوَإِنْ كَانَا سَالِمَيْنِ فَعَنْ أَحَدِهِمَا ، لِأَنَّ التَّعْيِينَ لَيْسَ بِشَرْطٍ .\rوَإِنْ قَالَ : زَكَاةُ مَالِي الْغَائِبِ .\rوَأَطْلَقَ ، فَبَانَ تَالِفًا ، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَصْرِفَهُ إلَى زَكَاةِ غَيْرِهِ ؛ لِأَنَّهُ عَيَّنَهُ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَعْتَقَ عَبْدًا عَنْ كَفَّارَةٍ عَيَّنَهَا فَلَمْ يَقَعْ عَنْهَا ، لَمْ يَكُنْ لَهُ صَرْفُهُ إلَى كَفَّارَةٍ أُخْرَى .\rهَذَا التَّفْرِيعُ فِيمَا إذَا كَانَتْ الْمُعَيَّنَةَ مِمَّا لَا يَمْنَعُ إخْرَاجَ زَكَاتِهِ فِي بَلَدِ رَبِّ الْمَالِ ؛ إمَّا لِقُرْبِهِ ، أَوْ لِكَوْنِ الْبَلَدِ لَا","part":5,"page":196},{"id":2196,"text":"يُوجَدُ فِيهِ أَهْلُ السَّهْمَانِ ، أَوْ عَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي تَقُولُ بِإِخْرَاجِهَا فِي بَلَدٍ بَعِيدٍ مِنْ بَلَدِ الْمَالِ .\rوَإِنْ كَانَ لَهُ مُوَرِّثٌ غَائِبٌ فَقَالَ : إنْ كَانَ مُوَرِّثِي قَدْ مَاتَ ، فَهَذِهِ زَكَاةُ مَالِهِ الَّذِي وَرِثْته مِنْهُ ، فَبَانَ مَيِّتًا ، لَمْ يُجْزِئْهُ مَا أَخْرَجَ ؛ لِأَنَّهُ يَبْنِي عَلَى غَيْرِ أَصْلٍ ، فَهُوَ كَمَا لَوْ قَالَ لَيْلَةَ الشَّكِّ : إنْ كَانَ غَدًا مِنْ رَمَضَانَ فَهُوَ فَرْضِي ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَهُوَ نَفْلٌ .","part":5,"page":197},{"id":2197,"text":"( 1761 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( إلَّا أَنْ يَأْخُذَهَا الْإِمَامُ مِنْهُ قَهْرًا ) .\rمُقْتَضَى كَلَامِ الْخِرَقِيِّ ، أَنَّ الْإِنْسَانَ مَتَى دَفَعَ زَكَاتَهُ طَوْعًا لَمْ تُجْزِئْهُ إلَّا بِنِيَّةٍ ، سَوَاءٌ دَفَعَهَا إلَى الْإِمَامِ أَوْ غَيْرِهِ ، وَإِنْ أَخَذَهَا الْإِمَامُ مِنْهُ قَهْرًا ، أَجْزَأَتْ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ ؛ لِأَنَّ تَعَذُّرَ النِّيَّةِ فِي حَقِّهِ أَسْقَطَ وُجُوبَهَا عَنْهُ كَالصَّغِيرِ وَالْمَجْنُونِ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : مَتَى أَخَذَهَا الْإِمَامُ أَجْزَأَتْ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ ، سَوَاءٌ أَخَذَهَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا .\rوَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ أَخْذَ الْإِمَامِ بِمَنْزِلَةِ الْقَسْمِ بَيْنَ الشُّرَكَاءِ ، فَلَمْ يَحْتَجْ إلَى نِيَّةٍ ، وَلِأَنَّ لِلْإِمَامِ وِلَايَةً فِي أَخْذِهَا ، وَلِذَلِكَ يَأْخُذُهَا مِنْ الْمُمْتَنِعِ اتِّفَاقًا وَلَوْ لَمْ يُجْزِئْهُ لَمَّا أَخَذَهَا ، أَوْ لَأَخَذَهَا ثَانِيًا وَثَالِثًا حَتَّى يَنْفَدَ مَالُهُ ؛ لِأَنَّ أَخْذَهَا إنْ كَانَ لِإِجْزَائِهَا فَلَا يَحْصُلُ الْإِجْزَاءُ بِدُونِ النِّيَّةِ ، وَإِنْ كَانَ لِوُجُوبِهَا فَالْوُجُوبِ بَاقٍ بَعْدَ أَخْذِهَا .\rوَاخْتَارَ أَبُو الْخَطَّابِ وَابْنُ عَقِيلٍ : أَنَّهَا لَا تُجْزِئُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى إلَّا بِنِيَّةِ رَبِّ الْمَالِ ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ إمَّا وَكِيلُهُ ، وَإِمَّا وَكِيلُ الْفُقَرَاءِ ، أَوْ وَكِيلُهُمَا مَعًا ، وَأَيَّ ذَلِكَ كَانَ فَلَا تُجْزِئُ نِيَّتُهُ عَنْ نِيَّةِ رَبِّ الْمَالِ ، وَلِأَنَّ الزَّكَاةَ عِبَادَةٌ تَجِبُ لَهَا النِّيَّةُ ، فَلَا تُجْزِئُ عَمَّنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ بِغَيْرِ نِيَّةٍ ، إنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النِّيَّةِ كَالصَّلَاةِ ، وَإِنَّمَا أُخِذَتْ مِنْهُ مَعَ عَدَمِ الْإِجْزَاءِ حِرَاسَةً لِلْعِلْمِ الظَّاهِرِ كَالصَّلَاةِ يُجْبَرُ عَلَيْهَا لِيَأْتِيَ بِصُورَتِهَا ، وَلَوْ صَلَّى بِغَيْرِ نِيَّةٍ لَمْ يُجْزِئْهُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى .\rقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ : وَمَعْنَى قَوْلِ الْفُقَهَاءِ : يُجْزِئُ عَنْهُ .\rأَيْ فِي الظَّاهِرِ ، بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا يُطَالَبُ بِأَدَائِهَا ثَانِيًا ، كَمَا قُلْنَا فِي الْإِسْلَامِ ، فَإِنَّ الْمُرْتَدَّ يُطَالَبُ بِالشَّهَادَةِ ، فَمَتَى أَتَى بِهَا حُكِمَ","part":5,"page":198},{"id":2198,"text":"بِإِسْلَامِهِ ظَاهِرًا ، وَمَتَى لَمْ يَكُنْ مُعْتَقِدًا صِحَّةَ مَا يَلْفِظُ بِهِ ، لَمْ يَصِحَّ إسْلَامُهُ بَاطِنًا .\rقَالَ : وَقَوْلُ أَصْحَابِنَا : لَا تُقْبَلُ تَوْبَةُ الزِّنْدِيقِ .\rمَعْنَاهُ : لَا يَسْقُطُ عَنْهُ الْقَتْلُ الَّذِي تَوَجَّهَ عَلَيْهِ ؛ لِعَدَمِ عِلْمِنَا بِحَقِيقَةِ تَوْبَتِهِ ؛ لِأَنَّ أَكْثَرَ مَا فِيهِ أَنَّهُ أَظْهَرَ إيمَانَهُ ، وَقَدْ كَانَ دَهْرَهُ يُظْهِرُ إيمَانَهُ ، وَيَسْتُرُ كُفْرَهُ ، فَأَمَّا عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَإِنَّهَا تَصِحُّ إذَا عُلِمَ مِنْهُ حَقِيقَةُ الْإِنَابَةِ ، وَصِدْقُ التَّوْبَةِ ، وَاعْتِقَادُ الْحَقِّ وَمَنْ نَصَرَ قَوْلَ الْخِرَقِيِّ ، قَالَ : إنَّ لِلْإِمَامِ وِلَايَةً عَلَى الْمُمْتَنِعِ ، فَقَامَتْ نِيَّتُهُ مَقَامَ نِيَّتِهِ ، كَوَلِيِّ الْيَتِيمِ وَالْمَجْنُونِ ، وَفَارَقَ الصَّلَاةَ ؛ فَإِنَّ النِّيَابَةَ فِيهَا لَا تَصِحُّ ، فَلَا بُدَّ مِنْ نِيَّةِ فَاعِلِهَا .\rوَقَوْلُهُ : لَا يَخْلُو مِنْ كَوْنِهِ وَكِيلًا لَهُ ، أَوْ وَكِيلًا لِلْفُقَرَاءِ ، أَوْ لَهُمَا .\rقُلْنَا : بَلْ هُوَ وَالٍ عَلَى الْمَالِكِ ، وَأَمَّا إلْحَاقُ الزَّكَاةِ بِالْقِسْمَةِ فَغَيْرُ صَحِيحٍ ، فَإِنَّ الْقِسْمَةَ لَيْسَتْ عِبَادَةً ، وَلَا يُعْتَبَرُ لَهَا نِيَّةٌ ، بِخِلَافِ الزَّكَاةِ .","part":5,"page":199},{"id":2199,"text":"( 1762 ) فَصْلٌ : وَيُسْتَحَبُّ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَلِيَ تَفْرِقَةَ الزَّكَاةِ بِنَفْسِهِ ؛ لِيَكُونَ عَلَى يَقِينٍ مِنْ وُصُولِهَا إلَى مُسْتَحِقِّهَا ، سَوَاءٌ كَانَتْ مِنْ الْأَمْوَالِ الظَّاهِرَةِ أَوْ الْبَاطِنَةِ .\rقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : أَعْجَبُ إلَى أَنْ يُخْرِجَهَا ، وَإِنْ دَفَعَهَا إلَى السُّلْطَانِ .\rفَهُوَ جَائِزٌ .\rوَقَالَ الْحَسَنُ وَمَكْحُولٌ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَمَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ يَضَعُهَا رَبُّ الْمَالِ فِي مَوْضِعِهَا .\rوَقَالَ الثَّوْرِيُّ احْلِفْ لَهُمْ ، وَأَكْذِبْهُمْ ، وَلَا تُعْطِهِمْ شَيْئًا ، إذَا لَمْ يَضَعُوهَا مَوَاضِعَهَا ، وَقَالَ لَا تُعْطِهِمْ : وَقَالَ عَطَاءٌ : أَعْطِهِمْ .\rإذَا وَضَعُوهَا مَوَاضِعَهَا .\rفَمَفْهُومُهُ أَنَّهُ لَا يُعْطِيهِمْ إذَا لَمْ يَكُونُوا كَذَلِكَ .\rوَقَالَ الشَّعْبِيُّ وَأَبُو جَعْفَرٍ إذَا رَأَيْت الْوُلَاةَ لَا يَعْدِلُونَ ، فَضَعْهَا فِي أَهْلِ الْحَاجَةِ مِنْ أَهْلِهَا : وَقَالَ إبْرَاهِيمُ ضَعُوهَا فِي مَوَاضِعِهَا ، وَإِنْ أَخَذَهَا السُّلْطَانُ أَجْزَأَك .\rوَقَالَ سَعِيدٌ : أَنْبَأَنَا أَبُو عَوَانَةَ ، عَنْ مُهَاجِرٍ أَبِي الْحَسَنِ قَالَ : أَتَيْت أَبَا وَائِلٍ وَأَبَا بُرْدَةَ بِالزَّكَاةِ وَهُمَا عَلَى بَيْتِ الْمَالِ ، فَأَخَذَاهَا ، ثُمَّ جِئْت مَرَّةً أُخْرَى ، فَرَأَيْت أَبَا وَائِلٍ وَحْدَهُ .\rفَقَالَ لِي : رُدَّهَا فَضَعْهَا مَوَاضِعَهَا .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ : أَمَّا صَدَقَةُ الْأَرْضِ فَيُعْجِبُنِي دَفْعُهَا إلَى السُّلْطَانِ .\rوَأَمَّا زَكَاةُ الْأَمْوَالِ كَالْمَوَاشِي ، فَلَا بَأْسَ أَنْ يَضَعَهَا فِي الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ .\rفَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ اسْتَحَبَّ دَفْعَ الْعُشْرِ خَاصَّةً إلَى الْأَئِمَّةِ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْعُشْرَ قَدْ ذَهَبَ قَوْمٌ إلَى أَنَّهُ مَئُونَةُ الْأَرْضِ ، فَهُوَ كَالْخَرَاجِ يَتَوَلَّاهُ الْأَئِمَّةُ ، بِخِلَافِ سَائِرِ الزَّكَاةِ .\rوَاَلَّذِي رَأَيْت فِي \" الْجَامِعِ \" قَالَ : أَمَّا صَدَقَةُ الْفِطْرِ ، فَيُعْجِبُنِي دَفْعُهَا إلَى السُّلْطَانِ .\rثُمَّ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ قِيلَ لِابْنِ عُمَرَ إنَّهُمْ يُقَلِّدُونَ بِهَا الْكِلَابَ ، وَيَشْرَبُونَ بِهَا الْخُمُورَ ؟ ، قَالَ : ادْفَعْهَا إلَيْهِمْ .","part":5,"page":200},{"id":2200,"text":"وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى وَأَبُو الْخَطَّابِ دَفْعُ الزَّكَاةِ إلَى الْإِمَامِ الْعَادِلِ أَفْضَلُ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ .\rوَمِمَّنْ قَالَ : يَدْفَعُهَا إلَى الْإِمَامِ ؛ الشَّعْبِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ وَأَبُو رَزِينٍ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ أَعْلَمُ بِمَصَارِفِهَا ، وَدَفْعُهَا إلَيْهِ يُبَرِّئُهُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا ، وَدَفْعُهَا إلَى الْفَقِيرِ لَا يُبَرِّئُهُ بَاطِنًا ، لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ غَيْرَ مُسْتَحِقٍّ لَهَا ، وَلِأَنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ الْخِلَافِ ، وَتَزُولُ عَنْهُ التُّهْمَةُ .\rوَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَدْفَعُ زَكَاتَهُ إلَى مِنْ جَاءَهُ مِنْ سُعَاةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ ، أَوْ نَجْدَةَ الْحَرُورِيِّ .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ ، قَالَ : أَتَيْت سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ فَقُلْت : عِنْدِي مَالٌ ، وَأُرِيدُ أَنْ أُخْرِجَ زَكَاتَهُ ، وَهَؤُلَاءِ الْقَوْمُ عَلَى مَا تَرَى ، فَمَا تَأْمُرُنِي ؟ قَالَ : ادْفَعْهَا إلَيْهِمْ .\rفَأَتَيْت ابْنَ عُمَرَ ، فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ ، فَأَتَيْت أَبَا هُرَيْرَةَ فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ ، فَأَتَيْت أَبَا سَعِيدٍ فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ .\rوَيُرْوَى نَحْوُهُ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا .\rوَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو عُبَيْدٍ : لَا يُفَرِّقُ الْأَمْوَالَ الظَّاهِرَةَ إلَّا الْإِمَامُ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى { خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا } .\rوَلِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ ، طَالَبَهُمْ بِالزَّكَاةِ ، وَقَاتَلَهُمْ عَلَيْهَا ، وَقَالَ : لَوْ مَنَعُونِي عَنَاقًا كَانُوا يُؤَدُّونَهَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَيْهَا .\rوَوَافَقَهُ الصَّحَابَةُ عَلَى هَذَا ، وَلِأَنَّ مَا لِلْإِمَامِ قَبْضُهُ بِحُكْمِ الْوِلَايَةِ ، لَا يَجُوزُ دَفْعُهُ إلَى الْمُوَلَّى عَلَيْهِ ، كَوَلِيِّ الْيَتِيمِ .\rوَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ كَالْمَذْهَبَيْنِ .\rوَلَنَا ، عَلَى جَوَازِ دَفْعِهَا بِنَفْسِهِ أَنَّهُ دَفَعَ الْحَقَّ إلَى مُسْتَحِقِّهِ الْجَائِزِ تَصَرُّفُهُ .\rفَأَجْزَأهُ ، كَمَا لَوْ دَفَعَ الدَّيْنَ إلَى غَرِيمِهِ ، وَكَزَكَاةِ الْأَمْوَالِ الْبَاطِنَةِ ، وَلِأَنَّهُ أَحَدُ","part":5,"page":201},{"id":2201,"text":"نَوْعَيْ الزَّكَاةِ ، فَأَشْبَهَ النَّوْعَ الْآخَرَ ، وَالْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ لِلْإِمَامِ أَخْذَهَا .\rوَلَا خِلَافَ فِيهِ ، وَمُطَالَبَةُ أَبِي بَكْرٍ لَهُمْ بِهَا ، لِكَوْنِهِمْ لَمْ يُؤَدُّوهَا إلَى أَهْلِهَا ، وَلَوْ أَدَّوْهَا إلَى أَهْلِهَا لَمْ يُقَاتِلْهُمْ عَلَيْهَا ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مُخْتَلَفٌ فِي إجْزَائِهِ ، فَلَا تَجُوزُ الْمُقَاتَلَةُ مِنْ أَجْلِهِ ، وَإِنَّمَا يُطَالِبُ الْإِمَامُ بِحُكْمِ الْوِلَايَةِ وَالنِّيَابَةِ عَنْ مُسْتَحِقِّيهَا ، فَإِذَا دَفَعَهَا إلَيْهِمْ جَازَ ؛ لِأَنَّهُمْ أَهْلُ رُشْدٍ ، فَجَازَ الدَّفْعُ إلَيْهِمْ ، بِخِلَافِ الْيَتِيمِ .\rوَأَمَّا وَجْهُ فَضِيلَةِ دَفْعِهَا بِنَفْسِهِ ، فَلِأَنَّهُ إيصَالُ الْحَقِّ إلَى مُسْتَحِقِّهِ ، مَعَ تَوْفِيرِ أَجْرِ الْعِمَالَةِ ، وَصِيَانَةِ حَقِّهِمْ ، عَنْ خَطَرِ الْخِيَانَةِ ، وَمُبَاشَرَةِ تَفْرِيجِ كُرْبَةِ مُسْتَحِقِّهَا ، وَإِغْنَائِهِ بِهَا ، مَعَ إعْطَائِهَا لِلْأَوْلَى بِهَا ؛ مِنْ مَحَاوِيجِ أَقَارِبِهِ ، وَذَوِي رَحِمِهِ ، وَصِلَةِ رَحِمِهِ بِهَا ، فَكَانَ أَفْضَلَ ، كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ آخِذُهَا مِنْ أَهْلِ الْعَدْلِ .\rفَإِنْ قِيلَ : فَالْكَلَامُ فِي الْإِمَامِ الْعَادِلِ ، إذْ الْخِيَانَةُ مَأْمُونَةٌ فِي حَقِّهِ .\rقُلْنَا : الْإِمَامُ لَا يَتَوَلَّى ذَلِكَ بِنَفْسِهِ ، وَإِنَّمَا يُفَوِّضُهُ إلَى نُوَّابِهِ ، فَلَا تُؤْمَنُ مِنْهُمْ الْخِيَانَةُ ، ثُمَّ رُبَّمَا لَا يَصِلُ إلَى الْمُسْتَحِقِّ الَّذِي قَدْ عَلِمَهُ الْمَالِكُ مِنْ أَهْلِهِ وَجِيرَانِهِ شَيْءٌ مِنْهَا ، وَهُمْ أَحَقُّ النَّاسِ بِصِلَتِهِ وَصَدَقَتِهِ وَمُوَاسَاتِهِ .\rوَقَوْلُهُمْ : إنَّ أَخْذَ الْإِمَامِ يُبَرِّئُهُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا .\rقُلْنَا : يَبْطُلُ هَذَا بِدَفْعِهَا إلَى غَيْرِ الْعَادِلِ ؛ فَإِنَّهُ يُبَرِّئُهُ أَيْضًا ، وَقَدْ سَلَّمُوا أَنَّهُ لَيْسَ بِأَفْضَلَ ، ثُمَّ إنَّ الْبَرَاءَةَ الظَّاهِرَةَ تَكْفِي .\rوَقَوْلُهُمْ : إنَّهُ تَزُولُ بِهِ التُّهْمَةُ .\rقُلْنَا : مَتَى أَظْهَرَهَا زَالَتْ التُّهْمَةُ ، سَوَاءٌ أَخْرَجَهَا بِنَفْسِهِ ، أَوْ دَفَعَهَا إلَى الْإِمَامِ ، وَلَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ أَنَّ دَفْعَهَا إلَى الْإِمَامِ ، سَوَاءٌ كَانَ عَادِلًا أَوْ غَيْرَ عَادِلٍ ، وَسَوَاءٌ كَانَتْ","part":5,"page":202},{"id":2202,"text":"مِنْ الْأَمْوَالِ الظَّاهِرَةِ أَوْ الْبَاطِنَةِ ، وَيَبْرَأُ بِدَفْعِهَا سَوَاءٌ تَلِفَتْ فِي يَدِ الْإِمَامِ أَوْ لَمْ تَتْلَفْ ، أَوْ صَرَفَهَا فِي مَصَارِفِهَا أَوْ لَمْ يَصْرِفْهَا ؛ لِمَا ذَكَرْنَا عَنْ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، وَلِأَنَّ الْإِمَامَ نَائِبٌ عَنْهُمْ شَرْعًا فَبَرِئَ بِدَفْعِهَا إلَيْهِ ، كَوَلِيِّ الْيَتِيمِ إذَا قَبَضَهَا لَهُ ، وَلَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ أَيْضًا فِي أَنَّ صَاحِبَ الْمَالِ يَجُوزُ أَنْ يُفَرِّقَهَا بِنَفْسِهِ .","part":5,"page":203},{"id":2203,"text":"( 1763 ) فَصْلٌ : إذَا أَخَذَ الْخَوَارِجُ وَالْبُغَاةُ الزَّكَاةَ ، أَجْزَأَتْ عَنْ صَاحِبِهَا .\rوَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ أَحْمَدَ وَالشَّافِعِيِّ وَأَبِي ثَوْرٍ ، فِي الْخَوَارِجِ ، أَنَّهُ يُجْزِئُ .\rوَكَذَلِكَ كُلُّ مَنْ أَخَذَهَا مِنْ السَّلَاطِينِ ، أَجْزَأَتْ عَنْ صَاحِبِهَا ، سَوَاءٌ عَدَلَ فِيهَا أَوْ جَارَ ، وَسَوَاءٌ أَخَذَهَا قَهْرًا أَوْ دَفَعَهَا إلَيْهِ اخْتِيَارًا .\rقَالَ أَبُو صَالِحٍ : سَأَلْت سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ وَابْنَ عُمَرَ وَجَابِرًا وَأَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَأَبَا هُرَيْرَةَ فَقُلْت : هَذَا السُّلْطَانُ يَصْنَعُ مَا تَرَوْنَ ، أَفَأَدْفَعُ إلَيْهِمْ زَكَاتِي ؟ فَقَالُوا كُلُّهُمْ : نَعَمْ وَقَالَ إبْرَاهِيمُ يُجْزِئُ عَنْك مَا أَخَذَ مِنْك الْعَشَّارُونَ .\rوَعَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ أَنَّهُ دَفَعَ صَدَقَتَهُ إلَى نَجْدَةَ .\rوَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ، أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ مُصَدِّقِ ابْنِ الزُّبَيْرِ ، وَمُصَدِّقِ نَجْدَةَ ، فَقَالَ : إلَى أَيِّهِمَا دَفَعْت أَجْزَأَ عَنْك .\rوَبِهَذَا قَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ فِيمَا غُلِبُوا عَلَيْهِ .\rوَقَالُوا : إذَا مَرَّ عَلَى الْخَوَارِجِ فَعَشَّرُوهُ ، لَا يُجْزِئُ عَنْ زَكَاتِهِ .\rوَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ فِي الْخَوَارِجِ يَأْخُذُونَ الزَّكَاةَ : عَلَى مَنْ أَخَذُوا مِنْهُ الْإِعَادَةَ ؛ لِأَنَّهُمْ لَيْسُوا بِأَئِمَّةٍ ، فَأَشْبَهُوا قُطَّاعَ الطَّرِيقِ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ فِي عَصْرِهِمْ عَلِمْنَاهُ ، فَيَكُونُ إجْمَاعًا وَلِأَنَّهُ دَفَعَهَا إلَى أَهْلِ الْوِلَايَةِ ، فَأَشْبَهَ دَفْعَهَا إلَى أَهْلِ الْبَغْيِ .","part":5,"page":204},{"id":2204,"text":"( 1764 ) فَصْلٌ : وَإِذَا دَفَعَ الزَّكَاةَ اُسْتُحِبَّ أَنْ يَقُولَ : اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا مَغْنَمًا وَلَا تَجْعَلْهَا مَغْرَمًا ، وَيَحْمَدُ اللَّهَ عَلَى التَّوْفِيقِ لِأَدَائِهَا .\rفَقَدْ رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : إذَا أَعْطَيْتُمْ الزَّكَاةَ فَلَا تَنْسَوْا ثَوَابَهَا أَنْ تَقُولُوا : اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا مَغْنَمًا ، وَلَا تَجْعَلْهَا مَغْرَمًا } .\rأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ .\rوَيُسْتَحَبُّ لِلْآخِذِ أَنْ يَدْعُوَ لِصَاحِبِهَا فَيَقُولَ آجَرَك اللَّهُ فِيمَا أَعْطَيْت ، وَبَارَكَ لَك فِيمَا أَنْقَقْت ، وَجَعَلَهُ لَك طَهُورًا .\rوَإِنْ كَانَ الدَّفْعُ إلَى السَّاعِي ، أَوْ الْإِمَامِ شَكَرَهُ وَدَعَا لَهُ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إنَّ صَلَاتَك سَكَنٌ لَهُمْ } .\r{ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أَوْفَى : كَانَ أَبِي مِنْ أَصْحَابِ الشَّجَرَةِ ، وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا أَتَاهُ قَوْمٌ بِصَدَقَتِهِمْ ، قَالَ : اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ فُلَانٍ .\rفَأَتَاهُ أَبِي بِصَدَقَتِهِ ، فَقَالَ : اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ أَبِي أَوْفَى } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَالصَّلَاةُ هَاهُنَا الدُّعَاءُ وَالتَّبْرِيكُ وَلَيْسَ هَذَا بِوَاجِبٍ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ بَعَثَ مُعَاذًا إلَى الْيَمَنِ ، قَالَ : { أَعْلِمْهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ ، فَتُرَدُّ فِي فُقَرَائِهِمْ .\r} مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rفَلَمْ يَأْمُرْهُ بِالدُّعَاءِ .\rوَلِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَجِبُ عَلَى الْفَقِيرِ الْمَدْفُوعِ إلَيْهِ ، فَالنَّائِبُ أَوْلَى .","part":5,"page":205},{"id":2205,"text":"( 1765 ) فَصْلٌ : وَيَجُوزُ دَفْعُ الزَّكَاةِ إلَى الْكَبِيرِ وَالصَّغِيرِ ، سَوَاءٌ أَكَلَ الطَّعَامَ أَوْ لَمْ يَأْكُلْ .\rقَالَ أَحْمَدُ يَجُوزُ أَنْ يُعْطِيَ زَكَاتَهُ فِي أَجْرِ رَضَاعِ لَقِيطِ غَيْرِهِ ، هُوَ فَقِيرٌ مِنْ الْفُقَرَاءِ .\rوَعَنْهُ : لَا يَجُوزُ دَفْعُهَا إلَّا إلَى مَنْ أَكَلَ الطَّعَامَ .\rقَالَ الْمَرُّوذِيُّ : كَانَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ لَا يَرَى أَنْ يُعْطَى الصَّغِيرُ مِنْ الزَّكَاةِ ، إلَّا أَنْ يَطْعَمَ الطَّعَامَ .\rوَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ؛ لِأَنَّهُ فَقِيرٌ ، فَجَازَ الدَّفْعُ إلَيْهِ ، كَاَلَّذِي طَعِمَ ، وَلِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى الزَّكَاةِ لِأَجْرِ رَضَاعِهِ وَكِسْوَتِهِ وَسَائِرِ حَوَائِجِهِ ، فَيَدْخُلُ فِي عُمُومِ النُّصُوصِ ، وَيَدْفَعُ الزَّكَاةَ إلَى وَلِيِّهِ ؛ لِأَنَّهُ يَقْبِضُ حُقُوقَهُ ، وَهَذَا مِنْ حُقُوقِهِ .\rفَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ دَفَعَهَا إلَى مَنْ يُعْنَى بِأَمْرِهِ ، وَيَقُومُ بِهِ مِنْ أُمِّهِ أَوْ غَيْرِهَا .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ وَكَذَلِكَ الْمَجْنُونُ ، قَالَ هَارُونُ الْحَمَّالُ : قُلْت لِأَحْمَدَ فَكَيْفَ يُصْنَعُ بِالصِّغَارِ ؟ قَالَ : يُعْطَى أَوْلِيَاؤُهُمْ .\rفَقُلْت : لَيْسَ لَهُمْ وَلِيٌّ ، قَالَ : فَيُعْطَى مَنْ يُعْنَى بِأَمْرِهِمْ مِنْ الْكِبَارِ فَرَخَّصَ فِي ذَلِكَ .\rوَقَالَ مُهَنَّا : سَأَلْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يُعْطَى مِنْ الزَّكَاةِ الْمَجْنُونُ ، وَالذَّاهِبُ عَقْلُهُ ؟ قَالَ : نَعَمْ .\rقُلْت : مَنْ يَقْبِضُهَا لَهُ ؟ قَالَ : وَلِيُّهُ .\rقُلْت : لَيْسَ لَهُ وَلِيٌّ ؟ قَالَ الَّذِي يَقُومُ عَلَيْهِ .\rوَإِنْ دَفَعَهَا إلَى الصَّبِيِّ الْعَاقِلِ ، فَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ يُجْزِئُهُ .\rقَالَ الْمَرُّوذِيُّ قُلْت لِأَحْمَدَ يُعْطَى غُلَامٌ يَتِيمٌ مِنْ الزَّكَاةِ ؟ قَالَ : نَعَمْ .\rقُلْت : فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يُضَيِّعَهُ .\rقَالَ : يَدْفَعُهُ إلَى مَنْ يَقُومُ بِأَمْرِهِ .\rوَقَدْ رَوَى الدَّارَقُطْنِيّ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ ، قَالَ : { بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِينَا سَاعِيًا ، فَأَخَذَ الصَّدَقَةَ مِنْ أَغْنِيَائِنَا فَرَدَّهَا فِي فُقَرَائِنَا ، } وَكُنْت غُلَامًا يَتِيمًا لَا مَالَ لِي ، فَأَعْطَانِي قَلُوصًا .","part":5,"page":206},{"id":2206,"text":"( 1766 ) فَصْلٌ : وَإِذَا دَفَعَ الزَّكَاةَ إلَى مَنْ يَظُنُّهُ فَقِيرًا ، لَمْ يَحْتَجْ إلَى إعْلَامِهِ أَنَّهَا زَكَاةٌ .\rقَالَ الْحَسَنُ أَتُرِيدُ أَنْ تُقْرِعَهُ ، لَا تُخْبِرْهُ ؟ وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ : قُلْت لِأَحْمَدَ : يَدْفَعُ الرَّجُلُ الزَّكَاةَ إلَى الرَّجُلِ ، فَيَقُولُ : هَذَا مِنْ الزَّكَاةِ .\rأَوْ يَسْكُتُ ؟ قَالَ : وَلِمَ يُبَكِّتْهُ بِهَذَا الْقَوْلِ ؟ يُعْطِيه وَيَسْكُتُ ، وَمَا حَاجَتُهُ إلَى أَنْ يُقْرِعَهُ ؟ .","part":5,"page":207},{"id":2207,"text":"( 1767 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَلَا يُعْطَى مِنْ الصَّدَقَةِ الْمَفْرُوضَةِ لِلْوَالِدَيْنِ ، وَإِنْ عَلَوْا ، وَلَا لِلْوَلَدِ ، وَإِنْ سَفَلَ ) قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الزَّكَاةَ لَا يَجُوزُ دَفْعُهَا إلَى الْوَالِدَيْنِ ، فِي الْحَالِ الَّتِي يُجْبَرُ الدَّافِعُ إلَيْهِمْ عَلَى النَّفَقَةِ عَلَيْهِمْ ، وَلِأَنَّ دَفْعَ زَكَاتِهِ إلَيْهِمْ تُغْنِيهِمْ عَنْ نَفَقَتِهِ ، وَتُسْقِطُهَا عَنْهُ ، وَيَعُودُ نَفْعُهَا إلَيْهِ ، فَكَأَنَّهُ دَفَعَهَا إلَى نَفْسِهِ ، فَلَمْ تَجُزْ ، كَمَا لَوْ قَضَى بِهَا دَيْنَهُ ، وَقَوْلُ الْخِرَقِيِّ \" لِلْوَالِدَيْنِ \" يَعْنِي الْأَبَ وَالْأُمَّ .\rوَقَوْلُهُ : \" وَإِنْ عَلَوْا \" يَعْنِي آبَاءَهُمَا وَأُمَّهَاتِهِمَا ، وَإِنْ ارْتَفَعَتْ دَرَجَتُهُمْ مِنْ الدَّافِعِ ، كَأَبَوَيْ الْأَبِ ، وَأَبَوَيْ الْأُمِّ ، وَأَبَوَيْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ، وَإِنْ عَلَتْ دَرَجَتُهُمْ ، مَنْ يَرِثُ مِنْهُمْ وَمَنْ لَا يَرِثُ .\rوَقَوْلُهُ : \" وَالْوَلَدُ وَإِنْ سَفَلَ \" يَعْنِي وَإِنْ نَزَلَتْ دَرَجَتُهُ مِنْ أَوْلَادِهِ الْبَنِينَ وَالْبَنَاتِ ، الْوَارِثِ وَغَيْرِ الْوَارِثِ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فَقَالَ : لَا يُعْطِي الْوَالِدَيْنِ مِنْ الزَّكَاةِ ، وَلَا الْوَلَدَ وَلَا وَلَدَ الْوَلَدِ ، وَلَا الْجَدَّ وَلَا الْجَدَّةَ وَلَا وَلَدَ الْبِنْتِ ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ } يَعْنِي الْحَسَنَ ، فَجَعَلَهُ ابْنَهُ وَلِأَنَّهُ مِنْ عَمُودَيْ نَسَبِهِ ، فَأَشْبَهَ الْوَارِثَ ، وَلِأَنَّ بَيْنَهُمَا قَرَابَةً جُزْئِيَّةً وَبَعْضِيَّةً ، بِخِلَافِ غَيْرِهَا .","part":5,"page":208},{"id":2208,"text":"( 1768 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا سَائِرُ الْأَقَارِبِ ، فَمَنْ لَا يُوَرَّثُ مِنْهُمْ يَجُوزُ دَفْعُ الزَّكَاةِ إلَيْهِ ، سَوَاءٌ كَانَ انْتِفَاءُ الْإِرْثِ لِانْتِفَاءِ سَبَبِهِ ، لِكَوْنِهِ بَعِيدَ الْقَرَابَةِ مِمَّنْ لَمْ يُسَمِّ اللَّهُ تَعَالَى وَلَا رَسُولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُ مِيرَاثًا ، أَوْ كَانَ لِمَانِعٍ ، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ مَحْجُوبًا عَنْ الْمِيرَاثِ ، كَالْأَخِ الْمَحْجُوبِ بِالِابْنِ أَوْ الْأَبِ ، وَالْعَمِّ الْمَحْجُوبِ بِالْأَخِ وَابْنِهِ وَإِنْ نَزَلَ ، فَيَجُوزُ دَفْعُ الزَّكَاةِ ؛ إلَيْهِ لِأَنَّهُ لَا قَرَابَةَ جُزْئِيَّةً بَيْنِهِمَا وَلَا مِيرَاثَ ، فَأَشْبَهَا الْأَجَانِبَ .\rوَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا مِيرَاثٌ كَالْأَخَوَيْنِ اللَّذَيْنِ يَرِثُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْآخَرَ ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا : يَجُوزُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا دَفْعُ زَكَاتِهِ إلَى الْآخَرِ ، وَهِيَ الظَّاهِرَةُ عَنْهُ ، رَوَاهَا عَنْهُ الْجَمَاعَةُ ، قَالَ فِي رِوَايَةِ إِسْحَاقَ بْنِ إبْرَاهِيمَ ، وَإِسْحَاقَ بْنِ مَنْصُورٍ ، وَقَدْ سَأَلَهُ : يُعْطِي الْأَخَ وَالْأُخْتَ وَالْخَالَةَ مِنْ الزَّكَاةِ ؟ قَالَ : يُعْطِي كُلَّ الْقَرَابَةِ إلَّا الْأَبَوَيْنِ وَالْوَلَدَ .\rوَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ هُوَ الْقَوْلُ عِنْدِي ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : الصَّدَقَةُ عَلَى الْمِسْكِينِ صَدَقَةٌ ، وَهِيَ لِذِي الرَّحِمِ اثْنَانِ ؛ صَدَقَةٌ وَصِلَةٌ } فَلَمْ يَشْتَرِطْ نَافِلَةً وَلَا فَرِيضَةً ، وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الْوَارِثِ وَغَيْرِهِ .\rوَلِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ عَمُودَيْ نَسَبِهِ ، فَأَشْبَهَ الْأَجْنَبِيَّ .\rوَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ ، لَا يَجُوزُ دَفْعُهَا إلَى الْمَوْرُوثِ .\rوَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ لِقَوْلِهِ : وَلَا لِمَنْ تَلْزَمُهُ مُؤْنَتُهُ \" وَعَلَى الْوَارِثِ مُؤْنَةُ الْمَوْرُوثِ ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ مُؤْنَتُهُ ، فَيُغْنِيه بِزَكَاتِهِ عَنْ مُؤْنَتِهِ ، وَيَعُودُ نَفْعُ زَكَاتِهِ إلَيْهِ ، فَلَمْ يَجُزْ ، كَدَفْعِهَا إلَى وَالِدِهِ ، أَوْ قَضَاءِ دَيْنِهِ بِهَا .\rوَالْحَدِيثُ يَحْتَمِلُ صَدَقَةَ التَّطَوُّعِ ، فَيُحْمَلُ عَلَيْهَا .\rفَعَلَى هَذَا","part":5,"page":209},{"id":2209,"text":"إنْ كَانَ أَحَدُهُمَا يَرِثُ الْآخَرَ ، وَلَا يَرِثُهُ الْآخَرُ ، كَالْعَمَّةِ مَعَ ابْنِ أَخِيهَا ، وَالْعَتِيقِ مَعَ مُعْتِقِهِ ، فَعَلَى الْوَارِثِ مِنْهُمَا نَفَقَةُ مُوَرِّثِهِ ، وَلَيْسَ لَهُ دَفْعُ زَكَاتِهِ إلَيْهِ ، وَلَيْسَ عَلَى الْمَوْرُوثِ مِنْهُمَا نَفَقَةُ وَارِثِهِ ، وَلَا يُمْنَعُ مِنْ دَفْعِ زَكَاتِهِ إلَيْهِ ، لِانْتِفَاءِ الْمُقْتَضِي لِلْمَنْعِ .\rوَلَوْ كَانَ الْأَخَوَانِ لَأَحَدِهِمَا ابْنٌ ، وَالْآخَرِ لَا وَلَدَ لَهُ ، فَعَلَى أَبِي الِابْنِ نَفَقَةُ أَخِيهِ ، وَلَيْسَ لَهُ دَفْعُ زَكَاتِهِ إلَيْهِ ، وَلِلَّذِي لَا وَلَدَ لَهُ ، لَهُ دَفْعُ زَكَاتِهِ إلَى أَخِيهِ ، وَلَا يَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ ؛ لِأَنَّهُ مَحْجُوبٌ عَنْ مِيرَاثِهِ .\rوَنَحْوُ هَذَا قَوْلُ الثَّوْرِيِّ فَأَمَّا ذَوُو الْأَرْحَامِ فِي الْحَالِ الَّتِي يَرِثُونَ فِيهَا ، فَيَجُوزُ دَفْعُهَا إلَيْهِمْ ، فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ ؛ لِأَنَّ قَرَابَتَهُمْ ضَعِيفَةٌ ، لَا يَرِثُ بِهَا مَعَ عَصَبَةٍ ، وَلَا ذِي فَرْضٍ ، غَيْرَ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ ، فَلَمْ تَمْنَعْ دَفْعَ الزَّكَاةِ كَقَرَابَةِ سَائِرِ الْمُسْلِمِينَ ، فَإِنَّ مَالَهُ يَصِيرُ إلَيْهِمْ ، إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ .","part":5,"page":210},{"id":2210,"text":"( 1769 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَلَا لِلزَّوْجِ ، وَلَا لِلزَّوْجَةِ ) أَمَّا الزَّوْجَةُ فَلَا يَجُوزُ دَفْعُ الزَّكَاةِ إلَيْهَا إجْمَاعًا .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الرَّجُلَ لَا يُعْطِي زَوْجَتَهُ مِنْ الزَّكَاةِ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ نَفَقَتَهَا وَاجِبَةٌ عَلَيْهِ ، فَتَسْتَغْنِي بِهَا عَنْ أَخْذِ الزَّكَاةِ ، فَلَمْ يَجُزْ دَفْعُهَا إلَيْهَا ، كَمَا لَوْ دَفَعَهَا إلَيْهَا عَلَى سَبِيلِ الْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا .\rوَأَمَّا الزَّوْجُ ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ : إحْدَاهُمَا ، لَا يَجُوزُ دَفْعُهَا إلَيْهِ .\rوَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ وَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ لِأَنَّهُ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ ، فَلَمْ يَجُزْ لِلْآخَرِ دَفْعُ زَكَاتِهِ إلَيْهِ كَالْآخَرِ ، وَلِأَنَّهَا تَنْتَفِعُ بِدَفْعِهَا إلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ عَاجِزًا عَنْ الْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا ، تَمَكَّنَ بِأَخْذِ الزَّكَاةِ مِنْ الْإِنْفَاقِ ، فَيَلْزَمُهُ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَاجِزًا ، وَلَكِنَّهُ أَيْسَرِ بِهَا ، لَزِمَتْهُ نَفَقَةُ الْمُوسِرِينَ ، فَتَنْتَفِعُ بِهَا فِي الْحَالَيْنِ ، فَلَمْ يَجُزْ لَهَا ذَلِكَ ، كَمَا لَوْ دَفَعَتْهَا فِي أُجْرَةِ دَارٍ ، أَوْ نَفَقَةِ رَقِيقِهَا أَوْ بَهَائِمِهَا .\rفَإِنْ قِيلَ : فَيُلْزَمُ عَلَى هَذَا الْغَرِيمَ ؛ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ دَفْعُ زَكَاتِهِ إلَى غَرِيمِهِ ، وَيُلْزَمُ الْآخِذَ بِذَلِكَ وَفَاءُ دَيْنِهِ ؛ فَيَنْتَفِعُ الدَّافِعُ بِدَفْعِهَا إلَيْهِ .\rقُلْنَا : الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا ، أَنَّ حَقَّ الزَّوْجَةِ فِي النَّفَقَةِ آكَدُ مِنْ حَقِّ الْغَرِيمِ ، بِدَلِيلِ أَنَّ نَفَقَةَ الْمَرْأَةِ مُقَدَّمَةٌ فِي مَالِ الْمُفْلِسِ عَلَى أَدَاءِ دَيْنِهِ ، وَأَنَّهَا تَمْلِكُ أَخْذَهَا مِنْ مَالِهِ بِغَيْرِ عِلْمِهِ ، إذَا امْتَنَعَ مِنْ أَدَائِهَا ، وَالثَّانِي أَنَّ الْمَرْأَةَ تَنْبَسِطُ فِي مَالِ زَوْجِهَا بِحُكْمِ الْعَادَةِ ، وَيُعَدُّ مَالُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَالًا لِلْآخَرِ ، وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ فِي عَبْدٍ سَرَقَ مِرْآةَ امْرَأَةِ سَيِّدِهِ : عَبْدُكُمْ سَرَقَ مَالَكُمْ .\rوَلَمْ يَقْطَعْهُ وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ وَكَذَلِكَ لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ كُلِّ وَاحِدٍ","part":5,"page":211},{"id":2211,"text":"مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ ، بِخِلَافِ الْغَرِيمِ مَعَ غَرِيمِهِ .\rوَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ ، يَجُوزُ لَهَا دَفْعُ زَكَاتِهَا إلَى زَوْجِهَا .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَابْنِ الْمُنْذِرِ وَطَائِفَةٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ؛ { لِأَنَّ زَيْنَبَ امْرَأَةَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَتْ يَا نَبِيَّ اللَّهِ ، إنَّك أَمَرْت الْيَوْمَ بِالصَّدَقَةِ ، وَكَانَ عِنْدِي حُلِيٌّ لِي ، فَأَرَدْت أَنَّ أَتَصَدَّقْ بِهِ ، فَزَعَمَ ابْنُ مَسْعُودٍ أَنَّهُ هُوَ وَوَلَدَهُ أَحَقُّ مَنْ تَصَدَّقْت عَلَيْهِمْ .\rفَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَدَقَ ابْنُ مَسْعُودٍ ، زَوْجُك وَوَلَدُك أَحَقُّ مَنْ تَصَدَّقْت بِهِ عَلَيْهِمْ .\r} رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ .\rوَرُوِيَ { أَنَّ امْرَأَةَ عَبْدِ اللَّهِ سَأَلْت النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَنِي أَخٍ لَهَا أَيْتَامٍ فِي حِجْرِهَا ، أَفَتُعْطِيهِمْ زَكَاتَهَا ؟ قَالَ : نَعَمْ } وَرَوَى الْجُوزَجَانِيُّ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَطَاءٍ قَالَ : { أَتَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ امْرَأَةٌ ، فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنَّ عَلَيَّ نَذْرًا أَنْ أَتَصَدَّقَ بِعِشْرِينَ دِرْهَمًا ، وَإِنَّ لِي زَوْجًا فَقِيرًا ، أَفَيُجْزِئُ عَنِّي أَنْ أُعْطِيَهُ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، لَك كِفْلَانِ مِنْ الْأَجْرِ .\r} وَلِأَنَّهُ لَا تَجِبُ نَفَقَتُهُ ، فَلَا يُمْنَعُ دَفْعُ الزَّكَاةِ إلَيْهِ ، كَالْأَجْنَبِيِّ ، وَيُفَارِقُ الزَّوْجَةَ ، فَإِنَّ نَفَقَتَهَا وَاجِبَةٌ عَلَيْهِ ، وَلِأَنَّ الْأَصْلَ جَوَازُ الدَّفْعِ لِدُخُولِ الزَّوْجِ فِي عُمُومِ الْأَصْنَافِ الْمُسَمَّيْنَ فِي الزَّكَاةِ ، وَلَيْسَ فِي الْمَنْعِ نَصٌّ وَلَا إجْمَاعٌ .\rوَقِيَاسُهُ عَلَى مِنْ ثَبَتَ الْمَنْعُ فِي حَقِّهِ غَيْرُ صَحِيحٍ ؛ لِوُضُوحِ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا ، فَيَبْقَى جَوَازُ الدَّفْعِ ثَابِتًا ، وَالِاسْتِدْلَالُ بِهَذَا أَقْوَى مِنْ الِاسْتِدْلَالِ بِالنُّصُوصِ ، لِضَعْفِ دَلَالَتِهَا ؛ فَإِنَّ الْحَدِيثَ الْأَوَّلَ فِي صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ ، لِقَوْلِهَا : أَرَدْت أَنْ أَتَصَدَّقَ بِحُلِيٍّ لِي .\rوَلَا تَجِبُ الصَّدَقَةُ بِالْحِلِّي ، وَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { زَوْجُك وَوَلَدُك أَحَقُّ","part":5,"page":212},{"id":2212,"text":"مَنْ تَصَدَّقْت بِهِ عَلَيْهِمْ .\r} وَالْوَلَدُ لَا تُدْفَعُ إلَيْهِ الزَّكَاةُ .\rوَالْحَدِيثُ الثَّانِي ، لَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ الزَّوْجِ ، وَذِكْرُ الزَّكَاةِ فِيهِ غَيْرُ مَحْفُوظٍ .\rقَالَ أَحْمَدُ مَنْ ذَكَرَ الزَّكَاةَ فَهُوَ عِنْدِي غَيْرُ مَحْفُوظٍ ، إنَّمَا ذَاكَ صَدَقَةٌ مِنْ غَيْرِ الزَّكَاةِ ، كَذَا قَالَ الْأَعْمَشُ فَأَمَّا الْحَدِيثُ الْآخَرُ فَهُوَ مُرْسَلٌ ، وَهُوَ فِي النَّذْرِ .","part":5,"page":213},{"id":2213,"text":"( 1770 ) فَصْلٌ : فَإِنْ كَانَ فِي عَائِلَتِهِ مِنْ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِنْفَاقُ عَلَيْهِ كَيَتِيمِ أَجْنَبِيٍّ ، فَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ دَفْعُ زَكَاتِهِ إلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ يَنْتَفِعُ بِدَفْعِهَا إلَيْهِ ، لِإِغْنَائِهِ بِهَا عَنْ مُؤْنَتِهِ .\rوَالصَّحِيحُ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ ، جَوَازُ دَفْعِهَا إلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ دَاخِلٌ فِي أَصْنَافِ الْمُسْتَحِقِّينَ لِلزَّكَاةِ ، وَلَمْ يَرِدْ فِي مَنْعِهِ نَصٌّ وَلَا إجْمَاعٌ وَلَا قِيَاسٌ صَحِيحٌ ، فَلَا يَجُوزُ إخْرَاجُهُ مِنْ عُمُومِ النَّصِّ بِغَيْرِ دَلِيلٍ ، وَإِنْ تَوَهَّمَ أَنَّهُ يَنْتَفِعُ بِدَفْعِهَا إلَيْهِ ، قُلْنَا : قَدْ لَا يَنْتَفِعُ بِهِ ، فَإِنَّهُ يَصْرِفُهَا فِي مَصَالِحِهِ الَّتِي لَا يَقُومُ بِهَا الدَّافِعُ ، وَإِنْ قَدَّرَ الِانْتِفَاعَ فَإِنَّهُ نَفْعٌ لَا يَسْقُطُ بِهِ وَاجِبٌ عَلَيْهِ ، وَلَا يُجْتَلَبُ بِهِ مَالٌ إلَيْهِ ، فَلَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ الدَّفْعَ ، كَمَا لَوْ كَانَ يَصِلُهُ تَبَرُّعًا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ مِنْ عَائِلَتِهِ .","part":5,"page":214},{"id":2214,"text":"( 1771 ) فَصْلٌ : وَلَيْسَ لِمُخْرِجِ الزَّكَاةِ شِرَاؤُهَا مِمَّنْ صَارَتْ إلَيْهِ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ الْحَسَنِ وَهُوَ قَوْلُ قَتَادَةَ وَمَالِكٍ قَالَ أَصْحَابُ مَالِكٍ : فَإِنْ اشْتَرَاهَا لَمْ يُنْقَضْ الْبَيْعُ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ : يَجُوزُ لِقَوْلِ النَّبِيِّ : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ ، إلَّا لِخَمْسَةٍ ؛ رَجُلٍ ابْتَاعَهَا بِمَالِهِ } وَرَوَى سَعِيدٌ ، فِي \" سُنَنِهِ \" { أَنَّ رَجُلًا تَصَدَّقَ عَلَى أُمِّهِ بِصَدَقَةٍ ثُمَّ مَاتَتْ ، فَسَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : قَدْ قَبِلَ اللَّهُ صَدَقَتَك ، وَرَدَّهَا إلَيْكَ الْمِيرَاثُ .\r} وَهَذَا فِي مَعْنَى شِرَائِهَا .\rوَلِأَنَّ مَا صَحَّ أَنْ يُمْلَكَ إرْثًا ، صَحَّ أَنْ يُمْلَكَ ابْتِيَاعًا ، كَسَائِرِ الْأَمْوَالِ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى عُمَرُ ، { أَنَّهُ قَالَ : حَمَلْت عَلَى فَرَسٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، فَأَضَاعَهُ الَّذِي كَانَ عِنْدَهُ ، وَظَنَنْت أَنَّهُ بَائِعُهُ بِرُخْصٍ ، فَأَرَدْت أَنْ أَشْتَرِيَهُ ، فَسَأَلْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : لَا تَبْتَعْهُ ، وَلَا تَعُدْ فِي صَدَقَتِك وَلَوْ أَعْطَاكَهُ بِدِرْهَمٍ ؛ فَإِنَّ الْعَائِدَ فِي صَدَقَتِهِ كَالْكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rفَإِنْ قِيلَ : يَحْتَمِلُ أَنَّهَا كَانَتْ حَبِيسًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمَنَعَهُ لِذَلِكَ .\rقُلْنَا : لَوْ كَانَتْ حَبِيسًا لَمَا بَاعَهَا الَّذِي هِيَ فِي يَدِهِ ، وَلَا هَمَّ عُمَرُ بِشِرَائِهَا ، بَلْ كَانَ يُنْكِرُ عَلَى الْبَائِعِ وَيَمْنَعُهُ ، فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُقِرُّ عَلَى مُنْكَرٍ ، فَكَيْفَ يَفْعَلُهُ ، وَيُعِينُ عَلَيْهِ .\rوَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا أَنْكَرَ بَيْعَهَا ، إنَّمَا أَنْكَرَ عَلَى عُمَرَ الشِّرَاءَ ، مُعَلِّلًا بِكَوْنِهِ عَائِدًا فِي الصَّدَقَةِ .\rالثَّانِي ، أَنَّنَا نَحْتَجُّ بِعُمُومِ اللَّفْظِ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إلَى خُصُوصِ السَّبَبِ ، فَإِنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { لَا تَعُدْ فِي صَدَقَتِك } أَيْ بِالشِّرَاءِ فَإِنَّ الْعَائِدَ فِي صَدَقَتِهِ كَالْعَائِدِ فِي قَيْئِهِ .\rوَالْأَخْذُ","part":5,"page":215},{"id":2215,"text":"بِعُمُومِ اللَّفْظِ أَوْلَى مِنْ التَّمَسُّكِ بِخُصُوصِ السَّبَبِ .\rفَإِنْ قِيلَ : فَإِنَّ اللَّفْظَ لَا يَتَنَاوَلُ الشِّرَاءَ فَإِنَّ الْعَوْدَ فِي الصَّدَقَةِ ارْتِجَاعُهَا بِغَيْرِ عِوَضٍ ، وَفَسْخٌ لِلْعَقْدِ ، كَالْعَوْدِ فِي الْهِبَةِ ، وَالدَّلِيلُ عَلَى هَذَا قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالْعَائِدِ فِي قَيْئِهِ .\r} وَلَوْ وَهَبَ إنْسَانًا شَيْئًا ، ثُمَّ اشْتَرَاهُ مِنْهُ ، جَازَ .\rقُلْنَا : النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَكَرَ ذَلِكَ جَوَابًا لِعُمَرَ حِينَ سَأَلَهُ عَنْ شِرَاءِ الْفَرَسِ ، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ اللَّفْظُ مُتَنَاوِلًا لِلشِّرَاءِ الْمَسْئُولِ عَنْهُ لَمْ يَكُنْ مُجِيبًا لَهُ ، وَلَا يَجُوزُ إخْرَاجُ خُصُوصِ السَّبَبِ مِنْ عُمُومِ اللَّفْظِ ؛ لِئَلَّا يَخْلُوَ السُّؤَالُ عَنْ الْجَوَابِ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ جَابِرٍ أَنَّهُ قَالَ : إذَا جَاءَ الْمُصَدِّقُ فَادْفَعْ إلَيْهِ صَدَقَتَك ، وَلَا تَشْتَرِهَا ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ : ابْتَعْهَا فَأَقُولُ : إنَّمَا هِيَ لِلَّهِ .\rوَعَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ : لَا تَشْتَرِ طَهُورَ مَالِكَ .\rوَلِأَنَّ فِي شِرَائِهِ لَهَا وَسِيلَةً إلَى اسْتِرْجَاعِ شَيْءٍ مِنْهَا ؛ لِأَنَّ الْفَقِيرَ يَسْتَحْيِ مِنْهُ ، فَلَا يُمَاكِسُهُ فِي ثَمَنِهَا ، وَرُبَّمَا رَخَّصَهَا لَهُ طَمَعًا فِي أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ صَدَقَةً أُخْرَى ، وَرُبَّمَا عَلِمَ أَنَّهُ إنْ لَمْ يَبِعْهُ إيَّاهَا اسْتَرْجَعَهَا مِنْهُ أَوْ تَوَهَّمَ ذَلِكَ ، وَمَا هَذَا سَبِيلُهُ يَنْبَغِي أَنْ يُجْتَنَبَ ، كَمَا لَوْ شَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ يَبِيعَهُ إيَّاهَا .\rوَهُوَ أَيْضًا ذَرِيعَةٌ إلَى إخْرَاجِ الْقِيمَةِ ، وَهُوَ مَمْنُوعٌ مِنْ ذَلِكَ .\rأَمَّا حَدِيثُهُمْ فَنَقُولُ بِهِ ، وَأَنَّهَا تَرْجِعُ إلَيْهِ بِالْمِيرَاثِ وَلَيْسَ هَذَا مَحَلَّ النِّزَاعِ .\rقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ كُلُّ الْعُلَمَاء يَقُولُونَ : إذَا رَجَعَتْ إلَيْهِ بِالْمِيرَاثِ طَابَتْ لَهُ ، إلَّا ابْنَ عُمَرَ وَالْحَسَنَ بْنَ حَيٍّ .\rوَلَيْسَ الْبَيْعُ فِي مَعْنَى الْمِيرَاثِ ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ ثَبَتَ بِالْمِيرَاثِ حُكْمًا بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ ، وَلَيْسَ بِوَسِيلَةٍ إلَى شَيْءٍ مِمَّا ذَكَرْنَا ،","part":5,"page":216},{"id":2216,"text":"وَالْحَدِيثُ الْآخَرُ مُرْسَلٌ ، وَهُوَ عَامٌّ ، وَحَدِيثُنَا خَاصٌّ صَحِيحٌ ، فَالْعَمَلُ بِهِ أَوْلَى مِنْ كُلِّ وَجْهٍ .\r( 1772 ) فَصْلٌ : فَإِنْ دَعَتْ الْحَاجَةُ إلَى شِرَاءِ صَدَقَتِهِ ، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ الْفَرْضُ جُزْءًا مِنْ حَيَوَانٍ لَا يُمْكِنُ الْفَقِيرَ الِانْتِفَاعُ بِعَيْنِهِ ، وَلَا يَجِدُ مِنْ يَشْتَرِيه سِوَى الْمَالِكِ لِبَاقِيهِ ، وَلَوْ اشْتَرَاهُ غَيْرُهُ لَتَضَرَّرَ الْمَالِكُ بِسُوءِ الْمُشَارَكَةِ ، أَوْ إذَا كَانَ الْوَاجِبُ فِي ثَمَرَةِ النَّخْلِ وَالْكَرْمِ عِنَبًا وَرُطَبًا ، فَاحْتَاجَ السَّاعِي إلَى بَيْعِهَا قَبْلَ الْجِذَاذِ ، فَقَدْ ذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُهَا مِنْ رَبِّ الْمَالِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ .\rوَكَذَلِكَ يَجِيءُ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى ، وَفِي كُلِّ مَوْضِعٍ دَعَتْ الْحَاجَةُ إلَى شِرَائِهِ لَهَا ؛ لِأَنَّ الْمَنْعَ مِنْ الشِّرَاءِ فِي مَحَلِّ الْوِفَاقِ إنَّمَا كَانَ لِدَفْعِ الضَّرَرِ عَنْ الْفَقِيرِ ، وَالضَّرَرُ عَلَيْهِ فِي مَنْعِ الْبَيْعِ هَاهُنَا أَعْظَمُ ، فَدَفْعُهُ بِجَوَازِ الْبَيْعِ أَوْلَى .","part":5,"page":217},{"id":2217,"text":"( 1773 ) فَصْلٌ : قَالَ مُهَنَّا : سَأَلْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَنْ رَجُلٍ لَهُ عَلَى رَجُلٍ دَيْنٌ بِرَهْنٍ وَلَيْسَ عِنْدَهُ قَضَاؤُهُ ، وَلِهَذَا الرَّجُلِ زَكَاةُ مَالٍ يُرِيدُ أَنْ يُفَرِّقَهَا عَلَى الْمَسَاكِينِ ، فَيَدْفَعُ إلَيْهِ رَهْنَهُ وَيَقُولُ لَهُ : الدَّيْنُ الَّذِي لِي عَلَيْك هُوَ لَك .\rوَيَحْسُبُهُ مِنْ زَكَاةِ مَالِهِ .\rقَالَ : لَا يُجْزِئُهُ ذَلِكَ .\rفَقُلْت لَهُ : فَيَدْفَعُ إلَيْهِ مِنْ زَكَاتَهُ ، فَإِنْ رَدَّهُ إلَيْهِ قَضَاءً مِمَّا لَهُ ، أَخْذُهُ ؟ فَقَالَ : نَعَمْ .\rوَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ ، وَقِيلَ لَهُ : فَإِنْ أَعْطَاهُ ، ثُمَّ رَدَّهُ إلَيْهِ ؟ قَالَ : إذَا كَانَ بِحِيلَةٍ فَلَا يُعْجِبُنِي .\rقِيلَ لَهُ : فَإِنْ اسْتَقْرَضَ الَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ دَرَاهِمَ ، فَقَضَاهُ إيَّاهَا ثُمَّ رَدَّهَا عَلَيْهِ ، وَحَسَبَهَا مِنْ الزَّكَاةِ ؟ فَقَالَ : إذَا أَرَادَ بِهَا إحْيَاءَ مَالِهِ فَلَا يَجُوزُ فَحَصَلَ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّ دَفْعَ الزَّكَاةِ إلَى الْغَرِيمِ جَائِزٌ ، سَوَاءٌ دَفَعَهَا ابْتِدَاءً ، أَوْ اسْتَوْفَى حَقَّهُ ثُمَّ دَفَعَ مَا اسْتَوْفَاهُ إلَيْهِ ، إلَّا أَنَّهُ مَتَى قَصَدَ بِالدَّفْعِ إحْيَاءَ مَالِهِ ، أَوْ اسْتِيفَاءَ دَيْنِهِ ، لَمْ يَجُزْ ؛ لِأَنَّ الزَّكَاةَ لَحِقِّ اللَّهِ تَعَالَى ، فَلَا يَجُوزُ صَرْفُهَا إلَى نَفْعِهِ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَحْتَسِبَ الدَّيْنَ الَّذِي لَهُ مِنْ الزَّكَاةِ قَبْلَ قَبْضِهِ ؛ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِأَدَائِهَا وَإِيتَائِهَا ، وَهَذَا إسْقَاطٌ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":5,"page":218},{"id":2218,"text":"( 1774 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَلَا لِكَافِرٍ ، وَلَا لِمَمْلُوكٍ ) لَا نَعْلَمُ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ خِلَافًا فِي أَنَّ زَكَاةَ الْأَمْوَالِ لَا تُعْطَى لِكَافِرٍ وَلَا لِمَمْلُوكٍ .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ الذِّمِّيَّ لَا يُعْطَى مِنْ زَكَاةِ الْأَمْوَالِ شَيْئًا .\r{ وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِمُعَاذٍ : أَعْلِمْهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ ، وَتُرَدُّ فِي فُقَرَائِهِمْ } .\rفَخَصَّهُمْ بِصَرْفِهَا إلَى فُقَرَائِهِمْ ، كَمَا خَصَّهُمْ بِوُجُوبِهَا عَلَى أَغْنِيَائِهِمْ .\rوَأَمَّا الْمَمْلُوكُ فَلَا يَمْلِكُهَا بِدَفْعِهَا إلَيْهِ ، وَمَا يُعْطَاهُ فَهُوَ لِسَيِّدِهِ ، فَكَأَنَّهُ دَفَعَهَا إلَى سَيِّدِهِ ، وَلِأَنَّ الْعَبْدَ يَجِبُ عَلَى سَيِّدِهِ نَفَقَتُهُ ، فَهُوَ غَنِيٌّ بِغِنَاهُ .","part":5,"page":219},{"id":2219,"text":"( 1775 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( إلَّا أَنْ يَكُونُوا مِنْ الْعَامِلِينَ عَلَيْهَا ، فَيُعْطَوْنَ بِحَقِّ مَا عَمِلُوا ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْعَامِلِ أَنْ يَأْخُذَ عِمَالَتَهُ مِنْ الزَّكَاةِ ، سَوَاءٌ كَانَ حُرًّا أَوْ عَبْدًا .\rوَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ كَافِرًا ، وَهَذِهِ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ { وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا } وَهَذَا لَفْظٌ عَامٌّ يَدْخُلُ فِيهِ كُلُّ عَامِلٍ عَلَى أَيِّ صِفَةٍ كَانَ .\rوَلِأَنَّ مَا يَأْخُذُ عَلَى الْعِمَالَةِ أُجْرَةُ عَمَلِهِ ، فَلَمْ يُمْنَعْ مِنْ أَخْذِهِ كَسَائِرِ الْإِجَارَاتِ .\rوَالرِّوَايَةُ الْأُخْرَى ، لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْعَامِلُ كَافِرًا ؛ لِأَنَّ مِنْ شَرْطِ الْعَامِلِ أَنْ يَكُونَ أَمِينًا ، وَالْكُفْرُ يُنَافِي الْأَمَانَةَ .\rوَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ غَنِيًّا ، وَذَا قَرَابَةٍ لِرَبِّ الْمَالِ .\rوَقَوْلُهُ : \" بِحَقِّ مَا عَمِلُوا \" يَعْنِي يُعْطِيهِمْ بِقَدْرِ أُجْرَتِهِمْ وَالْإِمَامُ مُخَيَّرٌ إذَا بَعَثَ عَامِلًا ؛ إنْ شَاءَ اسْتَأْجَرَهُ إجَارَةً صَحِيحَةً ، وَيَدْفَعُ إلَيْهِ مَا سَمَّى لَهُ ، وَإِنْ شَاءَ بَعَثَهُ بِغَيْرِ إجَارَةٍ ، وَيَدْفَعُ إلَيْهِ أَجْرَ مِثْلِهِ .\rوَهَذَا كَانَ الْمَعْرُوفَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّهُ لَمْ يَبْلُغْنَا أَنَّهُ قَاطَعَ أَحَدًا مِنْ الْعُمَّالِ عَلَى أَجْرٍ ، وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ ابْنِ السَّاعِدِيِّ ، قَالَ : { اسْتَعْمَلَنِي عُمَرُ عَلَى الصَّدَقَةِ ، فَلَمَّا فَرَغْت مِنْهَا وَأَدَّيْتهَا إلَيْهِ ، أَمَرَ لِي بِعِمَالَةٍ فَقُلْت ، إنَّمَا عَمِلْت لِلَّهِ وَأَجْرِي عَلَى اللَّهِ .\rقَالَ : خُذْ مَا أُعْطِيتَ ، فَإِنِّي قَدْ عَمِلْت عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَمِلَنِي ، فَقُلْت مِثْلَ قَوْلِك ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إذَا أُعْطِيتَ شَيْئًا مِنْ غَيْرِ أَنْ تَسْأَلَهُ فَكُلْ وَتَصَدَّقْ } ( 1776 ) فَصْلٌ : وَيُعْطِي مِنْهَا أَجْرَ الْحَاسِبِ وَالْكَاتِبِ وَالْحَاشِرِ وَالْخَازِنِ وَالْحَافِظِ وَالرَّاعِي وَنَحْوِهِمْ .\rفَكُلُّهُمْ","part":5,"page":220},{"id":2220,"text":"مَعْدُودُونَ مِنْ الْعَامِلِينَ ، وَيَدْفَعُ إلَيْهِمْ مِنْ حِصَّةِ الْعَامِلِينَ عَلَيْهَا ، فَأَمَّا أَجْرُ الْوَزَّانِ وَالْكَيَّالِ لِيَقْبِضَ السَّاعِي الزَّكَاةَ فَعَلَى رَبِّ الْمَالِ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ مُؤْنَةِ دَفْعِ الزَّكَاةِ .","part":5,"page":221},{"id":2221,"text":"( 1777 ) فَصْلٌ : وَلَا يُعْطَى الْكَافِرُ مِنْ الزَّكَاةِ ، إلَّا لِكَوْنِهِ مُؤَلَّفًا ، عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ ، وَيَجُوزُ أَنْ يُعْطِيَ الْإِنْسَانُ ذَا قَرَابَتِهِ مِنْ الزَّكَاةِ ؛ لِكَوْنِهِ غَازِيًا ، أَوْ مُؤَلَّفًا ، أَوْ غَارِمًا فِي إصْلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ ، أَوْ عَامِلًا ، وَلَا يُعْطِي لِغَيْرِ ذَلِكَ .\rوَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ { : لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ ، إلَّا لِخَمْسَةٍ : لِغَازٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، أَوْ لِعَامِلٍ عَلَيْهَا ، أَوْ لِغَارِمٍ ، أَوْ رَجُلٍ ابْتَاعَهَا بِمَالِهِ ، أَوْ لِرَجُلٍ كَانَ لَهُ جَارٌ مِسْكِينٌ ، فَتَصَدَّقَ عَلَى الْمِسْكِينِ ، فَأَهْدَى الْمِسْكِينُ إلَى الْغَنِيِّ } وَرَوَاهُ أَيْضًا عَنْ عَطَاءٍ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .","part":5,"page":222},{"id":2222,"text":"( 1778 ) فَصْلٌ : وَإِنْ اجْتَمَعَ فِي وَاحِدٍ أَسْبَابٌ تَقْتَضِي الْأَخْذَ بِهَا ، جَازَ أَنْ يُعْطَى بِهَا ، فَالْعَامِلُ الْفَقِيرُ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ عِمَالَتَهُ ، فَإِنْ لَمْ تُغْنِهِ فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ مَا يَتِمُّ بِهِ غِنَاهُ ، فَإِنْ كَانَ غَازِيًا فَلَهُ أَخْذُ مَا يَكْفِيه لِغَزْوِهِ ، وَإِنْ كَانَ غَارِمًا أَخَذَ مَا يَقْضِي بِهِ غُرْمَهُ ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْأَسْبَابِ يَثْبُتُ حُكْمُهُ بِانْفِرَادِهِ ، فَوُجُودِ غَيْرِهِ لَا يَمْنَعُ ثُبُوتَ حُكْمِهِ ، كَمَا لَمْ يَمْنَعْ وُجُودَهُ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ : إذَا كَانَ لَهُ مِائَتَانِ وَعَلَيْهِ مِثْلُهَا ، لَا يُعْطَى مِنْ الزَّكَاةِ ؛ لِأَنَّ الْمُغْنِيَ خَمْسُونَ دِرْهَمًا .\rوَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يُعْتَبَرُ فِي الدَّفْعِ إلَى الْغَارِمِ أَنْ يَكُونَ فَقِيرًا فَإِذَا أُعْطِيَ لِأَجْلِ الْغُرْمِ وَجَبَ صَرْفُهُ إلَى قَضَاءِ الدَّيْنِ ، وَإِنْ أُعْطِيَ لِلْفَقِيرِ جَازَ أَنْ يَقْضِيَ بِهِ دَيْنَهُ .","part":5,"page":223},{"id":2223,"text":"مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَلَا لِبَنِي هَاشِمٍ ) لَا نَعْلَمُ خِلَافًا فِي أَنَّ بَنِي هَاشِمٍ لَا تَحِلُّ لَهُمْ الصَّدَقَةُ الْمَفْرُوضَةُ ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إنَّ الصَّدَقَةَ لَا تَنْبَغِي لِآلِ مُحَمَّدٍ ، إنَّمَا هِيَ أَوْسَاخُ النَّاسِ .\r} أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ .\rوَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : { أَخَذَ الْحَسَنُ تَمْرَةً مِنْ تَمْرِ الصَّدَقَةِ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : كِخْ كِخْ .\rلِيَطْرَحَهَا ، وَقَالَ : أَمَا شَعَرْت أَنَّا لَا نَأْكُلُ الصَّدَقَةَ .\r} مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .","part":5,"page":224},{"id":2224,"text":"( 1780 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَلَا لِمَوَالِيهِمْ ) يَعْنِي أَنَّ مَوَالِيَ بَنِي هَاشِمٍ ، وَهُمْ مَنْ أَعْتَقَهُمْ هَاشِمِيٌّ ، لَا يُعْطَوْنَ مِنْ الزَّكَاةِ .\rوَقَالَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ : يَجُوزُ ؛ لِأَنَّهُمْ لَيْسُوا بِقَرَابَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يُمْنَعُوا الصَّدَقَةَ كَسَائِرِ النَّاسِ ، وَلِأَنَّهُمْ لَمْ يُعَوَّضُوا عَنْهَا بِخُمُسِ الْخُمُسِ ، فَإِنَّهُمْ لَا يُعْطَوْنَ مِنْهُ ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُحَرِّمُوهَا كَسَائِرِ النَّاسِ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى أَبُو رَافِعٍ ، { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ رَجُلًا مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ عَلَى الصَّدَقَةِ ، فَقَالَ لِأَبِي رَافِعٍ : اصْحَبْنِي كَيْمَا تُصِيبَ مِنْهَا .\rفَقَالَ : لَا حَتَّى آتِيَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَسْأَلَهُ .\rفَانْطَلَقَ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلَهُ .\rفَقَالَ : إنَّا لَا تَحِلُّ لَنَا الصَّدَقَةُ ، وَإِنَّ مَوَالِيَ الْقَوْمِ مِنْهُمْ } .\rأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَقَالَ : حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ .\rوَلِأَنَّهُمْ مِمَّنْ يَرِثُهُمْ بَنُو هَاشِمٍ بِالتَّعْصِيبِ ، فَلَمْ يَجُزْ دَفْعُ الصَّدَقَةِ إلَيْهِمْ كَبَنِي هَاشِمٍ .\rوَقَوْلُهُمْ : إنَّهُمْ لَيْسُوا بِقَرَابَةٍ .\rقُلْنَا : هُمْ بِمَنْزِلَةِ الْقَرَابَةِ ، بِدَلِيلِ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : الْوَلَاءُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ .\r} وَقَوْلُهُ { : مَوَالِي الْقَوْمِ مِنْهُمْ .\r} وَثَبَتَ فِيهِمْ حُكْمُ الْقَرَابَةِ مِنْ الْإِرْثِ وَالْعَقْلِ وَالنَّفَقَةِ ، فَلَا يَمْتَنِعُ ثُبُوتُ حُكْمِ تَحْرِيمِ الصَّدَقَةِ فِيهِمْ .","part":5,"page":225},{"id":2225,"text":"( 1781 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا بَنُو الْمُطَّلِبِ ، فَهَلْ لَهُمْ الْأَخْذُ مِنْ الزَّكَاةِ ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ : إحْدَاهُمَا لَيْسَ لَهُمْ ذَلِكَ .\rنَقَلَهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ وَغَيْرُهُ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : إنَّا وَبَنُو الْمُطَّلِبِ لَمْ نَفْتَرِقْ فِي جَاهِلِيَّةٍ وَلَا إسْلَامٍ ، إنَّمَا نَحْنُ وَهُمْ شَيْءٌ وَاحِدٌ } .\rوَفِي لَفْظٍ رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ فِي \" مُسْنَدِهِ \" : { : إنَّمَا بَنُو هَاشِمٍ وَبَنُو الْمُطَّلِبِ شَيْءٌ وَاحِدٌ } .\rوَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ .\rوَلِأَنَّهُمْ يَسْتَحِقُّونَ مِنْ خُمْسِ الْخُمْسِ فَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ الْأَخْذُ كَبَنِي هَاشِمٍ ، وَقَدْ أَكَّدَ مَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَّلَ مَنْعَهُمْ الصَّدَقَةَ بِاسْتِغْنَائِهِمْ عَنْهَا بِخُمْسِ الْخُمْسِ ، فَقَالَ : { أَلَيْسَ فِي خُمْسِ الْخُمْسِ مَا يُغْنِيكُمْ ؟ } .\rوَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ ، لَهُمْ الْأَخْذُ مِنْهَا .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ لِأَنَّهُمْ دَخَلُوا فِي عُمُومِ قَوْله تَعَالَى { : إنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ } .\rالْآيَةُ .\rلَكِنْ خَرَجَ بَنُو هَاشِمٍ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : إنَّ الصَّدَقَةَ لَا تَنْبَغِي لِآلِ مُحَمَّدٍ } ، فَيَجِبُ أَنْ يَخْتَصَّ الْمَنْعُ بِهِمْ ، وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُ بَنِي الْمُطَّلِبِ عَلَى بَنِي هَاشِمٍ ؛ لِأَنَّ بَنِي هَاشِمٍ أَقْرَبُ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَشْرَفُ ، وَهُمْ آلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ وَمُشَارَكَةُ بَنِي الْمُطَّلِبِ لَهُمْ فِي خُمْسِ الْخُمْسِ مَا اسْتَحَقُّوهُ بِمُجَرَّدِ الْقَرَابَةِ ، بِدَلِيلِ أَنَّ بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ وَبَنِي نَوْفَلٍ يُسَاوُونَهُمْ فِي الْقَرَابَةِ ، وَلَمْ يُعْطَوْا شَيْئًا ، وَإِنَّمَا شَارَكُوهُمْ بِالنُّصْرَةِ ، أَوْ بِهِمَا جَمِيعًا ، وَالنُّصْرَةُ لَا تَقْتَضِي مَنْعَ الزَّكَاةِ .\r( 1782 ) فَصْلُ وَرَوَى الْخَلَّالُ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ ، أَنَّ خَالِدَ بْنَ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ بَعَثَ إلَى عَائِشَةَ سُفْرَةً مِنْ الصَّدَقَةِ .\rفَرَدَّتْهَا ، وَقَالَتْ : إنَّا آلِ","part":5,"page":226},{"id":2226,"text":"مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا تَحِلُّ لَنَا الصَّدَقَةُ .\rوَهَذَا يَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِهَا عَلَى أَزْوَاجِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\r( 1783 ) فَصْلٌ : وَظَاهِرُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ هَاهُنَا ، أَنَّ ذَوِي الْقُرْبَى يُمْنَعُونَ الصَّدَقَةَ ، وَإِنْ كَانُوا عَامِلِينَ ، وَذَكَرَ فِي بَابِ قَسْمِ الْفَيْءِ وَالصَّدَقَةِ مَا يَدُلُّ عَلَى إبَاحَةِ الْأَخْذِ لَهُمْ عِمَالَةً .\rوَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا ؛ لِأَنَّ مَا يَأْخُذُونَهُ أَجْرٌ ، فَجَازَ لَهُمْ أَخْذُهُ ، كَالْحَمَّالِ وَصَاحِبِ الْمَخْزَنِ إذَا أَجَرَهُمْ مَخْزَنَهُ .\rوَلَنَا ، حَدِيثُ أَبِي رَافِعٍ وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ ، وَمَا رَوَى مُسْلِمٌ بِإِسْنَادِهِ ، { أَنَّهُ اجْتَمَعَ رَبِيعَةُ بْنُ الْحَارِثِ ، وَالْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ، فَقَالَا : وَاَللَّهِ لَوْ بَعَثْنَا هَذَيْنِ الْغُلَامَيْنِ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَلَّمَاهُ ، فَأَمَّرَهُمَا عَلَى هَذِهِ الصَّدَقَاتِ ، فَأَدَّيَا مَا يُؤَدِّي النَّاسُ ، وَأَصَابَا مَا يُصِيبُ النَّاسُ ؟ فَبَيْنَمَا هُمَا فِي ذَلِكَ إذْ جَاءَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ، فَوَقَفَ عَلَيْهِمَا ، فَذَكَرَا لَهُ ذَلِكَ ، قَالَ عَلِيٌّ : لَا تَفْعَلَا .\rفَوَاَللَّهِ مَا هُوَ بِفَاعِلٍ فَانْتَحَاهُ رَبِيعَةُ بْنُ الْحَارِثِ فَقَالَ : وَاَللَّهِ مَا تَصْنَعُ هَذَا إلَّا نَفَاسَةً مِنْك عَلَيْنَا .\rقَالَ : فَأَلْقَى عَلِيٌّ رِدَاءَهُ ، ثُمَّ اضْطَجَعَ ، ثُمَّ قَالَ : أَنَا أَبُو الْحَسَنِ .\rوَاَللَّهِ لَا أَرِيمُ مَكَانِي حَتَّى يَرْجِعَ إلَيْكُمَا ابْنَاكُمَا بِخَبَرِ مَا بَعَثْتُمَا بِهِ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rفَذَكَرَ الْحَدِيثَ إلَى أَنْ قَالَ : فَأَتَيَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَنْتَ أَبُو النَّاسِ ، وَأَوْصَلُ النَّاسِ ، وَقَدْ بَلَغْنَا النِّكَاحَ ، فَجِئْنَا لِتُؤَمِّرَنَا عَلَى بَعْضِ هَذِهِ الصَّدَقَاتِ ، فَنُؤَدِّيَ إلَيْك كَمَا يُؤَدِّي النَّاسُ ، وَنُصِيبَ كَمَا يُصِيبُونَ .\rفَسَكَتَ طَوِيلًا ثُمَّ قَالَ : إنَّ هَذِهِ الصَّدَقَةَ لَا تَنْبَغِي لِآلِ مُحَمَّدٍ ، إنَّمَا هِيَ","part":5,"page":227},{"id":2227,"text":"أَوْسَاخُ النَّاسِ .\rوَفِي لَفْظٍ أَنَّهُ قَالَ : إنَّ الصَّدَقَةَ إنَّمَا هِيَ أَوْسَاخُ النَّاسِ ، وَإِنَّهَا لَا تَحِلُّ لِمُحَمَّدٍ وَلَا لِآلِ مُحَمَّدٍ } .\r( 1784 ) فَصْلٌ : وَيَجُوزُ لِذَوِي الْقُرْبَى الْأَخْذُ مِنْ صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ .\rقَالَ أَحْمَدُ ، فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ : إنَّمَا لَا يُعْطَوْنَ مِنْ الصَّدَقَةِ الْمَفْرُوضَةِ ، فَأَمَّا التَّطَوُّعِ ، فَلَا .\rوَعَنْ أَحْمَدَ ، رِوَايَةٌ أُخْرَى : أَنَّهُمْ يُمْنَعُونَ صَدَقَةَ التَّطَوُّعِ أَيْضًا ؛ لِعُمُومِ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ { : إنَّا لَا تَحِلُّ لَنَا الصَّدَقَةُ } .\rوَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { : الْمَعْرُوفُ كُلُّهُ صَدَقَةٌ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى { : فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ } .\rوَقَالَ تَعَالَى { : فَنَظِرَةٌ إلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ } .\rوَلَا خِلَافَ فِي إبَاحَةِ الْمَعْرُوفِ إلَى الْهَاشِمِيِّ ، وَالْعَفْوِ عَنْهُ وَإِنْظَارِهِ .\rوَقَالَ إخْوَةُ يُوسُفَ : { وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا } .\rوَالْخَبَرُ أُرِيدَ بِهِ صَدَقَةُ الْفَرْضِ ؛ لِأَنَّ الطَّلَبَ كَانَ لَهَا ، وَالْأَلِفُ وَاللَّامُ تَعُودُ إلَى الْمَعْهُودِ .\rوَرَوَى جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ كَانَ يَشْرَبُ مِنْ سِقَايَاتٍ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ .\rفَقُلْت لَهُ : أَتَشْرَبُ مِنْ الصَّدَقَةِ ؟ فَقَالَ : إنَّمَا حُرِّمَتْ عَلَيْنَا الصَّدَقَةُ الْمَفْرُوضَةُ .\rوَيَجُوزُ أَنْ يَأْخُذُوا مِنْ الْوَصَايَا لِلْفُقَرَاءِ ، وَمِنْ النُّذُورِ ؛ لِأَنَّهُمَا تَطَوُّعٌ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ وَصَّى لَهُمْ .\rوَفِي الْكَفَّارَةِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا ، يَجُوزُ ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِزَكَاةٍ وَلَا هِيَ أَوْسَاخُ النَّاسِ ، فَأَشْبَهَتْ صَدَقَةَ التَّطَوُّعِ .\rوَالثَّانِي ، لَا يَجُوزُ لِأَنَّهَا وَاجِبَةٌ أَشْبَهَتْ الزَّكَاةَ .","part":5,"page":228},{"id":2228,"text":"( 1785 ) فَصْلٌ : وَكُلُّ مَنْ حُرِمَ صَدَقَةَ الْفَرْضِ مِنْ الْأَغْنِيَاءِ وَقَرَابَةِ الْمُتَصَدِّقِ وَالْكَافِرِ وَغَيْرِهِمْ ، يَجُوزُ دَفْعُ صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ إلَيْهِمْ ، وَلَهُمْ أَخْذُهَا ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى { : وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا } .\rوَلَمْ يَكُنْ الْأَسِيرُ يَوْمَئِذٍ إلَّا كَافِرًا ، وَعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، قَالَتْ : { قَدِمْتُ عَلَى أُمِّي وَهِيَ مُشْرِكَةٌ ، فَقُلْت : يَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّ أُمِّي قَدِمَتْ عَلَيَّ وَهِيَ رَاغِبَةٌ ، أَفَأَصِلُهَا ؟ قَالَ : نَعَمْ ، صِلِي أُمَّك } .\rوَكَسَا عُمَرُ أَخًا لَهُ حُلَّةً كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْطَاهُ إيَّاهَا .\rوَعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { إذَا أَنْفَقَ الْمُسْلِمُ عَلَى أَهْلِهِ ، وَهُوَ يَحْتَسِبُهَا ، فَهِيَ لَهُ صَدَقَةٌ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِسَعْدٍ { : إنَّ نَفَقَتَك عَلَى أَهْلِك صَدَقَةٌ ، وَإِنَّ مَا تَأْكُلُ امْرَأَتُك صَدَقَةٌ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .","part":5,"page":229},{"id":2229,"text":"( 1786 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَالظَّاهِرُ أَنَّ الصَّدَقَةَ جَمِيعَهَا كَانَتْ مُحَرَّمَةً عَلَيْهِ ، فَرْضَهَا وَنَفْلَهَا ؛ لِأَنَّ اجْتِنَابَهَا كَانَ مِنْ دَلَائِلِ نُبُوَّتِهِ وَعَلَامَاتِهَا ، فَلَمْ يَكُنْ لِيُخِلَّ بِذَلِكَ ، وَفِي حَدِيثِ إسْلَامِ سَلْمَانِ الْفَارِسِيِّ ، أَنَّ الَّذِي أَخْبَرَهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَوَصَفَهُ ، قَالَ { : إنَّهُ يَأْكُلُ الْهَدِيَّةَ ، وَلَا يَأْكُلُ الصَّدَقَةَ } .\rوَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ { : كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا أُتِيَ بِطَعَامٍ سَأَلَ عَنْهُ ؟ فَإِنْ قِيلَ صَدَقَةٌ .\rقَالَ لِأَصْحَابِهِ : كُلُوا .\rوَلَمْ يَأْكُلْ ، وَإِنْ قِيلَ : هَدِيَّةٌ ضَرَبَ بِيَدِهِ ، فَأَكَلَ مَعَهُمْ .\r} أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ .\r{ وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي لَحْمٍ تَصَدَّقَ بِهِ عَلَى بَرِيرَةَ : هُوَ عَلَيْهَا صَدَقَةٌ ، وَهُوَ لَنَا هَدِيَّةٌ } ، وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ { : إنِّي لَأَنْقَلِبُ إلَى أَهْلِي ، فَأَجِدُ التَّمْرَةَ سَاقِطَةً عَلَى فِرَاشِي فِي بَيْتِي ، فَأَرْفَعُهَا لِآكُلَهَا ، ثُمَّ أَخْشَى أَنْ تَكُونَ صَدَقَةً ، فَأُلْقِيهَا } .\rرَوَاهُ مُسْلِمٌ .\rوَقَالَ { : إنَّا لَا تَحِلُّ لَنَا الصَّدَقَةُ } .\rوَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ أَشْرَفَ الْخَلْقِ ، وَكَانَ لَهُ مِنْ الْمَغَانِمِ خُمْسُ الْخُمْسِ وَالصَّفِيُّ ، فَحُرِمَ نَوْعَيْ الصَّدَقَةِ فَرْضَهَا وَنَفْلَهَا ، وَآلُهُ دُونَهُ فِي الشَّرَفِ ، وَلَهُمْ خُمْسُ الْخُمْسِ وَحْدَهُ ، فَحُرِمُوا أَحَدَ نَوْعَيْهَا ، وَهُوَ الْفَرْضُ .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّ صَدَقَةَ التَّطَوُّعِ لَمْ تَكُنْ مُحَرَّمَةً عَلَيْهِ .\rقَالَ الْمَيْمُونِيُّ : سَمِعْت أَحْمَدَ يَقُولُ : الصَّدَقَةُ لَا تَحِلُّ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَهْلِ بَيْتِهِ ؛ صَدَقَةُ الْفِطْرِ ، وَزَكَاةُ الْأَمْوَالِ ، وَالصَّدَقَةُ يَصْرِفُهَا الرَّجُلُ عَلَى مُحْتَاجٍ يُرِيدُ بِهَا وَجْهَ اللَّهِ تَعَالَى ، فَأَمَّا غَيْرُ ذَلِكَ فَلَا ، أَلَيْسَ يُقَالُ : كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ ؟ وَقَدْ كَانَ يُهْدَى لِلنَّبِيِّ","part":5,"page":230},{"id":2230,"text":"صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَسْتَقْرِضُ ، فَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ جِنْسِ الصَّدَقَةِ عَلَى وَجْهِ الْحَاجَةِ .\rوَالصَّحِيحُ أَنَّ هَذَا لَا يَدُلُّ عَلَى إبَاحَةِ الصَّدَقَةِ لَهُ ، إنَّمَا أَرَادَ أَنَّ مَا لَيْسَ مِنْ صَدَقَةِ الْأَمْوَالِ عَلَى الْحَقِيقَةِ ، كَالْقَرْضِ وَالْهَدِيَّةِ وَفِعْلِ الْمَعْرُوفِ ، غَيْرُ مُحَرَّمٍ عَلَيْهِ ، لَكِنَّ فِيهِ دَلَالَةً عَلَى التَّسْوِيَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ آلِهِ فِي تَحْرِيمِ صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ عَلَيْهِمْ ، لِقَوْلِهِ بِأَنَّ الصَّدَقَةَ عَلَى الْمُحْتَاجِ يُرِيدُ بِهَا وَجْهَ اللَّهِ مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمَا .\rوَهَذَا هُوَ صَدَقَةُ التَّطَوُّعِ ، فَصَارَتْ الرِّوَايَتَانِ فِي تَحْرِيمِ صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ عَلَى آلِهِ .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":5,"page":231},{"id":2231,"text":"مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَلَا لِغَنِيٍّ ، وَهُوَ الَّذِي يَمْلِكُ خَمْسِينَ دِرْهَمًا ، أَوْ قِيمَتَهَا مِنْ الذَّهَبِ ) .\rيَعْنِي لَا يُعْطَى مِنْ سَهْمِ الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ غَنِيٌّ ، وَلَا خِلَافَ فِي هَذَا بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَهَا لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ ، وَالْغَنِيُّ غَيْرُ دَاخِلٍ فِيهِمْ ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمُعَاذٍ { : أَعْلِمْهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ ، فَتُرَدُّ فِي فُقَرَائِهِمْ .\rوَقَالَ : لَا حَظَّ فِيهَا لِغَنِيٍّ ، وَلَا لِقَوِيٍّ مُكْتَسِبٍ .\rوَقَالَ : لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ ، وَلَا لِذِي مِرَّةٍ سَوِيٍّ } .\rأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَقَالَ : حَدِيثٌ حَسَنٌ وَلِأَنَّ أَخْذَ الْغَنِيِّ مِنْهَا يَمْنَعُ وُصُولَهَا إلَى أَهْلِهَا ، وَيُخِلُّ بِحِكْمَةِ وُجُوبِهَا ، وَهُوَ إغْنَاءُ الْفُقَرَاءِ بِهَا .\rوَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْغِنَى الْمَانِعِ مِنْ أَخْذِهَا .\rوَنُقِلَ عَنْ أَحْمَدَ فِيهِ رِوَايَتَانِ : أَظْهَرُهُمَا ، أَنَّهُ مِلْكُ خَمْسِينَ دِرْهَمًا ، أَوْ قِيمَتِهَا مِنْ الذَّهَبِ ، أَوْ وُجُودُ مَا تَحْصُلُ بِهِ الْكِفَايَةُ عَلَى الدَّوَامِ ؛ مِنْ كَسْبٍ ، أَوْ تِجَارَةٍ ، أَوْ عَقَارٍ ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ .\rوَلَوْ مَلَكَ مِنْ الْعُرُوضِ ، أَوْ الْحُبُوبِ أَوْ السَّائِمَةِ ، أَوْ الْعَقَارِ ، مَا لَا تَحْصُلُ بِهِ الْكِفَايَةُ ، لَمْ يَكُنْ غَنِيًّا ، وَإِنْ مَلَكَ نِصَابًا ، هَذَا الظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِهِ ، وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ وَالنَّخَعِيِّ وَابْنِ الْمُبَارَكِ وَإِسْحَاقَ .\rوَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وَعَبْدِ اللَّهِ ، أَنَّهُمَا قَالَا : لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِمَنْ لَهُ خَمْسُونَ دِرْهَمًا ، أَوْ عَدْلُهَا ، أَوْ قِيمَتُهَا مِنْ الذَّهَبِ .\rوَذَلِكَ لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ سَأَلَ وَلَهُ مَا يُغْنِيهِ جَاءَتْ مَسْأَلَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ خُمُوشًا ، أَوْ خُدُوشًا ، أَوْ كُدُوحًا فِي وَجْهِهِ .\rفَقِيلَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَا الْغِنَى ؟ قَالَ خَمْسُونَ دِرْهَمًا ، أَوْ","part":5,"page":232},{"id":2232,"text":"قِيمَتُهَا مِنْ الذَّهَبِ .\r} رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَقَالَ : حَدِيثٌ حَسَنٌ .\rفَإِنْ قِيلَ : هَذَا يَرْوِيهِ حَكِيمُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَكَانَ شُعْبَةُ لَا يَرْوِي عَنْهُ ، وَلَيْسَ بِقَوِيٍّ فِي الْحَدِيثِ .\rقُلْنَا : قَدْ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ لِسُفْيَانَ : حِفْظِي أَنَّ شُعْبَةَ لَا يَرْوِي عَنْ حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ .\rفَقَالَ سُفْيَانُ : حَدَّثَنَاهُ زُبَيْدٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ .\rوَقَدْ قَالَ عَلِيٌّ وَعَبْدُ اللَّهِ مِثْلَ ذَلِكَ .\rوَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ ، أَنَّ الْغِنَى مَا تَحْصُلُ بِهِ الْكِفَايَةُ ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ مُحْتَاجًا حَرُمَتْ عَلَيْهِ الصَّدَقَةُ ، وَإِنْ لَمْ يَمْلِكْ شَيْئًا ، وَإِنْ كَانَ مُحْتَاجًا حَلَّتْ لَهُ الصَّدَقَةُ ، وَإِنْ مَلَكَ نِصَابًا ، وَالْأَثْمَانُ وَغَيْرُهَا فِي هَذَا سَوَاءٌ .\rوَهَذَا اخْتِيَارُ أَبِي الْخَطَّابِ وَابْنِ شِهَابٍ الْعُكْبَرِيِّ وَقَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ ، لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِقَبِيصَةَ بْنِ الْمُخَارِقِ { لَا تَحِلُّ الْمَسْأَلَةُ إلَّا لِأَحَدِ ثَلَاثَةٍ : رَجُلٌ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ حَتَّى يَقُولَ ثَلَاثَةٌ مِنْ ذَوِي الْحِجَا مِنْ قَوْمِهِ : قَدْ أَصَابَتْ فُلَانًا فَاقَةٌ ، فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ ، أَوْ سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ } رَوَاهُ مُسْلِمٌ .\rفَمَدَّ إبَاحَةَ الْمَسْأَلَةِ إلَى وُجُودِ إصَابَةِ الْقِوَامِ أَوْ السِّدَادِ ، وَلِأَنَّ الْحَاجَةَ هِيَ الْفَقْرُ ، وَالْغِنَى ضِدُّهَا ، فَمَنْ كَانَ مُحْتَاجًا فَهُوَ فَقِيرٌ يَدْخُلُ فِي عُمُومِ النَّصِّ ، وَمَنْ اسْتَغْنَى دَخَلَ فِي عُمُومِ النُّصُوصِ الْمُحَرِّمَةِ ، وَالْحَدِيثُ الْأَوَّلُ فِيهِ ضَعْفٌ ، ثُمَّ يَجُوزُ أَنْ تَحْرُمَ الْمَسْأَلَةُ وَلَا يَحْرُمُ أَخْذُ الصَّدَقَةِ إذَا جَاءَتْهُ مِنْ غَيْرِ الْمَسْأَلَةِ ، فَإِنَّ الْمَذْكُورَ فِيهِ تَحْرِيمُ الْمَسْأَلَةِ ، فَنَقْتَصِرُ عَلَيْهِ .\rوَقَالَ الْحَسَنُ وَأَبُو عُبَيْدٍ : الْغِنَى مِلْكُ أُوقِيَّةٍ ، وَهِيَ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا ؛ لِمَا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : مَنْ","part":5,"page":233},{"id":2233,"text":"سَأَلَ وَلَهُ قِيمَةُ أُوقِيَّةٍ فَقَدْ أَلْحَفَ } .\rوَكَانَتْ الْأُوقِيَّةُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ : الْغِنَى الْمُوجِبُ لِلزَّكَاةِ هُوَ الْمَانِعُ مِنْ أَخْذِهَا ، وَهُوَ مِلْكُ نِصَابٍ تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ ، مِنْ الْأَثْمَانِ ، أَوْ الْعُرُوضِ الْمُعَدَّةِ لِلتِّجَارَةِ ، أَوْ السَّائِمَةِ ، أَوْ غَيْرِهَا { ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمُعَاذٍ : أَعْلِمْهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ ، فَتُرَدُّ فِي فُقَرَائِهِمْ } ، فَجَعَلَ الْأَغْنِيَاءَ مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِمْ الزَّكَاةُ ، فَيَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ غَنِيٌّ ، وَمَنْ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ لَيْسَ بِغَنِيٍّ ، فَيَكُونُ فَقِيرًا ، فَتُدْفَعُ الزَّكَاةُ إلَيْهِ ؛ لِقَوْلِهِ : \" فَتُرَدُّ فِي فُقَرَائِهِمْ \" .\rوَلِأَنَّ الْمُوجِبَ لِلزَّكَاةِ غِنًى ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ الِاشْتِرَاكِ ، وَلِأَنَّ مَنْ لَا نِصَابَ لَهُ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ فَلَا يُمْنَعُ مِنْهَا ، كَمَنْ يَمْلِكُ دُونَ الْخَمْسِينَ ، وَلَا لَهُ مَا يَكْفِيه .\rفَيَحْصُلُ الْخِلَافُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ فِي أُمُورٍ ثَلَاثَةٍ : أَحَدُهَا ، أَنَّ الْغِنَى الْمَانِعَ مِنْ الزَّكَاةِ غَيْرُ الْمُوجِبِ لَهَا عِنْدَنَا .\rوَدَلِيلُ ذَلِكَ حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَهُوَ أَخَصُّ مِنْ حَدِيثِهِمْ .\rفَيَجِبُ تَقْدِيمُهُ ، وَلِأَنَّ حَدِيثَهُمْ دَلَّ عَلَى الْغِنَى الْمُوجِبِ ، وَحَدِيثُنَا دَلَّ عَلَى الْغِنَى الْمَانِعِ ، وَلَا تَعَارُضَ بَيْنَهُمَا .\rفَيَجِبُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا .\rوَقَوْلُهُمْ : الْأَصْلُ عَدَمُ الِاشْتِرَاكِ .\rقُلْنَا : قَدْ قَامَ دَلِيلُهُ بِمَا ذَكَرْنَاهُ ، فَيَجِبُ الْأَخْذُ بِهِ .\rالثَّانِي ، أَنَّ مَنْ لَهُ مَا يَكْفِيه مِنْ مَالٍ غَيْرِ زَكَائِيٍّ ، أَوْ مِنْ مَكْسَبِهِ ، أَوْ أُجْرَةِ عَقَارَاتٍ أَوْ غَيْرِهِ ، لَيْسَ لَهُ الْأَخْذُ مِنْ الزَّكَاةِ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو عُبَيْدَةَ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ : إنَّ دَفَعَ الزَّكَاةَ إلَيْهِ فَهُوَ قَبِيحٌ ، وَأَرْجُو أَنْ","part":5,"page":234},{"id":2234,"text":"يُجْزِئَهُ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَسَائِرُ أَصْحَابِهِ : يَجُوزُ دَفْعُ الزَّكَاةِ إلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِغَنِيٍّ ، لِمَا ذَكَرُوهُ فِي حُجَّتِهِمْ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ ، حَدَّثَنَا يُحْيِي بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ الْخِيَارِ ، { عَنْ رَجُلَيْنِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُمَا أَتَيَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلَاهُ الصَّدَقَةَ ، فَصَعَّدَ فِيهِمَا الْبَصَرَ ، فَرَآهُمَا جَلْدَيْنِ ، فَقَالَ : إنْ شِئْتُمَا أَعْطَيْتُكُمَا ، وَلَا حَظَّ فِيهَا لِغَنِيٍّ ، وَلَا لِقَوِيٍّ مُكْتَسِبٍ } .\rقَالَ أَحْمَدُ : مَا أَجْوَدَهُ مِنْ حَدِيثٍ .\rوَقَالَ : هُوَ أَحْسَنُهَا إسْنَادًا وَرَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { : لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ ، وَلَا لِذِي مِرَّةٍ سَوِيٍّ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَقَالَ : حَدِيثٌ حَسَنٌ .\rإلَّا أَنَّ أَحْمَدَ قَالَ : لَا أَعْلَمُ فِيهِ شَيْئًا يَصِحُّ .\rقِيلَ : فَحَدِيثُ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ؟ قَالَ : سَالِمٌ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ .\rوَلِأَنَّ لَهُ مَا يُغْنِيه عَنْ الزَّكَاةِ .\rفَلَمْ يَجُزْ الدَّفْعُ إلَيْهِ ، كَمَالِكِ النِّصَابِ .\rالثَّالِثُ ، أَنَّ مَنْ مَلَكَ نِصَابًا زَكَائِيًّا ، لَا تَتِمُّ بِهِ الْكِفَايَةُ مِنْ غَيْرِ الْأَثْمَانِ ، فَلَهُ الْأَخْذُ مِنْ الزَّكَاةِ .\rقَالَ الْمَيْمُونِيُّ : ذَاكَرْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ فَقُلْت : قَدْ يَكُونُ لِلرَّجُلِ الْإِبِلُ وَالْغَنَمُ تَجِبُ فِيهَا الزَّكَاةُ ، وَهُوَ فَقِيرٌ وَيَكُونُ لَهُ أَرْبَعُونَ شَاةً ، وَتَكُونُ لَهُمْ الضَّيْعَةُ لَا تَكْفِيه ، فَيُعْطَى مِنْ الصَّدَقَةِ ؟ قَالَ : نَعَمْ .\rوَذَكَرَ قَوْلَ عُمَرَ أَعْطُوهُمْ ، وَإِنْ رَاحَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ الْإِبِلِ كَذَا وَكَذَا .\rقُلْت : فَهَذَا قَدْرٌ مِنْ الْعَدَدِ أَوْ الْوَقْتِ ؟ قَالَ : لَمْ أَسْمَعْهُ .\rوَقَالَ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَكَمِ : إذَا كَانَ لَهُ عَقَارٌ يَشْغَلُهُ أَوْ","part":5,"page":235},{"id":2235,"text":"ضَيْعَةٌ تُسَاوِي عَشَرَةَ آلَافٍ أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ لَا تُقِيمُهُ ، يَأْخُذُ مِنْ الزَّكَاةِ .\rوَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ : لَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهَا إذَا مَلَكَ نِصَابًا زَكَائِيًّا ؛ لِأَنَّهُ تَجِبُ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ ، فَلَمْ تَجِبْ لَهُ لِلْخَبَرِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ مَا يُغْنِيه ، وَلَا يَقْدِرُ عَلَى كَسْبِ مَا يَكْفِيه ، فَجَازَ لَهُ الْأَخْذُ مِنْ الزَّكَاةِ كَمَا لَوْ كَانَ مَا يَمْلِكُ لَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ ، وَلِأَنَّ الْفَقْرَ عِبَارَةٌ عَنْ الْحَاجَةِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى { : يَأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمْ الْفُقَرَاءُ إلَى اللَّهِ } .\rأَيْ : الْمُحْتَاجُونَ إلَيْهِ .\rوَقَالَ الشَّاعِرُ : فَيَا رَبِّ إنِّي مُؤْمِنٌ بِك عَابِدٌ مُقِرٌّ بِزَلَّاتِي إلَيْك فَقِيرُ وَقَالَ آخَرُ : وَإِنِّي إلَى مَعْرُوفِهَا لَفَقِيرُ وَهَذَا مُحْتَاجٌ ، فَيَكُونُ فَقِيرًا غَيْرَ غَنِيٍّ ، وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مَا يَمْلِكُهُ لَا زَكَاةَ فِيهِ لَكَانَ فَقِيرًا ، وَلَا فَرْقَ فِي دَفْعِ الْحَاجَةِ بَيْنَ الْمَالَيْنِ ، وَقَدْ سَمَّى اللَّهُ تَعَالَى الَّذِينَ لَهُمْ سَفِينَةٌ فِي الْبَحْرِ مَسَاكِينَ ، فَقَالَ تَعَالَى { : أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ .\r} وَقَدْ بَيَّنَّا بِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ قِبَلِ أَنَّ الْغِنَى يَخْتَلِفُ مُسَمَّاهُ ، فَيَقَعُ عَلَى مَا يُوجِبُ الزَّكَاةَ ، وَعَلَى مَا يَمْنَعُ مِنْهَا ، فَلَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِ أَحَدِهِمَا وُجُودُ الْآخَرِ ، وَلَا مِنْ عَدَمِهِ عَدَمُهُ ، فَمَنْ قَالَ : إنَّ الْغِنَى هُوَ الْكِفَايَةُ .\rسَوَّى بَيْنَ الْأَثْمَانِ وَغَيْرِهَا ، وَجَوَّزَ الْأَخْذَ لِكُلِّ مَنْ لَا كِفَايَةَ لَهُ ، وَإِنْ مَلَكَ نُصُبًا مِنْ جَمِيعِ الْأَمْوَالِ .\rوَمَنْ قَالَ بِالرِّوَايَةِ الْأُخْرَى ، فَرَّقَ بَيْنَ الْأَثْمَانِ وَغَيْرِهَا ؛ لِخَبَرِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَلِأَنَّ الْأَثْمَانَ آلَةُ الْإِنْفَاقِ الْمُعَدَّةُ لَهُ دُونَ غَيْرِهَا ، فَجَوَّزَ الْأَخْذَ لِمَنْ لَا يَمْلِكُ خَمْسِينَ دِرْهَمًا ، أَوْ قِيمَتَهَا مِنْ الذَّهَبِ ، وَلَا مَا تَحْصُلُ بِهِ الْكِفَايَةُ ، مِنْ مَكْسَبٍ ، أَوْ أُجْرَةٍ أَوْ عَقَارٍ ، أَوْ غَيْرِهِ ،","part":5,"page":236},{"id":2236,"text":"أَوْ نَمَاءِ سَائِمَةٍ أَوْ غَيْرِهَا .\rوَإِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ مُعَدٌّ لِلْإِنْفَاقِ مِنْ غَيْرِ الْأَثْمَانِ ، فَيَنْبَغِي أَنْ تُعْتَبَرَ الْكِفَايَةُ بِهِ فِي حَوْلٍ كَامِلٍ ؛ لِأَنَّ الْحَوْلَ يَتَكَرَّرُ وُجُوبُ الزَّكَاةِ بِتَكَرُّرِهِ ، فَيَأْخُذُ مِنْهَا كُلَّ حَوْلِ مَا يَكْفِيه إلَى مِثْلِهِ ، وَيُعْتَبَرُ وُجُودُ الْكِفَايَةِ لَهُ وَلِعَائِلَتِهِ وَمَنْ يَمُونُهُ ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَقْصُودٌ دَفْعُ حَاجَتِهِ ، فَيُعْتَبَرُ لَهُ مَا يُعْتَبَرُ لِلْمُنْفَرِدِ .\rوَإِنْ كَانَ لَهُ خَمْسُونَ دِرْهَمًا ، جَازَ أَنْ يَأْخُذَ لِعَائِلَتِهِ حَتَّى يَصِيرَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ خَمْسُونَ .\rقَالَ أَحْمَدُ ، فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد ، فِي مَنْ يُعْطِي الزَّكَاةَ وَلَهُ عِيَالٌ : يُعْطَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ عِيَالِهِ خَمْسِينَ خَمْسِينَ .\rوَهَذَا لِأَنَّ الدَّفْعَ إنَّمَا هُوَ إلَى الْعِيَالِ ؛ وَهَذَا نَائِبٌ عَنْهُمْ فِي الْأَخْذِ .","part":5,"page":237},{"id":2237,"text":"( 1788 ) فَصْلٌ : وَإِذَا كَانَ لِلْمَرْأَةِ الْفَقِيرَةِ زَوْجٌ مُوسِرٌ يُنْفِقُ عَلَيْهَا ، لَمْ يَجُزْ دَفْعُ الزَّكَاةِ إلَيْهَا ؛ لِأَنَّ الْكِفَايَةَ حَاصِلَةٌ لَهَا بِمَا يَصِلُهَا مِنْ نَفَقَتِهَا الْوَاجِبَةِ ، فَأَشْبَهَتْ مَنْ لَهُ عَقَارٌ يَسْتَغْنِي بِأُجْرَتِهِ .\rوَإِنْ لَمْ يُنْفِقْ عَلَيْهَا ، وَتَعَذَّرَ ذَلِكَ ، جَازَ الدَّفْعُ إلَيْهَا ، كَمَا لَوْ تَعَطَّلَتْ مَنْفَعَةُ الْعَقَارِ .\rوَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى هَذَا .","part":5,"page":238},{"id":2238,"text":"( 1789 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَلَا يُعْطَى إلَّا فِي الثَّمَانِيَةِ الْأَصْنَافِ الَّتِي سَمَّى اللَّهُ تَعَالَى ) يَعْنِي قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى { : إنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ } وَقَدْ ذَكَرَهُمْ الْخِرَقِيِّ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ ، فَنُؤَخِّرُ شَرْحَهُمْ إلَيْهِ .\rوَقَدْ رَوَى زِيَادُ بْنُ الْحَارِثِ الصُّدَائِيُّ .\rقَالَ : { أَتَيْت النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَبَايَعْتُهُ .\rقَالَ : فَأَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ : أَعْطِنِي مِنْ الصَّدَقَةِ .\rفَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إنَّ اللَّهَ لَمْ يَرْضَ بِحُكْمِ نَبِيٍّ وَلَا غَيْرِهِ فِي الصَّدَقَاتِ ، حَتَّى حَكَمَ فِيهَا هُوَ ، فَجَزَّأَهَا ثَمَانِيَةَ أَجْزَاءٍ ، فَإِنْ كُنْت مِنْ تِلْكَ الْأَجْزَاءِ أَعْطَيْتُكَ حَقَّكَ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَأَحْكَامُهُمْ كُلُّهَا بَاقِيَةٌ .\rوَبِهَذَا قَالَ الْحَسَنُ وَالزُّهْرِيُّ وَأَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ وَقَالَ الشَّعْبِيُّ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ : انْقَطَعَ سَهْمُ الْمُؤَلَّفَةِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ أَعَزَّ اللَّهُ تَعَالَى الْإِسْلَامَ وَأَغْنَاهُ عَنْ أَنْ يَتَأَلَّفَ عَلَيْهِ رِجَالٌ ، فَلَا يُعْطَى مُشْرِكٌ تَالِفًا بِحَالٍ .\rقَالُوا : وَقَدْ رُوِيَ هَذَا عَنْ عُمَرَ .\rوَلَنَا ، كِتَابُ اللَّهِ وَسُنَّةُ رَسُولِهِ ؛ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَمَّى الْمُؤَلَّفَةَ فِي الْأَصْنَافِ الَّذِينَ سَمَّى الصَّدَقَةَ لَهُمْ ، وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { : إنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَكَمَ فِيهَا ، فَجَزَّأَهَا ثَمَانِيَةَ أَجْزَاءٍ .\rوَكَانَ يُعْطِي الْمُؤَلَّفَةَ كَثِيرًا ، فِي أَخْبَارٍ مَشْهُورَةٍ ، وَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ حَتَّى مَاتَ } ، وَلَا يَجُوزُ تَرْكُ كِتَابِ اللَّهِ وَسَنَةِ رَسُولِهِ إلَّا بِنَسْخٍ ، وَالنَّسْخُ لَا يَثْبُتُ بِالِاحْتِمَالِ .\rثُمَّ إنَّ النَّسْخَ إنَّمَا يَكُونُ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، لِأَنَّ النَّسْخَ","part":5,"page":239},{"id":2239,"text":"إنَّمَا يَكُونُ بِنَصٍّ ، وَلَا يَكُونُ النَّصُّ بَعْدَ مَوْتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَانْقِرَاضِ زَمَنِ الْوَحْيِ ، ثُمَّ إنَّ الْقُرْآنَ لَا يُنْسَخُ إلَّا بِقُرْآنٍ ، وَلَيْسَ فِي الْقُرْآنِ نَسْخٌ كَذَلِكَ وَلَا فِي السُّنَّةِ ، فَكَيْفَ يُتْرَكُ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ بِمُجَرَّدِ الْآرَاءِ وَالتَّحَكُّمِ ، أَوْ بِقَوْلِ صَحَابِيٍّ أَوْ غَيْرِهِ ، عَلَى أَنَّهُمْ لَا يَرَوْنَ قَوْلَ الصَّحَابِيِّ حُجَّةً يُتْرَكُ لَهَا قِيَاسٌ ، فَكَيْفَ يَتْرُكُونَ بِهِ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ ، قَالَ الزُّهْرِيُّ : لَا أَعْلَمُ شَيْئًا نَسَخَ حُكْمَ الْمُؤَلَّفَةِ .\rعَلَى أَنَّ مَا ذَكَرُوهُ مِنْ الْمَعْنَى لَا خِلَافَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ، فَإِنَّ الْغِنَى عَنْهُمْ لَا يُوجِبُ رَفْعَ حُكْمِهِمْ ، وَإِنَّمَا يَمْنَعُ عَطِيَّتَهُمْ حَالَ الْغِنَى عَنْهُمْ ، فَمَتَى دَعَتْ الْحَاجَةُ إلَى إعْطَائِهِمْ أُعْطُوا ، فَكَذَلِكَ جَمِيعُ الْأَصْنَافِ ، إذَا عُدِمَ مِنْهُمْ صِنْفٌ فِي بَعْضِ الزَّمَانِ ، سَقَطَ حُكْمُهُ فِي ذَلِكَ الزَّمَنِ خَاصَّةً ، فَإِذَا وُجِدَ عَادَ حُكْمُهُ ، كَذَا هُنَا .","part":5,"page":240},{"id":2240,"text":"( 1790 ) فَصْلٌ : وَلَا يَجُوزُ صَرْفُ الزَّكَاةِ إلَى غَيْرِ مَنْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى ، مِنْ بِنَاءِ الْمَسَاجِدِ وَالْقَنَاطِرِ وَالسِّقَايَاتِ وَإِصْلَاحِ الطُّرُقَاتِ ، وَسَدِّ الْبُثُوقِ ، وَتَكْفِينِ الْمَوْتَى ، وَالتَّوْسِعَةِ عَلَى الْأَضْيَافِ ، وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ مِنْ الْقُرْبِ الَّتِي لَمْ يَذْكُرْهَا اللَّهُ تَعَالَى .\rوَقَالَ أَنَسٌ وَالْحَسَنُ : مَا أَعْطَيْت فِي الْجُسُورِ وَالطُّرُقِ فَهِيَ صَدَقَةٌ مَاضِيَةٌ .\rوَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ؛ لِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى : { إنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ } .\r\" وَإِنَّمَا \" لِلْحَصْرِ وَالْإِثْبَاتِ ، تُثْبِتُ الْمَذْكُورَ ، وَتَنْفِي مَا عَدَاهُ ، وَالْخَبَرُ الْمَذْكُورُ .\rقَالَ أَبُو دَاوُد : سَمِعْت أَحْمَدَ ، وَسُئِلَ : يُكَفَّنُ الْمَيِّتُ مِنْ الزَّكَاةِ ؟ قَالَ : لَا ، وَلَا يُقْضَى مِنْ الزَّكَاةِ دَيْنُ الْمَيِّتِ .\rوَإِنَّمَا لَمْ يَجُزْ دَفْعُهَا فِي قَضَاءِ دَيْنِ الْمَيِّتِ ؛ لِأَنَّ الْغَارِمَ هُوَ الْمَيِّتُ وَلَا يُمْكِنُ الدَّفْعُ إلَيْهِ ، وَإِنْ دَفَعَهَا إلَى غَرِيمِهِ صَارَ الدَّفْعُ إلَى الْغَرِيمِ لَا إلَى الْغَارِمِ .\rوَقَالَ أَيْضًا : يُقْضَى مِنْ الزَّكَاةِ دَيْنُ الْحَيِّ ، وَلَا يُقْضَى مِنْهَا دَيْنُ الْمَيِّتِ ؛ لِأَنَّ الْمَيِّتَ لَا يَكُونُ غَارِمًا .\rقِيلَ : فَإِنَّمَا يُعْطِي أَهْلُهُ .\rقَالَ : إنْ كَانَتْ عَلَى أَهْلِهِ فَنِعْمَ .","part":5,"page":241},{"id":2241,"text":"( 1791 ) فَصْلٌ : وَإِذَا أَعْطَى مَنْ يَظُنُّهُ فَقِيرًا فَبَانَ غَنِيًّا .\rفَعَنْ أَحْمَدَ فِيهِ رِوَايَتَانِ : إحْدَاهُمَا ، يُجْزِئُهُ .\rاخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ .\rوَهَذَا قَوْلُ الْحَسَنِ وَأَبِي عُبَيْدٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ { ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْطَى الرَّجُلَيْنِ الْجَلْدَيْنِ ، وَقَالَ : إنْ شِئْتُمَا أَعْطَيْتُكُمَا مِنْهَا ، وَلَا حَظَّ فِيهَا لِغَنِيٍّ ، وَلَا لِقَوِيٍّ مُكْتَسِبٍ } .\rوَقَالَ لِلرَّجُلِ الَّذِي سَأَلَهُ الصَّدَقَةَ { إنْ كُنْت مِنْ تِلْكَ الْأَجْزَاءِ أَعْطَيْتُكَ حَقَّكَ } .\rوَلَوْ اعْتَبَرَ حَقِيقَةَ الْغِنَى لَمَا اكْتَفَى بِقَوْلِهِمْ .\rوَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { : قَالَ رَجُلٌ لَأَتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ ، فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ ، فَوَضَعَهَا فِي يَدِ غَنِيٍّ ، فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ : تَصَدَّقَ عَلَى غَنِيٍّ فَأُتِيَ فَقِيلَ لَهُ : أَمَّا صَدَقَتُك فَقَدْ قُبِلَتْ ، لَعَلَّ الْغَنِيَّ أَنْ يَعْتَبِرَ فَيُنْفِقَ مِمَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ ، لَا يُجْزِئُهُ ؛ لِأَنَّهُ دَفَعَ الْوَاجِبَ إلَى غَيْرِ مُسْتَحِقِّهِ ، فَلَمْ يَخْرُجْ مِنْ عُهْدَتِهِ ، كَمَا لَوْ دَفَعَهَا إلَى كَافِرٍ ، أَوْ ذِي قَرَابَتِهِ ، وَكَدُيُونِ الْآدَمِيِّينَ .\rوَهَذَا قَوْلُ الثَّوْرِيِّ وَالْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ وَأَبِي يُوسُفَ وَابْنِ الْمُنْذِرِ وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ كَالرِّوَايَتَيْنِ .\rفَأَمَّا إنْ بَانَ الْآخِذُ عَبْدًا ، أَوْ كَافِرًا ، أَوْ هَاشِمِيًّا ، أَوْ قَرَابَةً لِلْمُعْطِي مِمَّنْ لَا يَجُوزُ الدَّفْعُ إلَيْهِ ، لَمْ يُجْزِهِ ، رِوَايَةً وَاحِدَةً ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُسْتَحَقٍّ ، وَلَا تَخْفَى حَالُهُ غَالِبًا ، فَلَمْ يُجْزِهِ الدَّفْعُ إلَيْهِ ، كَدُيُونِ الْآدَمِيِّينَ ، وَفَارَقَ مَنْ بَانَ غَنِيًّا ؛ بِأَنَّ الْفَقْرَ وَالْغِنَى مِمَّا يَعْسَرُ الِاطِّلَاعُ عَلَيْهِ وَالْمَعْرِفَةُ بِحَقِيقَتِهِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { يَحْسَبُهُمْ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنْ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ } .\rفَاكْتَفَى بِظُهُورِ الْفَقْرِ ، وَدَعْوَاهُ بِخِلَافِ غَيْرِهِ .","part":5,"page":242},{"id":2242,"text":"( 1792 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( إلَّا أَنْ يَتَوَلَّى الرَّجُلُ إخْرَاجَهَا بِنَفْسِهِ ، فَيَسْقُطُ الْعَامِلُ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الرَّجُلَ إذَا تَوَلَّى إخْرَاجَ زَكَاتِهِ بِنَفْسِهِ ، سَقَطَ حَقُّ الْعَامِلِ مِنْهَا ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَأْخُذُ أَجْرًا لِعَمَلِهِ ، فَإِذَا لَمْ يَعْمَلْ فِيهَا شَيْئًا فَلَا حَقَّ لَهُ ، فَيَسْقُطُ ، وَتَبْقَى سَبْعَةُ أَصْنَافٍ ، إنْ وَجَدَ جَمِيعَهُمْ أَعْطَاهُمْ ، وَإِنْ وَجَدَ بَعْضَهُمْ اكْتَفَى بِعَطِيَّتِهِ ، وَإِنْ أَعْطَى الْبَعْضَ مَعَ إمْكَانِ عَطِيَّةِ الْجَمِيعِ ، جَازَ أَيْضًا .\r.","part":5,"page":243},{"id":2243,"text":"( 1793 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَإِنْ أَعْطَاهَا كُلَّهَا فِي صِنْفٍ وَاحِدٍ ، أَجْزَأَهُ إذَا لَمْ يُخْرِجْهُ إلَى الْغِنَى ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى صِنْفٍ وَاحِدٍ مِنْ الْأَصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ ، وَيَجُوزُ أَنْ يُعْطِيَهَا شَخْصًا وَاحِدًا .\rوَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ وَحُذَيْفَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَبِهِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَالْحَسَنُ وَالنَّخَعِيُّ وَعَطَاءٌ ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الثَّوْرِيُّ وَأَبُو عُبَيْدٍ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَرُوِيَ عَنْ النَّخَعِيِّ أَنَّهُ قَالَ : إنْ كَانَ الْمَالُ كَثِيرًا يَحْتَمِلُ الْأَصْنَافَ ، قَسَمَهُ عَلَيْهِمْ ، وَإِنْ كَانَ قَلِيلًا ، جَازَ وَضْعُهُ فِي صِنْفٍ وَاحِدٍ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : يَتَحَرَّى مَوْضِعَ الْحَاجَةِ مِنْهُمْ ، وَيُقَدِّمُ الْأَوْلَى فَالْأَوْلَى وَقَالَ عِكْرِمَةُ وَالشَّافِعِيُّ : يَجِبُ أَنْ يَقْسِمَ زَكَاةَ كُلِّ صِنْفٍ مِنْ مَالِهِ ، عَلَى الْمَوْجُودِ مِنْ الْأَصْنَافِ السِّتَّةِ الَّذِينَ سُهْمَانُهُمْ ثَابِتَةٌ ، قِسْمَةً عَلَى السَّوَاءِ ، ثُمَّ حِصَّةُ كُلِّ صِنْفٍ مِنْهُمْ ، لَا تُصْرَفُ إلَى أَقَلِّ مِنْ ثَلَاثَةٍ مِنْهُمْ ، إنْ وَجَدَ مِنْهُمْ ثَلَاثَةً أَوْ أَكْثَرَ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ إلَّا وَاحِدًا ، صَرَفَ حِصَّةَ ذَلِكَ الصِّنْفِ إلَيْهِ .\rوَرَوَى الْأَثْرَمُ عَنْ أَحْمَدَ كَذَلِكَ .\rوَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ الصَّدَقَةَ لِجَمِيعِهِمْ ، وَشَرَّك بَيْنَهُمْ فِيهَا ، فَلَا يَجُوزُ الِاقْتِصَارُ عَلَى بَعْضِهِمْ كَأَهْلِ الْخُمْسِ .\rوَلَنَا { ، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمُعَاذٍ : أَعْلِمْهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً ، تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ ، فَتُرَدُّ فِي فُقَرَائِهِمْ } .\rفَأَخْبَرَ أَنَّهُ مَأْمُورٌ بِرَدِّ جُمْلَتِهَا فِي الْفُقَرَاءِ ، وَهُمْ صِنْفٌ وَاحِدٌ ، وَلَمْ يَذْكُرْ سِوَاهُمْ ، ثُمَّ أَتَاهُ بَعْدَ ذَلِكَ مَالٌ ، فَجَعَلَهُ فِي صِنْفٍ ثَانٍ سِوَى الْفُقَرَاءِ ، وَهُمْ الْمُؤَلَّفَةُ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ وَعُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ وَعَلْقَمَةُ بْنُ عُلَاثَةَ ، وَزَيْدٌ الْخَيْرُ قَسَّمَ فِيهِمْ الذَّهَبِيَّةَ الَّتِي بَعَثَ بِهَا إلَيْهِ عَلِيٌّ مِنْ الْيَمَنِ .","part":5,"page":244},{"id":2244,"text":"وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ الصَّدَقَةُ .\rثُمَّ أَتَاهُ مَالٌ آخَرُ ؛ فَجَعَلَهُ فِي صِنْفٍ آخَرَ ؛ لِقَوْلِهِ لِقَبِيصَةَ بْنِ الْمُخَارِقُ حِينَ تَحَمَّلَ حِمَالَةً ، فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْأَلُهُ ، فَقَالَ { : أَقِمْ يَا قَبِيصَةُ حَتَّى تَأْتِيَنَا الصَّدَقَةُ ، فَنَأْمُرَ لَك بِهَا } .\rوَفِي حَدِيثِ سَلَمَةَ بْنِ صَخْرٍ الْبَيَّاضِي ، أَنَّهُ أَمَرَ لَهُ بِصَدَقَةِ قَوْمِهِ .\rوَلَوْ وَجَبَ صَرْفُهَا إلَى جَمِيعِ الْأَصْنَافِ لَمْ يَجُزْ دَفْعُهَا إلَى وَاحِدٍ ، وَلِأَنَّهَا لَا يَجِبُ صَرْفُهَا إلَى جَمِيعِ الْأَصْنَافِ إذَا أَخَذَهَا السَّاعِي ، فَلَمْ يَجِبْ دَفْعُهَا إلَيْهِمْ إذَا فَرَّقَهَا الْمَالِكُ ، كَمَا لَوْ لَمْ يَجِدْ إلَّا صِنْفًا وَاحِدًا ، وَلِأَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ تَعْمِيمُ أَهْلِ كُلِّ صِنْفٍ بِهَا ، فَجَازَ الِاقْتِصَارُ عَلَى وَاحِدٍ ، كَمَا لَوْ وَصَّى لِجَمَاعَةٍ لَا يُمْكِنُ حَصْرُهُمْ ، وَيُخَرَّجُ عَلَى هَذَيْنِ الْمَعْنَيَيْنِ الْخُمْسُ ، فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ تَفْرِيقُهُ عَلَى جَمِيعِ مُسْتَحِقِّيهِ ، وَاسْتِيعَابُ جَمِيعِهِمْ بِهِ بِخِلَافِ الزَّكَاةِ ، وَالْآيَةُ أُرِيدَ بِهَا بَيَانُ الْأَصْنَافِ الَّذِينَ يَجُوزُ الدَّفْعُ إلَيْهِمْ ، دُونَ غَيْرِهِمْ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّ الْمُسْتَحَبَّ صَرْفُهَا إلَى جَمِيعِ الْأَصْنَافِ ، أَوْ إلَى مَنْ أَمْكَنَ مِنْهُمْ ؛ لِأَنَّهُ يَخْرُجُ بِذَلِكَ عَنْ الْخِلَافِ ، وَيَحْصُلُ الْإِجْزَاءُ يَقِينًا فَكَانَ أَوْلَى .\r( 1794 ) فَصْلٌ : قَوْلُ الْخِرَقِيِّ : \" إذَا لَمْ يُخْرِجْهُ إلَى الْغِنَى \" .\rيَعْنِي بِهِ الْغِنَى الْمَانِعَ مِنْ أَخْذِ الزَّكَاةِ ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ .\rوَظَاهِرُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ أَنَّهُ لَا يَدْفَعُ إلَيْهِ مَا يَحْصُلُ بِهِ الْغِنَى ، وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ مَا يُغْنِيه مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي مَوَاضِعَ وَذَكَرَهُ أَصْحَابُهُ ، فَيَتَعَيَّنُ حَمْلُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَدْفَعُ إلَيْهِ زِيَادَةً عَلَى مَا يَحْصُلُ بِهِ الْغِنَى .\rوَهَذَا قَوْلُ الثَّوْرِيِّ وَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَبِي ثَوْرٍ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ","part":5,"page":245},{"id":2245,"text":"الرَّأْيِ : يُعْطَى أَلْفًا وَأَكْثَرَ إذَا كَانَ مُحْتَاجًا إلَيْهَا ، وَيُكْرَهُ أَنْ يُزَادَ عَلَى الْمِائَتَيْنِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الْغِنَى لَوْ كَانَ سَابِقًا مَنَعَ ، فَيَمْنَعُ إذَا قَارَنَ ، كَالْجَمْعِ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ فِي النِّكَاحِ .","part":5,"page":246},{"id":2246,"text":"( 1795 ) فَصْلٌ : وَكُلُّ صِنْفٍ مِنْ الْأَصْنَافِ يُدْفَعُ إلَيْهِ مَا تَنْدَفِعُ بِهِ حَاجَتُهُ ، مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ ، فَالْغَارِمُ وَالْمُكَاتَبُ يُعْطَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا يَقْضِي بِهِ دَيْنَهُ وَإِنْ كَثُرَ ، وَابْنُ السَّبِيلِ يُعْطَى مَا يُبْلِغُهُ إلَى بَلَدِهِ ، وَالْغَازِي يُعْطَى مَا يَكْفِيه لِغَزْوِهِ ، وَالْعَامِلُ يُعْطَى بِقَدْرِ أَجْرِهِ .\rقَالَ أَبُو دَاوُد : سَمِعْت أَحْمَدَ ، قِيلَ لَهُ : يَحْمِلُ فِي السَّبِيلِ بِأَلْفٍ مِنْ الزَّكَاةِ ؟ قَالَ : مَا أَعْطَى فَهُوَ جَائِزٌ ، وَلَا يُعْطَى أَحَدٌ مِنْ هَؤُلَاءِ زِيَادَةً عَلَى مَا تَنْدَفِعُ بِهِ الْحَاجَةُ ؛ لِأَنَّ الدَّفْعَ لَهَا ، فَلَا يُزَادُ عَلَى مَا تَقْتَضِيه .\r.","part":5,"page":247},{"id":2247,"text":"( 1796 ) فَصْلٌ : وَأَرْبَعَةُ أَصْنَافٍ يَأْخُذُونَ أَخْذًا مُسْتَقِرًّا ، فَلَا يُرَاعَى حَالُهُمْ بَعْدَ الدَّفْعِ ، وَهُمْ : الْفُقَرَاءُ ، وَالْمَسَاكِينُ ، وَالْعَامِلُونَ ، وَالْمُؤَلَّفَةُ ، فَمَتَى أَخَذُوهَا مَلَكُوهَا مِلْكًا دَائِمًا مُسْتَقِرًّا ، لَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ رَدُّهَا بِحَالٍ ، وَأَرْبَعَةٌ مِنْهُمْ ، وَهُمْ الْغَارِمُونَ ، وَفِي الرِّقَابِ ، وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَابْنُ السَّبِيلِ ؛ فَإِنَّهُمْ يَأْخُذُونَ أَخْذًا مُرَاعًى ، فَإِنْ صَرَفُوهُ فِي الْجِهَةِ الَّتِي اسْتَحَقُّوا الْأَخْذَ لِأَجْلِهَا ، وَإِلَّا اُسْتُرْجِعَ مِنْهُمْ .\rوَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ الْأَصْنَافِ وَاَلَّتِي قَبْلَهَا ، أَنَّ هَؤُلَاءِ أَخَذُوا لِمَعْنًى لَمْ يَحْصُلْ بِأَخْذِهِمْ لِلزَّكَاةِ ، وَالْأَوَّلُونَ حَصَلَ الْمَقْصُودُ بِأَخْذِهِمْ ، وَهُوَ غِنَى الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ ، وَتَأْلِيفُ الْمُؤَلَّفِينَ ، وَأَدَاءُ أَجْرِ الْعَامِلِينَ .\rوَإِنْ قَضَى هَؤُلَاءِ حَاجَتَهُمْ بِهَا ، وَفَضَلَ مَعَهُمْ فَضْلٌ ، رَدُّوا الْفَضْلَ ، إلَّا الْغَازِي ، فَإِنَّ مَا فَضَلَ لَهُ بَعْدَ غَزْوِهِ فَهُوَ لَهُ .\rذَكَرَهُ الْخِرَقِيِّ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ .\rوَظَاهِرُ قَوْلِهِ فِي الْمُكَاتَبِ أَنَّهُ لَا يَرُدُّ مَا فَضَلَ فِي يَدِهِ ؛ لِأَنَّهُ قَالَ : وَإِذَا عَجَزَ الْمُكَاتَبُ وَرُدَّ فِي الرِّقِّ ، وَكَانَ قَدْ تَصَدَّقَ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ ، فَهُوَ لِسَيِّدِهِ وَنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ أَيْضًا فِي رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيِّ وَالْكَوْسَجِ .\rوَنَقَلَ عَنْهُ حَنْبَلٌ : إذَا عَجَزَ يَرُدُّ مَا فِي يَدَيْهِ فِي الْمُكَاتَبِينَ .\rوَقَالَ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ : إنْ كَانَ بَاقِيًا بِعَيْنِهِ اُسْتُرْجِعَ مِنْهُ لِأَنَّهُ إنَّمَا دُفِعَ إلَيْهِ لِيَعْتِقَ بِهِ وَلَمْ يَقَعْ وَقَالَ الْقَاضِي : كَلَامُ الْخِرَقِيِّ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ الَّذِي بَقِيَ فِي يَدِهِ لَمْ يَكُنْ عَيْنَ الزَّكَاةِ ، وَإِنَّمَا تَصَرَّفَ فِيهَا وَحَصَلَ عِوَضُهَا وَفَائِدَتُهَا .\rوَلَوْ تَلِفَ الْمَالُ الَّذِي فِي يَدِ هَؤُلَاءِ بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ ، لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهِمْ بِشَيْءٍ .","part":5,"page":248},{"id":2248,"text":"مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَلَا يَجُوزُ نَقْلُ الصَّدَقَةِ مِنْ بَلَدِهَا إلَى بَلَدٍ تُقْصَرُ فِي مِثْلِهِ الصَّلَاةُ ) الْمَذْهَبُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ نَقْلُ الصَّدَقَةِ مِنْ بَلَدِهَا إلَى مَسَافَةِ الْقَصْرِ .\rقَالَ أَبُو دَاوُد : سَمِعْت أَحْمَدَ سُئِلَ عَنْ الزَّكَاةِ يُبْعَثُ بِهَا مِنْ بَلَدٍ إلَى بَلَدٍ ؟ قَالَ لَا .\rقِيلَ : وَإِنْ كَانَ قَرَابَتُهُ بِهَا ؟ قَالَ : لَا .\rوَاسْتَحَبَّ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنْ لَا تُنْقَلَ مِنْ بَلَدِهَا .\rوَقَالَ سَعِيدٌ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ ابْنِ طَاوُسٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ فِي كِتَابِ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ : مَنْ أَخْرَجَ مِنْ مِخْلَافٍ إلَى مِخْلَافٍ ، فَإِنَّ صَدَقَتَهُ وَعُشْرَهُ تُرَدُّ إلَى مِخْلَافِهِ .\rوَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَّهُ رَدَّ زَكَاةً أُتِيَ بِهَا مِنْ خُرَاسَانَ إلَى الشَّامِ ، إلَى خُرَاسَانَ .\rوَرُوِيَ عَنْ الْحَسَنِ وَالنَّخَعِيِّ أَنَّهُمَا كَرِهَا نَقْلَ الزَّكَاةِ مِنْ بَلَدٍ إلَى بَلَدٍ ، إلَّا لِذِي قَرَابَةٍ .\rوَكَانَ أَبُو الْعَالِيَةِ يَبْعَثُ بِزَكَاتِهِ إلَى الْمَدِينَةِ .\rوَلَنَا ، { قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمُعَاذٍ : أَخْبِرْهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ ، فَتُرَدُّ فِي فُقَرَائِهِمْ } .\rوَهَذَا يَخْتَصُّ بِفُقَرَاءِ بَلَدِهِمْ .\rوَلَمَّا بَعَثَ مُعَاذٌ الصَّدَقَةَ مِنْ الْيَمَنِ إلَى عُمَرَ ، أَنْكَرَ عَلَيْهِ ذَلِكَ عُمَرُ ، وَقَالَ : لَمْ أَبْعَثْك جَابِيًا ، وَلَا آخِذَ جِزْيَةٍ ، وَلَكِنْ بَعَثْتُك لِتَأْخُذَ مِنْ أَغْنِيَاءِ النَّاسِ ، فَتَرُدُّ فِي فُقَرَائِهِمْ .\rفَقَالَ مُعَاذٌ : مَا بَعَثْت إلَيْك بِشَيْءِ وَأَنَا أَجِدُ أَحَدًا يَأْخُذُهُ مِنِّي رَوَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ فِي الْأَمْوَالِ .\rوَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ عَطَاءٍ مَوْلَى عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ، أَنَّ زِيَادًا ، أَوْ بَعْضَ الْأُمَرَاءِ ، بَعَثَ عِمْرَانَ عَلَى الصَّدَقَةِ ، فَلَمَّا رَجَعَ قَالَ : أَيْنَ الْمَالُ ؟ قَالَ : أَلِلْمَالِ بَعَثْتَنِي ؟ أَخَذْنَاهَا مِنْ حَيْثُ كُنَّا نَأْخُذُهَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَوَضَعْنَاهَا حَيْثُ كُنَّا نَضَعُهَا","part":5,"page":249},{"id":2249,"text":"عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rوَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ إغْنَاءُ الْفُقَرَاءِ بِهَا ، فَإِذَا أَبَحْنَا نَقْلَهَا أَفْضَى إلَى بَقَاءِ فُقَرَاءِ ذَلِكَ الْبَلَدِ مُحْتَاجِينَ .\r( 1798 ) فَصْلٌ : فَإِنْ خَالَفَ وَنَقَلَهَا ، أَجْزَأَتْهُ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rقَالَ الْقَاضِي : وَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ يَقْتَضِي ذَلِكَ ، وَلَمْ أَجِدْ عَنْهُ نَصًّا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ، وَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ فِيهَا رِوَايَتَيْنِ : إحْدَاهُمَا ، يُجْزِئُهُ .\rوَاخْتَارَهَا ؛ لِأَنَّهُ دَفَعَ الْحَقَّ إلَى مُسْتَحِقِّهِ ، فَبَرِئَ مِنْهُ كَالدَّيْنِ ، وَكَمَا لَوْ فَرَّقَهَا فِي بَلَدِهَا .\rوَالْأُخْرَى ، لَا تُجْزِئُهُ .\rاخْتَارَهَا ابْنُ حَامِدٍ ؛ لِأَنَّهُ دَفَعَ الزَّكَاةَ إلَى غَيْرِ مَنْ أُمِرَ بِدَفْعِهَا إلَيْهِ ، أَشْبَهَ مَا لَوْ دَفَعَهَا إلَى غَيْرِ الْأَصْنَافِ .","part":5,"page":250},{"id":2250,"text":"( 1799 ) فَصْلٌ : فَإِنْ اسْتَغْنَى عَنْهَا فُقَرَاءُ أَهْلِ بَلَدِهَا ، جَازَ نَقْلُهَا .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، فَقَالَ : قَدْ تُحْمَلُ الصَّدَقَةُ إلَى الْإِمَامِ إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا فُقَرَاءُ أَوْ كَانَ فِيهَا فَضْلٌ عَنْ حَاجَتِهِمْ ، وَقَالَ أَيْضًا : لَا تُخْرَجُ صَدَقَةُ قَوْمٍ عَنْهُمْ مِنْ بَلَدٍ إلَى بَلَدٍ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ فِيهَا فَضْلٌ عَنْهُمْ ؛ لِأَنَّ الَّذِي كَانَ يَجِيءُ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبِي بَكْرٍ ، وَعُمَرَ مِنْ الصَّدَقَةِ ، إنَّمَا كَانَ عَنْ فَضْلٍ مِنْهُمْ ، يُعْطَوْنَ مَا يَكْفِيهِمْ ، وَيُخْرَجُ الْفَضْلُ عَنْهُمْ .\rوَرَوَى أَبُو عُبَيْدٍ ، فِي كِتَابِ \" الْأَمْوَالِ \" ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبِ ، أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ لَمْ يَزَلْ بِالْجُنْدِ ، إذْ بَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى مَاتَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ قَدِمَ عَلَى عُمَرَ ، فَرَدَّهُ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ ، فَبَعَثَ إلَيْهِ مُعَاذٌ بِثُلُثِ صَدَقَةِ النَّاسِ ، فَأَنْكَرَ ذَلِكَ عُمَرُ ، وَقَالَ : لَمْ أَبْعَثْك جَابِيًا ، وَلَا آخِذَ جِزْيَةٍ ، لَكِنْ بَعَثْتُك لِتَأْخُذَ مِنْ أَغْنِيَاءِ النَّاسِ ، فَتَرُدَّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ .\rفَقَالَ مُعَاذٌ : مَا بَعَثْت إلَيْك بِشَيْءٍ وَأَنَا أَجِدُ أَحَدًا يَأْخُذُهُ مِنِّي .\rفَلَمَّا كَانَ الْعَامُ الثَّانِي ، بَعَثَ إلَيْهِ بِشَطْرِ الصَّدَقَةِ ، فَتَرَاجَعَا بِمِثْلِ ذَلِكَ ، فَلَمَّا كَانَ الْعَامُ الثَّالِثُ بَعَثَ إلَيْهِ بِهَا كُلِّهَا ، فَرَاجَعَهُ عُمَرُ بِمِثْلِ مَا رَاجَعَهُ ، فَقَالَ مُعَاذٌ : مَا وَجَدْت أَحَدًا يَأْخُذُ مِنِّي شَيْئًا .\rوَكَذَلِكَ إذَا كَانَ بِبَادِيَةٍ ، وَلَمْ يَجِدْ مَنْ يَدْفَعُهَا إلَيْهِ ، فَرَّقَهَا عَلَى فُقَرَاءِ أَقْرَبِ الْبِلَادِ إلَيْهِ .","part":5,"page":251},{"id":2251,"text":"فَصْلٌ : قَالَ أَحْمَدُ ، فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَكَمِ : إذَا كَانَ الرَّجُلُ فِي بَلَدٍ ، وَمَالُهُ فِي بَلَدٍ ، فَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ تُؤَدَّى حَيْثُ كَانَ الْمَالُ ، فَإِنْ كَانَ بَعْضُهُ حَيْثُ هُوَ ، وَبَعْضُهُ فِي مِصْرٍ ، يُؤَدِّي زَكَاةَ كُلِّ مَالٍ حَيْثُ هُوَ .\rفَإِنْ كَانَ غَائِبًا عَنْ مِصْرِهِ وَأَهْلِهِ ، وَالْمَالُ مَعَهُ ، فَأَسْهَلُ أَنْ يُعْطِيَ بَعْضَهُ فِي هَذَا الْبَلَدِ ، وَبَعْضَهُ فِي هَذَا الْبَلَدِ ، وَبَعْضَهُ فِي الْبَلَدِ الْآخَرِ .\rفَأَمَّا إذَا كَانَ الْمَالُ فِي الْبَلَدِ الَّذِي هُوَ فِيهِ حَتَّى يَمْكُثَ فِيهِ حَوْلًا تَامًّا ، فَلَا يَبْعَثُ بِزَكَاتِهِ إلَى بَلَدٍ آخَرَ .\rفَإِنْ كَانَ الْمَالُ تِجَارَةً يُسَافِرُ بِهِ ، فَقَالَ الْقَاضِي : يُفَرِّقُ زَكَاتَهُ حَيْثُ حَالَ حَوْلُهُ ، فِي أَيِّ مَوْضِعٍ كَانَ .\rوَمَفْهُومُ كَلَامِ أَحْمَدَ فِي اعْتِبَارِهِ الْحَوْلَ التَّامَّ ، أَنَّهُ يَسْهُلُ فِي أَنْ يُفَرِّقَهَا فِي ذَلِكَ الْبَلَدِ ، وَغَيْرِهِ مِنْ الْبُلْدَانِ الَّتِي أَقَامَ بِهَا فِي ذَلِكَ الْحَوْلِ .\rوَقَالَ فِي الرَّجُلِ يَغِيبُ عَنْ أَهْلِهِ ، فَتَجِبُ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ : يُزَكِّيه فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي كَثُرَ مُقَامُهُ فِيهِ .\rفَأَمَّا زَكَاةُ الْفِطْرِ فَإِنَّهُ يُفَرِّقُهَا فِي الْبَلَدِ الَّذِي وَجَبَتْ عَلَيْهِ فِيهِ ، سَوَاءٌ كَانَ مَالُهُ فِيهِ أَوْ لَمْ يَكُنْ ؛ لِأَنَّهُ سَبَبُ وُجُوبِ الزَّكَاةِ ، فَفُرِّقَتْ فِي الْبَلَدِ الَّذِي سَبَبُهَا فِيهِ .","part":5,"page":252},{"id":2252,"text":"( 1801 ) فَصْلٌ : وَالْمُسْتَحَبُّ تَفْرِقَةُ الصَّدَقَةِ فِي بَلَدِهَا ، ثُمَّ الْأَقْرَبَ فَالْأَقْرَبَ مِنْ الْقُرَى وَالْبُلْدَانِ .\rقَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ : لَا بَأْسَ أَنْ يُعْطِيَ زَكَاتَهُ فِي الْقُرَى الَّتِي حَوْلَهُ مَا لَمْ تُقْصَرْ الصَّلَاةُ فِي أَثْنَائِهَا ، وَيَبْدَأُ بِالْأَقْرَبِ فَالْأَقْرَبِ .\rوَإِنْ نَقَلَهَا إلَى الْبَعِيدِ لِتَحَرِّي قَرَابَةٍ ، أَوْ مَنْ كَانَ أَشَدَّ حَاجَةً ، فَلَا بَأْسَ ، مَا لَمْ يُجَاوِزْ مَسَافَةَ الْقَصْرِ .","part":5,"page":253},{"id":2253,"text":"( 1802 ) فَصْلٌ : وَإِذَا أَخَذَ السَّاعِي الصَّدَقَةَ ، وَاحْتَاجَ إلَى بَيْعِهَا لِمَصْلَحَةِ مَنْ كَلَّفَهُ فِي نَقْلِهَا أَوْ مَرَضِهَا أَوْ نَحْوِهِمَا ، فَلَهُ ذَلِكَ ؛ لِمَا رَوَى قَيْسُ بْنُ أَبِي حَازِمٍ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى فِي إبِلِ الصَّدَقَةِ نَاقَةً كَوْمَاءَ ، فَسَأَلَ عَنْهَا ؟ فَقَالَ الْمُصَدِّقُ : إنِّي ارْتَجَعْتهَا بِإِبِلٍ .\rفَسَكَتَ .\r} رَوَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ ، فِي \" الْأَمْوَالِ \" ، وَقَالَ : الرَّجْعَةُ أَنْ يَبِيعَهَا ، وَيَشْتَرِيَ بِثَمَنِهَا مِثْلَهَا أَوْ غَيْرَهَا .\rفَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَاجَةٌ إلَى بَيْعِهَا ، فَقَالَ الْقَاضِي : لَا يَجُوزُ وَالْبَيْعُ بَاطِلٌ ، وَعَلَيْهِ الضَّمَانُ .\rوَيَحْتَمِلُ الْجَوَازَ ؛ لِحَدِيثِ قَيْسٍ ، فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَكَتَ حِينَ أَخْبَرَهُ الْمُصَدِّقُ بِارْتِجَاعِهَا ، وَلَمْ يَسْتَفْصِلْ .","part":5,"page":254},{"id":2254,"text":"( 1803 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَإِذَا بَاعَ مَاشِيَةً قَبْلَ الْحَوْلِ بِمِثْلِهَا ، زَكَّاهَا إذَا تَمَّ حَوْلٌ مِنْ وَقْتِ مِلْكِهِ الْأَوَّلِ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ إذَا بَاعَ نِصَابًا لِلزَّكَاةِ ، مِمَّا يُعْتَبَرُ فِيهِ الْحَوْلُ بِجِنْسِهِ ، كَالْإِبِلِ بِالْإِبِلِ ، أَوْ الْبَقَرِ بِالْبَقَرِ ، أَوْ الْغَنَمِ بِالْغَنَمِ ، أَوْ الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ ، أَوْ الْفِضَّةِ بِالْفِضَّةِ ، لَمْ يَنْقَطِعْ الْحَوْلُ ، وَبَنَى حَوْلَ الثَّانِي عَلَى حَوْلِ الْأَوَّلِ .\rوَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يَنْبَنِي حَوْلُ نِصَابٍ عَلَى حَوْلِ غَيْرِهِ بِحَالٍ ؛ لِقَوْلِهِ : { لَا زَكَاةَ فِي مَالٍ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ } .\rوَلِأَنَّهُ أَصْلٌ بِنَفْسِهِ ، فَلَمْ يَنْبَنِ عَلَى حَوْلِ غَيْرِهِ ، كَمَا لَوْ اخْتَلَفَ الْجِنْسَانِ .\rوَوَافَقَنَا أَبُو حَنِيفَةَ فِي الْأَثْمَانِ .\rوَوَافَقَ الشَّافِعِيَّ فِيمَا سِوَاهَا ؛ لِأَنَّ الزَّكَاةَ إنَّمَا وَجَبَتْ فِي الْأَثْمَانِ لِكَوْنِهَا ثَمَنًا ، وَهَذَا الْمَعْنَى يَشْمَلُهَا ، بِخِلَافِ غَيْرِهَا .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ نِصَابٌ يُضَمُّ إلَيْهِ نَمَاؤُهُ فِي الْحَوْلِ ، فَبُنِيَ حَوْلُ بَدَلِهِ مِنْ جِنْسِهِ عَلَى حَوْلِهِ ، كَالْعُرُوضِ ، وَالْحَدِيثُ مَخْصُوصٌ بِالنَّمَاءِ وَالرِّبْحِ وَالْعُرُوضِ ، فَنَقِيسُ عَلَيْهِ مَحَلَّ النِّزَاعِ ، وَالْجِنْسَانِ لَا يُضَمُّ أَحَدُهُمَا إلَى الْآخَرِ مَعَ وُجُودِهِمَا .\rفَأَوْلَى أَنْ لَا يُبْنَى حَوْلُ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ .","part":5,"page":255},{"id":2255,"text":"( 1804 ) فَصْلٌ : قَالَ أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ : سَأَلْت أَحْمَدَ ، عَنْ الرَّجُلِ يَكُونُ عِنْدَهُ غَنَمٌ سَائِمَةٌ ، فَيَبِيعُهَا بِضِعْفِهَا مِنْ الْغَنَمِ ، أَيُزَكِّيهَا كُلَّهَا ، أَمْ يُعْطِي زَكَاةَ الْأَصْلِ ؟ قَالَ : بَلْ يُزَكِّيهَا كُلَّهَا ، عَلَى حَدِيثِ عُمَرَ فِي السَّخْلَةِ يَرُوحُ بِهَا الرَّاعِي ؛ لِأَنَّ نَمَاءَهَا مَعَهَا .\rقُلْت : فَإِنْ كَانَتْ لِلتِّجَارَةِ ؟ قَالَ : يُزَكِّيهَا كُلَّهَا عَلَى حَدِيثِ حَمَاسٍ ، فَأَمَّا إنْ بَاعَ النِّصَابَ بِدُونِ النِّصَابِ انْقَطَعَ الْحَوْلُ ، وَإِنْ كَانَ عِنْدَهُ مِائَتَانِ فَبَاعَهُمَا بِمِائَةٍ فَعَلَيْهِ زَكَاةُ مِائَةٍ وَحْدَهَا .","part":5,"page":256},{"id":2256,"text":"( 1805 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَكَذَلِكَ إنْ أَبْدَلَ عِشْرِينَ دِينَارًا بِمِائَتَيْ دِرْهَمٍ ، أَوْ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ بِعِشْرِينَ دِينَارًا ، لَمْ تَبْطُلْ الزَّكَاةُ بِانْتِقَالِهَا ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ مَتَى أَبْدَلَ نِصَابًا مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ ، انْقَطَعَ حَوْلُ الزَّكَاةِ وَاسْتَأْنَفَ حَوْلًا ، إلَّا الذَّهَبَ بِالْفِضَّةِ ، أَوْ عُرُوضَ التِّجَارَةِ ؛ لِكَوْنِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ كَالْمَالِ الْوَاحِدِ ، إذْ هُمَا أُرُوشُ الْجِنَايَاتِ ، وَقِيَمُ الْمُتْلَفَاتِ ، وَيَضُمُّ أَحَدَهُمَا إلَى الْآخَرِ فِي الزَّكَاةِ .\rوَكَذَلِكَ إذَا اشْتَرَى عَرْضًا لِلتِّجَارَةِ بِنِصَابٍ مِنْ الْأَثْمَانِ ، أَوْ بَاعَ عَرْضًا بِنِصَابٍ ، لَمْ يَنْقَطِعْ الْحَوْلُ ؛ لِأَنَّ الزَّكَاةَ تَجِبُ فِي قِيمَةِ الْعُرُوضِ ، لَا فِي نَفْسِهَا ، وَالْقِيمَةُ هِيَ الْأَثْمَانُ ، فَكَانَا جِنْسًا وَاحِدًا .\rوَإِذَا قُلْنَا : إنَّ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ لَا يُضَمُّ أَحَدُهُمَا إلَى صَاحِبِهِ ، لَمْ يُبْنَ حَوْلُ أَحَدِهِمَا عَلَى حَوْلِ الْآخَرِ ؛ لِأَنَّهُمَا مَالَانِ لَا يُضَمُّ أَحَدُهُمَا إلَى الْآخَرِ ، فَلَمْ يُبْنَ حَوْلُهُ عَلَى حَوْلِهِ ، كَالْجِنْسَيْنِ مِنْ الْمَاشِيَةِ .\rوَأَمَّا عُرُوضُ التِّجَارَةِ ، فَإِنَّ حَوْلَهَا يُبْنَى عَلَى حَوْلِ الْأَثْمَانِ بِكُلِّ حَالٍ .","part":5,"page":257},{"id":2257,"text":"( 1806 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ مَاشِيَةٌ ، فَبَاعَهَا قَبْلَ الْحَوْلِ بِدَرَاهِمَ ، فِرَارًا مِنْ الزَّكَاةِ ، لَمْ تَسْقُطْ الزَّكَاةُ عَنْهُ ) قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ إبْدَالَ النِّصَابِ بِغَيْرِ جِنْسِهِ يَقْطَعُ الْحَوْلَ ، وَيَسْتَأْنِفُ حَوْلًا آخَرَ .\rفَإِنْ فَعَلَ هَذَا فِرَارًا مِنْ الزَّكَاةِ ، لَمْ تَسْقُطْ عَنْهُ ، سَوَاءٌ كَانَ الْمُبْدَلُ مَاشِيَةً أَوْ غَيْرَهَا مِنْ النُّصُبِ ، وَكَذَلِكَ لَوْ أَتْلَفَ جُزْءًا مِنْ النِّصَابِ ، قَصْدًا لِلتَّنْقِيصِ ، لِتَسْقُطَ عَنْهُ الزَّكَاةُ ، لَمْ تَسْقُطْ ، وَتُؤْخَذُ الزَّكَاةُ مِنْهُ فِي آخِرِ الْحَوْلِ ، إذَا كَانَ إبْدَالُهُ وَإِتْلَافُهُ عِنْدَ قُرْبِ الْوُجُوبِ .\rوَلَوْ فَعَلَ ذَلِكَ فِي أَوَّلِ الْحَوْلِ ، لَمْ تَجِبْ الزَّكَاةُ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِمَظِنَّةٍ لِلْفِرَارِ .\rوَبِمَا ذَكَرْنَاهُ قَالَ مَالِكٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو عُبَيْدٍ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ : تَسْقُطُ عَنْهُ الزَّكَاةُ ؛ لِأَنَّهُ نَقَصَ قَبْلَ تَمَامِ حَوْلِهِ ، فَلَمْ تَجِبْ فِيهِ الزَّكَاةُ ، كَمَا لَوْ أَتْلَفَهُ لِحَاجَتِهِ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { إنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ وَلَا يَسْتَثْنُونَ فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ } .\rفَعَاقَبَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى بِذَلِكَ ، لِفِرَارِهِمْ مِنْ الصَّدَقَةِ ، وَلِأَنَّهُ قَصَدَ إسْقَاطَ نَصِيبِ مَنْ انْعَقَدَ سَبَبُ اسْتِحْقَاقِهِ ، فَلَمْ يَسْقُطْ ، كَمَا لَوْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ ، وَلِأَنَّهُ لَمَّا قَصَدَ قَصْدًا فَاسِدًا ، اقْتَضَتْ الْحِكْمَةُ مُعَاقَبَتَهُ بِنَقِيضِ قَصْدِهِ ، كَمَنْ قَتَلَ مَوْرُوثَهُ لِاسْتِعْجَالِ مِيرَاثِهِ ، عَاقَبَهُ الشَّرْعُ بِالْحِرْمَانِ ، وَإِذَا أَتْلَفَهُ لِحَاجَتِهِ ، لَمْ يَقْصِدْ قَصْدًا فَاسِدًا .","part":5,"page":258},{"id":2258,"text":"( 1807 ) فَصْلٌ : وَإِذَا حَالَ الْحَوْلُ أَخْرَجَ الزَّكَاةَ مِنْ جِنْسِ الْمَالِ الْمَبِيعِ ، دُونَ الْمَوْجُودِ ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي وَجَبَتْ الزَّكَاةُ بِسَبَبِهِ ، وَلَوْلَاهُ لَمْ تَجِبْ فِي هَذَا زَكَاةٌ .","part":5,"page":259},{"id":2259,"text":"فَصْلٌ : فَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ بِالْبَيْعِ وَلَا بِالتَّنْقِيصِ الْفِرَارَ ، انْقَطَعَ الْحَوْلُ ، وَاسْتَأْنَفَ بِمَا اسْتَبْدَلَ بِهِ حَوْلًا ، إنْ كَانَ مَحَلًّا لِلزَّكَاةِ فَإِنْ وَجَدَ بِالثَّانِي عَيْبًا ، فَرَدَّهُ أَوْ بَاعَهُ بِشَرْطِ الْخِيَارِ ، ثُمَّ اسْتَرَدَّهُ ، اسْتَأْنَفَ أَيْضًا حَوْلًا ؛ لِزَوَالِ ؛ مِلْكِهِ بِالْبَيْعِ ، قَلَّ الزَّمَانُ أَوْ كَثُرَ ، وَقَدْ ذَكَرَ الْخِرَقِيِّ هَذَا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ ، فَقَالَ : وَالْمَاشِيَةُ إذَا بِيعَتْ بِالْخِيَارِ فَلَمْ يَنْقَضِ الْخِيَارُ حَتَّى رُدَّتْ ، اسْتَقْبَلَ الْبَائِعُ بِهَا حَوْلًا ، سَوَاءٌ كَانَ الْخِيَارُ لِلْبَائِعِ أَوْ لِلْمُشْتَرِي ؛ لِأَنَّهُ تَجْدِيدُ مِلْكٍ .\rوَإِنْ حَالَ الْحَوْلُ عَلَى النِّصَابِ الَّذِي اشْتَرَاهُ وَجَبَتْ فِيهِ الزَّكَاةُ ، فَإِنْ وَجَدَ بِهِ عَيْبًا قَبْلَ إخْرَاجِ زَكَاتِهِ فَلَهُ الرَّدُّ ، سَوَاءٌ قُلْنَا الزَّكَاةُ تَتَعَلَّقُ بِالْعَيْنِ ، أَوْ بِالذِّمَّةِ ؛ لِمَا بَيَّنَّا مِنْ أَنَّ الزَّكَاةَ لَا تَجِبُ فِي الْعَيْنِ بِمَعْنَى اسْتِحْقَاقِ الْفُقَرَاءِ جُزْءًا مِنْهُ ، بَلْ بِمَعْنَى تَعَلُّقِ حَقٍّ بِهِ ، كَتَعَلُّقِ الْأَرْشِ بِالْجَانِي ، فَيَرُدُّ النِّصَابَ ، وَعَلَيْهِ إخْرَاجُ زَكَاتِهِ مِنْ مَالٍ آخَرَ .\rفَإِنْ أَخْرَجَ الزَّكَاةَ مِنْهُ ، ثُمَّ أَرَادَ رَدَّهُ ، انْبَنَى عَلَى الْمَعِيبِ إذَا حَدَثَ بِهِ عَيْبٌ آخَرُ عِنْدَ الْمُشْتَرِي ، هَلْ لَهُ رَدُّهُ ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ ، وَانْبَنَى أَيْضًا عَلَى تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ ، فَإِنْ قُلْنَا : يَجُوزُ .\rجَازَ الرَّدُّ هَاهُنَا ، وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ .\rوَمَتَى رَدَّهُ فَعَلَيْهِ عِوَضُ الشَّاةِ الْمُخْرَجَةِ ، تُحْسَبُ عَلَيْهِ بِالْحِصَّةِ مِنْ الثَّمَنِ ، وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِي قِيمَتِهَا مَعَ يَمِينِهِ ، إذَا لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ ؛ لِأَنَّهَا تَلِفَتْ فِي يَدِهِ ، فَهُوَ أَعْرَفُ بِقِيمَتِهَا ، وَلِأَنَّ الْقِيمَةَ مُدَّعَاةٌ عَلَيْهِ ، فَهُوَ غَارِمٌ ، وَالْقَوْلُ فِي الْأُصُولِ قَوْلُ الْغَارِمِ .\rوَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ ، أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْبَائِعِ ؛ لِأَنَّهُ يَغْرَمُ الثَّمَنَ ، فَيَرُدُّهُ .\rوَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ؛ لِأَنَّ الْغَارِمَ لِثَمَنِ الشَّاةِ الْمُدَّعَاةِ هُوَ","part":5,"page":260},{"id":2260,"text":"الْمُشْتَرِي .\rفَإِنْ أَخْرَجَ الزَّكَاةَ مِنْ غَيْرِ النِّصَابِ ، فَلَهُ الرَّدُّ وَجْهًا وَاحِدًا .\r( 1809 ) فَصْلٌ : فَإِنْ كَانَ الْبَيْعُ فَاسِدًا ، لَمْ يَنْقَطِعْ حَوْلُ الزَّكَاةِ فِي النِّصَابِ ، وَبَنَى عَلَى حَوْلِهِ الْأَوَّلِ ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ مَا انْتَقَلَ فِيهِ إلَّا أَنْ يَتَعَذَّرَ رَدُّهُ ، فَيَصِيرَ كَالْمَغْصُوبِ ، عَلَى مَا مَضَى .","part":5,"page":261},{"id":2261,"text":"( 1810 ) فَصْلٌ : وَيَجُوزُ التَّصَرُّفُ فِي النِّصَابِ الَّذِي وَجَبَتْ الزَّكَاةُ فِيهِ ، بِالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ وَأَنْوَاعِ التَّصَرُّفَات ، وَلَيْسَ لِلسَّاعِي فَسْخُ الْبَيْعِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ تَصِحُّ ، إلَّا أَنَّهُ إذَا امْتَنَعَ مِنْ أَدَاءِ الزَّكَاةِ نَقَضَ الْبَيْعَ فِي قَدْرِهَا .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : فِي صِحَّةِ الْبَيْعِ قَوْلَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّنَا إنْ قُلْنَا إنَّ الزَّكَاةَ تَتَعَلَّقُ بِالْعَيْنِ ، فَقَدْ بَاعَ مَا لَا يَمْلِكُهُ ، وَإِنْ قُلْنَا تَتَعَلَّقُ بِالذِّمَّةِ ، فَقَدْرُ الزَّكَاةِ مُرْتَهَنٌ بِهَا ، وَبَيْعُ الرَّهْنِ غَيْرُ جَائِزٍ .\rوَلَنَا ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : نَهَى عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا .\r} مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَمَفْهُومُهُ صِحَّةُ بَيْعِهَا إذَا بَدَا صَلَاحُهَا ، وَهُوَ عَامٌّ فِيمَا وَجَبَتْ فِيهِ الزَّكَاةُ وَغَيْرُهُ .\rوَنَهَى عَنْ بَيْعِ الْحَبِّ حَتَّى يَشْتَدَّ ، وَبَيْعِ الْعِنَبِ حَتَّى يَسْوَدَّ .\rوَهُمَا مِمَّا تَجِبُ الزَّكَاةُ فِيهِ .\rوَلِأَنَّ الزَّكَاةَ وَجَبَتْ فِي الذِّمَّةِ ، وَالْمَالُ خَالٍ عَنْهَا ، فَصَحَّ بَيْعُهُ ، كَمَا لَوْ بَاعَ مَالَهُ ، وَعَلَيْهِ دَيْنُ آدَمِيٍّ ، أَوْ زَكَاةُ فِطْرٍ .\rوَإِنْ تَعَلَّقَتْ بِالْعَيْنِ ، فَهُوَ تَعَلُّقٌ لَا يَمْنَعُ التَّصَرُّفَ فِي جُزْءٍ مِنْ النِّصَابِ ، فَلَمْ يَمْنَعْ بَيْعَ جَمِيعِهِ ، كَأَرْشِ الْجِنَايَةِ .\rوَقَوْلُهُمْ : بَاعَ مَا لَا يَمْلِكُهُ .\rلَا يَصِحُّ ؛ فَإِنَّ الْمِلْكَ لَمْ يَثْبُتْ لِلْفُقَرَاءِ فِي النِّصَابِ ، بِدَلِيلِ أَنَّ لَهُ أَدَاءَ الزَّكَاةِ مِنْ غَيْرِهِ ، وَلَا يَتَمَكَّنُ الْفُقَرَاءُ مِنْ إلْزَامِهِ أَدَاءَ الزَّكَاةِ مِنْهُ ، وَلَيْسَ بِرَهْنٍ ، فَإِنَّ أَحْكَامَ الرَّهْنِ غَيْرُ ثَابِتَةٍ فِيهِ ، فَإِذَا تَصَرَّفَ فِي النِّصَابِ ثَمَّ أَخْرَجَ الزَّكَاةَ مِنْ غَيْرِهِ ، وَإِلَّا كُلِّفَ إخْرَاجَهَا ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ كُلِّفَ تَحْصِيلَهَا ، فَإِنْ عَجَزَ بَقِيَتْ الزَّكَاةُ فِي ذِمَّتِهِ ، كَسَائِرِ الدُّيُونِ ، وَلَا يُؤْخَذُ مِنْ النِّصَابِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يُفْسَخَ الْبَيْعُ فِي قَدْرِ الزَّكَاةِ ، وَتُؤْخَذَ مِنْهُ ،","part":5,"page":262},{"id":2262,"text":"وَيَرْجِعُ الْبَائِعُ عَلَيْهِ بِقَدْرِهَا ؛ لِأَنَّ عَلَى الْفُقَرَاءِ ضَرَرًا فِي إتْمَامِ الْبَيْعِ ، وَتَفْوِيتًا لِحُقُوقِهِمْ ، فَوَجَبَ فَسْخُهُ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ } وَهَذَا أَصَحُّ .","part":5,"page":263},{"id":2263,"text":"( 1811 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَالزَّكَاةُ تَجِبُ فِي الذِّمَّةِ بِحُلُولِ الْحَوْلِ وَإِنْ تَلِفَ الْمَالُ ، فَرَّطَ أَوْ لَمْ يُفَرِّطْ ) هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تَشْتَمِلُ عَلَى أَحْكَامٍ ثَلَاثَةٍ : أَحَدُهَا ، أَنَّ الزَّكَاةَ تَجِبُ فِي الذِّمَّةِ .\rوَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ ، وَأَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ إخْرَاجَهَا مِنْ غَيْرِ النِّصَابِ جَائِزٌ ، فَلَمْ تَكُنْ وَاجِبَةً فِيهِ ، كَزَكَاةِ الْفِطْرِ ، وَلِأَنَّهَا لَوْ وَجَبَتْ فِيهِ ، لَامْتَنَعَ تَصَرُّفُ الْمَالِكِ فِيهِ ، وَلَتَمَكَّنَ الْمُسْتَحِقُّونَ مِنْ إلْزَامِهِ أَدَاءَ الزَّكَاةِ مِنْ عَيْنِهِ ، أَوْ ظَهَرَ شَيْءٌ مِنْ أَحْكَامِ ثُبُوتِهِ فِيهِ ، وَلَسَقَطَتْ الزَّكَاةُ بِتَلَفِ النِّصَابِ مِنْ غَيْرِ تَفْرِيطٍ ، كَسُقُوطِ أَرْشِ الْجِنَايَةِ بِتَلَفِ الْجَانِي .\rوَالثَّانِيَةُ ، أَنَّهَا تَجِبُ فِي الْعَيْنِ .\rوَهَذَا الْقَوْلُ الثَّانِي لِلشَّافِعِيِّ وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ هِيَ الظَّاهِرَةُ عِنْدَ بَعْضِ أَصْحَابِنَا ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { فِي أَرْبَعِينَ شَاةٍ شَاةٌ .\rوَقَوْلِهِ : فِيمَا سَقَتْ السَّمَاءُ الْعُشْرُ ، وَفِيمَا سُقِيَ بِدَالِيَةٍ أَوْ نَضْحٍ نِصْفُ الْعُشْرِ } .\rوَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَلْفَاظِ الْوَارِدَةِ بِحَرْفِ \" فِي \" وَهِيَ لِلظَّرْفِيَّةِ .\rوَإِنَّمَا جَازَ الْإِخْرَاجُ مِنْ غَيْرِ النِّصَابِ رُخْصَةً .\rوَفَائِدَةُ الْخِلَافِ أَنَّهَا إذَا كَانَتْ فِي الذِّمَّةِ ، فَحَالَ عَلَى مَالِهِ حَوْلَانِ ، لَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهُمَا ، وَجَبَ عَلَيْهِ أَدَاؤُهَا لِمَا مَضَى ، وَلَا تَنْقُصُ عَنْهُ الزَّكَاةُ فِي الْحَوْلِ الثَّانِي ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ نِصَابٍ ، لَمْ تَنْقُصْ الزَّكَاةُ ، وَإِنْ مَضَى عَلَيْهِ أَحْوَالٌ ، فَلَوْ كَانَ عِنْدَهُ أَرْبَعُونَ شَاةً مَضَى عَلَيْهَا ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ لَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهَا ، وَجَبَ عَلَيْهِ ثَلَاثُ شِيَاهٍ ، وَإِنْ كَانَتْ مِائَةَ دِينَارٍ ، فَعَلَيْهِ سَبْعَةُ دَنَانِيرَ وَنِصْفٌ ؛ لِأَنَّ الزَّكَاةَ وَجَبَتْ فِي ذِمَّتِهِ ، فَلَمْ يُؤَثِّرْ فِي تَنْقِيصِ النِّصَابِ .\rلَكِنْ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ آخَرُ يُؤَدِّي الزَّكَاةَ مِنْهُ ، احْتَمَلَ أَنْ","part":5,"page":264},{"id":2264,"text":"تَسْقُطَ الزَّكَاةُ فِي قَدْرِهَا ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ يَمْنَعُ وُجُوبَ الزَّكَاةِ .\rوَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ : لَا تَسْقُطُ الزَّكَاةُ بِهَذَا بِحَالٍ ؛ لِأَنَّ الشَّيْءَ لَا يُسْقِطُ نَفْسَهُ ، وَقَدْ يُسْقِطُ غَيْرَهُ ، بِدَلِيلِ أَنَّ تَغَيُّرَ الْمَاءِ بِالنَّجَاسَةِ فِي مَحَلِّهَا لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ طَهَارَتِهَا وَإِزَالَتِهَا بِهِ ، وَيَمْنَعُ إزَالَةَ نَجَاسَةِ غَيْرِهَا .\rوَالْأَوَّلُ أَوْلَى ؛ لِأَنَّ الزَّكَاةَ الثَّانِيَةَ غَيْرُ الْأُولَى .\rوَإِنْ قُلْنَا : الزَّكَاةُ تَتَعَلَّقُ بِالْعَيْنِ .\rوَكَانَ النِّصَابُ مِمَّا تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي عَيْنِهِ ، فَحَالَتْ عَلَيْهِ أَحْوَالٌ لَمْ تُؤَدَّ زَكَاتُهَا ، تَعَلَّقَتْ الزَّكَاةُ فِي الْحَوْلِ الْأَوَّلِ مِنْ النِّصَابِ بِقَدْرِهِ ، فَإِنْ كَانَ نِصَابًا لَا زِيَادَةَ عَلَيْهِ ، فَلَا زَكَاةَ فِيهِ ، فِيمَا بَعْدَ الْحَوْلِ الْأَوَّلِ ؛ لِأَنَّ النِّصَابَ نَقَصَ فِيهِ ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ نِصَابٍ عَزَلَ قَدْرَ فَرْضِ الْحَوْلِ الْأَوَّلِ ، وَعَلَيْهِ زَكَاةُ مَا بَقِيَ .\rوَهَذَا هُوَ الْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ ، فِي رِوَايَةِ جَمَاعَةٍ .\rوَقَالَ ، فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَكَمِ : إذَا كَانَتْ الْغَنَمُ أَرْبَعِينَ ، فَلَمْ يَأْتِهِ الْمُصَدِّقُ عَامَيْنِ ، فَإِذَا أَخَذَ الْمُصَدِّقُ شَاةً ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْبَاقِي ، وَفِيهِ خِلَافٌ .\rوَقَالَ ، فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ : إذَا كَانَ عِنْدَ الرَّجُلِ مِائَتَا دِرْهَمٍ ، فَلَمْ يُزَكِّهَا حَتَّى حَالَ عَلَيْهَا حَوْلٌ آخَرُ ، يُزَكِّيهَا لِلْعَامِ الْأَوَّلِ ؛ لِأَنَّ هَذِهِ تَصِيرُ مِائَتَيْنِ غَيْرَ خَمْسَةِ دَرَاهِمَ .\rوَقَالَ ، فِي رَجُلٍ لَهُ أَلْفُ دِرْهَمٍ ، فَلَمْ يُزَكِّهَا سِنِينَ : يُزَكِّي فِي أَوَّلِ سَنَةٍ خَمْسَةً وَعِشْرِينَ ، ثُمَّ فِي كُلِّ سَنَةٍ بِحِسَابِ مَا بَقِيَ .\rوَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي عُبَيْدٍ .\rفَإِنْ كَانَ عِنْدَهُ أَرْبَعُونَ مِنْ الْغَنَمِ نُتِجَتْ سَخْلَةً فِي كُلّ حَوْلٍ ، وَجَبَ عَلَيْهِ فِي كُلّ سَنَةٍ شَاةٌ ؛ لِأَنَّ النِّصَابَ كَمَلَ بِالسَّخْلَةِ الْحَادِثَةِ ، فَإِنْ كَانَ نَتَاجُ السَّخْلَةِ بَعْدَ وُجُوبِ الزَّكَاةِ عَلَيْهِ بِمُدَّةٍ ، اُسْتُؤْنِفَ الْحَوْلُ","part":5,"page":265},{"id":2265,"text":"الثَّانِي مِنْ حِينِ نُتِجَتْ ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ كَمَلَ .","part":5,"page":266},{"id":2266,"text":"فَصْلٌ : فَإِنْ مَلَكَ خَمْسًا مِنْ الْإِبِلِ ، فَلَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهَا أَحْوَالًا ، فَعَلَيْهِ فِي كُلِّ سَنَةٍ شَاةٌ .\rنَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ .\rقَالَ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ : الْمَالُ غَيْرُ الْإِبِلِ إذَا أُدِّيَ مِنْ الْإِبِلِ ، لَمْ يَنْقُصْ ، وَالْخَمْسُ بِحَالِهَا ، وَكَذَلِكَ مَا دُونَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ مِنْ الْإِبِلِ ، لَا تَنْقُصُ زَكَاتُهَا فِيمَا بَعْدَ الْحَوْلِ الْأَوَّلِ ؛ لِأَنَّ الْفَرْضَ يَجِبُ مِنْ غَيْرِهَا ، فَلَا يُمْكِنُ تَعَلُّقُهُ بِالْعَيْنِ .\rوَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا ، أَنَّ زَكَاتَهَا تَنْقُصُ ، كَسَائِرِ الْأَمْوَالِ ، فَإِذَا كَانَ عِنْدَهُ خَمْسٌ مِنْ الْإِبِلِ ، فَمَضَى عَلَيْهَا أَحْوَالٌ ، لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ فِيهَا إلَّا شَاةٌ وَاحِدَةٌ ؛ لِأَنَّهَا نَقَصَتْ بِوُجُوبِ الزَّكَاةِ فِيهَا فِي الْحَوْلِ الْأَوَّلِ عَنْ خَمْسٍ كَامِلَةٍ ، فَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ فِيهَا شَيْءٌ ، كَمَا لَوْ مَلَكَ أَرْبَعًا وَجُزْءًا مِنْ بَعِيرٍ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الْوَاجِبَ مِنْ غَيْرِ النِّصَابِ ، فَلَمْ يَنْقُصْ بِهِ النِّصَابُ ، كَمَا لَوْ أَدَّاهُ ، وَفَارَقَ سَائِرَ الْمَالِ ، فَإِنَّ الزَّكَاةَ يَتَعَلَّقُ وُجُوبُهَا بِعَيْنِهِ ، فَيَنْقُصُهُ ، كَمَا لَوْ أَدَّاهُ مِنْ النِّصَابِ ، فَعَلَى هَذَا لَوْ مَلَكَ خَمْسًا وَعِشْرِينَ ، فَحَالَتْ عَلَيْهَا أَحْوَالٌ ، فَعَلَيْهِ فِي الْحَوْلِ الْأَوَّلِ بِنْتُ مَخَاضٍ ، وَعَلَيْهِ لِكُلِّ حَوْلٍ بَعْدَهُ أَرْبَعُ شِيَاهٍ .\rوَإِنْ بَلَغَتْ قِيمَةُ الشَّاةِ الْوَاجِبَةِ أَكْثَرَ مِنْ خَمْسٍ مِنْ الْإِبِلِ .\rفَإِنْ قِيلَ : فَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِي خَمْسٍ وَعِشْرِينَ بِنْتُ مَخَاضٍ ، فَالْوَاجِبُ فِيهَا مِنْ غَيْرِ عَيْنِهَا ، فَيَجِبُ أَنْ لَا تَنْقُصَ زَكَاتُهَا أَيْضًا فِي الْأَحْوَالِ كُلِّهَا .\rقُلْنَا : إذَا أَدَّى عَنْ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ أَكْبَرَ مِنْ بِنْتِ مَخَاضٍ ، جَازَ فَقَدْ أَمْكَنَ تَعَلُّقُ الزَّكَاةِ بِعَيْنِهَا ، لِإِمْكَانِ الْأَدَاءِ مِنْهَا ، بِخِلَافِ عِشْرِينَ مِنْ الْإِبِلِ ، فَإِنَّهُ لَا يُقْبَلُ مِنْهُ وَاحِدَةٌ مِنْهَا ، فَافْتَرَقَا .","part":5,"page":267},{"id":2267,"text":"( 1813 ) فَصْلٌ : الْحُكْمُ الثَّانِي ، أَنَّ الزَّكَاةَ تَجِبُ بِحُلُولِ الْحَوْلِ ، سَوَاءٌ تَمَكَّنَ مِنْ الْأَدَاءِ أَوْ لَمْ يَتَمَكَّنْ .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ فِي الْآخَرِ : التَّمَكُّنُ مِنْ الْأَدَاءِ شَرْطٌ ، فَيُشْتَرَطُ لِلْوُجُوبِ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ : الْحَوْلُ ، وَالنِّصَابُ ، وَالتَّمَكُّنُ مِنْ الْأَدَاءِ .\rوَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ .\rحَتَّى لَوْ أَتْلَفَ الْمَاشِيَةَ بَعْدَ الْحَوْلِ قَبْلَ إمْكَانِ الْأَدَاءِ لَا زَكَاةَ عَلَيْهِ ، إذَا لَمْ يَقْصِدْ الْفِرَارَ مِنْ الزَّكَاةِ ؛ لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ ، فَيُشْتَرَطُ لِوُجُوبِهَا إمْكَانُ أَدَائِهَا كَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا زَكَاةَ فِي مَالٍ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ } .\rفَمَفْهُومُهُ ، وُجُوبُهَا عَلَيْهِ إذَا حَالَ الْحَوْلُ ، وَلِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ الْأَدَاءِ حَتَّى حَالَ عَلَيْهِ حَوْلَانِ ، وَجَبَتْ عَلَيْهِ زَكَاةُ الْحَوْلَيْنِ ، وَلَا يَجُوزُ وُجُوبُ فَرْضَيْنِ فِي نِصَابٍ وَاحِدٍ فِي حَالٍ وَاحِدَةٍ ، وَقِيَاسُهُمْ يَنْقَلِبُ عَلَيْهِمْ ، فَإِنَّنَا نَقُولُ : هَذِهِ عِبَادَةٌ ، فَلَا يُشْتَرَطُ لِوُجُوبِهَا إمْكَانُ أَدَائِهَا ، كَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ ، فَإِنَّ الصَّوْمَ يَجِبُ عَلَى الْحَائِضِ وَالْمَرِيضِ الْعَاجِزِ عَنْ أَدَائِهِ ، وَالصَّلَاةُ تَجِبُ عَلَى الْمُغْمَى عَلَيْهِ وَالنَّائِمِ ، وَمَنْ أَدْرَكَ مِنْ أَوَّلِ الْوَقْتِ جُزْءًا ثُمَّ جُنَّ أَوْ حَاضَتْ الْمَرْأَةُ ، وَالْحَجُّ يَجِبُ عَلَى مِنْ أَيْسَرَ فِي وَقْتٍ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ الْحَجِّ فِيهِ ، أَوْ مَنَعَهُ مِنْ الْمُضِيِّ مَانِعٌ .\rثُمَّ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا ، أَنَّ تِلْكَ عِبَادَاتٌ بَدَنِيَّةٌ ، يُكَلَّفُ فِعْلَهَا بِبَدَنِهِ ، فَأَسْقَطَهَا تَعَذُّرُ فِعْلِهَا ، وَهَذِهِ عِبَادَةٌ مَالِيَّةٌ ، يُمْكِنُ ثُبُوتُ الشَّرِكَةِ لِلْمَسَاكِينِ فِي مَالِهِ وَالْوُجُوبُ فِي ذِمَّتِهِ مَعَ عَجْزِهِ عَنْ الْأَدَاءِ ، كَثُبُوتِ الدُّيُونِ فِي ذِمَّةِ الْمُفْلِسِ وَتَعَلُّقِهَا بِمَالِهِ بِجِنَايَتِهِ .","part":5,"page":268},{"id":2268,"text":"( 1814 ) فَصْلٌ : الثَّالِثُ ، أَنَّ الزَّكَاةَ لَا تَسْقُطُ بِتَلَفِ الْمَالِ ، فَرَّطَ أَوْ لَمْ يُفَرِّطْ .\rهَذَا الْمَشْهُورُ عَنْ أَحْمَدَ ، وَحَكَى عَنْهُ الْمَيْمُونِيُّ أَنَّهُ إذَا تَلِفَ النِّصَابُ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنْ الْأَدَاءِ ، سَقَطَتْ الزَّكَاةُ عَنْهُ ، وَإِنْ تَلِفَ بَعْدَهُ ، لَمْ تَسْقُطْ .\rوَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ مَذْهَبًا لِأَحْمَدَ .\rوَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَالْحَسَنِ بْنِ صَالِحِ ، وَإِسْحَاقَ وَأَبِي ثَوْرٍ وَابْنِ الْمُنْذِرِ .\rوَبِهِ قَالَ مَالِكٌ ، إلَّا فِي الْمَاشِيَةِ ، فَإِنَّهُ قَالَ : لَا شَيْءَ فِيهَا حَتَّى يَجِيءَ الْمُصَدِّقُ ، فَإِنْ هَلَكَتْ قَبْلَ مَجِيئُهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : تَسْقُطُ الزَّكَاةُ بِتَلَفِ النِّصَابِ عَلَى كُلِّ حَالٍ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْإِمَامُ قَدْ طَالَبَهُ بِهَا فَمَنَعَهَا ؛ لِأَنَّهُ تَلَفٌ قَبْلَ مَحَلِّ الِاسْتِحْقَاقِ ، فَسَقَطَتْ الزَّكَاةُ ، كَمَا لَوْ تَلْفِت الثَّمَرَةُ قَبْلَ الْجِذَاذِ ، وَلِأَنَّهُ حَقٌّ يَتَعَلَّقُ بِالْعَيْنِ ، فَسَقَطَ بِتَلَفِهَا ، كَأَرْشِ الْجِنَايَةِ فِي الْعَبْدِ الْجَانِي .\rوَمَنْ اشْتَرَطَ التَّمَكُّنَ قَالَ : هَذِهِ عِبَادَةٌ يَتَعَلَّقُ وُجُوبُهَا بِالْمَالِ ، فَيَسْقُطُ فَرْضُهَا بِتَلَفِهِ قَبْلَ إمْكَانِ أَدَائِهَا ، كَالْحَجِّ .\rوَمَنْ نَصَرَ الْأَوَّلَ قَالَ : مَالٌ وَجَبَ فِي الذِّمَّةِ ، فَلَمْ يَسْقُطْ بِتَلَفِ النِّصَابِ ، كَالدَّيْنِ ، أَوْ لَمْ يُشْتَرَطْ فِي ضَمَانِهِ إمْكَانُ الْأَدَاءِ ، كَثَمَنِ الْمَبِيعِ ، وَالثَّمَرَةُ لَا تَجِبُ زَكَاتُهَا فِي الذِّمَّةِ حَتَّى تُحْرَزَ ؛ لِأَنَّهَا فِي حُكْمِ غَيْرِ الْمَقْبُوضِ ، وَلِهَذَا لَوْ تَلِفَتْ بِجَائِحَةٍ كَانَتْ فِي ضَمَانِ الْبَائِعِ ، عَلَى مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْخَبَرُ .\rوَإِذَا قُلْنَا بِوُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي الْعَيْنِ ، فَلَيْسَ هُوَ بِمَعْنَى اسْتِحْقَاقِ جُزْءٍ مِنْهُ ، وَلِهَذَا لَا يُمْنَعُ التَّصَرُّفُ فِيهِ ، وَالْحَجُّ لَا يَجِبُ حَتَّى يَتَمَكَّنَ مِنْ الْأَدَاءِ ، فَإِذَا وَجَبَ لَمْ يَسْقُطْ بِتَلَفِ الْمَالِ ، بِخِلَافِ الزَّكَاةِ ، فَإِنَّ التَّمَكُّنَ لَيْسَ بِشَرْطٍ لِوُجُوبِهَا ، عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ .\rوَالصَّحِيحُ ، إنْ شَاءَ","part":5,"page":269},{"id":2269,"text":"اللَّهُ ، أَنَّ الزَّكَاةَ تَسْقُطُ بِتَلَفِ الْمَالِ ، إذَا لَمْ يُفَرِّطْ فِي الْأَدَاءِ ؛ لِأَنَّهَا تَجِبُ عَلَى سَبِيلِ الْمُوَاسَاةِ ، فَلَا تَجِبُ عَلَى وَجْهٍ يَجِبُ أَدَاؤُهَا مَعَ عَدَمِ الْمَالِ وَفَقْرِ مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ ، وَمَعْنَى التَّفْرِيطِ ، أَنْ يَتَمَكَّنَ مِنْ إخْرَاجِهَا فَلَا يُخْرِجُهَا ، وَإِنْ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ إخْرَاجِهَا ، فَلَيْسَ بِمُفْرِطٍ ، سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ لِعَدَمِ الْمُسْتَحِقِّ ، أَوْ لِبُعْدِ الْمَالِ عَنْهُ ، أَوْ لِكَوْنِ الْفَرْضِ لَا يُوجَدُ فِي الْمَالِ ، وَيَحْتَاجُ إلَى شِرَائِهِ ، فَلَمْ يَجِدْ مَا يَشْتَرِيه ، أَوْ كَانَ فِي طَلَبِ الشِّرَاءِ ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ .\rوَإِنْ قُلْنَا بِوُجُوبِهَا بَعْدَ تَلَفِ الْمَالِ ، فَأَمْكَنَ الْمَالِكَ أَدَاؤُهَا أَدَّاهَا ، وَإِلَّا أُنْظِرَ بِهَا إلَى مَيْسَرَتِهِ ، وَتَمَكُّنِهِ مِنْ أَدَائِهَا مِنْ غَيْرِ مَضَرَّةٍ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَزِمَ إنْظَارُهُ بِدَيْنِ الْآدَمِيِّ الْمُتَعَيِّنِ فَبِالزَّكَاةِ الَّتِي هِيَ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى أَوْلَى .","part":5,"page":270},{"id":2270,"text":"( 1815 ) فَصْلٌ : وَلَا تَسْقُطُ الزَّكَاةُ بِمَوْتِ رَبِّ الْمَالِ ، وَتُخْرَجُ مِنْ مَالِهِ ، وَإِنْ لَمْ يُوصِ بِهَا .\rهَذَا قَوْلُ عَطَاءٍ ، وَالْحَسَنِ ، وَالزُّهْرِيِّ ، وَقَتَادَةَ ، وَمَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَإِسْحَاقَ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ .\rوَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ ، وَاللَّيْثُ ، تُؤْخَذُ مِنْ الثُّلُثِ ، مُقَدَّمَةً عَلَى الْوَصَايَا ، وَلَا يُجَاوِزُ الثُّلُثَ .\rوَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَحَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ ، وَدَاوُد بْنُ أَبِي هِنْدٍ ، وَحُمَيْدٌ الطَّوِيلُ ، وَالْمُثَنَّى ، وَالثَّوْرِيُّ : لَا تُخْرَجُ إلَّا أَنْ يَكُونَ أَوْصَى بِهَا .\rوَكَذَلِكَ قَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ ، وَجَعَلُوهَا إذَا أَوْصَى بِهَا وَصِيَّةً تُخْرَجُ مِنْ الثُّلُثِ ، وَيُزَاحَمُ بِهَا أَصْحَابُ الْوَصَايَا ، وَإِذَا لَمْ يُوصِ بِهَا سَقَطَتْ ؛ لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ مِنْ شَرْطِهَا النِّيَّةُ ، فَسَقَطَتْ بِمَوْتِ مَنْ هِيَ عَلَيْهِ ، كَالصَّوْمِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهَا حَقٌّ وَاجِبٌ تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ بِهِ ، فَلَمْ تَسْقُطْ بِالْمَوْتِ ، كَدَيْنِ الْآدَمِيِّ ، وَلِأَنَّهَا حَقٌّ مَالِيٌّ وَاجِبٌ فَلَمْ يَسْقُطْ بِمَوْتِ مَنْ هُوَ عَلَيْهِ ، كَالدَّيْنِ ، وَيُفَارِقُ الصَّوْمَ وَالصَّلَاةَ ، فَإِنَّهُمَا عِبَادَتَانِ بَدَنِيَّتَانِ لَا تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ بِهِمَا ، وَلَا النِّيَابَةُ فِيهِمَا .\rا هـ .","part":5,"page":271},{"id":2271,"text":"( 1816 ) فَصْلٌ : وَتَجِبُ الزَّكَاةُ عَلَى الْفَوْرِ ، فَلَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ إخْرَاجِهَا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ ، وَالتَّمَكُّنِ مِنْهُ ، إذَا لَمْ يَخْشَ ضَرَرًا .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَهُ التَّأْخِيرُ مَا لَمْ يُطَالَبْ ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ بِأَدَائِهَا مُطْلَقٌ ، فَلَا يَتَعَيَّنْ الزَّمَنُ الْأَوَّلُ لِأَدَائِهَا دُونَ غَيْرِهِ ، كَمَا لَا يَتَعَيَّنُ لِذَلِكَ مَكَانٌ دُونَ مَكَان .\rوَلَنَا ، أَنَّ الْأَمْرَ الْمُطْلَقَ يَقْتَضِي الْفَوْرَ ، عَلَى مَا يُذْكَرُ فِي مَوْضِعِهِ ، وَلِذَلِكَ يَسْتَحِقُّ الْمُؤَخِّرُ لِلِامْتِثَالِ الْعِقَابَ ، وَلِذَلِكَ أَخْرَجَ اللَّهُ تَعَالَى إبْلِيسَ ، وَسَخِطَ عَلَيْهِ وَوَبَّخَهُ ، بِامْتِنَاعِهِ عَنْ السُّجُودِ ، وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا أَمَرَ عَبْدَهُ أَنْ يَسْقِيَهُ ، فَأَخَّرَ ذَلِكَ ، اسْتَحَقَّ الْعُقُوبَةَ ، وَلِأَنَّ جَوَازَ التَّأْخِيرِ يُنَافِي الْوُجُوبَ ، لِكَوْنِ الْوَاجِبِ مَا يُعَاقَبُ عَلَى تَرْكِهِ ، وَلَوْ جَازَ التَّأْخِيرُ ، لَجَازَ إلَى غَيْرِ غَايَةٍ ، فَتَنْبَغِي الْعُقُوبَةُ بِالتَّرْكِ ، وَلَوْ سَلَّمْنَا أَنَّ مُطْلَقَ الْأَمْرِ لَا يَقْتَضِي الْفَوْرَ ، لَاقْتَضَاهُ فِي مَسْأَلَتِنَا ، إذْ لَوْ جَازَ التَّأْخِيرُ هَاهُنَا لَأَخَّرَهُ بِمُقْتَضَى طَبْعِهِ ، ثِقَةً مِنْهُ بِأَنَّهُ لَا يَأْثَمُ بِالتَّأْخِيرِ ، فَيَسْقُطُ عَنْهُ بِالْمَوْتِ ، أَوْ بِتَلَفِ مَالِهِ ، أَوْ بِعَجْزِهِ عَنْ الْأَدَاءِ ، فَيَتَضَرَّرَ الْفُقَرَاءُ .\rوَلِأَنَّ هَاهُنَا قَرِينَةً تَقْتَضِي الْفَوْرَ ، وَهُوَ أَنَّ الزَّكَاةَ وَجَبَتْ لِحَاجَةِ الْفُقَرَاءِ ، وَهِيَ نَاجِزَةٌ ، فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْوُجُوبُ ، نَاجِزًا وَلِأَنَّهَا عِبَادَةٌ تَتَكَرَّرُ ، فَلَمْ يَجُزْ تَأْخِيرُهَا إلَى وَقْتِ وُجُوبِ مِثْلِهَا ، كَالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ .\rقَالَ الْأَثْرَمُ : سَمِعْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ سُئِلَ عَنْ الرَّجُلِ يَحُولُ الْحَوْلُ عَلَى مَالِهِ ، فَيُؤَخِّرُ عَنْ وَقْتِ الزَّكَاةِ ؟ فَقَالَ : لَا ، وَلَمْ يُؤَخِّرُ إخْرَاجَهَا ؟ وَشَدَّدَ فِي ذَلِكَ .\rقِيلَ : فَابْتَدَأَ فِي إخْرَاجِهَا ، فَجَعَلَ يُخْرِجُ أَوَّلًا فَأَوَّلًا .\rفَقَالَ : لَا ، بَلْ يُخْرِجُهَا كُلَّهَا إذَا حَالَ","part":5,"page":272},{"id":2272,"text":"الْحَوْلُ .\rفَأَمَّا إذَا كَانَتْ عَلَيْهِ مَضَرَّةٌ فِي تَعْجِيلِ الْإِخْرَاجِ ، مِثْلُ مَنْ يَحُولُ حَوْلُهُ قَبْلَ مَجِيءِ السَّاعِي ، وَيَخْشَى إنْ أَخْرَجَهَا بِنَفْسِهِ أَخَذَهَا السَّاعِي مِنْهُ مَرَّةً أُخْرَى ، فَلَهُ تَأْخِيرُهَا .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .\rوَكَذَلِكَ إنْ خَشِيَ فِي إخْرَاجِهَا ضَرَرًا فِي نَفْسِهِ أَوْ مَالٍ لَهُ سِوَاهَا ، فَلَهُ تَأْخِيرُهَا ؛ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ } وَلِأَنَّهُ إذَا جَازَ تَأْخِيرُ قَضَاءِ دَيْنِ الْآدَمِيِّ لِذَلِكَ ، فَتَأْخِيرُ الزَّكَاةِ أَوْلَى .","part":5,"page":273},{"id":2273,"text":"( 1817 ) فَصْلٌ : فَإِنْ أَخَّرَهَا لِيَدْفَعَهَا إلَى مَنْ هُوَ أَحَقُّ بِهَا ، مِنْ ذِي قَرَابَةٍ ، أَوْ ذِي حَاجَةٍ شَدِيدَةٍ ، فَإِنْ كَانَ شَيْئًا يَسِيرًا ، فَلَا بَأْسَ ، وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا ، لَمْ يَجُزْ .\rقَالَ أَحْمَدُ : لَا يُجْزِئُ عَلَى أَقَارِبِهِ مِنْ الزَّكَاةِ فِي كُلِّ شَهْرٍ .\rيَعْنِي لَا يُؤَخِّرُ إخْرَاجَهَا حَتَّى يَدْفَعَهَا إلَيْهِمْ مُتَفَرِّقَةً ، فِي كُلِّ شَهْرٍ شَيْئًا ، فَأَمَّا إنْ عَجَّلَهَا فَدَفَعَهَا إلَيْهِمْ ، أَوْ إلَى غَيْرِهِمْ مُتَفَرِّقَةً أَوْ مَجْمُوعَةً ، جَازَ لِأَنَّهُ لَمْ يُؤَخِّرْهَا عَنْ وَقْتِهَا ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ عِنْدَهُ مَالَانِ ، أَوْ أَمْوَالٌ ، زَكَاتُهَا وَاحِدَةٌ ، وَتَخْتَلِفُ أَحْوَالُهَا ، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُ نِصَابٌ ، وَقَدْ اسْتَفَادَ فِي أَثْنَاءِ الْحَوْلِ مِنْ جِنْسِهِ دُونَ النِّصَابِ ، لَمْ يَجُزْ تَأْخِيرُ الزَّكَاةِ لِيَجْمَعَهَا كُلَّهَا ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ جَمْعُهَا بِتَعْجِيلِهَا فِي أَوَّلِ وَاجِبٍ مِنْهَا .","part":5,"page":274},{"id":2274,"text":"( 1818 ) فَصْلٌ : فَإِنْ أَخَّرَ الزَّكَاةَ ، فَلَمْ يَدْفَعْهَا إلَى الْفَقِيرِ حَتَّى ضَاعَتْ ، لَمْ تَسْقُطْ عَنْهُ .\rكَذَلِكَ قَالَ الزُّهْرِيُّ ، وَالْحَكَمُ ، وَحَمَّادٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ .\rوَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ ، إلَّا أَنَّهُ قَالَ : إنْ لَمْ يَكُنْ فَرَّطَ فِي إخْرَاجِ الزَّكَاةِ ، وَفِي حِفْظِ ذَلِكَ الْمُخْرَجِ ، رُجِعَ إلَى مَالِهِ ، فَإِنْ كَانَ فِيمَا بَقِيَ زَكَاةٌ أَخْرَجَهَا ، وَإِلَّا فَلَا .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ : يُزَكِّي مَا بَقِيَ ، إلَّا أَنْ يَنْقُصَ عَنْ النِّصَابِ فَتَسْقُطَ الزَّكَاةُ ، فَرَّطَ أَوْ لَمْ يُفَرِّطْ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : أَرَاهَا تُجْزِئُهُ إذَا أَخْرَجَهَا فِي مَحَلِّهَا ، وَإِنْ أَخْرَجَهَا بَعْدَ ذَلِكَ ضَمِنَهَا .\rوَقَالَ مَالِكٌ : يُزَكِّي مَا بَقِيَ بِقِسْطِهِ ، وَإِنْ بَقِيَ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ حَقٌّ مُتَعَيِّنٌ عَلَى رَبِّ الْمَالِ ، تَلِفَ قَبْلَ وُصُولِهِ إلَى مُسْتَحِقِّهِ ، فَلَمْ يَبْرَأْ مِنْهُ بِذَلِكَ ، كَدَيْنِ الْآدَمِيِّ .\rقَالَ أَحْمَدُ : وَلَوْ دَفَعَ إلَى أَحَدٍ زَكَاتَهُ خَمْسَةَ دَرَاهِمَ ، فَقَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهَا مِنْهُ ، قَالَ : اشْتَرِ لِي بِهَا ثَوْبًا أَوْ طَعَامًا .\rفَذَهَبَتْ الدَّرَاهِمُ ، أَوْ اشْتَرَى بِهَا مَا قَالَ فَضَاعَ مِنْهُ ، فَعَلَيْهِ أَنْ يُعْطِيَ مَكَانَهَا ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْبِضْهَا مِنْهُ ، وَلَوْ قَبَضَهَا مِنْهُ ثُمَّ رَدَّهَا إلَيْهِ ، وَقَالَ : اشْتَرِ لِي بِهَا .\rفَضَاعَتْ ، أَوْ ضَاعَ مَا اشْتَرَى بِهَا ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ إذَا لَمْ يَكُنْ فَرَّطَ .\rوَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِأَنَّ الزَّكَاةَ لَا يَمْلِكُهَا الْفَقِيرُ إلَّا بِقَبْضِهَا ، فَإِذَا وَكَّلَهُ فِي الشِّرَاءِ بِهَا كَانَ التَّوْكِيلُ فَاسِدًا ، لِأَنَّهُ وَكَّلَهُ فِي الشِّرَاءِ بِمَا لَيْسَ لَهُ ، وَبَقِيَتْ عَلَى مِلْكِ رَبِّ الْمَالِ ، فَإِذَا تَلِفَتْ كَانَتْ فِي ضَمَانِهِ .","part":5,"page":275},{"id":2275,"text":"فَصْلٌ : وَلَوْ عَزَلَ قَدْرَ الزَّكَاةِ ، فَنَوَى أَنَّهُ زَكَاةٌ ، فَتَلِفَ ، فَهُوَ فِي ضَمَانِ رَبِّ الْمَالِ ، وَلَا تَسْقُطُ الزَّكَاةُ عَنْهُ بِذَلِكَ ، سَوَاءٌ قَدَرَ عَلَى أَنْ يَدْفَعَهَا إلَيْهِ أَوْ لَمْ يَقْدِرْ ، وَالْحُكْمُ فِيهِ كَالْمَسْأَلَةِ الَّتِي قَبْلَهَا .\rا هـ .","part":5,"page":276},{"id":2276,"text":"( 1820 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَمَنْ رَهَنَ مَاشِيَةً ، فَحَالَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ ، أَدَّى مِنْهَا إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مَا يُؤَدِّي عَنْهَا ، وَالْبَاقِي رَهْنٌ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا رَهَنَ مَاشِيَةً ، فَحَالَ الْحَوْلُ وَهِيَ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ ، وَجَبَتْ زَكَاتُهَا عَلَى الرَّاهِنِ ؛ لِأَنَّ مِلْكَهُ فِيهَا تَامٌّ ، فَإِنْ أَمْكَنَهُ أَدَاؤُهَا مِنْ غَيْرِهَا ، وَجَبَتْ ؛ لِأَنَّ الزَّكَاةَ مِنْ مُؤْنَةِ الرَّهْنِ ، وَمُؤْنَةُ الرَّهْنِ تَلْزَمُ الرَّاهِنَ ، كَنَفَقَةِ النِّصَابِ ، وَلَا يُخْرِجُهَا مِنْ النِّصَابِ ، لِأَنَّ حَقَّ الْمُرْتَهِنِ مُتَعَلِّقٌ بِهِ تَعَلُّقًا يَمْنَعُ تَصَرُّفَ الرَّاهِنِ فِيهِ ، وَالزَّكَاةُ لَا يَتَعَيَّنُ إخْرَاجُهَا مِنْهُ ، فَلَمْ يَمْلِكْ إخْرَاجَهَا مِنْهُ كَزَكَاةِ مَالٍ سِوَاهُ .\rوَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَا يُؤَدِّي مِنْهُ سِوَى هَذَا الرَّهْنِ ، فَلَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ لَهُ مَالٌ يُمْكِنُ قَضَاءُ الدَّيْنِ مِنْهُ ، وَيَبْقَى بَعْدَ قَضَائِهِ نِصَابٌ كَامِلٌ ، مِثْلُ أَنْ تَكُونَ الْمَاشِيَةُ زَائِدَةً عَلَى النِّصَابِ قَدْرًا يُمْكِنُ قَضَاءُ الدَّيْنِ مِنْهُ ، وَيَبْقَى النِّصَابُ ، فَإِنَّهُ يُخْرِجُ الزَّكَاةَ مِنْ الْمَاشِيَةِ ، وَيُقَدِّمُ حَقَّ الزَّكَاةِ عَلَى حَقِّ الْمُرْتَهِنِ ، لِأَنَّ الْمُرْتَهِنَ يَرْجِعُ إلَى بَدَلٍ ، وَهُوَ اسْتِيفَاءُ الدَّيْنِ ، وَحُقُوقُ الْفُقَرَاءِ فِي الزَّكَاةِ لَا بَدَلَ لَهَا .\rوَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ يَقْضِي بِهِ الدَّيْنَ ، وَيَبْقَى بَعْدَ قَضَائِهِ نِصَابٌ ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ : إحْدَاهُمَا ، تَجِبُ الزَّكَاةُ أَيْضًا .\rوَلَا يَمْنَعُ الدَّيْنُ وُجُوبَ الزَّكَاةِ فِي الْأَمْوَالِ الظَّاهِرَةِ ، وَهِيَ الْمَوَاشِي وَالْحُبُوبُ .\rقَالَهُ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ .\rقَالَ : لِأَنَّ الْمُصَدِّقَ لَوْ جَاءَ فَوَجَدَ إبِلًا وَغَنَمًا ، لَمْ يَسْأَلْ صَاحِبَهَا أَيَّ شَيْءٍ عَلَيْك مِنْ الدَّيْنِ ، وَلَكِنَّهُ يُزَكِّيهَا ، وَالْمَالُ لَيْسَ كَذَلِكَ ، وَهَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ هَاهُنَا ؛ لِأَنَّ كَلَامَهُ عَامٌّ فِي كُلِّ مَاشِيَةٍ ، وَذَلِكَ لِأَنَّ وُجُوبَ الزَّكَاةِ فِي الْأَمْوَالِ الظَّاهِرَةِ آكَدُ ؛ لِظُهُورِهَا ، وَتَعَلُّقِ","part":5,"page":277},{"id":2277,"text":"قُلُوبِ الْفُقَرَاءِ بِهَا ، لِرُؤْيَتِهِمْ .\rإيَّاهَا ، وَلِأَنَّ الْحَاجَةَ إلَى حِفْظِهَا أَشَدُّ ، وَلِأَنَّ السَّاعِيَ يَتَوَلَّى أَخْذَ الزَّكَاةِ مِنْهَا وَلَا يَسْأَلُ عَنْ دَيْنِ صَاحِبِهَا .\rوَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ ؛ لَا تَجِبُ الزَّكَاةُ فِيهَا .\rوَيَمْنَعُ الدَّيْنُ وُجُوبَ الزَّكَاةِ فِي الْأَمْوَالِ كُلِّهَا مِنْ الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ .\rقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى : الصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِهِ أَنَّ الدَّيْنَ يَمْنَعُ وُجُوبَ الزَّكَاةِ عَلَى كُلِّ حَالٍ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَمَكْحُولٍ ، وَالثَّوْرِيِّ .\rوَحَكَى ذَلِكَ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْهُمْ فِي الزَّرْعِ إذَا اسْتَدَانَ عَلَيْهِ صَاحِبِهِ ؛ لِأَنَّهُ أَحَدُ نَوْعَيْ الزَّكَاةِ ، فَيَمْنَعُ الدَّيْنُ وُجُوبَهَا ، كَالنَّوْعِ الْآخَرِ ، وَلِأَنَّ الْمَدِينَ مُحْتَاجٌ ، وَالصَّدَقَةُ إنَّمَا تَجِبُ عَلَى الْأَغْنِيَاءِ ، بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { أُمِرْت أَنْ آخُذَ الصَّدَقَةَ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ ، فَأَرُدَّهَا فِي فُقَرَائِهِمْ } .\r{ وَقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : لَا صَدَقَةَ إلَّا عَنْ ظَهْرِ غِنًى } .\rوَرَوَى أَبُو عُبَيْدٍ ، فِي كِتَابِ \" الْأَمْوَالِ \" ، عَنْ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ ، قَالَ : سَمِعْت عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ يَقُولُ : هَذَا شَهْرُ زَكَاتِكُمْ فَمَنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَلْيُؤَدِّهِ ، حَتَّى تُخْرِجُوا زَكَاةَ أَمْوَالِكُمْ ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ زَكَاةٌ لَمْ تُطْلَبْ مِنْهُ ، حَتَّى يَأْتِيَ تَطَوُّعًا .\rقَالَ إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ : أَرَاهُ يَعْنِي شَهْرَ رَمَضَانَ .","part":5,"page":278},{"id":2278,"text":"( 1821 ) فَصْلٌ : وَلَوْ أَسْلَمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ ، وَأَقَامَ بِهَا سِنِينَ لَمْ يُؤَدِّ زَكَاةً ، أَوْ غَلَبَ الْخَوَارِجُ عَلَى بَلْدَةٍ ، فَأَقَامَ أَهْلُهُ سِنِينَ لَا يُؤَدُّونَ الزَّكَاةَ ، ثُمَّ غَلَبَ عَلَيْهِمْ الْإِمَامُ ، أَدَّوْا الْمَاضِيَ ، وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ : لَا زَكَاةَ عَلَيْهِمْ لِمَا مَضَى فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الزَّكَاةَ مِنْ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ ، فَلَمْ تَسْقُطْ عَمَّنْ هُوَ فِي غَيْرِ قَبْضَةِ الْإِمَامِ ، كَالصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ .","part":5,"page":279},{"id":2279,"text":"( 1822 ) فَصْلٌ : إذَا تَوَلَّى الرَّجُلُ إخْرَاجَ زَكَاتِهِ ، فَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَبْدَأَ بِأَقَارِبِهِ الَّذِينَ يَجُوزُ دَفْعُ الزَّكَاةِ إلَيْهِمْ ؛ { فَإِنَّ زَيْنَبَ سَأَلَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَيُجْزِئُ عَنِّي مِنْ الصَّدَقَةِ النَّفَقَةُ عَلَى زَوْجِي ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَهَا أَجْرَانِ : أَجْرُ الصَّدَقَةِ ، وَأَجْرُ الْقَرَابَةِ } .\rرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ .\rوَفِي لَفْظٍ : أَيَسَعُنِي أَنْ أَضَعَ صَدَقَتِي فِي زَوْجِي وَبَنِي أَخٍ لِي أَيْتَامٍ ؟ فَقَالَ \" نَعَمْ ، لَهَا أَجْرَانِ : أَجْرُ الصَّدَقَةِ وَأَجْرُ الْقَرَابَةِ \" .\rرَوَاهُ النَّسَائِيّ .\r{ وَلَمَّا تَصَدَّقَ أَبُو طَلْحَةَ بِحَائِطِهِ ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اجْعَلْهُ فِي قَرَابَتِك } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَبْدَأَ بِالْأَقْرَبِ فَالْأَقْرَبِ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ مِنْهُمْ مَنْ هُوَ أَشَدُّ حَاجَةً فَيُقَدِّمَهُ ، وَلَوْ كَانَ غَيْرُ الْقَرَابَةِ أَحْوَجَ أَعْطَاهُ .\rقَالَ أَحْمَدُ : إنْ كَانَتْ الْقَرَابَةُ مُحْتَاجَةً أَعْطَاهَا ، وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُمْ أَحْوَجَ أَعْطَاهُمْ ، وَيُعْطِي الْجِيرَانَ .\rوَقَالَ : إنْ كَانَ قَدْ عَوَّدَ قَوْمًا بِرًّا فَيَجْعَلُهُ فِي مَالِهِ ، وَلَا يَجْعَلُهُ مِنْ الزَّكَاةِ ، وَلَا يُعْطِي الزَّكَاةِ مَنْ يَمُونُ ، وَلَا مَنْ تَجْرِي عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ ، وَإِنْ أَعْطَاهُمْ لَمْ يَجُزْ .\rوَهَذَا - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - إذَا عَوَّدَهُمْ بِرًّا مِنْ غَيْرِ الزَّكَاةِ ، وَإِذَا أَعْطَى مَنْ تَجْرِي عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ شَيْئًا يَصْرِفُهُ فِي نَفَقَتِهِ ، فَأَمَّا إنَّ عَوَّدَهُمْ دَفْعَ زَكَاتِهِ إلَيْهِمْ ، أَوْ أَعْطَى مَنْ تَجْرِي عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ تَطَوُّعًا شَيْئًا مِنْ الزَّكَاةِ يَصْرِفُهُ فِي غَيْرِ النَّفَقَة وَحَوَائِجِهِ ، فَلَا بَأْسَ .\rوَقَالَ أَبُو دَاوُد : قُلْت لِأَحْمَدَ : يُعْطِي أَخَاهُ وَأُخْتَه مِنْ الزَّكَاةِ ؟ قَالَ : نَعَمْ ؛ إذَا لَمْ يَقِ بِهِ مَالَهُ ، أَوْ يَدْفَعْ بِهِ مَذَمَّةً .\rقِيلَ لِأَحْمَدَ : فَإِذَا اسْتَوَى فُقَرَاءُ قَرَابَاتِي وَالْمَسَاكِينُ ؟ قَالَ : فَهُمْ كَذَلِكَ أَوْلَى ، فَأَمَّا","part":5,"page":280},{"id":2280,"text":"إنْ كَانَ غَيْرُهُمْ أَحْوَجَ ، فَإِنَّمَا يُرِيدُ يُغْنِيهِمْ وَيَدَعُ غَيْرَهُمْ ، فَلَا .\rقِيلَ لَهُ : فَيُعْطِي امْرَأَةَ ابْنِهِ مِنْ الزَّكَاةِ .\rقَالَ : إنْ كَانَ لَا يُرِيدُ بِهِ كَذَا - شَيْئًا ذَكَرَهُ - فَلَا بَأْسَ بِهِ .\rكَأَنَّهُ أَرَادَ مَنْفَعَةَ ابْنِهِ .\rقَالَ أَحْمَدُ : كَانَ الْعُلَمَاءُ يَقُولُونَ فِي الزَّكَاةِ : لَا تُدْفَعُ بِهَا مَذَمَّةٌ ، وَلَا يُحَابَى بِهَا قَرِيبٌ ، وَلَا يُبْقِي بِهَا مَالًا .\rوَسُئِلَ أَحْمَدُ عَنْ رَجُلٍ لَهُ قَرَابَةٌ يُجْرِي عَلَيْهَا مِنْ الزَّكَاةِ ؟ قَالَ : إنْ كَانَ عَدَّهَا مِنْ عِيَالِهِ ، فَلَا يُعْطِيهَا .\rقِيلَ لَهُ : إنَّمَا يُجْرِي عَلَيْهَا شَيْئًا مَعْلُومًا فِي كُلِّ شَهْرٍ ، قَالَ : إذَا كَفَاهَا ذَلِكَ .\rوَفِي الْجُمْلَةِ ، مَنْ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِنْفَاقُ عَلَيْهِ ، فَلَهُ دَفْعُ الزَّكَاةِ إلَيْهِ ، وَيُقَدِّمُ الْأَحْوَجَ فَالْأَحْوَجَ ، فَإِنْ شَاءُوا قَدَّمَ مَنْ هُوَ أَقْرَبُ إلَيْهِ ، ثُمَّ مَنْ كَانَ أَقْرَبَ فِي الْجِوَارِ وَأَكْثَرَ دَيْنًا .\rوَكَيْفَ فَرَّقَهَا ، بَعْدَ مَا يَضَعُهَا فِي الْأَصْنَافِ الَّذِينَ سَمَّاهُمْ اللَّهُ تَعَالَى ، جَازَ .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":5,"page":281},{"id":2281,"text":"بَابُ زَكَاةِ الزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ وَالْأَصْلُ فِيهَا الْكِتَابُ ، وَالسُّنَّةُ ؛ أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنْ الْأَرْضِ } وَالزَّكَاةُ تُسَمَّى نَفَقَةً ، بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى : { وَاَلَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ } .\rوَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ } .\rقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : حَقُّهُ : الزَّكَاةُ الْمَفْرُوضَةُ .\rوَقَالَ مَرَّةً : الْعُشْرُ ، وَنِصْفُ الْعُشْرِ .\r.\rوَمِنْ السُّنَّةِ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ، { عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : فِيمَا سَقَتْ السَّمَاءُ وَالْعُيُونُ وَكَانَ عَثَرِيًّا الْعُشْرُ ، وَفِيمَا سُقِيَ بِالنَّضْحِ نِصْفُ الْعُشْرِ } .\rأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ، وَأَبُو دَاوُد ، وَالتِّرْمِذِيُّ .\rوَعَنْ جَابِرٍ ، أَنَّهُ { سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : فِيمَا سَقَتْ الْأَنْهَارُ وَالْغَيْمُ الْعُشْرُ ، وَفِيمَا سُقِيَ بِالسَّانِيَةِ نِصْفُ الْعُشْرِ } أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، وَأَبُو دَاوُد .\rوَأَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الصَّدَقَةَ وَاجِبَةٌ فِي الْحِنْطَةِ ، وَالشَّعِيرِ ، وَالتَّمْرِ ، وَالزَّبِيبِ .\rقَالَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ ، وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ","part":5,"page":282},{"id":2282,"text":"( 1823 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ ( وَكُلُّ مَا أَخْرَجَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ الْأَرْضِ مِمَّا يَيْبَسُ وَيَبْقَى ، مِمَّا يُكَالُ وَيَبْلُغُ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ فَصَاعِدًا ، فَفِيهِ الْعُشْرُ ، إنْ كَانَ سَقْيُهُ مِنْ السَّمَاءِ والسوح ، وَإِنْ كَانَ يُسْقَى بِالدَّوَالِي وَالنَّوَاضِحِ وَمَا فِيهِ الْكَلَفُ ، فَنِصْفُ الْعُشْرِ ) .\rهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تَشْتَمِلُ عَلَى أَحْكَامٍ ؛ مِنْهَا ، أَنَّ الزَّكَاةَ تَجِبُ فِيمَا جَمَعَ هَذِهِ الْأَوْصَافَ : الْكَيْلُ ، وَالْبَقَاءُ ، وَالْيُبْسُ ، مِنْ الْحُبُوبِ وَالثِّمَارِ ، مِمَّا يُنْبِتُهُ الْآدَمِيُّونَ ، إذَا نَبَتَ فِي أَرْضِهِ ، سَوَاءٌ كَانَ قُوتًا ، كَالْحِنْطَةِ ، وَالشَّعِيرِ ، وَالسُّلْتِ ، وَالْأُرْزِ ، وَالذُّرَةِ ، وَالدُّخْنِ ، أَوْ مِنْ الْقُطْنِيَّاتِ ، كَالْبَاقِلَّا ، وَالْعَدَسِ ، وَالْمَاشِ وَالْحِمَّصِ ، أَوْ مِنْ الْأَبَازِيرِ ، كَالْكُسْفُرَةِ ، وَالْكَمُّونِ ، وَالْكَرَاوْيَا ، أَوْ الْبُزُورِ ، كَبَزْرِ الْكَتَّانِ ، وَالْقِثَّاءِ ، وَالْخِيَارِ ، أَوْ حَبِّ الْبُقُولِ ، كَالرَّشَادِ ، وَحَبِّ الْفُجْلِ ، وَالْقُرْطُمِ ، وَالتُّرْمُسِ ، وَالسِّمْسِمِ ، وَسَائِرِ الْحُبُوبِ ، وَتَجِبُ أَيْضًا فِيمَا جَمَعَ هَذِهِ الْأَوْصَافَ مِنْ الثِّمَارِ ، كَالتَّمْرِ ، وَالزَّبِيبِ ، وَالْمِشْمِشِ ، وَاللَّوْزِ ، وَالْفُسْتُقِ ، وَالْبُنْدُقِ .\rوَلَا زَكَاةَ فِي سَائِرِ الْفَوَاكِهِ ، كَالْخَوْخِ ، وَالْإِجَّاصِ ، وَالْكُمَّثْرَى ، وَالتُّفَّاحِ ، وَالْمِشْمِشِ ، وَالتِّينِ ، وَالْجَوْزِ .\rوَلَا فِي الْخُضَرِ ، كَالْقِثَّاءِ ، وَالْخِيَارِ ، وَالْبَاذِنْجَانِ .\r، وَاللِّفْتِ ، وَالْجَزَرِ .\rوَبِهَذَا قَالَ عَطَاءٌ فِي الْحُبُوبِ كُلِّهَا ، وَنَحْوُهُ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ ، فَإِنَّهُمَا قَالَا : لَا شَيْءَ فِيمَا تُخْرِجُهُ الْأَرْضُ ، إلَّا مَا كَانَتْ لَهُ ثَمَرَةٌ بَاقِيَةٌ ، يَبْلُغُ مَكِيلُهَا خَمْسَةَ أَوْسُقٍ .\rوَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ حَامِدٍ : لَا شَيْءَ فِي الْأَبَازِيرِ ، وَلَا الْبُزُورِ ، وَلَا حَبِّ الْبُقُولِ .\rوَلَعَلَّهُ لَا يُوجِبُ الزَّكَاةَ إلَّا فِيمَا كَانَ قُوتًا أَوْ أُدْمًا ؛ لِأَنَّ مَا عَدَاهُ لَا نَصَّ فِيهِ ، وَلَا هُوَ فِي مَعْنَى","part":5,"page":283},{"id":2283,"text":"الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ فَيَبْقَى عَلَى النَّفْيِ الْأَصْلِيِّ .\rوَقَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ : لَا زَكَاةَ فِي ثَمَرٍ ، إلَّا التَّمْرَ وَالزَّبِيبَ ، وَلَا فِي حَبٍّ ، إلَّا مَا كَانَ قُوتًا فِي حَالَةِ الِاخْتِيَارِ لِذَلِكَ ، إلَّا فِي الزَّيْتُونِ ، عَلَى اخْتِلَافٍ .\rوَحُكِيَ عَنْ أَحْمَدَ : إلَّا فِي الْحِنْطَةِ ، وَالشَّعِيرِ ، وَالتَّمْرِ ، وَالزَّبِيبِ .\rوَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ ، وَمُوسَى بْنِ طَلْحَةَ ، وَالْحَسَنِ ، وَابْنِ سِيرِينَ ، وَالشَّعْبِيِّ ، وَالْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ وَابْنِ أَبِي لَيْلَى ، وَابْنِ الْمُبَارَكِ ، وَأَبِي عُبَيْدٍ .\rوَالسُّلْت : نَوْعٌ مِنْ الشَّعِيرِ .\rوَوَافَقَهُمْ إبْرَاهِيمُ ، وَزَادَ الذُّرَةَ .\rوَوَافَقَهُمْ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَزَادَ الزَّيْتُونَ ؛ لِأَنَّ مَا عَدَا هَذَا لَا نَصَّ فِيهِ وَلَا إجْمَاعَ ، وَلَا هُوَ فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ ، وَلَا الْمُجْمَعِ عَلَيْهِ ، فَيَبْقَى عَلَى الْأَصْلِ .\rوَقَدْ رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، أَنَّهُ قَالَ { : إنَّمَا سَنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الزَّكَاةَ فِي الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ ، وَالتَّمْرِ وَالزَّبِيبِ .\r} وَفِي رِوَايَةٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { وَالْعُشْرُ فِي التَّمْرِ وَالزَّبِيبِ ، وَالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ } .\rوَعَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ ، عَنْ عُمَرَ ، أَنَّهُ قَالَ : { إنَّمَا سَنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الزَّكَاةَ فِي هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ : الْحِنْطَةِ ، وَالشَّعِيرِ ، وَالتَّمْرِ ، وَالزَّبِيبِ .\r} وَعَنْ أَبِي بُرْدَةَ ، عَنْ أَبِي مُوسَى وَمُعَاذٍ ، { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَهُمَا إلَى الْيَمَنِ يُعَلِّمَانِ النَّاسَ أَمْرَ دِينِهِمْ ، فَأَمَرَهُمْ أَنْ لَا يَأْخُذُوا الصَّدَقَةَ إلَّا مِنْ هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ : الْحِنْطَةِ ، وَالشَّعِيرِ ، وَالتَّمْرِ ، وَالزَّبِيبِ } .\rرَوَاهُنَّ كُلَّهُنَّ الدَّارَقُطْنِيّ .\rوَلِأَنَّ غَيْرَ هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ لَا نَصَّ فِيهَا وَلَا إجْمَاعَ ، وَلَا هُوَ فِي مَعْنَاهَا فِي غَلَبَةِ","part":5,"page":284},{"id":2284,"text":"الِاقْتِيَاتِ بِهَا ، وَكَثْرَةِ نَفْعِهَا ، وَوُجُودِهَا ، فَلَمْ يَصِحَّ قِيَاسُهُ عَلَيْهَا ، وَلَا إلْحَاقُهُ بِهَا ، فَيَبْقَى عَلَى الْأَصْلِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي كُلِّ مَا يُقْصَدُ بِزِرَاعَتِهِ نَمَاءُ الْأَرْضِ ، إلَّا الْحَطَبَ ، وَالْقَصَبَ ، وَالْحَشِيشَ ؛ { لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : فِيمَا سَقَتْ السَّمَاءُ الْعُشْرُ } .\rوَهَذَا عَامٌّ ، وَلِأَنَّ هَذَا يُقْصَدُ بِزِرَاعَتِهِ نَمَاءُ الْأَرْضِ ، فَأَشْبَهَ الْحَبَّ .\rوَوَجْهُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ ، أَنَّ عُمُومَ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { فِيمَا سَقَتْ السَّمَاءُ الْعُشْرُ } .\rوَقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِمُعَاذٍ : { خُذْ الْحَبَّ مِنْ الْحَبِّ } .\rيَقْتَضِي وُجُوبَ الزَّكَاةِ فِي جَمِيعِ مَا تَنَاوَلَهُ ، خَرَجَ مِنْهُ مَا لَا يُكَالُ ، وَمَا لَيْسَ بِحَبٍّ ، بِمَفْهُومِ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { لَيْسَ فِي حَبٍّ وَلَا تَمْرٍ صَدَقَةٌ ، حَتَّى يَبْلُغَ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ } .\rرَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ .\rفَدَلَّ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى انْتِفَاءِ الزَّكَاةِ مِمَّا لَا ، تَوْسِيقَ فِيهِ ، وَهُوَ مِكْيَالٌ ، فَفِيمَا هُوَ مَكِيلٌ يَبْقَى عَلَى الْعُمُومِ ، وَالدَّلِيلُ عَلَى انْتِفَاءِ الزَّكَاةِ مِمَّا سِوَى ذَلِكَ مَا ذَكَرْنَا مِنْ اعْتِبَارِ التَّوْسِيقِ .\rوَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { لَيْسَ فِي الْخَضْرَاوَاتِ صَدَقَةٌ } .\rوَعَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { لَيْسَ فِيمَا أَنْبَتَتْ الْأَرْضُ مِنْ الْخَضِرِ صَدَقَةٌ } .\rوَعَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، وَعَنْ أَنَسٍ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلُهُ .\rرَوَاهُنَّ الدَّارَقُطْنِيّ .\rوَرَوَى التِّرْمِذِيُّ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ { مُعَاذٍ ، أَنَّهُ كَتَبَ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْأَلُهُ عَنْ الْخَضْرَاوَاتِ ، وَهِيَ : الْبُقُولُ ، فَقَالَ : لَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ } .\rوَقَالَ : يَرْوِيه الْحَسَنُ بْنُ عُمَارَةَ ، وَهُوَ ضَعِيفٌ ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ","part":5,"page":285},{"id":2285,"text":"وَسَلَّمَ مُرْسَلٌ .\rوَقَالَ مُوسَى بْنُ طَلْحَةَ : جَاءَ الْأَثَرُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي خَمْسَةِ أَشْيَاءَ : الشَّعِيرِ ، وَالْحِنْطَةِ ، وَالسُّلْت ، وَالزَّبِيبِ ، وَالتَّمْرِ ، وَمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا أَخْرَجَتْ الْأَرْضُ فَلَا عُشْرَ فِيهِ .\rوَقَالَ : إنَّ مُعَاذًا لَمْ يَأْخُذْ مِنْ الْخَضِرِ صَدَقَةً .\rوَرَوَى الْأَثْرَمُ ، بِإِسْنَادِهِ ، أَنَّ عَامِلَ عُمَرَ كَتَبَ إلَيْهِ فِي كُرُومٍ ، فِيهَا مِنْ الْفِرْسِكِ وَالرُّمَّانِ مَا هُوَ أَكْثَرُ غَلَّةً مِنْ الْكُرُومِ أَضْعَافًا فَكَتَبَ عُمَرُ : إنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهَا عُشْرٌ ، هِيَ مِنْ الْعِضَاهِ .","part":5,"page":286},{"id":2286,"text":"( 1824 ) فَصْلٌ : وَلَا شَيْءَ فِيمَا يَنْبُتُ مِنْ الْمُبَاحِ الَّذِي لَا يُمْلَكُ إلَّا بِأَخْذِهِ ، كَالْبُطْمِ ، وَالْعَفْصِ ، وَالزَّعْبَلِ وَهُوَ شَعِيرُ الْجَبَلِ ، وَبَزْرُ قَطُونَا ، وَبَزْرُ الْبَقْلَةِ ، وَحَبُّ الثُّمَامِ ، وَالْقَتُّ وَهُوَ بَزْرُ الْأُشْنَانِ إذَا أَدْرَكَ وَتَنَاهَى نُضْجُهُ حَصَلَتْ فِيهِ مُرُورَةٌ وَمُلُوحَةٌ ، وَأَشْبَاهُ هَذَا .\rذَكَرَهُ ابْنُ حَامِدٍ ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُمْلَكُ بِحِيَازَتِهِ ، وَأَخْذُ الزَّكَاةِ إنَّمَا تَجِبُ فِيهِ إذَا بَدَا صَلَاحُهُ ، وَفِي تِلْكَ الْحَالِ لَمْ يَكُنْ مَمْلُوكًا لَهُ ، فَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْوُجُوبُ ، كَاَلَّذِي يَلْتَقِطُهُ اللَّقَّاطُ مِنْ السُّنْبُلِ ، فَإِنَّهُ لَا زَكَاةَ فِيهِ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .\rوَذَكَرَ الْقَاضِي فِي الْمُبَاحِ أَنَّ فِيهِ الزَّكَاةَ إذَا نَبَتَ فِي أَرْضِهِ ، وَلَعَلَّهُ بَنَى هَذَا عَلَى أَنَّ مَا نَبَتَ فِي أَرْضِهِ مِنْ الْكَلَأِ يَكُونُ مِلْكًا لَهُ ، وَالصَّحِيحُ خِلَافُهُ .\rفَأَمَّا إنْ نَبَتَ فِي أَرْضِهِ مَا يَزْرَعُهُ الْآدَمِيُّونَ ، مِثْلُ أَنْ سَقَطَ فِي أَرْضِ إنْسَانٍ حَبٌّ مِنْ الْحِنْطَةِ أَوْ الشَّعِيرِ ، فَنَبَتَ فَفِيهِ الزَّكَاةُ ؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُهُ .\rوَلَوْ اشْتَرَى زَرْعًا بَعْدَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ فِيهِ ، أَوْ ثَمَرَةً قَدْ بَدَا صَلَاحُهَا ، أَوْ مَلَكَهَا بِجِهَةٍ مِنْ جِهَاتِ الْمِلْكِ ، لَمْ تَجِبْ فِيهِ الزَّكَاةُ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا .","part":5,"page":287},{"id":2287,"text":"( 1825 ) فَصْلٌ : وَلَا تَجِبُ فِيمَا لَيْسَ بِحَبٍّ وَلَا ثَمَرٍ ، سَوَاءٌ وُجِدَ فِيهِ الْكَيْلُ وَالِادِّخَارُ أَوْ لَمْ يُوجَدْ ، فَلَا تَجِبُ فِي وَرَقٍ مِثْلِ وَرَقِ السِّدْرِ وَالْخِطْمِيِّ وَالْأُشْنَانِ وَالصَّعْتَرِ وَالْآسِ وَنَحْوِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَنْصُوصٍ عَلَيْهِ ، وَلَا فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ ، وَمَفْهُومُ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { لَا زَكَاةَ فِي حَبٍّ وَلَا ثَمَرٍ حَتَّى يَبْلُغَ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ } .\rأَنَّ الزَّكَاةَ لَا تَجِبُ فِي غَيْرِهِمَا .\rقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ : فِي ثَمَرِ السِّدْرِ ، فَوَرَقُهُ أَوْلَى .\rوَلِأَنَّ الزَّكَاةَ لَا تَجِبُ فِي الْحَبِّ الْمُبَاحِ ، فَفِي الْوَرَقِ أَوْلَى .\rوَلَا زَكَاةَ فِي الْأَزْهَارِ ، كَالزَّعْفَرَانِ ، وَالْعُصْفُرِ ، وَالْقُطْنِ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِحَبٍّ وَلَا ثَمَرٍ ، وَلَا هُوَ بِمَكِيلٍ ، فَلَمْ تَجِبْ فِيهِ زَكَاةٌ ، كَالْخَضْرَاوَاتِ .\rقَالَ أَحْمَدُ : لَيْسَ فِي الْقُطْنِ شَيْءٌ .\rوَقَالَ : لَيْسَ فِي الزَّعْفَرَانِ زَكَاةٌ .\rوَهَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ ، وَاخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ .\rوَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ فِي الْفَاكِهَةِ وَالْبَقْلِ وَالتَّوَابِلِ وَالزَّعْفَرَانِ زَكَاةٌ .\rوَعَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ : إنَّمَا سَنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الزَّكَاةَ فِي الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالتَّمْرِ وَالزَّبِيبِ .\rوَكَذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ .\rوَحُكِيَ عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّ فِي الْقُطْنِ وَالزَّعْفَرَانِ زَكَاةً .\rوَخَرَّجَ أَبُو الْخَطَّابِ فِي الْعُصْفُرِ وَالْوَرْسِ وَجْهًا ، قِيَاسًا عَلَى الزَّعْفَرَانِ .\rوَالْأَوْلَى مَا ذَكَرْنَاهُ ، وَهَذَا مُخَالِفٌ لِأُصُولِ أَحْمَدَ ؛ قَالَ : الْمَرْوِيُّ عَنْهُ رِوَايَتَانِ : إحْدَاهُمَا ، أَنَّهُ لَا زَكَاةَ إلَّا فِي الْأَرْبَعَةِ .\rوَالثَّانِيَةُ : أَنَّهَا إنَّمَا تَجِبُ فِي الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالتَّمْرِ وَالزَّبِيبِ وَالذُّرَةِ وَالسُّلْتِ وَالْأُرْزِ وَالْعَدَسِ ، وَكُلِّ شَيْءٍ يَقُومُ مَقَامَ هَذِهِ حَتَّى يُدَّخَرَ ، وَيَجْرِيَ فِيهِ الْقَفِيزُ ، مِثْلُ : اللُّوبِيَا وَالْحِمَّصِ وَالسَّمَاسِمِ وَالْقُطْنِيَّاتِ ؛ فَفِيهِ الزَّكَاةُ .\rوَهَذَا لَا يَجْرِي فِيهِ الْقَفِيزُ ، وَلَا هُوَ","part":5,"page":288},{"id":2288,"text":"فِي مَعْنَى مَا سَمَّاهُ .","part":5,"page":289},{"id":2289,"text":"( 1826 ) فَصْلٌ : وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ فِي الزَّيْتُونِ .\rفَقَالَ أَحْمَدُ ، فِي رِوَايَةِ ابْنِهِ صَالِحٍ : فِيهِ الْعُشْرُ إذَا بَلَغَ - يَعْنِي خَمْسَةَ أَوْسُقٍ - وَإِنْ عُصِرَ قُوِّمَ ثَمَنُهُ ؛ لِأَنَّ الزَّيْتَ لَهُ بَقَاءٌ .\rوَهَذَا قَوْلُ الزُّهْرِيِّ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَمَالِكٍ ، وَاللَّيْثِ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ .\rوَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ } .\rفِي سِيَاقِ قَوْلِهِ : { وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ } .\rوَلِأَنَّهُ يُمْكِنُ ادِّخَارُ غَلَّتِهِ ، أَشْبَهَ التَّمْرَ وَالزَّبِيبَ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ : لَا زَكَاةَ فِيهِ .\rوَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ .\rوَهَذَا قَوْلُ ابْنِ أَبِي لَيْلَى ، وَالْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ ، وَأَبِي عُبَيْدَةَ ، وَأَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُدَّخَرُ يَابِسًا ، فَهُوَ كَالْخَضْرَاوَاتِ ، وَالْآيَةُ لَمْ يُرَدْ بِهَا الزَّكَاةُ ، لِأَنَّهَا مَكِّيَّةٌ ، وَالزَّكَاةُ إنَّمَا فُرِضَتْ بِالْمَدِينَةِ ، وَلِهَذَا ذُكِرَ الرُّمَّانُ وَلَا عُشْرَ فِيهِ .\rوَقَالَ مُجَاهِدٌ : إذَا حَصَدَ زَرْعَهُ أَلْقَى لَهُمْ مِنْ السُّنْبُلِ ، وَإِذَا جَذَّ نَخْلَهُ أَلْقَى لَهُمْ مِنْ الشَّمَارِيخِ .\rوَقَالَ النَّخَعِيُّ وَأَبُو جَعْفَرٍ : هَذِهِ الْآيَةُ مَنْسُوخَةٌ ، عَلَى أَنَّهَا مَحْمُولَةٌ عَلَى مَا يَتَأَتَّى حَصَادُهُ ، بِدَلِيلِ أَنَّ الرُّمَّانَ مَذْكُورٌ بَعْدَهُ ، وَلَا زَكَاةَ فِيهِ ا هـ .","part":5,"page":290},{"id":2290,"text":"( 1827 ) فَصْلٌ : الْحَكَمُ الثَّانِي ، أَنَّ الزَّكَاةَ لَا تَجِبُ فِي شَيْءٍ مِنْ الزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ حَتَّى تَبْلُغَ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ .\rهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ؛ مِنْهُمْ ابْنُ عُمَرَ ، وَجَابِرٌ ، وَأَبُو أُمَامَةَ بْنُ سَهْلٍ ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ ، وَالْحَسَنُ ، وَعَطَاءٌ ، وَمَكْحُولٌ ، وَالْحَكَمُ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ ، وَسَائِرُ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rلَا نَعْلَمُ أَحَدًا خَالَفَهُمْ ، إلَّا مُجَاهِدًا ، وَأَبَا حَنِيفَةَ ، وَمَنْ تَابَعَهُ ، قَالُوا : تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي قَلِيلِ ذَلِكَ وَكَثِيرِهِ ؛ لِعُمُومِ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { فِيمَا سَقَتْ السَّمَاءُ الْعُشْرُ } .\rوَلِأَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ لَهُ حَوْلٌ فَلَا يُعْتَبَرُ لَهُ نِصَابٌ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَهَذَا خَاصٌّ يَجِبُ تَقْدِيمُهُ ، وَتَخْصِيصُ عُمُومِ مَا رَوَوْهُ بِهِ ، كَمَا خَصَّصْنَا قَوْلَهُ { : فِي سَائِمَةِ الْإِبِلِ الزَّكَاةُ } بِقَوْلِهِ { : لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ صَدَقَةٌ } .\rوَقَوْلَهُ : { فِي الرِّقَةِ رُبْعُ الْعُشْرِ } بِقَوْلِهِ : { لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ } .\rوَلِأَنَّهُ مَالٌ تَجِبُ فِيهِ الصَّدَقَةُ ، فَلَمْ تَجِبْ فِي يَسِيرِهِ كَسَائِرِ الْأَمْوَالِ الزَّكَائِيَّةِ ، وَإِنَّمَا لَمْ يُعْتَبَرْ الْحَوْلُ ؛ لِأَنَّهُ يَكْمُلُ نَمَاؤُهُ بِاسْتِحْصَادِهِ لَا بِبَقَائِهِ ، وَاعْتُبِرَ الْحَوْلُ فِي غَيْرِهِ ؛ لِأَنَّهُ مَظِنَّةٌ لِكَمَالِ النَّمَاءِ فِي سَائِرِ الْأَمْوَالِ ، وَالنِّصَابُ اُعْتُبِرَ لِيَبْلُغَ حَدًّا يَحْتَمِلُ الْمُوَاسَاةَ مِنْهُ ، فَلِهَذَا اُعْتُبِرَ فِيهِ ، يُحَقِّقُهُ أَنَّ الصَّدَقَةَ إنَّمَا تَجِبُ عَلَى الْأَغْنِيَاءِ ، بِمَا قَدْ ذَكَرْنَا فِيمَا تَقَدَّمَ ، وَلَا يَحْصُلُ الْغِنَى بِدُونِ النِّصَابِ ، كَسَائِرِ الْأَمْوَالِ الزَّكَائِيَّةِ .\rا هـ .","part":5,"page":291},{"id":2291,"text":"( 1828 ) فَصْلٌ : وَتُعْتَبَرُ خَمْسَةُ الْأَوْسُقِ بَعْدَ التَّصْفِيَةِ فِي الْحُبُوبِ ، وَالْجَفَافِ فِي الثِّمَارِ ، فَلَوْ كَانَ لَهُ عَشَرَةُ أَوْسُقٍ عِنَبًا ، لَا يَجِيءُ مِنْهُ خَمْسَةُ أَوْسُقٍ زَبِيبًا ، لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ شَيْءٌ ، لِأَنَّهُ حَالُ وُجُوبِ الْإِخْرَاجِ مِنْهُ ، فَاعْتُبِرَ النِّصَابُ بِحَالِهِ .\rوَرَوَى الْأَثْرَمُ عَنْهُ : أَنَّهُ يُعْتَبَرُ نِصَابُ النَّخْلِ وَالْكَرْمِ عِنَبًا وَرُطَبًا ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ مِثْلُ عُشْرِ الرُّطَبِ تَمْرًا .\rاخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ .\rوَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ يُؤْخَذُ عُشْرُ مَا يَجِيءُ بِهِ مِنْهُ مِنْ التَّمْرِ إذَا بَلَغَ رُطَبُهَا خَمْسَةَ أَوْسُقٍ ؛ لِأَنَّ إيجَابَ قَدْرِ عُشْرِ الرُّطَبِ مِنْ التَّمْرِ إيجَابٌ لِأَكْثَرَ مِنْ الْعُشْرِ ، وَذَلِكَ يُخَالِفُ النَّصَّ وَالْإِجْمَاعَ ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَيْهِ كَلَامُ أَحْمَدَ ، وَلَا قَوْلُ إمَامٍ ا هـ .","part":5,"page":292},{"id":2292,"text":"( 1829 ) فَصْلٌ : وَالْعَلَسُ : نَوْعٌ مِنْ الْحِنْطَةِ يُدَّخَرُ فِي قِشْرِهِ ، وَيَزْعُمُ أَهْلُهُ أَنَّهُ إذَا أُخْرِجَ مِنْ قِشْرِهِ لَا يَبْقَى بَقَاءَ غَيْرِهِ مِنْ الْحِنْطَةِ ، وَيَزْعُمُونَ أَنَّهُ يَخْرُجُ عَلَى النِّصْفِ فَيُعْتَبَرُ نِصَابُهُ فِي قِشْرِهِ لِلضَّرَرِ فِي إخْرَاجِهِ ، فَإِذَا بَلَغَ بِقِشْرِهِ عَشَرَةَ أَوْسُقٍ ، فَفِيهِ الْعُشْرُ ؛ لِأَنَّ فِيهِ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ ، وَإِنْ شَكَكْنَا فِي بُلُوغِهِ نِصَابًا ، خُيِّرَ صَاحِبُهُ بَيْنَ إخْرَاجِ عُشْرِهِ وَبَيْنَ إخْرَاجِهِ مِنْ قِشْرِهِ ، لِيُقَدِّرَهُ بِخَمْسَةِ أَوْسُقٍ .\rكَقَوْلِنَا فِي مَغْشُوشِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ ، إذَا شَكَكْنَا فِي بُلُوغِ مَا فِيهِمَا نِصَابًا .\rوَلَا يَجُوزُ تَقْدِيرُ غَيْرِهِ مِنْ الْحِنْطَةِ فِي قِشْرِهِ ، وَلَا إخْرَاجُهُ قَبْلَ تَصْفِيَتِهِ ؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ لَا تَدْعُو إلَى إبْقَائِهِ فِي قِشْرِهِ ، وَلَا الْعَادَةُ جَارِيَةٌ بِهِ وَلَا يُعْلَمُ قَدْرُ مَا يَخْرُجُ مِنْهُ .","part":5,"page":293},{"id":2293,"text":"( 1830 ) فَصْلٌ : وَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ أَنَّ نِصَابَ الْأُرْزِ مَعَ قِشْرِهِ عَشَرَةُ أَوْسُقٍ ؛ لِأَنَّهُ يُدَّخَرُ مَعَ قِشْرِهِ ، وَإِذَا أُخْرِجَ مِنْ قِشْرِهِ ، لَمْ يَبْقَ بَقَاءَ مَا فِي الْقِشْرِ ، فَهُوَ كَالْعَلَسِ سَوَاءٌ فِيمَا ذَكَرْنَا .\rوَقَالَ غَيْرُهُ : لَا يُعْتَبَرُ نِصَابُهُ بِذَلِكَ ، إلَّا أَنْ يَقُولَ ثِقَاتٌ مِنْ أَهْلِ الْخِبْرَةِ إنَّهُ يَخْرُجُ عَلَى النِّصْفِ فَيَكُونُ كَالْعَلَسِ ، وَمَتَى لَمْ يُوجَدْ ثِقَاتٌ يُخْبِرُونَ بِهَذَا ، أَوْ شَكَكْنَا فِي بُلُوغِهِ نِصَابًا ، خَيَّرْنَا رَبَّهُ بَيْنَ إخْرَاجِ عُشْرِهِ فِي قِشْرِهِ ، وَبَيْنَ تَصْفِيَتِهِ لِيُعْلَمَ قَدْرُهُ مُصَفًّى ، فَإِنْ بَلَغَ نِصَابًا أُخِذَ مِنْهُ ، وَإِلَّا فَلَا ؛ لِأَنَّ الْيَقِينَ لَا يَحْصُلُ إلَّا بِذَلِكَ ، فَاعْتَبَرْنَاهُ كَمَغْشُوشِ الْأَثْمَانِ ا هـ .","part":5,"page":294},{"id":2294,"text":"( 1831 ) فَصْلٌ : وَنِصَابُ الزَّيْتُونِ خَمْسَةُ أَوْسُقٍ نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ .\rوَنِصَابُ الزَّعْفَرَانِ وَالْقُطْنِ وَمَا أُلْحِقَ بِهِمَا مِنْ الْمَوْزُونَاتِ ، أَلْفٌ وَسِتُّمِائَةِ رِطْلٍ بِالْعِرَاقِيِّ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَكِيلٍ ، فَيَقُومُ وَزْنُهُ مَقَامَ كَيْلِهِ .\rذَكَرَهُ الْقَاضِي ، فِي \" الْمُجَرَّدِ \" .\rوَحُكِيَ عَنْهُ : إذَا بَلَغَتْ قِيمَتُهُ نِصَابًا مِنْ أَدْنَى مَا تُخْرِجُهُ الْأَرْضُ مِمَّا فِيهِ الزَّكَاةُ ، فَفِيهِ الزَّكَاةُ .\rوَهَذَا قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ فِي الزَّعْفَرَانِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُمْكِنْ اعْتِبَارُهُ بِنَفْسِهِ فَاعْتُبِرَ بِغَيْرِهِ ، كَالْعُرُوضِ تُقَوَّمُ بِأَدْنَى النِّصَابَيْنِ مِنْ الْأَثْمَانِ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ فِي الزَّعْفَرَانِ : تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ .\rوَلَا أَعْلَمُ لِهَذِهِ الْأَقْوَالِ دَلِيلًا ، وَلَا أَصْلًا يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ .\rوَيَرُدُّهَا قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ } .\rوَإِيجَابُ الزَّكَاةِ فِي قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ مُخَالِفٌ لِجَمِيعِ أَمْوَالِ الزَّكَاةِ وَاعْتِبَارُهُ بِغَيْرِهِ مُخَالِفٌ لِجَمِيعِ مَا يَجِبُ عُشْرُهُ ، وَاعْتِبَارُهُ بِأَقَلَّ مَا فِيهِ الزَّكَاةُ قِيمَةً لَا نَظِيرَ لَهُ أَصْلًا ، وَقِيَاسُهُ عَلَى الْعُرُوضِ لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ الْعُرُوضَ لَا تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي عَيْنِهَا ، وَإِنَّمَا تَجِبُ فِي قِيمَتِهَا ، تُؤَدَّى مِنْ الْقِيمَةِ الَّتِي اُعْتُبِرَتْ بِهَا ، وَالْقِيمَةُ يُرَدُّ إلَيْهَا كُلُّ الْأَمْوَالِ الْمُتَقَوِّمَاتِ ، فَلَا يَلْزَمُ مِنْ الرَّدِّ إلَيْهَا الرَّدُّ إلَى مَا لَمْ يُرَدَّ إلَيْهِ شَيْءٌ أَصْلًا ، وَلَا تُخْرَجُ الزَّكَاةُ مِنْهُ ، وَلِأَنَّ هَذَا مَالٌ تُخْرَجُ الزَّكَاةُ مِنْ جِنْسِهِ ، فَاعْتُبِرَ نِصَابُهُ بِنَفْسِهِ ، كَالْحُبُوبِ ، وَلِأَنَّهُ خَارِجٌ مِنْ الْأَرْضِ يَجِبُ فِيهِ الْعُشْرُ أَوْ نِصْفُهُ ، فَأَشْبَهَ سَائِرَ مَا يَجِبُ فِيهِ ذَلِكَ ، وَلِأَنَّهُ مَالٌ تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ ، فَلَمْ يَجِبْ فِي قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ ، كَسَائِرِ الْأَمْوَالِ ، وَلِأَنَّهُ لَا نَصَّ فِيمَا ذَكَرُوهُ وَلَا إجْمَاعَ ،","part":5,"page":295},{"id":2295,"text":"وَلَا هُوَ فِي مَعْنَاهُمَا .\rفَوَجَبَ أَنْ لَا يُقَالَ بِهِ ، لِعَدَمِ دَلِيلِهِ .\rا هـ .\rانْتَهَى","part":5,"page":296},{"id":2296,"text":"( 1832 ) فَصْلٌ : الْحُكْمُ الثَّالِثُ ، أَنَّ الْعُشْرَ يَجِبُ فِيمَا سُقِيَ بِغَيْرِ مُؤْنَةٍ ، كَاَلَّذِي يَشْرَبُ مِنْ السَّمَاءِ وَالْأَنْهَارِ ، وَمَا يَشْرَبُ بِعُرُوقِهِ ، وَهُوَ الَّذِي يُغْرَسُ فِي أَرْضٍ مَاؤُهَا قَرِيبٌ مِنْ وَجْهِهَا ، فَتَصِلُ إلَيْهِ عُرُوقُ الشَّجَرِ ، فَيَسْتَغْنِي عَنْ سَقْيٍ ، وَكَذَلِكَ مَا كَانَتْ عُرُوقُهُ تَصِلُ إلَى نَهْرٍ أَوْ سَاقِيَةٍ .\rوَنِصْفُ الْعُشْرِ فِيمَا سُقِيَ بِالْمُؤَنِ ، كَالدَّوَالِي وَالنَّوَاضِحِ ؛ لَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا .\rوَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ ، وَغَيْرِهِمْ .\rوَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { فِيمَا سَقَتْ السَّمَاءُ وَالْعُيُونُ أَوْ كَانَ عَثَرِيًّا الْعُشْرُ ، وَمَا سُقِيَ بِالنَّضْحِ نِصْفُ الْعُشْرِ } .\rرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ، قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الْعَثَرِيُّ : مَا تَسْقِيهِ السَّمَاءُ ، وَتُسَمِّيهِ الْعَامَّةُ : الْعِذْيَ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : هُوَ الْمَاءُ الْمُسْتَنْقَعُ فِي بِرْكَةٍ أَوْ نَحْوِهَا ، يَصُبُّ إلَيْهِ مَاءُ الْمَطَرِ فِي سَوَاقٍ تُشَقُّ لَهُ ، فَإِذَا اجْتَمَعَ سُقِيَ مِنْهُ ، وَاشْتِقَاقُهُ مِنْ الْعَاثُورِ ، وَهِيَ السَّاقِيَةُ الَّتِي يَجْرِي فِيهَا الْمَاءُ ، لِأَنَّهَا يَعْثُرُ بِهَا مَنْ يَمُرُّ بِهَا .\rوَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ : { وَفِيمَا يُسْقَى بِالسَّانِيَةِ نِصْفُ الْعُشْرِ } .\rوَالسَّوَانِي : هِيَ النَّوَاضِحُ ، وَهِيَ الْإِبِلُ يُسْتَقَى بِهَا لِشِرْبِ الْأَرْضِ .\rوَعَنْ مُعَاذٍ ، قَالَ : { بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى الْيَمَنِ ، فَأَمَرَنِي أَنْ آخُذَ مِمَّا سَقَتْ السَّمَاءُ ، أَوْ سُقِيَ بِعَلَا ، الْعُشْرَ ، وَمَا سُقِيَ بِدَالِيَةٍ نِصْفَ الْعُشْرِ } .\rقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : الْبَعْلُ ، مَا شَرِبَ بِعُرُوقِهِ مِنْ غَيْرِ سَقْيٍ .\rوَفِي الْجُمْلَةِ كُلُّ مَا سُقِيَ بِكُلْفَةٍ وَمُؤْنَةٍ ، مِنْ دَالِيَةٍ أَوْ سَانِيَةٍ أَوْ دُولَابٍ أَوْ نَاعُورَةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ ، فَفِيهِ نِصْفُ الْعُشْرِ ، وَمَا سُقِيَ بِغَيْرِ مُؤْنَةٍ ، فَفِيهِ الْعُشْرُ ؛ لِمَا رَوَيْنَا مِنْ الْخَبَرِ ، وَلِأَنَّ لِلْكُلْفَةِ تَأْثِيرًا فِي","part":5,"page":297},{"id":2297,"text":"إسْقَاطِ الزَّكَاةِ جُمْلَةً ، بِدَلِيلِ الْمَعْلُوفَةِ ، فَبِأَنْ يُؤَثِّرَ فِي تَخْفِيفِهَا أَوْلَى ، وَلِأَنَّ الزَّكَاةَ إنَّمَا تَجِبُ فِي الْمَالِ النَّامِي ، وَلِلْكُلْفَةِ تَأْثِيرٌ فِي تَقْلِيلِ النَّمَاءِ ، فَأَثَّرَتْ فِي تَقْلِيلِ الْوَاجِبِ فِيهَا ، وَلَا يُؤَثِّرُ حَفْرُ الْأَنْهَارِ وَالسَّوَاقِي فِي نُقْصَانِ الزَّكَاةِ ؛ لِأَنَّ الْمُؤْنَةَ تَقِلُّ ، لِأَنَّهَا تَكُونُ مِنْ جُمْلَةِ إحْيَاءِ الْأَرْضِ وَلَا تَتَكَرَّرُ كُلَّ عَامٍ .\rوَكَذَلِكَ لَا يُؤَثِّرُ احْتِيَاجُهَا إلَى سَاقٍ يَسْقِيهَا ، وَيُحَوِّلُ الْمَاءَ فِي نَوَاحِيهَا ، لِأَنَّ ذَلِكَ لَا بُدَّ مِنْهُ فِي كُلِّ سَقْيٍ بِكُلْفَةٍ ، فَهُوَ زِيَادَةٌ عَلَى الْمُؤْنَةِ فِي التَّنْقِيصِ ، يَجْرِي مَجْرَى حَرْثِ الْأَرْضِ وَتَحْسِينَهَا .\rوَإِنْ كَانَ الْمَاءُ يَجْرِي مِنْ النَّهْرِ فِي سَاقِيَةٍ إلَى الْأَرْضِ ، وَيَسْتَقِرُّ فِي مَكَان قَرِيبٍ مِنْ وَجْهِهَا ، لَا يَصْعَدُ إلَّا بِغَرْفٍ أَوْ دُولَابٍ ، فَهُوَ مِنْ الْكُلْفَةِ الْمُسْقِطَةِ لِنِصْفِ الزَّكَاةِ ، عَلَى مَا مَرَّ ؛ لِأَنَّ مِقْدَارَ الْكُلْفَةِ وَقُرْبَ الْمَاءِ وَبُعْدَهُ لَا يُعْتَبَرُ ، وَالضَّابِطُ لِذَلِكَ هُوَ أَنْ يَحْتَاجَ فِي تَرْقِيَةِ الْمَاءِ إلَى الْأَرْضِ بِآلَةٍ مِنْ غَرْفٍ أَوْ نَضْحٍ أَوْ دَالِيَةٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ ؛ وَقَدْ وُجِدَ .\rا هـ .","part":5,"page":298},{"id":2298,"text":"( 1833 ) فَصْلٌ : فَإِنْ سُقِيَ نِصْفَ السَّنَةِ بِكُلْفَةٍ ، وَنِصْفَهَا بِغَيْرِ كُلْفَةٍ ، فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الْعُشْرِ .\rوَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ ، وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَوْ وُجِدَ فِي جَمِيعِ السَّنَةِ لَأَوْجَبَ مُقْتَضَاهُ ، فَإِذَا وُجِدَ فِي نِصْفِهَا أَوْجَبَ نِصْفَهُ ، وَإِنْ سُقِيَ بِأَحَدِهِمَا أَكْثَرَ مِنْ الْآخَرِ اُعْتُبِرَ أَكْثَرُهُمَا ، فَوَجَبَ مُقْتَضَاهُ ، وَسَقَطَ حُكْمُ الْآخَرِ .\rنَصَّ عَلَيْهِ وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَأَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ : يُؤْخَذُ بِالْقِسْطِ .\rوَهُوَ الْقَوْلُ الثَّانِي لِلشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُمَا لَوْ كَانَا نِصْفَيْنِ أَخَذَ بِالْحِصَّةِ ، فَكَذَلِكَ إذَا كَانَ أَحَدُهُمَا أَكْثَرَ ، كَمَا لَوْ كَانَتْ الثَّمَرَةُ نَوْعَيْنِ .\rوَوَجْهُ الْأَوَّلِ أَنَّ اعْتِبَارَ مِقْدَارِ السَّقْيِ وَعَدَدِ مَرَّاتِهِ وَقَدْرِ مَا يُشْرَبُ فِي كُلِّ سَقْيَةٍ يَشُقُّ وَيَتَعَذَّرُ ، فَكَانَ الْحُكْمُ لِلْأَغْلَبِ مِنْهُمَا كَالسَّوْمِ فِي الْمَاشِيَةِ .\rوَإِنْ جُهِلَ الْمِقْدَارُ ، غَلَّبْنَا إيجَابَ الْعُشْرِ احْتِيَاطًا .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ وُجُوبُ الْعُشْرِ ، وَإِنَّمَا يَسْقُطُ بِوُجُودِ الْكُلْفَةِ ، فَمَا لَمْ يَتَحَقَّقْ الْمُسْقِطُ يَبْقَى عَلَى الْأَصْلِ ، وَلِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْكُلْفَةِ فِي الْأَكْثَرِ ، فَلَا يَثْبُتُ وُجُودُهَا مَعَ الشَّكِّ فِيهِ ، وَإِنْ اخْتَلَفَ السَّاعِي وَرَبُّ الْمَالِ ، فِي أَيِّهِمَا سُقِيَ بِهِ أَكْثَرَ ، فَالْقَوْلُ ، قَوْلُ رَبِّ الْمَالِ بِغَيْرِ يَمِينٍ ، فَإِنَّ النَّاسَ لَا يُسْتَحْلَفُونَ عَلَى صَدَقَاتِهِمْ .\rا هـ .","part":5,"page":299},{"id":2299,"text":"( 1834 ) فَصْلٌ : وَإِذَا كَانَ لِرَجُلٍ حَائِطَانِ ، سَقَى أَحَدَهُمَا بِمُؤْنَةٍ ، وَالْآخَرَ بِغَيْرِ مُؤْنَةٍ ، ضَمَّ غَلَّةَ أَحَدِهِمَا إلَى الْآخَرِ فِي تَكْمِيلِ النِّصَابِ أَوْ أَخْرَجَ مِنْ الَّذِي سُقِيَ بِغَيْرِ مُؤْنَةٍ عُشْرَهُ ، وَمِنْ الْآخَرِ نِصْفَ عُشْرِهِ ، كَمَا يَضُمُّ أَحَدَ النَّوْعَيْنِ إلَى الْآخَرِ ، وَيُخْرِجُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا وَجَبَ فِيهِ .","part":5,"page":300},{"id":2300,"text":"( 1835 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَالْوَسْقُ سِتُّونَ صَاعًا ، وَالصَّاعُ خَمْسَةُ أَرْطَالٍ وَثُلُثٌ بِالْعِرَاقِيِّ ) أَمَّا كَوْنُ الْوَسْقِ سِتِّينَ صَاعًا ، فَلَا خِلَافَ فِيهِ .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ هُوَ قَوْلُ كُلِّ مَنْ يُحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rوَقَدْ رَوَى الْأَثْرَمُ ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ صَخْرٍ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { الْوَسْقُ سِتُّونَ صَاعًا } .\rوَرَوَى أَبُو سَعِيدٍ ، وَجَابِرٌ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَ ذَلِكَ ، رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ .\rوَأَمَّا كَوْنُ الصَّاعِ خَمْسَةَ أَرْطَالٍ وَثُلُثًا فَفِيهِ اخْتِلَافٌ ذَكَرْنَاهُ فِي بَابِ الطَّهَارَةِ ، وَبَيَّنَّا أَنَّهُ خَمْسَةُ أَرْطَالٍ وَثُلُثٌ بِالْعِرَاقِيِّ ، فَيَكُونُ مَبْلَغُ الْخَمْسَةِ الْأَوْسُقِ ثَلَاثَمِائَةِ صَاعٍ ، وَهُوَ أَلْفٌ وَسِتُّمِائَةِ رِطْلٍ بِالْعِرَاقِيِّ ، وَالرِّطْلُ الْعِرَاقِيُّ : مِائَةٌ وَثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ دِرْهَمًا وَأَرْبَعَةُ أَسْبَاعِ دِرْهَمٍ ، وَوَزْنُهُ بِالْمَثَاقِيلِ سَبْعُونَ مِثْقَالًا ، ثُمَّ زِيدَ فِي الرِّطْلِ مِثْقَالٌ آخَرُ ، وَهُوَ دِرْهَمٌ وَثَلَاثَةُ أَسْبَاعٍ فَصَارَ إحْدَى وَتِسْعِينَ مِثْقَالًا ، وَكَمَلَتْ زِنَتُهُ بِالدَّرَاهِمِ مِائَةً وَثَلَاثِينَ دِرْهَمًا ، وَالِاعْتِبَارُ بِالْأَوَّلِ قَبْلَ الزِّيَادَةِ ، فَيَكُونُ الصَّاعُ بِالرِّطْلِ الدِّمَشْقِيِّ ، الَّذِي هُوَ سِتُّمِائَةِ دِرْهَمٍ ، رِطْلًا وَسُبْعًا ، وَذَلِكَ أُوقِيَّةٌ وَخَمْسَةُ أَسْبَاعِ أُوقِيَّةٍ ، وَمَبْلَغُ الْخَمْسَةِ الْأَوْسُقِ بِالرِّطْلِ الدِّمَشْقِيِّ ثَلَاثُمِائَةِ رِطْلٍ وَاثْنَانِ وَأَرْبَعُونَ رِطْلًا وَعَشْرُ أَوَاقٍ وَسُبْعُ أُوقِيَّةٍ ، وَذَلِكَ سِتَّةُ أَسْبَاعِ رِطْلٍ .","part":5,"page":301},{"id":2301,"text":"( 1836 ) فَصْلٌ : وَالنِّصَابُ مُعْتَبَرٌ بِالْكَيْلِ ، فَإِنَّ الْأَوْسَاقَ مَكِيلَةٌ ، وَإِنَّمَا نُقِلَتْ إلَى الْوَزْنِ لِتُضْبَطَ وَتُحْفَظَ وَتُنْقَلَ ، وَلِذَلِكَ تَعَلَّقَ وُجُوبُ الزَّكَاةِ بِالْمَكِيلَاتِ دُونَ الْمَوْزُونَاتِ ، وَالْمَكِيلَاتُ تَخْتَلِفُ فِي الْوَزْنِ ، فَمِنْهَا الثَّقِيلُ ، كَالْحِنْطَةِ وَالْعَدَسِ .\rوَمِنْهَا الْخَفِيفُ ، كَالشَّعِيرِ وَالذُّرَةِ ، وَمِنْهَا الْمُتَوَسِّطِ .\rوَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى أَنَّ الصَّاعَ خَمْسَةُ أَرْطَالٍ وَثُلُثٌ مِنْ الْحِنْطَةِ وَرَوَى جَمَاعَةٌ عَنْهُ ، أَنَّهُ قَالَ : الصَّاعُ وَزَنْتُهُ فَوَجَدْته خَمْسَةَ أَرْطَالٍ وَثُلُثَيْ رِطْلٍ حِنْطَةً .\rوَقَالَ حَنْبَلٌ قَالَ : أَحْمَدُ أَخَذْت الصَّاعَ مِنْ أَبِي النَّضْرِ ، وَقَالَ أَبُو النَّضِرِ : أَخَذْته مِنْ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ .\rوَقَالَ : هَذَا صَاعُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي يُعْرَفُ بِالْمَدِينَةِ .\rقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ، فَأَخَذْنَا الْعَدَسَ ، فَعَيَّرْنَا بِهِ ، وَهُوَ أَصْلَحُ مَا يُكَالُ بِهِ ، لِأَنَّهُ لَا يَتَجَافَى عَنْ مَوَاضِعِهِ ، فَكِلْنَا بِهِ وَوَزَنَّاهُ ، فَإِذَا هُوَ خَمْسَةُ أَرْطَالٍ وَثُلُثٌ .\rوَهَذَا أَصَحُّ مَا وَقَفْنَا عَلَيْهِ ، وَمَا بُيِّنَ لَنَا مِنْ صَاعِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rوَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ : أَجْمَعَ أَهْلُ الْحَرَمَيْنِ عَلَى أَنَّ مُدَّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رِطْلٌ وَثُلُثٌ قَمْحًا مِنْ أَوْسَطِ الْقَمْحِ ، فَمَتَى بَلَغَ الْقَمْحُ أَلْفًا وَسِتَّمِائَةِ رِطْلٍ ، فَفِيهِ الزَّكَاةُ .\rوَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ قَدَّرُوا الصَّاعَ بِالثَّقِيلِ ، فَأَمَّا الْخَفِيفُ فَتَجِبُ الزَّكَاةُ فِيهِ ، إذَا قَارَبَ هَذَا وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْهُ .\rوَمَتَى شَكَّ فِي وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِيهِ ، وَلَمْ يُوجَدْ مِكْيَالٌ يُقَدِّرُ بِهِ ، فَالِاحْتِيَاطُ الْإِخْرَاجُ ، وَإِنْ لَمْ يُخْرِجْ فَلَا حَرَجَ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ وُجُوبِ الزَّكَاةِ ، فَلَا تَجِبُ بِالشَّكِّ .","part":5,"page":302},{"id":2302,"text":"( 1837 ) فَصْلٌ : قَالَ الْقَاضِي : وَهَذَا النِّصَابُ مُعْتَبَرٌ تَحْدِيدًا ، فَمَتَى نَقَصَ شَيْئًا ، لَمْ تَجِبْ الزَّكَاةُ ، لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ } .\rوَالنَّاقِصُ عَنْهَا لَمْ يَبْلُغْهَا ، إلَّا أَنْ يَكُونَ نَقْصًا يَسِيرًا يَدْخُلُ فِي الْمَكَايِيلِ ، كَالْأُوقِيَّةِ وَنَحْوِهَا ، فَلَا عِبْرَةَ بِهِ ؛ لِأَنَّ مِثْلَ ذَلِكَ يَجُوزُ أَنْ يَدْخُلَ فِي الْمَكَايِيلِ ، فَلَا يَنْضَبِطُ ، فَهُوَ كَنَقْصِ الْحَوْلِ سَاعَةً أَوْ سَاعَتَيْنِ .","part":5,"page":303},{"id":2303,"text":"( 1838 ) فَصْلٌ : وَلَا وَقَصَ فِي نِصَابِ الْحُبُوبِ وَالثِّمَارِ بَلْ مَهْمَا زَادَ عَلَى النِّصَابِ أَخْرَجَ مِنْهُ بِالْحِسَابِ ، فَيُخْرِجُ عُشْرَ جَمِيعِ مَا عِنْدَهُ .\rفَإِنَّهُ لَا ضَرَرَ فِي تَبْعِيضِهِ ، بِخِلَافِ الْمَاشِيَةِ ، فَإِنَّ فِيهَا ضَرَرًا ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ .","part":5,"page":304},{"id":2304,"text":"( 1839 ) فَصْلٌ : وَإِذَا وَجَبَ عَلَيْهِ عُشْرٌ مَرَّةً ، لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ عُشْرٌ آخَرُ ، وَإِنْ حَالَ عِنْدَهُ أَحْوَالًا ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَمْوَالَ غَيْرُ مُرْصَدَةٍ لِلنَّمَاءِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ ، بَلْ هِيَ إلَى النَّقْصِ أَقْرَبُ ، وَالزَّكَاةُ إنَّمَا تَجِبُ فِي الْأَشْيَاءِ النَّامِيَةِ ، لِيُخْرِجَ مِنْ النَّمَاءِ فَيَكُونَ أَسْهَلَ .\rفَإِنْ اشْتَرَى شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ لِلتِّجَارَةِ صَارَ عَرْضًا ، تَجِبُ فِيهِ زَكَاةُ التِّجَارَةِ إذَا حَالَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":5,"page":305},{"id":2305,"text":"( 1840 ) فَصْلٌ : وَوَقْتُ وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي الْحَبِّ إذَا اشْتَدَّ ، وَفِي الثَّمَرَةِ إذَا بَدَا صَلَاحُهَا .\rوَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى : تَجِبُ زَكَاةُ الْحَبِّ يَوْمَ حَصَادِهِ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ } وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ أَنَّهُ لَوْ تَصَرَّفَ فِي الثَّمَرَةِ أَوْ الْحَبِّ قَبْلَ الْوُجُوبِ ، لَا شَيْءَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ تَصَرَّفَ فِيهِ قَبْلَ الْوُجُوبِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَكَلَ السَّائِمَةَ أَوْ بَاعَهَا قَبْلَ الْحَوْلِ ، وَإِنْ تَصَرَّفَ فِيهَا بَعْدَ الْوُجُوبِ لَمْ تَسْقُطْ الزَّكَاةُ عَنْهُ ، كَمَا لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ فِي السَّائِمَةِ ، وَلَا يَسْتَقِرُّ الْوُجُوبُ عَلَى كِلَا الْقَوْلَيْنِ حَتَّى تَصِيرَ الثَّمَرَةُ فِي الْجَرِيبِ وَالزَّرْعُ فِي الْبَيْدَرِ وَلَوْ تَلِفَ قَبْلَ ذَلِكَ بِغَيْرِ إتْلَافِهِ أَوْ تَفْرِيطٍ مِنْهُ فِيهِ ، فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ .\rقَالَ أَحْمَدُ : إذَا خُرِصَ وَتُرِكَ فِي رُءُوسِ النَّخْلِ ، فَعَلَيْهِمْ حِفْظُهُ ، فَإِنْ أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ فَذَهَبَتْ الثَّمَرَةُ ، سَقَطَ عَنْهُمْ الْخَرْصُ ، وَلَمْ يُؤْخَذُوا بِهِ وَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ ، عَلَى أَنَّ الْخَارِصَ إذَا خَرَصَ الثَّمَرَةَ ، ثُمَّ أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ إذَا كَانَ قَبْلَ الْجِذَاذِ ، وَلِأَنَّهُ قَبْلَ الْجِذَاذِ فِي حُكْمِ مَا لَا تَثْبُتُ الْيَدُ عَلَيْهِ ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ اشْتَرَى ثَمَرَةً فَتَلِفَتْ بِجَائِحَةٍ رَجَعَ بِهَا عَلَى الْبَائِعِ ، وَإِنْ تَلِفَ بَعْضُ الثَّمَرَةِ ، فَقَالَ الْقَاضِي : إنْ كَانَ الْبَاقِي نِصَابًا فَفِيهِ الزَّكَاةُ ، وَإِلَّا فَلَا .\rوَهَذَا الْقَوْلُ يُوَافِقُ قَوْلَ مَنْ قَالَ : لَا تَجِبُ الزَّكَاةُ فِيهِ إلَّا يَوْمَ حَصَادِهِ ؛ لِأَنَّ وُجُوبَ النِّصَابِ شَرْطٌ فِي الْوُجُوبِ ، فَمَتَى لَمْ يُوجَدْ وَقْتُ الْوُجُوبِ لَمْ يَجِبْ .\rوَأَمَّا مَنْ قَالَ : إنَّ الْوُجُوبَ ثَبَتَ إذَا بَدَا الصَّلَاحُ وَاشْتَدَّ الْحَبُّ ، فَقِيَاسُ قَوْلِهِ : إنْ تَلِفَ الْبَعْضُ .\rإنْ كَانَ قَبْلَ الْوُجُوبِ ، فَهُوَ كَمَا قَالَ الْقَاضِي ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ ، وَجَبَ فِي الْبَاقِي","part":5,"page":306},{"id":2306,"text":"بِقَدْرِهِ ، سَوَاءٌ كَانَ نِصَابًا أَوْ لَمْ يَكُنْ نِصَابًا ؛ لِأَنَّ الْمُسْقِطَ اخْتَصَّ بِالْبَعْضِ ، فَاخْتَصَّ السُّقُوطُ بِهِ ، كَمَا لَوْ تَلِفَ بَعْضُ نِصَابِ السَّائِمَةِ بَعْدَ وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِيهَا .\rوَهَذَا فِيمَا إذَا تَلِفَ بِغَيْرِ تَفْرِيطِهِ وَعُدْوَانِهِ .\rفَأَمَّا إنْ أَتْلَفَهَا ، أَوْ تَلِفَتْ بِتَفْرِيطِهِ أَوْ عُدْوَانِهِ بَعْدَ الْوُجُوبِ ، لَمْ تَسْقُطْ عَنْهُ الزَّكَاةُ ، وَإِنْ كَانَ قَبْلَ الْوُجُوبِ ، سَقَطَتْ ، إلَّا أَنْ يَقْصِدَ بِذَلِكَ الْفِرَارَ مِنْ الزَّكَاةِ ، فَيَضْمَنُهَا ، وَلَا تَسْقُطُ عَنْهُ ، وَمَتَى ادَّعَى رَبُّ الْمَالِ تَلَفَهَا بِغَيْرِ تَفْرِيطِهِ ، قُبِلَ قَوْلُهُ مِنْ غَيْرِ يَمِينٍ ، سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ الْخَرْصِ أَوْ بَعْدَهُ ، وَيُقْبَلُ قَوْلُهُ أَيْضًا فِي قَدْرِهَا بِغَيْرِ يَمِينٍ ، وَكَذَلِكَ فِي سَائِرِ الدَّعَاوَى .\rقَالَ أَحْمَدُ : لَا يُسْتَحْلَفُ النَّاسُ عَلَى صَدَقَاتِهِمْ ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى ، فَلَا يُسْتَحْلَفُ فِيهِ ، كَالصَّلَاةِ وَالْحَدِّ .","part":5,"page":307},{"id":2307,"text":"( 1841 ) فَصْلٌ : وَإِنْ جَذَّهَا وَجَعَلَهَا فِي الْجَرِينِ ، أَوْ جَعَلَ الزَّرْعَ فِي الْبَيْدَرِ ، اسْتَقَرَّ وُجُوبُ الزَّكَاةِ عَلَيْهِ ، عِنْدَ مَنْ لَمْ يَرَ التَّمَكُّنَ مِنْ الْأَدَاءِ شَرْطًا فِي اسْتِقْرَارِ الْوُجُوبِ .\rفَإِنْ تَلِفَتْ بَعْدَ ذَلِكَ ، لَمْ تَسْقُطْ الزَّكَاةُ عَنْهُ ، وَعَلَيْهِ ضَمَانُهَا ، كَمَا لَوْ تَلِفَ نِصَابُ السَّائِمَةِ أَوْ الْأَثْمَانِ بَعْدَ الْحَوْلِ .\rوَعَلَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى ، فِي كَوْنِ التَّمَكُّنِ مِنْ الْأَدَاءِ مُعْتَبَرًا ، لَا يَسْتَقِرُّ الْوُجُوبُ فِيهَا حَتَّى تَجِفَّ الثَّمَرَةُ ، وَيُصَفَّى الْحَبُّ ، وَيَتَمَكَّنَ مِنْ أَدَاءِ حَقِّهِ ، فَلَا يَفْعَلُ ، وَإِنْ تَلِفَ قَبْلَ ذَلِكَ ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي غَيْرِ هَذَا .","part":5,"page":308},{"id":2308,"text":"( 1842 ) فَصْلٌ : وَيَصِحُّ تَصَرُّفُ الْمَالِكِ فِي النِّصَابِ قَبْلَ الْخَرْصِ ، وَبَعْدَهُ ، بِالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ وَغَيْرِهِمَا .\rفَإِنْ بَاعَهُ أَوْ وَهَبَهُ بَعْدَ بُدُوِّ صَلَاحِهِ ، فَصَدَقَتُهُ عَلَى الْبَائِعِ وَالْوَاهِبِ .\rوَبِهَذَا قَالَ الْحَسَنُ ، وَمَالِكٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَبِهِ قَالَ اللَّيْثُ ، إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهَا عَلَى الْمُبْتَاعِ ، وَإِنَّمَا وَجَبَتْ عَلَى الْبَائِعِ ؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ وَاجِبَةً عَلَيْهِ قَبْلَ الْبَيْعِ فَبَقِيَ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ ، وَعَلَيْهِ إخْرَاجُ الزَّكَاةِ مِنْ جِنْسِ الْمَبِيعِ وَالْمَوْهُوبِ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يُخْرِجَ ثَمَرًا أَوْ مِنْ الثَّمَنِ .\rقَالَ الْقَاضِي : وَالصَّحِيحُ أَنَّ عَلَيْهِ عُشْرَ الثَّمَرَةِ ؛ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ إخْرَاجُ الْقِيمَةِ فِي الزَّكَاةِ ، عَلَى صَحِيحِ الْمَذْهَبِ ، وَلِأَنَّ عَلَيْهِ الْقِيَامَ بِالثَّمَرَةِ حَتَّى يُؤَدِّيَ الْوَاجِبَ مِنْهَا ثَمَرًا ، فَلَا يَسْقُطُ ذَلِكَ عَنْهُ بِبَيْعِهَا وَلَا هِبَتِهَا .\rوَيَتَخَرَّجُ أَنْ تَجِبَ الزَّكَاةُ عَلَى الْمُشْتَرِي ، عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ : إنَّ الزَّكَاةَ إنَّمَا تَجِبُ يَوْمَ حَصَادِهِ ، لِأَنَّ الْوُجُوبَ إنَّمَا تَعَلَّقَ بِهَا فِي مِلْكِ الْمُشْتَرِي ، فَكَانَ عَلَيْهِ .\rوَلَوْ اشْتَرَى ثَمَرَةً قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا ، ثُمَّ بَدَا صَلَاحُهَا فِي يَدِ الْمُشْتَرِي عَلَى وَجْهٍ صَحِيحٍ ، مِثْلُ أَنْ يَشْتَرِيَ نَخْلَةً مُثْمِرَةً ، وَيَشْتَرِطَ ثَمَرَتَهَا ، أَوْ وُهِبَتْ لَهُ ثَمَرَةٌ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا ، فَبَدَا صَلَاحُهَا فِي يَدِ الْمُشْتَرِي أَوْ الْمُتَّهِبِ ، أَوْ وَصَّى لَهُ بِثَمَرَةٍ فَقَبِلَهَا بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي ، ثُمَّ بَدَا صَلَاحُهَا ، فَالصَّدَقَةُ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ سَبَبَ الْوُجُوبِ وُجِدَ فِي مِلْكِهِ ، فَكَانَ عَلَيْهِ ، كَمَا لَوْ اشْتَرَى سَائِمَةً أَوْ اتَّهَبَهَا ، فَحَالَ الْحَوْلُ عَلَيْهَا عِنْدَهُ .\rا هـ","part":5,"page":309},{"id":2309,"text":"( 1843 ) فَصْلٌ : وَإِذَا اشْتَرَى ثَمَرَةً قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا ، فَتَرَكَهَا حَتَّى بَدَا صَلَاحُهَا ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ شَرَطَ الْقَطْعَ ، فَالْبَيْعُ بَاطِلٌ ، وَهِيَ بَاقِيَةٌ عَلَى مِلْكِ الْبَائِعِ ، وَزَكَاتُهَا عَلَيْهِ ، وَإِنْ شَرَطَ الْقَطْعَ ، فَقَدْ رُوِيَ أَنَّ الْبَيْعَ بَاطِلٌ أَيْضًا ، وَيَكُونُ الْحُكْمُ فِيهَا كَمَا لَوْ لَمْ يَشْتَرِطْ الْقَطْعَ ، وَرُوِيَ أَنَّ الْبَيْعَ صَحِيحٌ ، وَيَشْتَرِكَانِ فِي الزِّيَادَةِ .\rفَعَلَى هَذَا يَكُونُ عَلَى الْمُشْتَرِي زَكَاةُ حِصَّتِهِ مِنْهَا إنْ بَلَغَتْ نِصَابًا ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْمُشْتَرِي مِنْ أَهْلِ الزَّكَاةِ ، كَالْمُكَاتَبِ وَالذِّمِّيِّ ، فَلَا زَكَاةَ فِيهَا ، وَإِنْ عَادَ الْبَائِعُ فَاشْتَرَاهَا بَعْدَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ أَوْ غَيْرِهِ ، فَلَا زَكَاةَ فِيهَا ، إلَّا أَنْ يَكُونَ قَصَدَ بِبَيْعِهَا الْفِرَارَ مِنْ الزَّكَاةِ ، فَلَا تَسْقُطُ .","part":5,"page":310},{"id":2310,"text":"( 1844 ) فَصْلٌ : وَإِنْ تَلِفَتْ الثَّمَرَةُ قَبْلَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ ، أَوْ الزَّرْعُ قَبْلَ اشْتِدَادِ الْحَبِّ ، فَلَا زَكَاةَ فِيهِ .\rوَكَذَلِكَ إنَّ أَتْلَفَهُ الْمَالِكُ ، إلَّا أَنْ يَقْصِدَ الْفِرَارَ مِنْ الزَّكَاةِ ، وَسَوَاءٌ قَطَعَهَا لِلْأَكْلِ ، أَوْ لِلتَّخْفِيفِ عَنْ النَّخِيلِ لِتَحْسِينِ بَقِيَّةِ الثَّمَرَةِ ، أَوْ حِفْظِ الْأَمْوَالِ إذَا خَافَ عَلَيْهَا الْعَطَشَ أَوْ ضَعْفَ الْجِمَارِ ، فَقَطَعَ الثَّمَرَةَ أَوْ بَعْضَهَا ، بِحَيْثُ نَقَصَ النِّصَابُ ، أَوْ قَطَعَهَا لِغَيْرِ غَرَضٍ ، فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهَا تَلِفَتْ قَبْلَ وُجُوبِ الزَّكَاةِ ، وَتَعَلُّقِ حَقِّ الْفُقَرَاءِ بِهَا ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ هَلَكَتْ السَّائِمَةُ قَبْلَ الْحَوْلِ ، وَإِنْ قَصَدَ بِقَطْعِهَا الْفِرَارَ مِنْ الزَّكَاةِ ، لَمْ تَسْقُطْ عَنْهُ ؛ لِأَنَّهُ قَصَدَ قَطْعَ حَقِّ مَنْ انْعَقَدَ سَبَبُ اسْتِحْقَاقِهِ ، فَلَمْ تَسْقُطْ ، كَمَا لَوْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ .","part":5,"page":311},{"id":2311,"text":"( 1845 ) فَصْلٌ : وَيَنْبَغِي أَنْ يَبْعَثَ الْإِمَامُ سَاعِيَهُ إذَا بَدَا صَلَاحُ الثِّمَارِ ، لِيَخْرُصَهَا ، وَيَعْرِفَ قَدْرَ الزَّكَاةِ وَيُعَرِّفَ الْمَالِكَ ذَلِكَ .\rوَمِمَّنْ كَانَ يَرَى الْخَرْصَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ، وَسَهْلُ بْنُ أَبِي حَثْمَةَ ، وَمَرْوَانُ ، وَالْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، وَالْحَسَنُ ، وَعَطَاءٌ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ ، وَعَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ أَبِي الْمُخَارِقِ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rوَحُكِيَ عَنْ الشَّعْبِيِّ أَنَّ الْخَرْصَ بِدْعَةٌ .\rوَقَالَ أَهْلُ الرَّأْيِ : الْخَرْصُ ظَنٌّ وَتَخْمِينٌ ، لَا يَلْزَمُ بِهِ حُكْمٌ ، وَإِنَّمَا كَانَ الْخَرْصُ تَخْوِيفًا لِلْأَكَرَةِ لِئَلَّا يَخُونُوا ، فَأَمَّا أَنْ يَلْزَمَ بِهِ حُكْمٌ ، فَلَا .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى الزُّهْرِيُّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، عَنْ عَتَّابِ بْنِ أَسِيدٍ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَبْعَثُ عَلَى النَّاسِ مَنْ يَخْرُصُ عَلَيْهِمْ كُرُومَهُمْ وَثِمَارَهُمْ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَالتِّرْمِذِيُّ .\rوَفِي لَفْظٍ عَنْ عَتَّابٍ ، قَالَ : { أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُخْرَصَ الْعِنَبُ ، كَمَا يُخْرَصُ النَّخْلُ ، وَتُؤْخَذَ زَكَاتُهُ زَبِيبًا ، كَمَا تُؤْخَذُ زَكَاةُ النَّخْلِ تَمْرًا } .\rوَقَدْ عَمِلَ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَخَرَصَ عَلَى امْرَأَةٍ بِوَادِي الْقُرَى حَدِيقَةً لَهَا ، وَرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي \" مُسْنَدِهِ \" .\rوَعَمِلَ بِهِ أَبُو بَكْرٍ بَعْدَهُ وَالْخُلَفَاءُ .\rوَقَالَتْ عَائِشَةُ ، وَهِيَ تَذْكُرُ شَأْنَ خَيْبَرَ : { كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَبْعَثُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ إلَى يَهُودَ ، فَيَخْرُصُ عَلَيْهِمْ النَّخْلَ حِينَ يَطِيبُ قَبْلَ أَنْ يُؤْكَلَ مِنْهُ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَقَوْلُهُمْ : هُوَ ظَنٌّ .\rقُلْنَا : بَلْ هُوَ اجْتِهَادٌ فِي مَعْرِفَةِ قَدْرِ الثَّمَرِ وَإِدْرَاكِهِ بِالْخَرْصِ ، الَّذِي هُوَ نَوْعٌ مِنْ الْمَقَادِيرِ وَالْمَعَايِيرِ ، فَهُوَ كَتَقْوِيمِ","part":5,"page":312},{"id":2312,"text":"الْمُتْلَفَاتِ .\rوَوَقْتُ الْخَرْصِ حِينَ يَبْدُو صَلَاحُهُ ، لِقَوْلِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا يَبْعَثُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ ، فَيَخْرُصُ عَلَيْهِمْ النَّخْلَ حِينَ يَطِيبُ ، قَبْلَ أَنْ يُؤْكَلَ مِنْهُ .\rوَلِأَنَّ فَائِدَةَ الْخَرْصِ مَعْرِفَةُ الزَّكَاةِ ، وَإِطْلَاقُ أَرْبَابِ الثِّمَارِ فِي التَّصَرُّفِ فِيهَا ، وَالْحَاجَةُ إنَّمَا تَدْعُو إلَى ذَلِكَ حِينَ يَبْدُو الصَّلَاحُ ، وَتَجِبُ الزَّكَاةُ","part":5,"page":313},{"id":2313,"text":"( 1846 ) فَصْلٌ : وَيُجْزِئُ خَارِصٌ وَاحِدٌ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَبْعَثُ ابْنَ رَوَاحَةَ ، فَيَخْرُصُ ، وَلَمْ يَذْكُرْ مَعَهُ غَيْرَهُ ، وَلِأَنَّ الْخَارِصَ يَفْعَلُ مَا يُؤَدِّيهِ اجْتِهَادُهُ إلَيْهِ ، فَهُوَ كَالْحَاكِمِ وَالْقَائِفِ ، وَيُعْتَبَرُ فِي الْخَارِصِ أَنْ يَكُونَ أَمِينًا غَيْرَ مُتَّهَمٍ .","part":5,"page":314},{"id":2314,"text":"( 1847 ) فَصْلٌ : وَصِفَةُ الْخَرْصِ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الثَّمَرَةِ ، فَإِنْ كَانَ نَوْعًا وَاحِدًا ، فَإِنَّهُ يُطِيفُ بِكُلِّ نَخْلَةٍ أَوْ شَجَرَةٍ ، وَيَنْظُرُ كَمْ فِي الْجَمِيعِ رُطَبًا أَوْ عِنَبًا ، ثُمَّ يُقَدِّرُ مَا يَجِيءُ مِنْهَا تَمْرًا ، وَإِنْ كَانَ أَنْوَاعًا خَرَصَ كُلَّ نَوْعٍ عَلَى حِدَتِهِ ؛ لِأَنَّ الْأَنْوَاعَ تَخْتَلِفُ ، فَمِنْهَا مَا يَكْثُرُ رُطَبُهُ وَيَقِلُّ تَمْرُهُ ، وَمِنْهَا مَا يَكُونُ بِالْعَكْسِ ، وَهَكَذَا الْعِنَبُ ، وَلِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى مَعْرِفَةِ قَدْرِ كُلِّ نَوْعٍ ، حَتَّى يُخْرِجَ عُشْرَهُ ، فَإِذَا خَرَصَ عَلَى الْمَالِكِ ، وَعَرَّفَهُ قَدْرَ الزَّكَاةِ ، خَيَّرَهُ بَيْنَ أَنْ يَضْمَنَ قَدْرَ الزَّكَاةِ ، وَيَتَصَرَّفَ فِيهَا بِمَا شَاءَ مِنْ أَكْلٍ وَغَيْرِهِ ، وَبَيْنَ حِفْظِهَا إلَى وَقْتِ الْجَدَادِ وَالْجَفَافِ ، فَإِنْ اخْتَارَ حِفْظَهَا ثُمَّ أَتْلَفَهَا أَوْ تَلِفَتْ بِتَفْرِيطِهِ ، فَعَلَيْهِ ضَمَانُ نَصِيبِ الْفُقَرَاءِ بِالْخَرْصِ ، وَإِنْ أَتْلَفَهَا أَجْنَبِيٌّ ، فَعَلَيْهِ قِيمَةُ مَا أَتْلَفَ .\rوَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ رَبَّ الْمَالِ وَجَبَ عَلَيْهِ تَجْفِيفُ هَذَا الرُّطَبِ ، بِخِلَافِ الْأَجْنَبِيِّ ، وَلِهَذَا قُلْنَا فِي مَنْ أَتْلَفَ أُضْحِيَّتَهُ الْمُتَعَيِّنَةَ : عَلَيْهِ أُضْحِيَّةٌ مَكَانَهَا .\rوَإِنْ أَتْلَفَهَا أَجْنَبِيٌّ فَعَلَيْهِ قِيمَتُهَا .\rوَإِنْ تَلِفَتْ بِجَائِحَةٍ مِنْ السَّمَاءِ ، سَقَطَ عَنْهُمْ الْخَرْصُ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ؛ لِأَنَّهَا تَلِفَتْ قَبْلَ اسْتِقْرَارِ زَكَاتِهَا ، وَإِنْ ادَّعَى تَلَفَهَا بِغَيْرِ تَفْرِيطِهِ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ بِغَيْرِ يَمِينٍ ، كَمَا تَقَدَّمَ ، وَإِنْ حَفِظَهَا إلَى وَقْتِ الْإِخْرَاجِ ، فَعَلَيْهِ زَكَاةُ الْمَوْجُودِ لَا غَيْرُ ، سَوَاءٌ اخْتَارَ الضَّمَانَ ، أَوْ حَفِظَهَا عَلَى سَبِيلِ الْأَمَانَةِ ، وَسَوَاءٌ كَانَتْ أَكْثَرَ مِمَّا خَرَصَهُ الْخَارِصُ أَوْ أَقَلَّ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : يَلْزَمُهُ مَا قَالَ الْخَارِصُ ، زَادَ أَوْ نَقَصَ ، إذَا كَانَتْ الزَّكَاةُ مُتَقَارِبَةً ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ انْتَقَلَ إلَى مَا قَالَ السَّاعِي ، بِدَلِيلِ وُجُوبِ مَا قَالَ عِنْدَ تَلَفِ الْمَالِ .","part":5,"page":315},{"id":2315,"text":"وَلَنَا ، أَنَّ الزَّكَاةَ أَمَانَةٌ ، فَلَا تَصِيرُ مَضْمُونَةً بِالشَّرْطِ كَالْوَدِيعَةِ ، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْحُكْمَ انْتَقَلَ إلَى مَا قَالَ السَّاعِي ، وَإِنَّمَا يُعْمَلُ بِقَوْلِهِ إذَا تَصَرَّفَ فِي الثَّمَرَةِ ، وَلَمْ يَعْلَمْ قَدْرَهَا ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ إصَابَتُهُ .\rقَالَ أَحْمَدُ : إذَا خَرَصَ عَلَى الرَّجُلِ ، فَإِذَا فِيهِ فَضْلٌ كَثِيرٌ ، مِثْلُ الضَّعْفِ ، تَصَدَّقَ بِالْفَضْلِ ؛ لِأَنَّهُ يَخْرُصُ بِالسَّوِيَّةِ .\rوَهَذِهِ الرِّوَايَةُ تَدُلُّ عَلَى مِثْلِ قَوْلِ مَالِكٍ .\rوَقَالَ : إذَا تَجَافَى السُّلْطَانُ عَنْ شَيْءٍ مِنْ الْعُشْرِ ، يُخْرِجُهُ فَيُؤَدِّيهِ .\rوَقَالَ : إذَا حَطَّ مِنْ الْخَرْصِ عَنْ الْأَرْضِ ، يَتَصَدَّقُ بِقَدْرِ مَا نَقَصُوهُ مِنْ الْخَرْصِ .\rوَإِنْ أَخَذَ مِنْهُمْ أَكْثَرَ مِنْ الْوَاجِبِ عَلَيْهِمْ ، فَقَالَ أَحْمَدُ : يُحْتَسَبُ لَهُمْ مِنْ الزَّكَاةِ لِسَنَةٍ أُخْرَى وَنَقَلَ عَنْهُ أَبُو دَاوُد لَا يُحْتَسَبُ بِالزِّيَادَةِ لِأَنَّ هَذَا غَاصِبٌ .\rوَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : وَبِهَذَا أَقُولُ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ ، فَيُحْتَسَبُ بِهِ إذَا نَوَى صَاحِبُهُ بِهِ التَّعْجِيلَ ، وَلَا يُحْتَسَبُ بِهِ إذَا لَمْ يَنْوِ ذَلِكَ .","part":5,"page":316},{"id":2316,"text":"فَصْلٌ وَإِنْ ادَّعَى رَبُّ الْمَالِ غَلَطَ الْخَارِصِ وَكَانَ مَا ادَّعَاهُ مُحْتَمَلًا ، قُبِلَ قَوْلُهُ بِغَيْرِ يَمِينٍ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُحْتَمَلًا ، مِثْلُ أَنْ يَدَّعِيَ غَلَطَ النِّصْفِ وَنَحْوِهِ ، لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْتَمِلُ ، فَيُعْلَمُ كَذِبُهُ .\rوَإِنْ قَالَ : لَمْ يَحْصُلْ فِي يَدَيَّ غَيْرُ هَذَا .\rقُبِلَ مِنْهُ بِغَيْرِ يَمِينٍ لِأَنَّهُ قَدْ يَتْلَفُ بَعْضُهَا بِآفَةٍ لَا نَعْلَمُهَا .","part":5,"page":317},{"id":2317,"text":"( 1849 ) فَصْلٌ : وَعَلَى الْخَارِصِ أَنْ يَتْرُكَ فِي الْخَرْصِ الثُّلُثَ أَوْ الرُّبْعَ ، تَوْسِعَةً عَلَى أَرْبَابِ الْأَمْوَالِ ؛ لِأَنَّهُمْ يَحْتَاجُونَ إلَى الْأَكْلِ هُمْ وَأَضْيَافُهُمْ ، وَيُطْعِمُونَ جِيرَانَهُمْ وَأَهْلَهُمْ وَأَصْدِقَاءَهُمْ وَسُؤَّالَهُمْ .\rوَيَكُونُ فِي الثَّمَرَةِ السُّقَاطَةُ ، وَيَنْتَابُهَا الطَّيْرُ وَتَأْكُلُ مِنْهُ الْمَارَّةُ ، فَلَوْ اسْتَوْفَى الْكُلَّ مِنْهُمْ أَضَرَّ بِهِمْ .\rوَبِهَذَا قَالَ إِسْحَاقُ ، وَنَحْوُهُ قَالَ اللَّيْثُ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ .\rوَالْمَرْجِعُ فِي تَقْدِيرِ الْمَتْرُوكِ إلَى السَّاعِي بِاجْتِهَادِهِ ، فَإِنْ رَأْي الْأَكَلَةَ كَثِيرًا تَرَكَ الثُّلُثَ ، وَإِنْ كَانُوا قَلِيلًا تَرَكَ الرُّبْعَ ؛ لِمَا رَوَى سَهْلُ بْنُ أَبِي حَثْمَةَ { ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ : إذَا خَرَصْتُمْ فَخُذُوا وَدَعُوا الثُّلُثَ ، فَإِنْ لَمْ تَدَعُوا الثُّلُثَ فَدَعُوا الرُّبْعُ } .\rرَوَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ ، وَأَبُو دَاوُد ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَالتِّرْمِذِيُّ .\rوَرَوَى أَبُو عُبَيْدٍ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ مَكْحُولٍ ، قَالَ { : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا بَعَثَ الْخُرَّاصَ قَالَ : خَفِّفُوا عَلَى النَّاسِ ، فَإِنَّ فِي الْمَالِ الْعَرِيَّةَ وَالْوَاطِئَةَ وَالْأَكَلَةَ } .\rقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : الْوَاطِئَةُ : السَّابِلَةُ سُمُّوا بِذَلِكَ لِوَطْئِهِمْ بِلَادَ الثِّمَارِ مُجْتَازِينَ .\rوَالْأَكَلَةُ : أَرْبَابُ الثِّمَارِ وَأَهْلُوهُمْ ، وَمَنْ لَصِقَ بِهِمْ .\rوَمِنْهُ حَدِيثُ سَهْلٍ فِي مَالِ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَعْدٍ ، حِينَ قَالَ : لَوْلَا أَنِّي وَجَدْت فِيهِ أَرْبَعِينَ عَرِيشًا ، لَخَرَصْته تِسْعَمِائَةِ وَسْقٍ ، وَكَانَتْ تِلْكَ الْعُرُشُ لِهَؤُلَاءِ الْأَكَلَةِ .\rوَالْعَرِيَّةُ : النَّخْلَةُ أَوْ النَّخَلَاتُ يَهَبُ إنْسَانًا ثَمَرَتَهَا .\rفَجَاءَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ { : لَيْسَ فِي الْعَرَايَا صَدَقَةٌ } .\rوَرَوَى ابْنُ الْمُنْذِرِ ، عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ لِسَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ : إذَا أَتَيْت عَلَى نَخْلٍ قَدْ حَضَرَهَا قَوْمٌ ، فَدَعْ لَهُمْ مَا يَأْكُلُونَ .","part":5,"page":318},{"id":2318,"text":"وَالْحُكْمُ فِي الْعِنَبِ كَالْحُكْمِ فِي النَّخِيلِ سَوَاءٌ ، فَإِنْ لَمْ يَتْرُكْ لَهُمْ الْخَارِصُ شَيْئًا ، فَلَهُمْ الْأَكْلُ بِقَدْرِ ذَلِكَ ، وَلَا يُحْتَسَبُ عَلَيْهِمْ بِهِ .\rنَصَّ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ لَهُمْ ، فَإِنْ لَمْ يُخْرِجْ الْإِمَامُ خَارِصًا فَاحْتَاجَ رَبُّ الْمَالِ إلَى التَّصَرُّفِ فِي الثَّمَرَةِ ، فَأَخْرَجَ خَارِصًا ، جَازَ أَنْ يَأْخُذَ بِقَدْرِ ذَلِكَ .\rذَكَرَهُ الْقَاضِي .\rوَإِنْ خَرَصَ هُوَ وَأَخَذَ بِقَدْرِ ذَلِكَ ، جَازَ وَيَحْتَاطُ فِي أَنْ لَا يَأْخُذَ أَكْثَرَ مِمَّا لَهُ أَخْذُهُ .","part":5,"page":319},{"id":2319,"text":"( 1850 ) فَصْلٌ : وَيُخْرَصُ النَّخْلُ وَالْكَرْمُ ؛ لِمَا رَوَيْنَا مِنْ الْأَثَرِ فِيهِمَا ، وَلَمْ يُسْمَعْ بِالْخَرْصِ فِي غَيْرِهِمَا ، فَلَا يُخْرَصُ الزَّرْعُ فِي سُنْبُلِهِ .\rوَبِهَذَا قَالَ عَطَاءٌ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَمَالِكٌ ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ لَمْ يَرِدْ بِالْخَرْصِ فِيهِ ، وَلَا هُوَ فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ ، لِأَنَّ ثَمَرَةَ النَّخْلِ وَالْكَرْمِ تُؤْكَلُ رُطَبًا ، فَيُخْرَصُ عَلَى أَهْلِهِ لِلتَّوْسِعَةِ عَلَيْهِمْ ، لِيُخَلِّيَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ أَكْلِ الثَّمَرَةِ وَالتَّصَرُّفِ فِيهَا ، ثُمَّ يُؤَدُّونَ الزَّكَاةَ مِنْهَا عَلَى مَا خُرِصَ ، وَلِأَنَّ ثَمَرَةَ الْكَرْمِ وَالنَّخْلِ ظَاهِرَةٌ مُجْتَمِعَةٌ ، فَخَرْصُهَا أَسْهَلُ مِنْ خَرْصِ غَيْرِهَا ، وَمَا عَدَاهُمَا فَلَا يُخْرَصُ .\rوَإِنَّمَا عَلَى أَهْلِهِ فِيهِ الْأَمَانَةُ إذَا صَارَ مُصَفًّى يَابِسًا ، وَلَا بَأْسَ أَنْ يَأْكُلُوا مِنْهُ مَا جَرَتْ الْعَادَةُ بِأَكْلِهِ ، وَلَا يُحْتَسَبُ عَلَيْهِمْ .\rوَسُئِلَ أَحْمَدُ عَمَّا يَأْكُلُ أَرْبَابُ الزُّرُوعِ مِنْ الْفَرِيكِ ؟ قَالَ : لَا بَأْسَ بِهِ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ صَاحِبُهُ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ .\rوَذَلِكَ لِأَنَّ الْعَادَةَ جَارِيَةٌ بِهِ ، فَأَشْبَهَ مَا يَأْكُلُهُ أَرْبَابُ الثِّمَارِ مِنْ ثِمَارِهِمْ ، فَإِذَا صُفِّيَ الْحَبُّ أَخْرَجَ زَكَاةَ الْمَوْجُودِ كُلِّهِ ، وَلَمْ يُتْرَكْ مِنْهُ شَيْءٌ ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا تُرِك لَهُمْ فِي الثَّمَرَةِ شَيْءٌ لِكَوْنِ النُّفُوسِ تَتُوقُ إلَى أَكْلِهَا رَطْبَةً ، وَالْعَادَةُ جَارِيَةٌ بِهِ ، وَفِي الزَّرْعِ إنَّمَا يُؤْكَلُ شَيْءٌ يَسِيرٌ ، لَا وَقْعَ لَهُ .","part":5,"page":320},{"id":2320,"text":"( 1851 ) فَصْلٌ : وَلَا يُخْرَصُ الزَّيْتُونُ ، وَلَا غَيْرُ النَّخْلَ وَالْكَرْمِ ؛ لِأَنَّ حَبَّهُ مُتَفَرِّقٌ فِي شَجَرِهِ ، مَسْتُورٌ بِوَرَقِهِ ، وَلَا حَاجَةَ بِأَهْلِهِ إلَى أَكْلِهِ ، بِخِلَافِ النَّخْلِ وَالْكَرْمِ ، فَإِنَّ ثَمَرَةَ النَّخْلِ مُجْتَمِعَةٌ فِي عُذُوقِهِ ، وَالْعِنَبِ فِي عَنَاقِيدِهِ ، فَيُمْكِنُ أَنْ يَأْتِيَ الْخَرْصُ عَلَيْهِ ، وَالْحَاجَةُ دَاعِيَةٌ إلَى أَكْلِهِمَا فِي حَالِ رُطُوبَتِهِمَا .\rوَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ .\rوَقَالَ الزُّهْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَاللَّيْثُ : يُخْرَصُ ؛ لِأَنَّهُ ثَمَرٌ تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ ، فَيُخْرَصُ كَالرُّطَبِ وَالْعِنَبِ .\rوَلَنَا : أَنَّهُ لَا نَصَّ فِي خَرْصِهِ ، وَلَا هُوَ فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ ، فَيَبْقَى عَلَى الْأَصْلِ .","part":5,"page":321},{"id":2321,"text":"( 1852 ) فَصْلٌ : وَوَقْتُ الْإِخْرَاجِ لِلزَّكَاةِ بَعْدَ التَّصْفِيَةِ فِي الْحُبُوبِ وَالْجَفَافِ فِي الثِّمَارِ ؛ لِأَنَّهُ أَوَانُ الْكَمَالِ وَحَالُ الِادِّخَارِ .\rوَالْمُؤْنَةُ الَّتِي تَلْزَمُ الثَّمَرَةَ إلَى حِينِ الْإِخْرَاجِ عَلَى رَبِّ الْمَالِ ؛ لِأَنَّ الثَّمَرَةَ كَالْمَاشِيَةِ ، وَمُؤْنَةُ الْمَاشِيَةِ وَحِفْظُهَا وَرَعْيُهَا ، وَالْقِيَامُ عَلَيْهَا إلَى حِينَ الْإِخْرَاجِ ، عَلَى رَبِّهَا ، كَذَا هَاهُنَا .\rفَإِنْ أَخَذَ السَّاعِي الزَّكَاةَ قَبْلَ التَّجْفِيفِ ، فَقَدْ أَسَاءَ ، وَيَرُدُّهُ إنْ كَانَ رَطْبًا بِحَالِهِ ، وَإِنْ تَلِفَ رَدَّ مِثْلَهُ ، وَإِنْ جَفَّفَهُ وَكَانَ قَدْرَ الزَّكَاةِ ، فَقَدْ اسْتَوْفَى الْوَاجِبَ ، وَإِنْ كَانَ دُونَهُ أَخَذَ الْبَاقِيَ ، وَإِنْ كَانَ زَائِدًا رَدَّ الْفَضْلَ .\rوَإِنْ كَانَ الْمُخْرِجُ لَهَا رَبَّ الْمَالِ ، لَمْ يُجْزِئْهُ ، وَلَزِمَهُ إخْرَاجُ الْفَضْلِ بَعْدَ التَّجْفِيفِ ؛ لِأَنَّهُ أَخْرَجَ غَيْرَ الْفَرْضِ ، فَلَمْ يُجْزِئْهُ ، كَمَا لَوْ أَخْرَجَ الصَّغِيرَةَ مِنْ الْمَاشِيَةِ عَنْ الْكِبَارِ .","part":5,"page":322},{"id":2322,"text":"( 1853 ) فَصْلٌ : وَإِنْ اُحْتِيجَ إلَى قَطْعِ الثَّمَرَةِ قَبْلَ كَمَالِهَا ، خَوْفًا مِنْ الْعَطَشِ ، أَوْ لِضَعْفِ الْجِمَارِ ، جَازَ قَطْعُهَا ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْفُقَرَاءِ إنَّمَا يَجِبُ عَلَى طَرِيقِ الْمُوَاسَاةِ ، فَلَا يُكَلَّفُ الْإِنْسَانُ مِنْ ذَلِكَ مَا يُهْلِكُ أَصْلَ مَالِهِ ، وَلِأَنَّ حِفْظَ الْأَصْلِ أَحْفَظُ لِلْفُقَرَاءِ مِنْ حِفْظِ الثَّمَرَةِ ، لِأَنَّ حَقَّهُمْ يَتَكَرَّرُ بِحِفْظِهَا فِي كُلِّ سَنَةٍ ، فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي النَّخْلِ .\rثُمَّ إنْ كَانَ يَكْفِي تَجْفِيفُ الثَّمَرَةِ دُونَ قَطْعِ جَمِيعِهَا ، جَفَّفَهَا ، وَإِنْ لَمْ يَكْفِ إلَّا قَطْعُ جَمِيعِهَا ، جَازَ .\rوَكَذَلِكَ إنْ أَرَادَ قَطْعَ الثَّمَرَةَ لِتَحْسِينِ الْبَاقِي مِنْهَا جَازَ .\rوَإِذَا أَرَادَ ذَلِكَ ، فَقَالَ الْقَاضِي : يُخَيَّرُ السَّاعِي بَيْنَ أَنْ يُقَاسِمَ رَبَّ الْمَالِ الثَّمَرَةَ قَبْلَ الْجَدَادِ بِالْخَرْصِ ، وَيَأْخُذَ نَصِيبَهُمْ نَخْلَةً مُفْرَدَةً ، وَيَأْخُذَ ثَمَرَتَهَا ، وَبَيْنَ أَنْ يَجُذَّهَا ، وَيُقَاسِمَهُ إيَّاهَا بِالْكَيْلِ ، وَيَقْسِمَ الثَّمَرَةَ فِي الْفُقَرَاءِ ، وَبَيْنَ أَنْ يَبِيعَهَا مِنْ رَبِّ الْمَالِ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ قَبْلَ الْجَدَادِ أَوْ بَعْدَهُ ، وَيَقْسِمَ ثَمَنَهَا فِي الْفُقَرَاءِ .\rوَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : عَلَيْهِ الزَّكَاةُ فِيهِ يَابِسًا .\rوَذَكَرَ أَنَّ أَحْمَدَ نَصَّ عَلَيْهِ .\rوَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي الْعِنَبِ الَّذِي لَا يَجِيءُ مِنْهُ زَبِيبٌ ، كَالْخَمْرِيِّ ، وَالرُّطَبِ الَّذِي لَا يَجِيءُ مِنْهُ تَمْرٌ جَيِّد ، كالبرنبا والهلياث .\rفَإِنْ قِيلَ : فَهَلَّا قُلْتُمْ لَا زَكَاةَ فِيهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُدَّخَرُ ، فَهُوَ كَالْخَضْرَاوَاتِ ، وَطَلْعِ الْفُحَّالِ .\rقُلْنَا : لِأَنَّهُ يُدَّخَرُ فِي الْجُمْلَةِ ، وَإِنَّمَا لَمْ يُدَّخَرْ هَاهُنَا ، لِأَنَّ أَخْذَهُ رُطَبًا أَنْفَعُ ، فَلَمْ تَسْقُطْ مِنْهُ الزَّكَاةُ بِذَلِكَ ، وَلَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ حَتَّى يَبْلُغَ حَدًّا يَكُونُ مِنْهُ خَمْسَةُ أَوْسُقٍ تَمْرًا أَوْ زَبِيبًا ، إلَّا عَلَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى .\rوَإِذَا أَتْلَفَ رَبُّ الْمَالِ هَذِهِ الثَّمَرَةَ ، فَقَالَ الْقَاضِي : عَلَيْهِ قِيمَتُهَا ، كَمَا لَوْ أَتْلَفَهَا غَيْرُ رَبِّ الْمَالِ .\rوَعَلَى","part":5,"page":323},{"id":2323,"text":"قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ : يَجِبُ فِي ذِمَّتِهِ الْعُشْرُ تَمْرًا ، أَوْ زَبِيبًا ، كَمَا فِي غَيْرِ هَذِهِ الثَّمَرَةِ .\rقَالَ : فَإِنْ لَمْ يَجُدَّ التَّمْرَ ، فَفِيهِ قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا ، يُؤْخَذُ مِنْهُ قِيمَتُهُ .\rوَالثَّانِي : يَكُونُ فِي ذِمَّتِهِ ، وَعَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ بِهِ .","part":5,"page":324},{"id":2324,"text":"( 1854 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا كَيْفِيَّةُ الْإِخْرَاجِ ، فَإِنْ كَانَ الْمَالُ الَّذِي فِيهِ الزَّكَاةُ نَوْعًا وَاحِدًا ، أَخَذَ مِنْهُ جَيِّدًا كَانَ أَوْ رَدِيئًا ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْفُقَرَاءِ يَجِبُ عَلَى طَرِيقِ الْمُوَاسَاةِ ، فَهُمْ بِمَنْزِلَةِ الشُّرَكَاءِ ، لَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا .\rوَإِنْ كَانَ أَنْوَاعًا ، أَخَذَ مِنْ كُلِّ نَوْعٍ مَا يَخُصُّهُ .\rهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rوَقَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ : يُؤْخَذُ مِنْ الْوَسَطِ .\rوَكَذَلِكَ قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ ، إذَا شَقَّ عَلَيْهِ إخْرَاجُ زَكَاةِ كُلِّ نَوْعٍ مِنْهُ .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : وَقَالَ غَيْرُهُمَا : يُؤْخَذُ عُشْرُ ذَلِكَ مِنْ كُلٍّ بِقَدْرِهِ .\rوَهُوَ أَوْلَى ؛ لِأَنَّ الْفُقَرَاءَ بِمَنْزِلَةِ الشُّرَكَاءِ ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَتَسَاوَوْا فِي كُلِّ نَوْعٍ مِنْهُ ، وَلَا مَشَقَّةَ فِي ذَلِكَ ، بِخِلَافِ الْمَاشِيَةِ إذَا كَانَتْ أَنْوَاعًا ، فَإِنَّ إخْرَاجَ حِصَّةِ كُلِّ نَوْعٍ مِنْهُ يُفْضِي إلَى تَشْقِيصِ الْوَاجِبِ ، وَفِيهِ مَشَقَّةٌ بِخِلَافِ الثِّمَارِ ، وَلِهَذَا وَجَبَ فِي الزَّائِدِ بِحِسَابِهِ ، وَلَا يَجُوزُ إخْرَاجُ الرَّدِيءِ ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { { وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ } قَالَ أَبُو أُمَامَةَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ : هُوَ الْجُعْرُورُ وَلَوْنُ الْحُبَيْقِ ، فَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُؤْخَذَ فِي الصَّدَقَةِ } رَوَاهُ النَّسَائِيّ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ .\rقَالَ : وَهُمَا ضَرْبَانِ مِنْ التَّمْرِ .\rأَحَدُهُمَا إنَّمَا يَصِيرُ قِشْرًا عَلَى نَوَى ، وَالْآخَرُ إذَا أَثْمَرَ صَارَ حَشَفًا .\rوَلَا يَجُوزُ أَخْذُ الْجَيِّدِ عَنْ الرَّدِيءِ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ } .\rفَإِنْ تَطَوَّعَ رَبُّ الْمَالِ بِذَلِكَ ، جَازَ ، وَلَهُ ثَوَابُ الْفَضْلِ ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي فَضْلِ الْمَاشِيَةِ .","part":5,"page":325},{"id":2325,"text":"( 1855 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا الزَّيْتُونُ ، فَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا زَيْتَ لَهُ ، فَإِنَّهُ يُخْرِجُ مِنْهُ عُشْرَهُ حَبًّا ، إذَا بَلَغَ النِّصَابَ ، لِأَنَّهُ حَالَ كَمَالِهِ وَادِّخَارِهِ يُخْرِجُ مِنْهُ ، كَمَا يَخْرُصُ الرُّطَبَ فِي حَالِ رُطُوبَتِهِ ، وَإِنْ كَانَ لَهُ زَيْتٌ أَخْرَجَ مِنْهُ زَيْتًا ، إذَا بَلَغَ الْحَبُّ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ .\rوَهَذَا قَوْلُ الزُّهْرِيِّ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَمَالِكٍ ، وَاللَّيْثِ .\rقَالُوا : يُخْرَصُ الزَّيْتُونُ ، وَيُؤْخَذُ زَيْتًا صَافِيًا .\rوَقَالَ مَالِكٌ : إذَا بَلَغَ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ أَخَذَ الْعُشْرَ مِنْ زَيْتِهِ بَعْدَ أَنْ يُعْصَرَ .\rوَقَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ : يُخْرِجُ مِنْ حَبِّهِ كَسَائِرِ الثِّمَارِ ، وَلِأَنَّهُ الْحَالَةُ الَّتِي تُعْتَبَرُ فِيهَا الْأَوْسَاقُ ، فَكَانَ إخْرَاجُهُ فِيهَا كَسَائِرِ الثِّمَارِ .\rوَهَذَا جَائِزٌ ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى ؛ لِأَنَّهُ يَكْفِي الْفُقَرَاءَ مُؤْنَتَهُ ، فَيَكُونُ أَفْضَلِ ، كَتَجْفِيفِ التَّمْرِ ، وَلِأَنَّهُ حَالُ كَمَالِهِ وَادِّخَارِهِ ، فَيُخْرِجُ مِنْهُ ، كَمَا يَخْرُصُ الرُّطَبَ فِي حَالِ رُطُوبَتِهِ ، وَيُخْرِجُ مِنْهُ إذَا يَبِسَ .","part":5,"page":326},{"id":2326,"text":"( 1856 ) فَصْلٌ : وَمَذْهَبُ أَحْمَدَ أَنَّ فِي الْعَسَلِ الْعُشْرَ .\rقَالَ الْأَثْرَمُ : سُئِلَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ : أَنْتَ تَذْهَبُ إلَى أَنَّ فِي الْعَسَلِ زَكَاةً ؟ قَالَ : نَعَمْ .\rأَذْهَبُ إلَى أَنَّ فِي الْعَسَلِ زَكَاةً ، الْعُشْرُ ، قَدْ أَخَذَ عُمَرُ مِنْهُمْ الزَّكَاةَ .\rقُلْت : ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُمْ تَطَوَّعُوا بِهِ ؟ قَالَ لَا .\rبَلْ أَخَذَهُ مِنْهُمْ .\rوَيَرْوِي ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَمَكْحُولٍ ، وَالزُّهْرِيِّ ، وَسُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَإِسْحَاقَ .\rوَقَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى ، وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ : لَا زَكَاةَ فِيهِ ؛ لِأَنَّهُ مَائِعٌ خَارِجٌ مِنْ حَيَوَانٍ ، أَشْبَهَ اللَّبَنَ .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : لَيْسَ فِي وُجُوبِ الصَّدَقَةِ فِي الْعَسَلِ خَبَرٌ يَثْبُتُ وَلَا إجْمَاعٌ ، فَلَا زَكَاةَ فِيهِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إنْ كَانَ فِي أَرْضِ الْعُشْرِ فَفِيهِ الزَّكَاةُ ، وَإِلَّا فَلَا زَكَاةَ فِيهِ .\rوَوَجْهُ الْأَوَّلِ مَا رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ { ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُؤْخَذُ فِي زَمَانِهِ مِنْ قِرَبِ الْعَسَلِ ، مِنْ كُلِّ عَشْرِ قِرَبٍ قِرْبَةٌ مِنْ أَوْسَطِهَا .\r} رَوَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ ، وَالْأَثْرَمُ ، وَابْنُ مَاجَهْ .\rوَعَنْ سُلَيْمَانِ بْنِ مُوسَى { ، أَنَّ أَبَا سَيَّارَةَ الْمُتَعِيَّ قَالَ : قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ : إنَّ لِي نَحْلًا .\rقَالَ : أَدِّ عُشْرَهَا .\rقَالَ : فَاحْمِ إذَا جَبَلَهَا .\rفَحَمَاهُ لَهُ .\r} رَوَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ ، وَابْنُ مَاجَهْ .\rوَرَوَى الْأَثْرَمُ عَنْ ابْنِ أَبِي ذُبَابٍ ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ ، أَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَمَرَهُ فِي الْعَسَلِ بِالْعُشْرِ .\rأَمَّا الِابْنُ فَإِنَّ الزَّكَاةَ وَجَبَتْ فِي أَصْلِهِ وَهِيَ السَّائِمَةُ ، بِخِلَافِ الْعَسَلِ .\rوَقَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ يَنْبَنِي عَلَى أَنَّ الْعُشْرَ وَالْخَرَاجَ لَا يَجْتَمِعَانِ ، وَسَنَذْكُرُ ذَلِكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .","part":5,"page":327},{"id":2327,"text":"( 1857 ) فَصْلٌ : وَنِصَابُ الْعَسَلِ عَشَرَةُ أَفَرَاقٍ .\rوَهَذَا قَوْلُ الزُّهْرِيِّ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ : خَمْسَةُ أَوْسَاقٍ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ .\r} وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : تَجِبُ فِي قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ ، بِنَاءً عَلَى أَصْلِهِ فِي الْحُبُوبِ وَالثِّمَارِ .\rوَوَجْهُ الْأَوَّلِ مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ نَاسًا سَأَلُوهُ ، فَقَالُوا : إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَطَعَ لَنَا وَادِيًا بِالْيَمَنِ ، فِيهِ خَلَايَا مِنْ نَحْلٍ ، وَإِنَّا نَجِدُ نَاسًا يَسْرِقُونَهَا .\rفَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : إنْ أَدَّيْتُمْ صَدَقَتَهَا ، مِنْ كُلِّ عَشَرَةِ أَفْرَاقٍ فَرَقًا ، حَمَيْنَاهَا لَكُمْ .\r.\rرَوَاهُ الْجُوزَجَانِيُّ .\rوَهَذَا تَقْدِيرٌ مِنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَيَتَعَيَّنُ الْمَصِيرُ إلَيْهِ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِنَّ الْفَرْقَ سِتَّةَ عَشَرَ رِطْلًا بِالْعِرَاقِيِّ ، فَيَكُونُ نِصَابُهُ مِائَةً وَسِتِّينَ رِطْلًا .\rوَقَالَ أَحْمَدُ ، فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد : قَالَ الزُّهْرِيُّ ، فِي عَشَرَةِ أَفْرَاقٍ فَرَقٌ ، وَالْفَرَقُ سِتَّةَ عَشَرَ رِطْلًا .\rوَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ الْفَرَقُ سِتُّونَ رِطْلًا ، فَيَكُونُ النِّصَابُ سِتَّمِائَةِ رِطْلٍ ، فَإِنَّهُ يَرْوِي أَنَّ الْخَلِيلَ بْنَ أَحْمَدَ ، قَالَ : الْفَرْقُ ، بِإِسْكَانِ الرَّاءِ : مِكْيَالٌ ضَخْمٌ مِنْ مَكَايِيلِ أَهْلِ الْعِرَاقِ .\rوَقِيلَ : هُوَ مِائَةٌ وَعِشْرُونَ رِطْلًا ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ نِصَابُهُ أَلْفَ رِطْلٍ ، لِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، أَنَّهُ كَانَ يُؤْخَذُ فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ قِرَبِ الْعَسَلِ مِنْ كُلِّ عَشْرِ قِرَبٍ قِرْبَةٌ مِنْ أَوْسَطِهَا .\rوَالْقِرْبَةُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ مِائَةُ رِطْلٍ ، بِدَلِيلِ أَنَّ الْقُلَّتَيْنِ خَمْسُ قِرَبٍ ، وَهِيَ خَمْسُمِائَةِ رِطْلٍ .\rوَرَوَى سَعِيدٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ أَبِي ذُبَابٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ أَنَّهُ قَالَ لِقَوْمِهِ :","part":5,"page":328},{"id":2328,"text":"إنَّهُ لَا خَيْرَ فِي مَالٍ لَا زَكَاةَ فِيهِ .\rقَالَ : فَأَخَذْت مِنْ كُلِّ عَشْرِ قِرَبٍ قِرْبَةً ، فَجِئْت بِهَا إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، فَأَخَذَهَا ، فَجَعَلَهَا فِي صَدَقَاتِ الْمُسْلِمِينَ .\rوَوَجْهُ الْأَوَّلِ قَوْلُ عُمَرَ : مِنْ كُلِّ عَشَرَةِ أَفْرَاقٍ فَرَقًا وَالْفَرَقُ ، بِتَحْرِيكِ الرَّاءِ : سِتَّةَ عَشَرَ رِطْلًا .\rقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : لَا خِلَافَ بَيْنَ النَّاسِ أَعْلَمُهُ ، فِي أَنَّ الْفَرَق ثَلَاثَةُ آصُعٍ { .\rوَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِكَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ : أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ فَرَقًا مِنْ طَعَامٍ .\rفَقَدْ بَيَّنَ أَنَّهُ ثَلَاثَةُ آصُعٍ .\r} وَقَالَتْ عَائِشَةُ : { كُنْت أَغْتَسِلُ أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ إنَاءٍ ، هُوَ الْفَرَقُ } .\rهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ فَيَنْصَرِفُ الْإِطْلَاقُ إلَيْهِ .\rوَالْفَرَقُ : هُوَ مِكْيَالٌ ضَخْمٌ لَا يَصِحُّ حَمْلُهُ عَلَيْهِ ؛ لِوُجُوهِ : أَحَدُهَا ، أَنَّهُ غَيْرُ مَشْهُورٍ فِي كَلَامِهِمْ ، فَلَا يُحْمَلُ عَلَيْهِ الْمُطْلَقُ مِنْ كَلَامِهِمْ .\rقَالَ ثَعْلَبٌ : قُلْ فَرَّقَ وَلَا تَقُلْ فَرَقٌ .\rقَالَ خِدَاشُ بْنُ زُهَيْرٍ : يَأْخُذُونَ الْأَرْشَ فِي إخْوَتِهِمْ فَرَقَ السَّمْنِ وَشَاةً فِي الْغَنَمِ الثَّانِي ، أَنَّ عُمَرَ ، قَالَ : مِنْ كُلِّ عَشَرَةِ أَفِرَاق فَرَّقَ ، والأفراق جَمْعُ فَرَّقَ ، بِفَتْحِ الرَّاءِ ، وَجَمْعُ الْفَرْقِ ، بِإِسْكَانِ الرَّاءِ ، فُرُوقٌ ، وَفِي الْقِلَّةِ أَفْرُق ؛ لِأَنَّ مَا كَانَ عَلَى وَزْنِ فَعَلَ سَاكِنَ الْعَيْنِ غَيْرَ مُعْتَلٍّ ، فَجَمْعُهُ فِي الْقِلَّةِ أَفْعَلُ ، وَفِي الْكَثْرَةِ فِعَالُ أَوْ فَعُوِّلَ .\rوَالثَّالِثُ ، أَنَّ الْفَرْقَ الَّذِي هُوَ مِكْيَالٌ ضَخْمٌ مِنْ مَكَايِيلِ أَهْلِ الْعِرَاقِ لَا يُحْمَلُ عَلَيْهِ كَلَامُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَإِنَّمَا يُحْمَلُ كَلَامُ عُمَرَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلَى مَكَايِيلِ أَهْلِ الْحِجَازِ ؛ لِأَنَّهُ بِهَا وَمِنْ أَهْلِهَا ، وَيُؤَكِّدُ مَا ذَكَرْنَا تَفْسِيرَ الزُّهْرِيِّ لَهُ فِي نِصَابِ الْعَسَلِ بِمَا قُلْنَاهُ وَالْإِمَامُ أَحْمَدُ ذَكَرَهُ فِي مَعْرِضِ الِاحْتِجَاجِ بِهِ ، فَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ ذَهَبَ إلَيْهِ .","part":5,"page":329},{"id":2329,"text":"وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":5,"page":330},{"id":2330,"text":"( 1858 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَالْأَرْضُ أَرْضَانِ : صُلْحٌ ، وَعَنْوَةٌ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْأَرْضَ قِسْمَانِ : صُلْحٌ وَعَنْوَةٌ ، فَأَمَّا الصُّلْحُ فَهُوَ كُلُّ أَرْضٍ صَالَحَ أَهْلُهَا عَلَيْهَا لِتَكُونَ لَهُمْ ، وَيُؤَدُّونَ خَرَاجًا مَعْلُومًا ، فَهَذِهِ الْأَرْضُ مِلْكٌ لِأَرْبَابِهَا ، وَهَذَا الْخَرَاجُ فِي حُكْمِ الْجِزْيَةِ ، مَتَى أَسْلَمُوا سَقَطَ عَنْهُمْ ، وَلَهُمْ بَيْعُهَا وَهِبَتُهَا وَرَهْنُهَا ؛ لِأَنَّهَا مِلْكٌ لَهُمْ ، وَكَذَلِكَ إنْ صَالَحُوا عَلَى أَدَاءِ شَيْءٍ غَيْرِ مُوَظَّفٍ عَلَى الْأَرْضِ ، وَكَذَلِكَ كُلُّ أَرْضٍ أَسْلَمَ عَلَيْهَا أَهْلُهَا ، كَأَرْضِ الْمَدِينَةِ وَشِبْهِهَا ، فَهَذِهِ مِلْكٌ لِأَرْبَابِهَا ، لَا خَرَاجَ عَلَيْهَا ، وَلَهُمْ التَّصَرُّفُ فِيهَا كَيْفَ شَاءُوا .\rوَأَمَّا الثَّانِي ، وَهُوَ مَا فُتِحَ عَنْوَةً ، فَهِيَ مَا أُجْلِيَ عَنْهَا أَهْلُهَا بِالسَّيْفِ ، وَلَمْ تُقَسَّمْ بَيْنَ الْغَانِمِينَ ، فَهَذِهِ تَصِيرُ لِلْمُسْلِمِينَ ، يُضْرَبُ عَلَيْهَا خَرَاجٌ مَعْلُومٌ ، يُؤْخَذُ مِنْهَا فِي كُلِّ عَامٍ ، يَكُونُ أُجْرَةً لَهَا ، وَتَقَرُّ فِي أَيْدِي أَرْبَابِهَا ، مَا دَامُوا يُؤَدُّونَ خَرَاجَهَا ، سَوَاء كَانُوا مُسْلِمِينَ أَوْ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ .\rوَلَا يَسْقُطُ خَرَاجُهَا بِإِسْلَامِ أَرْبَابِهَا ، وَلَا بِانْتِقَالِهَا إلَى مُسْلِمٍ ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ أُجْرَتِهَا ، وَلَمْ نَعْلَمْ أَنَّ شَيْئًا مِمَّا فُتِحَ عَنْوَةً قُسِمَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ إلَّا خَيْبَرَ ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَسَمَ نِصْفَهَا ، فَصَارَ ذَلِكَ لِأَهْلِهِ ، لَا خَرَاجَ عَلَيْهِ ، وَسَائِرُ مَا فُتِحَ عَنْوَةً مِمَّا فَتَحَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَمَنْ بَعْدَهُ ، كَأَرْضِ الشَّامِ وَالْعِرَاقِ وَمِصْرَ وَغَيْرهَا ، لَمْ يُقَسَّمْ مِنْهُ شَيْءٌ ، فَرَوَى أَبُو عُبَيْدٍ ، فِي \" الْأَمْوَالِ \" أَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَدِمَ الْجَابِيَةَ ، فَأَرَادَ قِسْمَةَ الْأَرْضِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ ، فَقَالَ لَهُ مُعَاذٌ : وَاَللَّهِ إذَا لَيَكُونَنَّ مَا تَكْرَهُ ، إنَّك إنَّ قَسَّمْتهَا الْيَوْمَ صَارَ الرَّيْعُ الْعَظِيمُ فِي أَيْدِي الْقَوْمِ ، ثُمَّ","part":5,"page":331},{"id":2331,"text":"يَبِيدُونَ فَيَصِيرُ ذَلِكَ إلَى الرَّجُلِ الْوَاحِدِ وَالْمَرْأَةِ ، ثُمَّ يَأْتِي بَعْدِهِمْ قَوْمٌ أَخَّرَ يَسُدُّونَ مِنْ الْإِسْلَامِ مَسَدًّا وَهُمْ لَا يَجِدُونَ شَيْئًا ، فَانْظُرْ أَمْرًا يَسَعُ أَوَّلَهُمْ وَآخِرَهُمْ .\rفَصَارَ عُمَرُ إلَى قَوْلِ مُعَاذٍ وَرَوَى أَيْضًا ، قَالَ : قَالَ الْمَاجِشُونِ : قَالَ بِلَالٌ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي الْقُرَى الَّتِي افْتَتَحُوهَا عَنْوَةً : اقْسِمْهَا بَيْنَنَا ، وَخُذْ خُمْسَهَا .\rفَقَالَ عُمَرُ : لَا ، هَذَا عَيْنُ الْمَالِ ، وَلَكِنِّي أَحْبِسُهُ فَيْئًا يَجْرِي عَلَيْهِمْ وَعَلَى الْمُسْلِمِينَ .\rفَقَالَ بِلَالٌ وَأَصْحَابُهُ لِعُمَرَ : اقْسِمْهَا بَيْنَنَا .\rفَقَالَ عُمَرُ : اللَّهُمَّ اكْفِنِي بِلَالًا وَذَوِيهِ .\rقَالَ فَمَا حَالَ الْحَوْلُ وَمِنْهُمْ عَيْنٌ تَطْرِفُ .\rوَرَوَى ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ وَهْبٍ الْخَوْلَانِيِّ ، قَالَ : لَمَّا افْتَتَحَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ مِصْرَ ، قَامَ ابْنُ الزُّبَيْرُ ، فَقَالَ : يَا عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ ، اقْسِمْهَا .\rفَقَالَ عَمْرو : لَا أَقْسِمُهَا .\rفَقَالَ ابْنُ الزُّبَيْرُ : لَتَقْسِمَنهَا كَمَا قَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَيْبَرَ .\rفَقَالَ عَمْرو : لَا أَقْسِمُهَا حَتَّى أَكْتُبَ إلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ، فَكَتَبَ إلَى عُمَرَ ، فَكَتَبَ إلَيْهِ عُمَرُ : أَنَّ دَعْهَا حَتَّى يَعْرَوْا مِنْهَا حَبَلُ الْحَبَلَةِ .\rقَالَ الْقَاضِي : وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ أَنَّهُ قَسَمَ أَرْضًا عَنْوَةً إلَّا خَيْبَرَ .","part":5,"page":332},{"id":2332,"text":"( 1859 ) فَصْلٌ : قَالَ أَحْمَدُ : وَمَنْ يَقُومُ عَلَى أَرْضِ الصُّلْحِ وَأَرْضِ الْعَنْوَةِ ، وَمِنْ أَيْنَ هِيَ ، وَإِلَى أَيْنَ هِيَ ؟ وَقَالَ : أَرْضُ الشَّامِ عَنْوَةٌ ، إلَّا حِمْصَ وَمَوْضِعًا آخَرَ .\rوَقَالَ : مَا دُونَ النَّهْرِ صُلْحٌ ، وَمَا وَرَاءَهُ عَنْوَةٌ ، وَقَالَ : فَتَحَ الْمُسْلِمُونَ السَّوَادَ عَنْوَةً ، إلَّا مَا كَانَ مِنْهُ صُلْحٌ ، وَهِيَ أَرْضُ الْحِيرَةِ ، وَأَرْضُ مَانَقِيَا .\rوَقَالَ : أَرْضُ الثَّرِيِّ خَلَطُوا فِي أَمْرِهَا ، فَأَمَّا مَا فُتِحَ عَنْوَةً مِنْ نَهَاوَنْدَ إلَى طَبَرِسْتَانَ خَرَاجٌ .\rوَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : أَرْضُ الشَّامِ عَنْوَةٌ ، مَا خَلَا مُدُنَهَا ، فَإِنَّهَا فُتِحَتْ صُلْحًا ، إلَّا قَيْسَارِيَّةَ ، اُفْتُتِحَتْ عَنْوَةً ، وَأَرْضُ السَّوَادِ وَالْحِلِّ وَنَهَاوَنْدَ وَالْأَهْوَازَ وَمِصْرَ وَالْمَغْرِبِ .\rقَالَ مُوسَى بْنُ عَلِيِّ بْنِ رَبَاحٍ ، عَنْ أَبِيهِ : الْمَغْرِبُ كُلُّهُ عَنْوَةٌ .\rفَأَمَّا أَرْضُ الصُّلْحِ فَأَرْضُ هَجَرَ ، وَالْبَحْرَيْنِ ، وَأَيْلَةَ ، وَدُومَةِ الْجَنْدَلِ ، وَأَذْرُحَ ، فَهَذِهِ الْقُرَى الَّتِي أَدَّتْ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْجِزْيَةَ ، وَمُدُن الشَّامِ مَا خَلَا أَرْضَهَا إلَّا قَيْسَارِيَّةَ وَبِلَادَ الْجَزِيرَةِ كُلَّهَا ، وَبِلَادُ خُرَاسَانَ كُلُّهَا أَوْ أَكْثَرُهَا صُلْحٌ ، وَكُلُّ مَوْضِعٍ فُتِحَ عَنْوَةً فَإِنَّهُ وَقْفٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ .","part":5,"page":333},{"id":2333,"text":"( 1860 ) فَصْلٌ : وَمَا اسْتَأْنَفَ الْمُسْلِمُونَ فَتْحَهُ ، فَإِنْ فُتِحَ عَنْوَةً فَفِيهِ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ : إحْدَاهُنَّ ، أَنَّ الْإِمَامَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ قِسْمَتِهَا عَلَى الْغَانِمِينَ ، وَبَيْنَ وَقَفَّيْتهَا عَلَى جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ ؛ لِأَنَّ كِلَا الْأَمْرَيْنِ قَدْ ثَبَتَ فِيهِ حُجَّةٌ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَسَّمَ نِصْفَ خَيْبَرَ ، وَوَقَفَ نِصْفَهَا لِنَوَائِبِهِ وَوَقَفَ عُمَرُ الشَّامَ وَالْعِرَاقَ وَمِصْرَ وَسَائِرَ مَا فَتَحَهُ ، وَأَقَرَّهُ عَلَى ذَلِكَ عُلَمَاءُ الصَّحَابَةِ ، وَأَشَارُوا عَلَيْهِ بِهِ ، وَكَذَلِكَ فَعَلَ مَنْ بَعْدَهُ مِنْ الْخُلَفَاءِ ، وَلَمْ يُعْلَمْ أَحَدٌ مِنْهُمْ قَسَمَ شَيْئًا مِنْ الْأَرْضِ الَّتِي افْتَتَحُوهَا .\rوَالثَّانِيَةُ ، أَنَّهَا تَصِيرُ وَقْفًا بِنَفْسِ الِاسْتِيلَاءِ عَلَيْهَا ؛ لِاتِّفَاقِ الصَّحَابَةِ عَلَيْهِ ، وَقِسْمَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَيْبَرَ كَانَ فِي بَدْءِ الْإِسْلَامِ ، وَشِدَّةِ الْحَاجَةِ ، فَكَانَتْ الْمَصْلَحَةُ فِيهِ ، وَقَدْ تَعَيَّنَتْ الْمَصْلَحَةُ فِيمَا بَعْدَ ذَلِكَ فِي وَقْفِ الْأَرْضِ ، فَكَانَ ذَلِكَ هُوَ الْوَاجِبَ .\rوَالثَّالِثَةُ ، أَنَّ الْوَاجِبَ قِسْمَتُهَا .\rوَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَلَ ذَلِكَ ، وَفِعْلُهُ أَوْلَى مِنْ فِعْلِ غَيْرِهِ ، مَعَ عُمُومِ قَوْله تَعَالَى : { وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ } .\rالْآيَةُ .\rيُفْهَمُ مِنْهَا أَنَّ أَرْبَعَةَ أَخْمَاسهَا لِلْغَانِمِينَ .\rوَالرِّوَايَةُ الْأُولَى أَوْلَى ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَلَ الْأَمْرَيْنِ جَمِيعًا فِي خَيْبَرَ ، وَلِأَنَّ عُمَرَ قَالَ : لَوْلَا آخِرُ النَّاسِ لَقَسَمْت الْأَرْضَ كَمَا قَسَمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَيْبَرَ .\rفَقَدْ وَقَفَ الْأَرْضَ مَعَ عِلْمِهِ بِفِعْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ فِعْلَهُ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مُتَعَيِّنًا ، كَيْفَ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ","part":5,"page":334},{"id":2334,"text":"وَقَفَ نِصْفَ خَيْبَرَ ، وَلَوْ كَانَتْ لِلْغَانِمِينَ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَقْفُهَا .\rقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : تَوَاتَرَتْ الْآثَارُ فِي افْتِتَاحِ الْأَرْضِينَ عَنْوَةً بِهَذَيْنِ الْحُكْمَيْنِ ؛ حُكْمِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي خَيْبَرَ حِينَ قَسَمَهَا ، وَبِهِ أَشَارَ بِلَالٌ وَأَصْحَابُهُ عَلَى عُمَرَ فِي أَرْضِ الشَّامِ ، وَأَشَارَ بِهِ الزُّبَيْرُ فِي أَرْضِ مِصْرَ ، وَحُكْمِ عُمَرَ فِي أَرْضِ السَّوَادِ وَغَيْرِهِ حِينَ وَقَفَهُ ، وَبِهِ أَشَارَ عَلِيٌّ ، وَمُعَاذٌ ، عَلَى عُمَرَ فِي أَرْضِ الشَّامِ وَلَيْسَ فِعْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَادًّا لِفِعْلِ عُمَرَ ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا اتَّبَعَ آيَةً مُحْكَمَةً ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ } .\rوَقَالَ : { مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى } .\rالْآيَةُ .\rفَكَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْأَمْرَيْنِ جَائِزًا ، وَالنَّظَرُ فِي ذَلِكَ إلَى الْإِمَامِ ، فَمَا رَأَى مِنْ ذَلِكَ فَعَلَهُ .\rوَهَذَا قَوْلُ الثَّوْرِيِّ ، وَأَبِي عُبَيْدٍ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِنَّ الِاخْتِيَارَ الْمُفَوَّضَ إلَى الْإِمَامِ اخْتِيَارُ مَصْلَحَةٍ ، لَا اخْتِيَارُ تُشَهِّ فَيَلْزَمُهُ فِعْلُ مَا يَرَى الْمَصْلَحَةَ فِيهِ ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ الْعُدُولُ عَنْهُ ، كَالْخِيَرَةِ بَيْنَ الْقَتْلِ وَالِاسْتِرْقَاقِ ، وَالْفِدَاءِ وَالْمَنِّ فِي الْأَسْرَى ، وَلَا يَحْتَاجُ إلَى النُّطْقِ بِالْوَقْفِ ، بَلْ تَرْكُهُ لَهُ مِنْ غَيْرِ قِسْمَةٍ هُوَ وَقْفُهُ لَهَا ، كَمَا أَنَّ قَسَمَهَا بَيْنَ الْغَانِمِينَ لَا يَحْتَاجُ مَعَهُ إلَى لَفْظٍ ؛ وَإِنْ عُمَرَ وَغَيْرَهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنْهُمْ فِي وَقْفِ الْأَرْضِ لَفْظُ الْوَقْفِ ، وَلِأَنَّ مَعْنَى وَقْفِهَا هَاهُنَا ، أَنَّهَا بَاقِيَةٌ لِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ ، يُؤْخَذُ خَرَاجُهَا ، وَيُصْرَفُ فِي مَصَالِحِهِمْ ، وَلَا يُخَصُّ أَحَدٌ بِمِلْكِ شَيْءٍ مِنْهَا ، وَهَذَا حَاصِلٌ بِتَرْكِهَا .","part":5,"page":335},{"id":2335,"text":"فَصْلٌ : فَأَمَّا مَا جَلَا عَنْهَا أَهْلُهَا خَوْفًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ ، فَهَذِهِ تَصِيرُ وَقْفًا بِنَفْسِ الظُّهُورِ عَلَيْهَا ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مُتَعَيِّنٌ فِيهَا ، إذْ لَمْ يَكُنْ لَهَا غَانِمٌ ، فَكَانَ حُكْمُهَا حُكْمَ الْفَيْءِ يَكُونُ لِلْمُسْلِمِينَ كُلِّهِمْ .\rوَقَدْ رُوِيَ أَنَّهَا لَا تَصِيرُ وَقْفًا حَتَّى يَقِفَهَا الْإِمَامُ ، وَحُكْمُهَا حُكْمُ الْعَنْوَةِ إذَا وُقِفَتْ .\rوَمَا صَالَحَ عَلَيْهِ الْكُفَّارَ مِنْ أَرْضِهِمْ ، عَلَى أَنَّ الْأَرْضَ لَنَا ، وَنُقِرُّهُمْ فِيهَا بِخُرَّاجِ ، مَعْلُومٍ ، فَهُوَ وَقْفٌ أَيْضًا ، حُكْمُهُ حُكْمُ مَا ذَكَرْنَاهُ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَحَ خَيْبَرَ ، وَصَالَحَ أَهْلَهَا عَلَى أَنْ يَعْمُرُوا أَرْضَهَا ، وَلَهُمْ نِصْفُ ثَمَرَتِهَا ، فَكَانَتْ لِلْمُسْلِمِينَ مِنْهُمْ ، وَصَالَحَ بَنِي النَّضِيرِ عَلَى أَنْ يُجْلِيَهُمْ مِنْ الْمَدِينَةِ ، وَلَهُمْ مَا أُقِلْت الْإِبِلُ مِنْ الْأَمْتِعَةِ وَالْأَمْوَالِ ، إلَّا الْحَلْقَةَ - يَعْنِي السِّلَاحَ - فَكَانَتْ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ .\rفَأَمَّا مَا صُولِحُوا عَلَيْهِ ، عَلَى أَنَّ الْأَرْضَ لَهُمْ ، وَنُقِرُّهُمْ فِيهَا بِخُرَّاجِ مَعْلُومٍ .\rفَهَذَا الْخَرَاجُ فِي حُكْمِ الْجِزْيَةِ ، تَسْقُطُ بِإِسْلَامِهِمْ ، وَالْأَرْضُ لَهُمْ لَا خَرَاجَ عَلَيْهَا ؛ لِأَنَّ الْخَرَاجَ الَّذِي ضُرِبَ عَلَيْهِمْ إنَّمَا كَانَ مِنْ أَجْلِ كُفْرِهِمْ ، بِمَنْزِلَةِ الْجِزْيَةِ الْمَضْرُوبَةِ عَلَى رُءُوسِهِمْ ، فَإِذَا أَسْلَمُوا سَقَطَ ، كَمَا تَسْقُطُ الْجِزْيَةُ ، وَتَبْقَى الْأَرْضُ مِلْكًا لَهُمْ ، لَاخْرَاجَّ عَلَيْهَا .\rوَلَوْ انْتَقَلَتْ الْأَرْضُ إلَى مُسْلِمٍ ، لَمْ يَجِبْ عَلَيْهَا خَرَاجٌ لِذَلِكَ .","part":5,"page":336},{"id":2336,"text":"( 1862 ) فَصْلٌ : وَلَا يَجُوزُ شِرَاءُ شَيْءٍ مِنْ الْأَرْضِ الْمَوْقُوفَةِ وَلَا بَيْعُهُ ، فِي قَوْلَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ؛ مِنْهُمْ عُمَرُ ، وَعَلِيٌّ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ ، وَقَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ ، وَمُسْلِمِ بْنِ مُسْلِمٍ ، وَمَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَمَالِكٍ ، وَأَبِي إِسْحَاقَ الْفَزَارِيِّ .\rوَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : لَمْ يَزُلْ أَئِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ يَنْهَوْنَ عَنْ شِرَاءِ أَرْضِ الْجِزْيَةِ ، وَيَكْرَهُهُ عُلَمَاؤُهُمْ .\rوَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : أَجْمَعَ رَأْيُ عُمَرَ ، وَأَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا ظَهَرُوا عَلَى الشَّامِ ، عَلَى إقْرَارِ أَهْلِ الْقُرَى فِي قُرَاهُمْ ، عَلَى مَا كَانَ بِأَيْدِيهِمْ مِنْ أَرْضِهِمْ ، يَعْمُرُونَهَا ، وَيُؤَدُّونَ خَرَاجَهَا إلَى الْمُسْلِمِينَ ، وَيَرَوْنَ أَنَّهُ لَا يَصْلُحُ لَأَحَدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ شِرَاءُ مَا فِي أَيْدِيهمْ مِنْ الْأَرْضِ طَوْعًا وَلَا كَرِهَا .\rوَكَرِهُوا ذَلِكَ مِمَّا كَانَ مِنْ اتِّفَاقِ عُمَرَ وَأَصْحَابِهِ فِي الْأَرْضِينَ الْمَحْبُوسَةِ عَلَى آخِرِ هَذِهِ الْأُمَّةِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ، لَا تُبَاعُ وَلَا تُورَثُ ، قُوَّةً عَلَى جِهَادِ مَنْ لَمْ تَظْهَرْ عَلَيْهِ بَعْدُ مِنْ الْمُشْرِكِينَ .\rوَقَالَ الثَّوْرِيُّ : إذَا أَقَرَّ الْإِمَامُ أَهْلَ الْعَنْوَةِ فِي أَرْضِهِمْ ، تَوَارَثُوهَا وَتَبَايَعُوهَا وَرُوِيَ نَحْوُ هَذَا عَنْ ابْنِ سِيرِينَ ، وَالْقُرْطُبِيِّ ؛ لِمَا رَوَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ أَنَّ ، ابْنَ مَسْعُودٍ اشْتَرَى مِنْ دِهْقَانَ أَرْضًا ، عَلَى أَنْ يَكْفِيَهُ جِزْيَتَهَا .\rوَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : { نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ السَّفَرِ فِي الْأَهْلِ وَالْمَالِ } .\rثُمَّ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ : فَكَيْفَ بِمَالِ بِزَاذَانَ ، وَبِكَذَا ، وَبِكَذَا ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ لَهُ مَالًا بِزَاذَانَ .\rوَلِأَنَّهَا أَرْضٌ لَهُمْ ، فَجَازَ بَيْعُهَا .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّهُ قَالَ : إنْ كَانَ الشِّرَاءُ أَسْهَلَ يَشْتَرِي الرَّجُلُ مَا","part":5,"page":337},{"id":2337,"text":"يَكْفِيه وَيُغْنِيه عَنْ النَّاسِ ، هُوَ رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ .\rوَكَرِهَ الْبَيْعَ فِي أَرْضِ السَّوَادِ .\rوَإِنَّمَا رَخَّصَ فِي الشِّرَاءِ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - لِأَنَّ بَعْضَ الصَّحَابَةِ اشْتَرَى ، وَلَمْ يُسْمَعْ عَنْهُمْ الْبَيْعُ ، وَلِأَنَّ الشِّرَاءَ اسْتِخْلَاصٌ لِلْأَرْضِ ، فَيَقُومُ فِيهَا مَقَامَ مَنْ كَانَتْ فِي يَدِهِ ، وَالْبَيْعُ أَخْذُ عِوَضٍ عَنْ مَا لَا يَمْلِكُهُ وَلَا يَسْتَحِقُّهُ ، فَلَا يَجُوزُ .\rوَلَنَا : إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، فَإِنَّهُ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : لَا تَشْتَرُوا رَقِيقَ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَلَا أَرْضَهُمْ .\rوَقَالَ الشَّعْبِيُّ : اشْتَرَى عُتْبَةُ بْنُ فَرْقَدٍ أَرْضًا عَلَى شَاطِئِ الْفُرَاتِ ، لِيَتَّخِذَ فِيهَا قَصَبًا ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لِعُمَرَ ، فَقَالَ : مِمَّنْ اشْتَرَيْتهَا ؟ قَالَ : مِنْ أَرْبَابِهَا .\rفَلَمَّا اجْتَمَعَ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ ، قَالَ : هَؤُلَاءِ أَرْبَابُهَا ، فَهَلْ اشْتَرَيْت مِنْهُمْ شَيْئًا ؟ قَالَ : لَا .\rقَالَ : فَارْدُدْهَا عَلَى مَنْ اشْتَرَيْتهَا مِنْهُ ، وَخُذْ مَالَك .\rوَهَذَا قَوْلُ عُمَرَ فِي الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ بِمَحْضَرِ سَادَةِ الصَّحَابَةِ وَأَئِمَّتِهِمْ ، فَلَمْ يُنْكَرْ ، فَكَانَ إجْمَاعًا ، وَلَا سَبِيلَ إلَى وُجُودِ إجْمَاعٍ أَقْوَى مِنْ هَذَا وَشِبْهِهِ ، إذْ لَا سَبِيلَ إلَى نَقْلِ قَوْلِ جَمِيعِ الصَّحَابَةِ فِي مَسْأَلَةٍ ، وَلَا إلَى نَقْلِ قَوْلِ الْعَشَرَةِ ، وَلَا يُوجَدُ الْإِجْمَاعُ إلَّا الْقَوْلَ .\rالْمُنْتَشِرَ .\rفَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ خَالَفَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ بِمَا ذَكَرْنَاهُ عَنْهُ .\rقُلْنَا : لَا نُسَلِّمُ الْمُخَالَفَةَ .\rوَقَوْلُهُمْ اشْتَرَى .\rقُلْنَا : الْمُرَادُ بِهِ : اكْتَرَى .\rكَذَلِكَ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ .\rوَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ : عَلَى أَنْ يَكْفِيَهُ جِزْيَتَهَا .\rوَلَا يَكُونُ مُشْتَرِيًا لَهَا وَجِزْيَتُهَا عَلَى غَيْرِهِ .\rوَقَدْ رَوَى عَنْهُ الْقَاسِمُ أَنَّهُ قَالَ : مَنْ أَقَرَّ بِالطَّسْقِ فَقَدْ أَقَرَّ بِالصِّغَارِ وَالذُّلِّ .\rوَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الشِّرَاءَ هَاهُنَا الِاكْتِرَاءُ .\rوَكَذَلِكَ كُلُّ مَنْ رُوِيَتْ عَنْهُ الرُّخْصَةُ فِي","part":5,"page":338},{"id":2338,"text":"الشِّرَاءِ فَمَحْمُولٌ عَلَى ذَلِكَ .\rوَقَوْلُهُ : فَكَيْفَ بِمَالِ بِزَاذَانَ .\rفَلَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ الشِّرَاءِ ، وَلِأَنَّ الْمَالَ أَرْضٌ ، فَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ مَالًا مِنْ السَّائِمَةِ أَوْ التِّجَارَةِ أَوْ الزَّرْعِ .\rأَوْ غَيْرِهِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرْضٌ أَكْتَرَاهَا ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ بِذَلِكَ غَيْرَهُ ، وَقَدْ يَعِيبُ الْإِنْسَانُ الْفِعْلَ الْمَعِيبَ مِنْ غَيْرِهِ .\rجَوَابٌ ثَانٍ ، أَنَّهُ يَتَنَاوَلُ الشِّرَاءَ ، وَبَقِيَ قَوْلُ عُمَرَ فِي النَّهْيِ عَنْ الْبَيْعِ غَيْرَ مُعَارِضٍ ، وَأَمَّا الْمَعْنَى فَلِأَنَّهَا مَوْقُوفَةٌ ، فَلَمْ يَجُزْ بَيْعُهَا ، كَسَائِرِ الْأَحْبَاسِ وَالْوُقُوفِ ، وَالدَّلِيلُ عَلَى وَقْفِهَا النَّقْلُ وَالْمَعْنَى ؛ أَمَّا النَّقْلُ ، فَمَا نُقِلَ مِنْ الْأَخْبَارِ ، أَنَّ عُمَرَ لَمْ يَقْسِمْ الْأَرْضَ الَّتِي افْتَتَحَهَا ، وَتَرَكَهَا لِتَكُونَ مَادَّةً لِأَجْنَادِ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، وَقَدْ نَقَلْنَا بَعْضَ ذَلِكَ ، وَهُوَ مَشْهُورٌ تُغْنِي شُهْرَتُهُ عَنْ نَقْلِهِ .\rوَأَمَّا الْمَعْنَى ، فَلِأَنَّهَا لَوْ قُسِمَتْ لَكَانَتْ لِلَّذِينَ افْتَتَحُوهَا ، ثُمَّ لِوَرَثَتِهِمْ ، أَوْ لِمَنْ انْتَقَلَتْ إلَيْهِ عَنْهُمْ ، وَلَمْ تَكُنْ مُشْتَرَكَةً بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ ، وَلِأَنَّهَا لَوْ قُسِمَتْ ، وَلَمْ تَخْفَ بِالْكُلِّيَّةِ .\rفَإِنْ قِيلَ : فَلَيْسَ فِي هَذَا مَا يَلْزَمُ مِنْهُ الْوَقْفُ ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ تَرَكَهَا لِلْمُسْلِمِينَ عَامَّةً ، فَيَكُونُ فَيْئًا لِلْمُسْلِمِينَ ، وَالْإِمَامُ نَائِبُهُمْ ، فَيَفْعَلُ مَا يَرَى فِيهِ الْمَصْلَحَةَ ، مِنْ بَيْعٍ أَوْ غَيْرِهِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ تَرَكَهَا لِأَرْبَابِهَا ، كَفِعْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَكَّةَ .\rقُلْنَا : أَمَّا الْأَوَّلُ فَلَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ عُمَرَ إنَّمَا تَرَكَ قِسْمَتَهَا لِتَكُونَ مَادَّةً لِلْمُسْلِمِينَ كُلِّهِمْ ، يَنْتَفِعُونَ بِهَا ، مَعَ بَقَاءِ أَصْلِهَا ، وَهَذَا مَعْنَى الْوَقْفِ ، وَلَوْ جَازَ تَخْصِيصُ قَوْمٍ بِأَصْلِهَا لَكَانَ الَّذِينَ افْتَتَحُوهَا أَحَقَّ بِهَا ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَمْنَعَهَا أَهْلَهَا","part":5,"page":339},{"id":2339,"text":"لِمُفْسِدَةِ ، ثُمَّ يَخُصُّ بِهَا غَيْرَهُمْ مَعَ وُجُودِ الْمَفْسَدَةِ الْمَانِعَةِ .\rوَالثَّانِي أَظْهَرُ فَسَادًا مِنْ الْأَوَّلِ ، فَإِنَّهُ إذَا مَنَعَهَا الْمُسْلِمِينَ الْمُسْتَحِقِّينَ ، كَيْفَ يَخُصُّ بِهَا أَهْلَ الذِّمَّةِ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لَا حَقَّ لَهُمْ وَلَا نَصِيبَ ؟ .","part":5,"page":340},{"id":2340,"text":"( 1863 ) فَصْلٌ : وَإِذَا قُلْنَا بِصِحَّةِ الشِّرَاءِ ، فَإِنَّهَا تَكُونُ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي عَلَى مَا كَانَتْ فِي يَدِ الْبَائِعِ ، يُؤَدِّي خَرَاجَهَا ، وَيَكُونُ مَعْنَى الشِّرَاءِ هَاهُنَا نَقْلَ الْيَدِ مِنْ الْبَائِعِ إلَى الْمُشْتَرِي بِعِوَضِ .\rوَإِنْ شَرَطَ الْخَرَاجَ عَلَى الْبَائِعِ كَمَا فَعَلَ ابْنُ مَسْعُودٍ ، فَيَكُونُ اكْتِرَاءً لَا شِرَاءَ ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَشْتَرِطَ بَيَانَ مُدَّتِهِ ، كَسَائِرِ الْإِجَارَاتِ .\r( 1864 ) فَصْلٌ : وَإِذَا بِيعَتْ هَذِهِ الْأَرْضُ ، فَحَكَمَ بِصِحَّةِ الْبَيْعِ حَاكِمٌ ، صَحَّ ؛ لِأَنَّهُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ ، فَصَحَّ بِحُكْمِ الْحَاكِمِ ، كَسَائِرِ الْمُجْتَهَدَاتِ .\rوَإِنْ بَاعَ الْإِمَامُ شَيْئًا لِمُصْلِحَةِ رَآهَا ، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ فِي الْأَرْضِ مَا يَحْتَاجُ إلَى عِمَارَةٍ لَا يَعْمُرُهَا إلَّا مِنْ يَشْتَرِيهَا ، صَحَّ أَيْضًا ؛ لِأَنَّ فِعْلَ الْإِمَامِ كَحُكْمِ الْحَاكِمِ .\rوَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ عَائِذٍ ، فِي كِتَابِ فُتُوحِ الشَّامِ ، قَالَ : قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ مَشْيَخَتِنَا إنَّ النَّاسَ سَأَلُوا عَبْدَ الْمَلِكِ وَالْوَلِيدَ وَسَلْمَانَ أَنْ يَأْذَنُوا لَهُمْ فِي شِرَاءِ الْأَرْضِ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ ، فَأَذِنُوا لَهُمْ عَلَى إدْخَالِ أَثْمَانِهَا فِي بَيْتِ الْمَالِ .\rفَلَمَّا وَلِي عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَعْرَضَ عَنْ تِلْكَ الْأَشْرِيَةِ ؛ لِاخْتِلَاطِ الْأُمُورِ فِيهَا لِمَا وَقَعَ فِيهَا مِنْ الْمَوَارِيثِ وَمُهُورِ النِّسَاءِ وَقَضَاءِ الدُّيُونِ ، وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى تَخْلِيصِهِ وَلَا مَعْرِفَةِ ذَلِكَ وَكَتَبَ كِتَابًا قُرِئَ عَلَى النَّاسِ سَنَةَ الْمِائَةِ ، أَنَّ مَنْ اشْتَرَى شَيْئًا بَعْدَ سَنَةِ مِائَةٍ فَإِنَّ بَيْعَهُ مَرْدُودٌ وَسَمَّيْ سَنَةَ مِائَةٍ سَنَةَ الْمُدَّةِ ، فَتَنَاهَى النَّاسُ عَنْ شِرَائِهَا ، ثُمَّ اشْتَرَوْا أَشَرْيَةً كَثِيرَةً كَانَتْ بِأَيْدِي أَهْلِهَا تُؤَدِّي الْعُشْرَ وَلَا جِزْيَةَ عَلَيْهَا ، فَلَمَّا أَفْضَى الْأَمْرُ إلَى الْمَنْصُورِ رُفِعَتْ تِلْكَ الْأَشْرِيَةِ إلَيْهِ ، وَأَنَّ ذَلِكَ أَضَرَّ بِالْخَرَاجِ فَأَرَادَ رَدَّهَا إلَى أَهْلِهَا فَقِيلَ لَهُ : قَدْ وَقَعَتْ فِي الْمَوَارِيثِ وَالْمُهُورِ ، وَاخْتَلَطَ أَمْرُهَا فَبَعَثَ","part":5,"page":341},{"id":2341,"text":"الْمُعَدِّلِينَ ، مِنْهُمْ : عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ إلَى حِمْصَ ، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشِ إلَى بَعْلَبَكَّ ، وَهِضَابُ بْنُ طَوْقٍ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ زُرَيْقٍ إلَى الْغُوطَةِ .\rوَأَمَرَهُمْ أَنْ لَا يَضَعُوا عَلَى الْقَطَائِعِ وَالْأَشْرِيَةِ الْعَظِيمَةِ الْقَدِيمَةِ خَرَاجًا وَوَضَعُوا الْخَرَاجَ عَلَى مَا بَقِيَ بِأَيْدِي الْأَنْبَاطِ ، وَعَلَى الْأَشْرِيَةِ الْمُحْدَثَةِ مِنْ بَعْدِ سَنَةِ مِائَةٍ إلَى السَّنَةِ الَّتِي عُدِّلَ فِيهَا .\rفَيَنْبَغِي أَنْ يَجْرِيَ مَا بَاعَهُ إمَامٌ ، أَوْ بِيعَ بِإِذْنِهِ أَوْ تَعَذَّرَ رَدُّ بَيْعِهِ ، هَذَا الْمَجْرَى ، فِي أَنْ يُضْرَبَ عَلَيْهِ خَرَاجٌ بِقَدْرِ مَا يَحْتَمِل ، وَيُتْرَكَ فِي يَدِ مُشْتَرِيه ، أَوْ مِنْ انْتَقَلَ إلَيْهِ ، إلَّا مَا بِيعَ قَبْلَ الْمِائَةِ السَّنَة فَإِنَّهُ لَا خَرَاجَ عَلَيْهِ ، كَمَا نُقِلَ فِي هَذَا الْخَبَرِ .","part":5,"page":342},{"id":2342,"text":"( 1865 ) فَصْلٌ : وَحُكْمُ إقْطَاعِ هَذِهِ الْأَرْضِ حُكْمُ بَيْعِهَا فِي أَنَّ مَا كَانَ مِنْ عُمَرَ ، أَوْ مِمَّا كَانَ قَبْلَ مِائَةِ سَنَةٍ ، فَهُوَ لِأَهْلِهِ .\rوَمَا كَانَ بَعْدَهَا ، ضُرِبَ عَلَيْهِ ، كَمَا فَعَلَ الْمَنْصُورُ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ ، فَيَكُونُ بَاطِلًا ، وَذَكَرَ ابْنُ عَائِذٍ ، فِي كِتَابِهِ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ عُتْبَةَ ، أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُحَمَّدٍ - أَظُنُّهُ الْمَنْصُورَ - سَأَلَهُ فِي مَقْدِمِهِ الشَّامَ ، سَنَةَ ثَلَاثٍ أَوْ أَرْبَعٍ وَخَمْسِينَ ، عَنْ سَبَبِ الْأَرْضِينَ الَّتِي بِأَيْدِي أَبْنَاء الصَّحَابَةِ ، يَذْكُرُونَ أَنَّهَا قَطَائِعُ لِآبَائِهِمْ قَدِيمَةٌ .\rفَقُلْت : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، إنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا أَظْهَرَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى بِلَادِ الشَّامِ ، وَصَالَحُوا أَهْلَ دِمَشْق وَأَهْلَ حِمْصَ ، كَرِهُوا أَنْ يَدْخُلُوهَا دُونَ أَنْ يَتِمَّ ظُهُورُهُمْ ، وَإِثْخَانُهُمْ فِي عَدُوِّ اللَّهِ ، فَعَسْكَرُوا فِي مَرْجِ بَرَدَى ، بَيْنَ الْمِزَّةِ إلَى مَرْجِ شَعْبَانَ ، وَجَنْبَتَيْ بَرَدَى مُرُوجٌ كَانَتْ مُبَاحَةً فِيمَا بَيْنَ أَهْلِ دِمَشْق وَقُرَاهَا ، لَيْسَتْ لَأَحَدٍ مِنْهُمْ ، فَأَقَامُوا بِهَا حَتَّى أَوْطَأَ اللَّهُ بِهِمْ الْمُشْرِكِينَ قَهْرًا وَذُلًّا ، فَأَحْيَا كُلُّ قَوْمٍ مَحَلَّتَهُمْ ، وَهَيَّئُوا بِهَا بِنَاءً ، فَبَلَغَ ذَلِكَ عُمَرَ ، فَأَمْضَاهُ لَهُمْ ، وَأَمْضَاهُ عُثْمَانُ مِنْ بَعْدِهِ إلَى وِلَايَةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ .\rقَالَ : وَقَدْ أَمْضَيْنَاهُ لَهُمْ .\rوَعَنْ الْأَحْوَصِ بْنِ حَكِيمٍ ، أَنَّ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ فَتَحُوا حِمْصَ لَمْ يَدْخُلُوهَا ، بَلْ عَسْكَرُوا عَلَى نَهْرِ الْأَرْبَدِ ، فَأَحْيَوْهُ ، فَأَمْضَاهُ لَهُمْ عُمَرُ وَعُثْمَانُ ، وَقَدْ كَانَ مِنْهُمْ أُنَاسٌ تَعَدَّوْا إذْ ذَاكَ إلَى جِسْرِ الْأَرْبَدِ ، الَّذِي عَلَى بَابِ الرَّسْتَنِ ، فَعَسْكَرُوا فِي مَرْجِهِ مُسَلَّحَةٌ لِمَنْ خَلْفَهُمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَلَمَّا بَلَغَهُمْ مَا أَمْضَاهُ عُمَرُ لِلْمُعَسْكِرِينَ عَلَى نَهْرِ الْأَرْبَدِ ، سَأَلُوا أَنْ يُشْرِكُوهُمْ فِي تِلْكَ الْقَطَائِعِ ، وَكَتَبُوا إلَى عُمَرَ فِيهِ ،","part":5,"page":343},{"id":2343,"text":"فَكَتَبَ أَنْ يُعَوَّضُوا مِثْلَهُ مِنْ الْمُرُوجِ الَّتِي كَانُوا عَسْكَرُوا فِيهَا عَلَى بَابِ الرَّسْتَنِ ، فَلَمْ تَزُلْ تِلْكَ الْقَطَائِعُ عَلَى شَاطِئِ الْأَرْبَدِ ، وَعَلَى بَابِ حِمْصَ ، وَعَلَى بَابِ الرستن ، مَاضِيَةً لِأَهْلِهَا ، لَا خَرَاجَ عَلَيْهَا ، تُؤَدِّي الْعُشْرَ .\r( 1866 ) فَصْلٌ : وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي الْأَرْضِ الْمُغِلَّةِ ، أَمَّا الْمَسَاكِنُ فَلَا بَأْسَ بِحِيَازَتِهَا وَبَيْعِهَا وَشِرَائِهَا وَسُكْنَاهَا .\rقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ مَا عَلِمْنَا أَحَدًا كَرِهَ ذَلِكَ ، وَقَدْ اقْتَسَمَتْ الْكُوفَةُ خِطَطًا فِي زَمَنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِإِذْنِهِ ، وَالْبَصْرَةُ ، وَسَكَنِهِمَا أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَذَلِكَ الشَّامُ وَمِصْرُ وَغَيْرُهُمَا مِنْ الْبُلْدَانِ ، فَمَا عَابَ ذَلِكَ أَحَدٌ وَلَا أَنْكَرَهُ .","part":5,"page":344},{"id":2344,"text":"( 1867 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( فَمَا كَانَ مِنْ الصُّلْحِ ، فَفِيهِ الصَّدَقَةُ ) يَعْنِي مَا صُولِحُوا عَلَيْهِ ، عَلَى أَنَّ مِلْكَهُ لِأَهْلِهِ ، وَلَنَا عَلَيْهِمْ خَرَاجٌ مَعْلُومٌ ، فَهَذَا الْخَرَاجُ فِي حُكْمِ الْجِزْيَةِ ، مَتَى أَسْلَمُوا سَقَطَ عَنْهُمْ ، وَإِنْ انْتَقَلَتْ إلَى مُسْلِمٍ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِمْ خَرَاجٌ ، وَفِي مِثْلِهِ جَاءَ عَنْ الْعَلَاءِ بْنِ الْحَضْرَمِيِّ ، قَالَ : { بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى الْبَحْرَيْنِ وَإِلَى هَجَرَ ، فَكُنْت آتِي الْحَائِطَ تَكُونُ بَيْنَ الْإِخْوَةِ ، يُسْلِمُ أَحَدُهُمْ ، فَآخُذُ مِنْ الْمُسْلِمِ الْعُشْرَ ، وَمِنْ الْمُشْرِكِ الْخَرَاجَ .\r} رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ ، فَهَذَا فِي أَحَدِ هَذَيْنِ الْبَلَدَيْنِ ؛ لِأَنَّهُمَا فُتِحَا صُلْحًا ، وَكَذَلِكَ كُلُّ أَرْضٍ أَسْلَمَ أَهْلُهَا عَلَيْهَا ، كَأَرْضِ الْمَدِينَةِ ، فَهِيَ مِلْكٌ لَهُمْ ، لَيْسَ عَلَيْهَا خَرَاجٌ وَلَا شَيْءٌ .\rأَمَّا الزَّكَاةُ فَهِيَ وَاجِبَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ ، وَلَا خِلَافَ فِي وُجُوبِ الْعُشْرِ فِي الْخَارِجِ مِنْ هَذِهِ الْأَرْضِ .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ، عَلَى أَنَّ كُلَّ أَرْضٍ أَسْلَمَ أَهْلُهَا عَلَيْهَا قَبْلَ قَهْرِهِمْ عَلَيْهَا ، أَنَّهَا لَهُمْ ، وَأَنَّ أَحْكَامَهُمْ أَحْكَامُ الْمُسْلِمِينَ ، وَأَنَّ عَلَيْهِمْ فِيمَا زَرَعُوا فِيهَا الزَّكَاةَ .","part":5,"page":345},{"id":2345,"text":"( 1868 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَمَا كَانَ عَنْوَةً أُدِّيَ عَنْهَا الْخَرَاجُ ، وَزُكِّيَ مَا بَقِيَ إذَا كَانَ خَمْسَةَ أَوَسْقً ، وَكَانَ لِمُسْلِمٍ ) .\rيَعْنِي مَا فُتِحَ عَنْوَةً وَوُقِفَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ ، وَضُرِبَ عَلَيْهِمْ خَرَاجٌ مَعْلُومٌ ، فَإِنَّهُ يُؤَدِّي الْخَرَاجُ مِنْ غَلَّتِهِ ، وَيُنْظَرُ فِي بَاقِيهَا ، فَإِنْ كَانَ نِصَابًا فَفِيهِ الزَّكَاةُ إذَا كَانَ لِمُسْلِمِ ، وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ نِصَابًا ، أَوْ بَلَغَ نِصَابًا وَلَمْ يَكُنْ لِمُسْلِمِ ، فَلَا زَكَاةَ فِيهِ ، فَإِنَّ الزَّكَاةَ لَا تَجِبُ عَلَى غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ .\rوَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي كُلِّ أَرْضٍ خَرَاجِيَّةٍ .\rوَهَذَا قَوْلُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَالزُّهْرِيِّ ، وَيَحْيَى الْأَنْصَارِيِّ ، وَرَبِيعَةَ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَمَالِكٍ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَمُغِيرَةَ ، وَاللَّيْثِ ، وَالْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ ، وَابْنِ أَبِي لَيْلَى ، وَابْنِ الْمُبَارَكِ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَإِسْحَاقَ ، وَأَبِي عُبَيْدٍ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ : لَا عُشْرَ فِي الْأَرْضِ الْخَرَاجِيَّةِ ؛ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { لَا يَجْتَمِعُ الْعُشْرُ وَالْخَرَاجُ فِي أَرْضِ مُسْلِمٍ } .\rوَلِأَنَّهُمَا حَقَّانِ سَبَبَاهُمَا مُتَنَافِيَانِ ، فَلَا يَجْتَمِعَانِ ، كَزَكَاةِ السَّوْمِ وَالتِّجَارَةِ ، وَالْعُشْرِ ، وَزَكَاةِ الْقِيمَةِ .\rوَبَيَانُ تَنَافِيهِمَا أَنَّ الْخَرَاجَ وَجَبَ عُقُوبَةً ؛ لِأَنَّهُ جِزْيَةُ الْأَرْضِ ، وَالزَّكَاةُ وَجَبَتْ طُهْرَةً وَشُكْرًا ، وَلَنَا : قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنْ الْأَرْضِ } وَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { فِيمَا سَقَتْ السَّمَاءُ الْعُشْرُ .\r} وَغَيْرُهُ مِنْ عُمُومَاتِ الْأَخْبَارِ .\rقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى : { وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنْ الْأَرْضِ } .\rثُمَّ قَالَ : نَتْرُكُ الْقُرْآنَ لِقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَلِأَنَّهُمَا حَقَّانِ يَجِبَانِ لِمُسْتَحِقَّيْنِ يَجُوزُ وُجُوبُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى الْمُسْلِمِ ، فَجَازَ اجْتِمَاعُهُمَا كَالْكَفَّارَةِ وَالْقِيمَةِ فِي الصَّيْدِ الْحَرَمِيِّ الْمَمْلُوكِ ، وَحَدِيثُهُمْ يَرْوِيه يَحْيَى بْنُ","part":5,"page":346},{"id":2346,"text":"عَنْبَسَةَ ، وَهُوَ ضَعِيفٌ ، عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ، ثُمَّ نَحْمِلُهُ عَلَى الْخَرَاجِ الَّذِي هُوَ جِزْيَةٌ .\rوَقَوْلُ الْخِرَقِيِّ : \" وَكَانَ لِمُسْلِمِ \" يَعْنِي أَنَّ الزَّكَاةَ لَا تَجِبُ عَلَى صَاحِبِ الْأَرْضِ إذَا لَمْ يَكُنْ مُسْلِمًا ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ فِي أَرْضِهِ سِوَى الْخَرَاجِ .\rقَالَ أَحْمَدُ ، رَحِمَهُ اللَّهُ : لَيْسَ فِي أَرْضِ أَهْلِ الذِّمَّةِ صَدَقَةٌ ، إنَّمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { صَدَقَةٌ تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا } .\rفَأَيُّ طُهْرَةٍ لِلْمُشْرِكِينَ ، وَقَوْلُهُمْ : إنَّ سَبَبَيْهِمَا يَتَنَافَيَانِ .\rغَيْرُ صَحِيحٍ .\rفَإِنَّ الْخَرَاجَ أُجْرَةُ الْأَرْضِ ، وَالْعُشْرُ زَكَاةُ الزَّرْعِ ، وَلَا يَتَنَافَيَانِ ، كَمَا لَوْ اسْتَأْجَرَ أَرْضًا فَزَرَعَهَا ، وَلَوْ كَانَ الْخَرَاجُ عُقُوبَةً لِمَا وَجَبَ عَلَى مُسْلِمٍ ، كَالْجِزْيَةِ .\r.","part":5,"page":347},{"id":2347,"text":"( 1869 ) فَصْلٌ : فَإِنْ كَانَ فِي غَلَّةِ الْأَرْضِ مَا لَا عُشْرَ فِيهِ ، كَالثِّمَارِ الَّتِي لَا زَكَاةَ فِيهَا ، وَالْخَضْرَاوَاتِ ، وَفِيهَا زَرْعٌ فِيهِ الزَّكَاةُ ، جُعِلَ مَا لَا زَكَاةَ فِيهِ فِي مُقَابَلَةِ الْخَرَاجِ ، وَزُكِّيَ مَا فِيهِ الزَّكَاةُ ، إذَا كَانَ مَا لَا زَكَاةَ فِيهِ وَافِيًا بِالْخَرَاجِ .\rوَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا عَلَيْهِ إلَّا مَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ ، أُدِّيَ الْخَرَاجُ مِنْ غَلَّتِهَا ، وَزُكِّيَ مَا بَقِيَ .\rوَهَذَا قَوْلُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ .\rرَوَى أَبُو عُبَيْدٍ ، عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي عَبْلَةَ ، قَالَ : كَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي عَوْفٍ عَامِلِهِ عَلَى فِلَسْطِينَ ، فِي مَنْ كَانَتْ فِي يَدِهِ أَرْضٌ يَحْرُثهَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ ، أَنْ يَقْبِضَ مِنْهَا جِزْيَتَهَا ، ثُمَّ يَأْخُذَ مِنْهَا زَكَاةَ مَا بَقِيَ بَعْدَ الْجِزْيَةِ .\rقَالَ ابْنُ أَبِي عَبْلَةَ : أَنَا اُبْتُلِيت بِذَلِكَ ، وَمِنِّي أَخَذُوا ذَلِكَ لِأَنَّ الْخَرَاجَ مِنْ مُؤْنَةِ الْأَرْضِ ، فَيُمْنَعُ وُجُوبُ الزَّكَاةِ فِي قَدْرِهِ ، كَمَا قَالَ أَحْمَدُ : مَنْ اسْتَدَانَ مَا أَنْفَقَ عَلَى زَرْعِهِ ، وَاسْتَدَانَ مَا أَنْفَقَ عَلَى أَهْلِهِ ، احْتَسَبَ مَا أَنْفَقَ عَلَى زَرْعِهِ دُونَ مَا أَنْفَقَ عَلَى أَهْلِهِ .\rلِأَنَّهُ مِنْ مُؤْنَةِ الزَّرْعِ .\rوَبِهَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ .\rوَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ : يَحْتَسِبُ بِالدَّيْنَيْنِ جَمِيعًا ، ثُمَّ يُخْرِجُ مِمَّا بَعْدَهُمَا .\rوَحُكِيَ عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّ الدَّيْنَ كُلَّهُ يَمْنَعُ الزَّكَاةَ فِي الْأَمْوَالِ الظَّاهِرَةِ .\rفَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ يَحْسِبُ كُلَّ دَيْنٍ عَلَيْهِ ، ثُمَّ يُخْرِجُ الْعُشْرَ مِمَّا بَقِيَ إنَّ بَلَغَ نِصَابًا .\rوَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ نِصَابًا فَلَا عُشْرَ فِيهِ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْوَاجِبَ زَكَاةٌ ، فَمَنَعَ الدَّيْنُ وُجُوبَهَا ، كَزَكَاةِ الْأَمْوَالِ الْبَاطِنَةِ ، وَلِأَنَّهُ دَيْنٌ ، فَمَنَعَ وُجُوبَ الْعُشْرِ ، كَالْخَرَاجِ ، وَمَا أَنْفَقَهُ عَلَى زَرْعِهِ .\rوَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا عَلَى الرِّوَايَةِ الْأُولَى ، أَنَّ مَا كَانَ مِنْ مُؤْنَةِ الزَّرْعِ ، فَالْحَاصِلُ فِي مُقَابَلَتِهِ يَجِبُ","part":5,"page":348},{"id":2348,"text":"صَرْفُهُ إلَى غَيْرِهِ ، فَكَأَنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ .","part":5,"page":349},{"id":2349,"text":"( 1870 ) فَصْلٌ : وَمَنْ اسْتَأْجَرَ أَرْضًا فَزَرَعَهَا ، فَالْعُشْرُ عَلَيْهِ دُونَ مَالِكِ الْأَرْضِ .\rوَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَشَرِيكٌ ، وَابْنُ الْمُبَارَكِ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : هُوَ عَلَى مَالِك الْأَرْضِ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ مُؤْنَتِهَا ، فَأَشْبَهَ الْخَرَاجَ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ وَاجِبٌ فِي الزَّرْعِ ، فَكَانَ عَلَى مَالِكِهِ ، كَزَكَاةِ الْقِيمَةِ فِيمَا إذَا أَعَدَّهُ لِلتِّجَارَةِ ، وَكَعُشْرِ زَرْعِهِ فِي مِلْكِهِ ، وَلَا يَصِحُّ قَوْلُهُمْ : إنَّهُ مِنْ مُؤْنَةِ الْأَرْضِ .\rلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مِنْ مُؤْنَتِهَا لَوَجَبَ فِيهَا وَإِنْ لَمْ تُزْرَعْ ، كَالْخَرَاجِ ، وَلَوَجَبَ عَلَى الذِّمِّيِّ كَالْخَرَاجِ ، وَلْتُقَدَّرْ بِقَدْرِ الْأَرْضِ لَا بِقَدْرِ الزَّرْعِ ، وَلَوَجَبَ صَرْفُهُ إلَى مَصَارِفِ الْفَيْءِ دُونَ مَصْرِفِ الزَّكَاةِ .\rوَلَوْ اسْتَعَارَ أَرْضًا فَزَرَعَهَا ، فَالزَّكَاةُ عَلَى صَاحِبِ الزَّرْعِ ؛ لِأَنَّهُ مَالِكُهُ .\rوَإِنْ غَصَبَهَا فَزَرَعَهَا وَأَخَذَ الزَّرْعَ ، فَالْعُشْرُ عَلَيْهِ أَيْضًا ؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ عَلَى مِلْكِهِ .\rوَإِنْ أَخَذَهُ مَالِكُهَا قَبْلَ اشْتِدَادِ حَبِّهِ ، فَالْعُشْرُ عَلَيْهِ .\rوَإِنْ أَخَذَهُ بَعْدَ ذَلِكَ ، احْتَمَلَ أَنْ يَجِبَ عَلَيْهِ أَيْضًا ؛ لِأَنَّ أَخْذَهُ إيَّاهُ اسْتَنَدَ إلَى أَوَّلِ زَرْعِهِ ، فَكَأَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْ تِلْكَ الْحَالِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ زَكَاتُهُ عَلَى الْغَاصِبِ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مِلْكًا لَهُ حِينَ وُجُوبِ عُشْرِهِ ، وَهُوَ حِينَ اشْتِدَادِ حَبِّهِ .\rوَإِنْ زَارَعَ رَجُلًا مُزَارِعَةً فَاسِدَةً ، فَالْعُشْرُ عَلَى مَنْ يَجِبُ الزَّرْعُ لَهُ .\rوَإِنْ كَانَتْ صَحِيحَةً ، فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عُشْرُ حِصَّتِهِ .\rوَإِنْ بَلَغَتْ خَمْسَةَ أَوَسْقً ، أَوْ كَانَ لَهُ مِنْ الزَّرْعِ مَا يَبْلُغُ بِضَمِّهِ إلَيْهَا خَمْسَةَ أَوْسُقٍ ، وَإِلَّا فَلَا عُشْرَ عَلَيْهِ .\rوَإِنْ بَلَغَتْ حِصَّةُ أَحَدِهِمَا دُونَ صَاحِبِهِ النِّصَابَ ، فَعَلَى مَنْ بَلَغَتْ حِصَّتُهُ النِّصَابَ عُشْرُهَا ، وَلَا شَيْءَ عَلَى الْآخَرِ ؛ لِأَنَّ الْخُلْطَةَ لَا تُؤَثِّرُ فِي غَيْرِ السَّائِمَةِ ، فِي الصَّحِيحِ .\rوَنُقِلَ عَنْ","part":5,"page":350},{"id":2350,"text":"أَحْمَدَ أَنَّهَا تُؤَثِّرُ ، فَيَلْزَمُهُمَا الْعُشْرُ إذَا بَلَغَ الزَّرْعُ جَمِيعُهُ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ ، وَيُخْرِجُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عُشْرَ نَصِيبِهِ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا مِمَّنْ لَا عُشْرَ عَلَيْهِ ، كَالْمُكَاتَبِ وَالذِّمِّيِّ ؛ فَلَا يَلْزَمُ شَرِيكَهُ عُشْرٌ إلَّا أَنْ تَبْلُغَ حِصَّتُهُ نِصَابًا ، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي الْمُسَاقَاةِ .","part":5,"page":351},{"id":2351,"text":"( 1871 ) فَصْلٌ : وَيُكْرَهُ لِلْمُسْلِمِ بَيْعُ أَرْضِهِ مِنْ ذِمِّيٍّ وَإِجَارَتُهَا مِنْهُ ؛ لِإِفْضَائِهِ إلَى إسْقَاطِ عُشْرِ الْخَارِجِ مِنْهَا .\rقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى : سَأَلْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ الْمُسْلِمِ يُؤَاجِرُ أَرْضَ الْخَرَاجِ مِنْ الذِّمِّيِّ ؟ قَالَ : لَا يُؤَاجِرُ مِنْ الذِّمِّيِّ ، إنَّمَا عَلَيْهِ الْجِزْيَةُ ، وَهَذَا ضَرَرٌ .\rوَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ : لِأَنَّهُمْ لَا يُؤَدُّونَ الزَّكَاةَ .\rفَإِنْ آجَرَهَا مِنْهُ ذِمِّيٌّ ، أَوْ بَاعَ أَرْضَهُ الَّتِي لَا خَرَاجَ عَلَيْهَا ذِمِّيًّا ، صَحَّ الْبَيْعُ وَالْإِجَارَةُ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الثَّوْرِيِّ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَشَرِيكٍ ، وَأَبِي عُبَيْدٍ ، وَلَيْسَ عَلَيْهِمْ فِيهَا عُشْرٌ وَلَا خَرَاجٌ .\rقَالَ حَرْبٌ : سَأَلْتُ أَحْمَدَ عَنْ الذِّمِّيِّ يَشْتَرِي أَرْضَ الْعُشْرِ ؟ قَالَ : لَا أَعْلَمُ عَلَيْهِ شَيْئًا ، إنَّمَا الصَّدَقَةُ كَهَيْئَةِ مَالِ الرَّجُلِ ، وَهَذَا الْمُشْتَرِي لَيْسَ عَلَيْهِ .\rوَأَهْلُ الْمَدِينَةِ يَقُولُونَ فِي هَذَا قَوْلًا حَسَنًا ، يَقُولُونَ : لَا نَتْرُكُ الذِّمِّيَّ يَشْتَرِي أَرْضَ الْعُشْرِ .\rوَأَهْلُ الْبَصْرَةِ يَقُولُونَ قَوْلًا عَجِيبًا .\rيَقُولُونَ : يُضَاعَفُ عَلَيْهِمْ .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ : أَنَّهُمْ يُمْنَعُونَ مِنْ شِرَائِهَا .\rاخْتَارَهَا الْخَلَّالُ وَصَاحِبُهُ .\rوَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَصَاحِبِهِ .\rفَإِنْ اشْتَرَوْهَا ضُوعِفَ عَلَيْهِمْ الْعُشْرُ ، وَأُخِذَ مِنْهُمْ الْخُمْسُ ؛ لِأَنَّ فِي إسْقَاطِ الْعُشْرِ مِنْ غَلَّةِ هَذِهِ الْأَرْضِ إضْرَارًا بِالْفُقَرَاءِ ، وَتَقْلِيلًا لِحَقِّهِمْ ، فَإِذَا تَعْرِضُوا لِذَلِكَ ضُوعِفَ عَلَيْهِمْ الْعُشْرُ ، كَمَا لَوْ اتَّجَرُوا بِأَمْوَالِهِمْ إلَى غَيْرِ بَلَدِهِمْ ، ضُوعِفَتْ عَلَيْهِمْ الزَّكَاةُ ، فَأُخِذَ مِنْهُمْ نِصْفُ الْعُشْرِ .\rوَهَذَا قَوْلُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ ، وَأَبِي يُوسُفَ .\rوَيُرْوَى ذَلِكَ عَنْ الْحَسَنِ ، وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ الْعَنْبَرِيِّ .\rوَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ : الْعُشْرُ بِحَالِهِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : تَصِيرُ أَرْضَ خَرَاجٍ .\rوَلَنَا ، أَنَّ هَذِهِ أَرْضٌ لَا خَرَاجَ عَلَيْهَا ، فَلَا يَلْزَمُ فِيهَا الْخَرَاجُ بِبَيْعِهَا ،","part":5,"page":352},{"id":2352,"text":"كَمَا لَوْ بَاعَهَا مُسْلِمًا ، وَلِأَنَّهَا مَالُ مُسْلِمٍ يَجِبْ الْحَقُّ فِيهِ لِلْفُقَرَاءِ عَلَيْهِ ، فَلَمْ يُمْنَعْ مِنْ بَيْعِهِ لِلذِّمِّيِّ كَالسَّائِمَةِ ، وَإِذَا مَلَكَهَا الذِّمِّيُّ فَلَا عُشْرَ عَلَيْهِ فِيمَا يَخْرُجُ مِنْهَا ؛ لِأَنَّهَا زَكَاةٌ ، فَلَا تَجِبُ عَلَى الذِّمِّيِّ ، كَزَكَاةِ السَّائِمَةِ ، وَمَا ذَكَرَهُ يَبْطُلُ بِالسَّائِمَةِ ؛ فَإِنَّ الذِّمِّيَّ يَصِحُّ أَنْ يَشْتَرِيَهَا ، وَتَسْقُطُ الزَّكَاةُ مِنْهَا ، وَمَا ذَكَرُوهُ مِنْ تَضْعِيفِ الْعُشْرِ ، تَحَكُّمٌ لَا نَصَّ فِيهِ ، وَلَا قِيَاسَ .","part":5,"page":353},{"id":2353,"text":"( 1872 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَتُضَمُّ الْحِنْطَةُ إلَى الشَّعِيرِ ، وَتُزَكَّى إذَا كَانَتْ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ ، وَكَذَلِكَ الْقِطْنِيَّاتُ ، وَكَذَلِكَ الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ ) ، وَعَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ، رِوَايَةٌ أُخْرَى ، أَنَّهَا لَا تُضَمُّ ، وَتُخْرَجُ مِنْ كُلِّ صِنْفٍ إنْ كَانَ مَنْصِبًا لِلزَّكَاةِ .\rالْقِطْنِيَّاتُ ، بِكَسْرِ الْقَافِ : جَمْعُ قِطْنِيَّةٍ ؛ وَيُجْمَعُ أَيْضًا قَطَانِيُّ .\rقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : هِيَ صُنُوفُ الْحُبُوبِ ، مِنْ الْعَدَسِ ، وَالْحِمَّصِ ، وَالْأُرْزِ ، وَالْجُلُبَّانِ ، وَالْجُلْجُلَانِ - يَعْنِي السِّمْسِمَ - وَزَادَ غَيْرُهُ : الدُّخْنَ ، وَاللُّوبِيَا ، وَالْفُولَ ، وَالْمَاشَ .\rوَسُمِّيَتْ قِطْنِيَّةً ، فِعْلِيَّةٌ ، مِنْ قَطَنَ يَقْطُنُ فِي الْبَيْتِ ، أَيْ يَمْكُثُ فِيهِ .\rوَلَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ ، فِي غَيْرِ الْحُبُوبِ وَالثِّمَارِ ، أَنَّهُ لَا يُضَمُّ جِنْسٌ إلَى جِنْسٍ آخَرَ فِي تَكْمِيلِ النِّصَابِ .\rفَالْمَاشِيَةُ ثَلَاثَةُ أَجْنَاسٍ : الْإِبِلُ ، وَالْبَقَرُ ، وَالْغَنَمُ ، لَا يُضَمُّ جِنْسٌ مِنْهَا إلَى آخَرَ .\rوَالثِّمَارُ لَا يُضَمُّ جِنْسٌ إلَى غَيْرِهِ ، فَلَا يُضَمُّ التَّمْرُ إلَى الزَّبِيبِ ، وَلَا إلَى اللَّوْزِ ، وَالْفُسْتُقِ ، وَالْبُنْدُقِ وَلَا يُضَمُّ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ إلَى غَيْرِهِ ، وَلَا تُضَمُّ الْأَثْمَارُ إلَى شَيْءٍ مِنْ السَّائِمَةِ ، وَلَا مِنْ الْحُبُوبِ وَالثِّمَارِ .\rوَلَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ ، فِي أَنَّ أَنْوَاعَ الْأَجْنَاسِ يُضَمُّ بَعْضُهَا إلَى بَعْضٍ فِي إكْمَالِ النِّصَابِ .\rوَلَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ أَيْضًا فِي أَنَّ الْعُرُوضَ تُضَمُّ إلَى الْأَثْمَانِ ، وَتُضَمُّ الْأَثْمَانُ إلَيْهَا ، إلَّا أَنَّ الشَّافِعِيَّ لَا يَضُمُّهَا إلَّا إلَى جِنْسِ مَا اُشْتُرِيَتْ بِهِ ، لِأَنَّ نِصَابَهَا مُعْتَبَرٌ بِهِ .\rوَاخْتَلَفُوا فِي ضَمِّ الْحُبُوبِ بَعْضِهَا إلَى بَعْضٍ ، وَفِي ضَمِّ أَحَدِ النَّقْدَيْنِ إلَى الْآخَرِ ، فَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ فِي الْحُبُوبِ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ ؛ إحْدَاهُنَّ ، لَا يُضَمُّ جِنْسٌ مِنْهَا إلَى غَيْرِهِ ، وَيُعْتَبَرُ النِّصَابُ فِي كُلِّ جِنْسٍ مِنْهَا مُنْفَرِدًا هَذَا قَوْلُ عَطَاءٍ ، وَمَكْحُولٍ ، وَابْنِ أَبِي لَيْلَى ،","part":5,"page":354},{"id":2354,"text":"وَالْأَوْزَاعِيِّ وَالثَّوْرِيِّ ، وَالْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ ، وَشَرِيكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ وَأَبِي عُبَيْدٍ وَأَبِي ثَوْرٍ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ ؛ لِأَنَّهَا أَجْنَاسٌ ، فَاعْتُبِرَ النِّصَابُ فِي كُلِّ جِنْسٍ مِنْهَا مُنْفَرِدًا ، كَالثِّمَارِ أَيْضًا وَالْمَوَاشِي .\rوَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ ، أَنَّ الْحُبُوبَ كُلَّهَا تُضَمُّ بَعْضُهَا إلَى بَعْضٍ فِي تَكْمِيلِ النِّصَابِ .\rاخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ .\rوَهَذَا قَوْلُ عِكْرِمَةَ ، وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ طَاوُسٌ .\rوَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : لَا نَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ الْمَاضِينَ جَمَعَ بَيْنَهُمَا إلَّا عِكْرِمَةَ .\rوَذَلِكَ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { لَا زَكَاةَ فِي حَبٍّ وَلَا ثَمَرٍ حَتَّى يَبْلُغَ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ } وَمَفْهُومُهُ وُجُوبُ الزَّكَاةِ فِيهِ إذَا بَلَغَ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ .\rوَلِأَنَّهَا تَتَّفِقُ فِي النِّصَابِ وَقَدْرِ الْمُخْرَجِ ، وَالْمَنْبِتِ وَالْحَصَادِ ، فَوَجَبَ ضَمُّ بَعْضِهَا إلَى بَعْضٍ ، كَأَنْوَاعِ الْجِنْسِ .\rوَهَذَا الدَّلِيلُ مُنْتَقِضٌ بِالثِّمَارِ .\rوَالثَّالِثَةُ ، أَنَّ الْحِنْطَةَ تُضَمُّ إلَى الشَّعِيرِ ، وَتُضَمُّ الْقِطْنِيَّاتُ بَعْضُهَا إلَى بَعْضٍ .\rنَقَلَهَا أَبُو الْحَارِثِ ، عَنْ أَحْمَدَ ، وَحَكَاهَا الْخِرَقِيِّ .\rقَالَ الْقَاضِي : وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ ، وَاللَّيْثِ ، إلَّا أَنَّهُ زَادَ ، فَقَالَ : السُّلْتُ ، وَالذُّرَةُ ، وَالدُّخْنُ ، وَالْأُرْزُ ، وَالْقَمْحُ ، وَالشَّعِيرُ ، صِنْفٌ وَاحِدٌ وَلَعَلَّهُ يَحْتَجُّ بِأَنَّ هَذَا كُلَّهُ مُقْتَاتٌ ، فَيُضَمُّ بَعْضُهُ إلَى بَعْضٍ ، كَأَنْوَاعِ الْحِنْطَةِ .\rوَقَالَ الْحَسَنُ ، وَالزُّهْرِيُّ : تُضَمُّ الْحِنْطَةُ إلَى الشَّعِيرِ ؛ لِأَنَّهَا تَتَّفِقُ فِي الِاقْتِيَاتِ وَالْمَنْبَتِ وَالْحَصَادِ وَالْمَنَافِعِ ، فَوَجَبَ ضَمُّهَا ، كَمَا يُضَمُّ الْعَلَسُ إلَى الْحِنْطَةِ ، وَأَنْوَاعُ الْجِنْسِ بَعْضُهَا إلَى بَعْضٍ .\rوَالرِّوَايَةُ الْأُولَى أَوْلَى ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ؛ لِأَنَّهَا أَجْنَاسٌ يَجُوزُ التَّفَاضُلُ فِيهَا ، فَلَمْ يُضَمُّ بَعْضُهَا إلَى بَعْضٍ كَالثِّمَارِ .\rوَلَا يَصِحُّ الْقِيَاسُ عَلَى الْعَلَسِ مَعَ الْحِنْطَةِ ؛","part":5,"page":355},{"id":2355,"text":"لِأَنَّهُ نَوْعٌ مِنْهَا ، وَلَا عَلَى أَنْوَاعِ الْجِنْسِ ؛ لِأَنَّ الْأَنْوَاعَ كُلَّهَا جِنْسٌ وَاحِدٌ يَحْرُمُ التَّفَاضُلُ فِيهَا ، وَثَبَتَ حُكْمُ الْجِنْسِ فِي جَمِيعِهَا ، بِخِلَافِ الْأَجْنَاسِ .\rوَإِذَا انْقَطَعَ الْقِيَاسُ ، لَمْ يَجُزْ إيجَابُ الزَّكَاةِ بِالتَّحَكُّمِ ، وَلَا بِوَصْفٍ غَيْرِ مُعْتَبَرٍ ، ثُمَّ هُوَ بَاطِلٌ بِالثِّمَارِ ، فَإِنَّهَا تَتَّفِقُ فِيمَا ذَكَرُوهُ ، وَلَا يُضَمُّ بَعْضُهَا إلَى بَعْضٍ ، وَلِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْوُجُوبِ ، فَمَا لَمْ يَرِدْ بِالْإِيجَابِ نَصٌّ أَوْ إجْمَاعٌ أَوْ مَعْنَاهُمَا ، لَا يَثْبُتُ إيجَابُهُ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .\rوَلَا خِلَافَ فِيمَا نَعْلَمُهُ فِي ضَمِّ الْحِنْطَةِ إلَى الْعَلَسِ ؛ لِأَنَّهُ نَوْعٌ مِنْهَا .\rوَعَلَى قِيَاسِهِ السُّلْتُ يُضَمُّ إلَى الشَّعِيرِ ؛ لِأَنَّهُ مِنْهُ .\r( 1873 ) فَصْلٌ : وَلَا تَفْرِيعَ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ ؛ لِوُضُوحِهِمَا .\rفَأَمَّا الثَّالِثَةُ ، وَهِيَ ضَمُّ الْحِنْطَةِ إلَى الشَّعِيرِ ، وَالْقِطْنِيَّاتُ بَعْضِهَا إلَى بَعْضٍ ، فَإِنَّ الذُّرَةَ تُضَمُّ إلَى الدُّخْنِ ، لِتَقَارُبِهِمَا فِي الْمَقْصِدِ ، فَإِنَّهُمَا يُتَّخَذَانِ خُبْزًا وَأُدْمًا ، وَقَدْ ذُكِرَا مِنْ جُمْلَةِ الْقِطْنِيَّاتِ أَيْضًا ، فَيَضُمَّانِ إلَيْهَا .\rوَأَمَّا الْبُزُورُ فَلَا تُضَمُّ إلَى الْقِطْنِيَّاتِ ، وَلَكِنَّ الْأَبَازِيرَ يُضَمُّ بَعْضُهَا إلَى بَعْضٍ ؛ لِتَقَارُبِهَا فِي الْمَقْصِدِ ، فَأَشْبَهَتْ الْقِطْنِيَّاتِ .\rوَحُبُوبُ الْبُقُولِ لَا تُضَمُّ إلَى الْقِطْنِيَّاتِ ، وَلَا إلَى الْبُزُورِ ، فَمَا تَقَارَبَ مِنْهَا ضُمَّ بَعْضُهُ إلَى بَعْضٍ ، وَمَا لَا فَلَا ، وَمَا شَكَكْنَا فِيهِ لَا يُضَمُّ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْوُجُوبِ ، فَلَا يَجِبُ بِالشَّكِّ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ( 1874 ) فَصْلٌ : وَذَكَرَ الْخِرَقِيِّ فِي ضَمِّ الذَّهَبِ إلَى الْفِضَّةِ رِوَايَتَيْنِ .\rوَقَدْ ذَكَرْنَاهُمَا فِيمَا مَضَى ، وَاخْتَارَ أَبُو بَكْرٍ ، أَنَّهُ لَا يُضَمُّ أَحَدُهُمَا إلَى الْآخَرِ ، مَعَ اخْتِيَارِهِ الضَّمَّ فِي الْحُبُوبِ ؛ لِاخْتِلَافِ نِصَابِهِمَا ، وَاتِّفَاقِ نِصَابِ الْحُبُوبِ .\r.","part":5,"page":356},{"id":2356,"text":"( 1875 ) فَصْلٌ : وَمَتَى قُلْنَا بِالضَّمِّ ، فَإِنَّ الزَّكَاةَ تُؤْخَذُ مِنْ كُلِّ جِنْسٍ عَلَى قَدْرِ مَا يَخُصُّهُ ، وَلَا يُؤْخَذُ مِنْ جِنْسٍ عَنْ غَيْرِهِ ، فَإِنَّنَا إذَا قُلْنَا فِي أَنْوَاعِ الْجِنْسِ : يُؤْخَذُ مِنْ كُلِّ نَوْعٍ مَا يَخُصُّهُ .\rفَأَوْلَى أَنْ يُعْتَدَّ ذَلِكَ فِي الْأَجْنَاسِ الْمُخْتَلِفَةِ ، مَعَ تَفَاوُتِ مَقَاصِدهَا ، إلَّا الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ ، فَإِنَّ فِي إخْرَاجِ أَحَدِهِمَا عَنْ الْآخَرِ رِوَايَتَيْنِ .","part":5,"page":357},{"id":2357,"text":"( 1876 ) فَصْلٌ : وَيُضَمُّ زَرْعُ الْعَامِ الْوَاحِدِ بَعْضُهُ إلَى بَعْضٍ فِي تَكْمِيلِ النِّصَابِ ، سَوَاءٌ اتَّفَقَ وَقْتُ زَرْعِهِ وَإِدْرَاكِهِ ، أَوْ اخْتَلَفَ .\rوَلَوْ كَانَ مِنْهُ صَيْفِيٌّ وَرَبِيعِيٌّ ، ضُمَّ الصَّيْفِيُّ إلَى الرَّبِيعِيِّ .\rوَلَوْ حَصَدْت الذُّرَةَ وَالدُّخْنَ ، ثُمَّ نَبَتَ أُصُولُهُمَا يُضَمُّ أَحَدُهُمَا إلَى الْآخَرِ فِي تَكْمِيلِ النِّصَابِ ؛ لِأَنَّ الْجَمِيعَ زَرْعُ عَامٍ وَاحِدٍ ، فَضُمَّ بَعْضُهُ إلَى بَعْضٍ ، كَمَا لَوْ تَقَارَبَ زَرْعُهُ وَإِدْرَاكُهُ .","part":5,"page":358},{"id":2358,"text":"( 1877 ) فَصْلٌ : وَتُضَمُّ ثَمَرَةُ الْعَامِ الْوَاحِدِ بَعْضُهَا إلَى بَعْضٍ ، سَوَاءٌ اتَّفَقَ وَقْتُ إطْلَاعِهَا وَإِدْرَاكِهَا ، أَوْ اخْتَلَفَ ، فَيُقَدَّمُ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ فِي ذَلِكَ .\rوَلَوْ أَنَّ الثَّمَرَةَ جُذَّتْ ثُمَّ أَطْلَعَتْ الْأُخْرَى وَجُذَّتْ ، ضُمَّتْ إحْدَاهُمَا إلَى الْأُخْرَى .\rفَإِنْ كَانَ لَهُ نَخْلٌ يَحْمِلُ فِي السَّنَةِ حَمْلَيْنِ ، ضُمَّ أَحَدُهُمَا إلَى الْآخَرِ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : لَا يُضَمُّ .\rوَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ حَمَلٌ يَنْفَصِلُ عَنْ الْأَوَّلِ ، فَكَانَ حُكْمُهُ حُكْمَ حَمْلِ عَامٍ آخَرَ .\rوَإِنْ كَانَ لَهُ نَخْلٌ يَحْمِلُ مَرَّةً ، وَنَخْلٌ يَحْمِلُ مَرَّتَيْنِ ، ضَمَمْنَا الْحَمْلَ الْأَوَّلَ إلَى الْحَمْلِ الْمُنْفَرِدِ ، وَلَمْ يَجِبْ فِي الثَّانِي شَيْءٌ ، إلَّا أَنْ يَبْلُغَ بِمُفْرَدِهِ نِصَابًا .\rوَالصَّحِيحُ أَنَّ أَحَدَ الْحَمْلَيْنِ يُضَمُّ إلَى الْآخَرِ .\rذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ وَابْنُ عَقِيلٍ ؛ لِأَنَّهُمَا ثَمَرَةُ عَامٍ وَاحِدٍ ، فَيُضَمُّ بَعْضُهَا إلَى بَعْضٍ ، كَزَرْعِ الْعَامِ الْوَاحِدِ ، وَكَالذُّرَةِ الَّتِي تُنْبِتُ ، مَرَّتَيْنِ ، وَلِأَنَّ الْحَمْلَ الثَّانِي يُضَمُّ إلَى الْحَمْلِ الْمُنْفَرِدِ لَوْ لَمْ يَكُنْ حَمْلٌ أَوَّلُ ، فَكَذَلِكَ إذَا كَانَ ، فَإِنَّ وُجُودَ الْحَمْلِ الْأَوَّلِ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مَانِعًا ، بِدَلِيلِ حَمَلِ الذُّرَةِ الْأَوَّلِ ، وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ الِانْفِصَالِ يَبْطُلُ بِالذُّرَةِ .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ .","part":5,"page":359},{"id":2359,"text":"بَابُ زَكَاةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَهِيَ وَاجِبَةٌ بِالْكِتَابِ ، وَالسُّنَّةِ ، وَالْإِجْمَاعِ زَكَاةِ .\rأَمَّا الْكِتَابُ ، فَقَوْلُهُ تَعَالَى : { وَاَلَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } .\rوَالْآيَةُ الْأُخْرَى .\rوَلَا يُتَوَعَّدُ بِهَذِهِ الْعُقُوبَةِ إلَّا عَلَى تَرْكِ وَاجِبٍ وَأَمَّا السُّنَّةُ ، فَمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ، قَالَ : { قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا مِنْ صَاحِبِ ذَهَبٍ وَلَا فِضَّةٍ لَا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا ، إلَّا إذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ ، صُفِّحَتْ لَهُ صَفَائِحَ مِنْ نَارٍ ، فَأُحْمِيَ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ ، فَيُكْوَى بِهَا جَنْبُهُ وَجَبْهَتُهُ وَظَهْرُهُ ، كُلَّمَا بَرَدَتْ أُعِيدَتْ عَلَيْهِ ، فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ ، حَتَّى يَقْضِيَ اللَّهُ بَيْنَ الْعِبَادِ } أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ .\rوَرَوَى الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ ، فِي كِتَابِ أَنَسٍ : { وَفِي الرِّقَةِ رُبْعُ الْعُشْرِ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ إلَّا تِسْعِينَ وَمِائَةً ، فَلَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ ، إلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبُّهَا } .\rوَالرِّقَةُ : هِيَ الدَّرَاهِمُ الْمَضْرُوبَةُ .\rوَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَأَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ فِي مِائَتَيْ دِرْهَمٍ خَمْسَةَ دَرَاهِمَ ، وَعَلَى أَنَّ الذَّهَبَ إذَا كَانَ عِشْرِينَ مِثْقَالًا ، وَقِيمَتُهُ مِائَتَا دِرْهَمٍ ، أَنَّ الزَّكَاةَ تَجِبْ فِيهِ ، إلَّا مَا اُخْتُلِفَ فِيهِ عَنْ الْحَسَنِ .","part":5,"page":360},{"id":2360,"text":"( 1878 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ : ( وَلَا زَكَاةَ فِيمَا دُونَ الْمِائَتَيْ دِرْهَمٍ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي مِلْكِهِ ذَهَبٌ أَوْ عُرُوضٌ لِلتِّجَارَةِ ، فَيُتِمُّ بِهِ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ نِصَابَ الْفِضَّةِ مِائَتَا دِرْهَمٍ ، لَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ عُلَمَاءِ الْإِسْلَامِ ، وَقَدْ بَيَّنَتْهُ السُّنَّةُ الَّتِي رَوَيْنَاهَا بِحَمْدِ اللَّهِ ، وَالدَّرَاهِمُ الَّتِي يُعْتَبَرُ بِهَا النِّصَابُ هِيَ الدَّرَاهِمُ الَّتِي كُلُّ عَشَرَةٍ مِنْهَا وَزْنُ سَبْعَةِ مَثَاقِيلَ بِمِثْقَالِ الذَّهَبِ ، وَكُلُّ دِرْهَمٍ نِصْفُ مِثْقَالٍ وَخُمْسُهُ ، وَهِيَ الدَّرَاهِمُ الْإِسْلَامِيَّةُ الَّتِي تُقَدَّرُ بِهَا نُصُبُ الزَّكَاةِ ، وَمِقْدَارُ الْجِزْيَةِ ، وَالدِّيَاتُ ، وَنِصَابُ الْقَطْعِ فِي السَّرِقَةِ ، وَغَيْرُ ذَلِكَ .\rوَكَانَتْ الدَّرَاهِمُ فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ صِنْفَيْنِ ، سُودًا ، وَطَبَرِيَّةً ، وَكَانَتْ السُّودُ ثَمَانِيَةَ دَوَانِيقَ ، وَالطَّبَرِيَّةُ أَرْبَعَةَ دَوَانِيقَ ، فَجُمِعَا فِي الْإِسْلَامِ ، وَجُعِلَا دِرْهَمَيْنِ مُتَسَاوِيَيْنِ ، فِي كُلِّ دِرْهَمٍ سِتَّةُ دَوَانِيقَ ، فَعَلَ ذَلِكَ بَنُو أُمَيَّةَ ، فَاجْتَمَعَتْ فِيهَا ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ : أَحَدُهَا ، أَنَّ كُلَّ عَشَرَةٍ وَزْنُ سَبْعَةٍ .\rوَالثَّانِي ، أَنَّهُ عَدْلٌ بَيْنَ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ .\rوَالثَّالِثُ ، أَنَّهُ مُوَافِقٌ لِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَدِرْهَمِهِ الَّذِي قَدَّرَ بِهِ الْمَقَادِيرَ الشَّرْعِيَّةَ .\rوَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ التِّبْرِ وَالْمَضْرُوبِ .\rوَمَتَى نَقَصَ النِّصَابُ عَنْ ذَلِكَ فَلَا زَكَاةَ فِيهِ ، سَوَاءٌ كَانَ النَّقْصُ كَثِيرًا أَوْ يَسِيرًا .\rهَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ ، وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ، وَإِسْحَاقَ ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ لِظَاهِرِ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ } .\rوَالْأُوقِيَّةُ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا .\rبِغَيْرِ خِلَافٍ ، فَيَكُونُ ذَلِكَ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ .\rوَقَالَ غَيْرُ الْخِرَقِيِّ مِنْ أَصْحَابِنَا : إنْ كَانَ النَّقْصُ يَسِيرًا ، كَالْحَبَّةِ وَالْحَبَّتَيْنِ ، وَجَبَتْ الزَّكَاةُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُضْبَطُ غَالِبًا ،","part":5,"page":361},{"id":2361,"text":"فَهُوَ كَنَقْصِ الْحَوْلِ سَاعَةً أَوْ سَاعَتَيْنِ ، وَإِنْ كَانَ نَقْصًا بَيِّنًا ، كَالدَّانَقِ وَالدَّانَقَيْنِ ، فَلَا زَكَاةَ فِيهِ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ .\rأَنَّ نِصَابَ الذَّهَبِ إذَا نَقَصَ ثُلُثَ مِثْقَالٍ زَكَّاهُ .\rوَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَسُفْيَانَ .\rوَإِنْ نَقَصَ نِصْفًا لَا زَكَاةَ فِيهِ .\rوَقَالَ أَحْمَدُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ : إذَا نَقَصَ ثُمْنًا لَا زَكَاةَ فِيهِ .\rاخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : إذَا نَقَصَتْ نَقْصًا يَسِيرًا يَجُوزُ جَوَازَ الْوَازِنَةِ ، وَجَبَتْ الزَّكَاةُ ، لِأَنَّهَا تَجُوزَ جَوَازَ الْوَازِنَةِ ، أَشْبَهَتْ الْوَازِنَةَ .\rوَالْأَوَّلُ ظَاهِرُ الْخَبَرِ ، فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَعْدِلَ عَنْهُ .\rفَأَمَّا قَوْلُهُ : \" إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي مِلْكِهِ ذَهَبٌ أَوْ عُرُوضٌ لِلتِّجَارَةِ فَيُتِمُّ بِهِ \" .\rفَإِنَّ عُرُوضَ التِّجَارَةِ تُضَمُّ إلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ ، وَيَكْمُلُ بِهِ نِصَابُهُ .\rلَا نَعْلَمُ فِيهِ اخْتِلَافًا .\rقَالَ الْخَطَّابِيُّ : لَا أَعْلَمُ عَامَّتَهُمْ اخْتَلَفُوا فِيهِ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الزَّكَاةَ إنَّمَا تَجِبْ فِي قِيمَتِهَا ، فَتُقَوَّمُ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ، فَتُضَمُّ إلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا .\rوَلَوْ كَانَ لَهُ ذَهَبٌ وَفِضَّةٌ وَعُرُوضٌ ، وَجَبَ ضَمُّ الْجَمِيعِ بَعْضِهِ إلَى بَعْضٍ فِي تَكْمِيلِ النِّصَابِ ؛ لِأَنَّ الْعَرْضَ مَضْمُومٌ إلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ، فَيَجِبُ ضَمُّهُمَا إلَيْهِ ، وَجَمْعُ الثَّلَاثَةِ .\rفَأَمَّا إنْ كَانَ لَهُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ مَا لَا يَبْلُغُ نِصَابًا بِمُفْرَدِهِ ، أَوْ كَانَ لَهُ نِصَابٌ مِنْ أَحَدِهِمَا وَأَقَلُّ مِنْ نِصَابٍ مِنْ الْآخَرِ ، فَقَدْ تَوَقَّفَ أَحْمَدُ عَنْ ضَمِّ أَحَدِهِمَا إلَى الْآخَرِ ، فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ وَجَمَاعَةٍ ، وَقَطَعَ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ ، أَنَّهُ لَا زَكَاةَ عَلَيْهِ حَتَّى يَبْلُغَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصَابًا .\rوَذَكَرَ الْخِرَقِيِّ فِيهِ رِوَايَتَيْنِ فِي الْبَابِ قَبْلَهُ ، إحْدَاهُمَا لَا يُضَمُّ .\rوَهُوَ قَوْلُ ابْنِ أَبِي لَيْلَى ، وَالْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ ، وَشَرِيكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي عُبَيْدٍ ، وَأَبِي ثَوْرٍ .","part":5,"page":362},{"id":2362,"text":"وَاخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ ؛ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ .\r} وَلِأَنَّهُمَا مَالَانِ يَخْتَلِفُ نِصَابُهُمَا ، فَلَا يُضَمُّ أَحَدُهُمَا إلَى الْآخَرِ ، كَأَجْنَاسِ الْمَاشِيَةِ ، وَالثَّانِيَةُ ، يُضَمُّ أَحَدُهُمَا إلَى الْآخَرِ فِي تَكْمِيلِ النِّصَابِ .\rوَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ وَقَتَادَةَ ، وَمَالِكٍ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ ؛ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا يُضَمُّ إلَى مَا يُضَمُّ إلَيْهِ الْآخَرُ ، فَيُضَمُّ إلَى الْآخَرِ .\rكَأَنْوَاعِ الْجِنْسِ ، وَلِأَنَّ نَفْعَهُمَا وَاحِدٌ ، وَالْمَقْصُودُ مِنْهُمَا مُتَّحِدٌ .\rفَإِنَّهُمَا قِيَمُ الْمُتْلَفَاتِ ، وَأُرُوشُ الْجِنَايَاتِ ، وَأَثْمَانُ الْبِيَاعَاتِ ، وَحُلِيٌّ لِمَنْ يُرِيدُهُمَا لِذَلِكَ ، فَأَشْبَهَا النَّوْعَيْنِ ، وَالْحَدِيثُ مَخْصُوصٌ بِعَرْضِ التِّجَارَةِ ، فَنَقِيسُ عَلَيْهِ .\rفَإِذَا قُلْنَا بِالضَّمِّ ، فَإِنَّ أَحَدَهُمَا يُضَمُّ إلَى الْآخَرِ بِالْأَجْزَاءِ ، يَعْنِي أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُحْتَسَبُ مِنْ نِصَابِهِ ، فَإِذَا كَمَلَتْ أَجْزَاؤُهُمَا نِصَابًا ، وَجَبَتْ الزَّكَاةُ ، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُ نِصْفُ نِصَابٍ مِنْ أَحَدِهِمَا ، وَنِصْفُ نِصَابٍ أَوْ أَكْثَرُ مِنْ الْآخَرِ ، أَوْ ثُلُثٌ مِنْ أَحَدِهِمَا ، وَثُلُثَانِ أَوْ أَكْثَرُ مِنْ الْآخَرِ .\rفَلَوْ مَلَكَ مِائَةَ دِرْهَمٍ وَعَشَرَةَ دَنَانِيرَ ، أَوْ مِائَةً وَخَمْسِينَ دِرْهَمًا وَخَمْسَةَ دَنَانِيرَ ، أَوْ مِائَةً وَعِشْرِينَ دِرْهَمًا وَثَمَانِيَةَ دَنَانِيرَ ، وَجَبَتْ الزَّكَاةُ فِيهِمَا .\rوَإِنْ نَقَصَتْ أَجْزَاؤُهُمَا عَنْ نِصَابٍ فَلَا زَكَاةَ فِيهِمَا .\rسُئِلَ أَحْمَدُ ، عَنْ رَجُلٍ عِنْدَهُ ثَمَانِيَةُ دَنَانِيرَ وَمِائَةُ دِرْهَمٍ ؟ فَقَالَ : إنَّمَا قَالَ مَنْ قَالَ فِيهَا الزَّكَاةُ ، إذَا كَانَ عِنْدَهُ عَشَرَةُ دَنَانِيرَ وَمِائَةُ دِرْهَمٍ .\rوَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ ، وَأَبِي يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٍ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَا تُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ فِي وُجُوبِ الزَّكَاةِ إذَا كَانَ مُنْفَرِدًا ، فَلَا تُعْتَبَرُ إذَا كَانَ عِنْدَهُ عَشَرَةُ دَنَانِيرَ مَضْمُونَةً كَالْحُبُوبِ","part":5,"page":363},{"id":2363,"text":"وَالثِّمَارِ وَأَنْوَاعِ الْأَجْنَاسِ كُلِّهَا .\rوَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ ، فِي رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيِّ ، أَنَّهَا تُضَمُّ بِالْأَحْوَطِ مِنْ الْأَجْزَاءِ وَالْقِيمَةِ .\rوَمَعْنَاهُ أَنَّهُ يُقَوَّمُ الْغَالِي مِنْهُمَا بِقِيمَةِ الرَّخِيصِ ، فَإِذَا بَلَغَتْ قِيمَتُهُمَا بِالرَّخِيصِ مِنْهُمَا نِصَابًا وَجَبَتْ الزَّكَاةُ فِيهِمَا ؛ فَلَوْ مَلَكَ مِائَةَ دِرْهَمٍ وَتِسْعَةَ دَنَانِيرَ قِيمَتُهَا مِائَةُ دِرْهَمٍ ، أَوْ عَشَرَةَ دَنَانِيرَ وَتِسْعِينَ دِرْهَمًا قِيمَتُهَا عَشَرَةُ دَنَانِيرَ ، وَجَبَتْ الزَّكَاةُ فِيهَا .\rوَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ فِي تَقْوِيمِ الدَّنَانِيرِ بِالْفِضَّةِ ؛ لِأَنَّ كُلَّ نِصَابِ وَجَبَ فِيهِ ضَمُّ الذَّهَبِ إلَى الْفِضَّةِ ، ضُمَّ بِالْقِيمَةِ ، كَنِصَابِ الْقَطْعِ فِي السَّرِقَةِ ، وَلِأَنَّ أَصْلَ الضَّمِّ لِتَحْصِيلِ حَظِّ الْفُقَرَاءِ ، فَكَذَلِكَ صِفَةُ الضَّمِّ .\rوَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ؛ لِأَنَّ الْأَثْمَانَ تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي أَعْيَانِهَا ، فَلَا تُعْتَبَرُ قِيمَتُهَا ، كَمَا لَوْ انْفَرَدَتْ .\rوَيُخَالِفُ نِصَابَ الْقَطْعِ ، فَإِنَّ نِصَابَ الْقَطْعِ فِيهِ الْوَرِقُ خَاصَّةً فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ ، وَفِي الْأُخْرَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ فِي الذَّهَبِ حَتَّى يَبْلُغَ رُبْعَ دِينَارٍ .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":5,"page":364},{"id":2364,"text":"( 1879 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَكَذَلِكَ دُونَ الْعِشْرِينَ مِثْقَالًا ) يَعْنِي أَنَّ مَا دُونَ الْعِشْرِينَ لَا زَكَاةَ فِيهِ إلَّا أَنْ يَتِمَّ بِوَرِقٍ أَوْ عُرُوضِ تِجَارَةٍ .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الذَّهَبَ إذَا كَانَ عِشْرِينَ مِثْقَالًا قِيمَتُهَا مِائَتَا دِرْهَمٍ ، أَنَّ الزَّكَاةَ تَجِبُ فِيهَا ، إلَّا مَا حُكِيَ عَنْ الْحَسَنِ أَنَّهُ قَالَ : لَا زَكَاةَ فِيهَا حَتَّى تَبْلُغَ أَرْبَعِينَ ، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ إذَا كَانَ أَقَلَّ مِنْ عِشْرِينَ مِثْقَالًا وَلَا يَبْلُغُ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ فَلَا زَكَاةَ فِيهِ .\rوَقَالَ عَامَّةُ الْفُقَهَاءِ : نِصَابُ الذَّهَبِ عِشْرُونَ مِثْقَالًا مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ قِيمَتِهَا ، إلَّا مَا حُكِيَ عَنْ عَطَاءٍ ، وَطَاوُسٍ ، وَالزُّهْرِيِّ ، وَسُلَيْمَانَ بْنِ حَرْبٍ ، وَأَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيُّ ، أَنَّهُمْ قَالُوا : هُوَ مُعْتَبَرٌ بِالْفِضَّةِ ، فَمَا كَانَ قِيمَتُهُ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ ، فَفِيهِ الزَّكَاةُ ، وَإِلَّا فَلَا ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَقْدِيرٌ فِي نِصَابِهِ ، فَثَبَتَ أَنَّهُ حَمَلَهُ عَلَى الْفِضَّةِ .\rوَلَنَا مَا رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { لَيْسَ فِي أَقَلَّ مِنْ عِشْرِينَ مِثْقَالًا مِنْ الذَّهَبِ ، وَلَا فِي أَقَلَّ مِنْ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ صَدَقَةٌ } .\rرَوَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ .\rوَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، وَعَائِشَةَ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَأْخُذُ مِنْ كُلِّ عِشْرِينَ دِينَارًا فَصَاعِدًا نِصْفَ دِينَارٍ ، وَمِنْ الْأَرْبَعِينَ دِينَارًا دِينَارًا } .\rوَرَوَى سَعِيدٌ ، وَالْأَثْرَمُ ، عَنْ عَلِيٍّ : \" فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ دِينَارًا دِينَارًا ، وَفِي كُلِّ عِشْرِينَ دِينَارًا نِصْفَ دِينَارٍ \" ، وَرَوَاهُ غَيْرُهُمَا مَرْفُوعًا إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rوَلِأَنَّهُ مَالٌ تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي عَيْنِهِ ، فَلَمْ يُعْتَبَرْ بِغَيْرِهِ ، كَسَائِرِ الْأَمْوَالِ الزَّكَوِيَّةِ .","part":5,"page":365},{"id":2365,"text":"( 1880 ) فَصْلٌ : وَمَنْ مَلَكَ ذَهَبًا ، أَوْ فِضَّةً مَغْشُوشَةً ، أَوْ مُخْتَلِطًا بِغَيْرِهِ ، فَلَا زَكَاةَ فِيهِ ، حَتَّى يَبْلُغَ قَدْرُ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ نِصَابًا ؛ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ مِنْ الْوَرِقِ صَدَقَةٌ .\r} فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ قَدْرَ مَا فِيهِ مِنْهُمَا ، وَشَكَّ هَلْ بَلَغَ نِصَابًا أَوْ لَا ، خُيِّرَ بَيْنَ سَبْكِهِمَا لِيَعْلَمَ قَدْرَ مَا فِيهِ مِنْهُمَا ، وَبَيْنَ أَنْ يَسْتَظْهِرَ وَيُخْرِجَ ، لِيَسْقُطَ الْفَرْضُ بِيَقِينٍ .\rفَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يُخْرِجَ اسْتِظْهَارًا ، فَأَرَادَ إخْرَاجَ الزَّكَاةِ مِنْ الْمَغْشُوشَةِ ، نَظَرْت ، فَإِنْ كَانَ الْغِشُّ لَا يَخْتَلِفُ ، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ الْغِشُّ فِي كُلِّ دِينَارٍ سُدُسَهُ ، وَعَلِمَ ذَلِكَ ، جَازَ أَنْ يُخْرِجَ مِنْهَا ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ مُخْرِجًا لِرُبْعِ الْعُشْرِ .\rوَإِنْ اخْتَلَفَ قَدْرُ مَا فِيهَا ، أَوْ لَمْ يُعْلَمْ ، لَمْ يَجُزْهُ الْإِخْرَاجُ مِنْهَا ، إلَّا أَنْ يَسْتَظْهِرَهُ ، بِحَيْثُ يَتَيَقَّنُ أَنَّ مَا أَخْرَجَهُ مِنْ الذَّهَبِ مُحِيطٌ بِقَدْرِ الزَّكَاةِ .\rوَإِنْ أَخْرَجَ عَنْهَا ذَهَبًا لَا غِشَّ فِيهِ ، فَهُوَ أَفْضَلُ ، وَإِنْ أَرَادَ إسْقَاطَ الْغِشِّ ، وَإِخْرَاجَ الزَّكَاةِ عَنْ قَدْرِ مَا فِيهِ مِنْ الذَّهَبِ ، كَمَنْ مَعَهُ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ دِينَارًا ، سُدُسُهَا غِشٌّ ، فَأَسْقَطَ السُّدُسَ أَرْبَعَةً ، وَأَخْرَجَ نِصْفَ دِينَارٍ عَنْ عِشْرِينَ ، جَازَ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ سَبَكَهَا لَمْ يَلْزَمْهُ إلَّا ذَلِكَ ، وَلِأَنَّ غِشَّهَا لَا زَكَاةَ فِيهِ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ فِضَّةً ، وَلَهُ مِنْ الْفِضَّةِ مَا يَتِمُّ بِهِ النِّصَابُ ، أَوْ لَهُ نِصَابٌ سِوَاهُ ، فَيَكُونُ عَلَيْهِ زَكَاةُ الْغِشِّ حِينَئِذٍ .\rوَكَذَلِكَ إنَّ قُلْنَا بِضَمِّ أَحَدِ النَّقْدَيْنِ إلَى الْآخَرِ .\rوَإِذَا ادَّعَى رَبُّ الْمَالِ أَنَّهُ يَعْلَمُ الْغِشَّ ، أَوْ أَنَّهُ اسْتَظْهَرَهُ وَأَخْرَجَ الْفَرْضَ ، قُبِلَ مِنْهُ بِغَيْرِ يَمِينٍ .\rوَإِنْ زَادَتْ قِيمَةُ الْمَغْشُوشِ بِالْغِشِّ ، فَصَارَتْ قِيمَةُ الْعِشْرِينَ تُسَاوِي اثْنَيْنِ وَعِشْرِينَ ، فَعَلَيْهِ إخْرَاجُ رُبْعِ عُشْرِهَا مِمَّا قِيمَتُهُ كَقِيمَتِهَا ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ","part":5,"page":366},{"id":2366,"text":"إخْرَاجَ زَكَاةِ الْمَالِ الْجَيِّدِ مِنْ جِنْسِهِ ، بِحَيْثُ لَا يَنْقُصُ عَنْ قِيمَتِهِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":5,"page":367},{"id":2367,"text":"مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( فَإِذَا تَمَّتْ ، فَفِيهَا رُبْعُ الْعُشْرِ ) .\rيَعْنِي إذَا تَمَّتْ الْفِضَّةُ مِائَتَيْنِ ، وَالدَّنَانِيرُ عِشْرِينَ ، فَالْوَاجِبُ فِيهَا رُبْعُ عُشْرِهَا .\rوَلَا نَعْلَمُ خِلَافًا بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي أَنَّ زَكَاةَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ رُبْعُ عَشْرِهَا ، فَقَدْ ثَبَتَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { فِي الرِّقَةِ رُبْعُ الْعُشْرِ } وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { هَاتُوا رُبْعَ الْعُشُورِ مِنْ كُلِّ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا دِرْهَمًا ، وَلَيْسَ فِي تِسْعِينَ وَمِائَةٍ شَيْءٌ } قَالَ التِّرْمِذِيُّ : قَالَ الْبُخَارِيُّ ، فِي هَذَا الْحَدِيثِ : هُوَ صَحِيحٌ عِنْدِي .\rوَرَوَاهُ سَعِيدٌ ، وَلَفْظُهُ : \" فَهَاتُوا صَدَقَةَ الرِّقَةِ مِنْ كُلِّ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا دِرْهَمًا \" .\rوَأَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ فِي مِائَتَيْ دِرْهَمٍ خَمْسَةَ دَرَاهِمَ وَرَوَى ابْنُ عُمَرَ ، وَعَائِشَةُ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَأْخُذُ مِنْ كُلِّ عِشْرِينَ دِينَارًا فَصَاعِدًا نِصْفَ دِينَارٍ ، وَمِنْ الْأَرْبَعِينَ دِينَارًا دِينَارًا .\r}","part":5,"page":368},{"id":2368,"text":"( 1882 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَفِي زِيَادَتِهَا وَإِنْ قَلَّتْ ) رُوِيَ هَذَا عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عُمَرَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا .\rوَبِهِ قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ .\rوَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ، وَعَطَاءٌ ، وَطَاوُسٌ ، وَالْحَسَنُ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَمَكْحُولٌ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ : لَا شَيْءَ فِي زِيَادَةِ الدَّرَاهِمِ حَتَّى تَبْلُغَ أَرْبَعِينَ ، وَلَا فِي زِيَادَةِ الدَّنَانِيرِ حَتَّى تَبْلُغَ أَرْبَعَةَ دَنَانِيرِ ؛ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { مِنْ كُلِّ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا دِرْهَمًا } .\rوَعَنْ مُعَاذٍ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { إذَا بَلَغَ الْوَرِقُ مِائَتَيْنِ ، فَفِيهِ خَمْسَةُ دَرَاهِمَ ، ثُمَّ لَا شَيْءَ فِيهِ حَتَّى يَبْلُغَ إلَى أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا .\r} وَهَذَا نَصٌّ .\rوَلِأَنَّ لَهُ عَفْوًا فِي الِابْتِدَاءِ ، فَكَانَ لَهُ عَفْوٌ بَعْدَ النِّصَابِ ، كَالْمَاشِيَةِ .\rوَلَنَا ، مَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { هَاتُوا رُبْعَ الْعُشْرِ مِنْ كُلِّ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا دِرْهَمًا ، وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ شَيْءٌ حَتَّى يَتِمَّ مِائَتَيْنِ ، فَإِذَا كَانَتْ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ ، فَفِيهَا خَمْسَةُ دَرَاهِمَ ، فَمَا زَادَ فَبِحِسَابِ ذَلِكَ .\r} رَوَاهُ الْأَثْرَمُ ، وَالدَّارَقُطْنِيّ .\rوَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ ، وَالْحَارِثِ ، عَنْ عَلِيٍّ ، إلَّا أَنَّهُ قَالَ : أَحْسَبُهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عُمَرَ مَوْقُوفًا عَلَيْهِمْ ، وَلَمْ نَعْرِفْ لَهُمَا مُخَالِفًا مِنْ الصَّحَابَةِ ، فَيَكُونُ إجْمَاعًا .\rوَلِأَنَّهُ مَالٌ مُتَّجَرٌ ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ عَفْوٌ بَعْدَ النِّصَابِ كَالْحُبُوبِ .\rوَمَا احْتَجُّوا بِهِ مِنْ الْخَبَرِ الْأَوَّلِ فَهُوَ احْتِجَاجٌ بِدَلِيلِ الْخِطَابِ ، وَالْمَنْطُوقُ مُقَدَّمٌ","part":5,"page":369},{"id":2369,"text":"عَلَيْهِ .\rوَالْحَدِيثُ الْآخَرُ يَرْوِيه أَبُو الْعَطُوفِ الْجَرَّاحُ بْنُ مِنْهَالٍ ، وَهُوَ مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ .\rقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ ، وَقَالَ مَالِكٌ : هُوَ دَجَّالٌ مِنْ الدَّجَاجِلَةِ .\rوَيَرْوِيه عَنْ عُبَادَةَ بْنِ نُسَيٍّ ، عَنْ مُعَاذٍ ، وَلَمْ يَلْقَ عُبَادَةَ مُعَاذًا ، فَيَكُونُ مُرْسَلًا .\rوَالْمَاشِيَةُ يَشُقُّ تَشْقِيصُهَا ، بِخِلَافِ الْأَثْمَانِ .","part":5,"page":370},{"id":2370,"text":"( 1883 ) فَصْلٌ : وَيُخْرِجُ الزَّكَاةَ مِنْ جِنْسِ مَالِهِ .\rفَإِنْ كَانَ أَنْوَاعًا مُتَسَاوِيَةَ الْقِيَمِ ، جَازَ أَنْ يُخْرِجَ الزَّكَاةَ مِنْ أَحَدِهَا ، كَمَا تُخْرَجُ مِنْ أَحَدِ نَوْعَيْ الْغَنَمِ .\rوَإِنْ كَانَتْ مُخْتَلِفَةَ الْقِيَمِ أَخَذَ مِنْ كُلِّ نَوْعٍ مَا يَخُصُّهُ .\rوَإِنْ أَخْرَجَ مِنْ أَوْسَطِهَا مَا يَفِي بِقَدْرِ الْوَاجِبِ وَقِيمَتِهِ ، جَازَ .\rوَإِنْ أَخْرَجَ الْفَرْضَ مِنْ أَجْوَدِهَا بِقَدْرِ الْوَاجِبِ ، جَازَ ، وَلَهُ ثَوَابُ الزِّيَادَةِ .\rوَإِنْ أَخْرَجَهُ بِالْقِيمَةِ ، مِثْلُ أَنْ يُخْرِجَ عَنْ نِصْفِ دِينَارٍ ثُلُثَ دِينَارٍ جَيِّدٍ ، لَمْ يَجُزْ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَصَّ عَلَى نِصْفِ دِينَارٍ ، فَلَمْ يَجُزْ النَّقْصُ مِنْهُ .\rوَإِنْ أَخْرَجَ مِنْ الْأَدْنَى ، وَزَادَ فِي الْمُخْرَجِ مَا يَفِي بِقِيمَةِ الْوَاجِبِ ، مِثْلُ أَنْ يُخْرِجَ عَنْ دِينَارٍ دِينَارًا وَنِصْفًا يَفِي بِقِيمَتِهِ ، جَازَ .\rوَكَذَلِكَ لَوْ أَخْرَجَ عَنْ الصِّحَاحِ مُكَسَّرَةً ، وَزَادَ بِقَدْرِ مَا بَيْنَهُمَا مِنْ الْفَضْلِ ، جَازَ ؛ لِأَنَّهُ أَدَّى الْوَاجِبَ عَلَيْهِ قِيمَةً وَقَدْرًا .\rوَإِنْ أَخْرَجَ عَنْ كَثِيرِ الْقِيمَةِ قَلِيلَ الْقِيمَةِ ، فَكَذَلِكَ .\rفَإِنْ أَخْرَجَ بَهْرَجًا عَنْ الْجَيِّدِ ، وَزَادَ بِقَدْرِ مَا يُسَاوِي قِيمَةَ الْجَيِّدِ ، فَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : يَجُوزُ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : يَلْزَمُهُ إخْرَاجُ جَيِّدٍ ، وَلَا يَرْجِعُ فِيمَا أَخْرَجَهُ مِنْ الْمَعِيبِ ؛ لِأَنَّهُ أَخْرَجَ مَعِيبًا فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَخْرَجَ مَرِيضَةً عَنْ صِحَاحٍ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ، إلَّا أَنَّ أَصْحَابَهُ قَالُوا : لَهُ الرُّجُوعُ فِيمَا أَخْرَجَ مِنْ الْمَعِيبِ ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَجُوزُ إخْرَاجُ الرَّدِيئَةِ عَنْ الْجَيِّدَةِ ، وَالْمَكْسُورَةِ عَنْ الصَّحِيحَةِ ، مِنْ غَيْرِ جُبْرَانٍ ؛ لِأَنَّ الْجَوْدَةَ إذَا لَاقَتْ جِنْسَهَا فِيمَا فِيهِ الرِّبَا لَا قِيمَةَ لَهَا .\rوَلَنَا ، أَنَّ الْجَوْدَةَ مُتَقَوِّمَةٌ ، بِدَلِيلِ مَا لَوْ أَتْلَفَ جَيِّدًا ، لَمْ يُجْزِئْهُ أَنْ يَدْفَعَ عَنْهُ رَدِيئًا ، وَلِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَجْبُرْهُ","part":5,"page":371},{"id":2371,"text":"بِمَا يُتِمُّ بِهِ قِيمَةَ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ ، دَخَلَ فِي عُمُومِ قَوْله تَعَالَى : { وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ } .\rوَلِأَنَّهُ أَخْرَجَ رَدِيئًا عَنْ جَيِّدٍ بِقَدْرِهِ ، فَلَمْ يَجُزْ ، كَمَا فِي الْمَاشِيَةِ ، وَلِأَنَّ الْمُسْتَحَقَّ مَعْلُومُ الْقَدْرِ وَالصِّفَةِ ، فَلَمْ يَجُزْ النَّقْصُ فِي الصِّفَةِ ، كَمَا لَا يَجُوزُ فِي الْقَدْرِ .\rوَأَمَّا الرِّبَا فَلَا يَجْرِي هَاهُنَا ؛ لِأَنَّ الْمُخْرَجَ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى ، وَلَا رِبَا بَيْنَ الْعَبْدِ وَسَيِّدِهِ ، وَلِأَنَّ الْمُسَاوَاةَ فِي الْمِعْيَارِ الشَّرْعِيِّ إنَّمَا اُعْتُبِرَتْ فِي الْمُعَاوَضَاتِ ، وَالْقَصْدُ مِنْ الزَّكَاةِ الْمُوَاسَاةُ ، وَإِغْنَاءُ الْفَقِيرِ ، وَشُكْرُ نِعْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى ، فَلَا يَدْخُلُ الرِّبَا فِيهَا .\rفَإِنْ قِيلَ : فَلَوْ أَخْرَجَ فِي الْمَاشِيَةِ رَدِيئَتَيْنِ عَنْ جَيِّدَةٍ ، أَوْ أَخْرَجَ قَفِيزَيْنِ رَدِيئَيْنِ عَنْ قَفِيزٍ جَيِّدٍ ، لَمْ يَجُزْ ، فَلِمَ أَجَزْتُمْ أَنْ يُخْرِجَ عَنْ الصَّحِيحِ أَكْثَرَ مِنْهُ مُكَسَّرًا ؟ قُلْنَا : يَجُوزُ ذَلِكَ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي إخْرَاجِهِ عَيْبٌ سِوَى نَقْصِ الْقِيمَةِ ، وَإِنْ سَلَّمْنَاهُ ، فَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْقَصْدَ مِنْ الْأَثْمَانِ الْقِيمَةُ لَا غَيْرُ ، فَإِذَا تَسَاوَى الْوَاجِبُ وَالْمُخْرَجُ فِي الْقِيمَةِ وَالْقَدْرِ ، جَازَ ، وَسَائِرُ الْأَمْوَالِ يُقْصَدُ الِانْتِفَاعُ بِعَيْنِهَا ، فَلَا يَلْزَمُ مِنْ التَّسَاوِي فِي الْأَمْرَيْنِ الْإِجْزَاءُ ؛ لِجَوَازِ أَنْ يَفُوتَ بَعْضُ الْمَقْصُودِ .","part":5,"page":372},{"id":2372,"text":"( 1884 ) فَصْلٌ : وَهَلْ يَجُوزُ إخْرَاجُ أَحَدِ النَّقْدَيْنِ عَنْ الْآخَرِ ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ .\rنَصَّ عَلَيْهِمَا ؛ إحْدَاهُمَا ، لَا يَجُوزُ .\rوَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ ؛ لِأَنَّ أَنْوَاعَ الْجِنْسِ لَا يَجُوزُ إخْرَاجُ أَحَدِهِمَا عَنْ الْآخَرِ إذَا كَانَ أَقَلَّ فِي الْمِقْدَارِ ، فَمَعَ اخْتِلَافِ الْجِنْسِ أَوْلَى .\rوَالثَّانِيَةُ ، يَجُوزُ ، وَهُوَ أَصَحُّ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ أَحَدِهِمَا يَحْصُلُ بِإِخْرَاجِ الْآخَرِ ، فَيُجْزِئُ ، كَأَنْوَاعِ الْجِنْسِ ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُمَا جَمِيعًا الثَّمَنِيَّةُ وَالتَّوَسُّلُ بِهَا إلَى الْمَقَاصِدِ ، وَهُمَا يَشْتَرِكَانِ فِيهِ عَلَى السَّوَاءِ ، فَأَشْبَهَ إخْرَاجَ الْمُكَسَّرَةِ عَنْ الصِّحَاحِ ، بِخِلَافِ سَائِرِ الْأَجْنَاسِ وَالْأَنْوَاعِ ، مِمَّا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ ، فَإِنَّ لِكُلِّ جِنْسٍ مَقْصُودًا مُخْتَصًّا بِهِ ، لَا يَحْصُلُ مِنْ الْجِنْسِ الْآخَرِ ، وَكَذَلِكَ أَنْوَاعُهَا ، فَلَا يَحْصُلُ بِإِخْرَاجِ غَيْرِ الْوَاجِبِ مِنْ الْحِكْمَةِ مَا يَحْصُلُ بِإِخْرَاجِ الْوَاجِبِ ، وَهَا هُنَا الْمَقْصُودُ حَاصِلٌ ، فَوَجَبَ إجْزَاؤُهُ ، إذْ لَا فَائِدَةَ بِاخْتِصَاصِ الْإِجْزَاءِ بِعَيْنٍ ، مَعَ مُسَاوَاةِ غَيْرِهَا لَهَا فِي الْحِكْمَةِ وَكَوْنِ ذَلِكَ أَرْفَقَ بِالْمُعْطِي وَالْآخِذِ ، وَأَنْفَعَ لَهُمَا ، وَيَنْدَفِعُ بِهِ الضَّرَرُ عَنْهُمَا ، فَإِنَّهُ لَوْ تَعَيَّنَ إخْرَاجُ زَكَاةِ الدَّنَانِيرِ مِنْهَا ، شَقَّ عَلَى مِنْ يَمْلِكُ أَقَلَّ مِنْ أَرْبَعِينَ دِينَارًا إخْرَاجُ جُزْءٍ مِنْ دِينَارٍ ، وَيَحْتَاجُ إلَى التَّشْقِيصِ ، وَمُشَارَكَةِ الْفَقِيرِ لَهُ فِي دِينَارٍ مِنْ مَالِهِ ، أَوْ بَيْعِ أَحَدِهِمَا نَصِيبَهُ ، فَيَسْتَضِرُّ الْمَالِكُ وَالْفَقِيرُ ، وَإِذَا جَازَ إخْرَاجُ الدَّرَاهِمِ عَنْهَا ، دَفَعَ إلَى الْفَقِيرِ مِنْ الدَّرَاهِمِ بِقَدْرِ الْوَاجِبِ ، فَيَسْهُلُ ذَلِكَ عَلَيْهِ ، وَيَنْتَفِعُ الْفَقِيرُ مِنْ غَيْرِ كُلْفَةٍ وَلَا مَضَرَّةٍ .\rوَلِأَنَّهُ إذَا دَفَعَ إلَى الْفَقِيرِ قِطْعَةً مِنْ الذَّهَبِ فِي مَوْضِعٍ لَا يُتَعَامَلُ بِهَا فِيهِ ، أَوْ قِطْعَةً مِنْ دِرْهَمٍ فِي مَكَان لَا يُتَعَامَلُ بِهَا فِيهِ ، لَمْ يَقْدِرْ عَلَى","part":5,"page":373},{"id":2373,"text":"قَضَاءِ حَاجَتِهِ بِهَا ، وَإِنْ أَرَادَ بَيْعَهَا بِحَسَبِ مَا يُتَعَامَلُ بِهَا احْتَاجَ إلَى كُلْفَةِ الْبَيْعِ ، وَرُبَّمَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ ، وَلَا يُفِيدُهُ شَيْئًا ، وَإِنْ أَمْكَنَ بَيْعُهَا احْتَاجَ إلَى كُلْفَةِ الْبَيْعِ ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا تَنْقُصُ عِوَضُهَا عَنْ قِيمَتِهَا ، فَقَدْ دَارَ بَيْنَ ضَرَرَيْنِ ، وَفِي جَوَازِ إخْرَاجِ أَحَدِهِمَا عَنْ الْآخِرِ نَفْعٌ مَحْضٌ ، وَدَفْعٌ لِهَذَا الضَّرَرِ ، وَتَحْصِيلٌ لِحِكْمَةِ الزَّكَاةِ عَلَى التَّمَامِ وَالْكَمَالِ ، فَلَا حَاجَةَ وَلَا وَجْهَ لِمَنْعِهِ ، وَإِنْ تُوُهِّمَتْ هَاهُنَا مَنْفَعَةٌ تَفُوتُ بِذَلِكَ ، فَهِيَ يَسِيرَةٌ مَغْمُورَةٌ ، فِيمَا يَحْصُلُ مِنْ النَّفْعِ الظَّاهِرِ ، وَيَنْدَفِعُ مِنْ الضَّرَرِ وَالْمَشَقَّةِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ ، فَلَا يُعْتَبَرُ .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .\rوَعَلَى هَذَا لَا يَجُوزُ الْإِبْدَالُ فِي مَوْضِعٍ يَلْحَقُ الْفَقِيرَ ضَرَرٌ ، مِثْلُ أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ مَا لَا يُنْفِقُ عِوَضًا عَمَّا يُنْفِقُ ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَجُزْ إخْرَاجُ أَحَدِ النَّوْعَيْنِ عَنْ الْآخَرِ مَعَ الضَّرَرِ ، فَمَعَ غَيْرِهِ أَوْلَى .\rوَإِنْ اخْتَارَ الدَّفْعَ مِنْ الْجِنْسِ ، وَاخْتَارَ الْفَقِيرُ الْأَخْذَ مِنْ غَيْرِهِ ؛ لِضَرَرٍ يَلْحَقُهُ فِي أَخْذِ الْجِنْسِ ، لَمْ يَلْزَمْ الْمَالِكَ إجَابَتُهُ ؛ لِأَنَّهُ إذَا أَدَّى مَا فُرِضَ عَلَيْهِ ، لَمْ يُكَلَّفْ سِوَاهُ .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":5,"page":374},{"id":2374,"text":"( 1885 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَلَيْسَ فِي حُلِيِّ الْمَرْأَةِ زَكَاةٌ إذَا كَانَ مِمَّا تَلْبَسُهُ أَوْ تُعِيرُهُ ) هَذَا ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، وَجَابِرٍ ، وَأَنَسٍ ، وَعَائِشَةَ ، وَأَسْمَاءَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَبِهِ قَالَ الْقَاسِمُ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَقَتَادَةُ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ ، وَعَمْرَةُ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ .\rوَذَكَرَ ابْنُ أَبِي مُوسَى عَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةً أُخْرَى ، أَنَّهُ فِيهِ الزَّكَاةُ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَعَطَاءٍ ، وَمُجَاهِدٍ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ ، وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ ، وَابْنِ سِيرِينَ ، وَمَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ ، وَالزُّهْرِيِّ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ ؛ لِعُمُومِ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ { فِي الرِّقَةِ رُبْعُ الْعُشْرِ ، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ .\r} مَفْهُومُهُ أَنَّ فِيهَا صَدَقَةً إذَا بَلَغَتْ خَمْسَ أَوَاقٍ .\rوَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، قَالَ : { أَتَتْ امْرَأَةٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَعَهَا ابْنَةٌ لَهَا فِي يَدَيْهَا مَسْكَتَانِ مِنْ ذَهَبٍ ، فَقَالَ : هَلْ تُعْطِينَ زَكَاةَ هَذَا ؟ قَالَتْ : لَا .\rقَالَ : أَيَسُرُّك أَنْ يُسَوِّرَك اللَّهُ بِسِوَارَيْنِ مِنْ نَارٍ ؟ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَلِأَنَّهُ مِنْ جِنْسِ الْأَثْمَانِ ، أَشْبَهَ التِّبْرَ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : يُزَكَّى عَامًا وَاحِدًا .\rوَقَالَ الْحَسَنُ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُتْبَةَ ، وَقَتَادَةُ : زَكَاتُهُ عَارِيَّتُهُ .\rقَالَ أَحْمَدُ : خَمْسَةٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُونَ : لَيْسَ فِي الْحُلِيِّ زَكَاةٌ .\rوَيَقُولُونَ : زَكَاتُهُ عَارِيَّتُهُ .\rوَوَجْهُ الْأَوَّلِ ، مَا رَوَى عَافِيَةُ بْنُ أَيُّوبَ ، عَنْ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ","part":5,"page":375},{"id":2375,"text":"أَنَّهُ قَالَ : { لَيْسَ فِي الْحُلِيِّ زَكَاةٌ } .\rوَلِأَنَّهُ مَرْصَدٌ لِاسْتِعْمَالِ مُبَاحٍ ، فَلَمْ تَجِبْ فِيهِ الزَّكَاةُ ، كَالْعَوَامِلِ ، وَثِيَابِ الْقُنْيَةِ .\rوَأَمَّا الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ الَّتِي احْتَجُّوا بِهَا ، فَلَا تَتَنَاوَلُ مَحِلَّ النِّزَاعِ ؛ لِأَنَّ الرِّقَةَ هِيَ الدَّرَاهِمُ الْمَضْرُوبَةُ .\rقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : لَا نَعْلَمُ هَذَا الِاسْمَ فِي الْكَلَامِ الْمَعْقُولِ عِنْدَ الْعَرَبِ إلَّا عَلَى الدَّرَاهِمِ الْمَنْقُوشَةِ ، ذَاتِ السِّكَّةِ السَّائِرَةِ فِي النَّاسِ .\rوَكَذَلِكَ الْأَوَاقِي لَيْسَ مَعْنَاهَا إلَّا الدَّرَاهِمَ كُلُّ أُوقِيَّةٍ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا .\rوَأَمَّا حَدِيثُ الْمَسْكَتَيْنِ ، فَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : لَا نَعْلَمُهُ إلَّا مِنْ وَجْهٍ قَدْ تَكَلَّمَ النَّاسُ فِيهِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا .\rوَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : لَيْسَ يَصِحُّ فِي هَذَا الْبَابِ شَيْءٌ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ بِالزَّكَاةِ إعَارَتَهُ ، كَمَا فَسَّرَهُ بِهِ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ ، وَذَهَبَ إلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنْ الصَّحَابَةِ وَغَيْرُهُمْ وَالتِّبْرُ غَيْرُ مُعَدٍّ لِلِاسْتِعْمَالِ ، بِخِلَافِ الْحُلِيِّ .\rوَقَوْلُ الْخِرَقِيِّ \" إذَا كَانَ مِمَّا تَلْبَسُهُ أَوْ تُعِيرُهُ \" .\rيَعْنِي أَنَّهُ إنَّمَا تَسْقُطُ عَنْهُ الزَّكَاةُ إذَا كَانَ كَذَلِكَ أَوْ مُعَدًّا لَهُ فَأَمَّا الْمُعَدُّ لِلْكِرَى أَوْ النَّفَقَةِ إذَا اُحْتِيجَ إلَيْهِ ، فَفِيهِ الزَّكَاةُ ؛ لِأَنَّهَا إنَّمَا تَسْقُطُ عَمَّا أُعِدَّ لِلِاسْتِعْمَالِ ، لِصَرْفِهِ عَنْ جِهَةِ النَّمَاءِ ، فَفِيمَا عَدَاهُ يَبْقَى عَلَى الْأَصْلِ ، وَكَذَلِكَ مَا اُتُّخِذَ حِلْيَةً فِرَارًا مِنْ الزَّكَاةِ لَا يَسْقُطُ عَنْهُ .\rوَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ الْحُلِيِّ الْمُبَاحِ مَمْلُوكًا لِامْرَأَةِ تَلْبَسُهُ أَوْ تُعِيرُهُ ، أَوْ لِرَجُلٍ يُحَلِّي بِهِ أَهْلَهُ ، أَوْ يُعِيرُهُ أَوْ يُعِدُّهُ لِذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ مَصْرُوفٌ عَنْ جِهَةِ النَّمَاءِ إلَى اسْتِعْمَالٍ مُبَاحٍ ، أَشْبَهَ حَلْيَ الْمَرْأَةِ .","part":5,"page":376},{"id":2376,"text":"( 1886 ) فَصْلٌ وَقَلِيلُ الْحُلِيِّ وَكَثِيرُهُ سَوَاءٌ فِي الْإِبَاحَةِ وَالزَّكَاةِ .\rوَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ يُبَاحُ مَا لَمْ يَبْلُغْ أَلْفَ مِثْقَالٍ ، فَإِنْ بَلَغَهَا حَرُمَ ، وَفِيهِ الزَّكَاةُ ؛ لِمَا رَوَى أَبُو عُبَيْدٍ ، وَالْأَثْرَمُ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ؟ قَالَ : سُئِلَ جَابِرٌ عَنْ الْحُلِيِّ ، هَلْ فِيهِ زَكَاةٌ ؟ قَالَ : لَا .\rفَقِيلَ لَهُ : أَلْفُ دِينَارٍ ؟ فَقَالَ : إنَّ ذَلِكَ لَكَثِيرٌ .\rوَلِأَنَّهُ يَخْرُجُ إلَى السَّرَفِ وَالْخُيَلَاءِ ، وَلَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ فِي الِاسْتِعْمَالِ ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ أَبَاحَ التَّحَلِّي مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ ، فَلَا يَجُوزُ تَقْيِيدُهُ بِالرَّأْيِ وَالتَّحَكُّمِ ، وَحَدِيثُ جَابِرٍ لَيْسَ بِصَرِيحٍ فِي نَفْيِ الْوُجُوبِ .\rوَإِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى التَّوَقُّفِ ، ثُمَّ قَدْ رُوِيَ عَنْهُ خِلَافُهُ ، فَرَوَى الْجُوزَجَانِيُّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، قَالَ : سَأَلْت جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ الْحُلِيِّ فِيهِ زَكَاةٌ ؟ قَالَ : لَا .\rقُلْت : إنَّ الْحُلِيَّ يَكُونُ فِيهِ أَلْفُ دِينَارٍ .\rقَالَ : وَإِنْ كَانَ فِيهِ ، يُعَارُ وَيُلْبَسُ .\rثُمَّ إنَّ قَوْلَ جَابِرٍ قَوْلُ صَحَابِيٍّ خَالَفَهُ غَيْرُهُ مِمَّنْ أَبَاحَهُ مُطْلَقًا بِغَيْرِ تَقْيِيدٍ ، فَلَا يَبْقَى قَوْلُهُ حُجَّةً ، وَالتَّقْيِيدُ بِالرَّأْيِ الْمُطْلَقِ وَالتَّحَكُّمُ غَيْرُ جَائِزٍ .","part":5,"page":377},{"id":2377,"text":"( 1887 ) فَصْلٌ : وَإِذَا انْكَسَرَ الْحُلِيُّ كَسْرًا لَا يَمْنَعُ الِاسْتِعْمَالَ وَاللُّبْسَ ، فَهُوَ كَالصَّحِيحِ ، لَا زَكَاةَ فِيهِ ، إلَّا أَنْ يَنْوِيَ كَسْرَهُ وَسَبْكَهُ ، فَفِيهِ الزَّكَاةُ حِينَئِذٍ ، لِأَنَّهُ نَوَى صَرْفَهُ عَنْ الِاسْتِعْمَالِ .\rوَإِنْ كَانَ الْكَسْرُ يَمْنَعُ الِاسْتِعْمَالَ ، فَقَالَ الْقَاضِي : عِنْدِي أَنَّ فِيهِ الزَّكَاةَ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ بِمَنْزِلَةِ النُّقُودِ وَالتِّبْرِ .","part":5,"page":378},{"id":2378,"text":"( 1888 ) فَصْلٌ : وَإِذَا كَانَ الْحُلِيُّ لِلُّبْسِ ، فَنَوَتْ بِهِ الْمَرْأَةُ التِّجَارَةَ ، انْعَقَدَ عَلَيْهِ حَوْلُ الزَّكَاةِ مِنْ حِينِ نَوَتْ ؛ لِأَنَّ الْوُجُوبَ هُوَ الْأَصْلُ ، وَإِنَّمَا انْصَرَفَ عَنْهُ لِعَارِضِ الِاسْتِعْمَالِ ، فَعَادَ إلَى الْأَصْلِ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ مِنْ غَيْرِ اسْتِعْمَالٍ ، فَهُوَ كَمَا لَوْ نَوَى بِعَرْضِ التِّجَارَةِ الْقُنْيَةَ ، انْصَرَفَ إلَيْهِ مِنْ غَيْرِ اسْتِعْمَالٍ .","part":5,"page":379},{"id":2379,"text":"( 1889 ) فَصْلٌ : وَيُعْتَبَرُ فِي النِّصَابِ فِي الْحُلِيِّ الَّذِي تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ بِالْوَزْنِ ، فَلَوْ مَلَكَ حُلِيًّا قِيمَتُهُ مِائَتَا دِرْهَمٍ ، وَوَزْنُهُ دُونَ الْمِائَتَيْنِ ، لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ زَكَاةٌ .\rوَإِنْ بَلَغَ مِائَتَيْنِ وَزْنًا ، فَفِيهِ الزَّكَاةُ ، وَإِنْ نَقَصَ فِي الْقِيمَةِ ؛ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ مِنْ الْوَرِقِ صَدَقَةٌ .\r} .\rاللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْحُلِيُّ لِلتِّجَارَةِ فَيُقَوَّمُ ، فَإِذَا بَلَغَتْ قِيمَتُهُ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ نِصَابًا ، فَفِيهِ الزَّكَاةُ ؛ لِأَنَّ الزَّكَاةَ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْقِيمَةِ ، وَمَا لَمْ يَكُنْ لِلتِّجَارَةِ فَالزَّكَاةُ فِي عَيْنِهِ ، فَيُعْتَبَرُ أَنْ يَبْلُغَ بِقِيمَتِهِ وَوَزْنِهِ نِصَابًا ، وَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ إخْرَاجِ رُبْعِ عُشْرِ حُلِيِّهِ مَشَاعًا ، أَوْ دَفْعِ مَا يُسَاوِي رُبْعَ عُشْرِهَا مِنْ جِنْسِهَا ، وَإِنْ زَادَ فِي الْوَزْنِ عَلَى رُبْعِ الْعُشْرِ ؛ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ الرِّبَا لَا يَجْرِي هَاهُنَا .\rوَلَوْ أَرَادَ كَسْرَهَا وَدَفَعَ رُبْعَ عُشْرِهَا لَمْ يَكُنْ مِنْهُ ؛ لِأَنَّهُ يَنْقُصُ قِيمَتَهَا .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَقَالَ مَالِكٌ الِاعْتِبَارُ بِالْوَزْنِ ، وَإِذَا كَانَ وَزْنُ الْحُلِيِّ عِشْرِينَ وَقِيمَتُهُ ثَلَاثُونَ ، فَعَلَيْهِ نِصْفُ مِثْقَالٍ ، لَا تَزِيدُ قِيمَتُهُ شَيْئًا ؛ لِأَنَّهُ نِصَابٌ مِنْ جِنْسِ الْأَثْمَانِ ، فَتَعَلَّقَتْ الزَّكَاةُ بِوَزْنِهِ ، لَا بِصِفَتِهِ ، كَالدَّرَاهِمِ الْمَضْرُوبَةِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الصِّنَاعَةَ صَارَتْ صِفَةً لِلنِّصَابِ لَهَا قِيمَةٌ مَقْصُودَةٌ ، فَوَجَبَ اعْتِبَارُهَا كَالْجَوْدَةِ فِي سَائِرِ أَمْوَالِ الزَّكَاةِ .\rوَدَلِيلُهُمْ نَقُولُ بِهِ ، وَأَنَّ الزَّكَاةَ تَتَعَلَّقُ بِوَزْنِهِ وَصِفَتِهِ جَمِيعًا ، كَالْجَيِّدِ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ ، وَالْمَوَاشِي ، وَالْحُبُوبِ ، وَالثِّمَارِ ، فَإِنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ إخْرَاجُ رَدِيءٍ عَنْ جَيِّدٍ ، كَذَلِكَ هَاهُنَا .\rوَإِنْ أَرَادَ إخْرَاجَ الْفِضَّةِ عَنْ حُلِيِّ الذَّهَبِ ، أَوْ الذَّهَبِ عَنْ الْفِضَّةِ ، أَخْرَجَ عَلَى الْوَجْهَيْنِ ، كَمَا قَدَّمْنَا فِي إخْرَاجِ أَحَدِ النَّقْدَيْنِ","part":5,"page":380},{"id":2380,"text":"عَنْ الْآخَرِ .\rوَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ أَنَّ الِاعْتِبَارَ فِي قَدْرِ النِّصَابِ أَيْضًا بِالْقِيمَةِ ، فَلَوْ مَلَكَ حُلِيًّا وَزْنُهُ تِسْعَةَ عَشَرَ ، وَقِيمَتُهُ عِشْرُونَ لِأَجْلِ الصِّنَاعَةِ ، فَفِيهِ الزَّكَاةُ ، وَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ اعْتِبَارُ الْوَزْنِ ، وَهُوَ ظَاهِرُ نَصِّهِ ، لِقَوْلِهِ : { لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ } .\rوَلِأَنَّهُ مَالٌ تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي عَيْنِهِ ، فَلَا تُعْتَبَرُ قِيمَةُ الدَّنَانِيرِ الْمَضْرُوبَةِ ، لِأَنَّ زِيَادَةَ الْقِيمَةِ بِالصِّنَاعَةِ ، كَزِيَادَتِهَا بِنَفَاسَةِ جَوْهَرِهِ ، فَكَمَا لَا تَجِبُ الزِّيَادَةُ فِيمَا كَانَ نَفِيسَ الْجَوْهَرِ ، كَذَلِكَ الْآخَرُ .","part":5,"page":381},{"id":2381,"text":"( 1890 ) فَصْلٌ : فَإِنْ كَانَ فِي الْحُلِيِّ جَوْهَرٌ وَلَآلِئُ مُرَصَّعَةٌ ، فَالزَّكَاةُ فِي الْحُلِيِّ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ دُونَ الْجَوْهَرِ ، لِأَنَّهَا لَا زَكَاةَ فِيهَا عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rفَإِنْ كَانَ الْحُلِيُّ لِلتِّجَارَةِ ، قَوَّمَهُ بِمَا فِيهِ مِنْ الْجَوَاهِرِ ؛ لِأَنَّ الْجَوَاهِرَ لَوْ كَانَتْ مُفْرَدَةً وَهِيَ لِلتِّجَارَةِ ، لَقُوِّمَتْ وَزُكِّيَتْ ، فَكَذَلِكَ إذَا كَانَتْ فِي حُلِيِّ التِّجَارَةِ .","part":5,"page":382},{"id":2382,"text":"( 1891 ) فَصْلٌ : وَإِذَا اتَّخَذَتْ الْمَرْأَةُ حُلِيًّا لَيْسَ لَهَا اتِّخَاذُهُ ، كَمَا إذَا اتَّخَذَتْ حِلْيَةَ الرِّجَالِ كَحِلْيَةِ السَّيْفِ وَالْمِنْطَقَةِ ، فَهُوَ مُحَرَّمٌ ، وَعَلَيْهَا الزَّكَاةُ ، كَمَا لَوْ اتَّخَذَ الرَّجُلُ حُلِيَّ الْمَرْأَةِ .","part":5,"page":383},{"id":2383,"text":"( 1892 ) فَصْلٌ : وَيُبَاحُ لِلنِّسَاءِ مِنْ حُلِيِّ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْجَوَاهِرِ كُلُّ مَا جَرَتْ عَادَتُهُنَّ بِلُبْسِهِ ، مِثْلُ السِّوَارِ وَالْخَلْخَالِ وَالْقُرْطِ وَالْخَاتَمِ ، وَمَا يَلْبَسْنَهُ عَلَى وُجُوهِهِنَّ ، وَفِي أَعْنَاقِهِنَّ ، وَأَيْدِيهِنَّ ، وَأَرْجُلِهِنَّ ، وَآذَانِهِنَّ وَغَيْرِهِ ، فَأَمَّا مَا لَمْ تَجْرِ عَادَتُهُنَّ بِلُبْسِهِ ، كَالْمِنْطَقَةِ وَشِبْهِهَا مِنْ حُلِيِّ الرِّجَالِ ، فَهُوَ مُحَرَّمٌ ، وَعَلَيْهَا زَكَاتُهُ ، كَمَا لَوْ اتَّخَذَ الرَّجُلُ لِنَفْسِهِ حُلِيَّ الْمَرْأَةِ .","part":5,"page":384},{"id":2384,"text":"( 1893 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : وَلَيْسَ فِي حِلْيَةِ سَيْفِ الرَّجُلِ وَمِنْطَقَتِهِ وَخَاتَمِهِ زَكَاةٌ وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ مَا كَانَ مُبَاحًا مِنْ الْحُلِيِّ ، فَلَا زَكَاةَ فِيهِ إذَا كَانَ مُعَدًّا لِلِاسْتِعْمَالِ ، سَوَاءٌ كَانَ لِرَجُلٍ أَوْ امْرَأَةٍ ؛ لِأَنَّهُ مَصْرُوفٌ عَنْ جِهَةِ النَّمَاءِ إلَى اسْتِعْمَالٍ مُبَاحٍ ، فَأَشْبَهَ ثِيَابَ الْبِذْلَةِ وَعَوَامِلَ الْمَاشِيَةِ ، وَيُبَاحُ لِلرِّجَالِ مِنْ الْفِضَّةِ الْخَاتَمُ ؛ { لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اتَّخَذَ خَاتَمًا مِنْ وَرِقٍ .\r} مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَحِلْيَةُ السَّيْفِ ، بِأَنْ تُجْعَلَ قَبِيعَتُهُ فِضَّةً أَوْ تَحْلِيَتُهَا بِفِضَّةٍ ؛ فَإِنَّ أَنَسًا قَالَ : { كَانَتْ قَبِيعَةُ سَيْفِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِضَّةً .\r} وَقَالَ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ : كَانَ سَيْفُ الزُّبَيْرِ مُحَلًّى بِالْفِضَّةِ .\rرَوَاهُمَا الْأَثْرَمُ بِإِسْنَادِهِ .\rوَالْمِنْطَقَةُ تُبَاحُ تَحْلِيَتُهَا بِالْفِضَّةِ ؛ لِأَنَّهَا حِلْيَةٌ مُعْتَادَةٌ لِلرَّجُلِ ، فَهِيَ كَالْخَاتَمِ وَقَدْ نُقِلَ كَرَاهَةُ ذَلِكَ ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ الْفَخْرِ وَالْخُيَلَاءِ ، فَهُوَ كَالطَّوْقِ ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى ؛ لِأَنَّ الطَّوْقَ لَيْسَ بِمُعْتَادٍ فِي حَقِّ الرَّجُلِ ، بِخِلَافِ الْمِنْطَقَةِ .\rوَعَلَى قِيَاسِ الْمِنْطَقَةِ ، الْجَوْشَنُ ، وَالْخُوذَةُ ، وَالْخُفُّ ، وَالرَّانُ ، وَالْحَمَائِلُ .\rوَتُبَاحُ الْفِضَّةُ فِي الْإِنَاءِ وَمَا أَشْبَهَهَا ؛ لِلْحَاجَةِ ، وَنَعْنِي بِالْحَاجَةِ أَنَّهُ يُنْتَفَعُ بِهَا فِي ذَلِكَ ، وَإِنْ قَامَ غَيْرُهَا مَقَامَهَا .\rوَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ ، أَنَسٍ { أَنَّ قَدَحَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انْكَسَرَ ، فَاتَّخَذَ مَكَانَ الشَّعْبِ سِلْسِلَةً مِنْ فِضَّةٍ .\r} وَقَالَ الْقَاضِي : يُبَاحُ الْيَسِيرُ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِحَاجَةٍ .\rوَإِنَّمَا كَرِهَ أَحْمَدُ الْحَلْقَةَ فِي الْإِنَاءِ ؛ لِأَنَّهَا تُسْتَعْمَلُ .\rوَأَمَّا الذَّهَبُ ، فَيُبَاحُ مِنْهُ مَا دَعَتْ الضَّرُورَةُ إلَيْهِ ، كَالْأَنْفِ فِي حَقِّ مِنْ قُطِعَ أَنْفُهُ ؛ لِمَا رُوِيَ { عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ طُرْفَةَ ، أَنَّ جَدَّهُ عَرْفَجَةَ بْنَ","part":5,"page":385},{"id":2385,"text":"أَسْعَدَ .\rقُطِعَ أَنْفُهُ يَوْمَ الْكِلَابِ ، فَاتَّخَذَ أَنْفًا مِنْ وَرِقٍ فَأَنْتَنَ عَلَيْهِ ، فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاتَّخَذَ أَنْفًا مِنْ ذَهَبٍ .\r} رَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : رَبْطُ الْأَسْنَانِ بِالذَّهَبِ إذَا خُشِيَ عَلَيْهَا أَنْ تَسْقُطَ قَدْ فَعَلَهُ النَّاسُ ، فَلَا بَأْسَ بِهِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ .\rوَرَوَى الْأَثْرَمُ ، عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ ، وَأَبِي جَمْرَةَ الضُّبَعِيُّ ، وَأَبِي رَافِعٍ ، وَثَابِتٍ اسْتَرْقُوا وَإِسْمَاعِيلَ بْنِ زَيْدٍ بْنِ ثَابِتٍ ، وَالْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، أَنَّهُمْ شَدُّوا أَسْنَانَهُمْ بِالذَّهَبِ .\rوَعَنْ الْحَسَنِ ، وَالزُّهْرِيِّ ، وَالنَّخَعِيِّ ، أَنَّهُمْ رَخَّصُوا فِيهِ .\rوَمَا عَدَا ذَلِكَ مِنْ الذَّهَبِ ، فَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، الرُّخْصَةُ فِيهِ فِي السَّيْفِ .\rقَالَ الْأَثْرَمُ ، قَالَ أَحْمَدُ : قَدْ رُوِيَ أَنَّهُ كَانَ فِي سَيْفِ عُثْمَانَ بْنِ حُنَيْفٍ مِسْمَارٌ مِنْ ذَهَبٍ ، قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ فَذَاكَ الْآنَ فِي السَّيْفِ .\rوَقَالَ : إنَّهُ كَانَ لِعُمَرَ سَيْفٌ سَبَائِكُهُ مِنْ ذَهَبٍ .\rمِنْ حَدِيثِ إسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ ، عَنْ نَافِعٍ .\rوَرَوَى التِّرْمِذِيُّ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ مَزْيَدَةَ الْعَصَرِيِّ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ مَكَّةَ وَعَلَى سَيْفِهِ ذَهَبٌ وَفِضَّةٌ .\r} وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى تَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِ ذَلِكَ .\rقَالَ الْأَثْرَمُ : قُلْت لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ : يَخَافُ عَلَيْهِ أَنْ يَسْقُطَ يَجْعَلُ فِيهِ مِسْمَارًا مِنْ ذَهَبٍ ؟ قَالَ : إنَّمَا رُخِّصَ فِي الْأَسْنَانِ ، وَذَلِكَ إنَّمَا هُوَ عَلَى الضَّرُورَةِ ، فَأَمَّا الْمِسْمَارُ ، فَقَدْ رُوِيَ : { مَنْ تَحَلَّى بِخُرَيْصِيصَةٍ ، كُوِيَ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ } .\rقُلْت : أَيُّ شَيْءٍ خُرَيْصِيصَةٌ ؟ قَالَ : شَيْءٌ صَغِيرٌ مِثْلُ الشُّعَيْرَةِ .\rوَرَوَى الْأَثْرَمُ أَيْضًا ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ ، قَالَ : { مَنْ حُلِّيَ ، أَوْ تَحَلَّى بِخُرَيْصِيصَةٍ ، كُوِيَ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، مَغْفُورًا لَهُ","part":5,"page":386},{"id":2386,"text":"أَوْ مُعَذَّبًا } .\rوَحُكِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ مِنْ أَصْحَابِنَا ، أَنَّهُ أَبَاحَ يَسِيرَ الذَّهَبِ ، وَلَعَلَّهُ يَحْتَجُّ بِمَا رَوَيْنَاهُ مِنْ الْأَخْبَارِ ، وَبِقِيَاسِ الذَّهَبِ عَلَى الْفِضَّةِ ، وَلِأَنَّهُ أَحَدُ الثَّلَاثَةِ الْمُحَرَّمَةِ عَلَى الذُّكُورِ دُونَ الْإِنَاثِ ، فَلَمْ يَحْرُمْ يَسِيرُهُ كَسَائِرِهَا ، وَكُلُّ مَا أُبِيحَ مِنْ الْحُلِيِّ ، فَلَا زَكَاةَ فِيهِ ، إذَا كَانَ مُعَدًّا لِلِاسْتِعْمَالِ .","part":5,"page":387},{"id":2387,"text":"( 1894 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَالْمُتَّخِذُ آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ عَاصٍ ، وَفِيهَا الزَّكَاةُ ) وَجُمْلَتُهُ ، أَنَّ اتِّخَاذَ آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ حَرَامٌ عَلَى النِّسَاءِ وَالرِّجَالِ جَمِيعًا ، وَكَذَلِكَ اسْتِعْمَالُهُ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ : لَا يَحْرُمُ اتِّخَاذُهَا ؛ لِأَنَّ النَّصَّ إنَّمَا وَرَدَ فِي تَحْرِيمِ الِاسْتِعْمَالِ ، فَيَبْقَى إبَاحَةُ الِاتِّخَاذِ عَلَى مُقْتَضَى الْأَصْلِ فِي الْإِبَاحَةِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ مَا حَرُمَ اسْتِعْمَالُهُ حَرُمَ اتِّخَاذُهُ عَلَى هَيْئَةِ الِاسْتِعْمَالِ كَالْمَلَاهِي ، وَيَسْتَوِي فِي ذَلِكَ الرِّجَالُ ، وَالنِّسَاءُ ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى الْمُقْتَضِيَ لِلتَّحْرِيمِ يَعُمُّهَا ، وَهُوَ الْإِفْضَاءُ إلَى السَّرَفِ وَالْخُيَلَاءِ ، وَكَسْرِ قُلُوبِ الْفُقَرَاءِ ، فَيَسْتَوِيَانِ فِي التَّحْرِيمِ ، وَإِنَّمَا أُحِلَّ لِلنِّسَاءِ التَّحَلِّي لِحَاجَتِهِنَّ إلَيْهِ لِلتَّزَيُّنِ لِلْأَزْوَاجِ ، وَلَيْسَ هَذَا بِمَوْجُودٍ فِي الْآنِيَةِ ، فَيَبْقَى عَلَى التَّحْرِيمِ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّ فِيهَا الزَّكَاةَ ، بِغَيْرِ خِلَافٍ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَلَا زَكَاةَ فِيهَا حَتَّى تَبْلُغَ نِصَابًا بِالْوَزْنِ ، أَوْ يَكُونَ عِنْدَهُ مَا يَبْلُغُ نِصَابًا بِضَمِّهَا إلَيْهِ .\rوَإِنْ زَادَتْ قِيمَتُهُ لِصِنَاعَتِهِ ، فَلَا عِبْرَةَ بِهَا ؛ لِأَنَّهَا مُحَرَّمَةٌ فَلَا قِيمَةَ لَهَا فِي الشَّرْعِ ، وَلَهُ أَنْ يُخْرِجَ عَنْهَا قَدْرَ رُبْعِ عُشْرِهَا بِقِيمَتِهِ غَيْرَ مَصُوغٍ .\rوَإِنْ أَحَبَّ كَسْرَهَا ، أَخْرَجَ رُبْعَ عُشْرِهَا مَكْسُورًا ، وَإِنْ أَخْرَجَ رُبْعَ عُشْرِهَا مَصُوغًا ، جَازَ ؛ لِأَنَّ الصِّنَاعَةَ لَمْ تَنْقُصْهَا عَنْ قِيمَةِ الْمَكْسُورِ .\rوَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ وَجْهًا فِي اعْتِبَارِ قِيمَتِهَا .\rوَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .","part":5,"page":388},{"id":2388,"text":"( 1895 ) فَصْلٌ : وَكُلُّ مَا كَانَ اتِّخَاذُهُ مُحَرَّمًا مِنْ الْأَثْمَانِ ، لَمْ تَسْقُطْ زَكَاتُهُ بِاِتِّخَاذِهِ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ وُجُوبُ الزَّكَاةِ فِيهَا ، لِكَوْنِهَا مَخْلُوقَةً لِلتِّجَارَةِ ، وَالتَّوَسُّلِ بِهَا إلَى غَيْرِهَا ، وَلَمْ يُوجَدْ مَا يَمْنَعُ ذَلِكَ ، فَبَقِيَتْ عَلَى أَصْلِهَا .\rقَالَ أَحْمَدُ : مَا كَانَ عَلَى سَرْجٍ أَوْ لِجَامٍ ، فَفِيهِ الزَّكَاةُ .\rوَنَصَّ عَلَى حِلْيَةِ الثُّفْرِ وَالرِّكَابِ وَاللِّجَامِ ، أَنَّهُ مُحَرَّمٌ .\rوَقَالَ ، فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ : أَكْرَهُ رَأْسَ الْمُكْحُلَةِ فِضَّةً .\rثُمَّ قَالَ : وَهَذَا شَيْءٌ تَأَوَّلْته .\rوَعَلَى قِيَاسِ مَا ذَكَرَهُ ، حِلْيَةُ الدَّوَاةِ ، وَالْمِقْلَمَةِ ، وَالسَّرْجِ ، وَنَحْوِهِ مِمَّا عَلَى الدَّابَّةِ .\rوَلَوْ مَوَّهَ سَقْفَهُ بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ ، فَهُوَ مُحَرَّمٌ ، وَفِيهِ الزَّكَاةُ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ : يُبَاحُ ؛ لِأَنَّهُ تَابِعٌ لِلْمُبَاحِ ، فَيَتْبَعُهُ فِي الْإِبَاحَةِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ هَذَا إسْرَافٌ ، وَيُفْضِي فِعْلُهُ إلَى الْخُيَلَاءِ ، وَكَسْرِ قُلُوبِ الْفُقَرَاءِ ، فَحَرُمَ ، كَاِتِّخَاذِ الْآنِيَةِ ، وَقَدْ نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ التَّخَتُّمِ بِخَاتَمِ الذَّهَبِ لِلرَّجُلِ ، فَتَمْوِيهُ السَّقْفِ أَوْلَى .\rوَإِنْ صَارَ التَّمْوِيهُ الَّذِي فِي السَّقْفِ مُسْتَهْلَكًا لَا يَجْتَمِعُ مِنْهُ شَيْءٌ ، لَمْ تَحْرُمْ اسْتِدَامَتُهُ ؛ لِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِي إتْلَافِهِ وَإِزَالَتِهِ ، وَلَا زَكَاةَ فِيهِ ؛ لِأَنَّ مَالِيَّتَهُ ذَهَبَتْ وَإِنْ لَمْ تَذْهَبْ مَالِيَّتُهُ ، وَلَمْ يَكُنْ مُسْتَهْلَكًا ، حَرُمَتْ اسْتَدَامَتْهُ .\rوَقَدْ بَلَغَنَا أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ لَمَّا وَلِي ، أَرَادَ جَمْعَ مَا فِي مَسْجِدِ دِمَشْقَ مِمَّا مُوِّهَ بِهِ مِنْ الذَّهَبِ ، فَقِيلَ لَهُ : إنَّهُ لَا يَجْتَمِعُ مِنْهُ شَيْءٌ .\rفَتَرَكَهُ .\rوَلَا يَجُوزُ تَحْلِيَةُ الْمَصَاحِفِ وَلَا الْمَحَارِيبِ ، وَلَا اتِّخَاذَ قَنَادِيلَ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ ؛ لِأَنَّهَا بِمَنْزِلَةِ الْآنِيَةِ .\rوَإِنْ وَقَفَهَا عَلَى مَسْجِدٍ أَوْ نَحْوِهِ لَمْ يَصِحَّ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِبِرٍّ وَلَا مَعْرُوفٍ ، وَيَكُونُ ذَلِكَ","part":5,"page":389},{"id":2389,"text":"بِمَنْزِلَةِ الصَّدَقَةِ ، فَيُكْسَرُ وَيُصْرَفُ فِي مَصْلَحَةِ الْمَسْجِدِ وَعِمَارَتِهِ .\rوَكَذَلِكَ إنَّ حَبَسَ الرَّجُلُ فَرَسًا لَهُ لِجَامٌ مُفَضَّضٌ .\rوَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ : فِي الرَّجُلِ يَقِفُ فَرَسًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَمَعَهُ لِجَامٌ مُفَضَّضٌ : فَهُوَ عَلَى مَا وَقَفَهُ ، وَإِنْ بِيعَتْ الْفِضَّةُ مِنْ السَّرْجِ وَاللِّجَامِ وَجُعِلَتْ فِي وَقْفِ مِثْلِهِ فَهُوَ أَحَبُّ إلَيَّ ؛ لِأَنَّ الْفِضَّةَ لَا يُنْتَفَعُ بِهَا ، وَلَعَلَّهُ يَشْتَرِي بِذَلِكَ سَرْجًا وَلِجَامًا ، فَيَكُونُ أَنْفَعَ لِلْمُسْلِمِينَ .\rقِيلَ : فَتُبَاعُ الْفِضَّةُ ، وَيُنْفِقُ عَلَى الْفَرَسِ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى إبَاحَةِ حِلْيَةِ السَّرْجِ وَاللِّجَامِ بِالْفِضَّةِ ، لَوْلَا ذَلِكَ لَمَا قَالَ : هُوَ عَلَى مَا وَقَفَ .\rوَهَذَا لِأَنَّ الْعَادَةَ جَارِيَةٌ بِهِ ، فَأَشْبَهَ حِلْيَةَ الْمِنْطَقَةِ .\rوَإِذَا قُلْنَا بِتَحْرِيمِهَا فَصَارَ بِحَيْثُ لَا يَجْتَمِعُ مِنْهُ شَيْءٌ ، لَمْ يَحْرُمْ اسْتَدَامَتْهُ ، كَقَوْلِنَا فِي تَمْوِيهِ السَّقْفِ ، وَأَبَاحَ الْقَاضِي عِلَاقَةَ الْمُصْحَفِ ذَهَبًا أَوْ فِضَّةً لِلنِّسَاءِ خَاصَّةً .\rوَلَيْسَ بِجَيِّدٍ ؛ لِأَنَّ حِلْيَةَ الْمَرْأَةِ مَا لَبِسَتْهُ ، وَتَحَلَّتْ بِهِ فِي بَدَنِهَا أَوْ ثِيَابِهَا ، وَمَا عَدَاهُ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْأَوَانِي ، لَا يُبَاحُ لِلنِّسَاءِ مِنْهُ إلَّا مَا أُبِيحَ لِلرِّجَالِ .\rوَلَوْ أُبِيحَ لَهَا ذَلِكَ لَأُبِيحَ عِلَاقَةُ الْأَوَانِي وَالْأَدْرَاجِ وَنَحْوِهِمَا .\rذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ .\r( 1896 ) فَصْلٌ : وَكُلُّ مَا يَحْرُمُ اتِّخَاذُهُ ، فَفِيهِ الزَّكَاةُ إذَا كَانَ نِصَابًا ، أَوْ بَلَغَ بِضَمِّهِ إلَى مَا عِنْدَهُ نِصَابًا ، عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ .","part":5,"page":390},{"id":2390,"text":"( 1897 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : وَمَا كَانَ مِنْ الرِّكَازِ ، وَهُوَ دِفْنُ الْجَاهِلِيَّةِ ، قَلَّ أَوْ كَثُرَ ، فَفِيهِ الْخَمْسُ لِأَهْلِ الصَّدَقَاتِ ، وَبَاقِيه لَهُ الدِّفْنُ ، بِكَسْرِ الدَّالِ : الْمَدْفُونُ .\rوَالرِّكَازُ : الْمَدْفُونُ فِي الْأَرْضِ .\rوَاشْتِقَاقُهُ مِنْ رَكَزَ يَرْكِزُ .\rمِثْلُ غَرَزَ يَغْرِزُ : إذَا خَفِيَ .\rيُقَالُ : رَكَزَ الرُّمْحَ ، إذَا غَرَزَ أَسْفَلَهُ فِي الْأَرْضِ .\rوَمِنْهُ الرِّكْزُ ، وَهُوَ الصَّوْتُ الْخَفِيُّ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا } .\rوَالْأَصْلُ فِي صَدَقَةِ الرِّكَازِ ، مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { الْعَجْمَاءُ جُبَارٌ ، وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ .\r} مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَهُوَ أَيْضًا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ لَا نَعْلَمُ أَحَدًا خَالَفَ هَذَا الْحَدِيثَ ، إلَّا الْحَسَنَ فَإِنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَ مَا يُوجَدُ فِي أَرْضِ الْحَرْبِ ، وَأَرْضِ الْعَرَبِ ، فَقَالَ : فِيمَا يُوجَدُ فِي أَرْضِ الْحَرْبِ الْخُمْسُ ، وَفِيمَا يُوجَدُ فِي أَرْضِ الْعَرَبِ الزَّكَاةُ .","part":5,"page":391},{"id":2391,"text":"( 1898 ) فَصْلٌ : وَأَوْجَبَ الْخُمْسَ فِي الْجَمِيعِ الزُّهْرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ ، وَغَيْرُهُمْ .\rوَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تَشْتَمِلُ عَلَى خَمْسَةِ فُصُولٍ : ( 1899 ) الْفَصْلُ الْأَوَّلُ ، أَنَّ الرِّكَازَ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ وُجُوبُ الْخُمْسِ مَا كَانَ مِنْ دِفْنِ الْجَاهِلِيَّةِ .\rهَذَا قَوْلُ الْحَسَنِ ، وَالشَّعْبِيِّ ، وَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي ثَوْرٍ .\rوَيُعْتَبَرُ ذَلِكَ بِأَنْ تُرَى عَلَيْهِ عَلَامَاتُهُمْ ، كَأَسْمَاءِ مُلُوكِهِمْ ، وَصُوَرِهِمْ وَصُلُبِهِمْ ، وَصُوَرِ أَصْنَامِهِمْ ، وَنَحْوِ ذَلِكَ .\rفَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ عَلَامَةُ الْإِسْلَامِ ، أَوْ اسْمُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ أَحَدٌ مِنْ خُلَفَاءِ الْمُسْلِمِينَ ، أَوْ وَالٍ لَهُمْ ، أَوْ آيَةٌ مِنْ قُرْآنِ أَوَنَحْوُ ذَلِكَ ، فَهُوَ لُقَطَةٌ ؛ لِأَنَّهُ مِلْكُ مُسْلِمٍ لَمْ يُعْلَمْ زَوَالُهُ عَنْهُ .\rوَإِنْ كَانَ عَلَى بَعْضِهِ عَلَامَةُ الْإِسْلَامِ ، وَعَلَى بَعْضِهِ عَلَامَةُ الْكُفْرِ ، فَكَذَلِكَ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ صَارَ إلَى مُسْلِمٍ ، وَلَمْ يُعْلَمْ زَوَالُهُ عَنْ مِلْكِ الْمُسْلِمِينَ ، فَأَشْبَهَ مَا عَلَى جَمِيعِهِ عَلَامَةُ الْمُسْلِمِينَ .","part":5,"page":392},{"id":2392,"text":"( 1900 ) الْفَصْلُ الثَّانِي ، فِي مَوْضِعِهِ ، وَلَا يَخْلُو مِنْ أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ : أَحَدُهَا ، أَنْ يَجِدَهُ فِي مَوَاتٍ ، أَوْ مَا لَا يُعْلَمُ لَهُ مَالِكٌ ، مِثْلُ الْأَرْضِ الَّتِي يُوجَدُ فِيهَا آثَارُ الْمُلْكِ ، كَالْأَبْنِيَةِ الْقَدِيمَةِ ، وَالتُّلُولِ ، وَجُدْرَانِ الْجَاهِلِيَّةِ ، وَقُبُورِهِمْ .\rفَهَذَا فِيهِ الْخُمْسُ بِغَيْرِ خِلَافٍ ، سِوَى مَا ذَكَرْنَاهُ .\rوَلَوْ وَجَدَهُ فِي هَذِهِ الْأَرْضِ عَلَى وَجْهِهَا ، أَوْ فِي طَرِيقٍ غَيْرِ مَسْلُوكٍ ، أَوْ قَرْيَةٍ خَرَابٍ ، فَهُوَ كَذَلِكَ فِي الْحُكْمِ ؛ لِمَا رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، قَالَ : { سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ اللُّقَطَةِ ؟ فَقَالَ : مَا كَانَ فِي طَرِيقٍ مَأْتِيٍّ ، أَوْ فِي قَرْيَةٍ عَامِرَةٍ ، فَعَرِّفْهَا سَنَةً ، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا ، وَإِلَّا فَلَكَ ، وَمَا لَمْ يَكُنْ فِي طَرِيقٍ مَأْتِيٍّ ، وَلَا فِي قَرْيَةٍ عَامِرَةٍ ، فَفِيهِ وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ } رَوَاهُ النَّسَائِيّ .\rالْقِسْمُ الثَّانِي ، أَنْ يَجِدَهُ فِي مِلْكِهِ الْمُنْتَقِلِ إلَيْهِ ، فَهُوَ لَهُ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ مَالُ كَافِرٍ مَظْهُورٌ عَلَيْهِ فِي الْإِسْلَامِ ، فَكَانَ لِمَنْ ظَهَرَ عَلَيْهِ كَالْغَنَائِمِ ، وَلِأَنَّ الرِّكَازَ لَا يُمْلَكُ بِمِلْكِ الْأَرْضِ ، لِأَنَّهُ مُودَعٌ فِيهَا ، وَإِنَّمَا يُمْلَكُ بِالظُّهُورِ عَلَيْهِ ، وَهَذَا قَدْ ظَهَرَ عَلَيْهِ ، فَوَجَبَ أَنْ يَمْلِكَهُ .\rوَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ ، هُوَ لِلْمَالِكِ قَبْلَهُ إنْ اعْتَرَفَ بِهِ ، وَإِنْ لَمْ يَعْتَرِفْ بِهِ فَهُوَ لِلَّذِي قَبْلَهُ كَذَلِكَ إلَى أَوَّلِ مَالِكٍ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ لِأَنَّهُ كَانَتْ يَدُهُ عَلَى الدَّارِ ، فَكَانَتْ عَلَى مَا فِيهَا .\rوَإِنْ انْتَقَلَتْ الدَّارُ بِالْمِيرَاثِ ، حُكِمَ بِأَنَّهُ مِيرَاثٌ ، فَإِنْ اتَّفَقَ الْوَرَثَةُ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِمَوْرُوثِهِمْ ، فَهُوَ لِأَوَّلِ مَالِكٍ فَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ أَوَّلُ مَالِكٍ ، فَهُوَ كَالْمَالِ الضَّائِعِ الَّذِي لَا يُعْرَفْ لَهُ مَالِكٌ .\rوَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ؛ لِأَنَّ الرِّكَازَ لَا يُمْلَكُ بِمِلْكِ","part":5,"page":393},{"id":2393,"text":"الدَّارِ ، لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَجْزَائِهَا وَإِنَّمَا هُوَ مُودَعٌ فِيهَا ، فَيَنْزِلُ مَنْزِلَةَ الْمُبَاحَاتِ مِنْ الْحَشِيشِ وَالْحَطَبِ وَالصَّيْدِ يَجِدُهُ فِي أَرْضِ غَيْرِهِ ، فَيَأْخُذُهُ ، فَيَكُونُ أَحَقَّ بِهِ ، لَكِنْ إنْ ادَّعَى الْمَالِكُ الَّذِي انْتَقَلَ الْمِلْكُ عَنْهُ أَنَّهُ لَهُ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ ؛ لِأَنَّ يَدَهُ كَانَتْ عَلَيْهِ ، لِكَوْنِهَا عَلَى مَحِلِّهِ ، وَإِنْ لَمْ يَدَّعِهِ ، فَهُوَ لِوَاجِدِهِ .\rوَإِنْ اخْتَلَفَ الْوَرَثَةُ ، فَأَنْكَرَ بَعْضُهُمْ أَنْ يَكُونَ لِمُوَرِّثِهِمْ ، وَلَمْ يُنْكِرْهُ الْبَاقُونَ ، فَحُكْمُ مَنْ أَنْكَرَ فِي نَصِيبِهِ حُكْمُ الْمَالِكِ الَّذِي لَمْ يَعْتَرِفْ بِهِ ، وَحُكْمُ الْمُعْتَرِفِينَ حُكْمُ الْمَالِكِ الْمُعْتَرِفِ .\rالْقِسْمُ الثَّالِثُ ، أَنْ يَجِدَهُ فِي مِلْكِ آدَمِيٍّ مُسْلِمٍ مَعْصُومٍ أَوْ ذِمِّيٍّ ، فَعَنْ أَحْمَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لِصَاحِبِ الدَّارِ ؛ فَإِنَّهُ قَالَ ، فِي مَنْ اسْتَأْجَرَ حَفَّارًا لِيَحْفِرَ فِي دَارِهِ ، فَأَصَابَ فِي الدَّارِ كَنْزًا عَادِيًّا : فَهُوَ لِصَاحِبِ الدَّارِ .\rوَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ .\rوَنُقِلَ عَنْ أَحْمَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لِوَاجِدِهِ ؛ لِأَنَّهُ قَالَ فِي مَسْأَلَةِ مَنْ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا لِيَحْفِرَ لَهُ فِي دَارِهِ ، فَأَصَابَ فِي الدَّارِ كَنْزًا : فَهُوَ لِلْأَجِيرِ .\rنَقَلَ ذَلِكَ عَنْهُ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الْكَحَّالُ .\rقَالَ الْقَاضِي هُوَ الصَّحِيحُ .\rوَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الرِّكَازَ لِوَاجِدِهِ .\rوَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ ، وَأَبِي ثَوْرٍ .\rوَاسْتَحْسَنَهُ أَبُو يُوسُفَ .\rوَذَلِكَ لِأَنَّ الْكَنْزَ لَا يُمْلَكُ بِمِلْكِ الدَّارِ ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي الْقِسْمِ الَّذِي قَبْلَهُ ، فَيَكُونُ لِمَنْ وَجَدَهُ ، لَكِنْ إنْ ادَّعَاهُ الْمَالِكُ .\rفَالْقَوْلُ قَوْلُهُ ؛ لِأَنَّ يَدَهُ عَلَيْهِ بِكَوْنِهَا عَلَى مَحِلِّهِ .\rوَإِنْ لَمْ يَدَّعِهِ ، فَهُوَ لِوَاجِدِهِ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : هُوَ لِمَالِكِ الدَّارِ إنْ اعْتَرَفَ بِهِ ، وَإِنْ لَمْ يَعْتَرِفْ بِهِ ، فَهُوَ لِأَوَّلِ مَالِكٍ ، لِأَنَّهُ فِي يَدِهِ .\rوَيُخَرَّجُ لَنَا مِثْلُ ذَلِكَ ، لِمَا ذَكَرْنَاهُ","part":5,"page":394},{"id":2394,"text":"مِنْ الرِّوَايَةِ فِي الْقِسْمِ الَّذِي قَبْلَهُ .\rوَإِنْ اسْتَأْجَرَ حَفَّارًا لِيَحْفِرَ لَهُ طَلَبًا لِكَنْزٍ يَجِدُهُ ، فَوَجَدَهُ ، فَلَا شَيْءَ لِلْأَجِيرِ ، وَيَكُونُ الْوَاجِدُ لَهُ هُوَ الْمُسْتَأْجِرُ ؛ لِأَنَّهُ اسْتَأْجَرَهُ لِذَلِكَ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ اسْتَأْجَرَهُ لِيَحْتَشَّ لَهُ أَوْ يَصْطَادَ ، فَإِنَّ الْحَاصِلَ مِنْ ذَلِكَ لِلْمُسْتَأْجِرِ دُونَ الْأَجِيرِ .\rوَإِنْ اسْتَأْجَرَهُ لَأَمْرٍ غَيْرِ طَلَبِ الرِّكَازِ ، فَالْوَاجِدُ لَهُ هُوَ الْأَجِيرُ .\rوَهَكَذَا قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : إذَا اسْتَأْجَرْت أَجِيرًا لِيَحْفِرَ لِي فِي دَارِي ، فَوَجَدَ كَنْزًا ، فَهُوَ لَهُ .\rوَإِنْ قُلْت : اسْتَأْجَرْتُكَ لِتَحْفِرَ لِي هَاهُنَا .\rرَجَاءَ أَنَّ أَجِدَ كَنْزًا ، فَسَمَّيْت لَهُ ، فَلَهُ أَجْرُهُ ، وَلِي مَا يُوجَدُ .\r( 1901 ) فَصْلٌ : وَإِنْ اكْتَرَى دَارًا ، فَوَجَدَ فِيهَا رِكَازًا ، فَهُوَ لِوَاجِدِهِ ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ ، وَالْآخَرُ هُوَ لِلْمَالِكِ ، بِنَاءً عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ ، فِي مَنْ وَجَدَ رِكَازًا فِي مِلْكٍ انْتَقَلَ إلَيْهِ ، وَإِنْ اخْتَلَفَا ، فَقَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا : هَذَا لِي .\rفَعَلَى وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا ، الْقَوْلُ قَوْلُ الْمَالِكِ ؛ لِأَنَّ الدِّفْنَ تَابِعٌ لِلْأَرْضِ .\rوَالثَّانِي ، الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُكْتَرِي ؛ لِأَنَّ هَذَا مُودَعٌ فِي الْأَرْضِ ، وَلَيْسَ مِنْهَا ، فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ مِنْ يَدُهُ عَلَيْهَا ، كَالْقُمَاشِ .\rالْقِسْمُ الرَّابِعُ ، أَنْ يَجِدَهُ فِي أَرْضِ الْحَرْبِ ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ إلَّا بِجَمَاعَةٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ، فَهُوَ غَنِيمَةٌ لَهُمْ ، وَإِنْ قَدَرَ عَلَيْهِ بِنَفْسِهِ ، فَهُوَ لِوَاجِدِهِ ، حُكْمُهُ حُكْمُ مَا لَوْ وَجَدَهُ فِي مَوَاتٍ فِي أَرْضِ الْمُسْلِمِينَ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ : إنْ عُرِفَ مَالِكُ الْأَرْضِ ، وَكَانَ حَرْبِيًّا ، فَهُوَ غَنِيمَةٌ أَيْضًا ؛ لِأَنَّهُ فِي حِرْزِ مَالِكٍ مُعَيَّنٍ ؛ فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَخَذَهُ مِنْ بَيْتٍ أَوْ خِزَانَةٍ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ لَيْسَ لِمَوْضِعِهِ مَالِكٌ مُحْتَرَمٌ ، أَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ يُعْرَفْ مَالِكُهُ .\rوَيُخَرَّجُ لَنَا مِثْلُ قَوْلِهِمْ ، بِنَاءً عَلَى قَوْلِنَا إنَّ","part":5,"page":395},{"id":2395,"text":"الرِّكَازَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ يَكُونُ لِمَالِكِ الْأَرْضِ .","part":5,"page":396},{"id":2396,"text":"( 1902 ) الْفَصْلُ الثَّالِثُ ، فِي صِفَةِ الرِّكَازِ الَّذِي فِيهِ الْخُمْسُ ، وَهُوَ كُلُّ مَا كَانَ مَالًا عَلَى اخْتِلَافِ أَنْوَاعِهِ ، مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْحَدِيدِ وَالرَّصَاصِ وَالصُّفْرِ وَالنُّحَاسِ وَالْآنِيَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ .\rوَهُوَ قَوْلُ إِسْحَاقَ ، وَأَبِي عُبَيْدٍ ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ ، وَإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ مَالِكٍ ، وَأَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ ، وَالْقَوْلُ الْآخَرُ : لَا تَجِبُ إلَّا فِي الْأَثْمَانِ .\rوَلَنَا ، عُمُومُ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ } .\rوَلِأَنَّهُ مَالٌ مَظْهُورٌ عَلَيْهِ مِنْ مَالِ الْكُفَّارِ ، فَوَجَبَ فِيهِ الْخُمْسُ مَعَ اخْتِلَافِ أَنْوَاعِهِ ، كَالْغَنِيمَةِ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِنَّ الْخُمُسَ يَجِبُ فِي قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ ، فِي قَوْلِ إمَامِنَا ، وَمَالِكٍ ، وَإِسْحَاقَ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ ، وَالشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيمِ .\rوَقَالَ فِي الْجَدِيدِ : يُعْتَبَرُ النِّصَابُ فِيهِ ؛ لِأَنَّهُ حَقُّ مَالٍ يَجِبْ فِيمَا اُسْتُخْرِجَ مِنْ الْأَرْضِ ، فَاعْتُبِرَ فِيهِ النِّصَابُ ، كَالْمَعْدِنِ وَالزَّرْعِ .\rوَلَنَا ، عُمُومُ الْحَدِيثِ ، وَلِأَنَّهُ مَالٌ مَخْمُوسٌ ، فَلَا يُعْتَبَرُ لَهُ نِصَابٌ ، كَالْغَنِيمَةِ ، وَلِأَنَّهُ مَالُ كَافِرٍ مَظْهُورٌ عَلَيْهِ فِي الْإِسْلَامِ ، فَأَشْبَهَ الْغَنِيمَةَ ، وَالْمَعْدِنُ وَالزَّرْعُ يَحْتَاجُ إلَى عَمَلٍ وَنَوَائِبَ ، فَاعْتُبِرَ فِيهِ النِّصَابُ تَخْفِيفًا ، بِخِلَافِ الرِّكَازِ ، وَلِأَنَّ الْوَاجِبَ فِيهِمَا مُوَاسَاةٌ ، فَاعْتُبِرَ النِّصَابُ لِيَبْلُغَ حَدًّا يَحْتَمِلُ الْمُوَاسَاةَ مِنْهُ ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا .","part":5,"page":397},{"id":2397,"text":"( 1903 ) الْفَصْلُ الرَّابِعُ ، فِي قَدْرِ الْوَاجِبِ فِي الرِّكَازِ ، وَمَصْرِفِهِ ، أَمَّا قَدْرُهُ فَهُوَ الْخُمْسُ ؛ لِمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ الْحَدِيثِ وَالْإِجْمَاعِ ، وَأَمَّا مَصْرِفُهُ فَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ فِيهِ ، مَعَ مَا فِيهِ مِنْ اخْتِلَافِ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rفَقَالَ الْخِرَقِيِّ : هُوَ لِأَهْلِ الصَّدَقَاتِ .\rوَنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ ، فَقَالَ : يُعْطِي الْخُمْسَ مِنْ الرِّكَازِ عَلَى مَكَانِهِ ، وَإِنْ تَصَدَّقَ بِهِ عَلَى الْمَسَاكِينِ أَجْزَأَهُ .\rوَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ عَلَيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ، أَمَرَ صَاحِبَ الْكَنْزِ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ عَلَى الْمَسَاكِينِ .\rحَكَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ، وَقَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بِشْرٍ الْخَثْعَمِيِّ ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ قَوْمِهِ يُقَالُ لَهُ : ابْنُ حُمَمَةَ ، قَالَ : سَقَطْت عَلَيَّ جَرَّةٍ مِنْ دَيْرٍ قَدِيمٍ بِالْكُوفَةِ ، عِنْدَ جَبَّانَةِ بِشْرٍ ، فِيهَا أَرْبَعَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ ، فَذَهَبْت بِهَا إلَى عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَالَ : اقْسِمْهَا خَمْسَةَ أَخْمَاسٍ .\rفَقَسَمْتهَا ، فَأَخَذَ عَلِيٌّ مِنْهَا خُمْسًا ، وَأَعْطَانِي أَرْبَعَةَ أَخْمَاسٍ ، فَلَمَّا أَدْبَرْت دَعَانِي ، فَقَالَ : فِي جِيرَانِك فُقَرَاءُ وَمَسَاكِينُ ؟ قُلْت : نَعَمْ .\rقَالَ : فَخُذْهَا فَاقْسِمْهَا بَيْنَهُمْ .\rوَلِأَنَّهُ مُسْتَفَادٌ مِنْ الْأَرْضِ ، أَشْبَهَ الْمَعْدِنَ وَالزَّرْعَ .\rوَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ ، مَصْرِفُهُ مَصْرِفُ الْفَيْءِ .\rنَقَلَهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَكَمِ ، عَنْ أَحْمَدَ .\rوَهَذِهِ الرِّوَايَةُ أَصَحُّ ، وَأَقْيَسُ عَلَى مَذْهَبِهِ .\rوَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالْمُزَنِيُّ لِمَا رَوَى أَبُو عُبَيْدٍ ، عَنْ هُشَيْمٍ عَنْ مُجَالِدٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ ، أَنَّ رَجُلًا وَجَدَ أَلْفَ دِينَارٍ مَدْفُونَةً خَارِجًا مِنْ الْمَدِينَةِ ، فَأَتَى بِهِمَا عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ، فَأَخَذَ مِنْهَا الْخَمْسَ مِائَتَيْ دِينَارٍ ، وَدَفَعَ إلَى الرَّجُلِ بَقِيَّتَهَا ، وَجَعَلَ عُمَرُ يَقْسِمُ الْمِائَتَيْنِ بَيْنَ مَنْ حَضَرَهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ، إلَى أَنْ فَضَلَ مِنْهَا فَضْلَةٌ ،","part":5,"page":398},{"id":2398,"text":"فَقَالَ : أَيْنَ صَاحِبُ الدَّنَانِيرِ ؟ فَقَامَ إلَيْهِ ، فَقَالَ عُمَرُ : خُذْ هَذِهِ الدَّنَانِيرَ فَهِيَ لَكَ .\rوَلَوْ كَانَتْ زَكَاةً خَصَّ بِهَا أَهْلَهَا ، وَلَمْ يَرُدَّهُ عَلَى وَاجِدِهِ ، وَلِأَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الذِّمِّيِّ ، وَالزَّكَاةُ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ ، وَلِأَنَّهُ مَالٌ مَخْمُوسٌ زَالَتْ عَنْهُ يَدُ الْكَافِرِ ، أَشْبَهَ خُمْسَ الْغَنِيمَةِ .","part":5,"page":399},{"id":2399,"text":"( 1904 ) الْفَصْلُ الْخَامِسُ ، فِي مَنْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْخُمْسُ .\rوَهُوَ كُلُّ مَنْ وَجَدَهُ ، مِنْ مُسْلِمٍ وَذِمِّيٍّ ، وَحُرٍّ وَعَبْدٍ وَمُكَاتَبٍ ، وَكَبِيرٍ وَصَغِيرٍ ، وَعَاقِلٍ وَمَجْنُونٍ ، إلَّا أَنَّ الْوَاجِدَ لَهُ إذَا كَانَ عَبْدًا فَهُوَ لِسَيِّدِهِ ؛ لِأَنَّهُ كَسْبُ مَالٍ ، فَأَشْبَهَ الِاحْتِشَاشَ وَالِاصْطِيَادَ ، وَإِنْ كَانَ مُكَاتَبًا مَلَكَهُ ، وَعَلَيْهِ خُمْسُهُ ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ كَسْبِهِ ، وَإِنْ كَانَ صَبِيًّا أَوْ مَجْنُونًا فَهُوَ لَهُمَا ، وَيُخْرِجُ عَنْهُمَا وَلِيُّهُمَا .\rوَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ، عَلَى أَنَّ عَلَى الذِّمِّيِّ فِي الرِّكَازِ يَجِدُهُ الْخُمْسَ .\rقَالَهُ مَالِكٌ ، وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَأَهْلُ الْعِرَاقِ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ، وَغَيْرُهُمْ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يَجِبُ الْخُمْسُ إلَّا عَلَى مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ ؛ لِأَنَّهُ زَكَاةٌ .\rوَحُكِيَ عَنْهُ فِي الصَّبِيِّ وَالْمَرْأَةِ أَنَّهُمَا لَا يَمْلِكَانِ الرِّكَازَ .\rوَقَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ : إذَا كَانَ الْوَاجِدُ لَهُ عَبْدًا ، يُرْضَخُ لَهُ مِنْهُ ، وَلَا يُعْطَاهُ كُلَّهُ .\rوَلَنَا ، عُمُومُ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ } .\rفَإِنَّهُ يَدُلُّ بِعُمُومِهِ عَلَى وُجُوبِ الْخُمْسِ فِي كُلِّ رِكَازٍ يُوجَدُ ، وَبِمَفْهُومِهِ عَلَى أَنَّ بَاقِيَهُ لِوَاجِدِهِ مَنْ كَانَ ، وَلِأَنَّهُ مَالُ كَافِرٍ مَظْهُورٌ عَلَيْهِ ، فَكَانَ فِيهِ الْخُمْسُ عَلَى مَنْ وَجَدَهُ وَبَاقِيه لِوَاجِدِهِ ، كَالْغَنِيمَةِ ، وَلِأَنَّهُ اكْتِسَابُ مَالٍ ، فَكَانَ لِمُكْتَسِبِهِ إنْ كَانَ حُرًّا ، أَوْ لِسَيِّدِهِ إنْ كَانَ عَبْدًا ، كَالِاحْتِشَاشِ ، وَالِاصْطِيَادِ .\rوَيَتَخَرَّجُ لَنَا أَنْ لَا يَجِبَ الْخُمْسُ إلَّا عَلَى مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ ، بِنَاءً عَلَى قَوْلِنَا إنَّهُ زَكَاةٌ .\rوَالْأَوَّلُ أَصَحُّ .\r( 1905 ) فَصْلٌ : وَيَجُوزُ أَنْ يَتَوَلَّى الْإِنْسَانُ تَفْرِقَةَ الْخُمْسِ بِنَفْسِهِ .\rوَبِهِ قَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ ، وَابْنُ","part":5,"page":400},{"id":2400,"text":"الْمُنْذِرِ ، لِأَنَّ عَلِيًّا أَمَرَ وَاجِدَ الْكَنْزِ بِتَفْرِقَتِهِ عَلَى الْمَسَاكِينِ .\rقَالَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ .\rوَلِأَنَّهُ أَدَّى الْحَقَّ إلَى مُسْتَحِقِّهِ ، فَبَرِئَ مِنْهُ ، كَمَا لَوْ فَرَّقَ الزَّكَاةَ ، أَوْ أَدَّى الدَّيْنَ إلَى رَبِّهِ .\rوَيَتَخَرَّجُ أَنْ لَا يَجُوزَ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الصَّحِيحَ أَنَّهُ فَيْءٌ ، فَلَمْ يَمْلِكْ تَفْرِقَتَهُ بِنَفْسِهِ ، كَخُمْسِ الْغَنِيمَةِ .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو ثَوْرٍ .\rقَالَ : وَإِنْ فَعَلَ ضَمَّنَهُ الْإِمَامُ .\rقَالَ الْقَاضِي : وَلَيْسَ لِلْإِمَامِ رَدُّ خَمْسِ الرِّكَازِ ؛ لِأَنَّهُ حَقُّ مَالٍ ، فَلَمْ يَجُزْ رَدُّهُ عَلَى مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ ، كَالزَّكَاةِ ، وَخُمْسِ الْغَنِيمَةِ .\rوَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ : يَجُوزُ ؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ رَدَّ بَعْضَهُ عَلَى وَاجِدِهِ ، وَلِأَنَّهُ فَيْءٌ ، فَجَازَ رَدُّهُ أَوْ رَدُّ بَعْضِهِ عَلَى وَاجِدِهِ ، كَخَرَاجِ الْأَرْضِ .\rوَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ .","part":5,"page":401},{"id":2401,"text":"( 1906 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَإِذَا أَخْرَجَ مِنْ الْمَعَادِنِ مِنْ الذَّهَبِ عِشْرِينَ مِثْقَالًا ، أَوْ مِنْ الْوَرِقِ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ ، أَوْ قِيمَةَ ذَلِكَ مِنْ الزِّئْبَقِ وَالرَّصَاصِ وَالصُّفْرِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُسْتَخْرَجُ مِنْ الْأَرْضِ ، فَعَلَيْهِ الزَّكَاةُ مِنْ وَقْتِهِ ) اشْتِقَاقُ الْمَعْدِنِ مِنْ عَدَنَ فِي الْمَكَانِ ، يَعْدِنُ : إذَا أَقَامَ بِهِ .\rوَمِنْهُ سُمِّيَتْ جَنَّةَ عَدْنٍ ، لِأَنَّهَا دَارُ إقَامَةٍ وَخُلُودٍ .\rقَالَ أَحْمَدُ : الْمَعَادِنُ : هِيَ الَّتِي تُسْتَنْبَطُ ، لَيْسَ هُوَ شَيْءٌ دُفِنَ .\rوَالْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي فُصُولٍ أَرْبَعَةٍ : ( 1907 ) أَحَدُهَا ، فِي صِفَةِ الْمَعْدِنِ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ وُجُوبُ الزَّكَاةِ .\rوَهُوَ كُلُّ مَا خَرَجَ مِنْ الْأَرْضِ ، مِمَّا يُخْلَقُ فِيهَا مِنْ غَيْرِهَا مِمَّا لَهُ قِيمَةٌ ، كَاَلَّذِي ذَكَرَهُ الْخِرَقِيِّ وَنَحْوِهِ مِنْ الْحَدِيدِ ، وَالْيَاقُوتِ ، وَالزَّبَرْجَدِ ، وَالْبِلَّوْرِ ، وَالْعَقِيقِ ، وَالسَّبَجِ ، وَالْكُحْلِ ، وَالزَّاجِّ .\rوَالزِّرْنِيخِ ، وَالْمَغْرَةِ .\rوَكَذَلِكَ الْمَعَادِنُ الْجَارِيَةُ ، كَالْقَارِ ، وَالنِّفْطِ ، وَالْكِبْرِيتِ ، وَنَحْوِ ذَلِكَ .\rوَقَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ : لَا تَتَعَلَّقُ الزَّكَاةُ إلَّا بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَا زَكَاةَ فِي حَجَرٍ .\r} وَلِأَنَّهُ مَالٌ يُقَوَّمُ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ مُسْتَفَادٌ مِنْ الْأَرْضِ ، أَشْبَهَ الطِّينَ الْأَحْمَرَ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ : تَتَعَلَّقُ الزَّكَاةُ بِكُلِّ مَا يَنْطَبِعُ ، كَالرَّصَاصِ وَالْحَدِيدِ وَالنُّحَاسِ ، دُونَ غَيْرِهِ .\rوَلَنَا ، عُمُومُ قَوْله تَعَالَى : { وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنْ الْأَرْضِ } وَلِأَنَّهُ مَعْدِنٌ ، فَتَعَلَّقَتْ الزَّكَاةُ بِالْخَارِجِ مِنْهُ كَالْأَثْمَانِ ، وَلِأَنَّهُ مَالٌ لَوْ غَنِمَهُ وَجَبَ عَلَيْهِ خُمْسُهُ ، فَإِذَا أَخْرَجَهُ مِنْ مَعْدِنٍ وَجَبَتْ الزَّكَاةُ كَالذَّهَبِ .\rوَأَمَّا الطِّينُ فَلَيْسَ بِمَعْدِنٍ ؛ لِأَنَّهُ تُرَابٌ .\rوَالْمَعْدِنُ : مَا كَانَ فِي الْأَرْضِ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهَا .","part":5,"page":402},{"id":2402,"text":"( 1908 ) الْفَصْلُ الثَّانِي ، فِي قَدْرِ الْوَاجِبِ وَصِفَتِهِ ، وَقَدْرُ الْوَاجِبِ فِيهِ رُبْعُ الْعُشْرِ .\rوَصِفَتُهُ أَنَّهُ زَكَاةٌ .\rوَهَذَا قَوْلُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَمَالِكٍ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : الْوَاجِبُ فِيهِ الْخُمْسُ ، وَهُوَ فَيْءٌ .\rوَاخْتَارَهُ أَبُو عُبَيْدٍ ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : هُوَ زَكَاةٌ .\rوَاخْتَلَفَ قَوْلُهُ فِي قَدْرِهِ كَالْمَذْهَبَيْنِ .\rوَاحْتَجَّ مِنْ أَوْجَبَ الْخُمْسَ بِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَا لَمْ يَكُنْ فِي طَرِيقٍ مَأْتِيٍّ ، وَلَا فِي قَرْيَةٍ عَامِرَةٍ ، فَفِيهِ وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ } .\rرَوَاهُ النَّسَائِيّ ، وَالْجُوزَجَانِيُّ ، وَغَيْرُهُمَا .\rوَفِي رِوَايَةٍ : { مَا كَانَ فِي الْخَرَابِ ، فَفِيهِ وَفِي الرِّكَازِ الْخُمْسُ } .\rوَرَوَى سَعِيدٌ ، وَالْجُوزَجَانِيُّ ، بِإِسْنَادِهِمَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الرِّكَازُ هُوَ الذَّهَبُ الَّذِي يَنْبُتُ مِنْ الْأَرْضِ } .\rوَفِي حَدِيثٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { وَفِي الرِّكَازِ الْخُمْسُ ، قِيلَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَمَا الرِّكَازُ ؟ قَالَ : هُوَ الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ الْمَخْلُوقَانِ فِي الْأَرْضِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ } .\rوَهَذَا نَصٌّ .\rوَفِي حَدِيثٍ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، أَنَّهُ قَالَ : { وَفِي السُّيُوبِ الْخُمْسُ } .\rقَالَ : وَالسُّيُوبُ عُرُوقُ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ الَّتِي تَحْتَ الْأَرْضِ .\rوَلِأَنَّهُ مَالٌ مَظْهُورٌ عَلَيْهِ فِي الْإِسْلَامِ ، أَشْبَهَ الرِّكَازَ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى أَبُو عُبَيْدٍ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ عُلَمَائِهِمْ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَقْطَعَ بِلَالَ بْنَ الْحَارِثِ الْمُزَنِيَّ مَعَادِنَ الْقَبَلِيَّةِ فِي نَاحِيَةِ الْفَرْعِ ، قَالَ : فَتِلْكَ الْمَعَادِنُ لَا يُؤْخَذُ مِنْهَا إلَّا الزَّكَاةُ إلَى الْيَوْمِ } .\rوَقَدْ أَسْنَدَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَثِيرِ بْنِ عَوْفٍ ،","part":5,"page":403},{"id":2403,"text":"إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ .\rوَرَوَاهُ الدَّرَاوَرْدِيُّ ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ بِلَالِ بْنِ الْحَارِثِ الْمُزَنِيّ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخَذَ مِنْهُ زَكَاةَ الْمَعَادِنِ الْقَبَلِيَّةِ .\r} قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : الْقَبَلِيَّةُ بِلَادٌ مَعْرُوفَةٌ بِالْحِجَازِ .\rوَلِأَنَّهُ حَقٌّ يَحْرُمُ عَلَى أَغْنِيَاءِ ذَوِي الْقُرْبَى ، فَكَانَ زَكَاةً ، كَالْوَاجِبِ فِي الْأَثْمَانِ الَّتِي كَانَتْ مَمْلُوكَةً لَهُ .\rوَحَدِيثُهُمْ الْأَوَّلُ لَا يَتَنَاوَلُ مَحَلَّ النِّزَاعِ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّمَا ذَكَرَ ذَلِكَ فِي جَوَابِ سُؤَالِهِ عَنْ اللُّقَطَةِ ، وَهَذَا لَيْسَ بِلُقَطَةٍ ، وَلَا يَتَنَاوَلُ اسْمَهَا ، فَلَا يَكُونُ مُتَنَاوِلًا لِمَحَلِّ النِّزَاعِ .\rوَالْحَدِيثُ الثَّانِي يَرْوِيهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ ، وَهُوَ ضَعِيفٌ .\rوَسَائِرُ أَحَادِيثِهِمْ لَا يُعْرَفُ صِحَّتُهَا ، وَلَا هِيَ مَذْكُورَةٌ فِي الْمَسَانِيدِ وَالدَّوَاوِينِ .\rثُمَّ هِيَ مَتْرُوكَةُ الظَّاهِرِ فَإِنَّ هَذَا لَيْسَ هُوَ الْمُسَمَّى بِالرِّكَازِ .\rوَالسُّيُوبُ : هُوَ الرِّكَازُ ، لِأَنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنْ السَّيْبِ ، وَهُوَ الْعَطَاءُ الْجَزِيلُ .","part":5,"page":404},{"id":2404,"text":"( 1909 ) الْفَصْلُ الثَّالِثُ ، فِي نِصَابِ الْمَعَادِنِ وَهُوَ مَا يَبْلُغُ مِنْ الذَّهَبِ عِشْرِينَ مِثْقَالًا ، وَمِنْ الْفِضَّةِ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ ، أَوْ قِيمَةَ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِهِمَا .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَوْجَبَ أَبُو حَنِيفَةَ الْخُمْسَ فِي قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ ، مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ نِصَابٍ ، بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ رِكَازٌ ؛ لِعُمُومِ الْأَحَادِيثِ الَّتِي احْتَجُّوا بِهَا عَلَيْهِ ، وَلِأَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ لَهُ حَوْلٌ ، فَلَمْ يُعْتَبَرْ لَهُ نِصَابٌ كَالرِّكَازِ .\rوَلَنَا ، عُمُومُ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ } .\rوَقَوْلِهِ : { لَيْسَ فِي تِسْعِينَ وَمِائَةٍ شَيْءٌ .\r} وَقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { لَيْسَ عَلَيْكُمْ فِي الذَّهَبِ شَيْءٌ ، حَتَّى يَبْلُغَ عِشْرِينَ مِثْقَالًا } .\rوَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ هَذَا لَيْسَ بِرِكَازٍ ، وَأَنَّهُ مُفَارِقٌ لِلرِّكَازِ مِنْ حَيْثُ إنَّ الرِّكَازَ مَالُ كَافِرٍ أُخِذَ فِي الْإِسْلَامِ ، فَأَشْبَهَ الْغَنِيمَةَ .\rوَهَذَا وَجَبَ مُوَاسَاةً وَشُكْرًا لِنِعْمَةِ الْغِنَى ، فَاعْتُبِرَ لَهُ النِّصَابُ كَسَائِرِ الزَّكَوَاتِ .\rوَإِنَّمَا لَمْ يُعْتَبَرْ لَهُ الْحَوْلُ ؛ لِحُصُولِهِ دُفْعَةً وَاحِدَةٍ ، فَأَشْبَهَ الزُّرُوعَ وَالثِّمَارَ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِنَّهُ يُعْتَبَرُ إخْرَاجُ النِّصَابِ دُفْعَةً وَاحِدَةً أَوْ دَفَعَاتٍ ، لَا يُتْرَكُ الْعَمَلُ بَيْنَهُنَّ تَرْكَ إهْمَالٍ ، فَإِنْ خَرَجَ دُونَ النِّصَابِ ، ثُمَّ تَرَكَ الْعَمَلَ مُهْمِلًا لَهُ ، ثُمَّ أَخْرَجَ دُونَ النِّصَابِ ، فَلَا زَكَاةَ فِيهِمَا وَإِنْ بَلَغَا بِمَجْمُوعِهِمَا نِصَابًا .\rوَإِنْ بَلَغَ أَحَدُهُمَا نِصَابًا دُونَ الْآخَرِ ، زَكَّى النِّصَابَ ، وَلَا زَكَاةَ فِي الْآخَرِ .\rوَفِيمَا زَادَ عَلَى النِّصَابِ بِحِسَابِهِ .\rفَأَمَّا تَرْكُ الْعَمَلِ لَيْلًا ، أَوْ لِلِاسْتِرَاحَةِ ، أَوْ لِعُذْرٍ مِنْ مَرَضٍ ، أَوْ لِإِصْلَاحِ الْأَدَاةِ ، أَوْ إبَاقِ عَبِيدِهِ وَنَحْوِهِ ، فَلَا يَقْطَعُ حُكْمَ الْعَمَلِ ، وَيُضَمُّ مَا خَرَجَ فِي الْعَمَلَيْنِ بَعْضُهُ إلَى بَعْضٍ فِي إكْمَالِ النِّصَابِ .\rوَكَذَلِكَ إنْ كَانَ مُشْتَغِلًا بِالْعَمَلِ ، فَخَرَجَ بَيْنَ الْمَعْدِنَيْنِ","part":5,"page":405},{"id":2405,"text":"تُرَابٌ ، لَا شَيْءَ فِيهِ .\rوَإِنْ اشْتَمَلَ الْمَعْدِنُ عَلَى أَجْنَاسٍ ، كَمَعْدِنٍ فِيهِ الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ .\rفَذَكَرَ الْقَاضِي : أَنَّهُ لَا يُضَمُّ أَحَدُهُمَا إلَى الْآخَرِ فِي تَكْمِيلِ النِّصَابِ ، وَأَنَّهُ يُعْتَبَرُ النِّصَابُ فِي الْجِنْسِ بِانْفِرَادِهِ ؛ لِأَنَّهُ أَجْنَاسٌ ، فَلَا يَكْمُلُ نِصَابُ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ ، كَغَيْرِ الْمَعْدِنِ .\rوَالصَّوَابُ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ ، أَنَّهُ إنْ كَانَ الْمَعْدِنُ يَشْتَمِلُ عَلَى ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ فَفِي ضَمِّ أَحَدِهِمَا إلَى الْآخِرِ وَجْهَانِ ؛ بِنَاءً عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي ضَمِّ أَحَدِهِمَا إلَى الْآخَرِ فِي غَيْرِ الْمَعْدِنِ ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ أَجْنَاسٌ مِنْ غَيْرِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ ، ضُمَّ بَعْضُهَا إلَى بَعْضٍ ، لِأَنَّ الْوَاجِبَ فِي قِيمَتِهَا ، وَالْقِيمَةُ وَاحِدَةٌ ، فَأَشْبَهَتْ عُرُوضَ التِّجَارَةِ .\rوَإِنْ كَانَ فِيهَا أَحَدُ النَّقْدَيْنِ ، وَجِنْسٌ آخَرُ ، ضُمَّ أَحَدُهُمَا إلَى الْآخَرِ ، كَمَا تُضَمُّ الْعُرُوض إلَى الْأَثْمَانِ .\rوَإِنْ اسْتَخْرَجَ نِصَابًا مِنْ مَعْدِنَيْنِ ، وَجَبَتْ الزَّكَاةُ فِيهِ ؛ لِأَنَّهُ مَالُ رَجُلٍ وَاحِدٍ ، فَأَشْبَهَ الزَّرْعَ فِي مَكَانَيْنِ .","part":5,"page":406},{"id":2406,"text":"( 1910 ) الْفَصْلُ الرَّابِعِ ، فِي وَقْتِ الْوُجُوبِ ، وَتَجِبُ الزَّكَاةُ فِيهِ حِينَ يَتَنَاوَلُهُ وَيَكْمُلُ نِصَابُهُ ، وَلَا يُعْتَبَرُ لَهُ حَوْلٌ .\rوَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ .\rوَقَالَ إِسْحَاقُ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ : لَا شَيْءَ فِي الْمَعْدِنِ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ ؛ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا زَكَاةَ فِي مَالٍ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ } .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ مَالٌ مُسْتَفَادٌ مِنْ الْأَرْضِ ، فَلَا يُعْتَبَرُ فِي وُجُوبِ حَقِّهِ حَوْلٌ ، كَالزَّرْعِ وَالثِّمَارِ وَالرِّكَازِ ، وَلِأَنَّ الْحَوْلَ إنَّمَا يُعْتَبَرُ فِي غَيْرِ هَذَا لِتَكْمِيلِ النَّمَاءِ ، وَهُوَ يَتَكَامَلُ نَمَاؤُهُ دُفْعَةً وَاحِدَةً ، فَلَا يُعْتَبَرُ لَهُ حَوْلٌ كَالزُّرُوعِ ، وَالْخَبَرُ مَخْصُوصٌ بِالزَّرْعِ وَالثَّمَرِ ، فَيُخَصُّ مَحَلُّ النِّزَاعِ بِالْقِيَاسِ عَلَيْهِ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا فَلَا يَجُوزُ إخْرَاجُ زَكَاتِهِ إلَّا بَعْدَ سَبْكِهِ ، وَتَصْفِيَتِهِ ، كَعُشْرِ الْحَبِّ ، فَإِنْ أَخْرَجَ رُبْعَ عُشْرِ تُرَابِهِ قَبْلَ تَصْفِيَتِهِ ، وَجَبَ رَدُّهُ إنْ كَانَ بَاقِيًا ، أَوْ قِيمَتُهُ إنْ كَانَ تَالِفًا .\rوَالْقَوْلُ فِي قَدْرِ الْمَقْبُوضِ قَوْلُ الْآخِذِ ؛ لِأَنَّهُ غَارِمٌ ، فَإِنْ صَفَّاهُ الْآخِذُ ، فَكَانَ قَدْرَ الزَّكَاةِ ، أَجْزَأَ ، وَإِنْ زَادَ رَدَّ الزِّيَادَةَ ، إلَّا أَنْ يَسْمَحَ لَهُ الْمُخْرِجُ .\rوَإِنْ نَقَصَ فَعَلَى الْمُخْرِجِ .\rوَمَا أَنْفَقَهُ الْآخِذُ عَلَى تَصْفِيَتِهِ ، فَهُوَ مِنْ مَالِهِ ، لَا يَرْجِعُ بِهِ عَلَى الْمَالِكِ وَلَا يَحْتَسِبُ الْمَالِكُ مَا أَنْفَقَهُ عَلَى الْمَعْدِنِ فِي اسْتِخْرَاجِهِ مِنْ الْمَعْدِنِ ، وَلَا فِي تَصْفِيَتِهِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا تَلْزَمُهُ الْمُؤْنَةُ مِنْ حَقِّهِ .\rوَشَبَّهَهُ بِالْغَنِيمَةِ ، وَبَنَاهُ عَلَى أَصْلِهِ فِي أَنَّ هَذَا رِكَازٌ فِيهِ الْخُمْسُ .\rوَقَدْ مَضَى الْكَلَامُ فِي ذَلِكَ .\rوَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْوَاجِبَ فِي هَذَا زَكَاةٌ ، فَلَا يُحْتَسَبُ بِمُؤْنَةِ اسْتِخْرَاجِهِ فَتَصْفِيَتِهِ كَالْحَبِّ ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ دَيْنًا عَلَيْهِ احْتَسَبَ بِهِ ، كَمَا يَحْتَسِبُ بِمَا","part":5,"page":407},{"id":2407,"text":"أَنْفَقَ عَلَى الزَّرْعِ .","part":5,"page":408},{"id":2408,"text":"( 1911 ) فَصْلٌ : وَلَا زَكَاةَ فِي الْمُسْتَخْرَجِ مِنْ الْبَحْرِ ، كَاللُّؤْلُؤِ وَالْمَرْجَانِ وَالْعَنْبَرِ وَنَحْوِهِ ، فِي ظَاهِرِ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ ، وَاخْتِيَارِ أَبِي بَكْرٍ .\rوَرُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ .\rوَبِهِ قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَعَطَاءٌ ، وَمَالِكٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى ، وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَمُحَمَّدٌ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ ، رِوَايَةٌ أُخْرَى ، أَنَّ فِيهِ الزَّكَاةَ ؛ لِأَنَّهُ خَارِجٌ مِنْ مَعْدِنٍ ، فَأَشْبَهَ الْخَارِجَ مِنْ مَعْدِنِ الْبَرِّ .\rوَيُحْكَى عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، أَنَّهُ أَخَذَ مِنْ الْعَنْبَرِ الْخُمْسَ .\rوَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ ، وَالزُّهْرِيِّ .\rوَزَادَ الزُّهْرِيُّ فِي اللُّؤْلُؤِ يُخْرَجُ مِنْ الْبَحْرِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ .\rقَالَ : لَيْسَ فِي الْعَنْبَرِ شَيْءٌ ، إنَّمَا هُوَ شَيْءٌ أَلْقَاهُ الْبَحْرُ .\rوَعَنْ جَابِرٍ نَحْوُهُ .\rرَوَاهُمَا أَبُو عُبَيْدٍ .\rوَلِأَنَّهُ قَدْ كَانَ يَخْرُجُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَخُلَفَائِهِ ، فَلَمْ يَأْتِ فِيهِ سُنَّةٌ عَنْهُ ، وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ خُلَفَائِهِ مِنْ وَجْهٍ يَصِحُّ ، وَلِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْوُجُوبِ فِيهِ ، وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُهُ عَلَى مَعْدِنِ الْبَرِّ ؛ لِأَنَّ الْعَنْبَرَ إنَّمَا يُلْقِيه الْبَحْرُ ، فَيُوجَدُ مُلْقًى فِي الْبَرِّ عَلَى الْأَرْضِ مِنْ غَيْرِ تَعَبٍ ، فَأَشْبَهَ الْمُبَاحَاتِ الْمَأْخُوذَةَ مِنْ الْبَرِّ ، كَالْمَنِّ وَالزَّنْجَبِيلِ ، وَغَيْرِهِمَا .\rوَأَمَّا السَّمَكُ فَلَا شَيْءَ فِيهِ بِحَالٍ ، فِي قَوْلِ أَهْلِ الْعِلْمِ كَافَّةً ، إلَّا شَيْءٌ يُرْوَى عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ .\rرَوَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ عَنْهُ .\rوَقَالَ : لَيْسَ النَّاسُ عَلَى هَذَا ، وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا يَعْمَلُ بِهِ .\rوَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَحْمَدَ أَيْضًا .\rوَالصَّحِيحُ أَنَّ هَذَا لَا شَيْءَ فِيهِ ؛ لِأَنَّهُ صَيْدٌ ، فَلَمْ يَجِبْ فِيهِ زَكَاةٌ كَصَيْدِ الْبَرِّ ، وَلِأَنَّهُ لَا نَصَّ وَلَا إجْمَاعَ عَلَى الْوُجُوبِ فِيهِ ، وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُهُ عَلَى مَا","part":5,"page":409},{"id":2409,"text":"فِيهِ الزَّكَاةُ ، فَلَا وَجْهَ لِإِيجَابِهَا فِيهِ .","part":5,"page":410},{"id":2410,"text":"( 1912 ) فَصَلِّ : وَالْمَعَادِنُ الْجَامِدَةُ تُمْلَكُ بِمِلْكِ الْأَرْضِ الَّتِي هِيَ فِيهَا ؛ لِأَنَّهَا جُزْءٌ مِنْ أَجْزَاءِ الْأَرْضِ ، فَهِيَ كَالتُّرَابِ وَالْأَحْجَارِ الثَّابِتَةِ ، بِخِلَافِ الرِّكَازِ ، فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَجْزَاءِ الْأَرْضِ ، وَإِنَّمَا هُوَ مُودَعٌ فِيهَا .\rوَقَدْ رَوَى أَبُو عُبَيْدٍ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ عِكْرِمَةَ مَوْلَى بِلَالِ بْنِ الْحَارِثِ الْمُزَنِيّ ، قَالَ : { أَقْطَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِلَالًا أَرْضَ كَذَا ، مِنْ مَكَانِ كَذَا إلَى كَذَا ، وَمَا كَانَ فِيهَا مِنْ جَبَلٍ أَوْ مَعْدِنٍ .\rقَالَ : فَبَاعَ بَنُو بِلَالٍ مِنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَرْضًا ، فَخَرَجَ فِيهَا مَعْدِنَانِ ، فَقَالُوا : إنَّمَا بِعْنَاكَ أَرْضَ حَرْثٍ ، وَلَمْ نَبِعْكَ الْمَعْدِنَ .\rوَجَاءُوا بِكِتَابِ الْقَطِيعَةِ الَّتِي قَطَعَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَبِيهِمْ فِي جَرِيدَةٍ ، قَالَ : فَجَعَلَ عُمَرُ يَمْسَحُهَا عَلَى عَيْنَيْهِ ، وَقَالَ لِقَيِّمِهِ : اُنْظُرْ مَا اسْتَخْرَجْت مِنْهَا ، وَمَا أَنْفَقْت عَلَيْهَا ، فَقَاصِّهِمْ بِالنَّفَقَةِ ، وَرُدَّ عَلَيْهِمْ الْفَضْلَ .\r} فَعَلَى هَذَا مَا يَجِدُهُ فِي مِلْكٍ أَوْ فِي مَوَاتٍ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ ، فَإِنْ سَبَقَ اثْنَانِ إلَى مَعْدِنٍ فِي مَوَاتٍ ، فَالسَّابِقُ أَوْلَى بِهِ مَا دَامَ يَعْمَلُ ، فَإِذَا تَرَكَهُ جَازَ لِغَيْرِهِ الْعَمَلُ فِيهِ .\rوَمَا يَجِدُهُ فِي مَمْلُوكٍ يَعْرِفُ مَالِكَهُ ، فَهُوَ لِمَالِكِ الْمَكَانِ .\rفَأَمَّا الْمَعَادِنُ الْجَارِيَةُ ، فَهِيَ مُبَاحَةٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ .\rإلَّا أَنَّهُ يُكْرَهُ لَهُ دُخُولُ مِلْكِ غَيْرِهِ إلَّا بِإِذْنِهِ .\rوَقَدْ رُوِيَ أَنَّهَا : تُمْلَكُ بِمِلْكِ الْأَرْضِ الَّتِي هِيَ فِيهَا ؛ لِأَنَّهَا مِنْ نَمَائِهَا وَتَوَابِعِهَا ، فَكَانَتْ لِمَالِكِ الْأَرْضِ ، كَفُرُوعِ الشَّجَرِ الْمَمْلُوكِ وَثَمَرَتِهِ .","part":5,"page":411},{"id":2411,"text":"( 1913 ) فَصْلٌ : وَيَجُوزُ بَيْعُ تُرَابِ الْمَعْدِنِ وَالصَّاغَةِ بِغَيْرِ جِنْسِهِ ، وَلَا يَجُوزُ بِجِنْسِهِ إنْ كَانَ مِمَّا يَجْرِي فِيهِ الرِّبَا ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى الرِّبَا .\rوَالزَّكَاةُ عَلَى الْبَائِعِ ؛ لِأَنَّهَا وَجَبَتْ فِي يَدِهِ ، كَمَا لَوْ بَاعَ الثَّمَرَةَ بَعْدَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا .\rوَقَدْ رَوَى أَبُو عُبَيْدٍ فِي الْأَمْوَالِ أَنَّ أَبَا الْحَارِثِ الْمُزَنِيّ اشْتَرَى تُرَابَ مَعْدِنٍ بِمِائَةِ شَاةٍ مُتْبِعٍ فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ ثَمَنَ أَلْفِ شَاةٍ .\rفَقَالَ لَهُ الْبَائِعُ : رُدَّ عَلَيَّ الْبَيْعَ .\rفَقَالَ : لَا أَفْعَلُ .\rفَقَالَ : لَآتِيَنَّ عَلِيًّا فَلَآتِيَنَّ عَلَيْكَ - يَعْنِي أَسْعَى بِكَ - فَأَتَى عَلَيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ، فَقَالَ : إنَّ أَبَا الْحَارِثِ أَصَابَ مَعْدِنًا .\rفَأَتَاهُ عَلِيٌّ .\rفَقَالَ : أَيْنَ الرِّكَازُ الَّذِي أَصَبْت ؟ فَقَالَ مَا أَصَبْت رِكَازًا ، إنَّمَا أَصَابَهُ هَذَا ، فَاشْتَرَيْته مِنْهُ بِمِائَةِ شَاةٍ مُتْبِعٍ .\rفَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ مَا أَرَى الْخُمْسَ إلَّا عَلَيْكَ .\rقَالَ : فَخَمْسُ الْمِائَةِ شَاةٍ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَالْوَاجِبُ عَلَيْهِ زَكَاةُ الْمَعْدِنِ ، لَا زَكَاةُ الثَّمَنِ ؛ لِأَنَّ الزَّكَاةَ إنَّمَا تَعَلَّقَتْ بِعَيْنِ الْمَعْدِنِ ، أَوْ بِقِيمَتِهِ إنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ جِنْسِ الْأَثْمَانِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ بَاعَ السَّائِمَةَ بَعْدَ حَوْلِهَا ، أَوْ الزَّرْعَ أَوْ الثَّمَرَةَ بَعْدَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا .","part":5,"page":412},{"id":2412,"text":"( 1914 ) فَصْلٌ : وَمِنْ أَجَرَ دَارِهِ ، فَقَبَضَ كِرَاهَا فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ فِيهِ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ ، وَعَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّهُ يُزَكِّيه إذَا اسْتَفَادَهُ .\rوَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا زَكَاةَ فِي مَالٍ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ } .\rوَلِأَنَّهُ مَالٌ مُسْتَفَادٌ بِعَقْدِ مُعَاوَضَةٍ ، فَأَشْبَهَ ثَمَنَ الْمَبِيعِ .\rوَكَلَامُ أَحْمَدَ ، فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى ، مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ أَجَرَ دَارِهِ سَنَةً ، وَقَبَضَ أُجْرَتَهَا فِي آخِرِهَا ، فَأَوْجَبَ عَلَيْهَا زَكَاتَهَا ، لِأَنَّهُ قَدْ مَلَكَهَا مِنْ أَوَّلِ الْحَوْلِ ، فَصَارَتْ كَسَائِرِ الدُّيُونِ ، إذَا قَبَضَهَا بَعْدَ حَوْلٍ زَكَّاهَا حِينَ يَقْبِضُهَا ، فَإِنَّهُ قَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ عَنْهُ ، فَيُحْمَلُ مُطْلَقُ كَلَامِهِ عَلَى مُقَيَّدِهِ .","part":5,"page":413},{"id":2413,"text":"بَابُ زَكَاةِ التِّجَارَةِ تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي قِيمَةِ عُرُوضِ التِّجَارَةِ ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ فِي الْعُرُوضِ الَّتِي يُرَادُ بِهَا التِّجَارَةُ الزَّكَاةَ ، إذَا حَالَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ .\rرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ ، وَابْنِهِ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ .\rوَبِهِ قَالَ الْفُقَهَاءُ السَّبْعَةُ ، وَالْحَسَنُ ، وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ ، وَمَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ ، وَطَاوُسٌ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ ، وَدَاوُد ، أَنَّهُ لَا زَكَاةَ فِيهَا ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { عَفَوْت لَكُمْ عَنْ صَدَقَةِ الْخَيْلِ وَالرَّقِيقِ } .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى أَبُو دَاوُد ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ ، قَالَ : { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْمُرُنَا أَنْ نُخْرِجَ الزَّكَاةَ مِمَّا نُعِدُّهُ لِلْبَيْعِ .\r} وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيّ ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ ، قَالَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : { فِي الْإِبِلِ صَدَقَتُهَا ، وَفِي الْغَنَمِ صَدَقَتُهَا ، وَفِي الْبَزِّ صَدَقَتُهُ } .\rقَالَهُ بِالزَّايِ ، وَلَا خِلَافَ أَنَّهَا لَا تَجِبُ فِي عَيْنِهِ ، وَثَبَتَ أَنَّهَا تَجِبُ فِي قِيمَتِهِ .\rوَعَنْ أَبِي عَمْرِو بْنِ حَمَاسٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : أَمَرَنِي عُمَرُ ، فَقَالَ : أَدِّ زَكَاةَ مَالِكَ .\rفَقُلْت : مَا لِي مَالٌ إلَّا جِعَابٌ وَأَدْمٌ .\rفَقَالَ : قَوِّمْهَا ثُمَّ أَدِّ زَكَاتَهَا .\rرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ .\rوَهَذِهِ قِصَّةٌ يَشْتَهِرُ مِثْلُهَا وَلَمْ تُنْكَرْ ، فَيَكُونُ إجْمَاعًا .\rوَخَبَرُهُمْ الْمُرَادُ بِهِ زَكَاةُ الْعَيْنِ ، لَا زَكَاةُ الْقِيمَةِ ، بِدَلِيلِ مَا ذَكَرْنَا ، عَلَى أَنَّ خَبَرَهُمْ عَامٌّ وَخَبَرَنَا خَاصٌّ ، فَيَجِبُ تَقْدِيمُهُ .","part":5,"page":414},{"id":2414,"text":"( 1915 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : وَالْعُرُوضُ إذَا كَانَتْ لِتِجَارَةٍ قَوَّمَهَا إذَا حَالَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ ، وَزَكَّاهَا الْعُرُوض : جَمْعُ عَرْضٍ .\rوَهُوَ غَيْرُ الْأَثْمَانِ مِنْ الْمَالِ ، عَلَى اخْتِلَافِ أَنْوَاعِهِ ، مِنْ النَّبَاتِ وَالْحَيَوَانِ وَالْعَقَارِ وَسَائِرِ الْمَالِ .\rفَمِنْ مَلَكَ عَرْضًا لِلتِّجَارَةِ ، فَحَالَ عَلَيْهِ حَوْلٌ ، وَهُوَ نِصَابٌ ، قَوَّمَهُ فِي آخِرِ الْحَوْلِ ، فَمَا بَلَغَ أَخْرَجَ زَكَاتَهُ ، وَهُوَ رُبْعُ عُشْرِ قِيمَتِهِ .\rوَلَا نَعْلَمُ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ خِلَافًا فِي اعْتِبَارِ الْحَوْلِ .\rوَقَدْ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَا زَكَاةَ فِي مَالٍ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ } .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِنَّ الزَّكَاةَ تَجِبُ فِيهِ فِي كُلِّ حَوْلٍ .\rوَبِهَذَا قَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : لَا يُزَكِّيه إلَّا لِحَوْلٍ وَاحِدٍ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ مُدَبَّرًا ؛ لِأَنَّ الْحَوْلَ الثَّانِي لَمْ يَكُنْ الْمَالُ عَيْنًا فِي أَحَدِ طَرَفَيْهِ ، فَلَمْ تَجِبْ فِيهِ الزَّكَاةُ ، كَالْحَوْلِ الْأَوَّلِ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي أَوَّلِهِ عَيْنًا .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ مَالٌ تَجِبُ الزَّكَاةُ فِيهِ فِي الْحَوْلِ الْأَوَّلِ ، لَمْ يَنْقُصْ عَنْ النِّصَابِ ، وَلَمْ تَتَبَدَّلْ صِفَتُهُ ، فَوَجَبَتْ زَكَاتُهُ فِي الْحَوْلِ الثَّانِي ، كَمَا لَوْ نَقَصَ فِي أَوَّلِهِ .\rوَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي أَوَّلُهُ عَيْنًا لَا تَجِبُ الزَّكَاةُ فِيهِ .\rوَإِذَا اشْتَرَى عَرْضًا لِلتِّجَارَةِ ، بِعَرْضٍ لِلْقُنْيَةِ ، جَرَى فِي حَوْلِ الزَّكَاةِ مِنْ حِينِ اشْتَرَاهُ .","part":5,"page":415},{"id":2415,"text":"( 1916 ) فَصْلٌ : وَيُخْرِجُ الزَّكَاةَ مِنْ قِيمَةِ الْعُرُوضِ دُونَ عَيْنِهَا .\rوَهَذَا أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ فِي آخَرَ : هُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْإِخْرَاجِ مِنْ قِيمَتِهَا ، وَبَيْنَ الْإِخْرَاجِ مِنْ عَيْنِهَا .\rوَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ .\rلِأَنَّهَا مَالٌ تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ ، فَجَازَ إخْرَاجُهَا مِنْ عَيْنِهِ ، كَسَائِرِ الْأَمْوَالِ .\rوَلَنَا أَنَّ النِّصَابَ مُعْتَبَرٌ بِالْقِيمَةِ ؛ فَكَانَتْ الزَّكَاةُ مِنْهَا كَالْعَيْنِ فِي سَائِرِ الْأَمْوَالِ ، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ الزَّكَاةَ تَجِبُ فِي الْمَالِ ، وَإِنَّمَا وَجَبَتْ فِي قِيمَتِهِ .","part":5,"page":416},{"id":2416,"text":"فَصْلٌ : وَلَا يَصِيرُ الْعَرْضُ لِلتِّجَارَةِ إلَّا بِشَرْطَيْنِ ؛ أَحَدِهِمَا أَنْ يَمْلِكَهُ بِفِعْلِهِ ، كَالْبَيْعِ ، وَالنِّكَاحِ ، وَالْخُلْعِ ، وَقَبُولِ الْهِبَةِ ، وَالْوَصِيَّةِ ، وَالْغَنِيمَةِ ، وَاكْتِسَابِ الْمُبَاحَاتِ ؛ لِأَنَّ مَا لَا يَثْبُتُ لَهُ حُكْمُ الزَّكَاةِ بِدُخُولِهِ فِي مِلْكِهِ لَا يَثْبُتُ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ ، كَالصَّوْمِ .\rوَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَمْلِكَهُ بِعِوَضٍ أَوْ بِغَيْرِ عِوَضٍ .\rذَكَرَ ذَلِكَ أَبُو الْخَطَّابِ ، وَابْنُ عَقِيلٍ ؛ لِأَنَّهُ مَلَكَهُ بِفِعْلِهِ ، أَشْبَهَ الْمَوْرُوثَ .\rوَالثَّانِي ، أَنْ يَنْوِيَ عِنْدَ تَمَلُّكِهِ أَنَّهُ لِلتِّجَارَةِ فَإِنْ لَمْ يَنْوِ عِنْدَ تَمَلُّكِهِ أَنَّهُ لِلتِّجَارَةِ لَمْ يَصِرْ لِلتِّجَارَةِ وَإِنْ نَوَاهُ بَعْدَ ذَلِكَ .\rوَإِنْ مَلَكَهُ بِإِرْثٍ ، وَقَصَدَ أَنَّهُ لِلتِّجَارَةِ ، لَمْ يَصِرْ لِلتِّجَارَةِ لِأَنَّ الْأَصْلَ الْقُنْيَةُ ، وَالتِّجَارَةُ عَارِضٌ ، فَلَمْ يَصِرْ إلَيْهَا بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ ، كَمَا لَوْ نَوَى الْحَاضِرُ السَّفَرَ ، لَمْ يَثْبُتْ لَهُ حُكْمُ السَّفَرِ بِدُونِ الْفِعْلِ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ ، رِوَايَةٌ أُخْرَى ، أَنَّ الْعَرْضَ يَصِيرُ لِلتِّجَارَةِ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ ؛ { لِقَوْلِ سَمُرَةَ : أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ نُخْرِجَ الصَّدَقَةَ مِمَّا نُعِدُّ لِلْبَيْعِ .\r} ، فَعَلَى هَذَا لَا يُعْتَبَرُ أَنْ يَمْلِكَهُ بِفِعْلِهِ ، وَلَا أَنْ يَكُونَ فِي مُقَابَلَةِ عِوَضٌ ، بَلْ مَتَى نَوَى بِهِ التِّجَارَةَ صَارَ لِلتِّجَارَةِ .","part":5,"page":417},{"id":2417,"text":"( 1918 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَمَنْ كَانَتْ لَهُ سِلْعَةٌ لِلتِّجَارَةِ ، وَلَا يَمْلِكُ غَيْرَهَا ، وَقِيمَتُهَا دُونَ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ ، فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ ، مِنْ يَوْمِ سَاوَتْ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ الْحَوْلُ فِي وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي مَالِ التِّجَارَةِ ، وَلَا يَنْعَقِدُ الْحَوْلُ حَتَّى يَبْلُغَ نِصَابًا ، فَلَوْ مَلَكَ سِلْعَةً قِيمَتُهَا دُونَ النِّصَابِ ، فَمَضَى نِصْفُ الْحَوْلِ وَهِيَ كَذَلِكَ ، ثُمَّ زَادَتْ قِيمَةُ النَّمَاءِ بِهَا أَوْ تَغَيَّرَتْ الْأَسْعَارِ فَبَلَغَتْ نِصَابًا ، أَوْ بَاعَهَا بِنِصَابٍ ، أَوْ مَلَكَ فِي أَثْنَاءِ الْحَوْلِ عَرْضًا آخَرَ ، أَوْ أَثْمَانًا تَمَّ بِهَا النِّصَابُ ، ابْتَدَأَ الْحَوْلَ مِنْ حِينَئِذٍ فَلَا يَحْتَسِبُ بِمَا مَضَى .\rوَهَذَا قَوْلُ الثَّوْرِيِّ ، وَأَهْلِ الْعِرَاقِ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَإِسْحَاقَ ، وَأَبِي عُبَيْدٍ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ ، وَلَوْ مَلَكَ لِلتِّجَارَةِ نِصَابًا ، فَنَقَصَ عَنْ النِّصَابِ فِي أَثْنَاءِ الْحَوْلِ ، ثُمَّ زَادَ حَتَّى بَلَغَ نِصَابًا ، اسْتَأْنَفَ الْحَوْلَ عَلَيْهِ ، لِكَوْنِهِ انْقَطَعَ بِنَقْصِهِ فِي أَثْنَائِهِ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : يَنْعَقِدُ الْحَوْلُ عَلَى مَا دُونَ النِّصَابِ ، فَإِذَا كَانَ فِي آخِرِهِ نِصَابًا زَكَّاهُ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يُعْتَبَرُ فِي طَرَفَيْ الْحَوْلِ دُونَ وَسَطِهِ ؛ لِأَنَّ التَّقْوِيمَ يَسْبِقُ فِي جَمِيعِ الْحَوْلِ ، فَعُفِيَ عَنْهُ إلَّا فِي آخِرِهِ ، فَصَارَ الِاعْتِبَارُ بِهِ ، وَلِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى أَنْ تُعْرَفَ قِيمَتُهُ فِي كُلِّ وَقْتٍ ، لِيَعْلَمَ أَنَّ قِيمَتَهُ فِيهِ تَبْلُغُ نِصَابًا وَذَلِكَ يَشُقُّ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ مَالٌ يُعْتَبَرُ لَهُ الْحَوْلُ وَالنِّصَابُ ، فَوَجَبَ اعْتِبَارُ كَمَالِ النِّصَابِ فِي جَمِيعِ الْحَوْلِ كَسَائِرِ الْأَمْوَالِ الَّتِي يُعْتَبَرُ لَهَا ذَلِكَ .\rوَقَوْلُهُمْ : يَشُقُّ التَّقْوِيمُ لَا يَصِحُّ .\rفَإِنَّ غَيْرَ الْمُقَارِبِ لِلنِّصَابِ لَا يَحْتَاجُ إلَى تَقْوِيمٍ ، لِظُهُورِ مَعْرِفَتِهِ ، وَالْمُقَارِبُ لِلنِّصَابِ إنْ سَهُلَ عَلَيْهِ التَّقْوِيمُ ، وَإِلَّا فَلَهُ الْأَدَاءُ .\rوَالْأَخْذُ","part":5,"page":418},{"id":2418,"text":"بِالِاحْتِيَاطِ ، كَالْمُسْتَفَادِ فِي أَثْنَاءِ الْحَوْلِ إنَّ سَهُلَ عَلَيْهِ ضَبْطُ مَوَاقِيتِ التَّمَلُّكِ ، وَإِلَّا فَلَهُ تَعْجِيلُ زَكَاتِهِ مَعَ الْأَصْلِ .","part":5,"page":419},{"id":2419,"text":"( 1919 ) فَصْلٌ : وَإِذَا مَلَكَ نُصُبًا لِلتِّجَارَةِ فِي أَوْقَاتٍ مُتَفَرِّقَةٍ ، لَمْ يَضُمَّ بَعْضَهَا إلَى بَعْضٍ ؛ لِمَا بَيَّنَّا مِنْ أَنَّ الْمُسْتَفَادَ لَا يُضَمُّ إلَى مَا عِنْدَهُ فِي الْحَوْلِ .\rوَإِنْ كَانَ الْعَرْضُ الْأَوَّلُ لَيْسَ بِنِصَابٍ وَكَمَلَ بِالثَّانِي نِصَابًا ، فَحَوْلُهُمَا مِنْ حِينِ مَلَكَ الثَّانِي ، وَنَمَاؤُهُمَا تَابِعٌ لَهُمَا ، وَلَا يُضَمُّ الثَّالِثُ إلَيْهِمَا ، بَلْ ابْتِدَاءُ الْحَوْلِ مِنْ حِينِ مَلَكَهُ وَتَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ وَإِنْ كَانَ دُونَ النِّصَابِ ؛ لِأَنَّ قَبْلَهُ نِصَابًا ، وَلِهَذَا يُخْرِجُ عَنْهُ بِالْحِصَّةِ ، وَنَمَاؤُهُ تَابِعٌ لَهُ","part":5,"page":420},{"id":2420,"text":"( 1920 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : وَتُقَوَّمُ السِّلَعُ إذَا حَالَ الْحَوْلُ بِالْأَحُظِّ لِلْمَسَاكِينِ ، مِنْ عَيْنٍ أَوْ وَرِقٍ ، وَلَا يُعْتَبَرُ مَا اُشْتُرِيت بِهِ يَعْنِي إذَا حَالَ الْحَوْلُ عَلَى الْعُرُوضِ وَقِيمَتُهَا بِالْفِضَّةِ نِصَابٌ ، وَلَا تَبْلُغُ نِصَابًا بِالذَّهَبِ قَوَّمْنَاهَا بِالْفِضَّةِ ؛ لِيَحْصُلَ لِلْفُقَرَاءِ مِنْهَا حَظٌّ ، وَلَوْ كَانَتْ قِيمَتُهَا بِالْفِضَّةِ دُونَ النِّصَابِ وَبِالذَّهَبِ تَبْلُغُ نِصَابًا ، قَوَّمْنَاهَا بِالذَّهَبِ ؛ لِتَجِبَ الزَّكَاةُ فِيهَا .\rوَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ اشْتِرَاؤُهَا بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ أَوْ عُرُوضٍ .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : تُقَوَّمُ بِمَا اشْتَرَاهُ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ ؛ لِأَنَّ نِصَابَ الْعَرُوضِ مَبْنِيٌّ عَلَى مَا اشْتَرَاهُ بِهِ ، فَيَجِبُ أَنْ تَجِبَ الزَّكَاةُ فِيهِ ، وَتُعْتَبَرُ بِهِ كَمَا لَوْ لَمْ يَشْتَرِ بِهِ شَيْئًا .\rوَلَنَا أَنَّ قِيمَتَهُ بَلَغَتْ نِصَابًا فَتَجِبُ الزَّكَاةُ فِيهِ ، كَمَا لَوْ اشْتَرَاهُ بِعَرْضٍ وَفِي الْبَلَدِ نَقْدَانِ مُسْتَعْمَلَانِ ، تَبْلُغُ قِيمَةُ الْعُرُوضِ بِأَحَدِهِمَا نِصَابًا ، وَلِأَنَّ تَقْوِيمَهُ لِحَظِّ الْمَسَاكِينِ ، فَيُعْتَبَرُ مَا لَهُمْ فِيهِ الْحَظُّ كَالْأَصْلِ .\rوَأَمَّا إذَا لَمْ يَشْتَرِ بِالنَّقْدِ شَيْئًا ، فَإِنَّ الزَّكَاةَ فِي عَيْنِهِ ، لَا فِي قِيمَتِهِ ، بِخِلَافِ الْعَرْضِ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ النَّقْدُ مُعَدًّا لِلتِّجَارَةِ ، فَيَنْبَغِي أَنْ تَجِبَ الزَّكَاةُ فِيهِ إذَا بَلَغَتْ قِيمَتُهُ بِالنَّقْدِ الْآخَرِ نِصَابًا ، وَإِنْ لَمْ تَبْلُغْ بِعَيْنِهِ نِصَابًا ؛ لِأَنَّهُ مَالُ تِجَارَةٍ بَلَغَتْ قِيمَتُهُ نِصَابًا ، فَوَجَبَتْ زَكَاتُهُ كَالْعُرُوضِ ، فَأَمَّا إذَا بَلَغَتْ قِيمَةُ الْعَرُوضِ نِصَابًا بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الثَّمَنَيْنِ ، قَوَّمَهُ بِمَا شَاءَ مِنْهُمَا ، وَأَخْرَجَ رُبْعَ عُشْرِ قِيمَتِهِ مِنْ أَيِّ النَّقْدَيْنِ شَاءَ ، لَكِنَّ الْأَوْلَى أَنْ يُخْرِجَ مِنْ النَّقْدِ الْمُسْتَعْمَلِ فِي الْبَلَدِ ، لِأَنَّهُ أَحْظُ لِلْمَسَاكِينِ ، وَإِنْ كَانَا مُسْتَعْمَلَيْنِ أَخْرَجَ مِنْ الْغَالِبِ فِي الِاسْتِعْمَالِ لِذَلِكَ ، فَإِنْ تَسَاوَيَا أَخْرَجَ مِنْ","part":5,"page":421},{"id":2421,"text":"أَيِّهِمَا شَاءَ .\rوَإِذَا بَاعَ الْعُرُوضَ بِنَقْدٍ ، وَحَالَ الْحَوْلُ عَلَيْهِ ، قَوَّمَ النَّقْدَ دُونَ الْعُرُوضِ ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُقَوِّمُ مَا حَالَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ دُونَ غَيْرِهِ .","part":5,"page":422},{"id":2422,"text":"( 1921 ) فَصْلٌ : وَإِذَا اشْتَرَى عَرْضًا لِلتِّجَارَةِ ، بِنِصَابٍ مِنْ الْأَثْمَانِ ، أَوْ بِمَا قِيمَتُهُ نِصَابٌ مِنْ عُرُوضِ التِّجَارَةِ ، بَنَى حَوْلَ الثَّانِي عَلَى الْحَوْلِ الْأَوَّلِ ؛ لِأَنَّ مَالَ التِّجَارَةِ إنَّمَا تَتَعَلَّقُ الزَّكَاةُ بِقِيمَتِهِ ، وَقِيمَتُهُ هِيَ : الْأَثْمَانُ نَفْسُهَا ، وَكَمَا إذَا كَانَتْ ظَاهِرَةً فَخَفِيَتْ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَ لَهُ نِصَابٌ فَأَقْرَضَهُ ، لَمْ يَنْقَطِعْ حَوْلُهُ بِذَلِكَ .\rوَهَكَذَا الْحُكْمُ إذَا بَاعَ الْعَرْضَ بِنِصَابٍ أَوْ بِعَرْضٍ قِيمَتُهُ نِصَابٌ ؛ لِأَنَّ الْقِيمَةَ كَانَتْ خَفِيَّةً ، فَظَهَرَتْ ، أَوْ بَقِيَتْ عَلَى خَفَائِهَا ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَ لَهُ قَرْضٌ فَاسْتَوْفَاهُ ، أَوْ أَقْرَضَهُ إنْسَانًا آخَرَ ، وَلِأَنَّ النَّمَاءَ فِي الْغَالِبِ فِي التِّجَارَةِ إنَّمَا يَحْصُلُ بِالتَّقْلِيبِ ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ يَقْطَعُ الْحَوْلَ لَكَانَ السَّبَبُ الَّذِي وَجَبَتْ فِيهِ الزَّكَاةُ لِأَجْلِهِ يَمْنَعُهَا ؛ لِأَنَّ الزَّكَاةَ لَا تَجِبُ إلَّا فِي مَالٍ نَامٍ .\rوَإِنْ قَصَدَ بِالْأَثْمَانِ غَيْرَ التِّجَارَةِ لَمْ يَنْقَطِعْ الْحَوْلُ أَيْضًا .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يَنْقَطِعُ قَوْلًا وَاحِدًا ؛ لِأَنَّهُ مَالٌ تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي عَيْنِهِ دُونَ قِيمَتِهِ ، فَانْقَطَعَ الْحَوْلُ بِالْبَيْعِ بِهِ ، كَالسَّائِمَةِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ مِنْ جِنْسِ الْقِيمَةِ الَّتِي تَتَعَلَّقُ الزَّكَاةُ بِهَا ، فَلَمْ يَنْقَطِعْ الْحَوْلُ بِبَيْعِهَا بِهِ ، كَمَا لَوْ قَصَدَ بِهِ التِّجَارَةَ ، وَفَارَقَ السَّائِمَةَ ، فَإِنَّهَا مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الْقِيمَةِ ، فَأَمَّا إنْ أَبْدَلَ عَرْضَ التِّجَارَةِ بِمَا تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي عَيْنِهِ كَالسَّائِمَةِ ، وَلَمْ يَنْوِ بِهِ التِّجَارَةَ ، لَمْ يَبْنِ حَوْلَ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ ؛ لِأَنَّهُمَا مُخْتَلِفَانِ .\rوَإِنْ أَبْدَلَهُ بِعَرْضٍ لِلْقُنْيَةِ ، بَطَلَ الْحَوْلُ .\rوَإِنْ اشْتَرَى عَرْضَ التِّجَارَةِ بِعَرْضِ الْقُنْيَةِ ، انْعَقَدَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ مِنْ حِينِ مَلَكَهُ إنْ كَانَ نِصَابًا ؛ لِأَنَّهُ اشْتَرَاهُ بِمَا لَا زَكَاةَ فِيهِ ، فَلَمْ يُمْكِنْ بِنَاءُ الْحَوْلِ عَلَيْهِ .\rوَإِنْ اشْتَرَاهُ بِنِصَابٍ مِنْ السَّائِمَةِ ،","part":5,"page":423},{"id":2423,"text":"لَمْ يَبْنِ عَلَى حَوْلِهِ ؛ لِأَنَّهُمَا مُخْتَلِفَانِ .\rوَإِنْ اشْتَرَاهُ بِمَا دُونَ النِّصَابِ مِنْ الْأَثْمَانِ ، أَوْ مِنْ عُرُوضِ التِّجَارَةِ ، انْعَقَدَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ مِنْ حِينِ تَصِيرُ قِيمَتُهُ نِصَابًا ؛ لِأَنَّ مُضِيَّ الْحَوْلِ عَلَى نِصَابٍ كَامِلٍ شَرْطٌ لِوُجُوبِ الزَّكَاةِ .","part":5,"page":424},{"id":2424,"text":"فَصْلٌ : وَإِذَا اشْتَرَى لِلتِّجَارَةِ نِصَابًا مِنْ السَّائِمَةِ ، فَحَالَ الْحَوْلُ ، وَالسَّوْمُ وَنِيَّةُ التِّجَارَةِ مَوْجُودَانِ ، زَكَّاهُ زَكَاةَ التِّجَارَةِ .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالثَّوْرِيُّ .\rوَقَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ فِي الْجَدِيدِ : يُزَكِّيهَا زَكَاةَ السَّوْمِ ؛ لِأَنَّهَا أَقْوَى ، لِانْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ عَلَيْهَا ، وَاخْتِصَاصِهَا بِالْعَيْنِ ، فَكَانَتْ أَوْلَى .\rوَلَنَا ، أَنَّ زَكَاةَ التِّجَارَةِ أَحَظُّ لِلْمَسَاكِينِ ؛ لِأَنَّهَا تَجِبُ فِيمَا زَادَ بِالْحِسَابِ ، وَلِأَنَّ الزَّائِدَ عَنْ النِّصَابِ قَدْ وُجِدَ سَبَبُ وُجُوبِ زَكَاتِهِ ، فَيَجِبُ كَمَا لَوْ لَمْ يَبْلُغْ بِالسَّوْمِ نِصَابًا ، وَإِنْ سَبَقَ وَقْتُ وُجُوبِ زَكَاةِ السَّوْمِ وَقْتَ وُجُوبِ زَكَاةِ التِّجَارَةِ ، مِثْلُ أَنْ يَمْلِكَ أَرْبَعِينَ مِنْ الْغَنَمِ قِيمَتُهَا دُونَ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ ، ثُمَّ صَارَتْ قِيمَتُهَا فِي نِصْفِ الْحَوْلِ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ ، فَقَالَ الْقَاضِي : يَتَأَخَّرُ وُجُوبُ الزَّكَاةِ حَتَّى يَتِمَّ حَوْلُ التِّجَارَةِ ؛ لِأَنَّهُ أَنْفَعُ لِلْفُقَرَاءِ ، وَإِلَّا يُفْضِي التَّأْخِيرُ إلَى سُقُوطِهَا ؛ لِأَنَّ الزَّكَاةَ تَجِبُ فِيهَا إذَا تَمَّ حَوْلُ التِّجَارَةِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ تَجِبَ زَكَاةُ الْعَيْنِ عِنْدَ تَمَامِ حَوْلِهَا ؛ لِوُجُودِ مُقْتَضِيهَا مِنْ غَيْرِ مُعَارِضٍ .\rفَإِذَا تَمَّ حَوْلُ التِّجَارَةِ ، وَجَبَتْ زَكَاةُ الزَّائِدِ عَنْ النِّصَابِ ؛ لِوُجُودِ مُقْتَضِيهَا ، لِأَنَّ هَذَا مَالٌ لِلتِّجَارَةِ ، حَالَ الْحَوْلُ عَلَيْهِ وَهُوَ نِصَابٌ ، وَلَا يُمْكِنُ إيجَابُ الزَّكَاتَيْنِ بِكَمَالِهِمَا ؛ لِأَنَّهُ يُفْضِي إلَى إيجَابِ زَكَاتَيْنِ فِي حَوْلٍ وَاحِدٍ ، بِسَبَبٍ وَاحِدٍ ، فَلَمْ يَجُزْ ذَلِكَ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا تُثْنِي فِي الصَّدَقَةِ } .\rوَفَارَقَ هَذَا زَكَاةَ التِّجَارَةِ ، وَزَكَاةَ الْفِطْرِ ، فَإِنَّهُمَا يَجْتَمِعَانِ لِأَنَّهُمَا بِسَبَبَيْنِ ، فَإِنَّ زَكَاةَ الْفِطْرِ ، تَجِبُ عَنْ بَدَنِ الْإِنْسَانِ الْمُسْلِمِ طُهْرَةً لَهُ ، وَزَكَاةُ التِّجَارَةِ تَجِبُ عَنْ قِيمَتِهِ شُكْرًا لِنِعْمَةِ الْغِنَى وَمُوَاسَاةً لِلْفُقَرَاءِ .\rفَأَمَّا","part":5,"page":425},{"id":2425,"text":"إنْ وُجِدَ نِصَابُ السَّوْمِ دُونَ نِصَابِ التِّجَارَةِ ، مِثْلُ أَنْ يَمْلِكَ ثَلَاثِينَ مِنْ الْبَقَرِ ، قِيمَتُهَا مِائَةٌ وَخَمْسُونَ دِرْهَمًا ، وَحَالَ الْحَوْلُ عَلَيْهَا كَذَلِكَ ، فَإِنَّ زَكَاةَ الْعَيْنِ تَجِبُ بِغَيْرِ خِلَافٍ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ لَهَا مُعَارِضٌ ، فَوَجَبَتْ ، كَمَا لَوْ لَمْ تَكُنْ لِلتِّجَارَةِ .","part":5,"page":426},{"id":2426,"text":"( 1923 ) فَصْلٌ : وَإِنْ اشْتَرَى نَخْلًا أَوْ أَرْضًا لِلتِّجَارَةِ ، فَزُرِعَتْ الْأَرْضُ وَأَثْمَرَتْ النَّخْلُ ، فَاتَّفَقَ حَوْلَاهُمَا ، بِأَنْ يَكُونَ بُدُوُّ الصَّلَاحِ فِي الثَّمَرَةِ وَاشْتِدَادُ الْحَبِّ عِنْدَ تَمَامِ الْحَوْلِ ، وَكَانَتْ قِيمَةُ الْأَرْضِ وَالنَّخْلِ بِمُفْرَدِهَا نِصَابًا لِلتِّجَارَةِ ، فَإِنَّهُ يُزَكِّي الثَّمَرَةَ وَالْحَبَّ زَكَاةَ الْعُشْرِ ، وَيُزَكِّي الْجَمِيعَ زَكَاةَ الْقِيمَةِ .\rوَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَأَبِي ثَوْرٍ .\rوَقَالَ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ : يُزَكِّي الْجَمِيعَ زَكَاةَ الْقِيمَةِ .\rوَذَكَرَ أَنَّ أَحْمَدَ أَوْمَأَ إلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ مَالُ تِجَارَةٍ ، فَتَجِبُ فِيهِ زَكَاةُ التِّجَارَةِ ، كَالسَّائِمَةِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ زَكَاةَ الْعُشْرِ أَحَظُّ لِلْفُقَرَاءِ ، فَإِنَّ الْعُشْرَ أَحَظُّ مِنْ رُبْعِ الْعُشْرِ ، فَيَجِبُ تَقْدِيمُ مَا فِيهِ الْحَظُّ ، وَلِأَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى رُبْعِ الْعُشْرِ قَدْ وُجِدَ سَبَبُ وُجُوبِهَا فَتَجِبُ ، وَفَارَقَ السَّائِمَةَ الْمُعَدَّةَ لِلتِّجَارَةِ ، فَإِنَّ زَكَاةَ السَّوْمِ أَقَلُّ مِنْ زَكَاةِ التِّجَارَةِ .","part":5,"page":427},{"id":2427,"text":"( 1924 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : وَإِذَا اشْتَرَاهَا لِلتِّجَارَةِ ، ثُمَّ نَوَاهَا لِلِاقْتِنَاءِ ، ثُمَّ نَوَاهَا لِلتِّجَارَةِ ، فَلَا زَكَاةَ فِيهَا حَتَّى يَبِيعَهَا ، وَيَسْتَقْبِلَ بِثَمَنِهَا حَوْلًا .\rلَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ فِي أَنَّهُ إذَا نَوَى بِعَرْضِ التِّجَارَةِ الْقُنْيَةَ ، أَنَّهُ يَصِيرُ لِلْقُنْيَةِ ، وَتَسْقُطُ الزَّكَاةُ مِنْهُ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَقَالَ مَالِكٌ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ : لَا يَسْقُطُ حُكْمُ التِّجَارَةِ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ ، كَمَا لَوْ نَوَى بِالسَّائِمَةِ الْعَلْفَ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الْقُنْيَةَ الْأَصْلُ ، وَيَكْفِي فِي الرَّدِّ إلَى الْأَصْلِ مُجَرَّدُ النِّيَّةِ ، كَمَا لَوْ نَوَى بِالْحُلِيِّ التِّجَارَةَ ، أَوْ نَوَى الْمُسَافِرُ الْإِقَامَةَ ، وَلِأَنَّ نِيَّةَ التِّجَارَةِ شَرْطٌ لِوُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي الْعُرُوضِ ، فَإِذَا نَوَى الْقُنْيَةَ زَالَتْ نِيَّةُ التِّجَارَةِ ، فَفَاتَ شَرْطُ الْوُجُوبِ ، وَفَارَقَ السَّائِمَةَ إذَا نَوَى عَلْفَهَا ، لِأَنَّ الشَّرْطَ فِيهَا الْإِسَامَةُ دُونَ نِيَّتِهَا ، فَلَا يَنْتَفِي الْوُجُوبُ إلَّا بِانْتِفَاءِ السَّوْمِ .\rوَإِذَا صَارَ الْعَرْضُ لِلْقُنْيَةِ بِنِيَّتِهَا ، فَنَوَى بِهِ التِّجَارَةَ ، لَمْ يَصِرْ لِلتِّجَارَةِ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ ، عَلَى مَا أَسْلَفْنَاهُ .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ وَذَهَبَ ابْنُ عَقِيلٍ ، وَأَبُو بَكْرٍ ، إلَى أَنَّهُ يَصِيرُ لِلتِّجَارَةِ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ .\rوَحَكَوْهُ رِوَايَةً عَنْ أَحْمَدَ ، لِقَوْلِهِ : فِي مِنْ أَخْرَجَتْ أَرْضُهُ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ ، فَمَكَثَتْ عِنْدَهُ سِنِينَ لَا يُرِيدُ بِهَا التِّجَارَةَ ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ زَكَاةٌ ، وَإِنْ كَانَ يُرِيدُ التِّجَارَةَ فَأَعْجَبُ إلَيَّ أَنْ يُزَكِّيَهُ .\rقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا : هَذَا عَلَى أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ ؛ لِأَنَّ نِيَّةَ الْقُنْيَةِ بِمُجَرَّدِهَا كَافِيَةٌ ، فَكَذَلِكَ نِيَّةُ التِّجَارَةِ ، بَلْ أَوْلَى ؛ لِأَنَّ الْإِيجَابَ يُغَلَّبُ عَلَى الْإِسْقَاطِ احْتِيَاطًا ، وَلِأَنَّهُ أَحَظُّ لِلْمَسَاكِينِ ، فَاعْتُبِرَ كَالتَّقْوِيمِ ، وَلِأَنَّ سَمُرَةَ قَالَ : {","part":5,"page":428},{"id":2428,"text":"أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ نُخْرِجَ الصَّدَقَةَ مِمَّا نُعِدُّهُ لِلْبَيْعِ .\r} وَهَذَا دَاخِلٌ فِي عُمُومِهِ ، وَلِأَنَّهُ نَوَى بِهِ التِّجَارَةَ ، فَوَجَبَتْ فِيهِ الزَّكَاةُ ، كَمَا لَوْ نَوَى حَالَ الْبَيْعِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ كُلَّ مَا لَا يَثْبُتُ لَهُ الْحُكْمُ بِدُخُولِهِ فِي مِلْكِهِ ، لَا يَثْبُتُ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ ، كَمَا لَوْ نَوَى بِالْمَعْلُوفَةِ السَّوْمَ ، وَلِأَنَّ الْقُنْيَةَ الْأَصْلُ ، وَالتِّجَارَةُ فَرْعٌ عَلَيْهَا ، فَلَا يَنْصَرِفُ إلَى الْفَرْعِ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ ، كَالْمُقِيمِ يَنْوِي السَّفَرَ ، وَبِالْعَكْسِ مِنْ ذَلِكَ مَا لَوْ نَوَى الْقُنْيَةَ ، فَإِنَّهُ يَرُدُّهَا إلَى الْأَصْلِ ، فَانْصَرَفَ إلَيْهِ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ ، كَمَا لَوْ نَوَى الْمُسَافِرُ الْإِقَامَةَ .\rفَكَذَلِكَ إذَا نَوَى بِمَالِ التِّجَارَةِ الْقُنْيَةَ ، انْقَطَعَ حَوْلُهُ ، ثُمَّ إذَا نَوَى بِهِ التِّجَارَةَ ، فَلَا شَيْءَ فِيهِ حَتَّى يَبِيعَهُ ، وَيَسْتَقْبِلَ بِثَمَنِهِ حَوْلًا .","part":5,"page":429},{"id":2429,"text":"( 1925 ) فَصْلٌ : فَإِنْ كَانَتْ عِنْدَهُ مَاشِيَةٌ لِلتِّجَارَةِ نِصْفَ حَوْلٍ ، فَنَوَى بِهَا الْإِسَامَةَ ، وَقَطَعَ نِيَّةَ التِّجَارَةِ ، انْقَطَعَ حَوْلُ التِّجَارَةِ ، وَاسْتَأْنَفَ حَوْلًا .\rكَذَلِكَ قَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ؛ لِأَنَّ حَوْلَ التِّجَارَةِ انْقَطَعَ بِنِيَّةِ الِاقْتِنَاءِ ، وَحَوْلُ السَّوْمِ لَا يَنْبَنِي عَلَى حَوْلِ التِّجَارَةِ .\rوَالْأَشْبَهُ بِالدَّلِيلِ أَنَّهَا مَتَى كَانَتْ سَائِمَةً مِنْ أَوَّلِ الْحَوْلِ ، وَجَبَتْ الزَّكَاةُ فِيهَا عِنْدَ تَمَامِهِ .\rوَهَذَا يُرْوَى نَحْوُهُ عَنْ إِسْحَاقَ ، لِأَنَّ السَّوْمَ سَبَبٌ لِوُجُوبِ الزَّكَاةِ وُجِدَ فِي جَمِيعِ الْحَوْلِ خَالِيًا عَنْ مُعَارِضٍ ، فَوَجَبَتْ بِهِ الزَّكَاةُ ، كَمَا لَوْ لَمْ يَنْوِ التِّجَارَةَ ، أَوْ كَمَا لَوْ كَانَتْ السَّائِمَةُ لَا تَبْلُغُ نِصَابًا بِالْقِيمَةِ .","part":5,"page":430},{"id":2430,"text":"( 1926 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : وَإِذَا كَانَ فِي مِلْكِهِ نِصَابٌ لِلزَّكَاةِ ، فَاتَّجَرَ فِيهِ ، فَنَمَا ، أَدَّى زَكَاةَ الْأَصْلِ مَعَ النَّمَاءِ ، إذَا حَالَ الْحَوْلُ وَجُمْلَتُهُ أَنَّ حَوْلَ النَّمَاءِ مَبْنِيٌّ عَلَى حَوْلِ الْأَصْلِ ؛ لِأَنَّهُ تَابِعٌ لَهُ فِي الْمِلْكِ ، فَتَبِعَهُ فِي الْحَوْلِ ، كَالسِّخَالِ وَالنِّتَاجِ .\rوَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ ، وَإِسْحَاقُ وَأَبُو يُوسُفَ .\rوَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ ، فَإِنَّهُ بَنَى حَوْلَ كُلِّ مُسْتَفَادٍ عَلَى حَوْلِ جِنْسِهِ نَمَاءً كَانَ أَوْ غَيْرَهُ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : إنْ نَضَّتْ الْفَائِدَةُ قَبْلَ الْحَوْلِ لَمْ يَبْنِ حَوْلَهَا عَلَى حَوْلِ النِّصَابِ ، وَاسْتَأْنَفَ لَهَا حَوْلًا ، لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { لَا زَكَاةَ فِي مَالٍ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ .\r} وَلِأَنَّهَا فَائِدَةٌ تَامَّةٌ لَمْ تَتَوَلَّدْ مِمَّا عِنْدَهُ ، فَلَمْ يَبْنِ عَلَى حَوْلِهِ ، كَمَا لَوْ اسْتَفَادَ مِنْ غَيْرِ الرِّبْحِ .\rوَإِنْ اشْتَرَى سِلْعَةً بِنِصَابٍ ، فَزَادَتْ قِيمَتُهَا عِنْدَ رَأْسِ الْحَوْلِ ، فَإِنَّهُ يَضُمُّ الْفَائِدَةَ ، وَيُزَكِّي عَنْ الْجَمِيعِ ، بِخِلَافِ مَا إذَا بَاعَ السِّلْعَةَ قَبْلَ الْحَوْلِ بِأَكْثَرَ مِنْ نِصَابٍ ، فَإِنَّهُ يُزَكِّي عِنْدَ رَأْسِ الْحَوْلِ عَنْ النِّصَابِ ، وَيَسْتَأْنِفُ لِلزِّيَادَةِ حَوْلًا .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ نَمَاءٌ جَارٍ فِي الْحَوْلِ ، تَابِعٌ لِأَصْلِهِ فِي الْمِلْكِ ، فَكَانَ مَضْمُومًا إلَيْهِ فِي الْحَوْلِ ، كَالنِّتَاجِ ، وَكَمَا لَوْ لَمْ يَنِضَّ ، وَلِأَنَّهُ ثَمَنُ عَرْضٍ تَجِبُ زَكَاةُ بَعْضِهِ ، وَيُضَمُّ إلَى ذَلِكَ الْبَعْضِ قَبْلَ الْبَيْعِ ، فَيُضَمُّ إلَيْهِ بَعْدَهُ كَبَعْضِ النِّصَابِ ، وَلِأَنَّهُ لَوْ بَقِيَ عَرْضًا زَكَّى جَمِيعَ الْقِيمَةِ ، فَإِذَا نَضَّ كَانَ أَوْلَى ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ مُتَحَقِّقًا ، وَلِأَنَّ هَذَا الرِّبْحَ كَانَ تَابِعًا لِلْأَصْلِ فِي الْحَوْلِ ، كَمَا لَوْ لَمْ يَنِضَّ ، فَبِنَضِّهِ لَا يَتَغَيَّرُ حَوْلُهُ .\rوَالْحَدِيثُ فِيهِ مَقَالٌ ، وَهُوَ مَخْصُوصٌ بِالنِّتَاجِ ، وَبِمَا لَمْ يَنِضَّ ، فَنَقِيسُ عَلَيْهِ .","part":5,"page":431},{"id":2431,"text":"( 1927 ) فَصْلٌ : وَإِنْ اشْتَرَى لِلتِّجَارَةِ مَا لَيْسَ بِنِصَابٍ ، فَنَمَا حَتَّى صَارَ نِصَابًا ، انْعَقَدَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ مِنْ حِينَ صَارَ نِصَابًا .\rفِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : إذَا كَانَتْ لَهُ خَمْسَةُ دَنَانِيرَ ، فَاتَّجَرَ فِيهَا ، فَحَالَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ وَقَدْ بَلَغَتْ مَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ ، يُزَكِّيهَا .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ لَمْ يَحِلَّ الْحَوْلُ عَلَى نِصَابٍ ، فَلَمْ تَجِبْ فِيهِ الزَّكَاةُ ، كَمَا لَوْ نَقَصَ فِي آخِرِهِ .","part":5,"page":432},{"id":2432,"text":"( 1928 ) فَصْلٌ : وَإِذَا اشْتَرَى لِلتِّجَارَةِ شِقْصًا بِأَلْفٍ ، فَحَالَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ وَهُوَ يُسَاوِي أَلْفَيْنِ ، فَعَلَيْهِ زَكَاةُ أَلْفَيْنِ ، فَإِنْ جَاءَ الشَّفِيعُ أَخَذَهُ بِأَلْفٍ ، لِأَنَّ الشَّفِيعَ إنَّمَا يَأْخُذُ بِالثَّمَنِ لَا بِالْقِيمَةِ ، وَالزَّكَاةُ عَلَى الْمُشْتَرِي ؛ لِأَنَّهَا وَجَبَتْ وَهُوَ فِي مِلْكِهِ .\rوَلَوْ لَمْ يَأْخُذْهُ الشَّفِيعُ ، لَكِنْ وَجَدَ بِهِ عَيْبًا فَرَدَّهُ ، فَإِنَّهُ يَأْخُذُ مِنْ الْبَائِعِ أَلْفًا .\rوَلَوْ انْعَكَسَتْ الْمَسْأَلَةُ ، فَاشْتَرَاهُ بِأَلْفَيْنِ ، وَحَالَ الْحَوْلُ وَقِيمَتُهُ أَلْفٌ ، فَعَلَيْهِ زَكَاةُ أَلْفٍ ، وَيَأْخُذُهُ الشَّفِيعُ إنْ أَخَذَهُ ، وَيَرُدُّهُ بِالْعَيْبِ بِأَلْفَيْنِ ؛ لِأَنَّهُمَا الثَّمَنُ الَّذِي وَقَعَ الْبَيْعُ بِهِ .","part":5,"page":433},{"id":2433,"text":"( 1929 ) فَصْلٌ : وَإِنْ دَفَعَ إلَى رَجُلٍ أَلْفًا مُضَارَبَةً ، عَلَى أَنَّ الرِّبْحَ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ ، فَحَالَ الْحَوْلُ وَقَدْ صَارَ ثَلَاثَةَ آلَافٍ ، فَعَلَى رَبِّ الْمَالِ زَكَاةُ أَلْفَيْنِ ؛ لِأَنَّ رِبْحَ التِّجَارَةِ حَوْلُهُ حَوْلُ أَصْلِهِ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ : عَلَيْهِ زَكَاةُ الْجَمِيعِ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ لَهُ ، وَالرِّبْحُ نَمَاءُ مَالِهِ .\rوَلَا يَصِحُّ ، لِأَنَّ حِصَّةَ الْمُضَارِبِ لَهُ ، وَلَيْسَتْ مِلْكًا لِرَبِّ الْمَالِ ، بِدَلِيلِ أَنَّ لِلْمُضَارِبِ الْمُطَالَبَةَ بِهَا ، وَلَوْ أَرَادَ رَبُّ الْمَالِ دَفْعَ حِصَّتِهِ إلَيْهِ مِنْ غَيْرِ هَذَا الْمَالِ ، لَمْ يَلْزَمْهُ قَبُولُهُ ، وَلَا تَجِبُ عَلَى الْإِنْسَانِ زَكَاةُ مِلْكِ غَيْرِهِ ، وَلِأَنَّ رَبَّ الْمَالِ يَقُولُ : حِصَّتُكَ أَيُّهَا الْعَامِلُ مُتَرَدِّدَةٌ بَيْنَ أَنْ تَسْلَمَ فَتَكُونَ لَك ، أَوْ تَتْلَفَ فَلَا تَكُونُ لِي وَلَا لَكَ ، فَكَيْفَ يَكُونُ عَلَيَّ زَكَاةُ مَا لَيْسَ لِي بِوَجْهِ مَا ، وَقَوْلُهُ : إنَّهُ نَمَاءُ مَالِهِ .\rقُلْنَا : لَكِنَّهُ لِغَيْرِهِ ، فَلَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ زَكَاةٌ ، كَمَا لَوْ وَهَبَ نَتَاجَ سَائِمَتِهِ لِغَيْرِهِ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِنَّهُ يُخْرِجُ الزَّكَاةَ مِنْ الْمَالِ ، لِأَنَّهُ مِنْ مُؤْنَتِهِ ، فَكَانَ مِنْهُ ، كَمُؤْنَةِ حَمْلِهِ ، وَيَحْسُبُ مِنْ الرِّبْحِ ؛ لِأَنَّهُ وِقَايَةٌ لِرَأْسِ الْمَالِ .\rوَأَمَّا الْعَامِلُ فَلَيْسَ عَلَيْهِ زَكَاةٌ فِي حِصَّتِهِ حَتَّى يَقْتَسِمَا ، وَيَسْتَأْنِفُ حَوْلًا مِنْ حِينَئِذٍ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ ، وَابْنِ مَنْصُورٍ .\rفَقَالَ : إذَا احْتَسَبَا يُزَكِّي الْمُضَارِبُ إذَا حَالَ الْحَوْلُ مِنْ حِينِ احْتَسَبَهُ ؛ لِأَنَّهُ عَلِمَ مَالَهُ فِي الْمَالِ ، وَلِأَنَّهُ إذَا اتَّضَعَ بَعْدَ ذَاكَ كَانَتْ الْوَضِيعَةُ عَلَى رَبِّ الْمَالِ .\rيَعْنِي إذَا اقْتَسَمَا .\rلِأَنَّ الْقِسْمَةَ فِي الْغَالِبِ تَكُونُ عِنْدَ الْمُحَاسَبَةِ ، أَلَا تَرَاهُ يَقُولُ : إنَّ اتَّضَعَ بَعْدَ ذَلِكَ كَانَتْ الْوَضِيعَةُ عَلَى رَبِّ الْمَالِ .\rوَإِنَّمَا يَكُونُ هَذَا بَعْدَ الْقِسْمَةِ .\rوَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : يُحْتَسَبُ حَوْلُهُ مِنْ حِينِ ظُهُورِ","part":5,"page":434},{"id":2434,"text":"الرِّبْحِ .\rيَعْنِي إذَا كَمَّلَ نِصَابًا .\rإلَّا عَلَى قَوْلِ مِنْ قَالَ : إنَّ الشَّرِكَةَ تُؤَثِّرُ فِي غَيْرِ الْمَاشِيَةِ ، قَالَ : وَلَا يَجِبُ إخْرَاجُ زَكَاتِهِ حَتَّى يَقْبِضَ الْمَالَ ؛ لِأَنَّ الْعَامِلَ يَمْلِكُ الرِّبْحَ بِظُهُورِهِ ، فَإِذَا مَلَكَهُ جَرَى فِي حَوْلِ الزَّكَاةِ ، وَلِأَنَّ مِنْ أَصْلِنَا أَنَّ فِي الْمَالِ الضَّالِّ وَالْمَغْصُوبِ وَالدَّيْنِ عَلَى مُمَاطِلٍ الزَّكَاةَ ، وَإِنْ كَانَ رُجُوعُهُ إلَى مِلْكِ يَدِهِ مَظْنُونًا ، كَذَا هَاهُنَا .\rوَلَنَا ، أَنَّ مِلْكَ الْمُضَارِبِ غَيْرُ تَامٍّ ، لِأَنَّهُ يَعْرِضُ أَنْ تَنْقُصَ قِيمَةَ الْأَصْلِ أَوْ يَخْسَرَ فِيهِ ، وَهَذَا وِقَايَةٌ لَهُ ، وَلِهَذَا مُنِعَ مِنْ الِاخْتِصَاصِ بِهِ ، وَالتَّصَرُّفِ فِيهِ بِحَقِّ نَفْسِهِ ، فَلَمْ يَكُنْ فِيهِ زَكَاةٌ ، كَمَالِ الْمُكَاتَبِ ، يُؤَكِّدُ هَذَا أَنَّهُ لَوْ كَانَ مِلْكًا تَامًّا لَاخْتَصَّ بِرِبْحِهِ ، فَلَوْ كَانَ رَأْسُ الْمَالِ عَشَرَةً فَاتَّجَرَ فِيهِ فَرَبِحَ عِشْرِينَ ، ثُمَّ اتَّجَرَ فَرَبِحَ ثَلَاثِينَ ، لَكَانَتْ الْخَمْسُونَ الَّتِي رَبِحَهَا بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ ، وَلَوْ تَمَّ مِلْكُهُ بِمُجَرَّدِ ظُهُورِ الرِّبْحِ ، لَمَلَكَ مِنْ الْعِشْرِينَ الْأُولَى عَشَرَةً ، وَاخْتَصَّ بِرِبْحِهَا ، وَهِيَ عَشَرَةٌ مِنْ الثَّلَاثِينَ ، وَكَانَتْ الْعِشْرُونَ الْبَاقِيَةُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ ، فَيَمْلِكُ الْمُضَارِبُ ثَلَاثِينَ ، وَلِرَبِّ الْمَالِ ثَلَاثُونَ ، كَمَا لَوْ اقْتَسَمَا الْعِشْرِينَ ثُمَّ خَلَطَاهَا .\rوَفَارَقَ الْمَغْصُوبَ وَالضَّالَّ ، فَإِنَّ الْمِلْكَ فِيهِ ثَابِتٌ تَامٌّ إنَّمَا حِيلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا .\rوَمِنْ أَوْجَبَ الزَّكَاةَ عَلَى الْمُضَارِبِ .\rفَإِنَّمَا يُوجِبُهَا عَلَيْهِ إذَا حَالَ الْحَوْلُ مِنْ حِينِ تَبْلُغُ حِصَّتُهُ نِصَابًا بِمُفْرَدِهَا أَوْ بِضَمِّهَا إلَى مَا عِنْدَهُ مِنْ جِنْسِ الْمَالِ ، أَوْ مِنْ الْأَثْمَانِ ، إلَّا عَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي تَقُولُ إنَّ لِلشَّرِكَةِ تَأْثِيرًا فِي غَيْرِ السَّائِمَةِ .\rوَلَيْسَ عَلَيْهِ إخْرَاجُهَا قَبْلَ الْقِسْمَةِ ، كَالدِّينِ لَا يَجِبُ الْإِخْرَاجُ مِنْهُ قَبْلَ قَبْضِهِ .\rوَإِنْ أَرَادَ إخْرَاجَهَا مِنْهُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ","part":5,"page":435},{"id":2435,"text":"لَمْ يَجُزْ ؛ لِأَنَّ الرِّبْحَ وِقَايَةٌ لِرَأْسِ الْمَالِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يَجُوزَ ، لِأَنَّهُمَا دَخَلَا عَلَى حُكْمِ الْإِسْلَامِ ، وَمِنْ حُكْمِهِ وُجُوبُ الزَّكَاةِ ، وَإِخْرَاجُهَا مِنْ الْمَالِ .","part":5,"page":436},{"id":2436,"text":"( 1930 ) فَصْلٌ : وَإِذَا أَذِنَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الشَّرِيكَيْنِ لِصَاحِبِهِ فِي إخْرَاجِ زَكَاتِهِ ، أَوْ أَذِنَ رَجُلَانِ غَيْرُ شَرِيكَيْنِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِلْآخَرِ فِي إخْرَاجِ زَكَاتِهِ ، فَأَخْرَجَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا زَكَاتَهُ وَزَكَاةَ صَاحِبِهِ مَعًا ، فِي حَالٍ وَاحِدَةٍ ، ضَمِنَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نَصِيبَ صَاحِبِهِ ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا انْعَزَلَ مِنْ طَرِيقِ الْحُكْمِ عَنْ الْوَكَالَةِ ، لِإِخْرَاجِ مِنْ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ زَكَاتَهُ بِنَفْسِهِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَضْمَنَ ، إذَا لَمْ يَعْلَمْ بِإِخْرَاجِ صَاحِبِهِ ، إذَا قُلْنَا إنَّ الْوَكِيلَ لَا يَنْعَزِلُ ؛ قَبْلَ الْحَكَمِ بِعَزْلِ الْمُوَكَّلِ أَوْ بِمَوْتِهِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَضْمَنَ ، وَإِنْ قُلْنَا إنَّهُ يَنْعَزِلُ ؛ لِأَنَّهُ غَرَّهُ بِتَسْلِيطِهِ عَلَى الْإِخْرَاجِ ، وَأَمَرَهُ بِهِ ، وَلَمْ يُعْلِمْهُ بِإِخْرَاجِهِ ، فَكَانَ خَطَرُ التَّغْرِيرِ عَلَيْهِ ، كَمَا لَوْ غَرَّهُ بِحُرِّيَّةِ أَمَةٍ .\rوَهَذَا أَحْسَنُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .\rوَعَلَى هَذَا ، إنْ عَلِمَ أَحَدُهُمَا دُونَ الْآخَرِ ، فَعَلَى الْعَالِمِ الضَّمَانُ دُونَ الْآخَرِ .\rفَأَمَّا إنْ أَخْرَجَهَا أَحَدُهُمَا قَبْلَ الْآخَرِ ، فَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ لَا ضَمَانَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا إذَا لَمْ يَعْلَمْ ، وَعَلَى الْأَوَّلِ عَلَى الثَّانِي الضَّمَانُ دُونَ الْأَوَّلِ .","part":5,"page":437},{"id":2437,"text":"بَابُ زَكَاةِ الدَّيْنِ وَالصَّدَقَةِ الصَّدَقَةُ : هِيَ الصَّدَاقُ ، وَجَمْعُهَا صَدُقَاتٌ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً } .\rوَهِيَ مِنْ جُمْلَةِ الدُّيُونِ ، وَحُكْمُهَا حُكْمُهَا وَإِنَّمَا أَفْرَدَهَا بِالذِّكْرِ لِاشْتِهَارِهَا بِاسْمٍ خَاصٍّ .\r( 1931 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : وَإِذَا كَانَ مَعَهُ مِائَتَا دِرْهَمٍ ، وَعَلَيْهِ دَيْنٌ ، فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الدَّيْنَ يَمْنَعُ وُجُوبَ الزَّكَاةِ فِي الْأَمْوَالَ الْبَاطِنَةِ ، رِوَايَةً وَاحِدَةً .\rوَهِيَ الْأَثْمَانُ ، وَعُرُوضُ التِّجَارَةِ .\rوَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ ، وَمَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ ، وَالْحَسَنُ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَاللَّيْثُ ، وَمَالِكٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَقَالَ رَبِيعَةُ ، وَحَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ ، وَالشَّافِعِيُّ فِي جَدِيدِ قَوْلَيْهِ : لَا يَمْنَعُ الزَّكَاةَ ؛ لِأَنَّهُ حُرٌّ مُسْلِمٌ مَلَكَ نِصَابًا حَوْلًا ، فَوَجَبَتْ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ ، كَمَنْ لَا دَيْنَ عَلَيْهِ .\rوَلَنَا مَا رَوَى أَبُو عُبَيْدٍ فِي \" الْأَمْوَالِ \" : حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ ، قَالَ : سَمِعْت عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ يَقُولُ : هَذَا شَهْرُ زَكَاتِكُمْ ، فَمَنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَلْيُؤَدِّهِ ، حَتَّى تُخْرِجُوا زَكَاةَ أَمْوَالِكُمْ .\rوَفِي رِوَايَةٍ : فَمَنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَلْيَقْضِ دَيْنَهُ ، وَلْيُزَكِّ بَقِيَّةَ مَالِهِ .\r.\rقَالَ ذَلِكَ بِمَحْضَرٍ مِنْ الصَّحَابَةِ ، فَلَمْ يُنْكِرُوهُ ، فَدَلَّ عَلَى اتِّفَاقِهِمْ عَلَيْهِ .\rوَرَوَى أَصْحَابُ مَالِكٍ ، عَنْ عُمَيْرِ بْنِ عِمْرَانَ ، عَنْ شُجَاعٍ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إذَا كَانَ لِرَجُلٍ أَلْفُ دِرْهَمٍ ، وَعَلَيْهِ أَلْفُ دِرْهَمٍ ، فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ } .\rوَهَذَا نَصٌّ .\rوَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { أُمِرْت أَنْ آخُذَ الصَّدَقَةَ مِنْ أَغْنِيَائِكُمْ ، فَأَرُدَّهَا فِي فُقَرَائِكُمْ .\r} فَدَلَّ","part":5,"page":438},{"id":2438,"text":"عَلَى أَنَّهَا إنَّمَا تَجِبُ عَلَى الْأَغْنِيَاءِ وَلَا تُدْفَعُ إلَّا إلَى الْفُقَرَاءِ ، وَهَذَا مِمَّنْ يَحِلُّ لَهُ أَخْذُ الزَّكَاةِ ، فَيَكُونُ فَقِيرًا ، فَلَا تَجِبُ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ ؛ لِأَنَّهَا لَا تَجِبُ إلَّا عَلَى الْأَغْنِيَاءِ ، لِلْخَبَرِ ، وَلِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { لَا صَدَقَةَ إلَّا عَنْ ظَهْرِ غِنًى } .\rوَيُخَالِفُ مَنْ لَا دَيْنَ لَهُ عَلَيْهِ ، فَإِنَّهُ غَنِيٌّ يَمْلِكُ نِصَابًا ، يُحَقِّقُ هَذَا أَنَّ الزَّكَاةَ إنَّمَا وَجَبَتْ مُوَاسَاةً لِلْفُقَرَاءِ ، وَشُكْرًا لِنِعْمَةِ الْغِنَى ، وَالْمَدِينُ مُحْتَاجٌ إلَى قَضَاءِ دَيْنِهِ كَحَاجَةِ الْفَقِيرِ أَوْ أَشَدِّ ، وَلَيْسَ مِنْ الْحِكْمَةِ تَعْطِيلُ حَاجَةِ الْمَالِكِ لِحَاجَةِ غَيْرِهِ ، وَلَا حَصَلَ لَهُ مِنْ الْغِنَى مَا يَقْتَضِي الشُّكْرَ بِالْإِخْرَاجِ ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { ابْدَأْ بِنَفْسِكَ ، ثُمَّ بِمَنْ تَعُولُ .\r}","part":5,"page":439},{"id":2439,"text":"( 1932 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا الْأَمْوَالُ الظَّاهِرَةُ وَهِيَ السَّائِمَةُ ، وَالْحُبُوبُ ، وَالثِّمَارُ ، فَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّ الدَّيْنَ يَمْنَعُ الزَّكَاةَ أَيْضًا فِيهَا ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ فِي الْأَمْوَالِ الْبَاطِنَةِ .\rقَالَ أَحْمَدُ ، فِي رِوَايَةِ إِسْحَاقَ بْنِ إبْرَاهِيمَ : يَبْتَدِئُ بِالدَّيْنِ فَيَقْضِيه ، ثُمَّ يَنْظُرُ مَا بَقِيَ عِنْدَهُ بَعْدَ إخْرَاجِ النَّفَقَةِ ، فَيُزَكِّي مَا بَقِيَ ، وَلَا يَكُونُ عَلَى أَحَدٍ ، دَيْنُهُ أَكْثَرُ مِنْ مَالِهِ ، صَدَقَةٌ فِي إبِلٍ ، أَوْ بَقَرٍ ، أَوْ غَنَمٍ ، أَوْ زَرْعٍ ، وَلَا زَكَاةٌ .\rوَهَذَا قَوْلُ عَطَاءٍ ، وَالْحَسَنِ ، وَسُلَيْمَانَ ، وَمَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ ، وَالنَّخَعِيِّ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَاللَّيْثِ ، وَإِسْحَاقَ ، لِعُمُومِ مَا ذَكَرْنَا .\rوَرُوِيَ ، أَنَّهُ لَا يَمْنَعُ الزَّكَاةَ فِيهَا .\rوَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَالشَّافِعِيِّ .\rوَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ : قَدْ اخْتَلَفَ ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ : يُخْرِجُ مَا اسْتَدَانَ أَوْ أَنْفَقَ عَلَى ثَمَرَتِهِ وَأَهْلِهِ ، وَيُزَكِّي مَا بَقِيَ .\rوَقَالَ الْآخَرُ : يُخْرِجُ مَا اسْتَدَانَ عَلَى ثَمَرَتِهِ ، وَيُزَكِّي مَا بَقِيَ .\rوَإِلَيْهِ أَذْهَبُ أَنْ لَا يُزَكِّيَ مَا أَنْفَقَ عَلَى ثَمَرَتِهِ خَاصَّةً ، وَيُزَكِّي مَا بَقِيَ ؛ لِأَنَّ الْمُصَدِّقَ إذَا جَاءَ فَوَجَدَ إبِلًا ، أَوْ بَقَرًا ، أَوْ غَنَمًا ، لَمْ يَسْأَلْ أَيَّ شَيْءٍ عَلَى صَاحِبِهَا مِنْ الدَّيْنِ ، وَلَيْسَ الْمَالُ هَكَذَا .\rفَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ ، لَا يَمْنَعُ الدَّيْنُ الزَّكَاةَ فِي الْأَمْوَالِ الظَّاهِرَةِ ، إلَّا فِي الزَّرْعِ وَالثِّمَارِ ، فِيمَا اسْتَدَانَهُ لِلْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا خَاصَّةً .\rوَهَذَا ظَاهِرُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ ، لِأَنَّهُ قَالَ فِي الْخَرَاجِ : يُخْرِجُهُ ، ثُمَّ يُزَكِّي مَا بَقِيَ .\rجَعَلَهُ كَالدَّيْنِ عَلَى الزَّرْعِ .\rوَقَالَ فِي الْمَاشِيَةِ الْمَرْهُونَةِ : ( يُؤَدِّي مِنْهَا إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ يُؤَدِّي عَنْهَا ) .\rفَأَوْجَبَ الزَّكَاةَ فِيهَا مَعَ الدَّيْنِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : الدَّيْنُ الَّذِي تَتَوَجَّهُ فِيهِ الْمُطَالَبَةُ يَمْنَعُ فِي سَائِرِ","part":5,"page":440},{"id":2440,"text":"الْأَمْوَالِ ، إلَّا الزَّرْعَ وَالثِّمَارَ .\rبِنَاءً مِنْهُ عَلَى أَنَّ الْوَاجِبَ فِيهَا لَيْسَ بِصَدَقَةٍ ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْأَمْوَالِ الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ أَنَّ تَعَلُّقَ الزَّكَاةِ بِالظَّاهِرَةِ آكَدُ ، لِظُهُورِهَا وَتَعَلُّقِ قُلُوبِ الْفُقَرَاءِ بِهَا ، وَلِهَذَا يُشْرَعُ إرْسَالُ مِنْ يَأْخُذُ صَدَقَتَهَا مِنْ أَرْبَابِهَا ، { وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَبْعَثُ السُّعَاةَ ، فَيَأْخُذُونَ الصَّدَقَةَ مِنْ أَرْبَابِهَا ، } وَكَذَلِكَ الْخُلَفَاءُ بَعْدَهُ ، وَعَلَى مَنْعِهَا قَاتَلَهُمْ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَلَمْ يَأْتِ عَنْهُ أَنَّهُمْ اسْتَكْرَهُوا أَحَدًا عَلَى صَدَقَةِ الصَّامِتِ ، وَلَا طَالَبُوهُ بِهَا ، إلَّا أَنْ يَأْتِيَ بِهَا طَوْعًا ، وَلِأَنَّ السُّعَاةَ يَأْخُذُونَ زَكَاةَ مَا يَجِدُونَ ، وَلَا يَسْأَلُونَ عَمَّا عَلَى صَاحِبِهَا مِنْ الدَّيْنِ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَمْنَعُ زَكَاتَهَا ، وَلِأَنَّ تَعَلُّقَ أَطْمَاعِ الْفُقَرَاءِ بِهَا أَكْثَرُ ، وَالْحَاجَةَ إلَى حِفْظِهَا أَوْفَرُ ، فَتَكُونُ الزَّكَاةُ فِيهَا أَوْكَدُ .","part":5,"page":441},{"id":2441,"text":"( 1933 ) فَصْلٌ : وَإِنَّمَا يَمْنَعُ الدَّيْنُ الزَّكَاةَ ، إذَا كَانَ يَسْتَغْرِقُ النِّصَابِ أَوْ يَنْقُصُهُ ، وَلَا يَجِدُ مَا يَقْضِيه بِهِ سِوَى النِّصَابِ ، أَوْ مَا لَا يَسْتَغْنِي عَنْهُ ، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ لَهُ عِشْرُونَ مِثْقَالًا ، وَعَلَيْهِ مِثْقَالٌ أَوْ أَكْثَرُ أَوْ أَقَلُّ ، مِمَّا يَنْقُصُ بِهِ النِّصَابُ إذَا قَضَاهُ بِهِ ، وَلَا يَجِدُ قَضَاءً لَهُ مِنْ غَيْرِ النِّصَابِ ، فَإِنْ كَانَ لَهُ ثَلَاثُونَ مِثْقَالًا ، وَعَلَيْهِ عَشَرَةٌ ، فَعَلَيْهِ زَكَاةُ الْعِشْرِينَ وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ أَكْثَرُ مِنْ عَشَرَةٍ ، فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ .\rوَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ خَمْسَةٌ ، فَعَلَيْهِ زَكَاةُ خَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ .\rوَلَوْ أَنَّ لَهُ مِائَةً مِنْ الْغَنَمِ ، وَعَلَيْهِ مَا يُقَابِلُ سِتِّينَ ، فَعَلَيْهِ زَكَاةُ الْأَرْبَعِينَ .\rفَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ مَا يُقَابِلُ إحْدَى وَسِتِّينَ ، فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ يَنْقُصُ النِّصَابَ ، وَإِنْ كَانَ لَهُ مَالَانِ مِنْ جِنْسَيْنِ ، وَعَلَيْهِ دَيْنٌ جَعَلَهُ فِي مُقَابَلَةِ مَا يَقْضِي مِنْهُ ، فَلَوْ كَانَ لَهُ خَمْسٌ مِنْ الْإِبِلِ وَمِائَتَا دِرْهَمٍ ، فَإِنْ كَانَتْ عَلَيْهِ سَلَمًا أَوْ دِيَةً ، وَنَحْوَ ذَلِكَ مِمَّا يُقْضَى بِالْإِبِلِ ، جَعَلْت الدَّيْنَ فِي مُقَابَلَتِهَا ، وَوَجَبَتْ عَلَيْهِ زَكَاةُ الدَّرَاهِمِ .\rوَإِنْ كَانَ أَتْلَفْهَا أَوْ غَصَبَهَا ، جَعَلْت قِيمَتَهَا فِي مُقَابَلَةِ الدَّرَاهِمِ ؛ لِأَنَّهَا تُقْضَى مِنْهَا .\rوَإِنْ كَانَتْ قَرْضًا ، خُرِّجَ عَلَى الْوَجْهَيْنِ فِيمَا يُقْضَى مِنْهُ ، فَإِنْ كَانَتْ ، إذَا جَعَلْنَاهَا فِي مُقَابَلَةِ أَحَدِ الْمَالَيْنِ ، فَضَلَتْ مِنْهَا فَضْلَةٌ تَنْقُصُ النِّصَابَ الْآخَرَ ، وَإِذَا جَعَلْنَاهَا فِي مُقَابَلَةِ الْآخَرِ ، لَمْ يَفْضُلْ مِنْهَا شَيْءٌ ، كَرَجُلِ لَهُ خَمْسٌ مِنْ الْإِبِلِ وَمِائَتَا دِرْهَمٍ ، وَعَلَيْهِ سِتٌّ مِنْ الْإِبِلِ قِيمَتُهَا مِائَتَا دِرْهَمٍ ، فَإِذَا جَعَلْنَاهَا فِي مُقَابَلَةِ الْمِائَتَيْنِ لَمْ يَفْضُلْ مِنْ الدَّيْنِ شَيْءٌ ، نَقَصَ نِصَابَ السَّائِمَةِ ، وَإِذَا جَعَلْنَاهَا فِي مُقَابَلَةِ الْإِبِلِ فَضَلَ مِنْهَا بَعِيرٌ ، يَنْقُصُ نِصَابَ الدَّرَاهِمِ ، أَوْ كَانَتْ بِالْعَكْسِ ، مِثْلُ","part":5,"page":442},{"id":2442,"text":"أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ مِائَتَانِ وَخَمْسُونَ دِرْهَمًا ، وَلَهُ مِنْ الْإِبِلِ خَمْسٌ أَوْ أَكْثَرُ تُسَاوِي الدَّيْنَ ، أَوْ تَفْضُلُ عَلَيْهِ ، جَعَلْنَا الدَّيْنَ فِي مُقَابَلَةِ الْإِبِلِ هَاهُنَا ، وَفِي مُقَابَلَةِ الدَّرَاهِمِ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى ؛ لِأَنَّ لَهُ مِنْ الْمَالِ مَا يَقْضِي بِهِ الدَّيْنَ سِوَى النِّصَابِ .\rوَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ عَلَيْهِ مِائَةُ دِرْهَمٍ ، وَلَهُ مِائَتَا دِرْهَمٍ وَتِسْعٌ مِنْ الْإِبِلِ ، فَإِذَا جَعَلْنَاهَا فِي مُقَابَلَةِ الْإِبِلِ لَمْ يَنْقُصْ نِصَابُهَا ، لِكَوْنِ الْأَرْبَعِ الزَّائِدَةِ عَنْهُ تُسَاوِي الْمِائَةَ وَأَكْثَرَ مِنْهَا .\rوَإِنْ جَعَلْنَاهُ فِي مُقَابَلَةِ الدَّرَاهِمِ سَقَطَتْ الزَّكَاةُ مِنْهَا ، فَجَعَلْنَاهَا فِي مُقَابَلَةِ الْإِبِلِ ، كَمَا ذَكَرْنَا فِي الَّتِي قَبْلَهَا ، وَلِأَنَّ ذَلِكَ أَحَظُّ لِلْفُقَرَاءِ .\rوَذَكَرَ الْقَاضِي نَحْوَ هَذَا ، فَإِنَّهُ قَالَ : إذَا كَانَ النِّصَابَانِ زَكَوِيَّيْنِ ، جَعَلْت الدَّيْنَ فِي مُقَابَلَةِ مَا الْحَظُّ لِلْمَسَاكِينِ فِي جَعْلِهِ فِي مُقَابَلَتِهِ ، وَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الدَّيْنِ .\rفَإِنْ كَانَ أَحَدُ الْمَالَيْنِ لَا زَكَاةَ فِيهِ ، وَالْآخَرُ فِيهِ الزَّكَاةُ ، كَرَجُلٍ عَلَيْهِ مِائَتَا دِرْهَمٍ ، وَلَهُ مِائَتَا دِرْهَمٍ ، وَعُرُوضٌ لِلْقُنْيَةِ تُسَاوِي مِائَتَيْنِ ، فَقَالَ الْقَاضِي : يَجْعَلُ الدَّيْنَ فِي مُقَابَلَةِ الْعُرُوضِ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ ، وَأَبِي عُبَيْدٍ ، قَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ : وَهُوَ مُقْتَضَى قَوْلِهِ ؛ لِأَنَّهُ مَالِكٌ لِمِائَتَيْنِ زَائِدَةٍ عَنْ مَبْلَغِ دَيْنِهِ ، فَوَجَبَتْ عَلَيْهِ زَكَاتُهَا ، كَمَا لَوْ كَانَ جَمِيعُ مَالِهِ جِنْسًا وَاحِدًا .\rوَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، أَنَّهُ يَجْعَلُ الدَّيْنَ فِي مُقَابَلَةِ مَا يَقْضِي مِنْهُ ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي رَجُلٍ عِنْدَهُ أَلْفٌ وَعَلَيْهِ أَلْفٌ وَلَهُ عُرُوضٌ بِأَلْفٍ : إنْ كَانَتْ الْعُرُوض لِلتِّجَارَةِ زَكَّاهَا ، وَإِنْ كَانَتْ لِغَيْرِ التِّجَارَةِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ .\rوَيُحْكَى عَنْ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ ، لِأَنَّ الدَّيْنَ يُقْضَى مِنْ جِنْسِهِ عِنْدَ التَّشَاحِّ ،","part":5,"page":443},{"id":2443,"text":"فَجَعْلُ الدَّيْنِ فِي مُقَابَلَتِهِ أَوْلَى ، كَمَا لَوْ كَانَ النِّصَابَانِ زَكَوِيَّيْنِ .\rوَيُحْتَمَلُ أَنْ يُحْمَلَ كَلَامُ أَحْمَدَ هَاهُنَا عَلَى مَا إذَا كَانَ الْعَرْضُ تَتَعَلَّقُ بِهِ حَاجَتُهُ الْأَصْلِيَّةُ ، وَلَمْ يَكُنْ فَاضِلًا عَنْ حَاجَتِهِ ، فَلَا يَلْزَمُهُ صَرْفُهُ فِي وَفَاءِ الدَّيْنِ ؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ أَهَمُّ ، وَلِذَلِكَ لَمْ تَجِبْ الزَّكَاةُ فِي الْحُلِيِّ الْمُعَدِّ لِلِاسْتِعْمَالِ ، وَيَكُونُ قَوْلُ الْقَاضِي مَحْمُولًا عَلَى مَنْ كَانَ الْعَرْضُ فَاضِلًا عَنْ حَاجَتِهِ ، وَهَذَا أَحْسَنُ ؛ لِأَنَّهُ فِي هَذِهِ الْحَالِ مَالِكٌ لِنِصَابٍ فَاضِلٍ عَنْ حَاجَتِهِ وَقَضَاءِ دَيْنِهِ ، فَلَزِمَتْهُ زَكَاتُهُ ، كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ .\rفَأَمَّا إنْ كَانَ عِنْدَهُ نِصَابَانِ زَكَوِيَّانِ ، وَعَلَيْهِ دَيْنٌ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِمَا ، وَلَا يُقْضَى مِنْ أَحَدِهِمَا ، فَإِنَّك تَجْعَلُهُ فِي مُقَابَلَةِ مَا الْحَظُّ لِلْمَسَاكِينِ فِي جَعْلِهِ فِي مُقَابَلَتِهِ .","part":5,"page":444},{"id":2444,"text":"( 1934 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا دَيْنُ اللَّهِ تَعَالَى ، كَالْكَفَّارَةِ وَالنَّذْرِ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، يَمْنَعُ الزَّكَاةَ كَدَيْنِ الْآدَمِيِّ ؛ لِأَنَّهُ دَيْنٌ يَجِبُ قَضَاؤُهُ ، فَهُوَ كَدَيْنِ الْآدَمِيِّ .\rيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { دَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى } .\rوَالْآخَرُ : لَا يَمْنَعُ ؛ لِأَنَّ الزَّكَاةَ آكَدُ مِنْهُ لِتَعَلُّقِهَا بِالْعَيْنِ ، فَهُوَ كَأَرْشِ الْجِنَايَةِ ، وَيُفَارِقُ دَيْنَ الْآدَمِيِّ ، لِتَأَكُّدِهِ ، وَتَوَجُّهِ الْمُطَالَبَةِ بِهِ .\rفَإِنْ نَذَرَ الصَّدَقَةَ بِمُعَيَّنٍ ، فَقَالَ : لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِهَذِهِ الْمِائَتَيْ دِرْهَمٍ إذَا حَالَ الْحَوْلُ .\rفَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ : يُخْرِجُهَا فِي النَّذْرِ ، وَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ النَّذْرَ آكَدُ لِتَعَلُّقِهِ بِالْعَيْنِ ، وَالزَّكَاةُ مُخْتَلَفٌ فِيهَا .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ تَلْزَمَهُ زَكَاتُهَا ، وَتُجْزِئُهُ الصَّدَقَةُ بِهَا ، إلَّا أَنْ يَنْوِيَ الزَّكَاةَ بِقَدْرِهَا ، وَيَكُونُ ذَلِكَ صَدَقَةً تُجْزِئُهُ عَنْ الزَّكَاةِ وَالنَّذْرِ ؛ لِكَوْنِ الزَّكَاةِ صَدَقَةً ، وَسَائِرُهَا يَكُونُ صَدَقَةً لِنَذْرِهِ وَلَيْسَ بِزَكَاةٍ .\rوَإِنْ نَذَرَ الصَّدَقَةَ بِبَعْضِهَا ، وَكَانَ ذَلِكَ الْبَعْضُ قَدْرَ الزَّكَاةِ أَوْ أَكْثَرَ ، فَعَلَى هَذَا الِاحْتِمَالِ يُخْرِجُ الْمَنْذُورَ ، وَيَنْوِي الزَّكَاةَ بِقَدْرِهَا مِنْهُ .\rوَعَلَى قَوْلِ ابْنِ عَقِيلٍ ، يَحْتَمِلُ أَنْ تَجِبَ الزَّكَاةُ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ النَّذْرَ إنَّمَا تَعَلَّقَ بِالْبَعْضِ بَعْدَ وُجُودِ سَبَبِ الزَّكَاةِ وَتَمَامِ شَرْطِهِ ، فَلَا يَمْنَعُ الْوُجُوبَ ، لِكَوْنِ الْمَحِلِّ مُتَّسِعًا لَهُمَا جَمِيعًا .\rوَإِنْ كَانَ الْمَنْذُورُ أَقَلَّ مِنْ قَدْرِ الزَّكَاةِ ، وَجَبَ قَدْرُ الزَّكَاةِ ، وَدَخَلَ النَّذْرُ فِيهِ ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ ، وَفِي الْآخَرِ يَجِبُ إخْرَاجُهُمَا جَمِيعًا .","part":5,"page":445},{"id":2445,"text":"( 1935 ) فَصْلٌ : إذَا قُلْنَا : لَا يَمْنَعُ الدَّيْنُ وُجُوبَ الزَّكَاةِ فِي الْأَمْوَالِ الظَّاهِرَةِ .\rفَحَجَرَ الْحَاكِمُ عَلَيْهِ بَعْدَ وُجُوبِ الزَّكَاةِ ، لَمْ يَمْلِكْ إخْرَاجَهَا ؛ لِأَنَّهُ قَدْ انْقَطَعَ تَصَرُّفُهُ فِي مَالِهِ .\rوَإِنْ أَقَرَّ بِهَا بَعْدَ الْحَجْرِ ، لَمْ يُقْبَلْ إقْرَارُهُ ، وَكَانَتْ عَلَيْهِ فِي ذِمَّتِهِ كَدَيْنِ الْآدَمِيِّ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ تَسْقُطَ إذَا حُجِرَ عَلَيْهِ قَبْلَ إمْكَانِ أَدَائِهَا ، كَمَا لَوْ تَلِفَ مَالُهُ .\rفَإِنْ أَقَرَّ الْغُرَمَاءُ بِوُجُوبِ الزَّكَاةِ عَلَيْهِ ، أَوْ ثَبَتَ بِبَيِّنَةِ .\rأَوْ كَانَ قَدْ أَقَرَّ بِهَا قَبْلَ الْحَجْرِ عَلَيْهِ ، وَجَبَ إخْرَاجُهَا مِنْ الْمَالِ ، فَإِنْ لَمْ يُخْرِجُوهَا فَعَلَيْهِمْ إثْمُهَا .","part":5,"page":446},{"id":2446,"text":"فَصْلٌ : وَإِذَا جَنَى الْعَبْدُ الْمُعَدُّ لِلتِّجَارَةِ جِنَايَةً تَعَلَّقَ أَرْشُهَا بِرَقَبَتِهِ ، مَنَعَ وُجُوبَ الزَّكَاةِ فِيهِ ، إنْ كَانَ يَنْقُصُ النِّصَابَ ؛ لِأَنَّهُ دَيْنٌ وَإِنْ لَمْ يَنْقُصْ النِّصَابُ ، مَنَعَ الزَّكَاةَ فِي قَدْرِ مَا يُقَابِلُ الْأَرْشَ .","part":5,"page":447},{"id":2447,"text":"( 1937 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : وَإِذَا كَانَ لَهُ دَيْنٌ عَلَى مَلِيءٍ فَلَيْسَ عَلَيْهِ زَكَاةٌ حَتَّى يَقْبِضَهُ ، فَيُؤَدِّي لِمَا مَضَى وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الدَّيْنَ عَلَى ضَرْبَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، دَيْنٌ عَلَى مُعْتَرِفٍ بِهِ بَاذِلٍ لَهُ ، فَعَلَى صَاحِبِهِ زَكَاتُهُ ، إلَّا أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ إخْرَاجُهَا حَتَّى يَقْبِضَهُ ، فَيُؤَدِّي لِمَا مَضَى ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ .\rرَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَبِهَذَا قَالَ الثَّوْرِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَقَالَ عُثْمَانُ وَابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَجَابِرٌ وَطَاوُسٌ وَالنَّخَعِيُّ وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ وَالْحَسَنُ ، وَمَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ وَالزُّهْرِيُّ وَقَتَادَةُ وَحَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ وَالشَّافِعِيُّ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو عُبَيْدٍ عَلَيْهِ إخْرَاجُ الزَّكَاةِ فِي الْحَالِ ، وَإِنْ لَمْ يَقْبِضْهُ ؛ لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى أَخْذِهِ وَالتَّصَرُّفِ فِيهِ ، فَلَزِمَهُ إخْرَاجُ زَكَاتِهِ ، كَالْوَدِيعَةِ .\rوَقَالَ عِكْرِمَةُ لَيْسَ فِي الدَّيْنِ زَكَاةٌ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَائِشَةَ وَابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ نَامٍ ، فَلَمْ تَجِبْ زَكَاتُهُ ، كَعُرُوضِ الْقُنْيَةِ .\rوَرُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَعَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ وَعَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ وَأَبِي الزِّنَادِ : يُزَكِّيه إذَا قَبَضَهُ لِسَنَةٍ وَاحِدَةٍ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ دَيْنٌ ثَابِتٌ فِي الذِّمَّةِ ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ الْإِخْرَاجُ قَبْلَ قَبْضِهِ ، كَمَا لَوْ كَانَ عَلَى مُعْسِرٍ ، وَلِأَنَّ الزَّكَاةَ تَجِبُ عَلَى طَرِيقِ الْمُوَاسَاةِ ، وَلَيْسَ مِنْ الْمُوَاسَاةِ أَنْ يُخْرِجَ زَكَاةَ مَالٍ لَا يَنْتَفِعُ بِهِ .\rوَأَمَّا الْوَدِيعَةُ ، فَهِيَ بِمَنْزِلَةِ مَا فِي يَدِهِ ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَوْدَعَ نَائِبٌ عَنْهُ فِي حِفْظِهِ ، وَيَدُهُ كَيَدِهِ ، وَإِنَّمَا يُزَكِّيه لِمَا مَضَى ؛ لِأَنَّهُ مَمْلُوكٌ لَهُ يَقْدِرُ عَلَى الِانْتِفَاعِ بِهِ ، فَلَزِمَتْهُ زَكَاتُهُ ، كَسَائِرِ أَمْوَالِهِ .\rالضَّرْبُ الثَّانِي ، أَنْ يَكُونَ عَلَى مُعْسِرٍ ، أَوْ جَاحِدٍ ، أَوْ مُمَاطِلٍ بِهِ .\rفَهَذَا هَلْ تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ ؛ إحْدَاهُمَا ، لَا","part":5,"page":448},{"id":2448,"text":"تَجِبُ ، وَهُوَ قَوْلُ قَتَادَةَ ، وَإِسْحَاقَ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَأَهْلِ الْعِرَاقِ ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَقْدُورٍ عَلَى الِانْتِفَاعِ بِهِ ، أَشْبَهَ مَالَ الْمُكَاتَبِ .\rوَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ ، يُزَكِّيه إذَا قَبَضَهُ لِمَا مَضَى .\rوَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ وَأَبِي عُبَيْدٍ ، لِمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي الدَّيْنِ الْمَظْنُونِ ، قَالَ : إنْ كَانَ صَادِقًا ، فَلْيُزَكِّهِ إذَا قَبَضَهُ لِمَا مَضَى .\rوَرُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ .\rرَوَاهُمَا أَبُو عُبَيْدٍ وَلِأَنَّهُ مَمْلُوكٌ يَجُوزُ التَّصَرُّفُ فِيهِ ، فَوَجَبَتْ زَكَاتُهُ لِمَا مَضَى ، كَالدَّيْنِ عَلَى الْمَلِيءِ .\rوَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ كَالرِّوَايَتَيْنِ ، وَعَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَالْحَسَنِ ، وَاللَّيْثِ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَمَالِكٍ يُزَكِّيه إذَا قَبَضَهُ لِعَامٍ وَاحِدٍ .\rوَلَنَا ، أَنَّ هَذَا الْمَالَ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ عَلَى حَالٍ وَاحِدٍ ، فَوَجَبَ أَنْ يَتَسَاوَى فِي وُجُوبِ الزَّكَاةِ أَوْ سُقُوطِهَا ، كَسَائِرِ الْأَمْوَالِ ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ الْغَرِيمِ يَجْحَدُهُ فِي الظَّاهِرِ دُونَ الْبَاطِنِ ، أَوْ فِيهِمَا .\r( 1938 ) فَصْلٌ : وَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ ، أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْحَالِّ وَالْمُؤَجَّلِ ؛ لِأَنَّ الْبَرَاءَةَ تَصِحُّ مِنْ الْمُؤَجَّلِ ، وَلَوْلَا أَنَّهُ مَمْلُوكٌ لَمْ تَصِحَّ الْبَرَاءَةُ مِنْهُ ، لَكِنْ يَكُونُ فِي حُكْمِ الدَّيْنِ عَلَى الْمُعْسِرِ ، لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ قَبْضُهُ فِي الْحَالِ .","part":5,"page":449},{"id":2449,"text":"( 1939 ) فَصْلٌ : وَلَوْ أَجَرَ دَارِهِ سَنَتَيْنِ بِأَرْبَعِينَ دِينَارًا ، مَلَكَ الْأُجْرَةَ مِنْ حِينِ الْعَقْدِ ، وَعَلَيْهِ زَكَاةُ جَمِيعِهَا إذَا حَالَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ ؛ لِأَنَّ مِلْكَ الْمُكْرِي عَلَيْهِ تَامٌّ بِدَلِيلِ جَوَازِ التَّصَرُّفِ فِيهَا بِأَنْوَاعِ التَّصَرُّفَاتِ .\rوَلَوْ كَانَتْ جَارِيَةً كَانَ لَهُ وَطْؤُهَا ، وَكَوْنُهَا بِعَرَضِ الرُّجُوعِ لِانْفِسَاخِ الْعَقْدِ ، لَا يَمْنَعُ وُجُوبَ الزَّكَاةِ ، كَالصَّدَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ .\rثُمَّ إنْ كَانَ قَدْ قَبَضَ الْأُجْرَةَ أَخْرَجَ الزَّكَاةَ مِنْهَا ، وَإِنْ كَانَتْ دَيْنًا فَهِيَ كَالدِّينِ ، مُعَجَّلًا كَانَ أَوْ مُؤَجَّلًا .\rوَقَالَ مَالِكٌ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ : لَا يُزَكِّيهَا حَتَّى يَقْبِضَهَا ، وَيَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ ؛ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْأُجْرَةَ لَا تُسْتَحَقُّ بِالْعَقْدِ ، وَإِنَّمَا تُسْتَحَقُّ بِانْقِضَاءِ مُدَّةِ الْإِجَارَةِ .\rوَهَذَا يُذْكَرُ فِي مَوْضِعِهِ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .\rوَعَنْ أَحْمَدَ ، رَحِمَهُ اللَّهُ رِوَايَةٌ أُخْرَى ، فِي مَنْ قَبَضَ مِنْ أَجْرِ عَقَارٍ نِصَابًا ، يُزَكِّيه فِي الْحَالِ .\rوَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ ، وَحَمَلْنَاهُ عَلَى أَنَّهُ حَالَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ قَبْلَ قَبْضِهِ .","part":5,"page":450},{"id":2450,"text":"( 1940 ) فَصْلٌ : وَلَوْ اشْتَرَى شَيْئًا بِعِشْرِينَ دِينَارًا ، أَوْ أَسْلَمَ نِصَابًا فِي شَيْءٍ ، فَحَالَ الْحَوْلُ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَ الْمُشْتَرِي الْمَبِيعَ ، أَوْ يَقْبِضَ الْمُسْلَمَ فِيهِ وَالْعَقْدُ بَاقٍ ، فَعَلَى الْبَائِعِ وَالْمُسْلَمِ إلَيْهِ زَكَاةُ الثَّمَنِ ؛ لِأَنَّ مِلْكَهُ ثَابِتٌ فِيهِ ، فَإِنْ انْفَسَخَ الْعَقْدُ لِتَلَفِ الْمَبِيعِ ، أَوْ تَعَذَّرَ الْمُسْلَمُ فِيهِ ، وَجَبَ رَدُّ الثَّمَنِ ، وَزَكَاتُهُ عَلَى الْبَائِعِ .","part":5,"page":451},{"id":2451,"text":"( 1941 ) فَصْلٌ : وَالْغَنِيمَةُ يَمْلِكُ الْغَانِمُونَ أَرْبَعَةَ أَخْمَاسِهَا بِانْقِضَاءِ الْحَرْبِ ، فَإِنْ كَانَتْ جِنْسًا وَاحِدًا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ ، كَالْأَثْمَانِ وَالسَّائِمَةِ ، وَنَصِيبُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مِنْهَا نِصَابٌ ، فَعَلَيْهِ زَكَاتُهُ إذَا انْقَضَى الْحَوْلُ ، وَلَا يَلْزَمُهُ إخْرَاجُ زَكَاتِهِ قَبْلَ قَبْضِهِ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا فِي الدِّينِ عَلَى الْمَلِيءِ .\rوَإِذَا كَانَ دُونَ النِّصَابِ ، فَلَا زَكَاةَ فِيهِ ، إلَّا أَنْ تَكُونَ سَائِمَةً أَرْبَعَةُ أَخْمَاسِهَا تَبْلُغُ النِّصَابَ ، فَتَكُونَ خُلْطَةً ، وَلَا تُضَمُّ إلَى الْخُمْسِ ؛ لِأَنَّهُ لَا زَكَاةَ فِيهِ .\rفَإِنْ كَانَتْ الْغَنِيمَةُ أَجْنَاسًا ، كَإِبِلٍ وَبَقَرٍ وَغَنَمٍ ، فَلَا زَكَاةَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمْ ؛ لِأَنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَقْسِمَ بَيْنَهُمْ قِسْمَةً بِحُكْمِ ، فَيُعْطِي كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مِنْ أَيِّ أَصْنَافِ الْمَالِ شَاءَ ، فَمَا تَمَّ مِلْكُهُ عَلَى شَيْءٍ مُعَيَّنٍ بِخِلَافِ الْمِيرَاثِ .","part":5,"page":452},{"id":2452,"text":"( 1942 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : وَإِذَا غُصِبَ مَالًا ، زَكَّاهُ إذَا قَبَضَهُ لِمَا مَضَى ، فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ، وَالرِّوَايَةُ الْأُخْرَى ، قَالَ : لَيْسَ هُوَ كَالدَّيْنِ الَّذِي مَتَى قَبَضَهُ زَكَّاهُ ، وَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يُزَكِّيَهُ قَوْلُهُ : إذَا غُصِبَ مَالًا .\rأَيْ إذَا غُصِبَ الرَّجُلُ مَالًا ، فَالْمَفْعُولُ الْأَوَّلُ الْمَرْفُوعُ مُسْتَتِرٌ فِي الْفِعْلِ ، وَالْمَالُ هُوَ الْمَفْعُولُ الثَّانِي ، فَكَذَلِكَ نَصِيبُهُ ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ : وَإِذَا غُصِبَ مَالَهُ .\rوَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ ، وَالْحُكْمُ فِي الْمَغْصُوبِ وَالْمَسْرُوقِ وَالْمَجْحُودِ وَالضَّالِّ وَاحِدٌ ، وَفِي جَمِيعِهِ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، لَا زَكَاةَ فِيهِ .\rنَقَلَهَا الْأَثْرَمُ ، وَالْمَيْمُونِيُّ .\rوَمَتَى عَادَ صَارَ كَالْمُسْتَفَادِ ، يَسْتَقْبِلُ بِهِ حَوْلًا .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ فِي قَدِيمِ قَوْلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ مَالٌ خَرَجَ عَنْ يَدِهِ وَتَصَرُّفِهِ ، وَصَارَ مَمْنُوعًا مِنْهُ ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ زَكَاتُهُ ، كَمَالِ الْمُكَاتَبِ .\rوَالثَّانِيَةُ ، عَلَيْهِ زَكَاتُهُ ؛ لِأَنَّ مِلْكَهُ عَلَيْهِ تَامٌّ ، فَلَزِمَتْهُ زَكَاتُهُ ، كَمَا لَوْ نَسِيَ عِنْدَ مَنْ أَوْدَعَهُ ، أَوْ كَمَا لَوْ أُسِرَ ، أَوْ حُبِسَ ، وَحِيلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَالِهِ ، وَعَلَى كِلْتَا الرِّوَايَتَيْنِ لَا يَلْزَمُهُ إخْرَاجُ زَكَاتِهِ قَبْلَ قَبْضِهِ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : إذَا قَبَضَهُ زَكَّاهُ لِحَوْلٍ وَاحِدٍ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ فِي ابْتِدَاءِ الْحَوْلِ فِي يَدِهِ ، ثُمَّ حَصَلَ بَعْدَ ذَلِكَ فِي يَدِهِ ، فَوَجَبَ أَنْ لَا تَسْقُطَ الزَّكَاةُ عَنْ حَوْلٍ وَاحِدٍ .\rوَلَيْسَ هَذَا بِصَحِيحِ ؛ لِأَنَّ الْمَانِعَ مِنْ وُجُوبِ الزَّكَاةِ إذَا وُجِدَ فِي بَعْضِ الْحَوْلِ ، يَمْنَعُ ، كَنَقْصِ النِّصَابِ .","part":5,"page":453},{"id":2453,"text":"( 1943 ) فَصْلٌ : وَإِنْ كَانَ الْمَغْصُوبُ سَائِمَةً ، مَعْلُوفَةً عِنْدَ صَاحِبِهَا وَغَاصِبِهَا ، فَلَا زَكَاةَ فِيهَا ؛ لِفِقْدَانِ الشَّرْطِ .\rوَإِنْ كَانَتْ سَائِمَةً عِنْدَهُمَا فَفِيهَا الزَّكَاةُ ، عَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي تَقُولُ بِوُجُوبِهَا فِي الْمَغْصُوبِ .\rوَإِنْ كَانَتْ مَعْلُوفَةً عِنْدَ صَاحِبِهَا ، سَائِمَةً عِنْدَ غَاصِبِهَا ، فَفِيهَا وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، لَا زَكَاةَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ صَاحِبَهَا لَمْ يَرْضَ بِإِسَامَتِهَا ، فَلَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ بِفِعْلِ الْغَاصِبِ كَمَا لَوْ رَعَتْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُسِيمَهَا .\rوَالثَّانِي ، عَلَيْهِ الزَّكَاةُ لِأَنَّ السَّوْمَ يُوجِبُ الزَّكَاةَ مِنْ الْمَالِكِ فَأَوْجَبَهَا مِنْ الْغَاصِبِ كَمَا لَوْ كَانَتْ سَائِمَةً عِنْدَهُمَا ، وَكَمَا لَوْ غَصَبَ بَذْرًا فَزَرَعَهُ وَجَبَ الْعُشْرُ فِيمَا خَرَجَ مِنْهُ وَإِنْ كَانَتْ سَائِمَةً عِنْدَ مَالِكِهَا مَعْلُوفَةً عِنْدَ غَاصِبِهَا فَلَا زَكَاةَ فِيهَا ؛ لِفِقْدَانِ الشَّرْطِ ، وَقَالَ الْقَاضِي فِيهِ وَجْهٌ آخَرُ أَنَّ الزَّكَاةَ تَجِبُ فِيهَا لِأَنَّ الْعَلَفَ مُحَرَّمٌ فَلَمْ يُؤَثِّرْ فِي الزَّكَاةِ كَمَا لَوْ غَصَبَ أَثْمَانًا فَصَاغَهَا حُلِيًّا لَمْ تَسْقُطْ الزَّكَاةُ عَنْهَا بِصِيَاغَتِهِ .\rقَالَ أَبُو الْحَسَنِ الْآمِدِيُّ : هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ ؛ لِأَنَّ الْعَلَفَ إنَّمَا أَسْقَطَ الزَّكَاةَ لِمَا فِيهِ مِنْ الْمُؤْنَةِ وَهَا هُنَا لَا مُؤْنَةَ عَلَيْهِ وَلَنَا : أَنَّ السَّوْمَ شَرْطٌ لِوُجُوبِ الزَّكَاةِ وَلَمْ يُوجَدْ فَلَمْ تَجِبْ الزَّكَاةُ ، كَنَقْصِ النِّصَابِ وَالْمِلْكِ وَقَوْلُهُ : إنَّ الْعَلَفَ مُحَرَّمٌ .\rغَيْرُ صَحِيحٍ وَإِنَّمَا الْمُحَرَّمُ الْغَصْبُ وَإِنَّمَا الْعَلَفُ تَصَرُّفٌ مِنْهُ فِي مَالِهِ بِإِطْعَامِهَا إيَّاهُ ، وَلَا تَحْرِيمَ فِيهِ ، وَلِهَذَا لَوْ عَلَفَهَا عِنْدَ مَالِكِهَا لَمْ يَحْرُمْ عَلَيْهِ وَمَا ذَكَرَهُ الْآمِدِيُّ مِنْ خِفَّةِ الْمُؤْنَةِ غَيْرُ صَحِيحٍ فَإِنَّ الْخِفَّةَ لَا تُعْتَبَرُ بِنَفْسِهَا ، وَإِنَّمَا تُعْتَبَرُ بِمُظِنِّهَا ، وَهِيَ السَّوْمُ ثُمَّ يَبْطُلُ مَا ذَكَرَاهُ بِمَا إذَا كَانَتْ مَعْلُوفَةٍ عِنْدَهُمَا جَمِيعًا وَيَبْطُلُ مَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي بِمَا إذَا عَلَفَهَا","part":5,"page":454},{"id":2454,"text":"مَالِكُهَا عَلَفًا مُحَرَّمًا أَوْ أَتْلَفَ شَاةً مِنْ النِّصَابِ فَإِنَّهُ مُحَرَّمٌ وَتَسْقُطُ بِهِ الزَّكَاةُ وَأَمَّا إذَا غَصَبَ ذَهَبًا فَصَاغَهُ حُلِيًّا ، فَلَا يُشْبِهُ مَا اخْتَلَفْنَا فِيهِ ، فَإِنَّ الْعَلَفَ فَاتَ بِهِ شَرْطُ الْوُجُوبِ وَالصِّيَاغَةُ لَمْ يَفُتْ بِهَا شَيْءٌ وَإِنَّمَا اُخْتُلِفَ فِي كَوْنِهَا مُسْقِطَةً بِشَرْطِ كَوْنِهَا مُبَاحَةً فَإِذَا كَانَتْ مُحَرَّمَةً لَمْ يُوجَدْ شَرْطُ الْإِسْقَاطِ ، وَلِأَنَّ الْمَالِكَ لَوْ عَلَفَهَا عَلَفًا مُحَرَّمًا لَسَقَطَتْ الزَّكَاةُ وَلَوْ صَاغَهَا صِيَاغَةً مُحَرَّمَةً لَمْ تَسْقُطْ فَافْتَرَقَا ، وَلَوْ غَصَبَ حُلِيًّا مُبَاحًا فَكَسَرَهُ أَوْ ضَرَبَهُ دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ وَجَبَتْ فِيهِ الزَّكَاةُ ، لِأَنَّ الْمُسْقِطَ لِلزَّكَاةِ زَالَ .\rفَوَجَبَتْ الزَّكَاةُ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا تَجِبَ ، كَمَا لَوْ غَصَبَ مَعْلُوفَةً فَأَسَامَهَا وَلَوْ غَصَبَ عُرُوضًا فَاتَّجَرَ فِيهَا لَمْ تَجِبْ فِيهَا الزَّكَاةُ لِأَنَّ نِيَّةَ التِّجَارَةِ شَرْطٌ ، وَلَمْ تُوجَدْ مِنْ الْمَالِكِ ، وَسَوَاءٌ كَانَتْ لِلتِّجَارَةِ عِنْدَ مَالِكِهَا أَوْ لَمْ تَكُنْ ؛ لِأَنَّ بَقَاءَ النِّيَّةِ شَرْطٌ وَلَمْ يَنْوِ التِّجَارَةَ بِهَا عِنْدَ الْغَاصِبِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ تَجِبَ الزَّكَاةُ إذَا كَانَتْ لِلتِّجَارَةِ عِنْدَ مَالِكِهَا ، وَاسْتَدَامَ النِّيَّةَ ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَخْرُجْ عَنْ مِلْكِهِ بِغَصْبِهَا وَإِنْ نَوَى بِهَا الْغَاصِبُ الْقُنْيَةَ .\rوَكُلُّ مَوْضِعٍ أَوْجَبْنَا الزَّكَاةَ فَعَلَى الْغَاصِبِ ضَمَانُهَا لِأَنَّهُ نَقْصٌ حَصَلَ فِي يَدِهِ فَوَجَبَ عَلَيْهِ ضَمَانُهُ ، كَتَلَفِهِ","part":5,"page":455},{"id":2455,"text":"( 1944 ) فَصْلٌ إذَا ضَلَّتْ وَاحِدَةٌ مِنْ النِّصَابِ أَوْ أَكْثَرُ ، أَوْ غُصِبَتْ فَنَقَصَ النِّصَابُ فَالْحُكْمُ فِيهِ كَمَا لَوْ ضَلَّ جَمِيعُهُ أَوْ غُصِبَ لَكِنْ إنْ قُلْنَا بِوُجُوبِ الزَّكَاةِ ، فَعَلَيْهِ الْإِخْرَاجُ عَنْ الْمَوْجُودِ عِنْدَهُ .\rوَإِذَا رَجَعَ الضَّالُّ أَوْ الْمَغْصُوبُ أَخْرَجَ عَنْهُ ، كَمَا لَوْ رَجَعَ جَمِيعُهُ .","part":5,"page":456},{"id":2456,"text":"( 1945 ) فَصْلٌ وَإِنْ أُسِرَ الْمَالِكُ لَمْ تَسْقُطْ عَنْهُ الزَّكَاةُ سَوَاءٌ حِيلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَالِهِ أَوْ لَمْ يُحَلْ لِأَنَّ تَصَرُّفَهُ فِي مَالِهِ نَافِذٌ يَصِحُّ بَيْعُهُ وَهِبَتُهُ وَتَوْكِيلُهُ فِيهِ","part":5,"page":457},{"id":2457,"text":"( 1946 ) فَصْلٌ : وَإِنْ ارْتَدَّ قَبْلَ مُضِيِّ الْحَوْلِ وَحَالَ الْحَوْلُ وَهُوَ مُرْتَدٌّ فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ نَصَّ عَلَيْهِ لِأَنَّ الْإِسْلَامَ شَرْطٌ لِوُجُوبِ الزَّكَاةِ فَعَدَمُهُ فِي بَعْضِ الْحَوْلِ يُسْقِطُ الزَّكَاةَ كَالْمِلْكِ وَالنِّصَابِ وَإِنْ رَجَعَ إلَى الْإِسْلَامِ قَبْلَ مُضِيِّ الْحَوْلِ اسْتَأْنَفَ حَوْلًا ؛ لِمَا ذَكَرْنَا .\rقَالَ أَحْمَدُ : إذَا أَسْلَمَ الْمُرْتَدُّ وَقَدْ حَالَ عَلَى مَالِهِ الْحَوْلُ فَإِنَّ الْمَالَ لَهُ وَلَا يُزَكِّيه حَتَّى يَسْتَأْنِفَ بِهِ الْحَوْلَ لِأَنَّهُ كَانَ مَمْنُوعًا مِنْهُ ، فَأَمَّا إنَّ ارْتَدَّ بَعْدَ الْحَوْلِ لَمْ تَسْقُطْ الزَّكَاةُ عَنْهُ وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ تَسْقُطُ لِأَنَّ مِنْ شَرْطِهَا النِّيَّةَ فَسَقَطَتْ بِالرِّدَّةِ كَالصَّلَاةِ وَلَنَا : أَنَّهُ حَقُّ مَالٍ فَلَا يَسْقُطُ بِالرِّدَّةِ كَالدَّيْنِ وَأَمَّا الصَّلَاةُ فَلَا تَسْقُطُ أَيْضًا ، لَكِنْ لَا يُطَالَبُ بِفِعْلِهَا لِأَنَّهَا لَا تَصِحُّ مِنْهُ وَلَا تَدْخُلُهَا النِّيَابَةُ فَإِذَا عَادَ وَجَبَتْ عَلَيْهِ وَالزَّكَاةُ تَدْخُلُهَا النِّيَابَةُ وَلَا تَسْقُطُ بِالرِّدَّةِ كَالدَّيْنِ وَيَأْخُذُهَا الْإِمَامُ مِنْ الْمُمْتَنِعِ وَكَذَا هَاهُنَا يَأْخُذُهَا الْإِمَامُ مِنْ مَالِهِ كَمَا يَأْخُذُهَا مِنْ الْمُسْلِمِ الْمُمْتَنِعِ فَإِنْ أَسْلَمَ بَعْدَ أَخْذِهَا لَمْ يَلْزَمْهُ أَدَاؤُهَا لِأَنَّهَا سَقَطَتْ عَنْهُ بِأَخْذِهَا كَمَا تَسْقُطُ بِأَخْذِهَا مِنْ الْمُسْلِمِ الْمُمْتَنِعِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا تَسْقُطَ لِأَنَّ الزَّكَاةَ عِبَادَةٌ ، فَلَا تَحْصُلُ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ وَأَصْلُ هَذَا مَا لَوْ أَخَذَهَا الْإِمَامُ مِنْ الْمُسْلِمِ الْمُمْتَنِعِ ، وَقَدْ ذُكِرَ فِي غَيْرِ هَذَا .\rوَإِنْ أَخَذَهَا غَيْرُ الْإِمَامِ أَوْ نَائِبُهُ ، لَمْ تَسْقُطْ عَنْهُ لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَيْهِ فَلَا يَقُومُ مَقَامَهُ بِخِلَافِ نَائِبِ الْإِمَامِ وَإِنْ أَدَّاهَا فِي حَالِ رِدَّتِهِ لَمْ تُجْزِهِ لِأَنَّهُ كَافِرٌ فَلَا تَصِحُّ مِنْهُ كَالصَّلَاةِ","part":5,"page":458},{"id":2458,"text":"( 1947 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : وَاللَّقْطَةُ إذَا صَارَتْ بَعْدَ الْحَوْلِ كَسَائِرِ مَالِ الْمُلْتَقِطِ ، اسْتَقْبَلَ بِهَا حَوْلًا ثُمَّ زَكَّاهَا فَإِنْ جَاءَ رَبُّهَا زَكَّاهَا لِلْحَوْلِ الَّذِي كَانَ الْمُلْتَقِطُ مَمْنُوعًا مِنْهَا ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّ اللُّقَطَةَ تُمْلَكُ بِمُضِيِّ حَوْلِ التَّعْرِيفِ وَاخْتَارَ أَبُو الْخَطَّابِ أَنَّهُ لَا يَمْلِكُهَا حَتَّى يَخْتَارَ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ، وَيُذْكَرُ فِي مَوْضِعِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَمَتَى مَلَكَهَا اسْتَأْنَفَ حَوْلًا فَإِذَا مَضَى وَجَبَتْ عَلَيْهِ زَكَاتُهَا وَحَكَى الْقَاضِي فِي مَوْضِعٍ أَنَّهُ إذَا مَلَكَهَا وَجَبَ عَلَيْهِ مِثْلُهَا إنْ كَانَتْ مِثْلِيَّةً ، أَوْ قِيمَتُهَا إنْ لَمْ تَكُنْ مِثْلِيَّةً .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rوَيُذْكَرُ فِي مَوْضِعِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .\rوَمُقْتَضَى هَذَا أَنْ لَا تَجِبَ عَلَيْهِ زَكَاتُهَا ؛ لِأَنَّهُ دَيْنٌ فَمَنَعَ الزَّكَاةَ كَسَائِرِ الدُّيُونِ وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ : يَحْتَمِلُ أَنْ لَا تَجِبَ الزَّكَاةُ فِيهَا لِمَعْنًى آخَرَ ، وَهُوَ أَنَّ مِلْكَهُ غَيْرُ مُسْتَقَرٍّ عَلَيْهَا ، وَلِصَاحِبِهَا أَخْذُهَا مِنْهُ مَتَى وَجَدَهَا .\rوَالْمَذْهَبُ مَا ذَكَرَهُ الْخِرَقِيِّ ، وَمَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي يُفْضِي إلَى ثُبُوتِ مُعَاوَضَةٍ فِي حَقِّ مَنْ لَا وِلَايَةَ عَلَيْهِ ، بِغَيْرِ فِعْلِهِ ، وَلَا اخْتِيَارِهِ ، وَيَقْتَضِي ذَلِكَ أَنْ يَمْنَعَ الدَّيْنُ الَّذِي عَلَيْهِ الْمِيرَاثَ وَالْوَصِيَّةَ ، كَسَائِرِ الدُّيُونِ ، وَالْأَمْرُ بِخِلَافِهِ .\rوَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ : يَبْطُلُ بِمَا وَهَبَهُ الْأَبُ لِوَلَدِهِ ، وَبِنِصْفِ الصَّدَاقِ ، فَإِنَّ لَهُمَا اسْتِرْجَاعَهُ ، وَلَا يَمْنَعُ وُجُوبَ الزَّكَاةِ فَأَمَّا رَبُّهَا إذَا جَاءَ فَأَخَذَهَا ، فَذَكَرَ الْخِرَقِيِّ أَنَّهُ يُزَكِّيهَا لِلْحَوْلِ الَّذِي كَانَ الْمُلْتَقِطُ مَمْنُوعًا مِنْهَا ، وَهُوَ حَوْلُ التَّعْرِيفِ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي الضَّالِّ رِوَايَتَيْنِ وَهَذَا مِنْ جُمْلَتِهِ .\rوَعَلَى مُقْتَضَى قَوْلِ الْخِرَقِيِّ أَنَّ الْمُلْتَقِطَ لَوْ لَمْ يَمْلِكْهَا مِثْلُ مَنْ لَمْ يُعَرِّفْهَا ، فَإِنَّهُ لَا زَكَاةَ عَلَى مُلْتَقِطِهَا ، وَإِذَا جَاءَ","part":5,"page":459},{"id":2459,"text":"رَبُّهَا زَكَّاهَا لِلزَّمَانِ كُلِّهِ ، وَإِنَّمَا تَجِبُ عَلَيْهِ زَكَاتُهَا إذَا كَانَتْ مَاشِيَةً بِشَرْطِ كَوْنِهَا سَائِمَةً عِنْدَ الْمُلْتَقِطِ ، فَإِنْ عَلَفَهَا فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي الْمَغْصُوبِ","part":5,"page":460},{"id":2460,"text":"( 1948 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ وَالْمَرْأَةُ إذَا قَبَضَتْ صَدَاقَهَا زَكَّتْهُ لِمَا مَضَى وَجُمْلَةُ ذَلِكَ ، أَنَّ الصَّدَاقَ فِي الذِّمَّةِ دَيْنٌ لِلْمَرْأَةِ ، حُكْمُهُ حُكْمُ الدُّيُونِ ، عَلَى مَا مَضَى إنْ كَانَ عَلَى مَلِيءٍ بِهِ فَالزَّكَاةُ وَاجِبَةٌ فِيهِ ، إذَا قَبَضَتْهُ أَدَّتْ لِمَا مَضَى ، وَإِنْ كَانَ عَلَى مُعْسِرٍ أَوْ جَاحِدٍ فَعَلَى الرِّوَايَتَيْنِ .\rوَاخْتَارَ الْخِرَقِيِّ وُجُوبَ الزَّكَاةِ فِيهِ ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ مَا قَبْلَ الدُّخُولِ أَوْ بَعْدَهُ ؛ لِأَنَّهُ دَيْنٌ فِي الذِّمَّةِ ، فَهُوَ كَثَمَنِ مَبِيعِهَا ، فَإِنْ سَقَطَ نِصْفُهُ بِطَلَاقِهَا قَبْلَ الدُّخُولِ ، وَأَخَذَتْ النِّصْفَ ، فَعَلَيْهَا زَكَاةُ مَا قَبَضَتْهُ ، دُونَ مَا لَمْ تَقْبِضْهُ ؛ لِأَنَّهُ دَيْنٌ لَمْ تَتَعَوَّضْ عَنْهُ ، وَلَمْ تَقْبِضْهُ ، فَأَشْبَهَ مَا تَعَذَّرَ قَبْضُهُ لِفَلَسٍ أَوْ جَحْدٍ .\rوَكَذَلِكَ لَوْ سَقَطَ كُلُّ الصَّدَاقِ قَبْلَ قَبْضِهِ ، لِانْفِسَاخِ النِّكَاحِ بِأَمْرٍ مِنْ جِهَتِهَا ، فَلَيْسَ عَلَيْهَا زَكَاتُهُ لِمَا ذَكَرْنَا وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي كُلِّ دَيْنٍ يَسْقُطُ قَبْلَ قَبْضِهِ مِنْ غَيْرِ إسْقَاطِ صَاحِبِهِ ، أَوْ يَئِسَ صَاحِبُهُ مِنْ اسْتِيفَائِهِ وَالْمَالُ الضَّالُّ إذَا يَئِسَ مِنْهُ ، فَلَا زَكَاةَ عَلَى صَاحِبِهِ ؛ فَإِنَّ الزَّكَاةَ مُوَاسَاةٌ ، فَلَا تَلْزَمُ الْمُوَاسَاةُ إلَّا مِمَّا حَصَلَ لَهُ .\rوَإِنْ كَانَ الصَّدَاقُ نِصَابًا ، فَحَالَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ ثُمَّ سَقَطَ نِصْفُهُ ، وَقَبَضَتْ النِّصْفَ ، فَعَلَيْهَا زَكَاةُ النِّصْفِ الْمَقْبُوضِ ؛ لِأَنَّ الزَّكَاةَ وَجَبَتْ فِيهِ ، ثُمَّ سَقَطَتْ مِنْ نِصْفِهِ لِمَعْنًى اخْتَصَّ بِهِ ، فَاخْتَصَّ السُّقُوطُ بِهِ .\rوَإِنْ مَضَى عَلَيْهِ حَوْلٌ قَبْلَ قَبْضِهِ ، ثُمَّ قَبَضَتْهُ كُلَّهُ ، زَكَّتْهُ لِذَلِكَ الْحَوْلِ .\rوَإِنْ مَضَتْ عَلَيْهِ أَحْوَالٌ قَبْلَ قَبْضِهِ ، ثُمَّ قَبَضَتْهُ ، زَكَّتْهُ لِمَا مَضَى كُلِّهِ ، مَا لَمْ يَنْقُصْ عَنْ النِّصَابِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا تَجِبُ عَلَيْهَا الزَّكَاةُ مَا لَمْ تَقْبِضْهُ ؛ لِأَنَّهُ بَدَلٌ عَمَّا لَيْسَ بِمَالٍ ، فَلَا تَجِبُ الزَّكَاةُ فِيهِ قَبْلَ قَبْضِهِ ، كَدَيْنِ الْكِتَابَةِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ دَيْنٌ","part":5,"page":461},{"id":2461,"text":"يُسْتَحَقُّ قَبْضُهُ ، وَيُجْبَرُ الْمَدِينُ عَلَى أَدَائِهِ فَوَجَبَتْ فِيهِ الزَّكَاةُ كَثَمَنِ الْمَبِيعِ .\rوَيُفَارِقُ دَيْنَ الْكِتَابَةِ فَإِنَّهُ لَا يُسْتَحَقُّ قَبْضُهُ ، وَلِلْمُكَاتَبِ الِامْتِنَاعُ مِنْ أَدَائِهِ ، وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُهُمْ عَلَيْهِ ، فَإِنَّهُ عِوَضٌ عَنْ مَالٍ .","part":5,"page":462},{"id":2462,"text":"( 1949 ) فَصْلُ فَإِنْ قَبَضَتْ صَدَاقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ ، وَمَضَى عَلَيْهِ حَوْلٌ ، فَزَكَّتْهُ ، ثُمَّ طَلَّقَهَا الزَّوْجُ قَبْلَ الدُّخُولِ ، رَجَعَ فِيهَا بِنِصْفِهِ ، وَكَانَتْ الزَّكَاةُ مِنْ النِّصْفِ الْبَاقِي لَهَا .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ أَقْوَالِهِ : يَرْجِعُ الزَّوْجُ بِنِصْفِ الْمَوْجُودِ وَنِصْفِ قِيمَةِ الْمُخْرَجِ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ تَلِفَ الْكُلُّ رَجَعَ عَلَيْهَا بِنِصْفِ قِيمَتِهِ ، فَكَذَلِكَ إذَا تَلِفَ الْبَعْضُ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ } .\rوَلِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ الرُّجُوعُ فِي الْعَيْنِ ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ الرُّجُوعُ إلَى الْقِيمَةِ ، كَمَا لَوْ لَمْ يَتْلَفْ مِنْهُ شَيْءٌ .\rوَيَخْرُجُ عَلَى هَذَا مَا لَوْ تَلِفَ كُلُّهُ فَإِنَّهُ مَا أَمْكَنَهُ الرُّجُوعُ فِي الْعَيْنِ .\rوَإِنْ طَلَّقَهَا بَعْدَ الْحَوْلِ وَقَبْلَ الْإِخْرَاجِ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ الْإِخْرَاجُ مِنْ النِّصَابِ ؛ لِأَنَّ حَقَّ الزَّوْجِ تَعَلَّقَ بِهِ عَلَى وَجْهِ الشَّرِكَةِ ، وَالزَّكَاةُ لَمْ تَتَعَلَّقْ بِهِ عَلَى وَجْهِ الشَّرِكَةِ ، لَكِنْ تُخْرِجُ الزَّكَاةَ مِنْ غَيْرِهِ ، أَوْ يَقْسِمَانِهِ ، ثُمَّ تُخْرِجُ الزَّكَاةَ مِنْ حِصَّتِهَا .\rفَإِنْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الْحَوْلِ مَلَكَ النِّصْفَ مُشَاعًا ، وَكَانَ حُكْمُ ذَلِكَ كَمَا لَوْ بَاعَ نِصْفَهُ قَبْلَ الْحَوْلِ مُشَاعًا ، وَقَدْ بَيَّنَّا حُكْمَهُ .","part":5,"page":463},{"id":2463,"text":"( 1950 ) فَصْلٌ : فَإِنْ كَانَ الصَّدَاقُ دَيْنًا ، فَأَبْرَأَتْ الزَّوْجَ مِنْهُ بَعْدَ مُضِيِّ الْحَوْلِ ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، عَلَيْهَا الزَّكَاةُ ؛ لِأَنَّهَا تَصَرَّفَتْ فِيهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَبَضَتْهُ وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ ، زَكَاتُهُ عَلَى الزَّوْجِ ؛ لِأَنَّهُ مَلَكَ مَا مُلِّكَ عَلَيْهِ ، فَكَأَنَّهُ لَمْ يَزُلْ مِلْكُهُ عَنْهُ .\rوَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ، وَمَا ذَكَرْنَا لِهَذِهِ الرِّوَايَةِ لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ الزَّوْجَ لَمْ يَمْلِكْ شَيْئًا ، وَإِنَّمَا سَقَطَ الدَّيْنُ عَنْهُ ، ثُمَّ لَوْ مَلَكَ فِي الْحَالِ لَمْ يَقْتَضِ هَذَا وُجُوبَ زَكَاةِ مَا مَضَى .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا تَجِبَ الزَّكَاةُ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا ؛ لِمَا ذَكَرْنَا فِي الزَّوْجِ ، وَالْمَرْأَةُ لَمْ تَقْبِضْ الدَّيْنَ ، فَلَمْ تَلْزَمْهَا زَكَاتُهُ ، كَمَا لَوْ سَقَطَ بِغَيْرِ إسْقَاطِهَا ، وَهَذَا إذَا كَانَ الدَّيْنُ مِمَّا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ إذَا قَبَضَتْهُ ، فَأَمَّا إنْ كَانَ مِمَّا لَا زَكَاةَ فِيهِ ، فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهَا بِحَالٍ .\rوَكُلُّ دَيْنٍ عَلَى إنْسَانٍ أَبْرَأَهُ صَاحِبُهُ مِنْهُ بَعْدَ مُضِيِّ الْحَوْلِ عَلَيْهِ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الصَّدَاقِ فِيمَا ذَكَرْنَا قَالَ أَحْمَدُ : إذَا وَهَبَتْ الْمَرْأَةُ مَهْرَهَا لِزَوْجِهَا ، وَقَدْ مَضَى لَهُ عَشْرُ سِنِينَ ، فَإِنَّ زَكَاتَهُ عَلَى الْمَرْأَةِ ؛ لِأَنَّ الْمَالَ كَانَ لَهَا .\rوَإِذَا وَهَبَ رَجُلٌ لِرَجُلٍ مَالًا ، فَحَالَ الْحَوْلُ ، ثُمَّ ارْتَجَعَهُ الْوَاهِبُ ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْتَجِعَهُ ، فَإِنْ ارْتَجَعَهُ فَالزَّكَاةُ عَلَى الَّذِي كَانَ عِنْدَهُ .\rوَقَالَ فِي رَجُلٍ بَاعَ شَرِيكَهُ نَصِيبَهُ مِنْ دَارِهِ ، فَلَمْ يُعْطِهِ شَيْئًا ، فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ سَنَةٍ ، قَالَ : لَيْسَ عِنْدِي دَرَاهِمُ فَأَقِلْنِي ، فَأَقَالَهُ ، قَالَ : عَلَيْهِ أَنْ يُزَكِّيَ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ مَلَكَهُ حَوْلًا .","part":5,"page":464},{"id":2464,"text":"( 1951 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ وَالْمَاشِيَةُ إذَا بِيعَتْ بِالْخِيَارِ ، فَلَمْ يَنْقَضِ الْخِيَارُ حَتَّى رُدَّتْ ، اسْتَقْبَلَ بِهَا الْبَائِعُ حَوْلًا ، سَوَاءٌ كَانَ الْخِيَارُ لِلْبَائِعِ أَوْ لِلْمُشْتَرِي ، لِأَنَّهُ تَجْدِيدُ مِلْكٍ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ ، أَنَّ الْبَيْعَ بِشَرْطِ الْخِيَارِ يَنْقُلُ الْمِلْكَ إلَى الْمُشْتَرِي عَقِيبَهُ ، وَلَا يَقِفُ عَلَى انْقِضَاءِ الْخِيَارِ ، سَوَاءٌ كَانَ الْخِيَارُ لَهُمَا أَوْ لِأَحَدِهِمَا .\rوَعَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّهُ لَا يَنْتَقِلُ حَتَّى يَنْقَضِيَ الْخِيَارُ .\rوَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَنْتَقِلُ إنْ كَانَ لِلْبَائِعِ ، وَإِنْ كَانَ لِلْمُشْتَرِي خَرَجَ عَنْ الْبَائِعِ ، وَلَمْ يَدْخُلْ فِي مِلْكِ الْمُشْتَرِي .\rوَعَنْ الشَّافِعِيِّ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ قَوْلَانِ كَالرِّوَايَتَيْنِ ، وَقَوْلٌ ثَالِثٌ ، أَنَّهُ مُرَاعًى ، فَإِنْ فَسَخَاهُ تَبَيَّنَّا أَنَّهُ لَمْ يَنْتَقِلْ ، وَإِنْ أَمْضَيَاهُ تَبَيَّنَّا أَنَّهُ انْتَقَلَ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ بَيْعٌ صَحِيحٌ فَنُقِلَ الْمِلْكُ عَقِيبَهُ ، كَمَا لَوْ لَمْ يُشْتَرَطْ الْخِيَارُ .\rوَإِنْ كَانَ الْمَالُ زَكَائِيًّا انْقَطَعَ الْحَوْلُ بِبَيْعِهِ ، لِزَوَالِ مِلْكِهِ عَنْهُ ، فَإِنْ اسْتَرَدَّهُ أَوْ رُدَّ عَلَيْهِ اسْتَأْنَفَ حَوْلًا ؛ لِأَنَّهُ مِلْكٌ مُتَجَدِّدٌ حَدَثَ بَعْدَ زَوَالِهِ ، فَوَجَبَ أَنْ يَسْتَأْنِفَ لَهُ حَوْلًا كَمَا لَوْ كَانَ الْبَيْعُ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ خِيَارٍ .\rوَهَكَذَا الْحُكْمُ لَوْ فَسَخَا الْبَيْعَ فِي مُدَّةِ الْمَجْلِسِ بِخِيَارِهِ ؛ لَا يَمْنَعُ نَقْلَ الْمِلْكِ أَيْضًا ، فَهُوَ كَخِيَارِ الشَّرْطِ .\rوَلَوْ مَضَى الْحَوْلُ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ ، ثُمَّ فَسَخَا الْبَيْعَ ، كَانَتْ زَكَاتُهُ عَلَى الْمُشْتَرِي ؛ لِأَنَّهُ مِلْكُهُ .\rوَإِنْ قُلْنَا بِالرِّوَايَةِ الْأُخْرَى ، لَمْ يَنْقَطِعْ الْحَوْلُ بِبَيْعِهِ ؛ لِأَنَّ مِلْكَ الْبَائِعِ لَمْ يَزُلْ عَنْهُ .\rوَلَوْ حَالَ الْحَوْلُ عَلَيْهِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ ، كَانَتْ زَكَاتُهُ عَلَى الْبَائِعِ فَإِنْ أَخْرَجَهَا مِنْ غَيْرِهِ ، فَالْبَيْعُ بِحَالِهِ ، وَإِنْ أَخْرَجَهَا مِنْهُ بَطَلَ الْبَيْعُ فِي الْمُخْرَجِ ، وَهَلْ يَبْطُلُ فِي الْبَاقِي ؟ عَلَى","part":5,"page":465},{"id":2465,"text":"وَجْهَيْنِ ، بِنَاءً عَلَى تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ .\rوَإِنْ لَمْ يُخْرِجْهَا حَتَّى سَلَّمَهُ إلَى الْمُشْتَرِي وَانْقَضَتْ مُدَّةُ الْخِيَارِ لَزِمَ الْبَيْعُ فِيهِ وَكَانَ عَلَيْهِ الْإِخْرَاجُ مِنْ غَيْرِهِ ، كَمَا لَوْ بَاعَ مَا وَجَبَتْ الزَّكَاةُ فِيهِ .\rوَلَوْ اشْتَرَى عَبْدًا ، فَهَلَّ هِلَالُ شَوَّالٍ ، فَفِطْرَتُهُ عَلَى الْمُشْتَرِي ، وَإِنْ كَانَ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ لِأَنَّهُ مِلْكُهُ ، وَعَلَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى ، هِيَ عَلَى الْبَائِعِ ، إنْ كَانَ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ لِأَنَّهُ مِلْكَهُ وَلِأَنَّهُ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ .","part":5,"page":466},{"id":2466,"text":"بَابُ صَدَقَةِ الْفِطْرِ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ تُحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ، عَلَى أَنَّ صَدَقَةَ الْفِطْرِ فَرْضٌ .\rوَقَالَ إِسْحَاقُ : هُوَ كَالْإِجْمَاعِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rوَزَعَمَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَنَّ بَعْضَ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَدَاوُد ، يَقُولُونَ : هِيَ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ .\rوَسَائِرُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّهَا وَاجِبَةٌ ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ ، { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَضَ زَكَاةَ الْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ عَلَى النَّاسِ ، صَاعًا مِنْ تَمْرٍ ، أَوْ صَاعًا مِنْ أَقِطٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ ، عَلَى كُلِّ حُرٍّ وَعَبْدٍ ذَكَرٍ وَأُنْثَى مِنْ الْمُسْلِمِينَ .\r} مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَلِلْبُخَارِيِّ : { وَالصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ .\r} وَعَنْهُ { ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِزَكَاةِ الْفِطْرِ أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إلَى الصَّلَاةِ } .\rوَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ : كُنَّا نُخْرِجَ زَكَاةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ ، أَوْ صَاعًا مِنْ أَقِطٍ أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا .\rقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي قَوْله تَعَالَى : { قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى } : هُوَ زَكَاةُ الْفِطْرِ .\rوَأُضِيفَتْ هَذِهِ الزَّكَاةُ إلَى الْفِطْرِ ؛ لِأَنَّهَا تَجِبُ بِالْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ .\rوَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ : وَقِيلَ لَهَا فِطْرَةٌ لِأَنَّ الْفِطْرَةَ الْخِلْقَةُ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا } أَيْ جِبِلَّتَهُ الَّتِي جَبَلَ النَّاسَ عَلَيْهَا ، وَهَذِهِ يُرَادُ بِهَا الصَّدَقَةُ عَنْ الْبَدَنِ وَالنَّفْسِ كَمَا كَانَتْ الْأُولَى صَدَقَةً عَنْ الْمَالِ .\rوَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا : وَهَلْ تُسَمَّى فَرْضًا مَعَ الْقَوْلِ بِوُجُوبِهَا ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ .\rوَالصَّحِيحُ أَنَّهَا فَرْضٌ ؛ لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ : { فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَكَاةَ الْفِطْرِ } .\rوَلِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ عَلَى","part":5,"page":467},{"id":2467,"text":"أَنَّهَا فَرْضٌ ؛ وَلِأَنَّ الْفَرْضَ إنْ كَانَ الْوَاجِبَ فَهِيَ وَاجِبَةٌ ، وَإِنْ كَانَ الْوَاجِبَ الْمُتَأَكِّدَ فَهِيَ مُتَأَكِّدَةٌ مُجْمَعٌ عَلَيْهَا .","part":5,"page":468},{"id":2468,"text":"( 1952 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ وَزَكَاةَ الْفِطْرِ عَلَى كُلِّ حُرٍّ وَعَبْدٍ ، ذَكَرٍ وَأُنْثَى ، مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَجُمْلَتُهُ أَنَّ زَكَاةَ الْفِطْرِ تَجِبُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ ، مَعَ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ ، وَالذُّكُورِيَّةِ وَالْأُنُوثِيَّةِ ، فِي قَوْلِ أَهْلِ الْعِلْمِ عَامَّةً ، وَتَجِبُ عَلَى الْيَتِيمِ ، وَيُخْرِجُ عَنْهُ وَلِيُّهُ مِنْ مَالِهِ ، لَا نَعْلَمُ أَحَدًا خَالَفَ فِي هَذَا ، إلَّا مُحَمَّدَ بْنَ الْحَسَنِ ، قَالَ لَيْسَ فِي مَالِ الصَّغِيرِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ صَدَقَةٌ .\rوَقَالَ الْحَسَنُ ، وَالشَّعْبِيُّ : صَدَقَةُ الْفِطْرِ عَلَى مَنْ صَامَ مِنْ الْأَحْرَارِ ، وَعَلَى الرَّقِيقِ .\rوَعُمُومُ قَوْلِهِ { فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَكَاةَ الْفِطْرِ عَلَى كُلِّ حُرٍّ وَعَبْدٍ ، وَالذَّكَرِ وَالْأُنْثَى ، وَالصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ ، مِنْ الْمُسْلِمِينَ ، } يَقْتَضِي وُجُوبَهَا عَلَى الْيَتِيمِ ، وَلِأَنَّهُ مُسْلِمٌ فَوَجَبَتْ فِطْرَتُهُ كَمَا لَوْ كَانَ لَهُ أَبٌ ( 1953 ) فَصْلُ وَلَا تَجِبُ عَلَى كَافِرٍ حُرًّا كَانَ أَوْ عَبْدًا .\rوَلَا نَعْلَمُ بَيْنَهُمْ خِلَافًا فِي الْحُرِّ الْبَالِغِ وَقَالَ إمَامُنَا ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ : لَا تَجِبُ عَلَى الْعَبْدِ أَيْضًا ، وَلَا عَلَى الصَّغِيرِ .\rوَيُرْوَى عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَعَطَاءٍ ، وَمُجَاهِدٍ ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَالنَّخَعِيِّ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَإِسْحَاقَ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ ، أَنَّ عَلَى السَّيِّدِ الْمُسْلِمِ أَنْ يُخْرِجَ الْفِطْرَةَ عَنْ عَبْدِهِ الذِّمِّيِّ وَقَالَ .\rأَبُو حَنِيفَةَ : يُخْرِجُ عَنْ ابْنِهِ الصَّغِيرِ إذَا ارْتَدَّ .\rوَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { أَدُّوا عَنْ كُلِّ حُرٍّ وَعَبْدٍ ، صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ ، يَهُودِيٍّ أَوْ نَصْرَانِيٍّ أَوْ مَجُوسِيٍّ ، نِصْفَ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ } .\rوَلِأَنَّ كُلَّ زَكَاةٍ وَجَبَتْ بِسَبَبِ عَبْدِهِ الْمُسْلِمِ ، وَجَبَتْ بِسَبَبِ عَبْدِهِ الْكَافِرِ ، كَزَكَاةِ التِّجَارَةِ وَلَنَا ، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ : { مِنْ الْمُسْلِمِينَ } وَرَوَى أَبُو دَاوُد ، عَنْ ابْنِ","part":5,"page":469},{"id":2469,"text":"عَبَّاسٍ ، قَالَ { فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَكَاةَ الْفِطْرِ طُهْرَةً لِلصَّائِمِ مِنْ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ ، وَطُعْمَةً لِلْمَسَاكِينِ ، مَنْ أَدَّاهَا قَبْلَ الصَّلَاةِ ، فَهِيَ زَكَاةٌ مَقْبُولَةٌ ، وَمِنْ أَدَّاهَا بَعْدَ الصَّلَاةِ ، فَهِيَ صَدَقَةٌ مِنْ الصَّدَقَاتِ } .\rإسْنَادُهُ حَسَنٌ وَحَدِيثُهُمْ لَا نَعْرِفُهُ ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ أَصْحَابُ الدَّوَاوِينِ وَجَامِعُو السُّنَنِ .\rوَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ يُخَالِفُهُ ، وَهُوَ رَاوِي حَدِيثِهِمْ .\rوَزَكَاةُ التِّجَارَةِ تَجِبُ عَنْ الْقِيمَةِ ، وَلِذَلِكَ تَجِبُ فِي سَائِرِ الْحَيَوَانَاتِ وَسَائِرِ الْأَمْوَالِ ، وَهَذِهِ طُهْرَةٌ لِلْبَدَنِ ، وَلِهَذَا اُخْتُصَّ بِهَا الْآدَمِيُّونَ ، بِخِلَافِ زَكَاةِ التِّجَارَةِ","part":5,"page":470},{"id":2470,"text":"( 1954 ) فَصْلٌ : فَإِنْ كَانَ لِكَافِرٍ عَبْدٌ مُسْلِمٌ ، وَهَلَّ هِلَالُ شَوَّالٍ وَهُوَ فِي مِلْكِهِ فَحُكِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّ عَلَى الْكَافِرِ إخْرَاجَ صَدَقَةَ الْفِطْرِ عَنْهُ .\rوَاخْتَارَهُ الْقَاضِي .\rوَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ : يَحْتَمِلُ أَنْ لَا تَجِبَ .\rوَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِهِمْ .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنْ لَا صَدَقَةَ عَلَى الذِّمِّيِّ فِي عَبْدِهِ الْمُسْلِمِ ؛ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { مِنْ الْمُسْلِمِينَ } وَلِأَنَّهُ كَافِرٌ فَلَا تَجِبُ عَلَيْهِ الْفِطْرَةُ كَسَائِرِ الْكُفَّارِ ، وَلِأَنَّ الْفِطْرَةَ زَكَاةٌ فَلَا تَجِبُ عَلَى الْكَافِرِ ، كَزَكَاةِ الْمَالِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الْعَبْدَ مِنْ أَهْلِ الطُّهْرَةِ ، فَوَجَبَ أَنْ تُؤَدَّى عَنْهُ الْفِطْرَةُ ، كَمَا لَوْ كَانَ سَيِّدِهِ مُسْلِمًا ، وَقَوْلُهُ : { مِنْ الْمُسْلِمِينَ } يَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْمُؤَدَّى عَنْهُ ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ لِلْمُسْلِمِ عَبْدٌ كَافِرٌ لَمْ يَجِبْ فِطْرَتُهُ ، وَلِأَنَّهُ ذَكَرَ فِي الْحَدِيثِ كُلَّ عَبْدٍ وَصَغِيرٍ ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ الْمُؤَدَّى عَنْهُ ، لَا الْمُؤَدِّي ، وَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ فِي هَذَا وَجْهَانِ كَالْمَذْهَبَيْنِ .","part":5,"page":471},{"id":2471,"text":"( 1955 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : صَاعًا بِصَاعِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَهُوَ خَمْسَةُ أَرْطَالٍ وَثُلُثٌ وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْوَاجِبَ فِي صَدَقَةِ الْفِطْرِ صَاعٌ عَنْ كُلِّ إنْسَانٍ ، لَا يُجْزِئُ أَقَلُّ مِنْ ذَلِكَ مِنْ جَمِيعِ أَجْنَاسِ الْمُخْرَجِ .\rوَبِهِ قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، وَالْحَسَنِ ، وَأَبِي الْعَالِيَةِ ، وَرُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ ، وَمُعَاوِيَةَ ، أَنَّهُ يُجْزِئُ نِصْفُ صَاعٍ مِنْ الْبُرِّ خَاصَّةً .\rوَهُوَ مَذْهَبُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، وَعَطَاءٍ ، وَطَاوُسٍ ، وَمُجَاهِدٍ ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ، وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ .\rوَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ عَلِيٍّ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَالشَّعْبِيِّ ، فَرُوِيَ صَاعٌ ، وَرُوِيَ نِصْفُ صَاعٍ .\rوَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِي الزَّبِيبِ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، صَاعٌ ، وَالْأُخْرَى نِصْفُ صَاعٍ .\rوَاحْتَجُّوا بِمَا رَوَى ثَعْلَبَةُ بْنُ صُعَيْرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { صَاعٌ مِنْ قَمْحٍ بَيْنَ كُلِّ اثْنَيْنِ .\r} رَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ مُنَادِيًا فِي فِجَاجِ مَكَّةَ : أَلَا إنَّ صَدَقَةَ الْفِطْرِ وَاجِبَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ ، ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى ، حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ ، مُدَّانِ مِنْ قَمْحٍ أَوْ سِوَاهَا صَاعًا مِنْ طَعَامٍ } .\rقَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ .\rوَقَالَ سَعِيدٌ حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ ، عَنْ عَبْدِ الْخَالِقِ الشَّيْبَانِيِّ ، قَالَ سَمِعْت سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ يَقُولُ : { كَانَتْ الصَّدَقَةُ تُدْفَعُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبِي بَكْرٍ نِصْفَ صَاعِ بُرٍّ .\r} وَقَالَ هُشَيْمٌ : أَخْبَرَنِي سُفْيَانُ بْنُ حُسَيْنٍ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، قَالَ {","part":5,"page":472},{"id":2472,"text":"خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ ذَكَرَ صَدَقَةَ الْفِطْرِ ، فَحَضَّ عَلَيْهَا وَقَالَ : نِصْفُ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ ، أَوْ صَاعٌ مِنْ تَمْرٍ أَوْ شَعِيرٍ عَنْ كُلِّ حُرٍّ وَعَبْدٍ ، ذَكَرٍ وَأُنْثَى } وَلَنَا : مَا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، قَالَ : { كُنَّا نُخْرِجُ زَكَاةَ الْفِطْرِ إذْ كَانَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ ، أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ ، أَوْ صَاعًا مِنْ أَقِطٍ فَلَمْ نَزَلْ نُخْرِجُهُ حَتَّى قَدِمَ مُعَاوِيَةُ ، الْمَدِينَةَ ، فَتَكَلَّمَ فَكَانَ مِمَّا كَلَّمَ النَّاسَ : أَنِّي لَأَرَى ، مُدَّيْنِ مِنْ سَمْرَاءِ الشَّامِ تَعْدِلُ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ .\rفَأَخَذَ النَّاسُ بِذَلِكَ .\r} قَالَ أَبُو سَعِيدٍ : فَلَا أَزَالَ أُخْرِجُهُ كَمَا كُنْت أُخْرِجُهُ وَرَوَى ابْنُ عُمَرَ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَضَ صَدَقَةَ الْفِطْرِ ، صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ ، قَالَ فَعَدَلَ النَّاسُ إلَى نِصْفِ صَاعٍ ، مِنْ بُرٍّ .\r} مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا ، وَلِأَنَّهُ جِنْسٌ يُخْرَجُ فِي صَدَقَةِ الْفِطْرِ ، فَكَانَ قَدْرُهُ صَاعًا كَسَائِرِ الْأَجْنَاسِ .\rوَأَحَادِيثُهُمْ لَا تَثْبُتُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rقَالَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَحَدِيثُ ثَعْلَبَةَ تَفَرَّدَ بِهِ النُّعْمَانُ بْنُ رَاشِدٍ .\rقَالَ الْبُخَارِيُّ : هُوَ يَهِمُ كَثِيرًا ، وَهُوَ صَدُوقٌ فِي الْأَصْلِ .\rوَقَالَ مُهَنَّا : ذَكَرْت لِأَحْمَدَ حَدِيثَ ثَعْلَبَةَ بْنِ أَبِي صُعَيْرٍ ، فِي صَدَقَةِ الْفِطْرِ نِصْفُ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ .\rفَقَالَ : لَيْسَ بِصَحِيحٍ ، إنَّمَا هُوَ مُرْسَلٌ ، يَرْوِيه مَعْمَرُ بْنُ جُرَيْجٍ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ مُرْسَلًا .\rقُلْت مِنْ قِبَلِ مَنْ هَذَا ؟ قَالَ مِنْ قِبَلِ النُّعْمَانِ بْنِ رَاشِدٍ ، لَيْسَ هُوَ بِقَوِيٍّ فِي الْحَدِيثِ .\rوَضَعَّفَ حَدِيثَ ابْنَ أَبِي صُعَيْرٍ وَسَأَلْته عَنْ ابْنِ أَبِي صُعَيْرٍ ، أَمَعْرُوفٌ هُوَ ؟ قَالَ : مَنْ يَعْرِفُ ابْنَ أَبِي صُعَيْرٍ لَيْسَ هُوَ بِمَعْرُوفٍ وَذَكَرَ أَحْمَدُ ، وَعَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ ، ابْنَ أَبِي صُعَيْرٍ فَضَعَّفَاهُ","part":5,"page":473},{"id":2473,"text":"جَمِيعًا .\rوَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : لَيْسَ دُونَ الزُّهْرِيِّ مَنْ يَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ وَرَوَاهُ أَبُو إِسْحَاقَ الْجُوزَجَانِيُّ : حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ النُّعْمَانِ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ ثَعْلَبَةَ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { أَدُّوا صَدَقَةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ قَمْحٍ أَوْ قَالَ بُرٍّ ، عَنْ كُلِّ إنْسَانٍ صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ .\r} وَهَذَا حُجَّةٌ لَنَا ، وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ .\rقَالَ الْجُوزَجَانِيُّ : وَالنِّصْفُ صَاعٍ ، ذَكَرَهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرِوَايَتُهُ لَيْسَ تَثْبُتُ ، وَلِأَنَّ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ احْتِيَاطًا لِلْفَرْضِ ، وَمُعَاضَدَةً لِلْقِيَاسِ","part":5,"page":474},{"id":2474,"text":"( 1956 ) فَصْلُ وَقَدْ دَلَّلْنَا عَلَى أَنَّ الصَّاعَ خَمْسَةُ أَرْطَالٍ وَثُلُثٌ بِالْعِرَاقِيِّ فِيمَا مَضَى وَالْأَصْلُ فِيهِ الْكَيْلُ ، وَإِنَّمَا قَدَّرَهُ الْعُلَمَاءُ بِالْوَزْنِ لِيُحْفَظَ وَيُنْقَلَ .\rوَقَدْ رَوَى جَمَاعَةٌ عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّهُ قَالَ : الصَّاعُ وَزَنْتُهُ فَوَجَدْتُهُ خَمْسَةَ أَرْطَالٍ وَثُلُثًا حِنْطَةً .\rوَقَالَ حَنْبَلٌ .\rقَالَ أَحْمَدُ : أَخَذْت الصَّاعَ مِنْ أَبِي النَّضْرِ .\rوَقَالَ أَبُو النَّضِرِ : أَخَذْته عَنْ ابْنِ أَبِي ذُؤَيْبٍ وَقَالَ : هَذَا صَاعُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي يُعْرَفُ بِالْمَدِينَةِ .\rقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ : فَأَخَذْنَا الْعَدَسَ ، فَعَيَّرْنَا بِهِ ، وَهُوَ أَصْلَحُ مَا وَقَفْنَا عَلَيْهِ يُكَالُ بِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَجَافَى عَنْ مَوْضِعِهِ ، فَكِلْنَا بِهِ ، ثُمَّ وَزَنَّاهُ ، فَإِذَا هُوَ خَمْسَةُ أَرْطَالٍ وَثُلُثٌ .\rوَقَالَ هَذَا أَصْلَحُ مَا وَقَفْنَا عَلَيْهِ ، وَمَا تَبَيَّنَ لَنَا مِنْ صَاعِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rوَإِذَا كَانَ الصَّاعُ خَمْسَةَ أَرْطَالٍ وَثُلُثًا مِنْ الْبَرّ وَالْعَدَسِ ، وَهُمَا مِنْ أَثْقَلِ الْحُبُوبِ ، فَمَا عَدَاهُمَا مِنْ أَجْنَاسِ الْفِطْرَةِ أَخَفُّ مِنْهُمَا ، فَإِذَا أَخْرَجَ مِنْهُمَا خَمْسَةَ أَرْطَالٍ وَثُلُثًا ، فَهِيَ أَكْثَرُ مِنْ صَاعٍ .\rوَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ : إنْ أَخْرَجَ خَمْسَةَ أَرْطَالٍ وَثُلُثًا بُرًّا ، لَمْ يُجْزِهِ .\rلِأَنَّ الْبُرَّ يَخْتَلِفُ ، فَيَكُونُ فِيهِ الثَّقِيلُ وَالْخَفِيفُ .\rوَقَالَ الطَّحَاوِيُّ : يُخْرِجَ خَمْسَةَ أَرْطَالٍ مِمَّا سَوَاءٌ كَيْلُهُ وَوَزْنُهُ ، وَهُوَ الزَّبِيبُ وَالْمَاشُ .\rوَمُقْتَضَى كَلَامِهِ أَنَّهُ إذَا أَخْرَجَ ثَمَانِيَةَ أَرْطَالٍ مِمَّا هُوَ أَثْقَلُ مِنْهَا لَمْ يُجْزِئْهُ ، حَتَّى يَزِيدَ شَيْئًا ، يَعْلَمُ أَنَّهُ قَدْ بَلَغَ صَاعًا .\rوَالْأَوْلَى لِمَنْ أَخْرَجَ مِنْ الثَّقِيلِ بِالْوَزْنِ أَنْ يَحْتَاطَ ، فَيَزِيدَ شَيْئًا يَعْلَمُ بِهِ أَنَّهُ لِمَنْ أَخْرَجَ صَاعًا بِالرِّطْلِ الدِّمَشْقِيِّ ، الَّذِي هُوَ سِتُّمِائَةِ دِرْهَمٍ مُدٌّ وَسُبْعٌ ، وَالسُّبْعُ أُوقِيَّةٍ وَخَمْسَةُ أَسْبَاعِ أُوقِيَّةٍ ، وَقَدْرُ ذَلِكَ بِالدَّرَاهِمِ","part":5,"page":475},{"id":2475,"text":"سِتُّمِائَةِ دِرْهَمٍ وَيُجْزِئُ إخْرَاجُ رِطْلٍ بِالدِّمَشْقِيِّ مِنْ جَمِيعِ الْأَجْنَاسِ ؛ لِأَنَّهُ أَكْبَرُ مِنْ الصَّاعِ ، وَقَدْ رَأَيْت مُدًّا ذُكِرَ لَنَا أَنَّهُ مُدُّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُدِّرَ الْمُدُّ الدِّمَشْقِيُّ بِهِ ، فَكَانَ الْمُدُّ الدِّمَشْقِيُّ قَرِيبًا مِنْ خَمْسَةِ أَمْدَادٍ","part":5,"page":476},{"id":2476,"text":"( 1957 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : مِنْ كُلِّ حَبَّةٍ وَثَمَرَةٍ تُقْتَاتُ يَعْنِي عِنْدَ عَدَمِ الْأَجْنَاسِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهَا ، يُجْزِئُهُ كُلُّ مُقْتَاتٍ مِنْ الْحُبُوبِ وَالثِّمَارِ .\rوَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ الْمُقْتَاتُ مِنْ غَيْرِهَا ، كَاللَّحْمِ وَاللَّبَنِ .\rوَقَالَ أَبُو بَكْرٍ يُعْطِي مَا قَامَ مَقَامَ الْأَجْنَاسِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهَا عِنْدَ عَدَمِهَا .\rوَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ : يُجْزِئُهُ عِنْدَ عَدَمِهَا الْإِخْرَاجُ مِمَّا يَقْتَاتُهُ ، كَالذُّرَةِ وَالدُّخْنِ ، وَلُحُومِ الْحِيتَانِ وَالْأَنْعَامِ ، وَلَا يَرُدُّونَ إلَى أَقْرَبِ قُوتِ الْأَمْصَارِ","part":5,"page":477},{"id":2477,"text":"( 1958 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ وَإِنْ أَعْطَى أَهْلُ الْبَادِيَةِ الْأَقِطَ صَاعًا ، أَجْزَأَ إذَا كَانَ قُوتَهُمْ ، أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ يُوجِبُونَ صَدَقَةَ الْفِطْرِ عَلَى أَهْلِ الْبَادِيَةِ .\rرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ الزُّبَيْرِ ، وَبِهِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ، وَالْحَسَنُ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَقَالَ عَطَاءٌ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَرَبِيعَةُ : لَا صَدَقَةَ عَلَيْهِمْ .\rوَلَنَا ، عُمُومُ الْحَدِيثِ ، وَلِأَنَّهَا زَكَاةٌ ، فَوَجَبَتْ عَلَيْهِمْ كَزَكَاةِ الْمَالِ ، وَلِأَنَّهُمْ مُسْلِمُونَ ، فَيَجِبُ عَلَيْهِمْ صَدَقَةُ الْفِطْرِ كَغَيْرِهِمْ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّهُ يُجْزِئُ أَهْلَ الْبَادِيَةِ إخْرَاجُ الْأَقِطِ إذَا كَانَ قُوتَهُمْ .\rوَكَذَلِكَ مِنْ لَمْ يَجِدْ مِنْ الْأَصْنَافِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهَا سِوَاهُ .\rفَأَمَّا مَنْ وَجَدَ سِوَاهُ فَهَلْ يُجْزِئُ ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ : إحْدَاهُمَا ، يُجْزِئُهُ أَيْضًا ؛ لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ ، وَفِي بَعْضِ أَلْفَاظِهِ قَالَ { فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَدَقَةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ ، أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ أَقِطٍ .\r} أَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ .\rوَالثَّانِيَة ، لَا يُجْزِئُهُ ؛ لِأَنَّهُ جِنْسٌ لَا تَجِبُ الزَّكَاةُ فِيهِ ، فَلَا يُجْزِئُ إخْرَاجُهُ لِمَنْ يَقْدِرُ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ الْأَجْنَاسِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهَا كَاللَّحْمِ .\rوَيُحْمَلُ الْحَدِيثُ عَلَى مَنْ هُوَ قُوتٌ لَهُ ، أَوْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى غَيْرِهِ ، فَإِنْ قَدَرَ عَلَى غَيْرِهِ مَعَ كَوْنِهِ قُوتًا لَهُ ، فَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ جَوَازُ إخْرَاجِهِ .\rوَإِنْ قَدَرَ عَلَى غَيْرِهِ سَوَاءٌ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ أَوْ لَمْ يَكُنْ ؛ لِأَنَّ الْحَدِيثَ لَمْ يُفَرِّقْ .\rوَقَوْلُ أَبِي سَعِيدٍ : كُنَّا نُخْرِجُ صَاعًا مِنْ أَقِطٍ ، وَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْأَمْصَارِ ، وَإِنَّمَا خَصَّ أَهْلَ الْبَادِيَةِ بِالذِّكْرِ ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّهُ لَا يَقْتَاتُهُ غَيْرُهُمْ .\rوَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : لَا يُجْزِئُ إخْرَاجُ الْأَقِطِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى مَا سِوَاهُ","part":5,"page":478},{"id":2478,"text":"فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ .\rوَظَاهِرُ الْحَدِيثِ يَدُلُّ عَلَى خِلَافِهِ .\rوَذَكَرِ الْقَاضِي أَنَّهُ إذَا عَدِمَ الْأَقِطَ ، وَقُلْنَا لَهُ إخْرَاجُهُ ، جَازَ إخْرَاجُ اللَّبَنِ ؛ لِأَنَّهُ أَكْمَلُ مِنْ الْأَقِطِ ، لِأَنَّهُ يَجِيءُ مِنْهُ الْأَقِطُ وَغَيْرُهُ .\rوَحَكَاهُ أَبُو ثَوْرٍ ، عَنْ الشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ الْحَسَنُ : إنْ لَمْ يَكُنْ بُرٌّ وَلَا شَعِيرٌ أَخْرَجَ صَاعًا مِنْ لَبَنٍ .\rوَظَاهِرُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ اللَّبَنُ بِحَالٍ ؛ لِقَوْلِهِ : مِنْ كُلِّ حَبَّةٍ أَوْ ثَمَرَةٍ تُقْتَاتُ .\rوَقَدْ حَمَلْنَا ذَلِكَ عَلَى حَالَةِ الْعَدَمِ .\rوَلَا يَصِحُّ مَا ذَكَرُوهُ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ أَكْمَلَ مِنْ الْأَقِطِ ، لَجَازَ إخْرَاجُهُ مَعَ وُجُودِهِ ، وَلِأَنَّ الْأَقِطَ أَكْمَلُ مِنْ اللَّبَنِ مِنْ وَجْهٍ ؛ لِأَنَّهُ بَلَغَ حَالَةَ الِادِّخَارِ وَهُوَ جَامِدٌ ، بِخِلَافِ اللَّبَنِ ، لَكِنْ يَكُونُ حُكْمُ اللَّبَنِ حُكْمَ اللَّحْمِ ، يُجْزِئُ إخْرَاجُهُ عِنْدَ عَدَمِ الْأَصْنَافِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهَا عَلَى قَوْلِ ابْنِ حَامِدٍ ، وَمَنْ وَافَقَهُ .\rوَكَذَلِكَ الْجُبْنُ وَمَا أَشْبَهَهُ","part":5,"page":479},{"id":2479,"text":"مَسْأَلَةٌ : قَالَ : وَاخْتِيَارُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ إخْرَاجُ التَّمْرِ .\rوَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : وَاسْتَحَبَّ مَالِكٌ إخْرَاجَ الْعَجْوَةِ مِنْهُ .\rوَاخْتَارَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ إخْرَاجَ الْبُرِّ .\rوَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ : يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الشَّافِعِيُّ قَالَ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الْبُرَّ كَانَ أَغْلَى فِي وَقْتِهِ وَمَكَانِهِ لِأَنَّ الْمُسْتَحَبَّ أَنْ يُخْرِجَ أَغْلَاهَا ثَمَنًا وَأَنْفَسَهَا ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ سُئِلَ عَنْ أَفْضَلِ الرِّقَابِ ، فَقَالَ : { أَغْلَاهَا ثَمَنًا وَأَنْفَسُهَا عِنْدَ أَهْلِهَا } وَإِنَّمَا اخْتَارَ أَحْمَدُ إخْرَاجَ التَّمْر اقْتِدَاءً بِأَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاتِّبَاعًا لَهُ .\rوَرَوَى بِإِسْنَادِهِ ، عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ ، قَالَ : قُلْت لِابْنِ عُمَرَ : { إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إنَّ اللَّهَ قَدْ أَوْسَعَ ، وَالْبُرُّ أَفْضَلُ مِنْ التَّمْرِ } قَالَ : إنَّ أَصْحَابِي سَلَكُوا طَرِيقًا ، وَأَنَا أُحِبُّ أَنَّ أَسْلُكَهُ .\rوَظَاهِرُ هَذَا أَنَّ جَمَاعَةَ الصَّحَابَةِ كَانُوا يُخْرِجُونَ التَّمْرَ فَأَحَبَّ ابْنُ عُمَرَ مُوَافَقَتَهُمْ ، وَسُلُوكَ طَرِيقَتِهِمْ ، وَأَحَبَّ أَحْمَدُ ، أَيْضًا الِاقْتِدَاءَ بِهِمْ وَاتِّبَاعَهُمْ .\rوَرَوَى الْبُخَارِيُّ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، أَنَّهُ قَالَ : { فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَدَقَةَ الْفِطْرِ ، صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ ، فَعَدَلَ النَّاسُ بِهِ صَاعًا مِنْ بُرٍّ .\r} فَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يُخْرِجُ التَّمْرَ ، فَأَعْوَزَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ مِنْ التَّمْرِ ، فَأَعْطَى شَعِيرًا .\rوَلِأَنَّ التَّمْرَ فِيهِ قُوَّةٌ وَحَلَاوَةٌ وَهُوَ أَقْرَبُ تَنَاوُلًا وَأَقَلُّ كُلْفَةً ، فَكَانَ أَوْلَى ( 1960 ) فَصْلٌ : وَالْأَفْضَلُ بَعْدَ التَّمْرِ الْبُرُّ .\rوَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا : الْأَفْضَلُ بَعْدَهُ الزَّبِيبُ ؛ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ تَنَاوُلًا وَأَقَلُّ كُلْفَةً فَأَشْبَهَ التَّمْرَ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الْبُرَّ أَنْفَعُ فِي الِاقْتِيَاتِ ، وَأَبْلَغُ فِي دَفْعِ حَاجَةِ","part":5,"page":480},{"id":2480,"text":"الْفَقِيرِ .\rوَكَذَلِكَ قَالَ أَبُو مِجْلَزٍ لِابْنِ عُمَرَ : الْبُرُّ أَفْضَلُ مِنْ التَّمْرِ .\rيَعْنِي أَنْفَعُ وَأَكْثَرُ قِيمَةً .\rوَلَمْ يُنْكِرْهُ ابْنُ عُمَرَ وَإِنَّمَا عَدَلَ عَنْهُ اتِّبَاعًا لِأَصْحَابِهِ ، وَسُلُوكًا لِطَرِيقَتِهِمْ .\rوَلِهَذَا عَدَلَ نِصْفَ صَاعٍ مِنْهُ بِصَاعٍ مِنْ غَيْرِهِ .\rوَقَالَ مُعَاوِيَةُ : إنِّي لَأَرَى مُدَّيْنِ مِنْ سَمْرَاءِ الشَّامِ يَعْدِلُ صَاعًا مِنْ التَّمْرِ .\rفَأَخَذَ النَّاسُ بِهِ ، وَتَفْضِيلُ التَّمْرِ إنَّمَا كَانَ لِاتِّبَاعِ الصَّحَابَةِ ، فَفِيمَا عَدَاهُ يَبْقَى عَلَى مُقْتَضَى الدَّلِيلِ فِي تَفْضِيلِ الْبُرِّ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْأَفْضَلُ بَعْدَ التَّمْرِ مَا كَانَ أَعْلَى قِيمَةً وَأَكْثَرَ نَفْعًا","part":5,"page":481},{"id":2481,"text":"( 1961 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : وَمَنْ قَدَرَ عَلَى التَّمْرِ ، أَوْ الزَّبِيبِ ، أَوْ الْبُرِّ ، أَوْ الشَّعِيرِ ، أَوْ الْأَقِطِ فَأَخْرَجَ غَيْرَهُ لَمْ يُجْزِهِ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ الْعُدُولُ عَنْ هَذِهِ الْأَصْنَافِ ، مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهَا سَوَاءٌ كَانَ الْمَعْدُولُ إلَيْهِ قُوتَ بَلَدِهِ أَوْ لَمْ يَكُنْ .\rوَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : يَتَوَجَّهُ قَوْلٌ آخَرُ أَنَّهُ يُعْطِي مَا قَامَ مَقَامَ الْخَمْسَةِ ، عَلَى ظَاهِرِ الْحَدِيثِ ، صَاعًا مِنْ طَعَامٍ وَالطَّعَامُ قَدْ يَكُونُ الْبُرَّ وَالشَّعِيرَ وَمَا دَخَلَ فِي الْكَيْلِ .\rقَالَ وَكِلَا الْقَوْلَيْنِ مُحْتَمَلٌ ، وَأَقْيَسُهُمَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ غَيْرُ الْخَمْسَةِ ، إلَّا أَنْ يَعْدَمَهَا ، فَيُعْطِيَ مَا قَامَ مَقَامَهَا .\rوَقَالَ مَالِكٌ : يُخْرِجُ مِنْ غَالِبِ قُوتِ الْبَلَدِ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : أَيُّ قُوتٍ كَانَ الْأَغْلَبَ عَلَى الرَّجُلِ ، أَدَّى الرَّجُلُ زَكَاةَ الْفِطْرِ مِنْهُ وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُهُ ؛ فَمِنْهُمْ مِنْ قَالَ بُقُولِ مَالِكٍ ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : الِاعْتِبَارُ بِغَالِبِ قُوتِ الْمُخْرِجِ ، ثُمَّ إنْ عَدَلَ عَنْ الْوَاجِبِ إلَى أَعْلَى مِنْهُ ، جَازَ ، وَإِنْ عَدَلَ إلَى دُونِهِ ، فَفِيهِ قَوْلَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، يَجُوزُ ؛ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ { اغْنُوهُمْ عَنْ الطَّلَبِ } وَالْغِنَى يَحْصُلُ بِالْقُوتِ وَالثَّانِي ، لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ عَدَلَ عَنْ الْوَاجِبِ إلَى أَدْنَى مِنْهُ ، فَلَمْ يُجْزِئْهُ ، كَمَا لَوْ عَدَلَ عَنْ الْوَاجِبِ فِي زَكَاةِ الْمَالِ إلَى أَدْنَى مِنْهُ .\rوَلَنَا ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَضَ صَدَقَةَ الْفِطْرِ أَجْنَاسًا مَعْدُودَةً ، فَلَمْ يَجُزْ الْعُدُولُ عَنْهَا ، كَمَا لَوْ أَخْرَجَ الْقِيمَةَ وَذَلِكَ لِأَنَّ ذِكْرَ الْأَجْنَاسِ بَعْدَ ذِكْرِهِ الْفَرْضَ تَفْسِيرٌ لِلْمَفْرُوضِ ، فَمَا أُضِيفَ إلَى الْمُفَسَّرِ يَتَعَلَّقُ بِالتَّفْسِيرِ ، فَتَكُونُ هَذِهِ الْأَجْنَاسُ مَفْرُوضَةً فَيَتَعَيَّنُ الْإِخْرَاجُ مِنْهَا ، وَلِأَنَّهُ إذَا أَخْرَجَ غَيْرَهَا عَدَلَ عَنْ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ ، فَلَمْ يُجْزِ ، كَإِخْرَاجِ الْقِيمَةِ ، وَكَمَا لَوْ أَخْرَجَ عَنْ زَكَاةِ الْمَالِ مِنْ","part":5,"page":482},{"id":2482,"text":"غَيْرِ جِنْسِهِ ، وَالْإِغْنَاءُ يَحْصُلُ بِالْإِخْرَاجِ مِنْ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ ، فَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ الْخَبَرَيْنِ ؛ لِكَوْنِهِمَا جَمِيعًا يَدُلَّانِ عَلَى وُجُوبِ الْإِغْنَاءِ بِأَدَاءِ أَحَدِ الْأَجْنَاسِ الْمَفْرُوضَةِ .","part":5,"page":483},{"id":2483,"text":"( 1962 ) فَصْلٌ : وَالسُّلْتُ نَوْعٌ مِنْ الشَّعِيرِ ، فَيَجُوزُ إخْرَاجُهُ ؛ لِدُخُولِهِ فِي الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ ، وَقَدْ صُرِّحَ بِذِكْرِهِ فِي بَعْضِ أَلْفَاظِ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ { كَانَ النَّاسُ يُخْرِجُونَ صَدَقَةَ الْفِطْرِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ أَقِطٍ ، أَوْ صَاعًا مِنْ سُلْتٍ .\r} وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ ، قَالَ { لَمْ نُخْرِجْ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَّا صَاعًا مِنْ تَمْرٍ ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ أَوْ صَاعًا مِنْ دَقِيقٍ أَوْ صَاعًا مِنْ أَقِطٍ ، أَوْ صَاعًا مِنْ سُلْتٍ .\r} قَالَ : ثُمَّ شَكَّ فِيهِ سُفْيَانُ بَعْدُ ، فَقَالَ { دَقِيقٍ أَوْ سُلْتٍ } .\rرَوَاهُمَا النَّسَائِيّ .","part":5,"page":484},{"id":2484,"text":"( 1963 ) فَصْلٌ : وَيَجُوزُ إخْرَاجُ الدَّقِيقِ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ وَكَذَلِكَ السَّوِيقُ ، قَالَ أَحْمَدُ : وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ سَوِيقٍ أَوْ دَقِيقٍ .\rوَقَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ : لَا يُجْزِئُ إخْرَاجُهُمَا ؛ لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ؛ وَلِأَنَّ مَنَافِعَهُ نَقَصَتْ فَهُوَ كَالْخُبْزِ .\rوَلَنَا : حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ ، وَقَوْلُهُ فِيهِ : { أَوْ صَاعًا مِنْ دَقِيقٍ } وَلِأَنَّ الدَّقِيقَ وَالسَّوِيقَ أَجْزَاءُ الْحَبِّ بَحْتًا يُمْكِنُ كَيْلُهُ وَادِّخَارُهُ ، فَجَازَ إخْرَاجُهُ ، كَمَا قَبْلَ الطَّحْنِ ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الطَّحْنَ إنَّمَا فَرَّقَ أَجْزَاءَهُ ، وَكَفَى الْفَقِيرَ مُؤْنَتَهُ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ نَزَعَ نَوَى التَّمْرِ ثُمَّ أَخْرَجَهُ .\rوَيُفَارِقُ الْخُبْزَ وَالْهَرِيسَةَ والكبولا ؛ لِأَنَّ مَعَ أَجْزَاءِ الْحَبِّ فِيهَا مِنْ غَيْرِهِ ، وَقَدْ خَرَجَ عَنْ حَالِ الِادِّخَارِ وَالْكَيْلِ ، وَالْمَأْمُورُ بِهِ صَاعٌ ، وَهُوَ مَكِيلٌ ، وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ لَمْ يَقْتَضِ مَا ذَكَرُوهُ ، وَلَمْ يَعْمَلُوا بِهِ .","part":5,"page":485},{"id":2485,"text":"( 1964 ) فَصْلٌ : وَلَا يَجُوزُ إخْرَاجُ الْخُبْزِ ؛ لِأَنَّهُ خَرَجَ عَنْ الْكَيْلِ وَالِادِّخَارِ .\rوَلَا الْهَرِيسَةِ وَالْكُبُولَا وَأَشْبَاهِهِمَا ؛ لِذَلِكَ ، وَلَا الْخَلِّ وَلَا الدِّبْسِ ؛ لِأَنَّهُمَا لَيْسَا قُوتًا ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُخْرِجَ حَبًّا مَعِيبًا ، كَالْمَسُوسِ وَالْمَبْلُولِ ، وَلَا قَدِيمًا تَغَيَّرَ طَعْمُهُ ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى { : وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ } ، فَإِنْ كَانَ الْقَدِيمُ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ ، إلَّا أَنَّ الْحَدِيثَ أَكْثَرُ قِيمَةً مِنْهُ ، جَازَ إخْرَاجُهُ ؛ لِعَدَمِ الْعَيْبِ فِيهِ ، وَالْأَفْضَلُ إخْرَاجُ الْأَجْوَدِ .\rقَالَ أَحْمَدُ : كَانَ ابْنُ سِيرِينَ يُحِبُّ أَنْ يُنَقِّيَ الطَّعَامَ ، وَهُوَ أَحَبُّ إلَيَّ لِيَكُونَ عَلَى الْكَمَالِ ، وَيَسْلَمَ مِمَّا يُخَالِطُهُ مِنْ غَيْرِهِ فَإِنْ كَانَ الْمُخَالِطُ لَهُ يَأْخُذُ حَظًّا مِنْ الْمِكْيَالِ ، وَكَانَ كَثِيرًا بِحَيْثُ يُعَدُّ عَيْبًا فِيهِ ، لَمْ يُجْزِئْهُ ، وَإِنْ لَمْ يَكْثُرْ ، جَازَ إخْرَاجُهُ إذَا زَادَ عَلَى الصَّاعِ قَدْرًا يَزِيدُ عَلَى مَا فِيهِ مِنْ غَيْرِهِ ، حَتَّى يَكُونَ الْمُخْرَجُ صَاعًا كَامِلًا","part":5,"page":486},{"id":2486,"text":"( 1965 ) فَصْلٌ : وَمِنْ أَيِّ الْأَصْنَافِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهَا أَخْرَجَ جَازَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قُوتًا لَهُ ، وَقَالَ مَالِكٌ : يُخْرِجُ مِنْ غَالِبِ قُوتِ الْبَلَدِ وَذَكَرْنَا قَوْلَ الشَّافِعِيِّ .\rوَلَنَا : أَنَّ خَبَرَ الصَّدَقَةِ وَرَدَ بِحَرْفِ التَّخْيِيرِ بَيْنَ هَذِهِ الْأَصْنَافِ ، فَوَجَبَ التَّخْيِيرُ فِيهِ ، وَلِأَنَّهُ عَدَلَ إلَى مَنْصُوصٍ عَلَيْهِ ، فَجَازَ ، كَمَا لَوْ عَدَلَ إلَى الْأَعْلَى ، وَالْغِنَى يَحْصُلُ بِدَفْعِ قُوتٍ مِنْ الْأَجْنَاسِ ، وَيَدُلُّ عَلَى مَا ذَكَرْنَا أَنَّهُ خَيَّرَ بَيْنَ التَّمْرِ وَالزَّبِيبِ وَالْأَقِطِ ، قُوتًا لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ أَنْ يَكُونَ قُوتًا لِلْمُخْرِجِ .","part":5,"page":487},{"id":2487,"text":"( 1966 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَمَنْ أَعْطَى الْقِيمَةَ ، لَمْ تُجْزِئْهُ ) قَالَ أَبُو دَاوُد قِيلَ لِأَحْمَدَ وَأَنَا أَسْمَعُ : أُعْطِي دَرَاهِمَ - يَعْنِي فِي صَدَقَةِ الْفِطْرِ - قَالَ : أَخَافُ أَنْ لَا يُجْزِئَهُ خِلَافُ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rوَقَالَ أَبُو طَالِبٍ ، قَالَ لِي أَحْمَدُ لَا يُعْطِي قِيمَتَهُ ، قِيلَ لَهُ : قَوْمٌ يَقُولُونَ ، عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ كَانَ يَأْخُذُ بِالْقِيمَةِ ، قَالَ يَدَعُونَ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَقُولُونَ قَالَ فُلَانٌ ، قَالَ ابْنُ عُمَرَ : فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rوَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ } .\rوَقَالَ قَوْمٌ يَرُدُّونَ السُّنَنَ : قَالَ فُلَانٌ ، قَالَ فُلَانٌ .\rوَظَاهِرُ مَذْهَبِهِ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ إخْرَاجُ الْقِيمَةِ فِي شَيْءٍ مِنْ الزَّكَوَاتِ .\rوَبِهِ قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ وَقَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ : يَجُوزُ .\rوَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَالْحَسَنِ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ مِثْلُ قَوْلِهِمْ ، فِيمَا عَدَا الْفِطْرَةَ .\rوَقَالَ أَبُو دَاوُد : سُئِلَ أَحْمَدُ ، عَنْ رَجُلٍ بَاعَ ثَمَرَةَ نَخْلِهِ .\rقَالَ : عُشْرُهُ عَلَى الَّذِي بَاعَهُ .\rقِيلَ لَهُ : فَيُخْرِجُ ثَمَرًا ، أَوْ ثَمَنَهُ ؟ قَالَ : إنْ شَاءَ أَخْرَجَ ثَمَرًا ، وَإِنْ شَاءَ أَخْرَجَ مِنْ الثَّمَنِ .\rوَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ إخْرَاجِ الْقِيَمِ .\rوَوَجْهُهُ قَوْلُ مُعَاذٍ لِأَهْلِ الْيَمَنِ : ائْتُونِي بِخَمِيصٍ أَوْ لَبِيسٍ آخُذُهُ مِنْكُمْ ، فَإِنَّهُ أَيْسَرُ عَلَيْكُمْ ، وَأَنْفَعُ لِلْمُهَاجِرِينَ بِالْمَدِينَةِ .\rوَقَالَ سَعِيدٌ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو ، وَعَنْ طَاوُسٍ ، قَالَ لَمَّا قَدِمَ مُعَاذٌ الْيَمَنَ ، قَالَ : ائْتُونِي بِعَرْضِ ثِيَابٍ آخُذُهُ مِنْكُمْ مَكَانَ الذُّرَةِ وَالشَّعِيرِ ، فَإِنَّهُ أَهْوَنُ عَلَيْكُمْ وَخَيْرٌ لِلْمُهَاجِرِينَ ، بِالْمَدِينَةِ .\rقَالَ : وَحَدَّثَنَا جَرِيرٌ ، عَنْ لَيْثٍ ، عَنْ عَطَاءٍ ، قَالَ كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَأْخُذُ الْعُرُوضَ فِي الصَّدَقَةِ مِنْ","part":5,"page":488},{"id":2488,"text":"الدَّرَاهِمِ .\rوَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ دَفْعُ الْحَاجَةِ ، وَلَا يَخْتَلِفُ ذَلِكَ بَعْدَ اتِّحَادِ قَدْرِ الْمَالِيَّةِ بِاخْتِلَافِ صُوَرِ الْأَمْوَالِ وَلَنَا ، قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ : { فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَدَقَةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ ، وَصَاعًا مِنْ شَعِيرٍ } فَإِذَا عَدَلَ عَنْ ذَلِكَ فَقَدْ تَرَكَ الْمَفْرُوضَ .\rوَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { فِي أَرْبَعِينَ شَاةٍ شَاةٌ وَفِي مِائَتَيْ دِرْهَمٍ خَمْسَةُ دَرَاهِمَ } .\rوَهُوَ وَارِدٌ بَيَانًا لِمُجْمَلِ قَوْله تَعَالَى : { وَآتُوا الزَّكَاةَ } فَتَكُونُ الشَّاةُ الْمَذْكُورَةُ هِيَ الزَّكَاةُ الْمَأْمُورُ بِهَا ، وَالْأَمْرُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ .\rوَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَضَ الصَّدَقَةَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ ، وَأَمَرَ بِهَا أَنْ تُؤَدَّى ، فَفِي كِتَابِ أَبِي بَكْرٍ الَّذِي كَتَبَهُ فِي الصَّدَقَاتِ أَنَّهُ قَالَ : { هَذِهِ الصَّدَقَةُ الَّتِي فَرَضَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَأَمَرَ بِهَا أَنْ تُؤَدَّى .\rوَكَانَ فِيهِ : فِي خَمْسٍ وَعِشْرِينَ مِنْ الْإِبِلِ بِنْتُ مَخَاضٍ ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ بِنْتُ مَخَاضٍ ، فَابْنُ لَبُونٍ ذَكَرٌ ، } وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ عَيْنَهَا لِتَسْمِيَتِهِ إيَّاهَا .\rوَقَوْلُهُ : { فَإِنْ لَمْ تَكُنْ بِنْتُ مَخَاضٍ فَابْنُ لَبُونٍ ذَكَرٌ .\r} وَلَوْ أَرَادَ الْمَالِيَّةَ أَوْ الْقِيمَةَ لَمْ يَجُزْ ؛ لِأَنَّ خَمْسًا وَعِشْرِينَ لَا تَخْلُو عَنْ مَالِيَّةِ بِنْتِ مَخَاضٍ ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ : فَابْنُ لَبُونٍ ذَكَرٌ فَإِنَّهُ لَوْ أَرَادَ الْمَالِيَّةَ لَلَزِمَهُ مَالِيَّةُ بِنْتِ مَخَاضٍ ، دُونَ مَالِيَّةِ ابْنِ لَبُونٍ .\rوَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد ، وَابْنُ مَاجَهْ ، بِإِسْنَادِهِمَا ، عَنْ { مُعَاذٍ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَهُ إلَى الْيَمَنِ ، فَقَالَ خُذْ الْحَبَّ مِنْ الْحَبِّ ، وَالشَّاةَ مِنْ الْغَنَمِ ، وَالْبَعِيرَ مِنْ الْإِبِلِ وَالْبَقَرَ مِنْ الْبَقَرِ .\r} وَلِأَنَّ الزَّكَاةَ وَجَبَتْ لِدَفْعِ حَاجَةِ الْفَقِيرِ ، وَشُكْرًا لِنِعْمَةِ الْمَالِ ، وَالْحَاجَاتُ مُتَنَوِّعَةٌ ، فَيَنْبَغِي","part":5,"page":489},{"id":2489,"text":"أَنْ يَتَنَوَّعَ الْوَاجِبُ لِيَصِلَ إلَى الْفَقِيرِ مِنْ كُلِّ نَوْعٍ مَا تَنْدَفِعُ بِهِ حَاجَتُهُ ، وَيَحْصُلُ شُكْرُ النِّعْمَةِ بِالْمُوَاسَاةِ مِنْ جِنْسِ مَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِهِ ، وَلِأَنَّ مُخْرِجَ الْقِيمَةِ قَدْ عَدَلَ عَنْ الْمَنْصُوصِ ، فَلَمْ يُجْزِئْهُ ، كَمَا لَوْ أَخْرَجَ الرَّدِيءَ مَكَانَ الْجَيِّدِ ، وَحَدِيثُ مُعَاذٍ ، الَّذِي رَوَوْهُ فِي الْجِزْيَةِ ، بِدَلِيلِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَهُ بِتَفْرِيقِ الصَّدَقَةِ فِي فُقَرَائِهِمْ ، وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِحَمْلِهَا إلَى الْمَدِينَة .\rوَفِي حَدِيثِهِ هَذَا : فَإِنَّهُ أَنْفَعُ لِلْمُهَاجِرِينَ بِالْمَدِينَةِ .","part":5,"page":490},{"id":2490,"text":"( 1967 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : وَيُخْرِجُهَا إذَا خَرَجَ إلَى الْمُصَلَّى الْمُسْتَحَبُّ إخْرَاجُ صَدَقَةِ الْفِطْرِ يَوْمَ الْفِطْرِ قَبْلَ الصَّلَاةِ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِهَا أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إلَى الصَّلَاةِ .\rفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ : { مَنْ أَدَّاهَا قَبْلَ الصَّلَاةِ فَهِيَ زَكَاةٌ مَقْبُولَةٌ ، وَمَنْ أَدَّاهَا بَعْدَ الصَّلَاةِ فَهِيَ صَدَقَةٌ مِنْ الصَّدَقَاتِ } .\rفَإِنْ أَخَّرَهَا عَنْ الصَّلَاةِ تَرَكَ الْأَفْضَلَ ، لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ السُّنَّةِ ، وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهَا الْإِغْنَاءُ عَنْ الطَّوَافِ وَالطَّلَبِ فِي هَذَا الْيَوْمِ ، فَمَتَى أَخَّرَهَا لَمْ يَحْصُلْ إغْنَاؤُهُمْ فِي جَمِيعِهِ ، لَا سِيَّمَا فِي وَقْتِ الصَّلَاةِ .\rوَمَالَ إلَى هَذَا الْقَوْلِ ، عَطَاءٌ ، وَمَالِكٌ ، وَمُوسَى بْنُ وَرْدَانَ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : إذَا أَخْرَجَهَا فِي بَقِيَّةِ الْيَوْمِ لَمْ يَكُنْ فَعَلَ مَكْرُوهًا ؛ لِحُصُولِ الْغَنَاء بِهَا فِي الْيَوْمِ .\rقَالَ سَعِيدٌ : حَدَّثَنَا أَبُو مَعْشَرٍ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ : أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ نُخْرِجَ .\rوَذَكَرَ الْحَدِيثَ .\rقَالَ : فَكَانَ يُؤْمَرُ أَنْ يُخْرِجَ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ ، فَإِذَا انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَسَمَهُ بَيْنَهُمْ ، وَقَالَ : أَغْنَوْهُمْ عَنْ الطَّلَبِ فِي هَذَا الْيَوْمِ .\rوَقَدْ ذَكَرْنَا مِنْ الْخَبَرِ وَالْمَعْنَى مَا يَقْتَضِي الْكَرَاهَةَ ؛ فَإِنْ أَخَّرَهَا عَنْ يَوْمِ الْعِيدِ أَثِمَ وَلَزِمَهُ الْقَضَاءُ .\rوَحُكِيَ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ ، وَالنَّخَعِيِّ ، الرُّخْصَةُ فِي تَأْخِيرِهَا عَنْ يَوْمِ الْعِيدِ وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الْكَحَّالُ ، قَالَ : قُلْت لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ : فَإِنْ أَخْرَجَ الزَّكَاةَ ، وَلَمْ يُعْطِهَا .\rقَالَ : نَعَمْ ، إذَا أَعَدَّهَا لِقَوْمٍ .\rوَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ أَحْمَدَ ، وَاتِّبَاعُ السُّنَّةِ أَوْلَى .","part":5,"page":491},{"id":2491,"text":"( 1968 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا وَقْتُ الْوُجُوبِ فَهُوَ وَقْتُ غُرُوبِ الشَّمْسِ مِنْ آخِرِ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ ، فَإِنَّهَا تَجِبُ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ مِنْ آخِرِ شَهْرِ رَمَضَانَ .\rفَمَنْ تَزَوَّجَ أَوْ مَلَكَ عَبْدًا ، أَوْ وُلِدَ لَهُ وَلَدٌ أَوْ أَسْلَمَ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ ، فَعَلَيْهِ الْفِطْرَةُ .\rوَإِنْ كَانَ بَعْدَ الْغُرُوبِ ، لَمْ تَلْزَمْهُ .\rوَلَوْ كَانَ حِينَ الْوُجُوبِ مُعْسِرًا ، ثُمَّ أَيْسَرَ فِي لَيْلَتِهِ تِلْكَ أَوْ فِي يَوْمِهِ ، لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ فِي وَقْتِ الْوُجُوبِ مُوسِرًا ، ثُمَّ أَعْسَرَ ، لَمْ تَسْقُطْ عَنْهُ اعْتِبَارًا بِحَالَةِ الْوُجُوبَ .\rوَمِنْ مَاتَ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ لَيْلَةَ الْفِطْرِ ، فَعَلَيْهِ صَدَقَةُ الْفِطْرِ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .\rوَبِمَا ذَكَرْنَا فِي وَقْتِ الْوُجُوبِ قَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَمَالِكٌ ، فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ ، وَالشَّافِعِيُّ ، فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ .\rوَقَالَ اللَّيْثُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ : تَجِبُ بِطُلُوعِ الْفَجْرِ يَوْمَ الْعِيدِ .\rوَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ مَالِكٍ ؛ لِأَنَّهَا قُرْبَةٌ تَتَعَلَّقُ بِالْعِيدِ ، فَلَمْ يَتَقَدَّمْ وُجُوبُهَا يَوْمَ الْعِيدِ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ مَالِكٍ كَالْأُضْحِيَّةِ .\rوَلَنَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ : { إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَضَ زَكَاةَ الْفِطْرِ طُهْرَةً لِلصَّائِمِ مِنْ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ } .\rوَلِأَنَّهَا تُضَافُ إلَى الْفِطْرِ ، فَكَانَتْ وَاجِبَةً بِهِ ، كَزَكَاةِ الْمَالِ ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْإِضَافَةَ دَلِيلُ الِاخْتِصَاصِ ، وَالسَّبَبُ أَخُصُّ بِحُكْمِهِ مِنْ غَيْرِهِ ، وَالْأُضْحِيَّةُ لَا تَعَلَّقَ لَهَا بِطُلُوعِ الْفَجْرِ وَلَا هِيَ وَاجِبَةٌ وَلَا تُشْبِهُ مَا نَحْنُ فِيهِ .\rفَعَلَى هَذَا إذَا غَرَبَتْ الشَّمْسُ ، وَالْعَبْدُ الْمَبِيعُ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ ، أَوْ وُهِبَ لَهُ عَبْدٌ فَقَبِلَهُ وَلَمْ يَقْبِضْهُ ، أَوْ اشْتَرَاهُ وَلَمْ يَقْبِضْهُ ، فَالْفِطْرَةُ عَلَى الْمُشْتَرِي وَالْمُتَّهِبِ ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ لَهُ ، وَالْفِطْرَةُ عَلَى الْمَالِكِ .\rوَلَوْ أَوْصَى لَهُ بِعَبْدٍ وَمَاتَ الْمُوصِي قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ ، فَلَمْ","part":5,"page":492},{"id":2492,"text":"يَقْبَلْ الْمُوصَى لَهُ حَتَّى غَابَتْ ، فَالْفِطْرَةُ عَلَيْهِ ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ ، وَالْآخَرُ عَلَى وَرَثَةِ الْمُوصِي ، بِنَاءً عَلَى الْوَجْهَيْنِ فِي الْمُوصَى بِهِ هَلْ يَنْتَقِلُ بِالْمَوْتِ أَوْ مِنْ حِينِ الْقَبُولِ ؟ وَلَوْ مَاتَ الْمُوصَى لَهُ قَبْلَ الرَّدِّ وَقَبْلَ الْقَبُولِ ، فَقَبِلَ وَرَثَتُهُ ، وَقُلْنَا بِصِحَّةِ قَبُولِهِمْ ، فَهَلْ تَكُونُ فِطْرَتُهُ عَلَى وَرَثَةِ الْمُوصِي ، أَوْ فِي تَرِكَةِ الْمُوصَى لَهُ ؟ وَجْهَيْنِ ؛ وَقَالَ الْقَاضِي : فِطْرَتُهُ فِي تَرِكَةِ الْمُوصَى لَهُ ؛ لِأَنَّنَا حَكَمْنَا بِانْتِقَالِ الْمِلْكِ مِنْ حِينِ الْقَبُولِ .\rوَلَوْ مَاتَ قَبْلَ الرَّدِّ وَقَبْلَ الْقَبُولِ ، فَإِنْ كَانَ مَوْتُهُ بَعْدَ هِلَالِ شَوَّالٍ ، فَفِطْرَةُ الْعَبْدِ فِي تَرِكَتِهِ ؛ لِأَنَّ الْوَرَثَةَ إنَّمَا قَبِلُوهُ لَهُ .\rوَإِنْ كَانَ مَوْتُهُ قَبْلَ هِلَالِ شَوَّالٍ ، فَفِطْرَتُهُ عَلَى الْوَرَثَةِ .\rوَلَوْ أَوْصَى لِرَجُلٍ بِرَقَبَةِ عَبْدٍ ، وَلِآخَرَ بِمَنْفَعَتِهِ ، فَقَبِلَا ، كَانَتْ الْفِطْرَةُ عَلَى مَالِكِ الرَّقَبَةِ ؛ لِأَنَّ الْفِطْرَةَ تَجِبُ بِالرَّقَبَةِ لَا بِالْمَنْفَعَةِ وَلِهَذَا تَجِبُ عَلَى مَنْ لَا نَفْعَ فِيهِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ حُكْمُهَا حُكْمَ نَفَقَتِهِ ، وَفِيهَا ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ ؛ أَحَدُهَا ، أَنَّهَا عَلَى مَالِكِ نَفْعِهِ .\rوَالثَّانِي : عَلَى مَالِكِ رَقَبَتِهِ .\rوَالثَّالِثُ : فِي كَسْبِهِ .","part":5,"page":493},{"id":2493,"text":"( 1969 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ وَإِنْ قَدَّمَهَا قَبْلَ ذَلِكَ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ ، أَجْزَأَهُ وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ يَجُوزُ تَقْدِيمُ الْفِطْرَةِ قَبْلَ الْعِيدِ بِيَوْمَيْنِ ، لَا يَجُوزُ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ .\rوَقَالَ ابْنُ عُمَرَ : كَانُوا يُعْطُونَهَا قَبْلَ الْفِطْرِ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا : يَجُوزُ تَعْجِيلُهَا مِنْ بَعْدِ نِصْفِ الشَّهْرِ ، كَمَا يَجُوزُ تَعْجِيلُ أَذَانِ الْفَجْرِ وَالدَّفْعِ مِنْ مُزْدَلِفَةَ بَعْدَ نِصْفِ اللَّيْلِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : وَيَجُوزُ تَعْجِيلُهَا مِنْ أَوَّلِ الْحَوْلِ ؛ لِأَنَّهَا زَكَاةٌ فَأَشْبَهَتْ زَكَاةَ الْمَالِ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يَجُوزُ مِنْ أَوَّلِ شَهْرِ رَمَضَانَ ؛ لِأَنَّ سَبَبَ الصَّدَقَةِ الصَّوْمُ وَالْفِطْرُ عَنْهُ ، فَإِذَا وُجِدَ أَحَدُ السَّبَبَيْنِ ، جَازَ تَعْجِيلُهَا ، كَزَكَاةِ الْمَالِ بَعْدَ مِلْكِ النِّصَابِ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى الْجُوزَجَانِيُّ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونُ .\rقَالَ : أَخْبَرَنَا أَبُو مَعْشَرٍ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْمُرُ بِهِ ، فَيُقْسَمُ - قَالَ يَزِيدُ أَظُنُّ : هَذَا يَوْمَ الْفِطْرِ - وَيَقُولُ أَغْنَوْهُمْ عَنْ الطَّوَافِ فِي هَذَا الْيَوْمِ \" .\rوَالْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ ، وَمَتَى قَدَّمَهَا بِالزَّمَانِ الْكَثِيرِ لَمْ يَحْصُلْ إغْنَاؤُهُمْ بِهَا يَوْمَ الْعِيدِ ، وَسَبَبُ وُجُوبِهَا الْفِطْرُ ؛ بِدَلِيلِ إضَافَتِهَا إلَيْهِ ، وَزَكَاةُ الْمَالِ سَبَبُهَا مِلْكُ النِّصَابِ ، وَالْمَقْصُودُ إغْنَاءُ الْفَقِيرِ بِهَا فِي الْحَوْلِ كُلِّهِ فَجَازَ إخْرَاجُهَا فِي جَمِيعِهِ ، وَهَذِهِ الْمَقْصُودُ مِنْهَا الْإِغْنَاءُ فِي وَقْتٍ مَخْصُوصٍ فَلَمْ يَجُزْ تَقْدِيمُهَا قَبْلَ الْوَقْتِ .\rفَأَمَّا تَقْدِيمُهَا بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ فَجَائِزٌ ؛ لِمَا رَوَى الْبُخَارِيُّ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ { : فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَدَقَةَ الْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ .\rوَقَالَ فِي آخِرِهِ : وَكَانُوا يُعْطُونَ قَبْلَ الْفِطْرِ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ } وَهَذَا إشَارَةٌ إلَى جَمِيعِهِمْ ، فَيَكُونُ إجْمَاعًا ،","part":5,"page":494},{"id":2494,"text":"وَلِأَنَّ تَعْجِيلَهَا بِهَذَا الْقَدْرِ لَا يُخِلُّ بِالْمَقْصُودِ مِنْهَا ، فَإِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهَا تَبْقَى أَوْ بَعْضَهَا إلَى يَوْمِ الْعِيدِ ، فَيُسْتَغْنَى بِهَا عَنْ الطَّوَافِ وَالطَّلَبِ فِيهِ ، وَلِأَنَّهَا زَكَاةٌ ، فَجَازَ تَعْجِيلُهَا قَبْلَ وُجُوبِهَا ، كَزَكَاةِ الْمَالِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ","part":5,"page":495},{"id":2495,"text":"( 1970 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : وَيَلْزَمُهُ أَنْ يُخْرِجَ عَنْ نَفْسِهِ ، وَعَنْ عِيَالِهِ ، إذَا كَانَ عِنْدَهُ فَضْلٌ عَنْ قُوتِ يَوْمِهِ وَلَيْلَتِهِ .\rعِيَالُ الْإِنْسَانِ : مَنْ يَعُولُهُ .\rأَيْ يَمُونُهُ فَتَلْزَمُهُ فِطْرَتُهُمْ ، كَمَا تَلْزَمُهُ مُؤْنَتُهُمْ ، إذَا وَجَدَ مَا يُؤَدِّي عَنْهُمْ ؛ لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ، { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَضَ صَدَقَةَ الْفِطْرِ ، عَنْ كُلِّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ ، حُرٍّ وَعَبْدٍ ، مِمَّنْ تَمُونُونَ .\r} وَاَلَّذِي يَلْزَمُ الْإِنْسَانَ نَفَقَتُهُمْ وَفِطْرَتُهُمْ ثَلَاثَةُ أَصْنَافٍ : الزَّوْجَاتُ ، وَالْعَبِيدُ ، وَالْأَقَارِبُ .\rفَأَمَّا الزَّوْجَاتُ فَعَلَيْهِ فِطْرَتُهُنَّ .\rوَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ : لَا تَجِبُ عَلَيْهِ فِطْرَةُ امْرَأَتِهِ .\rوَعَلَى الْمَرْأَةِ فِطْرَةُ نَفْسِهَا ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { صَدَقَةُ الْفِطْرِ عَلَى كُلِّ ذَكَرٍ وَأُنْثَى } .\rوَلِأَنَّهَا زَكَاةٌ فَوَجَبَتْ عَلَيْهَا ، كَزَكَاةِ مَالِهَا .\rوَلَنَا ، الْخَبَرُ ، وَلِأَنَّ النِّكَاحَ سَبَبٌ تَجِبُ بِهِ النَّفَقَةُ ، فَوَجَبَتْ بِهِ الْفِطْرَةُ ، كَالْمِلْكِ وَالْقَرَابَةِ ، بِخِلَافِ زَكَاةِ الْمَالِ فَإِنَّهَا لَا تُتَحَمَّلُ بِالْمِلْكِ وَالْقَرَابَةِ ، فَإِنْ كَانَ لِامْرَأَتِهِ مَنْ يَخْدُمُهَا بِأُجْرَةٍ ، فَلَيْسَ عَلَى الزَّوْجِ فِطْرَتُهُ ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ الْأَجْرُ دُونَ النَّفَقَةِ .\rوَإِنْ كَانَ لَهَا نَظَرْت ، فَإِنْ كَانَتْ مِمَّنْ لَا يَجِبُ لَهَا خَادِمٌ ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ نَفَقَةُ خَادِمِهَا ، وَلَا فِطْرَتُهُ ، وَإِنْ كَانَتْ مِمَّنْ يُخْدَمُ مِثْلُهَا ، فَعَلَى الزَّوْجِ أَنْ يَخْدُمَهَا ، ثُمَّ هُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يَشْتَرِيَ لَهَا خَادِمًا ، أَوْ يَسْتَأْجِرَ أَوْ يُنْفِقَ عَلَى خَادِمِهَا ، فَإِنْ اشْتَرَى لَهَا خَادِمًا أَوْ اخْتَارَ الْإِنْفَاقَ عَلَى خَادِمِهَا فَعَلَيْهِ فِطْرَتُهُ ، وَإِنْ اسْتَأْجَرَ لَهَا خَادِمًا فَلَيْسَ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ وَلَا فِطْرَتُهُ ، سَوَاءٌ شَرَطَ عَلَيْهِ مُؤْنَتَهُ أَوْ لَمْ يَشْرِطْ ؛ لِأَنَّ الْمُؤْنَةَ إذَا","part":5,"page":496},{"id":2496,"text":"كَانَتْ أُجْرَةً فَهِيَ مِنْ مَالِ الْمُسْتَأْجِرِ .\rوَإِنْ تَبَرَّعَ بِالْإِنْفَاقِ عَلَى مِنْ لَا تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ مَنْ تَبَرَّعَ بِالْإِنْفَاقِ عَلَى أَجْنَبِيٍّ ، وَسَنَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .\rوَإِنْ نَشَزَتْ الْمَرْأَةُ فِي وَقْتِ الْوُجُوبِ ، فَفِطْرَتُهَا عَلَى نَفْسِهَا دُونَ زَوْجِهَا ؛ لِأَنَّ نَفَقَتَهَا لَا تَلْزَمُهُ .\rوَاخْتَارَ أَبُو الْخَطَّابِ أَنَّ عَلَيْهِ فِطْرَتَهَا ؛ لِأَنَّ الزَّوْجِيَّةَ ثَابِتَةٌ عَلَيْهَا فَلَزِمَتْهُ فِطْرَتُهَا كَالْمَرِيضَةِ الَّتِي لَا تَحْتَاجُ إلَى نَفَقَةٍ .\rوَالْأَوَّلُ : أَصَحُّ ؛ لِأَنَّ هَذِهِ مِمَّنْ لَا تَلْزَمُهُ مُؤْنَتُهُ ، فَلَا تَلْزَمُهُ فِطْرَتُهُ كَالْأَجْنَبِيَّةِ ، وَفَارَقَ الْمَرِيضَةَ ؛ لِأَنَّ عَدَمَ الْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا لِعَدَمِ الْحَاجَةِ ، لَا لِخَلَلٍ فِي الْمُقْتَضَى لَهَا ، فَلَا يَمْنَعُ ذَلِكَ مِنْ ثُبُوتِ تَبَعِهَا ، بِخِلَافِ النَّاشِزِ .\rوَكَذَلِكَ كُلُّ امْرَأَةٍ لَا يَلْزَمُهُ نَفَقَتُهَا ، كَغَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا إذَا لَمْ تُسَلَّمْ إلَيْهِ ، وَالصَّغِيرَةِ الَّتِي لَا يُمْكِنْ الِاسْتِمْتَاعُ بِهَا ، فَإِنَّهُ لَا تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهَا وَلَا فِطْرَتُهَا ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِمَّنْ يُمَوَّنُ .","part":5,"page":497},{"id":2497,"text":"( 1971 ) فَصْلٌ : وَأَمَّا الْعَبِيدُ فَإِنْ كَانُوا لِغَيْرِ التِّجَارَةِ ، فَعَلَى سَيِّدِهِمْ فِطْرَتُهُمْ .\rلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا .\rوَإِنْ كَانُوا لِلتِّجَارَةِ ، فَعَلَيْهِ أَيْضًا فِطْرَتُهُمْ .\rوَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ ، وَاللَّيْثُ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ .\rوَقَالَ عَطَاءٌ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ : لَا تَلْزَمُهُ فِطْرَتُهُمْ ؛ لِأَنَّهَا زَكَاةٌ وَلَا تَجِبُ فِي مَالٍ وَاحِدٍ زَكَاتَانِ ، وَقَدْ وَجَبَتْ فِيهِمْ زَكَاةُ التِّجَارَةِ ، فَيَمْتَنِعُ وُجُوبُ الزَّكَاةِ الْأُخْرَى ، كَالسَّائِمَةِ إذَا كَانَتْ لِلتِّجَارَةِ .\rوَلَنَا ، عُمُومُ الْأَحَادِيثِ وَقَوْلُ ابْنِ عُمَرَ : { فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَكَاةَ الْفِطْرِ عَلَى الْحُرِّ وَالْعَبْدِ } وَفِي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ : { أَلَا إنَّ صَدَقَةَ الْفِطْرِ وَاجِبَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ ، ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى ، حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ ، صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ } .\rوَلِأَنَّ نَفَقَتَهُمْ وَاجِبَةٌ فَوَجَبَتْ فِطْرَتُهُمْ ، كَعَبِيدِ الْقُنْيَةِ .\rأَوْ نَقُولُ مُسْلِمٌ تَجِبُ مُؤْنَتُهُ ، فَوَجَبَتْ فِطْرَتُهُ ، كَالْأَصْلِ ، وَزَكَاةُ الْفِطْرَةِ تَجِبُ عَلَى الْبَدَنِ ، وَلِهَذَا تَجِبُ عَلَى الْأَحْرَارِ ، وَزَكَاةُ التِّجَارَةِ تَجِبُ عَنْ الْقِيمَةِ ، وَهِيَ الْمَالُ بِخِلَافِ السَّوْمِ وَالتِّجَارَة ، فَإِنَّهُمَا يَجِبَانِ بِسَبَبِ مَالٍ وَاحِدٍ ، مَتَى كَانَ عَبِيدُ التِّجَارَةِ فِي يَدِ الْمُضَارِبِ وَجَبَتْ فِطْرَتُهُمْ مِنْ مَالِ الْمُضَارَبَةِ لِأَنَّ مُؤْنَتَهُمْ مِنْهَا .\rوَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ الشَّافِعِيِّ ، أَنَّهَا عَلَى رَبِّ الْمَالِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الْفِطْرَةَ تَابِعَةٌ لِلنَّفَقَةِ ، وَهِيَ مِنْ مَالِ الْمُضَارَبَةِ ، فَكَذَلِكَ الْفِطْرَةُ .","part":5,"page":498},{"id":2498,"text":"( 1972 ) فَصْلٌ : وَتَجِبُ فِطْرَةُ الْعَبْدِ الْحَاضِرِ وَالْغَائِبِ الَّذِي تُعْلَمُ حَيَاتُهُ ، وَالْآبِقِ ، وَالصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ ، وَالْمَرْهُونِ ، وَالْمَغْصُوبِ .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعَ عَوَامُّ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ عَلَى الْمَرْءِ زَكَاةَ الْفِطْرِ عَنْ مَمْلُوكِهِ الْحَاضِرِ غَيْرِ الْمُكَاتَبِ ، وَالْمَغْصُوبِ ، وَالْآبِقِ ، وَعَبِيدِ التِّجَارَةِ .\rفَأَمَّا الْغَائِبُ ، فَعَلَيْهِ فِطْرَتُهُ إذَا عَلِمَ أَنَّهُ حَيٌّ ، سَوَاءٌ رَجَا رَجْعَتَهُ أَوْ أَيِسَ مِنْهَا ، وَسَوَاءٌ كَانَ مُطْلَقًا أَوْ مَحْبُوسًا كَالْأَسِيرِ وَغَيْرِهِ .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ يَرَوْنَ أَنْ تُؤَدَّى زَكَاةُ الْفِطْرِ عَنْ الرَّقِيقِ ، غَائِبِهِمْ وَحَاضِرِهِمْ .\rلِأَنَّهُ مَالِكٌ لَهُمْ ، فَوَجَبَتْ فِطْرَتُهُمْ عَلَيْهِ كَالْحَاضِرِينَ .\rوَمِمَّنْ أَوْجَبَ فِطْرَةَ الْآبِقِ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ .\rوَأَوْجَبَهَا الزُّهْرِيُّ إذَا عُلِمَ مَكَانُهُ وَالْأَوْزَاعِيُّ إنْ كَانَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ .\rوَمَالِكٌ إنْ كَانَتْ غَيْبَتُهُ قَرِيبَةً .\rوَلَمْ يُوجِبْهَا عَطَاءٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الْإِنْفَاقُ عَلَيْهِ ، فَلَا تَجِبُ فِطْرَتُهُ كَالْمَرْأَةِ النَّاشِزِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ مَالٌ لَهُ ، فَوَجَبَتْ زَكَاتُهُ فِي حَالِ غَيْبَتِهِ ، كَمَالِ التِّجَارَةَ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَلْزَمَهُ إخْرَاجُ زَكَاتِهِ حَتَّى يَرْجِعَ إلَى يَدِهِ كَزَكَاةِ الدَّيْنِ وَالْمَغْصُوبِ .\rذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ .\rوَوَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ ، أَنَّ زَكَاةَ الْفِطْرِ تَجِبُ تَابِعَةً لِلنَّفَقَةِ ، وَالنَّفَقَةُ تَجِبُ مَعَ الْغَيْبَةِ ؛ بِدَلِيلِ أَنَّ مَنْ رَدَّ الْآبِقَ رَجَعَ بِنَفَقَتِهِ .\rوَأَمَّا مَنْ شُكَّ فِي حَيَاتِهِ مِنْهُمْ ، وَانْقَطَعَتْ أَخْبَارُهُ ، لَمْ تَجِبْ فِطْرَتُهُ ، نَصَّ عَلَيْهِ ، فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ بَقَاءُ مِلْكِهِ عَلَيْهِ ، وَلَوْ أَعْتَقَهُ فِي كَفَّارَتِهِ لَمْ يُجْزِئْهُ ، فَلَمْ تَجِبْ فِطْرَتُهُ كَالْمَيِّتِ .\rفَإِنْ مَضَتْ عَلَيْهِ سُنُونَ ، ثُمَّ عَلِمَ حَيَاتَهُ ، لَزِمَهُ الْإِخْرَاجُ لِمَا مَضَى","part":5,"page":499},{"id":2499,"text":"؛ لِأَنَّهُ بَانَ لَهُ وُجُودُ سَبَبِ الْوُجُوبِ فِي الزَّمَنِ الْمَاضِي ، فَوَجَبَ عَلَيْهِ الْإِخْرَاجُ لِمَا مَضَى ، كَمَا لَوْ سَمِعَ بِهَلَاكِ مَالِهِ الْغَائِبِ ، ثُمَّ بَانَ أَنَّهُ كَانَ سَالِمًا .\rوَالْحُكْمُ فِي الْقَرِيبِ الْغَائِبِ ، كَالْحُكْمِ فِي الْبَعِيدِ ؛ لِأَنَّهُمْ مِمَّنْ تَجِبُ فِطْرَتُهُمْ مَعَ الْحُضُورِ ، فَكَذَلِكَ مَعَ الْغَيْبَةِ كَالْعَبِيدِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا تَجِبَ فِطْرَتُهُمْ مَعَ الْغَيْبَةِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ بَعْثُ نَفَقَتهمْ إلَيْهِمْ ، وَلَا يَرْجِعُونَ بِالنَّفَقَةِ الْمَاضِيَةِ","part":5,"page":500},{"id":2500,"text":"( 1973 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا عَبِيدُ عَبِيدِهِ ؛ فَإِنْ قُلْنَا إنَّ الْعَبْدَ لَا يَمْلِكُهُمْ بِالتَّمْلِيكِ ، فَالْفِطْرَةُ عَلَى السَّيِّدِ ، لِأَنَّهُمْ مِلْكُهُ .\rوَهَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ .\rوَقَوْلُ أَبِي الزِّنَادِ ، وَمَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ وَإِنْ قُلْنَا يَمْلِكُ بِالتَّمْلِيكِ ، فَقَدْ قِيلَ : لَا تَجِبُ فِطْرَتُهُمْ عَلَى أَحَدٍ ؛ لِأَنَّ السَّيِّدَ لَا يَمْلِكُهُمْ ، وَمِلْكُ الْعَبْدِ نَاقِصٌ .\rوَالصَّحِيحُ وُجُوبُ فِطْرَتِهِمْ ؛ لِأَنَّ فِطْرَتَهُمْ تَتْبَعُ النَّفَقَةَ ، وَنَفَقَتُهُمْ وَاجِبَةٌ فَكَذَلِكَ فِطْرَتُهُمْ وَلَا يُعْتَبَرُ فِي وُجُوبِهَا كَمَالُ الْمِلْكِ ، بِدَلِيلِ وُجُوبِهَا عَلَى الْمُكَاتَبِ عَنْ نَفْسِهِ وَعَبِيدِهِ ، مَعَ نَقْصِ مِلْكِهِ .","part":6,"page":1},{"id":2501,"text":"( 1974 ) فَصْلٌ : وَأَمَّا زَوْجَةُ الْعَبْدِ فَذَكَرَ أَصْحَابُنَا الْمُتَأَخِّرُونَ أَنَّ فِطْرَتَهَا عَلَى نَفْسِهَا إنْ كَانَتْ حُرَّةً ، وَعَلَى سَيِّدِهَا إنْ كَانَتْ أَمَةً .\rوَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ عِنْدِي وُجُوبُ فِطْرَتِهَا عَلَى سَيِّدِ الْعَبْدِ ؛ لِوُجُوبِ نَفَقَتِهَا عَلَيْهِ ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ تَجِبُ عَلَيْهِ فِطْرَةُ خَادِمِ امْرَأَتِهِ ، مَعَ أَنَّهُ لَا يَمْلِكُهَا ؛ لِوُجُوبِ نَفَقَتِهَا ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { أَدُّوا صَدَقَةَ الْفِطْرِ عَمَّنْ تَمُونُونَ } .\rوَهَذِهِ مِمَّنْ يَمُونُونَ .\rوَقَدْ ذَكَرَ أَصْحَابُنَا أَنَّهُ لَوْ تَبَرَّعَ بِمُؤْنَةِ شَخْصٍ ، لَزِمَتْهُ فِطْرَتُهُ ، فَمَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ أَوْلَى .\rوَهَكَذَا لَوْ زَوَّجَ الِابْنُ أَبَاهُ ، وَكَانَ مِمَّنْ تَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ وَنَفَقَةُ امْرَأَتِهِ ، فَعَلَيْهِ فِطْرَتُهُمَا ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ","part":6,"page":2},{"id":2502,"text":"( 1975 ) فَصْلٌ : وَإِنْ تَبَرَّعَ بِمُؤْنَةِ إنْسَانٍ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ ، فَأَكْثَرُ أَصْحَابِنَا يَخْتَارُونَ وُجُوبَ الْفِطْرَةِ عَلَيْهِ .\rوَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ .\rأَحْمَدُ ، فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد ، فِي مَنْ ضَمَّ إلَى نَفْسِهِ يَتِيمَةً يُؤَدِّي عَنْهَا ؛ وَذَلِكَ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ { : أَدُّوا صَدَقَةَ الْفِطْرِ عَمَّنْ تَمُونُونَ } .\rوَهَذَا مِمَّنْ يُمَوَّنُونَ ، وَلِأَنَّهُ شَخْصٌ يُنْفِقُ عَلَيْهِ ، فَلَزِمَتْهُ فِطْرَتُهُ كَعَبْدِهِ وَاخْتَارَ أَبُو الْخَطَّابِ لَا تَلْزَمُهُ فِطْرَتُهُ ؛ لِأَنَّهُ لَا تَلْزَمُهُ مُؤْنَتُهُ ، فَلَمْ تَلْزَمْهُ فِطْرَتُهُ ، كَمَا لَوْ لَمْ يَمُنْهُ .\rوَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَهُوَ الصَّحِيحُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .\rوَكَلَامُ أَحْمَدَ فِي هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ ، لَا عَلَى الْإِيجَابِ ، وَالْحَدِيثُ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ تَلْزَمُهُ مُؤْنَتُهُ ، لَا عَلَى حَقِيقَةِ الْمُؤْنَةِ ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ تَلْزَمُهُ فِطْرَةُ الْآبِقِ وَلَمْ يَمُنْهُ ، وَلَوْ مَلَكَ عَبْدًا عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ ، أَوْ تَزَوَّجَ ، أَوْ وُلِدَ لَهُ وَلَدٌ ، لَزِمَتْهُ فِطْرَتُهُمْ ؛ لِوُجُوبِ مُؤْنَتِهِمْ عَلَيْهِ ، وَإِنْ لَمْ يَمُنْهُمْ ، وَلَوْ بَاعَ عَبْدَهُ أَوْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ، أَوْ مَاتَا ، أَوْ مَاتَ وَلَدُهُ ، لَمْ تَلْزَمْهُ فِطْرَتُهُمْ ، وَإِنْ مَانَهُمْ ؛ وَلِأَنَّ قَوْلَهُ : ( مِمَّنْ تَمُونُونَ ) فِعْلٌ مُضَارِعٌ ، فَيَقْتَضِي الْحَالَ أَوْ الِاسْتِقْبَالَ دُونَ الْمَاضِي ، وَمِنْ مَانَهُ فِي رَمَضَانَ إنَّمَا وُجِدَتْ مُؤْنَتُهُ فِي الْمَاضِي ، فَلَا يَدْخُلُ فِي الْخَبَرِ ، وَلَوْ دَخَلَ فِيهِ لَاقْتَضَى وُجُوبَ الْفِطْرَةِ عَلَى مَنْ مَانَهُ لَيْلَةً وَاحِدَةً ، وَلَيْسَ فِي الْخَبَرِ مَا يُقَيِّدُهُ بِالشَّهْرِ وَلَا بِغَيْرِهِ ، فَالتَّقْيِيدُ بِمُؤْنَةِ الشَّهْرِ تَحَكُّمٌ .\rفَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ تَكُونُ فِطْرَةُ هَذَا الْمُخْتَلَفِ فِيهِ عَلَى نَفْسِهِ ، كَمَا لَوْ لَمْ يَمُنْهُ .\rوَعَلَى قَوْلِ أَصْحَابِنَا الْمُعْتَبَرُ الْإِنْفَاقُ فِي جَمِيعِ الشَّهْرِ .\rوَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ : قِيَاسُ مَذْهَبِنَا أَنَّهُ إذَا مَانَهُ آخِرَ لَيْلَةٍ ، وَجَبَتْ فِطْرَتُهُ ،","part":6,"page":3},{"id":2503,"text":"قِيَاسًا عَلَى مَنْ مَلَكَ عَبْدًا عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ .\rوَإِذَا مَانَهُ جَمَاعَةٌ فِي الشَّهْرِ كُلِّهِ ، أَوْ مَانَهُ إنْسَانٌ بَعْضَ الشَّهْرِ ، فَعَلَى قِيَاسِ قَوْلِ ابْنِ عَقِيلٍ هَذَا تَكُونُ فِطْرَتُهُ عَلَى مِنْ مَانَهُ آخِرَ لَيْلَةٍ ، وَعَلَى قَوْلِ غَيْرِهِ يَحْتَمِلُ أَنْ لَا تَجِبَ فِطْرَتُهُ عَلَى أَحَدٍ مِمَّنْ مَانَهُ ؛ لِأَنَّ سَبَبَ الْوُجُوبِ الْمُؤْنَةُ فِي جَمِيعِ الشَّهْرِ وَلَمْ يُوجَدْ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ تَجِبَ عَلَى الْجَمِيعِ فِطْرَةٌ وَاحِدَةٌ بِالْحِصَصِ ؛ لِأَنَّهُمْ اشْتَرَكُوا فِي سَبَبِ الْوُجُوبِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ اشْتَرَكُوا فِي مِلْكِ عَبْدٍ .","part":6,"page":4},{"id":2504,"text":"( 1976 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ إذَا كَانَ عِنْدَهُ فَضْلٌ عَنْ قُوتِ يَوْمِهِ وَلَيْلَتِهِ وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ صَدَقَةَ الْفِطْرِ وَاجِبَةٌ عَلَى مَنْ قَدَرَ عَلَيْهَا ، وَلَا يُعْتَبَرُ فِي وُجُوبِهَا نِصَابٌ .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ وَأَبُو الْعَالِيَةِ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَعَطَاءٌ ، وَابْنُ سِيرِينَ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَابْنُ الْمُبَارَكِ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ : لَا تَجِبُ إلَّا عَلَى مَنْ يَمْلِكُ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ ، أَوْ مَا قِيمَتُهُ نِصَابٌ فَاضِلٌ عَنْ مَسْكَنِهِ ؛ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا صَدَقَةَ إلَّا عَنْ ظَهْرِ غِنًى } وَالْفَقِيرُ لَا غِنَى لَهُ فَلَا تَجِبُ عَلَيْهِ ، وَلِأَنَّهُ تَحِلُّ لَهُ الصَّدَقَةُ ، فَلَا تَجِبُ عَلَيْهِ ، كَمَنْ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهَا .\rوَلَنَا مَا رَوَى ثَعْلَبَةُ بْنُ أَبِي صُعَيْرٍ عَنْ أَبِيهِ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { أَدُّوا صَدَقَةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ قَمْحٍ أَوْ قَالَ : بُرٍّ عَنْ كُلِّ إنْسَانٍ ، صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ ، حُرٍّ أَوْ مَمْلُوكٍ ، غَنِيٍّ أَوْ فَقِيرٍ ، ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى أَمَّا غَنِيُّكُمْ فَيُزَكِّيهِ اللَّهُ ، وَأَمَّا فَقِيرُكُمْ فَيَرُدُّ اللَّهُ عَلَيْهِ أَكْثَرَ مِمَّا أَعْطَى } .\rوَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد : { صَاعٌ مِنْ بُرٍّ أَوْ قَمْحٍ عَنْ كُلِّ اثْنَيْنِ } .\rوَلِأَنَّهُ حَقُّ مَالٍ لَا يَزِيدُ بِزِيَادَةِ الْمَالِ ، فَلَا يُعْتَبَرُ وُجُوبُ النِّصَابِ فِيهِ .\rكَالْكَفَّارَةِ ، وَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْهُ وَيُعْطَى لِمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْعُشْرُ ، وَاَلَّذِي قَاسُوا عَلَيْهِ عَاجِزٌ ، فَلَا يَصِحُّ الْقِيَاسُ عَلَيْهِ ، وَحَدِيثُهُمْ مَحْمُولٌ عَلَى زَكَاةِ الْمَالِ","part":6,"page":5},{"id":2505,"text":"( 1977 ) فَصْلٌ : وَإِذَا لَمْ يَفْضُلْ إلَّا صَاعٌ أَخْرَجَهُ عَنْ نَفْسِهِ ؛ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { ابْدَأْ بِنَفْسِكَ ثُمَّ بِمَنْ تَعُولُ } وَلِأَنَّ الْفِطْرَةَ تَنْبَنِي عَلَى النَّفَقَةِ ، فَكَمَا يَبْدَأُ بِنَفْسِهِ فِي النَّفَقَةِ فَكَذَلِكَ فِي الْفِطْرَةِ .\rفَإِنْ فَضَلَ آخَرُ أَخْرَجَهُ عَنْ امْرَأَتِهِ ؛ لِأَنَّ نَفَقَتَهَا آكَدُ ، فَإِنَّ نَفَقَتَهَا تَجِبُ عَلَى سَبِيلِ الْمُعَاوَضَةِ مَعَ الْيَسَارِ وَالْإِعْسَارِ وَنَفَقَةُ الْأَقَارِبِ صِلَةٌ تَجِبُ مَعَ الْيَسَارِ دُونَ الْإِعْسَارِ .\rفَإِنْ فَضَلَ آخَرُ أَخْرَجَهُ عَنْ رَقِيقِهِ ؛ لِوُجُوبِ نَفَقَتِهِمْ فِي الْإِعْسَارِ .\rوَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ : يَحْتَمِلُ تَقْدِيمُ الرَّقِيقِ عَلَى الزَّوْجَةِ ؛ لِأَنَّ فِطْرَتَهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا ، وَفِطْرَتُهَا مُخْتَلَفٌ فِيهَا .\rفَإِنْ فَضَلَ آخَرُ أَخْرَجَهُ عَنْ وَلَدِهِ الصَّغِيرِ ، لِأَنَّ نَفَقَتَهُ مَنْصُوصٌ عَلَيْهَا وَمُجْمَعٌ عَلَيْهَا .\rوَفِي الْوَالِدِ وَالْوَلَدِ الْكَبِيرِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، يُقَدَّمُ الْوَلَدُ لِأَنَّهُ كَبَعْضِهِ .\rوَالثَّانِي الْوَالِدُ ؛ لِأَنَّهُ كَبَعْضِ وَالِدِهِ .\rوَتُقَدَّمُ فِطْرَةُ الْأُمِّ عَلَى فِطْرَةِ الْأَبِ ، لِأَنَّهَا مُقَدَّمَةٌ فِي الْبِرِّ ، بِدَلِيلِ { قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْأَعْرَابِيِّ لَمَّا سَأَلَهُ مَنْ أَبَرُّ ؟ قَالَ أُمَّكَ .\rقَالَ : ثُمَّ مَنْ ؟ قَالَ أُمَّكَ .\rقَالَ ثُمَّ مَنْ قَالَ أُمَّك قَالَ ثُمَّ مَنْ ؟ قَالَ ثُمَّ أَبَاكَ } .\rوَلِأَنَّهَا ضَعِيفَةٌ عَنْ الْكَسْبِ .\rوَيُحْتَمَلُ تَقْدِيمُ فِطْرَةِ الْأَبِ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ } .\rثُمَّ بِالْجَدِّ ، ثُمَّ الْأَقْرَبِ فَالْأَقْرَبِ ، عَلَى تَرْتِيبِ الْعَصَبَاتِ فِي الْمِيرَاثِ .\rوَيُحْتَمَلُ تَقْدِيمُ فِطْرَةِ الْوَلَدِ عَلَى فِطْرَةِ الْمَرْأَةِ ؛ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ، قَالَ : { أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالصَّدَقَةِ ، فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ : عِنْدِي دِينَارٌ .\rقَالَ : تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى نَفْسِكَ .\rقَالَ : عِنْدِي آخَرُ .\rقَالَ : تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى وَلَدِكَ","part":6,"page":6},{"id":2506,"text":".\rقَالَ عِنْدِي آخَرُ ، قَالَ : تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى زَوْجَتِكَ .\rقَالَ : عِنْدِي آخَرُ ، قَالَ : تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى خَادِمِكَ .\rقَالَ عِنْدِي آخَرُ ، قَالَ : أَنْتَ أَبْصَرُ .\r} فَقَدَّمَ الْوَلَدَ فِي الصَّدَقَةِ عَلَيْهِ ، فَكَذَلِكَ فِي الصَّدَقَةِ عَنْهُ .\rوَلِأَنَّ الْوَلَدَ كَبَعْضِهِ ، فَيُقَدَّمُ كَتَقْدِيمِ نَفْسِهِ ، وَلِأَنَّهُ إذَا ضَيَّعَ وَلَدَهُ لَمْ يَجِدْ مِنْ يُنْفِقُ عَلَيْهِ ، فَيَضِيعُ ، وَالزَّوْجَةُ إذَا لَمْ يُنْفِقْ عَلَيْهَا فُرِّقَ بَيْنَهُمَا ، وَكَانَ لَهَا مَنْ يَمُونُهَا ، مِنْ زَوْجٍ أَوْ ذِي رَحِمٍ .\rوَلِأَنَّ نَفَقَةَ الزَّوْجَةِ عَلَى سَبِيلِ الْمُعَاوَضَةِ ، فَكَانَتْ أَضْعَفَ فِي اسْتِتْبَاعِ الْفِطْرَةِ مِنْ النَّفَقَةِ الْوَاجِبَةِ عَلَى سَبِيلِ الصِّلَةَ ؛ لِأَنَّ وُجُوبَ الْعِوَضِ الْمُقَدَّرِ لَا يَقْتَضِي وُجُوبَ زِيَادَةٍ عَلَيْهِ يَتَصَدَّقُ بِهَا عَمَّنْ لَهُ الْعِوَضُ وَلِهَذَا لَمْ تَجِبُ فِطْرَةُ الْأَخِيرِ الْمَشْرُوطِ لَهُ مُؤْنَتُهُ ، بِخِلَافِ الْقَرَابَةِ ، فَإِنَّهَا كَمَا اقْتَضَتْ صِلَتَهُ بِالْإِنْفَاقِ عَلَيْهِ ، اقْتَضَتْ صِلَتَهُ بِتَطْهِيرِهِ بِإِخْرَاجِ الْفِطْرَةِ عَنْهُ .","part":6,"page":7},{"id":2507,"text":"( 1978 ) فَصْلٌ : فَإِنْ لَمْ يَفْضُلْ إلَّا بَعْضُ صَاعٍ فَهَلْ يَلْزَمُهُ إخْرَاجُهُ ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ ؛ إحْدَاهُمَا لَا يَلْزَمُهُ .\rاخْتَارَهَا ابْنُ عَقِيلٍ ؛ لِأَنَّهَا طُهْرَةٌ فَلَا تَجِبُ عَلَى مَنْ لَا يَمْلِكُ جَمِيعَهَا ، كَالْكَفَّارَةِ .\rوَالثَّانِيَةُ ، يَلْزَمُهُ إخْرَاجُهُ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ .\r} وَلِأَنَّهَا طُهْرَةٌ ، فَوَجَبَ مِنْهَا مَا قَدَرَ عَلَيْهِ ، كَالطَّهَارَةِ بِالْمَاءِ ، وَلِأَنَّ الْجُزْءَ مِنْ الصَّاعِ يُخْرَجُ عَنْ الْعَبْدِ الْمُشْتَرَكِ ، فَجَازَ أَنْ يُخْرَجَ عَنْ غَيْرِهِ كَالصَّاعِ","part":6,"page":8},{"id":2508,"text":"( 1979 ) فَصْلٌ : وَإِنْ أَعْسَرَ بِفِطْرَةِ زَوْجَتِهِ ، فَعَلَيْهَا فِطْرَةُ نَفْسِهَا ، أَوْ عَلَى سَيِّدِهَا إنْ كَانَتْ مَمْلُوكَةً ؛ لِأَنَّهَا تُتَحَمَّلُ إذَا كَانَ ثَمَّ مُتَحَمِّلٌ ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ عَادَ إلَيْهَا ، كَالنَّفَقَةِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَجِبَ عَلَيْهَا شَيْءٌ ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَجِبْ عَلَى مَنْ وُجِدَ سَبَبُ الْوُجُوبِ فِي حَقِّهِ لِعُسْرَتِهِ ، فَلَمْ تَجِبْ عَلَى غَيْرِهِ ، كَفِطْرَةِ نَفْسِهِ .\rوَتُفَارِقُ النَّفَقَةَ ، فَإِنَّ وُجُوبَهَا آكَدُ ؛ لِأَنَّهَا مِمَّا لَا بُدَّ مِنْهُ ، وَتَجِبُ عَلَى الْمُعْسِرِ ، وَالْعَاجِزِ ، وَيُرْجَعُ عَلَيْهَا بِهَا عِنْدَ يَسَارِهِ ، وَالْفِطْرَةُ بِخِلَافِهَا .","part":6,"page":9},{"id":2509,"text":"( 1980 ) فَصْلٌ : وَمَنْ وَجَبَتْ فِطْرَتُهُ عَلَى غَيْرِهِ ، كَالْمَرْأَةِ وَالنَّسِيبِ الْفَقِيرِ ، إذَا أَخْرَجَ عَنْ نَفْسِهِ بِإِذْنِ مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ ، صَحَّ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ ؛ لِأَنَّهُ نَائِبٌ عَنْهُ .\rوَإِنْ أَخْرَجَ بِغَيْرِ إذْنِهِ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، يُجْزِئُهُ لِأَنَّهُ أَخْرَجَ فِطْرَتَهُ فَأَجْزَأْهُ كَاَلَّتِي وَجَبَتْ عَلَيْهِ .\rوَالثَّانِي : لَا يُجْزِئُهُ ؛ لِأَنَّهُ أَدَّى مَا وَجَبَ عَلَى غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ ، فَلَمْ يَصِحَّ ، كَمَا لَوْ أَدَّى عَنْ غَيْرِهِ .","part":6,"page":10},{"id":2510,"text":"( 1981 ) فَصْلٌ : وَمَنْ لَهُ دَارٌ يَحْتَاجُ إلَيْهَا لِسُكْنَاهَا ، أَوْ إلَى أَجْرِهَا لِنَفَقَتِهِ ، أَوْ ثِيَابُ بِذْلَةٌ لَهُ ، أَوْ لِمَنْ تَلْزَمُهُ مُؤْنَتُهُ ، أَوْ رَقِيقٌ يَحْتَاجُ إلَى خِدْمَتِهِمْ هُوَ أَوْ مَنْ يَمُونُهُ ، أَوْ بَهَائِمُ يَحْتَاجُونَ إلَى رُكُوبِهَا وَالِانْتِفَاعِ بِهَا فِي حَوَائِجِهِمْ الْأَصْلِيَّةِ أَوْ سَائِمَةٌ يَحْتَاجُ إلَى نَمَائِهَا كَذَلِكَ ، أَوْ بِضَاعَةٌ يَخْتَلُّ رِبْحُهَا الَّذِي يَحْتَاجُ إلَيْهِ بِإِخْرَاجِ الْفِطْرَةِ مِنْهَا ، فَلَا فِطْرَةَ عَلَيْهِ كَذَلِكَ ؛ لِأَنَّ هَذَا مِمَّا تَتَعَلَّقُ بِهِ حَاجَتُهُ الْأَصْلِيَّةُ ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ بَيْعُهُ ، كَمُؤْنَةِ نَفْسِهِ .\rوَمَنْ لَهُ كُتُبٌ يَحْتَاجُ إلَيْهَا لِلنَّظَرِ فِيهَا وَالْحِفْظِ مِنْهَا ، لَا يَلْزَمُهُ بَيْعُهَا .\rوَالْمَرْأَةُ إذَا كَانَ لَهَا حُلِيٌّ لِلُبْسٍ أَوْ لِكِرَاءٍ يُحْتَاجُ إلَيْهِ ، لَمْ يَلْزَمْهَا بَيْعُهُ فِي الْفِطْرَةِ .\rوَمَا فَضَلَ مِنْ ذَلِكَ عَنْ حَوَائِجِهِ الْأَصْلِيَّةِ ، وَأَمْكَنَ بَيْعُهُ وَصَرْفُهُ فِي الْفِطْرَة وَجَبَتْ الْفِطْرَةُ بِهِ ؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنَ أَدَاؤُهَا مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ أَصْلِيٍّ ، أَشْبَهَ مَا لَوْ مَلَكَ مِنْ الطَّعَامِ مَا يُؤَدِّيه فَاضِلًا عَنْ حَاجَتِهِ .","part":6,"page":11},{"id":2511,"text":"( 1982 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ وَلَيْسَ عَلَيْهِ فِي مُكَاتَبِهِ زَكَاةٌ وَعَلَى الْمُكَاتَبِ أَنْ يُخْرِجَ عَنْ نَفْسِهِ زَكَاةَ الْفِطْرِ ، وَمِمَّنْ قَالَ : لَا تَجِبُ فِطْرَةُ الْمُكَاتَبِ عَلَى سَيِّدِهِ ، أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَأَوْجَبَهَا عَلَى السَّيِّدِ عَطَاءٌ ، وَمَالِكٌ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ ؛ لِأَنَّهُ عَبْدٌ ، فَأَشْبَهَ سَائِرَ عَبِيدِهِ .\rوَلَنَا قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ : \" مِمَّنْ تَمُونُونَ \" .\rوَهَذَا لَا يَمُونُهُ ، وَلِأَنَّهُ لَا تَلْزَمُهُ مُؤْنَتُهُ ، فَلَمْ تَلْزَمْهُ فِطْرَتُهُ ، كَالْأَجْنَبِيِّ ، وَبِهَذَا فَارَقَ سَائِرَ عَبِيدِهِ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّ عَلَى الْمُكَاتَبِ فِطْرَةَ نَفْسِهِ ، وَفِطْرَةَ مِنْ تَلْزَمُهُ مُؤْنَتُهُ كَزَوْجَتِهِ ، وَرَقِيقِهِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ : لَا تَجِبُ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ نَاقِصُ الْمِلْكِ ، فَلَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ الْفِطْرَةُ ، كَالْقِنِّ ، وَلِأَنَّهَا زَكَاةٌ فَلَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ كَزَكَاةِ الْمَالِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَضَ صَدَقَةَ الْفِطْرِ عَلَى الْحُرِّ وَالْعَبْدِ ، وَالذَّكَرِ وَالْأُنْثَى .\rوَهَذَا عَبْدٌ وَلَا يَخْلُو مِنْ كَوْنِهِ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى ، وَلِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ نَفَقَةُ نَفْسِهِ ، فَلَزِمَتْهُ فِطْرَتُهَا كَالْحُرِّ الْمُوسِرِ وَيُفَارِقُ زَكَاةَ الْمَالِ ؛ لِأَنَّهَا يُعْتَبَرُ لَهَا الْغِنَى وَالنِّصَابُ وَالْحَوْلُ ، وَلَا يَحْمِلُهَا أَحَدٌ عَنْ غَيْرِهِ ، بِخِلَافِ الْفِطْرَةِ .\r( 1983 ) فَصْلٌ : وَتَلْزَمُ الْمُكَاتَبَ فِطْرَةُ مِنْ يَمُونُهُ كَالْحُرِّ ؛ لِدُخُولِهِمْ فِي عُمُومِ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { أَدُّوا صَدَقَةَ الْفِطْرِ عَمَّنْ تَمُونُونَ }","part":6,"page":12},{"id":2512,"text":"( 1984 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : وَإِذَا مَلَكَ جَمَاعَةٌ عَبْدًا أَخْرَجَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ صَاعًا ، وَعَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ رِوَايَةٌ أُخْرَى ، صَاعًا عَنْ الْجَمِيعِ وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ فِطْرَةَ الْعَبْدِ الْمُشْتَرَكِ وَاجِبَةٌ عَلَى مَوَالِيهِ .\rوَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ ، وَعَبْدُ الْمَلِكِ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ ، وَأَبُو ثَوْرٍ .\rوَقَالَ الْحَسَنُ ، وَعِكْرِمَةُ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَبُو يُوسُفَ : لَا فِطْرَةَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمْ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ وِلَايَةٌ تَامَّةٌ ، أَشْبَهَ الْمُكَاتَبَ .\rوَلَنَا ، عُمُومُ الْأَحَادِيثِ ، وَلِأَنَّهُ عَبْدٌ مُسْلِمٌ مَمْلُوكٌ لِمَنْ يَقْدِرُ عَلَى الْفِطْرَةِ ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِهَا فَلَزِمَتْهُ لِمَمْلُوكِ الْوَاحِدِ ، وَفَارَقَ الْمُكَاتَبَ ، فَإِنَّهُ لَا تَلْزَمُ سَيِّدَهُ مُؤْنَتُهُ ، وَلِأَنَّ الْمُكَاتَبَ يُخْرِجُ عَنْ نَفْسِهِ زَكَاةَ الْفِطْرِ ، بِخِلَافِ الْقِنِّ ، وَالْوِلَايَةُ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ فِي وُجُوبِ الْفِطْرَةِ ، بِدَلِيلِ عَبْدِ الصَّبِيِّ ، ثُمَّ إنَّ وِلَايَتَهُ لِلْجَمِيعِ ، فَتَكُونُ فِطْرَتُهُ عَلَيْهِمْ .\rوَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ فِي قَدْرِ الْوَاجِبِ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ، فَفِي إحْدَاهُمَا عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ صَاعٌ ؛ لِأَنَّهَا طُهْرَةٌ فَوَجَبَ تَكْمِيلُهَا عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الشُّرَكَاءِ ، كَكَفَّارَةِ الْقَتْلِ .\rوَالثَّانِيَةُ ، عَلَى الْجَمِيعِ صَاعٌ وَاحِدٌ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِقَدْرِ مِلْكِهِ فِيهِ .\rوَهَذَا الظَّاهِرُ عَنْ أَحْمَدَ .\rقَالَ فُورَانُ : رَجَعَ أَحْمَدُ عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ، وَقَالَ : يُعْطِي كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ نِصْفَ صَاعٍ .\rيَعْنِي رَجَعَ عَنْ إيجَابِ صَاعٍ كَامِلٍ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ .\rوَهَذَا قَوْلُ سَائِرِ مَنْ أَوْجَبَ فِطْرَتَهُ عَلَى سَادَتِهِ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْجَبَ صَاعًا عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ .\rوَهَذَا عَامٌّ فِي الْمُشْتَرَكِ وَغَيْرِهِ ، وَلِأَنَّ نَفَقَتَهُ تُقْسَمُ عَلَيْهِمْ ، فَكَذَلِكَ فِطْرَتُهُ التَّابِعَةُ لَهَا ، وَلِأَنَّهُ شَخْصٌ وَاحِدٌ ، فَلَمْ تَجِبْ عَنْهُ","part":6,"page":13},{"id":2513,"text":"صِيعَانٌ كَسَائِرِ النَّاسِ ، وَلِأَنَّهَا طُهْرَةٌ فَوَجَبَتْ عَلَى سَادَتِهِ بِالْحِصَصِ ، كَمَاءِ الْغُسْلِ مِنْ الْجَنَابَةِ إذَا اُحْتِيجَ إلَيْهِ ، وَبِهَذَا يَنْتَقِضُ مَا ذَكَرْنَاهُ لِلرِّوَايَةِ الْأُولَى","part":6,"page":14},{"id":2514,"text":"( 1985 ) فَصْلٌ : وَمَنْ بَعْضُهُ حُرٌّ فَفِطْرَتُهُ عَلَيْهِ وَعَلَى سَيِّدِهِ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَقَالَ مَالِكٌ : عَلَى الْحُرِّ بِحِصَّتِهِ ، وَلَيْسَ عَلَى الْعَبْدِ شَيْءٌ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ عَبْدٌ مُسْلِمٌ تَلْزَمُ فِطْرَتُهُ شَخْصَيْنِ مِنْ أَهْلِ الْفِطْرَةِ ، فَكَانَتْ فِطْرَتُهُ عَلَيْهِمَا كَالْمُشْتَرَكِ ، ثُمَّ هَلْ يَلْزَمُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاعٌ أَوْ بِالْحِصَصِ ؟ يَنْبَنِي عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي الْعَبْدِ الْمُشْتَرَكِ ، فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا مُعْسِرًا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ ، وَعَلَى الْآخَرِ بِقَدْرِ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ ، وَلَوْ كَانَ بَيْنَ الْعَبْدِ وَبَيْنَ السَّيِّدِ مُهَايَأَةٌ أَوْ كَانَ الْمُشْتَرِكُونَ فِي الْعَبْدِ قَدْ تَهَايَئُوا عَلَيْهِ ، لَمْ تَدْخُلْ الْفِطْرَةُ فِي الْمُهَايَأَةِ لِأَنَّ الْمُهَايَأَةَ مُعَاوَضَةُ كَسْبٍ بِكَسْبٍ ؛ وَالْفِطْرَةُ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى ، فَلَا تَدْخُلُ فِي ذَلِكَ ، كَالصَّلَاةِ .","part":6,"page":15},{"id":2515,"text":"( 1986 ) فَصْلٌ : وَلَوْ أَلْحَقَتْ الْقَافَةُ وَلَدًا بِرَجُلَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ ، فَالْحُكْمُ فِي فِطْرَتِهِ كَالْحُكْمِ فِي الْعَبْدِ الْمُشْتَرَكِ .\rوَلَوْ أَنَّ شَخْصًا حُرًّا لَهُ قَرِيبَانِ فَأَكْثَرُ عَلَيْهِمْ نَفَقَتُهُ بَيْنَهُمْ ، كَانَتْ فِطْرَتُهُ عَلَيْهِمْ ، كَالْعَبْدِ الْمُشْتَرَكِ ، عَلَى مَا ذُكِرَ فِيهِ .","part":6,"page":16},{"id":2516,"text":"( 1987 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ وَيُعْطِي صَدَقَةَ الْفِطْرِ لِمَنْ يَجُوزُ أَنْ يُعْطِيَ صَدَقَةَ الْأَمْوَالِ إنَّمَا كَانَتْ كَذَلِكَ ؛ لِأَنَّ صَدَقَةَ الْفِطْرِ زَكَاةٌ ، فَكَانَ مَصْرِفُهَا مَصْرِفَ سَائِرِ الزَّكَوَاتِ ، وَلِأَنَّهَا صَدَقَةٌ ، فَتَدْخُلُ فِي عُمُومِ قَوْله تَعَالَى : { إنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ } الْآيَة .\rوَلَا يَجُوزُ دَفْعُهَا إلَى مَنْ لَا يَجُوزُ دَفْعُ زَكَاةِ الْمَالِ إلَيْهِ ، وَلَا يَجُوزُ دَفْعُهَا إلَى ذِمِّيٍّ .\rوَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ ، وَاللَّيْثُ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَجُوزُ .\rوَعَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ ، وَعَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلِ ، وَمُرَّةَ الْهَمْدَانِيِّ ، أَنَّهُمْ كَانُوا يُعْطُونَ مِنْهَا الرُّهْبَانَ .\rوَلَنَا ، أَنَّهَا زَكَاةٌ ، فَلَمْ يَجُزْ دَفْعُهَا إلَى غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ ، كَزَكَاةِ الْمَالِ ، وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ زَكَاةَ الْمَالِ لَا يَجُوزُ دَفْعُهَا إلَى غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنْ لَا يُجْزِئَ أَنْ يُعْطَى مِنْ زَكَاةِ الْمَالِ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّة .\r( 1988 ) فَصْلٌ : وَيَجُوزُ أَنْ يُعْطِيَ مِنْ أَقَارِبِهِ مِنْ يَجُوزُ أَنْ يُعْطِيَهُ مِنْ زَكَاةِ مَالِهِ ، وَلَا يُعْطِي مِنْهَا غَنِيًّا ، وَلَا ذَا قُرْبَى ، وَلَا أَحَدًا مِمَّنْ مُنِعَ أَخْذَ زَكَاةِ الْمَالِ .\rوَيَجُوزُ صَرْفُهَا فِي الْأَصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ ؛ لِأَنَّهَا صَدَقَةٌ فَأَشْبَهَتْ صَدَقَةَ الْمَالِ .","part":6,"page":17},{"id":2517,"text":"( 1989 ) فَصْلٌ : وَإِنْ دَفَعَهَا إلَى مُسْتَحِقِّهَا ، فَأَخْرَجَهَا آخِذُهَا إلَى دَافِعَهَا ، أَوْ جُمِعَتْ الصَّدَقَةُ عِنْدَ الْإِمَامِ ، فَفَرَّقَهَا عَلَى أَهْلِ السُّهْمَانِ ، فَعَادَتْ إلَى إنْسَانٍ صَدَقَتُهُ ، فَاخْتَارَ الْقَاضِي ، جَوَازَ ذَلِكَ .\rقَالَ : لِأَنَّ أَحْمَدَ قَدْ نَصَّ فِي مَنْ لَهُ نِصَابٌ مِنْ الْمَاشِيَةِ وَالزَّرْعِ ، أَنَّ الصَّدَقَةَ تُؤْخَذُ مِنْهُ ، وَتُرَدُّ عَلَيْهِ ، إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ قَدْرُ كِفَايَتِهِ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ، وَلِأَنَّ قَبْضَ الْإِمَامِ أَوْ الْمُسْتَحِقِّ أَزَالَ مِلْكَ الْمُخْرِجِ ، وَعَادَتْ إلَيْهِ بِسَبَبٍ آخَرَ ، فَجَازَ كَمَا لَوْ عَادَتْ بِمِيرَاثٍ .\rوَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : مَذْهَبُ أَحْمَدُ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهُ أَخْذُهَا ؛ لِأَنَّهَا طُهْرَةٌ لَهُ ، فَلَمْ يَجُزْ لَهُ أَخْذُهَا كَشِرَائِهَا ؛ { وَلِأَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَرَادَ أَنْ يَشْتَرِيَ الْفَرَسَ الَّذِي حَمَلَ عَلَيْهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ .\rفَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا تَشْتَرِهَا وَلَا تَعُدْ فِي صَدَقَتِكَ ، فَإِنَّ الْعَائِدَ فِي صَدَقَتِهِ كَالْعَائِدِ فِي قَيْئِهِ } ، فَأَمَّا إنْ اشْتَرَاهَا لَمْ يَجُزْ لَهُ ذَلِكَ ؛ لِلْخَبَرِ .\rوَإِنْ وَرِثَهَا فَلَهُ أَخْذُهَا ؛ لِأَنَّهَا رَجَعَتْ إلَيْهِ بِغَيْرِ فِعْلٍ مِنْهُ .","part":6,"page":18},{"id":2518,"text":"( 1990 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : وَيَجُوزُ أَنْ يُعْطِيَ الْوَاحِدَ مَا يَلْزَمُ الْجَمَاعَةَ وَالْجَمَاعَةَ مَا يَلْزَمُ الْوَاحِدَ إعْطَاءُ الْجَمَاعَةِ مَا يَلْزَمُ الْوَاحِدَ لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا لِأَنَّهُ صَرَفَ صَدَقَتَهُ إلَى مُسْتَحِقَّهَا ، فَبَرِئَ مِنْهَا كَمَا لَوْ دَفَعَهَا إلَى وَاحِدٍ ؛ وَأَمَّا إعْطَاءُ الْوَاحِدِ صَدَقَةَ الْجَمَاعَةِ ، فَإِنَّ الشَّافِعِيَّ وَمَنْ وَافَقَهُ ، أَوْجَبُوا تَفْرِقَةَ الصَّدَقَةِ عَلَى سِتَّةِ أَصْنَافٍ ، وَدَفْعَ حِصَّةِ كُلِّ صِنْفٍ إلَى ثَلَاثَةٍ مِنْهُمْ ، عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ قَبْلَ هَذَا .\rوَقَدْ ذَكَرْنَا الدَّلِيلَ عَلَيْهِ ، وَلِأَنَّهَا صَدَقَةٌ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ ، فَجَازَ صَرْفُهَا إلَى وَاحِدٍ كَالتَّطَوُّعِ .\rوَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .","part":6,"page":19},{"id":2519,"text":"( 1991 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : وَمَنْ أَخْرَجَ عَنْ الْجَنِينِ ، فَحَسَنٌ وَكَانَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يُخْرِجُ عَنْ الْجَنِينِ الْمَذْهَبُ أَنَّ الْفِطْرَةَ غَيْرُ وَاجِبَةٍ عَلَى الْجَنِينِ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ عُلَمَاءِ الْأَمْصَارِ لَا يُوجِبُونَ عَلَى الرَّجُلِ زَكَاةَ الْفِطْرِ عَنْ الْجَنِينِ فِي بَطْنِ أُمَّهُ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ ، رِوَايَةٌ أُخْرَى أَنَّهَا تَجِبُ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ آدَمِيٌّ ، تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ لَهُ ، وَبِهِ وَيَرِثُ فَيَدْخُلُ فِي عُمُومِ الْأَخْبَارِ ، وَيُقَاسُ عَلَى الْمَوْلُودِ .\rوَلَنَا أَنَّهُ جَنِينٌ فَلَمْ تَتَعَلَّقْ الزَّكَاةُ بِهِ ، كَأَجِنَّةِ الْبَهَائِمِ وَلِأَنَّهُ لَمْ تَثْبُتْ لَهُ أَحْكَامُ الدُّنْيَا إلَّا فِي الْإِرْثِ وَالْوَصِيَّةِ ، بِشَرْطِ أَنْ يَخْرُجَ حَيًّا .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِنَّهُ يُسْتَحَبُّ إخْرَاجُهَا عَنْهُ ؛ لِأَنَّ عُثْمَانَ كَانَ يُخْرِجُهَا عَنْهُ ، وَلِأَنَّهَا صَدَقَةٌ عَمَّنْ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ ، فَكَانَتْ مُسْتَحَبَّةً كَسَائِرِ صَدَقَاتِ التَّطَوُّعِ","part":6,"page":20},{"id":2520,"text":"( 1992 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : وَمَنْ كَانَ فِي يَدِهِ مَا يُخْرِجُهُ عَنْ صَدَقَةَ الْفِطْرِ ، وَعَلَيْهِ دَيْنٌ مِثْلُهُ ، لَزِمَهُ أَنْ يُخْرِجَ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ مُطَالَبًا بِالدَّيْنِ ، فَعَلَيْهِ قَضَاءُ الدَّيْنِ وَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ إنَّمَا لَمْ يَمْنَعْ الدَّيْنُ الْفِطْرَةَ ؛ لِأَنَّهَا آكَدُ وُجُوبًا بِدَلِيلِ وُجُوبِهَا عَلَى الْفَقِيرِ ، وَشُمُولِهَا لِكُلِّ مُسْلِمٍ قَدَرَ عَلَى إخْرَاجِهَا ، وَوُجُوبِ تَحَمُّلِهَا عَمَّنْ وَجَبَتْ نَفَقَتُهُ عَلَى غَيْرِهِ ، وَلَا تَتَعَلَّقُ بِقَدْرٍ مِنْ الْمَالِ فَجَرَتْ مَجْرَى النَّفَقَةِ وَلِأَنَّ زَكَاةَ الْمَالِ تَجِبُ بِالْمِلْكِ ، وَالدَّيْنُ يُؤَثِّرُ فِي الْمِلْكِ ، فَأَثَّرَ فِيهَا ، وَهَذِهِ تَجِبُ عَلَى الْبَدَنِ ، وَالدَّيْنُ لَا يُؤَثِّرُ فِيهِ ، وَتَسْقُطُ الْفِطْرَةُ عِنْدَ الْمُطَالَبَةِ بِالدَّيْنِ ، لِوُجُوبِ أَدَائِهِ عِنْدَ الْمُطَالَبَةِ ، وَتَأَكُّدِهِ بِكَوْنِهِ حَقَّ آدَمِيٍّ مُعَيَّنٍ لَا يَسْقُطُ بِالْإِعْسَارِ ، وَكَوْنُهُ أَسْبَقَ سَبَبًا وَأَقْدَمَ وُجُوبًا يَأْثَمُ بِتَأْخِيرِهِ ، فَإِنَّهُ يُسْقِطُ غَيْرَ الْفِطْرَةِ ، وَإِنْ لَمْ يُطَالَبْ بِهِ ؛ لِأَنَّ تَأْثِيرَ الْمُطَالَبَةِ إنَّمَا هُوَ فِي إلْزَامِ الْأَدَاءِ وَتَحْرِيمِ التَّأْخِيرِ .","part":6,"page":21},{"id":2521,"text":"( 1993 ) فَصْلٌ : وَإِنْ مَاتَ مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الْفِطْرَةُ قَبْلَ أَدَائِهَا ، أُخْرِجَتْ مِنْ تَرِكَتِهِ فَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ وَلَهُ مَالٌ يَفِي بِهِمَا ، قُضِيَا جَمِيعًا ، وَإِنْ لَمْ يَفِ بِهِمَا ، قُسِّمَ بَيْنَ الدَّيْنِ وَالصَّدَقَةِ بِالْحِصَصِ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي زَكَاةِ الْمَالِ ، أَنَّ التَّرِكَةَ تُقْسَمُ بَيْنَهُمَا ، وَكَذَا هَاهُنَا .\rفَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ زَكَاةُ مَالٍ وَصَدَقَةُ فِطْرٍ وَدَيْنٌ ، فَزَكَاةُ الْفِطْرِ وَالْمَالِ كَالشَّيْءِ الْوَاحِدِ لِاتِّحَادِ مَصْرِفِهِمَا ، فَيُحَاصَّانِ الدَّيْنَ ، وَأَصْلُ هَذَا أَنَّ حَقَّ اللَّهِ سُبْحَانَهُ ، وَحَقَّ الْآدَمِيِّ ، إذَا تَعَلَّقَا بِمَحِلٍّ وَاحِدٍ ، فَكَانَا فِي الذِّمَّةِ ، أَوْ كَانَا فِي الْعَيْنِ ، تَسَاوَيَا فِي الِاسْتِيفَاءِ","part":6,"page":22},{"id":2522,"text":"( 1994 ) فَصْلٌ : وَإِذَا مَاتَ الْمُفْلِسُ ، وَلَهُ عَبِيدٌ ، فَهَلَّ شَوَّالٌ قَبْلَ قِسْمَتِهِمْ بَيْنَ الْغُرَمَاءِ ، فَفِطْرَتُهُمْ عَلَى الْوَرَثَةِ ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ لَا يَمْنَعُ نَقْلَ التَّرِكَة ، بَلْ غَايَتُهُ أَنْ يَكُونَ رَهْنًا بِالدَّيْنِ ، وَفِطْرَةُ الرَّهْنِ عَلَى مَالِكِهِ .","part":6,"page":23},{"id":2523,"text":"( 1995 ) فَصْلٌ : وَلَوْ مَاتَ عَبِيدُهُ ، أَوْ مَنْ يَمُونُهُ ، بَعْدَ وُجُوبِ الْفِطْرَةِ ، لَمْ تَسْقُطْ ، لِأَنَّهَا دَيْنٌ ثَبَتَ فِي ذِمَّتِهِ بِسَبَبِ عَبْدِهِ ، فَلَمْ تَسْقُطْ بِمَوْتِهِ ، كَمَا لَوْ اسْتَدَانَ الْعَبْدُ بِإِذْنِهِ دَيْنًا وَجَبَ فِي ذِمَّتِهِ ، وَلِأَنَّ زَكَاةَ الْمَالِ لَا تَسْقُطُ بِتَلَفِهِ ، فَالْفِطْرَةُ أَوْلَى ، فَإِنْ زَكَاةَ الْمَالِ تَتَعَلَّقُ بِالْعَيْنِ ، فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ ، وَزَكَاةُ الْفِطْرِ بِخِلَافِهِ .","part":6,"page":24},{"id":2524,"text":"فُصُولٌ فِي صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ : ( 1996 ) فَصْلُ وَهِيَ مُسْتَحَبَّةٌ فِي جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً } .\rوَأَمَرَ بِالصَّدَقَةِ فِي آيَاتٍ كَثِيرَةِ ، وَحَثَّ عَلَيْهَا وَرَغَّبَ فِيهَا .\rوَرَوَى أَبُو صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { مَنْ تَصَدَّقَ بِعَدْلِ تَمْرَةٍ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ وَلَا يَصْعَدُ إلَى اللَّهِ إلَّا الطَّيِّبُ ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقْبَلُهَا بِيَمِينِهِ ، ثُمَّ يُرَبِّيهَا لِصَاحِبِهَا ، كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ ، حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الْجَبَلِ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَصَدَقَةُ السِّرِّ أَفْضَلُ مِنْ صَدَقَةِ الْعَلَانِيَةِ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { إنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ، وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ } وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمْ اللَّهُ فِي ظِلِّ عَرْشِهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إلَّا ظِلُّهُ وَذَكَرَ مِنْهُمْ رَجُلًا تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا ، حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { أَنَّ صَدَقَةَ السِّرِّ تُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ } .\rوَيُسْتَحَبُّ الْإِكْثَارُ مِنْهَا فِي أَوْقَاتِ الْحَاجَاتِ ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { أَوْ إطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ } .\rوَفِي شَهْرِ رَمَضَانَ ؛ لِأَنَّ الْحَسَنَاتِ تُضَاعَفُ فِيهِ ، وَلِأَنَّ فِيهِ إعَانَةً عَلَى أَدَاءِ الصَّوْمِ الْمَفْرُوضِ .\rوَمَنْ فَطَّرَ صَائِمًا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ وَتُسْتَحَبُّ الصَّدَقَةُ عَلَى ذِي الْقَرَابَةِ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ } .\rوَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الصَّدَقَةُ عَلَى الْمِسْكِينِ صَدَقَةٌ ، وَهِيَ عَلَى ذِي الرَّحِمِ اثْنَتَانِ ، صَدَقَةٌ وَصِلَةٌ } .\rوَهَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ .\r{ وَسَأَلَتْ زَيْنَبُ","part":6,"page":25},{"id":2525,"text":"امْرَأَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَلْ يَنْفَعُهَا أَنْ تَضَعَ صَدَقَتَهَا فِي زَوْجِهَا وَبَنِي أَخٍ لَهَا يَتَامَى ؟ قَالَ : نَعَمْ ، لَهَا أَجْرَانِ ؛ أَجْرُ الْقَرَابَةِ ، وَأَجْرُ الصَّدَقَةِ .\r} رَوَاهُ النَّسَائِيّ .\rوَتُسْتَحَبُّ الصَّدَقَةُ عَلَى مِنْ اشْتَدَّتْ حَاجَتُهُ ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ }","part":6,"page":26},{"id":2526,"text":"( 1997 ) فَصْلٌ : وَالْأَوْلَى أَنْ يَتَصَدَّقَ مِنْ الْفَاضِلِ عَنْ كِفَايَتِهِ ، وَكِفَايَةِ مَنْ يَمُونُهُ عَلَى الدَّوَامِ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { خَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى ، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ، .\rفَإِنْ تَصَدَّقَ بِمَا يَنْقُصُ عَنْ كِفَايَةِ مَنْ تَلْزَمُهُ مُؤْنَتُهُ ، وَلَا كَسْبَ لَهُ ، أَثِمَ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { كَفَى بِالْمَرْءِ إثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَمُونُ } .\rوَلِأَنَّ نَفَقَةَ مِنْ يَمُونُهُ وَاجِبَةٌ ، وَالتَّطَوُّعَ نَافِلَةٌ ، وَتَقْدِيمُ النَّفْلِ عَلَى الْفَرْضِ غَيْرُ جَائِزٍ فَإِنْ كَانَ الرَّجُلُ وَحْدَهُ أَوْ كَانَ لِمَنْ يُمَوَّنُ كِفَايَتُهُمْ فَأَرَادَ الصَّدَقَةَ بِجَمِيعِ مَالِهِ ، وَكَانَ ذَا مَكْسَبٍ ، أَوْ كَانَ وَاثِقًا مِنْ نَفْسِهِ ، يُحْسِنُ التَّوَكُّلَ وَالصَّبْرَ عَلَى الْفَقْرِ ، وَالتَّعَفُّفَ عَنْ الْمَسْأَلَةِ ، فَحَسَنٌ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { سُئِلَ عَنْ أَفْضَلِ الصَّدَقَةِ ، فَقَالَ : جُهْدٌ مِنْ مُقِلٍّ إلَى فَقِيرٍ فِي السِّرِّ } .\rوَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : { أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ نَتَصَدَّقَ ، فَوَافَقَ ذَلِكَ مَالًا عِنْدِي ، فَقُلْت الْيَوْمَ أَسْبِقُ أَبَا بَكْرٍ إنْ سَبَقْتُهُ يَوْمًا ، فَجِئْتُهُ بِنِصْفِ مَالِي ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا أَبْقَيْتَ لِأَهْلِكَ ؟ قُلْت : أَبْقَيْت لَهُمْ مِثْلَهُ ، فَأَتَاهُ أَبُو بَكْرٍ بِكُلِّ مَا عِنْدَهُ ، فَقَالَ لَهُ : مَا أَبْقَيْتَ لِأَهْلِكَ ؟ قَالَ : اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقُلْت : لَا أُسَابِقُكَ إلَى شَيْءٍ بَعْدَهُ أَبَدًا } .\rفَهَذَا كَانَ فَضِيلَةً فِي حَقِّ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِقُوَّةِ يَقِينِهِ ، وَكَمَالِ إيمَانِهِ ، وَكَانَ أَيْضًا تَاجِرًا ذَا مَكْسَبٍ ، فَإِنَّهُ قَالَ حِينَ وَلِيَ : قَدْ عَلِمَ النَّاسُ أَنَّ كَسْبِي لَمْ يَكُنْ لِيَعْجِزَ عَنْ مُؤْنَةِ عِيَالِي .\rأَوْ كَمَا قَالَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .\rوَإِنْ لَمْ يُوجَدْ فِي الْمُتَصَدِّقِ أَحَدُ هَذَيْنِ كُرِهَ ؛","part":6,"page":27},{"id":2527,"text":"لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ .\rقَالَ : { كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذْ جَاءَ رَجُلٌ بِمِثْلِ بَيْضَةٍ مِنْ ذَهَبٍ ، فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَصَبْت هَذِهِ مِنْ مَعْدِنٍ ، فَخُذْهَا فَهِيَ صَدَقَةٌ مَا أَمْلِكُ غَيْرَهَا .\rفَأَعْرَضَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ أَتَاهُ مِنْ قِبَلِ رُكْنِهِ الْأَيْمَنِ ، فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ ، ثُمَّ أَتَاهُ مِنْ قِبَلِ رُكْنِهِ الْأَيْسَرِ ، فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ أَتَاهُ مِنْ خَلْفِهِ ، فَأَخَذَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَحَذَفَهُ بِهَا ، فَلَوْ أَصَابَتْهُ لَأَوْجَعَتْهُ أَوْ لَعَقَرَتْهُ ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَأْتِي أَحَدُكُمْ بِمَا يَمْلِكُ ، وَيَقُولُ : هَذِهِ صَدَقَةٌ ثُمَّ يَقْعُدُ يَسْتَكِفُّ النَّاسَ ، خَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى .\r} فَقَدْ نَبَّهَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْمَعْنَى الَّذِي كَرِهَ مِنْ أَجْلِهِ الصَّدَقَةَ بِجَمِيعِ مَالِهِ وَهُوَ أَنْ يَسْتَكِفَّ النَّاسَ ، أَيْ يَتَعَرَّضَ لَهُمْ لِلصَّدَقَةِ ، أَيْ يَأْخُذَهَا بِبَطْنِ كَفِّهِ يُقَالُ : تَكَفَّفَ وَاسْتَكَفَّ .\rإذَا فَعَلَ ذَلِكَ وَرَوَى النَّسَائِيّ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْطَى رَجُلًا ثَوْبَيْنِ مِنْ الصَّدَقَةِ ، ثُمَّ حَثَّ عَلَى الصَّدَقَةِ ، فَطَرَحَ الرَّجُلُ أَحَدَ ثَوْبَيْهِ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَلَمْ تَرَوْا إلَى هَذَا ، دَخَلَ بِهَيْئَةٍ بَذَّةٍ فَأَعْطَيْته ثَوْبَيْنِ ، ثُمَّ قُلْت : تَصَدَّقُوا .\rفَطَرَحَ أَحَدَ ثَوْبَيْهِ ، خُذْ ثَوْبَكَ .\rوَانْتَهَرَهُ } .\rوَلِأَنَّ الْإِنْسَانَ إذَا أَخْرَجَ جَمِيعَ مَالِهِ ، لَا يَأْمَنُ فِتْنَةَ الْفَقْرِ وَشِدَّةَ نِزَاعِ النَّفْسِ إلَى مَا خَرَجَ مِنْهُ فَيَنْدَمُ ، فَيَذْهَبُ مَالُهُ وَيَبْطُلُ أَجْرُهُ ، وَيَصِيرُ كَلًّا عَلَى النَّاسِ .\rوَيُكْرَهُ لِمَنْ لَا صَبْرَ لَهُ عَلَى الْإِضَافَةِ أَنْ يَنْقُصَ نَفْسَهُ مِنْ","part":6,"page":28},{"id":2528,"text":"الْكِفَايَةِ التَّامَّةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":6,"page":29},{"id":2529,"text":"الصِّيَامُ فِي اللُّغَةِ : الْإِمْسَاكُ ، يُقَالُ : صَامَ النَّهَارُ .\rإذَا وَقَفَ سَيْرُ الشَّمْسِ .\rقَالَ اللَّهُ تَعَالَى إخْبَارًا عَنْ مَرْيَمَ : { إنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا } .\rأَيْ صَمْتًا ؛ لِأَنَّهُ إمْسَاكٌ عَنْ الْكَلَامِ ، وَقَالَ الشَّاعِرُ : خَيْلٌ صِيَامٌ وَخَيْلٌ غَيْرُ صَائِمَةٍ تَحْتَ الْعَجَاجِ وَأُخْرَى تَعْلُكُ اللُّجُمَا يَعْنِي بِالصَّائِمَةِ : الْمُمْسِكَةَ عَنْ الصَّهِيلِ .\rوَالصَّوْمُ فِي الشَّرْعِ : عِبَارَةٌ عَنْ الْإِمْسَاكِ عَنْ أَشْيَاءَ مَخْصُوصَةٍ ، فِي وَقْتٍ مَخْصُوصٍ ، يَأْتِي بَيَانُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .\rوَصَوْمُ رَمَضَانَ وَاجِبٌ ، وَالْأَصْلُ فِي وُجُوبِهِ الْكِتَابُ ، وَالسُّنَّةُ ، وَالْإِجْمَاعُ ؛ أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ } إلَى قَوْلِهِ : { فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ } .\rوَأَمَّا السُّنَّةُ فَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ } .\rذَكَرَ مِنْهَا صَوْمَ رَمَضَانَ ، وَعَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ ، { أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَائِرَ الرَّأْسِ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخْبِرْنِي مَاذَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنْ الصِّيَامِ ؟ قَالَ : شَهْرَ رَمَضَانَ .\rقَالَ : هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُ ؟ قَالَ : لَا ، إلَّا أَنْ تَطَوَّعَ شَيْئًا .\rقَالَ : فَأَخْبِرْنِي مَاذَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنْ الزَّكَاةِ ؟ فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِشَرَائِعِ الْإِسْلَامِ .\rقَالَ : وَاَلَّذِي أَكْرَمَك لَا أَتَطَوَّعُ شَيْئًا ، وَلَا أَنْقُصُ مِمَّا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ شَيْئًا .\rفَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَفْلَحَ إنْ صَدَقَ أَوْ دَخَلَ الْجَنَّةَ إنْ صَدَقَ .\r} مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا .\rوَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى وُجُوبِ صِيَامِ شَهْرِ رَمَضَانَ .\r( 1998 ) فَصْلٌ : رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { إذَا جَاءَ رَمَضَانُ فُتِحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ .\r} مُتَّفَقٌ","part":6,"page":30},{"id":2530,"text":"عَلَيْهِ .\rوَرُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { لَا تَقُولُوا جَاءَ رَمَضَانُ فَإِنَّ رَمَضَانَ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى } .\rفَيَتَعَيَّنُ حَمْلُ هَذَا عَلَى أَنَّهُ لَا يُقَالُ ذَلِكَ غَيْرَ مُقْتَرِنٍ بِمَا يَدُلُّ عَلَى إرَادَةِ الشَّهْرِ ، لِئَلَّا يُخَالِفَ الْأَحَادِيثَ الصَّحِيحَةَ .\rوَالْمُسْتَحَبُّ مَعَ ذَلِكَ أَنْ يَقُولَ : شَهْرُ رَمَضَانَ ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ } .\rوَاخْتُلِفَ فِي الْمَعْنَى الَّذِي لِأَجْلِهِ سُمِّيَ رَمَضَانُ ، فَرَوَى أَنَسٌ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { إنَّمَا سُمِّيَ رَمَضَانَ ؛ لِأَنَّهُ يُحَرِّقُ الذُّنُوبَ } .\rفَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ أَنَّهُ شُرِعَ صَوْمُهُ دُونَ غَيْرِهِ ، لِيُوَافِقَ اسْمُهُ مَعْنَاهُ .\rوَقِيلَ : هُوَ اسْمٌ مَوْضُوعٌ لِغَيْرِ مَعْنًى ، كَسَائِرِ الشُّهُورِ ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ .\rفَصْلٌ وَالصَّوْمُ الْمَشْرُوعُ هُوَ الْإِمْسَاكُ عَنْ الْمُفْطِرَاتِ ، مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ الثَّانِي إلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ .\rرُوِيَ مَعْنَى ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ ، وَعَوَامُّ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rوَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، أَنَّهُ لَمَّا صَلَّى الْفَجْرَ قَالَ : الْآنَ حِينَ تَبَيَّنَ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ .\rوَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ نَحْوُهُ .\rوَقَالَ مَسْرُوقٌ : لَمْ يَكُونُوا يَعُدُّونَ الْفَجْرَ فَجْرَكُمْ ، إنَّمَا كَانُوا يَعُدُّونَ الْفَجْرَ الَّذِي يَمْلَأُ الْبُيُوتَ وَالطُّرُقَ .\rوَهَذَا قَوْلُ الْأَعْمَشِ .\rوَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنْ الْفَجْرِ } .\rيَعْنِي بَيَاضَ النَّهَارِ مِنْ سَوَادِ اللَّيْلِ .\rوَهَذَا يَحْصُلُ بِطُلُوعِ الْفَجْرِ .\rقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، فِي قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : إنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ .\r} دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْخَيْطَ الْأَبْيَضَ هُوَ","part":6,"page":31},{"id":2531,"text":"الصَّبَاحُ ، وَأَنَّ السَّحُورَ لَا يَكُونُ إلَّا قَبْلَ الْفَجْرِ .\rوَهَذَا إجْمَاعٌ لَمْ يُخَالِفْ فِيهِ إلَّا الْأَعْمَشُ وَحْدَهُ ، فَشَذَّ وَلَمْ يُعَرِّجْ أَحَدٌ عَلَى قَوْلِهِ .\rوَالنَّهَارُ الَّذِي يَجِبُ صِيَامُهُ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ إلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ .\rقَالَ : هَذَا قَوْلُ جَمَاعَةِ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ .\r.","part":6,"page":32},{"id":2532,"text":"( 2000 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ ، رَحِمَهُ اللَّهُ : ( وَإِذَا مَضَى مِنْ شَعْبَانَ تِسْعَةٌ وَعِشْرُونَ يَوْمًا ، طَلَبُوا الْهِلَالَ ، فَإِنْ كَانَتْ السَّمَاءُ مُصْحِيَةً لَمْ يَصُومُوا ذَلِكَ الْيَوْمَ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلنَّاسِ تَرَائِي الْهِلَالِ لَيْلَةَ الثَّلَاثِينَ مِنْ شَعْبَانَ ، وَتَطْلُبُهُ لِيَحْتَاطُوا بِذَلِكَ لِصِيَامِهِمْ ، وَيَسْلَمُوا مِنْ الِاخْتِلَافِ .\rوَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيُّ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { أَحْصُوا هِلَالَ شَعْبَانَ لِرَمَضَانَ } .\rفَإِذَا رَأَوْهُ وَجَبَ عَلَيْهِمْ الصِّيَامُ إجْمَاعًا ، وَإِنْ لَمْ يَرَوْهُ وَكَانَتْ السَّمَاءُ مُصْحِيَةً ، لَمْ يَكُنْ لَهُمْ صِيَامُ ذَلِكَ الْيَوْمِ ، إلَّا أَنْ يُوَافِقَ صَوْمًا كَانُوا يَصُومُونَهُ ، مِثْلُ مَنْ عَادَتُهُ صَوْمُ يَوْمٍ وَإِفْطَارُ يَوْمٍ ، أَوْ صَوْمُ يَوْمِ الْخَمِيسِ ، أَوْ صَوْمُ آخِرِ يَوْمٍ مِنْ الشَّهْرِ ، وَشِبْهُ ذَلِكَ إذَا وَافَقَ صَوْمَهُ ، أَوْ مَنْ صَامَ قَبْلَ ذَلِكَ بِأَيَّامٍ ، فَلَا بَأْسَ بِصَوْمِهِ ؛ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { : لَا يَتَقَدَّمَنَّ أَحَدُكُمْ رَمَضَانَ بِصِيَامِ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ رَجُلٌ كَانَ يَصُومُ صِيَامًا فَلْيَصُمْهُ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَقَالَ عَمَّارٌ { : مَنْ صَامَ الْيَوْمَ الَّذِي يَشُكُّ فِيهِ فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ } .\rقَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ .\rوَكَرِهَ أَهْلُ الْعِلْمِ صَوْمَ يَوْمِ الشَّكِّ ، وَاسْتِقْبَالَ رَمَضَانَ بِالْيَوْمِ وَالْيَوْمَيْنِ ؛ لِنَهْيِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْهُ .\rوَحُكِيَ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ صِيَامِ آخِرَ يَوْمٍ مِنْ شَعْبَانَ ، هَلْ يُكْرَهُ ؟ قَالَ : لَا ، إلَّا أَنْ يُغْمَى الْهِلَالُ .\rوَاتِّبَاعُ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْلَى .\rفَأَمَّا اسْتِقْبَالُ الشَّهْرِ بِأَكْثَرَ مِنْ يَوْمَيْنِ فَغَيْرُ مَكْرُوهٍ ، فَإِنَّ مَفْهُومَ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ","part":6,"page":33},{"id":2533,"text":"أَنَّهُ غَيْرُ مَكْرُوهٍ ؛ لِتَخْصِيصِهِ النَّهْيَ بِالْيَوْمِ وَالْيَوْمَيْنِ .\rوَقَدْ رَوَى الْعَلَاءُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { : إذَا كَانَ النِّصْفُ مِنْ شَعْبَانَ ، فَأَمْسِكُوا عَنْ الصِّيَامِ ، حَتَّى يَكُونَ رَمَضَانُ } .\rقَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ .\rإلَّا أَنَّ أَحْمَدَ قَالَ : لَيْسَ هُوَ بِمَحْفُوظٍ .\rقَالَ : وَسَأَلْنَا عَنْهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ مَهْدِيٍّ ، فَلَمْ يُصَحِّحْهُ ، وَلَمْ يُحَدِّثْنِي بِهِ ، وَكَانَ يَتَوَقَّاهُ .\rقَالَ أَحْمَدُ : وَالْعَلَاءُ ثِقَةٌ لَا يُنْكَرُ مِنْ حَدِيثِهِ إلَّا هَذَا ؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ يَصِلُ شَعْبَانَ بِرَمَضَانَ .\rوَيُحْمَلُ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى نَفْيِ اسْتِحْبَابِ الصِّيَامِ فِي حَقِّ مَنْ لَمْ يَصُمْ قَبْلَ نِصْفِ الشَّهْرِ ، وَحَدِيثُ عَائِشَةَ فِي صِلَةِ شَعْبَانَ بِرَمَضَانَ فِي حَقِّ مَنْ صَامَ الشَّهْرَ كُلَّهُ ، فَإِنَّهُ قَدْ جَاءَ ذَلِكَ فِي سِيَاقِ الْخَبَرِ ، فَلَا تَعَارُضَ بَيْنَ الْخَبَرَيْنِ إذًا ، وَهَذَا أَوْلَى مِنْ حَمْلِهِمَا عَلَى التَّعَارُضِ ، وَرَدِّ أَحَدِهِمَا بِصَاحِبِهِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَفِي كَلَامِ الْخِرَقِيِّ اخْتِصَارٌ وَتَقْدِيرُهُ : طَلَبُوا الْهِلَالَ ، فَإِنْ رَأَوْهُ صَامُوا ، وَإِنْ لَمْ يَرَوْهُ وَكَانَتْ السَّمَاءُ مُصْحِيَةً لَمْ يَصُومُوا .\rفَحَذَفَ بَعْضَ الْكَلَامِ لِلْعِلْمِ بِهِ اخْتِصَارًا .\r( 2001 ) فَصْلٌ : وَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ رَأَى الْهِلَالَ أَنْ يَقُولَ مَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ ، قَالَ { : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا رَأَى الْهِلَالَ قَالَ : اللَّهُ أَكْبَرُ ، اللَّهُمَّ أَهِلَّهُ عَلَيْنَا بِالْأَمْنِ وَالْإِيمَانِ ، وَالسَّلَامَةِ وَالْإِسْلَامِ ، وَالتَّوْفِيقِ لِمَا تُحِبُّ وَتَرْضَى ، رَبِّي وَرَبُّكَ اللَّهُ .\r} رَوَاهُ الْأَثْرَمُ .","part":6,"page":34},{"id":2534,"text":"( 2002 ) فَصْلٌ : وَإِذَا رَأَى الْهِلَالَ أَهْلُ بَلَدٍ ، لَزِمَ جَمِيعَ الْبِلَادِ الصَّوْمُ .\rوَهَذَا قَوْلُ اللَّيْثِ ، وَبَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ بَعْضُهُمْ : إنْ كَانَ بَيْنَ الْبَلَدَيْنِ مَسَافَةٌ قَرِيبَةٌ ، لَا تَخْتَلِفُ الْمَطَالِعُ لِأَجْلِهَا كَبَغْدَادَ وَالْبَصْرَةِ ، لَزِمَ أَهْلَهُمَا الصَّوْمُ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ فِي أَحَدِهِمَا ، وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا بُعْدٌ ، كَالْعِرَاقِ وَالْحِجَازِ وَالشَّامِ ، فَلِكُلِّ أَهْلِ بَلَدٍ رُؤْيَتُهُمْ .\rوَرُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ ، أَنَّهُ قَالَ : لِكُلِّ أَهْلِ بَلَدٍ رُؤْيَتُهُمْ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الْقَاسِمِ ، وَسَالِمٍ ، وَإِسْحَاقَ ؛ لِمَا رَوَى كُرَيْبٌ ، قَالَ { : قَدِمْت الشَّامَ ، وَاسْتَهَلَّ عَلَيَّ هِلَالُ رَمَضَانَ ، وَأَنَا بِالشَّامِ ، فَرَأَيْنَا الْهِلَالَ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ ، ثُمَّ قَدِمْت الْمَدِينَةَ فِي آخِرِ الشَّهْرِ ، فَسَأَلَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ ، ثُمَّ ذَكَرَ الْهِلَالَ ، فَقَالَ : مَتَى رَأَيْتُمْ الْهِلَالَ ؟ قُلْت : رَأَيْنَاهُ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ .\rفَقَالَ : أَنْتَ رَأَيْته لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ ؟ قُلْت : نَعَمْ ، وَرَآهُ النَّاسُ ، وَصَامُوا ، وَصَامَ مُعَاوِيَةُ فَقَالَ : لَكِنْ رَأَيْنَاهُ لَيْلَةَ السَّبْتِ ، فَلَا نَزَالُ نَصُومُ حَتَّى نُكْمِلَ ثَلَاثِينَ أَوْ نَرَاهُ .\rفَقُلْت : أَلَا تَكْتَفِي بِرُؤْيَةِ مُعَاوِيَةَ وَصِيَامِهِ ؟ فَقَالَ : لَا ، هَكَذَا أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\r} قَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ .\rوَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ } .\r{ وَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْأَعْرَابِيِّ لَمَّا قَالَ لَهُ : اللَّهُ أَمَرَكَ أَنْ تَصُومَ هَذَا الشَّهْرَ مِنْ السَّنَةِ ؟ قَالَ : نَعَمْ } .\rوَقَوْلُهُ لِلْآخَرِ لَمَّا قَالَ لَهُ : مَاذَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنْ الصَّوْمِ ؟ قَالَ : { شَهْرَ رَمَضَانَ .\r} وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى وُجُوبِ صَوْمِ شَهْرِ رَمَضَانَ ، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ هَذَا الْيَوْمَ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ ، بِشَهَادَةِ الثِّقَاتِ ، فَوَجَبَ صَوْمُهُ عَلَى جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ .\rوَلِأَنَّ","part":6,"page":35},{"id":2535,"text":"شَهْرَ رَمَضَانَ مَا بَيْنَ الْهِلَالَيْنِ ، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ هَذَا الْيَوْمَ مِنْهُ فِي سَائِرِ الْأَحْكَامِ ، مِنْ حُلُولِ الدَّيْنِ ، وَوُقُوعِ الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ ، وَوُجُوبِ النُّذُورِ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَحْكَامِ ، فَيَجِبُ صِيَامُهُ بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ ، وَلِأَنَّ الْبَيِّنَةَ الْعَادِلَةَ شَهِدَتْ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ ، فَيَجِبُ الصَّوْمُ ، كَمَا لَوْ تَقَارَبَتْ الْبُلْدَانُ .\rفَأَمَّا حَدِيثُ كُرَيْبٌ فَإِنَّمَا دَلَّ عَلَى أَنَّهُمْ لَا يُفْطِرُونَ بُقُولِ كُرَيْبٌ وَحْدَهُ ، وَنَحْنُ نَقُولُ بِهِ ، وَإِنَّمَا مَحَلُّ الْخِلَافِ وُجُوبُ قَضَاءِ الْيَوْمِ الْأَوَّلِ ، وَلَيْسَ هُوَ فِي الْحَدِيثِ .\rفَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ قُلْتُمْ إنَّ النَّاسَ إذَا صَامُوا بِشَهَادَةِ وَاحِدٍ ثَلَاثِينَ يَوْمًا ، وَلَمْ يَرَوْا الْهِلَالَ ، أَفْطَرُوا فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ .\rقُلْنَا : الْجَوَابُ عَنْ هَذَا مِنْ وَجْهَيْنِ ؛ أَحَدِهِمَا ، أَنَّنَا إنَّمَا قُلْنَا يُفْطِرُونَ إذَا صَامُوا بِشَهَادَتِهِ ، فَيَكُونُ فِطْرُهُمْ مَبْنِيًّا عَلَى صَوْمِهِمْ بِشَهَادَتِهِ ، وَهَاهُنَا لَمْ يَصُومُوا بِقَوْلِهِ ، فَلَمْ يُوجَدْ مَا يَجُوزُ بِنَاءُ الْفِطْرِ عَلَيْهِ .\rالثَّانِي ، أَنَّ الْحَدِيثَ دَلَّ عَلَى صِحَّةِ الْوَجْهِ الْآخَرِ .","part":6,"page":36},{"id":2536,"text":"( 2003 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَإِنْ حَالَ دُونَ مَنْظَرِهِ غَيْمٌ ، أَوْ قَتَرٌ وَجَبَ صِيَامُهُ ، وَقَدْ أَجْزَأَ إذَا كَانَ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ ) اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ، فَرُوِيَ عَنْهُ مِثْلُ مَا نَقَلَ الْخِرَقِيِّ ، اخْتَارَهَا أَكْثَرُ شُيُوخِ أَصْحَابِنَا ، وَهُوَ مَذْهَبُ عُمَرَ ، وَابْنِهِ ، وَعَمْرِو بْن الْعَاصِ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ، وَأَنَسٍ ، وَمُعَاوِيَةَ ، وَعَائِشَةَ ، وَأَسْمَاءَ بِنْتَيْ أَبِي بَكْرٍ ، وَبِهِ قَالَ بَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، وَأَبُو عُثْمَانَ النَّهْدِيُّ ، وَابْنُ أَبِي مَرْيَمَ ، وَمُطَرِّفٌ ، وَمَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ ، وَطَاوُسٌ ، وَمُجَاهِدٌ .\rوَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّ النَّاسَ تَبَعٌ لِلْإِمَامِ ، فَإِنْ صَامَ صَامُوا ، وَإِنْ أَفْطَرَ أَفْطَرُوا .\rوَهَذَا قَوْلُ الْحَسَنِ ، وَابْنِ سِيرِينَ ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : الصَّوْمُ يَوْمَ تَصُومُونَ ، وَالْفِطْرُ يَوْمَ تُفْطِرُونَ ، وَالْأَضْحَى يَوْمَ تُضَحُّونَ } .\rقِيلَ مَعْنَاهُ أَنَّ الصَّوْمَ وَالْفِطْرَ مَعَ الْجَمَاعَةِ وَمُعْظَمِ النَّاسِ .\rقَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ ، رِوَايَةٌ ثَالِثَةٌ : لَا يَجِبُ صَوْمُهُ ، وَلَا يُجْزِئُهُ عَنْ رَمَضَانَ إنْ صَامَهُ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ؛ مِنْهُمْ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ ؛ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ } رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ .\rوَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ ثَلَاثِينَ } .\rرَوَاهُ مُسْلِمٌ .\rوَقَدْ صَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { نَهَى عَنْ صَوْمِ يَوْمِ الشَّكِّ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَهَذَا يَوْمُ شَكٍّ .\rوَلِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ شَعْبَانَ ، فَلَا يُنْتَقَلُ عَنْهُ","part":6,"page":37},{"id":2537,"text":"بِالشَّكِّ .\rوَلَنَا مَا رَوَى نَافِعٌ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : إنَّمَا الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ ، فَلَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوْا الْهِلَالَ .\rوَلَا تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ } .\rقَالَ نَافِعٌ : كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ إذَا مَضَى مِنْ شَعْبَانَ تِسْعَةٌ وَعِشْرُونَ يَوْمًا ، بَعَثَ مَنْ يَنْظُرُ لَهُ الْهِلَالَ ، فَإِنْ رَأَى فَذَاكَ ، وَإِنْ لَمْ يَرَ وَلَمْ يَحُلْ دُونَ مَنْظَرِهِ سَحَابٌ وَلَا قَتَرٌ أَصْبَحَ مُفْطِرًا ، وَإِنْ حَالَ دُونَ مَنْظَرِهِ سَحَابٌ أَوْ قَتَرٌ أَصْبَحَ صَائِمًا .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَمَعْنَى اُقْدُرُوا لَهُ : أَيْ ضَيَّقُوا لَهُ الْعَدَدَ مِنْ قَوْله تَعَالَى : { وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ } .\rأَيْ ضُيِّقَ عَلَيْهِ .\rوَقَوْلِهِ : { يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ } .\rوَالتَّضْيِيقُ لَهُ أَنْ يُجْعَلَ شَعْبَانُ تِسْعَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا .\rوَقَدْ فَسَّرَهُ ابْنُ عُمَرَ بِفِعْلِهِ ، وَهُوَ رَاوِيه ، وَأَعْلَمُ بِمَعْنَاهُ ، فَيَجِبُ الرُّجُوعُ إلَى تَفْسِيرِهِ ، كَمَا رُجِعَ إلَيْهِ فِي تَفْسِيرِ التَّفَرُّقِ فِي خِيَارِ الْمُتَبَايِعَيْنِ .\rوَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { قَالَ لِرَجُلٍ : هَلْ صُمْتَ مِنْ سُرَرِ شَعْبَانَ شَيْئًا ؟ قَالَ : لَا .\rوَفِي لَفْظٍ : أَصُمْتَ مِنْ سُرَرِ هَذَا الشَّهْرِ شَيْئًا ؟ قَالَ : لَا ، قَالَ : فَإِذَا أَفْطَرْت فَصُمْ يَوْمَيْنِ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَسُرَرُ الشَّهْرِ : آخِرُهُ لَيَالٍ يَسْتَتِرُ الْهِلَالُ فَلَا يَظْهَرُ .\rوَلِأَنَّهُ شَكَّ فِي أَحَدِ طَرَفَيْ الشَّهْرِ لَمْ يَظْهَرْ فِيهِ أَنَّهُ مِنْ غَيْرِ رَمَضَانَ ، فَوَجَبَ الصَّوْمُ كَالطَّرَفِ الْآخَرِ .\rقَالَ عَلِيٌّ ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ ، وَعَائِشَةُ : لَأَنْ أَصُمْ يَوْمًا مِنْ شَعْبَانَ ، أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنَّ أُفْطِرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ .\rوَلِأَنَّ الصَّوْمَ يُحْتَاطُ لَهُ ، وَلِذَلِكَ وَجَبَ الصَّوْمُ بِخَبَرٍ وَاحِدٍ ، وَلَمْ يُفْطَرْ إلَّا بِشَهَادَةِ اثْنَيْنِ .\rفَأَمَّا خَبَرُ أَبِي هُرَيْرَةَ الَّذِي","part":6,"page":38},{"id":2538,"text":"احْتَجُّوا بِهِ ، فَإِنَّهُ يَرْوِيه مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ ، وَقَدْ خَالَفَهُ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ، فَرَوَاهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : \" فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَصُومُوا ثَلَاثِينَ \" وَرِوَايَتُهُ أَوْلَى بِالتَّقْدِيمِ ، لِإِمَامَتِهِ ، وَاشْتِهَارِ عَدَالَتِهِ ، وَثِقَتِهِ ، وَمُوَافَقَتِهِ لِرَأْيِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَمَذْهَبِهِ ، وَلِخَبَرِ ابْنِ عُمَرَ الَّذِي رَوَيْنَاهُ .\rوَرِوَايَةُ ابْنِ عُمَرَ : \" فَاقْدُرُوا لَهُ ثَلَاثِينَ \" مُخَالِفَةٌ لِلرِّوَايَةِ الصَّحِيحَةِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا ، وَلِمَذْهَبِ ابْنِ عُمَرَ وَرَأْيِهِ .\rوَالنَّهْيُ عَنْ صَوْمِ الشَّكِّ مَحْمُولٌ عَلَى حَالِ الصَّحْوِ ، بِدَلِيلِ مَا ذَكَرْنَاهُ ، وَفِي الْجُمْلَةِ لَا يَجِبُ الصَّوْمُ إلَّا بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ ، أَوْ كَمَالِ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا ، أَوْ يَحُولُ دُونَ مَنْظَرِ الْهِلَالِ غَيْمٌ أَوْ قَتَرٌ ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْخِلَافِ فِيهِ .","part":6,"page":39},{"id":2539,"text":"( 2004 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَلَا يُجْزِئُهُ صِيَامُ فَرْضٍ حَتَّى يَنْوِيَهُ أَيَّ وَقْتٍ كَانَ مِنْ اللَّيْلِ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ صَوْمٌ إلَّا بِنِيَّةٍ .\rإجْمَاعًا ، فَرْضًا كَانَ أَوْ تَطَوُّعًا ، لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ مَحْضَةٌ ، فَافْتَقَرَ إلَى النِّيَّةِ ، كَالصَّلَاةِ ، ثُمَّ إنْ كَانَ فَرْضًا كَصِيَامِ رَمَضَانَ فِي أَدَائِهِ أَوْ قَضَائِهِ ، وَالنَّذْرِ وَالْكَفَّارَةِ ، اُشْتُرِطَ أَنْ يَنْوِيَهُ مِنْ اللَّيْلِ عِنْدَ إمَامِنَا وَمَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يُجْزِئُ صِيَامُ رَمَضَانَ وَكُلُّ صَوْمٍ مُتَعَيِّنٍ بِنِيَّةٍ مِنْ النَّهَارِ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْسَلَ غَدَاةَ عَاشُورَاءَ إلَى قُرَى الْأَنْصَارِ الَّتِي حَوْلَ الْمَدِينَةِ { : مَنْ كَانَ أَصْبَحَ صَائِمًا فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ ، وَمَنْ كَانَ أَصْبَحَ مُفْطِرًا فَلْيَصُمْ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ أَكَلَ فَلْيَصُمْ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَكَانَ صَوْمًا وَاجِبًا مُتَعَيِّنًا ، وَلِأَنَّهُ غَيْرُ ثَابِتٍ فِي الذِّمَّةِ ، فَهُوَ كَالتَّطَوُّعِ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى ابْنُ جُرَيْجٍ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ حَفْصَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { : مَنْ لَمْ يُبَيِّتْ الصِّيَامَ مِنْ اللَّيْلِ ، فَلَا صِيَامَ لَهُ } .\rوَفِي لَفْظِ ابْنِ حَزْمٍ : { مَنْ لَمْ يُجْمِعْ الصِّيَامَ قَبْلَ الْفَجْرِ ، فَلَا صِيَامَ لَهُ .\r} أَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ ، وَأَبُو دَاوُد ، وَالتِّرْمِذِيُّ .\rوَرَوَى الدَّارَقُطْنِيّ بِإِسْنَادِهِ ، عَنْ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { مَنْ لَمْ يُبَيِّتْ الصِّيَامَ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ ، فَلَا صِيَامَ لَهُ } ، وَقَالَ : إسْنَادُهُ كُلُّهُمْ ثِقَاتٌ .\rوَقَالَ فِي حَدِيثِ حَفْصَةَ : رَفَعَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، وَهُوَ مِنْ الثِّقَاتِ الرُّفَعَاءِ .\rوَلِأَنَّهُ صَوْمُ فَرْضٍ ، فَافْتَقَرَ إلَى النِّيَّةِ مِنْ اللَّيْلِ ، كَالْقَضَاءِ .\rفَأَمَّا صَوْمُ عَاشُورَاءَ","part":6,"page":40},{"id":2540,"text":"، فَلَمْ يَثْبُتْ وُجُوبُهُ ، فَإِنَّ مُعَاوِيَةَ قَالَ : سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ { : هَذَا يَوْمُ عَاشُورَاءَ ، وَلَمْ يَكْتُبْ اللَّهُ عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ ، وَأَنَا صَائِمٌ ، فَمَنْ شَاءَ فَلْيَصُمْ ، وَمَنْ شَاءَ فَلْيُفْطِرْ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فَلَوْ كَانَ وَاجِبًا لَمْ يُبَحْ فِطْرُهُ ، فَإِنَّمَا سُمِّيَ الْإِمْسَاكُ صِيَامًا تَجَوُّزًا ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ : \" وَمَنْ كَانَ أَصْبَحَ مُفْطِرًا ، فَلْيَصُمْ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ .\rوَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الْمُفْطِرِ بِالْأَكْلِ وَغَيْرِهِ .\rوَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ رَجُلًا : أَنْ أَذِّنْ فِي النَّاسِ { أَنَّ مَنْ كَانَ أَكَلَ فَلْيَصُمْ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ } .\rوَإِمْسَاكُ بَقِيَّةِ الْيَوْمِ بَعْدَ الْأَكْلِ لَيْسَ بِصِيَامٍ شَرْعِيٍّ ، وَإِنَّمَا سَمَّاهُ صِيَامًا تَجُوزَا .\rثُمَّ لَوْ ثَبَتَ أَنَّهُ صِيَامٌ فَالْفَرْقُ بَيْنَ ذَلِكَ وَبَيْنَ رَمَضَانَ ، أَنَّ وُجُوبَ الصِّيَامِ تَجَدَّدَ فِي أَثْنَاءِ النَّهَارِ ، فَأَجْزَأَتْهُ النِّيَّةُ حِينَ تَجَدَّدَ الْوُجُوبُ ، كَمَنْ كَانَ صَائِمًا تَطَوُّعًا ، فَنَذَرَ إتْمَامَ صَوْمِ بَقِيَّةِ يَوْمِهِ ، فَإِنَّهُ تُجْزِئُهُ نِيَّتُهُ عِنْدَ نَذْرِهِ ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ النَّذْرُ مُتَقَدِّمًا ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ التَّطَوُّعِ وَالْفَرْضِ مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا ، أَنَّ التَّطَوُّعَ يُمْكِنُ الْإِتْيَانُ بِهِ فِي بَعْضِ النَّهَارِ ، بِشَرْطِ عَدَمِ الْمُفْطِرَاتِ فِي أَوَّلِهِ ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي حَدِيثِ عَاشُورَاءَ : { فَلْيَصُمْ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ } فَإِذَا نَوَى صَوْمَ التَّطَوُّعِ مَنْ النَّهَارِ كَانَ صَائِمًا بَقِيَّةَ النَّهَارِ دُونَ أَوَّلِهِ ، وَالْفَرْضُ يَكُونُ وَاجِبًا فِي جَمِيعِ النَّهَارِ ، وَلَا يَكُونُ صَائِمًا بِغَيْرِ النِّيَّةِ .\rوَالثَّانِي ، أَنَّ التَّطَوُّعَ سُومِحَ فِي نِيَّتِهِ مِنْ اللَّيْلِ تَكْثِيرًا لَهُ ، فَإِنَّهُ قَدْ يَبْدُو لَهُ الصَّوْمُ فِي النَّهَارِ ، فَاشْتِرَاطُ النِّيَّةِ فِي اللَّيْلِ يَمْنَعُ ذَلِكَ ، فَسَامَحَ الشَّرْعُ فِيهَا ، كَمُسَامَحَتِهِ فِي تَرْكِ الْقِيَامِ فِي","part":6,"page":41},{"id":2541,"text":"صَلَاةِ التَّطَوُّعِ ، وَتَرْكِ الِاسْتِقْبَالِ فِيهِ فِي السَّفَرِ تَكْثِيرًا لَهُ ، بِخِلَافِ الْفَرْضِ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا فَفِي أَيِّ جُزْءٍ مِنْ اللَّيْلِ نَوَى أَجْزَأَهُ ، وَسَوَاءٌ فَعَلَ بَعْدَ النِّيَّةِ مَا يُنَافِي الصَّوْمَ مِنْ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالْجِمَاعِ ، أَمْ لَمْ يَفْعَلْ .\rوَاشْتَرَطَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ أَنْ لَا يَأْتِيَ بَعْدَ النِّيَّةِ بِمُنَافٍ لِلصَّوْمِ .\rوَاشْتَرَطَ بَعْضُهُمْ وُجُودَ النِّيَّةِ فِي النِّصْفِ الْأَخِيرِ مِنْ اللَّيْلِ ، كَمَا اخْتَصَّ أَذَانُ الصُّبْحِ وَالدَّفْعُ مِنْ مُزْدَلِفَةَ بِهِ .\rوَلَنَا مَفْهُومُ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ { : لَا صِيَامَ لِمَنْ لَمْ يُبَيِّتْ الصِّيَامَ مِنْ اللَّيْلِ } .\rمِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ ، وَلِأَنَّهُ نَوَى مِنْ اللَّيْلِ ، فَصَحَّ صَوْمُهُ ، كَمَا لَوْ نَوَى فِي النِّصْفِ الْأَخِيرِ وَلَمْ يَفْعَلْ مَا يُنَافِي الصَّوْمَ ، وَلِأَنَّ تَخْصِيصَ النِّيَّةِ بِالنِّصْفِ الْأَخِيرِ يُفْضِي إلَى تَفْوِيتِ الصَّوْمِ ؛ لِأَنَّهُ وَقْتُ النَّوْمِ ، وَكَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ لَا يَنْتَبِهُ فِيهِ ، وَلَا يَذْكُرُ الصَّوْمَ ، وَالشَّارِعُ إنَّمَا رَخَّصَ فِي تَقْدِيمِ النِّيَّةِ عَلَى ابْتِدَائِهِ ، لِحَرَجِ اعْتِبَارِهَا عِنْدَهُ ، فَلَا يَخُصُّهَا بِمَحِلٍّ لَا تَنْدَفِعُ الْمَشَقَّةُ بِتَخْصِيصِهَا بِهِ ، وَلِأَنَّ تَخْصِيصَهَا بِالنِّصْفِ الْأَخِيرِ تَحَكُّمٌ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ ، وَلَا يَصِحُّ اعْتِبَارُ الصَّوْمِ بِالْأَذَانِ وَالدَّفْعِ مِنْ مُزْدَلِفَةَ ؛ لِأَنَّهُمَا يَجُوزَانِ بَعْدَ الْفَجْرِ ، فَلَا يُفْضِي مَنْعُهُمَا فِي النِّصْفِ الْأَوَّلِ إلَى فَوَاتِهِمَا ، بِخِلَافِ نِيَّةِ الصَّوْمِ ، وَلِأَنَّ اخْتِصَاصَهُمَا بِالنِّصْفِ الْأَخِيرِ بِمَعْنَى تَجْوِيزِهِمَا فِيهِ ، وَاشْتِرَاطُ النِّيَّةِ بِمَعْنَى الْإِيجَابِ وَالتَّحَتُّمِ ، وَفَوَاتِ الصَّوْمِ بِفَوَاتِهَا فِيهِ ، وَهَذَا فِيهِ مَشَقَّةٌ وَمَضَرَّةٌ ، بِخِلَافِ التَّجْوِيزِ ، وَلِأَنَّ مَنْعَهُمَا فِي النِّصْفِ الْأَوَّلِ لَا يُفْضِي إلَى اخْتِصَاصِهِمَا بِالنِّصْفِ الْأَخِيرِ ، لِجَوَازِهِمَا بَعْدَ الْفَجْرِ ، وَالنِّيَّةُ بِخِلَافِهِ ، فَأَمَّا إنَّ فَسَخَ النِّيَّةَ ، مِثْلُ إنَّ نَوَى الْفِطْرَ بَعْدَ","part":6,"page":42},{"id":2542,"text":"نِيَّةِ الصِّيَامِ ، لَمْ تُجْزِئْهُ تِلْكَ النِّيَّةُ الْمَفْسُوخَةُ ، لِأَنَّهَا زَالَتْ حُكْمًا وَحَقِيقَةً .","part":6,"page":43},{"id":2543,"text":"( 2005 ) فَصْلٌ : وَإِنْ نَوَى مِنْ النَّهَارِ صَوْمَ الْغَدِ ، لَمْ تُجْزِئْهُ تِلْكَ النِّيَّةُ ، إلَّا أَنْ يَسْتَصْحِبَهَا إلَى جُزْءٍ مِنْ اللَّيْلِ .\rوَقَدْ رَوَى ابْنُ مَنْصُورٍ ، عَنْ أَحْمَدَ ، مِنْ نَوَى الصَّوْمَ عَنْ قَضَاءِ رَمَضَانَ بِالنَّهَارِ ، وَلَمْ يَنْوِ مِنْ اللَّيْلِ ، فَلَا بَأْسَ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ فَسَخَ النِّيَّةَ بَعْدَ ذَلِكَ .\rفَظَاهِرُ هَذَا حُصُولُ الْإِجْزَاءِ بِنِيَّتِهِ مِنْ النَّهَارِ ، إلَّا أَنَّ الْقَاضِيَ قَالَ : هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ اسْتَصْحَبَ النِّيَّةَ إلَى جُزْءٍ مِنْ اللَّيْلِ .\rوَهَذَا صَحِيحٌ ؛ لِظَاهِرِ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : \" لَا صِيَامَ لِمَنْ لَمْ يُبَيِّتْ الصِّيَامَ مِنْ اللَّيْلِ \" .\rوَلِأَنَّهُ لَمْ يَنْوِ عِنْدَ ابْتِدَاءِ الْعِبَادَةِ ، وَلَا قَرِيبًا مِنْهَا ، فَلَمْ يَصِحَّ ، كَمَا لَوْ نَوَى مِنْ اللَّيْلِ صَوْمَ بَعْدَ غَدٍ .","part":6,"page":44},{"id":2544,"text":"( 2006 ) فَصْلٌ : وَتُعْتَبَرُ النِّيَّةُ لِكُلِّ يَوْمٍ .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ تُجْزِئُهُ نِيَّةٌ وَاحِدَةٌ لِجَمِيعِ الشَّهْرِ ، إذَا نَوَى صَوْمَ جَمِيعِهِ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ ، وَإِسْحَاقَ ؛ لِأَنَّهُ نَوَى فِي زَمَنٍ يَصْلُحُ جِنْسُهُ لِنِيَّةِ الصَّوْمِ ، فَجَازَ ، كَمَا لَوْ نَوَى كُلَّ يَوْمٍ فِي لَيْلَتِهِ .\rوَلَنَا .\rأَنَّهُ صَوْمٌ وَاجِبٌ ، فَوَجَبَ أَنْ يَنْوِيَ كُلَّ يَوْمٍ مِنْ لَيْلَتِهِ ، كَالْقَضَاءِ .\rوَلِأَنَّ هَذِهِ الْأَيَّامَ عِبَادَاتٌ لَا يَفْسُدُ بَعْضُهَا بِفَسَادِ بَعْضٍ ، وَيَتَخَلَّلُهَا مَا يُنَافِيهَا ، فَأَشْبَهَتْ الْقَضَاءَ ، وَبِهَذَا فَارَقَتْ الْيَوْمَ الْأَوَّلَ .\rوَعَلَى قِيَاسِ رَمَضَانَ إذَا نَذَرَ صَوْمَ شَهْرٍ بِعَيْنِهِ ، فَيُخَرَّجُ فِيهِ مِثْلُ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي رَمَضَانَ .\r.","part":6,"page":45},{"id":2545,"text":"فَصْلٌ : وَمَعْنَى النِّيَّةِ الْقَصْدُ ، وَهُوَ اعْتِقَادُ الْقَلْبِ فِعْلَ شَيْءٍ ، وَعَزْمُهُ عَلَيْهِ ، مِنْ غَيْرِ تَرَدُّدٍ ، فَمَتَى خَطَرَ بِقَلْبِهِ فِي اللَّيْلِ أَنَّ غَدًا مِنْ رَمَضَانَ ، وَأَنَّهُ صَائِمٌ فِيهِ ، فَقَدْ نَوَى .\rوَإِنْ شَكَّ فِي أَنَّهُ مِنْ رَمَضَانَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَصْلٌ يَبْنِي عَلَيْهِ ، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ لَيْلَةَ الثَّلَاثِينَ مِنْ شَعْبَانَ ، وَلَمْ يَحُلْ دُونَ مَطْلَعِ الْهِلَالِ غَيْمٌ وَلَا قَتَرٌ ، فَعَزَمَ أَنْ يَصُومَ غَدًا مِنْ رَمَضَانَ ، لَمْ تَصِحّ النِّيَّةُ ، وَلَا يُجْزِئُهُ صِيَامُ ذَلِكَ الْيَوْمِ ، لِأَنَّ النِّيَّةَ قَصْدٌ تَتْبَعُ الْعِلْمَ ، وَمَا لَا يَعْلَمُهُ وَلَا دَلِيلَ عَلَى وُجُودِهِ وَلَا هُوَ عَلَى ثِقَةٍ مِنْ اعْتِقَادِهِ لَا يَصِحُّ قَصْدُهُ .\rوَبِهَذَا قَالَ حَمَّادٌ ، وَرَبِيعَةُ ، وَمَالِكٌ ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى ، وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ .\rوَقَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ : يَصِحُّ إذَا نَوَاهُ مِنْ اللَّيْلِ ؛ لِأَنَّهُ نَوَى الصِّيَامَ مِنْ اللَّيْلِ ، فَصَحَّ كَالْيَوْمِ الثَّانِي ، وَعَنْ الشَّافِعِيِّ كَالْمَذْهَبَيْنِ .\rوَلَنَا أَنَّهُ لَمْ يَجْزِمْ النِّيَّةَ بِصَوْمِهِ مِنْ رَمَضَانَ ، فَلَمْ يَصِحَّ ، كَمَا لَوْ لَمْ يَعْلَمْ إلَّا بَعْدَ خُرُوجِهِ .\rوَكَذَلِكَ لَوْ بَنَى عَلَى قَوْلِ الْمُنَجِّمِينَ وَأَهْلِ الْمَعْرِفَةِ بِالْحِسَابِ ، فَوَافَقَ الصَّوَابَ ، لَمْ يَصِحَّ صَوْمُهُ ، وَإِنْ كَثُرَتْ إصَابَتُهُمْ ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ يَجُوزُ الْبِنَاءُ عَلَيْهِ ، وَلَا الْعَمَلُ بِهِ ، فَكَانَ وُجُودُهُ كَعَدَمِهِ ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ } .\rوَفِي رِوَايَةٍ { : لَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوْهُ ، وَلَا تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ } .\rفَأَمَّا لَيْلَةُ الثَّلَاثِينَ مِنْ رَمَضَانَ ، فَتَصِحُّ نِيَّتُهُ ، وَإِنْ احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ مِنْ شَوَّالٍ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ رَمَضَانَ ، وَقَدْ أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِصَوْمِهِ بِقَوْلِهِ : { وَلَا تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ } .\rلَكِنْ إنْ قَالَ : إنْ كَانَ غَدًا مِنْ رَمَضَانَ ،","part":6,"page":46},{"id":2546,"text":"فَأَنَا صَائِمٌ ، وَإِنْ كَانَ مِنْ شَوَّالٍ فَأَنَا مُفْطِرٌ .\rفَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ لَا يَصِحُّ صَوْمُهُ : لِأَنَّهُ لَمْ يَجْزِمْ بِنِيَّةِ الصِّيَامِ ، وَالنِّيَّةُ اعْتِقَادٌ جَازِمٌ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يَصِحَّ ؛ لِأَنَّ هَذَا شَرْطٌ وَاقِعٌ ، وَالْأَصْلُ بَقَاءُ رَمَضَانَ .\r.","part":6,"page":47},{"id":2547,"text":"( 2008 ) فَصْلٌ : وَيَجِبُ تَعْيِينُ النِّيَّةِ فِي كُلِّ صَوْمٍ وَاجِبٍ ، وَهُوَ أَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّهُ يَصُومُ غَدًا مِنْ رَمَضَانَ ، أَوْ مِنْ قَضَائِهِ ، أَوْ مِنْ كَفَّارَتِهِ ، أَوْ نَذْرِهِ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ ، فَإِنَّهُ قَالَ : قُلْت لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ : أَسِيرٌ صَامَ فِي أَرْضِ الرُّومِ شَهْرَ رَمَضَانَ ، وَلَا يَعْلَمُ أَنَّهُ رَمَضَانُ ، يَنْوِي التَّطَوُّعَ ؟ قَالَ : لَا يُجْزِئُهُ إلَّا بِعَزِيمَةٍ أَنَّهُ مِنْ رَمَضَانَ .\rوَلَا يُجْزِئُهُ فِي يَوْمِ الشَّكِّ إذَا أَصْبَحَ صَائِمًا ، وَإِنْ كَانَ مِنْ رَمَضَانَ إلَّا بِعَزِيمَةٍ مِنْ اللَّيْلِ أَنَّهُ مِنْ رَمَضَانَ .\rوَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ ، رِوَايَةٌ أُخْرَى ، أَنَّهُ لَا يَجِبُ تَعْيِينُ النِّيَّةِ لِرَمَضَانَ .\rفَإِنَّ الْمَرُّوذِيَّ رَوَى عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّهُ قَالَ : يَكُونُ يَوْمُ الشَّكِّ يَوْمَ غَيْمٍ إذَا أَجْمَعِنَا عَلَى أَنَّنَا نُصْبِحُ صِيَامًا يُجْزِئُنَا مِنْ رَمَضَانَ ، وَإِنْ لَمْ نَعْتَقِدْ أَنَّهُ مِنْ رَمَضَانَ ؟ قَالَ : نَعَمْ .\rقُلْت فَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ } .\rأَلَيْسَ يُرِيدُ أَنْ يَنْوِيَ أَنَّهُ مِنْ رَمَضَانَ ؟ قَالَ : لَا ، إذَا نَوَى مِنْ اللَّيْلِ أَنَّهُ صَائِمٌ أَجْزَأْهُ .\rوَحَكَى أَبُو حَفْصٍ الْعُكْبَرِيُّ ، عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ قَالَ : وَلَوْ نَوَى نَفْلًا وَقَعَ عَنْهُ رَمَضَانُ وَصَحَّ صَوْمُهُ وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ .\rوَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا : وَلَوْ نَوَى أَنْ يَصُومَ تَطَوُّعًا لَيْلَةَ الثَّلَاثِينَ مِنْ رَمَضَانَ ، فَوَافَقَ رَمَضَانَ ، أَجْزَأَهُ .\rقَالَ الْقَاضِي : وَجَدْت هَذَا الْكَلَامَ اخْتِيَارًا لِأَبِي الْقَاسِمِ ، ذَكَرَهُ فِي \" شَرْحِهِ \" .\rوَقَالَ أَبُو حَفْصٍ : لَا يُجْزِئُهُ ، إلَّا أَنْ يَعْتَقِدَ مِنْ اللَّيْلِ بِلَا شَكٍّ وَلَا تَلَوُّمٍ .\rفَعَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي : لَوْ نَوَى فِي رَمَضَانَ الصَّوْمَ مُطْلَقًا ، أَوْ نَوَى نَفْلًا ، وَقَعَ عَنْ رَمَضَانَ ، وَصَحَّ صَوْمُهُ .\rوَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ إذَا كَانَ مُقْمِيًا ؛ لِأَنَّهُ فَرْضٌ مُسْتَحَقٌّ فِي زَمَنٍ","part":6,"page":48},{"id":2548,"text":"بِعَيْنِهِ ، فَلَا يَجِبُ تَعْيِينُ النِّيَّةِ لَهُ ، كَطَوَافِ الزِّيَارَةِ .\rوَلَنَا أَنَّهُ صَوْمٌ وَاجِبٌ ، فَوَجَبَ تَعْيِينُ النِّيَّةِ لَهُ ، كَالْقَضَاءِ وَطَوَافِ الزِّيَارَةِ ، كَمَسْأَلَتِنَا فِي افْتِقَارِهِ إلَى التَّعْيِينِ ، فَلَوْ طَافَ يَنْوِي بِهِ الْوَدَاعَ ، أَوْ طَافَ بِنِيَّةِ الطَّوَافِ مُطْلَقًا ، لَمْ يُجْزِئْهُ عَنْ طَوَافِ الزِّيَارَةِ .\rثُمَّ الْحَجُّ مُخَالِفٌ لِلصَّوْمِ ، وَلِهَذَا يَنْعَقِدُ مُطْلَقًا ، وَيَنْصَرِفُ إلَى الْفَرْضِ .\rوَلَوْ حَجَّ عَنْ غَيْرِهِ ، وَلَمْ يَكُنْ حَجَّ عَنْ نَفْسِهِ ، وَقَعَ عَنْ نَفْسِهِ .\rوَلَوْ نَوَى الْإِحْرَامَ بِمِثْلِ مَا أَحْرَمَ بِهِ فُلَانٌ ، صَحَّ ، وَيَنْعَقِدُ فَاسِدًا ، بِخِلَافِ الصَّوْمِ .","part":6,"page":49},{"id":2549,"text":"( 2009 ) فَصْلٌ : وَلَوْ نَوَى لَيْلَةَ الشَّكِّ ، إنْ كَانَ غَدًا مِنْ رَمَضَانَ فَأَنَا صَائِمٌ ، فَرْضًا ، وَإِلَّا فَهُوَ نَفْلٌ .\rلَمْ يُجْزِئْهُ ، عَلَى الرِّوَايَةِ الْأُولَى ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُعَيِّنْ الصَّوْمَ مِنْ رَمَضَانَ جَزْمًا ، وَيُجْزِئُهُ عَلَى الْأُخْرَى ؛ لِأَنَّهُ قَدْ نَوَى الصَّوْمَ .\rوَلَوْ كَانَ عَلَيْهِ صَوْمٌ مِنْ سَنَةِ خَمْسٍ ، فَنَوَى أَنَّهُ يَصُومُ عَنْ سَنَةِ سِتٍّ ، أَوْ نَوَى الصَّوْمَ عَنْ يَوْمِ الْأَحَدِ ، وَكَانَ الِاثْنَيْنِ ، أَوْ ظَنَّ أَنَّ غَدًا الْأَحَدُ ، فَنَوَاهُ ، وَكَانَ الِاثْنَيْنِ ، صَحَّ صَوْمُهُ ؛ لِأَنَّ نِيَّةَ الصَّوْمِ لَمْ تَخْتَلَّ ، وَإِنَّمَا أَخْطَأَ فِي الْوَقْتِ .","part":6,"page":50},{"id":2550,"text":"( 2010 ) فَصْلٌ : وَإِذَا عَيَّنَ النِّيَّةَ عَنْ صَوْمِ رَمَضَانَ ، أَوْ قَضَائِهِ أَوْ كَفَّارَةٍ ، أَوْ نَذْرٍ ، لَمْ يَحْتَجْ أَنْ يَنْوِيَ كَوْنَهُ فَرْضًا .\rوَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ : يَجِبُ ذَلِكَ .\rوَقَدْ مَرَّ بَيَانُ ذَلِكَ فِي الصَّلَاةِ .","part":6,"page":51},{"id":2551,"text":"( 2011 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَمَنْ نَوَى صِيَامَ التَّطَوُّعِ مِنْ النَّهَارِ ، وَلَمْ يَكُنْ طَعِمَ ، أَجْزَأَهُ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ صَوْمَ التَّطَوُّعِ يَجُوزُ بِنِيَّةٍ مِنْ النَّهَارِ ، عِنْدَ إمَامِنَا ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيِّ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ، وَأَبِي طَلْحَةَ وَابْنِ مَسْعُودٍ ، وَحُذَيْفَةَ ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَالنَّخَعِيِّ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ .\rوَقَالَ مَالِكٌ ، وَدَاوُد : لَا يَجُوزُ إلَّا بِنِيَّةٍ مِنْ اللَّيْلِ ؛ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ { : لَا صِيَامَ لِمَنْ لَمْ يُبَيِّتْ الصِّيَامَ مِنْ اللَّيْلِ } .\rوَلِأَنَّ الصَّلَاةَ يَتَّفِقُ وَقْتُ النِّيَّةِ لِفَرْضِهَا وَنَفْلِهَا ، فَكَذَلِكَ الصَّوْمُ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا { قَالَتْ : دَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ ، فَقَالَ : هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ شَيْءٍ ؟ قُلْنَا : لَا .\rقَالَ : فَإِنِّي إذًا صَائِمٌ } أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، وَأَبُو دَاوُد ، وَالنَّسَائِيُّ .\rوَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَيْضًا حَدِيثُ عَاشُورَاءَ .\rوَلِأَنَّ الصَّلَاةَ يُخَفَّفُ نَفْلُهَا عَنْ فَرْضِهَا ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ الْقِيَامُ لِنَفْلِهَا ، وَيَجُوزُ فِي السَّفَرِ عَلَى الرَّاحِلَةِ إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ ، فَكَذَا الصِّيَامُ .\rوَحَدِيثُهُمْ نَخُصُّهُ بِحَدِيثِنَا ، عَلَى أَنَّ حَدِيثَنَا أَصَحُّ مِنْ حَدِيثِهِمْ ، فَإِنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ لَهِيعَةَ ، وَيَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ ، قَالَ الْمَيْمُونِيُّ : سَأَلْت أَحْمَدَ عَنْهُ ، فَقَالَ : أُخْبِرُك مَا لَهُ عِنْدِي ذَلِكَ الْإِسْنَادُ ، إلَّا أَنَّهُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَحَفْصَةَ ، إسْنَادَانِ جَيِّدَانِ .\rوَالصَّلَاةُ يَتَّفِقُ وَقْتُ النِّيَّةِ لِنَفْلِهَا وَفَرْضِهَا ؛ لِأَنَّ اشْتِرَاطَ النِّيَّةِ فِي أَوَّلِ الصَّلَاةِ لَا يُفْضِي إلَى تَقْلِيلهَا ، بِخِلَافِ الصَّوْمِ فَإِنَّهُ يُعَيِّنُ لَهُ الصَّوْمَ مِنْ النَّهَارِ ، فَعُفِيَ عَنْهُ ، كَمَا لَوْ جَوَّزْنَا التَّنَفُّلَ قَاعِدًا وَعَلَى الرَّاحِلَةِ ، لِهَذِهِ الْعِلَّةِ .","part":6,"page":52},{"id":2552,"text":"( 2012 ) فَصْلٌ : وَأَيَّ وَقْتٍ مِنْ النَّهَارِ نَوَى أَجْزَأَهُ سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ مَا قَبْلَ الزَّوَالِ وَبَعْدَهُ .\rهَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ ، وَالْخِرَقِيِّ .\rوَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ فَإِنَّهُ قَالَ : أَحَدُكُمْ بِأَخِيرِ النَّظَرَيْنِ ، مَا لَمْ يَأْكُلْ أَوْ يَشْرَبْ .\rوَقَالَ رَجُلٌ لِسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ : إنِّي لَمْ آكُلْ إلَى الظُّهْرِ ، أَوْ إلَى الْعَصْرِ ، أَفَأَصُومُ بَقِيَّةَ يَوْمِي ؟ قَالَ : نَعَمْ .\rوَاخْتَارَ الْقَاضِي ، فِي \" الْمُحَرَّرِ \" أَنَّهُ لَا تُجْزِئُهُ النِّيَّةُ بَعْدَ الزَّوَالِ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَالْمَشْهُورُ مِنْ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ مُعْظَمَ النَّهَارِ مَضَى مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ ، بِخِلَافِ النَّاوِي قَبْلَ الزَّوَالِ ، فَإِنَّهُ قَدْ أَدْرَكَ مُعْظَمَ الْعِبَادَةِ ، وَلِهَذَا تَأْثِيرٌ فِي الْأُصُولِ ، بِدَلِيلِ أَنَّ مَنْ أَدْرَكَ الْإِمَامَ قَبْلَ الرَّفْعِ مِنْ الرُّكُوعِ أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ ؛ لِإِدْرَاكِهِ مُعْظَمَهَا ، وَلَوْ أَدْرَكَهُ بَعْدَ الرَّفْعِ ، لَمْ يَكُنْ مُدْرِكًا لَهَا ، وَلَوْ أَدْرَكَ مَعَ الْإِمَامِ مِنْ الْجُمُعَةِ رَكْعَةً ، كَانَ مُدْرِكًا لَهَا ؛ لِأَنَّهَا تَزِيدُ بِالتَّشَهُّدِ ، وَلَوْ أَدْرَكَ أَقَلَّ مِنْ رَكْعَةٍ ، لَمْ يَكُنْ مُدْرِكًا لَهَا .\rوَلَنَا أَنَّهُ نَوَى فِي جُزْءٍ مِنْ النَّهَارِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ نَوَى فِي أَوَّلِهِ ، وَلِأَنَّ جَمِيعَ اللَّيْلِ وَقْتٌ لِنِيَّةِ الْفَرْضِ ، فَكَذَا جَمِيعُ النَّهَارِ وَقْتٌ لِنِيَّةِ النَّفْلِ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِنَّهُ يُحْكَمُ لَهُ بِالصَّوْمِ الشَّرْعِيِّ الْمُثَابِ عَلَيْهِ مِنْ وَقْتِ النِّيَّةِ ، فِي الْمَنْصُوصِ عَنْ أَحْمَدَ ، فَإِنَّهُ قَالَ : مَنْ نَوَى فِي التَّطَوُّعِ مِنْ النَّهَارِ ، كُتِبَ لَهُ بَقِيَّةُ يَوْمِهِ ، وَإِذَا أَجْمَعَ مِنْ اللَّيْلِ كَانَ لَهُ يَوْمُهُ .\rوَهَذَا قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ ، فِي \" الْهِدَايَةِ \" : يُحْكَمُ لَهُ بِذَلِكَ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ .\rوَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ الصَّوْمَ لَا يَتَبَعَّضُ فِي الْيَوْمِ ، بِدَلِيلِ مَا لَوْ أَكَلَ فِي بَعْضِهِ ، لَمْ يَجُزْ لَهُ","part":6,"page":53},{"id":2553,"text":"صِيَامُ بَاقِيه ، فَإِذَا وُجِدَ فِي بَعْضِ الْيَوْمِ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ صَائِمٌ مِنْ أَوَّلِهِ ، وَلَا يَمْتَنِعُ الْحُكْمُ بِالصَّوْمِ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ حَقِيقَةً ، كَمَا لَوْ نَسِيَ الصَّوْمَ بَعْدَ نِيَّتِهِ ، أَوْ غَفَلَ عَنْهُ ، وَلِأَنَّهُ لَوْ أَدْرَكَ بَعْضَ الرَّكْعَةِ أَوْ بَعْضَ الْجَمَاعَةِ كَانَ مُدْرِكًا لِجَمِيعِهَا .\rوَلَنَا أَنَّ مَا قَبْلَ النِّيَّةِ لَمْ يَنْوِ صِيَامَهُ ، فَلَا يَكُونُ صَائِمًا فِيهِ ؛ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ { : إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى } .\rوَلِأَنَّ الصَّوْمَ عِبَادَةٌ مَحْضَةٌ ، فَلَا تُوجَدُ بِغَيْرِ نِيَّةٍ ، كَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ الْمَحْضَةِ .\rوَدَعْوَى أَنَّ الصَّوْمَ لَا يَتَبَعَّضُ ، دَعْوَى مَحَلِّ النِّزَاعِ ، وَإِنَّمَا يُشْتَرَطُ لِصَوْمِ الْبَعْضِ أَنْ لَا تُوجَدَ الْمُفْطِرَاتُ فِي شَيْءٍ مِنْ الْيَوْمِ ، وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثِ عَاشُورَاءَ { فَلْيَصُمْ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ } .\rوَأَمَّا إذَا نَسِيَ النِّيَّةَ بَعْدَ وُجُودِهَا ، فَإِنَّهُ يَكُونُ مُسْتَصْحِبًا لِحُكْمِهَا ، بِخِلَافِ مَا قَبْلَهَا ، فَإِنَّهَا لَمْ تُوجَدْ حُكْمًا ، وَلَا حَقِيقَةً ، وَلِهَذَا لَوْ نَوَى الْفَرْضَ مِنْ اللَّيْلِ ، وَنَسِيَهُ فِي النَّهَارِ صَحَّ صَوْمُهُ ، وَلَوْ لَمْ يَنْوِ مِنْ اللَّيْلِ ، لَمْ يَصِحَّ صَوْمُهُ .\rوَأَمَّا إدْرَاكُ الرَّكْعَةِ وَالْجَمَاعَةِ ، فَإِنَّمَا مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى قَضَاءِ رَكْعَةٍ ، وَيَنْوِي أَنَّهُ مَأْمُومٌ ، وَلَيْسَ هَذَا مُسْتَحِيلًا ، أَمَّا أَنْ يَكُونَ مَا صَلَّى الْإِمَامُ قَبْلَهُ مِنْ الرَّكَعَاتِ مَحْسُوبًا لَهُ ، بِحَيْثُ يُجْزِئُهُ عَنْ فِعْلِهِ فَكَلَّا ، وَلِأَنَّ مُدْرِكَ الرُّكُوعِ مُدْرِكٌ لِجَمِيعِ أَرْكَانِ الرَّكْعَةِ ، لِأَنَّ الْقِيَامَ وُجِدَ حِينَ كَبَّرَ وَفَعَلَ سَائِرَ الْأَرْكَانِ مَعَ الْإِمَامِ .\rوَأَمَّا الصَّوْمُ فَإِنَّ النِّيَّةَ شَرْطٌ أَوْ رُكْنٌ فِيهِ ، فَلَا يُتَصَوَّرُ وُجُودُهُ بِدُونِ شَرْطِهِ وَرُكْنِهِ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِنَّ مِنْ شَرْطِهِ أَنْ لَا يَكُونَ طَعِمَ قَبْلَ النِّيَّةِ ، وَلَا فَعَلَ مَا يُفْطِرُهُ ، فَإِنْ فَعَلَ","part":6,"page":54},{"id":2554,"text":"شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ ، لَمْ يُجْزِئُهُ الصِّيَامُ ، بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ .","part":6,"page":55},{"id":2555,"text":"( 2013 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَمَنْ نَوَى مِنْ اللَّيْلِ ، فَأُغْمِيَ عَلَيْهِ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ ، فَلَمْ يُفِقْ حَتَّى غَرَبَتْ الشَّمْسُ ، لَمْ يُجْزِهِ صِيَامُ ذَلِكَ الْيَوْمِ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ مَتَى أُغْمِيَ عَلَيْهِ جَمِيعَ النَّهَارِ ، فَلَمْ يُفِقْ فِي شَيْءٍ مِنْهُ ، لَمْ يَصِحَّ صَوْمُهُ ، فِي قَوْلِ إمَامِنَا وَالشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ النِّيَّةَ قَدْ صَحَّتْ ، وَزَوَالُ الِاسْتِشْعَارِ بَعْدَ ذَلِكَ لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الصَّوْمِ ، كَالنَّوْمِ .\rوَلَنَا أَنَّ الصَّوْمَ هُوَ الْإِمْسَاكُ مَعَ النِّيَّةِ .\rقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى : كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إلَّا الصِّيَامَ ، فَإِنَّهُ لِي ، وَأَنَا أَجْزِي بِهِ ، يَدَعُ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ مِنْ أَجْلِي } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rفَأَضَافَ تَرْكَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ إلَيْهِ ، وَإِذَا كَانَ مُغْمًى عَلَيْهِ ، فَلَا يُضَافُ الْإِمْسَاكُ إلَيْهِ ، فَلَمْ يُجْزِئْهُ .\rوَلِأَنَّ النِّيَّةَ أَحَدُ رُكْنَيْ الصَّوْمِ ، فَلَا تُجْزِئُ وَحْدَهَا ، كَالْإِمْسَاكِ وَحْدَهُ ، أَمَّا النَّوْمُ فَإِنَّهُ عَادَةٌ ، وَلَا يُزِيلُ الْإِحْسَاسَ بِالْكُلِّيَّةِ ، وَمَتَى نُبِّهَ انْتَبَهَ ، وَالْإِغْمَاءُ عَارِضٌ يُزِيلُ الْعَقْلَ ، فَأَشْبَهَ الْجُنُونَ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَزَوَالُ الْعَقْلِ يَحْصُلُ بِثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ ؛ أَحَدُهَا ، الْإِغْمَاءُ وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ ، وَمَتَى فَسَدَ الصَّوْمُ بِهِ فَعَلَى الْمُغْمَى عَلَيْهِ الْقَضَاءُ ، بِغَيْرِ خِلَافٍ عَلِمْنَاهُ ؛ لِأَنَّ مُدَّتَهُ لَا تَتَطَاوَلُ غَالِبًا ، وَلَا تَثْبُتُ الْوِلَايَةُ عَلَى صَاحِبِهِ ، فَلَمْ يَزُلْ بِهِ التَّكْلِيفُ وَقَضَاءُ الْعِبَادَاتِ ، كَالنَّوْمِ ، وَمَتَى أَفَاقَ الْمُغْمَى عَلَيْهِ فِي جُزْءٍ مِنْ النَّهَارِ ، صَحَّ صَوْمُهُ ، سَوَاءٌ كَانَ فِي أَوَّلِهِ أَوْ آخِرِهِ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ : تُعْتَبَرُ الْإِفَاقَةُ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ ، لِيَحْصُلَ حُكْمُ النِّيَّةِ فِي أَوَّلِهِ .\rوَلَنَا أَنَّ الْإِفَاقَةَ حَصَلَتْ فِي جُزْءٍ مِنْ النَّهَارِ ، فَأَجْزَأَ ، كَمَا لَوْ وُجِدَتْ فِي أَوَّلِهِ ،","part":6,"page":56},{"id":2556,"text":"وَمَا ذَكَرُوهُ لَا يَصِحُّ ؛ فَإِنَّ النِّيَّةَ قَدْ حَصَلَتْ مِنْ اللَّيْلِ ، فَيَسْتَغْنِي عَنْ ذِكْرِهَا فِي النَّهَارِ ، كَمَا لَوْ نَامَ أَوْ غَفَلَ عَنْ الصَّوْمِ ، وَلَوْ كَانَتْ النِّيَّةُ إنَّمَا تَحْصُلُ بِالْإِفَاقَةِ فِي النَّهَارِ ، لِمَا صَحَّ مِنْهُ صَوْمُ الْفَرْضِ بِالْإِفَاقَةِ ، لِأَنَّهُ لَا يُجْزِئُ بِنِيَّةٍ مِنْ النَّهَارِ .\rالثَّانِي ، النَّوْمُ ، فَلَا يُؤَثِّرُ فِي الصَّوْمِ ، سَوَاءٌ وُجِدَ فِي جَمِيعِ النَّهَارِ أَوْ بَعْضِهِ .\rالثَّالِثُ ، الْجُنُونُ ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْإِغْمَاءِ ، إلَّا أَنَّهُ إذَا وُجِدَ فِي جَمِيعِ النَّهَارِ ، لَمْ يَجِبْ قَضَاؤُهُ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : مَتَى أَفَاقَ الْمَجْنُونُ فِي جُزْءٍ مِنْ رَمَضَانَ ، لَزِمَهُ قَضَاءُ مَا مَضَى مِنْهُ ؛ لِأَنَّهُ أَدْرَكَ جُزْءًا مِنْ رَمَضَانَ وَهُوَ عَاقِلٌ ، فَلَزِمَهُ صِيَامُهُ ، كَمَا لَوْ أَفَاقَ فِي جُزْءٍ مِنْ الْيَوْمِ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : إذَا وُجِدَ الْجُنُونُ فِي جُزْءٍ مِنْ النَّهَارِ أَفْسَدَ الصَّوْمَ ؛ لِأَنَّهُ مَعْنًى يَمْنَعُ وُجُوبَ الصَّوْمِ ، فَأَفْسَدَهُ وُجُودُهُ فِي بَعْضِهِ ، كَالْحَيْضِ .\rوَلَنَا أَنَّهُ مَعْنًى يَمْنَعُ الْوُجُوبَ إذَا وُجِدَ فِي جَمِيعِ الشَّهْرِ ، فَمَنَعَهُ إذَا وُجِدَ فِي جَمِيعِ النَّهَارِ ، كَالصِّبَا وَالْكُفْرِ ، وَأَمَّا إنَّ أَفَاقَ فِي بَعْضِ الْيَوْمِ فَلَنَا مَنْعٌ فِي وُجُوبِهِ ، وَإِنْ سَلَّمْنَاهُ فَإِنَّهُ قَدْ أَدْرَكَ بَعْضَ وَقْتِ الْعِبَادَةِ ، فَلَزِمَهُ ، كَالصَّبِيِّ إذَا بَلَغَ ، وَالْكَافِرِ إذَا أَسْلَمَ فِي بَعْضِ النَّهَارِ ، وَكَمَا لَوْ أَدْرَكَ بَعْضَ وَقْتِ الصَّلَاةِ .\rوَلَنَا عَلَى الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ زَوَالُ عَقْلٍ فِي بَعْضِ النَّهَارِ ، فَلَمْ يَمْنَعْ صِحَّةَ الصَّوْمِ ، كَالْإِغْمَاءِ وَالنَّوْمِ ، وَيُفَارِقُ الْحَيْضَ ؛ فَإِنَّ الْحَيْضَ لَا يَمْنَعُ الْوُجُوبَ ، وَإِنَّمَا يُجَوِّزُ تَأْخِيرَ الصَّوْمِ ، وَيُحَرِّمُ فِعْلَهُ ، وَيُوجِبُ الْغُسْلَ ، وَيُحَرِّمُ الصَّلَاةَ وَالْقِرَاءَةَ وَاللُّبْثَ فِي الْمَسْجِدِ وَالْوَطْءَ ، فَلَا يَصِحُّ قِيَاسُ الْجُنُونِ عَلَيْهِ .","part":6,"page":57},{"id":2557,"text":"( 2014 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَإِذَا سَافَرَ مَا يَقْصُرُ فِيهِ الصَّلَاةَ ، فَلَا يُفْطِرُ حَتَّى يَتْرُكَ الْبُيُوتَ وَرَاءَ ظَهْرِهِ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ لِلْمُسَافِرِ أَنْ يُفْطِرَ فِي رَمَضَانَ وَغَيْرِهِ ، بِدَلَالَةِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ ؛ أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ } ، وَأَمَّا السُّنَّةُ فَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : إنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنْ الْمُسَافِرِ الصَّوْمَ } .\rرَوَاهُ النَّسَائِيّ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَقَالَ : حَدِيثٌ حَسَنٌ .\rفِي أَخْبَارٍ كَثِيرَةٍ سِوَاهُ .\rوَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى إبَاحَةِ الْفِطْرِ لِلْمُسَافِرِ فِي الْجُمْلَةِ ، وَإِنَّمَا يُبَاحُ الْفِطْرُ فِي السَّفَرِ الطَّوِيلِ ، الَّذِي يُبِيحُ الْقَصْرَ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا قَدْرَهُ فِي الصَّلَاةِ .\rثُمَّ لَا يَخْلُو الْمُسَافِرُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ : أَحَدُهَا ، أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْهِ شَهْرُ رَمَضَانَ فِي السَّفَرِ ، فَلَا نَعْلَمُ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ خِلَافًا فِي إبَاحَةِ الْفِطْرِ لَهُ .\rالثَّانِي ، أَنْ يُسَافِرَ فِي أَثْنَاء الشَّهْرِ لَيْلًا ، فَلَهُ الْفِطْرُ فِي صَبِيحَةِ اللَّيْلَةِ الَّتِي يَخْرُجُ فِيهَا ، وَمَا بَعْدَهَا ، فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rوَقَالَ عَبِيدَةُ السَّلْمَانِيُّ ، وَأَبُو مِجْلَزٍ ، وَسُوَيْدُ بْنُ غَفَلَةَ : لَا يُفْطِرُ مَنْ سَافَرَ بَعْدَ دُخُولِ الشَّهْرِ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ } .\rوَهَذَا قَدْ شَهِدَهُ .\rوَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ } .\rوَرَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ ، قَالَ { : خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامَ الْفَتْحِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ ، فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ الْكَدِيدَ ، ثُمَّ أَفْطَرَ وَأَفْطَرَ النَّاسُ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَلِأَنَّهُ مُسَافِرٌ فَأُبِيحَ لَهُ الْفِطْرُ ، كَمَا لَوْ سَافَرَ قَبْلَ الشَّهْرِ ، وَالْآيَةُ تَنَاوَلَتْ الْأَمْرَ بِالصَّوْمِ لِمَنْ شَهِدَ الشَّهْرَ كُلَّهُ ، وَهَذَا لَمْ","part":6,"page":58},{"id":2558,"text":"يَشْهَدْهُ كُلَّهُ .\rالثَّالِثُ ، أَنْ يُسَافِرَ فِي أَثْنَاءِ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ ، فَحُكْمُهُ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي كَمَنْ سَافَرَ لَيْلًا ، وَفِي إبَاحَةِ فِطْرِ الْيَوْمِ الَّذِي سَافَرَ فِيهِ ، عَنْ أَحْمَدَ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، لَهُ أَنْ يُفْطِرَ .\rوَهُوَ قَوْلُ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلِ ، وَالشَّعْبِيِّ ، وَإِسْحَاقَ ، وَدَاوُد ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ ؛ لِمَا رَوَى عُبَيْدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، قَالَ : رَكِبْت مَعَ أَبِي بَصْرَةَ الْغِفَارِيِّ فِي سَفِينَةٍ مِنْ الْفُسْطَاطِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ ، فَدَفَعَ ، ثُمَّ قَرَّبَ غَدَاءَهُ ، فَلَمْ يُجَاوِزْ الْبُيُوتَ حَتَّى دَعَا بِالسُّفْرَةِ ، ثُمَّ قَالَ : اقْتَرِبْ ، قُلْت : أَلَسْت تَرَى الْبُيُوتَ ؟ قَالَ أَبُو بَصْرَةَ { أَتَرْغَبُ عَنْ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ فَأَكَلَ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَلِأَنَّ السَّفَرَ مَعْنًى لَوْ وُجِدَ لَيْلًا وَاسْتَمَرَّ فِي النَّهَارِ لَأَبَاحَ الْفِطْرَ ، فَإِذَا وُجِدَ فِي أَثْنَائِهِ أَبَاحَهُ كَالْمَرَضِ ، وَلِأَنَّهُ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِمَا فِي إبَاحَةِ الْفِطْرِ بِهِمَا ، فَأَبَاحَهُ فِي أَثْنَاءِ النَّهَارِ كَالْآخَرِ .\rوَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ ، لَا يُبَاحُ لَهُ الْفِطْرُ ذَلِكَ الْيَوْمَ ، وَهُوَ قَوْلُ مَكْحُولٍ ، وَالزُّهْرِيِّ ، وَيَحْيَى الْأَنْصَارِيِّ ، وَمَالِكٍ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ ؛ لِأَنَّ الصَّوْمَ عِبَادَةٌ تَخْتَلِفُ بِالسَّفَرِ وَالْحَضَرِ ، فَإِذَا اجْتَمَعَا فِيهَا غَلَبَ حُكْمُ الْحَضَرِ ، كَالصَّلَاةِ ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ؛ لِلْخَبَرِ ، وَلِأَنَّ الصَّوْمَ يُفَارِقُ الصَّلَاةَ فَإِنَّ الصَّلَاةَ يَلْزَمُ إتْمَامُهَا بِنِيَّتِهِ ، بِخِلَافِ الصَّوْمِ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِنَّهُ لَا يُبَاحُ لَهُ الْفِطْرُ حَتَّى يُخَلِّفَ الْبُيُوتَ وَرَاءَ ظَهْرِهِ ، يَعْنِي أَنَّهُ يُجَاوِزُهَا وَيَخْرُجُ مِنْ بَيْن بُنْيَانِهَا .\rوَقَالَ الْحَسَنُ : يُفْطِرُ فِي بَيْتِهِ ، إنْ شَاءَ ، يَوْمَ يُرِيدُ أَنْ يَخْرُجَ .\rوَرُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ عَطَاءٍ .\rقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : قَوْلُ الْحَسَنِ قَوْلٌ شَاذٌّ ، وَلَيْسَ الْفِطْرُ لِأَحَدٍ فِي الْحَضَرِ","part":6,"page":59},{"id":2559,"text":"فِي نَظَرٍ وَلَا أَثَرٍ .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ الْحَسَنِ خِلَافُهُ .\rوَقَدْ رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ ، قَالَ : { أَتَيْت أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ فِي رَمَضَانَ ، وَهُوَ يُرِيدُ السَّفَرَ ، وَقَدْ رُحِّلَتْ لَهُ رَاحِلَتُهُ ، وَلَبِسَ ثِيَابَ السَّفَرِ ، فَدَعَا بِطَعَامٍ فَأَكَلَ ، فَقُلْت لَهُ : سُنَّةٌ ؟ فَقَالَ : سُنَّةٌ .\rثُمَّ رَكِبَ .\r} قَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ .\rوَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ } .\rوَهَذَا شَاهِدٌ ، وَلَا يُوصَفُ بِكَوْنِهِ مُسَافِرًا حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ الْبَلَدِ ، وَمَهْمَا كَانَ فِي الْبَلَدِ فَلَهُ أَحْكَامُ الْحَاضِرِينَ ، وَلِذَلِكَ لَا يَقْصُرُ الصَّلَاةَ .\rفَأَمَّا أَنَسٌ فَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ قَدْ كَانَ بَرَزَ مِنْ الْبَلَدِ خَارِجًا مِنْهُ ، فَأَتَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ فِي مَنْزِلِهِ ذَلِكَ .","part":6,"page":60},{"id":2560,"text":"( 2015 ) فَصْلٌ : وَإِنْ نَوَى الْمُسَافِرُ الصَّوْمَ فِي سَفَرِهِ ، ثُمَّ بَدَا لَهُ أَنْ يُفْطِرَ ، فَلَهُ ذَلِكَ .\rوَاخْتَلَفَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِيهِ ، فَقَالَ مَرَّةً : لَا يَجُوزُ لَهُ الْفِطْرُ ، وَقَالَ مَرَّةً أُخْرَى : إنَّ صَحَّ حَدِيثُ الْكَدِيدِ لَمْ أَرَ بِهِ بَأْسًا أَنْ يُفْطِرَ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : إنَّ أَفْطَرَ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ ؛ لِأَنَّهُ أَفْطَرَ فِي صَوْمِ رَمَضَانَ ، فَلَزِمَهُ ذَلِكَ ، كَمَا لَوْ كَانَ حَاضِرًا .\rوَلَنَا ، حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَرَوَى جَابِرٌ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ عَامَ الْفَتْحِ ، فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ كُرَاعَ الْغَمِيمِ ، وَصَامَ النَّاسُ مَعَهُ ، فَقِيلَ لَهُ : إنَّ النَّاسَ قَدْ شَقَّ عَلَيْهِمْ الصِّيَامُ ، وَإِنَّ النَّاسَ يَنْظُرُونَ مَا فَعَلْت ، فَدَعَا بِقَدَحٍ مِنْ مَاءٍ بَعْدَ الْعَصْرِ ، فَشَرِبَ وَالنَّاسُ يَنْظُرُونَ ، فَأَفْطَرَ بَعْضُهُمْ ، وَصَامَ بَعْضُهُمْ ، فَبَلَغَهُ أَنَّ نَاسًا صَامُوا ، فَقَالَ : أُولَئِكَ الْعُصَاةُ .\r} رَوَاهُ مُسْلِمٌ .\rوَهَذَا نَصٌّ صَرِيحٌ لَا يَعْرُجُ عَلَى مَنْ خَالَفَهُ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِنَّ لَهُ أَنْ يُفْطِرَ بِمَا شَاءَ مِنْ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَغَيْرِهِمَا ، إلَّا الْجِمَاعَ ، هَلْ لَهُ أَنْ يُفْطِرَ بِهِ أَمْ لَا ؟ فَإِنْ أَفْطَرَ بِالْجِمَاعِ فَفِي الْكَفَّارَةِ رِوَايَتَانِ ؛ الصَّحِيحُ مِنْهُمَا أَنَّهُ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rوَالثَّانِيَةُ ، يَلْزَمُهُ كَفَّارَةٌ ؛ لِأَنَّهُ أَفْطَرَ بِجِمَاعٍ فَلَزِمَتْهُ كَفَّارَةٌ ؛ كَالْحَاضِرِ .\rوَلَنَا أَنَّهُ صَوْمٌ لَا يَجِبُ الْمُضِيُّ فِيهِ ، فَلَمْ تَجِبْ الْكَفَّارَةُ بِالْجِمَاعِ فِيهِ ، كَالتَّطَوُّعِ ، وَفَارَقَ الْحَاضِرَ الصَّحِيحَ ، فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْمُضِيُّ فِي الصَّوْمِ ، وَإِنْ كَانَ مَرِيضًا يُبَاحُ لَهُ الْفِطْرُ فَهُوَ كَالْمُسَافِرِ ، وَلِأَنَّهُ يُفْطِرُ بِنِيَّةِ الْفِطْرِ ، فَيَقَعُ الْجِمَاعُ بَعْدَ حُصُولِ الْفِطْرِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَكَلَ ثُمَّ جَامَعَ .\rوَمَتَى أَفْطَرَ الْمُسَافِرُ فَلَهُ فِعْلُ جَمِيعِ مَا يُنَافِي الصَّوْمَ ، مِنْ","part":6,"page":61},{"id":2561,"text":"الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالْجِمَاعِ وَغَيْرِهِ ؛ لِأَنَّ حُرْمَتَهَا بِالصَّوْمِ ، فَتَزُولُ بِزَوَالِهِ ، كَمَا لَوْ زَالَ بِمَجِيءِ اللَّيْلِ .","part":6,"page":62},{"id":2562,"text":"( 2016 ) فَصْلٌ : وَلَيْسَ لِلْمُسَافِرِ أَنْ يَصُومَ فِي رَمَضَانَ عَنْ غَيْرِهِ ، كَالنَّذْرِ وَالْقَضَاءِ ؛ لِأَنَّ الْفِطْرَ أُبِيحَ رُخْصَةً وَتَخْفِيفًا عَنْهُ ، فَإِذَا لَمْ يُرِدْ التَّخْفِيفَ عَنْ نَفْسِهِ ، لَزِمَهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْأَصْلِ .\rفَإِنْ نَوَى صَوْمًا غَيْرَ رَمَضَانَ ، لَمْ يَصِحَّ صَوْمُهُ ، لَا عَنْ رَمَضَانَ ، وَلَا عَنْ مَا نَوَاهُ .\rهَذَا الصَّحِيحُ فِي الْمَذْهَبِ ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَقَعُ مَا نَوَاهُ إذَا كَانَ وَاجِبًا ؛ لِأَنَّهُ زَمَنٌ أُبِيحَ لَهُ فِطْرُهُ ، فَكَانَ لَهُ صَوْمُهُ عَنْ وَاجِبٍ عَلَيْهِ ، كَغَيْرِ شَهْرِ رَمَضَانَ .\rوَلَنَا أَنَّهُ أُبِيحَ لَهُ الْفِطْرَ لِلْعُذْرِ ، فَلَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَصُومَهُ عَنْ غَيْرِ رَمَضَانَ ، كَالْمَرِيضِ ، وَبِهَذَا يُنْتَقَضُ مَا ذَكَرُوهُ ، وَيُنْقَضُ أَيْضًا بِصَوْمِ التَّطَوُّعِ ، فَإِنَّهُمْ سَلَّمُوهُ .\rقَالَ صَالِحٌ : قِيلَ لِأَبِي : مَنْ صَامَ شَهْرَ رَمَضَانَ ، وَهُوَ يَنْوِي بِهِ تَطَوُّعًا ، يُجْزِئُهُ ؟ قَالَ : أَوَيَفْعَلُ هَذَا مُسْلِمٌ ، .","part":6,"page":63},{"id":2563,"text":"( 2017 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَمَنْ أَكَلَ أَوْ شَرِبَ ، أَوْ احْتَجَمَ ، أَوْ اسْتَعَطَ ، أَوْ أَدْخَلَ إلَى جَوْفِهِ شَيْئًا مِنْ أَيِّ مَوْضِعٍ كَانَ ، أَوْ قَبَّلَ فَأَمْنَى ، أَوْ أَمْذَى ، أَوْ كَرَّرَ النَّظَرَ فَأَنْزَلَ ، أَيَّ ذَلِكَ فَعَلَ عَامِدًا ، وَهُوَ ذَاكِرٌ لِصَوْمِهِ ، فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ بِلَا كَفَّارَةٍ ، إذَا كَانَ صَوْمًا وَاجِبًا ) ( 2018 ) فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فُصُولٌ : أَحَدُهَا ، أَنَّهُ يُفْطِرُ بِالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ بِالْإِجْمَاعِ ، وَبِدَلَالَةِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ، أَمَّا الْكِتَابُ : فَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنْ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إلَى اللَّيْلِ } مَدَّ الْأَكْلَ وَالشُّرْبَ إلَى تَبَيُّنِ الْفَجْرِ ، ثُمَّ أَمَرَ بِالصِّيَامِ عَنْهُمَا .\rوَأَمَّا السُّنَّةُ ، فَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ ، أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ ؛ يَتْرُكُ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَشَهْوَتَهُ مِنْ أَجْلِي } .\rوَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى الْفِطْرِ بِالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ بِمَا يُتَغَذَّى بِهِ ، فَأَمَّا مَا لَا يَتَغَذَّى بِهِ ، فَعَامَّةُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْفِطْرَ يَحْصُلُ بِهِ .\rوَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ : لَا يُفْطِرُ بِمَا لَيْسَ بِطَعَامٍ وَلَا شَرَابٍ ، وَحُكِيَ عَنْ أَبِي طَلْحَةَ الْأَنْصَارِيِّ ، أَنَّهُ كَانَ يَأْكُلُ الْبَرْدَ فِي الصَّوْمِ ، وَيَقُولُ : لَيْسَ بِطَعَامٍ وَلَا شَرَابٍ .\rوَلَعَلَّ مِنْ يَذْهَبُ إلَى ذَلِكَ يَحْتَجُّ بِأَنَّ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ إنَّمَا حَرَّمَا الْأَكْلَ وَالشُّرْبَ ، فَمَا عَدَاهُمَا يَبْقَى عَلَى أَصْلِ الْإِبَاحَةِ .\rوَلَنَا دَلَالَةُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ عَلَى تَحْرِيمِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ عَلَى الْعُمُومِ ، فَيَدْخُلُ فِيهِ مَحَلُّ النِّزَاعِ ، وَلَمْ يَثْبُتْ عِنْدَنَا مَا نُقِلَ عَنْ أَبِي طَلْحَةَ ، فَلَا يُعَدُّ خِلَافًا .","part":6,"page":64},{"id":2564,"text":"( 2019 ) الْفَصْلُ الثَّانِي ، أَنَّ الْحِجَامَةَ يُفْطِرُ بِهَا الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ .\rوَبِهِ قَالَ إِسْحَاقُ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ .\rوَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ .\rوَكَانَ الْحَسَنُ ، وَمَسْرُوقٌ ، وَابْنُ سِيرِينَ ، لَا يَرَوْنَ لِلصَّائِمِ أَنْ يَحْتَجِمَ .\rوَكَانَ جَمَاعَةٌ مِنْ الصَّحَابَةِ يَحْتَجِمُونَ لَيْلًا فِي الصَّوْمِ ، مِنْهُمْ ابْنُ عُمَرَ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ ، وَأَبُو مُوسَى ، وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ، وَرَخَّصَ فِيهَا أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، وَابْنُ مَسْعُودٍ ، وَأُمُّ سَلَمَةَ ، وَحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ ، وَعُرْوَةُ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ .\rوَقَالَ مَالِكٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ : يَجُوزُ لِلصَّائِمِ أَنْ يَحْتَجِمَ ، وَلَا يُفْطِرُ ؛ لِمَا رَوَى الْبُخَارِيُّ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { احْتَجَمَ وَهُوَ صَائِمٌ } .\rوَلِأَنَّهُ دَمٌ خَارِجٌ مِنْ الْبَدَنِ ، أَشْبَهَ الْفَصْدَ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ .\r} رَوَاهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَدَ عَشَرَ نَفْسًا ، قَالَ أَحْمَدُ : حَدِيثُ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ مِنْ أَصَحِّ حَدِيثٍ يُرْوَى فِي هَذَا الْبَابِ ، وَإِسْنَادُ حَدِيثِ رَافِعٍ إسْنَادٌ جَيِّدٌ .\rوَقَالَ : حَدِيثُ شَدَّادٍ وَثَوْبَانِ صَحِيحَانِ ، وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ ، أَنَّهُ قَالَ : أَصَحُّ شَيْءٍ فِي هَذَا الْبَابِ حَدِيثُ شَدَّادٍ وَثَوْبَانِ .\rوَحَدِيثُهُمْ مَنْسُوخٌ بِحَدِيثِنَا ، بِدَلِيلِ مَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ ، أَنَّهُ قَالَ { : احْتَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْقَاحَّةِ بِقَرْنٍ وَنَابٍ ، وَهُوَ مُحْرِمٌ صَائِمٌ ، فَوَجَدَ لِذَلِكَ ضَعْفًا شَدِيدًا ، فَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَحْتَجِمَ الصَّائِمُ } .\rرَوَاهُ أَبُو إِسْحَاقَ الْجُوزَجَانِيُّ فِي الْمُتَرْجَمِ ، وَعَنْ الْحَكَمِ ، قَالَ { : احْتَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ صَائِمٌ } فَضَعُفَ ، ثُمَّ","part":6,"page":65},{"id":2565,"text":"كُرِهَتْ الْحِجَامَةُ لِلصَّائِمِ .\rوَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَهُوَ رَاوِي حَدِيثِهِمْ ، يُعِدُّ الْحَجَّامَ وَالْمَحَاجِمَ ، فَإِذَا غَابَتْ الشَّمْسُ احْتَجَمَ بِاللَّيْلِ .\rكَذَلِكَ رَوَاهُ الْجُوزَجَانِيُّ .\rوَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ عَلِمَ نَسْخَ الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ احْتَجَمَ فَأَفْطَرَ ، كَمَا رُوِيَ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ { قَاءَ فَأَفْطَرَ } فَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { رَأَى الْحَاجِمَ وَالْمُحْتَجِمَ يَغْتَابَانِ ، } فَقَالَ ذَلِكَ ، قُلْنَا : لَمْ تَثْبُتْ صِحَّةُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ ، مَعَ أَنَّ اللَّفْظَ أَعَمُّ مِنْ السَّبَبِ ، فَيَجِبُ الْعَمَلُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لَا بِخُصُوصِ السَّبَبِ ، عَلَى أَنَّنَا قَدْ ذَكَرْنَا الْحَدِيثَ الَّذِي فِيهِ بَيَانُ عِلَّةِ النَّهْيِ عَنْ الْحِجَامَةِ ، وَهِيَ الْخَوْفُ مِنْ الضَّعْفِ ، فَيَبْطُلُ التَّعْلِيلُ بِمَا سِوَاهُ ، أَوْ يَكُونُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عِلَّةً مُسْتَقِلَّةً .\rعَلَى أَنَّ الْغِيبَةَ لَا تُفَطِّرُ الصَّائِمَ إجْمَاعًا ، فَلَا يَصِحُّ حَمْلُ الْحَدِيثِ عَلَى مَا يُخَالِفُ الْإِجْمَاعَ .\rقَالَ أَحْمَدُ : لَأَنْ يَكُونَ الْحَدِيثُ كَمَا جَاءَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ } أَحَبُّ إلَيْنَا مِنْ أَنْ يَكُونَ مِنْ الْغِيبَةِ ؛ لِأَنَّ مِنْ أَرَادَ أَنْ يَمْتَنِعَ مِنْ الْحِجَامَةِ امْتَنَعَ ، وَهَذَا أَشَدُّ عَلَى النَّاسِ ، مَنْ يَسْلَمُ مِنْ الْغِيبَةِ ، فَإِنْ قِيلَ : فَإِذَا كَانَتْ عِلَّةُ النَّهْيِ ضَعْفَ الصَّائِمِ بِهَا فَلَا يَقْتَضِي ذَلِكَ الْفِطْرَ ، وَإِنَّمَا يَقْتَضِي الْكَرَاهَةَ ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ : { أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ } أَيْ قَرُبَا مِنْ الْفِطْرِ .\rقُلْنَا : هَذَا تَأْوِيلٌ يَحْتَاجُ إلَى دَلِيلٍ ، عَلَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ ذَلِكَ فِي حَقِّ الْحَاجِمِ ، فَإِنَّهُ لَا ضَعْفَ فِيهِ .","part":6,"page":66},{"id":2566,"text":"( 2020 ) الْفَصْلُ الثَّالِثُ ، أَنَّهُ يُفْطِرُ بِكُلِّ مَا أَدْخَلَهُ إلَى جَوْفِهِ ، أَوْ مُجَوَّفٍ فِي جَسَدِهِ كَدِمَاغِهِ وَحَلْقِهِ ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يَنْفُذُ إلَى مَعِدَتِهِ ، إذَا وَصَلَ بِاخْتِيَارِهِ ، وَكَانَ مِمَّا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ ، سَوَاءٌ وَصَلَ مِنْ الْفَمِ عَلَى الْعَادَةِ ، أَوْ غَيْرِ الْعَادَةِ كَالْوَجُورِ وَاللَّدُودِ ، أَوْ مِنْ الْأَنْفِ كَالسَّعُوطِ ، أَوْ مَا يَدْخُلُ مِنْ الْأُذُنِ إلَى الدِّمَاغِ ، أَوْ مَا يَدْخُلُ مِنْ الْعَيْنِ إلَى الْحَلْقِ كَالْكُحْلِ ، أَوْ مَا يَدْخُلُ إلَى الْجَوْفِ مِنْ الدُّبُرِ بِالْحُقْنَةِ ، أَوْ مَا يَصِلُ مِنْ مُدَاوَاةِ الْجَائِفَةِ إلَى جَوْفِهِ ، أَوْ مِنْ دَوَاءِ الْمَأْمُومَةِ إلَى دِمَاغِهِ ، فَهَذَا كُلُّهُ يُفْطِرُهُ ؛ لِأَنَّهُ وَاصِلٌ إلَى جَوْفِهِ بِاخْتِيَارِهِ ، فَأَشْبَهَ الْأَكْلَ ، وَكَذَلِكَ لَوْ جَرَحَ نَفْسَهُ ، أَوْ جَرَحَهُ غَيْرُهُ بِاخْتِيَارِهِ ، فَوَصَلَ إلَى جَوْفِهِ ، سَوَاءٌ اسْتَقَرَّ فِي جَوْفِهِ ، أَوْ عَادَ فَخَرَجَ مِنْهُ ، وَبِهَذَا كُلِّهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : لَا يُفْطِرُ بِالسَّعُوطِ ، إلَّا أَنْ يَنْزِلَ إلَى حَلْقِهِ ، وَلَا يُفْطِرُ إذَا دَاوَى الْمَأْمُومَةَ وَالْجَائِفَةَ .\rوَاخْتَلَفَ عَنْهُ فِي الْحُقْنَةِ ، وَاحْتَجَّ لَهُ بِأَنَّهُ لَمْ يَصِلْ إلَى الْحَلْقِ مِنْهُ شَيْءٌ ، أَشْبَهَ مَا لَمْ يَصِلْ إلَى الدِّمَاغِ وَلَا الْجَوْفِ .\rوَلَنَا أَنَّهُ وَاصِلٌ إلَى جَوْفِ الصَّائِمِ بِاخْتِيَارِهِ ، فَيُفْطِرهُ ، كَالْوَاصِلِ إلَى الْحَلْقِ ، وَالدِّمَاغُ جَوْفٌ ، وَالْوَاصِلُ إلَيْهِ يُغَذِّيه ، فَيُفْطِرُهُ ، كَجَوْفِ الْبَدَن .","part":6,"page":67},{"id":2567,"text":"( 2021 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا الْكُحْلُ ، فَمَا وَجَدَ طَعْمَهُ فِي حَلْقِهِ ، أَوْ عَلِمَ وُصُولَهُ إلَيْهِ ، فَطَّرَهُ ، وَإِلَّا لَمْ يُفَطِّرْهُ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .\rوَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى : مَا يَجِدُ طَعْمَهُ كَالزُّرُورِ وَالصَّبْرِ وَالْقَطُورِ ، أَفْطَرَ .\rوَإِنْ اكْتَحَلَ بِالْيَسِيرِ مِنْ الْإِثْمِدِ غَيْرِ الْمُطَيَّبِ ، كَالْمِيلِ وَنَحْوِهِ ، لَمْ يُفْطِرْ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .\rوَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ : إنْ كَانَ الْكُحْلُ حَادًّا ، فَطَّرَهُ ، وَإِلَّا فَلَا .\rوَنَحْوَ مَا ذَكَرْنَاهُ قَالَ أَصْحَابُ مَالِكٍ .\rوَعَنْ ابْنِ أَبِي لَيْلَى ، وَابْنِ شُبْرُمَةَ ، أَنَّ الْكُحْلَ يُفَطِّرُ الصَّائِمَ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ : لَا يُفَطِّرُهُ ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { ، أَنَّهُ اكْتَحَلَ فِي رَمَضَانَ وَهُوَ صَائِمٌ } .\rوَلِأَنَّ الْعَيْنَ لَيْسَتْ مَنْفَذًا ؛ فَلَمْ يُفْطِرْ بِالدَّاخِلِ مِنْهَا ، كَمَا لَوْ دَهَنَ رَأْسَهُ .\rوَلَنَا أَنَّهُ أَوْصَلَ إلَى حَلْقِهِ مَا هُوَ مَمْنُوعٌ مِنْ تَنَاوُلِهِ بِفِيهِ فَأَفْطَرَ بِهِ ، كَمَا لَوْ أَوْصَلَهُ مِنْ أَنْفِهِ ، وَمَا رَوَوْهُ لَمْ يَصِحَّ ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ : لَمْ يَصِحَّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَابِ الْكُحْلِ لِلصَّائِمِ شَيْءٌ .\rثُمَّ يَحْمِلُهُ عَلَى أَنَّهُ اكْتَحَلَ بِمَا لَا يَصِلُ .\rوَقَوْلُهُمْ : لَيْسَتْ الْعَيْنُ مَنْفَذًا لَا يَصِحُّ ؛ فَإِنَّهُ يُوجَدُ طَعْمُهُ فِي الْحَلْقِ ، وَيَكْتَحِلُ بِالْإِثْمِدِ فَيَتَنَخَّعَهُ قَالَ أَحْمَدُ : حَدَّثَنِي إنْسَانٌ أَنَّهُ اكْتَحَلَ بِاللَّيْلِ فَتَنَخَّعَهُ بِالنَّهَارِ .\rثُمَّ لَا يُعْتَبَرُ فِي الْوَاصِلِ أَنْ يَكُونَ مِنْ مَنْفَذٍ ، بِدَلِيلِ مَا لَوْ جَرَحَ نَفْسَهُ جَائِفَةً ، فَإِنَّهُ يُفْطِرُ .","part":6,"page":68},{"id":2568,"text":"( 2022 ) فَصْلٌ : وَمَا لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ ، كَابْتِلَاعِ الرِّيقِ لَا يُفَطِّرُهُ ، لِأَنَّ اتِّقَاءَ ذَلِكَ يَشُقُّ ، فَأَشْبَهَ غُبَارَ الطَّرِيقِ ، وَغَرْبَلَةَ الدَّقِيقِ .\rفَإِنْ جَمَعَهُ ثُمَّ ابْتَلَعَهُ قَصْدًا لَمْ يُفَطِّرْهُ ؛ لِأَنَّهُ يَصِلُ إلَى جَوْفِهِ مِنْ مَعِدَتِهِ ، أَشْبَهَ مَا إذَا لَمْ يَجْمَعْهُ .\rوَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ ، أَنَّهُ يُفَطِّرُهُ ؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنَهُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ ، أَشْبَهَ مَا لَوْ قَصَدَ ابْتِلَاعَ غُبَارِ الطَّرِيقِ .\rوَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ؛ فَإِنَّ الرِّيقَ لَا يُفَطِّرُ إذَا لَمْ يَجْمَعْهُ ، وَإِنْ قَصَدَ ابْتِلَاعَهُ ، فَكَذَلِكَ إذَا جَمَعَهُ ، بِخِلَافِ غُبَارِ الطَّرِيقِ ، فَإِنْ خَرَجَ رِيقُهُ إلَى ثَوْبِهِ ، أَوْ بَيْنَ أَصَابِعِهِ ، أَوْ بَيْنَ شَفَتَيْهِ ، ثُمَّ عَادَ فَابْتَلَعَهُ ، أَوْ بَلَعَ رِيقَ غَيْرِهِ ، أَفْطَرَ ؛ لِأَنَّهُ ابْتَلَعَهُ مِنْ غَيْرِ فَمِهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ بَلَعَ غَيْرَهُ .\rفَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ رَوَتْ عَائِشَةُ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { كَانَ يُقَبِّلُهَا وَهُوَ صَائِمٌ ، وَيَمُصُّ لِسَانَهَا .\r} رَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rقُلْنَا : قَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي دَاوُد أَنَّهُ قَالَ : هَذَا إسْنَادٌ لَيْسَ بِصَحِيحٍ .\rوَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ يُقَبِّلُ فِي الصَّوْمِ ، وَيَمُصُّ لِسَانَهَا فِي غَيْرِهِ .\rوَيَجُوزُ أَنْ يَمُصَّهُ ، ثُمَّ لَا يَبْتَلِعُهُ ، وَلِأَنَّهُ لَمْ يَتَحَقَّقْ انْفِصَالُ مَا عَلَى لِسَانِهَا مِنْ الْبَلَلِ إلَى فَمِهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ تَرَكَ حَصَاةً مَبْلُولَةً فِي فِيهِ ، أَوْ لَوْ تَمَضْمَضَ بِمَاءٍ ثُمَّ مَجَّهُ .\rوَلَوْ تَرَكَ فِي فَمِهِ حَصَاةً أَوْ دِرْهَمًا ، فَأَخْرَجَهُ وَعَلَيْهِ بَلَّةٌ مِنْ الرِّيقِ ، ثُمَّ أَعَادَهُ فِي فِيهِ ، نَظَرْت ؛ فَإِنْ كَانَ مَا عَلَيْهِ مِنْ الرِّيقِ كَثِيرًا فَابْتَلَعَهُ أَفْطَرَ ، وَإِنْ كَانَ يَسِيرًا لَمْ يُفْطِرْ بِابْتِلَاعِ رِيقِهِ .\rوَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا : يُفْطِرُ لِابْتِلَاعِهِ ذَلِكَ الْبَلَلَ الَّذِي كَانَ عَلَى الْجِسْمِ .\rوَلَنَا أَنَّهُ لَا يَتَحَقَّقُ انْفِصَالُ ذَلِكَ الْبَلَلِ ، وَدُخُولُهُ إلَى حَلْقِهِ ، فَلَا يُفَطِّرُهُ ، كَالْمَضْمَضَةِ وَالتَّسَوُّكِ","part":6,"page":69},{"id":2569,"text":"بِالسِّوَاكِ الرَّطْبِ وَالْمَبْلُولِ .\rوَيُقَوِّي ذَلِكَ حَدِيثُ عَائِشَةَ فِي مَصِّ لِسَانِهَا .\rوَلَوْ أَخْرَجَ لِسَانَهُ وَعَلَيْهِ بَلَّةٌ ، ثُمَّ عَادَ فَأَدْخَلَهُ وَابْتَلَعَ رِيقَهُ ، لَمْ يُفْطِرْ .","part":6,"page":70},{"id":2570,"text":"( 2023 ) فَصْلٌ : وَإِنْ ابْتَلَعَ النُّخَامَةَ فَفِيهَا رِوَايَتَانِ ، إحْدَاهُمَا ، يُفْطِرُ .\rقَالَ حَنْبَلٌ : سَمِعْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ : إذَا تَنَخَّمَ ، ثُمَّ ازْدَرَدَهُ ، فَقَدْ أَفْطَرَ .\rلِأَنَّ النُّخَامَةَ مِنْ الرَّأْسِ تَنْزِلُ ، وَالرِّيقَ مِنْ الْفَمِ .\rوَلَوْ تَنَخَّعَ مِنْ جَوْفِهِ ، ثُمَّ ازْدَرَدَهُ ، أَفْطَرَ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنَ التَّحَرُّزُ مِنْهَا ، أَشْبَهَ الدَّمَ ، وَلِأَنَّهَا مِنْ غَيْرِ الْفَمِ ، أَشْبَهَ الْقَيْءَ .\rوَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ ، لَا يُفْطِرُ .\rقَالَ ، فِي رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيِّ : لَيْسَ عَلَيْك قَضَاءٌ إذَا ابْتَلَعْتَ النُّخَامَةَ وَأَنْتَ صَائِمٌ .\rلِأَنَّهُ مُعْتَادٌ فِي الْفَمِ ، غَيْرُ وَاصِلٍ مِنْ خَارِجٍ ، أَشْبَهَ الرِّيقَ .","part":6,"page":71},{"id":2571,"text":"( 2024 ) فَصْلٌ : فَإِنْ سَالَ فَمُهُ دَمًا ، أَوْ خَرَجَ إلَيْهِ قَلْسٌ أَوْ قَيْءٌ ، فَازْدَرَدَهُ أَفْطَرَ ، وَإِنْ كَانَ يَسِيرًا ؛ لِأَنَّ الْفَمَ فِي حُكْمِ الظَّاهِرِ ، وَالْأَصْلُ حُصُولُ الْفِطْرِ بِكُلِّ وَاصِلٍ مِنْهُ ، لَكِنَّ عُفِيَ عَنْ الرِّيقِ ؛ لِعَدَمِ إمْكَانِ التَّحَرُّزِ مِنْهُ ، فَمَا عَدَاهُ يَبْقَى عَلَى الْأَصْلِ ، وَإِنْ أَلْقَاهُ مِنْ فِيهِ ، وَبَقِيَ فَمُهُ نَجِسًا ، أَوْ تَنَجَّسَ فَمُهُ بِشَيْءٍ مِنْ خَارِجٍ ، فَابْتَلَعَ رِيقَهُ ، فَإِنْ كَانَ مَعَهُ جُزْءٌ مِنْ الْمُنَجَّسِ أَفْطَرَ بِذَلِكَ الْجُزْءِ ، وَإِلَّا فَلَا .","part":6,"page":72},{"id":2572,"text":"( 2025 ) فَصْلٌ : وَلَا يُفْطِرُ بِالْمَضْمَضَةِ بِغَيْرِ خِلَافٍ ، سَوَاءٌ كَانَ فِي الطَّهَارَةِ أَوْ غَيْرِهَا ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ عُمَرَ سَأَلَهُ عَنْ الْقُبْلَةِ لِلصَّائِمِ ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { أَرَأَيْتَ لَوْ تَمَضْمَضْت مِنْ إنَاءٍ وَأَنْتَ صَائِمٌ ؟ قُلْت : لَا بَأْسَ .\rقَالَ : فَمَهْ } ؟ .\rوَلِأَنَّ الْفَمَ فِي حُكْمِ الظَّاهِرِ ، فَلَا يَبْطُلُ الصَّوْمُ بِالْوَاصِلِ إلَيْهِ ، كَالْأَنْفِ وَالْعَيْنِ .\rوَإِنْ تَمَضْمَضَ ، أَوْ اسْتَنْشَقَ فِي الطَّهَارَةِ ، فَسَبَقَ الْمَاءُ إلَى حَلْقِهِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ وَلَا إسْرَافٍ ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ .\rوَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَالشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَقَالَ مَالِكٌ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ : يُفْطِرُ ؛ لِأَنَّهُ أَوْصَلَ الْمَاءَ إلَى جَوْفِهِ ذَاكِرًا لِصَوْمِهِ ، فَأَفْطَرَ ، كَمَا لَوْ تَعَمَّدَ شُرْبَهُ .\rوَلَنَا أَنَّهُ وَصَلَ إلَى حَلْقِهِ مِنْ غَيْرِ إسْرَافٍ وَلَا قَصْدٍ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ طَارَتْ ذُبَابَةٌ إلَى حَلْقِهِ ، وَبِهَذَا فَارَقَ الْمُتَعَمِّدَ .\rفَأَمَّا إنَّ أَسْرَفَ فَزَادَ عَلَى الثَّلَاثِ ، أَوْ بَالَغَ فِي الِاسْتِنْشَاقِ ، فَقَدْ فَعَلَ مَكْرُوهًا ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلَقِيطِ بْنِ صَبِرَةَ { : وَبَالِغْ فِي الِاسْتِنْشَاقِ ، إلَّا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا } .\rحَدِيثٌ صَحِيحٌ .\rوَلِأَنَّهُ يَتَعَرَّضُ بِذَلِكَ لِإِيصَالِ الْمَاءِ إلَى حَلْقِهِ ، فَإِنْ وَصَلَ إلَى حَلْقِهِ .\rفَقَالَ أَحْمَدُ : يُعْجِبُنِي أَنْ يُعِيدَ الصَّوْمَ .\rوَهَلْ يُفْطِرُ بِذَلِكَ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا ، يُفْطِرُ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ الْمُبَالَغَةِ حِفْظًا لِلصَّوْمِ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ يُفْطِرُ بِهِ ، وَلِأَنَّهُ وَصَلَ بِفِعْلٍ مَنْهِيٍّ عَنْهُ ، فَأَشْبَهَ التَّعَمُّدَ .\rوَالثَّانِي ، لَا يُفْطِرُ بِهِ ؛ لِأَنَّهُ وَصَلَ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ ، فَأَشْبَهَ غُبَارَ الدَّقِيقِ إذَا نَخَلَهُ .\rفَأَمَّا الْمَضْمَضَةُ لِغَيْرِ الطَّهَارَةِ ؛ فَإِنْ كَانَتْ لِحَاجَةٍ ،","part":6,"page":73},{"id":2573,"text":"كَغَسْلِ فَمِهِ عِنْدَ الْحَاجَةِ إلَيْهِ وَنَحْوِهِ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْمَضْمَضَةِ لِلطَّهَارَةِ ، وَإِنْ كَانَ عَبَثًا ، أَوْ تَمَضْمَضَ مِنْ أَجْلِ الْعَطَشِ ، كُرِهَ .\rوَسُئِلَ أَحْمَدُ عَنْ الصَّائِمِ يَعْطَشُ فَيَتَمَضْمَضُ ثُمَّ يَمُجُّهُ .\rقَالَ : يَرُشُّ عَلَى صَدْرِهِ أَحَبُّ إلَيَّ .\rفَإِنْ فَعَلَ ، فَوَصَلَ الْمَاءُ إلَى حَلْقِهِ ، أَوْ تَرَكَ الْمَاءَ فِي فِيهِ عَابِثًا ، أَوْ لِلتَّبَرُّدِ ، فَالْحُكْمُ فِيهِ كَالْحُكْمِ فِي الزَّائِدِ عَلَى الثَّلَاثِ ؛ لِأَنَّهُ مَكْرُوهٌ .\rوَلَا بَأْسَ أَنْ يَصُبَّ الْمَاءَ عَلَى رَأْسِهِ مِنْ الْحَرِّ وَالْعَطَشِ ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ { : لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْعَرْجِ يَصُبُّ الْمَاءَ عَلَى رَأْسِهِ وَهُوَ صَائِمٌ مِنْ الْعَطَشِ ، أَوْ مِنْ الْحَرِّ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .","part":6,"page":74},{"id":2574,"text":"( 2026 ) فَصْلٌ : وَلَا بَأْسَ أَنْ يَغْتَسِلَ الصَّائِمُ ؛ فَإِنَّ عَائِشَةَ ، وَأُمَّ سَلَمَةَ ، { قَالَتَا : نَشْهَدُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنْ كَانَ لَيُصْبِحُ جُنُبًا مِنْ غَيْرِ احْتِلَامٍ ، ثُمَّ يَغْتَسِلُ ، ثُمَّ يَصُومُ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَرَوَى أَبُو بَكْرٍ ، بِإِسْنَادِهِ ، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ دَخَلَ الْحَمَّامَ ، وَهُوَ صَائِمٌ هُوَ وَأَصْحَابٌ لَهُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ .\rفَأَمَّا الْغَوْصُ فِي الْمَاءِ ، فَقَالَ أَحْمَدُ فِي الصَّائِمِ يَنْغَمِسُ فِي الْمَاءِ : إذَا لَمْ يَخَفْ أَنْ يَدْخُلَ فِي مَسَامِعِهِ .\rوَكَرِهَ الْحَسَنُ وَالشَّعْبِيُّ أَنْ يَنْغَمِسَ فِي الْمَاءِ ، خَوْفًا أَنْ يَدْخُلَ فِي مَسَامِعِهِ ، فَإِنْ دَخَلَ فِي مَسَامِعِهِ ، فَوَصَلَ إلَى دِمَاغِهِ مِنْ الْغُسْلِ الْمَشْرُوعِ ، مِنْ غَيْرِ إسْرَافٍ وَلَا قَصْدٍ ، فَلَا شَيْء عَلَيْهِ ، كَمَا لَوْ دَخَلَ إلَى حَلْقِهِ مِنْ الْمَضْمَضَةِ فِي الْوُضُوءِ ، وَإِنْ غَاصَ فِي الْمَاءِ ، أَوْ أَسْرَفَ ، أَوْ كَانَ عَابِثًا ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ الدَّاخِلِ إلَى الْحَلْقِ مِنْ الْمُبَالَغَةِ فِي الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ وَالزَّائِدِ عَلَى الثَّلَاثِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":6,"page":75},{"id":2575,"text":"( 2027 ) فَصْلٌ : قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ : قُلْت لِأَحْمَدَ : الصَّائِمُ يَمْضُغُ الْعِلْكَ .\rقَالَ : لَا .\rقَالَ أَصْحَابُنَا : الْعِلْكُ ضَرْبَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، مَا يَتَحَلَّلُ مِنْهُ أَجْزَاءٌ ، وَهُوَ الرَّدِيءُ الَّذِي إذَا مَضَغَهُ يَتَحَلَّلُ ، فَلَا يَجُوزُ مَضْغُهُ ، إلَّا أَنْ لَا يَبْلَعَ رِيقَهُ ، فَإِنْ فَعَلَ فَنَزَلَ إلَى حَلْقِهِ مِنْهُ شَيْءٌ ، أَفْطَرَ بِهِ ، كَمَا لَوْ تَعَمَّدَ أَكْلَهُ .\rوَالثَّانِي ، الْعِلْكُ الْقَوِيُّ الَّذِي كُلَّمَا مَضَغَهُ صَلُبَ وَقَوِيَ ، فَهَذَا يُكْرَهُ مَضْغُهُ وَلَا يَحْرُمُ .\rوَمِمَّنْ كَرِهَهُ الشَّعْبِيُّ ، وَالنَّخَعِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ وَقَتَادَةُ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ يَحْلُبُ الْفَمَ ، وَيَجْمَعُ الرِّيقَ ، وَيُورِثُ الْعَطَشَ .\rوَرَخَّصَتْ عَائِشَةُ فِي مَضْغِهِ .\rوَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِلُ إلَى الْجَوْفِ ، فَهُوَ كَالْحَصَاةِ يَضَعُهَا فِي فِيهِ ، وَمَتَى مَضَغَهُ وَلَمْ يَجِدْ طَعْمَهُ فِي حَلْقِهِ ، لَمْ يُفْطِرْ .\rوَإِنْ وَجَدَ طَعْمَهُ فِي حَلْقِهِ ، لَمْ يُفْطِرْ .\rوَإِنْ وَجَدَ طَعْمَهُ فِي حَلْقِهِ فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، يُفَطِّرُهُ ، كَالْكُحْلِ إذَا وَجَدَ طَعْمَهُ فِي حَلْقِهِ .\rوَالثَّانِي ، لَا يُفَطِّرُهُ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْزِلْ مِنْهُ شَيْءٌ ، وَمُجَرَّدُ الطَّعْمِ لَا يُفَطِّرُ ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ قَدْ قِيلَ : مِنْ لَطَّخَ بَاطِنَ قَدَمِهِ بِالْحَنْظَلِ ، وَجَدَ طَعْمَهُ ، وَلَا يُفْطِرُ ، بِخِلَافِ الْكُحْلِ ، فَإِنَّ أَجْزَاءَهُ تَصِلُ إلَى الْحَلْقِ ، وَيُشَاهَدُ إذَا تَنَخَّعَ .\rقَالَ أَحْمَدُ : مَنْ وَضَعَ فِي فِيهِ دِرْهَمًا أَوْ دِينَارًا وَهُوَ صَائِمٌ ، مَا لَمْ يَجِدْ طَعْمَهُ فِي حَلْقِهِ ، فَلَا بَأْسَ بِهِ ، وَمَا يَجِدُ طَعْمَهُ فَلَا يُعْجِبُنِي .\rوَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ : سَأَلْت أَبِي عَنْ الصَّائِمِ يَفْتِلُ الْخُيُوطَ ، قَالَ : يُعْجِبُنِي أَنْ يَبْزُقَ .","part":6,"page":76},{"id":2576,"text":"( 2028 ) فَصْلٌ : قَالَ أَحْمَدُ : أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَجْتَنِبَ ذَوْقَ الطَّعَامِ ، فَإِنْ فَعَلَ لَمْ يَضُرَّهُ ، وَلَا بَأْسَ بِهِ .\rقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : لَا بَأْسَ أَنْ يَذُوقَ الطَّعَامَ وَالْخَلَّ وَالشَّيْءَ يُرِيدُ شِرَاءَهُ .\rوَالْحَسَنُ كَانَ يَمْضُغُ الْجَوْزَ لِابْنِ ابْنِهِ وَهُوَ صَائِمٌ .\rوَرَخَّصَ فِيهِ إبْرَاهِيمُ .\rقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ : يُكْرَهُ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ ، وَلَا بَأْسَ بِهِ مَعَ الْحَاجَةِ ، فَإِنْ فَعَلَ فَوَجَدَ طَعْمَهُ فِي حَلْقِهِ أَفْطَرَ ، وَإِلَّا لَمْ يُفْطِرْ .","part":6,"page":77},{"id":2577,"text":"( 2029 ) فَصْلٌ : قَالَ أَحْمَدُ : لَا بَأْسَ بِالسِّوَاكِ لِلصَّائِمِ .\rقَالَ عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ { : رَأَيْت النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا لَا أُحْصِي ، يَتَسَوَّكُ وَهُوَ صَائِمٌ } .\rقَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ .\rوَقَالَ زِيَادُ بْنُ حُدَيْرٍ : مَا رَأَيْت أَحَدًا كَانَ أَدْوَمَ لِسِوَاكٍ رَطْبٍ وَهُوَ صَائِمٌ ، مِنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، وَلَكِنَّهُ يَكُونُ عُودًا ذَاوِيًا .\rوَلَمْ يَرَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالسِّوَاكِ أَوَّلَ النَّهَارِ بَأْسًا ، إذَا كَانَ الْعُودُ يَابِسًا .\rوَاسْتَحَبَّ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ تَرْكَ السِّوَاكِ بِالْعَشِيِّ .\rقَالَ أَحْمَدُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : خُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ الْأَذْفَرِ } لِتِلْكَ الرَّائِحَةِ لَا يُعْجِبُنِي لِلصَّائِمِ أَنْ يَسْتَاكَ بِالْعَشِيِّ .\rوَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْهُ فِي التَّسَوُّكِ بِالْعُودِ الرَّطْبِ ، فَرُوِيَتْ عَنْهُ الْكَرَاهَةُ .\rوَهُوَ قَوْلُ قَتَادَةَ ، وَالشَّعْبِيِّ ، وَالْحَكَمِ ، وَإِسْحَاقَ ، وَمَالِكٍ فِي رِوَايَةٍ ؛ لِأَنَّهُ مُغَرِّرٌ بِصَوْمِهِ ، لِاحْتِمَالِ أَنْ يَتَحَلَّلَ مِنْهُ أَجْزَاءٌ إلَى حَلْقِهِ ، فَيُفَطِّرَهُ .\rوَرُوِيَ عَنْهُ لَا يُكْرَهُ .\rوَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ ، وَابْنِ عُمَرَ ، وَعُرْوَةَ ، وَمُجَاهِدٍ ؛ لِمَا رَوَيْنَاهُ مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ وَغَيْرِهِ مِنْ الصَّحَابَةِ .","part":6,"page":78},{"id":2578,"text":"( 2030 ) فَصْلٌ : وَمَنْ أَصْبَحَ بَيْنَ أَسْنَانِهِ طَعَامٌ ؛ لَمْ يَخْلُ مِنْ حَالَيْنِ : أَحَدُهُمَا ؛ أَنْ يَكُونَ يَسِيرًا لَا يُمْكِنْهُ لَفْظُهُ ، فَازْدَرَدَهُ ، فَإِنَّهُ لَا يُفْطِرُ بِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ ، فَأَشْبَهَ الرِّيقَ ، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعَ عَلَى ذَلِكَ أَهْلُ الْعِلْمِ .\rالثَّانِي ، أَنْ يَكُونَ كَثِيرًا يُمْكِنُ لَفْظُهُ ، فَإِنْ لَفَظَهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ ، وَإِنْ ازْدَرَدَهُ عَامِدًا ، فَسَدَ صَوْمُهُ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يُفْطِرُ ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ لَهُ أَنْ يَبْقَى بَيْنَ أَسْنَانِهِ شَيْءٌ مِمَّا يَأْكُلُهُ ، فَلَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ ، فَأَشْبَهَ مَا يَجْرِي بِهِ الرِّيقُ .\rوَلَنَا أَنَّهُ بَلَعَ طَعَامًا يُمْكِنُهُ لَفْظُهُ بِاخْتِيَارِهِ ، ذَاكِرًا لِصَوْمِهِ ، فَأَفْطَرَ بِهِ ، كَمَا لَوْ ابْتَدَأَ الْأَكْلَ ، وَيُخَالِفُ مَا يَجْرِي بِهِ الرِّيقُ ، فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنْهُ لَفْظُهُ .\rفَإِنْ قِيلَ : يُمْكِنُهُ أَنْ يَبْصُقَ .\rقُلْنَا : لَا يَخْرُجُ جَمِيعُ الرِّيقِ بِبُصَاقِهِ ، وَإِنْ مُنِعَ مِنْ ابْتِلَاعِ رِيقِهِ كُلِّهِ لَمْ يُمْكِنْهُ .","part":6,"page":79},{"id":2579,"text":"( 2031 ) فَصْلٌ : فَإِنْ قَطَّرَ فِي إحْلِيلِهِ دُهْنًا ، لَمْ يُفْطِرْ بِهِ ، سَوَاءٌ وَصَلَ إلَى الْمَثَانَةِ ، أَوْ لَمْ يَصِلْ ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يُفْطِرُ ؛ لِأَنَّهُ أَوْصَلَ الدُّهْنَ إلَى جَوْفٍ فِي جَسَدِهِ ، فَأَفْطَرَ ، كَمَا لَوْ نَوَى الْجَائِفَةَ ، وَلِأَنَّ الْمَنِيَّ يَخْرُجُ مِنْ الذَّكَرِ فَيُفَطِّرُهُ ، وَمَا أَفْطَرَ بِالْخَارِجِ مِنْهُ جَازَ أَنْ يُفْطِرَ بِالدَّاخِلِ مِنْهُ ، كَالْفَمِ .\rوَلَنَا أَنَّهُ لَيْسَ بَيْنَ بَاطِنِ الذَّكَرِ وَالْجَوْفِ مَنْفَذٌ ، وَإِنَّمَا يَخْرُجُ الْبَوْلُ رَشْحًا ، فَاَلَّذِي يَتْرُكُهُ فِيهِ لَا يَصِلُ إلَى الْجَوْفِ ، فَلَا يُفَطِّرُهُ ، كَاَلَّذِي يَتْرُكُهُ فِي فِيهِ وَلَمْ يَبْتَلِعْهُ .","part":6,"page":80},{"id":2580,"text":"( 2032 ) الْفَصْلُ الرَّابِعُ : إذَا قَبَّلَ فَأَمْنَى أَوْ أَمْذَى ، وَلَا يَخْلُو الْمُقَبِّلُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ ؛ أَحَدُهَا ، أَنْ لَا يُنْزِلَ ، فَلَا يَفْسُدُ صَوْمُهُ بِذَلِكَ ، لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا ؛ لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { كَانَ يُقَبِّلُ وَهُوَ صَائِمٌ ، وَكَانَ أَمْلَكَكُمْ لِإِرْبِهِ } ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ، وَمُسْلِمٌ .\rوَيُرْوَى بِتَحْرِيكِ الرَّاءِ وَسُكُونِهَا ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ : مَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ وَهُوَ حَاجَةُ النَّفْسِ وَوَطَرُهَا ، وَقِيلَ بِالتَّسْكِينِ : الْعُضْوُ .\rوَبِالْفَتْحِ : الْحَاجَةُ .\rوَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : { هَشَشْتُ فَقَبَّلْت وَأَنَا صَائِمٌ ، فَقُلْت : يَا رَسُولَ اللَّهِ : صَنَعْت الْيَوْمَ أَمْرًا عَظِيمًا ، قَبَّلْت وَأَنَا صَائِمٌ .\rفَقَالَ : أَرَأَيْت لَوْ تَمَضْمَضْت مِنْ إنَاءٍ وَأَنْتَ صَائِمٌ ؟ قُلْت : لَا بَأْسَ بِهِ ، قَالَ : فَمَهْ ؟ .\r} رَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rشَبَّهَ الْقُبْلَةَ بِالْمَضْمَضَةِ مِنْ حَيْثُ إنَّهَا مِنْ مُقَدِّمَاتِ الشَّهْوَةِ ، وَأَنَّ الْمَضْمَضَةَ إذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهَا نُزُولُ الْمَاءِ لَمْ يُفْطِرْ ، وَإِنْ كَانَ مَعَهَا نُزُولُهُ أَفْطَرَ .\rإلَّا أَنَّ أَحْمَدَ ضَعَّفَ هَذَا الْحَدِيثَ ، وَقَالَ : هَذَا رِيحٌ ، لَيْسَ مِنْ هَذَا شَيْءٌ .\rالْحَالُ الثَّانِي ، أَنْ يُمْنِيَ فَيُفْطِرَ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ إيمَاءِ الْخَبَرَيْنِ ، وَلِأَنَّهُ إنْزَالٌ بِمُبَاشَرَةٍ ، فَأَشْبَهَ الْإِنْزَالَ بِالْجِمَاعِ دُونَ الْفَرْجِ .\rالْحَالُ الثَّالِثُ ، أَنْ يُمْذِيَ فَيُفْطِرَ عِنْدَ إمَامِنَا وَمَالِكٍ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ : لَا يُفْطِرُ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ الْحَسَنِ ، وَالشَّعْبِيِّ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، لِأَنَّهُ خَارِجٌ لَا يُوجِبُ الْغُسْلَ ، أَشْبَهَ الْبَوْلَ .\rوَلَنَا أَنَّهُ خَارِجٌ تَخَلَّلَهُ الشَّهْوَةُ ، خَرَجَ بِالْمُبَاشَرَةِ ، فَأَفْسَدَ الصَّوْمَ ، كَالْمَنِيِّ ، وَفَارَقَ الْبَوْلَ بِهَذَا ، وَاللَّمْسُ لِشَهْوَةٍ كَالْقُبْلَةِ فِي هَذَا .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّ الْمُقَبِّلَ إذَا كَانَ ذَا شَهْوَةٍ","part":6,"page":81},{"id":2581,"text":"مُفْرِطَةٍ ، بِحَيْثُ يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ إذَا قَبَّلَ أَنْزَلَ ، لَمْ تَحِلَّ لَهُ الْقُبْلَةُ ؛ لِأَنَّهَا مُفْسِدَةٌ لِصَوْمِهِ ، فَحَرُمَتْ ، كَالْأَكْلِ .\rوَإِنْ كَانَ ذَا شَهْوَةٍ ، لَكِنَّهُ لَا يَغْلِبُ عَلَى ظَنَّهُ ذَلِكَ ، كُرِهَ لَهُ التَّقْبِيلُ ؛ لِأَنَّهُ يُعَرِّضُ صَوْمَهُ لِلْفِطْرِ ، وَلَا يَأْمَنُ عَلَيْهِ الْفَسَادَ .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ ، أَنَّهُ قَالَ : رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَنَامِ ، فَأَعْرَضَ عَنِّي ، فَقُلْت لَهُ : مَا لِي ؟ فَقَالَ : \" إنَّك تُقَبِّلُ وَأَنْتَ صَائِمٌ \" .\rوَلِأَنَّ الْعِبَادَةَ إذَا مَنَعَتْ الْوَطْءَ مَنَعَتْ الْقُبْلَةَ ، كَالْإِحْرَامِ .\rوَلَا تَحْرُمُ الْقُبْلَةُ فِي هَذِهِ الْحَالِ ؛ لِمَا رُوِيَ { أَنَّ رَجُلًا قَبَّلَ وَهُوَ صَائِمٌ ، فَأَرْسَلَ امْرَأَتَهُ ، فَسَأَلَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ يُقَبِّلُ وَهُوَ صَائِمٌ ، فَقَالَ الرَّجُلُ : إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْسَ مِثْلَنَا ، قَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مَنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ .\rفَغَضِبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ : إنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ ، وَأَعْلَمُكُمْ بِمَا أَتَّقِي } .\rرَوَاهُ مُسْلِمٌ بِمَعْنَاهُ .\rوَلِأَنَّ إفْضَاءَهُ إلَى إفْسَادِ الصَّوْمِ مَشْكُوكٌ فِيهِ ، وَلَا يَثْبُتُ التَّحْرِيمُ بِالشَّكِّ ، فَأَمَّا إنْ كَانَ مِمَّنْ لَا تُحَرِّكُ الْقُبْلَةُ شَهْوَتَهُ ، كَالشَّيْخِ الْهَرِمِ ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، لَا يُكْرَهُ لَهُ ذَلِكَ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُقَبِّلُ وَهُوَ صَائِمٌ لَمَّا كَانَ مَالِكًا لِإِرْبِهِ ، وَغَيْرُ ذِي الشَّهْوَةِ فِي مَعْنَاهُ .\rوَقَدْ رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ { أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْمُبَاشَرَةِ لِلصَّائِمِ ، فَرَخَّصَ لَهُ ، فَأَتَاهُ آخَرُ ، فَسَأَلَهُ ، فَنَهَاهُ ، فَإِذَا الَّذِي رَخَّصَ لَهُ شَيْخٌ ، وَإِذَا الَّذِي نَهَاهُ شَابٌّ } .\rأَخْرَجَهُ","part":6,"page":82},{"id":2582,"text":"أَبُو دَاوُد .\rوَلِأَنَّهَا مُبَاشَرَةٌ لِغَيْرِ شَهْوَةٍ ، فَأَشْبَهَتْ لَمْسَ الْيَدِ لِحَاجَةٍ .\rوَالثَّانِيَةُ ، يُكْرَهُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَأْمَنُ حُدُوثَ الشَّهْوَةِ ، وَلِأَنَّ الصَّوْمَ عِبَادَةٌ تَمْنَعُ الْوَطْءَ ، فَاسْتَوَى فِي الْقُبْلَةِ فِيهَا مَنْ تُحَرِّكُ شَهْوَتَهُ ، وَغَيْرُهُ ، كَالْإِحْرَامِ .\rفَأَمَّا اللَّمْسُ لِغَيْرِ شَهْوَةٍ ، كَلَمْسِ يَدِهَا لِيَعْرِفَ مَرَضَهَا ، فَلَيْسَ بِمَكْرُوهٍ بِحَالٍ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُكْرَهُ فِي الْإِحْرَامِ ، فَلَا يُكْرَهُ فِي الصِّيَامِ ، كَلَمْسِ ثَوْبِهَا .","part":6,"page":83},{"id":2583,"text":"( 2033 ) فَصْلٌ : وَلَوْ اسْتَمْنَى بِيَدِهِ فَقَدْ فَعَلَ مُحَرَّمًا ، وَلَا يَفْسُدُ صَوْمُهُ بِهِ إلَّا أَنْ يُنْزِلَ ، فَإِنْ أَنْزَلَ فَسَدَ صَوْمُهُ ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْقُبْلَةِ فِي إثَارَةِ الشَّهْوَةِ .\rفَأَمَّا إنَّ أَنْزَلَ لِغَيْرِ شَهْوَةٍ ، كَاَلَّذِي يَخْرُجُ مِنْهُ الْمَنِيُّ أَوْ الْمَذْيُ لِمَرَضٍ ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ خَارِجٌ لِغَيْرِ شَهْوَةٍ ، أَشْبَهَ الْبَوْلَ ، وَلِأَنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ غَيْرِ اخْتِيَارٍ مِنْهُ ، وَلَا تَسَبُّبٍ إلَيْهِ ، فَأَشْبَهَ الِاحْتِلَامَ .\rوَلَوْ احْتَلَمَ لَمْ يَفْسُدْ صَوْمُهُ ، لِأَنَّهُ عَنْ غَيْرِ اخْتِيَارٍ مِنْهُ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ دَخَلَ حَلْقَهُ شَيْءٌ وَهُوَ نَائِمٌ .\rوَلَوْ جَامَعَ فِي اللَّيْلِ ، فَأَنْزَلَ بَعْدَ مَا أَصْبَحَ ، لَمْ يُفْطِرْ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَسَبَّبْ إلَيْهِ فِي النَّهَارِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَكَلَ شَيْئًا فِي اللَّيْلِ ، فَذَرَعَهُ الْقَيْءُ فِي النَّهَارِ .","part":6,"page":84},{"id":2584,"text":"( 2034 ) الْفَصْلُ الْخَامِسُ : إذَا كَرَّرَ النَّظَرَ فَأَنْزَلَ ، وَلِتَكْرَارِ النَّظَرِ أَيْضًا ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ ؛ أَحَدُهَا ، أَنْ لَا يَقْتَرِنَ بِهِ إنْزَالٌ ، فَلَا يَفْسُدُ الصَّوْمُ بِغَيْرِ اخْتِلَافٍ .\rالثَّانِي ، أَنْ يَقْتَرِنَ بِهِ إنْزَالُ الْمَنِيِّ ، فَيَفْسُدُ الصَّوْمُ فِي قَوْلِ إمَامِنَا ، وَعَطَاءٍ ، وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ ، وَمَالِكٍ ، وَالْحَسَنِ بْن صَالِحٍ .\rوَقَالَ جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ : لَا يَفْسُدُ ؛ لِأَنَّهُ إنْزَالٌ عَنْ غَيْرِ مُبَاشَرَةٍ ، أَشْبَهَ الْإِنْزَالَ بِالْفِكْرِ .\rوَلَنَا أَنَّهُ إنْزَالٌ بِفِعْلٍ يَتَلَذَّذُ بِهِ ، وَيُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ ، فَأَفْسَدَ الصَّوْمَ ، كَالْإِنْزَالِ بِاللَّمْسِ ، وَالْفِكْرُ لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ ، بِخِلَافِ تَكْرَارِ النَّظَرِ .\rالثَّالِثُ : مَذْي بِتَكْرَارِ النَّظَرِ .\rفَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ ، أَنَّهُ لَا يُفْطِرُ بِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا نَصَّ فِي الْفِطْرِ ، وَلَا يُمْكِنْ قِيَاسُهُ عَلَى إنْزَالِ الْمَنِيِّ ، لِمُخَالَفَتِهِ إيَّاهُ فِي الْأَحْكَامِ ، فَيَبْقَى عَلَى الْأَصْلِ .\rفَأَمَّا إنْ نَظَرَ فَصَرَفَ بَصَرَهُ ، لَمْ يَفْسُدْ صَوْمُهُ ، سَوَاءٌ أَنْزَلَ أَوْ لَمْ يُنْزِلْ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : إنْ أَنْزَلَ فَسَدَ صَوْمُهُ ؛ لِأَنَّهُ أَنْزَلَ بِالنَّظَرِ ، أَشْبَهَ مَا لَوْ كَرَّرَهُ .\rوَلَنَا أَنَّ النَّظْرَةَ الْأُولَى لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهَا ، فَلَا يُفْسِدُ الصَّوْمَ مَا أَفْضَتْ إلَيْهِ ، كَالْفِكْرَةِ ، وَعَلَيْهِ يُخَرَّجُ التَّكْرَارُ ، فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّ تَكْرَارَ النَّظَرِ مَكْرُوهٌ لِمَنْ يُحَرِّكُ شَهْوَتَهُ ، غَيْرُ مَكْرُوهٍ لِمَنْ لَا يُحَرِّكُ شَهْوَتَهُ ، كَالْقُبْلَةِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يُكْرَهَ بِحَالٍ ؛ لِأَنَّ إفْضَاءَهُ إلَى الْإِنْزَالِ الْمُفْطِرِ بَعِيدٌ جِدًّا ، بِخِلَافِ الْقُبْلَةِ ، فَإِنَّ حُصُولَ الْمَذْيِ بِهَا لَيْسَ بِبَعِيدٍ .","part":6,"page":85},{"id":2585,"text":"( 2035 ) فَصْلٌ : فَإِنْ فَكَّرَ فَأَنْزَلَ ، لَمْ يَفْسُدْ صَوْمُهُ .\rوَحُكِيَ عَنْ أَبِي حَفْصٍ الْبَرْمَكِيِّ ، أَنَّهُ يَفْسُدُ .\rوَاخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ ؛ لِأَنَّ الْفِكْرَةَ تُسْتَحْضَرُ ، فَتَدْخُلُ تَحْتَ الِاخْتِيَارِ ، بِدَلِيلِ تَأْثِيمِ صَاحِبِهَا فِي مُسَاكَنَتِهَا ، فِي بِدْعَةٍ وَكُفْرٍ ، وَمَدَحَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ الَّذِينَ يَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَنَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ التَّفَكُّرِ فِي ذَاتِ اللَّهِ ، وَأَمَرَ بِالتَّفَكُّرِ فِي آلَائِهِ ، وَلَوْ كَانَتْ غَيْرَ مَقْدُورٍ عَلَيْهَا لَمْ يَتَعَلَّقْ ذَلِكَ بِهَا ، كَالِاحْتِلَامِ .\rفَأَمَّا إنْ خَطَرَ بِقَلْبِهِ صُورَةُ الْفِعْلِ ، فَأَنْزَلَ ، لَمْ يَفْسُدْ صَوْمُهُ ؛ لِأَنَّ الْخَاطِرَ لَا يُمْكِنُ دَفْعُهُ .\rوَلَنَا قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : عُفِيَ لِأُمَّتِي عَنْ الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ ، وَمَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا ، مَا لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تَتَكَلَّمْ } .\rوَلِأَنَّهُ لَا نَصَّ فِي الْفِطْرِ بِهِ وَلَا إجْمَاعَ ، وَلَا يُمْكِنُ قِيَاسُهُ عَلَى الْمُبَاشَرَةِ ، وَلَا تَكْرَارِ النَّظَرِ ، لِأَنَّهُ دُونَهُمَا فِي اسْتِدْعَاءِ الشَّهْوَةِ ، وَإِفْضَائِهِ إلَى الْإِنْزَالِ ، وَيُخَالِفُهُمَا فِي التَّحْرِيمِ إذَا تَعَلَّقَ ذَلِكَ بِأَجْنَبِيَّةٍ ، أَوْ الْكَرَاهَةِ إنْ كَانَ فِي زَوْجَةٍ ، فَيَبْقَى عَلَى الْأَصْلِ .","part":6,"page":86},{"id":2586,"text":"( 2036 ) الْفَصْلُ السَّادِسُ : أَنَّ الْمُفْسِدَ لِلصَّوْمِ مِنْ هَذَا كُلِّهِ مَا كَانَ عَنْ عَمْدٍ وَقَصْدٍ ، فَأَمَّا مَا حَصَلَ مِنْهُ عَنْ غَيْرِ قَصْدٍ ، كَالْغُبَارِ الَّذِي يَدْخُلُ حَلْقَهُ مِنْ الطَّرِيق ، وَنَخْلِ الدَّقِيقِ ، وَالذُّبَابَةِ الَّتِي تَدْخُلُ حَلْقَهُ ، أَوْ يُرَشُّ عَلَيْهِ الْمَاءُ فَيَدْخُلُ مَسَامِعَهُ ، أَوْ أَنْفَهُ أَوْ حَلْقَهُ ، أَوْ يُلْقَى فِي مَاءٍ فَيَصِلُ إلَى جَوْفِهِ ، أَوْ يَسْبِقُ إلَى حَلْقِهِ مِنْ مَاءِ الْمَضْمَضَةِ ، أَوْ يُصَبُّ فِي حَلْقِهِ أَوْ أَنْفِهِ شَيْءٌ كَرْهًا ، أَوْ تُدَاوَى مَأْمُومَتُهُ أَوْ جَائِفَتُهُ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ ، أَوْ يُحَجَّمُ كَرْهًا ، أَوْ تُقَبِّلُهُ امْرَأَةٌ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ فَيُنْزِلُ ، أَوْ مَا أَشْبَهَ هَذَا ، فَلَا يَفْسُدُ صَوْمُهُ ، لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا ؛ لِأَنَّهُ لَا فِعْلَ لَهُ فَلَا يُفْطِرُ ، كَالِاحْتِلَامِ .\rوَأَمَّا إنْ أُكْرِهَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ بِالْوَعِيدِ ، فَفَعَلَهُ ، فَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ : قَالَ أَصْحَابُنَا : لَا يُفْطِرُ بِهِ أَيْضًا ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : عُفِيَ لِأُمَّتِي عَنْ الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ ، وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ .\r} قَالَ : وَيَحْتَمِلُ عِنْدِي أَنْ يُفْطِرَ ؛ لِأَنَّهُ فَعَلَ الْمُفْطِرَ لِدَفْعِ الضَّرَرِ عَنْ نَفْسِهِ ، فَأَشْبَهَ الْمَرِيضَ يُفْطِرُ لِدَفْعِ الْمَرَضِ ، وَمِنْ يَشْرَبُ لِدَفْعِ الْعَطَشِ ، وَيُفَارِقُ الْمَلْجَأَ ؛ لِأَنَّهُ خَرَجَ بِذَلِكَ عَنْ حِيزَ الْفِعْلِ ، وَلِذَلِكَ لَا يُضَافُ إلَيْهِ ، وَلِذَلِكَ افْتَرَقَا فِيمَا لَوْ أُكْرِهْ عَلَى قَتْلِ آدَمِيٍّ ، وَأُلْقِيَ عَلَيْهِ .","part":6,"page":87},{"id":2587,"text":"( 2037 ) الْفَصْلُ السَّابِعُ : أَنَّهُ مَتَى أَفْطَرَ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ ، لَا نَعْلَمُ فِي ذَلِكَ خِلَافًا ؛ لِأَنَّ الصَّوْمَ كَانَ ثَابِتًا فِي الذِّمَّةِ ، فَلَا تَبْرَأُ مِنْهُ إلَّا بِأَدَائِهِ ، وَلَمْ يُؤَدِّهِ ، فَبَقِيَ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ ؛ وَلَا كَفَّارَةَ فِي شَيْءٍ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ ، فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ .\rوَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَالنَّخَعِيِّ ، وَابْنِ سِيرِينَ ، وَحَمَّادٍ ، وَالشَّافِعِيِّ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ أَنَّ الْكَفَّارَةَ تَجِبُ عَلَى مَنْ أَنْزَلَ بِلَمْسٍ أَوْ قُبْلَةٍ أَوْ تَكْرَارِ نَظَرٍ ؛ لِأَنَّهُ إنْزَالٌ عَنْ مُبَاشَرَةٍ ، أَشْبَهَ الْإِنْزَالَ بِالْجِمَاعِ .\rوَعَنْهُ فِي الْمُحْتَجِمِ ، إنْ كَانَ عَالِمًا بِالنَّهْيِ ، فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ .\rوَقَالَ عَطَاءٌ فِي الْمُحْتَجِمِ : عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : تَجِبُ الْكَفَّارَةُ بِكُلِّ مَا كَانَ هَتْكًا لِلصَّوْمِ ، إلَّا الرِّدَّةَ ؛ لِأَنَّهُ إفْطَارٌ فِي رَمَضَانَ أَشْبَهَ الْجِمَاعَ .\rوَحُكِيَ عَنْ عَطَاءٍ ، وَالْحَسَنِ ، وَالزُّهْرِيِّ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَإِسْحَاقَ ، أَنَّ الْفِطْرَ بِالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ يُوجِبُ مَا يُوجِبُهُ الْجِمَاعُ .\rوَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، إلَّا أَنَّهُ اعْتَبَرَ مَا يُتَغَذَّى بِهِ أَوْ يُتَدَاوَى بِهِ ، فَلَوْ ابْتَلَعَ حَصَاةً أَوْ نَوَاةً أَوْ فُسْتُقَةً بِقِشْرِهَا ، فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ .\rوَاحْتَجُّوا بِأَنَّهُ أَفْطَرَ بِأَعْلَى مَا فِي الْبَابِ مِنْ جِنْسِهِ ، فَوَجَبَتْ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ كَالْمُجَامِعِ .\rوَلَنَا أَنَّهُ أَفْطَرَ بِغَيْرِ جِمَاعٍ ، فَلَمْ تُوجِبْ الْكَفَّارَةَ ، كَبَلْعِ الْحَصَاةِ أَوْ التُّرَابِ ، أَوْ كَالرِّدَّةِ عِنْدَ مَالِكٍ ، وَلِأَنَّهُ لَا نَصَّ فِي إيجَابِ الْكَفَّارَةِ بِهَذَا وَلَا إجْمَاعَ ، وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُهُ عَلَى الْجِمَاعِ ، لِأَنَّ الْحَاجَةَ إلَى الزَّجْرِ عَنْهُ أَمَسُّ ، وَالْحُكْمَ فِي التَّعَدِّي بِهِ آكَدُ ، وَلِهَذَا يَجِبُ بِهِ الْحَدُّ إذَا كَانَ مُحَرَّمًا ، وَيَخْتَصُّ بِإِفْسَادِ الْحَجِّ دُونَ سَائِرِ مَحْظُورَاتِهِ ، وَوُجُوبِ الْبَدَنَةِ ، وَلِأَنَّهُ فِي الْغَالِبِ يُفْسِدُ صَوْمَ","part":6,"page":88},{"id":2588,"text":"اثْنَيْنِ ، بِخِلَافِ غَيْرِهِ .","part":6,"page":89},{"id":2589,"text":"( 2038 ) فَصْلٌ : وَالْوَاجِبُ فِي الْقَضَاءِ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ يَوْمٌ ، فِي قَوْلِ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ .\rوَقَالَ أَحْمَدُ : قَالَ إبْرَاهِيمُ ، وَوَكِيعٌ : يَصُومُ ثَلَاثَةَ آلَافِ يَوْمٍ .\rوَعَجِبَ أَحْمَدُ مِنْ قَوْلِهِمَا .\rوَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ : مِنْ أَفْطَرَ يَوْمًا مُتَعَمِّدًا يَصُومُ شَهْرًا .\rوَحُكِيَ عَنْ رَبِيعَةَ أَنَّهُ قَالَ : يَجِبُ مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ اثْنَا عَشَرَ يَوْمًا ؛ لِأَنَّ رَمَضَانَ يُجْزِئُ عَنْ جَمِيعِ السَّنَةِ ، وَهِيَ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا .\rوَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ } .\rوَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قِصَّةِ الْمُجَامِعِ : { صُمْ يَوْمًا مَكَانَهُ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَلِأَنَّ الْقَضَاءَ يَكُونُ عَلَى حَسَبِ الْأَدَاءِ ، بِدَلِيلِ سَائِرِ الْعِبَادَاتِ ، وَلِأَنَّ الْقَضَاءَ لَا يَخْتَلِفُ بِالْعُذْرِ وَعَدَمِهِ ، بِدَلِيلِ الصَّلَاةِ وَالْحَجِّ ، وَمَا ذَكَرُوهُ تَحَكُّمُ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ ، وَالتَّقْدِيرُ لَا يُصَارُ إلَيْهِ إلَّا بِنَصٍّ أَوْ إجْمَاعٍ ، وَلَيْسَ مَعَهُمْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا .\rوَقَوْلُ رَبِيعَةَ يَبْطُلُ بِالْمَعْذُورِ .\rوَذُكِرَ لِأَحْمَدَ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ : { مَنْ أَفْطَرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَان مُتَعَمَّدًا ، لَمْ يَقْضِهِ ، وَلَوْ صَامَ الدَّهْرَ } ، فَقَالَ : لَيْسَ يَصِحُّ هَذَا الْحَدِيثُ .","part":6,"page":90},{"id":2590,"text":"( 2039 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ نَاسِيًا ، فَهُوَ عَلَى صَوْمِهِ وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ جَمِيعَ مَا ذَكَرَهُ الْخِرَقِيِّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لَا يُفْطِرُ الصَّائِمُ بِفِعْلِهِ نَاسِيًا .\rوَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : لَا شَيْءَ عَلَى مِنْ أَكَلَ نَاسِيًا .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَابْنِ عُمَرَ ، وَعَطَاءٍ ، وَطَاوُسٍ ، وَابْنِ أَبِي ذِئْبٍ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَإِسْحَاقَ ، وَقَالَ رَبِيعَةُ ، وَمَالِكٌ : يُفْطِرُ ؛ لِأَنَّ مَا لَا يَصِحُّ الصَّوْمُ مَعَ شَيْءٍ مِنْ جِنْسِهِ عَمْدًا ، لَا يَجُوزُ مَعَ سَهْوِهِ ، كَالْجِمَاعِ ، وَتَرْكِ النِّيَّةِ ، وَلَنَا : مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ أَوْ شَرِبَ نَاسِيًا ، فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ ، فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللَّهُ وَسَقَاهُ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَفِي لَفْظٍ : ( مَنْ أَكَلَ أَوْ شَرِبَ نَاسِيًا ، فَلَا يُفْطِرْ ، فَإِنَّمَا هُوَ رِزْقٌ رَزَقَهُ اللَّهُ ) .\rوَلِأَنَّهَا عِبَادَةٌ ذَاتُ تَحْلِيلٍ وَتَحْرِيمٍ ، فَكَانَ فِي مَحْظُورَاتِهَا مَا يَخْتَلِفُ عَمْدُهُ وَسَهْوُهُ ، كَالصَّلَاةِ وَالْحَجَّ .\rوَأَمَّا النِّيَّةُ فَلَيْسَ تَرْكُهَا فِعْلًا ، وَلِأَنَّهَا شَرْطٌ ، وَالشُّرُوطُ لَا تَسْقُطُ بِالسَّهْوِ ، بِخِلَافِ الْمُبْطِلَاتِ ، وَالْجِمَاعُ حُكْمُهُ أَغْلَظُ وَيُمْكِنُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ .","part":6,"page":91},{"id":2591,"text":"( 2040 ) فَصْلٌ : وَإِنْ فَعَلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ ، وَهُوَ نَائِمٌ ، لَمْ يَفْسُدْ صَوْمُهُ ؛ لِأَنَّهُ لَا قَصْدَ لَهُ ، وَلَا عِلْمَ بِالصَّوْمِ ، فَهُوَ أُعْذَرُ مِنْ النَّاسِي .\rوَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ .\rأَنَّ مِنْ فَعَلَ مِنْ هَذَا شَيْئًا جَاهِلًا بِتَحْرِيمِهِ ، لَمْ يُفْطِرْ ، وَلَمْ أَرَهُ عَنْ غَيْرِهِ .\rوَقَوْلُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ } .\rفِي حَقَّ الرَّجُلَيْنِ اللَّذَيْنِ رَآهُمَا يُحَجِّمُ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ ، مَعَ جَهْلِهِمَا بِتَحْرِيمِهِ ، يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْجَهْلَ لَا يُعْذَرُ بِهِ ، وَلِأَنَّهُ نَوْعُ جَهْلٍ ، فَلَمْ يَمْنَعْ الْفِطْرَ ، كَالْجَهْلِ بِالْوَقْتِ فِي حَقَّ مَنْ يَأْكُلُ يَظُنُّ أَنَّ الْفَجْرَ لَمْ يَطْلُعْ ، وَقَدْ كَانَ طَلَعَ .","part":6,"page":92},{"id":2592,"text":"( 2041 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَمَنْ اسْتَقَاءَ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ ، وَمَنْ ذَرَعَهُ الْقَيْءُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ ) مَعْنَى اسْتَقَاءَ : تَقَيَّأَ مُسْتَدْعِيًا لِلْقَيْءِ .\rوَذَرْعُهُ : خُرُوجٌ مِنْ غَيْرِ اخْتِيَارٍ مِنْهُ ، فَمَنْ اسْتَقَاءَ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ ؛ لِأَنَّ صَوْمَهُ يَفْسُدُ بِهِ .\rوَمِنْ ذَرَعَهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ ؛ وَهَذَا قَوْلُ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rقَالَ الْخَطَّابِيُّ : لَا أَعْلَمُ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِيهِ اخْتِلَافًا .\rوَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى إبْطَالِ صَوْمِ مَنْ اسْتَقَاءَ عَامِدًا وَحُكِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّ الْقَيْءَ لَا يُفْطِرُ .\rوَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { ثَلَاثٌ لَا يُفْطِرْنَ الصَّائِمَ : الْحِجَامَةُ وَالْقَيْءُ وَالِاحْتِلَامُ } .\rوَلِأَنَّ الْفِطْرَ بِمَا يَدْخُلُ لَا بِمَا يَخْرُجُ .\rوَلَنَا مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { مَنْ ذَرَعَهُ الْقَيْءُ فَلَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاءٌ ، وَمَنْ اسْتَقَاءَ عَامِدًا فَلْيَقْضِ } .\rقَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ .\rوَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَحَدِيثُهُمْ غَيْرُ مَحْفُوظٍ ، يَرْوِيه عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، وَهُوَ ضَعِيفٌ فِي الْحَدِيثِ ، قَالَهُ التِّرْمِذِيُّ .\rوَالْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرَ لَهُمْ يَبْطُلُ بِالْحَيْضِ وَالْمَنِيِّ .\r( 2042 ) فَصْلٌ : وَقَلِيلُ الْقَيْءِ وَكَثِيرُهُ سَوَاءٌ ، فِي ظَاهِرِ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَاتِ عَنْ أَحْمَدَ ، وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ ؛ لَا يُفْطِرُ إلَّا بِمِلْءِ الْفَمِ .\rلِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { وَلَكِنْ دَسْعَةٌ تَمْلَأُ الْفَمَ } .\rوَلِأَنَّ الْيَسِيرَ لَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ ، فَلَا يُفْطِرُ كَالْبَلْغَمِ .\rوَالثَّالِثَةُ ، نِصْفُ الْفَمِ ، لِأَنَّهُ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ ، فَأَفْطَرَ بِهِ كَالْكَثِيرِ .\rوَالْأُولَى أَوْلَى لِظَاهِرِ الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَيْنَاهُ ، وَلِأَنَّ سَائِرَ الْمُفْطِرَاتِ لَا فَرْقَ بَيْنَ قَلِيلِهَا وَكَثِيرِهَا وَحَدِيثُ","part":6,"page":93},{"id":2593,"text":"الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ لَا نَعْرِفُ لَهُ أَصْلًا .\rوَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ الْقَيْءِ طَعَامًا ، أَوْ مُرَارًا ، أَوْ بَلْغَمًا ، أَوْ دَمًا ، أَوْ غَيْرَهُ ؛ لِأَنَّ الْجَمِيعَ دَاخِلٌ تَحْتَ عُمُومِ الْحَدِيثِ وَالْمَعْنَى ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ .","part":6,"page":94},{"id":2594,"text":"( 2043 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَمَنْ ارْتَدَّ عَنْ الْإِسْلَامِ ، فَقَدْ أَفْطَرَ ) لَا نَعْلَمُ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ خِلَافًا فِي أَنَّ مِنْ ارْتَدَّ عَنْ الْإِسْلَامِ فِي أَثْنَاءِ الصَّوْمِ ، أَنَّهُ يَفْسُدُ صَوْمُهُ ، وَعَلَيْهِ قَضَاءُ ذَلِكَ الْيَوْمِ ، إذَا عَادَ إلَى الْإِسْلَامِ .\rسَوَاءٌ أَسْلَمَ فِي أَثْنَاءِ الْيَوْمِ ، أَوْ بَعْدَ انْقِضَائِهِ ، وَسَوَاءٌ كَانَتْ رِدَّتُهُ بِاعْتِقَادِهِ مَا يَكْفُرُ بِهِ ، أَوْ شَكِّهِ فِيمَا يَكْفُرُ بِالشَّكِّ فِيهِ ، أَوْ بِالنُّطْقِ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ ، مُسْتَهْزِئًا أَوْ غَيْرَ مُسْتَهْزِئٍ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاَللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إيمَانِكُمْ } .\rوَذَلِكَ لِأَنَّ الصَّوْمَ عِبَادَةٌ مِنْ شَرْطِهَا النِّيَّةُ ، فَأَبْطَلَتْهَا الرِّدَّةُ ، كَالصَّلَاةِ وَالْحَجَّ ، وَلِأَنَّهُ عِبَادَةٌ مَحْضَةٌ ، فَنَافَاهَا الْكُفْرُ ، كَالصَّلَاةِ .","part":6,"page":95},{"id":2595,"text":"( 2044 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَمَنْ نَوَى الْإِفْطَارَ فَقَدْ أَفْطَرَ ) هَذَا الظَّاهِرُ مِنْ الْمَذْهَبِ .\rوَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ ، إلَّا أَنَّ أَصْحَابَ الرَّأْيِ قَالُوا : إنْ عَادَ فَنَوَى قَبْلَ أَنْ يَنْتَصِفَ النَّهَارُ أَجْزَأَهُ .\rبِنَاءً عَلَى أَصْلِهِمْ أَنَّ الصَّوْمَ يُجْزِئُ بِنِيَّةٍ مِنْ النَّهَارِ .\rوَحُكِيَ عَنْ ابْنِ حَامِدٍ أَنَّ الصَّوْمَ لَا يَفْسُدُ بِذَلِكَ ؛ لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ يَلْزَمُ الْمُضِيُّ فِي فَاسِدِهَا ، فَلَمْ تَفْسُدْ بِنِيَّةِ الْخُرُوجِ مِنْهَا ، كَالْحَجِّ .\rوَلَنَا أَنَّهَا عِبَادَةٌ مِنْ شَرْطِهَا النِّيَّةُ ، فَفَسَدَتْ بِنِيَّةِ الْخُرُوجِ مِنْهَا ، كَالصَّلَاةِ ، وَلِأَنَّ الْأَصْلَ اعْتِبَارُ النِّيَّةِ فِي جَمِيعِ أَجْزَاءِ الْعِبَادَةِ ، وَلَكِنْ لَمَّا شَقَّ اعْتِبَارُ حَقِيقَتِهَا اُعْتُبِرَ بَقَاءُ حُكْمِهَا ، وَهُوَ أَنْ لَا يَنْوِيَ قَطْعَهَا فَإِذَا نَوَاهُ زَالَتْ حَقِيقَةً وَحُكْمًا ، فَفَسَدَ الصَّوْمُ لِزَوَالِ شَرْطِهِ .\rوَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَامِدٍ لَا يَطَّرِدُ فِي غَيْرِ رَمَضَانَ ، وَلَا يَصِحُّ الْقِيَاسُ عَلَى الْحَجَّ ، فَإِنَّهُ يَصِحُّ بِالنِّيَّةِ الْمُطْلَقَةِ وَالْمُبْهَمَةِ ، وَبِالنِّيَّةِ عَنْ غَيْرِهِ إذَا لَمْ يَكُنْ حَجَّ عَنْ نَفْسِهِ ، فَافْتَرَقَا .","part":6,"page":96},{"id":2596,"text":"فَصْلٌ : فَأَمَّا صَوْمُ النَّافِلَةِ ، فَإِنْ نَوَى الْفِطْرَ ، ثُمَّ لَمْ يَنْوِ الصَّوْمَ بَعْدَ ذَلِكَ ، لَمْ يَصِحَّ صَوْمُهُ ؛ لِأَنَّ النِّيَّةَ انْقَطَعَتْ ، وَلَمْ تُوجَدْ نِيَّةٌ غَيْرُهَا فَأَشْبَهَ مَنْ لَمْ يَنْوِ أَصْلًا .\rوَإِنْ عَادَ فَنَوَى الصَّوْمَ ، صَحَّ صَوْمُهُ ، كَمَا لَوْ أَصْبَحَ غَيْرَ نَاوٍ لِلصَّوْمِ ؛ لِأَنَّ نِيَّةَ الْفِطْرِ إنَّمَا أَبْطَلَتْ الْفَرْضَ لِمَا فِيهِ مِنْ قَطْعِ النِّيَّةِ الْمُشْتَرَطَةِ فِي جَمِيعِ النَّهَارِ حُكْمًا وَخُلُوِّ بَعْضِ أَجْزَاءِ النَّهَارِ عَنْهَا ، وَالنَّفَلُ مُخَالِفٌ لِلْفَرْضِ فِي ذَلِكَ ، فَلَمْ تَمْنَعْ صِحَّتَهُ نِيَّةُ الْفِطْرِ فِي زَمَنٍ لَا يُشْتَرَطُ وُجُودُ نِيَّةِ الصَّوْمِ فِيهِ ، وَلِأَنَّ نِيَّةَ الْفِطْرِ لَا تَزِيدُ عَلَى عَدَمِ النِّيَّةِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ ، وَعَدَمُهَا لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الصَّوْمِ إذَا نَوَى بَعْدَ ذَلِكَ ، فَكَذَلِكَ إذَا نَوَى الْفِطْرَ ، ثُمَّ نَوَى الصَّوْمَ بَعْدَهُ ، بِخِلَافِ الْوَاجِبِ ، فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ بِنِيَّةٍ مِنْ النَّهَارِ .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّهُ قَالَ : إذَا أَصْبَحَ صَائِمًا ، ثُمَّ عَزَمَ عَلَى الْفِطْرِ ، فَلَمْ يُفْطِرْ حَتَّى بَدَا لَهُ ، ثُمَّ قَالَ : لَا ، بَلْ أُتِمُّ صَوْمِي مِنْ الْوَاجِبِ .\rلَمْ يُجْزِئْهُ حَتَّى يَكُونَ عَازِمًا عَلَى الصَّوْمِ يَوْمَهُ كُلَّهُ ، وَلَوْ كَانَ تَطَوُّعًا كَانَ أَسْهَلَ .\rوَظَاهِرُ هَذَا مُوَافِقٌ لِمَا ذَكَرْنَاهُ .\rوَقَدْ دَلَّ عَلَى صِحَّتِهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { كَانَ يَسْأَلُ أَهْلَهُ : هَلْ مِنْ غَدَاءٍ ؟ فَإِنْ قَالُوا : لَا .\rقَالَ : إنِّي إذًا صَائِمٌ } .","part":6,"page":97},{"id":2597,"text":"( 2046 ) فَصْلٌ : وَإِنْ نَوَى أَنَّهُ سَيُفْطِرُ سَاعَةً أُخْرَى .\rفَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ هُوَ كَنِيَّةِ الْفِطْرِ فِي وَقْتِهِ ، وَإِنْ تَرَدَّدَ فِي الْفِطْرِ .\rفَعَلَى وَجْهَيْنِ ، كَمَا ذَكَرْنَا فِي الصَّلَاةِ ، وَإِنْ نَوَى أَنَّنِي إنْ وَجَدْت طَعَامًا أَفْطَرْت ، وَإِنْ لَمْ أَجِدْ أَتْمَمْت صَوْمِي .\rخُرِّجَ فِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، يُفْطِرُ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ جَازِمًا بِنِيَّةِ الصَّوْمِ ، وَكَذَلِكَ لَا يَصِحُّ ابْتِدَاءُ النِّيَّةِ بِمِثْلِ هَذَا .\rوَالثَّانِي : لَا يُفْطِرُ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْوِ الْفِطْرَ بِنِيَّةٍ صَحِيحَةٍ ، فَإِنَّ النِّيَّةَ لَا يَصِحُّ تَعْلِيقُهَا عَلَى شَرْطٍ ، وَلِذَلِكَ لَا يَنْعَقِدُ الصَّوْمُ بِمِثْلِ هَذِهِ النِّيَّةِ .","part":6,"page":98},{"id":2598,"text":"( 2047 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَمَنْ جَامَعَ فِي الْفَرْجِ ، فَأَنْزَلَ ، أَوْ لَمْ يُنْزِلْ ، أَوْ دُونَ الْفَرْجِ فَأَنْزَلَ عَامِدًا أَوْ سَاهِيًا ، فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ ، إذَا كَانَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ ) لَا نَعْلَمُ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ خِلَافًا ، فِي أَنَّ مَنْ جَامَعَ فِي الْفَرْجِ فَأَنْزَلَ أَوْ لَمْ يُنْزِلْ ، أَوْ دُونَ الْفَرْجِ فَأَنْزَلَ ، أَنَّهُ يَفْسُدُ صَوْمُهُ إذَا كَانَ عَامِدًا ، وَقَدْ دَلَّتْ الْأَخْبَارُ الصَّحِيحَةُ عَلَى ذَلِكَ ، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِيهَا مَسَائِلُ أَرْبَعٍ ؛ ( 2048 ) إحْدَاهَا : أَنَّ مَنْ أَفْسَدَ صَوْمًا وَاجِبًا بِجِمَاعٍ ، فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ ، سَوَاءٌ كَانَ فِي رَمَضَانَ أَوْ غَيْرِهِ ، وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ : مَنْ لَزِمَتْهُ الْكَفَّارَةُ لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَأْمُرْ الْأَعْرَابِيَّ بِالْقَضَاءِ .\rوَحُكِيَ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ أَنَّهُ قَالَ : إنَّ كَفَّرَ بِالصِّيَامِ فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ صَامَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ .\rوَلَنَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِلْمُجَامِعِ : { وَصُمْ يَوْمًا مَكَانَهُ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادِهِ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَالْأَثْرَمُ .\rوَلِأَنَّهُ أَفْسَدَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ ، فَلَزِمَهُ قَضَاؤُهُ ، كَمَا لَوْ أَفْسَدَهُ بِالْأَكْلِ ، أَوْ أَفْسَدَ صَوْمَهُ الْوَاجِبَ بِالْجِمَاعِ ، فَلَزِمَهُ قَضَاؤُهُ ، كَغَيْرِ رَمَضَانَ .","part":6,"page":99},{"id":2599,"text":"( 2049 ) الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : أَنَّ الْكَفَّارَةَ تَلْزَمُ مَنْ جَامَعَ فِي الْفَرْجِ فِي رَمَضَانَ عَامِدًا ، أَنْزَلَ أَوْ لَمْ يُنْزِلْ فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rوَحُكِيَ عَنْ الشَّعْبِيِّ ، وَالنَّخَعِيِّ ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ : لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ الصَّوْمَ عِبَادَةٌ لَا تَجِبُ الْكَفَّارَةُ بِإِفْسَادِ قَضَائِهَا ، فَلَا تَجِبُ فِي أَدَائِهَا ، كَالصَّلَاةِ .\rوَلَنَا : مَا رَوَى الزُّهْرِيُّ ، عَنْ حُمَيْدٍ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : بَيْنَا نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إذْ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، هَلَكْتُ .\rقَالَ مَا لَك ؟ قَالَ : وَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِي وَأَنَا صَائِمٌ .\rفَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَلْ تَجِدُ رَقَبَةً تَعْتِقُهَا ؟ قَالَ : لَا ، قَالَ : فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ ؟ قَالَ : لَا ، قَالَ : فَهَلْ تَجِدُ إطْعَامَ سِتِّينَ مِسْكِينًا ؟ قَالَ : لَا ، قَالَ : فَمَكَثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَبَيْنَا نَحْنُ عَلَى ذَلِكَ أُتِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعَرَقٍ فِيهِ تَمْرٌ .\rوَالْعَرَقُ : الْمِكْتَلُ ، فَقَالَ : أَيْنَ السَّائِلُ ؟ فَقَالَ : أَنَا ، قَالَ : خُذْ هَذَا ، فَتَصَدَّقْ بِهِ فَقَالَ الرَّجُلُ : عَلَى أَفْقَرَ مِنِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ فَوَاَللَّهِ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا أَهْلُ بَيْتٍ أَفْقَرَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي .\rفَضَحِكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى بَدَتْ أَنْيَابُهُ ، ثُمَّ قَالَ : أَطْعِمْهُ أَهْلَك } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَلَا يَجُوزُ اعْتِبَارُ الْأَدَاءِ فِي ذَلِكَ بِالْقَضَاءِ ؛ لِأَنَّ الْأَدَاءَ يَتَعَلَّقُ بِزَمَنٍ مَخْصُوصٍ يَتَعَيَّنُ بِهِ ، وَالْقَضَاءُ مَحَلُّهُ الذِّمَّةُ ، وَالصَّلَاةُ لَا يَدْخُلُ فِي جُبْرَانِهَا الْمَالُ ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا .","part":6,"page":100},{"id":2600,"text":"( 2050 ) الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ ، أَنَّ الْجِمَاعَ دُونَ الْفَرْجِ ، إذَا اقْتَرَنَ بِهِ الْإِنْزَالُ ، فِيهِ عَنْ أَحْمَدَ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ ، وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ ، وَعَطَاءٍ وَالْحَسَنِ ، وَابْنِ الْمُبَارَكِ وَإِسْحَاقَ ؛ لِأَنَّهُ فِطْرٌ بِجِمَاعٍ ، فَأَوْجَبَ الْكَفَّارَةَ كَالْجِمَاعِ فِي الْفَرْجِ ، وَالثَّانِيَةُ : لَا كَفَّارَةَ فِيهِ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيَّ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّهُ فِطْرٌ بِغَيْرِ جِمَاعٍ تَامٍّ ، فَأَشْبَهَ الْقُبْلَةَ ، وَلِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ ، وَلَا نَصَّ فِي وُجُوبِهَا وَلَا إجْمَاعَ وَلَا قِيَاسَ ، وَلَا يَصِحُّ الْقِيَاسُ عَلَى الْجِمَاعِ فِي الْفَرْجِ ؛ لِأَنَّهُ أَبْلَغُ ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ يُوجِبُهَا مِنْ غَيْرِ إنْزَالٍ ، وَيَجِبُ بِهِ الْحَدُّ إذَا كَانَ مُحَرَّمًا ، وَيَتَعَلَّقُ بِهِ اثْنَا عَشَرَ حُكْمًا .\rوَلِأَنَّ الْعِلَّةَ فِي الْأَصْلِ الْجِمَاعُ بِدُونِ الْإِنْزَالِ ، وَالْجِمَاعُ هَاهُنَا غَيْرُ مُوجِبٍ ، فَلَمْ يَصِحَّ اعْتِبَارُهُ بِهِ .","part":6,"page":101},{"id":2601,"text":"( 2051 ) الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ ، أَنَّهُ جَامَعَ نَاسِيًا ، فَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ كَالْعَامِدِ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .\rوَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ ، وَابْنِ الْمَاجِشُونِ .\rوَرَوَى أَبُو دَاوُد ، عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّهُ تَوَقَّفَ عَنْ الْجَوَابِ ، وَقَالَ : أَجْبُنُ أَنْ أَقُولَ فِيهِ شَيْئًا ، وَأَنْ أَقُولَ لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ .\rقَالَ : سَمِعْته غَيْرَ مَرَّةٍ لَا يَنْفُذُ لَهُ فِيهِ قَوْلٌ .\rوَنَقَلَ أَحْمَدُ بْنُ الْقَاسِمِ عَنْهُ : كُلُّ أَمْرٍ غُلِبَ عَلَيْهِ الصَّائِمُ ، لَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاءٌ وَلَا غَيْرُهُ .\rقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : هَذَا يَدُلُّ عَلَى إسْقَاطِ الْقَضَاءِ وَالْكَفَّارَةِ مَعَ الْإِكْرَاهِ وَالنِّسْيَانِ .\rوَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ ، وَمُجَاهِدٍ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ ؛ لِأَنَّهُ مَعْنًى حَرَّمَهُ الصَّوْمُ ، فَإِذَا وُجِدَ مِنْهُ مُكْرَهًا أَوْ نَاسِيًا ، لَمْ يُفْسِدْهُ ؛ كَالْأَكْلِ .\rوَكَانَ مَالِكٌ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَاللَّيْثُ ، يُوجِبُونَ الْقَضَاءَ دُونَ الْكَفَّارَةِ ؛ لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ لِرَفْعِ الْإِثْمِ ، وَهُوَ مَحْطُوطٌ عَنْ النَّاسِي .\rوَلَنَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ الَّذِي قَالَ : وَقَعْت عَلَى امْرَأَتِي .\rبِالْكَفَّارَةِ ، وَلَمْ يَسْأَلْهُ عَنْ الْعَمْدِ ، وَلَوْ افْتَرَقَ الْحَالُ لَسَأَلَ وَاسْتَفْصَلَ ، وَلِأَنَّهُ يَجِبُ التَّعْلِيلُ بِمَا تَنَاوَلَهُ لَفْظُ السَّائِلِ وَهُوَ الْوُقُوعُ عَلَى الْمَرْأَةِ فِي الصَّوْمِ ، وَلِأَنَّ السُّؤَالَ كَالْمُعَادِ فِي الْجَوَابِ ، فَكَأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { مَنْ وَقَعَ عَلَى أَهْلِهِ فِي رَمَضَانَ فَلْيُعْتِقْ رَقَبَةً } .\rفَإِنْ قِيلَ : فَفِي الْحَدِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَى الْعَمْدِ ، وَهُوَ قَوْلُهُ : هَلَكْت .\rوَرُوِيَ : احْتَرَقْت .\rقُلْنَا : يَجُوزُ أَنْ يُخْبِرَ عَنْ هَلَكَتِهِ لِمَا يَعْتَقِدُهُ فِي الْجِمَاعِ مَعَ النِّسْيَانِ مِنْ إفْسَادِ الصَّوْمِ ، وَخَوْفِهِ مِنْ غَيْرِ ذَلِكَ ، وَلِأَنَّ الصَّوْمَ عِبَادَةٌ تُحَرِّمُ الْوَطْءَ ، فَاسْتَوَى فِيهَا عَمْدُهُ وَسَهْوُهُ ، كَالْحَجِّ ، وَلِأَنَّ إفْسَادَ الصَّوْمِ وَوُجُوبَ الْكَفَّارَةِ","part":6,"page":102},{"id":2602,"text":"حُكْمَانِ يَتَعَلَّقَانِ بِالْجِمَاعِ ، لَا تُسْقِطُهُمَا الشُّبْهَةُ ، فَاسْتَوَى فِيهِمَا الْعَمْدُ وَالسَّهْوُ ، كَسَائِرِ أَحْكَامِهِ .\r( 2052 ) فَصْلٌ : وَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ الْفَرْجِ قُبُلًا أَوْ دُبُرًا ، مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى .\rوَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، فِي أَشْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ : لَا كَفَّارَةَ فِي الْوَطْءِ فِي الدُّبُرِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْصُلُ بِهِ الْإِحْلَالُ وَلَا الْإِحْصَانُ ، فَلَا يُوجِبُ الْكَفَّارَةَ ، كَالْوَطْءِ دُونَ الْفَرْجِ .\rوَلَنَا أَنَّهُ أَفْسَدَ صَوْمَ رَمَضَانَ بِجِمَاعٍ فِي الْفَرْجِ ، فَأَوْجَبَ الْكَفَّارَةَ ، كَالْوَطْءِ ، وَأَمَّا الْوَطْءُ دُونَ الْفَرْجِ ، فَلَنَا فِيهِ مَنْعٌ ، وَإِنْ سَلَّمْنَا ، فَلِأَنَّ الْجِمَاعَ دُونَ الْفَرْجِ لَا يُفْسِدُ الصَّوْمَ بِمُجَرَّدِهِ ؛ بِخِلَافِ الْوَطْءِ فِي الدُّبُرِ .","part":6,"page":103},{"id":2603,"text":"( 2053 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا الْوَطْءُ فِي فَرْجِ الْبَهِيمَةِ .\rفَذَكَرَ الْقَاضِي ، أَنَّهُ مُوجِبٌ لِلْكَفَّارَةِ ؛ لِأَنَّهُ وَطْءٌ فِي فَرْجٍ مُوجِبٌ لِلْغُسْلِ ، مُفْسِدٌ لِلصَّوْمِ ، فَأَشْبَهَ وَطْءَ الْآدَمِيَّةِ .\rوَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ لَا تَجِبُ بِهِ الْكَفَّارَةُ .\rوَذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ ؛ لِأَنَّهُ لَا نَصَّ فِيهِ ، وَلَا هُوَ فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ ، فَإِنَّهُ مُخَالِفٌ لِوَطْءِ الْآدَمِيَّةِ فِي إيجَابِ الْحَدِّ عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ ، وَفِي كَثِيرٍ مِنْ أَحْكَامِهِ .\rوَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ الْمَوْطُوءَةِ زَوْجَةً أَوْ أَجْنَبِيَّةً ، أَوْ كَبِيرَةً أَوْ صَغِيرَةً ؛ لِأَنَّهُ إذَا وَجَبَ بِوَطْءِ الزَّوْجَةِ ، فَبِوَطْءِ الْأَجْنَبِيَّةِ أَوْلَى .","part":6,"page":104},{"id":2604,"text":"( 2054 ) فَصْلٌ : وَيَفْسُدُ صَوْمُ الْمَرْأَةِ بِالْجِمَاعِ ، بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ فِي الْمَذْهَبِ ؛ لِأَنَّهُ نَوْعٌ مِنْ الْمُفْطِرَاتِ ، فَاسْتَوَى فِيهِ الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ ، كَالْأَكْلِ وَهَلْ يَلْزَمُهَا الْكَفَّارَةُ ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ ؛ إحْدَاهُمَا ، يَلْزَمُهَا .\rوَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ ، وَقَوْلُ مَالِكٍ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ وَلِأَنَّهَا هَتَكَتْ صَوْمَ رَمَضَانَ بِالْجِمَاعِ ، فَوَجَبَتْ عَلَيْهَا الْكَفَّارَةُ كَالرَّجُلِ .\rوَالثَّانِيَةُ ، لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهَا .\rقَالَ أَبُو دَاوُد : سُئِلَ أَحْمَدُ عَنْ مَنْ أَتَى أَهْلَهُ فِي رَمَضَانَ ، أَعْلَيْهَا كَفَّارَةٌ ؟ قَالَ : مَا سَمِعْنَا أَنَّ عَلَى امْرَأَةٍ كَفَّارَةً .\rوَهَذَا قَوْلُ الْحَسَنِ ، وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ كَالرِّوَايَتَيْنِ .\rوَوَجْهُ ذَلِكَ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ الْوَاطِئَ فِي رَمَضَانَ أَنْ يُعْتِقَ رَقَبَةً .\rوَلَمْ يَأْمُرْ فِي الْمَرْأَةِ بِشَيْءٍ ، مَعَ عِلْمِهِ بِوُجُودِ ذَلِكَ مِنْهَا ، وَلِأَنَّهُ حَقُّ مَالٍ يَتَعَلَّقُ بِالْوَطْءِ مِنْ بَيْنِ جِنْسِهِ ، فَكَانَ عَلَى الرَّجُلِ كَالْمَهْرِ .","part":6,"page":105},{"id":2605,"text":"( 2055 ) فَصْلٌ : وَإِنْ أُكْرِهَتْ الْمَرْأَةُ عَلَى الْجِمَاعِ ، فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهَا ، رِوَايَةً وَاحِدَةً ، وَعَلَيْهَا الْقَضَاءُ .\rقَالَ مُهَنَّا : سَأَلْت أَحْمَدَ عَنْ امْرَأَةٍ غَصَبَهَا رَجُلٌ نَفْسَهَا ، فَجَامَعَهَا ، أَعْلَيْهَا الْقَضَاءُ ؟ قَالَ : نَعَمْ .\rقُلْت : وَعَلَيْهَا كَفَّارَةٌ ؟ قَالَ : لَا .\rوَهَذَا قَوْلُ الْحَسَنِ .\rوَنَحْوُ ذَلِكَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ .\rوَعَلَى قِيَاسِ ذَلِكَ ، إذَا وَطِئَهَا نَائِمَةً .\rوَقَالَ مَالِكٌ فِي النَّائِمَةِ : عَلَيْهَا الْقَضَاءُ بِلَا كَفَّارَةٍ ، وَالْمُكْرَهَةُ عَلَيْهَا الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ : إنْ كَانَ الْإِكْرَاهُ بِوَعِيدٍ حَتَّى فَعَلَتْ ، كَقَوْلِنَا وَإِنْ كَانَ إلْجَاءً لَمْ تُفْطِرْ .\rوَكَذَلِكَ إنْ وَطِئَهَا وَهِيَ نَائِمَةٌ .\rوَيُخَرَّجُ مِنْ قَوْلِ أَحْمَدَ - فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ - كُلُّ أَمْرٍ غُلِبَ عَلَيْهِ الصَّائِمُ ، لَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاءٌ وَلَا غَيْرُهُ .\rأَنَّهُ لَا قَضَاءَ عَلَيْهَا إذَا كَانَتْ مُلْجَأَةً أَوْ نَائِمَةً ؛ لِأَنَّهَا لَمْ يُوجَدْ مِنْهَا فِعْلٌ ، فَلَمْ تُفْطِرْ ، كَمَا لَوْ صَبَّ فِي حَلْقِهَا مَاءً بِغَيْرِ اخْتِيَارِهَا .\rوَوَجْهُ الْأَوَّلِ ، أَنَّهُ جِمَاعٌ فِي الْفَرْجِ ، فَأَفْسَدَ الصَّوْمَ ، كَمَا لَوْ أُكْرِهَتْ بِالْوَعِيدِ ، وَلِأَنَّ الصَّوْمَ عِبَادَةٌ يُفْسِدُهَا الْوَطْءُ ، فَفَسَدَتْ بِهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ ، كَالصَّلَاةِ وَالْحَجِّ .\rوَيُفَارِقُ الْأَكْلَ ، فَإِنَّهُ يُعْذَرُ فِيهِ بِالنِّسْيَانِ ، بِخِلَافِ الْجِمَاعِ .","part":6,"page":106},{"id":2606,"text":"فَصْلٌ : فَإِنْ تَسَاحَقَتْ امْرَأَتَانِ ، فَلَمْ يُنْزِلَا ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِمَا .\rوَإِنْ أَنْزَلَتَا ، فَسَدَ صَوْمُهُمَا .\rوَهَلْ يَكُونُ حُكْمُهُمَا حُكْمَ الْمُجَامِعِ دُونَ الْفَرْجِ إذَا أَنْزَلَ ، أَوْ لَا يَلْزَمُهُمَا كَفَّارَةٌ بِحَالٍ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ ، مَبْنِيَّانِ عَلَى أَنَّ الْجِمَاعَ مِنْ الْمَرْأَةِ هَلْ يُوجِبُ الْكَفَّارَةَ ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ ، وَأَصَحُّ الْوَجْهَيْنِ ، أَنَّهُمَا لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِمَا ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِمَنْصُوصٍ عَلَيْهِ ، وَلَا فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ ، فَيَبْقَى عَلَى الْأَصْلِ .\rوَإِنْ سَاحَقَ الْمَجْبُوبُ فَأَنْزَلَ ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ مَنْ جَامَعَ دُونَ الْفَرْجِ فَأَنْزَلَ .","part":6,"page":107},{"id":2607,"text":"( 2057 ) فَصْلٌ : وَإِنْ جَامَعَتْ الْمَرْأَةُ نَاسِيَةً لِلصَّوْمِ .\rفَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : حُكْمُ النِّسْيَانِ حُكْمُ الْإِكْرَاهِ ، وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهَا فِيهِمَا ، وَعَلَيْهَا الْقَضَاءُ ؛ لِأَنَّ الْجِمَاعَ يَحْصُلُ بِهِ الْفِطْرُ فِي حَقِّ الرَّجُلِ مَعَ النِّسْيَانِ ، فَكَذَلِكَ فِي حَقِّ الْمَرْأَةِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَلْزَمَهَا الْقَضَاءُ ؛ لِأَنَّهُ مُفْسِدٌ لَا يُوجِبُ الْكَفَّارَةَ ، فَأَشْبَهَ الْأَكْلَ .","part":6,"page":108},{"id":2608,"text":"( 2058 ) فَصْلٌ : وَإِنْ أُكْرِهَ الرَّجُلُ عَلَى الْجِمَاعِ ، فَسَدَ صَوْمُهُ ؛ لِأَنَّهُ إذَا أُفْسِدَ صَوْمُ الْمَرْأَةِ فَصَوْمُ الرَّجُلِ أَوْلَى .\rوَأَمَّا الْكَفَّارَةُ ، فَقَالَ الْقَاضِي : عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ ؛ لِأَنَّ الْإِكْرَاهَ عَلَى الْوَطْءِ لَا يُمْكِنُ ، لِأَنَّهُ لَا يَطَأُ حَتَّى يَنْتَشِرَ ، وَلَا يَنْتَشِرُ إلَّا عَنْ شَهْوَةٍ ، فَكَانَ كَغَيْرِ الْمُكْرَهِ .\rوَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : فِيهِ .\rرِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ إمَّا أَنْ تَكُونَ عُقُوبَةً ، أَوْ مَاحِيَةً لِلذَّنْبِ ، وَلَا حَاجَةَ إلَيْهَا مَعَ الْإِكْرَاهِ ، لِعَدَمِ الْإِثْمِ فِيهِ ، وَلِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { عُفِيَ لِأُمَّتِي عَنْ الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ ، وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ } وَلِأَنَّ الشَّرْعَ لَمْ يَرِدْ بِوُجُوبِ الْكَفَّارَةِ فِيهِ ، وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُهُ عَلَى مَا وَرَدَ الشَّرْعُ فِيهِ ، لَاخْتِلَافِهِمَا فِي وُجُودِ الْعُذْرِ وَعَدَمِهِ .\rفَأَمَّا إنْ كَانَ نَائِمًا ، مِثْلُ أَنْ كَانَ عُضْوُهُ مُنْتَشِرًا فِي حَالِ نَوْمِهِ ، فَاسْتَدْخَلَتْهُ امْرَأَتُهُ .\rفَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ : لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ وَلَا كَفَّارَةَ .\rوَكَذَلِكَ إنْ كَانَ إلْجَاءً ، مِثْلُ أَنْ غَلَبَتْهُ فِي حَالِ يَقَظَتِهِ عَلَى نَفْسِهِ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ مَعْنًى حَرَّمَهُ الصَّوْمُ حَصَلَ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ ، فَلَمْ يُفْطِرْ بِهِ ، كَمَا لَوْ أَطَارَتْ الرِّيحُ إلَى حَلْقِهِ ذُبَابَةً .\rوَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ ، أَنَّ عَلَيْهِ الْقَضَاءَ ؛ لِأَنَّهُ قَالَ فِي الْمَرْأَةِ إذَا غَصَبَهَا رَجُلٌ نَفْسَهَا فَجَامَعَهَا : عَلَيْهَا الْقَضَاءُ .\rفَالرَّجُلُ أَوْلَى .\rوَلِأَنَّ الصَّوْمَ عِبَادَةٌ يُفْسِدُهَا الْجِمَاعُ ، فَاسْتَوَى فِي ذَلِكَ حَالَةُ الِاخْتِيَارِ وَالْإِكْرَاهِ ، كَالْحَجِّ ، وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُ الْجِمَاعِ عَلَى غَيْرِهِ فِي عَدَمِ الْإِفْسَادِ لِتَأَكُّدِهِ بِإِيجَابِ الْكَفَّارَةِ ، وَإِفْسَادِهِ لِلْحَجِّ مِنْ بَيْنَ سَائِرِ مَحْظُورَاتِهِ ، وَإِيجَابِ الْحَدَّ بِهِ إذَا كَانَ زِنًا .","part":6,"page":109},{"id":2609,"text":"( 2059 ) فَصْلٌ : وَلَا تَجِبُ الْكَفَّارَةُ بِالْفِطْرِ فِي غَيْرِ رَمَضَانَ ، فِي قَوْلِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَجُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ .\rوَقَالَ قَتَادَةُ : تَجِبُ عَلَى مَنْ وَطِئَ فِي قَضَاءِ رَمَضَانَ ؛ لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ تَجِبُ الْكَفَّارَةُ فِي أَدَائِهَا ، فَوَجَبَتْ فِي قَضَائِهَا ، كَالْحَجِّ .\rوَلَنَا أَنَّهُ جَامَعَ فِي غَيْرِ رَمَضَانَ ، فَلَمْ تَلْزَمْهُ كَفَّارَةٌ ، كَمَا لَوْ جَامَعَ فِي صِيَامِ الْكَفَّارَةِ ، وَيُفَارِقُ الْقَضَاءُ الْأَدَاءَ ؛ لِأَنَّهُ مُتَعَيِّنٌ بِزَمَانٍ مُحْتَرَمٍ ، فَالْجِمَاعُ فِيهِ هَتْكٌ لَهُ ، بِخِلَافِ الْقَضَاءِ .","part":6,"page":110},{"id":2610,"text":"( 2060 ) فَصْلٌ : وَإِذَا جَامَعَ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ ، ثُمَّ مَرِضَ أَوْ جُنَّ ، أَوْ كَانَتْ امْرَأَةً فَحَاضَتْ أَوْ نُفِسَتْ فِي أَثْنَاءِ النَّهَارِ ، لَمْ تَسْقُطْ الْكَفَّارَةُ .\rوَبِهِ قَالَ مَالِكٌ ، وَاللَّيْثُ ، وَابْنُ الْمَاجِشُونِ ، وَإِسْحَاقُ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ : لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِمْ .\rوَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ كَالْمَذْهَبَيْنِ .\rوَاحْتَجُّوا بِأَنَّ صَوْمَ هَذَا الْيَوْمِ خَرَجَ عَنْ كَوْنِهِ مُسْتَحَقًّا ، فَلَمْ يَجِبْ بِالْوَطْءِ فِيهِ كَفَّارَةٌ ، كَصَوْمِ الْمُسَافِرِ ، أَوْ كَمَا لَوْ قَامَتْ الْبَيِّنَةُ أَنَّهُ مِنْ شَوَّالٍ .\rوَلَنَا : أَنَّهُ مَعْنًى طَرَأَ بَعْدَ وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ ، فَلَمْ يُسْقِطْهَا ، كَالسَّفَرِ ، وَلِأَنَّهُ أَفْسَدَ صَوْمًا وَاجِبًا فِي رَمَضَانَ بِجِمَاعٍ تَامٍّ ، فَاسْتَقَرَّتْ الْكَفَّارَةُ عَلَيْهِ ، كَمَا لَوْ لَمْ يَطْرَأْ عُذْرٌ ، وَالْوَطْءُ فِي صَوْمِ الْمُسَافِرِ مَمْنُوعٌ ، وَإِنْ سَلِمَ فَالْوَطْءُ ثَمَّ لَمْ يُوجِبْ أَصْلًا ، لِأَنَّهُ وَطْءٌ مُبَاحٌ ، فِي سَفَرٍ أُبِيحَ الْفِطْرُ فِيهِ ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا ، وَكَذَا إذَا تَبَيَّنَ أَنَّهُ مِنْ شَوَّالٍ ، فَإِنَّ الْوَطْءَ غَيْرُ مُوجِبٍ ، لِأَنَّا تَبَيَّنَّا أَنَّ الْوَطْءَ لَمْ يُصَادِفْ رَمَضَانَ ، وَالْمُوجِبُ إنَّمَا هُوَ الْوَطْءُ الْمُفْسِدُ لِصَوْمِ رَمَضَانَ .","part":6,"page":111},{"id":2611,"text":"( 2061 ) فَصْلٌ : إذَا طَلَعَ الْفَجْرُ وَهُوَ مُجَامِعٌ ، فَاسْتَدَامَ الْجِمَاعَ ، فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ .\rوَبِهِ قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَجِبُ الْقَضَاءُ دُونَ الْكَفَّارَةِ ؛ لِأَنَّ وَطْأَهُ لَمْ يُصَادِفْ صَوْمًا صَحِيحًا ، فَلَمْ يُوجِبْ الْكَفَّارَةَ ، كَمَا لَوْ تَرَكَ النِّيَّةَ وَجَامَعَ .\rوَلَنَا أَنَّهُ تَرَكَ صَوْمَ رَمَضَانَ بِجِمَاعٍ أَثِمَ بِهِ لِحُرْمَةِ الصَّوْمِ ، فَوَجَبَتْ بِهِ الْكَفَّارَةُ ، كَمَا لَوْ وَطِئَ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ ، وَعَكْسُهُ إذَا لَمْ يَنْوِ ، فَإِنَّهُ يَتْرُكُهُ لِتَرْكِ النِّيَّةِ لَا الْجِمَاعِ ، وَلَنَا فِيهِ مَنْعٌ أَيْضًا .\rوَأَمَّا إنْ نَزَعَ فِي الْحَالِ مَعَ أَوَّلِ طُلُوعِ الْفَجْرِ ، فَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ .\rوَالْقَاضِي : عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ أَيْضًا ؛ لِأَنَّ النَّزْعَ جِمَاعٌ يَلْتَذُّ بِهِ ، فَتَعَلَّقَ بِهِ مَا يَتَعَلَّقُ بِالِاسْتِدَامَةِ ، كَالْإِيلَاجِ .\rوَقَالَ أَبُو حَفْصٍ : لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ وَلَا كَفَّارَةَ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ تَرْكٌ لِلْجِمَاعِ ، فَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْجِمَاعِ ، كَمَا لَوْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ دَارًا وَهُوَ فِيهَا ، فَخَرَجَ مِنْهَا ، كَذَلِكَ هَاهُنَا .\rوَقَالَ مَالِكٌ : يَبْطُلُ صَوْمُهُ ، وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى أَكْثَرَ مِمَّا فَعَلَهُ فِي تَرْكِ الْجِمَاعِ ، فَأَشْبَهَ الْمُكْرَهَ .\rوَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تَقْرُبُ مِنْ الِاسْتِحَالَةِ ، إذْ لَا يَكَادُ يَعْلَمُ أَوَّلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ عَلَى وَجْهٍ يَتَعَقَّبُهُ النَّزْعُ ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ قَبْلَهُ شَيْءٌ مِنْ الْجِمَاعِ ، فَلَا حَاجَةَ إلَى فَرْضِهَا ، وَالْكَلَامِ فِيهَا .","part":6,"page":112},{"id":2612,"text":"( 2062 ) فَصْلٌ : وَمَنْ جَامَعَ يَظُنُّ أَنَّ الْفَجْرَ لَمْ يَطْلُعْ ، فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ كَانَ قَدْ طَلَعَ ، فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ : لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ .\rوَلَوْ عَلِمَ فِي أَثْنَاءِ الْوَطْءِ فَاسْتَدَامَ ، فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ أَيْضًا ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَعْلَمْ لَمْ يَأْثَمْ ، فَلَا يَجِبُ بِهِ كَفَّارَةٌ ، كَوَطْءِ النَّاسِي ، وَإِنْ عَلِمَ فَاسْتَدَامَ فَقَدْ حَصَلَ الْوَطْءُ الَّذِي يَأْثَمُ بِهِ فِي غَيْرِ صَوْمٍ .\rوَلَنَا حَدِيثُ الْمُجَامِعِ ، إذْ أَمَرَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالتَّكْفِيرِ ، مِنْ غَيْرِ تَفْرِيقٍ وَلَا تَفْصِيلٍ .\rوَلِأَنَّهُ أَفْسَدَ صَوْمَ رَمَضَانَ بِجِمَاعٍ تَامٍّ ، فَوَجَبَتْ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ ، كَمَا لَوْ عَلِمَ ، وَوَطْءُ النَّاسِي مَمْنُوعٌ .\rثُمَّ لَا يَحْصُلُ بِهِ الْفِطْرُ عَلَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا .","part":6,"page":113},{"id":2613,"text":"( 2063 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَالْكَفَّارَةُ عِتْقُ رَقَبَةٍ ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ) الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ، أَنَّ كَفَّارَةَ الْوَطْءِ فِي رَمَضَانَ كَكَفَّارَةِ الظِّهَارِ فِي التَّرْتِيبِ ، يَلْزَمُهُ الْعِتْقُ إنْ أَمْكَنَهُ ، فَإِنْ عَجَزَ عَنْهُ انْتَقَلَ إلَى الصِّيَامِ ، فَإِنْ عَجَزَ انْتَقَلَ إلَى إطْعَامِ سِتِّينَ مِسْكِينًا .\rوَهَذَا قَوْلُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ .\rوَبِهِ يَقُولُ الثَّوْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى ، أَنَّهَا عَلَى التَّخْيِيرِ بَيْنَ الْعِتْقِ وَالصِّيَامِ وَالْإِطْعَامِ ، وَبِأَيِّهَا كَفَّرَ أَجْزَأَهُ .\rوَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ مَالِكٍ ؛ لِمَا رَوَى مَالِكٌ وَابْنُ جُرَيْجٍ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ حُمَيْدٍ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، { أَنَّ رَجُلًا أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُكَفِّرَ بِعِتْقِ رَقَبَةٍ ، أَوْ صِيَامِ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ ، أَوْ إطْعَامِ سِتِّينَ مِسْكِينًا } .\rرَوَاهُ مُسْلِمٌ وَ ( أَوْ ) حَرْفُ تَخْيِيرٍ .\rوَلِأَنَّهَا تَجِبُ بِالْمُخَالَفَةِ ، فَكَانَتْ عَلَى التَّخْيِيرِ ، كَكَفَّارَةِ الْيَمِينِ .\rوَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ ، أَنَّهُ قَالَ : الَّذِي نَأْخُذُ بِهِ فِي الَّذِي يُصِيبُ أَهْلَهُ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ ، إطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ، أَوْ صِيَامُ ذَلِكَ الْيَوْمِ ، وَلَيْسَ التَّحْرِيرُ وَالصِّيَامُ مِنْ كَفَّارَةِ رَمَضَانَ فِي شَيْءٍ .\rوَهَذَا الْقَوْلُ لَيْسَ بِشَيْءٍ ؛ لِمُخَالَفَتِهِ الْحَدِيثَ الصَّحِيحَ ، مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَصْلٌ يَعْتَمِدُ عَلَيْهِ ، وَلَا شَيْءَ يَسْتَنِدُ إلَيْهِ ، وَسُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَقُّ أَنْ تُتَّبَعَ .\rوَأَمَّا الدَّلِيلُ عَلَى وُجُوبِ التَّرْتِيبِ فَالْحَدِيثُ الصَّحِيحُ ، رَوَاهُ مَعْمَرٌ ، وَيُونُسُ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَاللَّيْثُ ، وَمُوسَى بْنُ عُقْبَةَ ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ، وَعِرَاكُ بْنُ مَالِكٍ ، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ","part":6,"page":114},{"id":2614,"text":"أُمَيَّةَ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَتِيقٍ ، وَغَيْرُهُمْ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ حُمَيْدٍ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { قَالَ لِلْوَاقِعِ عَلَى أَهْلِهِ : هَلْ تَجِدُ رَقَبَةً تُعْتِقُهَا ؟ قَالَ : لَا .\rقَالَ : فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ ؟ قَالَ : لَا .\rقَالَ : فَهَلْ تَجِدُ إطْعَامَ سِتِّينَ مِسْكِينًا ؟ قَالَ : } لَا .\rوَذَكَرَ سَائِرَ الْحَدِيثِ ، وَهَذَا لَفْظُ التَّرْتِيبِ ، وَالْأَخْذُ بِهَذَا أَوْلَى مِنْ رِوَايَةِ مَالِكٍ ؛ لِأَنَّ أَصْحَابَ الزُّهْرِيِّ اتَّفَقُوا عَلَى رِوَايَتِهِ هَكَذَا ، سِوَى مَالِكٍ وَابْنِ جُرَيْجٍ ، فِيمَا عَلِمْنَا ، وَاحْتِمَالُ الْغَلَطِ فِيهِمَا أَكْثَرُ مِنْ احْتِمَالِهِ فِي سَائِرِ أَصْحَابِهِ .\rوَلِأَنَّ التَّرْتِيبَ زِيَادَةٌ ، وَالْأَخْذُ بِالزِّيَادَةِ مُتَعَيِّنٌ .\rوَلِأَنَّ حَدِيثَنَا لَفْظُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحَدِيثَهُمْ لَفْظُ الرَّاوِي ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ رَوَاهُ ب ( أَوْ ) لِاعْتِقَادِهِ أَنَّ مَعْنَى اللَّفْظَيْنِ سَوَاءٌ ، وَلِأَنَّهَا كَفَّارَةٌ فِيهَا صَوْمُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ ، فَكَانَتْ عَلَى التَّرْتِيبِ ، كَكَفَّارَةِ الظِّهَارِ وَالْقَتْلِ .","part":6,"page":115},{"id":2615,"text":"( 2064 ) فَصْلٌ : فَإِذَا عَدِمَ الرَّقَبَةَ ، انْتَقَلَ إلَى صِيَامِ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ ، وَلَا نَعْلَمُ خِلَافًا فِي دُخُولِ الصِّيَامِ فِي كَفَّارَةِ الْوَطْءِ ، إلَّا شُذُوذًا لَا يُعَرَّجُ عَلَيْهِ ، لِمُخَالَفَةِ السُّنَّةِ الثَّابِتَةِ .\rوَلَا خِلَافَ بَيْنَ مَنْ أَوْجَبَهُ أَنَّهُ شَهْرَانِ مُتَتَابِعَانِ ، لِلْخَبَرِ أَيْضًا .\rفَإِنْ لَمْ يَشْرَعْ فِي الصِّيَامِ حَتَّى وَجَدَ الرَّقَبَةَ لَزِمَهُ الْعِتْقُ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَأَلَ الْمُوَاقِعَ عَمَّا يَقْدِرُ عَلَيْهِ ، حِينَ أَخْبَرَهُ بِالْعِتْقِ ، وَلَمْ يَسْأَلْهُ عَمَّا كَانَ يَقْدِرُ عَلَيْهِ حَالَةَ الْمُوَاقَعَةِ ، وَهِيَ حَالَةُ الْوُجُوبِ ، وَلِأَنَّهُ وَجَدَ الْمُبْدَلَ قَبْلَ التَّلَبُّسِ بِالْبَدَلِ ، فَلَزِمَهُ ، كَمَا لَوْ كَانَ وَاجِدًا لَهُ حَالَ الْوُجُوبِ .\rوَإِنْ شَرَعَ فِي الصَّوْمِ قَبْلَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْإِعْتَاقِ ، ثُمَّ قَدَرَ عَلَيْهِ ، لَمْ يَلْزَمْهُ الْخُرُوجُ إلَيْهِ ، إلَّا أَنْ يَشَاءَ الْعِتْقَ فَيُجْزِئَهُ ، وَيَكُونُ قَدْ فَعَلَ الْأَوْلَى .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَلْزَمُهُ الْخُرُوجُ ؛ لِأَنَّهُ قَدَرَ عَلَى الْأَصْلِ قَبْلَ أَدَاءِ فَرْضِهِ بِالْبَدَلِ ، فَبَطَلَ حُكْمُ الْمُبْدَلِ ، كَالْمُتَيَمِّمِ يَرَى الْمَاءَ .\rوَلَنَا أَنَّهُ شَرَعَ فِي الْكَفَّارَةِ الْوَاجِبَةِ عَلَيْهِ ، فَأَجْزَأَتْهُ ، كَمَا لَوْ اسْتَمَرَّ الْعَجْزُ إلَى فَرَاغِهَا ، وَفَارَقَ الْعِتْقُ التَّيَمُّمَ لِوَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا ، أَنَّ التَّيَمُّمَ لَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ ، وَإِنَّمَا يَسْتُرُهُ ، فَإِذَا وُجِدَ الْمَاءُ ظَهَرَ حُكْمُهُ ، بِخِلَافِ الصَّوْمِ ، فَإِنَّهُ يَرْفَعُ حُكْمَ الْجِمَاعِ بِالْكُلِّيَّةِ .\rالثَّانِي ، أَنَّ الصِّيَامَ تَطُولُ مُدَّتُهُ ، فَيَشُقُّ إلْزَامُهُ الْجَمْعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعِتْقِ ، بِخِلَافِ الْوُضُوءِ وَالتَّيَمُّمِ .","part":6,"page":116},{"id":2616,"text":"( 2065 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ، لِكُلِّ مِسْكِينٍ مَدٌّ مِنْ بُرٍّ ، أَوْ نِصْفُ صَاعٍ مِنْ تَمْرٍ أَوْ شَعِيرٍ ) لَا نَعْلَمُ خِلَافًا بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي دُخُولِ الْإِطْعَامِ فِي كَفَّارَةِ الْوَطْءِ فِي رَمَضَانَ فِي الْجُمْلَةِ ، وَهُوَ مَذْكُورٌ فِي الْخَبَرِ ، وَالْوَاجِبُ فِيهِ إطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ، فِي قَوْلِ عَامَّتِهِمْ ، وَهُوَ فِي الْخَبَرِ أَيْضًا ، وَلِأَنَّهُ إطْعَامٌ فِي كَفَّارَةٍ فِيهَا صَوْمُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ فَكَانَ إطْعَامَ سِتِّينَ مِسْكِينًا كَكَفَّارَةِ الظِّهَارِ .\rوَاخْتَلَفُوا فِي قَدْرِ مَا يُطْعَمُ كُلُّ مِسْكِينٍ ، فَذَهَبَ أَحْمَدُ إلَى أَنَّ لِكُلِّ مِسْكِينٍ مُدَّ بُرٍّ ، وَذَلِكَ خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا أَوْ نِصْفُ صَاعٍ مِنْ تَمْرٍ ، أَوْ شَعِيرٍ ، فَيَكُونُ الْجَمِيعُ ثَلَاثِينَ صَاعًا .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ مِنْ الْبُرِّ لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صَاعٍ ، وَمِنْ غَيْرِهِ صَاعٌ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثِ سَلَمَةَ بْنِ صَخْرٍ : { فَأَطْعِمْ وَسْقًا مِنْ تَمْرٍ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : يُطْعِمُ مَدًّا مِنْ أَيِّ الْأَنْوَاعِ شَاءَ .\rوَبِهَذَا قَالَ عَطَاءٌ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ؛ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ، فِي حَدِيثِ الْمُجَامِعِ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُتِيَ بِمِكْتَلٍ مِنْ تَمْرٍ ، قَدْرُهُ خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا ، فَقَالَ : { خُذْ هَذَا ، فَأُطْعِمْهُ عَنْك } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَلَنَا مَا رَوَى أَحْمَدُ ، حَدَّثَنَا إسْمَاعِيلُ ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ ، عَنْ أَبِي يَزِيدَ الْمَدَنِيِّ قَالَ : { جَاءَتْ امْرَأَةٌ مِنْ بَنِي بَيَاضَةَ بِنِصْفِ وَسْقٍ شَعِيرٍ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْمُظَاهِرِ : أَطْعِمْ هَذَا ، فَإِنَّ مُدَّيْ شَعِيرٍ مَكَانَ مُدِّ بُرٍّ } .\rوَلِأَنَّ فِدْيَةَ الْأَذَى نِصْفُ صَاعٍ مِنْ التَّمْرِ وَالشَّعِيرِ ، بِلَا خِلَافٍ ، فَكَذَا هَذَا .\rوَالْمُدُّ مِنْ الْبُرِّ يَقُومُ مَقَامَ نِصْفِ صَاعٍ مِنْ غَيْرِهِ ، بِدَلِيلِ حَدِيثِنَا ، وَلِأَنَّ الْإِجْزَاءَ بِمُدٍّ","part":6,"page":117},{"id":2617,"text":"مِنْهُ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ، وَزَيْدٍ وَلَا مُخَالِفَ لَهُمْ فِي الصَّحَابَةِ .\rوَأَمَّا حَدِيثُ سَلَمَةَ بْنِ صَخْرٍ ، فَقَدْ اُخْتُلِفَ فِيهِ ، وَحَدِيثُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الَّذِي أُتِيَ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَاصِرًا عَنْ الْوَاجِبِ ، فَاجْتُزِئَ بِهِ لِعَجْزِ الْمُكَفِّرِ عَمَّا سِوَاهُ .","part":6,"page":118},{"id":2618,"text":"( 2066 ) فَصْلٌ : فَإِنْ أَخْرَجَ مِنْ الدَّقِيقِ أَوْ السَّوِيقِ أَجْزَأَ ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ فِيمَا تَقَدَّمَ .\rوَإِنْ غَدَّى الْمَسَاكِينَ أَوْ عَشَّاهُمْ ، لَمْ يُجْزِئْهُ ، فِي أَظْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ .\rوَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ ؛ لِأَنَّهُ قَدَّرَ مَا يُجْزِئُ فِي الدَّفْعِ بِمُدٍّ أَوْ نِصْفِ صَاعٍ ، وَإِذَا أَطْعَمَهُمْ لَا يَعْلَمُ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ اسْتَوْفَى الْوَاجِبَ لَهُ ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيَّنَ قَدْرَ مَا يُطْعَمُهُ كُلُّ مِسْكِينٍ بِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْأَحَادِيثِ ، وَهِيَ مُقَيِّدَةٌ لِمُطْلَقِ الْإِطْعَامِ الْمَذْكُورِ ، وَالْمُطْلَقُ يُحْمَلُ عَلَى الْمُقَيَّدِ ، وَلَا يُعْلَمُ أَنَّ كُلَّ مِسْكِينٍ اسْتَوْفَى مَا يَجِبُ لَهُ ، وَلِأَنَّ الْوَاجِبَ تَمْلِيكُ الْمِسْكِينِ طَعَامَهُ ، وَالْإِطْعَامُ إبَاحَةٌ ، وَلَيْسَ بِتَمْلِيكٍ .\rفَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ ؛ إنْ أَفْرَدَ لِكُلِّ مِسْكِينٍ قَدْرَ الْوَاجِبِ لَهُ ، فَأَطْعَمَهُ إيَّاهُ ، نَظَرْت ؛ فَإِنْ قَالَ : هَذَا لَك تَتَصَرَّفُ فِيهِ كَيْفَ شِئْتَ .\rأَجْزَأَهُ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ مَلَّكَهُ إيَّاهُ .\rوَإِنْ لَمْ يَقُلْ لَهُ شَيْئًا ، احْتَمَلَ أَنْ يُجْزِئَهُ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَطْعَمَهُ مَا يَجِبُ لَهُ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ مَلَّكَهُ ، وَاحْتَمَلَ أَنْ لَا يُجْزِئَهُ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُمَلَّكْهُ إيَّاهُ .\rوَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ ، يُجْزِئُهُ أَنْ يَجْمَعَ سِتِّينَ مِسْكِينًا فَيُطْعِمَهُمْ .\rقَالَ أَبُو دَاوُد : سَمِعْت أَحْمَدَ يُسْأَلُ عَنْ امْرَأَةٍ أَفْطَرَتْ رَمَضَانَ ، ثُمَّ أَدْرَكَهَا رَمَضَانُ آخَرُ ، ثُمَّ مَاتَتْ .\rقَالَ : كَمْ أَفْطَرَتْ ؟ قَالَ : ثَلَاثِينَ يَوْمًا .\rقَالَ : فَاجْمَعْ ثَلَاثِينَ مِسْكِينًا ، وَأُطْعِمْهُمْ مَرَّةً وَاحِدَةً ، وَأُشْبِعْهُمْ .\rوَذَلِكَ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِلْمُجَامِعِ : ( أَطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا ) .\rوَهَذَا قَدْ أَطْعَمَهُمْ ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى { فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا } .\rوَقَالَ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ : { إطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ } .\rوَهَذَا قَدْ","part":6,"page":119},{"id":2619,"text":"أَطْعَمَهُمْ .\rوَرُوِيَ عَنْ أَنَسٍ ، أَنَّهُ أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ ، فَجَمَعَ الْمَسَاكِينَ ، وَوَضَعَ جِفَانًا فَأَطْعَمَهُمْ .\rوَلِأَنَّهُ أَطْعَمَ سِتِّينَ مِسْكِينًا فَأَجْزَأْهُ ، كَمَا لَوْ مَلَّكَهُ إيَّاهُ .\rفَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ ، إنْ أَطْعَمَهُمْ قَدْرَ الْوَاجِبِ لَهُمْ أَجْزَأْهُ ، وَإِنْ أَطْعَمَهُمْ دُونَ ذَلِكَ فَأَشْبَعَهُمْ ، فَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ يُجْزِئُهُ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَطْعَمَهُمْ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يُجْزِئَهُ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُطْعِمْهُمْ مَا وَجَبَ لَهُمْ .","part":6,"page":120},{"id":2620,"text":"( 2067 ) فَصْلٌ : وَيُجْزِئُ فِي الْكَفَّارَةِ مَا يُجْزِئُ فِي الْفِطْرَةِ ، مِنْ الْبُرِّ وَالشَّعِيرِ وَدَقِيقِهِمَا ، وَالتَّمْرِ وَالزَّبِيبِ ، وَفِي الْأَقِطِ وَجْهَانِ ، وَفِي الْخُبْزِ رِوَايَتَانِ ، وَكَذَلِكَ يُخَرَّجُ فِي السَّوِيقِ فَإِنْ كَانَ قُوتُهُ غَيْرَ ذَلِكَ مِنْ الْحُبُوبِ ، كَالدُّخْنِ ، وَالذُّرَةِ ، وَالْأُرْزِ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، لَا يُجْزِئُ .\rذَكَرَهُ الْقَاضِي ؛ لِأَنَّهُ لَا يُجْزِئُ فِي الْفِطْرَةِ .\rوَالثَّانِي ، يُجْزِئُ .\rاخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ } ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِالْإِطْعَامِ مُطْلَقًا ، وَلَمْ يَرِدْ تَقْيِيدُهُ بِشَيْءٍ مِنْ الْأَجْنَاسِ ، فَوَجَبَ إبْقَاؤُهُ عَلَى إطْلَاقِهِ ، وَلِأَنَّهُ أَطْعَمَ الْمِسْكِينَ مِنْ طَعَامِهِ ، فَأَجْزَأَهُ ، كَمَا لَوْ كَانَ طَعَامُهُ بُرًّا فَأَطْعَمَهُ مِنْهُ ، وَهَذَا أَظْهَرُ .","part":6,"page":121},{"id":2621,"text":"( 2068 ) فَصْلٌ : وَإِنْ عَجَزَ عَنْ الْعِتْقِ وَالصِّيَامِ وَالْإِطْعَامِ ، سَقَطَتْ الْكَفَّارَةُ عَنْهُ ، فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ ، بِدَلِيلِ أَنَّ الْأَعْرَابِيَّ لَمَّا دَفَعَ إلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ التَّمْرَ ، وَأَخْبَرَهُ بِحَاجَتِهِ إلَيْهِ ، قَالَ : ( أَطْعِمْهُ أَهْلَك ) .\rوَلَمْ يَأْمُرْهُ بِكَفَّارَةٍ أُخْرَى .\rوَهَذَا قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ .\rوَقَالَ الزُّهْرِيُّ : لَا بُدَّ مِنْ التَّكْفِيرِ ، وَهَذَا خَاصٌّ لِذَلِكَ الْأَعْرَابِيِّ ، لَا يَتَعَدَّاهُ ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ أَخْبَرَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِإِعْسَارِهِ قَبْلَ أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ الْعَرَقَ ، وَلَمْ يُسْقِطْهَا عَنْهُ ، وَلِأَنَّهَا كَفَّارَةٌ وَاجِبَةٌ ، فَلَمْ تَسْقُطْ بِالْعَجْزِ عَنْهَا ، كَسَائِرِ الْكَفَّارَاتِ .\rوَهَذَا رِوَايَةٌ ثَانِيَةٌ عَنْ أَحْمَدَ ، وَهُوَ قِيَاسُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَأَبِي ثَوْرٍ .\rوَعَنْ الشَّافِعِيِّ كَالْمَذْهَبَيْنِ .\rوَلَنَا الْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ ، وَدَعْوَى التَّخْصِيصِ لَا تُسْمَعُ بِغَيْرِ دَلِيلٍ .\rوَقَوْلُهُمْ : إنَّهُ أَخْبَرَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعَجْزِهِ فَلَمْ يُسْقِطْهَا .\rقُلْنَا : قَدْ أَسْقَطَهَا عَنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ ، وَهَذَا آخِرُ الْأَمْرَيْنِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا يَصِحُّ الْقِيَاسُ عَلَى سَائِرِ الْكَفَّارَاتِ ؛ لِأَنَّهُ اطِّرَاحٌ لِلنَّصِّ بِالْقِيَاسِ ، وَالنَّصُّ أَوْلَى ، وَالِاعْتِبَارُ بِالْعَجْزِ فِي حَالَةِ الْوُجُوبِ ، وَهِيَ حَالَةُ الْوَطْءِ .","part":6,"page":122},{"id":2622,"text":"( 2069 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَإِنْ جَامَعَ ، فَلَمْ يُكَفِّرْ حَتَّى جَامَعَ ثَانِيَةً ، فَكَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ إذَا جَامَعَ ثَانِيًا قَبْلَ التَّكْفِيرِ عَنْ الْأَوَّلِ ، لَمْ يَخْلُ مِنْ أَنْ يَكُونَ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ ، أَوْ فِي يَوْمَيْنِ ، فَإِنْ كَانَ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ ، فَكَفَّارَةٌ وَاحِدَةُ تُجْزِئُهُ ، بِغَيْرِ خِلَافٍ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَإِنْ كَانَ فِي يَوْمَيْنِ مِنْ رَمَضَانَ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، تُجْزِئُهُ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ .\rوَهُوَ ظَاهِرُ إطْلَاقِ الْخِرَقِيِّ ، وَاخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ ، وَمَذْهَبُ الزُّهْرِيِّ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْي ؛ لِأَنَّهَا جَزَاءٌ عَنْ جِنَايَةٍ تَكَرَّرَ سَبَبُهَا قَبْلَ اسْتِيفَائِهَا ، فَيَجِبُ أَنْ تَتَدَاخَلَ كَالْحَدِّ .\rوَالثَّانِي : لَا تُجْزِئُ وَاحِدَةٌ ، وَيَلْزَمُهُ كَفَّارَتَانِ .\rاخْتَارَهُ الْقَاضِي ، وَبَعْضُ أَصْحَابِنَا .\rوَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَاللَّيْثِ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَطَاءٍ ، وَمَكْحُولٍ ؛ لِأَنَّ كُلَّ يَوْمٍ عِبَادَةٌ مُنْفَرِدَةٌ ، فَإِذَا وَجَبَتْ الْكَفَّارَةُ بِإِفْسَادِهِ لَمْ تَتَدَاخَلْ ، كَرَمَضَانَيْنِ ، وَكَالْحَجَّتَيْنِ .","part":6,"page":123},{"id":2623,"text":"( 2070 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَإِنْ كَفَّرَ ، ثُمَّ جَامَعَ ثَانِيَةً ، فَكَفَّارَةُ ثَانِيَةٌ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ إذَا كَفَّرَ ، ثُمَّ جَامَعَ ثَانِيَةً ، لَمْ يَخْلُ مِنْ أَنْ يَكُونَ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ ، أَوْ فِي يَوْمَيْنِ ، فَإِنْ كَانَ فِي يَوْمَيْنِ ، فَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ ثَانِيَةٌ ، بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ ، وَإِنْ كَانَ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ .\rفَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ ثَانِيَةٌ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .\rوَكَذَلِكَ يُخَرَّجُ فِي كُلِّ مَنْ لَزِمَهُ الْإِمْسَاكُ وَحَرُمَ عَلَيْهِ الْجِمَاعُ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ .\rوَإِنْ لَمْ يَكُنْ صَائِمًا ، مِثْلُ مَنْ لَمْ يَعْلَمْ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ إلَّا بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ ، أَوْ نَسِيَ النِّيَّةَ ، أَوْ أَكَلَ عَامِدًا ، ثُمَّ جَامَعَ ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ كَفَّارَةٌ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ : لَا شَيْء عَلَيْهِ بِذَلِكَ الْجِمَاعِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُصَادِفْ الصَّوْمَ ، وَلَمْ يَمْنَعْ صِحَّتَهُ ، فَلَمْ يُوجِبْ شَيْئًا ، كَالْجِمَاعِ فِي اللَّيْلِ .\rوَلَنَا أَنَّ الصَّوْمَ فِي رَمَضَانَ عِبَادَةٌ تَجِبُ الْكَفَّارَةُ بِالْجِمَاعِ فِيهَا ، فَتَكَرَّرَتْ بِتَكَرُّرِ الْوَطْءِ إذَا كَانَ بَعْدَ التَّكْفِيرِ ، كَالْحَجِّ ، وَلِأَنَّهُ وَطْءٌ مُحَرَّمٌ لِحُرْمَةِ رَمَضَانَ ، فَأَوْجَبَ الْكَفَّارَةَ كَالْأَوَّلِ ، وَفَارَقَ الْوَطْءَ فِي اللَّيْلِ ، فَإِنَّهُ غَيْرُ مُحَرَّمٍ .\rفَإِنْ قِيلَ : الْوَطْءُ الْأَوَّلُ تَضَمَّنَ هَتْكَ الصَّوْمِ ، وَهُوَ مُؤَثِّرٌ فِي الْإِيجَابِ ، فَلَا يَصِحُّ إلْحَاقُ غَيْرِهِ بِهِ .\rقُلْنَا : هُوَ مُلْغًى بِمَنْ طَلَعَ عَلَيْهِ الْفَجْرُ وَهُوَ مُجَامِعٌ فَاسْتَدَامَ ، فَإِنَّهُ تَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ ، مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَهْتِكْ الصَّوْمَ .","part":6,"page":124},{"id":2624,"text":"( 2071 ) فَصْلٌ : إذَا أَصْبَحَ مُفْطِرًا يَعْتَقِدُ أَنَّهُ مِنْ شَعْبَانَ ، فَقَامَتْ الْبَيِّنَةُ بِالرُّؤْيَةِ ، لَزِمَهُ الْإِمْسَاكُ وَالْقَضَاءُ فِي قَوْلِ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ ، إلَّا مَا رُوِيَ عَنْ عَطَاءٍ أَنَّهُ قَالَ : يَأْكُلُ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ .\rقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : لَا نَعْلَمُ أَحَدًا قَالَهُ غَيْرَ عَطَاءٍ .\rوَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ ذَلِكَ رِوَايَةً عَنْ أَحْمَدَ ، وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا ذَكَرَهَا غَيْرَهُ ، وَأَظُنُّ هَذَا غَلَطًا ؛ فَإِنَّ أَحْمَدَ قَدْ نَصَّ عَلَى إيجَابِ الْكَفَّارَةِ عَلَى مَنْ وَطِئَ ثُمَّ كَفَّرَ ثُمَّ عَادَ فَوَطِئَ فِي يَوْمِهِ ؛ لِأَنَّ حُرْمَةَ الْيَوْمِ لَمْ تَذْهَبْ ، فَإِذَا أَوْجَبَ الْكَفَّارَةَ عَلَى غَيْرِ الصَّائِمِ لِحُرْمَةِ الْيَوْمِ ، فَكَيْفَ يُبِيحُ الْأَكْلَ ، وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُ هَذَا عَلَى الْمُسَافِرِ إذَا قَدِمَ وَهُوَ مُفْطِرٌ وَأَشْبَاهِهِ ؛ لِأَنَّ الْمُسَافِرَ كَانَ لَهُ الْفِطْرُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا ، وَهَذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ الْفِطْرُ فِي الْبَاطِنِ مُبَاحًا ، فَأَشْبَهَ مَنْ أَكَلَ يَظُنُّ أَنَّ الْفَجْرَ لَمْ يَطْلُعْ وَقَدْ كَانَ طَلَعَ .\rفَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا ، فَإِنْ جَامَعَ فِيهِ ، فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ ، كَاَلَّذِي أَصْبَحَ لَا يَنْوِي الصِّيَامَ ، أَوْ أَكَلَ ثُمَّ جَامَعَ .\rوَإِنْ كَانَ جِمَاعُهُ قَبْلَ قِيَامِ الْبَيِّنَةِ فَحُكْمُهُ حُكْمُ مَنْ جَامَعَ يَظُنُّ أَنَّ الْفَجْرَ لَمْ يَطْلُعْ وَقَدْ كَانَ طَلَعَ ، عَلَى مَا مَضَى فِيهِ .","part":6,"page":125},{"id":2625,"text":"( 2072 ) فَصْلٌ : وَكُلُّ مَنْ أَفْطَرَ وَالصَّوْمُ لَازِمٌ لَهُ ، كَالْمُفْطِرِ بِغَيْرِ عُذْرٍ ، وَالْمُفْطِرِ يَظُنُّ أَنَّ الْفَجْرَ لَمْ يَطْلُعْ وَقَدْ كَانَ طَلَعَ ، أَوْ يَظُنُّ أَنَّ الشَّمْسَ قَدْ غَابَتْ وَلَمْ تَغِبْ ، أَوْ النَّاسِي لِنِيَّةِ الصَّوْمِ ، وَنَحْوِهِمْ ، يَلْزَمُهُمْ الْإِمْسَاكُ .\rلَا نَعْلَمُ بَيْنَهُمْ فِيهِ اخْتِلَافًا .\rإلَّا أَنَّهُ يُخَرَّجُ عَلَى قَوْلِ عَطَاءٍ فِي الْمَعْذُورِ فِي الْفِطْرِ ، إبَاحَةُ فِطْرِ بَقِيَّةِ يَوْمِهِ ، قِيَاسًا عَلَى قَوْلِهِ فِيمَا إذَا قَامَتْ الْبَيِّنَةُ بِالرُّؤْيَةِ .\rوَهُوَ قَوْلٌ شَاذٌّ ، لَمْ يُعَرِّجْ عَلَيْهِ أَهْلُ الْعِلْمِ .","part":6,"page":126},{"id":2626,"text":"( 2073 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا مَنْ يُبَاحُ لَهُ الْفِطْرُ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا ، كَالْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ وَالْمُسَافِرِ ، وَالصَّبِيِّ ، وَالْمَجْنُونِ ، وَالْكَافِرِ ، وَالْمَرِيضِ ، إذَا زَالَتْ أَعْذَارُهُمْ فِي أَثْنَاءِ النَّهَارِ ، فَطَهُرَتْ الْحَائِضُ وَالنُّفَسَاءُ ، وَأَقَامَ الْمُسَافِرُ ، وَبَلَغَ الصَّبِيُّ ، وَأَفَاقَ الْمَجْنُونُ ، وَأَسْلَمَ الْكَافِرُ ، وَصَحَّ الْمَرِيضُ الْمُفْطِرُ ، فَفِيهِمْ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، يَلْزَمُهُمْ الْإِمْسَاكُ فِي بَقِيَّةِ الْيَوْمِ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَالْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ ، وَالْعَنْبَرِيِّ ؛ لِأَنَّهُ مَعْنًى لَوْ وُجِدَ قَبْلَ الْفَجْرِ أَوْجَبَ الصِّيَامَ ، فَإِذَا طَرَأَ بَعْدَ الْفَجْرِ أَوْجَبَ الْإِمْسَاكَ ، كَقِيَامِ الْبَيِّنَةِ بِالرُّؤْيَةِ .\rوَالثَّانِيَةُ ، لَا يَلْزَمُهُمْ الْإِمْسَاكُ .\rوَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ ، وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ : مَنْ أَكَلَ أَوَّلَ النَّهَارِ فَلْيَأْكُلْ آخِرَهُ .\rوَلِأَنَّهُ أُبِيحَ لَهُ فِطْرُ أَوَّلِ النَّهَارِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا ، فَإِذَا أَفْطَرَ كَانَ لَهُ أَنْ يَسْتَدِيمَهُ إلَى آخِرِ النَّهَارِ ، كَمَا لَوْ دَامَ الْعُذْرُ .\rفَإِذَا جَامَعَ أَحَدُ هَؤُلَاءِ ، بَعْدَ زَوَالِ عُذْرِهِ ، انْبَنَى عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي وُجُوبِ الْإِمْسَاكِ ؛ فَإِنْ قُلْنَا : يَلْزَمُهُ الْإِمْسَاكُ .\rفَحُكْمُهُ حُكْمُ مَنْ قَامَتْ الْبَيِّنَةُ بِالرُّؤْيَةِ فِي حَقِّهِ إذَا جَامَعَ .\rوَإِنْ قُلْنَا : لَا يَلْزَمُهُ الْإِمْسَاكُ .\rفَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ .\rفَإِنْ كَانَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ مِنْ أَحَدِ هَؤُلَاءِ ، وَالْآخَرُ لَا عُذْرَ لَهُ ، فَلِكُلِّ وَاحِدٍ حُكْمُ نَفْسِهِ ، عَلَى مَا مَضَى .\rوَإِنْ كَانَا جَمِيعًا مَعْذُورَيْنِ فَحُكْمُهُمَا مَا ذَكَرْنَاهُ ، سَوَاءٌ اتَّفَقَ عُذْرُهُمَا ، مِثْلُ أَنْ يَقْدَمَا مِنْ سَفَرٍ ، أَوْ يَصِحَّا مِنْ مَرَضٍ ، أَوْ اخْتَلَفَ ، مِثْلُ أَنْ يَقْدَمَ الزَّوْجُ مِنْ سَفَرٍ ، وَتَطْهُرَ الْمَرْأَةُ مِنْ الْحَيْضِ ، فَيُصِيبَهَا .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ جَابِرِ بْنِ يَزِيدَ أَنَّهُ","part":6,"page":127},{"id":2627,"text":"قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ ، فَوَجَدَ امْرَأَتَهُ قَدْ طَهُرَتْ مِنْ حَيْضٍ ، فَأَصَابَهَا .\rفَأَمَّا إنَّ نَوَى الصَّوْمَ فِي سَفَرِهِ أَوْ مَرَضِهِ أَوْ صِغَرِهِ ، ثُمَّ زَالَ عُذْرُهُ فِي أَثْنَاءِ النَّهَارِ ، لَمْ يَجُزْ لَهُ الْفِطْرُ ، رِوَايَةً وَاحِدَةً ، وَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ إنْ وَطِئَ .\rوَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ، فِي الْمُسَافِرِ خَاصَّةً : وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، لَهُ الْفِطْرُ لِأَنَّهُ أُبِيحَ لَهُ الْفِطْرُ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا ، فَكَانَتْ لَهُ اسْتِدَامَتُهُ ، كَمَا لَوْ قَدِمَ مُفْطِرًا .\rوَلَيْسَ بِصَحِيحٍ ؛ فَإِنَّ سَبَبَ الرُّخْصَةِ زَالَ قَبْلَ التَّرَخُّصِ ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ ، كَمَا لَوْ قَدِمَتْ بِهِ السَّفِينَةُ قَبْلَ قَصْرِ الصَّلَاةِ ، وَكَالْمَرِيضِ يَبْرَأُ ، وَالصَّبِيِّ يَبْلُغُ .\rوَهَذَا يَنْقُضُ مَا ذَكَرُوهُ .\rوَلَوْ عَلِمَ الصَّبِيُّ أَنَّهُ يَبْلُغُ فِي أَثْنَاء النَّهَارِ بِالسِّنِّ ، أَوْ عَلِمَ الْمُسَافِرُ أَنَّهُ يَقْدَمُ ، لَمْ يَلْزَمْهُمَا الصِّيَامُ قَبْلَ زَوَالِ عُذْرِهِمَا ؛ لِأَنَّ سَبَبَ الرُّخْصَةِ مَوْجُودٌ ، فَيَثْبُتُ حُكْمُهَا ، كَمَا لَوْ لَمْ يَعْلَمَا ذَلِكَ .","part":6,"page":128},{"id":2628,"text":"( 2074 ) فَصْلٌ : وَيَلْزَمُ الْمُسَافِرَ وَالْحَائِضَ وَالْمَرِيضَ الْقَضَاءُ ، إذَا أَفْطَرُوا ، بِغَيْرِ خِلَافٍ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ } .\rوَالتَّقْدِيرُ : فَأَفْطَرَ .\rوَقَالَتْ عَائِشَةُ : كُنَّا نَحِيضُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّوْمِ .\rوَإِنْ أَفَاقَ الْمَجْنُونُ ، أَوْ بَلَغَ الصَّبِيُّ ، أَوْ أَسْلَمَ الْكَافِرُ ، فِي أَثْنَاء النَّهَارِ ، وَالصَّبِيُّ مُفْطِرٌ ، فَفِي وُجُوبِ الْقَضَاءِ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، لَا يَلْزَمُهُمْ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يُدْرِكُوا وَقْتًا يُمْكِنُهُمْ التَّلَبُّسُ بِالْعِبَادَةِ فِيهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ زَالَ عُذْرُهُمْ بَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ .\rوَالثَّانِيَةُ : يَلْزَمُهُمْ الْقَضَاءُ ؛ لِأَنَّهُمْ أَدْرَكُوا بَعْضَ وَقْتِ الْعِبَادَةِ ، فَلَزِمَهُمْ الْقَضَاءُ ، كَمَا لَوْ أَدْرَكُوا بَعْضَ وَقْتِ الصَّلَاةِ .","part":6,"page":129},{"id":2629,"text":"مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَإِنْ أَكَلَ يَظُنُّ أَنَّ الْفَجْرَ لَمْ يَطْلُعْ ، وَقَدْ كَانَ طَلَعَ ، أَوْ أَفْطَرَ يَظُنُّ أَنَّ الشَّمْسَ قَدْ غَابَتْ ، وَلَمْ تَغِبْ ، فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ ) هَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ الْفُقَهَاءِ وَغَيْرِهِمْ .\rوَحُكِيَ عَنْ عُرْوَةَ ، وَمُجَاهِدٍ وَالْحَسَنِ ، وَإِسْحَاقَ : لَا قَضَاءَ عَلَيْهِمْ ؛ لِمَا رَوَى زَيْدُ بْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : كُنْت جَالِسًا فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي رَمَضَانَ ، فِي زَمَنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، فَأُتِينَا بِعِسَاسٍ فِيهَا شَرَابٌ مِنْ بَيْتِ حَفْصَةَ ، فَشَرِبْنَا ، وَنَحْنُ نَرَى أَنَّهُ مِنْ اللَّيْلِ ، ثُمَّ انْكَشَفَ السَّحَابُ ، فَإِذَا الشَّمْسُ طَالِعَةٌ .\rقَالَ : فَجَعَلَ النَّاسُ يَقُولُونَ : نَقْضِي يَوْمًا مَكَانَهُ .\rفَقَالَ عُمَرُ : وَاَللَّهِ لَا نَقْضِيه ، مَا تَجَانَفْنَا لَإِثْمٍ .\rوَلِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ الْأَكْلَ فِي الصَّوْمِ ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ الْقَضَاءُ ، كَالنَّاسِي .\rوَلَنَا أَنَّهُ أَكَلَ مُخْتَارًا ، ذَاكِرًا لِلصَّوْمِ ، فَأَفْطَرَ ، كَمَا لَوْ أَكَلَ يَوْمَ الشَّكَّ ، وَلِأَنَّهُ جَهْلٌ بِوَقْتِ الصِّيَامِ ، فَلَمْ يُعْذَرْ بِهِ ، كَالْجَهْلِ بِأَوَّلِ رَمَضَانَ ، وَلِأَنَّهُ يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ ، فَأَشْبَهَ أَكْلَ الْعَامِدِ ، وَفَارَقَ النَّاسِيَ ، فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ .\rوَأَمَّا الْخَبَرُ ، فَرَوَاهُ الْأَثْرَمُ ، أَنَّ عُمَرَ قَالَ : مَنْ أَكَلَ فَلْيَقْضِ يَوْمًا مَكَانَهُ .\rوَرَوَاهُ مَالِكٌ فِي ( الْمُوَطَّأِ ) ، أَنَّ عُمَرَ قَالَ : الْخَطْبُ يَسِيرٌ .\rيَعْنِي خِفَّةَ الْقَضَاءِ .\rوَرَوَى هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ .\rعَنْ فَاطِمَةَ امْرَأَتِهِ ، عَنْ أَسْمَاءَ قَالَتْ : { أَفْطَرْنَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي يَوْمٍ غَيْمٍ ، ثُمَّ طَلَعَتْ الشَّمْسُ .\rقِيلَ لِهِشَامٍ : أُمِرُوا بِالْقَضَاءِ ؟ قَالَ : لَا بُدَّ مِنْ قَضَاءٍ ؟ } أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ .","part":6,"page":130},{"id":2630,"text":"( 2076 ) فَصْلٌ : وَإِنْ أَكَلَ شَاكًّا فِي طُلُوعِ الْفَجْرِ ، وَلَمْ يَتَبَيَّنْ الْأَمْرَ ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاءٌ ، وَلَهُ الْأَكْلُ حَتَّى يَتَيَقَّنَ طُلُوعَ الْفَجْرِ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .\rوَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَعَطَاءٍ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْي .\rوَرُوِيَ مَعْنَى ذَلِكَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ، وَابْنِ عُمَرَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ .\rوَقَالَ مَالِكٌ ؛ يَجِبُ الْقَضَاءُ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الصَّوْمِ فِي ذِمَّتِهِ ، فَلَا يَسْقُطُ بِالشَّكِّ ، وَلِأَنَّهُ أَكَلَ شَاكًّا فِي النَّهَارِ وَاللَّيْلِ ، فَلَزِمَهُ الْقَضَاءُ ، كَمَا لَوْ أَكَلَ شَاكًّا فِي غُرُوبِ الشَّمْسِ .\rوَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنْ الْفَجْرِ } .\rمَدَّ الْأَكْلَ إلَى غَايَةِ التَّبَيُّنِ ، وَقَدْ يَكُونُ شَاكًّا قَبْلَ التَّبَيُّنِ ، فَلَوْ لَزِمَهُ الْقَضَاءُ لَحَرُمَ عَلَيْهِ الْأَكْلُ ، وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { فَكُلُوا ، وَاشْرَبُوا ، حَتَّى يُؤَذِّنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ } وَكَانَ رَجُلًا أَعْمَى ، لَا يُؤَذِّنُ حَتَّى يُقَالَ لَهُ : أَصْبَحْت أَصْبَحْت .\rوَلِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ اللَّيْلِ ، فَيَكُونُ زَمَانُ الشَّكِّ مِنْهُ مَا لَمْ يُعْلَمْ يَقِينُ زَوَالِهِ ، بِخِلَافِ غُرُوبِ الشَّمْسِ ، فَإِنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ النَّهَارِ ، فَبَنَى عَلَيْهِ .","part":6,"page":131},{"id":2631,"text":"( 2077 ) فَصْلٌ : وَإِنْ أَكَلَ شَاكًّا فِي غُرُوبِ الشَّمْسِ ، وَلَمْ يَتَبَيَّنْ ، فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ النَّهَارِ .\rوَإِنْ كَانَ حِينَ الْأَكْلِ ظَانًّا أَنَّ الشَّمْسَ قَدْ غَرَبَتْ ، أَوْ أَنَّ الْفَجْرَ لَمْ يَطْلُعْ ، ثُمَّ شَكَّ بَعْدَ الْأَكْلِ ، وَلَمْ يَتَبَيَّنْ ، فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ يَقِينٌ أَزَالَ ذَلِكَ الظَّنَّ الَّذِي بَنَى عَلَيْهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ صَلَّى بِالِاجْتِهَادِ ، ثُمَّ شَكَّ فِي الْإِصَابَةِ بَعْدَ صَلَاتِهِ .","part":6,"page":132},{"id":2632,"text":"مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَمُبَاحٌ لِمَنْ جَامَعَ بِاللَّيْلِ أَنْ لَا يَغْتَسِلَ حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ ، وَهُوَ عَلَى صَوْمِهِ ) وَجُمْلَتُهُ ، أَنَّ الْجُنُبَ لَهُ أَنْ يُؤَخِّرَ الْغُسْلَ حَتَّى يُصْبِحَ ، ثُمَّ يَغْتَسِلَ ، وَيُتِمَّ صَوْمَهُ ، فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، مِنْهُمْ عَلِيٌّ ، وَابْنُ مَسْعُودٍ ، وَزَيْدٌ ، وَأَبُو الدَّرْدَاءِ ، وَأَبُو ذَرٍّ ، وَابْنُ عُمَرَ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ ، وَعَائِشَةُ ، وَأُمُّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ .\rوَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ ، فِي أَهْلِ الْحِجَازِ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَالثَّوْرِيُّ ، فِي أَهْلِ الْعِرَاقِ وَالْأَوْزَاعِيُّ فِي أَهْلِ الشَّامِ ، وَاللَّيْثُ ، فِي أَهْلِ مِصْرَ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ ، فِي أَهْلِ الْحَدِيثِ ، وَدَاوُد ، فِي أَهْلِ الظَّاهِرِ .\rوَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يَقُولُ : لَا صَوْمَ لَهُ .\rوَيَرْوِي ذَلِكَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ ، قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ : رَجَعَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ فُتْيَاهُ .\rوَحُكِيَ عَنْ الْحَسَنِ ، وَسَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، قَالَا : يُتِمُّ صَوْمَهُ وَيَقْضِي .\rوَعَنْ النَّخَعِيِّ فِي رِوَايَةٍ : يَقْضِي فِي الْفَرْضِ دُونَ التَّطَوُّعَ .\rوَعَنْ عُرْوَةَ ، وَطَاوُسٍ : إنْ عَلِمَ بِجَنَابَتِهِ فِي رَمَضَانَ ، فَلَمْ يَغْتَسِلْ حَتَّى أَصْبَحَ ، فَهُوَ مُفْطِرٌ ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ ، فَهُوَ صَائِمٌ .\rوَحُجَّتُهُمْ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ ، الَّذِي رَجَعَ عَنْهُ .\rوَلَنَا مَا رَوَى أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ ، قَالَ : { ذَهَبْت أَنَا وَأَبِي حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى عَائِشَةَ ، فَقَالَتْ : أَشْهَدُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنْ كَانَ لَيُصْبِحُ جُنُبًا ، مِنْ جِمَاعٍ ، مِنْ غَيْرِ احْتِلَامٍ ، ثُمَّ يَصُومُهُ } .\rثُمَّ دَخَلْنَا عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ ، فَقَالَتْ مِثْلَ ذَلِكَ ، ثُمَّ أَتَيْنَا أَبَا هُرَيْرَةَ ، فَأَخْبَرْنَاهُ بِذَلِكَ ، فَقَالَ : هُمَا أَعْلَمُ بِذَلِكَ ، إنَّمَا حَدَّثَنِيهِ الْفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rقَالَ الْخَطَّابِيُّ : أَحْسَنُ مَا سَمِعْت فِي خَبَرِ أَبِي","part":6,"page":133},{"id":2633,"text":"هُرَيْرَةَ أَنَّهُ مَنْسُوخٌ ؛ لِأَنَّ الْجِمَاعَ كَانَ مُحَرَّمًا عَلَى الصَّائِمِ بَعْدَ النَّوْمِ ، فَلَمَّا أَبَاحَ اللَّهُ الْجِمَاعَ إلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ ، جَازَ لِلْجُنُبِ إذَا أَصْبَحَ قَبْلَ أَنْ يَغْتَسِلَ أَنْ يَصُومَ .\rوَرَوَتْ عَائِشَةُ { أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إنِّي أُصْبِحُ جُنُبًا ، وَأَنَا أُرِيدُ الصِّيَامَ .\rفَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَأَنَا أُصْبِحُ جُنُبًا ، وَأَنَا أُرِيدُ الصِّيَامَ ، فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنَّك لَسْتَ مِثْلَنَا قَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَك مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِك وَمَا تَأَخَّرَ .\rفَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ : إنِّي لَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَخْشَاكُمْ لِلَّهِ ، وَأَعْلَمَكُمْ بِمَا أَتَّقِي } .\rرَوَاهُ مَالِكٌ ، فِي ( مُوَطَّئِهِ ) وَمُسْلِمٌ فِي ( صَحِيحِهِ ) .","part":6,"page":134},{"id":2634,"text":"( 2079 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَكَذَلِكَ الْمَرْأَةُ إذَا انْقَطَعَ حَيْضُهَا مِنْ اللَّيْلِ ، فَهِيَ صَائِمَةٌ إذَا نَوَتْ الصَّوْمَ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ ، وَتَغْتَسِلُ إذَا أَصْبَحَتْ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْحُكْمَ فِي الْمَرْأَةِ إذَا انْقَطَعَ حَيْضُهَا مِنْ اللَّيْلِ ، كَالْحُكْمِ فِي الْجُنُبِ سَوَاءٌ ، وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَنْقَطِعَ حَيْضُهَا قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ ؛ لِأَنَّهُ إنَّ وُجِدَ جُزْءٌ مِنْهُ فِي النَّهَارِ أَفْسَدَ الصَّوْمَ ، وَيُشْتَرَطُ أَنْ تَنْوِيَ الصَّوْمَ أَيْضًا مِنْ اللَّيْلِ بَعْدَ انْقِطَاعِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا صِيَامَ لِمَنْ لَمْ يُبَيِّتْ الصِّيَامَ مِنْ اللَّيْلِ .\rقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ ، وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ ، وَعَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الْمَاجِشُونِ ، وَالْعَنْبَرِيُّ : تَقْضِي ، فَرَّطَتْ فِي الِاغْتِسَالِ أَوْ لَمْ تُفَرِّطْ ؛ لِأَنَّ حَدَثَ الْحَيْضِ يَمْنَعُ الصَّوْمَ ، بِخِلَافِ الْجَنَابَةِ .\rوَلَنَا أَنَّهُ حَدَثٌ يُوجِبُ الْغُسْلَ ، فَتَأْخِيرُ الْغُسْلِ مِنْهُ إلَى أَنْ يُصْبِحَ لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الصَّوْمِ ، كَالْجَنَابَةِ ، وَمَا ذَكَرُوهُ لَا يَصِحُّ ، فَإِنَّ مَنْ طَهُرَتْ مِنْ الْحَيْضِ لَيْسَتْ حَائِضًا ، وَإِنَّمَا عَلَيْهَا حَدَثٌ مُوجِبٌ لِلْغُسْلِ ، فَهِيَ كَالْجُنُبِ ، فَإِنَّ الْجِمَاعَ الْمُوجِبَ لِلْغُسْلِ لَوْ وُجِدَ فِي الصَّوْمِ أَفْسَدَهُ ، كَالْحَيْضِ ، وَبَقَاءُ وُجُوبِ الْغُسْلِ مِنْهُ كَبَقَاءِ وُجُوبِ الْغُسْلِ مِنْ الْحَيْضِ .\rوَقَدْ اسْتَدَلَّ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنْ الْفَجْرِ } .\rفَلَمَّا أَبَاحَ الْمُبَاشَرَةَ إلَى تَبَيُّنِ الْفَجْرِ ، عُلِمَ أَنَّ الْغُسْلَ إنَّمَا يَكُونُ بَعْدَهُ .","part":6,"page":135},{"id":2635,"text":"( 2080 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَالْحَامِلُ إذَا خَافَتْ عَلَى جَنِينِهَا ، وَالْمُرْضِعُ عَلَى وَلَدِهَا ، أَفْطَرَتَا ، وَقَضَتَا ، وَأَطْعَمَتَا عَنْ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْحَامِلَ وَالْمُرْضِعَ ، إذَا خَافَتَا عَلَى أَنْفُسِهِمَا ، فَلَهُمَا الْفِطْرُ ، وَعَلَيْهِمَا الْقَضَاءُ فَحَسْبُ .\rلَا نَعْلَمُ فِيهِ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ اخْتِلَافًا ؛ لِأَنَّهُمَا بِمَنْزِلَةِ الْمَرِيضِ الْخَائِفِ عَلَى نَفْسِهِ .\rوَإِنْ خَافَتَا عَلَى وَلَدَيْهِمَا أَفْطَرَتَا ، وَعَلَيْهِمَا الْقَضَاءُ وَإِطْعَامُ مِسْكِينٍ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ .\rوَهَذَا يُرْوَى عَنْ ابْنِ عُمَرَ .\rوَهُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ اللَّيْثُ : الْكَفَّارَةُ عَلَى الْمُرْضِعِ دُونَ الْحَامِلِ .\rوَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ مَالِكٍ ، لِأَنَّ الْمُرْضِعَ يُمْكِنُهَا أَنْ تَسْتَرْضِعَ لِوَلَدِهَا ، بِخِلَافِ الْحَامِلِ ، وَلِأَنَّ الْحَمْلَ مُتَّصِلٌ بِالْحَامِلِ ، فَالْخَوْفُ عَلَيْهِ كَالْخَوْفِ عَلَى بَعْضِ أَعْضَائِهَا .\rوَقَالَ عَطَاءٌ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَالْحَسَنُ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ : لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِمَا ؛ لِمَا رَوَى أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ رَجُلٌ مِنْ بَنِي كَعْبٍ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { إنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنْ الْمُسَافِرِ شَطْرَ الصَّلَاةِ ، وَعَنْ الْحَامِلِ وَالْمُرْضِعِ الصَّوْمَ - أَوْ - الصِّيَامَ } وَاَللَّهِ لَقَدْ قَالَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَدَهُمَا أَوْ كِلَيْهِمَا .\rرَوَاهُ النَّسَائِيّ ، وَالتِّرْمِذِيُّ .\rوَقَالَ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ .\rوَلَمْ يَأْمُرْهُ بِكَفَّارَةٍ ، وَلِأَنَّهُ فِطْرٌ أُبِيحَ لِعُذْرٍ ، فَلَمْ يَجِبْ بِهِ كَفَّارَةٌ ، كَالْفِطْرِ لِلْمَرَضِ .\rوَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ } .\rوَهُمَا دَاخِلَتَانِ فِي عُمُومِ الْآيَةِ .\rقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : كَانَتْ رُخْصَةً لِلشَّيْخِ الْكَبِيرِ ، وَالْمَرْأَةِ الْكَبِيرَةِ ، وَهُمَا يُطِيقَانِ الصِّيَامَ ، أَنْ يُفْطِرَا ، وَيُطْعِمَا مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا ،","part":6,"page":136},{"id":2636,"text":"وَالْحُبْلَى وَالْمُرْضِعُ إذَا خَافَتَا عَلَى أَوْلَادِهِمَا ، أَفْطَرَتَا ، وَأَطْعَمَتَا .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، وَلَا مُخَالِفَ لَهُمَا فِي الصَّحَابَةِ .\rوَلِأَنَّهُ فِطْرٌ بِسَبَبِ نَفْسٍ عَاجِزَةٍ عَنْ طَرِيقِ الْخِلْقَةِ ، فَوَجَبَتْ بِهِ الْكَفَّارَةُ ، كَالشَّيْخِ الْهَرِمِ ، وَخَبَرُهُمْ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِلْكَفَّارَةِ ، فَكَانَتْ مَوْقُوفَةً عَلَى الدَّلِيلِ ، كَالْقَضَاءِ ، فَإِنَّ الْحَدِيثَ لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ ، وَالْمَرِيضُ أَخَفُّ حَالًا مِنْ هَاتَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ يُفْطِرُ بِسَبَبِ نَفْسِهِ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّ الْوَاجِبَ فِي إطْعَامِ الْمِسْكِينِ مُدُّ بُرٍّ ، أَوْ نِصْفُ صَاعٍ مِنْ تَمْرٍ ، أَوْ شَعِيرٍ .\rوَالْخِلَافُ فِيهِ ، كَالْخِلَافِ فِي إطْعَامِ الْمَسَاكِينِ فِي كَفَّارَةِ الْجِمَاعِ ، إذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّ الْقَضَاءَ لَازِمٌ لَهُمَا .\rوَقَالَ ابْنُ عُمَرَ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ : لَا قَضَاءَ عَلَيْهِمَا ؛ لِأَنَّ الْآيَةَ تَنَاوَلَتْهُمَا ، وَلَيْسَ فِيهَا إلَّا الْإِطْعَامُ ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { إنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنْ الْحَامِلِ وَالْمُرْضِعِ الصَّوْمَ } .\rوَلَنَا أَنَّهُمَا يُطِيقَانِ الْقَضَاءَ ، فَلَزِمَهُمَا ، كَالْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ ، وَالْآيَةُ أَوْجَبَتْ الْإِطْعَامَ ، وَلَمْ تَتَعَرَّضْ لِلْقَضَاءِ ، فَأَخَذْنَاهُ مِنْ دَلِيلٍ آخَرَ .\rوَالْمُرَادُ بِوَضْعِ الصَّوْمِ وَضْعُهُ فِي مُدَّةِ عُذْرِهِمَا ، كَمَا جَاءَ فِي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنْ الْمُسَافِرِ الصَّوْمَ } .\rوَلَا يُشْبِهَانِ الشَّيْخَ الْهَرِمِ ، لِأَنَّهُ عَاجِزٌ عَنْ الْقَضَاءِ ، وَهُمَا يَقْدِرَانِ عَلَيْهِ .\rقَالَ أَحْمَدُ : أَذْهَبُ إلَى حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ .\rيَعْنِي وَلَا أَقُولُ بِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ فِي مَنْعِ الْقَضَاءِ .","part":6,"page":137},{"id":2637,"text":"( 2081 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَإِذَا عَجَزَ عَنْ الصَّوْمِ لِكِبَرٍ أَفْطَرَ ، وَأَطْعَمَ لِكُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الشَّيْخَ الْكَبِيرَ ، وَالْعَجُوزَ ، إذَا كَانَ يُجْهِدُهُمَا الصَّوْمُ ، وَيَشُقُّ عَلَيْهِمَا مَشَقَّةً شَدِيدَةً ، فَلَهُمَا أَنْ يُفْطِرَا وَيُطْعِمَا لِكُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا .\rوَهَذَا قَوْلُ عَلِيٍّ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ، وَأَنَسٍ ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَطَاوُسٍ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : لَا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ ؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ الصَّوْمَ لِعَجْزِهِ ، فَلَمْ تَجِبْ فِدْيَةٌ ، كَمَا لَوْ تَرَكَهُ لِمَرَضٍ اتَّصَلَ بِهِ الْمَوْتُ .\rوَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ كَالْمَذْهَبَيْنِ .\rوَلَنَا الْآيَةُ ، وَقَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي تَفْسِيرِهَا : نَزَلَتْ رُخْصَةً لِلشَّيْخِ الْكَبِيرِ .\rوَلِأَنَّ الْأَدَاءَ صَوْمٌ وَاجِبٌ ، فَجَازَ أَنْ يَسْقُطَ إلَى الْكَفَّارَةِ كَالْقَضَاءِ .\rوَأَمَّا الْمَرِيضُ إذَا مَاتَ ، فَلَا يَجِبُ الْإِطْعَامُ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُؤَدِّي إلَى أَنْ يَجِبَ عَلَى الْمَيِّتِ ابْتِدَاءً ، بِخِلَافِ مَا إذَا أَمْكَنَهُ الصَّوْمُ ، فَلَمْ يَفْعَلْ حَتَّى مَاتَ ، لِأَنَّ وُجُوبَ الْإِطْعَامِ يَسْتَنِدُ إلَى حَالِ الْحَيَاةِ ، وَالشَّيْخُ الْهَرِمُ لَهُ ذِمَّةٌ صَحِيحَةٌ ، فَإِنْ كَانَ عَاجِزًا عَنْ الْإِطْعَامِ أَيْضًا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ ، وَ { لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَا } .","part":6,"page":138},{"id":2638,"text":"( 2082 ) فَصْلٌ : وَالْمَرِيضُ الَّذِي لَا يُرْجَى بُرْؤُهُ ، يُفْطِرُ ، وَيُطْعِمُ لِكُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الشَّيْخِ .\rقَالَ أَحْمَدُ ، رَحِمَهُ اللَّهُ فِي مَنْ بِهِ شَهْوَةُ الْجِمَاعِ غَالِبَةٌ ، لَا يَمْلِكُ نَفْسَهُ ، وَيَخَافُ أَنْ تَنْشَقَّ أُنْثَيَاهُ : أَطْعِمْ .\rأَبَاحَ لَهُ الْفِطْرَ ؛ لِأَنَّهُ يَخَافُ عَلَى نَفْسِهِ ، فَهُوَ كَالْمَرِيضِ ، وَمِنْ يَخَافُ عَلَى نَفْسِهِ الْهَلَاكَ لِعَطَشٍ أَوْ نَحْوِهِ ، وَأَوْجَبَ الْإِطْعَامَ بَدَلًا عَنْ الصِّيَامِ ، وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ لَا يَرْجُو إمْكَانَ الْقَضَاءِ ، فَإِنْ رَجَا ذَلِكَ فَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ ، وَالْوَاجِبُ انْتِظَارُ الْقَضَاءِ وَفِعْلُهُ إذَا قَدَرَ عَلَيْهِ ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ } .\rوَإِنَّمَا يُصَارُ إلَى الْفِدْيَةِ عِنْدَ الْيَأْسِ مِنْ الْقَضَاءِ ، فَإِنْ أَطْعَمَ مَعَ يَأْسِهِ ، ثُمَّ قَدَرَ عَلَى الصِّيَامِ ، احْتَمَلَ أَنْ لَا يَلْزَمَهُ ؛ لِأَنَّ ذِمَّتَهُ قَدْ بَرِئَتْ بِأَدَاءِ الْفِدْيَةِ الَّتِي كَانَتْ هِيَ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ ، فَلَمْ يَعُدْ إلَى الشُّغْلِ بِمَا بَرِئَتْ مِنْهُ ، وَلِهَذَا قَالَ الْخِرَقِيِّ : فَمَنْ كَانَ مَرِيضًا لَا يُرْجَى بُرْؤُهُ ، أَوْ شَيْخًا لَا يَسْتَمْسِكُ عَلَى الرَّاحِلَةِ ، أَقَامَ مِنْ يَحُجُّ عَنْهُ وَيَعْتَمِرُ ، وَقَدْ أَجْزَأَ عَنْهُ ، وَإِنْ عُوفِيَ .\rوَاحْتَمَلَ أَنْ يَلْزَمَهُ الْقَضَاءُ ؛ لِأَنَّ الْإِطْعَامَ بَدَلُ يَأْسٍ ، وَقَدْ تَبَيَّنَّا ذَهَابَ الْيَأْسِ ، فَأَشْبَهَ مَنْ اعْتَدَّتْ بِالشُّهُورِ عِنْدَ الْيَأْسِ مِنْ الْحَيْضِ ، ثُمَّ حَاضَتْ .","part":6,"page":139},{"id":2639,"text":"( 2083 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَإِذَا حَاضَتْ الْمَرْأَةُ ، أَوْ نَفِسَتْ ، أَفْطَرَتْ وَقَضَتْ ؛ فَإِنْ صَامَتْ ، لَمْ يُجْزِئْهَا ) أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْحَائِضَ وَالنُّفَسَاءَ لَا يَحِلُّ لَهُمَا الصَّوْمُ ، وَأَنَّهُمَا يُفْطِرَانِ رَمَضَانَ ، وَيَقْضِيَانِ ، وَأَنَّهُمَا إذَا صَامَتَا لَمْ يُجْزِئْهُمَا الصَّوْمُ ، وَقَدْ قَالَتْ عَائِشَةُ : { كُنَّا نَحِيضُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّوْمِ ، وَلَا نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّلَاةِ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَالْأَمْرُ إنَّمَا هُوَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rوَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { أَلَيْسَ إحْدَاكُنَّ إذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ ، فَذَلِكَ مِنْ نُقْصَانِ دِينِهَا } .\rرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ .\rوَالْحَائِضُ وَالنُّفَسَاءُ سَوَاءٌ ؛ لِأَنَّ دَمَ النِّفَاسِ هُوَ دَمُ الْحَيْضِ ، وَحُكْمُهُ حُكْمُهُ .\rوَمَتَى وُجِدَ الْحَيْضُ فِي جُزْءٍ مِنْ النَّهَارِ فَسَدَ صَوْمُ ذَلِكَ الْيَوْمِ ، سَوَاءٌ وُجِدَ فِي أَوَّلِهِ أَوْ فِي آخِرِهِ ، وَمَتَى نَوَتْ الْحَائِضُ الصَّوْمَ ، وَأَمْسَكَتْ ، مَعَ عِلْمِهَا بِتَحْرِيمِ ذَلِكَ ، أَتَمَّتْ ، وَلَمْ يُجْزِئْهَا .","part":6,"page":140},{"id":2640,"text":"( 2084 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( فَإِنْ أَمْكَنَهَا الْقَضَاءُ فَلَمْ تَقْضِ حَتَّى مَاتَتْ ، أُطْعِمَ عَنْهَا لِكُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينٌ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ مِنْ رَمَضَانَ ، لَمْ يَخْلُ مِنْ حَالَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، أَنْ يَمُوتَ قَبْلَ إمْكَانِ الصِّيَامِ ، إمَّا لِضِيقِ الْوَقْتِ ، أَوْ لِعُذْرٍ مِنْ مَرَضٍ أَوْ سَفَرٍ ، أَوْ عَجْزٍ عَنْ الصَّوْمِ ، فَهَذَا لَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَحُكِيَ عَنْ طَاوُسٍ وَقَتَادَةَ أَنَّهُمَا قَالَا : يَجِبُ الْإِطْعَامُ عَنْهُ ؛ لِأَنَّهُ صَوْمٌ وَاجِبٌ سَقَطَ بِالْعَجْزِ عَنْهُ ، فَوَجَبَ الْإِطْعَامُ عَنْ ، كَالشَّيْخِ الْهَرِمِ إذَا تَرَكَ الصِّيَامَ ، لِعَجْزِهِ عَنْهُ .\rوَلَنَا أَنَّهُ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى وَجَبَ بِالشَّرْعِ ، مَاتَ مَنْ يَجِبُ عَلَيْهِ قَبْلَ إمْكَانِ فِعْلِهِ ، فَسَقَطَ إلَى غَيْرِ بَدَلٍ ، كَالْحَجِّ .\rوَيُفَارِقُ الشَّيْخَ الْهَرِمَ ؛ فَإِنَّهُ يَجُوزُ ابْتِدَاءُ الْوُجُوبِ عَلَيْهِ ، بِخِلَافِ الْمَيِّتِ .\rالْحَالُ الثَّانِي ، أَنْ يَمُوتَ بَعْدَ إمْكَانِ الْقَضَاءِ ، فَالْوَاجِبُ أَنْ يُطْعَمَ عَنْهُ لِكُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينٌ .\rوَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَائِشَةَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ .\rوَبِهِ قَالَ مَالِكٌ ، وَاللَّيْثُ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ ، وَابْنُ عُلَيَّةَ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ ، فِي الصَّحِيحِ عَنْهُمْ .\rوَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ : يُصَامُ عَنْهُ .\rوَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ ، صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ نَحْوَهُ .\rوَلَنَا مَا رَوَى ابْنُ مَاجَهْ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامُ شَهْرٍ ، فَلْيُطْعِمْ عَنْهُ مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا } .\rقَالَ التِّرْمِذِيُّ : الصَّحِيحُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ مَوْقُوفٌ .\rوَعَنْ عَائِشَةَ أَيْضًا ، قَالَتْ : يُطْعَمُ عَنْهُ فِي قَضَاءِ رَمَضَانَ ، وَلَا يُصَامُ عَنْهُ","part":6,"page":141},{"id":2641,"text":".\rوَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ مَاتَ وَعَلَيْهِ نَذْرٌ ؟ يَصُومُ شَهْرًا ، وَعَلَيْهِ صَوْمُ رَمَضَانَ .\rقَالَ : أَمَّا رَمَضَانُ فَلْيُطْعَمْ عَنْهُ ، وَأَمَّا النَّذْرُ ، فَيُصَامُ عَنْهُ .\rرَوَاهُ الْأَثْرَمُ فِي ( السُّنَنِ ) .\rوَلِأَنَّ الصَّوْمَ لَا تَدْخُلُهُ النِّيَابَةُ حَالَ الْحَيَاةِ ، فَكَذَلِكَ بَعْدَ الْوَفَاةِ ، كَالصَّلَاةِ ، فَأَمَّا حَدِيثُهُمْ فَهُوَ فِي النَّذْرِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ جَاءَ مُصَرَّحًا بِهِ فِي بَعْضِ أَلْفَاظِهِ ، كَذَلِكَ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : { قَالَتْ امْرَأَةٌ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمُ نَذْرٍ ، فَأَقْضِيهِ عَنْهَا ؟ قَالَ : أَرَأَيْت لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّك دَيْنٌ فَقَضَيْتِيهِ ، أَكَانَ يُؤَدِّي ذَلِكَ عَنْهَا ؟ قَالَتْ : نَعَمْ .\rقَالَ : فَصُومِي عَنْ أُمِّك } .\rوَقَالَتْ عَائِشَةُ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ كَقَوْلِنَا ، وَهُمَا رَاوِيَا حَدِيثِهِمْ ، فَدَلَّ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ .","part":6,"page":142},{"id":2642,"text":"( 2085 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا صَوْمُ النَّذْرِ فَيَفْعَلُهُ الْوَلِيُّ عَنْهُ ، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَاللَّيْثِ ، وَأَبِي عُبَيْدٍ ، وَأَبِي ثَوْرٍ .\rوَقَالَ سَائِرُ مَنْ ذَكَرْنَا مِنْ الْفُقَهَاءِ : يُطْعِمُ عَنْهُ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا فِي صَوْمِ رَمَضَانَ .\rوَلَنَا الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ الَّتِي رَوَيْنَاهَا قَبْلَ هَذَا ، وَسُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَقُّ بِالِاتِّبَاعِ ، وَفِيهَا غُنْيَةً عَنْ كُلِّ قَوْلٍ ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ النَّذْرِ وَغَيْرِهِ أَنَّ النِّيَابَةَ تَدْخُلُ الْعِبَادَةَ بِحَسَبِ خِفَّتِهَا ، وَالنَّذْرُ أَخَفُّ حُكْمًا ؛ لِكَوْنِهِ لَمْ يَجِبْ بِأَصْلِ الشَّرْعِ ، وَإِنَّمَا أَوْجَبَهُ النَّاذِرُ عَلَى نَفْسِهِ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّ الصَّوْمَ لَيْسَ بِوَاجِبٍ عَلَى الْوَلِيِّ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَبَّهَهُ بِالدَّيْنِ ، وَلَا يَجِبُ عَلَى الْوَلِيِّ قَضَاءُ دَيْنِ الْمَيِّتِ ، وَإِنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِتَرِكَتِهِ إنْ كَانَتْ لَهُ تَرِكَةٌ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ تَرِكَةٌ ، فَلَا شَيْءَ عَلَى وَارِثِهِ ، لَكِنْ يُسْتَحَبُّ أَنْ يُقْضَى عَنْهُ ، لِتَفْرِيغِ ذِمَّتِهِ ، وَفَكِّ رِهَانِهِ ، كَذَلِكَ هَاهُنَا ، وَلَا يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِالْوَلِيِّ ، بَلْ كُلُّ مَنْ صَامَ عَنْهُ قَضَى ذَلِكَ عَنْهُ ، وَأَجْزَأَ ؛ لِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ ، فَأَشْبَهَ قَضَاءَ الدَّيْنِ عَنْهُ .","part":6,"page":143},{"id":2643,"text":"( 2086 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( فَإِنْ لَمْ تَمُتْ الْمُفَرِّطَةُ حَتَّى أَظَلَّهَا شَهْرُ رَمَضَانَ آخَرَ ، صَامَتْهُ ، ثُمَّ قَضَتْ مَا كَانَ عَلَيْهَا ، ثُمَّ أَطْعَمَتْ لِكُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا ، وَكَذَلِكَ حُكْمُ الْمَرِيضِ وَالْمُسَافِرِ فِي الْمَوْتِ وَالْحَيَاةِ ، إذَا فَرَّطَا فِي الْقَضَاءِ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ ، أَنَّ مَنْ عَلَيْهِ صَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ ، فَلَهُ تَأْخِيرُهُ مَا لَمْ يَدْخُلْ رَمَضَانُ آخَرُ ؛ لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ قَالَتْ : كَانَ يَكُونُ عَلَيَّ الصِّيَامُ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ ، فَمَا أَقْضِيه حَتَّى يَجِيءَ شَعْبَانُ .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَلَا يَجُوزُ لَهُ تَأْخِيرُ الْقَضَاءِ إلَى رَمَضَانَ آخَرَ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ ؛ لِأَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا لَمْ تُؤَخِّرْهُ إلَى ذَلِكَ ، وَلَوْ أَمْكَنَهَا لَأَخَّرَتْهُ ، وَلِأَنَّ الصَّوْمَ عِبَادَةٌ مُتَكَرِّرَةٌ ، فَلَمْ يَجُزْ تَأْخِيرُ الْأُولَى عَنْ الثَّانِيَةِ ، كَالصَّلَوَاتِ الْمَفْرُوضَةِ .\rفَإِنْ أَخَّرَهُ عَنْ رَمَضَانَ آخَرَ نَظَرْنَا ؛ فَإِنْ كَانَ لِعُذْرٍ فَلَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا الْقَضَاءُ ، وَإِنْ كَانَ لِغَيْرِ عُذْرٍ ، فَعَلَيْهِ مَعَ الْقَضَاءِ إطْعَامُ مِسْكِينٍ لِكُلِّ يَوْمٍ .\rوَبِهَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَابْنُ عُمَرَ ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَمَالِكٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ .\rوَقَالَ الْحَسَنُ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ : لَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ صَوْمٌ وَاجِبٌ ، فَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ فِي تَأْخِيرِهِ كَفَّارَةٌ ، كَمَا لَوْ أَخَّرَ الْأَدَاءَ وَالنَّذْرَ .\rوَلَنَا مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّهُمْ قَالُوا : أَطْعِمْ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا .\rوَلَمْ يُرْوَ عَنْ غَيْرِهِمْ مِنْ الصَّحَابَةِ خِلَافُهُمْ .\rوَرُوِيَ مُسْنَدًا مِنْ طَرِيقٍ ضَعِيفٍ ، وَلِأَنَّ تَأْخِيرَ صَوْمِ رَمَضَانَ عَنْ وَقْتِهِ إذَا لَمْ يُوجِبْ الْقَضَاءَ ، أَوْجَبَ الْفِدْيَةَ ، كَالشَّيْخِ الْهَرِمِ .","part":6,"page":144},{"id":2644,"text":"( 2087 ) فَصْلٌ : فَإِنْ أَخَّرَهُ لِغَيْرِ عُذْرٍ حَتَّى أَدْرَكَهُ رَمَضَانَانِ أَوْ أَكْثَرُ ، لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَكْثَرُ مِنْ فِدْيَةٍ مَعَ الْقَضَاءِ ؛ لِأَنَّ كَثْرَةَ التَّأْخِيرِ لَا يَزْدَادُ بِهَا الْوَاجِبُ ، كَمَا لَوْ أَخَّرَ الْحَجَّ الْوَاجِبَ سِنِينَ ، لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَكْثَرُ مِنْ فِعْلِهِ .","part":6,"page":145},{"id":2645,"text":"( 2088 ) فَصْلٌ : وَإِنْ مَاتَ الْمُفَرِّطُ بَعْدَ أَنْ أَدْرَكَهُ رَمَضَانُ آخَرُ ، أُطْعِمَ عَنْهُ لِكُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينٌ وَاحِدٌ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، فِيمَا رَوَى عَنْهُ أَبُو دَاوُد ، أَنَّ رَجُلًا سَأَلَهُ عَنْ امْرَأَةٍ أَفْطَرَتْ رَمَضَانَ ، ثُمَّ أَدْرَكَهَا رَمَضَانُ آخَرُ ، ثُمَّ مَاتَتْ ؟ قَالَ : يُطْعَمُ عَنْهَا .\rقَالَ لَهُ السَّائِلُ : كَمْ أُطْعِمُ ؟ قَالَ : كَمْ أَفْطَرَتْ ؟ قَالَ : ثَلَاثِينَ يَوْمًا .\rقَالَ اجْمَعْ ثَلَاثِينَ مِسْكِينًا ، وَأُطْعِمْهُمْ مَرَّةً وَاحِدَةً ، وَأُشْبِعْهُمْ .\rقَالَ : مَا أُطْعِمُهُمْ ؟ قَالَ خُبْزًا وَلَحْمًا إنَّ قَدَرْت مِنْ أَوْسَطِ طَعَامِكُمْ .\rوَذَلِكَ لِأَنَّهُ بِإِخْرَاجِ كَفَّارَةٍ وَاحِدَةٍ ، أَزَالَ تَفْرِيطَهُ بِالتَّأْخِيرِ ، فَصَارَ كَمَا لَوْ مَاتَ مِنْ غَيْرِ تَفْرِيطٍ .\rوَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : يُطْعَمُ عَنْهُ لِكُلِّ يَوْمٍ فَقِيرَانِ ؛ لِأَنَّ الْمَوْتَ بَعْدَ التَّفْرِيطِ بِدُونِ التَّأْخِيرِ عَنْ رَمَضَانَ آخَرَ يُوجِبُ كَفَّارَةً ، وَالتَّأْخِيرُ بِدُونِ الْمَوْتِ يُوجِبُ كَفَّارَةً ، فَإِذَا اجْتَمَعَا وَجَبَتْ كَفَّارَتَانِ ، كَمَا لَوْ فَرَّطَ فِي يَوْمَيْنِ .","part":6,"page":146},{"id":2646,"text":"( 2089 ) فَصْلٌ : وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ فِي جَوَازِ التَّطَوُّعِ بِالصَّوْمِ ، مِمَّنْ عَلَيْهِ صَوْمُ فَرْضٍ ، فَنَقَلَ عَنْهُ حَنْبَلٌ أَنَّهُ قَالَ : لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَطَوَّعَ بِالصَّوْمِ ، وَعَلَيْهِ صَوْمٌ مِنْ الْفَرْضِ حَتَّى يَقْضِيَهُ ، يَبْدَأُ بِالْفَرْضِ ، وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ نَذْرٌ صَامَهُ يَعْنِي بَعْدَ الْفَرْضِ .\rوَرَوَى حَنْبَلٌ ، عَنْ أَحْمَدَ بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { مَنْ صَامَ تَطَوُّعًا ، وَعَلَيْهِ مِنْ رَمَضَانَ شَيْءٌ لَمْ يَقْضِهِ ، فَإِنَّهُ لَا يُتَقَبَّلُ مِنْهُ حَتَّى يَصُومَهُ } .\rوَلِأَنَّهُ عِبَادَةٌ يَدْخُلُ فِي جُبْرَانِهَا الْمَالُ ، فَلَمْ يَصِحَّ التَّطَوُّعُ بِهَا قَبْلَ أَدَاءِ فَرْضِهَا ، كَالْحَجِّ .\rوَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ التَّطَوُّعُ ؛ لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ تَتَعَلَّقُ بِوَقْتِ مُوَسَّعٍ ، فَجَازَ التَّطَوُّعُ فِي وَقْتِهَا قَبْلَ فِعْلِهَا ، كَالصَّلَاةِ يَتَطَوَّعُ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا ، وَعَلَيْهِ يُخَرَّجُ الْحَجُّ .\rوَلِأَنَّ التَّطَوُّعَ بِالْحَجِّ يَمْنَعُ فِعْلَ وَاجِبِهِ الْمُتَعَيِّنِ ، فَأَشْبَهَ صَوْمَ التَّطَوُّعِ فِي رَمَضَانَ ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا .\rوَالْحَدِيثُ يَرْوِيه ابْنُ لَهِيعَةَ ، وَفِيهِ ضَعْفٌ ، وَفِي سِيَاقِهِ مَا هُوَ مَتْرُوكٌ ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي آخِرِهِ : ( وَمَنْ أَدْرَكَهُ رَمَضَانُ ، وَعَلَيْهِ مِنْ رَمَضَانَ شَيْءٌ لَمْ يُتَقَبَّلْ مِنْهُ ) .\rوَيُخَرَّجُ فِي التَّطَوُّعِ بِالصَّلَاةِ فِي حَقِّ مَنْ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ مِثْلُ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي الصَّوْمِ .","part":6,"page":147},{"id":2647,"text":"( 2090 ) فَصْلٌ : وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ فِي كَرَاهَةِ الْقَضَاءِ فِي عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ ، فَرُوِيَ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ .\rوَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَإِسْحَاقَ ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَسْتَحِبُّ قَضَاءَ رَمَضَانَ فِي الْعَشْرِ .\rوَلِأَنَّهُ أَيَّامُ عِبَادَةٍ ، فَلَمْ يُكْرَهْ الْقَضَاءُ فِيهِ ، كَعَشْرِ الْمُحَرَّمِ .\rوَالثَّانِيَةُ ، يُكْرَهُ الْقَضَاءُ فِيهِ .\rرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ الْحَسَنِ ، وَالزُّهْرِيِّ ؛ لِأَنَّهُ يُرْوَى عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ كَرِهَهُ ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهَا أَحَبُّ إلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ يَعْنِي أَيَّامَ الْعَشْرِ .\rقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ؟ قَالَ : وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، إلَّا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ ، فَلَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ } .\rفَاسْتُحِبَّ إخْلَاؤُهَا لِلتَّطَوُّعِ ، لِيَنَالَ فَضِيلَتَهَا .\rوَيَجْعَلُ الْقَضَاءَ فِي غَيْرِهَا .\rوَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا : هَاتَانِ الرِّوَايَتَانِ مَبْنِيَّتَانِ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي إبَاحَةِ التَّطَوُّعِ قَبْلَ صَوْمِ الْفَرْضِ وَتَحْرِيمِهِ ، فَمَنْ أَبَاحَهُ كَرِهَ الْقَضَاءَ فِيهَا ، لِيُوَفِّرهَا عَلَى التَّطَوُّعِ ، لِيَنَالَ فَضْلَهُ فِيهَا مَعَ فِعْلِ الْقَضَاءِ ، وَمِنْ حَرَّمَهُ لَمْ يَكْرَهْهُ فِيهَا ، بَلْ اسْتَحَبَّ فِعْلَهُ فِيهَا ، لِئَلَّا يَخْلُوَ مِنْ الْعِبَادَةِ بِالْكُلِّيَّةِ .\rوَيَقْوَى عِنْدِي أَنَّ هَاتَيْنِ الرِّوَايَتَيْنِ فَرْعٌ عَلَى إبَاحَةِ التَّطَوُّعِ قَبْلَ الْفَرْضِ ، أَمَّا عَلَى رِوَايَةِ التَّحْرِيمِ ، فَيَكُونُ صَوْمُهَا تَطَوُّعًا قَبْلَ الْفَرْضِ مُحَرَّمًا ، وَذَلِكَ أَبْلَغُ مِنْ الْكَرَاهَةِ .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":6,"page":148},{"id":2648,"text":"( 2091 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَلِلْمَرِيضِ أَنْ يُفْطِرَ إذَا كَانَ الصَّوْمُ يَزِيدُ فِي مَرَضِهِ ، فَإِنْ تَحَمَّلَ وَصَامَ ، كُرِهَ لَهُ ذَلِكَ ، وَأَجْزَأَهُ ) أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى إبَاحَةِ الْفِطْرِ لِلْمَرِيضِ فِي الْجُمْلَةِ .\rوَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْله تَعَالَى : { فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ } وَالْمَرَضُ الْمُبِيحُ لِلْفِطْرِ هُوَ الشَّدِيدُ الَّذِي يَزِيدُ بِالصَّوْمِ أَوْ يُخْشَى تَبَاطُؤُ بُرْئِهِ .\rقِيلَ لِأَحْمَدَ : مَتَى يُفْطِرُ الْمَرِيضُ ؟ قَالَ : إذَا لَمْ يَسْتَطِعْ .\rقِيلَ : مِثْلُ الْحُمَّى ؟ قَالَ : وَأَيُّ مَرَضٍ أَشَدُّ مِنْ الْحُمَّى ، وَحُكِيَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ أَنَّهُ أَبَاحَ الْفِطْرَ بِكُلِّ مَرَضٍ ، حَتَّى مِنْ وَجَعِ الْإِصْبَعِ وَالضِّرْسِ ؛ لِعُمُومِ الْآيَةِ فِيهِ ، وَلِأَنَّ الْمُسَافِرَ يُبَاحُ لَهُ الْفِطْرُ وَإِنْ لَمْ يَحْتَجْ إلَيْهِ ، فَكَذَلِكَ الْمَرِيضُ .\rوَلَنَا أَنَّهُ شَاهِدٌ لِلشَّهْرِ ، لَا يُؤْذِيهِ الصَّوْمُ ، فَلَزِمَهُ ، كَالصَّحِيحِ ، وَالْآيَةُ مَخْصُوصَةٌ فِي الْمُسَافِرِ وَالْمَرِيضِ جَمِيعًا ، بِدَلِيلِ أَنَّ الْمُسَافِرَ لَا يُبَاحُ لَهُ الْفِطْرُ فِي السَّفَرِ الْقَصِيرِ ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمُسَافِرِ وَالْمَرِيضِ ، أَنَّ السَّفَرَ اُعْتُبِرَتْ فِيهِ الْمَظِنَّةُ ، وَهُوَ السَّفَرُ الطَّوِيلُ ، حَيْثُ لَمْ يُمْكِنْ اعْتِبَارُ الْحِكْمَةِ بِنَفْسِهَا ، فَإِنَّ قَلِيلَ الْمَشَقَّةِ لَا يُبِيحُ ، وَكَثِيرَهَا لَا ضَابِطَ لَهُ فِي نَفْسِهِ ، فَاعْتُبِرَتْ بِمَظِنَّتِهَا ، وَهُوَ السَّفَرُ الطَّوِيلُ ، فَدَارَ الْحُكْمُ مَعَ الْمَظِنَّةِ وُجُودًا وَعَدَمًا ، وَالْمَرَضُ لَا ضَابِطَ لَهُ ؛ فَإِنَّ الْأَمْرَاضَ تَخْتَلِفُ ، مِنْهَا مَا يَضُرُّ صَاحِبَهُ الصَّوْمُ وَمِنْهَا مَا لَا أَثَرَ لِلصَّوْمِ فِيهِ ، كَوَجَعِ الضِّرْسِ ، وَجُرْحٍ فِي الْإِصْبَعِ ، وَالدُّمَّلِ ، وَالْقَرْحَةِ الْيَسِيرَةِ ، وَالْجَرَبِ ، وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ ، فَلَمْ يَصْلُحْ الْمَرَضُ ضَابِطًا ، وَأَمْكَنَ اعْتِبَارُ الْحِكْمَةِ ، وَهُوَ مَا يُخَافُ مِنْهُ الضَّرَرُ ، فَوَجَبَ اعْتِبَارُهُ .\rفَإِذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنْ تَحَمَّلَ الْمَرِيضُ وَصَامَ مَعَ هَذَا ، فَقَدْ","part":6,"page":149},{"id":2649,"text":"فَعَلَ مَكْرُوهًا ؛ لِمَا يَتَضَمَّنُهُ مِنْ الْإِضْرَارِ بِنَفْسِهِ ، وَتَرْكِهِ تَخْفِيفَ اللَّهِ تَعَالَى ، وَقَبُولَ رُخْصَتِهِ ، وَيَصِحُّ صَوْمُهُ وَيُجْزِئُهُ ؛ لِأَنَّهُ عَزِيمَةٌ أُبِيحَ تَرْكُهَا رُخْصَةٌ ، فَإِذَا تَحَمَّلَهُ أَجْزَأْهُ ، كَالْمَرِيضِ الَّذِي يُبَاحُ لَهُ تَرْكُ الْجُمُعَةِ إذَا حَضَرَهَا ، وَاَلَّذِي يُبَاحُ لَهُ تَرْكُ الْقِيَامِ فِي الصَّلَاةِ إذَا قَامَ فِيهَا .\r( 2092 ) فَصْلٌ : وَالصَّحِيحُ الَّذِي يَخْشَى الْمَرَضَ بِالصِّيَامِ ، كَالْمَرِيضِ الَّذِي يَخَافُ زِيَادَتَهُ فِي إبَاحَةِ الْفِطْرِ ؛ لِأَنَّ الْمَرِيضَ إنَّمَا أُبِيحَ لَهُ الْفِطْرُ خَوْفًا مِمَّا يَتَجَدَّدُ بِصِيَامِهِ ، مِنْ زِيَادَةِ الْمَرَضِ وَتَطَاوُلِهِ ، فَالْخَوْفُ مِنْ تَجَدُّدِ الْمَرَضِ فِي مَعْنَاهُ .\rقَالَ أَحْمَدُ فِي مَنْ بِهِ شَهْوَةٌ غَالِبَةٌ لِلْجِمَاعِ ، يَخَافُ أَنْ تَنْشَقَّ أُنْثَيَاهُ ، فَلَهُ الْفِطْرُ .\rوَقَالَ فِي الْجَارِيَةِ : تَصُومُ إذَا حَاضَتْ ، فَإِنْ جَهَدَهَا الصَّوْمُ فَلْتُفْطِرْ ، وَلْتَقْضِ .\rيَعْنِي إذَا حَاضَتْ وَهِيَ صَغِيرَةٌ لَمْ تَبْلُغْ خَمْسَ عَشَرَةَ سَنَةً .\rقَالَ الْقَاضِي : هَذَا إذَا كَانَتْ تَخَافُ الْمَرَضَ بِالصِّيَامِ ، أُبِيحَ لَهَا الْفِطْرُ ، وَإِلَّا فَلَا .","part":6,"page":150},{"id":2650,"text":"( 2093 ) فَصْلٌ : وَمَنْ أُبِيحَ لَهُ الْفِطْرُ لِشِدَّةِ شَبَقِهِ ، إنَّ أَمْكَنَهُ اسْتِدْفَاعُ الشَّهْوَةِ بِغَيْرِ جِمَاعٍ ، كَالِاسْتِمْنَاءِ بِيَدِهِ ، أَوْ بِيَدِ امْرَأَتِهِ أَوْ جَارِيَتِهِ ، لَمْ يَجُزْ لَهُ الْجِمَاعُ ؛ لِأَنَّهُ فِطْرٌ لِلضَّرُورَةِ ، فَلَمْ تُبَحْ لَهُ الزِّيَادَةُ عَلَى مَا تَنْدَفِعُ بِهِ الضَّرُورَةُ ، كَأَكْلِ الْمَيْتَةِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ .\rوَإِنْ جَامَعَ فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ .\rوَكَذَلِكَ إنْ أَمْكَنَهُ دَفْعُهَا بِمَا لَا يُفْسِدُ صَوْمَ غَيْرِهِ ، كَوَطْءِ زَوْجَتِهِ أَوْ أَمَتِهِ الصَّغِيرَةِ ، أَوْ الْكِتَابِيَّةِ ، أَوْ مُبَاشَرَةِ الْكَبِيرَةِ الْمُسْلِمَةِ دُونَ الْفَرْجِ ، أَوْ الِاسْتِمْنَاءِ بِيَدِهَا أَوْ بِيَدِهِ ، لَمْ يُبَحْ لَهُ .\rإفْسَادُ صَوْمِ غَيْرِهِ ؛ لِأَنَّ الضَّرُورَةَ إذَا انْدَفَعَتْ لَمْ يُبَحْ لَهُ مَا وَرَاءَهَا ، كَالشِّبَعِ مِنْ الْمَيْتَةِ إذَا انْدَفَعَتْ الضَّرُورَةُ بِسَدِّ الرَّمَقِ .\rوَإِنْ لَمْ تَنْدَفِعْ الضَّرُورَةُ إلَّا بِإِفْسَادِ صَوْمِ غَيْرِهِ ، أُبِيحَ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا تَدْعُو الضَّرُورَةُ إلَيْهِ ، فَأُبِيحَ كَفِطْرِهِ ، وَكَالْحَامِلِ وَالْمُرْضِعِ يُفْطِرَانِ خَوْفًا عَلَى وَلَدَيْهِمَا .\rفَإِنْ كَانَ لَهُ امْرَأَتَانِ ؛ حَائِضٌ ، وَطَاهِرٌ صَائِمَةٌ ، وَدَعَتْهُ الضَّرُورَةُ إلَى وَطْءِ إحْدَاهُمَا ، احْتَمَلَ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا ، وَطْءُ الصَّائِمَةِ أَوْلَى ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى نَصَّ عَلَى النَّهْيِ عَنْ وَطْءِ الْحَائِضِ فِي كِتَابِهِ ، وَلِأَنَّ وَطْأَهَا فِيهِ أَذًى لَا يَزُولُ بِالْحَاجَةِ إلَى الْوَطْءِ .\rوَالثَّانِي : يُتَخَيَّرُ ؛ لِأَنَّ وَطْءَ الصَّائِمَةِ يُفْسِدُ صِيَامَهَا ، فَتَتَعَارَضُ الْمَفْسَدَتَانِ ، فَيَتَسَاوَيَانِ .","part":6,"page":151},{"id":2651,"text":"( 2094 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَكَذَلِكَ الْمُسَافِرُ ) يَعْنِي أَنَّ الْمُسَافِرَ يُبَاحُ لَهُ الْفِطْرُ ، فَإِنْ صَامَ كُرِهَ لَهُ ذَلِكَ ، وَأَجْزَأْهُ .\rوَجَوَازُ الْفِطْرِ لِلْمُسَافِرِ ثَابِتٌ بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ ، وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّهُ إنْ صَامَ أَجْزَأَهُ .\rوَيُرْوَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّهُ لَا يَصِحُّ صَوْمُ الْمُسَافِرِ قَالَ أَحْمَدُ : كَانَ عُمَرُ وَأَبُو هُرَيْرَةَ يَأْمُرَانِهِ بِالْإِعَادَةِ .\rوَرَوَى الزُّهْرِيُّ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِيهِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ، أَنَّهُ قَالَ : الصَّائِمُ فِي السَّفَرِ كَالْمُفْطِرِ فِي الْحَضَرِ وَقَالَ بِهَذَا قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الظَّاهِرِ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَيْسَ مِنْ الْبِرِّ الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ { وَلِأَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَفْطَرَ فِي السَّفَرِ ، فَلَمَّا بَلَغَهُ أَنَّ قَوْمًا صَامُوا ، قَالَ : أُولَئِكَ هُمْ الْعُصَاةُ } .\rوَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { الصَّائِمُ فِي رَمَضَانَ فِي السَّفَرِ ، كَالْمُفْطِرِ فِي الْحَضَرِ } .\rوَعَامَّةُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى خِلَافِ هَذَا الْقَوْلِ ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : هَذَا قَوْلٌ يُرْوَى عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ، هَجَرَهُ الْفُقَهَاءُ كُلُّهُمْ ، وَالسُّنَّةُ تَرُدُّهُ ، وَحُجَّتُهُمْ مَا رُوِيَ عَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَمْرٍو الْأَسْلَمِيّ ، أَنَّهُ قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَصُومُ فِي السَّفَرِ ؟ وَكَانَ كَثِيرَ الصِّيَامِ ، قَالَ : إنْ شِئْت فَصُمْ ، وَإِنْ شِئْت فَأَفْطِرْ } وَفِي لَفْظٍ رَوَاهُ النَّسَائِيّ ، { أَنَّهُ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَجِدُ قُوَّةً عَلَى الصِّيَامِ فِي السَّفَرِ ، فَهَلْ عَلَيَّ جُنَاحٌ ؟ قَالَ : هِيَ رُخْصَةُ اللَّهِ ، فَمَنْ أَخَذَ بِهَا فَحَسَنٌ ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَصُومَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ } .\rوَقَالَ أَنَسٌ : { كُنَّا نُسَافِرُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يَعِبْ الصَّائِمُ عَلَى الْمُفْطِرِ ، وَلَا الْمُفْطِرُ عَلَى","part":6,"page":152},{"id":2652,"text":"الصَّائِمِ } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ رَوَى أَبُو سَعِيدٍ وَأَحَادِيثُهُمْ مَحْمُولَةٌ عَلَى تَفْضِيلِ الْفِطْرِ عَلَى الصِّيَامِ .","part":6,"page":153},{"id":2653,"text":"( 2095 ) فَصْلٌ : وَالْأَفْضَلُ عِنْدَ إمَامِنَا ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، الْفِطْرُ فِي السَّفَرِ ، وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ عُمَرَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، وَالشَّعْبِيِّ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَإِسْحَاقَ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ : الصَّوْمُ أَفْضَلُ لِمَنْ قَوِيَ عَلَيْهِ .\rوَيُرْوَى ذَلِكَ عَنْ أَنَسٌ ، وَعُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ وَاحْتَجُّوا بِمَا رُوِيَ عَنْ مَسْلَمَةَ بْنِ الْمُحَبَّقِ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : { مَنْ كَانَتْ لَهُ حُمُولَةٌ يَأْوِي إلَى شِبَعٍ ، فَلْيَصُمْ رَمَضَانَ حَيْثُ أَدْرَكَهُ } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَلِأَنَّ مَنْ خُيِّرَ بَيْنَ الصَّوْمِ وَالْفِطْرِ ، كَانَ الصَّوْمُ أَفْضَلِ كَالتَّطَوُّعِ .\rوَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَقَتَادَةُ : أَفْضَلُ الْأَمْرَيْنِ أَيْسَرِهِمَا ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ } وَلَمَّا رَوَى أَبُو دَاوُد ، عَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَمْرو ، قَالَ : { قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنِّي صَاحِبُ ظَهْرٍ ، أُعَالِجُهُ وَأُسَافِرُ عَلَيْهِ ، وَأَكْرِيهِ ، وَإِنَّهُ رُبَّمَا صَادَفَنِي هَذَا الشَّهْرُ - يَعْنِي رَمَضَان - وَأَنَا أَجِدُ الْقُوَّةَ ، وَأَنَا شَابٌّ ، وَأَجِدُنِي أَنْ أَصُمْ ، يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَهْوَنُ عَلَيَّ مِنْ أَنْ أُؤَخِّرَ ، فَيَكُونُ دَيْنًا عَلَيَّ ، أَفَأَصُومُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَعْظَمُ لِأَجْرِي ، أَمْ أُفْطِرُ ؟ قَالَ : أَيَّ ذَلِكَ شِئْت يَا حَمْزَةُ } وَلَنَا ، مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْأَخْبَارِ فِي الْفَصْلِ الَّذِي قَبْلَهُ وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { خَيْرُكُمْ الَّذِي يُفْطِرُ فِي السَّفَرِ وَيَقْصُرُ } وَلِأَنَّ فِي الْفِطْرِ خُرُوجًا مِنْ الْخِلَافِ ، فَكَانَ أَفْضَلِ ، كَالْقَصْرِ .\rوَقِيَاسُهُمْ يَنْتَقِضُ بِالْمَرِيضِ وَبِصَوْمِ الْأَيَّامِ الْمَكْرُوهِ صَوْمُهَا .","part":6,"page":154},{"id":2654,"text":"( 2096 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ ( وَقَضَاءُ شَهْرِ رَمَضَان مُتَفَرِّقًا يُجْزِئُ ، وَالْمُتَتَابِعُ أَحْسَنُ ) هَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ، وَابْنِ مُحَيْرِيزٍ ، وَأَبِي قِلَابَةَ ، وَمُجَاهِدٍ ، وَأَهْلِ الْمَدِينَةِ ، وَالْحَسَنِ ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مَالِكٌ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ وَحُكِيَ وُجُوبُ التَّتَابُعِ عَنْ عَلِيٍّ وَابْن عُمَرَ وَالنَّخَعِيِّ ، وَالشَّعْبِيِّ وَقَالَ دَاوُد : يَجِبُ ، وَلَا يُشْتَرَطُ ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ الْمُنْذِرِ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { : مَنْ كَانَ عَلَيْهِ صَوْمُ رَمَضَان ، فَلْيَسْرُدْهُ ، وَلَا يَقْطَعْهُ } وَلَنَا إطْلَاقُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ } غَيْرَ مُقَيَّدٍ بِالتَّتَابُعِ .\rفَإِنْ قِيلَ : قَدْ رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ ، أَنَّهَا قَالَتْ : نَزَلَتْ \" فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ مُتَتَابِعَات \" فَسَقَطَتْ \" مُتَتَابِعَات \" قُلْنَا : هَذَا لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَنَا صِحَّتُهُ ، وَلَوْ صَحَّ فَقَدْ سَقَطَتْ اللَّفْظَةُ الْمُحْتَجُّ بِهَا .\rوَأَيْضًا قَوْلُ الصَّحَابَةِ ، قَالَ ابْنُ عُمَرَ : إنَّ سَافَرَ ؛ فَإِنْ شَاءَ فَرَّقَ ، وَإِنْ شَاءَ تَابَعَ وَرُوِيَ مَرْفُوعًا إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ ، فِي قَضَاءِ رَمَضَان : إنَّ اللَّهَ لَمْ يُرَخِّصْ لَكُمْ فِي فِطْرِهِ ، وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَشُقّ عَلَيْكُمْ فِي قَضَائِهِ وَرَوَى الْأَثْرَمُ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ ، أَنَّهُ قَالَ : بَلَغَنِي { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ عَنْ تَقْطِيعِ قَضَاءِ رَمَضَان ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَوْ كَانَ عَلَى أَحَدِكُمْ دَيْنٌ ، فَقَضَاهُ مِنْ الدِّرْهَمِ وَالدِّرْهَمَيْنِ ، حَتَّى يَقْضِيَ مَا عَلَيْهِ مِنْ الدَّيْنِ ، هَلْ كَانَ ذَلِكَ قَاضِيًا دَيْنَهُ ؟ قَالُوا : نَعَمْ ، يَا رَسُولَ","part":6,"page":155},{"id":2655,"text":"اللَّهِ .\rقَالَ : فَاَللَّهُ أَحَقُّ بِالْعَفْوِ وَالتَّجَاوُزِ مِنْكُمْ } وَلِأَنَّهُ صَوْمٌ لَا يَتَعَلَّقُ بِزَمَانِ بِعَيْنِهِ .\rفَلَمْ يَجِبْ فِيهِ التَّتَابُعُ ، كَالنَّذْرِ الْمُطْلَقِ ، وَخَبَرِهِمْ لَمْ يَثْبُتْ صِحَّتُهُ ، فَإِنَّ أَهْلَ السُّنَنِ لَمْ يَذْكُرُوهُ ، وَلَوْ صَحَّ حَمَلْنَاهُ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ ، فَإِنَّ الْمُتَتَابِعَ أَحْسَنُ ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ مُوَافَقَةِ الْخَبَرِ ، وَالْخُرُوجِ مِنْ الْخِلَافِ وَشَبَهِهِ بِالْأَدَاءِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":6,"page":156},{"id":2656,"text":"( 2097 ) مَسْأَلَة ؛ قَالَ : ( وَمَنْ دَخَلَ فِي صِيَامِ تَطَوُّعٍ ، فَخَرَجَ مِنْهُ ، فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ ، وَإِنْ قَضَاهُ فَحَسَنٌ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ مَنْ دَخَلَ فِي صِيَامِ تَطَوُّعٍ ، اُسْتُحِبَّ لَهُ إتْمَامُهُ ، وَلَمْ يَجِبْ ، فَإِنْ خَرَجَ مِنْهُ ، فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ ، رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُمَا أَصْبَحَا صَائِمَيْنِ ، ثُمَّ أَفْطَرَا ، وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ : لَا بَأْسَ بِهِ ، مَا لَمْ يَكُنْ نَذْرًا أَوْ قَضَاءَ رَمَضَان وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : إذَا صَامَ الرَّجُلُ تَطَوُّعًا ، ثُمَّ شَاءَ أَنْ يَقْطَعَهُ قَطَعَهُ ، وَإِذَا دَخَلَ فِي صَلَاةٍ تَطَوُّعًا ، ثُمَّ شَاءَ أَنْ يَقْطَعَهَا قَطَعَهَا وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ : مَتَى أَصْبَحْت تُرِيدُ الصَّوْمَ ، فَأَنْتَ عَلَى آخِرِ النَّظَرَيْنِ ، إنَّ شِئْت صُمْت ، وَإِنْ شِئْت أَفْطَرْت هَذَا مَذْهَبُ أَحْمَدَ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَإِسْحَاقَ وَقَدْ رَوَى حَنْبَلٌ ، عَنْ أَحْمَدَ ، إذَا أَجْمَعَ عَلَى الصِّيَامِ ، فَأَوْجَبَهُ عَلَى نَفْسِهِ ، فَأَفْطَرَ مِنْ غَيْر عُذْرٍ ، أَعَادَ يَوْمًا مَكَانَ ذَلِكَ الْيَوْمِ .\rوَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ اسْتَحَبَّ ذَلِكَ ، أَوْ نَذَرَهُ لِيَكُونَ مُوَافِقًا لِسَائِرِ الرِّوَايَاتِ عَنْهُ .\rوَقَالَ النَّخَعِيّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٌ : يَلْزَمُ بِالشُّرُوعِ فِيهِ وَلَا يَخْرُجُ مِنْهُ إلَّا بِعُذْرِ ، فَإِنْ خَرَجَ قَضَى .\rوَعَنْ مَالِكٍ : لَا قَضَاء عَلَيْهِ .\rوَاحْتَجَّ مَنْ أَوْجَبَ الْقَضَاءَ بِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ ، أَنَّهَا قَالَتْ : { أَصْبَحْت أَنَا وَحَفْصَةُ صَائِمَتَيْنِ مُتَطَوِّعَتَيْنِ ، فَأُهْدِيَ لَنَا حَيْسٌ ، فَأَفْطَرْنَا ، ثُمَّ سَأَلْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : اقْضِيَا يَوْمًا مَكَانَهُ } وَلِأَنَّهَا عِبَادَةٌ تَلْزَمُ بِالنَّذْرِ فَلَزِمَتْ بِالشُّرُوعِ فِيهَا ، كَالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى مُسْلِمٌ ، وَأَبُو دَاوُد ، وَالنَّسَائِيُّ ، عَنْ عَائِشَةَ ، { قَالَتْ دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا ، فَقَالَ : هَلْ عِنْدكُمْ شَيْءٌ ؟ فَقُلْت : لَا .\rقَالَ : فَإِنِّي صَائِمٌ .\rثُمَّ","part":6,"page":157},{"id":2657,"text":"مَرَّ بَعْدَ ذَلِكَ الْيَوْمِ ، وَقَدْ أُهْدِيَ إلَيَّ حَيْسٌ ، فَخَبَّأْتُ لَهُ مِنْهُ ، وَكَانَ يُحِبُّ الْحَيْسَ .\rقُلْت : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنَّهُ أُهْدِيَ لَنَا حَيْسٌ ، فَخَبَّأْت لَكَ مِنْهُ ، قَالَ : أَدْنِيهِ ، أَمَّا إنِّي قَدْ أَصْبَحْت وَأَنَا صَائِمٌ .\rفَأَكَلَ مِنْهُ ، ثُمَّ قَالَ لَنَا : إنَّمَا مَثَلُ صَوْمِ التَّطَوُّعِ مَثَلُ الرَّجُلِ يُخْرِجُ مِنْ مَالِهِ الصَّدَقَةَ ؛ فَإِنْ شَاءَ أَمْضَاهَا ، وَإِنْ شَاءَ حَبَسَهَا } هَذَا لَفْظُ رِوَايَةِ النَّسَائِيّ ، وَهُوَ أَتَمُّ مِنْ غَيْرِهِ وَرَوَتْ أُمُّ هَانِئٍ ، { قَالَتْ : دَخَلْت عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأُتِيَ بِشَرَابٍ ، فَنَاوَلَنِيهِ فَشَرِبْت مِنْهُ ، ثُمَّ قُلْت : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، لَقَدْ أَفْطَرْت وَكُنْت صَائِمَةً .\rفَقَالَ لَهَا : أَكُنْتِ تَقْضِينَ شَيْئًا ؟ قَالَتْ : لَا .\rقَالَ : فَلَا يَضُرُّك إنْ كَانَ تَطَوُّعًا } رَوَاهُ سَعِيدٌ وَأَبُو دَاوُد ، وَالْأَثْرَمُ وَفِي لَفْظٍ قَالَتْ : { قُلْت ، إنِّي صَائِمَةٌ .\rفَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إنَّ الْمُتَطَوِّعَ أَمِيرُ نَفْسِهِ ، فَإِنْ شِئْت فَصُومِي ، وَإِنْ شِئْت فَأَفْطِرِي } وَلِأَنَّ كُلَّ صَوْمٍ لَوْ أَتَمَّهُ كَانَ تَطَوُّعًا إذَا خَرَجَ مِنْهُ لَمْ يَجِبْ قَضَاؤُهُ ، كَمَا لَوْ اعْتَقَدَ أَنَّهُ مِنْ رَمَضَان فَبَانَ مِنْ شَعْبَان أَوْ مِنْ شَوَّالٍ .\rفَأَمَّا خَبَرُهُمْ ، فَقَالَ أَبُو دَاوُد : لَا يَثْبُتُ .\rوَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : فِيهِ مَقَالٌ .\rوَضَعَّفَهُ الْجُوزَجَانِيُّ وَغَيْرُهُ ، ثُمَّ هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهُ إتْمَامُهُ ، وَإِنْ خَرَجَ مِنْهُ اُسْتُحِبَّ قَضَاؤُهُ ؛ لِلْخُرُوجِ مِنْ الْخِلَافِ ، وَعَمَلًا بِالْخَبَرِ الَّذِي رَوَوْهُ .\r( 2098 ) فَصْلٌ : وَسَائِرُ النَّوَافِلِ مِنْ الْأَعْمَالِ حُكْمُهَا حُكْمُ الصِّيَامِ ، فِي أَنَّهَا لَا تَلْزَمُ بِالشُّرُوعِ ، وَلَا يَجِبُ قَضَاؤُهَا إذَا خَرَجَ مِنْهَا ، إلَّا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ ، فَإِنَّهُمَا يُخَالِفَانِ سَائِرَ الْعِبَادَاتِ فِي هَذَا ، لِتَأَكُّدِ إحْرَامِهِمَا ، وَلَا يَخْرُجُ مِنْهُمَا بِإِفْسَادِهِمَا .\rوَلَوْ","part":6,"page":158},{"id":2658,"text":"اعْتَقَدَ أَنَّهُمَا وَاجِبَانِ ، وَلَمْ يَكُونَا وَاجِبَيْنِ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ الْخُرُوجُ مِنْهُمَا .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ فِي الصَّلَاةِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا تَلْزَمُ بِالشُّرُوعِ ، فَإِنَّ الْأَثْرَمَ قَالَ : قُلْت لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ : الرَّجُلُ يُصْبِح صَائِمًا مُتَطَوِّعًا ، أَيَكُونُ بِالْخِيَارِ ؟ وَالرَّجُلُ يَدْخُلُ فِي الصَّلَاةِ أَلَهِ أَنْ يَقْطَعَهَا ؟ فَقَالَ : الصَّلَاةُ أَشَدُّ ، أَمَّا الصَّلَاةُ فَلَا يَقْطَعُهَا .\rقِيلَ لَهُ : فَإِنْ قَطَعَهَا قَضَاهَا ؟ قَالَ : إنْ قَضَاهَا فَلِيس فِيهِ اخْتِلَافٌ .\rوَمَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الْجُوزَجَانِيِّ إلَى هَذَا الْقَوْلِ ، وَقَالَ : الصَّلَاةُ ذَاتُ إحْرَامٍ وَإِحْلَالٍ ، فَلَزِمَتْ بِالشُّرُوعِ فِيهَا ، كَالْحَجِّ .\rوَأَكْثَرُ أَصْحَابِنَا عَلَى أَنَّهَا لَا تَلْزَمُ أَيْضًا .\rوَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ ؛ لِأَنَّ مَا جَازَ تَرْكُ جَمِيعِهِ جَازَ تَرْكُ بَعْضِهِ ، كَالصَّدَقَةِ ، وَالْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ يُخَالِفَانِ غَيْرَهُمَا .\r( 2099 ) فَصْلٌ : وَمِنْ دَخَلَ فِي وَاجِبٍ ، كَقَضَاءِ رَمَضَان ، أَوْ نَذْرٍ مُعَيَّنٍ أَوْ مُطْلَقٍ ، أَوْ صِيَامِ كَفَّارَةٍ ؛ لَمْ يَجُزْ لَهُ الْخُرُوجُ مِنْهُ ؛ لِأَنَّ الْمُتَعَيِّنَ وَجَبَ عَلَيْهِ الدُّخُولُ فِيهِ ، وَغَيْرَ الْمُتَعَيِّنِ تَعَيَّنَ بِدُخُولِهِ فِيهِ ، فَصَارَ بِمَنْزِلَةِ الْفَرْضِ الْمُتَعَيِّنِ ، وَلَيْسَ فِي هَذَا خِلَافٌ بِحَمْدِ اللَّهِ .","part":6,"page":159},{"id":2659,"text":"( 2100 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ ( وَإِذَا كَانَ لِلْغُلَامِ عَشْرُ سِنِينَ ، وَأَطَاقَ الصِّيَامَ أَخَذَ بِهِ ) يَعْنِي أَنَّهُ يُلْزَمُ الصِّيَامَ ، يُؤْمَرُ بِهِ وَيُضْرَبُ عَلَى تَرْكِهِ ، لِيَتَمَرَّن عَلَيْهِ ، وَيَتَعَوَّدَهُ ، كَمَا يُلْزَمُ الصَّلَاةَ وَيُؤْمَرُ بِهَا ، وَمِمَّنْ ذَهَبِ إلَى أَنَّهُ يُؤْمَرُ بِالصِّيَامِ إذَا أَطَاقَهُ ، عَطَاءٌ ، وَالْحَسَنُ ، وَابْنُ سِيرِينَ ، وَالزُّهْرِيُّ وَقَتَادَةُ ، وَالشَّافِعِيُّ وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ إذَا أَطَاقَ صَوْمِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ تُبَاعَا ، لَا يَخُورُ فِيهِنَّ وَلَا يَضْعُفُ ، حُمِّلَ صَوْمِ شَهْرِ رَمَضَان وَقَالَ إِسْحَاقُ : إذَا بَلَغَ ثِنْتَيْ عَشَرَةَ أُحِبُّ أَنْ يُكَلَّفَ الصَّوْمَ لِلْعَادَةِ .\rوَاعْتِبَارُهُ بِالْعَشْرِ أَوْلَى ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِالضَّرْبِ عَلَى الصَّلَاةِ عِنْدَهَا ، وَاعْتِبَارُ الصَّوْمِ بِالصَّلَاةِ أَحْسَن لِقُرْبِ إحْدَاهُمَا مِنْ الْأُخْرَى ، وَاجْتِمَاعِهِمَا فِي أَنَّهُمَا عِبَادَتَانِ بَدَنِيَّتَانِ مِنْ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ ، إلَّا أَنَّ الصَّوْمَ أُشَقُّ فَاعْتُبِرَتْ لَهُ الطَّاقَةُ ، لِأَنَّهُ قَدْ يُطِيقُ الصَّلَاةَ مَنْ لَا يُطِيقُهُ .\r( 2101 ) فَصْلٌ : وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ الصَّوْمُ حَتَّى يَبْلُغَ .\rقَالَ أَحْمَدُ فِي غُلَامٍ احْتَلَمَ : صَامَ وَلَمْ يَتْرُكْ ، وَالْجَارِيَةُ إذَا حَاضَتْ وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَذَهَبَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا إلَى إيجَابِهِ عَلَى الْغُلَامِ الْمُطِيقِ لَهُ إذَا بَلَغَ عَشْرًا ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ جُرَيْجٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَبِيبَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إذَا أَطَاقَ الْغُلَامُ صِيَامَ ثَلَاثَة أَيَّامٍ ، وَجَبَ عَلَيْهِ صِيَامُ شَهْرِ رَمَضَان } وَلِأَنَّهُ عِبَادَةٌ بَدَنِيَّةٌ ، أَشْبَهَ الصَّلَاةَ ، وَقَدْ أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنْ يُضْرَبَ عَلَى الصَّلَاةِ مِنْ بَلَغَ عَشْرًا .\rوَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ .\rقَالَ الْقَاضِي : الْمَذْهَبُ عِنْدِي ، رِوَايَةً وَاحِدَةً : أَنَّ الصَّلَاةَ وَالصَّوْمَ لَا تَجِبُ حَتَّى يَبْلُغَ ، وَمَا","part":6,"page":160},{"id":2660,"text":"قَالَهُ أَحْمَدُ فِي مَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ يَقْضِيهَا .\rنَحْمِلُهُ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ ؛ وَذَلِكَ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ : عَنْ الصَّبِيِّ حَتَّى يَبْلُغَ ، وَعَنْ الْمَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ ، وَعَنْ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ .\r} وَلِأَنَّهُ عِبَادَةٌ بَدَنِيَّةٌ ، فَلَمْ تَجِبْ عَلَى الصَّبِيِّ ، كَالْحَجِّ .\rوَحَدِيثُهُمْ مُرْسَلٌ ، ثُمَّ نَحْمِلُهُ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ ، وَسَمَّاهُ وَاجِبًا ، تَأْكِيدًا لِاسْتِحْبَابِهِ ، كَقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { غُسْلُ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ } ( 2102 ) فَصْلٌ : إذَا نَوَى الصَّبِيُّ الصَّوْمَ مِنْ اللَّيْلِ ، فَبَلَغَ فِي أَثْنَاءِ النَّهَارِ بِالِاحْتِلَامِ أَوْ السِّنِّ ، فَقَالَ الْقَاضِي : يُتِمُّ صَوْمَهُ ، وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ .\rلِأَنَّ نِيَّةَ صَوْمِ رَمَضَان حَصَلَتْ لَيْلًا فَيُجْزِئُهُ كَالْبَالِغِ .\rوَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ أَوَّلُ الصَّوْمِ نَفْلًا وَبَاقِيه فَرْضًا ، كَمَا لَوْ شَرَعَ فِي صَوْمِ يَوْمٍ تَطَوُّعًا ، ثُمَّ نَذَرَ إتْمَامَهُ .\rوَاخْتَارَ أَبُو الْخَطَّابِ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ ؛ لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ بَدَنِيَّةٌ بَلَغَ فِي أَثْنَائِهَا بَعْدَ مُضِيِّ بَعْضِ أَرْكَانِهَا ، فَلَزِمَتْهُ إعَادَتُهَا ، كَالصَّلَاةِ ، وَالْحَجِّ إذَا بَلَغَ بَعْدَ الْوُقُوفِ ، وَهَذَا لِأَنَّهُ بِبُلُوغِهِ يَلْزَمُهُ صَوْمُ جَمِيعِهِ ، وَالْمَاضِي قَبْلَ بُلُوغِهِ نَفْلٌ ، فَلَمْ يَجْزِ عَنْ الْفَرْضِ ، وَلِهَذَا لَوْ نَذَرَ صَوْمَ يَوْمِ يَقْدَمُ فُلَانٌ فَقَدِمَ وَالنَّاذِرُ صَائِمٌ ؛ لَزِمَهُ الْقَضَاءُ ، فَأَمَّا مَا مَضَى مِنْ الشَّهْرِ قَبْلَ بُلُوغِهِ ، فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ ، وَسَوَاءٌ كَانَ قَدْ صَامَهُ أَوْ أَفْطَرَهُ ، هَذَا قَوْلُ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْم .\rوَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : يَقْضِيه إنْ كَانَ أَفْطَرَهُ وَهُوَ مُطِيقٌ لِصِيَامِهِ .\rوَلَنَا أَنَّهُ زَمَنٌ مَضَى فِي حَالِ صِبَاهُ ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ قَضَاءُ الصَّوْمِ فِيهِ ، كَمَا لَوْ بَلَغَ بَعْدَ انْسِلَاخِ رَمَضَان .\rوَإِنْ بَلَغَ الصَّبِيُّ وَهُوَ مُفْطِرٌ ، فَهَلْ يَلْزَمُهُ إمْسَاكُ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَقَضَاؤُهُ ؟ عَلَى","part":6,"page":161},{"id":2661,"text":"رِوَايَتَيْنِ .","part":6,"page":162},{"id":2662,"text":"( 2103 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ ( وَإِذَا أَسْلَمَ الْكَافِرُ فِي شَهْرِ رَمَضَان ، صَامَ مَا يَسْتَقْبِلُ مِنْ بَقِيَّةِ شَهْرِهِ ) أَمَّا صَوْمُ مَا يَسْتَقْبِلُهُ مِنْ بَقِيَّةِ شَهْرِهِ ، فَلَا خِلَافَ فِيهِ ، وَأَمَّا قَضَاءُ مَا مَضَى مِنْ الشَّهْرِ قَبْلَ إسْلَامِهِ ، فَلَا يَجِبُ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّعْبِيُّ ، وَقَتَادَةُ ، وَمَالِكٌ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَقَالَ عَطَاءٌ : عَلَيْهِ قَضَاؤُهُ .\rوَعَنْ الْحَسَنِ كَالْمَذْهَبَيْنِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ مَا مَضَى عِبَادَةٌ خَرَجَتْ فِي حَالِ كُفْرِهِ ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ قَضَاؤُهُ ، كَالرَّمَضَانِ الْمَاضِي .\r( 2104 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا الْيَوْمُ الَّذِي أَسْلَمَ فِيهِ ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ إمْسَاكُهُ وَيَقْضِيه .\rهَذَا الْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ وَبِهِ قَالَ الْمَاجِشُونِ ، وَإِسْحَاقُ .\rوَقَالَ مَالِكٌ ، وَأَبُو ثَوْرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ : لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُدْرِكْ فِي زَمَنِ الْعِبَادَة مَا يُمْكِنُهُ التَّلَبُّسُ بِهَا فِيهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَسْلَمَ بَعْدَ خُرُوجِ الْيَوْمِ ، وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَحْمَدَ .\rوَلَنَا أَنَّهُ أَدْرَكَ جُزْءًا مِنْ وَقْتِ الْعِبَادَةِ فَلَزِمَتْهُ ، كَمَا لَوْ أَدْرَكَ جُزْءًا مِنْ وَقْتِ الصَّلَاةِ .\r( 2105 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا الْمَجْنُونُ إذَا أَفَاقَ فِي أَثْنَاءِ الشَّهْرِ ، فَعَلَيْهِ صَوْمُ مَا بَقِيَ مِنْ الْأَيَّامِ ، بِغَيْرِ خِلَافٍ .\rوَفِي قَضَاءِ الْيَوْمِ الَّذِي أَفَاقَ فِيهِ وَإِمْسَاكِهِ رِوَايَتَانِ .\rوَلَا يَلْزَمُهُ قَضَاءُ مَا مَضَى .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو ثَوْرٍ ، وَالشَّافِعِيُّ فِي الْجَدِيد .\rوَقَالَ مَالِكٌ : يَقْضِي ، وَإِنْ مَضَى عَلَيْهِ سُنُونَ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ مِثْلُهُ ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيمِ ؛ لِأَنَّهُ مَعْنَى يُزِيلُ الْعَقْلَ ، فَلَمْ يَمْنَعْ وُجُوبَ الصَّوْمِ ، كَالْإِغْمَاءِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إنْ جُنَّ جَمِيعَ الشَّهْرِ ، فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ ، وَإِنْ أَفَاقَ فِي أَثْنَائِهِ قَضَى ، مَا مَضَى ؛ لِأَنَّ الْجُنُونَ لَا يُنَافِي الصَّوْمَ بِدَلِيلِ مَا لَوْ جُنَّ فِي أَثْنَاءِ الصَّوْمِ لَمْ يَفْسُدْ ، فَإِذَا وُجِدَ فِي بَعْضِ","part":6,"page":163},{"id":2663,"text":"الشَّهْرِ ، وَجَبَ الْقَضَاءُ ، كَالْإِغْمَاءِ .\rوَلَنَا أَنَّهُ مَعْنَى يُزِيلُ التَّكْلِيفَ ، فَلَمْ يَجِبْ الْقَضَاءُ فِي زَمَانِهِ ، كَالصِّغَرِ وَالْكُفْرِ .\rوَيَخُصّ أَبَا حَنِيفَةَ بِأَنَّهُ مَعْنَى ، لَوْ وُجِدَ فِي جَمِيعِ الشَّهْرِ أَسْقَطَ الْقَضَاءَ ، فَإِذَا وُجِدَ فِي بَعْضِهِ أَسْقَطَهُ ، كَالصِّغَرِ وَالْكُفْرِ ، وَيُفَارِقُ الْإِغْمَاءَ فِي ذَلِكَ .","part":6,"page":164},{"id":2664,"text":"( 2106 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَإِذَا رَأَى هِلَالَ شَهْرِ رَمَضَان وَحْدَهُ ، صَامَ ) الْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّهُ مَتَى رَأَى الْهِلَالَ وَاحِدٌ لَزِمَهُ الصِّيَامُ ، عَدْلًا كَانَ أَوْ غَيْرَ عَدْلٍ ، شَهِدَ عِنْدَ الْحَاكِمِ أَوْ لَمْ يَشْهَدْ ، قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ أَوْ رُدَّتْ .\rوَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ ، وَاللَّيْثِ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْي ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ .\rوَقَالَ عَطَاءٌ ، وَإِسْحَاقُ : لَا يَصُومُ .\rوَقَدْ رَوَى حَنْبَلٌ عَنْ أَحْمَدَ : لَا يَصُومُ إلَّا فِي جَمَاعَةِ النَّاسِ .\rوَرُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ الْحَسَنِ وَابْنِ سِيرِينَ ؛ لِأَنَّهُ يَوْمٌ مَحْكُومٌ بِهِ مِنْ شَعْبَان ، فَأَشْبَهَ التَّاسِعَ وَالْعِشْرِينَ .\rوَلَنَا أَنَّهُ تَيَقَّنَ أَنَّهُ مِنْ رَمَضَان فَلَزِمَهُ صَوْمُهُ ، كَمَا لَوْ حَكَمَ بِهِ الْحَاكِمُ .\rوَكَوْنُهُ مَحْكُومًا بِهِ مِنْ شَعْبَان ظَاهِرٌ فِي حَقِّ غَيْرِهِ ، وَأَمَّا فِي الْبَاطِنِ فَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ مِنْ رَمَضَان ، فَلَزِمَهُ صِيَامُهُ كَالْعَدْلِ .\r( 2107 ) فَصْلٌ : فَإِنْ أَفْطَرَ ذَلِكَ الْيَوْمَ بِجِمَاعِ ، فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا تَجِبُ ؛ لِأَنَّهَا عُقُوبَةٌ ، فَلَا تَجِبُ بِفِعْلِ مُخْتَلَفٍ فِيهِ ، كَالْحَدِّ .\rوَلَنَا أَنَّهُ أَفْطَرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَان بِجِمَاعِ ، فَوَجَبَتْ بِهِ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ ، كَمَا لَوْ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ ، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْكَفَّارَةَ عُقُوبَة ، ثُمَّ قِيَاسهمْ يَنْتَقِضُ بِوُجُوبِ الْكَفَّارَةِ فِي السَّفَرِ الْقَصِيرِ ، مَعَ وُقُوعِ الْخِلَافِ فِيهِ .","part":6,"page":165},{"id":2665,"text":"( 2108 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَإِنْ كَانَ عَدْلًا ، صَوَّمَ النَّاسَ بِقَوْلِهِ ) الْمَشْهُورُ عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّهُ يُقْبَلُ فِي هِلَالِ رَمَضَان قَوْلُ وَاحِدٍ عَدْلٍ ، وَيَلْزَمُ النَّاسَ الصِّيَامُ بِقَوْلِهِ .\rوَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ ، وَعَلِيٍّ ، وَابْنِ عُمَرَ ، وَابْنِ الْمُبَارَكِ ، وَالشَّافِعِيِّ فِي الصَّحِيحِ عَنْهُ .\rوَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّهُ قَالَ : اثْنَيْنِ أَعْجَبُ إلَيَّ .\rقَالَ أَبُو بَكْرٍ : إنْ رَآهُ وَحْدَهُ ، ثُمَّ قَدِمَ الْمِصْرَ ، صَامَ النَّاسُ بِقَوْلِهِ ، عَلَى مَا رُوِيَ فِي الْحَدِيثِ ، وَإِنْ كَانَ الْوَاحِدُ فِي جَمَاعَةِ النَّاسِ ، فَذَكَرَ أَنَّهُ رَآهُ دُونَهُمْ ، لَمْ يُقْبَلْ إلَّا قَوْلُ اثْنَيْنِ ؛ لِأَنَّهُمْ يُعَايِنُونَ مَا عَايَنَ .\rوَقَالَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : لَا يُقْبَلُ إلَّا شَهَادَةُ اثْنَيْنِ .\rوَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَاللَّيْثِ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَإِسْحَاقَ لِمَا رَوَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ ، أَنَّهُ خَطَبَ النَّاسَ فِي الْيَوْمِ الَّذِي يَشُكُّ فِيهِ .\rفَقَالَ : إنِّي جَالَسْت أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسَأَلْتُهُمْ ، وَإِنَّهُمْ حَدَّثُونِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ ، وَانْسُكُوا ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَتِمُّوا ثَلَاثِينَ ، وَإِنْ شَهِدَ شَاهِدَانِ ذَوَا عَدْلٍ ، فَصُومُوا وَأَفْطِرُوا .\r} رَوَاهُ النَّسَائِيّ .\rوَلِأَنَّ هَذِهِ شَهَادَةٌ عَلَى رُؤْيَةِ الْهِلَالِ ، فَأَشْبَهَتْ الشَّهَادَةَ عَلَى هِلَالِ شَوَّالٍ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي الْغَيْمِ كَقَوْلِنَا ، وَفِي الصَّحْوِ : لَا يُقْبَلُ إلَّا الِاسْتِفَاضَةُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ تَنْظُرَ الْجَمَاعَةُ إلَى مَطْلَعِ الْهِلَالِ وَأَبْصَارُهُمْ صَحِيحَةٌ ، وَالْمَوَانِعُ مُرْتَفِعَةٌ ، فَيَرَاهُ وَاحِدٌ دُونَ الْبَاقِينَ .\rوَلَنَا مَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ : { جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : رَأَيْت الْهِلَالَ .\rقَالَ ، أَتَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ؟","part":6,"page":166},{"id":2666,"text":"قَالَ : نَعَمْ .\rقَالَ : يَا بِلَالُ أَذِّنْ فِي النَّاسِ ، فَلْيَصُومُوا غَدًا } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَالتِّرْمِذِيُّ .\rوَرَوَى ابْنُ عُمَرَ ، قَالَ { تَرَاءَى النَّاسُ الْهِلَالَ ، فَأَخْبَرْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنِّي رَأَيْته .\rفَصَامَ وَأَمَرَ النَّاسَ بِصِيَامِهِ .\r} رَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَلِأَنَّهُ خَبَرٌ عَنْ وَقْتِ الْفَرِيضَةِ فِيمَا طَرِيقُهُ الْمُشَاهَدَةُ ، فَقُبِلَ مِنْ وَاحِدٍ ، كَالْخَبَرِ بِدُخُولِ وَقْتِ الصَّلَاةِ ، وَلِأَنَّهُ خَبَرٌ دِينِيٌّ يَشْتَرِكُ فِيهِ الْمُخْبِرُ وَالْمُخْبَرُ ، فَقُبِلَ مِنْ وَاحِدٍ عَدْلٍ ، كَالرِّوَايَةِ ، وَخَبَرُهُمْ إنَّمَا يَدُلُّ بِمَفْهُومِهِ ، وَخَبَرُنَا أَشْهَرُ مِنْهُ ، وَهُوَ يَدُلُّ بِمَنْطُوقِهِ ، فَيَجِبُ تَقْدِيمُهُ ، وَيُفَارِقُ الْخَبَرَ عَنْ هِلَالِ شَوَّالٍ ، فَإِنَّهُ خُرُوجٌ مِنْ الْعِبَادَةِ ، وَهَذَا دُخُولٌ فِيهَا ، وَحَدِيثُهُمْ فِي هِلَالَ شَوَّالٍ يُخَالِفُ مَسْأَلَتَنَا ، وَمَا ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ انْفِرَادُ الْوَاحِدِ بِهِ مَعَ لَطَافَةِ الْمَرْئِيِّ وَبُعْدِهِ ، وَيَجُوزُ أَنْ تَخْتَلِفَ مَعْرِفَتهمْ بِالْمَطْلِعِ وَمَوَاضِعُ قَصْدِهِمْ وَحِدَّةُ نَظَرِهِمْ ، وَلِهَذَا لَوْ حَكَمَ بِرُؤْيَتِهِ حَاكِمٌ بِشَهَادَةِ وَاحِدٍ ؛ جَازَ ، وَلَوْ شَهِدَ شَاهِدَانِ ؛ وَجَبَ قَبُولُ شَهَادَتِهِمَا ، وَلَوْ كَانَ مُمْتَنِعًا عَلَى مَا قَالُوهُ لَمْ يَصِحّ فِيهِ حُكْمُ حَاكِمٍ ، وَلَا يَثْبُتُ بِشَهَادَةِ اثْنَيْنِ ، وَمَنْ مَنَعَ ثُبُوتَهُ بِشَهَادَةِ اثْنَيْنِ ، رَدَّ عَلَيْهِ الْخَبَرُ الْأَوَّلُ ، وَقِيَاسُهُ عَلَى سَائِرِ الْحُقُوقِ وَسَائِرِ الشُّهُورِ ، وَلَوْ أَنَّ جَمَاعَةً فِي مَحْفِلٍ ، فَشَهِدَ اثْنَانِ مِنْهُ أَنَّهُ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ ، أَوْ أَعْتَقَ عَبْدَهُ ؛ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمَا دُونَ مَنْ أَنْكَرَ ، وَلَوْ أَنَّ اثْنَيْنِ مِنْ أَهْلِ الْجُمُعَةِ شَهِدَا عَلَى الْخَطِيبِ أَنَّهُ قَالَ عَلَى الْمِنْبَرِ فِي الْخُطْبَةِ شَيْئًا ، لَمْ يَشْهَدْ بِهِ غَيْرُهُمَا ؛ لَقُبِلَتْ شَهَادَتُهُمَا ، وَكَذَلِكَ لَوْ شَهِدَا عَلَيْهِ بِفِعْلِ ، وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُمَا يُشَارِكُهُمَا فِي","part":6,"page":167},{"id":2667,"text":"سَلَامَةِ السَّمْعِ وَصِحَّةِ الْبَصَرِ ، كَذَا هَاهُنَا .\r( 2109 ) فَصْلٌ : وَإِنْ أَخْبَرَهُ مُخْبِرٌ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ يَثِقُ بِقَوْلِهِ ؛ لَزِمَهُ الصَّوْمُ .\rوَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ عِنْدَ الْحَاكِم ؛ لِأَنَّهُ خَبَرٌ بِوَقْتِ الْعِبَادَةِ ، يَشْتَرِكُ فِيهِ الْمُخْبِرُ وَالْمُخْبَرُ ، أَشْبَهَ الْخَبَرَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْخَبَرَ عَنْ دُخُولِ وَقْتِ الصَّلَاةِ .\rذَكَرَ ذَلِكَ ابْنُ عَقِيلٍ .\rوَمُقْتَضَى هَذَا أَنَّهُ يَلْزَمُهُ قَبُولُ الْخَبَرِ ، وَإِنْ رَدَّهُ الْحَاكِمُ ؛ لِأَنَّ رَدَّ الْحَاكِمِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِعَدَمِ عِلْمِهِ بِحَالِ الْمُخْبِرِ ، وَلَا يَتَعَيَّنُ ذَلِكَ فِي عَدَمِ الْعَدَالَةِ ، وَقَدْ يَجْهَلُ الْحَاكِمُ عَدَالَةَ مَنْ يَعْلَمُ غَيْرُهُ عَدَالَتَهُ .\r( 2110 ) فَصْلٌ : فَإِنْ كَانَ الْمُخْبِرُ امْرَأَةً فَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ قَبُولُ قَوْلِهَا .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَأَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ خَبَرٌ دِينِيّ .\rفَأَشْبَهَ الرِّوَايَةَ ، وَالْخَبَرَ عَنْ الْقِبْلَةِ ، وَدُخُولَ وَقْتِ الصَّلَاةِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا تُقْبَلَ ؛ لِأَنَّهُ شَهَادَةٌ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ ، فَلَمْ يُقْبَلْ فِيهِ قَوْلُ امْرَأَةٍ ، كَهِلَالِ شَوَّالٍ .","part":6,"page":168},{"id":2668,"text":"( 2111 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ ( وَلَا يُفْطِرُ إلَّا بِشَهَادَةِ اثْنَيْنِ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ فِي هِلَالِ شَوَّالٍ إلَّا شَهَادَةُ اثْنَيْنِ عَدْلَيْنِ .\rفِي قَوْلِ الْفُقَهَاءِ جَمِيعِهِمْ ، إلَّا أَبَا ثَوْرٍ ، فَإِنَّهُ قَالَ : يُقْبَلُ قَوْلُ وَاحِدٍ ؛ لِأَنَّهُ أَحَدُ طَرَفَيْ شَهْرِ رَمَضَان ، أَشْبَهَ الْأَوَّلَ ، وَلِأَنَّهُ خَبَرٌ يَسْتَوِي فِيهِ الْمُخْبِرُ وَالْمُخْبَرُ ، أَشْبَهَ الرِّوَايَةَ وَأَخْبَارَ الدِّيَانَاتِ .\rوَلَنَا خَبَرُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ ، وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ { أَجَازَ شَهَادَةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ عَلَى رُؤْيَةِ الْهِلَالِ ، وَكَانَ لَا يُجِيزُ عَلَى شَهَادَةِ الْإِفْطَارِ إلَّا شَهَادَةَ رَجُلَيْنِ } .\rوَلِأَنَّهَا شَهَادَةٌ عَلَى هِلَالٍ لَا يُدْخَلُ بِهَا فِي الْعِبَادَةِ ، فَلَمْ تُقْبَلْ فِيهِ إلَّا شَهَادَةُ اثْنَيْنِ كَسَائِرِ الشُّهُودِ ، وَهَذَا يُفَارِقُ الْخَبَرَ ؛ لِأَنَّ الْخَبَرَ يُقْبَلُ فِيهِ قَوْلُ الْمُخْبِرِ مَعَ وُجُودِ الْمُخْبَرِ عَنْهُ ، وَفُلَانٌ عَنْ فُلَانٍ ، وَهَذَا لَا يُقْبَلُ فِيهِ ذَلِكَ ، فَافْتَرَقَا .\r( 2112 ) فَصْلٌ : وَلَا يُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ ، وَلَا شَهَادَةُ النِّسَاءِ الْمُنْفَرِدَاتِ وَإِنْ كَثُرْنَ ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ الشُّهُورِ ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ ، وَلَيْسَ بِمَالِ ، وَلَا يُقْصَدُ بِهِ الْمَالُ ، فَأَشْبَهَ الْقِصَاصَ ، وَكَانَ الْقِيَاسُ يَقْتَضِي مِثْلَ ذَلِكَ فِي رَمَضَان ، لَكِنْ تَرَكْنَاهُ احْتِيَاطًا لِلْعِبَادَةِ .\r( 2113 ) فَصْلٌ : وَإِذَا صَامُوا بِشَهَادَةِ اثْنَيْنِ ثَلَاثِينَ يَوْمًا ، وَلَمْ يَرَوْا هِلَالَ شَوَّالٍ ، ؛ أَفْطَرُوا وَجْهًا وَاحِدًا .\rوَإِنْ صَامُوا بِشَهَادَةِ وَاحِدٍ ، فَلَمْ يَرَوْا الْهِلَالَ ؛ فَفِيهِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا : لَا يُفْطِرُونَ ؛ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { وَإِنْ شَهِدَ اثْنَانِ فَصُومُوا وَأَفْطِرُوا } .\rوَلِأَنَّهُ فِطْرٌ ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَسْتَنِدَ إلَى شَهَادَةِ وَاحِدٍ ، كَمَا لَوْ شَهِدَ بِهِلَالِ شَوَّالٍ .\rوَالثَّانِي : يُفْطِرُونَ .\rوَهُوَ مَنْصُوصُ الشَّافِعِيِّ ،","part":6,"page":169},{"id":2669,"text":"وَيُحْكَى عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّ الصَّوْمَ إذَا وَجَبَ الْفِطْرُ لِاسْتِكْمَالِ الْعِدَّةِ ، لَا بِالشَّهَادَةِ ، وَقَدْ يَثْبُتُ تَبَعًا مَا لَا يَثْبُتُ أَصْلًا ، بِدَلِيلِ أَنَّ النَّسَبَ لَا يَثْبُتُ بِشَهَادَةِ النِّسَاءِ ، وَتَثْبُتُ بِهَا الْوِلَادَةُ ، فَإِذَا ثَبَتَتْ الْوِلَادَةُ ثَبَتَ النَّسَبُ عَلَى وَجْهِ التَّبَعِ لِلْوِلَادَةِ ، كَذَا هَاهُنَا .\rوَإِنْ صَامُوا لِأَجْلِ الْغَيْمِ ؛ لَمْ يُفْطِرُوا وَجْهًا وَاحِدًا ؛ لِأَنَّ الصَّوْمَ إنَّمَا كَانَ عَلَى وَجْهِ الِاحْتِيَاطِ ، فَلَا يَجُوزُ الْخُرُوجُ مِنْهُ بِمِثْلِ ذَلِكَ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":6,"page":170},{"id":2670,"text":"( 2114 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَلَا يُفْطِرُ إذَا رَآهُ وَحْدَهُ ) وَرُوِيَ هَذَا عَنْ مَالِكٍ ، وَاللَّيْثِ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ حَيْثُ لَا يَرَاهُ أَحَدٌ ؛ لِأَنَّهُ يَتَيَقَّنُهُ مِنْ شَوَّالٍ ، فَجَازَ لَهُ الْأَكْلُ ، كَمَا لَوْ قَامَتْ بِهِ بَيِّنَةٌ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى أَبُو رَجَاءٍ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ ، أَنَّ رَجُلَيْنِ قَدِمَا الْمَدِينَةَ وَقَدْ رَأَيَا الْهِلَالَ ، وَقَدْ أَصْبَحَ النَّاسُ صِيَامًا .\rفَأَتَيَا عُمَرَ .\rفَذَكَرَا ذَلِكَ لَهُ ، فَقَالَ لِأَحَدِهِمَا : أَصَائِمٌ أَنْتَ ؟ قَالَ : بَلْ مُفْطِرٌ .\rقَالَ : مَا حَمَلَك عَلَى هَذَا ؟ قَالَ : لَمْ أَكُنْ لِأَصُومَ وَقَدْ رَأَيْت الْهِلَالَ .\rوَقَالَ لِلْآخَرِ ، قَالَ : أَنَا صَائِمٌ .\rقَالَ : مَا حَمَلَكَ عَلَى هَذَا ؟ قَالَ : لَمْ أَكُنْ لَأُفْطِرُ وَالنَّاسُ صِيَامٌ .\rفَقَالَ لِلَّذِي أَفْطَرَ : لَوْلَا مَكَانُ هَذَا لَأَوْجَعْت رَأْسَكَ .\rثُمَّ نُودِيَ فِي النَّاسِ : أَنْ اُخْرُجُوا .\rأَخْرَجَهُ سَعِيدٌ ، عَنْ ابْنِ عُلَيَّةَ عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ أَبِي رَجَاءٍ .\rوَإِنَّمَا أَرَادَ ضَرْبَهُ لِإِفْطَارِهِ بِرُؤْيَتِهِ ، وَدَفَعَ عَنْهُ الضَّرْبَ لِكَمَالِ الشَّهَادَةِ بِهِ وَبِصَاحِبِهِ .\rوَلَوْ جَازَ لَهُ الْفِطْرُ لَمَّا أَنْكَرَ عَلَيْهِ ، وَلَا تَوَعَّدَهُ .\rوَقَالَتْ عَائِشَةُ : إنَّمَا يُفْطِرُ يَوْمَ الْفِطْرِ الْإِمَامُ وَجَمَاعَةُ الْمُسْلِمِينَ .\rوَلَمْ يُعْرَفْ لَهُمَا مُخَالِفٌ فِي عَصْرِهِمَا ، فَكَانَ إجْمَاعًا ، وَلِأَنَّهُ يَوْمٌ مَحْكُومٌ بِهِ مِنْ رَمَضَانَ ، فَلَمْ يَجُزْ الْفِطْرُ فِيهِ كَالْيَوْمِ الَّذِي قَبْلَهُ ، وَفَارَقَ مَا إذَا قَامَتْ الْبَيِّنَةُ ، فَإِنَّهُ مَحْكُومٌ بِهِ مِنْ شَوَّالٍ ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا .\rوَقَوْلُهُمْ : إنَّهُ يَتَيَقَّنُ أَنَّهُ مِنْ شَوَّالٍ .\rقُلْنَا : لَا يَثْبُتُ الْيَقِينُ ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الرَّائِي خُيِّلَ إلَيْهِ ، كَمَا رُوِيَ أَنَّ رَجُلًا فِي زَمَنِ عُمَرَ ، قَالَ : لَقَدْ رَأَيْت الْهِلَالَ .\rفَقَالَ لَهُ : امْسَحْ عَيْنَك .\rفَمَسَحَهَا ، ثُمَّ قَالَ لَهُ : تَرَاهُ ؟ قَالَ : لَا .\rقَالَ : لَعَلَّ شَعْرَةً مِنْ حَاجِبِك تَقَوَّسَتْ عَلَى عَيْنِك ، فَظَنَنْتهَا هِلَالًا أَوْ","part":6,"page":171},{"id":2671,"text":"مَا هَذَا مَعْنَاهُ فَصْلٌ : فَإِنْ رَآهُ اثْنَانِ ، وَلَمْ يَشْهَدَا عِنْدَ الْحَاكِمِ جَازَ لِمَنْ سَمِعَ شَهَادَتَهُمَا الْفِطْرُ ، إذَا عَرَفَ عَدَالَتَهُمَا ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْفِطْرُ بِقَوْلِهِمَا ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { وَإِذَا شَهِدَ اثْنَانِ فَصُومُوا وَأَفْطِرُوا } وَإِنْ شَهِدَا عِنْدَ الْحَاكِمِ ، فَرَدَّ شَهَادَتَهُمَا ؛ لِجَهْلِهِ بِحَالِهِمَا ، فَلِمَنْ عَلِمَ عَدَالَتَهُمَا الْفِطْرُ بِقَوْلِهِمَا ؛ لِأَنَّ رَدَّ الْحَاكِمِ هَاهُنَا لَيْسَ بِحُكْمٍ مِنْهُ ، وَإِنَّمَا هُوَ تَوَقُّفٌ لِعَدَمِ عِلْمِهِ .\rفَهُوَ كَالْوُقُوفِ عَنْ الْحُكْمِ انْتِظَارًا لِلْبَيِّنَةِ ، وَلِهَذَا لَوْ تَثْبُتُ عَدَالَتُهُمَا بَعْدَ ذَلِكَ حُكِمَ بِهَا ، وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ أَحَدُهُمَا عَدَالَةَ صَاحِبِهِ ؛ لَمْ يَجُزْ لَهُ الْفِطْرُ ، إلَّا أَنْ يَحْكُمَ بِذَلِكَ الْحَاكِمُ ، لِئَلَّا يُفْطِرَ بِرُؤْيَتِهِ وَحْدَهُ .","part":6,"page":172},{"id":2672,"text":"( 2116 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ ( وَإِذَا اشْتَبَهَتْ الْأَشْهُرُ عَلَى الْأَسِيرِ ، فَإِنْ صَامَ شَهْرًا يُرِيدُ بِهِ شَهْرَ رَمَضَانَ ، فَوَافَقَهُ ، أَوْ مَا بَعْدَهُ ؛ أَجْزَأَهُ ، وَإِنْ وَافَقَ مَا قَبْلَهُ ، لَمْ يُجْزِهِ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ مَنْ كَانَ مَحْبُوسًا أَوْ مَطْمُورًا ، أَوْ فِي بَعْضِ النَّوَاحِي النَّائِيَةِ عَنْ الْأَمْصَارِ لَا يُمْكِنُهُ تَعَرُّفُ الْأَشْهُرِ بِالْخَبَرِ ، فَاشْتَبَهَتْ عَلَيْهِ الْأَشْهُرُ ، فَإِنَّهُ يَتَحَرَّى وَيَجْتَهِدُ ، فَإِذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ عَنْ أَمَارَةٍ تَقُومُ فِي نَفْسِهِ دُخُولُ شَهْرِ رَمَضَانَ صَامَهُ ، وَلَا يَخْلُو مِنْ أَرْبَعَةِ أَحْوَالٍ : أَحَدُهَا ، أَنْ لَا يَنْكَشِفَ لَهُ الْحَالُ ، فَإِنَّ صَوْمَهُ صَحِيحٌ ، وَيُجْزِئُهُ ؛ لِأَنَّهُ أَدَّى فَرْضَهُ بِاجْتِهَادِهِ .\rفَأَجْزَأَهُ ، كَمَا لَوْ صَلَّى فِي يَوْمِ الْغَيْمِ بِالِاجْتِهَادِ .\rالثَّانِي : أَنْ يَنْكَشِفَ لَهُ أَنَّهُ وَافَقَ الشَّهْرَ أَوْ مَا بَعْدَهُ ، فَإِنَّهُ يُجْزِئُهُ فِي قَوْلِ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ .\rوَحُكِيَ عَنْ الْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ فِي هَاتَيْنِ الْحَالَتَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ صَامَهُ عَلَى الشَّكِّ فَلَمْ يُجْزِئُهُ ، كَمَا لَوْ صَامَ يَوْمَ الشَّكِّ فَبَانَ مِنْ رَمَضَان .\rوَلَيْسَ بِصَحِيحٍ ؛ لِأَنَّهُ أَدَّى فَرْضَهُ بِالِاجْتِهَادِ فِي مَحَلِّهِ ، فَإِذَا أَصَابَ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ الْحَالَ ؛ أَجْزَأَهُ كَالْقِبْلَةِ إذَا اشْتَبَهَتْ ، أَوْ الصَّلَاةِ فِي يَوْمِ الْغَيْمِ إذَا اشْتَبَهَ وَقْتُهَا ، وَفَارَقَ يَوْمَ الشَّكِّ ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بِمَحَلِّ الِاجْتِهَادِ ، فَإِنَّ الشَّرْعَ أَمَرَ بِالصَّوْمِ عِنْدَ أَمَارَةٍ عَيَّنَهَا ، فَمَا لَمْ تُوجَدْ لَمْ يَجُزْ الصَّوْمُ .\rالْحَالُ الثَّالِثُ : وَافَقَ قَبْلَ الشَّهْرِ ، فَلَا يُجْزِئُهُ ، فِي قَوْلِ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ .\rوَقَالَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ : يُجْزِئُهُ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ ، كَمَا لَوْ اشْتَبَهَ يَوْمُ عَرَفَةَ فَوَقَفُوا قَبْلَهُ .\rوَلَنَا أَنَّهُ أَتَى بِالْعِبَادَةِ قَبْلَ وَقْتِهَا ، فَلَمْ يُجْزِئْهُ ، كَالصَّلَاةِ فِي يَوْمِ الْغَيْمِ .\rوَأَمَّا الْحَجُّ فَلَا نُسَلِّمُهُ إلَّا فِيمَا إذَا أَخْطَأَ النَّاسُ كُلُّهُمْ ،","part":6,"page":173},{"id":2673,"text":"لِعَظَمِ الْمَشَقَّةِ عَلَيْهِمْ ، وَإِنْ وَقَعَ ذَلِكَ لِنَفَرٍ مِنْهُمْ لَمْ يُجْزِئْهُمْ .\rوَلِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُؤْمَنُ مِثْلُهُ فِي الْقَضَاءِ ، بِخِلَافِ الصَّوْمِ .\rالْحَالُ الرَّابِعُ : أَنْ يُوَافِقَ بَعْضُهُ رَمَضَانَ دُونَ بَعْضٍ ، فَمَا وَافَقَ رَمَضَانَ أَوْ بَعْدَهُ ؛ أَجْزَأَهُ وَمَا وَافَقَ قَبْلَهُ ؛ لَمْ يُجْزِئْهُ .\r( 2117 ) فَصْلٌ : وَإِذَا وَافَقَ صَوْمُهُ بَعْدَ الشَّهْرِ ، اُعْتُبِرَ أَنْ يَكُونَ مَا صَامَهُ بِعِدَّةِ أَيَّامِ شَهْرِهِ الَّذِي فَاتَهُ ، سَوَاءٌ وَافَقَ مَا بَيْنَ هِلَالَيْنِ أَوْ لَمْ يُوَافِقْ ، وَسَوَاءٌ كَانَ الشَّهْرَانِ تَامَّيْنِ أَوْ نَاقِصَيْنِ .\rوَلَا يُجْزِئُهُ أَقَلُّ مِنْ ذَلِكَ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ : أَنَّهُ إذَا وَافَقَ شَهْرًا بَيْنَ هِلَالَيْنِ أَجْزَأَهُ ، سَوَاءٌ كَانَ الشَّهْرَانِ تَامَّيْنِ أَوْ نَاقِصَيْنِ ، أَوْ أَحَدُهُمَا تَامًّا وَالْآخَرُ نَاقِصًا .\rوَلَيْسَ بِصَحِيحٍ ؛ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : { فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ } .\rوَلِأَنَّهُ فَاتَهُ شَهْرُ رَمَضَانَ ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ صِيَامُهُ بِعِدَّةِ مَا فَاتَهُ ، كَالْمَرِيضِ وَالْمُسَافِرِ .\rوَلَيْسَ فِي كَلَامِ الْخِرَقِيِّ تَعَرُّضٌ لِهَذَا التَّفْصِيلِ ، فَلَا يَجُوزُ حَمْلُ كَلَامِهِ عَلَى مَا يُخَالِفُ الْكِتَابَ وَالصَّوَابَ .\rفَإِنْ قِيلَ : أَلَيْسَ إذَا نَذَرَ صَوْمَ شَهْرٍ يُجْزِئُهُ مَا بَيْنَ هِلَالَيْنِ ؟ قُلْنَا : الْإِطْلَاقُ يُحْمَلُ عَلَى مَا تَنَاوَلَهُ الِاسْمُ ، وَالِاسْمُ يَتَنَاوَلُ مَا بَيْنَ الْهِلَالَيْنِ ، وَهَاهُنَا يَجِبُ قَضَاءُ مَا تَرَكَ ، فَيَجِبُ أَنْ يُرَاعَى فِيهِ عِدَّةُ الْمَتْرُوكِ ، كَمَا أَنَّ مَنْ نَذَرَ صَلَاةً أَجْزَأَهُ رَكْعَتَانِ ، وَلَوْ تَرَكَ صَلَاةً وَجَبَ قَضَاؤُهَا بِعِدَّةِ رَكَعَاتِهَا ، كَذَلِكَ هَاهُنَا الْوَاجِبُ بِعِدَّةِ مَا فَاتَهُ مِنْ الْأَيَّامِ ، سَوَاءٌ كَانَ مَا صَامَهُ بَيْن هِلَالَيْنِ أَوْ مِنْ شَهْرَيْنِ ، فَإِنْ دَخَلَ فِي صِيَامِهِ يَوْمُ عِيدٍ لَمْ يُعْتَدَّ بِهِ ، وَإِنْ وَافَقَ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ ، فَهَلْ يُعْتَدُّ بِهَا ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ : بِنَاءً عَلَى صِحَّةِ صَوْمِهَا عَلَى الْفَرْضِ .\r( 2118 ) فَصْلٌ : وَإِنْ لَمْ","part":6,"page":174},{"id":2674,"text":"يَغْلِبْ عَلَى ظَنِّ الْأَسِيرِ دُخُولُ رَمَضَان فَصَامَ ، لَمْ يُجْزِئْهُ ، وَإِنْ وَافَقَ الشَّهْرَ ؛ لِأَنَّهُ صَامَهُ عَلَى الشَّكِّ ؛ فَلَمْ يُجْزِئْهُ ، كَمَا لَوْ نَوَى لَيْلَةَ الشَّكِّ ، إنْ كَانَ غَدًا مِنْ رَمَضَانَ ؛ فَهُوَ فَرْضِي .\rوَإِنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ مِنْ غَيْرِ أَمَارَةٍ ، فَقَالَ الْقَاضِي : عَلَيْهِ الصِّيَامُ ، وَيَقْضِي إذَا عَرَفَ الشَّهْرَ ، كَاَلَّذِي خَفِيَتْ عَلَيْهِ دَلَائِلُ الْقِبْلَةِ وَيُصَلِّي عَلَى حَسَبِ حَالِهِ وَيُعِيدُ .\rوَذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ فِي مَنْ خَفِيَتْ عَلَيْهِ دَلَائِلُ الْقِبْلَةِ هَلْ يُعِيدُ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ كَذَلِكَ يُخَرَّجُ عَلَى قَوْلِهِ هَاهُنَا .\rوَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ أَنَّهُ يَتَحَرَّى ، فَمَتَى غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ دُخُولُ الشَّهْرِ صَحَّ صَوْمُهُ ، وَإِنْ لَمْ يَبْنِ عَلَى دَلِيلٍ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي وُسْعِهِ مَعْرِفَةُ الدَّلِيلِ ، وَلَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَا .\rوَقَدْ ذَكَرْنَا مِثْلَ هَذَا فِي الْقِبْلَةِ .\r( 2119 ) فَصْلٌ : وَإِذَا صَامَ تَطَوُّعًا ، فَوَافَقَ شَهْرَ رَمَضَان ، لَمْ يُجْزِئْهُ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ : يُجْزِئُهُ .\rوَهَذَا يَنْبَنِي عَلَى تَعْيِينِ النِّيَّةِ لِرَمَضَانَ ، وَقَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِيهِ .","part":6,"page":175},{"id":2675,"text":"( 2120 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَلَا يُصَامُ يَوْمَا الْعِيدَيْنِ ، وَلَا أَيَّامُ التَّشْرِيقِ ، لَا عَنْ فَرْضٍ ، وَلَا عَنْ تَطَوُّعٍ .\rفَإِنْ قَصَدَ لِصِيَامِهَا كَانَ عَاصِيًا ، وَلَمْ يُجْزِئْهُ عَنْ الْفَرْضِ ) أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ صَوْمَ يَوْمَيْ الْعِيدَيْنِ مَنْهِيٌّ عَنْهُ ، مُحَرَّمٌ فِي التَّطَوُّعِ وَالنَّذْرِ الْمُطْلَقِ وَالْقَضَاءِ وَالْكَفَّارَةِ .\rوَذَلِكَ لِمَا رَوَى أَبُو عُبَيْدٍ مَوْلَى ابْنِ أَزْهَرَ ، قَالَ : شَهِدْت الْعِيدَ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، فَجَاءَ فَصَلَّى ، ثُمَّ انْصَرَفَ ، فَخَطَبَ النَّاسَ ، فَقَالَ : إنَّ هَذَيْنِ يَوْمَيْنِ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ صِيَامِهِمَا يَوْمُ فِطْرِكُمْ مِنْ صِيَامِكُمْ ، وَالْآخَرُ يَوْمَ تَأْكُلُونَ فِيهِ مِنْ نُسُكِكُمْ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ صِيَامِ يَوْمَيْنِ ؛ يَوْمِ فِطْرٍ ، وَيَوْمِ أَضْحَى } .\rوَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ مِثْلُهُ .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا .\rوَالنَّهْيُ يَقْتَضِي فَسَادَ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ وَتَحْرِيمَهُ .\rوَأَمَّا صَوْمُهُمَا عَنْ النَّذْرِ الْمُعَيَّنِ فَفِيهِ خِلَافٌ .\rنَذْكُرُهُ بَعْدُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .","part":6,"page":176},{"id":2676,"text":"( 2121 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ ( وَفِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، رِوَايَةٌ أُخْرَى ، أَنَّهُ يَصُومُهَا عَنْ الْفَرْضِ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ مَنْهِيٌّ عَنْ صِيَامِهَا أَيْضًا ؛ لِمَا رَوَى نُبَيْشَةُ الْهُذَلِيُّ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { أَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ ، وَذِكْرٍ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ .\r} مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذَافَةَ قَالَ : { بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيَّامَ مِنًى أُنَادِي : أَيُّهَا النَّاسُ ، إنَّهَا أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَبِعَالٍ } .\rإلَّا أَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ الْوَاقِدِيِّ ، وَهُوَ ضَعِيفٌ .\rوَعَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ، أَنَّهُ قَالَ : هَذِهِ الْأَيَّامُ الَّتِي كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْمُرُ بِإِفْطَارِهَا ، وَيَنْهَى عَنْ صِيَامِهَا .\rقَالَ مَالِكٌ : وَهِيَ أَيَّامُ التَّشْرِيقِ .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَلَا يَحِلُّ صِيَامُهَا تَطَوُّعًا ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَعَنْ ابْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ كَانَ يَصُومُهَا .\rوَرُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ الْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ وَعَنْ أَبِي طَلْحَةَ أَنَّهُ كَانَ لَا يُفْطِرُ إلَّا يَوْمَيْ الْعِيدَيْنِ .\rوَالظَّاهِرُ أَنَّ هَؤُلَاءِ لَمْ يَبْلُغْهُمْ نَهْيُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ صِيَامِهَا ، وَلَوْ بَلَغَهُمْ لَمْ يَعْدُوهُ إلَى غَيْرِهِ .\rوَقَدْ رَوَى أَبُو مُرَّةَ مَوْلَى أُمِّ هَانِئٍ ، أَنَّهُ دَخَلَ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَلَى أَبِيهِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ، فَقَرَّبَ إلَيْهِمَا طَعَامًا ، فَقَالَ : كُلْ ، فَقَالَ : إنِّي صَائِمٌ .\rفَقَالَ عَمْرٌو : كُلْ ، فَهَذِهِ الْأَيَّامُ الَّتِي كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْمُرُ بِإِفْطَارِهَا ، وَيَنْهَى عَنْ صِيَامِهَا .\rوَالظَّاهِرُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو أَفْطَرَ لَمَّا بَلَغَهُ نَهْيُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rوَأَمَّا صَوْمُهَا لِلْفَرْضِ ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ : إحْدَاهُمَا : لَا","part":6,"page":177},{"id":2677,"text":"يَجُوزُ ؛ لِأَنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْ صَوْمِهَا ، فَأَشْبَهَتْ يَوْمَيْ الْعِيدِ .\rوَالثَّانِيَةُ : يَصِحُّ صَوْمُهَا لِلْفَرْضِ ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَمْرٍو ، وَعَائِشَةَ ، أَنَّهُمَا قَالَا : لَمْ يُرَخَّصْ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ أَنْ يُصَمْنَ إلَّا لِمَنْ لَمْ يَجِدْ الْهَدْيَ أَيْ : الْمُتَمَتِّعُ إذَا عَدِمَ الْهَدْيَ ، وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَيُقَاسُ عَلَيْهِ كُلُّ مَفْرُوضٍ .","part":6,"page":178},{"id":2678,"text":"( 2122 ) فَصْلٌ : وَيُكْرَهُ إفْرَادُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ بِالصَّوْمِ ، إلَّا أَنْ يُوَافِقَ ذَلِكَ صَوْمًا كَانَ يَصُومُهُ ، مِثْلُ مَنْ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا فَيُوَافِقُ صَوْمُهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ، وَمَنْ عَادَتُهُ صَوْمُ أَوَّلِ يَوْمٍ مِنْ الشَّهْرِ ، أَوْ آخِرِهِ ، أَوْ يَوْمِ نِصْفِهِ ، وَنَحْوِ ذَلِكَ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ .\rقَالَ : قِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ : صِيَامُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ ؟ فَذَكَرَ حَدِيثَ النَّهْيِ أَنْ يُفْرَدَ ، ثُمَّ قَالَ : إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي صِيَامٍ كَانَ يَصُومُهُ ، وَأَمَّا أَنْ يُفْرَدَ فَلَا .\rقَالَ : قُلْت : رَجُلٌ كَانَ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا ، فَوَقَعَ فِطْرُهُ يَوْمَ الْخَمِيسِ ، وَصَوْمُهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ، وَفِطْرُهُ يَوْمَ السَّبْتِ ، فَصَامَ الْجُمُعَةَ مُفْرَدًا ؟ فَقَالَ : هَذَا الْآنَ لَمْ يَتَعَمَّدْ صَوْمَهُ خَاصَّةً ، إنَّمَا كُرِهَ أَنْ يَتَعَمَّدَ الْجُمُعَةَ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٌ : لَا يُكْرَهُ إفْرَادُ الْجُمُعَةِ ؛ لِأَنَّهُ يَوْمٌ ، فَأَشْبَهَ سَائِرَ الْأَيَّامِ .\rوَلَنَا مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ، قَالَ : سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : { لَا يَصُومَنَّ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ، إلَّا يَوْمًا قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ } .\rوَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ : سَأَلْت جَابِرًا ، { أَنْهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ ؟ قَالَ : نَعَمْ .\r} مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا .\rوَعَنْ جُوَيْرِيَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ عَلَيْهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ ، وَهِيَ صَائِمَةٌ ، فَقَالَ : { أَصُمْتِ أَمْسِ ؟ قَالَتْ : لَا .\rقَالَ : أَتُرِيدِينَ أَنْ تَصُومِي غَدًا ؟ قَالَتْ : لَا .\rقَالَ : فَأَفْطِرِي } .\rرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ .\rوَفِيهِ أَحَادِيثُ سِوَى هَذِهِ ، وَسُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَقُّ أَنْ تُتَّبَعَ .\rوَهَذَا الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَكْرُوهَ إفْرَادُهُ ؛ لِأَنَّ نَهْيَهُ مُعَلَّلٌ بِكَوْنِهَا لَمْ تَصُمْ أُمْسِ وَلَا غَدًا ( 2123 ) فَصْلٌ : قَالَ أَصْحَابُنَا","part":6,"page":179},{"id":2679,"text":": يُكْرَهُ إفْرَادُ يَوْمِ السَّبْتِ بِالصَّوْمِ ؛ لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُسْرٍ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { لَا تَصُومُوا يَوْمَ السَّبْتِ ، إلَّا فِيمَا اُفْتُرِضَ عَلَيْكُمْ } .\rأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَقَالَ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ .\rوَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ ، عَنْ أُخْتِهِ الصَّمَّاءِ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { لَا تَصُومُوا يَوْمَ السَّبْتِ ، إلَّا فِيمَا اُفْتُرِضَ عَلَيْكُمْ ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ أَحَدُكُمْ إلَّا لِحَاءَ عِنَبَةٍ ، أَوْ عُودَ شَجَرَةٍ ، فَلْيَمْضُغْهُ } .\rأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد .\rوَقَالَ : اسْمُ أُخْتِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ هُجَيْمَةُ ، أَوْ جُهَيْمَةُ .\rقَالَ الْأَثْرَمُ : قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ : أَمَّا صِيَامُ يَوْمِ السَّبْتِ يُفْرَدُ بِهِ فَقَدْ جَاءَ فِيهِ حَدِيثُ الصَّمَّاءِ ، وَكَانَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ يَتَّقِيه ، أَيْ : أَنْ يُحَدِّثَنِي بِهِ ، وَسَمِعْته مِنْ أَبِي عَاصِمٍ وَالْمَكْرُوهُ إفْرَادُهُ ، فَإِنْ صَامَ مَعَهُ غَيْرَهُ ؛ لَمْ يُكْرَهْ ؛ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَجُوَيْرِيَةَ .\rوَإِنْ وَافَقَ صَوْمًا لَإِنْسَانٍ ، لَمْ يُكْرَهْ ، لِمَا قَدَّمْنَاهُ .\rوَقَالَ أَصْحَابُنَا : وَيُكْرَهُ إفْرَادُ يَوْمِ النَّيْرُوزِ وَيَوْمِ الْمِهْرَجَانِ بِالصَّوْمِ ؛ لِأَنَّهُمَا يَوْمَانِ يُعَظِّمُهُمَا الْكُفَّارُ ، فَيَكُونُ تَخْصِيصُهُمَا بِالصِّيَامِ دُونَ غَيْرِهِمَا مُوَافَقَةً لَهُمْ فِي تَعْظِيمِهِمَا ، فَكُرِهَ كَيَوْمِ السَّبْتِ .\rوَعَلَى قِيَاسِ هَذَا ، كُلُّ عِيدٍ لِلْكُفَّارِ ، أَوْ يَوْمٍ يُفْرِدُونَهُ بِالتَّعْظِيمِ .","part":6,"page":180},{"id":2680,"text":"( 2124 ) فَصْلٌ : وَيُكْرَهُ إفْرَادُ رَجَبٍ بِالصَّوْمِ .\rقَالَ أَحْمَدُ : وَإِنْ صَامَهُ رَجُلٌ ، أَفْطَرَ فِيهِ يَوْمًا أَوْ أَيَّامًا ، بِقَدْرِ مَا لَا يَصُومُهُ كُلَّهُ .\rوَوَجْهُ ذَلِكَ ، مَا رَوَى أَحْمَدُ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ خَرَشَةَ بْنِ الْحُرِّ ، قَالَ : رَأَيْت عُمَرَ يَضْرِبُ أَكُفَّ الْمُتَرَجِّبِينَ ، حَتَّى يَضَعُوهَا فِي الطَّعَامِ .\rوَيَقُولُ : كُلُوا ، فَإِنَّمَا هُوَ شَهْرٌ كَانَتْ تُعَظِّمُهُ الْجَاهِلِيَّةُ .\rوَبِإِسْنَادِهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، أَنَّهُ كَانَ إذَا رَأَى النَّاسَ ، وَمَا يُعِدُّونَ لِرَجَبٍ ، كَرِهَهُ ، وَقَالَ : صُومُوا مِنْهُ ، وَأَفْطِرُوا وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ نَحْوُهُ ، وَبِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ ، أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى أَهْلِهِ ، وَعِنْدَهُمْ سِلَالٌ جُدُدٌ وَكِيزَانُ ، فَقَالَ : مَا هَذَا ؟ فَقَالُوا : رَجَبٌ نَصُومُهُ .\rقَالَ : أَجَعَلْتُمْ رَجَبًا رَمَضَانَ ، فَأَكْفَأِ السِّلَالَ ، وَكَسَرَ الْكِيزَانَ قَالَ أَحْمَدُ : مَنْ كَانَ يَصُومُ السَّنَةَ صَامَهُ ، وَإِلَّا فَلَا يَصُومُهُ مُتَوَالِيًا ، يُفْطِرُ فِيهِ ، وَلَا يُشَبِّهُهُ بِرَمَضَانَ .","part":6,"page":181},{"id":2681,"text":"( 2125 ) فَصْلٌ : وَرَوَى أَبُو قَتَادَةَ ، قَالَ : { قِيلَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَكَيْفَ بِمَنْ صَامَ الدَّهْرَ ؟ قَالَ : لَا صَامَ وَلَا أَفْطَرَ ، أَوْ لَمْ يَصُمْ وَلَمْ يُفْطِرْ } .\rقَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ .\rوَعَنْ أَبِي مُوسَى ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { مَنْ صَامَ الدَّهْرَ ضُيِّقَتْ عَلَيْهِ جَهَنَّمُ } .\rقَالَ الْأَثْرَمُ : قِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ : فَسَّرَ مُسَدِّدٌ قَوْلَ أَبِي مُوسَى : ( مَنْ صَامَ الدَّهْرَ ضُيِّقَتْ عَلَيْهِ جَهَنَّمُ ) .\rفَلَا يَدْخُلُهَا .\rفَضَحِكَ وَقَالَ : مَنْ قَالَ هَذَا ؟ فَأَيْنَ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَرِهَ ذَلِكَ ، وَمَا فِيهِ مِنْ الْأَحَادِيثِ ؟ قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : إنَّمَا يُكْرَه إذَا أَدْخَلَ فِيهِ يَوْمَيْ الْعِيدَيْنِ وَأَيَّامَ التَّشْرِيقِ ؛ لِأَنَّ أَحْمَدَ قَالَ : إذَا أَفْطَرَ يَوْمَيْ الْعِيدَيْنِ وَأَيَّامَ التَّشْرِيقِ رَجَوْت أَنْ لَا يَكُونَ بِذَلِكَ بَأْسٌ .\rوَرُوِيَ نَحْوُ هَذَا عَنْ مَالِكٍ .\rوَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ جَمَاعَةً مِنْ الصَّحَابَةِ كَانُوا يَسْرُدُونَ الصَّوْمَ ، مِنْهُمْ أَبُو طَلْحَةَ .\rقِيلَ : إنَّهُ صَامَ بَعْدَ مَوْتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْبَعِينَ سَنَةً .\rوَاَلَّذِي يَقْوَى عِنْدِي ، أَنَّ صَوْمَ الدَّهْرِ مَكْرُوهٌ ، وَإِنْ لَمْ يَصُمْ هَذِهِ الْأَيَّامَ ، فَإِنْ صَامَهَا قَدْ فَعَلَ مُحَرَّمًا ، وَإِنَّمَا كُرِهَ صَوْمُ الدَّهْرِ لِمَا فِيهِ مِنْ الْمَشَقَّةِ ، وَالضَّعْفِ ، وَشِبْهِ التَّبَتُّلِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ ؛ بِدَلِيلِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { قَالَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو : إنَّك لَتَصُومُ الدَّهْرَ وَتَقُومُ اللَّيْلَ ؟ فَقُلْت : نَعَمْ .\rقَالَ : إنَّك إذَا فَعَلْت ذَلِكَ هَجَمَتْ لَهُ عَيْنُك ، وَنَفِهَتْ لَهُ النَّفْسُ ، لَا صَامَ مَنْ صَامَ الدَّهْرَ ، صَوْمُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ صَوْمُ الدَّهْرِ كُلِّهِ قُلْت : فَإِنِّي أُطِيقُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ .\rقَالَ : فَصُمْ صَوْمَ دَاوُد ، كَانَ يَصُوم يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا ، وَلَا يَفِرُّ إذَا لَاقَى } .\rوَفِي رِوَايَةٍ","part":6,"page":182},{"id":2682,"text":": { وَهُوَ أَفْضَلُ الصِّيَامِ .\rفَقُلْت : إنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ .\rقَالَ : لَا أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ } .\rرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ .","part":6,"page":183},{"id":2683,"text":"( 2126 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَإِذَا رُئِيَ الْهِلَالُ نَهَارًا ، قَبْلَ الزَّوَالِ أَوْ بَعْدَهُ ، فَهُوَ لِلَّيْلَةِ الْمُقْبِلَةِ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْمَشْهُورَ عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّ الْهِلَالَ إذَا رُئِيَ نَهَارًا قَبْلَ الزَّوَالِ أَوْ بَعْدَهُ ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي آخِرِ رَمَضَان ، لَمْ يُفْطِرُوا بِرُؤْيَتِهِ .\rوَهَذَا قَوْلُ عُمَرَ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ ، وَابْنِ عُمَرَ ، وَأَنَسٍ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَمَالِكٍ ، وَاللَّيْثِ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَإِسْحَاقَ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ .\rوَقَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو يُوسُفَ : إنْ رُئِيَ قَبْلَ الزَّوَالِ فَهُوَ لِلَّيْلَةِ الْمَاضِيَةِ ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ فَهُوَ لِلَّيْلَةِ الْمُقْبِلَةِ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .\rرَوَاهُ سَعِيدٌ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ } .\rوَقَدْ رَأَوْهُ ، فَيَجِبُ الصَّوْمُ وَالْفِطْرُ ، وَلِأَنَّ مَا قَبْلَ الزَّوَالِ أَقْرَبُ إلَى الْمَاضِيَةِ .\rوَحُكِيَ هَذَا رِوَايَةً عَنْ أَحْمَدَ .\rوَلَنَا مَا رَوَى أَبُو وَائِلٍ ، قَالَ : جَاءَنَا كِتَابُ عُمَرَ ، وَنَحْنُ بِخَانِقِينَ ، أَنَّ الْأَهِلَّةَ بَعْضُهَا أَكْبَرُ مِنْ بَعْضٍ ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ الْهِلَالَ نَهَارًا فَلَا تُفْطِرُوا حَتَّى تُمْسُوا ، إلَّا أَنْ يَشْهَدَ رَجُلَانِ أَنَّهُمَا رَأَيَاهُ بِالْأَمْسِ عَشِيَّةً .\rوَلِأَنَّهُ قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَمَنْ سَمَّيْنَا مِنْ الصَّحَابَةِ ، وَخَبَرُهُمْ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا رُئِيَ عَشِيَّةً ، بِدَلِيلِ مَا لَوْ رُئِيَ بَعْدَ الزَّوَالِ .\rثُمَّ إنَّ الْخَبَرَ إنَّمَا يَقْتَضِي الصَّوْمَ وَالْفِطْرَ مِنْ الْغَدِ ، بِدَلِيلِ مَا لَوْ رَآهُ عَشِيَّةً .\rفَأَمَّا إنْ كَانَتْ الرُّؤْيَةُ فِي أَوَّلِ رَمَضَان ، فَالصَّحِيحُ أَيْضًا ، أَنَّهُ لِلَّيْلَةِ الْمُقْبِلَةِ .\rوَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيِّ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى ، أَنَّهُ لِلْمَاضِيَةِ ، فَيَلْزَمُ قَضَاءُ ذَلِكَ الْيَوْمِ ، وَإِمْسَاكُ بَقِيَّتِهِ احْتِيَاطًا لِلْعِبَادَةِ ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ؛ لِأَنَّ مَا كَانَ لِلَّيْلَةِ الْمُقْبِلَةِ","part":6,"page":184},{"id":2684,"text":"فِي آخِرِهِ ، فَهُوَ لَهَا فِي أَوَّلِهِ ، كَمَا لَوْ رُئِيَ بَعْدَ الْعَصْرِ .","part":6,"page":185},{"id":2685,"text":"( 2127 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَالِاخْتِيَارُ تَأْخِيرُ السَّحُورِ ، وَتَعْجِيلُ الْفِطْرِ ) الْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي فَصْلَيْنِ : ( 2128 ) أَحَدُهُمَا ، فِي السَّحُورِ ، وَالْكَلَامُ فِيهِ فِي ثَلَاثَةِ أَشْيَاء ؛ أَحَدُهَا ، فِي اسْتِحْبَابِهِ .\rوَلَا نَعْلَمُ فِيهِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ خِلَافًا .\rوَقَدْ رَوَى أَنَسٌ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { تَسَحَّرُوا ؛ فَإِنَّ فِي السَّحُورِ بَرَكَةً } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَعَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { فَصْلُ مَا بَيْنَ صِيَامِنَا وَصِيَامِ أَهْلِ الْكِتَابِ أَكْلَةُ السَّحَرِ } .\rأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، وَأَبُو دَاوُد ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَقَالَ : حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ .\rوَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { السَّحُورُ بَرَكَةٌ ، فَلَا تَدَعُوهُ ، وَلَوْ أَنْ يُجَرَّعَ أَحَدُكُمْ جُرْعَةً مِنْ مَاءٍ ، فَإِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى الْمُتَسَحِّرِينَ } .\rالثَّانِي : فِي وَقْتِهِ .\rقَالَ أَحْمَدُ يُعْجِبُنِي تَأْخِيرُ السَّحُورِ ؛ لِمَا رَوَى زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ ، قَالَ : تَسَحَّرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ قُمْنَا إلَى الصَّلَاةِ .\rقُلْت : كَمْ كَانَ قَدْرُ ذَلِكَ ؟ قَالَ : خَمْسِينَ آيَةً .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَرَوَى الْعِرْبَاضُ بْنُ سَارِيَةَ ، قَالَ : { دَعَانِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى السَّحُورِ ، فَقَالَ : هَلُمَّ إلَى الْغَدَاءِ الْمُبَارَكِ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَالنَّسَائِيُّ .\rسَمَّاهُ غَدَاءً لِقُرْبِ وَقْتِهِ مِنْهُ .\rوَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِالسَّحُورِ التَّقَوِّي عَلَى الصَّوْمِ ، وَمَا كَانَ أَقْرَبَ إلَى الْفَجْرِ كَانَ أَعْوَنَ عَلَى الصَّوْمِ .\rقَالَ أَبُو دَاوُد : قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ : إذَا شَكَّ فِي الْفَجْرِ يَأْكُلُ حَتَّى يَسْتَيْقِنَ طُلُوعَهُ .\rوَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَعَطَاءٍ وَالْأَوْزَاعِيِّ .\rقَالَ أَحْمَدُ : يَقُولُ اللَّه تَعَالَى : { وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ","part":6,"page":186},{"id":2686,"text":"لَكُمْ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنْ الْفَجْرِ } .\rوَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا يَمْنَعَنَّكُمْ مِنْ سَحُورِكُمْ أَذَانُ بِلَالٍ ، وَلَا الْفَجْرُ الْمُسْتَطِيلُ ، وَلَكِنْ الْفَجْرُ الْمُسْتَطِيرُ فِي الْأُفُقِ } .\rقَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ .\rوَرَوَى أَبُو قِلَابَةَ قَالَ : قَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَهُوَ يَتَسَحَّرُ : يَا غُلَامُ ، اخْفِ الْبَابَ ، لَا يَفْجَأُنَا الصُّبْحُ وَقَالَ رَجُلٌ لِابْنِ عَبَّاسٍ : إنِّي أَتَسَحَّرُ ؛ فَإِذَا شَكَكْت أَمْسَكْت .\rفَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : كُلْ مَا شَكَكْت ، حَتَّى لَا تَشُكَّ فَأَمَّا الْجِمَاعُ فَلَا يُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُهُ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِمَّا يَتَقَوَّى بِهِ ، وَفِيهِ خَطَرُ وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ ، وَحُصُولُ الْفِطْرِ بِهِ .\rالثَّالِثُ : فِيمَا يَتَسَحَّرُ بِهِ .\rوَكُلُّ مَا حَصَلَ مِنْ أَكْلٍ أَوْ شُرْبٍ حَصَلَ بِهِ فَضِيلَةُ السَّحُورِ ؛ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { وَلَوْ أَنْ يَجْرَعَ أَحَدُكُمْ جَرْعَةً مِنْ مَاءٍ } .\rوَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { نِعْمَ سَحُورُ الْمُؤْمِنِ التَّمْرُ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .","part":6,"page":187},{"id":2687,"text":"( 2129 ) الْفَصْلُ الثَّانِي ، فِي تَعْجِيلِ الْفِطْرِ وَفِيهِ أُمُورٌ ثَلَاثَةٌ ؛ أَحَدُهَا ، فِي اسْتِحْبَابِهِ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ؛ لِمَا رَوَى سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ السَّاعِدِيُّ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { لَا تَزَالُ أُمَّتِي بِخَيْرِ مَا عَجَّلُوا الْفِطْرَ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَعَنْ أَبِي عَطِيَّةَ ، قَالَ : { دَخَلْت أَنَا وَمَسْرُوقٌ عَلَى عَائِشَةَ ، فَقَالَ مَسْرُوقٌ : رَجُلَانِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَدُهُمَا يُعَجِّلُ الْإِفْطَارَ وَيُعَجِّلُ الْمَغْرِبَ ، وَالْآخَرُ يُؤَخِّرُ الْإِفْطَارَ وَيُؤَخِّرُ الْمَغْرِبَ ؟ قَالَتْ : مَنْ الَّذِي يُعَجِّلُ الْإِفْطَارَ وَيُعَجِّلُ الْمَغْرِبَ ؟ قَالَ : عَبْدُ اللَّهِ .\rقَالَتْ : هَكَذَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصْنَعُ .\rرَوَاهُ } مُسْلِمٌ .\rوَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى : أَحَبُّ عِبَادِي إلَيَّ أَسْرَعُهُمْ فِطْرًا } .\rقَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ .\rوَقَالَ أَنَسٌ : { مَا رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي حَتَّى يُفْطِرَ ، وَلَوْ عَلَى شَرْبَةٍ مِنْ مَاءٍ } .\rرَوَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ .\rالثَّانِي : فِيمَا يُفْطِرُ عَلَيْهِ يُسْتَحَبُّ أَنْ يُفْطِرَ عَلَى رُطَبَاتٍ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَعَلَى تَمَرَاتٍ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَعَلَى الْمَاءِ ؛ لِمَا رَوَى أَنَسٌ ، قَالَ : { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُفْطِرُ عَلَى رُطَبَاتٍ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَعَلَى تَمَرَاتٍ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ تَمَرَاتٌ حَسَا حَسَوَاتٍ مِنْ مَاءٍ .\r} رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَالْأَثْرَمُ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَقَالَ : حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ .\rوَعَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ عَامِرٍ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إذَا أَفْطَرَ أَحَدُكُمْ فَلْيُفْطِرْ عَلَى تَمْرٍ ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيُفْطِرْ عَلَى الْمَاءِ ، فَإِنَّهُ طَهُورٌ } .\rأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد ، وَالتِّرْمِذِيُّ ،","part":6,"page":188},{"id":2688,"text":"وَقَالَ : حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ .","part":6,"page":189},{"id":2689,"text":"الثَّالِثُ : فِي الْوِصَالِ ، وَهُوَ أَنْ لَا يُفْطِرَ بَيْنَ الْيَوْمَيْنِ بِأَكْلٍ وَلَا شُرْبٍ .\rوَهُوَ مَكْرُوهٌ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rوَرُوِيَ عَنْ ابْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ كَانَ يُوَاصِلُ اقْتِدَاءً بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rوَلَنَا مَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ ، قَالَ : { وَاصَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي رَمَضَانَ ، فَوَاصَلَ النَّاسُ ، فَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْوِصَالِ ، فَقَالُوا : إنَّك تُوَاصِلُ .\rقَالَ : إنِّي لَسْت مِثْلَكُمْ ، إنِّي أُطْعَمُ وَأُسْقَى } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَهَذَا يَقْتَضِي اخْتِصَاصَهُ بِذَلِكَ ، وَمَنْعَ إلْحَاقِ غَيْرِهِ بِهِ .\rوَقَوْلُهُ : ( إنِّي أُطْعَمُ وَأُسْقَى ) .\rيَحْتَمِلُ أَنَّهُ يُرِيدُ أَنَّهُ يُعَانُ عَلَى الصِّيَامِ ، وَيُغْنِيه اللَّهُ تَعَالَى عَنْ الشَّرَابِ وَالطَّعَامِ ، بِمَنْزِلَةِ مِنْ طَعِمَ وَشَرِبَ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ : إنِّي أُطْعَمُ حَقِيقَةً ، وَأُسْقَى حَقِيقَةً ، حَمْلًا لِلَّفْظِ عَلَى حَقِيقَتِهِ .\rوَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ ، لِوَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا ، أَنَّهُ لَوْ طَعِمَ وَشَرِبَ حَقِيقَةً لَمْ يَكُنْ مُوَاصِلًا ، وَقَدْ أَقَرَّهُمْ عَلَى قَوْلِهِمْ : إنَّك تُوَاصِلُ .\rوَالثَّانِي : أَنَّهُ قَدْ رُوِيَ أَنَّهُ قَالَ : ( إنِّي أَظَلُّ يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِي ) .\rوَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ فِي النَّهَارِ ، وَلَا يَجُوزُ الْأَكْلُ فِي النَّهَارِ لَهُ وَلَا لِغَيْرِهِ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّ الْوِصَالَ غَيْرُ مُحَرَّمٍ .\rوَظَاهِرُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ مُحَرَّمٌ ، تَقْرِيرًا لِظَاهِرِ النَّهْيِ فِي التَّحْرِيمِ .\rوَلَنَا أَنَّهُ تَرَكَ الْأَكْلَ وَالشُّرْبَ الْمُبَاحَ ، فَلَمْ يَكُنْ مُحَرَّمًا ، كَمَا لَوْ تَرَكَهُ فِي حَالِ الْفِطْرِ .\rفَإِنْ قِيلَ : فَصَوْمُ يَوْمِ الْعِيدِ مُحَرَّمٌ ، مَعَ كَوْنِهِ تَرْكًا لِلْأَكْلِ وَالشُّرْبِ الْمُبَاحِ .\rقُلْنَا : مَا حُرِّمَ تَرْكُ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ بِنَفْسِهِ ؛ وَإِنَّمَا حُرِّمَ بِنِيَّةِ الصَّوْمِ ، وَلِهَذَا لَوْ تَرَكَهُ مِنْ غَيْرِ نِيَّةِ الصَّوْمِ لَمْ يَكُنْ مُحَرَّمًا .\rوَأَمَّا النَّهْيُ فَإِنَّمَا أَتَى","part":6,"page":190},{"id":2690,"text":"بِهِ رَحْمَةً لَهُمْ ، وَرِفْقًا بِهِمْ ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ الْمَشَقَّةِ عَلَيْهِمْ .\rكَمَا نَهَى عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو عَنْ صِيَامِ النَّهَارِ ، وَقِيَامِ اللَّيْلِ ، وَعَنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ .\rقَالَتْ عَائِشَةُ : { نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْوِصَالِ ، رَحْمَةً لَهُمْ } .\rوَهَذَا لَا يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ ، وَلِهَذَا لَمْ يَفْهَمْ مِنْهُ أَصْحَابُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ التَّحْرِيمَ ، بِدَلِيلِ أَنَّهُمْ وَاصَلُوا بَعْدَهُ ، وَلَوْ فَهِمُوا مِنْهُ التَّحْرِيمَ لَمَا اسْتَجَازُوا فِعْلَهُ .\rقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : { نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْوِصَالِ ، فَلَمَّا أَبَوْا أَنْ يَنْتَهُوا ، وَاصَلَ بِهِمْ يَوْمًا وَيَوْمًا ، ثُمَّ رَأَوْا الْهِلَالَ .\rفَقَالَ : لَوْ تَأَخَّرَ لَزِدْتُكُمْ } .\rكَالْمُنَكِّلِ لَهُمْ حِينَ أَبَوْا أَنْ يَنْتَهُوا .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rفَإِنْ وَاصَلَ مِنْ سَحَرٍ إلَى سَحَرٍ جَازَ ؛ لِمَا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : { لَا تُوَاصِلُوا ، فَأَيُّكُمْ أَرَادَ أَنْ يُوَاصِلَ فَلْيُوَاصِلْ حَتَّى السَّحَرِ } أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ .\rوَتَعْجِيلُ الْفِطْرِ أَفْضَلُ ، لِمَا قَدَّمْنَاهُ .","part":6,"page":191},{"id":2691,"text":"( 2130 ) فَصْلٌ : وَيُسْتَحَبُّ تَفْطِيرُ الصَّائِمِ ؛ لِمَا رَوَى زَيْدُ بْنُ خَالِدٍ الْجُهَنِيُّ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ { مَنْ فَطَّرَ صَائِمًا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَجْرِ الصَّائِمِ شَيْءٌ } .\rقَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ .\r( 2131 ) فَصْلٌ : رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ ، قَالَ : { كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا أَفْطَرَ ، قَالَ : اللَّهُمَّ لَك صُمْنَا ، وَعَلَى رِزْقِك أَفْطَرْنَا ، فَتَقَبَّلْ مِنَّا ، إنَّك أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ } .\rوَعَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا أَفْطَرَ ، يَقُول : ذَهَبَ الظَّمَأُ ، وَابْتَلَّتْ الْعُرُوقُ ، وَثَبَتَ الْأَجْرُ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ } .\rوَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ ، ذَكَرَهُمَا الدَّارَقُطْنِيّ .","part":6,"page":192},{"id":2692,"text":"( 2132 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ ( وَمَنْ صَامَ شَهْرَ رَمَضَانَ ، وَأَتْبَعَهُ بِسِتٍّ مِنْ شَوَّالٍ ، وَإِنْ فَرَّقَهَا ، فَكَأَنَّمَا صَامَ الدَّهْرَ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ صَوْمَ سِتَّةِ أَيَّامٍ مِنْ شَوَّالٍ مُسْتَحَبٌّ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ ، وَالشَّعْبِيِّ ، وَمَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَكَرِهَهُ مَالِكٌ وَقَالَ : مَا رَأَيْت أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْفِقْهِ يَصُومُهَا ، وَلَمْ يَبْلُغْنِي ذَلِكَ عَنْ أَحَدٍ مِنْ السَّلَفِ ، وَأَنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ يَكْرَهُونَ ذَلِكَ ، وَيَخَافُونَ بِدْعَتَهُ ، وَأَنْ يُلْحَقَ بِرَمَضَانَ مَا لَيْسَ مِنْهُ .\rوَلَنَا مَا رَوَى أَبُو أَيُّوبَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ، وَأَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ ، فَكَأَنَّمَا صَامَ الدَّهْرَ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَقَالَ : حَدِيثٌ حَسَنٌ .\rوَقَالَ أَحْمَدُ : هُوَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rوَرَوَى سَعِيدٌ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ ثَوْبَانِ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ، شَهْرٌ بِعَشَرَةِ أَشْهُرٍ ، وَصَامَ سِتَّةَ أَيَّامٍ بَعْدَ الْفِطْرِ ، وَذَلِكَ تَمَامُ سَنَةٍ } .\rيَعْنِي أَنَّ الْحَسَنَةَ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا ، فَالشَّهْرُ بِعَشَرَةٍ وَالسِّتَّةُ بِسِتِّينَ يَوْمًا .\rفَذَلِكَ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا ، وَهُوَ سَنَةٌ كَامِلَةٌ ، وَلَا يَجْرِي هَذَا مَجْرَى التَّقْدِيمِ لِرَمَضَانَ ؛ لِأَنَّ يَوْمَ الْفِطْرِ فَاصِلٌ .\rفَإِنْ قِيلَ : فَلَا دَلِيلَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى فَضِيلَتِهَا ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَبَّهَ صِيَامَهَا بِصِيَامِ الدَّهْرِ ، وَهُوَ مَكْرُوهٌ .\rقُلْنَا : إنَّمَا كُرِهَ صَوْمُ الدَّهْرِ ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ الضَّعْفِ وَالتَّشْبِيهِ بِالتَّبَتُّلِ ، لَوْلَا ذَلِكَ لَكَانَ ذَلِكَ فَضْلًا عَظِيمًا ، لِاسْتِغْرَاقِهِ الزَّمَانَ بِالْعِبَادَةِ وَالطَّاعَةِ ، وَالْمُرَادُ بِالْخَبَرِ التَّشْبِيهُ بِهِ فِي حُصُولِ الْعِبَادَةِ بِهِ ، عَلَى وَجْه عَرِيَ عَنْ الْمَشَقَّةِ","part":6,"page":193},{"id":2693,"text":"، كَمَا قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ { مَنْ صَامَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ، كَانَ كَمَنْ صَامَ الدَّهْرَ } .\rذَكَرَ ذَلِكَ حَثًّا عَلَى صِيَامِهَا ، وَبَيَانِ فَضْلِهَا ، وَلَا خِلَافَ فِي اسْتِحْبَابِهَا .\rوَنَهَى عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو عَنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ .\rوَقَالَ : مَنْ قَرَأَ { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ } فَكَأَنَّمَا قَرَأَ ثُلُثَ الْقُرْآنِ .\rأَرَادَ التَّشْبِيهَ بِثُلُثِ الْقُرْآنِ فِي الْفَضْلِ ، لَا فِي كَرَاهَة الزِّيَادَةِ عَلَيْهِ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِهَا مُتَتَابِعَةً أَوْ مُفَرَّقَةً ، فِي أَوَّلِ الشَّهْرِ أَوْ فِي آخِرِهِ ؛ لِأَنَّ الْحَدِيثَ وَرَدَ بِهَا مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ ، وَلِأَنَّ فَضِيلَتَهَا لِكَوْنِهَا تَصِيرُ مَعَ الشَّهْرِ سِتَّةً وَثَلَاثِينَ يَوْمًا ، وَالْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا ؛ فَيَكُونُ ذَلِكَ كَثَلَاثِمِائَةٍ وَسِتِّينَ يَوْمًا ، وَهُوَ السَّنَةُ كُلُّهَا ، فَإِذَا وُجِدَ ذَلِكَ فِي كُلِّ سَنَةٍ صَارَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ كُلِّهِ ، وَهَذَا الْمَعْنَى يَحْصُلُ مَعَ التَّفْرِيقِ .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":6,"page":194},{"id":2694,"text":"( 2133 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ ( وَصِيَامُ عَاشُورَاءَ كَفَّارَةُ سَنَةٍ ، وَيَوْمِ عَرَفَةَ كَفَّارَةُ سَنَتَيْنِ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ صِيَامَ هَذَيْنِ الْيَوْمَيْنِ مُسْتَحَبٌّ ؛ لِمَا رَوَى أَبُو قَتَادَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ { صِيَامُ عَرَفَةَ : إنِّي أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ } وَقَالَ فِي صِيَامِ عَاشُورَاءَ : { إنِّي أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ } .\rأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِنَّ عَاشُورَاءَ هُوَ الْيَوْمُ الْعَاشِرُ مِنْ الْمُحَرَّمِ .\rوَهَذَا قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، وَالْحَسَنِ ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ ، قَالَ : { أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِصَوْمِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ الْعَاشِرِ مِنْ الْمُحَرَّمِ } .\rرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَقَالَ : حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ .\rوَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّهُ قَالَ : التَّاسِعُ وَرُوِيَ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَصُومُ التَّاسِعَ } .\rأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ بِمَعْنَاهُ .\rوَرَوَى عَنْهُ عَطَاءٌ ، أَنَّهُ قَالَ : { صُومُوا التَّاسِعَ وَالْعَاشِرَ ، وَلَا تَشَبَّهُوا بِالْيَهُودِ ، } إذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِنَّهُ يُسْتَحَبُّ صَوْمُ التَّاسِعِ وَالْعَاشِرِ لِذَلِكَ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .\rوَهُوَ قَوْلُ إِسْحَاقَ .\rقَالَ أَحْمَدُ : فَإِنْ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ أَوَّلُ الشَّهْرِ صَامَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ .\rوَإِنَّمَا يَفْعَلُ ذَلِكَ لِيَتَيَقَّنَ صَوْمَ التَّاسِعِ وَالْعَاشِرِ .\r( 2134 ) فَصْلٌ : وَاخْتُلِفَ فِي صَوْمِ عَاشُورَاءَ ، هَلْ كَانَ وَاجِبًا ؟ فَذَهَبَ الْقَاضِي إلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا .\rوَقَالَ : هَذَا قِيَاسُ الْمَذْهَبِ .\rوَاسْتَدَلَّ بِشَيْئَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ مَنْ لَمْ يَأْكُلْ } بِالصَّوْمِ ، وَالنِّيَّةُ فِي اللَّيْلِ شَرْطٌ فِي الْوَاجِبِ .\rوَالثَّانِي : أَنَّهُ لَمْ يَأْمُرْ مَنْ أَكَلَ بِالْقَضَاءِ ، وَيَشْهَدُ لِهَذَا مَا رَوَى مُعَاوِيَةُ قَالَ : سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ","part":6,"page":195},{"id":2695,"text":"وَسَلَّمَ { يَقُولُ : إنَّ هَذَا يَوْمُ عَاشُورَاءَ ، لَمْ يَكْتُبْ اللَّهُ عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ ، فَمَنْ شَاءَ فَلْيَصُمْ ، وَمَنْ شَاءَ فَلْيُفْطِرْ } .\rوَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ .\rوَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّهُ كَانَ مَفْرُوضًا ؛ لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَامَهُ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ ، فَلَمَّا اُفْتُرِضَ رَمَضَانُ كَانَ هُوَ الْفَرِيضَةَ ، وَتَرَكَ عَاشُورَاءَ ، فَمَنْ شَاءَ صَامَهُ وَمَنْ شَاءَ تَرَكَهُ } .\rوَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ .\rوَحَدِيثُ مُعَاوِيَةَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ : لَيْسَ هُوَ مَكْتُوبًا عَلَيْكُمْ الْآنَ .\rوَأَمَّا تَصْحِيحُهُ بِنِيَّةٍ مِنْ النَّهَارِ ، وَتَرْكُ الْأَمْرِ بِقَضَائِهِ ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ نَقُولَ : مَنْ لَمْ يُدْرِكْ الْيَوْمَ بِكَمَالِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ قَضَاؤُهُ .\rكَمَا قُلْنَا فِي مَنْ أَسْلَمَ وَبَلَغَ فِي أَثْنَاءِ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ .\rعَلَى أَنَّهُ قَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد { أَنَّ أَسْلَمَ أَتَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : صُمْتُمْ يَوْمَكُمْ هَذَا ؟ قَالُوا : لَا .\rقَالَ : فَأَتِمُّوا بَقِيَّةَ يَوْمِكُمْ ، وَاقْضُوهُ } .\r( 2135 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا يَوْمُ عَرَفَةَ : فَهُوَ الْيَوْمُ التَّاسِعُ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ ، سُمِّيَ بِذَلِكَ ، لِأَنَّ الْوُقُوفَ بِعَرَفَةَ فِيهِ .\rوَقِيلَ : سُمِّيَ يَوْمَ عَرَفَةَ ، لِأَنَّ إبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أُرِيَ فِي الْمَنَامِ لَيْلَةَ التَّرْوِيَةِ أَنَّهُ يُؤْمَرُ بِذَبْحِ ابْنِهِ ، فَأَصْبَحَ يَوْمَهُ يَتَرَوَّى ، هَلْ هَذَا مِنْ اللَّهِ أَوْ حُلْمٌ ؟ فَسُمِّيَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ ، فَلَمَّا كَانَتْ اللَّيْلَةُ الثَّانِيَةُ رَآهُ أَيْضًا فَأَصْبَحَ يَوْمَ عَرَفَةَ ، فَعَرَفَ أَنَّهُ مِنْ اللَّهِ ، فَسُمِّيَ يَوْمَ عَرَفَةَ .\rوَهُوَ يَوْمٌ شَرِيفٌ عَظِيمٌ ، وَعِيدٌ كَرِيمٌ ، وَفَضْلُهُ كَبِيرٌ .\rوَقَدْ صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَنَّ صِيَامَهُ يُكَفِّرُ سَنَتَيْنِ .\r} ( 2136 ) فَصْلٌ : وَأَيَّامُ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ كُلُّهَا شَرِيفَةٌ مُفَضَّلَةٌ يُضَاعَفُ الْعَمَلُ فِيهَا ، وَيُسْتَحَبُّ الِاجْتِهَادُ فِي الْعِبَادَةِ فِيهَا ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ ،","part":6,"page":196},{"id":2696,"text":"قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهِنَّ أَحَبُّ إلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ الْعَشْرِ .\rقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، إلَّا رَجُلًا خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ ، فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ } .\rوَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ .\rوَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { مَا مِنْ أَيَّامٍ أَحَبُّ إلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يُتَعَبَّدَ لَهُ فِيهَا ، مِنْ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ ، يَعْدِلُ صِيَامُ كُلِّ يَوْمٍ مِنْهَا بِصِيَامِ سَنَةٍ ، وَقِيَامُ كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْهَا بِقِيَامِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ } .\rوَهَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ ، أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ .\rوَرَوَى أَبُو دَاوُد ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ بَعْضِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ : { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصُومُ تِسْعَ ذِي الْحِجَّةِ ، وَيَوْمَ عَاشُورَاءَ } .","part":6,"page":197},{"id":2697,"text":"( 2137 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَلَا يُسْتَحَبُّ لِمَنْ كَانَ بِعَرَفَةَ أَنْ يَصُومَ ، لِيَتَقَوَّى عَلَى الدُّعَاءِ ) أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ يَسْتَحِبُّونَ الْفِطْرَ يَوْمَ عَرَفَةَ بِعَرَفَةَ وَكَانَتْ عَائِشَةُ ، وَابْنُ الزُّبَيْرِ ، يَصُومَانِهِ .\rوَقَالَ قَتَادَةُ : لَا بَأْسَ بِهِ إذَا لَمْ يَضْعُفْ عَنْ الدُّعَاءِ .\rوَقَالَ عَطَاءٌ : أَصُومُ فِي الشِّتَاءِ وَلَا أَصُومُ فِي الصَّيْفِ .\rلِأَنَّ كَرَاهَةَ صَوْمِهِ إنَّمَا هِيَ مُعَلَّلَةٌ بِالضَّعْفِ عَنْ الدُّعَاءِ ، فَإِذَا قَوِيَ عَلَيْهِ ، أَوْ كَانَ فِي الشِّتَاءِ ، لَمْ يَضْعُفْ ، فَتَزُولَ الْكَرَاهَةُ .\rوَلَنَا مَا رُوِيَ عَنْ أُمِّ الْفَضْلِ بِنْتِ الْحَارِثِ ، { أَنَّ نَاسًا تَمَارَوْا بَيْنَ يَدَيْهَا يَوْمَ عَرَفَةَ فِي رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ بَعْضُهُمْ : صَائِمٌ .\rوَقَالَ بَعْضُهُمْ : لَيْسَ بِصَائِمٍ .\rفَأَرْسَلَتْ إلَيْهِ بِقَدَحٍ مِنْ لَبَنٍ ، وَهُوَ وَاقِفٌ عَلَى بَعِيرِهِ بِعَرَفَاتٍ ، فَشَرِبَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَقَالَ ابْنُ عُمَرَ : { حَجَجْت مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَلَمْ يَصُمْهُ - يَعْنِي يَوْمَ عَرَفَة - وَمَعَ أَبِي بَكْرٍ فَلَمْ يَصُمْهُ ، وَمَعَ عُمَرَ فَلَمْ يَصُمْهُ ، وَمَعَ عُثْمَانَ فَلَمْ يَصُمْهُ ، وَأَنَا لَا أَصُومُهُ ، وَلَا آمُرُ بِهِ ، وَلَا أَنْهَى عَنْهُ .\r} أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَقَالَ : حَدِيثٌ حَسَنٌ .\rوَرَوَى أَبُو دَاوُد ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { نَهَى عَنْ صِيَامِ يَوْمِ عَرَفَةَ بِعَرَفَةَ } .\rوَلِأَنَّ الصَّوْمَ يُضْعِفُهُ ، وَيَمْنَعُهُ الدُّعَاءَ فِي هَذَا الْيَوْمِ الْمُعَظَّمِ ، الَّذِي يُسْتَجَابُ فِيهِ الدُّعَاءُ ، فِي ذَلِكَ الْمَوْقِفِ الشَّرِيفِ ، الَّذِي يُقْصَدُ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ ، رَجَاءَ فَضْلِ اللَّه فِيهِ ، وَإِجَابَةِ دُعَائِهِ بِهِ ، فَكَانَ تَرْكُهُ أَفْضَلَ .","part":6,"page":198},{"id":2698,"text":"( 2138 ) فَصْلٌ : رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { أَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ شَهْرِ رَمَضَان شَهْرُ اللَّهِ الْمُحَرَّمُ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَقَالَ : حَدِيثٌ حَسَنٌ ( 2139 ) فَصْلٌ : وَأَفْضَلُ الصِّيَامِ أَنْ تَصُومَ يَوْمًا وَتُفْطِرَ يَوْمًا ؛ لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { قَالَ لَهُ : صُمْ يَوْمًا ، وَأَفْطِرْ يَوْمًا ، فَذَلِكَ صِيَامُ دَاوُد ، وَهُوَ أَفْضَلُ الصِّيَامِ .\rفَقُلْت : إنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ .\rفَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rفَصْلٌ : وَرَوَى أَبُو دَاوُد ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ أُسَامَة بْن زَيْدٍ ، أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { كَانَ يَصُومُ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ ، فَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ ، فَقَالَ : إنَّ أَعْمَالَ النَّاسِ تُعْرَضُ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ } .\r.","part":6,"page":199},{"id":2699,"text":"( 2141 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَأَيَّامُ الْبِيضَ الَّتِي حَضَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى صِيَامِهَا ، هِيَ الثَّالِثُ عَشَرَ وَالرَّابِعُ عَشَرَ وَالْخَامِسُ عَشَرَ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ صِيَامَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ مُسْتَحَبٌّ ، لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا .\rوَقَدْ رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ، قَالَ : { أَوْصَانِي خَلِيلِي بِثَلَاثٍ : صِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ، وَرَكْعَتَيْ الضُّحَى ، وَأَنْ أُوتِرَ قَبْلَ أَنْ أَنَامَ } .\rوَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ : { صُمْ مِنْ الشَّهْرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ؛ فَإِنَّ الْحَسَنَةَ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا ، وَذَلِكَ مِثْلُ صِيَامِ الدَّهْرِ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا .\rوَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَجْعَلَ هَذِهِ الثَّلَاثَةَ أَيَّامَ الْبِيضِ ؛ لِمَا رَوَى أَبُو ذَرٍّ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { يَا أَبَا ذَرٍّ ، إذَا صُمْت مِنْ الشَّهْرِ فَصُمْ ثَلَاثَ عَشْرَةَ ، وَأَرْبَعَ عَشْرَةَ ، وَخَمْسَ عَشْرَةَ } .\rأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَقَالَ : حَدِيثٌ حَسَنٌ .\rوَرَوَى النَّسَائِيّ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { قَالَ لِأَعْرَابِيٍّ : كُلْ .\rقَالَ : إنِّي صَائِمٌ .\rقَالَ : صَوْمُ مَاذَا ؟ قَالَ : صَوْمُ ثَلَاثَة أَيَّامٍ مِنْ الشَّهْرِ .\rقَالَ : إنْ كُنْت صَائِمًا فَعَلَيْك بِالْغُرِّ الْبِيضِ ؛ ثَلَاثَ عَشْرَةَ ، وَأَرْبَعَ عَشْرَةَ ، وَخَمْسَ عَشْرَةَ } .\rوَعَنْ مِلْحَانَ الْقَيْسِيِّ ، قَالَ : { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَأْمُرُنَا أَنْ نَصُومَ الْبِيضَ ؛ ثَلَاثَ عَشْرَةَ ، وَأَرْبَعَ عَشْرَةَ ، وَخَمْسَ عَشْرَةَ .\rوَقَالَ : هُوَ كَهَيْئَةِ الدَّهْرِ } .\rأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد .\rوَسُمِّيَتْ أَيَّامَ الْبِيضِ لِابْيِضَاضِ لَيْلِهَا كُلِّهِ بِالْقَمَرِ ، وَالتَّقْدِيرُ : أَيَّامِ اللَّيَالِي الْبِيضِ .\rوَقِيلَ : إنَّ اللَّهَ تَابَ عَلَى آدَمَ فِيهَا ، وَبَيَّضَ صَحِيفَتَهُ .\rذَكَرَهُ أَبُو الْحَسَنِ التَّمِيمِيُّ .\r( 2142 ) فَصْل : وَيَجِبُ عَلَى الصَّائِم أَنْ يُنَزِّهَ صَوْمَهُ عَنْ الْكَذِبِ وَالْغِيبَةِ وَالشَّتْمِ .","part":6,"page":200},{"id":2700,"text":"قَالَ أَحْمَدُ : يَنْبَغِي لِلصَّائِمِ أَنْ يَتَعَاهَدَ صَوْمَهُ مِنْ لِسَانِهِ ، وَلَا يُمَارِي ، وَيَصُونَ صَوْمَهُ ، كَانُوا إذَا صَامُوا قَعَدُوا فِي الْمَسَاجِدِ ، وَقَالُوا : نَحْفَظُ صَوْمَنَا .\rوَلَا يَغْتَابُ أَحَدًا ، وَلَا يَعْمَلُ عَمَلًا يَجْرَحُ بِهِ صَوْمَهُ .\rوَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ ، وَالْعَمَلَ بِهِ ، فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ } .\rوَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ ، إلَّا الصِّيَامَ ، فَإِنَّهُ لِي ، وَأَنَا أَجْزِي بِهِ ، الصِّيَامُ جُنَّةٌ ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلَا يَرْفُثْ ، وَلَا يَصْخَبْ ، فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ ، فَلْيَقُلْ : إنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ .\rوَاَلَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ ، لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ ، لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا ، إذَا أَفْطَرَ فَرِحَ ، وَإِذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بِصَوْمِهِ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا .","part":6,"page":201},{"id":2701,"text":"( 2143 ) فَصْلٌ : فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ : وَهِيَ لَيْلَةٌ شَرِيفَةٌ مُبَارَكَةٌ مُعَظَّمَةٌ مُفَضَّلَةٌ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ } .\rقِيلَ : مَعْنَاهُ الْعَمَلُ فِيهَا خَيْرٌ مِنْ الْعَمَلِ فِي أَلْفِ شَهْرٍ لَيْسَ فِيهَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ .\rوَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَقِيلَ : إنَّمَا سُمِّيَتْ لَيْلَةَ الْقَدْرِ ؛ لِأَنَّهُ يُقَدَّرُ فِيهَا مَا يَكُونُ فِي تِلْكَ السَّنَةِ مِنْ خَيْرٍ وَمُصِيبَةٍ ، وَرِزْقٍ وَبَرَكَةٍ .\rيُرْوَى ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ } .\rوَسَمَّاهَا مُبَارَكَةً ، فَقَالَ تَعَالَى { إنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ } .\rوَهِيَ لَيْلَةُ الْقَدْرِ ؛ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ : { إنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ } .\rوَقَالَ تَعَالَى : { شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ } .\rيُرْوَى أَنَّ جِبْرِيلَ نَزَلَ بِهِ مِنْ بَيْتِ الْعِزَّةِ إلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ، ثُمَّ نَزَلَ بِهِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نُجُومًا فِي ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً .\rوَهِيَ بَاقِيَةٌ لَمْ تُرْفَعْ ؛ لِمَا رَوَى أَبُو ذَرٍّ قَالَ ، { قُلْت : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، لَيْلَةُ الْقَدْرِ رُفِعَتْ مَعَ الْأَنْبِيَاءِ ، أَوْ هِيَ بَاقِيَةٌ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ؟ قَالَ : بَاقِيَةٌ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ .\rقُلْت : فِي رَمَضَانَ أَوْ فِي غَيْرِهِ ؟ فَقَالَ : فِي رَمَضَانَ .\rفَقُلْت : فِي الْعَشْرِ الْأُوَلِ ، أَوْ الثَّانِي ، أَوْ الْآخِرِ ؟ فَقَالَ : فِي الْعَشْرِ الْآخِرِ } .\rوَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّهَا فِي رَمَضَانَ .\rوَكَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ يَقُولُ : مَنْ يَقُمْ الْحَوْلَ يُصِبْهَا .\rيُشِيرُ إلَى أَنَّهَا فِي السَّنَةِ كُلِّهَا .\rوَفِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى مَا يُبَيِّنُ أَنَّهَا فِي رَمَضَانَ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ أَخْبَرَ أَنَّهُ أَنْزَلَ الْقُرْآنَ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ،","part":6,"page":202},{"id":2702,"text":"وَأَنَّهُ أَنْزَلَهُ فِي رَمَضَانَ ، فَيَجِبُ أَنْ تَكُونَ لَيْلَةُ الْقَدْرِ فِي رَمَضَانَ ؛ لِئَلَّا يَتَنَاقَضَ الْخَبَرَانِ ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَكَرَ أَنَّهَا فِي رَمَضَانَ فِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ ، وَقَالَ : { الْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ ، فِي كُلِّ وِتْرٍ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَقَالَ أُبَيّ بْنُ كَعْبٍ : وَاَللَّهِ لَقَدْ عَلِمَ ابْنُ مَسْعُودٍ أَنَّهَا فِي رَمَضَانَ ، وَلَكِنَّهُ كَرِهَ أَنْ يُخْبِرَكُمْ ، فَتَتَّكِلُوا .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِنَّهُ يُسْتَحَبُّ طَلَبُهَا فِي جَمِيعِ لَيَالِي رَمَضَانَ ، وَفِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ آكَدُ ، وَفِي لَيَالِي الْوَتْرِ مِنْهُ آكَدُ .\rوَقَالَ أَحْمَدُ : هِيَ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ ، وَفِي وَتْرٍ مِنْ اللَّيَالِي ، لَا يُخْطِئُ إنْ شَاءَ اللَّه ، كَذَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { اُطْلُبُوهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ ، فِي ثَلَاثٍ بَقِينَ ، أَوْ سَبْعٍ بَقِينَ ، أَوْ تِسْعٍ بَقِينَ } .\rوَرَوَى سَالِمٌ عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { أَرَى رُؤْيَاكُمْ قَدْ تَوَاطَأَتْ عَلَى أَنَّهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ ، فَالْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ ، فِي الْوَتْرِ مِنْهَا } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَقَالَتْ عَائِشَةُ { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا دَخَلَ الْعَشْرُ الْأَوَاخِرُ مِنْ رَمَضَانَ ، أَحْيَا اللَّيْلَ ، وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ ، وَشَدَّ الْمِئْزَرَ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rقَالَتْ : { وَكَانَ يَجْتَهِدُ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مَا لَا يَجْتَهِدُ فِي غَيْرِهَا } .\rوَقَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : { إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُوقِظُ أَهْلَهُ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ } .\rوَقَالَتْ عَائِشَةُ { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُجَاوِرُ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ } .\rوَفِي لَفْظٍ لِلْبُخَارِيِّ : { تَحَرَّوْا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي الْوِتْرِ ، فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ } .\rوَكُلُّ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ صَحِيحَةٌ .\r( 2144 ) فَصْلٌ :","part":6,"page":203},{"id":2703,"text":"وَاخْتَلَفَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي أُرْجَى هَذِهِ اللَّيَالِي ، فَقَالَ أُبَيّ بْنُ كَعْبٍ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ : هِيَ لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ .\rقَالَ زِرُّ بْنُ حُبَيْشٍ قُلْت لِأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ : أَمَا عَلِمْت أَبَا الْمُنْذِرِ ، أَنَّهَا لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ ؟ قَالَ : بَلَى { أَخْبَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهَا لَيْلَةٌ صَبِيحَتُهَا تَطْلُعُ الشَّمْسُ لَيْسَ لَهَا شُعَاعٌ .\rفَعَدَدْنَا ، وَحَفِظْنَا } ، وَاَللَّهِ لَقَدْ عَلِمَ ابْنُ مَسْعُودٍ أَنَّهَا فِي رَمَضَانَ ، وَأَنَّهَا لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ ، وَلَكِنَّهُ كَرِهَ أَنْ يُخْبِرَكُمْ ، فَتَتَّكِلُوا .\rقَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ .\rوَرَوَى أَبُو ذَرٍّ فِي حَدِيثٍ فِيهِ طُولٌ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَقُمْ فِي رَمَضَانَ حَتَّى بَقِيَ سَبْعٌ ، فَقَامَ بِهِمْ ، حَتَّى مَضَى نَحْوٌ مِنْ ثُلُثِ اللَّيْلِ ، ثُمَّ قَامَ بِهِمْ فِي لَيْلَةِ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ ، حَتَّى مَضَى نَحْوٌ مِنْ شَطْرِ اللَّيْلِ ، حَتَّى كَانَتْ لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ ، فَجَمَعَ نِسَاءَهُ وَأَهْلَهُ ، وَاجْتَمَعَ النَّاسُ ، قَالَ : فَقَامَ بِهِمْ حَتَّى خَشِينَا أَنْ يَفُوتَنَا الْفَلَاحُ } .\rيَعْنِي السُّحُورَ .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَحُكِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّهُ قَالَ : سُورَةُ الْقَدْرِ ثَلَاثُونَ كَلِمَةً ، السَّابِعَةُ وَالْعِشْرُونَ مِنْهَا هِيَ ) .\rوَرَوَى أَبُو دَاوُد ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ مُعَاوِيَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ، { قَالَ لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ } .\rوَقِيلَ : آكَدُهَا لَيْلَةُ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ ؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُنَيْسٍ ، سَأَلَهُ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنِّي أَكُونُ بِبَادِيَةٍ يُقَالُ لَهَا الْوَطْأَةُ ، وَإِنِّي بِحَمْدِ اللَّهِ أُصَلِّي بِهِمْ ، فَمُرْنِي بِلَيْلَةٍ مِنْ هَذَا الشَّهْرِ أَنْزِلُهَا فِي الْمَسْجِدِ ، فَأُصَلِّيهَا فِيهِ ، فَقَالَ : انْزِلْ لَيْلَةَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ ، فَصَلِّهَا فِيهِ ، وَإِنْ أَحْبَبْت أَنْ تَسْتَتِمَّ","part":6,"page":204},{"id":2704,"text":"آخِرَ هَذَا الشَّهْرِ فَافْعَلْ ، وَإِنْ أَحْبَبْت فَكُفَّ .\rفَكَانَ إذَا صَلَّى الْعَصْرَ دَخَلَ الْمَسْجِدَ ، فَلَمْ يَخْرُجْ إلَّا فِي حَاجَةٍ ، حَتَّى يُصَلِّيَ الصُّبْحَ ، فَإِذَا صَلَّى الصُّبْحَ كَانَتْ دَابَّتُهُ بِبَابِ الْمَسْجِدِ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد مُخْتَصَرًا .\rوَقِيلَ : آكَدُهَا لَيْلَةُ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ ؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أَنَّهُ قَالَ : { لَيْلَةُ الْقَدْرِ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ } .\rوَرُوِيَ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ ، أَنَّهُ قَالَ : لَمْ نَكُنْ نَعُدُّ عَدَدَكُمْ هَذَا ، وَإِنَّمَا كُنَّا نَعُدُّ مِنْ آخِرِ الشَّهْرِ .\rيَعْنِي أَنَّ السَّابِعَةَ وَالْعِشْرِينَ هِيَ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ .\rوَرَوَى أَبُو ذَرٍّ ، قَالَ : { صُمْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَهْرَ رَمَضَانَ ، فَلَمْ يَقُمْ بِنَا حَتَّى كَانَتْ لَيْلَةُ سَبْعٍ بَقِيَتْ ، فَقَامَ بِنَا نَحْوًا مِنْ ثُلُثِ اللَّيْلِ ، ثُمَّ لَمْ يَقُمْ لَيْلَةَ سِتٍّ ، فَلَمَّا كَانَتْ لَيْلَةُ خَمْسٍ قَامَ بِنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحْوًا مِنْ نِصْفِ اللَّيْلِ ، فَقُلْنَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، لَوْ نَفَّلْتَنَا قِيَامَ هَذِهِ اللَّيْلَةَ ؟ فَقَالَ : إنَّ الرَّجُلَ إذَا صَلَّى مَعَ الْإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ ، كُتِبَ لَهُ قِيَامُ لَيْلَةٍ .\rفَلَمَّا كَانَتْ لَيْلَةُ ثَلَاثٍ ، قَامَ بِنَا حَتَّى خَشِينَا أَنْ يَفُوتَنَا الْفَلَاحُ .\rفَقُلْت : وَمَا الْفَلَاحُ ؟ قَالَ : السُّحُورُ .\rوَأَيْقَظَ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ أَهْلَهُ وَنِسَاءَهُ وَبَنَاتِهِ } .\rرَوَاهُ سَعِيدٌ .\rوَقِيلَ : آكَدُهَا لَيْلَةُ إحْدَى وَعِشْرِينَ ؛ لِمَا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { رَأَيْت لَيْلَةَ الْقَدْرِ ، ثُمَّ أُنْسِيتهَا ، فَالْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ ، فِي الْوِتْرِ ، وَإِنِّي رَأَيْت أَنِّي أَسْجُدُ فِي صَبِيحَتِهَا فِي مَاءٍ وَطِينٍ .\rقَالَ : فَجَاءَتْ سَحَابَةٌ ، فَمَطَرَتْ حَتَّى سَالَ سَقْفُ الْمَسْجِدِ ، وَكَانَ مِنْ جَرِيدِ النَّخْلِ ، فَأُقِيمَتْ الصَّلَاةُ ، فَرَأَيْت رَسُولَ","part":6,"page":205},{"id":2705,"text":"اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْجُدُ فِي الْمَاءِ وَالطِّينِ ، حَتَّى رَأَيْت أَثَرَ الْمَاءِ وَالطِّينِ فِي جَبْهَتِهِ } .\rوَفِي حَدِيثٍ : ( فِي صَبِيحَةِ إحْدَى وَعِشْرِينَ ) .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rقَالَ التِّرْمِذِيُّ : قَدْ رُوِيَ أَنَّهَا لَيْلَةُ إحْدَى وَعِشْرِينَ ، وَلَيْلَةُ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ ، وَلَيْلَةُ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ ، وَلَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ ، وَلَيْلَةُ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ ، وَآخِرُ لَيْلَةٍ .\rوَقَالَ أَبُو قِلَابَةَ : إنَّهَا تَنْتَقِلُ فِي لَيَالِي الْعَشْرِ .\rقَالَ الشَّافِعِيُّ : كَانَ هَذَا عِنْدِي - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُجِيبُ عَلَى نَحْوِ مَا يُسْأَلُ .\rفَعَلَى هَذَا كَانَتْ فِي السَّنَةِ الَّتِي رَأَى أَبُو سَعِيدٍ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْجُدُ فِي الْمَاءِ وَالطِّينِ لَيْلَةَ إحْدَى وَعِشْرِينَ ، وَفِي السَّنَةِ الَّتِي أَمَرَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُنَيْسٍ لَيْلَةَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ ، وَفِي السَّنَةِ الَّتِي رَأَى أُبَيّ بْنُ كَعْبٍ عَلَامَتَهَا لَيْلَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ ، وَقَدْ تُرَى عَلَامَتُهَا فِي غَيْرِ هَذِهِ اللَّيَالِي .\rقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ : أَبْهَمَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ اللَّيْلَةَ عَلَى الْأُمَّةِ لِيَجْتَهِدُوا فِي طَلَبِهَا ، وَيَجِدُّوا فِي الْعِبَادَةِ فِي الشَّهْرِ كُلِّهِ طَمَعًا فِي إدْرَاكِهَا ، كَمَا أَخْفَى سَاعَةَ الْإِجَابَةِ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ ، لِيُكْثِرُوا مِنْ الدُّعَاءِ فِي الْيَوْمِ كُلِّهِ ، وَأَخْفَى اسْمَهُ الْأَعْظَمَ فِي الْأَسْمَاءِ وَرِضَاهُ فِي الطَّاعَاتِ ، لِيَجْتَهِدُوا فِي جَمْعِهَا ، وَأَخْفَى الْأَجَلَ وَقِيَامَ السَّاعَةِ ، لِيَجِدَّ النَّاسُ فِي الْعَمَلِ ، حَذَرًا مِنْهُمَا ( 2145 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا عَلَامَتُهَا ، فَالْمَشْهُورُ فِيهَا مَا ذَكَرَهُ أُبَيّ بْنُ كَعْبٍ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ ( الشَّمْسَ تَطْلُعُ مِنْ صَبِيحَتِهَا بَيْضَاءَ لَا شُعَاعَ لَهَا ) .\rوَفِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ : ( بَيْضَاءَ مِثْلَ الطَّسْتِ ) .\rوَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَنَّهُ قَالَ : بَلْجَةٌ سَمْحَةٌ ، لَا حَارَّةٌ وَلَا","part":6,"page":206},{"id":2706,"text":"بَارِدَةٌ ، تَطْلُعُ الشَّمْسُ صَبِيحَتَهَا لَا شُعَاعَ لَهَا .\r} ( 2146 ) فَصْلٌ : وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَجْتَهِدَ فِيهَا فِي الدُّعَاءِ ، وَيَدْعُوَ فِيهَا بِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ ، أَنَّهَا قَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنْ وَافَقْتَهَا بِمَ أَدْعُو ؟ قَالَ : قُولِي { : اللَّهُمَّ إنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ ، فَاعْفُ عَنِّي } .","part":6,"page":207},{"id":2707,"text":"كِتَابُ الِاعْتِكَافِ الِاعْتِكَافُ فِي اللُّغَةِ : لُزُومُ الشَّيْءِ ، وَحَبْسُ النَّفْسِ عَلَيْهِ ، بِرًّا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى : { مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ } .\rوَقَالَ : { يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ } .\rقَالَ الْخَلِيلُ : عَكَفَ يَعْكُفُ وَيَعْكِفُ .\rوَهُوَ فِي الشَّرْعِ : الْإِقَامَةُ فِي الْمَسْجِدِ ، عَلَى صِفَةٍ نَذْكُرُهَا ، وَهُوَ قُرْبَةٌ وَطَاعَةٌ .\rقَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { أَنْ طَهِّرَا بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ } .\rوَقَالَ : { وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ } .\rوَقَالَتْ عَائِشَةُ : { كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ ، فِي ( سُنَنِهِ ) ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَنَّهُ قَالَ فِي الْمُعْتَكِفِ : هُوَ يَعْكُفُ الذُّنُوبَ ، وَيُجْرَى لَهُ مِنْ الْحَسَنَاتِ كَعَامِلِ الْحَسَنَات كُلِّهَا } .\rوَهَذَا الْحَدِيثُ ضَعِيفٌ .\rوَفِي إسْنَادِهِ فَرْقَد السَّبَخِيُّ قَالَ أَبُو دَاوُد : قُلْت لِأَحْمَدَ ، رَحِمَهُ اللَّهُ : تَعْرِفُ فِي فَضْلِ الِاعْتِكَافِ شَيْئًا ؟ قَالَ : لَا ، إلَّا شَيْئًا ضَعِيفًا .\rوَلَا نَعْلَمُ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ خِلَافًا فِي أَنَّهُ مَسْنُونٌ .","part":6,"page":208},{"id":2708,"text":"( 2147 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ أَبُو الْقَاسِم رَحِمَهُ اللَّهُ : ( وَالِاعْتِكَافُ سُنَّةٌ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ نَذْرًا ، فَيَلْزَمُ الْوَفَاءُ بِهِ ) لَا خِلَافَ فِي هَذِهِ الْجُمْلَةِ بِحَمْدِ اللَّهِ .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الِاعْتِكَافَ سُنَّةٌ لَا يَجِبُ عَلَى النَّاسِ فَرْضًا ، إلَّا أَنْ يُوجِبَ الْمَرْءُ عَلَى نَفْسِهِ الِاعْتِكَافَ نَذْرًا ، فَيَجِبُ عَلَيْهِ .\rوَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ سُنَّةٌ ، فِعْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمُدَاوَمَتُهُ عَلَيْهِ ، تَقَرُّبًا إلَى اللَّهِ تَعَالَى ، وَطَلَبًا لِثَوَابِهِ ، وَاعْتِكَافُ أَزْوَاجِهِ مَعَهُ وَبَعْدَهُ ، وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ وَاجِبٍ أَنَّ أَصْحَابَهُ لَمْ يَعْتَكِفُوا ، وَلَا أَمَرَهُمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهِ إلَّا مَنْ أَرَادَهُ .\rوَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ { : مَنْ أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ ، فَلْيَعْتَكِفْ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ } .\rوَلَوْ كَانَ وَاجِبًا لَمَا عَلَّقَهُ بِالْإِرَادَةِ .\rوَأَمَّا إذَا نَذَرَهُ ، فَيَلْزَمُهُ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ } .\rرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ .\rوَعَنْ عُمَرَ ، أَنَّهُ قَالَ { : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنِّي نَذَرْت أَنْ أَعْتَكِفَ لَيْلَةً فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ .\rفَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَوْفِ بِنَذْرِك } .\rرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ، وَمُسْلِمٌ .","part":6,"page":209},{"id":2709,"text":"( 2148 ) فَصْلٌ : وَإِنْ نَوَى اعْتِكَافَ مُدَّةٍ لَمْ تَلْزَمْهُ ، فَإِنْ شَرَعَ فِيهَا فَلَهُ إتْمَامُهَا ، وَلَهُ الْخُرُوجُ مِنْهَا مَتَى شَاءَ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : تَلْزَمُهُ بِالنِّيَّةِ مَعَ الدُّخُولِ فِيهِ ، فَإِنْ قَطَعَهُ لَزِمَهُ قَضَاؤُهُ .\rوَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : لَا يَخْتَلِفُ فِي ذَلِكَ الْفُقَهَاءُ ، وَيَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ عِنْدَ جَمِيعِ الْعُلَمَاءِ .\rوَقَالَ : وَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ فِيهِ فَالْقَضَاءُ مُسْتَحَبٌّ .\rوَمِنْ الْعُلَمَاءِ مِنْ أَوْجَبَهُ وَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ فِيهِ ، وَاحْتَجَّ بِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ ، فَاسْتَأْذَنَتْهُ عَائِشَةُ ، فَأَذِنَ لَهَا ، فَأَمَرَتْ بِبِنَائِهَا فَضُرِبَ ، وَسَأَلَتْ حَفْصَةُ أَنْ تَسْتَأْذِنَ لَهَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَفَعَلَتْ ، فَأَمَرَتْ بِبِنَائِهَا فَضُرِبَ ، فَلَمَّا رَأَتْ ذَلِكَ زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ أَمَرَتْ بِبِنَائِهَا فَضُرِبَ ، قَالَتْ : وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا صَلَّى الصُّبْحَ دَخَلَ مُعْتَكَفَهُ ، فَلَمَّا صَلَّى الصُّبْحَ انْصَرَفَ ، فَبَصُرَ بِالْأَبْنِيَةِ ، فَقَالَ : مَا هَذَا ؟ ، فَقَالُوا : بِنَاءُ عَائِشَةَ ، وَحَفْصَةَ ، وَزَيْنَبَ .\rفَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْبِرَّ أَرَدْتُنَّ ، مَا أَنَا بِمُعْتَكِفٍ فَرَجَعَ .\rفَلَمَّا أَفْطَرَ اعْتَكَفَ عَشْرًا مِنْ شَوَّالٍ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَى مَعْنَاهُ .\rوَلِأَنَّهَا عِبَادَةٌ تَتَعَلَّقُ بِالْمَسْجِدِ ، فَلَزِمَتْ بِالدُّخُولِ فِيهَا ، كَالْحَجِّ .\rوَلَمْ يَصْنَعْ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ شَيْئًا ، وَهَذَا لَيْسَ بِإِجْمَاعٍ ، وَلَا نَعْرِفُ هَذَا الْقَوْلَ عَنْ أَحَدٍ سِوَاهُ ، وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ : كُلُّ عَمَلٍ لَك أَنْ لَا تَدْخُلَ فِيهِ ، فَإِذَا دَخَلْت فِيهِ فَخَرَجْت مِنْهُ ، فَلَيْسَ عَلَيْك أَنْ تَقْضِيَ ، إلَّا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ .\rوَلَمْ يَقَعْ الْإِجْمَاعُ عَلَى لُزُومِ نَافِلَةٍ بِالشُّرُوعِ فِيهَا سِوَى الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ .\rوَإِذَا كَانَتْ","part":6,"page":210},{"id":2710,"text":"الْعِبَادَاتُ الَّتِي لَهَا أَصْلٌ فِي الْوُجُوبِ لَا تَلْزَمُ بِالشُّرُوعِ ، فَمَا لَيْسَ لَهُ أَصْلٌ فِي الْوُجُوبِ أَوْلَى ، وَقَدْ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّ الْإِنْسَانَ لَوْ نَوَى الصَّدَقَةَ بِمَالٍ مُقَدَّرٍ ، وَشَرَعَ فِي الصَّدَقَةِ بِهِ ، فَأَخْرَجَ بَعْضَهُ ، لَمْ تَلْزَمْهُ الصَّدَقَةُ بِبَاقِيهِ ، وَهُوَ نَظِيرُ الِاعْتِكَافِ ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُقَدَّرٍ بِالشَّرْعِ ، فَأَشْبَهَ الصَّدَقَةَ .\rوَمَا ذَكَرَهُ حُجَّةٌ عَلَيْهِ ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَرَكَ اعْتِكَافَهُ ، وَلَوْ كَانَ وَاجِبًا لَمَا تَرَكَهُ ، وَأَزْوَاجُهُ تَرَكْنَ الِاعْتِكَافَ بَعْدَ نِيَّتِهِ وَضَرْبِ أَبْنِيَتِهِنَّ لَهُ ، وَلَمْ يُوجَدْ عُذْرٌ يَمْنَعُ فِعْلَ الْوَاجِبِ ، وَلَا أُمِرْنَ بِالْقَضَاءِ ، وَقَضَاءُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُ لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا عَلَيْهِ ، وَإِنَّمَا فَعَلَهُ تَطَوُّعًا ؛ لِأَنَّهُ كَانَ إذَا عَمِلَ عَمَلًا أَثْبَتَهُ ، وَكَانَ فِعْلُهُ لِقَضَائِهِ كَفِعْلِهِ لِأَدَائِهِ ، عَلَى سَبِيلِ التَّطَوُّعِ بِهِ ، لَا عَلَى سَبِيلِ الْإِيجَابِ ، كَمَا قَضَى السُّنَّةَ الَّتِي فَاتَتْهُ بَعْدَ الظُّهْرِ وَقَبْلَ الْفَجْرِ ، فَتَرْكُهُ لَهُ دَلِيلٌ عَلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ ، لِتَحْرِيمِ تَرْكِ الْوَاجِبِ ، وَفِعْلُهُ لِلْقَضَاءِ لَا يَدُلُّ عَلَى الْوُجُوبِ ؛ لِأَنَّ قَضَاءَ السُّنَنِ مَشْرُوعٌ .\rفَإِنْ قِيلَ : إنَّمَا جَازَ تَرْكُهُ ، وَلَمْ يُؤْمَرْ تَارِكُهُ مِنْ النِّسَاءِ بِقَضَائِهِ ، لِتَرْكِهِنَّ إيَّاهُ قَبْلَ الشُّرُوعِ .\rقُلْنَا : فَقَدْ سَقَطَ الِاحْتِجَاجُ ؛ لِاتِّفَاقِنَا عَلَى أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ قَبْلَ شُرُوعِهِ فِيهِ ، فَلَمْ يَكُنْ الْقَضَاءُ دَلِيلًا عَلَى الْوُجُوبِ ، مَعَ الِاتِّفَاقِ عَلَى انْتِفَائِهِ .\rوَلَا يَصِحُّ قِيَاسُهُ عَلَى الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ ؛ لِأَنَّ الْوُصُولَ إلَيْهِمَا لَا يَحْصُلُ فِي الْغَالِبِ إلَّا بَعْدَ كُلْفَةٍ عَظِيمَةٍ ، وَمَشَقَّةٍ شَدِيدَةٍ ، وَإِنْفَاقِ مَالٍ كَثِيرٍ ، فَفِي إبْطَالِهِمَا تَضْيِيعٌ لِمَالِهِ ، وَإِبْطَالٌ لِأَعْمَالِهِ الْكَثِيرَةِ ، وَقَدْ نُهِينَا عَنْ إضَاعَةِ الْمَالِ ، وَإِبْطَالِ الْأَعْمَالِ ، وَلَيْسَ فِي تَرْكِ","part":6,"page":211},{"id":2711,"text":"الِاعْتِكَافِ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِيهِ مَالٌ يَضِيعُ ، وَلَا عَمَلٌ يَبْطُلُ ، فَإِنَّ مَا مَضَى مِنْ اعْتِكَافِهِ ، لَا يَبْطُلُ بِتَرْكِ اعْتِكَافِ الْمُسْتَقْبَلِ ، وَلِأَنَّ النُّسُكَ يَتَعَلَّقُ بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ عَلَى الْخُصُوص ، وَالِاعْتِكَافُ بِخِلَافِهِ .","part":6,"page":212},{"id":2712,"text":"( 2149 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَيَجُوزُ بِلَا صَوْمٍ ، إلَّا أَنْ يَقُولَ فِي نَذْرِهِ بِصَوْمٍ ) الْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّ الِاعْتِكَافَ يَصِحُّ بِغَيْرِ صَوْمٍ .\rرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَالْحَسَنِ ، وَعَطَاءٍ ، وَطَاوُسٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَإِسْحَاقَ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ ، رِوَايَةٌ أُخْرَى ، أَنَّ الصَّوْمَ شَرْطٌ فِي الِاعْتِكَافِ .\rقَالَ : إذَا اعْتَكَفَ يَجِبُ عَلَيْهِ الصَّوْمُ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَعَائِشَةَ .\rوَبِهِ قَالَ الزُّهْرِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَاللَّيْثُ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَنَّهُ قَالَ : لَا اعْتِكَافَ إلَّا بِصَوْمٍ } .\rرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ .\rوَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ، { أَنَّ عُمَرَ جَعَلَ عَلَيْهِ أَنْ يَعْتَكِفَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، فَسَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : اعْتَكِفْ ، وَصُمْ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَلِأَنَّهُ لُبْثٌ فِي مَكَان مَخْصُوصٍ .\rفَلَمْ يَكُنْ بِمُجَرَّدِهِ قُرْبَةً ، كَالْوُقُوفِ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ ، عَنْ عُمَرَ ، { أَنَّهُ قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنِّي نَذَرْت فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَنْ أَعْتَكِفَ لَيْلَةً فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ .\rفَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَوْفِ بِنَذْرِك } .\rرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ .\rوَلَوْ كَانَ الصَّوْمُ شَرْطًا لَمَا صَحَّ اعْتِكَافُ اللَّيْلِ ، لِأَنَّهُ لَا صِيَامَ فِيهِ ، وَلِأَنَّهُ عِبَادَةٌ تَصِحُّ فِي اللَّيْلِ ، فَلَمْ يُشْتَرَطْ لَهُ الصِّيَامُ كَالصَّلَاةِ ، وَلِأَنَّهُ عِبَادَةٌ تَصِحُّ فِي اللَّيْلِ ، فَأَشْبَهَ سَائِرَ الْعِبَادَات ، وَلِأَنَّ إيجَابَ الصَّوْمِ حُكْمٌ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِالشَّرْعِ ، وَلَمْ يَصِحَّ فِيهِ نَصٌّ ، وَلَا إجْمَاعٌ .\rقَالَ سَعِيدٌ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِي سَهْلٍ ، قَالَ : كَانَ عَلَى امْرَأَةٍ مِنْ أَهْلِي اعْتِكَافٌ ، فَسَأَلْت عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ .\rفَقَالَ : لَيْسَ","part":6,"page":213},{"id":2713,"text":"عَلَيْهَا صِيَامٌ ، إلَّا أَنْ تَجْعَلَهُ عَلَى نَفْسِهَا .\rفَقَالَ الزُّهْرِيُّ : لَا اعْتِكَافَ إلَّا بِصَوْمٍ .\rفَقَالَ لَهُ عُمَرُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قَالَ : لَا .\rقَالَ : فَعَنْ أَبِي بَكْرٍ ؟ قَالَ : لَا .\rقَالَ : فَعَنْ عُمَرَ ؟ قَالَ : لَا .\rقَالَ : وَأَظُنُّهُ قَالَ : فَعَنْ عُثْمَانَ ؟ قَالَ : لَا .\rفَخَرَجْت مِنْ عِنْدِهِ ، فَلَقِيت عَطَاءً وَطَاوُسًا ، فَسَأَلْتُهُمَا ، فَقَالَ طَاوُسٌ : كَانَ فُلَانٌ لَا يَرَى عَلَيْهَا صِيَامًا ، إلَّا أَنْ تَجْعَلَهُ عَلَى نَفْسِهَا ، وَأَحَادِيثُهُمْ لَا تَصِحُّ .\rأَمَّا حَدِيثُهُمْ عَنْ عُمَرَ ، فَتَفَرَّدَ بِهِ ابْنُ بُدَيْلٍ ، وَهُوَ ضَعِيفٌ ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ النَّيْسَابُورِيُّ : هَذَا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ .\rوَالصَّحِيحُ مَا رَوَيْنَاهُ ، أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَغَيْرُهُمَا .\rوَحَدِيثُ عَائِشَةَ مَوْقُوفٌ عَلَيْهَا ، وَمَنْ رَفَعَهُ فَقَدْ وَهِمَ ، وَلَوْ صَحَّ فَالْمُرَادُ بِهِ الِاسْتِحْبَابُ ؛ فَإِنَّ الصَّوْمَ فِيهِ أَفْضَلُ ، وَقِيَاسُهُمْ يَنْقَلِبُ عَلَيْهِمْ ؛ فَإِنَّهُ لُبْثٌ فِي مَكَان مَخْصُوصٍ ، فَلَمْ يُشْتَرَطْ لَهُ الصَّوْمُ كَالْوُقُوفِ ، ثُمَّ نَقُولُ بِمُوجِبِهِ ، فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ قُرْبَةً بِمُجَرَّدِهِ ، بَلْ بِالنِّيَّةِ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَصُومَ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَعْتَكِفُ وَهُوَ صَائِمٌ ، وَلِأَنَّ الْمُعْتَكِفَ يُسْتَحَبُّ لَهُ التَّشَاغُلَ بِالْعِبَادَاتِ وَالْقُرَبِ ، وَالصَّوْمُ مِنْ أَفْضَلِهَا ، وَيَتَفَرَّغُ بِهِ مِمَّا يَشْغَلُهُ عَنْ الْعِبَادَاتِ ، وَيَخْرُجُ بِهِ مِنْ الْخِلَافِ .\r( 2150 ) فَصْلٌ : إذَا قُلْنَا : إنَّ الصَّوْمَ شَرْطٌ .\rلَمْ يَصِحَّ اعْتِكَافُ لَيْلَةٍ مُفْرَدَةٍ ، وَلَا بَعْضِ يَوْمٍ ؛ وَلَا لَيْلَةٍ وَبَعْضِ يَوْمٍ ؛ لِأَنَّ الصَّوْمَ الْمُشْتَرَطَ لَا يَصِحُّ فِي أَقَلَّ مِنْ يَوْمٍ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يَصِحَّ فِي بَعْضِ الْيَوْمِ ، إذَا صَامَ الْيَوْمَ كُلَّهُ ؛ لِأَنَّ الصَّوْمَ الْمَشْرُوطَ وُجِدَ فِي زَمَنِ الِاعْتِكَافِ ، وَلَا يُعْتَبَرُ وُجُودُ الْمَشْرُوطِ فِي زَمَنِ الشَّرْطِ كُلِّهِ .","part":6,"page":214},{"id":2714,"text":"( 2151 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَلَا يَجُوزُ الِاعْتِكَافُ إلَّا فِي مَسْجِدٍ يُجْمَعُ فِيهِ ) يَعْنِي تُقَامُ الْجَمَاعَةُ فِيهِ .\rوَإِنَّمَا اُشْتُرِطَ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الْجَمَاعَةَ وَاجِبَةٌ ، وَاعْتِكَافُ الرَّجُلِ فِي مَسْجِدٍ لَا تُقَامُ فِيهِ الْجَمَاعَةُ يُفْضِي إلَى أَحَدِ أَمْرَيْنِ : إمَّا تَرْكُ الْجَمَاعَةِ الْوَاجِبَةِ ، وَإِمَّا خُرُوجُهُ إلَيْهَا ، فَيَتَكَرَّرُ ذَلِكَ مِنْهُ كَثِيرًا مَعَ إمْكَانِ التَّحَرُّزِ مِنْهُ ، وَذَلِكَ مُنَافٍ لِلِاعْتِكَافِ ، إذْ هُوَ لُزُومُ الْمُعْتَكَفِ وَالْإِقَامَةُ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ فِيهِ .\rوَلَا يَصِحُّ الِاعْتِكَافُ فِي غَيْرِ مَسْجِدٍ إذَا كَانَ الْمُعْتَكِفُ رَجُلًا .\rلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ خِلَافًا ، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ } .\rفَخَصَّهَا بِذَلِكَ ، وَلَوْ صَحَّ الِاعْتِكَافُ فِي غَيْرِهَا ، لَمْ يَخْتَصَّ تَحْرِيمُ الْمُبَاشَرَةِ فِيهَا ؛ فَإِنَّ الْمُبَاشَرَةَ مُحَرَّمَةٌ فِي الِاعْتِكَافِ مُطْلَقًا .\rوَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ ، قَالَتْ { : إنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيُدْخِلَ عَلَيَّ رَأْسَهُ ، وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ ، فَأُرَجِّلُهُ ، وَكَانَ لَا يَدْخُلُ الْبَيْتَ إلَّا لِحَاجَةٍ إذَا كَانَ مُعْتَكِفًا .\r} وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيّ بِإِسْنَادِهِ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، عَنْ عَائِشَةَ ، فِي حَدِيثٍ : { وَأَنَّ السُّنَّةَ لِلْمُعْتَكِفِ أَنْ لَا يَخْرُجَ إلَّا لِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ ، وَلَا اعْتِكَافَ إلَّا فِي مَسْجِدِ جَمَاعَةٍ } .\rفَذَهَبَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ إلَى أَنَّ كُلَّ مَسْجِدٍ تُقَامُ فِيهِ الْجَمَاعَةُ يَجُوزُ الِاعْتِكَافُ فِيهِ ، وَلَا يَجُوزُ فِي غَيْرِهِ .\rوَرُوِيَ عَنْ حُذَيْفَةَ ، وَعَائِشَةَ ، وَالزُّهْرِيِّ ، مَا يَدُلُّ عَلَى هَذَا .\rوَاعْتَكَفَ أَبُو قِلَابَةَ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ فِي مَسْجِدِ حَيِّهِمَا .\rوَرُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ ، وَالزُّهْرِيِّ ، أَنَّهُ لَا يَصِحُّ إلَّا فِي مَسَاجِدِ الْجَمَاعَاتِ .\rوَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، إذَا كَانَ اعْتِكَافُهُ يَتَخَلَّلُهُ جُمُعَةٌ ، لِئَلَّا","part":6,"page":215},{"id":2715,"text":"يَلْتَزِمَ الْخُرُوجَ مِنْ مُعْتَكَفِهِ ، لِمَا يُمْكِنُهُ التَّحَرُّزُ مِنْ الْخُرُوجِ إلَيْهِ .\rوَرُوِيَ عَنْ حُذَيْفَةَ ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ : لَا يَجُوزُ الِاعْتِكَافُ إلَّا فِي مَسْجِدِ نَبِيٍّ .\rوَحُكِيَ عَنْ حُذَيْفَةَ ، أَنَّ الِاعْتِكَافَ لَا يَصِحُّ إلَّا فِي أَحَدِ الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ .\rقَالَ سَعِيدٌ : حَدَّثَنَا مُغِيرَةُ ، عَنْ إبْرَاهِيمَ ، قَالَ : دَخَلَ حُذَيْفَةُ مَسْجِدَ الْكُوفَةِ ، فَإِذَا هُوَ بِأَبْنِيَةٍ مَضْرُوبَةٍ ، فَسَأَلَ عَنْهَا .\rفَقِيلَ : قَوْمٌ مُعْتَكِفُونَ .\rفَانْطَلَقَ إلَى ابْنِ مَسْعُودٍ ، فَقَالَ : أَلَا تَعْجَبُ مِنْ قَوْمٍ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ مُعْتَكِفُونَ بَيْنَ دَارِك وَدَارِ الْأَشْعَرِيِّ ؟ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ : فَلَعَلَّهمْ أَصَابُوا وَأَخْطَأْت ، وَحَفِظُوا وَنَسِيت .\rفَقَالَ حُذَيْفَةُ : لَقَدْ عَلِمْت مَا الِاعْتِكَافُ إلَّا فِي ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ : الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ، وَالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى ، وَمَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : يَصِحُّ الِاعْتِكَافُ فِي كُلِّ مَسْجِدٍ ؛ لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى : { وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ } .\rوَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ إذَا لَمْ يَكُنْ اعْتِكَافُهُ يَتَخَلَّلُهُ جُمُعَةٌ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ عَائِشَةَ : مِنْ السُّنَّةِ لِلْمُعْتَكِفِ ، أَنْ لَا يَخْرُجَ إلَّا لِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ ، وَلَا اعْتِكَافَ إلَّا فِي مَسْجِدِ جَمَاعَةٍ .\rوَقَدْ قِيلَ : إنَّ هَذَا مِنْ قَوْلِ الزُّهْرِيِّ .\rوَهُوَ يَنْصَرِفُ إلَى سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَيْفَمَا كَانَ .\rوَرَوَى سَعِيدٌ : حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ ، حَدَّثَنَا جُوَيْبِرٌ ، عَنْ الضَّحَّاكِ ، عَنْ حُذَيْفَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { كُلُّ مَسْجِدٍ لَهُ إمَامٌ وَمُؤَذِّنٌ ، فَالِاعْتِكَافُ فِيهِ يَصْلُحُ } .\rوَلِأَنَّ قَوْله تَعَالَى : { وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ } يَقْتَضِي إبَاحَةَ الِاعْتِكَافِ فِي كُلِّ مَسْجِدٍ ، إلَّا أَنَّهُ يُقَيَّدُ بِمَا تُقَامُ فِيهِ الْجَمَاعَةُ بِالْأَخْبَارِ ، وَالْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرْنَاهُ ، فَفِيمَا عَدَاهُ يَبْقَى عَلَى الْعُمُومِ .","part":6,"page":216},{"id":2716,"text":"وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي اشْتِرَاطِهِ مَوْضِعًا تُقَامُ فِيهِ الْجُمُعَةُ ، لَا يَصِحُّ ؛ لِلْأَخْبَارِ ، وَلِأَنَّ الْجُمُعَةَ لَا تَتَكَرَّرُ ، فَلَا يَضُرُّ وُجُوبُ الْخُرُوجِ إلَيْهَا ، كَمَا لَوْ اعْتَكَفَتْ الْمَرْأَةُ مُدَّةً يَتَخَلَّلُهَا أَيَّامُ حَيْضِهَا .\rوَلَوْ كَانَ الْجَامِعُ تُقَامُ فِيهِ الْجُمُعَةُ وَحْدَهَا ، وَلَا يُصَلَّى فِيهِ غَيْرُهَا ، لَمْ يَجُزْ الِاعْتِكَافُ فِيهِ .\rوَيَصِحُّ عِنْدَ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ .\rوَمَبْنَى الْخِلَافِ عَلَى أَنَّ الْجَمَاعَةَ وَاجِبَةٌ عِنْدَنَا ، فَيَلْتَزِمُ الْخُرُوجَ مِنْ مُعْتَكَفِهِ إلَيْهَا ، فَيَفْسُدُ اعْتِكَافُهُ ، وَعِنْدَهُمْ لَيْسَتْ وَاجِبَةً .\r( 2152 ) فَصْلٌ : وَإِنْ كَانَ اعْتِكَافُهُ مُدَّةً غَيْرَ وَقْتِ الصَّلَاةِ ؛ كَلَيْلَةٍ أَوْ بَعْضِ يَوْمٍ ، جَازَ فِي كُلِّ مَسْجِدٍ ؛ لِعَدَمِ الْمَانِعِ .\rوَإِنْ كَانَتْ تُقَامُ فِيهِ فِي بَعْضِ الزَّمَانِ ، جَازَ الِاعْتِكَافُ فِيهِ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ دُونَ غَيْرِهِ .\rوَإِنْ كَانَ الْمُعْتَكِفُ مِمَّنْ لَا تَلْزَمُهُ الْجَمَاعَةُ ، كَالْمَرِيضِ ، وَالْمَعْذُورِ ، وَمَنْ هُوَ فِي قَرْيَةٍ لَا يُصَلِّي فِيهَا سِوَاهُ ، جَازَ اعْتِكَافُهُ فِي كُلِّ مَسْجِدٍ ؛ لِأَنَّهُ لَا تَلْزَمُهُ الْجَمَاعَةُ ، فَأَشْبَهَ الْمَرْأَةَ .\rوَإِنْ اعْتَكَفَ اثْنَانِ فِي مَسْجِدٍ لَا تُقَامُ فِيهِ جَمَاعَةٌ ، فَأَقَامَا الْجَمَاعَةَ فِيهِ ، صَحَّ اعْتِكَافُهُمَا ؛ لِأَنَّهُمَا أَقَامَا الْجَمَاعَةَ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَقَامَهَا فِيهِ غَيْرُهُمَا .\r( 2153 ) فَصْلٌ : وَلِلْمَرْأَةِ أَنْ تَعْتَكِفَ فِي كُلِّ مَسْجِدٍ .\rوَلَا يُشْتَرَطُ إقَامَةُ الْجَمَاعَةِ فِيهِ ؛ لِأَنَّهَا غَيْرُ وَاجِبَةٍ عَلَيْهَا .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَلَيْسَ لَهَا الِاعْتِكَافُ فِي بَيْتِهَا .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالثَّوْرِيُّ : لَهَا الِاعْتِكَافُ فِي مَسْجِدِ بَيْتِهَا ، وَهُوَ الْمَكَانُ الَّذِي جَعَلَتْهُ لِلصَّلَاةِ مِنْهُ ، وَاعْتِكَافُهَا فِيهِ أَفْضَلُ ؛ لِأَنَّ صَلَاتَهَا فِيهِ أَفْضَلُ .\rوَحُكِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ، أَنَّهَا لَا يَصِحُّ اعْتِكَافُهَا فِي مَسْجِدِ الْجَمَاعَةِ ؛ { لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَرَكَ الِاعْتِكَافَ فِي","part":6,"page":217},{"id":2717,"text":"الْمَسْجِدِ ، لَمَّا رَأَى أَبْنِيَةَ أَزْوَاجِهِ فِيهِ ، وَقَالَ : الْبِرَّ تُرِدْنَ ، } .\rوَلِأَنَّ مَسْجِدَ بَيْتِهَا مَوْضِعُ فَضِيلَةِ صَلَاتِهَا ، فَكَانَ مَوْضِعَ اعْتِكَافِهَا ، كَالْمَسْجِدِ فِي حَقِّ الرَّجُلِ .\rوَلَنَا ، قَوْله تَعَالَى : { وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ } .\rوَالْمُرَادُ بِهِ الْمَوَاضِعُ الَّتِي بُنِيَتْ لِلصَّلَاةِ فِيهَا ، وَمَوْضِعُ صَلَاتِهَا فِي بَيْتِهَا لَيْسَ بِمَسْجِدٍ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُبْنَ لِلصَّلَاةِ فِيهِ ، وَإِنْ سُمِّيَ مَسْجِدًا كَانَ مَجَازًا ، فَلَا يَثْبُتُ لَهُ أَحْكَامُ الْمَسَاجِدِ الْحَقِيقِيَّةِ ، كَقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { جُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا } .\rوَلِأَنَّ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَأْذَنَّهُ فِي الِاعْتِكَافِ فِي الْمَسْجِدِ ، فَأَذِنَ لَهُنَّ ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مَوْضِعًا لِاعْتِكَافِهِنَّ ، لَمَا أَذِنَ فِيهِ ، وَلَوْ كَانَ الِاعْتِكَافُ فِي غَيْرِهِ أَفْضَلَ لَدَلَّهُنَّ عَلَيْهِ ، وَنَبَّهَهُنَّ عَلَيْهِ ، وَلِأَنَّ الِاعْتِكَافَ قُرْبَةٌ يُشْتَرَطُ لَهَا الْمَسْجِدُ فِي حَقِّ الرَّجُلِ ، فَيُشْتَرَطُ فِي حَقِّ الْمَرْأَةِ ، كَالطَّوَافِ ، وَحَدِيثُ عَائِشَةَ حُجَّةٌ لَنَا ؛ لِمَا ذَكَرْنَا ، وَإِنَّمَا كَرِهَ اعْتِكَافَهُنَّ فِي تِلْكَ الْحَالِ ، حَيْثُ كَثُرَتْ أَبْنِيَتُهُنَّ ، لِمَا رَأَى مِنْ مُنَافَسَتِهِنَّ ، فَكَرِهَهُ مِنْهُنَّ ، خَشْيَةً عَلَيْهِنَّ مِنْ فَسَادِ نِيَّتِهِنَّ ، وَسُوءِ الْمَقْصِدِ بِهِ ، وَلِذَلِكَ قَالَ : ( الْبِرَّ تُرِدْنَ ، ) .\rمُنْكِرًا لِذَلِكَ ، أَيْ لَمْ تَفْعَلْنَ ذَلِكَ تَبَرُّرًا ، وَلِذَلِكَ تَرَكَ الِاعْتِكَافَ ، لِظَنِّهِ أَنَّهُنَّ يَتَنَافَسْنَ فِي الْكَوْنِ مَعَهُ ، وَلَوْ كَانَ لِلْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرُوهُ ، لَأَمَرَهُنَّ بِالِاعْتِكَافِ فِي بُيُوتِهِنَّ ، وَلَمْ يَأْذَنْ لَهُنَّ فِي الْمَسْجِدِ .\rوَأَمَّا الصَّلَاةُ فَلَا يَصِحُّ اعْتِبَارُ الِاعْتِكَافِ بِهَا ، فَإِنَّ صَلَاةَ الرَّجُلِ فِي بَيْتِهِ أَفْضَلُ ، وَلَا يَصِحُّ اعْتِكَافُهُ فِيهِ .\r( 2154 ) فَصْلٌ : وَمَنْ سَقَطَتْ عَنْهُ الْجَمَاعَةُ مِنْ الرِّجَالِ ، كَالْمَرِيضِ إذَا أَحَبَّ أَنْ يَعْتَكِفَ فِي مَسْجِدٍ لَا","part":6,"page":218},{"id":2718,"text":"تُقَامُ فِيهِ الْجَمَاعَةُ ، يَنْبَغِي أَنْ يَجُوزَ لَهُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الْجَمَاعَةَ سَاقِطَةٌ عَنْهُ ، فَأَشْبَهَ الْمَرْأَةَ .\rوَيَحْتَمِلُ أَلَّا يَجُوزَ لَهُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْجَمَاعَةِ ، فَأَشْبَهَ مَنْ تَجِبْ عَلَيْهِ ، وَلِأَنَّهُ إذَا الْتَزَمَ الِاعْتِكَافَ ، وَكَلَّفَهُ نَفْسَهُ ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَجْعَلَهُ فِي مَكَان تُصَلَّى فِيهِ الْجَمَاعَةُ .\rوَلِأَنَّ مَنْ الْتَزَمَ مَا لَا يَلْزَمُهُ ، لَا يَصِحُّ بِدُونِ شُرُوطِهِ ، كَالْمُتَطَوِّعِ بِالصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ .\r( 2155 ) فَصْلٌ : وَإِذَا اعْتَكَفَتْ الْمَرْأَةُ فِي الْمَسْجِدِ ، اُسْتُحِبَّ لَهَا أَنْ تَسْتَتِرَ بِشَيْءٍ ؛ لِأَنَّ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا أَرَدْنَ الِاعْتِكَافَ أَمَرْنَ بِأَبْنِيَتِهِنَّ فَضُرِبْنَ فِي الْمَسْجِدِ ، وَلِأَنَّ الْمَسْجِدَ يَحْضُرُهُ الرِّجَالُ ، وَخَيْرٌ لَهُمْ وَلِلنِّسَاءِ أَنْ لَا يَرُونَهُنَّ وَلَا يَرَيْنَهُمْ .\rوَإِذَا ضَرَبَتْ بِنَاءً جَعَلَتْهُ فِي مَكَان لَا يُصَلِّي فِيهِ الرِّجَالُ ، لِئَلَّا تَقْطَعَ صُفُوفَهُمْ ، وَيُضَيَّقَ عَلَيْهِمْ .\rوَلَا بَأْسَ أَنْ يَسْتَتِرَ الرَّجُلُ أَيْضًا ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِبِنَائِهِ فَضُرِبَ ، وَلِأَنَّهُ أَسْتَرُ لَهُ ، وَأَخْفَى لِعَمَلِهِ .\rوَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ، { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اعْتَكَفَ فِي قُبَّةٍ تُرْكِيَّةٍ ، عَلَى سُدَّتِهَا قِطْعَةُ حَصِيرٍ .\rقَالَ : فَأَخَذَ الْحَصِيرَ بِيَدِهِ ، فَنَحَّاهَا فِي نَاحِيَةِ الْقِبْلَةِ ، ثُمَّ أَطْلَعَ رَأْسَهُ ، فَكَلَّمَ النَّاسَ } .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":6,"page":219},{"id":2719,"text":"( 2156 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَلَا يَخْرُجُ مِنْهُ إلَّا لِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ ، أَوْ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْمُعْتَكِفَ لَيْسَ لَهُ الْخُرُوجُ مِنْ مُعْتَكَفِهِ ، إلَّا لِمَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ ، قَالَتْ عَائِشَةُ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا : السُّنَّةُ لِلْمُعْتَكِفِ أَنْ لَا يَخْرُجَ إلَّا لِمَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَقَالَتْ أَيْضًا : { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا اعْتَكَفَ يُدْنِي إلَيَّ رَأْسَهُ فَأُرَجِّلُهُ ، وَكَانَ لَا يَدْخُلُ الْبَيْتَ إلَّا لِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ لَهُ الْخُرُوجَ لِمَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ لِلْمُعْتَكِفِ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ مُعْتَكَفِهِ لِلْغَائِطِ وَالْبَوْلِ .\rوَلِأَنَّ هَذَا مِمَّا لَا بُدَّ مِنْهُ ، وَلَا يُمْكِنُ فِعْلُهُ فِي الْمَسْجِدِ ، فَلَوْ بَطَلَ الِاعْتِكَافُ بِخُرُوجِهِ إلَيْهِ ، لَمْ يَصِحَّ لَأَحَدٍ الِاعْتِكَافُ ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَعْتَكِفُ ، وَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّهُ كَانَ يَخْرُجُ لِقَضَاءِ حَاجَتِهِ ، وَالْمُرَادُ بِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ الْبَوْلُ وَالْغَائِطُ ، كَنَّى بِذَلِكَ عَنْهُمَا ؛ لِأَنَّ كُلَّ إنْسَانٍ يَحْتَاجُ إلَى فِعْلِهِمَا ، وَفِي مَعْنَاهُ الْحَاجَةُ إلَى الْمَأْكُولِ وَالْمَشْرُوبِ ، إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مَنْ يَأْتِيهِ بِهِ ، فَلَهُ الْخُرُوجُ إلَيْهِ إذَا احْتَاجَ إلَيْهِ ، وَإِنْ بَغَتْهُ الْقَيْء ، فَلَهُ أَنْ يَخْرُجَ لِيَتَقَيَّأ خَارِجَ الْمَسْجِدِ ، وَكُلُّ مَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ ، وَلَا يُمْكِنُ فِعْلُهُ فِي الْمَسْجِدِ ، فَلَهُ الْخُرُوجُ إلَيْهِ ، وَلَا يَفْسُدُ اعْتِكَافُهُ وَهُوَ عَلَيْهِ ، مَا لَمْ يُطِلْ .\rوَكَذَلِكَ لَهُ الْخُرُوجُ إلَى مَا أَوْجَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ ، مِثْلُ مَنْ يَعْتَكِفُ فِي مَسْجِدِ لَا جُمُعَةَ فِيهِ ، فَيَحْتَاجُ إلَى خُرُوجِهِ لِيُصَلِّيَ الْجُمُعَةَ ، وَيَلْزَمُهُ السَّعْيُ إلَيْهَا ، فَلَهُ الْخُرُوجُ إلَيْهَا ، وَلَا يَبْطُلُ اعْتِكَافُهُ .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا","part":6,"page":220},{"id":2720,"text":"يَعْتَكِفُ فِي غَيْرِ الْجَامِعِ ، إذَا كَانَ اعْتِكَافُهُ يَتَخَلَّلُهُ جُمُعَةٌ .\rفَإِنْ نَذَرَ اعْتِكَافًا مُتَتَابِعًا ، فَخَرَجَ مِنْهُ لِصَلَاةِ الْجُمُعَةِ ، بَطَلَ اعْتِكَافُهُ ، وَعَلَيْهِ الِاسْتِئْنَافُ ؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنَهُ فَرْضُهُ بِحَيْثُ لَا يَخْرُجُ مِنْهُ ، فَبَطَلَ بِالْخُرُوجِ ، كَالْمُكَفِّرِ إذَا ابْتَدَأَ صَوْمَ الشَّهْرَيْنِ الْمُتَتَابِعَيْنِ فِي شَعْبَانَ أَوْ ذِي الْحِجَّةِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ خَرَجَ لِوَاجِبٍ ، فَلَمْ يَبْطُلْ اعْتِكَافُهُ ، كَالْمُعْتَدَّةِ تَخْرُجُ لِقَضَاءِ الْعِدَّة ، وَكَالْخَارِجِ لِإِنْقَاذِ غَرِيقٍ ، أَوْ إطْفَاءِ حَرِيقٍ ، أَوْ أَدَاءِ شَهَادَةٍ تَعَيَّنَتْ عَلَيْهِ ، وَلِأَنَّهُ إذَا نَذَرَ أَيَّامًا فِيهَا جُمُعَةٌ ، فَكَأَنَّهُ اسْتَثْنَى الْجُمُعَةَ بِلَفْظِهِ .\rثُمَّ تَبْطُلُ بِمَا إذَا نَذَرَتْ الْمَرْأَةُ أَيَّامًا فِيهَا عَادَةُ حَيْضِهَا ، فَإِنَّهُ يَصِحُّ مَعَ إمْكَانِ فَرْضِهَا فِي غَيْرِهَا ، وَالْأَصْلُ غَيْرُ مُسَلَّمٍ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّهُ إذَا خَرَجَ لِوَاجِبٍ ، فَهُوَ عَلَى اعْتِكَافِهِ ، مَا لَمْ يُطِلْ ؛ لِأَنَّهُ خُرُوجٌ لِمَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ ، أَشْبَهَ الْخُرُوجَ لِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ .\rفَإِنْ كَانَ خُرُوجُهُ لِصَلَاةِ الْجُمُعَةِ ، فَلَهُ أَنْ يَتَعَجَّلَ .\rقَالَ أَحْمَدُ : أَرْجُو أَنَّ لَهُ ذَلِكَ ، لِأَنَّهُ خُرُوجٌ جَائِزٌ ، فَجَازَ تَعْجِيلُهُ ، كَالْخُرُوجِ لِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ .\rفَإِذَا صَلَّى الْجُمُعَةَ ، فَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يَعْتَكِفَ فِي الْجَامِعِ ، فَلَهُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ مَحَلٌّ لِلِاعْتِكَافِ ، وَالْمَكَانُ لَا يَتَعَيَّنُ لِلِاعْتِكَافِ بِنَذْرِهِ وَتَعْيِينِهِ ، فَمَعَ عَدَمِ ذَلِكَ أَوْلَى .\rوَكَذَلِكَ إنْ دَخَلَ فِي طَرِيقِهِ مَسْجِدًا ، فَأَتَمَّ اعْتِكَافَهُ فِيهِ ، جَازَ لِذَلِكَ .\rوَإِنْ أَحَبَّ الرُّجُوعَ إلَى مُعْتَكَفِهِ ، فَلَهُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ خَرَجَ مِنْ مُعْتَكَفِهِ ، فَكَانَ لَهُ الرُّجُوعُ إلَيْهِ ، كَمَا لَوْ خَرَجَ إلَى غَيْرِ جُمُعَةٍ .\rقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا : يُسْتَحَبُّ لَهُ الْإِسْرَاعُ إلَى مُعْتَكَفِهِ .\rوَقَالَ أَبُو دَاوُد : قُلْت لِأَحْمَدَ يَرْكَعُ - أَعْنِي الْمُعْتَكِفَ - يَوْمَ الْجُمُعَةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ فِي","part":6,"page":221},{"id":2721,"text":"الْمَسْجِدِ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، بِقَدْرِ مَا كَانَ يَرْكَعُ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْخِيرَةُ إلَيْهِ فِي تَعْجِيل الرُّكُوعِ وَتَأْخِيرِهِ ؛ لِأَنَّهُ فِي مَكَان يَصْلُحُ لِلِاعْتِكَافِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ نَوَى الِاعْتِكَافَ فِيهِ .\rفَأَمَّا إنَّ خَرَجَ ابْتِدَاءً إلَى مَسْجِدٍ آخَر ، أَوْ إلَى الْجَامِعِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ ، أَوْ كَانَ الْمَسْجِدُ أَبْعَدَ مِنْ مَوْضِعِ حَاجَتِهِ فَمَضَى إلَيْهِ ، لَمْ يَجُزْ لَهُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ خُرُوجٌ لِغَيْرِ حَاجَةٍ ، أَشْبَهَ مَا لَوْ خَرَجَ إلَى غَيْرِ الْمَسْجِدِ .\rفَإِنْ كَانَ الْمَسْجِدَانِ مُتَلَاصِقَيْنِ ، يَخْرُجُ مِنْ أَحَدِهِمَا فَيَصِيرُ فِي الْآخَرِ ، فَلَهُ الِانْتِقَالُ مِنْ أَحَدِهِمَا إلَى الْآخَرِ ؛ لِأَنَّهُمَا كَمَسْجِدٍ وَاحِدٍ ، يَنْتَقِلُ مِنْ إحْدَى زَاوِيَتَيْهِ إلَى الْأُخْرَى .\rوَإِنْ كَانَ يَمْشِي بَيْنَهُمَا فِي غَيْرِهِمَا ، لَمْ يَجُزْ لَهُ الْخُرُوجُ وَإِنْ قَرُبَ ؛ لِأَنَّهُ خُرُوجٌ مِنْ الْمَسْجِدِ لِغَيْرِ حَاجَةٍ وَاجِبَةٍ .\r( 2157 ) فَصْلٌ : وَإِذَا خَرَجَ لِمَا لَا بُدَّ مِنْهُ ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَسْتَعْجِلَ فِي مَشْيِهِ ، بَلْ يَمْشِي عَلَى عَادَتِهِ ، لِأَنَّ عَلَيْهِ مَشَقَّةً فِي إلْزَامِهِ غَيْرَ ذَلِكَ ، وَلَيْسَ لَهُ الْإِقَامَةُ بَعْدَ قَضَاءِ حَاجَتِهِ لِأَكْلٍ وَلَا لِغَيْرِهِ .\rوَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ حَامِدٍ : يَجُوزُ أَنْ يَأْكُلَ الْيَسِيرَ فِي بَيْتِهِ ، كَاللُّقْمَةِ وَاللُّقْمَتَيْنِ ، فَأَمَّا جَمِيعُ أَكْلِهِ فَلَا .\rوَقَالَ الْقَاضِي : يَتَوَجَّهُ أَنَّ لَهُ الْأَكْلَ فِي بَيْتِهِ ، وَالْخُرُوجَ إلَيْهِ ابْتِدَاءً ؛ لِأَنَّ الْأَكْلَ فِي الْمَسْجِدِ دَنَاءَةٌ وَتَرْكٌ لِلْمُرُوءَةِ ، وَقَدْ يُخْفِي جِنْسَ قُوتِهِ عَلَى النَّاسِ ، وَقَدْ يَكُونُ فِي الْمَسْجِدِ غَيْرُهُ فَيَسْتَحِي أَنْ يَأْكُلَ دُونَهُ ، وَإِنْ أَطْعَمَهُ مَعَهُ لَمْ يَكْفِهِمَا .\rوَلَنَا ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ لَا يَدْخُلُ الْبَيْتَ إلَّا لِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ ، وَهَذَا كِنَايَةٌ عَنْ الْحَدَثِ ، وَلِأَنَّهُ خُرُوجٌ لِمَا لَهُ مِنْهُ بُدٌّ ، أَوْ لُبْثٌ فِي غَيْرِ مُعْتَكَفِهِ لِمَا لَهُ مِنْهُ بُدٌّ ، فَأَبْطَلَ الِاعْتِكَافَ ،","part":6,"page":222},{"id":2722,"text":"كَمُحَادَثَةِ أَهْلِهِ ، وَمَا ذَكَرِهِ الْقَاضِي لَيْسَ بِعُذْرٍ يُبِيحُ الْإِقَامَةَ وَلَا الْخُرُوجَ ، وَلَوْ سَاغَ ذَلِكَ لَسَاغَ الْخُرُوجُ لِلنَّوْمِ وَأَشْبَاهِهِ .\r( 2158 ) فَصْلٌ : وَإِنْ خَرَجَ لِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ ، وَبِقُرْبِ الْمَسْجِدِ سِقَايَةٌ أَقْرَبُ مِنْ مَنْزِلِهِ لَا يَحْتَشِمُ مِنْ دُخُولِهَا ، وَيُمْكِنُهُ التَّنَظُّفُ فِيهَا ، لَمْ يَكُنْ لَهُ الْمُضِيُّ إلَى مَنْزِلِهِ ، لِأَنَّ لَهُ مِنْ ذَلِكَ بُدٌّ .\rوَإِنْ كَانَ يَحْتَشِمُ مِنْ دُخُولِهَا ، أَوْ فِيهِ نَقِيصَةٌ عَلَيْهِ ، أَوْ مُخَالَفَةٌ لِعَادَتِهِ ، أَوْ لَا يُمْكِنُهُ التَّنَظُّفُ فِيهَا ، فَلَهُ أَنْ يَمْضِيَ إلَى مَنْزِلِهِ ؛ لِمَا عَلَيْهِ مِنْ الْمَشَقَّةِ فِي تَرْكِ الْمُرُوءَةِ .\rوَكَذَلِكَ إنْ كَانَ لَهُ مَنْزِلَانِ أَحَدُهُمَا أَقْرَبُ مِنْ الْآخَرِ ، يُمْكِنُهُ الْوُضُوءُ فِي الْأَقْرَبِ بِلَا ضَرَرٍ ، فَلَيْسَ لَهُ الْمُضِيُّ إلَى الْأَبْعَدِ .\rوَإِنْ بَذَلَ لَهُ صَدِيقُهُ أَوْ غَيْرُهُ الْوُضُوءَ فِي مَنْزِلِهِ الْقَرِيبِ ، لَمْ يَلْزَمْهُ ؛ لِمَا عَلَيْهِ مِنْ الْمَشَقَّةِ بِتَرْكِ الْمُرُوءَةِ وَالِاحْتِشَامِ مِنْ صَاحِبِهِ .\rقَالَ الْمَرُّوذِيُّ : سَأَلْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ الِاعْتِكَافِ فِي الْمَسْجِدِ الْكَبِيرِ أَعْجَبُ إلَيْك أَوْ مَسْجِدِ الْحَيِّ ؟ قَالَ : الْمَسْجِدُ الْكَبِيرُ .\rوَأَرْخَصَ لِي أَنْ أَعْتَكِفَ فِي غَيْرِهِ .\rقُلْت : فَأَيْنَ تَرَى أَنْ أَعْتَكِفَ فِي هَذَا الْجَانِبِ ، أَوْ فِي ذَاكَ الْجَانِبِ ؟ قَالَ : فِي ذَاكَ الْجَانِبِ هُوَ أَصْلَحُ مِنْ أَجْلِ السِّقَايَةِ .\rقُلْت : فَمَنْ اعْتَكَفَ فِي هَذَا الْجَانِبِ تَرَى أَنْ يَخْرُجَ إلَى الشَّطِّ يَتَهَيَّأُ ؟ قَالَ : إذَا كَانَ لَهُ حَاجَةٌ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ ذَلِكَ .\rقُلْت : يَتَوَضَّأُ الرَّجُلَ فِي الْمَسْجِدِ ؟ قَالَ : لَا يُعْجِبُنِي أَنْ يَتَوَضَّأَ فِي الْمَسْجِدِ .\r( 2159 ) فَصْلٌ : إذَا خَرَجَ لِمَا لَهُ مِنْهُ بُدَّ ، بَطَلَ اعْتِكَافُهُ وَإِنْ قَلَّ .\rوَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ : لَا يَفْسُدُ حَتَّى يَكُونَ أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ يَوْمٍ ؛ لِأَنَّ الْيَسِيرَ مَعْفُوٌّ عَنْهُ ، بِدَلِيلِ أَنَّ","part":6,"page":223},{"id":2723,"text":"{ صَفِيَّةَ أَتَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَزُورُهُ فِي مُعْتَكَفِهِ ، فَلَمَّا قَامَتْ لِتَنْقَلِبَ خَرَجَ مَعَهَا لِيَقْلِبَهَا } .\rوَلِأَنَّ الْيَسِيرَ مَعْفُوٌّ عَنْهُ ، بِدَلِيلِ مَا لَوْ تَأَنَّى فِي مَشْيِهِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ خُرُوجٌ مِنْ مُعْتَكَفِهِ لِغَيْرِ حَاجَةٍ ، فَأَبْطَلَهُ ، كَمَا لَوْ أَقَامَ أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ يَوْمٍ ، وَأَمَّا خُرُوجُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ بُدٌّ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ لَيْلًا ، فَلَمْ يَأْمَنْ عَلَيْهَا ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ لِكَوْنِ اعْتِكَافِهِ تَطَوُّعًا ، لَهُ تَرْكُ جَمِيعِهِ ، فَكَانَ لَهُ تَرْكُ بَعْضِهِ ، وَلِذَلِكَ تَرَكَهُ لَمَّا أَرَادَ نِسَاؤُهُ الِاعْتِكَافَ مَعَهُ .\rوَأَمَّا الْمَشْيُ فَتَخْتَلِف فِيهِ طِبَاعُ النَّاسِ ، وَعَلَيْهِ فِي تَغْيِيرِ مَشْيِهِ مَشَقَّةٌ ، وَلَا كَذَلِكَ هَاهُنَا ، فَإِنَّهُ لَا حَاجَةَ بِهِ إلَى الْخُرُوجِ .","part":6,"page":224},{"id":2724,"text":"( 2160 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَلَا يَعُودُ مَرِيضًا ، وَلَا يَشْهَدُ جِنَازَةً ، إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ ذَلِكَ ) الْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي فَصْلَيْنِ ( 2161 ) : أَحَدُهُمَا ، فِي الْخُرُوجِ لِعِيَادَةِ الْمَرِيض وَشُهُودِ الْجِنَازَةِ ، مَعَ عَدَمِ الِاشْتِرَاطِ .\rوَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ فِي ذَلِكَ ، فَرُوِيَ عَنْهُ : لَيْسَ لَهُ فِعْلُهُ .\rوَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ ، وَعُرْوَةَ ، وَمُجَاهِدٍ ، وَالزُّهْرِيِّ ، وَمَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ .\rوَرَوَى عَنْهُ الْأَثْرَمُ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَكَمِ ، أَنَّ لَهُ أَنْ يَعُودَ الْمَرِيضَ ، وَيَشْهَدَ الْجِنَازَةَ ، وَيَعُودَ إلَى مُعْتَكَفِهِ .\rوَهُوَ قَوْلُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .\rوَبِهِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَالْحَسَنُ ؛ لِمَا رَوَى عَاصِمُ بْنُ ضَمْرَةَ ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ : إذَا اعْتَكَفَ الرَّجُلُ فَلْيَشْهَدْ الْجُمُعَةَ ، وَلْيَعُدْ الْمَرِيضَ ، وَلْيَحْضُرْ الْجِنَازَةَ ، وَلْيَأْتِ أَهْلَهُ ، وَلْيَأْمُرْهُمْ بِالْحَاجَةِ وَهُوَ قَائِمٌ .\rرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ، وَالْأَثْرَمُ .\rوَقَالَ أَحْمَدُ : عَاصِمُ بْنُ ضَمْرَةَ عِنْدِي حُجَّةٌ .\rقَالَ أَحْمَدُ : يَشْهَدُ الْجِنَازَةَ ، وَيَعُودُ الْمَرِيضَ ، وَلَا يَجْلِسُ ، وَيَقْضِي الْحَاجَةَ ، وَيَعُودُ إلَى مُعْتَكَفِهِ .\rوَجْهُ الْأَوَّلِ ، مَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ : { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا اعْتَكَفَ لَا يَدْخُلُ الْبَيْتَ إلَّا لِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَعَنْهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ : السُّنَّةُ عَلَى الْمُعْتَكِفِ أَنْ لَا يَعُودَ مَرِيضًا ، وَلَا يَشْهَدَ جِنَازَةً ، وَلَا يَمَسَّ امْرَأَةً ، وَلَا يُبَاشِرَهَا ، وَلَا يَخْرُجَ لِحَاجَةٍ إلَّا لِمَا لَا بُدَّ مِنْهُ .\rوَعَنْهَا قَالَتْ { : كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمُرُّ بِالْمَرِيضِ وَهُوَ مُعْتَكِفٌ ، فَيَمُرُّ كَمَا هُوَ ، فَلَا يُعَرِّجُ يَسْأَلُ عَنْهُ } .\rرَوَاهُمَا أَبُو دَاوُد .\rوَلِأَنَّ هَذَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ ، فَلَا يَجُوزُ تَرْكُ الِاعْتِكَافِ الْوَاجِبِ مِنْ أَجْلِهِ ،","part":6,"page":225},{"id":2725,"text":"كَالْمَشْيِ مَعَ أَخِيهِ فِي حَاجَةٍ لِيَقْضِيَهَا لَهُ .\rوَإِنْ تَعَيَّنَتْ عَلَيْهِ صَلَاةُ الْجِنَازَةِ ، وَأَمْكَنَهُ فِعْلُهَا فِي الْمَسْجِدِ ، لَمْ يَجُزْ الْخُرُوجُ إلَيْهَا .\rوَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ ذَلِكَ ، فَلَهُ الْخُرُوجُ إلَيْهَا .\rوَإِنْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ دَفْنُ الْمَيِّتِ ، أَوْ تَغْسِيلُهُ ، جَازَ أَنْ يَخْرُجَ لَهُ ؛ لِأَنَّ هَذَا وَاجِبٌ مُتَعَيَّنٌ ، فَيُقَدَّمُ عَلَى الِاعْتِكَافِ ، كَصَلَاةِ الْجُمُعَةِ ، فَأَمَّا إنْ كَانَ الِاعْتِكَافُ تَطَوُّعًا ، وَأَحَبَّ الْخُرُوجَ مِنْهُ لِعِيَادَةِ مَرِيضٍ ، أَوْ شُهُودِ جِنَازَةٍ ، جَازَ ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا تَطَوُّعٌ ، فَلَا يَتَحَتَّمُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا ، لَكِنَّ الْأَفْضَلَ الْمُقَامُ عَلَى اعْتِكَافِهِ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ يُعَرِّجُ عَلَى الْمَرِيضِ وَلَمْ يَكُنْ وَاجِبًا عَلَيْهِ .\rفَأَمَّا إنْ خَرَجَ لِمَا لَا بُدَّ مِنْهُ ، فَسَأَلَ عَنْ الْمَرِيضِ فِي طَرِيقِهِ ، وَلَمْ يُعَرِّجْ ، جَازَ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَلَ ذَلِكَ .\r( 2162 ) الْفَصْلُ الثَّانِي ، إذَا اشْتَرَطَ فِعْلَ ذَلِكَ فِي اعْتِكَافِهِ ، فَلَهُ فِعْلُهُ ، وَاجِبًا كَانَ الِاعْتِكَافُ أَوْ غَيْرَ وَاجِبٍ .\rوَكَذَلِكَ مَا كَانَ قُرْبَةً ، كَزِيَارَةِ أَهْلِهِ ، أَوْ رَجُلٍ صَالِحٍ أَوْ عَالِمٍ ، أَوْ شُهُودِ جِنَازَةٍ ، وَكَذَلِكَ مَا كَانَ مُبَاحًا مِمَّا يَحْتَاجُ إلَيْهِ ، كَالْعَشَاءِ فِي مَنْزِلِهِ ، وَالْمَبِيتِ فِيهِ ، فَلَهُ فِعْلُهُ .\rقَالَ الْأَثْرَمُ : سَمِعْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يُسْأَلُ عَنْ الْمُعْتَكِفِ يَشْتَرِطُ أَنْ يَأْكُلَ فِي أَهْلِهِ ؟ قَالَ : إذَا اشْتَرَطَ فَنَعَمْ .\rقِيلَ لَهُ : وَتُجِيزُ الشَّرْطَ فِي الِاعْتِكَافِ ؟ قَالَ : نَعَمْ .\rقُلْت لَهُ : فَيَبِيتُ فِي أَهْلِهِ ؟ فَقَالَ : إذَا كَانَ تَطَوُّعًا ، جَازَ .\rوَمِمَّنْ أَجَازَ أَنْ يَشْتَرِطَ الْعَشَاءَ فِي أَهْلِهِ الْحَسَنُ ، وَالْعَلَاءُ بْنُ زِيَادٍ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَقَتَادَةُ .\rوَمَنَعَ مِنْهُ أَبُو مِجْلَزٍ ، وَمَالِكٌ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ .\rقَالَ مَالِكٌ : لَا يَكُونُ فِي الِاعْتِكَافِ شَرْطٌ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ يَجِبُ بِعَقْدِهِ ، فَكَانَ الشَّرْطُ","part":6,"page":226},{"id":2726,"text":"إلَيْهِ فِيهِ كَالْوُقُوفِ ، وَلِأَنَّ الِاعْتِكَافَ لَا يَخْتَصُّ بِقَدْرٍ ، فَإِذَا شَرَطَ الْخُرُوجَ فَكَأَنَّهُ نَذَرَ الْقَدْرَ الَّذِي أَقَامَهُ .\rوَإِنْ قَالَ : مَتَى مَرِضْت أَوْ عَرَضَ لِي عَارِضٌ ، خَرَجْت .\rجَازَ شَرْطُهُ .\r( 2163 ) فَصْلٌ : وَإِنْ شَرَطَ الْوَطْءَ فِي اعْتِكَافِهِ ، أَوْ الْفُرْجَةَ ، أَوْ النُّزْهَةَ ، أَوْ الْبَيْعَ لِلتِّجَارَةِ ، أَوْ التَّكَسُّبَ بِالصِّنَاعَةِ فِي الْمَسْجِدِ ، لَمْ يَجُزْ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : { وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِد } .\rفَاشْتِرَاطُ ذَلِكَ اشْتِرَاطٌ لِمَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعَالَى .\rوَالصِّنَاعَةُ فِي الْمَسْجِدِ مَنْهِيٌّ عَنْهَا فِي غَيْرِ الِاعْتِكَافِ ، فَفِي الِاعْتِكَافِ أَوْلَى ، وَسَائِرُ مَا ذَكَرْنَاهُ يُشْبِهُ ذَلِكَ ، وَلَا حَاجَةَ إلَيْهِ ، فَإِنْ احْتَاجَ إلَيْهِ ، فَلَا يَعْتَكِفْ ؛ لِأَنَّ تَرْكَ الِاعْتِكَافِ أَوْلَى مِنْ فِعْلِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ .\rقَالَ أَبُو طَالِبٍ : سَأَلْت أَحْمَدَ عَنْ الْمُعْتَكِفِ يَعْمَلُ عَمَلُهُ مِنْ الْخَيَّاطِ وَغَيْرِهِ ؟ قَالَ : مَا يُعْجِبُنِي أَنْ يَعْمَلَ .\rقُلْت : إنْ كَانَ يَحْتَاجُ ؟ قَالَ : إنْ كَانَ يَحْتَاجُ لَا يَعْتَكِفْ .\r( 2164 ) فَصْلٌ : إذَا خَرَجَ لِمَا لَهُ مِنْهُ بُدٌّ عَامِدًا ، بَطَلَ اعْتِكَافُهُ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ اشْتَرَطَ .\rوَإِنْ خَرَجَ نَاسِيًا ، فَقَالَ الْقَاضِي : لَا يَفْسُدُ اعْتِكَافُهُ ؛ لِأَنَّهُ فَعَلَ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ نَاسِيًا ، فَلَمْ تَفْسُدْ الْعِبَادَةُ ، كَالْأَكْلِ فِي الصَّوْمِ .\rوَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ : يَفْسُدُ ؛ لِأَنَّهُ تَرْكٌ لِلِاعْتِكَافِ ، وَهُوَ لُزُومُ لِلْمَسْجِدِ ، وَتَرْكُ الشَّيْءِ عَمْدُهُ وَسَهْوُهُ سَوَاءٌ ، كَتَرْكِ النِّيَّةِ فِي الصَّوْمِ .\rفَإِنْ أَخْرَجَ بَعْضَ جَسَدِهِ ، لَمْ يَفْسُدْ اعْتِكَافُهُ ، عَمْدًا كَانَ أَوْ سَهْوًا لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { كَانَ يُخْرِجُ رَأْسَهُ مِنْ الْمَسْجِدِ وَهُوَ مُعْتَكِفٌ إلَى عَائِشَةَ فَتَغْسِلُهُ وَهِيَ حَائِضٌ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\r( 2165 ) فَصْلٌ : وَيَجُوزُ لِلْمُعْتَكِفِ صُعُودُ سَطْحِ الْمَسْجِدِ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ جُمْلَتِهِ ، وَلِهَذَا يُمْنَعُ الْجُنُبُ مِنْ","part":6,"page":227},{"id":2727,"text":"اللُّبْثِ فِيهِ .\rوَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ .\rوَلَا نَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا .\rوَيَجُوزُ أَنْ يَبِيتَ فِيهِ .\rوَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ أَنَّ رَحْبَةَ الْمَسْجِدِ لَيْسَتْ مِنْهُ ، وَلَيْسَ لِلْمُعْتَكِفِ الْخُرُوجُ إلَيْهَا ، لِقَوْلِهِ فِي الْحَائِضِ : يُضْرَبُ لَهَا خِبَاءٌ فِي الرَّحْبَةِ .\rوَالْحَائِضُ مَمْنُوعَةٌ مِنْ الْمَسْجِدِ .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى هَذَا .\rوَرَوَى عَنْهُ الْمَرُّوذِيُّ أَنَّ الْمُعْتَكِفَ يَخْرُج إلَى رَحْبَةِ الْمَسْجِدِ ، هِيَ مِنْ الْمَسْجِدِ .\rقَالَ الْقَاضِي : إنْ كَانَ عَلَيْهَا حَائِطٌ وَبَابٌ فَهِيَ كَالْمَسْجِدِ ؛ لِأَنَّهَا مَعَهُ ، وَتَابِعَةٌ لَهُ ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مَحُوطَةً ، لَمْ يَثْبُتْ لَهَا حُكْمُ الْمَسْجِدِ .\rفَكَأَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ ، وَحَمَلَهُمَا عَلَى اخْتِلَافِ الْحَالَيْنِ .\rفَإِنْ خَرَجَ إلَى مَنَارَةٍ خَارِجَ الْمَسْجِد لِلْأَذَانِ ، بَطَلَ اعْتِكَافُهُ .\rقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَبْطُلَ ؛ لِأَنَّ مَنَارَةَ الْمَسْجِدِ كَالْمُتَّصِلَةِ بِهِ .","part":6,"page":228},{"id":2728,"text":"( 2166 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَمَنْ وَطِئَ فَقَدْ أَفْسَدَ اعْتِكَافَهُ ، وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ وَاجِبًا ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْوَطْءَ فِي الِاعْتِكَافِ مُحَرَّمٌ بِالْإِجْمَاعِ ، وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا } .\rفَإِنْ وَطِئَ فِي الْفَرْجِ مُتَعَمِّدًا أَفْسَدَ اعْتِكَافَهُ ، بِإِجْمَاعِ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْهُمْ .\rوَلِأَنَّ الْوَطْءَ إذَا حُرِّمَ فِي الْعِبَادَةِ أَفْسَدَهَا ، كَالْحَجِّ وَالصَّوْمِ .\rوَإِنْ كَانَ نَاسِيًا ، فَكَذَلِكَ عِنْدَ إمَامِنَا وَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٍ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يَفْسُدُ اعْتِكَافُهُ ؛ لِأَنَّهَا مُبَاشَرَةٌ لَا تُفْسِدُ الصَّوْمَ ، فَلَمْ تُفْسِدْ الِاعْتِكَافَ ، كَالْمُبَاشَرَةِ فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ مَا حُرِّمَ فِي الِاعْتِكَافِ اسْتَوَى عَمْدُهُ وَسَهْوُهُ فِي إفْسَادِهِ ، كَالْخُرُوجِ مِنْ الْمَسْجِدِ ، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهَا لَا تُفْسِدُ الصَّوْمَ .\rوَلِأَنَّ الْمُبَاشَرَةَ دُونَ الْفَرْجِ لَا تُفْسِدُ الِاعْتِكَافَ ، إلَّا إذَا اقْتَرَنَ بِهَا الْإِنْزَالُ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَلَا كَفَّارَةَ بِالْوَطْءِ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ .\rوَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ .\rوَقَوْلُ عَطَاءٍ ، وَالنَّخَعِيِّ ، وَأَهْلِ الْمَدِينَةِ ، وَمَالِكٍ ، وَأَهْلِ الْعِرَاقِ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَأَهْلِ الشَّامِ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ .\rوَنَقَلَ حَنْبَلٌ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّ عَلَيْهِ كَفَّارَةً .\rوَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ ، وَالزُّهْرِيِّ ، وَاخْتِيَارُ الْقَاضِي ؛ لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ يُفْسِدُهَا الْوَطْءُ لِعَيْنِهِ ، فَوَجَبَتْ الْكَفَّارَةُ بِالْوَطْءِ فِيهَا ، كَالْحَجِّ وَصَوْمِ رَمَضَانَ .\rوَلَنَا ، أَنَّهَا عِبَادَةٌ لَا تَجِبُ بِأَصْلِ الشَّرْعِ ، فَلَمْ تَجِبْ بِإِفْسَادِهَا كَفَّارَةٌ ، كَالنَّوَافِلِ ، وَلِأَنَّهَا عِبَادَةٌ لَا يَدْخُلُ الْمَالُ فِي جُبْرَانِهَا ، فَلَمْ تَجِبْ الْكَفَّارَةُ بِإِفْسَادِهَا ، كَالصَّلَاةِ ، وَلِأَنَّ وُجُوبَ الْكَفَّارَةِ إنَّمَا يَثْبُتُ بِالشَّرْعِ ، وَلَمْ يَرِدْ الشَّرْعُ بِإِيجَابِهَا","part":6,"page":229},{"id":2729,"text":"، فَتَبْقَى عَلَى الْأَصْلِ .\rوَمَا ذَكَرُوهُ يَنْتَقِضُ بِالصَّلَاةِ وَصَوْمِ غَيْرِ رَمَضَانَ .\rوَالْقِيَاسُ عَلَى الْحَجِّ لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّهُ مُبَايِنٌ لِسَائِرِ الْعِبَادَاتِ ، وَلِهَذَا يَمْضِي فِي فَاسِدِهِ ، وَيَلْزَمُ بِالشُّرُوعِ فِيهِ ، وَيَجِبُ بِالْوَطْءِ فِيهِ بَدَنَةٌ ، بِخِلَافِ غَيْرِهِ .\rوَلِأَنَّهُ لَوْ وَجَبَتْ الْكَفَّارَةُ هَاهُنَا بِالْقِيَاسِ عَلَيْهِ ، لَلَزِمَ أَنْ يَكُونَ بَدَنَةً ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ فِي الْفَرْعِ يَثْبُتُ عَلَى صِفَةِ الْحُكْمِ فِي الْأَصْلِ ، إذْ كَانَ الْقِيَاسُ إنَّمَا هُوَ تَوْسِعَةُ مَجْرَى الْحُكْمِ فَيَصِيرُ النَّصُّ الْوَارِدُ فِي الْأَصْلِ وَارِدًا فِي الْفَرْعِ ، فَيَثْبُتُ فِيهِ الْحُكْمُ الثَّابِتُ فِي الْأَصْلِ بِعَيْنِهِ .\rوَأَمَّا الْقِيَاسُ عَلَى الصَّوْمِ ، فَهُوَ دَالٌّ عَلَى نَفْيِ الْكَفَّارَةِ ؛ لِأَنَّ الصَّوْمَ كُلَّهُ لَا يَجِبُ بِالْوَطْءِ فِيهِ كَفَّارَةٌ سِوَى رَمَضَانَ ، وَالِاعْتِكَافُ أَشْبَهُ بِغَيْرِ رَمَضَانَ ؛ لِأَنَّهُ نَافِلَةٌ لَا يَجِبُ إلَّا بِالنَّذْرِ ، ثُمَّ لَا يَصِحُّ قِيَاسُهُ عَلَى رَمَضَانَ أَيْضًا ؛ لِأَنَّ الْوَطْءَ فِيهِ إنَّمَا أَوْجَبَ الْكَفَّارَةَ لِحُرْمَةِ الزَّمَانِ ، وَلِذَلِكَ يَجِبُ عَلَى كُلِّ مِنْ لَزِمَهُ الْإِمْسَاكُ ، وَإِنْ لَمْ يُفْسِدْ بِهِ صَوْمًا .\rوَاخْتَلَفَ مُوجِبُو الْكَفَّارَةِ فِيهَا ، فَقَالَ الْقَاضِي : يَجِبُ كَفَّارَةُ الظِّهَارِ .\rوَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ ، وَالزُّهْرِيِّ ، وَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ ، فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ ؛ فَإِنَّهُ رُوِيَ عَنْ الزُّهْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ : مَنْ أَصَابَ فِي اعْتِكَافِهِ ، فَهُوَ كَهَيْئَةِ الْمَظَاهِرِ .\rثُمَّ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ : إذَا كَانَ نَهَارًا وَجَبَتْ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةَ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنَّ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ إنَّمَا أَوْجَبَ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةَ إذَا فَعَلَ ذَلِكَ فِي رَمَضَانَ ؛ لِأَنَّهُ اعْتَبَرَ ذَلِكَ فِي النَّهَارِ لِأَجْلِ الصَّوْمِ ، وَلَوْ كَانَ لِمُجَرَّدِ الِاعْتِكَافِ لَمَا اخْتَصَّ الْوُجُوبُ بِالنَّهَارِ ، كَمَا لَمْ يَخْتَصَّ الْفَسَادُ بِهِ .\rوَحُكِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ أَنَّ عَلَيْهِ كَفَّارَةَ يَمِينٍ .\rوَلَمْ أَرَ هَذَا عَنْ أَبِي بَكْرٍ فِي كِتَابِ (","part":6,"page":230},{"id":2730,"text":"الشَّافِي ) ، وَلَعَلَّ أَبَا بَكْرٍ إنَّمَا أَوْجَبَ عَلَيْهِ كَفَّارَةً فِي مَوْضِعٍ تَضَمَّنَ الْإِفْسَادُ الْإِخْلَالَ بِالنَّذْرِ ، فَوَجَبَتْ لِمُخَالَفَتِهِ نَذْرَهُ ، وَهِيَ كَفَّارَةُ يَمِينٍ فَأَمَّا فِي غَيْرِ ذَلِكَ فَلَا ؛ لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ إنَّمَا تَجِبُ بِنَصٍّ أَوْ إجْمَاعٍ أَوْ قِيَاسٍ ، وَلَيْسَ هَاهُنَا نَصٌّ وَلَا إجْمَاعٌ وَلَا قِيَاسٌ ، فَإِنَّ نَظِيرَ الِاعْتِكَافِ الصَّوْمُ ، وَلَا يَجِبُ بِإِفْسَادِهِ كَفَّارَةٌ إذَا كَانَ تَطَوُّعًا وَلَا مَنْذُورًا ، مَا لَمْ يَتَضَمَّنْ الْإِخْلَالَ بِنَذْرِهِ ؛ فَيَجِبُ بِهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ ، كَذَلِكَ هَذَا .\r( 2167 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا الْمُبَاشَرَةُ دُونَ الْفَرْجِ ، فَإِنْ كَانَتْ لِغَيْرِ شَهْوَةٍ ، فَلَا بَأْسَ بِهَا ، مِثْلُ أَنْ تَغْسِلَ رَأْسَهُ ، أَوْ تُفَلِّيَهُ ، أَوْ تُنَاوِلَهُ شَيْئًا ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُدْنِي رَأْسَهُ إلَى عَائِشَةَ وَهُوَ مُعْتَكِفٌ فَتُرَجِّلُهُ .\rوَإِنْ كَانَتْ عَنْ شَهْوَةٍ ، فَهِيَ مُحَرَّمَةٌ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ } .\rوَلِقَوْلِ عَائِشَةَ : السُّنَّةُ لِلْمُعْتَكِفِ أَنْ لَا يَعُودَ مَرِيضًا ، وَلَا يَشْهَدَ جِنَازَةً ، وَلَا يَمَسَّ امْرَأَةً ، وَلَا يُبَاشِرَهَا .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَلِأَنَّهُ لَا يَأْمَنُ إفْضَاءَهَا إلَى إفْسَادِ الِاعْتِكَافِ ، وَمَا أَفْضَى إلَى الْحَرَامِ كَانَ حَرَامًا .\rفَإِنْ فَعَلَ ، فَأَنْزَلَ ، فَسَدَ اعْتِكَافُهُ ، وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ ، لَمْ يَفْسُدْ .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ ، فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ .\rوَقَالَ فِي الْآخَرِ : يَفْسُدُ فِي الْحَالَيْنِ .\rوَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ؛ لِأَنَّهَا مُبَاشَرَةٌ مُحَرَّمَةٌ ، فَأَفْسَدَتْ الِاعْتِكَافَ ، كَمَا لَوْ أَنْزَلَ .\rوَلَنَا ، أَنَّهَا مُبَاشَرَةٌ لَا تُفْسِدُ صَوْمًا وَلَا حَجًّا ، فَلَمْ تُفْسِدْ الِاعْتِكَافَ ، كَالْمُبَاشَرَةِ لِغَيْرِ شَهْوَةٍ .\rوَفَارَقَ الَّتِي أَنْزَلَ بِهَا ؛ لِأَنَّهَا تُفْسِدُ الصَّوْمَ ، وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ ، إلَّا عَلَى رِوَايَةِ حَنْبَلٍ .\r( 2168 ) فَصْلٌ : وَإِنْ ارْتَدَّ ، فَسَدَ اعْتِكَافُهُ ،","part":6,"page":231},{"id":2731,"text":"لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { لَئِنْ أَشْرَكْت لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُك } .\rوَلِأَنَّهُ خَرَجَ بِالرِّدَّةِ عَنْ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الِاعْتِكَافِ ، وَإِنْ شَرِبَ مَا أَسْكَرَهُ فَسَدَ اعْتِكَافُهُ ، لِخُرُوجِهِ عَنْ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَسْجِدِ .\r( 2169 ) فَصْلٌ : وَكُلَّ مَوْضِعٍ فَسَدَ اعْتِكَافُهُ ، فَإِنْ كَانَ تَطَوُّعًا ، فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ التَّطَوُّعَ لَا يَلْزَمُ بِالشُّرُوعِ فِيهِ فِي غَيْرِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ .\rوَإِنْ كَانَ نَذْرًا نَظَرْنَا ، فَإِنْ كَانَ نَذَرَ أَيَّامًا مُتَتَابِعَةً ، فَسَدَ مَا مَضَى مِنْ اعْتِكَافِهِ ، وَاسْتَأْنَفَ ؛ لِأَنَّ التَّتَابُعَ وَصْفٌ فِي الِاعْتِكَافِ ، وَقَدْ أَمْكَنَهُ الْوَفَاءُ بِهِ ، فَلَزِمَهُ ، وَإِنْ كَانَ نَذَرَ أَيَّامًا مُعَيَّنَةً ، كَالْعَشَرَةِ الْأَوَاخِرِ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا ، يَبْطُلُ مَا مَضَى ، وَيَسْتَأْنِفُهُ ؛ لِأَنَّهُ نَذَرَ اعْتِكَافًا مُتَتَابِعًا ، فَبَطَلَ بِالْخُرُوجِ مِنْهُ ، كَمَا لَوْ قَيَّدَهُ بِالتَّتَابُعِ بِلَفْظِهِ .\rوَالثَّانِي ، لَا يَبْطُلُ ؛ لِأَنَّ مَا مَضَى مِنْهُ قَدْ أَدَّى الْعِبَادَةَ فِيهِ أَدَاءً صَحِيحًا ، فَلَمْ يَبْطُلْ بِتَرْكِهَا فِي غَيْرِهِ ، كَمَا لَوْ أَفْطَرَ فِي أَثْنَاءِ شَهْرِ رَمَضَانَ ، وَالتَّتَابُعُ هَاهُنَا حَصَلَ ضَرُورَةَ التَّعْيِينِ ، وَالتَّعْيِينُ مُصَرَّحٌ بِهِ ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ الْإِخْلَالِ بِأَحَدِهِمَا فَفِيمَا حَصَلَ ضَرُورَةً أَوْلَى ، وَلِأَنَّ وُجُوبَ التَّتَابُعِ مِنْ حَيْثُ الْوَقْتُ ، لَا مِنْ حَيْثُ النَّذْرُ ، فَالْخُرُوجُ فِي بَعْضِهِ لَا يُبْطِلُ مَا مَضَى مِنْهُ ، كَصَوْمِ رَمَضَانَ إذَا أَفْطَرَ فِيهِ ، فَعَلَى هَذَا يَقْضِي مَا أَفْسَدَ فِيهِ حَسْبُ .\rوَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ عَلَى الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا ؛ لِأَنَّهُ تَارِكٌ لِبَعْضِ مَا نَذَرَهُ .\rوَأَصْلُ الْوَجْهَيْنِ فِي مَنْ نَذَرَ صَوْمًا مُعَيَّنًا ، فَأَفْطَرَ فِي بَعْضِهِ ، فَإِنَّ فِيهِ رِوَايَتَيْنِ ، كَالْوَجْهَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرْنَاهُمَا .\rفَصْلٌ : إذَا نَذَرَ اعْتِكَافَ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَةٍ بِصَوْمٍ ، فَأَفْطَرَ يَوْمًا ، أَفْسَدَ تَتَابُعَهُ ، وَوَجَبَ اسْتِئْنَافُ الِاعْتِكَافِ ، لِإِخْلَالِهِ","part":6,"page":232},{"id":2732,"text":"بِالْإِتْيَانِ بِمَا نَذَرَهُ عَلَى صِفَتِهِ .","part":6,"page":233},{"id":2733,"text":"( 2171 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَإِذَا وَقَعَتْ فِتْنَةٌ خَافَ مِنْهَا تَرَكَ اعْتِكَافَهُ ، فَإِذَا أَمِنَ بَنِي عَلَى مَا مَضَى ، إذَا كَانَ نَذَرَ أَيَّامًا مَعْلُومَةً ، وَقَضَى مَا تَرَكَ ، وَكَفَّرَ كَفَّارَةَ يَمِينٍ ، وَكَذَلِكَ فِي النَّفِيرِ إذَا اُحْتِيجَ إلَيْهِ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ إذَا وَقَعَتْ فِتْنَةٌ خَافَ مِنْهَا عَلَى نَفْسِهِ إنْ قَعَدَ فِي الْمَسْجِدِ ، أَوْ عَلَى مَالِهِ نَهْبًا أَوْ حَرِيقًا ، فَلَهُ تَرْكُ الِاعْتِكَافِ وَالْخُرُوجُ ؛ لِأَنَّ هَذَا مِمَّا أَبَاحَ اللَّهُ تَعَالَى لِأَجْلِهِ تَرْكَ الْوَاجِبِ بِأَصْلِ الشَّرْعِ ، وَهُوَ الْجُمُعَةُ وَالْجَمَاعَةُ ، فَأَوْلَى أَنْ يُبَاحَ لِأَجْلِهِ تَرْكُ مَا أَوْجَبَهُ عَلَى نَفْسِهِ ، وَكَذَلِكَ إنْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ الْمُقَامُ فِي الْمَسْجِدِ ؛ لِمَرَضٍ لَا يُمْكِنُهُ الْمُقَامُ مَعَهُ فِيهِ ، كَالْقِيَامِ الْمُتَدَارَكِ ، أَوْ سَلَسِ الْبَوْلِ ، أَوْ الْإِغْمَاءِ ، أَوْ لَا يُمْكِنُهُ الْمُقَامُ إلَّا بِمَشَقَّةٍ شَدِيدَةٍ ، مِثْلُ أَنْ يَحْتَاجَ إلَى خِدْمَةٍ وَفِرَاشٍ ، فَلَهُ الْخُرُوجُ .\rوَإِنْ كَانَ الْمَرَضُ خَفِيفًا ، كَالصُّدَاعِ ، وَوَجَعِ الضِّرْسِ ، وَنَحْوِهِ ، فَلَيْسَ لَهُ الْخُرُوجُ .\rفَإِنْ خَرَجَ بَطَلَ اعْتِكَافُهُ .\rوَلَهُ الْخُرُوجُ إلَى مَا يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ مِنْ الْوَاجِبِ ، مِثْلُ الْخُرُوجِ فِي النَّفِيرِ إذَا عَمَّ ، أَوْ حَضَرَ عَدُوٌّ يَخَافُونَ كَلْبَهُ ، وَاحْتِيجَ إلَى خُرُوجِ الْمُعْتَكِفِ ، لَزِمَهُ الْخُرُوجُ ؛ لِأَنَّهُ وَاجِبٌ مُتَعَيَّنٌ ، فَلَزِمَ الْخُرُوجُ إلَيْهِ ، كَالْخُرُوجِ إلَى الْجُمُعَةِ .\rوَإِذَا خَرَجَ ثُمَّ زَالَ عُذْرُهُ ، نَظَرْنَا ، فَإِنْ كَانَ تَطَوُّعًا فَهُوَ مُخَيَّرٌ ، إنْ شَاءَ رَجَعَ إلَى مُعْتَكَفِهِ ، وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَرْجِعْ ، وَإِنْ كَانَ وَاجِبًا رَجَعَ إلَى مُعْتَكَفِهِ ، فَبَنَى عَلَى مَا مَضَى مِنْ اعْتِكَافِهِ .\rثُمَّ لَا يَخْلُو النَّذْرُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ : أَحَدُهَا ، أَنْ يَكُونَ نَذَرَ اعْتِكَافًا فِي أَيَّامٍ غَيْرِ مُتَتَابِعَةٍ وَلَا مُعَيَّنَةٍ ، فَهَذَا لَا يَلْزَمُهُ قَضَاءٌ ، بَلْ يُتِمُّ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ ، لَكِنَّهُ يَبْتَدِئُ الْيَوْمَ الَّذِي خَرَجَ فِيهِ مِنْ أَوَّلِهِ ، لِيَكُونَ","part":6,"page":234},{"id":2734,"text":"مُتَتَابِعًا ، وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِمَا نَذَرَ عَلَى وَجْهِهِ ، فَلَا يَلْزَمُهُ كَفَّارَةٌ كَمَا لَوْ لَمْ يَخْرُجْ .\rالثَّانِي ، نَذَرَ أَيَّامًا مُعَيَّنَةً ، كَشَهْرِ رَمَضَانَ ، فَعَلَيْهِ قَضَاءُ مَا تَرَكَ ، وَكَفَّارَةُ يَمِينٍ ، بِمَنْزِلَةِ تَرْكِهِ الْمَنْذُورَ فِي وَقْتِهِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَلْزَمَهُ كَفَّارَةٌ ، عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ .\rالثَّالِثُ ، نَذَرَ أَيَّامًا مُتَتَابِعَةً ، فَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْبِنَاءِ وَالْقَضَاءِ وَالتَّكْفِيرِ ، وَبَيْنَ الِابْتِدَاءِ ، وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ يَأْتِي بِالْمَنْذُورِ عَلَى وَجْهِهِ ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ كَفَّارَةٌ ، كَمَا لَوْ أَتَى بِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَسْبِقَهُ الِاعْتِكَافُ الَّذِي قَطَعَهُ .\rوَذَكَرَ الْخِرَقِيِّ مِثْلَ هَذَا فِي الصِّيَامِ ، فَقَالَ : وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَصُومَ شَهْرًا مُتَتَابِعًا ، وَلَمْ يُسَمِّهِ ؛ فَمَرِضَ فِي بَعْضِهِ ، فَإِذَا عُوفِيَ بَنَى عَلَى مَا مَضَى مِنْ صِيَامِهِ ، وَقَضَى مَا تَرَكَ ، وَكَفَّرَ كَفَّارَةَ يَمِينٍ ، وَإِنْ أَحَبَّ أَتَى بِشَهْرٍ مُتَتَابِعٍ ، وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ .\rوَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ فِي مَنْ تَرَكَ الصِّيَامَ الْمَنْذُورَ لِعُذْرٍ : فَعَنْ أَحْمَدَ فِيهِ ، رِوَايَةٌ أُخْرَى ، أَنَّهُ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ .\rوَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي عُبَيْدٍ ؛ لِأَنَّ الْمَنْذُورَ كَالْمَشْرُوعِ ابْتِدَاءً ، وَلَوْ أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ لِعُذْرٍ ، لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ ، فَكَذَلِكَ الْمَنْذُورُ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : إنْ خَرَجَ لِوَاجِبِ ، كَالْجِهَادِ تَعَيَّنَ ، أَوْ أَدَاءِ شَهَادَةٍ وَاجِبَةٍ ، فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ خُرُوجٌ وَاجِبٌ لِحَقِّ اللَّه تَعَالَى ، فَلَمْ يَجِبْ بِهِ شَيْءٌ ، كَالْمَرْأَةِ تَخْرُجُ لِحَيْضِهَا أَوْ نِفَاسِهَا .\rوَحَمَلَ كَلَامَ الْخِرَقِيِّ عَلَى أَنَّهُ يَبْنِي عَلَى مَا مَضَى ، دُونَ إيجَابِ الْكَفَّارَةِ .\rوَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ ، أَنَّ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةَ ؛ لِأَنَّ النَّذْرَ كَالْيَمِينِ ، وَمَنْ حَلَفَ عَلَى فِعْلِ شَيْءٍ ، فَحِنْثَ لَزِمَتْهُ الْكَفَّارَةُ ، سَوَاءٌ كَانَ لِعُذْرٍ أَوْ غَيْرِهِ ،","part":6,"page":235},{"id":2735,"text":"وَسَوَاءٌ كَانَتْ الْمُخَالَفَةُ وَاجِبَةً أَوْ لَمْ تَكُنْ ، وَيُفَارِقُ صَوْمَ رَمَضَانَ ، فَإِنَّ الْإِخْلَالَ بِهِ وَالْفِطْرَ فِيهِ لِغَيْرِ عُذْرٍ لَا يُوجِبُ الْكَفَّارَةَ ، وَيُفَارِقُ الْحَيْضَ ، فَإِنَّهُ يَتَكَرَّرُ ، وَيُظَنُّ وُجُودُهُ فِي زَمَنِ النَّذْرِ ، فَيَصِيرُ كَالْخُرُوجِ لِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ ، وَكَالْمُسْتَثْنَى بِلَفْظِهِ .","part":6,"page":236},{"id":2736,"text":"( 2172 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَالْمُعْتَكِفُ لَا يَتَّجِرُ ، وَلَا يَتَكَسَّبُ بِالصَّنْعَةِ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْمُعْتَكِفَ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَبِيعَ وَلَا يَشْتَرِيَ ، إلَّا مَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ .\rقَالَ حَنْبَلٌ : سَمِعْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ : الْمُعْتَكِفُ لَا يَبِيعُ وَلَا يَشْتَرِي إلَّا مَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ ، طَعَامٌ أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ ، فَأَمَّا التِّجَارَةُ ، وَالْأَخْذُ وَالْعَطَاءُ ، فَلَا يَجُوزُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا بَأْسَ أَنْ يَبِيعَ وَيَشْتَرِيَ ، وَيَخِيطَ ، وَيَتَحَدَّثَ ، مَا لَمْ يَكُنْ مَأْثَمًا .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ فِي الْمَسْجِدِ } .\rرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَقَالَ : حَدِيثٌ حَسَنٌ .\rوَرَأَى عِمْرَانُ الْقَصِيرُ رَجُلًا يَبِيعُ فِي الْمَسْجِدِ ، فَقَالَ : يَا هَذَا ، إنَّ هَذَا سُوقُ الْآخِرَةِ ، فَإِنْ أَرَدْت الْبَيْعَ فَاخْرُجْ إلَى سُوقِ الدُّنْيَا .\rوَإِذَا مُنِعَ مِنْ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ فِي غَيْرِ حَالِ الِاعْتِكَافِ ، فَفِيهِ أَوْلَى .\rفَأَمَّا الصَّنْعَةُ ، فَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ ، أَنَّهُ لَا يَجُوزُ مِنْهَا مَا يَكْتَسِبُ بِهِ ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ التِّجَارَةِ بِالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ .\rوَيَجُوزُ مَا يَعْمَلُهُ لِنَفْسِهِ ، كَخِيَاطَةِ قَمِيصِهِ وَنَحْوِهِ .\rوَقَدْ رَوَى الْمَرُّوذِيُّ قَالَ : سَأَلْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ الْمُعْتَكِفِ ، تَرَى لَهُ أَنْ يَخِيطَ ؟ قَالَ : لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَعْتَكِفَ إذَا كَانَ يُرِيدُ أَنْ يَفْعَلَ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : لَا تَجُوزُ الْخَيَّاطَةُ فِي الْمَسْجِدِ ، سَوَاءٌ كَانَ مُحْتَاجًا إلَيْهَا أَوْ لَمْ يَكُنْ ، قَلَّ أَوْ كَثُرَ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مَعِيشَةٌ أَوْ تَشَغُّلٌ عَنْ الِاعْتِكَافِ ، فَأَشْبَهَ الْبَيْعَ وَالشِّرَاءَ فِيهِ .\rوَالْأَوْلَى أَنْ يُبَاحَ لَهُ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ ، إذَا كَانَ يَسِيرًا ، مِثْلَ أَنْ يَنْشَقَّ قَمِيصُهُ فَيَخِيطَهُ ، أَوْ يَنْحَلَّ شَيْءٌ يَحْتَاجُ إلَى رَبْطٍ فَيَرْبِطَهُ ؛ لِأَنَّ هَذَا يَسِيرٌ تَدْعُو الْحَاجَةُ إلَيْهِ ،","part":6,"page":237},{"id":2737,"text":"فَجَرَى مَجْرَى لُبْسِ قَمِيصِهِ وَعِمَامَتِهِ وَخَلْعِهِمَا .\r( 2173 ) فَصْلٌ : يُسْتَحَبُّ لِلْمُعْتَكِفِ التَّشَاغُلُ بِالصَّلَاةِ وَتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ ، وَذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ الطَّاعَاتِ الْمَحْضَةِ ، وَيَجْتَنِبُ مَا لَا يَعْنِيهِ مِنْ الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ ، وَلَا يُكْثِرُ الْكَلَامَ ؛ لِأَنَّ مِنْ كَثُرَ كَلَامُهُ كَثُرَ سَقَطَهُ .\rوَفِي الْحَدِيثِ { : مِنْ حُسْنِ إسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ } .\rوَيَجْتَنِبُ الْجِدَالَ وَالْمِرَاءَ ، وَالسِّبَابَ وَالْفُحْشَ ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ مَكْرُوهٌ فِي غَيْرِ الِاعْتِكَافِ ، فَفِيهِ أَوْلَى .\rوَلَا يَبْطُلُ الِاعْتِكَافُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَبْطُلْ بِمُبَاحِ الْكَلَامِ لَمْ يَبْطُلْ بِمَحْظُورِهِ ، وَعَكْسُهُ الْوَطْءُ .\rوَلَا بَأْسَ بِالْكَلَامِ لِحَاجَتِهِ ، وَمُحَادَثَةِ غَيْرِهِ ، فَإِنَّ صَفِيَّةَ زَوْجَةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ : { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُعْتَكِفًا ، فَأَتَيْتُهُ أَزُورُهُ لَيْلًا ، فَحَدَّثْته ، ثُمَّ قُمْت ، فَانْقَلَبْت ، فَقَامَ مَعِي لِيَقْلِبَنِي - وَكَانَ مَسْكَنُهَا فِي دَارِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ - فَمَرَّ رَجُلَانِ مِنْ الْأَنْصَارِ ، فَلَمَّا رَأَيَا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَسْرَعَا ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : عَلَى رِسْلِكُمَا ، إنَّهَا صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيِّ .\rفَقَالَا : سُبْحَانَ اللَّه يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَقَالَ : إنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنْ الْإِنْسَانِ مَجْرَى الدَّمِ ، وَإِنِّي خَشِيت أَنْ يَقْذِفَ فِي قُلُوبِكُمَا شَرًّا .\rأَوْ قَالَ : شَيْئًا } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَقَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : أَيُّمَا رَجُلٍ اعْتَكَفَ ، فَلَا يُسَابَّ ، وَلَا يَرْفُثْ فِي الْحَدِيثِ ، وَيَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالْحَاجَةِ - أَيْ وَهُوَ يَمْشِي - وَلَا يَجْلِسْ عِنْدَهُمْ .\rرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ .\r( 2174 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا إقْرَاءُ الْقُرْآنِ ، وَتَدْرِيسُ الْعِلْمِ وَدَرْسُهُ ، وَمُنَاظَرَةُ الْفُقَهَاءِ وَمُجَالَسَتُهُمْ ، وَكِتَابَةُ الْحَدِيثِ ، وَنَحْوُ ذَلِكَ مِمَّا يَتَعَدَّى","part":6,"page":238},{"id":2738,"text":"نَفْعُهُ ، فَأَكْثَرُ أَصْحَابِنَا عَلَى أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ .\rوَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ .\rوَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ الْآمِدِيُّ : فِي اسْتِحْبَابِ ذَلِكَ رِوَايَتَانِ .\rوَاخْتَارَ أَبُو الْخَطَّابِ أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ ، إذَا قَصَدَ بِهِ طَاعَةَ اللَّهِ تَعَالَى ، لَا الْمُبَاهَاةَ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ أَفْضَلُ الْعِبَادَاتِ ، وَنَفْعُهُ يَتَعَدَّى ، فَكَانَ أَوْلَى مِنْ تَرْكِهِ كَالصَّلَاةِ .\rوَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَعْتَكِفُ ، فَلَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ الِاشْتِغَالُ بِغَيْرِ الْعِبَادَاتِ الْمُخْتَصَّةِ بِهِ ، وَلِأَنَّ الِاعْتِكَافَ عِبَادَةٌ مِنْ شَرْطِهَا الْمَسْجِدُ ، فَلَمْ يُسْتَحَبَّ فِيهَا ذَلِكَ ، كَالطَّوَافِ ، وَمَا ذَكَرُوهُ يَبْطُلُ بِعِيَادَةِ الْمَرْضَى ، وَشُهُودِ الْجِنَازَةِ ، فَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ فِعْلُهُ لِهَذِهِ الْأَفْعَالِ أَفْضَلُ مِنْ الِاعْتِكَافِ .\rقَالَ الْمَرُّوذِيُّ : قُلْت لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ : إنَّ رَجُلًا يُقْرِئُ فِي الْمَسْجِدِ ، وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَعْتَكِفَ ، وَلَعَلَّهُ أَنْ يَخْتِمَ فِي كُلِّ يَوْمٍ ؟ فَقَالَ : إذَا فَعَلَ هَذَا كَانَ لِنَفْسِهِ ، وَإِذَا قَعَدَ فِي الْمَسْجِدِ كَانَ لَهُ وَلِغَيْرِهِ ، يُقْرِئُ أَحَبُّ إلَيَّ .\rوَسُئِلَ : أَيُّمَا أَحَبُّ إلَيْك ؛ الِاعْتِكَافُ ، أَوْ الْخُرُوجُ إلَى عَبَّادَانِ ؟ قَالَ : لَيْسَ يَعْدِلُ الْجِهَادَ عِنْدِي شَيْءٌ .\rيَعْنِي أَنَّ الْخُرُوجَ إلَى عَبَّادَانِ أَفْضَلُ مِنْ الِاعْتِكَافِ .\r( 2175 ) فَصْلٌ : وَلَيْسَ مِنْ شَرِيعَةِ الْإِسْلَامِ الصَّمْتُ عَنْ الْكَلَامِ ، وَظَاهِرُ الْأَخْبَارِ تَحْرِيمُهُ .\rقَالَ قَيْسُ بْنُ مُسْلِمٍ : دَخَلَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلَى امْرَأَةٍ مِنْ أَحْمَسَ ، يُقَالُ لَهَا زَيْنَبُ ، فَرَآهَا لَا تَتَكَلَّمُ ، فَقَالَ : مَا لَهَا لَا تَتَكَلَّمُ ؟ قَالُوا : حَجَّتْ مُصْمِتَةً .\rفَقَالَ لَهَا : تَكَلَّمِي ، فَإِنَّ هَذَا لَا يَحِلُّ ، هَذَا مِنْ عَمَلِ الْجَاهِلِيَّةِ .\rفَتَكَلَّمَتْ .\rرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ .\rوَرَوَى أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَلِيٍّ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : حَفِظْت عَنْ رَسُولِ اللَّهِ","part":6,"page":239},{"id":2739,"text":"صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { لَا صُمَاتَ يَوْمٍ إلَى اللَّيْلِ } .\rوَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ { نَهَى عَنْ صَوْمِ الصَّمْتِ } .\rفَإِنْ نَذَرَ ذَلِكَ فِي اعْتِكَافِهِ أَوْ غَيْرِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ الْوَفَاءُ بِهِ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ وَابْنُ الْمُنْذِرِ .\rوَلَا نَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ ، قَالَ : { بَيْنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ ، إذَا هُوَ بِرَجُلٍ قَائِمٍ ، فَسَأَلَ عَنْهُ ؟ فَقَالُوا : أَبُو إسْرَائِيلَ ، نَذَرَ أَنْ يَقُومَ فِي الشَّمْسِ وَلَا يَقْعُدَ ، وَلَا يَسْتَظِلَّ وَلَا يَتَكَلَّمَ ، وَيَصُومَ .\rفَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مُرُوهُ فَلْيَتَكَلَّمْ ، وَلْيَسْتَظِلَّ ، وَلْيَقْعُدْ ، وَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ .\r} رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ .\rوَلِأَنَّهُ نَذْرُ فِعْلٍ مَنْهِيٍّ عَنْهُ ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ ، كَنَذْرِ الْمُبَاشَرَةِ فِي الْمَسْجِدِ .\rوَإِنْ أَرَادَ فِعْلَهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ ، سَوَاءٌ نَذَرَهُ أَوْ لَمْ يَنْذُرْهُ .\rوَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ : لَهُ فِعْلُهُ إذَا كَانَ أَسْلَمَ .\rوَلَنَا ، النَّهْيُ عَنْهُ ، وَظَاهِرُهُ التَّحْرِيمُ ، وَالْأَمْرُ بِالْكَلَامِ ، وَمُقْتَضَاهُ الْوُجُوبُ ، وَقَوْلُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : إنَّ هَذَا لَا يَحِلُّ ، هَذَا مِنْ عَمَلِ الْجَاهِلِيَّةِ .\rوَهَذَا صَرِيحٌ ، وَلَمْ يُخَالِفْهُ أَحَدٌ مِنْ الصَّحَابَةِ فِيمَا عَلِمْنَاهُ ، وَاتِّبَاعُ ذَلِكَ أَوْلَى .\rفَصْلٌ : وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَجْعَلَ الْقُرْآنَ بَدَلًا مِنْ الْكَلَامِ ؛ لِأَنَّهُ اسْتِعْمَالٌ لَهُ فِي غَيْرِ مَا هُوَ لَهُ ، فَأَشْبَهَ اسْتِعْمَالَ الْمُصْحَفِ فِي التَّوَسُّدِ وَنَحْوِهِ ، وَقَدْ جَاءَ : لَا تُنَاظِرُوا بِكِتَابِ اللَّهِ .\rقِيلَ : مَعْنَاهُ لَا تَتَكَلَّمْ بِهِ عِنْدَ الشَّيْءِ تَرَاهُ ، كَأَنْ تَرَى رَجُلًا قَدْ جَاءَ فِي وَقْتِهِ ، فَتَقُولُ : ثُمَّ جِئْت عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى .\rأَوْ نَحْوَهُ .\rذَكَرَ أَبُو عُبَيْدٍ نَحْوَ هَذَا الْمَعْنَى .","part":6,"page":240},{"id":2740,"text":"( 2177 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَلَا بَأْسَ أَنْ يَتَزَوَّجَ فِي الْمَسْجِدِ ، وَيَشْهَدَ النِّكَاحَ ) وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ ، لِأَنَّ الِاعْتِكَافَ عِبَادَةٌ لَا تُحَرِّمُ الطَّيِّبَ ، فَلَمْ تُحَرِّمْ النِّكَاحَ كَالصَّوْمِ ، وَلِأَنَّ النِّكَاحَ طَاعَةٌ ، وَحُضُورُهُ قُرْبَةٌ ، وَمُدَّتُهُ لَا تَتَطَاوَلُ ، فَيَتَشَاغَلُ بِهِ عَنْ الِاعْتِكَافِ ، فَلَمْ يُكْرَهْ فِيهِ ، كَتَشْمِيتِ الْعَاطِسِ ، وَرَدِّ السَّلَامِ .","part":6,"page":241},{"id":2741,"text":"( 2178 ) فَصْلٌ : وَلَا بَأْسَ أَنْ يَتَنَظَّفَ بِأَنْوَاعِ التَّنَظُّفِ ؛ { لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُرَجِّلُ رَأْسَهُ وَهُوَ مُعْتَكِفٌ .\rوَلَهُ أَنْ يَتَطَيَّبَ ، وَيَلْبَسَ الرَّفِيعَ مِنْ الثِّيَابِ } ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِمُسْتَحَبٍّ .\rقَالَ أَحْمَدُ : لَا يُعْجِبُنِي أَنْ يَتَطَيَّبَ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الِاعْتِكَافَ عِبَادَةٌ تَخْتَصُّ مَكَانًا ، فَكَانَ تَرْكُ الطِّيبِ فِيهَا مَشْرُوعًا كَالْحَجِّ .\rوَلَيْسَ ذَلِكَ بِمُحَرَّمٍ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُحَرِّمُ اللِّبَاسَ وَلَا النِّكَاحَ ، فَأَشْبَهَ الصَّوْمَ .","part":6,"page":242},{"id":2742,"text":"( 2179 ) فَصْلٌ : وَلَا بَأْسَ أَنْ يَأْكُلَ الْمُعْتَكِفُ فِي الْمَسْجِدِ ، وَيَضَعَ سُفْرَةً ، يَسْقُطُ عَلَيْهَا مَا يَقَعُ مِنْهُ ، كَيْ لَا يُلَوِّثَ الْمَسْجِدَ ، وَيَغْسِلَ يَدَهُ فِي الطَّسْتِ ، لِيُفَرَّغَ خَارِجَ الْمَسْجِدِ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَخْرُجَ لِغَسْلِ يَدِهِ ؛ لِأَنَّ لَهُ مِنْ ذَلِكَ بُدًّا .\rوَهَلْ يُكْرَهُ تَجْدِيدُ الطَّهَارَةِ فِي الْمَسْجِدِ ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ : إحْدَاهُمَا ، لَا يُكْرَهُ ؛ لِأَنَّ أَبَا الْعَالِيَةِ قَالَ : حَدَّثَنِي مَنْ كَانَ يَخْدُمُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : أَمَّا مَا حَفِظْت لَكُمْ مِنْهُ { ، أَنَّهُ كَانَ يَتَوَضَّأُ فِي الْمَسْجِدِ .\r} وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ، أَنَّهُ قَالَ : { كَانَ يَتَوَضَّأُ فِي الْمَسْجِد الْحَرَامِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ } .\rوَعَنْ ابْنِ سِيرِينَ ، قَالَ : كَانَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ ، وَالْخُلَفَاءُ يَتَوَضَّئُونَ فِي الْمَسْجِدِ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَعَطَاءٍ ، وَطَاوُسٍ ، وَابْنِ جُرَيْجٍ .\rوَالْأُخْرَى ، يُكْرَهُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَسْلَمُ مِنْ أَنْ يَبْصُقَ فِي الْمَسْجِدِ أَوْ يَتَمَخَّطَ ، وَالْبُصَاقُ فِي الْمَسْجِدِ خَطِيئَةٌ ، وَيَبُلُّ مِنْ الْمَسْجِدِ مَكَانًا يَمْنَعُ الْمُصَلِّينَ مِنْ الصَّلَاةِ فِيهِ .\rوَإِنْ خَرَجَ عَنْ الْمَسْجِدِ لِلْوُضُوءِ ، وَكَانَ تَجْدِيدًا ، بَطَلَ لِأَنَّهُ خُرُوجٌ لِمَا لَهُ مِنْهُ بُدٌّ ، وَإِنْ كَانَ وُضُوءًا مِنْ حَدَثٍ ، لَمْ يَبْطُلْ ؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ دَاعِيَةٌ إلَيْهِ ، سَوَاءٌ كَانَ فِي وَقْتِ الصَّلَاةِ أَوْ قَبْلَهَا ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الْوُضُوءِ لِلْمُحْدِثِ ، وَإِنَّمَا يَتَقَدَّمُ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ لِمَصْلَحَةٍ ، وَهُوَ كَوْنُهُ عَلَى وُضُوءٍ ، وَرُبَّمَا يَحْتَاجُ إلَى صَلَاةِ النَّافِلَةِ بِهِ .","part":6,"page":243},{"id":2743,"text":"( 2180 ) فَصْلٌ : إذَا أَرَادَ أَنْ يَبُولَ فِي الْمَسْجِدِ فِي طَسْتٍ ، لَمْ يُبَحْ لَهُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الْمَسَاجِدَ لَمْ تُبْنَ لِهَذَا ، وَهُوَ مِمَّا يَقْبُحُ وَيَفْحُشُ وَيُسْتَخْفَى بِهِ ، فَوَجَبَ صِيَانَةُ الْمَسْجِدِ عَنْهُ ، كَمَا لَوْ أَرَادَ أَنْ يَبُولَ فِي أَرْضِهِ ثُمَّ يَغْسِلَهُ ، وَإِنْ أَرَادَ الْفَصْدَ أَوْ الْحِجَامَةَ فِيهِ ، فَكَذَلِكَ .\rذَكَرَهُ الْقَاضِي ؛ لِأَنَّهُ إرَاقَةُ نَجَاسَةٍ فِي الْمَسْجِدِ ، فَأَشْبَهَ الْبَوْلَ فِيهِ .\rوَإِنْ دَعَتْ إلَيْهِ حَاجَةٌ كَبِيرَةٌ ، خَرَجَ مِنْ الْمَسْجِدِ فَفَعَلَهُ ، وَإِنْ اسْتَغْنَى عَنْهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ الْخُرُوجُ إلَيْهِ ، كَالْمَرَضِ الَّذِي يُمْكِنُ احْتِمَالُهُ وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ : يَحْتَمِلُ أَنْ يَجُوزَ الْفَصْدُ فِي الْمَسْجِدِ فِي طَسْتٍ ، بِدَلِيلِ أَنَّ الْمُسْتَحَاضَةَ يَجُوزُ لَهَا الِاعْتِكَافُ ، وَيَكُونُ تَحْتَهَا شَيْءٌ يَقَعُ فِيهِ الدَّمُ ، قَالَتْ عَائِشَةُ : { اعْتَكَفَتْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ امْرَأَةٌ مِنْ أَزْوَاجِهِ مُسْتَحَاضَةٌ ، فَكَانَتْ تَرَى الْحُمْرَةَ وَالصُّفْرَةَ ، وَرُبَّمَا وَضَعَتْ الطَّسْتَ تَحْتَهَا وَهِيَ تُصَلِّي } .\rرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْمُسْتَحَاضَةَ لَا يُمْكِنُهَا التَّحَرُّزُ مِنْ ذَلِكَ ، إلَّا بِتَرْكِ الِاعْتِكَافِ بِخِلَافِ الْفَصْدِ .","part":6,"page":244},{"id":2744,"text":"( 2181 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَالْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا وَهِيَ مُعْتَكِفَةٌ تَخْرُجُ لِقَضَاءِ الْعِدَّةِ ، وَتَفْعَلُ كَمَا فَعَلَ الَّذِي خَرَجَ لِفِتْنَةٍ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْمُعْتَكِفَةَ إذَا تُوُفِّيَ زَوْجُهَا لَزِمَهَا الْخُرُوجُ لِقَضَاءِ الْعِدَّةِ ، وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ رَبِيعَةُ ، وَمَالِكٌ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ : تَمْضِي فِي اعْتِكَافِهَا ، حَتَّى تَفْرُغَ مِنْهُ ، ثُمَّ تَرْجِعُ إلَى بَيْتِ زَوْجِهَا فَتَعْتَدُّ فِيهِ ؛ لِأَنَّ الِاعْتِكَافَ الْمَنْذُورَ وَاجِبٌ ، وَالِاعْتِدَادُ فِي الْبَيْتِ وَاجِبٌ ، فَقَدْ تَعَارَضَ وَاجِبَانِ فَيُقَدَّمُ أَسْبَقُهُمَا .\rوَلَنَا ، أَنَّ الِاعْتِدَادَ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا وَاجِبٌ ، فَلَزِمَهَا الْخُرُوجُ إلَيْهِ ، كَالْجُمُعَةِ فِي حَقِّ الرَّجُلِ .\rوَدَلِيلُهُمْ يَنْتَقِضُ بِالْخُرُوجِ إلَى الْجُمُعَةِ وَسَائِرِ الْوَاجِبَات ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ أَنَّهَا كَاَلَّذِي خَرَجَ لِفِتْنَةٍ ، وَأَنَّهَا تَبْنِي وَتَقْضِي وَتُكَفِّرُ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهَا ؛ لِأَنَّ خُرُوجَهَا وَاجِبٌ .\rوَقَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِيهِ .\r( 2182 ) فَصْلٌ : وَلَيْسَ لِلزَّوْجَةِ أَنْ تَعْتَكِفَ إلَّا بِإِذْنِ زَوْجِهَا ، وَلَا لِلْمَمْلُوكِ أَنْ يَعْتَكِفَ إلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ ؛ لِأَنَّ مَنَافِعَهُمَا مَمْلُوكَةٌ لِغَيْرِهِمَا ، وَالِاعْتِكَافُ يُفَوِّتُهَا ، وَيَمْنَعُ اسْتِيفَاءَهَا ، وَلَيْسَ بِوَاجِبِ عَلَيْهِمَا بِالشَّرْعِ ، فَكَانَ لَهُمَا الْمَنْعُ مِنْهُ .\rوَأُمُّ الْوَلَد وَالْمُدَبَّرُ كَالْقِنِّ فِي هَذَا ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ بَاقٍ فِيهِمَا ، فَإِنْ أَذِنَ السَّيِّدُ وَالزَّوْجُ لَهُمَا ، ثُمَّ أَرَادَ إخْرَاجَهُمَا مِنْهُ بَعْدَ شُرُوعِهِمَا فِيهِ ، فَلَهُمَا ذَلِكَ فِي التَّطَوُّعِ .\rوَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي الْعَبْدِ كَقَوْلِنَا ، وَفِي الزَّوْجَةِ : لَيْسَ لِزَوْجِهَا إخْرَاجُهَا ؛ لِأَنَّهَا تَمْلِكُ بِالتَّمْلِيكِ ، فَالْإِذْنُ أَسْقَطَ حَقَّهُ مِنْ مَنَافِعِهَا ، وَأَذِنَ لَهَا فِي اسْتِيفَائِهَا ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ الرُّجُوعُ فِيهَا ، كَمَا لَوْ أَذِنَ لَهَا فِي الْحَجِّ فَأَحْرَمَتْ بِهِ ، بِخِلَافِ الْعَبْدِ ؛ فَإِنَّهُ","part":6,"page":245},{"id":2745,"text":"لَا يَمْلِكُ بِالتَّمْلِيكِ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : لَيْسَ لَهُ تَحْلِيلُهُمَا ؛ لِأَنَّهُمَا عَقَدَا عَلَى أَنْفُسِهِمَا تَمْلِيكَ مَنَافِعَ كَانَا يَمْلِكَانِهَا لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى ، فَلَمْ يَجُزْ الرُّجُوعُ فِيهَا ، كَمَا لَوْ أَحْرَمَا بِالْحَجِّ بِإِذْنِهِمَا .\rوَلَنَا ، أَنَّ لَهُمَا الْمَنْعَ مِنْهُ ابْتِدَاءً ، فَكَانَ لَهُمَا الْمَنْعُ مِنْهُ دَوَامًا ، كَالْعَارِيَّةِ ، وَيُخَالِفُ الْحَجَّ ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ بِالشُّرُوعِ فِيهِ ، بِخِلَافِ الِاعْتِكَافِ عَلَى مَا مَضَى مِنْ الْخِلَافِ فِيهِ ، فَإِنْ كَانَ مَا أُذِنَا فِيهِ مَنْذُورًا ، لَمْ يَكُنْ لَهُمَا تَحْلِيلُهُمَا مِنْهُ ؛ لِأَنَّهُ يَتَعَيَّنُ بِالشُّرُوعِ فِيهِ ، وَيَجِبُ إتْمَامُهُ ، فَيَصِيرُ كَالْحَجِّ إذَا أَحْرَمَا بِهِ .\rفَأَمَّا إنْ نَذَرَا الِاعْتِكَافَ ، فَأَرَادَ السَّيِّدُ وَالزَّوْجُ مَنْعَهُمَا الدُّخُولَ فِيهِ نَظَرْت ، فَإِنْ كَانَ النَّذْرُ بِإِذْنِهِمَا ، وَكَانَ مُعَيَّنًا ، لَمْ يَمْلِكَا مَنْعَهُمَا مِنْهُ ؛ لِأَنَّهُ وَجَبَ بِإِذْنِهِمَا ، وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ إذْنِهِمَا ، فَلَهُمَا مَنْعُهُمَا مِنْهُ ؛ لِأَنَّ نَذْرَهُمَا تَضَمَّنَ تَفْوِيتَ حَقِّ غَيْرِهِمَا بِغَيْرِ إذْنِهِ ، فَكَانَ لِصَاحِبِ الْحَقِّ الْمَنْعُ مِنْهُ .\rوَإِنْ كَانَ النَّذْرُ الْمَأْذُونُ فِيهِ غَيْرَ مُعَيَّنٍ ، فَهَلْ لَهُمَا مَنْعُهُمَا ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، لَهُمَا مَنْعُهُمَا ؛ لِأَنَّ حَقَّهُمَا ثَابِتٌ فِي كُلِّ زَمَنٍ ، فَكَانَ تَعْيِينُ زَمَنِ سُقُوطِهِ إلَيْهِمَا كَالدَّيْنِ .\rوَالثَّانِي ، لَيْسَ لَهُمَا ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ وَجَبَ الْتِزَامُهُ بِإِذْنِهِمَا ، فَأَشْبَهَ الْمُعَيَّنَ .\rوَأَمَّا الْمُعْتَقُ بَعْضُهُ ، فَإِنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَيِّدِهِ مُهَايَأَةٌ ، فَلَهُ أَنْ يَعْتَكِفَ فِي يَوْمِهِ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ ؛ لِأَنَّ مَنَافِعَهُ غَيْرُ مَمْلُوكَةٍ لِسَيِّدِهِ فِي هَذَا الْيَوْمِ ، وَحُكْمُهُ فِي يَوْمِ سَيِّدِهِ حُكْمُ الْقِنَّ .\rفَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا مُهَايَأَةٌ ، فَلِسَيِّدِهِ مَنْعَهُ ؛ لِأَنَّ لَهُ مِلْكًا فِي مَنَافِعِهِ فِي كُلِّ وَقْتٍ .\r( 2183 ) فَصْلٌ : وَأَمَّا الْمُكَاتَبُ ، فَلَيْسَ لِسَيِّدِهِ مَنْعُهُ مِنْ وَاجِبٍ وَلَا تَطَوُّعٍ ؛","part":6,"page":246},{"id":2746,"text":"لِأَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ مَنَافِعَهُ ، وَلَيْسَ لَهُ إجْبَارُهُ عَلَى الْكَسْبِ ، وَإِنَّمَا لَهُ دَيْنٌ فِي ذِمَّتِهِ ، فَهُوَ كَالْحُرِّ الْمَدِينِ .","part":6,"page":247},{"id":2747,"text":"( 2184 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَإِذَا حَاضَتْ الْمَرْأَةُ ، خَرَجَتْ مِنْ الْمَسْجِدِ ، وَضَرَبَتْ خِبَاءً فِي الرَّحْبَةِ ) أَمَّا خُرُوجُهَا مِنْ الْمَسْجِدِ ، فَلَا خِلَافَ فِيهِ ؛ لِأَنَّ الْحَيْضَ حَدَثٌ يَمْنَعُ اللُّبْثَ فِي الْمَسْجِدِ ، فَهُوَ كَالْجَنَابَةِ ، وَآكَدُ مِنْهُ ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا أُحِلُّ الْمَسْجِدَ لِحَائِضٍ ، وَلَا جُنُبٍ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِنَّ الْمَسْجِدَ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ رَحْبَةٌ ، رَجَعَتْ إلَى بَيْتِهَا ، فَإِذَا طَهُرَتْ رَجَعَتْ فَأَتَمَّتْ اعْتِكَافَهَا ، وَقَضَتْ مَا فَاتَهَا ، وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهَا .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ؛ لِأَنَّهُ خُرُوجٌ مُعْتَادٌ وَاجِبٌ ، أَشْبَهَ الْخُرُوجَ لِلْجُمُعَةِ ، أَوْ لِمَا لَا بُدَّ مِنْهُ .\rوَإِنْ كَانَتْ لَهُ رَحْبَةٌ خَارِجَةٌ مِنْ الْمَسْجِدِ ، يُمْكِنُ أَنْ تَضْرِبَ فِيهَا خِبَاءَهَا ، فَقَالَ الْخِرَقِيِّ : تَضْرِبُ خِبَاءَهَا فِيهَا مُدَّةَ حَيْضِهَا .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي قِلَابَةَ .\rوَقَالَ النَّخَعِيُّ : تَضْرِبُ فُسْطَاطَهَا فِي دَارِهَا ، فَإِذَا طَهُرَتْ قَضَتْ تِلْكَ الْأَيَّامَ ، وَإِنْ دَخَلَتْ بَيْتًا أَوْ سَقْفًا اسْتَأْنَفَتْ .\rوَقَالَ الزُّهْرِيُّ ، وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ ، وَرَبِيعَةُ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ : تَرْجِعُ إلَى مَنْزِلِهَا ، فَإِذَا طَهُرَتْ فَلْتَرْجِعْ ؛ لِأَنَّهُ وَجَبَ عَلَيْهَا الْخُرُوجُ مِنْ الْمَسْجِدِ ، فَلَمْ يَلْزَمْهَا الْإِقَامَةُ فِي رَحْبَتِهِ ، كَالْخَارِجَةِ لِعِدَّةٍ ، أَوْ خَوْفِ فِتْنَةٍ .\rوَوَجْهُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ مَا رَوَى الْمِقْدَامُ بْنُ شُرَيْحٍ ، عَنْ عَائِشَةَ ، قَالَتْ : { كُنَّ الْمُعْتَكِفَاتُ إذَا حِضْنَ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِإِخْرَاجِهِنَّ مِنْ الْمَسْجِدِ ، وَأَنْ يَضْرِبْنَ الْأَخْبِيَةَ فِي رَحْبَةِ الْمَسْجِدِ ، حَتَّى يَطْهُرْنَ } .\rرَوَاهُ أَبُو حَفْصٍ بِإِسْنَادِهِ .\rوَفَارَقَ الْمُعْتَدَّةَ ، فَإِنَّ خُرُوجَهَا لِتُقِيمَ فِي بَيْتِهَا وَتَعْتَدَّ فِيهِ ، وَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ مَعَ الْكَوْنِ فِي الرَّحْبَةِ ، وَكَذَلِكَ الْخَائِفَةُ مِنْ الْفِتْنَةِ خُرُوجُهَا لِتَسْلَم مِنْ الْفِتْنَةِ","part":6,"page":248},{"id":2748,"text":"، فَلَا تُقِيمُ فِي مَوْضِعٍ لَا تَحْصُلُ السَّلَامَةُ بِالْإِقَامَةِ فِيهِ .\rوَالظَّاهِرُ أَنَّ إقَامَتَهَا فِي الرَّحْبَةِ مُسْتَحَبٌّ وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ .\rوَإِنْ لَمْ تُقِمْ فِي الرَّحْبَةِ ، وَرَجَعَتْ إلَى مَنْزِلِهَا أَوْ غَيْرِهِ ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهَا ؛ لِأَنَّهَا خَرَجَتْ بِإِذْنِ الشَّرْعِ .\rوَمَتَى طَهُرَتْ رَجَعَتْ إلَى الْمَسْجِدِ ، فَقَضَتْ وَبَنَتْ ، وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهَا .\rلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا ؛ لِأَنَّهُ خُرُوجٌ لِعُذْرٍ مُعْتَادٍ ، أَشْبَهَ الْخُرُوجَ لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ ، وَقَوْلُ إبْرَاهِيمَ تَحَكُّمٌ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ .\r( 2185 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا الِاسْتِحَاضَةُ فَلَا تَمْنَعُ الِاعْتِكَافَ ؛ لِأَنَّهَا لَا تَمْنَعُ الصَّلَاةَ وَلَا الطَّوَافَ ، وَقَدْ قَالَتْ عَائِشَةُ { : اعْتَكَفَتْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ امْرَأَةٌ مِنْ أَزْوَاجِهِ مُسْتَحَاضَةٌ ، فَكَانَتْ تَرَى الْحُمْرَةَ وَالصُّفْرَةَ ، وَرُبَّمَا وَضَعْنَا الطَّسْتَ تَحْتَهَا وَهِيَ تُصَلِّي } .\rأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِنَّهَا تَتَحَفَّظُ وَتَتَلَجَّمُ ، لِئَلَّا تُلَوِّثَ الْمَسْجِدَ ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ صِيَانَتُهُ مِنْهَا خَرَجَتْ مِنْ الْمَسْجِدِ ؛ لِأَنَّهُ عُذْرٌ وَخُرُوجٌ لِحِفْظِ الْمَسْجِدِ مِنْ نَجَاسَتِهَا ، فَأَشْبَهَ الْخُرُوجَ لِقَضَاءِ حَاجَةِ الْإِنْسَانِ .\r( 2186 ) فَصْلٌ : الْخُرُوجُ الْمُبَاحُ فِي الِاعْتِكَافِ الْوَاجِبِ يَنْقَسِمُ أَرْبَعَةَ أَقْسَامٍ أَحَدُهَا ، مَا لَا يُوجِبُ قَضَاءً وَلَا كَفَّارَةً ، وَهُوَ الْخُرُوجُ لِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ ، وَشِبْهُهُ مِمَّا لَا بُدَّ مِنْهُ .\rوَالثَّانِي : مَا يُوجِبُ قَضَاءً بِلَا كَفَّارَةٍ ، وَهُوَ الْخُرُوجُ لِلْحَيْضِ .\rوَالثَّالِثُ ، مَا يُوجِبُ قَضَاءً وَكَفَّارَةً ، وَهُوَ الْخُرُوجُ لِفِتْنَةٍ ، وَشِبْهُهُ مِمَّا يَخْرُجُ لِحَاجَةِ نَفْسِهِ .\rوَالرَّابِعُ ، مَا يُوجِبُ قَضَاءً وَفِي الْكَفَّارَةِ وَجْهَانِ ، وَهُوَ الْخُرُوجُ لَوَاجِبٍ ، كَالْخُرُوجِ فِي النَّفِيرِ ، أَوْ الْعِدَّةِ .\rفَفِي قَوْلِ الْقَاضِي ، لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ وَاجِبٌ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى ، أَشْبَهَ الْخُرُوجَ لِلْحَيْضِ .\rوَظَاهِرُ كَلَامِ","part":6,"page":249},{"id":2749,"text":"الْخِرَقِيِّ وُجُوبُهَا ؛ لِأَنَّهُ خُرُوجٌ غَيْرَ مُعْتَادٍ ، فَأَوْجَبَ الْكَفَّارَةَ كَالْخُرُوجِ لِفِتْنَةٍ .","part":6,"page":250},{"id":2750,"text":"( 2187 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْتَكِفَ شَهْرًا بِعَيْنِهِ ، دَخَلَ الْمَسْجِدَ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ ) وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ .\rوَحَكَى ابْنُ أَبِي مُوسَى عَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةً أُخْرَى ، أَنَّهُ يَدْخُلُ مُعْتَكَفَهُ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ مِنْ أَوَّلِهِ .\rوَهُوَ قَوْلُ اللَّيْثِ ، وَزُفَرَ { لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إذَا أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ صَلَّى الصُّبْحَ ، ثُمَّ دَخَلَ مُعْتَكَفَهُ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : { فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ } .\rوَلَا يَلْزَمُ الصَّوْمُ إلَّا مِنْ قَبْلِ طُلُوعِ الْفَجْرِ .\rوَلِأَنَّ الصَّوْمَ شَرْطٌ فِي الِاعْتِكَافِ ، فَلَمْ يَجُزْ ابْتِدَاؤُهُ قَبْلَ شَرْطِهِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ نَذَرَ الشَّهْرَ ، وَأَوَّلُهُ غُرُوبُ الشَّمْسِ ، وَلِهَذَا تَحِلُّ الدُّيُونُ الْمُعَلَّقَةُ بِهِ ، وَيَقَعُ الطَّلَاقُ وَالْعَتَاقُ الْمُعَلَّقَانِ بِهِ ، وَوَجَبَ أَنْ يَدْخُلَ قَبْلَ الْغُرُوبِ لِيَسْتَوْفِيَ جَمِيعَ الشَّهْرِ ، فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُ إلَّا بِذَلِكَ ، وَمَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ ، كَإِمْسَاكِ جُزْءٍ مِنْ اللَّيْلِ مَعَ النَّهَارِ فِي الصَّوْمِ ، وَأَمَّا الصَّوْمُ فَإِنَّ مَحَلَّهُ النَّهَارُ ، فَلَا يَدْخُلُ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ اللَّيْلِ فِي أَثْنَائِهِ وَلَا ابْتِدَائِهِ ، إلَّا مَا حَصَلَ ضَرُورَةً ، بِخِلَافِ الِاعْتِكَافِ .\rوَأَمَّا الْحَدِيثُ فَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : لَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ الْفُقَهَاءِ قَالَ بِهِ .\rعَلَى أَنَّ الْخَبَرَ إنَّمَا هُوَ فِي التَّطَوُّعِ ، فَمَتَى شَاءَ دَخَلَ ، وَفِي مَسْأَلَتِنَا نَذَرَ شَهْرًا ، فَيَلْزَمُهُ اعْتِكَافُ شَهْرٍ كَامِلٍ ، وَلَا يَحْصُلُ إلَّا أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ مِنْ أَوَّلِهِ ، وَيَخْرُجَ بَعْدَ غُرُوبِهَا مِنْ آخِرِهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ نَذَرَ اعْتِكَافَ يَوْمٍ ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ الدُّخُولُ فِيهِ قَبْلَ طُلُوعِ فَجْرِهِ ، وَيَخْرُجُ بَعْدَ غُرُوبِ شَمْسِهِ .\r( 2188 ) فَصْلٌ : وَإِنْ أَحَبَّ اعْتِكَافَ الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ تَطَوُّعًا ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ :","part":6,"page":251},{"id":2751,"text":"إحْدَاهُمَا ، يَدْخُلُ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ مِنْ لَيْلَةِ إحْدَى وَعِشْرِينَ ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ { ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الْأَوْسَطَ مِنْ رَمَضَانَ ، حَتَّى إذَا كَانَ لَيْلَةَ إحْدَى وَعِشْرِينَ ، وَهِيَ اللَّيْلَةُ الَّتِي يَخْرُجُ فِي صَبِيحَتِهَا مِنْ اعْتِكَافِهِ ، قَالَ : مَنْ كَانَ اعْتَكَفَ مَعِي ، فَلْيَعْتَكِفْ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَلِأَنَّ الْعَشْرَ بِغَيْرِ هَاءٍ عَدَدُ اللَّيَالِي ، فَإِنَّهَا عَدَدُ الْمُؤَنَّثِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَلَيَالٍ عَشْرٍ } .\rوَأَوَّلُ اللَّيَالِي الْعَشْرِ لَيْلَةُ إحْدَى وَعِشْرِينَ .\rوَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ ، يَدْخُلُ بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ .\rقَالَ حَنْبَلٌ ، قَالَ أَحْمَدُ : أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَدْخُلَ قَبْلَ اللَّيْلِ ، وَلَكِنْ حَدِيثُ عَائِشَةَ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُصَلِّي الْفَجْرَ ، ثُمَّ يَدْخُلُ مُعْتَكَفَهُ } .\rوَبِهَذَا قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ .\rوَوَجْهُهُ مَا رَوَتْ عَمْرَةُ ، عَنْ عَائِشَةَ { ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إذَا صَلَّى الصُّبْحَ دَخَلَ مُعْتَكَفَهُ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَإِنْ نَذَرَ اعْتِكَافَ الْعَشْرِ ، فَفِي وَقْتِ دُخُولِهِ الرِّوَايَتَانِ جَمِيعًا .\r( 2189 ) فَصْلٌ : وَمَنْ اعْتَكَفَ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ ، اُسْتُحِبَّ أَنْ يَبِيتَ لَيْلَةَ الْعِيدِ فِي مُعْتَكَفِهِ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .\rوَرُوِيَ عَنْ النَّخَعِيِّ ، وَأَبِي مِجْلَزٍ ، وَأَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَالْمُطَّلِبِ بْنِ حَنْطَبٍ ، وَأَبِي قِلَابَةَ ، أَنَّهُمْ كَانُوا يَسْتَحِبُّونَ ذَلِكَ .\rوَرَوَى الْأَثْرَمُ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ ، أَنَّهُ كَانَ يَبِيتُ فِي الْمَسْجِدِ لَيْلَةَ الْفِطْرِ ، ثُمَّ يَغْدُو كَمَا هُوَ إلَى الْعِيدِ ، وَكَانَ - يَعْنِي فِي اعْتِكَافِهِ - لَا يُلْقَى لَهُ حَصِيرٌ وَلَا مُصَلًّى يَجْلِسُ عَلَيْهِ ، كَانَ يَجْلِسُ كَأَنَّهُ بَعْضُ الْقَوْمِ .\rقَالَ : فَأَتَيْته فِي يَوْمِ الْفِطْرِ ، فَإِذَا فِي حِجْرِهِ جُوَيْرِيَةٌ","part":6,"page":252},{"id":2752,"text":"مُزَيَّنَةٌ مَا ظَنَنْتهَا إلَّا بَعْضَ بَنَاتِهِ ، فَإِذَا هِيَ أَمَةٌ لَهُ ، فَأَعْتَقَهَا ، وَغَدَا كَمَا هُوَ إلَى الْعِيدِ .\rوَقَالَ إبْرَاهِيمُ : كَانُوا يُحِبُّونَ لِمَنْ اعْتَكَفَ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ ، أَنْ يَبِيتَ لَيْلَةَ الْفِطْرِ فِي الْمَسْجِدِ ، ثُمَّ يَغْدُوَ إلَى الْمُصَلَّى مِنْ الْمَسْجِدِ .\r( 2190 ) فَصْلٌ : وَإِذَا نَذَرَ اعْتِكَافَ شَهْرٍ ، لَزِمَهُ شَهْرٌ بِالْأَهِلَّةِ ، أَوْ ثَلَاثُونَ يَوْمًا .\rوَهَلْ يَلْزَمُهُ .\rالتَّتَابُعُ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ ؛ بِنَاءً عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي نَذْرِ الصَّوْمِ .\rأَحَدُهُمَا ، لَا يَلْزَمُهُ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ مَعْنًى يَصِحُّ فِيهِ التَّفْرِيقُ ، فَلَا يَجِبُ فِيهِ التَّتَابُعُ بِمُطْلَقِ النَّذْرِ ، كَالصِّيَامِ .\rوَالثَّانِي ، يَلْزَمُهُ التَّتَابُعُ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : يَلْزَمُهُ التَّتَابُعُ قَوْلًا وَاحِدًا ؛ لِأَنَّهُ مَعْنًى يَحْصُلُ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ، فَإِذَا أَطْلَقَهُ اقْتَضَى التَّتَابُعَ ، كَمَا لَوْ حَلَفَ لَا يُكَلِّمُ زَيْدًا شَهْرًا ، وَكَمُدَّةِ الْإِيلَاءِ وَالْعُنَّةِ وَالْعِدَّةِ .\rوَبِهَذَا فَارَقَ الصِّيَامَ ، فَإِنْ أَتَى بِشَهْرٍ بَيْنَ هِلَالَيْنِ ، أَجْزَأْهُ ذَلِكَ ، وَإِنْ كَانَ نَاقِصًا .\rوَإِنْ اعْتَكَفَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا مِنْ شَهْرَيْنِ ، جَازَ ، وَتَدْخُلُ فِيهِ اللَّيَالِي ؛ لِأَنَّ الشَّهْرَ عِبَارَةٌ عَنْهُمَا ، وَلَا يُجْزِئُهُ أَقَلُّ مِنْ ذَلِكَ .\rوَإِنْ قَالَ : لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَعْتَكِفَ أَيَّامَ هَذَا الشَّهْرِ ، أَوْ لَيَالِيَ هَذَا الشَّهْرِ .\rلَزِمَهُ مَا نَذَرَ ، وَلَمْ يَدْخُلْ فِيهِ غَيْرُهُ .\rوَكَذَلِكَ إنْ قَالَ : شَهْرًا فِي النَّهَارِ ، أَوْ فِي اللَّيْلِ .\r( 2191 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَالَ : لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَعْتَكِفَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا .\rفَعَلَى قَوْلِ الْقَاضِي ، يَلْزَمُهُ التَّتَابُعُ .\rوَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : لَا يَلْزَمُهُ ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ يَقْتَضِي مَا تَنَاوَلَهُ ، وَالْأَيَّامُ الْمُطْلَقَةُ تُوجَدُ بِدُونِ التَّتَابُعِ ، فَلَا يَلْزَمُهُ ، كَمَا لَوْ قَالَ : لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَصُومَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا .\rفَعَلَى قَوْلِ الْقَاضِي","part":6,"page":253},{"id":2753,"text":": يَدْخُلُ فِيهِ اللَّيَالِي الدَّاخِلَةُ فِي الْأَيَّامِ الْمَنْذُورَةِ ، كَمَا لَوْ نَذَرَ شَهْرًا .\rوَمَنْ لَمْ يُوجِبْ التَّتَابُعَ لَا يَقْتَضِي أَنْ تَدْخُلَ اللَّيَالِي فِيهِ ، إلَّا أَنْ يَنْوِيَهُ .\rفَإِنْ نَوَى التَّتَابُعَ ، أَوْ شَرَطَهُ ، لَزِمَهُ ، وَدَخَلَ اللَّيْلُ فِيهِ ، وَيَلْزَمُهُ مَا بَيْنَ الْأَيَّامِ مِنْ اللَّيَالِي .\rوَبِهِ قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَلْزَمُهُ مِنْ اللَّيَالِي بِعَدَدِ الْأَيَّامِ ، إذَا كَانَ عَلَى وَجْهِ الْجَمْعِ وَالتَّثْنِيَةِ ، يَدْخُلُ فِيهِ مِثْلُهُ مِنْ اللَّيَالِي ، وَاللَّيَالِي تَدْخُلُ مَعَهَا الْأَيَّامُ ، بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى : { آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا } .\rوَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ : { ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إلَّا رَمْزًا } .\rوَلَنَا ، أَنَّ الْيَوْمَ اسْمٌ لِبَيَاضِ النَّهَارِ ، وَالتَّثْنِيَةُ وَالْجَمْعُ تَكْرَارٌ لِلْوَاحِدِ ، وَإِنَّمَا تَدْخُلَ اللَّيَالِي تَبَعًا لِوُجُوبِ التَّتَابُعِ ضِمْنًا ، وَهَذَا يَحْصُلُ بِمَا بَيْنَ الْأَيَّامِ خَاصَّةً ، فَاكْتُفِيَ بِهِ .\rوَأَمَّا الْآيَةُ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى نَصَّ عَلَى اللَّيْلِ فِي مَوْضِعٍ وَالنَّهَارِ فِي مَوْضِعٍ ، فَصَارَ مَنْصُوصًا عَلَيْهِمَا .\rفَإِنْ نَذَرَ اعْتِكَافَ يَوْمَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ ، لَزِمَهُ يَوْمَانِ وَلَيْلَةٌ بَيْنَهُمَا .\rوَإِنْ نَذَرَ اعْتِكَافَ يَوْمَيْنِ مُطْلَقًا ، فَعَلَى قَوْلِ الْقَاضِي ، هُوَ كَمَا لَوْ نَذَرَهُمَا مُتَتَابِعَيْنِ .\rوَكَذَلِكَ لَوْ نَذَرَ لَيْلَتَيْنِ ، لَزِمَهُ الْيَوْمُ الَّذِي بَيْنَهُمَا ، وَعَلَى قَوْلِ أَبِي الْخَطَّابِ لَا يَلْزَمُهُ التَّتَابُعُ ، وَلَا مَا بَيْنَهُمَا ، إلَّا بِلَفْظِهِ أَوْ نِيَّتِهِ .\r( 2192 ) فَصْلٌ : وَإِنْ نَذَرَ اعْتِكَافَ يَوْمٍ ، لَمْ يَجُزْ تَفْرِيقُهُ ، وَيَلْزَمُهُ أَنْ يَدْخُلُ مُعْتَكَفَهُ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ ، وَيَخْرُجَ مِنْهُ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : يَدْخُلُ مُعْتَكَفَهُ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ مِنْ لَيْلَةِ ذَلِكَ الْيَوْمِ ، كَقَوْلِنَا فِي الشَّهْرِ ؛ لِأَنَّ اللَّيْلَ يَتْبَعُ النَّهَارَ ، بِدَلِيلِ مَا لَوْ كَانَ مُتَتَابِعًا .\rوَلَنَا ، أَنَّ اللَّيْلَةَ","part":6,"page":254},{"id":2754,"text":"لَيْسَتْ مِنْ الْيَوْمِ ، وَهِيَ مِنْ الشَّهْرِ .\rقَالَ الْخَلِيلُ : الْيَوْمُ اسْمٌ لِمَا بَيْنَ طُلُوعِ الْفَجْرِ وَغُرُوبِ الشَّمْسِ .\rوَإِنَّمَا دَخَلَ اللَّيْلُ فِي الْمُتَتَابِعِ ضِمْنًا ، وَلِهَذَا خَصَّصْنَاهُ بِمَا بَيْنَ الْأَيَّامِ .\rوَإِنْ نَذَرَ اعْتِكَافَ لَيْلَةٍ ، لَزِمَهُ دُخُولُ مُعْتَكَفِهِ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ ، وَيَخْرُجُ مِنْهُ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ ، وَلَيْسَ لَهُ تَفْرِيقُ الِاعْتِكَافِ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَهُ تَفْرِيقُهُ .\rهَذَا ظَاهِرُ كَلَامِهِ ، قِيَاسًا عَلَى تَفْرِيقِ الشَّهْرِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ إطْلَاقَ الْيَوْمِ يُفْهَمُ مِنْهُ التَّتَابُعُ ، فَيَلْزَمُهُ ، كَمَا لَوْ قَالَ : مُتَتَابِعًا .\rوَفَارَقَ الشَّهْرَ ، فَإِنَّهُ اسْمٌ لِمَا بَيْنَ الْهِلَالَيْنِ ، وَاسْمٌ لِثَلَاثِينَ يَوْمًا ، وَاسْمٌ لِغَيْرِ ذَلِكَ ، وَالْيَوْمُ لَا يَقَعُ فِي الظَّاهِرِ إلَّا عَلَى مَا ذَكَرْنَا .\rوَإِنْ قَالَ فِي وَسَطِ النَّهَارِ : لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَعْتَكِفَ يَوْمًا مِنْ وَقْتِي هَذَا .\rلَزِمَهُ الِاعْتِكَافُ مِنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ إلَى مِثْلِهِ ، وَيَدْخُلُ فِيهِ اللَّيْلُ ؛ لِأَنَّهُ فِي خِلَالِ نَذْرِهِ ، فَصَارَ كَمَا لَوْ نَذَرَ يَوْمَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ ، وَإِنَّمَا لَزِمَهُ بَعْضُ يَوْمَيْنِ لِتَعْيِينِهِ ذَلِكَ بِنَذْرِهِ ، فَعَلِمْنَا أَنَّهُ أَرَادَ ذَلِكَ ، وَلَمْ يُرِدْ يَوْمًا صَحِيحًا .\r( 2193 ) فَصْلٌ : وَإِنْ نَذَرَ اعْتِكَافًا مُطْلَقًا ، لَزِمَهُ مَا يُسَمَّى بِهِ مُعْتَكِفًا ، وَلَوْ سَاعَةً مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ ، إلَّا عَلَى قَوْلِنَا بِوُجُوبِ الصَّوْمِ فِي الِاعْتِكَافِ ، فَيَلْزَمُهُ يَوْمٌ كَامِلٌ ، فَأَمَّا اللَّحْظَةُ ، وَمَا لَا يُسَمَّى بِهِ مُعْتَكِفًا ، فَلَا يُجْزِئُهُ ، عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ جَمِيعًا .\r( 2194 ) فَصْلٌ : وَلَا يَتَعَيَّنُ شَيْءٌ مِنْ الْمَسَاجِدِ بِنَذْرِهِ الِاعْتِكَافَ فِيهِ ، إلَّا الْمَسَاجِدَ الثَّلَاثَةَ ، وَهِيَ الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ ، وَمَسْجِدُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَالْمَسْجِدُ الْأَقْصَى ؛ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلَّا إلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ : الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ، ،","part":6,"page":255},{"id":2755,"text":"وَالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى ، وَمَسْجِدِي هَذَا } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَلَوْ تَعَيَّنَ غَيْرُهَا بِتَعْيِينِهِ ، لَزِمَهُ الْمُضِيُّ إلَيْهِ ، وَاحْتَاجَ إلَى شَدِّ الرِّحَال لِقَضَاءِ نَذْرِهِ فِيهِ ، وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يُعَيِّنْ لِعِبَادَتِهِ مَكَانًا ، فَلَمْ يَتَعَيَّنْ بِتَعْيِينِ غَيْرِهِ .\rوَإِنَّمَا تَعَيَّنَتْ هَذِهِ الْمَسَاجِدُ الثَّلَاثَةُ لِلْخَبَرِ الْوَارِدِ فِيهَا ، وَلِأَنَّ الْعِبَادَةَ فِيهَا أَفْضَلُ ، فَإِذَا عَيَّنَ مَا فِيهِ فَضِيلَةٌ ، لَزِمَتْهُ ، كَأَنْوَاعِ الْعِبَادَةِ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي صَحِيحِ قَوْلَيْهِ .\rوَقَالَ فِي الْآخَرِ : لَا يَتَعَيَّنُ الْمَسْجِدُ الْأَقْصَى ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { : صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ ، إلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ } .\rرَوَاهُ مُسْلِمٌ .\rوَهَذَا يَدُلُّ عَلَى التَّسْوِيَةِ ، فِيمَا عَدَا هَذَيْنِ الْمَسْجِدَيْنِ .\rلِأَنَّ الْمَسْجِدَ الْأَقْصَى لَوْ فُضِّلَتْ الصَّلَاةُ فِيهِ عَلَى غَيْرِهِ لَلَزِمَ أَحَدُ أَمْرَيْنِ ؛ إمَّا خُرُوجُهُ مِنْ عُمُومِ هَذَا الْحَدِيثِ ، وَإِمَّا كَوْنُ فَضِيلَتِهِ بِأَلْفٍ مُخْتَصًّا بِالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ مِنْ الْمَسَاجِدِ الَّتِي تُشَدُّ الرِّحَال إلَيْهَا ، فَتَعَيَّنَ بِالتَّعْيِينِ فِي النَّذْرِ ، كَمَسْجِدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا ذَكَرُوهُ لَا يَلْزَمُ ، فَإِنَّهُ إذَا فُضِّلَ الْفَاضِلُ بِأَلْفٍ ، فَقَدْ فُضِّلَ الْمَفْضُولُ بِهَا أَيْضًا .\r( 2195 ) فَصْلٌ : وَإِنْ نَذَرَ الِاعْتِكَافَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ الِاعْتِكَافُ فِيمَا سِوَاهُ ؛ لِأَنَّهُ أَفْضَلُهَا ، وَلِأَنَّ عُمَرَ { نَذَرَ أَنْ يَعْتَكِفَ لَيْلَةً فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، فَسَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ فَقَالَ : أَوْفِ بِنَذْرِك } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَإِنْ نَذَرَ أَنْ يَعْتَكِفَ فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، جَازَ لَهُ أَنْ يَعْتَكِفَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ؛ لِأَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْهُ ، وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَعْتَكِفَ فِي","part":6,"page":256},{"id":2756,"text":"الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى ؛ لِأَنَّ مَسْجِدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَفْضَلُ مِنْهُ .\rوَقَالَ قَوْمٌ : مَسْجِدُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَفْضَلُ مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّمَا دُفِنَ فِي خَيْرِ الْبِقَاعِ ، وَقَدْ نَقَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ مَكَّةَ إلَى الْمَدِينَةِ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهَا أَفْضَلُ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ ، إلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامِ } .\rوَرُوِيَ فِي خَبَرٍ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ { : صَلَاةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَفْضَلُ مِنْ مِائَةِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ } .\rرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ .\rفَيَدْخُلُ فِي عُمُومِهِ مَسْجِدُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَكُونُ الصَّلَاةُ فِيهِ أَفْضَلَ مِنْ مِائَةِ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَى مَسْجِدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rفَأَمَّا إنْ نَذَرَ الِاعْتِكَافَ فِي الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى ، جَازَ لَهُ أَنْ يَعْتَكِفَ فِي الْمَسْجِدَيْنِ الْآخَرَيْنِ ؛ لِأَنَّهُمَا أَفْضَلُ مِنْهُ .\rوَقَدْ رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ ، فِي ( مُسْنَدِهِ ) ، عَنْ رِجَالٍ مِنْ الْأَنْصَارِ ، مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { ، أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الْفَتْحِ ، وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَجْلِسٍ قَرِيبًا مِنْ الْمَقَامِ ، فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ : يَا نَبِيَّ اللَّهِ ، إنِّي نَذَرْت لَئِنْ فَتَحَ اللَّهُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُؤْمِنِينَ مَكَّةَ ، لَأُصَلِّيَنَّ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ ، وَإِنِّي وَجَدْت رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الشَّامِ هَاهُنَا فِي قُرَيْشٍ ، مُقْبِلًا مَعِي وَمُدْبِرًا .\rفَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هَاهُنَا فَصَلِّ .\rفَقَالَ الرَّجُلُ قَوْلَهُ هَذَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، كُلُّ ذَلِكَ يَقُولُ النَّبِيُّ صَلَّى","part":6,"page":257},{"id":2757,"text":"اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هَاهُنَا فَصَلِّ .\rثُمَّ قَالَ الرَّابِعَةَ مَقَالَتَهُ هَذِهِ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اذْهَبْ ، فَصَلِّ فِيهِ ، فَوَاَلَّذِي بَعَثَ مُحَمَّدًا بِالْحَقِّ لَوْ صَلَّيْت هَاهُنَا لَقَضَى عَنْك ذَلِكَ كُلَّ صَلَاةٍ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ } .\rوَمَتَى نَذَرَ الِاعْتِكَافَ فِي غَيْرِ هَذِهِ الْمَسَاجِدِ ، فَانْهَدَمَ مُعْتَكَفُهُ ، وَلَمْ يُمْكِنْ الْمُقَامُ فِيهِ ، لَزِمَهُ إتْمَامُ الِاعْتِكَافِ فِي غَيْرِهِ ، وَلَمْ يَبْطُلْ اعْتِكَافُهُ .\r( 2196 ) فَصْلٌ : إذَا نَذَرَ اعْتِكَافَ يَوْمَ يَقْدَمُ فُلَانٌ .\rصَحَّ نَذْرُهُ ، فَإِنَّ ذَلِكَ مُمْكِنٌ ، فَإِنْ قَدِمَ فِي بَعْضِ النَّهَارِ ، لَزِمَهُ اعْتِكَافُ الْبَاقِي مِنْهُ ، وَلَمْ يَلْزَمْهُ قَضَاءُ مَا فَاتَ ؛ لِأَنَّهُ فَاتَ قَبْلَ شَرْطِ الْوُجُوبِ ، فَلَمْ يَجِبْ ، كَمَا لَوْ نَذَرَ اعْتِكَافَ زَمَنٍ مَاضٍ .\rلَكِنْ إذَا قُلْنَا : شَرْطُ صِحَّةِ الِاعْتِكَافِ الصَّوْمُ .\rلَزِمَهُ قَضَاءُ يَوْمٍ كَامِلٍ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالِاعْتِكَافِ فِي الصَّوْمِ فِيمَا بَقِيَ مِنْ النَّهَارِ ، وَلَا قَضَاؤُهُ مُتَمَيِّزًا مِمَّا قَبْلَهُ ، فَلَزِمَهُ يَوْمٌ كَامِلٌ ضَرُورَةً ، كَمَا لَوْ نَذَرَ صَوْمَ يَوْمَ يَقْدَمُ فُلَانٌ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يُجْزِئَهُ اعْتِكَافُ مَا بَقِيَ مِنْهُ إذَا كَانَ صَائِمًا ؛ لِأَنَّهُ قَدْ وُجِدَ اعْتِكَافٌ مَعَ الصَّوْمِ .\rوَإِنْ قَدِمَ لَيْلًا ، لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ ؛ لِأَنَّ مَا الْتَزَمَهُ بِالنَّذْرِ لَمْ يُوجَدْ .\rفَإِنْ كَانَ لِلنَّاذِرِ عُذْرٌ يَمْنَعُهُ الِاعْتِكَافَ عِنْدَ قُدُومِ فُلَانٍ مِنْ حَبْسٍ ، أَوْ مَرَضٍ ، قَضَى وَكَفَّرَ ؛ لِفَوَاتِ النَّذْرِ فِي وَقْتِهِ ، وَيَقْضِي بَقِيَّةَ الْيَوْمِ فَقَطْ ، عَلَى حَسَبِ مَا كَانَ يَلْزَمُ فِي الْأَدَاءِ ، فِي الرِّوَايَةِ الْمَنْصُورَةِ ، وَفِي الْأُخْرَى ، يَقْضِي يَوْمًا كَامِلًا ، بِنَاءً عَلَى اشْتِرَاطِ الصَّوْمِ فِي الِاعْتِكَافِ .","part":6,"page":258},{"id":2758,"text":"كِتَابُ الْحَجِّ الْحَجُّ فِي اللُّغَةِ : الْقَصْدُ .\rوَعَنْ الْخَلِيلِ ، قَالَ : الْحَجُّ كَثْرَةُ الْقَصْدِ إلَى مَنْ تُعَظِّمُهُ .\rقَالَ الشَّاعِرُ : وَأَشْهَدَ مِنْ عَوْفٍ حُؤُولًا كَثِيرَةً يَحُجُّونَ سَبَّ الزِّبْرِقَانِ الْمُزَعْفَرَا أَيْ يَقْصِدُونَ .\rوَالسَّبُّ : الْعِمَامَةُ .\rوَفِي الْحَجِّ لُغَتَانِ : الْحَجُّ وَالْحِجُّ ، بِفَتْحِ الْحَاءِ وَكَسْرِهَا .\rوَالْحَجُّ فِي الشَّرْعِ : اسْمٌ لَأَفْعَالٍ مَخْصُوصَةٍ يَأْتِي ذِكْرُهَا ، إنْ شَاءَ اللَّهُ .\rوَهُوَ أَحَدُ الْأَرْكَانِ الْخَمْسَةِ الَّتِي بُنِيَ عَلَيْهَا الْإِسْلَامُ ، وَالْأَصْلُ فِي وُجُوبِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ ؛ أَمَّا الْكِتَابُ ، فَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْ الْعَالَمِينَ } .\rرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ : وَمِنْ كَفَرَ بِاعْتِقَادِهِ أَنَّهُ غَيْرُ وَاجِبٍ .\rوَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ } .\rوَأَمَّا السُّنَّةُ ، فَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ } .\rوَذَكَرَ فِيهَا الْحَجَّ ، وَرَوَى مُسْلِمٌ بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ { : خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا أَيُّهَا النَّاسُ ، قَدْ فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ الْحَجَّ ، فَحُجُّوا .\rفَقَالَ رَجُلٌ أَكُلَّ عَامٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ فَسَكَتَ حَتَّى قَالَهَا ثَلَاثًا ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَوْ قُلْت نَعَمْ لَوَجَبَتْ ، وَلَمَا اسْتَطَعْتُمْ .\rثُمَّ قَالَ : ذَرُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ ، فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ ، وَاخْتِلَافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ ، فَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ ، وَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَدَعُوهُ } .\rفِي أَخْبَارٍ كَثِيرَةٍ سِوَى هَذَيْنِ ، وَأَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى وُجُوبِ الْحَجِّ عَلَى الْمُسْتَطِيعِ فِي الْعُمْرِ مَرَّةً وَاحِدَةً .","part":6,"page":259},{"id":2759,"text":"( 2197 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : أَبُو الْقَاسِمِ : ( وَمَنْ مَلَكَ زَادًا وَرَاحِلَةً ، وَهُوَ بَالِغٌ عَاقِلٌ ، لَزِمَهُ الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْحَجَّ إنَّمَا يَجِبُ بِخَمْسِ شَرَائِطَ : الْإِسْلَامُ ، وَالْعَقْلُ ، وَالْبُلُوغُ ، وَالْحُرِّيَّةُ ، وَالِاسْتِطَاعَةُ .\rلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا كُلِّهِ اخْتِلَافًا .\rفَأَمَّا الصَّبِيُّ وَالْمَجْنُونُ فَلَيْسَا بِمُكَلَّفَيْنِ ، وَقَدْ رَوَى عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ { : رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ ؛ عَنْ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ ، وَعَنْ الصَّبِيِّ حَتَّى يَشِبَّ ، وَعَنْ الْمَعْتُوهِ حَتَّى يَعْقِلَ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَقَالَ : حَدِيثٌ حَسَنٌ .\rوَأَمَّا الْعَبْدُ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ تَطُولُ مُدَّتُهَا ، وَتَتَعَلَّقُ بِقَطْعِ مَسَافَةٍ ، وَتُشْتَرَطُ لَهَا الِاسْتِطَاعَةُ بِالزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ ، وَيُضَيِّعُ حُقُوقَ سَيِّدِهِ الْمُتَعَلِّقَةَ بِهِ ، فَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ كَالْجِهَادِ .\rوَأَمَّا الْكَافِرُ فَغَيْرُ مُخَاطَبٍ بِفُرُوعِ الدِّينِ خِطَابًا يُلْزِمُهُ أَدَاءً ، وَلَا يُوجِبُ قَضَاءً .\rوَغَيْرُ الْمُسْتَطِيعِ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَصَّ الْمُسْتَطِيعَ بِالْإِيجَابِ عَلَيْهِ ، فَيَخْتَصُّ بِالْوُجُوبِ ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَا } .\r( 2198 ) فَصْلٌ : وَهَذِهِ الشُّرُوطُ الْخَمْسَةُ تَنْقَسِمُ أَقْسَامًا ثَلَاثَةً ؛ مِنْهَا مَا هُوَ شَرْطٌ لِلْوُجُوبِ وَالصِّحَّةِ ، وَهُوَ الْإِسْلَامُ وَالْعَقْلُ ، فَلَا تَجِبُ عَلَى كَافِرٍ وَلَا مَجْنُونٍ ، وَلَا تَصِحُّ مِنْهُمَا ؛ لِأَنَّهُمَا لَيْسَا مِنْ أَهْلِ الْعِبَادَات .\rوَمِنْهَا مَا هُوَ شَرْطٌ لِلْوُجُوبِ وَالْإِجْزَاءِ ، وَهُوَ الْبُلُوغُ وَالْحُرِّيَّةُ ، وَلَيْسَ بِشَرْطٍ لِلصِّحَّةِ ، فَلَوْ حَجَّ الصَّبِيُّ وَالْعَبْدُ صَحَّ حَجُّهُمَا ، وَلَمْ يُجْزِئْهُمَا عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ .\rوَمِنْهَا مَا هُوَ شَرْطٌ لِلْوُجُوبِ فَقَطْ ، وَهُوَ الِاسْتِطَاعَةُ ، فَلَوْ تَجَشَّمَ غَيْرُ الْمُسْتَطِيعِ الْمَشَقَّةَ ،","part":6,"page":260},{"id":2760,"text":"وَسَارَ بِغَيْرِ زَادٍ وَرَاحِلَةٍ فَحَجَّ ، كَانَ حَجُّهُ صَحِيحًا مُجْزِئًا ، كَمَا لَوْ تَكَلَّفَ الْقِيَامَ فِي الصَّلَاةِ وَالصِّيَامَ مَنْ يَسْقُطُ عَنْهُ ، أَجْزَأَهُ .\r( 2199 ) فَصْلٌ : وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ فِي شَرْطَيْنِ ، وَهُمَا ؛ تَخْلِيَةُ الطَّرِيق ، وَهُوَ أَنْ لَا يَكُونَ فِي الطَّرِيقِ مَانِعٌ مِنْ عَدُوٍّ وَنَحْوِهِ .\rوَإِمْكَانُ الْمَسِيرِ ، وَهُوَ أَنْ تَكْمُلَ فِيهِ هَذِهِ الشَّرَائِطُ وَالْوَقْتُ مُتَّسِعٌ يُمْكِنُهُ الْخُرُوجُ إلَيْهِ .\rفَرُوِيَ أَنَّهُمَا مِنْ شَرَائِطِ الْوُجُوبِ ، فَلَا يَجِبُ الْحَجُّ بِدُونِهِمَا ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إنَّمَا فَرَضَ الْحَجَّ عَلَى الْمُسْتَطِيعِ ، وَهَذَا غَيْرُ مُسْتَطِيعٍ ، وَلِأَنَّ هَذَا يَتَعَذَّرُ مَعَهُ فِعْلُ الْحَجِّ ، فَكَانَ شَرْطًا ، كَالزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيِّ .\rوَرُوِيَ أَنَّهُمَا لَيْسَا مِنْ شَرَائِطِ الْوُجُوبِ ، وَإِنَّمَا يُشْتَرَطَانِ لِلُزُومِ السَّعْيِ ، فَلَوْ كَمُلَتْ هَذِهِ الشُّرُوطُ الْخَمْسَةُ ، ثُمَّ مَاتَ قَبْلَ وُجُودِ هَذَيْنِ الشَّرْطَيْنِ ، حُجَّ عَنْهُ بَعْدَ مَوْتِهِ ، وَإِنْ أَعْسَرَ قَبْلَ وُجُودِهِمَا بَقِيَ فِي ذِمَّتِهِ .\rوَهَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ ، فَإِنَّهُ لَمْ يَذْكُرْهُمَا ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا سُئِلَ : مَا يُوجِبُ الْحَجَّ ؟ .\rقَالَ : ( الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ ) .\rقَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ .\rوَهَذَا لَهُ زَادٌ وَرَاحِلَةٌ ، وَلِأَنَّ هَذَا عُذْرٌ يَمْنَعُ نَفْسَ الْأَدَاءِ ، فَلَمْ يَمْنَعْ الْوُجُوبَ كَالْعَضْبِ ، وَلِأَنَّ إمْكَانَ الْأَدَاءِ لَيْسَ بِشَرْطٍ فِي وُجُوبِ الْعِبَادَاتِ ، بِدَلِيلِ مَا لَوْ طَهُرَتْ الْحَائِضُ ، أَوْ بَلَغَ الصَّبِيُّ ، أَوْ أَفَاقَ الْمَجْنُونُ ، وَلَمْ يَبْقَ مِنْ وَقْتِ الصَّلَاةِ مَا يُمْكِنُ أَدَاؤُهَا فِيهِ ، وَالِاسْتِطَاعَةُ مُفَسَّرَةٌ بِالزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ ، فَيَجِبُ الْمَصِيرُ إلَى تَفْسِيرِهِ ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ ، أَنَّهُ يَتَعَذَّرُ مَعَ فَقْدِهِمَا الْأَدَاءُ دُونَ الْقَضَاءِ ، وَفَقْدُ الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ يَتَعَذَّرُ مَعَهُ","part":6,"page":261},{"id":2761,"text":"الْجَمِيعُ ، فَافْتَرَقَا .\r( 2200 ) فَصْلٌ : وَإِمْكَانُ الْمَسِيرِ مُعْتَبَرٌ بِمَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ ، فَلَوْ أَمْكَنَهُ الْمَسِيرُ بِأَنْ يَحْمِلَ عَلَى نَفْسِهِ وَيَسِيرَ سَيْرًا يُجَاوِزُ الْعَادَةَ ، أَوْ يَعْجِزَ عَنْ تَحْصِيلِ آلَةِ السَّفَرِ ، لَمْ يَلْزَمْهُ السَّعْيُ .\rوَتَخْلِيَةُ الطَّرِيقِ هُوَ أَنْ تَكُونَ مَسْلُوكَةً ، لَا مَانِعَ فِيهَا ، بَعِيدَةً كَانَتْ أَوْ قَرِيبَةً ، بَرًّا كَانَ أَوْ بَحْرًا ، إذَا كَانَ الْغَالِبُ السَّلَامَةَ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْغَالِبُ السَّلَامَةَ ، لَمْ يَلْزَمْهُ سُلُوكُهُ ، فَإِنْ كَانَ فِي الطَّرِيقِ عَدُوٌّ يَطْلُبُ خَفَارَةً ، فَقَالَ الْقَاضِي : لَا يَلْزَمُهُ السَّعْيُ ، وَإِنْ كَانَتْ يَسِيرَةً ؛ لِأَنَّهَا رِشْوَةٌ ، فَلَا يَلْزَمُ بَذْلُهَا فِي الْعِبَادَةِ ، كَالْكَبِيرَةِ .\rوَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ : إنْ كَانَ ذَلِكَ مِمَّا لَا يُجْحِفُ بِمَالِهِ ، لَزِمَهُ الْحَجُّ ؛ لِأَنَّهَا غَرَامَةٌ يَقِفُ إمْكَانُ الْحَجِّ عَلَى بَذْلِهَا ، فَلَمْ يَمْنَعْ الْوُجُوبَ مَعَ إمْكَانِ بَذْلِهَا ، كَثَمَنِ الْمَاءِ وَعَلَفِ الْبَهَائِمِ .\r( 2201 ) فَصْلٌ : وَالِاسْتِطَاعَةُ الْمُشْتَرَطَةُ مِلْكُ الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ .\rوَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ .\rقَالَ التِّرْمِذِيُّ : وَالْعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rوَقَالَ عِكْرِمَةُ : هِيَ الصِّحَّةُ .\rوَقَالَ الضَّحَّاكُ : إنْ كَانَ شَابًّا فَلْيُؤَاجِرْ نَفْسَهُ بِأَكْلِهِ وَعَقِبِهِ ، حَتَّى يَقْضِيَ نُسُكَهُ .\rوَعَنْ مَالِكٍ : إنْ كَانَ يُمْكِنُهُ الْمَشْيُ ، وَعَادَتُهُ سُؤَالُ النَّاسِ ، لَزِمَهُ الْحَجُّ ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الِاسْتِطَاعَةُ فِي حَقِّهِ ، فَهُوَ كَوَاجِدِ الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَّرَ الِاسْتِطَاعَةَ بِالزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ ، فَوَجَبَ الرُّجُوعُ إلَى تَفْسِيرِهِ ، فَرَوَى الدَّارَقُطْنِيّ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ جَابِرٍ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ، وَأَنَسٍ ، وَعَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { سُئِلَ مَا","part":6,"page":262},{"id":2762,"text":"السَّبِيلُ ؟ قَالَ : الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ .\r} وَرَوَى ابْنُ عُمَرَ قَالَ : { جَاءَ رَجُلٌ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَا يُوجِبُ الْحَجَّ ؟ قَالَ : الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ .\r} رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ .\rوَقَالَ : حَدِيثٌ حَسَنٌ ، وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ ، عَنْ يُونُسَ ، عَنْ الْحَسَنِ ، قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ : { وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إلَيْهِ سَبِيلًا } { قَالَ رَجُلٌ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَا السَّبِيلُ ؟ قَالَ : الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ } .\rوَلِأَنَّهَا عِبَادَةٌ تَتَعَلَّقُ بِقَطْعِ مَسَافَةٍ بَعِيدَةٍ ، فَاشْتُرِطَ لِوُجُوبِهَا الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ ، كَالْجِهَادِ ، وَمَا ذَكَرُوهُ لَيْسَ بِاسْتِطَاعَةٍ ، فَإِنَّهُ شَاقٌّ ، وَإِنْ كَانَ عَادَةً ، وَالِاعْتِبَارُ بِعُمُومِ الْأَحْوَالِ دُونَ خُصُوصِهَا ، كَمَا أَنَّ رُخَصَ السَّفَرِ تَعُمُّ مَنْ يَشُقُّ عَلَيْهِ ، وَمَنْ لَا يَشُقُّ عَلَيْهِ .","part":6,"page":263},{"id":2763,"text":"( 2202 ) فَصْلٌ : وَلَا يَلْزَمُهُ الْحَجُّ بِبَذْلِ غَيْرِهِ لَهُ ، وَلَا يَصِيرُ مُسْتَطِيعًا بِذَلِكَ ، سَوَاءٌ كَانَ الْبَاذِلُ قَرِيبًا أَوْ أَجْنَبِيًّا ، وَسَوَاءٌ بَذَلَ لَهُ الرُّكُوبَ وَالزَّادَ ، أَوْ بَذَلَ لَهُ مَالًا .\rوَعَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ إذَا بَذَلَ لَهُ وَلَدَهُ مَا يَتَمَكَّنُ بِهِ مِنْ الْحَجِّ ، لَزِمَهُ ؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنَهُ الْحَجُّ مِنْ غَيْرِ مِنَّةٍ تَلْزَمُهُ ، وَلَا ضَرَرٍ يَلْحَقُهُ ، فَلَزِمَهُ الْحَجُّ ، كَمَا لَوْ مَلَكَ الزَّادَ وَالرَّاحِلَةَ .\rوَلَنَا ، أَنَّ قَوْلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُوجِبُ الْحَجَّ ( الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ ) ، يَتَعَيَّنُ فِيهِ تَقْدِيرُ مِلْكِ ذَلِكَ ، أَوْ مِلْكِ مَا يَحْصُلُ بِهِ ، بِدَلِيلِ مَا لَوْ كَانَ الْبَاذِلُ أَجْنَبِيًّا ، وَلِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَالِكٍ لِلزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ ، وَلَا ثَمَنِهِمَا ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ الْحَجُّ ، كَمَا لَوْ بَذَلَ لَهُ وَالِدُهُ ، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ مِنَّةٌ ، وَلَوْ سَلَّمْنَاهُ فَيَبْطُلُ بِبَذْلِ الْوَالِدَةِ ، وَبَذْلِ مَنْ لِلْمَبْذُولِ عَلَيْهِ أَيَادٍ كَثِيرَةٌ وَنِعَمٌ .","part":6,"page":264},{"id":2764,"text":"( 2203 ) فَصْلٌ : وَمَنْ تَكَلَّفَ الْحَجَّ مِمَّنْ لَا يَلْزَمُهُ ، فَإِنْ أَمْكَنَهُ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ يَلْحَقُ بِغَيْرِهِ ، مِثْلُ أَنْ يَمْشِيَ وَيَكْتَسِبَ بِصِنَاعَةٍ كَالْخَرَزِ ، أَوْ مُعَاوَنَةِ مَنْ يُنْفِقُ عَلَيْهِ ، أَوْ يَكْتَرِي لِزَادِهِ ، وَلَا يَسْأَلُ النَّاسَ ، اُسْتُحِبَّ لَهُ الْحَجُّ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { يَأْتُوك رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ } فَقَدَّمَ ذِكْرَ الرِّجَالِ .\rوَلِأَنَّ فِي ذَلِكَ مُبَالَغَةً فِي طَاعَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَخُرُوجًا مِنْ الْخِلَافِ .\rوَإِنْ كَانَ يَسْأَلُ النَّاسَ ، كُرِهَ لَهُ الْحَجُّ ؛ لِأَنَّهُ يُضَيِّقُ عَلَى النَّاسِ ، وَيَحْصُلُ كَلًّا عَلَيْهِمْ فِي الْتِزَامِ مَا لَا يَلْزَمُهُ .\rوَسُئِلَ أَحْمَدُ عَمَّنْ يَدْخُلُ الْبَادِيَةَ بِلَا زَادٍ وَلَا رَاحِلَةٍ ؟ فَقَالَ : لَا أُحِبُّ لَهُ ذَلِكَ ، هَذَا يَتَوَكَّلُ عَلَى أَزْوَادِ النَّاسِ .","part":6,"page":265},{"id":2765,"text":"( 2204 ) فَصْلٌ : وَيَخْتَصُّ اشْتِرَاطُ الرَّاحِلَةِ بِالْبَعِيدِ الَّذِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ مَسَافَةُ الْقَصْرِ ، فَأَمَّا الْقَرِيبُ الَّذِي يُمْكِنُهُ الْمَشْيُ ، فَلَا يُعْتَبَرُ وُجُودُ الرَّاحِلَةِ فِي حَقِّهِ ؛ لِأَنَّهَا مَسَافَةٌ قَرِيبَةٌ ، يُمْكِنُهُ الْمَشْيُ إلَيْهَا ، فَلَزِمَهُ ، كَالسَّعْيِ إلَى الْجُمُعَةِ .\rوَإِنْ كَانَ مِمَّنْ لَا يُمْكِنُهُ الْمَشْيُ ، اُعْتُبِرَ وُجُودُ الْحُمُولَةِ فِي حَقِّهِ ؛ لِأَنَّهُ عَاجِزٌ عَنْ الْمَشْيِ ، فَهُوَ كَالْبَعِيدِ .\rوَأَمَّا الزَّادُ فَلَا بُدَّ مِنْهُ ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ زَادًا ، وَلَا قَدَرَ عَلَى كَسْبِهِ ، لَمْ يَلْزَمْهُ الْحَجُّ .","part":6,"page":266},{"id":2766,"text":"فَصْلٌ : وَالزَّادُ الَّذِي تُشْتَرَطُ الْقُدْرَةُ عَلَيْهِ ، هُوَ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ فِي ذَهَابِهِ وَرُجُوعِهِ ؛ مِنْ مَأْكُولٍ وَمَشْرُوبٍ وَكُسْوَةٍ ، فَإِنْ كَانَ يَمْلِكُهُ ، أَوْ وَجَدَهُ يُبَاعُ بِثَمَنِ الْمِثْلِ فِي الْغَلَاءِ وَالرُّخْصِ ، أَوْ بِزِيَادَةٍ يَسِيرَةٍ لَا تُجْحِفُ بِمَالِهِ ، لَزِمَهُ شِرَاؤُهُ ، وَإِنْ كَانَتْ تُجْحِفُ بِمَالِهِ ، لَمْ يَلْزَمْهُ ، كَمَا قُلْنَا فِي شِرَاءِ الْمَاءِ لِلْوُضُوءِ .\rوَإِذَا كَانَ يَجِدُ الزَّادَ فِي كُلِّ مَنْزِلَةٍ ، لَمْ يَلْزَمْهُ حَمْلُهُ ، وَإِنْ لَمْ يَجِدْهُ كَذَلِكَ ، لَزِمَهُ حَمْلُهُ .\rوَأَمَّا الْمَاءُ وَعَلَفُ الْبَهَائِمِ ، فَإِنْ كَانَ يُوجَدُ فِي الْمَنَازِلِ الَّتِي يَنْزِلُهَا عَلَى حَسَبِ الْعَادَةِ ، وَإِلَّا لَمْ يَلْزَمْهُ حَمْلُهُ مِنْ بَلَدِهِ ، وَلَا مِنْ أَقْرَبِ الْبُلْدَانِ إلَى مَكَّةَ ، كَأَطْرَافِ الشَّامِ وَنَحْوِهَا ؛ لِأَنَّ هَذَا يَشُقُّ ، وَلَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِهِ ، وَلَا يَتَمَكَّنُ مِنْ حَمْلِ الْمَاءِ لِبَهَائِمِهِ فِي جَمِيعِ الطَّرِيقِ ، وَالطَّعَامُ بِخِلَافِ ذَلِكَ ، وَيُعْتَبَرُ أَيْضًا قُدْرَتُهُ عَلَى الْآلَاتِ الَّتِي يَحْتَاجُ إلَيْهَا ، كَالْغَرَائِرِ وَنَحْوِهَا ، وَأَوْعِيَةِ الْمَاءِ وَمَا أَشْبَهَهَا ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا لَا يُسْتَغْنَى عَنْهُ ، فَهُوَ كَأَعْلَافِ الْبَهَائِمِ .","part":6,"page":267},{"id":2767,"text":"( 2206 ) فَصْلٌ : وَأَمَّا الرَّاحِلَةُ ، فَيُشْتَرَطُ أَنْ يَجِدَ رَاحِلَةً تَصْلُحُ لِمِثْلِهِ ، إمَّا شِرَاءً أَوْ كِرَاءٍ ، لِذَهَابِهِ وَرُجُوعِهِ ، وَيَجِدُ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ آلَتِهَا الَّتِي تَصْلُحُ لِمِثْلِهِ ، فَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يَكْفِيهِ الرَّحْلُ وَالْقَتَبُ ، وَلَا يَخْشَى السُّقُوطَ ، أَجْزَأَ وُجُودُ ذَلِكَ .\rوَإِنْ كَانَ مِمَّنْ لَمْ تَجْرِ عَادَتُهُ بِذَلِكَ ، وَيَخْشَى السُّقُوطَ عَنْهُمَا ، اُعْتُبِرَ وُجُودُ مَحْمِلٍ وَمَا أَشْبَهِهِ ، مِمَّا لَا مَشَقَّةَ فِي رُكُوبِهِ ، وَلَا يَخْشَى السُّقُوطَ عَنْهُ ؛ لِأَنَّ اعْتِبَارَ الرَّاحِلَةِ فِي حَقِّ الْقَادِرِ عَلَى الْمَشْيِ ، إنَّمَا كَانَ لِدَفْعِ الْمَشَقَّةِ ، فَيَجِبُ أَنْ يُعْتَبَرَ هَاهُنَا مَا تَنْدَفِعُ بِهِ الْمَشَقَّةُ .\rوَإِنْ كَانَ مِمَّنْ لَا يَقْدِرُ عَلَى خِدْمَةِ نَفْسِهِ ، وَالْقِيَامِ بِأَمْرِهِ اُعْتُبِرْت الْقُدْرَةُ عَلَى مَنْ يَخْدِمُهُ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ سَبِيلِهِ .","part":6,"page":268},{"id":2768,"text":"( 2207 ) فَصْلٌ : وَيُعْتَبَرُ أَنْ يَكُونَ هَذَا فَاضِلًا عَمَّا يَحْتَاجُ إلَيْهِ لِنَفَقَةِ عِيَالِهِ الَّذِينَ تَلْزَمُهُ مَئُونَتُهُمْ ، فِي مُضِيِّهِ وَرُجُوعِهِ ؛ لِأَنَّ النَّفَقَةَ مُتَعَلِّقَةٌ بِحُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ ، وَهُمْ أَحْوَجُ ، وَحَقُّهُمْ آكَدُ ، وَقَدْ رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { كَفَى بِالْمَرْءِ إثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتُ .\r} رَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَأَنْ يَكُونَ فَاضِلًا عَمَّا يَحْتَاجُ هُوَ وَأَهْلُهُ إلَيْهِ ، مِنْ مَسْكَنٍ وَخَادِمٍ وَمَا لَا بُدَّ مِنْهُ ، وَأَنْ يَكُونَ فَاضِلًا عَنْ قَضَاءِ دَيْنِهِ ؛ لِأَنَّ قَضَاءَ الدَّيْنِ مِنْ حَوَائِجِهِ الْأَصْلِيَّةِ ، وَيَتَعَلَّقُ بِهِ حُقُوقُ الْآدَمِيِّينَ ، فَهُوَ آكَدُ ، وَلِذَلِكَ مَنَعَ الزَّكَاةَ ، مَعَ تَعَلُّقِ حُقُوقِ الْفُقَرَاءِ بِهَا ، وَحَاجَتِهِمْ إلَيْهَا ، فَالْحَجُّ الَّذِي هُوَ خَالِصُ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى أَوْلَى ، وَسَوَاءٌ كَانَ الدَّيْنُ لِآدَمِيٍّ مُعَيَّنٍ ، أَوْ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى ، كَزَكَاةٍ فِي ذِمَّتِهِ ، أَوْ كَفَّارَاتٍ وَنَحْوِهَا .\rوَإِنْ احْتَاجَ إلَى النِّكَاحِ ، وَخَافَ عَلَى نَفْسِهِ الْعَنَتَ ، قَدَّمَ التَّزْوِيجَ ، لِأَنَّهُ وَاجِبٌ عَلَيْهِ ، وَلَا غِنَى بِهِ عَنْهُ ، فَهُوَ كَنَفَقَتِهِ ، وَإِنْ لَمْ يَخَفْ ، قَدَّمَ الْحَجَّ ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ تَطَوُّعٌ ، فَلَا يُقَدَّمُ عَلَى الْحَجَّ الْوَاجِبِ .\rوَإِنْ حَجَّ مَنْ تَلْزَمُهُ هَذِهِ الْحُقُوقُ وَضَيَّعَهَا ، صَحَّ حَجُّهُ ؛ لِأَنَّهَا مُتَعَلِّقَةٌ بِذِمَّتِهِ ، فَلَا تَمْنَعُ صِحَّةَ فِعْلِهِ .","part":6,"page":269},{"id":2769,"text":"( 2208 ) فَصْلٌ : وَمَنْ لَهُ عَقَارٌ يَحْتَاجُ إلَيْهِ لِسُكْنَاهُ ، أَوْ سُكْنَى عِيَالِهِ ، أَوْ يَحْتَاجُهُ إلَى أُجْرَتِهِ لِنَفَقَةِ نَفْسِهِ أَوْ عِيَالِهِ ، أَوْ بِضَاعَةٌ مَتَى نَقَصَهَا اخْتَلَّ رِبْحُهَا فَلَمْ يَكْفِهِمْ ، أَوْ سَائِمَةٌ يَحْتَاجُونَ إلَيْهَا ، لَمْ يَلْزَمْهُ الْحَجُّ ، وَإِنْ كَانَ لَهُ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ فَاضِلٌ عَنْ حَاجَتِهِ ، لَزِمَهُ بَيْعُهُ فِي الْحَجِّ .\rفَإِنْ كَانَ لَهُ مَسْكَنٌ وَاسِعٌ يَفْضُلُ عَنْ حَاجَتِهِ ، وَأَمْكَنَهُ بَيْعُهُ وَشِرَاءُ مَا يَكْفِيهِ ، وَيَفْضُلُ قَدْرُ مَا يَحُجُّ بِهِ ، لَزِمَهُ .\rوَإِنْ كَانَتْ لَهُ كُتُبٌ يَحْتَاجُ إلَيْهَا ، لَمْ يَلْزَمْهُ بَيْعُهَا فِي الْحَجِّ .\rوَإِنْ كَانَتْ مِمَّا لَا يَحْتَاجُ إلَيْهَا ، أَوْ كَانَ لَهُ بِكِتَابٍ نُسْخَتَانِ ، يَسْتَغْنِي بِأَحَدِهِمَا ، بَاعَ مَا لَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ ، فَإِنْ كَانَ لَهُ دَيْنٌ عَلَى مَلِيءٍ بَاذِلٍ لَهُ يَكْفِيهِ لِلْحَجِّ ، لَزِمَهُ ؛ لِأَنَّهُ قَادِرٌ ، وَإِنْ كَانَ عَلَى مُعْسِرٍ ، أَوْ تَعَذَّرَ اسْتِيفَاؤُهُ عَلَيْهِ ، لَمْ يَلْزَمْهُ .","part":6,"page":270},{"id":2770,"text":"( 2209 ) فَصْلٌ : وَتَجِبُ الْعُمْرَةُ عَلَى مَنْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَجُّ ، فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ ، وَابْنِ عَبَّاسِ ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، وَابْنِ عُمَرَ ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَعَطَاءٍ ، وَطَاوُسٍ ، وَمُجَاهِدٍ ، وَالْحَسَنِ ، وَابْنِ سِيرِينَ ، وَالشَّعْبِيِّ .\rوَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَالشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ .\rوَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ ، لَيْسَتْ وَاجِبَةً ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ؛ لِمَا رَوَى جَابِرٌ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { سُئِلَ عَنْ الْعُمْرَةِ ، أَوَاجِبَةٌ هِيَ ؟ قَالَ : لَا ، وَأَنْ تَعْتَمِرُوا فَهُوَ أَفْضَلُ } أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَقَالَ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ .\rوَعَنْ طَلْحَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : { الْحَجُّ جِهَادٌ ، وَالْعُمْرَةُ تَطَوُّعٌ } .\rرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ .\rوَلِأَنَّهُ نُسُكٌ غَيْرُ مُوَقَّتٍ ، فَلَمْ يَكُنْ وَاجِبًا ، كَالطَّوَافِ الْمُجَرَّدِ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ } .\rوَمُقْتَضَى الْأَمْرِ الْوُجُوبُ ، ثُمَّ عَطَفَهَا عَلَى الْحَجِّ ، وَالْأَصْلُ التَّسَاوِي بَيْنَ الْمَعْطُوفِ وَالْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ .\rقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : إنَّهَا لَقَرِينَةُ الْحَجِّ فِي كِتَابِ اللَّهِ .\rوَعَنْ الصُّبَيّ بْنِ مَعْبَدٍ قَالَ : { أَتَيْت عُمَرَ فَقُلْت : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، إنِّي أَسْلَمْت ، وَإِنِّي وَجَدْت الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ مَكْتُوبَيْنِ عَلَيَّ فَأَهْلَلْت بِهِمَا ، فَقَالَ عُمَرُ : هُدِيت لِسُنَّةِ نَبِيِّك صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\r} رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَالنَّسَائِيُّ .\rوَعَنْ أَبِي رَزِينٍ ، أَنَّهُ أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ : { إنَّ أَبِي شَيْخٌ كَبِيرٌ ، لَا يَسْتَطِيعُ الْحَجَّ ، وَلَا الْعُمْرَةَ ، وَلَا الظَّعْنَ .\rقَالَ : حُجَّ عَنْ أَبِيك ، وَاعْتَمِرْ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ،","part":6,"page":271},{"id":2771,"text":"وَقَالَ : حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ .\rوَذَكَرَهُ أَحْمَدُ ، ثُمَّ قَالَ : وَحَدِيثٌ يَرْوِيهِ سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْجُمَحِيُّ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : { أَوْصِنِي .\rقَالَ : تُقِيمُ الصَّلَاةَ ، وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ ، وَتَحُجُّ ، وَتَعْتَمِرُ } .\rوَرَوَى الْأَثْرَمُ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { كَتَبَ إلَى أَهْلِ الْيَمَنِ ، وَكَانَ فِي الْكِتَابِ : إنَّ الْعُمْرَةَ هِيَ الْحَجُّ الْأَصْغَرُ } .\rوَلِأَنَّهُ قَوْلُ مَنْ سَمَّيْنَا مِنْ الصَّحَابَةِ ، وَلَا مُخَالِفَ لَهُمْ نَعْلَمُهُ ، إلَّا ابْنُ مَسْعُودٍ ، عَلَى اخْتِلَافٍ عَنْهُ .\rوَأَمَّا حَدِيثُ جَابِرٍ فَقَالَ التِّرْمِذِيُّ ، قَالَ الشَّافِعِيُّ : هُوَ ضَعِيفٌ ، لَا تَقُومُ بِمِثْلِهِ الْحُجَّةُ ، وَلَيْسَ فِي الْعُمْرَةِ شَيْءٌ ثَابِتٌ بِأَنَّهَا تَطَوُّعٌ .\rوَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : رُوِيَ ذَلِكَ بِأَسَانِيدَ لَا تَصِحُّ ، وَلَا تَقُومُ بِمِثْلِهَا الْحُجَّةُ .\rثُمَّ نَحْمِلُهُ عَلَى الْمَعْهُودِ ، وَهِيَ الْعُمْرَةُ الَّتِي قَضَوْهَا حِينَ أُحْصِرُوا فِي الْحُدَيْبِيَةِ ، أَوْ عَلَى الْعُمْرَةِ الَّتِي اعْتَمَرُوهَا مَعَ حَجَّتِهِمْ ، مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّهَا لَمْ تَكُنْ وَاجِبَةً عَلَى مَنْ اعْتَمَرَ ، أَوْ نَحْمِلُهُ عَلَى مَا زَادَ عَلَى الْعُمْرَةِ الْوَاحِدَةِ ، وَتُفَارِقُ الْعُمْرَةُ الطَّوَافَ ؛ لِأَنَّ مِنْ شَرْطِهَا الْإِحْرَامَ ، وَالطَّوَافُ بِخِلَافِهِ .","part":6,"page":272},{"id":2772,"text":"( 2210 ) فَصْلٌ : وَلَيْسَ عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ عُمْرَةٌ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .\rوَقَالَ : كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَرَى الْعُمْرَةَ وَاجِبَةً ، وَيَقُولُ : يَا أَهْلَ مَكَّةَ : لَيْسَ عَلَيْكُمْ عُمْرَةٌ ، إنَّمَا عُمْرَتُكُمْ طَوَافُكُمْ بِالْبَيْتِ .\rوَبِهَذَا قَالَ عَطَاءٌ ، وَطَاوُسٌ .\rقَالَ عَطَاءٌ : لَيْسَ أَحَدٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ إلَّا عَلَيْهِ حَجٌّ وَعُمْرَةٌ وَاجِبَتَانِ ، لَا بُدَّ مِنْهُمَا لِمَنْ اسْتَطَاعَ إلَيْهِمَا سَبِيلًا ، إلَّا أَهْلَ مَكَّةَ ، فَإِنَّ عَلَيْهِمْ حَجَّةً ، وَلَيْسَ عَلَيْهِمْ عُمْرَةٌ ، مِنْ أَجْلِ طَوَافِهِمْ بِالْبَيْتِ .\rوَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ رُكْنَ الْعُمْرَةِ وَمُعْظَمُهَا الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ ، وَهُمْ يَفْعَلُونَهُ فَأَجْزَأَ عَنْهُمْ .\rوَحَمَلَ الْقَاضِي كَلَامَ أَحْمَدَ عَلَى أَنَّهُ لَا عُمْرَةَ عَلَيْهِمْ مَعَ الْحَجَّةِ ؛ لِأَنَّهُ يَتَقَدَّمُ مِنْهُمْ فِعْلُهَا فِي غَيْرِ وَقْتِ الْحَجِّ .\rوَالْأَمْرُ عَلَى مَا قُلْنَاهُ .","part":6,"page":273},{"id":2773,"text":"( 2211 ) فَصْلٌ : وَتُجْزِئُ عُمْرَةُ الْمُتَمَتِّعَ ، وَعُمْرَةُ الْقَارِنِ ، وَالْعُمْرَةُ مِنْ أَدْنَى الْحِلِّ عَنْ الْعُمْرَةِ الْوَاجِبَةِ ، وَلَا نَعْلَمُ فِي إجْزَاءِ عُمْرَةِ التَّمَتُّعِ خِلَافًا .\rكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ عُمَرَ ، وَعَطَاءٌ ، وَطَاوُسٌ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَلَا نَعْلَمُ عَنْ غَيْرِهِمْ خِلَافَهُمْ .\rوَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّ عُمْرَةَ الْقَارِنِ لَا تُجْزِئُ .\rوَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ أَنَّ الْعُمْرَةَ مِنْ أَدْنَى الْحِلِّ لَا تُجْزِئُ عَنْ الْعُمْرَةِ الْوَاجِبَةِ .\rوَقَالَ : إنَّمَا هِيَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَمْيَالٍ .\rوَاحْتَجَّ عَلَى أَنَّ عُمْرَةَ الْقَارِنِ لَا تُجْزِئُ أَنَّ عَائِشَةَ حِينَ حَاضَتْ أَعْمَرَهَا مِنْ التَّنْعِيمِ ، فَلَوْ كَانَتْ عُمْرَتُهَا فِي قِرَانِهَا أَجْزَأَتْهَا لَمَا أَعْمَرَهَا بَعْدَهَا .\rوَلَنَا ، قَوْلُ الصُّبَيّ بْنِ مَعْبَدٍ : إنِّي وَجَدْت الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ مَكْتُوبَيْنِ عَلَيَّ ، فَأَهْلَلْت بِهِمَا .\rفَقَالَ عُمَرُ : { هُدِيت لِسُنَّةِ نَبِيِّك } .\rوَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَحْرَمَ بِهِمَا يَعْتَقِدُ أَدَاءَ مَا كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنْهُمَا ، وَالْخُرُوجَ عَنْ عُهْدَتِهِمَا ، فَصَوَّبَهُ عُمَرُ ، وَقَالَ : هُدِيت لِسُنَّةِ نَبِيِّك .\rوَحَدِيثُ عَائِشَةَ حِينَ قَرَنَتْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ ، فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ حَلَّتْ مِنْهُمَا : { قَدْ حَلَلْت مِنْ حَجِّك وَعُمْرَتِك } .\rوَإِنَّمَا أَعْمَرَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ التَّنْعِيمِ قَصْدًا لِتَطْيِيبِ قَلْبِهَا ، وَإِجَابَةِ مَسْأَلَتِهَا ، لَا لِأَنَّهَا كَانَتْ وَاجِبَةً عَلَيْهَا .\rثُمَّ إنْ لَمْ تَكُنْ أَجْزَأَتْهَا عُمْرَةُ الْقِرَانِ ، فَقَدْ أَجْزَأَتْهَا الْعُمْرَةُ مِنْ أَدْنَى الْحِلِّ ، وَهُوَ أَحَدُ مَا قَصَدْنَا الدَّلَالَةَ عَلَيْهِ .\rوَلِأَنَّ الْوَاجِبَ عُمْرَةٌ وَاحِدَةٌ ، وَقَدْ أَتَى بِهَا صَحِيحَةً ، فَتُجْزِئُهُ ، كَعُمْرَةِ الْمُتَمَتِّعِ .\rوَلِأَنَّ عُمْرَةَ الْقَارِنِ أَحَدُ نُسُكَيْ الْقِرَانِ ، فَأَجْزَأَتْ ، كَالْحَجِّ ، وَالْحَجُّ مِنْ مَكَّةَ يُجْزِئُ فِي حَقِّ الْمُتَمَتِّعِ ، فَالْعُمْرَةُ مِنْ أَدْنَى الْحِلِّ فِي","part":6,"page":274},{"id":2774,"text":"حَقِّ الْمُفْرِدِ أَوْلَى .\rوَإِذَا كَانَ الطَّوَافُ الْمُجَرَّدُ يُجْزِئُ عَنْ الْعُمْرَةِ فِي حَقِّ الْمَكِّيِّ ، فَلَأَنْ تُجْزِئَ الْعُمْرَةُ الْمُشْتَمِلَةُ عَلَى الطَّوَافِ وَغَيْرِهِ أَوْلَى .","part":6,"page":275},{"id":2775,"text":"( 2212 ) فَصْلٌ : وَلَا بَأْسَ أَنْ يَعْتَمِرَ فِي السَّنَةِ مِرَارًا .\rرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ ، وَابْنِ عُمَرَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَأَنَسٍ ، وَعَائِشَةَ ، وَعَطَاءٍ ، وَطَاوُسٍ ، وَعِكْرِمَةَ ، وَالشَّافِعِيِّ .\rوَكَرِهَ الْعُمْرَةَ فِي السَّنَةِ مَرَّتَيْنِ الْحَسَنُ ، وَابْنُ سِيرِينَ ، وَمَالِكٌ .\rوَقَالَ النَّخَعِيُّ : مَا كَانُوا يَعْتَمِرُونَ فِي السَّنَةِ إلَّا مَرَّةً .\rوَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَفْعَلْهُ .\rوَلَنَا ، أَنَّ عَائِشَةَ اعْتَمَرَتْ فِي شَهْرٍ مَرَّتَيْنِ بِأَمْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عُمْرَةً مَعَ قِرَانِهَا ، وَعُمْرَةً بَعْدَ حَجِّهَا ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { الْعُمْرَةُ إلَى الْعُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَقَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي كُلٍّ شَهْرٍ مَرَّةً .\rوَكَانَ أَنَسٌ إذَا حَمَّمَ رَأْسَهُ خَرَجَ فَاعْتَمَرَ .\rرَوَاهُمَا الشَّافِعِيُّ ، فِي ( مُسْنَدِهِ ) .\rوَقَالَ عِكْرِمَةُ : يَعْتَمِرُ إذَا أَمْكَنَ الْمُوسَى مِنْ شَعْرِهِ .\rوَقَالَ عَطَاءٌ : إنْ شَاءَ اعْتَمَرَ فِي كُلِّ شَهْرٍ مَرَّتَيْنِ .\rفَأَمَّا الْإِكْثَارُ مِنْ الِاعْتِمَارِ ، وَالْمُوَالَاةُ بَيْنَهُمَا ، فَلَا يُسْتَحَبُّ فِي ظَاهِرِ قَوْلِ السَّلَفِ الَّذِي حَكَيْنَاهُ .\rوَكَذَلِكَ قَالَ أَحْمَدُ : إذَا اعْتَمَرَ فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَحْلِقَ أَوْ يُقَصِّرَ ، وَفِي عَشَرَةِ أَيَّامٍ يُمْكِنُ حَلْقُ الرَّأْسِ .\rفَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ أَنْ يَعْتَمِرَ فِي أَقَلَّ مِنْ عَشَرَةِ أَيَّامٍ .\rوَقَالَ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ : إنْ شَاءَ اعْتَمَرَ فِي كُلِّ شَهْرٍ .\rوَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا : يُسْتَحَبُّ الْإِكْثَارُ مِنْ الِاعْتِمَارِ .\rوَأَقْوَالُ السَّلَفِ وَأَحْوَالُهُمْ تَدُلُّ عَلَى مَا قُلْنَاهُ ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابَهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنْهُمْ الْمُوَالَاةُ بَيْنَهُمَا ، وَإِنَّمَا نُقِلَ عَنْهُمْ إنْكَارُ ذَلِكَ ، وَالْحَقُّ فِي اتِّبَاعِهِمْ .\rقَالَ طَاوُسٌ : الَّذِينَ يَعْتَمِرُونَ مِنْ التَّنْعِيمِ ، مَا أَدْرِي يُؤْجَرُونَ عَلَيْهَا أَوْ يُعَذَّبُونَ ؟","part":6,"page":276},{"id":2776,"text":"قِيلَ لَهُ : فَلِمَ يُعَذَّبُونَ ؟ قَالَ : لِأَنَّهُ يَدَعُ الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ ، وَيَخْرُجُ إلَى أَرْبَعَةِ أَمْيَالٍ وَيَجِيءُ ، وَإِلَى أَنْ يَجِيءَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَمْيَالٍ قَدْ طَافَ مِائَتَيْ طَوَافٍ ، وَكَلَّمَا طَافَ بِالْبَيْتِ كَانَ أَفْضَلَ مِنْ أَنْ يَمْشِيَ فِي غَيْرِ شَيْءٍ .\rوَقَدْ اعْتَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْبَعَ عُمَرَ فِي أَرْبَعِ سُفُرَاتٍ ، لَمْ يَزِدْ فِي كُلِّ سُفْرَةٍ عَلَى عُمْرَةٍ وَاحِدَةٍ ، وَلَا أَحَدٌ مِمَّنْ مَعَهُ ، وَلَمْ يَبْلُغْنَا أَنَّ أَحَدًا مِنْهُمْ جَمَعَ بَيْنَ عُمْرَتَيْنِ فِي سَفَرٍ وَاحِدٍ مَعَهُ ، إلَّا عَائِشَةَ حِينَ حَاضَتْ فَأَعْمَرَهَا مِنْ التَّنْعِيمِ ؛ لِأَنَّهَا اعْتَقَدَتْ أَنَّ عُمْرَةَ قِرَانِهَا بَطَلَتْ ، وَلِهَذَا قَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، يَرْجِعُ النَّاسُ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ ، وَأَرْجِعُ أَنَا بِحَجَّةٍ .\rفَأَعْمَرَهَا لِذَلِكَ .\rوَلَوْ كَانَ فِي هَذَا فَضْلٌ لَمَا اتَّفَقُوا عَلَى تَرْكِهِ .","part":6,"page":277},{"id":2777,"text":"( 2213 ) فَصْلٌ : وَرَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { عُمْرَةٌ فِي رَمَضَانَ تَعْدِلُ حَجَّةً } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rقَالَ أَحْمَدُ : مَنْ أَدْرَكَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ ، فَقَدْ أَدْرَكَ عُمْرَةَ رَمَضَانَ .\rوَقَالَ إِسْحَاقُ : يَعْنِي هَذَا الْحَدِيثُ مِثْلُ مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { مَنْ قَرَأَ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ، فَقَدْ قَرَأَ ثُلُثَ الْقُرْآنِ } .\rوَقَالَ أَنَسٌ : { حَجَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَجَّةً وَاحِدَةً ، وَاعْتَمَرَ أَرْبَعَ عُمَرَ ؛ وَاحِدَةً فِي ذِي الْقَعْدَةِ ، وَعُمْرَةَ الْحُدَيْبِيَةِ ، وَعُمْرَةً مَعَ حَجَّتِهِ ، وَعُمْرَةَ الْجِعْرَانَةِ إذْ قَسَمَ غَنِيمَةَ حُنَيْنٍ } .\rوَهَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَقَالَ أَحْمَدُ : حَجَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَجَّةَ الْوَدَاعِ .\rقَالَ : وَرُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ ، أَنَّهُ قَالَ : حَجَّ قَبْلَ ذَلِكَ حَجَّةً أُخْرَى .\rوَمَا هُوَ يَثْبُتُ عِنْدِي .\rوَرُوِيَ عَنْ جَابِرٍ ، قَالَ : { حَجَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَلَاثَ حِجَجٍ ؛ حَجَّتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُهَاجِرَ ، وَحَجَّةً بَعْدَمَا هَاجَرَ } .\rوَهَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ .\r( 2214 ) فَصْلٌ : وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْن مَسْعُودٍ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { تَابِعُوا بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ ، فَإِنَّهُمَا يَنْفِيَانِ الْفَقْرَ وَالذُّنُوبَ ، كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ وَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ ، وَلَيْسَ لِلْحَجَّةِ الْمَبْرُورَةِ ثَوَابٌ إلَّا الْجَنَّةُ } .\rقَالَ التِّرْمِذِيُّ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ .\rوَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ أَتَى هَذَا الْبَيْتَ ، فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ ، رَجَعَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَهُوَ فِي ( الْمُوَطَّأِ ) .","part":6,"page":278},{"id":2778,"text":"( 2215 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ ( فَإِنْ كَانَ مَرِيضًا لَا يُرْجَى بُرْؤُهُ ، أَوْ شَيْخًا لَا يَسْتَمْسِكُ عَلَى الرَّاحِلَةِ ، أَقَامَ مَنْ يَحُجُّ عَنْهُ وَيَعْتَمِرُ ، وَقَدْ أَجْزَأَ عَنْهُ وَإِنْ عُوفِيَ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ مَنْ وُجِدَتْ فِيهِ شَرَائِطُ وُجُوبِ الْحَجِّ ، وَكَانَ عَاجِزًا عَنْهُ لِمَانِعٍ مَأْيُوسٍ مِنْ زَوَالِهِ ، كَزَمَانَةٍ ، أَوْ مَرَضٍ لَا يُرْجَى زَوَالُهُ ، أَوْ كَانَ نِضْوَ الْخَلْقِ ، لَا يَقْدِرُ عَلَى الثُّبُوتِ عَلَى الرَّاحِلَةِ إلَّا بِمَشَقَّةٍ غَيْرِ مُحْتَمَلَةٍ ، وَالشَّيْخُ الْفَانِي ، وَمَنْ كَانَ مِثْلَهُ مَتَى وَجَدَ مَنْ يَنُوبُ عَنْهُ فِي الْحَجِّ ، وَمَالًا يَسْتَنِيبُهُ بِهِ ، لَزِمَهُ ذَلِكَ .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : لَا حَجَّ عَلَيْهِ ، إلَّا أَنْ يَسْتَطِيعَ بِنَفْسِهِ ، وَلَا أَرَى لَهُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : { مَنْ اسْتَطَاعَ إلَيْهِ سَبِيلًا } .\rوَهَذَا غَيْرُ مُسْتَطِيعٍ ، وَلِأَنَّ هَذِهِ عِبَادَةٌ لَا تَدْخُلُهَا النِّيَابَةُ مَعَ الْقُدْرَةِ ، فَلَا تَدْخُلُهَا مَعَ الْعَجْزِ ، كَالصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ .\rوَلَنَا ، حَدِيثُ أَبِي رَزِينٍ ، وَرَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ ، أَنَّ امْرَأَةً مِنْ خَثْعَمَ قَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، { إنَّ فَرِيضَةَ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ فِي الْحَجِّ أَدْرَكَتْ أَبِي شَيْخًا كَبِيرًا ، لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَثْبُتَ عَلَى الرَّاحِلَةِ ، أَفَأَحُجُّ عَنْهُ ؟ قَالَ : نَعَمْ .\rوَذَلِكَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمِ ، قَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، { إنَّ أَبِي شَيْخٌ كَبِيرٌ ، عَلَيْهِ فَرِيضَةُ اللَّهِ فِي الْحَجِّ ، وَهُوَ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَسْتَوِيَ عَلَى ظَهْرِ بَعِيرِهِ .\rفَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَحُجِّي عَنْهُ } .\rوَسُئِلَ عَلِيٌّ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، عَنْ شَيْخٍ لَا يَجِدُ الِاسْتِطَاعَةَ ، قَالَ .\rيُجَهَّزُ عَنْهُ .\rوَلِأَنَّ هَذِهِ عِبَادَةٌ تَجِبُ بِإِفْسَادِهَا الْكَفَّارَةُ ، فَجَازَ أَنْ يَقُومَ غَيْرُ فِعْلِهِ فِيهَا مَقَامَ فِعْلِهِ ، كَالصَّوْمِ إذَا عَجَزَ عَنْهُ افْتَدَى ، بِخِلَافِ الصَّلَاةِ .","part":6,"page":279},{"id":2779,"text":"( 2216 ) فَصْلٌ : فَإِنْ لَمْ يَجِدْ مَالًا يَسْتَنِيبُ بِهِ ، فَلَا حَجَّ عَلَيْهِ .\rبِغَيْرِ خِلَافٍ ؛ لِأَنَّ الصَّحِيحَ لَوْ لَمْ يَجِدْ مَا يَحُجُّ بِهِ ، لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ ، فَالْمَرِيضُ أَوْلَى .\rوَإِنْ وَجَدَ مَالًا ، وَلَمْ يَجِدْ مَنْ يَنُوبُ عَنْهُ ، فَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يَنْبَنِي عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي إمْكَانِ الْمَسِيرِ ، هَلْ هُوَ مِنْ شَرَائِطِ الْوُجُوبِ ، أَوْ مِنْ شَرَائِطِ لُزُومِ السَّعْيِ ؟ فَإِنْ قُلْنَا : مِنْ شَرَائِطِ لُزُومِ السَّعْيِ .\rثَبَتَ الْحَجُّ فِي ذِمَّتِهِ ، هَذَا يُحَجُّ عَنْهُ بَعْدَ مَوْتِهِ .\rوَإِنْ قُلْنَا : مِنْ شَرَائِطِ الْوُجُوبِ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ شَيْءٌ .","part":6,"page":280},{"id":2780,"text":"( 2217 ) فَصْلٌ : وَمَتَى أَحَجَّ هَذَا عَنْ نَفْسِهِ ، ثُمَّ عُوفِيَ ، لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ حَجٌّ آخَرُ .\rوَهَذَا قَوْلُ إِسْحَاقَ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ : يَلْزَمُهُ ؛ لِأَنَّ هَذَا بَدَلُ إيَاسٍ ، فَإِذَا بَرَأَ ، تَبَيَّنَّا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَأْيُوسًا مِنْهُ ، فَلَزِمَهُ الْأَصْلُ ، كَالْآيِسَةِ إذَا اعْتَدَّتْ بِالشُّهُورِ ، ثُمَّ حَاضَتْ ، لَا تُجْزِئُهَا تِلْكَ الْعِدَّةُ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ أَتَى بِمَا أُمِرَ بِهِ ، فَخَرَجَ مِنْ الْعُهْدَةِ ، كَمَا لَوْ لَمْ يَبْرَأْ ، أَوْ نَقُولُ : أَدَّى حَجَّةَ الْإِسْلَامِ بِأَمْرِ الشَّارِعِ ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ حَجٌّ ثَانٍ ، كَمَا لَوْ حَجَّ بِنَفْسِهِ ، وَلِأَنَّ هَذَا يُفْضِي إلَى إيجَابِ حَجَّتَيْنِ عَلَيْهِ ، وَلَمْ يُوجِبْ اللَّهُ عَلَيْهِ إلَّا حَجَّةً وَاحِدَةً .\rوَقَوْلُهُمْ : لَمْ يَكُنْ مَأْيُوسًا مِنْ بُرْئِهِ .\rقُلْنَا : لَوْ لَمْ يَكُنْ مَأْيُوسًا مِنْهُ ، لَمَا أُبِيحَ لَهُ أَنْ يَسْتَنِيبَ ، فَإِنَّهُ شَرْطٌ لِجَوَازِ الِاسْتِنَابَةِ .\rأَمَّا الْآيِسَةُ إذَا اعْتَدَّتْ بِالشُّهُورِ ، فَلَا يُتَصَوَّرُ عَوْدُ حَيْضِهَا ، فَإِنْ رَأَتْ دَمًا ، فَلَيْسَ بِحَيْضٍ ، وَلَا يَبْطُلُ بِهِ اعْتِدَادُهَا ، وَلَكِنْ مَنْ ارْتَفَعَ حَيْضُهَا لَا تَدْرِي مَا رَفَعَهُ ، إذَا اعْتَدَّتْ سَنَةً ، ثُمَّ عَادَ حَيْضُهَا ، لَمْ يَبْطُلْ اعْتِدَادُهَا .\rفَأَمَّا إنْ عُوفِيَ قَبْلَ فَرَاغِ النَّائِبِ مِنْ الْحَجِّ ، فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُجْزِئَهُ الْحَجُّ ؛ لِأَنَّهُ قَدَرَ عَلَى الْأَصْلِ قَبْلَ تَمَامِ الْبَدَلِ ، فَلَزِمَهُ ، كَالصَّغِيرَةِ وَمَنْ ارْتَفَعَ حَيْضُهَا ، إذَا حَاضَتَا قَبْلَ إتْمَامِ عِدَّتِهِمَا بِالشُّهُورِ ، وَكَالْمُتَيَمِّمِ إذَا رَأَى الْمَاءَ فِي صَلَاتِهِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يُجْزِئَهُ ، كَالْمُتَمَتِّعِ إذَا شَرَعَ فِي الصِّيَامِ ثُمَّ قَدَرَ عَلَى الْهَدْيِ ، وَالْمُكَفِّرِ إذَا قَدَرَ عَلَى الْأَصْلِ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي الْبَدَلِ .\rوَإِنْ بَرَأَ قَبْلَ إحْرَامِ النَّائِبِ ، لَمْ يُجْزِئْهُ بِحَالٍ .","part":6,"page":281},{"id":2781,"text":"فَصْلٌ : وَمَنْ يُرْجَى زَوَالُ مَرَضِهِ ، وَالْمَحْبُوسُ وَنَحْوُهُ ، لَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْتَنِيبَ .\rفَإِنْ فَعَلَ ، لَمْ يُجْزِئْهُ ، وَإِنْ لَمْ يَبْرَأْ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَهُ ذَلِكَ .\rوَيَكُونُ ذَلِكَ مُرَاعًى ، فَإِنْ قَدَرَ عَلَى الْحَجِّ بِنَفْسِهِ لَزِمَهُ ، وَإِلَّا أَجْزَأَهُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ عَاجِزٌ عَنْ الْحَجِّ بِنَفْسِهِ ، أَشْبَهَ الْمَيْئُوسَ مِنْ بُرْئِهِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ يَرْجُو الْقُدْرَةَ عَلَى الْحَجِّ بِنَفْسِهِ ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ الِاسْتِنَابَةُ ، وَلَا تُجْزِئُهُ إنْ فَعَلَ ، كَالْفَقِيرِ ، وَفَارَقَ الْمَأْيُوسَ مِنْ بُرْئِهِ ؛ لِأَنَّهُ عَاجِزٌ عَلَى الْإِطْلَاقِ ، آيِسٌ مِنْ الْقُدْرَةِ عَلَى الْأَصْلِ ، فَأَشْبَهَ الْمَيِّتَ .\rوَلِأَنَّ النَّصَّ إنَّمَا وَرَدَ فِي الْحَجِّ عَنْ الشَّيْخِ الْكَبِيرِ ، وَهُوَ مِمَّنْ لَا يُرْجَى مِنْهُ الْحَجُّ بِنَفْسِهِ ، فَلَا يُقَاسُ عَلَيْهِ إلَّا مَنْ كَانَ مِثْلَهُ .\rفَعَلَى هَذَا إذَا اسْتَنَابَ مَنْ يَرْجُو الْقُدْرَةَ عَلَى الْحَجِّ بِنَفْسِهِ ، ثُمَّ صَارَ مَأْيُوسًا مِنْ بُرْئِهِ ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَحُجَّ عَنْ نَفْسِهِ مَرَّةً أُخْرَى ؛ لِأَنَّهُ اسْتَنَابَ فِي حَالٍ لَا تَجُوزُ لَهُ الِاسْتِنَابَةُ فِيهَا ، فَأَشْبَهَ الصَّحِيحَ .","part":6,"page":282},{"id":2782,"text":"( 2219 ) فَصْلٌ : وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَسْتَنِيبَ مَنْ يَقْدِرُ عَلَى الْحَجِّ بِنَفْسِهِ فِي الْحَجِّ الْوَاجِبِ إجْمَاعًا .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ مَنْ عَلَيْهِ حَجَّةُ الْإِسْلَامِ ، وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَحُجَّ ، لَا يُجْزِئُ عَنْهُ أَنْ يَحُجَّ غَيْرُهُ عَنْهُ ، وَالْحَجُّ الْمَنْذُورُ كَحَجَّةِ الْإِسْلَامِ ، فِي إبَاحَةِ الِاسْتِنَابَةِ عِنْد الْعَجْزِ ، وَالْمَنْعِ مِنْهَا مَعَ الْقُدْرَةِ ؛ لِأَنَّهَا حَجَّةٌ وَاجِبَةٌ ، فَأَمَّا حَجُّ التَّطَوُّعِ ، فَيَنْقَسِمُ أَقْسَامًا ثَلَاثَةً : أَحَدُهَا ، أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ لَمْ يُؤَدِّ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ ، فَلَا يَصِحُّ أَنْ يَسْتَنِيبَ فِي حَجَّةِ التَّطَوُّعِ ، لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ أَنْ يَفْعَلَهُ بِنَفْسِهِ ، فَبِنَائِبِهِ أَوْلَى .\rالثَّانِي ، أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ قَدْ أَدَّى حَجَّةَ الْإِسْلَامِ ، وَهُوَ عَاجِزٌ عَنْ الْحَجِّ بِنَفْسِهِ ، فَيَصِحُّ أَنْ يَسْتَنِيبَ فِي التَّطَوُّعِ ، فَإِنَّ مَا جَازَتْ الِاسْتِنَابَةُ فِي فَرْضِهِ ، جَازَتْ فِي نَفْلِهِ ، كَالصَّدَقَةِ .\rالثَّالِث ، أَنْ يَكُونَ قَدْ أَدَّى حَجَّةَ الْإِسْلَامِ ، وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى الْحَجِّ بِنَفْسِهِ ، فَهَلْ لَهُ أَنْ يَسْتَنِيبَ فِي حَجِّ التَّطَوُّعِ ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، يَجُوزُ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّهَا حَجَّةٌ لَا تَلْزَمُهُ بِنَفْسِهِ ، فَجَازَ أَنْ يَسْتَنِيبَ فِيهَا ، كَالْمَعْضُوبِ .\rوَالثَّانِيَةُ ، لَا يَجُوزُ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى الْحَجِّ بِنَفْسِهِ ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَسْتَنِيبَ فِيهِ ، كَالْفَرْضِ .","part":6,"page":283},{"id":2783,"text":"( 2220 ) فَصْلٌ : فَإِنْ كَانَ عَاجِزًا عَنْهُ عَجْزًا مَرْجُوَّ الزَّوَالِ ، كَالْمَرِيضِ مَرَضًا يُرْجَى بُرْؤُهُ ، وَالْمَحْبُوسِ ، جَازَ لَهُ أَنْ يَسْتَنِيبَ فِيهِ ؛ لِأَنَّهُ حَجٌّ لَا يَلْزَمَهُ ، عَجَزَ عَنْ فِعْلِهِ بِنَفْسِهِ ، فَجَازَ لَهُ أَنْ يَسْتَنِيبَ فِيهِ ، كَالشَّيْخِ الْكَبِيرِ ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْفَرْضِ ، أَنَّ الْفَرْضَ عِبَادَةُ الْعُمْرِ ، فَلَا يَفُوتُ بِتَأْخِيرِهِ عَنْ هَذَا الْعَامِ ، وَالتَّطَوُّعُ مَشْرُوعٌ فِي كُلِّ عَامٍ ، فَيَفُوتُ حَجُّ هَذَا الْعَامِ بِتَأْخِيرِهِ ، وَلِأَنَّ حَجَّ الْفَرْضِ إذَا مَاتَ قَبْلَ فِعْلِهِ ، فُعِلَ بَعْدَ مَوْتِهِ ، وَحَجَّ التَّطَوُّعِ لَا يُفْعَلُ ، فَيَفُوتُ .","part":6,"page":284},{"id":2784,"text":"( 2221 ) فَصْلٌ : وَفِي الِاسْتِئْجَارِ عَلَى الْحَجِّ ، وَالْأَذَانِ وَتَعْلِيمِ الْقُرْآنِ وَالْفِقْهِ ، وَنَحْوِهِ ، مِمَّا يَتَعَدَّى نَفْعُهُ ، وَيَخْتَصُّ فَاعِلُهُ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْقُرْبَةِ ، رِوَايَتَانِ : إحْدَاهُمَا ، لَا يَجُوزُ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَإِسْحَاقَ .\rوَالْأُخْرَى ، يَجُوزُ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ ، لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { أَحَقُّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا كِتَابُ اللَّهِ } رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ .\rوَأَخَذَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْجُعْلَ عَلَى الرُّقْيَةِ بِكِتَابِ اللَّهِ ، وَأَخْبَرُوا بِذَلِكَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَصَوَّبَهُمْ فِيهِ .\rوَلِأَنَّهُ يَجُوزُ أَخْذُ النَّفَقَةِ عَلَيْهِ ، فَجَازَ الِاسْتِئْجَارُ عَلَيْهِ ، كَبِنَاءِ الْمَسَاجِدِ وَالْقَنَاطِرِ .\rوَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى أَنَّ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ كَانَ يُعَلِّمُ رَجُلًا الْقُرْآنَ ، فَأَهْدَى لَهُ قَوْسًا ، فَسَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ ، فَقَالَ لَهُ : { إنْ سَرَّك أَنْ تَتَقَلَّدَ قَوْسًا مِنْ نَارٍ ، فَتَقَلَّدْهَا } وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ : { وَاِتَّخِذْ مُؤَذِّنًا ، لَا يَأْخُذُ عَلَى أَذَانِهِ أَجْرًا } .\rوَلِأَنَّهَا عِبَادَةٌ يَخْتَصُّ فَاعِلُهَا أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْقُرْبَةِ ، فَلَمْ يَجُزْ أَخْذُ الْأُجْرَةِ عَلَيْهَا ، كَالصَّلَاةِ ، وَالصَّوْمِ .\rوَأَمَّا الْأَحَادِيثُ الَّتِي فِي أَخْذِ الْجُعْلِ وَالْأُجْرَةِ ، فَإِنَّمَا كَانَتْ فِي الرُّقْيَةِ ، وَهِيَ قَضِيَّةٌ فِي عَيْنٍ ، فَتَخْتَصُّ بِهَا .\rوَأَمَّا بِنَاءُ الْمَسَاجِدِ ، فَلَا يَخْتَصُّ فَاعِلُهُ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْقُرْبَةِ ، وَيَجُوزُ أَنْ يَقَعَ قُرْبَةً وَغَيْرَ قُرْبَةٍ ، فَإِذَا وَقَعَ بِأُجْرَةٍ لَمْ يَكُنْ قُرْبَةً ، وَلَا عِبَادَةً ، وَلَا يَصِحُّ هَاهُنَا أَنْ يَكُونَ غَيْرَ عِبَادَةٍ ، وَلَا يَجُوزُ الِاشْتِرَاكُ فِي الْعِبَادَةِ ، فَمَتَى فَعَلَهُ مِنْ أَجْلِ الْأُجْرَةِ خَرَجَ عَنْ كَوْنِهِ عِبَادَةً ،","part":6,"page":285},{"id":2785,"text":"فَلَمْ يَصِحَّ ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ جَوَازِ أَخْذِ النَّفَقَةِ جَوَازُ أَخْذِ الْأُجْرَةِ ، بِدَلِيلِ الْقَضَاءِ وَالشَّهَادَةِ وَالْإِمَامَةِ ، يُؤْخَذُ عَلَيْهَا الرِّزْقُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ ، وَهُوَ نَفَقَةٌ فِي الْمَعْنَى ، وَلَا يَجُوزُ أَخْذُ الْأُجْرَةِ عَلَيْهَا .\rوَفَائِدَةُ الْخِلَافِ ، أَنَّهُ مَتَى لَمْ يَجُزْ أَخْذُ الْأُجْرَةِ عَلَيْهَا ، فَلَا يَكُونُ إلَّا نَائِبًا مَحْضًا ، وَمَا يُدْفَعُ إلَيْهِ مِنْ الْمَالِ يَكُونُ نَفَقَةً لِطَرِيقِهِ ، فَلَوْ مَاتَ ، أَوْ أُحْصِرَ ، أَوْ مَرِضَ ، أَوْ ضَلَّ الطَّرِيقَ ، لَمْ يَلْزَمْهُ الضَّمَانُ لِمَا أَنْفَقَ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ؛ لِأَنَّهُ إنْفَاقٌ بِإِذْنِ صَاحِبِ الْمَالِ ، فَأَشْبَهُ مَا لَوْ أَذِنَ لَهُ فِي سَدِّ بَثْقٍ فَانْبَثَقَ وَلَمْ يَنْسَدَّ .\rوَإِذَا نَابَ عَنْهُ آخَرُ ، فَإِنَّهُ يَحُجُّ مِنْ حَيْثُ بَلَغَ النَّائِبُ الْأَوَّلُ مِنْ الطَّرِيقِ ، لِأَنَّهُ حَصَلَ قَطْعُ هَذِهِ الْمَسَافَةِ بِمَالِ الْمَنُوبِ عَنْهُ ، فَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ الْإِنْفَاقُ دَفْعَةً أُخْرَى ، كَمَا لَوْ خَرَجَ بِنَفْسِهِ فَمَاتَ فِي بَعْضِ الطَّرِيقِ ، فَإِنَّهُ يُحَجُّ عَنْهُ مِنْ حَيْثُ انْتَهَى .\rوَمَا فَضَلَ مَعَهُ مِنْ الْمَالِ رَدَّهُ ، إلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَهُ فِي أَخْذِهِ ، وَيُنْفِقُ عَلَى نَفْسِهِ بِقَدْرِ الْحَاجَةِ مِنْ غَيْرِ إسْرَافٍ وَلَا تَقْتِيرٍ ، وَلَيْسَ لَهُ التَّبَرُّعُ بِشَيْءٍ مِنْهُ ، إلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَهُ فِي ذَلِكَ .\rقَالَ أَحْمَدُ ، فِي الَّذِي يَأْخُذُ دَرَاهِمَ لِلْحَجِّ : لَا يَمْشِي ، وَلَا يُقَتِّرُ فِي النَّفَقَةِ ، وَلَا يُسْرِفُ .\rوَقَالَ فِي رَجُلٍ أَخَذَ حَجَّةً عَنْ مَيِّتٍ ، فَفَضَلَتْ مَعَهُ فَضْلَةٌ : يَرُدُّهَا ، وَلَا يُنَاهِدُ أَحَدًا إلَّا بِقَدْرِ مَا لَا يَكُونُ سَرَفًا ، وَلَا يَدْعُو إلَى طَعَامِهِ ، وَلَا يَتَفَضَّلُ .\rثُمَّ قَالَ : أَمَّا إذَا أُعْطِيَ أَلْفَ دِرْهَمٍ ، أَوْ كَذَا وَكَذَا ، فَقِيلَ لَهُ : حُجَّ بِهَذِهِ .\rفَلَهُ أَنْ يَتَوَسَّعَ فِيهَا ، وَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ فَهُوَ لَهُ .\rوَإِذَا قَالَ الْمَيِّتُ : حُجُّوا عَنِّي حَجَّةً بِأَلْفِ دِرْهَمٍ .\rفَدَفَعُوهَا إلَى رَجُلٍ ، فَلَهُ أَنْ يَتَوَسَّعَ فِيهَا ، وَمَا فَضَلَ فَهُوَ لَهُ .\rوَإِنْ","part":6,"page":286},{"id":2786,"text":"قُلْنَا : يَجُوزُ الِاسْتِئْجَارُ عَلَى الْحَجِّ .\rجَازَ أَنْ يَقَعَ الدَّفْعُ إلَى النَّائِبِ مِنْ غَيْرِ اسْتِئْجَارٍ ، فَيَكُونُ الْحُكْمُ فِيهِ عَلَى مَا مَضَى .\rوَإِنْ اسْتَأْجَرَهُ لِيَحُجَّ عَنْهُ أَوْ عَنْ مَيِّتٍ ، اعْتَبَرَ فِيهِ شُرُوطَ الْإِجَارَةِ ؛ مِنْ مَعْرِفَةِ الْأُجْرَةِ ، وَعَقْدِ الْإِجَارَةِ ، وَمَا يَأْخُذُهُ أُجْرَةً لَهُ يَمْلِكُهُ ، وَيُبَاحُ لَهُ التَّصَرُّفُ فِيهِ ، وَالتَّوَسُّعُ بِهِ فِي النَّفَقَةِ وَغَيْرِهَا ، وَمَا فَضَلَ فَهُوَ لَهُ ، وَإِنْ أُحْصِرَ ، أَوْ ضَلَّ الطَّرِيقَ ، أَوْ ضَاعَتْ النَّفَقَةُ مِنْهُ ، فَهُوَ فِي ضَمَانِهِ ، وَالْحَجُّ عَلَيْهِ ، وَإِنْ مَاتَ ، انْفَسَخَتْ الْإِجَارَةُ ؛ لِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ تَلِفَ ، فَانْفَسَخَ الْعَقْدُ ، كَمَا لَوْ مَاتَتْ الْبَهِيمَةُ الْمُسْتَأْجَرَةُ ، وَيَكُونُ الْحَجُّ أَيْضًا مِنْ مَوْضِعٍ بَلَغَ إلَيْهِ النَّائِبُ ، وَمَا لَزِمَهُ مِنْ الدِّمَاءِ فَعَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ الْحَجَّ عَلَيْهِ .","part":6,"page":287},{"id":2787,"text":"فَصْلٌ : فَأَمَّا النَّائِبُ غَيْرُ الْمُسْتَأْجَرِ ، فَمَا لَزِمَهُ مِنْ الدِّمَاءِ بِفِعْلِ مَحْظُورٍ ، فَعَلَيْهِ فِي مَالِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فِي الْجِنَايَةِ ، فَكَانَ مُوجَبًا عَلَيْهِ ، كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ نَائِبًا ، وَدَمُ الْمُتْعَةِ وَالْقِرَانِ ، إنْ أُذِنَ لَهُ فِي ذَلِكَ ، عَلَى الْمُسْتَنِيبِ ؛ لِأَنَّهُ أُذِنَ فِي سَبَبِهِمَا ، وَإِنْ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ ، فَعَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ كَجِنَايَتِهِ ، وَدَمُ الْإِحْصَارِ عَلَى الْمُسْتَنِيبِ ؛ لِأَنَّهُ لِلتَّخَلُّصِ مِنْ مَشَقَّةِ السَّفَرِ ، فَهُوَ كَنَفَقَةِ الرُّجُوعِ .\rوَإِنْ أَفْسَدَ حَجَّهُ ، فَالْقَضَاءُ عَلَيْهِ ، وَيَرُدُّ مَا أَخَذَ ؛ لِأَنَّ الْحَجَّةَ لَمْ تُجْزِئْ عَنْ الْمُسْتَنِيبِ ؛ لِتَفْرِيطِهِ وَجِنَايَتِهِ .\rوَكَذَلِكَ إنْ فَاتَهُ الْحَجُّ بِتَفْرِيطِهِ .\rوَإِنْ فَاتَ بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ ، احْتَسَبَ لَهُ بِالنَّفَقَةِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَفُتْ ، بِفِعْلِهِ ، فَلَمْ يَكُنْ مُخَالِفًا ، كَمَا لَوْ مَاتَ .\rوَإِنْ قُلْنَا بِوُجُوبِ الْقَضَاءِ ، فَهُوَ عَلَيْهِ فِي نَفْسِهِ ، كَمَا لَوْ دَخَلَ فِي حَجٍّ ظَنَّ أَنَّهُ عَلَيْهِ ، وَلَمْ يَكُنْ ، فَفَاتَهُ .","part":6,"page":288},{"id":2788,"text":"( 2223 ) فَصْلٌ : وَإِذَا سَلَكَ النَّائِبُ طَرِيقًا يُمْكِنُهُ سُلُوكُ أَقْرَبَ مِنْهُ ، فَفَاضِلُ النَّفَقَةِ فِي مَالِهِ .\rوَإِنْ تَعَجَّلَ عَجَلَةً يُمْكِنُهُ تَرْكُهَا ، فَكَذَلِكَ .\rوَإِنْ .\rأَقَامَ بِمَكَّةَ أَكْثَرَ مِنْ مُدَّةِ الْقَصْرِ ، بَعْدَ إمْكَانِ السَّفَرِ لِلرُّجُوعِ ، أَنْفَقَ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَأْذُونٍ لَهُ فِيهِ .\rفَأَمَّا مَنْ لَا يُمْكِنُهُ الْخُرُوجُ قَبْلَ ذَلِكَ ، فَلَهُ النَّفَقَةُ ؛ لِأَنَّهُ مَأْذُونٌ لَهُ فِيهِ ، وَلَهُ نَفَقَةُ الرُّجُوعِ ، وَإِنْ أَقَامَ بِمَكَّةَ سِنِينَ مَا لَمْ يَتَّخِذْهَا دَارًا ، فَإِنْ اتَّخَذَهَا دَارًا ، وَلَوْ سَاعَةً ، لَمْ يَكُنْ لَهُ نَفَقَةُ رُجُوعِهِ ؛ لِأَنَّهُ صَارَ بِنِيَّةِ الْإِقَامَةِ مَكِّيًّا ، فَسَقَطَتْ نَفَقَتُهُ ، فَلَمْ تُعَدَّ .\rوَإِنْ مَرِضَ فِي الطَّرِيقِ ، فَعَادَ ، فَلَهُ نَفَقَةُ رُجُوعِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ ، حَصَلَ بِغَيْرِ تَفْرِيطِهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قُطِعَ عَلَيْهِ الطَّرِيقُ أَوْ أُحْصِرَ .\rوَإِنْ قَالَ : خِفْت أَنْ أَمْرَضَ فَرَجَعْت .\rفَعَلَيْهِ الضَّمَانُ ؛ لِأَنَّهُ مُتَوَهِّمٌ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ ، فِي مَنْ مَرِضَ فِي الْكُوفَةِ ، فَرَجَعَ ، يَرُدُّ مَا أَخَذَ .\rوَفِي جَمِيعِ ذَلِكَ إذَا أَذِنَ لَهُ فِي النَّفَقَةِ ، فَلَهُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الْمَالَ لِلْمُسْتَنِيبِ ، فَجَازَ مَا أَذِنَ فِيهِ .\rوَإِنْ شَرَطَ أَحَدُهُمَا أَنَّ الدِّمَاءَ الْوَاجِبَة عَلَيْهِ عَلَى غَيْرِهِ ، لَمْ يَصِحَّ الشَّرْطُ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ مُوجِبَاتِ فِعْلِهِ ، أَوْ الْحَجِّ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ ، فَلَمْ يَجُزْ شَرْطُهُ عَلَى غَيْرِهِ ، كَمَا لَوْ شَرَطَهُ عَلَى أَجْنَبِيٍّ .","part":6,"page":289},{"id":2789,"text":"( 2224 ) فَصْلٌ : يَجُوزُ أَنْ يَنُوبَ الرَّجُلُ عَنْ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ ، وَالْمَرْأَةُ عَنْ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ ، فِي الْحَجِّ ، فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rلَا نَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا ، إلَّا الْحَسَنَ بْنَ صَالِحٍ ، فَإِنَّهُ كَرِهَ حَجَّ الْمَرْأَةِ عَنْ الرَّجُلِ .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : هَذِهِ غَفْلَةٌ عَنْ ظَاهِرِ السُّنَّةِ ، فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ الْمَرْأَةَ أَنْ تَحُجَّ عَنْ أَبِيهَا ، وَعَلَيْهِ ؛ يَعْتَمِدُ مَنْ أَجَازَ حَجَّ الْمَرْءِ عَنْ غَيْرِهِ وَفِي الْبَابِ حَدِيثُ أَبِي رَزِينٍ ، وَأَحَادِيثُ سِوَاهُ .","part":6,"page":290},{"id":2790,"text":"( 2225 ) فَصْلٌ : وَلَا يَجُوزُ الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ عَنْ حَيٍّ إلَّا بِإِذْنِهِ ، فَرْضًا كَانَ أَوْ تَطَوُّعًا ؛ لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ تَدْخُلُهَا النِّيَابَةُ ، فَلَمْ تَجُزْ عَنْ الْبَالِغِ الْعَاقِلِ إلَّا بِإِذْنِهِ ، كَالزَّكَاةِ ، فَأَمَّا الْمَيِّتُ فَتَجُوزُ عَنْهُ بِغَيْرِ إذْنٍ ، وَاجِبًا كَانَ أَوْ تَطَوُّعًا ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِالْحَجِّ عَنْ الْمَيِّتِ ، وَقَدْ عَلِمَ أَنَّهُ لَا إذْنَ لَهُ ، وَمَا جَازَ فَرْضُهُ جَازَ نَفْلُهُ ، كَالصَّدَقَةِ .\rفَعَلَى هَذَا كُلُّ مَا يَفْعَلُهُ النَّائِبُ عَنْ الْمُسْتَنِيبِ ، مِمَّا لَمْ يُؤْمَرْ بِهِ ، مِثْلُ أَنْ يُؤْمَرَ بِحَجٍّ فَيَعْتَمِرَ ، أَوْ بِعُمْرَةٍ فَيَحُجَّ ، يَقَعُ عَنْ الْمَيِّتِ ؛ لِأَنَّهُ يَصِحُّ عَنْهُ مِنْ غَيْرِ إذْنِهِ ، وَلَا يَقَعُ عَنْ الْحَيِّ ؛ لِعَدَمِ إذْنِهِ فِيهِ ، وَيَقَعُ عَمَّنْ فَعَلَهُ ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا تَعَذَّرَ وُقُوعُهُ عَنْ الْمَنْوِيِّ عَنْهُ ، وَقَعَ عَنْ نَفْسِهِ ، كَمَا لَوْ اسْتَنَابَهُ رَجُلَانِ ، فَأَحْرَمَ عَنْهُمَا جَمِيعًا ، وَعَلَيْهِ رَدُّ النَّفَقَةِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ مَا أُمِرَ بِهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ يَفْعَلْ شَيْئًا .","part":6,"page":291},{"id":2791,"text":"فُصُولٌ فِي مُخَالَفَةِ النَّائِبِ : إذَا أَمَرَهُ بِحَجٍّ فَتَمَتَّعَ أَوْ اعْتَمَرَ لِنَفْسِهِ مِنْ الْمِيقَاتِ ، ثُمَّ حَجَّ ؛ نَظَرْت ؛ فَإِنْ خَرَجَ إلَى الْمِيقَاتِ فَأَحْرَمَ مِنْهُ بِالْحَجِّ ، جَازَ ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rوَإِنْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ مِنْ مَكَّةَ ، فَعَلَيْهِ دَمٌ ؛ لِتَرْكِ مِيقَاتِهِ ، وَيَرُدُّ مِنْ النَّفَقَةِ بِقَدْرِ مَا تَرَكَ مِنْ إحْرَامِ الْحَجِّ فِيمَا بَيْنَ الْمِيقَاتِ وَمَكَّةَ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : لَا يَقَعُ فِعْلُهُ عَنْ الْآمِرِ ، وَيَرُدُّ جَمِيعَ النَّفَقَةِ ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِغَيْرِ مَا أُمِرَ بِهِ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ إذَا أَحْرَمَ مِنْ الْمِيقَاتِ فَقَدْ أَتَى بِالْحَجِّ صَحِيحًا مِنْ مِيقَاتِهِ ، وَإِنْ أَحْرَمَ بِهِ مِنْ مَكَّةَ ، فَمَا أَخَلَّ إلَّا بِمَا يَجْبُرُهُ الدَّمُ ، فَلَمْ تَسْقُطْ نَفَقَتُهُ ، كَمَا لَوْ تَجَاوَزَ الْمِيقَاتَ غَيْرَ مُحْرِمٍ ، فَأَحْرَمَ دُونَهُ .\rوَإِنْ أَمَرَهُ بِالْإِفْرَادِ فَقَرَنَ ، لَمْ يَضْمَنْ شَيْئًا .\rوَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَضْمَنُ ؛ لِأَنَّهُ مُخَالِفٌ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ أَتَى بِمَا أُمِرَ بِهِ وَزِيَادَةً ، فَصَحَّ وَلَمْ يَضْمَنْ ، كَمَا لَوْ أَمَرَهُ بِشِرَاءِ شَاةٍ بِدِينَارٍ ، فَاشْتَرَى بِهِ شَاتَيْنِ تُسَاوِي إحْدَاهُمَا دِينَارًا .\rثُمَّ إنْ كَانَ أَمَرَهُ بِالْعُمْرَةِ بَعْدَ الْحَجِّ فَفَعَلَهَا ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ ، رَدَّ مِنْ النَّفَقَةِ بِقَدْرِهَا .","part":6,"page":292},{"id":2792,"text":"( 2227 ) فَصْلٌ : وَإِنْ أَمَرَهُ بِالتَّمَتُّعِ فَقَرَنَ ، وَقَعَ عَنْ الْآمِرِ ، لِأَنَّهُ أَمَرَ بِهِمَا ، وَإِنَّمَا خَالَفَ فِي أَنَّهُ أَمَرَهُ بِالْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ مِنْ مَكَّةَ ، فَأَحْرَمَ بِهِ مِنْ الْمِيقَاتِ .\rوَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ لَا يَرُدُّ شَيْئًا مِنْ النَّفَقَةِ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : يَرُدُّ نِصْفَ النَّفَقَةِ ؛ لِأَنَّ غَرَضَهُ فِي عُمْرَةٍ مُفْرَدَةٍ وَتَحْصِيلِ فَضِيلَةِ التَّمَتُّع ، وَقَدْ خَالَفَهُ فِي ذَلِكَ ، وَفَوَّتَهُ عَلَيْهِ .\rوَإِنْ أَفْرَدَ وَقَعَ عَنْ الْمُسْتَنِيبِ أَيْضًا ، وَيَرُدُّ نِصْفَ النَّفَقَةِ ؛ لِأَنَّهُ أَخَلَّ بِالْإِحْرَامِ بِالْعُمْرَةِ مِنْ الْمِيقَاتِ ، وَقَدْ أَمَرَهُ بِهِ ، وَإِحْرَامُهُ بِالْحَجِّ مِنْ الْمِيقَاتِ زِيَادَةٌ لَا يَسْتَحِقُّ بِهِ شَيْئًا .","part":6,"page":293},{"id":2793,"text":"( 2228 ) فَصْلٌ : فَإِنْ أَمَرَهُ بِالْقِرَانِ فَأَفْرَدَ أَوْ تَمَتَّعَ ، صَحَّ ، وَوَقَعَ النُّسُكَانِ عَنْ الْآمِرِ ، وَيَرُدُّ مِنْ النَّفَقَةِ بِقَدْرِ مَا تَرَكَ مِنْ إحْرَامِ النُّسُكِ الَّذِي تَرَكَهُ مِنْ الْمِيقَاتِ .\rوَفِي جَمِيعِ ذَلِكَ ، إذَا أَمَرَهُ بِالنُّسُكَيْنِ ، فَفَعَلَ أَحَدَهُمَا دُونَ الْآخَرِ ، رَدَّ مِنْ النَّفَقَةِ بِقَدْرِ مَا تَرَكَ ، وَوَقَعَ الْمَفْعُولُ عَنْ الْآمِرِ ، وَلِلنَّائِبِ مِنْ النَّفَقَةِ بِقَدْرِهِ .","part":6,"page":294},{"id":2794,"text":"( 2229 ) فَصْلٌ : وَإِنْ اسْتَنَابَهُ رَجُلٌ فِي الْحَجِّ ، وَآخَرُ فِي الْعُمْرَةِ ، وَأَذِنَا لَهُ فِي الْقِرَانِ ، فَفَعَلَ ، جَازَ ؛ لِأَنَّهُ نُسُكٌ مَشْرُوعٌ .\rوَإِنْ قَرَنَ مِنْ غَيْرِ إذْنِهِمَا ، صَحَّ وَوَقَعَ عَنْهُمَا ، وَيَرُدُّ مِنْ نَفَقَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفَهَا ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ السَّفَرَ عَنْهُمَا بِغَيْرِ إذْنِهِمَا .\rوَإِنْ أَذِنَ أَحَدُهُمَا دُونِ الْآخَرِ ، رَدَّ عَلَى غَيْرِ الْآمِرِ نِصْفَ نَفَقَتِهِ وَحْدَهُ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : إذَا لَمْ يَأْذَنَا لَهُ ضَمِنَ الْجَمِيعَ ؛ لِأَنَّهُ أُمِرَ بِنُسُكٍ مُفْرَدٍ ، وَلَمْ يَأْتِ بِهِ ، فَكَانَ مُخَالِفًا ، كَمَا لَوْ أُمِرَ بِحَجٍّ فَاعْتَمَرَ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ أَتَى بِمَا أُمِرَ بِهِ ، وَإِنَّمَا خَالَفَ فِي صِفَتِهِ ، لَا فِي أَصْلِهِ ، فَأَشْبَهَ مَنْ أُمِرَ بِالتَّمَتُّعِ فَقَرَنَ .\rوَلَوْ أُمِرَ بِأَحَدِ النُّسُكَيْنِ ، فَقَرَنَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النُّسُكِ الْآخَرِ لِنَفْسِهِ ، فَالْحُكْمُ فِيهِ كَذَلِكَ ، وَدَمُ الْقِرَانِ عَلَى النَّائِبِ إذَا لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فِيهِ ؛ لِعَدَمِ الْإِذْنِ فِي سَبَبِهِ ، وَعَلَيْهِمَا ، إنْ أَذِنَا ؛ لِوُجُودِ الْإِذْنِ فِي سَبَبِهِ .\rوَلَوْ أَذِنَ أَحَدُهُمَا دُونَ الْآخَرِ ، فَعَلَى الْآذِنِ نِصْفُ الدَّمِ ، وَنِصْفُهُ عَلَى النَّائِبِ .","part":6,"page":295},{"id":2795,"text":"( 2230 ) فَصْلٌ : وَإِنْ أُمِرَ بِالْحَجِّ ، فَحَجَّ ، ثُمَّ اعْتَمَرَ لِنَفْسِهِ ، أَوْ أَمَرَهُ بِعُمْرَةٍ ، فَاعْتَمَرَ ، ثُمَّ حَجَّ عَنْ نَفْسِهِ .\rصَحَّ ، وَلَمْ يَرُدَّ شَيْئًا مِنْ النَّفَقَةِ لِأَنَّهُ أَتَى بِمَا أُمِرَ بِهِ عَلَى وَجْهِهِ وَإِنْ أَمَرَهُ بِالْإِحْرَامِ مِنْ مِيقَاتٍ ، فَأَحْرَمَ مِنْ غَيْرِهِ ، جَازَ ؛ لِأَنَّهُمَا سَوَاءٌ فِي الْإِجْزَاءِ .\rوَإِنْ أَمَرَهُ بِالْإِحْرَامِ مِنْ بَلَدِهِ ، فَأَحْرَمَ مِنْ الْمِيقَاتِ ، جَازَ ؛ لِأَنَّهُ الْأَفْضَلُ .\rوَإِنْ أَمَرَهُ بِالْإِحْرَامِ مِنْ الْمِيقَاتِ ، فَأَحْرَمَ مَنْ بَلَدِهِ ، جَازَ لِأَنَّهُ زِيَادَةٌ لَا تَضُرُّ .\rوَإِنْ أَمَرَهُ بِالْحَجِّ فِي سَنَةٍ ، أَوْ بِالِاعْتِمَارِ فِي شَهْرٍ ، فَفَعَلَهُ فِي غَيْرِهِ ، جَازَ ؛ لِأَنَّهُ مَأْذُونٌ فِيهِ فِي الْجُمْلَةِ .","part":6,"page":296},{"id":2796,"text":"( 2231 ) فَصْلٌ : فَإِنْ اسْتَنَابَهُ اثْنَانِ فِي نُسُكٍ ، فَأَحْرَمَ بِهِ عَنْهُمَا ، وَقَعَ عَنْ نَفْسِهِ دُونَهُمَا ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ وُقُوعُهُ عَنْهُمَا ، وَلَيْسَ أَحَدُهُمَا بِأَوْلَى مِنْ صَاحِبِهِ .\rوَإِنْ أَحْرَمَ عَنْ نَفْسِهِ وَغَيْرِهِ ، وَقَعَ عَنْ نَفْسِهِ ؛ لِأَنَّهُ إذَا وَقَعَ عَنْ نَفْسِهِ وَلَمْ يَنْوِهَا ، فَمَعَ نِيَّتِهِ أَوْلَى .\rوَإِنْ أَحْرَمَ عَنْ أَحَدِهِمَا غَيْرَ مُعَيِّنٍ ، احْتَمَلَ أَنْ يَقَعَ عَنْ نَفْسِهِ أَيْضًا ؛ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا لَيْسَ أَوْلَى مِنْ الْآخَرِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَحْرَمَ عَنْهُمَا .\rوَاحْتَمَلَ أَنْ يَصِحَّ ؛ لِأَنَّ الْإِحْرَامَ يَصِحُّ بِالْمَجْهُولِ ، فَصَحَّ عَنْ الْمَجْهُولِ ، وَإِلَّا صَرَفَهُ إلَى مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا .\rاخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ .\rفَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ حَتَّى طَافَ شَوْطًا ، وَقَعَ عَنْ نَفْسِهِ ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ صَرْفُهُ إلَى أَحَدِهِمَا ؛ لِأَنَّ الطَّوَافَ لَا يَقَعُ عَنْ غَيْرِ مُعَيَّنٍ .","part":6,"page":297},{"id":2797,"text":"( 2232 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ ( وَحُكْمُ الْمَرْأَةِ إذَا كَانَ لَهَا مَحْرَمٌ كَحُكْمِ الرَّجُلِ ) ظَاهِرُ هَذَا أَنَّ الْحَجَّ لَا يَجِبُ عَلَى الْمَرْأَةِ الَّتِي لَا مَحْرَمَ لَهَا ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَهَا بِالْمَحْرَمِ كَالرَّجُلِ فِي وُجُوبِ الْحَجِّ ، فَمَنْ لَا مَحْرَمَ لَهَا لَا تَكُونُ كَالرَّجُلِ ، فَلَا يَجِبُ عَلَيْهَا الْحَجُّ .\rوَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، فَقَالَ أَبُو دَاوُد : قُلْت : لِأَحْمَدَ : امْرَأَةٌ مُوسِرَةٌ ، لَمْ يَكُنْ لَهَا مَحْرَمٌ ، هَلْ يَجِبُ عَلَيْهَا الْحَجُّ ؟ قَالَ : لَا .\rوَقَالَ أَيْضًا : الْمَحْرَمُ مِنْ السَّبِيلِ .\rوَهَذَا قَوْلُ الْحَسَنِ ، وَالنَّخَعِيِّ ، وَإِسْحَاقَ ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّ الْمَحْرَمَ مِنْ شَرَائِطِ لُزُومِ السَّعْي دُونَ الْوُجُوبِ ، فَمَتَى فَاتَهَا الْحَجُّ بَعْدَ كَمَالِ الشَّرَائِطِ الْخَمْسِ ، بِمَوْتٍ ، أَوْ مَرَضٍ لَا يُرْجَى بُرْؤُهُ ، أَخْرَجَ عَنْهَا حَجَّةً ؛ لِأَنَّ شُرُوطَ الْحَجِّ الْمُخْتَصَّةَ بِهِ قَدْ كَمُلَتْ ، وَإِنَّمَا الْمَحْرَمُ لِحِفْظِهَا ، فَهُوَ كَتَخْلِيَةِ الطَّرِيقِ ، وَإِمْكَانِ الْمَسِيرِ .\rوَعَنْهُ رِوَايَةٌ ثَالِثَةٌ ، أَنَّ الْمَحْرَمَ لَيْسَ بِشَرْطٍ فِي الْحَجِّ الْوَاجِبِ .\rقَالَ الْأَثْرَمُ : سَمِعْت أَحْمَدَ يُسْأَلُ : هَلْ يَكُونُ الرَّجُلُ مَحْرَمًا لِأُمِّ امْرَأَتِهِ ، يُخْرِجُهَا إلَى الْحَجِّ ؟ فَقَالَ : أَمَّا فِي حَجَّةِ الْفَرِيضَةِ فَأَرْجُو ؛ لِأَنَّهَا تَخْرُجُ إلَيْهَا مَعَ النِّسَاءِ ، وَمَعَ كُلِّ مَنْ أَمِنَتْهُ ، وَأَمَّا فِي غَيْرِهَا فَلَا وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ ، وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ .\rوَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ ، وَمَالِكٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ .\rلَيْسَ الْمَحْرَمُ شَرْطًا فِي حَجِّهَا بِحَالٍ .\rقَالَ ابْنُ سِيرِينَ : تَخْرُجُ مَعَ رَجُلٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ، لَا بَأْسَ بِهِ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : تَخْرُجُ مَعَ جَمَاعَةِ النِّسَاءِ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : تَخْرُجُ مَعَ حُرَّةٍ مُسْلِمَةٍ ثِقَةٍ .\rوَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : تَخْرُجُ مَعَ قَوْمٍ عُدُولٍ ، تَتَّخِذُ سُلَّمًا تَصْعَدُ عَلَيْهِ وَتَنْزِلُ ، وَلَا يَقْرَبُهَا رَجُلٌ ، إلَّا أَنَّهُ يَأْخُذُ رَأْسَ الْبَعِيرِ ، وَتَضَعُ","part":6,"page":298},{"id":2798,"text":"رِجْلَهَا عَلَى ذِرَاعِهِ .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : تَرَكُوا الْقَوْلَ بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ ، وَاشْتَرَطَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ شَرْطًا لَا حُجَّةَ مَعَهُ عَلَيْهِ ، وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَّرَ الِاسْتِطَاعَةَ بِالزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ ، وَقَالَ لِعَدِيِّ بْن حَاتِمٍ : { يُوشِكُ أَنْ تَخْرُجَ الظَّعِينَةُ مِنْ الْحِيرَةِ تَؤُمُّ الْبَيْتَ ، لَا جِوَارَ مَعَهَا ، لَا تَخَافُ إلَّا اللَّهَ } .\rوَلِأَنَّهُ سَفَرٌ وَاجِبٌ ، فَلَمْ يُشْتَرَطْ لَهُ الْمَحْرَمُ ، كَالْمُسْلِمَةِ إذَا تَخَلَّصَتْ مِنْ أَيْدِي الْكُفَّارِ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ، تُسَافِرُ مَسِيرَةَ يَوْمٍ ، إلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ } .\rوَعَنْ ابْنِ عَبَّاسِ ، قَالَ : سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : { لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ ، إلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ ، وَلَا تُسَافِرُ امْرَأَةٌ إلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ .\rفَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنِّي كُنْت فِي غَزْوَةِ كَذَا ، وَانْطَلَقَتْ امْرَأَتِي حَاجَّةً .\rفَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : انْطَلِقْ فَاحْجُجْ مَعَ امْرَأَتِك } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا .\rوَرَوَى ابْن عُمَرَ ، وَأَبُو سَعِيدٍ ، نَحْوًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ .\rقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ : أَمَّا أَبُو هُرَيْرَةَ : فَيَقُولُ : ( يَوْمًا وَلَيْلَةً ) .\rوَيُرْوَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : ( لَا تُسَافِرُ سَفَرًا ) أَيْضًا .\rوَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ يَقُولُ : ( ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ) .\rقُلْت : مَا تَقُولُ أَنْتَ ؟ قَالَ : لَا تُسَافِرُ سَفَرًا قَلِيلًا وَلَا كَثِيرًا ، إلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ .\rوَرَوَى الدَّارَقُطْنِيّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { لَا تَحُجَّنَّ امْرَأَةٌ إلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ } .\rوَهَذَا صَرِيحٌ فِي الْحُكْمِ .\rوَلِأَنَّهَا أَنْشَأَتْ سَفَرًا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ ؛ فَلَمْ يَجُزْ بِغَيْرِ مَحْرَمٍ ، كَحَجِّ","part":6,"page":299},{"id":2799,"text":"التَّطَوُّعِ .\rوَحَدِيثُهُمْ مَحْمُولٌ عَلَى الرَّجُلِ ، بِدَلِيلِ أَنَّهُمْ اشْتَرَطُوا خُرُوجَ غَيْرِهَا مَعَهَا ، فَجَعْلَ ذَلِكَ الْغَيْرَ الْمَحْرَمَ الَّذِي بَيَّنَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَحَادِيثِنَا أَوْلَى مِمَّا اشْتَرَطُوهُ بِالتَّحَكُّمِ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ أَنَّ الزَّادَ وَالرَّاحِلَةَ يُوجِبُ الْحَجَّ ، مَعَ كَمَالِ بَقِيَّةِ الشُّرُوطِ ، وَلِذَلِكَ اشْتَرَطُوا تَخْلِيَةَ الطَّرِيقِ ، وَإِمْكَانَ الْمَسِيرِ ، وَقَضَاءَ الدَّيْنِ ، وَنَفَقَةَ الْعِيَالِ ، وَاشْتَرَطَ مَالِكٌ إمْكَانَ الثُّبُوتِ عَلَى الرَّاحِلَةِ ، وَهِيَ غَيْرُ مَذْكُورَةٍ فِي الْحَدِيثِ .\rوَاشْتَرَطَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ شَرْطًا مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ ، لَا مِنْ كِتَابٍ وَلَا مِنْ سُنَّةٍ ، فَمَا ذَكَرَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْلَى بِالِاشْتِرَاطِ ، وَلَوْ قُدِّرَ التَّعَارُضُ ، فَحَدِيثُنَا أَخُصُّ وَأَصَحُّ وَأَوْلَى بِالتَّقْدِيمِ ، وَحَدِيثُ عَدِيٍّ يَدُلُّ عَلَى وُجُودِ السَّفَرِ ، لَا عَلَى جَوَازِهِ ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَجُزْ فِي غَيْرِ الْحَجِّ الْمَفْرُوضِ ، وَلَمْ يُذْكَرْ فِيهِ خُرُوجُ غَيْرِهَا مَعَهَا ، وَقَدْ اشْتَرَطُوا هَاهُنَا خُرُوجَ غَيْرِهَا مَعَهَا .\rوَأَمَّا الْأَسِيرَةُ إذَا تَخَلَّصَتْ مِنْ أَيْدِي الْكُفَّارِ ، فَإِنَّ سَفَرَهَا سَفَرُ ضَرُورَةٍ ، لَا يُقَاسُ عَلَيْهِ حَالَةُ الِاخْتِيَارِ ، وَلِذَلِكَ تَخْرُجُ فِيهِ وَحْدَهَا ؛ وَلِأَنَّهَا تَدْفَعُ ضَرَرًا مُتَيَقَّنًا بِتَحَمُّلِ الضَّرَرِ الْمُتَوَهَّمِ ، فَلَا يَلْزَمُ تَحَمُّلُ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ أَصْلًا .","part":6,"page":300},{"id":2800,"text":"( 2233 ) فَصْلٌ : وَالْمَحْرَمُ زَوْجُهَا ، أَوْ مَنْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ عَلَى التَّأْبِيدِ ، بِنَسَبٍ أَوْ سَبَبٍ مُبَاحٍ ، كَأَبِيهَا وَابْنِهَا وَأَخِيهَا مِنْ نَسَبٍ أَوْ رِضَاعٍ ؛ لِمَا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ، أَنْ تُسَافِرَ سَفَرًا يَكُونُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَصَاعِدًا ، إلَّا وَمَعَهَا أَبُوهَا أَوْ ابْنُهَا أَوْ زَوْجُهَا أَوْ ذُو مَحْرَمٍ مِنْهَا } .\rرَوَاهُ مُسْلِمٌ .\rقَالَ أَحْمَدُ : وَيَكُونُ زَوْجُ أُمِّ الْمَرْأَةِ مَحْرَمًا لَهَا يَحُجُّ بِهَا ، وَيُسَافِرُ الرَّجُلُ مَعَ أُمِّ وَلَدِ جَدِّهِ ، فَإِذَا كَانَ أَخُوهَا مِنْ الرِّضَاعَةِ خَرَجَتْ مَعَهُ .\rوَقَالَ فِي أُمِّ امْرَأَتِهِ : وَيَكُونُ مَحْرَمًا لَهَا فِي حَجِّ الْفَرْضِ ، دُونَ غَيْرِهِ .\rقَالَ الْأَثْرَمُ : كَأَنَّهُ ذَهَبَ إلَى أَنَّهَا لَمْ تُذْكَرْ فِي قَوْلِهِ : { وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ } .\rالْآيَةَ .\rفَأَمَّا مَنْ تَحِلُّ لَهُ فِي حَالٍ ، كَعَبْدِهَا ، وَزَوْجِ أُخْتِهَا ، فَلَيْسَا بِمَحْرَمٍ لَهَا .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .\rلِأَنَّهُمَا غَيْرُ مَأْمُونَيْنِ عَلَيْهَا ، وَلَا تَحْرُمُ عَلَيْهِمَا عَلَى التَّأْبِيدِ ، فَهُمَا كَالْأَجْنَبِيِّ .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { سَفَرُ الْمَرْأَةِ مَعَ عَبْدِهَا ضَيْعَةٌ } .\rأَخْرَجَهُ سَعِيدٌ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : عَبْدُهَا مَحْرَمٌ لَهَا ؛ لِأَنَّهُ يُبَاحُ لَهُ النَّظَرُ إلَيْهَا ، فَكَانَ مَحْرَمًا لَهَا ، كَذِي رَحِمِهَا .\rوَالْأَوَّلُ أَوْلَى .\rوَيُفَارِقُ ذَا الرَّحِمِ ؛ لِأَنَّهُ مَأْمُونٌ عَلَيْهَا ، وَتَحْرُمُ عَلَيْهِ عَلَى التَّأْبِيدِ ، وَيَنْتَقِضُ مَا ذَكَرُوهُ بِالْقَوَاعِدِ مِنْ النِّسَاءِ ، وَغَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنْ الرِّجَالِ .\rوَأَمَّا أُمُّ الْمَوْطُوءَةِ بِشُبْهَةٍ ، أَوْ الْمَزْنِيُّ بِهَا ، أَوْ ابْنَتُهُمَا ، فَلَيْسَ بِمَحْرَمٍ لَهُمَا ؛ لِأَنَّ تَحْرِيمَهُمَا بِسَبَبٍ غَيْرِ مُبَاحٍ ، فَلَمْ يَثْبُتْ بِهِ حُكْمُ الْمَحْرَمِيَّةِ كَالتَّحْرِيمِ الثَّابِتِ بِاللِّعَانِ ، وَلَيْسَ لَهُ","part":6,"page":301},{"id":2801,"text":"الْخَلْوَةُ بِهِمَا ، وَلَا النَّظَرُ إلَيْهِمَا لِذَلِكَ .\rوَالْكَافِرُ لَيْسَ بِمَحْرَمٍ لِلْمُسْلِمَةِ ، وَإِنْ كَانَتْ ابْنَتَهُ .\rقَالَ أَحْمَدُ فِي يَهُودِيٍّ أَوْ نَصْرَانِيٍّ أَسْلَمَتْ ابْنَته : لَا يُزَوِّجُهَا ، وَلَا يُسَافِرُ مَعَهَا ، لَيْسَ هُوَ لَهَا بِمَحْرَمٍ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ : هُوَ مَحْرَمٌ لَهَا ؛ لِأَنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِ عَلَى التَّأْبِيدِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ إثْبَاتَ الْمَحْرَمِيَّةِ يَقْتَضِي الْخَلْوَةَ بِهَا ، فَيَجِبُ أَنْ لَا تَثْبُتَ لِكَافِرٍ عَلَى مُسْلِمَةٍ ، كَالْحَضَانَةِ لِلطِّفْلِ ، وَلِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ عَلَيْهَا أَنْ يَفْتِنَهَا عَنْ دِينِهَا كَالطِّفْلِ ، وَمَا ذَكَرُوهُ يَبْطُلُ بِأُمِّ الْمَزْنِيِّ بِهَا ، وَابْنَتِهَا ، وَالْمُحَرَّمَةِ بِاللِّعَانِ ، وَبِالْمَجُوسِيِّ مَعَ ابْنَتِهِ ، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِي الْمَجُوسِيِّ خِلَافٌ ؛ فَإِنَّهُ لَا يُؤْمَنُ عَلَيْهَا ، وَيَعْتَقِدُ حِلَّهَا .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي مَوَاضِعَ .\rوَيُشْتَرَطُ فِي الْمَحْرَمِ أَنْ يَكُونَ بَالِغًا عَاقِلًا .\rقِيلَ لِأَحْمَدَ : فَيَكُونُ الصَّبِيُّ مَحْرَمًا ؟ قَالَ : لَا ، حَتَّى يَحْتَلِمَ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقُومُ بِنَفْسِهِ ، فَكَيْفَ يَخْرُجُ مَعَ امْرَأَةٍ .\rوَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِالْمَحْرَمِ حِفْظُ الْمَرْأَةِ ، وَلَا يَحْصُلُ إلَّا مِنْ الْبَالِغِ الْعَاقِلِ ، فَاعْتُبِرَ ذَلِكَ .","part":6,"page":302},{"id":2802,"text":"( 2234 ) فَصْلٌ : وَنَفَقَةُ الْمَحْرَمِ فِي الْحَجِّ عَلَيْهَا .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ سَبِيلِهَا ، فَكَانَ عَلَيْهَا نَفَقَتُهُ ، كَالرَّاحِلَةِ .\rفَعَلَى هَذَا يُعْتَبَرُ فِي اسْتِطَاعَتِهَا أَنْ تَمْلِكَ زَادًا وَرَاحِلَةً لَهَا وَلِمَحْرَمِهَا ؛ فَإِنْ امْتَنَعَ مَحْرَمُهَا مِنْ الْحَجِّ مَعَهَا ، مَعَ بَذْلِهَا لَهُ نَفَقَتَهُ ، فَهِيَ كَمَنْ لَا مَحْرَمَ لَهَا ؛ لِأَنَّهَا لَا يُمْكِنُهَا الْحَجُّ بِغَيْرِ مَحْرَمٍ .\rوَهَلْ يَلْزَمُهُ إجَابَتُهَا إلَى ذَلِكَ ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ .\rنَصَّ عَلَيْهِمَا .\rوَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الْحَجُّ مَعَهَا ؛ لِأَنَّ فِي الْحَجِّ مَشَقَّةً شَدِيدَةً ، وَكُلْفَةً عَظِيمَةً ، فَلَا تَلْزَمُ أَحَدًا لِأَجْلِ غَيْرِهِ ، كَمَا لَمْ يَلْزَمْهُ أَنْ يَحُجَّ عَنْهَا إذَا كَانَتْ مَرِيضَةً .","part":6,"page":303},{"id":2803,"text":"( 2235 ) فَصْلٌ : وَإِذَا مَاتَ مَحْرَمُ الْمَرْأَةِ فِي الطَّرِيقِ ، فَقَالَ أَحْمَدُ : إذَا تَبَاعَدَتْ مَضَتْ ، فَقَضَتْ الْحَجَّ .\rقِيلَ لَهُ : قَدِمَتْ مِنْ خُرَاسَان ، فَمَاتَ وَلِيُّهَا بِبَغْدَادَ ؟ فَقَالَ : تَمْضِي إلَى الْحَجِّ ، وَإِذَا كَانَ الْفَرْضُ خَاصَّةً فَهُوَ آكَدُ .\rثُمَّ قَالَ : لَا بُدَّ لَهَا مِنْ أَنْ تَرْجِعَ .\rوَهَذَا لِأَنَّهَا لَا بُدَّ لَهَا مِنْ السَّفَرِ بِغَيْرِ مَحْرَمٍ ، فَمُضِيُّهَا إلَى قَضَاءِ حَجِّهَا أَوْلَى .\rلَكِنْ إنْ كَانَ حَجُّهَا تَطَوُّعًا ، وَأَمْكَنَهَا الْإِقَامَةُ فِي بَلَدٍ ، فَهُوَ أَوْلَى مِنْ سَفَرِهَا بِغَيْرِ مَحْرَمٍ .","part":6,"page":304},{"id":2804,"text":"( 2236 ) فَصْلٌ : وَلَيْسَ لِلرَّجُلِ مَنْعُ امْرَأَتِهِ مِنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ .\rوَبِهَذَا قَالَ النَّخَعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ، وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ .\rوَلَهُ قَوْلٌ آخَرُ ، لَهُ مَنْعُهَا مِنْهُ .\rبِنَاءً عَلَى أَنَّ الْحَجَّ عَلَى التَّرَاخِي .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ فَرْضٌ ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَنْعُهَا مِنْهُ ، كَصَوْمِ رَمَضَانَ ، وَالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ .\rوَيُسْتَحَبُّ أَنْ تَسْتَأْذِنَهُ فِي ذَلِكَ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .\rفَإِنْ ، أَذِنَ ، وَإِلَّا خَرَجَتْ بِغَيْرِ إذْنِهِ .\rفَأَمَّا حَجُّ التَّطَوُّعِ ، فَلَهُ مَنْعُهَا مِنْهُ .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ أَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ لَهُ مَنْعَهَا مِنْ الْخُرُوجِ إلَى الْحَجِّ التَّطَوُّعِ .\rوَذَلِكَ لِأَنَّ حَقَّ الزَّوْجِ وَاجِبٌ ، فَلَيْسَ لَهَا تَفْوِيتُهُ بِمَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ ، كَالسَّيِّدِ مَعَ عَبْدِهِ .\rوَلَيْسَ لَهُ مَنْعُهَا مِنْ الْحَجِّ الْمَنْذُورِ ؛ لِأَنَّهُ وَاجِبٌ عَلَيْهَا ، أَشْبَهَ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ .","part":6,"page":305},{"id":2805,"text":"( 2237 ) فَصْلٌ : وَلَا تَخْرُجُ إلَى الْحَجِّ فِي عِدَّةِ الْوَفَاةِ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .\rقَالَ : وَلَهَا أَنْ تَخْرُجَ إلَيْهِ فِي عِدَّةِ الطَّلَاقِ الْمَبْتُوتِ .\rوَذَلِكَ لِأَنَّ لُزُومَ الْمَنْزِلِ ، وَالْمَبِيتَ فِيهِ وَاجِبٌ فِي عِدَّةِ الْوَفَاةِ ، وَقُدِّمَ عَلَى الْحَجِّ ، لِأَنَّهُ يَفُوتُ ، وَالطَّلَاقُ الْمَبْتُوتُ لَا يَجِبُ فِيهِ ذَلِكَ .\rوَأَمَّا عِدَّةُ الرَّجْعِيَّةِ ، فَالْمَرْأَةُ فِيهِ بِمَنْزِلَتِهَا فِي طَلَبِ النِّكَاحِ ، لِأَنَّهَا زَوْجَةٌ .\rوَإِذَا خَرَجَتْ لِلْحَجِّ ، فَتُوُفِّيَ زَوْجُهَا ، وَهِيَ قَرِيبَةٌ ، رَجَعَتْ لِتَعْتَدَّ فِي مَنْزِلِهَا وَإِنْ تَبَاعَدَتْ ، مَضَتْ فِي سَفَرِهَا .\rذَكَرَهُ الْخِرَقِيِّ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ .","part":6,"page":306},{"id":2806,"text":"( 2238 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( فَمَنْ فَرَّطَ فِيهِ حَتَّى تُوُفِّيَ ، أُخْرِجَ عَنْهُ مِنْ جَمِيعِ مَالِهِ حَجَّةٌ وَعُمْرَةٌ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَجُّ ، وَأَمْكَنَهُ فِعْلُهُ ، وَجَبَ عَلَيْهِ عَلَى الْفَوْرِ ، وَلَمْ يَجُزْ لَهُ تَأْخِيرُهُ .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَة ، وَمَالِكٌ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يَجِبُ الْحَجُّ وُجُوبًا مُوَسَّعًا ، وَلَهُ تَأْخِيرُهُ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَّرَ أَبَا بَكْرٍ عَلَى الْحَجِّ ، وَتَخَلَّفَ بِالْمَدِينَةِ ، لَا مُحَارِبًا ، وَلَا مَشْغُولًا بِشَيْءٍ ، وَتَخَلَّفَ أَكْثَرُ النَّاسِ قَادِرِينَ عَلَى الْحَجِّ ، وَلِأَنَّهُ إذَا أَخَّرَهُ ثُمَّ فَعَلَهُ فِي السَّنَةِ الْأُخْرَى لَمْ يَكُنْ قَاضِيًا لَهُ ، دَلَّ عَلَى أَنَّ وُجُوبَهُ عَلَى التَّرَاخِي .\rوَلَنَا ، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إلَيْهِ سَبِيلًا } .\rوَقَوْلُهُ : { وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ } .\rوَالْأَمْرُ عَلَى الْفَوْرِ .\rوَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { مَنْ أَرَادَ الْحَجَّ فَلْيَتَعَجَّلْ } .\rرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ، وَأَبُو دَاوُد ، وَابْنُ مَاجَهْ .\rوَفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ ، وَابْنِ مَاجَهْ : { فَإِنَّهُ قَدْ يَمْرَضُ الْمَرِيضُ ، وَتَضِلُّ الضَّالَّةُ ، وَتَعْرِضُ الْحَاجَةُ } .\rقَالَ أَحْمَدُ : وَرَوَاهُ الثَّوْرِيُّ ، وَوَكِيعٌ ، عَنْ أَبِي إسْرَائِيلَ ، عَنْ فُضَيْلٍ بْنِ عَمْرٍو ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسِ ، عَنْ أَخِيهِ الْفَضْلِ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rوَعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ مَلَكَ زَادًا وَرَاحِلَةً تُبْلِغُهُ إلَى بَيْتِ اللَّهِ ، وَلَمْ يَحُجَّ ، فَلَا عَلَيْهِ أَنْ يَمُوتَ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا } .\rقَالَ التِّرْمِذِيُّ : لَا نَعْرِفُهُ إلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ، وَفِي إسْنَادِهِ مَقَالٌ .\rوَرَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَن بْن سَابِطٍ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى","part":6,"page":307},{"id":2807,"text":"اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ مَاتَ ، وَلَمْ يَحُجَّ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ ، لَمْ يَمْنَعْهُ مَرَضٌ حَابِسٌ ، أَوْ سُلْطَانٌ جَائِرٌ ، أَوْ حَاجَةٌ ظَاهِرَةٌ ، فَلْيَمُتْ عَلَى أَيِّ حَالٍ شَاءَ ، يَهُودِيًّا ، أَوْ نَصْرَانِيًّا } .\rوَعَنْ عُمَرَ نَحْوُهُ مِنْ قَوْلِهِ .\rوَكَذَلِكَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ .\rوَلِأَنَّهُ أَحَدُ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ ، فَكَانَ وَاجِبًا عَلَى الْفَوْرِ ، كَالصِّيَامِ .\rوَلِأَنَّ وُجُوبَهُ بِصِفَةِ التَّوَسُّعِ يُخْرِجُهُ عَنْ رُتْبَةِ الْوَاجِبَاتِ ، لِأَنَّهُ يُؤَخَّرُ إلَى غَيْرِ غَايَةٍ وَلَا يَأْثَمُ بِالْمَوْتِ قَبْلَ فِعْلِهِ ، لِكَوْنِهِ فَعَلَ مَا يَجُوزُ لَهُ فِعْلُهُ ، وَلَيْسَ عَلَى الْمَوْتِ أَمَارَةٌ يَقْدِرُ بَعْدَهَا عَلَى فِعْلِهِ .\rفَأَمَّا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّمَا فَتَحَ مَكَّةَ سَنَةَ ثَمَانٍ ، وَإِنَّمَا أَخَّرَهُ سَنَةَ تِسْعٍ ، فَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ كَانَ لَهُ عُذْرٌ ، مِنْ عَدَمِ الِاسْتِطَاعَةِ ، أَوْ كَرِهَ رُؤْيَةَ الْمُشْرِكِينَ عُرَاةً حَوْلَ الْبَيْتِ ، فَأَخَّرَ الْحَجَّ حَتَّى بَعَثَ أَبَا بَكْرٍ يُنَادِي : أَنْ { لَا يَحُجَّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ ، وَلَا يَطُوفَ بِالْبَيْتِ عُرْيَانُ } .\rوَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَخَّرَهُ بِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى لِتَكُونَ حَجَّتُهُ حَجَّةَ الْوَدَاعِ فِي السَّنَةِ الَّتِي اسْتَدَارَ فِيهَا الزَّمَانُ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَيُصَادِفَ وَقْفَةَ الْجُمُعَةِ ، وَيُكْمِلَ اللَّهُ دِينَهُ .\rوَيُقَالُ : إنَّهُ اجْتَمَعَ يَوْمَئِذٍ أَعْيَادُ أَهْلِ كُلِّ دِينٍ ، وَلَمْ يَجْتَمِعْ قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ .\rفَأَمَّا تَسْمِيَةُ فِعْلِ الْحَجِّ قَضَاءً ، فَإِنَّهُ يُسَمَّى بِذَلِكَ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ } ، وَعَلَى أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ الْوُجُوبِ عَلَى الْفَوْرِ تَسْمِيَةُ الْقَضَاءِ ؛ فَإِنَّ الزَّكَاةَ تَجِبُ عَلَى الْفَوْرِ ، وَلَوْ أَخَّرَهَا لَا تُسَمَّى قَضَاءً ، وَالْقَضَاءُ الْوَاجِبُ عَلَى الْفَوْرِ إذَا أَخَّرَهُ لَا يُسَمَّى قَضَاءَ الْقَضَاءِ ، وَلَوْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ فِي الْحَجِّ أَنَّهُ لَا يَعِيشُ إلَى سَنَةٍ","part":6,"page":308},{"id":2808,"text":"أُخْرَى ، لَمْ يَجُزْ لَهُ تَأْخِيرُهُ ، فَلَوْ أَخَّرَهُ لَا يُسَمَّى قَضَاءً .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا عُدْنَا إلَى شَرْحِ مَسْأَلَةِ الْكِتَابِ ، فَنَقُولُ : مَتَى تُوُفِّيَ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَجُّ وَلَمْ يَحُجَّ ، وَجَبَ أَنْ يُخْرَجَ عَنْهُ مِنْ جَمِيعِ مَالِهِ مَا يُحَجُّ بِهِ عَنْهُ وَيُعْتَمَرُ ، سَوَاءٌ فَاتَهُ بِتَفْرِيطٍ أَوْ بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ .\rوَبِهَذَا قَالَ الْحَسَنُ ، وَطَاوُسٌ ، وَالشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٌ : يَسْقُطُ ؛ بِالْمَوْتِ ؛ فَإِنْ وَصَّى بِهَا فَهِيَ مِنْ الثُّلُثِ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّعْبِيُّ ، وَالنَّخَعِيُّ لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ بَدَنِيَّةٌ فَتَسْقُطُ بِالْمَوْتِ ، كَالصَّلَاةِ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى ابْنُ عَبَّاس ، { أَنَّ امْرَأَةً سَأَلْت النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَبِيهَا ، مَاتَ وَلَمْ يَحُجَّ ؟ قَالَ : حُجِّي عَنْ أَبِيك } وَعَنْهُ ، { أَنَّ امْرَأَةً نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ ، فَمَاتَتْ ، فَأَتَى أَخُوهَا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ ؟ فَقَالَ : أَرَأَيْت لَوْ كَانَ عَلَى أُخْتِك دَيْنٌ ، أَمَا كُنْت قَاضِيَهُ ؟ قَالَ : نَعَمْ .\rقَالَ : فَاقْضُوا دَيْنَ اللَّهِ ، فَهُوَ أَحَقُّ بِالْقَضَاءِ } .\rرَوَاهُمَا النَّسَائِيّ .\rوَرَوَى هَذَا أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيُّ ، عَنْ شُعْبَةَ ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرِ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rوَلِأَنَّهُ حَقٌّ اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ تَدْخُلُهُ النِّيَابَةُ ، فَلَمْ يَسْقُطْ بِالْمَوْتِ كَالدَّيْنِ .\rوَيُخَرَّجُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ ، فَإِنَّهَا لَا تَدْخُلُهَا النِّيَابَةُ ، وَالْعُمْرَةُ كَالْحَجِّ فِي الْقَضَاءِ ، فَإِنَّهَا وَاجِبَةٌ ، وَقَدْ أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبَا رَزِينٍ أَنْ يَحُجَّ عَنْ أَبِيهِ وَيَعْتَمِرَ ، وَيَكُونُ مَا يَحُجُّ بِهِ وَيَعْتَمِرُ مِنْ جَمِيعِ مَالِهِ ؛ لِأَنَّهُ دَيْنٌ مُسْتَقِرٌّ ، فَكَانَ مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ ، كَدَيْنِ الْآدَمِيِّ .","part":6,"page":309},{"id":2809,"text":"( 2239 ) فَصْلٌ : وَيُسْتَنَابُ مَنْ يَحُجُّ عَنْهُ مِنْ حَيْثُ وَجَبَ عَلَيْهِ ، إمَّا مِنْ بَلَدِهِ أَوْ مِنْ الْمَوْضِعِ الَّذِي أَيْسَرِ فِيهِ .\rوَبِهَذَا قَالَ الْحَسَنُ ، وَإِسْحَاقُ ، وَمَالِكٌ فِي النَّذْرِ .\rوَقَالَ عَطَاءٌ فِي النَّاذِرِ : إنْ لَمْ يَكُنْ نَوَى مَكَانًا ، فَمِنْ مِيقَاتِهِ .\rوَاخْتَارَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِيمَنْ عَلَيْهِ حَجَّةُ الْإِسْلَامِ : يَسْتَأْجِرُ مَنْ يَحُجُّ عَنْهُ مِنْ الْمِيقَاتِ ؛ لِأَنَّ الْإِحْرَامَ لَا يَجِبُ مِنْ دُونِهِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الْحَجَّ وَاجِبٌ عَلَى الْمَيِّتِ مِنْ بَلَدِهِ ، فَوَجَبَ أَنْ يَنُوبَ عَنْهُ مِنْهُ ؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ يَكُونُ عَلَى وَفْقِ الْأَدَاءِ ، كَقَضَاءِ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ ، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي حَجِّ النَّذْرِ وَالْقَضَاءِ ، فَإِنْ كَانَ لَهُ وَطَنَانِ اُسْتُنِيبَ مِنْ أَقْرَبِهِمَا .\rفَإِنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَجُّ بِخُرَاسَانَ وَمَاتَ بِبَغْدَادَ ، أَوْ وَجَبَ عَلَيْهِ بِبَغْدَادَ فَمَاتَ بِخُرَاسَانَ ، فَقَالَ أَحْمَدُ : يُحَجُّ عَنْهُ مِنْ حَيْثُ وَجَبَ عَلَيْهِ ، لَا مِنْ حَيْثُ مَوْتِهِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يُحَجَّ عَنْهُ مِنْ أَقْرَبِ الْمَكَانَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ حَيًّا فِي أَقْرَبِ الْمَكَانَيْنِ ، لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الْحَجُّ مِنْ أَبْعَدَ مِنْهُ ، فَكَذَلِكَ نَائِبُهُ .\rفَإِنْ أُحِجَّ عَنْهُ مِنْ دُون ذَلِكَ ، فَقَالَ الْقَاضِي : إنْ كَانَ دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ أَجْزَأَهُ ؛ لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ الْقَرِيبِ ، وَإِنْ كَانَ أَبْعَدَ لَمْ يُجْزِئْهُ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُؤَدِّ الْوَاجِبَ بِكَمَالِهِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يُجْزِئَهُ وَيَكُونَ مُسِيئًا ، كَمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْإِحْرَامُ مِنْ الْمِيقَاتِ ، فَأَحْرَمَ مِنْ دُونِهِ .","part":6,"page":310},{"id":2810,"text":"( 2240 ) فَصْلٌ : فَإِنْ خَرَجَ لِلْحَجِّ ، فَمَاتَ فِي الطَّرِيقِ ، حُجَّ عَنْهُ مِنْ حَيْثُ مَاتَ ؛ لِأَنَّهُ أَسْقَطَ بَعْضَ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ ، فَلَمْ يَجِبْ ثَانِيًا .\rوَكَذَلِكَ إنْ مَاتَ نَائِبُهُ ، اُسْتُنِيبَ مِنْ حَيْثُ مَاتَ لِذَلِكَ .\rوَلَوْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ ، ثُمَّ مَاتَ ، صَحَّتْ النِّيَابَةُ عَنْهُ فِيمَا بَقِيَ مِنْ النُّسُكِ ، سَوَاءٌ كَانَ إحْرَامُهُ لِنَفْسِهِ أَوْ لِغَيْرِهِ .\rنَصَّ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ تَدْخُلُهَا النِّيَابَةُ ، فَإِذَا مَاتَ بَعْدَ فِعْلِ بَعْضِهَا قَضَى عَنْهُ بَاقِيَهَا ، كَالزَّكَاةِ .","part":6,"page":311},{"id":2811,"text":"( 2241 ) فَصْلٌ : فَإِنْ لَمْ يُخَلِّفْ تَرِكَةً تَفِي بِالْحَجِّ مِنْ بَلَدِهِ ، حُجَّ عَنْهُ مِنْ حَيْثُ تَبْلُغُ .\rوَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ لِآدَمِيٍّ تَحَاصَّا ، وَيُؤْخَذُ لِلْحَجِّ حِصَّتُهُ ، فَيُحَجُّ بِهَا مِنْ حَيْثُ تَبْلُغُ .\rوَقَالَ أَحْمَدُ ، فِي رَجُلٍ أَوْصَى أَنْ يُحَجُّ عَنْهُ ، وَلَا تَبْلُغُ النَّفَقَةُ ؟ قَالَ : يُحَجُّ عَنْهُ مِنْ حَيْثُ تَبْلُغُ النَّفَقَةُ لِلرَّاكِبِ مِنْ غَيْرِ مَدِينَتِهِ .\rوَهَذَا لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ } .\rوَلِأَنَّهُ قَدَرَ عَلَى أَدَاءِ بَعْضِ الْوَاجِبِ ، فَلَزِمَهُ ، كَالزَّكَاةِ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْحَجَّ يَسْقُطُ ؛ لِأَنَّهُ قَالَ فِي رَجُلٍ أَوْصَى بِحَجَّةٍ وَاجِبَةٍ ، وَلَمْ يُخَلِّفْ مَا يَتِمُّ بِهِ حَجُّهُ ، هَلْ يُحَجُّ عَنْهُ مِنْ الْمَدِينَةِ ، أَوْ مِنْ حَيْثُ تَتِمُّ الْحَجَّةُ ؟ فَقَالَ : مَا يَكُونُ الْحَجُّ عِنْدِي إلَّا مِنْ حَيْثُ وَجَبَ عَلَيْهِ .\rوَهَذَا تَنْبِيهٌ عَلَى سُقُوطِهِ عَمَّنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ لَا تَفِي تَرِكَتُهُ بِهِ وَبِالْحَجِّ ، فَإِنَّهُ إذَا أَسْقَطَهُ مَعَ عَدَمِ الْمُعَارِضِ ، فَمَعَ الْمُعَارِضِ بِحَقِّ الْآدَمِيِّ الْمُؤَكَّدِ أَوْلَى وَأَحْرَى .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يَسْقُطَ عَمَّنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ وَجْهًا وَاحِدًا ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْآدَمِيِّ الْمُعَيَّنِ أَوْلَى بِالتَّقْدِيمِ لِتَأَكُّدِهِ ، وَحَقَّهُ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى ، مَعَ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَدَاؤُهُ عَلَى الْوَجْهِ الْوَاجِبِ .","part":6,"page":312},{"id":2812,"text":"( 2242 ) فَصْلٌ : وَإِنْ أَوْصَى بِحَجِّ تَطَوُّعٍ فَلَمْ يَفِ ثُلُثُهُ بِالْحَجِّ مِنْ بَلَدِهِ ، حُجَّ بِهِ مِنْ حَيْثُ بَلَغَ ، أَوْ يُعَنْ بِهِ فِي الْحَجِّ .\rنَصَّ عَلَيْهِ .\rوَقَالَ : التَّطَوُّعُ مَا يُبَالِي مِنْ أَيْنَ كَانَ ، وَيُسْتَنَابُ عَنْ الْمَيِّتِ ثِقَةٌ بِأَقَلِّ مَا يُوجَدُ ، إلَّا أَنْ يَرْضَى الْوَرَثَةُ بِزِيَادَةٍ ، أَوْ يَكُونَ قَدْ أَوْصَى بِشَيْءٍ ، فَيَجُوزُ مَا أَوْصَى بِهِ مَا لَمْ يَزِدْ عَلَى الثُّلُثِ .","part":6,"page":313},{"id":2813,"text":"( 2243 ) فَصْلٌ : يُسْتَحَبُّ أَنْ يَحُجُّ الْإِنْسَانُ عَنْ أَبَوَيْهِ ، إذَا كَانَا مَيِّتَيْنِ أَوْ عَاجِزَيْنِ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ أَبَا رَزِينٍ ، فَقَالَ : { حُجَّ عَنْ أَبِيك ، وَاعْتَمِرْ } .\rوَسَأَلَتْ امْرَأَةٌ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَبِيهَا ، مَاتَ وَلَمْ يَحُجَّ ؟ فَقَالَ : { حُجِّي عَنْ أَبِيك } .\rوَيُسْتَحَبُّ الْبِدَايَةُ بِالْحَجِّ عَنْ الْأُمِّ ، إنْ كَانَ تَطَوُّعًا أَوْ وَاجِبًا عَلَيْهِمَا .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي التَّطَوُّعِ ؛ لِأَنَّ الْأُمَّ مُقَدَّمَةٌ فِي الْبِرِّ ، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : جَاءَ رَجُلٌ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : { مَنْ أَحَقُّ النَّاسِ بِحُسْنِ صَحَابَتِي ؟ قَالَ : أُمُّك .\rقَالَ : ثُمَّ مَنْ ؟ قَالَ : أُمُّك .\rقَالَ : ثُمَّ مَنْ ؟ قَالَ : أُمُّك .\rقَالَ : ثُمَّ مَنْ ؟ قَالَ : أَبُوك } .\rرَوَاهُ مُسْلِمٌ ، وَالْبُخَارِيُّ .\rوَإِنْ كَانَ الْحَجُّ وَاجِبًا عَلَى الْأَبِ دُونَهَا ، بَدَأَ بِهِ ؛ لِأَنَّهُ وَاجِبٌ ، فَكَانَ أَوْلَى مِنْ التَّطَوُّعِ .\rوَرَوَى زَيْدُ بْن أَرْقَمَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إذَا حَجَّ الرَّجُلُ عَنْ وَالِدَيْهِ يُقْبَلُ مِنْهُ وَمِنْهُمَا ، وَاسْتَبْشَرَتْ أَرْوَاحُهُمَا فِي السَّمَاءِ ، وَكُتِبَ عِنْدَ اللَّهِ بَرًّا } .\rوَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ حَجَّ عَنْ أَبَوَيْهِ ، أَوْ قَضَى عَنْهُمَا مَغْرَمًا ، بُعِثَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَعَ الْأَبْرَارِ } .\rوَعَنْ جَابِرٍ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ حَجَّ عَنْ أَبِيهِ أَوْ أُمِّهِ ، فَقَدْ قَضَى عَنْهُ حَجَّتَهُ ، وَكَانَ لَهُ فَضْلُ عَشْرِ حِجَجٍ } .\rرَوَى ذَلِكَ كُلَّهُ الدَّارَقُطْنِيّ .","part":6,"page":314},{"id":2814,"text":"( 2244 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَمَنْ حَجَّ عَنْ غَيْرِهِ ، وَلَمْ يَكُنْ حَجَّ عَنْ نَفْسِهِ ، رَدَّ مَا أَخَذَ ، وَكَانَتْ الْحَجَّةُ عَنْ نَفْسِهِ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَيْسَ لِمَنْ لَمْ يَحُجَّ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ أَنْ يَحُجَّ عَنْ غَيْرِهِ ، فَإِنْ فَعَلَ وَقَعَ إحْرَامُهُ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ .\rوَبِهَذَا قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ .\rوَقَالَ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ : يَقَعُ الْحَجُّ بَاطِلًا ، وَلَا يَصِحُّ ذَلِكَ عَنْهُ وَلَا عَنْ غَيْرِهِ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ مِنْ شَرْطِ طَوَافِ الزِّيَارَةِ تَعْيِينُ النِّيَّةِ ، فَمَتَى نَوَاهُ لِغَيْرِهِ وَلَمْ يَنْوِ لِنَفْسِهِ ، لَمْ يَقَعْ لِنَفْسِهِ ، كَذَا الطَّوَافُ حَامِلًا لِغَيْرِهِ لَمْ يَقَعْ عَنْ نَفْسِهِ .\rوَقَالَ الْحَسَنُ ، وَإِبْرَاهِيمُ ، وَأَيُّوبُ السِّخْتِيَانِيُّ ، وَجَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، وَمَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ : يَجُوزُ أَنْ يَحُجَّ عَنْ غَيْرِهِ مَنْ لَمْ يَحُجَّ عَنْ نَفْسِهِ .\rوَحُكِيَ عَنْ أَحْمَدَ مِثْلُ ذَلِكَ .\rوَقَالَ الثَّوْرِيُّ : إنْ كَانَ يَقْدِرُ عَلَى الْحَجِّ عَنْ نَفْسِهِ حَجَّ عَنْ نَفْسِهِ ، وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْحَجِّ عَنْ نَفْسِهِ حَجَّ عَنْ غَيْرِهِ .\rوَاحْتَجُّوا بِأَنَّ الْحَجَّ مِمَّا تَدْخُلُهُ النِّيَابَةُ ، فَجَازَ أَنْ يُؤَدِّيَهُ عَنْ غَيْرِهِ مَنْ لَمْ يُسْقِطْ فَرْضَهُ عَنْ نَفْسِهِ ، كَالزَّكَاةِ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ : { لَبَّيْكَ عَنْ شُبْرُمَةَ .\rفَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ شُبْرُمَةُ ؟ قَالَ : قَرِيبٌ لِي .\rقَالَ : هَلْ حَجَجْت قَطُّ ؟ قَالَ : لَا .\rقَالَ : فَاجْعَلْ هَذِهِ عَنْ نَفْسِك ، ثُمَّ اُحْجُجْ عَنْ شُبْرُمَةَ } .\rرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ، وَأَبُو دَاوُد ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَهَذَا لَفْظُهُ .\rوَلِأَنَّهُ حَجَّ عَنْ غَيْرِهِ قَبْلَ الْحَجِّ عَنْ نَفْسِهِ ، فَلَمْ يَقَعْ عَنْ الْغَيْرِ ، كَمَا لَوْ كَانَ صَبِيًّا .\rوَيُفَارِقُ الزَّكَاةَ فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَنُوبَ عَنْ الْغَيْرِ ، وَقَدْ بَقِيَ عَلَيْهِ بَعْضُهَا ،","part":6,"page":315},{"id":2815,"text":"وَهَاهُنَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَحُجَّ عَنْ الْغَيْرِ مَنْ شَرَعَ فِي الْحَجِّ قَبْلَ إتْمَامِهِ ، وَلَا يَطُوفَ عَنْ غَيْرِهِ مَنْ لَمْ يَطُفْ عَنْ نَفْسِهِ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّ عَلَيْهِ رَدَّ مَا أَخَذَ مِنْ النَّفَقَةِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقَعْ الْحَجُّ عَنْهُ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ يَحُجُّ .","part":6,"page":316},{"id":2816,"text":"( 2245 ) فَصْلٌ : وَإِنْ أَحْرَمَ بِتَطَوُّعٍ أَوْ نَذْرٍ مَنْ لَمْ يَحُجَّ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ ، وَقَعَ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ .\rوَبِهَذَا قَالَ ابْنُ عُمَرَ ، وَأَنَسٌ ، وَالشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ مَالِكٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَإِسْحَاقُ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ : يَقَعُ مَا نَوَاهُ .\rوَهُوَ رِوَايَةٌ أُخْرَى عَنْ أَحْمَدَ ، وَقَوْلِ أَبِي بَكْرٍ ، لِمَا تَقَدَّمَ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ وَعَلَيْهِ فَرْضُهُ ، فَوَقَعَ عَنْ فَرْضِهِ كَالْمُطْلَقِ .\rوَلَوْ أَحْرَمَ بِتَطَوُّعٍ ، وَعَلَيْهِ مَنْذُورَةٌ ، وَقَعَتْ عَنْ الْمَنْذُورَةِ ؛ لِأَنَّهَا وَاجِبَةٌ ، فَهِيَ كَحَجَّةِ الْإِسْلَامِ ، وَالْعُمْرَةُ كَالْحَجِّ فِيمَا ذَكَرْنَا ؛ لِأَنَّهَا أَحَدُ النُّسُكَيْنِ ، فَأَشْبَهَتْ الْآخَرَ ، وَالنَّائِبُ كَالْمَنُوبِ عَنْهُ فِي هَذَا ، فَمَتَى أَحْرَمَ النَّائِبُ بِتَطَوُّعٍ ، أَوْ نَذْرٍ عَمَّنْ لَمْ يَحُجَّ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ ، وَقَعَتْ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ ؛ لِأَنَّ النَّائِبَ يَجْرِي مَجْرَى الْمَنُوبِ عَنْهُ .\rوَإِنْ اسْتَنَابَ رَجُلَيْنِ فِي حَجَّةِ الْإِسْلَامِ ، وَمَنْذُورٍ أَوْ تَطَوُّعٍ ، فَأَيُّهُمَا سَبَقَ بِالْإِحْرَامِ ، وَقَعَتْ حَجَّتُهُ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ ، وَتَقَعُ الْأُخْرَى تَطَوُّعًا ، أَوْ عَنْ النَّذْرِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقَعُ الْإِحْرَامُ عَنْ غَيْرِ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ ، مِمَّنْ هِيَ عَلَيْهِ ، فَكَذَلِكَ مِنْ نَائِبِهِ .","part":6,"page":317},{"id":2817,"text":"( 2246 ) فَصْلٌ : إذَا كَانَ الرَّجُلُ قَدْ أَسْقَطَ فَرْضَ أَحَدِ النُّسُكَيْنِ عَنْهُ ، دُونَ الْآخَرِ ، جَازَ أَنْ يَنُوبَ عَنْ غَيْرِهِ ، فِيمَا أَدَّى فَرْضَهُ دُونَ الْآخَر .\rوَلَيْسَ لِلصَّبِيِّ وَالْعَبْدِ أَنْ يَنُوبَا فِي الْحَجِّ عَنْ غَيْرِهِمَا ؛ لِأَنَّهُمَا لَمْ يُسْقِطَا فَرْضَ الْحَجِّ عَنْ أَنْفُسِهِمَا ، فَهُمَا كَالْحُرِّ الْبَالِغِ فِي ذَلِكَ ، وَأَوْلَى مِنْهُ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنَّ لَهُمَا النِّيَابَةَ فِي حَجِّ التَّطَوُّعِ دُون الْفَرْضِ ؛ لِأَنَّهُمَا مِنْ أَهْلِ التَّطَوُّعِ دُونَ الْفَرْضِ ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ تَقَعَ الْحَجَّةُ الَّتِي نَابَا فِيهَا عَنْ فَرْضِهِمَا ؛ لِكَوْنِهِمَا لَيْسَا مِنْ أَهْلِهِ ، فَبَقِيَتْ لِمَنْ فُعِلَتْ عَنْهُ .\rوَعَلَى هَذَا لَا يَلْزَمُهُمَا رَدُّ مَا أَخَذَا لِذَلِكَ ، كَالْبَالِغِ الْحُرِّ الَّذِي قَدْ حَجَّ عَنْ نَفْسِهِ .","part":6,"page":318},{"id":2818,"text":"( 2247 ) فَصْلٌ : إذَا أَحْرَمَ بِالْمَنْذُورَةِ مَنْ عَلَيْهِ حَجَّةُ الْإِسْلَامِ ، فَوَقَعَتْ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ ، فَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّ الْمَنْذُورَةَ لَا تَسْقُطُ عَنْهُ .\rوَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ وَأَنَسٍ ، وَعَطَاءٍ ؛ لِأَنَّهَا حَجَّةٌ وَاحِدَةٌ ، فَلَا تُجْزِئُ عَنْ حَجَّتَيْنِ ، كَمَا لَوْ نَذَرَ حَجَّتَيْنِ ، فَحَجَّ وَاحِدَةً .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يُجْزِئَ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَتَى بِالْحَجَّةِ نَاوِيًا بِهَا نَذَرَهُ ، فَأَجْزَأَتْهُ ، كَمَا لَوْ كَانَ مِمَّنْ أَسْقَطَ فَرْضَ الْحَجِّ عَنْ نَفْسِهِ .\rوَقَدْ نَقَلَ أَبُو طَالِبٍ ، عَنْ أَحْمَدَ ، فِي مَنْ نَذَرَ أَنْ يَحُجَّ وَعَلَيْهِ حَجَّةٌ مَفْرُوضَةٌ ، فَأَحْرَمَ عَنْ النَّذْرِ ، وَقَعَتْ عَنْ الْمَفْرُوضِ ، وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ آخَرُ ، وَهَذَا مِثْلُ مَا لَوْ نَذَرَ صَوْمَ يَوْمَ يَقْدَمُ فُلَانٌ فَقَدِمَ فِي يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ ، فَنَوَاهُ عَنْ فَرْضِهِ وَنَذْرِهِ ، عَلَى رِوَايَةٍ .\rوَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَعِكْرِمَةَ .\rوَرَوَى سَعِيدٌ بِإِسْنَادِهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعِكْرِمَةَ أَنَّهُمَا قَالَا ، فِي رَجُلٍ نَذَرَ أَنْ يَحُجَّ ، وَلَمْ يَكُنْ حَجَّ الْفَرِيضَةَ ، قَالَ : يُجْزِئُ لَهُمَا جَمِيعًا .\rوَسُئِلَ عِكْرِمَةُ عَنْ ذَلِكَ ؟ فَقَالَ : يَقْضِي حَجَّةً عَنْ نَذْرِهِ ، وَعَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ ، أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَنَّ رَجُلًا نَذَرَ أَنْ يُصَلِّيَ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ ، فَصَلَّى الْعَصْرَ ، أَلَيْسَ ذَلِكَ يُجْزِئُهُ مِنْ الْعَصْرِ وَمِنْ النَّذْرِ ؟ قَالَ : وَذَكَرْت قَوْلِي لِابْنِ عَبَّاسٍ ، فَقَالَ : أَصَبْت أَوْ أَحْسَنْت .","part":6,"page":319},{"id":2819,"text":"( 2248 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَمَنْ حَجَّ وَهُوَ غَيْرُ بَالِغٍ ، فَبَلَغَ ، أَوْ عَبْدٌ فَعَتَقَ ، فَعَلَيْهِ الْحَجُّ ) قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ ، إلَّا مَنْ شَذَّ عَنْهُمْ مِمَّنْ لَا يُعْتَدُّ بِقَوْلِهِ خِلَافًا عَلَى أَنَّ الصَّبِيَّ إذَا حَجَّ فِي حَالِ صِغَرِهِ ، وَالْعَبْدَ إذَا حَجَّ فِي حَالَ رِقِّهِ ، ثُمَّ بَلَغَ الصَّبِيُّ وَعَتَقَ الْعَبْدُ ، أَنَّ عَلَيْهِمَا حَجَّةَ الْإِسْلَامِ ، إذَا وَجَدَا إلَيْهِمَا سَبِيلًا .\rكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَعَطَاءٌ ، وَالْحَسَنُ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rقَالَ التِّرْمِذِيُّ : وَقَدْ أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَيْهِ .\rوَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ .\rعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إنِّي أُرِيدُ أَنْ أُجَدِّدَ فِي صُدُورِ الْمُؤْمِنِينَ عَهْدًا ، أَيُّمَا صَبِيٍّ حَجَّ بِهِ أَهْلُهُ فَمَاتَ أَجْزَأَتْ عَنْهُ ، فَإِنْ أَدْرَكَ فَعَلَيْهِ الْحَجُّ ، وَأَيُّمَا مَمْلُوكٍ حَجَّ بِهِ أَهْلُهُ ، فَمَاتَ ، أَجْزَأَتْ عَنْهُ ، فَإِنْ أُعْتِقَ ، فَعَلَيْهِ الْحَجُّ } .\rرَوَاهُ سَعِيدٌ ، فِي ( سُنَنِهِ ) ، وَالشَّافِعِيُّ ، فِي ( مُسْنَدِهِ ) ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ قَوْلِهِ .\rوَلِأَنَّ الْحَجَّ عِبَادَةٌ بَدَنِيَّةٌ ، فَعَلَهَا قَبْلَ وَقْتِ وُجُوبِهَا ، فَلَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ وُجُوبَهَا عَلَيْهِ فِي وَقْتِهَا ، كَمَا لَوْ صَلَّى قَبْلَ الْوَقْتِ ، وَكَمَا لَوْ صَلَّى ، ثُمَّ بَلَغَ فِي الْوَقْتِ .","part":6,"page":320},{"id":2820,"text":"( 2249 ) فَصْلٌ : فَإِنْ بَلَغَ الصَّبِيُّ ، أَوْ عَتَقَ الْعَبْدُ بِعَرَفَةَ ، أَوْ قَبْلَهَا ، غَيْرَ مُحْرِمَيْنِ ، فَأَحْرَمَا وَوَقَفَا بِعَرَفَةَ ، وَأَتَمَّا الْمَنَاسِكَ ، أَجْزَأْهُمَا عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ .\rلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَفُتْهُمَا شَيْءٌ مِنْ أَرْكَانِ الْحَجِّ ، وَلَا فَعَلَا شَيْئًا مِنْهَا قَبْلَ وُجُوبِهِ .\rوَإِنْ كَانَ الْبُلُوغُ وَالْعِتْقُ وَهُمَا مُحْرِمَانِ ، أَجْزَأْهُمَا أَيْضًا عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ .\rكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ، وَإِسْحَاقَ .\rوَقَالَهُ الْحَسَنُ فِي الْعَبْدِ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : لَا يُجْزِئُهُمَا .\rوَاخْتَارَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ : لَا يُجْزِئُ الْعَبْدَ ، فَأَمَّا الصَّبِيُّ ، فَإِنْ جَدَّدَ إحْرَامًا بَعْدَ أَنْ احْتَلَمَ قَبْلَ الْوُقُوفِ ، أَجْزَأَهُ ، وَإِلَّا فَلَا ؛ لِأَنَّ إحْرَامَهُمَا لَمْ يَنْعَقِدْ وَاجِبًا ، فَلَا يُجْزِئُ عَنْ الْوَاجِبِ ، كَمَا لَوْ بَقِيَا عَلَى حَالِهِمَا .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ أَدْرَكَ الْوُقُوفَ حُرًّا بَالِغًا فَأَجْزَأَهُ ، كَمَا لَوْ أَحْرَمَ تِلْكَ السَّاعَةَ .\rقَالَ أَحْمَدُ : قَالَ طَاوُسٌ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاس : إذَا أُعْتِقَ الْعَبْدُ بِعَرَفَةَ ، أَجْزَأَتْ عَنْهُ حَجَّتُهُ ؛ فَإِنْ أُعْتِقَ بِجَمْعٍ ، لَمْ تُجْزِئْ عَنْهُ .\rوَهَؤُلَاءِ يَقُولُونَ : لَا تُجْزِئْ .\rوَمَالِكٌ يَقُولُهُ أَيْضًا ، وَكَيْفَ لَا يُجْزِئُهُ ، وَهُوَ لَوْ أَحْرَمَ تِلْكَ السَّاعَةَ كَانَ حَجُّهُ تَامًّا ، وَمَا أَعْلَمُ أَحَدًا قَالَ لَا يُجْزِئُهُ إلَّا هَؤُلَاءِ .\rوَالْحُكْمُ فِيمَا إذَا أُعْتِقَ الْعَبْدُ وَبَلَغَ الصَّبِيُّ بَعْدَ خُرُوجِهِمَا مِنْ عَرَفَةَ ، فَعَادَا إلَيْهَا قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ لَيْلَةَ النَّحْرِ ، كَالْحُكْمِ فِيمَا إذَا كَانَ ذَلِكَ فِيهَا ؛ لِأَنَّهُمَا قَدْ أَدْرَكَا مِنْ الْوَقْتِ مَا يُجْزِئُ وَلَوْ كَانَ لَحْظَةً .\rوَإِنْ لَمْ يَعُودَا ، أَوْ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ ، لَمْ يُجْزِئْهُمَا عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ ، وَيُتِمَّانِ حَجَّهُمَا تَطَوُّعًا ؛ لِفَوَاتِ الْوُقُوفِ الْمَفْرُوضِ ، وَلَا دَمَ عَلَيْهِمَا ؛ لِأَنَّهُمَا حَجَّا","part":6,"page":321},{"id":2821,"text":"تَطَوُّعًا بِإِحْرَامٍ صَحِيحٍ مِنْ الْمِيقَاتِ ، فَأَشْبَهَا الْبَالِغَ الَّذِي يَحُجُّ تَطَوُّعًا .\rفَإِنْ قِيلَ : فَلِمَ لَا قُلْتُمْ إنَّ الْوُقُوفَ الَّذِي فَعَلَاهُ يَصِيرُ فَرْضًا ، كَمَا قُلْتُمْ فِي الْإِحْرَامِ الَّذِي أَحْرَمَ بِهِ قَبْلَ الْبُلُوغِ يَصِيرُ بَعْدَ بُلُوغِهِ فَرْضًا ؟ قُلْنَا : إنَّمَا اعْتَدَدْنَا لَهُ بِإِحْرَامِهِ الْمَوْجُودِ بَعْدَ بُلُوغه ، وَمَا قَبْلَ بُلُوغِهِ تَطَوُّعٌ لَمْ يَنْقَلِبْ فَرْضًا ، وَلَا اُعْتُدَّ لَهُ بِهِ ، فَالْوُقُوفُ مِثْلُهُ ، فَنَظِيرُهُ أَنْ يَبْلُغَ وَهُوَ وَاقِفٌ بِعَرَفَةَ ، فَإِنَّهُ يُعْتَدُّ لَهُ بِمَا أَدْرَكَ مِنْ الْوُقُوفِ ، وَيَصِيرُ فَرْضًا دُونَ مَا مَضَى .","part":6,"page":322},{"id":2822,"text":"( 2250 ) فَصْلٌ : وَإِذَا بَلَغَ الصَّبِيُّ أَوْ عَتَقَ الْعَبْدُ قَبْلَ الْوُقُوفِ ، أَوْ فِي وَقْتِهِ ، وَأَمْكَنَهُمَا الْإِتْيَانُ بِالْحَجِّ ، لَزِمَهُمَا ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الْحَجَّ وَاجِبٌ عَلَى الْفَوْرِ ، فَلَا يَجُوزُ تَأْخِيرُهُ مَعَ إمْكَانِهِ ، كَالْبَالِغِ الْحُرِّ .\rوَإِنْ فَاتَهُمَا الْحَجُّ ، لَزِمَتْهُمَا الْعُمْرَةُ ؛ لِأَنَّهَا وَاجِبَةٌ أَمْكَنَ فِعْلُهَا ، فَأَشْبَهَتْ الْحَجَّ ، وَمَتَى أَمْكَنَهُمَا ذَلِكَ فَلَمْ يَفْعَلَا ، اسْتَقَرَّ الْوُجُوبُ عَلَيْهِمَا ، سَوَاءٌ كَانَا مُوسِرَيْنِ أَوْ مُعْسِرَيْنِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ وَجَبَ عَلَيْهِمَا بِإِمْكَانِهِ فِي مَوْضِعِهِ ، فَلَمْ يَسْقُطْ بِفَوَاتِ الْقُدْرَةِ بَعْدَهُ .","part":6,"page":323},{"id":2823,"text":"( 2251 ) فَصْلٌ : وَالْحُكْمُ فِي الْكَافِرِ يُسْلِمُ ، وَالْمَجْنُونِ يُفِيقُ ، حُكْمُ الصَّبِيِّ يَبْلُغُ فِي جَمِيعِ مَا فَصَّلْنَاهُ ، إلَّا أَنَّ هَذَيْنِ لَا يَصِحُّ مِنْهُمَا إحْرَامٌ ، وَلَوْ أَحْرَمَا لَمْ يَنْعَقِدْ إحْرَامُهُمَا ؛ لِأَنَّهُمَا مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الْعِبَادَات ، وَيَكُونُ حُكْمُهُمَا حُكْمَ مَنْ لَمْ يُحْرِمْ .","part":6,"page":324},{"id":2824,"text":"( 2252 ) فَصْلٌ : وَقَدْ بَقِيَ مِنْ أَحْكَامِ حَجِّ الْعَبْدِ أَرْبَعَةُ فُصُولٍ : أَحَدُهَا ، فِي حُكْمِ إحْرَامِهِ .\rالثَّانِي ، فِي حُكْمِ نَذْرِهِ لِلْحَجِّ .\rالثَّالِثُ ، فِي حُكْمِ مَا يَلْزَمُهُ مِنْ الْجِنَايَاتِ عَلَى إحْرَامِهِ .\rالرَّابِعُ ، حُكْمُ إفْسَادِهِ وَفَوَاتِهِ .\r( 2253 ) الْفَصْلُ الْأَوَّلُ فِي إحْرَامِهِ : وَلَيْسَ لِلْعَبْدِ أَنْ يُحْرِمَ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ ؛ لِأَنَّهُ يُفَوِّتُ بِهِ حُقُوقَ سَيِّدِهِ الْوَاجِبَةَ عَلَيْهِ ، بِالْتِزَامِ مَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ ، فَإِنْ فَعَلَ ، انْعَقَدَ إحْرَامُهُ صَحِيحًا ، لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ بَدَنِيَّةٌ فَصَحَّ مِنْ الْعَبْدِ الدُّخُولُ فِيهَا بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ ، كَالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ ، وَلِسَيِّدِهِ تَحْلِيلُهُ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ ؛ لِأَنَّ فِي بَقَائِهِ عَلَيْهِ تَفْوِيتًا لِحَقِّهِ مِنْ مَنَافِعِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ ، فَلَمْ يَلْزَمْ ذَلِكَ سَيِّدَهُ ، كَالصَّوْمِ الْمُضِرِّ بِبَدَنِهِ .\rوَهَذَا اخْتِيَارُ ابْنِ حَامِدٍ .\rوَإِذَا حَلَّلَهُ مِنْهُ كَانَ حُكْمُهُ حُكْمَ الْمَحْصَرِ .\rوَالثَّانِيَةُ ، لَيْسَ لَهُ تَحْلِيلُهُ .\rوَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ التَّحَلُّلُ مِنْ تَطَوُّعِهِ ، فَلَمْ يَمْلِكْ تَحْلِيلَ عَبْدِهِ .\rوَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ؛ لِأَنَّهُ الْتَزَمَ التَّطَوُّعَ بِاخْتِيَارِ نَفْسِهِ ، فَنَظِيرُهُ أَنْ يُحْرِمَ عَبْدُهُ بِإِذْنِهِ ، وَفِي مَسْأَلَتِنَا يُفَوِّتُ حَقَّهُ الْوَاجِبَ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ .\rفَأَمَّا إنْ أَحْرَمَ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ ، فَلَيْسَ لَهُ تَحْلِيلُهُ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَهُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ مَلَّكَهُ مَنَافِعَ نَفْسِهِ ، فَكَانَ لَهُ الرُّجُوعُ فِيهَا ، كَالْمُعِيرِ يَرْجِعُ فِي الْعَارِيَّةِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ عَقْدٌ لَازِمٌ ، عَقَدَهُ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ ، فَلَمْ يَكُنْ لِسَيِّدِهِ مَنْعُهُ مِنْهُ ، كَالنِّكَاحِ ، وَلَا يُشْبِهُ الْعَارِيَّةَ ، لِأَنَّهَا لَيْسَتْ لَازِمَةً .\rوَلَوْ أَعَارَهُ شَيْئًا لِيَرْهَنَهُ ، فَرَهَنَهُ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ الرُّجُوعُ فِيهِ .\rوَلَوْ بَاعَهُ سَيِّدُهُ بَعْدَمَا أَحْرَمَ فَحُكْمُ مُشْتَرِيهِ فِي تَحْلِيلِهِ حُكْمُ بَائِعِهِ سَوَاءً ؛","part":6,"page":325},{"id":2825,"text":"لِأَنَّهُ اشْتَرَاهُ مَسْلُوبَ الْمَنْفَعَةِ ، فَأَشْبَهَ الْأَمَةَ الْمُزَوِّجَةَ وَالْمُسْتَأْجَرَةَ .\rفَإِنْ عَلِمَ الْمُشْتَرِي بِذَلِكَ ، فَلَا خِيَارَ لَهُ ؛ لِأَنَّهُ دَخَلَ عَلَى بَصِيرَةٍ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ اشْتَرَى مَعِيبًا يَعْلَمُ عَيْبَهُ .\rوَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ ، فَلَهُ الْفَسْخُ ؛ لِأَنَّهُ يَتَضَرَّرُ بِمُضِيِّ الْعَبْدِ فِي حَجِّهِ ، لِفَوَاتِ مَنَافِعِهِ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ إحْرَامُهُ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ ، وَنَقُولُ : لَهُ تَحْلِيلُهُ .\rفَلَا يَمْلِكُ الْفَسْخَ ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ دَفْعُ الضَّرَرِ عَنْهُ .\rوَلَوْ أَذِنَ لَهُ سَيِّدُهُ فِي الْإِحْرَامِ ، ثُمَّ رَجَعَ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ ، وَعَلِمَ الْعَبْدُ بِرُجُوعِهِ قَبْلَ الْإِحْرَامِ ، فَهُوَ كَمَنْ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ .\rوَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ حَتَّى أَحْرَمَ ، فَهَلْ يَكُونُ حُكْمُهُ حُكْمَ مَنْ أَحْرَمَ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ ، بِنَاءً عَلَى الْوَكِيلِ ، هَلْ يَنْعَزِلُ بِالْعَزْلِ قَبْلَ الْعِلْمِ ، عَلَى رِوَايَتَيْنِ .","part":6,"page":326},{"id":2826,"text":"( 2254 ) الْفَصْل الثَّانِي : إذَا نَذَرَ الْعَبْدُ الْحَجَّ ، صَحَّ نَذْرُهُ ؛ لِأَنَّهُ مُكَلَّفٌ ، فَانْعَقَدَ نَذْرُهُ كَالْحُرِّ وَلِسَيِّدِهِ مَنْعُهُ مِنْ الْمُضِيِّ فِيهِ ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَفْوِيتَ حَقِّ سَيِّدِهِ الْوَاجِبِ ، فَمُنِعَ مِنْهُ ، كَمَا لَوْ لَمْ يَنْذُرْ .\rذَكَرَهُ الْقَاضِي ، وَابْنُ حَامِدٍ .\rوَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ : لَا يُعْجِبُنِي مَنْعُهُ مِنْ الْوَفَاءِ بِهِ .\rوَذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنْ أَدَاءِ الْوَاجِبِ ، فَيَحْتَمِلُ أَنَّ ذَلِكَ عَلَى الْكَرَاهَةِ ، لَا عَلَى التَّحْرِيمِ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا ، وَيَحْتَمِلُ التَّحْرِيمَ ؛ لِأَنَّهُ وَاجِبٌ ، فَلَمْ يَمْلِكْ مَنْعَهُ مِنْهُ كَسَائِرِ الْوَاجِبَاتِ .\rوَالْأَوَّلُ أَوْلَى .\rفَإِنْ أُعْتِقَ ، لَزِمَهُ الْوَفَاءُ بِهِ بَعْدَ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ .\rفَإِنْ أَحْرَمَ بِهِ أَوَّلًا انْصَرَفَ إلَى حَجَّةِ الْإِسْلَامِ ، كَالْحُرِّ إذَا نَذَرَ حَجًّا .","part":6,"page":327},{"id":2827,"text":"( 2255 ) الْفَصْلُ الثَّالِثُ فِي جِنَايَاتِهِ : وَمَا جَنَى عَلَى إحْرَامِهِ لَزِمَهُ حُكْمَهُ .\rوَحُكْمُهُ فِيمَا يَلْزَمُهُ حُكْمُ الْحُرِّ الْمُعْسِرِ فَرْضُهُ الصِّيَامُ .\rوَإِنْ تَحَلَّلَ بِحَصْرِ عَدُوٍّ ، أَوْ حَلَّلَهُ سَيِّدُهُ ، فَعَلَيْهِ الصِّيَامُ ، لَا يَتَحَلَّلُ قَبْلَ فِعْلِهِ كَالْحُرِّ ، وَلَيْسَ لِسَيِّدِهِ أَنْ يَحُولَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصَّوْمِ .\rنَصَّ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ صَوْمٌ وَاجِبٌ ، أَشْبَهَ صَوْمَ رَمَضَانَ .\rفَإِنْ مَلَّكَهُ السَّيِّدُ هَدْيًا ، وَأَذِنَ لَهُ فِي إهْدَائِهِ ، وَقُلْنَا : إنَّهُ يَمْلِكُهُ .\rفَهُوَ كَالْهَدْيِ الْوَاجِبِ ، لَا يَتَحَلَّلُ إلَّا بِهِ .\rوَإِنْ قُلْنَا : لَا يَمْلِكُهُ .\rفَفَرْضُهُ الصِّيَامُ .\rوَإِنْ أَذِنَ لَهُ سَيِّدُهُ فِي تَمَتُّعٍ أَوْ قِرَانٍ ، فَعَلَيْهِ الصِّيَامُ بَدَلًا عَنْ الْهَدْيِ الْوَاجِبِ بِهِمَا .\rوَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّ عَلَى سَيِّدِهِ تَحَمُّلَ ذَلِكَ عَنْهُ ؛ لِأَنَّهُ بِإِذْنِهِ ، فَكَانَ عَلَى مَنْ أَذِنَ فِيهِ ، كَمَا لَوْ فَعَلَهُ النَّائِبُ بِإِذْنِ الْمُسْتَنِيبِ .\rوَلَيْسَ بِجَيِّدٍ ؛ لِأَنَّ الْحَجَّ لِلْعَبْدِ ، وَهَذَا مِنْ مُوجِبَاتِهِ ، فَيَكُونُ عَلَيْهِ ، كَالْمَرْأَةِ إذَا حَجَّتْ بِإِذْنِ زَوْجِهَا .\rوَيُفَارِقُ مَنْ حَجَّ عَنْ غَيْرِهِ ؛ فَإِنَّ الْحَجَّ لِلْمُسْتَنِيبِ فَمُوجِبُهُ عَلَيْهِ .\rوَإِنْ تَمَتَّعَ أَوْ قَارَنَ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ ، فَالصِّيَامُ عَلَيْهِ بِغَيْرِ خِلَافٍ .\rوَإِنْ أَفْسَدَ حَجَّهُ ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَصُومَ لِذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ لَا مَالَ لَهُ ، فَهُوَ كَالْمُعْسِرِ مِنْ الْأَحْرَارَ .","part":6,"page":328},{"id":2828,"text":"( 2256 ) الْفَصْلُ الرَّابِعُ : إذَا وَطِئَ الْعَبْدُ فِي إحْرَامِهِ قَبْلَ التَّحَلُّلِ الْأَوَّلِ ، فَسَدَ ، وَيَلْزَمُهُ الْمُضِيُّ فِي فَاسِدِهِ ، كَالْحُرِّ ، لَكِنْ إنْ كَانَ الْإِحْرَامُ مَأْذُونًا فِيهِ ، فَلَيْسَ لِسَيِّدِهِ إخْرَاجُهُ مِنْهُ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ مَنْعُهُ مِنْ صَحِيحِهِ ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَنْعُهُ مِنْ فَاسِدِهِ ، وَإِنْ كَانَ الْإِحْرَامُ بِغَيْرِ إذْنِهِ ، فَلَهُ تَحْلِيلُهُ مِنْهُ ؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ تَحْلِيلَهُ مِنْ صَحِيحِهِ ، فَالْفَاسِدُ أَوْلَى ، وَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ ، سَوَاءٌ كَانَ الْإِحْرَامُ مَأْذُونًا فِيهِ ، أَوْ غَيْرَ مَأْذُونٍ ، وَيَصِحُّ الْقَضَاءُ فِي حَالِ رِقِّهِ ؛ لِأَنَّهُ وَجَبَ فِيهِ ، فَصَحَّ مِنْهُ ، كَالصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ .\rثُمَّ إنْ كَانَ الْإِحْرَامُ الَّذِي أَفْسَدَهُ مَأْذُونًا فِيهِ ، فَلَيْسَ لَهُ مَنْعُهُ مِنْ قَضَائِهِ ؛ لِأَنَّ إذْنَهُ فِي الْحَجِّ الْأَوَّلِ إذْنٌ فِي مُوجِبِهِ وَمُقْتَضَاهُ ، وَمِنْ مُوجِبِهِ الْقَضَاءُ لِمَا أَفْسَدَهُ .\rفَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ غَيْرَ مَأْذُونٍ فِيهِ ، احْتَمَلَ أَنْ لَا يَمْلِكَ مَنْعَهُ مِنْ قَضَائِهِ ؛ لِأَنَّهُ وَاجِبٌ ، وَلَيْسَ لِلسَّيِّدِ مَنْعُهُ مِنْ الْوَاجِبَاتِ .\rوَاحْتَمَلَ أَنَّ لَهُ مَنْعَهُ مِنْهُ ؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ مَنْعَهُ مِنْ الْحَجِّ الَّذِي شَرَعَ فِيهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ ، فَكَذَلِكَ هَذَا .\rفَإِنْ أُعْتِقَ قَبْلَ الْقَضَاءِ ، فَلَيْسَ لَهُ فِعْلُهُ قَبْلَ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ ؛ لِأَنَّهَا آكَدُ .\rفَإِنْ أَحْرَمَ بِالْقَضَاءِ ، انْصَرَفَ إلَى حَجَّةِ الْإِسْلَامِ ، وَبَقِيَ الْقَضَاءُ فِي ذِمَّتِهِ .\rوَإِنْ عَتَقَ فِي أَثْنَاءِ الْحَجَّةِ الْفَاسِدَةِ ، وَأَدْرَكَ مِنْ الْوُقُوفِ مَا يُجْزِئُهُ ، أَجْزَأْهُ الْقَضَاءُ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ ؛ لِأَنَّ الْمَقْضِيَّ لَوْ كَانَ صَحِيحًا أَجْزَأَهُ ، فَكَذَلِكَ قَضَاؤُهُ .\rوَإِنْ أُعْتِقَ بَعْدَ ذَلِكَ ، لَمْ يُجْزِئْهُ الْقَضَاءُ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ ؛ لِأَنَّ الْمَقْضِيَّ لَا يُجْزِئُهُ ، فَكَذَلِكَ قَضَاؤُهُ .\rوَالْمُدَبَّرُ ، وَالْمُعَلَّقُ عِتْقُهُ بِصِفَةٍ ، وَأُمُّ الْوَلَدِ ، وَالْمُعْتَقُ بَعْضُهُ ، حُكْمُهُ حُكْمُ الْقِنِّ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ .","part":6,"page":329},{"id":2829,"text":"( 2257 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَإِذَا حَجَّ بِالصَّغِيرِ ، جُنِّبَ مَا يَتَجَنَّبُهُ الْكَبِيرُ ، وَمَا عَجَزَ عَنْهُ مِنْ عَمَلِ الْحَجِّ عُمِلَ عَنْهُ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الصَّبِيَّ يَصِحُّ حَجُّهُ ، فَإِنْ كَانَ مُمَيِّزًا أَحْرَمَ بِإِذْنِ وَلِيِّهِ ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُمَيِّزٍ أَحْرَمَ عَنْهُ وَلِيُّهُ ؛ فَيَصِيرُ مُحْرِمًا بِذَلِكَ .\rوَبِهِ قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ .\rوَرَوِيَ عَنْ عَطَاءٍ ، وَالنَّخَعِيِّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَنْعَقِدُ إحْرَامُ الصَّبِيِّ ، وَلَا يَصِيرُ مُحْرِمًا بِإِحْرَامِ وَلِيِّهِ ؛ لِأَنَّ الْإِحْرَامَ سَبَبٌ يَلْزَمَ بِهِ حُكْمٌ ، فَلَمْ يَصِحَّ مِنْ الصَّبِيِّ ، كَالنَّذْرِ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ ، قَالَ : { رَفَعَتْ امْرَأَةٌ صَبِيًّا ، فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَلِهَذَا حَجٌّ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، وَلَك أَجْرٌ } .\rرَوَاهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ مِنْ الْأَئِمَّةِ .\rوَرَوَى الْبُخَارِيُّ ، عَنْ السَّائِبِ بْن يَزِيدَ ، قَالَ : { حَجَّ بِي مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا ابْنُ سَبْعِ سِنِينَ .\r} وَلِأَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ : يَجْتَنِبُ مَا يَجْتَنِبُهُ الْمُحْرِمُ .\rوَمَنْ اجْتَنَبَ مَا يَجْتَنِبُهُ الْمُحْرِمُ كَانَ إحْرَامُهُ صَحِيحًا .\rوَالنَّذْرُ لَا يَجِبُ بِهِ شَيْءٌ ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا .\rوَالْكَلَامُ فِي حَجِّ الصَّبِيِّ فِي فُصُولٍ أَرْبَعَةٍ : فِي الْإِحْرَامِ عَنْهُ ، أَوْ مِنْهُ ، وَفِيمَا يَفْعَلُهُ بِنَفْسِهِ ، أَوْ بِغَيْرِهِ ، وَفِي حُكْمِ جِنَايَاتِهِ عَلَى إحْرَامِهِ ، وَفِيمَا يَلْزَمُهُ مِنْ الْقَضَاءِ وَالْكَفَّارَةِ ( 2258 ) الْفَصْلُ الْأَوَّلُ فِي الْإِحْرَامِ : إنْ كَانَ مُمَيِّزًا أَحْرَمَ بِإِذْنِ وَلِيِّهِ .\rوَإِنْ أَحْرَمَ بِدُونِ إذْنِهِ ، لَمْ يَصِحَّ ؛ لِأَنَّ هَذَا عَقْدٌ يُؤَدِّي إلَى لُزُومِ مَالٍ ، فَلَمْ يَنْعَقِدْ مِنْ الصَّبِيِّ بِنَفْسِهِ ، كَالْبَيْعِ .\rوَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُمَيِّزٍ ، فَأَحْرَمَ عَنْهُ مَنْ لَهُ وِلَايَةٌ عَلَى مَالِهِ ، كَالْأَبِ وَالْوَصِيِّ وَأَمِينِ الْحَاكِمِ ، صَحَّ .\rوَمَعْنَى إحْرَامِهِ عَنْهُ أَنَّهُ يَعْقِدُ لَهُ الْإِحْرَامَ ، فَيَصِحُّ لِلصَّبِيِّ دُونَ الْوَلِيِّ كَمَا يَعْقِدُ","part":6,"page":330},{"id":2830,"text":"النِّكَاحَ لَهُ .\rفَعَلَى هَذَا يَصِحُّ أَنْ يَعْقِدَ الْإِحْرَامَ عَنْهُ ، سَوَاءٌ كَانَ مُحْرِمًا أَوْ حَلَالًا مِمَّنْ عَلَيْهِ حَجَّةُ الْإِسْلَامِ ، أَوْ كَانَ قَدْ حَجَّ عَنْ نَفْسِهِ .\rفَإِنْ أَحْرَمَتْ أُمُّهُ عَنْهُ ، صَحَّ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَلَك أَجْرٌ ) .\rوَلَا يُضَافُ الْأَجْرُ إلَيْهَا إلَّا لِكَوْنِهِ تَبَعًا لَهَا فِي الْإِحْرَامِ .\rقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ، فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ : يُحْرِمُ عَنْهُ أَبُوهُ أَوْ وَلِيُّهُ .\rوَاخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ ، وَقَالَ : الْمَالُ الَّذِي يَلْزَمُ بِالْإِحْرَامِ لَا يَلْزَمُ الصَّبِيَّ ، وَإِنَّمَا يَلْزَمُ مَنْ أَدْخَلَهُ فِي الْإِحْرَامِ .\rفِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ لَا يُحْرِمُ عَنْهُ إلَّا وَلِيُّهُ ؛ لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لِلْأُمِّ عَلَى مَالِهِ ، وَالْإِحْرَامُ يَتَعَلَّقُ بِهِ إلْزَامُ مَالٍ ، فَلَا يَصِحُّ مِنْ غَيْرِ ذِي وِلَايَةٍ ، كَشِرَاءِ شَيْءٍ لَهُ ، فَأَمَّا غَيْرُ الْأُمُّ وَالْوَلِيِّ مِنْ الْأَقَارِبِ ، كَالْأَخِ وَالْعَمِّ وَابْنِهِ ، فَيُخَرَّجُ فِيهِمْ وَجْهَانِ ، بِنَاءً عَلَى الْقَوْلِ فِي الْأُمُّ .\rأَمَّا الْأَجَانِبُ ، فَلَا يَصِحُّ إحْرَامُهُمْ عَنْهُ ، وَجْهًا وَاحِدًا .","part":6,"page":331},{"id":2831,"text":"( 2259 ) الْفَصْلُ الثَّانِي : إنَّ كُلَّ مَا أَمْكَنَهُ فِعْلُهُ بِنَفْسِهِ ، لَزِمَهُ فِعْلُهُ ، وَلَا يَنُوبُ غَيْرُهُ عَنْهُ فِيهِ ، كَالْوُقُوفِ وَالْمَبِيتِ بِمُزْدَلِفَةَ ، وَنَحْوِهِمَا ، وَمَا عَجَزَ عَنْهُ عَمِلَهُ الْوَلِيُّ عَنْهُ .\rقَالَ جَابِرٌ : { خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حُجَّاجًا ، وَمَعَنَا النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ ، فَأَحْرَمْنَا عَنْ الصِّبْيَانِ .\r} رَوَاهُ سَعِيدٌ ، فِي ( سُنَنِهِ ) .\rوَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ ، فِي ( سُنَنِهِ ) فَقَالَ : فَلَبَّيْنَا عَنْ الصِّبْيَانِ ، وَرَمَيْنَا عَنْهُمْ .\rوَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ ، قَالَ : فَكُنَّا نُلَبِّي عَنْ النِّسَاءِ ، وَنَرْمِي عَنْ الصِّبْيَانِ .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : كُلُّ مَنْ حَفِظْت عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَرَى الرَّمْيَ عَنْ الصَّبِيَّ الَّذِي لَا يَقْدِرُ عَلَى الرَّمْيِ ، كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَفْعَلُ ذَلِكَ .\rوَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ .\rوَعَنْ ابْنِ عُمَرَ : أَنَّهُ كَانَ يَحُجُّ صِبْيَانُهُ وَهُمْ صِغَارٌ ، فَمَنْ اسْتَطَاعَ مِنْهُمْ أَنْ يَرْمِيَ رَمَى ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَرْمِيَ رَمَى عَنْهُ .\rوَعَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ طَافَ بِابْنِ الزُّبَيْرِ فِي خِرْقَةٍ .\rرَوَاهُمَا الْأَثْرَمُ .\rقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : يَرْمِي عَنْ الصَّبِيِّ أَبَوَاهُ أَوْ وَلِيُّهُ .\rقَالَ الْقَاضِي : إنْ أَمْكَنَهُ أَنْ يُنَاوِلَ النَّائِبَ الْحَصَى نَاوَلَهُ ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ اُسْتُحِبَّ أَنْ يُوضَعَ الْحَصَى فِي يَدِهِ فَيَرْمِيَ عَنْهُ .\rوَإِنْ وَضَعَهَا فِي يَدَ الصَّغِيرِ ، وَرَمَى بِهَا ، فَجَعَلَ يَدَهُ كَالْآلَةِ ، فَحَسَنٌ .\rوَلَا يَجُوزُ أَنْ يَرْمِيَ عَنْهُ إلَّا مَنْ قَدْ رَمَى عَنْ نَفْسِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَنُوبَ عَنْ الْغَيْرِ وَعَلَيْهِ فَرْضُ نَفْسِهِ .\rوَأَمَّا الطَّوَافُ ، فَإِنَّهُ إنْ أَمْكَنَهُ الْمَشْيُ مَشَى ، وَإِلَّا طِيفَ بِهِ مَحْمُولًا أَوْ رَاكِبًا ، فَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ طَافَ بِابْنِ الزُّبَيْرِ فِي خِرْقَةٍ .\rوَلِأَنَّ الطَّوَافَ بِالْكَبِيرِ مَحْمُولًا لِعُذْرٍ يَجُوزُ ، فَالصَّغِيرُ أَوْلَى .\rوَلَا","part":6,"page":332},{"id":2832,"text":"فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْحَامِلُ لَهُ حَلَالًا ، أَوْ حَرَامًا مِمَّنْ أَسْقَطَ الْفَرْضَ عَنْ نَفْسِهِ ، أَوْ لَمْ يُسْقِطَهُ ، لِأَنَّ الطَّوَافَ لِلْمَحْمُولِ لَا لِلْحَامِلِ ، وَلِذَلِكَ صَحَّ أَنْ يَطُوفَ رَاكِبًا عَلَى بَعِيرٍ ، وَتُعْتَبَرُ النِّيَّةُ فِي الطَّائِفِ بِهِ .\rفَإِنْ لَمْ يَنْوِ الطَّوَافَ عَنْ الصَّبِيِّ لَمْ يُجْزِئْهُ ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ تُعْتَبَرْ النِّيَّةُ مِنْ الصَّبِيِّ اُعْتُبِرَتْ مِنْ غَيْرِهِ ، كَمَا فِي الْإِحْرَامِ .\rفَإِنْ نَوَى الطَّوَافَ عَنْ نَفْسِهِ وَعَنْ الصَّبِيِّ احْتَمَلَ وُقُوعُهُ عَنْ نَفْسِهِ ، كَالْحَجِّ إذَا نَوَى بِهِ عَنْ نَفْسِهِ وَغَيْرِهِ ، وَاحْتَمَلَ أَنْ يَقَعَ عَنْ الصَّبِيِّ ، كَمَا لَوْ طَافَ بِكَبِيرٍ وَنَوَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنْ نَفْسِهِ ، لِكَوْنِ الْمَحْمُولِ أَوْلَى ، وَاحْتَمَلَ أَنْ يَلْغُوَ لِعَدَمِ التَّعْيِينِ ، لِكَوْنِ الطَّوَافِ لَا يَقَعُ عَنْ غَيْرِ مُعَيَّنٍ .\rوَأَمَّا الْإِحْرَامُ فَإِنَّ الصَّبِيَّ يُجَرَّدُ كَمَا يُجَرَّدُ الْكَبِيرُ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا كَانَتْ تُجَرِّدُ الصِّبْيَانَ إذَا دَنَوْا مِنْ الْحَرَمِ .\rقَالَ عَطَاءٌ : يُفْعَلُ بِالصَّغِيرِ كَمَا يُفْعَلُ بِالْكَبِيرِ ، وَيُشْهَدُ بِهِ الْمَنَاسِكُ كُلُّهَا إلَّا أَنَّهُ لَا يُصَلَّى عَنْهُ .","part":6,"page":333},{"id":2833,"text":"( 2260 ) الْفَصْلُ الثَّالِثُ ، فِي مَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ : وَهِيَ قِسْمَانِ ؛ مَا يَخْتَلِفُ عَمْدُهُ وَسَهْوُهُ ، كَاللِّبَاسِ وَالطِّيبِ ، وَمَا لَا يَخْتَلِفُ ، كَالصَّيْدِ ، وَحَلْقِ الشَّعْرِ ، وَتَقْلِيمِ الْأَظْفَارِ .\rفَالْأَوَّلُ ، لَا فِدْيَةَ عَلَى الصَّبِيِّ فِيهِ ؛ لِأَنَّ عَمْدَهُ خَطَأٌ .\rوَالثَّانِي ، عَلَيْهِ فِيهِ الْفِدْيَةُ .\rوَإِنْ وَطِئَ أَفْسَدَ حَجَّهُ ، وَيَمْضِي فِي فَاسِدِهِ .\rوَفِي الْقَضَاءِ عَلَيْهِ وَجْهَانِ ، أَحَدُهُمَا ، لَا يَجِبُ ؛ لِئَلَّا تَجِبَ عِبَادَةٌ بَدَنِيَّةٌ عَلَى مَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ التَّكْلِيفِ .\rوَالثَّانِي ، يَجِبُ ؛ لِأَنَّهُ إفْسَادٌ مُوجِبٌ لِلْفِدْيَةِ ، فَأَوْجَبَ الْقَضَاءَ ، كَوَطْءِ الْبَالِغِ ، فَإِنْ قَضَى بَعْدَ الْبُلُوغِ بَدَأَ بِحَجَّةِ الْإِسْلَامِ .\rفَإِنْ أَحْرَمَ بِالْقَضَاءِ قَبْلَهَا ، انْصَرَفَ إلَى حَجَّةِ الْإِسْلَامِ .\rوَهَلْ تُجْزِئُهُ عَنْ الْقَضَاءِ ؟ يُنْظَرُ ، فَإِنْ كَانَتْ الْفَاسِدَةُ قَدْ أَدْرَكَ فِيهَا شَيْئًا مِنْ الْوُقُوفِ بَعْدَ بُلُوغِهِ ، أَجْزَأَ عَنْهُمَا جَمِيعًا ، وَإِلَّا لَمْ يُجْزِئْهُ ، كَمَا قُلْنَا فِي الْعَبْدِ عَلَى مَا مَضَى .","part":6,"page":334},{"id":2834,"text":"( 2261 ) الْفَصْلُ الرَّابِعُ ، فِيمَا يَلْزَمُهُ مِنْ الْفِدْيَةِ : قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ جِنَايَاتِ الصِّبْيَانِ لَازِمَةٌ لَهُمْ فِي أَمْوَالِهِمْ .\rوَذَكَرَ أَصْحَابُنَا فِي الْفِدْيَةِ الَّتِي تَجِبُ بِفِعْلِ الصَّبِيِّ وَجْهَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا فِي مَالِهِ ؛ لِأَنَّهَا وَجَبَتْ بِجِنَايَتِهِ ، أَشْبَهَتْ الْجِنَايَةَ عَلَى الْآدَمِيِّ .\rوَالثَّانِي عَلَى الْوَلِيِّ ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ؛ لِأَنَّهُ حَصَلَ بِعَقْدِهِ أَوْ إذْنِهِ ، فَكَانَ عَلَيْهِ ، كَنَفَقَةِ حَجِّهِ .\rفَأَمَّا النَّفَقَةُ ، فَقَالَ الْقَاضِي : مَا زَادَ عَلَى نَفَقَة الْحَضَرِ ، فَفِي مَالِ الْوَلِيِّ ؛ لِأَنَّهُ كَلَّفَهُ ذَلِكَ ، وَلَا حَاجَةَ بِهِ إلَيْهِ .\rوَهَذَا اخْتِيَارُ أَبِي الْخَطَّابِ .\rوَحُكِيَ عَنْ الْقَاضِي أَنَّهُ ذَكَرَ فِي الْخِلَافِ أَنَّ النَّفَقَةَ كُلَّهَا عَلَى الصَّبِيِّ ؛ لِأَنَّ الْحَجَّ لَهُ ، فَنَفَقَتُهُ عَلَيْهِ ، كَالْبَالِغِ ، وَلِأَنَّ فِيهِ مَصْلَحَةً لَهُ بِتَحْصِيلِ الثَّوَابِ لَهُ ، وَيَتَمَرَّنُ عَلَيْهِ ، فَصَارَ كَأَجْرِ الْمُعَلِّمِ وَالطَّبِيبِ .\rوَالْأَوَّلُ أَوْلَى ؛ فَإِنَّ الْحَجَّ لَا يَجِبُ فِي الْعُمْرِ إلَّا مَرَّةً .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَجِبَ ، فَلَا يَجُوزُ تَكْلِيفُهُ بَذْلَ مَالِهِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إلَيْهِ لِلتَّمَرُّنِ عَلَيْهِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":6,"page":335},{"id":2835,"text":"( 2262 ) فَصْلٌ : إذَا أُغْمِيَ عَلَى بَالِغٍ ، لَمْ يَصِحَّ أَنْ يُحْرِمَ عَنْهُ رَقِيقُهُ .\rوَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَصِحُّ ، وَيَصِيرُ مُحْرِمًا بِإِحْرَامِ رَفِيقِهِ عَنْهُ اسْتِحْسَانًا ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مَعْلُومٌ مِنْ ، قَصْدِهِ ، وَيَلْحَقُهُ مَشَقَّةٌ فِي تَرْكِهِ ، فَأَجْزَأَ عَنْهُ إحْرَامُ غَيْرِهِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ بَالِغٌ ، فَلَمْ يَصِرْ مُحْرِمًا بِإِحْرَامِ غَيْرِهِ ، كَالنَّائِمِ ، وَلَوْ أَنَّهُ أَذِنَ فِي ذَلِكَ وَأَجَازَهُ ، لَمْ يَصِحَّ ، فَمَعَ عَدَمِ هَذَا أَوْلَى أَنْ لَا يَصِحَّ .","part":6,"page":336},{"id":2836,"text":"( 2263 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَمَنْ طِيفَ بِهِ مَحْمُولًا ، كَانَ الطَّوَافُ لَهُ دُونَ حَامِلِهِ ) أَمَّا إذَا طِيفَ بِهِ مَحْمُولًا لِعُذْرٍ ، فَلَا يَخْلُو ؛ إمَّا أَنْ يَقْصِدَا جَمِيعًا عَنْ الْمَحْمُولِ ، فَيَصِحَّ عَنْهُ دُونَ الْحَامِلِ ، بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ ، أَوْ يَقْصِدَا جَمِيعًا عَنْ الْحَامِلِ فَيَقَعَ عَنْهُ أَيْضًا ، وَلَا شَيْءَ لِلْمَحْمُولِ ، أَوْ يَقْصِدَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الطَّوَافَ عَنْ نَفْسِهِ ، فَإِنَّهُ يَقَعُ لِلْمَحْمُولِ دُونَ الْحَامِلِ .\rوَهَذَا أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ ، وَالْقَوْلُ الْآخَرُ ، يَقَعُ لِلْحَامِلِ ؛ لِأَنَّهُ الْفَاعِلُ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَقَعُ لَهُمَا ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا طَائِفٌ بِنِيَّةٍ صَحِيحَةٍ ، فَأَجْزَأَ الطَّوَافُ عَنْهُ ، كَمَا لَوْ لَمْ يَنْوِ صَاحِبُهُ شَيْئًا ، وَلِأَنَّهُ لَوْ حَمَلَهُ بِعَرَفَاتٍ ، لَكَانَ الْوُقُوفُ عَنْهُمَا ، كَذَا هَاهُنَا .\rوَهَذَا الْقَوْلُ حَسَنٌ .\rوَوَجْهُ الْأَوَّلِ أَنَّهُ طَوَافٌ أَجْزَأْهُ عَنْ الْمَحْمُولِ ، فَلَمْ يَقَعْ عَنْ الْحَامِلِ ، كَمَا لَوْ نَوَيَا جَمِيعًا الْمَحْمُولَ ، وَلِأَنَّهُ طَوَافٌ وَاحِدٌ ، فَلَا يَقَعُ عَنْ شَخْصَيْنِ ، وَالرَّاكِبُ لَا يَقَعُ طَوَافُهُ إلَّا عَنْ وَاحِدٍ .\rوَأَمَّا إذَا حَمَلَهُ فِي عَرَفَةَ ، فَمَا حَصَلَ الْوُقُوفُ بِالْحَمْلِ ، فَإِنَّ الْمَقْصُودَ الْكَوْنُ فِي عَرَفَاتٍ ، وَهُمَا كَائِنَانِ بِهَا ، وَالْمَقْصُودُ هَاهُنَا الْفِعْلُ ، وَهُوَ وَاحِدٌ ، فَلَا يَقَعُ عَنْ شَخْصَيْنِ ، وَوُقُوعُهُ عَنْ الْمَحْمُولِ أَوْلَى ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْوِ بِطَوَافِهِ إلَّا لِنَفْسِهِ ، وَالْحَامِلُ لَمْ يُخْلِصْ قَصْدَهُ بِالطَّوَافِ لِنَفْسِهِ ، فَإِنَّهُ لَوْ لَمْ يَقْصِدْ الطَّوَافَ بِالْمَحْمُولِ لَمَا حَمَلَهُ ، فَإِنَّ تَمَكُّنَهُ مِنْ الطَّوَافِ لَا يَقِفُ عَلَى حَمْلِهِ ، فَصَارَ الْمَحْمُولُ مَقْصُودًا لَهُمَا ، وَلَمْ يَخْلُصْ قَصْدُ الْحَامِلِ لِنَفْسِهِ ، فَلَمْ يَقَعْ عَنْهُ ، لِعَدَمِ التَّعْيِينِ .\rوَقَالَ أَبُو حَفْصٍ الْعُكْبَرِيُّ ، فِي ( شَرْحِهِ ) : لَا يُجْزِئُ الطَّوَافُ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ؛ لِأَنَّ فِعْلًا وَاحِدًا لَا يَقَعُ عَنْ اثْنَيْنِ ، وَلَيْسَ أَحَدُهُمَا أَوْلَى","part":6,"page":337},{"id":2837,"text":"بِهِ مِنْ الْآخَرِ .\rوَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْمَحْمُولَ بِهِ أَوْلَى ، لِخُلُوصِ نِيَّتِهِ لِنَفْسِهِ ، وَقَصْدِ الْحَامِلِ لَهُ ، وَلَا يَقَعُ عَنْ الْحَامِلِ لِعَدَمِ التَّعْيِينِ .\rفَإِنْ نَوَى أَحَدُهُمَا نَفْسَهُ دُونَ الْآخَرَ ، صَحَّ الطَّوَافُ لَهُ .\rوَإِنْ عَدِمَتْ النِّيَّةُ مِنْهُمَا ، أَوْ نَوَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْآخَرَ ، لَمْ يَصِحَّ لِوَاحِدِ مِنْهُمَا .","part":6,"page":338},{"id":2838,"text":"بَابُ ذِكْرِ الْمَوَاقِيتِ ( 2264 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ رَحِمَهُ اللَّهُ : ( وَمِيقَاتُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ ، وَأَهْلِ الشَّامِ وَمِصْرَ وَالْمَغْرِبِ مِنْ الْجُحْفَةِ ، وَأَهْلِ الْيَمَنِ مِنْ يَلَمْلَمَ ، وَأَهْلِ الطَّائِفِ وَنَجْدٍ مِنْ قَرْنٍ ، وَأَهْلِ الْمَشْرِقِ مِنْ ذَاتِ عِرْقٍ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْمَوَاقِيتَ الْمَنْصُوصَ عَلَيْهَا الْخَمْسَةُ الَّتِي ذَكَرَهَا الْخِرَقِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ وَقَدْ أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَرْبَعَةٍ مِنْهَا ، وَهِيَ : ذُو الْحُلَيْفَةِ ، وَالْجُحْفَةُ ، وَقَرْنٌ ، وَيَلَمْلَمُ .\rوَاتَّفَقَ أَئِمَّةُ النَّقْلِ عَلَى صِحَّةِ الْحَدِيثِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهَا ، فَمِنْ ذَلِكَ مَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ ، قَالَ { : وَقَّتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ ذَا الْحُلَيْفَةِ ، وَلِأَهْلِ الشَّامِ الْجُحْفَةَ ، وَلِأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنًا ، وَلِأَهْلِ الْيَمَنِ يَلَمْلَمُ ، قَالَ : فَهُنَّ لَهُنَّ ، وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِنَّ ، مِمَّنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ ، فَمَنْ كَانَ دُونَهُنَّ مُهَلُّهُ مِنْ أَهْلِهِ ، وَكَذَلِكَ أَهْلُ مَكَّةَ يُهِلُّونَ مِنْهَا } .\rوَعَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( يُهِلُّ أَهْلُ الْمَدِينَةِ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ ، وَأَهْلُ الشَّامِ مِنْ الْجُحْفَةِ ، وَأَهْلُ نَجْدٍ مِنْ قَرْنٍ ) .\rقَالَ ابْنُ عُمَرَ : وَذُكِرَ لِي وَلَمْ أَسْمَعْهُ أَنَّهُ قَالَ : ( وَأَهْلُ الْيَمَنِ مِنْ يَلَمْلَمُ ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا .\rفَأَمَّا ذَاتُ عِرْقٍ فَمِيقَاتُ أَهْلِ الْمَشْرِقِ ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ .\rوَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ إحْرَامَ الْعِرَاقِيِّ مِنْ ذَاتِ عِرْقٍ إحْرَامٌ مِنْ الْمِيقَاتِ .\rوَرُوِيَ عَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ كَانَ يُحْرِمُ مِنْ الْعَقِيقِ .\rوَاسْتَحْسَنَهُ الشَّافِعِيُّ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ ، وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ .\rوَكَانَ الْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ يُحْرِمُ مِنْ","part":6,"page":339},{"id":2839,"text":"الرَّبَذَةِ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ خُصَيْفٍ وَالْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ .\rوَقَدْ رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { وَقَّتَ لِأَهْلِ الْمَشْرِقِ الْعَقِيقَ .\r} قَالَ التِّرْمِذِيُّ : وَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ .\rقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : الْعَقِيقُ أَوْلَى وَأَحْوَطُ مِنْ ذَاتِ عِرْقٍ ، وَذَاتُ عِرْقٍ مِيقَاتُهُمْ بِإِجْمَاعٍ .\rوَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي مَنْ وَقَّتَ ذَاتَ عِرْقٍ ، فَرَوَى أَبُو دَاوُد ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَغَيْرُهُمَا ، بِإِسْنَادِهِمْ ، عَنْ الْقَاسِمِ عَنْ عَائِشَةَ ، { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَّتَ لِأَهْلِ الْعِرَاقِ ذَاتَ عِرْقٍ } .\rوَعَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرًا سُئِلَ عَنْ الْمُهَلِّ ؟ قَالَ : سَمِعْته - وَأَحْسَبُهُ رَفَعَ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : { مُهَلُّ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ ، وَالطَّرِيقُ الْآخَرُ مِنْ الْجُحْفَةِ ، وَمُهَلُّ أَهْلِ الْعِرَاقِ مِنْ ذَاتِ عِرْقٍ ، وَمُهَلُّ أَهْلِ نَجْدٍ مِنْ قَرْنٍ .\r} رَوَاهُ مُسْلِمٌ ، فِي ( صَحِيحِهِ ) .\rوَقَالَ قَوْمٌ آخَرُونَ : إنَّمَا وَقَّتَهَا عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَرَوَى الْبُخَارِيُّ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ : لَمَّا فُتِحَ هَذَانِ الْمِصْرَانِ ، أَتَوْا عُمَرَ ، فَقَالُوا : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدَّ لِأَهْلِ نَجْدٍ ، قَرْنًا ، وَهُوَ جَوْرٌ عَنْ طَرِيقِنَا ، وَإِنَّا إنْ أَرَدْنَا قَرْنًا شَقَّ عَلَيْنَا .\rقَالَ : فَانْظُرُوا حَذْوَهَا مِنْ طَرِيقِكُمْ .\rفَحَدَّ لَهُمْ ذَاتَ عِرْقٍ .\rوَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عُمَرُ وَمَنْ سَأَلَهُ لَمْ يَعْلَمُوا تَوْقِيتَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ عِرْقٍ ، فَقَالَ ذَلِكَ بِرَأْيِهِ فَأَصَابَ ، وَوَافَقَ قَوْلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَدْ كَانَ كَثِيرَ الْإِصَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَإِذَا ثَبَتَ تَوْقِيتُهَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَنْ عُمَرَ ، فَالْإِحْرَامُ مِنْهُ أَوْلَى ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .","part":6,"page":340},{"id":2840,"text":"( 2265 ) فَصْلٌ : وَإِذَا كَانَ الْمِيقَاتُ قَرْيَةً فَانْتَقَلَتْ إلَى مَكَان آخَرَ ، فَمَوْضِعُ الْإِحْرَامِ مِنْ الْأُولَى ، وَإِنْ انْتَقَلَ الِاسْمُ إلَى الثَّانِيَةِ ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ تَعَلَّقَ بِذَلِكَ الْمَوْضِع ، فَلَا يَزُولُ بِخَرَابِهِ .\rوَقَدْ رَأَى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ رَجُلًا يُرِيدُ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ ذَاتِ عِرْقٍ ، فَأَخَذَ بِيَدِهِ حَتَّى خَرَجَ بِهِ مِنْ الْبُيُوتِ ، وَقَطَعَ الْوَادِيَ ، فَأَتَى بِهِ الْمَقَابِرَ ، فَقَالَ : هَذِهِ ذَاتُ عِرْقٍ الْأُولَى .","part":6,"page":341},{"id":2841,"text":"( 2266 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَأَهْلُ مَكَّةَ إذَا أَرَادُوا الْعُمْرَةَ ، فَمِنْ الْحِلِّ ، وَإِذَا أَرَادُوا الْحَجَّ ، فَمِنْ مَكَّةَ ) أَهْلُ مَكَّةَ ، مَنْ كَانَ بِهَا ، سَوَاءٌ كَانَ مُقِيمًا بِهَا أَوْ غَيْرَ مُقِيمٍ ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَنْ أَتَى عَلَى مِيقَاتٍ كَانَ مِيقَاتًا لَهُ ، فَكَذَلِكَ كُلُّ مَنْ كَانَ بِمَكَّةَ فَهِيَ مِيقَاتُهُ لِلْحَجِّ ؛ وَإِنْ أَرَادَ الْعُمْرَةَ فَمِنْ الْحِلِّ .\rلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا .\rوَلِذَلِكَ { أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ أَنْ يُعْمِرَ عَائِشَةَ مِنْ التَّنْعِيمِ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَكَانَتْ بِمَكَّةَ يَوْمَئِذٍ ، وَالْأَصْلُ فِي هَذَا قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ يُهِلُّونَ مِنْهَا } يَعْنِي لِلْحَجِّ .\rوَقَالَ أَيْضًا : ( وَمَنْ كَانَ أَهْلُهُ دُونَ الْمِيقَاتِ فَمِنْ حَيْثُ يُنْشِئُ ، حَتَّى يَأْتِيَ ذَلِكَ عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ ) .\rوَهَذَا فِي الْحَجِّ .\rفَأَمَّا فِي الْعُمْرَةِ فَمِيقَاتُهَا فِي حَقِّهِمْ الْحِلُّ ، مِنْ أَيِّ جَوَانِبِ الْحَرَمِ شَاءَ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِإِعْمَارِ عَائِشَةَ مِنْ التَّنْعِيمِ ، وَهُوَ أَدْنَى الْحِلِّ إلَى مَكَّةَ .\rوَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ : بَلَغَنِي { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَّتَ لِأَهْلِ مَكَّةَ التَّنْعِيمَ } .\rوَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : يَا أَهْلَ مَكَّةَ ، مَنْ أَتَى مِنْكُمْ الْعُمْرَةَ ، فَلْيَجْعَلْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا بَطْنَ مُحَسِّرٍ .\rيَعْنِي إذَا أَحْرَمَ بِهَا مِنْ نَاحِيَةِ الْمُزْدَلِفَةِ .\rوَإِنَّمَا لَزِمَ الْإِحْرَامُ مِنْ الْحِلِّ ، لِيَجْمَع فِي النُّسُكِ بَيْنَ الْحِلِّ وَالْحَرَمِ ، فَإِنَّهُ لَوْ أَحْرَمَ مِنْ الْحَرَمِ ، لَمَا جَمَعَ بَيْنَهُمَا فِيهِ ، لِأَنَّ أَفْعَالَ الْعُمْرَةِ كُلَّهَا فِي الْحَرَمِ ، بِخِلَافِ الْحَجِّ ، فَإِنَّهُ يَفْتَقِرُ إلَى الْخُرُوجِ إلَى عَرَفَةَ ، فَيَجْتَمِعُ لَهُ الْحِلُّ وَالْحَرَمُ ، وَالْعُمْرَةُ بِخِلَافِ ذَلِكَ .\rوَمِنْ أَيِّ الْحِلِّ أَحْرَمَ جَازَ .\rوَإِنَّمَا أَعْمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَائِشَةَ","part":6,"page":342},{"id":2842,"text":"مِنْ التَّنْعِيمِ ؛ لِأَنَّهَا أَقْرَبُ الْحِلِّ إلَى مَكَّةَ .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ ، فِي الْمَكِّيِّ ، كُلَّمَا تَبَاعَدَ فِي الْعُمْرَةِ فَهُوَ أَعْظَمُ لِلْأَجْرِ ، هِيَ عَلَى قَدْرِ تَعَبِهَا .\rوَأَمَّا إنْ أَرَادَ الْمَكِّيُّ الْإِحْرَامَ بِالْحَجِّ ، فَمِنْ مَكَّةَ ؛ لِلْخَبَرِ الَّذِي ذَكَرْنَا ، وَلِأَنَّ أَصْحَابَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا فَسَخُوا الْحَجَّ ، أَمَرَهُمْ فَأَحْرَمُوا مِنْ مَكَّةَ .\rقَالَ جَابِرٌ : { أَمَرَنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا حَلَلْنَا ، أَنْ نُحْرِمَ إذَا تَوَجَّهْنَا مِنْ الْأَبْطَحِ } .\rرَوَاهُ مُسْلِمٌ .\rوَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ قَاطِنِي مَكَّةَ وَبَيْنَ غَيْرِهِمْ مِمَّنْ هُوَ بِهَا ، كَالْمُتَمَتِّعِ إذَا حَلَّ ، وَمَنْ فَسَخَ حَجَّهُ بِهَا .\rوَنُقِلَ عَنْ أَحْمَدَ فِيمَنْ اعْتَمَرَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ ، أَنَّهُ يُهِلُّ بِالْحَجِّ مِنْ الْمِيقَاتِ ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ ، فَعَلَيْهِ دَمٌ .\rوَالصَّحِيحُ خِلَافُ هَذَا ؛ لِمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنَّ أَحْمَدَ إنَّمَا أَرَادَ أَنَّ الْمُتَمَتِّعَ يَسْقُطُ عَنْهُ الدَّمُ إذَا خَرَجَ إلَى الْمِيقَاتِ ، وَلَا يَسْقُطُ إذَا أَحْرَمَ مِنْ مَكَّةَ .\rوَهَذَا فِي غَيْرِ الْمَكِّيِّ ، أَمَّا الْمَكِّيُّ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ دَمُ مُتْعَةٍ بِحَالٍ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ } .\rوَذَكَرَ الْقَاضِي فِي مَنْ دَخَلَ مَكَّةَ يَحُجُّ عَنْ غَيْرِهِ ، ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَعْتَمِرَ بَعْدَهُ لِنَفْسِهِ ، أَوْ دَخَلَ يَحُجُّ لِنَفْسِهِ ، ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَعْتَمِرَ لِغَيْرِهِ ، أَوْ دَخَلَ بِعُمْرَةٍ لِنَفْسِهِ ، ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَحُجَّ أَوْ يَعْتَمِرَ لِغَيْرِهِ ، أَوْ دَخَلَ بِعُمْرَةٍ لَغَيْرِهِ ، ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَحُجَّ أَوْ يَعْتَمِرَ لِنَفْسِهِ ، أَنَّهُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ يَخْرُجُ إلَى الْمِيقَاتِ ، فَيُحْرِمُ مِنْهُ ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ ، فَعَلَيْهِ دَمٌ .\rقَالَ : وَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ : فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ : إذَا اعْتَمَرَ عَنْ غَيْرِهِ ، ثُمَّ أَرَادَ","part":6,"page":343},{"id":2843,"text":"الْحَجَّ لِنَفْسِهِ ، يَخْرُجُ إلَى الْمِيقَاتِ ، أَوْ اعْتَمَرَ عَنْ نَفْسِهِ ، يَخْرُجُ إلَى الْمِيقَاتِ ، وَإِنْ دَخَلَ مَكَّةَ بِغَيْرِ إحْرَامٍ ، ثُمَّ أَرَادَ الْحَجَّ ، يَخْرُجُ إلَى الْمِيقَاتِ .\rوَاحْتَجَّ لَهُ الْقَاضِي ، بِأَنَّهُ جَاوَزَ الْمِيقَاتَ مُرِيدًا لِلنُّسُكِ ، غَيْرَ مُحْرِمٍ لِنَفْسِهِ ، فَلَزِمَهُ دَمٌ إذَا أَحْرَمَ دُونَهُ ، كَمَنْ جَاوَزَ الْمِيقَاتَ غَيْرَ مُحْرِمٍ .\rوَعَلَى هَذَا لَوْ حَجَّ عَنْ شَخْصٍ وَاعْتَمَرَ عَنْ آخَرَ ، أَوْ اعْتَمَرَ عَنْ إنْسَانٍ ثُمَّ حَجَّ أَوْ اعْتَمَرَ عَنْ آخَرَ ، فَكَذَلِكَ .\rوَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الْخُرُوجُ إلَى الْمِيقَاتِ فِي هَذَا كُلِّهِ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّ كُلَّ مَنْ كَانَ بِمَكَّةَ كَالْقَاطِنِ بِهَا ، وَهَذَا حَاصِلٌ بِمَكَّةَ عَلَى وَجْهٍ مُبَاحٍ ، فَأَشْبَهَ الْمَكِّيَّ .\rوَمَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي تَحَكُّمٌ لَا يَدُلُّ عَلَيْهِ خَبَرٌ ، وَلَا يَشْهَدُ لَهُ أَثَرٌ ، وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ الْمَعْنَى فَاسِدٌ لِوُجُوهٍ : أَحَدُهَا ، أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ مَرِيدًا لِلنُّسُكِ عَنْ نَفْسِهِ حَالَ مُجَاوَزَةِ الْمِيقَاتِ ، فَإِنَّهُ قَدْ يَبْدُو لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ .\rالثَّانِي ، أَنَّ هَذَا لَا يَتَنَاوَلُ مَنْ أَحْرَمَ عَنْ غَيْرِهِ .\rالثَّالِثُ ، أَنَّهُ لَوْ وَجَبَ بِهَذَا الْخُرُوجُ إلَى الْمِيقَاتِ ، لَلَزِمَ الْمُتَمَتِّعَ وَالْمُفْرِدَ ؛ لِأَنَّهُمَا تَجَاوَزَا الْمِيقَاتَ ، مُرِيدَيْنِ لِغَيْرِ النُّسُكِ الَّذِي أَحْرَمَا بِهِ .\rالرَّابِعُ ، أَنَّ الْمَعْنَى فِي الَّذِي يُجَاوِزُ الْمِيقَاتَ غَيْرَ مُحْرِمٍ ، أَنَّهُ فَعَلَ مَا لَا يَحِلُّ لَهُ فِعْلُهُ ، وَتَرَكَ الْإِحْرَامَ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ فِي مَوْضِعِهِ ، فَأَحْرَمَ مِنْ دُونِهِ .","part":6,"page":344},{"id":2844,"text":"( 2267 ) فَصْلٌ : وَمِنْ أَيِّ الْحَرَمِ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ جَازَ ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْإِحْرَامِ بِهِ الْجَمْعُ فِي النُّسُكِ بَيْنَ الْحِلِّ وَالْحَرَمِ ، وَهَذَا يَحْصُلُ بِالْإِحْرَامِ مِنْ أَيِّ مَوْضِعٍ كَانَ ، فَجَازَ ، كَمَا يَجُوزُ أَنْ يُحْرِمَ بِالْعُمْرَةِ مِنْ أَيِّ مَوْضِعٍ كَانَ مِنْ الْحِلِّ ، وَلِذَلِكَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَصْحَابِهِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ : { إذَا أَرَدْتُمْ أَنْ تَنْطَلِقُوا إلَى مِنًى ، فَأَهِلُّوا مِنْ الْبَطْحَاءِ } .\rوَلِأَنَّ مَا اُعْتُبِرَ فِيهِ الْحَرَمُ اسْتَوَتْ فِيهِ الْبَلْدَةُ وَغَيْرُهَا ، كَالنَّحْرِ .","part":6,"page":345},{"id":2845,"text":"( 2268 ) فَصْلٌ : فَإِنْ أَحْرَمَ مِنْ الْحِلِّ ؛ نَظَرْت ، فَإِنْ أَحْرَمَ مِنْ الْحِلِّ الَّذِي يَلِي الْمَوْقِفَ فَعَلَيْهِ دَمٌ ؛ لِأَنَّهُ أَحْرَمَ مِنْ دُونِ الْمِيقَاتِ .\rوَإِنْ أَحْرَمَ مِنْ الْجَانِبِ الْآخَرِ ، ثُمَّ سَلَكَ الْحَرَمَ ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، فِي رَجُلٍ أَحْرَمَ لِلْحَجِّ مِنْ التَّنْعِيمِ ، فَقَالَ : لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ .\rوَذَلِكَ لِأَنَّهُ أَحْرَمَ قَبْلَ مِيقَاتِهِ ، فَكَانَ كَالْمُحْرِمِ قَبْلَ بَقِيَّةِ الْمَوَاقِيتِ .\rوَلَوْ أَحْرَمَ مِنْ الْحِلِّ ، وَلَمْ يَسْلُكْ الْحَرَمَ ، فَعَلَيْهِ دَمٌ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَجْمَعْ بَيْنَ الْحِلِّ وَالْحَرَمِ .","part":6,"page":346},{"id":2846,"text":"( 2269 ) فَصْلٌ : وَإِنْ أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ مِنْ الْحَرَمِ ، انْعَقَدَ إحْرَامُهُ بِهَا ، وَعَلَيْهِ دَمٌ ؛ لِتَرْكِهِ الْإِحْرَامَ مِنْ الْمِيقَاتِ .\rثُمَّ إنْ خَرَجَ إلَى الْحِلِّ قَبْلَ الطَّوَافِ ، ثُمَّ عَادَ ، أَجْزَأَهُ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ جَمَعَ بَيْنَ الْحِلِّ وَالْحَرَمِ .\rوَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ حَتَّى قَضَى عُمْرَتَهُ ، صَحَّ أَيْضًا ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَتَى بِأَرْكَانِهَا ، وَإِنَّمَا أَخَلَّ بِالْإِحْرَامِ مِنْ مِيقَاتِهَا ، وَقَدْ جَبَرَهُ ، فَأَشْبَهَ مَنْ أَحْرَمَ مِنْ دُونِ الْمِيقَاتِ بِالْحَجِّ .\rوَهَذَا قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ ، وَأَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ .\rوَالْقَوْلُ الثَّانِي ، لَا تَصِحُّ عُمْرَتُهُ ؛ لِأَنَّهُ نُسُكٌ ، فَكَانَ مِنْ شَرْطِهِ الْجَمْعُ بَيْنَ الْحِلِّ وَالْحَرَمِ ، كَالْحَجِّ .\rفَعَلَى هَذَا وُجُودُ هَذَا الطَّوَافِ كَعَدَمِهِ ، وَهُوَ بَاقٍ عَلَى إحْرَامِهِ حَتَّى يَخْرُجَ إلَى الْحِلِّ ، ثُمَّ يَطُوفَ بَعْدَ ذَلِكَ وَيَسْعَى .\rوَإِنْ حَلَقَ قَبْلَ ذَلِكَ ، فَعَلَيْهِ دَمٌ .\rوَكَذَلِكَ كُلُّ مَا فَعَلَهُ مِنْ مَحْظُورَاتِ إحْرَامِهِ ، فَعَلَيْهِ فِدْيَتُهُ .\rوَإِنْ وَطِئَ ، أَفْسَدَ عُمْرَتَهُ ، وَيَمْضِي فِي فَاسِدِهَا ، وَعَلَيْهِ دَمٌ لِإِفْسَادِهَا ، وَيَقْضِيهَا بِعُمْرَةٍ مِنْ الْحِلِّ .\rثُمَّ إنْ كَانَتْ الْعُمْرَةُ الَّتِي أَفْسَدَهَا عُمْرَةَ الْإِسْلَامِ ، أَجْزَأَهُ قَضَاؤُهَا عَنْ عُمْرَةِ الْإِسْلَامِ ، وَإِلَّا فَلَا .","part":6,"page":347},{"id":2847,"text":"( 2270 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَمَنْ كَانَ مَنْزِلُهُ دُونَ الْمِيقَاتِ ، فَمِيقَاتُهُ مِنْ مَوْضِعِهِ ) يَعْنِي إذَا كَانَ مَسْكَنُهُ أَقْرَبَ إلَى مَكَّةَ مِنْ الْمِيقَاتِ ، كَانَ مِيقَاتُهُ مَسْكَنَهُ .\rهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rوَبِهِ يَقُولُ مَالِكٌ ، وَطَاوُسٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَعَنْ مُجَاهِدٍ ، قَالَ : يُهِلُّ مِنْ مَكَّةَ .\rوَلَا يَصِحُّ ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ : { فَمَنْ كَانَ دُونَهُنَّ ، مُهَلُّهُ مِنْ أَهْلِهِ } .\rوَهَذَا صَرِيحٌ ، وَالْعَمَلُ بِهِ أَوْلَى .\r( 2271 ) فَصْلٌ : إذَا كَانَ مَسْكَنُهُ قَرْيَةً ، فَالْأَفْضَلُ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ أَبْعَدِ جَانِبَيْهَا .\rوَإِنْ أَحْرَمَ مِنْ أَقْرَبِ جَانِبَيْهَا جَازَ .\rوَهَكَذَا الْقَوْلُ فِي الْمَوَاقِيتِ الَّتِي وَقَّتَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا كَانَتْ قَرْيَةً ، وَالْحِلَّةُ كَالْقَرْيَةِ ، فِيمَا ذَكَرْنَا .\rوَإِنْ كَانَ مَسْكَنُهُ مُنْفَرِدًا ، فَمِيقَاتُهُ مَسْكَنُهُ ، أَوْ حَذْوُهُ ، وَكُلُّ مِيقَاتٍ فَحَذْوُهُ بِمَنْزِلَتِهِ .\rثُمَّ إنْ كَانَ مَسْكَنُهُ فِي الْحِلِّ ، فَإِحْرَامُهُ مِنْهُ لِلْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ مَعًا ، وَإِنْ كَانَ فِي الْحَرَمِ ، فَإِحْرَامُهُ لِلْعُمْرَةِ مِنْ الْحِلِّ ، لِيَجْمَعَ فِي النُّسُكِ بَيْنَ الْحِلِّ وَالْحَرَمِ ، كَالْمَكِّيِّ ، وَأَمَّا الْحَجُّ فَيَنْبَغِي أَنْ يَجُوزَ لَهُ الْإِحْرَامُ مِنْ أَيِّ الْحَرَمِ شَاءَ ، كَالْمَكِّيِّ .","part":6,"page":348},{"id":2848,"text":"( 2272 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَمَنْ لَمْ يَكُنْ طَرِيقُهُ عَلَى مِيقَاتٍ ، فَإِذَا حَاذَى أَقْرَبَ الْمَوَاقِيتِ إلَيْهِ أَحْرَمَ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا بَيْنَ مِيقَاتَيْنِ ، فَإِنَّهُ يَجْتَهِدُ حَتَّى يَكُونَ إحْرَامُهُ بِحَذْوِ الْمِيقَاتِ ، الَّذِي هُوَ إلَى طَرِيقِهِ أَقْرَبُ ؛ لِمَا رَوَيْنَا أَنَّ أَهْلَ الْعِرَاقِ قَالُوا لِعُمَرَ : إنَّ قَرْنًا جَوْرٌ عَنْ طَرِيقِنَا .\rفَقَالَ : اُنْظُرُوا حَذْوَهَا مِنْ طَرِيقِكُمْ فَوَقَّتَ لَهُمْ ذَاتَ عِرْقٍ .\rوَلِأَنَّ هَذَا مِمَّا يُعْرَفُ بِالِاجْتِهَادِ وَالتَّقْدِيرِ ، فَإِذَا اشْتَبَهَ دَخَلَهُ الِاجْتِهَادُ ، كَالْقِبْلَةِ .\r( 2273 ) فَصْلٌ : فَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ حَذْوَ الْمِيقَاتِ الْمُقَارِبِ لِطَرِيقِهِ ، احْتَاطَ ، فَأَحْرَمَ مِنْ بُعْدٍ ، بِحَيْثُ يَتَيَقَّنُ أَنَّهُ لَمْ يُجَاوِزْ الْمِيقَاتَ إلَّا مُحْرِمًا ؛ لِأَنَّ الْإِحْرَامَ قَبْلَ الْمِيقَاتِ جَائِزٌ ، وَتَأْخِيرُهُ عَنْهُ لَا يَجُوزُ ، فَالِاحْتِيَاطُ فِعْلُ مَا لَا شَكَّ فِيهِ .\rوَلَا يَلْزَمُهُ الْإِحْرَامُ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّهُ قَدْ حَاذَاهُ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ وُجُوبِهِ ، فَلَا يَجِبُ بِالشَّكِّ .\rفَإِنْ أَحْرَمَ ، ثُمَّ عَلِمَ بَعْدُ أَنَّهُ قَدْ جَاوَزَ مَا يُحَاذِيهِ مِنْ الْمَوَاقِيتِ غَيْرَ مُحْرِمٍ ، فَعَلَيْهِ دَمٌ .\rوَإِنْ شَكَّ فِي أَقْرَبِ الْمِيقَاتَيْنِ إلَيْهِ ، فَالْحُكْمُ فِي ذَلِكَ عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي الْمَسْأَلَةِ قَبْلَهَا .\rوَإِنْ كَانَتَا مُتَسَاوِيَتَيْنِ فِي الْقُرْبِ إلَيْهِ ، أَحْرَمَ مِنْ حَذْوِ أَبْعَدِهِمَا .","part":6,"page":349},{"id":2849,"text":"( 2274 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَهَذِهِ الْمَوَاقِيتُ لِأَهْلِهَا ، وَلِمَنْ مَرَّ عَلَيْهَا مِنْ غَيْرِ أَهْلِهَا مِمَّنْ أَرَادَ حَجًّا أَوْ عُمْرَةً ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا فِيهَا مِيقَاتٌ فَهُوَ مِيقَاتُهُ ، فَإِذَا حَجَّ الشَّامِيُّ مِنْ الْمَدِينَةِ فَمَرَّ بِذِي الْحُلَيْفَةِ فَهِيَ مِيقَاتُهُ ، وَإِنْ حَجَّ مِنْ الْيَمَنِ فَمِيقَاتُهُ يَلَمْلَمُ ، وَإِنْ حَجَّ مِنْ الْعِرَاقِ فَمِيقَاتُهُ ذَاتُ عِرْقٍ .\rوَهَكَذَا كُلُّ مَنْ مَرَّ عَلَى مِيقَاتٍ غَيْرِ مِيقَاتِ بَلَدِهِ صَارَ مِيقَاتًا لَهُ .\rسُئِلَ أَحْمَدُ عَنْ الشَّامِيِّ يَمُرُّ بِالْمَدِينَةِ يُرِيدُ الْحَجَّ ، مِنْ أَيْنَ يُهِلُّ ؟ قَالَ : مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ .\rقِيلَ : فَإِنَّ بَعْضَ النَّاسِ يَقُولُ يُهِلُّ مِنْ مِيقَاتِهِ مِنْ الْجُحْفَةِ .\rفَقَالَ : سُبْحَانَ اللَّهِ ، أَلَيْسَ يَرْوِي ابْنُ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( هُنَّ لَهُنَّ ، وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِنَّ ) .\rوَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَإِسْحَاقَ .\rوَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ فِي الشَّامِيِّ يَمُرُّ بِالْمَدِينَةِ : لَهُ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ الْجُحْفَةِ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ .\rوَكَانَتْ عَائِشَةُ ، إذَا أَرَادَتْ الْحَجَّ أَحْرَمَتْ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ ، وَإِذَا أَرَادَتْ الْعُمْرَةَ أَحْرَمَتْ مِنْ الْجُحْفَةِ .\rوَلَعَلَّهمْ يَحْتَجُّونَ بِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَّتَ لِأَهْلِ الشَّامِ الْجُحْفَةَ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { فَهُنَّ لَهُنَّ ، وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِنَّ } .\rوَلِأَنَّهُ مِيقَاتٌ ، فَلَمْ يَجُزْ تَجَاوُزُهُ بِغَيْرِ إحْرَامٍ لِمَنْ يُرِيدُ النُّسُكَ ، كَسَائِرِ الْمَوَاقِيتِ .\rوَخَبَرُهُمْ أُرِيدَ بِهِ مَنْ لَمْ يَمُرَّ عَلَى مِيقَاتٍ آخَرَ ، بِدَلِيلِ مَا لَوْ مَرَّ بِمِيقَاتٍ غَيْرِ ذِي الْحُلَيْفَةِ ، لَمْ يَجُزْ لَهُ تَجَاوُزُهُ بِغَيْرِ إحْرَامٍ ، بِغَيْرِ خِلَافٍ .\rوَقَدْ رَوَى سَعِيدٌ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { وَقَّتَ لِمَنْ سَاحَلَ مِنْ","part":6,"page":350},{"id":2850,"text":"أَهْلِ الشَّامِ الْجُحْفَةَ ، } وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فِي هَذَا ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { فَهُنَّ لَهُنَّ ، وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِنَّ ، مِمَّنْ كَانَ يُرِيدُ حَجًّا أَوْ عُمْرَةً } .","part":6,"page":351},{"id":2851,"text":"( 2275 ) فَصْلٌ : فَإِنْ مَرَّ مِنْ غَيْرِ طَرِيقِ ذِي الْحُلَيْفَةِ ، فَمِيقَاتُهُ الْجُحْفَةُ ، سَوَاءٌ كَانَ شَامِيًّا أَوْ مَدَنِيًّا ؛ لِمَا رَوَى أَبُو الزُّبَيْرِ ، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرًا يُسْأَلُ عَنْ الْمُهَلِّ ، فَقَالَ : سَمِعْته - أَحْسَبُهُ رَفَعَ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : { مُهَلُّ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ ، وَالطَّرِيقُ الْآخَرُ مِنْ الْجُحْفَةِ } .\rرَوَاهُ مُسْلِمٌ .\rوَلِأَنَّهُ مَرَّ عَلَى أَحَدِ الْمَوَاقِيتِ دُونَ غَيْرِهِ ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ الْإِحْرَامُ قَبْلَهُ ، كَسَائِرِ الْمَوَاقِيتِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنَّ أَبَا قَتَادَةَ حِينَ أَحْرَمَ أَصْحَابُهُ دُونَهُ فِي قِصَّةِ صَيْدِهِ لِلْحِمَارِ الْوَحْشِيِّ ، إنَّمَا تَرَكَ الْإِحْرَامَ لِكَوْنِهِ لَمْ يَمُرَّ عَلَى ذِي الْحُلَيْفَةِ ، فَأَخَّرَ إحْرَامَهُ إلَى الْجُحْفَةِ .\rإذْ لَوْ مَرَّ عَلَيْهَا لَمْ يَجُزْ لَهُ تَجَاوُزُهَا مِنْ غَيْرِ إحْرَامٍ .\rوَيُمْكِنُ حَمْلُ حَدِيثِ عَائِشَةَ فِي تَأْخِيرِهَا إحْرَامَ الْعُمْرَةِ إلَى الْجُحْفَةِ عَلَى هَذَا ، وَأَنَّهَا لَا تَمُرُّ فِي طَرِيقهَا عَلَى ذِي الْحُلَيْفَةِ ؛ لِئَلَّا يَكُونَ فِعْلُهَا مُخَالِفًا لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلِسَائِرِ أَهْلِ الْعِلْمِ .","part":6,"page":352},{"id":2852,"text":"( 2276 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَالِاخْتِيَارُ أَنْ لَا يُحْرِمَ قَبْلَ مِيقَاتِهِ ، فَإِنْ فَعَلَ فَهُوَ مُحْرِمٌ ) لَا خِلَافَ فِي أَنَّ مَنْ أَحْرَمَ قَبْلَ الْمِيقَاتِ يَصِيرُ مُحْرِمًا ، تَثْبُتُ فِي حَقِّهِ أَحْكَامُ الْإِحْرَامِ .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ مَنْ أَحْرَمَ قَبْلَ الْمِيقَاتِ أَنَّهُ مُحْرِمٌ .\rوَلَكِنَّ الْأَفْضَلَ الْإِحْرَامُ مِنْ الْمِيقَاتِ ، وَيُكْرَهُ قَبْلَهُ .\rرُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ ، وَعُثْمَانَ .\rرَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ ، وَعَطَاءٌ ، وَمَالِكٌ ، وَإِسْحَاقُ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : الْأَفْضَلُ الْإِحْرَامُ مِنْ بَلَدِهِ .\rوَعَنْ الشَّافِعِيِّ كَالْمَذْهَبَيْنِ .\rوَكَانَ عَلْقَمَةُ ، وَالْأَسْوَدُ ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ ، وَأَبُو إِسْحَاقَ ، يُحْرِمُونَ مِنْ بُيُوتِهِمْ .\rوَاحْتَجُّوا بِمَا رَوَتْ أُمُّ سَلَمَةَ زَوْجُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : { مَنْ أَهَلَّ بِحَجَّةٍ أَوْ عُمْرَةٍ مِنْ الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى إلَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ ، أَوْ وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ .\rشَكَّ عَبْدُ اللَّهِ أَيَّتَهُمَا قَالَ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَفِي لَفْظٍ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ : { مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ ، غُفِرَ لَهُ } .\rوَأَحْرَمَ ابْنُ عُمَرَ مِنْ إِيلْيَا .\rوَرَوَى النَّسَائِيُّ ، وَأَبُو دَاوُد ، بِإِسْنَادِهِمَا عَنْ الصُّبَيّ بْنِ مَعْبَدٍ ، قَالَ : أَهْلَلْت بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ ، فَلَمَّا أَتَيْت الْعُذَيْبَ لَقِيَنِي سَلْمَانُ بْنُ رَبِيعَةَ ، وَزَيْدُ بْنُ صُوحَانَ ، وَأَنَا أُهِلُّ بِهِمَا ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا : مَا هَذَا بِأَفْقَهَ مِنْ بَعِيرِهِ .\rفَأَتَيْت عُمَرَ ، فَذَكَرْت لَهُ ذَلِكَ .\rفَقَالَ : { هُدِيت لِسُنَّةِ نَبِيِّك صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ } .\rوَهَذَا إحْرَامٌ بِهِ قَبْلَ الْمِيقَاتِ .\rوَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فِي قَوْله تَعَالَى : { وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ } .\rإتْمَامُهُمَا أَنْ تُحْرِمَ بِهِمَا مِنْ","part":6,"page":353},{"id":2853,"text":"دُوَيْرَةِ أَهْلِك .\rوَلَنَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابَهُ أَحْرَمُوا مِنْ الْمِيقَاتِ ، وَلَا يَفْعَلُونَ إلَّا الْأَفْضَلَ .\rفَإِنْ قِيلَ : إنَّمَا فَعَلَ هَذَا لِتَبْيِينِ الْجَوَازِ ، قُلْنَا : قَدْ حَصَلَ بَيَانُ الْجَوَازِ بِقَوْلِهِ ، كَمَا فِي سَائِرِ الْمَوَاقِيتِ .\rثُمَّ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَكَانَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَخُلَفَاؤُهُ يُحْرِمُونَ مِنْ بُيُوتِهِمْ ، وَلَمَا تَوَاطَئُوا عَلَى تَرْكِ الْأَفْضَلِ ، وَاخْتِيَارِ الْأَدْنَى ، وَهُمْ أَهْلُ التَّقْوَى وَالْفَضْلِ ، وَأَفْضَلُ الْخَلْقِ ، وَلَهُمْ مِنْ الْحِرْصِ عَلَى الْفَضَائِلِ وَالدَّرَجَاتِ مَا لَهُمْ .\rوَقَدْ رَوَى أَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ ، فِي ( مُسْنَدِهِ ) ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { يَسْتَمْتِعُ أَحَدُكُمْ بِحِلِّهِ مَا اسْتَطَاعَ ، فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي مَا يَعْرِضُ لَهُ فِي إحْرَامِهِ } .\rوَرَوَى الْحَسَنُ ، أَنَّ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ أَحْرَمَ مِنْ مِصْرِهِ ، فَبَلَغَ ذَلِكَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَغَضِبَ ، وَقَالَ : يَتَسَامَعُ النَّاسُ أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحْرَمَ مِنْ مِصْرِهِ .\rوَقَالَ : إنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَامِرٍ أَحْرَمَ مِنْ خُرَاسَانَ ، فَلَمَّا قَدِمَ عَلَى عُثْمَانَ لَامَهُ فِيمَا صَنَعَ ، وَكَرِهَهُ لَهُ .\rرَوَاهُمَا سَعِيدٌ ، وَالْأَثْرَمُ ، وَقَالَ الْبُخَارِيُّ : كَرِهَ عُثْمَانُ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ خُرَاسَانَ أَوْ كَرْمَانَ .\rوَلِأَنَّهُ أَحْرَمَ قَبْلَ الْمِيقَاتِ ، فَكُرِهَ ، كَالْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ قَبْلَ أَشْهُرِهِ .\rوَلِأَنَّهُ تَغْرِيرٌ بِالْإِحْرَامِ ، وَتَعَرُّضٌ لِفِعْلِ مَحْظُورَاتِهِ ، وَفِيهِ مَشَقَّةٌ عَلَى النَّفْسِ ، فَكُرِهَ ، كَالْوِصَالِ فِي الصَّوْمِ .\rقَالَ عَطَاءٌ : اُنْظُرُوا هَذِهِ الْمَوَاقِيتَ الَّتِي وُقِّتَتْ لَكُمْ ، فَخُذُوا بِرُخْصَةِ اللَّهِ فِيهَا ، فَإِنَّهُ عَسَى أَنْ يُصِيبَ أَحَدُكُمْ ذَنْبًا فِي إحْرَامِهِ ، فَيَكُونَ أَعْظَمَ لِوِزْرِهِ ، فَإِنَّ الذَّنْبَ فِي الْإِحْرَامِ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ .\rفَأَمَّا حَدِيثُ","part":6,"page":354},{"id":2854,"text":"الْإِحْرَامِ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ ، فَفِيهِ ضَعْفٌ ، يَرْوِيهِ ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ؛ وَفِيهِمَا مَقَالٌ .\rوَيَحْتَمِلُ اخْتِصَاصَ هَذَا بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ دُونَ غَيْرِهِ ، لِيَجْمَعَ بَيْنَ الصَّلَاةِ فِي الْمَسْجِدَيْنِ فِي إحْرَامٍ وَاحِدٍ ، وَلِذَلِكَ أَحْرَمَ ابْنُ عُمَرَ مِنْهُ ، وَلَمْ يَكُنْ يُحْرِمْ مِنْ غَيْرِهِ إلَّا مِنْ الْمِيقَاتِ .\rوَقَوْلُ عُمَرَ لِلصَّبِّي : هُدِيت لِسُنَّةِ نَبِيِّك .\rيَعْنِي فِي الْقِرَانِ ، وَالْجَمْعِ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ ، لَا فِي الْإِحْرَامِ مِنْ قَبْلِ الْمِيقَاتِ ، فَإِنَّ سُنَّةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْإِحْرَامُ مِنْ الْمِيقَاتِ ، بَيَّنَ ذَلِكَ بِفِعْلِهِ وَقَوْلِهِ ، وَقَدْ بَيَّنَ أَنَّهُ لَمْ يَرُدَّ ذَلِكَ إنْكَارُهُ عَلَى عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ إحْرَامَهُ مِنْ مِصْرِهِ .\rوَأَمَّا قَوْلُ عُمَرَ وَعَلِيٍّ ، فَإِنَّهُمَا قَالَا : إتْمَامُ الْعُمْرَةِ أَنْ تُنْشِئَهَا مِنْ بَلَدِك .\rوَمَعْنَاهُ أَنْ تُنْشِئَ لَهَا سَفَرًا مِنْ بَلَدِك ، تَقْصِدُ لَهُ ، لَيْسَ أَنْ تُحْرِمَ بِهَا مِنْ أَهْلِك .\rقَالَ أَحْمَدُ : كَانَ سُفْيَانُ يُفَسِّرُهُ بِهَذَا .\rوَكَذَلِكَ فَسَّرَهُ بِهِ أَحْمَدُ .\rوَلَا يَصِحُّ أَنْ يُفَسَّرَ بِنَفْسِ الْإِحْرَامِ ، لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابَهُ مَا أَحْرَمُوا بِهَا مِنْ بُيُوتِهِمْ ، وَقَدْ أَمَرَهُمْ اللَّهُ بِإِتْمَامِ الْعُمْرَةِ ، فَلَوْ حُمِلَ قَوْلُهُمْ عَلَى ذَلِكَ لَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ تَارِكِينَ لِأَمْرِ اللَّهِ .\rثُمَّ إنَّ عُمَرَ وَعَلِيًّا مَا كَانَا يُحْرِمَانِ إلَّا مِنْ الْمِيقَاتِ ، أَفَتَرَاهُمَا يَرَيَانِ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِإِتْمَامٍ لَهَا وَيَفْعَلَانِهِ ، هَذَا لَا يَنْبَغِي أَنْ يَتَوَهَّمَهُ أَحَدٌ .\rوَلِذَلِكَ أَنْكَرَ عُمَرُ عَلَى عِمْرَانَ إحْرَامَهُ مِنْ مِصْرِهِ ، وَاشْتَدَّ عَلَيْهِ ، وَكَرِهَ أَنْ يَتَسَامَعَ النَّاسُ ، مَخَافَةَ أَنْ يُؤْخَذَ بِهِ .\rأَفَتَرَاهُ كَرِهَ إتْمَامَ الْعُمْرَةِ وَاشْتَدَّ عَلَيْهِ أَنْ يَأْخُذَ النَّاسُ بِالْأَفْضَلِ ، هَذَا لَا يَجُوزُ ، فَيَتَعَيَّنُ حَمْلُ قَوْلِهِمَا فِي ذَلِكَ عَلَى","part":6,"page":355},{"id":2855,"text":"مَا حَمَلَهُ عَلَيْهِ الْأَئِمَّةُ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":6,"page":356},{"id":2856,"text":"( 2277 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَمَنْ أَرَادَ الْإِحْرَامَ ، فَجَاوَزَ الْمِيقَاتَ غَيْرَ مُحْرِمٍ ، رَجَعَ فَأَحْرَمَ مِنْ الْمِيقَاتِ ، فَإِنْ أَحْرَمَ مِنْ مَكَانِهِ فَعَلَيْهِ دَمٌ ، وَإِنْ رَجَعَ مُحْرِمًا إلَى الْمِيقَاتِ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ مَنْ جَاوَزَ الْمِيقَاتَ مُرِيدًا لِلنُّسُكِ غَيْرَ مُحْرِمٍ ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَرْجِعَ إلَيْهِ لِيُحْرِمَ مِنْهُ ، إنْ أَمْكَنَهُ ، سَوَاءٌ تَجَاوَزَهُ عَالِمًا بِهِ أَوْ جَاهِلًا ، عَلِمَ تَحْرِيمَ ذَلِكَ أَوْ جَهِلَهُ .\rفَإِنْ رَجَعَ إلَيْهِ ، فَأَحْرَمَ مِنْهُ ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ .\rلَا نَعْلَمُ فِي ذَلِكَ خِلَافًا .\rوَبِهِ يَقُولُ جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ ، وَالْحَسَنُ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَغَيْرُهُمْ ؛ لِأَنَّهُ أَحْرَمَ مِنْ الْمِيقَاتِ الَّذِي أُمِرَ بِالْإِحْرَامِ مِنْهُ ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ ، كَمَا لَوْ لَمْ يَتَجَاوَزْهُ .\rوَإِنْ أَحْرَمَ مِنْ دُونِ الْمِيقَاتِ ، فَعَلَيْهِ دَمٌ ، سَوَاءٌ رَجَعَ إلَى الْمِيقَاتِ أَوْ لَمْ يَرْجِعْ .\rوَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ ، وَابْنُ الْمُبَارَكِ .\rوَظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ إنْ رَجَعَ إلَى الْمِيقَاتِ ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ تَلَبَّسَ بِشَيْءٍ مِنْ أَفْعَالِ الْحَجِّ ، كَالْوُقُوفِ ، وَطَوَافِ الْقُدُومِ ، فَيَسْتَقِرُّ الدَّمُ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ حَصَلَ مُحْرِمًا فِي الْمِيقَاتِ قَبْلَ التَّلَبُّس بِأَفْعَالِ الْحَجِّ ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ دَمٌ ، كَمَا لَوْ أَحْرَمَ مِنْهُ .\rوَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ : إنْ رَجَعَ إلَى الْمِيقَاتِ ، فَلَبَّى ، سَقَطَ عَنْهُ الدَّمُ ، وَإِنْ لَمْ يُلَبِّ ، لَمْ يَسْقُطْ .\rوَعَنْ عَطَاءٍ ، وَالْحَسَنِ ، وَالنَّخَعِيِّ : لَا شَيْءَ عَلَى مَنْ تَرَكَ الْمِيقَاتَ .\rوَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ : لَا حَجَّ لِمَنْ تَرَكَ الْمِيقَاتَ .\rوَلَنَا مَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { مَنْ تَرَكَ نُسُكًا ، فَعَلَيْهِ دَمٌ } .\rرُوِيَ مَوْقُوفًا وَمَرْفُوعًا .\rوَلِأَنَّهُ أَحْرَمَ دُونَ مِيقَاتِهِ ، فَاسْتَقَرَّ عَلَيْهِ الدَّمُ ، كَمَا لَوْ لَمْ يَرْجِعْ ، أَوْ كَمَا لَوْ طَافَ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ ، أَوْ كَمَا","part":6,"page":357},{"id":2857,"text":"لَوْ لَمْ يُلَبِّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَلِأَنَّهُ تَرَكَ الْإِحْرَامَ مِنْ مِيقَاتِهِ ، فَلَزِمَهُ الدَّمُ ، كَمَا ذَكَرْنَا ، وَلِأَنَّ الدَّمَ وَجَبَ لِتَرْكِهِ الْإِحْرَامَ مِنْ الْمِيقَاتِ ، وَلَا يَزُولُ هَذَا بِرُجُوعِهِ وَلَا بِتَلْبِيَتِهِ ، وَفَارَقَ مَا إذَا رَجَعَ قَبْلَ إحْرَامِهِ فَأَحْرَمَ مِنْهُ ، فَإِنَّهُ لَمْ يَتْرُكْ الْإِحْرَامَ مِنْهُ ، وَلَمْ يَهْتِكْهُ .","part":6,"page":358},{"id":2858,"text":"( 2278 ) فَصْلٌ : وَلَوْ أَفْسَدَ الْمُحْرِمُ مِنْ دُونِ الْمِيقَاتِ حَجَّهُ ، لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ الدَّمُ .\rوَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ .\rوَقَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ : يَسْقُطُ ؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ وَاجِبٌ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ وَاجِبٌ عَلَيْهِ بِمُوجِبِ هَذَا الْإِحْرَامِ ، فَلَمْ يَسْقُطْ بِوُجُوبِ الْقَضَاءِ ، كَبَقِيَّةِ الْمَنَاسِكِ ، وَكَجَزَاءِ الصَّيْدِ .","part":6,"page":359},{"id":2859,"text":"( 2279 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا الْمُجَاوِزُ لِلْمِيقَاتِ ، مِمَّنْ لَا يُرِيدُ النُّسُكَ ، فَعَلَى قِسْمَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، لَا يُرِيدُ دُخُولَ الْحَرَمِ ، بَلْ يُرِيدُ حَاجَةً فِيمَا سِوَاهُ ، فَهَذَا لَا يَلْزَمُهُ الْإِحْرَامُ بِغَيْرِ خِلَافٍ ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي تَرْكِ الْإِحْرَامِ ، وَقَدْ أَتَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ بَدْرًا مَرَّتَيْنِ ، وَكَانُوا يُسَافِرُونَ لِلْجِهَادِ وَغَيْرِهِ ، فَيَمُرُّونَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ ، فَلَا يُحْرِمُونَ ، وَلَا يَرَوْنَ بِذَلِكَ بَأْسًا .\rثُمَّ مَتَى بَدَا لِهَذَا الْإِحْرَامُ ، وَتُجَدَّدَ لَهُ الْعَزْمُ عَلَيْهِ ، أَحْرَمَ مِنْ مَوْضِعِهِ ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ .\rهَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ .\rوَبِهِ يَقُولُ مَالِكٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَصَاحِبَا أَبِي حَنِيفَةَ .\rوَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ ، عَنْ أَحْمَدَ ، فِي الرَّجُلِ يَخْرُجُ لِحَاجَةٍ ، وَهُوَ لَا يُرِيدُ الْحَجَّ ، فَجَاوَزَ ذَا الْحُلَيْفَةِ ، ثُمَّ أَرَادَ الْحَجَّ ، يَرْجِعُ إلَى ذِي الْحُلَيْفَةِ ، فَيُحْرِمُ .\rوَبِهِ قَالَ إِسْحَاقُ .\rوَلِأَنَّهُ أَحْرَمَ مِنْ دُونِ الْمِيقَاتِ ، فَلَزِمَهُ الدَّمُ ، كَاَلَّذِي يُرِيدُ دُخُولَ الْحَرَمِ .\rوَالْأَوَّلُ أَصَحُّ .\rوَكَلَامُ أَحْمَدَ يُحْمَلُ عَلَى مَنْ يُجَاوِزُ الْمِيقَاتَ مِمَّنْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِحْرَامُ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { فَهُنَّ لَهُنَّ ، وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِنَّ مِمَّنْ كَانَ يُرِيدُ حَجًّا أَوْ عُمْرَةً } .\rوَلِأَنَّهُ حَصَلَ دُونَ الْمِيقَاتِ عَلَى وَجْهٍ مُبَاحٍ .\rفَكَانَ لَهُ الْإِحْرَامُ مِنْهُ ، كَأَهْلِ ذَلِكَ الْمَكَانِ .\rوَلِأَنَّ هَذَا الْقَوْلَ يُفْضِي إلَى أَنَّ مَنْ كَانَ مَنْزِلُهُ دُونَ الْمِيقَاتِ ، إذَا خَرَجَ إلَى الْمِيقَاتِ ، ثُمَّ عَادَ إلَى مَنْزِلِهِ ، وَأَرَادَ الْإِحْرَامَ ، لَزِمَهُ الْخُرُوجُ إلَى الْمِيقَاتِ ، وَلَا قَائِلَ بِهِ .\rوَهُوَ مُخَالِفٌ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَمَنْ كَانَ مَنْزِلُهُ دُونَ الْمِيقَاتِ ، فَمُهَلُّهُ مِنْ أَهْلِهِ ) .\rالْقِسْمُ الثَّانِي ، مَنْ يُرِيدُ دُخُولَ الْحَرَمِ ، إمَّا إلَى","part":6,"page":360},{"id":2860,"text":"مَكَّةَ أَوْ غَيْرِهَا ، فَهُمْ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ ؛ أَحَدُهَا ، مَنْ يَدْخُلُهَا لِقِتَالٍ مُبَاحٍ ، أَوْ مِنْ خَوْفٍ ، أَوْ لِحَاجَةٍ مُتَكَرِّرَةٍ ، كَالْحَشَّاشِ ، وَالْحَطَّابِ ، وَنَاقِلِ الْمِيرَةِ وَالْفَيْحِ ، وَمَنْ كَانَتْ لَهُ ضَيْعَةٌ يَتَكَرَّرُ دُخُولُهُ وَخُرُوجُهُ إلَيْهَا ، فَهَؤُلَاءِ لَا إحْرَامَ عَلَيْهِمْ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ يَوْمَ الْفَتْحِ مَكَّةَ حَلَالًا وَعَلَى رَأْسِهِ الْمِغْفَرُ ، وَكَذَلِكَ أَصْحَابُهُ ، وَلَمْ نَعْلَمْ أَحَدًا مِنْهُمْ أَحْرَمَ يَوْمَئِذٍ ، وَلَوْ أَوْجَبْنَا الْإِحْرَامَ عَلَى كُلِّ مَنْ يَتَكَرَّرُ دُخُولُهُ ، أَفْضَى إلَى أَنْ يَكُونَ جَمِيعَ زَمَانِهِ مُحْرِمًا ، فَسَقَطَ لِلْحَرَجِ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَجُوزُ لَأَحَدٍ دُخُولُ الْحَرَمِ بِغَيْرِ إحْرَامٍ ، إلَّا مَنْ كَانَ دُونَ الْمِيقَاتِ ؛ لِأَنَّهُ يُجَاوِزُ الْمِيقَاتَ مُرِيدًا لِلْحَرَمِ ، فَلَمْ يَجُزْ بِغَيْرِ إحْرَامٍ كَغَيْرِهِ .\rوَلَنَا ، مَا ذَكَرْنَاهُ ، وَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيُّ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { دَخَلَ يَوْمَ الْفَتْحِ مَكَّةَ وَعَلَى رَأْسِهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ } .\rوَقَالَ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ .\rوَمَتَى أَرَادَ هَذَا النُّسُكَ بَعْدَ مُجَاوَزَةِ الْمِيقَاتِ أَحْرَمَ مِنْ مَوْضِعِهِ كَالْقِسْمِ الَّذِي قَبْلَهُ ، وَفِيهِ مِنْ الْخِلَافِ مَا فِيهِ .\rالنَّوْعُ الثَّانِي : مَنْ لَا يُكَلَّفُ الْحَجَّ كَالْعَبْدِ ، وَالصَّبِيِّ ، وَالْكَافِرِ إذَا أَسْلَمَ بَعْدَ مُجَاوَزَةِ الْمِيقَاتِ ، أَوْ عَتَقَ الْعَبْدُ ، وَبَلَغَ الصَّبِيُّ ، وَأَرَادُوا الْإِحْرَامَ ، فَإِنَّهُمْ يُحْرِمُونَ مِنْ مَوْضِعِهِمْ ، وَلَا دَمَ عَلَيْهِمْ .\rوَبِهَذَا قَالَ عَطَاءٌ ، وَمَالِكٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ فِي الْكَافِرِ يُسْلِمُ ، وَالصَّبِيِّ يَبْلُغُ ، وَقَالُوا فِي الْعَبْدِ : عَلَيْهِ دَمٌ وَقَالَ الشَّافِعِيّ فِي جَمِيعِهِمْ : عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ دَمٌ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ ، فِي الْكَافِرِ يُسْلِمُ ، كَقَوْلِهِ .\rوَيَتَخَرَّجُ فِي الصَّبِيِّ وَالْعَبْدِ","part":6,"page":361},{"id":2861,"text":"كَذَلِكَ ، قِيَاسًا عَلَى الْكَافِرِ يُسْلِمُ ؛ لِأَنَّهُمْ تَجَاوَزُوا الْمِيقَاتَ بِغَيْرِ إحْرَامٍ وَأَحْرَمُوا دُونَهُ ، فَلَزِمَهُمْ الدَّمُ ، كَالْمُسْلِمِ الْبَالِغِ الْعَاقِلِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُمْ أَحْرَمُوا مِنْ الْمَوْضِعِ الَّذِي وَجَبَ عَلَيْهِمْ الْإِحْرَامُ مِنْهُ ، فَأَشْبَهُوا الْمَكِّيَّ ، وَمَنْ قَرْيَتُهُ دُونَ الْمِيقَاتِ إذَا أَحْرَمَ مِنْهَا ، وَفَارَقَ مَنْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِحْرَامُ إذَا تَرَكَهُ ؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ .\rالنَّوْعُ الثَّالِثُ : الْمُكَلَّفُ الَّذِي يَدْخُلُ لِغَيْرِ قِتَالٍ وَلَا حَاجَةٍ مُتَكَرِّرَةٍ ، فَلَا يَجُوزُ لَهُ تَجَاوُزُ الْمِيقَاتِ غَيْرَ مُحْرِمٍ .\rوَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَبَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ بَعْضُهُمْ : لَا يَجِبُ الْإِحْرَامُ عَلَيْهِ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ دَخَلَهَا بِغَيْرِ إحْرَامٍ .\rوَلِأَنَّهُ أَحَدُ الْحَرَمَيْنِ ، فَلَمْ يَلْزَمْ الْإِحْرَامُ لِدُخُولِهِ ، كَحَرَمِ الْمَدِينَةِ ، وَلِأَنَّ الْوُجُوبَ مِنْ الشَّرْعِ ، وَلَمْ يَرِدْ مِنْ الشَّارِعِ إيجَابُ ذَلِكَ عَلَى كُلِّ دَاخِلٍ ، فَبَقِيَ عَلَى الْأَصْلِ .\rوَوَجْهُ الْأُولَى أَنَّهُ لَوْ نَذَرَ دُخُولَهَا ، لَزِمَهُ الْإِحْرَامُ ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا لَمْ يَجِبْ بِنَذْرِ الدُّخُولِ ، كَسَائِرِ الْبُلْدَانِ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا فَمَتَى أَرَادَ هَذَا الْإِحْرَامَ بَعْدَ تَجَاوُزِ الْمِيقَاتِ ، رَجَعَ فَأَحْرَمَ مِنْهُ ، فَإِنْ أَحْرَمَ مِنْ دُونِهِ ، فَعَلَيْهِ دَمٌ ، كَالْمُرِيدِ لِلنُّسُكِ .","part":6,"page":362},{"id":2862,"text":"( 2280 ) فَصْلٌ : وَمَنْ دَخَلَ الْحَرَمَ بِغَيْرِ إحْرَامٍ ، مِمَّنْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِحْرَامُ ، فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ .\rهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ بِحَجَّةٍ أَوْ عُمْرَةٍ ، فَإِنْ أَتَى بِحَجَّةِ الْإِسْلَامِ فِي سَنَتِهِ ، أَوْ مَنْذُورَةٍ ، أَوْ عُمْرَةٍ ، أَجْزَأَهُ عَنْ عُمْرَةِ الدُّخُولِ اسْتِحْسَانًا ؛ لِأَنَّ مُرُورَهُ عَلَى الْمِيقَاتِ مُرِيدًا لِلْحَرَمِ يُوجِبُ الْإِحْرَامَ ، فَإِذَا لَمْ يَأْتِ بِهِ وَجَبَ قَضَاؤُهُ ، كَالْمَنْذُورِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ مَشْرُوعٌ لِتَحِيَّةِ الْبُقْعَةِ ، فَإِذَا لَمْ يَأْتِ بِهِ سَقَطَ ، كَتَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ .\rفَإِنْ قِيلَ : تَحِيَّةُ الْمَسْجِدِ غَيْرُ وَاجِبَةٍ .\rقُلْنَا : إلَّا أَنَّ النَّوَافِلَ الْمُرَتَّبَاتِ تُقْضَى ، وَإِنَّمَا سَقَطَ الْقَضَاءُ لِمَا ذَكَرْنَا ، فَأَمَّا إنْ تَجَاوَزَ الْمِيقَاتَ وَرَجَعَ وَلَمْ يَدْخُلْ الْحَرَمَ ، فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ ، بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ ، سَوَاءٌ أَرَادَ النُّسُكَ أَوْ لَمْ يُرِدْهُ .","part":6,"page":363},{"id":2863,"text":"فَصْلٌ : وَمَنْ كَانَ مَنْزِلُهُ دُونَ الْمِيقَاتِ خَارِجًا مِنْ الْحَرَمِ ، فَحُكْمُهُ فِي مُجَاوَزَةِ قَرْيَتِهِ إلَى مَا يَلِي الْحَرَمَ ، حُكْمُ الْمُجَاوِزِ لِلْمِيقَاتِ فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ الثَّلَاثِ ؛ لِأَنَّ مَوْضِعَهُ مِيقَاتُهُ ، فَهُوَ فِي حَقِّهِ كَالْمَوَاقِيتِ الْخَمْسَةِ فِي حَقِّ الْآفَاقِيِّ .","part":6,"page":364},{"id":2864,"text":"( 2282 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَمَنْ جَاوَزَ الْمِيقَاتَ غَيْرَ مُحْرِمٍ ، فَخَشِيَ إنْ رَجَعَ إلَى الْمِيقَاتِ فَاتَهُ الْحَجُّ ، أَحْرَمَ مِنْ مَكَانِهِ ، وَعَلَيْهِ دَمٌ ) لَا خِلَافَ فِي أَنَّ مَنْ خَشِيَ فَوَاتَ الْحَجِّ بِرُجُوعِهِ إلَى الْمِيقَاتِ ، أَنَّهُ يُحْرِمُ مِنْ مَوْضِعِهِ ، فِيمَا نَعْلَمُهُ .\rإلَّا أَنَّهُ رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ : مَنْ تَرَكَ الْمِيقَاتَ ، فَلَا حَجَّ لَهُ .\rوَمَا عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ أَوْلَى ؛ فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ مِنْ أَرْكَانِ الْحَجِّ ، لَمْ يَخْتَلِفْ بِاخْتِلَافِ النَّاسِ وَالْأَمَاكِنِ ، كَالْوُقُوفِ وَالطَّوَافِ .\rوَإِذَا أَحْرَمَ مِنْ دُونِ الْمِيقَاتِ عِنْدَ خَوْفِ الْفَوَاتِ ، فَعَلَيْهِ دَمٌ .\rلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا عِنْدَ مَنْ أَوْجَبَ الْإِحْرَامَ مِنْ الْمِيقَاتِ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ تَرَكَ نُسُكًا ، فَعَلَيْهِ دَمٌ } .\rوَإِنَّمَا أَبَحْنَا لَهُ الْإِحْرَامَ مِنْ مَوْضِعِهِ ، مُرَاعَاةً لِإِدْرَاكِ الْحَجِّ ، فَإِنَّ مُرَاعَاةَ ذَلِكَ أَوْلَى مِنْ مُرَاعَاةِ وَاجِبٍ فِيهِ مَعَ فَوَاتِهِ .\rوَمَنْ لَمْ يُمْكِنْهُ الرُّجُوعُ ؛ لِعَدَمِ الرُّفْقَةِ ، أَوْ الْخَوْفِ مِنْ عَدُوٍّ أَوْ لِصٍّ أَوْ مَرَضٍ ، أَوْ لَا يَعْرِفُ الطَّرِيقَ ، وَنَحْوِ هَذَا مِمَّا يَمْنَعُ الرُّجُوعَ ، فَهُوَ كَخَائِفِ الْفَوَاتِ ، فِي أَنَّهُ يُحْرِمُ مِنْ مَوْضِعِهِ ، وَعَلَيْهِ دَمٌ .","part":6,"page":365},{"id":2865,"text":"بَابُ ذِكْرِ الْإِحْرَامِ ( 2283 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ : ( وَمَنْ أَرَادَ الْحَجَّ ، وَقَدْ دَخَلَ أَشْهُرُ الْحَجِّ ، فَإِذَا بَلَغَ الْمِيقَاتَ ، فَالِاخْتِيَارُ لَهُ أَنْ يَغْتَسِلَ ) قَوْلُهُ : ( وَقَدْ دَخَلَ أَشْهُرُ الْحَجِّ ) .\rيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُحْرِمَ بِالْحَجِّ قَبْلَ أَشْهُرِهِ ، وَهَذَا هُوَ الْأَوْلَى ، فَإِنَّ الْإِحْرَامَ بِالْحَجِّ قَبْلَ أَشْهُرِهِ مَكْرُوهٌ ؛ لِكَوْنِهِ إحْرَامًا بِهِ قَبْلَ وَقْتِهِ ، فَأَشْبَهَ الْإِحْرَامَ بِهِ قَبْلَ مِيقَاتِهِ ، وَلِأَنَّ فِي صِحَّتِهِ اخْتِلَافًا ، فَإِنْ أَحْرَمَ بِهِ قَبْلَ أَشْهُرِهِ صَحَّ ، وَإِذَا بَقِيَ عَلَى إحْرَامِهِ إلَى وَقْتِ الْحَجِّ ، جَازَ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .\rوَهُوَ قَوْلُ النَّخَعِيِّ ، وَمَالِكٍ .\rوَالثَّوْرِيِّ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَإِسْحَاقَ .\rوَقَالَ عَطَاءٌ ، وَطَاوُسٌ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَالشَّافِعِيُّ : يَجْعَلُهُ عُمْرَةً ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ } .\rتَقْدِيرُهُ وَقْتُ الْحَجِّ أَشْهُرٌ ، أَوْ أَشْهُرُ الْحَجِّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ .\rفَحَذَفَ الْمُضَافَ ، وَأَقَامَ الْمُضَافَ إلَيْهِ مَقَامَهُ ، وَمَتَى ثَبَتَ أَنَّهُ وَقْتُهُ ، لَمْ يَجُزْ تَقْدِيمُ إحْرَامِهِ عَلَيْهِ ، كَأَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { يَسْأَلُونَك عَنْ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ } .\rفَدَلَّ عَلَى أَنَّ جَمِيعَ الْأَشْهُرِ مِيقَاتٌ .\rوَلِأَنَّهُ أَحَدُ نُسُكَيْ الْقِرَانِ ، فَجَازَ الْإِحْرَامُ بِهِ فِي جَمِيعِ السَّنَةِ ، كَالْعُمْرَةِ ، أَوْ أَحَدِ الْمِيقَاتَيْنِ ، فَصَحَّ الْإِحْرَامُ قَبْلَهُ كَمِيقَاتِ الْمَكَانِ ، وَالْآيَةُ مَحْمُولَةٌ عَلَى أَنَّ الْإِحْرَامَ بِهِ إنَّمَا يُسْتَحَبُّ فِيهَا .\rوَعَلَى كُلِّ حَالٍ ، فَمَنْ أَرَادَ الْإِحْرَامَ ، اُسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ يَغْتَسِلَ قَبْلَهُ ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، مِنْهُمْ طَاوُسٌ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ؛ لِمَا رَوَى خَارِجَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، أَنَّهُ { رَأَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَجَرَّدَ","part":6,"page":366},{"id":2866,"text":"لِإِهْلَالِهِ ، وَاغْتَسَلَ } .\rرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَقَالَ : حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ .\rوَثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ أَسْمَاءَ بِنْتَ عُمَيْسٍ ، وَهِيَ نُفَسَاءُ ، أَنْ تَغْتَسِلَ عِنْدَ الْإِحْرَامِ .\rوَأَمَرَ عَائِشَةَ أَنْ تَغْتَسِلَ عِنْدَ الْإِهْلَالِ بِالْحَجِّ ، وَهِيَ حَائِضٌ .\rوَلِأَنَّ هَذِهِ الْعِبَادَةَ يَجْتَمِعُ لَهَا النَّاسُ ، فَسُنَّ لَهَا الِاغْتِسَالُ ، كَالْجُمُعَةِ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ وَاجِبًا فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْإِحْرَامَ جَائِزٌ بِغَيْرِ اغْتِسَالٍ ، وَأَنَّهُ غَيْرُ وَاجِبٍ .\rوَحُكِيَ عَنْ الْحَسَنِ أَنَّهُ قَالَ : إذَا نَسِيَ الْغُسْلَ ، يَغْتَسِلُ إذَا ذَكَرَ .\rوَقَالَ الْأَثْرَمُ : سَمِعْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ قِيلَ لَهُ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ : مَنْ تَرَكَ الْغُسْلَ عِنْدَ الْإِحْرَامِ ، فَعَلَيْهِ دَمٌ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَسْمَاءِ وَهِيَ نُفَسَاءُ : ( اغْتَسِلِي ) فَكَيْفَ الطَّاهِرُ ؟ فَأَظْهَرَ التَّعَجُّبَ مِنْ هَذَا الْقَوْلِ .\rوَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَغْتَسِلُ أَحْيَانًا ، وَيَتَوَضَّأُ أَحْيَانًا .\rوَأَيُّ ذَلِكَ فَعَلَ أَجْزَأَهُ ، وَلَا يَجِبُ الِاغْتِسَالُ ، وَلَا نُقِلَ الْأَمْرُ بِهِ إلَّا لِحَائِضٍ أَوْ نُفَسَاءَ ، وَلَوْ كَانَ وَاجِبًا لَأَمَرَ بِهِ غَيْرَهُمَا ، وَلِأَنَّهُ لِأَمْرٍ مُسْتَقْبَلٍ ، فَأَشْبَهَ غُسْلَ الْجُمُعَةِ .\r( 2284 ) فَصْلٌ : فَإِنْ لَمْ يَجِدْ مَاءً ، لَمْ يُسَنَّ لَهُ التَّيَمُّمُ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : يَتَيَمَّمُ ؛ لِأَنَّهُ غُسْلٌ مَشْرُوعٌ ، فَنَابَ عَنْهُ التَّيَمُّمُ ، كَالْوَاجِبِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ غُسْلٌ مَسْنُونٌ ، فَلَمْ يُسْتَحَبَّ التَّيَمُّمُ عِنْدَ عَدَمِهِ ، كَغُسْلِ الْجُمُعَةِ ، وَمَا ذَكَرَهُ مُنْتَقَضٌ بِغُسْلِ الْجُمُعَةِ وَنَحْوِهِ مِنْ الْأَغْسَالِ الْمَسْنُونَةِ ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْوَاجِبِ وَالْمَسْنُونِ ، أَنَّ الْوَاجِبَ يُرَادُ لِإِبَاحَةِ الصَّلَاةِ ، وَالتَّيَمُّمُ يَقُومُ مَقَامَهُ فِي ذَلِكَ ، وَالْمَسْنُونُ يُرَادُ لِلتَّنْظِيفِ وَقَطْعِ الرَّائِحَةِ ، وَالتَّيَمُّمُ لَا يُحَصِّلُ هَذَا ، بَلْ","part":6,"page":367},{"id":2867,"text":"يَزِيدُ شُعْثًا وَتَغْيِيرًا ، وَلِذَلِكَ افْتَرَقَا فِي الطَّهَارَةِ الصُّغْرَى ، فَلَمْ يُشْرَعْ تَجْدِيدُ التَّيَمُّمِ ، وَلَا تَكْرَارُ الْمَسْحِ بِهِ .","part":6,"page":368},{"id":2868,"text":"( 2285 ) فَصْلٌ : وَيُسْتَحَبُّ التَّنَظُّفُ بِإِزَالَةِ الشُّعْثِ ، وَقَطْعِ الرَّائِحَةِ ، وَنَتْفِ الْإِبِطِ ، وَقَصِّ الشَّارِبِ ، وَقَلْمِ الْأَظْفَارِ ، وَحَلْقِ الْعَانَةِ ؛ لِأَنَّهُ أَمْرٌ يُسَنُّ لَهُ الِاغْتِسَالُ وَالطِّيبُ ، فَسُنَّ لَهُ هَذَا كَالْجُمُعَةِ ، وَلِأَنَّ الْإِحْرَامَ يَمْنَعُ قَطْعَ الشَّعْرِ وَقَلْمَ الْأَظْفَارِ ، فَاسْتُحِبَّ فِعْلُهُ قَبْلَهُ ؛ لِئَلَّا يَحْتَاجَ إلَيْهِ فِي إحْرَامِهِ ، فَلَا يَتَمَكَّنُ مِنْهُ .","part":6,"page":369},{"id":2869,"text":"( 2286 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَيَلْبَسُ ثَوْبَيْنِ نَظِيفَيْنِ ) يَعْنِي إزَارًا وَرِدَاءً ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { وَلْيُحْرِمْ أَحَدُكُمْ فِي إزَارٍ وَرِدَاءٍ وَنَعْلَيْنِ } .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : ثَبَتَ ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَثَبَتَ أَيْضًا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { إذَا لَمْ يَجِدْ إزَارًا ، فَلْيَلْبَسْ السَّرَاوِيلَ ، وَإِذَا لَمْ يَجِدْ النَّعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسْ الْخُفَّيْنِ } .\rوَلِأَنَّ الْمُحْرِمَ مَمْنُوعٌ مِنْ لُبْسِ الْمَخِيطِ فِي شَيْءٍ مِنْ بَدَنِهِ ، يَعْنِي بِذَلِكَ مَا يُخَاطُ عَلَى قَدْرِ الْمَلْبُوسِ عَلَيْهِ ، كَالْقَمِيصِ وَالسَّرَاوِيلِ .\rوَلَوْ لَبِسَ إزَارًا مُوَصَّلًا ، أَوْ اتَّشَحَ بِثَوْبٍ مَخِيطٍ ، جَازَ .\rوَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَا نَظِيفَيْنِ ؛ إمَّا جَدِيدَيْنِ ، وَإِمَّا غَسِيلَيْنِ ؛ لِأَنَّنَا أَحْبَبْنَا لَهُ التَّنَظُّفَ فِي بَدَنِهِ ، فَكَذَلِكَ فِي ثِيَابِهِ ، كَشَاهِدِ الْجُمُعَةِ ، وَالْأَوْلَى أَنْ يَكُونَا أَبْيَضَيْنِ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { خَيْرُ ثِيَابِكُمْ الْبَيَاضُ ، فَأَلْبِسُوهَا أَحْيَاءَكُمْ ، وَكَفِّنُوا فِيهَا مَوْتَاكُمْ } .","part":6,"page":370},{"id":2870,"text":"( 2287 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَيَتَطَيَّبُ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِمَنْ أَرَادَ الْإِحْرَامَ أَنْ يَتَطَيَّبَ فِي بَدَنِهِ خَاصَّةً ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ مَا يَبْقَى عَيْنُهُ كَالْمِسْكِ وَالْغَالِيَةِ ، أَوْ أَثَرُهُ كَالْعُودِ وَالْبَخُورِ وَمَاءِ الْوَرْدِ .\rهَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ ، وَسَعْدِ بْن أَبِي وَقَّاصٍ ، وَعَائِشَةَ ، وَأُمِّ حَبِيبَةَ ، وَمُعَاوِيَةَ .\rوَرُوِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ ، وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، وَعُرْوَةَ ، وَالْقَاسِمِ ، وَالشَّعْبِيِّ ، وَابْنِ جُرَيْجٍ .\rوَكَانَ عَطَاءٌ يَكْرَهُ ذَلِكَ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ ، وَعُثْمَانَ ، وَابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ .\rوَاحْتَجَّ مَالِكٌ بِمَا رَوَى يَعْلَى بْنُ أُمَيَّةَ ، أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، { كَيْفَ تَرَى فِي رَجُلٍ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ ، وَهُوَ مُتَضَمِّخٌ بِطِيبٍ ؟ فَسَكَتَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rيَعْنِي سَاعَةً .\rثُمَّ قَالَ : اغْسِلْ الطِّيبَ الَّذِي بِك ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَانْزِعْ عَنْك الْجُبَّةَ ، وَاصْنَعْ فِي عُمْرَتِك مَا تَصْنَعُ فِي حَجَّتِك } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَلِأَنَّهُ يُمْنَعُ مِنْ ابْتِدَائِهِ ، فَمُنِعَ اسْتَدَامَتْهُ كَاللُّبْسِ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ عَائِشَةَ : { كُنْت أُطَيِّبُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِإِحْرَامِهِ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ ، وَلِحِلِّهِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ .\rقَالَتْ : وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إلَى وَبِيصِ الطِّيبِ فِي مَفَارِقِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مُحْرِمٌ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ : { طَيَّبْته بِأَطْيَبِ الطِّيبِ .\rوَقَالَتْ بِطِيبٍ فِيهِ مِسْكٌ } .\rوَفِي لَفْظٍ لِلنَّسَائِيِّ : { كَأَنِّي أَنْظُرُ إلَى وَبِيصِ طِيبِ الْمِسْكِ فِي مَفْرِقِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\r} وَحَدِيثُهُمْ فِي بَعْضِ أَلْفَاظِهِ : عَلَيْهِ جُبَّةٌ بِهَا أَثَرُ خَلُوقٍ .\rرَوَاهُ مُسْلِمٌ .\rوَفِي بَعْضِهَا : وَهُوَ مُتَضَمِّخٌ بِالْخَلُوقِ .\rوَفِي بَعْضِهَا : عَلَيْهِ","part":6,"page":371},{"id":2871,"text":"دِرْعٌ مِنْ زَعْفَرَانٍ .\rوَهَذِهِ الْأَلْفَاظُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ طِيبَ الرَّجُلِ كَانَ مِنْ الزَّعْفَرَانِ ، وَهُوَ مَنْهِيُّ عَنْهُ لِلرِّجَالِ فِي غَيْرِ الْإِحْرَامِ ، فَفِيهِ أَوْلَى .\rوَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { نَهَى أَنْ يَتَزَعْفَرَ الرَّجُلُ } .\rوَلِأَنَّ حَدِيثَهُمْ فِي سَنَةِ ثَمَانٍ ، وَحَدِيثُنَا فِي سَنَةِ عَشْرٍ .\rقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : كَانَ شَأْنُ صَاحِبِ الْجُبَّةِ قَبْلَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ .\rقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : لَا خِلَافَ بَيْنَ جَمَاعَةِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالسِّيَرِ وَالْآثَارِ ، أَنَّ قِصَّةَ صَاحِبِ الْجُبَّةِ كَانَتْ عَامَ حُنَيْنٍ ، بِالْجِعْرَانَةِ سَنَةَ ثَمَانٍ ، وَحَدِيثَ عَائِشَةَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ سَنَةَ عَشْرٍ ، فَعِنْدَ ذَلِكَ إنْ قُدِّرَ التَّعَارُضُ ، فَحَدِيثُنَا نَاسِخٌ لِحَدِيثِهِمْ .\rفَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْتَشِرِ ، قَالَ : سَمِعْت ابْنَ عُمَرَ يَنْهَى عَنْ الطِّيبِ عِنْدَ الْإِحْرَامِ ، فَقَالَ : لَأَنْ أُطْلَى بِالْقَطِرَانِ أَحَبُّ إلَى مِنْ ذَلِكَ .\rقُلْنَا تَمَامُ الْحَدِيثِ ، قَالَ : فَذَكَرْت ذَلِكَ لِعَائِشَةَ ، فَقَالَتْ : يَرْحَمُ اللَّهُ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، قَدْ { كُنْت أُطَيِّبُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَطُوفُ فِي نِسَائِهِ ، ثُمَّ يُصْبِحُ يَنْضَحُ طِيبًا } .\rفَإِذَا صَارَ الْخَبَرُ حُجَّةً عَلَى مَنْ احْتَجَّ بِهِ ، فَإِنَّ فِعْلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حُجَّةٌ عَلَى ابْنِ عُمِرَ وَغَيْرِهِ ، وَقِيَاسُهُمْ يَبْطُلُ بِالنِّكَاحِ ، فَإِنَّهُ يَمْنَعُ ابْتِدَاءَهُ دُونَ اسْتِدَامَتِهِ .","part":6,"page":372},{"id":2872,"text":"( 2288 ) فَصْلٌ : وَإِنْ طَيَّبَ ثَوْبَهُ ، فَلَهُ اسْتِدَامَةُ لُبْسِهِ ، مَا لَمْ يَنْزِعْهُ ، فَإِنْ نَزَعَهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَلْبَسَهُ ، فَإِنْ لَبِسَهُ افْتَدَى ؛ لِأَنَّ الْإِحْرَامَ يَمْنَعُ ابْتِدَاءَ الطِّيبِ ، وَلُبْسُ الْمُطَيَّبِ دُونَ الِاسْتِدَامَةِ ، وَكَذَلِكَ إنْ نَقَلَ الطِّيبَ مِنْ مَوْضِعٍ مِنْ بَدَنِهِ إلَى مَوْضِعٍ آخَرَ ، افْتَدَى ؛ لِأَنَّهُ تَطَيَّبَ فِي إحْرَامِهِ ، وَكَذَا إنْ تَعَمَّدَ مَسَّهُ بِيَدِهِ ، أَوْ نَحَّاهُ مِنْ مَوْضِعِهِ ، ثُمَّ رَدَّهُ إلَيْهِ ، فَأَمَّا إنْ عَرِقَ الطِّيبُ ، أَوْ ذَابَ بِالشَّمْسِ ، فَسَالَ مِنْ مَوْضِعِهِ إلَى مَوْضِعٍ آخَرَ ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ فِعْلِهِ ، فَجَرَى مَجْرَى النَّاسِي .\rقَالَتْ عَائِشَةُ : { كُنَّا نَخْرُجُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى مَكَّةَ فَنُضَمِّدُ جِبَاهَنَا بِالْمِسْكِ الْمُطَيِّبِ عِنْدَ الْإِحْرَامِ ، فَإِذَا عَرِقَتْ إحْدَانَا سَالَ عَلَى وَجْهِهَا ، فَيَرَاهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَا يَنْهَاهَا } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .","part":6,"page":373},{"id":2873,"text":"( 2289 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( فَإِنْ حَضَرَ وَقْتُ صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ ، وَإِلَّا صَلَّى رَكْعَتَيْنِ ) الْمُسْتَحَبُّ أَنْ يُحْرِمَ عَقِيبَ الصَّلَاةِ ، فَإِنْ حَضَرَتْ صَلَاةٌ مَكْتُوبَةٌ ، أَحْرَمَ عَقِيبَهَا ، وَإِلَّا صَلَّى رَكْعَتَيْنِ تَطَوُّعًا وَأَحْرَمَ عَقِيبَهُمَا .\rاسْتَحَبَّ ذَلِكَ عَطَاءٌ ، وَطَاوُسٌ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّ الْإِحْرَامَ عَقِيبَ الصَّلَاةِ ، وَإِذَا اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ ، وَإِذَا بَدَأَ بِالسَّيْرِ ، سَوَاءٌ ؛ لِأَنَّ الْجَمِيعَ قَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ طُرُقٍ صَحِيحَةٍ ، قَالَ الْأَثْرَمُ : سَأَلْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ، أَيُّمَا أَحَبُّ إلَيْك : الْإِحْرَامُ فِي دُبُرِ الصَّلَاةِ ، أَوْ إذَا اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ ؟ فَقَالَ : كُلُّ ذَلِكَ قَدْ جَاءَ ، فِي دُبُرِ الصَّلَاةِ ، وَإِذَا عَلَا الْبَيْدَاءَ ، وَإِذَا اسْتَوَتْ بِهِ نَاقَتُهُ ، فَوَسَّعَ فِي ذَلِكَ .\rكُلِّهِ .\rقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : { رَكِبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَاحِلَتَهُ ، حَتَّى اسْتَوَتْ عَلَى الْبَيْدَاءِ أَهَلَّ هُوَ وَأَصْحَابُهُ } ، وَقَالَ أَنَسٌ : { لَمَّا رَكِبَ رَاحِلَتَهُ ، وَاسْتَوَتْ بِهِ ، أَهَلَّ .\r} وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ : { أَهَلَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ قَائِمَةً } .\rرَوَاهُنَّ الْبُخَارِيُّ ، وَالْأَوْلَى الْإِحْرَامُ عَقِيبَ الصَّلَاةِ ، لِمَا رَوَى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ قَالَ : ذَكَرْت لِابْنِ عَبَّاسٍ إهْلَالَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : { أَوْجَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْإِحْرَامَ حِينَ فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ ، ثُمَّ خَرَجَ ، فَلَمَّا رَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَاحِلَتَهُ ، وَاسْتَوَتْ بِهِ قَائِمَةً ، أَهَلَّ ، فَأَدْرَكَ ذَلِكَ مِنْهُ قَوْمٌ ، فَقَالُوا : أَهَلَّ حِينَ اسْتَوَتْ بِهِ الرَّاحِلَةُ ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ لَمْ يُدْرِكُوا إلَّا","part":6,"page":374},{"id":2874,"text":"ذَلِكَ ، ثُمَّ سَارَ حَتَّى عَلَا الْبَيْدَاءَ ، فَأَهَلَّ ، فَأَدْرَكَ ذَلِكَ مِنْهُ قَوْمٌ ، فَقَالُوا : أَهَلَّ حِينَ عَلَا الْبَيْدَاءَ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَالْأَثْرَمُ .\rوَهَذَا لَفْظُ الْأَثْرَمِ .\rوَهَذَا فِيهِ بَيَانٌ وَزِيَادَةُ عِلْمٍ ، فَيَتَعَيَّنُ حَمْلُ الْأَمْرِ عَلَيْهِ ، وَلَوْ لَمْ يَقُلْهُ ابْنُ عَبَّاسٍ لَتَعَيَّنَ حَمْلُ الْأَمْرِ عَلَيْهِ ، جَمْعًا بَيْنَ الْأَخْبَارِ الْمُخْتَلِفَةِ ، وَهَذَا عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِحْبَابِ ، فَكَيْفَمَا أَحْرَمَ جَازَ ، لَا نَعْلَمُ أَحَدًا خَالَفَ فِي ذَلِكَ .","part":6,"page":375},{"id":2875,"text":"( 2290 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( فَإِنْ أَرَادَ التَّمَتُّعَ ، وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ، فَيَقُولُ : اللَّهُمَّ إنِّي أُرِيدُ الْعُمْرَةَ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْإِحْرَامَ يَقَعُ بِالنُّسُكِ مِنْ وُجُوهٍ ثَلَاثَةٍ ؛ تَمَتُّعٍ ، وَإِفْرَادٍ ، وَقِرَانٍ .\rفَالتَّمَتُّعُ أَنْ يُهِلَّ بِعُمْرَةٍ مُفْرَدَةٍ مِنْ الْمِيقَاتِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ ، فَإِذَا فَرَغَ مِنْهَا أَحْرَمَ بِالْحَجِّ مِنْ عَامِهِ .\rوَالْإِفْرَادُ أَنْ يُهِلَّ بِالْحَجِّ مُفْرَدًا .\rوَالْقِرَانُ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَهُمَا فِي الْإِحْرَامِ بِهِمَا ، أَوْ يُحْرِمَ بِالْعُمْرَةِ ، ثُمَّ يُدْخِلَ عَلَيْهَا الْحَجَّ قَبْلَ الطَّوَافِ .\rفَأَيُّ ذَلِكَ أَحْرَمَ بِهِ جَازَ .\rقَالَتْ عَائِشَةُ : { خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ ، وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ ، وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rفَهَذَا هُوَ التَّمَتُّعُ وَالْإِفْرَادُ وَالْقِرَانُ .\rوَأَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى جَوَازِ الْإِحْرَامِ بِأَيِّ الْأَنْسَاكِ الثَّلَاثَةِ شَاءَ ، وَاخْتَلَفُوا فِي أَفْضَلِهَا ، فَاخْتَارَ إمَامُنَا التَّمَتُّعَ ، ثُمَّ الْإِفْرَادَ ، ثُمَّ الْقِرَانَ .\rوَمِمَّنْ رُوِيَ عَنْهُ اخْتِيَارُ التَّمَتُّعِ ابْنُ عُمَرَ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ ، وَابْنُ الزُّبَيْرِ ، وَعَائِشَةُ ، وَالْحَسَنُ ، وَعَطَاءٌ ، وَطَاوُسٌ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ ، وَالْقَاسِمُ وَسَالِمٌ وَعِكْرِمَةُ .\rوَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ .\rوَرَوَى الْمَرُّوذِيُّ عَنْ أَحْمَدَ : إنْ سَاقَ الْهَدْيَ ، فَالْقِرَانُ أَفْضَلُ ، وَإِنْ لَمْ يَسُقْهُ فَالتَّمَتُّعُ أَفْضَلُ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَرَنَ حِينَ سَاقَ الْهَدْيَ وَمَنَعَ كُلَّ مِنْ سَاقَ الْهَدْيَ مِنْ الْحِلِّ حَتَّى يَنْحَرَ هَدْيَهُ .\rوَذَهَبَ الثَّوْرِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ إلَى اخْتِيَارِ الْقِرَانِ ؛ لِمَا رَوَى أَنَسٌ قَالَ : سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَهَلَّ بِهِمَا جَمِيعًا : لَبَّيْكَ عُمْرَةً وَحَجًّا ، لَبَّيْكَ عُمْرَةً وَحَجًّا } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَحَدِيثُ الصُّبَيّ بْنِ","part":6,"page":376},{"id":2876,"text":"مَعْبَدٍ ، حِينَ لَبَّى بِهِمَا ، ثُمَّ أَتَى عُمَرَ فَسَأَلَهُ فَقَالَ { : هُدِيت لِسُنَّةِ نَبِيِّك صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\r} وَرُوِيَ عَنْ مَرْوَان بْن الْحَكَمِ ، قَالَ : كُنْت جَالِسًا عِنْدَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ، فَسَمِعَ عَلِيًّا يُلَبِّي بِعُمْرَةٍ وَحَجٍّ ، فَأَرْسَلَ إلَيْهِ ، فَقَالَ : أَلَمْ نَكُنْ نُهِينَا عَنْ هَذَا ؟ قَالَ : بَلَى ، وَلَكِنْ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { يُلَبِّي بِهِمَا جَمِيعًا ، فَلَمْ أَكُنْ أَدَعُ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِقَوْلِك } .\rرَوَاهُ سَعِيدٌ .\rوَلِأَنَّ الْقِرَانَ مُبَادَرَةٌ إلَى فِعْلِ الْعِبَادَةِ ، وَإِحْرَامٌ بِالنُّسُكَيْنِ مِنْ الْمِيقَاتِ ، وَفِيهِ زِيَادَةُ نُسُكٍ هُوَ الدَّمُ ، فَكَانَ أَوْلَى .\rوَذَهَبَ مَالِكٌ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، إلَى اخْتِيَارِ الْإِفْرَادِ .\rوَهُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ ، وَعُثْمَانَ ، وَابْنِ عُمَرَ ، وَجَابِرٍ ، وَعَائِشَةَ ، لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ ، وَجَابِرٌ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَفْرَدَ الْحَجَّ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا .\rوَعَنْ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلُ ذَلِكَ .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا .\rوَلِأَنَّهُ يَأْتِي بِالْحَجِّ تَامًّا مِنْ غَيْرِ احْتِيَاجٍ إلَى جَبْرٍ ، فَكَانَ أَوْلَى .\rقَالَ عُثْمَانُ : أَلَا إنَّ الْحَجَّ التَّامَّ مِنْ أَهْلِيكُمْ ، وَالْعُمْرَةَ التَّامَّةَ مِنْ أَهْلِيكُمْ .\rوَقَالَ إبْرَاهِيمُ : إنَّ أَبَا بَكْرٍ ، وَعُمَرَ ، وَابْنَ مَسْعُودٍ ، وَعَائِشَةَ ، كَانُوا يُجَرِّدُونَ الْحَجَّ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَجَابِرٌ ، وَأَبُو مُوسَى ، وَعَائِشَةُ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ أَصْحَابَهُ لَمَّا طَافُوا بِالْبَيْتِ ، أَنْ يَحِلُّوا ، وَيَجْعَلُوهَا عُمْرَةً } .\rفَنَقَلَهُمْ مِنْ الْإِفْرَادِ وَالْقِرَانِ إلَى الْمُتْعَةِ ، وَلَا يَنْقُلُهُمْ إلَّا إلَى الْأَفْضَلِ .\rوَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا وَلَمْ يَخْتَلِفْ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ لَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ ، أَمَرَ أَصْحَابَهُ أَنْ يَحِلُّوا ، إلَّا مَنْ سَاقَ","part":6,"page":377},{"id":2877,"text":"هَدْيًا ، وَثَبَتَ عَلَى إحْرَامِهِ ، وَقَالَ : { لَوْ اسْتَقْبَلْت مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْت ، مَا سُقْت الْهَدْيَ ، وَلَجَعَلْتهَا عُمْرَةً } .\rقَالَ جَابِرٌ : حَجَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ سَاقَ الْبُدْنَ مَعَهُ ، وَقَدْ أَهَلُّوا بِالْحَجِّ مُفْرَدًا ، فَقَالَ لَهُمْ : { أَحِلُّوا مِنْ إحْرَامِكُمْ ، بِطَوَافٍ بِالْبَيْتِ ، وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ، ثُمَّ أَقِيمُوا حَلَالًا ، حَتَّى إذَا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ ، فَأَهَلُّوا بِالْحَجِّ ، وَاجْعَلُوا الَّتِي قَدِمْتُمْ بِهَا مُتْعَةً .\rفَقَالُوا : كَيْفَ نَجْعَلُهَا مُتْعَةً وَقَدْ سَمَّيْنَا الْحَجَّ ؟ فَقَالَ : افْعَلُوا مَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ ، فَلَوْلَا أَنِّي سُقْت الْهَدْيَ ، لَفَعَلْت مِثْلَ الَّذِي أَمَرْتُكُمْ بِهِ } .\rوَفِي لَفْظٍ : فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : { قَدْ عَلِمْتُمْ أَنِّي أَتْقَاكُمْ لِلَّهِ ، وَأَصْدَقُكُمْ ، وَأَبَرُّكُمْ ، وَلَوْلَا هَدْيِي لَحَلَلْت كَمَا تَحِلُّونَ ، وَلَوْ اسْتَقْبَلْت مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْت ، مَا أَهْدَيْت .\rفَحَلَلْنَا ، وَسَمِعْنَا ، وَأَطَعْنَا } ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا فَنَقَلَهُمْ إلَى التَّمَتُّعِ ، وَتَأَسَّفَ إذْ لَمْ يُمْكِنْهُ ذَلِكَ ، فَدَلَّ عَلَى فَضْلِهِ .\rوَلِأَنَّ التَّمَتُّعَ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى بِقَوْلِهِ : { فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ } دُونَ سَائِرِ الْأَنْسَاكِ .\rوَلِأَنَّ الْمُتَمَتِّعَ يَجْتَمِعُ لَهُ الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ مَعَ كَمَالِهِمَا ، وَكَمَالِ أَفْعَالِهِمَا عَلَى وَجْهِ الْيُسْرِ وَالسُّهُولَةِ ، مَعَ زِيَادَةِ نُسُكٍ ، فَكَانَ ذَلِكَ أُولَى ، فَأَمَّا الْقِرَانُ فَإِنَّمَا يُؤْتَى فِيهِ بِأَفْعَالِ الْحَجِّ ، وَتَدْخُلُ أَفْعَالُ الْعُمْرَةِ فِيهِ ، وَالْمُفْرِدُ فَإِنَّمَا يَأْتِي بِالْحَجِّ وَحْدَهُ ، وَإِنْ اعْتَمَرَ بَعْدَهُ مِنْ التَّنْعِيمِ ، فَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي إجْزَائِهَا عَنْ عُمْرَةِ الْإِسْلَامِ ، وَكَذَلِكَ اُخْتُلِفَ فِي إجْزَاءِ عُمْرَةِ الْقِرَانِ ، وَلَا خِلَافَ فِي إجْزَاءِ التَّمَتُّعِ عَنْ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ جَمِيعًا ، فَكَانَ أَوْلَى .","part":6,"page":378},{"id":2878,"text":"فَأَمَّا حُجَّتُهُمْ ، فَإِنَّمَا احْتَجُّوا بِفِعْلِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْجَوَابُ عَنْهَا مِنْ أَوْجُهٍ : الْأَوَّلُ ، أَنَّا نَمْنَعُ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُحْرِمًا بِغَيْرِ التَّمَتُّعِ ، وَلَا يَصِحُّ الِاحْتِجَاجُ بِأَحَادِيثِهِمْ لَأُمُورٍ ؛ أَحَدُهَا ، أَنَّ رُوَاةَ أَحَادِيثِهِمْ قَدْ رَوَوْا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ ، رَوَى ذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ ، وَجَابِرٌ ، وَعَائِشَةُ ، مِنْ طُرُقٍ صِحَاحٍ ، فَسَقَطَ الِاحْتِجَاجُ بِهَا .\rالثَّانِي ، أَنَّ رِوَايَتَهُمْ اخْتَلَفَتْ ، فَرَوَوْا مَرَّةً أَنَّهُ أَفْرَدَ ، وَمَرَّةً أَنَّهُ تَمَتَّعَ ، وَمَرَّةً أَنَّهُ قَرَنَ ، وَالْقَضِيَّةُ وَاحِدَةٌ ، وَلَا يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهَا ، فَيَجِبُ اطِّرَاحُهَا كُلِّهَا ، وَأَحَادِيثُ الْقِرَانِ أَصَحُّهَا حَدِيثُ أَنَسٍ ، وَقَدْ أَنْكَرَهُ ابْنُ عُمَرَ ، فَقَالَ : يَرْحَمُ اللَّهُ أَنَسًا ، ذَهِلَ أَنَسٌ .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَفِي رِوَايَةٍ : كَانَ أَنَسٌ يَتَوَلَّجُ عَلَى النِّسَاءِ .\rيَعْنِي أَنَّهُ كَانَ صَغِيرًا .\rوَحَدِيثُ عَلِيٍّ رَوَاهُ حَفْصُ بْنُ أَبِي دَاوُد ، وَهُوَ ضَعِيفٌ ، عَنْ ابْنِ أَبِي لَيْلَى ، وَهُوَ كَثِيرُ الْوَهْمِ .\rقَالَهُ الدَّارَقُطْنِيّ .\rالثَّالِثُ ، أَنَّ أَكْثَرَ الرِّوَايَاتِ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ مُتَمَتِّعًا .\rرَوَى ذَلِكَ عُمَرُ ، وَعَلِيٌّ ، وَعُثْمَانُ ، وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ ، وَابْنُ عُمَرَ ، وَمُعَاوِيَةُ ، وَأَبُو مُوسَى ، وَجَابِرٌ ، وَعَائِشَةُ ، وَحَفْصَةُ ، بِأَحَادِيثَ صَحِيحَةٍ ، وَإِنَّمَا مَنَعَهُ مِنْ الْحِلِّ الْهَدْيُ الَّذِي كَانَ مَعَهُ ، فَفِي حَدِيثِ عُمَرَ ، أَنَّهُ قَالَ { : إنِّي لَا أَنْهَاكُمْ عَنْ الْمُتْعَةِ ، وَإِنَّهَا لَفِي كِتَابِ اللَّهِ ، وَلَقَدْ صَنَعَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\r} يَعْنِي الْعُمْرَةَ فِي الْحَجِّ .\rوَفِي حَدِيثِ عَلِيٍّ ، أَنَّهُ اخْتَلَفَ هُوَ وَعُثْمَانُ فِي الْمُتْعَةِ بِعُسْفَانَ ، فَقَالَ عَلِيٌّ : { مَا تُرِيدُ إلَى أَمْرٍ فَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى","part":6,"page":379},{"id":2879,"text":"اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَنْهَى عَنْهُ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَلِلنَّسَائِيِّ ، وَقَالَ عَلِيٌّ لِعُثْمَانَ : { أَلَمْ تَسْمَعْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَمَتَّعَ ؟ قَالَ : بَلَى } .\rوَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ : { تَمَتَّعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ بِالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ } .\rوَعَنْهُ أَنَّ حَفْصَةَ قَالَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { مَا شَأْنُ النَّاسِ حَلُّوا وَلَمْ تَحْلِلْ أَنْتَ مِنْ عُمْرَتِك ؟ فَقَالَ : إنِّي لَبَّدْت رَأْسِي ، وَقَلَّدْت هَدْيِي ، فَلَا أَحِلُّ حَتَّى أَنْحَرَ } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا .\rوَقَالَ سَعْدٌ : صَنَعَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصَنَعْنَاهَا مَعَهُ .\rوَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ رَاجِحَةٌ ؛ لِأَنَّ رُوَاتَهَا أَكْثَرُ وَأَعْلَمُ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْبَرَ بِالْمُتْعَةِ عَنْ نَفْسِهِ ، فِي حَدِيثِ حَفْصَةَ ، فَلَا تُعَارَضُ بِظَنِّ غَيْرِهِ .\rوَلِأَنَّ عَائِشَةَ كَانَتْ مُتَمَتِّعَةً بِغَيْرِ خِلَافٍ ، وَهِيَ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا تُحْرِمُ إلَّا بِأَمْرِهِ ، وَلَمْ يَكُنْ لِيَأْمُرَهَا بِأَمْرٍ ، ثُمَّ يُخَالِفُ إلَى غَيْرِهِ .\rوَلِأَنَّهُ يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ ، بِأَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ ، ثُمَّ لَمْ يَحِلَّ مِنْهَا لِأَجْلِ هَدْيِهِ ، حَتَّى أَحْرَمَ بِالْحَجِّ ، فَصَارَ قَارِنًا ، وَسَمَّاهُ مَنْ سَمَّاهُ مُفْرِدًا ؛ لِأَنَّهُ اشْتَغَلَ بِأَفْعَالِ الْحَجِّ وَحْدَهَا ، بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ أَفْعَالِ الْعُمْرَةِ ، فَإِنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ مَهْمَا أَمْكَنَ أَوْلَى مِنْ حَمْلِهَا عَلَى التَّعَارُضِ .\rالْوَجْهُ الثَّانِي فِي الْجَوَابِ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ أَمَرَ أَصْحَابَهُ بِالِانْتِقَالِ إلَى الْمُتْعَةِ عَنْ الْإِفْرَادِ وَالْقِرَانِ ، وَلَا يَأْمُرُهُمْ إلَّا بِالِانْتِقَالِ إلَى الْأَفْضَلِ ، فَإِنَّهُ مِنْ الْمُحَالِ أَنْ يَنْقُلَهُمْ مِنْ الْأَفْضَلِ إلَى","part":6,"page":380},{"id":2880,"text":"الْأَدْنَى ، وَهُوَ الدَّاعِي إلَى الْخَيْرِ ، الْهَادِي إلَى الْفَضْلِ ، ثُمَّ أَكَّدَ ذَلِكَ بِتَأَسُّفِهِ عَلَى فَوَاتِ ذَلِكَ فِي حَقِّهِ ، وَأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى انْتِقَالِهِ وَحِلِّهِ ، لِسَوْقِهِ الْهَدْيَ ، وَهَذَا ظَاهِرُ الدَّلَالَةِ .\rالثَّالِثُ ، أَنَّ مَا ذَكَرْنَاهُ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُمْ يَحْتَجُّونَ بِفِعْلِهِ ، وَعِنْدَ التَّعَارُضِ يَجِبُ تَقْدِيمُ الْقَوْلِ ، لِاحْتِمَالِ اخْتِصَاصِهِ بِفِعْلِهِ دُونَ غَيْرِهِ ، كَنَهْيِهِ عَنْ الْوِصَالِ مَعَ فِعْلِهِ لَهُ ، وَنِكَاحِهِ بِغَيْرِ وَلِيٍّ وَلَا شُهُودٍ ، مَعَ قَوْلِهِ : { لَا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِيٍّ } .\rفَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ قَالَ أَبُو ذَرٍّ : كَانَتْ مُتْعَةُ الْحَجِّ لِأَصْحَابِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَاصَّةً .\rرَوَاهُ مُسْلِمٌ .\rقُلْنَا : هَذَا قَوْلُ صَحَابِيٍّ ، يُخَالِفُ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ وَالْإِجْمَاعَ وَقَوْلَ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ وَأَعْلَمُ ؛ أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى : { فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ } وَهَذَا عَامٌّ .\rوَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى إبَاحَةِ التَّمَتُّعِ فِي جَمِيعِ الْأَعْصَارِ ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي فَضْلِهِ ، وَأَمَّا السُّنَّةُ فَرَوَى سَعِيدٌ ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ ، أَنْبَأْنَا حَجَّاجٌ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنْ جَابِرٍ ، { أَنَّ سُرَاقَةَ بْنَ مَالِكٍ سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، الْمُتْعَةُ لَنَا خَاصَّةً ، أَوْ هِيَ لِلْأَبَدِ ؟ فَقَالَ : بَلْ هِيَ لِلْأَبَدِ } .\rوَفِي لَفْظٍ قَالَ : { أَلِعَامِنَا أَوْ لِلْأَبَدِ ؟ قَالَ : بَلْ لِأَبَدِ الْأَبَدِ ، دَخَلَتْ الْعُمْرَةُ فِي الْحَجِّ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ } .\rوَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ الَّذِي رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صِفَةِ حَجِّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحْوُ هَذَا ، وَمَعْنَاهُ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ، أَنَّ أَهْلَ الْجَاهِلِيَّةِ كَانُوا لَا يُجِيزُونَ التَّمَتُّعَ ، وَيَرَوْنَ الْعُمْرَةَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ مِنْ أَفْجَرِ الْفُجُورِ ، فَبَيَّنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ شَرَعَ الْعُمْرَةَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ ،","part":6,"page":381},{"id":2881,"text":"وَجَوَّزَ الْمُتْعَةَ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ .\rوَقَالَ طَاوُسٌ : كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَرَوْنَ الْعُمْرَةَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ أَفْجَرَ الْفُجُورِ ، وَيَقُولُونَ : إذَا انْفَسَخَ صَفَرْ ، وَبَرَا الدَّبَرْ ، وَعَفَا الْأَثَرُ ، حَلَّتْ الْعُمْرَةُ لِمَنْ اعْتَمَرْ .\rفَلَمَّا كَانَ الْإِسْلَامُ أُمِرَ النَّاسُ أَنْ يَعْتَمِرُوا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ ، فَدَخَلَتْ الْعُمْرَةُ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ .\rرَوَاهُ سَعِيدٌ .\rوَقَدْ خَالَفَ أَبَا ذَرٍّ عَلِيٌّ ، وَسَعْدٌ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ ، وَابْنُ عُمَرَ ، وَعِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ ، وَسَائِرُ الصَّحَابَةِ ، وَسَائِرُ الْمُسْلِمِينَ ، قَالَ عِمْرَانُ : { تَمَتَّعْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَزَلَ فِيهِ الْقُرْآنُ ، وَلَمْ يَنْهَنَا عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يَنْسَخْهَا شَيْءٌ } ، فَقَالَ فِيهَا رَجُلٌ بِرَأْيِهِ مَا شَاءَ .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَقَالَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ : { فَعَلْنَاهَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَعْنِي الْمُتْعَةَ } - وَهَذَا يَوْمَئِذٍ كَافِرٌ بِالْعَرْشِ .\rيَعْنِي الَّذِي نَهَى عَنْهَا ، وَالْعَرْشُ : بُيُوتُ مَكَّةَ .\rوَقَالَ أَحْمَدُ ، حِينَ ذُكِرَ لَهُ حَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ : أَفَيَقُولُ بِهَذَا أَحَدٌ ، الْمُتْعَةُ فِي كِتَابِ اللَّهِ ، وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى جَوَازِهَا .\rفَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، { أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَى عُمَرَ ، فَشَهِدَ عِنْدَهُ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْهَى عَنْ الْعُمْرَةِ قَبْلَ الْحَجِّ } .\rقُلْنَا : هَذَا حَالُهُ فِي مُخَالَفَةِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ ، كَحَالِ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ ، بَلْ هُوَ أَدْنَى حَالًا ، فَإِنَّ فِي إسْنَادِهِ مَقَالًا .\rفَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ نَهَى عَنْهَا عُمَرُ ، وَعُثْمَانُ ، وَمُعَاوِيَةُ .\rقُلْنَا : فَقَدْ أَنْكَرَ عَلَيْهِمْ عُلَمَاءُ الصَّحَابَةِ نَهْيَهُمْ عَنْهَا ، وَخَالَفُوهُمْ فِي فِعْلِهَا ، وَالْحَقُّ","part":6,"page":382},{"id":2882,"text":"مَعَ الْمُنْكِرِينَ عَلَيْهِمْ دُونَهُمْ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا إنْكَارَ عَلِيٍّ عَلَى عُثْمَانَ ، وَاعْتِرَافَ عُثْمَانَ لَهُ ، وَقَوْلَ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ مُنْكِرًا لِنَهْيِ مَنْ نَهَى ، وَقَوْلَ سَعْدٍ عَائِبًا عَلَى مُعَاوِيَةَ نَهْيَهُ عَنْهَا ، وَرَدِّهِمْ عَلَيْهِمْ بِحُجَجٍ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ جَوَابٌ عَنْهَا ، بَلْ قَدْ ذَكَرَ بَعْضُ مَنْ نَهَى عَنْهَا فِي كَلَامِهِ ، مَا يَرُدُّ نَهْيَهُ ، فَقَالَ عُمَرُ : وَاَللَّهِ إنِّي لِأَنْهَاكُمْ عَنْهَا ، وَإِنَّهَا لَفِي كِتَابِ اللَّهِ ، وَقَدْ صَنَعَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rوَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ مَنْ خَالَفَ كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ رَسُولِهِ ، وَنَهَى عَمَّا فِيهِمَا ، حَقِيقٌ بِأَنْ لَا يُقْبَلَ نَهْيُهُ ، وَلَا يُحْتَجَّ بِهِ ، مَعَ أَنَّهُ قَدْ سُئِلَ سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، أَنَهَى عُمَرُ عَنْ الْمُتْعَةِ ؟ قَالَ : لَا ، وَاَللَّهِ مَا نَهَى عَنْهَا عُمَرُ ، وَلَكِنْ قَدْ نَهَى عُثْمَانُ .\rوَسُئِلَ ابْنُ عُمَرَ عَنْ مُتْعَةِ الْحَجِّ ، فَأَمَرَ بِهَا ، فَقِيلَ : إنَّك تُخَالِفُ أَبَاك .\rقَالَ : إنَّ عُمَرَ لَمْ يَقُلْ الَّذِي يَقُولُونَ .\rوَلَمَّا نَهَى مُعَاوِيَةُ عَنْ الْمُتْعَةِ ، أَمَرَتْ عَائِشَةُ حَشَمَهَا وَمَوَالِيَهَا أَنْ يُهِلُّوا بِهَا ، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ : مَنْ هَؤُلَاءِ ؟ فَقِيلَ : حَشَمُ أَوْ مَوَالِي عَائِشَةَ .\rفَأَرْسَلَ إلَيْهَا : مَا حَمَلَك عَلَى ذَلِكَ ؟ قَالَتْ : أَحْبَبْت أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ الَّذِي قُلْت لَيْسَ كَمَا قُلْت .\rوَقِيلَ لِابْنِ عَبَّاسٍ : إنَّ فُلَانًا يَنْهَى عَنْ الْمُتْعَةِ .\rقَالَ : اُنْظُرُوا فِي كِتَابِ اللَّهِ ، فَإِنْ وَجَدْتُمُوهَا فِيهِ ، فَقَدْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَعَلَى رَسُولِهِ ، وَإِنْ لَمْ تَجِدُوهَا فَقَدْ صَدَقَ .\rفَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالِاتِّبَاعِ ، وَأَوْلَى بِالصَّوَابِ ، الَّذِينَ مَعَهُمْ كِتَابُ اللَّهِ وَسُنَّةُ رَسُولِهِ ، أَمْ الَّذِينَ خَالَفُوهُمَا ؟ ثُمَّ قَدْ ثَبَتَتْ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي قَوْلُهُ حُجَّةٌ عَلَى الْخَلْقِ أَجْمَعِينَ ، فَكَيْفَ يُعَارَضُ بِقَوْلِ غَيْرِهِ ؟ قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ : قَالَ : {","part":6,"page":383},{"id":2883,"text":"تَمَتَّعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ } فَقَالَ عُرْوَةُ : نَهَى أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ عَنْ الْمُتْعَةِ .\rفَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : أَرَاهُمْ سَيَهْلَكُونَ ، أَقُولُ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَقُولُونَ نَهَى عَنْهَا أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ .\rوَسُئِلَ ابْنُ عُمَرَ عَنْ مُتْعَةِ الْحَجِّ ، فَأَمَرَ بِهَا ، فَقَالَ : إنَّك تُخَالِفُ أَبَاك ، فَقَالَ : عُمَرُ لَمْ يَقُلْ الَّذِي يَقُولُونَ .\rفَلَمَّا أَكْثَرُوا عَلَيْهِ ، قَالَ : أَفَكِتَابُ اللَّهِ أَحَقُّ أَنْ تَتَّبِعُوا أَمْ عُمَرُ ؟ .\rرَوَى الْأَثْرَمُ هَذَا كُلَّهُ .","part":6,"page":384},{"id":2884,"text":"( 2291 ) فَصْلٌ : فَمَنْ أَرَادَ الْإِحْرَامَ بِعُمْرَةٍ ، فَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَ : اللَّهُمَّ إنِّي أُرِيدُ الْعُمْرَةَ فَيَسِّرْهَا لِي ، وَتَقَبَّلْهَا مِنِّي ، وَمَحِلِّي حَيْثُ تَحْبِسُنِي .\rفَإِنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلْإِنْسَانِ النُّطْقُ بِمَا أَحْرَمَ بِهِ ، لِيَزُولَ الِالْتِبَاسُ ، فَإِنْ لَمْ يَنْطِقْ بِشَيْءٍ ، وَاقْتَصَرَ عَلَى مُجَرَّدِ النِّيَّةِ ، كَفَاهُ ، فِي قَوْلِ إمَامِنَا ، وَمَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَنْعَقِدُ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ ، حَتَّى تَنْضَافَ إلَيْهَا التَّلْبِيَةُ ، أَوْ سَوْقُ الْهَدْيِ ؛ لِمَا رَوَى خَلَّادُ بْنُ السَّائِبِ الْأَنْصَارِيُّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { جَاءَنِي جِبْرِيلُ ، فَقَالَ : يَا مُحَمَّدُ ، مُرْ أَصْحَابَك أَنْ يَرْفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِالتَّلْبِيَةِ } .\rرَوَاهُ النَّسَائِيّ ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : هُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ .\rوَلِأَنَّهَا عِبَادَةٌ ذَاتُ تَحْرِيمٍ وَتَحْلِيلٍ ، فَكَانَ لَهَا نُطْقٌ وَاجِبٌ كَالصَّلَاةِ ، وَلِأَنَّ الْهَدْيَ وَالْأُضْحِيَّةَ لَا يَجِبَانِ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ كَذَلِكَ النُّسُكُ .\rوَلَنَا ، أَنَّهَا عِبَادَةٌ لَيْسَ فِي آخِرِهَا نُطْقٌ وَاجِبٌ ، فَلَمْ يَكُنْ فِي أَوَّلِهَا ، كَالصِّيَامِ ، وَالْخَبَرُ الْمُرَادُ بِهِ الِاسْتِحْبَابُ ، فَإِنَّ مَنْطُوقَهُ رَفْعُ الصَّوْتِ ، وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ غَيْرُ وَاجِبٍ ، فَمَا هُوَ مِنْ ضَرُورَتِهِ أَوْلَى ، وَلَوْ وَجَبَ النُّطْقُ ، لَمْ يَلْزَمْ كَوْنُهُ شَرْطًا ، فَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ وَاجِبَاتٍ الْحَجِّ غَيْرُ مُشْتَرَطَةٍ فِيهِ ، وَالصَّلَاةُ فِي آخِرِهَا نُطْقٌ وَاجِبٌ ، بِخِلَافِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ .\rوَأَمَّا الْهَدْيُ وَالْأُضْحِيَّةُ ، فَإِيجَابُ مَالٍ ، فَأَشْبَهَ النَّذْرَ ، بِخِلَافِ الْحَجِّ ، فَإِنَّهُ عِبَادَةٌ بَدَنِيَّةٌ .\rفَعَلَى هَذَا لَوْ نَطَقَ بِغَيْرِ مَا نَوَاهُ ، نَحْوُ أَنْ يَنْوِيَ الْعُمْرَةَ ، فَيَسْبِقَ لِسَانُهُ إلَى الْحَجِّ ، أَوْ بِالْعَكْسِ ، انْعَقَدَ مَا نَوَاهُ دُونَ مَا لَفَظَ بِهِ .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ، عَلَى هَذَا .\rوَذَلِكَ","part":6,"page":385},{"id":2885,"text":"لِأَنَّ الْوَاجِبَ النِّيَّةُ ، وَعَلَيْهَا الِاعْتِمَادُ ، وَاللَّفْظُ لَا عِبْرَةَ بِهِ ، فَلَمْ يُؤَثِّرْ ، كَمَا لَا يُؤَثِّرُ اخْتِلَافُ النِّيَّةِ فِيمَا يُعْتَبَرُ لَهُ اللَّفْظُ دُونَ النِّيَّةِ .","part":6,"page":386},{"id":2886,"text":"( 2292 ) فَصْلٌ : فَإِنْ لَبَّى ، أَوْ سَاقَ الْهَدْيَ ، مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ ، لَمْ يَنْعَقِدْ إحْرَامُهُ ؛ لِأَنَّ مَا اُعْتُبِرَتْ لَهُ النِّيَّةُ لَمْ يَنْعَقِدْ بِدُونِهَا ، كَالصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":6,"page":387},{"id":2887,"text":"( 2293 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَيَشْتَرِطُ فَيَقُولُ : إنْ حَبَسَنِي حَابِسٌ فَمَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتَنِي .\rفَإِنْ حُبِسَ حَلَّ مِنْ الْمَوْضِعِ الَّذِي حُبِسَ فِيهِ ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ ) يُسْتَحَبُّ لِمَنْ أَحْرَمَ بِنُسُكٍ ، أَنْ يَشْتَرِطَ عِنْدَ إحْرَامِهِ ، فَيَقُولَ : إنْ حَبَسَنِي حَابِسٌ ، فَمَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتنِي .\rوَيُفِيدُ هَذَا الشَّرْطُ شَيْئَيْنِ : أَحَدُهُمَا ، أَنَّهُ إذَا عَاقَهُ عَائِقٌ مِنْ عَدُوٍّ ، أَوْ مَرَضٍ ، أَوْ ذَهَابِ نَفَقَةٍ ، وَنَحْوه ، أَنَّ لَهُ التَّحَلُّلَ .\rوَالثَّانِي ، أَنَّهُ مَتَى حَلَّ بِذَلِكَ ، فَلَا دَمَ عَلَيْهِ وَلَا صَوْمَ .\rوَمِمَّنْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ رَأَى الِاشْتِرَاطَ عِنْدَ الْإِحْرَامِ ؛ عُمَرُ ، وَعَلِيٌّ ، وَابْنُ مَسْعُودٍ ، وَعَمَّارٌ .\rوَذَهَبَ إلَيْهِ عَبِيدَةُ السَّلْمَانِيُّ ، وَعَلْقَمَةُ ، وَالْأَسْوَدُ ، وَشُرَيْحٌ ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ، وَعَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ ، وَعَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ ، وَعِكْرِمَةُ ، وَالشَّافِعِيُّ إذْ هُوَ بِالْعِرَاقِ .\rوَأَنْكَرَهُ ابْنُ عُمَرَ ، وَطَاوُسٌ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ .\rوَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الِاشْتِرَاطَ يُفِيدُ سُقُوطَ الدَّمِ ، فَأَمَّا التَّحَلُّلُ فَهُوَ ثَابِتٌ عِنْدَهُ بِكُلِّ إحْصَارٍ .\rوَاحْتَجُّوا بِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يُنْكِرُ الِاشْتِرَاطَ ، وَيَقُولُ : حَسْبُكُمْ سُنَّةُ نَبِيِّكُمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rوَلِأَنَّهَا عِبَادَةٌ تَجِبُ بِأَصْلِ الشَّرْعِ .\rفَلَمْ يُفِدْ الِاشْتِرَاطُ فِيهَا ، كَالصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ : { دَخَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى ضُبَاعَةَ بِنْتِ الزُّبَيْرِ ، فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنِّي أُرِيدُ الْحَجَّ ، وَأَنَا شَاكِيَةٌ .\rفَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : حُجِّي ، وَاشْتَرِطِي أَنَّ مَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتنِي } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، { أَنَّ ضُبَاعَةَ أَتَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنِّي أُرِيدُ الْحَجَّ ، فَكَيْفَ أَقُولُ ؟","part":6,"page":388},{"id":2888,"text":"فَقَالَ : قُولِي لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ ، وَمَحِلِّي مِنْ الْأَرْضِ حَيْثُ تَحْبِسُنِي .\rفَإِنَّ لَك عَلَى رَبِّك مَا اسْتَثْنَيْت } رَوَاهُ مُسْلِمٌ .\rوَلَا قَوْلَ لَأَحَدٍ مَعَ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَكَيْفَ يُعَارَضُ بُقُولِ ابْنِ عُمَرَ ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ حَدِيثٌ لَكَانَ قَوْلُ الْخَلِيفَتَيْنِ الرَّاشِدَيْنِ مَعَ مَنْ قَدْ ذَكَرْنَا قَوْلَهُ مِنْ فُقَهَاءِ الصَّحَابَةِ ، أَوْلَى مِنْ قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ ، وَغَيْرُ هَذَا اللَّفْظِ ، مِمَّا يُؤَدِّي مَعْنَاهُ ، يَقُومُ مَقَامَهُ ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ الْمَعْنَى ، وَالْعِبَارَةُ إنَّمَا تُعْتَبَرُ لِتَأْدِيَةِ الْمَعْنَى .\rقَالَ إبْرَاهِيمُ : خَرَجْنَا مَعَ عَلْقَمَةَ ، وَهُوَ يُرِيدُ الْعُمْرَةَ ، فَقَالَ : اللَّهُمَّ إنِّي أُرِيدُ الْعُمْرَةَ إنْ تَيَسَّرَتْ ، وَإِلَّا فَلَا حَرَجَ عَلَيَّ .\rوَكَانَ شُرَيْحٌ يَشْتَرِطُ : اللَّهُمَّ قَدْ عَرَفْت نِيَّتِي ، وَمَا أُرِيدُ ، فَإِنْ كَانَ أَمْرًا تُتِمُّهُ فَهُوَ أَحَبُّ إلَيَّ ، وَإِلَّا فَلَا حَرَجَ عَلَيَّ .\rوَنَحْوُهُ عَنْ الْأَسْوَدِ .\rوَقَالَتْ عَائِشَةُ لِعُرْوَةِ : قُلْ ، اللَّهُمَّ إنِّي أُرِيدُ الْحَجَّ ، وَإِيَّاهُ نَوَيْت ، فَإِنْ تَيَسَّرَ ، وَإِلَّا فَعُمْرَةٌ .\rوَنَحْوُهُ عَنْ عَمِيرَةَ بْنِ زِيَادٍ .","part":6,"page":389},{"id":2889,"text":"( 2294 ) فَصْلٌ : فَإِنْ نَوَى الِاشْتِرَاطَ ، وَلَمْ يَتَلَفَّظْ بِهِ ، احْتَمَلَ أَنْ يَصِحَّ ؛ لِأَنَّهُ تَابِعٌ لِعَقْدِ الْإِحْرَامِ ، وَالْإِحْرَامُ يَنْعَقِدُ بِالنِّيَّةِ ، فَكَذَلِكَ تَابِعُهُ ، وَاحْتَمَلَ أَنْ يُعْتَبَرَ فِيهِ الْقَوْلُ لِأَنَّهُ اشْتِرَاطٌ ، فَاعْتُبِرَ فِيهِ الْقَوْلُ ، كَالِاشْتِرَاطِ فِي النَّذْر وَالْوَقْفِ وَالِاعْتِكَافِ ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ ظَاهِرُ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( قُولِي مَحِلِّي مِنْ الْأَرْضِ حَيْثُ تَحْبِسُنِي ) .","part":6,"page":390},{"id":2890,"text":"( 2295 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَإِنْ أَرَادَ الْإِفْرَادَ ، قَالَ : اللَّهُمَّ إنِّي أُرِيدُ الْحَجَّ .\rوَيَشْتَرِطُ ) الْإِفْرَادُ : هُوَ الْإِحْرَامُ بِالْحَجِّ مُفْرَدًا مِنْ الْمِيقَاتِ ، وَهُوَ أَحَدُ الْأَنْسَاكِ الثَّلَاثَةِ ، وَالْحُكْمُ فِي إحْرَامِهِ كَالْحُكْمِ فِي إحْرَامِ الْعُمْرَةِ ، سَوَاءٌ ، فِيمَا يَجِبُ وَيُسْتَحَبُّ وَحُكْمِ الِاشْتِرَاطِ .","part":6,"page":391},{"id":2891,"text":"( 2296 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَإِنْ أَرَادَ الْقِرَانَ ، قَالَ : اللَّهُمَّ إنِّي أُرِيدُ الْعُمْرَةَ وَالْحَجَّ .\rوَيَشْتَرِطُ ) مَعْنَى الْقِرَانِ : الْإِحْرَامُ بِالْعُمْرَةِ وَالْحَجِّ مَعًا ، أَوْ يُحْرِمُ بِالْعُمْرَةِ ثُمَّ يُدْخِلُ عَلَيْهَا الْحَجَّ .\rوَهُوَ أَحَدُ الْأَنْسَاكِ الْمَشْرُوعَةِ ، الثَّابِتَةِ بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ .\rوَقَدْ رُوِيَ أَنَّ مُعَاوِيَةَ قَالَ لِأَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى أَنْ يُقْرَنَ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ ؟ قَالُوا : أَمَّا هَذَا فَلَا .\rقَالَ : إنَّهَا مَعَهُنَّ - يَعْنِي مَعَ الْمَنْهِيَّاتِ - وَلَكِنَّكُمْ نَسِيتُمْ .\rوَهَذَا مِمَّا لَمْ يُوَافِقْ الصَّحَابَةُ مُعَاوِيَةَ عَلَيْهِ ، مَعَ مَا يَتَضَمَّنُهُ مِنْ مُخَالَفَةِ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ وَالْإِجْمَاعِ ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ : وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ ذَهَبَ إلَى تَأْوِيلِ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، حِينَ أَمَرَ أَصْحَابَهُ فِي حَجَّتِهِ بِالْإِحْلَالِ ، وَقَالَ : { لَوْ اسْتَقْبَلْت مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْت ، لَمَا سُقْت الْهَدْيَ .\rوَكَانَ قَارِنًا ، فَحَمَلَهُ مُعَاوِيَةُ عَلَى النَّهْيِ } .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":6,"page":392},{"id":2892,"text":"( 2297 ) فَصْلٌ : وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُعَيِّنَ مَا أَحْرَمَ بِهِ ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ : الْإِطْلَاقُ أَوْلَى ؛ لِمَا رَوَى طَاوُسٌ ، قَالَ : خَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْمَدِينَةِ ، لَا يُسَمِّي حَجًّا ، يَنْتَظِرُ الْقَضَاءَ ، فَنَزَلَ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَهُوَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ، فَأَمَرَ أَصْحَابَهُ مَنْ كَانَ مِنْهُمْ أَهَلَّ ، وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ ، أَنْ يَجْعَلُوهَا عُمْرَةً .\rوَلِأَنَّ ذَلِكَ أَحْوَطُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَأْمَنُ الْإِحْصَارَ ، أَوْ تَعَذَّرَ فِعْلُ الْحَجِّ عَلَيْهِ ، فَيَجْعَلُهَا عُمْرَةً ، وَلَنَا ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ أَصْحَابَهُ بِالْإِحْرَامِ بِنُسُكٍ مُعَيَّنٍ ، فَقَالَ : { مَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يُهِلَّ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ ، فَلْيُهِلَّ ، وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُهِلَّ بِحَجٍّ ، فَلْيُهِلَّ ، وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُهِلَّ بِعُمْرَةٍ ، فَلْيُهِلَّ } .\rوَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ إنَّمَا أَحْرَمُوا بِمُعَيَّنٍ ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ ، وَأَصْحَابُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِينَ كَانُوا مَعَهُ فِي حَجَّتِهِ ، يَطَّلِعُونَ عَلَى أَحْوَالِهِ ، وَيَقْتَدُونَ بِأَفْعَالِهِ ، وَيَقِفُونَ عَلَى ظَاهِرِ أَمْرِهِ وَبَاطِنِهِ ، أَعْلَمُ بِهِ مِنْ طَاوُسٍ ، وَحَدِيثُهُ مُرْسَلٌ ، وَالشَّافِعِيُّ لَا يَحْتَجُّ بِالْمَرَاسِيلِ الْمُفْرَدَةِ ، فَكَيْفَ يَصِيرُ إلَى هَذَا ، مَعَ مُخَالَفَتِهِ لِلرِّوَايَاتِ الْمُسْتَفِيضَةِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا ، وَالِاحْتِيَاطُ مُمْكِنٌ ، بِأَنْ يَجْعَلَهَا عُمْرَةً ، فَإِنْ شَاءَ كَانَ مُتَمَتِّعًا ، وَإِنْ شَاءَ أَدْخَلَ الْحَجَّ عَلَيْهَا ، فَكَانَ قَارِنًا .","part":6,"page":393},{"id":2893,"text":"( 2298 ) فَصْلٌ : فَإِنْ أَطْلَقَ الْإِحْرَامَ ، فَنَوَى الْإِحْرَامَ بِنُسُكٍ ، وَلَمْ يُعَيِّنْ حَجًّا وَلَا عُمْرَةً ، صَحَّ ، وَصَارَ مُحْرِمًا ؛ لِأَنَّ الْإِحْرَامَ يَصِحُّ مَعَ الْإِبْهَامِ ، فَصَحَّ مَعَ الْإِطْلَاقِ .\rفَإِذَا أَحْرَمَ مُطْلَقًا ، فَلَهُ صَرْفُهُ إلَى أَيِّ الْأَنْسَاكِ شَاءَ ؛ لِأَنَّ لَهُ أَنْ يَبْتَدِئَ الْإِحْرَامَ بِمَا شَاءَ مِنْهَا ، فَكَانَ لَهُ صَرْفُ الْمُطْلَقِ إلَى ذَلِكَ ، وَالْأَوْلَى صَرْفُهُ إلَى الْعُمْرَةِ ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ ، فَالْإِحْرَامُ بِالْحَجِّ مَكْرُوهٌ أَوْ مُمْتَنِعٌ ، وَإِنْ كَانَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ فَالْعُمْرَةُ أَوْلَى ؛ لِأَنَّ التَّمَتُّعَ أَفْضَلُ .\rوَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ ، رَحِمَهُ اللَّهُ : يَجْعَلُهُ عُمْرَةً ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ أَبَا مُوسَى ، حِينَ أَحْرَمَ بِمَا أَهَلَّ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَجْعَلَهُ عُمْرَةً .\rكَذَا هَاهُنَا .","part":6,"page":394},{"id":2894,"text":"( 2299 ) فَصْلٌ : وَيَصِحُّ إبْهَامُ الْإِحْرَامِ ، وَهُوَ أَنْ يُحْرِمَ بِمَا أَحْرَمَ بِهِ فُلَانٌ ؛ لِمَا رَوَى أَبُو مُوسَى ، قَالَ : قَدِمْت عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مُنِيخٌ بِالْبَطْحَاءِ ، فَقَالَ لِي : { بِمَ أَهْلَلْت ؟ .\rقُلْت : لَبَّيْكَ بِإِهْلَالٍ كَإِهْلَالِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rقَالَ : أَحْسَنْت .\rفَأَمَرَنِي فَطُفْت بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ، ثُمَّ قَالَ : حِلَّ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَرَوَى جَابِرٌ ، وَأَنَسٌ ، أَنَّ عَلِيًّا قَدِمَ مِنْ الْيَمَنِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { بِمَ أَهْلَلْت ؟ قَالَ : أَهْلَلْت بِمَا أَهَلَّ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\r} قَالَ جَابِرٌ فِي حَدِيثِهِ ، قَالَ : ( فَاهْدِ ، وَامْكُثْ حَرَامًا ) .\rوَقَالَ أَنَسٌ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَوْلَا أَنَّ مَعِي هَدْيًا لَحَلَلْت ) .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا .\rثُمَّ لَا يَخْلُو مَنْ أَبْهَمَ إحْرَامَهُ مِنْ أَحْوَالٍ أَرْبَعَةٍ : أَحَدُهَا ، أَنْ يَعْلَمَ مَا أَحْرَمَ بِهِ فُلَانٌ ، فَيَنْعَقِدُ إحْرَامُهُ بِمِثْلِهِ ؛ فَإِنَّ عَلِيًّا قَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَاذَا قُلْت حِينَ فَرَضْت الْحَجَّ ؟ ) قَالَ : قُلْت : اللَّهُمَّ إنِّي أُهِلُّ بِمَا أَهَلَّ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : فَإِنَّ مَعِي الْهَدْيَ ، فَلَا تَحِلَّ الثَّانِي ، أَنْ لَا يَعْلَمَ مَا أَحْرَمَ بِهِ فُلَانٌ ، فَيَكُون حُكْمُهُ حُكْمَ النَّاسِي ، عَلَى مَا سَنُبَيِّنُهُ .\rالثَّالِثُ ، أَنْ لَا يَكُونَ فُلَانٌ أَحْرَمَ ، فَيَكُونَ إحْرَامُهُ مُطْلَقًا ، حُكْمُهُ حُكْمُ الْفَصْلِ الَّذِي قَبْلَهُ .\rالرَّابِعُ ، أَنْ لَا يَعْلَمَ هَلْ أَحْرَمَ فُلَانٌ ، أَوْ لَا فَحُكْمُهُ حُكْمُ مِنْ لَمْ يُحْرِمْ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ إحْرَامِهِ ، فَيَكُونُ إحْرَامُهُ هَاهُنَا مُطْلَقًا ، يَصْرِفُهُ إلَى مَا شَاءَ ، فَإِنْ صَرَفَهُ قَبْلَ الطَّوَافِ ، فَحَسَنٌ ، وَإِنْ طَافَ قَبْلَ صَرْفِهِ ، لَمْ يُعْتَدَّ بِطَوَافِهِ ؛","part":6,"page":395},{"id":2895,"text":"لِأَنَّهُ طَافَ لَا فِي حَجٍّ وَلَا عُمْرَةٍ .","part":6,"page":396},{"id":2896,"text":"( 2300 ) فَصْلٌ : إذَا أَحْرَمَ بِنُسُكٍ ، ثُمَّ نَسِيَهُ قَبْلَ الطَّوَافِ ، فَلَهُ صَرْفُهُ إلَى أَيِّ الْأَنْسَاكِ شَاءَ ، فَإِنَّهُ إنْ صَرَفَهُ إلَى عُمْرَةٍ ، وَكَانَ الْمَنْسِيُّ عُمْرَةً ، فَقَدْ أَصَابَ ، وَإِنْ كَانَ حَجًّا مُفْرَدًا أَوْ قِرَانًا فَلَهُ فَسْخُهُمَا إلَى الْعُمْرَةِ ، عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ ، وَإِنْ صَرَفَهُ إلَى الْقِرَانِ ، وَكَانَ الْمَنْسِيُّ قِرَانًا ، فَقَدْ أَصَابَ ، وَإِنْ كَانَ عُمْرَةً ، فَإِدْخَالُ الْحَجِّ عَلَى الْعُمْرَةِ جَائِزٌ قَبْلَ الطَّوَافِ ، فَيَصِيرُ قَارِنًا ، وَإِنْ كَانَ مُفْرِدًا ، لَغَا إحْرَامُهُ بِالْعُمْرَةِ ، وَصَحَّ بِالْحَجِّ ، وَسَقَطَ فَرْضَهُ ، وَإِنْ صَرَفَهُ إلَى الْإِفْرَادِ ، وَكَانَ مُفْرِدًا ، فَقَدْ أَصَابَ ، وَإِنْ كَانَ مُتَمَتِّعًا ، فَقَدْ أَدْخَلَ الْحَجَّ عَلَى الْعُمْرَةِ ، وَصَارَ قَارِنًا فِي الْحُكْمِ ، وَفِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى ، وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّهُ مُفْرِدٌ ، وَإِنْ كَانَ قَارِنًا فَكَذَلِكَ ، وَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّهُ يَجْعَلُهُ عُمْرَةً .\rقَالَ الْقَاضِي : هَذَا عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِحْبَابِ ؛ لِأَنَّهُ إذَا اُسْتُحِبَّ ذَلِكَ فِي حَالِ الْعِلْمِ ، فَمَعَ عَدَمِهِ أَوْلَى .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَصْرِفُهُ إلَى الْقِرَانِ .\rوَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي الْجَدِيدِ ، وَقَالَ فِي الْقَدِيمِ : يَتَحَرَّى ، فَيَبْنِي عَلَى غَالِبِ ظَنِّهِ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ شَرَائِط الْعِبَادَةِ ، فَيَدْخُلُهُ التَّحَرِّي كَالْقِبْلَةِ .\rوَمُنْشَأُ الْخِلَافِ عَلَى فَسْخِ الْحَجِّ إلَى الْعُمْرَةِ ، فَإِنَّهُ جَائِزٌ عِنْدَنَا ، وَغَيْرُ جَائِزٍ عِنْدَهُمْ ، فَعَلَى هَذَا إنْ صَرَفَهُ إلَى الْمُتْعَةِ فَهُوَ مُتَمَتِّعٌ .\rعَلَيْهِ دَمُ الْمُتْعَةِ ، وَيُجْزِئُهُ عَنْ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ جَمِيعًا .\rوَإِنْ صَرَفَهُ إلَى إفْرَادٍ أَوْ قِرَانٍ ، لَمْ يُجْزِئْهُ عَنْ الْعُمْرَةِ ، إذْ مِنْ الْمُحْتَمِلِ أَنْ يَكُونَ الْمَنْسِيُّ حَجًّا مُفْرَدًا ، وَلَيْسَ لَهُ إدْخَالُ الْعُمْرَةِ عَلَى الْحَجِّ ، فَتَكُونُ صِحَّةُ الْعُمْرَةِ مَشْكُوكًا فِيهَا ، فَلَا تَسْقُطُ مِنْ ذِمَّتِهِ بِالشَّكِّ ، وَلَا دَمَ عَلَيْهِ لِذَلِكَ ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ حُكْمُ الْقِرَانِ","part":6,"page":397},{"id":2897,"text":"يَقِينًا ، وَلَا يَجِبُ الدَّمُ مَعَ الشَّكِّ فِي سَبَبِهِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يَجِبَ .\rفَأَمَّا إنْ شَكَّ بَعْدَ الطَّوَافِ ، لَمْ يَجُزْ صَرْفُهُ إلَّا إلَى الْعُمْرَةِ ؛ لِأَنَّ إدْخَالَ الْحَجِّ عَلَى الْعُمْرَةِ بَعْدَ الطَّوَافِ غَيْرُ جَائِزٍ .\rفَإِنْ صَرَفَهُ إلَى حَجٍّ أَوْ قِرَانٍ ، فَإِنَّهُ يَتَحَلَّلُ بِفِعْلِ الْحَجِّ وَلَا يُجْزِئُهُ عَنْ وَاحِدٍ مِنْ النُّسُكَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمَنْسِيُّ عُمْرَةً ، فَلَمْ يَصِحَّ إدْخَالُ الْحَجِّ عَلَيْهَا بَعْدَ طَوَافِهَا ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ حَجًّا ، وَإِدْخَالُ الْعُمْرَةِ عَلَيْهِ غَيْرُ جَائِزٍ ، فَلَمْ يُجْزِئْهُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا مَعَ الشَّكِّ ، وَلَا دَمَ عَلَيْهِ ؛ لِلشَّكِّ فِيمَا يُوجِبُ الدَّمَ ، وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ ، لِلشَّكِّ فِيمَا يُوجِبُهُ .\rوَإِنْ شَكَّ وَهُوَ فِي الْوُقُوفِ بَعْدَ أَنْ طَافَ وَسَعَى ، جَعَلَهُ عُمْرَةً ، فَقَصَّرَ ، ثُمَّ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ ، فَإِنَّهُ إنْ كَانَ الْمَنْسِيُّ عُمْرَةً فَقَدْ أَصَابَ وَكَانَ مُتَمَتِّعًا ، وَإِنْ كَانَ إفْرَادًا أَوْ قِرَانًا لَمْ يَنْفَسِخْ بِتَقْصِيرِهِ ، وَعَلَيْهِ دَمٌ بِكُلِّ حَالٍ ، فَإِنَّهُ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ مُتَمَتِّعًا عَلَيْهِ دَمُ الْمُتْعَةِ ، أَوْ غَيْرَ مُتَمَتِّعٍ فَيَلْزَمُهُ دَمٌ لِتَقْصِيرِهِ ، وَإِنْ شَكَّ ، وَلَمْ يَكُنْ طَافَ وَسَعَى ، جَعَلَهُ قِرَانًا ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ قَارِنًا فَقَدْ أَصَابَ ، وَإِنْ كَانَ مُعْتَمِرًا فَقَدْ أَدْخَلَ الْحَجَّ عَلَى الْعُمْرَةِ ، وَصَارَ قَارِنًا ، وَإِنْ كَانَ مُفْرِدًا لَغَا إحْرَامُهُ بِالْعُمْرَةِ ، وَصَحَّ إحْرَامُهُ بِالْحَجِّ ، وَإِنْ صَرَفَهُ إلَى الْحَجِّ جَازَ أَيْضًا ، وَلَا يُجْزِئُهُ عَنْ الْعُمْرَةِ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ ؛ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ مُفْرِدًا ، وَإِدْخَالُ الْعُمْرَةِ عَلَى الْحَجِّ غَيْرُ جَائِزٍ ، وَلَا دَمَ عَلَيْهِ ؛ لِلشَّكِّ فِي وُجُودِ سَبَبِهِ .","part":6,"page":398},{"id":2898,"text":"( 2301 ) فَصْلٌ : وَإِنْ أَحْرَمَ بِحَجَّتَيْنِ أَوْ عُمْرَتَيْنِ ، انْعَقَدَ بِإِحْدَاهُمَا ، وَلَغَتْ الْأُخْرَى .\rوَبِهِ قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، يَنْعَقِدُ بِهِمَا ، وَعَلَيْهِ قَضَاءُ إحْدَاهُمَا ؛ لِأَنَّهُ أَحْرَمَ بِهَا ، وَلَمْ يُتِمَّهَا .\rوَلَنَا ، أَنَّهُمَا عِبَادَتَانِ لَا يَلْزَمُهُ الْمُضِيُّ فِيهِمَا ، فَلَمْ يَصِحَّ الْإِحْرَامُ بِهِمَا ، كَالصَّلَاتَيْنِ ، وَعَلَى هَذَا لَوْ أَفْسَدَ حَجَّهُ أَوْ عُمْرَتَهُ ، لَمْ يَلْزَمْهُ إلَّا قَضَاؤُهَا ؟ وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ يَلْزَمُهُ قَضَاؤُهُمَا مَعًا ؛ بِنَاءً عَلَى صِحَّةِ إحْرَامِهِ بِهِمَا .","part":6,"page":399},{"id":2899,"text":"( 2302 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( فَإِذَا اسْتَوَى عَلَى رَاحِلَتِهِ لَبَّى ) التَّلْبِيَةُ فِي الْإِحْرَامِ مَسْنُونَةٌ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَلَهَا ، وَأَمَرَ بِرَفْعِ الصَّوْتِ بِهَا ، وَأَقَلُّ أَحْوَالِ ذَلِكَ الِاسْتِحْبَابُ ، وَسُئِلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَيُّ الْحَجِّ أَفْضَلُ ؟ قَالَ : الْعَجُّ ، وَالثَّجُّ } .\rوَهَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ .\rوَمَعْنَى الْعَجِّ رَفْعُ الصَّوْتِ بِالتَّلْبِيَةِ ، وَالثَّجِّ إسَالَةُ الدِّمَاءِ بِالذَّبْحِ وَالنَّحْرِ .\rوَرَوَى سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُلَبِّي ، إلَّا لَبَّى مَا عَنْ يَمِينِهِ مِنْ حَجَرٍ أَوْ شَجَرٍ أَوْ مَدَرٍ ، حَتَّى تَنْقَطِعَ الْأَرْضُ مِنْ هَاهُنَا وَهَاهُنَا } .\rرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ ، وَلَيْسَتْ وَاجِبَةً ، وَبِهَذَا قَالَ الْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ ، وَالشَّافِعِيُّ .\rوَعَنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ أَنَّهَا وَاجِبَةٌ ، يَجِبُ بِتَرْكِهَا دَمٌ .\rوَعَنْ الثَّوْرِيِّ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ، أَنَّهَا مِنْ شَرْطِ الْإِحْرَامِ ، لَا يَصِحُّ إلَّا بِهَا ، كَالتَّكْبِيرِ لِلصَّلَاةِ ، لِأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ ، قَالَ فِي قَوْله تَعَالَى : { فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ } ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : الْإِهْلَالُ .\rوَعَنْ عَطَاءٍ ، وَطَاوُسٍ ، وَعِكْرِمَةَ : هُوَ التَّلْبِيَةُ .\rوَلِأَنَّ النُّسُكَ عِبَادَةٌ ذَاتُ إحْرَامٍ وَإِحْلَالٍ ، فَكَانَ فِيهَا ذِكْرٌ وَاجِبٌ ، كَالصَّلَاةِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهَا ذِكْرٌ ، فَلَمْ تَجِبْ فِي الْحَجِّ ، كَسَائِرِ الْأَذْكَارِ .\rوَفَارَقَ الصَّلَاةَ ، فَإِنَّ النُّطْقَ يَجِبُ فِي آخِرِهَا ؛ فَوَجَبَ فِي أَوَّلِهَا ، وَالْحَجُّ بِخِلَافِهِ .\rوَيُسْتَحَبُّ الْبِدَايَةُ بِهَا إذَا اسْتَوَى عَلَى رَاحِلَتِهِ ؛ لِمَا رَوَى أَنَسٌ ، وَابْنُ عُمَرَ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَمَّا رَكِبَ رَاحِلَتَهُ ، وَاسْتَوَتْ بِهِ ، أَهَلَّ } .\rرَوَاهُمَا الْبُخَارِيُّ .\rوَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : أَوْجَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْإِحْرَامَ حِينَ فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ ، فَلَمَّا رَكِبَ رَاحِلَتَهُ ، وَاسْتَوَتْ بِهِ","part":6,"page":400},{"id":2900,"text":"قَائِمَةً ، أَهَلَّ .\rيَعْنِي لَبَّى ، وَمَعْنَى الْإِهْلَالِ رَفْعُ الصَّوْتِ بِالتَّلْبِيَةِ ، مِنْ قَوْلِهِمْ : اسْتَهَلَّ الصَّبِيُّ .\rإذَا صَاحَ .\rوَالْأَصْلُ فِيهِ أَنَّهُمْ كَانُوا إذَا رُئِيَ الْهِلَالُ صَاحُوا .\rفَيُقَالُ : اسْتَهَلَّ الْهِلَالُ .\rثُمَّ قِيلَ لِكُلِّ صَائِحٍ مُسْتَهِلٌّ ، وَإِنَّمَا يَرْفَعُ الصَّوْتَ بِالتَّلْبِيَةِ .","part":6,"page":401},{"id":2901,"text":"( 2303 ) فَصْلٌ : وَيَرْفَعُ صَوْتَهُ بِالتَّلْبِيَةِ ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { أَتَانِي جِبْرِيلُ ، فَأَمَرَنِي أَنْ آمُرَ أَصْحَابِي أَنْ يَرْفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِالْإِهْلَالِ وَالتَّلْبِيَةِ } .\rرَوَاهُ النَّسَائِيّ ، وَأَبُو دَاوُد ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَقَالَ : حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ .\rوَقَالَ أَنَسٌ : سَمِعْتُهُمْ يَصْرُخُونَ بِهِمَا صُرَاخًا .\rوَقَالَ أَبُو حَازِمٍ : كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَبْلُغُونَ الرَّوْحَاءَ ، حَتَّى تُبَحَّ حُلُوقُهُمْ مِنْ التَّلْبِيَةِ .\rوَقَالَ سَالِمٌ : كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَرْفَعُ صَوْتَهُ بِالتَّلْبِيَةِ ، فَلَا يَأْتِي الرَّوْحَاءَ حَتَّى يَصْحَلَ صَوْتُهُ .\rوَلَا يُجْهِدُ نَفْسَهُ فِي رَفْعِ الصَّوْتِ زِيَادَةً عَلَى الطَّاقَةِ ؛ لِئَلَّا يَنْقَطِعَ صَوْتُهُ وَتَلْبِيَتُهُ .","part":6,"page":402},{"id":2902,"text":"( 2304 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( فَيَقُولُ : لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَك لَبَّيْكَ ، إنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَك وَالْمُلْكَ ، لَا شَرِيكَ لَك ) هَذِهِ تَلْبِيَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَاءَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، أَنَّ { تَلْبِيَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَك لَبَّيْكَ ، إنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَك وَالْمُلْكَ ، لَا شَرِيكَ لَك } وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ، عَنْ عَائِشَةَ ، وَمُسْلِمٌ عَنْ جَابِرٍ .\rوَالتَّلْبِيَةُ مَأْخُوذَةٌ مِنْ لَبَّ بِالْمَكَانِ .\rإذَا لَزِمَهُ ، فَكَأَنَّهُ قَالَ : أَنَا مُقِيمٌ عَلَى طَاعَتِك وَأَمْرِك ، غَيْرُ خَارِجٍ عَنْ ذَلِكَ ، وَلَا شَارِدٌ عَلَيْك .\rهَذَا أَوْ مَا أَشْبَهَهُ ، وَثَنَّوْهَا وَكَرَّرُوهَا ؛ لِأَنَّهُمْ أَرَادُوا إقَامَةً بَعْدَ إقَامَةٍ ، كَمَا قَالُوا : حَنَانَيْكَ .\rأَيْ رَحْمَةً بَعْدَ رَحْمَةٍ ، أَوْ رَحْمَةً مَعَ رَحْمَةٍ ، أَوْ مَا أَشْبَهَهُ .\rوَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ : مَعْنَى التَّلْبِيَةِ إجَابَةُ نِدَاءِ إبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، حِينَ نَادَى بِالْحَجِّ .\rوَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : { لَمَّا فَرَغَ إبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ بِنَاءِ الْبَيْتِ ، قِيلَ لَهُ : أَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ .\rفَقَالَ : رَبِّ وَمَا يَبْلُغُ صَوْتِي .\rقَالَ : أَذِّنْ وَعَلَيَّ الْبَلَاغُ .\rفَنَادَى إبْرَاهِيمُ : أَيُّهَا النَّاسُ ، كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْحَجُّ .\rقَالَ فَسَمِعَهُ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ } .\rأَفَلَا تَرَى النَّاسَ يَجِيئُونَ مِنْ أَقْطَارِ الْأَرْضِ يُلَبُّونَ .\rوَيَقُولُونَ : لَبَّيْكَ ، إنَّ الْحَمْدَ .\rبِكَسْرِ الْأَلِفِ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ وَالْفَتْحُ جَائِزٌ ، إلَّا أَنَّ الْكَسْرَ أَجْوَدُ .\rقَالَ ثَعْلَبٌ : مَنْ قَالَ أَنَّ بِفَتْحِهَا فَقَدْ خَصَّ ، وَمَنْ قَالَ بِكَسْرِ الْأَلِفِ فَقَدْ عَمَّ .\rيَعْنِي أَنَّ مَنْ كَسَرَ جَعَلَ الْحَمْدَ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ ، وَمِنْ فَتَحَ فَمَعْنَاهُ لَبَّيْكَ ؛ لِأَنَّ الْحَمْدَ لَك ، أَيْ لِهَذَا السَّبَبِ .","part":6,"page":403},{"id":2903,"text":"فَصْلٌ : وَلَا تُسْتَحَبُّ الزِّيَادَةُ عَلَى تَلْبِيَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلَا تُكْرَهُ .\rوَنَحْوَ ذَلِكَ قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ ؛ وَذَلِكَ لِقَوْلِ جَابِرٍ : فَأَهَلَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالتَّوْحِيدِ : ( لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَك لَبَّيْكَ ، إنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَك ، وَالْمُلْكَ ، لَا شَرِيكَ لَك ) .\rوَأَهَلَّ النَّاسُ بِهَذَا الَّذِي يُهِلُّونَ ، وَلَزِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَلْبِيَتَهُ ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يُلَبِّي بِتَلْبِيَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَزِيدُ مَعَ هَذَا : لَبَّيْكَ ، لَبَّيْكَ ، لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ ، وَالْخَيْرُ بِيَدَيْك ، وَالرَّغْبَاءُ إلَيْك وَالْعَمَلُ .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَزَادَ عُمَرُ : لَبَّيْكَ ذَا النَّعْمَاءِ وَالْفَضْلِ ، لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ مَرْهُوبًا وَمَرْغُوبًا إلَيْك ، لَبَّيْكَ .\rهَذَا مَعْنَاهُ .\rرَوَاهُ الْأَثْرَمُ .\rوَيُرْوَى أَنَّ أَنَسًا كَانَ يَزِيدُ : لَبَّيْكَ حَقًّا حَقًّا ، تَعَبُّدًا وَرِقًّا .\rوَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِالزِّيَادَةِ ، وَلَا تُسْتَحَبُّ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَزِمَ تَلْبِيَتَهُ فَكَرَّرَهَا ، وَلَمْ يَزِدْ عَلَيْهَا .\rوَقَدْ رُوِيَ أَنَّ سَعْدًا سَمِعَ بَعْضَ بَنِي أَخِيهِ وَهُوَ يُلَبِّي : يَا ذَا الْمَعَارِجِ .\rفَقَالَ : إنَّهُ لَذُو الْمَعَارِجِ ، وَمَا هَكَذَا كُنَّا نُلَبِّي عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ .\rصَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ","part":6,"page":404},{"id":2904,"text":"( 2306 ) فَصْلٌ : وَيُسْتَحَبُّ ذِكْرُ مَا أَحْرَمَ بِهِ فِي تَلْبِيَته .\rقَالَ أَحْمَدُ : إنْ شِئْت لَبَّيْت بِالْحَجِّ ، وَإِنْ شِئْت لَبَّيْت بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ ، وَإِنْ شِئْت بِعُمْرَةٍ ، وَإِنْ لَبَّيْت بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ بَدَأْت بِالْعُمْرَةِ ، فَقُلْت : لَبَّيْكَ بِعُمْرَةٍ وَحَجَّةٍ .\rوَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : لَا يُسْتَحَبُّ ذَلِكَ .\rوَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ عُمَرَ ، وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ جَابِرًا قَالَ : مَا سَمَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي تَلْبِيَتِهِ حَجًّا ، وَلَا عُمْرَةً .\rوَسَمِعَ ابْنُ عُمَرَ رَجُلًا يَقُولُ : لَبَّيْكَ بِعُمْرَةٍ .\rفَضَرَبَ صَدْرَهُ ، وَقَالَ : تُعْلِمُهُ مَا فِي نَفْسِك .\rوَلَنَا مَا رَوَى أَنَسٌ ، قَالَ : سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : { لَبَّيْكَ عُمْرَةً وَحَجًّا } .\rوَقَالَ جَابِرٌ : { قَدِمْنَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَحْنُ نَقُولُ : لَبَّيْكَ بِالْحَجِّ } .\rوَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : { قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ ، وَهُمْ يُلَبُّونَ بِالْحَجِّ } .\rوَقَالَ ابْنُ عُمَرَ : { بَدَأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ ، ثُمَّ أَهَلَّ بِالْحَجِّ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَى هَذِهِ الْأَحَادِيثِ .\rوَقَالَ أَنَسٌ : { سَمِعْتهمْ يَصْرُخُونَ بِهِمَا صُرَاخًا } .\rرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ : { خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَصْرُخُ بِالْحَجِّ فَحَلَلْنَا ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ لَبَّيْنَا بِالْحَجِّ ، وَانْطَلَقْنَا إلَى مِنًى .\r} وَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ أَصَحُّ وَأَكْثَرُ مِنْ حَدِيثِهِمْ .\rوَقَوْلُ ابْنِ عُمَرَ يُخَالِفُهُ قَوْلُ أَبِيهِ ؛ فَإِنَّ النَّسَائِيَّ رَوَى بِإِسْنَادِهِ ، عَنْ { الصُّبَيّ بْنِ مَعْبَدٍ ، أَنَّهُ أَوَّلَ مَا حَجَّ لَبَّى بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ جَمِيعًا ، ثُمَّ ذَكَرَ ذَلِكَ لِعُمَرَ .\rفَقَالَ : هُدِيت لِسُنَّةِ نَبِيِّك } .\rوَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ فِي تَلْبِيَتِهِ ، فَلَا بَأْسَ ؛ فَإِنَّ النِّيَّةَ مَحَلُّهَا الْقَلْبُ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِهَا .","part":6,"page":405},{"id":2905,"text":"( 2307 ) فَصْلٌ : وَإِنْ حَجَّ عَنْ غَيْرِهِ ، كَفَاهُ مُجَرَّدُ النِّيَّةِ عَنْهُ .\rقَالَ أَحْمَدُ : لَا بَأْسَ بِالْحَجِّ عَنْ الرَّجُلِ ، وَلَا يُسَمِّيهِ .\rوَإِنْ ذَكَرَهُ فِي التَّلْبِيَةِ ، فَحَسَنٌ .\rقَالَ أَحْمَدُ : إذَا حَجَّ عَنْ رَجُلٍ يَقُولُ أَوَّلَ مَا يُلَبِّي : عَنْ فُلَانٍ .\rثُمَّ لَا يُبَالِي أَنْ لَا يَقُولَ بَعْدُ .\rوَذَلِكَ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلَّذِي سَمِعَهُ يُلَبِّي عَنْ شُبْرُمَةَ : { لَبِّ عَنْ نَفْسِك ، ثُمَّ لَبِّ عَنْ شُبْرُمَةَ } .\rوَمَتِّي أُتِيَ بِهِمَا جَمِيعًا .\rبَدَأَ بِذِكْرِ الْعُمْرَةِ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي مَوَاضِعَ ؛ وَذَلِكَ لِقَوْلِ أَنَسٍ ، إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { لَبَّيْكَ بِعُمْرَةٍ وَحَجٍّ .\r}","part":6,"page":406},{"id":2906,"text":"( 2308 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( ثُمَّ لَا يَزَالُ يُلَبِّي إذَا عَلَا نَشَزًا ، أَوْ هَبَطَ وَادِيًا ، وَإِذَا الْتَقَتْ الرِّفَاقُ ، وَإِذَا غَطَّى رَأْسَهُ نَاسِيًا ، وَفِي دُبُرِ الصَّلَوَات الْمَكْتُوبَةِ ) يُسْتَحَبُّ اسْتِدَامَةُ التَّلْبِيَةِ ، وَالْإِكْثَارُ مِنْهَا عَلَى كُلِّ حَالٍ ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ مَاجَهْ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُضَحِّي لِلَّهِ ، يُلَبِّي حَتَّى تَغِيبَ الشَّمْسُ ، إلَّا غَابَتْ بِذُنُوبِهِ ، فَعَادَ كَمَا وَلَدَتْهُ أُمُّهُ } .\rوَهِيَ أَشَدُّ اسْتِحْبَابًا فِي الْمَوَاضِعِ الَّتِي سَمَّى الْخِرَقِيِّ ؛ لِمَا رَوَى جَابِرٌ ، قَالَ : { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُلَبِّي فِي حَجَّتِهِ إذَا لَقِيَ رَاكِبًا ، أَوْ عَلَا أَكَمَةً ، أَوْ هَبَطَ وَادِيًا ، وَفِي أَدْبَارِ الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَةِ ، وَمِنْ آخِرِ اللَّيْلِ } .\rوَقَالَ إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ : كَانُوا يَسْتَحِبُّونَ التَّلْبِيَةَ دُبُرَ الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ ، وَإِذَا هَبَطَ وَادِيًا ، وَإِذَا عَلَا نَشَزًا ، وَإِذَا لَقِيَ رَاكِبًا ، وَإِذَا اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَدْ كَانَ قَبْلُ يَقُولُ مِثْلَ قَوْلِ مَالِكٍ : لَا يُلَبِّي عِنْدَ اصْطِدَامِ الرِّفَاقِ .\rوَقَوْلُ النَّخَعِيِّ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ السَّلَفَ ، رَحِمَهُمُ اللَّهُ ، كَانُوا يَسْتَحِبُّونَ ذَلِكَ ، وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَيْهِ أَيْضًا .","part":6,"page":407},{"id":2907,"text":"( 2309 ) فَصْلٌ : وَيُجْزِئُ مِنْ التَّلْبِيَةِ فِي دُبُرِ الصَّلَاةِ مَرَّةٌ وَاحِدَةٌ .\rقَالَ الْأَثْرَمُ : قُلْت لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ : مَا شَيْءٌ يَفْعَلُهُ الْعَامَّةُ ، يُلَبُّونَ فِي دُبُرِ الصَّلَاةِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ؟ فَتَبَسَّمَ ، وَقَالَ : مَا أَدْرِي مِنْ أَيْنَ جَاءُوا بِهِ ؟ قُلْت : أَلَيْسَ يُجْزِئُهُ مَرَّةٌ وَاحِدَةٌ ؟ قَالَ : بَلَى .\rوَهَذَا لِأَنَّ الْمَرْوِيَّ التَّلْبِيَةُ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ ، وَذَلِكَ يَحْصُلُ بِمَرَّةٍ وَاحِدَةٍ ، وَهَكَذَا التَّكْبِيرُ فِي أَدْبَارِ الصَّلَوَاتِ فِي أَيَّامِ الْأَضْحَى وَأَيَّامِ التَّشْرِيقِ .\rوَلَا بَأْسَ بِالزِّيَادَةِ عَلَى مَرَّةٍ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ زِيَادَةُ ذِكْرٍ وَخَيْرٍ ، وَتَكْرَارُهُ ثَلَاثًا حَسَنٌ ؛ فَإِنَّ اللَّهَ وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرِ .","part":6,"page":408},{"id":2908,"text":"( 2310 ) فَصْلٌ : وَلَا يُسْتَحَبُّ رَفْعُ الصَّوْتِ بِالتَّلْبِيَةِ فِي الْأَمْصَارِ ، وَلَا فِي مَسَاجِدِهَا ، إلَّا فِي مَكَّةَ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا يُلَبِّي بِالْمَدِينَةِ ، فَقَالَ : إنَّ هَذَا لَمَجْنُونٌ ، إنَّمَا التَّلْبِيَةُ إذَا بَرَزْت .\rوَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يُلَبِّي فِي الْمَسَاجِدِ كُلِّهَا ، وَيَرْفَعُ صَوْتَهُ ، أَخْذًا مِنْ عُمُومِ الْحَدِيثِ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَلِأَنَّ الْمَسَاجِدَ إنَّمَا بُنِيَتْ لِلصَّلَاةِ ، وَجَاءَتْ الْكَرَاهَةُ لِرَفْعِ الصَّوْتِ فِيهَا عَامًّا إلَّا الْإِمَامَ خَاصَّةً ، فَوَجَبَ إبْقَاؤُهَا عَلَى عُمُومِهَا .\rفَأَمَّا مَكَّةُ فَتُسْتَحَبُّ التَّلْبِيَةُ فِيهَا ؛ لِأَنَّهَا مَحَلُّ النُّسُكِ ، وَكَذَلِكَ الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ ، وَسَائِرُ مَسَاجِدِ الْحَرَمِ ، كَمَسْجِدِ مِنًى ، وَفِي عَرَفَاتٍ أَيْضًا .","part":6,"page":409},{"id":2909,"text":"( 2311 ) فَصْلٌ : وَلَا يُلَبِّي بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ ، إلَّا أَنْ يَعْجِزَ عَنْهَا ؛ لِأَنَّهُ ذِكْرٌ مَشْرُوعٌ ، فَلَا يُشْرَعُ بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ ، كَالْأَذَانِ وَالْأَذْكَارِ الْمَشْرُوعَةِ فِي الصَّلَاةِ .","part":6,"page":410},{"id":2910,"text":"( 2312 ) فَصْلٌ : وَلَا بَأْسَ بِالتَّلْبِيَةِ فِي طَوَافِ الْقُدُومِ .\rوَبِهِ يَقُولُ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَعَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ ، وَرَبِيعَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى ، وَدَاوُد ، وَالشَّافِعِيُّ .\rوَرُوِيَ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ قَالَ : لَا يُلَبِّي حَوْلَ الْبَيْتِ .\rوَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ : مَا رَأَيْنَا أَحَدًا يُقْتَدَى بِهِ يُلَبِّي حَوْلَ الْبَيْتِ إلَّا عَطَاءَ بْنَ السَّائِبِ .\rوَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ ، أَنَّهُ لَا يُلَبِّي .\rوَهُوَ قَوْلٌ لِلشَّافِعِي ؛ لِأَنَّهُ مُشْتَغِلٌ بِذِكْرٍ يَخُصُّهُ ، فَكَانَ أَوْلَى .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ زَمَنُ التَّلْبِيَةِ ، فَلَمْ يُكْرَهْ لَهُ ، كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ حَوْلَ الْبَيْتِ ، وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَ التَّلْبِيَةِ وَالذِّكْرِ الْمَشْرُوعِ فِي الطَّوَافِ .\rوَيُكْرَهُ لَهُ رَفْعُ الصَّوْتِ بِالتَّلْبِيَةِ ، لِئَلَّا يَشْغَلَ الطَّائِفِينَ عَنْ طَوَافِهِمْ وَأَذْكَارِهِمْ .\rوَإِذَا فَرَغَ مِنْ التَّلْبِيَةِ صَلَّى عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَدَعَا بِمَا أَحَبَّ مِنْ خَيْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ، لِمَا رَوَى الدَّارَقُطْنِيّ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { كَانَ إذَا فَرَغَ مِنْ تَلْبِيَتِهِ ، سَأَلَ اللَّهَ مَغْفِرَتَهُ وَرِضْوَانَهُ ، وَاسْتَعَاذَهُ بِرَحْمَتِهِ مِنْ النَّارِ } .\rوَقَالَ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ : يُسْتَحَبُّ لِلرَّجُلِ إذَا فَرَغَ مِنْ تَلْبِيَتِهِ ، أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rوَجَاءَ فِي التَّفْسِيرِ ، فِي تَأْوِيلِ قَوْله تَعَالَى : { وَرَفَعْنَا لَك ذِكْرَكَ } .\rلَا أُذْكَرُ إلَّا ذُكِرْت مَعِي .\rوَلِأَنَّ أَكْثَرَ الْمَوَاضِعِ الَّتِي شُرِعَ فِيهَا ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى ، شُرِعَ فِيهَا ذِكْرُ نَبِيِّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، كَالْأَذَانِ وَالصَّلَاةِ .","part":6,"page":411},{"id":2911,"text":"( 2313 ) فَصْلٌ : وَلَا بَأْسَ أَنْ يُلَبِّيَ الْحَلَالُ .\rوَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَعَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَكَرِهَهُ مَالِكٌ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ ذِكْرٌ يُسْتَحَبُّ لِلْمُحْرِمِ ، فَلَمْ يُكْرَهْ لِغَيْرِهِ ، كَسَائِرِ الْأَذْكَارِ .","part":6,"page":412},{"id":2912,"text":"( 2314 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَالْمَرْأَةُ يُسْتَحَبُّ لَهَا أَنْ تَغْتَسِلَ عِنْدَ الْإِحْرَامِ ، وَإِنْ كَانَتْ حَائِضًا أَوْ نُفَسَاءَ ؛ ) ( لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ أَسْمَاءَ بِنْتَ عُمَيْسٍ وَهِيَ نُفَسَاءُ أَنْ تَغْتَسِلَ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الِاغْتِسَالَ مَشْرُوعٌ لِلنِّسَاءِ عِنْدَ الْإِحْرَامِ ، كَمَا يُشْرَعُ لِلرِّجَالِ ؛ لِأَنَّهُ نُسُكٌ ، وَهُوَ فِي حَقِّ الْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ آكَدُ ؛ لِوُرُودِ الْخَبَرِ فِيهِمَا .\rقَالَ جَابِرٌ : حَتَّى أَتَيْنَا ذَا الْحُلَيْفَةِ ، فَوَلَدَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ ، فَأَرْسَلَتْ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : كَيْفَ أَصْنَعُ ؟ قَالَ : { اغْتَسِلِي ، وَاسْتَثْفِرِي بِثَوْبٍ ، وَأَحْرِمِي } .\rرَوَاهُ مُسْلِمٌ .\rوَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { النُّفَسَاءُ وَالْحَائِضُ ، إذَا أَتَيَا عَلَى الْوَقْتِ ، يَغْتَسِلَانِ ، وَيُحْرِمَانِ ، وَيَقْضِيَانِ الْمَنَاسِكَ كُلَّهَا ، غَيْرَ الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَأَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَائِشَةَ أَنْ تَغْتَسِلَ لِإِهْلَالِ الْحَجِّ ، وَهِيَ حَائِضٌ .\rوَإِنْ رَجَتْ الْحَائِضُ الطُّهْرَ قَبْلَ الْخُرُوجِ مِنْ الْمِيقَاتِ ، أَوْ النُّفَسَاءُ ، اُسْتُحِبَّ لَهَا تَأْخِيرُ الِاغْتِسَالِ حَتَّى تَطْهُرَ ؛ لِيَكُونَ أَكْمَلَ لَهَا ، فَإِنْ خَشِيت الرَّحِيلَ قَبْلَهُ ، اغْتَسَلَتْ ، وَأَحْرَمَتْ .","part":6,"page":413},{"id":2913,"text":"( 2315 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَمَنْ أَحْرَمَ وَعَلَيْهِ قَمِيصٌ خَلَعَهُ ، وَلَمْ يَشُقَّهُ ) هَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rوَحُكِيَ عَنْ الشَّعْبِيِّ ، وَالنَّخَعِيِّ ، وَأَبِي قِلَابَةَ ، وَأَبِي صَالِحٍ ذَكْوَانَ ، أَنَّهُ يَشُقُّ ثِيَابَهُ ؛ لِئَلَّا يَتَغَطَّى رَأْسُهُ حِينَ يَنْزِعُ الْقَمِيصَ مِنْهُ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى يَعْلَى بْنَ أُمَيَّةَ ، أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، { كَيْفَ تَرَى فِي رَجُلٍ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ فِي جُبَّةٍ ، بَعْدَمَا تَضَمَّخَ بِطِيبٍ ؟ فَنَظَرَ إلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَاعَةً ، ثُمَّ سَكَتَ ، فَجَاءَهُ الْوَحْيُ ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَمَّا الطِّيبُ الَّذِي بِك فَاغْسِلْهُ ، وَأَمَّا الْجُبَّةُ فَانْزِعْهَا ، ثُمَّ اصْنَعْ فِي عُمْرَتِك مَا تَصْنَعُ فِي حَجِّك } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَهَذَا لَفْظُ مُسْلِمٍ .\rقَالَ عَطَاءٌ : كُنَّا قَبْلَ أَنْ نَسْمَعَ هَذَا الْحَدِيثَ نَقُولُ فِي مَنْ أَحْرَمَ وَعَلَيْهِ قَمِيصٌ أَوْ جُبَّةٌ ، فَلْيَخْرِقْهَا عَنْهُ .\rفَلَمَّا بَلَغَنَا هَذَا الْحَدِيثُ ، أَخَذْنَا بِهِ ، وَتَرَكْنَا مَا كُنَّا نُفْتِي بِهِ قَبْلَ ذَلِكَ .\rوَلِأَنَّ فِي شَقِّ الثَّوْبِ إضَاعَةَ مَالِيَّتِهِ ، وَقَدْ نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ إضَاعَةِ الْمَالِ .\r( 2316 ) فَصْلٌ : وَإِذَا نَزَعَ فِي الْحَالِ ، فَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَأْمُر الرَّجُلَ بِفِدْيَةٍ .\rوَإِنْ اسْتَدَامَ اللُّبْسَ بَعْدَ إمْكَانِ نَزْعِهِ ، فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ ؛ لِأَنَّ اسْتِدَامَةَ اللُّبْسِ مُحَرَّمٌ كَابْتِدَائِهِ ، بِدَلِيلِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ الرَّجُلَ بِنَزْعِ جُبَّتِهِ ، وَإِنَّمَا لَمْ يَأْمُرْهُ بِفِدْيَةٍ لِمَا مَضَى فِيمَا نَرَى ؛ لِأَنَّهُ كَانَ جَاهِلًا بِالتَّحْرِيمِ ، فَجَرَى مَجْرَى النَّاسِي .","part":6,"page":414},{"id":2914,"text":"( 2317 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَأَشْهُرُ الْحَجِّ : شَوَّالٌ ، وَذُو الْقَعْدَةِ ، وَعَشْرٌ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ ) هَذَا قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَابْنِ عُمَرَ ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ ، وَعَطَاءٍ ، وَمُجَاهِدٍ ، وَالْحَسَنِ ، وَالشَّعْبِيِّ ، وَالنَّخَعِيِّ ، وَقَتَادَةَ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ .\rوَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ ، وَابْنِهِ وَابْنِ عَبَّاسٍ : أَشْهُرُ الْحَجِّ شَوَّالٌ ، وَذُو الْقَعْدَةِ ، وَذُو الْحِجَّةِ .\rوَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ؛ لِأَنَّ أَقَلَّ الْجَمْعِ ثَلَاثَةٌ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : آخِرُ أَشْهُرِ الْحَجِّ لَيْلَةُ النَّحْرِ ، وَلَيْسَ يَوْمُ النَّحْرِ مِنْهَا ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ } .\rوَلَا يُمْكِنُ فَرْضُهُ بَعْدَ لَيْلَةِ النَّحْرِ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ يَوْمُ النَّحْرِ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rفَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ لَيْسَ مِنْ أَشْهُرِهِ ، وَأَيْضًا فَإِنَّهُ قَوْلُ مَنْ سَمَّيْنَا مِنْ الصَّحَابَةِ ، وَلِأَنَّ يَوْمَ النَّحْرِ فِيهِ رُكْنُ الْحَجِّ ، وَهُوَ طَوَافُ الزِّيَارَةِ ، وَفِيهِ كَثِيرٌ مِنْ أَفْعَالِ الْحَجِّ ، مِنْهَا : رَمْيُ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ ، وَالنَّحْرُ ، وَالْحَلْقُ ، وَالطَّوَافُ ، وَالسَّعْيُ ، وَالرُّجُوعُ إلَى مِنًى ، وَمَا بَعْدَهُ لَيْسَ مِنْ أَشْهُرِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِوَقْتٍ لِإِحْرَامِهِ ، وَلَا لِأَرْكَانِهِ ، فَهُوَ كَالْمُحَرَّمِ ، وَلَا يَمْتَنِعُ التَّعْبِيرُ بِلَفْظِ الْجَمْعِ عَنْ شَيْئَيْنِ ، وَبَعْضِ الثَّالِثِ ، فَقَدْ قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ : عِشْرُونَ جَمْعُ عَشْرٍ ، وَإِنَّمَا هِيَ عُشْرَانِ وَبَعْضُ الثَّالِثِ ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى { يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ } .\rوَالْقُرْءُ الطُّهْرُ عِنْدَهُ ، وَلَوْ طَلَّقَهَا فِي طُهْرٍ احْتَسَبَتْ بِبَقِيَّتِهِ .\rوَتَقُولُ الْعَرَبُ : ثَلَاثٌ خَلَوْنَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ ، وَهُمْ فِي الثَّالِثَةِ .\rوَقَوْلِهِ : { فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ } .\rأَيْ فِي أَكْثَرِهِنَّ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":6,"page":415},{"id":2915,"text":"بَاب مَا يَتَوَقَّى الْمُحْرِم وَمَا أُبِيحَ لَهُ ( 2318 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ أَبُو الْقَاسِم : ( وَيَتَوَقَّى فِي إحْرَامِهِ مَا نَهَاهُ اللَّهُ عَنْهُ ، مِنْ الرَّفَثِ وَهُوَ الْجِمَاعُ ، وَالْفُسُوقِ ، وَهُوَ السِّبَابُ ، وَالْجِدَالِ ، وَهُوَ الْمِرَاءُ ) يَعْنِي بِقَوْلِهِ ( مَا نَهَاهُ اللَّهُ عَنْهُ ) قَوْلَهُ سُبْحَانَهُ : { الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ } .\rوَهَذَا صِيغَتُهُ صِيغَةُ النَّفْيِ أُرِيدَ بِهِ النَّهْيُ ، كَقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ : { لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا } .\rوَالرَّفَثُ : هُوَ الْجِمَاعُ .\rرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَابْنِ عُمَرَ ، وَعَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ ، وَعَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ، وَمُجَاهِدٍ ، وَالْحَسَنِ ، وَالنَّخَعِيِّ ، وَالزُّهْرِيِّ ، وَقَتَادَةَ .\rوَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّهُ قَالَ : الرَّفَثُ : غَشَيَانُ النِّسَاءِ ، وَالتَّقْبِيلُ ، وَالْغَمْزُ ، وَأَنْ يَعْرِضَ لَهَا بِالْفُحْشِ مِنْ الْكَلَامِ .\rوَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ : الرَّفَثُ لَغَا الْكَلَامِ .\rوَأَنْشَدَ قَوْلَ الْعَجَّاجِ : عَنْ اللَّغَا وَرَفَثِ التَّكَلُّمِ وَقِيلَ : الرَّفَثُ ؛ هُوَ مَا يُكَنَّى عَنْهُ مِنْ ذِكْرِ الْجِمَاعِ .\rوَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّهُ أَنْشَدَ بَيْتًا فِيهِ التَّصْرِيحُ بِمَا يُكَنَّى عَنْهُ مِنْ الْجِمَاعِ وَهُوَ مُحْرِمٌ ، فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ ، فَقَالَ : إنَّمَا الرَّفَثُ مَا رُوجِعَ بِهِ النِّسَاءُ .\rوَفِي لَفْظٍ : مَا قِيلَ مِنْ ذَلِكَ عِنْدَ النِّسَاءِ .\rوَكُلُّ مَا فُسِّرَ بِهِ الرَّفَثُ يَنْبَغِي لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَجْتَنِبَهُ ، إلَّا أَنَّهُ فِي الْجِمَاعِ أَظْهَرُ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ تَفْسِيرِ الْأَئِمَّةِ لَهُ بِذَلِكَ ، وَلِأَنَّهُ قَدْ جَاءَ فِي الْكِتَابِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ ، وَأُرِيدَ بِهِ الْجِمَاعُ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إلَى نِسَائِكُمْ } فَأَمَّا الْفُسُوقُ : فَهُوَ السِّبَابُ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَقِيلَ : الْفُسُوقُ الْمَعَاصِي .\rرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ","part":6,"page":416},{"id":2916,"text":"ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَابْنِ عُمَرَ ، وَعَطَاءٍ ، وَإِبْرَاهِيمَ .\rوَقَالُوا أَيْضًا : الْجِدَالُ الْمِرَاءُ .\rوَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : هُوَ أَنْ تُمَارِيَ صَاحِبَك حَتَّى تُغْضِبَهُ .\rوَالْمُحْرِمُ مَمْنُوعٌ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ حَجَّ ، فَلَمْ يَرْفُثْ ، وَلَمْ يَفْسُقْ ، خَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ ، كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَقَالَ مُجَاهِدٌ ، فِي قَوْله تَعَالَى : { وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ } .\rأَيْ : لَا مُجَادَلَةَ ، وَلَا شَكَّ فِي الْحَجِّ أَنَّهُ فِي ذِي الْحِجَّةِ .\rوَقَوْلُ الْجُمْهُورِ أَوْلَى .","part":6,"page":417},{"id":2917,"text":"( 2319 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَيُسْتَحَبُّ لَهُ قِلَّةُ الْكَلَامِ ، إلَّا فِيمَا يَنْفَعُ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ شُرَيْحٍ ، أَنَّهُ كَانَ إذَا أَحْرَمَ كَأَنَّهُ حَيَّةٌ صَمَّاءُ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ قِلَّةَ الْكَلَامِ فِيمَا لَا يَنْفَعُ مُسْتَحَبَّةٌ فِي كُلِّ حَالٍ ، صِيَانَةً لِنَفْسِهِ عَنْ اللَّغْوِ ، وَالْوُقُوعِ فِي الْكَذِبِ ، وَمَا لَا يَحِلُّ ، فَإِنَّ مَنْ كَثُرَ كَلَامُهُ كَثُرَ سَقَطُهُ ، وَفِي الْحَدِيثِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ، فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ } .\rقَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَعَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مِنْ { حُسْنِ إسْلَامِ الْمَرْءِ ، تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ } رَوَاهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ .\rوَرُوِيَ فِي ( الْمُسْنَدِ ) ، عَنْ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rوَقَالَ أَبُو دَاوُد : أُصُولُ السُّنَنِ أَرْبَعَةُ أَحَادِيثَ ، هَذَا أَحَدُهَا .\rوَهَذَا فِي حَالِ الْإِحْرَامِ أَشَدُّ اسْتِحْبَابًا ؛ لِأَنَّهُ حَالُ عِبَادَةٍ وَاسْتِشْعَارٍ بِطَاعَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، فَيُشْبِهُ الِاعْتِكَافَ ، وَقَدْ احْتَجَّ أَحْمَدُ عَلَى ذَلِكَ ، بِأَنَّ شُرَيْحًا ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، كَانَ إذَا أَحْرَمَ كَأَنَّهُ حَيَّةٌ صَمَّاءُ .\rفَيُسْتَحَبُّ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَشْتَغِلَ بِالتَّلْبِيَةِ ، وَذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى ، أَوْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ ، أَوْ أَمْرٍ بِمَعْرُوفٍ ، أَوْ نَهْيٍ عَنْ مُنْكَرٍ ، أَوْ تَعْلِيمٍ لِجَاهِلٍ ، أَوْ يَأْمُرَ بِحَاجَتِهِ ، أَوْ يَسْكُتَ ، وَإِنْ تَكَلَّمَ بِمَا لَا مَأْثَمَ فِيهِ ، أَوْ أَنْشَدَ شِعْرًا لَا يَقْبُحُ ، فَهُوَ مُبَاحٌ ، وَلَا يُكْثِرُ ، فَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ عَلَى نَاقَةٍ لَهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ ، فَجَعَلَ يَقُولُ : كَأَنَّ رَاكِبَهَا غُصْنٌ بِمِرْوَحَةٍ إذَا تَدَلَّتْ بِهِ أَوْ شَارِبٌ ثَمِلُ اللَّهُ أَكْبَرُ ، اللَّهُ","part":6,"page":418},{"id":2918,"text":"أَكْبَرُ .\rوَهَذَا يَدُلُّ عَلَى الْإِبَاحَةِ ، وَالْفَضِيلَةُ الْأَوَّلُ .","part":6,"page":419},{"id":2919,"text":"( 2320 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَلَا يَتَفَلَّى الْمُحْرِمُ ، وَلَا يَقْتُلُ الْقَمْلَ ، وَيَحُكُّ رَأْسَهُ وَجَسَدَهُ حَكًّا رَفِيقًا ) اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، فِي إبَاحَةِ قَتْلِ الْقَمْلِ ؛ فَعَنْهُ إبَاحَتُهُ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَكْثَرِ الْهَوَامِّ أَذًى ، فَأُبِيحَ قَتْلُهُ ، كَالْبَرَاغِيثِ وَسَائِرِ مَا يُؤْذِي ، وَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { خَمْسٌ فَوَاسِقُ يُقْتَلْنَ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ } .\rيَدُلُّ بِمَعْنَاهُ عَلَى إبَاحَةِ قَتْلِ كُلِّ مَا يُؤْذِي بَنِي آدَمَ فِي أَنْفُسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ .\rوَعَنْهُ أَنَّ قَتْلَهُ مُحَرَّمٌ .\rوَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ ؛ لِأَنَّهُ يَتَرَفَّهُ بِإِزَالَتِهِ عَنْهُ ، فَحُرِّمَ كَقَطْعِ الشَّعْرِ ، وَلِأَنَّ { النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى كَعْبَ بْنَ عُجْرَةَ وَالْقَمْلُ يَتَنَاثَرُ عَلَى وَجْهِهِ ، فَقَالَ لَهُ : احْلِقْ رَأْسَك } .\rفَلَوْ كَانَ قَتْلُ الْقَمْلِ أَوْ إزَالَتُهُ مُبَاحًا ، لَمْ يَكُنْ كَعْبٌ لِيَتْرُكهُ حَتَّى يَصِيرَ كَذَلِكَ ، أَوْ لَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَهُ بِإِزَالَتِهِ خَاصَّةً .\rوَالصِّئْبَانُ كَالْقَمْلِ فِي ذَلِكَ ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ قَتْلِ الْقَمْلِ ، أَوْ إزَالَتِهِ بِإِلْقَائِهِ عَلَى الْأَرْضِ ، أَوْ قَتْلِهِ بِالزِّئْبَقِ ، فَإِنَّ قَتْلَهُ لَمْ يَحْرُمْ لِحُرْمَتِهِ ، لَكِنْ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّرَفُّهِ ، فَعَمَّ الْمَنْعُ إزَالَتَهُ كَيْفَمَا كَانَتْ .\rوَلَا يَتَفَلَّى ، فَإِنَّ التَّفَلِّيَ عِبَارَةٌ عَنْ إزَالَةِ الْقَمْلِ ، وَهُوَ مَمْنُوعٌ مِنْهُ .\rوَيَجُوزُ لَهُ حَكُّ رَأْسِهِ ، وَيَرْفُقُ فِي الْحَكِّ ، كَيْ لَا يَقْطَعَ شَعْرًا ، أَوْ يَقْتُلَ قَمْلَةً ، فَإِنْ حَكَّ فَرَأَى فِي يَده شَعْرًا ، أَحْبَبْنَا أَنْ يَفْدِيَهُ احْتِيَاطًا ، وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ حَتَّى يَسْتَيْقِنَ أَنَّهُ قَلَعَهُ .\rقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا : إنَّمَا اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ فِي الْقَمْلِ الَّذِي فِي شَعْرِهِ ، فَأَمَّا مَا أَلْقَاهُ مِنْ ظَاهِرِ بَدَنِهِ ، فَلَا فِدْيَةَ فِيهِ .\r( 2321 ) فَصْلٌ : فَإِنْ خَالَفَ وَتَفَلَّى ، أَوْ قَتَلَ قَمْلًا ، فَلَا فِدْيَةَ فِيهِ","part":6,"page":420},{"id":2920,"text":"؛ فَإِنَّ كَعْبَ بْنَ عُجْرَةَ حِينَ حَلَقَ رَأْسَهُ ، قَدْ أَذْهَبَ قَمْلًا كَثِيرًا ، وَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ لِذَلِكَ شَيْءٌ ، وَإِنَّمَا وَجَبَتْ الْفِدْيَةُ بِحَلْقِ الشَّعْرِ ، وَلِأَنَّ الْقَمْلَ لَا قِيمَةَ لَهُ ، فَأَشْبَهَ الْبَعُوضَ وَالْبَرَاغِيثَ ، وَلِأَنَّهُ لَيْسَ بِصَيْدٍ ، وَلَا هُوَ مَأْكُولٌ ، وَحُكِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : هِيَ أَهْوَنُ مَقْتُولٍ .\rوَسُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ ، عَنْ مُحْرِمٍ أَلْقَى قَمْلَةً ، ثُمَّ طَلَبَهَا فَلَمْ يَجِدْهَا .\rفَقَالَ : تِلْكَ ضَالَّةٌ لَا تُبْتَغَى .\rوَهَذَا قَوْلُ طَاوُسٍ ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَعَطَاءٍ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ فِي مَنْ قَتَلَ قَمْلَةً ، قَالَ : يُطْعِمُ شَيْئًا .\rفَعَلَى هَذَا أَيُّ شَيْءٍ تَصَدَّقَ بِهِ أَجْزَاهُ ، سَوَاءٌ قَتَلَ كَثِيرًا أَوْ قَلِيلًا .\rوَهَذَا قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ .\rوَقَالَ إِسْحَاقُ : تَمْرَةٌ فَمَا فَوْقَهَا .\rوَقَالَ مَالِكٌ : حَفْنَةٌ مِنْ طَعَامٍ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ .\rوَقَالَ عَطَاءٌ : قَبْضَةٌ مِنْ طَعَامٍ .\rوَهَذِهِ الْأَقْوَالُ كُلُّهَا تَرْجِعُ إلَى مَا قُلْنَاهُ ، فَإِنَّهُمْ لَمْ يُرِيدُوا بِذَلِكَ التَّقْدِيرَ ، وَإِنَّمَا هُوَ عَلَى التَّقْرِيبِ لِأَقَلِّ مَا يُتَصَدَّقُ بِهِ .","part":6,"page":421},{"id":2921,"text":"فَصْلٌ : وَلَا بَأْسَ أَنْ يَغْسِلَ الْمُحْرِمُ رَأْسَهُ وَبَدَنَهُ بِرِفْقٍ ، فَعَلَ ذَلِكَ عُمَرُ ، وَابْنُهُ ، وَرَخَّصَ فِيهِ عَلِيٌّ ، وَجَابِرٌ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَكَرِهَ مَالِكٌ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَغْطِسَ فِي الْمَاءِ ، وَيُغَيِّبَ فِيهِ رَأْسَهُ .\rوَلَعَلَّهُ ذَهَبَ إلَى أَنَّ ذَلِكَ سِتْرٌ لَهُ ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِسِتْرٍ ، وَلِهَذَا لَا يَقُومُ مَقَامَ السُّتْرَةِ فِي الصَّلَاةِ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : رُبَّمَا قَالَ لِي عُمَرُ وَنَحْنُ مُحْرِمُونَ بِالْجُحْفَةِ : تَعَالَ أُبَاقِيك أَيُّنَا أَطْوَلُ نَفَسًا فِي الْمَاءِ .\rوَقَالَ : رُبَّمَا قَامَسْت عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ بِالْجُحْفَةِ وَنَحْنُ مُحْرِمُونَ .\rرَوَاهُمَا سَعِيدٌ .\rوَلِأَنَّهُ لَيْسَ بِسِتْرٍ مُعْتَادٍ ، أَشْبَهَ صَبَّ الْمَاءِ عَلَيْهِ ، أَوْ وَضْعَ يَدَيْهِ عَلَيْهِ .\rوَقَدْ رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُنَيْنٍ ، قَالَ : { أَرْسَلَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ إلَى أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ ، فَأَتَيْته وَهُوَ يَغْتَسِلُ ، فَسَلَّمْت عَلَيْهِ ، فَقَالَ : مَنْ هَذَا ؟ فَقُلْت : أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جُبَيْرٍ أَرْسَلَنِي إلَيْك عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ يَسْأَلُك : كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَغْسِلُ رَأْسَهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ ؟ فَوَضَعَ أَبُو أَيُّوبَ يَدَهُ عَلَى الثَّوْبِ ، فَطَأْطَأَهُ حَتَّى بَدَا لِي رَأْسُهُ ، ثُمَّ قَالَ لِإِنْسَانٍ يَصُبُّ عَلَيْهِ الْمَاءَ : صُبَّ .\rفَصَبَّ عَلَى رَأْسِهِ ، ثُمَّ حَرَّك رَأْسَهُ بِيَدَيْهِ ، فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ ، ثُمَّ قَالَ : هَكَذَا رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَفْعَلُ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَأَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْمُحْرِمَ يَغْتَسِلُ مِنْ الْجَنَابَةِ .","part":6,"page":422},{"id":2922,"text":"( 2323 ) فَصْلٌ : وَيُكْرَهُ لَهُ غَسْلُ رَأْسِهِ بِالسِّدْرِ وَالْخِطْمِيِّ وَنَحْوِهِمَا ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ إزَالَةِ الشُّعْثِ ، وَالتَّعَرُّضِ لِقَلْعِ الشَّعْرِ .\rوَكَرِهَهُ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rفَإِنْ فَعَلَ فَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ : عَلَيْهِ الْفِدْيَةُ .\rوَبِهِ قَالَ مَالِكٌ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ .\rوَقَالَ صَاحِبَاهُ : عَلَيْهِ صَدَقَةٌ ؛ لِأَنَّ الْخِطْمِيَّ تُسْتَلَذُّ رَائِحَتُهُ ، وَتُزِيلُ الشُّعْثَ ، وَتَقْتُلُ الْهَوَامَّ ، فَوَجَبَتْ بِهِ الْفِدْيَةُ كَالْوَرْسِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ، فِي الْمُحْرِمِ الَّذِي وَقَصَّهُ بَعِيرُهُ { : اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْهِ ، وَلَا تُحَنِّطُوهُ ، وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ ؛ فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rفَأَمَرَ بِغَسْلِهِ بِالسِّدْرِ ، مَعَ إثْبَاتِ حُكْمِ الْإِحْرَامِ فِي حَقِّهِ ، وَالْخِطْمِيُّ كَالسِّدْرِ .\rوَلِأَنَّهُ لَيْسَ بِطِيبٍ ، فَلَمْ تَجِبْ الْفِدْيَةُ بِاسْتِعْمَالِهِ كَالتُّرَابِ .\rوَقَوْلُهُمْ : تُسْتَلَذُّ رَائِحَتُهُ .\rمَمْنُوعٌ ، ثُمَّ يَبْطُلُ بِالْفَاكِهَةِ وَبَعْضِ التُّرَابِ .\rوَإِزَالَةُ الشُّعْثِ تَحْصُلُ بِذَلِكَ أَيْضًا ، وَقَتْلُ الْهَوَامِّ لَا يُعْلَمُ حُصُولُهُ ، وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُهُ عَلَى الْوَرْسِ ؛ لِأَنَّهُ طِيبٌ ، وَلِذَلِكَ لَوْ اسْتَعْمَلَهُ فِي غَيْرِ الْغَسْلِ ، أَوْ فِي ثَوْبٍ لَمُنِعَ مِنْهُ ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا .","part":6,"page":423},{"id":2923,"text":"( 2324 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَلَا يَلْبَسُ الْقُمَّصَ ، وَلَا السَّرَاوِيلَ ، وَلَا الْبُرْنُسَ ) قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْمُحْرِمَ مَمْنُوعٌ مِنْ لُبْسِ الْقُمَّصِ ، وَالْعَمَائِمِ ، وَالسَّرَاوِيلَاتِ ، وَالْخِفَافِ ، وَالْبَرَانِسِ .\rوَالْأَصْلُ فِي هَذَا مَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ ، { أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ مِنْ الثِّيَابِ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا يَلْبَسُ الْقُمَّصَ ، وَلَا الْعَمَائِمَ ، وَلَا السَّرَاوِيلَاتِ ، وَلَا الْبَرَانِسَ ، وَلَا الْخِفَافَ ، إلَّا أَحَدًا لَا يَجِدُ نَعْلَيْنِ ، فَلْيَلْبَسْ الْخُفَّيْنِ ، وَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِنْ الْكَعْبَيْنِ ، وَلَا يَلْبَسْ مِنْ الثِّيَابِ شَيْئًا مَسَّهُ الزَّعْفَرَانُ ، وَلَا الْوَرْسُ } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rنَصَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى هَذِهِ الْأَشْيَاءِ ، وَأَلْحَقَ بِهَا أَهْلُ الْعِلْمِ مَا فِي مَعْنَاهَا ، مِثْلَ الْجُبَّةِ ، وَالدُّرَّاعَةِ ، وَالثِّيَابِ ، وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ .\rفَلَيْسَ لِلْمُحْرِمِ سَتْرُ بَدَنِهِ بِمَا عُمِلَ عَلَى قَدْرِهِ ، وَلَا سَتْرُ عُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهِ بِمَا عُمِلَ عَلَى قَدْرِهِ ، كَالْقَمِيصِ لِلْبَدَنِ ، وَالسَّرَاوِيلِ لِبَعْضِ الْبَدَنِ ، وَالْقُفَّازَيْنِ لِلْيَدَيْنِ ، وَالْخُفَّيْنِ لِلرِّجْلَيْنِ ، وَنَحْوِ ذَلِكَ ، وَلَيْسَ فِي هَذَا كُلِّهِ اخْتِلَافٌ .\rقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : لَا يَجُوزُ لِبَاسُ شَيْءٍ مِنْ الْمَخِيطِ عِنْدَ جَمِيعِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهَذَا الذُّكُورُ دُونَ النِّسَاءِ .","part":6,"page":424},{"id":2924,"text":"( 2325 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( فَإِنْ لَمْ يَجِدْ إزَارًا ، لَبِسَ السَّرَاوِيلَ ، وَإِنْ لَمْ يَجِدَ نَعْلَيْنِ ، لَبِسَ الْخُفَّيْنِ ، وَلَا يَقْطَعْهُمَا ، وَلَا فِدَاءَ عَلَيْهِ ) لَا نَعْلَمُ خِلَافًا بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ ، فِي أَنَّ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَلْبَسَ السَّرَاوِيلَ ، إذَا لَمْ يَجِدْ الْإِزَارَ ، وَالْخُفَّيْنِ إذَا لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ .\rوَبِهَذَا قَالَ عَطَاءٌ ، وَعِكْرِمَةُ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ، وَغَيْرُهُمْ .\rوَالْأَصْلُ فِيهِ مَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ ، قَالَ : { سَمِعْت النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ بِعَرَفَاتٍ ، يَقُولُ : مَنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسْ الْخُفَّيْنِ ، وَمَنْ لَمْ يَجِدْ إزَارًا فَلْيَلْبَسْ سَرَاوِيلَ لِلْمُحْرِمِ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَرَوَى جَابِرٌ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَ ذَلِكَ .\rأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ .\rوَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ فِي لُبْسِهِمَا عِنْدَ ذَلِكَ ، فِي قَوْلِ مَنْ سَمَّيْنَا ، إلَّا مَالِكًا وَأَبَا حَنِيفَةَ قَالَا : عَلَى كُلِّ مَنْ لَبِسَ السَّرَاوِيلَ الْفِدْيَةُ ؛ لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ الَّذِي قَدَّمْنَاهُ .\rوَلِأَنَّ مَا وَجَبَتْ الْفِدْيَةُ بِلُبْسِهِ مَعَ وُجُودِ الْإِزَارِ ، وَجَبَتْ مَعَ عَدَمِهِ ، كَالْقَمِيصِ .\rوَلَنَا ، خَبَرُ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَهُوَ صَرِيحٌ فِي الْإِبَاحَةِ ، ظَاهِرٌ فِي إسْقَاطِ الْفِدْيَةِ ؛ لِأَنَّهُ أَمَرَ بِلُبْسِهِ ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِدْيَةً ، وَلِأَنَّهُ يَخْتَصُّ لُبْسُهُ بِحَالَةِ عَدَمِ غَيْرِهِ ، فَلَمْ تَجِبْ بِهِ فِدْيَةٌ ، كَالْخُفَّيْنِ الْمَقْطُوعَيْنِ .\rوَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ مَخْصُوصٌ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَجَابِرٍ .\rفَأَمَّا الْقَمِيصُ فَيُمْكِنُهُ أَنْ يَتَّزِرَ بِهِ مِنْ غَيْرِ لُبْسٍ ، وَيَسْتَتِرَ ، بِخِلَافِ السَّرَاوِيلِ .","part":6,"page":425},{"id":2925,"text":"( 2326 ) فَصْلٌ : وَإِذَا لَبِسَ الْخُفَّيْنِ ، لِعَدَمِ النَّعْلَيْنِ ، لَمْ يَلْزَمْهُ قَطْعُهُمَا ، فِي الْمَشْهُورِ عَنْ أَحْمَدَ ، وَيُرْوَى ذَلِكَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .\rوَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ .\rوَعِكْرِمَةُ ، وَسَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ الْقَدَّاحُ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّهُ يَقْطَعُهُمَا ، حَتَّى يَكُونَا أَسْفَلَ مِنْ الْكَعْبَيْنِ ، فَإِنْ لَبِسَهُمَا مِنْ غَيْرِ قَطْعٍ ، افْتَدَى .\rوَهَذَا قَوْلُ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ، وَمَالِكٍ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَإِسْحَاقَ ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { فَمَنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ ، فَلْيَلْبَسْ الْخُفَّيْنِ ، وَلْيَقْطَعْهُمَا ، حَتَّى يَكُونَا أَسْفَلَ مِنْ الْكَعْبَيْنِ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ، وَهُوَ مُتَضَمِّنٌ لِزِيَادَةٍ عَلَى حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَجَابِرٍ ، وَالزِّيَادَةُ مِنْ الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ .\rقَالَ الْخَطَّابِيُّ : الْعَجَبُ مِنْ أَحْمَدَ فِي هَذَا ، فَإِنَّهُ لَا يَكَادُ يُخَالِفُ سُنَّةً تَبْلُغُهُ ، وَقَلَّتْ سُنَّةٌ لَمْ تَبْلُغْهُ .\rوَاحْتَجَّ أَحْمَدُ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَجَابِرٍ : ( مَنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ ، فَلْيَلْبَسْ خُفَّيْنِ ) .\rمَعَ قَوْلِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : قَطْعُ الْخُفَّيْنِ فَسَادٌ ، يَلْبَسُهُمَا كَمَا هُمَا .\rمَعَ مُوَافَقَةِ الْقِيَاسِ ، فَإِنَّهُ مَلْبُوسٌ أُبِيحَ لِعَدَمِ غَيْرِهِ ، فَأَشْبَهَ السَّرَاوِيلَ ، وَقَطْعُهُ لَا يُخْرِجُهُ عَنْ حَالَةِ الْحَظْرِ ، فَإِنَّ لُبْسَ الْمَقْطُوعِ مُحَرَّمٌ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى النَّعْلَيْنِ ، كَلُبْسِ الصَّحِيحِ ، وَفِيهِ إتْلَافُ مَالِهِ ، وَقَدْ نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ إضَاعَتِهِ .\rفَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ ، فَقَدْ قِيلَ إنَّ قَوْلَهُ : ( وَلْيَقْطَعْهُمَا ) مِنْ كَلَامِ نَافِعٍ .\rكَذَلِكَ رَوَيْنَاهُ فِي ( أَمَالِي أَبِي الْقَاسِمِ بْنِ بَشْرَانَ ) ، بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ ، أَنَّ نَافِعًا قَالَ بَعْدَ رِوَايَتِهِ لِلْحَدِيثِ : وَلْيَقْطَعْ الْخُفَّيْنِ أَسْفَلَ مِنْ الْكَعْبَيْنِ .\rوَرَوَى ابْنُ أَبِي مُوسَى ،","part":6,"page":426},{"id":2926,"text":"عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ أَبِي عُبَيْدٍ ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَخَّصَ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَلْبَسَ الْخُفَّيْنِ ، وَلَا يَقْطَعَهُمَا } ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يُفْتِي بِقَطْعِهِمَا ، قَالَتْ صَفِيَّةُ : فَلَمَّا أَخْبَرْته بِهَذَا رَجَعَ .\rوَرَوَى أَبُو حَفْصٍ ، فِي ( شَرْحِهِ ) بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ، { أَنَّهُ طَافَ وَعَلَيْهِ خُفَّانِ ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ : وَالْخُفَّانِ مَعَ الْقَبَاءِ ، فَقَالَ : قَدْ لَبِسْتُهُمَا مَعَ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْك } .\rيَعْنِي رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ بِقَطْعِهِمَا مَنْسُوخًا ؛ فَإِنَّ عَمْرَو بْنَ دِينَارٍ رَوَى الْحَدِيثَيْنِ جَمِيعًا ، وَقَالَ : اُنْظُرُوا أَيَّهُمَا كَانَ قَبْلُ ؛ قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ النَّيْسَابُورِيُّ .\rحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ قَبْلُ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ جَاءَ فِي بَعْضِ رِوَايَاتِهِ ، قَالَ : { نَادَى رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ ، يَعْنِي بِالْمَدِينَةِ ، فَكَأَنَّهُ كَانَ قَبْلَ الْإِحْرَامِ } .\rوَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ يَقُولُ : سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { يَخْطُبُ بِعَرَفَاتٍ ، يَقُولُ : مَنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ ، فَلْيَلْبَسْ خُفَّيْنِ } .\rفَيَدُلُّ عَلَى تَأَخُّرِهِ عَنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ فَيَكُونُ نَاسِخًا لَهُ ، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْقَطْعُ وَاجِبًا لَبَيَّنَهُ لِلنَّاسِ ، إذْ لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ ، وَالْمَفْهُومُ مِنْ إطْلَاقِ لُبْسِهِمَا لُبْسُهُمَا عَلَى حَالِهِمَا مِنْ غَيْرِ قَطْعٍ .\rوَالْأَوْلَى قَطْعُهُمَا ، عَمَلًا بِالْحَدِيثِ الصَّحِيحِ ، وَخُرُوجًا مِنْ الْخِلَافِ ، وَأَخْذًا بِالِاحْتِيَاطِ .","part":6,"page":427},{"id":2927,"text":"( 2327 ) فَصْلٌ : فَإِنْ لَبِسَ الْمَقْطُوعَ ، مَعَ وُجُودِ النَّعْلِ ، فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ ، وَلَيْسَ لَهُ لُبْسُهُ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .\rوَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ لُبْسُهُ مُحَرَّمًا ، وَفِيهِ فِدْيَةٌ ، لَمْ يَأْمُرْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَطْعِهِمَا ، لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ فِيهِ ، وَعَنْ الشَّافِعِيِّ كَالْمَذْهَبَيْنِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَرَطَ فِي إبَاحَةِ لُبْسِهِمَا عَدَمَ النَّعْلَيْنِ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ مَعَ وُجُودِهِمَا ، وَلِأَنَّهُ مَخِيطٌ لِعُضْوٍ عَلَى قَدْرِهِ ، فَوَجَبَتْ عَلَى الْمُحْرِمِ الْفِدْيَةُ بِلُبْسِهِ ، كَالْقُفَّازَيْنِ .","part":6,"page":428},{"id":2928,"text":"( 2328 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا اللَّالَكَةُ ، وَالْجُمْجُمُ ، وَنَحْوُهُمَا ، فَقِيَاسُ قَوْلِ أَحْمَدَ ، أَنَّهُ لَا يَلْبَسُ ذَلِكَ ، فَإِنَّهُ قَالَ : لَا يَلْبَسُ النَّعْلَ الَّتِي لَهَا قَيْدٌ .\rوَهَذَا أَشَدُّ مِنْ النَّعْلِ الَّتِي لَهَا قَيْدٌ .\rوَقَدْ قَالَ فِي رَأْسِ الْخُفِّ الصَّغِيرِ : لَا يَلْبَسُهُ .\rوَذَلِكَ لِأَنَّهُ يَسْتُرُ الْقَدَمَ ، وَقَدْ عُمِلَ لَهَا عَلَى قَدْرِهَا ، فَأَشْبَهَ الْخُفَّ فَإِنْ عَدِمَ النَّعْلَيْنِ ، كَانَ لَهُ لُبْسُ ذَلِكَ ، وَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبَاحَ لُبْسَ الْخُفِّ عِنْدَ ذَلِكَ ، فَمَا دُونَ الْخُفِّ أَوْلَى .","part":6,"page":429},{"id":2929,"text":"( 2329 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا النَّعْلُ ، فَيُبَاحُ لُبْسُهَا كَيْفَمَا كَانَتْ ، وَلَا يَجِبُ قَطْعُ شَيْءٍ مِنْهَا ؛ لِأَنَّ إبَاحَتَهَا وَرَدَتْ مُطْلَقًا .\rوَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ فِي الْقَيْدِ فِي النَّعْلِ : يَفْتَدِي ؛ لِأَنَّنَا لَا نَعْرِفُ النِّعَالَ هَكَذَا .\rوَقَالَ : إذَا أَحْرَمْت فَاقْطَعْ الْمَحْمَلَ الَّذِي عَلَى النِّعَالِ ، وَالْعَقِبَ الَّذِي يُجْعَلُ لِلنَّعْلِ ، فَقَدْ كَانَ عَطَاءٌ يَقُولُ : فِيهِ دَمٌ .\rوَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى ، فِي ( الْإِرْشَادِ ) : فِي الْقَيْدِ وَالْعَقِبِ الْفِدْيَةُ ، وَالْقَيْدُ : هُوَ السَّيْرُ الْمُعْتَرِضُ عَلَى الزِّمَامِ .\rقَالَ الْقَاضِي : إنَّمَا كَرِهَهُمَا إذَا كَانَا عَرِيضَيْنِ .\rوَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ ؛ فَإِنَّهُ إذَا لَمْ يَجِبْ قَطْعُ الْخُفَّيْنِ السَّاتِرَيْنِ لِلْقَدَمَيْنِ وَالسَّاقَيْنِ فَقَطْعُ سَيْرِ النَّعْلِ أَوْلَى أَنْ لَا يَجِبَ .\rوَلِأَنَّ ذَلِكَ مُعْتَادٌ فِي النَّعْلِ ، فَلَمْ تَجِبْ إزَالَتُهُ ، كَسَائِرِ سُيُورِهَا ، وَلِأَنَّ قَطْعَ الْقَيْدِ وَالْعَقِبِ رُبَّمَا تَعَذَّرَ مَعَهُ الْمَشْيُ فِي النَّعْلَيْنِ ؛ لِسُقُوطِهِمَا بِزَوَالِ ذَلِكَ ، فَلَمْ يَجِبْ ، كَقَطْعِ الْقُبَالِ .","part":6,"page":430},{"id":2930,"text":"( 2330 ) فَصْلٌ : وَإِنْ وَجَدَ نَعْلًا لَمْ يُمْكِنْهُ لُبْسُهَا ، فَلَهُ لُبْسُ الْخُفِّ ، وَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ مَا لَا يُمْكِنُ اسْتِعْمَالُهُ كَالْمَعْدُومِ ، كَمَا لَوْ كَانَتْ النَّعْلُ لِغَيْرِهِ ، أَوْ صَغِيرَةً ، وَكَالْمَاءِ فِي التَّيَمُّمِ ، وَالرَّقَبَةِ الَّتِي لَا يُمْكِنُهُ عِتْقُهَا ، وَلِأَنَّ الْعَجْزَ عَنْ لُبْسِهَا قَامَ مَقَامَ الْعَدَمِ ، فِي إبَاحَةِ لُبْسِ الْخُفِّ ، فَكَذَلِكَ فِي إسْقَاطِ الْفِدْيَةِ .\rوَالْمَنْصُوصُ أَنَّ عَلَيْهِ الْفِدْيَةِ ؛ لِقَوْلِهِ : ( مَنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ ، فَلْيَلْبَسْ الْخُفَّيْنِ ) .\rوَهَذَا وَاجِدٌ .","part":6,"page":431},{"id":2931,"text":"( 2331 ) فَصْلٌ : وَلَيْسَ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَعْقِدَ عَلَيْهِ الرِّدَاءَ ، وَلَا غَيْرَهُ ، إلَّا الْإِزَارَ وَالْهِمْيَانَ .\rوَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَجْعَلَ لِذَلِكَ زِرًّا وَعُرْوَةً ، وَلَا يُخْلِلْهُ بِشَوْكَةٍ وَلَا إبْرَةٍ وَلَا خَيْطٍ ؛ لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ الْمَخِيطِ .\rرَوَى الْأَثْرَمُ ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ جُنْدُبٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ يَسْأَلُهُ وَأَنَا مَعَهُ ، أُخَالِفُ بَيْنَ طَرَفَيْ ثَوْبِي مِنْ وَرَائِي ، ثُمَّ أَعْقِدُهُ ؟ وَهُوَ مُحْرِمٌ ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ : لَا تَعْقِدْ عَلَيْهِ شَيْئًا .\rوَعَنْ أَبِي مَعْبَدٍ ، مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ لَهُ : يَا أَبَا مَعْبَدٍ ، زِرَّ عَلَيَّ طَيْلَسَانِي .\rوَهُوَ مُحْرِمٌ ، فَقَالَ لَهُ : كُنْت تَكْرَهُ هَذَا .\rقَالَ : إنِّي أُرِيدُ أَنْ أَفْتَدِيَ .\rوَلَا بَأْسَ أَنْ يَتَّشِحَ بِالْقَمِيصِ ، وَيَرْتَدِيَ بِهِ ، وَيَرْتَدِيَ بِرِدَاءِ مُوَصَّلٍ ، وَلَا يَعْقِدُهُ ؛ لِأَنَّ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ الْمَخِيطُ عَلَى قَدْرِ الْعُضْوِ .","part":6,"page":432},{"id":2932,"text":"( 2332 ) فَصْلٌ : وَيَجُوزُ أَنْ يَعْقِدَ إزَارَهُ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَيْهِ لِسَتْرِ الْعَوْرَةِ فَيُبَاحُ ، كَاللِّبَاسِ لِلْمَرْأَةِ .\rوَإِنْ شَدَّ وَسَطَهُ بِالْمِنْدِيلِ ، أَوْ بِحَبْلٍ ، أَوْ سَرَاوِيلَ ، جَازَ إذَا لَمْ يَعْقِدْهُ .\rقَالَ أَحْمَدُ ، فِي مُحْرِمٍ حَزَمَ عِمَامَةً عَلَى وَسَطِهِ : لَا تَعْقِدْهَا .\rوَيُدْخِلُ بَعْضَهَا فِي بَعْضٍ .\rقَالَ طَاوُسٌ : رَأَيْت ابْنَ عُمَرَ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ ، وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ قَدْ شَدَّهَا عَلَى وَسَطِهِ ، فَأَدْخَلَهَا هَكَذَا .\rوَلَا يَجُوزُ أَنْ يَشُقَّ أَسْفَلَ إزَارِهِ نِصْفَيْنِ ، وَيَعْقِدَ كُلَّ نِصْفٍ عَلَى سَاقٍ ؛ لِأَنَّهُ يُشْبِهُ السَّرَاوِيلَ .\rوَلَا يَلْبَسُ الرَّانَّ ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَاهُ ، وَلِأَنَّهُ مَعْمُولٌ عَلَى قَدْرِ الْعُضْوِ الْمَلْبُوسِ فِيهِ ، فَأَشْبَهَ الْخُفَّ .","part":6,"page":433},{"id":2933,"text":"( 2333 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَيَلْبَسُ الْهِمْيَانَ ، وَيُدْخِلُ السُّيُورَ بَعْضَهَا فِي بَعْضٍ ، وَلَا يَعْقِدُهَا ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ لُبْسَ الْهِمْيَانِ مُبَاحٌ لِلْمُحْرِمِ ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَابْنِ عُمَرَ ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، وَعَطَاءٍ وَمُجَاهِدٍ ، وَطَاوُسٍ ، وَالْقَاسِمِ ، وَالنَّخَعِيِّ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَإِسْحَاقَ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ .\rقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : أَجَازَ ذَلِكَ جَمَاعَةُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ ، مُتَقَدِّمُوهُمْ وَمُتَأَخِّرُوهُمْ .\rوَمَتَى أَمْكَنَهُ أَنْ يُدْخِلَ السُّيُورَ بَعْضَهَا فِي بَعْضٍ ، وَيَثْبُتَ بِذَلِكَ ، لَمْ يَعْقِدْهُ ؛ لِأَنَّهُ لَا حَاجَةَ إلَى عَقْدِهِ ، وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ إلَّا بِعَقْدِهِ عَقَدَهُ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .\rوَهُوَ قَوْلُ إِسْحَاقَ .\rوَقَالَ إبْرَاهِيمُ : كَانُوا يُرَخِّصُونَ فِي عَقْدِ الْهِمْيَانِ لِلْمُحْرِمِ ، وَلَا يُرَخِّصُونَ فِي عَقْدِ غَيْرِهِ .\rوَقَالَتْ عَائِشَةُ : أَوْثِقْ عَلَيْك نَفَقَتَك .\rوَذَكَرَ الْقَاضِي ، فِي ( الشَّرْحِ ) ، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ : { رَخَّصَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْمُحْرِمِ فِي الْهِمْيَانِ أَنْ يَرْبِطَهُ ، إذَا كَانَتْ فِيهِ نَفَقَتُهُ .\r} وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : أَوْثِقُوا عَلَيْكُمْ نَفَقَاتِكُمْ .\rوَرَخَّصَ فِي الْخَاتَمِ وَالْهِمْيَانِ لِلْمُحْرِمِ .\rوَقَالَ مُجَاهِدٌ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الْمُحْرِمِ يَشُدُّ الْهِمْيَانَ عَلَيْهِ ، فَقَالَ : لَا بَأْسَ بِهِ ، إذَا كَانَتْ فِيهِ نَفَقَتُهُ ، يَسْتَوْثِقُ مِنْ نَفَقَتِهِ .\rوَلِأَنَّهُ مِمَّا تَدْعُو الْحَاجَةُ إلَى شَدِّهِ ، فَجَازَ ، كَعِقْدِ الْإِزَارِ .\rفَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْهِمْيَانِ نَفَقَةٌ ، لَمْ يَجُزْ عَقْدُهُ ، لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ ، وَكَذَلِكَ الْمِنْطَقَةُ .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَرِهَ الْهِمْيَانَ وَالْمِنْطَقَةَ لِلْمُحْرِمِ ، وَكَرِهَهُ نَافِعٌ مَوْلَاهُ .\rوَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا لَيْسَ فِيهِ نَفَقَةٌ ؛ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ الرُّخْصَةِ فِيمَا فِيهِ النَّفَقَةُ ، وَسُئِلَ أَحْمَدُ عَنْ الْمُحْرِمِ","part":6,"page":434},{"id":2934,"text":"يَلْبَسُ الْمِنْطَقَةَ مِنْ وَجَعِ الظَّهْرِ ، أَوْ حَاجَةٍ إلَيْهَا .\rقَالَ : يَفْتَدِي .\rفَقِيلَ لَهُ : أَفَلَا تَكُونُ مِثْلَ الْهِمْيَانِ ؟ قَالَ : لَا .\rوَعَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَرِهَ الْمِنْطَقَةَ لِلْمُحْرِمِ ، وَأَنَّهُ أَبَاحَ شَدَّ الْهِمْيَانِ ، إذَا كَانَتْ فِيهِ النَّفَقَةُ ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْهِمْيَانَ تَكُونُ فِيهِ النَّفَقَةُ ، وَالْمِنْطَقَةُ لَا نَفَقَةَ فِيهَا ، فَأُبِيحَ شَدُّ مَا فِيهِ النَّفَقَةُ ، لِلْحَاجَةِ إلَى حِفْظِهَا ، وَلَمْ يُبَحْ شَدُّ مَا سِوَى ذَلِكَ .\rفَإِنْ كَانَتْ فِيهِمَا نَفَقَةٌ ، أَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهِمَا نَفَقَةٌ ، فَهُمَا سَوَاءٌ .\rوَقَدْ قَالَتْ عَائِشَةُ فِي الْمِنْطَقَةِ لِلْمُحْرِمِ : أُوثِقْ عَلَيْك نَفَقَتَك .\rفَرَخَّصَتْ فِيهَا إذَا كَانَتْ فِيهَا النَّفَقَةُ .\rوَلَمْ يُبِحْ أَحْمَدُ شَدَّ الْمِنْطَقَةِ لِوَجَعِ الظَّهْرِ ، إلَّا أَنْ يَفْتَدِيَ ؛ لِأَنَّ الْمِنْطَقَةَ لَيْسَتْ مُعَدَّةً لِذَلِكَ ، وَلِأَنَّهُ فِعْلٌ لِمَحْظُورٍ فِي الْإِحْرَامِ لِدَفْعِ الضَّرَرِ عَنْ نَفْسِهِ ، أَشْبَهَ مَنْ لَبِسَ الْمَخِيطَ لِدَفْعِ الْبَرْدِ ، أَوْ حَلَقَ رَأْسَهُ لِإِزَالَةِ أَذَى الْقَمْلِ ، أَوْ تَطَيَّبَ لِأَجْلِ الْمَرَضِ .","part":6,"page":435},{"id":2935,"text":"( 2334 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَلَهُ أَنْ يَحْتَجِمَ ، وَلَا يَقْطَعَ شَعْرًا ) أَمَّا الْحِجَامَةُ إذَا لَمْ يَقْطَعْ شَعْرًا فَمُبَاحَةٌ مِنْ غَيْرِ فِدْيَةٍ ، فِي قَوْلِ الْجُمْهُورِ ؛ لِأَنَّهُ تَدَاوٍ بِإِخْرَاجِ دَمٍ ، فَأَشْبَهَ الْفَصْدَ ، وَبَطَّ الْجُرْحِ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : لَا يَحْتَجِمُ إلَّا مِنْ ضَرُورَةٍ ، وَكَانَ الْحَسَنُ يَرَى فِي الْحِجَامَةِ دَمًا .\rوَلَنَا ، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ رَوَى { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ احْتَجَمَ وَهُوَ مُحْرِمٌ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَلَمْ يَذْكُرْ فِدْيَةً ، وَلِأَنَّهُ لَا يَتَرَفَّهُ بِذَلِكَ ، فَأَشْبَهَ شُرْبَ الْأَدْوِيَةِ .\rوَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي قَطْعِ الْعُضْوِ عِنْدَ الْحَاجَةِ ، وَالْخِتَانِ كُلُّ ذَلِكَ مُبَاحٌ مِنْ غَيْرِ فِدْيَةٍ .\rفَإِنْ احْتَاجَ فِي الْحِجَامَةِ إلَى قَطْعِ شَعْرٍ ، فَلَهُ قَطْعُهُ ؛ لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُحَيْنَةَ ، { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ احْتَجَمَ بِلَحْيِ جَمَلٍ ، فِي طَرِيقِ مَكَّةَ وَهُوَ مُحْرِمٌ ، وَسَطَ رَأْسِهِ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَمِنْ ضَرُورَةِ ذَلِكَ قَطْعُ الشَّعْرِ .\rوَلِأَنَّهُ يُبَاحُ حَلْقُ الشَّعْرِ لِإِزَالَةِ أَذَى الْقَمْلِ ، فَكَذَلِكَ هَاهُنَا .\rوَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ .\rوَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ .\rوَقَالَ صَاحِبَا أَبِي حَنِيفَةَ : يَتَصَدَّقُ بِشَيْءٍ .\rوَلَنَا ، قَوْله تَعَالَى : { فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ } .\rالْآيَةَ ، وَلِأَنَّهُ حَلْقُ شَعْرٍ لِإِزَالَةِ ضَرَرِ غَيْرِهِ ، فَلَزِمَتْهُ الْفِدْيَةُ ، كَمَا لَوْ حَلَقَهُ لِإِزَالَةِ قَمْلِهِ .\rفَأَمَّا إنْ قَطَعَ عُضْوًا عَلَيْهِ شَعْرٌ ، أَوْ جِلْدَةً عَلَيْهَا شَعْرٌ ، فَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ ، لِأَنَّهُ زَالَ تَبَعًا لِمَا لَا فِدْيَةَ فِيهِ .","part":6,"page":436},{"id":2936,"text":"( 2335 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَيَتَقَلَّدُ بِالسَّيْفِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْمُحْرِمَ إذَا احْتَاجَ إلَى تَقَلُّدِ السَّيْفِ ، فَلَهُ ذَلِكَ .\rوَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ .\rوَأَبَاحَ عَطَاءٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ تَقَلُّدَهُ .\rوَكَرِهَهُ الْحَسَنُ .\rوَالْأَوَّلُ أَوْلَى ؛ لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ الْبَرَاءِ ، قَالَ : { لَمَّا صَالَحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَهْلَ الْحُدَيْبِيَةِ ، صَالَحَهُمْ عَلَى أَنْ لَا يَدْخُلُوهَا إلَّا بِجُلْبَانِ السِّلَاحِ } .\r- الْقِرَابُ بِمَا فِيهِ - وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي إبَاحَةِ حَمْلِهِ عِنْدَ الْحَاجَةِ ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَأْمَنُونَ أَهْلَ مَكَّةَ أَنْ يَنْقُضُوا الْعَهْدَ ، وَيَخْفِرُوا الذِّمَّةَ ، وَاشْتَرَطُوا حَمْلَ السِّلَاحِ فِي قِرَابِهِ .\rفَأَمَّا مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ ، فَإِنَّ أَحْمَدَ قَالَ : لَا ، إلَّا مِنْ ضَرُورَةٍ .\rوَإِنَّمَا مَنَعَ مِنْهُ ؛ لِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ قَالَ : لَا يَحْمِلُ الْمُحْرِمُ السِّلَاحَ فِي الْحَرَمِ .\rوَالْقِيَاسُ إبَاحَتُهُ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ هُوَ فِي مَعْنَى الْمَلْبُوسِ الْمَنْصُوصِ عَلَى تَحْرِيمِهِ ، وَلِذَلِكَ لَوْ حَمَلَ قِرْبَةً فِي عُنُقِهِ ، لَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ ذَلِكَ ، وَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ فِيهِ .\rوَسُئِلَ أَحْمَدُ عَنْ الْمُحْرِمِ يُلْقِي جِرَابَهُ فِي رَقَبَتِهِ ، كَهَيْئَةِ الْقِرْبَةِ .\rقَالَ : أَرْجُو أَنْ لَا يَكُونَ بِهِ بَأْسٌ .","part":6,"page":437},{"id":2937,"text":"( 2336 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ ( وَإِنْ طَرَحَ عَلَى كَتِفَيْهِ الْقَبَاءَ وَالدُّوَاجَ ، فَلَا يُدْخِلْ يَدَيْهِ فِي الْكُمَّيْنِ ) ظَاهِرُ هَذَا اللَّفْظِ إبَاحَةُ لُبْسِ الْقَبَاءِ ، مَا لَمْ يُدْخِلْ يَدَيْهِ فِي كُمَّيْهِ ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ ، وَعَطَاءٍ ، وَإِبْرَاهِيمَ ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ .\rوَقَالَ الْقَاضِي ، وَأَبُو الْخَطَّابِ : إذَا أَدْخَلَ كَتِفَيْهِ فِي الْقَبَاءِ ، فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ ، وَإِنْ لَمْ يُدْخِلْ يَدَيْهِ فِي كُمَّيْهِ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ مَخِيطٌ لَبِسَهُ الْمُحْرِمُ عَلَى الْعَادَةِ فِي لُبْسِهِ ، فَلَزِمَتْهُ الْفِدْيَةُ إذَا كَانَ عَامِدًا ، كَالْقَمِيصِ .\rوَرَوَى ابْنُ الْمُنْذِرِ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ لُبْسِ الْأَقْبِيَةِ } .\rوَوَجْهُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ ، مَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ، فِي مَسْأَلَةِ إنْ لَمْ يَجِدْ إزَارًا لَبِسَ السَّرَاوِيلَ ، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ لَبِسَ الْخُفَّيْنِ .\rوَلِأَنَّ الْقَبَاءَ لَا يُحِيطُ بِالْبَدَنِ ، فَلَمْ تَلْزَمْهُ الْفِدْيَةُ بِوَضْعِهِ عَلَى كَتِفَيْهِ ، إذَا لَمْ يُدْخِلْ يَدَيْهِ فِي كُمَّيْهِ ، كَالْقَمِيصِ يَتَّشِحُ بِهِ ، وَقِيَاسُهُمْ مَنْقُوضٌ بِالرِّدَاءِ الْمُوَصَّلِ ، وَالْخَبَرُ مَحْمُولٌ عَلَى لُبْسِهِ مَعَ إدْخَالِ يَدَيْهِ فِي كُمَّيْهِ .","part":6,"page":438},{"id":2938,"text":"( 2337 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَلَا يُظَلِّلُ عَلَى رَأْسِهِ فِي الْمَحْمِلِ ، فَإِنْ فَعَلَ فَعَلَيْهِ دَمٌ ) كَرِهَ أَحْمَدُ الِاسْتِظْلَالَ فِي الْمَحْمِلِ خَاصَّةً ، وَمَا كَانَ فِي مَعْنَاهُ ، كَالْهَوْدَجِ وَالْعَمَّارِيَّة وَالْكَبِيسَة وَنَحْوِ ذَلِكَ عَلَى الْبَعِيرِ .\rوَكَرِهَ ذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ ، وَمَالِكٌ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ ، وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ .\rوَكَانَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ يَقُولُ : لَا يَسْتَظِلُّ أَلْبَتَّةَ .\rوَرَخَّصَ فِيهِ رَبِيعَةُ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُثْمَانَ ، وَعَطَاءٍ ؛ لِمَا رَوَتْ أُمُّ الْحُصَيْنِ ، قَالَتْ : { حَجَجْت مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَجَّةَ الْوَدَاعِ ، فَرَأَيْت أُسَامَةَ وَبِلَالًا ، وَأَحَدُهُمَا آخِذٌ بِخِطَامِ نَاقَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْآخَرُ رَافِعٌ ثَوْبَهُ يَسْتُرُهُ مِنْ الْحَرِّ ، حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ } .\rرَوَاهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ .\rوَلِأَنَّهُ يُبَاحُ لَهُ التَّظَلُّلُ فِي الْبَيْتِ وَالْخِبَاءِ ، فَجَازَ فِي حَالِ الرُّكُوبِ ، كَالْحَلَالِ ، وَلِأَنَّ مَا حَلَّ لِلْحَلَالِ حَلَّ لِلْمُحْرِمِ ، إلَّا مَا قَامَ عَلَى تَحْرِيمِهِ دَلِيلٌ .\rوَاحْتَجَّ أَحْمَدُ بُقُولِ ابْنِ عُمَرَ ، رَوَى عَطَاءٌ قَالَ : رَأَى ابْنُ عُمَرَ عَلَى رَحْلِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ عُودًا يَسْتُرُهُ مِنْ الشَّمْسِ ، فَنَهَاهُ .\rوَعَنْ نَافِعٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، أَنَّهُ رَأَى رَجُلًا مُحْرِمًا عَلَى رَحْلٍ ، قَدْ رَفَعَ ثَوْبًا عَلَى عُودٍ يَسْتَتِرُ بِهِ مِنْ الشَّمْسِ ، فَقَالَ : اضْحَ لِمَنْ أَحْرَمْت لَهُ .\rأَيْ اُبْرُزْ لِلشَّمْسِ .\rرَوَاهُمَا الْأَثْرَمُ .\rوَلِأَنَّهُ سَتَرَ بِمَا يَقْصِدُ بِهِ التَّرَفُّهَ ، أَشْبَهَ مَا لَوْ غَطَّاهُ .\rوَالْحَدِيثُ ذَهَبَ إلَيْهِ أَحْمَدُ ، فَلَمْ يَكْرَهْ أَنْ يَسْتَتِرَ بِثَوْبٍ وَنَحْوِهِ ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يُقْصَدُ لِلِاسْتِدَامَةِ ، وَالْهَوْدَجُ بِخِلَافِهِ ، وَالْخَيْمَةُ وَالْبَيْتُ يُرَادَانِ لِجَمْعِ الرَّحْلِ وَحِفْظِهِ ، لَا لِلتَّرَفُّهِ .\rوَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ ، أَنَّهُ إنَّمَا كَرِهَ ذَلِكَ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ ،","part":6,"page":439},{"id":2939,"text":"لِوُقُوعِ الْخِلَافِ فِيهِ ، وَقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ ، وَلَمْ يَرَ ذَلِكَ حَرَامًا ، وَلَا مُوجِبًا لِفِدْيَةٍ .\rقَالَ الْأَثْرَمُ : سَمِعْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يُسْأَلُ عَنْ الْمُحْرِمِ يَسْتَظِلُّ عَلَى الْمَحْمِلِ ؟ قَالَ : لَا .\rوَذَكَرَ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ : اضْحَ لِمَنْ أَحْرَمْت لَهُ .\rقِيلَ لَهُ : فَإِنْ فَعَلَ يُهْرِيقُ دَمًا ؟ قَالَ : أَمَّا الدَّمُ فَلَا .\rقِيلَ : فَإِنَّ أَهْلَ الْمَدِينَةِ يَقُولُونَ : عَلَيْهِ دَمٌ .\rقَالَ : نَعَمْ ، أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَغْلَطُونَ فِيهِ .\rوَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَحْمَدَ ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الْخِرَقِيِّ ؛ لِأَنَّهُ سَتَرَ رَأْسَهُ بِمَا يُسْتَدَامُ وَيُلَازِمُهُ غَالِبًا ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ سَتَرَهُ بِشَيْءٍ يُلَاقِيهِ .\rوَيُرْوَى عَنْ الرِّيَاشِيِّ قَالَ : رَأَيْت أَحْمَدَ بْنَ الْمُعَذَّلِ فِي الْمَوْقِفِ ، فِي يَوْمٍ حُرّ شَدِيد ، وَقَدْ ضُحَى لِلشَّمْسِ ، فَقُلْت لَهُ : يَا أَبَا الْفَضْلِ : هَذَا أَمْرٌ قَدْ اُخْتُلِفَ فِيهِ ، فَلَوْ أَخَذْت بِالتَّوَسُّعَةِ .\rفَأَنْشَأَ يَقُولُ : ضَحَّيْت لَهُ كَيْ أَسْتَظِلَّ بِظِلِّهِ إذَا الظِّلُّ أَضْحَى فِي الْقِيَامَةِ قَالِصَا فَوَا أَسَفَا إنْ كَانَ سَعْيُك بَاطِلًا وَيَا حَسْرَتَا إنْ كَانَ حَجُّك نَاقِصَا \"","part":6,"page":440},{"id":2940,"text":"( 2338 ) فَصْلٌ : وَلَا بَأْسَ أَنْ يَسْتَظِلَّ بِالسَّقْفِ وَالْحَائِطِ وَالشَّجَرَةِ وَالْخِبَاءِ ، وَإِنْ نَزَلَ تَحْتَ شَجَرَةٍ ، فَلَا بَأْسَ أَنْ يَطْرَحَ عَلَيْهَا ثَوْبًا يَسْتَظِلُّ بِهِ ، عِنْدَ جَمِيعِ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rوَقَدْ صَحَّ بِهِ النَّقْلُ ، فَإِنَّ جَابِرًا قَالَ فِي حَدِيثِ حَجَّةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { وَأَمَرَ بِقُبَّةٍ مِنْ شَعَرٍ ، فَضُرِبَتْ لَهُ بِنَمِرَةَ ، فَأَتَى عَرَفَةَ ، فَوَجَدَ الْقُبَّةَ قَدْ ضُرِبَتْ لَهُ بِنَمِرَةَ ، فَنَزَلَ بِهَا ، حَتَّى إذَا زَاغَتْ الشَّمْسُ } .\rرَوَاهُ مُسْلِمٌ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَغَيْرُهُمَا .\rوَلَا بَأْسَ أَيْضًا أَنْ يَنْصِبَ حِيَالَهُ ثَوْبًا يَقِيهِ الشَّمْسَ وَالْبَرْدَ ، إمَّا أَنْ يُمْسِكَهُ إنْسَانٌ ، أَوْ يَرْفَعَهُ عَلَى عُودٍ ، عَلَى نَحْوِ مَا رُوِيَ فِي حَدِيثِ أُمِّ الْحُصَيْنِ ، { أَنَّ بِلَالًا أَوْ أُسَامَةَ كَانَ رَافِعًا ثَوْبًا يَسْتُرُ بِهِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْحَرِّ } .\rوَلِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُقْصَدُ بِهِ الِاسْتِدَامَةُ ، فَلَمْ يَكُنْ بِهِ بَأْسٌ ، كَالِاسْتِظْلَالِ بِحَائِطٍ .","part":6,"page":441},{"id":2941,"text":"( 2339 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَلَا يَقْتُلُ الصَّيْدَ ، وَلَا يَصِيدُهُ ، وَلَا يُشِيرُ إلَيْهِ ، وَلَا يَدُلُّ عَلَيْهِ ، حَلَالًا وَلَا حَرَامًا ) لَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ ، فِي تَحْرِيمِ قَتْلِ الصَّيْدِ وَاصْطِيَادِهِ عَلَى الْمُحْرِمِ .\rوَقَدْ نَصَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ فِي كِتَابِهِ ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ } .\rوَقَالَ تَعَالَى : { وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا } .\rوَتَحْرُمُ عَلَيْهِ الْإِشَارَةُ إلَى الصَّيْدِ ، وَالدَّلَالَةُ عَلَيْهِ ؛ فَإِنَّ فِي حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ { لَمَّا صَادَ الْحِمَارَ الْوَحْشِيَّ ، وَأَصْحَابُهُ مُحْرِمُونَ ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَصْحَابِهِ : هَلْ مِنْكُمْ أَحَدٌ أَمَرَهُ أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهَا ، أَوْ أَشَارَ إلَيْهَا ؟ } .\rوَفِي لَفْظٍ مُتَّفَقٍ عَلَيْهِ : { فَأَبْصَرُوا حِمَارًا وَحْشِيًّا ، وَأَنَا مَشْغُولٌ أَخْصِفُ نَعْلِي ، فَلَمْ يُؤْذِنُونِي ، وَأَحَبُّوا لَوْ أَنِّي أَبْصَرْته } .\rوَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ اعْتَقَدُوا تَحْرِيمَ الدَّلَالَةِ عَلَيْهِ .\rوَسُؤَالُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُمْ : ( هَلْ مِنْكُمْ أَحَدٌ أَمَرَهُ أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهَا ، أَوْ أَشَارَ إلَيْهَا ؟ ) يَدُلُّ عَلَى تَعَلُّقِ التَّحْرِيمِ بِذَلِكَ لَوْ وُجِدَ مِنْهُمْ .\rوَلِأَنَّهُ تَسَبَّبَ إلَى مُحَرَّمٍ عَلَيْهِ ، فَحُرِّمَ ، كَنَصْبِهِ الْأُحْبُولَةَ .","part":6,"page":442},{"id":2942,"text":"( 2340 ) فَصْلٌ : وَلَا تَحِلُّ لَهُ الْإِعَانَةُ عَلَى الصَّيْدِ بِشَيْءٍ ، فَإِنَّ فِي حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ : { ثُمَّ رَكِبْت ، وَنَسِيت السَّوْطَ وَالرُّمْحَ ، فَقُلْت لَهُمْ : نَاوِلُونِي السَّوْطَ وَالرُّمْحَ ، قَالُوا : وَاَللَّهِ لَا نُعِينُك عَلَيْهِ } .\rوَفِي رِوَايَةٍ : { فَاسْتَعَنْتهمْ ، فَأَبَوْا أَنْ يُعِينُونِي } .\rوَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ اعْتَقَدُوا تَحْرِيمَ الْإِعَانَةِ ، وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقَرَّهُمْ عَلَى ذَلِكَ .\rوَلِأَنَّهُ إعَانَةٌ عَلَى مُحَرَّمٍ ، فَحُرِّمَ ، كَالْإِعَانَةِ عَلَى قَتْلِ الْآدَمِيِّ .","part":6,"page":443},{"id":2943,"text":"( 2341 ) فَصْلٌ : وَيَضْمَنُ الصَّيْدَ بِالدَّلَالَةِ ، فَإِذَا دَلَّ الْمُحْرِمُ حَلَالًا عَلَى الصَّيْدِ فَأَتْلَفَهُ ، فَالْجَزَاءُ كُلُّهُ عَلَى الْمُحْرِمِ .\rرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَعَطَاءٍ وَمُجَاهِدٍ وَبَكْرٍ الْمُزَنِيّ ، وَإِسْحَاقَ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ .\rوَقَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ : لَا شَيْءَ عَلَى الدَّالِ ؛ لِأَنَّهُ يَضْمَنُ بِالْجِنَايَةِ ، فَلَا يَضْمَنُ بِالدَّلَالَةِ ، كَالْآدَمِيِّ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَصْحَابِ أَبِي قَتَادَةَ : { هَلْ مِنْكُمْ أَحَدٌ أَمَرَهُ أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهَا ، أَوْ أَشَارَ إلَيْهَا ؟ } وَلِأَنَّهُ سَبَبٌ يُتَوَصَّلُ بِهِ إلَى إتْلَافِ الصَّيْدِ ، فَتَعَلَّقَ بِهِ الضَّمَانُ ، كَمَا لَوْ نَصَبَ أُحْبُولَةً ، وَلِأَنَّهُ قَوْلُ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ .\rوَلَا نَعْرِفُ لَهُمَا مُخَالِفًا فِي الصَّحَابَةِ .","part":6,"page":444},{"id":2944,"text":"( 2342 ) فَصْلٌ : فَإِنْ دَلَّ مُحْرِمًا عَلَى الصَّيْدِ ، فَقَتَلَهُ فَالْجَزَاءُ بَيْنَهُمَا .\rوَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ ، وَحَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ .\rوَقَالَ الشَّعْبِيُّ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَالْحَارِثُ الْعُكْلِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ : عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ جَزَاءٌ ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْفِعْلَيْنِ يَسْتَقِلُّ بِجَزَاءٍ كَامِلٍ إذَا كَانَ مُنْفَرِدًا .\rفَكَذَلِكَ إذَا انْضَمَّ إلَيْهِ غَيْرُهُ .\rوَقَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ : لَا ضَمَانَ عَلَى الدَّالِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الْوَاجِبَ جَزَاءُ الْمُتْلَفِ ، وَهُوَ وَاحِدٌ ، فَيَكُونُ الْجَزَاءُ وَاحِدًا ، وَعَلَى قَوْلِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ مَا سَبَقَ ، وَلَا فَرْقَ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ بَيْنَ كَوْنِ الْمَدْلُولِ ظَاهِرًا أَوْ خَفِيًّا لَا يَرَاهُ إلَّا بِالدَّلَالَةِ عَلَيْهِ .\rوَلَوْ دَلَّ مُحْرِمٌ مُحْرِمًا عَلَى صَيْدٍ ، ثُمَّ دَلَّ الْآخَرُ آخَرَ ، ثُمَّ كَذَلِكَ إلَى عَشَرَةٍ ، فَقَتَلَهُ الْعَاشِرُ ، كَانَ الْجَزَاءُ عَلَى جَمِيعِهِمْ .\rوَإِنْ قَتَلَهُ الْأَوَّلُ ، لَمْ يَضْمَنْ غَيْرُهُ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَدُلَّهُ عَلَيْهِ أَحَدٌ ، فَلَا يُشَارِكُهُ فِي ضَمَانِهِ أَحَدٌ .\rوَلَوْ كَانَ الْمَدْلُولُ رَأَى الصَّيْدَ قَبْلَ الدَّلَالَةِ وَالْإِشَارَةِ ، فَلَا شَيْءَ عَلَى الدَّالِ وَالْمُشِيرِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ سَبَبًا فِي تَلَفِهِ ، وَلِأَنَّ هَذِهِ لَيْسَتْ دَلَالَةً عَلَى الْحَقِيقَةِ ، وَكَذَلِكَ إنْ وُجِدَ مِنْ الْمُحْرِمِ حَدَثٌ عِنْدَ رُؤْيَةِ الصَّيْدِ ، مِنْ ضَحِكٍ ، أَوْ اسْتِشْرَافٍ إلَى الصَّيْدِ ، فَفَطِنَ لَهُ غَيْرُهُ فَصَادَهُ ، فَلَا شَيْءَ عَلَى الْمُحْرِمِ ؛ بِدَلِيلِ مَا جَاءَ فِي حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ قَالَ : { خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى إذَا كُنَّا بِالْقَاحَّةِ ، وَمِنَّا الْمُحْرِمُ ، وَمِنَّا غَيْرُ الْمُحْرِمِ ، إذْ بَصُرْت بِأَصْحَابِي يَتَرَاءَوْنَ شَيْئًا ، فَنَظَرْت ، فَإِذَا حِمَارُ وَحْشٍ } .\rوَفِي لَفْظٍ : { فَبَيْنَا أَنَا مَعَ أَصْحَابِي يَضْحَكُ بَعْضُهُمْ ، إذْ نَظَرْت ، فَإِذَا أَنَا بِحِمَارِ وَحْشٍ } .\rوَفِي لَفْظٍ : { فَلَمَّا كُنَّا بِالصِّفَاحِ فَإِذَا هُمْ يَتَرَاءَوْنَ .\rفَقُلْت :","part":6,"page":445},{"id":2945,"text":"أَيَّ شَيْءٍ تَنْظُرُونَ ؟ فَلَمْ يُخْبِرُونِي } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .","part":6,"page":446},{"id":2946,"text":"( 2343 ) فَصْلٌ : فَإِنْ أَعَارَ قَاتِلَ الصَّيْدِ سِلَاحًا ، فَقَتَلَهُ بِهِ ، فَهُوَ كَمَا لَوْ دَلَّهُ عَلَيْهِ ، سَوَاءٌ كَانَ الْمُسْتَعَارُ مِمَّا لَا يَتِمُّ قَتْلُهُ إلَّا بِهِ ، أَوْ أَعَارَهُ شَيْئًا هُوَ مُسْتَغْنٍ عَنْهُ ، مِثْلَ أَنْ يُعِيرَهُ رُمْحًا وَمَعَهُ رُمْحٌ ، وَكَذَلِكَ لَوْ أَعَانَهُ عَلَيْهِ بِمُنَاوَلَتِهِ سَوْطَهُ أَوْ رُمْحَهُ ، أَوْ أَمَرَهُ بِاصْطِيَادِهِ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ ، وَقَوْلِ أَصْحَابِهِ : وَاَللَّهِ لَا نُعِينُك عَلَيْهِ بِشَيْءٍ .\rوَقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { هَلْ مِنْكُمْ أَحَدٌ أَمَرَهُ أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهَا ، أَوْ أَشَارَ إلَيْهَا ؟ } .\rوَكَذَلِكَ إنْ أَعَارَهُ سِكِّينًا ، فَذَبَحَهُ بِهَا .\rفَإِنْ أَعَارَهُ آلَةً لِيَسْتَعْمِلهَا فِي غَيْرِ الصَّيْدِ ، فَاسْتَعْمَلَهَا فِي الصَّيْدِ ، لَمْ يَضْمَنْ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُحَرَّمٍ عَلَيْهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ ضَحِكَ عِنْدَ رُؤْيَةِ الصَّيْدِ ، فَفَطِنَ لَهُ إنْسَانٌ ، فَصَادَهُ .","part":6,"page":447},{"id":2947,"text":"( 2344 ) فَصْلٌ : وَإِنْ دَلَّ الْحَلَالُ مُحْرِمًا عَلَى الصَّيْدِ ، فَقَتَلَهُ ، فَلَا شَيْءَ عَلَى الْحَلَالِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَضْمَنُ الصَّيْدَ بِالْإِتْلَافِ ، فَبِالدَّلَالَةِ أَوْلَى ، إلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي الْحَرَمِ ، فَيُشَارِكَهُ فِي الْجَزَاءِ ؛ لِأَنَّ صَيْدَ الْحَرَمِ حَرَامٌ عَلَى الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .","part":6,"page":448},{"id":2948,"text":"( 2345 ) فَصْلٌ : وَإِنْ صَادَ الْمُحْرِمُ صَيْدًا لَمْ يَمْلِكْهُ ، فَإِنْ تَلِفَ فِي يَدِهِ ، فَعَلَيْهِ جَزَاؤُهُ ، وَإِنْ أَمْسَكَهُ حَتَّى حَلَّ ، لَزِمَهُ إرْسَالُهُ ، وَلَيْسَ لَهُ ذَبَحَهُ ، فَإِنْ فَعَلَ ، أَوْ تَلِفَ الصَّيْدُ ، ضَمِنَهُ ، وَحَرُمَ أَكْلُهُ ؛ لِأَنَّهُ صَيْدٌ ضَمِنَهُ بِحُرْمَةِ الْإِحْرَامِ ، فَلَمْ يُبَحْ أَكْلُهُ ، كَمَا لَوْ ذَبَحَهُ حَالَ إحْرَامِهِ ، وَلِأَنَّهَا ذَكَاةٌ مُنِعَ مِنْهَا بِسَبَبِ الْإِحْرَامِ ، فَأَشْبَهَتْ مَا لَوْ كَانَ الْإِحْرَامُ بَاقِيًا .\rوَاخْتَارَ أَبُو الْخَطَّابِ أَنَّ لَهُ أَكْلَهُ وَعَلَيْهِ ضَمَانَهُ ؛ لِأَنَّهُ ذَبَحَهُ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ ذَبْحِ الصَّيْدِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ صَادَهُ بَعْدَ الْحِلِّ .\rوَالْفَرْقُ ظَاهِرٌ ؛ لِأَنَّ هَذَا يَلْزَمُهُ ضَمَانُهُ وَاَلَّذِي صَادَهُ بَعْدَ الْحِلِّ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِيهِ .","part":6,"page":449},{"id":2949,"text":"( 2346 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَلَا يَأْكُلُهُ إذَا صَادَهُ الْحَلَالُ لِأَجْلِهِ ) لَا خِلَافَ فِي تَحْرِيمِ الصَّيْدِ عَلَى الْمُحْرِمِ إذَا صَادَهُ أَوْ ذَبَحَهُ .\rوَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا } .\rوَإِنْ صَادَهُ حَلَالٌ وَذَبَحَهُ ، وَكَانَ مِنْ الْمُحْرِمِ إعَانَةٌ فِيهِ ، أَوْ دَلَالَةٌ عَلَيْهِ ، أَوْ إشَارَةٌ إلَيْهِ ، لَمْ يُبَحْ أَيْضًا .\rوَإِنْ صِيدَ مِنْ أَجْلِهِ ، لَمْ يُبَحْ لَهُ أَيْضًا أَكْلُهُ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ .\rوَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَهُ أَكْلُهُ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ : { هَلْ مِنْكُمْ أَحَدٌ أَمَرَهُ ، أَوْ أَشَارَ إلَيْهِ بِشَيْءٍ ؟ قَالُوا : لَا .\rقَالَ : فَكُلُوا مَا بَقِيَ مِنْ لَحْمِهَا } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rفَدَلَّ عَلَى أَنَّ التَّحْرِيمَ إنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِالْإِشَارَةِ وَالْأَمْرِ وَالْإِعَانَةِ ، وَلِأَنَّهُ صَيْدٌ مُذَكًّى ، لَمْ يَحْصُلْ فِيهِ وَلَا فِي سَبَبِهِ صُنْعٌ مِنْهُ ، فَلَمْ يَحْرُمْ عَلَيْهِ أَكْلُهُ ، كَمَا لَوْ لَمْ يُصَدْ لَهُ .\rوَحُكِيَ عَنْ عَلِيٍّ ، وَابْنِ عُمَرَ ، وَعَائِشَةَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّ لَحْمَ الصَّيْدِ يَحْرُمُ عَلَى الْمُحْرِمِ بِكُلِّ حَالٍ ، وَبِهِ قَالَ طَاوُسٌ .\rوَكَرِهَهُ الثَّوْرِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ؛ لِعُمُومِ قَوْلِهِ : { وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا } .\rوَرُوِيَ عَنْ ابْنُ عَبَّاسٍ ، عَنْ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ اللَّيْثِيِّ ، أَنَّهُ { أَهْدَى إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِمَارًا وَحْشِيًّا ، وَهُوَ بِالْأَبْوَاءِ أَوْ بِوَدَّانَ ، فَرَدَّهُ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا فِي وَجْهِهِ ، قَالَ : إنَّا لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْك إلَّا أَنَّا حُرُمٌ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَفِي لَفْظٍ : { أَهْدَى الصَّعْبُ بْنُ جَثَّامَةَ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رِجْلَ حِمَارٍ .\rوَفِي رِوَايَةٍ : عَجُزَ حِمَارٍ .\r} وَفِي رِوَايَةٍ :","part":6,"page":450},{"id":2950,"text":"شِقَّ حِمَارٍ .\rرَوَى ذَلِكَ كُلَّهُ مُسْلِمٌ .\rوَرَوَى أَبُو دَاوُد ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : كَانَ الْحَارِثُ خَلِيفَةَ عُثْمَانَ عَلَى الطَّائِفِ ، فَصَنَعَ لَهُ طَعَامًا ، وَصَنَعَ فِيهِ مِنْ الْحَجَلِ وَالْيَعَاقِيبِ وَلَحْمِ الْوَحْشِ ، فَبَعَثَ إلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فَجَاءَهُ فَقَالَ : أَطْعِمُوهُ قَوْمًا حَلَالًا ، فَأَنَا حُرُمٌ .\rثُمَّ قَالَ عَلِيٌّ : أَنْشُدُ اللَّهَ مَنْ كَانَ هَاهُنَا مِنْ أَشْجَعَ ، أَتَعْلَمُونَ { أَنَّ رَسُولَ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَهْدَى إلَيْهِ رَجُلٌ حِمَارَ وَحْشٍ ، فَأَبَى أَنْ يَأْكُلَهُ } ؟ قَالُوا : نَعَمْ .\rوَلِأَنَّهُ لَحْمُ صَيْدٍ فَحَرُمَ عَلَى الْمُحْرِمِ ، كَمَا لَوْ دَلَّ عَلَيْهِ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى جَابِرٌ ، قَالَ : سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : { صَيْدُ الْبَرِّ لَكُمْ حَلَالٌ مَا لَمْ تَصِيدُوهُ ، أَوْ يُصَدْ لَكُمْ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَقَالَ : هُوَ أَحْسَنُ حَدِيثٍ فِي الْبَابِ .\rوَهَذَا صَرِيحٌ فِي الْحُكْمِ ، ؛ وَفِيهِ جَمْعٌ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ ، وَبَيَانُ الْمُخْتَلِفِ مِنْهَا ، فَإِنَّ تَرْكَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْأَكْلِ مِمَّا أُهْدِيَ إلَيْهِ ، يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لِعِلْمِهِ أَنَّهُ صِيدَ مِنْ أَجْلِهِ أَوْ ظَنِّهِ ، وَيَتَعَيَّنُ حَمْلُهُ عَلَى ذَلِكَ ، لِمَا قَدَّمْت مِنْ حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ ، وَأَمْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَصْحَابَهُ بِأَكْلِ الْحِمَارِ الَّذِي صَادَهُ .\rوَعَنْ طَلْحَةَ ، { أَنَّهُ أُهْدِيَ لَهُ طَيْرٌ ، وَهُوَ رَاقِدٌ ، فَأَكَلَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ وَهُمْ مُحْرِمُونَ ، وَتَوَرَّعَ بَعْضٌ ، فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ طَلْحَةُ وَافَقَ مَنْ أَكَلَهُ ، وَقَالَ : أَكَلْنَاهُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ } .\rرَوَاهُ مُسْلِمٌ .\rوَفِي ( الْمُوَطَّأِ ) ، { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ يُرِيدُ مَكَّةَ وَهُوَ مُحْرِمٌ ، حَتَّى إذَا كَانَ بِالرَّوْحَاءِ ، إذَا حِمَارُ وَحْشٍ عَقِيرٌ ، فَجَاءَ الْبَهْزِيُّ وَهُوَ صَاحِبُهُ ،","part":6,"page":451},{"id":2951,"text":"فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّه ، شَأْنَكُمْ بِهَذَا الْحِمَارِ ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبَا بَكْرٍ فَقَسَمَهُ بَيْنَ الرِّفَاقِ } .\rوَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ .\rوَأَحَادِيثُهُمْ إنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا ذِكْرٌ أَنَّهُ صِيدَ مِنْ أَجْلِهِمْ ، فَتَعَيَّنَ ضَمُّ هَذَا الْقَيْدِ إلَيْهَا لِحَدِيثِنَا ، وَجَمْعًا بَيْنَ الْأَحَادِيثِ ، وَدَفْعًا لِلتَّنَاقُضِ عَنْهَا ، وَلِأَنَّهُ صِيدَ لِلْمُحْرِمِ ، فَحُرِّمَ ، كَمَا لَوْ أَمَرَ أَوْ أَعَانَ .","part":6,"page":452},{"id":2952,"text":"( 2347 ) فَصْلٌ : وَمَا حَرُمَ عَلَى الْمُحْرِمِ ، لِكَوْنِهِ صِيدَ مِنْ أَجْلِهِ ، أَوْ دَلَّ عَلَيْهِ ، أَوْ أَعَانَ عَلَيْهِ ، لَمْ يَحْرُمْ عَلَى الْحَلَالِ أَكْلُهُ ؛ لِقَوْلِ عَلِيٍّ ، أَطْعِمُوهُ حَلَالًا .\rوَقَدْ بَيَّنَّا حَمْلَهُ عَلَى أَنَّهُ صِيدَ مِنْ أَجْلِهِمْ ، وَحَدِيثِ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ ، حِينَ رَدَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصَّيْدَ عَلَيْهِ ، وَلَمْ يَنْهَهُ عَنْ أَكْلِهِ .\rوَلِأَنَّهُ صَيْدٌ حَلَالٌ ، فَأُبِيحَ لِلْحَلَالِ أَكْلُهُ ، كَمَا لَوْ صِيدَ لَهُمْ .\rوَهَلْ يُبَاحُ أَكْلُهُ لِمُحْرِمٍ آخَرَ ؟ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ إبَاحَتُهُ لَهُ ؛ لِقَوْلِهِ : { صَيْدُ الْبَرِّ لَكُمْ حَلَالٌ ، مَا لَمْ تَصِيدُوهُ ، أَوْ يُصَدْ لَكُمْ } .\rوَهُوَ قَوْلُ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ أَنَّهُ أُهْدِيَ إلَيْهِ صَيْدٌ ، وَهُوَ مُحْرِمٌ ، فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ : كُلُوا .\rوَلَمْ يَأْكُلْ هُوَ ، وَقَالَ : إنَّمَا صِيدَ مِنْ أَجْلِي .\rوَلِأَنَّهُ لَمْ يُصَدْ مِنْ أَجْلِهِ ، فَحَلَّ لَهُ كَمَا لَوْ صَادَهُ الْحَلَالُ لِنَفْسِهِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يَحْرُمَ عَلَيْهِ .\rوَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ عَلِيٍّ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ؛ لِقَوْلِهِ : أَطْعِمُوهُ حَلَالًا ، فَأَنَا حُرُمٌ .\rوَلِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ : { هَلْ مِنْكُمْ أَحَدٌ أَمَرَهُ أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهَا ، أَوْ أَشَارَ إلَيْهَا ؟ قَالُوا : لَا ، قَالَ : فَكُلُوهُ } .\rفَمَفْهُومُهُ أَنَّ إشَارَةَ وَاحِدٍ مِنْهُمْ تُحَرِّمُهُ عَلَيْهِمْ .","part":6,"page":453},{"id":2953,"text":"( 2348 ) فَصْلٌ : إذَا قَتَلَ الْمُحْرِمُ الصَّيْدَ ، ثُمَّ أَكَلَهُ ، ضَمِنَهُ لِلْقَتْلِ دُونَ الْأَكْلِ .\rوَبِهِ قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ عَطَاءٌ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ : يَضْمَنُهُ لِلْأَكْلِ أَيْضًا ؛ لِأَنَّهُ أَكَلَ مِنْ صَيْدٍ مُحَرَّمٍ عَلَيْهِ ، فَيَضْمَنُهُ ، كَمَا لَوْ أَكَلَ مِمَّا صِيدَ لِأَجْلِهِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ صَيْدٌ مَضْمُونٌ بِالْجَزَاءِ ، فَلَمْ يَضْمَن ثَانِيًا ، كَمَا لَوْ أَتْلَفَهُ بِغَيْرِ الْأَكْلِ ، وَكَصَيْدِ الْحَرَمِ إذَا قَتَلَهُ الْحَلَالُ وَأَكَلَهُ ، وَكَذَلِكَ إنْ قَتَلَهُ مُحْرِمٌ آخَرُ ، ثُمَّ أَكَلَ هَذَا مِنْهُ ، لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الْجَزَاءُ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا .\rوَلِأَنَّ تَحْرِيمَهُ لِكَوْنِهِ مَيْتَةً ، وَالْمَيْتَةُ لَا تُضْمَنُ بِالْجَزَاءِ .\rوَكَذَلِكَ إنْ حَرُمَ عَلَيْهِ أَكْلُهُ لِلدَّلَالَةِ عَلَيْهِ ، وَالْإِعَانَةِ عَلَيْهِ ، فَأَكَلَ مِنْهُ ، لَمْ يَضْمَنْ ؛ لِأَنَّهُ صَيْدٌ مَضْمُونٌ بِالْجَزَاءِ مَرَّةً ، فَلَا يَجِبُ بِهِ جَزَاءٌ ثَانٍ ، كَمَا لَوْ أَتْلَفَهُ .\rوَإِنْ أَكَلَ مِمَّا صِيدَ لِأَجْلِهِ ، ضَمِنَهُ .\rوَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ .\rوَقَالَهُ الشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ .\rوَقَالَ فِي الْجَدِيدِ : لَا جَزَاءَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ أَكْلٌ لِلصَّيْدِ ، فَلَمْ يَجِبْ بِهِ الْجَزَاءُ ، كَمَا لَوْ قَتَلَهُ ثُمَّ أَكَلَهُ .\rوَلَنَا ، إنَّهُ إتْلَافٌ مَمْنُوعٌ مِنْهُ لِحُرْمَةِ الْإِحْرَامِ ، فَتَعَلَّقَ بِهِ الضَّمَانُ ، كَالْقَتْلِ .\rأَمَّا إذَا قَتَلَهُ ، ثُمَّ أَكَلَهُ ، لَا يُحَرَّمُ لِلْإِتْلَافِ ، إنَّمَا حُرِّمَ لِكَوْنِهِ مَيْتَةً .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِنَّهُ يَضْمَنُهُ بِمِثْلِهِ مِنْ اللَّحْمِ ؛ لِأَنَّ أَصْلَهُ مَضْمُونٌ بِمِثْلِهِ مِنْ النَّعَمِ ، فَكَذَلِكَ أَبْعَاضُهُ تُضْمَنُ بِمِثْلِهَا ، بِخِلَافِ حَيَوَانِ الْآدَمِيِّ ، فَإِنَّهُ يَضْمَنُهُ بِقِيمَتِهِ ، فَكَذَلِكَ أَبْعَاضُهُ .","part":6,"page":454},{"id":2954,"text":"( 2349 ) فَصْلٌ : وَإِذَا ذَبَحَ الْمُحْرِمُ الصَّيْدَ صَارَ مَيْتَةً ، يَحْرُمُ أَكْلُهُ عَلَى جَمِيعِ النَّاسِ .\rوَهَذَا قَوْلُ الْحَسَنِ ، وَالْقَاسِمِ ، وَسَالِمٍ ، وَمَالِكٍ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَإِسْحَاقَ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ .\rوَقَالَ الْحَكَمُ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ : لَا بَأْسَ بِأَكْلِهِ .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ ذَبِيحَةِ السَّارِقِ .\rوَقَالَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ ، وَأَيُّوبُ السِّخْتِيَانِيُّ : يَأْكُلُهُ الْحَلَالُ .\rوَحُكِيَ عَنْ الشَّافِعِيِّ قَوْلٌ قَدِيمٌ ، أَنَّهُ يَحِلُّ لِغَيْرِهِ الْأَكْلُ مِنْهُ ؛ لِأَنَّ مَنْ أَبَاحَتْ ذَكَاتُهُ غَيْرَ الصَّيْدِ أَبَاحَتْ الصَّيْدَ ، كَالْحَلَالِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ حَيَوَانٌ حُرِّمَ عَلَيْهِ ذَبْحُهُ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى ، فَلَمْ يَحِلَّ بِذَبْحِهِ كَالْمَجُوسِيِّ ، وَبِهَذَا فَارَقَ سَائِرَ الْحَيَوَانَاتِ ، وَفَارَقَ غَيْرَ الصَّيْدِ ، فَإِنَّهُ لَا يُحَرَّمُ ذَبْحُهُ ، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي صَيْدِ الْحَرَمِ إذَا ذَبَحَهُ الْحَلَالُ .","part":6,"page":455},{"id":2955,"text":"( 2350 ) فَصْلٌ : إذَا اُضْطُرَّ الْمُحْرِمُ ، فَوَجَدَ صَيْدًا وَمَيْتَةً ، أَكَلَ الْمَيْتَةَ .\rوَبِهَذَا قَالَ الْحَسَنُ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَمَالِكٌ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ : يَأْكُلُ الصَّيْدَ .\rوَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى أَنَّهُ إذَا ذُبِحَ الصَّيْدُ كَانَ مَيْتَةً ، فَيُسَاوِي الْمَيْتَةَ فِي التَّحْرِيمِ ، وَيَمْتَازُ بِإِيجَابِ الْجَزَاءِ ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنْ هَتْكِ حُرْمَةِ الْإِحْرَامِ ، فَلِذَلِكَ كَانَ أَكْلُ الْمَيْتَةِ أَوْلَى ، إلَّا أَنْ لَا تَطِيبَ نَفْسُهُ بِأَكْلِهَا ، فَيَأْكُلَ الصَّيْدَ ، كَمَا لَوْ لَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ .","part":6,"page":456},{"id":2956,"text":"( 2351 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَلَا يَتَطَيَّبُ الْمُحْرِمُ ) أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْمُحْرِمَ مَمْنُوعٌ مِنْ الطِّيبِ .\rوَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمُحْرِمِ الَّذِي وَقَصَتْهُ رَاحِلَتُهُ : { لَا تَمَسُّوهُ بِطِيبٍ } .\rرَوَاهُ مُسْلِمٌ .\rوَفِي لَفْظٍ : ( لَا تُحَنِّطُوهُ ) .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rفَلَمَّا مُنِعَ الْمَيِّتُ مِنْ الطِّيبِ لِإِحْرَامِهِ ، فَالْحَيُّ أَوْلَى .\rوَمَتَى تَطَيَّبَ ، فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ ؛ لِأَنَّهُ اسْتَعْمَلَ مَا حَرَّمَهُ الْإِحْرَامُ ، فَوَجَبَتْ عَلَيْهِ الْفِدْيَةُ ، كَاللِّبَاسِ .\rوَمَعْنَى الطِّيبِ : مَا تَطِيبُ رَائِحَتُهُ ، وَيُتَّخَذُ لِلشَّمِّ ، كَالْمِسْكِ ، وَالْعَنْبَرِ ، وَالْكَافُورِ ، وَالْغَالِيَةِ ، وَالزَّعْفَرَانِ ، وَمَاءِ الْوَرْدِ ، وَالْأَدْهَانِ الْمُطَيِّبَةِ ، كَدُهْنِ الْبَنَفْسَجِ وَنَحْوِهِ .\r( 2352 ) فَصْلٌ : وَالنَّبَاتُ الَّذِي تُسْتَطَابُ رَائِحَتُهُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ : أَحَدُهَا ، مَا لَا يَنْبُتُ لِلطِّيبِ ، وَلَا يُتَّخَذُ مِنْهُ ، كَنَبَاتِ الصَّحْرَاءِ ، مِنْ الشِّيحِ وَالْقَيْصُومِ وَالْخَزَامَى ، وَالْفَوَاكِهِ كُلِّهَا مِنْ الْأُتْرُجِّ وَالتُّفَّاحِ وَالسَّفَرْجَلِ وَغَيْرِهِ ، وَمَا يُنْبِتُهُ الْآدَمِيُّونَ لِغَيْرِ قَصْدِ الطِّيبِ ، كَالْحِنَّاءِ وَالْعُصْفُرِ ، فَمُبَاحٌ شَمُّهُ ، وَلَا فِدْيَةَ فِيهِ .\rوَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا ، إلَّا مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَشَمَّ شَيْئًا مِنْ نَبَاتِ الْأَرْضِ ، مِنْ الشِّيحِ وَالْقَيْصُومِ وَغَيْرِهِمَا .\rوَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا أَوْجَبَ فِي ذَلِكَ شَيْئًا ، فَإِنَّهُ لَا يُقْصَدُ لِلطِّيبِ ، وَلَا يُتَّخَذُ مِنْهُ طِيبٌ ، أَشْبَهَ سَائِرَ نَبَاتِ الْأَرْضِ .\rقَدْ رُوِيَ { أَنَّ أَزْوَاجَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُنَّ يُحْرِمْنَ فِي الْمُعَصْفَرَاتِ } .\rالثَّانِي ، مَا يُنْبِتُهُ الْآدَمِيُّونَ لِلطِّيبِ ، وَلَا يُتَّخَذُ مِنْهُ طِيبٌ ، كَالرَّيْحَانِ الْفَارِسِيِّ ، وَالْمَرْزَجُوشِ وَالنَّرْجِسِ ، وَالْبَرَمِ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، يُبَاحُ بِغَيْرِ فِدْيَةٍ .\rقَالَهُ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ ،","part":6,"page":457},{"id":2957,"text":"وَابْنُ عَبَّاسٍ ، وَالْحَسَنُ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَإِسْحَاقُ .\rوَالْآخَرُ ، يَحْرُمُ شَمُّهُ ، فَإِنْ فَعَلَ فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ .\rوَهُوَ قَوْلُ جَابِرٍ ، وَابْنِ عُمَرَ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ؛ لِأَنَّهُ يُتَّخَذُ لِلطِّيبِ ، فَأَشْبَهَ الْوَرْدَ .\rوَكَرِهَهُ مَالِكٌ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ، وَلَمْ يُوجِبُوا فِيهِ شَيْئًا .\rوَكَلَامُ أَحْمَدَ فِيهِ مُحْتَمِلٌ لَهَا ؛ فَإِنَّهُ قَالَ فِي الرَّيْحَانِ : لَيْسَ مِنْ آلَةِ الْمُحْرِمِ .\rوَلَمْ يَذْكُرْ فِدْيَتَهُ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا يُتَّخَذُ مِنْهُ طِيبٌ ، فَأَشْبَهَ الْعُصْفُرَ .\rالثَّالِثُ ، مَا يَنْبُتُ لِلطِّيبِ ، وَيُتَّخَذُ مِنْهُ طِيبٌ ، كَالْوَرْدِ وَالْبَنَفْسَجِ وَالْيَاسَمِينِ وَالْخَيْرِيِّ ، فَهَذَا إذَا اسْتَعْمَلَهُ وَشَمَّهُ ، فَفِيهِ الْفِدْيَةُ ؛ لِأَنَّ الْفِدْيَةَ تَجِبُ فِيمَا يُتَّخَذُ مِنْهُ ، فَكَذَلِكَ فِي أَصْلِهِ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ ، رِوَايَةٌ أُخْرَى فِي الْوَرْدِ : لَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ فِي شَمِّهِ ؛ لِأَنَّهُ زَهْرٌ شَمَّهُ عَلَى جِهَتِهِ ، أَشْبَهَ زَهْرَ سَائِرِ الشَّجَرِ .\rوَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ فِي هَذَا وَاَلَّذِي قَبْلَهُ رِوَايَتَيْنِ .\rوَالْأَوْلَى تَحْرِيمُهُ ؛ لِأَنَّهُ يَنْبُتُ لِلطِّيبِ ، وَيُتَّخَذُ مِنْهُ ، أَشْبَهَ الزَّعْفَرَانَ وَالْعَنْبَرَ .\rقَالَ الْقَاضِي : يُقَالُ إنَّ الْعَنْبَرَ ثَمَرُ شَجَرٍ ، وَكَذَلِكَ الْكَافُورُ .\r( 2353 ) فَصْلٌ : وَإِنْ مَسَّ مِنْ الطِّيبِ مَا يَعْلَقُ بِيَدِهِ ، كَالْغَالِيَةِ ، وَمَاءِ الْوَرْدِ ، وَالْمِسْكِ الْمَسْحُوقِ الَّذِي يَعْلَقُ بِأَصَابِعِهِ ، فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَعْمَلٌ لِلطِّيبِ .\rوَإِنْ مَسَّ مَا لَا يَعْلَقُ بِيَدِهِ ، كَالْمِسْكِ غَيْرِ الْمَسْحُوقِ ، وَقِطَعِ الْكَافُورِ ، وَالْعَنْبَرِ ، فَلَا فِدْيَةَ ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُسْتَعْمَلٍ لِلطِّيبِ .\rفَإِنْ شَمَّهُ ، فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ ؛ لِأَنَّهُ يُسْتَعْمَلُ هَكَذَا .\rوَإِنْ شَمَّ الْعُودَ ، فَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُتَطَيَّبُ بِهِ هَكَذَا .","part":6,"page":458},{"id":2958,"text":"( 2354 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَلَا يَلْبَسُ ثَوْبًا مَسَّهُ وَرْسٌ وَلَا زَعْفَرَانٌ وَلَا طِيبٌ ) لَا نَعْلَمُ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ خِلَافًا فِي هَذَا .\rوَهُوَ قَوْلُ جَابِرٍ ، وَابْنِ عُمَرَ ، وَمَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْي .\rقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : لَا خِلَافَ فِي هَذَا بَيْنَ الْعُلَمَاءِ ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا تَلْبَسُوا مِنْ الثِّيَابِ شَيْئًا مَسَّهُ الزَّعْفَرَانُ ، وَلَا الْوَرْسُ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rفَكُلُّ مَا صُبِغَ بِزَعْفَرَانٍ أَوْ وَرْسٍ ، أَوْ غُمِسَ فِي مَاءِ وَرْدٍ ، أَوْ بُخِّرَ بِعُودٍ ، فَلَيْسَ لِلْمُحْرِمِ لُبْسُهُ ، وَلَا الْجُلُوسُ عَلَيْهِ ، وَلَا النَّوْمُ عَلَيْهِ .\rنَصَّ أَحْمَدُ عَلَيْهِ .\rوَذَلِكَ لِأَنَّهُ اسْتِعْمَالٌ لَهُ ، فَأَشْبَهَ لُبْسَهُ .\rوَمَتَى لَبِسَهُ ، أَوْ اسْتَعْمَلَهُ ، فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ .\rوَبِذَلِكَ قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إنْ كَانَ رَطْبًا يَلِي بَدَنَهُ ، أَوْ يَابِسًا يُنْفَضُ ، فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ ، وَإِلَّا فَلَا ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُتَطَيِّبٍ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ مَنْهِيُّ عَنْهُ لِأَجْلِ الْإِحْرَامِ فَلَزِمَتْهُ الْفِدْيَةُ بِهِ ، كَاسْتِعْمَالِ الطِّيبِ فِي بَدَنِهِ .\rوَلِأَنَّهُ مُحْرِمٌ اسْتَعْمَلَ ثَوْبًا مُطَيَّبًا ، فَلَزِمَتْهُ الْفِدْيَةُ بِهِ كَالرَّطْبِ .\rفَإِنْ غَسَلَهُ حَتَّى ذَهَبَ مَا فِيهِ مِنْ ذَلِكَ ، فَلَا بَأْسَ بِهِ عِنْدَ جَمِيعِ الْعُلَمَاءِ .","part":6,"page":459},{"id":2959,"text":"( 2355 ) فَصْلٌ : وَإِنْ انْقَطَعَتْ رَائِحَةُ الثَّوْبِ ، لِطُولِ الزَّمَنِ عَلَيْهِ ، أَوْ لِكَوْنِهِ صُبِغَ بِغَيْرِهِ ، فَغَلَبَ عَلَيْهِ ، بِحَيْثُ لَا يَفُوحُ لَهُ رَائِحَةٌ إذَا رُشَّ فِيهِ الْمَاءُ ، فَلَا بَأْسَ بِاسْتِعْمَالِهِ ، لِزَوَالِ الطِّيبِ مِنْهُ .\rوَبِهَذَا قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ، وَالْحَسَنُ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَطَاءٍ ، وَطَاوُسٍ .\rوَكَرِهَ ذَلِكَ مَالِكٌ ، إلَّا أَنْ يُغْسَلَ وَيَذْهَبَ لَوْنُهُ ؛ لِأَنَّ عَيْنَ الزَّعْفَرَانِ وَنَحْوِهِ فِيهِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ إنَّمَا نُهِيَ عَنْهُ مِنْ أَجْلِ رَائِحَتِهِ ، وَقَدْ ذَهَبَتْ بِالْكُلِّيَّةِ .\rفَأَمَّا إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ رَائِحَةٌ فِي الْحَالِ ، لَكِنَّ كَانَ بِحَيْثُ إذَا رُشَّ فِيهِ مَاءٌ فَاحَ رِيحُهُ ، فَفِيهِ الْفِدْيَةُ ؛ لِأَنَّهُ مُتَطَيِّبٌ ، بِطِيبٍ ، بِدَلِيلِ أَنَّ رَائِحَتَهُ تَظْهَرُ عِنْدَ رَشِّ الْمَاءِ فِيهِ ، وَالْمَاءُ لَا رَائِحَةَ لَهُ ، وَإِنَّمَا هِيَ مِنْ الصِّبْغِ الَّذِي فِيهِ .\rفَأَمَّا إنْ فَرَشَ فَوْقَ الثَّوْبِ ثَوْبًا صَفِيقًا يَمْنَعُ الرَّائِحَةَ وَالْمُبَاشَرَةَ ، فَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ بِالْجُلُوسِ وَالنَّوْمِ عَلَيْهِ .\rوَإِنْ كَانَ الْحَائِلُ بَيْنَهُمَا ثِيَابَ بَدَنِهِ ، فَفِيهِ الْفِدْيَةُ ؛ لِأَنَّهُ يُمْنَعُ مِنْ اسْتِعْمَالِ الطِّيبِ فِي الثَّوْبِ الَّذِي عَلَيْهِ ، كَمَنْعِهِ مِنْ اسْتِعْمَالِهِ فِي بَدَنِهِ .","part":6,"page":460},{"id":2960,"text":"( 2356 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَلَا بَأْسَ بِمَا صُبِغَ بِالْعُصْفُرِ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْعُصْفُرَ لَيْسَ بِطِيبٍ ، وَلَا بَأْسَ بِاسْتِعْمَالِهِ وَشَمِّهِ ، وَلَا بِمَا صُبِغَ بِهِ .\rوَهَذَا قَوْلُ جَابِرٍ ، وَابْنِ عُمَرَ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ ، وَعَقِيلِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rوَعَنْ عَائِشَةَ ، وَأَسْمَاءَ ، وَأَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُنَّ كُنَّ يُحْرِمْنَ فِي الْمُعَصْفَرَاتِ .\rوَكَرِهَهُ مَالِكٌ إذَا كَانَ يَنْتَفِضُ فِي بَدَنِهِ ، وَلَمْ يُوجِبْ فِيهِ فِدْيَةً .\rوَمَنَعَ مِنْهُ الثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ ، وَشَبَّهُوهُ بِالْمُوَرَّسِ وَالْمُزَعْفَرِ ؛ لِأَنَّهُ صِبْغٌ طَيِّبُ الرَّائِحَةِ ، فَأَشْبَهَ ذَلِكَ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى أَبُو دَاوُد ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { نَهَى النِّسَاءَ فِي إحْرَامِهِنَّ عَنْ الْقُفَّازَيْنِ وَالنِّقَابِ ، وَمَا مَسَّ الْوَرْسَ وَالزَّعْفَرَانَ مِنْ الثِّيَابِ ، } وَلْتَلْبَسْ بَعْدَ ذَلِكَ مَا أَحَبَّتْ مِنْ أَلْوَانِ الثِّيَابِ ، مِنْ مُعَصْفَرٍ ، أَوْ خَزٍّ ، أَوْ حُلِيٍّ ، أَوْ سَرَاوِيلَ ، أَوْ قَمِيصٍ ، أَوْ خُفٍّ .\rوَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ ، فِي الْمَنَاسِكِ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَائِشَةَ بِنْتِ سَعْدٍ ، قَالَتْ { : كُنَّا أَزْوَاجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نُحْرِمُ فِي الْمُعَصْفَرَاتِ } .\rوَلِأَنَّهُ قَوْلُ مَنْ سَمَّيْنَا مِنْ الصَّحَابَةِ ، وَلَمْ نَعْرِفْ لَهُمْ مُخَالِفًا ، وَلِأَنَّهُ لَيْسَ بِطِيبٍ ، فَلَمْ يُكْرَهْ مَا صُبِغَ بِهِ ، كَالسَّوَادِ ، وَالْمَصْبُوغِ بِالْمَغْرَةِ ، وَأَمَّا الْوَرْسُ وَالزَّعْفَرَانُ فَإِنَّهُ طِيبٌ ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا .","part":6,"page":461},{"id":2961,"text":"( 2357 ) فَصْلٌ : وَلَا بَأْسَ بِالْمُمَشَّقِ ، وَهُوَ الْمَصْبُوغُ بِالْمَغْرَةِ ؛ لِأَنَّهُ مَصْبُوغٌ بِطِينٍ لَا بِطِيبٍ ، وَكَذَلِكَ الْمَصْبُوغُ بِسَائِرِ الْأَصْبَاغِ ، سِوَى مَا ذَكَرْنَا ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ الْإِبَاحَةُ ، إلَّا مَا وَرَدَ الشَّرْعُ بِتَحْرِيمِهِ ، وَمَا كَانَ فِي مَعْنَاهُ ، وَلَيْسَ هَذَا كَذَلِكَ .\rوَأَمَّا الْمَصْبُوغُ بِالرَّيَاحِينِ ، فَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى الرَّيَاحِينِ فِي نَفْسِهَا ، فَمَا مُنِعَ الْمُحْرِمُ مِنْ اسْتِعْمَالِهِ ، مُنِعَ لُبْسَ الْمَصْبُوغِ بِهِ ، إذَا ظَهَرَتْ رَائِحَتُهُ ، وَإِلَّا فَلَا .","part":6,"page":462},{"id":2962,"text":"( 2358 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَلَا يَقْطَعُ شَعْرًا مِنْ رَأْسِهِ ، وَلَا جَسَدِهِ ) أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْمُحْرِمَ مَمْنُوعٌ مِنْ أَخْذِ شَعْرِهِ ، إلَّا مِنْ عُذْرٍ .\rوَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى { : وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ } .\rوَرَوَى كَعْبُ بْنُ عُجْرَةَ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَنَّهُ قَالَ : { لَعَلَّك يُؤْذِيك هَوَامُّ رَأْسِك ؟ قَالَ : نَعَمْ ، يَا رَسُولَ اللَّهِ .\rفَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : احْلِقْ رَأْسَك ، وَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ، أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ ، أَوْ اُنْسُكْ شَاةً } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْحَلْقَ كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ مُحَرَّمًا ، وَشَعْرُ الرَّأْسِ وَالْجَسَدِ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ .\r( 2359 ) فَصْلٌ : فَإِنْ كَانَ لَهُ عُذْرٌ ، مِنْ مَرَضٍ ، أَوْ وَقَعَ فِي رَأْسِهِ قَمْلٌ ، أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا يَتَضَرَّرُ بِإِبْقَاءِ الشَّعْرِ ، فَلَهُ إزَالَتُهُ ، لِلْآيَةِ وَالْخَبَرِ .\rقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : { فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا } .\rأَيْ بِرَأْسِهِ قُرُوحٌ ، { أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ } .\rأَيْ قَمْلٌ .\rثُمَّ يَنْظُرُ ؛ فَإِنْ كَانَ الضَّرَرُ اللَّاحِقُ بِهِ مِنْ نَفْسِ الشَّعْرِ ، مِثْلَ أَنْ يَنْبُتَ فِي عَيْنِهِ ، أَوْ طَالَ حَاجِبَاهُ فَغَطَّيَا عَيْنَيْهِ ، فَلَهُ قَلْعُ مَا فِي الْعَيْنِ ، وَقَطْعُ مَا اسْتَرْسَلَ عَلَى عَيْنَيْهِ ، وَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ الشَّعْرَ آذَاهُ ، فَكَانَ لَهُ دَفْعُ أَذِيَّتِهِ بِغَيْرِ فِدْيَةٍ ، كَالصَّيْدِ إذَا صَالَ عَلَيْهِ ، وَإِنْ كَانَ الْأَذَى مِنْ غَيْرِ الشَّعْرِ ، لَكِنَّ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ إزَالَةِ الْأَذَى إلَّا بِإِزَالَةِ الشَّعْرِ ، كَالْقَمْلِ وَالْقُرُوحِ بِرَأْسِهِ ، أَوْ صُدَاعٍ بِرَأْسِهِ ، أَوْ شِدَّةِ الْحَرِّ عَلَيْهِ لِكَثْرَةِ شَعْرِهِ ، فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ ؛ لِأَنَّهُ قَطَعَ الشَّعْرَ لِإِزَالَةِ ضَرَرِ غَيْرِهِ ، فَأَشْبَهَ أَكْلَ الصَّيْدِ لِلْمَخْمَصَةِ .\rفَإِنْ قِيلَ : فَالْقَمْلُ مِنْ ضَرَرِ الشَّعْرِ ، وَالْحَرُّ سَبَبُهُ كَثْرَةُ الشَّعْرِ .\rقُلْنَا : لَيْسَ الْقَمْلُ","part":6,"page":463},{"id":2963,"text":"مِنْ الشَّعْرِ ، وَإِنَّمَا لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ الْمُقَامِ فِي الرَّأْسِ إلَّا بِهِ ، فَهُوَ مَحَلٌّ لَهُ ، لَا سَبَبٌ فِيهِ .\rوَكَذَلِكَ الْحَرُّ مِنْ الزَّمَانِ ، بِدَلِيلِ أَنَّ الشَّعْرَ يُوجَدُ فِي زَمَنِ الْبَرْدِ ، فَلَا يَتَأَذَّى بِهِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":6,"page":464},{"id":2964,"text":"( 2360 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَلَا يَقْطَعُ ظُفْرًا إلَّا أَنْ يَنْكَسِرَ ) أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْمُحْرِمَ مَمْنُوعٌ مِنْ قَلْمِ أَظْفَارِهِ ، إلَّا مِنْ عُذْرٍ ؛ لِأَنَّ قَطْعَ الْأَظْفَارِ إزَالَةُ جُزْءٍ يَتَرَفَّهُ بِهِ ، فَحُرِّمَ ، كَإِزَالَةِ الشَّعْرِ .\rفَإِنْ انْكَسَرَ ، فَلَهُ إزَالَتُهُ مِنْ غَيْرِ فِدْيَةٍ تَلْزَمُهُ .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ، أَنَّ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يُزِيلَ ظُفْرَهُ بِنَفْسِهِ إذَا انْكَسَرَ ، وَلِأَنَّ مَا انْكَسَرَ يُؤْذِيهِ وَيُؤْلِمُهُ ، فَأَشْبَهَ الشَّعْرَ النَّابِتَ فِي عَيْنِهِ ، وَالصَّيْدَ الصَّائِلَ عَلَيْهِ .\rفَإِنْ قَصَّ أَكْثَرَ مِمَّا انْكَسَرَ ، فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ لِذَلِكَ الزَّائِدِ ، كَمَا لَوْ قَطَعَ مِنْ الشَّعْرِ أَكْثَرِ مِمَّا يَحْتَاجُ إلَيْهِ .\rوَإِنْ احْتَاجَ إلَى مُدَوَّاةِ قُرْحَةٍ ، فَلَمْ يُمْكِنْهُ إلَّا بِقَصِّ أَظْفَارِهِ ، فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ لِذَلِكَ .\rوَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ ، صَاحِبُ مَالِكٍ : لَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ أَزَالَ مَا مُنِعَ إزَالَتُهُ لِضَرَرِ فِي غَيْرِهِ ، فَأَشْبَهَ حَلْقَ رَأْسِهِ دَفْعًا لِضَرَرِ قَمْلِهِ .\rوَإِنْ وَقَعَ فِي أَظْفَاره مَرَضٌ ، فَأَزَالَهَا لِذَلِكَ الْمَرَضِ ، فَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ ، لِأَنَّهُ أَزَالَهَا لِإِزَالَةِ مَرَضِهَا ، فَأَشْبَهَ قَصَّهَا لِكَسْرِهَا .","part":6,"page":465},{"id":2965,"text":"( 2361 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَلَا يَنْظُرُ فِي الْمِرْآةِ لِإِصْلَاحِ شَيْءٍ ) يَعْنِي لَا يَنْظُرُ فِيهَا لِإِزَالَةِ شُعْثٍ ، أَوْ تَسْوِيَةِ شَعْرٍ ، أَوْ شَيْءٍ مِنْ الزِّينَةِ .\rقَالَ أَحْمَدُ : لَا بَأْسَ أَنْ يَنْظُرَ فِي الْمِرْآةِ ، وَلَا يُصْلِحُ شُعْثًا ، وَلَا يَنْفُضُ عَنْهُ غُبَارًا .\rوَقَالَ أَيْضًا : إذَا كَانَ يُرِيدُ بِهِ زِينَةً فَلَا .\rقِيلَ : فَكَيْفَ يُرِيدُ زِينَةً ؟ قَالَ : يَرَى شَعْرَةً فَيُسَوِّيهَا .\rوَرُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ عَطَاءٍ .\rوَالْوَجْهُ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ رُوِيَ فِي حَدِيثٍ : { إنَّ الْمُحْرِمَ الْأَشْعَثُ الْأَغْبَرُ } .\rوَفِي آخَرَ : { إنَّ اللَّهَ يُبَاهِي بِأَهْلِ عَرَفَةَ مَلَائِكَتَهُ ، فَيَقُولُ : يَا مَلَائِكَتِي ، اُنْظُرُوا إلَى عِبَادِي ، قَدْ أَتَوْنِي شُعْثًا غُبْرًا ضَاحِينَ } .\rأَوْ كَمَا جَاءَ لَفْظُ الْحَدِيثِ .\rفَإِنْ نَظَرَ فِيهَا لِحَاجَةٍ ، كَمُدَاوَاةِ جُرْحٍ ، أَوْ إزَالَةِ شَعْرٍ يَنْبُتُ فِي عَيْنِهِ ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا أَبَاحَ الشَّرْعُ لَهُ فِعْلَهُ ، فَلَا بَأْسَ ، وَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ بِالنَّظَرِ فِي الْمِرْآةِ عَلَى كُلِّ حَالٍ ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ أَدَبٌ لَا شَيْءَ عَلَى تَارِكِهِ .\rلَا نَعْلَمُ أَحَدًا أَوْجَبَ فِي ذَلِكَ شَيْئًا .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، أَنَّهُمَا كَانَا يَنْظُرَانِ فِي الْمِرْآةِ ، وَهُمَا مُحْرِمَانِ .","part":6,"page":466},{"id":2966,"text":"( 2362 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَلَا يَأْكُلُ مِنْ الزَّعْفَرَانِ مَا يَجِدُ رِيحَهُ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الزَّعْفَرَانَ وَغَيْرَهُ مِنْ الطِّيبِ ، إذَا جُعِلَ فِي مَأْكُولٍ أَوْ مَشْرُوبٍ ، فَلَمْ تَذْهَبْ رَائِحَتُهُ ، لَمْ يُبَحْ لِلْمُحْرِمِ تَنَاوُلُهُ ، نِيئًا كَانَ أَوْ قَدْ مَسَّتْهُ النَّارُ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَكَانَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ لَا يَرَوْنَ بِمَا مَسَّتْ النَّارُ مِنْ الطَّعَامِ بَأْسًا ، سَوَاءٌ ذَهَبَ لَوْنُهُ وَرِيحُهُ وَطَعْمُهُ ، أَوْ بَقِيَ ذَلِكَ كُلُّهُ ؛ لِأَنَّهُ بِالطَّبْخِ .\rاسْتَحَالَ عَنْ كَوْنِهِ طِيبًا .\rوَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، وَعَطَاءٍ ، وَمُجَاهِدٍ ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَطَاوُسٍ ، أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَ بِأَكْلِ الخشكنانج الْأَصْفَرِ بَأْسًا ، وَكَرِهَهُ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، وَجَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، وَلَنَا ، أَنَّ الِاسْتِمْتَاعَ بِهِ ، وَالتَّرَفُّهَ بِهِ ، حَاصِلٌ مِنْ حَيْثُ الْمُبَاشَرَةُ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَ نِيئًا ، وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الطِّيبِ رَائِحَتُهُ ، وَهِيَ بَاقِيَةٌ ، وَقَوْلُ مَنْ أَبَاحَ الخشكنانج الْأَصْفَرَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا لَمْ يَبْقَ فِيهِ رَائِحَةٌ ، فَإِنَّ مَا ذَهَبَتْ رَائِحَتُهُ وَطَعْمُهُ ، وَلَمْ يَبْقَ فِيهِ إلَّا اللَّوْنُ مِمَّا مَسَّتْهُ النَّارُ ، لَا بَأْسَ بِأَكْلِهِ .\rلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا ، سِوَى أَنَّ الْقَاسِمَ وَجَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ ، كَرِهَا الخشكنانج الْأَصْفَرَ .\rوَيُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى مَا بَقِيَتْ رَائِحَتُهُ ؛ لِيَزُولَ الْخِلَافُ .\rفَإِنْ لَمْ تَمَسَّهُ النَّارُ ، لَكِنْ ذَهَبَتْ رَائِحَتُهُ وَطَعْمُهُ ، فَلَا بَأْسَ بِهِ .\rوَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ .\rوَكَرِهَ مَالِكٌ ، وَالْحُمَيْدِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ، الْمِلْحَ الْأَصْفَرَ ، وَفَرَّقُوا بَيْنَ مَا مَسَّتْهُ النَّارُ ، وَمَا لَمْ تَمَسَّهُ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الْمَقْصُودَ الرَّائِحَةُ ، فَإِنَّ الطِّيبَ إنَّمَا كَانَ طِيبًا لِرَائِحَتِهِ ، لَا لِلَوْنِهِ ، فَوَجَبَ دَوَرَانُ الْحُكْمِ مَعَهَا دُونَهُ .\r( 2363 ) فَصْلٌ : فَإِنْ ذَهَبَتْ رَائِحَتُهُ ، وَبَقِيَ لَوْنُهُ وَطَعْمُهُ ، فَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ","part":6,"page":467},{"id":2967,"text":"إبَاحَتُهُ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّهَا الْمَقْصُودُ ، فَيَزُولُ الْمَنْعُ بِزَوَالِهَا .\rوَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ ، فِي رِوَايَةِ ، صَالِحٍ تَحْرِيمُهُ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rقَالَ الْقَاضِي : مُحَالٌ أَنْ تَنْفَكَّ الرَّائِحَةُ عَنْ الطَّعْمِ ، فَمَتَى بَقِيَ الطَّعْمُ دَلَّ عَلَى بَقَائِهَا ، فَلِذَلِكَ وَجَبَتْ الْفِدْيَةُ بِاسْتِعْمَالِهِ .","part":6,"page":468},{"id":2968,"text":"( 2364 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَلَا يَدَّهِنُ بِمَا فِيهِ طِيبٌ ، وَمَا لَا طِيبَ فِيهِ ) أَمَّا الْمُطَيِّبُ مِنْ الْأَدْهَانِ ، كَدُهْنِ الْوَرْدِ وَالْبَنَفْسَجِ وَالزَّنْبَقِ وَالْخَيْرِيِّ وَاللِّينُوفَرِ ، فَلِيس فِي تَحْرِيمِ الِادِّهَانِ بِهِ خِلَافٌ فِي الْمَذْهَبِ .\rوَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ .\rوَكَرِهَ مَالِكٌ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ، الِادِّهَانَ بِدُهْنِ الْبَنَفْسَجِ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَيْسَ بِطِيبٍ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ يُتَّخَذُ لِلطِّيبِ ، وَتُقْصَدُ رَائِحَتُهُ ، فَكَانَ طِيبًا ، كَمَاءِ الْوَرْدِ .\rفَأَمَّا مَا لَا طِيبَ فِيهِ ، كَالزَّيْتِ وَالشَّيْرَجِ وَالسَّمْنِ وَالشَّحْمِ وَدُهْنِ الْبَانِ السَّاذَجِ ، فَنَقَلَ الْأَثْرَمُ ، قَالَ : سَمِعْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يُسْأَلُ عَنْ الْمُحْرِمِ يَدَّهِنُ بِالزَّيْتِ وَالشَّيْرَجِ ؟ فَقَالَ : نَعَمْ ، يَدَّهِنُ بِهِ إذَا احْتَاجَ إلَيْهِ .\rوَيَتَدَاوَى الْمُحْرِمُ بِمَا يَأْكُلُ .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعَ عَوَامُّ أَهْلِ الْعِلْمِ ، عَلَى أَنَّ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَدْهُنَ بَدَنَهُ بِالشَّحْمِ وَالزَّيْتِ وَالسَّمْنِ .\rوَنَقَلَ الْأَثْرَمُ جَوَازَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَأَبِي ذَرٍّ ، وَالْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ ، وَعَطَاءٍ ، وَالضَّحَّاكِ ، وَغَيْرِهِمْ .\rوَنَقَلَ أَبُو دَاوُد ، عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّهُ قَالَ : الزَّيْتُ الَّذِي يُؤْكَلُ لَا يَدْهُنُ الْمُحْرِمُ بِهِ رَأْسَهُ .\rفَظَاهِرُ هَذَا ، أَنَّهُ لَا يَدْهُنُ رَأْسَهُ بِشَيْءٍ مِنْ الْأَدْهَانِ .\rوَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ ، وَمَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ ؛ لِأَنَّهُ يُزِيلُ الشُّعْثَ ، وَيُسَكِّنُ الشَّعْرَ .\rفَأَمَّا دَهْنُ سَائِرِ الْبَدَنِ ، فَلَا نَعْلَمُ عَنْ أَحْمَدَ فِيهِ مَنْعًا .\rوَقَدْ ذَكَرْنَا إجْمَاعَ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى إبَاحَتِهِ فِي الْيَدَيْنِ ، وَإِنَّمَا الْكَرَاهَةُ فِي الرَّأْسِ خَاصَّةً ؛ لِأَنَّهُ مَحَلُّ الشَّعْرِ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : فِي إبَاحَتِهِ فِي جَمِيعِ الْبَدَنِ رِوَايَتَانِ ؛ فَإِنْ فَعَلَهُ فَلَا فِدْيَةَ فِيهِ ، فِي ظَاهِرِ كَلَامِ أَحْمَدَ ، سَوَاءٌ دَهَنَ رَأْسَهُ أَوْ غَيْرَهُ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ مُطَيِّبًا .\rوَقَدْ رُوِيَ","part":6,"page":469},{"id":2969,"text":"عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ صُدِعَ وَهُوَ مُحْرِمٌ ، فَقَالُوا : أَلَا نَدْهُنُك بِالسَّمْنِ ؟ قَالَ : لَا .\rقَالُوا : أَلَيْسَ تَأْكُلُهُ ؟ قَالَ : لَيْسَ أَكْلُهُ كَالِادِّهَانِ بِهِ .\rوَعَنْ مُجَاهِدٍ ، قَالَ : إنْ تَدَاوَى بِهِ فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ .\rوَقَالَ الَّذِينَ مَنَعُوا مِنْ دَهْنِ الرَّأْسِ : فِيهِ الْفِدْيَةُ ؛ لِأَنَّهُ مُزِيلٌ لِلشُّعْثِ ، أَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَ مُطَيِّبًا .\rوَلَنَا ، أَنَّ وُجُوبَ الْفِدْيَةِ يَحْتَاجُ إلَى دَلِيلٍ ، وَلَا دَلِيلَ فِيهِ مِنْ نَصٍّ وَلَا إجْمَاعٍ ، وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُهُ عَلَى الطِّيبِ ، فَإِنَّ الطِّيبَ يُوجِبُ الْفِدْيَةَ ، وَإِنْ لَمْ يُزِلْ شُعْثًا ، وَيَسْتَوِي فِيهِ الرَّأْسُ وَغَيْرُهُ ، وَالدُّهْنُ بِخِلَافِهِ ، وَلِأَنَّهُ مَائِعٌ لَا تَجِبُ الْفِدْيَةُ بِاسْتِعْمَالِهِ فِي الْيَدَيْنِ ، فَلَمْ تَجِبْ بِاسْتِعْمَالِهِ فِي الرَّأْسِ ، كَالْمَاءِ .","part":6,"page":470},{"id":2970,"text":"( 2365 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَلَا يَتَعَمَّدُ لِشَمِّ الطِّيبِ ) أَيْ لَا يَقْصِدُ شَمَّهُ مِنْ غَيْرِهِ بِفِعْلٍ مِنْهُ ، نَحْوِ أَنْ يَجْلِسَ عِنْدَ الْعَطَّارِينَ لِذَلِكَ ، أَوْ يَدْخُلَ الْكَعْبَةَ حَالَ تَجْمِيرِهَا ، لِيَشُمَّ طِيبَهَا ، أَوْ يَحْمِلَ مَعَهُ عُقْدَةً فِيهَا مِسْكٌ لِيَجِدَ رِيحَهَا .\rقَالَ أَحْمَدُ : سُبْحَانَ اللَّهِ ، كَيْفَ يَجُوزُ هَذَا ؟ وَأَبَاحَ الشَّافِعِيُّ ذَلِكَ ، إلَّا الْعُقْدَةَ تَكُونُ مَعَهُ يَشُمُّهَا ، فَإِنَّ أَصْحَابَهُ اخْتَلَفُوا فِيهَا ؛ لِأَنَّهُ يَشُمُّ الطِّيبَ مِنْ غَيْرِهِ ، أَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ يَقْصِدْهُ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ شَمَّ الطِّيبَ قَاصِدًا مُبْتَدِئًا بِهِ فِي الْإِحْرَامِ ، فَحُرِّمَ ، كَمَا لَوْ بَاشَرَهُ ، يُحَقِّقُهُ أَنَّ الْقَصْدَ شَمُّهُ لَا مُبَاشَرَتُهُ ، بِدَلِيلِ مَا لَوْ مَسَّ الْيَابِسَ الَّذِي لَا يَعْلَقُ بِيَدِهِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ ، وَلَوْ رَفَعَهُ بِخِرْقَةٍ وَشَمَّهُ لَوَجَبَتْ عَلَيْهِ الْفِدْيَةُ ، وَلَوْ لَمْ يُبَاشِرْهُ ، فَأَمَّا شَمُّهُ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ ، كَالْجَالِسِ عِنْدَ الْعَطَّارِ لِحَاجَتِهِ ، وَدَاخِلِ السُّوقِ ، أَوْ دَاخِلِ الْكَعْبَةِ لِلتَّبَرُّكِ بِهَا ، وَمَنْ يَشْتَرِي طِيبًا لِنَفْسِهِ وَلِلتِّجَارَةِ وَلَا يَمَسُّهُ ، فَغَيْرُ مَمْنُوعٍ مِنْهُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْ هَذَا ، فَعُفِيَ عَنْهُ ، بِخِلَافِ الْأَوَّلِ .","part":6,"page":471},{"id":2971,"text":"( 2366 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَلَا يُغَطِّي شَيْئًا مِنْ رَأْسِهِ ، وَالْأُذُنَانِ مِنْ الرَّأْسِ ) قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْمُحْرِمَ مَمْنُوعٌ مِنْ تَخْمِيرِ رَأْسِهِ .\rوَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ { نَهْيُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ لُبْسِ الْعَمَائِمِ وَالْبَرَانِسِ } .\rوَقَوْلُهُ فِي الْمُحْرِمِ الَّذِي وَقَصَتْهُ رَاحِلَتُهُ : { لَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ ، فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا } .\rعَلَّلَ مَنْعَ تَخْمِيرِ رَأْسِهِ بِبَقَائِهِ عَلَى إحْرَامِهِ ، فَعُلِمَ أَنَّ الْمُحْرِمَ مَمْنُوعٌ مِنْ ذَلِكَ .\rوَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ : إحْرَامُ الرَّجُلِ فِي رَأْسِهِ .\r.\rوَذَكَرَ الْقَاضِي ، فِي ( الشَّرْحِ ) أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { إحْرَامُ الرَّجُلِ فِي رَأْسِهِ ، وَإِحْرَامُ الْمَرْأَةِ فِي وَجْهِهَا } .\rوَأَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ نَهَى أَنْ يَشُدَّ الْمُحْرِمُ رَأْسَهُ بِالسَّيْرِ .\rوَقَوْلُ الْخِرَقِيِّ : ( وَالْأُذُنَانِ مِنْ الرَّأْسِ ) .\rفَائِدَتُهُ تَحْرِيمُ تَغْطِيَتِهِمَا .\rوَأَبَاحَ ذَلِكَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { الْأُذُنَانِ مِنْ الرَّأْسِ } .\rوَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي الطَّهَارَةِ .\rوَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِنَّهُ يُمْنَعُ مِنْ تَغْطِيَةِ بَعْضِ رَأْسِهِ ، كَمَا يُمْنَعُ مِنْ تَغْطِيَةِ جَمِيعِهِ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { لَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ } .\rوَالْمَنْهِيُّ عَنْهُ يَحْرُمُ فِعْلُ بَعْضِهِ ، وَلِذَلِكَ لَمَّا قَالَ تَعَالَى : { وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ } .\rحَرُمَ حَلْقُ بَعْضِهِ .\rوَسَوَاءٌ غَطَّاهُ بِالْمَلْبُوسِ الْمُعْتَادِ أَوْ بِغَيْرِهِ ، مِثْلُ أَنْ عَصَبَهُ بِعِصَابَةٍ ، أَوْ شَدَّهُ بِسَيْرٍ ، أَوْ جَعَلَ عَلَيْهِ قِرْطَاسًا فِيهِ دَوَاءٌ أَوْ لَا دَوَاءَ فِيهِ ، أَوْ خَضَّبَهُ بِحِنَّاءَ ، أَوْ طَلَاهُ بِطِينٍ أَوْ نُورَةٍ ، أَوْ جَعَلَ عَلَيْهِ دَوَاءً ، فَإِنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ سِتْرٌ لَهُ ، وَهُوَ مَمْنُوعٌ مِنْهُ .\rوَسَوَاء كَانَ ذَلِكَ لِعُذْرٍ أَوْ غَيْرِهِ ؛ فَإِنَّ الْعُذْرَ لَا يُسْقِطُ","part":6,"page":472},{"id":2972,"text":"الْفِدْيَةَ ، بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى : { فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ } .\rوَقِصَّةِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ .\rوَبِهَذَا كُلِّهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَكَانَ عَطَاءٌ يُرَخِّصُ فِي الْعِصَابَةِ مِنْ الضَّرُورَةِ .\rوَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا تَسْقُطُ الْفِدْيَةُ عَنْهُ بِالْعُذْرِ ، كَمَا لَوْ لَبِسَ قَلَنْسُوَةً مِنْ أَجْلِ الْبَرْدِ .","part":6,"page":473},{"id":2973,"text":"( 2367 ) فَصْلٌ : فَإِنْ حَمَلَ عَلَى رَأْسِهِ مِكْتَلًا أَوْ طَبَقًا أَوْ نَحْوَهُ ؛ فَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ ، وَبِهَذَا قَالَ عَطَاءٌ ، وَمَالِكٌ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : عَلَيْهِ الْفِدْيَةُ ؛ لِأَنَّهُ سَتَرَهُ .\rوَلَنَا ، أَنَّ هَذَا لَا يُقْصَدُ بِهِ السَّتْرُ غَالِبًا ، فَلَمْ تَجِبْ بِهِ الْفِدْيَةُ ، كَمَا لَوْ وَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ .\rوَسَوَاءٌ قَصَدَ بِهِ السِّتْرَ أَوْ لَمْ يَقْصِدْ ؛ لِأَنَّ مَا تَجِبُ بِهِ الْفِدْيَةُ لَا يَخْتَلِفُ بِالْقَصْدِ وَعَدَمِهِ ، فَكَذَلِكَ مَا لَا تَجِبُ بِهِ الْفِدْيَةُ .\rوَاخْتَارَ ابْنُ عَقِيل وُجُوبَ الْفِدْيَةِ عَلَيْهِ إذَا قَصَدَ بِهِ السَّتْرَ ؛ لِأَنَّ الْحِيَلَ لَا تُحِيلُ الْحُقُوقَ .\rوَإِنْ سَتَرَ رَأْسَهُ بِيَدَيْهِ ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ ، لِمَا ذَكَرْنَا ، وَلِأَنَّ السَّتْرَ بِمَا هُوَ مُتَّصِلٌ بِهِ لَا يَثْبُتُ لَهُ حُكْمُ السَّتْرِ ، وَلِذَلِكَ لَوْ وَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى فَرْجِهِ ، لَمْ تُجْزِئْهُ فِي السَّتْرِ ، وَلِأَنَّ الْمُحْرِمَ مَأْمُورٌ بِمَسْحِ رَأْسِهِ ، وَذَلِكَ يَكُونُ بِوَضْعِ يَدَيْهِ أَوْ إحْدَاهُمَا عَلَيْهِ .\rوَإِنْ طَلَى رَأْسَهُ بِعَسَلٍ أَوْ صَمْغٍ ؛ لِيَجْتَمِعَ الشَّعْرُ وَيَتَلَبَّدَ ، فَلَا يَتَخَلَّلُهُ الْغُبَارُ ، وَلَا يُصِيبُهُ الشُّعْثُ ، وَلَا يَقَعُ فِيهِ الدَّبِيبُ ، جَازَ .\rوَهُوَ التَّلْبِيدُ الَّذِي جَاءَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ : { رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُهِلُّ مُلَبِّدًا } .\rرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ .\rوَعَنْ حَفْصَةَ ، { أَنَّهَا قَالَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا شَأْنُ النَّاسِ ، حَلُّوا وَلَمْ تَحْلُلْ أَنْتَ مِنْ عُمْرَتِك ؟ قَالَ : إنِّي لَبَّدْت رَأْسِي ، وَقَلَّدْت هَدْيِي ، فَلَا أُحِلُّ حَتَّى أَنْحَرَ } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا .\rوَإِنْ كَانَ فِي رَأْسِهِ طِيبٌ مِمَّا جَعَلَهُ فِيهِ قَبْلَ الْإِحْرَامِ ، فَلَا بَأْسَ ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ ، قَالَتْ : { كَأَنِّي أَنْظُرُ إلَى وَبِيصِ الطِّيبِ فِي رَأْسِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rوَكَانَ عَلَى رَأْسِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلُ الرُّبِّ مِنْ الْغَالِيَةِ ، وَهُوَ مُحْرِمٌ .\r}","part":6,"page":474},{"id":2974,"text":"( 2368 ) فَصْلٌ : وَفِي تَغْطِيَةِ الْمُحْرِمِ وَجْهَهُ رِوَايَتَانِ : إحْدَاهُمَا ، يُبَاحُ .\rرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ ، وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ، وَجَابِرٍ ، وَالْقَاسِمِ ، وَطَاوُسٍ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَالشَّافِعِيِّ .\rوَالثَّانِيَةُ ، لَا يُبَاحُ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٍ ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، ، { أَنَّ رَجُلًا وَقَعَ عَنْ رَاحِلَتِهِ ، فَأَقْعَصَتْهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْهِ ، وَلَا تُخَمِّرُوا وَجْهَهُ وَلَا رَأْسَهُ ، فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُلَبِّي } .\rوَلِأَنَّهُ مُحَرَّمٌ عَلَى الْمَرْأَةِ ، فَحُرِّمَ عَلَى الرَّجُلِ ، كَالطِّيبِ .\rوَلَنَا ، مَا ذَكَرْنَا مِنْ قَوْلِ الصَّحَابَةِ ، وَلَمْ نَعْرِفْ لَهُمْ مُخَالِفًا فِي عَصْرِهِمْ ، فَيَكُونُ إجْمَاعًا ، وَلِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { إحْرَامُ الرَّجُلِ فِي رَأْسِهِ ، وَإِحْرَامُ الْمَرْأَةِ فِي وَجْهِهَا } .\rوَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمَشْهُورُ فِيهِ : ( وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ ) هَذَا الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ .\rوَقَوْلُهُ : ( وَلَا تُخَمِّرُوا وَجْهَهُ ) .\rفَقَالَ شُعْبَةُ : حَدَّثَنِيهِ أَبُو بِشْرٍ .\rثُمَّ سَأَلْته عَنْهُ بَعْدَ عَشْرِ سِنِينَ ، فَجَاءَ بِالْحَدِيثِ كَمَا كَانَ يُحَدِّثُ ، إلَّا أَنَّهُ قَالَ { وَلَا تُخَمِّرُوا وَجْهَهُ وَرَأْسَهُ } .\rوَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ ضَعَّفَ هَذِهِ الزِّيَادَةَ .\rوَقَدْ رُوِيَ فِي بَعْضِ أَلْفَاظِهِ : ( خَمِّرُوا وَجْهَهُ ، وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ ) فَتَتَعَارَضُ الرِّوَايَتَانِ .\r.\rوَمَا ذَكَرُوهُ يَبْطُلُ بِلُبْسِ الْقُفَّازَيْنِ .","part":6,"page":475},{"id":2975,"text":"( 2369 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَالْمَرْأَةُ إحْرَامُهَا فِي وَجْهِهَا ، فَإِنْ احْتَاجَتْ سَدَلَتْ عَلَى وَجْهِهَا ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْمَرْأَةَ يَحْرُمُ عَلَيْهَا تَغْطِيَةُ وَجْهِهَا فِي إحْرَامِهَا ، كَمَا يَحْرُمُ عَلَى الرَّجُلِ تَغْطِيَةُ رَأْسِهِ .\rلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا ، إلَّا مَا رُوِيَ عَنْ أَسْمَاءَ ، أَنَّهَا كَانَتْ تُغَطِّي وَجْهَهَا وَهِيَ مُحْرِمَةٌ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنَّهَا كَانَتْ تُغَطِّيهِ بِالسَّدْلِ عِنْدَ الْحَاجَةِ ، فَلَا يَكُونُ اخْتِلَافًا .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : وَكَرَاهِيَةُ الْبُرْقُعِ ثَابِتَةٌ عَنْ سَعْدٍ وَابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةَ ، وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا خَالَفَ فِيهِ .\rوَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { وَلَا تَنْتَقِبُ الْمَرْأَةُ الْمُحْرِمَةُ ، وَلَا تَلْبَسُ الْقُفَّازَيْنِ } .\rفَأَمَّا إذَا احْتَاجَتْ إلَى سَتْرِ وَجْهِهَا ، لِمُرُورِ الرِّجَالِ قَرِيبًا مِنْهَا ، فَإِنَّهَا تَسْدُلُ الثَّوْبَ مِنْ فَوْقِ رَأْسِهَا عَلَى وَجْهِهَا .\rرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُثْمَانَ ، وَعَائِشَةَ .\rوَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ وَمَالِكٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ .\rوَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا ؛ وَذَلِكَ لِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ : { كَانَ الرُّكْبَانُ يَمُرُّونَ بِنَا ، وَنَحْنُ مُحْرِمَاتٌ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِذَا حَاذَوْنَا ، سَدَلَتْ إحْدَانَا جِلْبَابَهَا مِنْ رَأْسِهَا عَلَى وَجْهِهَا ، فَإِذَا جَاوَزُونَا كَشَفْنَاهُ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَالْأَثْرَمُ .\rوَلِأَنَّ بِالْمَرْأَةِ حَاجَةً إلَى سَتْرِ وَجْهِهَا ، فَلَمْ يَحْرُمْ عَلَيْهَا سَتْرُهُ عَلَى الْإِطْلَاقِ ، كَالْعَوْرَةِ .\rوَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّ الثَّوْبَ يَكُونُ مُتَجَافِيًا عَنْ وَجْهِهَا ، بِحَيْثُ لَا يُصِيبُ الْبَشَرَةَ ، فَإِنْ أَصَابَهَا ، ثُمَّ زَالَ أَوْ أَزَالَتْهُ بِسُرْعَةٍ ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهَا ، كَمَا لَوْ أَطَارَتْ الرِّيحُ الثَّوْبَ عَنْ عَوْرَةِ الْمُصَلِّي ، ثُمَّ عَادَ بِسُرْعَةٍ ، لَا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ .\rوَإِنْ لَمْ تَرْفَعْهُ مَعَ","part":6,"page":476},{"id":2976,"text":"الْقُدْرَةِ ؛ افْتَدَتْ ؛ لِأَنَّهَا اسْتَدَامَتْ السِّتْرَ .\rوَلَمْ أَرَ هَذَا الشَّرْطَ عَنْ أَحْمَدَ ، وَلَا هُوَ فِي الْخَبَرِ ، مَعَ أَنَّ الظَّاهِرَ خِلَافُهُ ، فَإِنَّ الثَّوْبَ الْمَسْدُولَ لَا يَكَادُ يَسْلَمُ مِنْ إصَابَةِ الْبَشَرَةِ ، فَلَوْ كَانَ هَذَا شَرْطًا لَبُيِّنَ ، وَإِنَّمَا مُنِعَتْ الْمَرْأَةُ مِنْ الْبُرْقُعِ وَالنِّقَابِ وَنَحْوِهِمَا ، مِمَّا يُعَدَّ لِسَتْرِ الْوَجْهِ .\rقَالَ أَحْمَدُ : إنَّمَا لَهَا أَنَّ تَسْدُلَ عَلَى وَجْهِهَا مِنْ فَوْق ، وَلَيْسَ لَهَا أَنْ تَرْفَعَ الثَّوْبَ مِنْ أَسْفَلَ .\rكَأَنَّهُ يَقُولُ : إنَّ النِّقَابَ مِنْ أَسْفَلَ عَلَى وَجْهِهَا .","part":6,"page":477},{"id":2977,"text":"( 2370 ) فَصْلٌ : وَيَجْتَمِعُ فِي حَقِّ الْمُحْرِمَةِ وُجُوبُ تَغْطِيَةِ الرَّأْسِ ، وَتَحْرِيمُ تَغْطِيَةِ الْوَجْهِ .\rوَلَا يُمْكِنُ تَغْطِيَةُ جَمِيعِ الرَّأْسِ إلَّا بِجُزْءٍ مِنْ الْوَجْهِ ، وَلَا كَشْفُ جَمِيعِ الْوَجْهِ إلَّا بِكَشْفِ جُزْءٍ مِنْ الرَّأْسِ ، فَعِنْدَ ذَلِكَ سَتْرُ الرَّأْسِ كُلِّهِ أَوْلَى ؛ لِأَنَّهُ آكَدُ ، إذْ هُوَ عَوْرَةٌ ، لَا يَخْتَصُّ تَحْرِيمُهُ حَالَةَ الْإِحْرَامِ ، وَكَشْفُ الْوَجْهِ بِخِلَافِهِ ، وَقَدْ أَبَحْنَا سَتْرَ جُمْلَتِهِ لِلْحَاجَةِ الْعَارِضَةِ ، فَسَتْرُ جُزْءٍ مِنْهُ لِسَتْرِ الْعَوْرَةِ أَوْلَى .","part":6,"page":478},{"id":2978,"text":"( 2371 ) فَصْلٌ : وَلَا بَأْسَ أَنْ تَطُوفَ الْمَرْأَةُ مُنْتَقِبَةً ، إذَا كَانَتْ غَيْرَ مُحْرِمَةٍ ، وَطَافَتْ عَائِشَةُ وَهِيَ مُنْتَقِبَةٌ .\rوَكَرِهَ ذَلِكَ عَطَاءٌ ، ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ .\rوَذَكَرَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ حَدِيثَ ابْنِ جُرَيْجٍ ، أَنَّ عَطَاءً كَانَ يَكْرَهُ لِغَيْرِ الْمُحْرِمَةِ أَنْ تَطُوفَ مُنْتَقِبَةً ، حَتَّى حَدَّثْته عَنْ الْحَسَنِ بْنِ مُسْلِمٍ ، عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ ، أَنَّ عَائِشَةَ طَافَتْ وَهِيَ مُنْتَقِبَةٌ ، فَأَخَذَ بِهِ .","part":6,"page":479},{"id":2979,"text":"( 2372 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَلَا تَكْتَحِلُ بِكُحْلٍ أَسْوَدَ ) الْكُحْلُ بِالْإِثْمِدِ فِي الْإِحْرَامِ مَكْرُوهٌ لِلْمَرْأَةِ وَالرَّجُلِ ، وَإِنَّمَا خَصَّ الْمَرْأَةَ بِالذِّكْرِ لِأَنَّهَا مَحَلُّ الزِّينَةِ ، وَهُوَ فِي حَقِّهَا أَكْثَرُ مِنْ الرَّجُلِ .\rوَيُرْوَى هَذَا عَنْ عَطَاءٍ ، وَالْحَسَنِ ، وَمُجَاهِدٍ .\rقَالَ مُجَاهِدٌ : هُوَ زِينَةٌ .\rوَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ : يَكْتَحِلُ الْمُحْرِمُ بِكُلِّ كُحْلٍ لَيْسَ فِيهِ طِيبٌ .\rقَالَ مَالِكٌ : لَا بَأْسَ أَنْ يَكْتَحِلَ الْمُحْرِمُ مِنْ حَرٍّ يَجِدُهُ فِي عَيْنَيْهِ بِالْإِثْمِدِ وَغَيْرِهِ .\rوَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّهُ قَالَ : يَكْتَحِلُ الْمُحْرِمُ ، مَا لَمْ يُرِدْ بِهِ الزِّينَةَ .\rقِيلَ لَهُ : الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ ؟ قَالَ : نَعَمْ .\rوَالدَّلِيلُ عَلَى كَرَاهَتِهِ مَا رُوِيَ عَنْ جَابِرٍ ، { أَنَّ عَلِيًّا قَدِمَ مِنْ الْيَمَنِ ، فَوَجَدَ فَاطِمَةَ مِمَّنْ حَلَّ ، فَلَبِسَتْ ثِيَابًا صَبِيغًا ، وَاكْتَحَلَتْ ، فَأَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهَا ، فَقَالَتْ : أَبِي أَمَرَنِي بِهَذَا .\rفَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : صَدَقَتْ ، صَدَقَتْ } .\rرَوَاهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ .\rوَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا كَانَتْ مَمْنُوعَةً مِنْ ذَلِكَ .\rوَرُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ لَامْرَأَةٍ : اكْتَحِلِي بِأَيِّ كُحْلٍ شِئْت ، غَيْرِ الْإِثْمِدِ أَوْ الْأَسْوَدِ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِنَّ الْكُحْلَ بِالْإِثْمِدِ مَكْرُوهٌ ، وَلَا فِدْيَةَ فِيهِ .\rوَلَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا ، وَرَوَتْ شُمَيْسَةُ ، عَنْ عَائِشَةَ ، قَالَتْ : اشْتَكَيْت عَيْنِي وَأَنَا مُحْرِمَةٌ ، فَسَأَلْت عَائِشَةَ ، فَقَالَتْ : اكْتَحِلِي بِأَيِّ كَحِلِّ شِئْت غَيْرِ الْإِثْمِدِ ، أَمَّا إنَّهُ لَيْسَ بِحَرَامٍ ، وَلَكِنَّهُ زِينَةٌ ، فَنَحْنُ نَكْرَهُهُ .\rقَالَ الشَّافِعِيُّ : إنْ فَعَلَا فَلَا أَعْلَمُ عَلَيْهِمَا فِيهِ فِدْيَةً بِشَيْءٍ .","part":6,"page":480},{"id":2980,"text":"( 2373 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا الْكُحْلُ بِغَيْرِ الْإِثْمِدِ ، فَلَا كَرَاهَةَ فِيهِ ، مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ طِيبٌ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ ، وَقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ .\rوَقَدْ رَوَى مُسْلِمٌ ، عَنْ نُبَيْهِ بْنِ وَهْبٍ ، قَالَ : خَرَجْنَا مَعَ أَبَانِ بْنِ عُثْمَانَ ، حَتَّى إذَا كُنَّا بملل ، اشْتَكَى عُمَرُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ عَيْنَيْهِ ، فَأَرْسَلَ إلَى أَبَانِ بْنِ عُثْمَانَ ، لِيَسْأَلَهُ ، فَأَرْسَلَ إلَيْهِ : أَنْ اضْمِدْهَا بِالصَّبْرِ ، فَإِنَّ عُثْمَانَ حَدَّثَ { عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الرَّجُلِ إذَا اشْتَكَى عَيْنَيْهِ وَهُوَ مُحْرِمٌ ، ضَمَّدَهَا بِالصَّبْرِ } .\rفَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى إبَاحَةِ مَا فِي مَعْنَاهُ ، مِمَّا لَيْسَ فِيهِ زِينَةٌ وَلَا طِيبٌ .\rوَكَانَ إبْرَاهِيمُ لَا يَرَى بِالذَّرُورِ الْأَحْمَرِ بَأْسًا .","part":6,"page":481},{"id":2981,"text":"( 2374 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَتَجْتَنِبُ كُلَّ مَا يَجْتَنِبُهُ الرَّجُلُ ، إلَّا فِي اللِّبَاسِ ، وَتَظْلِيلِ الْمَحْمِلِ ) قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ ، مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ، عَلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ مَمْنُوعَةٌ مِمَّا مُنِعَ مِنْهُ الرِّجَالُ ، إلَّا بَعْضَ اللِّبَاسِ ، وَأَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ ، عَلَى أَنَّ لِلْمُحْرِمَةِ لُبْسَ الْقُمُصِ وَالدُّرُوعِ وَالسَّرَاوِيلَاتِ وَالْخُمُرِ وَالْخِفَافِ .\rوَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ ، لِأَنَّ أَمْرَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُحْرِمَ بِأَمْرٍ ، وَحُكْمَهُ عَلَيْهِ ، يَدْخُلُ فِيهِ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ ، وَإِنَّمَا اسْتَثْنَى مِنْهُ اللِّبَاسَ لِلْحَاجَةِ إلَى سَتْرِ الْمَرْأَةِ ، لِكَوْنِهَا عَوْرَةً ، إلَّا وَجْهَهَا ، فَتَجَرُّدُهَا يُفْضِي إلَى انْكِشَافِهَا ، فَأُبِيحَ لَهَا اللِّبَاسُ لِلسَّتْرِ ، كَمَا أُبِيحَ لِلرَّجُلِ عَقْدُ الْإِزَارِ ، كَيْلًا يَسْقُطَ ، فَتَنْكَشِفَ الْعَوْرَةُ ، وَلَمْ يُبَحْ عَقْدُ الرِّدَاءِ .\rوَقَدْ رَوَى ابْنُ عُمَرَ ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { نَهَى النِّسَاءَ فِي إحْرَامِهِنَّ عَنْ الْقُفَّازَيْنِ وَالنِّقَابِ ، وَمَا مَسَّ الْوَرْسَ وَالزَّعْفَرَانَ مِنْ الثِّيَابِ ، وَلْتَلْبَسْ بَعْدَ ذَلِكَ مَا أَحَبَّتْ مِنْ أَلْوَانِ الثِّيَابِ ، مِنْ مُعَصْفَرٍ أَوْ خَزٍّ أَوْ حُلِيٍّ أَوْ سَرَاوِيلَ أَوْ قَمِيصٍ أَوْ خُفٍّ } .\rوَهَذَا صَرِيحٌ ، وَالْمُرَادُ بِاللِّبَاسِ هَاهُنَا الْمَخِيطُ مِنْ الْقَمِيصِ وَالدُّرُوعِ وَالسَّرَاوِيلَاتِ وَالْخِفَافِ ، وَمَا يَسْتُرُ الرَّأْسَ ، وَنَحْوَهُ .","part":6,"page":482},{"id":2982,"text":"فَصْلٌ : وَيُسْتَحَبُّ لِلْمَرْأَةِ مَا يُسْتَحَبُّ لِلرَّجُلِ ؛ مِنْ الْغُسْلِ عِنْدَ الْإِحْرَامِ ، وَالتَّطَيُّبِ ، وَالتَّنَظُّفِ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ ، أَنَّهَا قَالَتْ { : كُنَّا نَخْرُجُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنُضَمِّدُ جِبَاهَنَا بِالْمِسْكِ الْمُطَيِّبِ عِنْدَ الْإِحْرَامِ ، فَإِذَا عَرِقَتْ إحْدَانَا ، سَالَ عَلَى وَجْهِهَا ، فَيَرَاهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَا يُنْكِرُهُ عَلَيْهَا } .\rوَالشَّابَّةُ وَالْكَبِيرَةُ فِي هَذَا سَوَاءٌ ؛ فَإِنَّ عَائِشَةَ كَانَتْ تَفْعَلُهُ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهِيَ شَابَّةٌ .\rفَإِنْ قِيلَ : أَلَيْسَ قَدْ كُرِهَ ذَلِكَ فِي الْجُمُعَةِ ؟ قُلْنَا : لِأَنَّهَا فِي الْجُمُعَةِ تَقْرَبُ مِنْ الرِّجَالِ ، فَيُخَافُ الِافْتِتَانُ بِهَا ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا .\rوَلِهَذَا يَلْزَمُ الْحَجُّ النِّسَاءَ ، وَلَا تَلْزَمُهُنَّ الْجُمُعَةُ .\rوَكَذَلِكَ يُسْتَحَبُّ لَهَا قِلَّةُ الْكَلَامِ فِيمَا لَا يَنْفَعُ ، وَالْإِكْثَارُ مِنْ التَّلْبِيَةِ ، وَذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى .","part":6,"page":483},{"id":2983,"text":"( 2376 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَلَا تَلْبَسُ الْقُفَّازَيْنِ ، وَلَا الْخَلْخَالَ ، وَمَا أَشْبَهَهُ ) الْقُفَّازَانِ : شَيْءٌ يُعْمَلُ لِلْيَدَيْنِ ، تُدَخِّلهُمَا فِيهِمَا مِنْ خَرْقٍ ، تَسْتُرُهُمَا مِنْ الْحَرِّ ، مِثْلُ مَا يُعْمَلُ لِلْبَرْدِ ، فَيَحْرُمُ عَلَى الْمَرْأَةِ لُبْسُهُ فِي يَدَيْهَا فِي حَالِ إحْرَامِهَا .\rوَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ .\rوَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ ، وَطَاوُسٌ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَإِسْحَاقُ .\rوَكَانَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ يُلْبِسُ بَنَاتِهِ الْقُفَّازَيْنِ وَهُنَّ مُحْرِمَاتٌ .\rوَرَخَّصَ فِيهِ عَلِيٌّ ، وَعَائِشَةُ ، وَعَطَاءٌ .\rوَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ .\rوَلِلشَّافِعِيِّ كَالْمَذْهَبَيْنِ .\rوَاحْتَجُّوا بِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { إحْرَامُ الْمَرْأَةِ فِي وَجْهِهَا } .\rوَأَنَّهُ عُضْوٌ يَجُوزُ سَتْرُهُ بِغَيْرِ الْمَخِيطِ ، فَجَازَ سَتْرُهُ بِهِ كَالرِّجْلَيْنِ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { لَا تَنْتَقِبُ الْمَرْأَةُ الْحَرَامُ ، وَلَا تَلْبَسُ الْقُفَّازَيْنِ } .\rرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ .\rوَرُوِيَ أَيْضًا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { نَهَى النِّسَاءَ فِي إحْرَامِهِنَّ عَنْ الْقُفَّازَيْنِ وَالْخَلْخَالِ } .\rوَلِأَنَّ الرَّجُلَ لَمَّا وَجَبَ عَلَيْهِ كَشْفُ رَأْسِهِ ، تَعَلَّقَ حُكْمُ إحْرَامِهِ بِغَيْرِهِ ، فَمُنِعَ مِنْ لُبْسِ الْمَخِيطِ فِي سَائِرِ بَدَنِهِ ، كَذَلِكَ الْمَرْأَةُ لَمَّا لَزِمَهَا كَشْفُ وَجْهِهَا ، يَنْبَغِي أَنْ يَتَعَلَّقَ حُكْمُ الْإِحْرَامِ بِغَيْرِ ذَلِكَ الْبَعْضِ ، وَهُوَ الْيَدَانِ .\rوَحَدِيثُهُمْ الْمُرَادُ بِهِ الْكَشْفُ .\rفَأَمَّا السَّتْرُ بِغَيْرِ الْمَخِيطِ ، فَيَجُوزُ لِلرَّجُلِ ، وَلَا يَجُوزُ بِالْمَخِيطِ .\rفَأَمَّا الْخَلْخَالُ ، وَمَا أَشْبَهَهُ مِنْ الْحُلِيِّ ، مِثْلِ السُّوَارِ وَالدُّمْلُوجِ ، فَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لُبْسُهُ .\rوَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ : الْمُحْرِمَةُ ، وَالْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا ، يَتْرُكَانِ الطِّيبَ وَالزِّينَةَ ، وَلَهُمَا مَا سِوَى ذَلِكَ .","part":6,"page":484},{"id":2984,"text":"وَرُوِيَ عَنْ عَطَاءٍ : أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ لِلْمُحْرِمَةِ الْحَرِيرَ وَالْحُلِيَّ .\rوَكَرِهَهُ الثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ .\rوَرُوِيَ عَنْ قَتَادَةَ أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى بَأْسًا ، أَنْ تَلْبَسَ الْمَرْأَةُ الْخَاتَمَ وَالْقُرْطَ وَهِيَ مُحْرِمَةٌ وَكَرِهَ السِّوَارَيْنِ وَالدُّمْلُجَيْنِ وَالْخَلْخَالَيْنِ .\rوَظَاهِرُ مَذْهَبِ أَحْمَدَ الرُّخْصَةُ فِيهِ .\rوَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ وَعَائِشَةَ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ .\rقَالَ أَحْمَدُ ، فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ : تَلْبَسُ الْمُحْرِمَةُ الْحُلِيَّ وَالْمُعَصْفَرَ .\rوَقَالَ عَنْ نَافِعٍ : كَانَ نِسَاءُ ابْنِ عُمَرَ وَبَنَاتُهُ يَلْبَسْنَ الْحُلِيَّ وَالْمُعَصْفَرَ ، وَهُنَّ مُحْرِمَاتٌ ، لَا يُنْكِرُ ذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ .\rوَرَوَى أَحْمَدُ فِي ( الْمَنَاسِكِ ) ، عَنْ عَائِشَةَ ، أَنَّهَا قَالَتْ : تَلْبَسُ الْمُحْرِمَةُ مَا تَلْبَسُ وَهِيَ حَلَالٌ ، مِنْ خَزِّهَا وَقَزِّهَا وَحُلِيِّهَا .\rوَقَدْ ذَكَرْنَا حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ ، أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { وَلْتَلْبَسْ بَعْدَ ذَلِكَ مَا أَحَبَّتْ مِنْ أَلْوَانِ الثِّيَابِ ، مِنْ مُعَصْفَرٍ أَوْ خَزٍّ ، أَوْ حُلِيٍّ } .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : لَا يَجُوزُ الْمَنْعُ مِنْهُ بِغَيْرِ حُجَّةٍ .\rوَيُحْمَلُ كَلَامُ أَحْمَدَ وَالْخِرَقِيَّ فِي الْمَنْعِ عَلَى الْكَرَاهَةِ ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ الزِّينَةِ ، وَشِبْهِهِ بِالْكُحْلِ بِالْإِثْمِدِ ، وَلَا فِدْيَةَ فِيهِ ، كَمَا لَا فِدْيَةَ فِي الْكُحْلِ .\rوَأَمَّا لُبْسُ الْقُفَّازَيْنِ ، فَفِيهِ الْفِدْيَةُ ؛ لِأَنَّهَا لَبِسَتْ مَا نُهِيَتْ عَنْ لُبْسِهِ فِي الْإِحْرَامِ ، فَلَزِمَتْهَا الْفِدْيَةُ ، كَالنِّقَابِ .","part":6,"page":485},{"id":2985,"text":"فَصْلٌ : قَالَ الْقَاضِي : يَحْرُمُ عَلَيْهَا شَدُّ يَدَيْهَا بِخِرْقَةٍ ؛ لِأَنَّهُ سَتْرٌ لِبَدَنِهَا بِمَا يَخْتَصُّ بِهَا ، أَشْبَهَ الْقُفَّازَيْنِ ، وَكَمَا لَوْ شَدَّ الرَّجُلُ عَلَى جَسَدِهِ شَيْئًا .\rوَإِنْ لَفَّتْ يَدَيْهَا مِنْ غَيْرِ شَدٍّ ، فَلَا فِدْيَةَ ؛ لِأَنَّ الْمُحَرَّمَ هُوَ اللُّبْسُ ، لَا تَغْطِيَتُهُمَا ، كَبَدَنِ الرَّجُلِ .","part":6,"page":486},{"id":2986,"text":"( 2378 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَلَا تَرْفَعُ الْمَرْأَةُ صَوْتَهَا بِالتَّلْبِيَةِ ، إلَّا بِمِقْدَارِ مَا تُسْمِعُ رَفِيقَتَهَا ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ السُّنَّةَ فِي الْمَرْأَةِ أَنْ لَا تَرْفَعَ صَوْتَهَا ، وَإِنَّمَا عَلَيْهَا أَنْ تُسْمِعَ نَفْسَهَا .\rوَبِهَذَا قَالَ عَطَاءٌ ، وَمَالِكٌ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَرُوِيَ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ أَنَّهُ قَالَ : السُّنَّةُ عِنْدَهُمْ أَنَّ الْمَرْأَةَ لَا تَرْفَعُ صَوْتَهَا بِالْإِهْلَالِ .\rوَإِنَّمَا كُرِهَ لَهَا رَفْعُ الصَّوْتِ مَخَافَةَ الْفِتْنَةِ بِهَا ، وَلِهَذَا لَا يُسَنُّ لَهَا أَذَانٌ وَلَا إقَامَةٌ ، وَالْمَسْنُونُ لَهَا فِي التَّنْبِيهِ فِي الصَّلَاةِ التَّصْفِيقُ دُونَ التَّسْبِيحِ .","part":6,"page":487},{"id":2987,"text":"( 2379 ) فَصْلٌ : وَيُسْتَحَبُّ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَخْتَضِبَ بِالْحِنَّاءِ عِنْدَ الْإِحْرَامِ ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، أَنَّهُ قَالَ : مِنْ السُّنَّةِ أَنْ تَدْلُكَ الْمَرْأَةُ يَدَيْهَا فِي حِنَّاءٍ .\rوَلِأَنَّ هَذَا مِنْ زِينَةِ النِّسَاءِ ، فَاسْتُحِبَّ عِنْدَ الْإِحْرَامِ ، كَالطِّيبِ .\rوَلَا بَأْسَ بِالْخِضَابِ فِي حَالِ إحْرَامِهَا .\rوَقَالَ الْقَاضِي : يُكْرَهُ ؛ لِكَوْنِهِ مِنْ الزِّينَةِ ، فَأَشْبَهَ الْكُحْلَ بِالْإِثْمِدِ .\rفَإِنْ فَعَلَتْهُ ، وَلَمْ تَشُدَّ يَدَيْهَا بِالْخِرَقِ ، فَلَا فِدْيَةَ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ .\rوَكَانَ مَالِكٌ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ ، يَكْرَهَانِ الْخِضَابَ لِلْمُحْرِمَةِ ، وَأَلْزَمَاهَا الْفِدْيَةَ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى عِكْرِمَةُ ، أَنَّهُ قَالَ : كَانَتْ عَائِشَةُ ، وَأَزْوَاجُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْتَضِبْنَ بِالْحِنَّاءِ ، وَهُنَّ حُرُمٌ .\rوَلِأَنَّ الْأَصْلَ الْإِبَاحَةُ ، وَلَيْسَ هَاهُنَا دَلِيلٌ يَمْنَعُ مِنْ نَصٍّ وَلَا إجْمَاعٍ ، وَلَا هِيَ فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ .","part":6,"page":488},{"id":2988,"text":"( 2380 ) فَصْلٌ : إذَا أَحْرَمَ الْخُنْثَى الْمُشْكِلُ ، لَمْ يَلْزَمْهُ اجْتِنَابُ الْمَخِيطِ ؛ لِأَنَّنَا لَا نَتَيَقَّنُ الذُّكُورِيَّةَ الْمُوجِبَةَ لِذَلِكَ .\rوَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ : يُغَطِّي رَأْسَهُ وَيُكَفِّرُ .\rوَالصَّحِيحُ أَنَّ الْكَفَّارَةَ لَا تَلْزَمُهُ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهَا ، فَلَا نُوجِبُهَا بِالشَّكِّ .\rوَإِنْ غَطَّى وَجْهَهُ وَحْدَهُ ، لَمْ يَلْزَمْهُ فِدْيَةٌ لِذَلِكَ .\rوَإِنْ جَمَعَ بَيْنَ تَغْطِيَةِ وَجْهِهِ بِنِقَابٍ أَوْ بُرْقُعٍ ، وَبَيْنَ تَغْطِيَةِ رَأْسِهِ أَوْ لُبْسِ الْمَخِيطِ عَلَى بَدَنِهِ لَزِمَتْهُ الْفِدْيَةُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ رَجُلًا أَوْ امْرَأَةً .","part":6,"page":489},{"id":2989,"text":"( 2381 ) فَصْلٌ : وَيُسْتَحَبُّ لِلْمَرْأَةِ الطَّوَافُ لَيْلًا ؛ لِأَنَّهُ أُسْتَرُ لَهَا ، وَأَقَلُّ لِلزِّحَامِ ، فَيُمْكِنُهَا أَنْ تَدْنُوَ مِنْ الْبَيْتِ ، وَتَسْتَلِمَ الْحَجَرَ .\rوَقَدْ رَوَى حَنْبَلٌ ، فِي ( الْمَنَاسِكِ ) بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، أَنَّ عَائِشَةَ كَانَتْ تَطُوفُ بَعْدَ الْعِشَاءَ أُسْبُوعًا أَوْ أُسْبُوعَيْنِ ، وَتُرْسِلُ إلَى أَهْلِ الْمَجَالِسِ فِي الْمَسْجِدِ : ارْتَفِعُوا إلَى أَهْلَيْكُمْ ، فَإِنَّ لَهُمْ عَلَيْكُمْ حَقًّا .\rوَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ السَّائِبِ بْنِ بَرَكَةَ ، عَنْ أُمِّهِ ، عَنْ عَائِشَةَ ، أَنَّهَا أَرْسَلَتْ إلَى أَصْحَابِ الْمَصَابِيحِ ، أَنْ يُطْفِئُوهَا ، فَأَطْفَئُوهَا ، فَطُفْت مَعَهَا فِي سِتْرٍ أَوْ حِجَابٍ ، فَكَانَتْ كُلَّمَا فَرَغَتْ مِنْ أُسْبُوعٍ اسْتَلَمَتْ الرُّكْنَ الْأَسْوَدَ ، وَتَعَوَّذَتْ بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْبَابِ ، حَتَّى إذَا فَرَغَتْ مِنْ ثَلَاثَةِ أَسَابِيعَ ، ذَهَبَتْ إلَى دُبُرِ سِقَايَةِ زَمْزَمِ ، مِمَّا يَلِي النَّاسَ ، فَصَلَّتْ سِتَّ رَكَعَاتٍ ، كُلَّمَا رَكَعَتْ رَكْعَتَيْنِ انْحَرَفَتْ إلَى النِّسَاءِ ، فَكَلَّمَتْهُنَّ ، تَفْصِلُ بِذَلِكَ صَلَاتَهَا ، حَتَّى فَرَغَتْ .","part":6,"page":490},{"id":2990,"text":"( 2382 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَلَا يَتَزَوَّجُ الْمُحْرِمُ ، وَلَا يُزَوِّجُ ، فَإِنْ فَعَلَ ، فَالنِّكَاحُ بَاطِلٌ ) قَوْلُهُ : ( لَا يَتَزَوَّج ) أَيْ لَا يَقْبَلُ النِّكَاحَ لِنَفْسِهِ ، ( وَلَا يُزَوِّجُ ) أَيْ لَا يَكُونُ وَلِيَّا فِي النِّكَاحِ وَلَا وَكِيلًا فِيهِ .\rوَلَا يَجُوزُ تَزْوِيجُ الْمُحْرِمَةِ أَيْضًا .\rرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ ، وَابْنِهِ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَبِهِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ .\rوَأَجَازَ ذَلِكَ كُلَّهُ ابْنُ عَبَّاسٍ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { تَزَوَّجَ مَيْمُونَةَ وَهُوَ مُحْرِمٌ } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَلِأَنَّهُ عَقْدٌ يَمْلِكُ بِهِ الِاسْتِمْتَاعَ ، فَلَا يُحَرِّمُهُ الْإِحْرَامُ ، كَشِرَاءِ الْإِمَاءِ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى أَبَانُ بْنُ عُثْمَانَ ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ ، وَلَا يُنْكِحُ ، وَلَا يَخْطُبُ } رَوَاهُ مُسْلِمٌ .\rوَلِأَنَّ الْإِحْرَامَ يُحَرِّمُ الطِّيبَ ، فَيُحَرِّمُ النِّكَاحَ ، كَالْعِدَّةِ .\rفَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ ، فَقَدْ رَوَى يَزِيدُ بْنُ الْأَصَمِّ ، { عَنْ مَيْمُونَةَ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَزَوَّجَهَا حَلَالًا ، وَبَنَى بِهَا حَلَالًا ، وَمَاتَتْ بِسَرِفٍ ، فِي الظُّلَّةِ الَّتِي بَنَى بِهَا فِيهَا } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَالْأَثْرَمُ .\rوَعَنْ أَبِي رَافِعٍ ، قَالَ { : تَزَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَيْمُونَةَ وَهُوَ حَلَالٌ ، وَبَنَى بِهَا وَهُوَ حَلَالٌ ، وَكُنْت أَنَا الرَّسُولَ بَيْنَهُمَا } .\rقَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ .\rوَمَيْمُونَةُ أَعْلَمُ بِنَفْسِهَا ، وَأَبُو رَافِعٍ صَاحِبُ الْقِصَّةِ ، وَهُوَ السَّفِيرُ فِيهَا ، فَهُمَا أَعْلَمُ بِذَلِكَ مِنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَأَوْلَى بِالتَّقْدِيمِ لَوْ كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ كَبِيرًا ، فَكَيْفَ وَقَدْ كَانَ صَغِيرًا لَا يَعْرِفُ","part":6,"page":491},{"id":2991,"text":"حَقَائِقَ الْأُمُورِ ، وَلَا يَقِفُ عَلَيْهَا ، وَقَدْ أُنْكِرَ عَلَيْهِ هَذَا الْقَوْلُ .\rوَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ : وَهُمْ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَمَا تَزَوَّجَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَّا حَلَالًا .\rفَكَيْفَ يُعْمَلُ بِحَدِيثٍ هَذَا حَالُهُ ؟ وَيُمْكِنُ حَمْلُ قَوْلِهِ : ( وَهُوَ مُحْرِمٌ ) .\rأَيْ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ ، أَوْ فِي الْبَلَدِ الْحَرَامِ ، كَمَا قِيلَ : قَتَلُوا ابْنَ عَفَّانِ الْخَلِيفَةَ مُحْرِمًا وَقِيلَ : تَزَوَّجَهَا حَلَالًا ، وَأَظْهَر أَمْرُ تَزْوِيجِهَا وَهُوَ مُحْرِمٌ .\rثُمَّ لَوْ صَحَّ الْحَدِيثَانِ ، كَانَ تَقْدِيمُ حَدِيثِنَا أَوْلَى ؛ لِأَنَّهُ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَذَلِكَ فِعْلُهُ ، وَالْقَوْلُ آكَدُ ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مُخْتَصًّا بِمَا فَعَلَهُ .\rوَعَقْدُ النِّكَاحِ يُخَالِفُ شِرَاءَ الْأَمَةِ ، فَإِنَّهُ يَحْرُمُ بِالْعِدَّةِ وَالرِّدَّةِ وَاخْتِلَافِ الدِّينِ ، وَكَوْنِ الْمَنْكُوحَةِ أُخْتًا لَهُ مِنْ الرَّضَاعِ ، وَيُعْتَبَرُ لَهُ شُرُوطٌ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ فِي الشِّرَاءِ .","part":6,"page":492},{"id":2992,"text":"( 2383 ) فَصْلٌ : وَمَتَى تَزَوَّجَ الْمُحْرِمُ ، أَوْ زَوَّجَ ، أَوْ زُوِّجَتْ مُحْرِمَةٌ ، فَالنِّكَاحُ بَاطِلٌ ، سَوَاءٌ كَانَ الْكُلُّ مُحْرِمِينَ أَوْ بَعْضُهُمْ ؛ لِأَنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ ، فَلَمْ يَصِحَّ ، كَنِكَاحِ الْمَرْأَةِ عَلَى عَمَّتِهَا أَوْ خَالَتِهَا .\rوَعَنْ أَحْمَدَ : إنْ زَوَّجَ الْمُحْرِمُ لَمْ أَفْسَخْ النِّكَاحَ .\rقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا : هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ إذَا كَانَ الْوَلِيُّ بِمُفْرَدِهِ أَوْ الْوَكِيلُ مُحْرِمًا ، لَمْ يَفْسُدْ النِّكَاحُ .\rوَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ .\rوَكَلَامُ أَحْمَدَ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَفْسَخُهُ لِكَوْنِهِ مُخْتَلَفًا فِيهِ .\rقَالَ الْقَاضِي : وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا بِطَلْقَةٍ .\rوَهَكَذَا كُلُّ نِكَاحٍ مُخْتَلَفٍ فِيهِ .\rقَالَ أَحْمَدُ ، فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ : إذَا تَزَوَّجَتْ بِغَيْرِ وَلِيٍّ ، لَمْ يَكُنْ لِلْوَلِيِّ أَنْ يُزَوِّجهَا مِنْ غَيْرِهِ حَتَّى يُطَلِّقَ .\rوَلِأَنَّ تَزْوِيجَهَا مِنْ غَيْرِ طَلَاقٍ يُفْضِي إلَى أَنْ يَجْتَمِعَ لِلْمَرْأَةِ زَوْجَانِ ، كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَعْتَقِدُ حِلَّهَا .","part":6,"page":493},{"id":2993,"text":"( 2384 ) فَصْلٌ : وَتُكْرَهُ الْخِطْبَةُ لِلْمُحْرِمِ ، وَخِطْبَةُ الْمُحْرِمَةِ ، وَيُكْرَهُ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَخْطُبَ لِلْمُحِلَّيْنِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ جَاءَ فِي بَعْضِ أَلْفَاظِ حَدِيثِ عُثْمَانَ : { لَا يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ ، وَلَا يُنْكِحُ ، وَلَا يَخْطُبُ } .\rرَوَاهُ مُسْلِمٌ .\rوَلِأَنَّهُ تَسَبُّبٌ إلَى الْحَرَامِ ، فَأَشْبَهَ الْإِشَارَةَ إلَى الصَّيْدِ .\rوَالْإِحْرَامُ الْفَاسِدُ كَالصَّحِيحِ فِي مَنْعِ النِّكَاح ، وَسَائِرِ الْمَحْظُورَات ؛ لِأَنَّ حُكْمَهُ بَاقٍ فِي وُجُوبِ مَا يَجِبُ فِي الْإِحْرَامِ ، فَكَذَلِكَ مَا يَحْرُمُ بِهِ .","part":6,"page":494},{"id":2994,"text":"( 2385 ) فَصْلٌ : وَيُكْرَهُ أَنْ يَشْهَدَ فِي النِّكَاحِ ؛ لِأَنَّهُ مُعَاوَنَةٌ عَلَى النِّكَاحِ فَأَشْبَهَ الْخِطْبَةَ .\rوَإِنْ شَهِدَ أَوْ خَطَبَ ، لَمْ يَفْسُدْ النِّكَاحُ .\rوَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ : لَا يَنْعَقِدُ النِّكَاحُ بِشَهَادَةِ الْمُحْرِمِينَ ؛ لِأَنَّ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ : { وَلَا يَشْهَدُ } .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ لَا مَدْخَلَ لِلشَّاهِدِ فِي الْعَقْدِ ، فَأَشْبَهَ الْخَطِيبَ ، وَهَذِهِ اللَّفْظَةُ غَيْرُ مَعْرُوفَةٍ ، فَلَمْ يَثْبُتْ بِهَا حُكْمٌ .\rوَمَتَى تَزَوَّجَ الْمُحْرِمُ ، أَوْ زَوَّجَ ، أَوْ زَوَّجَتْ مُحْرِمَةٌ ، لَمْ يَجِبْ بِذَلِكَ فِدْيَةٌ ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ فَسَدَ لِأَجْلِ الْإِحْرَامِ ، فَلَمْ تَجِبْ بِهِ فِدْيَةٌ ، كَشِرَاءِ الصَّيْدِ .","part":6,"page":495},{"id":2995,"text":"( 2386 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( فَإِنْ وَطِئَ الْمُحْرِمُ فِي الْفَرْجِ فَأَنْزَلَ ، أَوْ لَمْ يُنْزِلْ ، فَقَدْ فَسَدَ حَجُّهُمَا ، وَعَلَيْهِ بَدَنَةٌ إنْ كَانَ اسْتَكْرَهَهَا ، وَإِنْ كَانَتْ طَاوَعَتْهُ ، فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَدَنَةٌ ) أَمَّا فَسَادُ الْحَجِّ بِالْجِمَاعِ فِي الْفَرْجِ ، فَلَيْسَ فِيهِ اخْتِلَافٌ .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْحَجَّ لَا يَفْسُدُ بِإِتْيَانِ شَيْءٍ فِي حَالِ الْإِحْرَامِ إلَّا الْجِمَاعَ .\rوَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، أَنَّ رَجُلًا سَأَلَهُ ، فَقَالَ : إنِّي وَقَعْت بِامْرَأَتِي ، وَنَحْنُ مُحْرِمَانِ .\rفَقَالَ : أَفْسَدْت حَجَّك ، انْطَلِقْ أَنْتَ وَأَهْلُك مَعَ النَّاسِ ، فَاقْضُوا مَا يَقْضُونَ ، وَحِلَّ إذَا حَلُّوا ، فَإِذَا كَانَ فِي الْعَامِ الْمُقْبِلِ فَاحْجُجْ أَنْتَ وَامْرَأَتُك ، وَاهْدِيَا هَدْيًا ، فَإِنْ لَمْ تَجِدَا ، فَصُومَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ ، وَسَبْعَةً إذَا رَجَعْتُمْ .\rوَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو .\rلَمْ نَعْلَمْ لَهُمْ فِي عَصْرِهِمْ مُخَالِفًا .\rرَوَى حَدِيثَهُمْ الْأَثْرَمُ فِي ( سُنَنِهِ ) ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( وَيَتَفَرَّقَانِ ) مِنْ حَيْثُ يُحْرِمَانِ ، حَتَّى يَقْضِيَا حَجَّهُمَا .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ أَعْلَى شَيْءٍ رُوِيَ فِي مَنْ وَطِئَ فِي حَجِّهِ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .\rوَبِهِ قَالَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ ، وَعَطَاءٌ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَلَا فَرْقَ بَيْنَ مَا قَبْلَ الْوُقُوفِ وَبَعْدَهُ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إنْ جَامَعَ قَبْلَ الْوُقُوفِ فَسَدَ حَجُّهُ ، وَإِنْ جَامَعَ بَعْدَهُ لَمْ يَفْسُدْ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الْحَجُّ عَرَفَةَ } .\rوَلِأَنَّهُ مَعْنًى يَأْمَنُ بِهِ الْفَوَاتَ ، فَأَمِنَ بِهِ الْفَسَادَ ، كَالتَّحَلُّلِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ قَوْلَ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ رَوَيْنَا قَوْلَهُمْ ، مُطْلَقٌ فِي مَنْ وَاقَعَ مُحْرِمًا ، وَلِأَنَّهُ جِمَاعٌ صَادَفَ إحْرَامًا تَامًّا ،","part":6,"page":496},{"id":2996,"text":"فَأَفْسَدَهُ ، كَمَا قَبْلَ الْوُقُوفِ .\rوَقَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { الْحَجُّ عَرَفَةَ } يَعْنِي : مُعْظَمُهُ .\rأَوْ أَنَّهُ رُكْنٌ مُتَأَكِّدٌ فِيهِ .\rوَلَا يَلْزَمُ مِنْ أَمْنِ الْفَوَاتِ أَمْنُ الْفَسَادِ ، بِدَلِيلِ الْعُمْرَةِ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْمُجَامِعِ بَدَنَةٌ .\rرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَعَطَاءٍ ، وَطَاوُسٍ ، وَمُجَاهِدٍ ، وَمَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي ثَوْرٍ .\rوَقَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَإِسْحَاقُ : عَلَيْهِ بَدَنَةٌ ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَشَاةٌ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ : إنْ جَامَعَ قَبْلَ الْوُقُوفِ فَسَدَ حَجُّهُ ، وَعَلَيْهِ شَاةٌ ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ فَعَلَيْهِ بَدَنَةٌ ، وَحَجُّهُ صَحِيحٌ ؛ لِأَنَّهُ قَبْلَ الْوُقُوف مَعْنًى يُوجِبُ الْقَضَاءَ ، فَلَمْ يَجِبْ بِهِ بَدَنَةٌ ، كَالْفَوَاتِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ جِمَاعٌ صَادَفَ إحْرَامًا تَامًّا ، فَوَجَبَتْ بِهِ الْبَدَنَةُ ، كَبَعْدِ الْوُقُوفِ ، وَلِأَنَّهُ قَوْلُ مَنْ سَمَّيْنَا مِنْ الصَّحَابَةِ ، وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ قَبْلَ الْوُقُوفِ وَبَعْدَهُ .\rوَأَمَّا الْفَوَاتُ فَهُوَ مُفَارِقٌ لِلْجِمَاعِ بِالْإِجْمَاعِ ، وَلِذَلِكَ لَا يُوجِبُونَ فِيهِ الشَّاةَ ، بِخِلَافِ الْجِمَاعِ .\rوَإِذَا كَانَتْ الْمَرْأَةُ مُكْرَهَةً عَلَى الْجِمَاعِ ، فَلَا هَدْيَ عَلَيْهَا ، وَلَا عَلَى الرَّجُلِ أَنْ يُهْدِيَ عَنْهَا .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ؛ لِأَنَّهُ جِمَاعٌ يُوجِبُ الْكَفَّارَةَ ، فَلَمْ تَجِبْ بِهِ حَالَ الْإِكْرَاهِ أَكْثَرُ مِنْ كَفَّارَةٍ وَاحِدَةٍ ، كَمَا فِي الصِّيَامِ .\rوَهَذَا قَوْلُ إِسْحَاقَ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ ، رِوَايَةٌ أُخْرَى : أَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يُهْدِيَ عَنْهَا .\rوَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ ، وَمَالِكٍ ؛ لِأَنَّ إفْسَادَ الْحَجَّ وُجِدَ مِنْهُ فِي حَقِّهِمَا ، فَكَانَ عَلَيْهِ لِإِفْسَادِهِ حَجَّهَا هَدْيٌ ، قِيَاسًا عَلَى حَجِّهِ ، وَعَنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْهَدْيَ عَلَيْهَا ؛ لِأَنَّ فَسَادَ الْحَجَّ ثَبَتَ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهَا ، فَكَانَ الْهَدْيُ عَلَيْهَا ، كَمَا لَوْ طَاوَعَتْ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ أَنَّ الْهَدْيَ عَلَيْهَا ، يَتَحَمَّلُهُ الزَّوْجُ عَنْهَا ، فَلَا يَكُونُ","part":6,"page":497},{"id":2997,"text":"رِوَايَةً ثَالِثَةً .\rفَأَمَّا حَالَ الْمُطَاوَعَةِ ، فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَدَنَةٌ .\rهَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، وَالنَّخَعِيِّ ، وَالضَّحَّاكِ ، وَمَالِكٍ ، وَالْحَكَمِ ، وَحَمَّادٍ ؛ لِأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ : اهْدِ نَاقَةً ، وَلْتُهْدِ نَاقَةً .\rلِأَنَّهَا أَحَدُ الْمُتَجَامِعَيْنِ مِنْ غَيْرِ إكْرَاهٍ ، فَلَزِمَتْهَا بَدَنَةٌ كَالرَّجُلِ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ : أَرْجُو أَنْ يُجْزِئَهُمَا هَدْيٌ وَاحِدٌ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَطَاءٍ ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ جِمَاعٌ وَاحِدٌ فَلَمْ يُوجِبْ أَكْثَرَ مِنْ بَدَنَةٍ ، كَحَالَةِ الْإِكْرَاهِ ، وَالنَّائِمَةُ كَالْمُكْرَهَةِ فِي هَذَا .\rوَأَمَّا فَسَادُ الْحَجِّ ، فَلَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ حَالِ الْإِكْرَاهِ وَالْمُطَاوَعَةِ .\rلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا .","part":6,"page":498},{"id":2998,"text":"( 2387 ) فَصْلٌ : وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْوَطْءِ فِي الْقُبُلِ وَالدُّبُرِ ، مِنْ آدَمِيٍّ أَوْ بَهِيمَةٍ .\rوَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ .\rوَيَتَخَرَّجُ فِي وَطْءِ الْبَهِيمَةِ أَنَّ الْحَجَّ لَا يَفْسُدُ بِهِ .\rوَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُوجِبُ الْحَدَّ ، فَأَشْبَهَ الْوَطْءَ دُونَ الْفَرْجِ .\rوَحَكَى أَبُو ثَوْرٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ اللِّوَاطَ وَالْوَطْءَ فِي الدُّبُرِ لَا يُفْسِدُ الْحَجَّ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَثْبُتُ بِهِ الْإِحْصَانُ ، فَلَمْ يُفْسِدْ الْحَجَّ كَالْوَطْءِ دُونَ الْفَرْجِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ وَطْءٌ فِي فَرْجٍ يُوجِبُ الِاغْتِسَالَ ، فَأَفْسَدَ الْحَجَّ ، كَوَطْءِ الْآدَمِيَّةِ فِي الْقُبُلِ .\rوَيُفَارِقُ الْوَطْءَ دُونَ الْفَرْجِ ، فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْكَبَائِرِ فِي الْأَجْنَبِيَّةِ .\rوَلَا يُوجِبُ مَهْرًا ، وَلَا عِدَّةً ، وَلَا حَدًّا ، وَلَا غُسْلًا إلَّا أَنْ يُنْزِلَ ، فَيَكُونَ كَمَسْأَلَتِنَا ، فِي رِوَايَةٍ .","part":6,"page":499},{"id":2999,"text":"( 2388 ) فَصْلٌ : إذَا تَكَرَّرَ الْجِمَاعُ ، فَإِنْ كَفَّرَ عَنْ الْأَوَّلِ ، فَعَلَيْهِ لِلثَّانِي كَفَّارَةٌ ثَانِيَةٌ ، كَالْأَوَّلِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَفَّرَ عَنْ الْأَوَّلِ ، فَكَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ .\rوَعَنْهُ أَنَّ لِكُلِّ وَطْءٍ كَفَّارَةً ؛ لِأَنَّهُ سَبَبٌ لِلْكَفَّارَةِ ، فَأَوْجَبَهَا كَالْأَوَّلِ .\rوَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ ؛ لِأَنَّهُ جِمَاعٌ مُوجِبٌ لِلْكَفَّارَةِ ، فَإِذَا تَكَرَّرَ قَبْلَ التَّكْفِيرِ عَنْ الْأَوَّلِ ، لَمْ يُوجِبْ كَفَّارَةً ثَانِيَةً ، كَمَا فِي الصِّيَامِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : عَلَيْهِ لِلْوَطْءِ الثَّانِي شَاةٌ ، سَوَاءٌ كَفَّرَ عَنْ الْأَوَّلِ أَوْ لَمْ يُكَفِّرْ ، إلَّا أَنْ يَتَكَرَّرَ الْوَطْءُ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ ، عَلَى وَجْهِ الرَّفْضِ لِلْإِحْرَامِ ؛ لِأَنَّهُ وَطْءٌ صَادَفَ إحْرَامًا نَاقِصَ الْحُرْمَةِ ، فَأَوْجَبَ شَاةً ، كَالْوَطْءِ بَعْدَ التَّحَلُّلِ الْأَوَّلِ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : لَا يَجِبُ بِالثَّانِي شَيْءٌ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَطَاءٍ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُفْسِدُ الْحَجَّ ، فَلَا يَجِبُ بِهِ شَيْءٌ ، كَمَا لَوْ كَانَ قَبْلَ التَّكْفِيرِ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، كَقَوْلِنَا ، وَقَرِيبًا مِنْ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ .\rوَلَنَا ، عَلَى وُجُوبِ الْبَدَنَةِ إذَا كَفَّرَ ، أَنَّهُ وَطِئَ فِي إحْرَامٍ ، وَلَمْ يَتَحَلَّلْ مِنْهُ ، وَلَا أَمْكَنَ تَدَاخُلُ كَفَّارَتِهِ فِي غَيْرِهِ ، فَأَشْبَهَ الْوَطْءَ الْأَوَّلَ .\rوَلِأَنَّ الْإِحْرَامَ الْفَاسِدَ كَالصَّحِيحِ فِي سَائِرِ الْكَفَّارَاتِ ، فَكَذَلِكَ فِي الْوَطْءِ ، وَلِأَنَّهُ إذَا لَمْ يُكَفِّرْ عَنْ الْأَوَّلِ ، فَتَتَدَاخَلُ كَفَّارَاتُهُ ، كَمَا يَتَدَاخَلُ حُكْمُ الْمَهْرِ وَالْحَدِّ ، وَالتَّحْدِيدُ بِعَدَمِ التَّكْفِيرِ أَوْلَى مِنْ التَّحْدِيدِ بِالْمَجْلِسِ الْوَاحِدِ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْمَهْرِ وَالْحَدِّ وَالتَّكْفِيرِ فِي الْيَمِينِ وَالظِّهَارِ وَغَيْرِهِمَا .","part":6,"page":500},{"id":3000,"text":"( 2389 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَإِنْ وَطِئَ دُونَ الْفَرْجِ ، فَلَمْ يُنْزِلْ فَعَلَيْهِ دَمٌ ، وَإِنْ أَنْزَلَ فَعَلَيْهِ بَدَنَةٌ ، وَقَدْ فَسَدَ حَجُّهُ ) أَمَّا إذَا لَمْ يُنْزِلْ ، فَإِنَّ حَجَّهُ لَا يَفْسُدُ بِذَلِكَ .\rلَا نَعْلَمُ أَحَدًا قَالَ بِفَسَادِ حَجِّهِ ؛ لِأَنَّهَا مُبَاشَرَةٌ دُونَ الْفَرْجِ عَرِيَتْ عَنْ الْإِنْزَالِ ، فَلَمْ يَفْسُدْ بِهَا الْحَجُّ ، كَاللَّمْسِ ، أَوْ مُبَاشَرَةٌ لَا تُوجِبُ الِاغْتِسَالَ ، أَشْبَهَتْ اللَّمْسَ ، وَعَلَيْهِ شَاةٌ .\rوَقَالَ الْحَسَنُ فِي مَنْ ضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى فَرْجِ جَارِيَتِهِ : عَلَيْهِ بَدَنَةٌ .\rوَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ : إذَا نَالَ مِنْهَا مَا دُونَ الْجِمَاعَ ، ذَبَحَ بَقَرَةً .\rوَلَنَا ، أَنَّهَا مُلَامَسَةٌ مِنْ غَيْرِ إنْزَالٍ ، فَأَشْبَهَتْ لَمْسَ غَيْرِ الْفَرْجِ .\rفَأَمَّا إنْ أَنْزَلَ ، فَعَلَيْهِ بَدَنَةٌ .\rوَبِذَلِكَ قَالَ الْحَسَنُ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ : عَلَيْهِ شَاةٌ ؛ لِأَنَّهَا مُبَاشَرَةٌ دُونَ الْفَرْجِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ يُنْزِلْ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ جِمَاعٌ أَوْجَبَ الْغُسْلَ ، فَأَوْجَبَ بَدَنَةً ، كَالْوَطْءِ فِي الْفَرْجِ .\rوَفِي فَسَادِ حَجِّهِ بِذَلِكَ رِوَايَتَانِ : إحْدَاهُمَا ، يَفْسُدُ .\rاخْتَارَهَا الْخِرَقِيِّ ، وَأَبُو بَكْرٍ .\rوَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ ، وَالْحَسَنِ ، وَالْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، وَمَالِكٍ ، وَإِسْحَاقَ ؛ لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ يُفْسِدُهَا الْوَطْءُ ، فَأَفْسَدَهَا الْإِنْزَالُ عَنْ مُبَاشَرَةٍ ، كَالصِّيَامِ .\rوَالثَّانِيَةُ ، لَا يَفْسُدُ الْحَجُّ .\rوَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيَّ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ وَابْنِ الْمُنْذِرِ ، وَهِيَ الصَّحِيحَةُ إنْ شَاءَ اللَّهُ ؛ لِأَنَّهُ اسْتِمْتَاعٌ لَا يَجِبُ بِنَوْعِهِ الْحَدُّ ، فَلَمْ يُفْسِدْ الْحَجَّ .\rكَمَا لَوْ لَمْ يُنْزِلْ ، وَلِأَنَّهُ لَا نَصَّ فِيهِ وَلَا إجْمَاعَ وَلَا هُوَ فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ ، لِأَنَّ الْوَطْءَ فِي الْفَرْجِ يَجِبُ بِنَوْعِهِ الْحَدُّ ، وَيَتَعَلَّقُ بِهِ اثْنَا عَشَرِ حُكْمًا ، وَلَا يَفْتَرِقُ فِيهِ الْحَالُ بَيْنَ الْإِنْزَالِ وَعَدَمِهِ ، وَالصِّيَامُ","part":7,"page":1},{"id":3001,"text":"يُخَالِفُ الْحَجَّ فِي الْمُفْسِدَاتِ ، وَلِذَلِكَ يَفْسُدُ بِتَكْرَارِ النَّظَرِ مَعَ الْإِنْزَالِ وَالْمَذْيِ وَسَائِرِ مَحْظُورَاتِهِ ، وَالْحَجُّ لَا يَفْسُدُ بِشَيْءٍ مِنْ مَحْظُورَاتِهِ غَيْرِ الْجِمَاعِ ، فَافْتَرَقَا .\rوَالْمَرْأَةُ كَالرَّجُلِ فِي هَذَا ، إذَا كَانَتْ ذَاتَ شَهْوَةٍ ، وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهَا ، كَالرَّجُلِ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ شَهْوَةٌ .","part":7,"page":2},{"id":3002,"text":"( 2390 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( فَإِنْ قَبَّلَ فَلَمْ يُنْزِلْ ، فَعَلَيْهِ دَمٌ ، وَإِنْ أَنْزَلَ فَعَلَيْهِ بَدَنَةٌ ، وَعَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، رِوَايَةٌ أُخْرَى : إنْ أَنْزَلَ فَسَدَ حَجُّهُ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ حُكْمَ الْقُبْلَةِ حُكْمُ الْمُبَاشَرَةِ دُونَ الْفَرْجِ ، سَوَاءٌ ، إلَّا أَنَّ الْخِرَقِيِّ ذَكَرَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ رِوَايَتَيْنِ فِي إفْسَادِ الْحَجِّ عِنْدَ الْإِنْزَالِ ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي إفْسَادِ الْحَجِّ فِي الْوَطْءِ دُونَ الْفَرْجِ إلَّا رِوَايَةً وَاحِدَةً ، وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ فِيهَا أَيْضًا رِوَايَتَيْنِ ، وَذَكَرْنَا الْخِلَافَ فِيهِ ، لَكِنْ نُشِيرُ إلَى الْفَرْقِ تَوْجِيهًا لِقَوْلِ الْخِرَقِيِّ فَنَقُولُ : إنْزَالٌ بِغَيْرِ وَطْءٍ فَلَمْ يَفْسُدْ بِهِ الْحَجُّ ، كَالنَّظَرِ ، وَلِأَنَّ اللَّذَّةَ بِالْوَطْءِ فَوْقَ اللَّذَّةِ بِالْقُبْلَةِ ، فَكَانَتْ فَوْقَهَا فِي الْوَاجِبِ ؛ لِأَنَّ مَرَاتِبَ أَحْكَامِ الِاسْتِمْتَاعِ عَلَى وَفْقِ مَا يَحْصُلُ بِهِ مِنْ اللَّذَّةِ ، فَالْوَطْءُ فِي الْفَرْجِ أَبْلَغُ الِاسْتِمْتَاعِ ، فَأَفْسَدَ الْحَجَّ مَعَ الْإِنْزَالِ وَعَدَمِهِ ، وَالْوَطْءُ دُونَ الْفَرْجِ دُونَهُ ، فَأَوْجَبَ الْبَدَنَةَ وَأَفْسَدَ الْحَجَّ عِنْدَ الْإِنْزَالِ ، وَالدَّمَ عِنْدَ عَدَمِهِ ، وَالْقُبْلَةُ دُونَهُمَا ، فَتَكُونُ دُونَهُمَا فِيمَا يَجِبُ بِهَا ، فَيَجِبُ بِهَا بَدَنَةٌ عِنْدَ الْإِنْزَالِ مِنْ غَيْرِ إفْسَادٍ ، وَتَكْرَارُ النَّظَرِ دُونَ الْجَمِيعِ ، فَيَجِبُ بِهِ الدَّمُ عِنْدَ الْإِنْزَالِ ، وَلَا يَجِبُ عِنْدَ عَدَمِهِ شَيْءٌ .\rوَمِنْ جَمَعَ بَيْنَ الْوَطْءِ دُونَ الْفَرْجِ وَالْقُبْلَةِ ، قَالَ : كِلَاهُمَا مُبَاشَرَةٌ ، فَاسْتَوَى حُكْمُهُمَا فِي الْوَاجِبِ بِهِمَا .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّهُ قَالَ لِرَجُلٍ قَبَّلَ زَوْجَتَهُ : أَفْسَدْت حَجَّتَك .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ .\rوَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ، وَعَطَاءٌ ، وَابْنُ سِيرِينَ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَقَتَادَةُ ، وَمَالِكٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ : عَلَيْهِ دَمٌ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ الشَّعْبِيِّ ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ","part":7,"page":3},{"id":3003,"text":".\rوَرَوَى الْأَثْرَمُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ قَبَّلَ عَائِشَةَ بِنْتَ طَلْحَةَ مُحْرِمًا ، فَسَأَلَ ، فَأُجْمِعَ لَهُ عَلَى أَنْ يُهْرِيقَ دَمًا .\rوَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ أَنْزَلَ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُذْكَرْ .\rوَسَوَاءٌ أَمْذَى أَوْ لَمْ يُمْذِ .\rوَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ : إنْ قَبَّلَ فَمَذَى أَوْ لَمْ يُمْذِ ، فَعَلَيْهِ دَمٌ .\rوَسَائِرُ اللَّمْسِ لِشَهْوَةٍ كَالْقُبْلَةِ فِيمَا ذَكَرْنَا ؛ لِأَنَّهُ اسْتِمْتَاعٌ يَلْتَذُّ بِهِ ، فَهُوَ كَالْقُبْلَةِ .\rقَالَ أَحْمَدُ ، فِي مَنْ قَبَضَ عَلَى فَرْجِ امْرَأَتِهِ ، وَهُوَ مُحْرِمٌ : فَإِنَّهُ يُهْرِيقُ دَمَ شَاةٍ .\rوَقَالَ عَطَاءٌ : إذَا قَبَّلَ الْمُحْرِمُ ، أَوْ لَمَسَ ، فَلْيُهْرِقْ دَمًا .","part":7,"page":4},{"id":3004,"text":"( 2391 ) مَسْأَلَة : قَالَ : ( وَإِنْ نَظَرَ ، فَصَرَفَ بَصَرَهُ ، فَأَمْنَى ، فَعَلَيْهِ دَمٌ ، وَإِنْ كَرَّرَ النَّظَرَ حَتَّى أَمْنَى ، فَعَلَيْهِ بَدَنَةٌ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ ، أَنَّ الْحَجَّ لَا يَفْسُدُ بِتَكْرَارِ النَّظَرِ ، أَنْزَلَ أَوْ لَمْ يُنْزِلْ .\rرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيِّ .\rوَرُوِيَ عَنْ الْحَسَنِ ، وَعَطَاءٍ ، وَمَالِكٍ ، فِي مَنْ رَدَّدَ النَّظَرَ حَتَّى أَمْنَى : عَلَيْهِ حَجٌّ قَابِلٍ ؛ لِأَنَّهُ أَنْزَلَ بِفِعْلِ مَحْظُورٍ ، أَشْبَهَ الْإِنْزَالَ بِالْمُبَاشَرَةِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ إنْزَالٌ عَنْ غَيْرِ مُبَاشَرَةٍ ، فَأَشْبَهَ الْإِنْزَالَ بِالْفِكْرِ وَالِاحْتِلَامِ ، وَالْأَصْلُ الَّذِي قَاسُوا عَلَيْهِ مَمْنُوعٌ .\rثُمَّ إنَّ الْمُبَاشَرَةَ أَبْلَغُ فِي اللَّذَّةِ ، وَآكَدُ فِي اسْتِدْعَاءِ الشَّهْوَةِ ، فَلَا يَصِحُّ الْقِيَاسُ عَلَيْهِ .\rفَأَمَّا إنْ نَظَرَ وَلَمْ يُكَرِّرْ ، فَأَمْنَى ، فَعَلَيْهِ شَاةٌ .\rوَإِنْ كَرَّرَهُ ، فَأَنْزَلَ ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، عَلَيْهِ بَدَنَةٌ .\rرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ .\rوَالثَّانِيَةُ ، عَلَيْهِ شَاةٌ .\rوَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَإِسْحَاقَ وَرِوَايَةٌ ثَانِيَةٌ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ .\rوَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ : لَا شَيْءَ عَلَيْهِ .\rوَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُبَاشَرَةٍ ، أَشْبَهَ الْفِكْرَ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ إنْزَالٌ بِفِعْلِ مَحْظُورٍ ، فَأَوْجَبَ الْفِدْيَة ، كَاللَّمْسِ .\rوَقَدْ رَوَى الْأَثْرَمُ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّهُ قَالَ لَهُ رَجُلٌ : فَعَلَ اللَّهُ بِهَذِهِ وَفَعَلَ ، إنَّهَا تَطَيَّبَتْ لِي ، فَكَلَّمَتْنِي ، وَحَدَّثَتْنِي ، حَتَّى سَبَقَتْنِي الشَّهْوَةُ .\rفَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : أَتْمِمْ حَجَّك ، وَأَهْرِقْ دَمًا .\rوَرَوَى حَنْبَلٌ .\rفِي ( الْمَنَاسِكِ ) ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، أَنَّ مُحْرِمًا نَظَرَ إلَى امْرَأَتِهِ حَتَّى أَمْذَى ، فَجَعَلَ يَشْتُمُهَا .\rفَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : أَهْرِقْ دَمًا ، وَلَا تَشْتُمْهَا .","part":7,"page":5},{"id":3005,"text":"( 2392 ) فَصْلٌ : فَإِنْ كَرَّرَ النَّظَرَ حَتَّى أَمْذَى : فَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : عَلَيْهِ دَمٌ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : ذَكَرَهُ الْخِرَقِيِّ .\rقَالَ الْقَاضِي : لِأَنَّهُ جُزْءٌ مِنْ الْمَنِيِّ ، وَلِأَنَّهُ حَصَلَ بِهِ الْتِذَاذٌ ، فَهُوَ كَاللَّمْسِ .\rوَإِنْ لَمْ يَقْتَرِنْ بِالنَّظَرِ مَنِيٌّ أَوْ مَذْيٌ ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ ، سَوَاءٌ كَرَّرَ النَّظَرَ أَوْ لَمْ يُكَرِّرْهُ .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ فِي مَنْ جَرَّدَ امْرَأَتَهُ ، وَلَمْ يَكُنْ مِنْهُ غَيْرُ التَّجْرِيدِ ، أَنَّ عَلَيْهِ شَاةً ، وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْسٌ ، فَإِنَّ التَّجْرِيدَ لَا يُعَرَّى عَنْ اللَّمْسِ ظَاهِرًا ، أَوْ عَلَى أَنَّهُ أَمْنَى أَوْ أَمْذَى ، أَمَّا مُجَرَّدُ ، النَّظَرِ ، فَلَا شَيْءَ فِيهِ ، فَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْظُرُ إلَى نِسَائِهِ وَهُوَ مُحْرِمٌ ، وَكَذَلِكَ أَصْحَابُهُ .","part":7,"page":6},{"id":3006,"text":"( 2393 ) فَصْلٌ : فَإِنْ فَكَّرَ فَأَنْزَلَ ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ ؛ فَإِنَّ الْفِكْرَ يَعْرِضُ لِلْإِنْسَانِ مِنْ غَيْرِ إرَادَةٍ وَلَا اخْتِيَارٍ ، فَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ حُكْمٌ ، كَمَا فِي الصِّيَامِ ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا ، مَا لَمْ تَعْمَلْ بِهِ ، أَوْ تَكَلَّمْ بِهِ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .","part":7,"page":7},{"id":3007,"text":"( 2394 ) فَصْلٌ : وَالْعَمْدُ وَالنِّسْيَانُ فِي الْوَطْءِ سَوَاءٌ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فَقَالَ : إذَا جَامَعَ أَهْلَهُ بَطَلَ حَجُّهُ ؛ لِأَنَّهُ شَيْءٌ لَا يَقْدِرُ عَلَى رَدِّهِ ، وَالشَّعْرُ إذَا حَلَقَهُ ، فَقَدْ ذَهَبَ ، لَا يَقْدِرُ عَلَى رَدِّهِ ، وَالصَّيْدُ إذَا قَتَلَهُ ، فَقَدْ ذَهَبَ ، لَا يَقْدِرُ عَلَى رَدِّهِ ، فَهَذِهِ الثَّلَاثَةُ الْعَمْدُ وَالنِّسْيَانُ فِيهَا سَوَاءٌ .\rوَلَمْ يَذْكُرْ الْخِرَقِيِّ النِّسْيَانَ هَاهُنَا ، وَلَكِنْ ذَكَرَهُ فِي الصِّيَامِ ، وَبَيَّنَ أَنَّ الْوَطْءَ فِي الْفَرْجِ أَوْ دُونَ الْفَرْجِ مَعَ الْإِنْزَالِ يَسْتَوِي عَمْدُهُ وَسَهْوُهُ ، وَمَا عَدَاهُ مِنْ الْقُبْلَةِ وَاللَّمْسِ وَالْمَذْيِ بِتَكْرَارِ النَّظَرِ يَخْتَلِفُ حُكْمُ عَمْدِهِ وَسَهْوِهِ ، فَهَاهُنَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مِثْلَهُ ؛ لِأَنَّ الْوَطْءَ لَا يَكَادُ يَتَطَرَّقُ النِّسْيَانُ إلَيْهِ دُونَ غَيْرِهِ ، وَلِأَنَّ الْجِمَاعَ مُفْسِدٌ لِلصَّوْمِ دُونَ غَيْرِهِ ، فَاسْتَوَى عَمْدُهُ وَسَهْوُهُ ، كَالْفَوَاتِ ، بِخِلَافِ مَا دُونَهُ .\rوَالْجَاهِلُ بِالتَّحْرِيمِ وَالْمُكْرَهُ فِي حُكْمِ النَّاسِي ؛ لِأَنَّهُ مَعْذُورٌ .\rوَمِمَّنْ قَالَ : إنَّ عَمْدَ الْوَطْءِ وَنِسْيَانَهُ سَوَاءٌ .\rأَبُو حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ فِي قَدِيمِ قَوْلَيْهِ .\rوَقَالَ فِي الْجَدِيدِ : لَا يُفْسِدُ الْحَجَّ ، وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ مَعَ النِّسْيَانِ وَالْجَهْلِ ؛ لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ يَجِبُ بِإِفْسَادِهَا الْكَفَّارَةُ ، فَافْتَرَقَ فِيهَا وَطْءُ الْعَامِدِ وَالنَّاسِي ، كَالصَّوْمِ .\rوَلَنَا أَنَّهُ سَبَبٌ يَتَعَلَّقُ بِهِ وُجُوبُ الْقَضَاءِ فِي الْحَجِّ ، فَاسْتَوَى عَمْدُهُ وَسَهْوُهُ ، كَالْفَوَاتِ ، وَالصَّوْمُ مَمْنُوعٌ .\rثُمَّ إنَّ الصَّوْمَ لَا تَجِبُ الْكَفَّارَةُ فِيهِ بِالْإِفْسَادِ ؛ بِدَلِيلِ أَنَّ إفْسَادَهُ بِكُلِّ مَا عَدَا الْجِمَاعَ لَا يُوجِبُ كَفَّارَةً ، وَإِنَّمَا تَجِبُ بِخُصُوصِ الْجِمَاعِ فَافْتَرَقَا .","part":7,"page":8},{"id":3008,"text":"( 2395 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَلِلْمُحْرِمِ أَنْ يَتَّجِرَ ، وَيَصْنَعَ الصَّنَائِعَ ، وَيَرْتَجِعَ زَوْجَتَهُ ) وَعَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، رِوَايَةٌ أُخْرَى فِي الِارْتِجَاعِ ، أَنْ لَا يَفْعَلَ .\rأَمَّا التِّجَارَةُ وَالصِّنَاعَةُ فَلَا نَعْلَمُ فِي إبَاحَتِهِمَا اخْتِلَافًا .\rوَقَدْ رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ ، قَالَ : كَانَ ذُو الْمَجَازِ وَعُكَاظٌ مَتْجَر النَّاسِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَامُ كَأَنَّهُمْ كَرِهُوا ذَلِكَ ، حَتَّى نَزَلَتْ : { لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ } .\rفِي مَوَاسِمِ الْحَجِّ .\rفَأَمَّا الرَّجْعَةُ ، فَالْمَشْهُورُ إبَاحَتُهَا .\rوَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rوَفِيهِ رِوَايَةٌ ثَانِيَةٌ ، أَنَّهَا لَا تُبَاحُ ؛ لِأَنَّهَا اسْتِبَاحَةُ فَرْجٍ مَقْصُودٍ بِعَقْدٍ ، فَلَا تُبَاحُ لِلْمُحْرِمِ ، كَالنِّكَاحِ .\rوَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الصَّحِيحَةِ ، أَنَّ الرَّجْعِيَّةَ زَوْجَةٌ ، وَالرَّجْعَةُ إمْسَاكٌ ، بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى : { فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ } .\rفَأُبِيحَ ذَلِكَ كَالْإِمْسَاكِ قَبْلَ الطَّلَاقِ .\rوَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ الرَّجْعَةَ اسْتِبَاحَةٌ ، فَإِنَّ الرَّجْعِيَّةَ مُبَاحَةٌ ، وَإِنْ سَلَّمْنَا أَنَّهَا اسْتِبَاحَةٌ ، فَتَبْطُلُ بُشْرَى الْأَمَةِ لِلشِّرَاءِ ، وَلِأَنَّ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ إبَاحَةُ الزَّوْجَةِ مُبَاحٌ فِي النِّكَاحِ ، كَالتَّكْفِيرِ فِي الظِّهَارِ .\rوَأَمَّا شِرَاءُ الْإِمَاءِ فَمُبَاحٌ ، وَسَوَاءٌ قَصَدَ بِهِ الشِّرَاء أَوْ لَمْ يَقْصِدْ .\rلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بِمَوْضُوعِ الِاسْتِبَاحَةِ فِي الْبِضْعِ ، فَأَشْبَهَ شِرَاءَ الْعَبِيدِ وَالْبَهَائِمِ ، وَلِذَلِكَ أُبِيحَ شِرَاءُ مَنْ لَا يَحِلُّ وَطْؤُهَا ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَحْرُمْ فِي حَالَةٍ يُحْرِم فِيهَا الْوَطْءُ .","part":7,"page":9},{"id":3009,"text":"( 2396 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَلَهُ أَنْ يَقْتُلَ الْحِدَأَةَ ، وَالْغُرَابَ ، وَالْفَأْرَةَ ، وَالْعَقْرَبَ ، وَالْكَلْبَ الْعَقُورَ ، وَكُلَّ مَا عَدَا عَلَيْهِ ، أَوْ آذَاهُ ، وَلَا فِدَاءَ عَلَيْهِ ) هَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ؛ مِنْهُمْ الثَّوْرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ، وَحُكِيَ عَنْ النَّخَعِيِّ أَنَّهُ مَنَعَ قَتْلَ الْفَأْرَةِ .\rوَالْحَدِيثُ صَرِيحٌ فِي حِلِّ قَتْلِهَا ، فَلَا يُعَوَّلُ عَلَى مَا خَالَفَهُ .\rوَالْمُرَادُ بِالْغُرَابِ الْأَبْقَعِ غُرَابُ الْبَيْنِ .\rوَقَالَ قَوْمٌ : لَا يُبَاحُ مِنْ الْغِرْبَانِ إلَّا الْأَبْقَعُ خَاصَّةً ؛ لِأَنَّهُ قَدْ رُوِيَ : { خَمْسٌ فَوَاسِقُ ، يُقْتَلْنَ فِي الْحَرَمِ : الْحَيَّةُ ، وَالْغُرَابُ الْأَبْقَعُ ، وَالْفَأْرَةُ ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ ، وَالْحِدَأَةُ } .\rرَوَاهُ مُسْلِمٌ .\rوَهَذَا يُقَيِّدُ الْمُطْلَقَ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ ، وَلَا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى الْعُمُومِ ؛ بِدَلِيلِ أَنَّ الْمُبَاحَ مِنْ الْغِرْبَانِ لَا يَحِلُّ قَتْلُهُ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَتْ عَائِشَةُ ؛ قَالَتْ : { أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَتْلِ خَمْسِ فَوَاسِقَ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ : الْحِدَأَةِ ، وَالْغُرَابِ ، وَالْفَأْرَةِ ، وَالْعَقْرَبِ ، وَالْكَلْبِ الْعَقُورِ } .\rوَعَنْ ابْنِ عُمَر ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { خَمْسٌ مِنْ الدَّوَابِّ ، لَيْسَ عَلَى الْمُحْرِمِ جُنَاحٌ فِي قَتْلِهِنَّ } .\rوَذَكَرَ مِثْلَ حَدِيثِ عَائِشَةَ .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ ، فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ : { خَمْسٌ لَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ قَتْلَهُنَّ فِي الْحَرَمِ وَالْإِحْرَامِ } .\rوَهَذَا عَامٌّ فِي الْغُرَابِ ، وَهُوَ أَصَحُّ مِنْ الْحَدِيثِ الْآخَرِ .\rوَلِأَنَّ غُرَابَ الْبَيْنِ مُحَرَّمُ الْأَكْلِ ، يَعْدُو عَلَى أَمْوَالِ النَّاسِ ، فَلَا وَجْهَ لِإِخْرَاجِهِ مِنْ الْعُمُومِ .\rوَفَارَقَ مَا أُبِيحَ أَكْلُهُ ، فَإِنَّهُ مُبَاحٌ لَيْسَ هُوَ فِي مَعْنَى مَا أُبِيحَ قَتْلُهُ ، فَلَا يَلْزَمُ مِنْ تَخْصِيصِهِ تَخْصِيصُ مَا لَيْسَ فِي مَعْنَاهُ .\rوَقَوْلُ الْخِرَقِيِّ : ( وَكُلَّ مَا عَدَا عَلَيْهِ أَوْ آذَاهُ ) .","part":7,"page":10},{"id":3010,"text":"يَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ مَا يَبْدَأُ الْمُحْرِمَ ، فَيَعْدُو عَلَيْهِ فِي نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ ، فَهَذَا لَا جُنَاحَ عَلَى قَاتِلِهِ ، سَوَاء كَانَ مِنْ جِنْسٍ طَبْعُهُ الْأَذَى ، أَوْ لَمْ يَكُنْ .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ يُحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ، عَلَى أَنَّ السَّبُعَ إذَا بَدَأَ الْمُحْرِمَ ، فَقَتَلَهُ ، لَا شَيْءَ عَلَيْهِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ مَا كَانَ طَبْعُهُ الْأَذَى وَالْعُدْوَانَ ، وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ أَذًى فِي الْحَالِ .\rقَالَ مَالِكٌ : الْكَلْبُ الْعَقُورُ ، مَا عَقَرَ النَّاسَ وَعَدَا عَلَيْهِمْ ، مِثْلُ الْأَسَدِ وَالنَّمِرِ وَالْفَهْدِ وَالذِّئْبِ .\rفَعَلَى هَذَا يُبَاحُ قَتْلُ كُلِّ مَا فِيهِ أَذًى لِلنَّاسِ فِي أَنْفُسِهِمْ أَوْ فِي أَمْوَالِهِمْ ، مِثْلُ سِبَاعِ الْبَهَائِمِ كُلِّهَا ، الْمُحَرَّمِ أَكْلُهَا ، وَجَوَارِحِ الطَّيْرِ ، كَالْبَازِي ، وَالْعُقَابِ ، وَالصَّقْرِ ، وَالشَّاهَيْنِ ، وَنَحْوِهَا ، وَالْحَشَرَاتِ الْمُؤْذِيَةِ ، وَالزُّنْبُورِ ، وَالْبَقِّ ، وَالْبَعُوضِ ، وَالْبَرَاغِيثِ ، وَالذُّبَابِ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ : يَقْتُلُ مَا جَاءَ فِي الْخَبَرِ ، وَالذِّئْبَ ، قِيَاسًا عَلَيْهِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الْخَبَرَ نَصَّ مِنْ كُلِّ جِنْسٍ عَلَى صُورَةٍ مِنْ أَدْنَاهُ ، تَنْبِيهًا عَلَى مَا هُوَ أَعْلَى مِنْهَا ، وَدَلَالَةً عَلَى مَا كَانَ فِي مَعْنَاهَا ، فَنَصُّهُ عَلَى الْحِدَأَةِ وَالْغُرَابِ تَنْبِيهٌ عَلَى الْبَازِي وَنَحْوِهِ ، وَعَلَى الْفَأْرَةِ تَنْبِيهٌ عَلَى الْحَشَرَاتِ ، وَعَلَى الْعَقْرَبِ تَنْبِيهٌ عَلَى الْحَيَّةِ ، وَعَلَى الْكَلْبِ الْعَقُورِ تَنْبِيهٌ عَلَى السِّبَاعِ الَّتِي هِيَ أَعْلَى مِنْهُ ، وَلِأَنَّ مَا لَا يُضْمَنُ بِمِثْلِهِ ، وَلَا بِقِيمَتِهِ ، لَا يُضْمَنُ ، كَالْحَشَرَاتِ .","part":7,"page":11},{"id":3011,"text":"( 2397 ) فَصْلٌ : وَمَا لَا يُؤْذِي بِطَبْعِهِ ، وَلَا يُؤْكَلُ كَالرَّخَمِ ، وَالدِّيدَانِ ، فَلَا أَثَرَ لِلْحَرَمِ وَلَا لِلْإِحْرَامِ فِيهِ ، وَلَا جَزَاءَ فِيهِ إنْ قَتَلَهُ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ مَالِكٌ : يَحْرُمُ قَتْلُهَا ، وَإِنْ قَتَلَهَا فَدَاهَا ، وَكَذَلِكَ كُلُّ سَبُعٍ لَا يَعْدُو عَلَى النَّاسِ .\rوَإِذَا وَطِئَ الذُّبَابَ وَالنَّمْلَ أَوْ الذَّرَّ ، أَوْ قَتَلَ الزُّنْبُورَ ، تَصَدَّقَ بِشَيْءٍ مِنْ الطَّعَامِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إنَّمَا أَوْجَبَ الْجَزَاءَ فِي الصَّيْدِ ، وَلَيْسَ هَذَا بِصَيْدٍ .\rقَالَ بَعْضُ أَهْلِ اللُّغَةِ : الصَّيْدُ مَا جَمَعَ ثَلَاثَةَ أَشْيَاءَ ، فَيَكُونُ مُبَاحًا وَحْشِيًّا مُمْتَنِعًا .\rوَلِأَنَّهُ لَا مِثْلَ لَهُ وَلَا قِيمَةَ ، وَالضَّمَانُ إنَّمَا يَكُونُ بِأَحَدِ هَذَيْنِ الشَّيْئَيْنِ .\rوَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ ، أَنَّهُ قَرَدَ بَعِيرَهُ بِالسُّقْيَا وَهُوَ مُحْرِمٌ .\rوَمَعْنَاهُ أَنَّهُ نَزَعَ الْقُرَادَ عَنْهُ ، وَرَمَاهُ .\rوَهَذَا قَوْلُ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ ، وَعَطَاءٍ .\rوَرُوِيَ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ لِعِكْرِمَةَ وَهُوَ مُحْرِمٌ : قُرِدَ الْبَعِيرُ .\rفَكَرِهَ ذَلِكَ .\rفَقَالَ : قُمْ فَانْحَرْهُ .\rفَنَحَرَهُ .\rفَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ : لَا أُمَّ لَك ، كَمْ قَتَلْت فِيهَا مِنْ قُرَادٍ وَحَلَمَةٍ وَحَمْنَانَة ؟ يَعْنِي كِبَارَ الْقُرَادِ .\rرَوَاهُ كُلَّهُ سَعِيدٌ .","part":7,"page":12},{"id":3012,"text":"( 2398 ) فَصْلٌ : وَلَا تَأْثِيرَ لِلْإِحْرَامِ وَلَا لِلْحَرَمِ فِي تَحْرِيمِ شَيْءٍ مِنْ الْحَيَوَانِ الْأَهْلِيِّ ، كَبَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ وَنَحْوِهَا ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِصَيْدٍ ، وَإِنَّمَا حَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى الصَّيْدَ ، وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَذْبَحُ الْبُدْنَ فِي إحْرَامِهِ فِي الْحَرَمِ ، يَتَقَرَّبُ إلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ بِذَلِكَ ، وَقَالَ : { أَفْضَلُ الْحَجِّ الْعَجُّ وَالثَّجُّ } .\rيَعْنِي إسَالَةَ الدِّمَاءِ بِالذَّبْحِ وَالنَّحْرِ .\rوَلَيْسَ فِي هَذَا اخْتِلَافٌ .","part":7,"page":13},{"id":3013,"text":"( 2399 ) فَصْلٌ : وَيَحِلُّ لِلْمُحْرِمِ صَيْدُ الْبَحْرِ ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ } .\rقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ عُمَرَ : طَعَامُهُ مَا أَلْقَاهُ .\rوَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ : طَعَامُهُ مِلْحُهُ .\rوَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ : طَعَامُهُ الْمِلْحُ ، وَصَيْدُهُ مَا اصْطَدْنَا .\rوَأَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ صَيْدَ الْبَحْرِ مُبَاحٌ لِلْمُحْرِمِ اصْطِيَادُهُ وَأَكْلُهُ وَبَيْعُهُ وَشِرَاؤُهُ .\rوَصَيْدُ الْبَحْرِ : الْحَيَوَانُ الَّذِي يَعِيشُ فِي الْمَاءِ ، وَيَبِيضُ فِيهِ ، وَيُفْرِخُ فِيهِ ، كَالسَّمَكِ وَالسُّلَحْفَاةِ وَالسَّرَطَانِ ، وَنَحْوِ ذَلِكَ .\rوَحُكِيَ عَنْ عَطَاءٍ فِيمَا يَعِيشُ فِي الْبَرِّ ، مِثْلَ السُّلَحْفَاةِ وَالسَّرَطَانِ ، فَأَشْبَهَ طَيْرَ الْمَاءِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ يَبِيضُ فِي الْمَاءِ ، وَيُفْرِخُ فِيهِ ، فَأَشْبَهَ السَّمَكَ .\rفَأَمَّا طَيْرُ الْمَاءِ ، كَالْبَطِّ وَنَحْوِهِ ، فَهُوَ مِنْ صَيْدِ الْبَرِّ ، فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rوَفِيهِ الْجَزَاءُ .\rوَحُكِيَ عَنْ عَطَاءٍ أَنَّهُ قَالَ : حَيْثُ يَكُونُ أَكْثَرَ ، فَهُوَ صَيْدُهُ .\rوَقَوْلُ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ أَوْلَى ؛ لِأَنَّهُ يَبِيضُ فِي الْبَرِّ ، وَيُفْرِخُ فِيهِ ، فَكَانَ مِنْ صَيْدِ الْبَرِّ ، كَسَائِرِ طَيْرِهِ ، وَإِنَّمَا إقَامَتُهُ فِي الْبَحْرِ لِطَلَبِ الرِّزْقِ ، وَالْمَعِيشَةِ مِنْهُ ، كَالصَّيَّادِ .\rفَإِنْ كَانَ جِنْسٌ مِنْ الْحَيَوَانِ ، نَوْعٌ مِنْهُ فِي الْبَحْرِ وَنَوْعٌ فِي الْبَرِّ ، كَالسُّلَحْفَاةِ ، فَلِكُلِّ نَوْعٍ حُكْمُ نَفْسِهِ ، كَالْبَقَرِ ، مِنْهَا الْوَحْشِيُّ مُحَرَّمٌ ، وَالْأَهْلِيُّ مُبَاحٌ .","part":7,"page":14},{"id":3014,"text":"( 2400 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَصَيْدُ الْحَرَمِ حَرَامٌ عَلَى الْحَلَالِ وَالْمُحْرِمِ ) الْأَصْلُ فِي تَحْرِيمِ صَيْدِ الْحَرَمِ النَّصُّ وَالْإِجْمَاعُ ؛ أَمَّا النَّصُّ ، فَمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ : { إنَّ هَذَا الْبَلَدَ حَرَّمَهُ اللَّهُ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ ، فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللَّهِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، وَإِنَّهُ لَمْ يَحِلَّ الْقِتَالُ فِيهِ لَأَحَدٍ قَبْلِي ، وَلَمْ يَحِلَّ لِي إلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ ، فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللَّهِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، لَا يُخْتَلَى خَلَاهَا ، وَلَا يُعْضَدُ شَوْكُهَا ، وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا ، وَلَا تُلْتَقَطُ لُقَطَتُهَا ، إلَّا مَنْ عَرَّفَهَا .\rفَقَالَ الْعَبَّاسُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إلَّا الْإِذْخِرَ ، فَإِنَّهُ لِقَيْنِهِمْ وَبُيُوتِهِمْ .\rفَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَّا الْإِذْخِرَ .\r} مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى تَحْرِيمِ صَيْدِ الْحَرَمِ عَلَى الْحَلَالِ وَالْمُحْرِمِ .","part":7,"page":15},{"id":3015,"text":"( 2401 ) فَصْلٌ : وَفِيهِ الْجَزَاءُ عَلَى مَنْ يَقْتُلُهُ ، وَيُجْزَى بِمِثْلِ مَا يُجْزَى بِهِ الصَّيْدُ فِي الْإِحْرَامِ .\rوَحُكِيَ عَنْ دَاوُد ، أَنَّهُ لَا جَزَاءَ فِيهِ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ ، وَلَمْ يَرِدْ فِيهِ نَصٌّ فَيَبْقَى بِحَالِهِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الصَّحَابَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، قَضَوْا فِي حَمَامِ الْحَرَمِ بِشَاةٍ شَاةً .\rرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ ، وَعُثْمَانَ ، وَابْنِ عُمَرَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ .\rوَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ غَيْرِهِمْ خِلَافُهُمْ ، فَيَكُونُ إجْمَاعًا .\rوَلِأَنَّهُ صَيْدٌ مَمْنُوعٌ مِنْهُ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى ، أَشْبَهَ الصَّيْدَ فِي حَقِّ الْمُحْرِمِ .","part":7,"page":16},{"id":3016,"text":"( 2402 ) فَصْلٌ : وَمَا يُحَرَّمُ وَيُضْمَنُ فِي الْإِحْرَامِ يُحَرَّمُ وَيُضْمَنُ فِي الْحَرَمِ ، وَمَا لَا فَلَا ، إلَّا شَيْئَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، الْقَمْلُ .\rمُخْتَلَفٌ فِي قَتْلِهِ فِي الْإِحْرَامِ ، وَهُوَ مُبَاحٌ فِي الْحَرَمِ بِلَا اخْتِلَافٍ ؛ لِأَنَّهُ حُرِّمَ فِي الْإِحْرَامِ لِلتَّرَفُّهِ بِقَتْلِهِ وَإِزَالَتِهِ ، لَا لِحُرْمَتِهِ ، وَلَا يُحَرَّمُ التَّرَفُّهُ فِي الْحِلِّ ، فَأَشْبَهَ ذَلِكَ قَصَّ الشَّعْرِ وَتَقْلِيمَ الظُّفْرِ .\rالثَّانِي ، صَيْدُ الْبَحْرِ .\rمُبَاحٌ فِي الْإِحْرَام بِغَيْرِ خِلَافٍ ، وَلَا يَحِلُّ صَيْدُهُ مِنْ آبَارِ الْحَرَمِ وَعُيُونِهِ .\rوَكَرِهَهُ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ؛ لِعُمُومِ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { لَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا .\r} وَلِأَنَّ الْحُرْمَةَ تَثْبُتُ لِلصَّيْدِ ، كَحُرْمَةِ الْمَكَانِ ، وَهُوَ شَامِلٌ لِكُلِّ صَيْدٍ ، وَلِأَنَّهُ صَيْدٌ غَيْرُ مُؤْذٍ ، فَأَشْبَهَ الظِّبَاءَ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ ، رِوَايَةٌ أُخْرَى : أَنَّهُ مُبَاحٌ ؛ لِأَنَّ الْإِحْرَامَ لَا يُحَرِّمُهُ ، فَأَشْبَهَ السِّبَاعَ وَالْحَيَوَانَ الْأَهْلِيَّ .","part":7,"page":17},{"id":3017,"text":"( 2403 ) فَصْلٌ : وَيُضْمَنُ صَيْدُ الْحَرَمِ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ وَالْكَافِرِ ، وَالْكَبِيرِ وَالصَّغِيرِ ، وَالْحُرِّ وَالْعَبْدِ ؛ لِأَنَّ الْحُرْمَةَ تَعَلَّقَتْ بِمَحَلِّهِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْجَمِيعِ ، فَوَجَبَ ضَمَانُهُ كَالْآدَمِيِّ .","part":7,"page":18},{"id":3018,"text":"( 2404 ) فَصْلٌ : وَمَنْ مَلَكَ صَيْدًا فِي الْحِلِّ ، فَأَدْخَلَهُ الْحَرَمَ ، لَزِمَهُ رَفْعُ يَدِهِ عَنْهُ وَإِرْسَالُهُ ، فَإِنْ تَلِفَ فِي يَدِهِ ، أَوْ أَتْلَفَهُ ، فَعَلَيْهِ ضَمَانُهُ ، كَصَيْدِ الْحِلِّ فِي حَقِّ الْمُحْرِمِ .\rوَقَالَ عَطَاءٌ : إنْ ذَبَحَهُ ، فَعَلَيْهِ الْجَزَاءُ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ .\rوَمِمَّنْ كَرِهَ إدْخَالَ الصَّيْدِ الْحَرَمَ ، ابْنُ عُمَرَ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ ، وَعَائِشَةُ ، وَعَطَاءٌ ، وَطَاوُسٌ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَرَخَّصَ فِيهِ جَابِرُ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، وَرُوِيَتْ عَنْهُ الْكَرَاهَةُ لَهُ .\rأَخْرَجَهُ سَعِيدٌ .\rوَقَالَ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ : كَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ تِسْعَ سِنِينَ يَرَاهَا فِي الْأَقْفَاصِ ، وَأَصْحَابُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَرَوْنَ بِهِ بَأْسًا .\rوَرَخَّصَ فِيهِ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ ؛ لِأَنَّهُ مَلَكَهُ خَارِجًا ، وَحَلَّ لَهُ التَّصَرُّفُ فِيهِ ، فَجَازَ لَهُ ذَلِكَ فِي الْحَرَمِ ، كَصَيْدِ الْمَدِينَةِ إذَا أَدْخَلَهُ حَرَمَهَا .\rوَلَنَا ، أَنَّ الْحَرَمَ سَبَبٌ مُحَرِّمٌ لِلصَّيْدِ ، وَيُوجِبُ ضَمَانَهُ فَحَرَّمَ اسْتِدَامَةَ إمْسَاكِهِ كَالْإِحْرَامِ ، وَلِأَنَّهُ صَيْدٌ ذَبَحَهُ فِي الْحَرَمِ ، فَلَزِمَهُ جَزَاؤُهُ ، كَمَا لَوْ صَادَهُ مِنْهُ ، وَصَيْدُ الْمَدِينَةِ لَا جَزَاءَ فِيهِ ، بِخِلَافِ صَيْدِ الْحَرَمِ .","part":7,"page":19},{"id":3019,"text":"( 2405 ) فَصْلٌ : وَيُضْمَنُ صَيْدُ الْحَرَمِ بِالدَّلَالَةِ وَالْإِشَارَةِ ، كَصَيْدِ الْإِحْرَامِ ، وَالْوَاجِبُ عَلَيْهِمَا جَزَاءٌ وَاحِدٌ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .\rوَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ الدَّالِ فِي الْحِلِّ أَوْ الْحَرَمِ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : لَا جَزَاءَ عَلَى الدَّالِ إذَا كَانَ فِي الْحِلِّ ، وَالْجَزَاءُ عَلَى الْمَدْلُولِ وَحْدَهُ ، كَالْحَلَالِ إذَا دَلَّ مُحْرِمًا عَلَى صَيْدِهِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ قَتْل الصَّيْدِ الْحَرَمِيِّ حَرَامٌ عَلَى الدَّالِّ ، فَيَضْمَنُهُ بِالدَّلَالَةِ ، كَمَا لَوْ كَانَ فِي الْحَرَمِ ، يُحَقِّقُهُ أَنَّ صَيْدَ الْحَرَمِ مُحَرَّمٌ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ ؛ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { لَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا } .\rوَفِي لَفْظٍ : { لَا يُصَادُ صَيْدُهَا } .\rوَهَذَا عَامٌّ فِي حَقِّ كُلِّ وَاحِدٍ ، وَلِأَنَّ صَيْدَ الْحَرَمِ مَعْصُومٌ بِمَحَلِّهِ ، فَحُرِّمَ قَتْلُهُ عَلَيْهِمَا كَالْمُلْتَجِئِ إلَى الْحَرَمِ .\rوَإِذَا ثَبَتَ تَحْرِيمُهُ عَلَيْهِمَا فَيُضْمَنُ بِالدَّلَالَةِ مِمَّنْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ قَتْلُهُ ، كَمَا يُضْمَنُ بِدَلَالَةِ الْمُحْرِمِ عَلَيْهِ .","part":7,"page":20},{"id":3020,"text":"( 2406 ) فَصْلٌ : وَإِذَا رَمَى الْحَلَالُ مِنْ الْحِلِّ صَيْدًا فِي الْحَرَمِ ، فَقَتَلَهُ ، أَوْ أَرْسَلَ كَلْبَهُ عَلَيْهِ ، فَقَتَلَهُ ، أَوْ قَتَلَ صَيْدًا عَلَى فَرْعٍ فِي الْحَرَمِ أَصِلُهُ فِي الْحِلِّ ، ضَمِنَهُ .\rوَبِهَذَا قَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ، وَحَكَى أَبُو الْخَطَّابِ عَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةً أُخْرَى ، لَا جَزَاءَ عَلَيْهِ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الْقَاتِلَ حَلَالٌ فِي الْحِلِّ .\rوَهَذَا لَا يَصِحُّ ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { لَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا } .\rوَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ مَنْ هُوَ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ ، وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى تَحْرِيمِ صَيْدِ الْحَرَمِ ، وَهَذَا مِنْ صَيْدِهِ ، وَلِأَنَّ صَيْدَ الْحَرَمِ مَعْصُومٌ بِمَحَلِّهِ بِحُرْمَةِ الْحَرَمِ ، فَلَا يَخْتَصُّ تَحْرِيمُهُ بِمَنْ فِي الْحَرَمِ ، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ إنْ أَمْسَكَ طَائِرًا فِي الْحِلِّ ، فَهَلَكَ فِرَاخُهُ فِي الْحَرَمِ ، ضَمِنَ الْفِرَاخَ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا ، وَلَا يَضْمَنُ الْأُمَّ ؛ لِأَنَّهَا مِنْ صَيْدِ الْحِلِّ ، وَهُوَ حَلَالٌ .\rوَإِنْ انْعَكَسَتْ الْحَالُ ، فَرَمَى مِنْ الْحَرَمِ صَيْدًا فِي الْحِلِّ ، أَوْ أَرْسَلَ كَلْبَهُ عَلَيْهِ ، أَوْ قَتَلَ صَيْدًا عَلَى غُصْنٍ فِي الْحِلِّ أَصْلُهُ فِي الْحَرَمِ ، أَوْ أَمْسَكَ حَمَامَةً فِي الْحَرَمِ ، فَهَلَكَ فِرَاخُهَا فِي الْحِلِّ ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ ، كَمَا فِي الْحِلِّ .\rقَالَ أَحْمَدُ ، فِي مَنْ أَرْسَلَ كَلْبَهُ فِي الْحَرَمِ ، فَصَادَ فِي الْحِلِّ : فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ .\rوَحُكِيَ عَنْهُ ، رِوَايَةٌ أُخْرَى ، فِي جَمِيعِ الصُّوَرِ : يَضْمَنُ .\rوَعَنْ الشَّافِعِيِّ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ .\rوَذَهَبَ الثَّوْرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ؛ وَأَبُو ثَوْرِ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ ، فِي مَنْ قَتَلَ طَائِرًا عَلَى غُصْنٍ فِي الْحِلِّ ، أَصْلُهُ فِي الْحَرَمِ : لَا جَزَاءَ عَلَيْهِ .\rوَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ أَصْحَابِ الرَّأْيِ .\rوَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ ، وَإِسْحَاقُ : عَلَيْهِ الْجَزَاءُ ؛ لِأَنَّ الْغُصْنَ تَابِعٌ لِلْأَصْلِ ، وَهُوَ فِي الْحَرَمِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الْأَصْلَ حِلُّ الصَّيْدِ ،","part":7,"page":21},{"id":3021,"text":"فَحَرَّمَ صَيْدُ الْحَرَمِ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { لَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا } .\rوَبِالْإِجْمَاعِ ، فَبَقِيَ مَا عَدَاهُ عَلَى الْأَصْلِ ، وَلِأَنَّهُ صَيْدُ حِلٍّ صَادَهُ حَلَالٌ ، فَلَمْ يُحَرَّمْ ، كَمَا لَوْ كَانَا فِي الْحِلِّ ، وَلِأَنَّ الْجَزَاءَ إنَّمَا يَجِبُ فِي صَيْدِ الْحَرَمِ ، أَوْ صَيْدِ الْمُحْرِمِ ، وَلَيْسَ هَذَا بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا .","part":7,"page":22},{"id":3022,"text":"( 2407 ) فَصْلٌ : فَإِنْ كَانَ الصَّيْدُ وَالصَّائِدُ فِي الْحِلِّ ، فَرَمَى الصَّيْدَ بِسَهْمِهِ ، أَوْ أَرْسَلَ عَلَيْهِ كَلْبَهُ ، فَدَخَلَ الْحَرَمَ ، ثُمَّ خَرَجَ فَقَتَلَ الصَّيْدَ فِي الْحِلِّ ، فَلَا جَزَاءَ فِيهِ .\rوَبِهَا قَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ .\rوَحَكَى أَبُو ثَوْرٍ عَنْ الشَّافِعِيِّ ، أَنَّ عَلَيْهِ الْجَزَاءَ .\rوَلَنَا ، مَا ذَكَرْنَاهُ .\rقَالَ الْقَاضِي : لَا يَزِيدُ سَهْمُهُ عَلَى نَفْسِهِ ، وَلَوْ عَدَا بِنَفْسِهِ ، فَسَلَكَ الْحَرَمَ فِي طَرِيقِهِ ، ثُمَّ قَتَلَ صَيْدًا فِي الْحِلِّ ، لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ ، فَسَهْمُهُ أَوْلَى .","part":7,"page":23},{"id":3023,"text":"( 2408 ) فَصْلٌ : وَإِنْ رَمَى مِنْ الْحِلِّ صَيْدًا فِي الْحِلِّ ، فَقَتَلَ صَيْدًا فِي الْحَرَمِ ، فَعَلَيْهِ جَزَاؤُهُ .\rوَبِهَذَا قَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ : لَا جَزَاءَ عَلَيْهِ .\rوَلَيْسَ بِصَحِيحٍ ؛ لِأَنَّهُ قَتَلَ صَيْدًا حَرَمِيًّا ، فَلَزِمَهُ جَزَاؤُهُ ، كَمَا لَوْ رَمَى حَجَرًا فِي الْحَرَمِ فَقَتَلَ صَيْدًا ، يُحَقِّقُهُ أَنَّ الْخَطَأَ كَالْعَمْدِ فِي وُجُوبِ الْجَزَاءِ ، وَهَذَا لَا يَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ وَاحِدًا مِنْهُمَا .\rفَأَمَّا إنْ أَرْسَلَ كَلْبَهُ عَلَى صَيْدٍ فِي الْحِلِّ ، فَدَخَلَ الْكَلْبُ الْحَرَمَ ، فَقَتَلَ صَيْدًا آخَرَ ، لَمْ يَضْمَنْهُ .\rوَهَذَا قَوْلُ الثَّوْرِيِّ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُرْسِلْ الْكَلْبَ عَلَى ذَلِكَ الصَّيْدِ ، وَإِنَّمَا دَخَلَ بِاخْتِيَارِ نَفْسِهِ ، فَهُوَ كَمَا لَوْ اسْتَرْسَلَ بِنَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ إرْسَالٍ .\rوَإِنْ أَرْسَلَهُ عَلَى صَيْدٍ ، فَدَخَلَ الصَّيْدُ الْحَرَمَ ، وَدَخَلَ الْكَلْبُ خَلْفَهُ ، فَقَتَلَهُ فِي الْحَرَمِ ، فَكَذَلِكَ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ .\rوَقَالَ عَطَاءٌ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَصَاحِبَاهُ : عَلَيْهِ الْجَزَاءُ ؛ لِأَنَّهُ قَتَلَ صَيْدًا حَرَمِيًّا ، بِإِرْسَالِ كَلْبِهِ عَلَيْهِ ، فَضَمِنَهُ ، كَمَا لَوْ قَتَلَهُ بِسَهْمِهِ .\rوَاخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ .\rوَحَكَى صَالِحٌ ، عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّهُ قَالَ : إنْ كَانَ الصَّيْدُ قَرِيبًا مِنْ الْحَرَمِ ، ضَمِنَهُ ؛ لِأَنَّهُ فَرَّطَ بِإِرْسَالِهِ فِي مَوْضِعٍ يَظْهَرُ أَنَّهُ يَدْخُلُ الْحَرَمَ ، وَإِنْ كَانَ بَعِيدًا ، لَمْ يَضْمَنْ ؛ لِعَدَمِ التَّفْرِيطِ .\rوَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ أَرْسَلَ الْكَلْبَ عَلَى صَيْدٍ مُبَاحٍ ، فَلَمْ يَضْمَنْ .\rكَمَا لَوْ قَتَلَ صَيْدًا سِوَاهُ ، وَفَارَقَ السَّهْمَ ؛ لِأَنَّ الْكَلْبَ لَهُ قَصْدٌ وَاخْتِيَارٌ ، وَلِهَذَا يَسْتَرْسِلُ بِنَفْسِهِ ، وَيُرْسِلُهُ إلَى جِهَةٍ فَيَمْضِي إلَى غَيْرِهَا ، وَالسَّهْمُ بِخِلَافِهِ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِنَّهُ لَا يَأْكُلُ الصَّيْدَ","part":7,"page":24},{"id":3024,"text":"فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ كُلِّهَا ، ضَمِنَهُ أَوْ لَمْ يَضْمَنْهُ ؛ لِأَنَّهُ صَيْدٌ حَرَمِيٌّ ، قُتِلَ فِي الْحَرَمِ ، فَحُرِّمَ ، كَمَا لَوْ ضَمِنَهُ ، وَلِأَنَّنَا إذَا قَطَعْنَا فِعْلَ الْآدَمِيِّ ، صَارَ كَأَنَّ الْكَلْبَ اسْتَرْسَلَ بِنَفْسِهِ ، فَقَتَلَهُ .\rوَلَكِنْ لَوْ رَمَى الْحَلَالُ مِنْ الْحِلِّ صَيْدًا فِي الْحِلِّ ، فَجَرَحَهُ ، وَتَحَامَلَ الصَّيْدُ فَدَخَلَ الْحَرَمَ ، فَمَاتَ فِيهِ ، حَلَّ أَكْلُهُ ، وَلَا جَزَاءَ فِيهِ ؛ لِأَنَّ الذَّكَاةَ حَصَلَتْ فِي الْحِلِّ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ جَرَحَ صَيْدًا ، ثُمَّ أَحْرَمَ ، فَمَاتَ الصَّيْدُ بَعْدَ إحْرَامِهِ .\rوَيُكْرَهُ أَكْلُهُ ؛ لِمَوْتِهِ فِي الْحَرَمِ .","part":7,"page":25},{"id":3025,"text":"( 2409 ) فَصْلٌ : وَإِنْ وَقَفَ صَيْدٌ ، بَعْضُ قَوَائِمِهِ فِي الْحِلِّ ، وَبَعْضُهَا فِي الْحَرَمِ ، فَقَتَلَهُ قَاتِلٌ ، ضَمِنَهُ تَغْلِيبًا لِلْحَرَمِ .\rوَبِهِ قَالَ أَبُو ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَإِنْ نَفَّرَ صَيْدًا مِنْ الْحَرَمِ ، فَأَصَابَهُ شَيْءٌ فِي حَالِ نُفُورِهِ ، ضَمِنَهُ ؛ لِأَنَّهُ تَسَبَّبَ إلَى إتْلَافِهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ تَلِفَ بِشَرَكِهِ أَوْ شَبَكَتِهِ .\rوَإِنْ سَكَنَ مِنْ نُفُورِهِ ، ثُمَّ أَصَابَهُ شَيْءٌ ، فَلَا شَيْءَ عَلَى مَنْ نَفَّرَهُ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .\rوَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ سَبَبًا لِإِتْلَافِهِ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ ، أَنَّهُ وَقَعَتْ عَلَى رِدَائِهِ حَمَامَةٌ ، فَأَطَارَهَا ، فَوَقَعَتْ عَلَى وَاقِفٍ فَانْتَهَزَتْهَا حَيَّةٌ ، فَاسْتَشَارَ فِي ذَلِكَ عُثْمَانَ وَنَافِعَ بْنَ عَبْدِ الْحَارِث فَحَكَمَا عَلَيْهِ بِشَاةٍ .\rوَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ رَأَوْا عَلَيْهِ الضَّمَانَ بَعْدَ سُكُوتِهِ .\rلَكِنْ لَوْ انْتَقَلَ عَنْ الْمَكَانِ الثَّانِي ، فَأَصَابَهُ شَيْءٌ ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ خَرَجَ عَنْ الْمَكَانِ الَّذِي طَرْد إلَيْهِ ، وَقَوْلُ الثَّوْرِيِّ وَأَحْمَدَ إنَّمَا يَدُلُّ عَلَى هَذَا ؛ لِأَنَّ سُفْيَان قَالَ : إذَا طَرَدْت فِي الْحَرَمِ شَيْئًا ، فَأَصَابَ شَيْئًا قَبْلَ أَنْ يَقَعَ ، أَوْ حِينَ وَقَعَ ، ضَمِنْت ، وَإِنْ وَقَعَ مِنْ ذَلِكَ الْمَكَانِ إلَى مَكَان آخَرَ ، فَلَيْسَ عَلَيْك شَيْءٌ .\rفَقَالَ أَحْمَدُ : جَيِّدٌ .","part":7,"page":26},{"id":3026,"text":"( 2410 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَكَذَلِكَ شَجَرُهُ وَنَبَاتُهُ ، إلَّا الْإِذْخِرَ ، وَمَا زَرَعَهُ الْإِنْسَانُ ) أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى تَحْرِيمِ قَطْعِ شَجَرِ الْحَرَمِ ، وَإِبَاحَةِ أَخْذِ الْإِذْخِر ، وَمَا أَنْبَتَهُ الْآدَمِيُّ مِنْ الْبُقُولِ وَالزُّرُوعِ وَالرَّيَاحِينِ .\rحَكَى ذَلِكَ ابْنُ الْمُنْذِرِ ، وَالْأَصْلُ فِيهِ مَا رَوَيْنَا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ .\rوَرَوَى أَبُو شُرَيْحٍ ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ نَحْوًا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَكُلُّهَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا .\rوَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ : { أَلَا وَإِنَّهَا سَاعَتِي هَذِهِ حَرَامٌ ، لَا يُخْتَلَى شَوْكُهَا ، وَلَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا } .\rوَفِي حَدِيثِ أَبِي شُرَيْحٍ ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الْفَتْحِ ، قَالَ : { إنَّ مَكَّةَ حَرَّمَهَا اللَّهُ ، وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ ، فَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يَسْفِكَ بِهَا دَمًا ، وَلَا يَعْضُدَ بِهَا شَجَرَةً } .\rوَرَوَى الْأَثْرَمُ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةِ ، فِي ( سُنَنِهِ ) ، وَفِيهِ : { لَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا ، وَلَا يُحْتَشُّ حَشِيشُهَا ، وَلَا يُصَادُ صَيْدُهَا } .\rفَأَمَّا مَا أَنْبَتَهُ الْآدَمِيُّ مِنْ الشَّجَرِ ، فَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ ، وَابْنُ عَقِيلٍ : لَهُ قَلْعُهُ مِنْ غَيْرِ ضَمَانٍ ، كَالزَّرْعِ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : مَا نَبَتَ فِي الْحِلِّ ، ثُمَّ غُرِسَ فِي الْحَرَمِ ، فَلَا جَزَاءَ فِيهِ ، وَمَا نَبَتَ أَصْلُهُ فِي الْحَرَمِ .\rفَفِيهِ الْجَزَاءُ بِكُلِّ حَالٍ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : فِي شَجَرِ الْحَرَمِ الْجَزَاءُ بِكُلِّ حَالٍ ، أَنْبَتَهُ الْآدَمِيُّونَ ، أَوْ نَبَتَ بِنَفْسِهِ ؛ لِعُمُومِ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { لَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا } .\rوَلِأَنَّهَا شَجَرَةٌ نَابِتَةٌ فِي الْحَرَمِ ، أَشْبَهَ مَا لَمْ يُنْبِتْهُ الْآدَمِيُّونَ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا جَزَاءَ فِيمَا يُنْبِتُ الْآدَمِيُّونَ جِنْسَهُ ، كَالْجَوْزِ وَاللَّوْزِ وَالنَّخْلِ وَنَحْوِهِ ، وَلَا يَجِبُ فِيمَا يُنْبِتُهُ الْآدَمِيُّ مِنْ غَيْرِهِ ، كَالدَّوْحِ وَالسَّلَم وَالْعِضَاهِ ؛ لِأَنَّ الْحَرَمِ يَخْتَصُّ تَحْرِيمُهُ مَا كَانَ","part":7,"page":27},{"id":3027,"text":"وَحْشِيًّا مِنْ الصَّيْدِ ، كَذَلِكَ الشَّجَرُ .\rوَقَوْلُ الْخِرَقِيِّ : ( وَمَا زَرَعَهُ الْإِنْسَانُ ) يَحْتَمِلُ اخْتِصَاصَهُ بِالزَّرْعِ دُونَ الشَّجَرِ ، فَيَكُونُ كَقَوْلِ الشَّافِعِيِّ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يَعُمَّ جَمِيعَ مَا يُزْرَعُ ، فَيَدْخُلُ فِيهِ الشَّجَرُ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ مَا يُنْبِتُ الْآدَمِيُّونَ جِنْسَهُ .\rوَالْأَوْلَى الْأَخْذُ بِعُمُومِ الْحَدِيثِ فِي تَحْرِيمِ الشَّجَرِ كُلِّهِ ، بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { لَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا .\r} إلَّا مَا أَنْبَتَهُ الْآدَمِيُّ مِنْ جِنْسِ شَجَرِهِمْ ، بِالْقِيَاسِ عَلَى مَا أَنْبَتُوهُ مِنْ الزَّرْعِ ، وَالْأَهْلِيِّ مِنْ الْحَيَوَانِ ، فَإِنَّنَا إنَّمَا أَخْرَجْنَا مِنْ الصَّيْدِ مَا كَانَ أَصْلُهُ إنْسِيًّا ، دُونَ مَا تَأَنَّسَ مِنْ الْوَحْشِيِّ ، كَذَا هَاهُنَا .","part":7,"page":28},{"id":3028,"text":"( 2411 ) فَصْلٌ : وَيَحْرُمُ قَطْعُ الشَّوْكِ ، وَالْعَوْسَجِ .\rوَقَالَ الْقَاضِي ، وَأَبُو الْخَطَّابِ : لَا يَحْرُمُ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَطَاءٍ ، وَمُجَاهِدٍ ، وَعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ يُؤْذِي بِطَبْعِهِ ، فَأَشْبَهَ السِّبَاعَ مِنْ الْحَيَوَانِ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا } .\rوَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ : { لَا يُخْتَلَى شَوْكُهَا } .\rوَهَذَا صَرِيحٌ .\rوَلِأَنَّ الْغَالِبَ فِي شَجَرِ الْحَرَمِ الشَّوْكُ ، فَلَمَّا حَرَّمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَطْعَ شَجَرِهَا ، وَالشَّوْكُ غَالِبُهُ ، كَانَ ظَاهِرًا فِي تَحْرِيمِهِ .","part":7,"page":29},{"id":3029,"text":"( 2412 ) فَصْلٌ : وَلَا بَأْسَ بِقَطْعِ الْيَابِسِ مِنْ الشَّجَرِ وَالْحَشِيشِ ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْمَيِّتِ .\rوَلَا بِقَطْعِ مَا انْكَسَرَ وَلَمْ يَبِنْ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَلِفَ ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الظُّفْرِ الْمُنْكَسِرِ .\rوَلَا بَأْسَ بِالِانْتِفَاعِ بِمَا انْكَسَرَ مِنْ الْأَغْصَانِ ، وَانْقَلَعَ مِنْ الشَّجَرِ بِغَيْرِ فِعْلِ آدَمِيٍّ .\rوَلَا مَا سَقَطَ مِنْ الْوَرَقِ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا ؛ لِأَنَّ الْخَبَرَ إنَّمَا وَرَدَ فِي الْقَطْعِ ، وَهَذَا لَمْ يُقْطَعْ .\rفَأَمَّا إنْ قَطَعَهُ آدَمِيٌّ ، فَقَالَ أَحْمَدُ : لَمْ أَسْمَعْ ، إذَا قُطِعَ يُنْتَفَعُ بِهِ .\rوَقَالَ فِي الدَّوْحَةِ تُقْلَعُ : مَنْ شَبَّهَهُ بِالصَّيْدِ ، لَمْ يَنْتَفِعْ بِحَطَبِهَا .\rوَذَلِكَ لِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْ إتْلَافِهِ ؛ لِحُرْمَةِ الْحَرَمِ ، فَإِذَا قَطَعَهُ مَنْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ قَطْعُهُ ، لَمْ يُنْتَفَعْ بِهِ ، كَالصَّيْدِ يَذْبَحُهُ الْمُحْرِمُ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يُبَاحَ لِغَيْرِ الْقَاطِعِ الِانْتِفَاعُ بِهِ ؛ لِأَنَّهُ انْقَطَعَ بِغَيْرِ فِعْلِهِ ، فَأُبِيحَ لَهُ الِانْتِفَاعُ بِهِ ، كَمَا لَوْ قَطَعَهُ حَيَوَانٌ بَهِيمِيٌّ ، وَيُفَارِقُ الصَّيْدَ الَّذِي ذَبَحَهُ ، لِأَنَّ الذَّكَاةَ تُعْتَبَرُ لَهَا الْأَهْلِيَّةُ ، وَلِهَذَا لَا يَحْصُلُ بِفِعْلِ بَهِيمَةٍ ، بِخِلَافِ هَذَا .","part":7,"page":30},{"id":3030,"text":"( 2413 ) فَصْلٌ : وَلَيْسَ لَهُ أَخْذُ وَرَقِ الشَّجَرِ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَهُ أَخْذُهُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَضُرُّ بِهِ .\rوَكَانَ عَطَاءٌ يُرَخِّصُ فِي أَخْذِ وَرَقِ السَّنَى ، يَسْتَمْشِي بِهِ ، وَلَا يُنْزَعُ مِنْ أَصْلِهِ .\rوَرَخَّصَ فِيهِ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ .\rوَلَنَا ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { لَا يُخْبَطُ شَوْكُهَا ، وَلَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا } ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ .\rوَلِأَنَّ مَا حُرِّمَ أَخْذُهُ حُرِّمَ كُلُّ شَيْءٍ مِنْهُ ، كَرِيشِ الطَّائِرِ .\rوَقَوْلُهُمْ : لَا يَضُرُّ بِهِ .\rلَا يَصِحُّ فَإِنَّهُ يُضْعِفُهَا ، وَرُبَّمَا آلَ إلَى تَلَفِهَا .","part":7,"page":31},{"id":3031,"text":"( 2414 ) فَصْلٌ : وَيَحْرُمُ قَطْعُ حَشِيشِ الْحَرَمِ ، إلَّا مَا اسْتَثْنَاهُ الشَّرْعُ مِنْ الْإِذْخِرِ ، وَمَا أَنْبَتَهُ الْآدَمِيُّونَ ، وَالْيَابِسَ ؛ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { لَا يُخْتَلَى خَلَاهَا } .\rوَفِي لَفْظٍ : { لَا يُحْتَشُّ حَشِيشُهَا .\r} وَفِي اسْتِثْنَاءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْإِذْخِرَ دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِ مَا عَدَاهُ ، وَفِي جَوَازِ رَعْيِهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، لَا يَجُوزُ ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّ مَا حَرُمَ إتْلَافُهُ ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يُرْسَلَ عَلَيْهِ مَا يُتْلِفُهُ ، كَالصَّيْدِ .\rوَالثَّانِي ، يَجُوزُ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ عَطَاءٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ الْهَدَايَا كَانَتْ تَدْخُلُ الْحَرَمَ ، فَتَكْثُرُ فِيهِ ، فَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُ كَانَتْ تُسَدُّ أَفْوَاهُهَا ، وَلِأَنَّ بِهِمْ حَاجَةً إلَى ذَلِكَ ، أَشْبَهَ قَطْعَ الْإِذْخِرِ .","part":7,"page":32},{"id":3032,"text":"( 2415 ) فَصْلٌ : وَيُبَاحُ أَخْذُ الْكَمْأَةِ مِنْ الْحَرَمِ ، وَكَذَلِكَ الْفَقْعُ ؛ لِأَنَّهُ لَا أَصْلَ لَهُ ، فَأَشْبَهَ الثَّمَرَةَ .\rوَرَوَى حَنْبَلٌ ، قَالَ : يُؤْكَلُ مِنْ شَجَرِ الْحَرَمِ الضَّغَابِيسُ ، والعشرق ، وَمَا سَقَطَ مِنْ الشَّجَرِ ، وَمَا أَنْبَتَ النَّاسُ .","part":7,"page":33},{"id":3033,"text":"( 2416 ) فَصْلٌ : وَيَجِبُ فِي إتْلَافِ الشَّجَرِ وَالْحَشِيشِ الضَّمَانُ .\rوَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَعَطَاءٍ .\rوَقَالَ مَالِكٌ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَدَاوُد ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ : لَا يَضْمَنُ ؛ لِأَنَّ الْمُحْرِمَ لَا يَضْمَنُهُ فِي الْحِلِّ ، فَلَا يَضْمَنُ فِي الْحَرَمِ ، كَالزَّرْعِ .\rوَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : لَا أَجِدُ دَلِيلًا أُوجِبُ بِهِ فِي شَجَرِ الْحَرَمِ ، فَرْضًا مِنْ كِتَابٍ ، وَلَا سُنَّةٍ ، وَلَا إجْمَاعٍ ، وَأَقُولُ كَمَا قَالَ مَالِكٌ : نَسْتَغْفِرُ اللَّهَ تَعَالَى ، وَلَنَا ، مَا رَوَى أَبُو هُشَيْمَةَ ، قَالَ : رَأَيْت عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ، أَمَرَ بِشَجَرٍ كَانَ فِي الْمَسْجِدِ يَضُرُّ بِأَهْلِ الطَّوَافِ ، فَقُطِعَ ، وَفَدَى .\rقَالَ : وَذَكَرَ الْبَقَرَةَ .\rرَوَاهُ حَنْبَلٌ فِي ( الْمَنَاسِكِ ) .\rوَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّهُ قَالَ : فِي الدَّوْحَةِ بَقَرَةٌ ، وَفِي الْجَزْلَةِ شَاةٌ .\rوَالدَّوْحَةُ : الشَّجَرَةُ الْعَظِيمَةُ .\rوَالْجَزْلَةُ : الصَّغِيرَةُ .\rوَعَنْ عَطَاءٍ نَحْوُهُ .\rوَلِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْ إتْلَافِهِ لِحُرْمَةِ الْحَرَمِ ، فَكَانَ مَضْمُونًا كَالصَّيْدِ ، وَيُخَالِفُ الْمُحْرِمَ ، فَإِنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ مِنْ قَطْعِ شَجَرِ الْحِلِّ ، وَلَا زَرْعِ الْحَرَمِ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّهُ يَضْمَنُ الشَّجَرَةَ الْكَبِيرَة بِبَقَرَةٍ ، وَالصَّغِيرَةَ بِشَاةٍ ، وَالْحَشِيشَ بِقِيمَتِهِ ، وَالْغُصْنَ بِمَا نَقَصَ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ : يَضْمَنُ الْكُلَّ بِقِيمَتِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا مُقَدَّرَ فِيهِ ، فَأَشْبَهَ الْحَشِيشَ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَطَاءٍ وَلِأَنَّهُ أَحَدُ نَوْعَيْ مَا يَحْرُمُ إتْلَافُهُ ، فَكَانَ فِيهِ مَا يُضْمَنُ بِمُقَدَّرٍ كَالصَّيْدِ .\rفَإِنْ قَطَعَ غُصْنًا أَوْ حَشِيشًا ، فَاسْتَخْلَفَ ، احْتَمَلَ سُقُوطُ ضَمَانِهِ ، كَمَا إذَا جَرَحَ صَيْدًا فَانْدَمَلَ ، أَوْ قَطَعَ شَعْرَ آدَمِيٍّ فَنَبَتَ ، وَاحْتَمَلَ أَنْ يَضْمَنَهُ ؛ لِأَنَّ الثَّانِيَ غَيْرُ الْأَوَّلِ .","part":7,"page":34},{"id":3034,"text":"( 2417 ) فَصْلٌ : مَنْ قَلَعَ شَجَرَةً مِنْ الْحَرَمِ ، فَغَرَسَهَا فِي مَكَان آخَرَ ، فَيَبِسَتْ ، ضَمِنَهَا ؛ لِأَنَّهُ أَتْلَفَهَا .\rوَإِنْ غَرَسَهَا فِي مَكَان مِنْ الْحَرَمِ ، فَنَبَتَتْ ، لَمْ يَضْمَنْهَا ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُتْلِفْهَا ، وَلَمْ يُزِلْ حُرْمَتَهَا .\rوَإِنْ غَرَسَهَا فِي الْحِلِّ ، فَنَبَتَتْ ، فَعَلَيْهِ رَدُّهَا إلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ أَزَالَ حُرْمَتَهَا .\rفَإِنْ تَعَذَّرَ رَدُّهَا ، أَوْ رَدَّهَا فَيَبِسَتْ ، ضَمِنَهَا .\rوَإِنْ قَلَعَهَا غَيْرُهُ مِنْ الْحِلِّ ، فَقَالَ الْقَاضِي : الضَّمَانُ عَلَى الثَّانِي ؛ لِأَنَّهُ الْمُتْلِفُ لَهَا .\rفَإِنْ قِيلَ : فَلَمْ لَا يَجِبُ عَلَى الْمُخْرِجِ ، كَالصَّيْدِ إذَا نَفَّرَهُ مِنْ الْحَرَمِ ، فَقَتَلَهُ إنْسَانٌ فِي الْحِلَّ ، فَإِنَّ الضَّمَانَ عَلَى الْمُنَفِّرِ ؟ قُلْنَا : الشَّجَرُ لَا يَنْتَقِلُ بِنَفْسِهِ ، وَلَا تَزُولُ حُرْمَتُهُ بِإِخْرَاجِهِ ، وَلِهَذَا وَجَبَ عَلَى قَالِعِهِ رَدُّهُ ، وَالصَّيْدُ يَكُونُ فِي الْحَرَمِ تَارَةً وَفِي الْحِلِّ أُخْرَى ، فَمَنْ نَفَّرَهُ فَقَدْ فَوَّتَ حُرْمَتَهُ ، فَلَزِمَهُ جَزَاؤُهُ ، وَهَذَا لَمْ يُفَوِّتْ حُرْمَتَهُ بِالْإِخْرَاجِ ، فَكَانَ الْجَزَاءُ عَلَى مُتْلِفِهِ ، لِأَنَّهُ أَتْلَفَ شَجَرًا حَرَمِيًّا مُحَرَّمًا إتْلَافُهُ .","part":7,"page":35},{"id":3035,"text":"( 2418 ) فَصْلٌ : وَإِذَا كَانَتْ شَجَرَةٌ فِي الْحَرَمِ ، وَغُصْنُهَا فِي الْحِلِّ ، فَعَلَى قَاطِعِهِ الضَّمَانُ ؛ لِأَنَّهُ تَابِعٌ لِأَصْلِهِ .\rوَإِنْ كَانَتْ فِي الْحِلِّ ، وَغُصْنُهَا فِي الْحَرَمِ ، فَقَطَعَهُ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا : لَا ضَمَانَ فِيهِ .\rوَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي أَبِي يَعْلَى لِأَنَّهُ تَابِعٌ لِأَصْلِهِ ، كَاَلَّتِي قَبْلَهَا .\rوَالثَّانِي ، يَضْمَنُهُ .\rاخْتَارَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى ؛ لِأَنَّهُ فِي الْحَرَمِ .\rفَإِنْ كَانَ بَعْضُ الْأَصْلِ فِي الْحِلِّ وَبَعْضُهُ فِي الْحَرَمِ ، ضَمِنَ الْغُصْنَ بِكُلِّ حَالٍ ، سَوَاءٌ كَانَ فِي الْحِلِّ أَوْ فِي الْحَرَمِ ، تَغْلِيبًا لِحُرْمَةِ الْحَرَمِ ، كَمَا لَوْ وَقَفَ صَيْدٌ بَعْضُ قَوَائِمِهِ فِي الْحِلِّ ، وَبَعْضُهَا فِي الْحَرَمِ .","part":7,"page":36},{"id":3036,"text":"( 2419 ) فَصْلٌ : وَيَحْرُمُ صَيْدُ الْمَدِينَةِ وَشَجَرُهَا وَحَشِيشُهَا .\rوَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَحْرُمُ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مُحَرَّمًا لَبَيَّنَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيَانًا عَامًّا ، وَلَوَجَبَ فِيهِ الْجَزَاءُ ، كَصَيْدِ الْحَرَمِ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { الْمَدِينَةُ حَرَمٌ ، مَا بَيْنَ ثَوْرٍ إلَى عِيرٍ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَرَوَى تَحْرِيمَ الْمَدِينَةِ أَبُو هُرَيْرَةَ ، وَرَافِعٌ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ .\rمُتَّفَقٌ عَلَى أَحَادِيثِهِمْ .\rوَرَوَاهُ مُسْلِمٌ ، عَنْ سَعْدٍ ، وَجَابِرٍ ، وَأَنَسٍ ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى تَعْمِيمِ الْبَيَانِ ، وَلَيْسَ هُوَ فِي الدَّرَجَةِ دُونَ أَخْبَارِ تَحْرِيمِ الْحَرَمِ ، وَقَدْ قَبِلُوهُ وَأَثْبَتُوا أَحْكَامَهُ ، عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِمُمْتَنِعٍ أَنْ يُبَيِّنَهُ بَيَانًا خَاصًّا ، أَوْ يُبَيِّنَهُ بَيَانًا عَامًّا ، فَيُنْقَلُ نَقْلًا خَاصًّا ، كَصِفَةِ الْأَذَانِ وَالْوِتْرِ وَالْإِقَامَةِ .","part":7,"page":37},{"id":3037,"text":"( 2420 ) فَصْلٌ : وَحَرَمُ الْمَدِينَةِ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا ؛ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا حَرَامٌ .\rوَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يَقُول : لَوْ رَأَيْت الظِّبَاءَ تَرْتَعُ بِالْمَدِينَةِ مَا ذَعَرْتهَا } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَاللَّابَةُ : الْحَرَّةُ ، وَهِيَ أَرْضٌ فِيهَا حِجَارَةٌ سُودٌ .\rقَالَ أَحْمَدُ : مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا حَرَامٌ .\rبَرِيدٌ فِي بَرِيدٍ ، كَذَا فَسَّرَهُ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ .\rوَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ، { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَعَلَ حَوْلَ الْمَدِينَةِ اثْنَا عَشَرِ مِيلًا حِمًى } .\rرَوَاهُ مُسْلِمٌ .\rفَأَمَّا قَوْلُهُ : { مَا بَيْنَ ثَوْرٍ إلَى عِيرٍ } .\rفَقَالَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالْمَدِينَةِ : لَا نَعْرِفُ بِهَا ثَوْرًا وَلَا عِيرًا .\rوَإِنَّمَا هُمَا جَبَلَانِ بِمَكَّةَ ، فَيَحْتَمِلُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرَادَ قَدْرَ مَا بَيْنَ ثَوْرٍ وَعِيرٍ ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ جَبَلَيْنِ بِالْمَدِينَةِ ، وَسَمَّاهُمَا ثَوْرًا وَعِيرًا ، تَجَوُّزًا .","part":7,"page":38},{"id":3038,"text":"( 2421 ) فَصْلٌ : فَمَنْ فَعَلَ مِمَّا حُرِّمَ عَلَيْهِ شَيْئًا ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ : إحْدَاهُمَا ، لَا جَزَاءَ فِيهِ .\rوَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rوَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ فِي الْجَدِيدِ ؛ لِأَنَّهُ مَوْضِعٌ يَجُوزُ دُخُولُهُ بِغَيْرِ إحْرَامٍ ، فَلَمْ يَجِبْ فِيهِ جَزَاءٌ ، كَصَيْدِ وَجِّ .\rوَالثَّانِيَةُ ، يَجِبْ فِيهِ الْجَزَاءُ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ .\rوَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيمِ ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { إنِّي أُحَرِّمُ الْمَدِينَةَ ، مِثْلَمَا حَرَّمَ إبْرَاهِيمُ مَكَّةَ } .\rوَنَهَى أَنْ يُعْضَدَ شَجَرُهَا ، وَيُؤْخَذَ طَيْرُهَا ، فَوَجَبَ فِي هَذَا الْحَرَمِ الْجَزَاءُ ، كَمَا وَجَبَ فِي ذَلِكَ ، إذْ لَمْ يَظْهَرْ بَيْنَهُمَا فَرْقٌ ، وَجَزَاؤُهُ إبَاحَةُ سَلَبَ الْقَاتِلِ لِمَنْ أَخَذَهُ ؛ لِمَا رَوَى مُسْلِمٌ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ ، أَنَّ سَعْدًا رَكِبَ إلَى قَصْرِهِ بِالْعَقِيقِ ، فَوَجَدَ عَبْدًا يَقْطَعُ شَجَرًا ، أَوْ يَخْبِطُهُ ، فَسَلَبَهُ ، فَلَمَّا رَجَعَ سَعْدٌ جَاءَ أَهْلُ الْعَبْدِ ، فَكَلَّمُوهُ أَنْ يَرُدَّ عَلَى غُلَامِهِمْ ، أَوْ عَلَيْهِمْ ، فَقَالَ : مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ أَرُدَّ شَيْئًا نَفَّلَنِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rوَأَبَى أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ .\rوَعَنْ سَعْدٍ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { مَنْ أَخَذَ أَحَدًا يَصِيدُ فِيهِ ، فَلْيَسْلُبْهُ } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rفَعَلَى هَذَا يُبَاحُ لِمَنْ وَجَدَ آخِذَ الصَّيْدِ أَوْ قَاتِلَهُ ، أَوْ قَاطِعَ الشَّجَرِ سَلَبُهُ ، وَهُوَ أَخْذُ ثِيَابِهِ حَتَّى سَرَاوِيلِهِ .\rفَإِنْ كَانَ عَلَى دَابَّةٍ لَمْ يَمْلِكْ أَخْذَهَا ؛ لِأَنَّ الدَّابَّةَ لَيْسَتْ مِنْ السَّلَبِ ، وَإِنَّمَا أَخَذَهَا قَاتِلُ الْكَافِرِ فِي الْجِهَادِ ؛ لِأَنَّهُ يُسْتَعَانُ بِهَا عَلَى الْحَرْبِ ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا .\rوَإِنْ لَمْ يَسْلُبْهُ أَحَدٌ ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ ، سِوَى الِاسْتِغْفَارِ وَالتَّوْبَةِ .","part":7,"page":39},{"id":3039,"text":"( 2422 ) فَصْل : وَيُفَارِقُ حَرَمُ الْمَدِينَةِ حَرَمَ مَكَّةَ فِي شَيْئَيْنِ : أَحَدُهُمَا ، أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْ شَجَرِ حَرَمِ الْمَدِينَةِ مَا تَدْعُو الْحَاجَةُ إلَيْهِ ، لِلْمَسَانِدِ وَالْوَسَائِدِ وَالرَّحْلِ ، وَمِنْ حَشِيشِهَا مَا تَدْعُو الْحَاجَةُ إلَيْهِ لِلْعَلْفِ ؛ لِمَا رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا حَرَّمَ الْمَدِينَةَ ، قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنَّا أَصْحَابُ عَمَلٍ ، وَأَصْحَابُ نَضْحٍ ، وَإِنَّا لَا نَسْتَطِيعُ أَرْضًا غَيْرَ أَرْضِنَا ، فَرَخِّصْ لَنَا ، فَقَالَ : الْقَائِمَتَانِ ، وَالْوِسَادَةُ ، وَالْعَارِضَةُ ، وَالْمِسْنَدُ ، فَأَمَّا غَيْرُ ذَلِكَ فَلَا يُعْضَدُ ، وَلَا يُخْبَطُ مِنْهَا شَيْءٌ } .\rقَالَ إسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ ، قَالَ خَارِجَةُ : الْمِسْنَدُ مِرْوَدُ الْبَكَرَةِ .\rفَاسْتَثْنَى ذَلِكَ ، وَجَعَلَهُ مُبَاحًا ، كَاسْتِثْنَاءِ الْإِذْخِرَ بِمَكَّةَ وَعَنْ عَلِيٍّ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { الْمَدِينَةُ حَرَامٌ ، مَا بَيْنَ عَائِرٍ إلَى ثَوْرٍ ، لَا يُخْتَلَى خَلَاهَا ، وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا ، وَلَا يَصْلُحُ أَنْ يُقْطَعَ مِنْهَا شَجَرَةٌ ، إلَّا أَنْ يَعْلِفَ رَجُلٌ بَعِيرَهُ } وَعَنْ جَابِرٍ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { لَا يُخْبَطُ وَلَا يُعْضَدُ حِمَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَكِنْ يُهَشُّ هَشًّا رَفِيقًا } .\rرَوَاهُمَا أَبُو دَاوُد .\rوَلِأَنَّ الْمَدِينَةَ يَقْرُبُ مِنْهَا شَجَرٌ وَزَرْعٌ ، فَلَوْ مَنَعْنَا مِنْ احْتِشَاشِهَا ، مَعَ الْحَاجَةِ ، أَفْضَى إلَى الضَّرَرِ ، بِخِلَافِ مَكَّةَ ، الثَّانِي ، أَنَّ مَنْ صَادَ صَيْدًا خَارِجَ الْمَدِينَةِ ، ثُمَّ أَدْخَلَهُ إلَيْهَا ، لَمْ يَلْزَمْهُ إرْسَالُهُ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُول : { يَا أَبَا عُمَيْرٍ ، مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ ؟ } .\rوَهُوَ طَائِرٌ صَغِيرٌ .\rفَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ أَبَاحَ إمْسَاكَهُ بِالْمَدِينَةِ ، إذْ لَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ ، وَحُرْمَةُ مَكَّةَ أَعْظَمُ مِنْ حُرْمَةِ","part":7,"page":40},{"id":3040,"text":"الْمَدِينَةِ ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يَدْخُلُهَا إلَّا مُحْرِمٌ .","part":7,"page":41},{"id":3041,"text":"( 2423 ) فَصْلٌ : صَيْدُ وَجٍّ وَشَجَرُهُ مُبَاحٌ ؛ وَهُوَ وَادٍ بِالطَّائِفِ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ : هُوَ مُحَرَّمٌ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { صَيْدُ وَجٍّ وَعِضَاهُهَا مُحَرَّمٌ } .\rرَوَاهُ أَحْمَدُ ، فِي ( الْمُسْنَدِ ) .\rوَلَنَا ، أَنَّ الْأَصْلَ الْإِبَاحَةُ ، وَالْحَدِيثُ ضَعِيفٌ ، ضَعَّفَهُ أَحْمَدُ .\rذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ الْخَلَّالُ ، فِي كِتَابِ ( الْعِلَلِ ) .","part":7,"page":42},{"id":3042,"text":"( 2424 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَإِنْ حُصِرَ بِعَدُوٍّ ، نَحَرَ مَا مَعَهُ مِنْ الْهَدْيِ ، وَحَلَّ ) أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْمُحْرِمَ إذَا حَصَرَهُ عَدُوٌّ مِنْ الْمُشْرِكِينَ ، أَوْ غَيْرِهِمْ ، فَمَنَعُوهُ الْوُصُولَ إلَى الْبَيْتِ ، وَلَمْ يَجِدْ طَرِيقًا آمِنًا ، فَلَهُ التَّحَلُّلُ .\rوَقَدْ نَصَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ : { فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ } .\rوَثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ أَصْحَابَهُ يَوْمَ حُصِرُوا فِي الْحُدَيْبِيَةِ أَنْ يَنْحَرُوا ، وَيَحْلِقُوا ، وَيَحِلُّوا .\rوَسَوَاءٌ كَانَ الْإِحْرَامُ بِحَجٍّ أَوْ بِعُمْرَةٍ ، أَوْ بِهِمَا ، فِي قَوْلِ إمَامِنَا ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيِّ .\rوَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ الْمُعْتَمِرَ لَا يَتَحَلَّلُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَخَافُ الْفَوَاتَ .\rوَلَيْسَ بِصَحِيحٍ ؛ لِأَنَّ الْآيَةَ إنَّمَا نَزَلَتْ فِي حَصْرِ الْحُدَيْبِيَةِ ، وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ مُحْرِمِينَ بِعُمْرَةٍ ، فَحَلُّوا جَمِيعًا .\rوَعَلَى مَنْ تَحَلَّلَ بِالْإِحْصَارِ الْهَدْيُ ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ ، لَيْسَ عَلَيْهِ هَدْيٌ ؛ لِأَنَّهُ تَحَلُّلٌ أُبِيحَ لَهُ مِنْ غَيْرِ تَفْرِيطٍ ، أَشْبَهَ مَنْ أَتَمَّ حَجَّهُ .\rوَلَيْسَ بِصَحِيحٍ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : { فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ } .\rقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ التَّفْسِيرِ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي حَصْرِ الْحُدَيْبِيَةِ .\rوَلِأَنَّهُ أُبِيحَ لَهُ التَّحَلُّلُ قَبْلَ إتْمَامِ نُسُكِهِ ، فَكَانَ عَلَيْهِ الْهَدْيُ ، كَاَلَّذِي فَاتَهُ الْحَجُّ ، وَبِهَذَا فَارَقَ مَنْ أَتَمَّ حَجَّهُ .","part":7,"page":43},{"id":3043,"text":"( 2425 ) فَصْلٌ : وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْحَصْرِ الْعَامِّ فِي حَقِّ الْحَاجِّ كُلِّهِ ، وَبَيْنَ الْخَاصِّ فِي حَقِّ شَخْصٍ وَاحِدٍ ، مِثْلُ أَنْ يُحْبَسَ بِغَيْرِ حَقٍّ ، أَوْ أَخَذَتْهُ اللُّصُوصُ وَحْدَهُ ؛ لِعُمُومِ النَّصِّ ، وَوُجُودِ الْمَعْنَى فِي الْكُلِّ .\rفَأَمَّا مَنْ حُبِسَ بِحَقٍّ عَلَيْهِ ، يُمْكِنُهُ الْخُرُوجُ مِنْهُ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ التَّحَلُّلُ ؛ لِأَنَّهُ لَا عُذْرَ لَهُ فِي الْحَبْسِ .\rوَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا بِهِ عَاجِزًا عَنْ أَدَائِهِ ، فَحَبَسَهُ بِغَيْرِ حَقٍّ ، فَلَهُ التَّحَلُّلُ ، كَمَنْ ذَكَرْنَا .\rوَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ مُؤَجَّلٌ ، يَحِلُّ قَبْلَ قُدُومِ الْحَاجِّ ، فَمَنَعَهُ صَاحِبُهُ مِنْ الْحَجِّ ، فَلَهُ التَّحَلُّلُ أَيْضًا ؛ لِأَنَّهُ مَعْذُورٌ .\rوَلَوْ أَحْرَمَ الْعَبْدُ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ أَوْ الْمَرْأَةُ لِلتَّطَوُّعِ بِغَيْرِ إذْنِ زَوْجِهَا ، فَلَهُمَا مَنْعُهَا ، وَحُكْمُهُمَا حُكْمُ الْمُحْصَرِ .\r( 2426 ) فَصْل : إنْ أَمْكَنَ الْمُحْصَرَ الْوُصُولُ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى ، لَمْ يُبَحْ لَهُ التَّحَلُّلُ ، وَلَزِمَهُ سُلُوكُهَا ، بَعُدَتْ أَوْ قَرُبَتْ ، خَشِيَ الْفَوَاتَ أَوْ لَمْ يَخْشَهُ ، فَإِنْ كَانَ مُحْرِمًا بِعُمْرَةٍ لَمْ يَفُتْ ، وَإِنْ كَانَ بِحَجٍّ فَفَاتَهُ ، تَحَلَّلَ بِعُمْرَةٍ .\rوَكَذَا لَوْ لَمْ يَتَحَلَّلْ الْمُحْصَرُ حَتَّى خُلِّيَ عَنْهُ ، لَزِمَهُ السَّعْيُ ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ فَوَاتِ الْحَجِّ ، لِيَتَحَلَّلَ بِعُمْرَةٍ ، ثُمَّ هَلْ يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ إنْ فَاتَهُ الْحَجُّ ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ : إحْدَاهُمَا ، يَلْزَمُهُ ، كَمَنَ فَاتَهُ بِخَطَأِ الطَّرِيقِ .\rوَالثَّانِيَةُ ، لَا يَجِبُ ؛ لِأَنَّ سَبَبَ الْفَوَاتِ الْحَصْرُ ، أَشْبَهَ مِنْ لَمْ يَجِدْ طَرِيقًا أُخْرَى ، بِخِلَافِ الْمُخْطِئِ .","part":7,"page":44},{"id":3044,"text":"( 2427 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا مَنْ لَمْ يَجِدْ طَرِيقًا أُخْرَى ، فَتَحَلَّلَ ، فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ وَاجِبًا يَفْعَلُهُ بِالْوُجُوبِ السَّابِقِ ، فِي الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ .\rوَبِهِ قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَعَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّ عَلَيْهِ الْقَضَاءَ .\rرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مُجَاهِدٍ ، وَعِكْرِمَةَ ، وَالشَّعْبِيِّ .\rوَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا تَحَلَّلَ زَمَنَ الْحُدَيْبِيَةِ ، قَضَى مِنْ قَابِلٍ ، وَسُمِّيَتْ عُمْرَةَ الْقَضِيَّةِ ، وَلِأَنَّهُ حَلَّ مِنْ إحْرَامِهِ قَبْلَ إتْمَامِهِ ، فَلَزِمَهُ الْقَضَاءُ ، كَمَا لَوْ فَاتَهُ الْحَجُّ .\rوَوَجْهُ الْأُولَى أَنَّهُ تَطَوُّعٌ جَازَ التَّحَلُّلُ مِنْهُ ، مَعَ صَلَاحِ الْوَقْتِ لَهُ ، فَلَمْ يَجِبْ قَضَاؤُهُ ، كَمَا لَوْ دَخَلَ فِي الصَّوْمِ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ وَاجِبٌ ، فَلَمْ يَكُنْ ، فَأَمَّا الْخَبَرُ ، فَإِنَّ الَّذِينَ صُدُّوا كَانُوا أَلْفًا وَأَرْبَعَمِائَةٍ ، وَاَلَّذِينَ اعْتَمَرُوا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانُوا نَفَرًا يَسِيرًا ، وَلَمْ يُنْقَلْ إلَيْنَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ أَحَدًا بِالْقَضَاءِ ، وَأَمَّا تَسْمِيَتُهَا عُمْرَةَ الْقَضِيَّةِ ، فَإِنَّمَا يَعْنِي بِهَا الْقَضِيَّةَ الَّتِي اصْطَلَحُوا عَلَيْهَا ، وَاتَّفَقُوا عَلَيْهَا ، وَلَوْ أَرَادُوا غَيْرَ ذَلِكَ لَقَالُوا : عُمْرَةَ الْقَضَاءِ .\rوَيُفَارِقُ الْفَوَاتَ ، فَإِنَّهُ مُفَرِّطٌ ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا .","part":7,"page":45},{"id":3045,"text":"( 2428 ) فَصْلٌ : وَإِذَا قَدَرَ الْمُحْصَرُ عَلَى الْهَدْيِ ، فَلَيْسَ لَهُ الْحِلُّ قَبْلَ ذَبْحِهِ .\rفَإِنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ قَدْ سَاقَهُ أَجْزَأَهُ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ لَزِمَهُ شِرَاؤُهُ إنْ أَمْكَنَهُ ، وَيُجْزِئُهُ أَدْنَى الْهَدْيِ ، وَهُوَ شَاةٌ ، أَوْ سُبْعُ بَدَنَةٍ ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ } .\rوَلَهُ نَحْرُهُ فِي مَوْضِعِ حَصْرِهِ ، مِنْ حِلٍّ أَوْ حَرَمٍ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ قَادِرًا عَلَى أَطْرَافِ الْحَرَمِ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا ، يَلْزَمُهُ نَحْرُهُ فِيهِ ؛ لِأَنَّ الْحَرَمَ كُلَّهُ مَنْحَرٌ ، وَقَدْ قَدَرَ عَلَيْهِ .\rوَالثَّانِي ، يَنْحَرُهُ فِي مَوْضِعِهِ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحَرَ هَدْيَهُ فِي مَوْضِعِهِ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ : لَيْسَ لِلْمُحْصَرِ نَحْرُ هَدْيِهِ إلَّا فِي الْحَرَمِ ، فَيَبْعَثُهُ ، وَيُوَاطِئُ رَجُلًا عَلَى نَحْرِهِ فِي وَقْتٍ يَتَحَلَّلُ فِيهِ .\rوَهَذَا يُرْوَى عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ، فِي مَنْ لُدِغَ فِي الطَّرِيقِ .\rوَرُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ الْحَسَنِ ، وَالشَّعْبِيِّ ، وَالنَّخَعِيِّ ، وَعَطَاءٍ .\rوَهَذَا ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ، فِي مَنْ كَانَ حَصْرُهُ خَاصًّا ، وَأَمَّا الْحَصْرُ الْعَامُّ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَهُ أَحَدٌ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُفْضِي إلَى تَعَذُّرِ الْحِلِّ ، لِتَعَذُّرِ وُصُولِ الْهَدْيِ إلَى مَحِلِّهِ ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابَهُ نَحَرُوا هَدَايَاهُمْ فِي الْحُدَيْبِيَةِ ، وَهِيَ مِنْ الْحِلِّ .\rقَالَ الْبُخَارِيُّ : قَالَ مَالِكٌ وَغَيْرُهُ : إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابَهُ حَلَقُوا ، وَحَلُّوا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ ، قَبْلَ الطَّوَافِ ، وَقَبْلَ أَنْ يَصِلَ الْهَدْيُ إلَى الْبَيْتِ .\rوَلَمْ يُذْكَرْ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ أَحَدًا أَنْ يَقْضِيَ شَيْئًا ، وَلَا أَنْ يَعُودُوا لَهُ .\rوَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحَرَ هَدْيَهُ عِنْدَ الشَّجَرَةِ الَّتِي كَانَتْ تَحْتَهَا بَيْعَةُ الرِّضْوَانِ .\rوَهِيَ مِنْ الْحِلِّ","part":7,"page":46},{"id":3046,"text":"بِاتِّفَاقِ أَهْلِ السِّيرَةِ وَالنَّقْلِ .\rقَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ } .\rوَلِأَنَّهُ مَوْضِعُ حِلِّهِ ، فَكَانَ مَوْضِعَ نَحْرِهِ ، كَالْحَرَمِ ، وَسَائِرُ الْهَدَايَا يَجُوزُ لِلْمُحْصَرِ نَحْرُهَا فِي مَوْضِعِ تَحَلُّلِهِ .\rفَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ } .\rوَقَالَ : { ثُمَّ مَحِلُّهَا إلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ } .\rوَلِأَنَّهُ ذَبْحٌ يَتَعَلَّقُ بِالْإِحْرَامِ ، فَلَمْ يَجُزْ فِي غَيْرِ الْحَرَمِ ، كَدَمِ الطِّيبِ وَاللِّبَاسِ .\rقُلْنَا : الْآيَةُ فِي حَقِّ غَيْرِ الْمُحْصَرِ ، وَلَا يُمْكِنُ قِيَاسُ الْمُحْصَرِ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ تَحَلُّلَ الْمُحْصَرِ فِي الْحِلِّ ، وَتَحَلُّلَ غَيْرِهِ فِي الْحَرَمِ ، فَكُلٌّ مِنْهُمَا يَنْحَرُ فِي مَوْضِعِ تَحَلُّلِهِ .\rوَقِيلَ فِي قَوْلِهِ : { حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ } .\rأَيْ حَتَّى يُذْبَحَ ، وَذَبْحُهُ فِي حَقِّ الْمُحْصَرِ فِي مَوْضِعِ حِلِّهِ ، اقْتِدَاءً بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .","part":7,"page":47},{"id":3047,"text":"( 2429 ) فَصْلٌ : وَمَتَى كَانَ الْمُحْصَرُ مُحْرِمًا بِعُمْرَةٍ ، فَلَهُ التَّحَلُّلُ وَنَحْرُ هَدْيِهِ وَقْتَ حَصْرِهِ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابَهُ زَمَنَ الْحُدَيْبِيَةِ ، حَلُّوا وَنَحَرُوا هَدَايَاهُمْ بِهَا قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ .\rوَإِنْ كَانَ مُفْرِدًا أَوْ قَارِنًا ، فَكَذَلِكَ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ ؛ لِأَنَّ الْحَجَّ أَحَدُ النُّسُكَيْنِ ، فَجَازَ الْحِلُّ مِنْهُ وَنَحْرُ هَدْيِهِ وَقْتَ حَصْرِهِ ، كَالْعُمْرَةِ ، وَلِأَنَّ الْعُمْرَةَ لَا تَفُوتُ ، وَجَمِيعُ الزَّمَانِ وَقْتٌ لَهَا ، فَإِذَا جَازَ الْحِلُّ مِنْهَا وَنَحْرُ هَدْيِهَا مِنْ غَيْرِ خَشْيَةِ فَوَاتِهَا ، فَالْحَجُّ الَّذِي يُخْشَى فَوَاتُهُ أَوْلَى .\rوَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ ، لَا يَحِلُّ ، وَلَا يَنْحَرُ هَدْيَهُ إلَى يَوْمِ النَّحْرِ .\rنَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ ، وَحَنْبَلٍ ؛ لِأَنَّ لِلْهَدْيِ مَحِلَّ زَمَانٍ وَمَحِلَّ مَكَان .\rفَإِنْ عَجَزَ مَحِلُّ الْمَكَانِ فَسَقَطَ ، بَقِيَ مَحِلُّ الزَّمَانِ وَاجِبًا لِإِمْكَانِهِ ، وَإِذَا لَمْ يَجُزْ لَهُ نَحْرُ الْهَدْيِ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ ، لَمْ يَجُزْ التَّحَلُّلُ ؛ لِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ : { وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ } .\rوَإِذَا قُلْنَا بِجَوَازِ التَّحَلُّلِ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ ، فَالْمُسْتَحَبُّ لَهُ مَعَ ذَلِكَ الْإِقَامَةُ مَعَ إحْرَامِهِ ، رَجَاءَ زَوَالِ الْحَصْرِ ، فَمَتَى زَالَ قَبْلَ تَحَلُّلِهِ ، فَعَلَيْهِ الْمُضِيُّ لِإِتْمَامِ نُسُكِهِ ، بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : قَالَ كُلُّ مَنْ أَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ : إنَّ مَنْ يَئِسِ أَنْ يَصِلَ إلَى الْبَيْتِ ، فَجَازَ لَهُ أَنْ يَحِلَّ ، فَلَمْ يَفْعَلْ حَتَّى خُلِّيَ سَبِيلُهُ ، إنَّ عَلَيْهِ أَنْ يَقْضِيَ مَنَاسِكَهُ ، وَإِنْ زَالَ الْحَصْرُ بَعْدَ فَوَاتِ الْحَجِّ ، تَحَلَّلَ بِعَمَلِ عُمْرَةٍ ، فَإِنْ فَاتَ الْحَجُّ قَبْلَ زَوَالِ الْحَصْرِ ، تَحَلَّلَ بِهَدْيٍ .\rوَقِيلَ : عَلَيْهِ هَاهُنَا هَدَيَانِ ؛ هَدْيٌ لِلْفَوَاتِ ، وَهَدْيٌ لِلْإِحْصَارِ .\rوَلَمْ يَذْكُرْ أَحْمَدُ ، فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ ، هَدْيًا ثَانِيًا فِي حَقِّ مَنْ","part":7,"page":48},{"id":3048,"text":"لَا يَتَحَلَّلُ إلَى يَوْمِ النَّحْرِ .","part":7,"page":49},{"id":3049,"text":"( 2430 ) فَصْلٌ : فَإِنْ أُحْصِرَ عَنْ الْبَيْتِ بَعْدَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ ، فَلَهُ التَّحَلُّلُ ؛ لِأَنَّ الْحَصْرَ يُفِيدُهُ التَّحَلُّلُ مِنْ جَمِيعِهِ ، فَأَفَادَ التَّحَلُّلَ مِنْ بَعْضِهِ .\rوَإِنْ كَانَ مَا حُصِرَ عَنْهُ لَيْسَ مِنْ أَرْكَانِ الْحَجِّ ، كَالرَّمْيِ ، وَطَوَافِ الْوَدَاعِ ، وَالْمَبِيتِ بِمُزْدَلِفَةَ أَوْ بِمِنًى فِي لَيَالِيهَا ، فَلَيْسَ لَهُ التَّحَلُّلُ ؛ لِأَنَّ صِحَّةَ الْحَجِّ لَا تَقِفُ عَلَى ذَلِكَ ، وَيَكُونُ عَلَيْهِ دَمٌ ؛ لِتَرْكِهِ ذَلِكَ ، وَحَجُّهُ صَحِيحٌ ، كَمَا لَوْ تَرَكَهُ مِنْ غَيْرِ حَصْرٍ .\rوَإِنْ أُحْصِرَ عَنْ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ بَعْدَ رَمْيِ الْجَمْرَةِ ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَحَلَّلَ أَيْضًا ؛ لِأَنَّ إحْرَامَهُ إنَّمَا هُوَ عَنْ النِّسَاءِ ، وَالشَّرْعُ إنَّمَا وَرَدَ بِالتَّحَلُّلِ مِنْ الْإِحْرَامِ التَّامِّ ، الَّذِي يُحَرِّمُ جَمِيعَ مَحْظُورَاتِهِ ، فَلَا يَثْبُتُ بِمَا لَيْسَ مِثْلَهُ ، وَمَتَى زَالَ الْحَصْرُ أَتَى بِالطَّوَافِ ، وَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ .","part":7,"page":50},{"id":3050,"text":"( 2431 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا مَنْ يَتَمَكَّنُ مِنْ الْبَيْتِ وَيُصَدُّ عَنْ عَرَفَةَ ، فَلَهُ أَنْ يَفْسَخَ نِيَّةَ الْحَجِّ ، وَيَجْعَلَهُ عُمْرَةً ، وَلَا هَدْيَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّنَا أَبَحْنَا لَهُ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ حَصْرٍ ، فَمَعَ الْحَصْرِ أَوْلَى .\rفَإِنْ كَانَ قَدْ طَافَ وَسَعَى لِلْقُدُومِ ، ثُمَّ أُحْصِرَ ، أَوْ مَرِضَ حَتَّى فَاتَهُ الْحَجُّ ، تَحَلَّلَ بِطَوَافٍ وَسَعْيٍ آخَرَ ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ لَمْ يَقْصِدْ بِهِ طَوَافَ الْعُمْرَةِ ، وَلَا سَعْيَهَا ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُجَدِّدَ إحْرَامًا .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ .\rوَقَالَ الزُّهْرِيُّ : لَا بُدَّ أَنْ يَقِفَ بِعَرَفَةَ .\rوَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ : لَا يَكُونُ مُحْصَرًا بِمَكَّةَ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَحْمَدَ .\rفَإِنْ فَاتَهُ الْحَجُّ ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ مَنْ فَاتَهُ بِغَيْرِ حَصْرٍ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : يَخْرُجُ إلَى الْحِلِّ ، وَيَفْعَلُ مَا يَفْعَلُ الْمُعْتَمِرُ ، فَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يَسْتَنِيبَ مَنْ يُتَمِّمُ عَنْهُ أَفْعَالَ الْحَجِّ ، جَازَ فِي التَّطَوُّعُ ؛ لِأَنَّهُ جَازَ أَنْ يَسْتَنِيبَ فِي جُمْلَتِهِ ، فَجَازَ فِي بَعْضِهِ ، وَلَا يَجُوزُ فِي حَجِّ الْفَرْضِ ، إلَّا إنْ يَئِسَ مِنْ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ فِي جَمِيعِ الْعُمْرِ ، كَمَا فِي الْحَجِّ كُلِّهِ .","part":7,"page":51},{"id":3051,"text":"( 2432 ) فَصْلٌ : وَإِذَا تَحَلَّلَ الْمُحْصَرُ مِنْ الْحَجِّ ، فَزَالَ الْحَصْرُ ، وَأَمْكَنَهُ الْحَجُّ لَزِمَهُ ذَلِكَ إنْ كَانَتْ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ ، أَوْ قُلْنَا بِوُجُوبِ الْقَضَاءِ ، أَوْ كَانَتْ الْحَجَّةُ وَاجِبَةً فِي الْجُمْلَةِ ؛ لِأَنَّ الْحَجَّ يَجِبُ عَلَى الْفَوْرِ .\rوَإِنْ لَمْ تَكُنْ الْحَجَّةُ وَاجِبَةً ، وَلَا قُلْنَا بِوُجُوبِ الْقَضَاءِ ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ ، كَمَنْ لَمْ يُحْرِمْ .","part":7,"page":52},{"id":3052,"text":"( 2433 ) فَصْلٌ : وَإِنْ أُحْصِرَ فِي حَجٍّ فَاسِدٍ ، فَلَهُ التَّحَلُّلُ ؛ لِأَنَّهُ إذَا أُبِيحَ لَهُ التَّحَلُّلُ فِي الْحَجِّ الصَّحِيحِ ، فَالْفَاسِدُ أَوْلَى .\rفَإِنْ حَلَّ ، ثُمَّ زَالَ الْحَصْرُ وَفِي الْوَقْتِ سَعَةٌ ، فَلَهُ أَنْ يَقْضِيَ فِي ذَلِكَ الْعَامِ .\rوَلَيْسَ يُتَصَوَّرُ الْقَضَاءُ فِي الْعَامِ الَّذِي أُفْسِدَ الْحَجُّ فِيهِ فِي غَيْرِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ .","part":7,"page":53},{"id":3053,"text":"( 2434 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ ، وَلَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ ، صَامَ عَشَرَةَ أَيَّامٍ ، ثُمَّ حَلَّ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْمَحْصَرَ ، إذَا عَجَزَ عَنْ الْهَدْيِ ، انْتَقَلَ إلَى صَوْمِ عَشَرَةِ أَيَّامٍ ، ثُمَّ حَلَّ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ، فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ .\rوَقَالَ مَالِكٌ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ : لَيْسَ لَهُ بَدَلٌ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُذْكَرْ فِي الْقُرْآنِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ دَمٌ وَاجِبٌ لِلْإِحْرَامِ ، فَكَانَ لَهُ بَدَلٌ ، كَدَمِ التَّمَتُّعِ وَالطِّيبِ وَاللِّبَاسِ ، وَتَرْكُ النَّصِّ عَلَيْهِ لَا يَمْنَعُ قِيَاسَهُ عَلَى غَيْرِهِ فِي ذَلِكَ ، وَيَتَعَيَّنُ الِانْتِقَالُ إلَى صِيَامِ عَشَرَةِ أَيَّامٍ ، كَبَدَلِ هَدْيِ التَّمَتُّعِ ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَحَلَّلَ إلَّا بَعْدَ الصِّيَامِ ، كَمَا لَا يَتَحَلَّلُ وَاجِدُ الْهَدْيِ إلَّا بِنَحْرِهِ .\rوَهَلْ يَلْزَمُهُ الْحَلْقُ أَوْ التَّقْصِيرُ مَعَ ذَبْحِ الْهَدْيِ أَوْ الصِّيَامِ ؟ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ ، أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْهُ .\rوَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذَكَرَ الْهَدْيِ وَحْدَهُ ، وَلَمْ يَشْرُطْ سِوَاهُ .\rوَالثَّانِيَةُ ، عَلَيْهِ الْحَلْقُ أَوْ التَّقْصِيرُ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَلَقَ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ ، وَفِعْلُهُ فِي النُّسُكِ دَلَّ عَلَى الْوُجُوبِ .\rوَلَعَلَّ هَذَا يَنْبَنِي عَلَى أَنَّ الْحَلَّاق نُسُكٌ أَوْ إطْلَاقٌ مِنْ مَحْظُورٍ ، عَلَى مَا يُذْكَرُ فِي مَوْضِعِهِ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ .","part":7,"page":54},{"id":3054,"text":"( 2435 ) فَصْلٌ : وَلَا يَتَحَلَّلُ إلَّا بِالنِّيَّةِ ، مَعَ مَا ذَكَرْنَا ، فَيَحْصُلُ الْحِلُّ بِشَيْئَيْنِ ؛ النَّحْرُ ، أَوْ الصَّوْمُ وَالنِّيَّةُ ، إنْ قُلْنَا الْحِلَاقُ لَيْسَ بِنُسُكٍ .\rوَإِنْ قُلْنَا : هُوَ نُسُكٌ .\rحَصَلَ بِثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ ؛ الْحِلَاقُ مَعَ مَا ذَكَرْنَا .\rفَإِنْ قِيلَ : فَلِمَ اعْتَبَرْتُمْ النِّيَّةَ هَاهُنَا ، وَهِيَ فِي غَيْرِ الْمُحْصَرِ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ ؟ قُلْنَا : لِأَنَّ مَنْ أَتَى بِأَفْعَالِ النُّسُكِ ، فَقَدْ أَتَى بِمَا عَلَيْهِ ، فَيَحِلُّ مِنْهَا بِإِكْمَالِهَا ، فَلَمْ يَحْتَجْ إلَى نِيَّةٍ ، بِخِلَافِ الْمَحْصُورِ ، فَإِنَّهُ يُرِيدُ الْخُرُوجَ مِنْ الْعِبَادَةِ قَبْلَ إكْمَالِهَا ، فَافْتَقَرَ إلَى قَصْدِهِ ، وَلِأَنَّ الذَّبْحَ قَدْ يَكُونُ لِغَيْرِ الْحِلِّ ، فَلَمْ يَتَخَصَّصْ إلَّا بِقَصْدِهِ ، بِخِلَافِ الرَّمْيِ ، فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ إلَّا لِلنُّسُكِ ، فَلَمْ يَحْتَجْ إلَى قَصْدِهِ .","part":7,"page":55},{"id":3055,"text":"( 2436 ) فَصْلٌ : فَإِنْ نَوَى التَّحَلُّلَ قَبْلَ الْهَدْيِ أَوْ الصِّيَامِ ، لَمْ يَتَحَلَّلْ ، وَكَانَ عَلَى إحْرَامِهِ حَتَّى يَنْحَرَ الْهَدْيَ أَوْ يَصُومَ ؛ لِأَنَّهُمَا أُقِيمَا مُقَامَ أَفْعَالِ الْحَجِّ ، فَلَمْ يَحِلَّ قَبْلَهُمَا ، كَمَا لَا يَتَحَلَّلُ الْقَادِرُ عَلَى أَفْعَالِ الْحَجِّ قَبْلَهَا .\rوَلَيْسَ عَلَيْهِ فِي نِيَّةِ الْحِلِّ فِدْيَةٌ ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تُؤَثِّرْ فِي الْعِبَادَةِ ، فَإِنْ فَعَلَ شَيْئًا مِنْ مَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ قَبْلَ ذَلِكَ ، فَعَلَيْهِ فِدْيَتُهُ ، كَمَا لَوْ فَعَلَ الْقَادِرُ ذَلِكَ قَبْلَ أَفْعَالِ الْحَجِّ .","part":7,"page":56},{"id":3056,"text":"( 2437 ) فَصْلٌ : وَإِذَا كَانَ الْعَدُوُّ الَّذِي حَصَرَ الْحَاجَّ مُسْلِمِينَ ، فَأَمْكَنَ الِانْصِرَافُ ، كَانَ أَوْلَى مِنْ قِتَالِهِمْ ؛ لِأَنَّ فِي قِتَالِهِمْ مُخَاطَرَةً بِالنَّفْسِ وَالْمَالِ وَقَتْلَ مُسْلِمٍ ، فَكَانَ تَرْكُهُ أَوْلَى .\rوَيَجُوزُ قِتَالُهُمْ ؛ لِأَنَّهُمْ تَعُدُّوا عَلَى الْمُسْلِمِينَ بِمَنْعِهِمْ طَرِيقَهُمْ ، فَأَشْبَهُوا سَائِرَ قُطَّاعِ الطَّرِيقِ .\rوَإِنْ كَانُوا مُشْرِكِينَ ، لَمْ يَجِبْ قِتَالُهُمْ ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَجِبُ بِأَحَدِ أَمْرَيْنِ ؛ إذَا بَدَءُوا بِالْقِتَالِ ، أَوْ وَقَعَ النَّفِيرُ فَاحْتِيجَ إلَى مَدَدٍ ؛ وَلَيْسَ هَاهُنَا وَاحِدٌ مِنْهُمَا .\rلَكِنْ إنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّ الْمُسْلِمِينَ الظَّفَرُ بِهِمْ ، اُسْتُحِبَّ قِتَالُهُمْ ، لِمَا فِيهِ مِنْ الْجِهَادِ ، وَحُصُولِ النَّصْرِ ، وَإِتْمَامِ النُّسُكِ .\rوَإِنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِمْ ظَفَرُ الْكُفَّارِ ، فَالْأَوْلَى الِانْصِرَافُ ؛ لِئَلَّا يُغَرِّرُوا بِالْمُسْلِمِينَ .\rوَمَتَى احْتَاجُوا فِي الْقِتَالِ إلَى لُبْسِ مَا تَجِبُ فِيهِ الْفِدْيَةُ كَالدِّرْعِ وَالْمِغْفَرِ ، فَعَلُوا ، وَعَلَيْهِمْ الْفِدْيَةُ ؛ لِأَنَّ لُبْسَهُمْ لِأَجْلِ أَنْفُسِهِمْ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ لَبِسُوا لِلِاسْتِدْفَاءِ مِنْ دَفْعِ بَرْدٍ .","part":7,"page":57},{"id":3057,"text":"( 2438 ) فَصْلٌ : فَإِنْ أَذِنَ لَهُمْ الْعَدُوُّ فِي الْعُبُورِ ، فَلَمْ يَثِقُوا بِهِمْ ، فَلَهُمْ الِانْصِرَافُ ؛ لِأَنَّهُمْ خَائِفُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ ، فَكَأَنَّهُمْ لَمْ يَأْمَنُوهُمْ ، وَإِنْ وَثِقُوا بِأَمَانِهِمْ ، وَكَانُوا مَعْرُوفِينَ بِالْوَفَاءِ ، لَزِمَهُمْ الْمُضِيُّ عَلَى إحْرَامِهِمْ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ زَالَ حَصْرُهُمْ ، وَإِنْ طَلَبَ الْعَدُوُّ خَفَارَةً عَلَى تَخْلِيَةِ الطَّرِيقِ ، وَكَانَ مِمَّنْ لَا يُوثَقُ بِأَمَانِهِ ، لَمْ يَلْزَمْهُمْ بَذْلُهُ ؛ لِأَنَّ الْخَوْفَ بَاقٍ مَعَ الْبَذْلِ ، وَإِنْ كَانَ مَوْثُوقًا بِأَمَانِهِ وَالْخَفَارَةُ كَثِيرَةٌ ، لَمْ يَجِبْ بَذْلُهُ ، بَلْ يُكْرَهُ إنْ كَانَ الْعَدُوُّ كَافِرًا ؛ لِأَنَّ فِيهِ صَغَارًا وَتَقْوِيَةً لِلْكُفَّارِ ، وَإِنْ كَانَتْ يَسِيرَةً ، فَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ وُجُوبُ بَذْلِهِ ، كَالزِّيَادَةِ فِي ثَمَنِ الْمَاءِ لِلْوُضُوءِ .\rوَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا : لَا يَجِبُ بَذْلُ خَفَارَةٍ بِحَالٍ ، وَلَهُ التَّحَلُّلُ ، كَمَا أَنَّهُ فِي ابْتِدَاءِ الْحَجِّ لَا يَلْزَمُهُ إذَا لَمْ يَجِدْ طَرِيقًا آمِنًا مِنْ غَيْرِ خَفَارَةٍ .","part":7,"page":58},{"id":3058,"text":"( 2439 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَإِنْ مُنِعَ مِنْ الْوُصُولِ إلَى الْبَيْتِ بِمَرَضٍ ، أَوْ ذَهَابِ نَفَقَةٍ ، بَعَثَ بِهَدْيٍ ، إنْ كَانَ مَعَهُ ، لِيَذْبَحَهُ بِمَكَّةَ ، وَكَانَ عَلَى إحْرَامِهِ حَتَّى يَقْدِرَ عَلَى الْبَيْتِ ) الْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّ مَنْ يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ الْوُصُولُ إلَى الْبَيْتِ بِغَيْرِ حَصْرِ الْعَدُوِّ ، مِنْ مَرَضٍ ، أَوْ عَرَجٍ ، أَوْ ذَهَابِ نَفَقَةٍ ، وَنَحْوِهِ ، أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ التَّحَلُّلُ بِذَلِكَ .\rرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَمَرْوَانَ .\rوَبِهِ قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ ، رِوَايَةٌ أُخْرَى : لَهُ التَّحَلُّلُ بِذَلِكَ .\rرُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ ، وَالنَّخَعِيِّ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ وَأَبِي ثَوْرٍ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { مَنْ كُسِرَ ، أَوْ عَرِجَ فَقَدْ حَلَّ ، وَعَلَيْهِ حَجَّةٌ أُخْرَى } .\rرَوَاهُ النَّسَائِيّ .\rوَلِأَنَّهُ مُحْصَرٌ يَدْخُلُ فِي عُمُومِ قَوْله تَعَالَى : { فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ } .\rيُحَقِّقُهُ أَنَّ لَفْظَ الْإِحْصَارِ إنَّمَا هُوَ لِلْمَرَضِ وَنَحْوِهِ ، يُقَال : أَحْصَرَهُ الْمَرَضُ إحْصَارًا ، فَهُوَ مُحْصَرٌ ، وَحَصَرَهُ الْعَدُوُّ ، حَصْرًا ، فَهُوَ مَحْصُورٌ .\rفَيَكُونُ اللَّفْظُ صَرِيحًا فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ ، وَحَصْرُ الْعَدُوِّ مَقِيسٌ عَلَيْهِ .\rوَلِأَنَّهُ مَصْدُودٌ عَنْ الْبَيْتِ ، أَشْبَهَ مَنْ صَدَّهُ عَدُوٌّ .\rوَوَجْهُ الْأُولَى أَنَّهُ لَا يَسْتَفِيدُ بِالْإِحْلَالِ الِانْتِقَالَ مِنْ حَالِهِ ، وَلَا التَّخَلُّصَ مِنْ الْأَذَى الَّذِي بِهِ ، بِخِلَافِ حَصْرِ الْعَدُوِّ .\rوَلِأَنَّ { النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ عَلَى ضُبَاعَةَ بِنْتِ الزُّبَيْرِ ، فَقَالَتْ : إنِّي أُرِيدُ الْحَجَّ ، وَأَنَا شَاكِيَةٌ .\rفَقَالَ : حُجِّي ، وَاشْتَرِطِي أَنَّ مَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتنِي } .\rفَلَوْ كَانَ الْمَرَضُ يُبِيحُ الْحِلَّ ، مَا احْتَاجَتْ إلَى شَرْطٍ .\rوَحَدِيثُهُمْ مَتْرُوكُ الظَّاهِرِ ، فَإِنَّ مُجَرَّدَ الْكَسْرِ وَالْعَرَجِ لَا يَصِيرُ بِهِ حَلَالًا ، فَإِنْ","part":7,"page":59},{"id":3059,"text":"حَمَلُوهُ عَلَى أَنَّهُ يُبِيحُ التَّحَلُّلَ ، حَمَلْنَاهُ عَلَى مَا إذَا اشْتَرَطَ الْحِلَّ بِذَلِكَ ، عَلَى أَنَّ فِي حَدِيثِهِمْ كَلَامًا ، فَإِنَّهُ يَرْوِيهِ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَمَذْهَبُهُ خِلَافُهُ .\rفَإِنْ قُلْنَا : يَتَحَلَّلُ .\rفَحُكْمُهُ حُكْمُ مَنْ أُحْصِرَ بِعَدُوٍّ عَلَى مَا مَضَى .\rوَإِنْ قُلْنَا : لَا يَتَحَلَّلُ .\rفَإِنَّهُ يُقِيمُ عَلَى إحْرَامِهِ ، وَيَبْعَثُ مَا مَعَهُ مِنْ الْهَدْيِ لِيُذْبَح بِمَكَّةَ ، وَلَيْسَ لَهُ نَحْرُهُ فِي مَكَانِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَحَلَّلْ .\rفَإِنْ فَاتَهُ الْحَجُّ ، تَحَلَّلَ بِعُمْرَةٍ ، كَغَيْرِ الْمَرِيضِ .","part":7,"page":60},{"id":3060,"text":"( 2440 ) فَصْلٌ : وَإِنْ شَرَطَ فِي ابْتِدَاءِ إحْرَامِهِ أَنْ يَحِلَّ مَتَى مَرِضَ ، أَوْ ضَاعَتْ نَفَقَتُهُ ، أَوْ نَفِدَتْ ، أَوْ نَحْوَهُ ، أَوْ قَالَ إنْ حَبَسَنِي حَابِسٌ ، فَمَحِلِّي حَيْثُ حَبَسَنِي .\rفَلَهُ الْحِلُّ مَتَى وَجَدَ ذَلِكَ ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ ، لَا هَدْيَ ، وَلَا قَضَاءَ ، وَلَا غَيْرَهُ ، فَإِنَّ لِلشَّرْطِ تَأْثِيرًا فِي الْعِبَادَاتِ ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ قَالَ : إنْ شَفَى اللَّهُ مَرِيضِي صُمْت شَهْرًا مُتَتَابِعًا ، أَوْ مُتَفَرِّقًا .\rكَانَ عَلَى مَا شَرَطَهُ .\rوَإِنَّمَا لَمْ يَلْزَمْهُ الْهَدْيُ وَالْقَضَاءُ ؛ لِأَنَّهُ إذَا شَرَطَ شَرْطًا كَانَ إحْرَامُهُ الَّذِي فَعَلَهُ إلَى حِينِ وُجُودِ الشَّرْطِ ، فَصَارَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ أَكْمَلَ أَفْعَالَ الْحَجِّ ، ثُمَّ يُنْظَرُ فِي صِيغَةِ الشَّرْطِ ، فَإِنْ قَالَ : إنْ مَرِضْت فَلِي أَنْ أَحِلَّ ، وَإِنْ حَبَسَنِي حَابِسٌ فَمَحِلِّي حَيْثُ حَبَسَنِي .\rفَإِذَا حُبِسَ كَانَ بِالْخِيَارِ بَيْنَ الْحِلِّ وَبَيْنَ الْبَقَاءِ عَلَى الْإِحْرَامِ .\rوَإِنْ قَالَ : إنْ مَرِضْت فَأَنَا حَلَالٌ .\rفَمَتَى وُجِدَ الشَّرْطُ ، حَلَّ بِوُجُودِهِ .\rلِأَنَّهُ شَرْطٌ صَحِيحٌ ، فَكَانَ عَلَى مَا شَرَطَ .","part":7,"page":61},{"id":3061,"text":"( 2441 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( فَإِنْ قَالَ : أَنَا أَرْفُضُ إحْرَامِي وَأَحِلُّ .\rفَلَبِسَ الثِّيَابَ ، وَذَبَحَ الصَّيْدَ ، وَعَمِلَ مَا يَعْمَلُهُ الْحَلَالُ ، كَانَ عَلَيْهِ فِي كُلِّ فِعْلٍ فَعَلَهُ دَمٌ ، وَإِنْ كَانَ وَطِئَ ، فَعَلَيْهِ لِلْوَطْءِ بَدَنَةٌ ، مَعَ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ مِنْ الدِّمَاءِ .\r) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ التَّحَلُّلَ مِنْ الْحَجِّ لَا يَحْصُلُ إلَّا بِأَحَدِ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ ؛ كَمَالِ أَفْعَالِهِ ، أَوْ التَّحَلُّلِ عِنْد الْحَصْرِ ، أَوْ بِالْعُذْرِ إذَا شَرَطَ ، وَمَا عَدَا هَذَا فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَحَلَّلَ بِهِ .\rفَإِنْ نَوَى التَّحَلُّلَ لَمْ يَحِلَّ ، وَلَا يَفْسُدُ الْإِحْرَامُ بِرَفْضِهِ ؛ لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ لَا يَخْرُجُ مِنْهَا بِالْفَسَادِ ، فَلَا يَخْرُجُ مِنْهَا بِرَفْضِهَا ، بِخِلَافِ سَائِرِ الْعِبَادَاتِ ، وَيَكُونُ الْإِحْرَامُ بَاقِيًا فِي حَقِّهِ ، تَلْزَمُهُ أَحْكَامُهُ ، وَيَلْزَمُهُ جَزَاءُ كُلِّ جِنَايَةٍ جَنَاهَا عَلَيْهِ .\rوَإِنْ وَطِئَ أَفْسَدَ حَجَّهُ ، وَعَلَيْهِ لِذَلِكَ بَدَنَةٌ ، مَعَ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ مِنْ الدِّمَاءِ ، سَوَاءٌ كَانَ الْوَطْءُ قَبْلَ الْجِنَايَاتِ أَوْ بَعْدَهَا ، فَإِنَّ الْجِنَايَةَ عَلَى الْإِحْرَامِ الْفَاسِدِ تُوجِبُ الْجَزَاءَ ، كَالْجِنَايَةِ عَلَى الصَّحِيحِ .\rوَلَيْسَ عَلَيْهِ لِرَفْضِهِ الْإِحْرَامَ شَيْءٌ ؛ لِأَنَّهُ مُجَرَّدُ نِيَّةٍ لَمْ تُؤَثِّرْ شَيْئًا .","part":7,"page":62},{"id":3062,"text":"( 2442 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَيَمْضِي فِي الْحَجِّ الْفَاسِدِ ، وَيَحُجُّ مِنْ قَابِلٍ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْحَجَّ لَا يَفْسُدُ إلَّا بِالْجِمَاعِ ، فَإِذَا فَسَدَ فَعَلَيْهِ إتْمَامُهُ ، وَلَيْسَ لَهُ الْخُرُوجُ مِنْهُ .\rرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ ، وَعَلِيٍّ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ الْحَسَنُ ، وَمَالِكٌ : يَجْعَلُ الْحَجَّةَ عُمْرَةً ، وَلَا يُقِيمُ عَلَى حَجَّةٍ فَاسِدَةٍ .\rوَقَالَ دَاوُد : يَخْرُجُ بِالْإِفْسَادِ مِنْ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ } .\rوَلَنَا ، عُمُومُ قَوْله تَعَالَى : { وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ } .\rوَلِأَنَّهُ قَوْلُ مَنْ سَمَّيْنَا مِنْ الصَّحَابَةِ ، وَلَمْ نَعْرِفْ لَهُمْ مُخَالِفًا ، وَلِأَنَّهُ مَعْنًى يَجِبُ بِهِ الْقَضَاءُ ، فَلَمْ يَخْرُجْ بِهِ مِنْهُ ، كَالْفَوَاتِ ، وَالْخَبَرُ لَا يُلْزِمُنَا ؛ لِأَنَّ الْمُضِيَّ فِيهِ بِأَمْرِ اللَّهِ ، وَإِنَّمَا وَجَبَ الْقَضَاءُ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِهِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يَلْزَمُهُ بِالْإِحْرَامِ .\rوَنَخُصُّ مَالِكًا بِأَنَّهَا حَجَّةٌ لَا يُمْكِنُهُ الْخُرُوجُ مِنْهَا بِالْإِخْرَاجِ ، فَلَا يَخْرُجُ مِنْهَا إلَى عُمْرَةٍ كَالصَّحِيحَةِ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ مِنْ الْفَاسِدِ ، بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَفْعَلَ بَعْدَ الْإِفْسَادِ كُلَّ مَا يَفْعَلُهُ قَبْلَهُ ، وَلَا يَسْقُطُ عَنْهُ تَوَابِعُ الْوُقُوفِ ، مِنْ الْمَبِيتِ بِمُزْدَلِفَةَ ، وَالرَّمْيِ ، وَيَجْتَنِبُ بَعْدَ الْفَسَادِ كُلَّ مَا يَجْتَنِبُهُ قَبْلَهُ ، مِنْ الْوَطْءِ ثَانِيًا ، وَقَتْلِ الصَّيْدِ ، وَالطِّيبِ ، وَاللِّبَاسِ ، وَنَحْوِهِ ، وَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ فِي الْجِنَايَةِ عَلَى الْإِحْرَامِ الْفَاسِدِ ، كَالْفِدْيَةِ فِي الْجِنَايَةِ عَلَى الْإِحْرَامِ الصَّحِيحِ .\rفَأَمَّا الْحَجُّ مِنْ قَابِلٍ ، فَيَلْزَمُهُ بِكُلِّ حَالٍ ، لَكِنْ إنْ كَانَتْ الْحَجَّةُ الَّتِي أَفْسَدَهَا وَاجِبَةً بِأَصْلِ الشَّرْعِ ، أَوْ بِالنَّذْرِ ، أَوْ قَضَاءً ، كَانَتْ الْحَجَّةُ مِنْ","part":7,"page":63},{"id":3063,"text":"قَابِلٍ مُجَزِّئَةً ؛ لِأَنَّ الْفَاسِدَ إذَا انْضَمَّ إلَيْهِ الْقَضَاءُ ، أَجْزَأَهُ عَمَّا يُجْزِئُ عَنْهُ الْأَوَّلُ ، لَوْ لَمْ يُفْسِدْهُ ، وَإِنْ كَانَتْ الْفَاسِدَةُ تَطَوُّعًا ، وَجَبَ قَضَاؤُهَا ؛ لِأَنَّهُ بِالدُّخُولِ فِي الْإِحْرَامِ صَارَ الْحَجُّ عَلَيْهِ وَاجِبًا ، فَإِذَا أَفْسَدَهُ ، وَجَبَ قَضَاؤُهُ ، كَالْمَنْذُورِ ، وَيَكُونُ الْقَضَاءُ عَلَى الْفَوْرِ .\rوَلَا نَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا ؛ لِأَنَّ الْحَجَّ الْأَصْلِيَّ وَاجِبٌ عَلَى الْفَوْرِ ، فَهَذَا أَوْلَى ؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَعَيَّنَ بِالدُّخُولِ فِيهِ ، وَالْوَاجِبُ بِأَصْلِ الشَّرْعِ لَمْ يَتَعَيَّنْ بِذَلِكَ .","part":7,"page":64},{"id":3064,"text":"( 2443 ) فَصْلٌ : وَيُحْرِمُ بِالْقَضَاءِ مِنْ أَبْعَدِ الْمَوْضِعَيْنِ : الْمِيقَاتِ ، أَوْ مَوْضِعِ إحْرَامِهِ الْأَوَّلِ ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ الْمِيقَاتُ أَبْعَدَ ، فَلَا يَجُوزُ لَهُ تَجَاوُزُ الْمِيقَاتِ بِغَيْرِ إحْرَامٍ ، وَإِنْ كَانَ مَوْضِعُ إحْرَامِهِ أَبْعَدِ ، فَعَلَيْهِ الْإِحْرَامُ بِالْقَضَاءِ مِنْهُ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، وَالشَّافِعِيَّ ، وَإِسْحَاقَ ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ .\rوَقَالَ النَّخَعِيُّ : يُحْرِمُ مِنْ مَوْضِعِ الْجِمَاعِ ؛ لِأَنَّهُ مَوْضِعُ الْإِفْسَادِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهَا عِبَادَةٌ فَكَانَ قَضَاؤُهَا عَلَى حَسَبِ أَدَائِهَا ، كَالصَّلَاةِ .","part":7,"page":65},{"id":3065,"text":"( 2444 ) فَصْلٌ : وَإِذَا قَضَيَا ، تَفَرَّقَا مِنْ مَوْضِعِ الْجِمَاعِ حَتَّى يَقْضِيَا حَجَّهُمَا .\rرُوِيَ هَذَا عَنْ عُمَرَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ .\rوَرَوَى سَعِيدُ ، وَالْأَثْرَمُ ، بِإِسْنَادَيْهِمَا عَنْ عُمَرَ ، أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ وَقَعَ بِامْرَأَتِهِ ، وَهُمَا مُحْرِمَانِ .\rفَقَالَ : أَتِمَّا حَجَّكُمَا ، فَإِذَا كَانَ عَامُ قَابِلٍ ، فَحُجَّا وَاهْدِيَا ، حَتَّى إذَا بَلَغْتُمَا الْمَكَانَ الَّذِي أَصَبْتُمَا فِيهِ مَا أَصَبْتُمَا ، فَتَفَرَّقَا حَتَّى تَحِلَّا .\rوَرَوَيَا عَنْ ابْنِ عَبَّاس مِثْلَ ذَلِكَ .\rوَبِهِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ، وَعَطَاءٌ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُمَا يَتَفَرَّقَانِ مِنْ حَيْثُ يُحْرِمَانِ حَتَّى يَحِلَّا .\rوَرَوَاهُ مَالِكٌ فِي \" الْمُوَطَّأِ \" عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ .\rوَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ؛ لِأَنَّ التَّفْرِيقَ بَيْنَهُمَا خَوْفًا مِنْ مُعَاوَدَةِ الْمَحْظُورِ ، وَهُوَ يُوجَدُ فِي جَمِيعِ إحْرَامِهِمَا .\rوَوَجْهُ الْأَوَّلِ أَنَّ مَا قَبْلَ مَوْضِعِ الْإِفْسَادِ كَانَ إحْرَامُهُمَا فِيهِ صَحِيحًا ، فَلَمْ يَجْبِ التَّفَرُّقُ فِيهِ ، كَاَلَّذِي لَمْ يَفْسُدْ ، وَإِنَّمَا اخْتَصَّ التَّفْرِيقُ بِمَوْضِعِ الْجِمَاعِ ، لِأَنَّهُ رُبَّمَا يَذْكُرُهُ بِرُؤْيَةِ مَكَانِهِ ، فَيَدْعُوهُ ذَلِكَ إلَى فِعْلِهِ .\rوَمَعْنَى التَّفَرُّقِ أَنْ لَا يَرْكَبَ مَعَهَا فِي مَحْمِلٍ ، وَلَا يَنْزِلَ مَعَهَا فِي فُسْطَاطٍ وَنَحْوِهِ .\rقَالَ أَحْمَدُ : يَتَفَرَّقَانِ فِي النُّزُولِ ، وَفِي الْمَحْمِلِ وَالْفُسْطَاطِ ، وَلَكِنْ يَكُونُ بِقُرْبِهَا .\rوَهَلْ يَجِبُ التَّفْرِيقُ أَوْ يُسْتَحَبُّ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا ، لَا يَجِبُ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ التَّفَرُّقُ فِي قَضَاءِ رَمَضَانَ إذَا أَفْسَدَاهُ ، كَذَلِكَ الْحَجُّ .\rوَالثَّانِي : يَجِبُ ؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ عَمَّنْ سَمَّيْنَا مِنْ الصَّحَابَةِ الْأَمْرُ بِهِ ، وَلَمْ نَعْرِفْ لَهُمْ مُخَالِفًا ، وَلِأَنَّ الِاجْتِمَاعَ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ يُذَكِّرُ الْجِمَاعَ ، فَيَكُونُ مِنْ دَوَاعِيهِ .\rوَالْأَوَّلُ أَوْلَى ؛ لِأَنَّ","part":7,"page":66},{"id":3066,"text":"حِكْمَةَ التَّفْرِيقِ الصِّيَانَةُ عَمَّا يُتَوَهَّمُ مِنْ مُعَاوَدَةِ الْوِقَاعَ عِنْدَ تَذَكُّرِهِ بِرُؤْيَةِ مَكَانِهِ ، وَهَذَا وَهْمٌ بَعِيدٌ لَا يَقْتَضِي الْإِيجَابَ .","part":7,"page":67},{"id":3067,"text":"( 2445 ) فَصْلٌ : وَالْعُمْرَةُ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ كَالْحَجِّ ، فَإِنْ كَانَ الْمُعْتَمِرُ مَكِّيًّا ، أَحْرَمَ بِهَا مِنْ الْحِلِّ ، أَحْرَمَ لِلْقَضَاءِ مِنْ الْحِلِّ ، وَإِنْ كَانَ أَحْرَمَ بِهَا مِنْ الْحَرَمِ ، أَحْرَمَ لِلْقَضَاءِ مِنْ الْحِلِّ ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْمَكِّيِّ وَمَنْ حَصَلَ بِهَا مِنْ الْمُجَاوِرِينَ .\rوَإِنْ أَفْسَدَ الْمُتَمَتِّعُ عُمْرَتَهُ ، وَمَضَى فِي فَاسِدِهَا ، فَأَتَمَّهَا ، فَقَالَ أَحْمَدُ : يَخْرُجُ إلَى الْمِيقَات ، فَيُحْرِمُ مِنْهُ لِلْحَجِّ ، فَإِنْ خَشِيَ الْفَوَاتَ أَحْرَمَ مِنْ مَكَّةَ ، وَعَلَيْهِ دَمٌ ، فَإِذَا فَرَغَ مِنْ حَجِّهِ خَرَجَ إلَى الْمِيقَاتِ فَأَحْرَمَ مِنْهُ بِعُمْرَةٍ مَكَانَ الَّتِي أَفْسَدَهَا ، وَعَلَيْهِ هَدْيٌ يَذْبَحُهُ إذَا قَدِمَ مَكَّةَ ، لِمَا أَفْسَدَ مِنْ عُمْرَتِهِ .\rوَلَوْ أَفْسَدَ الْحَاجُّ حَجَّتَهُ ، وَأَتَمَّهَا ، فَلَهُ الْإِحْرَامُ بِالْعُمْرَةِ مِنْ أَدْنَى الْحِلِّ ، كَالْمَكِّيِّينَ .\r( 2446 ) فَصْلٌ : وَإِذَا أَفْسَدَ الْقَضَاءَ ، لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ قَضَاؤُهُ ، وَإِنَّمَا يَقْضِي عَنْ الْحَجِّ الْأَوَّلِ ، كَمَا لَوْ أَفْسَدَ قَضَاءَ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ ، وَجَبَ الْقَضَاءُ لِلْأَصْلِ ، دُونَ الْقَضَاءِ ، كَذَا هَاهُنَا ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْوَاجِبَ لَا يَزْدَادُ بِفَوَاتِهِ ، وَإِنَّمَا يَبْقَى مَا كَانَ وَاجِبًا فِي الذِّمَّةِ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ ، فَيُؤَدِّيهِ الْقَضَاءُ .","part":7,"page":68},{"id":3068,"text":"بَابُ ذِكْرِ الْحَجِّ وَدُخُولِ مَكَّةَ يُسْتَحَبُّ الِاغْتِسَالُ لِدُخُولِ مَكَّةَ ؛ { لِأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَغْتَسِلُ ، ثُمَّ يَدْخُلُ مَكَّةَ نَهَارًا ، وَيَذْكُرُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَفْعَلُهُ } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَلِلْبُخَارِيِّ ، { أَنَّ ابْنَ عُمَرَ ، كَانَ إذَا دَخَلَ أَدْنَى الْحَرَمِ ، أَمْسَكَ عَنْ التَّلْبِيَةِ ، ثُمَّ يَبِيتُ بِذِي طُوًى ، ثُمَّ يُصَلِّي الصُّبْحَ وَيَغْتَسِلُ ، وَيُحَدِّثُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ } .\rوَلِأَنَّ مَكَّةَ مَجْمَعُ أَهْلِ النُّسُكِ ، فَإِذَا قَصَدَهَا اُسْتُحِبَّ لَهُ الِاغْتِسَالُ ، كَالْخَارِجِ إلَى الْجُمُعَةِ .\rوَالْمَرْأَةُ كَالرَّجُلِ ، وَإِنْ كَانَتْ حَائِضًا أَوْ نُفَسَاءَ ، لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَائِشَةَ وَقَدْ حَاضَتْ : { افْعَلِي مَا يَفْعَلُ الْحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ } .\rوَلِأَنَّ الْغُسْلَ يُرَادُ لِلتَّنْظِيفِ ، وَهَذَا يَحْصُلُ مَعَ الْحَيْضِ ، فَاسْتُحِبَّ لَهَا ذَلِكَ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rوَفَعَلَهُ عُرْوَةُ ، وَالْأَسْوَدُ بْنُ يَزِيدَ ، وَعَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ ، وَالْحَارِثُ بْنُ سُوَيْد .","part":7,"page":69},{"id":3069,"text":"( 2447 ) فَصْلٌ : وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَدْخُلَ مَكَّةَ مِنْ أَعْلَاهَا ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ ، { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ مَكَّةَ مِنْ الثَّنِيَّةِ الْعُلْيَا الَّتِي بِالْبَطْحَاءِ ، وَخَرَجَ مِنْ الثَّنِيَّةِ السُّفْلَى } .\rوَرَوَتْ عَائِشَةُ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَمَّا جَاءَ مَكَّةَ دَخَلَ مِنْ أَعْلَاهَا ، وَخَرَجَ مِنْ أَسْفَلِهَا } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا .\rوَلَا بَأْسَ أَنْ يَدْخُلَهَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا ؛ { لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ مَكَّةَ لَيْلًا وَنَهَارًا } .\rرَوَاهُمَا النَّسَائِيّ .","part":7,"page":70},{"id":3070,"text":"( 2448 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : أَبُو الْقَاسِمِ ، رَحِمَهُ اللَّهُ : ( فَإِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ ، فَالِاسْتِحْبَابُ لَهُ أَنْ يَدْخُلَ مِنْ بَابِ بَنِي شَيْبَةَ ، فَإِذَا رَأَى الْبَيْتَ رَفَعَ يَدَيْهِ وَكَبَّرَ ) إنَّمَا اُسْتُحِبَّ دُخُولُ الْمَسْجِدِ مِنْ بَابِ بَنِي شَيْبَةَ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ مِنْهُ ، وَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ ، الَّذِي رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ مَكَّةَ ارْتِفَاعَ الضُّحَى ، وَأَنَاخَ رَاحِلَتَهُ عِنْدَ بَابِ بَنِي شَيْبَةَ ، وَدَخَلَ الْمَسْجِدَ } .\rوَيُسْتَحَبُّ رَفْعُ الْيَدَيْنِ عِنْدَ رُؤْيَةِ الْبَيْتِ .\rرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ .\rوَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَابْنُ الْمُبَارَكِ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ .\rوَكَانَ مَالِكٌ لَا يَرَى رَفْعَ الْيَدَيْنِ ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ الْمُهَاجِرِ الْمَكِّيِّ ، قَالَ : سُئِلَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ الرَّجُلِ يَرَى الْبَيْتَ ، أَيَرْفَعُ يَدَيْهِ ؟ قَالَ : مَا كُنْت أَظُنُّ أَحَدًا يَفْعَلُ هَذَا إلَّا الْيَهُودَ ، حَجَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يَكُنْ يَفْعَلُهُ .\rرَوَاهُ النَّسَائِيّ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى أَبُو بَكْرِ بْنُ الْمُنْذِرِ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { لَا تُرْفَعُ الْأَيْدِي إلَّا فِي سَبْعِ مَوَاطِنَ : افْتِتَاحِ الصَّلَاةِ ، وَاسْتِقْبَالِ الْبَيْتِ ، وَعَلَى الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ، وَعَلَى الْمَوْقِفَيْنِ وَالْجَمْرَتَيْنِ } .\rوَهَذَا مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَذَاكَ مِنْ قَوْلِ جَابِرٍ ، وَخَبَرُهُ عَنْ ظَنِّهِ وَفِعْلِهِ ، وَقَدْ خَالَفَهُ ابْنُ عُمَرَ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ .\rوَلِأَنَّ الدُّعَاءَ مُسْتَحَبٌّ عِنْدَ رُؤْيَةِ الْبَيْتِ ، وَقَدْ أُمِرَ بِرَفْعِ الْيَدَيْنِ عِنْدَ الدُّعَاءِ .","part":7,"page":71},{"id":3071,"text":"فَصْلٌ : وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَدْعُوَ عِنْدَ رُؤْيَةِ الْبَيْتِ ، فَيَقُولَ : اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ ، وَمِنْك السَّلَامُ ، حَيِّنَا رَبَّنَا بِالسَّلَامِ ، اللَّهُمَّ زِدْ هَذَا الْبَيْتَ تَعْظِيمًا ، وَتَشْرِيفًا ، وَتَكْرِيمًا ، وَمَهَابَةً ، وَبِرًّا ، وَزِدْ مَنْ عَظَّمَهُ وَشَرَّفَهُ ، مِمَّنْ حَجَّهُ وَاعْتَمَرَهُ تَعْظِيمًا ، وَتَشْرِيفًا ، وَتَكْرِيمًا ، وَمَهَابَةً ، وَبِرًّا ، الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ كَثِيرًا ، كَمَا هُوَ أَهْلُهُ ، وَكَمَا يَنْبَغِي لِكَرَمِ وَجْهِهِ ، وَعِزِّ جَلَالِهِ ، الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي بَلَّغَنِي بَيْتَهُ ، وَرَآنِي لِذَلِكَ أَهْلًا ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ ، اللَّهُمَّ إنَّك دَعَوْت إلَى حَجِّ بَيْتِكَ الْحَرَامِ ، وَقَدْ جِئْتُك لِذَلِكَ ، اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنِّي ، وَاعْفُ عَنِّي ، وَأَصْلِحْ لِي شَأْنِي كُلَّهُ ، لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ .\rقَالَ الشَّافِعِيُّ ، فِي ( مُسْنَدِهِ ) : أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ ، عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ ، { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إذَا رَأَى الْبَيْتَ رَفَعَ يَدَيْهِ ، وَقَالَ : اللَّهُمَّ زِدْ هَذَا الْبَيْتَ تَشْرِيفًا ، وَتَكْرِيمًا ، وَتَعْظِيمًا ، وَمَهَابَةً ، وَبِرًّا ، وَزِدْ مَنْ شَرَّفَهُ ، مِمَّنْ حَجَّهُ وَاعْتَمَرَهُ تَشْرِيفًا ، وَتَكْرِيمًا ، وَتَعْظِيمًا ، وَبِرًّا } .\rوَرَوَى بِإِسْنَادِهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، أَنَّهُ كَانَ حِينَ يَنْظُرُ إلَى الْبَيْتِ ، يَقُولُ : ( اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ ، وَمِنْك السَّلَامُ ، حِينًا رَبَّنَا بِالسَّلَامِ ) .\rقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا : يَرْفَعُ صَوْتَهُ بِذَلِكَ .","part":7,"page":72},{"id":3072,"text":"( 2450 ) فَصْلٌ : وَإِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ ، فَذَكَرَ فَرِيضَةً أَوْ فَائِتَةً ، أَوْ أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ الْمَكْتُوبَةُ ، قَدَّمَهُمَا عَلَى الطَّوَافِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ فَرْضٌ ، وَالطَّوَافُ تَحِيَّةٌ ، وَلِأَنَّهُ لَوْ أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فِي أَثْنَاءِ طَوَافِهِ ، قَطَعَهُ لِأَجْلِهَا ، فَلَأَنْ يَبْدَأَ بِهَا أَوْلَى .\rوَإِنْ خَافَ فَوْتَ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ ، أَوْ الْوِتْرِ ، أَوْ أُحْضِرَتْ جِنَازَةٌ ، قَدَّمَهَا ؛ لِأَنَّهَا سُنَّةٌ يُخَافُ فَوْتُهَا ، وَالطَّوَافُ لَا يَفُوتُ .","part":7,"page":73},{"id":3073,"text":"( 2451 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( ثُمَّ أَتَى الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ ، إنْ كَانَ ، فَاسْتَلَمَهُ إنْ اسْتَطَاعَ ، وَقَبَّلَهُ ) مَعْنَى ( اسْتَلَمَهُ ) أَيْ مَسَحَهُ بِيَدِهِ ، مَأْخُوذٌ مِنْ السَّلَامِ ، وَهِيَ الْحِجَارَةُ .\rفَإِذَا مَسَحَ الْحَجَرَ قِيلَ اسْتَلَمَ ، أَيْ : مَسَّ السَّلَامَ .\rقَالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ .\rوَالْمُسْتَحَبُّ لِمَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ أَنْ لَا يُعَرِّجَ عَلَى شَيْءٍ قَبْلَ الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ ، اقْتِدَاءً بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّهُ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ ، قَالَ جَابِرٌ فِي حَدِيثِهِ الصَّحِيحِ : { حَتَّى أَتَيْنَا الْبَيْتَ مَعَهُ ، اسْتَلَمَ الرُّكْنَ ، فَرَمَلَ ثَلَاثًا ، وَمَشَى أَرْبَعًا } .\rوَعَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ، عَنْ عَائِشَةَ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ قَدِمَ مَكَّةَ ، تَوَضَّأَ ، ثُمَّ طَافَ بِالْبَيْتِ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَرَوَى ذَلِكَ عُرْوَةُ عَنْ أَبِي بَكْرٍ ، وَعُمَرَ ، وَعُثْمَانَ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، وَمُعَاوِيَةَ ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ ، وَالْمُهَاجِرِينَ ، وَعَائِشَةَ ، وَأَسْمَاءَ ، ابْنَتَيْ أَبِي بَكْرٍ ، وَلِأَنَّ الطَّوَافَ تَحِيَّةُ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ، فَاسْتُحِبَّ الْبِدَايَةُ بِهِ ، كَمَا اُسْتُحِبَّ لِدَاخِلِ غَيْرِهِ مِنْ الْمَسَاجِدِ أَنْ يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ .\rوَيَبْتَدِئُ الطَّوَافَ بِالْحَجَرِ الْأَسْوَدِ ، فَيَسْتَلِمُهُ ، وَهُوَ أَنْ يَمْسَحَهُ بِيَدِهِ ، وَيُقَبِّلَهُ .\rقَالَ أَسْلَمُ : رَأَيْت عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَبَّلَ الْحَجَرَ ، وَقَالَ : إنِّي لَأَعْلَمُ أَنَّك حَجَرٌ ، لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ ، وَلَوْلَا أَنِّي رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبَّلَك مَا قَبَّلْتُك .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ .\rعَنْ ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ : { اسْتَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْحَجَرَ ، ثُمَّ وَضَعَ شَفَتَيْهِ عَلَيْهِ يَبْكِي طَوِيلًا ، ثُمَّ الْتَفَتَ ، فَإِذَا هُوَ بِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَبْكِي ، فَقَالَ : يَا عُمَرُ ، هَاهُنَا تُسْكَبُ الْعَبَرَاتُ } .\rوَقَوْلُ الْخِرَقِيِّ : ( إنْ","part":7,"page":74},{"id":3074,"text":"كَانَ ) يَعْنِي إنْ كَانَ الْحَجَرُ فِي مَوْضِعِهِ لَمْ يَذْهَبْ بِهِ ، كَمَا ذَهَبَ بِهِ الْقَرَامِطَةُ مَرَّةً ، حِينَ ظَهَرُوا عَلَى مَكَّةَ ، فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ ، وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ ، فَإِنَّهُ يَقِفُ مُقَابِلًا لِمَكَانِهِ ، وَيَسْتَلِمُ الرُّكْنَ .\rوَإِنْ كَانَ الْحَجَرُ مَوْجُودًا فِي مَوْضِعِهِ ، اسْتَلَمَهُ وَقَبَّلَهُ .\rفَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ اسْتِلَامُهُ وَتَقْبِيلُهُ ، قَامَ حِيَالَهُ ، أَيْ بِحِذَائِهِ ، وَاسْتَقْبَلَهُ بِوَجْهِهِ ، فَكَبَّرَ ، وَهَلَّلَ .\rوَهَكَذَا إنْ كَانَ رَاكِبًا ، فَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : { طَافَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى بَعِيرٍ ، كُلَّمَا أَتَى الْحَجَرَ أَشَارَ إلَيْهِ بِشَيْءٍ فِي يَدِهِ ، وَكَبَّرَ } .\rوَرُوِيَ عَنْ { النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ لِعُمَرَ : إنَّك لَرَجُلٌ شَدِيدٌ ، تُؤْذِي الضَّعِيفَ إذَا طُفْت بِالْبَيْتِ ، فَإِذْ رَأَيْت خَلْوَةً مِنْ الْحَجَرِ فَادْنُ مِنْهُ ، وَإِلَّا فَكَبِّرْ ، ثُمَّ امْضِ } .\rفَإِنْ أَمْكَنَهُ اسْتِلَامُ الْحَجَرِ بِشَيْءٍ فِي يَدِهِ ، كَالْعَصَا وَنَحْوِهَا ، فَعَلَ ، فَقَدْ رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ ، { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَافَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ، يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ بِمِحْجَنٍ } .\rوَهَذَا كُلُّهُ مُسْتَحَبٌّ .\rوَيَقُولُ عِنْدَ اسْتِلَامِ الْحَجَرِ : { بِاسْمِ اللَّهِ ، وَاَللَّهُ أَكْبَرُ ، إيمَانًا بِك ، وَتَصْدِيقًا بِكِتَابِك ، وَوَفَاءً بِعَهْدِك ، وَاتِّبَاعًا لِسُنَّةِ نَبِيِّك مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\r} رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ السَّائِبِ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .","part":7,"page":75},{"id":3075,"text":"( 2452 ) فَصْلٌ : وَيُحَاذِي الْحَجَرَ بِجَمِيعِ بَدَنِهِ ، فَإِنْ حَاذَاهُ بِبَعْضِهِ ، احْتَمَلَ أَنْ يُجْزِئَهُ ؛ لِأَنَّهُ حُكْمٌ يَتَعَلَّقُ بِالْبَدَنِ ، فَأَجْزَأَ فِيهِ بَعْضُهُ ، كَالْحَدِّ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يُجْزِئَهُ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَقْبَلَ الْحَجَرَ وَاسْتَلَمَهُ ، وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ اسْتَقْبَلَهُ بِجَمِيعِ بَدَنِهِ ، وَلِأَنَّ مَا لَزِمَهُ اسْتِقْبَالُهُ ، لَزِمَهُ بِجَمِيعِ بَدَنِهِ ، كَالْقِبْلَةِ ، فَإِذَا قُلْنَا بِوُجُوبِ ذَلِكَ فَلَمْ يَفْعَلْهُ ، أَوْ بَدَأَ بِالطَّوَافِ مِنْ دُونِ الرُّكْنِ ، كَالْبَابِ وَنَحْوِهِ ، لَمْ يُحْتَسَبْ لَهُ بِذَلِكَ الشَّوْطِ ، وَيُحْتَسَبُ بِالشَّوْطِ الثَّانِي وَمَا بَعْدَهُ ، وَيَصِيرُ الثَّانِي أَوَّلَهُ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ حَاذَى فِيهِ الْحَجَرَ بِجَمِيعِ بَدَنِهِ ، وَأَتَى عَلَى جَمِيعِهِ ، فَإِذَا أَكْمَلَ سَبْعَةَ أَشْوَاطٍ غَيْرَ الْأَوَّلِ ، صَحَّ طَوَافُهُ ، وَإِلَّا لَمْ يَصِحَّ .\r( 2453 ) فَصْلٌ : وَالْمَرْأَةُ كَالرَّجُلِ ، إلَّا أَنَّهَا إذَا قَدِمَتْ مَكَّةَ نَهَارًا ، فَأَمِنَتْ الْحَيْضَ وَالنِّفَاسَ ، اُسْتُحِبَّ لَهَا تَأْخِيرُ الطَّوَافِ إلَى اللَّيْلِ ، لِيَكُونَ أَسْتَرَ لَهَا .\rوَلَا يُسْتَحَبُّ لَهَا مُزَاحَمَةُ الرِّجَالِ لِاسْتِلَامِ الْحَجَرِ ، لَكِنْ تُشِيرُ بِيَدِهَا إلَيْهِ ، كَاَلَّذِي لَا يُمْكِنْهُ الْوُصُولُ إلَيْهِ ، كَمَا رَوَى عَطَاءٌ ، قَالَ : كَانَتْ عَائِشَةُ تَطُوفُ حُجْزَةً مِنْ الرِّجَالِ ، لَا تُخَالِطُهُمْ ، فَقَالَتْ امْرَأَةٌ : انْطَلِقِي نَسْتَلِمْ يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ .\rقَالَتْ : انْطَلِقِي عَنْك .\rوَأَبَتْ .\rوَإِنْ خَافَتْ حَيْضًا أَوْ نِفَاسًا ، اُسْتُحِبَّ لَهَا تَعْجِيلُ الطَّوَافِ ، كَيْ لَا يَفُوتَهَا .","part":7,"page":76},{"id":3076,"text":"( 2454 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَيَضْطَبِعُ بِرِدَائِهِ ) مَعْنَى الِاضْطِبَاعِ أَنْ يَجْعَلَ وَسَطَ الرِّدَاءِ تَحْتَ كَتِفِهِ الْيُمْنَى ، وَيَرُدَّ طَرَفَيْهِ عَلَى كَتِفِهِ الْيُسْرَى ، وَيُبْقِيَ كَتِفَهُ الْيُمْنَى مَكْشُوفَةً .\rوَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ الضَّبُعِ ، وَهُوَ عَضُدُ الْإِنْسَانِ ، افْتِعَالٌ مِنْهُ ، وَكَانَ أَصْلُهُ اضْتَبَعَ ، فَقَلَبُوا التَّاءَ طَاءً ؛ لِأَنَّ التَّاءَ مَتَى وُضِعَتْ بَعْدَ ضَادٍ أَوْ صَادٍ أَوْ طَاءٍ سَاكِنَةٍ قُلِبَتْ طَاءً .\rوَيُسْتَحَبُّ الِاضْطِبَاعُ فِي طَوَافِ الْقُدُومِ ؛ لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد ، وَابْنُ مَاجَهْ ، عَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { طَافَ مُضْطَبِعًا .\r} وَرَوَيَا أَيْضًا ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابَهُ اعْتَمَرُوا مِنْ الْجِعْرَانَةِ ، فَرْمَلُوا بِالْبَيْتِ ، وَجَعَلُوا أَرْدَيْتَهُمْ تَحْتَ آبَاطِهِمْ ، ثُمَّ قَذَفُوهَا عَلَى عَوَاتِقِهِمْ الْيُسْرَى } .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَكَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : لَيْسَ الِاضْطِبَاعُ بِسُنَّةٍ .\rوَقَالَ : لَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِبَلَدِنَا يَذْكُرُ أَنَّ الِاضْطِبَاعَ سُنَّةٌ .\rوَقَدْ ثَبَتَ بِمَا رَوَيْنَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابَهُ فَعَلُوهُ ، وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِاتِّبَاعِهِ ، وَقَالَ : { لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ } .\rوَقَدْ رَوَى أَسْلَمُ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، أَنَّهُ اضْطَبَعَ وَرَمَلَ ، وَقَالَ : فَفِيمَ الرَّمَلُ ، وَلَمْ نُبْدِي مَنَاكِبَنَا وَقَدْ نَفَى اللَّهُ الْمُشْرِكِينَ ؟ بَلَى ، لَنْ نَدَعَ شَيْئًا فَعَلْنَاهُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَإِذَا فَرَغَ مِنْ الطَّوَافِ سَوَّى رِدَاءَهُ ؛ لِأَنَّ الِاضْطِبَاعَ غَيْرُ مُسْتَحَبٍّ فِي الصَّلَاةِ .\rوَقَالَ الْأَثْرَمُ : إذَا فَرَغَ مِنْ الْأَشْوَاطِ الَّتِي يَرْمُلُ فِيهَا ، سَوَّى رِدَاءَهُ .\rوَالْأَوَّلُ أَوْلَى ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ : طَافَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ","part":7,"page":77},{"id":3077,"text":"مُضْطَبِعًا .\rيَنْصَرِفُ إلَى جَمِيعِهِ .\rوَلَا يَضْطَبِعُ فِي غَيْرِ هَذَا الطَّوَافِ ، وَلَا يَضْطَبِعُ فِي السَّعْيِ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يَضْطَبِعُ فِيهِ ؛ لِأَنَّهُ أَحَدُ الطَّوَافَيْنِ ، فَأَشْبَهَ الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَضْطَبِعْ فِيهِ ، وَالسُّنَّةُ فِي الِاقْتِدَاءِ بِهِ .\rقَالَ أَحْمَدُ : مَا سَمِعْنَا فِيهِ شَيْئًا .\rوَالْقِيَاسُ لَا يَصِحُّ إلَّا فِيمَا عُقِلَ مَعْنَاهُ ، وَهَذَا تَعَبُّدٌ مَحْضٌ .","part":7,"page":78},{"id":3078,"text":"( 2455 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَرَمَلَ ثَلَاثَةَ أَشْوَاطٍ ، وَمَشَى أَرْبَعَةً ، كُلُّ ذَلِكَ مِنْ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ إلَى الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ ) مَعْنَى الرَّمَلِ إسْرَاعُ الْمَشْيِ مَعَ مُقَارَبَةِ الْخَطْوِ مِنْ غَيْرِ وَثْبٍ .\rوَهُوَ سُنَّةٌ فِي الْأَشْوَاطِ الثَّلَاثَةِ الْأُوَلِ مِنْ طَوَافِ الْقُدُومِ .\rوَلَا نَعْلَمُ فِيهِ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ خِلَافًا .\rوَقَدْ ثَبَتَ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَمَلَ ثَلَاثًا ، وَمَشَى أَرْبَعًا } .\rرَوَاهُ جَابِرٌ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ ، وَابْنُ عُمَرَ ، وَأَحَادِيثُهُمْ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا فَإِنْ قِيلَ : إنَّمَا رَمَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ لِإِظْهَارِ الْجَلَدِ لِلْمُشْرِكِينَ ، وَلَمْ يَبْقَ ذَلِكَ الْمَعْنَى ، إذْ قَدْ نَفَى اللَّهُ الْمُشْرِكِينَ ، فَلِمَ قُلْتُمْ : إنَّ الْحُكْمَ يَبْقَى بَعْدَ زَوَالِ عِلَّتِهِ ؟ قُلْنَا : قَدْ رَمَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ ، وَاضْطَبَعَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ بَعْدَ الْفَتْحِ ، فَثَبَتَ أَنَّهَا سُنَّةٌ ثَابِتَةٌ .\rوَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : { رَمَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي عُمَرِهِ كُلِّهَا ، وَفِي حَجِّهِ } وَأَبُو بَكْرٍ ، وَعُمَرُ ، وَعُثْمَانُ ، وَالْخُلَفَاءُ مِنْ بَعْدِهِ .\rرَوَاهُ أَحْمَدُ ، فِي ( الْمُسْنَدِ ) .\rوَقَدْ ذَكَرْنَا حَدِيثَ عُمَرَ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّ الرَّمَلَ سُنَّةٌ فِي الْأَشْوَاطِ الثَّلَاثَةِ بِكَمَالِهَا ، يَرْمُلُ مِنْ الْحَجَرِ إلَى أَنْ يَعُودَ إلَيْهِ ، لَا يَمْشِي فِي شَيْءٍ مِنْهَا .\rرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ ، وَابْنِ عُمَرَ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَبِهِ قَالَ عُرْوَةُ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَقَالَ طَاوُسٌ ، وَعَطَاءٌ ، وَالْحَسَنُ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَالْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، وَسَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ : يَمْشِي مَا بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ ، قَالَ : { قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ مَكَّةَ ، وَقَدْ وَهَنَتْهُمْ الْحُمَّى","part":7,"page":79},{"id":3079,"text":"، فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ : إنَّهُ يَقْدَمُ عَلَيْكُمْ قَوْمٌ قَدْ وَهَنَتْهُمْ حُمَّى يَثْرِبَ ، وَلَقُوا مِنْهَا شَرًّا .\rفَأَطْلَعَ اللَّهُ نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَا قَالُوا ، فَلَمَّا قَدِمُوا قَعَدَ الْمُشْرِكُونَ مِمَّا يَلِي الْحِجْرِ ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَصْحَابَهُ أَنْ يَرْمُلُوا الْأَشْوَاطَ الثَّلَاثَةَ ، وَيَمْشُوا مَا بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ ، لِيَرَى الْمُشْرِكُونَ جَلَدَهُمْ ، فَلَمَّا رَأَوْهُمْ رَمَلُوا ، قَالَ الْمُشْرِكُونَ : هَؤُلَاءِ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّ الْحُمَّى قَدْ وَهَنَتْهُمْ ، هَؤُلَاءِ أَجْلَدُ مِنَّا } .\rقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : وَلَمْ يَمْنَعْهُ أَنْ يَأْمُرَهُمْ أَنْ يَرْمُلُوا الْأَشْوَاطَ كُلَّهَا ، إلَّا الْإِبْقَاءُ عَلَيْهِمْ .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَمَلَ مِنْ الْحَجَرِ إلَى الْحَجَرِ } .\rوَفِي مُسْلِمٍ ، عَنْ جَابِرٍ ، قَالَ : { رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَمَلَ مِنْ الْحَجَرِ ، حَتَّى انْتَهَى إلَيْهِ } .\rوَهَذَا يُقَدَّمُ عَلَى حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ؛ لِوُجُوهٍ ، مِنْهَا أَنَّ هَذَا إثْبَاتٌ ، وَمِنْهَا أَنَّ رِوَايَةَ ابْنِ عَبَّاسٍ إخْبَارٌ عَنْ عُمْرَةِ الْقَضِيَّةِ ، وَهَذَا إخْبَارٌ عَنْ فِعْلٍ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ، فَيَكُونُ مُتَأَخِّرًا ، فَيَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ وَتَقْدِيمُهُ ، الثَّالِثُ أَنَّ ابْن عَبَّاسٍ كَانَ فِي تِلْكَ الْحَالِ صَغِيرًا ، لَا يَضْبِطُ مِثْلَ جَابِرٍ وَابْنِ عُمَرَ ، فَإِنَّهُمَا كَانَا رَجُلَيْنِ ، يَتَتَبَّعَانِ أَفْعَالَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَحْرِصَانِ عَلَى حِفْظِهَا ، فَهُمَا أَعْلَمُ ، وَلِأَنَّ جُلَّةَ الصَّحَابَةِ عَمِلُوا بِمَا ذَكَرْنَا ، وَلَوْ عَلِمُوا مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ مَا عَدَلُوا عَنْهُ إلَى غَيْرِهِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَا رَوَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ اخْتَصَّ بِاَلَّذِينَ كَانُوا فِي عُمْرَةِ الْقَضِيَّةِ ؛ لِضَعْفِهِمْ ، وَالْإِبْقَاءِ عَلَيْهِمْ ، وَمَا رَوَيْنَاهُ سُنَّةٌ فِي سَائِرِ النَّاسِ .","part":7,"page":80},{"id":3080,"text":"( 2456 ) فَصْلٌ : يُسْتَحَبُّ الدُّنُوُّ مِنْ الْبَيْتِ ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْمَقْصُودُ ، فَإِنْ كَانَ قُرْبَ الْبَيْتِ زِحَامٌ فَظَنَّ أَنَّهُ إذَا وَقَفَ لَمْ يُؤْذِ أَحَدًا ، وَتَمَكَّنَ مِنْ الرَّمَلِ ، وَقَفَ لِيَجْمَعَ بَيْنَ الرَّمَلِ وَالدُّنُوِّ مِنْ الْبَيْتِ .\rوَإِنْ لَمْ يَظُنَّ ذَلِكَ ، وَظَنَّ أَنَّهُ إذَا كَانَ فِي حَاشِيَةِ النَّاسِ تَمَكَّنَ مِنْ الرَّمَلِ ، فَعَلَ ، وَكَانَ أَوْلَى مِنْ الدُّنُوِّ .\rوَإِنْ كَانَ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ الرَّمَلِ أَيْضًا ، أَوْ يَخْتَلِطُ بِالنِّسَاءِ ، فَالدُّنُوُّ أَوْلَى ، وَيَطُوفُ كَيْفَمَا أَمْكَنَهُ ، وَإِذَا وَجَدَ فُرْجَةً رَمَلَ فِيهَا .\rوَإِنْ تَبَاعَدَ مِنْ الْبَيْتِ فِي الطَّوَافِ أَجْزَأَهُ مَا لَمْ يَخْرُجْ مِنْ الْمَسْجِدِ ، سَوَاءٌ حَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ حَائِلٌ ، مِنْ قُبَّةٍ أَوْ غَيْرِهِ ، أَوْ لَمْ يَحُلْ ؛ لِأَنَّ الْحَائِلَ فِي الْمَسْجِدِ لَا يَضُرُّ ، كَمَا لَوْ صَلَّى فِي الْمَسْجِدِ مُؤْتَمًّا بِالْإِمَامِ مِنْ وَرَاءُ حَائِلٍ ، وَقَدْ رَوَتْ أُمُّ سَلَمَةَ ، قَالَتْ : { شَكَوْت إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنِّي أَشْتَكِي ، فَقَالَ : طُوفِي مِنْ وَرَاءِ النَّاسِ ، وَأَنْتِ رَاكِبَةٌ .\rقَالَتْ : فَطُفْت وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَئِذٍ يُصَلِّي إلَى جَنْبِ الْبَيْتِ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .","part":7,"page":81},{"id":3081,"text":"( 2457 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَلَا يَرْمُلُ فِي جَمِيعِ طَوَافِهِ إلَّا هَذَا ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الرَّمَلَ لَا يُسَنُّ فِي غَيْرِ الْأَشْوَاطِ الثَّلَاثَةِ الْأُوَلِ مِنْ طَوَافِ الْقُدُومِ ، أَوْ طَوَافِ الْعُمْرَةِ ، فَإِنْ تَرَكَ الرَّمَلَ فِيهَا لَمْ يَقْضِهِ فِي الْأَرْبَعَةِ الْبَاقِيَةِ ؛ لِأَنَّهَا هَيْئَةٌ فَاتَ مَوْضِعُهَا ، فَسَقَطَتْ ، كَالْجَهْرِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَتَيْنِ ، وَلِأَنَّ الْمَشْيَ هَيْئَةٌ فِي الْأَرْبَعَةِ ، كَمَا أَنَّ الرَّمَلَ هَيْئَةٌ فِي الثَّلَاثَةِ ، فَإِذَا رَمَلَ فِي الْأَرْبَعَةِ الْأَخِيرَة ، كَانَ تَارِكًا لِلْهَيْئَةِ فِي جَمِيعِ طَوَافِهِ ، كَتَارِكِ الْجَهْرِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَتَيْنِ مِنْ الْعِشَاءِ ، إذَا جَهَرَ فِي الْآخِرَتَيْنِ .\rوَلَا يُسَنُّ الرَّمَلُ وَالِاضْطِبَاعُ فِي طَوَافٍ سِوَى مَا ذَكَرْنَاهُ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابَهُ إنَّمَا رَمَلُوا وَاضْطَبَعُوا فِي ذَلِكَ .\rوَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّ مَنْ تَرَكَ الرَّمَلَ وَالِاضْطِبَاعَ فِي طَوَافِ الْقُدُومِ ، أَتَى بِهِمَا فِي طَوَافِ الزِّيَارَةِ ؛ لِأَنَّهُمَا سُنَّةٌ أَمْكَنَ قَضَاؤُهَا ، فَتُقْضَى كَسُنَنِ الصَّلَاةِ .\rوَهَذَا لَا يَصِحُّ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا فِي مَنْ تَرَكَهُ فِي الثَّلَاثَةِ الْأُوَلِ ، لَا يَقْضِيهِ فِي الْأَرْبَعَةِ ، وَكَذَلِكَ مَنْ تَرَكَ الْجَهْرَ فِي صَلَاةِ الْجَهْرِ ، لَا يَقْضِيهِ فِي صَلَاةِ الظُّهْرِ ، وَلَا يَقْتَضِي الْقِيَاسُ أَنْ تُقْضَى هَيْئَةُ عِبَادَةٍ فِي عِبَادَةٍ أُخْرَى .\rقَالَ الْقَاضِي : وَلَوْ طَافَ فَرَمَلَ وَاضْطَبَعَ ، وَلَمْ يَسْعَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ، فَإِذَا طَافَ بَعْدَ ذَلِكَ لِلزِّيَارَةِ ، رَمَلَ فِي طَوَافِهِ ؛ لِأَنَّهُ يَرْمُلُ فِي السَّعْيِ بَعْدَهُ ، وَهُوَ تَبَعٌ لِلطَّوَافِ ، فَلَوْ قُلْنَا : لَا يَرْمُلُ فِي الطَّوَافِ ، أَفْضَى إلَى أَنْ يَكُونَ التَّبَعُ أَكْمَلَ مِنْ الْمَتْبُوعِ .\rوَهَذَا قَوْلُ مُجَاهِدٍ ، وَالشَّافِعِيِّ .\rوَهَذَا لَا يَثْبُتُ بِمِثْلِ هَذَا الرَّأْيِ الضَّعِيفِ ؛ فَإِنَّ الْمَتْبُوعَ لَا تَتَغَيَّرُ هَيْئَتُهُ تَبَعًا لِتَبَعِهِ ، وَلَوْ كَانَا مُتَلَازِمَيْنِ ، لَكَانَ تَرْكُ الرَّمَلِ فِي السَّعْيِ","part":7,"page":82},{"id":3082,"text":"تَبَعًا لِعَدَمِهِ فِي الطَّوَافِ أَوْلَى مِنْ الرَّمَلِ فِي الطَّوَافِ تَبَعًا لِلسَّعْيِ .","part":7,"page":83},{"id":3083,"text":"( 2458 ) فَصْلٌ : فَإِنْ تَرَكَ الرَّمَلَ فِي شَوْطٍ مِنْ الثَّلَاثَةِ الْأُوَلِ ، أَتَى بِهِ فِي الِاثْنَيْنِ الْبَاقِيَيْنِ .\rوَإِنْ تَرَكَهُ فِي اثْنَيْنِ أَتَى بِهِ فِي الثَّالِثِ .\rوَإِنْ تَرَكَهُ فِي الثَّلَاثَةِ سَقَطَ .\rكَذَلِكَ قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ؛ لِأَنَّ تَرْكَهُ لِلْهَيْئَةِ فِي بَعْضِ مَحِلِّهَا لَا يُسْقِطُهَا فِي بَقِيَّةِ مَحِلِّهَا ، كَتَارِكِ الْجَهْرِ فِي إحْدَى الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَتَيْنِ ، لَا يُسْقِطُهُ فِي الثَّانِيَةِ .","part":7,"page":84},{"id":3084,"text":"( 2459 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَلَيْسَ عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ رَمَلٌ ) وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَابْنِ عُمَرَ ، رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمَا .\rوَكَانَ ابْنُ عُمَرَ إذَا أَحْرَمَ مِنْ مَكَّةَ لَمْ يَرْمُلْ .\rوَهَذَا لِأَنَّ الرَّمَلَ إنَّمَا شُرِعَ فِي الْأَصْلِ لِإِظْهَارِ الْجَلَدِ وَالْقُوَّةِ لِأَهْلِ الْبَلَدِ ، وَهَذَا الْمَعْنَى مَعْدُومٌ فِي أَهْلِ الْبَلَدِ ، وَالْحُكْمُ فِي مَنْ أَحْرَمَ مِنْ مَكَّةَ حُكْمُ أَهْلِ مَكَّةَ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، وَلِأَنَّهُ أَحْرَمَ مِنْ مَكَّةَ ، أَشْبَهَ أَهْلَ الْبَلَدِ .\rوَالْمُتَمَتِّعُ إذَا أَحْرَمَ بِالْحَجِّ مِنْ مَكَّةَ ، ثُمَّ عَادَ ، وَقُلْنَا : يُشْرَعُ فِي حَقِّهِ طَوَافُ الْقُدُومِ .\rلَمْ يَرْمُلْ فِيهِ .\rقَالَ أَحْمَدُ : لَيْسَ عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ رَمَلٌ عِنْدَ الْبَيْتِ ، وَلَا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ .","part":7,"page":85},{"id":3085,"text":"( 2460 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَمَنْ نَسِيَ الرَّمَلَ ، فَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ ) إنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ لِأَنَّ الرَّمَلَ هَيْئَةٌ ، فَلَا يَجِبُ بِتَرْكِهِ إعَادَةٌ ، وَلَا شَيْءٌ ، كَهَيْئَاتِ الصَّلَاةِ ، وَكَالِاضْطِبَاعِ فِي الطَّوَافِ .\rوَلَوْ تَرَكَهُ عَمْدًا ، لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ أَيْضًا .\rوَهَذَا قَوْلُ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ ، إلَّا مَا حُكِيَ عَنْ الْحَسَنِ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَعَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ الْمَاجِشُونِ ، أَنَّ عَلَيْهِ دَمًا ؛ لِأَنَّهُ نُسُكٌ .\rوَقَدْ جَاءَ فِي حَدِيثٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مِنْ تَرَكَ نُسُكًا ، فَعَلَيْهِ دَمٌ } .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ هَيْئَةٌ غَيْرُ وَاجِبَةٍ ، فَلَمْ يَجِبْ بِتَرْكِهَا شَيْءٌ ، كَالِاضْطِبَاعِ ، وَالْخَبَرُ إنَّمَا يَصِحُّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَقَدْ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : مَنْ تَرَكَ الرَّمَلَ ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ .\rثُمَّ هُوَ مَخْصُوصٌ بِمَا ذَكَرْنَا ؛ وَلِأَنَّ طَوَافَ الْقُدُومِ لَا يَجِبُ بِتَرْكِهِ شَيْءٌ ، فَتَرْكُ صِفَةٍ فِيهِ أَوْلَى أَنْ لَا يَجِبَ بِهَا ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَزِيدُ عَلَى تَرْكِهِ .","part":7,"page":86},{"id":3086,"text":"( 2461 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَيَكُونُ طَاهِرًا فِي ثِيَابٍ طَاهِرَةٍ ) يَعْنِي فِي الطَّوَافِ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الطَّهَارَةَ مِنْ الْحَدَثِ وَالنَّجَاسَةِ وَالسِّتَارَةَ شَرَائِطُ لِصِحَّةِ الطَّوَافِ ، فِي الْمَشْهُورِ عَنْ أَحْمَدَ .\rوَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ أَنَّ الطَّهَارَةَ لَيْسَتْ شَرْطًا ، فَمَتَى طَافَ لِلزِّيَارَةِ غَيْرَ مُتَطَهِّرٍ أَعَادَ مَا كَانَ بِمَكَّةَ ، فَإِنْ خَرَجَ إلَى بَلَدِهِ ، جَبَرَهُ بِدَمٍ .\rوَكَذَلِكَ يُخَرَّجُ فِي الطَّهَارَةِ مِنْ النَّجَسِ وَالسِّتَارَةِ .\rوَعَنْهُ ، فِي مَنْ طَافَ لِلزِّيَارَةِ ، وَهُوَ نَاسٍ لِلطَّهَارَةِ : لَا شَيْءَ عَلَيْهِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَيْسَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ شَرْطًا .\rوَاخْتَلَفَ أَصْحَابُهُ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : هُوَ وَاجِبٌ .\rوَقَالَ بَعْضُهُمْ : هُوَ سُنَّةٌ ؛ لِأَنَّ الطَّوَافَ رُكْنٌ لِلْحَجِّ ؛ فَلَمْ يُشْتَرَطْ لَهُ الطَّهَارَةُ ، كَالْوُقُوفِ .\rوَلَنَا مَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { : الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ صَلَاةٌ ، إلَّا أَنَّكُمْ تَتَكَلَّمُونَ فِيهِ } .\rرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَالْأَثْرَمُ .\rوَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ بَعَثَهُ فِي الْحَجَّةِ الَّتِي أَمَّرَهُ عَلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ يَوْمَ النَّحْرِ ، يُؤَذِّنُ : ( لَا يَحُجُّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ ، وَلَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانُ ) .\rوَلِأَنَّهَا عِبَادَةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْبَيْتِ ، فَكَانَتْ الطَّهَارَةُ وَالسِّتَارَةُ فِيهَا شَرْطًا ، كَالصَّلَاةِ وَعَكْسُ ذَلِكَ الْوُقُوفُ .","part":7,"page":87},{"id":3087,"text":"( 2462 ) فَصْلٌ : وَلَا بَأْسَ بِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فِي الطَّوَافِ .\rوَبِذَلِكَ قَالَ عَطَاءٌ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَابْنُ الْمُبَارَكِ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ يُكْرَهُ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُرْوَةَ ، وَالْحَسَنِ ، وَمَالِكٍ .\rوَلَنَا ، أَنَّ عَائِشَةَ رَوَتْ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { كَانَ يَقُولُ فِي طَوَافِهِ : { رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ } } .\rوَكَانَ عُمَرُ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ يَقُولَانِ ذَلِكَ فِي الطَّوَافِ ، وَهُوَ قُرْآنٌ ، وَلِأَنَّ الطَّوَافَ صَلَاةٌ ، وَلَا تُكْرَهُ الْقِرَاءَةُ فِي الصَّلَاةِ .\rقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ : لَيْسَ شَيْءٌ أَفْضَلَ مِنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ .\rوَيُسْتَحَبُّ الدُّعَاءُ فِي الطَّوَافِ ، وَالْإِكْثَارُ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مُسْتَحَبٌّ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ ، فَفِي حَالِ تَلَبُّسِهِ بِهَذِهِ الْعِبَادَةِ أَوْلَى .\rوَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَدَعَ الْحَدِيثَ ، إلَّا ذِكْرَ اللَّهِ تَعَالَى ، أَوْ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ ، أَوْ أَمْرًا بِمَعْرُوفٍ ، أَوْ نَهْيًا عَنْ مُنْكَرٍ ، أَوْ مَا لَا بُدَّ مِنْهُ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ صَلَاةٌ ، فَمَنْ تَكَلَّمَ فَلَا يَتَكَلَّمُ إلَّا بِخَيْرٍ } .\rوَلَا بَأْسَ بِالشُّرْبِ فِي الطَّوَافِ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَرِبَ فِي الطَّوَافِ .\rرَوَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ ، وَقَالَ : لَا أَعْلَمُ أَحَدًا مَنَعَ مِنْهُ .","part":7,"page":88},{"id":3088,"text":"( 2463 ) فَصْلٌ : إذَا شَكَّ فِي الطَّهَارَةِ ، وَهُوَ فِي الطَّوَافِ ، لَمْ يَصِحَّ طَوَافُهُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ شَكَّ فِي شَرْطِ الْعِبَادَةِ قَبْلَ الْفَرَاغِ مِنْهَا ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ شَكَّ فِي الطَّهَارَةِ فِي الصَّلَاةِ وَهُوَ فِيهَا .\rوَإِنْ شَكَّ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْهُ ، لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ ؛ لِأَنَّ الشَّكَّ فِي شَرْطِ الْعِبَادَةِ بَعْدَ فَرَاغِهَا لَا يُؤَثِّرُ فِيهَا .\rوَإِنْ شَكَّ فِي عَدَدِ الطَّوَافِ ، بَنَى عَلَى الْيَقِينِ .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى ذَلِكَ .\rوَلِأَنَّهَا عِبَادَةٌ فَمَتَى شَكَّ فِيهَا وَهُوَ فِيهَا ، بَنَى عَلَى الْيَقِينِ كَالصَّلَاةِ .\rوَإِنْ أَخْبَرَهُ ثِقَةٌ عَنْ عَدَدِ طَوَافِهِ ، رَجَعَ إلَيْهِ إذَا كَانَ عَدْلًا .\rوَإِنْ شَكَّ فِي ذَلِكَ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ الطَّوَافِ ، لَمْ يَلْتَفِتْ إلَيْهِ ، كَمَا لَوْ شَكَّ فِي عَدَدِ الرَّكَعَاتِ بَعْدَ فَرَاغِ الصَّلَاةِ .\rقَالَ أَحْمَدُ : إذَا كَانَ رَجُلَانِ يَطُوفَانِ ، فَاخْتَلَفَا فِي الطَّوَافِ ، بَنَيَا عَلَى الْيَقِينِ .\rوَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُمَا شَكَّا ، فَأَمَّا إنْ كَانَ أَحَدُهُمَا تَيَقَّنَ حَالَ نَفْسِهِ ، لَمْ يَلْتَفِتْ إلَى قَوْلِ غَيْرِهِ .","part":7,"page":89},{"id":3089,"text":"( 2464 ) فَصْلٌ : وَإِذَا فَرَغَ الْمُتَمَتِّعُ ، ثُمَّ عَلِمَ أَنَّهُ كَانَ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ فِي أَحَدِ الطَّوَافَيْنِ ، لَا بِعَيْنِهِ ، بَنَى الْأَمْرَ عَلَى الْأَشَدِّ ، وَهُوَ أَنَّهُ كَانَ مُحْدِثًا فِي طَوَافِ الْعُمْرَةِ ، فَلَمْ يَصِحَّ ، وَلَمْ يَحِلَّ مِنْهَا ، فَيَلْزَمُهُ دَمٌ لِلْحَلْقِ ، وَيَكُونُ قَدْ أَدْخَلَ الْحَجَّ عَلَى الْعُمْرَةِ ، فَيَصِيرُ قَارِنًا ، وَيُجْزِئُهُ الطَّوَافُ لِلْحَجِّ عَنْ النُّسُكَيْنِ ، وَلَوْ قَدَّرْنَاهُ مِنْ الْحَجِّ لَزِمَهُ إعَادَةُ الطَّوَافِ ، وَيَلْزَمُهُ إعَادَةُ السَّعْيِ عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ وُجِدَ بَعْدَ طَوَافٍ غَيْرِ مُعْتَدٍّ بِهِ .\rوَإِنْ كَانَ وَطِئَ بَعْدَ حِلِّهِ مِنْ الْعُمْرَةِ ، حَكَمْنَا بِأَنَّهُ أَدْخَلَ حَجًّا عَلَى عُمْرَةٍ ، فَأَفْسَدَهُ ، فَلَا تَصِحُّ ، وَيَلْغُو مَا فَعَلَهُ مِنْ أَفْعَالِ الْحَجِّ ، وَيَتَحَلَّلُ بِالطَّوَافِ الَّذِي قَصَدَهُ لِلْحَجِّ مِنْ عُمْرَتِهِ الْفَاسِدَةِ ، وَعَلَيْهِ دَمٌ لِلْحَلْقِ ، وَدَمٌ لِلْوَطْءِ فِي عُمْرَتِهِ ، وَلَا يَحْصُلُ لَهُ حَجٌّ وَلَا عُمْرَةٌ .\rوَلَوْ قَدَّرْنَاهُ مِنْ الْحَجِّ ، لَمْ يَلْزَمْهُ أَكْثَرُ مِنْ إعَادَةِ الطَّوَافِ وَالسَّعْيِ ، وَيَحْصُلُ لَهُ الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ .","part":7,"page":90},{"id":3090,"text":"( 2465 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَلَا يَسْتَلِمُ ، وَلَا يُقَبِّلُ مِنْ الْأَرْكَانِ إلَّا الْأَسْوَدَ وَالْيَمَانِيَّ ) الرُّكْنُ الْيَمَانِيَّ قِبْلَةُ أَهْلِ الْيَمَنِ ، وَيَلِي الرُّكْنَ الَّذِي فِيهِ الْحَجَرُ الْأَسْوَدُ ، وَهُوَ آخِرُ مَا يَمُرُّ عَلَيْهِ مِنْ الْأَرْكَانِ فِي طَوَافِهِ ، وَذَلِكَ أَنَّهُ يَبْدَأُ بِالرُّكْنِ الَّذِي فِيهِ الْحَجَرُ الْأَسْوَدُ ، وَهُوَ قِبْلَةُ أَهْلِ خُرَاسَانَ فَيَسْتَلِمُهُ وَيُقَبِّلُهُ ، ثُمَّ يَأْخُذُ عَلَى يَمِينِ نَفْسِهِ ، وَيَجْعَلُ الْبَيْتَ عَلَى يَسَارِهِ ، فَإِذَا انْتَهَى إلَى الرُّكْنِ الثَّانِي ، وَهُوَ الْعِرَاقِيُّ ، لَمْ يَسْتَلِمْهُ ، فَإِذَا مَرَّ بِالثَّالِثِ ، وَهُوَ الشَّامِيُّ ، لَمْ يَسْتَلِمْهُ أَيْضًا ، وَهَذَانِ الرُّكْنَانِ يَلِيَانِ الْحَجَرَ ، فَإِذَا وَصَلَ إلَى الرَّابِعِ ، وَهُوَ الرُّكْنُ الْيَمَانِيُّ ، اسْتَلَمَهُ .\rقَالَ الْخِرَقِيِّ : ( وَيُقَبِّلُهُ ) .\rوَالصَّحِيحُ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ لَا يُقَبِّلُهُ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rوَحُكِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَا يَسْتَلِمُهُ .\rقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : جَائِزٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنْ يَسْتَلِمَ الرُّكْنَ الْيَمَانِيَّ ، وَالرُّكْنَ الْأَسْوَدَ ، لَا يَخْتَلِفُونَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ ، وَإِنَّمَا الَّذِي فَرَّقُوا بِهِ بَيْنَهُمَا التَّقْبِيلُ ، فَرَأَوْا تَقْبِيلَ الْأَسْوَدِ ، وَلَمْ يَرَوْا تَقْبِيلَ الْيَمَانِيِّ ، وَأَمَّا اسْتِلَامُهُمَا فَأَمْرٌ مَجْمَعٌ عَلَيْهِ .\rقَالَ : وَقَدْ رَوَى مُجَاهِدٌ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : { رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا اسْتَلَمَ الرُّكْنَ قَبَّلَهُ ، وَوَضَعَ خَدَّهُ الْأَيْمَنَ عَلَيْهِ } .\rقَالَ : وَهَذَا لَا يَصِحُّ .\rوَإِنَّمَا يُعْرَفُ التَّقْبِيلُ فِي الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ وَحْدَهُ .\rوَقَدْ رَوَى ابْنُ عُمَرَ ، { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ لَا يَسْتَلِمُ إلَّا الْحَجَرَ ، وَالرُّكْنَ الْيَمَانِيَّ .\r} وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ : مَا تَرَكْت اسْتِلَامَ هَذَيْنِ الرُّكْنَيْنِ الْيَمَانِيِّ وَالْحَجَرِ ، مُنْذُ رَأَيْت رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَلِمُهُمَا ،","part":7,"page":91},{"id":3091,"text":"فِي شِدَّةٍ ، وَلَا رَخَاءٍ .\rرَوَاهُمَا مُسْلِمٌ .\rوَلِأَنَّ الرُّكْنَ الْيَمَانِيَّ مَبْنِيٌّ عَلَى قَوَاعِدِ إبْرَاهِيمَ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، فَسُنَّ اسْتِلَامُهُ ، كَاَلَّذِي فِيهِ الْحَجَرُ .\rوَأَمَّا تَقْبِيلُهُ فَلَمْ يَصِحَّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَا يُسَنُّ .\rوَأَمَّا الرُّكْنَانِ اللَّذَانِ يَلِيَانِ الْحَجَرَ ، فَلَا يُسَنُّ اسْتِلَامُهُمَا فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rوَرُوِيَ عَنْ مُعَاوِيَةَ ، وَجَابِرٍ ، وَابْنِ الزُّبَيْر ، وَالْحَسَنِ ، وَالْحُسَيْنِ ، وَأَنَسٍ ، وَعُرْوَةَ ، اسْتِلَامُهُمَا .\rوَقَالَ مُعَاوِيَةُ : لَيْسَ شَيْءٌ مِنْ الْبَيْتِ مَهْجُورًا .\rوَلَنَا ، قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ : إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { كَانَ لَا يَسْتَلِمُ إلَّا الْحَجَرَ ، وَالرُّكْنَ الْيَمَانِيَّ .\r} وَقَالَ : مَا أَرَاهُ - يَعْنِي النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَسْتَلِمْ الرُّكْنَيْنِ اللَّذَيْنِ يَلِيَانِ الْحَجَرَ ، إلَّا أَنَّ الْبَيْتَ لَمْ يَتِمَّ عَلَى قَوَاعِدِ إبْرَاهِيمَ ، وَلَا طَافَ النَّاسُ مِنْ وَرَاءِ الْحَجَرِ إلَّا لِذَلِكَ .\rوَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّ مُعَاوِيَةَ طَافَ ، فَجَعَلَ يَسْتَلِمُ الْأَرْكَانَ كُلَّهَا ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ : لِمَ تَسْتَلِمُ هَذَيْنِ الرُّكْنَيْنِ ، وَلَمْ يَكُنْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَلِمُهُمَا ؟ فَقَالَ مُعَاوِيَةُ لَيْسَ شَيْءٌ مِنْ الْبَيْتِ مَهْجُورًا .\rفَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : { لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ } .\rفَقَالَ مُعَاوِيَةُ : صَدَقْت .\rوَلِأَنَّهُمَا لَمْ يَتِمَّا عَلَى قَوَاعِدِ إبْرَاهِيمَ ، فَلَمْ يُسَنَّ اسْتِلَامُهُمَا ، كَالْحَائِطِ الَّذِي يَلِي الْحِجْرَ .\r( 2466 ) فَصْلٌ : وَيَسْتَلِمُ الرُّكْنَيْنِ الْأَسْوَدَ وَالْيَمَانِيَّ فِي كُلِّ طَوَافِهِ ؛ لِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ قَالَ : { كَانَ رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَدَعُ أَنْ يَسْتَلِمَ الرُّكْنَ الْيَمَانِيَّ وَالْحَجَرَ ، فِي كُلِّ طَوَافِهِ } .\rقَالَ نَافِعٌ : وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَفْعَلُهُ .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَإِنْ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ تَقْبِيلِ","part":7,"page":92},{"id":3092,"text":"الْحَجَرِ ، اسْتَلَمَهُ ، وَقَبَّلَ يَدَهُ .\rوَمِمَّنْ رَأَى تَقْبِيلَ الْيَدِ عِنْدَ اسْتِلَامِهِ ابْنُ عُمَرَ ، وَجَابِرٌ ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ ، وَأَبُو سَعِيدٍ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَعَطَاءٌ ، وَعُرْوَةُ ، وَأَيُّوبُ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : يَضَعُ يَدَهُ عَلَى فِيهِ مِنْ غَيْرِ تَقْبِيلٍ .\rوَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ .\rوَلَنَا ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَلَمَهُ ، وَقَبَّلَ يَدَهُ } .\rأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ .\rوَفَعَلَهُ أَصْحَابُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَبِعَهُمْ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى ذَلِكَ ، فَلَا يُعْتَدُّ بِمَنْ خَالَفَهُمْ .\rوَإِنْ كَانَ فِي يَدِهِ شَيْءٌ يُمْكِنُ أَنْ يَسْتَلِمَ الْحَجَرَ بِهِ ، اسْتَلَمَهُ وَقَبَّلَهُ ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : { رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ ، وَيَسْتَلِمُ الرُّكْنَ بِمِحْجَنٍ مَعَهُ ، وَيُقَبِّلُ الْمِحْجَنَ } .\rرَوَاهُ مُسْلِمٌ .\rفَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ اسْتِلَامُهُ ، أَشَارَ إلَيْهِ وَكَبَّرَ ؛ لِمَا رَوَى الْبُخَارِيُّ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : { طَافَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى بَعِيرٍ ، كَلَّمَا أَتَى الرُّكْنَ أَشَارَ إلَيْهِ ، وَكَبَّرَ .\r}","part":7,"page":93},{"id":3093,"text":"( 2467 ) فَصْلٌ : وَيُكَبَّرُ كُلَّمَا أَتَى الْحَجَرَ ، أَوْ حَاذَاهُ ؛ لِمَا رَوَيْنَاهُ ، وَيَقُولُ بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ : { رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ } ؛ لِمَا رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي الْمَنَاسِكِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّائِبِ ، أَنَّهُ سَمِعَ { النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِيمَا بَيْنَ رُكْنِ بَنِي جُمَحٍ وَالرُّكْنِ الْأَسْوَدِ : { رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ } .\r} .\rوَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : وُكِّلَ بِهِ - يَعْنِي الرُّكْنَ الْيَمَانِيَّ - سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ ، فَمَنْ قَالَ : اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ ، فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ، { رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ } قَالُوا : آمِينَ } .\rوَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّهُ كَانَ إذَا جَاءَ الرُّكْنَ الْيَمَانِيَّ ، قَالَ : اللَّهُمَّ قَنِّعْنِي بِمَا رَزَقْتنِي ، وَاخْلُفْ لِي عَلَى كُلِّ غَائِبَةٍ بِخَيْرٍ .\rوَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَ : اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ حَجًّا مَبْرُورًا ، وَسَعْيًا مَشْكُورًا ، وَذَنْبًا مَغْفُورًا ، رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ ، وَاعْفُ عَمَّا تَعْلَمْ ، وَأَنْتَ الْأَعَزُّ الْأَكْرَمُ .\r.\rوَكَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ ، يَقُولُ : رَبِّ قِنِي شُحَّ نَفْسِي .\rوَعَنْ عُرْوَةَ ، قَالَ : كَانَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُونَ : لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ ، وَأَنْتَ تُحْيِي بَعْدَ مَا أَمَتَّ .\rوَمَهْمَا أَتَى بِهِ مِنْ الدُّعَاءِ وَالذِّكْرِ فَحَسَنٌ .\rقَالَتْ عَائِشَةُ : : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إنَّمَا جُعِلَ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ ، وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ، وَرَمْيُ الْجِمَارِ ، لِإِقَامَةِ ذِكْرِ اللَّهِ } .\rرَوَاهُ الْأَثْرَمُ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ .","part":7,"page":94},{"id":3094,"text":"( 2468 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَيَكُونُ الْحِجْرُ دَاخِلًا فِي طَوَافِهِ ؛ لِأَنَّ الْحِجْرَ مِنْ الْبَيْتِ ) إنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِالطَّوَافِ بِالْبَيْتِ جَمِيعِهِ ، بِقَوْلِهِ : { وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ } .\rوَالْحِجْرُ مِنْهُ ، فَمَنْ لَمْ يَطُفْ بِهِ ، لَمْ يُعْتَدّ بِطَوَافِهِ .\rوَبِهَذَا قَالَ عَطَاءٌ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ : إنْ كَانَ بِمَكَّةَ ، قَضَى مَا بَقِيَ ، وَإِنْ رَجَعَ إلَى الْكُوفَةِ ، فَعَلَيْهِ دَمٌ .\rوَنَحْوَهُ قَالَ الْحَسَنُ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ مِنْ الْبَيْتِ ، بِدَلِيلِ مَا رَوَتْ عَائِشَةُ ، ، قَالَتْ : { سَأَلْت رَسُولَ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْحِجْرِ ، فَقَالَ : هُوَ مِنْ الْبَيْتِ } .\rوَعَنْهَا ، قَالَتْ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إنَّ قَوْمَك اسْتَقْصَرُوا مِنْ بُنْيَانِ الْبَيْتِ ، وَلَوْلَا حَدَاثَةُ عَهْدِهِمْ بِالشِّرْكِ ، أَعَدْت مَا تَرَكُوا مِنْهَا ، فَإِنْ بَدَا لِقَوْمِك مِنْ بَعْدِي أَنْ يَبْنُوا ، فَهَلُمِّي لِأُرِيَك مَا تَرَكُوا مِنْهَا .\rفَأَرَاهَا قَرِيبًا مِنْ سَبْعَةِ أَذْرُعٍ } رَوَاهُمَا مُسْلِمٌ .\rوَعَنْهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَتْ : { قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنِّي نَذَرْت أَنْ أُصَلِّيَ فِي الْبَيْتِ .\rقَالَ : صَلِّي فِي الْحِجْرِ ، فَإِنَّ الْحِجْرَ مِنْ الْبَيْتِ .\rوَفِي لَفْظٍ ، قَالَتْ : كُنْت أُحِبُّ أَنْ أَدْخُلَ الْبَيْتَ ، فَأُصَلِّيَ فِيهِ ، فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِي ، فَأَدْخَلَنِي الْحِجْرَ ، وَقَالَ : صَلِّي فِي الْحِجْرِ إنْ أَرَدْت دُخُولَ الْبَيْتِ ، فَإِنَّمَا هُوَ قِطْعَةٌ مِنْ الْبَيْتِ } قَالَ التِّرْمِذِيُّ : هُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ .\rفَمَنْ تَرَكَ الطَّوَافَ بِالْحِجْرِ لَمْ يَطُفْ بِجَمِيعِ الْبَيْتِ ، فَلَمْ يَصِحَّ ، كَمَا لَوْ تَرَكَ الطَّوَافَ بِبَعْضِ الْبِنَاءِ ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَافَ مِنْ وَرَاءِ الْحِجْرِ ، وَقَدْ قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ { : لِتَأْخُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ } .\r( 2469 ) فَصْلٌ : وَلَوْ طَافَ","part":7,"page":95},{"id":3095,"text":"عَلَى جِدَارِ الْحِجْرِ ، وَشَاذَرْوَانِ الْكَعْبَةِ ، وَهُوَ مَا فَضَلَ مِنْ حَائِطِهَا ، لَمْ يَجُزْ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ الْبَيْتِ ، فَإِذَا لَمْ يَطُفْ بِهِ ، فَلَمْ يَطُفْ بِكُلِّ الْبَيْتِ ؛ وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَافَ مِنْ وَرَاءِ ذَلِكَ .","part":7,"page":96},{"id":3096,"text":"( 2470 ) فَصْلٌ : وَلَوْ نَكَّسَ الطَّوَافَ ، فَجَعَلَ الْبَيْتَ عَلَى يَمِينِهِ ، لَمْ يُجْزِئْهُ .\rوَبِهِ قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يُعِيدُ مَا كَانَ بِمَكَّةَ ، فَإِنْ رَجَعَ جَبَرَهُ بِدَمٍ ؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ هَيْئَةً فَلَمْ تَمْنَعْ الْإِجْزَاءَ ، كَمَا لَوْ تَرَكَ الرَّمَلَ وَالِاضْطِبَاعَ .\rوَلَنَا ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَعَلَ الْبَيْتَ فِي الطَّوَافِ عَلَى يَسَارِهِ ، وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ : لِتَأْخُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ } .\rوَلِأَنَّهَا عِبَادَةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْبَيْتِ ، فَكَانَ التَّرْتِيبُ فِيهَا وَاجِبًا كَالصَّلَاةِ ، وَمَا قَاسُوا عَلَيْهِ مُخَالِفٌ لِمَا ذَكَرْنَا ، كَمَا اخْتَلَفَ حُكْمُ هَيْئَةِ الصَّلَاةِ وَتَرْتِيبِهَا .","part":7,"page":97},{"id":3097,"text":"( 2471 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ خَلْفَ الْمَقَامِ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ يُسَنُّ لِلطَّائِفِ أَنْ يُصَلِّيَ بَعْدَ فَرَاغِهِ رَكْعَتَيْنِ ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَرْكَعَهُمَا خَلْفَ الْمَقَامِ ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَاِتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إبْرَاهِيمَ مُصَلًّى } .\rوَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْرَأَ فِيهِمَا { قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ } فِي الْأُولَى ، { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ } فِي الثَّانِيَةِ ، فَإِنَّ جَابِرًا رَوَى فِي { صِفَةِ حَجَّةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : حَتَّى أَتَيْنَا الْبَيْتَ مَعَهُ ، اسْتَلَمَ الرُّكْنَ ، فَرَمَلَ ثَلَاثًا ، وَمَشَى أَرْبَعًا ، ثُمَّ نَفَذَ إلَى مَقَامِ إبْرَاهِيمَ ، فَقَرَأَ : { وَاِتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إبْرَاهِيمَ مُصَلًّى } فَجَعَلَ الْمَقَامَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ } .\rقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ : وَلَا أَعْلَمُهُ إلَّا ذَكَرَهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : كَانَ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ } ، وَ { قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ } .\rوَحَيْثُ رَكَعَهُمَا وَمَهْمَا قَرَأَ فِيهِمَا ، جَازَ ؛ فَإِنَّ عُمَرَ رَكَعَهُمَا بِذِي طُوًى .\rوَرُوِيَ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِأُمِّ سَلَمَةَ : إذَا أُقِيمَتْ صَلَاةُ الصُّبْحِ ، فَطُوفِي عَلَى بَعِيرِك وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ .\rفَفَعَلَتْ ذَلِكَ ، فَلَمْ تُصَلِّ حَتَّى خَرَجَتْ } .\rوَلَا بَأْسَ أَنْ يُصَلِّيَهُمَا إلَى غَيْرِ سُتْرَةٍ ، وَيَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ الطَّائِفُونَ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ ، فَإِنَّ { النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّاهُمَا وَالطَّوَافُ بَيْنَ يَدَيْهِ ، لَيْسَ بَيْنَهُمَا شَيْءٌ } .\rوَكَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ يُصَلِّي وَالطَّوَافُ بَيْنَ يَدَيْهِ ، فَتَمُرُّ الْمَرْأَةُ بَيْنَ يَدَيْهِ ، فَيَنْتَظِرُهَا حَتَّى تَرْفَعَ رِجْلَهَا ، ثُمَّ يَسْجُدُ .\rوَكَذَلِكَ سَائِرُ الصَّلَوَاتِ فِي مَكَّةَ ، لَا يُعْتَبَرُ لَهَا سُتْرَةٌ .\rوَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ .","part":7,"page":98},{"id":3098,"text":"( 2472 ) فَصْلٌ : وَرَكْعَتَا الطَّوَافِ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ غَيْرُ وَاجِبَةٍ .\rوَبِهِ قَالَ مَالِكٌ .\rوَلِلشَّافِعِي قَوْلَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، أَنَّهُمَا وَاجِبَتَانِ ؛ لِأَنَّهُمَا تَابِعَتَانِ لِلطَّوَافِ ، فَكَانَتَا وَاجِبَتَيْنِ ، كَالسَّعْيِ .\rوَلَنَا ، قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { خَمْسُ صَلَوَاتٍ كَتَبَهُنَّ اللَّهُ عَلَى الْعَبْدِ ، مَنْ حَافَظَ عَلَيْهِنَّ كَانَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدٌ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ } .\rوَهَذِهِ لَيْسَتْ مِنْهَا { .\rوَلَمَّا سَأَلَ الْأَعْرَابِيُّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْفَرَائِضِ ، ذَكَرَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ ، قَالَ : فَهَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا ؟ قَالَ : لَا ، إلَّا أَنْ تَطَوَّعَ } .\rوَلِأَنَّهَا صَلَاةٌ لَمْ تُشْرَعْ لَهَا جَمَاعَةٌ ، فَلَمْ تَكُنْ وَاجِبَةً ، كَسَائِرِ النَّوَافِلِ ، وَالسَّعْيُ مَا وَجَبَ لِكَوْنِهِ تَابِعًا ، وَلَا هُوَ مَشْرُوعٌ مَعَ كُلِّ طَوَافٍ .\rوَلَوْ طَافَ الْحَاجُّ طَوَافًا كَثِيرًا ، لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ إلَّا سَعْيٌ وَاحِدٌ ، فَإِذَا أَتَى بِهِ مَعَ طَوَافِ الْقُدُومِ ، لَمْ يَأْتِ بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ ، بِخِلَافِ الرَّكْعَتَيْنِ ، فَإِنَّهُمَا يُشْرَعَانِ عَقِيبَ كُلِّ طَوَافٍ .","part":7,"page":99},{"id":3099,"text":"( 2473 ) فَصْلٌ : وَإِذَا صَلَّى الْمَكْتُوبَةَ بَعْدَ طَوَافِهِ ، أَجْزَأَتْهُ عَنْ رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ .\rرُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَعَطَاءٍ ، وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ ، وَالْحَسَنِ ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَإِسْحَاقَ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ يُصَلِّي رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ بَعْدِ الْمَكْتُوبَةِ .\rقَالَ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ : هُوَ أَقْيَسُ .\rوَبِهِ قَالَ الزُّهْرِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ؛ لِأَنَّهُ سُنَّةٌ ، فَلَمْ تُجْزِ عَنْهَا الْمَكْتُوبَةُ ، كَرَكْعَتَيْ الْفَجْرِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُمَا رَكْعَتَانِ شُرِعَتَا لِلنُّسُكِ ، فَأَجْزَأَتْ عَنْهُمَا الْمَكْتُوبَةُ ، كَرَكْعَتَيْ الْإِحْرَامِ .","part":7,"page":100},{"id":3100,"text":"( 2474 ) فَصْلٌ : وَلَا بَأْسَ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الْأَسَابِيعِ ، فَإِذَا فَرَغَ مِنْهَا رَكَعَ لِكُلِّ أُسْبُوعٍ رَكْعَتَيْنِ ، فَعَلَ ذَلِكَ عَائِشَةُ ، وَالْمِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ .\rوَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ ، وَطَاوُسٌ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَإِسْحَاقُ .\rوَكَرِهَهُ ابْنُ عُمَرَ ، وَالْحَسَنُ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَفْعَلْهُ ، وَلِأَنَّ تَأْخِيرَ الرَّكْعَتَيْنِ عَنْ طَوَافِهِمَا يُخِلُّ بِالْمُوَالَاةِ بَيْنَهُمَا .\rوَلَنَا ، أَنَّ الطَّوَافَ يَجْرِي مَجْرَى الصَّلَاةِ ، يَجُوزُ جَمْعُهَا وَيُؤَخِّرُ مَا بَيْنَهُمَا ، فَيُصَلِّيهَا بَعْدَهَا ، كَذَلِكَ هَاهُنَا ، وَكَوْنُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَفْعَلْهُ لَا يُوجِبُ كَرَاهَةً ، فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَطُفْ أُسْبُوعَيْنِ وَلَا ثَلَاثَةً ، وَذَلِكَ غَيْرُ مَكْرُوهٍ بِالِاتِّفَاقِ ، وَالْمُوَالَاةُ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ بَيْنَ الطَّوَافِ وَالرَّكْعَتَيْنِ ، بِدَلِيلِ أَنَّ عُمَرَ صَلَّاهُمَا بِذِي طُوًى ، وَأَخَّرَتْ أُمُّ سَلَمَةَ رَكْعَتَيْ طَوَافِهَا حِينَ طَافَتْ رَاكِبَةً بِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَأَخَّرَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ رُكُوعَ الطَّوَافِ حَتَّى طَلَعَتْ الشَّمْسُ .\rوَإِنْ رَكَعَ لِكُلِّ أُسْبُوعٍ عَقِيبَهُ كَانَ أَوْلَى ، وَفِيهِ اقْتِدَاءٌ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَخُرُوجٌ مِنْ الْخِلَافِ ( 2475 ) فَصْلٌ : وَإِذَا فَرَغَ مِنْ الرُّكُوعِ ، وَأَرَادَ الْخُرُوجَ إلَى الصَّفَا ، اُسْتُحِبَّ أَنْ يَعُودَ فَيَسْتَلِمَ الْحَجَرَ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَلَ ذَلِكَ .\rذَكَرَهُ جَابِرٌ فِي صِفَةِ حَجِّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَفْعَلُهُ .\rوَبِهِ قَالَ النَّخَعِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا .","part":7,"page":101},{"id":3101,"text":"مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَيَخْرُجُ إلَى الصَّفَا مِنْ بَابِهِ ، فَيَقِفُ عَلَيْهِ ، فَيُكَبِّرُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ ، وَيُهْلِلُهُ ، وَيَحْمَدُهُ ، وَيُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ ) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا فَرَغَ مِنْ طَوَافِهِ ، وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ، وَاسْتَلَمَ الْحَجَرَ ، فَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَخْرُجَ إلَى الصَّفَا مِنْ بَابِهِ ، فَيَأْتِيَ الصَّفَا ، فَيَرْقَى عَلَيْهِ حَتَّى يَرَى الْكَعْبَةَ ، ثُمَّ يَسْتَقْبِلَهَا فَيُكَبِّرَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ ، وَيُهْلِلَهُ ، وَيَدْعُوَ بِدُعَاءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا أَحَبَّ مِنْ خَيْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ .\rقَالَ جَابِرٌ { فِي صِفَةِ حَجِّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ : ثُمَّ رَجَعَ إلَى الرُّكْنِ فَاسْتَلَمَهُ ، ثُمَّ خَرَجَ مِنْ الْبَابِ إلَى الصَّفَا ، فَلَمَّا دَنَا مِنْ الصَّفَا قَرَأَ : { إنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ } نَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ .\rفَبَدَأَ بِالصَّفَا ، فَرَقَى عَلَيْهِ ، حَتَّى رَأَى الْبَيْتَ ، فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ ، فَوَحَّدَ اللَّهَ وَكَبَّرَ ، وَقَالَ : لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ، لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ ، أَنْجَزَ وَعْدَهُ ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ ، وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ .\rثُمَّ دَعَا بَيْنَ ذَلِكَ } ، وَقَالَ مِثْلَ هَذَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ .\rقَالَ أَحْمَدُ : وَيَدْعُو بِدُعَاءِ ابْنِ عُمَرَ .\rوَرَوَاهُ عَنْ إسْمَاعِيلَ ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، أَنَّهُ كَانَ يَخْرُجُ إلَى الصَّفَا مِنْ الْبَابِ الْأَعْظَمِ ، فَيَقُومُ عَلَيْهِ ، فَيُكَبِّرُ سَبْعَ مَرَّاتٍ ، ثَلَاثًا ثَلَاثًا يُكَبِّرُ ، ثُمَّ يَقُولُ : لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ، لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ، لَا نَعْبُدُ إلَّا إيَّاهُ ، مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ .\rثُمَّ يَدْعُو ، ثُمَّ يَقُولُ : اللَّهُمَّ اعْصِمْنِي بِدِينِك","part":7,"page":102},{"id":3102,"text":"وَطَوَاعِيَتَك وَطَوَاعِيَةِ رَسُولِك ، اللَّهُمَّ جَنِّبْنِي حُدُودَك ، اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِمَّنْ يُحِبُّك ، وَيُحِبُّ مَلَائِكَتَك ، وَأَنْبِيَاءَك ، وَرُسُلَك ، وَعِبَادَك الصَّالِحِينَ ، اللَّهُمَّ حَبِّبْنِي إلَيْك ، وَإِلَى مَلَائِكَتِك ، وَإِلَى رُسُلِك ، وَإِلَى عِبَادِك الصَّالِحِينَ ، اللَّهُمَّ يَسِّرْنِي لِلْيُسْرَى ، وَجَنِّبْنِي الْعُسْرَى ، وَاغْفِرْ لِي فِي الْآخِرَةِ وَالْأُولَى ، وَاجْعَلْنِي مِنْ أَئِمَّةِ الْمُتَّقِينَ ، وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ ، وَاغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ ، اللَّهُمَّ قُلْت وَقَوْلُك الْحَقُّ : { اُدْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ } وَإِنَّك لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ ، اللَّهُمَّ إذْ هَدَيْتنِي لِلْإِسْلَامِ فَلَا تَنْزِعْنِي مِنْهُ ، وَلَا تَنْزِعْهُ مِنِّي ، حَتَّى تَوَفَّانِي عَلَى الْإِسْلَامِ ، اللَّهُمَّ لَا تُقَدِّمْنِي إلَى الْعَذَابِ ، وَلَا تُؤَخِّرْنِي لِسُوءِ الْفِتَنِ .\rقَالَ : وَيَدْعُو دُعَاءً كَثِيرًا ، حَتَّى إنَّهُ لَيُمِلُّنَا وَإِنَّا لَشَبَابٌ ، وَكَانَ إذَا أَتَى عَلَى الْمَسْعَى سَعَى وَكَبَّرَ .\rوَكُلُّ مَا دَعَا بِهِ فَهُوَ جَائِزٌ .","part":7,"page":103},{"id":3103,"text":"( 2477 ) فَصْلٌ : فَإِنْ لَمْ يَرْقَ عَلَى الصَّفَا ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ .\rقَالَ الْقَاضِي : لَكِنَّ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَسْتَوْعِبَ مَا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ، فَيُلْصِقَ عَقِيبَهُ بِأَسْفَلِ الصَّفَا ، ثُمَّ يَسْعَى إلَى الْمَرْوَةِ ، فَإِنْ لَمْ يَصْعَدْ عَلَيْهَا ، أَلْصَقَ أَصَابِعَ رِجْلَيْهِ بِأَسْفَلِ الْمَرْوَةِ ، وَالصُّعُودُ عَلَيْهَا هُوَ الْأَوْلَى ، اقْتِدَاءً بِفِعْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنْ تَرَكَ مِمَّا بَيْنَهُمَا شَيْئًا ، وَلَوْ ذِرَاعًا ، لَمْ يُجْزِئْهُ حَتَّى يَأْتِيَ بِهِ .\rوَالْمَرْأَةُ لَا يُسَنُّ لَهَا أَنْ تَرْقَى ، لِئَلَّا تُزَاحِمَ الرِّجَالَ ، وَتَرْكُ ذَلِكَ أَسْتَرُ لَهَا ، وَلَا تَرْمُلْ فِي طَوَافٍ وَلَا سَعْيٍ ، وَالْحُكْمُ فِي وُجُوبِ اسْتِيعَابِهَا مَا بَيْنَهُمَا بِالْمَشْيِ كَحُكْمِ الرَّجُلِ .","part":7,"page":104},{"id":3104,"text":"( 2478 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( ثُمَّ يَنْحَدِرُ مِنْ الصَّفَا ، فَيَمْشِي حَتَّى يَأْتِيَ الْعَلَمَ الَّذِي فِي بَطْنِ الْوَادِي ، فَيَرْمُلَ مِنْ الْعَلَمِ إلَى الْعَلَمِ ، ثُمَّ يَمْشِي حَتَّى يَأْتِيَ الْمَرْوَةَ ، فَيَقِفَ عَلَيْهَا ، وَيَقُولَ كَمَا قَالَ عَلَى الصَّفَا ، وَمَا دَعَا بِهِ أَجْزَأَهُ ، ثُمَّ يَنْزِلُ مَاشِيًا إلَى الْعَلَمِ ، ثُمَّ يَرْمُلُ حَتَّى يَأْتِيَ الْعَلَمَ ، يَفْعَلُ ذَلِكَ سَبْعَ مَرَّاتٍ ، يَحْتَسِبُ بِالذَّهَابِ سَعْيَةً ، وَبِالرُّجُوعِ سَعْيَةً ، يَفْتَتِحُ بِالصَّفَا وَيَخْتَتِمُ بِالْمَرْوَةِ ) هَذَا وَصْفُ السَّعْيِ ، وَهُوَ أَنْ يَنْزِلَ مِنْ الصَّفَا ، فَيَمْشِيَ حَتَّى يَأْتِيَ الْعَلَمَ .\rوَمَعْنَاهُ يُحَاذِي الْعَلَمَ ، وَهُوَ الْمِيلُ الْأَخْضَرُ الْمُعَلَّقُ فِي رُكْنِ الْمَسْجِدِ ، فَإِذَا كَانَ مِنْهُ نَحْوًا مِنْ سِتَّةِ أَذْرُعٍ ، سَعَى سَعْيًا شَدِيدًا ، حَتَّى يُحَاذِيَ الْعَلَمَ الْآخَرَ ، وَهُوَ الْمِيلَانِ الْأَخْضَرَانِ اللَّذَانِ بِفِنَاءِ الْمَسْجِد ، وَحِذَاءِ دَارِ الْعَبَّاس ، ثُمَّ يَتْرُكُ السَّعْيَ ، وَيَمْشِي حَتَّى يَأْتِيَ الْمَرْوَةَ ، فَيَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ ، وَيَدْعُوَ بِمِثْلِ دُعَائِهِ عَلَى الصَّفَا .\rوَمَا دَعَا بِهِ فَجَائِزٌ ، وَلَيْسَ فِي الدُّعَاءِ شَيْءٌ مُؤَقَّتٌ .\rثُمَّ يَنْزِلُ فَيَمْشِي فِي مَوْضِعِ مَشْيِهِ ، وَيَسْعَى فِي مَوْضِعِ سَعْيِهِ ، وَيُكْثِرُ مِنْ الدُّعَاءِ وَالذِّكْرِ فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ .\rقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ : كَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ إذَا سَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ، قَالَ : رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ ، وَاعْفُ عَمَّا تَعْلَمُ ، وَأَنْتَ الْأَعَزُّ الْأَكْرَمُ .\rوَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إنَّمَا جُعِلَ رَمْيُ الْجِمَارِ ، وَالسَّعْيُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ، لِإِقَامَةِ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى } .\rقَالَ التِّرْمِذِيّ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ .\rحَتَّى يُكْمِلَ سَبْعَةَ أَشْوَاطٍ ، يَحْتَسِبُ بِالذَّهَابِ سَعْيَةً ، وَبِالرُّجُوعِ سَعْيَةً .\rوَحُكِيَ عَنْ ابْنِ جَرِيرٍ ، وَبَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ، أَنَّهُمْ قَالُوا : ذَهَابُهُ وَرُجُوعُهُ سَعْيَةٌ .\rوَهَذَا غَلَطٌ ؛ لِأَنَّ جَابِرًا قَالَ { فِي صِفَةِ","part":7,"page":105},{"id":3105,"text":"حَجِّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ثُمَّ نَزَلَ إلَى الْمَرْوَةِ ، حَتَّى إذَا انْصَبَّتْ قَدَمَاهُ ، رَمَلَ فِي بَطْنِ الْوَادِي ، حَتَّى إذَا صَعِدْنَا مَشَى ، حَتَّى أَتَى الْمَرْوَةَ ، فَفَعَلَ عَلَى الْمَرْوَةِ كَمَا فَعَلَ عَلَى الصَّفَا ، فَلَمَّا كَانَ آخِرُ طَوَافِهِ عَلَى الْمَرْوَةِ ، قَالَ : لَوْ اسْتَقْبَلْت مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْت ، لَمْ أَسُقْ الْهَدْيَ ، وَجَعَلْتهَا عُمْرَةً } .\rوَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ آخِرُ طَوَافِهِ ، وَلَوْ كَانَ عَلَى مَا ذَكَرُوهُ ، كَانَ آخِرُ طَوَافِهِ عِنْدَ الصَّفَا ، فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ ، وَلِأَنَّهُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ طَائِفٌ بِهِمَا ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَحْتَسِبَ بِذَلِكَ مَرَّةً ، كَمَا أَنَّهُ إذَا طَافَ بِجَمِيعِ الْبَيْتِ احْتَسَبَ بِهِ مَرَّةً .","part":7,"page":106},{"id":3106,"text":"( 2479 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَيَفْتَتِحُ بِالصَّفَا ، وَيَخْتَتِمُ بِالْمَرْوَةِ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ التَّرْتِيبَ شَرْطٌ فِي السَّعْي ، وَهُوَ أَنْ يَبْدَأ بِالصَّفَا ، فَإِنْ بَدَأَ بِالْمَرْوَةِ لَمْ يَعْتَدَّ بِذَلِكَ الشَّوْطِ ، فَإِذَا صَارَ عَلَى الصَّفَا اعْتَدَّ بِمَا يَأْتِي بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَدَأَ بِالصَّفَا ، وَقَالَ : ( نَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ ) .\rوَهَذَا قَوْلُ الْحَسَنِ ، وَمَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ .\rوَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ : قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { إنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ } .\rفَبَدَأَ بِالصَّفَا ، وَقَالَ : اتَّبِعُوا الْقُرْآنَ ، فَمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ ، فَابْدَءُوا بِهِ .","part":7,"page":107},{"id":3107,"text":"( 2480 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَإِنْ نَسِيَ الرَّمَلَ فِي بَعْضِ سَعْيِهِ ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الرَّمَلَ فِي بَطْنِ الْوَادِي سُنَّةٌ مُسْتَحَبَّةٌ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَعَى ، وَسَعَى أَصْحَابُهُ ، فَرَوَتْ صَفِيَّةُ بِنْتُ شَيْبَةَ ، عَنْ أُمِّ وَلَدِ شَيْبَةَ ، قَالَتْ : { رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ، وَهُوَ يَقُولُ : لَا يُقْطَعُ الْأَبْطَحُ إلَّا شَدًّا } .\rوَلَيْسَ ذَلِكَ بِوَاجِبٍ ، وَلَا شَيْءَ عَلَى تَارِكِهِ ؛ فَإِنَّ ابْنَ عُمَرَ ، قَالَ : إنَّ أَسْعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ، فَقَدْ رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْعَى ، وَإِنْ أَمْشِي ، فَقَدْ رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمْشِي ، وَأَنَا شَيْخٌ كَبِيرٌ .\rرَوَاهُمَا ابْنُ مَاجَهْ ، وَرَوَى هَذَا أَبُو دَاوُد .\rوَلِأَنَّ تَرْكَ الرَّمَلِ فِي الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ لَا شَيْءَ فِيهِ ، فَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ أَوْلَى .","part":7,"page":108},{"id":3108,"text":"( 2481 ) فَصْلٌ : وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ فِي السَّعْيِ ، فَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ رُكْنٌ ، لَا يَتِمُّ الْحَجُّ إلَّا بِهِ .\rوَهُوَ قَوْلُ عَائِشَةَ ، وَعُرْوَةَ ، وَمَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ ، قَالَتْ { : طَافَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَطَافَ الْمُسْلِمُونَ - يَعْنِي بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ - فَكَانَتْ سُنَّةً } ، فَلَعَمْرِي مَا أَتَمَّ اللَّهُ حَجَّ مَنْ لَمْ يَطُفْ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ .\rرَوَاهُ مُسْلِمٌ .\rوَعَنْ { حَبِيبَةَ بِنْتِ أَبِي تُجْرَاةَ ، إحْدَى نِسَاءِ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ ، قَالَتْ : دَخَلْت مَعَ نِسْوَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ دَارَ آلِ أَبِي حُسَيْنٍ ، نَنْظُرُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَسْعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ، وَإِنَّ مِئْزَرَهُ لَيَدُورُ فِي وَسَطِهِ مِنْ شِدَّةِ سَعْيِهِ ، حَتَّى إنِّي لَأَقُولُ : إنِّي لَأَرَى رُكْبَتَيْهِ .\rوَسَمِعْته يَقُولُ : اسْعَوْا ، فَإِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَيْكُمْ السَّعْيَ } .\rرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ .\rوَلِأَنَّهُ نُسُكٌ فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ ، فَكَانَ رُكْنًا فِيهِمَا ، كَالطَّوَافِ بِالْبَيْتِ .\rوَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ سُنَّةٌ ، لَا يَجِبُ بِتَرْكِهِ دَمٌ .\rرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَأَنَسٍ ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ ، وَابْنِ سِيرِينَ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا } .\rوَنَفْيُ الْحَرَجِ عَنْ فَاعِلِهِ دَلِيلٌ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِهِ ، فَإِنَّ هَذَا رُتْبَةُ الْمُبَاحِ ، وَإِنَّمَا ثَبَتَ سُنِّيَّتُهُ بِقَوْلِهِ : مِنْ شَعَائِر اللَّهِ .\rوَرُوِيَ أَنَّ فِي مُصْحَفِ أُبَيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ : ( فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَطَّوَّفَ بِهِمَا ) .\rوَهَذَا إنْ لَمْ يَكُنْ قُرْآنًا فَلَا يَنْحَطُّ عَنْ رُتْبَةِ الْخَبَرِ ؛ لِأَنَّهُمَا يَرْوِيَانِهِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلِأَنَّهُ نُسُكٌ ذُو عَدَدٍ لَا يَتَعَلَّقُ بِالْبَيْتِ ، فَلَمْ يَكُنْ رُكْنًا كَالرَّمْيِ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : هُوَ وَاجِبٌ .\rوَلَيْسَ بِرُكْنٍ ، إذَا تَرَكَهُ وَجَبَ عَلَيْهِ دَمٌ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الْحَسَنِ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ،","part":7,"page":109},{"id":3109,"text":"وَالثَّوْرِيِّ .\rوَهُوَ أَوْلَى ؛ لِأَنَّ دَلِيلَ مَنْ أَوْجَبَهُ دَلَّ عَلَى مُطْلَقِ الْوُجُوبِ ، لَا عَلَى كَوْنِهِ لَا يَتِمُّ الْحَجُّ إلَّا بِهِ .\rوَقَوْلُ عَائِشَةَ فِي ذَلِكَ مُعَارَضٌ بِقَوْلِ مَنْ خَالَفَهَا مِنْ الصَّحَابَةِ .\rوَحَدِيثُ بِنْتِ أَبِي تُجْرَاةَ ، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : يَرْوِيهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُؤَمِّلِ ، وَقَدْ تَكَلَّمُوا فِي حَدِيثِهِ .\rثُمَّ إنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مَكْتُوبٌ ، وَهُوَ الْوَاجِبُ .\rوَأَمَّا الْآيَةُ فَإِنَّهَا نَزَلَتْ لَمَّا تَحَرَّجَ نَاسٌ مِنْ السَّعْيِ فِي الْإِسْلَامِ ، لِمَا كَانُوا يَطُوفُونَ بَيْنَهُمَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، لِأَجْلِ صَنَمَيْنِ كَانَا عَلَى الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ .\rكَذَلِكَ قَالَتْ عَائِشَةُ .","part":7,"page":110},{"id":3110,"text":"( 2482 ) فَصْلٌ : وَالسَّعْيُ تَبَعٌ لِلطَّوَافِ ، لَا يَصِحُّ إلَّا أَنْ يَتَقَدَّمَهُ طَوَافٌ ، فَإِنْ سَعَى قَبْلَهُ ، لَمْ يَصِحَّ .\rوَبِذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَقَالَ عَطَاءٌ : يُجْزِئُهُ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ : يُجْزِئُهُ إنْ كَانَ نَاسِيًا ، وَإِنْ كَانَ عَمْدًا لَمْ يُجْزِئْهُ سَعْيُهُ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا سُئِلَ عَنْ التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ فِي حَالِ الْجَهْلِ وَالنِّسْيَانِ ، قَالَ : ( لَا حَرَجَ ) .\rوَوَجْهُ الْأَوَّلِ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّمَا سَعَى بَعْدَ طَوَافِهِ ، وَقَدْ قَالَ : لِتَأْخُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ } .\rفَعَلَى هَذَا إنْ سَعَى بَعْدَ طَوَافِهِ ، ثُمَّ عَلِمَ أَنَّهُ طَافَ بِغَيْرِ طَهَارَةٍ لَمْ يُعْتَدَّ بِسَعْيِهِ ذَلِكَ .\rوَمَتَى سَعَى الْمُفْرِدُ وَالْقَارِنُ بَعْدَ طَوَافِ الْقُدُومِ ، لَمْ يَلْزَمْهُمَا بَعْدَ ذَلِكَ سَعْيٌ ، وَإِنْ لَمْ يَسْعَيَا مَعَهُ ، سَعَيَا مَعَ طَوَافِ الزِّيَارَةِ .\rوَلَا تَجِبُ الْمُوَالَاةُ بَيْنَ الطَّوَافِ وَالسَّعْيِ .\rقَالَ أَحْمَدُ : لَا بَأْسَ أَنْ يُؤَخِّرَ السَّعْيَ حَتَّى يَسْتَرِيحَ أَوْ إلَى الْعَشِيِّ .\rوَكَانَ عَطَاءٌ ، وَالْحَسَنُ لَا يَرَيَانِ بَأْسًا لِمَنْ طَافَ بِالْبَيْتِ أَوَّلَ النَّهَارِ ، أَنْ يُؤَخِّرَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ إلَى الْعَشِيِّ .\rوَفَعَلَهُ الْقَاسِمُ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ؛ لِأَنَّ الْمُوَالَاةَ إذَا لَمْ تَجِبْ فِي نَفْسِ السَّعْيِ ، فَفِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الطَّوَافِ أَوْلَى .","part":7,"page":111},{"id":3111,"text":"( 2483 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( فَإِذَا فَرَغَ مِنْ السَّعْيِ ، فَإِنْ كَانَ مُتَمَتِّعًا قَصَّرَ مِنْ شَعْرِهِ ، ثُمَّ قَدْ حَلَّ ) الْمُتَمَتِّعُ الَّذِي أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ مِنْ الْمِيقَاتِ ، فَإِذَا فَرَغَ مِنْ أَفْعَالِهَا ، وَهِيَ الطَّوَافُ وَالسَّعْيُ ، قَصَّرَ أَوْ حَلَقَ ، وَقَدْ حَلَّ بِهِ مِنْ عُمْرَتِهِ ، إنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ ، قَالَ : { تَمَتَّعَ النَّاسُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ ، فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَكَّةَ قَالَ لِلنَّاسِ : مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ مِنْ شَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ ، حَتَّى يَقْضِيَ حَجَّهُ ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ ، فَلْيَطُفْ بِالْبَيْتِ ، وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ، وَلْيُقَصِّرْ ، وَلْيَحْلِلْ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا .\rوَلَا يُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُ التَّحَلُّلِ .\rقَالَ أَبُو دَاوُد : سَمِعْت أَحْمَدَ ، سُئِلَ عَمَّنْ دَخَلَ مَكَّةَ مُعْتَمِرًا ، فَلَمْ يُقَصِّرْ حَتَّى كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ ، عَلَيْهِ شَيْءٌ ؟ قَالَ : هَذَا لَمْ يَحِلَّ بَعْدُ ، يُقَصِّرُ ، ثُمَّ يُهِلُّ بِالْحَجِّ ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ ، وَبِئْسَ مَا صَنَعَ .","part":7,"page":112},{"id":3112,"text":"( 2484 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا مَنْ مَعَهُ هَدْيٌ ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَحَلَّلَ ، لَكِنْ يُقِيمُ عَلَى إحْرَامِهِ ، وَيُدْخِلُ الْحَجَّ عَلَى الْعُمْرَةِ ، ثُمَّ لَا يَحِلُّ حَتَّى يَحِلَّ مِنْهُمَا جَمِيعًا .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى ، أَنَّهُ يَحِلُّ لَهُ التَّقْصِيرُ مِنْ شَعْرِ رَأْسِهِ خَاصَّةً ، وَلَا يَمَسُّ مِنْ أَظْفَارِهِ وَشَارِبِهِ شَيْئًا .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ .\rوَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ مُعَاوِيَةَ ، قَالَ : { قَصَّرْت مِنْ رَأْسِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمِشْقَصٍ عِنْدَ الْمَرْوَةِ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَقَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ فِي قَوْلٍ : لَهُ التَّحَلُّلُ ، وَنَحْرُ هَدْيِهِ ، وَيُسْتَحَبُّ نَحْرُهُ عِنْدَ الْمَرْوَةِ .\rوَكَلَامُ الْخِرَقِيِّ يَحْتَمِلُهُ لِإِطْلَاقِهِ .\rوَلَنَا ، مَا ذَكَرْنَا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ، وَرَوَتْ عَائِشَةُ ، قَالَتْ : { خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ، فَأَهْلَلْت بِعُمْرَةٍ ، وَلَمْ أَكُنْ سُقْت الْهَدْيَ ، فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ ، فَلْيُهِلَّ بِالْحَجِّ مَعَ عُمْرَتِهِ ، ثُمَّ لَا يَحِلُّ حَتَّى يَحِلَّ مِنْهُمَا جَمِيعًا } .\rوَعَنْ { حَفْصَةَ ، أَنَّهَا قَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَا شَأْنُ النَّاسِ ، حَلُّوا مِنْ الْعُمْرَةِ وَلَمْ تَحْلِلْ أَنْتَ مِنْ عُمْرَتِك ؟ قَالَ : إنِّي لَبَّدْتُ رَأْسِي ، وَقَلَّدْت هَدْيِي ، فَلَا أَحِلُّ حَتَّى أَنْحَرَ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَالْأَحَادِيثُ فِيهِ كَثِيرَة .\rوَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ ثَالِثَةٌ ، فِي مَنْ قَدِمَ مُتَمَتِّعًا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ ، وَسَاقَ الْهَدْيَ ، قَالَ : إنْ دَخَلَهَا فِي الْعَشْرِ ، لَمْ يَنْحَر الْهَدْيَ حَتَّى يَنْحَرَهُ يَوْمَ النَّحْرِ ، وَإِنْ قَدِمَ قَبْلَ الْعَشْرِ ، نَحَرَ الْهَدْيَ .\rوَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُتَمَتِّعَ إذَا قَدِمَ قَبْلَ الْعَشْرِ حَلَّ ، وَإِنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ ، وَإِنْ قَدِمَ فِي الْعَشْرِ لَمْ يَحِلَّ .\rوَهَذَا قَوْلُ عَطَاءٍ .\rرَوَاهُ حَنْبَلٌ ، فِي ( الْمَنَاسِكِ","part":7,"page":113},{"id":3113,"text":") .\rوَقَالَ فِي مَنْ لَبَّدَ أَوْ ضَفَّرَ : هُوَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ سَاقَ الْهَدْيَ ؛ لِحَدِيثِ حَفْصَةَ .\rوَالرِّوَايَةُ الْأَوْلَى أَوْلَى ؛ لِمَا فِيهَا مِنْ الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الصَّرِيحِ ، وَهُوَ أَوْلَى بِالِاتِّبَاعِ .","part":7,"page":114},{"id":3114,"text":"( 2485 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا الْمُعْتَمِرُ غَيْرُ الْمُتَمَتِّعِ ، فَإِنَّهُ يَحِلُّ ، سَوَاءٌ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ ، وَسَوَاءٌ كَانَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ أَوْ فِي غَيْرِهَا ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اعْتَمَرَ ثَلَاثَ عُمَرَ ، سِوَى الْعُمْرَةِ الَّتِي مَعَ حَجَّتِهِ ، بَعْضُهُنَّ فِي ذِي الْقَعْدَةِ ، وَقِيلَ : كُلُّهُنَّ فِي ذِي الْقَعْدَةِ ، فَكَانَ يَحِلُّ .\rفَإِنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ نَحَرَهُ عِنْدَ الْمَرْوَةِ .\rوَحَيْثُ نَحَرَهُ مِنْ الْحَرَمِ جَازَ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( كُلُّ فِجَاحِ مَكَّةَ طَرِيقٌ وَمَنْحَرٌ ) .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَابْنُ مَاجَهْ .","part":7,"page":115},{"id":3115,"text":"فَصْلٌ : وَقَوْلُ الْخِرَقِيِّ : ( قَصَّرَ مِنْ شَعْرِهِ ، ثُمَّ قَدْ حَلَّ ) .\rيَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُسْتَحَبَّ فِي حَقِّ الْمُتَمَتِّعِ عِنْدَ حِلِّهِ مِنْ عُمْرَتِهِ التَّقْصِيرُ ؛ لِيَكُونَ الْحَلْقُ لِلْحَجِّ .\rقَالَ أَحْمَدُ ، فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد : وَيُعْجِبُنِي إذَا دَخَلَ مُتَمَتِّعًا أَنْ يُقَصِّرَ ؛ لِيَكُونَ الْحَلْقُ لِلْحَجِّ .\r.\rوَلَمْ يَأْمُرْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَصْحَابَهُ إلَّا بِالتَّقْصِيرِ ، فَقَالَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ : { أَحِلُّوا مِنْ إحْرَامِكُمْ بِطَوَافٍ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ، وَقَصِّرُوا } .\rوَفِي صِفَةِ حَجِّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَحَلَّ النَّاسُ كُلُّهُمْ ، وَقَصَّرُوا .\rوَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ، أَنَّهُ قَالَ : ( مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ ، فَلْيَطُفْ بِالْبَيْتِ ، وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ، وَلِيُقَصِّرْ ، وَلْيَحْلِلْ ) .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَإِنْ حَلَقَ جَازَ ؛ لِأَنَّهُ أَحَدُ النُّسُكَيْنِ ، فَجَازَ فِيهِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا .\rوَيَدُلُّ أَيْضًا عَلَى أَنَّهُ لَا يَحِلُّ إلَّا بَعْدَ التَّقْصِيرِ ، وَهَذَا يَنْبَنِي عَلَى أَنَّ التَّقْصِيرَ نُسُكٌ ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ ، فَلَا يَحِلُّ إلَّا بِهِ .\rوَفِيهِ رِوَايَةٌ أُخْرَى ، أَنَّهُ إطْلَاقٌ مِنْ مَحْظُورٍ ، فَيَحِلُّ بِالطَّوَافِ وَالسَّعْيِ حَسْبُ .\rوَسَنَذْكُرُ ذَلِكَ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .\rفَإِنْ تَرَكَ التَّقْصِيرَ أَوْ الْحَلْقَ ، وَقُلْنَا : هُوَ نُسُكٌ .\rفَعَلَيْهِ دَمٌ .\rوَإِنْ وَطِئَ قَبْلَ التَّقْصِيرِ ، فَعَلَيْهِ دَمٌ ، وَعُمْرَتُهُ صَحِيحَةٌ .\rوَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَحُكِيَ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّ عُمْرَتَهُ تَفْسُدُ ؛ لِأَنَّهُ وَطِىءَ قَبْلَ حِلِّهِ مِنْ عُمْرَتِهِ .\rوَعَنْ عَطَاءٍ ، قَالَ : يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ تَعَالَى .\rوَلَنَا ، مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ امْرَأَةٍ مُعْتَمِرَةٍ ، وَقَعَ بِهَا زَوْجُهَا قَبْلَ أَنْ تُقَصِّرَ .\rقَالَ : مَنْ تَرَكَ مِنْ مَنَاسِكِهِ شَيْئًا ، أَوْ نَسِيَهُ ، فَلْيُهْرِقْ دَمًا .\rقِيلَ : إنَّهَا مُوسِرَةٌ .\rقَالَ : فَلْتَنْحَرْ نَاقَةً .\rوَلِأَنَّ التَّقْصِيرَ لَيْسَ بِرُكْنٍ ،","part":7,"page":116},{"id":3116,"text":"فَلَا يَفْسُدُ النُّسُكُ بِتَرْكِهِ ، وَلَا بِالْوَطْءِ قَبْلَهُ ، كَالرَّمْيِ فِي الْحَجِّ .\rقَالَ أَحْمَدُ ، فِي مَنْ وَقَعَ عَلَى امْرَأَتِهِ قَبْلَ تَقْصِيرِهَا مِنْ عُمْرَتِهَا : تَذْبَحُ شَاةً .\rقِيلَ : عَلَيْهِ أَوْ عَلَيْهَا ؟ قَالَ : عَلَيْهَا هِيَ .\rوَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهَا طَاوَعَتْهُ .\rفَإِنْ أَكْرَهَهَا ، فَالدَّمُ عَلَيْهِ .\rوَإِنْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ قَبْلَ التَّقْصِيرِ ، فَقَدْ أَدْخَلَ الْحَجَّ عَلَى الْعُمْرَةِ ، فَيَصِيرُ قَارِنًا .","part":7,"page":117},{"id":3117,"text":"( 2487 ) فَصْلٌ : يَلْزَمُ التَّقْصِيرُ أَوْ الْحَلْقُ مِنْ جَمِيعِ شَعْرِهِ ، وَكَذَلِكَ الْمَرْأَةُ .\rنَصَّ عَلَيْهِ .\rوَبِهِ قَالَ مَالِكٌ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ ، يُجْزِئُهُ الْبَعْضُ .\rمَبْنِيًّا عَلَى الْمَسْحِ فِي الطَّهَارَةِ .\rوَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ حَامِدٍ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يُجْزِئُهُ التَّقْصِيرُ مِنْ ثَلَاثِ شَعَرَاتٍ .\rوَاخْتَارَ ابْنُ الْمُنْذِرِ أَنَّهُ يُجْزِئُهُ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ التَّقْصِيرِ ؛ لِتَنَاوُلِ اللَّفْظِ لَهُ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ } .\rوَهَذَا عَامٌّ فِي جَمِيعِهِ ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَلَقَ جَمِيعَ رَأْسِهِ ، تَفْسِيرًا لِمُطْلَقِ الْأَمْرِ بِهِ ، فَيَجِبُ الرُّجُوعُ إلَيْهِ ، وَلِأَنَّهُ نُسُكٌ تَعَلَّقَ بِالرَّأْسِ فَوَجَبَ اسْتِيعَابُهُ بِهِ ، كَالْمَسْحِ .\rفَإِنْ كَانَ الشَّعْرُ مَضْفُورًا ، قَصَّرَ مِنْ رُءُوسِ ضَفَائِرِهِ .\rكَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ : تُقَصِّرُ الْمَرْأَةُ مِنْ جَمِيعِ قُرُونِهَا .\rوَلَا يَجِبُ التَّقْصِيرُ مِنْ كُلِّ شَعْرَةٍ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُعْلَمُ إلَّا بِحَلْقِهِ .","part":7,"page":118},{"id":3118,"text":"( 2488 ) فَصْلٌ : وَأَيُّ قَدْرٍ قَصَّرَ مِنْهُ أَجْزَأَهُ ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ بِهِ مُطْلَقٌ فَيَتَنَاوَلُ الْأَقَلَّ .\rوَقَالَ أَحْمَدُ : يُقَصِّرُ قَدْرَ الْأُنْمُلَةِ .\rوَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَإِسْحَاقَ ، وَأَبِي ثَوْرٍ .\rوَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ ؛ لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ : وَبِأَيِّ شَيْءٍ قَصَّرَ الشَّعْرَ أَجْزَأَهُ .\rوَكَذَلِكَ لَوْ نَتَفَهُ ، أَوْ أَزَالَهُ بِنَوْرَةٍ ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ إزَالَتُهُ ، وَالْأَمْرُ بِهِ مُطْلَقٌ ، فَيَتَنَاوَلُ ، مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الِاسْمُ ، وَلَكِنَّ السُّنَّةَ الْحَلْقُ أَوْ التَّقْصِيرُ ، اقْتِدَاءً بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ ، وَيُسْتَحَبُّ الْبِدَايَةُ بِالشِّقِّ الْأَيْمَنِ .\rنَصَّ عَلَيْهِ ؛ لِمَا رَوَى أَنَسٌ ، { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِلْحَلَّاقِ : خُذْ .\rوَأَشَارَ إلَى جَانِبِهِ الْأَيْمَنِ ، ثُمَّ الْأَيْسَرِ ، ثُمَّ جَعَلَ يُعْطِيهِ النَّاسَ } .\rرَوَاهُ مُسْلِمٌ .\r{ وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعْجِبُهُ التَّيَامُنُ فِي شَأْنِهِ كُلِّهِ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rقَالَ أَحْمَدُ : يَبْدَأُ بِالشِّقِّ الْأَيْمَنِ ، حَتَّى يُجَاوِزَ الْعَظْمَتَيْنِ .\rوَإِنْ قَصَّرَ مِنْ شَعْرِ رَأْسِهِ مَا نَزَلَ عَنْ حَدِّ الرَّأْسِ ، أَوْ مِمَّا يُحَاذِيهِ ، جَازَ ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ التَّقْصِيرُ ، وَقَدْ حَصَلَ ، بِخِلَافِ الْمَسْحِ فِي الْوُضُوءِ ؛ فَإِنَّ الْوَاجِبَ الْمَسْحُ عَلَى الرَّأْسِ ، وَهُوَ مَا تَرَأَّسَ وَعَلَا .","part":7,"page":119},{"id":3119,"text":"( 2489 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَطَوَافُ النِّسَاءِ وَسَعْيُهُنَّ مَشْيٌ كُلُّهُ ) قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ ، عَلَى أَنَّهُ لَا رَمَلَ عَلَى النِّسَاءِ حَوْلَ الْبَيْتِ ، وَلَا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ، وَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ اضْطِبَاعٌ .\rوَذَلِكَ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِيهِمَا إظْهَارُ الْجَلَدِ ، وَلَا يُقْصَدُ ذَلِكَ فِي حَقِّ النِّسَاءِ ، وَلِأَنَّ النِّسَاءَ يُقْصَدُ فِيهِنَّ السَّتْرُ ، وَفِي الرَّمَلِ وَالِاضْطِبَاعِ تَعَرُّضٌ لِلتَّكَشُّفِ .","part":7,"page":120},{"id":3120,"text":"( 2490 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَمَنْ سَعْي بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ ، كَرِهْنَا لَهُ ذَلِكَ ، وَأَجْزَأَهُ ) أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ يَرَوْنَ أَنْ لَا تُشْتَرَطَ الطَّهَارَةُ لِلسَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ .\rوَمِمَّنْ قَالَ ذَلِكَ عَطَاءٌ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَكَانَ الْحَسَنُ يَقُولُ : إنْ ذَكَرَ قَبْلَ أَنْ يَحِلَّ ، فَلْيُعِدْ الطَّوَافَ ، وَإِنْ ذَكَرَ بَعْدَمَا حَلَّ ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَائِشَةَ ، حِينَ حَاضَتْ : { اقْضِي مَا يَقْضِي الْحَاجُّ ، غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ } .\rوَلِأَنَّ ذَلِكَ عِبَادَةٌ لَا تَتَعَلَّقُ بِالْبَيْتِ ، فَأَشْبَهَتْ الْوُقُوفَ .\rقَالَ أَبُو دَاوُد : سَمِعْت أَحْمَدَ يَقُولُ : إذَا طَافَتْ الْمَرْأَةُ بِالْبَيْتِ ، ثُمَّ حَاضَتْ ، سَعَتْ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ، ثُمَّ نَفَرَتْ .\rوَرُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ ، وَأُمِّ سَلَمَةَ ، أَنَّهُمَا قَالَتَا : إذَا طَافَتْ الْمَرْأَةُ بِالْبَيْتِ ، وَصَلَّتْ رَكْعَتَيْنِ ، ثُمَّ حَاضَتْ ، فَلْتَطُفْ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ .\rرَوَاهُ الْأَثْرَمُ .\rوَالْمُسْتَحَبُّ مَعَ ذَلِكَ لِمَنْ قَدَرَ عَلَى الطَّهَارَةِ أَنْ لَا يَسْعَى إلَّا مُتَطَهِّرًا ، وَكَذَلِكَ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ طَاهِرًا فِي جَمِيعِ مَنَاسِكِهِ ، وَلَا يُشْتَرَطُ أَيْضًا الطَّهَارَةُ مِنْ النَّجَاسَةِ وَالسِّتَارَةُ لِلسَّعْيِ ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ تُشْتَرَطْ الطَّهَارَةُ مِنْ الْحَدَثِ ، وَهِيَ آكَدُ ، فَغَيْرُهَا أَوْلَى .\rوَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا رِوَايَةً عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّ الطَّهَارَةَ فِي السَّعْيِ كَالطَّهَارَةِ فِي الطَّوَافِ .\rوَلَا تَعْوِيلَ عَلَيْهِ .","part":7,"page":121},{"id":3121,"text":"( 2491 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَإِنْ أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ ، أَوْ حَضَرَتْ جِنَازَةٌ وَهُوَ يَطُوفُ ، أَوْ يَسْعِي ، فَإِذَا صَلَّى بَنَى ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا تَلَبَّسَ بِالطَّوَافِ أَوْ بِالسَّعْيِ ، ثُمَّ أُقِيمَتْ الْمَكْتُوبَةُ ، فَإِنَّهُ يُصَلِّي مَعَ الْجَمَاعَةِ ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، مِنْهُمْ ابْنُ عُمَرَ ، وَسَالِمٌ ، وَعَطَاءٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْهُمْ فِي السَّعْيِ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : يَمْضِي فِي طَوَافِهِ ، وَلَا يَقْطَعُهُ ، إلَّا أَنْ يَخَافَ أَنْ يَضُرَّ بِوَقْتِ الصَّلَاةِ ؛ لِأَنَّ الطَّوَافَ صَلَاةٌ فَلَا يَقْطَعُهُ لِصَلَاةٍ أُخْرَى .\rوَلَنَا ، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ ، فَلَا صَلَاةَ إلَّا الْمَكْتُوبَةَ } .\rوَالطَّوَافُ صَلَاةٌ فَيَدْخُلُ تَحْتَ عُمُومِ الْخَبَرِ .\rإذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فِي الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ ، مَعَ تَأَكُّدِهِ ، فَفِي السَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ أَوْلَى ، مَعَ أَنَّهُ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ وَمَنْ سَمَّيْنَاهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَلَمْ نَعْرِفْ لَهُمْ فِي عَصْرِهِمْ مُخَالِفًا ، وَإِذَا صَلَّى بَنَى عَلَى طَوَافِهِ وَسَعْيِهِ ، فِي قَوْلِ مِنْ سَمَّيْنَا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا خَالَفَ فِي ذَلِكَ ، إلَّا الْحَسَنَ ، فَإِنَّهُ قَالَ : يَسْتَأْنِفُ .\rوَقَوْلُ الْجُمْهُورِ أَوْلَى ؛ لِأَنَّ هَذَا فِعْلٌ مَشْرُوعٌ فِي أَثْنَاءِ الطَّوَافِ ، فَلَمْ يَقْطَعْهُ ، كَالْيَسِيرِ .\rوَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي الْجِنَازَةِ إذَا حَضَرَتْ ، يُصَلِّي عَلَيْهَا ، ثُمَّ يَبْنِي عَلَى طَوَافِهِ ؛ لِأَنَّهَا تَفُوتُ بِالتَّشَاغُلِ عَنْهَا .\rقَالَ أَحْمَدُ : وَيَكُونُ ابْتِدَاؤُهُ مِنْ الْحَجَرِ .\rيَعْنِي أَنَّهُ يَبْتَدِئُ الشَّوْطَ الَّذِي قَطَعَهُ مِنْ الْحَجَرِ حِينَ يَشْرَعُ فِي الْبِنَاءِ .","part":7,"page":122},{"id":3122,"text":"( 2492 ) فَصْلٌ : فَإِنْ تَرَكَ الْمُوَالَاةَ لِغَيْرِ مَا ذَكَرْنَا ، وَطَالَ الْفَصْلُ ، ابْتَدَأَ الطَّوَافَ ، وَإِنْ لَمْ يَطُلْ ، بَنَى .\rوَلَا فَرْقَ بَيْنَ تَرْكِ الْمُوَالَاةِ عَمْدًا ، أَوْ سَهْوًا ، مِثْلُ مَنْ يَتْرُكُ شَوْطًا مِنْ الطَّوَافِ ، يَحْسَبُ أَنَّهُ قَدْ أَتَمَّهُ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ ، فِي مَنْ طَافَ ثَلَاثَةَ أَشْوَاطٍ مِنْ طَوَافِ الزِّيَارَةِ ، ثُمَّ رَجَعَ إلَى بَلَدِهِ : عَلَيْهِ أَنْ يَعُودَ ، فَيَطُوفَ مَا بَقِيَ .\rوَلَنَا ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالَى بَيْنَ طَوَافِهِ ، وَقَالَ { : خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ } .\rوَلِأَنَّهُ صَلَاةٌ ، فَيُشْتَرَطُ لَهُ الْمُوَالَاةُ ، كَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ ، أَوْ نَقُولُ عِبَادَةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْبَيْتِ ، فَاشْتُرِطَتْ لَهَا الْمُوَالَاةُ ، كَالصَّلَاةِ ، وَيُرْجَعُ فِي طُولِ الْفَصْلِ وَقِصَرِهِ إلَى الْعُرْفِ ، مِنْ غَيْرِ تَحْدِيدٍ .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، رِوَايَةٌ أُخْرَى ، إذَا كَانَ لَهُ عُذْرٌ يَشْغَلُهُ ، بَنَى ، وَإِنْ قَطَعَهُ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ ، أَوْ لِحَاجَتِهِ ، اسْتَقْبَلَ الطَّوَافَ .\rوَقَالَ : إذَا أَعْيَا فِي الطَّوَافِ ، لَا بَأْسَ أَنْ يَسْتَرِيحَ .\rوَقَالَ الْحَسَنُ غُشِيَ عَلَيْهِ ، فَحُمِلَ إلَى أَهْلِهِ ، فَلَمَّا أَفَاقَ أَتَمَّهُ .\rقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ : فَإِنْ شَاءَ أَتَمَّهُ ، وَإِنْ شَاءَ اسْتَأْنَفَ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ قَطَعَهُ لِعُذْرٍ ، فَجَازَ الْبِنَاءُ عَلَيْهِ ، كَمَا لَوْ قَطَعَهُ لِصَلَاةٍ .","part":7,"page":123},{"id":3123,"text":"( 2493 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا السَّعْيُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ، فَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ أَنَّ الْمُوَالَاةَ غَيْرُ مُشْتَرَطَةٍ فِيهِ ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي رَجُلٍ كَانَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ، فَلَقِيَهُ فَإِذَا هُوَ يَعْرِفُهُ ، يَقِفُ ، فَيُسَلِّمُ عَلَيْهِ ، وَيُسَائِلُهُ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، أَمْرُ الصَّفَا سَهْلٌ ، إنَّمَا كَانَ يُكْرَهُ الْوُقُوفُ فِي الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ ، فَأَمَّا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فَلَا بَأْسَ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : تُشْتَرَطُ الْمُوَالَاةُ فِيهِ ، قِيَاسًا عَلَى الطَّوَافِ .\rوَحَكَاهُ أَبُو الْخَطَّابِ رِوَايَةً عَنْ أَحْمَدَ .\rوَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ؛ فَإِنَّهُ نُسُكٌ لَا يَتَعَلَّقُ بِالْبَيْتِ ، فَلَمْ تُشْتَرَطْ لَهُ الْمُوَالَاة ، كَالرَّمْيِ وَالْحِلَاقِ .\rوَقَدْ رَوَى الْأَثْرَمُ ، أَنَّ سَوْدَةَ بِنْتَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، امْرَأَةَ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ، سَعَتْ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ، فَقَضَتْ طَوَافَهَا فِي ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ، وَكَانَتْ ضَخْمَةً .\rوَكَانَ عَطَاءٌ لَا يَرَى بَأْسًا أَنْ يَسْتَرِيحَ بَيْنَهُمَا ، وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُهُ عَلَى الطَّوَافِ ؛ لِأَنَّ الطَّوَافَ يَتَعَلَّقُ بِالْبَيْتِ ، وَهُوَ صَلَاةٌ تُشْتَرَطُ لَهُ الطَّهَارَةُ وَالسِّتَارَةُ ، فَاشْتُرِطَتْ لَهُ الْمُوَالَاةُ ، بِخِلَافِ السَّعْيِ .","part":7,"page":124},{"id":3124,"text":"( 2494 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَإِنْ أَحْدَثَ فِي بَعْضِ طَوَافِهِ ، تَطَهَّرَ ، وَابْتَدَأَ الطَّوَافَ ، إذَا كَانَ فَرْضًا ) أَمَّا إذَا أَحْدَثَ عَمْدًا فَإِنَّهُ يَبْتَدِئُ الطَّوَافَ ؛ لِأَنَّ الطَّهَارَةَ شَرْطٌ لَهُ ، فَإِذَا أَحْدَثَ عَمْدًا أَبْطَلَهُ ، كَالصَّلَاةِ ، وَإِنْ سَبَقَهُ الْحَدَثُ ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ : إحْدَاهُمَا ، يَبْتَدِئُ أَيْضًا .\rوَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ ، وَمَالِكٍ ، قِيَاسًا عَلَى الصَّلَاةِ .\rوَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ ، يَتَوَضَّأُ ، وَيَبْنِي .\rوَبِهَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ .\rقَالَ حَنْبَلٌ عَنْ أَحْمَدَ فِي مَنْ طَافَ ثَلَاثَةَ أَشْوَاطٍ أَوْ أَكْثَرَ : يَتَوَضَّأُ ، فَإِنْ شَاءَ بَنَى ، وَإِنْ شَاءَ اسْتَأْنَفَ .\rقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ : يَبْنِي إذَا لَمْ يُحْدِثْ حَدَثًا إلَّا الْوُضُوءَ ، فَإِنْ عَمِلَ عَمَلًا غَيْرَ ذَلِكَ ، اسْتَقْبَلَ الطَّوَافَ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُوَالَاةَ تَسْقُط عِنْدَ الْعُذْرِ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ ، وَهَذَا مَعْذُورٌ ، فَجَازَ الْبِنَاءُ ، وَإِنْ اشْتَغَلَ بِغَيْرِ الْوُضُوءِ ، فَقَدْ تَرَكَ الْمُوَالَاةَ لِغَيْرِ عُذْرٍ ، فَلَزِمَهُ الِابْتِدَاءُ إذَا كَانَ الطَّوَافُ فَرْضًا ، فَأَمَّا الْمَسْنُونُ ، فَلَا يَجِبُ إعَادَتُهُ ، كَالصَّلَاةِ الْمَسْنُونَةِ إذَا بَطَلَتْ .","part":7,"page":125},{"id":3125,"text":"( 2495 ) مَسْأَلَة ؛ قَالَ : ( وَمَنْ طَافَ وَسَعَى مَحْمُولًا لِعِلَّةٍ ، أَجْزَأَهُ ) لَا نَعْلَمُ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ خِلَافًا فِي صِحَّةِ طَوَافِ الرَّاكِبِ إذَا كَانَ لَهُ عُذْرٌ ، فَإِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ رَوَى ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَافَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ عَلَى بَعِيرٍ ، يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ بِمِحْجَنٍ } .\rوَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ، قَالَتْ : { شَكَوْت إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنِّي أَشْتَكِي ، فَقَالَ : طُوفِي مِنْ وَرَاءِ النَّاسِ ، وَأَنْتِ رَاكِبَةٌ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا .\rوَقَالَ جَابِرٌ : { طَافَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى رَاحِلَتِهِ ، بِالْبَيْتِ ، وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ، لِيَرَاهُ النَّاسُ ، وَلِيُشْرِفَ عَلَيْهِمْ ، لِيَسْأَلُوهُ ، فَإِنَّ النَّاسَ غَشُوهُ } .\rوَالْمَحْمُولُ كَالرَّاكِبِ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ .\r( 2496 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا الطَّوَافُ رَاكِبًا أَوْ مَحْمُولًا لِغَيْرِ عُذْرٍ ، فَمَفْهُومُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ .\rوَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَاتِ عَنْ أَحْمَدَ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { قَالَ : الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ صَلَاةٌ } .\rوَلِأَنَّهَا عِبَادَةٌ تَتَعَلَّقُ بِالْبَيْتِ ، فَلَمْ يَجُزْ فِعْلُهَا رَاكِبًا لِغَيْرِ عُذْرٍ ، كَالصَّلَاةِ .\rوَالثَّانِيَةُ ، يُجْزِئُهُ ، وَيَجْبُرُهُ بِدَمٍ .\rوَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ .\rوَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، إلَّا أَنَّهُ قَالَ : يُعِيدُ مَا كَانَ بِمَكَّةَ ، فَإِنْ رَجَعَ جَبَرَهُ بِدَمٍ ؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ صِفَةً وَاجِبَةً فِي رُكْنِ الْحَجِّ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ نَهَارًا ، وَدَفَعَ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ .\rوَالثَّالِثَةُ ، يُجْزِئُهُ ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ .\rاخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ .\rوَهِيَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَافَ رَاكِبًا .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : لَا قَوْلَ لَأَحَدٍ مَعَ فِعْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rوَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِالطَّوَافِ مُطْلَقًا ، فَكَيْفَمَا أَتَى بِهِ أَجْزَأَهُ ، وَلَا يَجُوزُ تَقْيِيدُ","part":7,"page":126},{"id":3126,"text":"الْمُطْلَقِ بِغَيْرِ دَلِيلٍ .\rوَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ الطَّوَافَ رَاجِلًا أَفْضَلُ ؛ لِأَنَّ أَصْحَابَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَافُوا مَشْيًا ، وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَيْرِ حَجَّةِ الْوَدَاعِ طَافَ مَشْيًا ، وَفِي قَوْلِ أُمِّ سَلَمَةَ : { شَكَوْت إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنِّي أَشْتَكِي ، فَقَالَ : طُوفِي مِنْ وَرَاءِ النَّاسِ ، وَأَنْتِ رَاكِبَةٌ } .\rدَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الطَّوَافَ إنَّمَا يَكُونُ مَشْيًا ، وَإِنَّمَا طَافَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَاكِبًا لِعُذْرٍ ، فَإِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ رَوَى { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَثُرَ عَلَيْهِ النَّاسُ يَقُولُونَ : هَذَا مُحَمَّدٌ هَذَا مُحَمَّدٌ .\rحَتَّى خَرَجَ الْعَوَاتِقُ مِنْ الْبُيُوتِ ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يُضْرَبُ النَّاسُ بَيْنَ يَدَيْهِ ، فَلَمَّا كَثُرُوا عَلَيْهِ رَكِبَ } .\rرَوَاهُ مُسْلِمٌ .\rوَكَذَلِكَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ ، فَإِنَّ النَّاسَ غَشَوْهُ .\rوَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَافَ رَاكِبًا ؛ لِشَكَاةٍ بِهِ } .\rوَبِهَذَا يَعْتَذِرُ مَنْ مَنَعَ الطَّوَافَ رَاكِبًا عَنْ طَوَافِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْحَدِيثُ الْأَوَّلُ أَثْبَتُ .\rفَعَلَى هَذَا يَكُونُ كَثْرَةُ النَّاسِ ، وَشِدَّةُ الزِّحَامِ عُذْرًا .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَصَدَ تَعْلِيمَ النَّاسِ مَنَاسِكَهُمْ ، فَلَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْهُ إلَّا بِالرُّكُوبِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَم .\r( 2497 ) فَصْلٌ : إذَا طَافَ رَاكِبًا ، أَوْ مَحْمُولًا ، فَلَا رَمَلَ عَلَيْهِ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : يَخُبُّ بِهِ بَعِيرُهُ .\rوَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَفْعَلْهُ ، وَلَا أَمَرَ بِهِ ، وَلِأَنَّ مَعْنَى الرَّمَلِ لَا يَتَحَقَّقُ فِيهِ .\r( 2498 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا السَّعْيُ رَاكِبًا ، فَيُجْزِئُهُ لِعُذْرٍ وَلِغَيْرِ عُذْرٍ ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى الَّذِي مَنَعَ الطَّوَافَ رَاكِبًا غَيْرُ مَوْجُودٍ فِيهِ .","part":7,"page":127},{"id":3127,"text":"( 2499 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَمَنْ كَانَ مُفْرِدًا ، أَوْ قَارِنًا ، أَحْبَبْنَا لَهُ أَنْ يَفْسَخَ إذَا طَافَ وَسَعَى ، وَيَجْعَلَهَا عُمْرَةً ، إلَّا أَنْ يَكُونَ مَعَهُ هَدْيٌ ، فَيَكُونَ عَلَى إحْرَامِهِ ) أَمَّا إذَا كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَحِلَّ مِنْ إحْرَامِ الْحَجِّ ، وَيَجْعَلَهُ عُمْرَةً ، بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ .\rوَقَدْ رَوَى ابْنُ عُمَرَ ، { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ ، قَالَ لِلنَّاسِ : مَنْ كَانَ مِنْكُمْ أَهْدَى ، فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ مِنْ شَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ ، حَتَّى يَقْضِيَ حَجَّهُ ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَهْدَى ، فَلْيَطُفْ بِالْبَيْتِ ، وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ، وَلْيُقَصِّرْ ، وَلْيَحْلِلْ ، ثُمَّ لِيُهِلّ بِالْحَجِّ ، وَلْيُهْدِ ، وَمَنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا ، فَلْيَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةً إذَا رَجَعَ إلَى أَهْلِهِ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَأَمَّا مَنْ لَا هَدْي مَعَهُ ، مِمَّنْ كَانَ مُفْرِدًا أَوْ قَارِنًا ، فَيُسْتَحَبُّ لَهُ إذَا طَافَ وَسَعَى أَنْ يَفْسَخَ نِيَّتَهُ بِالْحَجِّ ، وَيَنْوِيَ عُمْرَةً مُفْرَدَةً ، فَيُقَصِّرَ ، وَيَحِلَّ مَنْ إحْرَامِهِ ؛ لِيَصِيرَ مُتَمَتِّعًا ، إنْ لَمْ يَكُنْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ .\rوَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَرَى أَنَّ مَنْ طَافَ بِالْبَيْتِ ، وَسَعَى ، فَقَدْ حَلَّ ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ ذَلِكَ .\rوَبِمَا ذَكَرْنَاهُ قَالَ الْحَسَنُ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَدَاوُد ، وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ ، عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الْحَجَّ أَحَدُ النِّسْكَيْنِ ، فَلَمْ يَجُزْ فَسْخُهُ كَالْعُمْرَةِ ، فَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ ، بِإِسْنَادِهِ ، عَنْ الْحَارِثِ بْنِ بِلَالٍ الْمُزَنِيّ ، عَنْ أَبِيهِ { ، أَنَّهُ قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَسْخُ الْحَجِّ لَنَا خَاصَّةً ، أَوْ لِمَنْ أَتَى ؟ قَالَ : لَنَا خَاصَّةً } .\rوَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ الْمُرَقِّعِ الْأَسَدِيِّ ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ : { كَانَ مَا أَذِنَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ دَخَلْنَا مَكَّةَ ، أَنْ نَجْعَلَهَا عُمْرَةً ، وَنَحِلَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ ، أَنَّ تِلْكَ كَانَتْ لَنَا خَاصَّةً ، رُخْصَةً مِنْ","part":7,"page":128},{"id":3128,"text":"رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دُونَ جَمِيعِ النَّاسِ } .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ قَدْ صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ أَمَرَ أَصْحَابَهُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ الَّذِينَ أَفْرَدُوا الْحَجَّ وَقَرَنُوا ، أَنْ يَحِلُّوا كُلَّهُمْ ، وَيَجْعَلُوهَا عُمْرَةً ، إلَّا مَنْ كَانَ مَعَهُ الْهَدْيُ ، وَثَبَتَ ذَلِكَ فِي أَحَادِيثَ كَثِيرَةٍ ، مُتَّفَقٍ عَلَيْهِنَّ ، بِحَيْثُ يَقْرُبُ مِنْ التَّوَاتُرِ وَالْقَطْعِ ، وَلَمْ يَخْتَلِفْ فِي صِحَّةِ ذَلِكَ وَثُبُوتِهِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلِمْنَاهُ وَذَكَرَ أَبُو حَفْصٍ ، فِي ( شَرْحِهِ ) ، قَالَ : سَمِعْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَطَّةَ يَقُولُ : سَمِعْت أَبَا بَكْرٍ بْنَ أَيُّوبَ يَقُول : سَمِعْت إبْرَاهِيمَ الْحَرْبِيَّ يَقُولُ ، وَسُئِلَ عَنْ فَسْخِ الْحَجِّ ، فَقَالَ : قَالَ سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ لِأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ : يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ، كُلُّ شَيْءٍ مِنْك حَسَنٌ جَمِيلٌ ، إلَّا خَلَّةً وَاحِدَةً .\rفَقَالَ : وَمَا هِيَ ؟ قَالَ تَقُولُ بِفَسْخِ الْحَجِّ .\rفَقَالَ أَحْمَدُ : قَدْ كُنْت أَرَى أَنَّ لَك عَقْلًا ، عِنْدِي ثَمَانِيَةَ عَشَرَ حَدِيثًا صِحَاحًا جِيَادًا ، كُلُّهَا فِي فَسْخِ الْحَجِّ ، أَتْرُكُهَا لِقَوْلِك وَقَدْ رَوَى فَسْخَ الْحَجِّ ابْنُ عُمَرَ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ ، وَجَابِرٌ ، وَعَائِشَةُ ، وَأَحَادِيثُهُمْ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا .\rوَرَوَاهُ غَيْرُهُمْ ، وَأَحَادِيثُهُمْ كُلُّهَا صِحَاحٌ .\rقَالَ أَحْمَدُ : رُوِيَ الْفَسْخُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ ، وَعَائِشَةَ ، وَأَسْمَاءَ ، وَالْبَرَاءِ ، وَابْنِ عُمَرَ ، وَسَبْرَةَ الْجُهَنِيِّ ، وَفِي لَفْظِ حَدِيثِ جَابِرٍ ، قَالَ : { أَهْلَلْنَا أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْحَجِّ خَالِصًا وَحْدَهُ ، وَلَيْسَ مَعَهُ عُمْرَةٌ ، فَقَدِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صُبْحَ رَابِعَةٍ مَضَتْ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ ، فَلَمَّا قَدِمْنَا ، أَمَرَنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ نَحِلَّ ، قَالَ : حِلُّوا ، وَأُصِيبُوا مِنْ النِّسَاءِ .\rقَالَ :","part":7,"page":129},{"id":3129,"text":"فَبَلَغَهُ عَنَّا أَنَّا نَقُولُ : لَمْ يَكُنْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ عَرَفَةَ إلَّا خَمْسُ لَيَالٍ ، أَمَرَنَا أَنْ نَحِلَّ إلَى نِسَائِنَا ، فَنَأْتِيَ عَرَفَةَ تَقْطُرُ مَذَاكِيرُنَا الْمَنِيَّ .\rقَالَ : فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : قَدْ عَلِمْتُمْ أَنِّي أَتْقَاكُمْ لِلَّهِ ، وَأَصْدَقُكُمْ ، وَأَبَرُّكُمْ ، وَلَوْلَا هَدْيِي لَحَلَلْت كَمَا تَحِلُّونَ ، فَحِلُّوا ، وَلَوْ اسْتَقْبَلْت مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْت ، مَا أَهْدَيْت .\rقَالَ : فَحَلَلْنَا ، وَسَمِعْنَا ، وَأَطَعْنَا .\rقَالَ فَقَالَ سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ الْمُدْلِجِيُّ : مُتْعَتُنَا هَذِهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ لِعَامِنَا هَذَا ، أَمْ لِلْأَبَدِ ؟ فَظَنَّهُ مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، أَنَّهُ قَالَ : لِلْأَبَدِ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rفَأَمَّا حَدِيثُهُمْ ، فَقَالَ أَحْمَدُ : رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ الْحَارِثُ بْنُ بِلَالٍ ، فَمَنْ الْحَارِثُ بْنُ بِلَالٍ ؟ يَعْنِي أَنَّهُ مَجْهُولٌ .\rوَلَمْ يَرْوِهِ إلَّا الدَّرَاوَرْدِيُّ ، وَحَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ رَوَاهُ مُرَقِّعٌ الْأَسَدِيُّ ، فَمَنْ مُرَقِّعٌ الْأَسَدِيُّ ، شَاعِرٌ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ ، وَلَمْ يَلْقَ أَبَا ذَرٍّ .\rفَقِيلَ لَهُ : أَفَلَيْسَ قَدْ رَوَى الْأَعْمَشُ عَنْ إبْرَاهِيمَ التَّيْمِيَّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ ؟ قَالَ : كَانَتْ مُتْعَةُ الْحَجِّ لَنَا خَاصَّةً أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rقَالَ : أَفَيَقُولُ بِهَذَا أَحَدٌ ؟ الْمُتْعَةُ فِي كِتَابِ اللَّهِ ، وَقَدْ أَجْمَعَ النَّاسُ عَلَى أَنَّهَا جَائِزَةٌ .\rقَالَ الْجُوزَجَانِيُّ : مُرَقِّعٌ الْأَسَدِيُّ لَيْسَ بِمَشْهُورٍ ، وَمِثْلُ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ فِي ضَعْفِهَا وَجَهَالَةِ رُوَاتِهَا ، لَا تُقْبَلُ إذَا انْفَرَدَتْ ، فَكَيْفَ تُقْبَلُ فِي رَدِّ حُكْمٍ ثَابِتٍ بِالتَّوَاتُرِ ، مَعَ أَنَّ قَوْلَ أَبِي ذَرٍّ مِنْ رَأْيِهِ ، وَقَدْ خَالَفَهُ مَنْ هُوَ أَعْلَمُ مِنْهُ ، وَقَدْ شَذَّ بِهِ عَنْ الصَّحَابَةِ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، فَلَا يُلْتَفَتُ إلَى هَذَا ، وَقَدْ اخْتَلَفَ لَفْظُهُ ، فَفِي أَصَحِّ الطَّرِيقَيْنِ عَنْهُ قَوْلُهُ مُخَالِفٌ لِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ","part":7,"page":130},{"id":3130,"text":"، وَإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ ، وَسُنَنِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الثَّابِتَةِ الصَّحِيحَةِ ، فَلَا يَحِلُّ الِاحْتِجَاجُ بِهِ .\rوَأَمَّا قِيَاسُهُمْ فِي مُقَابَلَةِ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَا يُقْبَلُ ، عَلَى أَنَّ قِيَاسَ الْحَجِّ عَلَى الْعُمْرَةِ فِي هَذَا لَا يَصِحُّ ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ قَلْبُ الْحَجِّ إلَى الْعُمْرَةِ فِي حَقِّ مَنْ فَاتَهُ الْحَجُّ ، وَمَنْ حُصِرَ عَنْ عَرَفَةَ ، وَالْعُمْرَةُ لَا تَصِيرُ حَجًّا بِحَالٍ .\rوَلِأَنَّ فَسْخَ الْحَجِّ إلَى الْعُمْرَةِ يَصِيرُ بِهِ مُتَمَتِّعًا ، فَتَحْصُلُ الْفَضِيلَةُ ، وَفَسْخُ الْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ يُفَوِّتُ الْفَضِيلَةَ ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ مَشْرُوعِيَّةِ مَا يَحْصُلُ بِهِ الْفَضِيلَةُ مَشْرُوعِيَّةُ تَفْوِيتِهَا .","part":7,"page":131},{"id":3131,"text":"( 2500 ) فَصْلٌ : وَإِذَا فَسَخَ الْحَجَّ إلَى الْعُمْرَةِ ، صَارَ مُتَمَتِّعًا ، حُكْمُهُ حُكْمُ الْمُتَمَتِّعِينَ فِي وُجُوبِ الدَّمِ وَغَيْرِهِ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : لَا يَجِبُ الدَّمُ ؛ لِأَنَّ مِنْ شَرْطِ وُجُوبِهِ أَنْ يَنْوِيَ فِي ابْتِدَاءِ الْعُمْرَةِ ، أَوْ فِي أَثْنَائِهَا ، أَنَّهُ مُتَمَتِّعٌ .\rوَهَذِهِ دَعْوَى لَا دَلِيلَ عَلَيْهَا ، تُخَالِفُ عُمُومَ الْكِتَابِ وَصَرِيحَ السُّنَّةِ الثَّابِتَةِ ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : { فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ } .\rوَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { مَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَهْدَى ، فَلْيَطُفْ بِالْبَيْتِ ، وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ، وَلْيُقَصِّرْ ، وَلْيَحِلَّ ، ثُمَّ لِيُهِلّ بِالْحَجِّ وَلْيُهْدِ ، وَمَنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا ، فَلْيَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةً إذَا رَجَعَ إلَى أَهْلِهِ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَلِأَنَّ وُجُوبَ الدَّمِ فِي الْمُتْعَةِ لِلتَّرَفُّهِ بِسُقُوطِ أَحَدِ السَّفَرَيْنِ ، وَهَذَا الْمَعْنَى لَا يَخْتَلِفُ بِالنِّيَّةِ وَعَدَمِهَا ، فَوَجَبَ أَنْ لَا يَخْتَلِفَ وُجُوبُ الدَّمِ ، عَلَى أَنَّهُ لَوْ ثَبَتَ أَنَّ النِّيَّةَ شَرْطٌ ، فَقَدْ وُجِدَتْ ، فَإِنَّهُ مَا حَلَّ حَتَّى نَوَى أَنَّهُ يَحِلُّ ، ثُمَّ يُحْرِمُ بِالْحَجِّ .","part":7,"page":132},{"id":3132,"text":"( 2501 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَمَنْ كَانَ مُتَمَتِّعًا ، قَطَعَ التَّلْبِيَةَ إذَا وَصَلَ إلَى الْبَيْتِ ) قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ : يَقْطَعُ الْمُعْتَمِرُ التَّلْبِيَةَ إذَا اسْتَلَمَ الرُّكْنَ .\rوَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ الْخِرَقِيِّ : ( إذَا وَصَلَ إلَى الْبَيْتِ ) .\rوَبِهَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَعَطَاءٌ ، وَعَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ ، وَطَاوُسٌ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَقَالَ ابْنُ عُمَرَ ، وَعُرْوَةُ ، وَالْحَسَنُ : يَقْطَعُهَا إذَا دَخَلَ الْحَرَمَ .\rوَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ : يَقْطَعُهَا حِينَ يَرَى عَرْشَ مَكَّةَ .\rوَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ ، أَنَّهُ إنْ أَحْرَمَ مِنْ الْمِيقَاتِ ، قَطَعَ التَّلْبِيَةَ إذَا وَصَلَ إلَى الْحَرَمِ ، وَإِنْ أَحْرَمَ بِهَا مِنْ أَدْنَى الْحِلِّ ، قَطَعَ التَّلْبِيَةَ حِينَ يَرَى الْبَيْتَ .\rوَلَنَا ، مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، يَرْفَعُ الْحَدِيثَ : { كَانَ يُمْسِكُ عَنْ التَّلْبِيَةَ فِي الْعُمْرَةِ ، إذَا اسْتَلَمَ الْحَجَرَ } .\rقَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ .\rوَرَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، عَنْ { النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اعْتَمَرَ ثَلَاثَ عُمْرٍ ، وَلَمْ يَزَلْ يُلَبِّي حَتَّى اسْتَلَمَ الْحَجَرَ } .\rوَلِأَنَّ التَّلْبِيَةَ إجَابَةٌ إلَى الْعِبَادَةِ ، وَإِشْعَارٌ لِلْإِقَامَةِ عَلَيْهَا ، وَإِنَّمَا يَتْرُكُهَا إذَا شَرَعَ فِيمَا يُنَافِيهَا ، وَهُوَ التَّحَلُّلُ مِنْهَا ، وَالتَّحَلُّلُ يَحْصُلُ بِالطَّوَافِ وَالسَّعْيِ ، فَإِذَا شَرَعَ فِي الطَّوَافِ فَقَدْ أَخَذَ فِي التَّحَلُّلِ ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَقْطَعَ التَّلْبِيَةَ ، كَالْحَجِّ إذَا شَرَعَ فِي رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ ، لِحُصُولِ التَّحَلُّلِ بِهَا .\rوَأَمَّا قَبْلَ ذَلِكَ ، فَلَمْ يَشْرَعْ فِيمَا يُنَافِيهَا ، فَلَا مَعْنَى لِقَطْعِهَا .\rوَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .","part":7,"page":133},{"id":3133,"text":"بَابُ صِفَةِ الْحَجِّ نَذْكُرُ فِي هَذَا الْبَابِ صِفَةَ الْحَجِّ ، بَعْدَ حِلِّ الْمُتَمَتِّعِ مِنْ عُمْرَتِهِ ، وَنَبْدَأُ بِذِكْرِ حَدِيثِ جَابِرٍ فِي صِفَةِ حَجِّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَقْتَصِرُ مِنْهُ عَلَى مَا يَخْتَصُّ بِهَذَا الْبَابِ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا بَعْضَهُ مُفَرَّقًا فِي الْأَبْوَابِ الْمَاضِيَةِ ، وَهُوَ حَدِيثٌ جَامِعٌ صَحِيحٌ ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ ، وَأَبُو دَاوُد ، وَابْنُ مَاجَهْ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَابِرٍ ، ذَكَرَ الْحَدِيثَ ، قَالَ : { فَحَلَّ النَّاسُ كُلُّهُمْ ، وَقَصَّرُوا ، إلَّا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ ، تَوَجَّهُوا إلَى مِنًى ، فَأَهَلُّوا بِالْحَجِّ ، وَرَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى مِنًى ، فَصَلَّى بِهَا الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ وَالْفَجْرَ ، ثُمَّ مَكَثَ قَلِيلًا حَتَّى طَلَعَتْ الشَّمْسُ ، وَأَمَرَ بِقُبَّةٍ مِنْ شَعْرٍ تُضْرَبُ لَهُ بِنَمِرَةَ ، فَسَارَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا تَشُكُّ قُرَيْشٌ إلَّا أَنَّهُ وَاقِفٌ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ ، كَمَا كَانَتْ قُرَيْشٌ تَصْنَعُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، فَأَجَازَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى إذَا أَتَى عَرَفَةَ ، فَوَجَدَ الْقُبَّةَ قَدْ ضُرِبَتْ لَهُ بِنَمِرَةَ ، فَنَزَلَ بِهَا حَتَّى إذَا زَالَتْ الشَّمْسُ أَمَرَ بِالْقَصْوَاءِ فَرَحَلَتْ لَهُ ، فَأَتَى بَطْنَ الْوَادِي ، فَخَطَبَ النَّاسَ ، وَقَالَ : إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا ، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا ، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا ، أَلَا إنَّ كُلَّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّة تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ ، وَدِمَاءَ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُهُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ - كَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي سَعْدٍ ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ - وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ مِنْ رِبَانَا ، رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ ،","part":7,"page":134},{"id":3134,"text":"فَاتَّقُوا اللَّهَ فِي النِّسَاءِ ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ اللَّهِ ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ، وَقَدْ تَرَكْت فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ ، كِتَابَ اللَّهِ ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي ، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ ؟ .\rقَالُوا : نَشْهَدُ أَنَّك قَدْ بَلَّغْت ، وَأَدَّيْت ، وَنَصَحْت .\rفَقَالَ بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ يَرْفَعُهَا إلَى السَّمَاءِ ، وَيَنْكُبُهَا إلَى النَّاسِ : اللَّهُمَّ اشْهَدْ ، اللَّهُمَّ اشْهَدْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، ثُمَّ أَذَّنَ ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الظُّهْرَ ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الْعَصْرَ ، وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا شَيْئًا ، ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى أَتَى الْمَوْقِفَ ، فَجَعَلَ بَطْنَ نَاقَتِهِ الْقَصْوَاءِ إلَى الصَّخَرَاتِ ، وَجَعَلَ حَبْلَ الْمُشَاةِ بَيْنَ يَدَيْهِ ، فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ ، فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حَتَّى غَرَبَتْ الشَّمْسُ ، وَذَهَبَتْ الصُّفْرَةُ قَلِيلًا حَتَّى غَابَ الْقُرْصُ ، وَأَرْدَفَ أُسَامَةَ خَلْفَهُ ، وَدَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ شَنَقَ لِلْقَصْوَاءِ الزِّمَامَ ، حَتَّى إنَّ رَأْسَهَا لَيُصِيبَ مَوْرِكَ رَحْلِهِ ، وَيَقُولُ بِيَدِهِ الْيُمْنَى : أَيُّهَا النَّاسُ ، السَّكِينَةَ السَّكِينَةَ كَلَّمَا أَتَى حَبْلًا مِنْ الْحِبَالِ أَرْخَى لَهَا قَلِيلًا حَتَّى تَصْعَدَ ، حَتَّى أَتَى الْمُزْدَلِفَةَ ، فَصَلَّى بِهَا الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ ، بِأَذَانٍ وَاحِدٍ وَإِقَامَتَيْنِ ، وَلَمْ يُسَبِّحْ بَيْنَهُمَا شَيْئًا ، ثُمَّ اضْطَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ ، فَصَلَّى الصُّبْحَ حِينَ تَبَيَّنَ لَهُ الصُّبْحُ ، بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ ، ثُمَّ رَكِبَ الْقَصْوَاءَ ، حَتَّى أَتَى الْمَشْعَرَ الْحَرَامَ ، فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ ، فَدَعَا اللَّهَ وَكَبَّرَهُ وَهَلَّلَهُ وَوَحَّدَهُ ، وَلَمْ يَزَلْ","part":7,"page":135},{"id":3135,"text":"وَاقِفًا حَتَّى أَسْفَرَ جِدًّا ، فَدَفَعَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ ، وَأَرْدَفَ الْفَضْلَ بْنَ عَبَّاسٍ ، وَكَانَ رَجُلًا حَسَنَ الشَّعْرِ ، أَبِيضَ ، وَسِيمًا ، فَلَمَّا دَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّتْ بِهِ ظُعُنٌ يَجْرِينَ ، فَطَفِقَ الْفَضْلُ يَنْظُرُ إلَيْهِنَّ ، فَوَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَهُ عَلَى وَجْهِ الْفَضْلِ ، فَحَوَّلَ الْفَضْلُ وَجْهَهُ إلَى الشِّقِّ الْآخَرِ يَنْظُرُ ، فَحَوَّلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَهُ مِنْ الشِّقِّ الْآخَرِ عَلَى وَجْهِ الْفَضْلِ ، فَصَرَفَ وَجْهَهُ مِنْ الشِّقِّ الْآخَرِ يَنْظُرُ ، حَتَّى أَتَى بَطْنَ مُحَسِّرٍ ، فَحَرَّكَ قَلِيلًا ، ثُمَّ سَلَكَ الطَّرِيقَ الْوُسْطَى الَّتِي تَخْرُجُ عَلَى الْجَمْرَةِ الْكُبْرَى ، حَتَّى أَتَى الْجَمْرَةَ الَّتِي عِنْدَ الشَّجَرَةِ ، فَرَمَاهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ ، يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ مِنْهَا مِثْلَ حَصَى الْخَذْفِ ، رَمَى مِنْ بَطْنِ الْوَادِي ، ثُمَّ انْصَرَفَ إلَى الْمَنْحَرِ فَنَحَرَ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ بَدَنَةً بِيَدِهِ ، ثُمَّ أَعْطَى عَلِيًّا فَنَحَرَ مَا غَبَرَ ، وَأَشْرَكَهُ فِي هَدْيِهِ ، ثُمَّ أَمَرَ مِنْ كُلِّ بَدَنَةٍ بِبَضْعَةٍ فَجُعِلَتْ فِي قِدْرٍ ، فَطُبِخَتْ فَأَكَلَا مِنْ لَحْمِهَا وَشَرِبَا مِنْ مَرَقِهَا ، ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَفَاضَ إلَى الْبَيْتِ ، فَصَلَّى بِمَكَّةَ الظُّهْرَ ، فَأَتَى بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَهُمْ يَسْقُونَ عَلَى زَمْزَمَ ، فَقَالَ : انْزِعُوا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ، فَلَوْلَا أَنْ يَغْلِبَكُمْ النَّاسُ عَلَى سِقَايَتِكُمْ لَنَزَعْت مَعَكُمْ .\rفَنَاوَلُوهُ دَلْوًا ، فَشَرِبَ مِنْهُ } .\rقَالَ عَطَاءٌ : كَانَ مَنْزِلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمِنًى بِالْخَيْفِ .","part":7,"page":136},{"id":3136,"text":"( 2502 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَإِذَا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ ، أَهَلَّ بِالْحَجِّ ، وَمَضَى إلَى مِنًى ) يَوْمُ التَّرْوِيَةِ : الْيَوْمُ الثَّامِنُ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ .\rسُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَتَرَوَّوْنَ مِنْ الْمَاءِ فِيهِ ، يُعِدُّونَهُ لِيَوْمِ عَرَفَةَ .\rوَقِيلَ : سُمِّيَ بِذَلِكَ ؛ لِأَنَّ إبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ رَأَى لَيْلَتئِذٍ فِي الْمَنَامِ ذَبْحَ ابْنِهِ ، فَأَصْبَحَ يَرْوِي فِي نَفْسِهِ أَهُوَ حُلْمٌ أَمْ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى ؟ فَسُمِّيَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ ، فَلَمَّا كَانَتْ لَيْلَةُ عَرَفَةَ رَأَى ذَلِكَ أَيْضًا ، فَعَرَفَ أَنَّهُ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى ، فَسُمِّيَ يَوْمَ عَرَفَةَ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .\rوَالْمُسْتَحَبُّ لِمَنْ كَانَ بِمَكَّةَ حَلَالًا مِنْ الْمُتَمَتِّعِينَ الَّذِينَ حَلُّوا مِنْ عُمْرَتِهِمْ ، أَوْ مَنْ كَانَ مُقِيمًا بِمَكَّةَ مِنْ أَهْلِهَا ، أَوْ مِنْ غَيْرِهِمْ ، أَنْ يُحْرِمُوا يَوْمَ التَّرْوِيَةِ حِينَ يَتَوَجَّهُونَ إلَى مِنًى .\rوَبِهَذَا قَالَ ابْنُ عُمَرَ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ ، وَعَطَاءٌ ، وَطَاوُسٌ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَإِسْحَاقُ .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ لِأَهْلِ مَكَّةَ : مَا لَكُمْ يَقْدَمُ النَّاسُ عَلَيْكُمْ شُعْثًا ، إذَا رَأَيْتُمْ الْهِلَالَ فَأَهِلُّوا بِالْحَجِّ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ ابْنِ الزُّبَيْرِ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : مَنْ كَانَ بِمَكَّةَ ، فَأَحَبُّ أَنْ يُهِلَّ مِنْ الْمَسْجِدِ لِهِلَالِ ذِي الْحِجَّةِ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ جَابِرٍ : فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ تَوَجَّهُوا إلَى مِنًى ، فَأَهَلُّوا بِالْحَجِّ .\rوَفِي لَفْظٍ عَنْ جَابِرٍ ، قَالَ : { أَمَرَنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا حَلَلْنَا ، أَنْ نُحْرِمَ إذَا تَوَجَّهْنَا إلَى مِنًى ، فَأَهْلَلْنَا مِنْ الْأَبْطَحِ ، حَتَّى إذَا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ ، وَجَعَلْنَا مَكَّةَ بِظَهْرٍ ، أَهْلَلْنَا بِالْحَجِّ } .\rرَوَاهُ مُسْلِمٌ .\rوَعَنْ عُبَيْدِ بْنِ جُرَيْجٍ ، أَنَّهُ قَالَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ : رَأَيْتُك إذَا كُنْت بِمَكَّةَ ، أَهَلَّ النَّاسُ وَلَمْ تُهِلَّ أَنْتَ ، حَتَّى يَكُونَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ ؟ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ","part":7,"page":137},{"id":3137,"text":": أَمَّا الْإِهْلَالُ ، فَإِنِّي لَمْ أَرَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُهِلُّ حَتَّى تَنْبَعِثَ بِهِ رَاحِلَتُهُ .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَلِأَنَّهُ مِيقَاتٌ لِلْإِحْرَامِ ، فَاسْتَوَى فِيهِ أَهْلُ مَكَّةَ وَغَيْرُهُمْ ، كَمِيقَاتِ الْمَكَانِ .\rوَإِنْ أَحْرَمَ قَبْلَ ذَلِكَ ، كَانَ جَائِزًا فَصْلٌ : وَمِنْ حَيْثُ أَحْرَمَ مِنْ مَكَّةَ جَازَ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَوَاقِيتِ : { حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ يُهِلُّونَ مِنْهَا } .\rوَإِنْ أَحْرَمَ خَارِجًا مِنْهَا مِنْ الْحَرَمِ جَازَ ؛ لِقَوْلِ جَابِرٍ : { فَأَهْلَلْنَا مِنْ الْأَبْطَحِ .\rوَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَفْعَلَ عِنْدَ إحْرَامِهِ هَذَا مَا يَفْعَلُهُ عِنْدَ الْإِحْرَامِ مِنْ الْمِيقَاتِ ، مِنْ الْغُسْلِ وَالتَّنْظِيفِ ، وَيَتَجَرَّدَ عَنْ الْمَخِيطِ ، وَيَطُوفَ سَبْعًا ، وَيُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ ، ثُمَّ يُحْرِمَ عَقِيبَهُمَا } .\rوَمِمَّنْ اسْتَحَبَّ ذَلِكَ عَطَاءٌ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَالثَّوْرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ .\rوَلَا يُسَنُّ أَنْ يَطُوفَ بَعْدَ إحْرَامِهِ .\rقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : لَا أَرَى لِأَهْلِ مَكَّةَ أَنْ يَطُوفُوا بَعْدَ أَنْ يُحْرِمُوا بِالْحَجِّ ، وَلَا أَنْ يَطُوفُوا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ، حَتَّى يَرْجِعُوا .\rوَهَذَا مَذْهَبُ عَطَاءٍ ، وَمَالِكٍ ، وَإِسْحَاقَ .\rوَإِنْ طَافَ بَعْدَ إحْرَامِهِ ، ثُمَّ سَعَى ، لَمْ يُجْزِئْهُ عَنْ السَّعْيِ الْوَاجِبِ .\rوَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يُجْزِئُهُ .\rوَفَعَلَهُ ابْنُ الزُّبَيْرِ ، وَأَجَازَهُ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ ؛ لِأَنَّهُ سَعَى فِي الْحَجِّ مَرَّةً ، فَأَجْزَأَهُ ، كَمَا لَوْ سَعَى بَعْدَ رُجُوعِهِ مِنْ مِنًى .\rوَلَنَا ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ أَصْحَابَهُ أَنْ يُهِلُّوا بِالْحَجِّ إذَا خَرَجُوا إلَى مِنًى .\rوَقَالَتْ عَائِشَةُ : خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَطَافَ الَّذِينَ أَهَلُّوا بِعُمْرَةٍ بِالْبَيْتِ ، وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ، ثُمَّ حَلُّوا ، ثُمَّ طَافُوا طَوَافًا آخَرَ بَعْدَ أَنْ رَجَعُوا مِنْ مِنًى","part":7,"page":138},{"id":3138,"text":"لِحَجِّهِمْ .\rوَلَوْ شُرِعَ لَهُمْ الطَّوَافُ قَبْلَ الْخُرُوجِ ، لَمْ يَتَّفِقُوا عَلَى تَرْكِهِ .","part":7,"page":139},{"id":3139,"text":"( 2504 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَمَضَى إلَى مِنًى ، فَصَلَّى بِهَا الظُّهْرَ إنْ أَمْكَنَهُ ؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أَنَّهُ صَلَّى بِمِنًى خَمْسَ صَلَوَاتٍ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ ، أَنَّ الْمُسْتَحَبَّ أَنْ يَخْرُجَ مُحْرِمًا مِنْ مَكَّةَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ ، فَيُصَلِّيَ الظُّهْرَ بِمِنًى ، ثُمَّ يُقِيمَ حَتَّى يُصَلِّيَ بِهَا الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ ، وَيَبِيتَ بِهَا ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَلَ ذَلِكَ .\rكَمَا جَاءَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ ، وَهَذَا قَوْلُ سُفْيَانَ ، وَمَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَإِسْحَاقَ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ ، وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا .\rوَلَيْسَ ذَلِكَ وَاجِبًا فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : وَلَا أَحْفَظُ عَنْ غَيْرِهِمْ خِلَافَهُمْ .\rوَتَخَلَّفَتْ عَائِشَةُ لَيْلَةَ التَّرْوِيَةِ حَتَّى ذَهَبَ ثُلُثَا اللَّيْلِ ، وَصَلَّى ابْنُ الزُّبَيْرِ بِمَكَّةَ .\r( 2505 ) فَصْلٌ : فَإِنْ صَادَفَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ يَوْمَ جُمُعَةٍ ، فَمَنْ أَقَامَ بِمَكَّةَ حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ ، مِمَّنْ تَجِبُ عَلَيْهِ الْجُمُعَةُ ، لَمْ يَخْرُجْ حَتَّى يُصَلِّيَهَا ؛ لِأَنَّ الْجُمُعَةَ فَرْضٌ ، وَالْخُرُوجَ إلَى مِنًى فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ غَيْرُ فَرْضٍ .\rفَأَمَّا قَبْلَ الزَّوَالِ ، فَإِنْ شَاءَ خَرَجَ ، وَإِنْ شَاءَ أَقَامَ حَتَّى يُصَلِّيَ ، فَقَدْ رُوِيَ أَنَّ ذَلِكَ وَافَقَ أَيَّامَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، فَخَرَجَ إلَى مِنًى .\rوَقَالَ عَطَاءٌ : كُلُّ مَنْ أَدْرَكْت يَصْنَعُونَهُ ، أَدْرَكْتهمْ يُجَمِّعُ بِمَكَّةَ إمَامُهُمْ وَيَخْطُبُ ، وَمَرَّةً لَا يُجَمِّعُ وَلَا يَخْطُبُ .\rفَعَلَى هَذَا إذَا خَرَجَ الْإِمَامُ ، أَمَرَ بَعْضَ مَنْ تَخَلَّفَ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ الْجُمُعَةَ .\rوَقَالَ أَحْمَدُ : إذَا كَانَ وَالِي مَكَّةَ بِمَكَّة يَوْم الْجُمُعَةِ ، يُجَمِّعُ بِهِمْ .\rقِيلَ لَهُ : يَرْكَبُ مِنْ مِنًى ، فَيَجِيءُ إلَى مَكَّةَ ، فَيُجَمِّعُ بِهِمْ ؟ قَالَ : لَا ، إذَا كَانَ هُوَ بَعْدُ بِمَكَّةَ .","part":7,"page":140},{"id":3140,"text":"مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( فَإِذَا طَلَعَتْ الشَّمْسُ ، دَفَعَ إلَى عَرَفَةَ ، فَأَقَامَ بِهَا حَتَّى يُصَلِّيَ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ ، بِإِقَامَةٍ لِكُلِّ صَلَاةٍ ، وَإِنْ أَذَّنَ فَلَا بَأْسَ ، وَإِنْ فَاتَهُ مَعَ الْإِمَامِ صَلَّى فِي رَحْلِهِ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْمُسْتَحَبَّ أَنْ يَدْفَعَ إلَى الْمَوْقِفِ مِنْ مِنًى إذَا طَلَعَتْ الشَّمْسُ يَوْمَ عَرَفَةَ ، فَيُقِيمَ ، بِنَمِرَةَ ، وَإِنْ شَاءَ بِعَرَفَةَ ، حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ ، ثُمَّ يَخْطُبَ الْإِمَامُ خُطْبَةً ، يُعَلِّمُ النَّاسَ فِيهَا مَنَاسِكَهُمْ ، مِنْ مَوْضِعِ الْوُقُوفِ وَوَقْتِهِ ، وَالدَّفْعِ مِنْ عَرَفَاتٍ ، وَمَبِيتِهِمْ بِمُزْدَلِفَةَ ، وَأَخْذِ الْحَصَى لِرَمْيِ الْجِمَارِ ؛ لِمَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَلَ ذَلِكَ ، ثُمَّ يَأْمُرُ بِالْأَذَانِ ، فَيَنْزِلُ فَيُصَلِّي الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ ، يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا ، وَيُقِيمُ لِكُلِّ صَلَاةٍ إقَامَةً .\r} وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ : يُؤَذِّنُ الْمُؤَذِّنُ إذَا صَعِدَ الْإِمَامُ الْمِنْبَرَ فَجَلَسَ ، فَإِذَا فَرَغَ الْمُؤَذِّنُ ، قَامَ الْإِمَامُ فَخَطَبَ .\rوَقِيلَ : يُؤَذِّنُ فِي آخِرِ خُطْبَةِ الْإِمَامِ .\rوَحَدِيثُ جَابِرٍ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَذَّنَ بَعْدَ فَرَاغِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ خُطْبَتِهِ .\rوَكَيْفَمَا فَعَلَ فَحَسَنٌ .\rوَقَوْلُهُ : ( وَإِنْ أَذَّنَ فَلَا بَأْسَ ) .\rكَأَنَّهُ ذَهَبَ إلَى أَنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يُؤَذِّنَ لِلْأُولَى أَوْ لَا يُؤَذِّنَ .\rوَكَذَا قَالَ أَحْمَدُ ؛ لِأَنَّ كُلًّا مَرْوِيٌّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rوَالْأَذَانُ أَوْلَى .\rوَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : يُؤَذِّنُ لِكُلِّ صَلَاةٍ .\rوَاتِّبَاعُ مَا جَاءَ فِي السُّنَّةِ أَوْلَى ، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ مُوَافِقٌ لِلْقِيَاسِ ، كَمَا فِي سَائِرِ الْمَجْمُوعَاتِ وَالْفَوَائِتِ .\rوَقَوْلُ الْخِرَقِيِّ : ( فَإِنْ فَاتَهُ مَعَ الْإِمَامِ صَلَّى فِي رَحْلِهِ ) .\rيَعْنِي أَنَّ الْمُنْفَرِدَ يَجْمَعُ كَمَا يَجْمَعُ مَعَ الْإِمَامِ ، فَعَلَهُ ابْنُ عُمَرَ .\rوَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ ،","part":7,"page":141},{"id":3141,"text":"وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَصَاحِبًا أَبِي حَنِيفَةَ .\rوَقَالَ النَّخَعِيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَجْمَعُ إلَّا مَعَ الْإِمَامِ ؛ لِأَنَّ لِكُلِّ صَلَاةٍ وَقْتًا مَحْدُودًا ، وَإِنَّمَا تُرِك ذَلِكَ فِي الْجَمْعِ مَعَ الْإِمَام ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ إمَامٌ ، رَجَعْنَا إلَى الْأَصْل .\rوَلَنَا ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ إذَا فَاتَهُ الْجَمْعُ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ ، مَعَ الْإِمَامِ بِعَرَفَةَ ، جَمَعَ بَيْنَهُمَا مُنْفَرِدًا .\rوَلِأَنَّ كُلَّ جَمْعٍ جَازَ مَعَ الْإِمَامِ جَازَ مُنْفَرِدًا ، كَالْجَمْعِ بَيْنَ الْعِشَاءَيْنِ بِجَمْعٍ .\rوَقَوْلُهُمْ : إنَّمَا جَازَ الْجَمْعُ فِي الْجَمَاعَةِ .\rلَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ سَلَّمُوا أَنَّ الْإِمَامَ يَجْمَعُ وَإِنْ كَانَ مُنْفَرِدًا .","part":7,"page":142},{"id":3142,"text":"( 2507 ) فَصْلٌ : وَالسُّنَّةُ تَعْجِيلُ الصَّلَاةِ حِينَ تَزُولُ الشَّمْسُ ، وَأَنْ يُقَصِّرَ الْخُطْبَةَ ، ثُمَّ يَرُوحَ إلَى الْمَوْقِفِ ؛ لِمَا رَوَى سَالِمٌ ، أَنَّهُ قَالَ لِلْحَجَّاجِ يَوْمَ عَرَفَةَ : إنْ كُنْت تُرِيدُ أَنْ تُصِيبَ السُّنَّةَ ، فَقَصِّرْ الْخُطْبَةَ ، وَعَجِّلْ الصَّلَاةَ .\rفَقَالَ ابْنُ عُمَرَ : صَدَقَ .\rرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ .\rوَلِأَنَّ تَطْوِيلَ ذَلِكَ يَمْنَعُ الرَّوَاحَ إلَى الْمَوْقِفِ فِي أَوَّلِ وَقْتِ الزَّوَالِ ، وَالسُّنَّةُ التَّعْجِيلُ فِي ذَلِكَ ، فَقَدْ رَوَى سَالِمٌ ، أَنَّ الْحَجَّاجَ أَرْسَلَ إلَى ابْنِ عُمَرَ : أَيَّةَ سَاعَةٍ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرُوحُ فِي هَذَا الْيَوْمِ ؟ فَقَالَ : إذَا كَانَ ذَلِكَ رُحْنَا .\rفَلَمَّا أَرَادَ ابْنُ عُمَرَ أَنْ يَرُوحَ ، قَالَ : أَزَاغَتْ الشَّمْسُ ؟ قَالُوا : لَمْ تَزِغْ .\rفَلَمَّا قَالُوا : قَدْ زَاغَتْ .\rارْتَحَلَ .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَقَالَ ابْنُ عُمَرَ : غَدَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ مِنًى حِينَ صَلَّى الصُّبْحَ ، صَبِيحَةَ يَوْمِ عَرَفَةَ ، حَتَّى أَتَى عَرَفَةَ ، فَنَزَلَ بِنَمِرَةَ حَتَّى إذَا كَانَ عِنْدَ صَلَاةِ الظُّهْرِ ، رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُهَجِّرًا ، فَجَمَعَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ ، ثُمَّ خَطَبَ النَّاسَ ، ثُمَّ رَاحَ فَوَقَفَ عَلَى الْمَوْقِفِ مِنْ عَرَفَةَ .\rوَقَدْ ذَكَرْنَا حَدِيثَ جَابِرٍ فِي هَذَا .\rقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : هَذَا كُلُّهُ لَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ .","part":7,"page":143},{"id":3143,"text":"فَصْلٌ : وَيَجُوزُ الْجَمْعُ لِكُلِّ مَنْ بِعَرَفَةَ ، مِنْ مَكِّيٍّ وَغَيْرِهِ ، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْإِمَامَ يَجْمَعُ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ بِعَرَفَةَ ، وَكَذَلِكَ مَنْ صَلَّى مَعَ الْإِمَامِ .\rوَذَكَرَ أَصْحَابُنَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْجَمْعُ إلَّا لِمَنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ وَطَنِهِ سِتَّةَ عَشَرَ فَرْسَخًا ، إلْحَاقًا لَهُ بِالْقَصْرِ .\rوَلَيْسَ بِصَحِيحٍ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَمَعَ ، فَجَمَعَ مَعَهُ مَنْ حَضَرَهُ مِنْ الْمَكِّيِّينَ وَغَيْرِهِمْ ، وَلَمْ يَأْمُرْهُمْ بِتَرْكِ الْجَمْعِ ، كَمَا أَمَرَهُمْ بِتَرْكِ الْقَصْرِ حِينَ قَالَ : ( أَتِمُّوا ، فَإِنَّا سَفْرٌ ) .\rوَلَوْ حُرِّمَ الْجَمْعُ لَبَيَّنَهُ لَهُمْ ، إذْ لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ ، وَلَا يُقِرُّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْخَطَأِ .\rوَقَدْ كَانَ عُثْمَانُ يُتِمُّ الصَّلَاةَ ؛ لِأَنَّهُ اتَّخَذَ أَهْلًا ، وَلَمْ يَتْرُكْ الْجَمْعَ .\rوَرُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ ابْنُ الزُّبَيْرِ .\rقَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ : وَكَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ يُعَلِّمُنَا الْمَنَاسِكَ .\rفَذَكَرَ أَنَّهُ قَالَ : إذَا أَفَاضَ ، فَلَا صَلَاةَ إلَّا بِجَمْعٍ .\rرَوَاهُ الْأَثْرَمُ .\rوَكَانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَالِيَ مَكَّةَ ، فَخَرَجَ فَجَمَعَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ .\rوَلَمْ يَبْلُغْنَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ الْمُتَقَدِّمِينَ خِلَافٌ فِي الْجَمْعِ بِعَرَفَةَ وَمُزْدَلِفَةَ ، بَلْ وَافَقَ عَلَيْهِ مَنْ لَا يَرَى الْجَمْعَ فِي غَيْرِهِ ، وَالْحَقُّ فِيمَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ ، فَلَا يُعَرَّجُ عَلَى غَيْرِهِ .","part":7,"page":144},{"id":3144,"text":"( 2509 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا قَصْرُ الصَّلَاةِ ، فَلَا يَجُوزُ لِأَهْلِ مَكَّةَ .\rوَبِهَذَا قَالَ عَطَاءٌ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَابْنُ جُرَيْجٍ وَالثَّوْرِيُّ ، وَيَحْيَى الْقَطَّانُ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ .\rوَقَالَ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، وَسَالِمٌ ، وَمَالِكٌ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ : لَهُمْ الْقَصْرُ ؛ لِأَنَّ لَهُمْ الْجَمْعَ ، فَكَانَ لَهُمْ الْقَصْرُ كَغَيْرِهِمْ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُمْ فِي غَيْرِ سَفَرٍ بَعِيدٍ ، فَلَمْ يَجُزْ لَهُمْ الْقَصْرُ كَغَيْرِ مَنْ فِي عَرَفَةَ وَمُزْدَلِفَةَ ، قِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ : فَرَجُلٌ أَقَامَ بِمَكَّةَ ، ثُمَّ خَرَجَ إلَى الْحَجِّ ؟ قَالَ : إنْ كَانَ لَا يُرِيدُ أَنْ يُقِيمَ بِمَكَّةَ إذَا رَجَعَ صَلَّى ثَمَّ رَكْعَتَيْنِ .\rوَذَكَر فِعْلَ ابْنِ عُمَرَ .\rقَالَ : لِأَنَّ خُرُوجَهُ إلَى مِنًى وَعَرَفَةَ ابْتِدَاءُ سَفَرٍ ، فَإِنْ عَزَمَ عَلَى أَنْ يَرْجِعَ ، فَيُقِيمَ بِمَكَّةَ ، أَتَمَّ بِمِنًى وَعَرَفَةَ .","part":7,"page":145},{"id":3145,"text":"( 2510 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( ثُمَّ يَصِيرُ إلَى مَوْقِفِ عَرَفَةَ عِنْدَ الْجَبَلِ ، وَعَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ ، وَيَرْفَعُ عَنْ بَطْنِ عُرَنَةَ ، فَإِنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ الْوُقُوفُ فِيهِ ) يَعْنِي إذَا صَلَّى الصَّلَاتَيْنِ ، صَارَ إلَى الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَغْتَسِلَ لِلْوُقُوفِ ، كَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ يَفْعَلُهُ ، وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ، وَبِهِ يَقُولُ الشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ ؛ لِأَنَّهَا مَجْمَعٌ لِلنَّاسِ ، فَاسْتُحِبَّ الِاغْتِسَالُ لَهَا ، كَالْعِيدِ وَالْجُمُعَةِ .\rوَعَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { قَدْ وَقَفْت هَاهُنَا ، وَعَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَعَنْ يَزِيدَ بْنِ شَيْبَانَ ، قَالَ : أَتَانَا ابْنُ مِرْبَعٍ الْأَنْصَارِيُّ ، وَنَحْنُ بِعَرَفَةَ فِي مَكَان يُبَاعِدُهُ عَمْرٌو عَنْ الْإِمَامِ ، فَقَالَ : إنِّي رَسُولُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَيْكُمْ ، يَقُولُ : ( كُونُوا عَلَى مَشَاعِرِكُمْ ، فَإِنَّكُمْ عَلَى إرْثٍ مِنْ إرْثِ أَبِيكُمْ إبْرَاهِيمَ ) .\rوَحَدُّ عَرَفَةَ مِنْ الْجَبَلِ الْمُشْرِفِ عَلَى عُرَنَةَ إلَى الْجِبَالِ الْمُقَابِلَةِ لَهُ إلَى مَا يَلِي حَوَائِطَ بَنِي عَامِرٍ .\rوَلَيْسَ وَادِي عُرَنَةَ مِنْ الْمَوْقِفِ ، وَلَا يُجْزِئُهُ الْوُقُوفُ فِيهِ .\rقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ مَنْ وَقَفَ بِهِ لَا يُجْزِئُهُ .\rوَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ ، أَنَّهُ يُهْرِيقُ دَمًا ، وَحَجُّهُ تَامٌّ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { كُلُّ عَرَفَةَ مَوْقِفٌ ، وَارْفَعُوا عَنْ بَطْنِ عُرَنَةَ } .\rرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ .\rوَلِأَنَّهُ لَمْ يَقِفْ بِعَرَفَةَ ، فَلَمْ يُجْزِئْهُ ، كَمَا لَوْ وَقَفَ بِمُزْدَلِفَةَ .\rوَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَقِفَ عِنْدَ الصَّخَرَاتِ وَجَبَلِ الرَّحْمَةِ ، وَيَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ ؛ لِمَا جَاءَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَعَلَ بَطْنَ نَاقَتِهِ الْقَصْوَاءِ إلَى الصَّخَرَاتِ ، وَجَعَلَ حَبْلَ الْمُشَاةِ بَيْنَ يَدَيْهِ ،","part":7,"page":146},{"id":3146,"text":"وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ } .\r( 2511 ) فَصْلٌ : وَالْأَفْضَلُ ، أَنْ يَقِفَ رَاكِبًا عَلَى بَعِيرِهِ ، كَمَا فَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّ ذَلِكَ أَعْوَنُ لَهُ عَلَى الدُّعَاءِ .\rقَالَ أَحْمَدُ ، حِينَ سُئِلَ عَنْ الْوُقُوفِ رَاكِبًا ، فَقَالَ : النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَفَ عَلَى رَاحِلَتِهِ .\rوَقِيلَ : الرَّاجِلُ أَفْضَلُ ؛ لِأَنَّهُ أَخَفُّ عَلَى الرَّاحِلَةِ .\rوَيَحْتَمِلُ التَّسْوِيَةَ بَيْنَهُمَا .\r( 2512 ) فَصْلٌ : وَالْوُقُوفُ رُكْنٌ ، لَا يَتِمُّ الْحَجُّ إلَّا بِهِ ، إجْمَاعًا .\rوَقَدْ رَوَى الثَّوْرِيُّ ، عَنْ بُكَيْر بْنِ عَطَاءٍ اللَّيْثِيِّ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نُعْمٍ الدِّيلِيِّ ، قَالَ : { أَتَيْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعَرَفَةَ ، فَجَاءَهُ نَفَرٌ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ ، فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، كَيْفَ الْحَجُّ ؟ قَالَ : الْحَجُّ عَرَفَةَ ، فَمَنْ جَاءَ قَبْلَ صَلَاةِ الْفَجْرِ لَيْلَةَ جَمْعٍ فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَابْنُ مَاجَهْ .\rقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى : مَا أَرْوِي لِلثَّوْرِيِّ حَدِيثًا أَشْرَفَ مِنْهُ .","part":7,"page":147},{"id":3147,"text":"( 2513 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( فَيُكَبِّرُ ، وَيُهَلِّلُ ، وَيَجْتَهِدُ فِي الدُّعَاءِ إلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ ) يُسْتَحَبُّ الْإِكْثَارُ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَالدُّعَاءِ يَوْمَ عَرَفَةَ ؛ فَإِنَّهُ يَوْمٌ تُرْجَى فِيهِ الْإِجَابَةُ ، وَلِذَلِكَ أَحْبَبْنَا لَهُ الْفِطْرَ يَوْمَئِذٍ ، لِيَتَقَوَّى عَلَى الدُّعَاءِ ، مَعَ أَنَّ صَوْمَهُ بِغَيْرِ عَرَفَةَ يَعْدِلُ سَنَتَيْنِ .\rوَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ ، فِي ( سُنَنِهِ ) ، قَالَ : قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا : { إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ أَنْ يُعْتِقَ اللَّهُ فِيهِ عَبْدًا مِنْ النَّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ ، فَإِنَّهُ لَيَدْنُو عَزَّ وَجَلَّ ، ثُمَّ يُبَاهِي بِكُمْ الْمَلَائِكَةَ ، فَيَقُولُ : مَا أَرَادَ هَؤُلَاءِ ؟ } .\rرَوَاهُ مُسْلِمٌ .\rوَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَدْعُوَ بِالْمَأْثُورِ مِنْ الْأَدْعِيَةِ ، مِثْلِ مَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَكْثَرُ دُعَاءِ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلِي ، وَدُعَائِي عَشِيَّةَ عَرَفَةَ ، لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ ، يُحْيِي وَيُمِيتُ ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } .\rوَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ : اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ ، اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ ، اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ ، لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ ، اللَّهُمَّ اهْدِنِي بِالْهُدَى ، وَقِنِي بِالتَّقْوَى ، وَاغْفِرْ لِي فِي الْآخِرَةِ وَالْأُولَى .\rوَيَرُدُّ يَدَيْهِ ، وَيَسْكُتُ بِقَدْرِ مَا كَانَ إنْسَانٌ قَارِئًا فَاتِحَةَ الْكِتَابِ ، ثُمَّ يَعُودُ فَيَرْفَعُ يَدَيْهِ ، وَيَقُولُ مِثْلَ ذَلِكَ .\rوَلَمْ يَزَلْ يَفْعَلُ مِثْلَ ذَلِكَ حَتَّى أَفَاضَ .\rوَسُئِلَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ أَفْضَلِ الدُّعَاءِ يَوْمَ عَرَفَةَ ؟ فَقَالَ : لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ .\rفَقِيلَ لَهُ :","part":7,"page":148},{"id":3148,"text":"هَذَا ثَنَاءٌ ، وَلَيْسَ بِدُعَاءٍ .\rفَقَالَ : أَمَا سَمِعْت قَوْلَ الشَّاعِرِ : أَأَذْكُرُ حَاجَتِي أَمْ قَدْ كَفَانِي حِبَاؤُك إنَّ شِيمَتَك الْحِبَاءُ إذَا أَثْنَى عَلَيْك الْمَرْءُ يَوْمًا كَفَاهُ مِنْ تَعَرُّضِهِ الثَّنَاءُ وَرُوِيَ أَنَّ مِنْ دُعَاءِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ { بِعَرَفَةَ : اللَّهُمَّ إنَّك تَرَى مَكَانِي ، وَتَسْمَعُ كَلَامِي ، وَتَعْلَمُ سِرِّي وَعَلَانِيَتِي ، وَلَا يَخْفَى عَلَيْك شَيْءٌ مِنْ أَمْرِي ، أَنَا الْبَائِسُ الْفَقِيرُ ، الْمُسْتَغِيثُ الْمُسْتَجِيرُ ، الْوَجِلُ الْمُشْفِقُ ، الْمُقِرُّ الْمُعْتَرِفُ بِذَنْبِهِ ، أَسْأَلُك مَسْأَلَةَ الْمِسْكِينِ ، وَأَبْتَهِلُ إلَيْك ابْتِهَالَ الْمُذْنِبِ الذَّلِيلِ ، وَأَدْعُوك دُعَاءَ الْخَائِفِ الضَّرِيرِ ، مَنْ خَشَعَتْ لَك رَقَبَتُهُ ، وَذَلَّ لَك جَسَدُهُ ، وَفَاضَتْ لَك عَيْنُهُ ، وَرَغِمَ لَك أَنْفُهُ } .\rوَرَوَيْنَا عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ ، أَنَّهُ قَالَ : سَمِعْت أَعْرَابِيًّا ، وَهُوَ مُسْتَلْقٍ بِعَرَفَةَ ، يَقُولُ : إلَهِي مَنْ أَوْلَى بِالزَّلَلِ وَالتَّقْصِيرِ مِنِّي وَقَدْ خَلَقْتنِي ضَعِيفًا ، وَمَنْ أَوْلَى بِالْعَفْوِ عَنِّي مِنْك ، وَعِلْمُك فِي سَابِقٌ ، وَأَمْرُك بِي مُحِيطٌ ، أَطَعْتُك بِإِذْنِك وَالْمِنَّةُ لَك ، وَعَصَيْتُك بِعِلْمِك وَالْحُجَّةُ لَك ، فَأَسْأَلُك بِوُجُوبِ حُجَّتِك وَانْقِطَاعِ حُجَّتِي ، وَبِفَقْرِي إلَيْك وَغِنَاك عَنِّي ، أَنْ تَغْفِرَ لِي وَتَرْحَمَنِي ، إلَهِي لَمْ أُحْسِنْ حَتَّى أَعْطَيْتنِي ، وَلَمْ أُسِئْ ، حَتَّى قَضَيْت عَلَيَّ ، اللَّهُمَّ أَطَعْتُك بِنِعْمَتِك فِي أَحَبِّ الْأَشْيَاءِ إلَيْك ، شَهَادَةِ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ، وَلَمْ أَعْصِك فِي أَبْغَضِ الْأَشْيَاءِ إلَيْك ، الشِّرْكِ بِك ، فَاغْفِرْ لِي مَا بَيْنَهُمَا ، اللَّهُمَّ أَنْتَ أُنْسُ الْمُؤْنِسِينَ لِأَوْلِيَائِك ، وَأَقْرَبُهُمْ بِالْكِفَايَةِ مِنْ الْمُتَوَكِّلِينَ عَلَيْك ، تُشَاهِدُهُمْ فِي ضَمَائِرِهِمْ ، وَتَطَّلِعُ عَلَى سَرَائِرِهِمْ ، وَسِرِّي اللَّهُمَّ لَك مَكْشُوفٌ ، وَأَنَا إلَيْك مَلْهُوفٌ ، إذَا أَوْحَشَتْنِي الْغُرْبَةُ آنَسَنِي ذِكْرُك ، وَإِذَا أَصَمَّتْ عَلَيَّ الْهُمُومُ لَجَأْت إلَيْك ، اسْتِجَارَةً بِك ، عِلْمًا بِأَنَّ أَزِمَّةَ","part":7,"page":149},{"id":3149,"text":"الْأُمُورِ بِيَدِك ، وَمَصْدَرَهَا عَنْ قَضَائِك .\rوَكَانَ إبْرَاهِيمُ بْنُ إِسْحَاقَ الْحَرْبِيُّ ، يَقُولُ : اللَّهُمَّ قَدْ آوَيْتنِي مِنْ ضَنَايَ ، وَبَصَّرْتنِي مِنْ عَمَايَ ، وَأَنْقَذْتنِي مِنْ جَهْلِي وَجَفَايَ ، أَسْأَلُك مَا يَتِمُّ بِهِ فَوْزِي ، وَمَا أُؤَمِّلُ فِي عَاجِلِ دُنْيَايَ وَدِينِيِّ ، وَمَأْمُولِ أَجَلِي وَمَعَادِي ، ثُمَّ مَا لَا أَبْلُغُ أَدَاءَ شُكْرِهِ ، وَلَا أَنَالُ إحْصَاءَهُ وَذِكْرَهُ ، إلَّا بِتَوْفِيقِك وَإِلْهَامِك ، أَنْ هَيَّجْت قَلْبِي الْقَاسِيَ ، عَلَى الشُّخُوصِ إلَى حَرَمِك ، وَقَوَّيْت أَرْكَانِي الضَّعِيفَةَ لِزِيَارَةِ عَتِيقِ بَيْتِك ، وَنَقَلْت بَدَنِي ، لِإِشْهَادِي مَوَاقِفَ حَرَمِك ، اقْتِدَاءً بِسُنَّةِ خَلِيلِكَ ، وَاحْتِذَاءً عَلَى مِثَالِ رَسُولِك ، وَاتِّبَاعًا لِآثَارِ خِيرَتِك وَأَنْبِيَائِك وَأَصْفِيَائِك ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمْ ، وَأَدْعُوك فِي مَوَاقِفِ الْأَنْبِيَاءِ ، عَلَيْهِمْ السَّلَامُ ، وَمَنَاسِكِ السُّعَدَاءِ ، وَمَسَاجِدِ الشُّهَدَاءِ ، دُعَاءَ مِنْ أَتَاك لِرَحْمَتِك رَاجِيًا ، وَعَنْ وَطَنِهِ نَائِيًا ، وَلِقَضَاءِ نُسُكِهِ مُؤَدِّيًا ، وَلِفَرَائِضِك قَاضِيًا ، وَلِكِتَابِك تَالِيًا ، وَلِرَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ دَاعِيًا مُلَبِّيًا ، وَلِقَلْبِهِ شَاكِيًا ، وَلِذَنْبِهِ خَاشِيًا ، وَلِحَظِّهِ مُخْطِئًا ، وَلِرَهْنِهِ مُغْلِقًا ، وَلِنَفْسِهِ ظَالِمًا ، وَبِجُرْمِهِ عَالِمًا ، دُعَاءَ مَنْ جَمَّتْ عُيُوبُهُ ، وَكَثُرَتْ ذُنُوبُهُ ، وَتَصَرَّمَتْ أَيَّامُهُ ، وَاشْتَدَّتْ فَاقَتُهُ ، وَانْقَطَعَتْ مُدَّتُهُ ، دُعَاءَ مَنْ لَيْسَ لِذَنْبِهِ سِوَاك غَافِرًا ، وَلَا لِعَيْبِهِ غَيْرُك مُصْلِحًا ، وَلَا لِضَعْفِهِ غَيْرُك مُقَوِّيًا ، وَلَا لِكَسْرِهِ غَيْرُك جَابِرًا ، وَلَا لِمَأْمُولِ خَيْرٍ غَيْرُك مُعْطِيًا ، وَلَا لِمَا يَتَخَوَّفَ مِنْ حَرِّ نَارِهِ غَيْرُك مُعْتِقًا ، اللَّهُمَّ وَقَدْ أَصْبَحْت فِي بَلَدٍ حَرَامٍ ، فِي يَوْمٍ حَرَامٍ فِي شَهْرٍ حَرَامٍ ، فِي قِيَامٍ مِنْ خَيْرِ الْأَنَامِ ، أَسْأَلْك أَنْ لَا تَجْعَلَنِي أَشْقَى خَلْقِك الْمُذْنِبِينَ عِنْدَك ، وَلَا أَخْيَبَ الرَّاجِينَ لَدَيْك ، وَلَا أَحْرَمَ الْآمِلِينَ لِرَحْمَتِك ، الزَّائِرِينَ لِبَيْتِك ، وَلَا أَخْسَرَ","part":7,"page":150},{"id":3150,"text":"الْمُنْقَلِبِينَ مِنْ بِلَادِك ، اللَّهُمَّ وَقَدْ كَانَ مِنْ تَقْصِيرِي مَا قَدْ عَرَفْت ، وَمِنْ تَوْبِيقِي نَفْسِي مَا قَدْ عَلِمْت ، وَمِنْ مَظَالِمِي مَا قَدْ أَحْصَيْت ، فَكَمْ مِنْ كَرْبٍ مِنْهُ قَدْ نَجَّيْت ، وَمِنْ غَمٍّ قَدْ جَلَّيْت ، وَهَمٍّ قَدْ فَرَّجْت ، وَدُعَاءٍ قَدْ اسْتَجَبْت ، وَشِدَّةٍ قَدْ أَزَلْت ، وَرَخَاءٍ قَدْ أَنَلْت ، مِنْك النَّعْمَاءُ ، وَحُسْنُ الْقَضَاءِ ، وَمِنِّي الْجَفَاءُ ، وَطُولُ الِاسْتِقْصَاءِ ، وَالتَّقْصِيرُ عَنْ أَدَاءِ شُكْرِك ، لَك النَّعْمَاءُ يَا مَحْمُودُ ، فَلَا يَمْنَعْنَك يَا مَحْمُودُ مِنْ إعْطَائِي مَسْأَلَتِي مِنْ حَاجَتِي إلَى حَيْثُ انْتَهَى لَهَا سُؤْلِي ، مَا تَعْرِفُ مِنْ تَقْصِيرِي ، وَمَا تَعْلَمُ مِنْ ذُنُوبِي وَعُيُوبِي ، اللَّهُمَّ فَأَدْعُوك رَاغِبًا ، وَأَنْصِبُ لَك وَجْهِي طَالِبًا ، وَأَضَعُ خَدِّي مُذْنِبًا رَاهِبًا ، فَتَقَبَّلْ دُعَائِي ، وَارْحَمْ ضَعْفِي ، وَأَصْلِحْ الْفَسَادَ مِنْ أَمْرِي ، وَاقْطَعْ مِنْ الدُّنْيَا هَمِّي وَحَاجَتِي ، وَاجْعَلْ فِيمَا عِنْدَك رَغْبَتِي ، اللَّهُمَّ وَاقْلِبْنِي مُنْقَلَبَ الْمُدْرِكِينَ لِرَجَائِهِمْ ، الْمَقْبُولِ دُعَاؤُهُمْ ، الْمَفْلُوجِ حُجَّتُهُمْ ، الْمَبْرُورِ حَجَّتُهُمْ ، الْمَغْفُورِ ذَنْبُهُمْ ، الْمَحْطُوطِ خَطَايَاهُمْ ، الْمَمْحُوِّ سَيِّئَاتُهُمْ ، الْمَرْشُودِ أَمْرُهُمْ ، مُنْقَلَبَ مَنْ لَا يَعْصِي لَك بَعْدَهُ أَمْرًا ، وَلَا يَأْتِي مِنْ بَعْدِهِ مَأْثَمًا ، وَلَا يَرْكَبُ بَعْدَهُ جَهْلًا ، وَلَا يَحْمِلُ بَعْدَهُ وِزْرًا ، مُنْقَلَبَ مَنْ عَمَّرْت قَلْبَهُ ، بِذِكْرِك ، وَلِسَانَهُ بِشُكْرِك ، وَطَهَّرْت الْأَدْنَاسَ مِنْ بَدَنِهِ ، وَاسْتَوْدَعْت الْهُدَى قَلْبَهُ ، وَشَرَحْت بِالْإِسْلَامِ صَدْرَهُ ، وَأَقْرَرْت بِعَفْوِك قَبْلَ الْمَمَاتِ عَيْنَهُ ، وَأَغْضَضْت عَنْ الْمَآثِمِ بَصَرَهُ ، وَاسْتُشْهِدَتْ فِي سَبِيلِك نَفْسُهُ ، يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا ، كَمَا تُحِبُّ رَبَّنَا وَتَرْضَى ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ .\rوَقَوْلُ الْخِرَقِيِّ : ( إلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ ) .\rمَعْنَاهُ وَيَجِبُ عَلَيْهِ الْوُقُوفُ","part":7,"page":151},{"id":3151,"text":"إلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ ؛ لِيَجْمَعَ بَيْنَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ فِي الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَفَ بِعَرَفَةَ حَتَّى غَابَتْ الشَّمْسُ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ ، وَفِي حَدِيثِ عَلِيٍّ ، وَأُسَامَةَ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَفَعَ حِينَ غَابَتْ الشَّمْسُ } .\rفَإِنْ دَفَعَ قَبْلَ الْغُرُوبِ فَحَجُّهُ صَحِيحٌ ، فِي قَوْلِ جَمَاعَةِ الْفُقَهَاءِ ، إلَّا مَالِكًا ، فَإِنَّهُ قَالَ : لَا حَجَّ لَهُ .\rقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : لَا نَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ قَالَ بِقَوْلِ مَالِكٍ ، وَحُجَّتُهُ مَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { مَنْ أَدْرَكَ عَرَفَاتٍ بِلَيْلٍ فَقَدْ أَدْرَكَ الْحَجَّ ، وَمَنْ فَاتَهُ عَرَفَاتٌ بِلَيْلٍ فَقَدْ فَاتَهُ الْحَجُّ ، فَلِيَحْلِلْ بِعُمْرَةٍ ، وَعَلَيْهِ الْحَجُّ مِنْ قَابِلٍ } .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى عُرْوَةُ بْنُ مُضَرِّسِ بْنِ أَوْسِ بْنِ حَارِثَةَ بْنِ لَامٍ الطَّائِيِّ ، قَالَ { : أَتَيْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمُزْدَلِفَةِ ، حِينَ خَرَجَ إلَى الصَّلَاةِ .\rفَقُلْت : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنِّي جِئْت مِنْ جَبَلِ طَيٍّ ، أَكْلَلْت رَاحِلَتِي ، وَأَتْعَبْت نَفْسِي ، وَاَللَّهِ مَا تَرَكْت مِنْ جَبَلٍ إلَّا وَقَفْت عَلَيْهِ ، فَهَلْ لِي مِنْ حَجٍّ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ شَهِدَ صَلَاتَنَا هَذِهِ ، وَوَقَفَ مَعَنَا حَتَّى يَدْفَعَ ، وَقَدْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ قَبْلَ ذَلِكَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا ، فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ ، وَقَضَى تَفَثَهُ } .\rقَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ .\rوَلِأَنَّهُ وَقَفَ فِي زَمَنِ الْوُقُوفِ ، فَأَجْزَأْهُ ، كَاللَّيْلِ .\rفَأَمَّا خَبَرُهُ ، فَإِنَّمَا خَصَّ اللَّيْلَ ؛ لِأَنَّ الْفَوَاتَ يَتَعَلَّقُ بِهِ إذَا كَانَ يُوجَدُ بَعْدَ النَّهَارِ ، فَهُوَ آخِرُ وَقْتِ الْوُقُوفِ ، كَمَا قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ { : مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ ، فَقَدْ أَدْرَكَهَا ، وَمَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ ، فَقَدْ","part":7,"page":152},{"id":3152,"text":"أَدْرَكَهَا ، وَمَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الصُّبْحِ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ ، فَقَدْ أَدْرَكَهَا } .\rوَعَلَى مَنْ دَفَعَ قَبْلَ الْغُرُوبِ دَمٌ ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، مِنْهُمْ عَطَاءٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ .\rوَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : عَلَيْهِ بَدَنَةٌ .\rوَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ : عَلَيْهِ هَدْيٌ مِنْ الْإِبِلِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ وَاجِبٌ ، لَا يَفْسُدُ الْحَجُّ بِفَوَاتِهِ ، فَلَمْ يُوجِبْ الْبَدَنَةَ ، كَالْإِحْرَامِ مِنْ الْمِيقَاتِ .\r( 2514 ) فَصْلٌ : فَإِنْ دَفَعَ قَبْلَ الْغُرُوبِ ، ثُمَّ عَادَ نَهَارًا فَوَقَفَ حَتَّى غَرَبَتْ الشَّمْسُ ، فَلَا دَمَ عَلَيْهِ .\rوَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ ، وَأَبُو ثَوْرٍ : عَلَيْهِ دَمٌ ؛ لِأَنَّهُ بِالدَّفْعِ لَزِمَهُ الدَّمُ ، فَلَمْ يَسْقُطْ بِرُجُوعِهِ ، كَمَا لَوْ عَادَ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ أَتَى بِالْوَاجِبِ ، وَهُوَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْوُقُوفِ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ، فَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ دَمٌ ، كَمَنْ تَجَاوَزَ الْمِيقَاتَ غَيْرَ مُحْرِمٍ ، ثُمَّ رَجَعَ فَأَحْرَمَ مِنْهُ .\rفَإِنْ لَمْ يَعُدْ حَتَّى غَرَبَتْ الشَّمْسُ ، فَعَلَيْهِ دَمٌ ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ الْوُقُوفَ حَالَ الْغُرُوبِ ، وَقَدْ فَاتَهُ بِخُرُوجِهِ ، فَأَشْبَهَ مِنْ تَجَاوَزَ الْمِيقَاتَ غَيْرَ مُحْرِمٍ ، فَأَحْرَمَ دُونَهُ ، ثُمَّ عَادَ إلَيْهِ .\rوَمَنْ لَمْ يُدْرِكْ جُزْءًا مِنْ النَّهَارِ ، وَلَا جَاءَ عَرَفَةَ ، حَتَّى غَابَتْ الشَّمْسُ ، فَوَقَفَ لَيْلًا ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ ، وَحَجُّهُ تَامٌّ .\rلَا نَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ أَدْرَكَ عَرَفَاتٍ بِلَيْلٍ فَقَدْ أَدْرَكَ الْحَجَّ .\r} وَلِأَنَّهُ لَمْ يُدْرِكْ جُزْءًا مِنْ النَّهَارِ ، فَأَشْبَهَ مَنْ مَنْزِلُهُ دُونَ الْمِيقَاتِ إذَا أَحْرَمَ مِنْهُ .","part":7,"page":153},{"id":3153,"text":"( 2515 ) فَصْلٌ : وَقْتُ الْوُقُوفِ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ يَوْمَ عَرَفَةَ إلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ .\rوَلَا نَعْلَمُ خِلَافًا بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي أَنَّ آخِرَ الْوَقْتِ طُلُوعُ فَجْرِ يَوْمِ النَّحْرِ .\rقَالَ جَابِرٌ : { لَا يَفُوتُ الْحَجُّ حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ مِنْ لَيْلَةِ جَمْعٍ } .\rقَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ : فَقُلْت لَهُ : أَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ ؟ قَالَ : نَعَمْ .\rرَوَاهُ الْأَثْرَمُ .\rوَأَمَّا أَوَّلُهُ فَمِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ يَوْمَ عَرَفَةَ ، فَمَنْ أَدْرَكَ عَرَفَةَ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذَا الْوَقْتِ وَهُوَ عَاقِلٌ ، فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ .\rوَقَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ : أَوَّلُ وَقْتِهِ زَوَالُ الشَّمْسِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ .\rوَاخْتَارَهُ أَبُو حَفْصٍ الْعُكْبَرِيُّ .\rوَحُمِلَ عَلَيْهِ كَلَامُ الْخِرَقِيِّ .\rوَحَكَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ذَلِكَ إجْمَاعًا .\rوَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ مَا قُلْنَاهُ ، فَإِنَّهُ قَالَ : ( لَوْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ نَهَارًا وَدَفَعَ قَبْلَ الْإِمَامِ فَعَلَيْهِ دَمٌ ) .\rوَلَنَا ، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ شَهِدَ صَلَاتَنَا هَذِهِ ، وَوَقَفَ مَعَنَا حَتَّى نَدْفَعَ ، وَقَدْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ ، قَبْلَ ذَلِكَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا ، فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ ، وَقَضَى تَفَثَهُ } ، وَلِأَنَّهُ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ ، فَكَانَ وَقْتًا لِلْوُقُوفِ ، كَبَعْدِ الزَّوَالِ ، وَتَرْكُ الْوُقُوفِ لَا يَمْنَعُ كَوْنَهُ وَقْتًا لِلْوُقُوفِ ، كَبَعْدِ الْعِشَاءِ .\rوَإِنَّمَا وَقَفُوا فِي وَقْتِ الْفَضِيلَةِ ، وَلَمْ يَسْتَوْعِبُوا جَمِيعَ وَقْتِ الْوُقُوفِ .\r( 2516 ) فَصْلٌ : وَكَيْفَمَا حَصَلَ بِعَرَفَةَ ، وَهُوَ عَاقِلٌ ، أَجْزَأَهُ ، قَائِمًا أَوْ جَالِسًا أَوْ رَاكِبًا أَوْ نَائِمًا .\rوَإِنْ مَرَّ بِهَا مُجْتَازًا ، فَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّهَا عَرَفَةُ ، أَجْزَأَهُ أَيْضًا .\rوَبِهِ قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ .\rوَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ : لَا يُجْزِئُهُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ وَاقِفًا إلَّا بِإِرَادَةٍ .\rوَلَنَا ، عُمُومُ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { وَقَدْ أَتَى عَرَفَاتٍ ، قَبْلَ ذَلِكَ لَيْلًا","part":7,"page":154},{"id":3154,"text":"أَوْ نَهَارًا } .\rوَلِأَنَّهُ حَصَلَ بِعَرَفَةَ فِي زَمَنِ الْوُقُوفِ وَهُوَ عَاقِلٌ ، فَأَجْزَأْهُ كَمَا لَوْ عَلِمَ ، وَإِنْ وَقَفَ وَهُوَ مُغْمًى عَلَيْهِ أَوْ مَجْنُونٌ ، وَلَمْ يُفِقْ حَتَّى خَرَجَ مِنْهَا ، لَمْ يُجْزِئْهُ .\rوَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَإِسْحَاقَ ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ وَقَالَ عَطَاءٌ فِي الْمُغْمَى عَلَيْهِ : يُجْزِئُهُ .\rوَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ .\rوَقَدْ تَوَقَّفَ أَحْمَدُ رَحِمَهُ اللَّهُ ، فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ، وَقَالَ : الْحَسَنُ يَقُولُ بَطَلَ حَجُّهُ ، وَعَطَاءٌ يُرَخِّصُ فِيهِ .\rوَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ لَهُ نِيَّةٌ وَلَا طَهَارَةٌ .\rوَيَصِحُّ مِنْ النَّائِمِ ، فَصَحَّ مِنْ الْمُغْمَى عَلَيْهِ ، كَالْمَبِيتِ بِمُزْدَلِفَةَ .\rوَمِنْ نَصَرَ الْأَوَّلَ قَالَ : رُكْنًا مِنْ أَرْكَانِ الْحَجِّ .\rفَلَمْ يَصِحَّ مِنْ الْمُغْمَى عَلَيْهِ ، كَسَائِرِ أَرْكَانِهِ .\rقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ : وَالسَّكْرَانُ كَالْمُغْمَى عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ زَائِلُ الْعَقْلِ بِغَيْرِ نَوْمٍ ، فَأَشْبَةَ الْمُغْمَى عَلَيْهِ ، وَأَمَّا النَّائِمُ فَيُجْزِئُهُ الْوُقُوفُ ؛ لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ الْمُسْتَيْقِظِ .","part":7,"page":155},{"id":3155,"text":"( 2517 ) فَصْلٌ : وَلَا يُشْتَرَطُ لِلْوُقُوفِ طَهَارَةٌ ، وَلَا سِتَارَةٌ ، وَلَا اسْتِقْبَالٌ ، وَلَا نِيَّةٌ .\rوَلَا نَعْلَمُ فِي ذَلِكَ خِلَافًا .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ، عَلَى أَنَّ مَنْ أَدْرَكَ الْوُقُوفَ بِعَرَفَةَ غَيْرَ طَاهِرٍ ، مُدْرِكٌ لِلْحَجِّ .\rوَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ .\rوَفِي { قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَائِشَةَ : افْعَلِي مَا يَفْعَلُ الْحَاجُّ غَيْرَ الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ .\r} دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْوُقُوفَ بِعَرَفَةَ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ جَائِزٌ ، وَوَقَفَتْ عَائِشَةُ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ، بِهَا حَائِضًا بِأَمْرِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rوَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ طَاهِرًا .\rقَالَ أَحْمَدُ : يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ الْمَنَاسِكَ كُلَّهَا عَلَى وُضُوءٍ ، كَانَ عَطَاءٌ يَقُولُ : لَا يَقْضِي شَيْئًا مِنْ الْمَنَاسِكِ إلَّا عَلَى وُضُوءٍ .\r.","part":7,"page":156},{"id":3156,"text":"( 2518 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( فَإِذَا دَفَعَ الْإِمَامُ ، دَفَعَ مَعَهُ إلَى مُزْدَلِفَةَ ) الْإِمَامُ هَاهُنَا الْوَالِي الَّذِي إلَيْهِ أَمْرُ الْحَجِّ مِنْ قِبَلِ الْإِمَامِ .\rوَلَا يَنْبَغِي لِلنَّاسِ أَنْ يَدْفَعُوا حَتَّى يَدْفَعَ .\rقَالَ أَحْمَدُ : مَا يُعْجِبُنِي أَنْ يَدْفَعَ إلَّا مَعَ الْإِمَامِ .\rوَسُئِلَ عَنْ رَجُلٍ دَفَعَ قَبْلَ الْإِمَامِ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ ، فَقَالَ : مَا وَجَدْت عَنْ أَحَدٍ أَنَّهُ سَهَّلَ فِيهِ ، كُلُّهُمْ يُشَدِّدُ فِيهِ .\rفَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَقِفَ حَتَّى يَدْفَعَ الْإِمَامُ ، ثُمَّ يَسِيرُ نَحْوَ الْمُزْدَلِفَةِ عَلَى سَكِينَةٍ وَوَقَارٍ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ دَفَعَ ، وَقَدْ شَنَقَ لِنَاقَتِهِ الْقَصْوَاءِ بِالزِّمَامِ ، حَتَّى إنَّ رَأْسَهَا لَيُصِيب مَوْرِكَ رَحْلِهِ ، وَيَقُولُ بِيَدِهِ الْيُمْنَى : { أَيُّهَا النَّاسُ ، السَّكِينَةَ السَّكِينَةَ } .\rهَذَا فِي حَدِيثِ جَابِرٍ ، وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّهُ دَفَعَ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ عَرَفَةَ ، فَسَمِعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَاءَهُ زَجْرًا شَدِيدًا وَضَرْبًا لِلْإِبِلِ ، فَأَشَارَ بِسَوْطِهِ إلَيْهِمْ ، وَقَالَ : { أَيُّهَا النَّاسُ ، عَلَيْكُمْ السَّكِينَةَ ، فَإِنَّ الْبِرَّ لَيْسَ بِإِيضَاعِ الْإِبِلِ } .\rرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ .\rوَقَالَ عُرْوَةُ : { سُئِلَ أُسَامَةُ ، وَأَنَا جَالِسٌ ، كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسِيرُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ؟ قَالَ : كَانَ يَسِيرُ الْعَنَقَ ، فَإِذَا وَجَدَ فَجْوَةً نَصَّ } .\rقَالَ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ : وَالنَّصُّ فَوْقَ الْعَنَقِ .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .","part":7,"page":157},{"id":3157,"text":"( 2519 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَيُكَبِّرُ فِي الطَّرِيقِ ، وَيَذْكُرُ اللَّهَ تَعَالَى ) ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى يُسْتَحَبُّ فِي الْأَوْقَاتِ كُلِّهَا ، وَهُوَ فِي هَذَا الْوَقْتِ أَشَدُّ تَأْكِيدًا ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ } .\rوَلِأَنَّهُ زَمَنُ الِاسْتِشْعَارِ بِطَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَالتَّلَبُّسِ بِعِبَادَتِهِ ، وَالسَّعْيِ إلَى شَعَائِرِهِ .\rوَتُسْتَحَبُّ التَّلْبِيَةُ .\rوَذَكَرَ قَوْمٌ أَنَّهُ لَا يُلَبِّي وَلَنَا ، مَا رَوَى الْفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَزَلْ يُلَبِّي حَتَّى رَمَى الْجَمْرَةَ } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ ، قَالَ : شَهِدْت ابْنَ مَسْعُودٍ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ يُلَبِّي ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ كَلِمَةً .\rفَسَمِعْته زَادَ فِي تَلْبِيَتِهِ شَيْئًا لَمْ أَسْمَعْهُ قَبْلَ ذَلِكَ قَالَهَا : لَبَّيْكَ عَدَدَ التُّرَابِ .\rوَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَمْضِيَ عَلَى طَرِيقِ الْمَأْزِمَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ يُرْوَى أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَلَكَهَا .\rوَإِنْ سَلَكَ الطَّرِيقَ الْأُخْرَى ، جَازَ .","part":7,"page":158},{"id":3158,"text":"مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( ثُمَّ يُصَلِّي مَعَ الْإِمَامِ الْمَغْرِبَ وَعِشَاءَ الْآخِرَةِ ، بِإِقَامَةٍ لِكُلِّ صَلَاةٍ .\rفَإِنْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا بِإِقَامَةٍ وَاحِدَةٍ ، فَلَا بَأْسَ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ السُّنَّةَ لِمَنْ دَفَعَ مِنْ عَرَفَةَ ، أَنْ لَا يُصَلِّيَ الْمَغْرِبَ حَتَّى يَصِلَ مُزْدَلِفَةَ ، فَيَجْمَعَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ .\rلَا خِلَافَ فِي هَذَا .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ لَا اخْتِلَافَ بَيْنَهُمْ ، أَنَّ السُّنَّةَ أَنَّ يَجْمَعَ الْحَاجُّ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ .\rوَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَمَعَ بَيْنَهُمَا .\rرَوَاهُ جَابِرٌ ، وَابْنُ عُمَرَ ، وَأُسَامَةُ ، وَأَبُو أَيُّوبَ ، وَغَيْرُهُمْ .\rوَأَحَادِيثُهُمْ صِحَاحٌ .\rوَيُقِيمُ لِكُلِّ صَلَاةٍ إقَامَةً ؛ لِمَا رَوَى أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ ، قَالَ : { دَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ عَرَفَةَ ، حَتَّى إذَا كَانَ بِالشِّعْبِ نَزَلَ ، فَبَالَ ، ثُمَّ تَوَضَّأَ ، فَقُلْت لَهُ : الصَّلَاةَ يَا رَسُولَ اللَّهِ .\rقَالَ : الصَّلَاةُ أَمَامَك .\rفَرَكِبَ ، فَلَمَّا جَاءَ مُزْدَلِفَةَ نَزَلَ ، فَتَوَضَّأَ فَأَسْبَغَ الْوُضُوءَ ، ثُمَّ أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ ، فَصَلَّى الْمَغْرِبَ ، ثُمَّ أَنَاخَ كُلُّ إنْسَانٍ بَعِيرَهُ فِي مَنْزِلِهِ ، ثُمَّ أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فَصَلَّى ، وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَرُوِيَ هَذَا الْقَوْلُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ .\rوَبِهِ قَالَ سَالِمٌ ، وَالْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ .\rوَإِنْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا بِإِقَامَةِ الْأَوْلَى فَلَا بَأْسَ .\rيُرْوَى ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَيْضًا .\rوَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيُّ ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ ، قَالَ : { جَمَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِجَمْعٍ ، صَلَّى الْمَغْرِبَ ثَلَاثًا ، وَالْعِشَاءَ رَكْعَتَيْنِ ، بِإِقَامَةٍ وَاحِدَةٍ } .\rرَوَاهُ مُسْلِمٌ .\rوَإِنْ أَذَّنَ لِلْأَوْلَى وَأَقَامَ ، ثُمَّ أَقَامَ لِلثَّانِيَةِ ، فَحَسَنٌ ؛ فَإِنَّهُ يُرْوَى فِي حَدِيثِ جَابِرٍ ، وَهُوَ مُتَضَمِّنٌ لِلزِّيَادَةِ ، وَهُوَ مُعْتَبَرٌ","part":7,"page":159},{"id":3159,"text":"بِسَائِرِ الْفَوَائِتِ وَالْمَجْمُوعَاتِ .\rوَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْمُنْذِرِ ، وَأَبِي ثَوْرٍ .\rوَاَلَّذِي اخْتَارَهُ الْخِرَقِيِّ إقَامَةٌ لِكُلِّ صَلَاةٍ مِنْ غَيْرِ أَذَانٍ .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : وَهُوَ آخِرُ قَوْلَيْ أَحْمَدَ ؛ لِأَنَّهُ رِوَايَةُ أُسَامَةُ ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِحَالِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّهُ كَانَ رَدِيفَهُ ، وَقَدْ اتَّفَقَ هُوَ وَجَابِرٌ فِي حَدِيثِهِمَا عَلَى إقَامَةٍ لِكُلِّ صَلَاةٍ ، وَاتَّفَقَ أُسَامَةُ وَابْنُ عُمَرَ عَلَى الصَّلَاةِ بِغَيْرِ أَذَانٍ ، مَعَ أَنَّ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ الْمُتَّفَقَ عَلَيْهِ قَالَ : بِإِقَامَةٍ .\rقَالَ وَإِنَّمَا لَمْ يُؤَذِّنْ لِلْأُولَى هَاهُنَا ؛ لِأَنَّهَا فِي غَيْرِ وَقْتِهَا ، بِخِلَافِ الْمَجْمُوعَتَيْنِ بِعَرَفَةَ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِأَذَانٍ وَإِقَامَتَيْنِ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ ، وَابْنِ عُمَرَ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ .\rوَاتِّبَاعُ السُّنَّةِ أَوْلَى ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : لَا أَعْلَمُ فِيمَا قَالَهُ مَالِكٌ حَدِيثًا مَرْفُوعًا بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ .\rوَقَالَ قَوْمٌ : إنَّمَا أَمَرَ عُمَرُ بِالتَّأْذِينِ لِلثَّانِيَةِ ؛ لِأَنَّ النَّاسَ كَانُوا قَدْ تَفَرَّقُوا لِعَشَائِهِمْ ، فَأَذَّنَ لِجَمْعِهِمْ ، وَكَذَلِكَ ابْنُ مَسْعُودٍ ، فَإِنَّهُ يَجْعَلُ الْعَشَاءَ بِالْمُزْدَلِفَةِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ .","part":7,"page":160},{"id":3160,"text":"( 2521 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَإِنْ فَاتَهُ مَعَ الْإِمَامِ ، صَلَّى وَحْدَهُ ) مَعْنَاهُ أَنَّهُ يَجْمَعُ مُنْفَرِدًا ، كَمَا يَجْمَعُ مَعَ الْإِمَامِ .\rوَلَا خِلَافَ فِي هَذَا ؛ لِأَنَّ الثَّانِيَةَ مِنْهُمَا تُصَلَّى فِي وَقْتِهَا ، بِخِلَافِ الْعَصْرِ مَعَ الظُّهْرِ .\rوَكَذَلِكَ إنْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا ، لَمْ يَبْطُلْ الْجَمْعُ كَذَلِكَ ، وَلِمَا رَوَى أُسَامَةُ ، قَالَ : ثُمَّ أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ ، فَصَلَّى الْمَغْرِبَ ، ثُمَّ أَنَاخَ كُلُّ إنْسَانٍ بَعِيرَهُ فِي مَنْزِلِهِ ، ثُمَّ أُقِيمَتْ الْعِشَاءُ ، فَصَلَّاهَا .\rوَرَوَى الْبُخَارِيُّ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ ، قَالَ : حَجَّ عَبْدُ اللَّهِ ، فَأَتَيْنَا إلَى مُزْدَلِفَةَ حِينَ الْأَذَانِ بِالْعَتَمَةِ ، أَوْ قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ ، فَأَمَرَ رَجُلًا ، فَأَذَّنَ وَأَقَامَ ، ثُمَّ صَلَّى الْمَغْرِبَ ، ثُمَّ صَلَّى بَعْدَهَا رَكْعَتَيْنِ ، ثُمَّ دَعَا بِعَشَائِهِ ، ثُمَّ أَمَرَ - أَرَى - فَأَذَّنَ ، وَأَقَامَ ، ثُمَّ صَلَّى الْعِشَاءَ ، ثُمَّ قَالَ : رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَفْعَلُهُ .\rوَلِأَنَّ الْجَمْعَ مَتَى كَانَ فِي وَقْتِ الثَّانِيَةِ لَمْ يَضُرَّ التَّفْرِيقُ شَيْئًا .\r( 2522 ) فَصْلٌ : وَالسُّنَّةُ التَّعْجِيلُ بِالصَّلَاتَيْنِ ، وَأَنْ يُصَلِّيَ قَبْلَ حَطِّ الرَّحَّال ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ حَدِيثِ أُسَامَةَ ، وَفِي بَعْضِ أَلْفَاظِهِ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقَامَ لِلْمَغْرِبِ ، ثُمَّ أَنَاخَ النَّاسُ فِي مَنَازِلِهِمْ ، وَلَمْ يَحِلُّوا حَتَّى أَقَامَ الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ ، فَصَلَّى ثُمَّ حَلُّوا } .\rرَوَاهُ مُسْلِمٌ .\rوَالسُّنَّةُ أَنْ لَا تَطَوُّعَ بَيْنَهُمَا .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : لَا أَعْلَمُهُمْ يَخْتَلِفُونَ فِي ذَلِكَ .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ تَطَوَّعَ بَيْنَهُمَا ، وَرَوَاهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rوَلَنَا ، حَدِيثُ أُسَامَةَ وَابْنِ عُمَرَ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا } .\rوَحَدِيثُهُمَا أَصَحُّ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي تَرْكِ التَّفْرِيقِ بَيْنَهُمَا .\r( 2523 ) فَصْلٌ : فَإِنْ صَلَّى الْمَغْرِبَ قَبْلَ","part":7,"page":161},{"id":3161,"text":"أَنْ يَأْتِيَ مُزْدَلِفَةَ وَلَمْ يَجْمَعْ ، خَالَفَ السُّنَّةَ ، وَصَحَّتْ صَلَاتُهُ .\rوَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ ، وَعُرْوَةُ ، وَالْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَبُو يُوسُفَ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالثَّوْرِيُّ : لَا يُجْزِئُهُ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَمَعَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ ، فَكَانَ نُسُكًا ، وَقَدْ قَالَ : ( خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ ) .\rوَلَنَا ، أَنَّ كُلَّ صَلَاتَيْنِ جَازَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا ، جَازَ التَّفْرِيقُ بَيْنَهُمَا ، كَالظُّهْرِ وَالْعَصْرِ بِعَرَفَةَ ، وَفِعْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ الْأَوْلَى وَالْأَفْضَلُ ، وَلِئَلَّا يَنْقَطِعَ سَيْرُهُ ، وَيَبْطُلُ مَا ذَكَرُوهُ بِالْجَمْعِ بِعَرَفَةَ .","part":7,"page":162},{"id":3162,"text":"( 2524 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( فَإِذَا صَلَّى الْفَجْرَ ، وَقَفَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ ، فَدَعَا ) يَعْنِي أَنَّهُ يَبِيتُ بِمُزْدَلِفَةَ حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ ، فَيُصَلِّي الصُّبْحَ ، وَالسُّنَّةُ أَنْ يُعَجِّلَهَا فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا ، لِيَتَّسِعَ وَقْتُ الْوُقُوفِ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ .\rوَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى الصُّبْحَ حِينَ تَبَيَّنَ لَهُ الصُّبْحُ } .\rوَفِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، { أَنَّهُ صَلَّى الْفَجْرَ حِينَ طَلَعَ الْفَجْرُ ، قَائِلٌ يَقُولُ : قَدْ طَلَعَ الْفَجْرُ ، وَقَائِلٌ يَقُولُ : لَمْ يَطْلُعْ .\rثُمَّ قَالَ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ : رَأَيْت النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَفْعَلُهُ } .\rرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ .\rنَحْوَ هَذَا .\rثُمَّ إذَا صَلَّى الْفَجْرَ ، وَقَفَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ ، وَهُوَ قُزَحُ ، فَيَرْقَى عَلَيْهِ إنْ أَمْكَنَهُ ، وَإِلَّا وَقَفَ عِنْدَهُ ، فَذَكَرَ اللَّهَ تَعَالَى ، وَدَعَاهُ وَاجْتَهَدَ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ } .\rوَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ .\r{ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَى الْمَشْعَرَ الْحَرَامَ ، فَرَقَى عَلَيْهِ ، فَدَعَا اللَّهَ وَهَلَّلَهُ وَكَبَّرَهُ وَوَحَّدَهُ .\rوَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ مِنْ دُعَائِهِ : اللَّهُمَّ كَمَا وَقَّفْتنَا فِيهِ ، وَأَرَيْتنَا إيَّاهُ ، فَوَفِّقْنَا لِذِكْرِك ، كَمَا هَدَيْتنَا ، وَاغْفِرْ لَنَا ، وَارْحَمْنَا ، كَمَا وَعَدْتنَا بِقَوْلِك ، وَقَوْلُك الْحَقُّ : { فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنْ الضَّالِّينَ ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } .\rوَيَقِفُ حَتَّى يُسْفِرَ جِدًّا } ؛ لِمَا فِي حَدِيث جَابِرٍ ؛ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حَتَّى أَسْفَرَ جِدًّا .\r} ( 2525 ) فَصْلٌ : وَلِلْمُزْدَلِفَةِ ثَلَاثَةُ أَسْمَاءٍ : مُزْدَلِفَةُ ، وَجَمْعٌ ،","part":7,"page":163},{"id":3163,"text":"وَالْمَشْعَرُ الْحَرَامُ .\rوَحَدُّهَا مِنْ مَأْزِمَيْ عَرَفَةَ إلَى قَرْنِ مُحَسِّرٍ ، وَمَا عَلَى يَمِينِ ذَلِكَ وَشِمَالِهِ مِنْ الشِّعَابِ ، فَفِي أَيِّ مَوْضِعٍ وَقَفَ مِنْهَا أَجْزَأَهُ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { الْمُزْدَلِفَةُ مَوْقِفٌ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَابْنُ مَاجَهْ .\rوَعَنْ جَابِرٍ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { وَقَفْت هَاهُنَا بِجَمْعٍ ، وَجَمْعٌ كُلُّهَا مَوْقِفٌ } .\rوَلَيْسَ وَادِي مُحَسِّرٍ مِنْ مُزْدَلِفَةَ ؛ لِقَوْلِهِ : { وَارْفَعُوا عَنْ بَطْنِ مُحَسِّرٍ .\r}","part":7,"page":164},{"id":3164,"text":"( 2526 ) فَصْل : وَالْمَبِيتُ بِمُزْدَلِفَةَ وَاجِبٌ ، مَنْ تَرَكَهُ فَعَلَيْهِ دَمٌ .\rهَذَا قَوْلُ عَطَاءٍ ، وَالزُّهْرِيِّ ، وَقَتَادَةَ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَإِسْحَاقَ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ .\rوَقَالَ عَلْقَمَةُ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَالشَّعْبِيُّ : مَنْ فَاتَهُ جَمْعٌ فَاتَهُ الْحَجُّ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ } .\rوَقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ شَهِدَ صَلَاتَنَا هَذِهِ ، وَوَقَفَ مَعَنَا حَتَّى نَدْفَعَ ، وَقَدْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ قَبْلَ ذَلِكَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا ، فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ ، وَقَضَى تَفَثَهُ } .\rوَلَنَا ، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الْحَجُّ عَرَفَةَ ، فَمَنْ جَاءَ قَبْلَ لَيْلَةِ جَمْعٍ فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ } .\rيَعْنِي مَنْ جَاءَ عَرَفَةَ .\rوَمَا احْتَجُّوا بِهِ مِنْ الْآيَةِ وَالْخَبَرِ ، فَالْمَنْطُوقُ بِهِ فِيهِمَا لَيْسَ بِرُكْنٍ فِي الْحَجِّ إجْمَاعًا ، فَإِنَّهُ لَوْ بَاتَ بِجَمْعٍ ، وَلَمْ يَذْكُرْ اللَّهَ تَعَالَى ، وَلَمْ يَشْهَدْ الصَّلَاةَ فِيهَا ، صَحَّ حَجُّهُ ، فَمَا هُوَ مِنْ ضَرُورَةِ ذَلِكَ أَوْلَى ، وَلِأَنَّ الْمَبِيتَ لَيْسَ مِنْ ضَرُورَةِ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى بِهَا ، وَكَذَلِكَ شُهُودُ صَلَاةِ الْفَجْرِ ، فَإِنَّهُ لَوْ أَفَاضَ مِنْ عَرَفَةَ فِي آخِرِ لَيْلَةِ النَّحْرِ ، أَمْكَنَهُ ذَلِكَ ، فَيَتَعَيَّنُ حَمْلُ ذَلِكَ عَلَى مُجَرَّدِ الْإِيجَابِ ، أَوْ الْفَضِيلَةِ أَوْ الِاسْتِحْبَابِ .\r( 2527 ) فَصْلٌ : وَمَنْ بَاتَ بِمُزْدَلِفَةَ ، لَمْ يَجُزْ لَهُ الدَّفْعُ قَبْلَ نِصْفِ اللَّيْلِ ، فَإِنْ دَفَعَ بَعْدَهُ ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : إنْ مَرَّ بِهَا وَلَمْ يَنْزِل ، فَعَلَيْهِ دَمٌ ، فَإِنْ نَزَلَ ، فَلَا دَمَ عَلَيْهِ مَتَى مَا شَاءَ دَفَعَ .\rوَلَنَا ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَاتَ بِهَا ، وَقَالَ : خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ } .\rوَإِنَّمَا أُبِيحَ الدَّفْعُ بَعْدَ نِصْفِ اللَّيْلِ بِمَا وَرَدَ مِنْ الرُّخْصَةِ فِيهِ ، فَرَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ ، قَالَ : كُنْت فِي","part":7,"page":165},{"id":3165,"text":"مَنْ قَدَّمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ضَعَفَةِ أَهْلِهِ مِنْ مُزْدَلِفَةَ إلَى مِنًى .\rوَعَنْ أَسْمَاءَ ، أَنَّهَا نَزَلَتْ لَيْلَةَ جَمْعٍ عِنْدَ دَارِ الْمُزْدَلِفَةِ ، فَقَامَتْ تُصَلِّي ، فَصَلَّتْ ، ثُمَّ قَالَتْ : هَلْ غَابَ الْقَمَرُ ؟ قُلْت : نَعَمْ .\rقَالَتْ : فَارْتَحِلُوا .\rفَارْتَحَلْنَا ، وَمَضَيْنَا حَتَّى رَمَتْ الْجَمْرَةَ ، ثُمَّ رَجَعَتْ فَصَلَّتْ الصُّبْحَ فِي مَنْزِلهَا ، قُلْت لَهَا : أَيْ هَنْتَاهْ ، مَا أَرَانَا إلَّا غَلَّسْنَا .\rقَالَتْ : كَلًّا يَا بُنَيَّ ، إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَذِنَ لِلظُّعُنِ .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا .\rوَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : { أَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأُمِّ سَلَمَةَ لَيْلَةَ النَّحْرِ ، فَرَمَتْ الْجَمْرَةَ قَبْلَ الْفَجْرِ ، ثُمَّ مَضَتْ فَأَفَاضَتْ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rفَمَنْ دَفَعَ مِنْ جَمْعٍ قَبْلَ نِصْفِ اللَّيْلِ ، وَلَمْ يَعُدْ فِي اللَّيْل ، فَعَلَيْهِ دَمٌ ، وَإِنْ عَادَ فِيهِ ، فَلَا دَمَ عَلَيْهِ ، كَاَلَّذِي دَفَعَ مِنْ عَرَفَةَ نَهَارًا .\rوَمِنْ لَمْ يُوَافِقْ مُزْدَلِفَةَ إلَّا فِي النِّصْفِ الْأَخِيرِ مِنْ اللَّيْلِ ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُدْرِكْ جُزْءًا مِنْ النِّصْفِ الْأَوَّلِ ، فَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ حُكْمُهُ ، كَمَنْ أَدْرَكَ اللَّيْلَ بِعَرَفَاتٍ دُونَ النَّهَارِ .\rوَالْمُسْتَحَبُّ الِاقْتِدَاءُ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَبِيتِ إلَى أَنْ يُصْبِحَ ، ثُمَّ يَقِفُ حَتَّى يُسْفِرَ .\rوَلَا بَأْسَ بِتَقْدِيمِ الضَّعَفَةِ وَالنِّسَاءِ ، وَمِمَّنْ كَانَ يُقَدِّمُ ضَعَفَةَ أَهْلِهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ ، وَعَائِشَةُ .\rوَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَلَا نَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا ، وَلِأَنَّ فِيهِ رِفْقًا بِهِمْ ، وَدَفْعًا لِمَشَقَّةِ الزِّحَامِ عَنْهُمْ ، وَاقْتِدَاءً بِفِعْلِ نَبِيِّهِمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .","part":7,"page":166},{"id":3166,"text":"( 2528 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( ثُمَّ يَدْفَعُ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ ) لَا نَعْلَمُ خِلَافًا فِي أَنَّ السُّنَّةَ الدَّفْعُ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَذَلِكَ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَفْعَلُهُ .\rقَالَ عُمَرُ : { إنَّ الْمُشْرِكِينَ كَانُوا لَا يُفِيضُونَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ .\rوَيَقُولُونَ : أَشْرِقْ ثَبِيرُ ، كَيْمَا نُغِيرُ .\rوَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَالَفَهُمْ ، فَأَفَاضَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ } .\rرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ .\rوَالسُّنَّةُ أَنْ يَقِفَ حَتَّى يُسْفِرَ جِدًّا .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَكَانَ مَالِكٌ يَرَى الدَّفْعَ قَبْلَ الْإِسْفَارِ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى جَابِرٌ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حَتَّى أَسْفَرَ جِدًّا ، فَدَفَعَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ } .\rوَعَنْ نَافِعٍ ، أَنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ أَخَّرَ فِي الْوَقْتِ حَتَّى كَادَتْ الشَّمْسُ تَطْلُعُ ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ عُمَرَ : إنِّي أَرَاهُ يُرِيدُ أَنْ يَصْنَعَ كَمَا صَنَعَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ ، فَدَفَعَ وَدَفَعَ النَّاسُ مَعَهُ .\rوَكَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ يَدْفَعُ كَانْصِرَافِ الْقَوْمِ الْمُسْفِرِينَ مِنْ صَلَاةِ الْغَدَاةِ .\rوَانْصَرَفَ ابْنُ عُمَرَ حِينَ أَسْفَرَ وَأَبْصَرَتْ الْإِبِلُ مَوْضِعَ أَخْفَافِهَا .\rوَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَسِيرَ وَعَلَيْهِ السَّكِينَةُ ، كَمَا ذَكَرْنَا فِي سَيْرِهِ مِنْ عَرَفَاتٍ .\rقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : ثُمَّ أَرْدَفَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْفَضْلَ بْنَ عَبَّاسٍ ، { وَقَالَ : يَا أَيُّهَا النَّاسُ ، إنَّ الْبِرَّ لَيْسَ بِإِيجَافِ الْخَيْلِ وَالْإِبِلِ ، فَعَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ .\rفَمَا رَأَيْتهَا رَافِعَةً يَدَيْهَا حَتَّى أَتَى مِنًى .\r}","part":7,"page":167},{"id":3167,"text":"( 2529 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( فَإِذَا بَلَغَ مُحَسِّرًا أَسْرَعَ ، وَلَمْ يَقِفْ حَتَّى يَأْتِيَ مِنًى ، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ مُلَبٍّ ) يُسْتَحَبُّ الْإِسْرَاعُ فِي وَادِي مُحَسِّرٍ ، وَهُوَ مَا بَيْنَ جَمْعٍ وَمِنًى ، فَإِنْ كَانَ مَاشِيًا أَسْرَعَ ، وَإِنْ كَانَ رَاكِبًا حَرَّكَ دَابَّتَهُ ؛ لِأَنَّ جَابِرًا قَالَ فِي صِفَةِ حَجِّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إنَّهُ لَمَّا أَتَى بَطْنَ مُحَسِّرٍ حَرَّكَ قَلِيلًا } .\rوَيُرْوَى أَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، لَمَّا أَتَى مُحَسِّرَ أَسْرَعَ ، وَقَالَ : إلَيْك تَعْدُو قَلِقًا وَضِينُهَا مُخَالِفًا دِينَ النَّصَارَى دِينُهَا مُعْتَرِضًا فِي بَطْنِهَا جَنِينُهَا وَذَلِكَ قَدْرُ رَمْيَةٍ بِحَجَرٍ ، وَيَكُونُ مُلَبِّيًا فِي طَرِيقِهِ ، فَإِنَّ الْفَضْلَ بْنَ عَبَّاسٍ كَانَ رَدِيفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَئِذٍ ، وَرَوَى { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَزَلْ يُلَبِّي حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَفِي لَفْظٍ عَنْهُ ، { قَالَ : شَهِدْت الْإِفَاضَتَيْنِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَيْهِ السَّكِينَةُ ، وَهُوَ كَافٌّ بَعِيرَهُ ، وَلَبَّى حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ } .\rوَعَنْ الْأَسْوَدِ ، قَالَ : أَفَاضَ عُمَرُ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ ، وَهُوَ يُلَبِّي بِثَلَاثِ : لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَك لَبَّيْكَ ، إنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَك .\rوَلِأَنَّ التَّلْبِيَةَ مِنْ شِعَارِ الْحَجِّ ، فَلَا يَقْطَعُ إلَّا بِالشُّرُوعِ فِي الْإِحْلَالِ ، وَأَوَّلُهُ رَمْيُ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ .","part":7,"page":168},{"id":3168,"text":"( 2530 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَيَأْخُذُ حَصَى الْجِمَارِ مِنْ طَرِيقِهِ ، أَوْ مِنْ مُزْدَلِفَةَ ) إنَّمَا اُسْتُحِبَّ ذَلِكَ لِئَلَّا يَشْتَغِلَ عِنْدَ قُدُومِهِ بِشَيْءٍ قَبْلَ الرَّمْيِ ، فَإِنَّ الرَّمْيَ تَحِيَّةٌ لَهُ ، كَمَا أَنَّ الطَّوَافَ تَحِيَّةُ الْمَسْجِدِ ، فَلَا يَبْدَأُ بِشَيْءٍ قَبْلَهُ .\rوَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَأْخُذُ الْحَصَى مِنْ جَمْعٍ ، وَفَعَلَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَقَالَ : كَانُوا يَتَزَوَّدُونَ الْحَصَى مِنْ جَمْعٍ .\rوَاسْتَحَبَّهُ الشَّافِعِيُّ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ ، قَالَ : خُذْ الْحَصَى مِنْ حَيْثُ شِئْت .\rوَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ .\rوَهُوَ أَصَحُّ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ؛ لِأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ : { قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَدَاةَ الْعَقَبَةِ ، وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ : اُلْقُطْ لِي حَصًى .\rفَلَقَطْت لَهُ سَبْعَ حَصَيَاتٍ مِنْ حَصَى الْخَذْفِ ، فَجَعَلَ يَقْبِضُهُنَّ فِي كَفِّهِ ، وَيَقُولُ : أَمْثَالَ هَؤُلَاءِ فَارْمُوا } .\r{ ثُمَّ قَالَ : أَيُّهَا النَّاسُ ، إيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فِي الدِّينِ ، فَإِنَّمَا أَهْلَك مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ الْغُلُوُّ فِي الدِّينِ } .\rرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ .\rوَكَانَ ذَلِكَ بِمِنًى ، وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ يُجْزِئُهُ أَخْذُهُ مِنْ حَيْثُ كَانَ ، وَالْتِقَاطُ الْحَصَى أَوْلَى مِنْ تَكْسِيرِهِ ؛ لِهَذَا الْخَبَرِ ، وَلِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ فِي التَّكْسِيرِ أَنْ يَطِيرَ إلَى وَجْهِهِ شَيْءٌ يُؤْذِيهِ .\rوَيُسْتَحَبُّ أَنْ تَكُونَ الْحَصَيَاتُ كَحَصَى الْخَذْفِ ؛ لِهَذَا الْخَبَرِ ، وَلِقَوْلِ جَابِرٍ فِي حَدِيثِهِ : كُلُّ حَصَاةٍ مِنْهَا مِثْلُ حَصَى الْخَذْفِ .\rوَرَوَى سُلَيْمَانُ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْأَحْوَصِ ، عَنْ أُمِّهِ ، قَالَتْ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { يَا أَيُّهَا النَّاسُ ، إذَا رَأَيْتُمْ الْجَمْرَةَ فَارْمُوا بِمِثْلِ حَصَى الْخَذْفِ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rقَالَ الْأَثْرَمُ : يَكُونُ أَكْبَرَ مِنْ الْحِمَّصِ وَدُونَ الْبُنْدُقِ .\rوَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَرْمِي بِمِثْلِ بَعْرِ الْغَنَمِ .\rفَإِنْ رَمَى بِحَجَرٍ كَبِيرٍ ، فَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ : لَا يُجْزِئُهُ حَتَّى يَأْتِيَ","part":7,"page":169},{"id":3169,"text":"بِالْحَصَى عَلَى مَا فَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rوَذَلِكَ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِهَذَا الْقَدْرِ ، وَنَهَى عَنْ تَجَاوُزِهِ ، وَالْأَمْرُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ ، وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي فَسَادَ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ ، وَلِأَنَّ الرَّمْيَ بِالْكَبِيرِ رُبَّمَا آذَى مَنْ يُصِيبُهُ .\rوَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا : يُجْزِئُهُ مَعَ تَرْكِهِ لِلسُّنَّةِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ رَمَى بِالْحَجَرِ ، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي الصَّغِيرِ .","part":7,"page":170},{"id":3170,"text":"( 2531 ) فَصْلٌ : وَيُجْزِئُ الرَّامِيَ بِكُلِّ مَا يُسَمَّى حَصًى ، وَهِيَ الْحِجَارَةُ الصِّغَارُ ، سَوَاءٌ كَانَ أَسْوَدَ أَوْ أَبْيَضَ أَوْ أَحْمَرَ ، مِنْ الْمَرْمَرِ ، أَوْ الْبِرَامِ ، أَوْ الْمَرْوِ ، وَهُوَ الصَّوَّانُ ، أَوْ الرُّخَامِ ، أَوْ الْكَذَّانِ ، أَوْ حَجَرِ الْمِسَنِّ .\rوَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : لَا يُجْزِئُ الرُّخَامُ وَلَا الْبِرَامُ وَالْكَذَّانُ .\rوَيَقْتَضِي قَوْلُهُ ، أَنْ لَا يُجْزِئَ الْمَرْوُ وَلَا حَجَرُ الْمِسَنِّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَجُوزُ بِالطِّينِ وَالْمَدَرِ ، وَمَا كَانَ مِنْ جِنْسِ الْأَرْضِ .\rوَنَحْوَهُ قَالَ الثَّوْرِيُّ .\rوَرُوِيَ عَنْ سُكَيْنَةَ بِنْتِ الْحُسَيْنِ ، أَنَّهَا رَمَتْ الْجَمْرَةَ وَرَجُلٌ يُنَاوِلُهَا الْحَصَى ، تُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ ، وَسَقَطَتْ حَصَاةٌ فَرَمَتْ بِخَاتَمِهَا .\rوَلَنَا ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَمَى بِالْحَصَى ، وَأَمَرَ بِالرَّمْيِ بِمِثْلِ حَصَى الْخَذْفِ } ، فَلَا يَتَنَاوَلُ غَيْرَ الْحَصَى ، وَيَتَنَاوَلُ جَمِيعَ أَنْوَاعِهِ ، فَلَا يَجُوزُ تَخْصِيصُهُ بِغَيْرِ دَلِيلٍ ، وَلَا إلْحَاقُ غَيْرِهِ بِهِ ؛ لِأَنَّهُ مَوْضِعٌ لَا يَدْخُلُ الْقِيَاسُ فِيهِ .\r( 2532 ) فَصْلٌ : وَإِنْ رَمَى بِحَجَرٍ أُخِذَ مِنْ الْمَرْمِيِّ لَمْ يُجْزِهِ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يُجْزِئُهُ ؛ لِأَنَّهُ حَصًى ، فَيَدْخُلُ فِي الْعُمُومِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخَذَ مِنْ غَيْرِ الْمَرْمِيِّ .\rوَقَالَ : { خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ } .\rوَلِأَنَّهُ لَوْ جَازَ الرَّمْيُ بِمَا رُمِيَ بِهِ ، لَمَا احْتَاجَ أَحَدٌ إلَى أَخْذِ الْحَصَى مِنْ غَيْرِ مَكَانِهِ ، وَلَا تَكْسِيرِهِ ، وَالْإِجْمَاعُ عَلَى خِلَافِهِ ، وَلِأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ ، قَالَ : مَا يُقْبَلُ مِنْهَا يُرْفَعُ .\rوَإِنْ رَمَى بِخَاتَمِ فِضَّةٍ حَجَرًا ، لَمْ يُجْزِهِ ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ تَبَعٌ ، وَالرَّمْيُ بِالْمَتْبُوعِ لَا بِالتَّابِعِ .","part":7,"page":171},{"id":3171,"text":"( 2533 ) مَسْأَلَة : قَالَ : ( وَالِاسْتِحْبَابُ أَنْ يَغْسِلَهُ ) اخْتَلَفَ عَنْ أَحْمَدَ فِي ذَلِكَ ، فَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ ؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ غَسَلَهُ ، وَكَانَ طَاوُسٌ يَفْعَلُهُ ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَتَحَرَّى سُنَّةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ : أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ .\rوَقَالَ : لَمْ يَبْلُغْنَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَلَهُ .\rوَهَذَا الصَّحِيحُ .\rوَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ ، وَمَالِك ، وَكَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ، فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا لُقِطَتْ لَهُ الْحَصَيَاتُ ، وَهُوَ رَاكِبٌ عَلَى بَعِيرِهِ ، يَقْبِضُهُنَّ فِي يَدِهِ ، لَمْ يَغْسِلْهُنَّ ، وَلَا أَمَرَ بِغَسْلِهِنَّ ، وَلَا فِيهِ مَعْنَى يَقْتَضِيهِ .\rفَإِنْ رَمَى بِحَجَرٍ نَجِسٍ أَجْزَأْهُ ؛ لِأَنَّهُ حَصَاةٌ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يُجْزِئَهُ ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي بِهِ الْعِبَادَةَ ، فَاعْتُبِرَتْ طَهَارَتُهُ ، كَحَجَرِ الِاسْتِجْمَار وَتُرَابِ التَّيَمُّمِ .\rوَإِنْ غَسَلَهُ ، وَرَمَى بِهِ ، أَجْزَأَهُ ، وَجْهًا وَاحِدًا .\rوَعَدَدُ الْحَصَى سَبْعُونَ حَصَاةً ، يَرْمِي مِنْهَا بِسَبْعٍ فِي يَوْمِ النَّحْرِ ، وَسَائِرهَا فِي أَيَّامِ مِنًى ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":7,"page":172},{"id":3172,"text":"( 2534 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( فَإِذَا وَصَلَ إلَى مِنًى ، رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ ، يُكَبِّرُ فِي إثْرِ كُلِّ حَصَاةٍ ، وَلَا يَقِفُ عِنْدَهَا ) حَدُّ مِنًى مَا بَيْنَ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ وَوَادِي مُحَسِّرٍ ، كَذَلِكَ قَالَ عَطَاءٌ ، وَالشَّافِعِيُّ .\rوَلَيْسَ مُحَسِّرٌ وَالْعَقَبَةُ مِنْ مِنًى .\rوَيُسْتَحَبُّ سُلُوكُ الطَّرِيقِ الْوُسْطَى الَّتِي تَخْرُجُ عَلَى الْجَمْرَةِ الْكُبْرَى ، فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَلَكَهَا .\rكَذَا فِي حَدِيثِ جَابِرٍ .\rفَإِذَا وَصَلَ مِنًى بَدَأَ بِجَمْرَةِ الْعَقَبَةِ ، وَهِيَ آخِرُ الْجَمَرَات مِمَّا يَلِي مِنًى ، وَأَوَّلُهَا مِمَّا يَلِي مَكَّةَ ، وَهِيَ عِنْدَ الْعَقَبَةِ ، وَكَذَلِكَ سُمِّيَتْ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ فَيَرْمِيهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ ، يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ ، وَيَسْتَبْطِنُ الْوَادِيَ ، وَيَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ وَلَا يَقِفُ .\rوَهَذَا بِجُمْلَتِهِ قَوْلُ مَنْ عَلِمْنَا قَوْلَهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rوَإِنْ رَمَاهَا مِنْ فَوْقِهَا جَازَ ؛ لِأَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ جَاءَ وَالزِّحَامُ عِنْدَ الْجَمْرَةِ ، فَصَعِدَ فَرَمَاهَا مِنْ فَوْقِهَا .\rوَالْأَوَّلُ أَفْضَلُ ؛ لِمَا رَوَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ ، أَنَّهُ مَشَى مَعَ { عَبْدِ اللَّهِ ، وَهُوَ يَرْمِي الْجَمْرَةَ ، فَلَمَّا كَانَ فِي بَطْنِ الْوَادِي أَعْرَضَهَا فَرَمَاهَا ، فَقِيلَ ، لَهُ : إنَّ نَاسًا يَرْمُونَهَا مِنْ فَوْقِهَا .\rفَقَالَ : مِنْ هَاهُنَا ، وَاَلَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ ، رَأَيْت الَّذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ رَمَاهَا } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَفِي لَفْظٍ : { لَمَّا أَتَى عَبْدُ اللَّهِ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ ، اسْتَبْطَنَ الْوَادِيَ ، وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ ، وَجَعَلَ يَرْمِي الْجَمْرَةَ عَلَى حَاجِبِهِ الْأَيْمَنِ ، ثُمَّ رَمَى بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ ، ثُمَّ قَالَ : وَاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ غَيْرُهُ ، مِنْ هَاهُنَا رَمَى الَّذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ } .\rقَالَ التِّرْمِذِيُّ : وَهَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ ، وَالْعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rوَلَا يُسَنُّ الْوُقُوفُ عِنْدَهَا ؛ لِأَنَّ ابْنَ","part":7,"page":173},{"id":3173,"text":"عُمَرَ ، وَابْنَ عَبَّاسٍ ، رَوَيَا { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إذَا رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ ، انْصَرَفَ وَلَمْ يَقِفْ } .\rرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ .\rوَيُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ ؛ لِأَنَّ جَابِرًا قَالَ : فَرَمَاهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ ، يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ .\rوَإِنْ قَالَ : اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ حَجًّا مَبْرُورًا ، وَذَنْبًا مَغْفُورًا ، وَعَمَلًا مَشْكُورًا .\rفَحَسَنٌ ؛ فَإِنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ وَابْنَ عُمَرَ كَانَا يَقُولَانِ نَحْوَ ذَلِكَ .\rوَرَوَى حَنْبَلٌ ، فِي ( الْمَنَاسِكِ ) ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، قَالَ : رَأَيْت سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ اسْتَبْطَنَ الْوَادِيَ ، وَرَمَى الْجَمْرَةَ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ ، يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ : اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ .\rثُمَّ قَالَ : اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ حَجًّا مَبْرُورًا ، وَذَنْبًا مَغْفُورًا ، وَعَمَلًا مَشْكُورًا .\rفَسَأَلْته عَمَّا صَنَعَ ؟ فَقَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَمَى الْجَمْرَةَ مِنْ هَذَا الْمَكَانِ ، وَيَقُولُ كُلَّمَا رَمَى حَصَاةً مِثْلَمَا قُلْت } .\rوَقَالَ إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ : كَانُوا يُحِبُّونَ ذَلِكَ .\r( 2535 ) فَصْلٌ : وَيَرْمِيهَا رَاكِبًا أَوْ رَاجِلًا كَيْفَمَا شَاءَ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَمَاهَا عَلَى رَاحِلَتِهِ .\rرَوَاهُ جَابِرٌ ، وَابْنُ عُمَرَ ، وَأُمُّ أَبِي الْأَحْوَصِ ، وَغَيْرُهُمْ .\rقَالَ جَابِرٌ : { رَأَيْت النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرْمِي عَلَى رَاحِلَتِهِ يَوْمَ النَّحْرِ ، وَيَقُولُ : لِتَأْخُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَحُجُّ بَعْدَ حَجَّتِي هَذِهِ .\r} رَوَاهُ مُسْلِمٌ .\rوَقَالَ نَافِعٌ : كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَرْمِي جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ عَلَى دَابَّتِهِ يَوْمَ النَّحْرِ .\rوَكَانَ لَا يَأْتِي سَائِرَهَا بَعْدَ ذَلِكَ إلَّا مَاشِيًا ، ذَاهِبًا وَرَاجِعًا .\rوَزَعَمَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ لَا يَأْتِيهَا إلَّا مَاشِيًا ، ذَاهِبًا وَرَاجِعًا .\rرَوَاهُ أَحْمَدُ ، فِي ( الْمُسْنَدِ ) .\rوَفِي هَذَا بَيَانٌ لِلتَّفْرِيقِ بَيْنَ هَذِهِ","part":7,"page":174},{"id":3174,"text":"الْجَمْرَةِ وَغَيْرِهَا .\rوَلِأَنَّ رَمْيَ هَذِهِ الْجَمْرَةِ مِمَّا يُسْتَحَبُّ الْبِدَايَةُ بِهِ فِي هَذَا الْيَوْمِ عِنْدَ قُدُومِهِ ، وَلَا يُسَنُّ عِنْدَهَا وُقُوفٌ ، وَلَوْ سُنَّ لَهُ الْمَشْيُ إلَيْهَا لَشَغَلَهُ النُّزُولُ عَنْ الْبِدَايَةِ بِهَا ، وَالتَّعْجِيلِ إلَيْهَا ، بِخِلَافِ سَائِرِهَا .","part":7,"page":175},{"id":3175,"text":"( 2536 ) فَصْلٌ : وَلِرَمْيِ هَذِهِ الْجَمْرَةِ وَقْتَانِ : وَقْتُ فَضِيلَةٍ ، وَوَقْتُ إجْزَاءٍ ، فَأَمَّا وَقْتُ الْفَضِيلَةِ فَبَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ .\rقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : أَجْمَعَ عُلَمَاءُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّمَا رَمَاهَا ضُحَى ذَلِكَ الْيَوْمِ .\rوَقَالَ جَابِرٌ : { رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرْمِي الْجَمْرَةَ ضُحَى يَوْمِ النَّحْرِ وَحْدَهُ ، وَرَمَى بَعْدَ ذَلِكَ بَعْدَ زَوَالِ الشَّمْسِ } .\rأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ .\rوَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : { قَدِمْنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُغَيْلِمَةَ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ عَلَى حُمُرَاتٍ لَنَا مِنْ جَمْعٍ ، فَجَعَلَ يُلَطِّخُ أَفْخَاذَنَا ، وَيَقُولُ : أَبَنِيَّ ، عَبْدِ الْمُطَّلِبِ لَا تَرْمُوا الْجَمْرَةَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ } .\rرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ .\rوَكَانَ رَمْيُهَا بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ يُجْزِئُ بِالْإِجْمَاعِ ، وَكَانَ أَوْلَى .\rوَأَمَّا وَقْتُ الْجَوَازِ ، فَأَوَّلُهُ نِصْفُ اللَّيْلِ مِنْ لَيْلَةِ النَّحْرِ .\rوَبِذَلِكَ قَالَ عَطَاءٌ ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى ، وَعِكْرِمَةُ بْنُ خَالِدٍ ، وَالشَّافِعِيُّ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ يُجْزِئُ بَعْدَ الْفَجْرِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ .\rوَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ وَإِسْحَاقَ ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ .\rوَقَالَ مُجَاهِدٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالنَّخَعِيُّ : لَا يَرْمِيهَا إلَّا بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ ؛ لِمَا رَوَيْنَا مِنْ الْحَدِيثِ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى أَبُو دَاوُد ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَمَرَ أُمَّ سَلَمَةَ لَيْلَةَ النَّحْرِ ، فَرَمَتْ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ قَبْلَ الْفَجْرِ ، ثُمَّ مَضَتْ فَأَفَاضَتْ .\rوَرُوِيَ أَنَّهُ أَمَرَهَا أَنْ تُعَجِّلَ الْإِفَاضَةَ ، وَتُوَافِيَ مَكَّةَ بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ } .\rوَاحْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ .\rوَقَدْ ذَكَرْنَا فِي حَدِيثِ أَسْمَاءَ ، أَنَّهَا رَمَتْ ، ثُمَّ رَجَعَتْ ، فَصَلَّتْ الصُّبْحَ ، وَذَكَرَتْ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَذِنَ لِلظُّعُنِ ، وَلِأَنَّهُ وَقْتٌ","part":7,"page":176},{"id":3176,"text":"لِلدَّفْعِ مِنْ مُزْدَلِفَةَ ، فَكَانَ وَقْتًا لِلرَّمْيِ ، كَبَعْدِ طُلُوعِ الشَّمْسِ ، وَالْأَخْبَارُ الْمُتَقَدِّمَةُ مَحْمُولَةٌ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ ، وَإِنْ أَخَّرَ الرَّمْيَ إلَى آخِرِ النَّهَارِ ، جَازَ .\rقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ ، عَلَى أَنَّ مَنْ رَمَاهَا يَوْمَ النَّحْرِ قَبْلَ الْمَغِيبِ ، فَقَدْ رَمَاهَا فِي وَقْتٍ لَهَا ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُسْتَحَبًّا لَهَا .\rوَرَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ .\rقَالَ { : كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُسْأَلُ يَوْمَ النَّحْرِ بِمِنًى ، قَالَ رَجُلٌ : رَمَيْت بَعْدَمَا أَمْسَيْت ؟ فَقَالَ : لَا حَرَجَ } .\rرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ .\rفَإِنْ أَخَّرَهَا إلَى اللَّيْلِ ، لَمْ يَرْمِهَا حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ مِنْ الْغَدِ .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَإِسْحَاقُ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْذِرِ ، وَيَعْقُوبُ : يَرْمِي لَيْلًا ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { ارْمِ ، وَلَا حَرَجَ } .\rوَلَنَا ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ ، قَالَ : مَنْ فَاتَهُ الرَّمْيُ حَتَّى تَغِيبَ الشَّمْسُ ، فَلَا يَرْمِ حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ مِنْ الْغَدِ .\rوَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { ارْمِ ، وَلَا حَرَجَ } .\rإنَّمَا كَانَ فِي النَّهَارِ ؛ لِأَنَّهُ سَأَلَهُ فِي يَوْمِ النَّحْرِ ، وَلَا يَكُونُ الْيَوْمُ إلَّا قَبْلَ مَغِيبِ الشَّمْسِ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : يَرْمِي لَيْلًا وَعَلَيْهِ دَمٌ .\rوَمَرَّةً قَالَ : لَا دَمَ عَلَيْهِ .","part":7,"page":177},{"id":3177,"text":"( 2537 ) فَصْلٌ : وَلَا يُجْزِئُهُ الرَّمْيُ إلَّا أَنْ يَقَعَ الْحَصَى فِي الْمَرْمَى ، فَإِنْ وَقَعَ دُونَهُ ، لَمْ يُجْزِئْهُ .\rفِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا ؛ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِالرَّمْيِ وَلَمْ يَرْمِ .\rوَإِنْ طَرَحَهَا طَرْحًا ؛ أَجْزَأْهُ ؛ لِأَنَّهُ يُسَمَّى رَمْيًا .\rوَهَذَا قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : لَا يُجْزِئُهُ .\rوَإِنْ رَمَى حَصَاةً ، فَوَقَعَتْ فِي غَيْرِ الْمَرْمَى ، فَأَطَارَتْ حَصَاةً أُخْرَى ، فَوَقَعَتْ فِي الْمَرْمَى ، لَمْ يُجْزِهِ ؛ لِأَنَّ الَّتِي رَمَاهَا لَمْ تَقَعْ فِي الْمَرْمَى .\rوَإِنْ رَمَى حَصَاةً ، فَالْتَقَمَهَا طَائِرٌ قَبْلَ وُصُولِهَا ، لَمْ يُجْزِهِ ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَقَعْ فِي الْمَرْمَى .\rوَإِنْ وَقَعَتْ عَلَى مَوْضِعٍ صُلْبٍ فِي غَيْرِ الْمَرْمَى ، ثُمَّ تَدَحْرَجَتْ عَلَى الْمَرْمَى ، أَوْ عَلَى ثَوْبِ إنْسَانٍ ، ثُمَّ طَارَتْ فَوَقَعَتْ فِي الْمَرْمَى ، أَجْزَأَتْهُ ، لِأَنَّ حُصُولَهُ بِفِعْلِهِ .\rوَإِنْ نَفَضَهَا ذَلِكَ الْإِنْسَانُ عَنْ ثَوْبِهِ ، فَوَقَعَتْ فِي الْمَرْمَى ، فَعَنْ أَحْمَدَ ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، أَنَّهَا تُجْزِئُهُ ؛ لِأَنَّهُ انْفَرَدَ بِرَمْيِهَا .\rوَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ : لَا يُجْزِئُهُ ؛ لِأَنَّ حُصُولَهَا فِي الْمَرْمَى بِفِعْلِ الثَّانِي ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَخَذَهَا بِيَدِهِ فَرَمَى بِهَا .\rوَإِنْ رَمَى حَصَاةً ، فَشَكَّ : هَلْ وَقَعَتْ فِي الْمَرْمَى أَوْ لَا ؟ لَمْ يُجْزِئْهُ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الرَّمْيِ فِي ذِمَّتِهِ ، فَلَا يَزُولُ بِالشَّكِّ .\rوَإِنْ كَانَ الظَّاهِرُ أَنَّهَا وَقَعَتْ فِيهِ ، أَجْزَأَتْهُ ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ دَلِيلٌ .\rوَإِنْ رَمَى الْحَصَيَاتِ دَفْعَةً وَاحِدَةً ، لَمْ يُجْزِهِ إلَّا عَنْ وَاحِدَةٍ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .\rوَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ .\rوَقَالَ عَطَاءٌ : يُجْزِئُهُ ، وَيُكَبِّرُ لِكُلِّ حَصَاةٍ .\rوَلَنَا ، أَنَّ { النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَمَى سَبْعَ رَمَيَاتٍ ، وَقَالَ : خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ } .\rقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا : وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَرْفَعَ يَدَيْهِ فِي الرَّمْيِ حَتَّى يُرَى بَيَاضُ إبْطِهِ .","part":7,"page":178},{"id":3178,"text":"( 2538 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَيَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ عِنْدَ ابْتِدَاءِ الرَّمْيِ ) وَمِمَّنْ قَالَ : يُلَبِّي حَتَّى يَرْمِيَ الْجَمْرَةَ .\rابْنُ مَسْعُودٍ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ ، وَمَيْمُونَةُ .\rوَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ ، وَطَاوُسٌ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَرُوِيَ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ، وَعَائِشَةَ : يَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ إذَا رَاحَ إلَى الْمَوْقِفِ .\rوَعَنْ عَلِيٍّ ، وَأُمِّ سَلَمَةَ ، أَنَّهُمَا كَانَا يُلَبِّيَانِ حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ .\rوَهَذَا قَرِيبٌ مِنْ قَوْلِ سَعْدٍ ، وَعَائِشَةَ .\rوَكَانَ الْحَسَنُ يَقُولُ : يُلَبِّي حَتَّى يُصَلِّيَ الْغَدَاةَ يَوْمَ عَرَفَةَ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : يَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ إذَا رَاحَ إلَى الْمَسْجِدِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الْفَضْلَ بْنَ عَبَّاسٍ رَوَى أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَمْ يَزَلْ يُلَبِّي حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ .\rوَكَانَ رَدِيفَهُ يَوْمَئِذٍ ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِحَالِهِ مِنْ غَيْرِهِ } ، وَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِعْلُهُ مُقَدَّمٌ عَلَى كُلِّ مَنْ خَالَفَهُ .\rوَاسْتُحِبَّ قَطْعُ التَّلْبِيَةِ عِنْدَ أَوَّلِ حَصَاةٍ ؛ لِلْخَبَرِ ، وَفِي بَعْضِ أَلْفَاظِهِ : حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ قَطَعَ عِنْدَ أَوَّلِ حَصَاةٍ .\rرَوَاهُ حَنْبَلٌ ، فِي ( الْمَنَاسِكِ ) وَهَذَا بَيَانٌ يَتَعَيَّنُ الْأَخْذُ بِهِ .\rوَفِي رِوَايَةِ مَنْ رَوَى أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُلَبِّي ، وَلِأَنَّهُ يَتَحَلَّلُ بِالرَّمْيِ ، فَإِذَا شَرَعَ فِيهِ قَطَعَ التَّلْبِيَةَ ، كَالْمُعْتَمِرِ يَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ بِالشُّرُوعِ فِي الطَّوَافِ .","part":7,"page":179},{"id":3179,"text":"( 2539 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( ثُمَّ يَنْحَرُ ، إنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا فَرَغَ مِنْ رَمْيِ الْجَمْرَةِ يَوْمَ النَّحْرِ ، لَمْ يَقِفْ ، وَانْصَرَفَ ، فَأَوَّلُ شَيْءٍ يَبْدَأُ بِهِ نَحْرُ الْهَدْيِ ، إنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ ، وَاجِبًا أَوْ تَطَوُّعًا .\rفَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ ، وَعَلَيْهِ هَدْيٌ ، وَاجِبٌ ، اشْتَرَاهُ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ وَاجِبٌ ، فَأَحَبَّ أَنْ يُضَحِّيَ ، اشْتَرَى مَا يُضَحِّي بِهِ ، وَيَنْحَرُ الْإِبِلَ ، وَيَذْبَحُ مَا سِوَاهَا .\rوَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَوَلَّى ذَلِكَ بِيَدِهِ ، وَإِنْ اسْتَنَابَ غَيْرَهُ جَازَ .\rهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ .\rوَذَلِكَ لِمَا رَوَى جَابِرٌ فِي صِفَةِ حَجِّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَنَّهُ رَمَى مِنْ بَطْنِ الْوَادِي ، ثُمَّ انْصَرَفَ إلَى الْمَنْحَرِ ، فَنَحَرَ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ بَدَنَةً ، ثُمَّ أَعْطَى عَلِيًّا فَنَحَرَ مَا غَبَرَ ، وَأَشْرَكَهُ فِي هَدْيِهِ } .\rوَقَالَ أَنَسٌ : { نَحَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِهِ سَبْعَ بَدَنَاتٍ قِيَامًا } .\rرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ .","part":7,"page":180},{"id":3180,"text":"( 2540 ) فَصْلٌ : وَالسُّنَّةُ نَحْرُ الْإِبِلِ قَائِمَةً مَعْقُولَةً يَدُهَا الْيُسْرَى ، فَيَضْرِبُهَا بِالْحَرْبَةِ فِي الْوَهْدَةِ الَّتِي بَيْنَ أَصْلِ الْعُنُقِ وَالصَّدْرِ .\rوَمِمَّنْ اسْتَحَبَّ ذَلِكَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ .\rوَاسْتَحَبَّ عَطَاءٌ نَحْرَهَا بَارِكَةً .\rوَجَوَّزَ الثَّوْرِيُّ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ كُلَّ ذَلِكَ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى دِينَارُ بْنُ جُبَيْرٍ ، قَالَ : { رَأَيْت ابْنَ عُمَرَ أَتَى عَلَى رَجُلٍ أَنَاخَ بَدَنَتَهُ لِيَنْحَرَهَا ، فَقَالَ : ابْعَثْهَا قِيَامًا مُقَيَّدَةً ، سُنَّةَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَرَوَى أَبُو دَاوُد ، بِإِسْنَادِهِ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَابِطٍ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابَهُ كَانُوا يَنْحَرُونَ الْبَدَنَةَ مَعْقُولَةَ الْيُسْرَى ، قَائِمَةً عَلَى مَا بَقِيَ مِنْ قَوَائِمِهَا } .\rوَفِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { فَإِذَا وَجَبَتْ جَنُوبُهَا } .\rدَلِيلٌ عَلَى أَنَّهَا تُنْحَرُ قَائِمَةً .\rوَيُرْوَى فِي تَفْسِيرِ قَوْله تَعَالَى : { فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ } .\rأَيْ قِيَامًا .\rوَتُجْزِئُهُ كَيْفَمَا نَحَرَ .\rقَالَ أَحْمَدُ : يَنْحَرُ الْبُدْنَ مَعْقُولَةً عَلَى ثَلَاثِ قَوَائِمَ ، وَإِنْ خَشِيَ عَلَيْهَا أَنْ تَنْفِرَ أَنَاخَهَا .","part":7,"page":181},{"id":3181,"text":"( 2541 ) فَصْلٌ : وَيُسْتَحَبُّ تَوْجِيهُ الذَّبِيحَةِ إلَى الْقِبْلَةِ ، وَيَقُولُ : بِسْمِ اللَّهِ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ .\rوَإِنْ قَالَ مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَحَسَنٌ .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : ثَبَتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إذَا ذَبَحَ يَقُولُ : بِسْمِ اللَّهِ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ .\rوَكَذَلِكَ يَقُولُ ابْنُ عُمَرَ .\rوَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { ذَبَحَ يَوْمَ الْعِيدِ كَبْشَيْنِ ، ثُمَّ قَالَ حِينَ وَجَّهَهُمَا : وَجَّهْت وَجْهِي لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ .\rإنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ .\rلَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْت وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ .\rبِسْمِ اللَّهِ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ ، اللَّهُمَّ مِنْك وَلَك ، عَنْ مُحَمَّدٍ وَأُمَّتِهِ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَإِنْ اقْتَصَرَ عَلَى التَّسْمِيَةِ ، وَوَجَّهَ الذَّبِيحَةَ إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ ، تَرَكَ الْأَفْضَلَ ، وَأَجْزَأَهُ .\rهَذَا قَوْلُ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، وَالنَّخَعِيِّ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ .\rوَكَانَ ابْنُ عُمَرَ ، وَابْنُ سِيرِينَ يَكْرَهَانِ الْأَكْلَ مِنْ الذَّبِيحَةِ تُوَجَّهُ لِغَيْرِ الْقِبْلَةِ .\rوَالصَّحِيحُ أَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ وَاجِبٍ ، وَلَمْ يَقُمْ عَلَى وُجُوبِهِ دَلِيلٌ .","part":7,"page":182},{"id":3182,"text":"( 2542 ) فَصْلٌ : وَوَقْتُ نَحْرِ الْأُضْحِيَّةِ وَالْهَدْيِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ : يَوْمُ النَّحْرِ ، وَيَوْمَانِ بَعْدَهُ ، نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، وَقَالَ : هُوَ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rوَرَوَاهُ الْأَثْرَمُ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ .\rوَبِهِ قَالَ مَالِكٌ ، وَالثَّوْرِيُّ .\rوَيُرْوَى عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : أَيَّامُ النَّحْرِ يَوْمُ الضُّحَى ، وَثَلَاثَةُ أَيَّامٍ بَعْدَهُ .\rوَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ ، وَعَطَاءٌ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ .\rوَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ : يَوْمٌ وَاحِدٌ .\rوَعَنْ سَعِيدَ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ : فِي الْأَمْصَارِ يَوْمٌ وَاحِدٌ ، وَبِمِنًى ثَلَاثَةٌ .\rوَلَنَا { ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ الْأَكْلِ مِنْ النُّسُكِ فَوْقَ ثَلَاثٍ } ، وَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَكُونَ الذَّبْحُ مَشْرُوعًا فِي وَقْتٍ يَحْرُمُ فِيهِ الْأَكْلُ ، ثُمَّ نُسِخَ تَحْرِيمُ الْأَكْلِ ، وَبَقِيَ وَقْتُ الذَّبْحِ بِحَالِهِ .\rوَلِأَنَّ الْيَوْمَ الرَّابِعَ لَا يَجِبُ فِيهِ الرَّمْيُ ، فَلَمْ يَجُزْ فِيهِ الذَّبْحُ ، كَاَلَّذِي بَعْدَهُ ، فَأَمَّا اللَّيَالِي الْمُتَخَلِّلَةُ لِأَيَّامِ النَّحْرِ ، فَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ فِيهَا ذَبْحُ الْهَدْيِ وَالْأُضْحِيَّةِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ { : وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ } .\rفَذَكَرَ الْأَيَّامَ دُونَ اللَّيَالِي .\rوَقَالَ غَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا : يَجُوزُ لَيْلَتَيْ يَوْمَيْ التَّشْرِيقِ الْأُولَتَيْنِ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ ؛ لِأَنَّ هَاتَيْنِ اللَّيْلَتَيْنِ دَاخِلَتَانِ فِي مُدَّةِ الذَّبْحِ ، فَجَازَ الذَّبْحُ فِيهِمَا كَالْأَيَّامِ .","part":7,"page":183},{"id":3183,"text":"( 2543 ) فَصْلٌ : وَإِذَا نَحَرَ الْهَدْيَ ، فَرَّقَهُ عَلَى الْمَسَاكِينِ مِنْ أَهْلِ الْحَرَمِ ، وَهُوَ مَنْ كَانَ فِي الْحَرَمِ .\rفَإِنْ أَطْلَقَهَا لَهُمْ جَازَ ، كَمَا رَوَى أَنَسٌ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحَرَ خَمْسَ بَدَنَاتٍ ، ثُمَّ قَالَ : { مَنْ شَاءَ فَلْيَقْتَطِعْ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَإِنْ قَسَمَهَا فَهُوَ أَحْسَنُ وَأَفْضَلُ ، وَلَا يُعْطِي الْجَازِرَ بِأُجْرَتِهِ شَيْئًا مِنْهَا ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : { أَمَرَنِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ أَقُومَ عَلَى بُدْنِهِ ، وَأَنْ أُقَسِّمَ بُدْنَهُ كُلَّهَا ، جُلُودَهَا وَجِلَالَهَا ، وَأَنْ لَا أُعْطِيَ الْجَازِرَ مِنْهَا شَيْئًا ، وَقَالَ : نَحْنُ نُعْطِيهِ مِنْ عِنْدِنَا } مُتَّفَقٌ عَلَى مَعْنَاهُ .\rوَلِأَنَّهُ بِقَسْمِهَا يَكُونُ عَلَى يَقِينٍ مِنْ إيصَالِهَا إلَى مُسْتَحِقِّهَا ، وَيَكْفِي الْمَسَاكِينَ مُؤْنَةَ النَّهْبِ وَالزِّحَامِ عَلَيْهَا .\rوَإِنَّمَا لَمْ يُعْطِ الْجَازِرَ بِأُجْرَتِهِ مِنْهَا ؛ لِأَنَّهُ ذَبْحَهَا ، فَعَوَّضَهُ عَلَيْهِ دُونَ الْمَسَاكِينِ ، وَلِأَنَّ دَفْعَ جُزْءٍ مِنْهَا عِوَضًا عَنْ الْجِزَارَةِ كَبَيْعِهِ ، وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ شَيْءٍ مِنْهَا ، وَإِنْ كَانَ الْجَازِرُ فَقِيرًا ، فَأَعْطَاهُ لِفَقْرِهِ سِوَى مَا يُعْطِيهِ أَجْرَهُ ، جَازَ ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَحِقُّ الْأَخْذِ مِنْهَا لِفَقْرِهِ ، لَا لِأَجْرِهِ ، فَجَازَ كَغَيْرِهِ ، وَيُقَسِّمُ جُلُودَهَا وَجِلَالَهَا ، كَمَا جَاءَ فِي الْخَبَرِ ؛ لِأَنَّهُ سَاقَهَا لِلَّهِ عَلَى تِلْكَ الصِّفَةِ ؛ فَلَا يَأْخُذُ شَيْئًا مِمَّا جَعَلَهُ ، لِلَّهِ .\rوَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا : لَا يَلْزَمُهُ إعْطَاءُ جِلَالِهَا ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا أَهْدَى الْحَيَوَانَ دُونَ مَا عَلَيْهِ ( 2544 ) فَصْلٌ : وَالسُّنَّةُ النَّحْرُ بِمِنًى ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحَرَ بِهَا ، وَحَيْثُ نَحَرَ مِنْ الْحَرَمِ أَجْزَأَهُ ؛ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { كُلُّ مِنًى مَنْحَرٌ ، وَكُلُّ فِجَاجِ مَكَّةَ مَنْحَرٌ وَطَرِيقٌ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\r( 2545 ) فَصْلٌ : وَلَيْسَ مِنْ شَرْطِ الْهَدْيِ","part":7,"page":184},{"id":3184,"text":"أَنْ يَجْمَعَ فِيهِ بَيْنَ الْحِلِّ وَالْحَرَمِ ، وَلَا أَنْ يَقِفَهُ بِعَرَفَةَ ، لَكِنْ يُسْتَحَبُّ ذَلِكَ .\rرُوِيَ هَذَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَكَانَ ابْنُ عُمَرَ لَا يَرَى الْهَدْيَ إلَّا مَا عَرَّفَ بِهِ ، وَنَحْوُهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : أُحِبُّ لِلْقَارِنِ أَنْ يَسُوقَ هَدْيَهُ مِنْ حَيْثُ يُحْرِمُ ، فَإِنْ ابْتَاعَهُ مِنْ دُون ذَلِكَ ، مِمَّا يَلِي مَكَّةَ بَعْدَ أَنْ يَقِفَهُ بِعَرَفَةَ ، جَازَ .\rوَقَالَ فِي هَدْيِ الْمُجَامِعِ : إنْ لَمْ يَكُنْ سَاقَهُ ، فَلْيَشْتَرِهِ مِنْ مَكَّةَ ، ثُمَّ لِيُخْرِجَهُ إلَى الْحِلِّ ، وَلْيَسُقْهُ إلَى مَكَّةَ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ الْهَدْيِ نَحْرُهُ ، وَنَفْعُ الْمَسَاكِينِ بِلَحْمِهِ ، بِهَذَا لَا يَقِفُ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا ذَكَرُوهُ ، وَلَمْ يَرِدْ بِمَا قَالُوهُ دَلِيلٌ يُوجِبُهُ ، فَيَبْقَى عَلَى أَصْلِهِ .","part":7,"page":185},{"id":3185,"text":"( 2546 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَيَحْلِقُ أَوْ يُقَصِّرُ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا نَحَرَ هَدْيَهُ ، فَإِنَّهُ يَحْلِقُ رَأْسَهُ ، أَوْ يُقَصِّرُ مِنْهُ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَلَقَ رَأْسَهُ .\rفَرَوَى أَنَسٌ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ ، ثُمَّ رَجَعَ إلَى مَنْزِلِهِ بِمِنًى فَدَعَا فَذَبَحَ ، ثُمَّ دَعَا بِالْحَلَّاقِ ، فَأَخَذَ بِشِقِّ رَأْسِهِ الْأَيْمَنِ فَحَلَقَهُ ، فَجَعَلَ يُقَسِّمُ بَيْنَ مَنْ يَلِيهِ الشَّعْرَةَ وَالشَّعْرَتَيْنِ ، ثُمَّ أَخَذَ بِشِقِّ رَأْسِهِ الْأَيْسَرِ فَحَلَقَهُ ، ثُمَّ قَالَ : هَاهُنَا أَبُو طَلْحَةَ ؟ فَدَفَعَهُ إلَى أَبِي طَلْحَةَ .\r} رَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَالسُّنَّةُ أَنْ يَبْدَأَ بِشِقِّ رَأْسِهِ الْأَيْمَنِ ، ثُمَّ الْأَيْسَرِ ؛ لِهَذَا الْخَبَرِ ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُعْجِبُهُ التَّيَامُنُ فِي شَأْنِهِ كُلِّهِ .\rفَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ ، أَجْزَأَهُ .\rلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا .\rوَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْحَلْقِ وَالتَّقْصِيرِ .\rأَيَّهُمَا فَعَلَ أَجْزَأَهُ ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ التَّقْصِيرَ يُجْزِئُ .\rيَعْنِي فِي حَقِّ مِنْ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ مَعْنًى يَقْتَضِي وُجُوبَ الْحَلْقِ عَلَيْهِ .\rإلَّا أَنَّهُ يُرْوَى عَنْ الْحَسَنِ ، أَنَّهُ كَانَ يُوجِبُ الْحَلْقَ فِي أَوَّلِ حَجَّةٍ حَجَّهَا .\rوَلَا يَصِحُّ هَذَا ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : { مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ } .\rوَلَمْ يُفَرِّقْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( رَحِمَ اللَّهُ الْمُحَلِّقِينَ وَالْمُقَصِّرِينَ ) .\rوَقَدْ كَانَ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ قَصَّرَ ، فَلَمْ يَعِبْ عَلَيْهِ ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مُجْزِيًا لَأَنْكَرَ عَلَيْهِ ، وَالْحَلْقُ أَفْضَلُ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { رَحِمَ اللَّهُ الْمُحَلِّقِينَ .\rقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّه ، وَالْمُقَصِّرِينَ ؟ قَالَ : رَحِمَ اللَّهُ الْمُحَلِّقِينَ .\rقَالُوا :","part":7,"page":186},{"id":3186,"text":"وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللَّه ؟ قَالَ : رَحِمَ اللَّهُ الْمُحَلِّقِينَ وَالْمُقَصِّرِينَ } .\rرَوَاهُ مُسْلِمٌ .\rوَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَلَقَ .\rوَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي مَنْ لَبَّدَ ، أَوْ عَقَصَ ، أَوْ ضَفَّرَ .\rفَقَالَ أَحْمَدُ : مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَلْيَحْلِقْ .\rوَهُوَ قَوْلُ النَّخَعِيِّ ، وَمَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَإِسْحَاقَ .\rوَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ : مَنْ لَبَّدَ ، أَوْ ضَفَّرَ ، أَوْ عَقَدَ ، أَوْ فَتَلَ ، أَوْ عَقَصَ ، فَهُوَ عَلَى مَا نَوَى .\rيَعْنِي إنْ نَوَى الْحَلْقَ فَلْيَحْلِقْ ، وَإِلَّا فَلَا يَلْزَمُهُ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ : هُوَ مُخَيَّرٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ ؛ لِأَنَّ مَا ذَكَرْنَاهُ يَقْتَضِي التَّخْيِيرَ عَلَى الْعُمُومِ ، وَلَمْ يَثْبُتْ فِي خِلَافِ ذَلِكَ دَلِيلٌ .\rوَاحْتَجَّ مَنْ نَصَرَ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ ، بِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { مَنْ لَبَّدَ فَلْيَحْلِقْ } .\rوَثَبَتَ عَنْ عُمَرَ وَابْنِهِ أَنَّهُمَا أَمَرَا مَنْ لَبَّدَ رَأْسَهُ أَنْ يَحْلِقَهُ .\rوَثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَبَّدَ رَأْسَهُ وَأَنَّهُ حَلَقَهُ .\rوَالصَّحِيحُ أَنَّهُ مُخَيَّرٌ ، إلَّا أَنْ يَثْبُتَ الْخَبَرُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rوَقَوْلُ عُمَرَ وَابْنِهِ قَدْ خَالَفَهُمَا فِيهِ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَفِعْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُ لَا يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِهِ ، بَعْدَمَا بَيَّنَ لَهُمْ جَوَازَ الْأَمْرَيْنِ .","part":7,"page":187},{"id":3187,"text":"( 2547 ) فَصْلٌ : وَالْحَلْقُ وَالتَّقْصِيرُ نُسُكٌ فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ ، فِي ظَاهِرِ مَذْهَبِ أَحْمَدَ ، وَقَوْلِ الْخِرَقِيِّ ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيِّ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ لَيْسَ بِنُسُكٍ ، وَإِنَّمَا هُوَ إطْلَاقٌ مِنْ مَحْظُورٍ كَانَ مُحَرَّمًا عَلَيْهِ بِالْإِحْرَامِ ، فَأُطْلِقَ فِيهِ عِنْدَ الْحِلِّ ، كَاللِّبَاسِ وَالطِّيبِ وَسَائِرِ مَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ .\rفَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ لَا شَيْءَ عَلَى تَارِكِهِ ، وَيَحْصُلُ الْحِلُّ بِدُونِهِ .\rوَوَجْهُهَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِالْحِلِّ مِنْ الْعُمْرَةِ قَبْلَهُ ، فَرَوَى { أَبُو مُوسَى ، قَالَ : قَدِمْت عَلَى رَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لِي : بِمَ أَهْلَلْت ؟ .\rقُلْت : لَبَّيْكَ بِإِهْلَالٍ كَإِهْلَالِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rقَالَ : أَحْسَنْت .\rفَأَمَرَنِي فَطُفْت بِالْبَيْتِ ، وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ، ثُمَّ قَالَ لِي : أَحِلَّ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَعَنْ جَابِرٍ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا سَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ، قَالَ : مَنْ كَانَ مِنْكُمْ لَيْسَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلِيَحِلَّ ، وَلْيَجْعَلْهَا عُمْرَةً } رَوَاهُ مُسْلِمٌ .\rوَعَنْ سُرَاقَةَ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { إذَا قَدِمْتُمْ فَمَنْ تَطَوَّفَ بِالْبَيْتِ ، وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ، فَقَدْ حَلَّ ، إلَّا مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ } .\rرَوَاهُ أَبُو إِسْحَاقَ الْجُوزَجَانِيُّ ، فِي ( الْمُتَرْجَمْ ) .\rوَلِأَنَّ مَا كَانَ مُحَرَّمًا فِي الْإِحْرَامِ ، إذَا أُبِيحَ ، كَانَ إطْلَاقًا مِنْ مَحْظُورٍ ، كَسَائِرِ مُحَرَّمَاتِهِ ، وَالرِّوَايَةُ الْأُولَى أَصَحُّ ، فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِهِ ، فَرَوَى ابْنُ عُمَرَ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ ، فَلْيَطُفْ بِالْبَيْتِ ، وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ، وَلْيُقَصِّرْ ، وَلْيَحْلِلْ } .\rوَعَنْ جَابِرٍ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : {","part":7,"page":188},{"id":3188,"text":"أَحِلُّوا مِنْ إحْرَامِكُمْ بِطَوَافٍ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ، وَقَصِّرُوا } .\rوَأَمْرُهُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ .\rوَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَصَفَهُمْ بِهِ ، بِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ : { مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ } .\rوَلَوْ لَمْ يَكُنْ مِنْ الْمَنَاسِكِ لَمَا وَصَفَهُمْ بِهِ ، كَاللُّبْسِ وَقَتْلِ الصَّيْدِ ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَرَحَّمَ عَلَى الْمُحَلِّقِينَ ثَلَاثًا ، وَعَلَى الْمُقَصِّرِينَ مَرَّةً ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مِنْ الْمَنَاسِكِ ، لَمَا دَخَلَهُ التَّفْضِيلُ ، كَالْمُبَاحَاتِ ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابَهُ فَعَلُوهُ فِي جَمِيعِ حَجِّهِمْ وَعُمَرِهِمْ ، وَلَمْ يُخِلُّوا بِهِ ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ نُسُكًا لَمَا دَاوَمُوا عَلَيْهِ ، بَلْ لَمْ يَفْعَلُوهُ إلَّا نَادِرًا ، لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْ عَادَتِهِمْ ، فَيَفْعَلُوهُ عَادَةً ، وَلَا فِيهِ فَضْلٌ ، فَيَفْعَلُوهُ لِفَضْلِهِ .\rوَأَمَّا أَمْرُهُ بِالْحِلِّ ، فَإِنَّمَا مَعْنَاهُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - الْحِلُّ بِفِعْلِهِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ مَشْهُورًا عِنْدَهُمْ ، فَاسْتُغْنِيَ عَنْ ذِكْرِهِ ، وَلَا يَمْتَنِعُ الْحِلُّ مِنْ الْعِبَادَةِ بِمَا كَانَ مُحَرَّمًا فِيهَا ، كَالسَّلَامِ مِنْ الصَّلَاةِ .","part":7,"page":189},{"id":3189,"text":"( 2548 ) فَصْلٌ : وَيَجُوزُ تَأْخِيرُ الْحَلْقِ وَالتَّقْصِيرِ إلَى آخِرِ النَّحْرِ ؛ لِأَنَّهُ إذَا جَازَ تَأْخِيرُ النَّحْرِ الْمُقَدَّمِ عَلَيْهِ ، فَتَأْخِيرُهُ أَوْلَى ، فَإِنْ أَخَّرَهُ عَنْ ذَلِكَ ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ : إحْدَاهُمَا ، لَا دَمَ عَلَيْهِ .\rوَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ ، وَأَبُو يُوسُفَ ، وَأَبُو ثَوْرٍ .\rوَيُشْبِهُ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى بَيَّنَ أَوَّلَ وَقْتِهِ بِقَوْلِهِ : { وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ } .\rوَلَمْ يَتَبَيَّنْ آخِرَهُ ، فَمَتَى أَتَى بِهِ أَجْزَأَهُ ، كَطَوَافِ الزِّيَارَةِ وَالسَّعْيِ .\rوَلِأَنَّهُ نُسُكٌ أَخَّرَهُ إلَى وَقْتِ جَوَازِ فِعْلِهِ ، فَأَشْبَهَ السَّعْيَ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ : عَلَيْهِ دَمٌ بِتَأْخِيرِهِ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّهُ نُسُكٌ أَخَّرَهُ ، عَنْ مَحِلِّهِ ، وَمَنْ تَرَكَ نُسُكًا فَعَلَيْهِ دَمٌ .\rوَلَا فَرْقَ فِي التَّأْخِيرِ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ ، وَالْعَامِدِ وَالسَّاهِي .\rوَقَالَ مَالِكٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ : مَنْ تَرَكَهُ حَتَّى حَلَّ فَعَلَيْهِ دَمٌ ؛ لِأَنَّهُ نُسُكٌ فَيَأْتِي بِهِ فِي إحْرَامِ الْحَجِّ ، كَسَائِرِ مَنَاسِكِهِ .\rوَلَنَا ، مَا تَقَدَّمَ .","part":7,"page":190},{"id":3190,"text":"( 2549 ) فَصْلٌ : وَالْأَصْلَعُ الَّذِي لَا شَعْرَ عَلَى رَأْسِهِ ، يُسْتَحَبُّ أَنْ يُمِرَّ الْمُوسَى عَلَى رَأْسِهِ .\rرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ .\rوَبِهِ قَالَ مَسْرُوقٌ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ، عَلَى أَنَّ الْأَصْلَعَ يُمِرُّ الْمُوسَى عَلَى رَأْسِهِ .\rوَلَيْسَ ذَلِكَ وَاجِبًا .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَجِبُ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ } .\rوَهَذَا لَوْ كَانَ ذَا شَعْرٍ وَجَبَ عَلَيْهِ إزَالَتُهُ ، وَإِمْرَارُ الْمُوسَى عَلَى رَأْسِهِ ، فَإِذَا سَقَطَ أَحَدُهُمَا لِتَعَذُّرِهِ ، وَجَبَ الْآخَرُ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الْحَلْقَ مَحَلُّهُ الشَّعْرُ ، فَسَقَطَ بِعَدَمِهِ ، كَمَا يَسْقُطُ وُجُوبُ غَسْلِ الْعُضْوِ فِي الْوُضُوءِ بِفَقْدِهِ .\rوَلِأَنَّهُ إمْرَارٌ لَوْ فَعَلَهُ فِي الْإِحْرَامِ لَمْ يَجِبْ بِهِ دَمٌ ، فَلَمْ يَجِبْ عِنْدَ التَّحَلُّلِ ، كَإِمْرَارِهِ عَلَى الشَّعْرِ مِنْ غَيْرِ حَلْقٍ .","part":7,"page":191},{"id":3191,"text":"( 2550 ) فَصْلٌ : وَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ حَلَقَ أَوْ قَصَّرَ تَقْلِيمُ أَظَافِرِهِ ، وَالْأَخْذُ مِنْ شَارِبِهِ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَلَهُ .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : ثَبَتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا حَلَقَ رَأْسَهُ ، قَلَّمَ أَظْفَارَهُ ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَأْخُذُ مِنْ شَارِبِهِ وَأَظْفَارِهِ .\rوَكَانَ عَطَاءٌ ، وَطَاوُسٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، يُحِبُّونَ لَوْ أَخَذَ مِنْ لِحْيَتِهِ شَيْئًا .\rوَيُسْتَحَبُّ إذَا حَلَقَ ، أَنْ يَبْلُغَ الْعَظْمَ الَّذِي عِنْدَ مُنْقَطَعِ الصُّدْغِ مِنْ الْوَجْهِ .\rكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ لِلْحَالِقِ : اُبْلُغْ الْعَظْمَاتِ ، افْصِلْ الرَّأْسَ مِنْ اللِّحْيَةِ .\rوَكَانَ عَطَاءٌ يَقُولُ : مِنْ السُّنَّةِ ، إذَا حَلَقَ رَأْسَهُ ، أَنْ يَبْلُغَ الْعَظْمَاتِ .","part":7,"page":192},{"id":3192,"text":"( 2551 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( ثُمَّ قَدْ حَلَّ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ إلَّا النِّسَاءَ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْمُحْرِمَ ، إذَا رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ ، ثُمَّ حَلَقَ ، حَلَّ لَهُ كُلُّ مَا كَانَ مَحْظُورًا بِالْإِحْرَامِ ، إلَّا النِّسَاءُ .\rهَذَا الصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِ أَحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ .\rنَصَّ عَلَيْهِ ، فِي رِوَايَةِ جَمَاعَةٍ ، فَيَبْقَى مَا كَانَ مُحَرَّمًا عَلَيْهِ مِنْ النِّسَاءِ ، مِنْ الْوَطْءِ ، وَالْقُبْلَةِ ، وَاللَّمْسِ لِشَهْوَةٍ ، وَعَقْدِ النِّكَاحِ ، وَيَحِلُّ لَهُ مَا سِوَاهُ .\rهَذَا قَوْلُ ابْنِ الزُّبَيْرِ ، وَعَائِشَةَ ، وَعَلْقَمَةَ ، وَسَالِمٍ ، وَطَاوُسٍ ، وَالنَّخَعِيِّ ، وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْحُسَيْنِ ، وَخَارِجَةَ بْنِ زَيْدٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ .\rوَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّهُ يَحِلُّ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ إلَّا الْوَطْءَ فِي الْفَرْجِ ؛ لِأَنَّهُ أَغْلَظُ الْمُحَرَّمَاتِ ، وَيُفْسِدُ النُّسُكَ ، بِخِلَافِ غَيْرِهِ .\rوَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : يَحِلُّ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ ، إلَّا النِّسَاءَ ، وَالطِّيبَ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ، وَعَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ دَوَاعِي الْوَطْءِ ، فَأَشْبَهَ الْقُبْلَةَ .\rوَعَنْ عُرْوَةَ ، أَنَّهُ لَا يَلْبَسُ الْقَمِيصَ ، وَلَا الْعِمَامَةَ ، وَلَا يَتَطَيَّبُ .\rوَرُوِيَ فِي ذَلِكَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدِيثٌ وَلَنَا مَا ، رَوَتْ عَائِشَةُ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { إذَا رَمَيْتُمْ ، وَحَلَقْتُمْ ، فَقَدْ حَلَّ لَكُمْ الطِّيبُ ، وَالثِّيَابُ ، وَكُلُّ شَيْءٍ ، إلَّا النِّسَاءَ } .\rرَوَاهُ سَعِيدٌ .\rوَفِي لَفْظٍ : { إذَا رَمَى أَحَدُكُمْ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ ، وَحَلَقَ رَأْسَهُ ، فَقَدْ حَلَّ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ ، إلَّا النِّسَاءَ } .\rرَوَاهُ الْأَثْرَم ، وَأَبُو دَاوُد ، إلَّا أَنَّ أَبَا دَاوُد قَالَ : هُوَ ضَعِيفٌ ، رَوَاهُ الْحَجَّاجُ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، وَلَمْ يَلْقَهُ .\rوَاَلَّذِي أَخْرَجَهُ سَعِيدٌ رَوَاهُ الْحَجَّاجُ ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ","part":7,"page":193},{"id":3193,"text":"مُحَمَّدٍ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ ، قَالَتْ : { طَيَّبْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِحَرَمِهِ حِينَ أَحْرَمَ ، وَلِحِلِّهِ ، قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَعَنْ سَالِمٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ : { إذَا رَمَيْتُمْ الْجَمْرَةَ ، وَذَبَحْتُمْ ، وَحَلَقْتُمْ ، فَقَدْ حَلَّ لَكُمْ كُلُّ شَيْءٍ ، إلَّا الطِّيبَ ، وَالنِّسَاءَ .\rفَقَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا : أَنَا طَيَّبْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rفَسُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَقُّ أَنْ تُتَّبَعَ } .\rرَوَاهُ سَعِيدٌ .\rوَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { يَوْمَ النَّحْرِ : إنَّ هَذَا يَوْمٌ رُخِّصَ لَكُمْ فِيهِ إذَا أَنْتُمْ رَمَيْتُمْ أَنْ تَحِلُّوا .\rيَعْنِي مِنْ كُلِّ مَا حُرِمْتُمْ مِنْهُ .\rإلَّا النِّسَاءَ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّهُ : قَالَ { إذَا رَمَيْتُمْ الْجَمْرَةَ ، فَقَدْ حَلَّ لَكُمْ كُلُّ شَيْءٍ إلَّا ، النِّسَاءَ .\rفَقَالَ لَهُ رَجُلٌ : وَالطِّيبُ ؟ قَالَ : أَمَّا أَنَا فَقَدْ رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُضَمِّخُ رَأْسَهُ بِالْمِسْكِ ، أَفَطِيبٌ ذَلِكَ أَمْ لَا ؟ } رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : لَا يَحِلُّ لَهُ النِّسَاءُ ، وَلَا الطِّيبُ ، وَلَا قَتْلُ الصَّيْدِ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { : لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ } .\rوَهَذَا حَرَامٌ .\rوَقَدْ ذَكَرْنَا مَا يَرُدُّ هَذَا الْقَوْلَ ، وَيَمْنَعُ أَنَّهُ مُحْرِمٌ ، وَإِنَّمَا بَقِيَ بَعْضُ أَحْكَامِ الْإِحْرَامِ .\r( 2552 ) فَصْلٌ : ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ هَاهُنَا ، أَنَّ الْحِلَّ ، إنَّمَا يَحْصُلُ بِالرَّمْيِ وَالْحَلْقِ مَعًا .\rوَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ ، وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إذَا رَمَيْتُمْ ، وَحَلَقْتُمْ ، فَقَدْ حَلَّ لَكُمْ كُلُّ شَيْءٍ ، إلَّا النِّسَاءَ } .\rوَتَرْتِيبُ الْحِلِّ عَلَيْهِمَا دَلِيلٌ عَلَى حُصُولِهِ","part":7,"page":194},{"id":3194,"text":"بِهِمَا ، وَلِأَنَّهُمَا نُسُكَانِ يَتَعَقَّبُهُمَا الْحِلُّ ، فَكَانَ حَاصِلًا بِهِمَا ، كَالطَّوَافِ وَالسَّعْيِ فِي الْعُمْرَةِ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ : إذَا رَمَى الْجَمْرَةَ ، فَقَدْ حَلَّ ، وَإِذَا وَطِئَ بَعْدَ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ ، فَعَلَيْهِ دَمٌ .\rوَلَمْ يَذْكُرْ الْحَلْقَ .\rوَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْحِلَّ بِدُونِ الْحَلْقِ .\rوَهَذَا قَوْلُ عَطَاءٍ ، وَمَالِكٍ ، وَأَبِي ثَوْرٍ .\rوَهُوَ الصَّحِيحُ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ؛ لِقَوْلِهِ فِي حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ : { إذَا رَمَيْتُمْ الْجَمْرَةَ ، فَقَدْ حَلَّ لَكُمْ كُلُّ شَيْءٍ ، إلَّا النِّسَاءَ } .\rوَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ .\rقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا : هَذَا يُبْنَى عَلَى الْخِلَافِ فِي الْحَلْقِ ، هَلْ هُوَ نُسُكٌ أَوْ لَا ؟ فَإِنْ قُلْنَا : نُسُكٌ .\rحَصَلَ الْحِلُّ بِهِ ، وَإِلَّا فَلَا .","part":7,"page":195},{"id":3195,"text":"( 2553 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَالْمَرْأَةُ تُقَصِّرُ مِنْ شَعْرِهَا مِقْدَارَ الْأُنْمُلَةِ ) الْأُنْمُلَةُ : رَأْسُ الْإِصْبَعِ مِنْ الْمَفْصِلِ الْأَعْلَى .\rوَالْمَشْرُوعُ لِلْمَرْأَةِ التَّقْصِيرُ دُونَ الْحَلْقِ .\rلَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعَ عَلَى هَذَا أَهْلُ الْعِلْمِ .\rوَذَلِكَ لِأَنَّ الْحَلْقَ فِي حَقِّهِنَّ مِثْلُهُ .\rوَقَدْ رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ حَلْقٌ ، إنَّمَا عَلَى النِّسَاءِ التَّقْصِيرُ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ : { نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ تَحْلِقَ الْمَرْأَةُ رَأْسَهَا } .\rرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ .\rوَكَانَ أَحْمَدُ يَقُولُ : تُقَصِّرُ مِنْ كُلِّ قَرْنٍ قَدْرَ الْأُنْمُلَةِ .\rوَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَإِسْحَاقَ ، وَأَبِي ثَوْرٍ .\rوَقَالَ أَبُو دَاوُد : سَمِعْت أَحْمَدَ سُئِلَ عَنْ الْمَرْأَةِ تُقَصِّرُ مِنْ كُلِّ رَأْسِهَا ؟ قَالَ : نَعَمْ ، تَجْمَعُ شَعْرَهَا إلَى مُقَدَّمِ رَأْسِهَا ، ثُمَّ تَأْخُذُ مِنْ أَطْرَافِ شَعْرِهَا قَدْرَ أُنْمُلَةٍ .\rوَالرَّجُلُ الَّذِي يُقَصِّرُ فِي ذَلِكَ كَالْمَرْأَةِ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي ذَلِكَ خِلَافًا فِيمَا مَضَى .","part":7,"page":196},{"id":3196,"text":"( 2554 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( ثُمَّ يَزُورُ الْبَيْتَ ، فَيَطُوفُ بِهِ سَبْعًا ، وَهُوَ الطَّوَافُ الْوَاجِبُ الَّذِي بِهِ تَمَامُ الْحَجِّ ، ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ ، إنْ كَانَ مُفْرِدًا أَوْ قَارِنًا ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا رَمَى وَنَحَرَ وَحَلَقَ ، أَفَاضَ إلَى مَكَّةَ ، فَطَافَ طَوَافَ الزِّيَارَةِ ؛ لِأَنَّهُ يَأْتِي مِنْ مِنًى فَيَزُورُ الْبَيْتَ ، وَلَا يُقِيمُ بِمَكَّةَ ، بَلْ يَرْجِعُ إلَى مِنًى ، وَيُسَمَّى طَوَافَ الْإِفَاضَةِ ؛ لِأَنَّهُ يَأْتِي بِهِ عِنْدَ إفَاضَتِهِ مِنْ مِنًى إلَى مَكَّةَ ، وَهُوَ رُكْنٌ لِلْحَجِّ ، لَا يَتِمُّ إلَّا بِهِ .\rلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا .\rوَلِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ : { وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ } .\rقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : هُوَ مِنْ فَرَائِضِ الْحَجِّ ، لَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ ، وَفِيهِ عِنْدَ جَمِيعِهِمْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ } .\rوَعَنْ عَائِشَةَ ، قَالَتْ : { حَجَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَفَضْنَا يَوْمَ النَّحْرِ ، فَحَاضَتْ صَفِيَّةُ ، فَأَرَادَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهَا مَا يُرِيدُ الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِهِ ، فَقُلْت : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنَّهَا حَائِضٌ ، قَالَ : أَحَابِسَتُنَا هِيَ ؟ قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنَّهَا قَدْ أَفَاضَتْ يَوْمَ النَّحْرِ ، قَالَ : اُخْرُجُوا } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rفَدَلَّ عَلَى أَنَّ هَذَا الطَّوَافَ لَا بُدَّ مِنْهُ ، وَأَنَّهُ حَابِسٌ لِمَنْ لَمْ يَأْتِ بِهِ .\rوَلِأَنَّ الْحَجَّ أَحَدُ النُّسُكَيْنِ ، فَكَانَ الطَّوَافُ رُكْنًا كَالْعُمْرَةِ .","part":7,"page":197},{"id":3197,"text":"( 2555 ) فَصْلٌ : وَلِهَذَا الطَّوَافِ وَقْتَانِ ، وَقْتُ فَضِيلَةٍ ، وَوَقْتُ إجْزَاءٍ ؛ فَأَمَّا وَقْتُ الْفَضِيلَةِ فَيَوْمُ النَّحْرِ بَعْدَ الرَّمْيِ وَالنَّحْرِ وَالْحَلْقِ ؛ لِقَوْلِ جَابِرٍ فِي صِفَةِ حَجِّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ النَّحْرِ : فَأَفَاضَ إلَى الْبَيْتِ ، فَصَلَّى بِمَكَّةَ الظُّهْرَ .\rوَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ ، الَّذِي ذَكَرَتْ فِيهِ حَيْضَ صَفِيَّةَ ، قَالَتْ : فَأَفَضْنَا يَوْمَ النَّحْرِ .\rوَقَالَ ابْنُ عُمَرَ : أَفَاضَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ النَّحْرِ ، ثُمَّ رَجَعَ ، فَصَلَّى الظُّهْرَ .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا .\rفَإِنْ أَخَّرَهُ إلَى اللَّيْلِ ، فَلَا بَأْسَ ، فَإِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ ، وَعَائِشَةَ ، رَوَيَا : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخَّرَ طَوَافَ الزِّيَارَةِ إلَى اللَّيْلِ .\rرَوَاهُمَا أَبُو دَاوُد ، وَالتِّرْمِذِيُّ .\rوَقَالَ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا : حَدِيثٌ حَسَنٌ .\rوَأَمَّا وَقْتُ الْجَوَازِ ، فَأَوَّلُهُ مِنْ نِصْفِ اللَّيْلِ مِنْ لَيْلَةِ النَّحْرِ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : أَوَّلُهُ طُلُوعُ الْفَجْرِ مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ ، وَآخِرُهُ آخِرُ أَيَّامِ النَّحْرِ .\rوَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَوَّلِ وَقْتِ الرَّمْيِ ؛ وَقَدْ مَضَى الْكَلَامُ فِيهِ .\rوَأَمَّا آخِرُ وَقْتِهِ فَاحْتَجَّ بِأَنَّهُ نُسُكٌ يُفْعَلُ فِي الْحَجِّ ، فَكَانَ آخِرُهُ مَحْدُودًا ، كَالْوُقُوفِ وَالرَّمْيِ .\rوَالصَّحِيحُ أَنَّ آخِرَ وَقْتِهِ غَيْرُ مَحْدُودٍ ؛ فَإِنَّهُ مَتَى أَتَى بِهِ صَحَّ بِغَيْرِ خِلَافٍ ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي وُجُوبِ الدَّمِ ، فَيَقُولُ : إنَّهُ طَافَ فِيمَا بَعْدَ أَيَّامِ النَّحْرِ طَوَافًا صَحِيحًا ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ دَمٌ ، كَمَا لَوْ طَافَ أَيَّامَ النَّحْرِ ، فَأَمَّا الْوُقُوفُ وَالرَّمْيُ ، فَإِنَّهُمَا لَمَّا كَانَا مُوَقَّتَيْنِ ، كَانَ لَهُمَا وَقْتٌ يَفُوتَانِ بِفَوَاتِهِ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ الطَّوَافُ ، فَإِنَّهُ مَتَى أَتَى بِهِ صَحَّ .","part":7,"page":198},{"id":3198,"text":"( 2556 ) فَصْلٌ : وَصِفَةُ هَذَا الطَّوَافِ كَصِفَةِ طَوَافِ الْقُدُومِ ، سِوَى أَنَّهُ يَنْوِي بِهِ طَوَافَ الزِّيَارَةِ ، وَيُعَيِّنُهُ بِالنِّيَّةِ .\rوَلَا رَمَلَ فِيهِ ، وَلَا اضْطِبَاعَ .\rقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَمْ يَرْمُلْ فِي السَّبْعِ الَّذِي أَفَاضَ فِيهِ } .\rوَالنِّيَّةُ شَرْطٌ فِي هَذَا الطَّوَافِ .\rوَهَذَا قَوْلُ إِسْحَاقَ ، وَابْنِ الْقَاسِمِ صَاحِبِ مَالِكٍ ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ .\rوَقَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ : يُجْزِئُهُ ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ الْفَرْضَ الَّذِي عَلَيْهِ .\rوَلَنَا قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى } .\rوَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَمَّاهُ صَلَاةً ، وَالصَّلَاةُ لَا تَصِحُّ إلَّا بِالنِّيَّاتِ اتِّفَاقًا .","part":7,"page":199},{"id":3199,"text":"( 2557 ) مَسْأَلَة : قَالَ : ( ثُمَّ قَدْ حَلَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ ) يَعْنِي إذَا طَافَ لِلزِّيَارَةِ بَعْدَ الرَّمْيِ وَالنَّحْرِ وَالْحَلْقِ ، حَلَّ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ حَرَّمَهُ الْإِحْرَامُ .\rوَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ الْمَحْظُورَاتِ سِوَى النِّسَاءِ ، فَهَذَا الطَّوَافُ حَلَّلَ لَهُ النِّسَاءَ .\rقَالَ ابْنُ عُمَرَ : { لَمْ يَحِلَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ شَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ ، حَتَّى قَضَى حَجَّهُ ، وَنَحَرَ هَدْيَهُ يَوْمَ النَّحْر ، فَأَفَاضَ بِالْبَيْتِ ، ثُمَّ حَلَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ حَرَّمَهُ .\r} وَعَنْ عَائِشَةَ مِثْلُهُ .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا .\rوَلَا نَعْلَمُ خِلَافًا فِي حُصُولِ الْحِلِّ بِطَوَافِ الزِّيَارَةِ ، عَلَى التَّرْتِيبِ الَّذِي ذَكَرَ الْخِرَقِيِّ ، وَأَنَّهُ كَانَ قَدْ سَعَى مَعَ طَوَافِ الْقُدُومِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ سَعَى لَمْ يَحِلَّ حَتَّى يَسْعَى ، إنْ قُلْنَا : إنَّ السَّعْيَ رُكْنٌ .\rوَإِنْ قُلْنَا : هُوَ سُنَّةٌ .\rفَهَلْ يَحِلُّ قَبْلَهُ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ ، أَحَدُهُمَا ، يَحِلُّ ، لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ وَاجِبَاتِهِ .\rوَالثَّانِي ، لَا يَحِلُّ ، لِأَنَّهُ مِنْ أَفْعَالِ الْحَجِّ ، فَيَأْتِي بِهِ فِي إحْرَامِ الْحَجِّ ، كَالسَّعْيِ فِي الْعُمْرَةِ .\rوَإِنَّمَا خَصَّ الْخِرَقِيِّ الْمُفْرِدَ وَالْقَارِنَ بِهَذَا ، لِكَوْنِهِمَا سَعَيَا مَعَ طَوَافِ الْقُدُومِ ، وَالْمُتَمَتِّعُ لَمْ يَسْعَ .","part":7,"page":200},{"id":3200,"text":"( 2558 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَإِنْ كَانَ مُتَمَتِّعًا ، فَيَطُوفُ بِالْبَيْتِ سَبْعًا ، وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ سَبْعًا ، كَمَا فَعَلَ لِلْعُمْرَةِ ، ثُمَّ يَعُودُ فَيَطُوفُ بِالْبَيْتِ طَوَافًا يَنْوِي بِهِ الزِّيَارَةَ ، وَهُوَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ : { وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ } .\r) أَمَّا الطَّوَافُ الْأَوَّلُ ، الَّذِي ذَكَرَهُ الْخِرَقِيِّ هَاهُنَا ، فَهُوَ طَوَافُ الْقُدُومِ ؛ لِأَنَّ الْمُتَمَتِّعَ لَمْ يَأْتِ بِهِ قَبْلَ ذَلِكَ ، وَالطَّوَافُ الَّذِي طَافَهُ فِي الْعُمْرَةِ كَانَ طَوَافَهَا ، وَنَصَّ أَحْمَدُ عَلَى أَنَّهُ مَسْنُونٌ لِلْمُتَمَتِّعِ ، فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ ، قَالَ : قُلْت لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ رَحِمَهُ اللَّهُ : فَإِذَا رَجَعَ إلَى مِنًى أَعْنِي الْمُتَمَتِّع كَمْ يَطُوفُ وَيَسْعَى ؟ قَالَ : يَطُوفُ وَيَسْعَى لِحَجِّهِ ، وَيَطُوفُ طَوَافًا آخَرَ لِلزِّيَارَةِ .\rعَاوَدْنَاهُ فِي هَذَا غَيْرَ مَرَّةٍ ، فَثَبَتَ عَلَيْهِ .\rوَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي الْقَارِنِ وَالْمُفْرِدِ ، إذَا لَمْ يَكُونَا أَتَيَا مَكَّةَ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ ، وَلَا طَافَا لِلْقُدُومِ ، فَإِنَّهُمَا يَبْدَآنِ بِطَوَافِ الْقُدُومِ قَبْلَ طَوَافِ الزِّيَارَةِ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ أَيْضًا ، وَاحْتَجَّ بِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ ، قَالَتْ : فَطَافَ الَّذِينَ أَهَلُّوا بِالْعُمْرَةِ ، وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ، ثُمَّ حَلُّوا ، فَطَافُوا طَوَافًا ، آخَرَ بَعْدَ أَنْ رَجَعُوا مِنْ مِنًى لِحَجِّهِمْ ، وَأَمَّا الَّذِينَ جَمَعُوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ ، فَإِنَّمَا طَافُوا طَوَافًا وَاحِدًا .\rفَحَمَلَ أَحْمَدُ قَوْلَ عَائِشَةَ عَلَى أَنَّ طَوَافَهُمْ لِحَجِّهِمْ هُوَ طَوَافُ الْقُدُومِ ، وَلِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ أَنَّ طَوَافَ الْقُدُومِ مَشْرُوعٌ ، فَلَمْ يَكُنْ تَعَيُّنُ طَوَافِ الزِّيَارَةِ مُسْقِطًا لَهُ ، كَتَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ عِنْدَ دُخُولِهِ ، قَبْلَ التَّلَبُّسِ بِصَلَاةِ الْفَرْضِ ، وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا وَافَقَ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَلَى هَذَا الطَّوَافِ الَّذِي ذَكَرَهُ الْخِرَقِيِّ ، بَلْ الْمَشْرُوعُ طَوَافٌ وَاحِدٌ لِلزِّيَارَةِ ، كَمَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَقَدْ أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ ، فَإِنَّهُ يَكْتَفِي بِهَا عَنْ تَحِيَّةِ","part":7,"page":201},{"id":3201,"text":"الْمَسْجِدِ .\rوَلِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلَا عَنْ أَصْحَابِهِ الَّذِينَ تَمَتَّعُوا مَعَهُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ، وَلَا أَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَدًا ، وَحَدِيثُ عَائِشَةَ دَلِيلٌ عَلَى هَذَا ، فَإِنَّهَا قَالَتْ : طَافُوا طَوَافًا آخَرَ بَعْدَ أَنْ رَجَعُوا مِنْ مِنًى لِحَجِّهِمْ .\rوَهَذَا هُوَ طَوَافُ الزِّيَارَةِ ، وَلَمْ تَذْكُرْ طَوَافًا آخَرَ ، وَلَوْ كَانَ هَذَا الَّذِي ذَكَرَتْهُ طَوَافَ الْقُدُومِ ، لَكَانَتْ قَدْ أَخَلَّتْ بِذِكْرِ طَوَافِ الزِّيَارَةِ ، الَّذِي هُوَ رُكْنُ الْحَجِّ ، لَا يَتِمُّ الْحَجُّ إلَّا بِهِ ، وَذَكَرَتْ مَا يُسْتَغْنَى عَنْهُ ، وَعَلَى كُلِّ حَالٍ فَمَا ذَكَرَتْ إلَّا طَوَافًا وَاحِدًا ، فَمِنْ أَيْنَ يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى طَوَافَيْنِ ؟ وَأَيْضًا فَإِنَّهَا لَمَّا حَاضَتْ ، فَقَرَنَتْ الْحَجَّ إلَى الْعُمْرَةِ ، بِأَمْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ تَكُنْ طَافَتْ لِلْقُدُومِ لَمْ تَطُفْ لِلْقُدُومِ ، وَلَا أَمَرَهَا بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ ذَكَرَ الْخِرَقِيِّ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ ، فِي الْمَرْأَةِ إذَا حَاضَتْ فَخَشِيَتْ فَوَاتَ الْحَجِّ ، أَهَلَّتْ بِالْحَجِّ ، وَكَانَتْ قَارِنَةً ، وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا قَضَاءُ طَوَافِ الْقُدُومِ .\rوَلِأَنَّ طَوَافَ الْقُدُومِ لَوْ لَمْ يَسْقُطْ بِالطَّوَافِ الْوَاجِبِ ، لَشُرِعَ فِي حَقِّ الْمُعْتَمِرِ طَوَافٌ لِلْقُدُومِ مَعَ طَوَافِ الْعُمْرَةِ ، لِأَنَّهُ أَوَّلُ قُدُومِهِ إلَى الْبَيْتِ ، فَهُوَ بِهِ أَوْلَى مِنْ الْمُتَمَتِّعِ ، الَّذِي يَعُودُ إلَى الْبَيْتِ بَعْدَ رُؤْيَتِهِ وَطَوَافِهِ بِهِ ، وَفِي الْجُمْلَةِ إنَّ هَذَا الطَّوَافَ الْمُخْتَلَفَ فِيهِ لَيْسَ بِوَاجِبٍ ، وَإِنَّمَا الْوَاجِبُ طَوَافٌ وَاحِدٌ ، وَهُوَ طَوَافُ الزِّيَارَةِ ، وَهُوَ فِي حَقِّ الْمُتَمَتِّع كَهُوَ فِي حَقِّ الْقَارِنِ وَالْمُفْرِدِ ، فِي أَنَّهُ رُكْنُ الْحَجِّ ، لَا يَتِمُّ إلَّا بِهِ ، وَلَا بُدَّ مِنْ تَعْيِينِهِ بِالنِّيَّةِ ، فَلَوْ نَوَى بِهِ طَوَافَ الْوَدَاعِ أَوْ غَيْرَهُ ، لَمْ يُجْزِهِ .","part":7,"page":202},{"id":3202,"text":"( 2559 ) فَصْلٌ : وَالْأَطْوِفَةُ الْمَشْرُوعَةُ فِي الْحَجِّ ثَلَاثَةٌ : طَوَافُ الزِّيَارَةِ ، وَهُوَ رُكْنُ الْحَجِّ ، لَا يَتِمُّ إلَّا بِهِ ، بِغَيْرِ خِلَافٍ .\rوَطَوَافُ الْقُدُومِ ، وَهُوَ سُنَّةٌ ، لَا شَيْءَ عَلَى تَارِكِهِ .\rوَطَوَافُ الْوَدَاعِ ، وَاجِبٌ ، يَنُوبُ عَنْهُ الدَّمُ إذَا تَرَكَهُ .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ ، وَالثَّوْرِيُّ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : عَلَى تَارِكِ طَوَافِ الْقُدُومِ دَمٌ ، وَلَا شَيْءَ عَلَى تَارِكِ طَوَافِ الْوَدَاعِ .\rوَحُكِيَ عَنْ الشَّافِعِيِّ كَقَوْلِنَا فِي طَوَافِ الْوَدَاعِ ، وَكَقَوْلِهِ فِي طَوَافِ الْقُدُومِ .\rوَمَا عَدَا هَذِهِ الْأَطْوِفَةِ فَهُوَ نَفْلٌ ، وَلَا يُشْرَعُ فِي حَقِّهِ أَكْثَرُ مِنْ سَعْيٍ وَاحِدٍ ، بِغَيْرِ خِلَافٍ عَلِمْنَاهُ .\rقَالَ جَابِرٌ : لَمْ يَطُفْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا أَصْحَابُهُ ، بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ، إلَّا طَوَافًا وَاحِدًا ، طَوَافَهُ الْأَوَّلَ .\rرَوَاهُ مُسْلِمٌ .\rوَلَا يَكُونُ السَّعْيُ إلَّا بَعْدَ طَوَافٍ ، فَإِنْ سَعَى مَعَ طَوَافِ الْقُدُومِ ، لَمْ يَسْعَ بَعْدَهُ ، وَإِنْ لَمْ يَسْعَ مَعَهُ ، سَعَى مَعَ طَوَافِ الزِّيَارَةِ .","part":7,"page":203},{"id":3203,"text":"( 2560 ) فَصْلٌ : وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَدْخُلَ الْبَيْتَ فَيُكَبِّرَ فِي نَوَاحِيهِ ، وَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ ، وَيَدْعُوَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ .\rقَالَ ابْنُ عُمَرَ : { دَخَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْبَيْتَ ، وَبِلَالٌ ، وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ ، فَقُلْت لِبِلَالٍ : هَلْ صَلَّى فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : نَعَمْ قُلْت : أَيْنَ هُوَ ؟ قَالَ : بَيْن الْعَمُودَيْنِ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ : وَنَسِيت أَنْ أَسْأَلَهُ كَمْ صَلَّى ؟ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : أَخْبَرَنِي أُسَامَةُ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا دَخَلَ الْبَيْتَ ، دَعَا فِي نَوَاحِيهِ كُلِّهَا ، وَلَمْ يُصَلِّ فِيهِ حَتَّى خَرَجَ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا .\rفَقَدَّمَ أَهْلُ الْعِلْمِ رِوَايَةَ بِلَالٍ عَلَى رِوَايَةِ أُسَامَة ؛ لِأَنَّهُ مُثْبِتٌ ، وَأُسَامَةُ نَافٍ ، وَلِأَنَّ أُسَامَةَ كَانَ حَدِيثَ السِّنِّ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اشْتَغَلَ بِالنَّظَرِ إلَى مَا فِي الْكَعْبَةِ عَنْ صَلَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rوَإِنْ لَمْ يَدْخُل الْبَيْتَ ، فَلَا بَأْسَ ، فَإِنَّ إسْمَاعِيلَ بْنَ أَبِي خَالِدٍ قَالَ : قُلْت لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى : أَدَخَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْبَيْتَ فِي عُمْرَتِهِ ؟ قَالَ : لَا .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَعَنْ عَائِشَةَ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { خَرَجَ مِنْ عِنْدِهَا وَهُوَ مَسْرُورٌ ، ثُمَّ رَجَعَ وَهُوَ كَئِيبٌ فَقَالَ : إنِّي دَخَلْت الْكَعْبَةَ ، وَلَوْ اسْتَقْبَلْت مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْت مَا دَخَلْتهَا ، إنِّي أَخَافُ أَنْ أَكُونَ قَدْ شَقَقْت عَلَى أُمَّتِي } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .","part":7,"page":204},{"id":3204,"text":"( 2561 ) فَصْلٌ : وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَأْتِيَ زَمْزَمَ ، فَيَشْرَبَ مِنْ مَائِهَا لِمَا أَحَبَّ ، وَيَتَضَلَّعَ مِنْهُ .\rقَالَ جَابِرٌ ، فِي صِفَةِ حَجِّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ثُمَّ أَتَى بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ، وَهُمْ يَسْقُونَ ، فَنَاوَلُوهُ دَلْوًا ، فَشَرِبَ مِنْهُ .\rوَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { مَاءُ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ } .\rوَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ ، قَالَ : كُنْت عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ جَالِسًا ، فَجَاءَهُ رَجُلٌ ، فَقَالَ : مِنْ أَيْنَ جِئْت ؟ قَالَ : مِنْ زَمْزَمَ قَالَ : فَشَرِبْت مِنْهَا كَمَا يَنْبَغِي ؟ قَالَ : فَكَيْفَ ؟ قَالَ : إذَا شَرِبْت مِنْهَا فَاسْتَقْبِلْ الْكَعْبَةَ ، وَاذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ ، وَتَنَفَّسْ ثَلَاثًا مِنْ زَمْزَمَ ، وَتَضَلَّعْ مِنْهَا ، فَإِذَا فَرَغْت ، فَاحْمَدْ اللَّهَ تَعَالَى ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { آيَةُ مَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْمُنَافِقِينَ ، أَنَّهُمْ لَا يَتَضَلَّعُونَ مِنْ زَمْزَمَ .\r} رَوَاهُمَا ابْنُ مَاجَهْ .\rوَيَقُولُ عِنْدَ الشُّرْبِ : بِسْمِ اللَّهِ ، اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ لَنَا عِلْمًا نَافِعًا ، وَرِزْقًا وَاسِعًا ، وَرِيًّا وَشِبَعًا ، وَشِفَاءً مِنْ كُلِّ دَاءٍ ، وَاغْسِلْ بِهِ قَلْبِي ، وَامْلَأْهُ مِنْ حِكْمَتِك .","part":7,"page":205},{"id":3205,"text":"( 2562 ) فَصْلٌ : وَيُسَنُّ أَنْ يَخْطُبَ الْإِمَامُ بِمِنًى يَوْمَ النَّحْرِ خُطْبَةً ، يُعَلِّمُ النَّاسَ فِيهَا مَنَاسِكَهُمْ مِنْ النَّحْرِ وَالْإِفَاضَةِ وَالرَّمْيِ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ، وَابْنِ الْمُنْذِرَ .\rوَذَكَرَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ لَا يَخْطُبُ يَوْمَئِذٍ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ ؛ لِأَنَّهَا تُسَنُّ فِي الْيَوْمِ الَّذِي قَبْلَهُ ، فَلَمْ تُسَنَّ فِيهِ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ يَوْمَ النَّحْرِ .\rيَعْنِي بِمِنًى } أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ .\rوَعَنْ { رَافِعِ بْنِ عَمْرٍو الْمُزَنِيِّ قَالَ : رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ النَّاسَ بِمِنًى .\rحِينَ ارْتَفَعَ الضُّحَى ، عَلَى بَغْلَةٍ شَهْبَاءَ وَعَلِيٌّ يُعَبِّرُ عَنْهُ ، وَالنَّاسُ بَيْنَ قَائِمٍ وَقَاعِدٍ ، وَقَالَ أَبُو أُمَامَةَ : سَمِعْت خُطْبَةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمِنًى يَوْمَ النَّحْرِ .\rوَقَالَ الْهِرْمَاسُ بْنُ زِيَادٍ الْبَاهِلِيُّ : رَأَيْت النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ النَّاسَ عَلَى نَاقَتِهِ الْعَضْبَاءِ ، يَوْمَ الْأَضْحَى بِمِنًى } .\rوَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُعَاذٍ : { خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَحْنُ بِمِنًى ، فَفُتِحَتْ أَسْمَاعُنَا ، حَتَّى كُنَّا نَسْمَعُ وَنَحْنُ فِي مَنَازِلِنَا ، فَطَفِقَ يُعَلِّمُهُمْ مَنَاسِكَهُمْ ، حَتَّى بَلَغَ الْجِمَارَ } .\rرَوَى هَذِهِ الْأَحَادِيثَ كُلَّهَا أَبُو دَاوُد ، إلَّا حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ .\rوَلِأَنَّهُ يَوْمٌ تَكْثُرُ فِيهِ أَفْعَالُ الْحَجِّ ، وَيَحْتَاجُ إلَى تَعْلِيمِ النَّاسِ أَحْكَامَ ذَلِكَ ، فَاحْتِيجَ إلَى الْخُطْبَةِ مِنْ أَجْلِهِ ، كَيَوْمِ عَرَفَةَ .","part":7,"page":206},{"id":3206,"text":"( 2563 ) فَصْلٌ : يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ يَوْمُ النَّحْرِ ؛ فَإِنَّ { النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي خُطْبَتِهِ يَوْمَ النَّحْرِ : هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ } .\rرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ .\rوَسُمِّيَ بِذَلِكَ لِكَثْرَةِ أَفْعَالِ الْحَجِّ فِيهِ ؛ مِنْ الْوُقُوفِ بِالْمَشْعَرِ ، وَالدَّفْعِ مِنْهُ إلَى مِنًى ، وَالرَّمْيِ ، وَالنَّحْرِ ، وَالْحَلْقِ ، وَطَوَافِ الْإِفَاضَةِ ، وَالرُّجُوعِ إلَى مِنًى لِيَبِيتَ بِهَا ، وَلَيْسَ فِي غَيْرِهِ مِثْلُهُ ، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ يَوْمُ عِيدٍ ، وَيَوْمٌ يَحِلُّ فِيهِ مِنْ إحْرَامِ الْحَجِّ .","part":7,"page":207},{"id":3207,"text":"( 2564 ) فَصْلٌ : وَفِي يَوْمِ النَّحْرِ أَرْبَعَةُ أَشْيَاءَ : الرَّمْيُ ، ثُمَّ النَّحْرُ ، ثُمَّ الْحَلْقُ ، ثُمَّ الطَّوَافُ .\rوَالسُّنَّةُ تَرْتِيبهَا هَكَذَا ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَتَّبَهَا ، كَذَلِكَ وَصَفَهُ جَابِرٌ فِي حَجِّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rوَرَوَى أَنَسٌ ، أَنَّ { النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَمَى ، ثُمَّ نَحَرَ ، ثُمَّ حَلَقَ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rفَإِنْ أَخَلَّ بِتَرْتِيبِهَا ، نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا بِالسُّنَّةِ فِيهَا ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ ، فِي قَوْلِ كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ، مِنْهُمْ الْحَسَنُ ، وَطَاوُسٌ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَعَطَاءٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَدَاوُد ، وَمُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إنْ قَدَّمَ الْحَلْقَ عَلَى الرَّمْيِ ، أَوْ عَلَى النَّحْرِ ، فَعَلَيْهِ دَمٌ ، فَإِنْ كَانَ قَارِنًا فَعَلَيْهِ دَمَانِ .\rوَقَالَ زُفَرُ : عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ دِمَاءٍ ، لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ التَّحَلُّلُ الْأَوَّلُ ، فَلَزِمَهُ الدَّمُ ، كَمَا لَوْ حَلَقَ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو ، قَالَ : قَالَ رَجُلٌ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، حَلَقْت قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ .\rقَالَ : { اذْبَحْ ، وَلَا حَرَجَ .\rفَقَالَ آخَرُ : ذَبَحْت قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ ؟ قَالَ : ارْمِ ، وَلَا حَرَجَ } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَفِي لَفْظٍ قَالَ : فَجَاءَ رَجُلٌ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، لَمْ أَشْعُرْ ، فَحَلَقْت قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ .\rوَذَكَرَ الْحَدِيثَ .\rقَالَ : فَمَا سَمِعْته يُسْأَلُ يَوْمَئِذٍ عَنْ أَمْرٍ مِمَّا يَنْسَى الْمَرْءُ أَوْ يَجْهَلُ ، مِنْ تَقْدِيمِ بَعْضِ الْأُمُورِ عَلَى بَعْضِهَا ، وَأَشْبَاهِهَا ، إلَّا قَالَ : ( افْعَلُوا وَلَا حَرَجَ عَلَيْكُمْ ) .\rرَوَاهُ مُسْلِمٌ .\rوَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ يَوْمَ النَّحْرِ ، وَهُوَ بِمِنًى ، فِي النَّحْرِ ، وَالْحَلْقِ ، وَالرَّمْيِ ، وَالتَّقْدِيمِ ، وَالتَّأْخِيرِ ، فَقَالَ : ( لَا حَرَجَ ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ، وَرَوَاهُ عَبْدُ","part":7,"page":208},{"id":3208,"text":"الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، وَفِيهِ : فَحَلَقْت قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ ، وَتَابَعَهُ عَلَى ذَلِكَ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي حَفْصَةَ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عِيسَى ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، قَالَ : { سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَتَاهُ رَجُلٌ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنِّي حَلَقْت قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ ؟ قَالَ : ارْمِ ، وَلَا حَرَجَ .\rقَالَ : وَأَتَاهُ آخَرُ ، فَقَالَ : إنِّي أَفَضْت قَبْل أَنَّ أَرْمِيَ ؟ قَالَ : أَرْمِ ، وَلَا حَرَجَ } .\rوَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، { أَنَّ رَسُولَ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ يَوْمَ النَّحْرِ ، عَنْ رَجُلٍ حَلَقَ قَبْلَ أَنْ يَرْمِيَ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا حَرَجَ ، لَا حَرَجَ } .\rرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ كُلَّهُ .\rوَسُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَقُّ أَنْ تُتَّبَعَ .\rعَلَى أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ سُقُوطِ الدَّمِ بِفَقْدِ الشَّيْءِ فِي وَقْتِهِ ، سُقُوطُهُ قَبْلَ وَقْتِهِ ، فَإِنَّهُ لَوْ حَلَقَ فِي الْعُمْرَةِ بَعْدَ السَّعْيِ ، لَا شَيْءَ عَلَيْهِ ، وَإِنْ كَانَ الْحِلُّ مَا حَصَلَ قَبْلَهُ ، وَكَذَلِكَ فِي مَسْأَلَتِنَا ، إذَا قُلْنَا : إنَّ الْحِلَّ يَحْصُلُ بِالْحَلْقِ ، فَقَدْ حَلَقَ قَبْلَ التَّحَلُّلِ ، وَلَا دَمَ عَلَيْهِ .\rفَأَمَّا إنْ فَعَلَهُ عَمْدًا ، عَالِمًا بِمُخَالَفَةِ السُّنَّةِ فِي ذَلِكَ ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ : إحْدَاهُمَا ، لَا دَمَ عَلَيْهِ .\rوَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ ، وَإِسْحَاقَ ؛ لِإِطْلَاقِ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَكَذَلِكَ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّه بْنِ عَمْرٍو ، مِنْ رِوَايَةِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ .\rوَالثَّانِيَةُ ، عَلَيْهِ دَمٌ .\rرُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ ، وَقَتَادَةَ ، وَالنَّخَعِيِّ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : { وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ } .\rوَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَتَّبَ ، وَقَالَ : ( خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ ) .\rوَالْحَدِيثُ الْمُطْلَقُ قَدْ جَاءَ","part":7,"page":209},{"id":3209,"text":"مُقَيَّدًا ، فَيُحْمَلُ الْمُطْلَقُ عَلَى الْمُقَيَّدِ .\rقَالَ الْأَثْرَمُ : سَمِعْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يُسْأَلُ عَنْ رَجُلٍ حَلَقَ قَبْلَ أَنْ يَذْبَحَ ؟ فَقَالَ : إنْ كَانَ جَاهِلًا ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ ، فَأَمَّا التَّعَمُّدُ فَلَا ، لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَأَلَهُ رَجُلٌ ، فَقَالَ : لَمْ أَشْعُرْ .\rقِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّه : سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ لَا يَقُولُ : لَمْ أَشْعُرْ .\rفَقَالَ : نَعَمْ ، وَلَكِنَّ مَالِكًا وَالنَّاسَ عَنْ الزُّهْرِيِّ : لَمْ أَشْعُرْ ، قِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ : وَهُوَ فِي الْحَدِيثِ ، وَقَالَ مَالِكٌ : إنْ قَدَّمَ الْحَلْقَ عَلَى الرَّمْيِ فَعَلَيْهِ دَمٌ ، وَإِنْ قَدَّمَهُ عَلَى النَّحْرِ أَوْ النَّحْرَ عَلَى الرَّمْي فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ .\rلِأَنَّهُ بِالْإِجْمَاعِ مَمْنُوعٌ مِنْ حَلْقِ شَعْرِهِ قَبْلَ التَّحَلُّلِ الْأَوَّلِ ، وَلَا يَحْصُلُ إلَّا بِرَمْيِ الْجَمْرَةِ ، فَأَمَّا النَّحْرُ قَبْلَ الرَّمْيِ فَجَائِزٌ ؛ لِأَنَّ الْهَدْيَ قَدْ بَلَغَ مَحِلَّهُ .\rوَلَنَا ، الْحَدِيثُ ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يُفَرَّقْ بَيْنَهُمَا ، فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قِيلَ لَهُ فِي الْحَلْقِ ، وَالنَّحْرِ ، وَالتَّقْدِيمِ ، وَالتَّأْخِيرِ ، فَقَالَ : ( لَا حَرَجَ ) .\rوَلَا نَعْلَمُ خِلَافًا بَيْنَهُمْ فِي أَنَّ مُخَالَفَةَ التَّرْتِيبِ لَا تُخْرِجُ هَذِهِ الْأَفْعَالَ عَنْ الْإِجْزَاءِ ، وَلَا يَمْنَعُ وُقُوعُهَا مَوْقِعَهَا ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِ الدَّمِ ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":7,"page":210},{"id":3210,"text":"( 2565 ) فَصْلٌ : فَإِنْ قَدَّمَ الْإِفَاضَةَ عَلَى الرَّمْيِ ، أَجْزَأَهُ طَوَافُهُ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : لَا تُجْزِئُهُ الْإِفَاضَةُ ، فَلْيَرْمِ ، ثُمَّ لِيَنْحَر ، ثُمَّ لِيُفِضْ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى عَطَاءٌ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ رَجُلٌ : أَفَضْت قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ ؟ قَالَ : ارْمِ ، وَلَا حَرَجَ .\rوَعَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَنْ قَدَّمَ شَيْئًا قَبْلِ شَيْءٍ ، فَلَا حَرَجَ } .\rرَوَاهُمَا سَعِيدٌ .\rفِي ( سُنَنِهِ ) .\rوَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَاهُ آخَرُ ، فَقَالَ : إنِّي أَفَضْت إلَى الْبَيْتِ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ ؟ فَقَالَ : ارْمِ وَلَا حَرَجَ .\rفَمَا سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ شَيْءٍ قُدِّمَ أَوْ أُخِّرَ إلَّا قَالَ : افْعَلْ ، وَلَا حَرَجَ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَالتِّرْمِذِيُّ .\rوَلِأَنَّهُ أَتَى بِالرَّمْيِ فِي وَقْتِهِ .\rفَأَجْزَأَهُ ، كَمَا لَوْ رَتَّبَ .\rوَمُقْتَضَى كَلَامِ أَصْحَابِنَا ، أَنَّهُ يَحْصُلُ لَهُ بِالْإِفَاضَةِ قَبْلَ الرَّمْيِ التَّحَلُّلُ الْأَوَّلُ ، كَمَنْ رَمَى وَلَمْ يُفِضْ .\rفَعَلَى هَذَا لَوْ وَاقَعَ أَهْلَهُ قَبْلَ الرَّمْيِ ، فَعَلَيْهِ دَمٌ ، وَلَمْ يَفْسُدْ حَجُّهُ .\rوَكَذَلِكَ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ .\rفَإِنْ رَجَعَ إلَى أَهْلِهِ ، وَلَمْ يَرْمِ فَعَلَيْهِ دَمٌ ؛ لِتَرْكِ الرَّمْيِ ، وَحَجُّهُ صَحِيحٌ .\rقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : مَنْ نَسِيَ ، أَوْ تَرَكَ شَيْئًا مِنْ نُسُكِهِ ، فَلْيُهْرِقْ لِذَلِكَ دَمًا .\rوَقَالَ عَطَاءٌ : مَنْ نَسِيَ مِنْ النُّسُكِ شَيْئًا ، حَتَّى رَجَعَ إلَى أَهْلِهِ ، فَلْيُهْرِقْ لِذَلِكَ دَمًا .","part":7,"page":211},{"id":3211,"text":"( 2566 ) مَسْأَلَةٌ : ( ثُمَّ يَرْجِعُ إلَى مِنًى ، وَلَا يَبِيتُ بِمَكَّةَ لَيَالِيَ مِنًى ) السُّنَّةُ لِمَنْ أَفَاضَ يَوْمَ النَّحْرِ أَنْ يَرْجِعَ إلَى مِنًى ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَفَاضَ يَوْمَ النَّحْرِ ، ثُمَّ رَجَعَ فَصَلَّى الظُّهْرَ بِمِنًى } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَقَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا : { أَفَاضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ آخِرِ يَوْمِهِ حِينَ صَلَّى الظُّهْرَ ، ثُمَّ رَجَعَ إلَى مِنًى ، فَمَكَثَ بِهَا لَيَالِيَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ أَنَّ الْمَبِيتَ بِمِنًى لَيَالِيَ مِنًى وَاجِبٌ .\rوَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاس : لَا يَبِيتَنَّ أَحَدٌ مِنْ وَرَاءِ الْعَقَبَة مِنْ مِنًى لَيْلًا .\rوَهُوَ قَوْلُ عُرْوَةَ ، وَإِبْرَاهِيمَ ، وَمُجَاهِدٍ ، وَعَطَاءٍ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .\rوَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ .\rوَالثَّانِيَةُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ .\rرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ الْحَسَنِ .\rوَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ : إذَا رَمَيْت الْجَمْرَةَ فَبِتْ حَيْثُ شِئْت .\rوَلِأَنَّهُ قَدْ حَلَّ مِنْ حَجِّهِ ، فَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الْمَبِيتُ بِمَوْضِعٍ مُعَيَّنٍ ، كَلَيْلَةِ الْحَصْبَةِ .\rوَالرِّوَايَةُ الْأُولَى أَنَّ ابْنَ عُمَرَ رَوَى : { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَخَّصَ لِلْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أَنْ يَبِيتَ بِمَكَّةَ لَيَالِيَ مِنًى ، مِنْ أَجْلِ سِقَايَتِهِ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَتَخْصِيصُ الْعَبَّاسِ بِالرُّخْصَةِ لِعُذْرِهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا رُخْصَةَ لِغَيْرِهِ .\rوَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : { لَمْ يُرَخِّصْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَأَحَدٍ يَبِيتُ بِمَكَّةَ ، إلَّا لِلْعَبَّاسِ ، مِنْ أَجْلِ سِقَايَتِهِ } رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ .\rوَرَوَى الْأَثْرَمُ ، عَنْ { ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ : لَا يَبِيتَنَّ أَحَدٌ مِنْ الْحَاجِّ إلَّا بِمِنًى .\rوَكَانَ يَبْعَثُ رِجَالًا يَدَعُونَ أَحَدًا يَبِيتُ وَرَاءَ الْعَقَبَةِ .\r} وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى","part":7,"page":212},{"id":3212,"text":"اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَلَهُ نُسُكًا ، وَقَدْ قَالَ : ( خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ ) .","part":7,"page":213},{"id":3213,"text":"( 2567 ) فَصْلٌ : فَإِنْ تَرَكَ الْمَبِيتَ بِمِنًى ، فَعَنْ أَحْمَدَ : لَا شَيْءَ عَلَيْهِ ، وَقَدْ أَسَاءَ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ لَمْ يَرِدْ فِيهِ بِشَيْءِ .\rوَعَنْهُ يُطْعِمُ شَيْئًا .\rوَخَفَّفَهُ ، ثُمَّ قَالَ : قَدْ قَالَ بَعْضُهُمْ : لَيْسَ عَلَيْهِ .\rوَقَالَ إبْرَاهِيمُ : عَلَيْهِ دَمٌ .\rوَضَحِكَ ، ثُمَّ قَالَ : دَمٌ بِمَرَّةٍ ، ثُمَّ شَدَّدَ بِمَرَّةٍ .\rقُلْت : لَيْسَ إلَّا أَنْ يُطْعِمَ شَيْئًا ؟ قَالَ : نَعَمْ ، يُطْعِمُ شَيْئًا تَمْرًا أَوْ نَحْوَهُ .\rفَعَلَى هَذَا أَيُّ شَيْءٍ تَصَدَّقَ بِهِ ، أَجْزَأَهُ ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ لَيْلَةٍ وَأَكْثَرِ ؛ وَلَا تَقْدِيرَ فِيهِ .\rوَعَنْهُ : فِي اللَّيَالِي الثَّلَاثِ دَمٌ ؛ لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ : مَنْ تَرَكَ مِنْ نُسُكِهِ شَيْئًا ، أَوْ نَسِيَهُ فَلْيُهْرِقْ دَمًا .\rوَفِيمَا دُونَ الثَّلَاثِ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ ، وَقَالَ عَطَاءٌ : فِي كُلِّ حَصَاةٍ دِرْهَمٌ .\rوَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ .\rوَهَذَا لَا نَظِيرَ لَهُ ، فَإِنَّنَا لَا نَعْلَمُ فِي تَرْكِ شَيْءٍ مِنْ الْمَنَاسِكِ دِرْهَمًا ، وَلَا نِصْفَ دِرْهَمٍ ، فَإِيجَابُهُ بِغَيْرِ نَصٍّ تَحَكُّمٌ لَا وَجْهَ لَهُ .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":7,"page":214},{"id":3214,"text":"( 2568 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( فَإِذَا كَانَ مِنْ الْغَدِ ، وَزَالَتْ الشَّمْسُ ، رَمَى الْجَمْرَةَ الْأُولَى بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ ، يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ ، وَيَقِفُ عِنْدَهَا ، وَيَرْمِي ، وَيَدْعُو ، ثُمَّ يَرْمِي الْجَمْرَةَ الْوُسْطَى بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ ، يُكَبِّرُ أَيْضًا ، وَيَدْعُو ، ثُمَّ يَرْمِي جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ ، وَلَا يَقِفُ عِنْدَهَا ) قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ جُمْلَةَ مَا يَرْمِي بِهِ الْحَاجُّ سَبْعُونَ حَصَاةً ، سَبْعَةٌ مِنْهَا يَرْمِيهَا يَوْمَ النَّحْرِ ، بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ .\rوَسَائِرُهَا فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ الثَّلَاثَةِ ، بَعْدَ زَوَالِ الشَّمْسِ ، كُلَّ يَوْمٍ إحْدَى وَعِشْرِينَ حَصَاةً ، لِثَلَاثِ جَمَرَاتٍ ، يَبْتَدِئُ بِالْجَمْرَةِ الْأُولَى ، وَهِيَ أَبْعَدُ الْجَمَرَاتِ مِنْ مَكَّةَ ، وَتَلِي مَسْجِدَ الْخَيْفِ ، فَيَجْعَلُهَا عَنْ يَسَارِهِ ، وَيَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ ، وَيَرْمِيهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ ، كَمَا وَصَفْنَا فِي جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ ، ثُمَّ يَتَقَدَّمُ عَنْهَا إلَى مَوْضِعٍ لَا يُصِيبُهُ الْحَصْي ، فَيَقِفُ طَوِيلًا يَدْعُو اللَّهَ تَعَالَى ، رَافِعًا يَدَيْهِ ، ثُمَّ يَتَقَدَّمُ إلَى الْوُسْطَى فَيَجْعَلُهَا عَنْ يَمِينِهِ ، وَيَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ ، وَيَرْمِيهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ ، وَيَفْعَلُ مِنْ الْوُقُوفِ وَالدُّعَاءِ كَمَا فَعَلَ فِي الْأُولَى ، ثُمَّ يَرْمِي جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ ، وَيَسْتَبْطِنُ الْوَادِيَ ، وَيَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ ، وَلَا يَقِفُ عِنْدَهَا ، وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَلَا نَعْلَمُ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَا خِلَافًا ، إلَّا أَنَّ مَالِكًا قَالَ : لَيْسَ بِمَوْضِعٍ لِرَفْعِ الْيَدَيْنِ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا الْخِلَافَ فِيهِ عِنْدَ رُؤْيَةِ الْبَيْتِ .\rوَقَالَ الْأَثْرَمُ : سَمِعْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يُسْأَلُ ، أَيَقُومُ الرَّجُلُ عِنْدَ الْجَمْرَتَيْنِ إذَا رَمَى ؟ قَالَ : إي لَعَمْرِي شَدِيدًا ، وَيُطِيلُ الْقِيَامَ أَيْضًا .\rقِيلَ : فَإِلَى أَيْنَ يَتَوَجَّهُ فِي قِيَامِهِ ؟ قَالَ : إلَى الْقِبْلَةِ ، وَيَرْمِيهَا فِي بَطْنِ الْوَادِي .\rوَالْأَصْلُ فِي هَذَا مَا رَوَتْ عَائِشَةُ ، قَالَتْ : { أَفَاضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ","part":7,"page":215},{"id":3215,"text":"عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ آخِرِ يَوْمِهِ حِينَ صَلَّى الظُّهْرَ ، ثُمَّ رَجَعَ إلَى مِنًى ، فَمَكَثَ بِهَا لَيَالِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ ، يَرْمِي الْجَمْرَةَ إذَا زَالَتْ الشَّمْسُ ، كُلَّ جَمْرَةٍ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ ، يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ ، وَيَقِفُ عِنْدَ الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ ، فَيُطِيلُ الْقِيَامَ ، وَيَتَضَرَّعُ ، وَيَرْمِي الثَّالِثَةَ ، وَلَا يَقِفُ عِنْدَهَا } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَعَنْ { ابْنِ عُمَرَ ، أَنَّهُ كَانَ يَرْمِي الْجَمْرَةَ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ ، يُكَبِّرُ عَلَى إثْرِ كُلِّ حَصَاةٍ ، ثُمَّ يَتَقَدَّمُ ، وَيَسْتَهِلُّ ، وَيَقُومُ قِيَامًا طَوِيلًا ، وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ ، ثُمَّ يَرْمِي الْوُسْطَى ، ثُمَّ يَأْخُذُ بِذَاتِ الشِّمَالِ ، فَيَسْتَهِلُّ ، وَيَقُومُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ قِيَامًا طَوِيلًا ، ثُمَّ يَرْفَعُ يَدَيْهِ ، وَيَقُومُ طَوِيلًا ، ثُمَّ يَرْمِي جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ مِنْ بَطْنِ الْوَادِي ، وَلَا يَقِفُ عِنْدَهَا ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ ، وَيَقُولُ : هَكَذَا رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَفْعَلُهُ } .\rرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ .\rوَرَوَى أَبُو دَاوُد ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَدْعُو بِدُعَائِهِ الَّذِي دَعَا بِهِ بِعَرَفَةَ ، وَيَزِيدُ : وَأَصْلِحْ أَوْ أَتِمَّ لَنَا مَنَاسِكَنَا .\rوَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِر : كَانَ ابْنُ عُمَرَ ، وَابْنُ مَسْعُودٍ يَقُولَانِ عِنْدَ الرَّمْيِ : اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ حَجًّا مَبْرُورًا ، وَذَنْبًا مَغْفُورًا .\rوَكَانَ ابْنُ عُمَرَ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ ، يَرْفَعَانِ أَيْدِيَهُمَا إذَا رَمَيَا الْجَمْرَةَ ، وَيُطِيلَانِ الْوُقُوفَ .\rوَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ ، قَالَ : { أَفَضْت مَعَ عَبْدِ اللَّهِ ، فَرَمَى بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ ، يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ ، وَاسْتَبْطَنَ الْوَادِيَ ، حَتَّى إذَا فَرَغَ قَالَ : اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ حَجًّا مَبْرُورًا ، وَذَنْبًا مَغْفُورًا .\rثُمَّ قَالَ : هَكَذَا رَأَيْت الَّذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ صَنَعَ } رَوَاهُ الْأَثْرَمُ .\rوَعَنْ عَطَاءٍ ، قَالَ : كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُومُ عِنْدَ الْجَمْرَتَيْنِ ، مِقْدَارَ مَا يَقْرَأُ الرَّجُلُ سُورَةَ الْبَقَرَةِ .\rرَوَاهُ الْأَثْرَمُ .","part":7,"page":216},{"id":3216,"text":"( 2569 ) فَصْلٌ : وَلَا يَرْمِي فِي أَيَّامِ التَّشْرِيق إلَّا بَعْدَ الزَّوَالِ ، فَإِنْ رَمَى قَبْلَ الزَّوَالِ أَعَادَ .\rنَصَّ عَلَيْهِ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ .\rوَبِهِ قَالَ مَالِكٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَرُوِيَ عَنْ الْحَسَنِ ، وَعَطَاءٍ ، إلَّا أَنَّ إِسْحَاقَ وَأَصْحَابَ الرَّأْيِ ، رَخَّصُوا فِي الرَّمْيِ يَوْمَ النَّفْرِ قَبْلَ الزَّوَالِ ، وَلَا يَنْفِرُ إلَّا بَعْدَ الزَّوَالِ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ مِثْلُهُ .\rوَرَخَّصَ عِكْرِمَةُ فِي ذَلِكَ أَيْضًا .\rوَقَالَ طَاوُسٌ : يَرْمِي قَبْلَ الزَّوَالِ ، وَيَنْفِرُ قَبْلَهُ .\rوَلَنَا ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّمَا رَمَى بَعْدَ الزَّوَالِ ؛ لِقَوْلِ عَائِشَةَ : يَرْمِي الْجَمْرَةَ إذَا زَالَتْ الشَّمْسُ .\rوَقَوْلِ جَابِرٍ ، فِي صِفَةِ حَجِّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرْمِي الْجَمْرَةَ ضُحَى يَوْمِ النَّحْرِ ، وَرَمَى بَعْدَ ذَلِكَ بَعْدَ زَوَالِ الشَّمْسِ .\rوَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ } .\rوَقَالَ ابْنُ عُمَرَ : كُنَّا نَتَحَيَّنُ إذَا زَالَتْ الشَّمْسُ رَمَيْنَا .\rوَأَيَّ وَقْتٍ رَمَى بَعْدَ الزَّوَالِ أَجْزَأَهُ ، إلَّا أَنَّ الْمُسْتَحَبَّ الْمُبَادَرَةُ إلَيْهَا حِينَ الزَّوَالِ ، كَمَا قَالَ ابْنُ عُمَرَ .\r{ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَرْمِي الْجِمَارَ إذَا زَالَتْ الشَّمْسُ ، قَدْرَ مَا إذَا فَرَغَ مِنْ رَمْيِهِ صَلَّى الظُّهْرَ } .\rرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ .","part":7,"page":217},{"id":3217,"text":"( 2570 ) فَصْلٌ : وَالتَّرْتِيبُ فِي هَذِهِ الْجَمَرَاتِ وَاجِبٌ ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا .\rفَإِنْ نَكَّسَ فَبَدَأَ بِجَمْرَةِ الْعَقَبَةِ ، ثُمَّ الثَّانِيَةِ ، ثُمَّ الْأُولَى ، أَوْ بَدَأَ بِالْوُسْطَى ، وَرَمَى الثَّلَاثَ ، لَمْ يُجْزِهِ إلَّا الْأُولَى ، وَأَعَادَ الْوُسْطَى وَالْقُصْوَى .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .\rوَإِنْ رَمَى الْقُصْوَى ، ثُمَّ الْأُولَى ، ثُمَّ الْوُسْطَى ، أَعَادَ الْقُصْوَى وَحْدَهَا .\rوَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ الْحَسَنُ ، وَعَطَاءٌ : لَا يَجِبُ التَّرْتِيبُ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ؛ فَإِنَّهُ قَالَ : إذَا رَمَى مُنَكِّسًا يُعِيدُ ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ أَجْزَأَهُ .\rوَاحْتَجَّ بَعْضُهُمْ بِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { مَنْ قَدَّمَ نُسُكًا بَيْنَ يَدَيْ نُسُكٍ ، فَلَا حَرَجَ } .\rوَلِأَنَّهَا مَنَاسِكُ مُتَكَرِّرَةٌ ، فِي أَمْكِنَةٍ مُتَفَرِّقَةٍ ، فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ ، لَيْسَ بَعْضُهَا تَابِعًا لِبَعْضٍ ، فَلَمْ يُشْتَرَطْ التَّرْتِيبُ فِيهَا ، كَالرَّمْيِ وَالذَّبْحِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَتَّبَهَا فِي الرَّمْيِ ، وَقَالَ : ( خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ ) وَلِأَنَّهُ نُسُكٌ مُتَكَرِّرٌ ، فَاشْتُرِطَ التَّرْتِيبُ فِيهِ ، كَالسَّعْيِ .\rوَحَدِيثُهُمْ إنَّمَا جَاءَ فِي مَنْ يُقَدِّمُ نُسُكًا عَلَى نُسُكٍ ، لَا فِي تَقْدِيمِ بَعْضِ النُّسُكِ عَلَى بَعْضٍ .\rوَقِيَاسُهُمْ يَبْطُلُ بِالطَّوَافِ وَالسَّعْيِ .\rفَصْلٌ : وَإِنْ تَرَكَ الْوُقُوفَ عِنْدَهَا وَالدُّعَاءَ ، تَرَكَ السُّنَّةَ ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ .\rوَبِذَلِكَ قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا ، إلَّا الثَّوْرِيَّ .\rقَالَ : يُطْعِمُ شَيْئًا ، وَإِنْ أَرَاقَ دَمًا أَحَبُّ إلَيَّ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَلَهُ ، فَيَكُونُ نُسُكًا .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ دُعَاءُ وُقُوفٍ مَشْرُوعٍ لَهُ ، فَلَمْ يَجِبْ بِتَرْكِهِ شَيْءٌ ، كَحَالَةِ رُؤْيَةِ الْبَيْتِ ، وَكَسَائِرِ الْأَدْعِيَةِ ، وَلِأَنَّهَا إحْدَى الْجَمَرَاتِ ، فَلَمْ يَجِبْ الْوُقُوفُ عِنْدَهَا وَالدُّعَاءُ ،","part":7,"page":218},{"id":3218,"text":"كَالْأُولَى ، وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَفْعَلُ الْوَاجِبَاتِ وَالْمَنْدُوبَاتِ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا الدَّلِيلَ عَلَى أَنَّ هَذَا نَدْبٌ .","part":7,"page":219},{"id":3219,"text":"( 2572 ) فَصْلٌ : وَالْأَوْلَى أَنْ لَا يَنْقُصَ فِي الرَّمْيِ عَنْ سَبْعِ حَصَيَاتٍ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَمَى بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ .\rفَإِنْ نَقَصَ حَصَاةً أَوْ حَصَاتَيْنِ ، فَلَا بَأْسَ ، وَلَا يَنْقُصُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ .\rنَصَّ عَلَيْهِ .\rوَهُوَ قَوْلُ مُجَاهِدٍ ، وَإِسْحَاقَ .\rوَعَنْهُ : إنْ رَمَى بِسِتٍّ نَاسِيًا : فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ ، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَتَعَمَّدَهُ ، فَإِنْ تَعَمَّدَ ذَلِكَ ، تَصَدَّقَ بِشَيْءِ .\rوَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ : مَا أُبَالِي رَمَيْت بِسِتٍّ أَوْ سَبْعٍ .\rوَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : مَا أَدْرِي رَمَاهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسِتٍّ أَوْ سَبْعٍ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّ عَدَدَ السَّبْعِ شَرْطٌ .\rوَنَسَبَهُ إلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَمَى بِسَبْعٍ .\rوَقَالَ أَبُو حَيَّةَ : لَا بَأْسَ بِمَا رَمَى بِهِ الرَّجُلُ مِنْ الْحَصَى .\rفَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو : صَدَقَ أَبُو حَيَّةَ .\rوَكَانَ أَبُو حَيَّةَ بَدْرِيًّا .\rوَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى مَا رَوَى ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ ، قَالَ : سُئِلَ طَاوُسٌ عَنْ رَجُلٍ تَرَكَ حَصَاةً ؟ قَالَ : يَتَصَدَّقُ بِتَمْرَةٍ أَوْ لُقْمَةٍ .\rفَذَكَرْت ذَلِكَ لِمُجَاهِدٍ ، فَقَالَ : إنَّ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ لَمْ يَسْمَعْ قَوْلَ سَعْدٍ ، قَالَ سَعْدٌ : رَجَعْنَا مِنْ الْحَجَّةِ مَعَ رَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْضُنَا يَقُولُ : رَمَيْت بِسِتٍّ وَبَعْضُنَا يَقُولُ : بِسَبْعٍ فَلَمْ يَعِبْ ذَلِكَ بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ رَوَاهُ الْأَثْرَمُ ، وَغَيْرُهُ وَمَتَى أَخَلَّ بِحَصَاةٍ وَاجِبَةٍ مِنْ الْأَوْلَى ، لَمْ يَصِحَّ رَمْيُ الثَّانِيَةِ حَتَّى يُكْمِلَ الْأُولَى ، فَإِنْ لَمْ يَدْرِ مِنْ أَيِّ الْجِمَارِ تَرَكَهَا ، بَنَى عَلَى الْيَقِينِ وَإِنْ أَخَلَّ بِحَصَاةٍ غَيْرِ وَاجِبَةٍ ، لَمْ يُؤَثِّرْ تَرْكُهَا .","part":7,"page":220},{"id":3220,"text":"( 2573 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ ( وَيَفْعَلُ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي كَمَا فَعَلَ بِالْأَمْسِ ، فَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يَتَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ ، خَرَجَ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ .\rفَإِنْ غَرَبَتْ الشَّمْسُ وَهُوَ بِهَا ، لَمْ يَخْرُجْ حَتَّى يَرْمِيَ مِنْ غَدٍ بَعْدَ الزَّوَالِ ، كَمَا رَمَى بِالْأَمْسِ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الرَّمْيَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي كَالرَّمْيِ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ ، فِي وَقْتِهِ وَصِفَتِهِ وَهَيْئَتِهِ لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا .\rفَإِنْ أَحَبَّ التَّعَجُّلَ فِي يَوْمَيْنِ ، خَرَجَ قَبْلَ الْغُرُوبِ .\rوَأَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ مَنْ أَرَادَ الْخُرُوجَ مِنْ مِنًى شَاخِصًا عَنْ الْحَرَمِ ، غَيْرَ مُقِيمٍ بِمَكَّةَ ، أَنْ يَنْفِرَ بَعْدَ الزَّوَالِ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ ، فَإِنْ أَحَبَّ الْإِقَامَةَ بِمَكَّةَ فَقَالَ أَحْمَدُ : لَا يُعْجِبُنِي لِمَنْ يَنْفِرُ النَّفْرَ الْأَوَّلَ أَنْ يُقِيمَ بِمَكَّةَ .\rوَكَانَ مَالِكٌ يَقُولُ فِي أَهْلِ مَكَّةَ : مَنْ كَانَ لَهُ عُذْرٌ فَلَهُ أَنْ يَتَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ ، فَإِنْ أَرَادَ التَّخْفِيفَ عَنْ نَفْسِهِ مِنْ أَمْرِ الْحَجِّ فَلَا .\rوَيَحْتَجُّ مَنْ ذَهَبَ إلَى هَذَا بِقَوْلِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَنْ شَاءَ مِنْ النَّاسِ كُلِّهِمْ أَنْ يَنْفِرَ فِي النَّفْرِ الْأَوَّلِ ، إلَّا آلَ خُزَيْمَةَ ، فَلَا يَنْفِرُونَ إلَّا فِي النَّفْرِ الْآخِرِ .\rجَعَلَ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ مَعْنَى قَوْلِ عُمَرَ : إلَّا آلَ خُزَيْمَةَ .\rأَيْ أَنَّهُمْ أَهْلُ حَرَمٍ .\rمَكَّةَ وَالْمَذْهَبُ جَوَازُ النَّفِيرِ فِي النَّفْرِ الْأَوَّلِ لِكُلِّ أَحَدٍ .\rوَهُوَ قَوْلُ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى { : فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إثْمَ عَلَيْهِ لِمَنْ اتَّقَى } .\rقَالَ عَطَاءٌ : هِيَ لِلنَّاسِ عَامَّةً .\rوَرَوَى أَبُو دَاوُد ، وَابْنُ مَاجَهْ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْمُرَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { : أَيَّامُ مِنًى ثَلَاثَةٌ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إثْمَ عَلَيْهِ ، وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إثْمَ عَلَيْهِ } .\rقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ : هَذَا أَجْوَدُ","part":7,"page":221},{"id":3221,"text":"حَدِيثٍ رَوَاهُ سُفْيَانُ .\rوَقَالَ وَكِيعٌ : هَذَا الْحَدِيثُ أُمُّ الْمَنَاسِكِ ، وَفِيهِ زِيَادَةٌ أَنَا اخْتَصَرْته .\rوَلِأَنَّهُ دَفْعٌ مِنْ مَكَان ، فَاسْتَوَى فِيهِ أَهْلُ مَكَّةَ وَغَيْرُهُمْ ، كَالدَّفْعِ ، مِنْ عَرَفَةَ وَمِنْ مُزْدَلِفَةَ .\rوَكَلَامُ أَحْمَدَ فِي هَذَا أَرَادَ بِهِ الِاسْتِحْبَابَ ، مُوَافَقَةً لِقَوْلِ عُمَرَ ، لَا غَيْرُ .\rفَمَنْ أَحَبَّ التَّعْجِيلَ فِي النَّفْرِ الْأَوَّلِ خَرَجَ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ ، فَإِنْ غَرَبَتْ قَبْلَ خُرُوجِهِ مِنْ مِنًى لَمْ يَنْفِرْ ، سَوَاءٌ كَانَ ارْتَحَلَ أَوْ كَانَ مُقِيمًا فِي مَنْزِلِهِ ، لَمْ يَجُزْ لَهُ الْخُرُوجُ ، هَذَا قَوْلُ عُمَرَ ، وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ ، وَعَطَاءٍ ، وَطَاوُسٍ ، وَمُجَاهِدٍ ، وَأَبَانِ بْنِ عُثْمَانَ ، وَمَالِكٍ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَإِسْحَاقَ ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَهُ أَنْ يَنْفِرَ مَا لَمْ يَطْلُعْ فَجْرُ الْيَوْمِ الثَّالِثِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَدْخُل وَقْتُ رَمْيِ الْيَوْمِ الْآخِرِ ، فَجَازَ لَهُ النَّفْرُ كَمَا قَبْلَ الْغُرُوبِ .\rوَلَنَا ، قَوْله تَعَالَى { : فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إثْمَ عَلَيْهِ } .\rوَالْيَوْمُ اسْمٌ لِلنَّهَارِ ، فَمَنْ أَدْرَكَهُ اللَّيْلُ فَمَا تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَثَبَتَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ : مَنْ أَدْرَكَهُ الْمَسَاءُ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي ، فَلْيُقِمْ إلَى الْغَدِ حَتَّى يَنْفِرَ مَعَ النَّاسِ .\rوَمَا قَاسُوا عَلَيْهِ لَا يُشْبِهُ مَا نَحْنُ فِيهِ ؛ فَإِنَّهُ تَعَجَّلَ فِي الْيَوْمَيْنِ .","part":7,"page":222},{"id":3222,"text":"( 2574 ) فَصْلٌ : إذَا أَخَّرَ رَمْيَ يَوْمٍ إلَى مَا بَعْدَهُ ، أَوْ أَخَّرَ الرَّمْيَ كُلَّهُ إلَى آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ تَرَكَ السُّنَّةَ ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ ، إلَّا أَنَّهُ يُقَدِّمُ بِالنِّيَّةِ رَمْيَ الْيَوْمِ الْأَوَّلِ ثُمَّ الثَّانِي ثُمَّ الثَّالِثِ .\rوَبِذَلِكَ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إنْ تَرَكَ حَصَاةً أَوْ حَصَاتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا إلَى الْغَدِ رَمَاهَا ، وَعَلَيْهِ لِكُلِّ حَصَاةٍ نِصْفُ صَاعٍ ، وَإِنْ تَرَكَ أَرْبَعًا رَمَاهَا ، وَعَلَيْهِ دَمٌ .\rوَلَنَا ، أَنَّ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ وَقْتٌ لِلرَّمْيِ ، فَإِذَا أَخَّرَهُ مِنْ أَوَّلِ وَقْتِهِ إلَى آخِرِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ ، كَمَا لَوْ أَخَّرَ الْوُقُوفَ بِعَرَفَةَ إلَى آخِرِ وَقْتِهِ ، وَلِأَنَّهُ وَقْتٌ يَجُوزُ الرَّمْيُ فِيهِ ، فَجَازَ لِغَيْرِهِمْ كَالْيَوْمِ الْأَوَّلِ .\rقَالَ الْقَاضِي : وَلَا يَكُونُ رَمْيُهُ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي قَضَاءً ؛ لِأَنَّهُ وَقْتٌ وَاحِدٌ .\rوَإِنْ كَانَ قَضَاءً فَالْمُرَادُ بِهِ الْفِعْلُ ، كَقَوْلِهِ : ( ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ ) .\rوَقَوْلِهِمْ : قَضَيْت الدَّيْنَ .\rوَالْحُكْمُ فِي رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ إذَا أَخَّرَهَا ، كَالْحُكْمِ فِي رَمْيِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ ، فِي أَنَّهَا إذَا لَمْ تُرْمَ يَوْمَ النَّحْرِ رُمِيَتْ مِنْ الْغَدِ .\rوَإِنَّمَا قُلْنَا : يَلْزَمُهُ التَّرْتِيبُ بِنِيَّتِهِ ؛ لِأَنَّهَا عِبَادَاتٌ يَجِبُ التَّرْتِيبُ فِيهَا ، مَعَ فِعْلِهَا فِي أَيَّامِهَا ، فَوَجَبَ تَرْتِيبُهَا مَجْمُوعَةً ، كَالصَّلَاتَيْنِ الْمَجْمُوعَتَيْنِ وَالْفَوَائِتِ .","part":7,"page":223},{"id":3223,"text":"( 2575 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَيُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَدَعَ الصَّلَاةَ فِي مَسْجِدِ مِنًى مَعَ الْإِمَامِ ) يَعْنِي مَسْجِدَ الْخَيْفِ ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابَهُ كَانُوا يُصَلُّونَ بِمِنًى { قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ : صَلَّيْت مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ ، وَمَعَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ، وَعُثْمَانَ رَكْعَتَيْنِ صَدْرًا مِنْ إمَارَتِهِ } .\rوَهَذَا إذَا كَانَ الْإِمَامُ مَرْضِيًّا ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَرْضِيًّا صَلَّى الْمَرْءُ بِرُفْقَتِهِ فِي رَحْلِهِ .\rفَصْلٌ : وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَخْطُبَ الْإِمَامُ ، فِي الْيَوْمِ الثَّانِي مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ خُطْبَةً يُعَلِّمُ النَّاسَ فِيهَا حُكْمَ التَّعْجِيلِ وَالتَّأْخِيرِ ، وَتَوْدِيعِهِمْ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يُسْتَحَبُّ ، قِيَاسًا عَلَى الْيَوْمَيْنِ الْآخَرَيْنِ .\rوَلَنَا ، مَا رُوِيَ عَنْ { رَجُلَيْنِ مِنْ بَنِي بَكْرٍ ، قَالَا : رَأَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ بَيْنَ أَوْسَاطِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ ، وَنَحْنُ عِنْدَ رَاحِلَتِهِ } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَعَنْ سَرَّاءَ بِنْتِ نَبْهَانَ ، قَالَتْ : { خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الرُّءُوسِ ، فَقَالَ : أَيُّ يَوْمٍ هَذَا ؟ .\rقُلْنَا : اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ .\rقَالَ : أَلَيْسَ أَوْسَطَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ ؟ } .\rرَوَى الدَّارَقُطْنِيّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ الرَّبِيعِ بْنِ سَبْرَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ أَوْسَطَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ .\rيَعْنِي يَوْمَ النَّفْرِ الْأَوَّلِ .\rوَلِأَنَّ بِالنَّاسِ حَاجَةً إلَى أَنْ يُعَلِّمَهُمْ كَيْفَ يَتَعَجَّلُونَ ، وَكَيْفَ يُوَدِّعُونَ ، بِخِلَافِ الْيَوْمِ الْأَوَّلِ .\r}","part":7,"page":224},{"id":3224,"text":"( 2577 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَيُكَبِّرُ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ ، مِنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ ، يَوْمَ النَّحْرِ إلَى آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيق ) إنَّمَا خَصَّ الْمُحْرِمَ بِالتَّكْبِيرِ مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ ظُهْرًا ؛ لِأَنَّهُ قَبْلَ ذَلِكَ مَشْغُولٌ بِالتَّلْبِيَةِ ، فَلَا يَقْطَعُهَا إلَّا عِنْدَ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ كَمَا بَيَّنَّاهُ فِيمَا قَبْلُ ، وَلَيْسَ بَعْدَهُمَا صَلَاةٌ قَبْلَ الظُّهْرِ ، فَيُكَبِّرُ حِينَئِذٍ بَعْدَهَا كَالْمُحِلِّ ، وَيَسْتَوِي هُوَ وَالْحَلَالُ فِي آخِرِ مُدَّةِ التَّكْبِيرِ .\rوَصِفَةُ التَّكْبِيرِ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي صَلَاةِ الْعِيدِ ، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ : \" اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ ، لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ، وَاَللَّهُ أَكْبَرُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ \" .","part":7,"page":225},{"id":3225,"text":"( 2578 ) فَصْلٌ : قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا : يُسْتَحَبُّ لِمَنْ نَفَرَ أَنْ يَأْتِيَ الْمُحَصَّبَ ، وَهُوَ الْأَبْطَحُ ، وَحَدُّهُ مَا بَيْنَ الْجَبَلَيْنِ إلَى الْمَقْبَرَةِ ، فَيُصَلِّيَ بِهِ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ ، ثُمَّ يَضْطَجِعَ يَسِيرًا ، ثُمَّ يَدْخُلَ مَكَّةَ .\rوَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَرَى التَّحْصِيبَ سُنَّةً ، قَالَ ابْنُ عُمَرَ يُصَلِّي بِالْمُحَصَّبِ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ وَكَانَ كَثِيرَ الِاتِّبَاعِ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rوَكَانَ طَاوُسٌ يُحَصِّبُ فِي شِعْبِ الْجَوْزِ .\rوَكَانَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ يَفْعَلُهُ ، ثُمَّ تَرَكَهُ .\rوَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَعَائِشَةُ ، لَا يَرَيَانِ ذَلِكَ سُنَّةً ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ التَّحْصِيبُ لَيْسَ بِشَيْءِ ، إنَّمَا هُوَ مَنْزِلٌ نَزَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rوَعَنْ عَائِشَةَ ، أَنَّ نُزُولَ الْأَبْطَحِ لَيْسَ بِسُنَّةٍ ، إنَّمَا نَزَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيَكُونَ أَسْمَحَ لِخُرُوجِهِ إذَا خَرَجَ .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا .\rوَمَنْ اسْتَحَبَّ ذَلِكَ فَلِاتِّبَاعِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّهُ كَانَ يَنْزِلُهُ ، قَالَ نَافِعٌ : { كَانَ ابْنُ عُمَرَ يُصَلِّي بِهَا الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ ، وَيَهْجَعُ هَجْعَةً ، وَيَذْكُرُ ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\r} مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَقَالَ ابْنُ عُمَرَ : { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ يَنْزِلُونَ الْأَبْطَحَ .\r} قَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ .\rوَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ وَلَا شَيْءَ عَلَى تَارِكِهِ .","part":7,"page":226},{"id":3226,"text":"( 2579 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ ( فَإِذَا أَتَى مَكَّةَ لَمْ يَخْرُجْ حَتَّى يُوَدِّعَ الْبَيْتَ يَطُوفُ بِهِ سَبْعًا ، وَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ إذَا فَرَغَ مِنْ جَمِيعِ أُمُورِهِ ، حَتَّى يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ مَنْ أَتَى مَكَّةَ لَا يَخْلُو ؛ إمَّا أَنْ يُرِيدَ الْإِقَامَةَ بِهَا ، أَوْ الْخُرُوجَ مِنْهَا ، فَإِنْ أَقَامَ بِهَا ، فَلَا وَدَاعَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ الْوَدَاعَ مِنْ الْمُفَارِقِ ، لَا مِنْ الْمُلَازِمِ ، سَوَاءٌ نَوَى الْإِقَامَةَ قَبْلَ النَّفْرِ أَوْ بَعْدَهُ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إنْ نَوَى الْإِقَامَةَ بَعْدَ أَنْ حَلَّ لَهُ النَّفْرُ ، لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ الطَّوَافُ وَلَا يَصِحُّ ، لِأَنَّهُ غَيْرُ مُفَارِقٍ ، فَلَا يَلْزَمُهُ وَدَاعٌ ، كَمَنْ نَوَاهَا قَبْلَ حِلِّ النَّفْرِ ، وَإِنَّمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" لَا يَنْفِرَنَّ أَحَدٌ حَتَّى يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ \" .\rوَهَذَا لَيْسَ بِنَافِرٍ .\rفَأَمَّا الْخَارِجُ مِنْ مَكَّةَ ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَخْرُجَ حَتَّى يُوَدِّعَ الْبَيْتَ بِطَوَافِ سَبْعٍ ، وَهُوَ وَاجِبٌ ، مَنْ تَرَكَهُ لَزِمَهُ دَمٌ .\rوَبِذَلِكَ قَالَ الْحَسَنُ ، وَالْحَكَمُ وَحَمَّادٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي قَوْلٍ لَهُ : لَا يَجِبُ بِتَرْكِهِ شَيْءٌ ؛ لِأَنَّهُ يَسْقُطُ عَنْ الْحَائِضِ ، فَلَمْ يَكُنْ وَاجِبًا ، كَطَوَافِ الْقُدُومِ ، وَلِأَنَّهُ كَتَحِيَّةِ الْبَيْتِ ، أَشْبَهَ طَوَافَ الْقُدُومِ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ ، قَالَ { : أُمِرَ النَّاسُ أَنْ يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِمْ بِالْبَيْتِ ، إلَّا أَنَّهُ خُفِّفَ عَنْ الْمَرْأَةِ الْحَائِضِ } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَلِمُسْلِمٍ ، قَالَ : كَانَ النَّاسُ يَنْصَرِفُونَ كُلَّ وَجْهٍ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : لَا يَنْفِرُ أَحَدٌ حَتَّى يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ } .\rوَلَيْسَ فِي سُقُوطِهِ عَنْ الْمَعْذُورِ مَا يُجَوِّزُ سُقُوطَهُ لِغَيْرِهِ ، كَالصَّلَاةِ تَسْقُطُ عَنْ الْحَائِضِ ، وَتَجِبُ عَلَى غَيْرِهَا ، بَلْ تَخْصِيصُ الْحَائِضِ بِإِسْقَاطِهِ عَنْهَا دَلِيلٌ عَلَى","part":7,"page":227},{"id":3227,"text":"وُجُوبِهِ عَلَى غَيْرِهَا ، إذْ لَوْ كَانَ سَاقِطًا عَنْ الْكُلِّ لَمْ يَكُنْ لِتَخْصِيصِهَا بِذَلِكَ مَعْنًى .\rوَإِذَا ثَبَتَ وُجُوبُهُ ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بِرُكْنٍ ، بِغَيْرِ خِلَافٍ ، وَلِذَلِكَ سَقَطَ عَنْ الْحَائِضِ ، وَلَمْ يَسْقُطْ طَوَافُ الزِّيَارَةِ ، وَيُسَمَّى طَوَافَ الْوَدَاعِ ؛ لِأَنَّهُ لِتَوْدِيعِ الْبَيْتِ ، وَطَوَافَ الصَّدْرِ ؛ لِأَنَّهُ عِنْدَ صُدُورِ النَّاسِ مِنْ مَكَّةَ .\rوَوَقْتُهُ بَعْدَ فَرَاغِ الْمَرْءِ مِنْ جَمِيعِ أُمُورِهِ ؛ لِيَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ ، عَلَى مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ فِي تَوْدِيعِ الْمُسَافِرِ إخْوَانَهُ وَأَهْلَهُ ، وَلِذَلِكَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : \" حَتَّى يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ \" .","part":7,"page":228},{"id":3228,"text":"( 2580 ) فَصْلٌ : وَمَنْ كَانَ مَنْزِلُهُ فِي الْحَرَمِ فَهُوَ كَالْمَكِّيِّ ، لَا وَدَاعَ عَلَيْهِ .\rوَمَنْ كَانَ مَنْزِلُهُ خَارِجَ الْحَرَمِ ، قَرِيبًا مِنْهُ ، فَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ أَنَّهُ لَا يَخْرُجُ حَتَّى يُوَدِّعَ الْبَيْتَ .\rوَهَذَا قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ وَقِيَاسُ قَوْلِ مَالِكٍ .\rذَكَرَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ ، فِي أَهْلِ بُسْتَانِ ابْنِ عَامِرٍ ، وَأَهْلِ الْمَوَاقِيتِ : إنَّهُمْ بِمَنْزِلَةِ أَهْلِ مَكَّةَ فِي طَوَافِ الْوَدَاعِ ، لِأَنَّهُمْ مَعْدُودُونَ مِنْ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ، بِدَلِيلِ سُقُوطِ دَمِ الْمُتْعَةِ عَنْهُمْ .\rوَلَنَا ، عُمُومُ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : \" لَا يَنْفِرَنَّ أَحَدٌ حَتَّى يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ \" .\rوَلِأَنَّهُ خَارِجٌ مِنْ مَكَّةَ ، فَلَزِمَهُ التَّوْدِيعُ ، كَالْبَعِيدِ .","part":7,"page":229},{"id":3229,"text":"( 2581 ) فَصْلٌ : فَإِنْ أَخَّرَ طَوَافَ الزِّيَارَةِ ، فَطَافَهُ عِنْدَ الْخُرُوجِ ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ : إحْدَاهُمَا ، يُجْزِئُهُ عَنْ طَوَافِ الْوَدَاعِ ، لِأَنَّهُ أُمِرَ أَنْ يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ ، وَقَدْ فَعَلَ ، وَلِأَنَّ مَا شُرِعَ لِتَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ أَجْزَأَ عَنْهُ الْوَاجِبُ مِنْ جِنْسِهِ ، كَتَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ بِرَكْعَتَيْنِ تُجْزِئُ عَنْهُمَا الْمَكْتُوبَةُ .\rوَعَنْهُ ، لَا يُجْزِئُهُ عَنْ طَوَافِ الْوَدَاعَ ؛ لِأَنَّهُمَا عِبَادَتَانِ وَاجِبَتَانِ ، فَلَمْ تُجْزِ إحْدَاهُمَا عَنْ الْأُخْرَى ، كَالصَّلَاتَيْنِ الْوَاجِبَتَيْنِ .","part":7,"page":230},{"id":3230,"text":"( 2582 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( فَإِنْ وَدَّعَ وَاشْتَغَلَ فِي تِجَارَةٍ ، عَادَ فَوَدَّعَ ، ) قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ طَوَافَ الْوَدَاعِ إنَّمَا يَكُونُ عِنْدَ خُرُوجِهِ ، لِيَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ ، فَإِنْ طَافَ لِلْوَدَاعِ ، ثُمَّ اشْتَغَلَ بِتِجَارَةٍ أَوْ إقَامَةٍ فَعَلَيْهِ إعَادَتُهُ .\rوَبِهَذَا قَالَ عَطَاءٌ ، وَمَالِكٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ : إذَا طَافَ لِلْوَدَاعِ ، أَوْ طَافَ تَطَوُّعًا بَعْدَمَا حَلَّ لَهُ النَّفْرُ ، أَجْزَأْهُ عَنْ طَوَافِ الْوَدَاعِ ، وَإِنْ أَقَامَ شَهْرًا أَوْ أَكْثَرَ ؛ لِأَنَّهُ طَافَ بَعْدَمَا حَلَّ لَهُ النَّفْرُ ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ إعَادَتُهُ ، كَمَا لَوْ نَفَرَ عَقِيبَهُ .\rوَلَنَا ، قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ { : لَا يَنْفِرَنَّ أَحَدٌ حَتَّى يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ } .\rوَلِأَنَّهُ إذَا قَامَ بَعْدَهُ ، خَرَجَ عَنْ أَنْ يَكُونَ وَدَاعًا فِي الْعَادَةِ ، فَلَمْ يُجْزِهِ ، كَمَا لَوْ طَافَهُ قَبْلَ حِلِّ النَّفْرِ .\rفَأَمَّا إنْ قَضَى حَاجَةً فِي طَرِيقِهِ ، أَوْ اشْتَرَى زَادًا أَوْ شَيْئًا لِنَفْسِهِ فِي طَرِيقِهِ ، لَمْ يُعِدْهُ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِإِقَامَةٍ تُخْرِجُ طَوَافَهُ عَنْ أَنْ يَكُونَ آخِرَ عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ ، وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَلَا نَعْلَمُ مُخَالِفًا لَهُمَا .","part":7,"page":231},{"id":3231,"text":"( 2583 ) مَسْأَلَة ؛ قَالَ : ( فَإِنْ خَرَجَ قَبْلَ الْوَدَاعِ ، رَجَعَ إنْ كَانَ بِالْقُرْبِ ، وَإِنْ بَعُدَ ، بَعَثَ بِدَمٍ ) هَذَا قَوْلُ عَطَاءٍ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَإِسْحَاقَ ، وَأَبِي ثَوْرٍ .\rوَالْقَرِيبُ هُوَ الَّذِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَكَّةَ دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ .\rوَالْبَعِيدُ مَنْ بَلَغَ مَسَافَةَ الْقَصْرِ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .\rوَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ .\rوَكَانَ عَطَاءٌ يَرَى الطَّائِفَ قَرِيبًا .\rوَقَالَ الثَّوْرِيُّ حَدُّ ذَلِكَ الْحَرَمُ ، فَمَنْ كَانَ فِي الْحَرَمِ فَهُوَ قَرِيبٌ ، وَمَنْ خَرَجَ مِنْهُ فَهُوَ بَعِيدٌ .\rوَوَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ ، أَنَّ مَنْ دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ فِي حُكْمِ الْحَاضِرِ ، فِي أَنَّهُ لَا يَقْصُرُ وَلَا يُفْطِرُ ، وَلِذَلِكَ عَدَدْنَاهُ مِنْ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ رَدَّ رَجُلًا مِنْ مُرٍّ إلَى مَكَّةَ ، لِيَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ .\rرَوَاهُ سَعِيدٌ وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ الرُّجُوعُ لِعُذْرٍ ، فَهُوَ كَالْبَعِيدِ .\rوَلَوْ لَمْ يَرْجِعْ الْقَرِيبُ الَّذِي يُمْكِنُهُ الرُّجُوعُ ، لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَكْثَرُ مِنْ دَمٍ .\rوَلَا فَرْقَ بَيْنَ تَرْكِهِ عَمْدًا أَوْ خَطَأً ، لِعُذْرٍ أَوْ غَيْرِهِ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ وَاجِبَاتِ الْحَجِّ ، فَاسْتَوَى عَمْدُهُ وَخَطَؤُهُ ، وَالْمَعْذُورُ وَغَيْرُهُ ، كَسَائِرِ وَاجِبَاتِهِ .\rفَإِنْ رَجَعَ الْبَعِيدُ ، فَطَافَ لِلْوَدَاعِ فَقَالَ الْقَاضِي : لَا يَسْقُطُ عَنْهُ الدَّمُ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ الدَّمُ بِبُلُوغِهِ مَسَافَةَ الْقَصْرِ ، فَلَمْ تَسْقُطْ بِرُجُوعِهِ ، كَمَنْ تَجَاوَزَ الْمِيقَاتَ غَيْرَ مُحْرِمٍ ، فَأَحْرَمَ دُونَهُ ، ثُمَّ رَجَعَ إلَيْهِ .\rوَإِنْ رَجَعَ الْقَرِيبُ ، فَطَافَ ، فَلَا دَمَ عَلَيْهِ ، سَوَاءٌ كَانَ مِمَّنْ لَهُ عُذْرٌ يُسْقِطُ عَنْهُ الرُّجُوعَ أَوْ لَا ؛ لِأَنَّ الدَّمَ لَمْ يَسْتَقِرَّ عَلَيْهِ ، لِكَوْنِهِ فِي حُكْمِ الْحَاضِرِ ، وَيَحْتَمِلُ سُقُوطَ الدَّمِ عَنْ الْبَعِيدِ بِرُجُوعِهِ ؛ لِأَنَّهُ وَاجِبٌ أَتَى بِهِ ، فَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ بَدَلُهُ ، كَالْقَرِيبِ .\r( 2584 ) فَصْلٌ : إذَا رَجَعَ الْبَعِيدُ ، فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَجُوزَ لَهُ تَجَاوُزُ","part":7,"page":232},{"id":3232,"text":"الْمِيقَاتِ ، إنْ كَانَ جَاوَزَهُ ، إلَّا مُحْرِمًا ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْأَعْذَارِ ، فَيَلْزَمُهُ طَوَافٌ لِإِحْرَامِهِ بِالْعُمْرَةِ وَالسَّعْيِ ، وَطَوَافٌ لِوَدَاعِهِ ، وَفِي سُقُوطِ الدَّمِ عَنْهُ مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْخِلَافِ .\rوَإِنْ كَانَ دُونَ الْمِيقَاتِ ، أَحْرَمَ مِنْ ، مَوْضِعِهِ .\rفَأَمَّا إنْ رَجَعَ الْقَرِيبُ ، فَظَاهِرُ قَوْلِ مَنْ ذَكَرْنَا قَوْلَهُ ، أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ إحْرَامٌ ؛ لِأَنَّهُ رَجَعَ لِإِتْمَامِ نُسُكٍ مَأْمُورٍ بِهِ ، فَأَشْبَهَ مَنْ رَجَعَ لِطَوَافِ الزِّيَارَةِ .\rفَإِنْ وَدَّعَ وَخَرَجَ ، ثُمَّ دَخَلَ مَكَّةَ لَحَاجَةٍ ، فَقَالَ أَحْمَدُ أَحَبُّ إلَيَّ أَلَّا يَدْخُلَ إلَّا مُحْرِمًا ، وَأَحَبُّ إلَيَّ إذَا خَرَجَ أَنْ يُوَدِّعَ الْبَيْتَ بِالطَّوَافِ .\rوَهَذَا لِأَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ لِإِتْمَامِ النُّسُكِ ، إنَّمَا دَخَلَ لَحَاجَةٍ غَيْرِ مُتَكَرِّرَةٍ ، فَأَشْبَهَ مَنْ يَدْخُلُهَا لِلْإِقَامَةِ بِهَا .","part":7,"page":233},{"id":3233,"text":"( 2585 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَالْمَرْأَةُ إذَا حَاضَتْ قَبْلَ أَنْ تُوَدِّعَ ، خَرَجَتْ ، وَلَا وَدَاعَ عَلَيْهَا ، وَلَا فِدْيَةَ ) هَذَا قَوْلُ عَامَّةِ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَابْنِهِ أَنَّهُمَا أَمَرَا الْحَائِضَ بِالْمُقَامِ لِطَوَافِ الْوَدَاعِ ، وَكَانَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ يَقُولُ بِهِ ، ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ ، فَرَوَى مُسْلِمٌ ، أَنَّ زِيدَ بْنَ ثَابِتٍ خَالَفَ ابْنَ عَبَّاسٍ فِي هَذَا ، قَالَ طَاوُسٌ : كُنْت مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ إذْ قَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ : تُفْتِي أَنْ لَا تَصْدُرَ الْحَائِضُ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهَا بِالْبَيْتِ ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ : إمَّا تَسْأَلُ فُلَانَةَ الْأَنْصَارِيَّةَ ، هَلْ أَمَرَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ ؟ قَالَ : فَرَجَعَ زَيْدٌ إلَى ابْنِ عَبَّاسٍ يَضْحَكُ ، وَهُوَ يَقُولُ : مَا أَرَاك إلَّا قَدْ صَدَقْت .\rوَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، أَنَّهُ رَجَعَ إلَى قَوْلِ الْجَمَاعَةِ أَيْضًا .\rوَقَدْ ثَبَتَ التَّخْفِيفُ عَنْ الْحَائِضِ بِحَدِيثِ { صَفِيَّةَ ، حِينَ قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنَّهَا حَائِضٌ .\rفَقَالَ : أَحَابِسَتُنَا هِيَ ؟ .\rقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّه ، إنَّهَا قَدْ أَفَاضَتْ يَوْمَ النَّحْرِ .\rقَالَ : فَلْتَنْفِرْ إذًا .\rوَلَا أَمَرَهَا بِفِدْيَةٍ وَلَا غَيْرِهَا } .\rوَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ : إلَّا أَنَّهُ خَفَّفَ عَنْ الْمَرْأَةِ الْحَائِضِ .\rوَالْحُكْمُ فِي النُّفَسَاءِ كَالْحُكْمِ فِي الْحَائِضِ ؛ لِأَنَّ أَحْكَامَ النِّفَاسِ أَحْكَامُ الْحَيْضِ ، فِيمَا يُوجِبُ وَيُسْقِطُ .","part":7,"page":234},{"id":3234,"text":"( 2586 ) فَصْلٌ : وَإِذَا نَفَرْت الْحَائِضُ بِغَيْرِ وَدَاعٍ ، فَطَهُرَتْ قَبْلَ مُفَارَقَةِ الْبُنْيَانِ ، رَجَعَتْ فَاغْتَسَلَتْ وَوَدَّعَتْ ؛ لِأَنَّهَا فِي حُكْمِ الْإِقَامَةِ ، بِدَلِيلِ أَنَّهَا لَا تَسْتَبِيحُ الرُّخَصَ .\rفَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهَا الْإِقَامَةُ ، فَمَضَتْ ، أَوْ مَضَتْ لِغَيْرِ عُذْرٍ ، فَعَلَيْهَا دَمٌ .\rوَإِنْ فَارَقَتْ الْبُنْيَانَ ، لَمْ يَجِبْ الرُّجُوعُ ، إذَا كَانَتْ قَرِيبَةً ، كَالْخَارِجِ مِنْ غَيْر عُذْرٍ .\rقُلْنَا : هُنَاكَ تَرَكَ وَاجِبًا ، فَلَمْ يَسْقُطْ بِخُرُوجِهِ ، حَتَّى يَصِيرَ إلَى مَسَافَةِ الْقَصْرِ ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ إنْشَاءَ سَفَرٍ طَوِيلٍ غَيْرِ الْأَوَّلِ ، وَهَا هُنَا لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا ، وَلَا يَثْبُتُ وُجُوبُهُ ابْتِدَاءً إلَّا فِي حَقِّ مَنْ كَانَ مُقِيمًا .","part":7,"page":235},{"id":3235,"text":"( 2587 ) فَصْلٌ : وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقِفَ الْمُوَدِّعُ فِي الْمُلْتَزَمِ ، وَهُوَ مَا بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْبَابِ ، فَيَلْتَزِمَهُ ، وَيُلْصِقَ بِهِ صَدْرَهُ وَوَجْهَهُ ، وَيَدْعُوَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ ؛ لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، قَالَ طُفْت مَعَ عَبْدِ اللَّهِ ، فَلَمَّا جَاءَ دُبُرَ الْكَعْبَةِ ، قُلْت : أَلَا تَتَعَوَّذُ ؟ قَالَ : نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ النَّارِ .\rثُمَّ مَضَى حَتَّى اسْتَلَمَ الْحَجَرَ ، فَقَامَ بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْبَابِ ، فَوَضَعَ صَدْرَهُ وَوَجْهَهُ وَذِرَاعَيْهِ وَكَفَّيْهِ هَكَذَا - وَبَسَطَهَا بَسْطًا - وَقَالَ : هَكَذَا رَأَيْت رَسُولَ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَفْعَلُهُ .\rوَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ صَفْوَانَ ، قَالَ : لَمَّا فَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَكَّةَ ، انْطَلَقْت فَرَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ خَرَجَ مِنْ الْكَعْبَةِ ، هُوَ وَأَصْحَابُهُ ، قَدْ اسْتَلَمُوا الرُّكْنَ مِنْ الْبَابِ إلَى الْحَطِيمِ ، وَوَضَعُوا خُدُودَهُمْ عَلَى الْبَيْتِ ، وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسَطَهُمْ .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَقَالَ مَنْصُورٌ : سَأَلْت مُجَاهِدًا : إذَا أَرَدْت الْوَدَاعَ ، كَيْفَ أَصْنَعُ ؟ قَالَ : تَطُوفُ بِالْبَيْتِ سَبْعًا ، وَتُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ خَلْفَ الْمَقَامِ ، ثُمَّ تَأْتِي زَمْزَمَ فَتَشْرَبُ مِنْ مَائِهَا ، ثُمَّ تَأْتِي الْمُلْتَزَمَ مَا بَيْنَ الْحَجَرِ وَالْبَابِ ، فَتَسْتَلِمُهُ ، ثُمَّ تَدْعُو ، ثُمَّ تَسْأَلُ حَاجَتَك ، ثُمَّ تَسْتَلِمُ الْحَجَرَ ، وَتَنْصَرِفُ .\rوَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا : وَيَقُولُ فِي دُعَائِهِ : اللَّهُمَّ هَذَا بَيْتُك ، وَأَنَا عَبْدُك ، وَابْنُ عَبْدِك ، حَمَلْتنِي عَلَى مَا سَخَّرْت لِي مِنْ خَلْقِك ، وَسَيَّرْتنِي فِي بِلَادِك حَتَّى بَلَّغْتنِي بِنِعْمَتِك إلَى بَيْتِك ، وَأَعَنْتنِي عَلَى أَدَاءِ نُسُكِي ، فَإِنْ كُنْت رَضِيت عَنِّي ، فَازْدَدْ عَنِّي رِضًا ، وَإِلَّا فَمِنْ الْآنَ قَبْلَ أَنْ تَنْأَى عَنْ بَيْتِك دَارِي ، فَهَذَا أَوَانُ انْصِرَافِي إنْ أَذِنْت لِي ، غَيْرَ مُسْتَبْدِلٍ بِك وَلَا بِبَيْتِك ، وَلَا","part":7,"page":236},{"id":3236,"text":"رَاغِبٍ عَنْك وَلَا عَنْ بَيْتِك ، اللَّهُمَّ فَأَصْحِبْنِي الْعَافِيَةَ فِي بَدَنِي ، وَالصِّحَّةَ فِي جِسْمِي ، وَالْعِصْمَةَ فِي دِينِي ، وَأَحْسِنْ مُنْقَلَبِي ، وَارْزُقْنِي طَاعَتَك أَبَدًا مَا أَبْقَيْتنِي ، وَاجْمَعْ لِي بَيْنَ خَيْرَيْ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ، إنَّك عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ .\rوَعَنْ طَاوُسٍ قَالَ : رَأَيْت أَعْرَابِيًّا أَتَى الْمُلْتَزَمَ ، فَتَعَلَّقَ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ ، فَقَالَ : بِك أَعُوذُ ، وَبِك أَلُوذُ ، اللَّهُمَّ فَاجْعَلْ لِي فِي اللَّهَفِ إلَى جُودِك ، وَالرِّضَا بِضَمَانِك ، مَنْدُوحًا عَنْ مَنْعِ الْبَاخِلِينَ ، وَغِنًى عَمَّا فِي أَيْدِي الْمُسْتَأْثِرِينَ ، اللَّهُمَّ بِفَرَجِك الْقَرِيبِ ، وَمَعْرُوفِك الْقَدِيمِ ، وَعَادَتِك الْحَسَنَةِ .\rثُمَّ أَضَلَّنِي فِي النَّاسِ ، فَلَقِيته بِعَرَفَاتٍ قَائِمًا ، وَهُوَ يَقُولُ : اللَّهُمَّ إنْ كُنْت لَمْ تَقْبَلْ حَجَّتِي وَتَعَبِي وَنَصَبِي ، فَلَا تَحْرِمْنِي أَجْرَ الْمُصَابِ عَلَى مُصِيبَتِهِ ، فَلَا أَعْلَمُ أَعْظَمَ مُصِيبَةً مِمَّنْ وَرَدَ حَوْضَك ، وَانْصَرَفَ مَحْرُومًا مِنْ وَجْهِ رَغْبَتِك .\rوَقَالَ آخَرُ : يَا خَيْرَ مَوْفُودٍ إلَيْهِ ، قَدْ ضَعُفَتْ قُوَّتِي ، وَذَهَبَتْ مِنَّتِي ، وَأَتَيْت إلَيْك بِذُنُوبٍ لَا تَغْسِلُهَا الْبِحَارُ ، أَسْتَجِيرُ بِرِضَاك مِنْ سَخَطِك ، وَبِعَفْوِك مِنْ عُقُوبَتِك ، رَبِّ ارْحَمْ مَنْ شَمِلَتْهُ الْخَطَايَا ، وَغَمَرَتْهُ الذُّنُوبُ ، وَظَهَرَتْ مِنْهُ الْعُيُوبُ ، ارْحَمْ أَسِيرَ ضُرٍّ ، وَطَرِيدَ فَقْرٍ ، أَسْأَلُك أَنْ تَهَبَ لِي عَظِيمَ جُرْمِي ، يَا مُسْتَزَادًا مِنْ نِعَمِهِ ، وَمُسْتَعَاذًا مِنْ نِقَمِهِ ، ارْحَمْ صَوْتَ حَزِينٍ دَعَاك بِزَفِيرٍ وَشَهِيقٍ ، اللَّهُمَّ إنْ كُنْت بَسَطْت إلَيْك يَدَيَّ دَاعِيًا ، فَطَالَمَا كَفَيْتنِي سَاهِيًا ، فَبِنِعْمَتِك الَّتِي تَظَاهَرَتْ عَلَيَّ عِنْدَ الْغَفْلَةِ ، لَا أَيْأَسُ مِنْهَا عِنْدَ التَّوْبَةِ ، فَلَا تَقْطَعْ رَجَائِي مِنْك لِمَا قَدَّمْت مِنْ اقْتِرَافٍ ، وَهَبْ لِي الْإِصْلَاحَ فِي الْوَلَدِ ، وَالْأَمْنَ فِي الْبَلَدِ ، وَالْعَافِيَةَ فِي الْجَسَدِ ، إنَّك سَمِيعٌ مُجِيبٌ ، اللَّهُمَّ إنَّ لَك عَلَيَّ حُقُوقًا ، فَتَصَدَّقْ بِهَا عَلَيَّ ، وَلِلنَّاسِ قِبَلِي","part":7,"page":237},{"id":3237,"text":"تَبِعَاتٌ فَتَحَمَّلْهَا عَنِّي ، وَقَدْ أَوْجَبْت لِكُلِّ ضَيْفٍ قِرًى ، وَأَنَا ضَيْفُك اللَّيْلَةَ ، فَاجْعَلْ قِرَايَ الْجَنَّةَ ، اللَّهُمَّ إنِّي سَائِلُك عِنْدَ بَابِك ، مَنْ ذَهَبَتْ أَيَّامُهُ ، وَبَقِيَتْ آثَامُهُ ، وَانْقَطَعَتْ شَهْوَتُهُ ، وَبَقِيَتْ تَبِعَتُهُ ، فَارْضَ عَنْهُ ، وَإِنْ لَمْ تَرْضَ عَنْهُ فَاعْفُ عَنْهُ ، فَقَدْ يَعْفُو السَّيِّدُ عَنْ عَبْدِهِ ، وَهُوَ عَنْهُ غَيْرُ رَاضٍ .\rثُمَّ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rوَالْمَرْأَةُ إذَا كَانَتْ حَائِضًا لَمْ تَدْخُلْ الْمَسْجِدَ ، وَوَقَفَتْ عَلَى بَابِهِ ، فَدَعَتْ بِذَلِكَ .","part":7,"page":238},{"id":3238,"text":"( 2588 ) فَصْلٌ : قَالَ أَحْمَدُ : إذَا وَدَّعَ الْبَيْتَ ، يَقُومُ عِنْدَ الْبَيْتِ إذَا خَرَجَ وَيَدْعُ وَإِذَا وَلَّى لَا يَقِفُ وَلَا يَلْتَفِتُ ، فَإِنْ الْتَفَتَ رَجَعَ فَوَدَّعَ .\rوَرَوَى حَنْبَلٌ ، فِي \" مَنَاسِكِهِ \" عَنْ الْمُهَاجِرِ ، قَالَ : قُلْت لِجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ : الرَّجُلُ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ ، وَيُصَلِّي ، فَإِذَا انْصَرَفَ خَرَجَ ، ثُمَّ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ فَقَامَ ؟ فَقَالَ : مَا كُنْت أَحْسَبُ يَصْنَعُ هَذَا إلَّا الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ : أَكْرَهُ ذَلِكَ .\rوَقَوْلُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ : إنْ الْتَفَتَ رَجَعَ فَوَدَّعَ .\rعَلَى سَبِيلِ الِاسْتِحْبَابِ ، إذْ لَا نَعْلَمُ لِإِيجَابِ ذَلِكَ عَلَيْهِ دَلِيلًا ، وَقَدْ قَالَ مُجَاهِدٌ : إذَا كِدْت تَخْرُجُ مِنْ بَابِ الْمَسْجِدِ فَالْتَفِتْ ، ثُمَّ اُنْظُرْ إلَى الْكَعْبَةِ ، ثُمَّ قُلْ : اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْهُ آخِرَ الْعَهْدِ .","part":7,"page":239},{"id":3239,"text":"( 2589 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَمَنْ تَرَكَ طَوَافَ الزِّيَارَةِ ، رَجَعَ مِنْ بَلَدِهِ حَرَامًا حَتَّى يَطُوفَ بِالْبَيْتِ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ طَوَافَ الزِّيَارَةِ رُكْنُ الْحَجِّ ، لَا يَتِمُّ إلَّا بِهِ .\rوَلَا يَحِلُّ مِنْ إحْرَامِهِ حَتَّى يَفْعَلَهُ ، فَإِنْ رَجَعَ إلَى بَلَدِهِ قَبْلَهُ ، لَمْ يَنْفَكّ إحْرَامُهُ ، وَرَجَعَ مَتَى أَمْكَنَهُ مُحْرِمًا ، لَا يُجْزِئُهُ غَيْرُ ذَلِكَ .\rوَبِذَلِكَ قَالَ عَطَاءٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ وَابْنُ الْمُنْذِرِ .\rوَقَالَ الْحَسَنُ : يَحُجُّ مِنْ الْعَامِ الْمُقْبِلِ .\rوَحُكِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ عَطَاءٍ قَوْلًا ثَانِيًا .\rوَقَالَ : يَأْتِي عَامًا قَابِلًا مِنْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ ذَكَرَ لَهُ أَنَّ صَفِيَّةَ حَاضَتْ ، قَالَ : \" أَحَابِسَتُنَا هِيَ ؟ \" قِيلَ : إنَّهَا قَدْ أَفَاضَتْ يَوْمَ النَّحْرِ .\rقَالَ : \" فَلْتَنْفِرْ إذًا \" .\rيَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذَا الطَّوَافَ لَا بُدَّ مِنْهُ ، وَأَنَّهُ حَابِسٌ لِمَنْ لَمْ يَأْتِ بِهِ .\rفَإِنْ نَوَى التَّحَلُّلَ ، وَرَفَضَ إحْرَامَهُ ، لَمْ يَحِلَّ بِذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الْإِحْرَامَ لَا يَخْرُج مِنْهُ بِنِيَّةِ الْخُرُوجِ ، وَمَتَى رَجَعَ إلَى مَكَّةَ ، فَطَافَ بِالْبَيْتِ ، حَلَّ بِطَوَافِهِ ؛ لِأَنَّ الطَّوَافَ لَا يَفُوتُ وَقْتُهُ ، عَلَى مَا أَسْلَفْنَاهُ .\r( 2590 ) فَصْلٌ : فَإِنْ تَرَكَ بَعْضَ الطَّوَافِ ، فَهُوَ كَمَا لَوْ تَرَكَ جَمِيعَهُ ، فِيمَا ذَكَرْنَا .\rوَسَوَاءٌ تَرَكَ شَوْطًا أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ .\rوَهَذَا قَوْلُ عَطَاءٍ ، وَمَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَإِسْحَاقَ ، وَأَبِي ثَوْرٍ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ : مَنْ طَافَ أَرْبَعَةَ أَشْوَاطٍ مِنْ طَوَافِ الزِّيَارَة ، أَوْ طَوَافِ الْعُمْرَةِ ، وَسَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ، ثُمَّ رَجَعَ إلَى الْكُوفَةِ ، إنَّ سَعْيَهُ يُجْزِئُهُ ، وَعَلَيْهِ دَمٌ ؛ لِمَا تَرَكَ مِنْ الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ مَا أَتَى بِهِ لَا يُجْزِئُهُ إذَا كَانَ بِمَكَّةَ ، فَلَا يُجْزِئُهُ إذَا خَرَجَ مِنْهَا ، كَمَا لَوْ طَافَ دُونَ الْأَرْبَعَةِ أَشْوَاطٍ","part":7,"page":240},{"id":3240,"text":".\r( 2591 ) فَصْلٌ : وَإِذَا تَرَكَ طَوَافَ الزِّيَارَةِ ، بَعْدَ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ ، فَلَمْ يَبْقَ مُحْرِمًا إلَّا عَنْ النِّسَاءِ خَاصَّةً ؛ لِأَنَّهُ قَدْ حَصَلَ لَهُ التَّحَلُّلُ الْأَوَّلُ بِرَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ ، فَلَمْ يَبْقَ مُحْرِمًا إلَّا عَنْ النِّسَاءِ خَاصَّةً .\rوَإِنْ وَطِئَ لَمْ يَفْسُدْ حَجُّهُ ، وَلَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ بَدَنَةٌ ، لَكِنْ عَلَيْهِ دَمٌ ، وَيُجَدِّدُ إحْرَامَهُ لِيَطُوفَ فِي إحْرَامٍ صَحِيحٍ .\rقَالَ أَحْمَدُ : مَنْ طَافَ لِلزِّيَارَةِ ، أَوْ اخْتَرَقَ الْحِجْرَ فِي طَوَافِهِ ، وَرَجَعَ إلَى بَغْدَادَ ، فَإِنَّهُ يَرْجِعُ ؛ لِأَنَّهُ عَلَى بَقِيَّةِ إحْرَامِهِ ، فَإِنْ وَطِئَ النِّسَاءَ ، أَحْرَمَ مِنْ التَّنْعِيمِ ، عَلَى حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَعَلَيْهِ دَمٌ .\rوَهَذَا كَمَا قُلْنَا .\r( 2592 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَإِنْ كَانَ طَافَ لِلْوَدَاعِ ، لَمْ يُجْزِئْهُ لِطَوَافِ الزِّيَارَةِ ) وَإِنَّمَا لَمْ يُجْزِئْهُ عَنْ طَوَافِ الزِّيَارَةِ ؛ لِأَنَّ تَعْيِينَ النِّيَّةِ شَرْطٌ فِيهِ ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا ، فَمَنْ طَافَ لِلْوَدَاعِ ، فَلَمْ يُعَيِّنْ النِّيَّةَ لَهُ ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَصِحَّ .","part":7,"page":241},{"id":3241,"text":"( 2593 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَلَيْسَ فِي عَمَلِ الْقَارِنِ زِيَادَةٌ عَلَى عَمَلِ الْمُفْرِدِ ، إلَّا أَنَّ عَلَيْهِ دَمًا ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ صَامَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ، آخِرُهَا يَوْمُ عَرَفَةَ ، وَسَبْعَةً إذَا رَجَعَ ) الْمَشْهُورُ عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّ الْقَارِنَ بَيْنَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةِ ، لَا يَلْزَمُهُ مِنْ الْعَمَلِ إلَّا مَا يَلْزَمُ الْمُفْرِدَ ، وَأَنَّهُ يُجْزِئُهُ طَوَافٌ وَاحِدٌ ، وَسَعْيٌ وَاحِدٌ ، لِحَجِّهِ وَعُمْرَتِهِ .\rنَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ جَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ .\rوَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ ، وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ ، وَطَاوُسٌ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ ثَانِيَةٌ ، أَنَّ عَلَيْهِ طَوَافَيْنِ وَسَعْيَيْنِ .\rوَيُرْوَى ذَلِكَ عَنْ الشَّعْبِيِّ ، وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَسْوَدِ .\rوَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ، وَلَمْ يَصِحَّ عَنْهُ .\rوَاحْتَجَّ بَعْضُ مَنْ اخْتَارَ ذَلِكَ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ } .\rوَتَمَامُهُمَا ، أَنْ يَأْتِيَ بِأَفْعَالِهِمَا عَلَى الْكَمَالِ ، وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الْقَارِنِ وَغَيْرِهِ .\rوَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { مَنْ جَمَعَ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فَعَلَيْهِ طَوَافَانِ } .\rوَلِأَنَّهُمَا نُسُكَانِ ، فَكَانَ لَهُمَا طَوَافَانِ ، كَمَا لَوْ كَانَا مُنْفَرِدَيْنِ .\rوَلَنَا ، مَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ : { وَأَمَّا الَّذِينَ كَانُوا جَمَعُوا بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ ، فَإِنَّمَا طَافُوا لَهُمَا طَوَافًا وَاحِدًا } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَفِي مُسْلِمٍ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِعَائِشَةَ ، لَمَّا قَرَنَتْ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ : يَسَعُك طَوَافُك لِحَجِّك وَعُمْرَتِك } .\rوَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ","part":7,"page":242},{"id":3242,"text":"وَالْعُمْرَةِ ، أَجْزَأَهُ طَوَافٌ وَاحِدٌ ، وَسَعْيٌ وَاحِدٌ عَنْهُمَا جَمِيعًا } .\rوَعَنْ جَابِرٍ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَرَنَ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ ، فَطَافَ لَهُمَا طَوَافًا وَاحِدًا } .\rرَوَاهُمَا التِّرْمِذِيُّ ، وَقَالَ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا : حَدِيثٌ حَسَنٌ .\rوَرَوَى لَيْثٌ ، عَنْ طَاوُسٍ ، وَعَطَاءٍ ، وَمُجَاهِدٍ ، عَنْ جَابِرٍ ، وَابْنِ عُمَرَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَطُفْ بِالْبَيْتِ هُوَ وَأَصْحَابُهُ لِعُمْرَتِهِمْ وَحَجِّهِمْ إلَّا طَوَافًا وَاحِدًا } .\rرَوَاهُ الْأَثْرَمُ ، وَابْنُ مَاجَهْ .\rوَعَنْ سَلَمَةَ ، قَالَ : حَلَفَ طَاوُسٌ مَا طَافَ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ إلَّا طَوَافًا وَاحِدًا .\rوَلِأَنَّهُ نَاسِكٌ يَكْفِيهِ حَلْقٌ وَاحِدٌ ، وَرَمْيٌ وَاحِدٌ ، فَكَفَاهُ طَوَافٌ وَاحِدٌ ، وَسَعْيٌ وَاحِدٌ ، كَالْمُفْرِدِ ، وَلِأَنَّهُمَا عِبَادَتَانِ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ ، فَإِذَا اجْتَمَعَتَا دَخَلَتْ أَفْعَالُ الصُّغْرَى فِي الْكُبْرَى ، كَالطَّهَارَتَيْنِ .\rوَأَمَّا الْآيَةُ ، فَإِنَّ الْأَفْعَالَ إذَا وَقَعَتْ لَهُمَا فَقَدْ تَمَّا .\rوَأَمَّا الْحَدِيثُ الَّذِي احْتَجُّوا بِهِ ، فَلَا نَعْلَمُ صِحَّتَهُ ، وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ مِنْ طُرُقٍ ضَعِيفَةٍ ، فِي بَعْضِهَا الْحَسَنُ بْنُ عُمَارَةَ ، وَفِي بَعْضِهَا عُمَرُ بْنُ يَزِيدَ ، وَفِي بَعْضِهَا حَفْصُ بْنُ أَبِي دَاوُد ، وَكُلُّهُمْ ضُعَفَاءُ ، وَكَفَى بِهِ ضَعْفًا مُعَارَضَتُهُ لِمَا رَوَيْنَا مِنْ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ .\rوَإِنْ صَحَّ ، فَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ : عَلَيْهِ طَوَافٌ وَسَعْيٌ .\rفَسَمَّاهُمَا طَوَافَيْنِ ، فَإِنَّ السَّعْيَ يُسَمَّى طَوَافًا ؛ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا } .\rوَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ : عَلَيْهِ طَوَافَانِ ؛ طَوَافُ الزِّيَارَةِ ، وَطَوَافُ الْوَدَاعِ .","part":7,"page":243},{"id":3243,"text":"( 2594 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَتَلَ الْقَارِنُ صَيْدًا ، فَعَلَيْهِ جَزَاءٌ وَاحِدٌ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، فَقَالَ : إذَا قَتَلَ الْقَارِنُ صَيْدًا ، فَعَلَيْهِ جَزَاءٌ وَاحِدٌ .\rوَهَؤُلَاءِ يَقُولُونَ : فِي ذَلِكَ جَزَاءَانِ .\rفَيَلْزَمُهُمْ أَنْ يَقُولُوا : فِي صَيْدِ الْحَرَمِ ثَلَاثَةٌ .\rلِأَنَّهُمْ يَقُولُونَ : فِي الْحِلِّ اثْنَانِ .\rفَفِي الْحَرَمِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ ثَلَاثَةً .\rوَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ : عَلَيْهِ جَزَاءَانِ .\rقَالَ الْقَاضِي : وَإِذَا قُلْنَا عَلَيْهِ طَوَافَانِ ، لَزِمَهُ جَزَاءَانِ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَمِ } .\rوَمَنْ أَوْجَبَ جَزَاءَيْنِ ، فَقَدْ أَوْجَبَ مِثْلَيْنِ .\rوَلِأَنَّهُ صَيْدٌ وَاحِدٌ ، فَلَمْ يَجِبْ فِيهِ جَزَاءَانِ ، كَمَا لَوْ قَتَلَ الْمُحْرِمُ فِي الْحَرَمِ صَيْدًا .\rوَلِأَنَّهُ لَا يَزِيدُ عَلَى مُحْرِمَيْنِ قَتَلَا صَيْدًا ، وَلَيْسَ عَلَيْهِمَا إلَّا فِدَاءٌ وَاحِدٌ ، وَكَذَلِكَ مُحْرِمٌ وَحَلَالٌ قَتَلَا صَيْدًا حَرَمِيًّا .","part":7,"page":244},{"id":3244,"text":"( 2595 ) فَصْلٌ : وَإِنْ أَفْسَدَ الْقَارِنُ نُسُكَهُ بِالْوَطْءِ ، فَعَلَيْهِ فِدَاءٌ وَاحِدٌ .\rوَبِذَلِكَ قَالَ عَطَاءٌ ، وَابْنُ جُرَيْجٍ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ .\rوَلَا يَسْقُطُ دَمُ الْقِرَانِ .\rوَقَالَ الْحَكَمُ : عَلَيْهِ هَدَيَانِ .\rوَيَتَخَرَّجُ لَنَا أَنْ يَلْزَمَهُ بَدَنَةٌ وَشَاةٌ إذَا قُلْنَا يَلْزَمُهُ طَوَافَانِ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ : إنْ وَطِئَ قَبْلَ الْوُقُوفِ ، فَسَدَ نُسُكُهُ ، وَعَلَيْهِ شَاتَانِ لِلْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ ، وَيَسْقُطُ عَنْهُ دَمُ الْقِرَانِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الصَّحَابَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، الَّذِينَ سُئِلُوا عَمَّنْ أَفْسَدَ نُسُكَهُ ، لَمْ يَأْمُرُوهُ إلَّا بِفِدَاءٍ وَاحِدٍ ، وَلَمْ يُفَرِّقُوا .\rوَلِأَنَّهُ أَحَدُ الْأَنْسَاكِ الثَّلَاثَةِ ، فَلَمْ يَجِبْ فِي إفْسَادِهِ أَكْثَرُ مِنْ فِدْيَةٍ وَاحِدَةٍ ، كَالْآخَرَيْنِ ، وَسَائِرُ مَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ ، مِنْ اللُّبْسِ وَالطِّيبِ وَغَيْرِهِمَا ، لَا يَجِبُ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا أَكْثَرُ مِنْ فِدَاءٍ وَاحِدٍ ، كَمَا لَوْ كَانَ مُفْرِدًا .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":7,"page":245},{"id":3245,"text":"( 2596 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( إلَّا أَنَّ عَلَيْهِ دَمًا ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ ، فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إذَا رَجَعَ ) هَذَا اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ ، مَعْنَاهُ لَكِنْ عَلَيْهِ دَمٌ ، فَإِنَّ وُجُوبَ الدَّمِ لَيْسَ مِنْ الْأَفْعَالِ الْمَنْفِيَّةِ بِقَوْلِهِ : \" وَلَيْسَ فِي عَمَلِ الْقَارِنِ زِيَادَةٌ عَلَى عَمَلِ الْمُفْرِدِ \" .\rوَلَا نَعْلَمُ فِي وُجُوبِ الدَّمِ عَلَى الْقَارِنِ خِلَافًا ، إلَّا مَا حُكِيَ عَنْ دَاوُد ، أَنَّهُ لَا دَمَ عَلَيْهِ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ طَاوُسٍ .\rوَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ ، أَنَّ ابْنَ دَاوُد لَمَّا دَخَلَ مَكَّةَ سُئِلَ عَنْ الْقَارِنِ ، هَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ دَمٌ ؟ فَقَالَ : لَا .\rفَجُرَّ بِرِجْلِهِ .\rوَهَذَا يَدُلُّ عَلَى شُهْرَةِ الْأَمْرِ بَيْنَهُمْ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجَّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ } .\rوَالْقَارِنُ مُتَمَتِّعٌ بِالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ ، بِدَلِيلِ أَنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمَّا سَمِعَ عُثْمَانَ يَنْهَى عَنْ الْمُتْعَةِ ، أَهَلَّ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ ، لِيَعْلَمَ النَّاسُ أَنَّهُ لَيْسَ بِمَنْهِيٍّ عَنْهُ .\rوَقَالَ ابْنُ عُمَرَ : إنَّمَا الْقِرَانُ لِأَهْلِ الْآفَاقِ .\rوَتَلَا قَوْله تَعَالَى : { ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ } .\rوَقَدْ رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { مَنْ قَرَنَ بَيْنَ حَجِّهِ وَعُمْرَتِهِ ، فَلْيُهْرِقْ دَمًا } .\rوَلِأَنَّهُ تَرَفَّهَ بِسُقُوطِ أَحَدِ السَّفَرَيْنِ ، فَلَزِمَهُ دَمٌ كَالْمُتَمَتِّعِ .\rوَإِذَا عَدِمَ الدَّمَ ، فَعَلَيْهِ صِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ ، وَسَبْعَةٍ إذَا رَجَعَ ، كَالْمُتَمَتِّعِ سَوَاءٌ .\r( 2597 ) فَصْلٌ : وَمِنْ شَرْطِ وُجُوب الدَّم عَلَيْهِ أَنْ لَا يَكُونَ مِنْ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ، فِي قَوْلِ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ .\rوَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ : عَلَيْهِ دَمٌ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إنَّمَا أَسْقَطَ الدَّمَ عَنْ الْمُتَمَتِّعِ ، وَلَيْسَ هَذَا مُتَمَتِّعًا .\rوَلَيْسَ هَذَا بِصَحِيحٍ ؛ فَإِنَّنَا قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهُ مُتَمَتِّعٌ ، وَإِنْ لَمْ","part":7,"page":246},{"id":3246,"text":"يَكُنْ مُتَمَتِّعًا فَهُوَ فَرْعٌ عَلَيْهِ ، وَوُجُوبُ الدَّمِ عَلَى الْقَارِنِ إنَّمَا كَانَ بِمَعْنَى النَّصِّ عَلَى الْمُتَمَتِّعِ ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُخَالِفَ الْفَرْعُ أَصْلَهُ .","part":7,"page":247},{"id":3247,"text":"( 2598 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَمَنْ اعْتَمَرَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ ، فَطَافَ وَسَعَى ، ثُمَّ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ مِنْ عَامِهِ ، وَلَمْ يَكُنْ خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ إلَى مَا تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ ، فَهُوَ مُتَمَتِّعٌ ، عَلَيْهِ دَمٌ ) ( 2599 ) فَصْلٌ : الْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي فُصُولٍ : أَحَدُهَا ، وُجُوبُ الدَّمِ عَلَى الْمُتَمَتِّعِ فِي الْجُمْلَةِ .\rوَأَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَيْهِ .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ مِنْ أَهْلِ الْآفَاقِ مِنْ الْمِيقَاتِ ، وَقَدِمَ مَكَّةَ فَفَرَغَ مِنْهَا ، وَأَقَامَ بِهَا ، وَحَجَّ مِنْ عَامِهِ ، أَنَّهُ مُتَمَتِّعٌ ، وَعَلَيْهِ الْهَدْيُ إنْ وَجَدَ ، وَإِلَّا فَالصِّيَامُ .\rوَقَدْ نَصَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ } الْآيَةَ .\rوَقَالَ ابْنُ عُمَرَ : { تَمَتَّعَ النَّاسُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ ، فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِلنَّاسِ : مَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَهْدَى ، فَلْيَطُفْ بِالْبَيْتِ ، وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ، وَلْيُقَصِّرْ ، ثُمَّ لِيُهِلَّ بِالْحَجِّ وَيُهْدِي ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا ، فَلْيَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ ، وَسَبْعَةً إذَا رَجَعَ إلَى أَهْلِهِ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَقَالَ جَابِرٌ : { كُنَّا نَتَمَتَّعُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ ، فَنَذْبَحُ الْبَقَرَةَ عَنْ سَبْعَةٍ ، نَشْتَرِكُ فِيهَا .\r} رَوَاهُ مُسْلِمٌ .\rوَعَنْ أَبِي جَمْرَةَ ، قَالَ : سَأَلْت ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ الْمُتْعَةِ .\rفَأَمَرَنِي بِهَا ، وَسَأَلْته عَنْ الْهَدْيِ ، فَقَالَ : فِيهَا جَزُورٌ ، أَوْ بَقَرَةٌ ، أَوْ شَاةٌ ، أَوْ شِرْكٌ مِنْ دَمٍ .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَالدَّمُ الْوَاجِبُ شَاةٌ ، أَوْ سُبْعُ بَقَرَةٍ ، أَوْ سُبْعُ بَدَنَةٍ ، فَإِنْ نَحَرَ بَدَنَةً ، أَوْ ذَبَحَ بَقَرَةً ، فَقَدْ زَادَ خَيْرًا .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : لَا يُجْزِئُ","part":7,"page":248},{"id":3248,"text":"إلَّا بَدَنَةٌ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا تَمَتَّعَ ، سَاقَ بَدَنَةً .\rوَهَذَا تَرْكٌ لِظَاهِرِ قَوْله تَعَالَى : { فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ } وَاطِّرَاحٌ لِلْآثَارِ الثَّابِتَةِ ، وَمَا احْتَجُّوا بِهِ فَلَا حُجَّةَ فِيهِ ؛ فَإِنَّ إهْدَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْبَدَنَةِ لَا يَمْنَعُ إجْزَاءَ مَا دُونَهَا ، فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ سَاقَ مِائَةَ بَدَنَةٍ ، وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِوَاجِبٍ ، وَلَا يَجِبُ أَنْ تَكُونَ الْبَدَنَةُ الَّتِي يَذْبَحُهَا عَلَى صِفَةِ بُدْنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ إنَّهُمْ يَقُولُونَ : إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ مُفْرِدًا فِي حَجَّتِهِ .\rوَكَذَلِكَ ذَهَبُوا إلَى تَفْضِيلِ الْإِفْرَادِ ، فَكَيْفَ يَكُونُ سَوْقُهُ لِلْبُدْنِ دَلِيلًا لَهُمْ فِي التَّمَتُّعِ ، وَلَمْ يَكُنْ مُتَمَتِّعًا .","part":7,"page":249},{"id":3249,"text":"( 2600 ) الْفَصْلُ الثَّانِي ، فِي الشُّرُوطِ الَّتِي يَجِبُ الدَّمُ عَلَى مَنْ اجْتَمَعَتْ فِيهِ ، وَهِيَ خَمْسَةٌ ؛ الْأَوَّلُ ، أَنْ يُحْرِمَ بِالْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ ، فَإِنْ أَحْرَمَ بِهَا فِي غَيْرِ أَشْهُرِهِ ، لَمْ يَكُنْ مُتَمَتِّعًا ، سَوَاءٌ وَقَعَتْ أَفْعَالُهَا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ ، أَوْ فِي غَيْرِ أَشْهُرِهِ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .\rقَالَ الْأَثْرَمُ : سَمِعْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ، سُئِلَ عَمَّنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ ، ثُمَّ قَدِمَ فِي شَوَّالٍ ، أَيَحِلُّ مِنْ عُمْرَتِهِ فِي شَوَّالٍ ، أَوْ يَكُونُ مُتَمَتِّعًا ؟ فَقَالَ : لَا يَكُونُ مُتَمَتِّعًا .\rوَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ جَابِرٍ ، وَذَكَرَ إسْنَادَهُ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدَ اللَّهِ يُسْأَلُ عَنْ امْرَأَةٍ تَجْعَلُ عَلَى نَفْسِهَا عُمْرَةً فِي شَهْرٍ مُسَمًّى ، ثُمَّ تَحِلُّ إلَّا لَيْلَةً وَاحِدَةً ، ثُمَّ تَحِيضُ ؟ قَالَ : لِتَخْرُجْ ، ثُمَّ لِتُهِلَّ بِعُمْرَةٍ ، ثُمَّ لِتَنْتَظِرْ حَتَّى تَطْهُرَ ، ثُمَّ لِتَطُفْ بِالْبَيْتِ .\rقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ : فَجَعَلَ عُمْرَتَهَا فِي الشَّهْرِ الَّذِي أَهَلَّتْ فِيهِ ، لَا فِي الشَّهْرِ الَّذِي حَلَّتْ فِيهِ .\rوَلَا نَعْلَمُ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ خِلَافًا فِي أَنَّ مَنْ اعْتَمَرَ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ عُمْرَةً ، وَحَلَّ مِنْهَا قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ ، أَنَّهُ لَا يَكُونُ مُتَمَتِّعًا ، إلَّا قَوْلَيْنِ شَاذِّينَ ، أَحَدُهُمَا عَنْ طَاوُسٍ ، أَنَّهُ قَالَ : إذَا اعْتَمَرْت فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ ، ثُمَّ أَقَمْت حَتَّى الْحَجِّ ، فَأَنْتَ مُتَمَتِّعٌ .\rوَالثَّانِي عَنْ الْحَسَنِ ، أَنَّهُ قَالَ : مِنْ اعْتَمَرَ بَعْدَ النَّحْرِ ، فَهِيَ مُتْعَةٌ .\rقَالَ : ابْنُ الْمُنْذِرِ : لَا نَعْلَمُ أَحَدًا قَالَ بِوَاحِدٍ مِنْ هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ .\rفَأَمَّا إنْ أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ ، ثُمَّ حَلَّ مِنْهَا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ ، فَذَهَبَ أَحْمَدَ أَنَّهُ لَا يَكُونُ مُتَمَتِّعًا .\rوَنُقِلَ مَعْنَى ذَلِكَ عَنْ جَابِرٍ ، وَأَبِي عِيَاضٍ .\rوَهُوَ قَوْلُ إِسْحَاقَ ، وَأَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ طَاوُسٌ : عُمْرَتُهُ فِي الشَّهْرِ","part":7,"page":250},{"id":3250,"text":"الَّذِي يَدْخُلُ فِيهِ الْحَرَمَ .\rوَقَالَ الْحَسَنُ ، وَالْحَكَمُ ، وَابْنُ شُبْرُمَةَ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ : عُمْرَتُهُ فِي الشَّهْرِ الَّذِي يَطُوفُ فِيهِ .\rوَقَالَ عَطَاءٌ : عُمْرَتُهُ فِي الشَّهْرِ الَّذِي يَحِلُّ فِيهِ .\rوَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إنْ طَافَ لِلْعُمْرَةِ أَرْبَعَةَ أَشْوَاطٍ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ ، فَلَيْسَ بِمُتَمَتِّعٍ .\rوَإِنْ طَافَ الْأَرْبَعَةَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ ، فَهُوَ مُتَمَتِّعٌ ؛ لِأَنَّ الْعُمْرَةَ صَحَّتْ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ ؛ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ وَطِئَ أَفْسَدَهَا ، أَشْبَهَ إذَا أَحْرَمَ بِهَا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ .\rوَلَنَا ، مَا ذَكَرْنَا عَنْ جَابِرٍ ، وَلِأَنَّهُ أَتَى بِنُسُكٍ لَا تَتِمُّ الْعُمْرَةُ إلَّا بِهِ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ ، فَلَمْ يَكُنْ مُتَمَتِّعًا ، كَمَا لَوْ طَافَ .\rوَيُخَرَّجُ عَلَيْهِ مَا قَاسُوا عَلَيْهِ .\rالثَّانِي ، أَنْ يَحُجَّ مِنْ عَامِهِ ، فَإِنْ اعْتَمَرَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ ، وَلَمْ يَحُجَّ ذَلِكَ الْعَامَ ، بَلْ حَجَّ مِنْ الْعَامِ الْقَابِلِ ، فَلَيْسَ بِمُتَمَتِّعٍ .\rلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا ، إلَّا قَوْلًا شَاذًّا عَنْ الْحَسَنِ ، فِي مَنْ اعْتَمَرَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ ، فَهُوَ مُتَمَتِّعٌ ، حَجَّ أَوْ لَمْ يَحُجَّ .\rوَالْجُمْهُورُ عَلَى خِلَافِ هَذَا ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : { فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ .\r} وَهَذَا يَقْتَضِي الْمُوَالَاةَ بَيْنَهُمَا ، وَلِأَنَّهُمْ إذَا أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ مَنْ اعْتَمَرَ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ ، ثُمَّ حَجَّ مِنْ عَامِهِ ذَلِكَ ، فَلَيْسَ بِمُتَمَتِّعٍ ، فَهَذَا أَوْلَى مِنْ التَّبَاعُدِ بَيْنَهُمَا أَكْثَرَ .\rالثَّالِثُ ، أَنْ لَا يُسَافِرَ بَيْنَ الْعُمْرَةِ وَالْحَجِّ سَفَرًا بَعِيدًا تُقْصَرُ فِي مِثْلِهِ الصَّلَاةُ .\rنَصَّ عَلَيْهِ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَطَاءٍ ، وَالْمُغِيرَةِ الْمَدِينِيِّ ، وَإِسْحَاقَ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : إنْ رَجَعَ إلَى الْمِيقَاتِ ، فَلَا دَمَ عَلَيْهِ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ : إنْ رَجَعَ إلَى مِصْرِهِ ، بَطَلَتْ مُتْعَتُهُ ، وَإِلَّا فَلَا .\rوَقَالَ مَالِكٌ : إنْ","part":7,"page":251},{"id":3251,"text":"رَجَعَ إلَى مِصْرِهِ ، أَوْ إلَى غَيْرِهِ أَبْعَدَ مِنْ مِصْرِهِ ، بَطَلَتْ مُتْعَتُهُ ، وَإِلَّا فَلَا .\rوَقَالَ الْحَسَنُ : هُوَ مُتَمَتِّعٌ وَإِنْ رَجَعَ إلَى بَلَدِهِ .\rوَاخْتَارَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ ؛ لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى : { فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ } .\rوَلَنَا ، مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : إذَا اعْتَمَرَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ ، ثُمَّ أَقَامَ ، فَهُوَ مُتَمَتِّعٌ .\rفَإِنْ خَرَجَ وَرَجَعَ ، فَلَيْسَ بِمُتَمَتِّعٍ .\rوَعَنْ ابْنِ عُمَرَ نَحْوُ ذَلِكَ .\rوَلِأَنَّهُ إذَا رَجَعَ إلَى الْمِيقَاتِ ، أَوْ مَا دُونَهُ ، لَزِمَهُ الْإِحْرَامُ مِنْهُ ، فَإِنْ كَانَ بَعِيدًا فَقَدْ أَنْشَأَ سَفَرًا بَعِيدًا لِحَجِّهِ ، فَلَمْ يَتَرَفَّهْ بِأَحَدِ السَّفَرَيْنِ ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ دَمٌ ، كَمَوْضِعِ الْوِفَاقِ .\rوَالْآيَةُ تَنَاوَلَتْ الْمُتَمَتِّعَ ، وَهَذَا لَيْسَ بِمُتَمَتِّعٍ ؛ بِدَلِيلِ قَوْلِ عُمَرَ .\rالرَّابِعُ ، أَنْ يَحِلَّ مِنْ إحْرَامِ الْعُمْرَةِ قَبْلَ إحْرَامِهِ بِالْحَجِّ ، فَإِنْ أَدْخَلَ الْحَجَّ عَلَى الْعُمْرَةِ قَبْلَ حِلِّهِ مِنْهَا ، كَمَا فَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاَلَّذِينَ كَانَ مَعَهُمْ الْهَدْيُ مِنْ أَصْحَابِهِ ، فَهَذَا يَصِيرُ قَارِنًا ، وَلَا يَلْزَمُهُ دَمُ الْمُتْعَةِ .\rقَالَتْ عَائِشَةُ : { خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ ، فَأَهْلَلْنَا بِعُمْرَةٍ ، فَقَدِمْت مَكَّةَ وَأَنَا حَائِضٌ ، لَمْ أَطُفْ بِالْبَيْتِ ، وَلَا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ، فَشَكَوْت ذَلِكَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : اُنْقُضِي رَأْسَكِ ، وَامْتَشِطِي ، وَأَهِلِّي بِالْحَجِّ ، وَدَعِي الْعُمْرَةَ .\rقَالَتْ : فَفَعَلْت ، فَلَمَّا قَضَيْنَا الْحَجَّ ، أَرْسَلَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ إلَى التَّنْعِيمِ ، فَاعْتَمَرْت مَعَهُ ، فَقَالَ : هَذِهِ مَكَانُ عُمْرَتِك .\rقَالَ عُرْوَةُ : فَقَضَى اللَّهُ حَجَّهَا وَعُمْرَتَهَا ، وَلَمْ يَكُنْ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ هَدْيٌ وَلَا صَوْمٌ وَلَا","part":7,"page":252},{"id":3252,"text":"صَدَقَةٌ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَلَكِنْ عَلَيْهِ دَمٌ لِلْقِرَانِ ؛ لِأَنَّهُ صَارَ قَارِنًا ، وَتَرَفَّهَ بِسُقُوطِ أَحَدِ السَّفَرَيْنِ .\rوَقَوْلُ عُرْوَةَ : لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ هَدْيٌ .\rيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ لَمْ يَكُنْ فِيهِ هَدْيٌ لِلْمُتْعَةِ ، إذْ قَدْ ثَبَتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَبَحَ عَنْ نِسَائِهِ بَقَرَةً بَيْنَهُنَّ .\rالْخَامِسُ ، أَنْ لَا يَكُونَ مِنْ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ .\rوَلَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ ، فِي أَنَّ دَمَ الْمُتْعَةِ لَا يَجِبُ عَلَى حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ، إذْ قَدْ نَصَّ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ بِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ : { ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ } .\rوَلِأَنَّ حَاضِرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ مِيقَاتُهُ مَكَّةُ ، فَلَمْ يَحْصُلْ لَهُ التَّرَفُّهُ بِأَحَدِ السَّفَرَيْنِ ، وَلِأَنَّهُ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ مِنْ مِيقَاتِهِ ، فَأَشْبَهَ الْمُفْرِدَ .","part":7,"page":253},{"id":3253,"text":"( 2601 ) فَصْلٌ : ( وَحَاضِرُوا الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ) أَهْلُ الْحَرَمِ ، وَمَنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَكَّةَ دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَطَاءٍ .\rوَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : أَهْلُ مَكَّةَ .\rوَقَالَ مُجَاهِدٌ : أَهْلُ الْحَرَمِ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ طَاوُسٍ .\rوَقَالَ مَكْحُولٌ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ : مَنْ دُونَ الْمَوَاقِيتِ ؛ لِأَنَّهُ مَوْضِعٌ شُرِعَ فِيهِ النُّسُكُ ، فَأَشْبَهَ الْحَرَمَ .\rوَلَنَا ، أَنَّ حَاضِرَ الشَّيْءِ مَنْ دَنَا مِنْهُ ، وَمَنْ دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ قَرِيبٌ فِي حُكْمِ الْحَاضِرِ ؛ بِدَلِيلِ أَنَّهُ إذَا قَصَدَهُ لَا يَتَرَخَّصُ رُخَصَ السَّفَرِ ، فَيَكُونُ مِنْ حَاضِرِيهِ .\rوَتَحْدِيدُهُ بِالْمِيقَاتِ لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ بَعِيدًا ، يَثْبُتُ لَهُ حُكْمُ السَّفَرِ الْبَعِيدِ إذَا قَصَدَهُ ، وَلِأَنَّ ذَلِكَ يُفْضِي إلَى جَعْلِ الْبَعِيدِ مِنْ حَاضِرِيهِ ، وَالْقَرِيبِ مِنْ غَيْرِ حَاضِرِيهِ ، فِي الْمَوَاقِيتِ قَرِيبًا وَبَعِيدًا .\rوَاعْتِبَارُنَا أَوْلَى ؛ لِأَنَّ الشَّارِعَ حَدَّ الْحَاضِرَ بِدُونِ مَسَافَةِ الْقَصْرِ ، بِنَفْيِ أَحْكَامِ الْمُسَافِرِينَ عَنْهُ ، فَالِاعْتِبَارُ بِهِ أَوْلَى مِنْ الِاعْتِبَارِ بِالنُّسُكِ ؛ لِوُجُودِ لَفْظِ الْحُضُورِ فِي الْآيَةِ .","part":7,"page":254},{"id":3254,"text":"( 2602 ) فَصْلٌ : إذَا كَانَ لِلْمُتَمَتِّعِ قَرْيَتَانِ ؛ قَرِيبَةٌ ، وَبَعِيدَةٌ ، فَهُوَ مِنْ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ بَعْضُ أَهْلِهِ قَرِيبًا فَلَمْ يُوجَدْ فِيهِ الشَّرْطُ ، وَهُوَ أَنْ لَا يَكُونَ مِنْ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ .\rوَلِأَنَّ لَهُ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ الْقَرِيبَةِ ، فَلَمْ يَكُنْ بِالتَّمَتُّعِ مُتَرَفِّهًا بِتَرْكِ أَحَدِ السَّفَرَيْنِ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : لَهُ حُكْمُ الْقَرْيَةِ الَّتِي يُقِيمُ بِهَا أَكْثَرِ ، فَإِنْ اسْتَوَيَا فَمِنْ الَّتِي مَالُهُ بِهَا أَكْثَرُ ، فَإِنْ اسْتَوَيَا فَمِنْ الَّتِي يَنْوِي الْإِقَامَةَ بِهَا أَكْثَرَ ، فَإِنْ اسْتَوَيَا حُكِمَ لِلْقَرْيَةِ الَّتِي أَحْرَمَ مِنْهَا .\rوَقَدْ ذَكَرْنَا الدَّلِيلَ لِمَا قُلْنَاهُ .","part":7,"page":255},{"id":3255,"text":"( 2603 ) فَصْلٌ : فَإِذَا دَخَلَ الْآفَاقِيُّ مَكَّةَ ، مُتَمَتِّعًا نَاوِيًا لِلْإِقَامَةِ بِهَا بَعْدَ تَمَتُّعِهِ ، فَعَلَيْهِ دَمُ الْمُتْعَةِ .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعَ عَلَى هَذَا كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rوَلَوْ كَانَ الرَّجُلُ مَنْشَؤُهُ وَمَوْلِدُهُ بِمَكَّةَ ، فَخَرَجَ عَنْهَا مُتَنَقِّلًا مُقِيمًا بِغَيْرِهَا ، ثُمَّ عَادَ إلَيْهَا مُتَمَتِّعًا نَاوِيًا لِلْإِقَامَةِ بِهَا ، أَوْ غَيْرَ نَاوٍ لِذَلِكَ ، فَعَلَيْهِ دَمُ الْمُتْعَةِ ؛ لِأَنَّهُ خَرَجَ بِالِانْتِقَالِ عَنْهَا عَنْ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِهَا .\rوَبِذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ حُضُورَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إنَّمَا يَحْصُلُ بِنِيَّةِ الْإِقَامَةِ وَفِعْلِهَا ، وَهَذَا إنَّمَا نَوَى الْإِقَامَةَ إذَا فَرَغَ مِنْ أَفْعَالِ الْحَجِّ ؛ لِأَنَّهُ إذَا فَرَغَ مِنْ عُمْرَتِهِ ، فَهُوَ نَاوٍ لِلْخُرُوجِ إلَى الْحَجِّ ، فَكَأَنَّهُ إنَّمَا نَوَى أَنْ يُقِيمَ بَعْدَ أَنْ يَجِبَ عَلَيْهِ الدَّمُ .\rفَأَمَّا إنْ خَرَجَ الْمَكِّيُّ مُسَافِرًا غَيْرَ مُتَنَقِّلٍ ، ثُمَّ عَادَ فَاعْتَمَرَ مِنْ الْمِيقَاتِ ، أَوْ قَصَّرَ وَحَجَّ مِنْ عَامِهِ ، فَلَا دَمَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ بِهَذَا السَّفَرِ عَنْ كَوْنِ أَهْلِهِ مِنْ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ .\r( 2604 ) فَصْلٌ : وَهَذَا الشَّرْطُ لِوُجُوبِ الدَّمِ عَلَيْهِ ، وَلَيْسَ بِشَرْطٍ لِكَوْنِهِ مُتَمَتِّعًا ؛ فَإِنَّ مُتْعَةَ الْمَكِّيِّ صَحِيحَةٌ ؛ لِأَنَّ التَّمَتُّعَ أَحَدُ الْأَنْسَاكِ الثَّلَاثَةِ ، فَصَحَّ مِنْ الْمَكِّيِّ ، كَالنُّسُكَيْنِ الْآخَرَيْنِ .\rوَلِأَنَّ حَقِيقَةَ التَّمَتُّعِ هُوَ أَنْ يَعْتَمِرَ فِي أَشْهُرِ الْحَجَّ ، ثُمَّ يَحُجَّ مِنْ عَامِهِ .\rوَهَذَا مَوْجُودٌ فِي الْمَكِّيِّ .\rوَقَدْ نُقِلَ عَنْ أَحْمَدَ : لَيْسَ عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ مُتْعَةٌ .\rوَمَعْنَاهُ لَيْسَ عَلَيْهِمْ دَمُ مُتْعَةٍ ؛ لِأَنَّ الْمُتْعَةَ لَهُ لَا عَلَيْهِ ، فَيَتَعَيَّنُ حَمْلُهُ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ .","part":7,"page":256},{"id":3256,"text":"( 2605 ) فَصْلٌ : إذَا تَرَكَ الْآفَاقِيُّ الْإِحْرَامَ مِنْ الْمِيقَاتِ ، أَوْ أَحْرَمَ مِنْ دُونِهِ بِعُمْرَةٍ ، ثُمَّ حَلَّ مِنْهَا ، وَأَحْرَمَ بِالْحَجِّ مِنْ مَكَّةَ مِنْ عَامِهِ ، فَهُوَ مُتَمَتِّعٌ ، عَلَيْهِ دَمَانِ ؛ دَمُ الْمُتْعَةِ ، وَدَمٌ لِإِحْرَامِهِ مِنْ دُونِ مِيقَاتِهِ .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ ، وَابْنُ عَبْدِ الْبَرَّ : أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ مَنْ أَحْرَمَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ بِعُمْرَةٍ ، وَحَلَّ مِنْهَا ، وَلَمْ يَكُنْ مِنْ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ، ثُمَّ أَقَامَ بِمَكَّةَ حَلَالًا ، ثُمَّ حَجَّ مِنْ عَامِهِ ، أَنَّهُ مُتَمَتِّعٌ ، عَلَيْهِ دَمٌ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : إذَا تَجَاوَزَ الْمِيقَاتَ ، حَتَّى صَارَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَكَّةَ أَقَلُّ مِنْ مَسَافَةِ الْقَصْرِ ، فَأَحْرَمَ مِنْهُ ، فَلَا دَمَ عَلَيْهِ لِلْمُتْعَةِ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ حَاضِرِي الْمَسْجِد الْحَرَامِ .\rوَلَيْسَ هَذَا بِجَيِّدٍ ؛ فَإِنَّ حُضُورَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إنَّمَا يَحْصُلُ بِالْإِقَامَةِ بِهِ ، وَهَذَا لَمْ يَحْصُلْ مِنْهُ الْإِقَامَةُ ، وَلَا نِيَّتُهَا ، وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : { ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ } .\rوَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الْمَانِعُ مِنْ الدَّمِ السُّكْنَى بِهِ ، وَهَذَا لَيْسَ بِسَاكِنٍ ؛ وَإِنْ أَحْرَمَ الْآفَاقِيُّ بِعُمْرَةٍ ، فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ ، ثُمَّ أَقَامَ بِمَكَّةَ ، فَاعْتَمَرَ مِنْ التَّنْعِيمِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ ، وَحَجَّ مِنْ عَامِهِ ، فَهُوَ مُتَمَتِّعٌ ، عَلَيْهِ دَمٌ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .\rوَفِي تَنْصِيصِهِ عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ تَنْبِيهٌ عَلَى إيجَابِ الدَّمِ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى ، بِطَرِيقِ الْأَوْلَى .\rوَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّ مِنْ شَرْطِ وُجُوبِ الدَّمِ ، أَنْ يَنْوِيَ فِي ابْتِدَاءِ الْعُمْرَةِ ، أَوْ فِي أَثْنَائِهَا ، أَنَّهُ مُتَمَتِّعٌ .\rوَظَاهِرُ النَّصِّ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذَا غَيْرُ مُشْتَرَطٍ ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَذْكُرْهُ ، وَكَذَلِكَ الْإِجْمَاعُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مُخَالِفٌ لِهَذَا الْقَوْلِ .\rوَلِأَنَّهُ قَدْ حَصَلَ لَهُ التَّرَفُّهُ بِسُقُوطِ أَحَدِ السَّفَرَيْنِ ، فَلَزِمَهُ الدَّمُ ، كَمَنْ لَمْ يَنْوِ .","part":7,"page":257},{"id":3257,"text":"( 2606 ) الْفَصْلُ الثَّالِثُ ، فِي وَقْتِ وُجُوبِ الْهَدْيِ ، وَوَقْتِ ذَبْحِهِ .\rأَمَّا وَقْتُ وُجُوبِهِ ، فَعَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ يَجِبُ إذَا أَحْرَمَ بِالْحَجِّ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : { فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ .\rفَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ } .\rوَهَذَا قَدْ فَعَلَ ذَلِكَ .\rوَلِأَنَّ مَا جُعِلَ غَايَةً ، فَوُجُودُ أَوَّلِهِ كَافٍ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : { ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إلَى اللَّيْلِ } .\rوَلِأَنَّهُ مُتَمَتِّعٌ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ مِنْ دُونِ الْمِيقَاتِ ، فَلَزِمَهُ الدَّمُ ، كَمَا لَوْ وَقَفَ أَوْ تَحَلَّلَ .\rوَعَنْهُ أَنَّهُ يَجِبُ إذَا وَقَفَ بِعَرَفَةَ .\rوَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَاخْتِيَارُ الْقَاضِي ؛ لِأَنَّ التَّمَتُّعَ بِالْعُمْرَةِ فِي الْحَجِّ إنَّمَا يَحْصُلُ بَعْدَ وُجُودِ الْحَجِّ مِنْهُ ، وَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ إلَّا بِالْوُقُوفِ ، فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { الْحَجُّ عَرَفَةَ } .\rوَلِأَنَّهُ قَبْلَ ذَلِكَ يَعْرِضُ الْفَوَاتُ ، فَلَا يَحْصُلُ التَّمَتُّعُ ، وَلِأَنَّهُ لَوْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ ، ثُمَّ أُحْصِرَ ، أَوْ فَاتَهُ الْحَجُّ فَلَمْ يَلْزَمْهُ دَمُ الْمُتْعَةِ ، وَلَا كَانَ مُتَمَتِّعًا ، وَلَوْ وَجَبَ الدَّمُ لَمَا سَقَطَ .\rوَقَالَ عَطَاءٌ : يَجِبُ إذَا رَمَى الْجَمْرَةَ .\rوَنَحْوُهُ قَوْلُ أَبِي الْخَطَّابِ ، قَالَ : يَجِبُ إذَا طَلَعَ الْفَجْرُ يَوْمَ النَّحْرِ ؛ لِأَنَّهُ وَقْتُ ذَبْحِهِ ، فَكَانَ وَقْتَ وُجُوبِهِ .\rفَأَمَّا وَقْتُ إخْرَاجِهِ فَيَوْمُ النَّحْرِ .\rوَبِهِ قَالَ مَالِكٌ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّ مَا قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ لَا يَجُوزُ فِيهِ ذَبْحُ الْأُضْحِيَّةَ ، فَلَا يَجُوزُ فِيهِ ذَبْحُ هَدْيِ التَّمَتُّعِ ، كَقَبْلِ التَّحَلُّلِ مِنْ الْعُمْرَةِ .\rوَقَالَ أَبُو طَالِبٍ : سَمِعْت أَحْمَدْ ، قَالَ فِي الرَّجُلِ يَدْخُلُ مَكَّةَ فِي شَوَّالٍ وَمَعَهُ هَدْيٌ .\rقَالَ : يَنْحَرُ بِمَكَّةَ ، وَإِنْ قَدِمَ قَبْلَ الْعَشْرِ نَحَرَهُ ، لَا يَضِيعُ أَوْ يَمُوتُ أَوْ يُسْرَقُ .\rوَكَذَلِكَ قَالَ عَطَاءٌ .\rوَإِنْ قَدِمَ فِي الْعَشْرِ ، لَمْ يَنْحَرْهُ حَتَّى يَنْحَرَهُ بِمِنًى ؛ لِأَنَّ","part":7,"page":258},{"id":3258,"text":"النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابَهُ قَدِمُوا فِي الْعَشْرِ ، فَلَمْ يَنْحَرُوا حَتَّى نَحَرُوا بِمِنًى .\rوَمَنْ جَاءَ قَبْلَ ذَلِكَ نَحَرَهُ عَنْ عُمْرَتِهِ ، وَأَقَامَ عَلَى إحْرَامِهِ ، وَكَانَ قَارِنًا .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يَجُوزُ نَحْرُهُ بَعْدَ الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ .\rقَوْلًا وَاحِدًا ، وَفِيمَا قَبْلَ ذَلِكَ ، بَعْدَ حِلِّهِ مِنْ الْعُمْرَةِ ، احْتِمَالَانِ ؛ وَوَجْهُ جَوَازِهِ أَنَّهُ دَمٌ يَتَعَلَّقُ بِالْإِحْرَامِ ، وَيَنُوبُ عَنْهُ الصِّيَامُ ، فَجَازَ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ ، كَدَمِ الطِّيبِ وَاللِّبَاسِ ، وَلِأَنَّهُ يَجُوزُ إبْدَالُهُ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ ، فَجَازَ أَدَاؤُهُ قَبْلَهُ ، كَسَائِرِ الْفِدْيَاتِ .","part":7,"page":259},{"id":3259,"text":"مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( فَإِنْ لَمْ يَجِدْ ، فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ، يَكُونُ آخِرُهَا يَوْمَ عَرَفَةَ ، وَسَبْعَةٍ إذَا رَجَعَ ) لَا نَعْلَمُ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ خِلَافًا ، فِي أَنَّ الْمُتَمَتِّعَ إذَا لَمْ يَجِدْ الْهَدْيَ ، يَنْتَقِلُ إلَى صِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إذَا رَجَعَ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ .\rوَتُعْتَبَرُ الْقُدْرَةُ فِي مَوْضِعِهِ ، فَمَتَى عَدِمَهُ فِي مَوْضِعِهِ جَازَ لَهُ الِانْتِقَالُ إلَى الصِّيَامِ ، وَإِنْ كَانَ قَادِرًا عَلَيْهِ فِي بَلَدِهِ ؛ لِأَنَّ وُجُوبَهُ مُوَقَّتٌ ، وَمَا كَانَ وُجُوبُهُ مُوَقَّتًا اُعْتُبِرَتْ الْقُدْرَةُ عَلَيْهِ فِي مَوْضِعِهِ ، كَالْمَاءِ فِي الطَّهَارَةِ ، إذَا عَدِمَهُ فِي مَكَانِهِ انْتَقَلَ إلَى التُّرَابِ .","part":7,"page":260},{"id":3260,"text":"( 2608 ) فَصْلٌ : وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ صَوْمِ الثَّلَاثَةِ وَالسَّبْعَةِ وَقْتَانِ ؛ وَقْتُ جَوَازٍ ، وَوَقْتُ اسْتِحْبَابٍ .\rفَأَمَّا وَقْتُ الثَّلَاثَةِ ، فَوَقْتُ الِاخْتِيَارِ لَهَا أَنْ يَصُومَهَا مَا بَيْنَ إحْرَامِهِ بِالْحَجِّ وَيَوْمِ عَرَفَةَ ، وَيَكُونُ آخِرُ الثَّلَاثَةِ يَوْمَ عَرَفَةَ .\rقَالَ طَاوُسٌ : يَصُومُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ، آخِرُهَا يَوْمُ عَرَفَةَ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَطَاءٍ ، وَالشَّعْبِيِّ ، وَمُجَاهِدٍ ، وَالْحَسَنِ ، وَالنَّخَعِيِّ ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَعَلْقَمَةَ ، وَعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ .\rوَرَوَى ابْنِ عُمَرَ ، وَعَائِشَةَ ، أَنْ يَصُومُهُنَّ مَا بَيْنَ إهْلَالِهِ بِالْحَجِّ وَيَوْمِ عَرَفَةَ .\rوَظَاهِرُ هَذَا أَنْ يَجْعَلَ آخِرَهَا يَوْمَ التَّرْوِيَةِ .\rوَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ صَوْمَ يَوْمِ عَرَفَةَ بِعَرَفَةَ غَيْرُ مُسْتَحَبٍّ .\rوَكَذَلِكَ ذَكَرَ الْقَاضِي ، فِي \" الْمُحَرَّرِ \" .\rوَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ الَّذِي وَقَفْنَا عَلَيْهِ مِثْلُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ ، أَنَّهُ يَكُونُ آخِرُهَا يَوْمَ عَرَفَةَ ، وَهُوَ قَوْلُ مَنْ سَمَّيْنَا مِنْ الْعُلَمَاءِ ، وَإِنَّمَا أَحْبَبْنَا لَهُ صَوْمَ يَوْمِ عَرَفَةَ هَاهُنَا ، لِمَوْضِعِ الْحَاجَةِ .\rوَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ يُسْتَحَبُّ لَهُ تَقْدِيمُ الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ قَبْلَ يَوْمِ التَّرْوِيَةِ ؛ لِيَصُومَهَا فِي الْحَجِّ ، وَإِنْ صَامَ مِنْهَا شَيْئًا قَبْلَ إحْرَامِهِ بِالْحَجِّ جَازَ .\rنَصَّ عَلَيْهِ .\rوَأَمَّا وَقْتُ جَوَازِ صَوْمِهَا فَإِذَا أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ .\rوَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ إذَا حَلَّ مِنْ الْعُمْرَةِ .\rوَقَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ : لَا يَجُوزُ إلَّا بَعْدَ إحْرَامِ الْحَجِّ .\rوَيُرْوَى ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ .\rوَهُوَ قَوْلُ إِسْحَاقَ ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ } .\rوَلِأَنَّهُ صِيَامٌ وَاجِبٌ ، فَلَمْ يَجُزْ تَقْدِيمُهُ عَلَى وَقْتِ وُجُوبِهِ ، كَسَائِرِ الصِّيَامِ الْوَاجِبِ .\rوَلِأَنَّ مَا قَبْلَهُ وَقْتٌ لَا يَجُوزُ فِيهِ الْمُبْدَلُ ، فَلَمْ يَجُزْ الْبَدَلُ ، كَقَبْلِ الْإِحْرَامِ بِالْعُمْرَةِ .","part":7,"page":261},{"id":3261,"text":"وَقَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ : يَصُومُهُنَّ مِنْ أَوَّلِ الْعَشْرِ إلَى يَوْمِ عَرَفَةَ .\rوَلَنَا ، أَنَّ إحْرَامَ الْعُمْرَةِ أَحَدُ إحْرَامَيْ التَّمَتُّعِ ، فَجَازَ الصَّوْمُ بَعْدَهُ ، كَإِحْرَامِ الْحَجِّ .\rفَأَمَّا قَوْلُهُ : { فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ } .\rفَقِيلَ : مَعْنَاهُ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ ، فَإِنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ إضْمَارٍ ، إذْ كَانَ الْحَجُّ أَفْعَالًا لَا يُصَامُ فِيهَا ، إنَّمَا يُصَامُ فِي وَقْتِهَا ، أَوْ فِي أَشْهُرِهَا .\rفَهُوَ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { الْحَجُّ أَشْهُرٌ } .\rوَأَمَّا تَقْدِيمُهُ عَلَى وَقْتِ الْوُجُوبِ ، فَيَجُوزُ إذَا وُجِدَ السَّبَبُ ، كَتَقْدِيمِ الْكَفَّارَةِ عَلَى الْحِنْثِ ، وَزُهُوقِ النَّفْسِ .\rوَأَمَّا كَوْنُهُ بَدَلًا ، فَلَا يُقَدَّمُ عَلَى الْمُبْدَلِ ، فَقَدْ ذَكَرْنَا رِوَايَةً فِي جَوَازِ تَقْدِيمِ الْهَدْيِ عَلَى إحْرَامِ الْحَجِّ ، فَكَذَلِكَ الصَّوْمُ .\rوَأَمَّا تَقْدِيمُ الصَّوْمِ عَلَى إحْرَامِ الْعُمْرَةِ ، فَغَيْرُ جَائِزٍ .\rوَلَا نَعْلَمُ قَائِلًا بِجَوَازِهِ ، إلَّا رِوَايَةً حَكَاهَا بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ ، وَلَيْسَ بِشَيْءٍ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُقَدَّمُ الصَّوْمُ عَلَى سَبَبِهِ وَوُجُوبِهِ ، وَيُخَالِفُ قَوْلَ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rوَأَحْمَدُ يُنَزَّهُ عَنْ هَذَا .\rوَأَمَّا السَّبْعَةُ ، فَلَهَا أَيْضًا وَقْتَانِ ؛ وَقْتُ اخْتِيَارٍ ، وَوَقْتُ جَوَازٍ .\rأَمَّا وَقْتُ الِاخْتِيَارِ ، فَإِذَا رَجَعَ إلَى أَهْلِهِ ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { فَمَنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا ، فَلْيَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةً إذَا رَجَعَ إلَى أَهْلِهِ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَأَمَّا وَقْتُ الْجَوَازِ ، فَمُنْذُ تَمْضِي أَيَّامُ التَّشْرِيقِ .\rقَالَ الْأَثْرَمُ : سُئِلَ أَحْمَدُ ، هَلْ يَصُومُ فِي الطَّرِيقِ أَوْ بِمَكَّةَ ؟ قَالَ : كَيْفَ شَاءَ .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٌ .\rوَعَنْ عَطَاءٍ ، وَمُجَاهِدٍ : يَصُومُهَا فِي الطَّرِيقِ .\rوَهُوَ قَوْلُ إِسْحَاقَ .\rوَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : يَصُومُهَا إذَا رَجَعَ إلَى أَهْلِهِ ؛ لِلْخَبَرِ .\rوَيُرْوَى ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ .\rوَهُوَ","part":7,"page":262},{"id":3262,"text":"قَوْلُ الشَّافِعِيِّ .\rوَقِيلَ عَنْهُ كَقَوْلِنَا ، وَكَقَوْلِ إِسْحَاقَ .\rوَلَنَا ، أَنَّ كُلَّ صَوْمٍ لَزِمَهُ ، وَجَازَ فِي وَطَنِهِ ، جَازَ قَبْلَ ذَلِكَ ، كَسَائِرِ الْفُرُوضِ .\rوَأَمَّا الْآيَةُ ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَوَّزَ لَهُ تَأْخِيرَ الصِّيَامِ الْوَاجِبِ ، فَلَا يَمْنَعُ ذَلِكَ الْإِجْزَاءَ قَبْلَهُ ، كَتَأْخِيرِ صَوْمِ رَمَضَانَ فِي السَّفَرِ وَالْمَرَضِ ، بِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ : { فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ } .\rوَلِأَنَّ الصَّوْمَ وُجِدَ مِنْ أَهْلِهِ بَعْدَ وُجُودِ سَبَبِهِ ، فَأَجْزَأَهُ ، كَصَوْمِ الْمُسَافِرِ وَالْمَرِيضِ .\r( 2609 ) فَصْلٌ : وَلَا يَجِبُ التَّتَابُعُ ، وَذَلِكَ لَا يَقْتَضِي جَمْعًا وَلَا تَفْرِيقًا .\rوَهَذَا قَوْلُ الثَّوْرِيِّ ، وَإِسْحَاقَ ، وَغَيْرِهِمَا .\rوَلَا نَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا .","part":7,"page":263},{"id":3263,"text":"( 2610 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( فَإِنْ لَمْ يَصُمْ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ ، صَامَ أَيَّامَ مِنًى ، فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ، وَالرِّوَايَةُ الْأُخْرَى لَا يَصُومُ أَيَّامَ مِنًى ، وَيَصُومُ بَعْدَ ذَلِكَ عَشَرَةَ أَيَّامٍ ، وَعَلَيْهِ دَمٌ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْمُتَمَتِّعَ ، إذَا لَمْ يَصُمْ الثَّلَاثَةَ فِي أَيَّامِ الْحَجِّ ، فَإِنَّهُ يَصُومُهَا بَعْدَ ذَلِكَ .\rوَبِهَذَا قَالَ عَلِيٌّ ، وَابْنُ عُمَرَ ، وَعَائِشَةُ ، وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ وَعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ ، وَالْحَسَنُ ، وَعَطَاءٌ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَيُرْوَى عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَطَاوُسٍ ، وَمُجَاهِدٍ : إذَا فَاتَهُ الصَّوْمُ فِي الْعَشْرِ وَبَعْدَهُ ، وَاسْتَقَرَّ الْهَدْيُ فِي ذِمَّتِهِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : { فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إذَا رَجَعْتُمْ } .\rوَلِأَنَّهُ بَدَلٌ مُوَقَّتٌ ، فَيَسْقُطُ بِخُرُوجِ وَقْتِهِ ، كَالْجُمُعَةِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ صَوْمٌ وَاجِبٌ ، فَلَا يَسْقُطُ بِخُرُوجِ وَقْتِهِ ، كَصَوْمِ رَمَضَانَ ، وَالْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى وُجُوبِهِ ، لَا عَلَى سُقُوطِهِ ، وَالْقِيَاسُ مُنْتَقَضٌ بِصَوْمِ الظِّهَارِ إذَا قُدِّمَ الْمَسِيسُ عَلَيْهِ ، وَالْجُمُعَةُ لَيْسَتْ بَدَلًا ، وَإِنَّمَا هِيَ الْأَصْلُ ، وَإِنَّمَا سَقَطَتْ لِأَنَّ الْوَقْتَ جُعِلَ شَرْطًا لَهَا كَالْجَمَاعَةِ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّهُ يَصُومُ أَيَّامَ مِنًى .\rوَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ ، وَعَائِشَةَ ، وَعُرْوَةَ ، وَعُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ ، وَالزُّهْرِيِّ ، وَمَالِكٍ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَإِسْحَاقَ ، وَالشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيمِ ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ ، وَعَائِشَةُ ، قَالَا : { لَمْ يُرَخَّصْ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ أَنْ يُصَمْنَ إلَّا لِمَنْ لَمْ يَجِدْ الْهَدْيَ } .\rرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ .\rوَهَذَا يَنْصَرِفُ إلَى تَرْخِيصِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rوَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِصِيَامِ الثَّلَاثَةِ فِي الْحَجِّ ، وَلَمْ يَبْقَ مِنْ أَيَّامِ الْحَجِّ إلَّا هَذِهِ الْأَيَّامُ ، فَيَتَعَيَّنُ الصَّوْمُ فِيهَا .","part":7,"page":264},{"id":3264,"text":"فَإِذَا صَامَ هَذِهِ الْأَيَّامَ ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ مَنْ صَامَ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى ، لَا يَصُومُ أَيَّامَ مِنًى .\rرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ ، وَالْحَسَنِ ، وَعَطَاءٍ .\rوَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْمُنْذِرِ لِأَنَّ { النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ صَوْمِ سِتَّةِ أَيَّامٍ ، ذَكَرَ مِنْهَا أَيَّامَ التَّشْرِيقِ } ، وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { إنَّهَا أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ } .\rوَلِأَنَّهَا لَا يَجُوزُ فِيهَا صَوْمُ النَّفْلِ ، فَلَا يَصُومُهَا عَنْ الْهَدْيِ ، كَيَوْمِ النَّحْرِ .\rفَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ ، يَصُومُ بَعْدَ ذَلِكَ عَشَرَةَ أَيَّامٍ .\rوَكَذَلِكَ الْحُكْمُ إذَا قُلْنَا : يَصُومُ أَيَّامَ مِنًى فَلَمْ يَصُمْهَا .\rوَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ فِي وُجُوبِ الدَّمِ عَلَيْهِ ، فَعَنْهُ عَلَيْهِ دَمٌ ؛ لِأَنَّهُ أَخَّرَ الْوَاجِبَ مِنْ مَنَاسِكِ الْحَجِّ عَنْ وَقْتِهِ ، فَلَزِمَهُ دَمٌ ، كَرَمْيِ الْجِمَارِ ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْمُؤَخِّرِ لِعُذْرٍ ، أَوْ لِغَيْرِهِ ، لِمَا ذَكَرْنَا .\rوَقَالَ الْقَاضِي : إنْ أَخَّرَهُ لِعُذْرٍ ، لَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا قَضَاؤُهُ ؛ لِأَنَّ الدَّمَ الَّذِي هُوَ الْمُبْدَلَ ، لَوْ أَخَّرَهُ لِعُذْرٍ ، لَا دَمَ عَلَيْهِ لِتَأْخِيرِهِ ، فَالْبَدَلُ أَوْلَى .\rوَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ لَا يَلْزَمُهُ مَعَ الصَّوْمِ دَمٌ بِحَالٍ .\rوَهَذَا اخْتِيَارُ أَبِي الْخَطَّابِ ، وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ صَوْمٌ وَاجِبٌ ، يَجِبُ الْقَضَاءُ بِفَوَاتِهِ ، كَصَوْمِ رَمَضَانَ .\rفَأَمَّا الْهَدْيُ الْوَاجِب ، إذَا أَخَّرَهُ لِعُذْرٍ ، مِثْلُ أَنْ ضَاعَتْ نَفَقَتُهُ ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا قَضَاؤُهُ ، كَسَائِرِ الْهَدَايَا الْوَاجِبَةِ .\rوَإِنْ أَخَّرَهُ لِغَيْرِ عُذْرٍ ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ : إحْدَاهُمَا ، لَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا قَضَاؤُهُ ، كَسَائِرِ الْهَدَايَا .\rوَالْأُخْرَى ، عَلَيْهِ هَدْيٌ آخَرُ ؛ لِأَنَّهُ نُسُكٌ مُؤَقَّتٌ ، فَلَزِمَ الدَّمُ بِتَأْخِيرِهِ عَنْ وَقْتِهِ ، كَرَمْيِ الْجِمَارِ .\rوَقَالَ أَحْمَدُ : مَنْ تَمَتَّعَ ، فَلَمْ يُهْدِ إلَى قَابِلٍ ، يُهْدِي هُدَيَيْنِ .\rكَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ .","part":7,"page":265},{"id":3265,"text":"( 2611 ) فَصْلٌ : وَإِذَا صَامَ عَشَرَةَ أَيَّامٍ ، لَمْ يَلْزَمْهُ التَّفْرِيقُ بَيْنَ الثَّلَاثَةِ وَالسَّبْعَةِ .\rوَقَالَ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ : عَلَيْهِ التَّفْرِيقُ ؛ لِأَنَّهُ وَجَبَ مِنْ حَيْثُ الْفِعْلُ ، وَمَا وَجَبَ التَّفْرِيقُ فِيهِ مِنْ حَيْثُ الْفِعْلُ ، لَمْ يَسْقُطْ بِفَوَاتِ وَقْتِهِ ، كَأَفْعَالِ الصَّلَاةِ مِنْ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ صَوْمٌ وَاجِبٌ ، فِي زَمَنٍ يَصِحُّ الصَّوْمُ فِيهِ ، فَلَمْ يَجِبْ تَفْرِيقُهُ ، كَسَائِرِ الصَّوْمِ .\rوَلَا نُسَلِّمُ وُجُوبَ التَّفْرِيقِ فِي الْأَدَاءِ ، فَإِنَّهُ إذَا صَامَ أَيَّامَ مِنًى ، وَأَتْبَعَهَا السَّبْعَةَ ، فَمَا حَصَلَ التَّفْرِيقُ .\rوَإِنْ سَلَّمْنَا وُجُوبَ التَّفْرِيقِ فِي الْأَدَاءِ ، فَإِنْ كَانَ مِنْ حَيْثُ الْوَقْتُ ، فَإِذَا فَاتَ الْوَقْتُ سَقَطَ ، كَالتَّفْرِيقِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ .","part":7,"page":266},{"id":3266,"text":"( 2612 ) فَصْلٌ : وَوَقْتُ وُجُوبِ الصَّوْمِ وَقْتُ وُجُوبِ الْهَدْيِ ؛ لِأَنَّهُ بَدَلٌ ، فَكَانَ وَقْتُ وُجُوبِهِ وَقْتَ وُجُوبِ الْمُبْدَلِ ، كَسَائِرِ الْأَبْدَالِ .\rفَإِنْ قِيلَ : فَكَيْفَ جَوَّزْتُمْ الِانْتِقَالَ إلَى الصَّوْمِ قَبْلَ زَمَانِ وُجُوبِ الْمُبْدَلِ ، وَلَمْ يَتَحَقَّقْ الْعَجْزُ عَنْ الْمُبْدَلِ ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَتَحَقَّقُ الْمُجَوَّزُ لِلِانْتِقَالِ إلَى الْبَدَلِ زَمَنَ الْوُجُوبِ ، وَكَيْفَ جَوَّزْتُمْ الصَّوْمَ قَبْلَ وُجُوبِهِ ؟ قُلْنَا : إنَّا جَوَّزْنَا لَهُ الِانْتِقَالَ إلَى الْبَدَلِ ، بِنَاءً عَلَى الْعَجْزِ الظَّاهِرِ ، فَإِنَّ الظَّاهِرَ مِنْ الْمُعَسِّر اسْتِمْرَارُ إعْسَارِهِ وَعَجْزِهِ ، كَمَا جَوَّزْنَا التَّكْفِيرَ بِالْبَدَلِ قَبْلَ وُجُوبِ الْمُبْدَلِ .\rوَأَمَّا تَجْوِيزُ الصَّوْمِ قَبْلَ وُجُوبِهِ ، فَقَدْ ذَكَرْنَاهُ .","part":7,"page":267},{"id":3267,"text":"( 2613 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَمَنْ دَخَلَ فِي الصِّيَامِ ، ثُمَّ قَدَرَ عَلَى الْهَدْيِ ، لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ الْخُرُوجُ مِنْ الصَّوْمِ إلَى الْهَدْيِ ، إلَّا أَنْ يَشَاءَ ) وَبِهَذَا قَالَ الْحَسَنُ ، وَقَتَادَةُ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ ، وَحَمَّادٌ ، وَالثَّوْرِيُّ : إنْ أَيْسَرَ قَبْلَ أَنْ تَكْمُلَ الثَّلَاثَةُ ، فَعَلَيْهِ الْهَدْيُ ، وَإِنْ أَكْمَلَ الثَّلَاثَةَ صَامَ السَّبْعَةَ .\rوَقِيلَ : مَتَى قَدَرَ عَلَى الْهَدْيِ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ ، انْتَقَلَ إلَيْهِ ، صَامَ أَوْ لَمْ يَصُمْ .\rوَإِنْ وَجَدَهُ بَعْدَ أَنْ مَضَتْ أَيَّامُ النَّحْرِ أَجْزَأَهُ الصِّيَامُ ، قَدَرَ عَلَى الْهَدْيِ أَوْ لَمْ يَقْدِرْ ؛ لِأَنَّهُ قَدَرَ عَلَى الْمُبْدَلِ فِي زَمَنِ وُجُوبِهِ ، فَلَمْ يُجْزِئْهُ الْبَدَلُ ، كَمَا لَوْ لَمْ يَصُمْ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ صَوْمٌ دَخَلَ فِيهِ لِعَدَمِ الْهَدْيِ ، لَمْ يَلْزَمْهُ الْخُرُوجُ إلَيْهِ ، كَصَوْمِ السَّبْعَةِ ، وَعَلَى هَذَا يُخَرَّجُ الْأَصْلُ الَّذِي قَاسُوا عَلَيْهِ ، وَإِنَّهُ مَا شُرِعَ فِي الصِّيَامِ .","part":7,"page":268},{"id":3268,"text":"( 2614 ) فَصْلٌ : وَإِنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الصَّوْمُ ، فَلَمْ يَشْرَعْ حَتَّى قَدَرَ عَلَى الْهَدْيِ ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ : إحْدَاهُمَا ، لَا يَلْزَمُهُ الِانْتِقَالُ إلَيْهِ .\rقَالَ فِي رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيِّ : إذَا لَمْ يَصُمْ فِي الْحَجِّ فَلْيَصُمْ إذَا رَجَعَ .\rوَلَا يَرْجِعُ إلَى الدَّمِ ، وَقَدْ انْتَقَلَ فَرْضُهُ إلَى الصِّيَامِ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الصِّيَامَ اسْتَقَرَّ فِي ذِمَّتِهِ ، لِوُجُوبِهِ حَالَ وُجُودِ السَّبَبِ الْمُتَّصِلِ بِشَرْطِهِ ، وَهُوَ عَدَمُ الْهَدْيِ .\rوَالثَّانِيَةُ ، يَلْزَمُهُ الِانْتِقَالُ إلَيْهِ .\rقَالَ يَعْقُوبُ : سَأَلْت أَحْمَدَ عَنْ الْمُتَمَتِّعِ إذَا لَمْ يَصُمْ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ ؟ قَالَ : عَلَيْهِ هَدْيَانِ ، يَبْعَثُ بِهِمَا إلَى مَكَّةَ .\rأُوجِبُ عَلَيْهِ الْهَدْيَ الْأَصْلِيَّ ، وَهَدْيًا لِتَأْخِيرِهِ الصَّوْمَ عَنْ وَقْتِهِ ؛ وَلِأَنَّهُ قَدَرَ عَلَى الْمُبْدَلِ قَبْلَ شُرُوعِهِ فِي الْبَدَلِ ، فَلَزِمَهُ الِانْتِقَالُ إلَيْهِ ، كَالْمُتَيَمِّمِ إذَا وَجَدَ الْمَاءَ .","part":7,"page":269},{"id":3269,"text":"( 2615 ) فَصْلٌ : وَمَنْ لَزِمَهُ صَوْمُ الْمُتْعَةِ ، فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ بِهِ لِعُذْرٍ مَنَعَهُ عَنْ الصَّوْمَ ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ .\rوَإِنْ كَانَ لِغَيْرِ عُذْرٍ ، أَطْعَمَ عَنْهُ ، كَمَا يُطْعِمُ عَنْ صَوْمِ أَيَّامِ رَمَضَانَ .\rوَلِأَنَّهُ صَوْمٌ وَجَبَ بِأَصْلِ الشَّرْعِ ، أَشْبَهَ صَوْمَ رَمَضَانَ .","part":7,"page":270},{"id":3270,"text":"( 2616 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَالْمَرْأَةُ إذَا دَخَلَتْ مُتَمَتِّعَةً ، فَحَاضَتْ ، فَخَشِيَتْ فَوَاتَ الْحَجَّ ، أَهَلَّتْ بِالْحَجِّ ، وَكَانَتْ قَارِنَةً ، وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا قَضَاءُ طَوَافِ الْقُدُومِ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْمُتَمَتِّعَةَ إذَا حَاضَتْ قَبْلَ الطَّوَافِ لِلْعُمْرَةِ ، لَمْ يَكُنْ لَهَا أَنْ تَطُوفَ بِالْبَيْتِ ؛ لِأَنَّ الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ صَلَاةٌ ، وَلِأَنَّهَا مَمْنُوعَةٌ مِنْ دُخُولِ الْمَسْجِدِ ، وَلَا يُمْكِنُهَا أَنْ تَحِلَّ مِنْ عُمْرَتِهَا مَا لَمْ تَطُفْ بِالْبَيْتِ .\rفَإِنْ خَشِيَتْ فَوَاتَ الْحَجِّ أَحْرَمَتْ بِالْحَجِّ مَعَ عُمْرَتِهَا ، وَتَصِيرُ قَارِنَةً .\rوَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَكَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : تَرْفُضُ الْعُمْرَةَ ، وَتُهِلُّ بِالْحَجِّ .\rقَالَ أَحْمَدُ : قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ قَدْ رَفَضَتْ الْعُمْرَةَ فَصَارَ حَجًّا ، وَمَا قَالَ هَذَا أَحَدٌ غَيْرُ أَبِي حَنِيفَةَ .\rوَاحْتَجَّ بِمَا رَوَى عُرْوَةُ ، عَنْ عَائِشَةَ ، قَالَتْ : { أَهْلَلْنَا بِعُمْرَةٍ ، فَقَدِمْت مَكَّةَ وَأَنَا حَائِضٌ ، لَمْ أَطُفْ بِالْبَيْتِ ، وَلَا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ، فَشَكَوْت ذَلِكَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : اُنْقُضِي رَأْسَك ، وَامْتَشِطِي ، وَأَهِلِّي بِالْحَجِّ ، وَدَعِي الْعُمْرَةَ .\rقَالَتْ : فَفَعَلْت .\rفَلَمَّا قَضَيْنَا الْحَجَّ أَرْسَلَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ إلَى التَّنْعِيمِ ، فَاعْتَمَرْت مَعَهُ .\rفَقَالَ : هَذِهِ عُمْرَةٌ مَكَانَ عُمْرَتِك } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا رَفَضَتْ عُمْرَتهَا ، وَأَحْرَمَتْ بِحَجٍّ مِنْ وُجُوهٍ ثَلَاثَةٍ ؛ أَحَدُهَا ، قَوْلُهُ : \" دَعِي عُمْرَتَك \" .\rوَالثَّانِي ، قَوْلُهُ : \" وَامْتَشِطِي \" .\rوَالثَّالِثُ ، قَوْله : \" هَذِهِ عُمْرَةٌ مَكَانَ عُمْرَتِك \" .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى { جَابِرٌ ، قَالَ : أَقْبَلَتْ عَائِشَةُ بِعُمْرَةٍ ، حَتَّى إذَا كَانَتْ بِسَرِفٍ عَرَكَتْ ، ثُمَّ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى عَائِشَةَ ، فَوَجَدَهَا تَبْكِي","part":7,"page":271},{"id":3271,"text":"، فَقَالَ : مَا شَأْنُك ؟ قَالَتْ : شَأْنِي أَنِّي قَدْ حِضْت ، وَقَدْ حَلَّ النَّاسُ ، وَلَمْ أَحِلَّ ، وَلَمْ أَطُفْ بِالْبَيْتِ ، وَالنَّاسُ يَذْهَبُونَ إلَى الْحَجِّ الْآنَ .\rفَقَالَ : إنَّ هَذَا أَمْرٌ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ ، فَاغْتَسِلِي ، ثُمَّ أَهِلِّي بِالْحَجِّ فَفَعَلَتْ ، وَوَقَفَتْ الْمَوَاقِفَ ، حَتَّى إذَا طَهُرَتْ ، طَافَتْ بِالْكَعْبَةِ ، وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ .\rثُمَّ قَالَ : قَدْ حَلَلْت مِنْ حَجِّك وَعُمْرَتِك .\rقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّه ، إنِّي أَجِدُ فِي نَفْسِي أَنِّي لَمْ أَطُفْ بِالْبَيْتِ حَتَّى حَجَجْت .\rقَالَ : فَاذْهَبْ بِهَا يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ ، فَأَعْمَرَهَا مِنْ التَّنْعِيمِ .\r} وَرَوَى طَاوُسٌ ، عَنْ عَائِشَةَ ، { أَنَّهَا قَالَتْ : أَهْلَلْت بِعُمْرَةِ ، فَقَدِمْت وَلَمْ أَطُفْ حَتَّى حِضْت ، وَنَسَكْت الْمَنَاسِكَ كُلَّهَا ، وَقَدْ أَهْلَلْت بِالْحَجِّ .\rفَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ النَّفْرِ : يَسَعُك طَوَافُك لِحَجِّك وَعُمْرَتِك .\rفَأَبَتْ ، فَبَعَثَ مَعَهَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ ، فَأَعْمَرَهَا مِنْ التَّنْعِيمِ } .\rرَوَاهُمَا مُسْلِمٌ .\rوَهُمَا يَدُلَّانِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا جَمِيعَهُ وَلِأَنَّ إدْخَالَ الْحَجِّ عَلَى الْعُمْرَةِ جَائِزٌ بِالْإِجْمَاعِ مِنْ غَيْرِ خَشْيَةِ الْفَوَاتِ ، فَمَعَ خَشْيَةِ الْفَوَاتِ أَوْلَى .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ، أَنَّ لِمَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ أَنْ يُدْخِلَ عَلَيْهَا الْحَجَّ ، مَا لَمْ يَفْتَتِحْ الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ .\rوَقَدْ أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ، أَنْ يُهِلَّ بِالْحَجِّ مَعَ الْعُمْرَةِ ، وَمَعَ إمْكَانِ الْحَجِّ مَعَ بَقَاءِ الْعُمْرَةِ لَا يَجُوزُ رَفْضُهَا ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ } .\rوَلِأَنَّهَا مُتَمَكِّنَةٌ مِنْ إتْمَامِ عُمْرَتِهَا بِلَا ضَرَرٍ ، فَلَمْ يَجُزْ رَفْضُهَا ، كَغَيْرِ الْحَائِضِ .\rفَأَمَّا حَدِيثُ عُرْوَةَ ، فَإِنَّ قَوْلَهُ : \" اُنْقُضِي رَأْسَك ، وَامْتَشِطِي ، وَدَعِي الْعُمْرَةَ \" .\rانْفَرَدَ بِهِ","part":7,"page":272},{"id":3272,"text":"عُرْوَةُ ، وَخَالَفَ بِهِ سَائِرَ مَنْ رَوَى عَنْ عَائِشَةَ حِينَ حَاضَتْ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ طَاوُسٍ ، وَالْقَاسِمِ ، وَالْأَسْوَدِ ، وَعَمْرَةَ وَعَائِشَةَ ، وَلَمْ يَذْكُرُوا ذَلِكَ .\rوَحَدِيثُ جَابِرٍ ، وَطَاوُسٍ مُخَالِفَانِ لِهَذِهِ الزِّيَادَةِ .\rوَقَدْ رَوَى حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ ، حَدِيثَ حَيْضِهَا ، فَقَالَ فِيهِ : حَدَّثَنِي غَيْرُ وَاحِدٍ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهَا : \" دَعِي الْعُمْرَة ، وَانْقُضِي رَأْسَك ، وَامْتَشِطِي \" .\rوَذَكَرَ تَمَامَ الْحَدِيثِ .\rوَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ عُرْوَةَ لَمْ يَسْمَعْ هَذِهِ الزِّيَادَةَ مِنْ عَائِشَةَ ، وَهُوَ مَعَ مَا ذَكَرْنَا مِنْ مُخَالَفَتِهِ بَقِيَّةَ الرُّوَاةِ ، يَدُلُّ عَلَى الْوَهْمِ ، مَعَ مُخَالَفَتِهَا الْكِتَابَ وَالْأُصُولَ ، إذْ لَيْسَ لَنَا مَوْضِعٌ آخَرُ يَجُوزُ فِيهِ رَفْضُ الْعُمْرَةِ مَعَ إمْكَانِ إتْمَامِهَا ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّ قَوْلَهُ : \" دَعِي الْعُمْرَةَ \" .\rأَيْ دَعِيهَا بِحَالِهَا ، وَأَهِلِّي بِالْحَجِّ مَعَهَا ، أَوْ دَعِي أَفْعَالَ الْعُمْرَةِ ، فَإِنَّهَا تَدْخُلُ فِي أَفْعَالِ الْحَجِّ .\rوَأَمَّا إعْمَارُهَا مِنْ التَّنْعِيمِ ، فَلَمْ يَأْمُرْهَا بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِنَّمَا قَالَتْ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إنِّي أَجِدُ فِي نَفْسِي أَنِّي لَمْ أَطُفْ بِالْبَيْتِ حَتَّى حَجَجْت .\rقَالَ : \" فَاذْهَبْ بِهَا يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ ، فَأَعْمِرْهَا مِنْ التَّنْعِيمِ \" .\rوَرَوَى الْأَثْرَمُ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ الْأَسْوَدِ ، عَنْ عَائِشَةَ ، قُلْت : اعْتَمَرْت بَعْدَ الْحَجِّ ؟ قَالَتْ : وَاَللَّهِ مَا كَانَتْ عُمْرَةً ، مَا كَانَتْ إلَّا زِيَارَةً زُرْت الْبَيْتَ ، إنَّمَا هِيَ مِثْلُ نَفَقَتِهَا .\rقَالَ أَحْمَدُ : إنَّمَا أَعْمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَائِشَةَ حِينَ أَلَحَّتْ عَلَيْهِ ، فَقَالَتْ : يَرْجِعُ النَّاسُ بِنُسُكَيْنِ ، وَأَرْجِعُ بِنُسُكٍ ، فَقَالَ : \" يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ ، أَعْمِرْهَا \" .\rفَنَظَرَ إلَى أَدْنَى الْحَرَمِ ، فَأَعْمَرَهَا مِنْهُ .\rوَقَوْلُ الْخِرَقِيِّ : \" وَلَمْ يَكُنْ","part":7,"page":273},{"id":3273,"text":"عَلَيْهَا قَضَاءُ طَوَافِ الْقُدُومِ \" .\rوَذَلِكَ لِأَنَّ طَوَافَ الْقُدُومِ سُنَّةٌ لَا يَجِبُ قَضَاؤُهَا ، وَلَمْ يَأْمُرْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَائِشَةَ بِقَضَائِهِ ، وَلَا فَعَلَتْهُ هِيَ .","part":7,"page":274},{"id":3274,"text":"( 2617 ) فَصْلٌ : وَكُلُّ مُتَمَتِّعٍ خَشِيَ فَوَاتَ الْحَجِّ ، فَإِنَّهُ يُحْرِمُ بِالْحَجِّ ، وَيَصِيرُ قَارِنًا ، وَكَذَلِكَ الْمُتَمَتِّعُ الَّذِي مَعَهُ هَدْيٌ ، فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ مِنْ عُمْرَتِهِ ، بَلْ يُهِلُّ بِالْحَجِّ مَعَهَا ، فَيَصِيرُ قَارِنًا .\rوَلَوْ أَدْخَلَ الْحَجَّ عَلَى الْعُمْرَةِ قَبْلَ الطَّوَافِ مِنْ غَيْرِ خَوْفِ الْفَوَاتِ ، جَازَ ، وَكَانَ قَارِنًا ، بِغَيْرِ خِلَافٍ ، وَقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ ، وَرَوَاهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rفَأَمَّا بَعْدَ الطَّوَافِ ، فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ ، وَلَا يَصِيرُ قَارِنًا .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ .\rوَرُوِيَ عَنْ عَطَاءٍ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : يَصِيرُ قَارِنًا .\rوَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّهُ أَدْخَلَ الْحَجَّ عَلَى إحْرَامِ الْعُمْرَةِ ، فَصَحَّ ، كَمَا قَبْلَ الطَّوَافِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ شَارِعٌ فِي التَّحَلُّلِ مِنْ الْعُمْرَةِ ، فَلَمْ يَجُزْ لَهُ إدْخَالُ الْحَجِّ عَلَيْهَا ، كَمَا لَوْ سَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ .","part":7,"page":275},{"id":3275,"text":"( 2618 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا إدْخَالُ الْعُمْرَةِ عَلَى الْحَجِّ ، فَغَيْرُ جَائِزٍ ، فَإِنْ فَعَلَ لَمْ يَصِحَّ ، وَلَمْ يَصِرْ قَارِنًا .\rرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ .\rوَبِهِ قَالَ مَالِكٌ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَصِحُّ ، وَيَصِيرُ قَارِنًا ؛ لِأَنَّهُ أَحَدُ النُّسُكَيْنِ ، فَجَازَ إدْخَالُهُ عَلَى الْآخَرِ ، قِيَاسًا عَلَى إدْخَالِ الْحَجِّ عَلَى الْعُمْرَةِ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى الْأَثْرَمُ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نَصْرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : خَرَجْت أُرِيدُ الْحَجَّ ، فَقَدِمْت الْمَدِينَةَ ، فَإِذَا عَلِيٌّ قَدْ خَرَجَ حَاجًّا ، فَأَهْلَلْت بِالْحَجِّ ، ثُمَّ خَرَجْت ، فَأَدْرَكْت عَلِيًّا فِي الطَّرِيقِ ، وَهُوَ يُهِلُّ بِعُمْرَةٍ وَحَجَّةٍ ، فَقُلْت : يَا أَبَا الْحَسَنِ ، إنَّمَا خَرَجْت مِنْ الْكُوفَةِ لِأَقْتَدِيَ بِك ، وَقَدْ سَبَقْتنِي ، فَأَهْلَلْت بِالْحَجِّ ، أَفَأَسْتَطِيعُ أَنْ أَدْخُلَ مَعَك فِيمَا أَنْتَ فِيهِ ؟ قَالَ : لَا ، إنَّمَا ذَلِكَ لَوْ كُنْت أَهْلَلْت بِعُمْرَةٍ .\rوَلِأَنَّ إدْخَالَ الْعُمْرَةِ عَلَى الْحَجِّ لَا يُفِيدُهُ إلَّا مَا أَفَادَهُ الْعَقْدُ الْأَوَّلُ ، فَلَمْ يَصِحَّ ، كَمَا لَوْ اسْتَأْجَرَهُ عَلَى عَمَلٍ ، ثُمَّ اسْتَأْجَرَهُ عَلَيْهِ ثَانِيًا فِي الْمُدَّةِ ، وَعَكْسُهُ إدْخَالُ الْحَجِّ عَلَى الْعُمْرَةِ .","part":7,"page":276},{"id":3276,"text":"( 2619 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَمَنْ وَطِئَ قَبْلَ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ ، فَقَدْ فَسَدَ حَجُّهُمَا ، وَعَلَيْهِ بَدَنَةٌ إنْ كَانَ اسْتَكْرَهَهَا ، وَلَا دَمَ عَلَيْهَا ) ( 2620 ) وَفِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثَةُ فُصُولٍ : الْفَصْلُ الْأَوَّلُ ، أَنَّ الْوَطْءَ قَبْلَ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ يُفْسِدُ الْحَجَّ ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ مَا قَبْلَ الْوُقُوفِ وَبَعْدَهُ .\rوَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ : إنْ وَطِئَ بَعْدَ الْوُقُوفِ لَمْ يَفْسُدْ حَجُّهُ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ أَدْرَكَ عَرَفَةَ فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ } .\rوَلِأَنَّهُ أَمِنَ الْفَوَاتَ ، فَأَمِنَ الْفَسَادَ ، كَمَا بَعْدَ التَّحَلُّلِ الْأَوَّلِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ ابْنَ عَبَّاسٍ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو ، فَقَالَ : وَقَعْت بِأَهْلِي وَنَحْنُ مُحْرِمَانِ .\rفَقَالَا لَهُ : أَفْسَدْت حَجَّك .\rوَلَمْ يَسْتَفْصِلُوا السَّائِلَ .\rرَوَاهُ الْأَثْرَمُ .\rوَلِأَنَّهُ وَطْءٌ صَادَفَ إحْرَامًا تَامًّا فَأَفْسَدَهُ ، كَقَبْلِ الْوُقُوفِ ، وَيُخَالِفُ مَا بَعْدَ التَّحَلُّلِ الْأَوَّلِ ، فَإِنَّ الْإِحْرَامَ غَيْرُ تَامٍّ ، وَالْمُرَادُ مِنْ الْخَبَرِ الْأَمْنُ مِنْ الْفَوَاتِ ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ أَمْنِ الْفَوَاتِ أَمْنُ الْفَسَادِ ، وَبِدَلِيلِ الْعُمْرَةِ يَأْمَنُ فَوَاتَهَا وَلَا يَأْمَنُ فَسَادَهَا .\rقَالَ أَحْمَدُ : لَا أَعْلَمُ أَحَدًا قَالَ : إنَّ حَجَّهُ تَامٌّ .\rغَيْرَ أَبِي حَنِيفَةَ ، يَقُولُ : الْحَجُّ عَرَفَاتٌ ، فَمَنْ وَقَفَ بِهَا فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ .\rوَإِنَّمَا هَذَا مِثْلُ قَوْل النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الصَّلَاةِ ، فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ } .\rأَيْ أَدْرَكَ فَضْلَ الصَّلَاةِ ، وَلَمْ تَفُتْهُ ، كَذَلِكَ الْحَجُّ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّهُ يَفْسُدُ حَجُّهُمَا جَمِيعًا ؛ لِأَنَّ الْجِمَاعَ وُجِدَ مِنْهُمَا ، وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ النَّاسِي وَالْعَامِدُ ، وَالْمُسْتَكْرَهَةُ وَالْمُطَاوِعَةُ ، وَالْمُسْتَيْقِظَةُ ، عَالِمًا كَانَ الرَّجُلُ أَوْ جَاهِلًا .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ : لَا يَفْسُدُ حَجُّ النَّاسِي ؛","part":7,"page":277},{"id":3277,"text":"لِأَنَّهُ مَعْذُورٌ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ مَعْنًى يُوجِبُ الْقَضَاءَ ، فَاسْتَوَتْ فِيهِ الْأَحْوَالُ كُلُّهَا كَالْفَوَاتِ ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ مَا بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ أَوْ قَبْلَهُ ؛ لِأَنَّهُ وَطِئَ قَبْلَ التَّحَلُّلِ الْأَوَّلِ ، فَفَسَدَ حَجُّهُ ، كَمَا لَوْ وَطِئَ يَوْمَ النَّحْرِ .\r( 2621 ) الْفَصْلُ الثَّانِي ، أَنَّهُ يَلْزَمُهُ بَدَنَةٌ .\rوَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إنْ وَطِئَ قَبْلَ الْوُقُوفِ فَسَدَ حَجُّهُ وَعَلَيْهِ شَاةٌ ، وَإِنْ وَطِئَ بَعْدَهُ لَمْ يَفْسُدْ حَجُّهُ ، وَعَلَيْهِ بَدَنَةٌ ؛ لِأَنَّ الْوَطْءَ قَبْلَ الْوُقُوفِ مَعْنًى يَتَعَلَّقُ بِهِ وُجُوبُ الْقَضَاءِ ، فَلَمْ يُوجِبْ بَدَنَةً ، كَالْفَوَاتِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلُ قَوْلِنَا ، وَلِأَنَّهُ وَطْءٌ صَادَفَ إحْرَامًا تَامًّا ، فَأَوْجَبَ الْبَدَنَةَ ، كَمَا بَعْدَ الْوُقُوفِ ، وَلِأَنَّ مَا يُفْسِدُ الْحَجَّ الْجِنَايَةُ بِهِ أَعْظَمُ ، فَكَفَّارَتُهُ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ أَغْلَظَ .\rوَأَمَّا الْفَوَاتُ ، فَإِنَّهُمْ يُوجِبُونَ بِهِ بَدَنَةً ، فَكَيْفَ يَصِحُّ الْقِيَاسُ عَلَيْهِ ؟ الْفَصْلُ الثَّالِثُ ، أَنَّهُ لَا دَمَ عَلَيْهَا فِي حَالِ الْإِكْرَاهِ .\rوَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ ، وَمَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَإِسْحَاقَ ، وَأَبِي ثَوْرٍ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ : عَلَيْهَا دَمٌ آخَرُ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ فَسَدَ حَجُّهَا ، فَوَجَبَتْ الْبَدَنَةُ ، كَمَا لَوْ طَاوَعَتْ .\rوَلَنَا ، أَنَّهَا كَفَّارَةٌ تَجِبُ بِالْجِمَاعِ ، فَلَمْ تَجِبْ عَلَى الْمَرْأَةِ فِي حَالِ الْإِكْرَاهِ ، كَمَا لَوْ وَطِئَ فِي الصَّوْمِ .","part":7,"page":278},{"id":3278,"text":"( 2623 ) فَصْلٌ : وَمَنْ وَطِئَ قَبْلَ التَّحَلُّلِ مِنْ الْعُمْرَةِ ، فَسَدَتْ عُمْرَتُهُ ، وَعَلَيْهِ شَاةٌ مَعَ الْقَضَاءِ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : عَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَبَدَنَةٌ ؛ لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ تَشْتَمِلُ عَلَى طَوَافٍ وَسَعْيٍ ، فَأَشْبَهَتْ الْحَجَّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إنْ وَطِئَ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ أَرْبَعَةَ أَشْوَاطٍ كَقَوْلِنَا ، وَإِنْ وَطِئَ بَعْدَ ذَلِكَ فَعَلَيْهِ شَاةٌ ، وَلَا تَفْسُدُ عُمْرَتُهُ .\rوَلَنَا عَلَى الشَّافِعِيِّ ، أَنَّهَا عِبَادَةٌ لَا وُقُوفَ فِيهَا ، فَلَمْ يَجِبْ فِيهَا بَدَنَةٌ ، كَمَا لَوْ قَرَنَهَا بِالْحَجِّ ، وَلِأَنَّ الْعُمْرَةَ دُونَ الْحَجِّ ، فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ حُكْمُهَا دُونَ حُكْمِهِ ، وَبِهَذَا يَخْرُجُ الْحَجُّ .\rوَلَنَا عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ ، أَنَّ الْجِمَاعَ مِنْ مَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ ، فَاسْتَوَى فِيهِ مَا قَبْلَ الطَّوَافِ وَبَعْدَهُ ، كَسَائِرِ الْمَحْظُورَاتِ ، وَلِأَنَّهُ وَطْءٌ صَادَفَ إحْرَامًا تَامًّا فَأَفْسَدَهُ ، كَمَا قَبْلَ الطَّوَافِ .","part":7,"page":279},{"id":3279,"text":"( 2624 ) فَصْلٌ : إذَا أَفْسَدَ الْقَارِنُ وَالْمُتَمَتِّعُ نُسُكَهُمَا ، لَمْ يَسْقُطْ الدَّمُ عَنْهُمَا .\rوَبِهِ قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَسْقُطُ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ مِثْلُهُ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ التَّرَفُّهُ بِسُقُوطِ أَحَدِ السَّفَرَيْنِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ مَا وَجَبَ فِي النُّسُكِ الصَّحِيحِ وَجَبَ فِي الْفَاسِدِ ، كَالْأَفْعَالِ ، وَلِأَنَّهُ دَمٌ وَجَبَ عَلَيْهِ ، فَلَا يَسْقُطُ بِالْإِفْسَادِ ، كَالدَّمِ الْوَاجِبِ لِتَرْكِ الْمِيقَاتِ .","part":7,"page":280},{"id":3280,"text":"( 2625 ) فَصْلٌ : وَإِذَا أَفْسَدَ الْقَارِنُ نُسُكَهُ ، ثُمَّ قَضَى مُفْرِدًا ، لَمْ يَلْزَمْهُ فِي الْقَضَاءِ دَمٌ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يَلْزَمُهُ ؛ لِأَنَّهُ يَجِبُ فِي الْقَضَاءِ مَا يَجِبُ فِي الْأَدَاءِ ، وَهَذَا كَانَ وَاجِبًا فِي الْأَدَاءِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الْإِفْرَادَ أَفْضَلُ مِنْ الْقِرَانِ مَعَ الدَّمِ ، فَإِذَا أَتَى بِهِمَا فَقَدْ أَتَى بِمَا هُوَ أَوْلَى ، فَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ ، كَمَنْ لَزِمَتْهُ الصَّلَاةُ بِتَيَمُّمِ ، فَقَضَى بِالْوُضُوءِ .","part":7,"page":281},{"id":3281,"text":"( 2626 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَإِنْ وَطِئَ بَعْدَ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ ، فَعَلَيْهِ دَمٌ ، وَيَمْضِي إلَى التَّنْعِيمِ فَيُحْرِمُ ؛ لِيَطُوفَ وَهُوَ مُحْرِمٌ ) وَفِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثَةُ فُصُولٍ ( 2627 ) : أَحَدُهَا ، أَنَّ الْوَطْءَ بَعْدَ الْجَمْرَةِ لَا يُفْسِدُ الْحَجَّ .\rوَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَعِكْرِمَةَ ، وَعَطَاءٍ ، وَالشَّعْبِيِّ ، وَرَبِيعَةَ ، وَمَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَإِسْحَاقَ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ .\rوَقَالَ النَّخَعِيُّ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَحَمَّادٌ : عَلَيْهِ حَجٌّ مِنْ قَابِلٍ ؛ لِأَنَّ الْوَطْءَ صَادَفَ إحْرَامًا مِنْ الْحَجِّ ، فَأَفْسَدَهُ ، كَالْوَطْءِ قَبْلَ الرَّمْيِ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ شَهِدَ صَلَاتَنَا هَذِهِ ، وَوَقَفَ مَعَنَا حَتَّى نَدْفَعَ ، وَكَانَ قَدْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ قَبْلَ ذَلِكَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا ، فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ ، وَقَضَى تَفَثَهُ } .\rوَلِأَنَّهُ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي رَجُلٍ أَصَابَ أَهْلَهُ قَبْلَ أَنْ يُفِيضَ يَوْمَ النَّحْرِ : يَنْحَرَانِ جَزُورًا بَيْنَهُمَا ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ الْحَجُّ مِنْ قَابِلٍ .\rوَلَا نَعْرِفُ لَهُ مُخَالِفًا فِي الصَّحَابَةِ .\rوَلِأَنَّ الْحَجَّ عِبَادَةٌ لَهَا تَحَلُّلَانِ ، فَوُجُودُ الْمُفْسِدِ بَعْدَ تَحَلُّلِهَا الْأَوَّلِ لَا يُفْسِدُهَا ، كَبَعْدِ التَّسْلِيمَةِ الْأَوْلَى فِي الصَّلَاةِ ، وَبِهَذَا فَارَقَ مَا قَبْلَ التَّحَلُّلِ الْأَوَّلِ .\rالْفَصْلُ الثَّانِي ، أَنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ بِالْوَطْءِ شَاةٌ .\rهَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ .\rوَنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .\rوَقَوْلُ عِكْرِمَةَ ، وَرَبِيعَةَ ، وَمَالِكٍ ، وَإِسْحَاقَ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : فِيهِ رِوَايَةٌ أُخْرَى ، أَنَّ عَلَيْهِ بَدَنَةً .\rوَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَعَطَاءٍ ، وَالشَّعْبِيِّ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ ؛ لِأَنَّهُ وَطِئَ فِي الْحَجِّ ، فَوَجَبَتْ عَلَيْهِ بَدَنَةٌ ، كَمَا قَبْلَ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ وَطْءٌ لَمْ يُفْسِدْ ، فَلَمْ يُوجِبْ كَالْوَطْءِ دُونَ الْفَرْجِ إذَا لَمْ يُنْزِلْ .\rوَلِأَنَّ حُكْمَ الْإِحْرَامِ خَفَّ بِالتَّحَلُّلِ الْأَوَّلِ ،","part":7,"page":282},{"id":3282,"text":"فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مُوجِبُهُ دُونَ مُوجِبِ الْإِحْرَامِ التَّامِّ .\r( 2629 ) الْفَصْلُ الثَّالِثُ ، أَنَّهُ يَفْسُدُ الْإِحْرَامُ بِالْوَطْءِ بَعْدَ رَمْيِ الْجَمْرَةِ ، وَيَلْزَمُهُ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ الْحِلَّ .\rوَبِذَلِكَ قَالَ عِكْرِمَةُ ، وَرَبِيعَةُ ، وَإِسْحَاقُ .\rوَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَعَطَاءٌ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ : حَجُّهُ صَحِيحٌ ، وَلَا يَلْزَمُهُ الْإِحْرَامُ ؛ لِأَنَّهُ إحْرَامٌ لَا يَفْسُدُ جَمِيعُهُ ، فَلَمْ يَفْسُدْ بَعْضُهُ ، كَمَا لَوْ وَطِئَ بَعْدَ التَّحَلُّلِ الثَّانِي .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ وَطْءٌ صَادَفَ إحْرَامًا ، فَأَفْسَدَهُ ، كَالْإِحْرَامِ التَّامِّ ، وَإِذَا فَسَدَ إحْرَامُهُ ، فَعَلَيْهِ أَنْ يُحْرِمَ لِيَأْتِيَ بِالطَّوَافِ فِي إحْرَامٍ صَحِيحٍ ؛ لِأَنَّ الطَّوَافَ رُكْنٌ ، فَيَجِبُ أَنْ يَأْتِيَ بِهِ فِي إحْرَامٍ صَحِيحٍ ، كَالْوُقُوفِ ، وَيَلْزَمُهُ الْإِحْرَامُ مِنْ الْحِلَّ ؛ لِأَنَّ الْإِحْرَامَ يَنْبَغِي أَنْ يَجْمَعَ فِيهِ بَيْنَ الْحِلِّ وَالْحَرَمِ ، فَلَوْ أَبَحْنَا لِهَذَا الْإِحْرَامَ مِنْ الْحَرَمِ لَمْ يَجْمَعْ بَيْنَهُمَا ؛ لِأَنَّ أَفْعَالَهُ كُلَّهَا تَقَعُ فِي الْحَرَمِ ، فَأَشْبَهَ الْمُعْتَمِرَ .\rوَإِذَا أَحْرَمَ مِنْ الْحِلِّ ، طَافَ لِلزِّيَارَةِ ، وَسَعَى إنْ كَانَ لَمْ يَسْعَ فِي حَجِّهِ .\rوَإِنْ كَانَ سَعَى ، طَافَ لِلزِّيَارَةِ ، وَتَحَلَّلَ .\rهَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ ؛ لِأَنَّ الَّذِي بَقِيَ عَلَيْهِ بَقِيَّةُ أَفْعَالِ الْحَجِّ ، وَإِنَّمَا وَجَبَ عَلَيْهِ الْإِحْرَامُ لِيَأْتِيَ بِهَا فِي إحْرَامٍ صَحِيحٍ .\rوَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ وَمَنْ وَافَقَهُ مِنْ الْأَئِمَّةِ ، أَنَّهُ يَعْتَمِرُ ، فَيَحْتَمِلُ أَنَّهُمْ أَرَادُوا هَذَا أَيْضًا ، وَسَمَّوْهُ عُمْرَةً ؛ لِأَنَّ هَذَا هُوَ أَفْعَالُ الْعُمْرَةِ ؛ وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُمْ أَرَادُوا عُمْرَةً حَقِيقِيَّة ، فَيَلْزَمُهُ سَعْيٌ وَتَقْصِيرٌ .\rوَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا .\rوَقَوْلُ الْخِرَقِيِّ : \" يُحْرِمُ مِنْ التَّنْعِيمِ \" .\rلَمْ يَذْكُرْهُ لِتَعْيِينِ الْإِحْرَامِ مِنْهُ ، بَلْ لِأَنَّهُ حَلَّ ، فَمَنْ أَحَلَّ وَأَحْرَمَ جَازَ كَالْمُعْتَمِرِ .","part":7,"page":283},{"id":3283,"text":"( 2630 ) فَصْلٌ : وَلَا فَرْقَ بَيْنَ مَنْ حَلَقَ وَمَنْ لَمْ يَحْلِقْ ، فِي أَنَّهُ لَا يَفْسُدُ حَجُّهُ بِالْوَطْءِ بَعْدَ الرَّمْيِ ، وَعَلَيْهِ دَمٌ وَإِحْرَامٌ مِنْ الْحِلِّ .\rهَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ ، وَالْخِرَقِيِّ وَمَنْ سَمَّيْنَاهُ مِنْ الْأَئِمَّةِ ، لِتَرْتِيبِهِمْ هَذَا الْحُكْمَ عَلَى الْوَطْءِ بَعْدَ مُجَرَّدِ الرَّمْيِ ، مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ أَمْرٍ زَائِدٍ .","part":7,"page":284},{"id":3284,"text":"( 2631 ) فَصْلٌ : فَإِنْ طَافَ لِلزِّيَارَةِ ، وَلَمْ يَرْمِ ، ثُمَّ وَطِئَ ، لَمْ يَفْسُدْ حَجُّهُ بِحَالٍ ؛ لِأَنَّ الْحَجَّ قَدْ تَمَّ أَرْكَانُهُ كُلُّهَا ، وَلَا يَلْزَمُهُ إحْرَامٌ مِنْ الْحِلِّ ، فَإِنَّ الرَّمْيَ لَيْسَ بِرُكْنٍ .\rوَهَلْ يَلْزَمُهُ دَمٌ ؟ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ ؛ لِأَنَّهُ وَطِئَ قَبْلَ وُجُودِ مَا يَتِمُّ بِهِ التَّحَلُّلُ ، فَأَشْبَهَ مَنْ وَطِئَ بَعْدَ الرَّمْيِ وَقَبْلَ الطَّوَافِ .","part":7,"page":285},{"id":3285,"text":"( 2632 ) فَصْلٌ : وَالْقَارِنُ كَالْمُفْرِدِ ؛ فَإِنَّهُ إذَا وَطِئَ بَعْدَ الرَّمْيِ لَمْ يَفْسُدْ حَجُّهُ ، وَلَا عُمْرَتُهُ ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ لِلْحَجِّ ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَحِلُّ مِنْ عُمْرَتِهِ قَبْلَ الطَّوَافِ ، وَيَفْعَلُ ذَلِكَ إذَا كَانَ قَارِنًا ، وَلِأَنَّ التَّرْتِيبَ لِلْحَجِّ دُونَهَا ، وَالْحَجُّ لَا يَفْسُدُ قَبْلَ الطَّوَافِ ، كَذَلِكَ الْعُمْرَةُ .\rوَقَالَ أَحْمَدُ مَنْ وَطِئَ بَعْدَ الطَّوَافِ يَوْمَ النَّحْرِ قَبْلَ أَنْ يَرْكَعَ : مَا عَلَيْهِ شَيْءٌ .\rقَالَ أَبُو طَالِبٍ : سَأَلْت أَحْمَدَ عَنْ الرَّجُلِ يُقَبِّلُ بَعْدَ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ ، قَبْلَ أَنْ يَزُورَ الْبَيْتَ ؟ قَالَ : لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ ، قَدْ قَضَى الْمَنَاسِكَ .\rفَعَلَى هَذَا ، لَيْسَ عَلَيْهِ فِيمَا دُونَ الْوَطْءِ فِي الْفَرْجِ شَيْءٌ .","part":7,"page":286},{"id":3286,"text":"( 2633 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَمُبَاحٌ لِأَهْلِ السِّقَايَةِ وَالرُّعَاةِ ، أَنْ يَرْمُوا بِاللَّيْلِ ) تُرْوَى هَذِهِ اللَّفْظَةُ : \" الرُّعَاةُ \" بِضَمِّ الرَّاءِ وَإِثْبَاتِ الْهَاءِ ، مِثْلُ الدُّعَاةِ وَالْقُضَاةِ .\rوَالرِّعَاءُ ، بِكَسْرِ الرَّاءِ وَالْمَدِّ مِنْ غَيْرِ هَاءٍ ، وَهُمَا لُغَتَانِ صَحِيحَتَانِ .\rقَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ } .\rوَفِي بَعْضِ الْحَدِيثِ : { أَرْخَصَ لِلرُّعَاةِ أَنْ يَرْمُوا يَوْمًا ، وَيَدَعُوا يَوْمًا } .\rوَإِنَّمَا أُبِيحَ لِهَؤُلَاءِ الرَّمْيُ بِاللَّيْلِ ؛ لِأَنَّهُمْ يَشْتَغِلُونَ بِالنَّهَارِ بِرَعْيِ الْمَوَاشِي وَحِفْظِهَا ، وَأَهْلُ السِّقَايَةِ هُمْ الَّذِينَ يَسْقُونَ مِنْ بِئْرِ زَمْزَمَ لِلْحَاجِّ ، فَيَشْتَغِلُونَ بِسِقَايَتِهِمْ نَهَارًا ، فَأُبِيحَ لَهُمْ الرَّمْيُ فِي وَقْتِ فَرَاغِهِمْ ، تَخْفِيفًا عَلَيْهِمْ ، فَيَجُوزُ لَهُمْ رَمْيُ كُلِّ يَوْمٍ فِي اللَّيْلَةِ الْمُسْتَقْبَلَةِ ، فَيَرْمُونَ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ فِي لَيْلَةِ الْيَوْمِ الْأَوَّلِ مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ ، وَرَمْيُ الْيَوْمِ الْأَوَّلِ فِي لَيْلَةِ الثَّانِي ، وَرَمْيُ الثَّانِي فِي لَيْلَةِ الثَّالِثِ ، وَالثَّالِثِ إذَا أَخَّرُوهُ إلَى الْغُرُوبِ سَقَطَ عَنْهُمْ ، كَسُقُوطِهِ عَنْ غَيْرِهِمْ .\rقَالَ عَطَاءٌ : لَا يَرْمِي اللَّيْلَ إلَّا رِعَاءُ الْإِبِلِ ، فَأَمَّا التُّجَّارُ فَلَا .\rوَكَانَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ، يَقُولُونَ : مَنْ نَسِيَ الرَّمْيَ إلَى اللَّيْلِ ، رَمَى ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ ، مِنْ الرُّعَاةِ وَمِنْ غَيْرِهِمْ .","part":7,"page":287},{"id":3287,"text":"( 2634 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَمُبَاحٌ لِلرُّعَاةِ أَنْ يُؤَخِّرُوا الرَّمْيَ ، فَيَقْضُوهُ فِي الْوَقْتِ الثَّانِي ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلرُّعَاةِ تَرْكُ الْمَبِيتِ بِمِنًى لَيَالِي مِنًى ، وَيُؤَخِّرُونَ رَمْيَ الْيَوْمِ الْأَوَّلِ ، وَيَرْمُونَ يَوْمَ النَّفْرِ الْأَوَّلِ عَنْ الرَّمِيَّيْنِ جَمِيعًا ؛ لِمَا عَلَيْهِمْ مِنْ الْمَشَقَّةِ فِي الْمَبِيتِ وَالْإِقَامَةِ لِلرَّمْيِ .\rوَقَدْ رَوَى مَالِكٌ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي الْبَدَّاحِ بْنِ عَاصِمٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : { رَخَّصَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِرِعَاءِ الْإِبِلِ فِي الْبَيْتُوتَةِ أَنْ يَرْمُوا يَوْمَ النَّحْرِ ، ثُمَّ يَجْمَعُوا رَمْيَ يَوْمَيْنِ بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ ، يَرْمُونَهُ فِي أَحَدِهِمَا .\r} قَالَ مَالِكٌ : ظَنَنْت أَنَّهُ فِي أَوَّلِ يَوْمٍ مِنْهُمَا ، ثُمَّ يَرْمُونَ يَوْمَ النَّفْرِ .\rرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ ، وَالتِّرْمِذِيُّ .\rوَقَالَ : حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ، رَوَاهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ ، قَالَ : رُخِّصَ لِلرِّعَاءِ أَنْ يَرْمُوا يَوْمًا ، وَيَدَعُوا يَوْمًا .\rوَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي أَهْلِ سِقَايَةِ الْحَاجِّ .\rوَقَدْ رَوَى ابْنُ عُمَرَ ، { أَنَّ الْعَبَّاسَ اسْتَأْذَنَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيَبِيتَ بِمَكَّةَ لَيَالِيَ مِنًى ، مِنْ أَجْلِ سِقَايَتِهِ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rإلَّا أَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ الرِّعَاءِ ، وَأَهْلِ السِّقَايَةِ ، أَنَّ الرِّعَاءَ إذَا قَامُوا حَتَّى غَرَبَتْ الشَّمْسُ لَزِمَهُمْ الْبَيْتُوتَةُ ، وَأَهْلُ السِّقَايَةِ بِخِلَافِ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الرُّعَاةَ إنَّمَا رَعْيُهُمْ بِالنَّهَارِ ، فَإِذَا غَرَبَتْ الشَّمْسُ فَقَدْ انْقَضَى وَقْتُ الرَّعْيِ ، وَأَهْلُ السِّقَايَةِ يَشْتَغِلُونَ لَيْلًا وَنَهَارًا ، فَافْتَرَقَا ، وَصَارَ الرِّعَاءُ كَالْمَرِيضِ الَّذِي يُبَاحُ لَهُ تَرْكُ الْجُمُعَةِ لِمَرَضِهِ ، فَإِذَا حَضَرَهَا تَعَيَّنَتْ عَلَيْهِ ، وَالرِّعَاءُ أُبِيحَ لَهُمْ تَرْكُ الْمَبِيتِ لِأَجْلِ الرَّعْيِ ، فَإِذَا فَاتَ وَقْتُهُ وَجَبَ الْمَبِيتُ .","part":7,"page":288},{"id":3288,"text":"( 2635 ) فَصْلٌ : وَأَهْلُ الْأَعْذَارِ مِنْ غَيْرِ الرِّعَاءِ ، كَالْمَرْضَى ، وَمَنْ لَهُ مَالٌ يَخَافُ ضَيَاعَهُ ، وَنَحْوِهِمْ ، كَالرِّعَاءِ فِي تَرْكِ الْبَيْتُوتَةِ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَخَّصَ لِهَؤُلَاءِ تَنْبِيهًا عَلَى غَيْرِهِمْ ، أَوْ نَقُولُ : نَصَّ عَلَيْهِ لِمَعْنًى وُجِدَ فِي غَيْرِهِمْ ، فَوَجَبَ إلْحَاقُهُ بِهِمْ .","part":7,"page":289},{"id":3289,"text":"( 2636 ) فَصْلٌ : إذَا كَانَ الرَّجُلُ مَرِيضًا ، أَوْ مَحْبُوسًا ، أَوْ لَهُ عُذْرٌ ، جَازَ أَنْ يَسْتَنِيبَ مَنْ يَرْمِي عَنْهُ .\rقَالَ الْأَثْرَمُ : قُلْت لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ : إذَا رُمِيَ عَنْهُ الْجِمَارُ ، يَشْهَدُ هُوَ ذَاكَ أَوْ يَكُونُ فِي رَحْلِهِ ؟ قَالَ : يُعْجِبُنِي أَنْ يَشْهَدَ ذَاكَ إنْ قَدَرَ حِينَ يُرْمَى عَنْهُ .\rقُلْت : فَإِنْ ضَعُفَ عَنْ ذَلِكَ ، أَيَكُونُ فِي رَحْلِهِ وَيَرْمِي عَنْهُ ؟ قَالَ : نَعَمْ .\rقَالَ الْقَاضِي : الْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَضَعَ الْحَصَى فِي يَدِ النَّائِبِ ، لِيَكُونَ لَهُ عَمَلٌ فِي الرَّمْيِ .\rوَإِنْ أُغْمِيَ عَلَى الْمُسْتَنِيبِ ، لَمْ تَنْقَطِعْ النِّيَابَةُ ، وَلِلنَّائِبِ الرَّمْيُ عَنْهُ ، كَمَا لَوْ اسْتَنَابَهُ فِي الْحَجِّ ثُمَّ أُغْمِيَ عَلَيْهِ .\rوَبِمَا ذَكَرْنَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَنَحْوَهُ قَالَ مَالِكٌ ، إلَّا أَنَّهُ قَالَ : يَتَحَرَّى الْمَرِيضُ حِينَ رَمْيِهِمْ ، فَيُكَبِّرُ سَبْعَ تَكْبِيرَاتٍ .","part":7,"page":290},{"id":3290,"text":"( 2637 ) فَصْلٌ : وَمِنْ تَرَكَ الرَّمْيَ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ ، فَعَلَيْهِ دَمٌ .\rقَالَ أَحْمَدُ : أَعْجَبُ إلَيَّ إذَا تَرَكَ الْأَيَّامَ كُلَّهَا كَانَ عَلَيْهِ دَمٌ .\rوَفِي تَرْكِ جَمْرَةٍ وَاحِدَةٍ دَمٌ أَيْضًا .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .\rوَبِهَذَا قَالَ عَطَاءٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ عَلَيْهِ فِي جَمْرَةٍ أَوْ الْجَمَرَاتِ كُلِّهَا بَدَنَةً .\rقَالَ الْحَسَنُ : مَنْ نَسِيَ جَمْرَةً وَاحِدَةً يَتَصَدَّقُ عَلَى مِسْكِينٍ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ : مِنْ تَرَكَ شَيْئًا مِنْ مَنَاسِكِهِ فَعَلَيْهِ دَمٌ .\rوَلِأَنَّهُ تَرَكَ مِنْ مَنَاسِكِهِ مَا لَا يَفْسُدُ الْحَجُّ بِتَرْكِهِ ، فَكَانَ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ شَاةً كَالْمَبِيتِ .\rوَإِنْ تَرَكَ أَقَلِّ مِنْ جَمْرَةٍ ، فَالظَّاهِرُ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ ، فِي حَصَاةٍ ، وَلَا فِي حَصَاتَيْنِ .\rوَعَنْهُ ، أَنَّهُ يَجِبُ الرَّمْيُ بِسَبْعٍ .\rفَإِنْ تَرَكَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ ، تَصَدَّقَ بِشَيْءٍ ، أَيِّ شَيْءٍ كَانَ .\rوَعَنْهُ ، أَنَّ فِي كُلِّ حَصَاةٍ دَمًا .\rوَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ ، وَاللَّيْثِ ؛ لِأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ ، قَالَ : مَنْ تَرَكَ شَيْئًا مِنْ مَنَاسِكِهِ فَعَلَيْهِ دَمٌ .\rوَعَنْهُ : فِي الثَّلَاثَةِ دَمٌ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rوَفِيمَا دُونَ ذَلِكَ ، فِي كُلِّ حَصَاةٍ مُدٌّ .\rوَعَنْهُ : دِرْهَمٌ .\rوَعَنْهُ ، نِصْفُ دِرْهَمٍ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إنْ تَرَكَ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ أَوْ الْجِمَارَ كُلَّهَا فَعَلَيْهِ دَمٌ ، وَإِنْ تَرَكَ غَيْرَ ذَلِكَ فَعَلَيْهِ فِي كُلِّ حَصَاةٍ نِصْفُ صَاعٍ ، إلَى أَنْ يَبْلُغَ دَمًا .\rوَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ .\rوَآخِرُ وَقْتِ الرَّمْيِ آخِرُ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ ، فَمَتَى خَرَجَتْ قَبْلَ رَمْيِهِ فَاتَ وَقْتُهُ ، وَاسْتَقَرَّ عَلَيْهِ الْفِدَاءُ الْوَاجِبُ فِي تَرْكِ الرَّمْيِ .\rهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rوَحُكِيَ عَنْ عَطَاءٍ ، فِي مَنْ رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ ، ثُمَّ خَرَجَ إلَى إبِلِهِ فِي لَيْلَةِ أَرْبَعَ عَشَرَةَ ، ثُمَّ رَمَى قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ ، فَإِنْ لَمْ يَرْمِ أَهْرَقَ دَمًا .\rوَالْأَوَّلُ أَوْلَى ؛ لِأَنَّ مَحِلَّ الرَّمْيِ النَّهَارُ ، فَيَخْرُجُ","part":7,"page":291},{"id":3291,"text":"وَقْتُ الرَّمْي بِخُرُوجِ النَّهَارِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":7,"page":292},{"id":3292,"text":"بَابُ الْفِدْيَةِ وَجَزَاءِ الصَّيْدِ ( 2638 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَمَنْ حَلَقَ أَرْبَعَ شَعَرَاتٍ فَصَاعِدًا ، عَامِدًا أَوْ مُخْطِئًا ، فَعَلَيْهِ صِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ، أَوْ إطْعَامُ ثَلَاثَةِ آصُعٍ مِنْ تَمْرٍ بَيْنَ سِتَّةِ مَسَاكِينَ ، أَوْ ذَبْحُ شَاةٍ ، أَيَّ ذَلِكَ فَعَلَ أَجْزَأَهُ ) الْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي سِتَّةِ فُصُولٍ : ( 2639 ) الْفَصْلُ الْأَوَّل ، أَنَّ عَلَى الْمُحْرِمِ فِدْيَةً إذَا حَلَقَ رَأْسَهُ .\rوَلَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى وُجُوبِ الْفِدْيَةِ عَلَى مَنْ حَلَقَ وَهُوَ مُحْرِمٌ بِغَيْرِ عِلَّةٍ .\rوَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى : { وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ } .\r{ وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِكَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ : لَعَلَّك آذَاك هَوَامُّك ؟ قَالَ : نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ .\rفَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : احْلِقْ رَأْسَك ، وَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ، أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ ، أَوْ اُنْسُكْ شَاةً } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَفِي لَفْظٍ : \" أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صَاعِ تَمْرٍ \" .\rوَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ إزَالَةِ الشَّعْرِ بِالْحَلْقِ ، أَوْ النُّورَةِ ، أَوْ قَصِّهِ ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ ، لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا .\r( 2640 ) الْفَصْلُ الثَّانِي ، أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْعَامِدِ وَالْمُخْطِئِ ، وَمَنْ لَهُ عُذْرٌ وَمَنْ لَا عُذْرَ لَهُ ، فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ .\rوَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيَّ وَنَحْوُهُ عَنْ الثَّوْرِيِّ .\rوَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ ، لَا فِدْيَةَ عَلَى النَّاسِي .\rوَهُوَ قَوْلُ إِسْحَاقَ ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ ؛ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { عُفِيَ لِأُمَّتِي عَنْ الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ } .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ إتْلَافٌ ، فَاسْتَوَى عَمْدُهُ وَخَطَؤُهُ ، كَقَتْلِ الصَّيْدِ ، وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْجَبَ الْفِدْيَةَ عَلَى مَنْ حَلَقَ رَأْسَهُ لِأَذًى بِهِ وَهُوَ مَعْذُورٌ ،","part":7,"page":293},{"id":3293,"text":"فَكَانَ ذَلِكَ تَنْبِيهًا عَلَى وُجُوبِهَا عَلَى غَيْرِ الْمَعْذُورِ ، وَدَلِيلًا عَلَى وُجُوبِهَا عَلَى الْمَعْذُورِ بِنَوْعٍ آخَرَ ، مِثْلُ الْمُحْتَجِمِ الَّذِي يَحْلِقُ مَوْضِعَ مَحَاجِمِهِ ، أَوْ شَعْرًا عَنْ شَجَّتِهِ ، وَفِي مَعْنَى النَّاسِي النَّائِمُ الَّذِي يَقْلَعُ شَعْرَهُ ، أَوْ يُصَوِّبُ شَعْرَهُ إلَى تَنُّورٍ فَيَحْرِقُ لَهَبُ النَّارِ شَعْرَهُ ، وَنَحْوُ ذَلِكَ .\r( 2641 ) الْفَصْلُ الثَّالِثُ ، أَنَّ الْفِدْيَةَ هِيَ إحْدَى الثَّلَاثَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْآيَةِ وَالْخَبَرِ ، أَيَّهَا شَاءَ فَعَلَ ؛ لِأَنَّهُ أُمِرَ بِهَا بِلَفْظِ التَّخْيِيرِ ، وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْمَعْذُورِ وَغَيْرِهِ ، وَالْعَامِدِ وَالْمُخْطِئِ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّهُ إذَا حَلَقَ لِغَيْرِ عُذْرٍ فَعَلَيْهِ الدَّمُ ، مِنْ غَيْرِ تَخْيِيرٍ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَيَّرَ بِشَرْطِ الْعُذْرِ ، فَإِذَا عُدِمَ الشَّرْطُ وَجَبَ زَوَالُ التَّخْيِيرِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الْحُكْمَ ثَبَتَ فِي غَيْرِ الْمَعْذُورِ بِطَرِيقِ التَّنْبِيهِ تَبَعًا لَهُ ، وَالتَّبَعُ لَا يُخَالِفُ أَصْلَهُ ، وَلِأَنَّ كُلَّ كَفَّارَةٍ ثَبَتَ التَّخْيِيرُ فِيهَا إذَا كَانَ سَبَبُهَا مُبَاحًا ثَبَتَ كَذَلِكَ إذَا كَانَ مَحْظُورًا ، كَجَزَاءِ الصَّيْدِ ، وَلَا فَرْقَ بَيْن قَتْلِهِ لِلضَّرُورَةِ إلَى أَكْلِهِ ، أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ ، وَإِنَّمَا الشَّرْطُ لِجَوَازِ الْحَلْقِ لَا لِلتَّخْيِيرِ .","part":7,"page":294},{"id":3294,"text":"( 2642 ) الْفَصْلُ الرَّابِعُ ، الْقَدْرَ الَّذِي يَجِبُ بِهِ الدَّمُ أَرْبَعُ شَعَرَاتٍ فَصَاعِدًا ، وَفِيهِ رِوَايَةٌ أُخْرَى ، يَجِبُ فِي الثَّلَاثِ مَا فِي حَلْقِ الرَّأْسِ .\rقَالَ الْقَاضِي : هُوَ الْمَذْهَبُ .\rوَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ ، وَعَطَاءٍ ، وَابْنِ عُيَيْنَةَ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ؛ لِأَنَّهُ شَعْرُ آدَمِيٍّ يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الْجَمْعِ الْمُطْلَقِ ، فَجَازَ أَنْ يَتَعَلَّق بِهِ الدَّمُ كَالرُّبْعِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَجِبُ الدَّمُ بِدُونِ رُبْعِ الرَّأْسِ ؛ لِأَنَّ الرُّبْعَ يَقُومُ مَقَامَ الْكُلِّ وَلِهَذَا إذَا رَأَى رَجُلًا يَقُولُ : رَأَيْت فُلَانًا .\rوَإِنَّمَا رَأَى إحْدَى جِهَاتِهِ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : إذَا حَلَقَ مِنْ رَأْسِهِ مَا أَمَاطَ بِهِ الْأَذَى وَجَبَ الدَّمُ .\rوَوَجْهُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ أَنَّ الْأَرْبَعَ كَثِيرُ ، فَوَجَبَ بِهِ الدَّمُ كَالرُّبْعِ فَصَاعِدًا أَمَّا الثَّلَاثَةُ فَهِيَ آخِرُ الْقِلَّةِ وَآخِرُ الشَّيْءِ مِنْهُ ، فَأَشْبَهَ الشَّعْرَةَ وَالشَّعْرَتَيْنِ وَالِاسْتِدْلَالُ بِأَنَّ الرُّبْعَ يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الْكُلِّ غَيْرُ صَحِيحٍ ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَتَقَيَّدُ بِالرُّبْعِ ، وَإِنَّمَا هُوَ مَجَازٌ يَتَنَاوَلُ الْكَثِيرَ وَالْقَلِيلَ .","part":7,"page":295},{"id":3295,"text":"( 2643 ) الْفَصْلُ الْخَامِسُ أَنَّ شَعْرَ الرَّأْسِ وَغَيْرَهُ سَوَاءٌ فِي وُجُوبِ الْفِدْيَةِ ؛ لِأَنَّ شَعْرَ غَيْرِ الرَّأْسِ يَحْصُلُ بِحَلْقِهِ التَّرَفُّهُ وَالتَّنَظُّفُ ، فَأَشْبَهَ الرَّأْسَ .\rفَإِنْ حَلَقَ مِنْ شَعْرِ رَأْسِهِ وَبَدَنِهِ ، فَفِي الْجَمِيعِ فِدْيَةٌ وَاحِدَةٌ ، وَإِنْ كَثُرَ .\rوَإِنْ حَلَقَ مِنْ رَأْسِهِ شَعْرَتَيْنِ ، وَمِنْ بَدَنِهِ شَعْرَتَيْنِ ، فَعَلَيْهِ دَمٌ وَاحِدٌ .\rهَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ ، وَاخْتِيَارُ أَبِي الْخَطَّابِ ، وَمَذْهَبُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ .\rوَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ أَنَّ فِيهَا رِوَايَتَيْنِ ؛ إحْدَاهُمَا كَمَا ذَكَرْنَا .\rوَالثَّانِيَةُ ، أَنَّهُ إذَا قَلَعَ مِنْ شَعْرِ رَأْسِهِ وَبَدَنِهِ مَا يَجِبُ الدَّمُ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُنْفَرِدًا فَفِيهِمَا دَمَانِ .\rوَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ ؛ لِأَنَّ الرَّأْسَ يُخَالِفُ الْبَدَنَ ؛ بِحُصُولِ التَّحَلُّلِ بِهِ دُونَ الْبَدَنِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الشَّعْرَ كُلَّهُ جِنْسٌ وَاحِدٌ فِي الْبَدَنِ ، فَلَمْ تَتَعَدَّد الْفِدْيَةُ فِيهِ ، بِاخْتِلَافِ ، مَوَاضِعِهِ ، كَسَائِرِ الْبَدَنِ وَكَاللِّبَاسِ ، وَدَعْوَى الِاخْتِلَافِ تَبْطُلُ بِاللِّبَاسِ ، فَإِنَّهُ يَجِبُ كَشْفُ الرَّأْسِ ، دُونَ غَيْرِهِ ، وَالْجَزَاءُ فِي اللُّبْسِ فِيهِمَا وَاحِدٌ .","part":7,"page":296},{"id":3296,"text":"( 2644 ) الْفَصْلُ السَّادِسُ ، أَنَّ الْفِدْيَةَ الْوَاجِبَةَ بِحَلْقِ الشَّعْرِ هِيَ الْمَذْكُورَةُ فِي حَدِيثِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ، بِقَوْلِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { احْلِقْ رَأْسَك ، وَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ، أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ ، لِكُلِّ مِسْكِينٍ ، نِصْفُ صَاعٍ ، أَوْ اُنْسُكْ شَاةً } .\rوَفِي لَفْظٍ : { أَوْ أَطْعِمْ فَرَقًا بَيْنَ سِتَّةِ مَسَاكِينَ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَفِي لَفْظٍ : { أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ بَيْنَ كُلِّ مِسْكِينَيْنِ صَاعٌ } .\rوَفِي لَفْظٍ : { فَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَإِنْ شِئْت فَتَصَدَّقْ بِثَلَاثَةِ آصُعٍ مِنْ تَمْرٍ .\rبَيْنَ سِتَّةِ مَسَاكِينَ } .\rرَوَاهُ كُلَّهُ أَبُو دَاوُد .\rوَبِهَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَأَبُو مِجْلَزٍ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَقَالَ الْحَسَنُ ، وَعِكْرِمَةُ ، وَنَافِعٌ : الصِّيَامُ عَشْرَةُ أَيَّامٍ ، وَالصَّدَقَةُ عَلَى عَشْرَةِ مَسَاكِينَ .\rوَيُرْوَى ذَلِكَ عَنْ الثَّوْرِيِّ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ ، قَالُوا : يُجْزِئُ مِنْ الْبُرِّ نِصْفُ صَاعٍ لِكُلِّ مِسْكِينٍ ، وَمِنْ التَّمْرِ وَالشَّعِيرِ صَاعٌ صَاعٌ .\rوَاتِّبَاعُ السُّنَّةِ أَوْلَى .","part":7,"page":297},{"id":3297,"text":"( 2645 ) فَصْلٌ : وَيُجْزِئُ الْبُرُّ وَالشَّعِيرُ وَالزَّبِيبُ فِي الْفِدْيَةِ ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَوْضِعٍ أَجْزَأَ فِيهِ التَّمْرُ أَجْزَأَ فِيهِ ذَلِكَ ، كَالْفِطْرَةِ ، وَكَفَّارَةِ الْيَمِينِ .\rوَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد ، فِي حَدِيثِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ، قَالَ : { فَدَعَانِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لِي : احْلِقْ رَأْسَك ، وَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ، أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ فَرَقًا مِنْ زَبِيبٍ .\rأَوْ اُنْسُكْ شَاةً .\r} رَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَلَا يُجْزِئُ مِنْ هَذِهِ الْأَصْنَافِ أَقَلُّ مِنْ ثَلَاثَةِ آصُعٍ ، إلَّا الْبُرَّ ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ : إحْدَاهُمَا ، مُدٌّ مِنْ بُرٍّ لِكُلِّ مِسْكِينٍ ، مَكَانَ نِصْفِ صَاعٍ مِنْ غَيْرِهِ ، كَمَا فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ .\rوَالثَّانِيَةُ ، لَا يُجْزِئُ إلَّا نِصْفُ صَاعٍ ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ ثَبَتَ فِيهِ بِطَرِيقِ التَّنْبِيهِ أَوْ الْقِيَاسِ ، وَالْفَرْعُ يُمَاثِلُ أَصْلَهُ وَلَا يُخَالِفُهُ .\rوَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ .","part":7,"page":298},{"id":3298,"text":"( 2646 ) فَصْلٌ : وَإِذَا حَلَقَ ثُمَّ حَلَقَ ، فَالْوَاجِبُ فِدْيَةٌ وَاحِدَةٌ ، مَا لَمْ يُكَفِّرْ عَنْ الْأَوَّلِ قَبْلَ فِعْلِ الثَّانِي ، فَإِنْ كَفَّرَ عَنْ الْأَوَّلِ ثُمَّ حَلَقَ ثَانِيًا ، فَعَلَيْهِ لِلثَّانِي كَفَّارَةٌ أَيْضًا .\rوَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِيمَا إذَا لَبِسَ ثُمَّ لَبِسَ ، أَوْ تَطَيَّبَ ثُمَّ تَطَيَّبَ ، أَوْ كَرَّرَ مِنْ مَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ اللَّاتِي لَا يَزِيدُ الْوَاجِبُ فِيهَا بِزِيَادَتِهَا ، وَلَا يَتَقَدَّرُ بِقَدْرِهَا ، فَأَمَّا مَا يَتَقَدَّرُ الْوَاجِبُ بِقَدْرِهِ ، وَهُوَ إتْلَافُ الصَّيْدِ ، فَفِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا جَزَاؤُهُ ، وَسَوَاءٌ فَعَلَهُ مُجْتَمِعًا أَوْ مُتَفَرِّقًا ، وَلَا تَدَاخُلَ فِيهِ ، فَفِعْلُ الْمَحْظُورَاتِ مُتَفَرِّقًا كَفِعْلِهَا مُجْتَمِعَةً فِي الْفِدْيَةِ ، مَا لَمْ يُكَفِّرْ عَنْ الْأَوَّلِ قَبْلَ فِعْلِ الثَّانِي .\rوَعَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ إنْ كَرَّرَهُ لَأَسْبَابٍ ، مِثْلُ أَنْ لَبِسَ لِلْبَرْدِ ، ثُمَّ لَبِسَ لِلْحَرِّ ، ثُمَّ لَبِسَ لِلْمَرَضِ ، فَكَفَّارَاتٌ ، وَإِنْ كَانَ لِسَبَبٍ وَاحِدٍ ، فَكَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ .\rوَقَدْ رَوَى عَنْهُ الْأَثْرَمُ ، فِي مَنْ لَبِسَ قَمِيصًا وَجُبَّةً وَعِمَامَةً وَغَيْرَ ذَلِكَ ، لِعِلَّةٍ وَاحِدَةٍ ، قُلْت لَهُ : فَإِنْ اعْتَلَّ فَلَبِسَ جُبَّةً ، ثُمَّ بَرِئَ ، ثُمَّ اعْتَلَّ فَلَبِسَ جُبَّةً ؟ فَقَالَ : هَذَا الْآنَ عَلَيْهِ كَفَّارَتَانِ .\rوَعَنْ الشَّافِعِيّ كَقَوْلِنَا .\rوَعَنْهُ : لَا يَتَدَاخَلُ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : تَتَدَاخَلُ كَفَّارَةُ الْوَطْءِ دُونَ غَيْرِهِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إنْ كَرَّرَهُ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ فَكَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ ، وَإِنْ كَانَ فِي مَجَالِسَ فَكَفَّارَاتٌ ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْمَجْلِسِ الْوَاحِدِ حُكْمُ الْفِعْلِ الْوَاحِدِ ، بِخِلَافِ غَيْرِهِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ مَا يَتَدَاخَلُ إذَا كَانَ بَعْضُهُ عَقِيبَ بَعْضٍ يَجِبُ أَنْ يَتَدَاخَلَ ، وَإِنْ تَفَرَّقَ كَالْحُدُودِ وَكَفَّارَةِ الْأَيْمَانِ ، وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْجَبَ فِي حَلْقِ الرَّأْسِ فِدْيَةً وَاحِدَةً ، وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ مَا وَقَعَ فِي دَفْعَةٍ أَوْ فِي دَفَعَاتٍ ، وَالْقَوْلُ بِأَنَّهُ لَا يَتَدَاخَلُ غَيْرُ صَحِيحٍ ، فَإِنَّهُ إذَا حَلَقَ","part":7,"page":299},{"id":3299,"text":"رَأْسَهُ لَا يُمْكِنُ إلَّا شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ .","part":7,"page":300},{"id":3300,"text":"( 2647 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا جَزَاءُ الصَّيْدِ فَلَا يَتَدَاخَلُ ، وَيَجِبُ فِي كُلِّ صَيْدٍ جَزَاؤُهُ ، سَوَاءٌ وَقَعَ مُتَفَرِّقًا أَوْ فِي حَالٍ وَاحِدَةٍ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّهُ يَتَدَاخَلُ ، قِيَاسًا عَلَى سَائِرِ الْمَحْظُورَاتِ .\rوَلَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : { فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَمِ } .\rوَمِثْلُ الصَّيْدَيْنِ لَا يَكُونُ مِثْلَ أَحَدِهِمَا ، وَلِأَنَّهُ لَوْ قَتَلَ صَيْدَيْنِ دُفْعَةً وَاحِدَةً ، وَجَبَ جَزَاؤُهُمَا ، فَإِذَا تَفَرَّقَا أَوْلَى أَنْ يَجِبَ ؛ لِأَنَّ حَالَةَ التَّفْرِيقِ لَا تَنْقُصُ عَنْ حَالَةِ الِاجْتِمَاعِ كَسَائِرِ الْمَحْظُورَاتِ .","part":7,"page":301},{"id":3301,"text":"( 2648 ) فَصْلٌ : إذَا حَلَقَ الْمُحْرِمُ رَأْسَ حَلَالٍ ، أَوْ قَلَّمَ أَظْفَارَهُ ، فَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ .\rوَبِذَلِكَ قَالَ عَطَاءٌ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ .\rوَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، فِي مُحْرِمٍ قَصَّ شَارِبَ حَلَالٍ : يَتَصَدَّقُ بِدِرْهَمٍ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَلْزَمُهُ صَدَقَةٌ ؛ لِأَنَّهُ أَتْلَفَ شَعْرَ آدَمِي ، فَأَشْبَهَ شَعْرَ الْمُحْرِمِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ شَعْرٌ مُبَاحُ الْإِتْلَافِ ، فَلَمْ يَجِبْ بِإِتْلَافِهِ شَيْءٌ ، كَشَعْرِ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ .","part":7,"page":302},{"id":3302,"text":"( 2649 ) فَصْلٌ : وَإِنْ حَلَقَ مُحْرِمٌ رَأْسَ مُحْرِمٍ بِإِذْنِهِ ، فَالْفِدْيَةُ عَلَى مَنْ حُلِقَ رَأْسُهُ .\rوَكَذَلِكَ إنْ حَلَقَهُ حَلَالٌ بِإِذْنِهِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : { وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ } .\rوَقَدْ عَلِمَ أَنَّ غَيْرَهُ هُوَ الَّذِي يَحْلِقُهُ ، فَأَضَافَ الْفِعْلَ إلَيْهِ ، وَجَعَلَ الْفِدْيَةَ عَلَيْهِ .\rوَإِنْ حَلَقَهُ مُكْرَهًا أَوْ نَائِمًا ، فَلَا فِدْيَةَ عَلَى الْمَحْلُوقِ رَأْسُهُ .\rوَبِهَذَا قَالَ إِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَابْنُ الْقَاسِمِ صَاحِبُ مَالِكٍ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : عَلَى الْمَحْلُوقِ رَأْسُهُ الْفِدْيَةُ .\rوَعَنْ الشَّافِعِيِّ كَالْمَذْهَبَيْنِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ يَحْلِقُ رَأْسَهُ وَلَمْ يُحْلَقْ بِإِذْنِهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ انْقَطَعَ الشَّعْرُ بِنَفْسِهِ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِنَّ الْفِدْيَةَ عَلَى الْحَالِقِ ، حَرَامًا كَانَ أَوْ حَلَالًا .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ : عَلَى الْحَلَالِ صَدَقَةٌ .\rوَقَالَ عَطَاءٌ : عَلَيْهِمَا الْفِدْيَةُ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ أَزَالَ مَا مُنِعَ مِنْ إزَالَتِهِ لِأَجْلِ الْإِحْرَامِ ، فَكَانَتْ عَلَيْهِ فِدْيَتُهُ ، كَالْمُحْرِمِ يَحْلِقُ رَأْسَ نَفْسِهِ .","part":7,"page":303},{"id":3303,"text":"( 2650 ) فَصْلٌ : إذَا قَلَعَ جِلْدَةً عَلَيْهَا شَعْرٌ ، فَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ زَالَ تَابِعًا لِغَيْرِهِ ، وَالتَّابِعُ لَا يُضْمَنُ ، كَمَا لَوْ قَلَعَ أَشْفَارَ عَيْنَيْ إنْسَانٍ ، فَإِنَّهُ لَا يَضْمَنُ أَهْدَابَهُمَا .","part":7,"page":304},{"id":3304,"text":"( 2651 ) فَصْلٌ : وَإِذَا خَلَّلَ شَعْرَهُ فَسَقَطَتْ شَعْرَةٌ ، فَإِنْ كَانَتْ مَيِّتَةً فَلَا فِدْيَةَ فِيهَا ، وَإِنْ كَانَتْ مِنْ شَعْرِهِ النَّابِتِ فَفِيهَا الْفِدْيَةُ ، وَإِنْ شَكَّ فِيهَا فَلَا فِدْيَةَ فِيهَا ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ نَفْيُ الضَّمَانِ إلَى أَنْ يَحْصُلَ يَقِينٌ .","part":7,"page":305},{"id":3305,"text":"( 2652 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَفِي كُلِّ شَعْرَةٍ مِنْ الثَّلَاثِ مُدٌّ مِنْ طَعَامٍ ) يَعْنِي إذَا حَلَقَ دُونَ الْأَرْبَعِ ، فَعَلَيْهِ فِي كُلِّ شَعْرَةٍ مُدٌّ مِنْ طَعَامٍ .\rوَهَذَا قَوْلُ الْحَسَنِ ، وَابْنِ عُيَيْنَةَ ، وَالشَّافِعِيِّ فِيمَا دُونَ الثَّلَاثِ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ ، فِي الشَّعْرَةِ دِرْهَمٌ ، وَفِي الشَّعْرَتَيْنِ دِرْهَمَانِ .\rوَعَنْهُ ، فِي كُلّ شَعْرَةٍ قَبْضَةٌ مِنْ طَعَامٍ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَطَاءٍ ، وَنَحْوُهُ عَنْ مَالِكٍ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ .\rقَالَ مَالِكٌ عَلَيْهِ فِيمَا قَلَّ مِنْ الشَّعْرِ إطْعَامُ طَعَامٍ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْي : يَتَصَدَّقُ بِشَيْءٍ لِأَنَّهُ لَا تَقْدِيرَ فِيهِ ، فَيَجِبُ فِيهِ أَقَلُّ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الصَّدَقَةِ .\rوَعَنْ مَالِكٍ ، فِي مَنْ أَزَالَ شَعْرًا يَسِيرًا : لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ النَّصَّ إنَّمَا أَوْجَبَ الْفِدْيَةَ فِي حَلْقِ الرَّأْسِ كُلِّهِ ، فَأَلْحَقْنَا بِهِ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الرَّأْسِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ مَا ضُمِنَتْ جُمْلَتُهُ ضُمِنَتْ أَبْعَاضُهُ ، كَالصَّيْدِ ، وَالْأَوْلَى أَنْ يَجِبَ الْإِطْعَامُ ؛ لِأَنَّ الشَّارِعَ إنَّمَا عَدَلَ عَنْ الْحَيَوَانِ إلَى الْإِطْعَامِ فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ ، وَهَا هُنَا أَوْجَبَ الْإِطْعَامَ مَعَ الْحَيَوَانِ عَلَى وَجْهِ التَّخْيِيرِ ، فَيَجِبُ أَنْ يَرْجِعَ إلَيْهِ فِيمَا لَا يَجِبُ فِيهِ الدَّمُ ، وَيَجِبُ مُدٌّ ؛ لِأَنَّهُ أَقَلُّ مَا وَجَبَ بِالشَّرْعِ فِدْيَةً ، فَكَانَ وَاجِبًا فِي أَقَلِّ الشَّعْرِ ، وَالطَّعَامُ الَّذِي يُجْزِئُ فِيهِ إخْرَاجُهُ ، وَهُوَ مَا يُجْزِئُ فِي حَلْقِ الرَّأْسِ ابْتِدَاءً مِنْ الْبُرِّ وَالشَّعِيرِ وَالتَّمْرِ وَالزَّبِيبِ ، كَاَلَّذِي يَجِبُ فِي الْأَرْبَعِ .","part":7,"page":306},{"id":3306,"text":"( 2653 ) فَصْلٌ : وَمَنْ أُبِيحَ لَهُ حَلْقُ رَأْسِهِ لِأَذًى بِهِ ، فَهُوَ مُخَيَّرٌ فِي الْفِدْيَةِ قَبْلَ الْحَلْقِ وَبَعْدَهُ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ؛ لِمَا رُوِيَ أَنَّ الْحُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ اشْتَكَى رَأْسَهُ ، فَأَتَى عَلِيٌّ فَقِيلَ لَهُ : هَذَا الْحُسَيْنُ يُشِيرُ إلَى رَأْسِهِ .\rفَدَعَا بِجَزُورٍ فَنَحَرَهَا ، ثُمَّ حَلَقَهُ وَهُوَ بالسَّعْيَاءِ .\rرَوَاهُ أَبُو إِسْحَاقَ الْجُوزَجَانِيُّ .\rوَلِأَنَّهَا كَفَّارَةٌ ، فَجَازَ تَقْدِيمُهَا عَلَى وُجُوبِهَا ، كَكَفَّارَةِ الظِّهَارِ وَالْيَمِينِ .","part":7,"page":307},{"id":3307,"text":"( 2654 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَكَذَلِكَ الْأَظْفَارُ ) قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْمُحْرِمَ مَمْنُوعٌ مِنْ أَخْذِ أَظْفَارِهِ ، وَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ بِأَخْذِهَا فِي قَوْلِ أَكْثَرِهِمْ .\rوَهُوَ قَوْلُ حَمَّادٍ ، وَمَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَطَاءٍ وَعَنْهُ : لَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ لَمْ يَرِدْ فِيهِ بِفِدْيَةٍ وَلَنَا ، أَنَّهُ أَزَالَ مَا مُنِعَ إزَالَتُهُ لِأَجْلِ التَّرَفُّهِ ، فَوَجَبَتْ عَلَيْهِ الْفِدْيَةُ ، كَحَلْقِ الشَّعْرِ .\rوَعَدَمُ النَّصِّ فِيهِ لَا يَمْنَعُ قِيَاسَهُ عَلَيْهِ ، كَشَعْرِ الْبَدَنِ مَعَ شَعْرِ الرَّأْسِ وَالْحُكْمُ فِي فِدْيَةِ الْأَظْفَارِ كَالْحُكْمِ فِي فِدْيَةِ الشَّعْرِ سَوَاءٌ ، فِي أَرْبَعَةٍ مِنْهَا دَمٌ وَعَنْهُ فِي ثَلَاثَةٍ دَمٌ .\rوَفِي الظُّفْرِ الْوَاحِدِ مُدٌّ مِنْ طَعَامٍ ، وَفِي الظُّفْرَيْنِ مُدَّانِ ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ التَّفْصِيلِ وَالِاخْتِلَافِ فِيهِ .\rوَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي ثَوْرٍ كَذَلِكَ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَجِبُ الدَّمُ إلَّا بِتَقْلِيمِ أَظْفَارِ يَدٍ كَامِلَةٍ ، حَتَّى لَوْ قَلَّمَ مِنْ كُلِّ يَدٍ أَرْبَعَةً لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الدَّمُ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَكْمِلْ مَنْفَعَةَ الْيَد ، أَشْبَهَ الظُّفْرَ وَالظُّفْرَيْنِ .\rوَلَنَا أَنَّهُ قَلَّمَ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الْجَمْعِ ، أَشْبَهَ مَا لَوْ قَلَّمَ خَمْسًا مِنْ يَدٍ وَاحِدَةٍ ، وَمَا قَالُوهُ يَبْطُلُ بِمَا إذَا حَلَقَ رُبْعَ رَأْسِهِ ، فَإِنَّهُ لَمْ يَسْتَوْفِ مَنْفَعَةَ الْعُضْوِ ، وَيَجِبُ بِهِ الدَّمُ ، وَقَوْلُهُمْ يُؤَدِّي إلَى أَنْ يَجِبَ بِهِ الدَّمُ فِي الْقَلِيلِ دُونَ الْكَثِيرِ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِنَّهُ يَتَخَيَّرُ مَنْ قَلَّمَ مَا يَجِبُ بِهِ الدَّمُ بَيْنَ الثَّلَاثَةِ أَشْيَاءَ ، كَمَا قُلْنَا فِي الشَّعْرِ ؛ لِأَنَّ الْإِيجَابَ فِي الْأَظْفَارِ بِالْإِلْحَاقِ بِالشَّعْرِ ، فَيَكُونُ حُكْمُ الْفَرْعِ حُكْمَ أَصْلِهِ ، وَلَا يَجِبُ فِيمَا دُونَ الْأَرْبَعَةِ أَوْ الثَّلَاثَةِ بِقِسْطِهِ مِنْ الدَّمِ ؛ لِأَنَّ الْعِبَادَةَ إذَا وَجَبَ فِيهَا الْحَيَوَانُ لَمْ يَجِبُ فِيهَا جُزْءٌ","part":7,"page":308},{"id":3308,"text":"مِنْهُ ، كَالزَّكَاةِ ( 2655 ) فَصْلٌ : وَفِي قَصِّ بَعْضِ الظُّفْرِ مَا فِي جَمِيعِهِ ، وَكَذَلِكَ فِي قَطْعِ بَعْضِ الشَّعْرَةِ مِثْلُ مَا فِي قَطْعِ جَمِيعِهَا ؛ لِأَنَّ الْفِدْيَةَ تَجِبُ فِي الشَّعْرَةِ وَالظُّفْرِ ، سَوَاءٌ ، طَالَ أَوْ قَصُرَ ، وَلَيْسَ بِمُقَدَّرٍ بِمِسَاحَةٍ ، فَيَتَقَدَّرُ الضَّمَانُ عَلَيْهِ ، بَلْ هُوَ كَالْمُوضِحَةِ يَجِبُ فِي الصَّغِيرَةِ مِنْهَا مِثْلُ مَا يَجِبُ فِي الْكَبِيرَةِ .\rوَخَرَّجَ ابْنُ عَقِيلٍ وَجْهًا ، أَنَّهُ يَجِبُ بِحِسَابِ الْمُتْلَفِ كَالْإِصْبَعِ يَجِبُ فِي أُنْمُلَتِهَا ثُلُثُ دِيَتِهَا ، وَاَللَّهُ أَعْلَم .","part":7,"page":309},{"id":3309,"text":"( 2656 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَإِنْ تَطَيَّبَ الْمُحْرِمُ عَامِدًا ، غَسَلَ الطِّيبَ ، وَعَلَيْهِ دَمٌ ، وَكَذَلِكَ إنْ لَبِسَ الْمَخِيطَ أَوْ الْخُفَّ عَامِدًا وَهُوَ يَجِدُ النَّعْلَ ، خَلَعَ ، وَعَلَيْهِ دَمٌ ) لَا خِلَافَ فِي وُجُوبِ الْفِدْيَةِ عَلَى الْمُحْرِمِ ، إذَا تَطَيَّبَ أَوْ لَبِسَ عَامِدًا ؛ لِأَنَّهُ تَرَفَّهَ بِمَحْظُورٍ فِي إحْرَامِهِ ، فَلَزِمَتْهُ الْفِدْيَةُ ، كَمَا لَوْ تَرَفَّهَ بِحَلْقِ شَعْرِهِ ، أَوْ قَلْمِ ظُفْرِهِ وَالْوَاجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَفْدِيَهُ بِدَمٍ ، وَيَسْتَوِي فِي ذَلِكَ قَلِيلُ الطِّيبِ وَكَثِيرُهُ ، وَقَلِيلُ اللُّبْسِ وَكَثِيرُهُ .\rوَبِذَلِكَ قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَجِبُ الدَّمُ إلَّا بِتَطْيِيبِ عُضْوٍ كَامِلٍ ، وَفِي اللِّبَاسِ بِلَبَّاسِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ ، وَلَا شَيْءَ فِيمَا دُونَ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَلْبَسْ لِبْسًا مُعْتَادًا فَأَشْبَهَ مَا لَوْ اتَّزَرَ بِالْقَمِيصِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ مَتَى حَصَلَ بِهِ الِاسْتِمْتَاعُ بِالْمَحْظُورَاتِ ، فَاعْتُبِرَ مُجَرَّدُ الْفِعْلِ كَالْوَطْءِ ، مَحْظُورًا ، فَلَا تَتَقَدَّرُ فِدْيَتُهُ بِالزَّمَنِ ، كَسَائِرِ الْمَحْظُورَاتِ ، وَمَا ذَكَرُوهُ غَيْرُ صَحِيحٍ ؛ فَإِنَّ النَّاسَ يَخْتَلِفُونَ فِي اللُّبْسِ فِي الْعَادَةِ ، وَلِأَنَّ مَا ذَكَرُوهُ تَقْدِيرٌ ، وَالتَّقْدِيرَاتُ بَابُهَا التَّوْقِيفُ ، وَتَقْدِيرُهُمْ بِعُضْوٍ وَيَوْمٍ وَلَيْلَةٍ تَحَكُّمٌ مَحْضٌ .\rوَأَمَّا إذَا ائْتَزَرَ بِقَمِيصٍ ، فَلَيْسَ ذَلِكَ بِلُبْسِ مَخِيطٍ ، وَلِهَذَا لَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ ، وَالْمُخْتَلَفُ فِيهِ مُحَرَّمٌ .","part":7,"page":310},{"id":3310,"text":"( 2657 ) فَصْلٌ : وَيَلْزَمُهُ غَسْلُ الطِّيبِ ، وَخَلْعُ اللِّبَاسِ ؛ لِأَنَّهُ فَعَلَ مَحْظُورًا ، فَيَلْزَمُهُ إزَالَتُهُ وَقَطْعُ اسْتَدَامَتْهُ ، كَسَائِرِ الْمَحْظُورَاتِ .\rوَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَسْتَعِينَ فِي غَسْلِ الطِّيبِ بِحَلَالٍ ؛ لِئَلَّا يُبَاشِرَ الْمُحْرِمُ الطِّيبَ بِنَفْسِهِ ، وَيَجُوزُ أَنْ يَلِيَهُ بِنَفْسِهِ ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِلَّذِي رَأَى عَلَيْهِ طِيبًا أَوْ خَلُوقًا : { اغْسِلْ عَنْك الطِّيبَ } .\rوَلِأَنَّهُ تَارِكٌ لَهُ ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ مَا يَغْسِلُهُ بِهِ ، مَسَحَهُ بِخِرْقَةِ ، أَوْ حَكَّهُ بِتُرَابِ أَوْ وَرَقٍ أَوْ حَشِيش ؛ لِأَنَّ الَّذِي عَلَيْهِ إزَالَتُهُ بِحَسَبِ الْقُدْرَةِ ، وَهَذَا نِهَايَةُ قُدْرَتِهِ .","part":7,"page":311},{"id":3311,"text":"( 2658 ) فَصْلٌ : إذَا احْتَاجَ إلَى الْوُضُوءِ وَغَسْلِ الطِّيبِ ، وَمَعَهُ مَاءٌ لَا يَكْفِي إلَّا أَحَدَهُمَا قَدَّمَ غَسْلَ الطِّيبِ ، وَتَيَمَّمَ لِلْحَدَثِ ؛ لِأَنَّهُ لَا رُخْصَةَ فِي إبْقَاءِ الطِّيبِ ، وَفِي تَرْكِ الْوُضُوءِ إلَى التَّيَمُّمِ رُخْصَةٌ .\rفَإِنْ قَدَرَ عَلَى قَطْعُ رَائِحَةِ الطِّيبِ بِغَيْرِ الْمَاءِ ، فَعَلَ وَتَوَضَّأَ ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ إزَالَةِ الطِّيبِ قَطْع رَائِحَتِهِ ، فَلَا يَتَعَيَّنُ الْمَاءُ ، وَالْوُضُوءُ بِخِلَافِهِ .","part":7,"page":312},{"id":3312,"text":"( 2659 ) فَصْلٌ : إذَا لَبِسَ قَمِيصًا وَعِمَامَةً وَسَرَاوِيلَ وَخُفَّيْنِ ، لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ إلَّا فِدْيَةٌ وَاحِدَةٌ ؛ لِأَنَّهُ مَحْظُورٌ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ ، فَلَمْ يَجِبُ فِيهِ أَكْثَرُ مِنْ فِدْيَةٍ وَاحِدَةٍ ، كَالطِّيبِ فِي بَدَنِهِ وَرَأْسِهِ وَرِجْلَيْهِ .","part":7,"page":313},{"id":3313,"text":"( 2660 ) فَصْلٌ : وَإِنْ فَعَلَ مَحْظُورًا مِنْ أَجْنَاسٍ ، فَحَلَقَ ، وَلَبِسَ ، وَتَطَيَّبَ ، وَوَطِئَ ، فَعَلَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ فِدْيَةٌ ، سَوَاءٌ فَعَلَ ذَلِكَ مُجْتَمِعًا أَوْ مُتَفَرِّقًا .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّ فِي الطِّيبِ وَاللُّبْسِ وَالْحَلْقِ فِدْيَةً وَاحِدَةً ، وَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ فَعَلَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ دَمٌ .\rوَهُوَ قَوْلُ إِسْحَاقَ .\rوَقَالَ عَطَاءٌ ، وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ : إذَا حَلَقَ ، ثُمَّ احْتَاجَ إلَى الطِّيبِ ، أَوْ إلَى قَلَنْسُوَةٍ أَوْ إلَيْهِمَا ، فَفَعَلَ ذَلِكَ ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا فِدْيَةٌ وَاحِدَةٌ .\rوَقَالَ الْحَسَنُ : إنْ لَبِسَ الْقَمِيصَ وَتَعَمَّمَ وَتَطَيَّبَ ، فَعَلَ ذَلِكَ جَمِيعًا ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ .\rوَنَحْوُ ذَلِكَ عَنْ مَالِكٍ .\rوَلَنَا ، أَنَّهَا مَحْظُورَاتٌ مُخْتَلِفَةُ الْأَجْنَاسِ ، فَلَمْ تَتَدَاخَلْ أَجْزَاؤُهَا ، كَالْحُدُودِ الْمُخْتَلِفَةِ ، وَالْأَيْمَانِ الْمُخْتَلِفَةِ .\rوَعَكْسُهُ مَا إذَا كَانَ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ .","part":7,"page":314},{"id":3314,"text":"( 2661 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَإِنْ لَبِسَ أَوْ تَطَيَّبَ نَاسِيًا ، فَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ ، وَيَخْلَعُ اللِّبَاسَ ، وَيَغْسِلُ الطِّيبَ ، وَيَفْرَغُ إلَى التَّلْبِيَةِ ) الْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّ الْمُتَطَيِّبَ أَوْ اللَّابِسَ نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا لَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ عَطَاءٍ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَإِسْحَاقَ ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ .\rوَقَالَ أَحْمَدُ .\rقَالَ سُفْيَانُ : ثَلَاثَةٌ فِي الْجَهْلِ وَالنِّسْيَانِ سَوَاءٌ ؛ إذَا أَتَى أَهْلَهُ ، وَإِذَا أَصَابَ صَيْدًا ، وَإِذَا حَلَقَ رَأْسَهُ .\rقَالَ أَحْمَدُ : إذَا جَامَعَ أَهْلَهُ بَطَلَ حَجُّهُ .\rلِأَنَّهُ شَيْءٌ لَا يَقْدِرُ عَلَى رَدِّهِ ، وَالصَّيْدُ إذَا قَتَلَهُ فَقَدْ ذَهَبَ لَا يَقْدِرُ عَلَى رَدَّهُ ، وَالشَّعْرُ إذَا حَلَقَهُ فَقَدْ ذَهَبَ ، فَهَذِهِ الثَّلَاثَةُ الْعَمْدُ وَالْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ فِيهَا سَوَاءٌ ، وَكُلُّ شَيْءٍ مِنْ النِّسْيَانِ بَعْدَ الثَّلَاثَةِ فَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى رَدِّهِ ، مِثْلُ إذَا غَطَّى الْمُحْرِمُ رَأْسَهُ ثُمَّ ذَكَرَ ، أَلْقَاهُ عَنْ رَأْسِهِ ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ ، أَوْ لَبِسَ خُفًّا ، نَزَعَهُ ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ .\rوَعَنْهُ رِوَايَةٌ أُخْرَى ، أَنَّ عَلَيْهِ الْفِدْيَةَ فِي كُلِّ حَالٍ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ ، وَاللَّيْثِ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّهُ هَتَكَ حُرْمَةَ الْإِحْرَامِ ، فَاسْتَوَى عَمْدُهُ وَسَهْوُهُ ، كَحَلْقِ الشَّعْرِ ، وَتَقْلِيمِ الْأَظْفَارِ .\rوَلَنَا ، عُمُومُ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { عُفِيَ لِأُمَّتِي عَنْ الْخَطَأِ ، وَالنِّسْيَانِ ، وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ } .\rوَرَوَى يَعْلَى بْنُ أُمَيَّةَ ، { أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ بِالْجِعْرَانَةِ ، وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ ، وَعَلَيْهِ أَثَرُ خَلُوقٍ ، أَوْ قَالَ : أَثَرُ صُفْرَةٍ ، فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، كَيْفَ تَأْمُرُنِي أَنْ أَصْنَعَ فِي عُمْرَتِي ؟ قَالَ : اخْلَعْ عَنْك هَذِهِ الْجُبَّةَ ، وَاغْسِلْ عَنْك أَثَرَ هَذَا الْخَلُوقِ أَوْ قَالَ : أَثَرَ الصُّفْرَةِ ، وَاصْنَعْ فِي عُمْرَتِك كَمَا تَصْنَعُ فِي حَجِّك } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَفِي لَفْظٍ ، قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ،","part":7,"page":315},{"id":3315,"text":"{ أَحْرَمْت بِالْعُمْرَةِ ، وَعَلَيَّ هَذِهِ الْجُبَّةُ } .\rفَلَمْ يَأْمُرْهُ بِالْفِدْيَةِ مَعَ مَسْأَلَتِهِ عَمَّا يَصْنَعُ ، وَتَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ غَيْرُ جَائِزٍ إجْمَاعًا ، دَلَّ عَلَى أَنَّهُ عَذَرَهُ لِجَهْلِهِ ، وَالْجَاهِلُ وَالنَّاسِي وَاحِدٌ ، وَلِأَنَّ الْحَجَّ عِبَادَةٌ يَجِبُ بِإِفْسَادِهَا الْكَفَّارَةُ ، فَكَانَ مِنْ مَحْظُورَاتِهِ أَنَّهُ مَا يُفَرَّقُ بَيْنَ عَمْدِهِ وَسَهْوِهِ ، كَالصَّوْمِ ، فَأَمَّا الْحَلْقُ وَقَتْلُ الصَّيْدِ ، فَهُوَ إتْلَافٌ لَا يُمْكِنُ رَدُّ تَلَافِيهِ ، بِإِزَالَتِهِ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّ النَّاسِيَ مَتَى ذَكَرَ ، فَعَلَيْهِ غَسْلُ الطِّيبِ وَخَلْعُ اللِّبَاسِ فِي الْحَالِ ، فَإِنْ أَخَّرَ ذَلِكَ عَنْ زَمَنِ الْإِمْكَانِ ، فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ .\rفَإِنْ قِيلَ : فَلِمَ لَا يَجُوزُ لَهُ اسْتِدَامَةُ الطِّيبِ هَاهُنَا ، كَاَلَّذِي يَتَطَيَّبُ قَبْلَ إحْرَامِهِ ؟ قُلْنَا : لِأَنَّ ذَلِكَ فِعْلٌ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ ، فَكَانَ لَهُ اسْتَدَامَتْهُ ، وَهَا هُنَا هُوَ مُحْرِمٌ ، وَإِنَّمَا سَقَطَ حُكْمُهُ بِالنِّسْيَانِ أَوْ الْجَهْلِ ، فَإِذَا زَالَ ظَهَرَ حُكْمُهُ .\rوَإِنْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ إزَالَتُهُ ، لِإِكْرَاهٍ أَوْ عِلَّةٍ ، وَلَمْ يَجِدْ مَنْ يُزِيلُهُ ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ ، فَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ ، وَجَرَى مَجْرَى الْمُكْرَهِ عَلَى الطِّيبِ ابْتِدَاءً .\rوَحُكْمُ الْجَاهِلِ إذَا عَلِمَ ، حُكْمُ النَّاسِي إذَا ذَكَرَ ، وَحُكْمُ الْمُكْرَهِ حُكْمُ النَّاسِي ، فَإِنَّ مَا عُفِيَ عَنْهُ بِالنِّسْيَانِ ، عُفِيَ عَنْهُ بِالْإِكْرَاهِ ؛ لِأَنَّهُمَا قَرِينَانِ فِي الْحَدِيثِ الدَّالِ عَلَى الْعَفْوِ عَنْهُمَا .\rوَقَوْلُ الْخِرَقِيِّ : { يَفْرَغُ إلَى التَّلْبِيَةِ } .\rأَيْ يُلَبِّي حِينَ ذَكَرَ اسْتِذْكَارًا لِلْحَجِّ أَنَّهُ نَسِيَهُ ، وَاسْتِشْعَارًا بِإِقَامَتِهِ عَلَيْهِ وَرُجُوعِهِ إلَيْهِ .\rوَهَذَا قَوْلٌ يُرْوَى عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ .","part":7,"page":316},{"id":3316,"text":"( 2662 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَلَوْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ نَهَارًا ، أَوْ دَفَعَ قَبْلَ الْإِمَامِ ، فَعَلَيْهِ دَمٌ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ مَنْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ يَوْمَ عَرَفَةَ نَهَارًا وَجَبَ عَلَيْهِ الْوُقُوفُ إلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ ؛ لِيَجْمَعَ بَيْنَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ فِي الْوُقُوفِ .\rفَإِنْ دَفَعَ قَبْلَ الْغُرُوبِ ، وَلَمْ يَعُدْ حَتَّى غَرَبَتْ الشَّمْسُ ، فَعَلَيْهِ دَمٌ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يَجِبُ ذَلِكَ ، وَلَا دَمَ عَلَيْهِ إنْ دَفَعَ قَبْلَ الْغُرُوبِ ؛ احْتِجَاجًا بِحَدِيثِ عُرْوَةَ بْنِ مُضَرَّسٍ ، وَلِأَنَّهُ أَدْرَكَ مِنْ الْوُقُوفِ مَا أَجْزَأَهُ ، أَشْبَهَ مَا لَوْ أَدْرَكَ اللَّيْلَ مُنْفَرِدًا .\rوَلَنَا ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَفَ حَتَّى غَرَبَتْ الشَّمْسُ بِغَيْرِ خِلَافٍ ، وَقَدْ قَالَ : { خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ } .\rفَإِذَا تَرَكَهُ لَزِمَهُ ؛ دَمٌ ؛ لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَلِأَنَّهُ رُكْنٌ لَمْ يَأْتِ بِهِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَشْرُوعِ ، فَلَزِمَهُ دَمٌ ، كَمَا لَوْ أَحْرَمَ مِنْ دُونِ الْمِيقَاتِ ، وَحَدِيثُهُمْ دَلَّ عَلَى الْإِجْزَاءِ ، وَالْكَلَامُ فِي وُجُوبِ الدَّمِ .\rفَأَمَّا إذَا وَقَفَ فِي اللَّيْلِ خَاصَّةً ، فَإِنَّهُ يُجْزِئُهُ وَلَا يَلْزَمُهُ دَمٌ ؛ لِأَنَّ مَنْ أَدْرَكَ اللَّيْلَ وَحْدَهُ لَا يُمْكِنُهُ الْوُقُوفُ نَهَارًا ، فَلَا يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ ، وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ بِتَرْكِهِ دَمٌ ، بِخِلَافِ مَنْ أَدْرَكَ نَهَارًا .\rوَأَمَّا قَوْلُهُ : { أَوْ دَفَعَ قَبْلَ الْإِمَامِ } .\rفَظَاهِرُهُ أَنَّهُ أَوْجَبَ بِذَلِكَ دَمًا ، وَإِنْ دَفَعَ قَبْلَ الْغُرُوبِ .\rوَقَدْ رَوَى الْأَثْرَمُ ، عَنْ أَحْمَدَ ، قَالَ : سَمِعْته يُسْأَلُ عَنْ رَجُلٍ دَفَعَ قَبْل الْإِمَامِ مِنْ عَرَفَةَ بَعْدَمَا غَابَتْ الشَّمْسُ ؟ فَقَالَ : مَا وَجَدْت أَحَدًا سَهَّلَ فِيهِ ، كُلُّهُمْ يُشَدِّدُ فِيهِ .\rقَالَ : وَمَا يُعْجِبُنِي أَنْ يَدْفَعَ إلَّا مَعَ الْإِمَامِ ، وَعَنْ عَطَاءٍ ، عَلَيْهِ شَاةٌ إذَا دَفَعَ قَبْلَ الْإِمَامِ .\rقِيلَ : فَيَدْفَعُ مِنْ مُزْدَلِفَةَ قَبْلَ الْإِمَامِ ؟ فَقَالَ : الْمُزْدَلِفَةُ عِنْدِي غَيْرُ عَرَفَةَ .\rوَذَكَرَ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ ، أَنَّهُ دَفَعَ قَبْلَ ابْنِ","part":7,"page":317},{"id":3317,"text":"الزُّبَيْرِ وَغَيْرُ الْخِرَقِيِّ مِنْ أَصْحَابِنَا لَمْ يُوجِبْ بِذَلِكَ شَيْئًا ، وَلَا عَدَّ الدَّفْعَ مَعَ الْإِمَامِ مِنْ الْوَاجِبَاتِ .\rوَهُوَ الصَّحِيحُ ؛ فَإِنَّ اتِّبَاعَ الْإِمَامِ وَأَفْعَالَ النُّسُكِ مَعَهُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ ، فِي سَائِرِ مَنَاسِكِ الْحَجِّ ، فَكَذَا هَاهُنَا ، وَإِنَّمَا وَقَعَ دَفْعُ الصَّحَابَةِ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِحُكْمِ الْعَادَةِ ، فَلَا يَدُلُّ عَلَى الْوُجُوبِ ، كَالدَّفْعِ مَعَهُ مِنْ مُزْدَلِفَةَ ، وَالْإِفَاضَةِ مِنْ مِنَى ، وَغَيْرِ ذَلِكَ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ فِعْلًا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَيَدْخُلُ فِي عُمُومِ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ .\r}","part":7,"page":318},{"id":3318,"text":"( 2663 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَمَنْ دَفَعَ مِنْ مُزْدَلِفَةَ قَبْلَ نِصْفِ اللَّيْلِ ، مِنْ غَيْرِ الرُّعَاةِ وَأَهْلِ سِقَايَةِ الْحَاجِّ ، فَعَلَيْهِ دَمٌ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْمَبِيتَ بِمُزْدَلِفَةَ وَاجِبٌ يَجِبُ بِتَرْكِهِ دَمٌ ، سَوَاءٌ تَرَكَهُ عَمْدًا أَوْ خَطَأً ، عَالِمًا أَوْ جَاهِلًا ؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ نُسُكًا ، وَلِلنِّسْيَانِ أَثَرُهُ فِي تَرَكَ الْمَوْجُودِ كَالْمَعْدُومِ ، لَا فِي جَعْلِ الْمَعْدُومِ كَالْمَوْجُودِ ، إلَّا أَنَّهُ رَخَّصَ لِأَهْلِ السِّقَايَةِ وَرُعَاةِ الْإِبِلِ ، فِي تَرْكِ الْبَيْتُوتَةِ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَخَّصَ لِلرُّعَاةِ فِي تَرْكِ الْبَيْتُوتَةِ فِي حَدِيثِ عَدِيٍّ ، وَأَرْخَصَ لِلْعَبَّاسِ فِي الْمَبِيتِ لِأَجْلِ سِقَايَتِهِ ، وَلِأَنَّ عَلَيْهِمْ مَشَقَّةً فِي الْمَبِيتِ ، لِحَاجَتِهِمْ إلَى حِفْظِ مَوَاشِيهِمْ وَسَقْيِ الْحَاجِّ ، فَكَانَ لَهُمْ تَرْكُ الْمَبِيتِ فِيهَا ، كَلَيَالِي مِنًى ، وَلِأَنَّهَا لَيْلَةٌ يُرْمَى فِي غَدِّهَا ، فَكَانَ لَهُمْ تَرْكُ الْمَبِيتِ فِيهَا ، كَلَيَالِي مِنًى .\rوَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّ الْمَبِيتَ بِمُزْدَلِفَةَ غَيْرُ وَاجِبٍ ، وَلَا شَيْءَ عَلَى تَارِكِهِ .\rوَالْأَوَّلُ الْمَذْهَبُ .","part":7,"page":319},{"id":3319,"text":"( 2664 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَمَنْ قَتَلَ وَهُوَ مُحْرِمٌ مِنْ صَيْدِ الْبَرِّ ، عَامِدًا أَوْ مُخْطِئًا ، فَدَاهُ بِنَظِيرِهِ مِنْ النَّعَمِ ، إنْ كَانَ الْمَقْتُولُ دَابَّةً ) فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فُصُولٌ سِتَّةٌ ( 2665 ) ؛ الْفَصْلُ الْأَوَّلُ ، فِي وُجُوبِ الْجَزَاءِ عَلَى الْمُحْرِمِ بِقَتْلِ الصَّيْدِ فِي الْجُمْلَةِ .\rوَأَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى وُجُوبِهِ ، وَنَصَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ { : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَمِ } .\rوَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا خَالَفَ فِي الْجَزَاءِ فِي قَتْلِ الصَّيْدِ مُتَعَمِّدًا ، إلَّا الْحَسَنَ وَمُجَاهِدًا ، قَالَا : إذَا قَتَلَهُ مُتَعَمِّدًا ذَاكِرًا لِإِحْرَامِهِ لَا جَزَاءَ عَلَيْهِ ، وَإِنْ كَانَ مُخْطِئًا أَوْ نَاسِيًا لِإِحْرَامِهِ فَعَلَيْهِ الْجَزَاءُ .\rوَهَذَا خِلَافُ النَّصِّ ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : { وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَمِ } .\rوَالذَّاكِرُ لِإِحْرَامِهِ مُتَعَمِّدٌ ، وَقَالَ فِي سِيَاقِ الْآيَةِ { : لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ } .\rوَالْمُخْطِئُ وَالنَّاسِي لَا عُقُوبَةَ عَلَيْهِمَا .\rوَقَتْلُ الصَّيْدِ نَوْعَانِ ، مُبَاحٌ وَمُحَرَّمٌ ، فَالْمُحَرَّمُ قَتْلُهُ ابْتِدَاءً مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ يُبِيحُ قَتْلَهُ ، فَفِيهِ الْجَزَاءُ .\rوَالْمُبَاحُ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ ؛ أَحَدُهَا ، أَنْ يُضْطَرَّ إلَى أَكْلِهِ ، فَيُبَاحَ لَهُ ذَلِكَ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ ؛ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ { : وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَةِ } .\rوَتَرْكُ الْأَكْلِ مَعَ الْقُدْرَةِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ إلْقَاءٌ بِيَدِهِ إلَى التَّهْلُكَةِ ، وَمَتَى قَتَلَهُ ضَمِنَهُ ، سَوَاءٌ وَجَدَ غَيْرَهُ أَوْ لَمْ يَجِدْ .\rوَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : لَا يَضْمَنُهُ ؛ لِأَنَّهُ مُبَاحٌ ، أَشْبَهَ صَيْدَ الْبَحْرِ .\rوَلَنَا ، عُمُومُ الْآيَةِ ، وَلِأَنَّهُ قَتْلٌ مِنْ غَيْرِ مَعْنًى يَحْدُثُ مِنْ الصَّيْدِ يَقْتَضِي قَتْلَهُ ، فَضَمِنَهُ كَغَيْرِهِ ، وَلِأَنَّهُ أَتْلَفَهُ لِدَفْعِ الْأَذَى عَنْهُ لَا لِمَعْنَى فِيهِ ،","part":7,"page":320},{"id":3320,"text":"أَشْبَهَ حَلْقَ الشَّعْرِ لِأَذَى بِرَأْسِهِ .\rالنَّوْعُ الثَّانِي ، إذَا صَالَ عَلَيْهِ صَيْدٌ فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى دَفْعِهِ إلَّا بِقَتْلِهِ ، فَلَهُ قَتْلُهُ ، وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : عَلَيْهِ الْجَزَاءُ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّهُ قَتَلَهُ لِحَاجَةِ نَفْسِهِ ، أَشْبَهَ قَتْلَهُ لِحَاجَتِهِ إلَى أَكْلِهِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ حَيَوَانٌ قَتَلَهُ لِدَفْعِ شَرِّهِ ، فَلَمْ يَضْمَنْهُ ، كَالْآدَمِيِّ الصَّائِلِ ، وَلِأَنَّهُ الْتَحَقَ بِالْمُؤْذِيَاتِ طَبْعًا ، فَصَارَ كَالْكَلْبِ الْعَقُورِ ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَخْشَى مِنْهُ التَّلَفَ أَوْ يَخْشَى مِنْهُ مَضَرَّةً ، كَجَرْحِهِ ، أَوْ إتْلَافِ مَالِهِ ، أَوْ بَعْضِ حَيَوَانَاتِهِ .\rالنَّوْعُ الثَّالِثُ ، إذَا خَلَّصَ صَيْدًا مِنْ سَبُعٍ أَوْ شَبَكَةِ صَيَّادٍ ، أَوْ أَخَذَهُ لِيُخَلِّصَ مِنْ رِجْلِهِ خَيْطًا ، وَنَحْوَهُ فَتَلِفَ بِذَلِكَ ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ .\rوَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ .\rوَقِيلَ : عَلَيْهِ الضَّمَانُ .\rوَهُوَ قَوْلُ قَتَادَةَ ؛ لِعُمُومِ الْآيَةِ ، وَلِأَنَّ غَايَةَ مَا فِيهِ أَنَّهُ عَدِمَ الْقَصْدَ إلَى قَتْلِهِ ، فَأَشْبَهَ قَتْلَ الْخَطَأِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ فِعْلٌ أُبِيحَ لِحَاجَةِ الْحَيَوَانِ ، فَلَمْ يَضْمَنْ مَا تَلِفَ بِهِ ، كَمَا لَوْ دَاوَى وَلِيُّ الصَّبِيِّ الصَّبِيَّ فَمَاتَ بِذَلِكَ ، وَهَذَا لَيْسَ بِمُتَعَمِّدٍ ، فَلَا تَتَنَاوَلُهُ الْآيَةُ .","part":7,"page":321},{"id":3321,"text":"( 2666 ) الْفَصْلُ الثَّانِي ، أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْخَطَأِ وَالْعَمْدِ فِي قَتْلِ الصَّيْدِ فِي وُجُوبِ الْجَزَاءِ ، عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ .\rوَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ ، وَعَطَاءٌ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rقَالَ الزُّهْرِيُّ : عَلَى الْمُتَعَمِّدِ بِالْكِتَابِ ، وَعَلَى الْمُخْطِئِ بِالسُّنَّةِ .\rوَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ ، لَا كَفَّارَةَ فِي الْخَطَأِ .\rوَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَطَاوُسٍ ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ ، وَدَاوُد ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : { وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا } .\rفَدَلِيلُ خِطَابِهِ ، أَنَّهُ لَا جَزَاءَ عَلَى الْخَاطِئِ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ ، فَلَا يَشْغَلُهَا إلَّا بِدَلِيلٍ ، وَلِأَنَّهُ مَحْظُورٌ لِلْإِحْرَامِ لَا يُفْسِدُهُ ، فَيَجِبُ التَّفْرِيقُ بَيْنَ خَطَئِهِ وَعَمْدِهِ ، كَاللُّبْسِ وَالطِّيبِ .\rوَوَجْهُ الْأُولَى قَوْلُ جَابِرٍ { : جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الضَّبُعِ يَصِيدُهُ الْمُحْرِمُ كَبْشًا .\r} وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ { فِي بَيْضِ النَّعَامِ يُصِيبُهُ الْمُحْرِمُ : ثَمَنُهُ } .\rوَلَمْ يُفَرِّقْ .\rرَوَاهُمَا ابْنُ مَاجَهْ .\rوَلِأَنَّهُ ضَمَانُ إتْلَافٍ فَاسْتَوَى عَمْدُهُ وَخَطَؤُهُ كَمَالِ الْآدَمِيِّ .","part":7,"page":322},{"id":3322,"text":"( 2667 ) الْفَصْلُ الثَّالِثُ ، أَنَّ الْجَزَاءَ لَا يَجِبُ إلَّا عَلَى الْمُحْرِمِ ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ إحْرَامِ الْحَجِّ وَإِحْرَامِ الْعُمْرَةِ ؛ لِعُمُومِ النَّصِّ فِيهِمَا .\rوَلَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ .\rوَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْإِحْرَامِ بِنُسُكٍ وَاحِدٍ ، وَبَيْنَ الْإِحْرَامِ بِنُسُكَيْنِ ، وَهُوَ الْقَارِنُ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَهُمَا .","part":7,"page":323},{"id":3323,"text":"( 2668 ) الْفَصْلُ الرَّابِعُ ، أَنَّ الْجَزَاءَ لَا يَجِبُ إلَّا بِقَتْلِ الصَّيْدِ ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي وَرَدَ بِهِ النَّصُّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ } .\rوَالصَّيْدُ مَا جَمَعَ ثَلَاثَةَ أَشْيَاءَ ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ مُبَاحًا أَكْلُهُ ، لَا مَالِكَ لَهُ ، مُمْتَنِعًا .\rفَيَخْرُجُ بِالْوَصْفِ الْأَوَّلِ كُلُّ مَا لَيْسَ بِمَأْكُولٍ لَا جَزَاءِ فِيهِ ، كَسِبَاعِ الْبَهَائِمِ ، وَالْمُسْتَخْبَثِ مِنْ الْحَشَرَاتِ ، وَالطَّيْرِ ، وَسَائِرِ الْمُحَرَّمَاتِ .\rقَالَ أَحْمَدُ : إنَّمَا جُعِلَتْ الْكَفَّارَةُ فِي الصَّيْدِ الْمُحَلَّلِ أَكْلُهُ .\rوَقَالَ : كُلُّ مَا يُؤْذِي إذَا أَصَابَهُ الْمُحْرِمُ يُؤْكَلُ لَحْمُهُ .\rوَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، إلَّا أَنَّهُمْ أَوْجَبُوا الْجَزَاءَ فِي الْمُتَوَلِّدِ بَيْنَ الْمَأْكُولِ وَغَيْرِهِ ، كَالسَّبْعِ الْمُتَوَلِّدِ مِنْ الضَّبُعِ وَالذِّئْبِ ، تَغْلِيبًا لِتَحْرِيمِ ، قَتْلِهِ ، كَمَا عَلَّقُوا التَّحْرِيمَ فِي أَكْلِهِ .\rوَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا : فِي أُمِّ حُبَيْنٍ جَدْيٌ .\rوَأُمُّ حُبَيْنٍ : دَابَّةٌ مُنْتَفِخَةُ الْبَطْنِ .\rوَهَذَا خِلَافُ الْقِيَاسِ ؛ فَإِنَّ أُمَّ حُبَيْنٍ لَا تُؤْكَلُ ، لِكَوْنِهَا مُسْتَخْبَثَةً عِنْدَ الْعَرَبِ .\rحُكِيَ أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْعَرَبِ سُئِلَ مَا تَأْكُلُونَ ؟ قَالَ : مَا دَبَّ وَدَرَجَ ، إلَّا أُمَّ حُبَيْنٍ .\rفَقَالَ السَّائِلُ : لِيُهِنْ أُمَّ حُبَيْنٍ الْعَافِيَةُ .\rوَإِنَّمَا تَبِعُوا فِيهَا قَضِيَّةَ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَإِنَّهُ قَضَى فِيهَا بِحُلَّانَ ، وَهُوَ الْجَدْيُ .\rوَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا شَيْءَ فِيهَا .\rوَفِي الْقَمْلِ رِوَايَتَانِ ، ذَكَرْنَاهُمَا فِيمَا مَضَى وَالصَّحِيحُ ، أَنَّهُ لَا شَيْءَ فِيهِ ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَأْكُولٍ ، وَهُوَ مِنْ الْمُؤْذِيَاتِ ، وَلَا مِثْلَ لَهُ وَلَا قِيمَةَ .\rقَالَ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ : كُنْت عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ، فَسَأَلَهُ رَجُلٌ ، فَقَالَ : أَخَذْت قَمْلَةً فَأَلْقَيْتهَا ، ثُمَّ طَلَبْتهَا فَلَمْ أَجِدْهَا .\rفَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : تِلْكَ ضَالَّةٌ لَا تُبْتَغَيْ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : إنَّمَا الرِّوَايَتَانِ فِيمَا أَزَالَهُ مِنْ شَعْرِهِ ، فَأَمَّا مَا","part":7,"page":324},{"id":3324,"text":"أَلْقَاهُ مِنْ ظَاهِرِ بَدَنِهِ أَوْ ثَوْبِهِ ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ ، رِوَايَةً وَاحِدَةً .\rوَمِنْ أَوْجَبَ فِيهِ الْجَزَاءَ قَالَ : أَيُّ شَيْءٍ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ خَيْرٌ .\rوَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ فِي الثَّعْلَبِ ، فَعَنْهُ : فِيهِ الْجَزَاءُ .\rوَبِهِ قَالَ طَاوُسٌ ، وَقَتَادَةُ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ : هُوَ صَيْدٌ يُؤْكَلُ ، وَفِيهِ الْجَزَاءُ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ : لَا شَيْءَ فِيهِ .\rوَهُوَ قَوْلُ الزُّهْرِيِّ ، وَعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، وَابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ .\rوَاخْتُلِفَ فِيهِ عَنْ عَطَاءٍ ؛ لِأَنَّهُ سَبُعٌ ، وَقَدْ { نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ } .\rوَإِذَا أَوْجَبْنَا فِيهِ الْجَزَاءَ ، فَفِيهِ شَاةٌ ؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَطَاءٍ .\rوَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ فِي السِّنَّوْرِ ، أَهْلِيًّا كَانَ أَوْ وَحْشِيًّا وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا جَزَاءَ فِيهِ .\rوَهُوَ اخْتِيَارُ الْقَاضِي ؛ لِأَنَّهُ سَبُعٌ ، وَلَيْسَ بِمَأْكُولٍ .\rوَقَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَإِسْحَاقُ : فِي الْوَحْشِيِّ حُكُومَةٌ ، وَلَا شَيْءَ فِي الْأَهْلِيِّ ؛ لِأَنَّ الصَّيْدَ مَا كَانَ وَحْشِيًّا .\rوَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ فِي الْهُدْهُدِ وَالصُّرَدِ ؛ لِاخْتِلَافِ الرِّوَايَتَيْنِ فِي إبَاحَتِهِمَا ، وَكُلُّ مَا اُخْتُلِفَ فِي إبَاحَتِهِ يُخْتَلَفُ فِي جَزَائِهِ ، فَأَمَّا مَا يَحْرُمُ ، فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا جَزَاءَ فِيهِ ؛ لِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِلْقِيَاسِ ، وَلَا نَصَّ فِيهِ .\rالْوَصْفُ الثَّانِي ، أَنْ يَكُونَ وَحْشِيًّا ، وَمَا لَيْسَ بِوَحْشِيٍّ لَا يَحْرُمُ عَلَى الْمُحْرِمِ ذَبْحُهُ وَلَا أَكْلُهُ ، كَبَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ كُلِّهَا ، وَالْخَيْلِ ، وَالدَّجَاجِ ، وَنَحْوِهَا .\rلَا نَعْلَمُ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي هَذَا خِلَافًا ، وَالِاعْتِبَارُ فِي ذَلِكَ بِالْأَصْلِ .\rلَا بِالْحَالِ ، فَلَوْ اسْتَأْنَسَ الْوَحْشِيَّ وَجَبَ فِيهِ الْجَزَاءُ ، وَكَذَلِكَ وَجَبَ الْجَزَاءُ فِي الْحَمَامِ أَهْلِيِّهِ وَوَحْشِيِّهِ ، اعْتِبَارًا بِأَصْلِهِ .\rوَلَوْ تَوَحَّشَ الْأَهْلِيُّ لَمْ يَجِبْ فِيهِ شَيْءٌ .\rقَالَ أَحْمَدُ ، فِي بَقَرَةٍ صَارَتْ وَحْشِيَّةً : لَا شَيْءَ فِيهَا ؛ لِأَنَّ","part":7,"page":325},{"id":3325,"text":"الْأَصْلَ فِيهَا الْإِنْسِيُّ .\rوَإِنْ تَوَلَّدَ مِنْ الْوَحْشِيِّ وَالْأَهْلِيِّ وَلَدٌ ، فَفِيهِ الْجَزَاءُ ، تَغْلِيبًا لِلتَّحْرِيمِ ، كَقَوْلِنَا فِي الْمُتَوَلِّدِ بَيْنَ الْمُبَاحِ وَالْمُحَرَّمِ .\rوَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ فِي الدَّجَاجِ السِّنْدِيِّ ، هَلْ فِيهِ جَزَاءٌ ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ .\rوَرَوَى مُهَنَّا ، عَنْ أَحْمَدَ ، فِي الْبَطِّ ، يَذْبَحُهُ الْمُحْرِمُ إذَا لَمْ يَكُنْ صَيْدًا .\rوَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِ ذَبْحُهُ ، وَفِيهِ الْجَزَاءُ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِيهِ الْوَحْشِيُّ ، فَهُوَ كَالْحَمَامِ .","part":7,"page":326},{"id":3326,"text":"( 2669 ) الْفَصْلُ الْخَامِسُ ، أَنَّ الْجَزَاءَ إنَّمَا يَجِبُ فِي صَيْدِ الْبَرِّ دُونَ صَيْدِ الْبَحْرِ ، بِغَيْرِ خِلَافٍ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى { : أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا .\r} قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : طَعَامُهُ مَا لَفَظَهُ .\rوَلَا فَرْقَ بَيْنَ حَيَوَانِ الْبَحْرِ الْمِلْحِ وَبَيْنَ مَا فِي الْأَنْهَارِ وَالْعُيُونِ ، فَإِنَّ اسْمَ الْبَحْرِ يَتَنَاوَلُ الْكُلَّ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى { : وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا } .\rوَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَابَلَهُ بِصَيْدِ الْبَرِّ ، بِقَوْلِهِ { : وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ } .\rفَدَلَّ عَلَى أَنَّ مَا لَيْسَ مِنْ صَيْدِ الْبَرِّ فَهُوَ مِنْ صَيْدِ الْبَحْرِ ، وَحَيَوَانُ الْبَحْرِ مَا كَانَ يَعِيشُ فِي الْمَاءِ ، وَيُفْرِخُ وَيَبِيضُ فِيهِ ، فَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يَعِيشُ إلَّا فِي الْمَاءِ كَالسَّمَكِ وَنَحْوِهِ ، فَهَذَا مِمَّا لَا خِلَافَ فِيهِ ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا يَعِيشُ فِي الْبَرِّ ، كَالسُّلَحْفَاةِ وَالسَّرَطَانِ ، فَهُوَ كَالسَّمَكِ ، لَا جَزَاءَ فِيهِ .\rوَقَالَ عَطَاءٌ : فِيهِ الْجَزَاءُ ، وَفِي الضُّفْدَعِ وَكُلِّ مَا يَعِيشُ فِي الْبَرِّ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ يُفْرِخُ فِي الْمَاءِ وَيَبِيضُ فِيهِ ، فَكَانَ مِنْ حَيَوَانِهِ ، كَالسَّمَكِ ، فَأَمَّا طَيْرُ الْمَاءِ ، فَفِيهِ الْجَزَاءُ فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ ؛ مِنْهُمْ الْأَوْزَاعِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ، وَغَيْرُهُمْ .\rلَا نَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا ، غَيْرَ مَا حُكِيَ عَنْ عَطَاءٍ ، أَنَّهُ قَالَ : حَيْثُمَا يَكُونُ أَكْثَرَ فَهُوَ مِنْ صَيْدِهِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ هَذَا إنَّمَا يُفْرِخُ فِي الْبَرِّ وَيَبِيضُ فِيهِ ، وَإِنَّمَا يَدْخُلُ الْمَاءَ لِيَعِيشَ فِيهِ وَيَكْتَسِبَ مِنْهُ ، فَهُوَ كَالصَّيَّادِ مِنْ الْآدَمِيِّينَ .\rوَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ فِي الْجَرَادِ ، فَعَنْهُ : هُوَ مِنْ صَيْدِ الْبَحْرِ ، لَا جَزَاءَ فِيهِ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي سَعِيدٍ .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : قَالَ","part":7,"page":327},{"id":3327,"text":"ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَكَعْبٌ : هُوَ مِنْ صَيْدِ الْبَحْرِ .\rوَقَالَ عُرْوَةُ : هُوَ نَثْرَةُ حُوتٍ .\rوَرُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : { أَصَابَنَا ضَرْبٌ مِنْ جَرَادٍ ، فَكَانَ رَجُلٌ مِنَّا يَضْرِبُ بِسَوْطِهِ وَهُوَ مُحْرِمٌ ، فَقِيلَ : إنَّ هَذَا لَا يَصْلُحُ ، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : هَذَا مِنْ صَيْدِ الْبَحْرِ } .\rوَعَنْهُ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { الْجَرَادُ مِنْ صَيْدِ الْبَحْرِ } .\rرَوَاهُمَا أَبُو دَاوُد .\rوَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّهُ مِنْ صَيْدِ الْبَرِّ ، وَفِيهِ الْجَزَاءُ .\rوَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِينَ ؛ لِمَا رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ لِكَعْبٍ فِي جَرَادَتَيْنِ : مَا جَعَلْت فِي نَفْسِك ؟ قَالَ : دِرْهَمَانِ .\rقَالَ : بَخٍ ، دِرْهَمَانِ خَيْرٌ مِنْ مِائَةِ جَرَادَةٍ .\rرَوَاهُ الشَّافِعِيُّ ، فِي \" مُسْنَدِهِ \" .\rوَلِأَنَّهُ طَيْرٌ يُشَاهَدُ طَيَرَانُهُ فِي الْبَرِّ ، وَيُهْلِكُهُ الْمَاءُ إذَا وَقَعَ فِيهِ ، فَأَشْبَهَ الْعَصَافِيرَ .\rفَأَمَّا الْحَدِيثَانِ اللَّذَانِ ذَكَرْنَاهُمَا لِلرِّوَايَةِ الْأُولَى فَوَهُمْ .\rقَالَهُ أَبُو دَاوُد .\rفَعَلَى هَذَا يَضْمَنُهُ بِقِيمَتِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا مِثْلَ لَهُ .\rوَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ ، يَتَصَدَّقُ بِتَمْرَةٍ عَنْ الْجَرَادَةِ .\rوَهَذَا يُرْوَى عَنْ عُمَرَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ .\rوَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : قَبْضَةٌ مِنْ طَعَامٍ .\rقَالَ الْقَاضِي : هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ أَوْجَبَ ذَلِكَ عَلَى طَرِيقِ الْقِيمَةِ ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُمْ لَمْ يُرِيدُوا بِذَلِكَ التَّقْدِيرَ ، وَإِنَّمَا أَرَادُوا أَنَّ فِيهِ أَقَلَّ شَيْءٍ .\rوَإِنْ افْتَرَشَ الْجَرَادُ فِي طَرِيقِهِ ، فَقَتَلَهُ بِالْمَشْيِ عَلَيْهِ ، عَلَى وَجْهٍ لَمْ يُمْكِنْهُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، وُجُوبُ جَزَائِهِ ؛ لِأَنَّهُ أَتْلَفَهُ لِنَفْعِ نَفْسِهِ ، فَضَمِنَهُ ، كَالْمُضْطَرِّ يَقْتُلُ صَيْدًا يَأْكُلُهُ .\rوَالثَّانِي ، لَا يَضْمَنُهُ ؛ لِأَنَّهُ اضْطَرَّهُ إلَى إتْلَافِهِ ، أَشْبَهَ مَا لَوْ صَالَ عَلَيْهِ .","part":7,"page":328},{"id":3328,"text":"( 2670 ) الْفَصْلُ السَّادِسُ ، أَنَّ جَزَاءَ مَا كَانَ دَابَّةً مِنْ الصَّيْدِ نَظِيرُهُ مِنْ النَّعَمِ .\rهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ؛ مِنْهُمْ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : الْوَاجِبُ الْقِيمَةُ وَيَجُوزُ فِيهَا الْمِثْلُ ؛ لِأَنَّ الصَّيْدَ لَيْسَ بِمِثْلِيٍّ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَمِ } .\rوَجَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الضَّبُعِ كَبْشًا .\rوَأَجْمَعَ الصَّحَابَةُ عَلَى إيجَابِ الْمِثْلِ ، فَقَالَ عُمَرُ ، وَعُثْمَانُ ، وَعَلِيٌّ ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ ، وَمُعَاوِيَةُ : فِي النَّعَامَةِ بَدَنَةٌ .\rوَحَكَمَ أَبُو عُبَيْدَةَ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ ، فِي حِمَارِ الْوَحْشِ بِبَدَنَةٍ .\rوَحَكَمَ عُمَرُ فِيهِ بِبَقَرَةِ .\rوَحَكَمَ عُمَرُ وَعَلِيٌّ فِي الظَّبْيِ بِشَاةٍ .\rوَإِذَا حَكَمُوا بِذَلِكَ فِي الْأَزْمِنَةِ الْمُخْتَلِفَةِ ، وَالْبَلَدَانِ الْمُتَفَرِّقَةِ ، دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى وَجْهِ الْقِيمَةِ ، وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ عَلَى وَجْهِ الْقِيمَةِ لَاعْتَبَرُوا صِفَةَ الْمُتْلَفِ الَّتِي تَخْتَلِفُ بِهَا الْقِيمَةُ ، إمَّا بِرُؤْيَةٍ أَوْ إخْبَارٍ ، وَلَمْ يُنْقَلُ عَنْهُمْ السُّؤَالُ عَنْ ذَلِكَ حَالَ الْحُكْمِ ، وَلِأَنَّهُمْ حَكَمُوا فِي الْحَمَامِ بِشَاةٍ ، وَلَا يَبْلُغُ قِيمَةَ شَاةٍ فِي الْغَالِبِ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَلَيْسَ الْمُرَادُ حَقِيقَةَ الْمُمَاثَلَةِ ، فَإِنَّهَا لَا تَتَحَقَّقُ بَيْنَ النَّعَمِ وَالصَّيْدِ ، لَكِنْ أُرِيدَتْ الْمُمَاثَلَةُ مِنْ حَيْثُ الصُّورَةُ .\rوَالْمُتْلَفُ مِنْ الصَّيْدِ قِسْمَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، قَضَتْ فِيهِ الصَّحَابَةُ ، فَيَجِبُ فِيهِ مَا قَضَتْ .\rوَبِهَذَا قَالَ عَطَاءٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : يُسْتَأْنَفُ الْحُكْمُ فِيهِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ { : يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ .\r} وَلَنَا ، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ ، بِأَيِّهِمْ اقْتَدَيْتُمْ اهْتَدَيْتُمْ } وَقَالَ { : اقْتَدُوا بِاَللَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي : أَبِي بَكْرٍ ، وَعُمَرَ } .\rوَلِأَنَّهُمْ أَقْرَبُ إلَى الصَّوَابِ ،","part":7,"page":329},{"id":3329,"text":"وَأَبْصَرُ بِالْعِلْمِ ، فَكَانَ حُكْمُهُمْ حُجَّةً عَلَى غَيْرِهِمْ ، كَالْعَالِمِ مَعَ الْعَامِّيِّ ، وَاَلَّذِي بَلَغَنَا قَضَاؤُهُمْ فِي ؛ الضَّبُعِ كَبْشٌ .\rقَضَى بِهِ عُمَرُ ، وَعَلِيٌّ ، وَجَابِرٌ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ .\rوَفِيهِ عَنْ جَابِرٍ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { جَعَلَ فِي الضَّبُعِ يَصِيدُهَا الْمُحْرِمُ كَبْشًا } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَابْنُ مَاجَهْ .\rوَرُوِيَ عَنْ جَابِرٍ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { ، قَالَ : فِي الضَّبُعِ كَبْشٌ ، إذَا أَصَابَ الْمُحْرِمُ ، وَفِي الظَّبْيِ شَاةٌ ، وَفِي الْأَرْنَبِ عَنَاقٌ ، وَفِي الْيَرْبُوعِ جَفْرَةٌ } .\rقَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ : الْجَفْرَةُ ، الَّتِي قَدْ فُطِمَتْ وَرَعَتْ .\rرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ .\rقَالَ أَحْمَدُ : { : حَكَمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الضَّبُع بِكَبْشٍ .\r} وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ .\rوَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ إنْ كَانَ الْعُلَمَاءُ بِالشَّامِ يَعُدُّونَهَا مِنْ السِّبَاعِ وَيَكْرَهُونَ أَكْلَهَا .\rوَهُوَ الْقِيَاسُ ، إلَّا أَنَّ اتِّبَاعَ السُّنَّةِ وَالْآثَارِ أَوْلَى .\rوَفِي حِمَارِ الْوَحْشِ بَقَرَةٌ .\rرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .\rوَبِهِ قَالَ عُرْوَةُ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَالشَّافِعِيُّ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ : فِيهِ بَدَنَةٌ .\rرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ .\rوَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ ، وَالنَّخَعِيُّ .\rوَفِي بَقَرَةِ الْوَحْشِ بَقَرَةٌ .\rرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَعَطَاءٍ ، وَعُرْوَةَ ، وَقَتَادَةَ ، وَالشَّافِعِيِّ .\rوَالْأَيْلُ فِيهِ بَقَرَةٌ .\rقَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ .\rقَالَ أَصْحَابُنَا : فِي الْوَعْلِ وَالثَّيْتَلِ بَقَرَةٌ ، كَالْأَيِّلِ .\rوَالْأَرْوَى فِيهَا بَقَرَةٌ .\rقَالَ ذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : فِيهَا عَضْبٌ ، وَهِيَ مِنْ أَوْلَادِ الْبَقَرِ مَا بَلَغَ أَنْ يُقْبَضَ عَلَى قَرْنِهِ ، وَلَمْ يَبْلُغْ أَنْ يَكُونَ جِذْعًا .\rوَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ الْأَزْهَرِيِّ .\rوَفِي الظَّبْيِ شَاةٌ .\rثَبَتَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ ، وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ .\rوَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ ، وَعُرْوَةُ ، وَالشَّافِعِيُّ ،","part":7,"page":330},{"id":3330,"text":"وَابْنُ الْمُنْذِرِ ، وَلَا نَحْفَظُ عَنْ غَيْرِهِمْ خِلَافَهُمْ .\rوَفِي الْوَبَرِ شَاةٌ .\rرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مُجَاهِدٍ ، وَعَطَاءٍ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : فِيهِ جَفْرَةٌ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِأَكْبَرَ مِنْهَا وَكَذَلِكَ .\rقَالَ الشَّافِعِيُّ : إنْ كَانَتْ الْعَرَبُ تَأْكُلُهُ .\rوَالْجَفْرَةُ مِنْ أَوْلَادِ الْمَعْزِ مَا أَتَى عَلَيْهَا أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ ، وَفُصِلَتْ عَنْ أُمِّهَا ، وَالذَّكَرُ جَفْرٌ .\rوَفِي الْيَرْبُوعِ جَفْرَةٌ .\rقَالَ ذَلِكَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ .\rوَقَالَ النَّخَعِيُّ : فِيهِ ثَمَنُهُ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : قِيمَتُهُ طَعَامًا .\rوَقَالَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ : مَا سَمِعْنَا أَنَّ الضَّبَّ وَالْيَرْبُوعَ يُودِيَانِ .\rوَاتِّبَاعُ الْآثَارِ أَوْلَى .\rوَفِي الضَّبِّ جَدْيٌ .\rقَضَى بِهِ عُمَرُ ، وَأَرْبَدُ ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ ، فِيهِ شَاةٌ ؛ لِأَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ، وَعَطَاءً قَالَا فِيهِ ذَلِكَ .\rوَقَالَ مُجَاهِدٌ : حَفْنَةٌ مِنْ طَعَامٍ .\rوَقَالَ قَتَادَةُ : صَاعٌ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : قِيمَتُهُ مِنْ الطَّعَامِ .\rوَالْأَوَّلُ أَوْلَى ؛ فَإِنَّ قَضَاءَ عُمَرَ أَوْلَى مِنْ قَضَاءِ غَيْرِهِ ، وَالْجَدْيُ أَقْرَبُ إلَيْهِ مِنْ الشَّاةِ .\rوَفِي الْأَرْنَبِ عَنَاقٌ .\rقَضَى بِهِ عُمَرُ .\rوَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : فِيهِ حَمَلٌ .\rوَقَالَ عَطَاءٌ : فِيهِ شَاةٌ .\rوَقَضَاءُ عُمَرَ أَوْلَى .\rوَالْعَنَاقُ : الْأُنْثَى مِنْ وَلَدِ الْمَعْزِ فِي أَوَّلِ سَنَةٍ ، وَالذَّكَرُ جَدْيٌ .\rالْقِسْمُ الثَّانِي ، مَا لَمْ تَقْضِ فِيهِ الصَّحَابَةُ ، فَيُرْجَعُ إلَى قَوْلِ عَدْلَيْنِ مِنْ أَهْلِ الْخِبْرَةِ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ } .\rفَيَحْكُمَانِ فِيهِ بِأَشْبَهِ الْأَشْيَاءِ مِنْ النَّعَمِ ، مِنْ حَيْثُ الْخِلْقَةُ ، لَا مِنْ حَيْثُ الْقِيمَةُ ، بِدَلِيلِ أَنَّ قَضَاءَ الصَّحَابَةِ لَمْ يَكُنْ بِالْمِثْلِ فِي الْقِيمَةِ ، وَلَيْسَ مِنْ شَرْطِ الْحَكَمِ أَنْ يَكُونَ فَقِيهًا ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ زِيَادَةٌ عَلَى أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى بِهِ ، وَقَدْ أَمَرَ عُمَرُ أَنْ","part":7,"page":331},{"id":3331,"text":"يَحْكُمَ فِي الضَّبِّ ، وَلَمْ يَسْأَلْ أَفَقِيهٌ هُوَ أَمْ لَا ؟ لَكِنْ تُعْتَبَرُ الْعَدَالَةُ ؛ لِأَنَّهَا مَنْصُوصٌ عَلَيْهَا ، وَلِأَنَّهَا شَرْطٌ فِي قَبُولِ الْقَوْلِ عَلَى الْغَيْرِ فِي سَائِرِ الْأَمَاكِنِ ، وَتُعْتَبَرُ الْخِبْرَةُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ الْحُكْمِ بِالْمِثْلِ إلَّا مَنْ لَهُ خِبْرَةٌ ، وَلِأَنَّ الْخِبْرَةَ بِمَا يَحْكُمُ بِهِ شَرْطٌ فِي سَائِرِ الْحُكَّامِ .\rوَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْقَاتِلُ أَحَدَ الْعَدْلَيْنِ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ .\rوَقَالَ النَّخَعِيُّ : لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَحْكُمُ لِنَفْسِهِ .\rوَلَنَا ، عُمُومُ قَوْله تَعَالَى : { يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ } .\rوَالْقَاتِلُ مَعَ غَيْرِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنَّا .\rوَقَدْ رَوَى سَعِيدٌ فِي \" سُنَنِهِ \" ، وَالشَّافِعِيُّ ، فِي \" مُسْنَدِهِ \" ، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ ، قَالَ : خَرَجْنَا حُجَّاجًا ، فَأُوطَأْ رَجُلٌ مِنَّا يُقَالُ لَهُ أَرْبَدُ ضَبًّا ، فَفَزَرَ ظَهْرَهُ ، فَقَدِمْنَا عَلَى عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَسَأَلَهُ أَرْبَدُ ، فَقَالَ لَهُ : اُحْكُمْ يَا أَرْبَدُ فِيهِ .\rقَالَ : أَنْتَ خَيْرٌ مِنِّي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ .\rقَالَ : إنَّمَا أَمَرْتُك أَنْ تَحْكُمَ ، وَلَمْ آمُرْك أَنْ تُزَكِّيَنِي .\rفَقَالَ أَرْبَدُ : أَرَى فِيهِ جَدْيًا قَدْ جَمَعَ الْمَاءَ وَالشَّجَرَ .\rقَالَ عُمَرُ : فَذَلِكَ فِيهِ .\rفَأَمَرَهُ عُمَرُ أَنْ يَحْكُمَ فِيهِ وَهُوَ الْقَاتِلُ ، وَأَمَرَ أَيْضًا كَعْبَ الْأَحْبَارِ أَنْ يَحْكُمَ عَلَى نَفْسِهِ فِي الْجَرَادَتَيْنِ اللَّتَيْنِ صَادَهُمَا وَهُوَ مُحْرِمٌ .\rوَلِأَنَّهُ مَالٌ يَخْرُجُ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى ، فَجَازَ أَنْ يَكُونَ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ أَمِينًا فِيهِ ، كَالزَّكَاةِ .\r( 2671 ) فَصْلٌ : قَالَ أَصْحَابُنَا : فِي كَبِيرِ الصَّيْدِ مِثْلُهُ مِنْ النَّعَمِ ، وَفِي الصَّغِيرِ صَغِيرٌ ، وَفِي الذَّكَرِ ذَكَرٌ ، وَفِي الْأُنْثَى أُنْثَى ، وَفِي الصَّحِيحِ صَحِيحٌ ، وَفِي الْمَعِيبِ مَعِيبٌ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : فِي الصَّغِيرِ كَبِيرٌ ، وَفِي الْمَعِيبِ صَحِيحٌ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : { هَدْيًا بَالِغَ","part":7,"page":332},{"id":3332,"text":"الْكَعْبَةِ } .\rوَلَا يُجْزِئُ فِي الْهَدْيِ صَغِيرٌ وَلَا مَعِيبٌ ، وَلِأَنَّهَا كَفَّارَةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِقَتْلِ حَيَوَانٍ ، فَلَمْ تَخْتَلِفْ بِصَغِيرِهِ وَكَبِيرِهِ ، كَقَتْلِ الْآدَمِيِّ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَمِ } .\rوَمِثْلُ الصَّغِيرِ صَغِيرٌ ، وَلِأَنَّ مَا ضُمِنَ بِالْيَدِ وَالْجِنَايَةِ اخْتَلَفَ ضَمَانُهُ بِالصِّغَرِ وَالْكِبَرِ ، كَالْبَهِيمَةِ ، وَالْهَدْيُ فِي الْآيَةِ مُعْتَبَرَةٌ بِالْمِثْلِ ، وَقَدْ أَجْمَعَ الصَّحَابَةُ عَلَى الضَّمَانِ بِمَا لَا يَصِحُّ هَدْيًا ، كَالْجَفْرَةِ وَالْعَنَاقِ وَالْجَدْيِ .\rوَكَفَّارَةُ الْآدَمِيِّ لَيْسَتْ بَدَلًا عَنْهُ ، وَلَا تَجْرِي مَجْرَى الضَّمَانِ ، بِدَلِيلِ أَنَّهَا لَا تَتَبَعَّضُ فِي أَبْعَاضِهِ ، فَإِنْ فَدَى الْمَعِيبَ بِصَحِيحٍ فَهُوَ أَفْضَلُ ، وَإِنْ فَدَاهُ بِمَعِيبٍ مِثْلِهِ جَازَ .\rوَإِنْ اخْتَلَفَ الْعَيْبُ ، مِثْلُ أَنْ فَدَى الْأَعْرَجَ بِأَعْوَرَ ، أَوْ الْأَعْوَرَ بِأَعْرَجَ ، لَمْ يَجُزْ ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمِثْلِهِ .\rوَإِنْ فَدَى أَعْوَرَ مِنْ أَحَدِ الْعَيْنَيْنِ بِأَعْوَرَ مِنْ أُخْرَى ، أَوْ أَعْرَجَ مِنْ قَائِمَةٍ بِأَعْرَجَ مِنْ أُخْرَى جَازَ ؛ لِأَنَّ هَذَا اخْتِلَافٌ يَسِيرٌ ، وَنَوْعُ الْعَيْبِ وَاحِدٌ ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفَ مَحَلُّهُ .\rوَإِنْ فَدَى الذَّكَرَ بِأُنْثَى ، جَازَ ؛ لِأَنَّ لَحْمَهَا أَطْيَبُ وَأَرْطَبُ .\rوَإِنْ فَدَاهَا بِذَكَرٍ ، جَازَ ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ ؛ لِأَنَّ لَحْمَهُ أَوْفَرُ فَتَسَاوَيَا .\rوَالْآخَرُ لَا يَجُوزُ ؛ لِأَنَّ زِيَادَتَهُ عَلَيْهَا لَيْسَ هِيَ مِنْ جِنْسِ زِيَادَتِهَا ، فَأَشْبَهَ فِدَاءَ الْمَعِيبِ مِنْ نَوْعٍ بِمَعِيبٍ مِنْ نَوْعٍ آخَرَ .","part":7,"page":333},{"id":3333,"text":"( 2672 ) فَصْلٌ : فَإِنْ قَتَلَ مَاخِضًا ، فَقَالَ الْقَاضِي : يَضْمَنُهَا بِقِيمَةِ مِثْلِهَا .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ قِيمَتَهُ أَكْثَرُ مِنْ قِيمَةِ لَحْمِهِ .\rوَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : يَضْمَنُهَا بِمَاخِضٍ مِثْلِهَا ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : { فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَمِ } .\rوَإِيجَابُ الْقِيمَةِ عُدُولٌ عَنْ الْمِثْلِ مَعَ إمْكَانِهِ ، فَإِنْ فَدَاهَا بِغَيْرِ مَاخِضٍ ، احْتَمَلَ الْجَوَازَ ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الصِّفَةَ لَا تَزِيدُ فِي لَحْمِهَا ، بَلْ رُبَّمَا نَقَصَتْهَا ، فَلَا يُشْتَرَطُ وُجُودُهَا فِي الْمِثْلِ ، كَاللَّوْنِ وَالْعَيْبِ .\rوَإِنْ جَنَى عَلَى مَاخِضٍ ، فَأَتْلَفَ جَنِينَهَا ، وَخَرَجَ مَيِّتًا ، فَفِيهِ مَا نَقَصَتْ أُمُّهُ ، كَمَا لَوْ جَرَحَهَا ، وَإِنْ خَرَجَ حَيًّا لِوَقْتٍ يَعِيشُ لِمِثْلِهِ ثُمَّ مَاتَ ، ضَمِنَهُ بِمِثْلِهِ ، وَإِنْ كَانَ لِوَقْتٍ لَا يَعِيشُ لِمِثْلِهِ فَهُوَ كَالْمَيِّتِ ، كَجَنِينِ الْآدَمِيَّةِ .","part":7,"page":334},{"id":3334,"text":"( 2673 ) فَصْلٌ : وَإِنْ أَتْلَفَ جُزْءًا مِنْ الصَّيْدِ ، وَجَبَ ضَمَانُهُ ؛ لِأَنَّ جُمْلَتَهُ مَضْمُونَةٌ ، فَكَانَ بَعْضُهُ مَضْمُونًا كَالْآدَمِيِّ ، وَالْأَمْوَالِ ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { لَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا } .\rفَالْجَرْحُ أَوْلَى بِالنَّهْيِ ، وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي تَحْرِيمَهُ .\rوَمَا كَانَ مُحَرَّمًا مِنْ الصَّيْدِ وَجَبَ ضَمَانُهُ كَنَفْسِهِ ، وَيُضْمَن بِمِثْلِهِ مِنْ مِثْلِهِ ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ ؛ لِأَنَّ مَا وَجَبَ ضَمَانُ جُمْلَتِهِ بِالْمِثْلِ ، وَجَبَ فِي بَعْضِهِ مِثْلُهُ ، كَالْمَكِيلَاتِ .\rوَالْآخَرُ يَجِبُ قِيمَةُ مِقْدَارِهِ مِنْ مِثْلِهِ ؛ لِأَنَّ الْجَزَاءَ يَشُقُّ إخْرَاجُهُ ، فَيُمْنَعُ إيجَابُهُ ، وَلِهَذَا عَدَلَ الشَّارِعُ عَنْ إيجَابِ جُزْءٍ مِنْ بَعِيرٍ فِي خَمْسٍ مِنْ الْإِبِلِ إلَى إيجَابِ شَاةٍ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الْإِبِلِ .\rوَالْأَوَّلُ أَوْلَى ؛ لِأَنَّ الْمَشَقَّةَ هَاهُنَا غَيْرُ ثَابِتَةٍ ؛ لِوُجُودِ الْخِيَرَةِ لَهُ فِي الْعُدُولِ عَنْ الْمِثْلِ إلَى عَدْلِهِ مِنْ الطَّعَامِ أَوْ الصِّيَامِ ، فَيَنْتَفِي الْمَانِعُ فَيَثْبُتُ مُقْتَضَى الْأَصْلِ .\rوَهَذَا إذَا انْدَمَلَ الصَّيْدُ مُمْتَنِعًا ، فَإِنْ انْدَمَلَ غَيْرَ مُمْتَنِعٍ ، ضَمِنَهُ جَمِيعَهُ ؛ لِأَنَّهُ عَطَّلَهُ ، فَصَارَ كَالتَّالِفِ ، وَلِأَنَّهُ مُفْضٍ إلَى تَلَفِهِ ، فَصَارَ كَالْجَارِحِ لَهُ جُرْحًا يَتَيَقَّنُ بِهِ مَوْتُهُ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ .\rوَيَتَخَرَّجُ أَنْ يَضْمَنَهُ بِمَا نَقَصَ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَضْمَنُ مَا لَمْ يَتْلَفْ ، وَلَمْ يَتْلَفْ جَمِيعُهُ ، بِدَلِيلِ مَا لَوْ قَتَلَهُ مُحْرِمٌ آخَرُ لَزِمَهُ الْجَزَاءُ .\rوَمِنْ أَصْلِنَا أَنَّ عَلَى الْمُشْتَرِكِينَ جَزَاءً وَاحِدًا ، وَضَمَانُهُ بِجَزَاءٍ كَامِلٍ يُفْضِي إلَى إيجَابِ جَزَاءَيْنِ .\rوَإِنْ غَابَ غَيْرَ مُنْدَمِلٍ ، وَلَمْ يُعْلَمْ خَبَرُهُ ، وَالْجِرَاحَةُ مُوجِبَةٌ فَعَلَيْهِ ضَمَانُ جَمِيعِهِ ، كَمَا لَوْ قَتَلَهُ .\rوَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مُوجِبَةٍ ، فَعَلَيْهِ ضَمَانُ مَا نَقَصَ ، وَلَا يَضْمَنُ جَمِيعَهُ ؛ لِأَنَّنَا لَا نَعْلَمُ حُصُولَ التَّلَفِ بِفِعْلِهِ ، فَلَمْ يَضْمَنْ ، كَمَا لَوْ رَمَى سَهْمًا إلَى صَيْدٍ ، فَلَمْ","part":7,"page":335},{"id":3335,"text":"يَعْلَمْ أَوْقَع بِهِ أَمْ لَا ، وَكَذَلِكَ إنْ وَجَدَهُ مَيِّتًا ، وَلَمْ يَعْلَمْ أَمَاتَ مِنْ الْجِنَايَةِ أَمْ مِنْ غَيْرِهَا .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يَلْزَمَهُ ضَمَانُهُ هَاهُنَا ؛ لِأَنَّهُ وُجِدَ سَبَبُ إتْلَافِهِ مِنْهُ ، وَلَمْ يُعْلَمْ لَهُ سَبَبٌ آخَرُ ، فَوَجَبَ إحَالَتُهُ عَلَى السَّبَبِ الْمَعْلُومِ ، كَمَا لَوْ وَقَعَ فِي الْمَاءِ نَجَاسَةٌ ، فَوَجَدَهُ مُتَغَيِّرًا تَغَيُّرًا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مِنْهَا ، فَإِنَّنَا نَحْكُمُ بِنَجَاسَتِهِ ، وَكَذَلِكَ لَوْ رَمَى صَيْدًا ، فَغَابَ عَنْ عَيْنِهِ ، ثُمَّ وَجَدَهُ مَيِّتًا لَا أَثَرَ بِهِ غَيْرُ سَهْمِهِ ، حَلَّ أَكْلُهُ .\rوَإِنْ صَيَّرَتْهُ الْجِنَايَةُ غَيْرَ مُمْتَنِعٍ ، فَلَمْ يَعْلَمْ أَصَارَ مُمْتَنِعًا أَمْ لَا ، فَعَلَيْهِ ضَمَانُ جَمِيعِهِ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الِامْتِنَاعِ .","part":7,"page":336},{"id":3336,"text":"( 2674 ) فَصْلٌ : وَإِنْ جَرَحَ صَيْدًا ، فَتَحَامَلَ ، فَوَقَعَ فِي شَيْءٍ تَلِفَ بِهِ ، ضَمِنَهُ ؛ لِأَنَّهُ تَلِفَ بِسَبَبِهِ .\rوَكَذَلِكَ إنْ نَفَّرَهُ ، فَتَلِفَ فِي حَالِ نُفُورِهِ ، ضَمِنَهُ .\rفَإِنْ سَكَنَ فِي مَكَان ، وَأَمِنَ مِنْ نُفُورِهِ ، ثُمَّ تَلِفَ ، لَمْ يَضْمَنْهُ .\rوَقَدْ ذَكَرْنَا وَجْهًا آخَرَ ، أَنْ يَضْمَنَهُ فِي الْمَكَانِ الَّذِي انْتَقَلَ إلَيْهِ ؛ لِمَا رَوَى الشَّافِعِيُّ فِي \" مُسْنَدِهِ \" ، عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ دَخَلَ دَارَ النَّدْوَةِ ، فَأَلْقَى رِدَاءَهُ عَلَى وَاقِفٍ فِي الْبَيْتِ ، فَوَقَعَ عَلَيْهِ طَيْرٌ مِنْ هَذَا الْحَمَامِ ، فَأَطَارَهُ ، فَوَقَعَ عَلَى وَاقِفٍ ، فَانْتَهَزَتْهُ حَيَّةٌ فَقَتَلَتْهُ ، فَقَالَ لِعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ، وَنَافِعِ بْنِ عَبْدِ الْحَارِثِ : إنِّي وَجَدْت فِي نَفْسِي أَنِّي أَطَرْته مِنْ مَنْزِلٍ كَانَ فِيهِ آمِنًا إلَى مَوْقِعَةٍ كَانَ فِيهَا حَتْفُهُ .\rفَقَالَ نَافِعٌ لِعُثْمَانَ : كَيْفَ تَرَى ، فِي عَنْزٍ ثَنِيَّةٍ عَفْرَاءَ ، يُحْكَمُ بِهَا عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ؟ فَقَالَ عُثْمَانُ : أَرَى ذَلِكَ .\rفَأَمَرَ بِهَا عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .","part":7,"page":337},{"id":3337,"text":"( 2675 ) فَصْلٌ : وَكُلُّ مَا يَضْمَنُ بِهِ الْآدَمِيَّ ، يَضْمَنُ بِهِ الصَّيْدَ ، مِنْ مُبَاشَرَةٍ ، أَوْ بِسَبَبٍ ، وَمَا جَنَتْ عَلَيْهِ دَابَّتُهُ بِيَدِهَا أَوْ فَمِهَا مِنْ الصَّيْدِ ، فَالضَّمَانُ عَلَى رَاكِبِهَا ، أَوْ قَائِدِهَا ، أَوْ سَائِقِهَا ، وَمَا جَنَتْ بِرِجْلِهَا ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ حِفْظُ رِجْلِهَا .\rوَقَالَ الْقَاضِي : يَضْمَنُ السَّائِقُ جَمِيعَ جِنَايَتِهَا ؛ لِأَنَّ يَدَهُ عَلَيْهَا ، وَيُشَاهِدُ رِجْلَهَا .\rوَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ : لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِي الرِّجْلِ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { : الرِّجْلُ جُبَارٌ } .\rوَإِنْ انْقَلَبَتْ فَأَتْلَفَتْ صَيْدًا ، لَمْ يَضْمَنْهُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدُلّ عَلَيْهَا ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : الْعَجْمَاءُ جُبَارٌ } .\rوَكَذَلِكَ لَوْ أَتْلَفَتْ آدَمِيًّا ، لَمْ يَضْمَنْهُ .\rوَلَوْ نَصَبَ الْمُحْرِمُ شَبَكَةً ، أَوْ حَفَرَ بِئْرًا ، فَوَقَعَ فِيهَا صَيْدٌ ، ضَمِنَهُ ؛ لِأَنَّهُ بِسَبَبِهِ ، كَمَا يَضْمَنُ الْآدَمِيَّ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ حَفَرَ الْبِئْرَ بِحَقٍّ ، كَحَفْرِهِ فِي دَارِهِ ، أَوْ فِي طَرِيقٍ وَاسِعٍ يَنْتَفِعُ بِهَا الْمُسْلِمُونَ ، فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَضْمَنَ مَا تَلِفَ بِهِ ، كَمَا لَا يَضْمَنُ الْآدَمِيَّ .\rوَإِنْ نَصَبَ شَبَكَةً قَبْلَ إحْرَامِهِ ، فَوَقَعَ فِيهَا صَيْدٌ بَعْدَ إحْرَامِهِ ، لَمْ يَضْمَنْهُ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ بَعْدَ إحْرَامِهِ تَسَبُّبٌ إلَى إتْلَافِهِ ، أَشْبَهَ مَا لَوْ صَادَهُ قَبْلَ إحْرَامِهِ ، وَتَرَكَهُ فِي مَنْزِلِهِ ، فَتَلِفَ بَعْدَ إحْرَامِهِ ، أَوْ بَاعَهُ وَهُوَ حَلَالٌ ، فَذَبَحَهُ الْمُشْتَرِي .","part":7,"page":338},{"id":3338,"text":"( 2676 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَإِنْ كَانَ طَائِرًا فَدَاهُ بِقِيمَتِهِ فِي مَوْضِعِهِ ) قَوْلُهُ : \" بِقِيمَتِهِ فِي مَوْضِعِهِ \" يَعْنِي يَجِبُ قِيمَتُهُ فِي الْمَكَانِ الَّذِي أَتْلَفَهُ فِيهِ .\rلَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي وُجُوبِ ضَمَانِ الصَّيْدِ مِنْ الطَّيْرِ ، إلَّا مَا حُكِيَ عَنْ دَاوُد ، أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ مَا كَانَ أَصْغَرَ مِنْ الْحَمَامِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ { : فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَمِ } .\rوَهَذَا لَا مِثْلَ لَهُ .\rوَلَنَا عُمُومُ قَوْله تَعَالَى { : لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ } .\rوَقِيلَ فِي قَوْله تَعَالَى { : لَيَبْلُوَنَّكُمْ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنْ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ } : يَعْنِي الْفَرْخَ وَالْبَيْضَ وَمَا لَا يَقْدِرُ أَنْ يَفِرَّ مِنْ صِغَارِ الصَّيْدِ ، ( وَرِمَاحُكُمْ ) : يَعْنِي الْكِبَارَ .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُمَا حَكَمَا فِي الْجَرَادِ بِجَزَاءٍ .\rوَدَلَالَةُ الْآيَةِ عَلَى وُجُوبِ جَزَاءٍ غَيْرِهِ لَا يَمْنَعُ مِنْ وُجُوبِ الْجَزَاءِ فِي هَذَا بِدَلِيلٍ آخَرَ ، وَضَمَانُ غَيْرِ الْحَمَامِ مِنْ الطَّيْرِ قِيمَتُهُ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الضَّمَانِ أَنْ يُضْمَنَ بِقِيمَتِهِ ، أَوْ بِمَا يَشْتَمِلُ عَلَيْهَا ، بِدَلِيلِ سَائِرِ الْمَضْمُونَاتِ ، لَكِنْ تَرَكْنَا هَذَا الْأَصْلَ بِدَلِيلٍ ، فَفِيمَا عَدَاهُ تَجِبُ الْقِيمَةُ بِقَضِيَّةِ الدَّلِيلِ ، وَتُعْتَبَرُ الْقِيمَةُ فِي مَوْضِعِ إتْلَافِهِ ، كَمَا لَوْ أَتْلَفَ مَالَ آدَمِيٍّ فِي مَوْضِعِ قَوْمٍ فِي مَوْضِعِ الْإِتْلَافِ ، كَذَا هَاهُنَا .","part":7,"page":339},{"id":3339,"text":"( 2677 ) فَصْلٌ : وَيُضْمَنُ بَيْضُ الصَّيْدِ بِقِيمَتِهِ ، أَيَّ صَيْدٍ كَانَ .\rقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : فِي بَيْضِ النَّعَامِ قِيمَتُهُ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ .\rوَبِهِ قَالَ النَّخَعِيُّ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ؛ لِأَنَّهُ يُرْوَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { فِي بَيْضِ النَّعَامِ قِيمَتُهُ } ، مَعَ أَنَّ النَّعَامِ مِنْ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ ، فَغَيْرُهُ أَوْلَى ، وَلِأَنَّ الْبَيْضَ لَا مِثْلَ لَهُ ، فَيَجِبُ قِيمَتُهُ ، كَصِغَارِ الطَّيْرِ .\rفَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ قِيمَةٌ ، لِكَوْنِهِ مَذَرًا ، أَوْ لِأَنَّ فَرْخَهُ مَيِّتٌ ، فَلَا شَيْءَ فِيهِ .\rقَالَ أَصْحَابُنَا : إلَّا بَيْضَ النَّعَامِ ، فَإِنَّ لِقِشْرِهِ قِيمَةً .\rوَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا شَيْءَ فِيهِ ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ حَيَوَانٌ ، وَلَا مَآلُهُ إلَى أَنْ يَصِيرَ مِنْهُ حَيَوَانٌ صَارَ كَالْأَحْجَارِ وَالْخَشَبِ ، وَسَائِرِ مَا لَهُ قِيمَةٌ مِنْ غَيْرِ الصَّيْدِ ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ نَقَبَ بَيْضَةً ، فَأَخْرَجَ مَا فِيهَا ، لَزِمَهُ جَزَاءُ جَمِيعِهَا ، ثُمَّ لَوْ كَسَرَهَا هُوَ أَوْ غَيْرُهُ ، لَمْ يَلْزَمْهُ لِذَلِكَ شَيْءٌ .\rوَمِنْ كَسَرَ بَيْضَةً ، فَخَرَجَ مِنْهَا فَرْخٌ حَيٌّ ، فَعَاشَ ، فَلَا شَيْءَ فِيهِ ، وَإِنْ مَاتَ فَفِيهِ مَا فِي صِغَارِ أَوْلَادِ الْمُتْلَفِ بَيْضُهُ ، فَفِي فَرْخِ الْحَمَامِ صَغِيرُ أَوْلَادِ الْغَنَمِ ، وَفِي فَرْخِ النَّعَامَةِ حِوَارٌ ، وَفِيمَا عَدَاهُمَا قِيمَتُهُ .\rوَلَا يَحِلُّ لِمُحْرِمٍ أَكْلُ بَيْضِ الصَّيْدِ إذَا كَسَرَهُ هُوَ أَوْ مُحْرِمٌ سِوَاهُ ، وَإِنْ كَسَرَهُ حَلَالٌ فَهُوَ كَلَحْمِ الصَّيْدِ ، إنْ كَانَ أَخَذَهُ لِأَجْلِ الْمُحْرِمِ لَمْ يُبَحْ لَهُ أَكْلُهُ ، وَإِلَّا أُبِيحَ .\rوَإِنْ كَسَرَ بَيْضَ صَيْدٍ ، لَمْ يَحْرُمْ عَلَى الْحَلَالِ ؛ لِأَنَّ حِلَّهُ لَا يَقِفُ عَلَى كَسْرِهِ ، وَلَا يُعْتَبَرُ لَهُ أَهْلِيَّةٌ ، بَلْ لَوْ كَسَرَهُ مَجُوسِيٌّ أَوْ وَثَنِيٌّ ، أَوْ بِغَيْرِ تَسْمِيَةٍ ، لَمْ يَحْرُمْ ، فَأَشْبَهَ قَطْعَ اللَّحْمِ وَطَبْخَهُ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : يَحْرُمُ عَلَى الْحَلَالِ أَكْلُهُ ، كَمَا لَوْ ذَبَحَ","part":7,"page":340},{"id":3340,"text":"الصَّيْدَ ؛ لِأَنَّ كَسْرَهُ جَرَى مَجْرَى الذَّبْحِ ، بِدَلِيلِ حِلِّهِ لِلْمُحْرِمِ بِكَسْرِ الْحَلَالِ لَهُ .\rوَإِنْ نَقَلَ بَيْضَ صَيْدٍ فَجَعَلَهُ تَحْتَ آخَرَ ، أَوْ تَرَكَ مَعَ بَيْضِ الصَّيْدِ بَيْضًا آخَرَ ، أَوْ شَيْئًا نَفَّرَهُ عَنْ بَيْضِهِ حَتَّى فَسَدَ ، فَعَلَيْهِ ضَمَانٌ ؛ لِأَنَّهُ تَلِفَ بِسَبَبِهِ ، وَإِنْ صَحَّ وَفَرَّخَ ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ .\rوَإِنْ بَاضَ الصَّيْدُ عَلَى فِرَاشِهِ فَنَقَلَهُ بِرِفْقٍ فَفَسَدَ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْجَرَادَ إذَا انْفَرَشَ فِي طَرِيقِهِ ، وَحُكْمُ بِيضِ الْجَرَادِ .\rوَإِنْ احْتَلَبَ لَبَنَ صَيْدٍ ، فَفِيهِ قِيمَةٌ ، كَمَا لَوْ حَلَبَ لَبَنَ حَيَوَانٍ مَغْصُوبٍ .","part":7,"page":341},{"id":3341,"text":"( 2678 ) فَصْلٌ : إذَا نَتَفَ مُحْرِمٌ رِيشَ طَائِرٍ ، فَفِيهِ مَا نَقَصَ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَوْجَبَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ فِيهِ الْجَزَاءَ جَمِيعَهُ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ نَقَصَهُ نَقْصًا يُمْكِنُ زَوَالُهُ ، فَلَمْ يَضْمَنْهُ بِكَمَالِهِ ، كَمَا لَوْ جَرَحَهُ .\rفَإِنْ حَفِظَهُ ، فَأَطْعَمَهُ ، وَسَقَاهُ ، حَتَّى عَادَ رِيشُهُ ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ النَّقْصَ زَالَ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ انْدَمَلَ الْجُرْحُ .\rوَقِيلَ : عَلَيْهِ قِيمَةُ الرِّيشِ ؛ لِأَنَّ الثَّانِيَ غَيْرُ الْأَوَّلِ ، فَإِنْ صَارَ غَيْرَ مُمْتَنِعٍ بِنَتْفِ رِيشِهِ ، وَانْدَمَلَ غَيْرَ مُمْتَنِعٍ ، فَعَلَيْهِ جَزَاءُ جَمِيعِهِ ، كَالْجَرْحِ .\rفَإِنْ غَابَ غَيْرَ مُنْدَمِلٍ ، فَفِيهِ مَا نَقَصَ ، كَالْجَرْحِ سَوَاءٌ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا ثَمَّ احْتِمَالًا .\rفَهَاهُنَا مِثْلُهُ .","part":7,"page":342},{"id":3342,"text":"( 2679 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( إلَّا أَنْ تَكُونَ نَعَامَةً ، فَيَكُونَ فِيهَا بَدَنَةٌ ، أَوْ حَمَامَةً ، وَمَا أَشْبَهَهَا ، فَيَكُونَ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا شَاةٌ ) هَذَا مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ : \" وَإِنْ كَانَ طَائِرًا فَدَاهُ بِقِيمَتِهِ فِي مَوْضِعِهِ \" .\rوَاسْتَثْنَى النَّعَامَةَ مِنْ الطَّائِرِ ؛ لِأَنَّهَا ذَاتُ جَنَاحَيْنِ وَتَبِيضُ ، فَهِيَ كَالدَّجَاجِ وَالْإِوَزِّ .\rأَوْجَبَ فِيهَا بَدَنَةً ؛ لِأَنَّ عُمَرَ ، وَعَلِيًّا ، وَعُثْمَانَ ، وَزِيدَ بْنَ ثَابِتٍ ، وَابْنَ عَبَّاسٍ ، وَمُعَاوِيَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، حَكَمُوا فِيهَا بِبَدَنَةِ .\rوَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rوَحُكِيَ عَنْ النَّخَعِيِّ أَنَّ فِيهَا قِيمَتَهَا .\rوَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ .\rوَخَالَفَهُ صَاحِبَاهُ .\rوَاتِّبَاعُ النَّصِّ فِي قَوْله تَعَالَى : { فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَمِ } .\rوَالْآثَارِ أَوْلَى ، وَلِأَنَّ النَّعَامَةَ تُشْبِهُ الْبَعِيرَ فِي خِلْقَتِهِ ، فَكَانَ مِثْلًا لَهَا ، فَتَدْخُلُ فِي عُمُومِ النَّصِّ .\rوَفِي الْحَمَامِ شَاةٌ .\rحَكَمَ بِهِ عُمَرُ ، وَعُثْمَانُ ، وَابْنُ عُمَرَ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ ، وَنَافِعُ بْنُ عَبْدِ الْحَارِثِ ، فِي حَمَامِ الْحَرَمِ ، وَبِهِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ، وَعَطَاءٌ ، وَعُرْوَةُ ، وَقَتَادَةُ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٌ : فِيهِ قِيمَتُهُ .\rإلَّا أَنَّ مَالِكًا وَافَقَ فِي حَمَامِ الْحَرَمِ لِحُكْمِ الصَّحَابَةِ ، فَفِيمَا عَدَاهُ يَبْقَى عَلَى الْأَصْلِ .\rقُلْنَا : رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الْحَمَامِ حَالَ الْإِحْرَامِ كَمَذْهَبِنَا ، وَلِأَنَّهَا حَمَامَةٌ مَضْمُونَةٌ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى ، فَضُمِنَتْ بِشَاةٍ ، كَحَمَامَةِ الْحَرَمِ ، وَلِأَنَّهَا مَتَى كَانَتْ الشَّاةُ مِثْلًا لَهَا فِي الْحَرَمِ ، فَكَذَلِكَ فِي الْحِلِّ ، فَيَجِبُ ضَمَانُهَا بِهَا ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى { : فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَمِ } .\rوَقِيَاسُ الْحَمَامِ عَلَى الْحَمَامِ أَوْلَى مِنْ قِيَاسِهِ عَلَى غَيْرِهِ .\rوَقَوْلُ الْخِرَقِيِّ : \" وَمَا أَشْبَهَهَا \" .\rيَعْنِي مَا يُشْبِهُ الْحَمَامَةَ ،","part":7,"page":343},{"id":3343,"text":"فِي أَنَّهُ يَعُبُّ الْمَاءَ ، أَيْ يَضَعُ مِنْقَارَهُ فِيهِ ، فَيَكْرَعُ كَمَا تَكْرَعُ الشَّاةُ ، وَلَا يَأْخُذُ قَطْرَةً قَطْرَةً ، كَالدَّجَاجِ ، وَالْعَصَافِيرِ .\rوَإِنَّمَا أَوْجَبُوا فِيهِ شَاةً لِشَبَهِهِ بِهَا فِي كَرْعِ الْمَاءِ مِثْلَهَا ، وَلَا يَشْرَبُ مِثْلَ شُرْبِ بَقِيَّةِ الطُّيُورِ .\rقَالَ أَحْمَدُ ، فِي رِوَايَةِ أَبِي الْقَاسِمِ وشندي : كُلُّ طَيْرٍ يَعُبُّ الْمَاءَ ، يَشْرَبُ مِثْلَ الْحَمَامِ ، فَفِيهِ شَاةٌ .\rفَيَدْخُلُ فِي هَذَا الْفَوَاخِتُ ، وَالْوَرَاشِينُ ، والسقايين وَالْقَمَرِيّ ، وَالدُّبْسِيّ ، وَالْقَطَّا ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ تُسَمِّيهِ الْعَرَبُ حَمَامًا ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ الْكِسَائِيّ ، أَنَّهُ قَالَ : كُلُّ مُطَوَّقٍ حَمَامٌ .\rوَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ ، الْحَجَلُ حَمَامٌ ؛ لِأَنَّهُ مُطَوَّقٌ .\r( 2680 ) فَصْلٌ : وَمَا كَانَ أَكْبَرَ مِنْ الْحَمَامِ ، كَالْحُبَارَى ، وَالْكُرْكِيِّ ، وَالْكَرَوَانُ ، وَالْحَجَلِ وَالْإِوَزِّ الْكَبِيرِ مِنْ طَيْرِ الْمَاءِ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، فِيهِ شَاةٌ ؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَجَابِرٍ ، وَعَطَاءٍ ، أَنَّهُمْ قَالُوا : فِي الْحَجَلَةِ وَالْقَطَاةِ وَالْحُبَارَى شَاةٌ شَاةٌ .\rوَزَادَ عَطَاءٌ : فِي الْكُرْكِيِّ والكروان وَابْنِ الْمَاءِ وَدَجَاجِ الْحَبَشِ وَالْحَرْب ، شَاةٌ شَاةٌ .\rوَالْحَرْبُ : هُوَ فَرْخُ الْحُبَارَى .\rلِأَنَّ إيجَابَ الشَّاةِ فِي الْحَمَامِ تَنْبِيهٌ عَلَى إيجَابِهَا فِيمَا هُوَ أَكْبَرُ مِنْهُ .\rوَالْوَجْهُ الثَّانِي ، فِيهِ قِيمَتُهُ ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ الْقِيَاسَ يَقْتَضِي وُجُوبَهَا فِي جَمِيعِ الطَّيْرِ ، تَرَكْنَاهُ فِي الْحَمَامِ لِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، فَفِي غَيْرِهِ يُرْجَعُ إلَى الْأَصْلِ .","part":7,"page":344},{"id":3344,"text":"( 2681 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَهُوَ مُخَيَّرٌ ، إنْ شَاءَ فَدَاهُ بِالنَّظِيرِ ، أَوْ قَوَّمَ النَّظِيرَ بِدَرَاهِمَ ، وَنَظَرَ كَمْ يَجِيءُ بِهِ طَعَامًا ، فَأَطْعَمَ كُلَّ مِسْكِينٍ مُدًّا ، أَوْ صَامَ عَنْ كُلِّ مُدٍّ يَوْمًا ، مُعْسِرًا كَانَ أَوْ مُوسِرًا ) فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَرْبَعَةُ فُصُولٍ ( 2682 ) الْفَصْلُ الْأَوَّلُ ، إنَّ قَاتِلَ الصَّيْدِ مُخَيَّرٌ فِي الْجَزَاءِ بِأَحَدِ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ ، بِأَيِّهَا شَاءَ كَفَّرَ ، مُوسِرًا كَانَ أَوْ مُعْسِرًا .\rوَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ ثَانِيَةٌ ، أَنَّهَا عَلَى التَّرْتِيبِ ، فَيَجِبُ الْمِثْلُ أَوَّلًا ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ أَطْعَمَ ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ صَامَ .\rوَرُوِيَ هَذَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَالثَّوْرِيِّ ؛ لِأَنَّ هَدْيَ الْمُتْعَةِ عَلَى التَّرْتِيبِ .\rوَهَذَا أَوْكَدُ مِنْهُ ؛ لِأَنَّهُ بِفِعْلٍ مَحْظُورٍ .\rوَعَنْهُ رِوَايَةٌ ثَالِثَةٌ ، أَنَّهُ لَا إطْعَامَ فِي الْكَفَّارَةِ ، وَإِنَّمَا ذُكِرَ فِي الْآيَةِ لِيَعْدِلَ الصِّيَامَ ؛ لِأَنَّ مَنْ قَدَرَ عَلَى الْإِطْعَامِ قَدَرَ عَلَى الذَّبْحِ .\rهَكَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ .\rوَهَذَا قَوْلُ الشَّعْبِيِّ ، وَأَبِي عِيَاضٍ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى { : هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا } .\r\" وَأَوْ \" فِي الْأَمْرِ لِلتَّخْيِيرِ .\rرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّهُ قَالَ : كُلُّ شَيْءٍ أَوْ أَوْ ، فَهُوَ مُخَيَّرٌ .\rوَأَمَّا مَا كَانَ فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ ، فَهُوَ الْأَوَّلُ الْأَوَّلُ .\rوَلِأَنَّ عَطْفَ هَذِهِ الْخِصَالِ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ بِأَوْ ، فَكَانَ مُخَيَّرًا بَيْنَ ثَلَاثَتِهَا كَفِدْيَةِ الْأَدَاءِ ، وَقَدْ سَمَّى اللَّهُ الطَّعَامَ كَفَّارَةً ، وَلَا يَكُونُ كَفَّارَةً مَا لَمْ يَجِبْ إخْرَاجُهُ ، وَجَعْلُهُ طَعَامًا لِلْمَسَاكِينِ ، وَأَلَّا يَجُوزَ صَرْفُهُ إلَيْهِمْ لَا يَكُونُ طَعَامًا لَهُمْ ، وَعَطَفَ الطَّعَامَ عَلَى الْهَدْيِ ، ثُمَّ عَطَفَ الصِّيَامَ عَلَيْهِ ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ خَصْلَةً مِنْ خِصَالِهَا لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ فِيهِ .\rوَلِأَنَّهَا كَفَّارَةٌ ذُكِرَ فِيهَا الطَّعَامُ ،","part":7,"page":345},{"id":3345,"text":"فَكَانَ مِنْ خِصَالِهَا ، كَسَائِرِ الْكَفَّارَاتِ .\rوَقَوْلُهُمْ : إنَّهَا وَجَبَتْ بِفِعْلِ مَحْظُورٍ .\rيَبْطُلُ بِفِدْيَةِ الْأَذَى .\rعَلَى أَنَّ لَفْظَ النَّصِّ صَرِيحٌ فِي التَّخْيِيرِ ، فَلَيْسَ تَرْكُ مَدْلُولِهِ قِيَاسًا عَلَى هَدْيِ الْمُتْعَةِ بِأَوْلَى مِنْ الْعَكْسِ ، فَلَا يَجُوزُ قِيَاسُ هَدْيِ الْمُتْعَةِ فِي التَّخْيِيرِ عَلَى هَذَا ، لِمَا يَتَضَمَّنُهُ مِنْ تَرْكِ النَّصِّ ، كَذَا هَاهُنَا .\r( 2683 ) الْفَصْلُ الثَّانِي إذَا اخْتَارَ الْمِثْلَ ، ذَبَحَهُ ، وَتَصَدَّقَ بِهِ عَلَى مَسَاكِينِ الْحَرَمِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : { هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ } .\rوَلَا يُجْزِئُهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ حَيًّا عَلَى الْمَسَاكِينِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَمَّاهُ هَدْيًا ، وَالْهَدْيُ يَجِبُ ذَبْحُهُ ، وَلَهُ ذَبْحُهُ أَيَّ وَقْتٍ شَاءَ ، وَلَا يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِأَيَّامِ النَّحْرِ ( 2684 ) .\rالْفَصْلُ الثَّالِثُ ، أَنَّهُ مَتَى اخْتَارَ الْإِطْعَامَ ، فَإِنَّهُ يُقَوِّمُ الْمِثْلَ بِدَرَاهِمَ ، وَالدَّرَاهِمَ بِطَعَامٍ ، وَيَتَصَدَّقُ بِهِ عَلَى الْمَسَاكِينِ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : يُقَوِّمُ الصَّيْدَ لَا الْمِثْلَ ؛ لِأَنَّ التَّقْوِيمَ إذَا وَجَبَ لِأَجْلِ الْإِتْلَافِ ، قُوِّمَ الْمُتْلَفُ ، كَاَلَّذِي لَا مِثْلَ لَهُ .\rوَلَنَا ، أَنَّ كُلَّ مَا تَلِفَ وَجَبَ فِيهِ الْمِثْلُ إذَا قُوِّمَ لَزِمَتْ قِيمَةُ مِثْلِهِ ، كَالْمِثْلِيِّ مِنْ مَالِ الْآدَمِيِّ ، وَيَعْتَبِرُ قِيمَةَ الْمِثْلِ فِي الْحَرَمِ ؛ لِأَنَّهُ يَحِلُّ إحْرَامَهُ ، وَلَا يُجْزِئُ إخْرَاجُ الْقِيمَةِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَيَّرَ بَيْنَ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ لَيْسَتْ الْقِيمَةُ مِنْهَا ، وَالطَّعَامُ الْمُخْرَجُ هُوَ الَّذِي يُخْرَجُ فِي الْفِطْرَةِ وَفِدْيَةِ الْأَذَى ، وَهُوَ الْحِنْطَةُ وَالشَّعِيرُ وَالتَّمْرُ وَالزَّبِيبُ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يُجْزِئَ كُلُّ مَا يُسَمَّى طَعَامًا ؛ لِدُخُولِهِ فِي إطْلَاقِ اللَّفْظِ ، وَيُعْطِي كُلَّ مِسْكِينٍ مُدًّا مِنْ الْبُرِّ ، كَمَا يَدْفَعُ إلَيْهِ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ ، فَأَمَّا بَقِيَّةُ الْأَصْنَافِ فَنِصْفُ صَاعٍ لِكُلِّ مِسْكِينٍ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، فَقَالَ فِي إطْعَامِ","part":7,"page":346},{"id":3346,"text":"الْمَسَاكِينِ فِي الْفِدْيَةِ ، وَجَزَاءِ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ : إنْ أَطْعَمَ بُرًّا ، فَمُدُّ طَعَامٍ لِكُلِّ مِسْكِينٍ .\rوَإِنْ أَطْعَمَ تَمْرًا فَنِصْفُ صَاعٍ لِكُلِّ مِسْكِينٍ .\rوَأَطْلَقَ الْخِرَقِيِّ لِكُلِّ مِسْكِينٍ ، وَلَمْ يُفَرِّقْ .\rوَالْأَوْلَى أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ مِنْ غَيْرِ الْبُرِّ أَقَلُّ مِنْ نِصْفِ صَاعٍ ، إذْ لَمْ يَرِدْ الشَّرْعُ فِي مَوْضِعٍ بِأَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ فِي طُعْمَةِ الْمَسَاكِينِ ، وَلَا تَوْقِيفَ فِيهِ ، فَيُرَدُّ إلَى نَظَائِرِهِ .\rوَلَا يُجْزِئُ إخْرَاجٌ لِمَسَاكِينِ الْحَرَمِ ؛ لِأَنَّ قِيمَة الْهَدْيِ الْوَاجِبِ لَهُمْ فَيَكُونُ أَيْضًا لَهُمْ ، كَقِيمَةِ الْمِثْلِيِّ مِنْ مَالِ الْآدَمِيِّ ( 2685 ) الْفَصْلُ الرَّابِعُ فِي الصِّيَامِ ، فَعَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ يَصُومُ عَنْ كُلِّ مُدٍّ يَوْمًا .\rوَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ عَطَاءٍ ، وَمَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهَا كَفَّارَةِ دَخَلَهَا الصِّيَامُ وَالْإِطْعَامُ ، فَكَانَ الْيَوْمُ فِي مُقَابَلَةِ الْمُدِّ ، كَكَفَّارَةِ الظِّهَارِ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّهُ يَصُومُ عَنْ كُلِّ نِصْفِ صَاعٍ يَوْمًا .\rوَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَقِيل ، وَالْحَسَنِ ، وَالنَّخَعِيِّ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ وَابْنِ الْمُنْذِرِ .\rقَالَ الْقَاضِي : الْمَسْأَلَةُ رِوَايَةٌ ، وَاحِدَةٌ ، وَالْيَوْمُ عَنْ مُدِّ بُرٍّ أَوْ نِصْفِ صَاعٍ مِنْ غَيْرِهِ ، وَكَلَامُ أَحْمَدَ فِي الرِّوَايَتَيْنِ مَحْمُولٌ عَلَى اخْتِلَافِ الْحَالَيْنِ ؛ لِأَنَّ صَوْمَ الْيَوْمِ مُقَابَلٌ بِإِطْعَامِ الْمِسْكِينِ ، وَإِطْعَامُ الْمِسْكِينِ مُدُّ بُرٍّ أَوْ نِصْفُ صَاعٍ مِنْ غَيْرِهِ ، وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ الْيَوْمَ فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ فِي مُقَابَلَةِ إطْعَامِ الْمِسْكِينِ ، فَكَذَا هَاهُنَا وَرُوِيَ عَنْ أَبِي ثَوْرٍ ، أَنَّ جَزَاءَ الصَّيْدِ مِنْ الطَّعَامِ وَالصِّيَامِ مِثْلُ كَفَّارَةِ الْأَذَى .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ جَزَاءٌ عَنْ مُتْلَفٍ فَاخْتَلَفَ بِاخْتِلَافِهِ ، كَبَدَلِ مَالِ الْآدَمِيِّ ، وَإِذَا بَقِيَ مَا لَا يَعْدِلُ كَدُونِ الْمُدِّ ، صَامَ يَوْمًا كَامِلًا .\rكَذَلِكَ قَالَ عَطَاءٌ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَحَمَّادٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ","part":7,"page":347},{"id":3347,"text":"الرَّأْيِ .\rوَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا خَالَفَهُمْ ؛ لِأَنَّ الصَّوْمَ لَا يَتَبَعَّضُ ، فَيَجِبُ تَكْمِيلُهُ .\rوَلَا يَجِبُ التَّتَابُعُ فِي الصِّيَامِ .\rوَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ؛ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِهِ مُطْلَقًا ، فَلَا يَتَقَيَّدُ بِالتَّتَابُعِ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ .\rوَلَا يَجُوزُ أَنْ يَصُومَ عَنْ بَعْضِ الْجَزَاءِ ، وَيُطْعِمَ عَنْ بَعْضٍ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .\rوَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ .\rوَجَوَّزَهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ إذَا عَجَزَ عَنْ بَعْضِ الْإِطْعَامِ .\rوَلَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّهَا كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ ، فَلَا يُؤَدِّي بَعْضَهَا بِالْإِطْعَامِ وَبَعْضَهَا بِالصِّيَامِ ، كَسَائِرِ الْكَفَّارَاتِ .","part":7,"page":348},{"id":3348,"text":"( 2686 ) فَصْلٌ : وَمَا لَا مِثْلَ لَهُ مِنْ الصَّيْدِ ، يُخَيَّرُ قَاتِلُهُ بَيْنَ أَنْ يَشْتَرِيَ بِقِيمَتِهِ طَعَامًا ، فَيُطْعِمَهُ لِلْمَسَاكِينِ ، وَبَيْنَ أَنْ يَصُومَ .\rوَهَلْ يَجُوزُ إخْرَاجُ الْقِيمَةِ ؟ فِيهِ احْتِمَالَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، لَا يَجُوزُ .\rوَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ أَحْمَدَ ، فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ ، فَإِنَّهُ قَالَ : إذَا أَصَابَ الْمُحْرِمُ صَيْدًا ، وَلَمْ يُصِبْ لَهُ عَدْلًا يُحْكَمُ بِهِ عَلَيْهِ ؛ قَوَّمَ طَعَامًا إنْ قَدَرَ عَلَى طَعَامٍ ، وَإِلَّا صَامَ لِكُلِّ نِصْفِ صَاعٍ يَوْمًا .\rهَكَذَا يُرْوَى عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ .\rوَلِأَنَّهُ جَزَاءُ صَيْدٍ ، فَلَمْ يَجُزْ إخْرَاجُ الْقِيمَةِ فِيهِ ، كَاَلَّذِي لَهُ مِثْلٌ ؛ وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَيَّرَ بَيْنَ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ لَيْسَ بِهَا الْقِيمَةُ ، وَإِذَا عَدِمَ أَحَدَ الثَّلَاثَةِ يَبْقَى التَّخْيِيرُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ الْبَاقِيَيْنِ ، فَأَمَّا إيجَابُ شَيْءٍ غَيْرِ الْمَنْصُوصِ فَلَا .\rالثَّانِي ، يَجُوزُ إخْرَاجُ الْقِيمَةِ ؛ لِأَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ لِكَعْبٍ : مَا جَعَلْت عَلَى نَفْسِك ؟ قَالَ : دِرْهَمَيْنِ .\rقَالَ : اجْعَلْ مَا جَعَلْت عَلَى نَفْسِك .\rوَقَالَ عَطَاءٌ : فِي الْعُصْفُورِ نِصْفُ دِرْهَمٍ .\rوَظَاهِرُهُ إخْرَاجُ الدَّرَاهِمِ الْوَاجِبَةِ .","part":7,"page":349},{"id":3349,"text":"( 2687 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَكُلَّمَا قَتَلَ صَيْدًا حُكِمَ عَلَيْهِ ) مَعْنَاهُ أَنَّهُ يَجِبُ الْجَزَاء بِقَتْلِ الصَّيْدِ الثَّانِي ، كَمَا يَجِبُ عَلَيْهِ إذَا قَتَلَهُ ابْتِدَاءً .\rوَفِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَنْ أَحْمَدَ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ ؛ إحْدَاهُنَّ ، أَنَّهُ يَجِبُ فِي كُلِّ صَيْدٍ جَزَاءٌ .\rوَهَذَا ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ .\rقَالَ أَبُو بَكْرٍ : هَذَا أَوْلَى الْقَوْلَيْنِ بِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ .\rوَبِهِ قَالَ ، الثَّوْرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَالثَّانِيَةُ ، لَا يَجِبُ إلَّا فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ .\rوَبِهِ قَالَ شُرَيْحٌ ، وَالْحَسَنُ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَقَتَادَةُ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ { : وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ } .\rوَلَمْ يُوجِبْ جَزَاءً .\rوَالثَّالِثَةُ ، إنْ كَفَّرَ عَنْ الْأَوَّلِ فَعَلَيْهِ لِلثَّانِي كَفَّارَةٌ ، وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ لِلثَّانِي ؛ لِأَنَّهَا كَفَّارَةٌ تَجِبُ بِفِعْلِ مَحْظُورٍ فِي الْإِحْرَامِ ، فَيَدْخُلُ جَزَاؤُهَا قَبْلَ التَّكْفِيرِ ، كَاللُّبْسِ وَالطِّيبِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهَا كَفَّارَةٌ عَنْ قَتْلٍ ، فَاسْتَوَى فِيهِ الْمُبْتَدِئُ وَالْعَائِدُ ، كَقَتْلِ الْآدَمِيِّ ، وَلِأَنَّهَا بَدَلُ مُتْلَفٍ يَجِبُ بِهِ الْمِثْلُ أَوْ الْقِيمَةُ ، فَأَشْبَهَ بَدَلَ مَالِ الْآدَمِيِّ .\rقَالَ أَحْمَدُ : رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَغَيْرِهِ ، أَنَّهُمْ حَكَمُوا فِي الْخَطَأِ ، وَفِي مَنْ قَتَلَ ، وَلَمْ يَسْأَلُوهُ : هَلْ كَانَ قَتَلَ قَبْلَ هَذَا أَوْ لَا ؟ وَإِنَّمَا هَذَا يَعْنِي لِتَخْصِيصِ الْإِحْرَامِ وَمَكَانِهِ ، وَالْآيَةُ اقْتَضَتْ الْجَزَاءَ عَلَى الْعَائِدِ بِعُمُومِهَا .\rوَذِكْرُ الْعُقُوبَةِ فِي الثَّانِي لَا يَمْنَعُ الْوُجُوبَ ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى { : فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } .\rوَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ الْعَائِدَ لَوْ انْتَهَى كَانَ لَهُ مَا سَلَفَ ، وَأَمْرُهُ إلَى اللَّهِ .\rوَلَا يَصِحُّ قِيَاسُ جَزَاءِ الصَّيْدِ عَلَى","part":7,"page":350},{"id":3350,"text":"غَيْرِهِ ؛ وَلِأَنَّ جَزَاءَهُ مُقَدَّرٌ بِهِ ، وَيَخْتَلِفُ بِصِغَرِهِ وَكِبَرِهِ ، وَلَوْ أَتْلَفَ صَيْدَيْنِ مَعًا وَجَبَ جَزَاؤُهُمَا ، فَكَذَلِكَ إذَا تَفَرَّقَا ، بِخِلَافِ غَيْرِهِ مِنْ الْمَحْظُورَاتِ .","part":7,"page":351},{"id":3351,"text":"( 2688 ) فَصْلٌ : وَيَجُوزُ إخْرَاجُ جَزَاءِ الصَّيْدِ بَعْدَ جَرْحِهِ وَقَبْلَ مَوْتِهِ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ؛ لِأَنَّهَا كَفَّارَةٌ ، فَجَازَ تَقْدِيمُهَا عَلَى الْمَوْتِ ، كَكَفَّارَةِ قَتْلِ الْآدَمِيِّ ، وَلِأَنَّهَا كَفَّارَةٌ ، فَأَشْبَهَتْ كَفَّارَةَ الظِّهَارِ وَالْيَمِينِ .","part":7,"page":352},{"id":3352,"text":"( 2689 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَلَوْ اشْتَرَكَ جَمَاعَةٌ فِي قَتْلِ صَيْدٍ ، فَعَلَيْهِمْ جَزَاءٌ وَاحِدٌ ) يُرْوَى عَنْ أَحْمَدَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ ؛ إحْدَاهُنَّ ، أَنَّ الْوَاجِبَ جَزَاءٌ وَاحِدٌ .\rوَهُوَ الصَّحِيحُ .\rوَيُرْوَى هَذَا عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَالشَّعْبِيّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ .\rوَالثَّانِيَةُ ، عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ جَزَاءٌ .\rرَوَاهُمَا ابْنُ أَبِي مُوسَى .\rوَاخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ .\rوَبِهِ قَالَ مَالِكٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ .\rوَيُرْوَى عَنْ الْحَسَنِ ؛ لِأَنَّهَا كَفَّارَةُ قَتْلٍ يَدْخُلُهَا الصَّوْمُ ، أَشْبَهَتْ كَفَّارَةَ قَتْلِ الْآدَمِيِّ .\rوَالثَّالِثَةُ ، إنْ كَانَ صَوْمًا صَامَ كُلُّ وَاحِدٍ صَوْمًا تَامًّا ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ فَجَزَاءٌ وَاحِدٌ ، وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا هَدْيٌ وَالْآخَرُ صَوْمٌ ، فَعَلَى الْمُهْدِي بِحِصَّتِهِ ، وَعَلَى الْآخَرِ صَوْمٌ تَامٌّ ؛ لِأَنَّ الْجَزَاءَ لَيْسَ بِكَفَّارَةٍ ، وَإِنَّمَا هُوَ بَدَلٌ ، بِدَلِيلِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَطَفَ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةَ ، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى { : فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَمِ } .\rوَالصَّوْمُ كَفَّارَةٌ ، كَكَفَّارَةِ قَتْلِ الْآدَمِيِّ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى { : فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَمِ } .\rوَالْجَمَاعَةُ قَدْ قَتَلُوا صَيْدًا ، فَيَلْزَمُهُمْ مِثْلُهُ ، وَالزَّائِدُ خَارِجٌ عَنْ الْمِثْلِ ، فَلَا يَجِبُ ، وَمَتَى ثَبَتَ اتِّخَاذُ الْجَزَاءِ فِي الْهَدْيِ ، وَجَبَ اتِّخَاذُهُ فِي الصِّيَامِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ { : أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا } .\rوَالِاتِّفَاقُ حَاصِلٌ أَنَّهُ مَعْدُولٌ بِالْقِيمَةِ ، إمَّا قِيمَةُ الْمُتْلَفِ ، وَإِمَّا قِيمَةُ مِثْلِهِ ، فَإِيجَابُ الزَّائِدِ عَلَى عَدْلِ الْقِيمَةِ خِلَافُ النَّصِّ ، وَأَيْضًا مَا رُوِيَ عَمَّنْ سَمَّيْنَا مِنْ الصَّحَابَةِ أَنَّهُمْ قَالُوا كَمَذْهَبِنَا ، وَلِأَنَّهُ جَزَاءٌ عَنْ مَقْتُولٍ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِهِ ، فَكَانَ وَاحِدًا ، كَالدِّيَةِ ، أَوْ كَمَا لَوْ كَانَ","part":7,"page":353},{"id":3353,"text":"الْقَاتِلُ وَاحِدًا ، أَوْ بَدَلَ الْمَحِلِّ ، فَاتَّحَدَتْ بِاتِّحَادِهِ الدِّيَةُ ، وَكَفَّارَةُ الْآدَمِيِّ لَنَا فِيهَا مَنْعٌ ، وَلَا يَتَبَعَّضُ فِي أَبْعَاضِهِ ، وَلَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِهِ ، فَلَا يَتَبَعَّضُ عَلَى الْجَمَاعَةِ ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا .\r( 2690 ) فَصْلٌ : فَإِنْ كَانَ شَرِيكُ الْمُحْرِمِ حَلَالًا أَوْ سَبْعًا ، فَلَا شَيْءَ عَلَى الْحَلَالِ ، وَيُحْكَمُ عَلَى الْحَرَامِ .\rثُمَّ إنْ كَانَ جَرْحُ أَحَدِهِمَا قَبْلَ صَاحِبِهِ ، وَالسَّابِقُ الْحَلَالُ أَوْ السَّبْعُ ، فَعَلَى الْمُحْرِمِ جَزَاؤُهُ مَجْرُوحًا ، وَإِنْ كَانَ السَّابِقُ الْمُحْرِمُ ، فَعَلَيْهِ جَزَاءُ جَرْحِهِ ، عَلَى مَا مَضَى ، وَإِنْ كَانَ جَرْحُهُمَا فِي حَالٍ وَاحِدَةٍ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، عَلَى الْمُحْرِمِ بِقِسْطِهِ ، كَمَا لَوْ كَانَ شَرِيكُهُ مُحْرِمًا ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا أَتْلَفَ الْبَعْضَ .\rوَالثَّانِي ، عَلَيْهِ جَزَاءُ جَمِيعِهِ ؛ لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ إيجَابُ الْجَزَاءِ عَلَى شَرِيكِهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا دَالًّا وَالْآخَرُ مَدْلُولًا ، أَوْ أَحَدُهُمَا مُمْسِكًا وَالْآخَرُ قَاتِلًا ، فَإِنَّ الْجَزَاءَ عَلَى الْمُحْرِمِ أَيَّهُمَا كَانَ ، لِتَعَذُّرِ إيجَابِ الْجَزَاءِ عَلَى الْآخَرِ .\r( 2691 ) فَصْلٌ : وَإِنْ اشْتَرَكَ حَرَامٌ وَحَلَالٌ فِي صَيْدٍ حَرَمِيٍّ ، فَالْجَزَاءُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ ؛ لِأَنَّ الْإِتْلَافَ يُنْسَبُ إلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفُهُ ، وَلَا يَزْدَادُ الْوَاجِبُ عَلَى الْمُحْرِمِ بِاجْتِمَاعِ حُرْمَةِ الْإِحْرَامِ وَالْحَرَمِ ، فَيَكُونُ الْوَاجِبُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا النِّصْفَ ، وَهَذَا الِاشْتِرَاكُ الَّذِي هَذَا حُكْمُهُ هُوَ الَّذِي يَقَعُ بِهِ الْفِعْلُ مِنْهُمَا مَعًا ، فَإِنْ سَبَقَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ ، فَحُكْمُهُ مَا ذَكَرْنَاهُ فِيمَا مَا مَضَى .","part":7,"page":354},{"id":3354,"text":"( 2692 ) فَصْلٌ : إذَا أَحْرَمَ الرَّجُلُ ، وَفِي مِلْكِهِ صَيْدٌ ، لَمْ يَزُلْ مِلْكُهُ عَنْهُ ، وَلَا يَدُهُ الْحُكْمِيَّةُ ، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ فِي بَلَدِهِ ، أَوْ فِي يَدِ نَائِبٍ لَهُ فِي غَيْرِ مَكَانِهِ .\rوَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ إنْ مَاتَ ، وَلَهُ التَّصَرُّفُ فِيهِ بِالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ وَغَيْرِهِمَا .\rوَمَنْ غَصَبَهُ لَزِمَهُ رَدُّهُ ، وَيَلْزَمُهُ إزَالَةُ يَدِهِ الْمُشَاهَدَةِ عَنْهُ .\rوَمَعْنَاهُ إذَا كَانَ فِي قَبْضَتِهِ ، أَوْ رَحْلِهِ ، أَوْ خَيْمَتِهِ ، أَوْ قَفَصٍ مَعَهُ ، أَوْ مَرْبُوطًا بِحَبْلٍ مَعَهُ ، لَزِمَهُ إرْسَالُهُ .\rوَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَقَالَ الثَّوْرِيُّ : هُوَ ضَامِنٌ لِمَا فِي بَيْتِهِ أَيْضًا .\rوَحُكِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ الشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ : لَيْسَ عَلَيْهِ إرْسَالُ مَا فِي يَدِهِ .\rوَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ فِي يَدِهِ ، أَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَ فِي يَدِهِ الْحُكْمِيَّةِ ، وَلِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ مَنْعِ ابْتِدَاءِ الصَّيْدِ الْمَنْعُ مِنْ اسْتَدَامَتْهُ ؛ بِدَلِيلِ الصَّيْدِ فِي الْحَرَمِ .\rوَلَنَا ، عَلَى أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ إزَالَةُ يَدِهِ الْحُكْمِيَّةِ ، أَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ فِي الصَّيْدِ فِعْلًا ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ ، كَمَا لَوْ كَانَ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ ، وَعَكْسُ هَذَا إذَا كَانَ فِي يَدِهِ الْمُشَاهَدَةِ ، فَإِنَّهُ فَعَلَ الْإِمْسَاكَ فِي الصَّيْدِ ، فَكَانَ مَمْنُوعًا مِنْهُ ، كَحَالَةِ الِابْتِدَاءِ ، فَإِنَّ اسْتِدَامَةَ الْإِمْسَاكِ إمْسَاكٌ ؛ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ حَلَفَ لَا يُمْسِكُ شَيْئًا فَاسْتَدَامَ إمْسَاكَهُ ، حَنِثَ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّهُ مَتَى أَرْسَلَهُ لَمْ يَزُلْ مِلْكُهُ عَنْهُ ، وَمَنْ أَخَذَهُ رَدَّهُ إذَا حَلَّ ، وَمَنْ قَتَلَهُ ضَمِنَهُ لَهُ ؛ لِأَنَّ مِلْكَهُ كَانَ عَلَيْهِ ، وَإِزَالَةُ الْأَثَرِ لَا يُزِيلُ الْمِلْكَ ، بِدَلِيلِ الْغَصْبِ وَالْعَارِيَّةِ .\rفَإِنْ تَلِفَ فِي يَدِهِ قَبْلَ إرْسَالِهِ بَعْدَ إمْكَانِهِ ، ضَمِنَهُ ؛ لِأَنَّهُ تَلِفَ تَحْتَ الْيَدِ الْعَادِيَّةِ ، فَلَزِمَهُ الضَّمَانُ ، كَمَالِ الْآدَمِيِّ .\rوَإِنْ كَانَ قَبْلَ إمْكَانِ الْإِرْسَالِ ، فَلَا ضَمَانَ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ","part":7,"page":355},{"id":3355,"text":"بِمُفْرِطٍ وَلَا مُتَعَدٍّ ، فَإِنْ أَرْسَلَهُ إنْسَانٌ مِنْ يَدِهِ ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ فَعَلَ مَا يَلْزَمُهُ فِعْلُهُ ، وَلِأَنَّ الْيَدَ قَدْ زَالَ حُكْمُهَا وَحُرْمَتُهَا ، فَإِنْ أَمْسَكَهُ حَتَّى حَلَّ ، فَمِلْكُهُ بَاقٍ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ مِلْكَهُ لَمْ يَزُلْ بِالْإِحْرَامِ ، وَإِنَّمَا زَالَ حُكْمُ الْمُشَاهَدَةِ ، فَصَارَ كَالْعَصِيرِ يَتَخَمَّرُ ثُمَّ يَتَخَلَّلُ قَبْلَ إرَاقَتِهِ .","part":7,"page":356},{"id":3356,"text":"فَصْلٌ : وَلَا يَمْلِكُ الْمُحْرِمُ الصَّيْدَ ابْتِدَاءً بِالْبَيْعِ ، وَلَا بِالْهِبَةِ ، وَنَحْوِهِمَا مِنْ الْأَسْبَابِ ، فَإِنَّ الصَّعْبَ بْنَ جَثَّامَةَ { أَهْدَى إلَى رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ حِمَارًا وَحْشِيًّا ، فَرَدَّهُ عَلَيْهِ ، وَقَالَ : إنَّا لَمْ نَرُدُّهُ عَلَيْك إلَّا أَنَّا حُرُمٌ } .\rفَإِنْ أَخَذَهُ بِأَحَدِ هَذِهِ الْأَسْبَابِ ، ثُمَّ تَلِفَ ، فَعَلَيْهِ جَزَاؤُهُ .\rوَإِنْ كَانَ مَبِيعًا ، فَعَلَيْهِ الْقِيمَةُ أَوْ رَدُّهُ إلَى مَالِكِهِ .\rفَإِنْ أَرْسَلَهُ ، فَعَلَيْهِ ضَمَانُهُ ، كَمَا لَوْ أَتْلَفَهُ ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ جَزَاءٌ ، وَعَلَيْهِ رَدُّ الْمَبِيعِ أَيْضًا .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يَلْزَمَهُ إرْسَالُهُ ، كَمَا لَوْ كَانَ مَمْلُوكًا لَهُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ إثْبَاتُ يَدِهِ الْمُشَاهَدَةِ عَلَى الصَّيْدِ .\rوَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ .\rوَلَا يَسْتَرِدُّ الْمُحْرِمُ الصَّيْدَ الَّذِي بَاعَهُ وَهُوَ حَلَالٌ مُخْتَارٌ وَلَا عَيْبَ فِي ثَمَنِهِ ، وَلَا غَيْرَهُمَا ؛ لِأَنَّهُ ابْتِدَاءُ مِلْكٍ عَلَى الصَّيْدِ ، وَهُوَ مَمْنُوعٌ مِنْهُ .\rوَإِنْ رَدَّهُ الْمُشْتَرِي عَلَيْهِ بِعَيْبِ أَوْ خِيَارٍ ، فَلَهُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ سَبَبَ الرَّدِّ مُتَحَقِّقٌ ، ثُمَّ لَا يَدْخُلُ فِي مِلْكِ الْمُحْرِمِ ، وَيَلْزَمُهُ إرْسَالُهُ .","part":7,"page":357},{"id":3357,"text":"( 2694 ) فَصْلٌ : وَإِنْ وَرِثَ الْمُحْرِمُ صَيْدًا مَلَكَهُ ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ بِالْإِرْثِ لَيْسَ بِفِعْلِ مِنْ جِهَتِهِ ، وَإِنَّمَا يَدْخُلُ فِي مِلْكِهِ حُكْمًا ، اخْتَارَ ذَلِكَ أَوْ كَرِهَهُ ؛ وَلِهَذَا يَدْخُلُ فِي مِلْكِ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ ، فَيَدْخُلُ بِهِ الْمُسْلِمُ فِي مِلْكِ الْكَافِرِ ، فَجَرَى مَجْرَى الِاسْتِدَامَةِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَمْلِكَ بِهِ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ جِهَاتِ التَّمَلُّكِ ، فَأَشْبَهَ الْبَيْعَ وَغَيْرَهُ ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ أَحَقَّ بِهِ مِنْ غَيْرِ ثُبُوتِ مِلْكِهِ عَلَيْهِ ، فَإِذَا حَلَّ مَلَكَهُ .","part":7,"page":358},{"id":3358,"text":"( 2695 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَمَنْ لَمْ يَقِفْ بِعَرَفَةَ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ يَوْمَ النَّحْرِ ، تَحَلَّلَ بِعُمْرَةٍ وَذَبَحَ ، إنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ ، وَحَجَّ مِنْ قَابِلٍ ، وَأَتَى بِدَمٍ ) الْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي أَرْبَعَةِ فُصُولٍ ( 2696 ) الْفَصْلُ الْأَوَّلُ ، أَنَّ آخِرَ وَقْتِ الْوُقُوفِ آخِرُ لَيْلَةِ النَّحْرِ ، فَمَنْ [ لَمْ ] يُدْرِكْ الْوُقُوفَ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ يَوْمئِذٍ فَاتَهُ الْحَجُّ .\rلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا .\rقَالَ جَابِرٌ : لَا يَفُوتُ الْحَجُّ حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ مِنْ لَيْلَةِ جَمْعٍ .\rقَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ ، فَقُلْت لَهُ : أَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ ؟ قَالَ : نَعَمْ .\rرَوَاهُ الْأَثْرَمُ بِإِسْنَادِهِ .\rوَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الْحَجُّ عَرَفَةَ ، فَمَنْ جَاءَ قَبْلَ صَلَاةِ الْفَجْرِ لَيْلَةَ جَمْعٍ ، فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ } يَدُلُّ عَلَى فَوَاتِهِ بِخُرُوجِ لَيْلَةِ جَمْعٍ وَرَوَى ابْنُ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { مَنْ وَقَفَ بِعَرَفَاتٍ بِلَيْلٍ ، فَقَدْ أَدْرَكَ الْحَجَّ ، وَمَنْ فَاتَهُ عَرَفَاتٌ بِلَيْلٍ ، فَقَدْ فَاتَهُ الْحَجُّ ، فَلْيَحِلَّ بِعُمْرَةٍ ، وَعَلَيْهِ الْحَجُّ مِنْ قَابِلٍ } .\rرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ ، وَضَعَّفَهُ .\r( 2697 ) الْفَصْلُ الثَّانِي ، أَنَّ مَنْ فَاتَهُ الْحَجُّ يَتَحَلَّلُ بِطَوَافٍ وَسَعْيٍ وَحَلَّاقٍ .\rهَذَا الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، وَابْنِهِ ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ ، وَمَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ .\rوَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى : فِي الْمَسْأَلَةِ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، كَمَا ذَكَرْنَا .\rوَالثَّانِيَةُ ، يَمْضِي فِي حَجٍّ فَاسِدٍ .\rوَهُوَ قَوْلُ الْمُزَنِيِّ ، قَالَ : يَلْزَمُهُ جَمِيعُ أَفْعَالِ الْحَجِّ ؛ لِأَنَّ سُقُوطَ مَا فَاتَ وَقْتُهُ لَا يَمْنَعُ وُجُوبَ مَا لَمْ يَفُتْ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ مَنْ سَمَّيْنَا مِنْ الصَّحَابَةِ ، وَلَمْ نَعْرِفْ لَهُمْ مُخَالِفًا ؛ فَكَانَ","part":7,"page":359},{"id":3359,"text":"إجْمَاعًا .\rوَرَوَى الشَّافِعِيُّ ، فِي \" مُسْنَدِهِ \" ، أَنَّ عُمَرَ قَالَ لِأَبِي أَيُّوبَ حِينَ فَاتَهُ الْحَجُّ : اصْنَعْ مَا يَصْنَعُ الْمُعْتَمِرُ ، ثُمَّ قَدْ حَلَلْت ، فَإِنْ أَدْرَكْت الْحَجَّ قَابِلًا فَحُجَّ وَأَهْدِ مَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ .\rوَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ ابْنِ عُمَرَ نَحْوُ ذَلِكَ .\rوَرَوَى الْأَثْرَمُ ، بِإِسْنَادِهِ ، عَنْ سُلَيْمَانِ بْنِ يَسَارٍ ، أَنَّ هَبَّارَ بْنَ الْأَسْوَدِ حَجَّ مِنْ الشَّامِ ، فَقَدِمَ يَوْمَ النَّحْرِ ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ : مَا حَبَسَكَ ؟ قَالَ : حَسِبْت أَنَّ الْيَوْمَ يَوْمُ عَرَفَةَ ، قَالَ : فَانْطَلِقْ إلَى الْبَيْتِ ، فَطُفْ بِهِ سَبْعًا ، وَإِنْ كَانَ مَعَك هَدِيَّةٌ فَانْحَرْهَا ، ثُمَّ إذَا كَانَ عَامٌ قَابِلٌ فَاحْجُجْ ، فَإِنْ وَجَدْت سَعَةً فَأَهْدِ ، فَإِنْ لَمْ تَجِدْ فَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةً إذَا رَجَعْت إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .\rوَرَوَى النَّجَّادُ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَطَاءٍ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : \" مَنْ فَاتَهُ الْحَجُّ فَعَلَيْهِ دَمٌ ، وَلْيَجْعَلْهَا عُمْرَةً ، وَلْيَحُجَّ مِنْ قَابِلٍ \" .\rوَلِأَنَّهُ يَجُوزُ فَسْخُ الْحَجِّ إلَى الْعُمْرَةِ مِنْ غَيْرِ فَوَاتٍ ، فَمَعَ الْفَوَاتِ أَوْلَى .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّهُ يَجْعَلُ إحْرَامَهُ بِعُمْرَةٍ .\rوَهَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ ، وَنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، وَاخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ .\rوَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ ، وَعَطَاءٍ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ .\rوَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ : لَا يَصِيرُ إحْرَامُهُ بِعُمْرَةِ ، بَلْ يَتَحَلَّلُ بِطَوَافٍ وَسَعْيٍ وَحَلْقٍ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ إحْرَامَهُ انْعَقَدَ بِأَحَدِ النُّسُكَيْنِ ، فَلَمْ يَنْقَلِبْ إلَى الْآخَرِ ، كَمَا لَوْ أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّ مَنْ قَالَ : يَجْعَلُ إحْرَامَهُ عُمْرَةً .\rأَرَادَ بِهِ يَفْعَلُ مَا فَعَلَ الْمُعْتَمِرُ ، وَهُوَ الطَّوَافُ وَالسَّعْيُ ، وَلَا يَكُونُ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ خِلَافٌ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يَصِيرَ إحْرَامُ الْحَجِّ إحْرَامًا بِعُمْرَةِ ، بِحَيْثُ يُجْزِئُهُ عَنْ عُمْرَةِ الْإِسْلَامِ إنْ لَمْ يَكُنْ","part":7,"page":360},{"id":3360,"text":"اعْتَمَرَ ، وَلَوْ أَدْخَلَ الْحَجَّ عَلَيْهَا لَصَارَ قَارِنًا ، إلَّا أَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ الْحَجُّ بِذَلِكَ الْإِحْرَامِ ، إلَّا أَنْ يَصِيرَ مُحْرِمًا بِهِ فِي غَيْرِ أَشْهُرِهِ ، فَيَصِيرَ كَمَنْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ فِي غَيْرِ أَشْهُرِهِ ، وَلِأَنَّ قَلْبَ الْحَجِّ إلَى الْعُمْرَةِ يَجُوزُ مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ ، عَلَى مَا قَرَّرْنَاهُ فِي فَسْخِ الْحَجِّ ، فَمَعَ الْحَاجَةِ أَوْلَى ، وَيُخَرَّجُ عَلَى هَذَا قَلْبُ الْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ ، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ ، وَلِأَنَّ الْعُمْرَةَ لَا يَفُوتُ وَقْتُهَا ، فَلَا حَاجَةَ إلَى انْقِلَابِ إحْرَامِهَا ، بِخِلَافِ الْحَجِّ .\r( 2698 ) الْفَصْلُ الثَّالِثُ ، أَنَّهُ يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ مِنْ قَابِلٍ ، سَوَاءٌ كَانَ الْفَائِتُ وَاجِبًا ، أَوْ تَطَوُّعًا .\rرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ ، وَابْنِهِ ، وَزَيْدٍ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ ، وَمَرْوَانَ ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ ، بَلْ إنْ كَانَتْ فَرْضًا فَعَلَهَا بِالْوُجُوبِ السَّابِقِ ، وَإِنْ كَانَتْ نَفْلًا سَقَطَتْ .\rوَرُوِيَ هَذَا عَنْ عَطَاءٍ ، وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ مَالِكٍ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا سُئِلَ عَنْ الْحَجِّ أَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ ، قَالَ : \" بَلْ مَرَّةً وَاحِدَةً \" .\rوَلَوْ أَوْجَبْنَا الْقَضَاءَ ، كَانَ أَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ ، وَلِأَنَّهُ مَعْذُورٌ فِي تَرْكِ إتْمَامِ حَجِّهِ ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ الْقَضَاءُ كَالْمُحْصَرِ ، وَلِأَنَّهَا عِبَادَةُ تَطَوُّعٍ ، فَلَمْ يَجِبْ قَضَاؤُهَا ، كَسَائِرِ التَّطَوُّعَات .\rوَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْحَدِيثِ ، وَإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ ، وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيّ ، بِإِسْنَادِهِ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ فَاتَهُ عَرَفَاتٌ فَاتَهُ الْحَجُّ ، فَلْيَحِلَّ بِعُمْرَةِ ، وَعَلَيْهِ الْحَجُّ مِنْ قَابِلٍ } وَلِأَنَّ الْحَجَّ يَلْزَمُ بِالشُّرُوعِ فِيهِ ، فَيَصِيرُ كَالْمَنْذُورِ ، بِخِلَافِ سَائِرِ التَّطَوُّعَات .\rوَأَمَّا الْحَدِيثُ ، فَإِنَّهُ أَرَادَ الْوَاجِبَ بِأَصْلِ الشَّرْعِ","part":7,"page":361},{"id":3361,"text":"حَجَّةً وَاحِدَةً وَهَذِهِ إنَّمَا تَجِبُ بِإِيجَابِهِ لَهَا بِالشُّرُوعِ فِيهَا ، فَهِيَ كَالْمَنْذُورَةِ ، وَأَمَّا الْمُحْصَرُ فَإِنَّهُ غَيْرُ مَنْسُوبٍ إلَى التَّفْرِيطِ ، بِخِلَافِ مَنْ فَاتَهُ الْحَجُّ ، وَإِذَا قَضَى أَجْزَأَهُ الْقَضَاءُ عَنْ الْحَجَّةِ الْوَاجِبَةِ ، لَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا ؛ لِأَنَّ الْحَجَّةَ الْمَقْضِيَّةَ لَوْ تَمَّتْ لَأَجْزَأَتْ عَنْ الْوَاجِبَةِ عَلَيْهِ ، فَكَذَلِكَ قَضَاؤُهَا ؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ يَقُومُ مَقَامَ الْأَدَاءِ .\r( 2699 ) الْفَصْلُ الرَّابِعُ ، أَنَّ الْهَدْيَ يَلْزَمُ مَنْ فَاتَهُ الْحَجُّ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ .\rوَهُوَ قَوْلُ مَنْ سَمَّيْنَا مِنْ الصَّحَابَةِ ، وَالْفُقَهَاءِ ، إلَّا أَصْحَابَ الرَّأْيِ ، فَإِنَّهُمْ قَالُوا : لَا هَدْيَ عَلَيْهِ .\rوَهِيَ الرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ عَنْ أَحْمَدَ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْفَوَاتُ سَبَبًا لِوُجُوبِ الْهَدْيِ ، لَلَزِمَ الْمُحْرِمَ هَدْيَانِ ؛ لِلْفَوَاتِ وَالْإِحْصَارِ .\rوَلَنَا ، حَدِيثُ عَطَاءٍ ، وَإِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ ، وَلِأَنَّهُ حَلَّ مِنْ إحْرَامِهِ قَبْلَ إتْمَامِهِ ، فَلَزِمَهُ هَدْيٌ ، كَالْمُحْرِمِ ، لَمْ يَفُتْ حَجُّهُ ، فَإِنَّهُ يَحِلُّ قَبْلَ فَوَاتِهِ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِنَّهُ يُخْرِجُ الْهَدْيَ فِي سَنَةِ الْقَضَاءِ ، إنْ قُلْنَا بِوُجُوبِ الْقَضَاءِ ، وَإِلَّا أَخْرَجَهُ فِي عَامِهِ .\rوَإِذَا كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ قَدْ سَاقَهُ نَحَرَهُ ، وَلَا يُجْزِئُهُ ، إنَّ قُلْنَا بِوُجُوبِ الْقَضَاءِ ، بَلْ عَلَيْهِ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ هَدْيٌ أَيْضًا .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، وَذَلِكَ لِحَدِيثِ عُمَرَ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ .\rوَالْهَدْيُ مَا اسْتَيْسَرَ ، مِثْلُ هَدْيِ الْمُتْعَةِ ؛ لِحَدِيثِ عُمَرَ .\rأَيْضًا .\rوَالْمُتَمَتِّعُ ، وَالْمُفْرِدُ ، وَالْقَارِنُ ، وَالْمَكِّيُّ وَغَيْرُهُ ، سَوَاءٌ فِيمَا ذَكَرْنَا ؛ لِأَنَّ الْفَوَاتَ يَشْمَلُ الْجَمِيعَ .","part":7,"page":362},{"id":3362,"text":"( 2700 ) فَصْلٌ : فَإِنْ اخْتَارَ مَنْ فَاتَهُ الْحَجُّ الْبَقَاءَ عَلَى إحْرَامِهِ لِيَحُجَّ مِنْ قَابِلٍ ، فَلَهُ ذَلِكَ .\rرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مَالِكٍ ؛ لِأَنَّ تَطَاوُلَ الْمُدَّةِ بَيْنَ الْإِحْرَامِ وَفِعْلِ النُّسُكِ لَا يَمْنَعُ إتْمَامَهُ ، كَالْعُمْرَةِ ، وَالْمُحْرِمِ بِالْحَجِّ فِي غَيْرِ أَشْهُرِهِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ .\rوَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ ، وَرِوَايَةٌ عَنْ مَالِكٍ ؛ لِظَاهِرِ الْخَبَرِ ، وَقَوْلِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، وَلِأَنَّ إحْرَامَ الْحَجِّ يَصِيرُ فِي غَيْرِ أَشْهُرِهِ فَصَارَ كَالْمُحْرِمِ بِالْعِبَادَةِ قَبْلَ وَقْتِهَا .","part":7,"page":363},{"id":3363,"text":"( 2701 ) فَصْلٌ : وَإِذَا فَاتَ الْقَارِنَ الْحَجُّ ، حَلَّ ، وَعَلَيْهِ مِثْلُ مَا أَهَلَّ بِهِ مِنْ قَابِلٍ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .\rوَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَإِسْحَاقَ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يُجْزِئَهُ مَا فَعَلَ عَنْ عُمْرَةِ الْإِسْلَامِ ، وَلَا يَلْزَمُهُ إلَّا قَضَاءُ الْحَجِّ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَفُتْهُ غَيْرُهُ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ ، وَالثَّوْرِيُّ : يَطُوفُ وَيَسْعَى لِعُمْرَتِهِ ، ثُمَّ لَا يَحِلُّ حَتَّى يَطُوفَ وَيَسْعَى لِحَجِّهِ .\rإلَّا أَنَّ سُفْيَانَ قَالَ : وَيُهْرِقُ دَمًا .\rوَالْوَجْهُ الْأَوَّلُ أَنْ يَجِبَ الْقَضَاءُ عَلَى حَسَبِ الْأَدَاءِ ، فِي صُورَتِهِ وَمَعْنَاهُ ، فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ هَاهُنَا كَذَلِكَ ، وَيَلْزَمُهُ ؛ هَدْيَانِ ؛ هَدْيٌ لِلْقِرَانِ ، وَهَدْيُ فَوَاتِهِ .\rوَبِهِ قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ .\rوَقِيلَ : يَلْزَمُهُ هَدْيٌ ثَالِثٌ لِلْقَضَاءِ .\rوَلَيْسَ بِشَيْءِ ، فَإِنَّ الْقَضَاءَ لَا يَجِبُ لَهُ هَدْيٌ ، وَإِنَّمَا يَجِبُ الْهَدْيُ الَّذِي فِي سَنَةِ الْقَضَاءِ لِلْفَوَاتِ ، وَكَذَلِكَ لَمْ يَأْمُرْهُ الصَّحَابَةُ بِأَكْثَرِ مِنْ هَدْيٍ وَاحِدٍ .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":7,"page":364},{"id":3364,"text":"( 2702 ) فَصْلٌ إذَا أَخْطَأَ النَّاسُ الْعَدَدَ فَوَقَفُوا فِي غَيْرِ لَيْلَةِ عَرَفَةَ ، أَجْزَأَهُمْ ذَلِكَ ؛ لِمَا رَوَى الدَّارَقُطْنِيّ .\rبِإِسْنَادِهِ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدِ بْنِ أَسِيدٍ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { يَوْمُ عَرَفَةَ الَّذِي يُعَرِّفُ فِيهِ النَّاسُ .\rفَإِنْ اخْتَلَفُوا ، فَأَصَابَ بَعْضٌ ، وَأَخْطَأَ بَعْضٌ وَقْتَ الْوُقُوفِ ، لَمْ يُجْزِئْهُمْ ؛ لِأَنَّهُمْ غَيْرُ مَعْذُورِينَ فِي هَذَا } وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { فِطْرُكُمْ يَوْمَ تُفْطِرُونَ ، وَأَضْحَاكُمْ يَوْمَ تُضَحُّونَ } رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَغَيْرُهُ .","part":7,"page":365},{"id":3365,"text":"( 2703 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِنْ كَانَ عَبْدًا ، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَذْبَحَ ، وَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَصُومَ عَنْ كُلِّ مُدٍّ مِنْ قِيمَةِ الشَّاةِ يَوْمًا ، ثُمَّ يُقَصِّرُ وَيَحِلُّ ) يَعْنِي أَنَّ الْعَبْدَ لَا يَلْزَمُهُ هَدْيٌ ؛ لِأَنَّهُ لَا مَالَ لَهُ ، فَهُوَ عَاجِزٌ عَنْ الْهَدْيِ ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ كَالْمُعْسِرِ .\rوَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ أَنَّهُ لَوْ أَذِنَ لَهُ سَيِّدُهُ فِي الْهَدْيِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُهْدِيَ ، وَلَا يُجْزِئُهُ إلَّا الصِّيَامُ وَهَذَا قَوْلُ الثَّوْرِيِّ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ .\rذَكَرَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْهُمْ فِي الصَّيْدِ .\rوَعَلَى قِيَاسِ هَذَا كُلُّ دَمٍ لَزِمَهُ فِي الْإِحْرَامِ لَا يُجْزِئُهُ عَنْهُ إلَّا الصِّيَامُ .\rوَقَالَ غَيْرُ الْخِرَقِيِّ : إنْ مَلَّكَهُ السَّيِّدُ هَدْيًا ، وَأَذِنَ لَهُ فِي ذَبْحِهِ خُرِّجَ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ .\rإنْ قُلْنَا : إنَّ الْعَبْدَ يَمْلِكُ بِالتَّمْلِيكِ .\rلَزِمَهُ أَنْ يُهْدِيَ ، وَيُجْزِئُ عَنْهُ ؛ لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى الْهَدْيِ ، مَالِكٌ لَهُ ، فَلَزِمَهُ كَالْحُرِّ .\rوَإِنْ قُلْنَا : لَا يَمْلِكُ .\rلَمْ يُجْزِئْهُ إلَّا الصِّيَامُ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَالِكٍ ، وَلَا سَبِيلَ لَهُ إلَى الْمِلْكِ ، فَصَارَ كَالْمُعْسِرِ الَّذِي لَا يَقْدِرُ عَلَى غَيْرِ الصِّيَامِ .\rوَإِذَا صَامَ فَإِنَّهُ يَصُومُ عَنْ كُلِّ مُدٍّ مِنْ قِيمَةِ الشَّاةِ يَوْمًا .\rوَيَنْبَغِي أَنْ يَخْرُجَ فِيهِ مِنْ الْخِلَافِ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي الصَّيْدِ ، وَمَتَى بَقِيَ مِنْ قِيمَتِهَا أَقَلُّ مِنْ مُدٍّ صَامَ عَنْهُ يَوْمًا كَامِلًا ؛ لِأَنَّ الصَّوْمَ لَا يَتَبَعَّضُ ، فَيَجِبُ تَكْمِيلُهُ ، كَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَصُومَ يَوْمَ يَقْدَمُ فُلَانٌ فَقَدِمَ فِي بَعْضِ النَّهَارِ ، لَزِمَهُ صَوْمُ يَوْمٍ كَامِلٍ ، وَالْأَوْلَى أَنْ يَكُونَ الْوَاجِبُ مِنْ الصَّوْمِ عَشْرَةَ أَيَّامٍ ، كَصَوْمِ الْمُتْعَةِ ، كَمَا جَاءَ فِي حَدِيثِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ لِهَبَّارِ بْنِ الْأَسْوَدِ : فَإِنْ وَجَدْت سَعَةً فَأَهْدِ ، فَإِنْ لَمْ تَجِدْ سَعَةً ، فَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ ، وَسَبْعَةً إذَا رَجَعْت ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .\rوَرَوَى الشَّافِعِيُّ ، فِي \" مُسْنَدِهِ \"","part":7,"page":366},{"id":3366,"text":"عَنْ ابْنِ عُمَرَ مِثْلَ ذَلِكَ .\rوَأَحْمَدُ ذَهَبَ إلَى حَدِيثِ عُمَرَ ، وَاحْتَجَّ بِهِ ؛ لِأَنَّهُ صَوْمٌ وَجَبَ لِحِلِّهِ مِنْ إحْرَامِهِ قَبْلَ إتْمَامِهِ ، فَكَانَ عَشْرَةَ أَيَّامٍ كَصَوْمِ الْمُحْرِمِ .\rوَالْمُعْسِرُ فِي الصَّوْمِ كَالْعَبْدِ ، وَلِذَلِكَ قَالَ عُمَرُ لِهَبَّارِ بْنِ الْأَسْوَدِ : إنْ وَجَدْت سَعَةً فَأَهْدِ ، فَإِنْ لَمْ تَجِدْ فَصُمْ .\rوَيُعْتَبَرُ الْيَسَارُ وَالْإِعْسَارُ فِي زَمَنِ الْوُجُوبِ ، وَهُوَ فِي سَنَةِ الْقَضَاءِ إنَّ قُلْنَا بِوُجُوبِهِ ، أَوْ فِي سَنَةِ الْفَوَاتِ إنَّ قُلْنَا لَا يَجِبُ الْقَضَاءُ .\rوَقَوْلُ الْخِرَقِيِّ : \" ثُمَّ يُقَصِّرُ وَيَحِلُّ \" .\rيُرِيدُ أَنَّ الْعَبْدَ لَا يَحْلِقُ هَاهُنَا ، وَلَا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ ؛ لِأَنَّ الْحَلْقَ إزَالَةُ الشَّعْرِ الَّذِي يَزِيدُ فِي قِيمَتِهِ وَمَالِيَّتِهِ ، وَهُوَ مِلْكٌ لِسَيِّدِهِ ، وَلَمْ يَتَعَيَّنْ إزَالَتُهُ ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ إزَالَتُهُ .\rكَغَيْرِ حَالَةِ الْإِحْرَامِ .\rوَإِنْ أَذِنَ لَهُ السَّيِّدُ فِي الْحَلْقِ جَازَ ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا مُنِعَ مِنْهُ لِحَقِّهِ .","part":7,"page":367},{"id":3367,"text":"( 2704 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِذَا أَحْرَمَتْ الْمَرْأَةُ لِوَاجِبِ ، لَمْ يَكُنْ لِزَوْجِهَا مَنْعُهَا ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا أَحْرَمَتْ بِالْحَجِّ الْوَاجِبِ ، أَوْ الْعُمْرَةِ الْوَاجِبَةِ ، وَهِيَ حَجَّةُ الْإِسْلَامِ وَعُمْرَتُهُ ، أَوْ الْمَنْذُورُ مِنْهُمَا ، فَلَيْسَ لِزَوْجِهَا مَنْعُهَا مِنْ الْمُضِيِّ فِيهَا ، وَلَا تَحْلِيلُهَا ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ؛ مِنْهُمْ أَحْمَدُ وَالنَّخَعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ، وَالشَّافِعِيُّ فِي أَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ لَهُ ، وَقَالَ فِي الْآخَرِ : لَهُ مَنْعُهَا .\rلِأَنَّ الْحَجَّ عِنْدَهُ عَلَى التَّرَاخِي ، فَلَمْ يَتَعَيَّنْ فِي هَذَا الْعَامِ .\rوَلَيْسَ هَذَا بِصَحِيحٍ ، فَإِنَّ الْحَجَّ الْوَاجِبَ يَتَعَيَّنُ بِالشُّرُوعِ فِيهِ ، فَيَصِيرُ كَالصَّلَاةِ إذَا أَحْرَمْت بِهَا فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا وَقَضَاءِ رَمَضَانَ إذَا شَرَعْت فِيهِ ، وَلِأَنَّ حَقَّ الزَّوْجِ مُسْتَمِرٌّ عَلَى الدَّوَامِ ، فَلَوْ مَلَكَ مَنْعَهَا فِي هَذَا الْعَامِ لَمَلَكَهُ فِي كُلِّ عَامٍ ، فَيُفْضِي إلَى إسْقَاطِ أَحَدِ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ ، بِخِلَافِ الْعِدَّةِ ، فَإِنَّهَا لَا تَسْتَمِرُّ .\rفَأَمَّا إنْ أَحْرَمْت بِتَطَوُّعِ ، فَلَهُ تَحْلِيلُهَا وَمَنْعُهَا مِنْهُ ، فِي ظَاهِرِ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : لَيْسَ لَهُ تَحْلِيلُهَا ؛ لِأَنَّ الْحَجَّ يَلْزَمُ بِالشُّرُوعِ فِيهِ ، فَلَا يَمْلِكُ الزَّوْجُ تَحْلِيلَهَا ، كَالْحَجِّ الْمَنْذُورِ .\rوَحُكِيَ عَنْ أَحْمَدَ ، فِي امْرَأَةٍ تَحْلِفُ بِالصَّوْمِ أَوْ بِالْحَجِّ ، وَلَهَا زَوْجٌ : لَهَا أَنْ تَصُومَ بِغَيْرِ إذْنِ زَوْجِهَا ، مَا تَصْنَعُ ، قَدْ اُبْتُلِيَتْ وَابْتُلِيَ زَوْجُهَا .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ تَطَوُّعٌ يُفَوِّتُ حَقَّ غَيْرِهَا مِنْهَا ، أَحْرَمَتْ بِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ ، فَمَلَكَ تَحْلِيلَهَا مِنْهُ ، كَالْأَمَةِ تُحْرِمُ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهَا ، وَالْمَدِينَةِ تُحْرِمُ بِغَيْرِ إذْنِ غَرِيمِهَا عَلَى وَجْهٍ يَمْنَعُهُ إيفَاءَ دَيْنِهِ الْحَالِّ عَلَيْهَا ، وَلِأَنَّ الْعِدَّةَ تَمْنَعُ الْمُضِيَّ فِي الْإِحْرَامِ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى ، فَحَقُّ الْآدَمِيِّ أَوْلَى ؛ لِأَنَّ حَقَّهُ أَضْيَقُ ،","part":7,"page":368},{"id":3368,"text":"لِشُحِّهِ وَحَاجَتِهِ ، وَكَرَمِ اللَّهِ تَعَالَى وَغِنَاهُ .\rوَكَلَامُ أَحْمَدَ لَا يَتَنَاوَلُ مَحِلَّ النِّزَاعِ ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لَهُ مِنْ وَجْهَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، أَنَّهُ فِي الصَّوْمِ ، وَتَأْثِيرُ الصَّوْمِ فِي مَنْعِ حَقِّ الزَّوْجِ يَسِيرٌ ، فَإِنَّهُ فِي النَّهَارِ دُونَ اللَّيْلِ .\rوَلَوْ حَلَفَتْ بِالْحَجِّ فَلَهُ مَنْعُهَا ؛ لِأَنَّ الْحَجَّ لَا يَتَعَيَّنُ فِي نَذْرِ اللَّجَاجِ وَالْغَضَبِ ، بَلْ هُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ فِعْلِهِ وَالتَّكْفِيرِ ، فَلَهُ مَنْعُهَا مِنْهُ قَبْلَ إحْرَامِهَا بِكُلِّ حَالٍ ، بِخِلَافِ الصَّوْمِ .\rوَالثَّانِي ، أَنَّ الصَّوْمَ إذَا وَجَبَ صَارَ كَالْمَنْذُورِ ، بِخِلَافِ مَا نَحْنُ فِيهِ ، وَالشُّرُوعُ هَاهُنَا عَلَى وَجْهٍ غَيْرِ مَشْرُوعٍ ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ حُرْمَةٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى صَاحِبِ الْحَقِّ .\rفَأَمَّا إنْ كَانَتْ الْحَجَّةُ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ ، لَكِنْ لَمْ تَكْمُلْ شُرُوطُهَا لِعَدَمِ الِاسْتِطَاعَةِ ، فَإِنَّ لَهُ مَنْعَهَا مِنْ الْخُرُوجِ إلَيْهَا وَالتَّلَبُّسِ بِهَا ؛ لِأَنَّهَا غَيْرُ وَاجِبَةٍ عَلَيْهَا .\rوَإِنْ أَحْرَمَتْ بِغَيْرِ إذْنِهِ لَمْ يَمْلِكْ تَحْلِيلَهَا ؛ لِأَنَّ مَا أَحْرَمَتْ بِهِ يَقَعُ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ الْوَاجِبَةِ بِأَصْلِ الشَّرْعِ ، كَالْمَرِيضِ إذَا تَكَلَّفَ حُضُورَ الْجُمُعَةِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنَّ لَهُ تَحْلِيلَهَا ؛ لِأَنَّهُ فَقَدَ شَرْطَ وُجُوبِهَا ، فَأَشْبَهَتْ حَجَّةَ الْأَمَةِ وَالصَّغِيرَةِ ، فَإِنَّهُ لَمَّا فَقَدَتْ الْحُرِّيَّةَ أَوْ الْبُلُوغَ ، مَلَكَ مَنْعَهَا ، وَلِأَنَّهَا لَيْسَتْ وَاجِبَةً عَلَيْهَا ، فَأَشْبَهَتْ سَائِرَ التَّطَوُّعِ .\r( 2705 ) فَصْلٌ : وَأَمَّا قَبْلَ الْإِحْرَامِ ، فَلَيْسَ لِلزَّوْجِ مَنْعُ امْرَأَتِهِ مِنْ الْمُضِيِّ إلَى الْحَجِّ الْوَاجِبِ عَلَيْهَا ، إذَا كَمَّلَتْ شُرُوطَهُ ، وَكَانَتْ مُسْتَطِيعَةً ، وَلَهَا مَحْرَمٌ يَخْرُجُ مَعَهَا ؛ لِأَنَّهُ وَاجِبٌ ، وَلَيْسَ لَهُ مَنْعُهَا مِنْ الْوَاجِبَاتِ ، كَمَا لَيْسَ لَهُ مَنْعُهَا مِنْ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ .\rوَإِنْ لَمْ تَكْمُلْ شُرُوطُهُ ، فَلَهُ مَنْعُهَا مِنْ الْمُضِيِّ إلَيْهِ وَالشُّرُوعِ فِيهِ ، وَلِأَنَّهَا تُفَوِّتُ حَقَّهُ بِمَا لَيْسَ بِوَاجِبِ عَلَيْهَا ،","part":7,"page":369},{"id":3369,"text":"فَمَلَكَ مَنْعَهَا ، كَمَنْعِهَا مِنْ صِيَامِ التَّطَوُّعِ .\rوَلَهُ مَنْعُهَا مِنْ الْخُرُوجِ إلَى حَجِّ التَّطَوُّع وَالْإِحْرَامِ بِهِ ، بِغَيْرِ خِلَافٍ .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ قَوْلَهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ، عَلَى أَنَّ لِلرَّجُلِ مَنْعَ زَوْجَتِهِ مِنْ الْخُرُوجِ إلَى حَجِّ التَّطَوُّعِ .\rوَلِأَنَّهُ تَطَوُّعٌ يُفَوِّتُ حَقَّ زَوْجِهَا ، فَكَانَ لِزَوْجِهَا مَنْعُهَا مِنْهُ ، كَالِاعْتِكَافِ .\rفَإِنْ أُذْنَ لَهَا فِيهِ ، فَلَهُ الرُّجُوعُ مَا لَمْ تَتَلَبَّسْ بِإِحْرَامِهِ ، فَإِنْ تَلَبَّسَتْ بِالْإِحْرَامِ ، أَوْ أَذِنَ لَهَا ، لَمْ يَكُنْ لَهُ الرُّجُوعُ فِيهِ ، وَلَا تَحْلِيلُهَا مِنْهُ ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ بِالشُّرُوعِ ، فَصَارَ كَالْوَاجِبِ الْأَصْلِيِّ .\rفَإِنْ رَجَعَ قَبْلَ إحْرَامِهَا ، ثُمَّ أَحْرَمَتْ بِهِ ، فَهُوَ كَمَنْ لَمْ يَأْذَنْ .\rوَإِذَا قُلْنَا : بِتَحْلِيلِهَا .\rفَحُكْمُهَا حُكْمُ الْمُحْصَرِ ، يَلْزَمُهَا الْهَدْيُ ، فَإِنْ لَمْ تَجِدْ صَامَتْ ، ثُمَّ حَلَّتْ .","part":7,"page":370},{"id":3370,"text":"( 2706 ) فَصْلٌ : وَإِنْ أَحْرَمَتْ بِوَاجِبِ ، فَحَلَفَ زَوْجُهَا بِالطَّلَاقِ الثَّلَاثِ أَنْ لَا تَحُجَّ الْعَامَ ، فَلَيْسَ لَهَا أَنْ تَحِلَّ ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ مُبَاحٌ ، فَلَيْسَ لَهَا تَرْكُ فَرَائِضِ اللَّهِ خَوْفًا مِنْ الْوُقُوعِ فِيهِ .\rوَنَقَلَ مُهَنَّا عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ، فَقَالَ : قَالَ عَطَاءٌ : الطَّلَاقُ هَلَاكٌ ، هِيَ بِمَنْزِلَةِ الْمُحْصَرِ .\rوَرَوَى عَنْهُ ابْنُ مَنْصُورٍ ، أَنَّهُ أَفْتَى السَّائِلَ أَنَّهَا بِمَنْزِلَةِ الْمُحْصَرِ .\rوَاحْتَجَّ بِقَوْلِ عَطَاءٍ ، فَرَوَاهُ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .\rذَهَبَ إلَى هَذَا لِأَنَّ ضَرَرَ الطَّلَاقِ عَظِيمٌ ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ خُرُوجِهَا مِنْ بَيْتِهَا ، وَمُفَارَقَةِ زَوْجِهَا وَوَلَدِهَا ، وَرُبَّمَا كَانَ ذَلِكَ أَعْظَمَ عِنْدَهَا مِنْ ذَهَابِ مَالِهَا ، وَهَلَاكِ سَائِرِ أَهْلِهَا ، وَلِذَلِكَ سَمَّاهُ عَطَاءٌ هَلَاكًا .\rوَلَوْ مَنَعَهَا عَدُوٌّ مِنْ الْحَجِّ إلَّا أَنْ تَدْفَعَ إلَيْهِ مَالَهَا ، كَانَ ذَلِكَ حَصْرًا ، فَهَاهُنَا أَوْلَى .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ","part":7,"page":371},{"id":3371,"text":"( 2707 ) فَصْلٌ : وَلَيْسَ لِلْوَالِدِ مَنْعُ وَلَدِهِ مِنْ الْحَجِّ الْوَاجِبِ ، وَلَا تَحْلِيلُهُ مِنْ إحْرَامِهِ ، وَلَيْسَ لِلْوَلَدِ طَاعَتُهُ فِي تَرْكِهِ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعَالَى } وَلَهُ مَنْعُهُ مِنْ الْخُرُوجِ إلَى التَّطَوُّعِ ، فَإِنَّ لَهُ مَنْعَهُ مِنْ الْغَزْوِ ، وَهُوَ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ ، فَالتَّطَوُّعُ أَوْلَى .\rفَإِنْ أَحْرَمَ بِغَيْرِ إذْنِهِ ، لَمْ يَمْلِكْ تَحْلِيلَهُ ؛ لِأَنَّهُ وَاجِبٌ بِالدُّخُولِ فِيهِ ، فَصَارَ كَالْوَاجِبِ ابْتِدَاءً ، أَوْ كَالْمَنْذُورِ .","part":7,"page":372},{"id":3372,"text":"مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَمَنْ سَاقَ هَدْيًا وَاجِبًا ، فَعَطِبَ دُونَ مَحِلِّهِ ، صَنَعَ بِهِ مَا شَاءَ ، وَعَلَيْهِ مَكَانَهُ ) الْوَاجِبُ مِنْ الْهَدْيِ قِسْمَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، وَجَبَ بِالنَّذْرِ فِي ذِمَّتِهِ .\rوَالثَّانِي ، وَجَبَ بِغَيْرِهِ ، كَدَمِ التَّمَتُّعِ ، وَالْقِرَانِ ، وَالدِّمَاءِ الْوَاجِبَةِ بِتَرْكِ وَاجِبٍ ، أَوْ فِعْلِ مَحْظُورٍ .\rوَجَمِيعُ ذَلِكَ ضَرْبَانِ : أَحَدُهُمَا ، أَنْ يَسُوقَهُ يَنْوِي بِهِ الْوَاجِبَ الَّذِي عَلَيْهِ ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يُعَيِّنَهُ بِالْقَوْلِ ، فَهَذَا لَا يَزُولُ مِلْكُهُ عَنْهُ إلَّا بِذَبْحِهِ ، وَدَفْعِهِ إلَى أَهْلِهِ ، وَلَهُ التَّصَرُّفُ فِيهِ بِمَا شَاءَ مِنْ بَيْعٍ ، وَهِبَةٍ ، وَأَكْلٍ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَلَّقْ حَقُّ غَيْرِهِ بِهِ ، وَلَهُ نَمَاؤُهُ ، وَإِنْ عَطِبَ تَلِفَ مِنْ مَالِهِ ، وَإِنْ تَعَيَّبَ لَمْ يُجْزِئْهُ ذَبْحُهُ ، وَعَلَيْهِ الْهَدْيُ الَّذِي كَانَ وَاجِبًا ، فَإِنَّ وُجُوبَهُ فِي الذِّمَّةِ ، فَلَا يَبْرَأُ مِنْهُ إلَّا بِإِيصَالِهِ إلَى مُسْتَحِقِّهِ ، بِمَنْزِلَةِ مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَحَمَلَهُ إلَى مُسْتَحِقِّهِ ، يَقْصِدُ دَفْعَهُ إلَيْهِ فَتَلِفَ قَبْلَ أَنْ يُوصِلَهُ إلَيْهِ .\rالضَّرْبُ الثَّانِي ، أَنْ يُعَيِّنَ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ بِالْقَوْلِ ، فَيَقُولَ : هَذَا الْوَاجِبُ عَلَيَّ .\rفَإِنَّهُ يَتَعَيَّنُ الْوُجُوبُ فِيهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَبْرَأَ الذِّمَّةُ مِنْهُ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَوْجَبَ هَدْيًا وَلَا هَدْيَ عَلَيْهِ لَتَعَيَّنَ ، فَإِذَا كَانَ وَاجِبًا فَعَيَّنَهُ فَكَذَلِكَ ، إلَّا أَنَّهُ مَضْمُونٌ عَلَيْهِ ، فَإِنْ عَطِبَ ، أَوْ سُرِقَ ، أَوْ ضَلَّ ، أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ ، لَمْ يُجْزِهِ ، وَعَادَ الْوُجُوبُ إلَى ذِمَّتِهِ ، كَمَا لَوْ كَانَ لِرَجُلٍ عَلَيْهِ دَيْنٌ ، فَاشْتَرَى بِهِ مِنْهُ مَكِيلًا ، فَتَلِفَ قَبْلَ قَبْضِهِ ، انْفَسَخَ الْبَيْعُ ، وَعَادَ الدَّيْنُ إلَى ذِمَّتِهِ ، وَلِأَنَّ ذِمَّتَهُ لَمْ تَبْرَأْ مِنْ الْوَاجِبِ بِتَعْيِينِهِ ، وَإِنَّمَا تَعَلَّقَ الْوُجُوبُ بِمَحَلٍّ آخَرَ ، فَصَارَ كَالدِّينِ يَضْمَنُهُ ضَامِنٌ ، أَوْ يَرْهَنُ بِهِ رَهْنًا ، فَإِنَّهُ يَتَعَلَّقُ الْحَقُّ بِالضَّامِنِ وَالرَّهْنِ مَعَ بَقَائِهِ فِي ذِمَّةِ","part":7,"page":373},{"id":3373,"text":"الْمَدِينِ ، فَمَتَى تَعَذَّرَ اسْتِيفَاؤُهُ مِنْ الضَّامِنِ ، أَوْ تَلِفَ الرَّهْنُ ، بَقِيَ الْحَقُّ فِي الذِّمَّةِ بِحَالِهِ .\rوَهَذَا كُلُّهُ لَا نَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا .\rوَإِنْ ذَبَحَهُ ، فَسُرِقَ ، أَوْ عَطِبَ ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ .\rقَالَ أَحْمَدُ : إذَا نَحَرَ فَلَمْ يُطْعِمْهُ حَتَّى سُرِقَ ، لَا شَيْءَ عَلَيْهِ ، فَإِنَّهُ إذَا نَحَرَ فَقَدْ فَرَغَ .\rوَبِهَذَا قَالَ الثَّوْرِيُّ وَابْنُ الْقَاسِمِ صَاحِبُ مَالِكٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : عَلَيْهِ الْإِعَادَةُ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوصِلْ الْحَقَّ إلَى مُسْتَحِقِّهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ يَذْبَحْهُ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ أَدَّى الْوَاجِبَ عَلَيْهِ ، فَبَرِئَ مِنْهُ ، كَمَا لَوْ فَرَّقَهُ .\rوَدَلِيلُ أَنَّهُ أَدَّى الْوَاجِبَ ، أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ إلَّا التَّفْرِقَةُ ، وَلَيْسَتْ وَاجِبَةً ؛ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ خَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْفُقَرَاءِ أَجْزَأَهُ ، وَلِذَلِكَ { لَمَّا نَحَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْبَدَنَاتِ ، قَالَ : مَنْ شَاءَ اقْتَطَعَ } .\rوَإِذَا عَطِبَ هَذَا الْمُعَيَّنُ ، أَوْ تَعَيَّبَ عَيْبًا يَمْنَعُ الْإِجْزَاءَ ، لَمْ يُجْزِهِ ذَبْحُهُ عَمَّا فِي الذِّمَّةِ ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ هَدْيًا سَلِيمًا وَلَمْ يُوجَدْ ، وَعَلَيْهِ مَكَانَهُ ، وَيَرْجِعُ هَذَا الْهَدْيُ إلَى مِلْكِهِ ، فَيَصْنَعُ بِهِ مَا شَاءَ ، مِنْ أَكْلٍ ، أَوْ بَيْعٍ وَهِبَةٍ ، وَصَدَقَةٍ ، وَغَيْرِهِ .\rهَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ أَحْمَدَ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَإِسْحَاقَ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ .\rوَنَحْوِهِ عَنْ عَطَاءٍ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : يَأْكُلُ ، وَيُطْعِمُ مَنْ أَحَبَّ مِنْ الْأَغْنِيَاءِ وَالْفُقَرَاءِ ، وَلَا يَبِيعُ مِنْهُ شَيْئًا .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى سَعِيدٌ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسِ ، قَالَ : إذَا أَهْدَيْت هَدْيًا تَطَوُّعًا ، فَعَطِبَ ، فَانْحَرْهُ ، ثُمَّ اغْمِسْ النَّعْلَ فِي دَمِهِ ، ثُمَّ اضْرِبْ بِهَا صَفْحَتَهُ ، فَإِنْ أَكَلْت أَوْ أَمَرْت بِهِ عَرَّفْت ، وَإِذَا أَهْدَيْت هَدْيًا وَاجِبًا فَعَطِبَ فَانْحَرْهُ ، ثُمَّ كُلْهُ إنْ شِئْت","part":7,"page":374},{"id":3374,"text":"، وَأَهْدِهِ إنْ شِئْت ، وَبِعْهُ إنْ شِئْت ، وَتَقَوَّ بِهِ فِي هَدْيٍ آخَرَ .\rوَلِأَنَّهُ مَتَى كَانَ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ وَيُطْعِمَ الْأَغْنِيَاءَ ، فَلَهُ أَنْ يَبِيعَ ؛ لِأَنَّهُ مِلْكُهُ .\rوَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّهُ يَذْبَحُ الْمَعِيبَ وَمَا فِي ذِمَّتِهِ جَمِيعًا ، وَلَا يَرْجِعُ الْمُعَيَّنَ إلَى مِلْكِهِ ؛ لِأَنَّهُ تَعَلَّقَ بِحَقِّ الْفُقَرَاءِ بِتَعْيِينِهِ ، فَلَزِمَ ذَبْحُهُ ، كَمَا لَوْ عَيَّنَهُ بِنَذْرِهِ ابْتِدَاءً .","part":7,"page":375},{"id":3375,"text":"فَصْلٌ : وَإِنْ ضَلَّ الْمُعَيَّنُ ، فَذَبَحَ غَيْرَهُ ، ثُمَّ وَجَدَهُ ، أَوْ عَيَّنَ غَيْرَ الضَّالِّ بَدَلًا عَمَّا فِي الذِّمَّةِ ، ثُمَّ وَجَدَ الضَّالَّ ، ذَبَحَهُمَا مَعًا .\rرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ ، وَابْنِهِ وَابْنِ عَبَّاسِ ، وَفَعَلَتْهُ عَائِشَةُ .\rوَبِهِ قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ .\rوَيَتَخَرَّجُ عَلَى قَوْلِنَا فِيمَا إذَا تَعَيَّبَ الْهَدْيُ ، فَأَبْدَلَهُ فَإِنَّ لَهُ أَنْ يَصْنَعَ بِهِ مَا شَاءَ .\rأَوْ يَرْجِعَ إلَى مِلْكِ أَحَدِهِمَا ؛ لِأَنَّهُ قَدْ ذَبَحَ مَا فِي الذِّمَّةِ ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ آخَرُ ، كَمَا لَوْ عَطِبَ الْمُعَيَّنُ .\rوَهَذَا قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ .\rوَوَجْهُ الْأَوَّلِ مَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا أَهْدَتْ هَدْيَيْنِ ، فَأَضَلَّتْهُمَا ، فَبَعَثَ إلَيْهَا ابْنُ الزُّبَيْرِ هَدْيَيْنِ ، فَنَحَرَتْهُمَا ، ثُمَّ عَادَ الضَّالَّانِ ، فَنَحَرَتْهُمَا ، وَقَالَتْ : هَذِهِ سُنَّةُ الْهَدْيِ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ .\rوَهَذَا يَنْصَرِفُ إلَى سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلِأَنَّهُ تَعَلَّقَ حَقُّ اللَّهِ بِهِمَا بِإِيجَابِهِمَا ، أَوْ ذَبْحِ أَحَدِهِمَا وَإِيجَابِ الْآخَرِ .\r( 2710 ) فَصْلٌ : وَإِنْ عَيَّنَ مَعِيبًا عَمَّا فِي ذِمَّتِهِ ، لَمْ يُجْزِهِ ، وَلَزِمَهُ ذَبْحُهُ ، عَلَى قِيَاسِ قَوْلِهِ فِي الْأُضْحِيَّةِ ، إذَا عَيَّنَهَا مَعِيبَةً لَزِمَهُ ذَبْحُهَا ، وَلَمْ يُجْزِهِ .\rوَإِنْ عَيَّنَ صَحِيحًا فَهَلَكَ ، أَوْ تَعَيَّبَ بِغَيْرِ تَفْرِيطِهِ ، لَمْ يَلْزَمْهُ أَكْثَرُ مِمَّا كَانَ وَاجِبًا فِي الذِّمَّةِ ؛ لِأَنَّ الزَّائِدَ لَمْ يَجِبْ فِي الذِّمَّةِ ، وَإِنَّمَا تَعَلَّقَ بِالْعَيْنِ ، فَسَقَطَ بِتَلَفِهَا لِأَصْلِ الْهَدْيِ ، إذَا لَمْ يَجِبْ بِغَيْرِ التَّعْيِينِ .\rوَإِنْ أَتْلَفَهُ ، أَوْ تَلِفَ بِتَفْرِيطِهِ ، لَزِمَهُ مِثْلُ الْمُعَيَّنِ ؛ لِأَنَّ الزَّائِدَ تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى ، وَإِذَا فَوَّتَهُ لَزِمَهُ ضَمَانُهُ ، كَالْهَدْيِ الْمُعَيَّنِ ابْتِدَاءً .","part":7,"page":376},{"id":3376,"text":"( 2711 ) فَصْلٌ : وَيَحْصُلُ الْإِيجَابُ بِقَوْلِهِ : هَذَا هَدْيٌ .\rأَوْ بِتَقْلِيدِهِ وَإِشْعَارِهِ نَاوِيًا بِهِ الْهَدْيَ وَبِهَذَا قَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَإِسْحَاقُ .\rوَلَا يَجِبُ بِالشِّرَاءِ مَعَ النِّيَّةِ ، وَلَا بِالنِّيَّةِ الْمُجَرَّدَةِ ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَجِبُ بِالشِّرَاءِ مَعَ النِّيَّةِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ إزَالَةُ مِلْكٍ عَلَى وَجْهِ الْقُرْبَةِ ، فَلَمْ يَجِبْ بِالنِّيَّةِ ، كَالْعِتْقِ وَالْوَقْفِ .","part":7,"page":377},{"id":3377,"text":"( 2712 ) فَصْلٌ : إذَا غَصَبَ شَاةً ، فَذَبَحَهَا عَنْ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ ، لَمْ يُجْزِهِ ، سَوَاءٌ رَضِيَ مَالِكُهَا أَوْ لَمْ يَرْضَ ، أَوْ عَوَّضَهُ عَنْهَا أَوْ لَمْ يُعَوِّضْهُ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يُجْزِئُهُ إنَّ رَضِيَ مَالِكُهَا .\rوَلَنَا ، أَنَّ هَذَا لَمْ يَكُنْ قُرْبَةً فِي ابْتِدَائِهِ ، فَلَمْ يَصِرْ قُرْبَةً فِي أَثْنَائِهِ ، كَمَا لَوْ ذَبَحَهُ لِلْأَكْلِ ثُمَّ نَوَى بِهِ التَّقْرِيبَ ، وَكَمَا لَوْ أَعْتَقَ ثُمَّ نَوَاهُ عَنْ كَفَّارَتِهِ .","part":7,"page":378},{"id":3378,"text":"( 2713 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِنْ كَانَ سَاقَهُ تَطَوُّعًا ، نَحَرَهُ فِي مَوْضِعِهِ ، وَخَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَسَاكِينِ ، وَلَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ هُوَ وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ رُفْقَتِهِ ، وَلَا بَدَلَ عَلَيْهِ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ مَنْ تَطَوَّعَ بِهَدْيِ غَيْرِ وَاجِبٍ ، لَمْ يَخْلُ مِنْ حَالَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، أَنْ يَنْوِيَهُ هَدْيًا ، وَلَا يُوجِبُ بِلِسَانِهِ وَلَا بِإِشْعَارِهِ وَتَقْلِيدِهِ ، فَهَذَا لَا يَلْزَمُهُ إمْضَاؤُهُ ، وَلَهُ أَوْلَادُهُ وَنَمَاؤُهُ وَالرُّجُوعُ فِيهِ مَتَى شَاءَ ، مَا لَمْ يَذْبَحْهُ ؛ لِأَنَّهُ نَوَى الصَّدَقَةَ بِشَيْءِ مِنْ مَالِهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ نَوَى الصَّدَقَةَ بِدِرْهَمٍ .\rالثَّانِي ، أَنْ يُوجِبَهُ بِلِسَانِهِ ، فَيَقُولَ : هَذَا هَدْيٌ .\rأَوْ يُقَلِّدَهُ أَوْ يُشْعِرَهُ ، يَنْوِي بِذَلِكَ إهْدَاءَهُ ، فَيَصِيرُ وَاجِبًا مُعَيَّنًا ، يَتَعَلَّقُ الْوُجُوبُ بِعَيْنِهِ دُونَ ذِمَّةِ صَاحِبِهِ ، وَيَصِيرُ فِي يَدَيْ صَاحِبِهِ كَالْوَدِيعَةِ ، يَلْزَمُهُ حِفْظُهُ وَإِيصَالُهُ إلَى مَحِلِّهِ ، فَإِنْ تَلِفَ بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ مِنْهُ ، أَوْ سَوْقٍ ، أَوْ ضَلَّ ، لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَجِبْ فِي الذِّمَّةِ ، إنَّمَا تَعَلَّقَ الْحَقُّ بِالْعَيْنِ ، فَسَقَطَ بِتَلَفِهَا ، كَالْوَدِيعَةِ .\rوَقَدْ رَوَى الدَّارَقُطْنِيّ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، قَالَ : سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : { مَنْ أَهْدَى تَطَوُّعًا ، ثَمَّ ضَلَّتْ ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ الْبَدَلُ ، إلَّا أَنْ يَشَاءَ ، فَإِنْ كَانَ نَذْرًا ، فَعَلَيْهِ الْبَدَلُ } .\rوَفِي رِوَايَةٍ ، قَالَ : { مَنْ أَهْدَى تَطَوُّعًا ، ثَمَّ عَطِبَ فَإِنْ شَاءَ أَبْدَلَ ، وَإِنْ شَاءَ أَكَلَ ، وَإِنْ كَانَ نَذْرًا فَلْيُبْدِلْ } .\rفَأَمَّا إنْ أَتْلَفَهُ ، أَوْ تَلِفَ بِتَفْرِيطِهِ ، فَعَلَيْهِ ضَمَانُهُ ؛ لِأَنَّهُ أَتْلَفَ وَاجِبًا لِغَيْرِهِ ، فَضَمِنَهُ ، كَالْوَدِيعَةِ .\rوَإِنْ خَافَ عَطَبَهُ ، أَوْ عَجَزَ عَنْ الْمَشْيِ وَصُحْبَةِ الرِّفَاقِ ، نَحَرَهُ مَوْضِعَهُ ، وَخَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَسَاكِينِ ، وَلَمْ يُبَحْ لَهُ أَكْلُ شَيْءٍ مِنْهُ ، وَلَا لَأَحَدٍ مِنْ","part":7,"page":379},{"id":3379,"text":"صَحَابَتِهِ ، وَإِنْ كَانُوا فُقَرَاءً ، وَيُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَضَعَ نَعْلَ الْهَدْيِ الْمُقَلَّدَ فِي عُنُقِهِ فِي دَمِهِ ، ثُمَّ يَضْرِبَ بِهِ صَفْحَتَهُ ، لِيُعَرِّفَهُ الْفُقَرَاءَ ، فَيَعْلَمُوا أَنَّهُ هَدْيٌ ، وَلَيْسَ بِمَيِّتَةٍ ، فَيَأْخُذُوهُ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ .\rوَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ أَكَلَ مِنْ هَدْيِهِ الَّذِي عَطِبَ ، وَلَمْ يَقْضِ مَكَانَهُ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : يُبَاحُ لِرُفْقَتِهِ ، وَلِسَائِرِ النَّاسِ ، غَيْرِ صَاحِبِهِ أَوْ سَائِقِهِ ، وَلَا يَأْمُرُ أَحَدًا يَأْكُلُ مِنْهُ ، فَإِنْ أَكَلَ ، أَوْ أَمَرَ مِنْ أَكَلَ ، أَوْ حَزَّ شَيْئًا مِنْ لَحْمِهِ ، ضَمِنَهُ .\rوَاحْتَجَّ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ لِذَلِكَ ، بِمَا رَوَى هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ نَاجِيَةَ بِنْتِ كَعْبٍ ، صَاحِبِ بُدْنِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { يَا رَسُولَ اللَّهِ ، كَيْفَ أَصْنَعُ بِمَا عَطِبَ مِنْ الْهَدْيِ ؟ قَالَ : انْحَرْهُ ، ثُمَّ اغْمِسْ قَلَائِدَهُ فِي دَمِهِ ، ثُمَّ اضْرِبْ بِهَا صَفْحَةَ عُنُقِهِ ، ثُمَّ خَلِّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ } .\rقَالَ : وَهَذَا أَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسِ ، وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ .\rوَيَدْخُلُ فِي عُمُومِ قَوْلِهِ : \" وَخَلِّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ \" .\rرُفْقَتِهِ وَغَيْرِهِمْ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ ، أَنَّ ذُؤَيْبًا أَبَا قَبِيصَةَ حَدَّثَهُ { ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَبْعَثُ مَعَهُ الْبُدْنَ ، ثُمَّ يَقُولُ : إنْ عَطِبَ مِنْهَا شَيْءٌ ، فَخَشِيتَ عَلَيْهَا ، فَانْحَرْهَا ، ثُمَّ اغْمِسْ نَعْلَهَا فِي دَمِهَا ، ثُمَّ اضْرِبْ بِهِ صَفْحَتَهَا ، وَلَا تَطْعَمْهَا أَنْتَ وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ رُفْقَتِك } .\rرَوَاهُ مُسْلِمٌ .\rوَفِي لَفْظٍ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : { وَيُخَلِّيهَا وَالنَّاسَ ، وَلَا يَأْكُلُ مِنْهَا هُوَ وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ } .\rوَقَالَ سَعِيدٌ حَدَّثَنَا إسْمَاعِيلُ بْنُ إبْرَاهِيمَ ، عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ ، عَنْ مُوسَى بْنِ سَلَمَةَ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { ، أَنَّهُ بَعَثَ بِثَمَانِي","part":7,"page":380},{"id":3380,"text":"عَشْرَةَ بَدَنَةً مَعَ رَجُلٍ ، وَقَالَ : إنْ ازْدَحَفَ عَلَيْكَ مِنْهَا شَيْءٌ ، فَانْحَرْهَا ، ثُمَّ اُصْبُغْ نَعْلَهَا فِي دَمِهَا ، ثُمَّ اضْرِبْ بِهَا فِي صَفْحَتِهَا ، وَلَا تَأْكُلْ أَنْتَ وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ رُفْقَتِكَ } .\rوَهَذَا صَحِيحٌ مُتَضَمِّنٌ لِلزِّيَادَةِ ، وَمَعْنًى خَاصٍّ ، فَيَجِبُ تَقْدِيمُهُ عَلَى عُمُومِ مَا خَالَفَهُ .\rوَلَا تَصِحُّ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ رُفْقَتِهِ وَبَيْنَ سَائِرِ النَّاسِ ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ يُشْفِقُ عَلَى رُفْقَتِهِ ، وَيُحِبُّ التَّوْسِعَةُ عَلَيْهِمْ ، وَرُبَّمَا وَسَّعَ عَلَيْهِمْ مِنْ مُؤْنَتِهِ .\rوَإِنَّمَا مُنِعَ السَّائِقُ وَرُفْقَتُهُ مِنْ الْأَكْلِ مِنْهَا ؛ لِئَلَّا يُقَصِّرَ فِي حِفْظِهَا ، فَيُعْطِبَهَا لِيَأْكُلَ هُوَ وَرُفْقَتُهُ مِنْهَا ، فَتَلْحَقَهُ التُّهْمَةُ فِي عَطَبِهَا لِنَفْسِهِ وَرُفْقَتِهِ ، فَحُرِمُوهَا لِذَلِكَ .\rفَإِنْ أَكَلَ مِنْهَا ، أَوْ بَاعَ أَوْ أَطْعَمَ غَنِيًّا ، أَوْ رُفْقَتَهُ ، ضَمِنَهُ بِمِثْلِهِ لَحْمًا .\rوَإِنْ أَتْلَفَهَا ، أَوْ تَلِفَتْ بِتَفْرِيطِهِ ، أَوْ خَافَ عَطَبَهَا ، فَلَمْ يَنْحَرْهَا حَتَّى هَلَكَتْ ، فَعَلَيْهِ ضَمَانُهَا بِمَا يُوصِلُهُ إلَى فُقَرَاءِ الْحَرَمِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ إيصَالُ الضَّمَانِ إلَيْهِمْ ، بِخِلَافِ الْعَاطِبِ .\rوَإِنْ أَطْعَمَ مِنْهَا فَقِيرًا ، أَوْ أَمَرَهُ بِالْأَكْلِ مِنْهَا ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ أَوْصَلَهُ إلَى الْمُسْتَحِقِّ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَطْعَمَ فَقِيرًا بَعْدَ بُلُوغِهِ مَحِلَّهُ ، وَإِنْ تَعَيَّبَ ذَبْحُهُ أَجْزَأَهُ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يُجْزِئُهُ ، إلَّا أَنْ يَحْدُثَ الْعَيْبُ بِهِ بَعْدَ إضْجَاعِهِ لِلذَّبْحِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ لَوْ عَطِبَ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ ، فَالْعَيْبُ أَوْلَى ؛ لِأَنَّ الْعَطَبَ يَذْهَبُ بِجَمِيعِهِ ، وَالْعَيْبُ يَنْقُصُهُ .\rوَلِأَنَّهُ عَيْبٌ حَدَثَ بَعْدَ وُجُوبِهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ حَدَثَ بَعْدَ إضْجَاعِهِ .\rوَإِنْ تَعَيَّبَ بِفِعْلِ آدَمِيٍّ ، فَعَلَيْهِ مَا نَقَصَهُ مِنْ الْقِيمَةِ ، يَتَصَدَّقُ بِهِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يُبَاعُ جَمِيعُهُ ، وَيُشْتَرَى هَدْيٌ .\rوَبَنَى ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ","part":7,"page":381},{"id":3381,"text":"مُجْزِئٌ .","part":7,"page":382},{"id":3382,"text":"فَصْلٌ : وَإِذْ أَوْجَبَ هَدْيًا فَلَهُ إبْدَالُهُ بِخَيْرِ مِنْهُ ، وَبَيْعُهُ لِيَشْتَرِيَ بِثَمَنِهِ خَيْرًا مِنْهُ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .\rوَهُوَ اخْتِيَارُ أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ ، وَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : يَزُولُ مِلْكُهُ عَنْهُ ، وَلَيْسَ لَهُ بَيْعُهُ وَلَا إبْدَالُهُ .\rوَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ مُتَعَلِّقٌ بِالرَّقَبَةِ ، وَيَسْرِي إلَى الْوَلَدِ ، فَمُنِعَ الْبَيْعُ ، كَالِاسْتِيلَاءِ ، وَلِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ إبْدَالُهُ بِمِثْلِهِ ، فَلَمْ يَجُزْ بِخَيْرِ مِنْهُ ، كَسَائِرِ مَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ .\rوَوَجْهُ الْأَوَّلِ ، أَنَّ النُّذُورَ مَحْمُولَةٌ عَلَى أُصُولِهَا فِي الْفَرْضِ ، وَهُوَ الزَّكَاةُ ، يَجُوزُ فِيهَا الْإِبْدَالُ ، كَذَلِكَ هَذَا ، وَلِأَنَّهُ لَوْ زَالَ مِلْكُهُ لَمْ يَعُدْ إلَيْهِ بِالْهَلَاكِ ، كَسَائِرِ الْأَمْلَاكِ إذَا زَالَتْ .\rوَقِيَاسُهُمْ يَنْتَقِضُ بِالْمُدَبَّرَةِ يَجُوزُ بَيْعُهَا ، وَقَدْ دَلَّ عَلَى جَوَازِ بَيْعِ الْمُدَبَّرِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَاعَ مُدَبَّرًا .\rأَمَّا إبْدَالُهَا بِمِثْلِهَا أَوْ دُونِهَا ، فَلَمْ يَجُزْ ؛ لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ فِي ذَلِكَ .","part":7,"page":383},{"id":3383,"text":"( 2715 ) فَصْلٌ : إذَا وَلَدَتْ الْهَدِيَّةُ فَوَلَدُهَا بِمَنْزِلَتِهَا إنْ أَمْكَنَ سَوْقُهُ وَإِلَّا حَمَلَهُ عَلَى ظَهْرِهَا ، وَسَقَاهُ مِنْ لَبَنِهَا ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ سَوْقُهُ وَلَا حَمْلُهُ ، صَنَعَ بِهِ مَا يَصْنَعُ بِالْهَدْيِ إذَا عَطِبَ ، وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ مَا عَيَّنَهُ ابْتِدَاءً وَبَيْنَ مَا عَيَّنَهُ بَدَلًا عَنْ الْوَاجِبِ فِي ذِمَّتِهِ .\rوَقَالَ الْقَاضِي ، فِي الْمُعَيَّنِ بَدَلًا عَنْ الْوَاجِبِ : يَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَتْبَعَهَا وَلَدُهَا ؛ لِأَنَّ مَا فِي الذِّمَّةِ وَاحِدٌ ، فَلَا يَلْزَمُهُ اثْنَانِ .\rوَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَتْبَعُ أُمَّهُ فِي الْوُجُوبِ ؛ لِأَنَّهُ وَلَدُ هَدْيٍ وَاجِبٍ ، فَكَانَ وَاجِبًا ، كَالْمُعَيَّنِ ابْتِدَاءً .\rوَقَالَ الْمُغِيرَةُ بْنُ حَذْفٍ : أَتَى رَجُلٌ عَلِيًّا بِبَقَرَةٍ قَدْ أَوْلَدَهَا ، فَقَالَ لَهُ : لَا تَشْرَبْ مِنْ لَبَنِهَا إلَّا مَا فَضَلَ عَنْ وَلَدِهَا ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْأَضْحَى ضَحَّيْت بِهَا وَوَلَدِهَا عَنْ سَبْعَةٍ رَوَاهُ سَعِيدٌ ، وَالْأَثْرَمُ .\rوَإِنْ تَعَيَّنَتْ الْمُعَيَّنَةُ عَنْ الْوَاجِبِ فِي الذِّمَّةِ ، وَقُلْنَا : يَذْبَحُهَا .\rذَبَحَ وَلَدَهَا مَعَهَا ؛ لِأَنَّهُ تَبَعٌ لَهَا .\rوَإِنْ قُلْنَا : يَبْطُلُ تَعْيِينُهَا ، وَتَعُودُ إلَى مَالِكِهَا .\rاحْتَمَلَ أَنْ يَبْطُلَ التَّعْيِينُ فِي وَلَدِهَا تَبَعًا ، كَنَمَائِهَا الْمُتَّصِلِ بِهَا ، وَاحْتَمَلَ أَنْ لَا يَبْطُلَ ، وَيَكُونَ لِلْفُقَرَاءِ ؛ لِأَنَّهُ تَبِعَهَا فِي الْوُجُوبِ حَالَ اتِّصَالِهِ بِهَا ، وَلَمْ يَتْبَعْهَا فِي زَوَالِهِ ؛ لِأَنَّهُ مُنْفَصِلٌ عَنْهَا ، كَوَلَدِ الْمَبِيعِ الْمَعِيبِ إذَا وَلَدَ عِنْدَ الْمُشْتَرِي ، ثُمَّ رَدَّهُ لَمْ يَبْطُلْ الْبَيْعُ فِي وَلَدِهِ ، وَالْمُدَبَّرَةُ إذَا قَتَلَتْ سَيِّدَهَا ، فَبَطَلَ تَدْبِيرُهَا ، لَا يَبْطُلُ فِي وَلَدِهَا .","part":7,"page":384},{"id":3384,"text":"( 2716 ) فَصْلٌ : وَلِلْمُهْدِي شُرْبُ لَبَنِ الْهَدْيِ ؛ لِأَنَّ بَقَاءَهُ فِي الضَّرْعِ يَضُرُّ بِهِ ، فَإِذَا كَانَ ذَا وَلَدٍ ، لَمْ يَشْرَبْ إلَّا مَا فَضَلَ عَنْ وَلَدِهِ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ خَبَرِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .\rفَإِنْ شَرِبَ مَا يَضُرُّ بِالْأُمِّ ، أَوْ مَا لَا يَفْضُلُ عَنْ الْوَلَدِ ، ضَمِنَهُ ؛ لِأَنَّهُ تَعَدَّى بِأَخْذِهِ .\rوَإِنْ كَانَ صُوفُهَا يَضُرُّ بِهَا بَقَاؤُهُ ، جَزَّهُ وَتَصَدَّقَ بِهِ عَلَى الْفُقَرَاءِ .\rوَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّبَنِ ، أَنَّ الصُّوفَ كَانَ مَوْجُودًا حَالَ إيجَابِهَا ، فَكَانَ وَاجِبًا مَعَهَا ، وَاللَّبَنَ مُتَجَدِّدٌ فِيهَا شَيْئًا فَشَيْئًا ، فَهُوَ كَنَفْعِهَا وَرُكُوبِهَا .\r( 2717 ) فَصْلٌ وَلَهُ رُكُوبُهُ عِنْدَ الْحَاجَةِ ، عَلَى وَجْهٍ لَا يَضُرُّ بِهِ .\rقَالَ : أَحْمَدُ : لَا يَرْكَبُهُ إلَّا عِنْدَ الضَّرُورَةِ .\rوَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ ؛ { لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ارْكَبْهَا بِالْمَعْرُوفِ إذَا أُلْجِئْت إلَيْهَا ، حَتَّى تَجِدَ ظَهْرًا } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَلِأَنَّهُ تَعَلَّقَ بِهَا حَقُّ الْمَسَاكِينِ ، فَلَمْ يَجُزْ رُكُوبُهَا مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ ، كَمِلْكِهِمْ .\rفَأَمَّا مَعَ عَدَمِ الْحَاجَةِ ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، لَا يَجُوزُ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا .\rوَالثَّانِيَةُ ، يَجُوزُ ؛ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ، وَأَنَسٌ ، { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى رَجُلًا يَسُوقُ بَدَنَةً ، فَقَالَ : ارْكَبْهَا .\rفَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنَّهَا بَدَنَةٌ .\rفَقَالَ : ارْكَبْهَا ، وَيْلَك .\rفِي الثَّانِيَةِ أَوْ فِي الثَّالِثَةِ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .","part":7,"page":385},{"id":3385,"text":"( 2718 ) فَصْلٌ : وَلَا يَبْرَأُ مِنْ الْهَدْيِ إلَّا بِذَبْحِهِ أَوْ نَحْرِهِ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحَرَ هَدْيَهُ .\rفَإِنْ نَحَرَهُ بِنَفْسِهِ ، أَوْ وَكَّلَ مَنْ نَحَرَهُ ، أَوْ نَحَرَهُ إنْسَانٌ بِغَيْرِ إذْنِهِ فِي وَقْتِهِ ، أَجْزَأَ عَنْهُ .\rوَإِنْ دَفَعَهُ إلَى الْفُقَرَاءِ سَلِيمًا فَنَحَرُوهُ ، أَجْزَأَ عَنْهُ ؛ لِأَنَّهُ حَصَلَ الْمَقْصُودُ بِفِعْلِهِمْ ، فَأَجْزَأَهُ ، كَمَا لَوْ ذَبَحَهُ غَيْرُهُمْ ، وَإِنْ لَمْ يَنْحَرُوهُ ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَسْتَرِدَّهُ مِنْهُمْ وَيَنْحَرَهُ ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ أَوْ لَمْ يَقْدِرْ ، فَعَلَيْهِ ضَمَانُهُ ؛ لِأَنَّهُ فَوَّتَهُ بِتَفْرِيطِهِ فِي دَفْعِهِ إلَيْهِمْ سَلِيمًا .","part":7,"page":386},{"id":3386,"text":"( 2719 ) فَصْلٌ : وَيُسْتَحَبُّ لِلْمُهْدِي أَنْ يَتَوَلَّى نَحْرَ الْهَدْيِ بِنَفْسِهِ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحَرَ هَدْيَهُ بِيَدِهِ ، وَرُوِيَ عَنْ غُرْفَةَ بْنِ الْحَارِثِ الْكِنْدِيِّ ، قَالَ : { شَهِدْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ، وَأُتِيَ بِالْبُدْنِ ، فَقَالَ : اُدْعُ لِي أَبَا الْحَسَنِ .\rفَدُعِيَ لَهُ عَلِيٌّ ، فَقَالَ لَهُ : خُذْ بِأَسْفَلِ الْحَرْبَةِ .\rوَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَعْلَاهَا ، ثُمَّ طَعَنَا بِهَا الْبُدْنَ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَإِنَّمَا فَعَلَا ذَلِكَ لِأَنَّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَشْرَكَ عَلِيًّا فِي بُدْنِهِ .\rوَقَالَ جَابِرٌ : { نَحَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ بَدَنَةً بِيَدِهِ ، ثُمَّ أَعْطَى عَلِيًّا فَنَحَرَ مَا غَبَّرَ } .\rوَرُوِيَ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحَرَ خَمْسَ بَدَنَاتٍ ، ثُمَّ قَالَ : مَنْ شَاءَ اقْتَطَعَ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rفَإِنْ لَمْ يَذْبَحْ بِيَدِهِ ، فَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَشْهَدَ ذَبْحَهَا ؛ لِمَا رُوِيَ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِفَاطِمَةَ : اُحْضُرِي أُضْحِيَّتَكِ يُغْفَرْ لَك بِأَوَّلِ قَطْرَةٍ مِنْ دَمِهَا } .\rوَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَوَلَّى تَفْرِيقَ اللَّحْمِ بِنَفْسِهِ ؛ لِأَنَّهُ أَحْوَطُ وَأَقَلُّ لِلضَّرَرِ عَلَى الْمَسَاكِينِ ، وَإِنْ خَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَسَاكِينِ جَازَ ؛ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { مَنْ شَاءَ اقْتَطَعَ .\r}","part":7,"page":387},{"id":3387,"text":"( 2720 ) فَصْلٌ : وَيُبَاحُ لِلْفُقَرَاءِ الْأَخْذُ مِنْ الْهَدْيِ إذَا لَمْ يَدْفَعْهُ إلَيْهِمْ بِأَحَدِ شَيْئَيْنِ ؛ أَحَدِهِمَا ، الْإِذْنُ فِيهِ لَفْظًا ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ شَاءَ اقْتَطَعَ } .\rوَالثَّانِي ، دَلَالَةٌ عَلَى الْإِذْنِ ، كَالتَّخْلِيَةِ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ : لَا يُبَاحُ إلَّا بِاللَّفْظِ .\rوَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِسَائِقِ الْبُدْنِ : { اُصْبُغْ نَعْلَهَا فِي دَمِهَا ، وَاضْرِبْ بِهِ صَفْحَتَهَا } .\rدَلِيلٌ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ وَشِبْهَهُ كَافٍ مِنْ غَيْرِ لَفْظٍ ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ هَذَا مُفِيدًا .","part":7,"page":388},{"id":3388,"text":"( 2721 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَلَا يَأْكُلُ مِنْ كُلِّ وَاجِبٍ إلَّا مِنْ هَدْيِ التَّمَتُّعِ ) الْمَذْهَبُ أَنَّهُ يَأْكُلُ مِنْ هَدْيِ التَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ دُونَ مَا سِوَاهُمَا .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .\rوَلَعَلَّ الْخِرَقِيِّ تَرَكَ ذِكْرَ الْقِرَانِ ؛ لِأَنَّهُ مُتْعَةٌ ، وَاكْتَفَى بِذِكْرِ الْمُتْعَةِ لِأَنَّهُمَا سَوَاءٌ فِي الْمَعْنَى ، فَإِنَّ سَبَبَهُمَا غَيْرُ مَحْظُورٍ ، فَأَشْبَهَا هَدْيَ التَّطَوُّعِ .\rوَهَذَا قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّهُ لَا يَأْكُلُ مِنْ الْمَنْذُورِ وَجَزَاءِ الصَّيْدِ ، وَيَأْكُلُ مِمَّا سِوَاهُمَا .\rوَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ ، وَعَطَاءٍ ، وَالْحَسَنِ ، وَإِسْحَاقَ ؛ لِأَنَّ جَزَاءَ الصَّيْدِ بَدَلٌ ، وَالنَّذْرُ جَعَلَهُ لِلَّهِ تَعَالَى بِخِلَافِ غَيْرِهِمَا .\rوَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى : لَا يَأْكُلُ أَيْضًا مِنْ الْكَفَّارَةِ ، وَيَأْكُلُ مِمَّا سِوَى هَذِهِ الثَّلَاثَةِ .\rوَنَحْوُهُ مَذْهَبُ مَالِكٍ ؛ لِأَنَّ مَا سِوَى ذَلِكَ لَمْ يُسَمِّهِ لِلْمَسَاكِينِ ، وَلَا مَدْخَلَ لِلْإِطْعَامِ فِيهِ ، فَأَشْبَهَ التَّطَوُّعَ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يَأْكُلُ مِنْ وَاجِبٍ ؛ لِأَنَّهُ هَدْيٌ وَجَبَ بِالْإِحْرَامِ ، فَلَمْ يَجُزْ الْأَكْلُ مِنْهُ ، كَدَمِ الْكَفَّارَةِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَمَتَّعْنَ مَعَهُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَأَدْخَلَتْ عَائِشَةُ الْحَجَّ عَلَى الْعُمْرَةِ ، فَصَارَتْ قَارِنَةً ، ثُمَّ ذَبَحَ عَنْهُنَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْبَقَرَةَ ، فَأَكَلْنَ مِنْ لُحُومِهَا .\rقَالَ أَحْمَدُ قَدْ أَكَلَ مِنْ الْبَقَرَةِ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ خَاصَّةً .\rوَقَالَتْ عَائِشَةُ : إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ ، إذَا طَافَ بِالْبَيْتِ ، أَنْ يَحِلَّ ، فَدَخَلَ عَلَيْنَا يَوْمَ النَّحْرِ بِلَحْمِ بَقَرٍ ، فَقُلْت : مَا هَذَا ؟ فَقِيلَ : ذَبَحَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَزْوَاجِهِ .\rوَرَوَى أَبُو دَاوُد ، وَابْنُ مَاجَهْ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ","part":7,"page":389},{"id":3389,"text":"ذَبَحَ عَنْ آلِ مُحَمَّدٍ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ بَقَرَةً .\r} وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ { : تَمَتَّعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ ، فَسَاقَ الْهَدْيَ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَقَدْ ثَبَتَ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ مِنْ كُلِّ بَدَنَةٍ بِبِضْعَةٍ ، فَجُعِلَتْ فِي قِدْرٍ ، فَأَكَلَ هُوَ وَعَلِيٌّ مِنْ لَحْمِهَا ، وَشَرِبَا مِنْ مَرَقِهَا } .\rرَوَاهُ مُسْلِمٌ وَلِأَنَّهُمَا دَمَا نُسُكٍ ، فَأَشْبَهَا التَّطَوُّعَ ، وَلَا يُؤْكَلُ مِنْ غَيْرِهِمَا ؛ لِأَنَّهُ يَجِبُ بِفِعْلٍ مَحْظُورٍ ، فَأَشْبَهَ جَزَاءَ الصَّيْدِ .\r( 2722 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا هَدْيُ التَّطَوُّعِ ، وَهُوَ مَا أَوْجَبَهُ بِالتَّعْيِينِ ابْتِدَاءً ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ عَنْ وَاجِبٍ فِي ذِمَّتِهِ ، وَمَا نَحَرَهُ تَطَوُّعًا مِنْ غَيْرِ أَنْ يُوجِبَهُ ، فَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : ( فَكُلُوا مِنْهَا ) .\rوَأَقَلُّ أَحْوَالِ الْأَمْرِ الِاسْتِحْبَابُ .\rوَلِأَنَّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَكَلَ مِنْ بُدْنِهِ .\rوَقَالَ جَابِرٌ { كُنَّا لَا نَأْكُلُ مِنْ بُدْنِنَا فَوْقَ ثَلَاثٍ فَرَخَّصَ لَنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : كُلُوا وَتَزَوَّدُوا .\rفَأَكَلْنَا وَتَزَوَّدْنَا } .\rرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ .\rوَإِنْ لَمْ يَأْكُلْ فَلَا بَأْسَ ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا نَحَرَ الْبَدَنَاتِ الْخَمْسَ .\rقَالَ : { مَنْ شَاءَ اقْتَطَعَ } .\rوَلَمْ يَأْكُلْ مِنْهُنَّ شَيْئًا .\rوَالْمُسْتَحَبُّ ، أَنْ يَأْكُلَ الْيَسِيرَ مِنْهَا ، كَمَا فَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَهُ الْأَكْلُ كَثِيرًا وَالتَّزَوُّدُ ، كَمَا جَاءَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ .\rوَتُجْزِئُهُ الصَّدَقَةُ بِالْيَسِيرِ مِنْهَا ، كَمَا فِي الْأُضْحِيَّةِ ، فَإِنْ أَكَلَهَا ضَمِنَ الْمَشْرُوعَ لِلصَّدَقَةِ مِنْهَا ، كَمَا فِي الْأُضْحِيَّةِ .\r( 2723 ) فَصْلٌ : وَإِنْ أَكَلَ مِنْهَا مَا مُنِعَ مِنْ أَكْلِهِ ، ضَمِنَهُ بِمِثْلِهِ لَحْمًا ؛ لِأَنَّ الْجَمِيعَ مَضْمُونٌ عَلَيْهِ بِمِثْلِهِ حَيَوَانًا ، فَكَذَلِكَ أَبْعَاضُهُ .","part":7,"page":390},{"id":3390,"text":"وَكَذَلِكَ إنْ أَعْطَى الْجَازِرَ مِنْهَا شَيْئًا ضَمِنَهُ بِمِثْلِهِ .\rوَإِنْ أَطْعَمَ غَنِيًّا مِنْهَا ، عَلَى سَبِيلِ الْهَدِيَّةِ ، جَازَ ، كَمَا يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ فِي الْأُضْحِيَّةِ ؛ لِأَنَّ مَا مَلَكَ أَكْلَهُ مَلَكَ هَدِيَّتَهُ .\rوَإِنْ بَاعَ شَيْئًا مِنْهَا ، أَوْ أَتْلَفَهُ ، ضَمِنَهُ بِمِثْلِهِ ؛ لِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْ ذَلِكَ ، فَأَشْبَهَ عَطِيَّتَهُ لِلْجَازِرِ .\rوَإِنْ أَتْلَفَ أَجْنَبِيٌّ مِنْهُ شَيْئًا ، ضَمِنَهُ بِقِيمَتِهِ ؛ لِأَنَّ الْمُتْلَفَ مِنْ غَيْرِ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ ، فَلَزِمَتْهُ قِيمَتُهُ ، كَمَا لَوْ أَتْلَفَ لَحْمًا لِآدَمِيٍّ مُعَيَّنٍ .","part":7,"page":391},{"id":3391,"text":"( 2724 ) فَصْلٌ : وَالْهَدْيُ الْوَاجِبُ بِغَيْرِ النَّذْرِ يَنْقَسِمُ قِسْمَيْنِ ؛ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ ، وَمَقِيسٌ عَلَى الْمَنْصُوصِ .\rفَأَمَّا الْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ فَأَرْبَعَةٌ ، اثْنَانِ عَلَى التَّرْتِيبِ ، وَالْوَاجِبُ فِيهِمَا مَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ ، وَأَقَلُّهُ شَاةٌ ، أَوْ سُبْعُ بَدَنَةٍ ، أَحَدُهُمَا دَمُ الْمُتْعَةِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إذَا رَجَعْتُمْ } .\rوَالثَّانِي ، دَمُ الْإِحْصَارِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى { فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ } .\rوَهُوَ عَلَى التَّرْتِيبِ أَيْضًا ، إنْ لَمْ يَجِدْهُ انْتَقَلَ إلَى صِيَامِ عَشَرَةِ أَيَّامٍ .\rوَإِنَّمَا وَجَبَ تَرْتِيبُهُ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِهِ مُعَيَّنًا مِنْ غَيْرِ تَخْيِيرٍ ، فَاقْتَضَى تَعْيِينُهُ الْوُجُوبَ ، وَأَنْ لَا يَنْتَقِلَ عَنْهُ إلَّا عِنْدَ الْعَجْزِ ، كَسَائِرِ الْوَاجِبَاتِ الْمُعَيَّنَةِ ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْهُ ، انْتَقَلَ إلَى صِيَامِ عَشَرَةِ أَيَّامٍ بِالْقِيَاسِ عَلَى دَمِ الْمُتْعَةِ ، إلَّا أَنَّهُ لَا يَحِلُّ حَتَّى يَصُومَهَا .\rوَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ مَالِكٌ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ لَا بَدَلَ لَهُ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُذْكَرْ فِي الْقُرْآنِ .\rوَهَذَا لَا يَلْزَمُ ، فَإِنَّ عَدَمَ ذِكْرِهِ لَا يَمْنَعُ قِيَاسَهُ عَلَى نَظِيرِهِ .\rوَاثْنَانِ مُخَيَّرَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، فِدْيَةُ الْأَذَى ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ } .\rالثَّانِي ، جَزَاءُ الصَّيْدِ ، وَهُوَ عَلَى التَّخْيِيرِ أَيْضًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا } .\rالْقِسْمُ الثَّانِي ، مَا لَيْسَ بِمَنْصُوصٍ عَلَيْهِ ، فَيُقَاسُ عَلَى أَشْبَهِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ بِهِ ، فَهَدْيُ الْمُتْعَةِ وَجَبَ لِلتَّرَفُّهِ بِتَرْكِ أَحَدِ","part":7,"page":392},{"id":3392,"text":"السَّفَرَيْنِ ، وَقَضَائِهِ النُّسُكَيْنِ فِي سَفَرٍ وَاحِدٍ ، وَيُقَاسُ عَلَيْهِ أَيْضًا دَمُ الْفَوَاتِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ مِثْلُ دَمِ الْمُتْعَةِ .\rوَبَدَلُهُ مِثْلُ بَدَلِهِ ، وَهُوَ صِيَامُ عَشَرَةِ أَيَّامٍ ، إلَّا أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ ثَلَاثَةً قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ ، لِأَنَّ الْفَوَاتَ إنَّمَا يَكُونُ بِفَوَاتِ لَيْلَةِ النَّحْرِ ، لِأَنَّهُ تَرَكَ بَعْضَ مَا اقْتَضَاهُ إحْرَامُهُ ، فَصَارَ كَالتَّارِكِ لِأَحَدِ السَّفَرَيْنِ .\rفَإِنْ قِيلَ : فَهَلَّا أَلْحَقْتُمُوهُ بِهَدْيِ الْإِحْصَارِ ، فَإِنَّهُ أَشْبَهُ بِهِ ، إذْ هُوَ حَلَالٌ مِنْ إحْرَامِهِ قَبْلَ إتْمَامِهِ ؟ قُلْنَا : أَمَّا الْهَدْيُ فَهُمَا فِيهِ سَوَاءٌ ، وَأَمَّا الْبَدَلُ فَإِنَّ الْإِحْصَارَ لَيْسَ بِمَنْصُوصٍ عَلَى الْبَدَلِ فِيهِ ، وَإِنَّمَا يَثْبُتُ قِيَاسًا ، فَقِيَاسُ هَذَا عَلَى الْأَصْلِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ أَوْلَى مِنْ قِيَاسِهِ عَلَى فَرْعِهِ ، عَلَى أَنَّ الصِّيَامَ هَاهُنَا مِثْلُ الصِّيَامِ عَنْ دَمِ الْإِحْصَارِ ، وَهُوَ عَشْرَةُ أَيَّامٍ أَيْضًا ، إلَّا أَنَّ صِيَامَ الْإِحْصَارِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ قَبْلَ حِلِّهِ ، وَهَذَا يَجُوزُ فِعْلُهُ قَبْلَ حِلِّهِ وَبَعْدَهُ ، وَهُوَ أَيْضًا مُقَارِنٌ لِصَوْمِ الْمُتْعَةِ ؛ لِأَنَّ الثَّلَاثَةَ فِي الْمُتْعَةِ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ آخِرُهَا يَوْمَ عَرَفَةَ ، وَهَذَا يَكُونُ بَعْدَ فَوَاتِ عَرَفَةَ .\rوَالْخِرَقِيُّ إنَّمَا جَعَلَ الصَّوْمَ عَنْ هَدْيِ الْفَوَاتِ مِثْلَ الصَّوْمِ عَنْ جَزَاءِ الصَّيْدِ عَنْ كُلِّ مُدٍّ يَوْمًا .\rوَالْمَرْوِيُّ عَنْ عُمَرَ وَابْنِهِ مِثْلُ مَا ذَكَرْنَا .\rوَيُقَاسُ عَلَيْهِ أَيْضًا كُلُّ دَمٍ وَجَبَ لِتَرْكِ وَاجِبٍ ، كَدَمِ الْقِرَانِ ، وَتَرْكِ الْإِحْرَامِ مِنْ الْمِيقَاتِ ، وَالْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ إلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ ، وَالْمَبِيتِ بِمُزْدَلِفَةَ ، وَالرَّمْيِ ، وَالْمَبِيتِ لَيَالِي مِنًى بِهَا ، وَطَوَافِ الْوَدَاعِ ، فَالْوَاجِبُ فِيهِ مَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ عَشْرَةِ أَيَّامٍ .\rوَأَمَّا مَنْ أَفْسَدَ حَجَّهُ بِالْجِمَاعِ فَالْوَاجِبُ فِيهِ بَدَنَةٌ ؛ بِقَوْلِ الصَّحَابَةِ الْمُنْتَشِرِ الَّذِي لَمْ يَظْهَرْ خِلَافُهُ ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ","part":7,"page":393},{"id":3393,"text":"فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إذَا رَجَعَ ، كَصِيَامِ الْمُتْعَةِ .\rكَذَلِكَ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو .\rرَوَاهُ عَنْهُمْ الْأَثْرَمُ .\rوَلَمْ يَظْهَرْ فِي الصَّحَابَةِ خِلَافُهُمْ ، فَيَكُونُ إجْمَاعًا ، فَيَكُونُ بَدَلُهُ مَقِيسًا عَلَى بَدَلِ دَمِ الْمُتْعَةِ .\rوَقَالَ أَصْحَابُنَا : يُقَوِّمُ الْبَدَنَةَ بِدَرَاهِمَ ، ثُمَّ يَشْتَرِي بِهَا طَعَامًا فَيُطْعِمُ كُلَّ مِسْكِينٍ مُدًّا ، وَيَصُومُ عَنْ كُلِّ مُدٍّ يَوْمًا ، فَتَكُونُ مُلْحَقَةً بِالْبَدَنَةِ الْوَاجِبَةِ فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ .\rوَيُقَاسُ عَلَى فِدْيَةِ الْأَذَى مَا وَجَبَ بِفِعْلٍ مَحْظُورٍ يَتَرَفَّهُ بِهِ ، كَتَقْلِيمِ الْأَظَافِرِ ، وَاللُّبْسِ ، وَالطِّيبِ .\rوَكُلُّ اسْتِمْتَاعٍ مِنْ النِّسَاءِ يُوجِبُ شَاةً كَالْوَطْءِ فِي الْعُمْرَةِ أَوْ فِي الْحَجِّ بَعْدَ رَمْيِ الْجَمْرَةِ ، فَإِنَّهُ فِي مَعْنَى فِدْيَةِ الْأَذَى مِنْ الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ ، فَيُقَاسُ عَلَيْهِ ، وَيُلْحَقُ بِهِ ، فَقَدْ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ لِامْرَأَةٍ وَقَعَ عَلَيْهَا زَوْجُهَا قَبْلَ أَنْ تُقَصِّرَ : عَلَيْك فِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ رَوَاهُ الْأَثْرَمُ .","part":7,"page":394},{"id":3394,"text":"( 2725 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَكُلُّ هَدْيٍ أَوْ إطْعَامٍ فَهُوَ لِمَسَاكِينِ الْحَرَمِ ، إنْ قَدَرَ عَلَى إيصَالِهِ إلَيْهِمْ ، إلَّا مَنْ أَصَابَهُ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ ، فَيُفَرِّقُهُ عَلَى الْمَسَاكِينِ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي حَلَقَ فِيهِ ) أَمَّا فِدْيَةُ الْأَذَى ، فَتَجُوزُ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي حَلَقَ فِيهِ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا تَجُوزُ إلَّا فِي الْحَرَمِ ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { ثُمَّ مَحِلُّهَا إلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ } .\rوَلَنَا { ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ كَعْبَ بْنَ عُجْرَةَ بِالْفِدْيَةِ بِالْحُدَيْبِيَةِ ، وَلَمْ يَأْمُرْ بِبَعْثِهِ إلَى الْحَرَمِ } .\rوَرَوَى الْأَثْرَمُ وَإِسْحَاقُ وَالْجُوزَجَانِيُّ ، فِي \" كِتَابَيْهِمَا \" عَنْ أَبِي أَسْمَاءَ مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ ، قَالَ : كُنْت مَعَ عُثْمَانَ ، وَعَلِيٍّ ، وَحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، حُجَّاجًا ، فَاشْتَكَى حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ بِالسُّقْيَا ، فَأَوْمَأَ بِيَدِهِ إلَى رَأْسِهِ ، فَحَلَقَهُ عَلِيٌّ ، وَنَحَرَ عَنْهُ جَزُورًا بِالسُّقْيَا .\rهَذَا لَفْظُ رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ .\rوَلَمْ يُعْرَفْ لَهُمْ مُخَالِفٌ .\rوَالْآيَةُ وَرَدَتْ فِي الْهَدْيِ ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ اخْتِصَاصُ ذَلِكَ بِفِدْيَةِ الشَّعْرِ ، وَمَا عَدَاهُ مِنْ الدِّمَاءِ فَبِمَكَّةَ .\rوَقَالَ الْقَاضِي ، فِي الدِّمَاءِ الْوَاجِبَةِ بِفِعْلِ مَحْظُورٍ ، كَاللِّبَاسِ وَالطِّيبِ : هِيَ كَدَمِ الْحَلْقِ .\rوَفِي الْجَمِيعِ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، يَفْدِي حَيْثُ وُجِدَ سَبَبُهُ .\rوَالثَّانِيَةُ ، مَحِلُّ الْجَمِيعِ الْحَرَمُ .\rوَأَمَّا جَزَاءُ الصَّيْدِ فَهُوَ لِمَسَاكِينِ الْحَرَمِ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، فَقَالَ : أَمَّا مَا كَانَ بِمَكَّةَ ، أَوْ كَانَ مِنْ الصَّيْدِ ، فَكُلٌّ بِمَكَّةَ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : { هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ } .\rوَمَا كَانَ مِنْ فِدْيَةِ الرَّأْسِ فَحَيْثُ حَلَقَهُ .\rوَذَكَرَ الْقَاضِي فِي قَتْلِ الصَّيْدِ رِوَايَةً أُخْرَى ، أَنَّهُ يَفْدِي حَيْثُ قَتَلَهُ .\rوَهَذَا يُخَالِفُ نَصَّ الْكِتَابِ ، وَنَصَّ الْإِمَامِ أَحْمَدَ فِي التَّفْرِقَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ","part":7,"page":395},{"id":3395,"text":"حَلْقِ الرَّأْسِ ، فَلَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ .\rوَمَا وَجَبَ لِتَرْكِ نُسُكٍ أَوْ فَوَاتٍ ، فَهُوَ لِمَسَاكِينِ الْحَرَمِ دُونَ غَيْرِهِمْ ؛ لِأَنَّهُ هَدْيٌ وَجَبَ لِتَرْكِ نُسُكٍ ، فَأَشْبَهَ هَدْيَ الْقُرْآنِ .\rوَإِنْ فَعَلَ الْمَحْظُورَ لِغَيْرِ سَبَبٍ يُبِيحُهُ ، فَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ أَنَّهُ يَخْتَصُّ ذَبْحُهُ وَتَفْرِقَةُ لَحْمِهِ بِالْحَرَمِ ، كَسَائِرِ الْهَدْيِ .","part":7,"page":396},{"id":3396,"text":"( 2726 ) فَصْلٌ : وَمَا وَجَبَ نَحْرُهُ بِالْحَرَمِ ، وَجَبَ تَفْرِقَةُ لَحْمِهِ بِهِ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ مَالِكٌ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ : إذَا ذَبَحَهَا فِي الْحَرَمِ ، جَازَ تَفْرِقَةُ لَحْمِهَا فِي الْحِلِّ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ أَحَدُ مَقْصُودَيْ النُّسُكِ ، فَلَمْ يَجُزْ فِي الْحِلِّ ، كَالذَّبْحِ ، وَلِأَنَّ الْمَعْقُولَ مِنْ ذَبْحِهِ بِالْحَرَمِ التَّوْسِعَةُ عَلَى مَسَاكِينِهِ ، وَهَذَا لَا يَحْصُلُ بِإِعْطَاءِ غَيْرِهِمْ ، وَلِأَنَّهُ نُسُكٌ يَخْتَصُّ بِالْحَرَمِ ، فَكَانَ جَمِيعُهُ مُخْتَصًّا بِهِ ، كَالطَّوَافِ ، وَسَائِرِ الْمَنَاسِكِ .\r( 2727 ) فَصْلٌ : وَالطَّعَامُ كَالْهَدْيِ ، يَخْتَصُّ بِمَسَاكِينِ الْحَرَمِ فِيمَا يَخْتَصُّ الْهَدْيُ بِهِ .\rوَقَالَ عَطَاءٌ ، وَالنَّخَعِيُّ : مَا كَانَ مِنْ هَدْيٍ فَبِمَكَّةَ ، وَمَا كَانَ مِنْ طَعَامٍ وَصِيَامٍ فَحَيْثُ شَاءَ .\rوَهَذَا يَقْتَضِيه مَذْهَبُ مَالِكٍ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ وَلَنَا ، قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ : الْهَدْيُ وَالطَّعَامُ بِمَكَّةَ ، وَالصَّوْمُ حَيْثُ شَاءَ .\rوَلِأَنَّهُ نُسُكٌ يَتَعَدَّى نَفْعُهُ إلَى الْمَسَاكِينِ فَاخْتَصَّ بِالْحَرَمِ ، كَالْهَدْيِ .","part":7,"page":397},{"id":3397,"text":"( 2728 ) فَصْلٌ : وَمَسَاكِينُ أَهْلِ الْحَرَمِ مَنْ كَانَ فِيهِ مِنْ أَهْلِهِ ، أَوْ وَارِدٍ إلَيْهِ مِنْ الْحَاجِّ وَغَيْرِهِمْ وَهُمْ الَّذِينَ يَجُوزُ دَفْعُ الزَّكَاةِ إلَيْهِمْ .\rوَلَوْ دَفَعَ إلَى مَنْ ظَاهِرُهُ الْفَقْرُ ، فَبَانَ غَنِيًّا ، خُرِّجَ فِيهِ وَجْهَانِ كَالزَّكَاةِ .\rوَلِلشَّافِعِي فِيهِ قَوْلَانِ .\rوَمَا جَازَ تَفْرِيقُهُ بِغَيْرِ الْحَرَمِ ، لَمْ يَجُزْ دَفْعُهُ إلَى فُقَرَاءِ أَهْلِ الذِّمَّةِ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ .\rوَجَوَّزَهُ أَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ كَافِرٌ ، فَلَمْ يَجُزْ الدَّفْعُ إلَيْهِ ، كَالْحَرْبِيِّ .","part":7,"page":398},{"id":3398,"text":"( 2729 ) فَصْلٌ : وَإِذَا نَذَرَ هَدْيًا وَأَطْلَقَ ، فَأَقَلُّ مَا يُجْزِئُهُ شَاةٌ ، أَوْ سُبْعُ بَدَنَةٍ أَوْ بَقَرَةٍ ؛ لِأَنَّ الْمُطْلَقَ فِي النَّذْرِ يَجِبُ حَمْلُهُ عَلَى الْمَعْهُودِ شَرْعًا ، وَالْهَدْيُ الْوَاجِبُ فِي الشَّرْعِ إنَّمَا هُوَ مِنْ النَّعَمِ ، وَأَقَلُّهُ مَا ذَكَرْنَاهُ ، فَحُمِلَ عَلَيْهِ ، وَلِهَذَا لَمَّا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْمُتْعَةِ : { فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ } .\rحُمِلَ عَلَى مَا قُلْنَا .\rفَإِنْ اخْتَارَ إخْرَاجَ بَدَنَةٍ كَامِلَةٍ ، فَهُوَ أَفْضَلُ ، وَهَلْ تَكُونُ كُلُّهَا وَاجِبَةً ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا تَكُونُ وَاجِبَةً .\rاخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ ؛ لِأَنَّهُ اخْتَارَ الْأَعْلَى لِأَدَاءِ فَرْضِهِ ، فَكَانَ كُلُّهُ وَاجِبًا ، كَمَا لَوْ اخْتَارَ الْأَعْلَى مِنْ خِصَالِ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ أَوْ كَفَّارَةِ الْوَطْءِ فِي الْحَيْضِ .\rوَالثَّانِي ، يَكُونُ سُبْعُهَا وَاجِبًا ، وَالْبَاقِي تَطَوُّعًا ، لَهُ أَكْلُهُ وَهَدِيَّتُهُ ؛ لِأَنَّ الزَّائِدَ عَلَى السُّبْعِ يَجُوزُ تَرْكُهُ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ وَلَا بَدَلٍ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ ذَبَحَ شَاتَيْنِ .\rفَإِنْ عَيَّنَ الْهَدْيَ بِشَيْءٍ ، لَزِمَهُ مَا عَيَّنَهُ ، وَأَجْزَأَهُ ، سَوَاءٌ كَانَ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ أَوْ مِنْ غَيْرِهَا ، وَسَوَاءٌ كَانَ حَيَوَانًا أَوْ غَيْرَهُ ، مِمَّا يُنْقَلُ أَوْ مِمَّا لَا يُنْقَلُ ؛ فَإِنَّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { مَنْ رَاحَ يَعْنِي إلَى الْجُمُعَةِ فِي السَّاعَةِ الرَّابِعَةِ ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ دَجَاجَةً ، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الْخَامِسَةِ ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَيْضَةً } .\rفَذَكَرَ الدَّجَاجَةَ وَالْبَيْضَةَ فِي الْهَدْيِ .\rوَعَلَيْهِ إيصَالُهُ إلَى فُقَرَاءِ الْحَرَمِ ؛ لِأَنَّهُ سَمَّاهُ هَدْيًا ، وَأَطْلَقَ ، فَيُحْمَلُ عَلَى مَحِلِّ الْهَدْيِ الْمَشْرُوعِ ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { ثُمَّ مَحِلُّهَا إلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ } .\rفَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يُنْقَلُ ، كَالْعَقَارِ ، بَاعَهُ ، وَبَعَثَ ثَمَنَهُ إلَى الْحَرَمِ ، فَيَتَصَدَّقُ بِهِ فِيهِ .\r( 2730 ) فَصْلٌ : وَإِنْ نَذَرَ هَدْيًا مُطْلَقًا أَوْ مُعَيَّنًا ، وَأَطْلَقَ مَكَانَهُ ، وَجَبَ عَلَيْهِ","part":7,"page":399},{"id":3399,"text":"إيصَالُهُ إلَى مَسَاكِينِ الْحَرَمِ .\rوَجَوَّزَ أَبُو حَنِيفَةَ ذَبْحَهُ حَيْثُ شَاءَ ، كَمَا لَوْ نَذَرَ الصَّدَقَةَ بِشَاةٍ .\rوَلَنَا ، قَوْله تَعَالَى : { ثُمَّ مَحِلُّهَا إلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ } .\rوَلِأَنَّ النَّذْرَ يُحْمَلُ عَلَى الْمَعْهُودِ شَرْعًا ، وَالْمَعْهُودُ فِي الْهَدْيِ الْوَاجِبِ بِالشَّرْعِ ، كَهَدْيِ الْمُتْعَةِ وَالْقِرَانِ وَأَشْبَاهِهِمَا ، أَنَّ ذَبْحَهَا يَكُونُ فِي الْحَرَمِ ، كَذَا هَاهُنَا .\rوَإِنْ عَيَّنَ نَذْرَهُ بِمَوْضِعٍ غَيْرِ الْحَرَمِ ، لَزِمَهُ ذَبْحُهُ بِهِ ، وَتَفْرِقَةُ لَحْمِهِ عَلَى مَسَاكِينِ الْحَرَمِ وَإِطْلَاقُهُ لِمَا رُوِيَ { أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : إنِّي نَذَرْت أَنْ أَنْحَرَ بِبُوَانَةَ .\rقَالَ : أَبِهَا صَنَمٌ ؟ قَالَ : لَا .\rقَالَ : أَوْفِ بِنَذْرِك } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَإِنْ نَذَرَ الذَّبْحَ بِمَوْضِعٍ بِهِ صَنَمٌ ، أَوْ شَيْءٌ مِنْ أَمْرِ الْكُفْرِ أَوْ الْمَعَاصِي ، كَبُيُوتِ النَّارِ ، أَوْ الْكَنَائِسِ وَالْبِيَعِ ، وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ ، لَمْ يَصِحَّ نَذْرُهُ ، بِمَفْهُومِ هَذَا الْحَدِيثِ ، وَلِأَنَّهُ نَذْرُ مَعْصِيَةٍ ، فَلَا يُوفَى بِهِ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَلَا فِيمَا لَا يَمْلِكُ ابْنُ آدَمَ } .\rوَقَوْلِهِ : { مَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللَّهَ فَلَا يَعْصِهِ } .\r( 2731 ) فَصْلٌ : وَقَوْلُ الْخِرَقِيِّ : \" إنْ قَدَرَ عَلَى إيصَالِهِ إلَيْهِمْ \" .\rيَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْعَاجِزَ عَنْ إيصَالِهِ لَا يَلْزَمُهُ إيصَالُهُ ، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُكَلِّفُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَا .\rفَإِنْ مُنِعَ النَّاذِرُ الْوُصُولَ بِنَفْسِهِ ، وَأَمْكَنَهُ تَنْفِيذُهُ ، لَزِمَهُ .\rقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ إذَا حُصِرَ عَنْ الْخُرُوجِ خُرِّجَ فِي ذَبْحِ هَذَا الْهَدْيِ الْمَنْذُورِ فِي مَوْضِعِ حَصْرِهِ رِوَايَتَانِ ، كَدِمَاءِ الْحَجِّ وَاخْتَارَ أَنَّ الصَّحِيحَ جَوَازُ ذَبْحِهِ فِي مَوْضِعِ حَصْرِهِ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحَرَ هَدْيَهُ بِالْحُدَيْبِيَةِ .\rوَالثَّانِيَةُ ، إنَّ أَمْكَنَ إرْسَالُهُ مَعَ غَيْرِهِ ، فَلَا يَجُوزُ لَهُ ذَبْحُهُ فِي","part":7,"page":400},{"id":3400,"text":"مَوْضِعِهِ ؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنَهُ إيصَالُ الْمَنْذُورِ إلَى مَحِلِّهِ ، فَلَزِمَهُ ، كَغَيْرِ الْمَحْصُورِ .","part":7,"page":401},{"id":3401,"text":"( 2732 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَأَمَّا الصِّيَامُ فَيُجْزِئُهُ بِكُلِّ مَكَان ) لَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا .\rكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَعَطَاءٌ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَغَيْرُهُمْ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الصِّيَامَ لَا يَتَعَدَّى نَفْعُهُ إلَى أَحَدٍ ، فَلَا مَعْنَى لِتَخْصِيصِهِ بِمَكَانٍ ، بِخِلَافِ الْهَدْيِ وَالْإِطْعَامِ ، فَإِنَّ نَفْعَهُ يَتَعَدَّى إلَى مَنْ يُعْطَاهُ .","part":7,"page":402},{"id":3402,"text":"( 2733 ) فَصْلٌ : وَيُسَنُّ تَقْلِيدُ الْهَدْيِ ، وَهُوَ أَنْ يَجْعَلَ فِي أَعْنَاقِهَا النِّعَالَ ، وَآذَانَ الْقِرَبِ ، وَعُرَاهَا ، أَوْ عَلَاقَةَ إدَاوَةٍ .\rوَسَوَاءٌ كَانَتْ إبِلًا ، أَوْ بَقَرًا ، أَوْ غَنَمًا .\rوَقَالَ مَالِكٌ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ : لَا يُسَنُّ تَقْلِيدُ الْغَنَمِ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ سُنَّةً لَنُقِلَ كَمَا نُقِلَ فِي الْإِبِلِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ : { كُنْت أَفْتِلُ الْقَلَائِدَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيُقَلِّدَ الْغَنَمَ ، وَيُقِيمُ فِي أَهْلِهِ حَلَالًا .\r} وَفِي لَفْظٍ : { كُنْت أَفْتِلُ قَلَائِدَ الْغَنَمِ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\r} رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ .\rوَلِأَنَّهُ هَدْيٌ ، فَيُسَنُّ تَقْلِيدُهُ كَالْإِبِلِ ، وَلِأَنَّهُ إذَا سُنَّ تَقْلِيدُ الْإِبِلِ مَعَ إمْكَانِ تَعْرِيفِهَا بِالْأَشْعَارِ ، فَالْغَنَمُ ، أَوْلَى ، وَلَيْسَ التَّسَاوِي فِي النَّقْلِ شَرْطًا لِصِحَّةِ الْحَدِيثِ ، وَلِأَنَّهُ كَانَ يُهْدِي الْإِبِلَ أَكْثَرِ ، فَكَثُرَ نَقْلُهُ .","part":7,"page":403},{"id":3403,"text":"( 2734 ) فَصْلٌ : وَيُسَنُّ إشْعَارُ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ ، وَهُوَ أَنْ يَشُقَّ صَفْحَةَ سَنَامِهَا الْأَيْمَنِ حَتَّى يُدْمِيَهَا ، فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : هَذَا مُثْلَةٌ غَيْرُ جَائِزٍ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ تَعْذِيبِ الْحَيَوَانِ ، وَلِأَنَّهُ إيلَامٌ ، فَهُوَ كَقَطْعِ عُضْوٍ مِنْهُ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : إنْ كَانَتْ الْبَقَرَةُ ذَاتَ سَنَامٍ ، فَلَا بَأْسَ بِإِشْعَارِهَا ، وَإِلَّا فَلَا .\rوَلَنَا ، مَا رَوَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ : { فَتَلْتُ قَلَائِدَ هَدْيِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ أَشْعَرَهَا وَقَلَّدَهَا } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rرَوَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَغَيْرُهُ ، وَفَعَلَهُ الصَّحَابَةُ ، فَيَجِبُ تَقْدِيمُهُ عَلَى عُمُومِ مَا احْتَجُّوا بِهِ ، وَلِأَنَّهُ إيلَامٌ لِغَرَضِ صَحِيحٍ فَجَازَ ، كَالْكَيِّ ، وَالْوَسْمِ ، وَالْفَصْدِ ، وَالْحِجَامَةِ .\rوَالْغَرَضُ أَنْ لَا تَخْتَلِطَ بِغَيْرِهَا ، وَأَنْ يَتَوَقَّاهَا اللِّصُّ ، وَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ بِالتَّقْلِيدِ ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَنْحَلَ وَيَذْهَبَ .\rوَقِيَاسُهُمْ مُنْتَقِضٌ بِالْكَيِّ وَالْوَسْمِ .\rوَتُشْعَرُ الْبَقَرَةُ ؛ لِأَنَّهَا مِنْ الْبُدْنِ ، فَتُشْعَرُ كَذَاتِ السَّنَامِ .\rوَأَمَّا الْغَنَمُ فَلَا يُسَنُّ إشْعَارُهَا ؛ لِأَنَّهَا ضَعِيفَةٌ ، وَصُوفُهَا وَشَعْرُهَا يَسْتُرُ مَوْضِعَ إشْعَارِهَا .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا فَالسُّنَّةُ الْإِشْعَارُ فِي صَفْحَتِهَا الْيُمْنَى .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ .\rوَقَالَ مَالِكٌ ، وَأَبُو يُوسُفَ : بَلْ تُشْعَرُ فِي صَفْحَتِهَا الْيُسْرَى .\rوَعَنْ أَحْمَدَ مِثْلُهُ ؛ لِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ فَعَلَهُ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى بِذِي الْحُلَيْفَةِ ، ثُمَّ دَعَا بِبَدَنَةِ وَأَشْعَرَهَا مِنْ صَفْحَةِ سَنَامِهَا الْأَيْمَنِ ، وَسَلَتَ الدَّمَ عَنْهَا بِيَدِهِ .\r} رَوَاهُ مُسْلِمٌ .\rوَأَمَّا ابْنُ عُمَرَ فَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ كَمَذْهَبِنَا .\rرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ثُمَّ فِعْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْلَى مِنْ قَوْلِ ابْنِ","part":7,"page":404},{"id":3404,"text":"عُمَرَ وَفِعْلِهِ بِلَا خِلَافٍ ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { كَانَ يُعْجِبُهُ التَّيَمُّنُ فِي شَأْنِهِ كُلِّهِ } .\rوَإِذَا سَاقَ الْهَدْيَ مِنْ قِبَلِ الْمِيقَاتِ ، اُسْتُحِبَّ إشْعَارُهُ وَتَقْلِيدُهُ مِنْ الْمِيقَاتِ لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ .\rوَإِنْ تَرَكَ الْإِشْعَارَ وَالتَّقْلِيدَ ، فَلَا بَأْسَ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ وَاجِبٍ .","part":7,"page":405},{"id":3405,"text":"( 2735 ) فَصْلٌ : وَلَا يُسَنُّ الْهَدْيُ إلَّا مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ } .\rوَأَفْضَلُهُ الْإِبِلُ ، ثُمَّ الْبَقَرُ ، ثُمَّ الْغَنَمُ ؛ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { مَنْ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ غُسْلَ الْجَنَابَةِ ، ثُمَّ رَاحَ ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً ، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةً ، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ كَبْشًا أَقْرَنَ ، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الرَّابِعَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ دَجَاجَةً وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الْخَامِسَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَيْضَةً } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ لِامْرَأَةٍ أَصَابَهَا زَوْجُهَا فِي الْعُمْرَةِ : عَلَيْك فِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ ، أَوْ صَدَقَةٍ ، أَوْ نُسُكٍ .\rقَالَتْ : أَيُّ النُّسُكِ أَفْضَلُ ؟ قَالَ : إنْ شِئْت فَنَاقَةٌ ، وَإِنْ شِئْت فَبَقَرَةٌ .\rقَالَتْ : أَيُّ ذَلِكَ أَفْضَلُ ؟ قَالَ : انْحَرِي نَاقَةً .\rرَوَاهُ الْأَثْرَمُ .\rوَلِأَنَّ مَا كَانَ أَكْثَرَ لَحْمًا كَانَ أَنْفَعَ لِلْفُقَرَاءِ ، وَلِذَلِكَ أَجْزَأَتْ الْبَدَنَةُ مَكَانَ سَبْعٍ مِنْ الْغَنَمِ ، وَالشَّاةُ أَفْضَلُ مِنْ سُبْعِ بَدَنَةٍ ؛ لِأَنَّ لَحْمَهَا أَطْيَبُ ، وَالضَّأْنُ أَفْضَلُ مِنْ الْمَعْزِ لِذَلِكَ .","part":7,"page":406},{"id":3406,"text":"( 2736 ) فَصْلٌ : وَالذَّكَرُ وَالْأُنْثَى فِي الْهَدْيِ سَوَاءٌ .\rوَمِمَّنْ أَجَازَ ذَكَرَانِ الْإِبِلِ ابْنُ الْمُسَيِّبِ ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَمَالِكٌ ، وَعَطَاءٌ ، وَالشَّافِعِيُّ .\rوَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ، أَنَّهُ قَالَ : مَا رَأَيْت أَحَدًا فَاعِلًا ذَلِكَ ، وَأَنْ أَنْحَرَ أُنْثَى أَحَبُّ إلَيَّ .\rوَالْأَوَّلُ أَوْلَى ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : { وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ } .\rوَلَمْ يَذْكُرْ ذَكَرًا وَلَا أُنْثَى ، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ { النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَهْدَى جَمَلًا لِأَبِي جَهْلٍ ، فِي أَنْفِهِ بُرَّةٌ مِنْ فِضَّةٍ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَابْنُ مَاجَهْ .\rوَلِأَنَّهُ يَجُوزُ مِنْ سَائِرِ أَنْوَاعِ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ ، وَلِذَلِكَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : \" فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ كَبْشًا أَقْرَنَ \" .\rفَكَذَلِكَ مِنْ الْإِبِلِ ، وَلِأَنَّ الْقَصْدَ اللَّحْمُ ، وَلَحْمُ الذَّكَرِ أَوْفَرُ ، وَلَحْمُ الْأُنْثَى أَرْطَبُ ، فَيَتَسَاوَيَانِ .\rقَالَ أَحْمَدُ : الْخَصِيُّ أَحَبُّ إلَيْنَا مِنْ النَّعْجَةِ .\rوَذَلِكَ لِأَنَّ لَحْمَهُ أَوْفَرُ وَأَطْيَبُ .","part":7,"page":407},{"id":3407,"text":"( 2737 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَمَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ بَدَنَةٌ ، فَذَبَحَ سَبْعًا مِنْ الْغَنَمِ ، أَجْزَأَهُ ) وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّ سَبْعًا مِنْ الْغَنَمِ يُجْزِئُ عَنْ الْبَدَنَةِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهَا .\rسَوَاءٌ كَانَتْ الْبَدَنَةُ وَاجِبَةً بِنَذْرٍ ، أَوْ جَزَاءِ صَيْدٍ ، أَوْ كَفَّارَةِ وَطْءٍ .\rوَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ : إنَّمَا يُجْزِئُ ذَلِكَ عَنْهَا عِنْدَ عَدَمِهَا ، فِي ظَاهِرِ كَلَامِ أَحْمَدَ لِأَنَّ ذَلِكَ بَدَلٌ عَنْهَا ، فَلَا يُصَارُ إلَيْهِ مَعَ وُجُودِهَا ، كَسَائِرِ الْأَبْدَالِ .\rفَأَمَّا مَعَ عَدَمِهَا فَيَجُوزُ ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ ، قَالَ : { أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ ، فَقَالَ : إنَّ عَلَيَّ بَدَنَةً ، وَأَنَا مُوسِرٌ لَهَا ، وَلَا أَجِدُهَا فَأَشْتَرِيَهَا فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَبْتَاعَ سَبْعَ شِيَاهٍ فَيَذْبَحَهُنَّ .\r} رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الشَّاةَ مَعْدُولَةٌ بِسُبْعِ بَدَنَةٍ ، وَهِيَ أَطْيَبُ لَحْمًا ، فَإِذَا عَدَلَ عَنْ الْأَدْنَى إلَى الْأَعْلَى جَازَ ، كَمَا لَوْ ذَبَحَ بَدَنَةً مَكَانَ شَاةٍ .\r( 2738 ) فَصْلٌ : وَمِنْ وَجَبَ عَلَيْهِ سَبْعٌ مِنْ الْغَنَمِ فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ ، لَمْ يُجْزِئْهُ بَدَنَةٌ فِي الظَّاهِرِ ؛ لِأَنَّ سَبْعًا مِنْ الْغَنَمِ أَطْيَبُ لَحْمًا ، فَلَا يَعْدِلُ عَنْ الْأَعْلَى إلَى الْأَدْنَى ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ فِي كَفَّارَةِ مَحْظُورٍ ، أَجْزَأَهُ بَدَنَةٌ ؛ لِأَنَّ الدَّمَ الْوَاجِبَ فِيهِ مَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ ، وَهُوَ شَاةٌ ، أَوْ سُبْعُ بَدَنَةٍ ، وَقَدْ كَانَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَمَتَّعُونَ ، فَيَذْبَحُونَ الْبَقَرَةَ عَنْ سَبْعَةٍ ، قَالَ جَابِرٌ : { كُنَّا نَتَمَتَّعُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَذْبَحُ الْبَقَرَةَ عَنْ سَبْعَةٍ ، نَشْتَرِكُ فِيهَا } .\rوَفِي لَفْظٍ { أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ نَشْتَرِكَ فِي الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ ، كُلُّ سَبْعَةٍ مِنَّا فِي بَدَنَةٍ } رَوَاهُ مُسْلِمٌ .\r( 2739 ) فَصْلٌ : وَمَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ بَقَرَةٌ ، أَجْزَأَتْهُ بَدَنَةٌ : لِأَنَّهَا","part":7,"page":408},{"id":3408,"text":"أَكْثَرُ لَحْمًا وَأَوْفَرُ .\rوَيُجْزِئُهُ سَبْعٌ مِنْ الْغَنَمِ ؛ لِأَنَّهَا تُجْزِئُ عَنْ الْبَدَنَةِ ، فَعَنْ الْبَقَرَةِ أَوْلَى .\rوَمِنْ لَزِمَهُ بَدَنَةٌ ، فِي غَيْرِ النَّذْرِ وَجَزَاءِ الصَّيْدِ ، أَجْزَأَتْهُ بَقَرَةٌ ؛ لِمَا رَوَى أَبُو الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرٍ ، قَالَ : كُنَّا نَنْحَرُ الْبَدَنَةَ عَنْ سَبْعَةٍ .\rفَقِيلَ لَهُ : وَالْبَقَرَةُ ؟ فَقَالَ : وَهَلْ هِيَ إلَّا مِنْ الْبُدْنِ ، فَأَمَّا فِي النَّذْرِ فَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ : يَلْزَمُهُ مَا نَوَاهُ : فَإِنْ أَطَلَقَ فَعَنْهُ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، تُجْزِئُهُ الْبَقَرَةُ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْخَبَرِ .\rوَالْأُخْرَى ، لَا تُجْزِئُهُ إلَّا أَنْ يَعْدَمَ الْبَدَنَةَ .\rوَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهَا بَدَلٌ ، فَاشْتُرِطَ عَدَمُ الْمُبْدَلِ .\rوَالْأُولَى أَوْلَى ؛ لِلْخَبَرِ ، وَلِأَنَّ مَا أَجْزَأَ عَنْ سَبْعَةٍ فِي الْهَدَايَا وَدَمِ الْمُتْعَةِ ، أَجْزَأَ فِي النَّذْرِ بِلَفْظِ الْبَدَنَةِ ، كَالْجَزُورِ .","part":7,"page":409},{"id":3409,"text":"( 2740 ) فَصْلٌ : وَيَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِكَ السَّبْعَةُ فِي الْبَدَنَةِ وَالْبَقَرَةِ ، سَوَاءٌ كَانَ وَاجِبًا أَوْ تَطَوُّعًا ، وَسَوَاءٌ أَرَادَ جَمِيعُهُمْ الْقُرْبَةَ ، أَوْ بَعْضُهُمْ ، وَأَرَادَ الْبَاقُونَ اللَّحْمَ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : لَا يَجُوزُ الِاشْتِرَاكُ فِي الْهَدْيِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَجُوزُ إذَا كَانُوا مُتَفَرِّقِينَ كُلُّهُمْ ، وَلَا يَجُوزُ إذَا لَمْ يُرِدْ بَعْضُهُمْ الْقُرْبَةَ .\rوَحَدِيثُ جَابِرٍ يَرُدُّ قَوْلَ مَالِكٍ .\rوَلَنَا عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ ، أَنَّ الْجُزْءَ الْمُجْزِيَ لَا يَنْقُصُ بِإِرَادَةِ الشَّرِيكِ غَيْرَ الْقُرْبَةِ ، فَجَازَ ، كَمَا لَوْ اخْتَلَفَتْ جِهَاتُ الْقُرْبِ ، فَأَرَادَ بَعْضُهُمْ الْمُتْعَةَ وَالْآخَرُ الْقِرَانَ ، وَيَجُوزُ أَنْ يَقْتَسِمُوا اللَّحْمَ ؛ لِأَنَّ الْقِسْمَةَ إفْرَازُ حَقٍّ ، وَلَيْسَتْ بَيْعًا .","part":7,"page":410},{"id":3410,"text":"( 2741 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَمَا لَزِمَ مِنْ الدِّمَاءِ ، فَلَا يُجْزِئُ إلَّا الْجَذَعُ مِنْ الضَّأْنِ وَالثَّنِيُّ مِنْ غَيْرِهِ ) هَذَا فِي غَيْرِ جَزَاءِ الصَّيْدِ ، فَأَمَّا جَزَاءُ الصَّيْدِ ، فَمِنْهُ جَفْرَةٌ وَعَنَاقٌ وَجَدْيٌ وَصَحِيحٌ وَمَعِيبٌ ، وَأَمَّا فِي غَيْرِهِ ، مِثْلِ هَدْيِ الْمُتْعَةِ وَغَيْرِهِ ، فَلَا يُجْزِئُ إلَّا الْجَذَعُ مِنْ الضَّأْنِ ، وَهُوَ الَّذِي لَهُ سِتَّةُ أَشْهُرٍ ، وَالثَّنِيُّ مِنْ غَيْرِهِ ، وَثَنِيُّ الْمَعْزِ مَا لَهُ سَنَةٌ ، وَثَنِيُّ الْبَقَرِ مَا لَهُ سَنَتَانِ ، وَثَنِيُّ الْإِبِلِ مَا لَهُ خَمْسُ سِنِينَ .\rوَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ ، وَاللَّيْثُ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَقَالَ ابْنُ عُمَرَ ، وَالزُّهْرِيُّ : لَا يُجْزِئُ إلَّا الثَّنِيُّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ .\rوَقَالَ عَطَاءٌ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ : يُجْزِئُ الْجَذَعُ مِنْ الْكُلِّ ، إلَّا الْمَعْزَ .\rوَلَنَا عَلَى الزُّهْرِيِّ ، مَا رُوِيَ عَنْ أُمِّ بِلَالِ بِنْتِ هِلَالٍ ، عَنْ أَبِيهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { لَا يَجُوزُ إلَّا الْجَذَعُ مِنْ الضَّأْنِ أُضْحِيَّةً } .\rوَعَنْ عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ ، قَالَ : { كُنَّا مَعَ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقَالُ لَهُ مُجَاشِعٌ ، مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ ، فَعَزَّتْ الْغَنَمُ ، فَأَمَرَ مُنَادِيًا فَنَادَى : إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ : إنَّ الْجَذَعَ يُوفِي مَا تُوفِي مِنْهُ الثَّنِيَّةُ } .\rوَعَنْ جَابِرٍ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا تَذْبَحُوا إلَّا مُسِنَّةً ، إلَّا أَنْ يَعْسُرَ عَلَيْكُمْ فَتَذْبَحُوا جَذَعًا مِنْ الضَّأْنِ } .\rرَوَاهُنَّ ابْنُ مَاجَهْ .\rوَرَوَى حَدِيثَ جَابِرٍ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد .\rوَهَذَا حُجَّةٌ عَلَى عَطَاءٍ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ .\rوَحَدِيثُ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ نِيَارٍ ، حِينَ { قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنَّ عِنْدِي عَنَاقًا جَذَعًا ، هِيَ خَيْرٌ مِنْ شَاتَيْ لَحْمٍ .\rفَقَالَ : تُجْزِئُكَ ، وَلَا تُجْزِئُ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَك } .\rأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد ، وَالنَّسَائِيُّ .","part":7,"page":411},{"id":3411,"text":"وَفِي لَفْظٍ : إنَّ عِنْدِي دَاجِنًا جَذَعَةً مِنْ الْمَعْزِ .\rقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الْهَرَوِيُّ ، قَالَ إبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ : إنَّمَا يُجْزِئُ الْجَذَعُ مِنْ الضَّأْنِ فِي الْأَضَاحِيِّ ؛ لِأَنَّهُ يَنْزُو فَيُلَقِّحُ ، فَإِذَا كَانَ مِنْ الْمَعْزِ لَمْ يُلَقِّحْ حَتَّى يَصِيرَ ثَنِيًّا .","part":7,"page":412},{"id":3412,"text":"فَصْلٌ : وَيَمْنَعُ مِنْ الْعُيُوبِ فِي الْهَدْيِ مَا يَمْنَعُ فِي الْأُضْحِيَّةِ .\rقَالَ الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ : { قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : أَرْبَعٌ لَا تَجُوزُ فِي الْأَضَاحِيِّ : الْعَوْرَاءُ الْبَيِّنُ عَوَرُهَا ، وَالْمَرِيضَةُ الْبَيِّنُ مَرَضُهَا ، وَالْعَرْجَاءُ الْبَيِّنُ ظَلْعُهَا ، وَالْكَسِيرَةُ الَّتِي لَا تَنْقَى .\rقَالَ : قُلْت : إنِّي أَكْرَهُ أَنْ يَكُونَ فِي السِّنِّ نَقْصٌ .\rقَالَ : مَا كَرِهْت فَدَعْهُ ، وَلَا تُحَرِّمْهُ عَلَى أَحَدٍ } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَالنَّسَائِيُّ .\rوَبِهَذَا قَالَ عَطَاءٌ ، قَالَ : أَمَّا الَّذِي سَمِعْنَاهُ فَالْأَرْبَعُ ، وَكُلُّ شَيْءٍ سِوَاهُنَّ جَائِزٌ .\rوَمَعْنَى قَوْلِهِ : \" الْبَيِّنُ عَوَرُهَا \" .\rأَيْ انْخَسَفَتْ عَيْنُهَا وَذَهَبَتْ ، فَإِنَّ ذَلِكَ يُنْقِصُهَا ؛ لِأَنَّ شَحْمَةَ الْعَيْنِ عُضْوٌ مُسْتَطَابٌ ، فَلَوْ كَانَ عَلَى عَيْنِهَا بَيَاضٌ وَلَمْ تَذْهَبْ الْعَيْنُ ، جَازَتْ التَّضْحِيَةُ بِهَا ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُنْقِصُهَا فِي اللَّحْمِ .\rوَالْعَرْجَاءُ الْبَيْنُ عَرَجُهَا : الَّتِي عَرَجُهَا مُتَفَاحِشٌ يَمْنَعُهَا السَّيْرَ مَعَ الْغَنَمِ ، وَمُشَارَكَتَهُنَّ فِي الْعَلَفِ ، وَيُهْزِلُهَا .\rوَاَلَّتِي لَا تَنْقَى : الَّتِي لَا مُخَّ فِيهَا لِهُزَالِهَا .\rوَالْمَرِيضَةُ : قِيلَ هِيَ الْجَرْبَاءُ ؛ لِأَنَّ الْجَرَبَ يُفْسِدُ اللَّحْمَ .\rوَظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّ كُلَّ مَرِيضَةٍ مَرَضًا يُؤَثِّرُ فِي هُزَالِهَا ، أَوْ فِي فَسَادِ لَحْمِهَا ، يَمْنَعُ التَّضْحِيَةَ بِهَا ، وَهَذَا أَوْلَى ، لِتَنَاوُلِ اللَّفْظِ لَهُ وَالْمَعْنَى .\rفَهَذِهِ الْأَرْبَعُ لَا نَعْلَمُ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ خِلَافًا فِي مَنْعِهَا .\rوَيَثْبُتُ الْحُكْمُ فِيمَا نَقْصٌ أَكْثَرُ مِنْ هَذِهِ الْعُيُوبِ بِطَرِيقِ التَّنْبِيهِ ، فَلَا تَجُوزُ الْعَمْيَاءُ ؛ لِأَنَّ الْعَمَى أَكْثَرُ مِنْ الْعَوَرِ ، وَلَا يُعْتَبَرُ مَعَ الْعَمَى انْخِسَافُ الْعَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ يُخِلُّ بِالْمَشْيِ مَعَ الْغَنَمِ ، وَالْمُشَارَكَةِ فِي الْعَلَفِ أَكْثَرَ مِنْ إخْلَالِ الْعَرَجِ .\rوَلَا يَجُوزُ مَا قُطِعَ مِنْهَا عُضْوٌ مُسْتَطَابٌ ، كَالْأَلْيَةِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ أَبْلَغُ فِي الْإِخْلَالِ","part":7,"page":413},{"id":3413,"text":"بِالْمَقْصُودِ مِنْ ذَهَابِ شَحْمَةِ الْعَيْنِ .\rفَأَمَّا الْعَضْبَاءُ ، وَهِيَ مَا ذَهَبَ نِصْفُ أُذُنِهَا أَوْ قَرْنِهَا ، فَلَا تُجْزِئُ .\rوَبِهِ قَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ فِي عَضْبَاءِ الْأُذُنِ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ : لَا تُجْزِئُ مَا ذَهَبَ ثُلُثُ أُذُنِهَا .\rوَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ .\rوَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ، وَعَمَّارٍ ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، وَالْحَسَنِ ، تُجْزِئُ الْمَكْسُورَةُ الْقَرْنِ ؛ لِأَنَّ ذَهَابَ ذَلِكَ لَا يُؤَثِّرُ فِي اللَّحْمِ ، فَأَجْزَأَتْ ، كَالْجَمَّاءِ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : إنْ كَانَ يَدْمَى ، لَمْ يَجُزْ ، وَإِلَّا جَازَ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : { نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُضَحَّى بِأَعْضَبِ الْأُذُنِ وَالْقَرْنِ } .\rرَوَاهُ النَّسَائِيّ وَابْنُ مَاجَهْ قَالَ قَتَادَةُ : فَسَأَلْت سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ ، فَقَالَ : نَعَمْ ، الْعَضَبُ النِّصْفُ فَأَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ .\rوَيُحْمَلُ قَوْلُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَمَنْ وَافَقَهُ ، عَلَى أَنَّ كَسْرَ مَا دُونَ النِّصْفِ لَا يَمْنَعُ .","part":7,"page":414},{"id":3414,"text":"( 2743 ) فَصْلٌ : وَيُجْزِئُ الْخَصِيُّ ، سَوَاءٌ كَانَ مِمَّا قُطِعَتْ خُصْيَتَاهُ أَوْ مَسْلُولًا ، وَهُوَ الَّذِي سُلَّتْ بَيْضَتَاهُ ، أَوْ مَوْجُوءًا ، وَهُوَ الَّذِي رُضَّتْ بَيْضَتَاهُ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضَحَّى بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ مَوْجُوءَيْنِ .\rوَالْمَرْضُوضُ كَالْمَقْطُوعِ .\rوَلِأَنَّ ذَلِكَ الْعُضْوَ غَيْرُ مُسْتَطَابٍ ، وَذَهَابُهُ يُؤَثِّرُ فِي سِمَنِهِ ، وَكَثْرَةِ اللَّحْمِ وَطِيبِهِ ، وَهُوَ الْمَقْصُودُ .\rوَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا .\rوَتُجْزِئُ الْجَمَّاءُ ، وَهِيَ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ لَهَا قَرْنٌ .\rوَحُكِيَ عَنْ ابْنِ حَامِدٍ أَنَّهَا لَا تُجْزِئُ ؛ لِأَنَّ عَدَمَ الْقَرْنِ أَكْثَرُ مِنْ ذَهَابِ نِصْفِهِ .\rوَالْأَوْلَى أَنَّهَا تُجْزِئُ ؛ لِأَنَّ الْقَرْنَ لَيْسَ بِمَقْصُودٍ ، وَلَا وَرَدَ النَّهْيُ عَمَّ عُدِمَ فِيهِ .\rوَتُجْزِئُ الصَّمْعَاءُ ، وَهِيَ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ لَهَا أُذُنٌ ، أَوْ خُلِقَتْ لَهَا أُذُنٌ صَغِيرَةٌ كَذَلِكَ .\rوَتُجْزِئُ الْبَتْرَاءُ ، وَهِيَ الْمَقْطُوعَةُ الذَّنَبِ كَذَلِكَ .","part":7,"page":415},{"id":3415,"text":"( 2744 ) فَصْلٌ : وَيُكْرَهُ أَنْ يُضَحِّيَ بِمَشْقُوقَةِ الْأُذُنِ ، أَوْ مَا قُطِعَ مِنْهَا شَيْءٌ ، أَوْ مَا فِيهَا عَيْبٌ مِنْ هَذِهِ الْعُيُوبِ الَّتِي لَا تَمْنَعُ الْإِجْزَاءَ ؛ لِقَوْلِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : أُمِرْنَا أَنْ نَسْتَشْرِفَ الْعَيْنَ وَالْأُذُنَ .\rوَلَا يُضَحِّي بِمُقَابَلَةٍ ، وَلَا مُدَابَرَةٍ ، وَلَا خَرْقَاءَ ، وَلَا شَرْقَاءَ قَالَ زُهَيْرٌ : قُلْت لِأَبِي إِسْحَاقَ : مَا الْمُقَابَلَةُ ؟ قَالَ : يُقْطَعُ طَرَفُ الْأُذُنِ .\rقُلْت : فَمَا الْمُدَابَرَةُ ؟ قَالَ : يُقْطَعُ مُؤْخَرُ الْأُذُنِ .\rقُلْت : فَمَا الْخَرْقَاءُ ؟ قَالَ : يُشَقُّ الْأُذُنُ .\rقُلْت : فَمَا الشَّرْقَاءُ ؟ قَالَ : يُشَقُّ أُذُنُهَا لِلسِّمَةِ .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ .\rقَالَ الْقَاضِي : الْخَرْقَاءُ الَّتِي انْثَقَبَتْ أُذُنُهَا .\rوَالشَّرْقَاءُ الَّتِي تُشَقُّ أُذُنُهَا وَتَبْقَى كَالشَّاخَّتَيْنِ .\rوَهَذَا نَهْيُ تَنْزِيهٍ .\rوَيَحْصُلُ الْإِجْزَاءُ بِهَا ، لَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا .","part":7,"page":416},{"id":3416,"text":"( 2745 ) فَصْلٌ : يُسْتَحَبُّ لِمَنْ أَتَى مَكَّةَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ ؛ لِأَنَّ الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ صَلَاةٌ ، وَالطَّوَافُ أَفْضَلُ مِنْ الصَّلَاةِ ، وَالصَّلَاةُ بَعْدَ ذَلِكَ .\rيُرْوَى عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : الطَّوَافُ لَكُمْ يَا أَهْلَ الْعِرَاقِ ، وَالصَّلَاةُ لِأَهْلِ مَكَّةَ .\rوَقَالَ عَطَاءٌ : الطَّوَافُ لِلْغُرَبَاءِ ، وَالصَّلَاةُ لِأَهْلِ الْبَلَدِ .\rقَالَ : وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ : يَزُورُ الْبَيْتَ كُلَّ يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِ مِنًى .\rوَمِنْهُمْ مَنْ يَخْتَارُ الْإِقَامَةَ بِمِنًى ؛ لِأَنَّهَا أَيَّامُ مِنًى .\rوَاحْتَجَّ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بِحَدِيثِ أَبِي حَسَّانَ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ { ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُفِيضُ كُلَّ لَيْلَةٍ .\r}","part":7,"page":417},{"id":3417,"text":"( 2746 ) فَصْلٌ : وَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ حَجَّ أَنْ يَدْخُلَ الْبَيْتَ ، وَيُصَلِّي فِيهِ رَكْعَتَيْنِ ، كَمَا فَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا يَدْخُلُ الْبَيْتَ بِنَعْلَيْهِ ، وَلَا خُفَّيْهِ ، وَلَا الْحِجْرَ أَيْضًا ؛ لِأَنَّ الْحِجْرَ مِنْ الْبَيْتِ .\rوَلَا يَدْخُلُ الْكَعْبَةَ بِسِلَاحٍ .\rقَالَ : وَثِيَابُ الْكَعْبَةِ إذَا نُزِعَتْ يُتَصَدَّقُ بِهَا .\rوَقَالَ : إذَا أَرَادَ أَنْ يَسْتَشْفِيَ بِشَيْءِ مِنْ طِيبِ الْكَعْبَةِ ، فَلْيَأْتِ بِطِيبٍ مِنْ عِنْدِهِ ، فَلْيَلْزِقْهُ عَلَى الْبَيْتِ ، ثُمَّ يَأْخُذْهُ ، وَلَا يَأْخُذْ مِنْ طِيبِ الْبَيْتِ شَيْئًا ، وَلَا يُخْرِجْ مِنْ تُرَابِ الْحَرَمِ ، وَلَا يُدْخِلْ فِيهِ مِنْ الْحِلِّ .\rكَذَلِكَ قَالَ عُمَرُ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، وَلَا يُخْرِجْ مِنْ حِجَارَةِ مَكَّةَ وَتُرَابِهَا إلَى الْحِلِّ ، وَالْخُرُوجُ أَشَدُّ إلَّا أَنَّ مَاءَ زَمْزَمَ أَخْرَجَهُ كَعْبٌ .","part":7,"page":418},{"id":3418,"text":"( 2747 ) فَصْلٌ : قَالَ أَحْمَدُ كَيْفَ لَنَا بِالْجِوَارِ بِمَكَّةَ ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إنَّكِ لَأَحَبُّ الْبِقَاعِ إلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَلَوْلَا أَنِّي أُخْرِجْت مِنْك مَا خَرَجْت } .\rوَإِنَّمَا كُرِهَ الْجِوَارُ بِمَكَّةَ لِمَنْ هَاجَرَ مِنْهَا ، وَجَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ جَاوَرَ بِمَكَّةَ ، وَجَمِيعُ أَهْلِ الْبِلَادِ وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْيَمِينِ لَيْسَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ يَخْرُجُ وَيُهَاجِرُ .\rأَيْ لَا بَأْسَ بِهِ .\rوَابْنُ عُمَرَ كَانَ يُقِيمُ بِمَكَّةَ .\rقَالَ : وَالْمُقَامُ بِالْمَدِينَةِ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ الْمُقَامِ بِمَكَّةَ لِمَنْ قَوِيَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهَا مُهَاجَرُ الْمُسْلِمِينَ .\r.\rوَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا يَصْبِرُ أَحَدٌ عَلَى لَأْوَائِهَا وَشِدَّتِهَا إلَّا كُنْت لَهُ شَفِيعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ .\r}","part":7,"page":419},{"id":3419,"text":"( 2748 ) فَصْلٌ : وَيُسْتَحَبُّ زِيَارَةُ قَبْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ لِمَا رَوَى الدَّارَقُطْنِيّ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ حَجَّ ، فَزَارَ قَبْرِي بَعْدَ وَفَاتِي ، فَكَأَنَّمَا زَارَنِي فِي حَيَاتِي } .\rوَفِي رِوَايَةٍ : { مَنْ زَارَ قَبْرِي وَجَبَتْ لَهُ شَفَاعَتِي } .\rرَوَاهُ بِاللَّفْظِ الْأَوَّلِ سَعِيدٌ .\rحَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، عَنْ لَيْثٍ عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ .\rوَقَالَ أَحْمَدُ ، فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ قُسَيْطٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { مَا مِنْ أَحَدٍ يُسَلِّمُ عَلَيَّ عِنْدَ قَبْرِي ، إلَّا رَدَّ اللَّهُ عَلَيَّ رُوحِيِّ ، حَتَّى أَرُدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ } : وَإِذَا حَجَّ الَّذِي لَمْ يَحُجَّ قَطُّ - يَعْنِي مِنْ غَيْرِ طَرِيقِ الشَّامِ - لَا يَأْخُذُ عَلَى طَرِيقِ الْمَدِينَةِ ، لِأَنِّي أَخَافُ أَنْ يَحْدُثَ بِهِ حَدَثٌ ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَقْصِدَ مَكَّةَ مِنْ أَقْصَرِ الطُّرُقِ ، وَلَا يَتَشَاغَلَ بِغَيْرِهِ .\rوَيُرْوَى عَنْ الْعُتْبِيِّ ، قَالَ : كُنْت جَالِسًا عِنْدَ قَبْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجَاءَ أَعْرَابِيٌّ ، فَقَالَ : السَّلَامُ عَلَيْك يَا رَسُولَ اللَّهِ ، سَمِعْت اللَّهَ يَقُولُ : { وَلَوْ أَنَّهُمْ إذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا } .\rوَقَدْ جِئْتُك مُسْتَغْفِرًا لِذَنْبِي ، مُسْتَشْفِعًا بِك إلَى رَبِّي ، ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ : يَا خَيْرَ مَنْ دُفِنَتْ بِالْقَاعِ أَعْظُمُهُ فَطَابَ مِنْ طِيبِهِنَّ الْقَاعُ وَالْأَكَمُ نَفْسِي الْفِدَاءُ لِقَبْرِ أَنْتَ سَاكِنُهُ فِيهِ الْعَفَافُ وَفِيهِ الْجُودُ وَالْكَرَمُ ثُمَّ انْصَرَفَ الْأَعْرَابِيُّ ، فَحَمَلَتْنِي عَيْنِي ، فَنِمْت ، فَرَأَيْت النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي النَّوْمِ ، فَقَالَ : يَا عُتْبِيُّ ، الْحَقْ الْأَعْرَابِيَّ ، فَبَشِّرْهُ أَنَّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لَهُ .\rوَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ أَنْ يُقَدِّمَ","part":7,"page":420},{"id":3420,"text":"رِجْلَهُ الْيُمْنَى ، ثُمَّ يَقُولَ : { بِسْمِ اللَّهِ ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ، اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ ، وَاغْفِرْ لِي ، وَافْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِك .\rوَإِذَا خَرَجَ ، قَالَ مِثْلَ ذَلِكَ .\rوَقَالَ : وَافْتَحْ لِي أَبْوَابَ فَضْلِكَ } لِمَا رُوِيَ عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَضِي اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَّمَهَا أَنْ تَقُولَ ذَلِكَ ، إذَا دَخَلَتْ الْمَسْجِدَ .\rثُمَّ تَأْتِي الْقَبْرَ فَتُوَلِّي ظَهْرَكَ الْقِبْلَةَ ، وَتَسْتَقْبِلُ وَسَطَهُ ، وَتَقُولُ : السَّلَامُ عَلَيْك أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ ، السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ ، وَخِيرَتَهُ مِنْ خَلْقِهِ وَعِبَادِهِ ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ، أَشْهَدُ أَنَّك قَدْ بَلَّغْت رِسَالَاتِ رَبِّك ، وَنَصَحْت لِأُمَّتِك ، وَدَعَوْت إلَى سَبِيلِ رَبِّك بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ، وَعَبَدْت اللَّهَ حَتَّى أَتَاك الْيَقِينُ ، فَصَلَّى اللَّهُ عَلَيْك كَثِيرًا ، كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى ، اللَّهُمَّ اجْزِ عَنَّا نَبِيَّنَا أَفْضَلَ مَا جَزَيْت أَحَدًا مِنْ النَّبِيِّينَ وَالْمُرْسَلِينَ ، وَابْعَثْهُ الْمَقَامَ الْمَحْمُودَ الَّذِي وَعَدْته ، يَغْبِطُهُ بِهِ الْأَوَّلُونَ وَالْآخَرُونَ ، اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ ، كَمَا صَلَّيْت عَلَى إبْرَاهِيمَ وَآلِ إبْرَاهِيمَ ، إنَّك حَمِيدٌ مَجِيدٌ ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ ، كَمَا بَارَكْت عَلَى إبْرَاهِيمَ وَآلِ إبْرَاهِيمَ ، إنَّك حَمِيدٌ مَجِيدٌ ، اللَّهُمَّ إنَّك قُلْت وَقَوْلُك الْحَقُّ : { وَلَوْ أَنَّهُمْ إذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا } .\rوَقَدْ أَتَيْتُك مُسْتَغْفِرًا مِنْ ذُنُوبِي ، مُسْتَشْفِعًا بِك إلَى رَبِّي ، فَأَسْأَلُك يَا رَبِّ أَنْ تُوجِبَ لِي الْمَغْفِرَةَ ، كَمَا أَوْجَبْتهَا لِمَنْ أَتَاهُ فِي","part":7,"page":421},{"id":3421,"text":"حَيَاتِهِ ، اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ أَوَّلَ الشَّافِعِينَ ، وَأَنْجَحَ السَّائِلِينَ ، وَأَكْرَمَ الْآخَرِينَ وَالْأَوَّلِينَ ، بِرَحْمَتِك يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ .\rثُمَّ يَدْعُو لِوَالِدَيْهِ وَلِإِخْوَانِهِ وَلِلْمُسْلِمِينَ أَجْمَعِينَ ، ثُمَّ يَتَقَدَّمُ قَلِيلًا ، وَيَقُولُ : السَّلَامُ عَلَيْك يَا أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ ، السَّلَامُ عَلَيْك يَا عُمَرَ الْفَارُوقَ ، السَّلَامُ عَلَيْكُمَا يَا صَاحِبَيْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَضَجِيعَيْهِ وَوَزِيرَيْهِ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ ، اللَّهُمَّ اجْزِهِمَا عَنْ نَبِيِّهِمَا وَعَنْ الْإِسْلَامِ خَيْرًا : ( سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ ، فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ ) .\rاللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْهُ آخِرَ الْعَهْدِ مِنْ قَبْرِ نَبِيِّك صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمِنْ حَرَمِ مَسْجِدِك يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ .","part":7,"page":422},{"id":3422,"text":"( 2749 ) فَصْلٌ : وَلَا يُسْتَحَبُّ التَّمَسُّحُ بِحَائِطِ قَبْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا تَقْبِيلُهُ ، قَالَ أَحْمَدُ : مَا أَعْرِفُ هَذَا .\rقَالَ الْأَثْرَمُ : رَأَيْت أَهْلَ الْعِلْمِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَا يَمَسُّونَ قَبْرَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُومُونَ مِنْ نَاحِيَةٍ فَيُسَلِّمُونَ .\rقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ : وَهَكَذَا كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَفْعَلُ .\rقَالَ : أَمَّا الْمِنْبَرُ فَقَدْ جَاءَ فِيهِ .\rيَعْنِي مَا رَوَاهُ إبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدٍ الْقَارِئُ ، أَنَّهُ نَظَرَ إلَى ابْنِ عُمَرَ ، وَهُوَ يَضَعُ يَدَهُ عَلَى مَقْعَدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْمِنْبَرِ ثُمَّ يَضَعُهَا عَلَى وَجْهِهِ .","part":7,"page":423},{"id":3423,"text":"( 2750 ) فَصْلٌ : وَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ رَجَعَ مِنْ الْحَجِّ أَنْ يَقُولَ مَا رَوَى الْبُخَارِيُّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ { ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إذَا قَفَلَ مِنْ غَزْوٍ أَوْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ ، يُكَبِّرُ عَلَى كُلِّ شَرَفٍ مِنْ الْأَرْضِ ، ثُمَّ يَقُولُ : لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ، آيِبُونَ تَائِبُونَ عَابِدُونَ ، لِرَبِّنَا حَامِدُونَ ، صَدَقَ اللَّهُ وَعْدَهُ ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ ، وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ .\r}","part":7,"page":424},{"id":3424,"text":"الْبَيْعُ : مُبَادَلَةُ الْمَالِ بِالْمَالِ ، تَمْلِيكًا ، وَتَمَلُّكًا .\rوَاشْتِقَاقُهُ : مِنْ الْبَاعِ ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُتَعَاقِدَيْنِ يَمُدُّ بَاعَهُ لِلْأَخْذِ وَالْإِعْطَاءِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَانَ يُبَايِعُ صَاحِبَهُ ، أَيْ يُصَافِحُهُ عِنْدَ الْبَيْعِ ؛ وَلِذَلِكَ سُمِّيَ الْبَيْعُ صَفْقَةً .\rوَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا : هُوَ الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ ، إذَا تَضَمَّنَ عَيْنَيْنِ لِلتَّمْلِيكِ .\rوَهُوَ حَدٌّ قَاصِرٌ ؛ لِخُرُوجِ بَيْعِ الْمُعَاطَاةِ مِنْهُ ، وَدُخُولِ عُقُودٍ سِوَى الْبَيْعِ فِيهِ .\rوَالْبَيْعُ جَائِزٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ .\rأَمَّا الْكِتَابُ ، فَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ } .\rوقَوْله تَعَالَى : { وَأَشْهِدُوا إذَا تَبَايَعْتُمْ } وقَوْله تَعَالَى : { إلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ } .\rوقَوْله تَعَالَى : { لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ } .\rوَرَوَى الْبُخَارِيُّ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : كَانَتْ عُكَاظٌ ، وَمَجَنَّةُ ، وَذُو الْمَجَازِ ، أَسْوَاقًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، فَلَمَّا كَانَ الْإِسْلَامُ تَأَثَّمُوا فِيهِ ، فَأُنْزِلَتْ : { لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ } .\rيَعْنِي فِي مَوَاسِمِ الْحَجِّ .\rوَعَنْ الزُّبَيْرِ نَحْوُهُ .\rوَأَمَّا السُّنَّةُ ، فَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَرَوَى رِفَاعَةُ ، أَنَّهُ خَرَجَ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى الْمُصَلَّى ، فَرَأَى النَّاسَ يَتَبَايَعُونَ ، فَقَالَ : { يَا مَعْشَرَ التُّجَّارِ .\rفَاسْتَجَابُوا لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَفَعُوا أَعْنَاقَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ إلَيْهِ ، فَقَالَ : إنَّ التُّجَّارَ يُبْعَثُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فُجَّارًا ، إلَّا مَنْ بَرَّ وَصَدَقَ } .\rقَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ .\rوَرَوَى أَبُو سَعِيدٍ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { التَّاجِرُ الصَّدُوقُ الْأَمِينُ مَعَ النَّبِيِّينَ","part":7,"page":425},{"id":3425,"text":"وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ } .\rقَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ .\rفِي أَحَادِيثَ كَثِيرَةٍ سِوَى هَذِهِ .\rوَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى جَوَازِ الْبَيْعِ فِي الْجُمْلَةِ ، وَالْحِكْمَةُ تَقْتَضِيهِ ؛ لِأَنَّ حَاجَةَ الْإِنْسَانِ تَتَعَلَّقُ بِمَا فِي يَدِ صَاحِبِهِ ، وَصَاحِبُهُ لَا يَبْذُلُهُ بِغَيْرِ عِوَضٍ ، فَفِي شَرْعِ الْبَيْعِ وَتَجْوِيزِهِ شَرْعُ طَرِيقٍ إلَى وُصُولِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إلَى غَرَضِهِ ، وَدَفْعِ حَاجَتِهِ .","part":7,"page":426},{"id":3426,"text":"( 2751 ) فَصْلٌ : وَالْبَيْعُ عَلَى ضَرْبَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ .\rفَالْإِيجَابُ ، أَنْ يَقُولَ : بِعْتُك أَوْ مَلَّكْتُك ، أَوْ لَفْظٌ يَدُلُّ عَلَيْهِمَا .\rوَالْقَبُولُ ، أَنْ يَقُولَ : اشْتَرَيْت ، أَوْ قَبِلْت ، وَنَحْوَهُمَا .\rفَإِنْ تَقَدَّمَ الْقَبُولُ عَلَى الْإِيجَابِ بِلَفْظِ الْمَاضِي ، فَقَالَ : ابْتَعْت مِنْك .\rفَقَالَ : بِعْتُك .\rصَحَّ ؛ لِأَنَّ لَفْظَ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ وُجِدَ مِنْهُمَا عَلَى وَجْهٍ تَحْصُلُ مِنْهُ الدَّلَالَةُ عَلَى تَرَاضِيهِمَا بِهِ ، فَصَحَّ ، كَمَا لَوْ تَقَدَّمَ الْإِيجَابُ .\rوَإِنْ تَقَدَّمَ بِلَفْظِ الطَّلَبِ ، فَقَالَ : بِعْنِي ثَوْبَك .\rفَقَالَ : بِعْتُك .\rفَفِيهِ رِوَايَتَانِ ، إحْدَاهُمَا ، يَصِحُّ كَذَلِكَ .\rوَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ .\rوَالثَّانِيَةُ ، لَا يَصِحُّ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ تَأَخَّرَ عَنْ الْإِيجَابِ ، لَمْ يَصِحَّ بِهِ الْبَيْعُ ، فَلَمْ يَصِحَّ إذَا تَقَدَّمَ ، كَلَفْظِ الِاسْتِفْهَامِ ، وَلِأَنَّهُ عَقْدٌ عَرِيَ عَنْ الْقَبُولِ ، فَلَمْ يَنْعَقِدْ ، كَمَا لَوْ لَمْ يَطْلُبْ .\rوَحَكَى أَبُو الْخَطَّابِ فِيمَا إذَا تَقَدَّمَ بِلَفْظِ الْمَاضِي ، رِوَايَتَيْنِ أَيْضًا ، فَأَمَّا إنْ تَقَدَّمَ بِلَفْظِ الِاسْتِفْهَامِ ، مِثْلَ أَنْ يَقُولَ : أَتَبِيعُنِي ثَوْبَك بِكَذَا ؟ فَيَقُولُ : بِعْتُك .\rلَمْ يَصِحَّ بِحَالٍ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ وَبِهِ يَقُولُ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ .\rوَلَا نَعْلَمُ عَنْ غَيْرِهِمْ خِلَافَهُمْ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِقَبُولٍ وَلَا اسْتِدْعَاءٍ .\rالضَّرْبُ الثَّانِي ، الْمُعَاطَاةُ ، مِثْلُ أَنْ يَقُولَ : أَعْطِنِي بِهَذَا الدِّينَارِ خُبْزًا .\rفَيُعْطِيهِ مَا يُرْضِيهِ ، أَوْ يَقُولَ : خُذْ هَذَا الثَّوْبَ بِدِينَارٍ .\rفَيَأْخُذُهُ ، فَهَذَا بَيْعٌ صَحِيحٌ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، فِي مَنْ قَالَ لِخَبَّازٍ : كَيْفَ تَبِيعُ الْخُبْزَ ؟ قَالَ : كَذَا بِدِرْهَمٍ .\rقَالَ : زِنْهُ ، وَتَصَدَّقْ بِهِ .\rفَإِذَا وَزَنَهُ فَهُوَ عَلَيْهِ .\rوَقَوْلُ مَالِكٍ نَحْوٌ مِنْ هَذَا ، فَإِنَّهُ قَالَ : يَقَعُ الْبَيْعُ بِمَا يَعْتَقِدُهُ النَّاسُ بَيْعًا .\rوَقَالَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ : يَصِحُّ فِي خَسَائِسِ","part":7,"page":427},{"id":3427,"text":"الْأَشْيَاءِ .\rوَحُكِيَ عَنْ الْقَاضِي مِثْلُ هَذَا ، قَالَ : يَصِحُّ فِي الْأَشْيَاءِ الْيَسِيرَةِ دُونَ الْكَبِيرَةِ .\rوَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، أَنَّ الْبَيْعَ لَا يَصِحُّ إلَّا بِالْإِيجَابِ ، وَالْقَبُولِ .\rوَذَهَبَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ إلَى مِثْلِ قَوْلِنَا .\rوَلَنَا ، أَنَّ اللَّهَ أَحَلَّ الْبَيْعَ ، وَلَمْ يُبَيِّنْ كَيْفِيَّتَهُ ، فَوَجَبَ الرُّجُوعُ فِيهِ إلَى الْعُرْفِ ، كَمَا رُجِعَ إلَيْهِ فِي الْقَبْضِ وَالْإِحْرَازِ وَالتَّفَرُّقِ ، وَالْمُسْلِمُونَ فِي أَسْوَاقِهِمْ وَبِيَاعَاتِهِمْ عَلَى ذَلِكَ ، وَلِأَنَّ الْبَيْعَ كَانَ مَوْجُودًا بَيْنَهُمْ ، مَعْلُومًا عِنْدَهُمْ ، وَإِنَّمَا عَلَّقَ الشَّرْعُ عَلَيْهِ أَحْكَامًا ، وَأَبْقَاهُ عَلَى مَا كَانَ ، فَلَا يَجُوزُ تَغْيِيرُهُ بِالرَّأْيِ وَالتَّحَكُّمِ ، وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا عَنْ أَصْحَابِهِ ، مَعَ كَثْرَةِ وُقُوعِ الْبَيْعِ بَيْنَهُمْ ، اسْتِعْمَالُ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ ، وَلَوْ اسْتَعْمَلُوا ذَلِكَ فِي بِيَاعَاتِهِمْ لَنُقِلَ نَقْلًا شَائِعًا ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ شَرْطًا ، لَوَجَبَ نَقْلُهُ ، وَلَمْ يُتَصَوَّرْ مِنْهُمْ إهْمَالُهُ وَالْغَفْلَةُ عَنْ نَقْلِهِ ، وَلِأَنَّ الْبَيْعَ مِمَّا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى ، فَلَوْ اُشْتُرِطَ لَهُ الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ لَبَيَّنَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيَانًا عَامًّا ، وَلَمْ يَخْفَ حُكْمُهُ ؛ لِأَنَّهُ يُفْضِي إلَى وُقُوعِ الْعُقُودِ الْفَاسِدَةِ كَثِيرًا ، وَأَكَلِهِمْ الْمَالَ بِالْبَاطِلِ ، وَلَمْ يُنْقَلْ ذَلِكَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ فِيمَا عَلِمْنَاهُ ، وَلِأَنَّ النَّاسَ يَتَبَايَعُونَ فِي أَسْوَاقِهِمْ بِالْمُعَاطَاةِ فِي كُلِّ عَصْرٍ ، وَلَمْ يُنْقَلْ إنْكَارُهُ مِنْ قِبَلِ مُخَالِفِينَا ، فَكَانَ ذَلِكَ إجْمَاعًا ، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ ، فِي الْهِبَةِ ، وَالْهَدِيَّةِ ، وَالصَّدَقَةِ ، وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ اسْتِعْمَالُ ذَلِكَ فِيهِ ، وَقَدْ أُهْدِيَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ","part":7,"page":428},{"id":3428,"text":"عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْحَبَشَةِ وَغَيْرِهَا ، وَكَانَ النَّاسُ يَتَحَرَّوْنَ بِهَدَايَاهُمْ يَوْمَ عَائِشَةَ .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَرَوَى الْبُخَارِيُّ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا أُتِيَ بِطَعَامٍ سَأَلَ عَنْهُ : أَهَدِيَّةٌ أَمْ صَدَقَةٌ ؟ .\rفَإِنْ قِيلَ : صَدَقَةٌ .\rقَالَ لِأَصْحَابِهِ : كُلُوا .\rوَلَمْ يَأْكُلْ ، وَإِنْ قِيلَ : هَدِيَّةٌ .\rضَرَبَ بِيَدِهِ ، وَأَكَلَ مَعَهُمْ .\r} وَفِي حَدِيثِ سَلْمَانَ ، حِينَ جَاءَ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِتَمْرٍ ، فَقَالَ : هَذَا شَيْءٌ مِنْ الصَّدَقَةِ ، رَأَيْتُك أَنْتَ وَأَصْحَابَك أَحَقَّ النَّاسِ بِهِ .\r{ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَصْحَابِهِ : كُلُوا .\rوَلَمْ يَأْكُلْ ، } ثُمَّ أَتَاهُ ثَانِيَةً بِتَمْرٍ ، فَقَالَ : رَأَيْتُك لَا تَأْكُلُ الصَّدَقَةَ ، وَهَذَا شَيْءٌ أَهْدَيْتُهُ لَك .\r{ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : بِسْمِ اللَّهِ .\rوَأَكَلَ .\r} وَلَمْ يُنْقَلْ قَبُولٌ وَلَا أَمْرٌ بِإِيجَابٍ .\rوَإِنَّمَا سَأَلَ لِيَعْلَمَ ، هَلْ هُوَ صَدَقَةٌ ، أَوْ هَدِيَّةٌ ، وَفِي أَكْثَرِ الْأَخْبَارِ لَمْ يُنْقَلْ إيجَابٌ وَلَا قَبُولٌ ، وَلَيْسَ إلَّا الْمُعَاطَاةُ ، وَالتَّفَرُّقُ عَنْ تَرَاضٍ يَدُلُّ عَلَى صِحَّتِهِ ، وَلَوْ كَانَ الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ شَرْطًا فِي هَذِهِ الْعُقُودِ لَشَقَّ ذَلِكَ ، وَلَكَانَتْ أَكْثَرُ عُقُودِ الْمُسْلِمِينَ فَاسِدَةً ، وَأَكْثَرُ أَمْوَالِهِمْ مُحَرَّمَةً .\rوَلِأَنَّ الْإِيجَابَ وَالْقَبُولَ إنَّمَا يُرَادَانِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى التَّرَاضِي ، فَإِذَا وُجِدَ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ ، مِنْ الْمُسَاوَمَةِ وَالتَّعَاطِي ، قَامَ مَقَامَهُمَا ، وَأَجْزَأَ عَنْهُمَا ؛ لِعَدَمِ التَّعَبُّدِ فِيهِ .","part":7,"page":429},{"id":3429,"text":"( خِيَارُ الْمُتَبَايِعَيْنِ ) أَيْ بَابُ خِيَارِ الْمُتَبَايِعَيْنِ ، فَحُذِفَ اخْتِصَارًا .\r( 2752 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ رَحِمَهُ اللَّهُ : ( وَالْمُتَبَايِعَانِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا بِأَبْدَانِهِمَا ) فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثَةُ فُصُولٍ : ( 2753 ) فَصْلٌ : أَحَدُهَا أَنَّ الْبَيْعَ يَقَعُ جَائِزًا ، وَلِكُلٍّ مِنْ الْمُتَبَايِعَيْنِ الْخِيَارُ فِي فَسْخِ الْبَيْعِ ، مَا دَامَا مُجْتَمِعَيْنِ ، لَمْ يَتَفَرَّقَا ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، يُرْوَى ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ ، وَابْنِ عُمَرَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ، وَأَبِي بَرْزَةَ ، وَبِهِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ، وَشُرَيْحٌ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَعَطَاءٌ ، وَطَاوُسٌ ، وَالزُّهْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَابْنُ أَبِي ذِئْبٍ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ ، وَأَبُو ثَوْرٍ .\rوَقَالَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ : يَلْزَمُ الْعَقْدُ بِالْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ ، وَلَا خِيَارَ لَهُمَا ؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : الْبَيْعُ صَفْقَةٌ أَوْ خِيَارٌ .\rوَلِأَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ ، فَلَزِمَ بِمُجَرَّدِهِ ، كَالنِّكَاحِ وَالْخُلْعِ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { إذَا تَبَايَعَ الرَّجُلَانِ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ ، مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا ، وَكَانَا جَمِيعًا ، أَوْ يُخَيِّرُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ ، فَإِنْ خَيَّرَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ ، فَتَبَايَعَا عَلَى ذَلِكَ ، فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ ، وَإِنْ تَفَرَّقَا بَعْدَ أَنْ تَبَايَعَا ، وَلَمْ يَتْرُكْ أَحَدُهُمَا الْبَيْعَ ، فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا } .\rرَوَاهُ الْأَئِمَّةُ كُلُّهُمْ .\rوَرَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو ، وَحَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ ، وَأَبُو بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيُّ .\rوَاتُّفِقَ عَلَى حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ، وَحَكِيمٍ ، وَرَوَاهُ عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، مَالِكٌ ، وَأَيُّوبُ ،","part":7,"page":430},{"id":3430,"text":"وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ، وَابْنُ جُرَيْجٍ ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، وَغَيْرُهُمْ .\rوَهُوَ صَرِيحٌ فِي حُكْمِ الْمَسْأَلَةِ .\rوَعَابَ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى مَالِكٍ مُخَالَفَتَهُ لِلْحَدِيثِ ، مَعَ رِوَايَتِهِ لَهُ ، وَثُبُوتِهِ عِنْدَهُ ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، رَحِمَهُ اللَّهُ : لَا أَدْرِي هَلْ اتَّهَمَ مَالِكٌ نَفْسَهُ أَوْ نَافِعًا ؟ وَأُعْظِمُ أَنْ أَقُولَ : عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ .\rوَقَالَ ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ : يُسْتَتَابُ مَالِكٌ فِي تَرْكِهِ لِهَذَا الْحَدِيثِ .\rفَإِنْ قِيلَ : الْمُرَادُ بِالتَّفَرُّقِ هَاهُنَا التَّفَرُّقُ بِالْأَقْوَالِ ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ } .\rوَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { سَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً } .\rأَيْ بِالْأَقْوَالِ وَالِاعْتِقَادَاتِ .\rقُلْنَا : هَذَا بَاطِلٌ لِوُجُوهٍ : مِنْهَا ، أَنَّ اللَّفْظَ لَا يَحْتَمِلُ مَا قَالُوهُ ؛ إذْ لَيْسَ بَيْنَ الْمُتَبَايِعَيْنِ تَفَرُّقٌ بِلَفْظٍ وَلَا اعْتِقَادٍ ، إنَّمَا بَيْنَهُمَا اتِّفَاقٌ عَلَى الثَّمَنِ وَالْمَبِيعِ بَعْدَ الِاخْتِلَافِ فِيهِ .\rالثَّانِي ، أَنَّ هَذَا يُبْطِلُ فَائِدَةَ الْحَدِيثِ ؛ إذْ قَدْ عُلِمَ أَنَّهُمَا بِالْخِيَارِ قَبْلَ الْعَقْدِ فِي إنْشَائِهِ وَإِتْمَامِهِ ، أَوْ تَرْكِهِ .\rالثَّالِثُ ، أَنَّهُ قَالَ فِي الْحَدِيثِ : { إذَا تَبَايَعَ الرَّجُلَانِ ، فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ } .\rفَجَعَلَ لَهُمَا الْخِيَارَ بَعْدَ تَبَايُعِهِمَا ، وَقَالَ : { وَإِنْ تَفَرَّقَا بَعْدَ أَنْ تَبَايَعَا ، وَلَمْ يَتْرُكْ أَحَدُهُمَا الْبَيْعَ ، فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ } .\rالرَّابِعُ ، أَنَّهُ يَرُدُّهُ تَفْسِيرُ ابْنِ عُمَرَ لِلْحَدِيثِ بِفِعْلِهِ ، فَإِنَّهُ كَانَ إذَا بَايَعَ رَجُلًا مَشَى خُطُوَاتٍ ؛ لِيَلْزَمَ الْبَيْعُ ، وَتَفْسِيرُ أَبِي بَرْزَةَ لَهُ ، بِقَوْلِهِ عَلَى مِثْلِ قَوْلِنَا ، وَهُمَا رَاوِيَا الْحَدِيثِ ، وَأَعْلَمُ بِمَعْنَاهُ ، وَقَوْلُ عُمَرَ : الْبَيْعُ صَفْقَةٌ أَوْ خِيَارٌ .\rمَعْنَاهُ ، أَنَّ الْبَيْعَ يَنْقَسِمُ إلَى بَيْعٍ شُرِطَ فِيهِ الْخِيَارُ ، وَبَيْعٍ لَمْ يُشْتَرَطْ فِيهِ","part":7,"page":431},{"id":3431,"text":"، سَمَّاهُ صَفْقَةً لِقِصَرِ مُدَّةِ الْخِيَارِ فِيهِ ، فَإِنَّهُ قَدْ رَوَى عَنْهُ أَبُو إِسْحَاقَ الْجُوزَجَانِيُّ مِثْلَ مَذْهَبِنَا ، وَلَوْ أَرَادَ مَا قَالُوهُ ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يُعَارَضَ بِهِ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَا حُجَّةَ فِي قَوْلِ أَحَدٍ مَعَ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ كَانَ عُمَرُ إذَا بَلَغَهُ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجَعَ عَنْ قَوْلِهِ ، فَكَيْف يُعَارَضُ قَوْلُهُ بِقَوْلِهِ ؟ عَلَى أَنَّ قَوْلَ عُمَرَ لَيْسَ بِحُجَّةٍ إذَا خَالَفَهُ بَعْضُ الصَّحَابَةِ ، وَقَدْ خَالَفَهُ ابْنُهُ ، وَأَبُو بَرْزَةَ ، وَغَيْرُهُمَا ، وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُ الْبَيْعِ عَلَى النِّكَاحِ ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ لَا يَقَعُ غَالِبًا إلَّا بَعْدَ رَوِيَّةٍ وَنَظَرٍ وَتَمَكُّثٍ ، فَلَا يَحْتَاجُ إلَى الْخِيَارِ بَعْدَهُ ، وَلِأَنَّ فِي ثُبُوتِ الْخِيَارِ فِيهِ مَضَرَّةً ، لِمَا يَلْزَمُ مِنْ رَدِّ الْمَرْأَةِ بَعْدَ ابْتِذَالِهَا بِالْعَقْدِ ، وَذَهَابِ حُرْمَتِهَا بِالرَّدِّ ، وَإِلْحَاقِهَا بِالسِّلَعِ الْمَبِيعَةِ ، فَلَمْ يَثْبُتْ فِيهِ خِيَارٌ لِذَلِكَ ، وَلِهَذَا لَمْ يَثْبُتْ فِيهِ خِيَارُ الشَّرْطِ ، وَلَا خِيَارُ الرُّؤْيَةِ ، وَالْحُكْمُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ظَاهِرٌ ؛ لِظُهُورِ دَلِيلِهِ ، وَوَهَاءِ مَا ذَكَرَهُ الْمُخَالِفُ فِي مُقَابَلَتِهِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":7,"page":432},{"id":3432,"text":"( 2754 ) الْفَصْلُ الثَّانِي ، أَنَّ الْبَيْعَ يَلْزَمُ بِتَفَرُّقِهِمَا ؛ لِدَلَالَةِ الْحَدِيثِ عَلَيْهِ ، وَلَا خِلَافَ فِي لُزُومِهِ بَعْدَ التَّفَرُّقِ ، وَالْمَرْجِعُ فِي التَّفَرُّقِ إلَى عُرْفِ النَّاسِ وَعَادَتِهِمْ ، فِيمَا يَعُدُّونَهُ تَفَرُّقًا ؛ لِأَنَّ الشَّارِعَ عَلَّقَ عَلَيْهِ حُكْمًا ، وَلَمْ يُبَيِّنْهُ ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ مَا يَعْرِفُهُ النَّاسُ ، كَالْقَبْضِ ، وَالْإِحْرَازِ ، فَإِنْ كَانَا فِي فَضَاءٍ وَاسِعٍ ، كَالْمَسْجِدِ الْكَبِيرِ ، وَالصَّحْرَاءِ ، فَبِأَنْ يَمْشِيَ أَحَدُهُمَا مُسْتَدْبِرًا لِصَاحِبِهِ خُطُوَاتٍ ، وَقِيلَ : هُوَ أَنْ يَبْعُدَ مِنْهُ بِحَيْثُ لَا يَسْمَعُ كَلَامَهُ الَّذِي يَتَكَلَّمُ بِهِ فِي الْعَادَةِ .\rقَالَ أَبُو الْحَارِثِ : سُئِلَ أَحْمَدُ عَنْ تَفْرِقَةِ الْأَبْدَانِ ؟ فَقَالَ : إذَا أَخَذَ هَذَا كَذَا ، وَهَذَا كَذَا ، فَقَدْ تَفَرَّقَا .\rوَرَوَى مُسْلِمٌ ، عَنْ نَافِعٍ ، قَالَ : فَكَانَ ابْنُ عُمَرَ إذَا بَايَعَ ، فَأَرَادَ أَنْ لَا يُقِيلَهُ ، مَشَى هُنَيْهَةً ، ثُمَّ رَجَعَ .\rوَإِنْ كَانَا فِي دَارٍ كَبِيرَةٍ ، ذَاتِ مَجَالِسٍ وَبُيُوتٍ ، فَالْمُفَارَقَةُ أَنْ يُفَارِقَهُ مِنْ بَيْتٍ إلَى بَيْتٍ ، أَوْ إلَى مَجْلِسٍ ، أَوْ صِفَةٍ ، أَوْ مِنْ مَجْلِسٍ إلَى بَيْتٍ ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ .\rفَإِنْ كَانَا فِي دَارٍ صَغِيرَةٍ ، فَإِذَا صَعِدَ أَحَدُهُمَا السَّطْحَ ، أَوْ خَرَجَ مِنْهَا ، فَقَدْ فَارَقَهُ .\rوَإِنْ كَانَا فِي سَفِينَةٍ صَغِيرَةٍ ، خَرَجَ أَحَدُهُمَا مِنْهَا وَمَشَى ، وَإِنْ كَانَتْ كَبِيرَةً صَعِدَ أَحَدُهُمَا عَلَى أَعْلَاهَا ، وَنَزَلَ الْآخَرُ فِي أَسْفَلِهَا .\rوَهَذَا كُلُّهُ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فَإِنْ كَانَ الْمُشْتَرِي هُوَ الْبَائِعَ ، مِثْلُ أَنْ يَشْتَرِيَ لِنَفْسِهِ مِنْ مَالِ وَلَدِهِ ، أَوْ اشْتَرَى لِوَلَدِهِ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ ، لَمْ يَثْبُتْ فِيهِ خِيَارُ الْمَجْلِسِ ؛ لِأَنَّهُ تَوَلَّى طَرَفَيْ الْعَقْدِ ، فَلَمْ يَثْبُتْ لَهُ خِيَارٌ ، كَالشَّفِيعِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَثْبُتَ فِيهِ ، وَيُعْتَبَرَ مُفَارَقَةُ مَجْلِسِ الْعَقْدِ لِلُزُومِهِ ؛ لِأَنَّ الِافْتِرَاقَ لَا يُمْكِنُ هَاهُنَا ، لِكَوْنِ الْبَائِعِ هُوَ الْمُشْتَرِي ، وَمَتَى حَصَلَ التَّفَرُّقُ لَزِمَ","part":7,"page":433},{"id":3433,"text":"الْعَقْدُ ، قَصَدَا ذَلِكَ أَوْ لَمْ يَقْصِدَاهُ ، عَلِمَاهُ أَوْ جَهِلَاهُ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَّقَ الْخِيَارَ عَلَى التَّفَرُّقِ ، وَقَدْ وُجِدَ .\rوَلَوْ هَرَبَ أَحَدُهُمَا مِنْ صَاحِبِهِ ، لَزِمَ الْعَقْدُ ؛ لِأَنَّهُ فَارَقَهُ بِاخْتِيَارِهِ ، وَلَا يَقِفُ لُزُومُ الْعَقْدِ عَلَى رِضَاهُمَا ، وَلِهَذَا كَانَ ابْنُ عُمَرَ يُفَارِقُ صَاحِبَهُ لِيَلْزَمَ الْبَيْعُ .\rوَلَوْ أَقَامَا فِي الْمَجْلِسِ ، وَسَدَلَا بَيْنَهُمَا سِتْرًا ، أَوْ بَنَيَا بَيْنَهُمَا حَاجِزًا ، أَوْ نَامَا ، أَوْ قَامَا فَمَضَيَا جَمِيعًا وَلَمْ يَتَفَرَّقَا ، فَالْخِيَارُ بِحَالِهِ ، وَإِنْ طَالَتْ الْمُدَّةُ لِعَدَمِ التَّفَرُّقِ .\rوَرَوَى أَبُو دَاوُد ، وَالْأَثْرَمُ ، بِإِسْنَادِهِمَا عَنْ أَبِي الْوَضِيءِ ، قَالَ : غَزَوْنَا غَزْوَةً لَنَا ، فَنَزَلْنَا مَنْزِلًا ، فَبَاعَ صَاحِبٌ لَنَا فَرَسًا بِغُلَامٍ ، ثُمَّ أَقَامَا بَقِيَّةَ يَوْمِهِمَا وَلَيْلَتِهِمَا ، فَلَمَّا أَصْبَحَا مِنْ الْغَدِ ، وَحَضَرَ الرَّحِيلُ ، قَامَ إلَى فَرَسِهِ يُسْرِجُهُ ، فَنَدِمَ ، فَأَتَى الرَّجُلُ ، وَأَخَذَهُ بِالْبَيْعِ ، فَأَبَى الرَّجُلُ أَنْ يَدْفَعَهُ إلَيْهِ ، فَقَالَ : بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَبُو بَرْزَةَ صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rفَأَتَيَا أَبَا بَرْزَةَ فِي نَاحِيَةِ الْعَسْكَرِ ، فَقَالَا لَهُ هَذِهِ الْقِصَّةَ .\rفَقَالَ : أَتَرْضَيَانِ أَنْ أَقْضِيَ بَيْنَكُمَا بِقَضَاءِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا .\r} مَا أَرَاكُمَا افْتَرَقْتُمَا .\rفَإِنْ فَارَقَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ مُكْرَهًا ، احْتَمَلَ بُطْلَانَ الْخِيَارِ ؛ لِوُجُودِ غَايَتِهِ ، وَهُوَ التَّفَرُّقُ ، وَلِأَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ رِضَاهُ فِي مُفَارَقَةِ صَاحِبِهِ لَهُ ، فَكَذَلِكَ فِي مُفَارَقَتِهِ لِصَاحِبِهِ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : لَا يَنْقَطِعُ الْخِيَارُ ؛ لِأَنَّهُ حُكْمٌ عُلِّقَ عَلَى التَّفَرُّقِ ، فَلَمْ يَثْبُتْ مَعَ الْإِكْرَاهِ ، كَمَا لَوْ عُلِّقَ عَلَيْهِ الطَّلَاقُ .\rوَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَجْهَانِ كَهَذَيْنِ .\rفَعَلَى قَوْلِ","part":7,"page":434},{"id":3434,"text":"مَنْ لَا يَرَى انْقِطَاعَ الْخِيَارِ ، إنْ أُكْرِهَ أَحَدُهُمَا عَلَى فُرْقَةِ صَاحِبِهِ ، انْقَطَعَ خِيَارُ صَاحِبِهِ ، كَمَا لَوْ هَرَبَ مِنْهُ ، وَفَارَقَهُ بِغَيْرِ رِضَاهُ ، وَيَكُونُ الْخِيَارُ لِلْمُكْرَهِ مِنْهُمَا فِي الْمَجْلِسِ الَّذِي يَزُولُ عَنْهُ فِيهِ الْإِكْرَاهُ ، حَتَّى يُفَارِقَهُ .\rوَإِنْ أُكْرِهَا جَمِيعًا انْقَطَعَ خِيَارُهُمَا ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَنْقَطِعُ خِيَارُهُ بِفُرْقَةِ الْآخَرِ لَهُ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أُكْرِهَ صَاحِبُهُ دُونَهُ .\rوَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ مِنْ صُوَرِ الْإِكْرَاهِ ، مَا لَوْ رَأَيَا سَبْعًا أَوْ ظَالِمًا خَشِيَاهُ ، فَهَرَبَا فَزَعًا مِنْهُ ، أَوْ حَمَلَهُمَا سَيْلٌ أَوْ فَرَّقَتْ رِيحٌ بَيْنَهُمَا .\r( 2755 ) فَصْلٌ : وَإِنْ خَرِسَ أَحَدُهُمَا ، قَامَتْ إشَارَتُهُ مَقَامَ لَفْظِهِ ، فَإِنْ لَمْ تُفْهَمْ إشَارَتُهُ ، أَوْ جُنَّ ، أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ ، قَامَ وَلِيُّهُ مِنْ الْأَبِ ، أَوْ وَصِيُّهُ ، أَوْ الْحَاكِمُ ، مَقَامَهُ ، وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rوَإِنْ مَاتَ أَحَدُهُمَا بَطَلَ خِيَارُهُ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَعَذَّرَ مِنْهُ الْخِيَارُ ، وَالْخِيَارُ لَا يُوَرَّثُ .\rوَأَمَّا الْبَاقِي مِنْهُمَا فَيَبْطُلُ خِيَارُهُ أَيْضًا ؛ لِأَنَّهُ يَبْطُلُ بِالتَّفَرُّقِ ، وَالتَّفَرُّقُ بِالْمَوْتِ أَعْظَمُ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَبْطُلَ ؛ لِأَنَّ التَّفَرُّقَ بِالْأَبْدَانِ لَمْ يَحْصُلْ .\rفَإِنْ حُمِلَ الْمَيِّتُ بَطَلَ الْخِيَارُ ؛ لِأَنَّ الْفُرْقَةَ حَصَلَتْ بِالْبَدَنِ وَالرُّوحِ مَعًا .\r( 2756 ) فَصْلٌ : وَقَدْ رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { الْبَائِعُ وَالْمُبْتَاعُ بِالْخِيَارِ حَتَّى يَتَفَرَّقَا ، إلَّا أَنْ تَكُونَ صَفْقَةَ خِيَارٍ ، فَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يُفَارِقَ صَاحِبَهُ خَشْيَةَ أَنْ يَسْتَقِيلَهُ } .\rرَوَاهُ النَّسَائِيّ ، وَالْأَثْرَمُ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَقَالَ : حَدِيثٌ حَسَنٌ .\rوَقَوْلُهُ : \" إلَّا أَنْ تَكُونَ صَفْقَةَ خِيَارٍ \" .\rيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ الْبَيْعَ الْمَشْرُوطَ فِيهِ الْخِيَارُ ، فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُ بِتَفَرُّقِهِمَا ، وَلَا يَكُونُ تَفَرُّقُهُمَا غَايَةً","part":7,"page":435},{"id":3435,"text":"لِلْخِيَارِ فِيهِ ؛ لِكَوْنِهِ ثَابِتًا بَعْدَ تَفَرُّقِهِمَا .\rوَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ الْبَيْعَ الَّذِي شَرَطَا فِيهِ أَنْ لَا يَكُونَ بَيْنَهُمَا فِيهِ خِيَارٌ ، فَيَلْزَمُ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ مِنْ غَيْرِ تَفَرُّقٍ .\rوَظَاهِرُ الْحَدِيثِ تَحْرِيمُ مُفَارَقَةِ أَحَدِ الْمُتَبَايِعَيْنِ لِصَاحِبِهِ خَشْيَةً مِنْ فَسْخِ الْبَيْعِ ، وَهَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ ، فَإِنَّهُ ذُكِرَ لَهُ فِعْلُ ابْنِ عُمَرَ ، وَحَدِيثُ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، فَقَالَ : هَذَا الْآنَ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَهَذَا اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ .\rوَذَكَرَ الْقَاضِي ، أَنَّ ظَاهِرَ كَلَامِ أَحْمَدَ ، جَوَازُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ إذَا اشْتَرَى شَيْئًا يُعْجِبُهُ فَارَقَ صَاحِبَهُ .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ؛ لِأَنَّ قَوْلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقَدَّمُ عَلَى فِعْلِ ابْنِ عُمَرَ .\rوَالظَّاهِرُ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ لَمْ يَبْلُغْهُ هَذَا ، وَلَوْ عَلِمَهُ لَمَا خَالَفَهُ .\r( 2757 ) الْفَصْلُ الثَّالِثُ : أَنَّ ظَاهِرَ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ أَنَّ الْخِيَارَ يَمْتَدُّ إلَى التَّفَرُّقِ ، وَلَا يَبْطُلُ بِالتَّخَايُرِ قَبْلَ الْعَقْدِ وَلَا بَعْدَهُ ، وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ ؛ لِأَنَّ أَكْثَرَ الرِّوَايَاتِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا } .\rمِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ ، وَلَا تَخْصِيصٍ ، هَكَذَا رَوَاهُ حَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ ، وَأَبُو بَرْزَةَ ، وَأَكْثَرُ الرِّوَايَاتِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ أَنَّ الْخِيَارَ يَبْطُلُ بِالتَّخَايُرِ .\rاخْتَارَهَا الشَّرِيفُ بْنُ أَبِي مُوسَى ، وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ، وَهُوَ أَصَحُّ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ : { فَإِنْ خَيَّرَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ ، فَتَبَايَعَا عَلَى ذَلِكَ ، فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ } .\rيَعْنِي لَزِمَ .\rوَفِي لَفْظٍ : { الْمُتَبَايِعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْبَيْعُ كَانَ عَنْ خِيَارٍ ، فَإِنْ كَانَ الْبَيْعُ","part":7,"page":436},{"id":3436,"text":"عَنْ خِيَارٍ فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَالْأَخْذُ بِالزِّيَادَةِ أَوْلَى .\rوَالتَّخَايُرُ فِي ابْتِدَاءِ الْعَقْدِ وَبَعْدَهُ فِي الْمَجْلِسِ وَاحِدٌ ، فَالتَّخَايُرُ فِي ابْتِدَائِهِ أَنْ يَقُولَ : بِعْتُك وَلَا خِيَارَ بَيْنَنَا .\rوَيَقْبَلُ الْآخَرُ عَلَى ذَلِكَ ، فَلَا يَكُونُ لَهُمَا خِيَارٌ .\rوَالتَّخَايُرُ بَعْدَهُ أَنْ يَقُولَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَعْدَ الْعَقْدِ : اخْتَرْت إمْضَاءَ الْعَقْدِ ، أَوْ إلْزَامَهُ ، أَوْ اخْتَرْت الْعَقْدَ ، أَوْ أَسْقَطْت خِيَارِي .\rفَيَلْزَمُ الْعَقْدُ مِنْ الطَّرَفَيْنِ ، وَإِنْ اخْتَارَ أَحَدُهُمَا دُونَ الْآخَرِ ، لَزِمَ فِي حَقِّهِ وَحْدَهُ ، كَمَا لَوْ كَانَ خِيَارُ الشَّرْطِ لَهُمَا ، فَأَسْقَطَ أَحَدُهُمَا خِيَارَهُ دُونَ الْآخَرِ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ : فِي التَّخَايُرِ فِي ابْتِدَاءِ الْعَقْدِ قَوْلَانِ ، أَظْهَرُهُمَا لَا يُقْطَعُ الْخِيَارُ ؛ لِأَنَّهُ إسْقَاطٌ لِلْحَقِّ قَبْلَ سَبَبِهِ ، فَلَمْ يَجُزْ ، كَخِيَارِ الشُّفْعَةِ .\rفَعَلَى هَذَا ، هَلْ يَبْطُلُ الْعَقْدُ بِهَذَا الشَّرْطِ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ ، بِنَاءً عَلَى الشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ .\rوَلَنَا ، قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { فَإِنْ خَيَّرَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ ، فَتَبَايَعَا عَلَى ذَلِكَ ، فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ } .\rوَقَوْلُهُ : { إلَّا أَنْ يَكُونَ الْبَيْعُ كَانَ عَنْ خِيَارٍ ، فَإِنْ كَانَ الْبَيْعُ عَنْ خِيَارٍ وَجَبَ الْبَيْعُ } .\rوَهَذَا صَرِيحٌ فِي الْحُكْمِ ، فَلَا يُعَوَّلُ عَلَى مَا خَالَفَهُ .\rوَلِأَنَّ مَا أَثَّرَ فِي الْخِيَارِ فِي الْمَجْلِسِ ، أَثَّرَ فِيهِ مُقَارِنًا لِلْعَقْدِ ، كَاشْتِرَاطِ الْخِيَارِ .\rوَلِأَنَّهُ أَحَدُ الْخِيَارَيْنِ فِي الْبَيْعِ ، فَجَازَ إخْلَاؤُهُ عَنْهُ ، كَخِيَارِ الشَّرْطِ .\rوَقَوْلُهُمْ : إنَّهُ إسْقَاطٌ لِلْخِيَارِ قَبْلَ سَبَبِهِ .\rلَيْسَ كَذَلِكَ ، فَإِنَّ سَبَبَ الْخِيَارِ الْبَيْعُ الْمُطْلَقُ ، فَأَمَّا الْبَيْعُ مَعَ التَّخَايُرِ فَلَيْسَ بِسَبَبِ لَهُ .\rثُمَّ لَوْ ثَبَتَ أَنَّهُ سَبَبُ الْخِيَارِ ، لَكِنَّ الْمَانِعَ مُقَارِنٌ لَهُ ، فَلَمْ يَثْبُتْ حُكْمُهُ ، وَأَمَّا الشَّفِيعُ ، فَإِنَّهُ أَجْنَبِيٌّ مِنْ الْعَقْدِ ، فَلَمْ يَصِحَّ اشْتِرَاطُ إسْقَاطِ","part":7,"page":437},{"id":3437,"text":"خِيَارِهِ فِي الْعَقْدِ ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا .\rفَإِنْ قَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ : اخْتَرْ .\rوَلَمْ يَقُلْ الْآخَرُ شَيْئًا ، فَالسَّاكِتُ مِنْهُمَا عَلَى خِيَارِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ مَا يُبْطِلُ خِيَارَهُ .\rوَأَمَّا الْقَائِلُ ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَبْطُلَ خِيَارُهُ ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا ، أَوْ يَقُولُ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ : اخْتَرْ } .\rرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ، وَأَبُو دَاوُد ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَلِأَنَّهُ جَعَلَ لِصَاحِبِهِ مَا مَلَكَهُ مِنْ الْخِيَارِ ، فَسَقَطَ خِيَارُهُ ، وَهَذَا ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَبْطُلَ خِيَارُهُ ؛ لِأَنَّهُ خَيَّرَهُ ، فَلَمْ يَخْتَرْ ، فَلَمْ يُؤَثِّرْ فِيهِ ، كَمَا لَوْ جَعَلَ لِزَوْجَتِهِ الْخِيَارَ ، فَلَمْ تَخْتَرْ ، شَيْئًا ، وَيُحْمَلُ الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّهُ خَيَّرَهُ فَاخْتَارَ ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى ؛ لِظَاهِرِ الْحَدِيثِ .\rوَلِأَنَّهُ جَعَلَ الْخِيَارَ لِغَيْرِهِ ، وَيُفَارِقُ الزَّوْجَةَ ؛ لِأَنَّهُ مَلَّكَهَا مَا لَا تَمْلِكُ ، فَإِذَا لَمْ تَقْبَلْ ، سَقَطَ ، وَهَا هُنَا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَمْلِكُ الْخِيَارَ ، فَلَمْ يَكُنْ قَوْلُهُ تَمْلِيكًا ، إنَّمَا كَانَ إسْقَاطًا ، فَسَقَطَ .","part":7,"page":438},{"id":3438,"text":"( 2758 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( فَإِنْ تَلِفَتْ السِّلْعَةُ ، أَوْ كَانَ عَبْدًا فَأَعْتَقَهُ الْمُشْتَرِي ، أَوْ مَاتَ ، بَطَلَ الْخِيَارُ ) أَمَّا إذَا تَلِفَتْ السِّلْعَةُ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ ، فَلَا يَخْلُو ، إمَّا أَنْ تَكُونَ قَبْلَ الْقَبْضِ ، أَوْ بَعْدَهُ ، فَإِنْ كَانَ قَبْلَ الْقَبْضِ ، وَكَانَ مَكِيلًا ، أَوْ مَوْزُونًا ، انْفَسَخَ الْبَيْعُ ، وَكَانَ مِنْ مَالِ الْبَائِعِ ، وَلَا أَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا ، إلَّا أَنْ يُتْلِفَهُ الْمُشْتَرِي ، فَيَكُونَ مِنْ ضَمَانِهِ ، وَيَبْطُلَ خِيَارُهُ .\rوَفِي خِيَارِ الْبَائِعِ رِوَايَتَانِ .\rوَإِنْ كَانَ الْمَبِيعُ غَيْرَ الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ ، وَلَمْ يَمْنَعْ الْبَائِعُ الْمُشْتَرِيَ مِنْ قَبْضِهِ ، فَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ مِنْ ضَمَانِ الْمُشْتَرِي ، وَيَكُونُ كَتَلَفِهِ بَعْدَ الْقَبْضِ .\rوَأَمَّا إنْ تَلِفَ الْمَبِيعُ بَعْدَ الْقَبْضِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ ، فَهُوَ مِنْ ضَمَانِ الْمُشْتَرِي ، وَيَبْطُلُ خِيَارُهُ .\rوَفِي خِيَارِ الْبَائِعِ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، يَبْطُلُ ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الْخِرَقِيِّ ، وَأَبِي بَكْرٍ ؛ لِأَنَّهُ خِيَارُ فَسْخٍ ، فَبَطَلَ بِتَلَفِ الْمَبِيعِ ، كَخِيَارِ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ إذَا تَلِفَ الْمَعِيبُ .\rوَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ ، لَا يَبْطُلُ ، وَلِلْبَائِعِ أَنْ يَفْسَخَ وَيُطَالِبَ الْمُشْتَرِيَ بِقِيمَتِهِ ، وَهَذَا اخْتِيَارُ الْقَاضِي وَابْنِ عَقِيلٍ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا } .\rوَلِأَنَّهُ خِيَارُ فَسْخٍ ، فَلَمْ يَبْطُلْ بِتَلَفِ الْمَبِيعِ ، كَمَا لَوْ اشْتَرَى ثَوْبًا بِثَوْبٍ ، فَتَلِفَ أَحَدُهُمَا ، وَوَجَدَ الْآخَرُ بِالثَّوْبِ عَيْبًا ، فَإِنَّهُ يَرُدُّهُ ، وَيَرْجِعُ بِقِيمَةِ ثَوْبِهِ ، كَذَا هَاهُنَا .\rوَأَمَّا إذَا أَعْتَقَهُ الْمُشْتَرِي ، فَإِنَّ خِيَارَهُ يَبْطُلُ ؛ لِأَنَّهُ أَتْلَفَهُ ، وَفِي بُطْلَانِ خِيَارِ الْبَائِعِ رِوَايَتَانِ ، كَمَا لَوْ تَلِفَ الْمَبِيعُ .\rوَخِيَارُ الْمَجْلِسِ ، وَخِيَارُ الشَّرْطِ فِي هَذَا كُلِّهِ سَوَاءٌ .","part":7,"page":439},{"id":3439,"text":"( 2759 ) فَصْلٌ : وَمَتَى تَصَرَّفَ الْمُشْتَرِي فِي الْمَبِيعِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ تَصَرُّفًا يَخْتَصُّ الْمِلْكَ ، بَطَلَ خِيَارُهُ ، كَإِعْتَاقِ الْعَبْدِ ، وَكِتَابَتِهِ ، وَبَيْعِهِ ، وَهِبَتِهِ ، وَوَطْءِ الْجَارِيَةِ ، أَوْ مُبَاشَرَتِهَا ، أَوْ لَمْسِهَا لِشَهْوَةِ ، وَوَقْفِ الْمَبِيعِ ، وَرُكُوبِ الدَّابَّةِ لِحَاجَتِهِ ، أَوْ سَفَرٍ ، أَوْ حَمْلِهِ عَلَيْهَا ، أَوْ سُكْنَى الدَّارِ ، وَرَمِّهَا ، وَحَصَادِ الزَّرْعِ ، وَقَصْلٍ مِنْهُ ، فَمَا وُجِدَ مِنْ هَذَا فَهُوَ رِضَاءٌ بِالْمَبِيعِ ، وَيَبْطُلُ بِهِ خِيَارُهُ ؛ لِأَنَّ الْخِيَارَ يَبْطُلُ بِالتَّصْرِيحِ بِالرِّضَاءِ ، وَبِدَلَالَتِهِ ، وَلِذَلِكَ يَبْطُلُ خِيَارُ الْمُعْتَقَةِ بِتَمْكِينِهَا الزَّوْجَ مِنْ وَطْئِهَا ، { وَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إنْ وَطِئَك فَلَا خِيَارَ لَك .\r} وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيِّ .\rفَأَمَّا رُكُوبُ الدَّابَّةِ لِيَنْظُرَ سَيْرَهَا ، وَالطَّحْنُ عَلَى الرَّحَى لِيَعْلَمَ قَدْرَ طَحْنِهَا ، وَحَلْبُ الشَّاةِ لِيَعْلَمَ قَدْرَ لَبَنِهَا ، وَنَحْوُ ذَلِكَ ، فَلَيْسَ بِرِضَا بِالْبَيْعِ ، وَلَا يَبْطُلُ خِيَارُهُ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْمَقْصُودُ بِالْخِيَارِ ، وَهُوَ اخْتِبَارُ الْمَبِيعِ ، وَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ وَجْهًا فِي أَنَّ تَصَرُّفَ الْمُشْتَرِي لَا يُبْطِلُ خِيَارَهُ ، وَلَا يَبْطُلُ إلَّا بِالتَّصْرِيحِ بِالرِّضَا .\rوَلَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ هَذَا يَتَضَمَّنُ إجَازَةَ الْبَيْعِ ، وَيَدُلُّ عَلَى الرِّضَا بِهِ ، فَبَطَلَ بِهِ الْخِيَارُ كَصَرِيحِ الْقَوْلِ .\rوَلِأَنَّ التَّصْرِيحَ إنَّمَا أَبْطَلَ الْخِيَارَ لِدَلَالَتِهِ عَلَى الرِّضَا بِهِ ، فَمَا دَلَّ عَلَى الرِّضَا بِهِ يَقُومُ مَقَامَهُ ، كَكِنَايَاتِ الطَّلَاقِ ، تَقُومُ مَقَامَ صَرِيحِهِ .\rوَإِنْ عَرَضَهُ عَلَى الْبَيْعِ ، أَوْ بَاعَهُ بَيْعًا فَاسِدًا ، أَوْ عَرَضَهُ عَلَى الرَّهْنِ ، أَوْ غَيْرِهِ مِنْ التَّصَرُّفَات ، أَوْ وَهَبَهُ ، فَلَمْ يَقْبَلْ الْمَوْهُوبُ لَهُ ، بَطَلَ خِيَارُهُ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى الرِّضَا بِهِ .\rقَالَ أَحْمَدُ : إذَا اشْتَرَطَ الْخِيَارَ ، فَبَاعَهُ قَبْلَ ذَلِكَ بِرِبْحٍ ، فَالرِّبْحُ لِلْمُبْتَاعِ ؛","part":7,"page":440},{"id":3440,"text":"لِأَنَّهُ وَجَبَ عَلَيْهِ حِينَ عَرَضَهُ .\rوَإِنْ اسْتَخْدَمَ الْمُشْتَرِي الْمَبِيعَ ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، لَا يَبْطُلُ خِيَارُهُ ، وَقَالَ أَبُو الصَّقْرِ : قُلْت لِأَحْمَدَ : رَجُلٌ اشْتَرَى جَارِيَةً ، وَلَهُ الْخِيَارُ فِيهَا يَوْمَيْنِ ، فَانْطَلَقَ بِهَا ، فَغَسَلَتْ رَأْسَهُ ، أَوْ غَمَزَتْ رِجْلَهُ ، أَوْ طَحَنَتْ لَهُ ، أَوْ خَبَزَتْ ، هَلْ يَسْتَوْجِبُهَا بِذَلِكَ ؟ قَالَ : لَا ، حَتَّى يَبْلُغَ مِنْهَا مَا لَا يَحِلُّ لِغَيْرِهِ .\rقُلْت : فَإِنْ مَشَطَهَا ، أَوْ خَضَّبَهَا ، أَوْ حَفَّهَا ، هَلْ يَسْتَوْجِبُهَا بِذَلِكَ ؟ قَالَ : قَدْ بَطَلَ خِيَارُهُ ؛ لِأَنَّهُ وَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهَا .\rوَذَلِكَ لِأَنَّ الِاسْتِخْدَامَ لَا يَخْتَصُّ الْمِلْكَ ، وَيُرَادُ لِتَجْرِبَةِ الْمَبِيعِ ، فَأَشْبَهَ رُكُوبَ الدَّابَّةِ لِيَعْلَم سَيْرَهَا .\rوَنَقَلَ حَرْبٌ ، عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّهُ يَبْطُلُ خِيَارُهُ ؛ لِأَنَّهُ انْتِفَاعٌ بِالْمَبِيعِ ، أَشْبَهَ لَمْسَهَا لِشَهْوَةِ .\rوَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ : مَا قُصِدَ بِهِ مِنْ الِاسْتِخْدَامِ ، تَجْرِبَةُ الْمَبِيعِ ، لَا يُبْطِلُ الْخِيَارَ ، كَرُكُوبِ الدَّابَّةِ لِيَعْلَمَ سَيْرَهَا ، وَمَا لَا يُقْصَدُ بِهِ ذَلِكَ يُبْطِلُ الْخِيَارَ ، كَرُكُوبِ الدَّابَّةِ لِحَاجَتِهِ ، وَإِنْ قَبَّلَتْ الْجَارِيَةُ الْمُشْتَرِيَ لَمْ يَبْطُلْ خِيَارُهُ ، وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : يَحْتَمِلُ أَنْ يَبْطُلَ خِيَارُهُ إذَا لَمْ يَمْنَعْهَا ؛ لِأَنَّ إقْرَارَهُ لَهَا عَلَى ذَلِكَ يَجْرِي مَجْرَى اسْتِمْتَاعِهِ بِهَا .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إنَّ قَبَّلَتْهُ لِشَهْوَةِ بَطَلَ خِيَارُهُ ، لِأَنَّهُ اسْتِمْتَاعٌ يَخْتَصُّ الْمِلْكَ ، فَأَبْطَلَ خِيَارَهُ ، كَقُبْلَتِهِ لَهَا .\rوَلَنَا : أَنَّهَا قُبْلَةٌ لِأَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ ، فَلَمْ يَبْطُلْ خِيَارُهُ ، كَمَا لَوْ قَبَّلَتْ الْبَائِعَ .\rوَلِأَنَّ الْخِيَارَ لَهُ ، لَا لَهَا ، فَلَوْ أَلْزَمْنَاهُ بِفِعْلِهَا لَأَلْزَمْنَاهُ بِغَيْرِ رِضَاهُ ، وَلَا دَلَالَةَ عَلَيْهِ ، وَفَارَقَ مَا إذَا قَبَّلَهَا ؛ فَإِنَّهُ وُجِدَ مِنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى الرِّضَا بِهَا .\rوَمَتَى بَطَلَ خِيَارُ الْمُشْتَرِي بِتَصَرُّفِهِ ، فَخِيَارُ","part":7,"page":441},{"id":3441,"text":"الْبَائِعِ بَاقٍ بِحَالِهِ ؛ لِأَنَّ خِيَارَهُ لَا يَبْطُلُ بِرِضَا غَيْرِهِ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ تَصَرُّفُ الْمُشْتَرِي بِإِذْنِ الْبَائِعِ ، فَإِنَّهُ يَبْطُلُ خِيَارُهُمَا مَعًا ؛ لِوُجُودِ الرِّضَا مِنْهُمَا بِإِبْطَالِهِ .\rوَإِنْ تَصَرَّفَ الْبَائِعُ فِي الْمَبِيعِ بِمَا يَفْتَقِرُ إلَى الْمِلْكِ ، كَانَ فَسْخًا لِلْبَيْعِ ، وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيِّ ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ فِي الْمُشْتَرِي .\rوَلِأَنَّهُ أَحَدُ الْمُتَعَاقِدَيْنِ ، فَتَصَرُّفُهُ فِي الْمَبِيعِ اخْتِيَارٌ لَهُ ، كَالْمُشْتَرِي .\rوَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى ، أَنَّهُ لَا يَنْفَسِخُ الْبَيْعُ بِذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ انْتَقَلَ عَنْهُ ، فَلَمْ يَكُنْ تَصَرُّفُهُ فِيهِ اسْتِرْجَاعًا لَهُ ، كَمَنْ وَجَدَ مَالَهُ عِنْدَ مُفْلِسٍ ، فَتَصَرَّفَ فِيهِ .","part":7,"page":442},{"id":3442,"text":"( 2760 ) فَصْلٌ : وَيَنْتَقِلُ الْمِلْكُ إلَى الْمُشْتَرِي فِي بَيْعِ الْخِيَارِ بِنَفْسِ الْعَقْدِ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ الْخِيَارِ لَهُمَا ، أَوْ لَأَحَدِهِمَا ، أَيَّهُمَا كَانَ ، وَهَذَا أَحَدُ أَقْوَالِ الشَّافِعِيِّ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ : أَنَّ الْمِلْكَ لَا يَنْتَقِلُ حَتَّى يَنْقَضِيَ الْخِيَارُ ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَالْقَوْلُ الثَّانِي لِلشَّافِعِي ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إذَا كَانَ الْخِيَارُ لَهُمَا وَلِلْبَائِعِ ، وَإِنْ كَانَ لِلْمُشْتَرِي خَرَجَ عَنْ مِلْكِ الْبَائِعِ ، فَلَمْ يَدْخُلْ فِي مِلْكِ الْمُشْتَرِي ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ الَّذِي فِيهِ الْخِيَارُ عَقْدٌ قَاصِرٌ ، فَلَمْ يَنْقُلْ الْمِلْكَ ، كَالْهِبَةِ قَبْلَ الْقَبْضِ .\rوَالْقَوْلُ الثَّالِثُ لِلشَّافِعِي : أَنَّ الْمِلْكَ مَوْقُوفٌ مُرَاعًى ، فَإِنْ أَمْضَيَا الْبَيْعَ تَبَيَّنَّا أَنَّ الْمِلْكَ لِلْمُشْتَرِي ، وَإِلَّا تَبَيَّنَّا أَنَّهُ لَمْ يَنْتَقِلْ عَنْ الْبَائِعِ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ بَاعَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ ، فَمَالُهُ لِلْبَائِعِ ، إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُبْتَاعُ } .\rرَوَاهُ مُسْلِمٌ ، وَقَوْلُهُ : { مَنْ بَاعَ نَخْلًا بَعْدَ أَنْ تُؤَبَّرَ فَثَمَرَتُهُ لِلْبَائِعِ ، إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُبْتَاعُ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rفَجَعَلَهُ لِلْمُبْتَاعِ بِمُجَرَّدِ اشْتِرَاطِهِ ، وَهُوَ عَامٌ فِي كُلِّ بَيْعٍ .\rوَلِأَنَّهُ بَيْعٌ صَحِيحٌ ، فَنَقَلَ الْمِلْكَ عَقِيبَهُ ، كَاَلَّذِي لَا خِيَارَ لَهُ .\rوَلِأَنَّ الْبَيْعَ تَمْلِيكٌ ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ : مَلَّكْتُكَ .\rفَيَثْبُتُ بِهِ الْمِلْكُ ، كَسَائِرِ الْبَيْعِ .\rيُحَقِّقُهُ أَنَّ التَّمْلِيكَ يَدُلُّ عَلَى نَقْلِ الْمِلْكِ إلَى الْمُشْتَرِي ، وَيَقْتَضِيهِ لَفْظُهُ ، وَالشَّرْعُ قَدْ اعْتَبَرَهُ وَقَضَى بِصِحَّتِهِ ، فَيَجِبُ أَنْ يَعْتَبِرَهُ فِيمَا يَقْتَضِيهِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ لَفْظُهُ ، وَثُبُوتُ الْخِيَارِ فِيهِ لَا يُنَافِيهِ ، كَمَا لَوْ بَاعَ عَرْضًا بِعَرْضِ ، فَوَجَدَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِمَا اشْتَرَاهُ عَيْبًا .\rوَقَوْلُهُمْ : إنَّهُ قَاصِرٌ .\rغَيْرُ صَحِيحٍ ، وَجَوَازُ فَسْخِهِ لَا يُوجِبُ قُصُورَهُ ، وَلَا","part":7,"page":443},{"id":3443,"text":"يَمْنَعُ نَقْلَ الْمِلْكِ كَبَيْعِ الْمَعِيبِ ، وَامْتِنَاعُ التَّصَرُّفِ إنَّمَا كَانَ لِأَجْلِ حَقِّ الْغَيْرِ ، فَلَا يَمْنَعُ ثُبُوتَ الْمِلْكِ ، كَالْمَرْهُونِ ، وَالْمَبِيعِ قَبْلَ الْقَبْضِ .\rوَقَوْلُهُمْ : إنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ مِلْكِ الْبَائِعِ ، وَلَا يَدْخُلُ فِي مِلْكِ الْمُشْتَرِي .\rلَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّهُ يُفْضِي إلَى وُجُودِ مِلْكٍ لَا مَالِكَ لَهُ ، وَهُوَ مُحَالٌ ، وَيُفْضِي أَيْضًا إلَى ثُبُوتِ الْمِلْكِ لِلْبَائِعِ فِي الثَّمَنِ مِنْ غَيْرِ حُصُولِ عِوَضِهِ لِلْمُشْتَرِي ، أَوْ إلَى نَقْلِ مِلْكِهِ عَنْ الْمَبِيعِ مِنْ غَيْرِ ثُبُوتِهِ فِي عِوَضِهِ ، وَكَوْنُ الْعَقْدِ مُعَاوَضَةً يَأْبَى ذَلِكَ .\rوَقَوْلُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ : إنَّ الْمِلْكَ مَوْقُوفٌ ، إنْ أَمْضَيَا الْبَيْعَ تَبَيَّنَّا أَنَّهُ انْتَقَلَ ، وَإِلَّا فَلَا .\rغَيْرُ صَحِيحٍ أَيْضًا ؛ فَإِنَّ انْتِقَالَ الْمِلْكِ إنَّمَا يَنْبَنِي عَلَى سَبَبِهِ النَّاقِلِ لَهُ ، وَهُوَ الْبَيْعُ ، وَذَلِكَ لَا يَخْتَلِفُ بِإِمْضَائِهِ وَفَسْخِهِ ، فَإِنَّ إمْضَاءَهُ لَيْسَ مِنْ الْمُقْتَضِي وَلَا شَرْطًا فِيهِ ، إذْ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمَا ثَبَتَ الْمِلْكُ قَبْلَهُ ، وَالْفَسْخُ لَيْسَ بِمَانِعٍ ؛ فَإِنَّ الْمَنْعَ لَا يَتَقَدَّمُ الْمَانِعَ ، كَمَا أَنَّ الْحُكْمَ لَا يَسْبِقُ سَبَبَهُ وَلَا شَرْطَهُ .\rوَلِأَنَّ الْبَيْعَ مَعَ الْخِيَارِ سَبَبٌ يَثْبُتُ الْمِلْكُ عَقِيبَهُ فِيمَا إذَا لَمْ يُفْسَخْ ، فَوَجَبَ أَنْ يُثْبِتُهُ وَإِنْ فُسِخَ ، كَبَيْعِ الْمَعِيبِ ، وَهَذَا ظَاهِرٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ .","part":7,"page":444},{"id":3444,"text":"( 2761 ) فَصْل : وَمَا يَحْصُلُ مِنْ غَلَّاتِ الْمَبِيعِ ؛ وَنَمَائِهِ الْمُنْفَصِلِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ ، فَهُوَ لِلْمُشْتَرِي ، أَمْضَيَا الْعَقْدَ ، أَوْ فَسَخَاهُ ، قَالَ أَحْمَدُ فِي مَنْ اشْتَرَى عَبْدًا ، فَوُهِبَ لَهُ مَالٌ قَبْلَ التَّفَرُّقِ ، ثُمَّ اخْتَارَ الْبَائِعُ الْعَبْدَ : فَالْمَالُ لِلْمُشْتَرِي .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : إنْ أَمْضَيَا الْعَقْدَ ، وَقُلْنَا : الْمِلْكُ لِلْمُشْتَرِي ، أَوْ مَوْقُوفٌ .\rفَالنَّمَاءُ الْمُنْفَصِلُ لَهُ ، وَإِنْ قُلْنَا : الْمِلْكُ لِلْبَائِعِ .\rفَالنَّمَاءُ لَهُ .\rوَإِنْ فَسَخَا الْعَقْدَ ، وَقُلْنَا : الْمِلْكُ لِلْبَائِعِ ، أَوْ مَوْقُوفٌ .\rفَالنَّمَاءُ لَهُ ، وَإِلَّا فَهُوَ لِلْمُشْتَرِي .\rوَلَنَا ، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ } .\rقَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ .\rوَهَذَا مِنْ ضَمَانِ الْمُشْتَرِي ، فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ خَرَاجُهُ لَهُ .\rوَلِأَنَّ الْمِلْكَ يَنْتَقِلُ بِالْبَيْعِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا ، فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ نَمَاؤُهُ لَهُ ، كَمَا بَعْدَ انْقِضَاءِ الْخِيَارِ .\rوَيَتَخَرَّجُ أَنْ يَكُونَ النَّمَاءُ الْمُنْفَصِلُ لِلْبَائِعِ إذَا فَسَخَا الْعَقْدَ ، بِنَاءً عَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي قُلْنَا : إنَّ الْمِلْكَ لَا يَنْتَقِلُ .\rفَأَمَّا النَّمَاءُ الْمُتَّصِلُ فَهُوَ تَابِعٌ لِلْمَبِيعِ ، أَمْضَيَا الْعَقْدَ ، أَوْ فَسَخَاهُ ، كَمَا يَتْبَعُهُ فِي الرَّدِّ بِالْعَيْبِ وَالْمُقَايَلَةِ .","part":7,"page":445},{"id":3445,"text":"( 2762 ) فَصْلٌ : وَضَمَانُ الْمَبِيعِ عَلَى الْمُشْتَرِي إذَا قَبَضَهُ ، وَلَمْ يَكُنْ مَكِيلًا ، وَلَا مَوْزُونًا .\rفَإِنْ تَلِفَ ، أَوْ نَقَصَ ، أَوْ حَدَثَ بِهِ عَيْبٌ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ ، فَهُوَ مِنْ ضَمَانِهِ ؛ لِأَنَّهُ مِلْكُهُ ، وَغَلَّتُهُ لَهُ ، فَكَانَ مِنْ ضَمَانِهِ ، كَمَا بَعْدَ انْقِضَاءِ الْخِيَارِ ، وَمُؤْنَتُهُ عَلَيْهِ .\rوَإِنْ كَانَ عَبْدًا ، فَهَلَّ هِلَالُ شَوَّالٍ ، فَفِطْرَتُهُ عَلَيْهِ لِذَلِكَ .\rفَإِنْ اشْتَرَى حَامِلًا ، فَوَلَدَتْ عِنْدَهُ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ ، ثُمَّ رَدَّهَا عَلَى الْبَائِعِ ، لَزِمَهُ رَدُّ وَلَدِهَا ؛ لِأَنَّهُ مَبِيعٌ حَدَثَتْ فِيهِ بِزِيَادَةِ مُتَّصِلَةٌ ، فَلَزِمَهُ رَدُّهُ بِزِيَادَتِهِ ، كَمَا لَوْ اشْتَرَى عَبْدَيْنِ ، فَسَمِنَ أَحَدُهُمَا عِنْدَهُ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ : لَا يَرُدُّ الْوَلَدَ ؛ لِأَنَّ الْحَمْلَ لَا حُكْمَ لَهُ ؛ لِأَنَّهُ جُزْءٌ مُتَّصِلٌ بِالْأُمِّ ، فَلَمْ يَأْخُذْ قِسْطًا مِنْ الثَّمَنِ ، كَأَطْرَافِهَا .\rوَلَنَا ، أَنَّ كُلَّ مَا يُقَسَّطُ عَلَيْهِ الثَّمَنُ إذَا كَانَ مُنْفَصِلًا ، يُقَسَّطُ عَلَيْهِ إذَا كَانَ مُتَّصِلًا ، كَاللَّبَنِ .\rوَمَا قَالُوهُ يَبْطُلُ بِالْجُزْءِ الْمُشَاعِ ، كَالثُّلُثِ ، وَالرُّبْعِ ، وَالْحُكْمُ فِي الْأَصْلِ مَمْنُوعٌ ، ثُمَّ يُفَارِقُ الْحَمْلُ الْأَطْرَافَ ؛ لِأَنَّهُ يَئُولُ إلَى الِانْفِصَالِ ، وَيُنْتَفَعُ بِهِ مُنْفَصِلًا ، وَيَصِحُّ إفْرَادُهُ بِالْعِتْقِ ، وَالْوَصِيَّةُ بِهِ ، وَلَهُ ، وَيَرِثُ إنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْمِيرَاثِ ، وَيُفْرَدُ بِالدِّيَةِ ، وَيَرِثُهَا وَرَثَتُهُ .\rوَلَا يَصِحُّ قَوْلُهُمْ : إنَّهُ لَا حُكْمَ لِلْحَمْلِ .\rلِهَذِهِ الْأَحْكَامِ وَغَيْرِهَا مِمَّا ذَكَرْنَاهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ .","part":7,"page":446},{"id":3446,"text":"( 2763 ) فَصْلٌ : وَإِنْ تَصَرَّفَ أَحَدُ الْمُتَبَايِعَيْنِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ فِي الْمَبِيعِ تَصَرُّفًا يَنْقُلُ الْمَبِيعَ ، كَالْبَيْعِ ، وَالْهِبَةِ ، وَالْوَقْفِ ، أَوْ يَشْغَلُهُ ، كَالْإِجَارَةِ ، وَالتَّزْوِيجِ ، وَالرَّهْنِ ، وَالْكِتَابَةِ ، وَنَحْوِهَا ، لَمْ يَصِحَّ تَصَرُّفُهُ ، إلَّا الْعِتْقُ ، سَوَاءٌ وُجِدَ مِنْ الْبَائِعِ ، أَوْ الْمُشْتَرِي ؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ تَصَرَّفَ فِي غَيْرِ مِلْكِهِ ، وَالْمُشْتَرِي يُسْقِطُ حَقَّ الْبَائِعِ مِنْ الْخِيَارِ ، وَاسْتِرْجَاعِ الْمَبِيعِ ، فَلَمْ يَصِحَّ تَصَرُّفُهُ فِيهِ ، كَالتَّصَرُّفِ فِي الرَّهْنِ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْخِيَارُ لِلْمُشْتَرِي وَحْدَهُ ، فَيَنْفُذُ تَصَرُّفُهُ ، وَيَبْطُلُ خِيَارُهُ ؛ لِأَنَّهُ لَا حَقَّ لِغَيْرِهِ فِيهِ ، وَثُبُوتُ الْخِيَارِ لَهُ لَا يَمْنَعُ تَصَرُّفَهُ فِيهِ ، كَالْمَعِيبِ .\rقَالَ أَحْمَدُ : إذَا اشْتَرَطَ الْخِيَارَ ، فَبَاعَهُ قَبْلَ ذَلِكَ بِرِبْحٍ ، فَالرِّبْحُ لِلْمُبْتَاعِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ حِينَ عَرَضَهُ .\rيَعْنِي بَطَلَ خِيَارُهُ ، وَلَزِمَهُ .\rوَهَذَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ فِيمَا إذَا شَرَطَ الْخِيَارَ لَهُ وَحْدَهُ ، وَكَذَلِكَ إذَا قُلْنَا : إنَّ الْبَيْعَ لَا يَنْقُلُ الْمِلْكَ ، وَكَانَ الْخِيَارُ لَهُمَا ، أَوْ لِلْبَائِعِ وَحْدَهُ ، فَتَصَرَّفَ فِيهِ الْبَائِعُ ، نَفَذَ تَصَرُّفُهُ ، وَصَحَّ ؛ لِأَنَّهُ مَلَكَهُ ، وَلَهُ إبْطَالُ خِيَارِ غَيْرِهِ ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى : فِي تَصَرُّفِ الْمُشْتَرِي فِي الْمَبِيعِ قَبْلَ التَّفَرُّقِ بِبَيْعٍ أَوْ هِبَةٍ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ فِي صِحَّتِهِ إسْقَاطَ حَقِّ الْبَائِعِ مِنْ الْخِيَارِ .\rوَالثَّانِيَةُ ، هُوَ مَوْقُوفٌ ؛ فَإِنْ تَفَرَّقَا قَبْلَ الْفَسْخِ صَحَّ ، وَإِنْ اخْتَارَ الْبَائِعُ الْفَسْخَ بَطَلَ بَيْعُ الْمُشْتَرِي .\rقَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ : إذَا اشْتَرَى ثَوْبًا بِشَرْطٍ ، فَبَاعَهُ بِرِبْحٍ قَبْلَ انْقِضَاءِ الشَّرْطِ ، يَرُدُّهُ إلَى صَاحِبِهِ إنْ طَلَبَهُ ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى رَدِّهِ ، فَلِلْبَائِعِ قِيمَةُ الثَّوْبِ ؛ لِأَنَّهُ اسْتَهْلَكَ ثَوْبَهُ ، أَوْ يُصَالِحُهُ .\rفَقَوْلُهُ : يَرُدُّهُ إنْ طَلَبَهُ .\rيَدُلُّ","part":7,"page":447},{"id":3447,"text":"عَلَى أَنَّ وُجُوبَ رَدِّهِ مَشْرُوطٌ بِطَلَبِهِ .\rوَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ ، عَنْ { ابْنِ عُمَرَ ، أَنَّهُ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ ، فَكَانَ عَلَى بَكْرٍ صَعْبٍ ، وَكَانَ يَتَقَدَّمُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَقُولُ لَهُ أَبُوهُ : لَا يَتَقَدَّمُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَدٌ .\rفَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : بِعْنِيهِ .\rفَقَالَ عُمَرُ : هُوَ لَك يَا رَسُولَ اللَّهِ .\rفَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هُوَ لَك يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ، فَاصْنَعْ بِهِ مَا شِئْت } .\rوَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّصَرُّفَ قَبْلَ التَّفَرُّقِ جَائِزٌ ، وَذَكَرَ أَصْحَابُنَا فِي صِحَّةِ تَصَرُّفِ الْمُشْتَرِي بِالْوَقْفِ وَجْهًا آخَرَ ؛ لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ يُبْطِلُ الشُّفْعَةَ ، فَأَشْبَهَ الْعِتْقَ ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ التَّصَرُّفَاتِ ؛ لِأَنَّ الْمَبِيعَ يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّ الْبَائِعِ تَعَلُّقًا يَمْنَعُ جَوَازَ التَّصَرُّفِ ، فَمَنَعَ صِحَّتَهُ ، كَالرَّهْنِ .\rوَيُفَارِقُ الْوَقْفُ الْعِتْقَ ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ مَبْنِيٌّ عَلَى التَّغْلِيبِ وَالسِّرَايَةِ ، بِخِلَافِ الْوَقْفِ .\rوَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ ، فَلَيْسَ فِيهِ تَصْرِيحٌ بِالْبَيْعِ ، فَإِنَّ قَوْلَ عُمَرَ : هُوَ لَك .\rيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ هِبَةً ، وَهُوَ الظَّاهِرُ ، فَإِنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ ثَمَنًا ، وَالْهِبَةُ لَا يَثْبُتُ فِيهَا الْخِيَارُ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : تَصَرُّفُ الْبَائِعِ فِي الْمَبِيعِ بِالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ وَنَحْوِهِمَا صَحِيحٌ ؛ لِأَنَّهُ إمَّا أَنْ يَكُونَ عَلَى مِلْكِهِ فَيُمْلَكُ بِالْعَقْدِ عَلَيْهِ ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ لِلْمُشْتَرِي ، وَالْبَائِعُ يَمْلِكُ فَسْخَهُ ، فَجَعَلَ الْبَيْعَ وَالْهِبَةَ فَسْخًا .\rوَأَمَّا تَصَرُّفُ الْمُشْتَرِي ، فَلَا يَصِحُّ إذَا قُلْنَا : الْمِلْكُ لِغَيْرِهِ .\rوَإِنْ قُلْنَا : الْمِلْكُ لَهُ .\rفَفِي صِحَّةِ تَصَرُّفِهِ وَجْهَانِ .\rوَلَنَا ، عَلَى إبْطَالِ تَصَرُّفِ الْبَائِعِ ، أَنَّهُ تَصَرَّفَ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ وِلَايَةٍ شَرْعِيَّةٍ ، وَلَا نِيَابَةٍ","part":7,"page":448},{"id":3448,"text":"عُرْفِيَّةٍ ، فَلَمْ يَصِحُّ ، كَمَا بَعْدَ الْخِيَارِ .\rوَقَوْلُهُمْ : يَمْلِكُ الْفَسْخَ .\rقُلْنَا : إلَّا أَنَّ ابْتِدَاءَ التَّصَرُّفِ لَمْ يُصَادِفْ مِلْكَهُ ، فَلَمْ يَصِحَّ ، كَتَصَرُّفِ الْأَبِ فِيمَا وَهَبَ لِوَلَدِهِ قَبْلَ اسْتِرْجَاعِهِ ، وَتَصَرُّفِ الشَّفِيعِ فِي الشِّقْصِ الْمَشْفُوعِ قَبْلَ أَخْذِهِ .","part":7,"page":449},{"id":3449,"text":"( 2764 ) فَصْلٌ : وَإِنْ تَصَرَّفَ الْمُشْتَرِي بِإِذْنِ الْبَائِعِ ، أَوْ الْبَائِعِ بِوِكَالَةِ الْمُشْتَرِي ، صَحَّ التَّصَرُّفُ ، وَانْقَطَعَ خِيَارُهُمَا ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى تَرَاضِيهِمَا بِإِمْضَاءِ الْبَيْعِ ، فَيُقْطَعُ بِهِ خِيَارُهُمَا ، كَمَا لَوْ تَخَايَرَا ، وَيَصِحُّ تَصَرُّفُهُمَا ؛ لِأَنَّ قَطْعَ الْخِيَارِ حَصَلَ بِالْإِذْنِ فِي الْبَيْعِ ، فَيَقَعُ الْبَيْعُ بَعْدَ انْقِطَاعِ الْخِيَارِ .\rوَإِنْ تَصَرَّفَ الْبَائِعُ بِإِذْنِ الْمُشْتَرِي ، احْتَمَلَ أَنْ يَقَعَ صَحِيحًا ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى فَسْخِ الْبَيْعِ ، أَوْ اسْتِرْجَاعِ الْمَبِيعِ ، فَيَقَعُ تَصَرُّفُهُ بَعْدَ اسْتِرْجَاعِهِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَصِحَّ ؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ لَا يَحْتَاجُ إلَى إذْنِ الْمُشْتَرِي فِي اسْتِرْجَاعِ الْمَبِيعِ ، فَيَصِيرُ كَتَصَرُّفِهِ بِغَيْرِ إذْنِ الْمُشْتَرِي ، وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهُ لَا يَصِحُّ ، كَذَا هَاهُنَا .\rوَكُلُّ مَوْضِعٍ قُلْنَا : إنَّ تَصَرُّفَ الْبَائِعِ لَا يَنْفُذُ ، وَلَكِنْ يَنْفَسِخُ بِهِ الْبَيْعُ .\rفَإِنَّهُ مَتَى أَعَادَ ذَلِكَ التَّصَرُّفَ ، أَوْ تَصَرَّفَ تَصَرُّفًا سِوَاهُ ، صَحَّ ؛ لِأَنَّهُ بِفَسْخِ الْبَيْعِ عَادَ إلَيْهِ الْمِلْكُ ، فَصَحَّ تَصَرُّفُهُ فِيهِ ، كَمَا لَوْ فَسَخَ الْبَيْعَ بِصَرِيحِ قَوْلِهِ ، ثُمَّ تَصَرَّفَ فِيهِ ، وَكَذَلِكَ إنْ تَقَدَّمَ تَصَرُّفَهُ مَا يَنْفَسِخُ بِهِ الْبَيْعُ ، صَحَّ تَصَرُّفُهُ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا .\r( 2765 ) فَصْلٌ : وَإِنْ تَصَرَّفَ أَحَدُهُمَا بِالْعِتْقِ ، نَفَذَ عِتْقُ مَنْ حَكَمْنَا بِالْمِلْكِ لَهُ ، وَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّ الْمِلْكَ لِلْمُشْتَرِي ، فَيَنْفُذُ عِتْقُهُ ، سَوَاءٌ كَانَ الْخِيَارُ لَهُمَا ، أَوْ لَأَحَدِهِمَا ؛ لِأَنَّهُ عِتْقٌ مِنْ مَالِكِ جَائِزِ التَّصَرُّفِ ، فَنَفَذَ ، كَمَا بَعْدَ الْمُدَّةِ .\rوَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا عِتْقَ فِيمَا لَا يَمْلِكُ ابْنُ آدَمَ } .\rيَدُلُّ بِمَفْهُومِهِ عَلَى أَنَّهُ يَنْفُذُ فِي الْمِلْكِ ، وَمِلْكُ الْبَائِعِ لِلْفَسْخِ لَا يَمْنَعُ نُفُوذَ الْعِتْقِ ، كَمَا لَوْ بَاعَ عَبْدًا بِجَارِيَةٍ مُعَيَّنَةٍ ، فَإِنَّ مُشْتَرِيَ الْعَبْدِ يَنْفُذُ عِتْقُهُ ، مَعَ أَنَّ","part":7,"page":450},{"id":3450,"text":"لِلْبَائِعِ الْفَسْخَ .\rوَلَوْ وَهَبَ رَجُلٌ ابْنَهُ عَبْدًا ، فَأَعْتَقَهُ ، نَفَذَ عِتْقُهُ ، مَعَ مِلْكِ الْأَبِ لِاسْتِرْجَاعِهِ .\rوَلَا يَنْفُذُ عِتْقُ الْبَائِعِ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَمَالِكٌ يَنْفُذُ عِتْقُهُ ؛ لِأَنَّهُ مِلْكُهُ ، وَإِنْ كَانَ الْمِلْكُ انْتَقَلَ فَإِنَّهُ يَسْتَرْجِعُهُ بِالْعِتْقِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ إعْتَاقٌ مِنْ غَيْرِ مَالِكٍ ، فَلَمْ يَنْفُذْ ، كَعِتْقِ الْأَبِ عَبْدَ ابْنِهِ الَّذِي وَهَبَهُ إيَّاهُ ، وَقَدْ دَلَلْنَا عَلَى أَنَّ الْمِلْكَ انْتَقَلَ إلَى الْمُشْتَرِي .\rوَإِنْ قُلْنَا بِالرِّوَايَةِ الْأُخْرَى ، وَأَنَّ الْمِلْكَ لَمْ يَنْتَقِلْ إلَى الْمُشْتَرِي ، نَفَذَ عِتْقُ الْبَائِعِ دُونَ الْمُشْتَرِي .\rوَإِنْ أَعْتَقَ الْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِي جَمِيعًا ، فَإِنْ تَقَدَّمَ عِتْقُ الْمُشْتَرِي ، فَالْحُكْمُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا ، وَإِنْ تَقَدَّمَ عِتْقُ الْبَائِعِ ، فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَنْفُذَ عِتْقُ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ لَمْ يَنْفُذْ عِتْقُهُ ؛ لِكَوْنِهِ أَعْتَقَ غَيْرَ مَمْلُوكِهِ ، وَلَكِنْ حَصَلَ بِإِعْتَاقِهِ فَسْخُ الْبَيْعِ ، وَاسْتِرْجَاعُ الْعَبْدِ ، فَلَمْ يَنْفُذْ عِتْقُ الْمُشْتَرِي .\rوَمَتَى أَعَادَ الْبَائِعُ الْإِعْتَاقَ مَرَّةً ثَانِيَةً ، نَفَذَ إعْتَاقُهُ ؛ لِأَنَّهُ عَادَ الْعَبْدُ إلَيْهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ اسْتَرْجَعَهُ بِصَرِيحِ قَوْلِهِ .\rوَلَوْ اشْتَرَى مَنْ يَعْتِقُ عَلَيْهِ ، جَرَى مَجْرَى إعْتَاقِهِ بِصَرِيحِ قَوْلِهِ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا حُكْمَهُ .\rوَإِنْ بَاعَ عَبْدًا بِجَارِيَةٍ ، بِشَرْطِ الْخِيَارِ ، فَأَعْتَقَهُمَا ، نَفَذَ عِتْقُ الْأَمَةِ دُونَ الْعَبْدِ .\rوَإِنْ أَعْتَقَ أَحَدَهُمَا ، ثُمَّ أَعْتَقَ الْآخَرَ ، نَظَرْت ، فَإِنْ أَعْتَقَ الْأَمَةَ أَوَّلًا ، نَفَذَ عِتْقُهَا ، وَبَطَلَ خِيَارُهُ ، وَلَمْ يَنْفُذْ عِتْقُ الْعَبْدِ ، وَإِنْ أَعْتَقَ الْعَبْدَ أَوَّلًا ، انْفَسَخَ الْبَيْعُ ، وَرَجَعَ إلَيْهِ الْعَبْدُ ، وَلَمْ يَنْفُذْ إعْتَاقُهُ ، وَلَا يَنْفُذُ عِتْقُ الْأَمَةِ ؛ لِأَنَّهَا خَرَجَتْ بِالْفَسْخِ عَنْ مِلْكِهِ ، وَعَادَتْ إلَى سَيِّدِهَا الْبَائِعِ لَهَا .","part":7,"page":451},{"id":3451,"text":"( 2766 ) فَصْلٌ : إذَا قَالَ لِعَبْدِهِ : إذَا بِعْتُك فَأَنْتَ حُرٌّ .\rثُمَّ بَاعَهُ ، صَارَ حُرًّا ، نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ .\rوَسَوَاءٌ شَرَطَا الْخِيَارَ أَوْ لَمْ يَشْرِطَاهُ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالثَّوْرِيُّ : لَا يَعْتِقُ ؛ لِأَنَّهُ إذَا تَمَّ بَيْعُهُ زَالَ مِلْكُهُ عَنْهُ .\rفَلَمْ يَنْفُذْ إعْتَاقُهُ لَهُ .\rوَلَنَا ، أَنَّ زَمَنَ انْتِقَالِ الْمِلْكِ زَمَنُ الْحُرِّيَّةِ ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ سَبَبٌ لِنَقْلِ الْمِلْكِ ، وَشَرْطٌ لِلْحُرِّيَّةِ .\rفَيَجِبُ تَغْلِيبُ الْحُرِّيَّةِ ، كَمَا لَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ : إذَا مِتُّ فَأَنْتَ حُرٌّ ، وَلِأَنَّهُ عَلَّقَ حُرِّيَّتَهُ عَلَى فِعْلِهِ لِلْبَيْعِ .\rوَالصَّادِرُ مِنْهُ فِي الْبَيْعِ إنَّمَا هُوَ الْإِيجَابُ ، فَمَتَى قَالَ لِلْمُشْتَرِي : بِعْتُك .\rفَقَدْ وُجِدَ شَرْطُ الْحُرِّيَّةِ ، فَيَعْتِقُ قَبْلَ قَبُولِ الْمُشْتَرِي ، وَعَلَّلَهُ الْقَاضِي بِأَنَّ الْخِيَارَ ثَابِتٌ فِي كُلِّ بَيْعٍ ، فَلَا يَنْقَطِعُ تَصَرُّفُهُ فِيهِ .\rفَعَلَى هَذَا لَوْ تَخَايَرَا ثُمَّ بَاعَهُ لَمْ يَعْتِقْ ، وَلَا يَصِحُّ هَذَا التَّعْلِيلُ عَلَى مَذْهَبنَا .\rفَإِنَّنَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْبَائِعَ لَوْ أَعْتَقَ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ لَمْ يَنْفُذْ إعْتَاقُهُ .","part":7,"page":452},{"id":3452,"text":"( 2767 ) فَصْلٌ : وَلَا يَجُوزُ لِلْمُشْتَرِي وَطْءُ الْجَارِيَةِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ إذَا كَانَ الْخِيَارُ لَهُمَا أَوْ لِلْبَائِعِ وَحْدَهُ ؛ لِأَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِهَا حَقُّ الْبَائِعِ ، فَلَمْ يُبَحْ لَهُ وَطْؤُهَا كَالْمَرْهُونَةِ ، وَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا اخْتِلَافًا ، فَإِنْ وَطِئَهَا فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ الْحَدَّ يُدْرَأُ بِشُبْهَةِ الْمِلْكِ فَبِحَقِيقَتِهِ أَوْلَى ، وَلَا مَهْرَ لَهَا ؛ لِأَنَّهَا مَمْلُوكَتُهُ ، وَإِنْ عَلِقَتْ مِنْهُ ، فَالْوَلَدُ حُرٌّ يَلْحَقُهُ نَسَبُهُ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَمَتِهِ ، وَلَا يَلْزَمُهُ قِيمَتُهُ ، وَتَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ ، وَإِنْ فَسَخَ الْبَائِعُ الْبَيْعَ رَجَعَ بِقِيمَتِهَا ؛ لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ الْفَسْخُ فِيهَا ، وَلَا يَرْجِعُ بِقِيمَةِ وَلَدِهَا ؛ لِأَنَّهُ حَدَثَ فِي مِلْكِ الْمُشْتَرِي .\rوَإِنْ قُلْنَا : إنَّ الْمِلْكَ لَا يَنْتَقِلُ إلَى الْمُشْتَرِي ، فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ أَيْضًا ؛ لِأَنَّ لَهُ فِيهَا شُبْهَةً لِوُجُودِ سَبَبِ نَقْلِ الْمِلْكِ إلَيْهِ ، وَاخْتِلَافِ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي ثُبُوتِ الْمِلْكِ لَهُ ، وَالْحَدُّ يُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ ، وَعَلَيْهِ الْمَهْرُ ، وَقِيمَةُ الْوَلَدِ يَكُونُ حُكْمُهَا حُكْمَ نَمَائِهَا ، وَإِنْ عَلِمَ التَّحْرِيمَ ، وَأَنَّ مِلْكَهُ غَيْرُ ثَابِتٍ ، فَوَلَدُهُ رَقِيقٌ .\rوَأَمَّا الْبَائِعُ فَلَا يَحِلُّ لَهُ الْوَطْءُ قَبْلَ فَسْخِ الْبَيْعِ .\rوَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ : لَهُ وَطْؤُهَا ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ يَنْفَسِخُ بِوَطْئِهِ ، فَإِنْ كَانَ الْمِلْكُ انْتَقَلَ رَجَعَتْ إلَيْهِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ انْتَقَلَ انْقَطَعَ حَقُّ الْمُشْتَرِي مِنْهَا ، فَيَكُونُ وَاطِئًا لِمَمْلُوكَتِهِ الَّتِي لَا حَقَّ لِغَيْرِهِ فِيهَا .\rوَلَنَا أَنَّ الْمِلْكَ انْتَقَلَ عَنْهُ فَلَمْ يَحِلَّ لَهُ وَطْؤُهَا ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { إلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنْ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمْ الْعَادُونَ } ، وَلِأَنَّ ابْتِدَاءَ الْوَطْءِ يَقَعُ فِي غَيْرِ مِلْكِهِ ، فَيَكُونُ حَرَامًا .\rوَلَوْ انْفَسَخَ الْبَيْعُ قَبْلَ وَطْئِهِ ، لَمْ تَحِلَّ لَهُ حَتَّى يَسْتَبْرِئَهَا ، وَلَا","part":7,"page":453},{"id":3453,"text":"يَلْزَمُهُ حَدٌّ .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا : إنْ عَلِمَ التَّحْرِيمَ ، وَأَنَّ مِلْكَهُ قَدْ زَالَ ، وَلَا يَنْفَسِخُ بِالْوَطْءِ ، فَعَلَيْهِ الْحَدُّ .\rوَذَكَرَ أَنَّ أَحْمَدَ نَصَّ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ وَطْأَهُ لَمْ يُصَادِفْ مِلْكًا وَلَا شُبْهَةَ مِلْكٍ .\rوَلَنَا ، أَنَّ مِلْكَهُ يَحْصُلُ بِابْتِدَاءِ وَطْئِهِ ، فَيَحْصُلُ تَمَامُ الْوَطْءِ فِي مِلْكِهِ ، مَعَ اخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ فِي كَوْنِ الْمِلْكِ لَهُ ، وَحِلَّ الْوَطْءُ لَهُ ، وَلَا يَجِبُ الْحَدُّ مَعَ وَاحِدَةٍ مِنْ هَذِهِ الشُّبُهَاتِ ، فَكَيْفَ إذَا اجْتَمَعَتْ ، مَعَ أَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَحْصُلَ الْفَسْخُ بِالْمُلَامَسَةِ قَبْلَ الْوَطْءِ ، فَيَكُونُ الْمِلْكُ قَدْ رَجَعَ إلَيْهِ قَبْلَ وَطْئِهِ ، وَلِهَذَا قَالَ أَحْمَدُ فِي الْمُشْتَرِي : إنَّهَا قَدْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ حِينَ وَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهَا .\rفِيمَا إذَا مَشَطَهَا ، أَوْ خَضَّبَهَا ، أَوْ حَفَّهَا ، فَبِوَضْعِ يَدِهِ عَلَيْهَا لِلْجِمَاعِ وَلَمْسِ فَرْجِهَا بِفَرْجِهِ أَوْلَى .\rفَعَلَى هَذَا يَكُونُ وَلَدُهُ مِنْهَا حُرًّا ، وَنَسَبُهُ لَاحِقٌ بِهِ ، وَلَا يَلْزَمُهُ قِيمَتُهُ ، وَلَا مَهْرَ عَلَيْهِ ، وَتَصِيرُ الْأَمَةُ أُمَّ وَلَدِهِ .\rوَقَالَ أَصْحَابُنَا : إنْ عَلِمَ التَّحْرِيمَ فَوَلَدُهُ رَقِيقٌ ، وَلَا يَلْحَقُهُ نَسَبُهُ .\rفَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ لَحِقَهُ النَّسَبُ ، وَوَلَدُهُ حُرٌّ ، وَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ يَوْمَ الْوِلَادَةِ ، وَعَلَيْهِ الْمَهْرُ ، وَلَا تَصِيرُ الْأَمَةُ أُمَّ وَلَدِهِ ، لِأَنَّهُ وَطِئَهَا فِي غَيْرِ مِلْكِهِ .","part":7,"page":454},{"id":3454,"text":"( 2768 ) فَصْلٌ : وَلَا بَأْسَ بِنَقْدِ الثَّمَنِ وَقَبْضِ الْمَبِيعِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيِّ وَكَرِهَهُ مَالِكٌ .\rقَالَ : لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى بَيْعٍ وَسَلَفٍ إذَا أَقْبَضَهُ الثَّمَنَ ثُمَّ تَفَاسَخَا الْبَيْعَ ، صَارَ كَأَنَّهُ أَقْرَضَهُ إيَّاهُ .\rوَلَنَا ، أَنَّ هَذَا حُكْمٌ مِنْ أَحْكَامِ الْبَيْعِ ، فَجَازَ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ ، كَالْإِجَارَةِ ، وَمَا ذَكَرَهُ لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّنَا لَمْ نُجِزْ لَهُ التَّصَرُّفَ فِيهِ ( 2769 ) فَصْلٌ : قَوْلُ الْخِرَقِيِّ : \" أَوْ مَاتَ \" الظَّاهِرُ أَنَّهُ أَرَادَ الْعَبْدَ ، وَرَدَّ الضَّمِيرَ إلَيْهِ ، وَهُوَ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ : \" أَوْ تَلِفَتْ السِّلْعَةُ \" .\rوَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ رَدَّ الضَّمِيرَ إلَى الْمُشْتَرِي ، وَأَرَادَ إذَا مَاتَ الْمُشْتَرِي بَطَلَ الْخِيَارُ ؛ لِأَنَّ مَوْتَ الْعَبْدِ قَدْ تَنَاوَلَهُ بِقَوْلِهِ : \" أَوْ تَلِفَتْ السِّلْعَةُ \" .\rوَالْحُكْمُ فِي مَوْتِ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي وَاحِدٌ .\rوَالْمَذْهَبُ أَنَّ خِيَارَ الْمَيِّتِ مِنْهُمَا يَبْطُلُ بِمَوْتِهِ ، وَيَبْقَى خِيَارُ الْآخَرِ بِحَالِهِ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمَيِّتُ قَدْ طَالَبَ بِالْفَسْخِ قَبْلَ مَوْتِهِ فِيهِ ، فَيَكُونُ لِوَرَثَتِهِ .\rوَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ .\rوَيَتَخَرَّجُ أَنَّ الْخِيَارَ لَا يَبْطُلُ ، وَيَنْتَقِلُ إلَى وَرَثَتِهِ ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ مَالِيٌّ ، فَيَنْتَقِلُ إلَى الْوَارِثِ ، كَالْأَجَلِ وَخِيَارِ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ ، وَلِأَنَّهُ حَقُّ فَسْخٍ لِلْبَيْعِ ، فَيَنْتَقِلُ إلَى الْوَارِثِ ، كَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ ، وَالْفَسْخِ بِالتَّحَالُفِ ، وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ وَلَنَا ، أَنَّهُ حَقُّ فَسْخٍ لَا يَجُوزُ الِاعْتِيَاضُ عَنْهُ ؛ فَلَمْ يُورَثْ كَخِيَارِ الرُّجُوعِ فِي الْهِبَةِ .","part":7,"page":455},{"id":3455,"text":"( 2770 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِذَا تَفَرَّقَا مِنْ غَيْرِ فَسْخٍ لَمْ يَكُنْ لِأَحَدِهِمَا رَدُّهُ إلَّا بِعَيْبٍ أَوْ خِيَارٍ ) لَا خِلَافَ فِي أَنَّ الْبَيْعَ يَلْزَمُ بَعْدَ التَّفَرُّقِ ، مَا لَمْ يَكُنْ سَبَبٌ يَقْتَضِي جَوَازَهُ ، وَقَدْ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { وَإِنْ تَفَرَّقَا بَعْدَ أَنْ تَبَايَعَا وَلَمْ يَتْرُكْ أَحَدُهُمَا الْبَيْعَ فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ } ، وَقَوْلُهُ : { الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ حَتَّى يَتَفَرَّقَا } .\rجَعَلَ التَّفَرُّقَ غَايَةً لِلْخِيَارِ .\rوَمَا بَعْدَ الْغَايَةِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُخَالِفًا لِمَا قَبْلَهَا ، إلَّا أَنْ يَجِدَ بِالسِّلْعَةِ عَيْبًا فَيَرُدَّهَا بِهِ ، أَوْ يَكُونَ قَدْ شَرَطَ الْخِيَارَ لِنَفْسِهِ مُدَّةً مَعْلُومَةً ، فَيَمْلِكُ الرَّدَّ أَيْضًا .\rوَلَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي ثُبُوتِ الرَّدِّ بِهَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ .\rوَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { الْمُؤْمِنُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ } .\rاسْتَشْهَدَ بِهِ الْبُخَارِيُّ .\rوَفِي مَعْنَى الْعَيْبِ أَنَّ يُدَلِّسَ الْمَبِيعَ بِمَا يَخْتَلِفُ بِهِ الثَّمَنُ ، أَوْ يَشْتَرِطَ فِي الْمَبِيعِ صِفَةً يَخْتَلِفُ بِهَا الثَّمَنُ ، فَيَتَبَيَّنُ بِخِلَافِهِ ، فَيَثْبُتُ لَهُ الْخِيَارُ أَيْضًا .\rوَيَقْرُبُ مِنْهُ مَا لَوْ أَخْبَرَهُ فِي الْمُرَابَحَةِ فِي الثَّمَنِ أَنَّهُ حَالٌّ ، فَبَانَ مُؤَجَّلًا ، وَنَحْوَ هَذَا ، وَنَذْكُرُ هَذَا فِي مَوَاضِعِهِ .\r( 2771 ) فَصْلٌ : وَلَوْ أَلْحَقَا فِي الْعَقْدِ خِيَارًا بَعْدَ لُزُومِهِ لَمْ يَلْحَقْهُ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ : يَلْحَقُهُ ؛ لِأَنَّ لَهُمَا فَسْخَ الْعَقْدِ ، فَكَانَ لَهُمَا إلْحَاقُ الْخِيَارِ بِهِ كَحَالَةِ الْمَجْلِسِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ عَقْدٌ لَازِمٌ فَلَمْ يَصِرْ جَائِزًا بِقَوْلِهِمَا ، كَالنِّكَاحِ .\rوَفَارَقَ حَالَ الْمَجْلِسِ ؛ لِأَنَّهُ جَائِزٌ .","part":7,"page":456},{"id":3456,"text":"( 2772 ) فَصْلٌ : وَكَلَامُ الْخِرَقِيِّ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ بُيُوعَ الْأَعْيَانِ الْمَرْئِيَّةِ ، فَلَا يَكُونُ فِيهِ تَعَرُّضٌ لِبَيْعِ الْغَائِبِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ كُلَّ مَا يُسَمَّى خِيَارًا ، فَيَدْخُلُ فِيهِ خِيَارُ الرُّؤْيَةِ وَغَيْرُهُ .\rوَفِي بَيْعِ الْغَائِبِ رِوَايَتَانِ ؛ أَظْهَرُهُمَا ، أَنَّ الْغَائِبَ الَّذِي لَمْ يُوصَفْ ، وَلَمْ تَتَقَدَّمْ رُؤْيَتُهُ لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّعْبِيُّ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَالْحَسَنُ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَإِسْحَاقُ .\rوَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ .\rوَفِي رِوَايَةٌ أُخْرَى ، أَنَّهُ يَصِحُّ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَالْقَوْلُ الثَّانِي لِلشَّافِعِي .\rوَهَلْ يَثْبُتُ لِلْمُشْتَرِي خِيَارُ الرُّؤْيَةِ ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ ؛ أَشْهَرُهُمَا ثُبُوتُهُ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ .\rوَاحْتَجَّ مَنْ أَجَازَهُ بِعُمُومِ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ } .\rوَرُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ ، وَطَلْحَةَ ، أَنَّهُمَا تَبَايَعَا دَارَيْهِمَا بِالْكُوفَةِ ، وَالْأُخْرَى بِالْمَدِينَةِ ، فَقِيلَ لِعُثْمَانَ : إنَّك قَدْ غَبِنْت ، فَقَالَ : مَا أُبَالِي ؛ لِأَنِّي بِعْت مَا لَمْ أَرَهُ .\rوَقِيلَ لِطَلْحَةَ ، فَقَالَ : لَيّ الْخِيَارُ ؛ لِأَنَّنِي اشْتَرَيْت مَا لَمْ أَرَهُ .\rفَتَحَاكَمَا إلَى جُبَيْرٍ ، فَجَعَلَ الْخِيَارَ لِطَلْحَةَ .\rوَهَذَا اتِّفَاقٌ مِنْهُمْ عَلَى صِحَّةِ الْبَيْعِ ، وَلِأَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ ، فَلَمْ تَفْتَقِرْ صِحَّتُهُ إلَى رُؤْيَةِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ ، كَالنِّكَاحِ .\rوَلَنَا ، مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أَنَّهُ { نَهَى عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ } .\rرَوَاهُ مُسْلِمٌ وَلِأَنَّهُ بَاعَ مَا لَمْ يَرَهُ وَلَمْ يُوصَفُ لَهُ ، فَلَمْ يَصِحَّ ، كَبَيْعِ النَّوَى فِي التَّمْرِ ، وَلِأَنَّهُ نَوْعُ بَيْعٍ فَلَمْ يَصِحَّ مَعَ الْجَهْلِ بِصِفَةِ الْمَبِيعِ ، كَالسَّلَمِ ، وَالْآيَةُ مَخْصُوصَةٌ بِالْأَصْلِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ .\rوَأَمَّا حَدِيثُ عُثْمَانَ وَطَلْحَةَ ، فَيَحْتَمِلُ أَنَّهُمَا تَبَايَعَا بِالصِّفَةِ ، عَلَى أَنَّهُ قَوْلُ صَحَابِيٍّ ، وَفِي كَوْنِهِ حُجَّةً خِلَافٌ ، وَلَا","part":7,"page":457},{"id":3457,"text":"يُعَارَضُ بِهِ حَدِيثُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالنِّكَاحُ لَا يُقْصَدُ مِنْهُ الْمُعَاوَضَةُ ، وَلَا يَفْسُدُ بِفَسَادِ الْعِوَضِ ، وَلَا يُتْرَكُ ذِكْرُهُ ، وَلَا يَدْخُلُهُ شَيْءٌ مِنْ الْخِيَارَات .\rوَفِي اشْتِرَاطِ الرُّؤْيَةِ مَشَقَّةٌ عَلَى الْمُخَدَّرَات وَإِضْرَارٌ بِهِنَّ .\rعَلَى أَنَّ الصِّفَات الَّتِي تُعْلَمُ بِالرُّؤْيَةِ لَيْسَتْ هِيَ الْمَقْصُودَةَ بِالنِّكَاحِ ، فَلَا يَضُرُّ الْجَهْلُ بِهَا بِخِلَافِ الْبَيْعِ .\rفَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { مَنْ اشْتَرَى مَا لَمْ يَرَهُ فَهُوَ بِالْخِيَارِ إذَا رَآهُ } .\rوَالْخِيَارُ لَا يَثْبُتُ إلَّا فِي عَقْدٍ صَحِيحٍ .\rقُلْنَا : هَذَا يَرْوِيهِ عُمَرُ بْنُ إبْرَاهِيم الْكُرْدِيُّ ، وَهُوَ مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ بِالْخِيَارِ بَيْنَ الْعَقْدِ عَلَيْهِ وَتَرْكِهِ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّهُ يُشْتَرَطُ رُؤْيَةُ مَا هُوَ مَقْصُودٌ بِالْبَيْعِ ، كَدَاخِلِ الثَّوْبِ ، وَشَعْرِ الْجَارِيَةِ ، وَنَحْوِهِمَا .\rفَلَوْ بَاعَ ثَوْبًا مَطْوِيًّا ، أَوْ عَيْنًا حَاضِرَةً ، لَا يُشَاهَدُ مِنْهَا مَا يَخْتَلِفُ الثَّمَنُ لِأَجْلِهِ ، كَانَ كَبَيْعِ الْغَائِبِ .\rوَإِنْ حَكَمْنَا بِالصِّحَّةِ ، فَلِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ عِنْدَ رُؤْيَةِ الْمَبِيعِ فِي الْفَسْخِ وَالْإِمْضَاءِ ، وَيَكُونُ عَلَى الْفَوْرِ ، فَإِنْ اخْتَارَ الْفَسْخَ فَلَهُ ذَلِكَ ، وَإِنْ لَمْ يَفْسَخْ لَزِمَ الْعَقْدُ ؛ لِأَنَّ الْخِيَارَ خِيَارُ الرُّؤْيَةِ ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ عِنْدَهَا .\rوَقِيلَ : يَتَقَيَّدُ بِالْمَجْلِسِ الَّذِي وُجِدَتْ الرُّؤْيَةُ فِيهِ ؛ لِأَنَّهُ خِيَارٌ ثَبَتَ بِمُقْتَضَى الْعَقْدِ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ ، فَتَقَيَّدَ بِالْمَجْلِسِ كَخِيَارِ الْمَجْلِسِ .\rوَإِنْ اخْتَارَ الْفَسْخَ قَبْلَ الرُّؤْيَةِ انْفَسَخَ ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ غَيْرُ لَازِمٍ فِي حَقِّهِ ، فَمَلَكَ الْفَسْخَ ، كَحَالَةِ الرُّؤْيَةِ .\rوَإِنْ اخْتَارَ إمْضَاءَ الْعَقْدِ ، لَمْ يَلْزَمْ ؛ لِأَنَّ الْخِيَارَ يَتَعَلَّقُ بِالرُّؤْيَةِ ، وَلِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى إلْزَامِ الْعَقْدِ عَلَى الْمَجْهُولِ ، فَيُفْضِي إلَى الضَّرَرِ ، وَكَذَلِكَ لَوْ تَبَايَعَا","part":7,"page":458},{"id":3458,"text":"بِشَرْطِ أَنْ لَا يَثْبُتَ الْخِيَارُ لِلْمُشْتَرِي ، لَمْ يَصِحَّ الشَّرْطُ لِذَلِكَ .\rوَهَلْ يَفْسُدُ الْبَيْعُ بِهَذَا الشَّرْطِ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ ، بِنَاءً عَلَى الشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ فِي الْبَيْعِ .","part":7,"page":459},{"id":3459,"text":"( 2773 ) فَصْلٌ : وَيُعْتَبَرُ لِصِحَّةِ الْعَقْدِ الرُّؤْيَةُ مِنْ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي جَمِيعًا ، وَإِنْ قُلْنَا بِصِحَّةِ الْبَيْعِ مَعَ عَدَمِ الرُّؤْيَةِ ، فَبَاعَ مَا لَمْ يَرَهُ ، فَلَهُ الْخِيَارُ عِنْدَ الرُّؤْيَةِ ، وَإِنْ لَمْ يَرَهُ الْمُشْتَرِي أَيْضًا ، فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْخِيَارُ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَيْسَ لَهُ الْخِيَارُ ؛ لِحَدِيثِ عُثْمَانَ وَطَلْحَةَ ، وَلِأَنَّنَا لَوْ جَعَلْنَا لَهُ الْخِيَارَ لَثَبَتَ لِتَوَهُّمِ الزِّيَادَةِ ، وَالزِّيَادَةُ فِي الْمَبِيعِ لَا تُثْبِتُ الْخِيَارَ .\rوَكَذَلِكَ لَوْ بَاعَ شَيْئًا عَلَى أَنَّهُ مَعِيبٌ ، فَبَانَ غَيْرَ مَعِيبٍ ، لَمْ يَثْبُتْ لَهُ الْخِيَارُ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ جَاهِلٌ بِصِفَةِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ فَأَشْبَهَ الْمُشْتَرِيَ ، فَأَمَّا الْخَبَرُ ، فَإِنَّهُ قَوْلُ جُبَيْرٍ وَطَلْحَةَ ، وَقَدْ خَالَفَهُمَا عُثْمَانُ ، وَقَوْلُهُ أَوْلَى ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ يُعْتَبَرُ فِيهِ الرِّضَى مِنْهُمَا ، فَتُعْتَبَرُ الرُّؤْيَةُ الَّتِي هِيَ مَظِنَّةُ الرِّضَى مِنْهُمَا .","part":7,"page":460},{"id":3460,"text":"( 2774 ) فَصْلٌ : وَإِذَا وَصَفَ الْمَبِيعَ لِلْمُشْتَرِي ، فَذَكَرَ لَهُ مِنْ صِفَاتِهِ مَا يَكْفِي فِي صِحَّةِ السَّلَمِ ، صَحَّ بَيْعُهُ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ ، لَا يَصِحُّ حَتَّى يَرَاهُ ؛ لِأَنَّ الصِّفَةَ لَا تَحْصُلُ بِهَا مَعْرِفَةُ الْمَبِيعِ ، فَلَمْ يَصِحَّ الْبَيْعُ بِهَا كَاَلَّذِي لَا يَصِحُّ السَّلَمُ فِيهِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ بَيْعٌ بِالصِّفَةِ ، فَصَحَّ كَالسَّلَمِ ، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ لَا تَحْصُلُ بِهِ مَعْرِفَةُ الْمَبِيعِ ، فَإِنَّهَا تَحْصُلُ بِالصِّفَاتِ الظَّاهِرَةِ الَّتِي يَخْتَلِفُ بِهَا الثَّمَنُ ظَاهِرًا ، وَهَذَا يَكْفِي ؛ بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَكْفِي فِي السَّلَمِ ، وَأَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ فِي الرُّؤْيَةِ الِاطِّلَاعُ عَلَى الصِّفَاتِ الْخَفِيَّةِ ، وَأَمَّا مَا لَا يَصِحُّ السَّلَمْ فِيهِ ، فَلَا يَصِحُّ بَيْعُهُ بِالصِّفَةِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ ضَبْطُهُ بِهَا .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّهُ مَتَى وَجَدَهُ عَلَى الصِّفَةِ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ الْفَسْخُ .\rوَبِهَذَا قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ ، وَأَيُّوبُ ، وَمَالِكٌ ، وَالْعَنْبَرِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ .\rوَقَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ : لَهُ الْخِيَارُ بِكُلِّ حَالٍ ؛ لِأَنَّهُ يُسَمَّى بَيْعَ خِيَارِ الرُّؤْيَةِ ، وَلِأَنَّ الرُّؤْيَةَ مِنْ تَمَامِ الْعَقْدِ ، فَأَشْبَهَ غَيْرَ الْمَوْصُوفِ .\rوَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَجْهَانِ كَالْمَذْهَبَيْنِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ سَلَّمَ لَهُ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ بِصِفَاتِهِ ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ الْخِيَارُ كَالْمُسْلَمِ فِيهِ ، وَلِأَنَّهُ مَبِيعٌ مَوْصُوفٌ ، فَلَمْ يَكُنْ لِلْعَاقِدِ فِيهِ الْخِيَارُ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ ، كَالسَّلَمِ .\rوَقَوْلُهُمْ : إنَّهُ يُسَمَّى بَيْعَ خِيَارِ الرُّؤْيَةِ .\rلَا نَعْرِفُ صِحَّتَهُ ، فَإِنْ ثَبَتَ ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يُسَمِّيَهُ مَنْ يَرَى ثُبُوتَ الْخِيَارِ ، وَلَا يُحْتَجُّ بِهِ عَلَى غَيْرِهِ ، فَأَمَّا إنْ وَجَدَهُ بِخِلَافِ الصِّفَةِ فَلَهُ الْخِيَارُ ، وَيُسَمَّى خِيَارَ الْخَلْفِ فِي الصِّفَةِ ؛ لِأَنَّهُ وَجَدَ الْمَوْصُوفَ بِخِلَافِ الصِّفَةِ ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ","part":7,"page":461},{"id":3461,"text":"كَالسَّلَمِ .\rوَإِنْ اخْتَلَفَا ، فَقَالَ الْبَائِعُ : لَمْ تَخْتَلِفْ الصِّفَةُ .\rوَقَالَ الْمُشْتَرِي : قَدْ اخْتَلَفَتْ .\rفَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ ، فَلَا يَلْزَمُهُ ، مَا لَمْ يُقِرَّ بِهِ ، أَوْ يَثْبُتُ بِبَيِّنَةٍ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهَا .","part":7,"page":462},{"id":3462,"text":"( 2775 ) فَصْلٌ : وَالْبَيْعُ بِالصِّفَةِ نَوْعَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، بَيْعُ عَيْنٍ مُعَيَّنَةٍ ، مِثْلُ أَنْ يَقُولَ : بِعْتُك عَبْدِي التُّرْكِيَّ .\rوَيَذْكُرُ سَائِرَ صِفَاتِهِ ، فَهَذَا يَنْفَسِخُ الْعَقْدُ عَلَيْهِ بِرَدِّهِ عَلَى الْبَائِعِ ، وَتَلَفِهِ قَبْلَ قَبْضِهِ ؛ لِكَوْنِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ مُعَيَّنًا ، فَيَزُولُ الْعَقْدُ بِزَوَالِ مَحِلِّهِ ، وَيَجُوزُ التَّفَرُّقُ قَبْلَ قَبْضِ ثَمَنِهِ ، وَقَبْضِهِ ، كَبَيْعِ الْحَاضِرِ .","part":7,"page":463},{"id":3463,"text":"الثَّانِي ، بَيْعُ مَوْصُوفٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ ، مِثْلُ أَنْ يَقُولَ : بِعْتُك عَبْدًا تُرْكِيًّا ، ثُمَّ يَسْتَقْصِي صِفَاتِ السَّلَمِ ، فَهَذَا فِي مَعْنَى السَّلَمِ ، فَمَتَى سَلَّمَ إلَيْهِ عَبْدًا ، عَلَى غَيْرِ مَا وَصَفَ ، فَرَدَّهُ ، أَوْ عَلَى مَا وَصَفَ ، فَأَبْدَلَهُ ، لَمْ يَفْسُدْ الْعَقْدُ ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ لَمْ يَقَعْ عَلَى غَيْرِ هَذَا ، فَلَمْ يَنْفَسِخْ الْعَقْدُ بِرَدِّهِ ، كَمَا لَوْ سَلَّمَ إلَيْهِ فِي السَّلَمِ غَيْرَ مَا وَصَفَ لَهُ ، فَرَدَّهُ .\rوَلَا يَجُوزُ التَّفَرُّقُ عَنْ مَجْلِسِ الْعَقْدِ قَبْلَ قَبْضِ الْمَبِيعِ ، أَوْ قَبْضِ ثَمَنِهِ .\rوَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ بَيْعٌ فِي الذِّمَّةِ ، فَلَمْ يَجُزْ التَّفَرُّقُ فِيهِ قَبْلَ قَبْضِ أَحَدِ الْعِوَضَيْنِ ، كَالسَّلَمِ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : يَجُوزُ التَّفَرُّقُ فِيهِ قَبْلَ الْقَبْضِ ؛ لِأَنَّهُ بَيْعٌ حَالٌّ ، فَجَازَ التَّفَرُّقُ فِيهِ قَبْلَ الْقَبْضِ ، كَبَيْعِ الْعَيْنِ .","part":7,"page":464},{"id":3464,"text":"( 2776 ) فَصْلٌ : إذَا رَأَيَا الْمَبِيعَ ، ثُمَّ عَقَدَا الْبَيْعَ بَعْدَ ذَلِكَ بِزَمَنٍ لَا تَتَغَيَّرُ الْعَيْنُ فِيهِ ، جَازَ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rوَحُكِيَ عَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى ، لَا يَجُوزُ حَتَّى يَرَيَاهَا حَالَةَ الْعَقْدِ .\rوَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ الْحَكَمِ ، وَحَمَّادٍ ؛ لِأَنَّ مَا كَانَ شَرْطًا فِي صِحَّةِ الْعَقْدِ ، يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَوْجُودًا حَالَ الْعَقْدِ ، كَالشَّهَادَةِ فِي النِّكَاحِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ مَعْلُومٌ عِنْدَهُمَا ، أَشْبَهَ مَا لَوْ شَاهِدَاهُ حَالَ الْعَقْدِ ، وَالشَّرْطُ إنَّمَا هُوَ الْعِلْمُ ، وَإِنَّمَا الرُّؤْيَةُ طَرِيقٌ لِلْعِلْمِ ، وَلِهَذَا اُكْتُفِيَ بِالصِّفَةِ الْمُحَصِّلَةِ لِلْعِلْمِ ، وَالشَّهَادَةُ فِي النِّكَاحِ تُرَادُ لِحِلِّ الْعَقْدِ وَالِاسْتِيثَاقِ عَلَيْهِ ، فَلِهَذَا اُشْتُرِطَتْ حَالَ الْعَقْدِ .\rوَيُقَرِّرُ مَا ذَكَرْنَاهُ مَا لَوْ رَأَيَا دَارًا ، وَوَقَفَا فِي بَيْتٍ مِنْهَا ، أَوْ أَرْضًا ، وَوَقَفَا فِي طَرِيقِهَا ، وَتَبَايَعَاهَا ، صَحَّ بِلَا خِلَافٍ مَعَ عَدَمِ الْمُشَاهَدَةِ لِلْكُلِّ فِي الْحَالِ .\rوَلَوْ كَانَتْ الرُّؤْيَةُ الْمَشْرُوطَةُ لِلْبَيْعِ مَشْرُوطَةً حَالَ الْعَقْدِ لَاشْتُرِطَ رُؤْيَةُ جَمِيعِهِ ، وَمَتَى وَجَدَ الْمَبِيعَ بِحَالِهِ ، لَمْ يَتَغَيَّرْ ، لَزِمَ الْبَيْعُ ، وَإِنْ كَانَ نَاقِصًا ثَبَتَ لَهُ الْخِيَارُ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ كَحُدُوثِ الْعَيْبِ .\rوَإِنْ اخْتَلَفَا فِي التَّغَيُّرِ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي مَعَ يَمِينِهِ ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ الثَّمَنُ ، فَلَا يَلْزَمُهُ مَا لَمْ يَعْتَرِفْ بِهِ .\rفَأَمَّا إنْ عُقِدَ الْبَيْعُ بَعْدَ رُؤْيَةِ الْمَبِيعِ بِمُدَّةٍ يَتَحَقَّقُ فِيهَا فَسَادُ الْمَبِيعِ ، لَمْ يَصِحَّ الْبَيْعُ ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ ، وَإِنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ فِيهَا ، لَمْ يَصِحَّ بَيْعُهُ ؛ لِأَنَّهُ مَجْهُولٌ .\rوَكَذَلِكَ إنْ كَانَ الظَّاهِرُ تَغَيُّرَهُ .\rفَأَمَّا إنْ كَانَ يَحْتَمِلُ التَّغَيُّرَ وَعَدَمَهُ ، وَلَيْسَ الظَّاهِرُ تَغَيُّرَهُ ، صَحَّ بَيْعُهُ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ السَّلَامَةُ ، وَلَمْ يُعَارِضْهُ ظَاهِرٌ ، فَصَحَّ بَيْعُهُ ، كَمَا لَوْ كَانَتْ الْغَيْبَةُ يَسِيرَةً ، وَهَذَا ظَاهِرُ","part":7,"page":465},{"id":3465,"text":"مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ .","part":7,"page":466},{"id":3466,"text":"( 2777 ) فَصْلٌ : وَيَثْبُتُ الْخِيَارُ فِي الْبَيْعِ لِلْغَبْنِ فِي مَوَاضِعَ : أَحَدُهَا ، تَلَقِّي الرُّكْبَانِ ، إذَا تَلَقَّاهُمْ فَاشْتَرَى مِنْهُمْ وَبَاعَهُمْ وَغَبَنَهُمْ .\rالثَّانِي : بَيْعُ النَّجْشِ .\rوَيُذْكَرَانِ فِي مَوَاضِعِهِمَا .\rالثَّالِثُ : الْمُسْتَرْسِلُ إذَا غُبِنَ غَبْنًا يَخْرُجُ عَنْ الْعَادَةِ ، فَلَهُ الْخِيَارُ بَيْنَ الْفَسْخِ وَالْإِمْضَاءِ .\rوَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى ، وَقَدْ قِيلَ : قَدْ لَزِمَهُ الْبَيْعُ وَلَيْسَ لَهُ فَسْخُهُ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ نُقْصَانَ قِيمَةِ السِّلْعَةِ مَعَ سَلَامَتِهَا لَا يَمْنَعُ لُزُومَ الْعَقْدِ ، كَبَيْعِ غَيْرِ الْمُسْتَرْسِلِ ، وَكَالْغَبْنِ الْيَسِيرِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ غَبْنٌ حَصَلَ لِجَهْلِهِ بِالْمَبِيعِ ، فَأَثْبَتِ الْخِيَارَ ، كَالْغَبْنِ فِي تَلَقِّي الرُّكْبَانِ ، فَأَمَّا غَيْرُ الْمُسْتَرْسِلِ ، فَإِنَّهُ دَخَلَ عَلَى بَصِيرَةٍ بِالْغَبْنِ ، فَهُوَ كَالْعَالِمِ بِالْعَيْبِ ، وَكَذَا لَوْ اسْتَعْجَلَ ، فَجَهِلَ مَا لَوْ تَثَبَّتَ لَعَلِمَهُ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ خِيَارٌ ؛ لِأَنَّهُ انْبَنَى عَلَى تَقْصِيرِهِ وَتَفْرِيطِهِ .\rوَالْمُسْتَرْسِلُ هُوَ الْجَاهِلُ بِقِيمَةِ السِّلْعَةِ ، وَلَا يُحْسِنُ الْمُبَايَعَةَ .\rقَالَ أَحْمَدُ : الْمُسْتَرْسِلُ ، الَّذِي لَا يُحْسِنُ أَنْ يُمَاكِسَ .\rوَفِي لَفْظٍ ، الَّذِي لَا يُمَاكِسُ .\rفَكَأَنَّهُ اسْتَرْسَلَ إلَى الْبَائِعِ ، فَأَخَذَ مَا أَعْطَاهُ مِنْ غَيْرِ مُمَاكَسَةٍ ، وَلَا مَعْرِفَةٍ بِغَبْنِهِ .\rفَأَمَّا الْعَالِمُ بِذَلِكَ ، وَاَلَّذِي لَوْ تَوَقَّفَ لَعَرَفَ ، إذَا اسْتَعْجَلَ فِي الْحَالِ فَغُبِنَ ، فَلَا خِيَارَ لَهُمَا .\rوَلَا تَحْدِيدَ لِلْغَبْنِ فِي الْمَنْصُوصِ عَنْ أَحْمَدَ ، وَحَدَّهُ أَبُو بَكْرٍ فِي \" التَّنْبِيهِ \" ، وَابْنُ أَبِي مُوسَى فِي \" الْإِرْشَادِ \" بِالثُّلُثِ .\rوَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ؛ لِأَنَّ الثُّلُثَ كَثِيرٌ ؛ بِدَلِيلِ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ } .\rوَقِيلَ : بِالسُّدُسِ ، وَقِيلَ : مَا لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِهِ فِي الْعَادَةِ ؛ لِأَنَّ مَا لَا يَرِدُ الشَّرْعُ بِتَحْدِيدِهِ يُرْجَعُ فِيهِ إلَى","part":7,"page":467},{"id":3467,"text":"الْعُرْفِ .","part":7,"page":468},{"id":3468,"text":"( 2778 ) فَصْلٌ : وَإِذَا وَقَعَ الْبَيْعُ عَلَى غَيْرِ مُعَيَّنٍ ، كَقَفِيزٍ مِنْ صُبْرَةٍ ، وَرِطْلِ زَيْتٍ مِنْ دَنٍّ ، فَمُقْتَضَى قَوْلِ الْخِرَقِيِّ ، إذَا تَفَرَّقَا مِنْ غَيْرِ فَسْخٍ ، لَمْ يَكُنْ لِأَحَدِهِمَا رَدُّهُ ، إلَّا بِعَيْبٍ أَوْ خِيَارٍ ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ هَاهُنَا يَلْزَمُ بِالتَّفَرُّقِ ، سَوَاءٌ تَقَابَضَا أَوْ لَمْ يَتَقَابَضَا .\rوَقَالَ الْقَاضِي : الْبَيْعُ لَا يَلْزَمُ إلَّا بِالْقَبْضِ ، كَالْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ .\rوَهَذَا تَصْرِيحٌ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ قَبْلَ قَبْضِهِ .\rوَذَكَرَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ ، مَنْ اشْتَرَى قَفِيزَيْنِ مِنْ صُبْرَتَيْنِ ، فَتَلِفَتْ إحْدَاهُمَا قَبْلَ الْقَبْضِ ، بَطَلَ الْعَقْدُ فِي التَّالِفِ دُونَ الْبَاقِي ، رِوَايَةً وَاحِدَةً ، وَلَا خِيَارَ لِلْبَائِعِ .\rوَهَذَا يَدُلُّ عَلَى اللُّزُومِ فِي حَقِّ الْبَائِعِ قَبْلَ الْقَبْضِ ، فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ جَائِزًا كَانَ لَهُ الْخِيَارُ ، سَوَاءٌ تَلِفَتْ إحْدَاهُمَا أَوْ لَمْ تَتْلَفْ ، وَوَجْهُ الْجَوَازِ ، أَنَّهُ مَبِيعٌ لَا يَمْلِكُ بَيْعَهُ ، وَلَا التَّصَرُّفَ فِيهِ ، فَكَانَ الْبَيْعُ فِيهِ جَائِزًا كَمَا قَبْلَ التَّفَرُّقِ ، وَلِأَنَّهُ لَوْ تَلِفَ لَكَانَ مِنْ ضَمَانِ الْبَائِعِ .\rوَوَجْهُ الْأَوَّلِ ، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { وَإِنْ تَفَرَّقَا بَعْدَ أَنْ تَبَايَعَا ، وَلَمْ يَتْرُكْ أَحَدُهُمَا الْبَيْعَ ، فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ } .\rوَمَا ذَكَرْنَاهُ لِلْقَوْلِ الْآخَرِ يَنْتَقِضُ بِبَيْعِ مَا تَقَدَّمَتْ رُؤْيَتُهُ ، وَبَيْعِ الْمَوْصُوفِ ، وَالسَّلَمِ ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَازِمٌ مَعَ مَا ذَكَرْنَاهُ ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْمَبِيعِ عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ .","part":7,"page":469},{"id":3469,"text":"( 2779 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَالْخِيَارُ يَجُوزُ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثٍ ) يَعْنِي ثَلَاثَ لَيَالٍ بِأَيَّامِهَا .\rوَإِنَّمَا ذَكَرَ اللَّيَالِي ؛ لِأَنَّ التَّارِيخَ يَغْلِبُ فِيهِ التَّأْنِيثُ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً } .\rوَقَالَ تَعَالَى : { يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا } .\rوَفِي حَدِيثِ حِبَّانَ : { وَلَك الْخِيَارُ ثَلَاثًا } .\rوَيَجُوزُ اشْتِرَاطُ الْخِيَارِ مَا يَتَّفِقَانِ عَلَيْهِ مِنْ الْمُدَّةِ الْمَعْلُومَةِ ، قَلَّتْ مُدَّتُهُ أَوْ كَثُرَتْ ، وَبِذَلِكَ قَالَ أَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ .\rوَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ الْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ ، وَالْعَنْبَرِيِّ ، وَابْنِ أَبِي لَيْلَى ، وَإِسْحَاقَ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَأَجَازَهُ مَالِكٌ فِيمَا زَادَ عَلَى الثَّلَاثِ بِقَدْرِ الْحَاجَةِ ، مِثْلُ قَرْيَةٍ لَا يَصِلُ إلَيْهَا فِي أَقَلِّ مِنْ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ ؛ لِأَنَّ الْخِيَارَ لِحَاجَتِهِ ، فَيُقَدَّرُ بِهَا .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ : لَا يَجُوزُ أَكْثَرُ مِنْ ثَلَاثٍ ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : مَا أَجِدُ لَكُمْ أَوْسَعَ مِمَّا جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِحِبَّانَ ، جَعَلَ لَهُ الْخِيَارَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ، إنْ رَضِيَ أَخَذَ ، وَإِنْ سَخِطَ تَرَكَ .\rوَلِأَنَّ الْخِيَارَ يُنَافِي مُقْتَضَى الْبَيْعِ ؛ لِأَنَّهُ يَمْنَعُ الْمِلْكَ وَاللُّزُومَ وَإِطْلَاقَ التَّصَرُّفِ ، وَإِنَّمَا جَازَ لِمَوْضِعِ الْحَاجَةِ ، فَجَازَ الْقَلِيلُ مِنْهُ ، وَآخِرُ حَدِّ الْقِلَّةِ ثَلَاثٌ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ } بَعْدَ قَوْلِهِ : { فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ } .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ حَقٌّ يَعْتَمِدُ الشَّرْطَ ، فَرُجِعَ فِي تَقْدِيرِهِ إلَى مُشْتَرِطِهِ ، كَالْأَجَلِ ، أَوْ نَقُولُ : مُدَّةٌ مُلْحَقَةٌ بِالْعَقْدِ ، فَكَانَتْ إلَى تَقْدِيرِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ كَالْأَجَلِ .\rوَلَا يَثْبُتُ عِنْدَنَا مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ","part":7,"page":470},{"id":3470,"text":"أَنَسٍ خِلَافُهُ .\rوَتَقْدِيرُ مَالِكٍ بِالْحَاجَةِ لَا يَصِحُّ ؛ فَإِنَّ الْحَاجَةَ لَا يُمْكِنُ رَبْطُ الْحُكْمِ بِهَا ، لِخَفَائِهَا وَاخْتِلَافِهَا ، وَإِنَّمَا يُرْبَطُ بِمَظِنَّتِهَا ، وَهُوَ الْإِقْدَامُ ، فَإِنَّهُ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ ضَابِطًا ، وَرَبْطُ الْحُكْمِ بِهِ فِيمَا دُونَ الثَّلَاثِ وَفِي السَّلَمِ وَالْأَجَلِ .\rوَقَوْلُ الْآخَرِينَ : إنَّهُ يُنَافِي مُقْتَضَى الْبَيْعِ .\rلَا يَصِحُّ ؛ فَإِنَّ مُقْتَضَى الْبَيْعِ نَقْلُ الْمِلْكِ ، وَالْخِيَارُ لَا يُنَافِيهِ ، وَإِنْ سَلَّمْنَا ذَلِكَ ، لَكِنْ مَتَى خُولِفَ الْأَصْلُ لِمَعْنًى فِي مَحِلٍّ وَجَبَ تَعْدِيَةُ الْحُكْمِ ؛ لِتَعَدِّي ذَلِكَ الْمَعْنَى .","part":7,"page":471},{"id":3471,"text":"( 2780 ) فَصْلٌ : وَيَجُوزُ شَرْطُ الْخِيَارِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُتَعَاقِدَيْنِ ، وَيَجُوزُ لِأَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ ، وَيَجُوزُ أَنْ يَشْرُطَا لِأَحَدِهِمَا مُدَّةً وَلِلْآخَرِ دُونَهَا ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ حَقُّهُمَا ، وَإِنَّمَا جُوِّزَ رِفْقًا بِهِمَا ، فَكَيْفَمَا تَرَاضَيَا بِهِ جَازَ .\rوَلَوْ اشْتَرَى شَيْئَيْنِ وَشَرَطَ الْخِيَارَ فِي أَحَدِهِمَا بِعَيْنِهِ دُونَ الْآخَرِ ، صَحَّ ؛ لِأَنَّ أَكْثَرَ مَا فِيهِ أَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ مَبِيعٍ فِيهِ الْخِيَارُ ، وَمَبِيعٍ لَا خِيَارَ فِيهِ ، وَذَلِكَ جَائِزٌ ، بِالْقِيَاسِ عَلَى شِرَاءِ مَا فِيهِ شُفْعَةٌ ، وَمَا لَا شُفْعَةَ فِيهِ ، فَإِنَّهُ يَصِحُّ ، وَيَحْصُلُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَبِيعًا بِقِسْطِهِ مِنْ الثَّمَنِ .\rفَإِنْ فَسَخَ الْبَيْعَ مِمَّا فِيهِ الْخِيَارُ ، رَجَعَ بِقِسْطِهِ مِنْ الثَّمَنِ ، كَمَا لَوْ وَجَدَ أَحَدَهُمَا مَعِيبًا فَرَدَّهُ ، وَإِنْ شَرَطَ الْخِيَارَ فِي أَحَدِهِمَا لَا بِعَيْنِهِ ، أَوْ شَرَطَ الْخِيَارَ لِأَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ لَا بِعَيْنِهِ ، لَمْ يَصِحَّ ؛ لِأَنَّهُ مَجْهُولٌ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ اشْتَرَى وَاحِدًا مِنْ عَبْدَيْنِ لَا بِعَيْنِهِ .\rوَلِأَنَّهُ يُفْضِي إلَى التَّنَازُعِ ، وَرُبَّمَا طَلَبَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُتَعَاقِدَيْنِ ضِدَّ مَا يَطْلُبُهُ الْآخَرُ ، وَيَدَّعِي أَنَّنِي الْمُسْتَحِقُّ لِلْخِيَارِ ، أَوْ يَطْلُبُ مَنْ لَهُ الْخِيَارُ رَدَّ أَحَدِ الْمَبِيعَيْنِ ، وَيَقُولُ الْآخَرُ : لَيْسَ هَذَا الَّذِي شَرَطْت لَك الْخِيَارَ فِيهِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَصِحَّ شَرْطُ الْخِيَارِ فِي أَحَدِ الْمَبِيعَيْنِ بِعَيْنِهِ ، كَمَا لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ بِقِسْطِهِ مِنْ الثَّمَنِ ، وَهَذَا الْفَصْلُ كُلُّهُ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .","part":7,"page":472},{"id":3472,"text":"( 2781 ) فَصْلٌ : وَإِنْ شَرَطَ الْخِيَارَ لِأَجْنَبِيٍّ ، صَحَّ ، وَكَانَ اشْتِرَاطًا لِنَفْسِهِ ، وَتَوْكِيلًا لِغَيْرِهِ ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٍ .\rوَلِلشَّافِعِي فِيهِ قَوْلَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، لَا يَصِحُّ ، وَكَذَلِكَ قَالَ الْقَاضِي : إذَا أَطْلَقَ الْخِيَارَ لِفُلَانِ ، أَوْ قَالَ لِفُلَانٍ دُونِي .\rلَمْ يَصِحَّ ؛ لِأَنَّ الْخِيَارَ شَرْطُ لِتَحْصِيلِ الْحَظِّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُتَعَاقِدَيْنِ بِنَظَرِهِ ، فَلَا يَكُونُ لِمَنْ لَا حَظَّ لَهُ فِيهِ .\rوَإِنْ جَعَلَ الْأَجْنَبِيَّ وَكِيلًا ، صَحَّ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الْخِيَارَ يَعْتَمِدُ شَرْطَهُمَا ، وَيُفَوِّضُ إلَيْهِمَا ، وَقَدْ أَمْكَنَ تَصْحِيحُ شَرْطِهِمَا ، وَتَنْفِيذُ تَصَرُّفِهِمَا عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ ، فَلَا يَجُوزُ إلْغَاؤُهُ مَعَ إمْكَانِ تَصْحِيحِهِ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ } .\rفَعَلَى هَذَا ، يَكُونُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُشْتَرِطِ وَوَكِيلِهِ الَّذِي شَرَطَ الْخِيَارَ لَهُ الْفَسْخُ .\rوَلَوْ كَانَ الْمَبِيعُ عَبْدًا ، فَشَرَطَ الْخِيَارَ لَهُ ، صَحَّ ، سَوَاءٌ شَرَطَهُ لَهُ الْبَائِعُ ، أَوْ الْمُشْتَرِي ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْأَجْنَبِيِّ .\rوَإِنْ كَانَ الْعَاقِدُ وَكِيلًا ، فَشَرَطَ الْخِيَارَ لِنَفْسِهِ ، صَحَّ ، فَإِنَّ النَّظَرَ فِي تَحْصِيلِ الْحَظِّ مُفَوَّضٌ إلَيْهِ .\rوَإِنْ شَرَطَهُ لِلْمَالِكِ ، صَحَّ ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْمَالِكُ ، وَالْحَظُّ لَهُ .\rوَإِنْ شَرَطَهُ لِأَجْنَبِيٍّ ، لَمْ يَصِحَّ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُوَكِّلَ غَيْرَهُ ، وَيَحْتَمِلُ الْجَوَازَ ، بِنَاءً عَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي تَقُولُ : لِلْوَكِيلِ التَّوْكِيلُ .","part":7,"page":473},{"id":3473,"text":"( 2782 ) فَصْلٌ : وَلَوْ قَالَ : بِعْتُك عَلَى أَنْ أَسْتَأْمِرَ فُلَانًا .\rوَحَدَّدَ ذَلِكَ بِوَقْتٍ مَعْلُومٍ ، فَهُوَ خِيَارٌ ، صَحِيحٌ ، وَلَهُ الْفَسْخُ قَبْلَ أَنْ يَسْتَأْمِرَهُ ؛ لِأَنَّا جَعَلْنَا ذَلِكَ كِنَايَةً عَلَى الْخِيَارِ ، وَهَذَا قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ .\rوَإِنْ لَمْ يَضْبِطْهُ بِمُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ ، فَهُوَ خِيَارٌ مَجْهُولٌ ، حُكْمُهُ حُكْمُهُ .","part":7,"page":474},{"id":3474,"text":"( 2783 ) فَصْلٌ : وَإِنْ شَرَطَ الْخِيَارَ يَوْمًا أَوْ سَاعَاتٍ مَعْلُومَةً ، اُعْتُبِرَ ابْتِدَاءُ مُدَّةِ الْخِيَارِ مِنْ حِينِ الْعَقْدِ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ .\rوَالْآخَرُ ، مِنْ حِينِ التَّفَرُّقِ ؛ لِأَنَّ الْخِيَارَ ثَابِتٌ فِي الْمَجْلِسِ حُكْمًا ، فَلَا حَاجَةَ إلَى إثْبَاتِهِ بِالشَّرْطِ .\rوَلِأَنَّ حَالَةَ الْمَجْلِسِ كَحَالَةِ الْعَقْدِ ، لِأَنَّ لَهُمَا فِيهِ الزِّيَادَةَ وَالنُّقْصَانَ ، فَكَانَ كَحَالَةِ الْعَقْدِ فِي ابْتِدَاءِ مُدَّةِ الْخِيَارِ بَعْدَ انْقِضَائِهِ .\rوَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ؛ لِأَنَّهَا مُدَّةٌ مُلْحَقَةٌ بِالْعَقْدِ ، فَكَانَ ابْتِدَاؤُهَا مِنْهُ ، كَالْأَجَلِ .\rوَلِأَنَّ الِاشْتِرَاطَ سَبَبُ ثُبُوتِ الْخِيَارِ ، فَيَجِبُ أَنْ يَتَعَقَّبَهُ حُكْمُهُ ، كَالْمِلْكِ فِي الْبَيْعِ .\rوَلِأَنَّنَا لَوْ جَعَلْنَا ابْتِدَاءَهُ مِنْ حِينِ التَّفَرُّقِ ، أَدَّى إلَى جَهَالَتِهِ ؛ لِأَنَّنَا لَا نَعْلَمُ مَتَى يَتَفَرَّقَانِ ، فَلَا نَعْلَمُ مَتَى ابْتِدَاؤُهُ ، وَلَا مَتَى انْتِهَاؤُهُ .\rوَلَا يُمْنَعُ ثُبُوتُ الْحُكْمِ بِسَبَبَيْنِ ، كَتَحْرِيمِ الْوَطْءِ بِالصِّيَامِ وَالْإِحْرَامِ وَالظِّهَارِ ، وَعَلَى هَذَا ، لَوْ شَرَطَا ابْتِدَاءَهُ مِنْ حِينِ التَّفَرُّقِ ، لَمْ يَصِحَّ لِذَلِكَ ، إلَّا عَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي تَقُولُ بِصِحَّةِ الْخِيَارِ الْمَجْهُولِ .\rوَإِنْ قُلْنَا : ابْتِدَاؤُهُ مِنْ حِينِ التَّفَرُّقِ .\rفَشَرَطَا ثُبُوتَهُ مِنْ حِينِ الْعَقْدِ ، صَحَّ ؛ لِأَنَّهُ مَعْلُومُ الِابْتِدَاءِ وَالِانْتِهَاءِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَصِحَّ ؛ لِأَنَّ الْخِيَارَ فِي الْمَجْلِسِ يُغْنِي عَنْ خِيَارٍ آخَرَ ، فَيَمْنَعُ ثُبُوتَهُ ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى .\rوَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فِي هَذَا الْفَصْلِ كُلِّهِ كَمَا ذَكَرْنَا .","part":7,"page":475},{"id":3475,"text":"( 2784 ) فَصْلٌ : وَإِنْ شَرَطَا الْخِيَارَ إلَى اللَّيْلِ أَوْ الْغَدِ ، لَمْ يَدْخُلْ اللَّيْلُ وَالْغَدُ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَيَتَخَرَّجُ أَنْ يَدْخُلَ ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّ \" إلَى \" تُسْتَعْمَلُ بِمَعْنَى \" مَعَ \" ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى { وَأَيْدِيَكُمْ إلَى الْمَرَافِقِ } ، { وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إلَى أَمْوَالِكُمْ } ، وَالْخِيَارُ ثَابِتٌ بِيَقِينِ ، فَلَا نُزِيلُهُ بِالشَّكِّ .\rوَلَنَا ، أَنَّ مَوْضُوعَ \" إلَى \" لِانْتِهَاءِ الْغَايَةِ ، فَلَا يَدْخُلُ مَا بَعْدَهَا فِيمَا قَبْلَهَا ، كَقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ : { ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إلَى اللَّيْلِ } .\rوَكَالْأَجَلِ .\rوَلَوْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ مِنْ وَاحِدَةٍ إلَى ثَلَاثٍ .\rأَوْ : لَهُ عَلَيَّ مِنْ دِرْهَمٍ إلَى عَشَرَةٍ .\rلَمْ يَدْخُلْ الدِّرْهَمُ الْعَاشِرُ ، وَالطَّلْقَةُ الثَّالِثَةُ ، وَلَيْسَ هَاهُنَا شَكٌّ ؛ فَإِنَّ الْأَصْلَ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلَى مَوْضُوعِهِ ، فَكَأَنَّ الْوَاضِعَ قَالَ : مَتَى سَمِعْتُمْ هَذِهِ اللَّفْظَةَ ، فَافْهَمُوا مِنْهَا انْتِهَاءَ الْغَايَةِ .\rوَفِي الْمَوَاضِعِ الَّتِي اسْتَشْهَدُوا بِهَا ، حُمِلَتْ عَلَى مَعْنَى \" مَعَ \" بِدَلِيلِ ، أَوْ لِتَعَذُّرِ حَمْلِهَا عَلَى مَوْضُوعِهَا ، كَمَا تُصْرَفُ سَائِرُ حُرُوفِ الصِّلَاتِ عَنْ مَوْضُوعِهَا لِدَلِيلٍ ، وَالْأَصْلُ حَمْلُهَا عَلَى مَوْضُوعِهَا .\rوَلِأَنَّ الْأَصْلَ لُزُومُ الْعَقْدِ ، وَإِنَّمَا خُولِفَ فِيمَا اقْتَضَاهُ الشَّرْطُ ، فَيَثْبُتُ مَا يُتَيَقَّنُ مِنْهُ ، وَمَا شَكَكْنَا فِيهِ رَدَدْنَاهُ إلَى الْأَصْلِ .","part":7,"page":476},{"id":3476,"text":"( 2785 ) فَصْلٌ : وَإِنْ شَرَطَ الْخِيَارَ إلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ ، أَوْ إلَى غُرُوبِهَا ، صَحَّ .\rوَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ : لَا يَصِحُّ تَوْقِيتُهُ بِطُلُوعِهَا ؛ لِأَنَّهَا قَدْ تَتَغَيَّمُ ، فَلَا يُعْلَمُ وَقْتُ طُلُوعِهَا .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ تَعْلِيقٌ لِلْخِيَارِ بِأَمْرٍ ظَاهِرٍ مَعْلُومٍ ، فَصَحَّ ، كَتَعْلِيقِهِ بِغُرُوبِهَا .\rوَطُلُوعُ الشَّمْسِ ، بُرُوزُهَا مِنْ الْأُفُقِ ، كَمَا أَنَّ غُرُوبَهَا سُقُوطُ الْقُرْصِ .\rوَلِذَلِكَ لَوْ عَلَّقَ طَلَاقَ امْرَأَتِهِ ، أَوْ عِتْقَ عَبْدِهِ ، بِطُلُوعِ الشَّمْسِ ، وَقَعَ بِبُرُوزِهَا مِنْ الْأُفُقِ .\rوَإِنْ عَرَضَ غَيْمٌ يَمْنَعُ الْمَعْرِفَةَ بِطُلُوعِهَا ، فَالْخِيَارُ ثَابِتٌ حَتَّى يُتَيَقَّنَ طُلُوعُهَا ، كَمَا لَوْ عَلَّقَهُ بِغُرُوبِهَا ، فَمَنَعَ الْغَيْمُ الْمَعْرِفَةَ بِوَقْتِهِ .\rوَلَوْ جَعَلَ الْخِيَارَ إلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ مِنْ تَحْتِ السَّحَابِ ، أَوْ إلَى غَيْبَتِهَا تَحْتَهُ ، كَانَ خِيَارًا مَجْهُولًا ، لَا يَصِحُّ فِي الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ .","part":7,"page":477},{"id":3477,"text":"( 2786 ) فَصْلٌ : وَإِذَا شَرَطَا الْخِيَارَ أَبَدًا ، أَوْ مَتَى شِئْنَا ، أَوْ قَالَ أَحَدُهُمَا : وَلِي الْخِيَارُ .\rوَلَمْ يَذْكُرْ مُدَّتَهُ ، أَوْ شَرَطَاهُ إلَى مُدَّةٍ مَجْهُولَةٍ ، كَقُدُومِ زَيْدٍ ، أَوْ هُبُوبِ رِيحٍ ، أَوْ نُزُولِ مَطَرٍ ، أَوْ مُشَاوَرَةِ إنْسَانٍ ، وَنَحْوِ ذَلِكَ ، لَمْ يَصِحَّ فِي الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ .\rوَهَذَا اخْتِيَارُ الْقَاضِي ، وَابْنِ عَقِيلٍ ، وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّهُ يَصِحُّ ، وَهُمَا عَلَى خِيَارِهِمَا أَبَدًا ، أَوْ يَقْطَعَاهُ ، أَوْ تَنْتَهِي مُدَّتُهُ إنْ كَانَ مَشْرُوطًا إلَى مُدَّةٍ .\rوَهُوَ قَوْلُ ابْنِ شُبْرُمَةَ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ } .\rوَقَالَ مَالِكٌ يَصِحُّ ، وَتُضْرَبُ لَهُمَا مُدَّةٌ يُخْتَبَرُ الْمَبِيعُ فِي مِثْلِهَا فِي الْعَادَةِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مُقَدَّرٌ فِي الْعَادَةِ ، فَإِذَا أَطْلَقَا ، حُمِلَ عَلَيْهِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إنْ أَسْقَطَا الشَّرْطَ قَبْلَ مُضِيِّ الثَّلَاثِ ، أَوْ حَذَفَا الزَّائِدَ عَلَيْهَا وَبَيَّنَا مُدَّتَهُ ، صَحَّ لِأَنَّهُمَا حَذَفَا الْمُفْسِدَ قَبْلَ اتِّصَالِهِ بِالْعَقْدِ ، فَوَجَبَ أَنْ يَصِحَّ ، كَمَا لَوْ لَمْ يَشْرُطَاهُ .\rوَلَنَا ، أَنَّهَا مُدَّةٌ مُلْحَقَةٌ بِالْعَقْدِ ، فَلَا تَجُوزُ مَعَ الْجَهَالَةِ ، كَالْأَجَلِ .\rوَلِأَنَّ اشْتِرَاطَ الْخِيَارِ أَبَدًا يَقْتَضِي الْمَنْعَ مِنْ التَّصَرُّفِ عَلَى الْأَبَدِ ، وَذَلِكَ يُنَافِي مُقْتَضَى الْعَقْدِ ، فَلَمْ يَصِحَّ ، كَمَا لَوْ قَالَ : بِعْتُك بِشَرْطِ أَنْ لَا تَتَصَرَّفَ .\rوَقَوْلُ مَالِكٍ : إنَّهُ يُرَدُّ إلَى الْعَادَةِ .\rلَا يَصِحُّ ، فَإِنَّهُ لَا عَادَةَ فِي الْخِيَارِ يُرْجَعُ إلَيْهَا .\rوَاشْتِرَاطُهُ مَعَ الْجَهَالَةِ نَادِرٌ .\rوَقَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ لَا يَصِحُّ ، فَإِنَّ الْمُفْسِدَ هُوَ الشَّرْطُ ، وَهُوَ مُقْتَرِنٌ بِالْعَقْدِ .\rوَلِأَنَّ الْعَقْدَ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ صَحِيحًا ، أَوْ فَاسِدًا ، فَإِنْ كَانَ صَحِيحًا مَعَ الشَّرْطِ ، لَمْ يَفْسُدْ بِوُجُودِ مَا شَرَطَاهُ فِيهِ ، وَإِنْ كَانَ فَاسِدًا ، لَمْ يَنْقَلِبْ صَحِيحًا ، كَمَا لَوْ بَاعَ دِرْهَمًا بِدِرْهَمَيْنِ ، ثُمَّ","part":7,"page":478},{"id":3478,"text":"حَذَفَ أَحَدَهُمَا .\rوَعَلَى قَوْلِنَا : الشَّرْطُ فَاسِدٌ .\rهَلْ يَفْسُدُ بِهِ الْبَيْعُ ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ : إحْدَاهُمَا ، يَفْسُدُ ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ قَارَنَهُ شَرْطٌ فَاسِدٌ ، فَأَفْسَدَهُ ، كَنِكَاحِ الشِّغَارِ ، وَالْمُحَلِّلِ .\rوَلِأَنَّ الْبَائِعَ إنَّمَا رَضِيَ بِبَذْلِهِ بِهَذَا الثَّمَنِ ، مَعَ الْخِيَارِ فِي اسْتِرْجَاعِهِ ، وَالْمُشْتَرِي إنَّمَا رَضِيَ بِبَذْلِ هَذَا الثَّمَنِ فِيهِ ، مَعَ الْخِيَارِ فِي فَسْخِهِ ، فَلَوْ صَحَّحْنَاهُ لَأَزَلْنَا مِلْكَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنْهُ بِغَيْرِ رِضَاهُ ، وَأَلْزَمْنَاهُ مَا لَمْ يَرْضَ بِهِ .\rوَلِأَنَّ الشَّرْطَ يَأْخُذُ قِسْطًا مِنْ الثَّمَنِ ، فَإِذَا حَذَفْنَاهُ وَجَبَ رَدُّ مَا سَقَطَ مِنْ الثَّمَنِ مِنْ أَجْلِهِ ، وَذَلِكَ مَجْهُولٌ ، فَيَكُونُ الثَّمَنُ مَجْهُولًا ، فَيَفْسُدُ الْعَقْدُ .\rوَالثَّانِيَةُ ، لَا يَفْسُدُ الْعَقْدُ بِهِ ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ أَبِي لَيْلَى ؛ لِحَدِيثِ بَرِيرَةَ .\rوَلِأَنَّ الْعَقْدَ قَدْ تَمَّ بِأَرْكَانِهِ ، وَالشَّرْطُ زَائِدٌ ، فَإِذَا فَسَدَ وَزَالَ ، سَقَطَ الْفَاسِدُ ، وَبَقِيَ الْعَقْدُ بِرُكْنَيْهِ ، كَمَا لَوْ لَمْ يَشْتَرِطْ .","part":7,"page":479},{"id":3479,"text":"( 2787 ) فَصْلٌ : وَإِنْ شَرَطَهُ إلَى الْحَصَادِ ، أَوْ الْجِذَاذِ ، احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ كَتَعْلِيقِهِ عَلَى قُدُومِ زَيْدٍ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ ، وَيَتَقَدَّمُ ، وَيَتَأَخَّرُ ، فَكَانَ مَجْهُولًا .\rوَاحْتَمَلَ أَنْ يَصِحَّ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَتَقَارَبُ فِي الْعَادَةِ ، وَلَا يَكْثُرُ تَفَاوُتُهُ .\rوَإِنْ شَرَطَهُ إلَى الْعَطَاءِ ، وَأَرَادَ وَقْتَ الْعَطَاءِ ، وَكَانَ مَعْلُومًا ، صَحَّ ، كَمَا لَوْ شَرَطَهُ إلَى يَوْمٍ مَعْلُومٍ .\rوَإِنْ أَرَادَ نَفْسَ الْعَطَاءِ ، فَهُوَ مَجْهُولٌ ؛ لِأَنَّهُ يَخْتَلِفُ .","part":7,"page":480},{"id":3480,"text":"( 2788 ) فَصْلٌ : وَإِنْ شَرَطَ الْخِيَارَ شَهْرًا ، يَوْمٌ يَثْبُتُ ، وَيَوْمٌ لَا يَثْبُتُ .\rفَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ : يَصِحُّ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ ؛ لِإِمْكَانِهِ ، وَيَبْطُلُ فِيمَا بَعْدَهُ ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَزِمَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي لَمْ يَعُدْ إلَى الْجَوَازِ .\rوَيَحْتَمِلُ بُطْلَانَ الشَّرْطِ كُلِّهِ ؛ لِأَنَّهُ شَرْطٌ وَاحِدٌ ، تَنَاوَلَ الْخِيَارَ فِي أَيَّامٍ ، فَإِذَا فَسَدَ فِي بَعْضِهِ ، فَسَدَ جَمِيعُهُ ، كَمَا لَوْ شَرَطَ إلَى الْحَصَادِ .","part":7,"page":481},{"id":3481,"text":"( 2789 ) فَصْلٌ : وَيَجُوزُ لِمَنْ لَهُ الْخِيَارُ الْفَسْخُ مِنْ غَيْرِ حُضُورِ صَاحِبِهِ وَلَا رِضَاهُ .\rوَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو يُوسُفَ ، وَزُفَرُ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَيْسَ لَهُ الْفَسْخُ إلَّا بِحَضْرَةِ صَاحِبِهِ ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُتَعَاقِدَيْنِ ، فَلَمْ يَمْلِكْ أَحَدُهُمَا فَسْخَهُ بِغَيْرِ حُضُورِ صَاحِبِهِ ، كَالْوَدِيعَةِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ رَفْعُ عَقْدٍ لَا يَفْتَقِرُ إلَى رِضَا صَاحِبِهِ ، فَلَمْ يَفْتَقِرْ إلَى حُضُورِهِ ، كَالطَّلَاقِ .\rوَمَا قَالُوهُ يَنْتَقِضُ بِالطَّلَاقِ ، الْوَدِيعَةُ لَا حَقَّ لِلْمُودِعِ فِيهَا ، وَيَصِحُّ فَسْخُهَا مَعَ غَيْبَتِهِ .","part":7,"page":482},{"id":3482,"text":"( 2790 ) فَصْلٌ : وَإِذَا انْقَضَتْ مُدَّةُ الْخِيَارِ ، وَلَمْ يَفْسَخْ أَحَدُهُمَا ، بَطَلَ الْخِيَارُ ، وَلَزِمَ الْعَقْدُ .\rوَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : لَا يَلْزَمُ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ .\rوَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ؛ لِأَنَّ مُدَّةَ الْخِيَارِ ضُرِبَتْ لِحَقٍّ لَهُ ، لَا لِحَقٍّ عَلَيْهِ ، فَلَمْ يَلْزَمْ الْحُكْمُ بِنَفْسِ مُرُورِ الزَّمَانِ ، كَمُضِيِّ الْأَجَلِ فِي حَقِّ الْمُولِي .\rوَلَنَا ، أَنَّهَا مُدَّةٌ مُلْحَقَةٌ بِالْعَقْدِ ، فَبَطَلَتْ بِانْقِضَائِهَا كَالْأَجَلِ .\rوَلِأَنَّ الْحُكْمَ بِبَقَائِهَا يُفْضِي إلَى بَقَاءِ الْخِيَارِ فِي غَيْرِ الْمُدَّةِ الَّتِي شَرَطَاهُ فِيهَا .\rوَالشَّرْطُ سَبَبُ الْخِيَارِ ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَثْبُتَ بِهِ مَا لَمْ يَتَنَاوَلْهُ ، وَلِأَنَّهُ حُكْمٌ مُؤَقَّتٌ ، فَفَاتَ بِفَوَاتِ وَقْتِهِ ، كَسَائِرِ الْمُؤَقَّتَات ، وَلِأَنَّ الْبَيْعَ يَقْتَضِي اللُّزُومَ ، وَإِنَّمَا تَخَلَّفَ مُوجِبُهُ بِالشَّرْطِ ، فَفِيمَا لَمْ يَتَنَاوَلْهُ الشَّرْطُ يَجِبُ أَنْ يَثْبُتَ مُوجِبُهُ ؛ لِزَوَالِ الْمُعَارِضِ ، كَمَا لَوْ أَمْضُوهُ .\rوَأَمَّا الْمُولِي ، فَإِنَّ الْمُدَّةَ إنَّمَا ضُرِبَتْ لِاسْتِحْقَاقِ الْمُطَالَبَةِ ، وَهِيَ تُسْتَحَقُّ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ .\rوَالْحُكْمُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ظَاهِرٌ .","part":7,"page":483},{"id":3483,"text":"( 2791 ) فَصْلٌ : فَإِنْ قَالَ أَحَدُ الْمُتَعَاقِدَيْنِ عِنْدَ الْعَقْدِ : لَا خِلَابَةَ فَقَالَ أَحْمَدُ : أَرَى ذَلِكَ جَائِزًا ، وَلَهُ الْخِيَارُ إنْ كَانَ خَلَبَهُ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ خَلَبَهُ فَلَيْسَ لَهُ خِيَارٌ .\rوَذَلِكَ { لِأَنَّ رَجُلًا ذَكَرَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ يُخْدَعُ فِي الْبُيُوعِ ، فَقَالَ : إذَا بَايَعْت فَقُلْ لَا خِلَابَةَ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَلِمُسْلِمٍ : { مَنْ بَايَعْت فَقُلْ لَا خِلَابَةَ } .\r{ فَكَانَ إذَا بَايَعَ يَقُولُ : لَا خِلَابَةَ } .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ الْخِيَارُ .\rوَيَكُونُ هَذَا الْخَبَرُ خَاصًّا لِحِبَّانَ ؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ أَنَّهُ عَاشَ إلَى زَمَنِ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَكَانَ يُبَايِعُ النَّاسَ ، ثُمَّ يُخَاصِمُهُمْ ، فَيَمُرُّ بِهِمْ بَعْضُ الصَّحَابَةِ ، فَيَقُولُ لِمَنْ يُخَاصِمُهُ : وَيْحَكَ ، إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَعَلَ لَهُ الْخِيَارَ ثَلَاثًا .\rوَهَذَا يَدُلُّ عَلَى اخْتِصَاصِهِ بِهَذَا ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ لِلنَّاسِ عَامَّةً لَقَالَ لِمَنْ يُخَاصِمُهُ : إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَعَلَ الْخِيَارَ لِمَنْ قَالَ : لَا خِلَابَةَ .\rوَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ : إنْ كَانَا عَالِمَيْنِ أَنَّ ذَلِكَ عِبَارَةٌ عَنْ خِيَارِ الثَّلَاثِ ، ثَبَتَ ، وَإِنْ عَلِمَ أَحَدُهُمَا دُونَ الْآخَرِ ، فَعَلَى وَجْهَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ أَنَّ حِبَّانَ بْنَ مُنْقِذِ بْنِ عَمْرٍو ، كَانَ لَا يُزَالُ يُغْبَنَ ، فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ ، فَقَالَ لَهُ : { إذَا أَنْتَ بَايَعْت فَقُلْ : لَا خِلَابَةَ ، ثُمَّ أَنْتَ فِي كُلِّ سِلْعَةٍ ابْتَعْتهَا بِالْخِيَارِ ثَلَاثَ لَيَالٍ ، فَإِنْ رَضِيت أَمْسَكْت ، وَإِنْ سَخِطْت فَارْدُدْهَا عَلَى صَاحِبِهَا } .\rوَمَا ثَبَتَ فِي حَقِّ وَاحِدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ يَثْبُتُ فِي حَقِّ سَائِرِ النَّاسِ ، مَا لَمْ يَقُمْ عَلَى تَخْصِيصِهِ دَلِيلٌ .\rوَلَنَا ، أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ لَا يَقْتَضِي الْخِيَارَ مُطْلَقًا ، وَلَا يَقْتَضِي تَقْيِيدَهُ بِثَلَاثٍ ، وَالْأَصْلُ اعْتِبَارُ اللَّفْظِ فِيمَا يَقْتَضِيهِ ، وَالْخَبَرُ عَلَى","part":7,"page":484},{"id":3484,"text":"الْوَجْهِ الَّذِي احْتَجُّوا بِهِ إنَّمَا رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مُرْسَلًا ، وَهُمْ لَا يَرَوْنَ الْمُرْسَلَ حُجَّةً ، ثُمَّ لَمْ يَقُولُوا بِالْحَدِيثِ عَلَى وَجْهِهِ ، إنَّمَا قَالُوا بِهِ فِي حَقِّ مَنْ يَعْلَمُ أَنَّ مُقْتَضَاهُ ثُبُوتُ الْخِيَارِ ثَلَاثًا ، وَلَا يَعْلَمُ ذَلِكَ أَحَدٌ ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ لَا يَقْتَضِيهِ ، فَكَيْفَ يَعْلَمُ أَنَّ مُقْتَضَاهُ مَا لَيْسَ بِمُقْتَضَاهُ ، وَعَلَى أَنَّهُ إنَّمَا كَانَ خَاصًّا لِحِبَّانَ ؛ بِدَلِيلِ مَا رَوَيْنَاهُ ، وَلِأَنَّهُ كَانَ يُثْبِتُ لَهُ الرَّدَّ عَلَى مَنْ لَمْ يَعْلَمْ مُقْتَضَاهُ .","part":7,"page":485},{"id":3485,"text":"( 2792 ) فَصْلٌ : إذَا شَرَطَ الْخِيَارَ حِيلَةً عَلَى الِانْتِفَاعِ بِالْقَرْضِ ، لِيَأْخُذَ غَلَّةَ الْمَبِيعِ وَنَفْعَهُ فِي مُدَّةِ انْتِفَاعِ الْمُقْتَرِضِ بِالثَّمَنِ ، ثُمَّ يَرُدُّ الْمَبِيعَ بِالْخِيَارِ عِنْدَ رَدِّ الثَّمَنِ ، فَلَا خَيْرَ فِيهِ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْحِيَلِ .\rوَلَا يَحِلُّ لِآخِذِ الثَّمَنِ الِانْتِفَاعُ بِهِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ ، وَلَا التَّصَرُّفُ فِيهِ .\rقَالَ الْأَثْرَمُ : سَمِعْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يُسْأَلُ عَنْ الرَّجُلِ يَشْتَرِي مِنْ الرَّجُلِ الشَّيْءَ ، وَيَقُولُ : لَك الْخِيَارُ إلَى كَذَا وَكَذَا مِثْلُ الْعَقَارِ ؟ قَالَ : هُوَ جَائِزٌ إذَا لَمْ يَكُنْ حِيلَةً ؛ أَرَادَ أَنْ يُقْرِضَهُ ، فَيَأْخُذَ مِنْهُ الْعَقَارَ ، فَيَسْتَغِلُّهُ ، وَيَجْعَلُ لَهُ فِيهِ الْخِيَارَ ، لِيَرْبَحَ فِيمَا أَقْرَضَهُ بِهَذِهِ الْحِيلَةِ .\rفَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَرَادَ هَذَا ، فَلَا بَأْسَ .\rقِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ : فَإِنْ أَرَادَ إرْفَاقَهُ ، أَرَادَ أَنْ يُقْرِضَهُ مَالًا يَخَافُ أَنْ يَذْهَبَ ، فَاشْتَرَى مِنْهُ شَيْئًا ، وَجَعَلَ لَهُ الْخِيَارَ ، وَلَمْ يُرِدْ الْحِيلَةَ ؟ فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ : هَذَا جَائِزٌ ، إلَّا أَنَّهُ إذَا مَاتَ انْقَطَعَ الْخِيَارُ ، لَمْ يَكُنْ لِوَرَثَتِهِ .\rوَقَوْلُ أَحْمَدَ بِالْجَوَازِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَحْمُولٌ عَلَى الْمَبِيعِ الَّذِي لَا يُنْتَفَعُ بِهِ إلَّا بِإِتْلَافِهِ ، أَوْ عَلَى أَنَّ الْمُشْتَرِيَ لَا يَنْتَفِعُ بِالْمَبِيعِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ ؛ لِئَلَّا يُفْضِيَ إلَى أَنَّ الْقَرْضَ جَرَّ مَنْفَعَةً .","part":7,"page":486},{"id":3486,"text":"( 2793 ) فَصْلٌ : فَإِنْ قَالَ : بِعْتُك عَلَى أَنْ تَنْقُدَنِي الثَّمَنَ إلَى ثَلَاثٍ ، أَوْ مُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ ، وَإِلَّا فَلَا بَيْعَ بَيْنَنَا .\rفَالْبَيْعُ صَحِيحٌ .\rنَصَّ عَلَيْهِ .\rوَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ .\rوَبِهِ قَالَ أَبُو ثَوْرٍ ، إذَا كَانَ الشَّرْطُ إلَى ثَلَاثٍ .\rوَحُكِيَ مِثْلُ قَوْلِهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : يَجُوزُ فِي الْيَوْمَيْنِ وَالثَّلَاثَةِ وَنَحْوِهَا ، وَإِنْ كَانَ عِشْرِينَ لَيْلَةً فُسِخَ الْبَيْعُ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَزُفَرُ : الْبَيْعُ فَاسِدٌ ؛ لِأَنَّهُ عَلَّقَ فَسْخَ الْبَيْعِ عَلَى غَرَرٍ ، فَلَمْ يَصِحَّ ، كَمَا لَوْ عَلَّقَهُ بِقُدُومِ زَيْدٍ .\rوَلَنَا ، أَنَّ هَذَا يُرْوَى عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَلِأَنَّهُ عَلَّقَ رَفْعَ الْعَقْدِ بِأَمْرِ يَحْدُثُ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ ، فَجَازَ ، كَمَا لَوْ شَرَطَ الْخِيَارَ ، وَلِأَنَّهُ نَوْعُ بَيْعٍ ، فَجَازَ أَنْ يَنْفَسِخَ بِتَأْخِيرِ الْقَبْضِ ، كَالصَّرْفِ ، وَلِأَنَّ هَذَا بِمَعْنَى شَرْطِ الْخِيَارِ ؛ لِأَنَّهُ كَمَا يَحْتَاجُ إلَى التَّرَوِّي فِي الْبَيْعِ ، هَلْ يُوَافِقُهُ أَوْ لَا ؟ يَحْتَاجُ إلَى التَّرَوِّي فِي الثَّمَنِ ، هَلْ يَصِيرُ مَنْقُودًا أَوْ لَا ؟ فَهُمَا سِيَّانِ فِي الْمَعْنَى ، مُتَغَايِرَانِ فِي الصُّورَةِ ، إلَّا أَنَّهُ فِي الْخِيَارِ يَحْتَاجُ إلَى الْفَسْخِ ، وَهَا هُنَا يَنْفَسِخُ إذَا لَمْ يَنْقُدْ ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَهُ كَذَلِكَ .","part":7,"page":487},{"id":3487,"text":"( 2794 ) فَصْلٌ : وَالْعُقُودُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَضْرُبٍ : أَحَدُهَا ، عَقْدٌ لَازِمٌ ، يُقْصَدُ مِنْهُ الْعِوَضُ ، وَهُوَ الْبَيْعُ وَمَا فِي مَعْنَاهُ ، وَهُوَ نَوْعَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، يَثْبُتُ فِيهِ الْخِيَارَانِ : خِيَارُ الْمَجْلِسِ ، وَخِيَارُ الشَّرْطِ ، وَهُوَ الْبَيْعُ فِيمَا لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْقَبْضُ فِي الْمَجْلِسِ ، وَالصُّلْحُ بِمَعْنَى الْبَيْعِ ، وَالْهِبَةُ بِعِوَضٍ عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ ، وَالْإِجَارَةُ فِي الذِّمَّةِ ، نَحْوَ أَنْ يَقُولَ أَسْتَأْجَرْتُك لِتَخِيطَ لِي هَذَا الثَّوْبَ وَنَحْوَهُ ، فَهَذَا يَثْبُتُ فِيهِ الْخِيَارُ ، لِأَنَّ الْخِيَارَ وَرَدَ فِي الْبَيْعِ ، وَهَذَا فِي مَعْنَاهُ .\rفَأَمَّا الْإِجَارَةُ الْمُعَيَّنَةُ ، فَإِنْ كَانَتْ مُدَّتُهَا مِنْ حِينِ الْعَقْدِ ، دَخَلَهَا خِيَارُ الْمَجْلِسِ دُونَ خِيَارِ الشَّرْطِ ؛ لِأَنَّ دُخُولَهُ يُفْضِي إلَى فَوْتِ بَعْضِ الْمَنَافِعِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهَا ، أَوْ إلَى اسْتِيفَائِهَا فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ ، وَكِلَاهُمَا لَا يَجُوزُ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rوَذَكَرَهُ الْقَاضِي مَرَّةً مِثْلَ هَذَا ، وَمَرَّةً قَالَ : يَثْبُتُ فِيهَا الْخِيَارَانِ قِيَاسًا عَلَى الْبَيْعِ .\rوَقَدْ ذَكَرْنَا مَا يَقْتَضِي الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا .\rوَأَمَّا الشُّفْعَةُ ، فَلَا خِيَارَ فِيهَا ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ يُؤْخَذُ مِنْهُ الْمَبِيعُ قَهْرًا ، وَالشَّفِيعُ يَسْتَقِلُّ بِانْتِزَاعِ الْمَبِيعِ مِنْ غَيْرِ رِضَا صَاحِبِهِ ، فَأَشْبَهَ فَسْخَ الْبَيْعِ بِالرَّدِّ بِالْعَيْبِ ، وَنَحْوِهِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يَثْبُتَ لِلشَّفِيعِ خِيَارُ الْمَجْلِسِ ؛ لِأَنَّهُ قَبِلَ الْمَبِيعَ بِثَمَنِهِ ، فَأَشْبَهَ الْمُشْتَرِيَ .\rالنَّوْعُ الثَّانِي ، مَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْقَبْضُ فِي الْمَجْلِسِ ، كَالصَّرْفِ ، وَالسَّلَمِ ، وَبَيْعِ مَالِ الرِّبَا بِجِنْسِهِ ، فَلَا يَدْخُلُهُ خِيَارُ الشَّرْطِ ، رِوَايَةً وَاحِدَةً ؛ لِأَنَّ مَوْضُوعَهَا عَلَى أَنْ لَا يَبْقَى بَيْنَهَا عَلَقَةٌ بَعْدَ التَّفَرُّقِ ، بِدَلِيلِ اشْتِرَاطِ الْقَبْضِ ، وَثُبُوتُ الْخِيَارِ يُبْقِي بَيْنَهُمَا عَلَقَةً ، وَيُثْبِتُ فِيهَا خِيَارَ الْمَجْلِسِ فِي الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ ؛ لِعُمُومِ الْخَبَرِ ، وَلِأَنَّ","part":7,"page":488},{"id":3488,"text":"مَوْضُوعَهُ لِلنَّظَرِ فِي الْحَظِّ فِي الْمُعَاوَضَةِ ، وَهُوَ مَوْجُودٌ فِيهَا .\rوَعَنْهُ لَا يَثْبُتُ فِيهَا الْخِيَارُ إلْحَاقًا بِخِيَارِ الشَّرْطِ .\rالضَّرْبُ الثَّانِي ، لَازِمٌ ، لَا يُقْصَدُ بِهِ الْعِوَضُ ، كَالنِّكَاحِ وَالْخُلْعِ .\rفَلَا يَثْبُتُ فِيهِمَا خِيَارٌ ؛ لِأَنَّ الْخِيَارَ إنَّمَا يَثْبُتُ لِمَعْرِفَةِ الْحَظِّ فِي كَوْنِ الْعِوَضِ جَائِزًا ، لِمَا يَذْهَبُ مِنْ مَالِهِ .\rوَالْعِوَضُ هَاهُنَا لَيْسَ هُوَ الْمَقْصُودَ ، وَكَذَلِكَ الْوَقْفُ وَالْهِبَةُ ، وَلِأَنَّ فِي ثُبُوتِ الْخِيَارِ فِي النِّكَاحِ ضَرَرًا ذَكَرْنَاهُ قَبْلَ هَذَا .\rالضَّرْبُ الثَّالِثُ ، لَازِمٌ مِنْ أَحَدِ طَرَفَيْهِ دُونَ الْآخَرِ ، كَالرَّهْنِ ، لَازِمٌ فِي حَقِّ الرَّاهِنِ ، جَائِزٌ فِي حَقِّ الْمُرْتَهِنِ ، فَلَا يَثْبُتُ فِيهِ خِيَارٌ ؛ لِأَنَّ الْمُرْتَهِنَ يَسْتَغْنِي بِالْجَوَازِ فِي حَقِّهِ عَنْ ثُبُوتِ خِيَارٍ آخَرَ ، وَالرَّاهِنُ يَسْتَغْنِي بِثُبُوتِ الْخِيَارِ لَهُ إلَى أَنْ يَقْبِضَ ، وَكَذَلِكَ الضَّامِنُ وَالْكَفِيلُ ، لَا خِيَارَ لَهُمَا ؛ لِأَنَّهُمَا دَخَلَا مُتَطَوِّعَيْنِ رَاضِيَيْنِ بِالْغَبْنِ ، وَكَذَلِكَ الْمُكَاتَبُ .\rالضَّرْبُ الرَّابِعُ ، عَقْدٌ جَائِزٌ مِنْ الطَّرَفَيْنِ ، كَالشَّرِكَةِ ، وَالْمُضَارَبَةِ ، وَالْجَعَالَةِ ، وَالْوَكَالَةِ ، الْوَدِيعَةِ ، وَالْوَصِيَّةِ ، فَهَذِهِ لَا يَثْبُتُ فِيهَا خِيَارٌ ، اسْتِغْنَاءً بِجَوَازِهَا ، وَالتَّمَكُّنِ مِنْ فَسْخِهَا بِأَصْلِ وَضْعِهَا .\rالضَّرْبُ الْخَامِسُ ، وَهُوَ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ الْجَوَازِ وَاللُّزُومِ ، كَالْمُسَاقَاةِ ، وَالْمُزَارَعَةِ ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُمَا جَائِزَانِ ، فَلَا يَدْخُلُهُمَا خِيَارٌ .\rوَقَدْ قِيلَ : هُمَا لَازِمَانِ ، فَفِي ثُبُوتِ الْخِيَارِ فِيهِمَا وَجْهَانِ ، وَالسَّبْقِ وَالرَّمْيِ ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُمَا جَعَالَةٌ ، فَلَا يَثْبُتُ فِيهِمَا خِيَارٌ .\rوَقِيلَ : هُمَا إجَارَةٌ ، وَقَدْ مَضَى ذِكْرُهَا .\rالضَّرْبُ السَّادِسُ ، لَازِمٌ يَسْتَقِلُّ بِهِ أَحَدُ الْمُتَعَاقِدَيْنِ ، كَالْحَوَالَةِ ، وَالْأَخْذِ بِالشُّفْعَةِ ، فَلَا خِيَارَ فِيهِمَا ؛ لِأَنَّ مَنْ لَا يُعْتَبَرُ رِضَاهُ لَا خِيَارَ لَهُ .\rوَإِذَا لَمْ يَثْبُتْ فِي أَحَدِ طَرَفَيْهِ لَمْ يَثْبُتْ","part":7,"page":489},{"id":3489,"text":"فِي الْآخَرِ ، كَسَائِرِ الْعُقُودِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يَثْبُتَ الْخِيَارُ لِلْمُحِيلِ وَالشَّفِيعِ ؛ لِأَنَّهَا مُعَاوَضَةٌ يُقْصَدُ فِيهَا الْعِوَضُ ، فَأَشْبَهَتْ سَائِرَ الْبَيْعِ .","part":7,"page":490},{"id":3490,"text":"بَابُ الرِّبَا وَالصَّرْفِ الرِّبَا فِي اللُّغَةِ : هُوَ الزِّيَادَةُ .\rقَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ } .\rوَقَالَ : { أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ } .\rأَيْ أَكْثَرُ عَدَدًا ، يُقَالُ : أَرْبَى فُلَانٌ عَلَى فُلَانٍ ، إذَا زَادَ عَلَيْهِ .\rوَهُوَ فِي الشَّرْعِ : الزِّيَادَةُ فِي أَشْيَاءَ مَخْصُوصَةٍ .\rوَهُوَ مُحَرَّمٌ بِالْكِتَابِ ، وَالسُّنَّةِ ، وَالْإِجْمَاعِ ؛ أَمَّا الْكِتَابُ ، فَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى { : وَحَرَّمَ الرِّبَا } .\rوَمَا بَعْدَهَا مِنْ الْآيَاتِ .\rوَأَمَّا السُّنَّةُ ، فَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ .\rقِيلَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا هِيَ ؟ قَالَ : الشِّرْكُ بِاَللَّهِ ، وَالسِّحْرُ ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلَّا بِالْحَقِّ ، وَأَكْلُ الرِّبَا ، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ ، وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ الْغَافِلَاتِ } .\rوَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ لَعَنَ آكِلَ الرِّبَا ، وَمُوكِلَهُ ، وَشَاهِدَيْهِ ، وَكَاتِبَهُ .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا فِي أَخْبَارٍ سِوَى هَذَيْنِ كَثِيرَةٍ ، وَأَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّ الرِّبَا مُحَرَّمٌ .","part":7,"page":491},{"id":3491,"text":"( 2795 ) فَصْلٌ : وَالرِّبَا عَلَى ضَرْبَيْنِ : رِبَا الْفَضْلِ ، وَرِبَا النَّسِيئَةِ .\rوَأَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى تَحْرِيمِهِمَا .\rوَقَدْ كَانَ فِي رِبَا الْفَضْلِ اخْتِلَافٌ بَيْنَ الصَّحَابَةِ ؛ فَحُكِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ، وَزَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ ، أَنَّهُمْ قَالُوا : إنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ .\rلِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا رِبَا إلَّا فِي النَّسِيئَةِ } .\rرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ .\rوَالْمَشْهُورُ مِنْ ذَلِكَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ ، ثُمَّ إنَّهُ رَجَعَ إلَى قَوْلِ الْجَمَاعَةِ ، رَوَى ذَلِكَ الْأَثْرَمُ بِإِسْنَادِهِ ، وَقَالَهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ ، وَغَيْرُهُمْ .\rوَقَالَ سَعِيدٌ بِإِسْنَادِهِ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، قَالَ : صَحِبْت ابْنَ عَبَّاسٍ حَتَّى مَاتَ ، فَوَاَللَّهِ مَا رَجَعَ عَنْ الصَّرْفِ .\rوَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، قَالَ : سَأَلْت ابْنَ عَبَّاسٍ قَبْلَ مَوْتِهِ بِعِشْرِينَ لَيْلَةً عَنْ الصَّرْفِ ؟ فَلَمْ يَرَ بِهِ بَأْسًا ، وَكَانَ يَأْمُرُ بِهِ .\rوَالصَّحِيحُ قَوْلُ الْجُمْهُورِ ؛ لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { ، قَالَ : لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ ، وَلَا تَشْفُوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ ، وَلَا تَبِيعُوا الْوَرِقَ بِالْوَرِقِ إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ ، وَلَا تَشْفُوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ ، وَلَا تَبِيعُوا غَائِبًا بِنَاجِزٍ } .\rوَرَوَى أَبُو سَعِيدٍ أَيْضًا ، قَالَ : { جَاءَ بِلَالٌ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِتَمْرٍ بَرْنِيِّ ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مِنْ أَيْنَ هَذَا يَا بِلَالُ ؟ .\rقَالَ : كَانَ عِنْدَنَا تَمْرٌ رَدِيءٌ ، فَبِعْت صَاعَيْنِ بِصَاعٍ ، لِيُطْعِمَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَوَّهْ ، عَيْنُ الرِّبَا ، عَيْنُ الرِّبَا ، لَا تَفْعَلْ ، وَلَكِنْ إنْ أَرَدْت أَنْ تَشْتَرِيَ فَبِعْ التَّمْرَ بِبَيْعٍ آخَرَ ، ثُمَّ اشْتَرِ بِهِ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ عَلَى حَدِيثِ أَبِي","part":7,"page":492},{"id":3492,"text":"سَعِيدٍ الْعَمَلُ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَغَيْرِهِمْ .\rوَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : لَا رِبَا إلَّا فِي النَّسِيئَةِ } مَحْمُولٌ عَلَى الْجِنْسَيْنِ .","part":7,"page":493},{"id":3493,"text":"( 2796 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ ، رَحِمَهُ اللَّهُ : ( وَكُلُّ مَا كِيلَ أَوْ وُزِنَ مِنْ سَائِرِ الْأَشْيَاءِ ، فَلَا يَجُوزُ التَّفَاضُلُ فِيهِ إذَا كَانَ جِنْسًا وَاحِدًا ) قَوْلُهُ : \" مِنْ سَائِرِ الْأَشْيَاءِ \" .\rيَعْنِي مِنْ جَمِيعِهَا .\rوَضَعَ سَائِرَ مَوْضِعَ جَمِيعٍ تَجَوُّزًا ، وَمَوْضُوعُهَا الْأَصْلِيُّ لِبَاقِي الشَّيْءِ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الرِّبَا أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ ، وَمِنْ أَتَمَّهَا مَا رَوَى عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ مِثْلًا بِمِثْلٍ ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ مِثْلًا بِمِثْلٍ ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ مِثْلًا بِمِثْلٍ ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ مِثْلًا بِمِثْلٍ ، وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ مِثْلًا بِمِثْلٍ ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ مِثْلًا بِمِثْلٍ ، فَمَنْ زَادَ أَوْ ازْدَادَ فَقَدْ أَرْبَى ، بِيعُوا الذَّهَبَ بِالْفِضَّةِ كَيْفَ شِئْتُمْ يَدًا بِيَدٍ ، وَبِيعُوا الْبُرَّ بِالتَّمْرِ كَيْفَ شِئْتُمْ يَدًا بِيَدٍ ، وَبِيعُوا الشَّعِيرَ بِالتَّمْرِ كَيْفَ شِئْتُمْ يَدًا بِيَدٍ } .\rرَوَاهُ مُسْلِمٌ .\rفَهَذِهِ الْأَعْيَانُ الْمَنْصُوصُ عَلَيْهَا يَثْبُتُ الرِّبَا فِيهَا بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ .\rوَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِيمَا سِوَاهَا ، فَحُكِيَ عَنْ طَاوُسٍ وَقَتَادَةَ أَنَّهُمَا قَصَرَا الرِّبَا عَلَيْهَا ، وَقَالَا : لَا يَجْرِي فِي غَيْرِهَا .\rوَبِهِ قَالَ دَاوُد وَنُفَاة الْقِيَاسِ ، وَقَالُوا : مَا عَدَاهَا عَلَى أَصْلِ الْإِبَاحَةِ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى { : وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ } .\rوَاتَّفَقَ الْقَائِلُونَ بِالْقِيَاسِ عَلَى أَنَّ ثُبُوتَ الرِّبَا فِيهَا بِعِلَّةٍ ، وَأَنَّهُ يَثْبُتُ فِي كُلِّ مَا وُجِدَتْ فِيهِ عِلَّتُهَا ؛ لِأَنَّ الْقِيَاسَ دَلِيلٌ شَرْعِيٌّ ، فَيَجِبُ اسْتِخْرَاجُ عِلَّةِ هَذَا الْحُكْمِ ، وَإِثْبَاتُهُ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ وُجِدَتْ عِلَّتُهُ فِيهِ .\rوَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { وَحَرَّمَ الرِّبَا } .\rيَقْتَضِي تَحْرِيمَ كُلِّ زِيَادَةٍ ، إذْ الرِّبَا فِي اللُّغَةِ الزِّيَادَةُ ، إلَّا مَا أَجْمَعْنَا عَلَى تَخْصِيصِهِ .\rوَهَذَا يُعَارِضُ مَا","part":7,"page":494},{"id":3494,"text":"ذَكَرُوهُ .\rثُمَّ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ رِبَا الْفَضْلِ لَا يَجْرِي إلَّا فِي الْجِنْسِ الْوَاحِدِ ، إلَّا سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ ، فَإِنَّهُ قَالَ : كُلُّ شَيْئَيْنِ يَتَقَارَبُ الِانْتِفَاعُ بِهِمَا لَا يَجُوزُ بَيْعُ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ مُتَفَاضِلًا ، كَالْحِنْطَةِ بِالشَّعِيرِ ، وَالتَّمْرِ بِالزَّبِيبِ ، وَالذُّرَةِ بِالدُّخْنِ ؛ لِأَنَّهُمَا يَتَقَارَبُ نَفْعُهُمَا ، فَجَرَيَا مَجْرَى نَوْعَيْ جِنْسٍ وَاحِدٍ .\rوَهَذَا يُخَالِفُ قَوْلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : بِيعُوا الذَّهَبَ بِالْفِضَّةِ كَيْفَ شِئْتُمْ يَدًا بِيَدٍ ، وَبِيعُوا الْبُرَّ بِالتَّمْرِ كَيْفَ شِئْتُمْ } .\rفَلَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ .\rثُمَّ يَبْطُلُ بِالذَّهَبِ بِالْفِضَّةِ ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ التَّفَاضُلُ فِيهِمَا مَعَ تَقَارُبِهِمَا .\rوَاتَّفَقَ الْمُعَلِّلُونَ عَلَى أَنَّ عِلَّةَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَاحِدَةٌ ، وَعِلَّةَ الْأَعْيَانِ الْأَرْبَعَةِ وَاحِدَةٌ ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي عِلَّةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ؛ فَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ فِي ذَلِكَ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ ، أَشْهَرُهُنَّ أَنَّ عِلَّةَ الرِّبَا فِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ كَوْنُهُ مَوْزُونَ جِنْسٍ ، وَعِلَّةُ الْأَعْيَانِ الْأَرْبَعَةِ مَكِيلُ جِنْسٍ .\rنَقَلَهَا عَنْ أَحْمَدَ الْجَمَاعَةُ ، وَذَكَرَهَا الْخِرَقِيِّ ، وَابْنُ أَبِي مُوسَى ، وَأَكْثَرُ الْأَصْحَابِ .\rوَهُوَ قَوْلُ النَّخَعِيِّ ، وَالزُّهْرِيِّ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَإِسْحَاقَ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْي .\rفَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ يَجْرِي الرِّبَا فِي كُلِّ مَكِيلٍ ، أَوْ مَوْزُونٍ بِجِنْسِهِ ، مَطْعُومًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مَطْعُومٍ ، كَالْحُبُوبِ ، وَالْأُشْنَانِ ، وَالنُّورَةِ ، وَالْقُطْنِ ، وَالصُّوفِ ، وَالْكَتَّانِ ، وَالْوَرْسِ ، وَالْحِنَّاءِ ، وَالْعُصْفُرِ ، وَالْحَدِيدِ ، وَالنُّحَاسِ ، وَنَحْوِ ذَلِكَ .\rوَلَا يَجْرِي فِي مَطْعُومٍ لَا يُكَالُ وَلَا يُوزَنُ ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ قَالَ ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : لَا تَبِيعُوا الدِّينَارَ بِالدِّينَارَيْنِ ، وَلَا الدِّرْهَمَ بِالدِّرْهَمَيْنِ ، وَلَا الصَّاعَ بِالصَّاعَيْنِ ، فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ الرَّمَاءَ .\rوَهُوَ الرِّبَا","part":7,"page":495},{"id":3495,"text":"، فَقَامَ إلَيْهِ رَجُلٌ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَرَأَيْت الرَّجُلَ يَبِيعُ الْفَرَسَ بِالْأَفْرَاسِ ، وَالنَّجِيبَةَ بِالْإِبِلِ ؟ فَقَالَ : لَا بَأْسَ إذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ } .\rرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي الْمُسْنَدِ ، عَنْ ابْنِ حِبَّانَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ .\rوَعَنْ أَنَسٍ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { مَا وُزِنَ مِثْلًا بِمِثْلٍ إذَا كَانَ نَوْعًا وَاحِدًا ، وَمَا كِيلَ مِثْلًا بِمِثْلٍ إذَا كَانَ نَوْعًا وَاحِدًا .\r} رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ ، وَرَوَاهُ عَنْ ابْنِ صَاعِدٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَيُّوبَ ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشِ ، عَنْ الرَّبِيعِ بْنِ صَبِيحٍ ، عَنْ الْحَسَنِ ، عَنْ عُبَادَةَ ، وَأَنَسٍ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ : لَمْ يَرْوِهِ عَنْ أَبِي بَكْرٍ هَكَذَا غَيْرُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ أَيُّوبَ ، وَخَالَفَهُ غَيْرُهُ فَرَوَاهُ بِلَفْظٍ آخَرَ .\rوَعَنْ عَمَّارٍ أَنَّهُ قَالَ { : الْعَبْدُ خَيْرٌ مِنْ الْعَبْدَيْنِ ، وَالثَّوْبُ خَيْرٌ مِنْ الثَّوْبَيْنِ .\rفَمَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ فَلَا بَأْسَ بِهِ ، إنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسَاءِ ، إلَّا مَا كِيلَ أَوْ وُزِنَ .\r} وَلِأَنَّ قَضِيَّةَ الْبَيْعِ الْمُسَاوَاةُ ، وَالْمُؤَثِّرُ فِي تَحْقِيقِهَا الْكَيْلُ ، وَالْوَزْنُ ، وَالْجِنْسُ ، فَإِنَّ الْوَزْنَ أَوْ الْكَيْلَ يُسَوِّي بَيْنَهُمَا صُورَةً ، وَالْجِنْسُ يُسَوِّي بَيْنَهُمَا مَعْنًى ، فَكَانَا عِلَّةً ، وَوَجَدْنَا الزِّيَادَةَ فِي الْكَيْلِ مُحَرَّمَةً دُونَ الزِّيَادَةِ فِي الطَّعْمِ ؛ بِدَلِيلِ بَيْعِ الثَّقِيلَةِ بِالْخَفِيفَةِ ، فَإِنَّهُ جَائِزٌ إذَا تُسَاوَيَا فِي الْكَيْلِ .\rوَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ ، أَنَّ الْعِلَّةَ فِي الْأَثْمَانِ الثَّمَنِيَّةُ ، وَفِيمَا عَدَاهَا كَوْنُهُ مَطْعُومَ جِنْسٍ ، فَيَخْتَصُّ بِالْمَطْعُومَاتِ ، وَيَخْرُجُ مِنْهُ مَا عَدَاهَا ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ : رَوَى ذَلِكَ عَنْ أَحْمَدَ جَمَاعَةٌ ، وَنَحْوَ هَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ، فَإِنَّهُ قَالَ : الْعِلَّةُ الطَّعْمُ ، وَالْجِنْسُ شَرْطٌ .\rوَالْعِلَّةُ فِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ","part":7,"page":496},{"id":3496,"text":"جَوْهَرِيَّةُ الثَّمَنِيَّةِ غَالِبًا ، فَيَخْتَصُّ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ ؛ لِمَا رَوَى مَعْمَرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ بِالطَّعَامِ إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ } .\rرَوَاهُ مُسْلِمٌ .\rوَلِأَنَّ الطَّعْمَ وَصْفُ شَرَفٍ ، إذْ بِهِ قِوَامُ الْأَبْدَانِ ، وَالثَّمَنِيَّةُ وَصْفُ شَرَفٍ ، إذْ بِهَا قِوَامُ الْأَمْوَالِ ، فَيَقْتَضِي التَّعْلِيلَ بِهِمَا ، وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَتْ الْعِلَّةُ فِي الْأَثْمَانِ الْوَزْنَ لَمْ يَجُزْ إسْلَامُهُمَا فِي الْمَوْزُونَاتِ ؛ لِأَنَّ أَحَدَ وَصْفَيْ عِلَّةِ رِبَا الْفَضْلِ يَكْفِي فِي تَحْرِيمِ النَّسَاءِ .\rوَالرِّوَايَةُ الثَّالِثَةُ ؛ الْعِلَّةُ فِيمَا عَدَا الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ كَوْنُهُ مَطْعُومَ جِنْسٍ مَكِيلًا أَوْ مَوْزُونًا ، فَلَا يَجْرِي الرِّبَا فِي مَطْعُومٍ لَا يُكَالُ وَلَا يُوزَنُ ، كَالتُّفَّاحِ وَالرُّمَّانِ ، وَالْخَوْخِ ، وَالْبِطِّيخِ ، وَالْكُمَّثْرَى ، وَالْأُتْرُجِّ ، وَالسَّفَرْجَلِ ، وَالْإِجَّاصِ ، وَالْخِيَارِ ، وَالْجَوْزِ ، وَالْبَيْضِ ، وَلَا فِيمَا لَيْسَ بِمَطْعُومٍ ، كَالزَّعْفَرَانِ ، وَالْأُشْنَانِ ، وَالْحَدِيدِ ، وَالرَّصَاصِ ، وَنَحْوِهِ .\rوَيُرْوَى ذَلِكَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، وَهُوَ قَدِيمُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { لَا رِبَا إلَّا فِيمَا كِيلَ أَوْ وُزِنَ ، مِمَّا يُؤْكَلُ أَوْ يُشْرَبُ } .\rأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيّ ، وَقَالَ : الصَّحِيحُ أَنَّهُ مِنْ قَوْلِ سَعِيدٍ ، وَمَنْ رَفَعَهُ فَقَدْ وَهِمَ .\rوَلِأَنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْأَوْصَافِ أَثَرًا ، وَالْحُكْمُ مَقْرُونٌ بِجَمِيعِهَا فِي الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ ، فَلَا يَجُوزُ حَذْفُهُ .\rوَلِأَنَّ الْكَيْلَ وَالْوَزْنَ وَالْجِنْسَ لَا يَقْتَضِي وُجُوبَ الْمُمَاثَلَةِ ، وَإِنَّمَا أَثَرُهُ فِي تَحْقِيقِهَا فِي الْعِلَّةِ مَا يَقْتَضِي ثُبُوتَ الْحُكْمِ لَا مَا تَحَقَّقَ شَرْطُهُ ، وَالطَّعْمُ بِمُجَرَّدِهِ لَا تَتَحَقَّقُ الْمُمَاثَلَةُ بِهِ ؛ لِعَدَمِ الْمِعْيَارِ الشَّرْعِيِّ فِيهِ .\rوَإِنَّمَا تَجِبُ الْمُمَاثَلَةُ فِي","part":7,"page":497},{"id":3497,"text":"الْمِعْيَارِ الشَّرْعِيِّ وَهُوَ الْكَيْلُ ، وَالْوَزْنُ ، وَلِهَذَا وَجَبَتْ الْمُسَاوَاةُ فِي الْمَكِيلِ كَيْلًا ، وَفِي الْمَوْزُونِ وَزْنًا ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الطَّعْمُ مُعْتَبَرًا فِي الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ ، دُونَ غَيْرِهِمَا .\rوَالْأَحَادِيثُ الْوَارِدَةُ فِي هَذَا الْبَابِ يَجِبُ الْجَمْعُ بَيْنَهَا ، وَتَقْيِيدُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا بِالْآخَرِ ، فَنَهْيُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ يَتَقَيَّدُ بِمَا فِيهِ مِعْيَارٌ شَرْعِيٌّ ، وَهُوَ الْكَيْلُ وَالْوَزْنُ ، وَنَهْيُهُ عَنْ بَيْعِ الصَّاعِ بِالصَّاعَيْنِ يَتَقَيَّدُ بِالْمَطْعُومِ الْمَنْهِيِّ عَنْ التَّفَاضُلِ فِيهِ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : الْعِلَّةُ الْقُوتُ ، أَوْ : مَا يَصْلُحُ بِهِ الْقُوتُ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ مِنْ الْمُدَّخَرَاتِ .\rوَقَالَ رَبِيعَةُ : يَجْرِي الرِّبَا فِيمَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ دُونَ غَيْرِهِ .\rوَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ : الْجِنْسُ الْوَاحِدُ عِلَّةٌ .\rوَهَذَا الْقَوْلُ لَا يَصِحُّ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَيْعِ الْفَرَسِ بِالْأَفْرَاسِ ، وَالنَّجِيبَةِ بِالْإِبِلِ { : لَا بَأْسَ بِهِ إذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ } .\rوَرُوِيَ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ابْتَاعَ عَبْدًا بِعَبْدَيْنِ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَقَالَ : هُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ .\rوَقَوْلُ مَالِكٍ يَنْتَقِضُ بِالْحَطَبِ وَالْإِدَامِ يُسْتَصْلَحُ بِهِ الْقُوتُ وَلَا رِبَا فِيهِ عِنْدَهُ ، وَتَعْلِيلُ رَبِيعَةَ يَنْعَكِسُ بِالْمِلْحِ ، وَالْعَكْسُ لَازِمٌ عِنْدَ اتِّحَادِ الْعِلَّةِ .\rوَالْحَاصِلُ أَنَّ مَا اجْتَمَعَ فِيهِ الْكَيْلُ وَالْوَزْنُ وَالطَّعْمُ ، مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ ، فَفِيهِ الرِّبَا رِوَايَةً وَاحِدَةً ، كَالْأُرْزِ ، وَالدُّخْنِ ، وَالذُّرَةِ ، وَالْقُطْنِيَّاتِ ، وَالدُّهْنِ ، وَالْخَلِّ ، وَاللَّبَنِ ، وَاللَّحْمِ ، وَنَحْوِهِ .\rوَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : هَذَا قَوْلُ عُلَمَاءِ الْأَمْصَارِ فِي الْقَدِيمِ وَالْحَدِيثِ ، سِوَى قَتَادَةَ ، فَإِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّهُ شَذَّ عَنْ جَمَاعَةِ النَّاسِ ، فَقَصَرَ تَحْرِيمَ","part":7,"page":498},{"id":3498,"text":"التَّفَاضُلِ عَلَى السِّتَّةِ الْأَشْيَاءِ .\rوَمَا انْعَدَمَ فِيهِ الْكَيْلُ ، وَالْوَزْنُ ، وَالطَّعْمُ ، وَاخْتَلَفَ جِنْسُهُ ، فَلَا رِبَا فِيهِ ، رِوَايَةً وَاحِدَةً .\rوَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، كَالتِّينِ ، وَالنَّوَى ، وَالْقَتِّ ، وَالْمَاءِ ، وَالطِّينِ الْأَرْمَنِيِّ ، فَإِنَّهُ يُؤْكَلُ دَوَاءً ، فَيَكُونُ مَوْزُونًا مَأْكُولًا ، فَهُوَ إذًا مِنْ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ ، وَمَا عَدَاهُ إنَّمَا يُؤْكَلُ سَفَهًا ، فَجَرَى مَجْرَى الرَّمْلِ وَالْحَصَى .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ لِعَائِشَةَ : { لَا تَأْكُلِي الطِّينَ ، فَإِنَّهُ يُصَفِّرُ اللَّوْنَ } .\rوَمَا وُجِدَ فِيهِ الطَّعْمُ وَحْدَهُ ، أَوْ الْكَيْلُ أَوْ الْوَزْنُ ، مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ ، وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِيهِ ، وَالْأَوْلَى إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى حِلُّهُ ؛ إذْ لَيْسَ فِي تَحْرِيمِهِ دَلِيلٌ مَوْثُوقٌ بِهِ ، وَلَا مَعْنًى يُقَوِّي التَّمَسُّكَ بِهِ ، وَهِيَ مَعَ ضَعْفِهَا يُعَارِضُ بَعْضُهَا بَعْضًا ، فَوَجَبَ اطِّرَاحُهَا ، أَوْ الْجَمْعُ بَيْنَهَا ، وَالرُّجُوعُ إلَى أَصْلِ الْحِلِّ الَّذِي يَقْتَضِيهِ الْكِتَابُ ، وَالسُّنَّةُ ، وَالِاعْتِبَارُ .\rوَلَا فَرْقَ فِي الْمَطْعُومَاتِ بَيْنَ مَا يُؤْكَلُ قُوتًا ، كَالْأُرْزِ ، وَالذُّرَةِ ، وَالدُّخْنِ ، أَوْ أُدْمًا كَالْقُطْنِيَّاتِ ، وَاللَّبَنِ ، وَاللَّحْمِ ، أَوْ تَفَكُّهًا كَالثِّمَارِ ، أَوْ تَدَاوِيًا كَالْإِهْلِيلَجِ ، وَالسَّقَمُونْيَا ، فَإِنَّ الْكُلَّ فِي بَابِ الرِّبَا وَاحِدٌ .","part":7,"page":499},{"id":3499,"text":"( 2797 ) فَصْلٌ ، وَقَوْلُهُ : مَا كِيلَ ، أَوْ وُزِنَ .\rأَيْ : مَا كَانَ جِنْسُهُ مَكِيلًا ، أَوْ مَوْزُونًا ، وَإِنْ لَمْ يَتَأَتَّ فِيهِ كَيْلٌ ، وَلَا وَزْنٌ ، إمَّا لِقِلَّتِهِ كَالْحَبَّةِ وَالْحَبَّتَيْنِ ، وَالْحَفْنَةِ وَالْحَفْنَتَيْنِ ، وَمَا دُونَ الْأُرْزَةِ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ ، أَوْ لِكَثْرَتِهِ كَالزُّبْرَةِ الْعَظِيمَةِ ، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ ، إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ ، وَيَحْرُمُ التَّفَاضُلُ فِيهِ .\rوَبِهَذَا قَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ .\rوَرَخَّصَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي بَيْعِ الْحَفْنَةِ بِالْحَفْنَتَيْنِ ، وَالْحَبَّةِ بِالْحَبَّتَيْنِ ، وَسَائِرِ الْمَكِيلِ الَّذِي لَا يَتَأَتَّى كَيْلُهُ ، وَوَافَقَ فِي الْمَوْزُونِ ، وَاحْتَجَّ بِأَنَّ الْعِلَّةَ الْكَيْلُ ، وَلَمْ يُوجَدْ فِي الْيَسِيرِ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : التَّمْرُ بِالتَّمْرِ مِثْلًا بِمِثْلٍ ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ مِثْلًا بِمِثْلٍ ، مَنْ زَادَ أَوْ ازْدَادَ فَقَدْ أَرْبَى } .\rوَلِأَنَّ مَا جَرَى الرِّبَا فِي كَثِيرِهِ جَرَى فِي قَلِيلِهِ ، كَالْمَوْزُونِ .\r( 2798 ) فَصْلٌ : وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ تَمْرَةٍ بِتَمْرَةٍ ، وَلَا حَفْنَةٍ بِحَفْنَةٍ .\rوَهَذَا قَوْلُ الثَّوْرِيِّ ، وَلَا أَعْلَمُهُ مَنْصُوصًا عَلَيْهِ ، وَلَكِنَّهُ قِيَاسُ قَوْلِهِمْ ؛ لِأَنَّ مَا أَصْلُهُ الْكَيْلُ لَا تَجْرِي الْمُمَاثَلَةُ فِي غَيْرِهِ ( 2799 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا مَا لَا وَزْنَ لِلصِّنَاعَةِ فِيهِ ، كَمَعْمُولِ الْحَدِيدِ ، وَالرَّصَاصِ ، وَالنُّحَاسِ ، وَالْقُطْنِ ، وَالْكَتَّانِ ، وَالصُّوفِ ، وَالْإِبْرَيْسَمِ ، فَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ فِي الثِّيَابِ وَالْأَكْسِيَةِ أَنَّهُ لَا يَجْرِي فِيهَا الرِّبَا ، فَإِنَّهُ قَالَ : لَا بَأْسَ بِالثَّوْبِ بِالثَّوْبَيْنِ ، وَالْكِسَاءِ بِالْكِسَاءَيْنِ .\rوَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَقَالَ : لَا يُبَاعُ الْفَلْسُ بِالْفَلْسَيْنِ ، وَلَا السِّكِّينُ بِالسِّكِّينَيْنِ ، وَلَا إبْرَةٌ بِإِبْرَتَيْنِ ، أَصْلُهُ الْوَزْنُ .\rوَنَقَلَ الْقَاضِي حُكْمَ إحْدَى الْمَسْأَلَتَيْنِ إلَى الْأُخْرَى ، فَجَعَلَ فِيهِمَا جَمِيعًا رِوَايَتَيْنِ","part":7,"page":500},{"id":3500,"text":"؛ إحْدَاهُمَا ، لَا يَجْرِي فِي الْجَمِيعِ .\rوَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَأَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَوْزُونِ وَلَا مَكِيلٍ ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ .\rإذْ لَا مَعْنَى لِثُبُوتِ الْحُكْمِ مَعَ انْتِفَاءِ الْعِلَّةِ ، وَعَدَمِ النَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ فِيهِ .\rوَالثَّانِيَةُ ، يَجْرِي الرِّبَا فِي الْجَمِيعِ .\rاخْتَارَهَا ابْنُ عَقِيلٍ ؛ لِأَنَّ أَصْلَهُ الْوَزْنُ ، فَلَا يَخْرُجُ بِالصِّنَاعَةِ عَنْهُ كَالْخُبْزِ ، وَذَكَرَ أَنَّ اخْتِيَارَ الْقَاضِي ؛ أَنَّ مَا كَانَ يُقْصَدُ وَزْنُهُ بَعْدَ عَمَلِهِ كَالْأَسْطَالِ فَفِيهِ الرِّبَا ، وَمَالًا فَلَا .\r( 2800 ) فَصْلٌ : وَيَجْرِي الرِّبَا فِي لَحْمِ الطَّيْرِ ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ : لَا يَجْرِي فِيهِ ؛ لِأَنَّهُ يُبَاعُ بِغَيْرِ وَزْنٍ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ لَحْمٌ فَجَرَى فِيهِ الرِّبَا ، كَسَائِرِ اللُّحْمَانِ .\rوَقَوْلُهُ : لَا يُوزَنُ .\rقُلْنَا : هُوَ مِنْ جِنْسِ مَا يُوزَنُ ، وَيُقْصَدُ ثِقَلُهُ ، وَتَخْتَلِفُ قِيمَتُهُ بِثِقَلِهِ وَخِفَّتِهِ ، فَأَشْبَهَ مَا يُبَاعُ مِنْ الْخُبْزِ بِالْعَدَدِ .","part":8,"page":1},{"id":3501,"text":"( 2801 ) فَصْلٌ : وَالْجَيِّدُ وَالرَّدِيءُ ، وَالتِّبْرُ وَالْمَضْرُوبُ ، وَالصَّحِيحُ وَالْمَكْسُورُ ، سَوَاءٌ فِي جَوَازِ الْبَيْعِ مَعَ التَّمَاثُلِ ، وَتَحْرِيمِهِ مَعَ التَّفَاضُلِ .\rوَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، مِنْهُمْ ؛ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ .\rوَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ جَوَازُ بَيْعِ الْمَضْرُوبِ بِقِيمَتِهِ مِنْ جِنْسِهِ ، وَأَنْكَرَ أَصْحَابُهُ ذَلِكَ ، وَنَفَوْهُ عَنْهُ .\rوَحَكَى بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةً ، لَا يَجُوزُ بَيْعُ الصِّحَاحِ بِالْمُكَسَّرَةِ .\rوَلِأَنَّ لِلصِّنَاعَةِ قِيمَةً ؛ بِدَلِيلِ حَالَةِ الْإِتْلَافِ ، فَيَصِيرُ كَأَنَّهُ ضَمَّ قِيمَةَ الصِّنَاعَةِ إلَى الذَّهَبِ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ مِثْلًا بِمِثْلٍ ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ مِثْلًا بِمِثْلٍ } .\rوَعَنْ عُبَادَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ { : الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ تِبْرُهَا وَعَيْنُهَا ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ تِبْرُهَا وَعَيْنُهَا } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَرَوَى مُسْلِمٌ ، عَنْ أَبِي الْأَشْعَثِ ، أَنَّ مُعَاوِيَةَ أَمَرَ بِبَيْعِ آنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ فِي أَعْطِيَاتِ النَّاسِ ، فَبَلَغَ عُبَادَةَ فَقَالَ : { إنِّي سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْهَى عَنْ بَيْعِ الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ ، وَالْفِضَّةِ بِالْفِضَّةِ ، وَالْبُرِّ بِالْبُرِّ ، وَالشَّعِيرِ بِالشَّعِيرِ ، وَالْمِلْحِ بِالْمِلْحِ ، إلَّا سَوَاءً بِسَوَاءٍ ، عَيْنًا بِعَيْنٍ ، فَمَنْ زَادَ أَوْ ازْدَادَ فَقَدْ أَرْبَى } .\rوَرَوَى الْأَثْرَمُ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ، أَنَّ مُعَاوِيَةَ بَاعَ سِقَايَةً مِنْ ذَهَبٍ أَوْ وَرِقٍ بِأَكْثَرَ مِنْ وَزْنِهَا ، فَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ : { سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْهَى عَنْ مِثْلِ هَذَا إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ } .\rثُمَّ قَدِمَ أَبُو الدَّرْدَاءِ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فَذَكَرَ لَهُ ذَلِكَ ، فَكَتَبَ عُمَرُ إلَى مُعَاوِيَةَ ، لَا تَبِعْ ذَلِكَ إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ ، وَزْنًا بِوَزْنٍ .\rوَلِأَنَّهُمَا تُسَاوَيَا فِي الْوَزْنِ ، فَلَا","part":8,"page":2},{"id":3502,"text":"يُؤَثِّرُ اخْتِلَافُهُمَا فِي الْقِيمَةِ ، كَالْجَيِّدِ وَالرَّدِيءِ .\rفَأَمَّا إنْ قَالَ لِصَائِغٍ : صُغْ لِي خَاتَمًا وَزْنُهُ دِرْهَمٌ ، وَأُعْطِيكَ مِثْلَ وَزْنِهِ ، وَأُجْرَتَك دِرْهَمًا .\rفَلَيْسَ ذَلِكَ بِبَيْعِ دِرْهَمٍ بِدِرْهَمَيْنِ .\rوَقَالَ أَصْحَابُنَا : لِلصَّائِغِ أَخْذُ الدِّرْهَمَيْنِ ؛ أَحَدِهِمَا فِي مُقَابَلَةِ الْخَاتَمِ ، وَالثَّانِي أُجْرَةً لَهُ .","part":8,"page":3},{"id":3503,"text":"( 2802 ) فَصْلٌ : وَكُلُّ مَا حَرُمَ فِيهِ التَّفَاضُلُ حَرُمَ فِيهِ النَّسَاءُ ، بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ .\rوَيَحْرُمُ التَّفَرُّقُ قَبْلَ الْقَبْضِ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { عَيْنًا بِعَيْنٍ } .\rوَقَوْلِهِ : { يَدًا بِيَدٍ } .\rوَلِأَنَّ تَحْرِيمَ النَّسَاءِ آكَدُ ، وَلِذَلِكَ جَرَى فِي الْجِنْسَيْنِ الْمُخْتَلِفَيْنِ ، فَإِذَا حَرُمَ التَّفَاضُلُ ، فَالنَّسَاءُ أَوْلَى بِالتَّحْرِيمِ .","part":8,"page":4},{"id":3504,"text":"قَالَ ( 2803 ) مَسْأَلَةٌ : ( وَمَا كَانَ مِنْ جِنْسَيْنِ فَجَائِزٌ التَّفَاضُلُ فِيهِ يَدًا بِيَدٍ ، وَلَا يَجُوزُ نَسِيئَةً ) لَا خِلَافَ فِي جَوَازِ التَّفَاضُلِ فِي الْجِنْسَيْنِ نَعْلَمُهُ ، إلَّا عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّهُ قَالَ : مَا يَتَقَارَبُ الِانْتِفَاعُ بِهِمَا لَا يَجُوزُ التَّفَاضُلُ فِيهِمَا .\rوَهَذَا يَرُدُّهُ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { بِيعُوا الذَّهَبَ بِالْفِضَّةِ كَيْفَ شِئْتُمْ يَدًا بِيَدٍ ، وَبِيعُوا الْبُرَّ بِالتَّمْرِ كَيْفَ شِئْتُمْ يَدًا بِيَدٍ ، وَبِيعُوا الشَّعِيرَ بِالتَّمْرِ كَيْفَ شِئْتُمْ يَدًا بِيَدٍ } .\rوَفِي لَفْظٍ : { إذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ } .\rرَوَاهُ مُسْلِمٌ ، وَأَبُو دَاوُد .\rوَلِأَنَّهُمَا جِنْسَانِ ، فَجَازَ التَّفَاضُلُ فِيهِمَا ، كَمَا لَوْ تَبَاعَدَتْ مَنَافِعُهُمَا .\rوَلَا خِلَافَ فِي إبَاحَةِ التَّفَاضُلِ فِي الذَّهَبِ بِالْفِضَّةِ ، مَعَ تَقَارُبِ مَنَافِعِهِمَا .\rفَأَمَّا النَّسَاءُ ؛ فَكُلُّ جِنْسَيْنِ يَجْرِي فِيهِمَا الرِّبَا بِعِلَّةٍ وَاحِدَةٍ ، كَالْمَكِيلِ بِالْمَكِيلِ ، وَالْمَوْزُونِ بِالْمَوْزُونِ ، وَالْمَطْعُومِ بِالْمَطْعُومِ ، عِنْدَ مَنْ يُعَلِّلُ بِهِ ، فَإِنَّهُ يَحْرُمُ بَيْعُ أَحَدِهِمَا بِالْأُخَرِ نَسَاءً ، بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ ؛ وَذَلِكَ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَصْنَافُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ يَدًا بِيَدٍ } .\rوَفِي لَفْظٍ : { لَا بَأْسَ بِبَيْعِ الذَّهَبِ بِالْفِضَّةِ وَالْفِضَّةُ أَكْثَرُهُمَا يَدًا بِيَدٍ ، وَأَمَّا نَسِيئَةً فَلَا ، وَلَا بَأْسَ بِبَيْعِ الْبُرِّ بِالشَّعِيرِ وَالشَّعِيرُ أَكْثَرُهُمَا يَدًا بِيَدٍ ، وَأَمَّا النَّسِيئَةُ فَلَا } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rإلَّا أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الْعِوَضَيْنِ ثَمَنًا ، وَالْآخَرُ مُثْمَنًا ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ النَّسَاءُ بَيْنَهُمَا بِغَيْرِ خِلَافٍ ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ أَرْخَصَ فِي السَّلَمِ ، وَالْأَصْلُ فِي رَأْسِ الْمَالِ الدَّرَاهِمُ وَالدَّنَانِيرُ ، فَلَوْ حَرُمَ النَّسَاءُ هَاهُنَا لَانْسَدَّ بَابُ السَّلَمِ فِي الْمَوْزُونَاتِ فِي الْغَالِبِ .\rفَأَمَّا إنَّ اخْتَلَفَتْ عِلَّتُهُمَا","part":8,"page":5},{"id":3505,"text":"كَالْمَكِيلِ بِالْمَوْزُونِ ، مِثْلُ بَيْعِ اللَّحْمِ بِالْبُرِّ ، فَفِيهِمَا رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، يَحْرُمُ النَّسَاءُ فِيهِمَا ، وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ الْخِرَقِيِّ هَاهُنَا ؛ لِأَنَّهُمَا مَالَانِ مِنْ أَمْوَالِ الرِّبَا ، فَحَرُمَ النَّسَاءُ فِيهِمَا ، كَالْمَكِيلِ بِالْمَكِيلِ .\rوَالثَّانِيَةُ ، يَجُوزُ النَّسَاءُ فِيهِمَا .\rوَهُوَ قَوْلُ النَّخَعِيِّ ؛ لِأَنَّهُمَا لَمْ يَجْتَمِعَا فِي أَحَدِ وَصْفَيْ عِلَّةِ رِبَا الْفَضْلِ ، فَجَازَ النَّسَاءُ فِيهِمَا ، كَالثِّيَابِ بِالْحَيَوَانِ .","part":8,"page":6},{"id":3506,"text":"( 2804 ) فَصْلٌ : وَإِذَا بَاعَ شَيْئًا مِنْ مَالِ الرِّبَا بِغَيْرِ جِنْسِهِ ، وَعِلَّةُ رِبَا الْفَضْلِ فِيهِمَا وَاحِدَةٌ ، لَمْ يَجُزْ التَّفَرُّقُ قَبْلَ الْقَبْضِ ، فَإِنْ فَعَلَا بَطَلَ الْعَقْدُ ، وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يُشْتَرَطُ التَّقَابُضُ فِيهِمَا كَغَيْرِ أَمْوَالِ الرِّبَا ، وَكَبَيْعِ ذَلِكَ بِأَحَدِ النَّقْدَيْنِ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ ، وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ ، مِثْلًا بِمِثْلٍ ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ ، يَدًا بِيَدٍ } .\rرَوَاهُ مُسْلِمٌ .\rوَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَصْنَافُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ يَدًا بِيَدٍ } .\rوَرَوَى مَالِكُ بْنُ أَوْسِ بْنِ الْحَدَثَانِ ، أَنَّهُ الْتَمَسَ صَرْفًا بِمِائَةِ دِينَارٍ .\rقَالَ : فَدَعَانِي طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ فَتَرَاوَضْنَا حَتَّى اصْطَرَفَ مِنِّي ، فَأَخَذَ الذَّهَبَ يُقَلِّبُهَا فِي يَدَيْهِ ، ثُمَّ قَالَ : حَتَّى يَأْتِيَ خَازِنِي مِنْ الْغَابَةِ .\rوَعُمَرُ يَسْمَعُ ذَلِكَ ، فَقَالَ : لَا وَاَللَّهِ لَا تُفَارِقْهُ حَتَّى تَأْخُذَ مِنْهُ ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : الذَّهَبُ بِالْوَرِقِ رِبًا إلَّا هَاءَ وَهَاءَ ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ رِبًا إلَّا هَاءَ وَهَاءَ ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ رِبًا إلَّا هَاءَ وَهَاءَ ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ رِبًا إلَّا هَاءَ وَهَاءَ } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَالْمُرَادُ بِهِ الْقَبْضُ ؛ بِدَلِيلِ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ ذَلِكَ فِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ ؛ وَلِهَذَا فَسَّرَهُ عُمَرُ بِهِ ، وَلِأَنَّهُمَا مَالَانِ مِنْ أَمْوَالِ الرِّبَا عِلَّتُهُمَا وَاحِدَةٌ ، فَحَرُمَ التَّفَرُّقُ فِيهِمَا قَبْلَ الْقَبْضِ كَالذَّهَبِ بِالْفِضَّةِ .\rفَأَمَّا إنْ اخْتَلَفَتْ عِلَّتُهُمَا ، كَالْمَكِيلِ بِالْمَوْزُونِ عِنْدَ مَنْ يُعَلِّلُ بِهِمَا ، فَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : يَجُوزُ التَّفَرُّقُ فِيهِمَا قَبْلَ الْقَبْضِ رِوَايَةً وَاحِدَةً ؛ لِأَنَّ عِلَّتَهُمَا مُخْتَلِفَةٌ ، فَجَازَ التَّفَرُّقُ قَبْلَ","part":8,"page":7},{"id":3507,"text":"الْقَبْضِ ، كَالثَّمَنِ بِالْمُثْمَنِ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ، إلَّا أَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ عِنْدَهُ ذَلِكَ إلَّا فِي بَيْعِ الْأَثْمَانِ بِغَيْرِهَا ، وَيَحْتَمِلُ كَلَامُ الْخِرَقِيِّ وُجُوبَ التَّقَابُضِ عَلَى كُلِّ حَالٍ ؛ لِقَوْلِهِ : { يَدًا بِيَدٍ } .","part":8,"page":8},{"id":3508,"text":"( 2805 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَمَا كَانَ مِمَّا لَا يُكَالُ وَلَا يُوزَنُ فَجَائِزٌ التَّفَاضُلُ فِيهِ يَدًا بِيَدٍ ، وَلَا يَجُوزُ نَسِيئَةً ) اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ فِي تَحْرِيمِ النَّسَاءِ فِي غَيْرِ الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ ، عَلَى أَرْبَعِ رِوَايَاتِ ؛ إحْدَاهُنَّ ، لَا يَحْرُمُ النَّسَاءُ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ ، سَوَاءٌ بِيعَ بِجِنْسِهِ أَوْ بِغَيْرِهِ ، مُتَسَاوِيًا أَوْ مُتَفَاضِلًا ، إلَّا عَلَى قَوْلِنَا : إنَّ الْعِلَّةَ الطَّعْمُ .\rفَيَحْرُمُ النَّسَاءُ فِي الْمَطْعُومِ ، وَلَا يَحْرُمُ فِي غَيْرِهِ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rوَاخْتَارَ الْقَاضِي هَذِهِ الرِّوَايَةَ ؛ لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَمَرَهُ أَنْ يُجَهِّزَ جَيْشًا ، فَنَفِدَتْ الْإِبِلُ ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ فِي قِلَاصِ الصَّدَقَةِ ، فَكَانَ يَأْخُذُ الْبَعِيرَ بِالْبَعِيرَيْنِ إلَى إبِلِ الصَّدَقَةِ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد \" وَرَوَى سَعِيدٌ فِي سُنَنِهِ ، عَنْ أَبِي مَعْشَرٍ ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ ، عَنْ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ : أَنَّ عَلِيًّا بَاعَ بَعِيرًا لَهُ يُقَالُ لَهُ : عُصَيْفِيرٌ ، بِأَرْبَعَةِ أَبْعِرَةٍ إلَى أَجَلٍ .\rوَلِأَنَّهُمَا مَالَانِ لَا يَجْرِي فِيهِمَا رِبَا الْفَضْلِ ، فَجَازَ النَّسَاءُ فِيهِمَا كَالْعَرْضِ بِالدِّينَارِ ، وَلِأَنَّ النَّسَاءَ أَحَدُ نَوْعَيْ الرِّبَا ، فَلَمْ يَجُزْ فِي الْأَنْوَاعِ كُلِّهَا ، كَالنَّوْعِ الْآخَرِ .\rوَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ ، يَحْرُمُ النَّسَاءُ فِي كُلِّ مَالٍ بِيعَ بِجِنْسِهِ ، كَالْحَيَوَانِ بِالْحَيَوَانِ ، وَالثِّيَابِ بِالثِّيَابِ ، وَلَا يَحْرُمُ فِي غَيْرِ ذَلِكَ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ .\rوَمِمَّنْ كَرِهَ بَيْعَ الْحَيَوَانِ بِالْحَيَوَانِ نِسَاءً ابْنُ الْحَنَفِيَّةِ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَيْرٍ ، وَعَطَاءٌ ، وَعِكْرِمَةُ بْنُ خَالِدٍ ، وَابْنُ سِيرِينَ ، وَالثَّوْرِيُّ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَمَّارٍ ، وَابْنِ عُمَرَ ؛ لِمَا رَوَى سَمُرَةُ : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { نَهَى عَنْ بَيْعِ الْحَيَوَانِ بِالْحَيَوَانِ نَسِيئَةً .\r} قَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا","part":8,"page":9},{"id":3509,"text":"حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ، وَلِأَنَّ الْجِنْسَ أَحَدُ وَصْفَيْ عِلَّةِ رِبَا الْفَضْلِ ، فَحَرُمَ النَّسَاءُ ، كَالْكَيْلِ وَالْوَزْنِ .\rوَالثَّالِثَةُ ، لَا يَحْرُمُ النَّسَاءُ إلَّا فِيمَا بِيعَ بِجِنْسِهِ مُتَفَاضِلًا ، فَأَمَّا مَعَ التَّمَاثُلِ فَلَا ؛ لِمَا رَوَى جَابِرٌ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { الْحَيَوَانُ اثْنَانِ بِوَاحِدٍ لَا يَصْلُحُ نَسَاءً ، وَلَا بَأْسَ بِهِ يَدًا بِيَدٍ } ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ .\rوَرَوَى ابْنُ عُمَرَ : { أَنَّ رَجُلًا قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَرَأَيْت الرَّجُلَ يَبِيعُ الْفَرَسَ بِالْأَفْرَاسِ وَالنَّجِيبَةَ بِالْإِبِلِ ؟ فَقَالَ : لَا بَأْسَ إذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ } .\rمِنْ الْمُسْنَدِ .\rوَهَذَا يَدُلُّ عَلَى إبَاحَةِ النَّسَاءِ مَعَ التَّمَاثُلِ بِمَفْهُومِهِ .\rوَالرَّابِعَةُ ، يَحْرُمُ النَّسَاءُ فِي كُلِّ مَالٍ بِيعَ بِمَالٍ آخَرَ ، سَوَاءٌ كَانَ مِنْ جِنْسِهِ أَوْ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ .\rوَهَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ الرِّوَايَةَ الثَّالِثَةَ ؛ لِأَنَّهُ بَيْعُ عَرْضٍ بِعَرْضِ ، فَحَرُمَ النَّسَاءُ بَيْنَهُمَا كَالْجِنْسَيْنِ مِنْ أَمْوَالِ الرِّبَا ، قَالَ الْقَاضِي : فَعَلَى هَذَا لَوْ بَاعَ عَرْضًا بِعَرْضٍ ، وَمَعَ أَحَدِهِمَا دَرَاهِمُ ، الْعُرُوض نَقْدًا وَالدَّرَاهِمُ نَسِيئَةً ، جَازَ ، وَإِنْ كَانَتْ الدَّرَاهِمُ نَقْدًا وَالْعُرُوضُ نَسِيئَةً ، لَمْ يَجُزْ ؛ لِأَنَّهُ يُفْضِي إلَى النَّسِيئَةِ فِي الْعُرُوضِ .\rوَهَذِهِ الرِّوَايَةُ ضَعِيفَةٌ جِدًّا ؛ لِأَنَّهُ إثْبَاتُ حُكْمٍ يُخَالِفُ الْأَصْلَ بِغَيْرِ نَصٍّ وَلَا إجْمَاعٍ وَلَا قِيَاسٍ صَحِيحٍ ، فَإِنَّ فِي الْمَحِلِّ الْمُجْمَعِ عَلَيْهِ أَوْ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ أَوْصَافًا لَهَا أَثَرٌ فِي تَحْرِيمِ الْفَضْلِ ، فَلَا يَجُوزُ حَذْفُهَا عَنْ دَرَجَةِ الِاعْتِبَارِ ، وَمَا هَذَا سَبِيلُهُ لَا يَجُوزُ إثْبَاتُ الْحُكْمِ فِيهِ ، وَإِنْ لَمْ يُخَالِفْ أَصْلًا ، فَكَيْفَ يَثْبُتُ مَعَ مُخَالَفَةِ الْأَصْلِ فِي حِلِّ الْبَيْعِ ، وَأَصَحُّ الرِّوَايَاتِ هِيَ الْأُولَى ؛ لِمُوَافَقَتِهَا الْأَصْلَ .\rوَالْأَحَادِيثُ الْمُخَالِفَةُ لَهَا ، قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ :","part":8,"page":10},{"id":3510,"text":"لَيْسَ فِيهَا حَدِيثٌ يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ ، وَيُعْجِبُنِي أَنْ يَتَوَقَّاهُ .\rوَذُكِرَ لَهُ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ فِي هَذَا ، فَقَالَ : هُمَا مُرْسَلَانِ .\rوَحَدِيثُ سَمُرَةَ يَرْوِيهِ الْحَسَنُ عَنْ سَمُرَةَ ، قَالَ الْأَثْرَمُ ، قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ : لَا يَصِحُّ سَمَاعُ الْحَسَنِ مِنْ سَمُرَةَ .\rوَحَدِيثُ جَابِرٍ ، قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ : هَذَا حَجَّاجٌ زَادَ فِيهِ : \" نَسَاءً \" ، وَلَيْثُ بْنُ سَعْدٍ سَمِعَهُ مِنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، وَلَا يَذْكُرُ فِيهِ : \" نِسَاءً \" ، وَحَجَّاجٌ هَذَا هُوَ حَجَّاجُ بْنُ أَرْطَاةَ ، قَالَ يَعْقُوبُ بْنُ شَيْبَةَ : هُوَ وَاهِي الْحَدِيثِ ، وَهُوَ صَدُوقٌ .\rوَإِنْ كَانَ أَحَدُ الْمَبِيعَيْنِ مِمَّا لَا رِبَا فِيهِ ، وَالْآخَرُ فِيهِ رِبَا كَالْمَكِيلِ بِالْمَعْدُودِ ، فَفِيهِمَا رِوَايَتَانِ ، إحْدَاهُمَا : يَحْرُمُ النَّسَاءُ فِيهِمَا .\rوَالثَّانِيَةُ : لَا يَحْرُمُ ، كَمَا لَوْ بَاعَ مَعْدُودًا بِمَعْدُودٍ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ .","part":8,"page":11},{"id":3511,"text":"مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَلَا يُبَاعُ شَيْءٌ مِنْ الرَّطْبِ بِيَابِسِ مِنْ جِنْسِهِ إلَّا الْعَرَايَا ) أَرَادَ الرَّطْبَ مِمَّا يَجْرِي فِيهِ الرِّبَا ، كَالرُّطَبِ بِالتَّمْرِ ، وَالْعِنَبِ بِالزَّبِيبِ ، وَاللَّبَنِ بِالْجُبْنِ ، وَالْحِنْطَةِ الْمَبْلُولَةِ أَوْ الرَّطْبَةِ بِالْيَابِسَةِ ، أَوْ الْمَقْلِيَّةِ بِالنِّيئَةِ ، وَنَحْوِ ذَلِكَ .\rوَبِهِ قَالَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ، وَاللَّيْثُ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ .\rوَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : جُمْهُورُ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّ بَيْعَ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ لَا يَجُوزُ بِحَالٍ مِنْ الْأَحْوَالِ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَجُوزُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو ، إمَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ جِنْسِهِ ، فَيَجُوزُ ؛ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { التَّمْرُ بِالتَّمْرِ مِثْلًا بِمِثْلٍ } .\rأَوْ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ ، فَيَجُوزُ ؛ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَصْنَافُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ } .\rوَلَنَا ، قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { لَا تَبِيعُوا التَّمْرَ بِالتَّمْرِ } .\rوَفِي لَفْظٍ ، { نَهَى عَنْ بَيْعِ التَّمْرِ بِالتَّمْرِ ، وَرَخَّصَ فِي الْعَرِيَّةِ أَنْ تُبَاعَ بِخَرْصِهَا يَأْكُلُهَا أَهْلُهَا رُطَبًا } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَعَنْ سَعْدٍ : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { سُئِلَ عَنْ بَيْعِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ فَقَالَ : أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ إذَا يَبِسَ قَالُوا : نَعَمْ .\rفَنَهَى عَنْ ذَلِكَ .\r} .\rرَوَاهُ مَالِكٌ ، وَأَبُو دَاوُد ، وَالْأَثْرَمُ ، وَابْنُ مَاجَهْ .\rوَلَفْظُ رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ ، قَالَ : { فَلَا إذَنْ } .\rنَهَى وَعَلَّلَ بِأَنَّهُ يَنْقُصُ إذَا يَبِسَ .\rوَرَوَى مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { نَهَى عَنْ الْمُزَابَنَةِ } .\rوَالْمُزَابَنَةُ بَيْعُ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ كَيْلًا ، وَبَيْعُ الْعِنَبِ بِالزَّبِيبِ كَيْلًا ؛ وَلِأَنَّهُ جِنْسٌ فِيهِ الرِّبَا بِيعَ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ عَلَى وَجْهٍ يَنْفَرِدُ أَحَدُهُمَا بِالنُّقْصَانِ ، فَلَمْ يَجُزْ ، كَبَيْعِ","part":8,"page":12},{"id":3512,"text":"الْمَقْلِيَّةِ بِالنِّيئَةِ ، وَلَا يَلْزَمُ الْحَدِيثُ بِالْعَتِيقِ ؛ لِأَنَّ التَّفَاوُتَ يَسِيرٌ .\rقَالَ الْخَطَّابِيُّ : وَقَدْ تَكَلَّمَ بَعْضُ النَّاسِ فِي إسْنَادِ حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ فِي بَيْعِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ .\rوَقَالَ : زَيْدٌ أَبُو عَيَّاشٍ رَاوِيهِ ضَعِيفٌ .\rوَلَيْسَ الْأَمْرُ عَلَى مَا تَوَهَّمَهُ ، وَأَبُو عَيَّاشٍ مَوْلَى بَنِي زُهْرَةَ مَعْرُوفٌ ، وَقَدْ ذَكَرَهُ مَالِكٌ فِي \" الْمُوَطَّأِ \" ، وَهُوَ لَا يَرْوِي عَنْ مَتْرُوكِ الْحَدِيثِ .","part":8,"page":13},{"id":3513,"text":"( 2807 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا بَيْعُ الرُّطَبِ بِالرُّطَبِ ، وَالْعِنَبِ بِالْعِنَبِ وَنَحْوِهِ مِنْ الرُّطَبِ بِمِثْلِهِ ، فَيَجُوزُ مَعَ التَّمَاثُلِ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَمَنَعَ مِنْهُ الشَّافِعِيُّ فِيمَا يَيْبَسُ .\rأَمَّا مَا لَا يَيْبَسُ كَالْقِثَّاءِ ، وَالْخِيَارِ ، وَنَحْوِهِ ، فَعَلَى قَوْلَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ تَسَاوِيهِمَا حَالَةَ الِادِّخَارِ ، فَأَشْبَهَ الرُّطَبَ بِالتَّمْرِ .\rوَذَهَبَ أَبُو حَفْصٍ الْعُكْبَرِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا إلَى هَذَا ، وَحَمَلَ كَلَامَ الْخِرَقِيِّ عَلَيْهِ ؛ لِقَوْلِهِ فِي اللَّحْمِ : لَا يَجُوزُ بَيْعُ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ رَطْبًا ، وَيَجُوزُ إذَا تَنَاهَى جَفَافُهُ مِثْلًا بِمِثْلٍ .\rوَمَفْهُومُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ هَاهُنَا : إبَاحَةُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ مَفْهُومَ نَهْيِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَنْ بَيْعِ التَّمْرِ بِالتَّمْرِ إبَاحَةُ بَيْعِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِمِثْلِهِ ، وَلِأَنَّهُمَا تَسَاوَيَا فِي الْحَالِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَنْفَرِدُ أَحَدُهُمَا بِالنُّقْصَانِ ، فَجَازَ ، كَبَيْعِ اللَّبَنِ بِاللَّبَنِ ، وَالتَّمْرِ بِالتَّمْرِ ، وَلِأَنَّ قَوْله تَعَالَى : { وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ } عَامٌ خَرَجَ مِنْهُ الْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ ، وَهُوَ بَيْعُ التَّمْرِ بِالتَّمْرِ ، وَلَيْسَ هَذَا فِي مَعْنَاهُ ، فَبَقِيَ عَلَى الْعُمُومِ ، وَمَا ذَكَرَهُ لَا يَصِحُّ ، فَإِنَّ التَّفَاوُتَ كَثِيرٌ ، وَيَنْفَرِدُ أَحَدُهُمَا بِالنُّقْصَانِ ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا .\rوَلَا بَأْسَ بِبَيْعِ الْحَدِيثِ بِالْعَتِيقِ ؛ لِأَنَّ التَّفَاوُتَ فِي ذَلِكَ يَسِيرٌ ، وَلَا يُمْكِنُ ضَبْطُهُ ، فَعُفِيَ عَنْهُ .","part":8,"page":14},{"id":3514,"text":"( 2808 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَلَا يُبَاعُ مَا أَصْلُهُ الْكَيْلُ بِشَيْءٍ مِنْ جِنْسِهِ وَزْنًا ، وَلَا مَا أَصْلُهُ الْوَزْنُ كَيْلًا ) لَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي وُجُوبِ الْمُمَاثَلَةِ فِي بَيْعِ الْأَمْوَالِ الَّتِي يَحْرُمُ التَّفَاضُلُ فِيهَا ، وَأَنَّ الْمُسَاوَاةَ الْمَرْعِيَّةَ هِيَ الْمُسَاوَاةُ فِي الْمَكِيلِ كَيْلًا وَفِي الْمَوْزُونِ وَزْنًا ، وَمَتَى تَحَقَّقَتْ هَذِهِ الْمُسَاوَاةُ ، لَمْ يَضُرَّ اخْتِلَافُهُمَا فِيمَا سِوَاهَا .\rوَإِنْ لَمْ يُوجَدْ ، لَمْ يَصِحَّ الْبَيْعُ ، وَإِنْ تَسَاوَيَا فِي غَيْرِهَا ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَجُمْهُورِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، لَا نَعْلَمُ أَحَدًا خَالَفَهُمْ إلَّا مَالِكًا قَالَ : يَجُوزُ بَيْعُ الْمَوْزُونَاتِ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ جُزَافًا .\rوَلَنَا ، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ وَزْنًا بِوَزْنٍ ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ وَزْنًا بِوَزْنٍ ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ كَيْلًا بِكَيْلٍ ، وَالشَّعِيرِ بِالشَّعِيرِ كَيْلًا بِكَيْلٍ } .\rرَوَاهُ الْأَثْرَمُ فِي حَدِيثِ عُبَادَةَ ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَلَفْظُهُ { : الْبُرُّ بِالْبُرِّ مُدْيٌ بِمُدْيٍ ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ مُدْيٌ بِمُدْيٍ ، وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ مُدْيٌ بِمُدْيٍ ، فَمَنْ زَادَ أَوْ ازْدَادَ فَقَدْ أَرْبَى } .\rفَأَمَرَ بِالْمُسَاوَاةِ فِي الْمَوْزُونَاتِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْوَزْنِ ، كَمَا أَمَرَ بِالْمُسَاوَاةِ فِي الْمَكِيلَاتِ فِي الْكَيْلِ ، وَمَا عَدَا الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ مِنْ الْمَوْزُونَاتِ مَقِيسٌ عَلَيْهِمَا وَمُشَبَّهٌ بِهِمَا ؛ وَلِأَنَّهُ جِنْسٌ يَجْرِي فِيهِ الرِّبَا ، فَلَمْ يَجُزْ بَيْعُ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ جُزَافًا كَالْمَكِيلِ ، وَلِأَنَّهُ مَوْزُونٌ مِنْ أَمْوَالِ الرِّبَا ، فَأَشْبَهَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ ، وَلِأَنَّ حَقِيقَةَ الْفَضْلِ مُبْطِلَةٌ لِلْبَيْعِ ، وَلَا نَعْلَمُ عَدَمَ ذَلِكَ إلَّا بِالْوَزْنِ ، فَوَجَبَ ذَلِكَ ، كَمَا فِي الْمَكِيلِ وَالْأَثْمَانِ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ الْمَكِيلِ بِالْمَكِيلِ وَزْنًا ، وَلَا بَيْعُ الْمَوْزُونِ بِالْمَوْزُونِ كَيْلًا ؛ لِأَنَّ التَّمَاثُلَ فِي الْكَيْلِ","part":8,"page":15},{"id":3515,"text":"مُشْتَرَطٌ فِي الْمَكِيلِ ، وَفِي الْوَزْنِ فِي الْمَوْزُونِ ، فَمَتَى بَاعَ رِطْلًا مِنْ الْمَكِيلِ بِرِطْلٍ حَصَلَ فِي الرِّطْلِ مِنْ الْخَفِيفِ أَكْثَرُ مِمَّا يَحْصُلُ مِنْ الثَّقِيلِ ، فَيَخْتَلِفَانِ فِي الْكَيْلِ ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ الْفَضْلَ ، لَكِنْ يَجْهَلُ التَّسَاوِي ، فَلَا يَصِحُّ ، كَمَا لَوْ بَاعَ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ جُزَافًا ، وَكَذَلِكَ لَوْ بَاعَ الْمَوْزُونَ بِالْمَوْزُونِ بِالْكَيْلِ ، فَلَا يَتَحَقَّقُ التَّمَاثُلُ فِي الْوَزْنِ ، فَلَمْ يَصِحَّ ، كَمَا ذَكَرْنَا فِي الْمَكِيلِ .","part":8,"page":16},{"id":3516,"text":"( 2809 ) فَصْلٌ : وَلَوْ بَاعَ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ جُزَافًا أَوْ كَانَ جُزَافًا مِنْ أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ ، لَمْ يَجُزْ .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ إذَا كَانَا مِنْ صِنْفٍ وَاحِدٍ ؛ وَذَلِكَ لِمَا رَوَى مُسْلِمٌ ، عَنْ جَابِرٍ ، قَالَ : { نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعِ الصُّبْرَةِ مِنْ التَّمْرِ ، لَا يُعْلَمُ مَكِيلُهَا ، بِالْكَيْلِ الْمُسَمَّى مِنْ التَّمْرِ } .\rوَفِي قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ وَزْنًا بِوَزْنٍ } إلَى تَمَامِ الْحَدِيثِ ، دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ إلَّا كَذَلِكَ ، وَلِأَنَّ التَّمَاثُلَ شَرْطٌ ، وَالْجَهْلُ بِهِ يُبْطِلُ الْبَيْعَ ، كَحَقِيقَةِ التَّفَاضُلِ ( 2810 ) فَصْلٌ : وَمَا لَا يُشْتَرَطُ التَّمَاثُلُ فِيهِ كَالْجِنْسَيْنِ ، وَمَا لَا رِبَا فِيهِ ، يَجُوزُ بَيْعُ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ كَيْلًا وَوَزْنًا وَجُزَافًا ، وَهَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ ؛ لِتَخْصِيصِهِ مَا يُكَالُ بِمَنْعِ بَيْعِهِ بِشَيْءِ مِنْ جِنْسِهِ وَزْنًا ، وَمَا يُوزَنُ بِمَنْعِ بَيْعِهِ مِنْ جِنْسِهِ كَيْلًا .\rوَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ بَيْعَ الصُّبْرَةِ مِنْ الطَّعَامِ بِالصُّبْرَةِ ، لَا يُدْرَى كَمْ كَيْلُ هَذِهِ ، وَلَا كَيْلُ هَذِهِ ، مِنْ صِنْفٍ وَاحِدٍ ، غَيْرُ جَائِزٍ ، وَلَا بَأْسَ بِهِ مِنْ صِنْفَيْنِ ؛ اسْتِدْلَالًا بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { فَإِذَا اخْتَلَفَ الْجِنْسَانِ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ } .\rوَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا إلَى مَنْعِ بَيْعِ الْمَكِيلِ بِالْمَكِيلِ جُزَافًا ، وَبَيْعِ الْمَوْزُونِ بِالْمَوْزُونِ جُزَافًا .\rوَقَالَ أَحْمَدُ ، فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَكَمِ : أَكْرَهُ ذَلِكَ .\rقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى : لَا خَيْرَ فِيمَا يُكَالُ بِمَا يُكَالُ جُزَافًا ، وَلَا فِيمَا يُوزَنُ بِمَا يُوزَنُ جُزَافًا ، اتَّفَقَتْ الْأَجْنَاسُ أَوْ اخْتَلَفَتْ ، وَلَا بَأْسَ بِبَيْعِ الْمَكِيلِ بِالْمَوْزُونِ جُزَافًا ، وَقَالَ ذَلِكَ الْقَاضِي وَالشَّرِيفُ أَبُو جَعْفَرٍ ، وَذَلِكَ لِأَنَّ","part":8,"page":17},{"id":3517,"text":"النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { نَهَى عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ بِالطَّعَامِ مُجَازَفَةً } .\rوَلِأَنَّهُ بَيْعُ مَكِيلٍ بِمَكِيلٍ ، أَشْبَهَ الْجِنْسَ الْوَاحِدَ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَصْنَافُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ يَدًا بِيَدٍ } .\rوَلِأَنَّ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى { : وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ } .\rعَامٌ خَصَّصْنَاهُ فِي الْجِنْسِ الْوَاحِدِ الَّذِي يَجِبُ التَّمَاثُلُ فِيهِ ، فَفِيمَا عَدَاهُ يَجِبُ الْبَقَاءُ عَلَى الْعُمُومِ ، وَلِأَنَّهُ يَجُوزُ التَّفَاضُلُ فِيهِ ، فَجَازَ جُزَافًا مِنْ الطَّرَفَيْنِ كَالْمَكِيلِ بِالْمَوْزُونِ ، يُحَقِّقُهُ أَنَّهُ إذَا كَانَ حَقِيقَةُ الْفَضْلِ لَا يَمْنَعُ ، فَاحْتِمَالُهُ أَوْلَى أَنْ لَا يَكُونَ مَانِعًا ، وَحَدِيثُهُمْ أَرَادَ بِهِ الْجِنْسَ الْوَاحِدَ ؛ وَلِهَذَا جَاءَ فِي بَعْضِ أَلْفَاظِهِ : { نَهَى أَنْ تُبَاعَ الصُّبْرَةُ لَا يُعْلَمُ مَكِيلُهَا مِنْ التَّمْرِ ، بِالصُّبْرَةِ لَا يُعْلَمُ مَكِيلُهَا مِنْ التَّمْرِ } .\rثُمَّ هُوَ مَخْصُوصٌ بِالْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ ، فَنَقِيسُ عَلَيْهِ مَحِلَّ النِّزَاعِ ، وَمَا ذُكِرَ مِنْ الْقِيَاسِ غَيْرُ صَحِيحٍ ؛ لِأَنَّ الْمَكِيلَ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ ، يَجِبُ التَّمَاثُلُ فِيهِ ، فَمُنِعَ مِنْ بَيْعِهِ مُجَازَفَةً ؛ لِفَوَاتِ الْمُمَاثَلَةِ الْمَشْرُوطَةِ ، وَفِي الْجِنْسَيْنِ لَا يُشْتَرَطُ التَّمَاثُلُ ، وَلَا يُمْنَعُ حَقِيقَةُ التَّفَاضُلِ ، فَاحْتِمَالُهُ أَوْلَى أَنْ لَا يَكُونَ مَانِعًا .\r( 2811 ) فَصْلٌ : وَلَوْ قَالَ : بِعْتُك هَذِهِ الصُّبْرَةَ بِهَذِهِ الصُّبْرَةِ .\rوَهُمَا مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ ، وَلَا يَعْلَمَانِ كَيْلَهُمَا ، لَمْ يَصِحَّ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا .\rوَإِنْ عَلِمَا كَيْلَهُمَا وَتُسَاوِيهِمَا ، صَحَّ الْبَيْعُ ؛ لِوُجُودِ التَّمَاثُلِ الْمُشْتَرَطِ .\rوَإِنْ قَالَ : بِعْتُك هَذِهِ الصُّبْرَةَ بِهَذِهِ الصُّبْرَةِ ، مِثْلًا بِمِثْلٍ .\rفَكِيلَتَا فَكَانَتَا سَوَاءٌ ، صَحَّ الْبَيْعُ ، وَإِلَّا فَلَا .\rوَإِنْ بَاعَ صُبْرَةً بِصُبْرَةٍ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهَا ، صَحَّ عِنْدَ مَنْ يُجَوِّزُ بَيْعَ الْمَكِيلِ بِالْمَكِيلِ جُزَافًا .\rوَإِنْ قَالَ : بِعْتُك هَذِهِ","part":8,"page":18},{"id":3518,"text":"الصُّبْرَةَ بِهَذِهِ ، مِثْلًا بِمِثْلٍ .\rفَكِيلَتَا فَكَانَتَا سَوَاءً ، صَحَّ الْبَيْعُ ، وَإِنْ زَادَتْ إحْدَاهُمَا فَرَضِيَ صَاحِبُ النَّاقِصَةِ بِهَا مَعَ نَقْصِهَا ، أَوْ رَضِيَ صَاحِبُ الزَّائِدَةِ بِرَدِّ الْفَضْلِ عَلَى صَاحِبِهِ ، جَازَ ، وَإِنْ امْتَنَعَا فُسِخَ الْبَيْعُ بَيْنَهُمَا .\rذَكَرَ هَذَا الْفَصْلَ الْقَاضِي ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .","part":8,"page":19},{"id":3519,"text":"( 2812 ) فَصْلٌ : وَيَجُوزُ قَسْمُ الْمَكِيلِ وَزْنًا ، وَقَسْمُ الْمَوْزُونِ كَيْلًا ، وَقَسْمُ الثِّمَارِ خَرْصًا ، وَقَسْمُ مَا لَا يَجُوزُ بَيْعُ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ ؛ لِأَنَّ الْقِسْمَةَ إفْرَازُ حَقٍّ ، وَلَيْسَتْ بَيْعًا .\rوَنُقِلَ عَنْ ابْنِ بَطَّةَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا بَيْعٌ ، فَيَثْبُتُ فِيهَا أَحْكَامُ الْبَيْعِ ، وَيُمْنَعُ فِيهَا مَا ذَكَرْنَاهُ ؛ لِأَنَّ كُلَّ جُزْءٍ مِنْ ذَلِكَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمَا ، فَإِذَا تَعَيَّنَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَقٌّ ، فَقَدْ اشْتَرَى نَصِيبَ شَرِيكِهِ مِمَّا تَعَيَّنَ لَهُ بِنَصِيبِهِ فِيمَا تَعَيَّنَ لِشَرِيكِهِ .\rوَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ ، كَالْمَذْهَبَيْنِ .\rوَالظَّاهِرُ أَنَّهَا إفْرَازُ حَقٍّ ؛ بِدَلِيلِ اعْتِبَارِ تَعْدِيلِ السِّهَامِ ، وَدُخُولِ الْقُرْعَةِ فِيهَا ، وَلُزُومِهَا بِهَا ، وَالْإِجْبَارِ عَلَيْهَا ، وَأَنَّهَا لَا تَفْتَقِرُ إلَى لَفْظِ بَيْعٍ وَلَا تَمْلِيكٍ ، وَلَا يَدْخُلُهَا خِيَارٌ ، وَلَا تَجُوزُ إلَّا بِقَدْرِ الْحَقَّيْنِ ، وَلَا يَثْبُتُ فِيهَا شُفْعَةٌ ، وَتَخْتَصُّ بِاسْمٍ .\rوَتَغَايُرُ الْأَحْكَامِ وَالْأَسْمَاءِ دَلِيلٌ عَلَى اخْتِلَافِهِمَا .\rوَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّهُ قَالَ : قَسَمَتْ الصَّحَابَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ الْغَنَائِمَ بالحجف .\rوَذَلِكَ كَيْلُ الْأَثْمَانِ بِمَحْضَرٍ مِنْ جَمَاعَةٍ كَثِيرَةٍ مِنْهُمْ ، وَانْتَشَرَ فِي بَقِيَّتِهِمْ فَلَمْ يُنْكَرْ ، فَصَارَ إجْمَاعًا عَلَى مَا قُلْنَاهُ .","part":8,"page":20},{"id":3520,"text":"( 2813 ) فَصْلٌ : فِي مَعْرِفَةِ الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ ، وَالْمَرْجِعُ فِي ذَلِكَ إلَى الْعُرْفِ بِالْحِجَازِ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَحُكِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ : أَنَّ الِاعْتِبَارَ فِي كُلِّ بَلَدٍ بِعَادَتِهِ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { الْمِكْيَالُ مِكْيَالُ الْمَدِينَةِ ، وَالْمِيزَانُ مِيزَانُ مَكَّةَ } .\rوَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّمَا يُحْمَلُ كَلَامُهُ عَلَى بَيَانِ الْأَحْكَامِ ؛ لِأَنَّ مَا كَانَ مَكِيلًا بِالْحِجَازِ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انْصَرَفَ التَّحْرِيمُ فِي تَفَاضُلِ الْكَيْلِ إلَيْهِ ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَغَيَّرَ بَعْدَ ذَلِكَ ، وَهَكَذَا الْمَوْزُونُ ، وَمَا لَا عُرْفَ لَهُ بِالْحِجَازِ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، يُرَدُّ إلَى أَقْرَبِ الْأَشْيَاءِ شَبَهًا بِهِ بِالْحِجَازِ ، كَمَا أَنَّ الْحَوَادِثَ تُرَدُّ إلَى أَشْبَهِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ بِهَا ، وَهُوَ الْقِيَاسُ .\rوَالثَّانِي ، يُعْتَبَرُ عُرْفُهُ فِي مَوْضِعِهِ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِي الشَّرْعِ حَدٌّ كَانَ الْمَرْجِعُ فِيهِ إلَى الْعُرْفِ ، كَالْقَبْضِ ، وَالْإِحْرَازِ ، وَالتَّفَرُّقِ ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ .\rوَعَلَى هَذَا إنْ اخْتَلَفَتْ الْبِلَادُ ، فَالِاعْتِبَارُ بِالْغَالِبِ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ غَالِبٌ بَطَلَ هَذَا الْوَجْهُ ، وَتَعَيَّنَ الْأَوَّلُ .\rوَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ عَلَى هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ ، فَالْبُرُّ ، وَالشَّعِيرُ مَكِيلَانِ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِمَا بِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الْبُرُّ بِالْبُرِّ كَيْلًا بِكَيْلٍ ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ كَيْلًا بِكَيْلٍ .\r} وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْحُبُوبِ ، وَالْأَبَازِيرِ ، وَالْأُشْنَانِ ، وَالْجِصِّ ، وَالنُّورَةِ ، وَمَا أَشْبَهَهَا .\rوَالتَّمْرُ مَكِيلٌ ، وَهُوَ مِنْ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ تَمْرِ النَّخْلِ مِنْ الرُّطَبِ وَالْبُسْرِ وَغَيْرِهِمَا ، وَسَائِرُ مَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ مِنْ الثِّمَارِ ، مِثْلِ الزَّبِيبِ ،","part":8,"page":21},{"id":3521,"text":"وَالْفُسْتُقِ ، وَالْبُنْدُقِ ، وَالْعُنَّابِ ، وَالْمِشْمِشِ ، وَالْبُطْمِ ، وَالزَّيْتُونِ ، وَاللَّوْزِ .\rوَالْمِلْحُ مَكِيلٌ ، وَهُوَ مِنْ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { الْمِلْحُ بِالْمِلْحِ مُدْيٌ بِمُدْيٍ } .\rوَالذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ مَوْزُونَانِ .\rثَبَتَ ذَلِكَ بِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ وَزْنًا بِوَزْنٍ ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ وَزْنًا بِوَزْنٍ } وَكَذَلِكَ مَا أَشْبَهَهُمَا مِنْ جَوَاهِرِ الْأَرْضِ كَالْحَدِيدِ ، وَالنُّحَاسِ ، وَالصُّفْرِ ، وَالرَّصَاصِ ، وَالزُّجَاجِ ، وَالزِّئْبَقِ .\rوَمِنْهُ الْإِبْرَيْسَمُ ، وَالْقُطْنُ ، وَالْكَتَّانُ ، وَالصُّوفُ ، وَغَزْلُ ذَلِكَ ، وَمَا أَشْبَهَهُ .\rوَمِنْهُ الْخُبْزُ ، وَاللَّحْمُ ، وَالشَّحْمُ ، وَالْجُبْنُ ، وَالزُّبْدُ ، وَالشَّمْعُ ، وَمَا أَشْبَهَهُ ، وَكَذَلِكَ الزَّعْفَرَانُ ، وَالْعُصْفُرُ ، وَالْوَرْسُ ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ .\r( 2814 ) فَصْلٌ : وَالدَّقِيقُ وَالسَّوِيقُ مَكِيلَانِ ؛ لِأَنَّ أَصْلَهُمَا مَكِيلٌ ، وَلَمْ يُوجَدْ مَا يَنْقُلُهُمَا عَنْهُ ، وَلِأَنَّهُمَا يُشْبِهَانِ مَا يُكَالُ ، وَذَكَرَ الْقَاضِي فِي الدَّقِيقِ ، أَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ بِالْوَزْنِ ، وَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ أَصْلُهُ مَكِيلًا وَهُوَ مَوْزُونٌ ، كَالْخُبْزِ .\rوَلَنَا ، مَا ذَكَرْنَاهُ ، وَلِأَنَّهُ يُقَدَّرُ بِالصَّاعِ ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ يُخْرَجُ فِي الْفِطْرَةِ صَاعٌ مِنْ دَقِيقٍ ، وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ .\rوَالصَّاعُ إنَّمَا يُقَدَّرُ بِهِ الْمَكِيلَاتُ ، وَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْأَقِطُ مَكِيلًا ؛ لِأَنَّ فِي حَدِيثِ صَدَقَةِ الْفِطْرِ : { صَاعٌ مِنْ أَقِطٍ } .\r( 2815 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا اللَّبَنُ ، وَغَيْرُهُ مِنْ الْمَائِعَاتِ ، كَالْأَدْهَانِ مِنْ الزَّيْتِ ، وَالشَّيْرَجِ ، وَالْعَسَلِ ، وَالْخَلِّ ، وَالدِّبْسِ ، وَنَحْوِ ذَلِكَ ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهَا مَكِيلَةٌ .\rقَالَ الْقَاضِي فِي الْأَدْهَانِ : هِيَ مَكِيلَةٌ .\rوَفِي اللَّبَنِ : يَصِحُّ السَّلَمُ فِيهِ كَيْلًا .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ : لَا يُبَاعُ اللَّبَنُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ إلَّا كَيْلًا .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ","part":8,"page":22},{"id":3522,"text":"السَّلَفِ فِي اللَّبَنِ ؟ فَقَالَ : نَعَمْ كَيْلًا ، أَوْ وَزْنًا .\rوَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَاءَ مُقَدَّرٌ بِالصَّاعِ ، وَلِذَلِكَ { كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَوَضَّأُ بِالْمُدِّ ، وَيَغْتَسِلُ بِالصَّاعِ ، وَيَغْتَسِلُ هُوَ وَبَعْضُ نِسَائِهِ مِنْ الْفَرَقِ } .\rوَهَذِهِ مَكَايِيلُ قُدِّرَ بِهَا الْمَاءُ ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْمَائِعَاتِ .\rوَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ { نَهَى عَنْ بَيْعِ مَا فِي ضُرُوعِ الْأَنْعَامِ إلَّا بِالْكَيْلِ .\r} رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ .\rوَأَمَّا غَيْرُ الْمَكِيلِ ، وَالْمَوْزُونِ ، فَمَا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَصْلٌ بِالْحِجَازِ فِي كَيْلٍ وَلَا وَزْنٍ ، وَلَا يُشْبِهُ مَا جَرَى فِيهِ الْعُرْفُ بِذَلِكَ ، كَالثِّيَابِ ، وَالْحَيَوَانِ ، وَالْمَعْدُودَاتِ مِنْ الْجَوْزِ ، وَالْبَيْضِ ، وَالرُّمَّانِ ، وَالْقِثَّاءِ ، وَالْخِيَارِ ، وَسَائِرِ الْخَضْرَاوَاتِ ، وَالْبُقُولِ ، وَالسَّفَرْجَلِ ، وَالتُّفَّاحِ ، وَالْكُمَّثْرَى ، وَالْخَوْخِ ، وَنَحْوِهَا ، فَهَذِهِ الْمَعْدُودَاتُ إذَا اعْتَبَرْنَا التَّمَاثُلَ فِيهَا ، فَإِنَّهُ يُعْتَبَرُ التَّمَاثُلُ فِي الْوَزْنِ ؛ لِأَنَّهُ أَخْصَرُ .\rذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي الْفَوَاكِهِ الرَّطْبَةِ ، وَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ، وَالْآخَرُ ، قَالُوا : يُعْتَبَرُ مَا أَمْكَنَ كَيْلُهُ بِالْكَيْلِ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ الْأَعْيَانُ الْأَرْبَعَةُ ، وَهِيَ مَكِيلَةٌ ، وَمِنْ شَأْنِ الْفَرْعِ أَنْ يُرَدَّ إلَى أَصْلِهِ .\rبِحُكْمِهِ ، وَالْأَصْلُ حُكْمُهُ تَحْرِيمُ التَّفَاضُلِ بِالْكَيْلِ ، فَكَذَلِكَ يَكُونُ حُكْمُ فُرُوعِهَا .\rوَلَنَا ، أَنَّ الْوَزْنَ أَخْصَرُ ، فَوَجَبَ اعْتِبَارُهُ فِي غَيْرِ الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ ، كَاَلَّذِي لَا يُمْكِنُ كَيْلُهُ ، وَإِنَّمَا اُعْتُبِرَ الْكَيْلُ فِي الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ يُقَدَّرُ بِهِ فِي الْعَادَةِ ، وَهَذَا بِخِلَافِهِ .","part":8,"page":23},{"id":3523,"text":"( 2816 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَالتُّمُورُ كُلُّهَا جِنْسٌ وَاحِدٌ ، وَإِنْ اخْتَلَفَتْ أَنْوَاعُهَا ) الْجِنْسُ : هُوَ الشَّامِلُ لِأَشْيَاءَ مُخْتَلِفَةٍ بِأَنْوَاعِهَا .\rوَالنَّوْعُ : الشَّامِلُ لِأَشْيَاءَ مُخْتَلِفَةٍ بِأَشْخَاصِهَا .\rوَقَدْ يَكُونُ النَّوْعُ جِنْسًا بِالنِّسْبَةِ إلَى مَا تَحْتَهُ ، نَوْعًا بِالنِّسْبَةِ إلَى مَا فَوْقَهُ ، وَالْمُرَادُ هُنَا ؛ الْجِنْسُ الْأَخَصُّ ، وَالنَّوْعُ الْأَخَصُّ .\rفَكُلُّ نَوْعَيْنِ اجْتَمَعَا فِي اسْمٍ خَاصٍّ ، فَهُمَا جِنْسٌ ، كَأَنْوَاعِ التَّمْرِ ، وَأَنْوَاعِ الْحِنْطَةِ .\rفَالتُّمُورُ كُلُّهَا جِنْسٌ وَاحِدٌ ؛ لِأَنَّ الِاسْمَ الْخَاصَّ يَجْمَعُهَا ، وَهُوَ التَّمْرُ ، وَإِنْ كَثُرَتْ أَنْوَاعُهُ ، كَالْبَرْنِيِّ ، وَالْمَعْقِلِيِّ ، وَالْإِبْرَاهِيمِيّ ، والخاستوي ، وَغَيْرِهَا .\rوَكُلُّ شَيْئَيْنِ اتَّفَقَا فِي الْجِنْسِ ثَبَتَ فِيهِمَا حُكْمُ الشَّرْعِ بِتَحْرِيمِ التَّفَاضُلِ ، وَإِنْ اخْتَلَفَتْ الْأَنْوَاعُ .\rلِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { التَّمْرُ بِالتَّمْرِ مِثْلًا بِمِثْلٍ ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ مِثْلًا بِمِثْلٍ } .\rالْحَدِيثُ بِتَمَامِهِ .\rفَاعْتَبَرَ الْمُسَاوَاةَ فِي جِنْسِ التَّمْرِ بِالتَّمْرِ ، وَالْبُرِّ بِالْبُرِّ ، ثُمَّ قَالَ : { فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَصْنَافُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ } .\rوَفِي لَفْظٍ { : فَإِذَا اخْتَلَفَ الْجِنْسَانِ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ } .\rوَفِي لَفْظٍ : { إلَّا مَا اخْتَلَفَتْ أَلْوَانُهُ } .\rوَلَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلِمْنَاهُ فِي وُجُوبِ الْمُسَاوَاةِ فِي التَّمْرِ بِالتَّمْرِ ، وَسَائِرِ مَا ذُكِرَ فِي الْخَبَرِ ، مَعَ اتِّفَاقِ الْأَنْوَاعِ ، وَاخْتِلَافِهَا .","part":8,"page":24},{"id":3524,"text":"( 2817 ) فَصْلٌ : فَإِنْ كَانَ الْمُشْتَرِكَانِ فِي الِاسْمِ الْخَاصِّ مِنْ أَصْلَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ ، فَهُمَا جِنْسَانِ ؛ كَالْأَدِقَّةِ ، وَالْأَخْبَازِ ، وَالْخُلُولِ ، وَالْأَدْهَانِ ، وَعَصِيرِ الْأَشْيَاءِ الْمُخْتَلِفَةِ ، كُلُّهَا أَجْنَاسٌ مُخْتَلِفَةٌ بِاخْتِلَافِ أُصُولِهَا .\rوَحُكِيَ عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّ خَلَّ التَّمْرِ ، وَخَلَّ الْعِنَبِ ، جِنْسٌ .\rوَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ مَالِكٍ ؛ لِأَنَّ الِاسْمَ الْخَاصَّ يَجْمَعُهُمَا .\rوَالصَّحِيحُ أَنَّهُمَا جِنْسَانِ ؛ لِأَنَّهُمَا مِنْ أَصْلَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ ، فَكَانَا جِنْسَيْنِ ، كَدَقِيقِ الْحِنْطَةِ ، وَدَقِيقِ الشَّعِيرِ .\rوَمَا ذُكِرَ لِلرِّوَايَةِ الْأُخْرَى مُنْتَقِضٌ بِسَائِرِ فُرُوعِ الْأُصُولِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا .\rوَكُلُّ نَوْعٍ مَبْنِيٌّ عَلَى أَصْلِهِ ، فَإِذَا كَانَ شَيْئَانِ مِنْ أَصْلَيْنِ فَهُمَا جِنْسَانِ ، فَزَيْتُ الزَّيْتُونِ ، وَزَيْتُ الْبُطْمِ ، وَزَيْتُ الْفُجْلِ ، أَجْنَاسٌ .\rوَدُهْنُ السَّمَكِ وَالشَّيْرَجِ ، وَدُهْنُ الْجَوْزِ ، وَدُهْنُ اللَّوْزِ وَالْبِزْرِ أَجْنَاسٌ .\rوَعَسَلُ النَّحْلِ ، وَعَسَلُ الْقَصَبِ ، جِنْسَانِ .\rوَتَمْرُ النَّخْلِ ، وَتَمْرُ الْهِنْدِ جِنْسَانِ .\rوَكُلُّ شَيْئَيْنِ أَصْلُهُمَا وَاحِدٌ فَهُمَا جِنْسٌ وَاحِدٌ ، وَإِنْ اخْتَلَفَتْ مَقَاصِدُهُمَا ؛ فَدُهْنُ الْوَرْدِ ، وَالْبَنَفْسَجِ ، وَالزِّئْبَقِ ، وَدُهْنُ الْيَاسَمِينِ ، إذَا كَانَتْ مِنْ دُهْنٍ وَاحِدٍ ، فَهِيَ جِنْسٌ وَاحِدٌ .\rوَهَذَا الصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ ، وَلَهُ قَوْلٌ آخَرُ : لَا يَجْرِي الرِّبَا فِيهَا ؛ لِأَنَّهَا لَا تُقْصَدُ لِلْأَكْلِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : هِيَ أَجْنَاسٌ ؛ لِأَنَّ مَقَاصِدَهَا مُخْتَلِفَةٌ .\rوَلَنَا ، أَنَّهَا كُلَّهَا شَيْرَجٌ ، وَإِنَّمَا طُيِّبَتْ بِهَذِهِ الرَّيَاحِينِ ، فَنُسِبَتْ إلَيْهَا ، فَلَمْ تَصِرْ أَجْنَاسًا ، كَمَا لَوْ طُيِّبَ سَائِرُ أَنْوَاعِ الْأَجْنَاسِ .\rوَقَوْلُهُمْ : لَا تُقْصَدُ الرَّيَاحِينُ لِلْأَكْلِ .\rقُلْنَا : هِيَ صَالِحَةٌ لِلْأَكْلِ ، وَإِنَّمَا تُعَدُّ لِمَا هُوَ أَعْلَى مِنْهُ ، فَلَا تَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهَا مَأْكُولَةً بِصَلَاحِهَا لِغَيْرِهِ .\rوَقَوْلُهُمْ : إنَّهَا أَجْنَاسٌ .\rلَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّهَا مِنْ أَصْلٍ","part":8,"page":25},{"id":3525,"text":"وَاحِدٍ ، وَيَشْمَلُهَا اسْمٌ وَاحِدٌ ، فَكَانَتْ جِنْسًا ، كَأَنْوَاعِ التَّمْرِ ، وَالْحِنْطَةِ .\r( 2818 ) فَصْلٌ : وَقَدْ يَكُونُ الْجِنْسُ الْوَاحِدُ مُشْتَمِلًا عَلَى جِنْسَيْنِ ، كَالتَّمْرِ ، يَشْتَمِلُ عَلَى النَّوَى وَغَيْرِهِ ، وَهُمَا جِنْسَانِ ، وَاللَّبَنُ ، يَشْتَمِلُ عَلَى الْمَخِيضِ وَالزُّبْدِ ، وَهُمَا جِنْسَانِ ، فَمَا دَامَا مُتَّصِلَيْنِ اتِّصَالَ الْخِلْقَةِ فَهُمَا جِنْسٌ وَاحِدٌ ، فَإِذَا مُيِّزَ أَحَدُهُمَا مِنْ الْآخَرِ ، صَارَا جِنْسَيْنِ ، حُكْمُهُمَا حُكْمُ الْجِنْسَيْنِ الْأَصْلِيَّيْنِ .","part":8,"page":26},{"id":3526,"text":"( 2819 ) فَصْلٌ : فِي بَيْعُ التَّمْرِ بِالتَّمْرِ وَفُرُوعِهِ ، يَجُوزُ بَيْعُ التَّمْرِ بِالتَّمْرِ كَيْلًا بِكَيْلٍ بِغَيْرِ خِلَافٍ ، وَسَوَاءٌ تُسَاوَيَا فِي الْجَوْدَةِ وَالرَّدَاءَةِ ، وَفِي كَوْنِهِمَا يَنْكَبِسَانِ فِي الْمِكْيَالِ ، أَوْ اخْتَلَفَا فِي ذَلِكَ ، قِيلَ لِأَحْمَدَ : صَاعُ تَمْرٍ بِصَاعِ تَمْرٍ ، وَأَحَدُ التَّمْرَيْنِ يَدْخُلُ فِي الْمِكْيَالِ مِنْهُ أَكْثَرُ ؟ فَقَالَ : إنَّمَا هُوَ صَاعٌ بِصَاعٍ .\rوَذَلِكَ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { التَّمْرُ بِالتَّمْرِ مُدْيٌ بِمُدْيٍ ثُمَّ قَالَ : مَنْ زَادَ ، أَوْ ازْدَادَ ، فَقَدْ أَرْبَى } .\rفَإِنْ كَانَ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نَوَاهُ ، جَازَ بَيْعُهُ مُتَسَاوِيًا بِغَيْرِ خِلَافٍ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ عَلِمَ أَنَّ التَّمْرَ يَكُونُ فِيهِ النَّوَى .\rوَإِنْ نُزِعَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نَوَاهُ ، جَازَ أَيْضًا .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ : لَا يَجُوزُ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ ؛ لِأَنَّهُمَا لَمْ يَتَسَاوَيَا فِي حَالِ الْكَمَالِ .\rوَلِأَنَّهُ يَتَجَافَى فِي الْمِكْيَالِ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { التَّمْرُ بِالتَّمْرِ مُدْيٌ بِمُدْيٍ } .\rوَلِأَنَّهُمَا تَسَاوَيَا فِي الْحَالِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَنْفَرِدُ أَحَدُهُمَا بِالنُّقْصَانِ ، فَجَازَ ، كَمَا لَوْ كَانَ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نَوَاهُ .\rوَيَجُوزُ بَيْعُ النَّوَى بِالنَّوَى كَيْلًا لِذَلِكَ .\rوَإِذَا بَاعَ تَمْرًا مَنْزُوعَ النَّوَى بِتَمْرٍ نَوَاهُ فِيهِ ، لَمْ يَجُزْ ؛ لِاشْتِمَالِ أَحَدِهِمَا عَلَى مَا لَيْسَ مِنْ جِنْسِهِ دُونَ الْآخَرِ .\rوَإِنْ نَزَعَ النَّوَى ، ثُمَّ بَاعَ النَّوَى وَالتَّمْرَ بِنَوًى وَتَمْرٍ ، لَمْ يَجُزْ ؛ لِأَنَّهُ زَالَتْ التَّبَعِيَّةُ بِنَزْعِهِ ، فَصَارَ كَبَيْعِ تَمْرٍ وَحِنْطَةٍ بِتَمْرٍ وَحِنْطَةٍ .\rوَإِنْ بَاعَ النَّوَى بِتَمْرٍ مَنْزُوعِ النَّوَى ، جَازَ مُتَفَاضِلًا ، وَمُتَسَاوِيًا ؛ لِأَنَّهُمَا جِنْسَانِ .\rوَإِنْ بَاعَ النَّوَى بِتَمْرٍ نَوَاهُ فِيهِ ، فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ ؛ مَنَعَ مِنْهُ فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا ، وَأَحْمَدَ بْنِ الْقَاسِمِ ؛ لِأَنَّ التَّمْرَ نَوًى ، فَيَصِيرُ","part":8,"page":27},{"id":3527,"text":"كَمُدِّ عَجْوَةٍ ، وَكَمَا لَوْ بَاعَ تَمْرًا فِيهِ نَوَاهُ ، بِتَمْرٍ مَنْزُوعِ النَّوَى .\rوَأَجَازَ ذَلِكَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ ؛ لِأَنَّ النَّوَى فِي التَّمْرِ غَيْرُ مَقْصُودٍ ، وَلِذَلِكَ جَازَ بَيْعُ التَّمْرِ بِالتَّمْرِ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نَوَاهُ ، وَصَارَ هَذَا كَبَيْعِ دَارٍ مُمَوَّهٍ سَقْفُهَا بِالذَّهَبِ بِذَهَبٍ فَعَلَى هَذَا يَجُوزُ بَيْعُهُ مُتَفَاضِلًا وَمُتَسَاوِيًا ؛ لِأَنَّ النَّوَى الَّذِي فِي التَّمْرِ لَا عِبْرَةَ بِهِ ، فَصَارَ كَبَيْعِ النَّوَى بِمَنْزُوعِ النَّوَى .\r( 2820 ) فَصْلٌ : وَيُصْنَعُ مِنْ التَّمْرِ الدِّبْسُ ، وَالْخَلُّ ، وَالنَّاطِفُ ، وَالْقَطَّارَةُ .\rوَلَا يَجُوزُ بَيْعُ التَّمْرِ بِشَيْءِ مِنْهَا ؛ لِأَنَّ مَعَ بَعْضِهَا مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ ، وَبَعْضُهَا مَائِعٌ ، وَالتَّمْرُ جَامِدٌ .\rوَلَا يَجُوزُ بَيْعُ النَّاطِفِ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ ، وَلَا بِغَيْرِهِ مِنْ الْمَصْنُوعِ مِنْ التَّمْرِ ؛ لِأَنَّ مَعَهَا شَيْئًا مَقْصُودًا مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِمَا ، فَيَنْزِلُ مَنْزِلَةَ مُدِّ عَجْوَةٍ .\rوَيَجُوزُ بَيْعُ الْقَطَّارَةِ ، وَالدِّبْسِ ، وَالْخَلِّ ، كُلِّ نَوْعٍ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ مُتَسَاوِيًا .\rقَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا ، فِي خَلِّ الدَّقَلِ : يَجُوزُ بَيْعُ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ مُتَسَاوِيًا .\rوَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَاءَ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا غَيْرُ مَقْصُودٍ ، وَهُوَ مِنْ مَصْلَحَتِهِ ، فَلَمْ يَمْنَعْ جَوَازَ الْبَيْعِ ، كَالْخُبْزِ بِالْخُبْزِ ، وَالتَّمْرِ بِالتَّمْرِ ، فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نَوَاهُ .\rوَلَا يُبَاعُ نَوْعٌ بِنَوْعٍ آخَرَ ؛ لِأَنَّ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ يَقِلُّ وَيَكْثُرُ ، فَيُفْضِي إلَى التَّفَاضُلِ .","part":8,"page":28},{"id":3528,"text":"( 2821 ) فَصْل : وَالْعِنَبُ كَالتَّمْرِ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ ، إلَّا أَنَّهُ لَا يُبَاعُ خَلُّ الْعِنَبِ بِخَلِّ الزَّبِيبِ ؛ لِانْفِرَادِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِمَا لَيْسَ مِنْ جِنْسِهِ .\rوَيَجُوزُ بَيْعُ خَلِّ الزَّبِيبِ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ ، كَمَا يَجُوزُ بَيْعُ خَلِّ التَّمْرِ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ .","part":8,"page":29},{"id":3529,"text":"( 2822 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَالْبُرُّ وَالشَّعِيرُ جِنْسَانِ ) هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ ، وَبِهِ يَقُولُ الثَّوْرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّهُمَا جِنْسٌ وَاحِدٌ .\rوَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأُسُودِ بْنِ عَبْدِ يَغُوثَ ، وَابْنِ مُعَيْقِيبٍ الدَّوْسِيِّ ، وَالْحَكَمِ ، وَحَمَّادٍ ، وَمَالِكٍ ، وَاللَّيْثِ ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ مَعْمَرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، أَنَّهُ أَرْسَلَ غُلَامَهُ بِصَاعِ قَمْحٍ ، فَقَالَ : بِعْهُ ، ثُمَّ اشْتَرِ بِهِ شَعِيرًا .\rفَذَهَبَ الْغُلَامُ ، فَأَخَذَ صَاعًا وَزِيَادَةً بَعْضَ صَاعٍ ، فَلَمَّا جَاءَ مَعْمَرًا ، أَخْبَرَهُ بِذَلِكَ ، فَقَالَ لَهُ مَعْمَرٌ : لِمَ فَعَلْت ذَلِكَ ؟ انْطَلِقْ فَرُدَّهُ ، وَلَا تَأْخُذَنَّ إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ ، فَإِنَّ { النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ بِالطَّعَامِ إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ } ، وَكَانَ طَعَامُنَا يَوْمَئِذٍ الشَّعِيرَ .\rقِيلَ : فَإِنَّهُ لَيْسَ بِمِثْلِهِ .\rقَالَ : إنِّي أَخَافُ أَنْ يُضَارِعَ .\rأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ .\rوَلِأَنَّ أَحَدَهُمَا يُغَشُّ بِالْآخَرِ ، فَكَانَا كَنَوْعَيْ الْجِنْسِ وَلَنَا ، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { بِيعُوا الْبُرَّ بِالشَّعِيرِ كَيْفَ شِئْتُمْ يَدًا بِيَدٍ } .\rوَفِي لَفْظٍ : { لَا بَأْسَ بِبَيْعِ الْبُرِّ بِالشَّعِيرِ ، وَالشَّعِيرُ أَكْثَرُهُمَا ، يَدًا بِيَدٍ ، وَأَمَّا نَسِيئَةً فَلَا } ، وَفِي لَفْظٍ : { فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَصْنَافُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ } .\rوَهَذَا صَرِيحٌ صَحِيحٌ ، لَا يَجُوزُ تَرْكُهُ بِغَيْرِ مُعَارِضٍ مِثْلِهِ ، وَلِأَنَّهُمَا لَمْ يَشْتَرِكَا فِي الِاسْمِ الْخَاصِّ ، فَلَمْ يَكُونَا جِنْسًا وَاحِدًا ، كَالتَّمْرِ ، وَالْحِنْطَةِ ، وَلِأَنَّهُمَا مُسَمَّيَانِ فِي الْأَصْنَافِ السِّتَّةِ ، فَكَانَا جِنْسَيْنِ ، كَسَائِرِهَا .\rوَحَدِيثُ مَعْمَرٍ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ إضْمَارِ الْجِنْسِ ، بِدَلِيلِ سَائِرِ أَجْنَاسِ الطَّعَامِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ الطَّعَامَ الْمَعْهُودَ عِنْدَهُمْ ، وَهُوَ الشَّعِيرُ ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي","part":8,"page":30},{"id":3530,"text":"الْخَبَرِ : وَكَانَ طَعَامُنَا يَوْمئِذٍ الشَّعِيرَ ، ثُمَّ لَوْ كَانَ عَامًّا لَوَجَبَ تَقْدِيمُ الْخَاصِّ الصَّرِيحِ عَلَيْهِ ، وَفِعْلُ مَعْمَرٍ وَقَوْلُهُ لَا يُعَارَضُ بِهِ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقِيَاسُهُمْ يَنْتَقِضُ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ .","part":8,"page":31},{"id":3531,"text":"( 2823 ) فَصْلٌ : فِي الْحِنْطَةِ وَفُرُوعِهَا ، وَفُرُوعُهَا نَوْعَانِ ، أَحَدُهُمَا ، مَا لَيْسَ فِيهِ غَيْرُهُ ، كَالدَّقِيقِ ، وَالسَّوِيقِ .\rوَالثَّانِي ، مَا فِيهِ غَيْرُهُ ، كَالْخُبْزِ ، وَالْهَرِيسَةِ ، وَالْفَالُوذَجِ ، وَالنَّشَاءِ ، وَأَشْبَاهِهَا .\rوَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الْحِنْطَةِ بِشَيْءِ مِنْ فُرُوعِهَا وَهِيَ ثَلَاثَةُ أَقْسَامِ : أَحَدُهَا السَّوِيقُ ، فَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ بِالْحِنْطَةِ ، وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ ، وَأَبِي ثَوْرٍ جَوَازُ ذَلِكَ ، مُتَمَاثِلًا ، وَمُتَفَاضِلًا .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ بَيْعُ الْحِنْطَةِ بِبَعْضٍ أَجْزَائِهَا مُتَفَاضِلًا ، فَلَمْ يَجُزْ ، كَبَيْعِ مَكُّوكِ حِنْطَةٍ بِمَكُّوكَيْ دَقِيقٍ ، وَلَا سَبِيلَ إلَى التَّمَاثُلِ ؛ لِأَنَّ النَّارَ قَدْ أَخَذَتْ مِنْ أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ ، فَأَشْبَهَتْ الْمَقْلِيَّةَ .\rالْقَسَمُ الثَّانِي ، مَا مَعَهُ غَيْرُهُ ، فَلَا يَجُوزُ بَيْعُهَا بِهِ أَيْضًا .\rوَقَالَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ : يَجُوزُ ذَلِكَ ، بِنَاءً عَلَى مَسْأَلَةِ مُدِّ عَجْوَةٍ .\rوَسَنَذْكُرُ الدَّلِيلَ عَلَى ذَلِكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .\rالْقَسَمُ الثَّالِثُ ، الدَّقِيقُ ، فَلَا يَجُوزُ بَيْعُهَا بِهِ فِي الصَّحِيحِ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، وَالْحَسَنِ ، وَالْحَكَمِ ، وَحَمَّادٍ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَمَكْحُولٍ .\rوَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ الشَّافِعِيِّ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى ، أَنَّهُ جَائِزٌ .\rوَبِهَذَا قَالَ رَبِيعَةُ ، وَمَالِكٌ .\rوَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ النَّخَعِيِّ ، وَقَتَادَةَ ، وَابْنِ شُبْرُمَةَ ، وَإِسْحَاقَ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ؛ لِأَنَّ الدَّقِيقَ نَفْسُ الْحِنْطَةِ ، وَإِنَّمَا تَكَسَّرَتْ أَجْزَاؤُهَا ، فَجَازَ بَيْعُ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ ، كَالْحِنْطَةِ الْمُكَسَّرَةِ بِالصِّحَاحِ ، فَعَلَى هَذَا إنَّمَا تُبَاعُ الْحِنْطَةُ بِالدَّقِيقِ وَزْنًا ؛ لِأَنَّهَا قَدْ تَفَرَّقَتْ أَجْزَاؤُهَا بِالطَّحْنِ وَانْتَشَرَتْ ، فَتَأْخُذُ مِنْ الْمِكْيَالِ مَكَانًا كَبِيرًا ، وَالْحِنْطَةُ تَأْخُذُ مَكَانًا صَغِيرًا ، وَالْوَزْنُ يُسَوِّي بَيْنَهُمَا .\rوَبِهَذَا قَالَ إِسْحَاقُ .\rوَلَنَا ، أَنَّ بَيْعَ الْحِنْطَةِ بِالدَّقِيقِ","part":8,"page":32},{"id":3532,"text":"بَيْعٌ لِلْحِنْطَةِ بِجِنْسِهَا مُتَفَاضِلًا ، فَحَرُمَ ، كَبَيْعِ مَكِيلَةٍ بِمَكِيلَتَيْنِ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الطَّحْنَ قَدْ فَرَّقَ أَجْزَاءَهَا ، فَيَحْصُلُ فِي مِكْيَالِهَا دُونَ مَا يَحْصُلُ فِي مِكْيَالِ الْحِنْطَةِ ، وَإِنْ لَمْ يَتَحَقَّقْ التَّفَاضُلُ ، فَقَدْ جُهِلَ التَّمَاثُلُ ، وَالْجَهْلُ بِالتَّمَاثُلِ كَالْعِلْمِ بِالتَّفَاضُلِ فِيمَا يُشْتَرَطُ التَّمَاثُلُ فِيهِ ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَجُزْ بَيْعُ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ جُزَافًا ، وَتَسَاوِيهِمَا فِي الْوَزْنِ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ التَّسَاوِي فِي الْكَيْلِ ، وَالْحِنْطَةُ وَالدَّقِيقُ مَكِيلَانِ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ الْكَيْلُ ، وَلَمْ يُوجَدْ مَا يَنْقُلُ عَنْهُ ، وَلِأَنَّ الدَّقِيقَ يُشْبِهُ الْمَكِيلَاتِ ، فَكَانَ مَكِيلًا ، كَالْحِنْطَةِ ، ثُمَّ لَوْ كَانَ مَوْزُونًا ، لَمْ يَتَحَقَّقْ التَّسَاوِي بَيْنَ الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ ؛ لِأَنَّ الْمَكِيلَ لَا يُقَدَّرُ بِالْوَزْنِ ، كَمَا لَا يُقَدَّرُ الْمَوْزُونُ بِالْكَيْلِ .","part":8,"page":33},{"id":3533,"text":"( 2824 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا بَيْعُ بَعْضِ فُرُوعِهَا بِبَعْضٍ ، فَيَجُوزُ بَيْعُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الدَّقِيقِ وَالسَّوِيقِ بِنَوْعِهِ مُتَسَاوِيًا ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ .\rوَالْمَشْهُورُ عَنْ الشَّافِعِيِّ الْمَنْعُ مِنْ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ يَعْتَبِرُ تَسَاوِيهِمَا حَالَةَ الْكَمَالِ ، وَهُوَ حَالُ كَوْنِهَا حِنْطَةً ، وَقَدْ فَاتَ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ أَحَدَ الدَّقِيقَيْنِ قَدْ يَكُونُ مِنْ حِنْطَةٍ رَزِينَةٍ ، وَالْآخَرَ مِنْ حِنْطَةٍ خَفِيفَةٍ ، فَيَسْتَوِيَانِ دَقِيقًا ، وَلَا يَسْتَوِيَانِ حِنْطَةً .\rوَلَنَا ، أَنَّهُمَا تَسَاوَيَا حَالَ الْعَقْدِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَنْفَرِدُ أَحَدُهُمَا بِالنُّقْصَانِ ، فَجَازَ ، كَبَيْعِ التَّمْرِ بِالتَّمْرِ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّمَا يُبَاعُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ كَيْلًا ؛ لِأَنَّ الْحِنْطَةَ مَكِيلَةٌ ، وَلَمْ يُوجَدْ فِي الدَّقِيقِ وَالسَّوِيقِ مَا يَنْقُلُهُمَا عَنْ ذَلِكَ .\rوَيُشْتَرَطُ أَنْ يَتَسَاوَيَا فِي النُّعُومَةِ .\rذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ ، وَغَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا .\rوَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّهُمَا إذَا تَفَاوَتَا فِي النُّعُومَةِ تَفَاوَتَا فِي ثَانِي الْحَالِ ، فَيَصِيرُ كَبَيْعِ الْحِنْطَةِ بِالدَّقِيقِ .\rوَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّ الدَّقِيقَ يُبَاعُ بِالدَّقِيقِ وَزْنًا .\rوَلَا وَجْهَ لَهُ ، وَقَدْ سَلَّمَ فِي السَّوِيقِ أَنَّهُ يُبَاعُ بِالْكَيْلِ ، وَالدَّقِيقُ مِثْلُهُ .\rفَأَمَّا بَيْعُ الدَّقِيقِ بِالسَّوِيقِ ، فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rوَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّهُ يَجُوزُ ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَجْزَاءُ حِنْطَةٍ لَيْسَ مَعَهُ غَيْرُهُ ، فَأَشْبَهَ الدَّقِيقَ بِالدَّقِيقِ ، وَالسَّوِيقَ بِالسَّوِيقِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ النَّارَ قَدْ أَخَذَتْ مِنْ أَحَدِهِمَا ، فَلَمْ يَجُزْ بَيْعُ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ ، كَالْمَقْلِيَّةِ بِالنِّيئَةِ .\rوَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ ، وَأَبِي يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٍ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ، أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِبَيْعِ الدَّقِيقِ بِالسَّوِيقِ مُتَفَاضِلًا ؛ لِأَنَّهُمَا جِنْسَانِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُمَا أَجْزَاءُ جِنْسٍ وَاحِدٍ ، فَلَمْ يَجُزْ التَّفَاضُلُ بَيْنَهُمَا ، كَالدَّقِيقِ مَعَ الدَّقِيقِ ، وَالسَّوِيقِ","part":8,"page":34},{"id":3534,"text":"بِالسَّوِيقِ .","part":8,"page":35},{"id":3535,"text":"( 2825 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا مَا فِيهِ غَيْرُهُ ، كَالْخُبْزِ ، وَغَيْرِهِ ، فَهُوَ نَوْعَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، أَنْ يَكُونَ مَا فِيهِ مِنْ غَيْرِهِ غَيْرَ مَقْصُودٍ فِي نَفْسِهِ ، إنَّمَا جُعِلَ فِيهِ لِمَصْلَحَتِهِ ، كَالْخُبْزِ وَالنَّشَاءِ ، فَيَجُوزُ بَيْعُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِنَوْعِهِ ، إذَا تَسَاوَيَا فِي النُّشَافَةِ وَالرُّطُوبَةِ .\rوَيُعْتَبَرُ التَّسَاوِي فِي الْوَزْنِ ؛ لِأَنَّهُ يُقَدَّرُ بِهِ فِي الْعَادَةِ ، وَلَا يُمْكِنُ كَيْلُهُ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : إذَا تَحَرَّى أَنْ يَكُونَ مِثْلًا بِمِثْلٍ ، فَلَا بَأْسَ بِهِ ، وَإِنْ لَمْ يُوزَنْ .\rوَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ .\rوَحُكِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ : لَا بَأْسَ بِهِ قُرْصًا بِقُرْصَيْنِ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يَجُوزُ بَيْعُ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ بِحَالٍ ، إلَّا أَنْ يَيْبَسَ ، وَيُدَقُّ دَقًّا نَاعِمًا ، وَيُبَاعَ بِالْكَيْلِ ، فَفِيهِ قَوْلَانِ ؛ لِأَنَّهُ مَكِيلٌ يَجِبُ التَّسَاوِي فِيهِ ، وَلَا يُمْكِنُ كَيْلُهُ ، فَتَعَذَّرَتْ الْمُسَاوَاةُ فِيهِ ، وَلِأَنَّ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ ، فَلَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ بِهِ ، كَالْمَغْشُوشِ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ ، وَغَيْرِهِمَا .\rوَلَنَا ، عَلَى وُجُوبِ التَّسَاوِي ، أَنَّهُ مَطْعُومٌ مَوْزُونٌ ، فَحَرُمَ التَّفَاضُلُ فِيهِمَا ، كَاللَّحْمِ ، وَاللَّبَنِ ، وَمَتَى وَجَبَ التَّسَاوِي ، وَجَبَتْ مَعْرِفَةُ حَقِيقَةِ التَّسَاوِي فِي الْمِعْيَارِ الشَّرْعِيِّ ، كَالْحِنْطَةِ بِالْحِنْطَةِ ، وَالدَّقِيقِ بِالدَّقِيقِ .\rوَلَنَا عَلَى الشَّافِعِيِّ ، أَنَّ مُعْظَمَ نَفْعِهِ فِي حَالِ رُطُوبَتِهِ ، فَجَازَ بَيْعُهُ بِهِ ، كَاللَّبَنِ بِاللَّبَنِ .\rوَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ مَوْزُونًا ، أَصْلُهُ غَيْرُ مَوْزُونٍ ، كَاللَّحْمِ ، وَالْأَدْهَانِ .\rوَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الرُّطَبِ بِالْيَابِسِ ؛ لِانْفِرَادِ أَحَدِهِمَا بِالنَّقْصِ فِي ثَانِي الْحَالِ ، فَأَشْبَهَ الرُّطَبَ بِالتَّمْرِ .\rوَلَا يَمْنَعُ زِيَادَةَ أَخْذِ النَّارِ مِنْ أَحَدِهِمَا أَكْثَرَ مِنْ الْآخَرِ حَالَ رُطُوبَتِهِمَا إذَا لَمْ يَكْثُرْ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَسِيرٌ ، وَلَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ ، أَشْبَهَ بَيْعَ الْحَدِيثَةِ بِالْعَتِيقَةِ .","part":8,"page":36},{"id":3536,"text":"وَلَا يَلْزَمُ مَا فِيهِ مِنْ الْمِلْحِ وَالْمَاءِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِمَقْصُودٍ فِيهِ ، وَيُرَادُ لِمَصْلَحَتِهِ ، فَهُوَ كَالْمِلْحِ فِي الشَّيْرَجِ .\rوَإِنْ يَبِسَ الْخُبْزُ ، فَدُقَّ ، وَجُعِلَ فَتِيتًا ، بِيعَ بِمِثْلِهِ كَيْلًا ؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنَ كَيْلُهُ ، فَرُدَّ إلَى أَصْلِهِ .\rوَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ : فِيهِ وَجْهٌ آخَرُ ، أَنَّهُ يُبَاعُ بِالْوَزْنِ ؛ لِأَنَّهُ انْتَقَلَ إلَيْهِ .\rالنَّوْعُ الثَّانِي ، مَا فِيهِ غَيْرُهُ مِمَّا هُوَ مَقْصُودٌ ، كَالْهَرِيسَةِ ، وَالْخَزِيرَةِ ، وَالْفَالُوذَجِ ، وَخُبْزِ الْأَبَازِيرِ ، وَالْخُشْكِنَانْجِ ، والسنبوسك ، وَنَحْوِهِ ، فَلَا يَجُوزُ بَيْعُ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ ، وَلَا بَيْعُ نَوْعٍ بِنَوْعٍ آخَرَ ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَشْتَمِلُ عَلَى مَا لَيْسَ مِنْ جِنْسِهِ ، وَهُوَ مَقْصُودٌ ، كَاللَّحْمِ فِي الْهَرِيسَةِ ، وَالْعَسَلِ فِي الْفَالُوذَجِ وَالْمَاءِ ، وَالدُّهْنِ فِي الْخَزِيرَةِ .\rوَيَكْثُرُ التَّفَاوُتُ فِي ذَلِكَ ، فَلَا يَتَحَقَّقُ التَّمَاثُلُ فِيهِ .\rوَإِذَا لَمْ يُمْكِنْ التَّمَاثُلُ فِي النَّوْعِ الْوَاحِدِ ، فَفِي النَّوْعَيْنِ أَوْلَى .","part":8,"page":37},{"id":3537,"text":"فَصْلٌ : وَالْحُكْمُ فِي الشَّعِيرِ وَسَائِرِ الْحُبُوبِ كَالْحُكْمِ فِي الْحِنْطَةِ .\rوَيَجُوزُ بَيْعُ الْحِنْطَةِ وَالْمَصْنُوعِ مِنْهَا بِغَيْرِهَا مِنْ الْحُبُوبِ وَالْمَصْنُوعِ مِنْهَا ؛ لِعَدَمِ اشْتِرَاطِ الْمُمَاثَلَةِ بَيْنَهُمَا .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":8,"page":38},{"id":3538,"text":"( 2827 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَسَائِرُ اللُّحْمَانِ جِنْسٌ وَاحِدٌ ) أَرَادَ جَمِيعَ اللَّحْمِ ، وَجَمَعَهُ - وَهُوَ اسْمُ جِنْسٍ - لِاخْتِلَافِ أَنْوَاعِهِ .\rظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ ، أَنَّ اللَّحْمَ كُلَّهُ جِنْسٌ وَاحِدٌ ، وَذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ ، وَابْنُ عَقِيلٍ ، رِوَايَةً عَنْ أَحْمَدَ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ ، وَأَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ .\rوَأَنْكَرَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى كَوْنَ هَذَا رِوَايَةً عَنْ أَحْمَدَ ، وَقَالَ : الْأَنْعَامُ ، وَالْوُحُوشُ ، وَالطَّيْرُ ، وَدَوَابُّ الْمَاءِ ، أَجْنَاسٌ يَجُوزُ التَّفَاضُلُ فِيهَا رِوَايَةً وَاحِدَةً ، وَإِنَّمَا فِي اللَّحْمِ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، أَنَّهُ أَرْبَعَةُ أَجْنَاسٍ ، كَمَا ذَكَرْنَا .\rوَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ ، إلَّا أَنَّهُ يَجْعَلُ الْأَنْعَامَ ، وَالْوَحْشَ جِنْسًا وَاحِدًا ، فَيَكُونُ عِنْدَهُ ثَلَاثَهُ أَصْنَافٍ .\rوَالثَّانِيَةُ ، أَنَّهُ أَجْنَاسٌ بِاخْتِلَافِ أُصُولِهِ ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَأَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ ، وَهِيَ أَصَحُّ ؛ لِأَنَّهَا فُرُوعُ أُصُولٍ هِيَ أَجْنَاسٌ ، فَكَانَتْ أَجْنَاسًا ، كَالْأَدِقَّةِ ، وَالْأَخْبَازِ .\rوَهَذَا اخْتِيَارُ ابْنِ عَقِيلٍ .\rوَاخْتِيَارُ الْقَاضِي أَنَّهَا أَرْبَعَةُ أَجْنَاسٍ .\rوَحَمَلَ كَلَامَ الْخِرَقِيِّ عَلَيْهَا ، وَاحْتَجَّ بِأَنَّ لَحْمَ هَذِهِ الْحَيَوَانَاتِ تَخْتَلِفُ الْمَنْفَعَةُ بِهَا ، وَالْقَصْدُ إلَى أَكْلِهَا ، فَكَانَتْ أَجْنَاسًا .\rوَهَذَا ضَعِيفٌ جِدًّا ؛ لِأَنَّ كَوْنَهَا أَجْنَاسًا لَا يُوجِبُ حَصْرَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَجْنَاسٍ ، وَلَا نَظِيرَ لِهَذَا ، فَيُقَاسُ عَلَيْهِ .\rوَلَا يَصِحُّ حَمْلُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ عَلَيْهِ ؛ لِعَدَمِ احْتِمَالِ لَفْظِهِ لَهُ ، وَتَصْرِيحِهِ فِي الْأَيْمَانِ بِأَنَّهُ إذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ لَحْمًا فَأَكَلَ مِنْ لَحْمِ الْأَنْعَامِ ، أَوْ الطَّائِرِ ، أَوْ السَّمَكِ ، حَنِثَ .\rفَيَتَعَيَّنُ حَمْلُ كَلَامِهِ عَلَى عُمُومِهِ فِي أَنَّ جَمِيعَ اللَّحْمِ جِنْسٌ ؛ لِأَنَّهُ اشْتَرَكَ فِي الِاسْمِ الْوَاحِدِ حَالَ حُدُوثِ الرِّبَا فِيهِ ، فَكَانَ جِنْسًا وَاحِدًا ، كَالطَّلْعِ ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ أَجْنَاسٌ بِاخْتِلَافِ أُصُولِهِ .\rوَهَذَا الدَّلِيلُ","part":8,"page":39},{"id":3539,"text":"يُنْتَقَضُ بِالتَّمْرِ الْهِنْدِيِّ وَالتَّمْرِ الْبَرْنِيِّ ، وَعَسَلِ الْقَصَبِ وَعَسَلِ النَّحْلِ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ .\rفَعَلَى هَذَا ، لَحْمُ الْإِبِلِ كُلُّهُ صِنْفٌ ، بَخَاتِيهَا وَعِرَابِهَا ، وَالْبَقَرُ عِرَابُهَا وَجَوَامِيسُهَا صِنْفٌ ، وَالْغَنَمُ ضَأْنُهَا وَمَعْزُهَا صِنْفٌ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَا صِنْفَيْنِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَمَّاهَا فِي الْأَزْوَاجِ الثَّمَانِيَةِ فَقَالَ : { ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنْ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنْ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ } فَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا ، كَمَا فَرَّقَ بَيْن الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ ، فَقَالَ { : وَمِنْ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنْ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ } .\rوَالْوَحْشُ أَصْنَافٌ ؛ بَقَرُهَا صِنْفٌ ، وَغَنَمُهَا صِنْفٌ ، وَظِبَاؤُهَا صِنْفٌ ، وَكُلُّ مَالَهُ اسْمٌ يَخُصُّهُ فَهُوَ صِنْفٌ .\rوَالطُّيُورُ أَصْنَافٌ ، كُلُّ مَا انْفَرَدَ بِاسْمٍ وَصِفَةٍ فَهُوَ صِنْفٌ ، فَيُبَاعُ لَحْمُ صِنْفٍ بِلَحْمِ صِنْفٍ آخَرَ ، مُتَفَاضِلًا وَمُتَمَاثِلًا ، وَيُبَاعُ بِصِفَةٍ مُتَمَاثِلًا ، وَمَنْ جَعَلَهَا صِنْفًا وَاحِدًا لَمْ يَجُزْ عِنْدَهُ بَيْعُ لَحْمٍ بِلَحْمٍ ، إلَّا مُتَمَاثِلًا .","part":8,"page":40},{"id":3540,"text":"( 2828 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( لَا يَجُوزُ بَيْعُ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ رَطْبًا .\rوَيَجُوزُ إذَا تَنَاهَى جَفَافُهُ مِثْلًا بِمِثْلٍ ) اخْتَارَ الْخِرَقِيِّ أَنَّهُ لَا يُبَاعُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ ، إلَّا فِي حَالِ جَفَافِهِ وَذَهَابِ رُطُوبَتِهِ كُلِّهَا .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rوَذَهَبَ أَبُو حَفْصٍ فِي \" شَرْحِهِ \" إلَى هَذَا .\rقَالَ الْقَاضِي : وَالْمَذْهَبُ : جَوَازُ بَيْعِهِ ، وَنَصَّ عَلَيْهِ .\rوَقَوْلُهُ ، فِي الرُّطَبِ بِالرُّطَبِ بِجَوَازِ الْبَيْعِ يُنَبِّهُ عَلَى إبَاحَةِ بَيْعِ اللَّحْمِ بِاللَّحْمِ ، مِنْ حَيْثُ كَانَ اللَّحْمُ ، حَالَ كَمَالِهِ وَمُعْظَمَ نَفْعِهِ ، فِي حَالِ رُطُوبَتِهِ دُونَ حَالِ يُبْسِهِ ، فَجَرَى مَجْرَى اللَّبَنِ بِخِلَافِ الرُّطَبِ ؛ فَإِنَّ حَالَ كَمَالِهِ وَمُعْظَمَ نَفْعِهِ فِي حَالِ يُبْسِهِ ، فَإِذَا جَازَ فِيهِ الْبَيْعُ ، فَفِي اللَّحْمِ أَوْلَى ، وَلِأَنَّهُ وَجَدَ التَّمَاثُلَ فِيهِمَا فِي الْحَالِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَنْفَرِدُ أَحَدُهُمَا بِالنَّقْصِ ، فَجَازَ كَبَيْعِ اللَّبَنِ بِاللَّبَنِ .\rفَأَمَّا بَيْعُ رَطْبِهِ بِيَابِسِهِ ، أَوْ نِيئِهِ بِمَطْبُوخِهِ أَوْ مَشْوِيِّهِ ، فَغَيْرُ جَائِزٍ ؛ لِانْفِرَادِ أَحَدِهِمَا بِالنَّقْصِ فِي الثَّانِي ، فَلَمْ يَجُزْ ، كَالرُّطَبِ بِالتَّمْرِ .\r( 2829 ) فَصْلٌ : قَالَ الْقَاضِي : وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ إلَّا مَنْزُوعَ الْعِظَامِ ، كَمَا لَا يَجُوزُ بَيْعُ الْعَسَلِ بِالْعَسَلِ إلَّا بَعْدَ التَّصْفِيَةِ .\rوَهَذَا أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ .\rوَكَلَامُ أَحْمَدَ ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، يَقْتَضِي الْإِبَاحَةَ مِنْ غَيْرِ نَزْعِ عِظَامِهِ وَلَا جَفَافِهِ ، قَالَ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ : إذَا صَارَ إلَى الْوَزْنِ مِثْلًا بِمِثْلٍ ، رِطْلًا بِرِطْلٍ .\rفَأَطْلَقَ وَلَمْ يَشْتَرِطْ شَيْئًا ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْعَظْمَ تَابِعٌ لِلَّحْمِ بِأَصْلِ الْخِلْقَةِ ، فَلَمْ يَشْتَرِطْ نَزْعَهُ ، كَالنَّوَى فِي التَّمْرِ .\rوَفَارَقَ الْعَسَلَ ، مِنْ حَيْثُ إنَّ اخْتِلَاطَ الشَّمْعِ بِالْعَسَلِ مِنْ فِعْلِ النَّحْلِ ، لَا مِنْ أَصْلِ الْخِلْقَةِ .","part":8,"page":41},{"id":3541,"text":"( 2830 ) فَصْلٌ : وَاللَّحْمُ وَالشَّحْمُ جِنْسَانِ .\rوَالْكَبِدُ صِنْفٌ .\rوَالطِّحَالُ صِنْفٌ .\rوَالْقَلْبُ صِنْفٌ ، وَالْمُخُّ صِنْفٌ .\rوَيَجُوزُ بَيْعُ كُلِّ صِنْفٍ بِصِنْفٍ آخَرَ مُتَفَاضِلًا .\rوَقَالَ الْقَاضِي : لَا يَجُوزُ بَيْعُ اللَّحْمِ بِالشَّحْمِ .\rوَكَرِهَ مَالِكٌ ذَلِكَ ، إلَّا أَنْ يَتَمَاثَلَا .\rوَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ ، إبَاحَةُ الْبَيْعِ فِيهِمَا مُتَمَاثِلًا وَمُتَفَاضِلًا ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُمَا جِنْسَانِ ، فَجَازَ التَّفَاضُلُ فِيهِمَا كَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ .\rوَإِنْ مَنَعَ مِنْهُ لِكَوْنِ اللَّحْمِ لَا يَخْلُو مِنْ شَحْمٍ لَمْ يَصِحَّ ؛ لِأَنَّ الشَّحْمَ لَا يَظْهَرُ ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ شَيْءٌ فَهُوَ غَيْرُ مَقْصُودٍ ، فَلَا يَمْنَعُ الْبَيْعَ ، وَلَوْ مَنَعَ لِذَلِكَ ، لَمْ يَجُزْ بَيْعُ لَحْمٍ بِلَحْمٍ ؛ لِاشْتِمَالِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى مَا لَيْسَ مِنْ جِنْسِهِ .\rثُمَّ لَا يَصِحُّ هَذَا عِنْدَ الْقَاضِي ؛ لِأَنَّ السَّمِينَ الَّذِي يَكُونُ مَعَ اللَّحْمِ لَحْمٌ عِنْدَهُ ، فَلَا يُتَصَوَّرُ اشْتِمَالُ اللَّحْمِ عَلَى الشَّحْمِ .\rوَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّ اللَّحْمَ الْأَبْيَضَ الَّذِي عَلَى ظَاهِرِ اللَّحْمِ الْأَحْمَرِ ، هُوَ وَالْأَحْمَرُ جِنْسٌ وَاحِدٌ ، وَأَنَّ الْأَلْيَةَ وَالشَّحْمَ جِنْسَانِ .\rوَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ خِلَافُ هَذَا ؛ لِقَوْلِهِ : إنَّ اللَّحْمَ لَا يَخْلُو مِنْ شَحْمٍ ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ هَذَا شَحْمًا لَمْ يَخْتَلِطْ لَحْمٌ بِشَحْمِ ، فَعَلَى قَوْلِهِ ، كُلُّ أَبْيَضَ فِي الْحَيَوَانِ يَذُوبُ بِالْإِذَابَةِ وَيَصِيرُ دُهْنًا ، فَهُوَ جِنْسٌ وَاحِدٌ .\rوَهَذَا أَصَحُّ ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا } .\rفَاسْتَثْنَى مَا حَمَلَتْ الظُّهُورُ مِنْ الشَّحْمِ ، وَلِأَنَّهُ يُشْبِهُ الشَّحْمَ فِي ذَوْبِهِ وَلَوْنِهِ وَمَقْصِدِهِ ، فَكَانَ شَحْمًا ، كَاَلَّذِي فِي الْبَطْنِ .","part":8,"page":42},{"id":3542,"text":"( 2831 ) فَصْلٌ : وَفِي اللَّبَنِ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، هُوَ جِنْسٌ وَاحِدٌ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا فِي اللَّحْمِ .\rوَالثَّانِيَةُ ، هُوَ أَجْنَاسٌ بِاخْتِلَافِ أُصُولِهِ كَاللَّحْمِ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rوَبِهِ قَالَ مَالِكٌ ؛ لِأَنَّ الْأَنْعَامَ كُلَّهَا جِنْسٌ وَاحِدٌ .\rوَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ : لَبَنُ الْبَقَرِ الْأَهْلِيَّةِ وَالْوَحْشِيَّةِ جِنْسٌ وَاحِدٌ عَلَى الرِّوَايَاتِ كُلِّهَا ؛ لِأَنَّ اسْمَ الْبَقَرِ يَشْمَلُهُمَا .\rوَلَيْسَ بِصَحِيحٍ ؛ لِأَنَّ لَحْمَهُمَا جِنْسَانِ ، فَكَانَ لَبَنُهُمَا جِنْسَيْنِ ، كَالْإِبِلِ وَالْبَقَرِ .\rوَيَجُوزُ بَيْعُ اللَّبَنِ بِغَيْرِ جِنْسِهِ ، مُتَفَاضِلًا ، وَكَيْفَ شَاءَ ، يَدًا بِيَدٍ ، وَبِجِنْسِهِ مُتَمَاثِلًا كَيْلًا .\rقَالَ الْقَاضِي : هُوَ مَكِيلٌ لَا يُبَاعُ إلَّا بِالْكَيْلِ ؛ لِأَنَّهُ الْعَادَةُ فِيهِ .\rوَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَا حَلِيبَيْنِ أَوْ حَامِضَيْنِ ، أَوْ أَحَدُهُمَا حَلِيبٌ ، وَالْآخَرُ حَامِضٌ ؛ لِأَنَّ تَغْيِيرَ الصِّفَةِ لَا يَمْنَعُ جَوَازَ الْبَيْعِ ، كَالْجَوْدَةِ وَالرَّدَاءَةِ .\rوَإِنْ شَيْب أَحَدُهُمَا بِمَاءِ ، أَوْ غَيْرِهِ ، لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ بِخَالِصٍ وَلَا بِمَشُوبٍ مِنْ جِنْسِهِ ؛ لِأَنَّ مَعَهُ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ لِغَيْرِ مَصْلَحَتِهِ .","part":8,"page":43},{"id":3543,"text":"فَصْلٌ : وَيَتَفَرَّعُ مِنْ اللَّبَنِ قِسْمَانِ ؛ مَا لَيْسَ فِيهِ غَيْرُهُ كَالزُّبْدِ ، وَالسَّمْنِ ، وَالْمَخِيضِ ، وَاللِّبَأِ .\rوَمَا فِيهِ غَيْرُهُ .\rوَكِلَاهُمَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ بِاللَّبَنِ ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَخْرَجٌ مِنْ اللَّبَنِ ، فَلَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ بِأَصْلِهِ الَّذِي فِيهِ مِنْهُ ، كَالْحَيَوَانِ بِاللَّحْمِ ، وَالسِّمْسِمِ بِالشَّيْرَجِ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُ اللَّبَنِ بِالزُّبْدِ ، إذَا كَانَ الزُّبْدُ الْمُنْفَرِدُ أَكْثَرَ مِنْ الزُّبْدِ الَّذِي فِي اللَّبَنِ .\rوَهَذَا يَقْتَضِي جَوَازَ بَيْعِهِ بِهِ مُتَفَاضِلًا ، وَمَنْعَ جَوَازِهِ مُتَمَاثِلًا .\rقَالَ الْقَاضِي : وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ لَا تَخْرُجُ عَلَى الْمَذْهَبِ ؛ لِأَنَّ الشَّيْئَيْنِ إذَا دَخَلَهُمَا الرِّبَا ، لَمْ يَجُزْ بَيْعُ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ ، وَمَعَهُ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ ، كَمُدِّ عَجْوَةٍ وَدِرْهَمٍ بِمُدَّيْنِ .\rوَالصَّحِيحُ أَنَّ هَذِهِ الرِّوَايَةَ دَالَّةٌ عَلَى جَوَازِ الْبَيْعِ فِي مَسْأَلَةِ مُدِّ عَجْوَةٍ ، وَكَوْنِهَا مُخَالِفَةً لِرِوَايَاتٍ أُخَرَ لَا يَمْنَعُ كَوْنَهَا رِوَايَةً ، كَسَائِرِ الرِّوَايَاتِ الْمُخَالِفَةِ لِغَيْرِهَا ، لَكِنَّهَا مُخَالِفَةٌ لِظَاهِرِ الْمَذْهَبِ .\rوَالْحُكْمُ فِي السَّمْنِ كَالْحُكْمِ فِي الزُّبْدِ .\rوَأَمَّا اللَّبَنُ بِالْمَخِيضِ الَّذِي فِيهِ زُبْدُهُ ، فَلَا يَجُوزُ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، فَقَالَ : اللَّبَنُ بِالْمَخِيضِ لَا خَيْرَ فِيهِ .\rوَيَتَخَرَّجُ الْجَوَازُ كَاَلَّتِي قَبْلَهَا ، وَأَمَّا اللَّبَنُ بِاللِّبَأِ فَإِنْ كَانَ قَبْلَ أَنْ تَمَسَّهُ النَّارُ ، جَازَ مُتَمَاثِلًا ؛ لِأَنَّهُ لَبَنٌ بِلَبَنٍ .\rوَإِنْ مَسَّتْهُ النَّارُ لَمْ يَجُزْ .\rوَذَكَرَ الْقَاضِي وَجْهًا ، أَنَّهُ يَجُوزُ ، وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ ؛ لِأَنَّ النَّارَ عَقَدَتْ أَجْزَاءَ أَحَدِهِمَا ، وَذَهَبَتْ بِبَعْضٍ رُطُوبَتِهِ ، فَلَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ بِمَا لَمْ تَمَسَّهُ النَّارُ ، كَالْخُبْزِ بِالْعَجِينِ ، وَالْمَقْلِيَّةِ بِالنِّيئَةِ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rوَأَمَّا بَيْعُ النَّوْعِ مِنْ فُرُوعِ اللَّبَنِ بِنَوْعِهِ ، فَمَا فِيهِ خَلْطٌ مِنْ غَيْرِ اللَّبَنِ ، كَالْكُشْكِ","part":8,"page":44},{"id":3544,"text":"وَالْكَامَخِ ، وَنَحْوِهِمَا ، لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ بِنَوْعِهِ وَلَا بِغَيْرِهِ ؛ لِأَنَّهُ مُخْتَلِطٌ بِغَيْرِهِ ، فَهُوَ كَمَسْأَلَةِ مُدِّ عَجْوَةٍ ، وَمَا لَيْسَ فِيهِ غَيْرُهُ ، أَوْ فِيهِ غَيْرُهُ ، إلَّا أَنَّ ذَلِكَ الْغَيْرَ لِمَصْلَحَتِهِ ، فَيَجُوزُ بَيْعُ كُلِّ نَوْعٍ مِنْهُ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ إذَا تَسَاوَيَا فِي النَّشَافَةِ وَالرُّطُوبَةِ ، فَيَبِيعُ الْمَخِيضَ بِالْمَخِيضِ ، وَاللِّبَأَ بِاللِّبَأِ ، وَالْجُبْنَ بِالْجُبْنِ ، وَالْمَصْلَ بِالْمَصْلِ ، وَالْأَقِطَ بِالْأَقِطِ ، وَالزُّبْدَ بِالزُّبْدِ ، وَالسَّمْنَ بِالسَّمْنِ ، مُتَسَاوِيًا .\rوَيُعْتَبَرُ التَّسَاوِي بَيْنَ الْأَقِطِ بِالْأَقِطِ بِالْكَيْلِ ؛ لِأَنَّهُ قُدِّرَ بِالصَّاعِ فِي صَدَقَةِ الْفِطْرِ ، وَهُوَ يُشْبِهُ الْمَكِيلَاتِ ، وَكَذَلِكَ الْمَصْلُ وَالْمَخِيضُ .\rوَيُبَاعُ الْخُبْزُ بِالْخُبْزِ بِالْوَزْنِ ؛ لِأَنَّهُ مَوْزُونٌ وَلَا يُمْكِنُ كَيْلُهُ ، فَأَشْبَهَ الْخُبْزَ .\rوَكَذَلِكَ الزُّبْدُ وَالسَّمْنُ .\rوَيَتَخَرَّجُ أَنْ يُبَاعَ السَّمْنُ بِالْكَيْلِ .\rوَلَا يُبَاعُ نَاشِفٌ مِنْ ذَلِكَ بِرَطْبٍ ، كَمَا لَا يُبَاعُ الرُّطَبُ بِالتَّمْرِ وَيَحْتَمِلُ كَلَامُ الْخِرَقِيِّ أَنْ لَا يُبَاعَ رَطْبٌ مِنْ ذَلِكَ بِرَطْبِ كَاللَّحْمِ .\rوَأَمَّا بَيْعُ مَا نُزِعَ مِنْ اللَّبَنِ بِنَوْعٍ آخَرَ ، كَالزُّبْدِ ، وَالسَّمْنِ ، وَالْمَخِيضِ ، فَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ ، أَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُ الزُّبْدِ وَالسَّمْنِ بِالْمَخِيضِ ، مُتَمَاثِلًا وَمُتَفَاضِلًا ؛ لِأَنَّهُمَا جِنْسَانِ ، وَذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُمَا شَيْئَانِ مِنْ أَصْلٍ وَاحِدٍ ، أَشْبَهَا اللَّحْمَ بِالشَّحْمِ .\rوَمِمَّنْ أَجَازَ بَيْعَ الزُّبْدِ بِالْمَخِيضِ الثَّوْرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ .\rوَلِأَنَّ اللَّبَنَ الَّذِي فِي الزُّبْدِ غَيْرُ مَقْصُودٍ ، وَهُوَ يَسِيرٌ ، فَأَشْبَهَ الْمِلْحَ فِي الشَّيْرَجِ .\rوَبَيْعُ السَّمْنِ بِالْمَخِيضِ أَوْلَى بِالْجَوَازِ ؛ لِخُلُوِّ السَّمْنِ مِنْ الْمَخِيضِ .\rوَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الزُّبْدِ بِالسَّمْنِ ؛ لِأَنَّ فِي الزُّبْدِ لَبَنًا يَسِيرًا ، وَلَا شَيْءَ فِي السَّمْنِ ، فَيَخْتَلُّ التَّمَاثُلُ ، وَلِأَنَّهُ مُسْتَخْرَجٌ مِنْ الزُّبْدِ ، فَلَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ بِهِ ، كَالزَّيْتُونِ","part":8,"page":45},{"id":3545,"text":"بِالزَّيْتِ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : عِنْدِي يَجُوزُ ؛ لِأَنَّ اللَّبَنَ فِي الزُّبْدِ غَيْرُ مَقْصُودٍ ، فَوُجُودُهُ كَعَدَمِهِ ، وَلِذَلِكَ جَازَ بَيْعُهُ بِالْمَخِيضِ وَبِزُبْدٍ مِثْلِهِ .\rوَهَذَا لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ التَّمَاثُلَ وَاجِبٌ بَيْنَهُمَا ، وَانْفِرَادُ أَحَدِهِمَا بِوُجُودِ اللَّبَنِ فِيهِ ، يُخِلُّ بِالتَّمَاثُلِ ، فَلَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ بِهِ ، كَتَمْرٍ مَنْزُوعِ النَّوَى بِتَمْرٍ فِيهِ نَوَاهُ ، وَلِأَنَّ أَحَدَهُمَا يَنْفَرِدُ بِرُطُوبَةٍ لَا تُوجَدُ فِي الْآخَرِ ، فَأَشْبَهَ الرُّطَبَ بِالتَّمْرِ ، وَالْعِنَبَ بِالزَّبِيبِ ، وَكُلَّ رَطْبٍ بِيَابِسٍ مِنْ جِنْسِهِ .\rوَلَا يَجُوزُ بَيْعُ شَيْءٍ مِنْ الزُّبْدِ وَالسَّمْنِ وَالْمَخِيضِ بِشَيْءٍ مِنْ أَنْوَاعِ اللَّبَنِ ، كَالْجُبْنِ وَاللِّبَأِ وَنَحْوِهِمَا ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَنْوَاعَ لَمْ يُنْتَزَعْ مِنْهَا شَيْءٌ ، فَيَكُونُ حُكْمُهَا حُكْمَ اللَّبَنِ الَّذِي فِيهِ زُبْدُهُ ، فَلَمْ يَجُزْ بَيْعُهَا ، كَبَيْعِ اللَّبَنِ بِهَا .\rوَأَمَّا بَيْعُ الْجُبْنِ بِالْأَقِطِ ، فَلَا يَجُوزُ مَعَ رُطُوبَتِهِمَا ، أَوْ رُطُوبَةِ أَحَدِهِمَا ، كَمَا لَا يَجُوزُ بَيْعُ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ .\rوَإِنْ كَانَا يَابِسَيْنِ احْتَمَلَ أَنْ لَا يَجُوزَ أَيْضًا ؛ لِأَنَّ الْجُبْنَ مَوْزُونٌ وَالْأَقِطَ مَكِيلٌ ، فَلَمْ يَجُزْ بَيْعُ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ ، كَالْخُبْزِ بِالدَّقِيقِ ، وَيَحْتَمِلُ الْجَوَازَ ، إذَا تَمَاثَلَا ، كَبَيْعِ الْخُبْزِ بِالْخُبْزِ .","part":8,"page":46},{"id":3546,"text":"( 2833 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ اللَّحْمِ بِالْحَيَوَانِ ) لَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ اللَّحْمِ بِحَيَوَانٍ مِنْ جِنْسِهِ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَقَوْلُ فُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ السَّبْعَةِ .\rوَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ ، أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ اللَّحْمِ بِحَيَوَانِ مُعَدِّ لِلَّحْمِ ، وَيَجُوزُ بِغَيْرِهِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَجُوزُ مُطْلَقًا ؛ لِأَنَّهُ بَاعَ مَالَ الرِّبَا بِمَا لَا رِبَا فِيهِ ، أَشْبَهَ بَيْعَ اللَّحْمِ بِالدَّرَاهِمِ ، أَوْ بِلَحْمٍ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ .\rوَلَنَا ، مَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { نَهَى عَنْ بَيْعِ اللَّحْمِ بِالْحَيَوَانِ } .\rرَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : هَذَا أَحْسَنُ أَسَانِيدِهِ .\rوَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ { نَهَى أَنْ يُبَاعَ حَيٌّ بِمَيِّتٍ } .\rذَكَرَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ .\rوَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّ جَزُورًا نُحِرَتْ ، فَجَاءَ رَجُلٌ بِعَنَاقٍ فَقَالَ : أَعْطُونِي جُزْءًا بِهَذَا الْعَنَاقِ .\rفَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : لَا يَصْلُحُ هَذَا .\rقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا أَعْلَمُ مُخَالِفًا لِأَبِي بَكْرٍ فِي ذَلِكَ .\rوَقَالَ أَبُو الزِّنَادِ : وَكُلُّ مَنْ أَدْرَكْت يَنْهَى عَنْ بَيْعِ اللَّحْمِ بِالْحَيَوَانِ .\rوَلِأَنَّ اللَّحْمَ نَوْعٌ فِيهِ الرِّبَا بِيعَ بِأَصْلِهِ الَّذِي فِيهِ مِنْهُ ، فَلَمْ يَجُزْ ، كَبَيْعِ السِّمْسِمِ بِالشَّيْرَجِ .\rوَبِهَذَا فَارَقَ مَا قَاسُوا عَلَيْهِ .\rوَأَمَّا بَيْعُ اللَّحْمِ بِحَيَوَانٍ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ ، فَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ وَالْخِرَقِيِّ ، أَنَّهُ لَا يَجُوزُ ، فَإِنَّ أَحْمَدَ سُئِلَ عَنْ بَيْعِ الشَّاةِ بِاللَّحْمِ ، فَقَالَ : لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { نَهَى أَنْ يُبَاعَ حَيٌّ بِمَيِّتٍ } .\rوَاخْتَارَ الْقَاضِي جَوَازَهُ وَلِلشَّافِعِيِّ فِيهِ قَوْلَانِ .\rوَاحْتَجَّ مَنْ مَنَعَهُ بِعُمُومِ الْأَخْبَارِ ، وَبِأَنَّ اللَّحْمَ كُلَّهُ","part":8,"page":47},{"id":3547,"text":"جِنْسٌ وَاحِدٌ .\rوَمِنْ أَجَازَهُ قَالَ : مَالُ الرِّبَا بِيعَ بِغَيْرِ أَصْلِهِ وَلَا جِنْسِهِ ، فَجَازَ ، كَمَا لَوْ بَاعَهُ بِالْأَثْمَانِ .\rوَإِنْ بَاعَهُ بِحَيَوَانٍ غَيْرِ مَأْكُولِ اللَّحْمِ ، جَازَ ، فِي ظَاهِرِ قَوْلِ أَصْحَابِنَا .\rوَهُوَ قَوْلُ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ .","part":8,"page":48},{"id":3548,"text":"( 2834 ) فَصْلٌ : وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ شَيْءٍ مِنْ مَالِ الرِّبَا بِأَصْلِهِ الَّذِي فِيهِ مِنْهُ ، كَالسِّمْسِمِ بِالشَّيْرَجِ ، وَالزَّيْتُونِ بِالزَّيْتِ ، وَسَائِرِ الْأَدْهَانِ بِأُصُولِهَا ، وَالْعَصِيرِ بِأَصْلِهِ ، كَعَصِيرِ الْعِنَبِ ، وَالرُّمَّانِ ، وَالتُّفَّاحِ ، وَالسَّفَرْجَلِ ، وَقَصَبِ السُّكَّرِ ، لَا يُبَاعُ شَيْءٌ مِنْهَا بِأَصْلِهِ .\rوَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَابْنُ الْمُنْذِرِ .\rوَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ : يَجُوزُ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ مُخْتَلِفٌ ، وَالْمَعْنَى مُخْتَلِفٌ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَجُوزُ إذَا عُلِمَ يَقِينًا أَنَّ مَا فِي الْأَصْلِ مِنْ الدُّهْنِ وَالْعَصِيرِ أَقَلُّ مِنْ الْمُنْفَرِدِ ، وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ ، لَمْ يَجُزْ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ مَالُ رِبًا بِيعَ بِأَصْلِهِ الَّذِي فِيهِ مِنْهُ ، فَلَمْ يَجُزْ ، كَبَيْعِ اللَّحْمِ بِالْحَيَوَانِ ، وَقَدْ أَثْبَتْنَا ذَلِكَ بِالنَّصِّ .\r( 2835 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا بَيْعُ شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْمُعْتَصَرَاتِ بِجِنْسِهِ ، فَيَجُوزُ مُتَمَاثِلًا .\rوَيَجُوزُ بَيْعُهُ بِغَيْرِ جِنْسِهِ مُتَفَاضِلًا ، وَكَيْفَ شَاءَ ؛ لِأَنَّهُمَا جِنْسَانِ ، وَيُعْتَبَرُ التَّسَاوِي فِيهِمَا بِالْكَيْلِ ؛ لِأَنَّهُ يُقَدَّرُ بِهِ وَيُبَاعُ بِهِ عَادَةً ، وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ، وَسَوَاءٌ كَانَا مَطْبُوخَيْنِ أَوْ نِيئَيْنِ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ : لَا يَجُوزُ بَيْعُ الْمَطْبُوخِ بِجِنْسِهِ ؛ لِأَنَّ النَّارَ تَعْقِدُ أَجْزَاءَهُمَا ، فَيَخْتَلِفُ وَيُؤَدِّي إلَى التَّفَاضُلِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُمَا مُتَسَاوِيَانِ فِي الْحَالِ ، عَلَى وَجْهٍ لَا يَنْفَرِدُ أَحَدُهُمَا بِالنَّقْصِ .\rفَأَشْبَهَ النِّيءَ بِالنِّيءِ .\rفَأَمَّا بَيْعُ النِّيءِ بِالْمَطْبُوخِ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ ، فَلَا يَجُوزُ ؛ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا يَنْفَرِدُ بِالنَّقْصِ فِي ثَانِي الْحَالِ ، فَلَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ بِهِ ، كَالرُّطَبِ بِالتَّمْرِ .\rوَإِنْ بَاعَ عَصِيرَ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ بِثُفْلِهِ .\rفَإِنْ كَانَتْ فِيهِ بَقِيَّةٌ مِنْ الْمُسْتَخْرَجِ مِنْهُ ، لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ بِهِ ، فَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الشَّيْرَجِ بِالْكُسْبِ ، وَلَا الزَّيْتِ بِثُفْلِهِ الَّذِي فِيهِ بَقِيَّةٌ مِنْ الزَّيْتِ ، إلَّا عَلَى الرِّوَايَةِ","part":8,"page":49},{"id":3549,"text":"الَّتِي يَجُوزُ فِيهَا مَسْأَلَةُ مُدِّ عَجْوَةٍ .\rفَإِنْ لَمْ يَبْقَ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ عَصِيرِهِ ، جَازَ بَيْعُهُ بِهِ مُتَفَاضِلًا ، وَمُتَمَاثِلًا ؛ لِأَنَّهُمَا جِنْسَانِ .","part":8,"page":50},{"id":3550,"text":"( 2836 ) فَصْلٌ : وَإِنْ بَاعَ شَيْئًا فِيهِ الرِّبَا ، بَعْضَهُ بِبَعْضٍ ، وَمَعَهُمَا ، أَوْ مَعَ أَحَدِهِمَا مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ ، كَمُدٍّ وَدِرْهَمٍ بِمُدٍّ وَدِرْهَمٍ ، أَوْ بِمَدَّيْنِ ، أَوْ بِدِرْهَمَيْنِ .\rأَوْ بَاعَ شَيْئًا مُحَلًّى بِجِنْسِ حِلْيَتِهِ ، فَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تُسَمَّى مَسْأَلَةَ مُدِّ عَجْوَةٍ .\rوَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ .\rنَصَّ عَلَى ذَلِكَ أَحْمَدُ ، فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ ، وَذَكَرَهُ قُدَمَاءُ الْأَصْحَابِ ، قَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى فِي السَّيْفِ الْمُحَلَّى وَالْمِنْطَقَةِ وَالْمَرَاكِبِ الْمُحَلَّاةِ بِجِنْسِ مَا عَلَيْهَا : لَا يَجُوزُ ، قَوْلًا وَاحِدًا .\rوَرُوِيَ هَذَا عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، وَالْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، وَشُرَيْحٍ ، وَابْنِ سِيرِينَ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَعَنْ أَحْمَدَ ، رِوَايَةٌ أُخْرَى ، تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ الْمُفْرَدُ أَكْثَرَ مِنْ الَّذِي مَعَهُ غَيْرُهُ ، أَوْ يَكُونَ مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ ، فَإِنَّ مُهَنَّا نَقَلَ عَنْ أَحْمَدَ فِي بَيْعِ الزُّبْدِ بِاللَّبَنِ ، يَجُوزُ ، إذَا كَانَ الزُّبْدُ الْمُنْفَرِدُ أَكْثَرَ مِنْ الزُّبْدِ الَّذِي فِي اللَّبَنِ .\rوَرَوَى حَرْبٌ ، قَالَ : قُلْت لِأَحْمَدَ : دَفَعْت دِينَارًا كُوفِيًّا وَدِرْهَمًا ، وَأَخَذْت دِينَارًا شَامِيًّا ، وَزْنُهُمَا سَوَاءٌ ، لَكِنَّ الْكُوفِيَّ أَوْضَعُ ؟ قَالَ : لَا يَجُوزُ ، إلَّا أَنْ يَنْقُصَ الدِّينَارَ ، فَيُعْطِيهِ بِحِسَابِهِ فِضَّةً .\rوَكَذَلِكَ رَوَى عَنْهُ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي حَرْبٍ الْجَرْجَرَائِيُّ .\rوَرَوَى الْمَيْمُونِيُّ أَنَّهُ سَأَلَهُ : لَا يَشْتَرِي السَّيْفَ وَالْمِنْطَقَةَ حَتَّى يَفْصِلَهَا ؟ فَقَالَ : لَا يَشْتَرِيهَا حَتَّى يَفْصِلَهَا .\rإلَّا أَنَّ هَذَا أَهْوَنُ مِنْ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَشْتَرِي أَحَدَ النَّوْعَيْنِ بِالْآخَرِ يَفْصِلُهُ وَفِيهِ غَيْرُ النَّوْعِ الَّذِي يَشْتَرِي بِهِ ، فَإِذَا كَانَ مِنْ فَضْلِ الثَّمَنِ ، إلَّا أَنَّ مَنْ ذَهَبَ إلَى ظَاهِرِ الْقِلَادَةِ لَا يَشْتَرِيهِ حَتَّى يَفْصِلَهُ .\rقِيلَ لَهُ : فَمَا تَقُولُ أَنْتَ ؟ قَالَ : هَذَا مَوْضِعُ نَظَرٍ .","part":8,"page":51},{"id":3551,"text":"وَقَالَ أَبُو دَاوُد : سَمِعْت أَحْمَدَ سُئِلَ عَنْ الدَّرَاهِمِ المسيبية ، بَعْضُهَا صُفْرٌ وَبَعْضُهَا فِضَّةٌ ، بِالدَّرَاهِمِ ؟ قَالَ : لَا أَقُولُ فِيهِ شَيْئًا ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ : رَوَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ خَمْسَةَ عَشَرَ نَفْسًا .\rكُلُّهُمْ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ حَتَّى يَفْصِلَ ، إلَّا الْمَيْمُونِيَّ .\rوَنَقَلَ مُهَنَّا كَلَامًا آخَرَ .\rوَقَالَ حَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ وَأَبُو حَنِيفَةَ : يَجُوزُ .\rهَذَا كُلُّهُ إذَا كَانَ الْمُفْرَدُ أَكْثَرَ مِنْ الَّذِي مَعَهُ غَيْرُهُ ، أَوْ كَانَ مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ .\rوَقَالَ الْحَسَنُ : لَا بَأْسَ بِبَيْعِ السَّيْفِ الْمُحَلَّى بِالْفِضَّةِ بِالدَّرَاهِمِ .\rوَبِهِ قَالَ الشَّعْبِيُّ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَاحْتَجَّ مَنْ أَجَازَ ذَلِكَ بِأَنَّ الْعَقْدَ إذَا أَمْكَنَ حَمْلُهُ عَلَى الصِّحَّةِ ، لَمْ يُحْمَلْ عَلَى الْفَسَادِ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ اشْتَرَى لَحْمًا مِنْ قَصَّابٍ ، جَازَ مَعَ احْتِمَالِ كَوْنِهِ مَيْتَةً .\rوَلَكِنْ وَجَبَ حَمْلُهُ عَلَى أَنَّهُ مُذَكًّى ، تَصْحِيحًا لِلْعَقْدِ .\rوَلَوْ اشْتَرَى مِنْ إنْسَانٍ شَيْئًا ، جَازَ ، مَعَ احْتِمَالِ كَوْنِهِ غَيْرَ مِلْكِهِ ، وَلَا إذْنَ لَهُ فِي بَيْعِهِ ، تَصْحِيحًا لِلْعَقْدِ أَيْضًا .\rوَقَدْ أَمْكَنَ التَّصْحِيحُ هَاهُنَا ، بِجَعْلِ الْجِنْسِ فِي مُقَابَلَةِ غَيْرِ الْجِنْسِ ، أَوْ جَعْلِ غَيْرِ الْجِنْسِ فِي مُقَابَلَةِ الزَّائِدِ عَلَى الْمِثْلِ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى فَضَالَةُ بْنُ عُبَيْدٍ ، قَالَ : { أُتِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقِلَادَةٍ فِيهَا ذَهَبٌ وَخَرَزٌ ، ابْتَاعَهَا رَجُلٌ بِتِسْعَةِ دَنَانِيرَ أَوْ سَبْعَةِ دَنَانِيرَ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا ، حَتَّى تُمَيِّزَ بَيْنَهُمَا } .\rقَالَ : فَرَدَّهُ حَتَّى مَيَّزَ بَيْنَهُمَا .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَفِي لَفْظٍ رَوَاهُ مُسْلِمٌ .\rقَالَ : فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالذَّهَبِ الَّذِي فِي الْقِلَادَةِ فَنُزِعَ وَحْدَهُ ثُمَّ قَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ وَزْنًا بِوَزْنٍ } .","part":8,"page":52},{"id":3552,"text":"وَلِأَنَّ الْعَقْدَ إذَا جَمَعَ عِوَضَيْنِ مُخْتَلِفَيْ الْجِنْسِ ، وَجَبَ أَنْ يَنْقَسِمَ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ ، عَلَى قَدْرِ قِيمَةِ الْآخَرِ فِي نَفْسِهِ ، فَإِذَا اخْتَلَفَتْ الْقِيمَةُ اخْتَلَفَ مَا يَأْخُذُهُ مِنْ الْعِوَضِ .\rبَيَانُهُ أَنَّهُ إذَا اشْتَرَى عَبْدَيْنِ ، قِيمَةُ أَحَدِهِمَا مِثْلُ نِصْفِ قِيمَةِ الْآخَرِ بِعَشَرَةٍ ، كَانَ ثَمَنُ أَحَدِهِمَا ثُلُثَيْ الْعَشَرَةِ ، وَالْآخَرِ ثُلُثَهَا ، فَلَوْ رَدَّ أَحَدَهُمَا بِعَيْبٍ ، رَدَّهُ بِقِسْطِهِ مِنْ الثَّمَنِ ، وَلِذَلِكَ إذَا اشْتَرَى شِقْصًا وَسَيْفًا بِثَمَنٍ أَخَذَ الشَّفِيعُ الشِّقْصَ بِقِسْطِهِ مِنْ الثَّمَنِ ، فَإِذَا فَعَلْنَا هَذَا فِي مَنْ بَاعَ دِرْهَمًا وَمُدًّا قِيمَتُهُ دِرْهَمَانِ ، بِمُدَّيْنِ قِيمَتُهُمَا ثَلَاثَةٌ ، حَصَلَ الدِّرْهَمُ فِي مُقَابِلَةِ ثُلُثَيْ مُدٍّ .\rوَالْمُدُّ الَّذِي مَعَ الدِّرْهَمِ فِي مُقَابَلَةِ مُدٍّ وَثُلُثٍ ، فَهَذَا إذَا تَفَاوَتَتْ الْقِيَمُ ، وَمَعَ التَّسَاوِي يُجْهَلُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ التَّقْوِيمَ ظَنٌّ وَتَخْمِينٌ ، وَالْجَهْلُ بِالتَّسَاوِي كَالْعِلْمِ بِعَدَمِهِ فِي بَابِ الرِّبَا ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَجُزْ بَيْعُ صُبْرَةٍ بِصُبْرَةٍ ، بِالظَّنِّ وَالْخَرْصِ .\rوَقَوْلُهُمْ : يَجِبُ تَصْحِيحُ الْعَقْدِ .\rلَيْسَ كَذَلِكَ ، بَلْ يُحْمَلُ عَلَى مَا يَقْتَضِيهِ مِنْ صِحَّةٍ وَفَسَادٍ .\rوَلِذَلِكَ لَوْ بَاعَ بِثَمَنٍ وَأَطْلَقَ ، وَفِي الْبِلَادِ نُقُودٌ بَطَلَ ، وَلَمْ يُحْمَلْ عَلَى نَقْدِ أَقْرَبِ الْبِلَادِ إلَيْهِ ، أَمَّا إذَا اشْتَرَى مِنْ إنْسَانٍ شَيْئًا فَإِنَّهُ يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ مِلْكُهُ ؛ لِأَنَّ الْيَدَ دَلِيلُ الْمِلْكِ .\rوَإِذَا بَاعَ لَحْمًا فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مُذَكًّى ؛ لِأَنَّ الْمُسْلِمَ ، فِي الظَّاهِرِ ، لَا يَبِيعُ الْمَيْتَةَ .","part":8,"page":53},{"id":3553,"text":"( 2837 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا إنْ بَاعَ نَوْعَيْنِ مُخْتَلِفَيْ الْقِيمَةٍ مِنْ جِنْسٍ ، وَبِنَوْعٍ وَاحِدٍ مِنْ ذَلِكَ الْجِنْسِ ، كَدِينَارٍ مَغْرِبِيٍّ وَدِينَارٍ سَابُورِيٍّ ، بِدِينَارَيْنِ مَغْرِبِيَّيْنِ ، أَوْ دِينَارٍ صَحِيحٍ وَدِينَارٍ قُرَاضَةٍ ، بِدِينَارَيْنِ صَحِيحَيْنِ ، أَوْ قُرَاضَتَيْنِ ، أَوْ حِنْطَةٍ حَمْرَاءَ وَسَمْرَاءَ بِبَيْضَاءَ ، أَوْ تَمْرًا بَرْنِيًّا وَمَعْقِلِيًّا بِإِبْرَاهِيمِيٍّ ، فَإِنَّهُ يَصِحُّ .\rقَالَ أَبُو بَكْرٍ : وَأَوْمَأَ إلَيْهِ أَحْمَدُ .\rوَاخْتَارَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى أَنَّ الْحُكْمَ فِيهَا كَاَلَّتِي قَبْلَهَا .\rوَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ لِأَنَّ الْعَقْدَ يَقْتَضِي انْقِسَامَ الثَّمَنِ عَلَى عِوَضِهِ عَلَى حَسَبِ اخْتِلَافِهِ فِي قِيمَتِهِ كَمَا ذَكَرْنَا .\rوَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ مَنْعُ ذَلِكَ فِي النَّقْدِ ، وَتَجْوِيزُهُ فِي الثَّمَنِ .\rنَقَلَهُ أَحْمَدُ بْنُ الْقَاسِمِ ؛ لِأَنَّ الْأَنْوَاعَ فِي غَيْرِ الْأَثْمَانِ يَكْثُرُ اخْتِلَاطُهَا ، وَيَشُقُّ تَمْيِيزُهَا ، فَعُفِيَ عَنْهَا بِخِلَافِ الْأَثْمَانِ .\rوَلَنَا قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ مِثْلًا بِمِثْلٍ ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ مِثْلًا بِمِثْلٍ } .\rالْحَدِيثَ ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى إبَاحَةِ الْبَيْعِ عِنْدَ وُجُودِ الْمُمَاثَلَةِ الْمُرَاعَاةِ ، وَهِيَ الْمُمَاثَلَةُ فِي الْمَوْزُونِ وَزْنًا وَفِي الْمَكِيلِ كَيْلًا ، وَلِأَنَّ الْجَوْدَةَ سَاقِطَةٌ فِي بَابِ الرِّبَوِيَّاتِ ، فِيمَا قُوبِلَ بِجِنْسِهِ ، فِيمَا لَوْ اتَّحَدَ النَّوْعُ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الطَّرَفَيْنِ ، فَكَذَلِكَ إذَا اخْتَلَفَا ، وَاخْتِلَافُ الْقِيمَةِ يَنْبَنِي عَلَى الْجَوْدَةِ وَالرَّدَاءَةِ ؛ لِأَنَّهُ بَاعَ ذَهَبًا بِذَهَبِ مُتَسَاوِيًا فِي الْوَزْنِ ، فَصَحَّ ، كَمَا لَوْ اتَّفَقَ النَّوْعُ ؛ وَإِنَّمَا يُقْسَمُ الْعِوَضُ عَلَى الْمُعَوَّضِ فِيمَا يَشْتَمِلُ عَلَى جِنْسَيْنِ ، أَوْ فِي غَيْرِ الرِّبَوِيَّاتِ ، بِدَلِيلِ مَا لَوْ بَاعَ نَوْعًا بِنَوْعٍ يَشْتَمِلُ عَلَى جَيِّدٍ وَرَدِيءٍ .","part":8,"page":54},{"id":3554,"text":"( 2838 ) فَصْلٌ : وَإِنْ بَاعَ مَا فِيهِ الرِّبَا بِغَيْرِ جِنْسِهِ ، وَمَعَهُ مِنْ جِنْسِ مَا بِيعَ بِهِ ، إلَّا أَنَّهُ غَيْرُ مَقْصُودٍ ، كَدَارٍ مُمَوَّهٍ سَقْفُهَا بِالذَّهَبِ ، جَازَ .\rلَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا .\rوَكَذَلِكَ لَوْ بَاعَ دَارًا بِدَارٍ مُمَوَّهٍ سَقْفُ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ ، جَازَ ؛ لِأَنَّ مَا فِيهِ الرِّبَا غَيْرُ مَقْصُودٍ بِالْبَيْعِ .\rفَوُجُودُهُ كَعَدَمِهِ .\rوَكَذَلِكَ لَوْ اشْتَرَى عَبْدًا لَهُ مَالٌ ، فَاشْتَرَطَ مَالَهُ وَهُوَ مِنْ جِنْسِ الثَّمَنِ ، جَازَ إذَا كَانَ الْمَالُ غَيْرَ مَقْصُودٍ ، وَلَوْ اشْتَرَى عَبْدًا بِعَبْدٍ ، وَاشْتَرَطَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَالَ الْعَبْدِ الَّذِي اشْتَرَاهُ ، جَازَ إذَا لَمْ يَكُنْ مَالُهُ مَقْصُودًا ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَقْصُودٍ بِالْبَيْعِ ، فَأَشْبَهَ التَّمْوِيهَ فِي السَّقْفِ ، وَلِذَلِكَ لَا تُشْتَرَطُ رُؤْيَتُهُ فِي صِحَّةِ الْبَيْعِ وَلَا لُزُومِهِ ، وَإِنْ بَاعَ شَاةً ذَاتَ لَبَنٍ بِلَبَنٍ ، أَوْ عَلَيْهَا صُوفٌ بِصُوفِ ، أَوْ بَاعَ لَبُونًا بِلَبُونٍ ، وَذَاتَ صُوفٍ بِمِثْلِهَا ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، الْجَوَازُ ، اخْتَارَهُ ابْنُ حَامِدٍ ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَسَوَاءٌ كَانَتْ الشَّاةُ حَيَّةً أَوْ مُذَكَّاةً ؛ لِأَنَّ مَا فِيهِ الرِّبَا غَيْرُ مَقْصُودٍ ، فَلَمْ يَمْنَعْ ، كَالدَّارِ الْمُمَوَّهِ سَقْفُهَا .\rالثَّانِي ، الْمَنْعُ ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ بَاعَ مَالَ الرِّبَا بِأَصْلِهِ الَّذِي فِيهِ مِنْهُ ، أَشْبَهَ الْحَيَوَانَ بِاللَّحْمِ ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا ، أَنَّ اللَّحْمَ فِي الْحَيَوَانِ مَقْصُودٌ بِخِلَافِ اللَّبَنِ ، وَلَوْ كَانَتْ الشَّاةُ مَحْلُوبَةَ اللَّبَنِ ، جَازَ بَيْعُهَا بِمِثْلِهَا وَبِاللَّبَنِ وَجْهًا وَاحِدًا ؛ لِأَنَّ اللَّبَنَ لَا أَثَرَ لَهُ ، وَلَا يُقَابِلُهُ شَيْءٌ مِنْ الثَّمَنِ ، فَأَشْبَهَ الْمِلْحَ فِي الشَّيْرَجِ وَالْخُبْزِ وَالْجُبْنِ ، وَحَبَّاتِ الشَّعِيرِ فِي الْحِنْطَةِ ، وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ أَيْضًا خِلَافًا ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ اللَّبَنُ الْمُنْفَرِدُ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ لَبَنِ الشَّاةِ ، جَازَ بِكُلِّ حَالٍ .\rوَلَوْ بَاعَ نَخْلَةً عَلَيْهَا تَمْرٌ بِتَمْرٍ ، أَوْ","part":8,"page":55},{"id":3555,"text":"بِنَخْلَةٍ عَلَيْهَا تَمْرٌ ، فَفِيهِ أَيْضًا وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، الْجَوَازُ .\rاخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ ؛ لِأَنَّ التَّمْرَ غَيْرُ مَقْصُودٍ بِالْبَيْعِ .\rوَالثَّانِي ، لَا يَجُوزُ .\rوَوَجْهُ الْوَجْهَيْنِ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي الْمَسْأَلَةِ قَبْلَهَا .\rوَاخْتَارَ الْقَاضِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ ، وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الشَّاةِ ذَاتِ اللَّبَنِ ، بِكَوْنِ الثَّمَرَةِ يَصِحُّ إفْرَادُهَا بِالْبَيْعِ وَهِيَ مَعْلُومَةٌ ، بِخِلَافِ اللَّبَنِ فِي الشَّاةِ ، وَهَذَا الْفَرْقُ غَيْرُ مُؤَثِّرٍ ، فَإِنَّ مَا يَمْنَعُ إذَا جَازَ إفْرَادُهُ يَمْنَعُ ، وَإِنْ لَمْ يَجُزْ إفْرَادُهُ ، كَالسَّيْفِ الْمُحَلَّى يُبَاعُ بِجِنْسِ حِلْيَتِهِ ، وَمَا لَا يَمْنَعُ لَا يَمْنَعُ ، وَإِنْ جَازَ إفْرَادُهُ ، كَمَالِ الْعَبْدِ .","part":8,"page":56},{"id":3556,"text":"( 2839 ) فَصْلٌ : وَإِنْ بَاعَ جِنْسًا فِيهِ الرِّبَا بِجِنْسِهِ ، وَمَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ غَيْرُ مَقْصُودٍ ، فَذَلِكَ يَنْقَسِمُ أَقْسَامًا ؛ أَحَدُهَا ، أَنْ يَكُونَ غَيْرُ الْمَقْصُودِ يَسِيرًا ، لَا يُؤَثِّرُ فِي كَيْلٍ وَلَا وَزْنٍ ، كَالْمِلْحِ فِيمَا يُعْمَلُ فِيهِ ، وَحَبَّاتِ الشَّعِيرِ فِي الْحِنْطَةِ ، فَلَا يَمْنَعُ ؛ لِأَنَّهُ يَسِيرٌ لَا يُخِلُّ بِالتَّمَاثُلِ ، وَكَذَلِكَ لَوْ وُجِدَ فِي أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ ، لَمْ يَمْنَعْ لِذَلِكَ ، وَلَوْ بَاعَ ذَلِكَ بِجِنْسِ غَيْرِ الْمَقْصُودِ الَّذِي مَعَهُ ، مِثْلُ أَنْ يَبِيعَ الْخُبْزَ بِالْمِلْحِ ، جَازَ ؛ لِأَنَّ وُجُودَ ذَلِكَ كَعَدَمِهِ .\rالثَّانِي ، أَنْ يَكُونَ غَيْرُ الْمَقْصُودِ كَثِيرًا ، إلَّا أَنَّهُ لِمَصْلَحَةِ الْمَقْصُودِ ، كَالْمَاءِ فِي خَلِّ التَّمْرِ ، وَالزَّبِيبِ ، وَدِبْسِ التَّمْرِ ، فَهَذَا يَجُوزُ بَيْعُ الشَّيْءِ مِنْهُ بِمِثْلِهِ ، وَيَنْزِلُ خَلْطُهُ مَنْزِلَةَ رُطُوبَتِهِ ؛ لِكَوْنِهِ مِنْ مَصْلَحَتِهِ ، فَلَا يَمْنَعُ مِنْ بَيْعِهِ بِمَا يُمَاثِلُهُ ، كَالرُّطَبِ بِالرُّطَبِ ، وَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ بِمَا لَيْسَ فِيهِ خَلْطٌ ، كَبَيْعِ خَلِّ الْعِنَبِ بِخَلِّ الزَّبِيبِ ؛ لِإِفْضَائِهِ إلَى التَّفَاضُلِ ، فَجَرَى مَجْرَى بَيْعِ التَّمْرِ بِالرُّطَبِ ، وَمَنَعَ الشَّافِعِيُّ ذَلِكَ كُلَّهُ إلَّا بَيْعَ الشَّيْرَجِ بِالشَّيْرَجِ ؛ لِكَوْنِ الْمَاءِ لَا يَظْهَرُ فِي الشَّيْرَجِ .\rالثَّالِثُ ، أَنْ يَكُونَ غَيْرُ الْمَقْصُودِ كَثِيرًا ، وَلَيْسَ مِنْ مَصْلَحَتِهِ ، كَاللَّبَنِ الْمَشُوبِ بِالْمَاءِ ، وَالْأَثْمَانِ الْمَغْشُوشَةِ بِغَيْرِهَا ، فَلَا يَجُوزُ بَيْعُ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ ؛ لِأَنَّ خَلْطَهُ لَيْسَ مِنْ مَصْلَحَتِهِ ، وَهُوَ يُخِلُّ بِالتَّمَاثُلِ الْمَقْصُودِ فِيهِ ، وَإِنْ بَاعِهِ بِجِنْسِ غَيْرِ الْمَقْصُودِ ، كَبَيْعِ الدِّينَارِ الْمَغْشُوشِ بِالْفِضَّةِ بِالدَّرَاهِمِ ، احْتَمَلَ الْجَوَازَ ؛ لِأَنَّهُ يَبِيعُهُ بِجِنْسٍ غَيْرِ مَقْصُودٍ فِيهِ ، فَأَشْبَهَ بَيْعَ اللَّبَنِ بِشَاةٍ فِيهَا لَبَنٌ ، وَيَحْتَمِلُ الْمَنْعَ بِنَاءً عَلَى الْوَجْهِ الْآخَرِ فِي الْأَصْلِ .\rوَإِنْ بَاعَ دِينَارًا مَغْشُوشًا بِمِثْلِهِ وَالْغِشُّ فِيهِمَا مُتَفَاوِتٌ","part":8,"page":57},{"id":3557,"text":"، أَوْ غَيْرُ مَعْلُومِ الْمِقْدَارِ ، لَمْ يَجُزْ ؛ لِأَنَّهُ يُخِلُّ بِالتَّمَاثُلِ الْمَقْصُودِ .\rوَإِنْ عُلِمَ التَّسَاوِي فِي الذَّهَبِ وَالْغِشِّ الَّذِي فِيهِمَا ، خُرِّجَ عَلَى الْوَجْهَيْنِ ، أَوْلَاهُمَا الْجَوَازُ ؛ لِأَنَّهُمَا تَمَاثَلَا فِي الْمَقْصُودِ وَفِي غَيْرِهِ ، وَلَا يُفْضِي إلَى التَّفَاضُلِ بِالتَّوْزِيعِ بِالْقِيمَةِ ؛ لِكَوْنِ الْغِشِّ غَيْرَ مَقْصُودٍ ، فَكَأَنَّهُ لَا قِيمَةَ لَهُ .","part":8,"page":58},{"id":3558,"text":"( 2840 ) فَصْلٌ : وَلَوْ دَفَعَ إلَيْهِ دِرْهَمًا ، فَقَالَ : أَعْطِنِي بِنِصْفِ هَذَا الدِّرْهَمِ نِصْفَ دِرْهَمٍ ، وَبِنِصْفِهِ فُلُوسًا ، أَوْ حَاجَةً أُخْرَى .\rجَازَ ؛ لِأَنَّهُ اشْتَرَى نِصْفًا بِنِصْفِ ، وَهُمَا مُتَسَاوِيَانِ ، فَصَحَّ ، كَمَا لَوْ دَفَعَ إلَيْهِ دِرْهَمَيْنِ ، وَقَالَ : بِعْنِي بِهَذَا الدِّرْهَمِ فُلُوسًا ، وَأَعْطِنِي بِالْآخَرِ نِصْفَيْنِ .\rوَإِنْ قَالَ : أَعْطِنِي بِهَذَا الدِّرْهَمِ نِصْفًا وَفُلُوسًا .\rجَازَ أَيْضًا ؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُ ذَلِكَ ، وَلِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُفْضِي إلَى التَّفَاضُلِ بِالتَّوْزِيعِ بِالْقِيمَةِ ؛ فَإِنَّ قِيمَةَ النِّصْفِ الَّذِي فِي الدِّرْهَمِ ، كَقِيمَةِ النِّصْفِ الَّذِي مَعَ الْفُلُوسِ يَقِينًا ، وَقِيمَةُ الْفُلُوسِ ، كَقِيمَةِ النِّصْفِ الْآخَرِ ، سَوَاءً .","part":8,"page":59},{"id":3559,"text":"( 2841 ) فَصْلٌ وَمَا كَانَ مُشْتَمِلًا عَلَى جِنْسَيْنِ بِأَصْلِ الْخِلْقَةِ ، كَالتَّمْرِ الَّذِي اشْتَمَلَ عَلَى النَّوَى وَمَا عَلَيْهِ ، وَالْحَيَوَانِ الْمُشْتَمِلِ عَلَى لَحْمٍ وَشَحْمٍ وَغَيْرِهِ ، وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ ، فَهَذَا إذَا قُوبِلَ بِمِثْلِهِ ، جَازَ بَيْعُهُ بِهِ ، وَلَا نَظَرَ إلَى مَا فِيهِ ، فَإِنَّ { النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجَازَ بَيْعَ التَّمْرِ بِالتَّمْرِ ، وَالْحَيَوَانِ بِالْحَيَوَانِ } .\rوَقَدْ عَلِمَ اشْتِمَالَهُمَا عَلَى مَا فِيهِمَا ، وَلَوْ بَاعَ ذَلِكَ بِنَوْعٍ غَيْرِ مَقْصُودٍ فِيهِ ، كَبَيْعِ التَّمْرِ الَّذِي فِيهِ النَّوَى بِالنَّوَى ، فَفِيهِ عَنْ أَحْمَدَ رِوَايَتَانِ ، قَدْ ذَكَرْنَاهُمَا فِيمَا مَضَى ، فَأَمَّا الْعَسَلُ قَبْلَ تَصْفِيَتِهِ ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا : لَا يَجُوزُ بَيْعُ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ ؛ لِاشْتِمَالِهِ عَلَى عَسَلٍ وَشَمْعٍ ، وَذَلِكَ بِفِعْلِ النَّحْلِ فَأَشْبَهَ السَّيْفَ الْمُحَلَّى .","part":8,"page":60},{"id":3560,"text":"( 2842 ) فَصْلٌ : وَيَحْرُمُ الرِّبَا فِي دَارِ الْحَرْبِ ، كَتَحْرِيمِهِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ .\rوَبِهِ قَالَ مَالِكٌ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَأَبُو يُوسُفَ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَجْرِي الرِّبَا بَيْنَ مُسْلِمٍ وَحَرْبِيٍّ فِي دَارِ الْحَرْبِ .\rوَعَنْهُ فِي مُسْلِمَيْنِ أَسْلَمَا فِي دَارِ الْحَرْبِ ، لَا رِبَا بَيْنَهُمَا .\rلِمَا رَوَى مَكْحُولٌ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { لَا رِبَا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَأَهْلِ الْحَرْبِ فِي دَارِ الْحَرْبِ } .\rوَلِأَنَّ أَمْوَالَهُمْ مُبَاحَةُ ، وَإِنَّمَا حَظَرَهَا الْأَمَانُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ ، فَمَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ كَانَ مُبَاحًا .\rوَلَنَا ، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { وَحَرَّمَ الرِّبَا } .\rوَقَوْلُهُ : { الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ الْمَسِّ } .\rوَقَالَ تَعَالَى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنْ الرِّبَا } .\rوَعُمُومُ الْأَخْبَارِ يَقْتَضِي تَحْرِيمَ التَّفَاضُلِ .\rوَقَوْلُهُ { : مَنْ زَادَ أَوْ ازْدَادَ فَقَدْ أَرْبَى } .\rعَامٌّ ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْأَحَادِيثِ .\rوَلِأَنَّ مَا كَانَ مُحَرَّمًا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ كَانَ مُحَرَّمًا فِي دَارِ الْحَرْبِ ، كَالرِّبَا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ ، وَخَبَرُهُمْ مُرْسَلٌ لَا نَعْرِفُ صِحَّتَهُ ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ النَّهْيَ عَنْ ذَلِكَ ، وَلَا يَجُوزُ تَرْكُ مَا وَرَدَ بِتَحْرِيمِهِ الْقُرْآنُ ، وَتَظَاهَرَتْ بِهِ السُّنَّةُ ، وَانْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى تَحْرِيمِهِ ، بِخَبَرِ مَجْهُولٍ ، لَمْ يَرِدْ فِي صَحِيحٍ ، وَلَا مُسْنَدٍ ، وَلَا كِتَابٍ مَوْثُوقٍ بِهِ ، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ مُرْسَلٌ مُحْتَمِلٌ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ : { لَا رِبَا } .\rالنَّهْيُ عَنْ الرِّبَا ، كَقَوْلِهِ : { فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ } ، وَمَا ذَكَرُوهُ مِنْ الْإِبَاحَةِ مُنْتَقِضٌ بِالْحَرْبِيِّ إذَا دَخَلَ دَارَ الْإِسْلَامِ ، فَإِنْ مَالَهُ مُبَاحٌ ، إلَّا فِيمَا حَظَرَهُ الْأَمَانُ ، وَيُمْكِنُ حَمْلُهُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى","part":8,"page":61},{"id":3561,"text":"هَيْئَةِ التَّفَاضُلِ ، وَهُوَ مُحَرَّمٌ بِالْإِجْمَاعِ ، فَكَذَا هَاهُنَا .","part":8,"page":62},{"id":3562,"text":"مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِذَا اشْتَرَى ذَهَبًا بِوَرِقٍ عَيْنًا بِعَيْنٍ ، فَوَجَدَ أَحَدُهُمَا فِيمَا اشْتَرَاهُ ، عَيْبًا ، فَلَهُ الْخِيَارُ بَيْنَ أَنْ يَرُدَّ أَوْ يَقْبَلَ ، إذَا كَانَ بِصَرْفِ يَوْمِهِ ، وَكَانَ الْعَيْبُ يَدْخُلُ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ ) مَعْنَى قَوْلِهِ : \" عَيْنًا بِعَيْنٍ \" هُوَ أَنْ يَقُولَ بِعْتُك هَذَا الدِّينَارَ بِهَذِهِ الدَّرَاهِمِ .\rوَيُشِيرُ إلَيْهِمَا ، وَهُمَا حَاضِرَانِ ، وَبِغَيْرِ عَيْنِهِ ، أَنْ يُوقِعَ الْعَقْدَ عَلَى مَوْصُوفٍ غَيْرِ مُشَارٍ إلَيْهِ ، فَيَقُولَ : بِعْتُك دِينَارًا مِصْرِيًّا بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ نَاصِرِيَّةٍ .\rوَإِنْ وَقَعَ الْقَبْضُ فِي الْمَجْلِسِ ، وَقَدْ يَكُونُ أَحَدُ الْعِوَضَيْنِ مُعَيَّنًا دُونَ الْآخَرِ ، وَكُلُّ ذَلِكَ جَائِزٌ .\rوَالْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ ، أَنَّ النُّقُودَ تَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ فِي الْعُقُودِ ، فَيَثْبُتُ الْمِلْكُ فِي أَعْيَانِهَا ، فَعَلَى هَذَا إذَا تَبَايَعَا ذَهَبًا بِفِضَّةٍ مَعَ التَّعْيِينِ فِيهِمَا ، ثُمَّ تَقَابَضَا ، فَوَجَدَ أَحَدُهُمَا بِمَا قَبَضَهُ عَيْبًا ، لَمْ يَخْلُ مِنْ قِسْمَيْنِ : أَحَدُهُمَا ، أَنْ يَكُونَ الْعَيْبُ غِشًّا مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الْمَبِيعِ ، مِثْلَ أَنْ يَجِدَ الدَّرَاهِمَ رَصَاصًا ، أَوْ نُحَاسًا ، أَوْ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ ، أَوْ الدِّينَارَ مَسْحًا ، فَالصَّرْفُ بَاطِلٌ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ فِيهَا ثَلَاثَ رِوَايَاتِ ؛ إحْدَاهُنَّ ، الْبَيْعُ بَاطِلٌ .\rوَالثَّانِيَةُ ، الْبَيْعُ صَحِيحٌ ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ وَقَعَ عَلَى عَيْنِهِ ، وَلِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ بَيْنَ الْإِمْسَاكِ ، أَوْ الرَّدِّ ، وَأَخْذِ الْبَدَلِ .\rوَالثَّالِثَةُ ، يَلْزَمُهُ الْعَقْدُ ، وَلَيْسَ لَهُ رَدُّهُ ، وَلَا بَدَلُهُ .\rوَلَنَا أَنَّهُ بَاعَهُ غَيْرَ مَا سَمَّى لَهُ ، فَلَمْ يَصِحَّ ، كَمَا لَوْ قَالَ : بِعْتُك هَذِهِ الْبَغْلَةَ .\rفَإِذَا هُوَ حِمَارٌ ، أَوْ هَذَا الثَّوْبَ الْقَزَّ فَوَجَدَهُ كَتَّانًا .\rوَأَمَّا الْقَوْلُ بِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ الْمَبِيعُ ، فَغَيْرُ صَحِيحٍ .\rفَإِنْ اشْتَرَى مَعِيبًا لَمْ يَعْلَمْ عَيْبَهُ ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ ذَلِكَ بِغَيْرِ أَرْشٍ ، كَسَائِرِ","part":8,"page":63},{"id":3563,"text":"الْمَبِيعَاتِ .\rثُمَّ إنَّ أَبَا بَكْرٍ يَقُولُ فِيمَنْ دَلَّسَ الْعَيْبَ : لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ مَعَ وُجُودِ ذَاتِ الْمُسَمَّى فِي الْبَيْعِ .\rفَهَاهُنَا مَعَ اخْتِلَافِ الذَّاتِ أَوْلَى .\rالْقِسْمُ الثَّانِي ، أَنْ يَكُونَ الْعَيْبُ مِنْ جِنْسِهِ ، مِثْلُ كَوْنِ الْفِضَّةِ سَوْدَاءَ ، أَوْ خَشِنَةً تَتَفَطَّرُ عِنْدَ الضَّرْبِ ، أَوْ سَكَّتَهَا مُخَالِفَةً لِسِكَّةِ السُّلْطَانِ ، فَالْعَقْدُ صَحِيحٌ ، وَالْمُشْتَرِي مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْإِمْسَاكِ وَبَيْنَ فَسْخِ الْعَقْدِ وَالرَّدِّ ؛ وَلَيْسَ لَهُ الْبَدَلُ ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ وَاقِعٌ عَلَى عَيْنِهِ ، فَإِذَا أَخَذَ غَيْرَهُ ، أَخَذَ مَا لَمْ يَشْتَرِهِ ، وَإِنْ قُلْنَا : إنَّ النَّقْدَ لَا يَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ فِي الْعَقْدِ .\rفَلَهُ أَخْذُ الْبَدَلِ ، وَلَا يَبْطُلُ الْعَقْدُ ؛ لِأَنَّ الَّذِي قَبَضَهُ لَيْسَ هُوَ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ ، فَأَشْبَهَ السَّلَمَ إذَا قَبَضَهُ ، فَوَجَدَ بِهِ عَيْبًا .\rوَإِنْ كَانَ الْعَيْبُ فِي بَعْضِهِ .\rفَلَهُ رَدُّ الْكُلِّ أَوْ إمْسَاكُهُ .\rوَهَلْ لَهُ رَدُّ الْمَعِيبِ ، وَإِمْسَاكُ الصَّحِيحِ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ ، بِنَاءً عَلَى تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ ، وَالْحُكْمُ فِيمَا إذَا كَانَ الْعِوَضَانِ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ ، كَالْحُكْمِ فِي الْجِنْسَيْنِ ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا .\rلَكِنَّ يَتَخَرَّجُ عَلَى قَوْلِ مِنْ مَنَعَ بَيْعَ النَّوْعَيْنِ بِنَوْعٍ وَاحِدٍ مِنْ ذَلِكَ الْجِنْسِ ، أَنَّهُ إذَا وَجَدَ بَعْضَ الْعِوَضِ مَعِيبًا ، أَنْ يَبْطُلَ الْعَقْدُ فِي الْجَمِيعِ ؛ لِأَنَّ الَّذِي يُقَابِلُ الْمَعِيبَ أَقَلُّ مِنْ الَّذِي يُقَابِلُ الصَّحِيحَ ، فَيَصِيرُ كَمَسْأَلَةِ مُدِّ عَجْوَةٍ .\rوَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ مِثْلُ مَا ذَكَرْنَا فِي هَذَا الْفَصْلِ ، سَوَاءٌ .\r( 2844 )","part":8,"page":64},{"id":3564,"text":"فَصْلٌ : وَلَوْ أَرَادَ أَخْذَ أَرْشِ الْعَيْبِ ، وَالْعِوَضَانِ فِي الصَّرْفِ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ ، لَمْ يَجُزْ ؛ لِحُصُولِ الزِّيَادَةِ فِي أَحَدِ الْعِوَضَيْنِ ، وَفَوَاتِ الْمُمَاثَلَةِ الْمُشْتَرَطَةِ فِي الْجِنْسِ الْوَاحِدِ ، وَخَرَّجَ الْقَاضِي وَجْهًا بِجَوَازِ أَخْذِ الْأَرْشِ فِي الْمَجْلِسِ ؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ طَرَأَتْ بَعْدَ الْعَقْدِ ، وَلَيْسَ لِهَذَا الْوَجْهِ وَجْهٌ .\rفَإِنَّ أَرْشَ الْعَيْبِ مِنْ الْعِوَضِ ، يُجْبَرُ بِهِ فِي الْمُرَابَحَةِ ، وَيَأْخُذُ بِهِ الشَّفِيعُ ، وَيَرُدُّ بِهِ ، إذَا رَدَّ الْمَبِيعَ بِفَسْخٍ ، أَوْ إقَالَةٍ ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مِنْ الْعِوَضِ ، فَبِأَيِّ شَيْءٍ اسْتَحَقَّهُ الْمُشْتَرِي ؟ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِهِبَةٍ ، عَلَى أَنَّ الزِّيَادَةَ فِي الْمَجْلِسِ مِنْ الْعِوَضِ ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ أَرْشًا ، فَالْأَرْشُ أَوْلَى .\rوَإِنْ كَانَ الصَّرْفُ بِغَيْرِ جِنْسِهِ ، فَلَهُ أَخْذُ الْأَرْشِ فِي الْمَجْلِسِ ؛ لِأَنَّ الْمُمَاثَلَةَ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ ، وَتَخَلُّفُ قَبْضِ بَعْضِ الْعِوَضِ عَنْ بَعْضٍ مَا دَامَا فِي الْمَجْلِسِ لَا يَضُرُّ فَجَازَ ، كَمَا فِي سَائِرِ الْبَيْعِ ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ التَّفَرُّقِ ، لَمْ يَجُزْ ؛ لِأَنَّهُ يُفْضِي إلَى حُصُولِ التَّفَرُّقِ قَبْلَ الْقَبْضِ لِأَحَدِ الْعِوَضَيْنِ ، إلَّا أَنْ يَجْعَلَا الْأَرْشَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الثَّمَنِ ، كَأَنَّهُ أَخَذَ أَرْشَ عَيْبِ الْفِضَّةِ قَفِيزَ حِنْطَةٍ فَيَجُوزُ ، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي سَائِرِ أَمْوَالِ الرِّبَا فِيمَا بِيعَ بِجِنْسِهِ ، أَوْ بِغَيْرِ جِنْسِهِ ، مِمَّا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْقَبْضُ ، فَإِذَا كَانَ الْأَرْشُ مِمَّا لَا يُشْتَرَطُ قَبْضُهُ ، كَمَنْ بَاعَ قَفِيزَ حِنْطَةٍ بِقَفِيزَيْ شَعِيرٍ ، فَوَجَدَ أَحَدُهُمَا عَيْبًا فَأَخَذَ أَرْشَهُ دِرْهَمًا جَازَ ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ التَّفَرُّقِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ التَّفَرُّقُ قَبْلَ قَبْضِ مَا شُرِطَ فِيهِ الْقَبْضُ .","part":8,"page":65},{"id":3565,"text":"( 2845 ) فَصْلٌ : قَوْلُ الْخِرَقِيِّ : \" إذَا كَانَ بِصَرْفِ يَوْمِهِ \" .\rيَعْنِي الرَّدُّ جَائِزٌ ، مَا لَمْ يَنْقُصْ قِيمَةُ مَا أَخَذَهُ مِنْ النَّقْدِ عَنْ قِيمَتِهِ يَوْمَ اصْطَرَفَا ، فَإِنْ نَقَصَتْ قِيمَتُهُ ، كَأَنْ أَخَذَ عَشَرَةً بِدِينَارٍ ، فَصَارَتْ أَحَدَ عَشَرَ بِدِينَارٍ ، فَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ وَالْخِرَقِيِّ ، أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ الرَّدَّ ؛ لِأَنَّ الْمَبِيعَ تَعَيَّبَ فِي يَدِهِ ؛ لِنَقْصِ قِيمَتِهِ ، وَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ قَدْ زَادَتْ ، مِثْلُ أَنْ صَارَتْ تِسْعَةً بِدِينَارِ ، لَمْ يَمْنَعْ الرَّدَّ ؛ لِأَنَّهُ زِيَادَةٌ ، وَلَيْسَ بِعَيْبٍ .\rوَالصَّحِيحُ أَنَّ هَذَا لَا يَمْنَعُ الرَّدَّ ؛ لِأَنَّ تَغَيُّرَ السِّعْرِ لَيْسَ بِعَيْبٍ ، وَلِهَذَا لَا يَضْمَنُ فِي الْغَصْبِ ، وَلَا يَمْنَعُ مِنْ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ فِي الْقَرْضِ .\rوَلَوْ كَانَ عَيْبًا ، فَإِنَّ ظَاهِرَ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ إذَا تَعَيَّبَ الْمَبِيعُ عِنْدَ الْمُشْتَرِي ، ثُمَّ ظَهَرَ عَلَى عَيْبٍ قَدِيمٍ ، فَلَهُ رَدُّهُ ، وَرَدُّ أَرْشِ الْعَيْبِ الْحَادِثِ عِنْدَهُ ، وَأَخْذُ الثَّمَنِ .","part":8,"page":66},{"id":3566,"text":"( 2846 ) فَصْلٌ : وَإِنْ تَلِفَ الْعِوَضُ فِي الصَّرْفِ بَعْدَ الْقَبْضِ ، ثُمَّ عَلِمَ عَيْبَهُ ، فَسَخَ الْعَقْدَ ، وَرَدَّ الْمَوْجُودَ ، وَتَبْقَى قِيمَةُ الْعَيْبِ فِي ذِمَّةِ مَنْ تَلِفَ فِي يَدِهِ ، فَيَرُدُّ مِثْلَهَا ، أَوْ عِوَضَهَا إنْ اتَّفَقَا عَلَى ذَلِكَ ، سَوَاءٌ كَانَ الصَّرْفُ بِجِنْسِهِ أَوْ بِغَيْرِ جِنْسِهِ .\rذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ .\rقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ : وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ جَوَازُ أَخْذِ الْأَرْشِ ، وَالْأُوَلُ أَوْلَى ، إلَّا أَنْ يَكُونَا فِي الْمَجْلِسِ ، وَالْعِوَضَانِ مِنْ جِنْسَيْنِ .","part":8,"page":67},{"id":3567,"text":"( 2847 ) فَصْلٌ : إذَا عَلِمَ الْمُصْطَرِفَانِ قَدْرَ الْعِوَضَيْنِ ، جَازَ أَنْ يَتَبَايَعَا بِغَيْرِ وَزْنٍ .\rوَكَذَلِكَ لَوْ أَخْبَرَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ بِوَزْنِ مَا مَعَهُ ، فَصَدَّقَهُ ، فَإِذَا بَاعَ دِينَارًا بِدِينَارٍ كَذَلِكَ ، وَافْتَرَقَا ، فَوَجَدَ أَحَدُهُمَا مَا قَبَضَهُ نَاقِصًا ، بَطَلَ الصَّرْفُ ؛ لِأَنَّهُمَا تَبَايَعَا ذَهَبًا بِذَهَبٍ مُتَفَاضِلًا ، فَإِنْ وَجَدَ أَحَدُهُمَا فِيمَا قَبَضَهُ زِيَادَةً عَلَى الدِّينَارِ نَظَرْت فِي الْعَقْدِ ، فَإِنْ كَانَ قَالَ : بِعْتُك هَذَا الدِّينَارَ بِهَذَا .\rفَالْعَقْدُ بَاطِلٌ ؛ لِأَنَّهُ بَاعَ ذَهَبًا بِذَهَبٍ مُتَفَاضِلًا ، وَإِنْ قَالَ : بِعْتُك دِينَارًا بِدِينَارٍ .\rثُمَّ تَقَابَضَا ، كَانَ الزَّائِدُ فِي يَدِ الْقَابِضِ مُشَاعًا مَضْمُونًا لِمَالِكِهِ ؛ لِأَنَّهُ قَبَضَهُ عَلَى أَنَّهُ عِوَضٌ ، وَلَمْ يَفْسُدْ الْعَقْدُ ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا بَاعَ دِينَارًا بِمِثْلِهِ ، وَإِنَّمَا وَقَعَ الْقَبْضُ لِلزِّيَادَةِ عَلَى الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ ، فَإِنْ أَرَادَ دَفْعَ عِوَضِ الزَّائِدِ ، جَازَ سَوَاءٌ كَانَ مِنْ جِنْسِهِ ، أَوْ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ ؛ لِأَنَّهُ مُعَاوَضَةٌ مُبْتَدَأَةٌ ، وَإِنْ أَرَادَ أَحَدُهُمَا الْفَسْخَ ، فَلَهُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ آخِذَ الزَّائِدِ وَجَدَ الْمَبِيعَ مُخْتَلِطًا بِغَيْرِهِ مَعِيبًا بِعَيْبِ الشَّرِكَةِ ، وَدَافِعُهُ لَا يَلْزَمُهُ أَخْذُ عِوَضِهِ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي الْمَجْلِسِ ، فَيُرَدَّ الزَّائِدَ ، وَيَدْفَعَ بَدَلَهُ .\rوَلَوْ كَانَ لِرَجُلٍ عَلَى رَجُلٍ عَشَرَةُ دَنَانِيرَ ، فَوَفَّاهُ عَشَرَةً عَدَدًا ، فَوَجَدَهَا أَحَدَ عَشَرَ ، كَانَ هَذَا الدِّينَارُ الزَّائِدُ فِي يَدِ الْقَابِضِ مُشَاعًا مَضْمُونًا لِمَالِكِهِ ؛ لِأَنَّهُ قَبَضَهُ عَلَى أَنَّهُ عِوَضٌ عَنْ مَالِهِ ، فَكَانَ مَضْمُونًا بِهَذَا الْقَبْضِ ، وَلِمَالِكِهِ التَّصَرُّفُ فِيهِ كَيْفَ شَاءَ .","part":8,"page":68},{"id":3568,"text":"( 2848 ) فَصْلٌ : وَالدَّرَاهِمُ وَالدَّنَانِيرُ تَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ فِي النَّقْدِ ، بِمَعْنَى أَنَّهُ يَثْبُتُ الْمِلْكُ بِالْعَقْدِ فِيمَا عَيَّنَاهُ ، وَيَتَعَيَّنُ عِوَضًا فِيهِ ، فَلَا يَجُوزُ إبْدَالُهُ ، وَإِنْ خَرَجَ مَغْصُوبًا بَطَلَ الْعَقْدُ .\rوَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّهَا لَا تَتَعَيَّنُ بِالْعَقْدِ ، فَيَجُوزُ إبْدَالُهَا ، وَلَا يَبْطُلُ الْعَقْدُ بِخُرُوجِهَا مَغْصُوبَةً .\rوَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ إطْلَاقُهَا فِي الْعَقْدِ ، فَلَا تَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ فِيهِ ، كَالْمِكْيَالِ وَالصَّنْجَةِ وَلَنَا ، أَنَّهُ عِوَضٌ فِي عَقْدٍ ، فَيَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ كَسَائِرِ الْأَعْوَاضِ ، وَلِأَنَّهُ أَحَدُ الْعِوَضَيْنِ فَيَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ كَالْآخَرِ ، وَيُفَارِقُ مَا ذَكَرُوهُ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِعِوَضٍ ، وَإِنَّمَا يُرَادُ لِتَقْدِيرِ الْعُقُودِ عَلَيْهِ ، وَتَعْرِيفِ قَدْرِهِ ، وَلَا يَثْبُتُ فِيهَا الْمِلْكُ بِحَالٍ ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا .","part":8,"page":69},{"id":3569,"text":"( 2849 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِذَا تَبَايَعَا ذَلِكَ بِغَيْرِ عَيْنِهِ ، فَوَجَدَ أَحَدُهُمَا فِيمَا اشْتَرَاهُ عَيْبًا ، فَلَهُ الْبَدَلُ ، إذَا كَانَ الْعَيْبُ لَيْسَ بِدَخِيلٍ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ ، كَالْوُضُوحِ فِي الذَّهَبِ وَالسَّوَادِ فِي الْفِضَّةِ ) يَعْنِي اصْطَرَفَا فِي الذِّمَّةِ ، نَحْوُ أَنْ يَقُولَ : بِعْتُك دِينَارًا مِصْرِيًّا بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ .\rفَيَقُولُ الْآخَرُ : قَبِلْت .\rفَيَصِحُّ الْبَيْعُ ، سَوَاءٌ كَانَتْ الدَّرَاهِمُ وَالدَّنَانِيرُ عِنْدَهُمَا ، أَوْ لَمْ يَكُونَا ، إذَا تَقَابَضَا قَبْلَ الِافْتِرَاقِ ، بِأَنْ يَسْتَقْرِضَا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ .\rوَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ ، لَا يَجُوزُ الصَّرْفُ ، إلَّا أَنْ تَكُونَ الْعَيْنَانِ حَاضِرَتَيْنِ .\rوَعَنْهُ ، لَا يَجُوزُ حَتَّى تَظْهَرَ إحْدَى الْعَيْنَيْنِ وَتُعَيَّنَ .\rوَعَنْ زُفَرَ مِثْلُهُ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { لَا تَبِيعُوا غَائِبًا مِنْهَا بِنَاجِزٍ } .\rوَلِأَنَّهُ إذَا لَمْ يُعَيَّنْ أَحَدُ الْعِوَضَيْنِ ، كَانَ بَيْعَ دَيْنٍ بِدِينٍ ، وَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ وَلَنَا ، أَنَّهُمَا تَقَابَضَا فِي الْمَجْلِسِ ، فَصَحَّ كَمَا لَوْ كَانَا حَاضِرَيْنِ .\rوَالْحَدِيثُ يُرَادُ بِهِ أَنْ لَا يُبَاعَ عَاجِلٌ بِآجِلٍ ، أَوْ مَقْبُوضٌ بِغَيْرِ مَقْبُوضٍ ؛ بِدَلِيلِ مَا لَوْ عَيَّنَ أَحَدَهُمَا فَإِنَّهُ يَصِحُّ ، وَإِنْ كَانَ الْآخَرُ غَائِبًا ، وَالْقَبْضُ فِي الْمَجْلِسِ يَجْرِي مَجْرَى الْقَبْضِ حَالَةَ الْعَقْدِ ، أَلَا تَرَى إلَى قَوْلِهِ : { عَيْنًا بِعَيْنٍ } .\r{ يَدًا بِيَدٍ } .\rوَالْقَبْضُ يَجْرِي فِي الْمَجْلِسِ ، كَذَا التَّعَيُّنُ .\rفَإِذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَلَا بُدَّ مِنْ تَعْيِينِهِمَا بِالتَّقَابُضِ فِي الْمَجْلِسِ ، وَمَتَى تَقَابَضَا ، فَوَجَدَ أَحَدُهُمَا بِمَا قَبَضَهُ عَيْبًا قَبْلَ التَّفَرُّقِ ، فَلَهُ الْمُطَالَبَةُ بِالْبَدَلِ ، سَوَاءٌ كَانَ الْعَيْبُ مِنْ جِنْسِهِ ، أَوْ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ وَقَعَ عَلَى مُطْلَقٍ ، لَا عَيْبَ فِيهِ ، فَلَهُ الْمُطَالَبَةُ بِمَا وَقَعَ عَلَيْهِ الْعَقْدُ ، كَالْمُسْلَمِ فِيهِ .\rوَإِنْ رَضِيَهُ بِعَيْبِهِ ، وَالْعَيْبُ","part":8,"page":70},{"id":3570,"text":"مِنْ جِنْسِهِ جَازَ ، كَمَا لَوْ رَضِيَ بِالْمُسْلَمِ فِيهِ مَعِيبًا ، وَإِنْ اخْتَارَ أَخْذَ الْأَرْشِ ، فَإِنْ كَانَ الْعِوَضَانِ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ ، لَمْ يَجُزْ ؛ لِإِفْضَائِهِ إلَى التَّفَاضُلِ فِيمَا يُشْتَرَطُ فِيهِ التَّمَاثُلُ ، وَإِنْ كَانَا مِنْ جِنْسَيْنِ جَازَ .\rفَأَمَّا إنْ تَقَابَضَا وَافْتَرَقَا ، ثُمَّ وَجَدَ الْعَيْبَ مِنْ جِنْسِهِ ، فَلَهُ إبْدَالُهُ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ .\rاخْتَارَهَا الْخَلَّالُ ، وَالْخِرَقِيُّ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ الْحَسَنِ ، وَقَتَادَةَ .\rوَبِهِ قَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ ، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ مَا جَازَ إبْدَالُهُ قَبْلَ التَّفَرُّقِ ، جَازَ بَعْدَهُ ، كَالْمُسْلَمِ فِيهِ .\rوَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ ، لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ ، وَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَالْقَوْلُ الثَّانِي لِلشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ يَقْبِضُهُ بَعْدَ التَّفَرُّقِ ، وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِي الصَّرْفِ ، وَمَنْ صَارَ إلَى الرِّوَايَةِ الْأُولَى قَالَ : قَبْضُ الْأَوَّلِ صَحَّ بِهِ الْعَقْدُ ، وَقَبْضُ الثَّانِي يَدُلُّ عَلَى الْأَوَّلِ .\rوَيُشْتَرَطُ أَنْ يَأْخُذَ الْبَدَلَ فِي مَجْلِسِ الرَّدِّ ، فَإِنْ تَفَرَّقَا مِنْ غَيْرِ قَبْضٍ بَطَلَ الْعَقْدُ ، وَإِنْ وَجَدَ الْبَعْضَ رَدِيئًا فَرَدَّهُ ، فَعَلَى الرِّوَايَةِ الْأُولَى لَهُ الْبَدَلُ ، وَعَلَى الثَّانِيَةِ يَبْطُلُ فِي الْمَرْدُودِ .\rوَهَلْ يَصِحُّ فِيمَا لَمْ يَرُدَّ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ ، بِنَاءً عَلَى تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ الْمَبِيعِ مِنْ جِنْسٍ أَوْ مِنْ جِنْسَيْنِ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : إنْ وَجَدَ دِرْهَمًا زَيْفًا فَرَضِيَ بِهِ ، جَازَ ، وَإِنْ رَدَّهُ ، انْتَقَضَ الصَّرْفُ فِي دِينَارٍ ، وَإِنْ رَدَّ أَحَدَ عَشَرَ دِرْهَمًا ، انْتَقَضَ الصَّرْفُ فِي دِينَارَيْنِ ، وَكُلَّمَا زَادَ عَلَى دِينَارٍ ، انْتَقَضَ الصَّرْفُ فِي دِينَارٍ آخَرَ .\rوَلَنَا أَنَّ مَا لَا عَيْبَ فِيهِ لَمْ يُرَدَّ ، فَلَمْ يَنْتَقِضْ الصَّرْفُ فِيمَا يُقَابِلُهُ ، كَسَائِرِ الْعِوَضِ .\rوَإِنْ اخْتَارَ وَاجِدُ الْعَيْبِ الْفَسْخَ ، فَعَلَى قَوْلِنَا لَهُ الْبَدَلُ ، لَيْسَ لَهُ الْفَسْخُ إذَا أَبْدَلَ لَهُ ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ","part":8,"page":71},{"id":3571,"text":"أَخْذُ حَقِّهِ غَيْرَ مَعِيبٍ ، وَعَلَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى ، لَهُ الْفَسْخُ ، أَوْ الْإِمْسَاكُ فِي الْجَمِيعِ ؛ لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ الْوُصُولُ إلَى مَا عَقَدَ عَلَيْهِ مَعَ إبْقَاءِ الْعَقْدِ .\rفَإِنْ اخْتَارَ أَخْذَ أَرْشِ الْعَيْبِ بَعْدَ التَّفَرُّقِ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ عِوَضٌ يَقْبِضُهُ بَعْدَ التَّفَرُّقِ عَنْ الصَّرْفِ ، إلَّا عَلَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى .","part":8,"page":72},{"id":3572,"text":"( 2850 ) فَصْلٌ : وَمَنْ شَرْطِ الْمُصَارَفَةِ فِي الذِّمَّةِ ، أَنْ يَكُونَ الْعِوَضَانِ مَعْلُومَيْنِ ، إمَّا بِصِفَةٍ يَتَمَيَّزَانِ بِهَا ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ لِلْبَلَدِ نَقْدٌ مَعْلُومٌ أَوْ غَالِبٌ ، فَيَنْصَرِفُ الْإِطْلَاقُ إلَيْهِ ، وَلَوْ قَالَ : بِعْتُك دِينَارًا مِصْرِيًّا بِعِشْرِينَ دِرْهَمًا مِنْ نَقْدِ عَشَرَةٍ بِدِينَارٍ لَمْ يَصِحَّ ، إلَّا أَنْ لَا يَكُونَ فِي الْبَلَدِ نَقْدُ عَشَرَةٍ بِدِينَارٍ ، إلَّا نَوْعٌ وَاحِدٌ ، فَتَنْصَرِفُ تِلْكَ الصِّفَةُ إلَيْهِ .\rوَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي الْبَيْعِ .","part":8,"page":73},{"id":3573,"text":"( 2851 ) فَصْلٌ : إذَا كَانَ لِرَجُلٍ فِي ذِمَّةِ رَجُلٍ ذَهَبٌ ، وَلِلْآخَرِ عَلَيْهِ دَرَاهِمُ ، فَاصْطَرَفَا بِمَا فِي ذِمَّتِهِمَا ، لَمْ يَصِحَّ ، وَبِهَذَا قَالَ اللَّيْثُ ، وَالشَّافِعِيُّ .\rوَحَكَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ ؛ جَوَازَهُ ؛ لِأَنَّ الذِّمَّةَ الْحَاضِرَةَ كَالْعَيْنِ الْحَاضِرَةِ ؛ وَلِذَلِكَ جَازَ أَنْ يَشْتَرِيَ الدَّرَاهِمَ بِدَنَانِيرَ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ بَيْعُ دَيْنٍ بِدِينٍ ، وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ بِالْإِجْمَاعِ .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ بَيْعَ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ لَا يَجُوزُ .\rوَقَالَ أَحْمَدُ : إنَّمَا هُوَ إجْمَاعٌ .\rوَقَدْ رَوَى أَبُو عُبَيْدٍ فِي الْغَرِيبِ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ بَيْعِ الْكَالِئِ بِالْكَالِئِ } .\rوَفَسَّرَهُ بِالدَّيْنِ بِالدَّيْنِ .\rإلَّا أَنَّ الْأَثْرَمَ رَوَى عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّهُ سُئِلَ : أَيَصِحُّ فِي هَذَا حَدِيثٌ ؟ قَالَ : لَا .\rوَإِنَّمَا صَحَّ الصَّرْفُ بِغَيْرِ تَعْيِينٍ ، بِشَرْطِ أَنْ يَتَقَابَضَا فِي الْمَجْلِسِ ، فَجَرَى الْقَبْضُ وَالتَّعْيِينُ فِي الْمَجْلِسِ مَجْرَى وُجُودِهِ حَالَةَ الْعَقْدِ .\rوَلَوْ كَانَ لِرَجُلٍ عَلَى رَجُلٍ دَنَانِيرُ ، فَقَضَاهُ دَرَاهِمَ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ نَظَرْت ، فَإِنْ كَانَ يُعْطِيهِ كُلَّ دِرْهَمٍ بِحِسَابِهِ مِنْ الدِّينَارِ ، صَحَّ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .\rوَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ، ثُمَّ تَحَاسَبَا بَعْدَ ذَلِكَ فَصَارَفَهُ بِهَا وَقْتَ الْمُحَاسَبَةِ ، لَمْ يَجُزْ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَيْضًا ؛ لِأَنَّ الدَّنَانِيرَ دَيْنٌ ، وَالدَّرَاهِمَ صَارَتْ دَيْنًا ، فَيَصِيرُ بَيْعَ دَيْنٍ بِدَيْنٍ .\rوَإِنْ قَبَضَ أَحَدُهُمَا مِنْ الْآخَرِ مَالَهُ عَلَيْهِ ، ثُمَّ صَارَفَهُ بِعَيْنٍ وَذِمَّةٍ ، صَحَّ .\rوَإِذَا أَعْطَاهُ الدَّرَاهِمَ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ ، وَلَمْ يَقْضِهِ ذَلِكَ وَقْتَ دَفْعِهَا إلَيْهِ ، ثُمَّ أَحْضَرَهَا ، وَقَوَّمَاهَا ، فَإِنَّهُ يُحْتَسَبُ بِقِيمَتِهَا يَوْمَ الْقَضَاءِ ، لَا يَوْمَ دَفْعِهَا إلَيْهِ ؛ لِأَنَّهَا قَبْلَ ذَلِكَ لَمْ تَصِرْ فِي مِلْكِهِ ، إنَّمَا هِيَ وَدِيعَةٌ فِي يَدِهِ ، فَإِنْ تَلِفَتْ ، أَوْ","part":8,"page":74},{"id":3574,"text":"نَقَصَتْ ، فَهِيَ مِنْ ضَمَانِ مَالِكِهَا ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ مِنْ ضَمَانِ الْقَابِضِ لَهَا إذَا قَبَضَهَا بِنِيَّةِ الِاسْتِيفَاءِ ؛ لِأَنَّهَا مَقْبُوضَةٌ عَلَى أَنَّهَا عِوَضٌ وَوَفَاءٌ ، وَالْمَقْبُوضُ فِي عَقْدٍ فَاسِدٍ كَالْمَقْبُوضِ فِي الْعَقْدِ الصَّحِيحِ ، فِيمَا يَرْجِعُ إلَى الضَّمَانِ وَعَدَمِهِ .\rوَلَوْ كَانَ لِرَجُلٍ عِنْدَ صَيْرَفِيٍّ دَنَانِيرُ ، فَأَخَذَ مِنْهُ دَرَاهِمَ إدْرَارًا ؛ لِتَكُونَ هَذِهِ بِهَذِهِ ، لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ ، بَلْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي ذِمَّةِ مَنْ قَبَضَهُ ، فَإِذَا أَرَادَ التَّصَارُفَ أَحْضَرَا أَحَدَهُمَا ، وَاصْطَرَفَا بِعَيْنٍ وَذِمَّةٍ .\r( 2852 ) فَصْلٌ : وَيَجُوزُ اقْتِضَاءُ أَحَدِ النَّقْدَيْنِ مِنْ الْأُخَرِ ، وَيَكُونُ صَرْفًا بِعَيْنٍ وَذِمَّةٍ ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَمَنَعَ مِنْهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَابْنُ شُبْرُمَةَ ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ؛ لِأَنَّ الْقَبْضَ شَرْطٌ وَقَدْ تَخَلَّفَ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى أَبُو دَاوُد ، وَالْأَثْرَمُ ، فِي \" سُنَنِهِمَا \" ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ { : كُنْت أَبِيعُ الْإِبِلَ بِالْبَقِيعِ ، فَأَبِيعُ بِالدَّنَانِيرِ وَآخُذُ الدَّرَاهِمَ ، وَأَبِيعُ بِالدَّرَاهِمِ وَآخُذُ الدَّنَانِيرَ ، آخُذُ هَذِهِ مِنْ هَذِهِ ، وَأُعْطِي هَذِهِ مِنْ هَذِهِ ، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَيْتِ حَفْصَةَ ، فَقُلْت : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، رُوَيْدَك ، أَسْأَلُك ، إنِّي أَبِيعُ الْإِبِلَ بِالْبَقِيعِ ، فَأَبِيعُ بِالدَّنَانِيرِ ، وَآخُذُ الدَّرَاهِمَ ، وَأَبِيعُ بِالدَّرَاهِمِ ، وَآخُذُ الدَّنَانِيرَ ، آخُذُ هَذِهِ مِنْ هَذِهِ ، وَأُعْطِي هَذِهِ مِنْ هَذِهِ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا بَأْسَ أَنْ تَأْخُذَهَا بِسِعْرِ يَوْمِهَا ، مَا لَمْ تَفْتَرِقَا وَبَيْنَكُمَا شَيْءٌ } .\rقَالَ أَحْمَدُ : إنَّمَا يَقْضِيهِ إيَّاهَا بِالسِّعْرِ .\rلَمْ يَخْتَلِفُوا أَنَّهُ يَقْضِيهِ إيَّاهَا بِالسِّعْرِ ، إلَّا مَا قَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ ، إنَّهُ يَقْضِيهِ مَكَانَهَا ذَهَبًا عَلَى التَّرَاضِي ؛ لِأَنَّهُ بَيْعٌ فِي الْحَالِ ، فَجَازَ مَا تَرَاضَيَا","part":8,"page":75},{"id":3575,"text":"عَلَيْهِ إذَا اخْتَلَفَ الْجِنْسُ ، كَمَا لَوْ كَانَ الْعِوَضُ عَرْضًا .\rوَوَجْهُ الْأَوَّلِ قَوْلُ النَّبِيِّ : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" لَا بَأْسَ أَنْ تَأْخُذَهَا بِسِعْرِ يَوْمِهَا \" .\rوَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ : أَنَّ بَكْرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيّ ، وَمَسْرُوقًا الْعِجْلِيّ ، سَأَلَاهُ عَنْ كُرَيٍّ لَهُمَا ، لَهُ عَلَيْهِمَا دَرَاهِمُ ، وَلَيْسَ مَعَهُمَا إلَّا دَنَانِيرُ ؟ فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ : أَعْطُوهُ بِسِعْرِ السُّوقِ .\rوَلِأَنَّ هَذَا جَرَى مَجْرَى الْقَضَاءِ ، فَيُقَيَّدْ بِالْمِثْلِ ، كَمَا لَوْ قَضَاهُ مِنْ الْجِنْسِ ، وَالتَّمَاثُلُ هَاهُنَا مِنْ حَيْثُ الْقِيمَةُ ؛ لِتَعَذُّرِ التَّمَاثُلِ مِنْ حَيْثُ الصُّورَةُ .\rقِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ : فَإِنَّ أَهْلَ السُّوقِ يَتَغَابَنُونَ بَيْنَهُمْ بِالدَّانَقِ فِي الدِّينَارِ وَمَا أَشْبَهَهُ ؟ فَقَالَ : إذَا كَانَ مِمَّا يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِهِ فَسَهْلٌ فِيهِ ، مَا لَمْ يَكُنْ حِيلَةً ، وَيُزَادُ شَيْئًا كَثِيرًا .\r( 2853 ) فَصْلٌ : فَإِنْ كَانَ الْمَقْضِيُّ الَّذِي فِي الذِّمَّةِ مُؤَجَّلًا ، فَقَدْ تَوَقَّفَ أَحْمَدُ فِيهِ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا الْمَنْعُ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَمَشْهُورُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ مَا فِي الذِّمَّةِ لَا يُسْتَحَقُّ قَبْضُهُ ، فَكَانَ الْقَبْضُ نَاجِزًا فِي أَحَدِهِمَا ، وَالنَّاجِزُ يَأْخُذُ قِسْطًا مِنْ الثَّمَنِ وَالْآخِرُ الْجَوَازُ ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّهُ ثَابِتٌ فِي الذِّمَّةِ بِمَنْزِلَةِ الْمَقْبُوضِ ، فَكَأَنَّهُ رَضِيَ بِتَعْجِيلِ الْمُؤَجَّلِ .\rوَالصَّحِيحُ الْجَوَازُ ، إذَا قَضَاهُ بِسِعْرِ يَوْمِهَا ، وَلَمْ يَجْعَلْ لِلْمَقْضِيِّ فَضْلًا لِأَجْلِ تَأْجِيلِ مَا فِي الذِّمَّةِ ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَنْقُصْهُ عَنْ سِعْرِهَا شَيْئًا ، فَقَدْ رَضِيَ بِتَعْجِيلِ مَا فِي الذِّمَّةِ بِغَيْرِ عِوَضٍ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَضَاهُ مِنْ جِنْسِ الدَّيْنَ ، وَلَمْ يَسْتَفْصِلْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ابْنَ عُمَرَ حِينَ سَأَلَهُ ، وَلَوْ افْتَرَقَ الْحَالُ لَسَأَلَ وَاسْتَفْصَلَ .\r( 2854 ) فَصْلٌ : قَالَ أَحْمَدُ : وَلَوْ كَانَ لِرَجُلٍ عَلَى رَجُلٍ عَشَرَةُ","part":8,"page":76},{"id":3576,"text":"دَرَاهِمَ ، فَدَفَعَ إلَيْهِ دِينَارًا ، فَقَالَ : اسْتَوْفِ حَقَّك مِنْهُ .\rفَاسْتَوْفَاهُ بَعْدَ يَوْمَيْنِ ، جَازَ .\rوَلَوْ كَانَ عَلَيْهِ دَنَانِيرُ ، فَوَكَّلَ غَرِيمَهُ فِي بَيْعِ دَارِهِ ، وَاسْتِيفَاءِ حَقِّهِ مِنْ ثَمَنِهَا ، فَبَاعَهَا بِدَرَاهِمَ ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهَا قَدْرَ حَقِّهِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ فِي مُصَارَفَةِ نَفْسِهِ ، وَلِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ .\rوَلَوْ بَاعَ جَارِيَةً بِدَنَانِيرَ ، فَأَخَذَ بِهَا دَرَاهِمَ ، فَرَدَّتْ الْجَارِيَةُ بِعَيْبٍ أَوْ إقَالَةٍ ، لَمْ يَكُنْ لِلْمُشْتَرِي إلَّا الدَّنَانِيرُ ؛ لِأَنَّهُ الثَّمَنُ الَّذِي وَقَعَ عَلَيْهِ الْعَقْدُ ، وَإِنَّمَا أَخَذَ الدَّرَاهِمَ بِعَقْدِ صَرْفٍ مُسْتَأْنَفٍ .\rنَصَّ أَحْمَدُ عَلَى هَذِهِ الْمَسَائِلِ .","part":8,"page":77},{"id":3577,"text":"( 2855 ) فَصْلٌ : إذَا كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ مُؤَجَّلٌ ، فَقَالَ لِغَرِيمِهِ : ضَعْ عَنِّي بَعْضَهُ ، وَأُعَجِّلُ لَك بَقِيَّتَهُ .\rلَمْ يَجُزْ .\rكَرِهَهُ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ ، وَابْنُ عُمَرَ ، وَالْمِقْدَادُ ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ، وَسَالِمٌ ، وَالْحَسَنُ ، وَحَمَّادٌ ، وَالْحَكَمُ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَهُشَيْمٌ ، وَابْنُ عُلَيَّةَ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ .\rوَقَالَ الْمِقْدَادُ لِرَجُلَيْنِ فَعَلَا ذَلِكَ : كِلَاكُمَا قَدْ آذَنَ بِحَرْبِ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ .\rوَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّهُ لَمْ يَرَ بِهِ بَأْسًا .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ النَّخَعِيِّ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ؛ لِأَنَّهُ آخِذٌ لِبَعْضِ حَقِّهِ ، تَارِكٌ لِبَعْضِهِ ، فَجَازَ ، كَمَا لَوْ كَانَ الدَّيْنُ حَالًّا .\rوَقَالَ الْخِرَقِيِّ : لَا بَأْسَ أَنْ يُعَجِّلَ الْمُكَاتَبُ لِسَيِّدِهِ ، وَيَضَعَ عَنْهُ بَعْضَ كِتَابَتِهِ .\rوَلَنَا أَنَّهُ بَيْعُ الْحُلُولِ ، فَلَمْ يَجُزْ ، كَمَا لَوْ زَادَهُ الَّذِي لَهُ الدَّيْنُ ، فَقَالَ لَهُ : أُعْطِيك عَشَرَةَ دَرَاهِمَ وَتُعَجِّلُ لِي الْمِائَةَ الَّتِي عَلَيْك .\rفَأَمَّا الْمُكَاتَبُ فَإِنَّ مُعَامَلَتَهُ مَعَ سَيِّدِهِ ، وَهُوَ يَبِيعُ بَعْضَ مَالِهِ بِبَعْضٍ ، فَدَخَلَتْ الْمُسَامَحَةُ فِيهِ .\rوَلِأَنَّهُ سَبَبٌ لِلْعِتْقِ ، فَسُومِحَ فِيهِ ، بِخِلَافِ غَيْرِهِ .","part":8,"page":78},{"id":3578,"text":"( 2856 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ ( فَإِنْ كَانَ الْعَيْبُ دَخِيلًا عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ ، كَانَ الصَّرْفُ فِيهِ فَاسِدًا ) يَعْنِي إذَا وَجَدَ أَحَدُهُمَا مَا قَبَضَهُ مَغْشُوشًا بِغِشٍّ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ ، فَيَنْظُرُ فِيهِ ؛ فَإِنْ كَانَ الصَّرْفُ عَيْنًا بِعَيْنٍ ، فَهُوَ فَاسِدٌ ؛ لِمَا أَسْلَفْنَاهُ .\rوَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ عَيْنٍ ، وَعَلِمَ ذَلِكَ فِي الْمَجْلِسِ ، فَرَدَّهُ ، وَأَخَذَ بَدَلَهُ ، فَالصَّرْفُ صَحِيحٌ ؛ لِأَنَّهُ عَيْنُ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ ، وَإِنْ افْتَرَقَا قَبْلَ رَدِّهِ ، فَالصَّرْفُ فِيهِ فَاسِدٌ أَيْضًا ؛ لِأَنَّهُمَا تَفَرَّقَا قَبْلَ قَبْضِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ ، وَلَمْ يَقْبِضْ مَا يَصْلُحُ عِوَضًا عَنْ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ .\rوَهَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ .\rوَقِيلَ عَنْ أَحْمَدَ : إنَّهُ إذَا أَخَذَ الْبَدَلَ فِي مَجْلِسِ الرَّدِّ ، لَمْ يَبْطُلْ ، كَمَا لَوْ كَانَ الْعَيْبُ مِنْ جِنْسِهِ .\rوَهَذَا فِيمَا إذَا لَمْ يَكُنْ مُشْتَرِي الْمَعِيبِ عَالِمًا بِعَيْبِهِ ، فَأَمَّا إنَّ عَلِمَ بِعَيْبِهِ ، فَاشْتَرَاهُ عَلَى ذَلِكَ ، وَالْعَيْبُ مِنْ جِنْسِهِ ، جَازَ ، وَلَا خِيَارَ لَهُ ، وَلَا بَدَلَ .\rوَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ ، وَكَانَ الصَّرْفُ ذَهَبًا بِذَهَبٍ ، أَوْ فِضَّةً بِمِثْلِهَا ، فَالصَّرْفُ فِيهِ فَاسِدٌ ؛ لِأَنَّهُ يُخِلُّ بِالتَّمَاثُلِ ، إلَّا أَنْ يَبِيعَ ذَهَبًا أَوْ فِضَّةً مَغْشُوشًا بِمِثْلِ غِشِّهِ ، كَبَيْعِهِ دِينَارًا صُورِيًّا بِمِثْلِهِ ، مَعَ عِلْمِهِ بِتَسَاوِي غِشِّهِمَا ، وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الظَّاهِرَ جَوَازُهُ .\rوَإِنْ بَاعَ مَغْشُوشًا بِغَيْرِ مَغْشُوشٍ ، لَمْ يَجُزْ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ لِلْغِشِّ قِيمَةٌ ، فَيُخَرَّجُ عَلَى مَسْأَلَةِ مُدِّ عَجْوَةٍ .\rوَإِنْ كَانَ الصَّرْفُ فِي جِنْسَيْنِ ، كَذَهَبٍ بِفِضَّةٍ ، انْبَنَى عَلَى إنْفَاقِ الْمَغْشُوشَةِ .","part":8,"page":79},{"id":3579,"text":"( 2857 ) فَصْلٌ : وَفِي إنْفَاقِ الْمَغْشُوشِ مِنْ النُّقُودِ رِوَايَتَانِ ؛ أَظْهَرُهُمَا ، الْجَوَازُ ، نَقَلَ صَالِحٌ عَنْهُ فِي دَرَاهِمَ يُقَالُ لَهَا الْمُسَيَّبِيَّةُ ، عَامَّتُهَا نُحَاسٌ إلَّا شَيْئًا فِيهَا فِضَّةٌ ، فَقَالَ : إذَا كَانَ شَيْئًا اصْطَلَحُوا عَلَيْهِ مِثْلَ الْفُلُوسِ ، اصْطَلَحُوا عَلَيْهَا ، فَأَرْجُو أَلَّا يَكُونَ بِهَا بَأْسٌ .\rوَالثَّانِيَةُ التَّحْرِيمُ ، نَقَلَ حَنْبَلٌ فِي دَرَاهِمَ يُخْلَطُ فِيهَا مِشّ وَنُحَاسٌ يُشْتَرَى بِهَا وَيُبَاعُ ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَبْتَاعَ بِهَا أَحَدٌ .\rكُلُّ مَا وَقَعَ عَلَيْهِ اسْمُ الْغِشِّ فَالشِّرَاءُ بِهِ وَالْبَيْعُ حَرَامٌ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ : إنْ كَانَ الْغِشُّ مِمَّا لَا قِيمَةَ لَهُ ، جَازَ الشِّرَاءُ بِهَا ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَهُ قِيمَةٌ ، فَفِي جَوَازِ إنْفَاقِهَا وَجْهَانِ ، وَاحْتَجَّ مَنْ مَنَعَ إنْفَاقَ الْمَغْشُوشَةِ بِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا } .\rوَبِأَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ نَهَى عَنْ بَيْعِ نُفَايَةِ بَيْتِ الْمَالِ .\rوَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ فِيهِ مَجْهُولٌ ، أَشْبَهَ تُرَابَ الصَّاغَةِ ، وَالْأَوْلَى أَنْ يُحْمَلَ كَلَامُ أَحْمَدَ فِي الْجَوَازِ عَلَى الْخُصُوصِ فِيمَا ظَهَرَ غِشُّهُ ، وَاصْطَلَحَ عَلَيْهِ ، فَإِنَّ الْمُعَامَلَةَ بِهِ جَائِزَةٌ ، إذْ لَيْسَ فِيهِ أَكْثَرُ مِنْ اشْتِمَالِهِ عَلَى جِنْسَيْنِ لَا غَرَرَ فِيهِمَا ، فَلَا يَمْنَعُ مِنْ بَيْعِهِمَا ، كَمَا لَوْ كَانَا مُتَمَيِّزَيْنِ .\rوَلِأَنَّ هَذَا مُسْتَفِيضٌ فِي الْأَعْصَارِ ، جَارٍ بَيْنَهُمْ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ ، وَفِي تَحْرِيمِهِ مَشَقَّةٌ وَضَرَرٌ ، وَلَيْسَ شِرَاؤُهُ بِهَا غِشًّا لِلْمُسْلِمِينَ ، وَلَا تَغْرِيرًا لَهُمْ ، وَالْمَقْصُودُ مِنْهَا ظَاهِرٌ مَرْئِيٌّ مَعْلُومٌ ، بِخِلَافِ تُرَابِ الصَّاغَةِ .\rوَرِوَايَةُ الْمَنْعِ مَحْمُولَةٌ عَلَى مَا يَخْفَى غِشُّهُ ، وَيَقَعُ اللَّبْسُ بِهِ ، فَإِنَّ ذَلِكَ يُفْضِي إلَى التَّغْرِيرِ بِالْمُسْلِمِينَ ، وَقَدْ أَشَارَ أَحْمَدُ إلَى هَذَا فِي رَجُلٍ اجْتَمَعَتْ عِنْدَهُ دَرَاهِمُ زُيُوفٌ ، مَا يَصْنَعُ بِهَا ؟ قَالَ : يَسْبِكُهَا .\rقِيلَ لَهُ : فَيَبِيعُهَا بِدَنَانِيرَ ؟","part":8,"page":80},{"id":3580,"text":"قَالَ : لَا .\rقِيلَ : يَبِيعُهَا بِفُلُوسٍ ؟ قَالَ : لَا .\rقِيلَ فَبِسِلْعَةٍ ؟ قَالَ : لَا ، إنِّي أَخَافُ أَنْ يَغُرَّ بِهَا مُسْلِمًا .\rقِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ : أَيَتَصَدَّقُ بِهَا ؟ قَالَ : إنِّي أَخَافُ أَنْ يَغُرَّ بِهَا مُسْلِمًا .\rوَقَالَ : مَا يَنْبَغِي لَهُ ؛ لِأَنَّهُ يَغُرُّ بِهَا الْمُسْلِمِينَ ، وَلَا أَقُولُ إنَّهُ حَرَامٌ ؛ لِأَنَّهُ عَلَى تَأْوِيلٍ ، وَذَلِكَ إنَّمَا كَرِهْتُهُ ؛ لِأَنَّهُ يَغُرُّ بِهَا مُسْلِمًا .\rفَقَدْ صَرَّحَ بِأَنَّهُ إنَّمَا كَرِهَهُ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّغْرِيرِ بِالْمُسْلِمِينَ ، وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ مَنْعُ عُمَرَ نُفَايَةَ بَيْتِ الْمَالِ ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّغْرِيرِ بِالْمُسْلِمِينَ ، فَإِنَّ مُشْتَرِيَهَا رُبَّمَا خَلَطَهَا بِدَرَاهِمَ جَيِّدَةٍ ، وَاشْتَرَى بِهَا مِمَّنْ لَا يَعْرِفُ حَالَهَا ، وَلَوْ كَانَتْ مِمَّا اصْطَلَحَ عَلَى إنْفَاقِهِ ، لَمْ يَكُنْ نُفَايَةً .\rفَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ : مَنْ زَافَتْ عَلَيْهِ دَرَاهِمُهُ فَلْيَخْرُجْ بِهَا إلَى الْبَقِيعِ ، فَلْيَشْتَرِ بِهَا سَحْقَ الثِّيَابِ .\rوَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ إنْفَاقِ الْمَغْشُوشَةِ الَّتِي لَمْ يَصْطَلِحْ عَلَيْهَا .\rقُلْنَا : قَدْ قَالَ أَحْمَدُ : مَعْنَى زَافَتْ عَلَيْهِ دَرَاهِمُهُ .\rأَيْ نُفِيَتْ ، لَيْسَ أَنَّهَا زُيُوفٌ فَيَتَعَيَّنُ حَمْلُهُ عَلَى هَذَا جَمْعًا بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ مَا ظَهَرَ غِشُّهُ ، وَبَانَ زَيْفُهُ ، بِحَيْثُ لَا يَخْفَى عَلَى أَحَدٍ ، وَلَا يَحْصُلُ بِهَا تَغْرِيرٌ .\rوَإِنْ تَعَذَّرَ تَأْوِيلُهَا ، تَعَارَضَتْ الرِّوَايَتَانِ عَنْهُ ، وَيُرْجَعُ إلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْمَعْنَى ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ مَا كَانَ غِشُّهُ ذَا بَقَاءٍ وَثَبَاتٍ ، كَالرَّصَاصِ ، وَالنُّحَاسِ ، وَمَا لَا ثَبَاتَ لَهُ ، كَالزَّرْنِيخِيَّةِ ، والأندرانية ، وَهُوَ زِرْنِيخٌ وَنُورَةٌ يُطْلَى عَلَيْهِ فِضَّةٌ ، فَإِذَا دَخَلَ النَّارَ اُسْتُهْلِكَ الْغِشُّ ، وَذَهَبَ .","part":8,"page":81},{"id":3581,"text":"( 2858 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَمَتَى انْصَرَفَ الْمُتَصَارِفَانِ قَبْلَ التَّقَابُضِ ، فَلَا بَيْعَ بَيْنَهُمَا ) الصَّرْفُ : بَيْعُ الْأَثْمَانِ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ .\rوَالْقَبْضُ فِي الْمَجْلِسِ شَرْطٌ لِصِحَّتِهِ بِغَيْرِ خِلَافٍ .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْمُتَصَارِفَيْنِ إذَا افْتَرَقَا قَبْلَ أَنْ يَتَقَابَضَا ، أَنَّ الصَّرْفَ فَاسِدٌ .\rوَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : الذَّهَبُ بِالْوَرِقِ رِبًا إلَّا هَاءَ وَهَاءَ .\r} وَقَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ { بِيعُوا الذَّهَبَ بِالْفِضَّةِ كَيْفَ شِئْتُمْ يَدًا بِيَدٍ } .\r{ وَنَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعِ الذَّهَبِ بِالْوَرِقِ دَيْنًا ، وَنَهَى أَنْ يُبَاعَ غَائِبٌ مِنْهَا بِنَاجِزٍ ، } كُلُّهَا أَحَادِيثُ صِحَاحٌ .\rوَيُجْزِئُ الْقَبْضُ فِي الْمَجْلِسِ ، وَإِنْ طَالَ ، وَلَوْ تَمَاشَيَا مُصْطَحِبَيْنِ إلَى مَنْزِلِ أَحَدِهِمَا ، أَوْ إلَى الصَّرَّافِ ، فَتَقَابَضَا عِنْدَهُ ، جَازَ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : لَا خَيْرَ فِي ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُمَا فَارَقَا مَجْلِسَهُمَا .\rوَلَنَا أَنَّهُمَا لَمْ يَفْتَرِقَا قَبْلَ التَّقَابُضِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَا فِي سَفِينَةٍ تَسِيرُ بِهِمَا ، أَوْ رَاكِبَيْنِ عَلَى دَابَّةٍ وَاحِدَةٍ تَمْشِي بِهِمَا .\rوَقَدْ دَلَّ عَلَى ذَلِكَ حَدِيثُ أَبِي بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيِّ فِي قَوْلِهِ لِلَّذَيْنِ مَشَيَا إلَيْهِ مِنْ جَانِبِ الْعَسْكَرِ : وَمَا أَرَاكُمَا افْتَرَقْتُمَا .\rوَإِنْ تَفَرَّقَا قَبْلَ التَّقَابُضِ بَطَلَ الصَّرْفُ ؛ لِفَوَاتِ شَرْطِهِ .\rوَإِنْ قَبَضَ الْبَعْضَ ، ثُمَّ افْتَرَقَا ، بَطَلَ فِيمَا لَمْ يَقْبِضْ ، وَفِيمَا يُقَابِلُهُ مِنْ الْعِوَضِ .\rوَهَلْ يَصِحُّ فِي الْمَقْبُوضِ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ ، بِنَاءً عَلَى تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ .\rوَلَوْ وَكَّلَ أَحَدُهُمَا وَكِيلًا فِي الْقَبْضِ ، فَقَبَضَ الْوَكِيلُ قَبْلَ تَفَرُّقِهِمَا ، جَازَ ، وَقَامَ قَبْضُ وَكِيلِهِ مَقَامَ قَبْضِهِ ، سَوَاءٌ فَارَقَ الْوَكِيلُ الْمَجْلِسَ قَبْلَ الْقَبْضِ ، أَوْ لَمْ يُفَارِقْهُ .\rوَإِنْ افْتَرَقَا قَبْلَ قَبْضِ","part":8,"page":82},{"id":3582,"text":"الْوَكِيلِ ، بَطَلَ لِأَنَّ الْقَبْضَ فِي الْمَجْلِسِ شَرْطٌ ، وَقَدْ فَاتَ .\rوَإِنْ تَخَايَرَا قَبْلَ الْقَبْضِ فِي الْمَجْلِسِ ، لَمْ يَبْطُلْ الْعَقْدُ بِذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُمَا لَمْ يَفْتَرِقَا قَبْلَ الْقَبْضِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يَبْطُلَ إذَا قُلْنَا بِلُزُومِ الْعَقْدِ ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ لَمْ يَبْقَ فِيهِ خِيَارٌ قَبْلَ الْقَبْضِ ، أَشْبَهَ مَا لَوْ افْتَرَقَا .\rوَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ ، فَإِنَّ الشَّرْطَ التَّقَابُضُ فِي الْمَجْلِسِ ، وَقَدْ وُجِدَ ، وَاشْتِرَاطُ التَّقَابُضِ قَبْلَ اللُّزُومِ تَحَكُّمٌ بِغَيْرِ دَلِيلٍ .\rثُمَّ يَبْطُلُ بِمَا إذَا تَخَايَرَا قَبْلَ الصَّرْفِ ، ثُمَّ اصْطَرَفَا ، فَإِنَّ الصَّرْفَ يَقَعُ لَازِمًا صَحِيحًا قَبْلَ الْقَبْضِ ، ثُمَّ يُشْتَرَطُ الْقَبْضُ فِي الْمَجْلِسِ .","part":8,"page":83},{"id":3583,"text":"( 2859 ) فَصْلٌ : وَلَوْ صَارَفَ رَجُلًا دِينَارًا بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ ، وَلَيْسَ مَعَهُ إلَّا خَمْسَةُ دَرَاهِمَ ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يَتَفَرَّقَا قَبْلَ قَبْضِ الْعَشَرَةِ كُلِّهَا ، فَإِنْ قَبَضَ الْخَمْسَةَ وَافْتَرَقَا ، بَطَلَ الصَّرْفُ فِي نِصْفِ الدِّينَارِ .\rوَهَلْ يَبْطُلُ فِيمَا يُقَابِلُ الْخَمْسَةَ الْمَقْبُوضَةَ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ ، بِنَاءً عَلَى تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ .\rوَإِنْ أَرَادَ التَّخَلُّصَ ، فَسَخَا الصَّرْفَ فِي النِّصْفِ الَّذِي لَيْسَ مَعَهُ عِوَضُهُ ، أَوْ يَفْسَخَانِ الْعَقْدَ كُلَّهُ ، ثُمَّ يُشْتَرَى مِنْهُ نِصْفُ الدِّينَارِ بِخَمْسَةٍ ، وَيَدْفَعُهَا إلَيْهِ ، ثُمَّ يَأْخُذُ الدِّينَارَ كُلَّهُ ، فَيَكُونُ مَا اشْتَرَاهُ مِنْهُ لَهُ ، وَمَا بَقِيَ أَمَانَةً فِي يَدِهِ ، ثُمَّ يَفْتَرِقَانِ ، ثُمَّ إذَا صَارَفَهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِالْبَاقِي لَهُ مِنْ الدِّينَارِ ، أَوْ اشْتَرَى بِهِ مِنْهُ شَيْئًا ، أَوْ جَعَلَهُ سَلَمًا فِي شَيْءٍ أَوْ وَهَبَهُ لَهُ ، جَازَ ، وَكَذَلِكَ إنَّ وَكَّلَهُ فِيهِ .\rوَلَوْ اشْتَرَى فِضَّةً بِدِينَارٍ وَنِصْفٍ ، وَدَفَعَ إلَى الْبَائِعِ دِينَارَيْنِ ، وَقَالَ : أَنْتَ وَكِيلِي فِي نِصْفِ الدِّينَارِ الزَّائِدِ ، صَحَّ .\rوَلَوْ صَارَفَهُ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ بِدِينَارٍ ، فَأَعْطَاهُ أَكْثَرَ مِنْ دِينَارٍ لِيَزِنَ لَهُ حَقَّهُ فِي وَقْتٍ آخَرَ ، جَازَ ، وَإِنْ طَالَ ، وَيَكُونُ الزَّائِدُ أَمَانَةً فِي يَدِهِ ، لَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي تَلَفِهِ .\rنَصَّ أَحْمَدُ عَلَى أَكْثَرِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ .\rفَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَ أَحَدِهِمَا إلَّا خَمْسَةُ دَرَاهِمَ ، فَاشْتَرَى بِهَا نِصْفَ دِينَارٍ ، وَقَبَضَ دِينَارًا كَامِلًا ، وَدَفَعَ إلَيْهِ الدَّرَاهِمَ ، ثُمَّ اقْتَرَضَهَا مِنْهُ ، فَاشْتَرَى بِهَا النِّصْفَ الْبَاقِيَ ، أَوْ اشْتَرَى الدِّينَارَ مِنْهُ بِعَشَرَةٍ ابْتِدَاءً ، وَدَفَعَ إلَيْهِ الْخَمْسَةَ ، ثُمَّ اقْتَرَضَهَا مِنْهُ ، وَدَفَعَهَا إلَيْهِ عِوَضًا عَنْ النِّصْفِ الْآخَرِ عَلَى غَيْرِ وَجْهِ الْحِيلَةِ ، فَلَا بَأْسَ .","part":8,"page":84},{"id":3584,"text":"( 2860 ) فَصْلٌ : وَإِذَا بَاعَ مُدَّيْ تَمْرٍ رَدِيءٍ بِدِرْهَمٍ ، ثُمَّ اشْتَرَى بِالدِّرْهَمِ تَمْرًا جَنِيبًا ، أَوْ اشْتَرَى مِنْ رَجُلٍ دِينَارًا صَحِيحًا بِدَرَاهِمَ ، وَتَقَابَضَاهَا ، ثُمَّ اشْتَرَى مِنْهُ بِالدَّرَاهِمِ قُرَاضَةً مِنْ غَيْرِ مُوَاطَأَةٍ ، وَلَا حِيلَةٍ ، فَلَا بَأْسَ بِهِ .\rوَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى : لَا يَجُوزُ ، إلَّا أَنْ يَمْضِيَ إلَى غَيْرِهِ لِيَبْتَاعَ مِنْهُ ، فَلَا يَسْتَقِيمُ لَهُ ، فَيَجُوزُ أَنْ يَرْجِعَ إلَى الْبَائِعِ ، فَيَبْتَاعَ مِنْهُ .\rوَقَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ : يَبِيعُهَا مِنْ غَيْرِهِ أَحَبُّ إلَيَّ .\rقُلْت لَهُ : قَالَ لَمْ يُعْلِمْهُ أَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَبِيعَهَا مِنْهُ ؟ فَقَالَ : يَبِيعُهَا مِنْ غَيْرِهِ ، فَهُوَ أَطْيَبُ لِنَفْسِهِ وَأَحْرَى أَنْ يَسْتَوْفِيَ الذَّهَبَ مِنْهُ ، فَإِنَّهُ إذَا رَدَّهَا إلَيْهِ لَعَلَّهُ أَنْ لَا يُوَفِّيَهُ الذَّهَبَ ، وَلَا يُحْكِمَ الْوَزْنَ ، وَلَا يَسْتَقْصِيَ ، يَقُولُ : هِيَ تَرْجِعُ إلَيْهِ .\rقِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ : فَذَهَبَ لِيَشْتَرِيَ الدَّرَاهِمَ بِالذَّهَبِ الَّذِي أَخَذَهَا مِنْهُ مِنْ غَيْرِهِ ، فَلَمْ يَجِدْهَا ، فَرَجَعَ إلَيْهِ ؟ فَقَالَ : إذَا كَانَ لَا يُبَالِي اشْتَرَى مِنْهُ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ ، فَنَعَمْ .\rفَظَاهِرٌ أَنَّ هَذَا عَلَى وَجْهِ الِاسْتِحْبَابِ ، لَا الْإِيجَابِ .\rوَلَعَلَّ أَحْمَدَ إنَّمَا أَرَادَ اجْتِنَابَ الْمُوَاطَأَةِ عَلَى هَذَا ، وَلِهَذَا قَالَ : إذَا كَانَ لَا يُبَالِي اشْتَرَى مِنْهُ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ ، فَنَعَمْ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : إنْ فَعَلَ ذَلِكَ مَرَّةً ، جَازَ ، وَإِنْ فَعَلَهُ أَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ ، لَمْ يَجُزْ ؛ لِأَنَّهُ يُضَارِعُ الرِّبَا .\rوَلَنَا مَا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ ، قَالَ : { جَاءَ بِلَالٌ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِتَمْرٍ بَرْنِيِّ ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مِنْ أَيْنَ هَذَا ؟ .\rقَالَ بِلَالٌ : كَانَ عِنْدَنَا تَمْرٌ رَدِيءٌ ، فَبِعْت صَاعَيْنِ بِصَاعٍ ؛ لِيُطْعِمَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rفَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَوَّهْ ، عَيْنُ الرِّبَا ، لَا تَفْعَلْ ، وَلَكِنْ إذَا","part":8,"page":85},{"id":3585,"text":"أَرَدْت أَنْ تَشْتَرِيَ ، فَبِعْ التَّمْرَ بِبَيْعٍ آخَرَ ، ثُمَّ اشْتَرِ بِهِ .\r} وَرَوَى أَيْضًا أَبُو سَعِيدٍ ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ : { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَعْمَلَ رَجُلًا عَلَى خَيْبَرَ ، فَجَاءَهُ بِتَمْرٍ جَنِيبٍ ، فَقَالَ : أَكُلُّ تَمْرٍ خَيْبَرَ هَكَذَا ؟ .\rقَالَ : لَا وَاَللَّهِ .\rإنَّا لَنَأْخُذَ الصَّاعَ مِنْ هَذَا بِالصَّاعَيْنِ ، وَالصَّاعَيْنِ بِالثَّلَاثَةِ .\rفَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا تَفْعَلْ ، بِعْ التَّمْرَ بِالدَّرَاهِمِ ، ثُمَّ اشْتَرِ بِالدَّرَاهِمِ جَنِيبًا .\r} مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا .\rوَلَمْ يَأْمُرْهُ أَنْ يَبِيعَهُ مِنْ غَيْرِ مَنْ يَشْتَرِي مِنْهُ ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ مُحَرَّمًا لَبَيَّنَهُ لَهُ ، وَعَرَّفَهُ إيَّاهُ .\rوَلِأَنَّهُ بَاعَ الْجِنْسَ بِغَيْرِهِ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ ، وَلَا مُوَاطَأَةٍ ، فَجَازَ ، كَمَا لَوْ بَاعَهُ مِنْ غَيْرِهِ .\rوَلِأَنَّ مَا جَازَ مِنْ الْبِيَاعَاتِ مَرَّةً ، جَازَ عَلَى الْإِطْلَاقِ ، كَسَائِرِ الْبِيَاعَاتِ .\rفَأَمَّا إنْ تَوَاطَآ عَلَى ذَلِكَ لَمْ يَجُزْ ، وَكَانَ حِيلَةً مُحَرَّمَةً ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ : يَجُوزُ ، مَا لَمْ يَكُنْ مَشْرُوطًا فِي الْعَقْدِ .\rوَلَنَا أَنَّهُ إذَا كَانَ عَنْ مُوَاطَأَةٍ كَانَ حِيلَةً ، وَالْحِيَلُ مُحَرَّمَةٌ عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ .","part":8,"page":86},{"id":3586,"text":"( 2861 ) فَصْلٌ : وَالْحِيَلُ كُلُّهَا مُحَرَّمَةٌ ، غَيْرُ جَائِزَةٍ فِي شَيْءٍ مِنْ الدِّينِ ، وَهُوَ أَنْ يُظْهِرَ عَقْدًا مُبَاحًا يُرِيدُ بِهِ مُحَرَّمًا ، مُخَادَعَةً وَتَوَسُّلًا إلَى فِعْلِ مَا حَرَّمَ اللَّهُ ، وَاسْتِبَاحَةِ مَحْظُورَاتِهِ ، أَوْ إسْقَاطِ وَاجِبٍ ، أَوْ دَفْعِ حَقٍّ ، وَنَحْوِ ذَلِكَ .\rقَالَ أَيُّوبُ السِّخْتِيَانِيُّ : إنَّهُمْ لَيُخَادِعُونَ اللَّهَ ، كَأَنَّمَا يُخَادِعُونَ صَبِيًّا ، لَوْ كَانُوا يَأْتُونَ الْأَمْرَ عَلَى وَجْهِهِ كَانَ أَسْهَلَ عَلَيَّ .\rفَمِنْ ذَلِكَ ؛ مَا لَوْ كَانَ مَعَ رَجُلٍ عَشَرَةٌ صِحَاحٌ ، وَمَعَ الْآخَرِ خَمْسَةَ عَشَرَ مُكَسَّرَةٌ ، فَاقْتَرَضَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا مَعَ صَاحِبِهِ ، ثُمَّ تَبَارَيَا ، تَوَصُّلًا إلَى بَيْعِ الصِّحَاحِ بِالْمُكَسَّرَةِ مُتَفَاضِلًا ، أَوْ بَاعَهُ الصِّحَاحَ بِمِثْلِهَا مِنْ الْمُكَسَّرَةِ ، ثُمَّ وَهَبَهُ الْخَمْسَةَ الزَّائِدَةَ ، أَوْ اشْتَرَى مِنْهُ بِهَا أُوقِيَّةَ صَابُونٍ ، أَوْ نَحْوَهَا مَا يَأْخُذُهُ بِأَقَلَّ مِنْ قِيمَتِهِ ، أَوْ اشْتَرَى مِنْهُ بِعَشَرَةٍ إلَّا حَبَّةً مِنْ الصَّحِيحِ مِثْلَهَا مِنْ الْمُكَسَّرَةِ ، ثُمَّ اشْتَرَى مِنْهُ بِالْحَبَّةِ الْبَاقِيَةِ ثَوْبًا قِيمَتُهُ خَمْسَةُ دَنَانِيرَ .\rوَهَكَذَا لَوْ أَقْرَضَهُ شَيْئًا ، أَوْ بَاعَهُ سِلْعَةً بِأَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهَا ، أَوْ اشْتَرَى مِنْهُ سِلْعَةً بِأَقَلَّ مِنْ قِيمَتِهَا تَوَصُّلًا إلَى أَخْذِ عِوَضٍ عَنْ الْقَرْضِ ، فَكُلُّ مَا كَانَ مِنْ هَذَا عَلَى وَجْهِ الْحِيلَةِ فَهُوَ خَبِيثٌ مُحَرَّمٌ .\rوَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ : ذَلِكَ كُلُّهُ وَأَشْبَاهُهُ جَائِزٌ ، إذَا لَمْ يَكُنْ مَشْرُوطًا فِي الْعَقْدِ .\rوَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ : يُكْرَهُ أَنْ يَدْخُلَا فِي الْبَيْعِ عَلَى ذَلِكَ لِأَنَّ كُلَّ مَا لَا يَجُوزُ شَرْطُهُ فِي الْعَقْدِ يُكْرَهُ أَنْ يَدْخُلَا عَلَيْهِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ اللَّه تَعَالَى عَذَّبَ أُمَّةً بِحِيلَةٍ احْتَالُوهَا ، فَمَسَخَهُمْ قِرَدَةً ، وَسَمَّاهُمْ مُعْتَدِينَ ، وَجَعَلَ ذَلِكَ نَكَالًا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ ؛ لِيَتَّعِظُوا بِهِمْ ، وَيَمْتَنِعُوا مِنْ مِثْلِ أَفْعَالِهِمْ .\rوَقَالَ بَعْضُ","part":8,"page":87},{"id":3587,"text":"الْمُفَسِّرِينَ فِي قَوْله تَعَالَى { : وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ } .\rأَيْ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rفَرُوِيَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَنْصِبُونَ شِبَاكَهُمْ لِلْحِيتَانِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ، وَيَتْرُكُونَهَا إلَى يَوْمِ الْأَحَدِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ يَحْفِرُ حَفَائِرَ ، وَيَجْعَلُ إلَيْهَا مَجَارِي ، فَيَفْتَحُهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ ، فَإِذَا جَاءَ السَّمَكُ يَوْمَ السَّبْتِ ، جَرَى مَعَ الْمَاءِ فِي الْمَجَارِي ، فَيَقَعُ فِي الْحَفَائِرِ ، فَيَدَعُهَا إلَى يَوْمِ الْأَحَدِ ، ثُمَّ يَأْخُذُهَا ، وَيَقُولُ : مَا اصْطَدْت يَوْمَ السَّبْتِ ، وَلَا اعْتَدَيْت فِيهِ .\rفَهَذِهِ حِيلَةٌ .\rوَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : مَنْ أَدْخَلَ فَرَسًا بَيْنَ فَرَسَيْنِ ، وَقَدْ أَمِنَ أَنْ يَسْبِقَ ، فَهُوَ قِمَارٌ ، وَمِنْ أَدْخَلَ فَرَسًا بَيْنَ فَرَسَيْنِ ، وَهُوَ لَا يَأْمَنُ أَنْ يَسْبِقَ ، فَلَيْسَ بِقِمَارِ .\r} رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَغَيْرُهُ .\rفَجَعَلَهُ قِمَارًا مَعَ إدْخَالِهِ الْفَرَسَ الثَّالِثَ ؛ لِكَوْنِهِ لَا يَمْنَعُ مَعْنَى الْقِمَارِ ، وَهُوَ كَوْنُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُتَسَابِقَيْنِ لَا يَنْفَكُّ عَنْ كَوْنِهِ آخِذًا ، أَوْ مَأْخُوذًا مِنْهُ ، وَإِنَّمَا دَخَلَ صُورَةً ، تُحِيلَا عَلَى إبَاحَةِ الْمُحَرَّمِ ، وَسَائِرُ الْحِيَلِ مِثْلُ ذَلِكَ .\rوَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إنَّمَا حَرَّمَ هَذِهِ الْمُحَرَّمَاتِ لِمَفْسَدَتِهَا ، وَالضَّرَرِ الْحَاصِلِ مِنْهَا .\rوَلَا تَزُولُ مَفْسَدَتُهَا مَعَ إبْقَاءِ مَعْنَاهَا ، بِإِظْهَارِهِمَا صُورَةً غَيْرَ صُورَتِهَا ، فَوَجَبَ أَنْ لَا يَزُولَ التَّحْرِيمُ ، كَمَا لَوْ سَمَّى الْخَمْرَ بِغَيْرِ اسْمِهَا ، لَمْ يُبِحْ ذَلِكَ شُرْبَهَا ، وَقَدْ جَاءَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { لَيَسْتَحِلَّنَّ قَوْمٌ مِنْ أُمَّتِي الْخَمْرَ يُسَمُّونَهَا بِغَيْرِ اسْمِهَا } .\rوَمِنْ الْحِيَلِ فِي غَيْرِ الرِّبَا ، أَنَّهُمْ يَتَوَصَّلُونَ إلَى بَيْعِ الشَّيْءِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ ، أَنْ يَسْتَأْجِرَ بَيَاضَ أَرْضِ الْبُسْتَانِ بِأَمْثَالِ أُجْرَتِهِ ، ثُمَّ يُسَاقِيهِ عَلَى ثَمَرِ شَجَرِهِ بِجُزْءٍ مِنْ أَلْفِ جُزْءٍ لِلْمَالِكِ ،","part":8,"page":88},{"id":3588,"text":"وَتِسْعُمِائَةِ وَتِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ لِلْعَامِلِ ، وَلَا يَأْخُذُ مِنْهُ الْمَالِكُ شَيْئًا ، وَلَا يُرِيدُ ذَلِكَ ، وَإِنَّمَا قَصَدَ بَيْعَ الثَّمَرَةِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا بِمَا سَمَّاهُ أُجْرَةً ، وَالْعَامِلُ لَا يَقْصِدُ أَيْضًا سِوَى ذَلِكَ ، وَرُبَّمَا لَا يَنْتَفِعُ بِالْأَرْضِ الَّتِي سَمَّى الْأُجْرَةَ فِي مُقَابَلَتِهَا ، وَمَتَى لَمْ يَخْرُجْ الثَّمَرُ ، أَوْ أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ ، جَاءَ الْمُسْتَأْجِرُ يَطْلُبُ الْجَائِحَةَ ، وَيَعْتَقِدُ أَنَّهُ إنَّمَا بَذَلَ مَالَهُ فِي مُقَابَلَةِ الثَّمَرَةِ لَا غَيْرُ ، وَرَبُّ الْأَرْضِ يَعْلَمُ ذَلِكَ .","part":8,"page":89},{"id":3589,"text":"( 2862 ) فَصْلٌ : وَلَوْ اشْتَرَى شَيْئًا بِمُكَسَّرَةٍ ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يُعْطِيَهُ صَحِيحًا أَقَلَّ مِنْهَا .\rقَالَ أَحْمَدُ : هَذَا هُوَ الرِّبَا الْمَحْضُ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ يَأْخُذُ عِوَضَ الْفِضَّةِ أَقَلَّ مِنْهَا ، فَيَحْصُلُ التَّفَاضُلُ بَيْنَهُمَا .\rوَلَوْ اشْتَرَاهُ بِصَحِيحٍ ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يُعْطِيَهُ مُكَسَّرَةً أَكْثَرَ مِنْهَا كَذَلِكَ .\rفَإِنْ تَفَاسَخَا الْبَيْعَ ، ثُمَّ عَقَدَا بِالصِّحَاحِ ، أَوْ بِالْمُكَسَّرَةِ جَازَ .\rوَلَوْ اشْتَرَى ثَوْبًا بِنِصْفِ دِينَارٍ ، لَزِمَهُ نِصْفُ دِينَارٍ شِقٍّ ، فَإِنْ عَادَ فَاشْتَرَى شَيْئًا آخَرَ بِنِصْفٍ آخَرَ لَزِمَهُ نِصْفُ شِقٍّ أَيْضًا ، فَإِنْ وَفَّاهُ دِينَارًا صَحِيحًا ، بَطَلَ الْعَقْدُ الثَّانِي ؛ لِأَنَّهُ تَضَمَّنَ اشْتِرَاطَ زِيَادَةِ ثَمَنِ الْعَقْدِ الْأَوَّلِ ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ لُزُومِ الْعَقْدِ الْأَوَّلِ ، بَطَلَ أَيْضًا ؛ لِأَنَّهُ وُجِدَ مَا يُفْسِدُهُ قَبْلَ انْبِرَامِهِ .\rوَإِنْ كَانَ بَعْدَ تَفَرُّقِهِمَا فَلُزُومِهِ ، لَمْ يُؤَثِّرْ ذَلِكَ فِيهِ ، وَلَا يَلْزَمُهُ أَكْثَرُ مِنْ ثَمَنِهِ الَّذِي عَقَدَ الْبَيْعَ بِهِ .\rوَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فِي هَذَا كَمَا ذَكَرْنَا .","part":8,"page":90},{"id":3590,"text":"( 2863 ) فَصْلٌ : إذَا كَانَ لَهُ عِنْدَ رَجُلٍ دِينَارٌ وَدِيعَةً ، فَصَارَفَهُ بِهِ ، وَهُوَ مَعْلُومٌ بَقَاؤُهُ ، أَوْ مَظْنُونٌ ، صَحَّ الصَّرْفُ .\rوَإِنْ ظَنَّ أَنَّهُ غَيْرُ مَوْجُودٍ ، لَمْ يَصِحَّ الصَّرْفُ ؛ لِأَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الْمَعْدُومِ .\rوَإِنْ شَكَّ فِيهِ فَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ : يَصِحُّ .\rوَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَعْلُومِ الْبَقَاءِ .\rوَهُوَ مَنْصُوصُ الشَّافِعِيِّ .\rوَوَجْهُ الْأَوَّلِ ، أَنَّ الْأَصْلَ بَقَاؤُهُ ، فَصَحَّ الْبِنَاءُ عَلَيْهِ عِنْدَ الشَّكِّ ، فَإِنَّ الشَّكَّ لَا يُزِيلُ الْيَقِينَ ؛ وَلِذَلِكَ صَحَّ بَيْعُ الْحَيَوَانِ الْغَائِبِ الْمَشْكُوكِ فِي حَيَاتِهِ ، فَإِنْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ كَانَ تَالِفًا حِينَ الْعَقْدِ ، تَبَيَّنَّا أَنَّ الْعَقْدَ وَقَعَ بَاطِلًا .","part":8,"page":91},{"id":3591,"text":"( 2864 ) فَصْلٌ : وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ تُرَابِ الصَّاغَةِ وَالْمَعْدِنِ بِشَيْءٍ مِنْ جِنْسِهِ ؛ لِأَنَّهُ مَالُ رِبًا بِيعَ بِجِنْسِهِ عَلَى وَجْهٍ لَا تُعْلَمُ الْمُمَاثَلَةُ بَيْنَهُمَا ، فَلَمْ يَصِحَّ ، كَبَيْعِ الصُّبْرَةِ بِالصُّبْرَةِ .\rوَإِنْ بِيعَ بِغَيْرِ جِنْسِهِ ، فَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ أَحْمَدَ ، كَرَاهَةَ بَيْعِ تُرَابِ الْمَعَادِنِ .\rوَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَالشَّعْبِيِّ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَإِسْحَاقَ ؛ لِأَنَّهُ مَجْهُولٌ .\rوَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى فِي ( الْإِرْشَادِ ) : يَجُوزُ ذَلِكَ .\rوَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ الْحَسَنِ ، وَالنَّخَعِيِّ ، وَرَبِيعَةَ ، وَاللَّيْثِ ، قَالُوا : فَإِنْ اخْتَلَطَ ، أَوْ أَشْكَلَ فَلْيَبِعْهُ بِعَرْضٍ ، وَلَا يَبِعْهُ بِعَيْنٍ وَلَا وَرِقٍ ؛ لِأَنَّهُ بَاعَهُ بِمَا لَا رِبَا فِيهِ فَجَازَ ، كَمَا لَوْ اشْتَرَى ثَوْبًا بِدِينَارٍ وَدِرْهَمٍ .","part":8,"page":92},{"id":3592,"text":"( 2865 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ ( وَالْعَرَايَا الَّتِي أَرْخَصَ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ هُوَ أَنْ يُوهَبَ لِلْإِنْسَانِ مِنْ النَّخْلِ مَا لَيْسَ فِيهِ خَمْسَةُ أَوْسُقٍ ، فَيَبِيعَهَا بِخَرْصِهَا مِنْ التَّمْرِ لِمَنْ يَأْكُلُهَا رُطَبًا ) فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فُصُولٌ خَمْسَةٌ : ( 2866 ) فَصْلٌ أَوَّلُهَا ، فِي إبَاحَةِ بَيْعِ الْعَرَايَا فِي الْجُمْلَةِ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rمِنْهُمْ مَالِكٌ ، وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَأَهْلُ الشَّامِ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَحِلُّ بَيْعُهَا ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { نَهَى عَنْ بَيْعِ الْمُزَابَنَةِ ، وَالْمُزَابَنَةُ ، بَيْعُ الثَّمَرِ بِالثَّمَرِ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَلِأَنَّهُ يَبِيعُ الرُّطَبَ بِالتَّمْرِ مِنْ غَيْرِ كَيْلٍ فِي أَحَدِهِمَا ، فَلَمْ يَحُزْ ، كَمَا لَوْ كَانَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ ، أَوْ فِيمَا زَادَ عَلَى خَمْسَةِ أَوْسُقٍ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { رَخَّصَ فِي الْعَرَايَا فِي خَمْسَةِ أَوْسُقٍ ، أَوْ دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ، وَرَوَاهُ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ ، وَسَهْلُ بْنُ أَبِي حَثْمَةَ ، وَغَيْرُهُمَا .\rوَخَرَّجَهُ أَئِمَّةُ الْحَدِيثِ فِي كُتُبِهِمْ .\rوَحَدِيثُهُمْ فِي سِيَاقِهِ : { إلَّا الْعَرَايَا } كَذَلِكَ فِي الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ .\rوَهَذِهِ زِيَادَةٌ يَجِبُ الْأَخْذُ بِهَا .\rوَلَوْ قُدِّرَ تَعَارُضُ الْحَدِيثَيْنِ ، وَجَبَ تَقْدِيمُ حَدِيثِنَا لِخُصُوصِهِ ، جَمْعًا بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ ، وَعَمَلًا بِكِلَا النَّصَّيْنِ .\rوَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : الَّذِي نَهَى عَنْ الْمُزَابَنَةِ هُوَ الَّذِي أَرْخَصَ فِي الْعَرَايَا ، وَطَاعَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْلَى .\rوَالْقِيَاسُ لَا يُصَارُ إلَيْهِ مَعَ النَّصِّ مَعَ أَنَّ فِي الْحَدِيثِ ، أَنَّهُ أَرْخَصَ فِي الْعَرَايَا .\rوَالرُّخْصَةُ اسْتِبَاحَةُ الْمَحْظُورِ ، مَعَ وُجُودِ السَّبَبِ الْحَاظِرِ ، فَلَوْ مَنَعَ وُجُودُ السَّبَبِ مِنْ الِاسْتِبَاحَةِ ، لَمْ","part":8,"page":93},{"id":3593,"text":"يَبْقَ لَنَا رُخْصَةٌ بِحَالٍ .\r( 2867 ) الْفَصْلُ الثَّانِي ، أَنَّهَا لَا تَجُوزُ فِي زِيَادَةٍ عَلَى خَمْسَةِ أَوْسُقٍ ، بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ ، وَتَجُوزُ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ ، بِغَيْرِ خِلَافٍ بَيْنَ الْقَائِلِينَ بِجَوَازِهَا .\rفَأَمَّا فِي خَمْسَةِ أَوْسُقٍ ، فَلَا يَجُوزُ عِنْدَ إمَامِنَا رَحِمَهُ اللَّهُ .\rوَبِهِ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ ، وَالشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ .\rوَقَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ فِي قَوْلٍ : يَجُوزُ .\rوَرَوَاهُ إسْمَاعِيلُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ أَحْمَدَ ؛ لِأَنَّ فِي حَدِيثِ زَيْدٍ وَسَهْلٍ أَنَّهُ رَخَّصَ فِي الْعَرِيَّةِ ، مُطْلَقًا ، ثُمَّ اسْتَثْنَى مَا زَادَ عَلَى الْخَمْسَةِ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَشَكَّ فِي الْخَمْسَةِ فَاسْتَثْنَى الْيَقِينَ ، وَبَقِيَ الْمَشْكُوكُ فِيهِ عَلَى مُقْتَضَى الْإِبَاحَةِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { نَهَى عَنْ الْمُزَابَنَةِ .\r} وَالْمُزَابَنَةُ : بَيْعُ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ ، ثُمَّ أَرْخَصَ فِي الْعَرِيَّةِ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ ، وَشَكَّ فِي الْخَمْسَةِ ، فَيَبْقَى عَلَى الْعُمُومِ فِي التَّحْرِيمِ .\rوَلِأَنَّ الْعَرِيَّةَ رُخْصَةٌ بُنِيَتْ عَلَى خِلَافِ النَّصِّ وَالْقِيَاسِ يَقِينًا فِيمَا دُونَ الْخَمْسَةِ ، وَالْخَمْسَةُ مَشْكُوكٌ فِيهَا ، فَلَا تَثْبُتُ إبَاحَتُهَا مَعَ الشَّكِّ وَرَوَى ابْنُ الْمُنْذِرِ ، بِإِسْنَادِهِ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { رَخَّصَ فِي بَيْعِ الْعَرِيَّةِ فِي الْوَسْقِ وَالْوَسْقَيْنِ وَالثَّلَاثَةِ وَالْأَرْبَعَةِ .\r} وَالتَّخْصِيصُ بِهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا تَجُوزُ الزِّيَادَةُ فِي الْعَدَدِ عَلَيْهِ ، كَمَا اتَّفَقْنَا عَلَى أَنَّهُ لَا تَجُوزُ الزِّيَادَةُ عَلَى الْخَمْسَةِ ؛ لِتَخْصِيصِهِ إيَّاهَا بِالذِّكْرِ .\rوَرَوَى مُسْلِمٌ عَنْ سَهْلٍ ، { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَخَّصَ فِي بَيْعِ الْعَرِيَّةِ ؛ النَّخْلَةِ وَالنَّخْلَتَيْنِ .\r} وَلِأَنَّ خَمْسَةَ الْأَوْسُقِ فِي حُكْمِ مَا زَادَ عَلَيْهَا ؛ بِدَلِيلِ وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِيهَا دُونَ مَا نَقَصَ عَنْهَا ، وَلِأَنَّهَا قَدْرٌ تَجِبُ الزَّكَاةُ فِيهِ ، فَلَمْ يَجُزْ","part":8,"page":94},{"id":3594,"text":"بَيْعُهُ عَرِيَّةً ، كَالزَّائِدِ عَلَيْهَا .\rفَأَمَّا قَوْلُهُمْ : أَرْخَصَ فِي الْعَرِيَّةِ مُطْلَقًا ، فَلَمْ يَثْبُتْ أَنَّ الرُّخْصَةَ الْمُطْلَقَةَ سَابِقَةٌ عَلَى الرُّخْصَةِ الْمُقَيَّدَةِ ، وَلَا مُتَأَخِّرَةٌ عَنْهَا ، بَلْ الرُّخْصَةُ وَاحِدَةٌ ، رَوَاهَا بَعْضُهُمْ مُطْلَقَةً وَبَعْضُهُمْ مُقَيَّدَةً ، فَيَجِبُ حَمْلُ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ ، وَيَصِيرُ الْقَيْدُ الْمَذْكُورُ فِي أَحَدِ الْحَدِيثَيْنِ كَأَنَّهُ مَذْكُورٌ فِي الْآخَرِ ، وَلِذَلِكَ يُقَيَّدُ فِيمَا زَادَ عَلَى الْخَمْسَةِ ، اتِّفَاقًا .","part":8,"page":95},{"id":3595,"text":"( 2868 ) فَصْلٌ : وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِيَ أَكْثَرَ مِنْ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ ، فِيمَا زَادَ عَلَى صَفْقَةٍ ، سَوَاءٌ اشْتَرَاهَا مِنْ وَاحِدٍ أَوْ مِنْ جَمَاعَةٍ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يَجُوزُ لِلْإِنْسَانِ بَيْعُ جَمِيعِ ثَمَرِ حَائِطِهِ عَرَايَا ، مِنْ رَجُلٍ وَاحِدٍ ، وَمِنْ رِجَالٍ ، فِي عُقُودٍ مُتَكَرِّرَةٍ ؛ لِعُمُومِ حَدِيثِ زَيْدٍ وَسَهْلٍ ، وَلِأَنَّ كُلَّ عَقْدٍ جَازَ مَرَّةً ، جَازَ أَنْ يَتَكَرَّرَ ، كَسَائِرِ الْبُيُوعِ .\rوَلَنَا ، عُمُومُ النَّهْيِ عَنْ الْمُزَابَنَةِ ، اسْتَثْنَى مِنْهُ الْعَرِيَّةَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ ، فَمَا زَادَ يَبْقَى عَلَى الْعُمُومِ فِي التَّحْرِيمِ .\rوَلِأَنَّ مَا لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ الْعَقْدُ مَرَّةً إذَا كَانَ نَوْعًا وَاحِدًا ، لَا يَجُوزُ فِي عَقْدَيْنِ ، كَاَلَّذِي عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ ، وَكَالْجَمْعِ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ ، فَأَمَّا حَدِيثُ سَهْلٍ فَإِنَّهُ مُقَيَّدٌ بِالنَّخْلَةِ وَالنَّخْلَتَيْنِ ؛ بِدَلِيلِ مَا رَوَيْنَا ، فَيَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِ الزِّيَادَةِ عَلَيْهِمَا ، ثُمَّ إنَّ الْمُطْلَقَ يُحْمَلُ عَلَى الْمُقَيَّدِ كَمَا فِي الْعَقْدِ الْوَاحِدِ .\rفَأَمَّا إنْ بَاعَ رَجُلٌ عَرِيَّتَيْنِ مِنْ رَجُلَيْنِ فِيهِمَا أَكْثَرُ مِنْ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ جَازَ .\rوَقَالَ أَبُو بَكْرٍ وَالْقَاضِي : لَا يَجُوزُ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا فِي الْمُشْتَرِي .\rوَلَنَا أَنَّ الْمُغَلِّبَ فِي التَّجْوِيزِ حَاجَةُ الْمُشْتَرِي ؛ بِدَلِيلِ مَا رَوَى مَحْمُودُ بْنُ لَبِيدٍ قَالَ : { قُلْت لِزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ : مَا عَرَايَاكُمْ هَذِهِ ؟ فَسَمَّى رِجَالًا مُحْتَاجِينَ مِنْ الْأَنْصَارِ ، شَكَوْا إلَى رَسُولِ اللَّهِ أَنَّ الرُّطَبَ يَأْتِي وَلَا نَقْدَ بِأَيْدِيهِمْ يَبْتَاعُونَ بِهِ رُطَبًا يَأْكُلُونَهُ ، وَعِنْدَهُمْ فُضُولٌ مِنْ التَّمْرِ ، فَرَخَّصَ لَهُمْ أَنْ يَبْتَاعُوا الْعَرَايَا بِخَرْصِهَا مِنْ التَّمْرِ الَّذِي فِي أَيْدِيهِمْ يَأْكُلُونَهُ رُطَبًا .\r} وَإِذَا كَانَ سَبَبُ الرُّخْصَةِ حَاجَةَ الْمُشْتَرِي ، لَمْ تُعْتَبَرْ حَاجَةُ الْبَائِعِ إلَى الْبَيْعِ ، فَلَا يَتَقَيَّدُ فِي حَقِّهِ بِخَمْسَةِ أَوْسُقٍ .\rوَلِأَنَّنَا لَوْ اعْتَبَرْنَا الْحَاجَةَ مِنْ الْمُشْتَرِي وَحَاجَةَ الْبَائِعِ إلَى الْبَيْعِ ،","part":8,"page":96},{"id":3596,"text":"أَفْضَى إلَى أَنْ لَا يَحْصُلَ الْإِرْفَاقُ ، إذْ لَا يَكَادُ يَتَّفِقُ وُجُودُ الْحَاجَتَيْنِ ، فَتَسْقُطُ الرُّخْصَةُ .\rفَإِنْ قُلْنَا : لَا يَجُوزُ ذَلِكَ ، بَطَلَ الْعَقْدُ الثَّانِي .\rفَإِنْ اشْتَرَى عَرِيَّتَيْنِ أَوْ بَاعَهُمَا ، وَفِيهِمَا أَقَلُّ مِنْ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ ، جَازَ ، وَجْهًا وَاحِدًا .\r( 2869 ) الْفَصْلُ الثَّالِثُ ، أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي بَيْعِ الْعَرِيَّةِ أَنْ تَكُونَ مَوْهُوبَةً لِبَائِعِهَا .\rهَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ أَصْحَابِنَا .\rوَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَظَاهِرُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ ، أَنَّهُ شَرْطٌ .\rوَقَدْ رَوَى الْأَثْرَمُ ، قَالَ : سَمِعْت أَحْمَدَ سُئِلَ عَنْ تَفْسِيرِ الْعَرَايَا .\rفَقَالَ : الْعَرَايَا أَنْ يُعْرِيَ الرَّجُلُ الْجَارَ أَوْ الْقَرَابَةَ لِلْحَاجَةِ أَوْ الْمَسْكَنَةِ ، فَلِلْمُعْرِي أَنْ يَبِيعَهَا مِمَّنْ شَاءَ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : بَيْعُ الْعَرَايَا الْجَائِزُ هُوَ أَنْ يُعْرِيَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ نَخَلَاتٍ مِنْ حَائِطِهِ ، ثُمَّ يَكْرَهُ صَاحِبُ الْحَائِطِ دُخُولَ الرَّجُلِ الْمُعْرِي ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا كَانَ مَعَ أَهْلِهِ فِي الْحَائِطِ ، فَيُؤْذِيهِ دُخُولُ صَاحِبِهِ عَلَيْهِ ، فَيَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِيَهَا مِنْهُ .\rوَاحْتَجُّوا بِأَنَّ الْعَرِيَّةَ فِي اللُّغَةِ هِبَةُ ثَمَرَةِ النَّخِيلِ عَامًا .\rقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : الْإِعْرَاءُ ، أَنْ يَجْعَلَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ ثَمَرَةَ نَخْلِهِ عَامَهَا ذَلِكَ .\rقَالَ الشَّاعِرُ الْأَنْصَارِيُّ يَصِفُ النَّخْلَ : لَيْسَتْ بِسَنْهَاءَ وَلَا رَجَبِيَّةٍ وَلَكِنْ عَرَايَا فِي السِّنِينَ الْجَوَائِحِ يَقُولُ : إنَّا نُعْرِيهَا النَّاسَ .\rفَتَعَيَّنَ صَرْفُ اللَّفْظِ إلَى مَوْضُوعِهِ لُغَةً وَمُقْتَضَاهُ فِي الْعَرَبِيَّةِ ، مَا لَمْ يُوجَدْ مَا يَصْرِفُهُ عَنْ ذَلِكَ .\rوَلَنَا ، حَدِيثُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، وَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى مَالِكٍ ، فِي تَصْرِيحِهِ بِجَوَازِ بَيْعِهَا مِنْ غَيْرِ الْوَاهِبِ ، وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ لِحَاجَةِ الْوَاهِبِ لَمَا اُخْتُصَّ بِخَمْسَةِ أَوْسُقٍ ، لِعَدَمِ اخْتِصَاصِ الْحَاجَةِ بِهَا .\rوَلَمْ يَجُزْ بَيْعُهَا بِالتَّمْرِ ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ حَالِ صَاحِبِ الْحَائِطِ الَّذِي لَهُ النَّخِيلُ الْكَثِيرُ يُعْرِيهِ النَّاسَ ،","part":8,"page":97},{"id":3597,"text":"أَنَّهُ لَا يَعْجِزُ عَنْ أَدَاءِ ثَمَنِ الْعَرِيَّةِ ، وَفِيهِ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ اشْتَرَطَ كَوْنَهَا مَوْهُوبَةً لِبَائِعِهَا ؛ لِأَنَّ عِلَّةَ الرُّخْصَةِ حَاجَةُ الْمُشْتَرِي إلَى أَكْلِ الرُّطَبِ ، وَلَا ثَمَنَ مَعَهُ سِوَى التَّمْرِ ، فَمَتَى وَجَدَ ذَلِكَ ، جَازَ الْبَيْعُ .\rوَلِأَنَّ اشْتِرَاطَ كَوْنِهَا مَوْهُوبَةً مَعَ اشْتِرَاطِ حَاجَةِ الْمُشْتَرِي إلَى أَكْلِهَا رُطَبًا ، وَلَا ثَمَنَ مَعَهُ ، يُفْضِي إلَى سُقُوطِ الرُّخْصَةِ ، إذْ لَا يَكَادُ يَتَّفِقُ ذَلِكَ .\rوَلِأَنَّ مَا جَازَ بَيْعُهُ إذَا كَانَ مَوْهُوبًا ، جَازَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَوْهُوبًا ، كَسَائِرِ الْأَمْوَالِ ، وَمَا جَازَ بَيْعُهُ لِوَاهِبِهِ ، جَازَ لِغَيْرِهِ ، كَسَائِرِ الْأَمْوَالِ ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ عَرِيَّةً لِتَعَرِّيهِ عَنْ غَيْرِهِ ، وَإِفْرَادِهِ بِالْبَيْعِ .\r( 2870 ) الْفَصْلُ الرَّابِعُ : أَنَّهُ إنَّمَا يَجُوزُ بَيْعُهَا بِخَرْصِهَا مِنْ التَّمْرِ ، لَا أَقَلَّ مِنْهُ وَلَا أَكْثَرَ وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ التَّمْرُ الَّذِي يَشْتَرِي بِهِ مَعْلُومًا بِالْكَيْلِ ، وَلَا يَجُوزُ جُزَافًا .\rلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا عِنْدَ مَنْ أَبَاحَ بَيْعَ الْعَرَايَا اخْتِلَافًا ؛ لِمَا رَوَى زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ ، { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْخَصَ فِي الْعَرَايَا أَنْ تُبَاعَ بِخَرْصِهَا كَيْلًا .\r} مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلِمُسْلِمِ ، أَنْ تُؤْخَذَ بِمِثْلِ خَرْصِهَا تَمْرًا يَأْكُلُهَا أَهْلُهَا رُطَبًا .\rوَلِأَنَّ الْأَصْلَ اعْتِبَارُ الْكَيْلِ مِنْ الطَّرَفَيْنِ ، سَقَطَ فِي أَحَدِهِمَا لِلتَّعَذُّرِ ، فَيَجِبُ فِي الْآخَرِ بِقَضِيَّةِ الْأَصْلِ .\rوَلِأَنَّ تَرْكَ الْكَيْلِ مِنْ الطَّرَفَيْنِ يُكْثِرُ الْغَرَرَ ، وَفِي تَرْكِهِ مِنْ أَحَدِهِمَا يُقَلِّلُ الْغَرَرَ ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ صِحَّتِهِ مَعَ قِلَّةِ الْغَرَرِ ، صِحَّتُهُ مَعَ كَثْرَتِهِ .\rوَمَعْنَى خَرْصِهَا بِمِثْلِهَا مِنْ التَّمْرِ ، أَنْ يُطِيفَ الْخَارِصُ بِالْعَرِيَّةِ ، فَيَنْظُرَ كَمْ يَجِيءُ مِنْهَا تَمْرًا ، فَيَشْتَرِيَهَا الْمُشْتَرِي بِمِثْلِهَا تَمْرًا .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَنَقَلَ حَنْبَلٌ عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّهُ قَالَ : يَخْرُصُهَا رُطَبًا ، وَيُعْطِي تَمْرًا رُخْصَةً .","part":8,"page":98},{"id":3598,"text":"وَهَذَا يَحْتَمِلُ الْأَوَّلَ ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ يَشْتَرِيهَا بِتَمْرٍ مِثْلِ الرُّطَبِ الَّذِي عَلَيْهَا ؛ لِأَنَّهُ بَيْعٌ اُشْتُرِطَتْ الْمُمَاثَلَةُ فِيهِ ، فَاعْتُبِرَتْ حَالَ الْبَيْعِ كَسَائِرِ الْبُيُوعِ .\rوَلِأَنَّ الْأَصْلَ اعْتِبَارُ الْمُمَاثَلَةِ فِي الْحَالِ ، وَأَنْ لَا يُبَاعَ الرُّطَبُ بِالتَّمْرِ .\rخُولِفَ الْأَصْلُ فِي بَيْعِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ ، فَيَبْقَى فِيمَا عَدَاهُ عَلَى قَضِيَّةِ الدَّلِيلِ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : الْأَوَّلُ أَصَحُّ ؛ لِأَنَّهُ يُبْنَى عَلَى خَرْصِ الثِّمَارِ فِي الْعُشْرِ وَالصَّحِيحِ ، ثُمَّ خَرْصِهِ تَمْرًا .\rوَلِأَنَّ الْمُمَاثَلَةَ فِي بَيْعِ التَّمْرِ بِالتَّمْرِ مُعْتَبَرَةٌ حَالَةَ الِادِّخَارِ ، وَبَيْعُ الرُّطَبِ بِمِثْلِهِ تَمْرًا يُفْضِي إلَى فَوَاتِ ذَلِكَ .\rفَأَمَّا إنْ اشْتَرَاهَا بِخَرْصِهَا رُطَبًا ، لَمْ يَجُزْ .\rوَهَذَا أَحَدُ الْوُجُوهِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ .\rوَالثَّانِي يَجُوزُ .\rوَالثَّالِث ، لَا يَجُوزُ مَعَ اتِّفَاقِ النَّوْعِ ، وَيَجُوزُ مَعَ اخْتِلَافِهِ .\rوَوَجْهُ جَوَازِهِ ، مَا رَوَى الْجُوزَجَانِيُّ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ اللَّيْثِ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، { عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ أَرْخَصَ بَعْدَ ذَلِكَ فِي بَيْعِ الْعَرِيَّةِ بِالرُّطَبِ ، أَوْ التَّمْرِ ، وَلَمْ يُرَخِّصْ فِي غَيْرِ ذَلِكَ .\r} وَلِأَنَّهُ إذَا جَازَ بَيْعُ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ مَعَ اخْتِصَاصِ أَحَدِهِمَا بِالنَّقْصِ فِي ثَانِي الْحَالِ ، فَلَأَنْ يَجُوزَ مَعَ عَدَمِ ذَلِكَ أَوْلَى .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى مُسْلِمٌ بِإِسْنَادِهِ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْخَصَ فِي الْعَرَايَا أَنْ تُؤْخَذَ بِمِثْلِ خَرْصِهَا تَمْرًا .\r} وَعَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ ، { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ بِالتَّمْرِ ، وَقَالَ : ذَلِكَ الرِّبَا ، تِلْكَ الْمُزَابَنَةُ .\rإلَّا أَنَّهُ رَخَّصَ فِي الْعَرِيَّةِ ، النَّخْلَةِ وَالنَّخْلَتَيْنِ ، يَأْخُذُهَا أَهْلُ الْبَيْتِ بِخَرْصِهَا تَمْرًا ، يَأْكُلُونَهَا رُطَبًا .\r}","part":8,"page":99},{"id":3599,"text":"وَلِأَنَّهُ مَبِيعٌ يَجِبُ فِيهِ مِثْلُهُ تَمْرًا ، فَلَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ بِمِثْلِهِ رُطَبًا ، كَالتَّمْرِ الْجَافِّ .\rوَلِأَنَّ مَنْ لَهُ رُطَبٌ فَهُوَ مُسْتَغْنٍ عَنْ شِرَاءِ الرُّطَبِ بِأَكْلِ مَا عِنْدَهُ ، وَبَيْعُ الْعَرَايَا يُشْتَرَطُ فِيهِ حَاجَةُ الْمُشْتَرِي ، عَلَى مَا أَسْلَفْنَاهُ .\rوَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ شَكٌّ فِي الرُّطَبِ وَالتَّمْرِ ، فَلَا يَجُوزُ الْعَمَلُ بِهِ مَعَ الشَّكِّ ، سِيَّمَا وَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ تُبَيِّنُهُ ، وَتُزِيلُ الشَّكَّ .","part":8,"page":100},{"id":3600,"text":"( 2871 ) فَصْلٌ : وَيُشْتَرَطُ فِي بَيْعِ الْعَرَايَا التَّقَابُضُ فِي الْمَجْلِسِ .\rوَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا ؛ لِأَنَّهُ بَيْعُ تَمْرٍ بِتَمْرٍ ، فَاعْتُبِرَ فِيهِ شُرُوطُهُ ، إلَّا مَا اسْتَثْنَاهُ الشَّرْعُ مِمَّا لَا يُمْكِنُ اعْتِبَارُهُ فِي بَيْعِ الْعَرَايَا .\rوَالْقَبْضُ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى حَسْبِهِ ، فَفِي التَّمْرِ اكْتِيَالُهُ أَوْ نَقْلُهُ ، وَفِي الثَّمَرَةِ التَّخْلِيَةُ .\rوَلَيْسَ مِنْ شُرُوطِهِ حُضُورُ التَّمْرِ عِنْدَ النَّخِيلِ ، بَلْ لَوْ تَبَايَعَا بَعْدَ مَعْرِفَةِ التَّمْرِ وَالثَّمَرَةِ ، ثُمَّ مَضَيَا جَمِيعًا إلَى النَّخْلَةِ ، فَسَلَّمَهَا إلَى مُشْتَرِيهَا ، ثُمَّ مَشَيَا إلَى التَّمْرِ فَتَسَلَّمَهُ مِنْ مُشْتَرِيهَا ، أَوْ تَسَلَّمَ التَّمْرَ ثُمَّ مَضَيَا إلَى النَّخْلَةِ جَمِيعًا فَسَلَّمَهَا إلَى مُشْتَرِيهَا ، أَوْ سَلَّمَ النَّخْلَةَ ، ثُمَّ مَضَيَا إلَى التَّمْرِ فَتَسَلَّمَهُ ، جَازَ ؛ لِأَنَّ التَّفَرُّقَ لَا يَحْصُلُ قَبْلَ الْقَبْضِ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّ بَيْعَ الْعَرِيَّةِ يَقَعُ عَلَى وَجْهَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، أَنْ يَقُولَ : بِعْتُك ثَمَرَةَ هَذِهِ النَّخْلَةِ بِكَذَا وَكَذَا مِنْ التَّمْرِ .\rوَيَصِفُهُ .\rوَالثَّانِي ، أَنْ يَكِيلَ مِنْ التَّمْرِ بِقَدْرِ خَرْصِهَا ، ثُمَّ يَقُولَ : بِعْتُك هَذَا بِهَذَا ، أَوْ يَقُولَ : بِعْتُك ثَمَرَةَ هَذِهِ النَّخْلَةِ بِهَذَا التَّمْرِ ، وَنَحْوَ هَذَا .\rوَإِنْ بَاعَهُ بِمُعَيَّنٍ فَقَبْضُهُ بِنَقْلِهِ وَأَخْذِهِ ، وَإِنْ بَاعَ بِمَوْصُوفِ فَقَبْضُهُ بِاكْتِيَالِهِ .\r( 2872 ) الْفَصْلُ الْخَامِسُ : أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُهَا إلَّا لِمُحْتَاجٍ إلَى أَكْلِهَا رُطَبًا ، وَلَا يَجُوزُ بَيْعُهَا لِغَنِيٍّ .\rوَهَذَا أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ ، وَأَبَاحَهَا فِي الْقَوْلِ الْآخَرِ مُطْلَقًا لِكُلِّ أَحَدٍ ؛ لِأَنَّ كُلَّ بَيْعٍ جَازَ لِلْمُحْتَاجِ ، جَازَ لِلْغَنِيِّ ، كَسَائِرِ الْبِيَاعَاتِ ، وَلِأَنَّ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ وَسَهْلٍ مُطْلَقَانِ .\rوَلَنَا حَدِيثُ { زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، حِينَ سَأَلَهُ ، مَحْمُودُ بْنُ لَبِيدٍ مَا عَرَايَاكُمْ هَذِهِ ؟ فَسَمَّى رِجَالًا مُحْتَاجِينَ مِنْ الْأَنْصَارِ ، شَكَوْا إلَى رَسُولِ","part":8,"page":101},{"id":3601,"text":"اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ الرُّطَبَ يَأْتِي وَلَا نَقْدَ بِأَيْدِيهِمْ يَبْتَاعُونَ بِهِ رُطَبًا يَأْكُلُونَهُ ، وَعِنْدَهُمْ فُضُولٌ مِنْ التَّمْرِ ، فَرَخَّصَ لَهُمْ أَنْ يَبْتَاعُوا الْعَرَايَا بِخَرْصِهَا مِنْ التَّمْرِ يَأْكُلُونَهُ رُطَبًا .\r} وَمَتَى خُولِفَ الْأَصْلُ بِشَرْطٍ ، لَمْ تَجُزْ مُخَالَفَتُهُ بِدُونِ ذَلِكَ الشَّرْطِ .\rوَلِأَنَّ مَا أُبِيحَ لِلْحَاجَةِ ، لَمْ يُبَحْ مَعَ عَدَمِهَا ، كَالزَّكَاةِ لِلْمَسَاكِينِ ، وَالتَّرَخُّصِ فِي السَّفَرِ .\rفَعَلَى هَذَا ، مَتَى كَانَ صَاحِبُهَا غَيْرَ مُحْتَاجٍ إلَى أَكْلِ الرُّطَبِ ، أَوْ كَانَ مُحْتَاجًا ، وَمَعَهُ مِنْ الثَّمَنِ مَا يَشْتَرِي بِهِ الْعَرِيَّةَ ، لَمْ يَجُزْ لَهُ شِرَاؤُهَا بِالتَّمْرِ ، وَسَوَاءٌ بَاعَهَا لِوَاهِبِهَا تَحَرُّزًا مِنْ دُخُولِ صَاحِبِ الْعَرِيَّةِ حَائِطَهُ كَمَذْهَبِ مَالِكٍ ، أَوْ لِغَيْرِهِ ، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ .\rوَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ يُبَاحُ .\rوَيَحْتَمِلُهُ كَلَامُ أَحْمَدَ ؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ وُجِدَتْ مِنْ الْجَانِبَيْنِ ، فَجَازَ .\rكَمَا لَوْ كَانَ الْمُشْتَرِي مُحْتَاجًا إلَى أَكْلِهَا .\rوَلَنَا ، حَدِيثُ زَيْدٍ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ ، وَالرُّخْصَةُ لِمَعْنًى خَاصٍّ لَا تَثْبُتُ مَعَ عَدَمِهِ ، وَلِأَنَّ فِي حَدِيثِ زَيْدٍ وَسَهْلٍ : { يَأْكُلُهَا أَهْلُهَا رُطَبًا } .\rوَلَوْ جَازَ لِتَخْلِيصِ الْمُعْرِي لَمَا شُرِطَ ذَلِكَ .\rفَيُشْتَرَطُ إذًا فِي بَيْعِ الْعَرِيَّةِ شُرُوطٌ خَمْسَةٌ ، أَنْ يَكُونَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ ، وَبَيْعُهَا بِخَرْصِهَا مِنْ التَّمْرِ ، وَقَبْضُ ثَمَنِهَا قَبْلَ التَّفَرُّقِ ، وَحَاجَةُ الْمُشْتَرِي إلَى أَكْلِ الرُّطَبِ ، وَأَنْ لَا يَكُونَ مَعَهُ مَا يَشْتَرِي بِهِ سِوَى التَّمْرِ .\rوَاشْتَرَطَ الْقَاضِي وَأَبُو بَكْرٍ شَرْطًا سَادِسًا ، وَهُوَ حَاجَةُ الْبَائِعِ إلَى الْبَيْعِ .\rوَاشْتَرَطَ الْخِرَقِيِّ ، كَوْنَهَا مَوْهُوبَةً لِبَائِعِهَا .\rوَاشْتَرَطَ أَصْحَابُنَا لِبَقَاءِ الْعَقْدِ ، بِأَنْ يَأْكُلَهَا أَهْلُهَا رُطَبًا .\rفَإِنْ تَرَكَهَا حَتَّى تَصِيرَ تَمْرًا بَطَلَ الْعَقْدُ .\rوَسَنَذْكُرُ ذَلِكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .","part":8,"page":102},{"id":3602,"text":"( 2873 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : فَإِنْ تَرَكَهُ الْمُشْتَرِي حَتَّى يُتْمِرَ بَطَلَ الْعَقْدُ يَعْنِي إنْ لَمْ يَأْخُذْهَا الْمُشْتَرِي رُطَبًا بَطَلَ الْعَقْدُ ، خِلَافًا لِلشَّافِعِي فِي قَوْلِهِ : لَا يَبْطُلُ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ مِثْلُهُ ؛ لِأَنَّ كُلَّ ثَمَرَةٍ جَازَ بَيْعُهَا رُطَبًا ، لَا يَبْطُلُ الْعَقْدُ إذَا صَارَتْ تَمْرًا ، كَغَيْرِ الْعَرِيَّةِ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { يَأْكُلُهَا أَهْلُهَا رُطَبًا } .\rوَلِأَنَّ شِرَاءَهَا إنَّمَا جَازَ لِلْحَاجَةِ إلَى أَكْلِ الرُّطَبِ ، فَإِذَا أَتْمَرَتْ تَبَيَّنَّا عَدَمَ الْحَاجَةِ ، فَيَبْطُلُ الْعَقْدُ .\rثُمَّ لَا فَرْقَ بَيْنَ تَرْكِهِ لِغِنَاهُ عَنْهَا ، أَوْ مَعَ حَاجَتِهِ إلَيْهَا ، أَوْ تَرْكِهَا لِعُذْرٍ ، أَوْ لِغَيْرِ عُذْرٍ ؛ لِلْخَبَرِ .\rوَلَوْ أَخَذَهَا رُطَبًا فَتَرَكَهَا عِنْدَهُ فَأَتْمَرَتْ ، أَوْ شَمَّسَهَا ، حَتَّى صَارَتْ تَمْرًا ، جَازَ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَخَذَهَا .\rوَنُقِلَ عَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى فِي مَنْ اشْتَرَى ثَمَرَةً قَبْلَ بَدْو صَلَاحِهَا ، ثُمَّ تَرَكَهَا حَتَّى بَدَا صَلَاحُهَا ، لَا يَبْطُلُ الْبَيْعُ .\rفَيُخَرَّجُ هَاهُنَا مِثْلُهُ .\rفَإِنْ أَخَذَ بَعْضَهَا رُطَبًا ، وَتَرَكَ بَاقِيَهَا حَتَّى أَتْمَرَ ، فَهَلْ يَبْطُلُ الْبَيْعُ فِي الْبَاقِي ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ .","part":8,"page":103},{"id":3603,"text":"( 2874 ) فَصْلٌ : وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الْعَرِيَّةِ فِي غَيْرِ النَّخِيلِ ، وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ حَامِدٍ ، وَقَوْلُ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ .\rإلَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّا ثَمَرَتُهُ لَا يَجْرِي فِيهَا الرِّبَا ، فَيَجُوزُ بَيْعُ رَطْبِهَا بِيَابِسِهَا ؛ لِعَدَمِ جَرَيَانِ الرِّبَا فِيهَا .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يَجُوزَ فِي الْعِنَبِ وَالرُّطَبِ دُونَ غَيْرِهِمَا .\rوَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ الْعِنَبَ كَالرُّطَبِ فِي وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِيهِمَا ، وَجَوَازِ خَرْصِهِمَا ، وَتَوْسِيقِهِمَا ، وَكَثْرَةِ تَيْبِيسِهِمَا ، وَاقْتِيَاتِهِمَا فِي بَعْضِ الْبُلْدَانِ وَالْحَاجَةِ إلَى أَكْلِ رَطْبِهِمَا ، وَالتَّنْصِيصُ عَلَى الشَّيْءِ يُوجِبُ ثُبُوتَ الْحُكْمِ فِي مِثْلِهِ .\rوَلَا يَجُوزُ فِي غَيْرِهِمَا ؛ لِاخْتِلَافِهِمَا فِي أَكْثَرِ هَذِهِ الْمَعَانِي ، فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُ خَرْصُهَا ؛ لِتَفَرُّقِهَا فِي الْأَغْصَانِ ، وَاسْتِتَارِهَا بِالْأَوْرَاقِ ، وَلَا يُقْتَاتُ يَابِسَهَا ، فَلَا يَحْتَاجُ إلَى الشِّرَاءِ بِهِ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : يَجُوزُ فِي سَائِرِ الثِّمَارِ .\rوَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالْأَوْزَاعِيِّ قِيَاسًا عَلَى ثَمَرَةِ النَّخِيلِ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى التِّرْمِذِيُّ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { نَهَى عَنْ الْمُزَابَنَةِ ، الثَّمَرِ بِالتَّمْرِ ، إلَّا أَصْحَابَ الْعَرَايَا ، فَإِنَّهُ قَدْ أَذِنَ لَهُمْ ، وَعَنْ بَيْعِ الْعِنَبِ بِالزَّبِيبِ ، وَكُلِّ ثَمَرَةٍ بِخَرْصِهَا .\r} وَهَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ .\rوَهَذَا يَدُلُّ عَلَى تَخْصِيصِ الْعَرِيَّةِ بِالتَّمْرِ .\rوَعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، { عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ رَخَّصَ بَعْدَ ذَلِكَ فِي بَيْعِ الْعَرِيَّةِ بِالرُّطَبِ أَوْ بِالتَّمْرِ وَلَمْ يُرَخِّصْ فِي غَيْرِ ذَلِكَ } .\rوَعَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : { نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْمُزَابَنَةِ } ، وَالْمُزَابَنَةُ : بَيْعُ ثَمَرِ النَّخْلِ بِالتَّمْرِ كَيْلًا ، وَبَيْعُ الْعِنَبِ بِالزَّبِيبِ كَيْلًا ، وَعَنْ كُلِّ ثَمَرَةٍ بِخَرْصِهِ .\rوَلِأَنَّ الْأَصْلَ يَقْتَضِي تَحْرِيمَ بَيْعِ الْعَرِيَّةِ ، وَإِنَّمَا جَازَتْ فِي ثَمَرَةِ النَّخِيلِ رُخْصَةً ،","part":8,"page":104},{"id":3604,"text":"وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُ غَيْرِهَا عَلَيْهَا لِوَجْهَيْنِ ؛ أَحَدِهِمَا ، أَنَّ غَيْرَهَا لَا يُسَاوِيهَا فِي كَثْرَةِ الِاقْتِيَاتِ بِهَا ، وَسُهُولَةِ خَرْصِهَا ، وَكَوْنِ الرُّخْصَةِ فِي الْأَصْلِ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ ، وَإِنَّمَا كَانَتْ حَاجَتُهُمْ إلَى الرُّطَبِ دُونَ غَيْرِهِ .\rالثَّانِي ، أَنَّ الْقِيَاسَ لَا يُعْمَلُ بِهِ إذَا خَالَفَ نَصًّا ، وَقِيَاسُهُمْ يُخَالِفُ نُصُوصًا غَيْرَ مَخْصُوصَةٍ ، وَإِنَّمَا يَجُوزُ التَّخْصِيصُ بِالْقِيَاسِ عَلَى الْمَحِلِّ الْمَخْصُوصِ ، { وَنَهْيُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعِ الْعِنَبِ بِالزَّبِيبِ } لَمْ يَدْخُلْهُ تَخْصِيصٌ فَيُقَاسُ عَلَيْهِ ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ الثِّمَارِ .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":8,"page":105},{"id":3605,"text":"بَابُ بَيْعِ الْأُصُولِ وَالثِّمَارِ ( 2875 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ ، رَحِمَهُ اللَّهُ : ( وَمَنْ بَاعَ نَخْلًا مُؤَبَّرًا ، وَهُوَ مَا قَدْ تَشَقَّقَ طَلْعُهُ ، فَالثَّمَرَةُ لِلْبَائِعِ مَتْرُوكَةً فِي النَّخْلِ إلَى الْجِزَازِ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهَا الْمُبْتَاعُ ) .\rأَصْلُ الْإِبَارِ عِنْد أَهْل الْعِلْمِ : التَّلْقِيحُ .\rقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : إلَّا أَنَّهُ لَا يَكُونُ حَتَّى يَتَشَقَّقَ الطَّلْعُ ، وَتَظْهَرَ الثَّمَرَةُ ، فَعُبِّرَ بِهِ عَنْ ظُهُورِ الثَّمَرَةِ ؛ لِلُزُومِهِ مِنْهُ .\rوَالْحُكْمُ مُتَعَلِّقٌ بِالظُّهُورِ ، دُونَ نَفْسِ التَّلْقِيحِ ، بِغَيْرِ اخْتِلَافٍ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ ، يُقَالُ : أَبَّرْت النَّخْلَةَ بِالتَّخْفِيفِ وَالتَّشْدِيدِ ، فَهِيَ مُؤَبَّرَةٌ وَمَأْبُورَةٌ .\rوَمِنْهُ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { خَيْرُ الْمَالِ سِكَّةٌ مَأْبُورَةٌ .\r} وَالسِّكَّةُ : النَّخْلُ الْمَصْفُوفُ .\rوَأَبَّرْت النَّخْلَةَ آبُرُهَا أَبْرًا ، وَإِبَارًا ، وَأَبَرَّتْهَا تَأْبِيرًا ، وَتَأَبَّرَتْ النَّخْلَةُ ، وَائْتَبَرَتْ ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ : تَأَبَّرِي يَا خِيرَةَ الْفَسِيلِ وَفَسَّرَ الْخِرَقِيِّ الْمُؤَبَّرَ بِمَا قَدْ تَشَقَّقَ طَلْعُهُ ؛ لِتَعَلُّقِ الْحُكْمِ بِذَلِكَ ، دُونَ نَفْسِ التَّأْبِيرِ .\rقَالَ الْقَاضِي : وَقَدْ يَتَشَقَّقُ الطَّلْعُ بِنَفْسِهِ فَيَظْهَرُ ، وَقَدْ يَشُقُّهُ الصِّعَادُ فَيَظْهَرُ .\rوَأَيُّهُمَا كَانَ فَهُوَ التَّأْبِيرُ الْمُرَادُ هَاهُنَا .\rوَفِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فُصُولٌ ثَلَاثَةٌ : ( 2876 ) الْفَصْلُ الْأَوَّلُ : أَنَّ الْبَيْعَ مَتَى وَقَعَ عَلَى نَخْلٍ مُثْمِرٍ ، وَلَمْ يَشْتَرِطْ الثَّمَرَةَ ، وَكَانَتْ الثَّمَرَةُ مُؤَبَّرَةً ، فَهِيَ لِلْبَائِعِ .\rوَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مُؤَبَّرَةٍ ، فَهِيَ لِلْمُشْتَرِي .\rوَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ ، وَاللَّيْثُ ، وَالشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى : هِيَ لِلْمُشْتَرِي فِي الْحَالَيْنِ ؛ لِأَنَّهَا مُتَّصِلَةٌ بِالْأَصْلِ اتِّصَالَ خِلْقَةٍ ، فَكَانَتْ تَابِعَةً لَهُ ، كَالْأَغْصَانِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ : هِيَ لِلْبَائِعِ فِي الْحَالَيْنِ ؛ لِأَنَّ هَذَا نَمَاءٌ لَهُ حَدٌّ ، فَلَمْ","part":8,"page":106},{"id":3606,"text":"يَتْبَعْ أَصْلَهُ فِي الْبَيْعِ ، كَالزَّرْعِ فِي الْأَرْضِ .\rوَلَنَا قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ ابْتَاعَ نَخْلًا بَعْدَ أَنْ تُؤَبَّرَ ، فَثَمَرَتُهَا لِلَّذِي بَاعَهَا ، إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَهَذَا صَرِيحٌ فِي رَدِّ قَوْلِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى ، وَحُجَّةٌ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ وَالْأَوْزَاعِيِّ بِمَفْهُومِهِ ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ التَّأْبِيرَ حَدًّا لِمِلْكِ الْبَائِعِ لِلثَّمَرَةِ ، فَيَكُونُ مَا قَبْلَهُ لِلْمُشْتَرِي ، وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ حَدًّا ، وَلَا كَانَ ذِكْرُ التَّأْبِيرِ مُفِيدًا .\rوَلِأَنَّهُ نَمَاءٌ كَامِنٌ لِظُهُورِهِ غَايَةٌ ، فَكَانَ تَابِعًا لِأَصْلِهِ قَبْلَ ظُهُورِهِ ، وَغَيْرَ تَابِعٍ لَهُ بَعْدَ ظُهُورِهِ ، كَالْحَمْلِ فِي الْحَيَوَانِ .\rفَأَمَّا الْأَغْصَانُ ، فَإِنَّهَا تَدْخُلُ فِي اسْمِ النَّخْلِ ، وَلَيْسَ لِانْفِصَالِهَا غَايَةٌ ، وَالزَّرْعُ لَيْسَ مِنْ نَمَاءِ الْأَرْضِ ، وَإِنَّمَا هُوَ مُودَعٌ فِيهَا .","part":8,"page":107},{"id":3607,"text":"( 2877 ) الْفَصْلُ الثَّانِي : أَنَّهُ مَتَى اشْتَرَطَهَا أَحَدُ الْمُتَبَايِعَيْنِ ، فَهِيَ لَهُ مُؤَبَّرَةً كَانَتْ أَوْ غَيْرَ مُؤَبَّرَةٍ ، الْبَائِعُ فِيهِ وَالْمُشْتَرِي سَوَاءٌ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : إنْ اشْتَرَطَهَا الْمُشْتَرِي بَعْدَ التَّأْبِيرِ ، جَازَ ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ شِرَائِهَا مَعَ أَصْلِهَا ، وَإِنْ اشْتَرَطَهَا الْبَائِعُ قَبْلَ التَّأْبِيرِ ، لَمْ يَجُزْ ؛ لِأَنَّ اشْتِرَاطَهُ لَهَا بِمَنْزِلَةِ شِرَائِهِ لَهَا قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا بِشَرْطِ تَرْكِهَا .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ اسْتَثْنَى بَعْضَ مَا وَقَعَ عَلَيْهِ الْعَقْدُ وَهُوَ مَعْلُومٌ ، فَصَحَّ ، كَمَا لَوْ بَاعَ حَائِطًا ، وَاسْتَثْنَى نَخْلَةً بِعَيْنِهَا ، { وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ الثُّنْيَا ، إلَّا أَنْ تُعْلَمَ } .\rوَلِأَنَّهُ أَحَدُ الْمُتَبَايِعَيْنِ ، فَصَحَّ اشْتِرَاطُهُ لِلثَّمَرَةِ ، كَالْمُشْتَرِي ، وَقَدْ ثَبَتَ الْأَصْلُ بِالِاتِّفَاقِ عَلَيْهِ ، وَبِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهَا الْمُبْتَاعُ } .\rوَلَوْ اشْتَرَطَ أَحَدُهُمَا جُزْءًا مِنْ الثَّمَرَةِ مَعْلُومًا ، كَانَ ذَلِكَ كَاشْتِرَاطِ جَمِيعِهَا فِي الْجَوَازِ فِي قَوْلِ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ ، وَقَوْلِ أَشْهَبَ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ .\rوَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : لَا يَجُوزُ اشْتِرَاطُ بَعْضِهَا ؛ لِأَنَّ الْخَبَرَ إنَّمَا وَرَدَ بِاشْتِرَاطِ جَمِيعِهَا .\rوَلَنَا ، أَنَّ مَا جَازَ اشْتِرَاطُ جَمِيعِهِ ، جَازَ اشْتِرَاطُ بَعْضِهِ ، كَمُدَّةِ الْخِيَارِ ، وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي مَالِ الْعَبْدِ إذَا اشْتَرَطَ بَعْضَهُ .","part":8,"page":108},{"id":3608,"text":"( 2878 ) الْفَصْلُ الثَّالِثُ : إنَّ الثَّمَرَةَ إذَا بَقِيَتْ لِلْبَائِعٍ ، فَلَهُ تَرْكُهَا فِي الشَّجَرِ إلَى أَوَانِ الْجِزَازِ ، سَوَاءٌ اسْتَحَقَّهَا بِشَرْطِهِ أَوْ بِظُهُورِهَا .\rوَبِهِ قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَلْزَمُهُ قَطْعُهَا ، وَتَفْرِيغُ النَّخْلِ مِنْهَا ؛ لِأَنَّهُ مَبِيعٌ مَشْغُولٌ بِمُلْكِ الْبَائِعِ ، فَلَزِمَ نَقْلُهُ وَتَفْرِيغُهُ ، كَمَا لَوْ بَاعَ دَارًا فِيهَا طَعَامٌ ، أَوْ قُمَاشٌ لَهُ .\rوَلَنَا ، أَنَّ النَّقْلَ وَالتَّفْرِيغَ لِلْمَبِيعِ عَلَى حَسَبِ الْعُرْفِ وَالْعَادَةِ ، كَمَا لَوْ بَاعَ دَارًا فِيهَا طَعَامٌ ، لَمْ يَجِبْ نَقْلُهُ إلَّا عَلَى حَسَبِ الْعَادَةِ فِي ذَلِكَ ، وَهُوَ أَنْ يَنْقُلَهُ نَهَارًا ، شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ ، وَلَا يَلْزَمُهُ النَّقْلُ لَيْلًا ، وَلَا جَمْعُ دَوَابِّ الْبَلَدِ لِنَقْلِهِ .\rكَذَلِكَ هَاهُنَا ، يُفَرِّغُ النَّخْلَ مِنْ الثَّمَرَةِ فِي أَوَانِ تَفْرِيغِهَا ، وَهُوَ أَوَانُ جِزَازِهَا ، وَقِيَاسُهُ حُجَّةٌ لَنَا ؛ لِمَا بَيَّنَّاهُ .\rإذَا تَقَرَّرَ هَذَا ، فَالْمَرْجِعُ فِي جَزِّهِ إلَى مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ ، فَإِذَا كَانَ الْمَبِيعُ نَخْلًا ، فَحِينَ تَتَنَاهَى حَلَاوَةُ ثَمَرِهِ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّا بُسْرُهُ خَيْرٌ مِنْ رُطَبِهِ ، أَوْ مَا جَرَتْ الْعَادَةُ بِأَخْذِهِ بُسْرًا ، فَإِنَّهُ يَجُزُّهُ حِينَ تَسْتَحْكِمُ حَلَاوَةُ بُسْرِهِ ؛ لِأَنَّ هَذَا هُوَ الْعَادَةُ ، فَإِذَا اسْتَحْكَمَتْ حَلَاوَتُهُ ، فَعَلَيْهِ نَقْلُهُ .\rوَإِنْ قِيلَ : بَقَاؤُهُ فِي شَجَرِهِ خَيْرٌ لَهُ وَأَبْقَى ؛ فَعَلَيْهِ النَّقْلُ ؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ فِي النَّقْلِ قَدْ حَصَلَتْ ، وَلَيْسَ لَهُ إبْقَاؤُهُ بَعْدَ ذَلِكَ .\rوَإِنْ كَانَ الْمَبِيعُ عِنَبًا ، أَوْ فَاكِهَةً سِوَاهُ ، فَأَخَذَهُ حِينَ يَتَنَاهَى إدْرَاكُهُ ، وَتَسْتَحْكِمُ حَلَاوَتُهُ ، وَيُجَزُّ مِثْلُهُ .\rوَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ .\r( 2879 ) فَصْلٌ : فَإِنْ أَبَّرَ بَعْضَهُ دُونَ بَعْضٍ ، فَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّ مَا أُبِّرَ لِلْبَائِعِ ، وَمَا لَمْ يُؤَبَّرْ لِلْمُشْتَرِي .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ لِلْخَبَرِ الَّذِي عَلَيْهِ مَبْنَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ، فَإِنَّ صَرِيحَهُ ،","part":8,"page":109},{"id":3609,"text":"أَنَّ مَا أُبِّرَ لِلْبَائِعِ ، وَمَفْهُومَهُ ، أَنَّ مَا لَمْ يُؤَبَّرْ لِلْمُشْتَرِي .\rوَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ : الْكُلُّ لِلْبَائِعِ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّا إذَا لَمْ نَجْعَلْ الْكُلَّ لِلْبَائِعِ ، أَدَّى إلَى الْإِضْرَارِ بِاشْتِرَاكِ الْأَيْدِي فِي الْبُسْتَانِ ، فَيَجِبُ أَنْ يُجْعَلَ مَا لَمْ يُؤَبَّرْ تَبَعًا لِمَا أُبِّرَ ، كَثَمَرِ النَّخْلَةِ الْوَاحِدَةِ ، فَإِنَّهُ لَا خِلَافَ فِي أَنَّ تَأْبِيرَ بَعْضِ النَّخْلَةِ يَجْعَلُ جَمِيعَهَا لِلْبَائِعٍ ، وَقَدْ يَتْبَعُ الْبَاطِنُ الظَّاهِرَ مِنْهُ ، كَأَسَاسَاتِ الْحِيطَانِ تَتْبَعُ الظَّاهِرَ مِنْهُ .\rوَلِأَنَّ الْبُسْتَانَ إذَا بَدَا صَلَاحُ ثَمَرَةٍ مِنْهُ جَازَ بَيْعُ جَمِيعِهَا بِغَيْرِ شَرْطِ الْقَطْعِ ، كَذَا هَاهُنَا ، وَهَذَا مِنْ النَّوْعِ الْوَاحِدِ ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ النَّوْعَ الْوَاحِدَ يَتَقَارَبُ يَتَلَاحَقُ ، فَأَمَّا إنْ أُبِّرَ ، لَمْ يَتْبَعْهُ النَّوْعُ الْآخَرُ .\rوَلَمْ يُفَرِّقْ أَبُو الْخَطَّابِ بَيْنَ النَّوْعِ وَالْجِنْسِ كُلِّهِ ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ يُفْضِي إلَى سُوءِ الْمُشَارَكَةِ ، وَاخْتِلَافِ الْأَيْدِي ، كَمَا فِي النَّوْعِ الْوَاحِدِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ النَّوْعَيْنِ يَتَبَاعَدَانِ ، وَيَتَمَيَّزُ أَحَدُهُمَا مِنْ الْآخَرِ ، وَلَا يُخْشَى اخْتِلَاطُهُمَا وَاشْتِبَاهُهُمَا .\rفَأَشْبَهَا الْجِنْسَيْنِ .\rوَمَا ذَكَرَهُ يَبْطُلُ بِالْجِنْسَيْنِ .\rوَلَا يَصِحُّ الْقِيَاسُ عَلَى النَّوْعِ الْوَاحِدِ ؛ لِافْتِرَاقِهِمَا فِيمَا ذَكَرْنَاهُ .\rوَلَوْ بَاعَ حَائِطَيْنِ قَدْ أُبِّرَ أَحَدُهُمَا ، لَمْ يَتْبَعْهُ الْآخَرُ ؛ لِأَنَّهُ يُفْضِي إلَى سُوءِ الْمُشَارَكَةِ ، وَاخْتِلَافِ الْأَيْدِي ؛ لِانْفِرَادِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنْ صَاحِبِهِ .\rوَلَوْ أُبِّرَ بَعْضَ الْحَائِطِ ، فَأُفْرِدَ بِالْبَيْعِ مَا لَمْ يُؤَبَّرْ ، فَلِلْمَبِيعِ حُكْمُ نَفْسِهِ ، وَلَا يَتْبَعُ غَيْرَهُ .\rوَخَرَّجَ الْقَاضِي وَجْهًا فِي أَنَّهُ يَتْبَعُ غَيْرَ الْمَبِيعِ ، وَيَكُونُ لِلْبَائِعِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ لِلْحَائِطِ كُلِّهِ حُكْمُ التَّأْبِيرِ .\rوَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ .\rوَلَا يَصِحُّ ؛ هَذَا لِأَنَّ الْمَبِيعَ","part":8,"page":110},{"id":3610,"text":"لَمْ يُؤَبَّرْ مِنْهُ شَيْءٌ ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ لِلْمُشْتَرِي ، بِمَفْهُومِ الْخَبَرِ ، وَكَمَا لَوْ كَانَ مُنْفَرِدًا فِي بُسْتَانٍ وَحْدَهُ .\rوَلِأَنَّهُ لَا يُفْضِي إلَى سُوءِ الْمُشَارَكَةِ ، وَلَا اخْتِلَافِ الْأَيْدِي ، وَلَا إلَى ضَرَرٍ ، فَبَقِيَ عَلَى حُكْمِ الْأَصْلِ .\rفَإِنْ بِيعَتْ النَّخْلَةُ وَقَدْ أُبِّرَتْ كُلُّهَا ، أَوْ بَعْضُهَا ، فَأَطْلَعَتْ بَعْدَ ذَلِكَ ، فَالطَّلْعُ لِلْمُشْتَرِي ؛ لِأَنَّهُ حَدَثَ فِي مِلْكِهِ ، فَكَانَ لَهُ ، كَمَا لَوْ حَدَثَ بَعْدَ جِزَازِ الثَّمَرَةِ .\rوَلِأَنَّ مَا أَطْلَعَ بَعْدَ تَأْبِيرِ غَيْرِهِ لَا يَكَادُ يَشْتَبِهُ بِهِ ؛ لِتَبَاعُدِ مَا بَيْنَهُمَا .\r( 2880 ) فَصْلٌ : وَطَلْعُ الْفِحَالِ كَطَلْعِ الْإِنَاثِ .\rوَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ طَلْعُ الْفِحَالِ لِلْبَائِعٍ قَبْلَ ظُهُورِهِ ؛ لِأَنَّهُ يُؤْخَذُ لِلْأَكْلِ قَبْلَ ظُهُورِهِ ، فَهُوَ كَثَمَرَةٍ لَا تُخْلَقُ إلَّا ظَاهِرَةً ، كَالتِّينِ ، وَيَكُونُ ظُهُورُ طَلْعِهِ كَظُهُورِ ثَمَرَةِ غَيْرِهِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهَا ثَمَرَةُ نَخْلٍ إذَا تُرِكَتْ ظَهَرَتْ ، فَهِيَ كَالْإِنَاثِ ، أَوْ يَدْخُلُ فِي عُمُومِ الْخَبَرِ .\rوَمَا ذُكِرَ لِلْوَجْهِ الْآخَرِ لَا يَصِحُّ ؛ فَإِنَّ أَكْلَهُ لَيْسَ هُوَ الْمَقْصُودَ مِنْهُ ، وَإِنَّمَا يُرَادُ لِلتَّلْقِيحِ بِهِ ، وَهُوَ يَكُونُ بَعْدَ ظُهُورِهِ ، فَأَشْبَهَ طَلْعَ الْإِنَاثِ .\rفَإِنْ بَاعَ نَخْلًا فِيهِ فِحَالٍ وَإِنَاثٌ لَمْ يَتَشَقَّقْ مِنْهُ شَيْءٌ ، فَالْكُلُّ لِلْمُشْتَرِي ، إلَّا عَلَى الْوَجْهِ الْآخَرِ ، فَإِنَّ طَلْعَ الْفِحَالِ يَكُونُ لِلْبَائِعِ .\rوَإِنْ كَانَ قَدْ تَشَقَّقَ طَلْعُ أَحَدِ النَّوْعَيْنِ دُونَ الْآخَرِ ، فَمَا تَشَقَّقَ فَهُوَ لِلْبَائِعِ ، وَمَا لَمْ يَتَشَقَّقْ لِلْمُشْتَرِي ، إلَّا عِنْدَ مَنْ سَوَّى بَيْنَ الْأَنْوَاعِ كُلِّهَا .\rوَإِنْ تَشَقَّقَ طَلْعُ بَعْضِ الْإِنَاثِ أَوْ بَعْضِ الْفِحَالِ ، فَاَلَّذِي قَدْ ظَهَرَ لِلْبَائِعِ ، وَمَا لَمْ يَظْهَرْ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ الِاخْتِلَافِ فِيهِ .\r( 2881 ) فَصْلٌ : وَكُلُّ عَقْدِ مُعَاوَضَةٍ يَجْرِي مَجْرَى الْبَيْعِ ، فِي أَنَّ الثَّمَرَةَ الْمُؤَبَّرَةَ تَكُونُ لِمَنْ انْتَقَلَ عَنْهُ الْأَصْلُ ،","part":8,"page":111},{"id":3611,"text":"وَغَيْرَ الْمُؤَبَّرَةِ لِمَنْ انْتَقَلَ إلَيْهِ ، مِثْلُ أَنْ يُصْدِقَ الْمَرْأَةَ نَخْلًا ، أَوْ يَخْلَعَهَا بِهِ ، أَوْ يَجْعَلَهُ عِوَضًا فِي إجَارَةٍ ، أَوْ عَقْدِ صُلْحٍ ؛ لِأَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ ، فَجَرَى مَجْرَى الْبَيْعِ .\rوَإِنْ انْتَقَلَ بِغَيْرِ مُعَاوَضَةٍ كَالْهِبَةِ ، وَالرَّهْنِ ، أَوْ فُسِخَ لِأَجْلِ الْعَيْبِ ، أَوْ فَلَسِ الْمُشْتَرِي ، أَوْ رُجُوعِ الْأَبِ فِي هِبَتِهِ لِوَلَدِهِ ، أَوْ تَقَايَلَا الْمَبِيعَ ، أَوْ كَانَ صَدَاقًا فَرَجَعَ إلَى الزَّوْجِ لِفَسْخِ الْمَرْأَةِ النِّكَاحَ ، أَوْ نِصْفُهُ لِطَلَاقِ الزَّوْجِ ، فَإِنَّهُ فِي الْفَسْخِ يَتْبَعُ الْأَصْلَ ، سَوَاءٌ أُبِّرَ ، أَوْ لَمْ يُؤَبَّرْ ؛ لِأَنَّهُ نَمَاءٌ مُتَّصِلٌ ، فَأَشْبَهَ السِّمَنَ ، وَفِي الْهِبَةِ وَالرَّهْنِ حُكْمُهُمَا حُكْمُ الْبَيْعِ ، فِي أَنَّهُ يَتْبَعُ قَبْلَ التَّأْبِيرِ ، وَلَا يَتْبَعُ فِيمَا بَعْدَهُ ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ زَالَ عَنْ الْأَصْلِ بِغَيْرِ فَسْخٍ ، فَكَانَ الْحُكْمُ فِيهِ مَا ذَكَرْنَاهُ ، كَالْبَيْعِ .\rوَأَمَّا رُجُوعُ الْبَائِعِ لِفَلَسِ الْمُشْتَرِي ، أَوْ الزَّوْجِ لِانْفِسَاخِ النِّكَاحِ ، فَيُذْكَرَانِ فِي بَابَيْهِمَا .","part":8,"page":112},{"id":3612,"text":"( 2882 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ ( وَكَذَلِكَ بَيْعُ الشَّجَرِ إذَا كَانَ فِيهِ ثَمَرٌ بَادٍ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ ، أَنَّ الشَّجَرَ عَلَى خَمْسَةِ أَضْرُبٍ : أَحَدُهَا ، مَا يَكُونُ ثَمَرُهُ فِي أَكْمَامِهِ ، ثُمَّ تَتَفَتَّحُ الْأَكْمَامُ ، فَيَظْهَرُ ، كَالنَّخْلِ الَّذِي وَرَدَّتْ السُّنَّةُ فِيهِ ، وَبَيَّنَّا حُكْمَهُ ، وَهُوَ الْأَصْلُ ، وَمَا عَدَاهُ مَقِيسٌ عَلَيْهِ ، وَمُلْحَقٌ بِهِ .\rوَمِنْ هَذَا الضَّرْبِ ؛ الْقُطْنُ ، وَمَا يُقْصَدُ نُورُهُ ؛ كَالْوَرْدِ ، وَالْيَاسَمِينِ ، وَالنَّرْجِسِ ، وَالْبَنَفْسَجِ ، فَإِنَّهُ تَظْهَرُ أَكْمَامُهُ ثُمَّ تَتَفَتَّحُ ، فَيَظْهَرُ ، فَهُوَ كَالطَّلْعِ إنْ تَفَتَّحَ صجنبذه ، فَهُوَ لِلْبَائِعِ ، وَإِلَّا فَهُوَ لِلْمُشْتَرِي .\rالثَّانِي ، مَا تَظْهَرُ ثَمَرَتُهُ بَارِزَةً لَا قِشْرَ عَلَيْهَا وَلَا نُورَ ، كَالتِّينِ ، وَالتُّوتِ ، وَالْجُمَّيْزِ ، فَهُنَّ لِلْبَائِعِ ؛ لِأَنَّ ظُهُورَهَا مِنْ شَجَرِهَا بِمَنْزِلَةِ ظُهُورِ الطَّلْعِ مِنْ قِشْرِهِ .\rالثَّالِث ، مَا يَظْهَرُ فِي قِشْرِهِ ، ثُمَّ يَبْقَى فِيهِ إلَى حِينِ الْأَكْلِ ، كَالرُّمَّانِ ، وَالْمَوْزِ ، فَهُوَ لِلْبَائِعِ أَيْضًا بِنَفْسِ الظُّهُورِ ؛ لِأَنَّ قِشْرَهُ مِنْ مَصْلَحَتِهِ ، وَيَبْقَى فِيهِ إلَى حِينَ الْأَكْلِ ، فَهُوَ كَالتِّينِ .\rوَلِأَنَّ قِشْرَهُ يَنْزِلُ مَنْزِلَةَ أَجْزَائِهِ ؛ لِلُزُومِهِ إيَّاهُ ، وَكَوْنِهِ مِنْ مَصْلَحَتِهِ .\rالضَّرْبُ الرَّابِعُ ، مَا يَظْهَرُ فِي قِشْرَيْنِ ، كَالْجَوْزِ ، وَاللَّوْزِ ، فَهُوَ لِلْبَائِعِ أَيْضًا بِنَفْسِ الظُّهُورِ ؛ لِأَنَّ قِشْرَهُ لَا يَزُولُ عَنْهُ غَالِبًا ، إلَّا بَعْدَ جِزَازِهِ ، فَأَشْبَهَ الضَّرْبَ الَّذِي قَبْلَهُ .\rوَلِأَنَّ قِشْرَ اللَّوْزِ يُؤْكَلُ مَعَهُ ، فَأَشْبَهَ التِّينَ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : إنَّ تَشَقَّقَ الْقِشْرُ الْأَعْلَى فَهُوَ لِلْبَائِعِ ، وَإِنْ لَمْ يَتَشَقَّقْ فَهُوَ لِلْمُشْتَرِي ، كَالطَّلْعِ .\rوَلَوْ اُعْتُبِرَ هَذَا لَمْ يَكُنْ لِلْبَائِعِ إلَّا نَادِرًا ، وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُهُ عَلَى الطَّلْعِ ؛ لِأَنَّ الطَّلْعَ لَا بُدَّ مِنْ تَشَقُّقِهِ ، وَتَشَقُّقُهُ مِنْ مَصْلَحَتِهِ ، وَهَذَا بِخِلَافِهِ ، فَإِنَّهُ لَا يَتَشَقَّقُ عَلَى شَجَرِهِ ، وَتَشَقُّقُهُ قَبْلَ كَمَالِهِ","part":8,"page":113},{"id":3613,"text":"يُفْسِدُهُ .\rالْخَامِسُ ، مَا يَظْهَرُ نُورُهُ ، ثُمَّ يَتَنَاثَرُ ، فَتَظْهَرُ الثَّمَرَةُ ، كَالتُّفَّاحِ ، وَالْمِشْمِشِ ، وَالْإِجَّاصِ ، وَالْخَوْخِ .\rفَإِذَا تَفَتَّحَ نُورُهُ ، وَظَهَرْت الثَّمَرَةُ فِيهِ ، فَهِيَ لِلْبَائِعِ ، وَإِنْ لَمْ تَظْهَرْ ، فَهِيَ لِلْمُشْتَرِي .\rوَقِيلَ : مَا تَنَاثَرَ نُورُهُ ، فَهُوَ لِلْبَائِعِ ، وَمَا لَا فَهُوَ لِلْمُشْتَرِي ؛ لِأَنَّ الثَّمَرَةَ لَا تَظْهَرُ حَتَّى يَتَنَاثَرَ النُّورُ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ لِلْبَائِعِ بِظُهُورِ نُورِهِ ؛ لِأَنَّ الطَّلْعَ إذَا تَشَقَّقَ كَانَ كَنُورِ الشَّجَرِ ، فَإِنَّ الْعُقَدَ الَّتِي فِي جَوْفِ الطَّلْعِ لَيْسَتْ عَيْنَ الثَّمَرَةِ ، وَإِنَّمَا هِيَ أَوْعِيَةٌ لَهَا ، تَكْبُرُ الثَّمَرَةُ فِي جَوْفِهَا ، وَتَظْهَرُ ، فَتَصِيرُ الْعُقْدَةُ فِي طَرَفِهَا ، وَهِيَ قَمْعُ الرُّطَبَةِ .\rوَقَوْلُ الْخِرَقِيِّ يَقْتَضِي مَا قُلْنَاهُ ؛ لِأَنَّهُ عَلَّقَ اسْتِحْقَاقَ الْبَائِعِ لَهَا بِكَوْنِ الثَّمَرِ بَادِيًا لَا يَبْدُو نُورُهُ .\rوَلَا يَبْدُو الثَّمَرُ حَتَّى يَتَفَتَّحَ نُورُهُ .\rوَقَدْ يَبْدُو إذَا كَبُرَ قَبْلَ أَنْ يَنْثُرَ النُّورُ ، فَتَعَلَّقَ ذَلِكَ بِظُهُورِهِ .\rوَالْعِنَبُ بِمَنْزِلَةِ مَا لَهُ نُورٌ ؛ لِأَنَّهُ يَبْدُو فِي قُطُوفِهِ شَيْءٌ صِغَارٌ كَحَبِّ الدُّخْنِ ، ثُمَّ يَتَفَتَّحُ ، وَيَتَنَاثَرُ كَتَنَاثُرِ النُّورِ ، فَيَكُونُ مِنْ هَذَا الْقِسْمِ .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .\rوَهَذَا يُفَارِقُ الطَّلْعَ ؛ لِأَنَّ الَّذِي فِي الطَّلْعِ عَيْنُ الثَّمَرَةِ يَنْمُو وَيَتَغَيَّرُ ، وَالنُّورُ فِي هَذِهِ الثِّمَارِ يَتَسَاقَطُ ، وَيَذْهَبُ ، وَتَظْهَرُ الثَّمَرَةُ .\rوَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فِي هَذَا الْفَصْلِ جَمِيعِهِ كَمَا ذَكَرْنَا هَاهُنَا ، أَوْ قَرِيبًا مِنْهُ ، وَبَيْنَهُمَا اخْتِلَافٌ عَلَى حَسْبِ مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْخِلَافِ ، أَوْ قَرِيبًا مِنْهُ .","part":8,"page":114},{"id":3614,"text":"( 2883 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا الْأَغْصَانُ ، وَالْوَرَقُ ، وَسَائِرِ أَجْزَاءِ الشَّجَرِ ، فَهُوَ لِلْمُشْتَرِي بِكُلِّ حَالٍ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَجْزَائِهَا خُلِقَ لِمَصْلَحَتِهَا ، فَهُوَ كَأَجْزَاءِ سَائِرِ الْمَبِيعِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ وَرَقُ التُّوتِ الَّذِي يُقْصَدُ أَخْذُهُ لِتَرْبِيَةِ دُودِ الْقَزِّ إنْ تَفَتَّحَ ، فَهُوَ لِلْبَائِعِ ، وَإِلَّا فَهُوَ لِلْمُشْتَرِي ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الجنبذ الَّذِي يَتَفَتَّحُ ، فَيَظْهَرُ نُورُهُ مِنْ الْوَرْدِ وَغَيْرِهِ ، وَهَذَا فِي الْمَوَاضِعِ الَّتِي عَادَتُهُمْ أَخْذُ الْوَرَقِ ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ عَادَتُهُمْ ذَلِكَ ، فَهُوَ لِلْمُشْتَرِي ، كَسَائِرِ وَرَقِ الشَّجَرِ .\rوَاَللَّه أَعْلَمُ .","part":8,"page":115},{"id":3615,"text":"( 2884 ) فَصْلٌ : وَإِذَا كَانَتْ الثَّمَرَةُ لِلْبَائِعٍ مُبَقَّاةً فِي شَجَرِ الْمُشْتَرِي ، فَاحْتَاجَتْ إلَى سَقْيٍ ، لَمْ يَكُنْ لِلْمُشْتَرِي مَنْعُهُ مِنْهُ ؛ لِأَنَّهُ يَبْقَى بِهِ ، فَلَزِمَهُ تَمْكِينُهُ مِنْهُ ، كَتَرْكِهِ عَلَى الْأُصُولِ ، وَإِنْ أَرَادَ سَقْيَهَا مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ ، فَلِلْمُشْتَرِي مَنْعُهُ مِنْهُ ؛ لِأَنَّهُ بِسَقْيِهِ يَتَضَمَّنُ التَّصَرُّفَ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ ، وَلِأَنَّ الْأَصْلَ مَنْعُهُ مِنْ التَّصَرُّفِ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ ، وَإِنَّمَا أَبَاحَتْهُ الْحَاجَةُ ، فَإِنْ لَمْ تُوجَدْ الْحَاجَةُ يَبْقَى عَلَى أَصْلِ الْمَنْعِ ، فَإِنْ احْتَاجَتْ إلَى السَّقْيِ ، وَفِيهِ ضَرَرٌ عَلَى الشَّجَرِ ، أَوْ احْتَاجَ الشَّجَرُ إلَى سَقْيٍ يَضُرُّ بِالثَّمَرَةِ ، فَقَالَ الْقَاضِي : أَيُّهُمَا طَلَبَ السَّقْيَ لِحَاجَتِهِ أُجْبِرَ الْآخَرُ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ دَخَلَ فِي الْعَقْدِ عَلَى ذَلِكَ ، فَإِنَّ الْمُشْتَرِيَ اقْتَضَى عَقْدُهُ تَبْقِيَةَ الثَّمَرَةِ ، وَالسَّقْيُ مِنْ تَبْقِيَتِهَا ، وَالْعَقْدُ اقْتَضَى تَمْكِينَ الْمُشْتَرِي مِنْ حِفْظِ الْأُصُولِ ، وَتَسْلِيمِهَا ، فَلَزِمَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا أَوْجَبَهُ الْعَقْدُ لِلْآخَرِ ، وَإِنْ أَضَرَّ بِهِ .\rوَإِنَّمَا لَهُ أَنْ يَسْقِيَ بِقَدْرِ حَاجَتِهِ ، فَإِنْ اخْتَلَفَا فِي قَدْرِ الْحَاجَةِ ، رُجِعَ إلَى أَهْلِ الْخِبْرَةِ .\rوَأَيُّهُمَا الْتَمَسَ السَّقْيَ فَالْمُؤْنَةُ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ لِحَاجَتِهِ .","part":8,"page":116},{"id":3616,"text":"( 2885 ) فَصْلٌ : فَإِنْ خِيفَ عَلَى الْأُصُولِ الضَّرَرُ بِتَبْقِيَةِ الثَّمَرَةِ عَلَيْهَا لِعَطَشٍ أَوْ غَيْرِهِ ، وَالضَّرَرُ يَسِيرٌ ، لَمْ يُجْبَرْ عَلَى قَطْعِهَا ؛ لِأَنَّهَا مُسْتَحِقَّةٌ لِلْبَقَاءِ ، فَلَمْ يُجْبَرْ عَلَى إزَالَتِهَا لِدَفْعِ ضَرَرٍ يَسِيرٍ عَنْ غَيْرِهِ .\rوَإِنْ كَانَ كَثِيرًا ، فَخِيفَ عَلَى الْأُصُولِ الْجَفَافُ أَوْ نَقْصُ حَمْلِهَا ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، لَا يُجْبَرُ أَيْضًا لِذَلِكَ .\rالثَّانِي ، يُجْبَرُ عَلَى الْقَطْعِ ؛ لِأَنَّ الضَّرَرَ يَلْحَقُهَا وَإِنْ لَمْ تُقْطَعْ ، وَالْأُصُولُ تَسْلَمُ بِالْقَطْعِ ، فَكَانَ الْقَطْعُ أَوْلَى .\rوَلِلشَّافِعِي قَوْلَانِ كَالْوَجْهَيْنِ .","part":8,"page":117},{"id":3617,"text":"( 2886 ) فَصْلٌ : وَإِذَا بَاعَ شَجَرًا فِيهِ ثَمَرٌ لِلْبَائِعٍ ، فَحَدَثَتْ ثَمَرَةٌ أُخْرَى ، أَوْ اشْتَرَى ثَمَرَةً فِي شَجَرِهَا ، فَحَدَثَتْ ثَمَرَةٌ أُخْرَى ، فَإِنْ تَمَيَّزَتَا ، فَلِكُلِّ وَاحِدٍ ثَمَرَتُهُ ، وَإِنْ لَمْ تَتَمَيَّزْ إحْدَاهُمَا مِنْ الْأُخْرَى ، فَهُمَا شَرِيكَانِ فِيهِمَا ، كُلُّ وَاحِدٍ بِقَدْرِ ثَمَرَتِهِ .\rفَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ قَدْرُ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا ، اصْطَلَحَا عَلَيْهَا ، وَلَا يَبْطُلُ الْعَقْدُ ؛ لِأَنَّ الْمَبِيعَ لَمْ يَتَعَذَّرْ تَسْلِيمُهُ ، وَإِنَّمَا اخْتَلَطَ بِغَيْرِهِ ، فَهُوَ كَمَا لَوْ اشْتَرَى طَعَامًا فِي مَكَان ، فَانْثَالَ عَلَيْهِ طَعَامٌ لِلْبَائِعٍ ، أَوْ انْثَالَ هُوَ عَلَى طَعَامٍ لِلْبَائِعٍ ، وَلَمْ يُعْرَفْ قَدْرُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا .\rوَيُفَارِقُ هَذَا مَا لَوْ اشْتَرَى ثَمَرَةً قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا ، فَتَرَكَهَا حَتَّى بَدَا صَلَاحُهَا ، أَوْ اشْتَرَى عَرِيَّةً ، فَتَرَكَهَا حَتَّى أَثْمَرَتْ ، فَإِنَّ الْعَقْدَ يَبْطُلُ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ ؛ لِكَوْنِ اخْتِلَاطِ الْمَبِيعِ بِغَيْرِهِ حَصَلَ بِارْتِكَابِ النَّهْيِ ، وَكَوْنِهِ يُتَّخَذُ حِيلَةً عَلَى شِرَاءِ الثَّمَرَةِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا ، أَوْ شِرَاءِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ مِنْ غَيْرِ كَيْلٍ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إلَى أَكْلِهِ رُطَبًا ، وَهَا هُنَا مَا ارْتَكَبَ نَهْيًا ، وَلَا يُجْعَلُ هَذَا طَرِيقًا إلَى فِعْلِ الْمُحَرَّمِ .\rوَجَمَعَ أَبُو الْخَطَّابِ بَيْنَهُمَا ، فَقَالَ : فِي الْجَمِيعِ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، يَبْطُلُ الْعَقْدُ .\rوَالْأُخْرَى ، لَا يَبْطُلُ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : إنْ كَانَتْ الثَّمَرَةُ لِلْبَائِعِ ، فَحَدَثَتْ ثَمَرَةٌ أُخْرَى ، قِيلَ لِكُلِّ وَاحِدٍ : اسْمَحْ بِنَصِيبِك لِصَاحِبِك .\rفَإِنْ فَعَلَهُ أَحَدُهُمَا ، أَقْرَرْنَا الْعَقْدَ وَأَجْبَرْنَا الْآخَرَ عَلَى الْقَبُولِ ؛ لِأَنَّهُ يَزُولُ بِهِ النِّزَاعُ .\rوَإِنْ امْتَنَعَا ، فَسَخْنَا الْعَقْدَ ؛ لِتَعَذُّرِ وُصُولِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إلَى قَدْرِ حَقِّهِ .\rوَإِنْ اشْتَرَى ثَمَرَةً ، فَحَدَثَتْ ثَمَرَةٌ أُخْرَى ، لَمْ نَقُلْ لِلْمُشْتَرِي : اسْمَحْ بِنَصِيبِك ؛ لِأَنَّ الثَّمَرَةَ كُلُّ الْمَبِيعِ ، فَلَا يُؤْمَرُ بِتَخْلِيَتِهِ","part":8,"page":118},{"id":3618,"text":"كُلِّهِ ، وَنَقُولُ لِلْبَائِعِ ذَلِكَ ، فَإِنْ سَمَحَ بِنَصِيبِهِ لِلْمُشْتَرِي أَجْبَرْنَاهُ عَلَى الْقَبُولِ ، وَإِلَّا فُسِخَ الْبَيْعُ بَيْنَهُمَا ، وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ : لَعَلَّ هَذَا قَوْلٌ لِبَعْضِ أَصْحَابِنَا ، فَإِنَّنِي لَمْ أَجِدْهُ مَعْزِيًّا إلَى أَحْمَدَ .\rوَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا اخْتِيَارُ الْقَاضِي ، وَلَيْسَ بِمَذْهَبٍ لِأَحْمَدَ .\rوَلَوْ اشْتَرَى حِنْطَةً ، فَانْثَالَتْ عَلَيْهَا أُخْرَى ، لَمْ يَنْفَسِخْ الْبَيْعُ ، وَالْحُكْمُ فِيهِ كَالْحُكْمِ فِي الثَّمَرَةِ تَحْدُثُ مَعَهَا أُخْرَى .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":8,"page":119},{"id":3619,"text":"( 2887 ) فَصْلٌ : إذَا بَاعَ الْأَرْضَ وَفِيهَا زَرْعٌ لَا يُحْصَدُ إلَّا مَرَّةً ، كَالْحِنْطَةِ ، وَالشَّعِيرِ ، وَالْقَطَانِيِّ ، وَمَا الْمَقْصُودُ مِنْهُ مُسْتَتِرٌ ، كَالْجَزَرِ ، وَالْفُجْلِ ، وَالْبَصَلِ ، وَالثُّومِ ، وَأَشْبَاهِهَا ، فَاشْتَرَطَهُ لِلْمُشْتَرِي ، فَهُوَ لَهُ ، قَصِيلًا كَانَ أَوْ ذَا حَبٍّ ، مُسْتَتِرًا أَوْ ظَاهِرًا ، مَعْلُومًا أَوْ مَجْهُولًا ؛ لِكَوْنِهِ دَخَلَ فِي الْبَيْعِ تَبَعًا لِلْأَرْضِ ، فَلَمْ يَضُرَّ جَهْلُهُ وَعَدَمُ كَمَالِهِ ، كَمَا لَوْ اشْتَرَى شَجَرَةً ، فَاشْتَرَطَ ثَمَرَتَهَا بَعْدَ تَأْبِيرِهَا .\rوَإِنْ أُطْلِقَ الْبَيْعُ ، فَهُوَ لِلْبَائِعِ ؛ لِأَنَّهُ مُودَعٌ فِي الْأَرْضِ ، فَهُوَ كَالْكَنْزِ ، وَالْقُمَاشِ .\rوَلِأَنَّهُ يُرَادُ لِلنَّقْلِ ، فَأَشْبَهَ الثَّمَرَةَ الْمُؤَبَّرَةَ .\rوَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيِّ .\rوَلَا أَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا .\rوَيَكُونُ لِلْبَائِعِ مُبْقًى فِي الْأَرْضِ إلَى حِينِ الْحَصَادِ بِغَيْرِ أُجْرَةٍ ؛ لِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ حَصَلَتْ مُسْتَثْنَاةً لَهُ ، وَعَلَيْهِ حَصَادُهُ فِي أَوَّلِ وَقْتِ حَصَادِهِ .\rوَإِنْ كَانَ بَقَاؤُهُ أَنْفَعَ لَهُ ، كَقَوْلِنَا فِي الثَّمَرَةِ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : عَلَيْهِ نَقْلُهُ عَقِيبَ الْبَيْعِ .\rكَقَوْلِهِ فِي الثَّمَرَةِ ، وَقَدْ مَضَى الْكَلَامُ فِيهَا .\rوَهَكَذَا قَالَ الْحُكْمُ فِي الْقَصَبِ الْفَارِسِيِّ ؛ لِأَنَّ لَهُ وَقْتًا يُقْطَعُ فِيهِ ، إلَّا أَنَّ الْعُرُوقَ تَكُونُ لِلْمُشْتَرِي ؛ لِأَنَّهَا تُتْرَكُ فِي الْأَرْضِ لِلْبَقَاءِ فِيهَا .\rوَالْقَصَبُ نَفْسُهُ كَالثَّمَرَةِ ، وَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ مِنْهُ شَيْءٌ فَهُوَ لِلْمُشْتَرِي .\rوَأَمَّا قَصَبُ السُّكَّرِ ، فَإِنَّهُ يُؤْخَذُ مَرَّةً وَاحِدَةً ، فَهُوَ كَالزَّرْعِ .\rفَإِنْ حَصَدَهُ قَبْلَ أَوَانِ الْحَصَادِ لِيَنْتَفِعَ بِالْأَرْضِ فِي غَيْرِهِ ، لَمْ يَمْلِكْ الِانْتِفَاعَ بِهَا ؛ لِأَنَّ مَنْفَعَتَهَا إنَّمَا حَصَلَتْ مُسْتَثْنَاةً عَنْ مُقْتَضَى الْعَقْدِ ، ضَرُورَةَ بَقَاءِ الزَّرْعِ ، فَتُقَدَّرُ بِبَقَائِهِ ، كَالثَّمَرَةِ عَلَى الشَّجَرَةِ ، وَكَمَا لَوْ كَانَ الْمَبِيعُ طَعَامًا لَا يُنْقَلُ مِثْلُهُ عَادَةً إلَّا فِي شَهْرٍ","part":8,"page":120},{"id":3620,"text":"، لَمْ يُكَلَّفْ إلَّا ذَلِكَ ، فَإِنْ تَكَلَّفَ نَقْلَهُ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ ، لِيَنْتَفِعَ بِالدَّارِ فِي غَيْرِهِ ، لَمْ يَجُزْ ، كَذَلِكَ هَاهُنَا .\rوَمَتَى حُصِدَ الزَّرْعُ ، وَبَقِيَتْ لَهُ عُرُوقٌ تَسْتَضِرُّ بِهَا الْأَرْضُ ، كَعُرُوقِ الْقُطْنِ وَالذُّرَةِ ، فَعَلَى الْبَائِعِ إزَالَتُهَا .\rوَإِنْ تَحَفَّرَتْ الْأَرْضُ ، فَعَلَيْهِ تَسْوِيَةُ حُفَرِهَا ؛ لِأَنَّهُ اسْتِصْلَاحٌ لِمِلْكِهِ ، فَصَارَ كَمَا لَوْ بَاعَ دَارًا فِيهَا خَابِيَةٌ كَبِيرَةٌ ، لَا تَخْرُجُ إلَّا بِهَدْمِ بَابِ الدَّارِ ، فَهَدَمَهَا ، كَانَ عَلَيْهِ الضَّمَانُ ، وَكَذَلِكَ كُلُّ نَقْصٍ دَخَلَ عَلَى مِلْكِ شَخْصٍ لِاسْتِصْلَاحِ مِلْكِ الْآخَرِ مِنْ غَيْرِ إذْنِ الْأَوَّلِ ، وَلَا فِعْلٍ صَدَرَ عَنْهُ النَّقْصُ ، وَاسْتَنَدَ إلَيْهِ ، كَانَ الضَّمَانُ عَلَى مُدْخِلِ النَّقْصِ .","part":8,"page":121},{"id":3621,"text":"( 2888 ) فَصْلٌ : وَإِنْ بَاعَ أَرْضًا وَفِيهَا زَرْعٌ يُجَزُّ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى ، فَالْأُصُولُ لِلْمُشْتَرِي ، وَالْجَزَّةُ الظَّاهِرَةُ عِنْدَ الْبَيْعِ لِلْبَائِعِ ، سَوَاءٌ كَانَ مِمَّا يَبْقَى سَنَةً ، كَالْهِنْدَبَا ، وَالْبُقُولِ ، أَوْ أَكْثَرَ ، كَالرَّطْبَةِ ، وَعَلَى الْبَائِعِ قَطْعُ مَا يَسْتَحِقُّهُ مِنْهُ فِي الْحَالِ ، فَإِنَّهُ لَيْسَ لِذَلِكَ حَدٌّ يَنْتَهِي إلَيْهِ .\rوَلِأَنَّ ذَلِكَ يَطُولُ ، وَيَخْرُجُ غَيْرُ مَا كَانَ ظَاهِرًا ، وَالزِّيَادَةُ مِنْ الْأُصُولِ الَّتِي هِيَ مِلْكٌ لِلْمُشْتَرِي .\rوَكَذَلِكَ إنْ كَانَ الزَّرْعُ مِمَّا تُكَرَّرُ ثَمَرَتُهُ ، كَالْقِثَّاءِ ، وَالْخِيَارِ ، وَالْبِطِّيخِ ، وَالْبَاذِنْجَانِ ، وَشِبْهِهِ ، فَهُوَ لِلْمُشْتَرِي ، وَالثَّمَرَةُ الظَّاهِرَةُ عِنْد الْبَيْع لِلْبَائِعِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا تَتَكَرَّرُ الثَّمَرَةُ فِيهِ ، فَأَشْبَهَ الشَّجَرَ .\rوَلَوْ كَانَ مِمَّا تُؤْخَذُ زَهْرَتُهُ ، وَتَبْقَى عُرُوقُهُ فِي الْأَرْضِ ، كَالْبَنَفْسَجِ ، وَالنَّرْجِسِ ، فَالْأُصُولُ لِلْمُشْتَرِي ؛ لِأَنَّهُ جُعِلَ فِي الْأَرْضِ لِلْبَقَاءِ فِيهَا ، فَهُوَ كَالرَّطْبَةِ ، وَكَذَلِكَ أَوْرَاقُهُ وَغُصُونُهُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُقْصَدُ أَخْذُهُ ، فَهُوَ كَوَرَقِ الشَّجَرِ وَأَغْصَانِهِ ، وَأَمَّا زَهْرَتُهُ ، فَإِنْ كَانَتْ قَدْ تَفَتَّحَتْ ، فَهِيَ لِلْبَائِعِ ، وَإِلَّا فَهِيَ لِلْمُشْتَرِي ، عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فِيمَا مَضَى .\rوَاخْتَارَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي هَذَا كُلِّهِ أَنَّ الْبَائِعَ إنْ قَالَ : بِعْتُك هَذِهِ الْأَرْضَ بِحُقُوقِهَا .\rدَخَلَ فِيهَا ، وَإِنْ لَمْ يَقُلْ : بِحُقُوقِهَا .\rفَهَلْ يَدْخُلُ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ ، كَالشَّجَرِ .","part":8,"page":122},{"id":3622,"text":"( 2889 ) فَصْلٌ : وَإِذَا اشْتَرَى أَرْضًا فِيهَا بَذْرٌ ، فَاسْتَحَقَّ الْمُشْتَرِي أَصْلَهُ ، كَالرَّطْبَةِ ، وَالنَّعْنَاعِ ، وَالْبُقُولِ الَّتِي تُجَزُّ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى ، فَهُوَ لَهُ ؛ لِأَنَّهُ تُرِكَ فِي الْأَرْضِ لِلتَّبْقِيَةِ ، فَهُوَ كَأُصُولِ الشَّجَرِ .\rوَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ ظَاهِرًا كَانَ لَهُ ، فَالْمُسْتَتِرُ أَوْلَى ، سَوَاءٌ عَلِقَتْ عُرُوقُهُ فِي الْأَرْضِ ، أَوْ لَا .\rفَإِنْ كَانَ بَذْرًا لِمَا يَسْتَحِقُّهُ الْبَائِعُ ، فَهُوَ لَهُ ، إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُبْتَاعُ ، فَيَكُونَ لَهُ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : الْبَيْعُ بَاطِلٌ ؛ لِأَنَّ الْبَذْرَ مَجْهُولٌ ، وَهُوَ مَقْصُودٌ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الْبَذْرَ يَدْخُلُ تَبَعًا فِي الْبَيْعِ ، فَلَمْ يَضُرَّ جَهْلُهُ ، كَمَا لَوْ اشْتَرَى عَبْدًا ، فَاشْتَرَطَ مَالَهُ .\rوَيَجُوزُ فِي التَّابِعِ مِنْ الْغَرَرِ مَا لَا يَجُوزُ فِي الْمَتْبُوعِ ، كَبَيْعِ اللَّبَنِ فِي الضَّرْعِ مَعَ الشَّاةِ ، وَالْحَمْلِ مَعَ الْأُمِّ ، وَالسُّقُوفِ فِي الدَّارِ ، وَأَسَاسَاتِ الْحِيطَانِ ، تَدْخُلُ تَبَعًا فِي الْبَيْعِ ، وَلَا تَضُرُّ جَهَالَتُهَا ، وَلَا تَجُوزُ مُفْرَدَةً .\rوَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ الْمُشْتَرِي بِذَلِكَ ، فَلَهُ الْخِيَارُ فِي فَسْخِ الْبَيْعِ وَإِمْضَائِهِ ؛ لِأَنَّهُ يُفَوِّتُ عَلَيْهِ مَنْفَعَةَ الْأَرْضِ عَامًا .\rفَإِنْ رَضِيَ الْبَائِعُ بِتَرْكِهِ لِلْمُشْتَرِي ، أَوْ قَالَ : أَنَا أُحَوِّلُهُ .\rوَأَمْكَنَهُ ذَلِكَ فِي زَمَنٍ يَسِيرٍ لَا يَضُرُّ بِمَنَافِعِ الْأَرْضِ فَلَا خِيَارَ لِلْمُشْتَرِي ؛ لِأَنَّهُ أَزَالَ الْعَيْبَ بِالنَّقْلِ ، أَوْ زَادَهُ خَيْرًا بِالتَّرْكِ ، فَلَزِمَهُ قَبُولُهُ ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَصْحِيحًا لِلْعَقْدِ ، وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rوَكَذَلِكَ لَوْ اشْتَرَى نَخِيلًا فِيهِ طَلْعٌ ، فَبَانَ أَنَّهُ مُؤَبَّرٌ ، فَلَهُ الْخِيَارُ ؛ لِأَنَّهُ يُفَوِّتُ الْمُشْتَرِي ثَمَرَةَ عَامِهِ ، وَيَضُرُّ بَقَاؤُهَا بِنَخْلِهِ .\rفَإِنْ تَرَكَهَا لَهُ الْبَائِعُ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ خِيَارٌ .\rفَإِنْ قَالَ : أَنَا أَقْطَعُهَا الْآنَ .\rلَمْ يَسْقُطْ خِيَارُهُ بِذَلِكَ ؛ لِأَنَّ ثَمَرَةَ الْعَامِ تَفُوتُ ، سَوَاءٌ قَطَعَهَا ، أَوْ تَرَكَهَا .\rوَإِنْ اشْتَرَى أَرْضًا فِيهَا زَرْعٌ","part":8,"page":123},{"id":3623,"text":"لِلْبَائِعٍ ، أَوْ شَجَرًا فِيهِ ثَمَرٌ لِلْبَائِعٍ ، وَالْمُشْتَرِي جَاهِلٌ بِذَلِكَ ، يَظُنُّ أَنَّ الزَّرْعَ وَالثَّمَرَ لَهُ ، فَلَهُ الْخِيَارُ أَيْضًا ، كَمَا لَوْ جَهِلَ وُجُودَهُ ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا رَضِيَ بِبَذْلِ مَالِهِ عِوَضًا عَنْ الْأَرْضِ وَالشَّجَرِ بِمَا فِيهِمَا ، فَإِذَا بَانَ خِلَافُ ذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ يَثْبُتَ لَهُ الْخِيَارُ ، كَالْمُشْتَرِي لِلْمَعِيبِ يَظُنُّهُ صَحِيحًا .\rوَإِنْ اخْتَلَفَا فِي جَهْلِهِ لِذَلِكَ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي إذَا كَانَ مِمَّنْ يَجْهَلُ ذَلِكَ ، لِكَوْنِهِ عَامِّيًّا ، فَإِنَّ هَذَا مِمَّا يَجْهَلُهُ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ .\rوَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يَعْلَمُ ذَلِكَ ، لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ لَا يَجْهَلُهُ .","part":8,"page":124},{"id":3624,"text":"( 2890 ) فَصْلٌ : إذَا بَاعَهُ أَرْضًا بِحُقُوقِهَا ، دَخَلَ مَا فِيهَا مِنْ غِرَاسٍ وَبِنَاءٍ فِي الْبَيْعِ .\rوَكَذَلِكَ إذَا قَالَ : رَهَنْتُك هَذِهِ الْأَرْضَ بِحُقُوقِهَا .\rدَخَلَ فِي الرَّهْنِ غِرَاسُهَا وَبِنَاؤُهَا .\rوَإِنْ لَمْ يَقُلْ : بِحُقُوقِهَا .\rفَهَلْ يَدْخُلُ الْغِرَاسُ وَالْبِنَاءُ فِيهِمَا ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ .\rوَنَصَّ الشَّافِعِيُّ عَلَى أَنَّهُمَا يَدْخُلَانِ فِي الْبَيْعِ دُونَ الرَّهْنِ ، وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُهُ فِي ذَلِكَ ؛ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : فِيهِمَا جَمِيعًا قَوْلَانِ .\rوَمِنْهُمْ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا بِكَوْنِ الْبَيْعِ أَقْوَى ، فَيَسْتَتْبِعُ الْبِنَاءَ وَالشَّجَرَ ، بِخِلَافِ الرَّهْنِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : إنَّهُمَا سَوَاءٌ ؛ لِأَنَّ مَا تَبِعَ فِي الْبَيْعِ تَبِعَ فِي الرَّهْنِ ، كَالطُّرُقِ وَالْمَنَافِعِ ، وَفِيهِمَا جَمِيعًا وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، يَدْخُلُ الْبِنَاءُ وَالشَّجَرُ ؛ لِأَنَّهُمَا مِنْ حُقُوقِ الْأَرْضِ ، وَلِذَلِكَ يَدْخُلَانِ إذَا قَالَ : بِحُقُوقِهَا .\rوَمَا كَانَ مِنْ حُقُوقِهَا يَدْخُلُ فِيهَا بِالْإِطْلَاقِ ، كَطُرُقِهَا وَمَنَافِعِهَا .\rوَالثَّانِي ، لَا يَدْخُلَانِ ؛ لِأَنَّهُمَا لَيْسَا مِنْ حُقُوقِ الْأَرْضِ ، فَلَا يَدْخُلَانِ فِي بَيْعِهَا وَرَهْنِهَا ، كَالثَّمَرَةِ الْمُؤَبَّرَةِ .\rوَمَنْ نَصَرَ الْأَوَّلَ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا ؛ بِكَوْنِ الثَّمَرَةِ تُرَادُ لِلنَّقْلِ ، وَلَيْسَتْ مِنْ حُقُوقِهَا ، بِخِلَافِ الشَّجَرِ وَالْبِنَاءِ .\rفَإِنْ قَالَ : بِعْتُك هَذَا الْبُسْتَانَ .\rدَخَلَ فِيهِ الشَّجَرُ ؛ لِأَنَّ الْبُسْتَانَ اسْمٌ لِلْأَرْضِ ، وَالشَّجَرِ ، وَالْحَائِطِ ؛ وَلِذَلِكَ لَا تُسَمَّى الْأَرْضُ الْمَكْشُوفَةُ بُسْتَانًا .\rقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ : وَيَدْخُلُ فِيهِ الْبِنَاءُ ؛ لِأَنَّ مَا دَخَلَ فِيهِ الشَّجَرُ دَخَلَ فِيهِ الْبِنَاءُ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَدْخُلَ .","part":8,"page":125},{"id":3625,"text":"( 2891 ) فَصْلٌ : وَإِنْ بَاعَهُ شَجَرًا ، لَمْ تَدْخُلْ الْأَرْضُ فِي الْبَيْعِ .\rذَكَرَهُ أَبُو إِسْحَاقَ بْنُ شَاقِلَا ؛ لِأَنَّ الِاسْمَ لَا يَتَنَاوَلُهَا ، وَلَا هِيَ تَبَعٌ لِلْمَبِيعِ .","part":8,"page":126},{"id":3626,"text":"( 2892 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَالَ : بِعْتُك هَذِهِ الْقَرْيَةَ .\rفَإِنْ كَانَتْ فِي اللَّفْظِ قَرِينَةٌ ، مِثْلُ الْمُسَاوَمَةِ عَلَى أَرْضِهَا ، أَوْ ذِكْرِ الزَّرْعِ وَالْغَرْسِ فِيهَا ، وَذِكْرِ حُدُودِهَا ، أَوْ بَذْلِ ثَمَنٍ لَا يَصْلُحُ إلَّا فِيهَا وَفِي أَرْضِهَا ، دَخَلَ فِي الْبَيْعِ ؛ لِأَنَّ الِاسْمَ يَجُوزُ أَنْ يُطْلَقَ عَلَيْهَا مَعَ أَرْضِهَا ، وَالْقَرِينَةُ صَارِفَةٌ إلَيْهِ وَدَالَّةٌ عَلَيْهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ صَرَّحَ بِهِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَرِينَةٌ تَصْرِفُ إلَى ذَلِكَ ، فَالْبَيْعُ يَتَنَاوَلُ الْبُيُوتَ ، وَالْحِصْنَ الدَّائِرَ عَلَيْهَا ، فَإِنَّ الْقَرْيَةَ اسْمٌ لِذَلِكَ ، وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ الْجَمْعِ ؛ لِأَنَّهُ يَجْمَعُ النَّاسَ ، وَسَوَاءٌ قَالَ : بِحُقُوقِهَا .\rأَوْ لَمْ يَقُلْ .\rوَأَمَّا الْغِرَاسُ بَيْنَ بُنْيَانِهَا ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْغِرَاسِ فِي الْأَرْضِ ، إنْ قَالَ : بِحُقُوقِهَا .\rدَخَلَ ، وَإِنْ لَمْ يَقُلْ ، فَعَلَى وَجْهَيْنِ .","part":8,"page":127},{"id":3627,"text":"( 2893 ) فَصْلٌ : وَإِنْ بَاعَهُ دَارًا بِحُقُوقِهَا ، تَنَاوَلَ الْبَيْعُ أَرْضَهَا ، وَبِنَاءَهَا ، وَمَا هُوَ مُتَّصِلٌ بِهَا ، مِمَّا هُوَ مِنْ مَصْلَحَتِهَا ، كَالْأَبْوَابِ الْمَنْصُوبَةِ ، وَالْخَوَابِي الْمَدْفُونَةِ ، وَالرُّفُوفِ الْمُسَمَّرَةِ ، وَالْأَوْتَادِ الْمَغْرُوزَةِ ، وَالْحَجَرِ الْمَنْصُوبِ مِنْ الرَّحَا ، وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ .\rوَلَا يَدْخُلُ فِي الْبَيْعِ مَا لَيْسَ مِنْ مَصَالِحِهَا ، كَالْكَنْزِ ، وَالْأَحْجَارِ الْمَدْفُونَةِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مُودَعٌ فِيهَا لِلنَّقْلِ عَنْهَا ، فَأَشْبَهَ الْفَرْشَ ، وَالسُّتُورَ ، وَلَا مَا كَانَ مُنْفَصِلًا عَنْهَا يَخْتَصُّ بِمَصْلَحَتِهَا ، كَالْفَرْشِ ، وَالسُّتُورِ ، وَالطَّعَامِ ، وَالرُّفُوفِ الْمَوْضُوعَةِ عَلَى الْأَوْتَادِ بِغَيْرِ تَسْمِيرٍ ، وَلَا غَرْزٍ فِي الْحَائِطِ ، وَالْحَبْلِ ، وَالدَّلْوِ ، وَالْبَكَرَةِ ، وَالْقُفْلِ ، وَحَجَرِ الرَّحَى ، إذَا لَمْ يَكُنْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا مَنْصُوبًا ، وَالْخَوَابِي الْمَوْضُوعَةِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُطَيِّنَ عَلَيْهَا ، وَنَحْوِهِ ؛ لِأَنَّهُ مُنْفَصِلٌ عَنْهَا ، لَا يَخْتَصُّ بِمَصْلَحَتِهَا ، فَأَشْبَهَ الثِّيَابَ .\rوَأَمَّا مَا كَانَ مِنْ مَصَالِحِهَا ، لَكِنَّهُ مُنْفَصِلٌ عَنْهَا ، كَالْمِفْتَاحِ ، وَالْحَجَرِ الْفَوْقَانِيِّ مِنْ الرَّحَا إذَا كَانَ السفلاني مَنْصُوبًا ، فَيَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، يَدْخُلُ فِي الْبَيْعِ ؛ لِأَنَّهُ لِمَصْلَحَتِهَا ، فَأَشْبَهَ الْمَنْصُوبَ فِيهَا .\rوَالثَّانِي ، لَا يَدْخُلُ ؛ لِأَنَّهُ مُنْفَصِلٌ عَنْهَا ، فَأَشْبَهَ السفلاني إذَا لَمْ يَكُنْ مَنْصُوبًا ، وَالْقُفْلَ ، وَالدَّلْوَ ، وَنَحْوَهُمَا .\rوَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فِي هَذَا كَمَذْهَبِنَا سَوَاءٌ .","part":8,"page":128},{"id":3628,"text":"( 2894 ) فَصْلٌ : وَمَا كَانَ فِي الْأَرْضِ مِنْ الْحِجَارَةِ الْمَخْلُوقَةِ فِيهَا ، أَوْ مَبْنِيٍّ فِيهَا ، كَأَسَاسَاتِ الْحِيطَانِ الْمُتَهَدِّمَةِ فَهِيَ لِلْمُشْتَرِي بِالْبَيْعِ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَجْزَائِهَا ، فَهِيَ كَحِيطَانِهَا ، وَتُرَابِهَا ، وَالْمَعَادِنِ الْجَامِدَةِ فِيهَا ، وَالْآجِرُ كَالْحِجَارَةِ فِي هَذَا .\rوَإِذَا كَانَ الْمُشْتَرِي عَالِمًا بِذَلِكَ ، فَلَا خِيَارَ لَهُ .\rوَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَالِمًا بِهِ ، وَكَانَ ذَلِكَ يَضُرُّ بِالْأَرْضِ ، وَيَنْقُصُهَا ، كَالصَّخْرِ الْمُضِرِّ بِعُرُوقِ الشَّجَرِ ، فَهُوَ عَيْبٌ ، وَلِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ بَيْنَ الْفَسْخِ وَأَخْذِ الثَّمَنِ ، أَوْ الْإِمْسَاكِ وَأَخْذِ أَرْشِ الْعَيْبِ ، كَمَا فِي سَائِرِ الْمَبِيعِ .\rفَأَمَّا إنْ كَانَتْ الْحِجَارَةُ أَوْ الْآجِرُ مُودَعًا فِيهَا لِلنَّقْلِ عَنْهَا ، فَهِيَ لِلْبَائِعِ ، كَالْكَنْزِ ، وَعَلَيْهِ نَقْلُهَا ، وَتَسْوِيَةُ الْأَرْضِ إذَا نَقَلَهَا ، وَإِصْلَاحُ الْحُفَرِ ؛ لِأَنَّهُ ضَرَرٌ لَحِقَ لِاسْتِصْلَاحِ مِلْكِهِ ، فَكَانَ عَلَيْهِ إزَالَتُهُ .\rوَإِنْ كَانَ قَلْعُهَا يَضُرُّ بِالْأَرْضِ ، أَوْ تَتَطَاوَلُ مُدَّتُهُ ، وَلَمْ يَكُنْ الْمُشْتَرِي عَالِمًا ، فَلَهُ الْخِيَارُ كَمَا ذَكَرْنَا ؛ لِأَنَّهُ عَيْبٌ .\rوَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي نَقْلِهَا ضَرَرٌ ، وَيُمْكِنُ نَقْلُهَا فِي أَيَّامٍ يَسِيرَةٍ ، كَالثَّلَاثَةِ فَمَا دُونُ ، فَلَا خِيَارَ لَهُ ، وَلَهُ مُطَالَبَةُ الْبَائِعِ بِنَقْلِهَا فِي الْحَالِ ؛ لِأَنَّهُ لَا عُرْفَ فِي تَبْقِيَتِهَا ، بِخِلَافِ الزَّرْعِ .\rوَإِنْ كَانَ عَالِمًا بِالْحَالِ ، فَلَا خِيَارَ لَهُ ، وَلَا أُجْرَةَ فِي الزَّمَانِ الَّذِي نُقِلَتْ فِيهِ ؛ لِأَنَّهُ عَلِمَ بِذَلِكَ وَرَضِيَ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ اشْتَرَى أَرْضًا فِيهَا زَرْعٌ .\rوَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ ، وَاخْتَارَ إمْسَاكَ الْمَبِيعِ ، فَهَلْ لَهُ أُجْرَةٌ لِزَمَانِ النَّقْلِ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، لَهُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الْمَنَافِعَ مَضْمُونَةٌ عَلَى الْمُتْلِفِ ، فَكَانَ عَلَيْهِ بَدَلُهَا ، كَالْأَجْزَاءِ .\rوَالثَّانِي ، لَا يَجِبُ ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا رَضِيَ بِإِمْسَاكِ الْمَبِيعِ رَضِيَ بِتَلَفِ الْمَنْفَعَةِ فِي زَمَانِ النَّقْلِ ، فَإِنْ لَمْ يَخْتَرْ","part":8,"page":129},{"id":3629,"text":"الْإِمْسَاكَ ، فَقَالَ الْبَائِعُ : أَنَا أَدَعُ ذَلِكَ لَك .\rوَكَانَ مِمَّا لَا ضَرَرَ فِي بَقَائِهِ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ خِيَارٌ ؛ لِأَنَّ الضَّرَرَ زَالَ عَنْهُ .","part":8,"page":130},{"id":3630,"text":"( 2895 ) فَصْلٌ : فَإِنْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَعَادِنُ جَامِدَةٌ ، كَمَعَادِنِ الذَّهَبِ ، وَالْفِضَّةِ ، وَالْحَدِيدِ ، وَالنُّحَاسِ ، وَالرَّصَاصِ ، وَنَحْوِهَا ، دَخَلَتْ فِي الْبَيْعِ ، وَمُلِكَتْ بِمِلْكِ الْأَرْضِ الَّتِي هِيَ فِيهَا ؛ لِأَنَّهَا مِنْ أَجْزَائِهَا ، فَهِيَ كَتُرَابِهَا وَأَحْجَارِهَا ، وَلَكِنْ لَا يُبَاعُ مَعْدِنُ الذَّهَبِ بِذَهَبٍ ، وَلَا مَعْدِنُ الْفِضَّةِ بِفِضَّةٍ ، وَيَجُوزُ بَيْعُهَا بِغَيْرِ جِنْسِهَا .\rوَإِنْ ظَهَرَ فِي الْأَرْضِ مَعْدِنٌ لَمْ يَعْلَمْ الْبَائِعُ بِهِ ، فَلَهُ الْخِيَارُ ؛ لِأَنَّهُ زِيَادَةٌ لَمْ يَعْلَمْ بِهَا ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ بَاعَهُ ثَوْبًا عَلَى أَنَّهُ عَشْرَةٌ ، فَبَانَ أَحَدَ عَشَرَ .\rهَذَا إذَا كَانَ قَدْ مَلَكَ الْأَرْضَ بِإِحْيَاءٍ أَوْ إقْطَاعٍ .\rوَقَدْ رُوِيَ أَنَّ وَلَدَ بِلَالِ بْنِ الْحَارِثِ بَاعُوا عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَرْضًا ، فَظَهَرَ فِيهَا مَعْدِنٌ ، فَقَالُوا : إنَّمَا بِعْنَا الْأَرْضَ ، وَلَمْ نَبْعِ الْمَعْدِنَ .\rوَأَتَوْا عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ بِالْكِتَابِ الَّذِي فِيهِ قَطِيعَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَبِيهِمْ ، فَأَخَذَهُ عُمَرُ فَقَبَّلَهُ ، وَرَدَّ عَلَيْهِمْ الْمَعْدِنَ .\rوَإِنْ كَانَ الْبَائِعُ مَلَكَ الْأَرْضَ بِالْبَيْعِ ، احْتَمَلَ أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ خِيَارٌ ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لِغَيْرِهِ ، وَهُوَ الْمَالِكُ الْأَوَّلُ .\rوَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ لَهُ الْخِيَارُ ، كَمَا لَوْ اشْتَرَى مَعِيبًا ثُمَّ بَاعَهُ وَلَمْ يَعْلَمْ عَيْبَهُ ، فَإِنَّهُ يَسْتَحِقُّ الرَّدَّ عَلَيْهِ ، وَإِنْ كَانَ قَدْ بَاعَهُ مِثْلَمَا اشْتَرَاهُ .\rوَقَدْ رَوَى أَبُو طَالِبٍ عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّهُ إذَا ظَهَرَ الْمَعْدِنُ فِي مِلْكِهِ مَلَكَهُ .\rوَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ لَمْ يَجْعَلْهُ لِلْبَائِعِ ، وَلَا جَعَلَ لَهُ خِيَارًا ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَجْزَاءِ الْأَرْضِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ ظَهَرَ فِيهَا حِجَارَةٌ لَهَا قِيمَةٌ كَبِيرَةٌ .","part":8,"page":131},{"id":3631,"text":"فَصْلٌ : وَإِذَا كَانَ فِي الْأَرْضِ بِئْرٌ أَوْ عَيْنٌ مُسْتَنْبَطَةٌ ، فَنَفْسُ الْبِئْرِ وَأَرْضُ الْعَيْنِ مَمْلُوكَةٌ لِمَالِكِ الْأَرْضِ ، وَالْمَاءُ الَّذِي فِيهَا غَيْرُ مَمْلُوكٍ ؛ لِأَنَّهُ يَجْرِي مِنْ تَحْتِ الْأَرْضِ إلَى مِلْكِهِ ، فَأَشْبَهَ الْمَاءَ الْجَارِيَ فِي النَّهْرِ إلَى مِلْكِهِ ، وَهَذَا أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ .\rوَالْوَجْهُ الْآخَرُ ، يَدْخُلُ فِي الْمِلْكِ ؛ لِأَنَّهُ نَمَاءُ الْمِلْكِ .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يُمْلَكُ ؛ فَإِنَّهُ قَالَ فِي رَجُلٍ لَهُ أَرْضٌ وَلِآخَرَ مَاءٌ ، فَيَشْتَرِكُ صَاحِبُ الْأَرْضِ وَصَاحِبُ الْمَاءِ فِي الزَّرْعِ ، وَيَكُونُ بَيْنَهُمَا ؟ فَقَالَ : لَا بَأْسَ .\rاخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ .\rوَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَاءَ مَمْلُوكٌ لِصَاحِبِهِ ، وَفِي مَعْنَى الْمَاءِ ، الْمَعَادِنُ الْجَارِيَةُ فِي الْأَمْلَاكِ ، كَالْقَارِ ، وَالنِّفْطِ ، وَالْمُومْيَاءِ ، وَالْمِلْحِ .\rوَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي النَّابِتِ فِي أَرْضِهِ مِنْ الْكَلَأِ وَالشَّوْكِ ، فَفِي كُلِّ ذَلِكَ يُخَرَّجُ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي الْمَاءِ .\rوَالصَّحِيحُ أَنَّ الْمَاءَ لَا يُمْلَكُ ، فَكَذَلِكَ هَذِهِ .\rقَالَ أَحْمَدُ : لَا يُعْجِبُنِي بَيْعُ الْمَاءِ أَلْبَتَّةَ .\rقَالَ الْأَثْرَمُ : سَمِعْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يُسْأَلُ عَنْ قَوْمٍ بَيْنَهُمْ نَهْرٌ تَشْرَبُ مِنْهُ أَرْضُوهُمْ ، لِهَذَا يَوْمٌ ، وَلِهَذَا يَوْمَانِ ، يَتَّفِقُونَ عَلَيْهِ بِالْحِصَصِ ، فَجَاءَ يَوْمِي وَلَا أَحْتَاجُ إلَيْهِ ، أَكْرِيهِ بِدَرَاهِمَ ؟ قَالَ : مَا أَدْرِي ، أَمَّا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { فَنَهَى عَنْ بَيْعِ الْمَاءِ .\r} قِيلَ : إنَّهُ لَيْسَ يَبِيعُهُ ، إنَّمَا يُكْرِيهِ .\rقَالَ : إنَّمَا احْتَالُوا بِهَذَا لِيُحَسِّنُوهُ ، فَأَيُّ شَيْءٍ هَذَا إلَّا الْبَيْعَ ، وَرَوَى الْأَثْرَمُ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ جَابِرٍ ، وَإِيَاسِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيّ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { نَهَى أَنْ يُبَاعَ الْمَاءُ } .\rوَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { الْمُسْلِمُونَ شُرَكَاءُ فِي ثَلَاثٍ : فِي","part":8,"page":132},{"id":3632,"text":"الْمَاءِ وَالنَّارِ وَالْكَلَأِ } .\rرَوَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ ، فِي كِتَابِ \" الْأَمْوَالِ \" ، فَإِذَا قُلْنَا : لَا يُمْلَكُ .\rفَصَاحِبُ الْأَرْضِ أَحَقُّ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ ؛ لِكَوْنِهِ فِي مِلْكِهِ ، فَإِنْ دَخَلَ غَيْرُهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ ، فَأَخَذَهُ مَلَكَهُ ؛ لِأَنَّهُ مُبَاحٌ فِي الْأَصْلِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ عَشَّشَ فِي أَرْضِهِ طَائِرٌ ، أَوْ دَخَلَ فِيهَا ظَبْيٌ ، أَوْ نَضَبَتْ عَنْ سَمَكٍ ، فَدَخَلَ إلَيْهِ دَاخِلٌ فَأَخَذَهُ ، وَأَمَّا مَا يَحُوزُهُ مِنْ الْمَاءِ فِي إنَائِهِ ، أَوْ يَأْخُذُهُ مِنْ الْكَلَأِ فِي حَبْلِهِ ، أَوْ يَحُوزُهُ فِي رَحْلِهِ ، أَوْ يَأْخُذُهُ مِنْ الْمَعَادِنِ ، فَإِنَّهُ يَمْلِكُهُ بِذَلِكَ ، وَلَهُ بَيْعُهُ بِلَا خِلَافٍ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { لَأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلًا ، فَيَأْخُذَ حُزْمَةً مِنْ حَطَبٍ ، فَيَبِيعَ ، فَيَكُفَّ اللَّهُ بِهِ وَجْهَهُ ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ النَّاسَ ، أُعْطِيَ أَوْ مُنِعَ } .\rرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ .\rوَرَوَى أَبُو عُبَيْدٍ فِي \" الْأَمْوَالِ \" ، عَنْ الْمَشْيَخَةِ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { نَهَى عَنْ بَيْعِ الْمَاءِ إلَّا مَا حُمِلَ مِنْهُ .\r} وَعَلَى ذَلِكَ مَضَتْ الْعَادَةُ فِي الْأَمْصَارِ بِبَيْعِ الْمَاءِ فِي الرَّوَايَا ، وَالْحَطَبِ ، وَالْكَلَأِ ، مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ ، وَلَيْسَ لَأَحَدٍ أَنْ يَشْرَبَ مِنْهُ ، وَلَا يَتَوَضَّأَ ، وَلَا يَأْخُذَ إلَّا بِإِذْنِ مَالِكِهِ .\rوَكَذَلِكَ لَوْ وَقَفَ عَلَى بِئْرِهِ ، أَوْ بِئْرٍ مُبَاحٍ فَاسْتَقَى بِدَلْوِهِ ، أَوْ بِدُولَابٍ أَوْ نَحْوه ، فَمَا يُرَقِّيهِ مِنْ الْمَاءِ ، فَهُوَ مِلْكُهُ ، وَلَهُ بَيْعُهُ ؛ لِأَنَّهُ مَلَكَهُ بِأَخْذِهِ فِي إنَائِهِ .\rقَالَ أَحْمَدُ : إنَّمَا نُهِيَ عَنْ بَيْعِ فَضْلِ مَاءِ الْبِئْرِ وَالْعُيُونِ فِي قَرَارِهِ .\rوَيَجُوزُ بَيْعُ الْبِئْرِ نَفْسِهَا ، وَالْعَيْنِ ، وَمُشْتَرِيهَا أَحَقُّ بِمَائِهَا .\rوَقَدْ رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { مَنْ يَشْتَرِي بِئْرَ رُومَةَ يُوَسِّعُ بِهَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَلَهُ الْجَنَّةُ } ، أَوْ كَمَا قَالَ .\rفَاشْتَرَاهَا","part":8,"page":133},{"id":3633,"text":"عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِنْ يَهُودِيٍّ ، بِأَمْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسَبَّلَهَا لِلْمُسْلِمِينَ ، وَكَانَ الْيَهُودِيُّ يَبِيعُ مَاءَهَا .\rوَرُوِيَ أَنَّ عُثْمَانَ اشْتَرَى مِنْهُ نِصْفَهَا بِاثْنَيْ عَشْرَ أَلْفًا ، ثُمَّ قَالَ الْيَهُودِيُّ : اخْتَرْ ، إمَّا أَنْ تَأْخُذَهَا يَوْمًا وَآخُذَهَا أَنَا يَوْمًا ، وَإِمَّا أَنَّ نَنْصِبَ لَك عَلَيْهَا دَلْوًا ، وَأَنْصِبَ عَلَيْهَا دَلْوًا .\rفَاخْتَارَ يَوْمًا وَيَوْمًا ، فَكَانَ النَّاسُ يَسْتَقُونَ مِنْهَا فِي يَوْمِ عُثْمَانَ لِلْيَوْمَيْنِ ، فَقَالَ الْيَهُودِيُّ : أَفْسَدْت عَلَيَّ بِئْرِي ، فَاشْتَرِ بَاقِيَهَا .\rفَاشْتَرَاهُ بِثَمَانِيَةِ آلَافٍ .\rوَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى صِحَّةِ بَيْعِهَا ، وَتَسْبِيلهَا ، وَصِحَّةِ بَيْعِ مَا يَسْتَقِيهِ مِنْهَا ، وَجَوَازِ قِسْمَةِ مَائِهَا بِالْمُهَايَأَةِ ، وَكَوْنِ مَالِكِهَا أَحَقَّ بِمَائِهَا ، وَجَوَازِ قِسْمَةِ مَا فِيهِ حَقٌّ وَلَيْسَ بِمَمْلُوكِ .\rفَأَمَّا الْمِيَاهُ الْجَارِيَةُ ، فَمَا كَانَ نَابِعًا فِي غَيْرِ مِلْكٍ ، كَالْأَنْهَارِ الْكِبَارِ ، وَغَيْرِهَا ، لَمْ تُمْلَكْ بِحَالٍ ، وَلَوْ دَخَلَ إلَى أَرْضِ رَجُلٍ ، لَمْ يَمْلِكْهُ بِذَلِكَ ، كَالطَّيْرِ يَدْخُلُ إلَى أَرْضِهِ ، وَلِكُلِّ أَحَدٍ أَخْذُهُ .\rوَلَا يَمْلِكُهُ ، إلَّا أَنْ يَجْعَلَ لَهُ فِي أَرْضِهِ مُسْتَقَرًّا ، كَالْبِرْكَةِ ، وَالْقَرَارِ ، أَوْ يَحْتَفِرَ سَاقِيَةً ، يَأْخُذُ فِيهَا مِنْ مَاءِ النَّهْرِ الْكَبِيرِ ، فَيَكُونُ أَحَقَّ بِذَلِكَ الْمَاءِ مِنْ غَيْرِهِ ، كَنَقْعِ الْبِئْرِ ، وَإِنْ كَانَ مَا يَسْتَقِرُّ فِي الْبِرْكَةِ لَا يَخْرُجُ مِنْهَا ، فَالْأَوْلَى أَنَّهُ يَمْلِكُهُ بِذَلِكَ عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ فِي مِيَاهِ الْأَمْطَارِ .\rوَمَا كَانَ نَابِعًا أَوْ مُسْتَنْبَطًا كَالْقِنَى ، فَهُوَ كَنَقْعِ الْبِئْرِ ، وَفِيهِ مِنْ الْخِلَافِ مَا فِيهِ ، فَأَمَّا الْمَصَانِعُ الْمُتَّخَذَةُ لِمِيَاهِ الْأَمْطَارِ تُجْمَعُ فِيهَا ، وَنَحْوُهَا مِنْ الْبِرَكِ وَغَيْرِهَا ، فَالْأَوْلَى أَنَّهُ يَمْلِكُ مَاءَهَا ، وَيَصِحُّ بَيْعُهُ إذَا كَانَ مَعْلُومًا ؛ لِأَنَّهُ مُبَاحٌ حَصَّلَهُ بِشَيْءٍ مُعَدٍّ لَهُ ، فَمَلَكَهُ ، كَالصَّيْدِ يَحْصُلُ","part":8,"page":134},{"id":3634,"text":"فِي شَبَكَتِهِ ، وَالسَّمَكِ فِي بِرْكَةٍ مُعَدَّةٍ لَهُ ، وَلَا يَجُوزُ أَخْذُ شَيْءٍ مِنْهُ إلَّا بِإِذْنِ مَالِكِهِ .","part":8,"page":135},{"id":3635,"text":"( 2897 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : وَإِذَا اشْتَرَى الثَّمَرَةَ دُونَ الْأَصْلِ ، وَلَمْ يَبْدُ صَلَاحُهَا عَلَى التَّرْكِ إلَى الْجِزَازِ ، لَمْ يَجُزْ .\rوَإِنْ اشْتَرَاهَا عَلَى الْقَطْعِ ، جَازَ .\rلَا يَخْلُو بَيْعُ الثَّمَرَةِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ ؛ أَحَدُهَا ، أَنْ يَشْتَرِيَهَا بِشَرْطِ التَّبْقِيَةِ ، فَلَا يَصِحُّ الْبَيْعُ إجْمَاعًا ؛ { لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا .\rنَهَى الْبَائِعَ وَالْمُبْتَاعَ .\r} مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rالنَّهْيُ يَقْتَضِي فَسَادَ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى الْقَوْلِ بِجُمْلَةِ هَذَا الْحَدِيثِ .\rالْقِسْمُ الثَّانِي ، أَنْ يَبِيعَهَا بِشَرْطِ الْقَطْعِ فِي الْحَالِ ، فَيَصِحُّ بِالْإِجْمَاعِ ؛ لِأَنَّ الْمَنْعَ إنَّمَا كَانَ خَوْفًا مِنْ تَلَفِ الثَّمَرَةِ ، وَحُدُوثِ الْعَاهَةِ عَلَيْهَا قَبْلَ أَخْذِهَا ؛ بِدَلِيلِ مَا رَوَى أَنَسٌ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى تَزْهُوَ .\rقَالَ : أَرَأَيْت إذَا مَنَعَ اللَّهُ الثَّمَرَةَ ، بِمَ يَأْخُذُ أَحَدُكُمْ مَالَ أَخِيهِ ؟ } .\rرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ .\rوَهَذَا مَأْمُونٌ فِيمَا يُقْطَعُ ، فَصَحَّ بَيْعُهُ كَمَا لَوْ بَدَا صَلَاحُهُ .\rالْقِسْمُ الثَّالِثُ ، أَنْ يَبِيعَهَا مُطْلَقًا ، وَلَمْ يَشْتَرِطْ قَطْعًا وَلَا تَبْقِيَةً ، فَالْبَيْعُ بَاطِلٌ .\rوَبِهِ قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ .\rوَأَجَازَهُ أَبُو حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّ إطْلَاقَ الْعَقْدِ يَقْتَضِي الْقَطْعَ ، فَهُوَ كَمَا لَوْ اشْتَرَطَهُ ، قَالَ : وَمَعْنَى النَّهْيِ ، أَنْ يَبِيعَهَا مُدْرِكَةً قَبْلَ إدْرَاكِهَا ، بِدَلَالَةِ قَوْلِهِ : \" أَرَأَيْت إنْ مَنَعَ اللَّهُ الثَّمَرَةَ ، بِمَ يَأْخُذُ أَحَدُكُمْ مَالَ أَخِيهِ ؟ \" .\rفَلَفْظَةُ الْمَنْعِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْعَقْدَ يَتَنَاوَلُ مَعْنَى ، وَهُوَ مَفْقُودٌ فِي الْحَالِ حَتَّى يُتَصَوَّرُ الْمَنْعُ .\rوَلَنَا ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَطْلَقَ النَّهْيَ عَنْ بَيْعِ الثَّمَرَةِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا .\r} فَيَدْخُلُ فِيهِ مَحَلُّ","part":8,"page":136},{"id":3636,"text":"النِّزَاعِ ، وَاسْتِدْلَالُهُمْ بِسِيَاقِ الْحَدِيثِ يَدُلُّ عَلَى هَدْمِ قَاعِدَتِهِمْ الَّتِي قَرَّرُوهَا ، فِي أَنَّ إطْلَاقَ الْعَقْدِ يَقْتَضِي الْقَطْعَ ، وَيُقَرِّرُ مَا قُلْنَا ، مِنْ أَنَّ إطْلَاقَ الْعَقْدِ يَقْتَضِي التَّبْقِيَةَ ، فَيَصِيرُ الْعَقْدُ الْمُطْلَقُ كَاَلَّذِي شُرِطَتْ فِيهِ التَّبْقِيَةُ ، يَتَنَاوَلُهُمَا النَّهْيُ جَمِيعًا ، وَيَصِحُّ تَعْلِيلُهُمَا بِالْعِلَّةِ الَّتِي عَلَّلَ بِهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ مَنْعِ الثَّمَرَةِ وَهَلَاكِهَا .","part":8,"page":137},{"id":3637,"text":"( 2898 ) فَصْلٌ : وَبَيْعُ الثَّمَرَةِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا مِنْ غَيْرِ شَرْطِ الْقَطْعِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ : أَحَدُهَا ، أَنْ يَبِيعَهَا مُفْرَدَةً لِغَيْرِ مَالِكِ الْأَصْلِ ، فَهَذَا الضَّرْبُ الَّذِي ذَكَرْنَا حُكْمَهُ ، وَبَيَّنَّا بُطْلَانَهُ .\rالثَّانِي ، أَنْ يَبِيعَهَا مَعَ الْأَصْلِ ، فَيَجُوزُ بِالْإِجْمَاعِ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ ابْتَاعَ نَخْلًا بَعْدَ أَنْ تُؤَبَّرَ ، فَثَمَرَتُهَا لِلَّذِي بَاعَهَا ، إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ } .\rوَلِأَنَّهُ إذَا بَاعَهَا مَعَ الْأَصْلِ حَصَلَتْ تَبَعًا فِي الْبَيْعِ ، فَلَمْ يَضُرَّ احْتِمَالُ الْغَرَرِ فِيهَا ، كَمَا احْتَمَلَتْ الْجَهَالَةُ فِي بَيْعِ اللَّبَنِ فِي الضَّرْعِ مَعَ بَيْعِ الشَّاةِ ، وَالنَّوَى فِي التَّمْرِ مَعَ التَّمْرِ ، وَأَسَاسَاتِ الْحِيطَانِ فِي بَيْعِ الدَّارِ .\rالثَّالِثُ ، أَنْ يَبِيعَهَا مُفْرَدَةً لِمَالِكِ الْأَصْلِ ، نَحْوُ أَنْ تَكُونَ لِلْبَائِعِ وَلَا يَشْتَرِطُهَا الْمُبْتَاعُ ، فَيَبِيعَهَا لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ ، أَوْ يُوصِيَ لِرَجُلٍ بِثَمَرَةِ نَخْلَتِهِ ، فَيَبِيعَهَا لِوَرَثَةِ الْمُوصِي ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، يَصِحُّ الْبَيْعُ ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ ، وَأَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ يَجْتَمِعُ الْأَصْلُ وَالثَّمَرَةُ لِلْمُشْتَرِي ، فَيَصِحُّ ، كَمَا لَوْ اشْتَرَاهُمَا مَعًا .\rوَلِأَنَّهُ إذَا بَاعَهَا لِمَالِكِ الْأَصْلِ حَصَلَ التَّسْلِيمُ إلَى الْمُشْتَرِي عَلَى الْكَمَالِ ؛ لِكَوْنِهِ مَالِكًا لِأُصُولِهَا وَقَرَارِهَا ، فَصَحَّ ، كَبَيْعِهَا مَعَ أَصْلِهَا .\rوَالثَّانِي ، لَا يَصِحُّ .\rوَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ يَتَنَاوَلُ الثَّمَرَةَ خَاصَّةً ، وَالْغَرَرَ فِيمَا يَتَنَاوَلُهُ الْعَقْدُ أَصْلًا يَمْنَعُ الصِّحَّةَ ، كَمَا لَوْ كَانَتْ الْأُصُولُ لِأَجْنَبِيٍّ ، وَلِأَنَّهَا تَدْخُلُ فِي عُمُومِ النَّهْيِ ، بِخِلَافِ مَا إذَا بَاعَهُمَا مَعًا ، فَإِنَّهُ مُسْتَثْنَى بِالْخَبَرِ الْمَرْوِيِّ فِيهِ ، وَلِأَنَّ الْغَرَرَ فِيمَا يَتَنَاوَلُهُ الْعَقْدُ أَصْلًا يَمْنَعُ الصِّحَّةَ ، وَفِيمَا إذَا بَاعَهُمَا","part":8,"page":138},{"id":3638,"text":"مَعًا تَدْخُلُ الثَّمَرَةُ تَبَعًا ، وَيَجُوزُ فِي التَّابِعِ مِنْ الْغَرَرِ مَا لَا يَجُوزُ فِي الْمَتْبُوعِ ، كَمَا يَجُوزُ بَيْعُ اللَّبَنِ فِي الضَّرْعِ ، وَالْحَمْلِ مَعَ الشَّاةِ ، وَغَيْرِهِمَا .\rوَإِنْ بَاعَهُ الثَّمَرَ ، بِشَرْطِ الْقَطْعِ فِي الْحَالِ ، صَحَّ ، وَجْهًا وَاحِدًا ، وَلَا يَلْزَمُ الْمُشْتَرِيَ الْوَفَاءُ بِالشَّرْطِ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ لَهُ .","part":8,"page":139},{"id":3639,"text":"( 2899 ) فَصْلٌ : وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الزَّرْعِ الْأَخْضَرِ فِي الْأَرْضِ إلَّا بِشَرْطِ الْقَطْعِ فِي الْحَالِ ، كَمَا ذَكَرْنَا فِي الثَّمَرَةِ عَلَى الْأُصُولِ ؛ لِمَا رَوَى مُسْلِمٌ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ بَيْعِ النَّخْلِ حَتَّى يُزْهِيَ ، وَعَنْ بَيْعِ السُّنْبُلِ حَتَّى يَبْيَضَّ وَيَأْمَنَ الْعَاهَةَ .\rنَهَى الْبَائِعَ وَالْمُشْتَرِيَ .\r} قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : لَا أَعْلَمُ أَحَدًا يَعْدِلُ عَنْ الْقَوْلِ بِهِ .\rوَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَأَهْلِ الْمَدِينَةِ ، وَأَهْلِ الْبَصْرَةِ ، وَأَصْحَابِ الْحَدِيثِ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ .\rفَإِنْ بَاعَهُ مَعَ الْأَرْضِ ، جَازَ ، كَبَيْعِ الثَّمَرَةِ مَعَ الْأَصْلِ ، وَإِنْ بَاعَهُ لِمَالِكِ الْأَرْضِ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي الثَّمَرَةِ تُبَاعُ مِنْ مَالِكِ الْأَصْلِ .\rوَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : يَجُوزُ .\rوَإِنْ بَاعَهُ إيَّاهُ بِشَرْطِ الْقَطْعِ ، جَازَ ، وَجْهًا وَاحِدًا ، وَلَمْ يَلْزَمْ الْمُشْتَرِيَ الْوَفَاءُ بِالشَّرْطِ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ لَهُ ، فَهُوَ كَبَيْعِ الثَّمَرَةِ مِنْ مَالِكِ الْأَصْلِ بِشَرْطِ الْقَطْعِ .\rوَإِذَا اشْتَدَّ حَبُّ الزَّرْعِ ، جَازَ بَيْعُهُ مُطْلَقًا ، وَبِشَرْطِ التَّبْقِيَةِ ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ : { حَتَّى يَبْيَضَّ } .\rفَجَعَلَ ذَلِكَ غَايَةَ الْمَنْعِ مِنْ بَيْعِهِ ، فَيَدُلُّ عَلَى الْجَوَازِ بَعْدَهُ .\rوَفِي رِوَايَةٍ ، { نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعِ الْعِنَبِ حَتَّى يَسْوَدَّ ، وَعَنْ بَيْعِ الْحَبِّ حَتَّى يَشْتَدَّ } .\rوَلِأَنَّهُ إذَا اشْتَدَّ حَبُّهُ بَدَا صَلَاحُهُ ، فَصَارَ كَالثَّمَرَةِ إذَا بَدَا صَلَاحُهَا .\rوَإِذَا اشْتَدَّ شَيْءٌ مِنْ حَبِّهِ ، جَازَ بَيْعُ جَمِيعِ مَا فِي الْبُسْتَانِ مِنْ نَوْعِهِ ، كَالشَّجَرَةِ إذَا بَدَا الصَّلَاحُ فِي شَيْءٍ مِنْهَا .","part":8,"page":140},{"id":3640,"text":"( 2900 ) فَصْلٌ : ذَكَره الْقَاضِي فِي الصُّلْحِ قَالَ : وَإِذَا اعْتَرَفَ لِرَجُلٍ بِزَرْعٍ ثُمَّ صَالَحَهُ مِنْهُ بِعِوَضٍ ، صَحَّ فِيمَا يَصِحُّ فِي الْبَيْعِ ، وَبَطَلَ فِيمَا يَبْطُلُ فِيهِ .\rوَلَوْ ادَّعَى اثْنَانِ زَرْعًا فِي يَدِ آخَرَ ، فَأَقَرَّ لَهُمَا بِهِ ، فَالزَّرْعُ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ ، فَإِنْ صَالَحَ أَحَدُهُمَا عَنْ حَقِّهِ مِنْهُ قَبْلَ اشْتِدَادِ حَبِّهِ ، لَمْ يَجُزْ ، سَوَاءٌ شَرَطَ الْقَطْعَ ، أَوْ أَطْلَقَ ؛ لِأَنَّهُ إنَّ أَطْلَقَ بَطَلَ ، لِلنَّهْيِ عَنْ بَيْعِ الْمُخَاضَرَةِ ، وَإِنْ شَرَطَ الْقَطْعَ لَمْ يُمْكِنْهُ قَطْعُ نَصِيبِهِ إلَّا بِقَطْعِ الزَّرْعِ كُلِّهِ .\rوَإِنْ كَانَتْ الْأَرْضُ لِلْمُقِرِّ ، احْتَمَلَ أَنْ يَصِحَّ ، وَاحْتَمَلَ أَنْ لَا يَصِحَّ ، بِنَاءً عَلَى الْوَجْهَيْنِ فِيمَا إذَا اشْتَرَى زَرْعًا أَخْضَرَ فِي أَرْضٍ مَمْلُوكَةٍ لَهُ ، وَلَوْ كَانَتْ الْأَرْضُ لِرَجُلٍ ، وَالزَّرْعُ لِآخَرَ ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا : صَالِحْنِي مِنْ نِصْفِ أَرْضِي عَلَى نِصْفِ زَرْعِك ، فَيَكُونُ الزَّرْعُ وَالْأَرْضُ بَيْننَا نِصْفَيْنِ .\rفَإِنْ كَانَ بَعْدَ اشْتِدَادِ حَبِّهِ جَازَ ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُهُ ، وَإِنْ كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ ، فَهَلْ يَجُوزُ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ ؛ بِنَاءً عَلَى بَيْعِ الزَّرْعِ مِنْ مَالِكِ الْأَرْضِ ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ يَبِيعُ نِصْفَ الزَّرْعِ لِمَالِكِ الْأَرْضِ ، وَيَشْتَرِي مِنْهُ نِصْفَ الْأَرْضِ الَّتِي لَهُ فِيهَا الزَّرْعُ ، وَإِنْ شَرَطَا فِي الْبَيْعِ أَنْ يَقْطَعَا الزَّرْعَ جَمِيعَهُ ، وَيُسَلِّمَ الْأَرْضَ فَارِغَةً ، فَفِيهِ وَجْهَانِ أَيْضًا ؛ أَحَدُهُمَا ، يَصِحُّ ؛ لِاشْتِرَاطِهِمَا قَطْعَ كُلِّ الزَّرْعِ وَتَفْرِيغَ الْأَرْضِ مِنْهُ ، وَاحْتَمَلَ أَنْ يَبْطُلَ ؛ لِأَنَّ صَاحِبَ الْأَرْضِ بَاعَهُ نِصْفَ الْأَرْضِ بِشَرْطِ قَطْعِ زَرْعِ غَيْرِهِ ؛ لِيُسَلِّمَ إلَيْهِ أَرْضَهُ .\rوَإِنْ قُلْنَا : يَصِحُّ .\rلَمْ يَلْزَمْ الْوَفَاءُ بِالشَّرْطِ ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَصَلَ زَرْعُهُ فِي أَرْضِهِ ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ قَطْعُهُ .","part":8,"page":141},{"id":3641,"text":"( 2901 ) فَصْلٌ : وَإِذَا اشْتَرَى رَجُلٌ نِصْفَ الثَّمَرَةِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا ، أَوْ نِصْفَ الزَّرْعِ قَبْلَ اشْتِدَادِ حَبِّهِ مُشَاعًا ، لَمْ يَجُزْ ، سَوَاءٌ اشْتَرَاهُ مِنْ رَجُلٍ ، أَوْ مِنْ أَكْثَرِ مِنْهُ ، وَسَوَاءٌ شَرَطَ الْقَطْعَ ، أَوْ لَمْ يَشْرُطْهُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ قَطْعُهُ إلَّا بِقَطْعِ مَا لَا يَمْلِكُهُ ، فَلَمْ يَصِحَّ اشْتِرَاطُهُ .","part":8,"page":142},{"id":3642,"text":"( 2902 ) فَصْلٌ : وَالْقُطْنُ ضَرْبَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، مَا لَهُ أَصْلٌ يَبْقَى فِي الْأَرْضِ أَعْوَامًا ، كَالشَّجَرِ تَتَكَرَّرُ ثَمَرَتُهُ ، فَهَذَا حُكْمُهُ حُكْمُ الشَّجَرِ ، فِي أَنَّهُ يَصِحُّ إفْرَادُهُ بِالْبَيْعِ ، وَإِذَا بِيعَتْ الْأَرْضُ بِحُقُوقِهَا دَخَلَ فِي الْبَيْعِ ، وَثَمَرُهُ كَالطَّلْعِ إنَّ تَفَتَّحَ فَهُوَ لِلْبَائِعِ ، وَإِلَّا فَهُوَ لِلْمُشْتَرِي .\rوَالثَّانِي ، مَا يَتَكَرَّرُ زَرْعُهُ كُلَّ عَامٍ ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ الزَّرْعِ ، وَمَتَى كَانَ جَوْزُهُ ضَعِيفًا رَطْبًا ، لَمْ يَقْوَ مَا فِيهِ ، لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ إلَّا بِشَرْطِ الْقَطْعِ ، كَالزَّرْعِ الْأَخْضَرِ ، وَإِنْ قَوِيَ جَوْزُهُ وَاشْتَدَّ ، جَازَ بَيْعُهُ بِشَرْطِ التَّبْقِيَةِ ، كَالزَّرْعِ الَّذِي اشْتَدَّ حَبُّهُ ، وَإِذَا بِيعَتْ الْأَرْضُ لَمْ يَدْخُلْ فِي الْبَيْعِ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُبْتَاعُ .\rوَالْبَاذِنْجَانُ نَوْعَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، مَا لَهُ شَجَرٌ تَبْقَى أُصُولُهُ وَتَتَكَرَّرُ ثَمَرَتُهُ ، فَهُوَ كَالشَّجَرِ .\rوَالثَّانِي ، مَا يَتَكَرَّرُ زَرْعُهُ كُلَّ عَامٍ ، فَهُوَ كَالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ .","part":8,"page":143},{"id":3643,"text":"( 2903 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : فَإِنْ تَرَكَهَا حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا ، بَطَلَ الْبَيْعُ اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، فِي مَنْ اشْتَرَى ثَمَرَةً قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا ، فَتَرَكَهَا حَتَّى بَدَا صَلَاحُهَا ، فَنَقَلَ عَنْهُ حَنْبَلٌ ، وَأَبُو طَالِبٍ : أَنَّ الْبَيْعَ يَبْطُلُ .\rقَالَ الْقَاضِي : هِيَ أَصَحُّ .\rفَعَلَى هَذَا يَرُدُّ الْمُشْتَرِي الثَّمَرَةَ إلَى الْبَائِعِ ، وَيَأْخُذُ الثَّمَنَ .\rوَنَقَلَ أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ ، أَنَّ الْبَيْعَ لَا يَبْطُلُ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ ؛ لِأَنَّ أَكْثَرَ مَا فِيهِ أَنَّ الْمَبِيعَ اخْتَلَطَ بِغَيْرِهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ اشْتَرَى ثَمَرَةً ، فَحَدَثَتْ ثَمَرَةٌ أُخْرَى ، وَلَمْ تَتَمَيَّزْ ، أَوْ حِنْطَةً فَانْثَالَتْ عَلَيْهَا أُخْرَى ، أَوْ ثَوْبًا ، فَاخْتَلَطَ بِغَيْرِهِ .\rوَنَقَلَ عَنْهُ أَبُو دَاوُد ، فِي مَنْ اشْتَرَى قَصِيلًا ، فَمَرِضَ ، أَوْ تَوَانَى حَتَّى صَارَ شَعِيرًا .\rقَالَ : إنْ أَرَادَ بِهِ حِيلَةً فَسَدَ الْبَيْعُ ، وَإِلَّا لَمْ يَفْسُدْ .\rوَالظَّاهِرُ : أَنَّ هَذِهِ تَرْجِعُ إلَى مَا نَقَلَهُ ابْنُ سَعِيدٍ ، فَإِنَّهُ يَتَعَيَّنُ حَمْلُ مَا نَقَلَهُ أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ فِي صِحَّةِ الْبَيْعِ عَلَى مَنْ لَمْ يُرِدْ حِيلَةً ، فَإِنْ أَرَادَ الْحِيلَةَ ، وَقَصَدَ بِشَرْطِهِ الْقَطْعَ الْحِيلَةَ عَلَى إبْقَائِهِ ، لَمْ يَصِحَّ بِحَالٍ ، إذْ قَدْ ثَبَتَ مِنْ مَذْهَبِ أَحْمَدَ أَنَّ الْحِيَلَ كُلَّهَا بَاطِلَةٌ .\rوَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ بَيْعِ الثَّمَرَةِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا .\r} فَاسْتَثْنَى مِنْهُ مَا اشْتَرَاهُ بِشَرْطِ الْقَطْعِ ، فَقَطَعَهُ بِالْإِجْمَاعِ ، فَيَبْقَى مَا عَدَاهُ عَلَى أَصْلِ التَّحْرِيمِ ، وَلِأَنَّ التَّبْقِيَةَ مَعْنًى حَرَّمَ الشَّرْعُ اشْتِرَاطَهُ لِحَقِّ اللَّه تَعَالَى ، فَأَبْطَلَ الْعَقْدُ وُجُودَهُ .\rكَالنَّسِيئَةِ فِيمَا يَحْرُمُ فِيهِ النَّسَاءُ ، وَتَرْكِ التَّقَابُضِ فِيمَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْقَبْضُ ، أَوْ الْفَضْلِ فِيمَا يَجِبُ التَّسَاوِي فِيهِ ، وَلِأَنَّ صِحَّةَ الْبَيْعِ تَجْعَلُ ذَلِكَ ذَرِيعَةً إلَى شِرَاءِ الثَّمَرَةِ قَبْلَ","part":8,"page":144},{"id":3644,"text":"بُدُوِّ صَلَاحِهَا ، وَتَرْكِهَا حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا ، وَوَسَائِلُ الْحَرَامِ حَرَامٌ ، كَبَيْعِ الْعَيِّنَةِ .\rوَمَتَى حَكَمْنَا بِفَسَادِ الْبَيْعِ ، فَالثَّمَرَةُ كُلُّهَا لِلْبَائِعِ .\rوَعَنْهُ ، أَنَّهُمَا يَتَصَدَّقَانِ بِالزِّيَادَةِ .\rقَالَ الْقَاضِي : هَذَا مُسْتَحَبٌّ لِوُقُوعِ الْخِلَافِ فِي مُسْتَحِقِّ الثَّمَرَةِ ، فَاسْتُحِبَّتْ الصَّدَقَةُ بِهَا ، وَإِلَّا فَالْحَقُّ أَنَّهَا لِلْبَائِعِ تَبَعًا لِلْأَصْلِ ، كَسَائِرِ نَمَاءِ الْمَبِيعِ الْمُتَّصِلِ إذَا رُدَّ عَلَى الْبَائِعِ بِفَسْخٍ أَوْ بُطْلَانٍ .\rوَنَقَلَ ابْنُ أَبِي مُوسَى فِي \" الْإِرْشَادِ \" ، أَنَّ الْبَائِعَ وَالْمُشْتَرِيَ يَكُونَانِ شَرِيكَيْنِ فِي الزِّيَادَةِ .\rوَأَمَّا إنْ حَكَمْنَا بِصِحَّةِ الْعَقْدِ ، فَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُمَا يَشْتَرِكَانِ فِي الزِّيَادَةِ ؛ لِحُصُولِهَا فِي مِلْكِهِمَا ، فَإِنْ مَلَكَ الْمُشْتَرِي الثَّمَرَةَ ، وَمَلَكَ الْبَائِعُ الْأَصْلَ ، وَهُوَ سَبَبُ الزِّيَادَةِ .\rقَالَ الْقَاضِي : الزِّيَادَةُ لِلْمُشْتَرِي كَالْعَبْدِ إذَا سَمِنَ .\rوَحَمَلَ قَوْلَ أَحْمَدَ : \" يَشْتَرِكَانِ \" عَلَى الِاسْتِحْبَابِ .\rوَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا ، فَإِنَّ الزِّيَادَةَ حَصَلَتْ مِنْ أَصْلِ الْبَائِعِ مِنْ غَيْرِ اسْتِحْقَاقِ تَرْكِهَا ، فَكَانَ فِيهَا حَقٌّ لَهُ ، بِخِلَافِ الْعَبْدِ إذَا سَمِنَ ، فَإِنَّهُ لَا يَتَحَقَّقُ فِيهِ هَذَا الْمَعْنَى ، وَلَا يُشْبِهُهُ ، وَلَا يَصِحُّ حَمْلُ قَوْلِ أَحْمَدَ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ ؛ فَإِنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ لِلْبَائِعٍ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ الْمُشْتَرِي مَا لَيْسَ بِحَقِّ لَهُ ، بَلْ ذَلِكَ حَرَامٌ عَلَيْهِ ، فَكَيْفَ يَكُونُ مُسْتَحَبًّا ، وَعَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّهُمَا يَتَصَدَّقَانِ بِالزِّيَادَةِ ، وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ ؛ لِأَنَّ عَيْنَ الْمَبِيعِ زَادَ بِجِهَةٍ مَحْظُورَةٍ ، قَالَ الثَّوْرِيُّ : إذَا اشْتَرَى قَصِيلًا يَأْخُذُ رَأْسَ مَالِهِ ، وَيَتَصَدَّقُ بِالْبَاقِي .\rوَلِأَنَّ الْأَمْرَ اشْتَبَهَ فِي هَذِهِ الزِّيَادَةِ وَفِي مُسْتَحِقِّهَا ، فَكَانَ الْأَوْلَى الصَّدَقَةَ بِهَا ، وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ هَذَا اسْتِحْبَابًا ؛ لِأَنَّ الصَّدَقَةَ بِالشُّبُهَاتِ مُسْتَحَبَّةٌ","part":8,"page":145},{"id":3645,"text":".\rوَإِنْ أَبَيَا الصَّدَقَةَ بِهَا ، اشْتَرَكَا فِيهَا ، وَالزِّيَادَةُ هِيَ مَا بَيْنَ قِيمَتِهَا حِينَ الشِّرَاءِ ، وَقِيمَتِهَا يَوْمَ أَخْذِهَا .\rقَالَ الْقَاضِي : وَيَحْتَمِلُ أَنَّهَا مَا بَيْنَ قِيمَتِهَا قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا وَقِيمَتِهَا بَعْدَهُ ؛ لِأَنَّ الثَّمَرَةَ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا ، كَانَتْ لِلْمُشْتَرِي بِتَمَامِهَا ، لَا حَقَّ لِلْبَائِعِ فِيهَا .\rوَقَالَ الثَّوْرِيُّ : يَأْخُذُ الْمُشْتَرِي رَأْسَ مَالِهِ ، وَيَتَصَدَّقُ بِالْبَاقِي .\rوَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي الرَّطْبَةِ إذَا طَالَتْ ، وَالزَّرْعِ الْأَخْضَرِ إذَا أَدْجَنَ .\rوَهَذَا فِيمَا إذَا لَمْ يُقْصَدْ وَقْتَ الشِّرَاءِ تَأْخِيرُهُ ، وَلَمْ يُجْعَلْ شِرَاؤُهُ بِشَرْطِ الْقَطْعِ حِيلَةً ، عَلَى الْمَنْهِيِّ عَنْهُ مِنْ شِرَاءِ الثَّمَرَةِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا ، لِيَتْرُكَهَا حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا ، فَأَمَّا إنْ قَصَدَ ذَلِكَ ، فَالْبَيْعُ بَاطِلٌ مِنْ أَصْلِهِ ؛ لِأَنَّهُ حِيلَةٌ مُحَرَّمَةٌ .\rوَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيِّ ، لَا حُكْمَ لِقَصْدِهِ ، وَالْبَيْعُ صَحِيحٌ ، قَصَدَ أَوْ لَمْ يَقْصِدْ ، وَأَصْلُ هَذَا ، الْخِلَافُ فِي تَحْرِيمِ الْحِيَلِ ، وَقَدْ سَبَقَ الْكَلَامُ فِي هَذَا .","part":8,"page":146},{"id":3646,"text":"( 2904 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : فَإِنْ اشْتَرَاهَا بَعْدَ أَنْ بَدَا صَلَاحُهَا عَلَى التَّرْكِ إلَى الْجِزَازِ ، جَازَ وَجُمْلَةُ ذَلِكَ ، أَنَّهُ إذَا بَدَا الصَّلَاحُ فِي الثَّمَرَةِ ، جَازَ بَيْعُهَا مُطْلَقًا ، وَبِشَرْطِ التَّبْقِيَةِ إلَى حَالِ الْجِزَازِ ، وَبِشَرْطِ الْقَطْعِ .\rوَبِذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ : لَا يَجُوزُ بِشَرْطِ التَّبْقِيَةِ .\rإلَّا أَنَّ مُحَمَّدًا قَالَ : إذَا تَنَاهَى عَظْمُهَا ، جَازَ .\rوَاحْتَجُّوا بِأَنَّ هَذَا شَرْطُ الِانْتِفَاعِ بِمِلْكِ الْبَائِعِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَقْتَضِيهِ الْعَقْدُ ، فَلَمْ يَجُزْ ، كَمَا لَوْ شَرَطَ تَبْقِيَةَ الطَّعَامِ فِي كندوجه .\rوَلَنَا ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { نَهَى عَنْ بَيْعِ الثَّمَرَةِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا .\r} فَمَفْهُومُهُ إبَاحَةُ بَيْعِهَا بَعْدَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا ، وَالْمَنْهِيُّ عَنْهُ قَبْلَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ عِنْدَهُمْ الْبَيْعُ بِشَرْطِ التَّبْقِيَةِ ، فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ جَائِزًا بَعْدَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ ، وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ بُدُوُّ الصَّلَاحِ غَايَةً ، وَلَا فَائِدَةَ فِي ذِكْرِهِ .\r{ وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ بَيْعِ الثَّمَرَةِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا ، وَتَأْمَنَ الْعَاهَةَ .\r} وَتَعْلِيلُهُ بِأَمْنِ الْعَاهَةِ يَدُلُّ عَلَى التَّبْقِيَةِ ؛ لِأَنَّ مَا يُقْطَعُ فِي الْحَالِ لَا يُخَافُ الْعَاهَةُ عَلَيْهِ ، وَإِذَا بَدَا الصَّلَاحُ فَقَدْ أُمِنَتْ الْعَاهَةُ ، فَيَجِبُ أَنْ يَجُوزَ بَيْعُهُ مُبْقًى لِزَوَالِ عِلَّةِ الْمَنْعِ ، وَلِأَنَّ النَّقْلَ وَالتَّحْوِيلَ يَجِبُ فِي الْمَبِيعِ بِحُكْمِ الْعُرْفِ ، فَإِذَا شَرَطَهُ جَازَ ، كَمَا لَوْ شَرَطَ نَقْلَ الطَّعَامِ مِنْ مِلْكِ الْبَائِعِ حَسَبَ الْإِمْكَانِ .\rوَفِي هَذَا انْفِصَالٌ عَمَّا ذَكَرُوهُ .","part":8,"page":147},{"id":3647,"text":"( 2905 ) فَصْلٌ : وَلَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ أَنَّ بُدُوَّ الصَّلَاحِ فِي بَعْضِ ثَمَرَةِ النَّخْلَةِ ، أَوْ الشَّجَرَةِ صَلَاحٌ لِجَمِيعِهَا ، أَعْنِي أَنَّهُ يُبَاحُ بَيْعُ جَمِيعِهَا بِذَلِكَ .\rوَلَا أَعْلَمُ فِيهِ اخْتِلَافًا ، وَهَلْ يَجُوزُ بَيْعُ سَائِرِ مَا فِي الْبُسْتَانِ مِنْ ذَلِكَ النَّوْعِ ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ ؛ أَظْهَرُهُمَا جَوَازُهُ .\rوَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ .\rوَعَنْهُ : لَا يَجُوزُ إلَّا بَيْعُ مَا بَدَا صَلَاحُهُ ؛ لِأَنَّ مَا لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ دَاخِلٌ فِي عُمُومِ النَّهْيِ ، وَلِأَنَّهُ لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ ، فَلَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ مِنْ غَيْرِ شَرْطِ الْقَطْعِ ، كَالْجِنْسِ الْآخَرِ ، وَكَاَلَّذِي فِي الْبُسْتَانِ الْآخَرِ .\rوَوَجْهُ الْأُولَى أَنَّهُ بَدَا الصَّلَاحُ فِي نَوْعِهِ مِنْ الْبُسْتَانِ الَّذِي هُوَ فِيهِ ، فَجَازَ بَيْعُ جَمِيعِهِ ، كَالشَّجَرَةِ الْوَاحِدَةِ ، وَلِأَنَّ اعْتِبَارَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ فِي الْجَمِيعِ يَشُقُّ ، وَيُؤَدِّي إلَى الِاشْتِرَاكِ وَاخْتِلَافِ الْأَيْدِي ، فَوَجَبَ أَنْ يَتْبَعَ مَا لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ مِنْ نَوْعِهِ لِمَا بَدَا ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِيمَا أُبِّرَ بَعْضُهُ دُونَ بَعْضٍ .\rفَأَمَّا نَوْعٌ آخَرُ مِنْ ذَلِكَ الْجِنْسِ ، فَقَالَ الْقَاضِي : لَا يَتْبَعُهُ .\rوَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ : مَا كَانَ مُتَقَارِبَ الْإِدْرَاكِ ، فَبُدُوُّ صَلَاحِ بَعْضِهِ يَجُوزُ بِهِ بَيْعُ جَمِيعِهِ ، وَإِنْ كَانَ يَتَأَخَّرُ إدْرَاكُ الْبَعْضِ تَأْخِيرًا كَثِيرًا ، فَالْبَيْعُ جَائِزٌ فِيمَا أَدْرَكَ ، وَلَا يَجُوزُ فِي الْبَاقِي .\rوَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : يَجُوزُ بَيْعُ مَا فِي الْبُسْتَانِ مِنْ ذَلِكَ الْجِنْسِ .\rوَهُوَ الْوَجْهُ الثَّانِي لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ الْجِنْسَ الْوَاحِدَ يُضَمُّ بَعْضُهُ إلَى بَعْضٍ فِي إكْمَالِ النِّصَابِ فِي الزَّكَاةِ ، فَيَتْبَعُهُ فِي جَوَازِ الْبَيْعِ ، كَالنَّوْعِ الْوَاحِدِ .\rوَالْأَوَّلُ أَوْلَى ؛ لِأَنَّ النَّوْعَيْنِ قَدْ يَتَبَاعَدُ إدْرَاكُهُمَا ، فَلَمْ يَتْبَعْ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ فِي بُدُوِّ الصَّلَاحِ ، كَالْجِنْسَيْنِ .\rوَيُخَالِفُ الزَّكَاةَ ؛","part":8,"page":148},{"id":3648,"text":"فَإِنَّ الْقَصْدَ هُوَ الْغِنَى مِنْ جِنْسِ ذَلِكَ الْمَالِ ، لِتَقَارُبِ مَنْفَعَتِهِ ، وَقِيَامِ كُلِّ نَوْعٍ مَقَامَ النَّوْعِ الْآخَرِ فِي الْمَقْصُودِ .\rوَالْمَعْنَى هَاهُنَا ؛ هُوَ تَقَارُبُ إدْرَاكِ أَحَدِهِمَا مِنْ الْآخَرِ ، وَدَفْعُ الضَّرَرِ الْحَاصِلِ بِالِاشْتِرَاكِ وَاخْتِلَافِ الْأَيْدِي ، وَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ فِي النَّوْعَيْنِ ، فَصَارَ فِي هَذَا كَالْجِنْسَيْنِ .","part":8,"page":149},{"id":3649,"text":"( 2906 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا النَّوْعُ الْوَاحِدُ مِنْ بُسْتَانَيْنِ ، فَلَا يَتْبَعُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ فِي جَوَازِ الْبَيْعِ حَتَّى يَبْدُوَ الصَّلَاحُ فِي أَحَدِهِمَا ، مُتَجَاوِرَيْنِ كَانَا أَوْ مُتَبَاعِدَيْنِ ، وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rوَحُكِيَ عَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى ؛ أَنَّ بُدُوَّ الصَّلَاحِ فِي شَجَرَةٍ مِنْ الْقَرَاحِ صَلَاحٌ لَهُ ، وَلِمَا قَارَبَهُ .\rوَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ ؛ لِأَنَّهُمَا يَتَقَارَبَانِ فِي الصَّلَاحِ ، فَأَشْبَهَا الْقَرَاحَ الْوَاحِدَ .\rوَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ الْأَمْنُ مِنْ الْعَاهَةِ ، وَقَدْ وُجِدَ .\rوَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا جَعَلَ مَا لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ بِمَنْزِلَةِ مَا بَدَا ، وَتَابِعًا لَهُ ، دَفْعًا لِضَرَرِ الِاشْتِرَاكِ ، وَاخْتِلَافِ الْأَيْدِي ، وَإِلَّا فَالْأَصْلُ اعْتِبَارُ كُلِّ شَيْءٍ بِنَفْسِهِ .\rوَمَا فِي قَرَاحٍ آخَرَ لَا يُوجَدُ فِيهِ هَذَا الضَّرَرُ ، فَوَجَبَ أَنْ لَا يَتْبَعَ الْآخَرَ ، كَمَا لَوْ تَبَاعَدَا .\rوَمَا ذَكَرُوهُ يَنْتَقِضُ بِمَا لَمْ يُجَاوِرْهُ مِنْ ذَلِكَ النَّوْعِ .\rوَلَوْ بَدَا صَلَاحُ بَعْضِ النَّوْعِ الْوَاحِدِ ، فَأَفْرَدَ بِالْبَيْعِ مَا لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ مِنْ بَقِيَّةِ النَّوْعِ مِنْ ذَلِكَ الْبُسْتَانِ ، لَمْ يَجُزْ ؛ لِدُخُولِهِ تَحْتَ عُمُومِ النَّهْيِ .\rوَيُقَدَّرُ قِيَاسُهُ عَلَى الصُّورَةِ الْمَخْصُوصَةِ مِنْ الْعُمُومِ ، وَهِيَ مَا إذَا بَاعَهُ مَعَ مَا بَدَا صَلَاحُهُ لِأَنَّهُ دَخَلَ فِي جَوَازِ الْبَيْعِ تَبَعًا ، دَفْعًا لِمَضَرَّةِ الِاشْتِرَاكِ ، وَاخْتِلَافِ الْأَيْدِي .\rوَلَا يُوجَدُ ذَلِكَ هَاهُنَا ، وَلِأَنَّهُ قَدْ يَدْخُلُ فِي الْبَيْعِ تَبَعًا مَا يَجُوزُ إفْرَادُهُ ، كَالثَّمَرَةِ تُبَاعُ مَعَ الْأَصْلِ ، وَالزَّرْعِ مَعَ الْأَرْضِ ، وَاللَّبَنِ فِي الضَّرْعِ مَعَ الشَّاةِ .\rوَيَحْتَمِلُ الْجَوَازَ ؛ لِأَنَّ الْكُلَّ فِي حُكْمِ مَا بَدَا صَلَاحُهُ ، وَلِأَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُهُ مَعَ غَيْرِهِ ، فَجَازَ بَيْعُهُ مُفْرَدًا ، كَاَلَّذِي بَدَا صَلَاحُهُ .","part":8,"page":150},{"id":3650,"text":"( 2907 ) فَصْلٌ : وَإِذَا احْتَاجَتْ الثَّمَرَةُ إلَى سَقْيٍ لَزِمَ الْبَائِعَ ذَلِكَ ، لِأَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ تَسْلِيمُ الثَّمَرَةِ كَامِلَةً ، وَذَلِكَ يَكُونُ بِالسَّقْيِ .\rفَإِنْ قِيلَ : فَلِمَ قُلْتُمْ إنَّهُ إذَا بَاعَ الْأَصْلَ ، وَعَلَيْهِ ثَمَرَةٌ لِلْبَائِعٍ ، لَا يَلْزَمُ الْمُشْتَرِيَ سَقْيُهَا ؟ قُلْنَا : لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ تَسْلِيمُ الثَّمَرَةِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَمْلِكْهَا مِنْ جِهَتِهِ ، وَإِنَّمَا بَقِيَ مِلْكُهُ عَلَيْهَا ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا ، فَإِنْ امْتَنَعَ الْبَائِعُ مِنْ السَّقْيِ ، لِضَرَرٍ يَلْحَقُ بِالْأَصْلِ ، أُجْبِرَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ دَخَلَ عَلَى ذَلِكَ .","part":8,"page":151},{"id":3651,"text":"( 2908 ) فَصْلٌ : وَيَجُوزُ لِمُشْتَرِي الثَّمَرَةِ بَيْعُهَا فِي شَجَرِهَا .\rرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، وَالْحَسَنِ بْنِ أَبِي الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ .\rوَكَرِهَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَعِكْرِمَةُ ، وَأَبُو سَلَمَةَ ؛ لِأَنَّهُ بَيْعٌ لَهُ قَبْلَ قَبْضِهِ ، فَلَمْ يَجُزْ ، كَمَا لَوْ كَانَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ ، فَلَمْ يَقْبِضهُ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ التَّصَرُّفُ فِيهِ ، فَجَازَ لَهُ بَيْعُهُ ، كَمَا لَوْ جَزَّهُ .\rوَقَوْلُهُمْ : لَمْ يَقْبِضْهُ .\rلَا يَصِحُّ ، فَإِنَّ قَبْضَ كُلِّ شَيْءٍ بِحَسَبِهِ ، وَهَذَا قَبْضُهُ التَّخْلِيَةُ ، وَقَدْ وُجِدَتْ .","part":8,"page":152},{"id":3652,"text":"( 2909 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : فَإِنْ كَانَتْ ثَمَرَةَ نَخْلٍ ، فَبُدُوُّ صَلَاحِهَا أَنْ تَظْهَرَ فِيهَا الْحُمْرَةُ أَوْ الصُّفْرَةُ .\rوَإِنْ كَانَتْ ثَمَرَةَ كَرْمٍ فَصَلَاحُهَا أَنْ تُتِمُّوهُ ، وَصَلَاحُ مَا سِوَى النَّخْلِ وَالْكَرْمِ أَنْ يَبْدُوَ فِيهَا النُّضْجُ وَجُمْلَةُ ذَلِكَ ، أَنَّ مَا كَانَ مِنْ الثَّمَرَةِ يَتَغَيَّرُ لَوْنُهُ عِنْدَ صَلَاحِهِ ، كَثَمَرَةِ النَّخْلِ ، وَالْعِنَبِ الْأَسْوَدِ ، وَالْإِجَّاصِ ، فَبُدُوُّ صَلَاحِهِ بِذَلِكَ .\rوَإِنْ كَانَ الْعِنَبُ أَبْيَضَ ، فَصَلَاحُهُ بِتَمَوُّهِهِ ؛ وَهُوَ أَنْ يَبْدُوَ فِيهِ الْمَاءُ الْحُلْوُ ، وَيَلِينَ ، وَيَصْفَرَّ لَوْنُهُ .\rوَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يَتَلَوَّنُ ، كَالتُّفَّاحِ وَنَحْوِهِ ، فَبِأَنْ يَحْلُوَ ، أَوْ يَطِيبَ .\rوَإِنْ كَانَ بِطِّيخًا ، أَوْ نَحْوَهُ ، فَبِأَنْ يَبْدُوَ فِيهِ النُّضْجُ .\rوَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يَتَغَيَّرُ لَوْنُهُ ، وَيُؤْكَلُ طَيِّبًا ، صِغَارًا وَكِبَارًا ، كَالْقِثَّاءِ وَالْخِيَارِ ، فَصَلَاحُهُ بُلُوغُهُ أَنْ يُؤْكَلَ عَادَةً .\rوَقَالَ الْقَاضِي ، وَأَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ : بُلُوغُهُ أَنْ يَتَنَاهَى عِظَمُهُ .\rوَمَا قُلْنَاهُ أَشْبَهُ بِصَلَاحِهِ مِمَّا قَالُوهُ ؛ فَإِنَّ بُدُوَّ صَلَاحِ الشَّيْءِ ابْتِدَاؤُهُ ، وَتَنَاهِيَ عِظَمِهِ آخِرُ صَلَاحِهِ .\rوَلِأَنَّ بُدُوَّ الصَّلَاحِ فِي الثَّمَرِ يَسْبِقُ حَالَ الْجِزَازِ ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُجْعَلَ بُدُوُّ الصَّلَاحِ فِيمَا يُقَاسُ عَلَيْهِ بِسَبْقِهِ قَطْعَهُ عَادَةً ؛ إلَّا أَنْ يُرِيدُوا بِتَنَاهِي عِظَمِهِ انْتِهَاءَهُ إلَى الْحَالِ الَّتِي جَرَتْ الْعَادَةُ بِأَخْذِهِ فِيهَا ، فَيَكُونُ كَمَا ذَكَرْنَا .\rوَمَا قُلْنَا فِي هَذَا الْفَصْلِ فَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَكَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ، أَوْ مُقَارِبٌ لَهُ .\rوَقَالَ عَطَاءٌ : لَا يُبَاعُ حَتَّى يُؤْكَلَ مِنْ التَّمْرِ قَلِيلٌ ، أَوْ كَثِيرٌ .\rوَرُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ .\rوَلِعَلَّهمْ أَرَادُوا صَلَاحَهُ لِلْأَكْلِ ، فَيَرْجِعُ مَعْنَاهُ إلَى مَا قُلْنَا ؛ فَإِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ : { نَهَى رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعِ النَّخْلِ حَتَّى يَأْكُلَ مِنْهُ ، أَوْ يُؤْكَلَ","part":8,"page":153},{"id":3653,"text":".\r} مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَإِنْ أَرَادُوا حَقِيقَةَ الْأَكْلِ كَانَ مَا ذَكَرْنَا أَوْلَى ؛ لِأَنَّ مَا رَوَوْهُ يَحْتَمِلُ صَلَاحَهُ لِلْأَكْلِ ، فَيُحْمَلُ عَلَى ذَلِكَ ، مُوَافَقَةً لِأَكْثَرِ الْأَخْبَارِ ، وَهُوَ مَا رُوِيَ { عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ نَهَى عَنْ بَيْعِ الثَّمَرَةِ حَتَّى تَطِيبَ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَنَهَى أَنْ تُبَاعَ الثَّمَرَةُ حَتَّى تَزْهُوَ .\rقِيلَ : وَمَا تَزْهُو ؟ قَالَ : ( تَحْمَارُّ أَوْ تَصْفَارُّ ) .\rرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ .\r{ وَنَهَى عَنْ بَيْعِ الْعِنَبِ حَتَّى يَسْوَدَّ .\r} رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ .\rوَالْأَحَادِيثُ فِي هَذَا كَثِيرَةٌ ، كُلُّهَا تَدُلُّ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى .","part":8,"page":154},{"id":3654,"text":"( 2910 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الْقِثَّاءِ ، وَالْخِيَارِ ، وَالْبَاذِنْجَانِ ، وَمَا أَشْبَهَهُ ، إلَّا لَقْطَةً لَقْطَةً وَجُمْلَةُ ذَلِكَ ؛ أَنَّهُ إذَا بَاعَ ثَمَرَةَ شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْبُقُولِ لَمْ يَجُزْ إلَّا بَيْعُ الْمَوْجُودِ مِنْهَا ، دُونَ الْمَعْدُومِ .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : يَجُوزُ بَيْعُ الْجَمِيعِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَشُقُّ تَمْيِيزُهُ ، فَجُعِلَ مَا لَمْ يَظْهَرْ تَبَعًا لِمَا ظَهَرَ ، كَمَا أَنَّ مَا لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ تَبَعٌ لِمَا بَدَا .\rوَلَنَا ، أَنَّهَا ثَمَرَةٌ لَمْ تُخْلَقْ ، فَلَمْ يَجُزْ بَيْعُهَا ، كَمَا لَوْ بَاعَهَا قَبْلَ ظُهُورِ شَيْءٍ مِنْهَا ، وَالْحَاجَةُ تَنْدَفِعُ بِبَيْعِ أُصُولِهِ ، وَلِأَنَّ مَا لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ يَجُوزُ إفْرَادُهُ بِالْبَيْعِ ، بِخِلَافِ مَا لَمْ يُخْلَقْ .\rوَلِأَنَّ مَا لَمْ يُخْلَقْ مِنْ ثَمَرَةِ النَّخْلِ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ تَبَعًا لِمَا خُلِقَ ، وَإِنْ كَانَ مَا لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ تَبَعًا لِمَا بَدَا .\rإذَا تَقَرَّرَ هَذَا ، فَإِنْ بَاعَهَا قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا ، لَمْ يَجُزْ إلَّا بِشَرْطِ الْقَطْعِ ، فَإِنْ كَانَ بَعْدَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا جَازَ مُطْلَقًا ، وَبِشَرْطِ الْقَطْعِ ، وَالتَّبْقِيَةِ ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي ثَمَرَةِ الْأَشْجَارِ .\rوَقَدْ بَيَّنَّا بِمَاذَا يَكُونُ بُدُوُّ صَلَاحِهِ .","part":8,"page":155},{"id":3655,"text":"( 2911 ) فَصْلٌ : قَالَ الْقَاضِي : وَيَصِحُّ بَيْعُ أُصُولِ هَذِهِ الْبُقُولِ الَّتِي تَتَكَرَّرُ ثَمَرَتُهَا مِنْ غَيْرِ شَرْطِ الْقَطْعِ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيِّ .\rوَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ الْأُصُولِ صِغَارًا أَوْ كِبَارًا ، مُثْمِرَةً أَوْ غَيْرَ مُثْمِرَةٍ ، لِأَنَّهُ أَصْلٌ تَكَرَّرَ فِيهِ الثَّمَرَةُ ، فَأَشْبَهَ الشَّجَرَ .\rفَإِنْ بَاعَ الْمُثْمِرَ مِنْهُ ، فَثَمَرَتُهُ الظَّاهِرَةُ لِلْبَائِعِ ، مَتْرُوكَةٌ إلَى حِينِ بُلُوغِهَا ، إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهَا الْمُبْتَاعُ .\rفَإِنْ حَدَثَتْ ثَمَرَةٌ أُخْرَى فَهِيَ لِلْمُشْتَرِي .\rفَإِنْ اخْتَلَطَتْ بِثَمَرَةِ الْبَائِعِ ، وَلَمْ تَتَمَيَّزْ ، كَانَ الْحُكْمُ فِيهَا كَثَمَرَةِ الشَّجَرَةِ إذَا اخْتَلَطَتْ بِثَمَرَةٍ أُخْرَى ، عَلَى مَا مَرَّ حُكْمُهُ .","part":8,"page":156},{"id":3656,"text":"( 2912 ) فَصْلٌ : وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ مَا الْمَقْصُودُ مِنْهُ مَسْتُورٌ فِي الْأَرْضِ ، كَالْجَزَرِ ، وَالْفُجْلِ ، وَالْبَصَلِ ، وَالثُّومِ حَتَّى يُقْلَعَ ، وَيُشَاهَدَ .\rوَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ .\rوَأَبَاحَهُ مَالِكٌ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ دَاعِيَةٌ إلَيْهِ ، فَأَشْبَهَ بَيْعَ مَا لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ تَبَعًا لِمَا بَدَا .\rوَلَنَا أَنَّهُ مَبِيعٌ مَجْهُولٌ ، لَمْ يَرَهُ ، وَلَمْ يُوصَفْ لَهُ ، فَأَشْبَهَ بَيْعَ الْحَمْلِ .\rوَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { نَهَى عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ .\r} رَوَاهُ مُسْلِمٌ .\rوَهَذَا غَرَرٌ .\rوَأَمَّا بَيْعُ مَا لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ ، فَإِنَّمَا جَازَ بَيْعُهُ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ يَتَلَاحَقُ فِي الصَّلَاحِ ، وَيَتْبَعُ بَعْضُهُ بَعْضًا ، فَإِنْ كَانَ مِمَّا تُقْصَدُ فُرُوعُهُ وَأُصُولُهُ ، كَالْبَصَلِ الْمَبِيعِ أَخْضَرَ ، وَالْكُرَّاثِ ، وَالْفُجْلِ ، أَوْ كَانَ الْمَقْصُودُ فُرُوعَهُ ، فَالْأَوْلَى جَوَازُ بَيْعِهِ ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ ظَاهِرٌ ، فَأَشْبَهَ الشَّجَرَ ، وَالْحِيطَانَ الَّتِي لَهَا أَسَاسَاتٌ مَدْفُونَةٌ .\rوَيَدْخُلُ مَا لَمْ يَظْهَرْ فِي الْبَيْعِ تَبَعًا ، فَلَا تَضُرُّ جَهَالَتُهُ ، كَالْحَمْلِ فِي الْبَطْنِ ، وَاللَّبَنِ فِي الضَّرْعِ مَعَ الْحَيَوَانِ ، وَإِنْ كَانَ مُعْظَمُ الْمَقْصُودِ مِنْهُ أُصُولَهُ ، لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ فِي الْأَرْضِ ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ لِلْأَغْلَبِ .\rفَإِنْ تُسَاوَيَا لَمْ يَجُزْ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ اعْتِبَارُ الشَّرْطِ فِي الْجَمِيعِ ، وَإِنَّمَا سَقَطَ اعْتِبَارُهُ فِيمَا كَانَ مُعْظَمُ الْمَقْصُودِ مِنْهُ ظَاهِرًا تَبَعًا ، فَفِيمَا عَدَاهُ يَبْقَى عَلَى الْأَصْلِ .","part":8,"page":157},{"id":3657,"text":"( 2913 ) فَصْلٌ : وَيَجُوزُ بَيْعُ الْجَوْزِ وَاللَّوْزِ وَالْبَاقِلَّا الْأَخْضَرِ فِي قِشْرَتِهِ مَقْطُوعًا ، وَفِي شَجَرِهِ ، وَبَيْعُ الْحَبِّ الْمُشْتَدِّ فِي سُنْبُلِهِ ، وَبَيْعُ الطَّلْعِ قَبْلَ تَشَقُّقِهِ ، مَقْطُوعًا عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ ، وَفِي شَجَرِهِ .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٌ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يَجُوزُ ، حَتَّى يُنْزَعَ عَنْهُ قِشْرُهُ الْأَعْلَى ، إلَّا فِي الطَّلْعِ وَالسُّنْبُلِ .\rفِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ .\rوَاحْتَجَّ بِأَنَّهُ مَسْتُورٌ بِمَا لَا يُدَّخَرُ عَلَيْهِ ، وَلَا مَصْلَحَةَ فِيهِ ، فَلَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ ، كَتُرَابِ الصَّاغَةِ وَالْمَعَادِنِ ، وَبَيْعِ الْحَيَوَانِ الْمَذْبُوحِ فِي سَلْخِهِ .\rوَلَنَا ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا ، وَعَنْ بَيْعِ السُّنْبُلِ حَتَّى يَبْيَضَّ ، وَيَأْمَنَ الْعَاهَةَ .\r} فَمَفْهُومُهُ إبَاحَةُ بَيْعِهِ إذَا بَدَا صَلَاحُهُ وَابْيَضَّ سُنْبُلُهُ ، وَلِأَنَّهُ مَسْتُورٌ بِحَائِلٍ مِنْ أَصْلِ خِلْقَتِهِ ، فَجَازَ بَيْعُهُ كَالرُّمَّانِ ، وَالْبَيْضِ ، وَالْقِشْرِ الْأَسْفَلِ .\rوَلَا يَصِحُّ قَوْلُهُمْ : لَيْسَ مِنْ مَصْلَحَتِهِ .\rفَإِنَّهُ لَا قِوَامَ لَهُ فِي شَجَرِهِ إلَّا بِهِ ، وَالْبَاقِلَّا يُؤْكَلُ رَطْبًا ، وَقِشْرُهُ يَحْفَظُ رُطُوبَتَهُ .\rوَلِأَنَّ الْبَاقِلَّا يُبَاعُ فِي أَسْوَاقِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ ، فَكَانَ ذَلِكَ إجْمَاعًا .\rوَكَذَلِكَ الْجَوْزُ ، وَاللَّوْزُ فِي شَجَرِهِمَا .\rوَالْحَيَوَانُ الْمَذْبُوحُ يَجُوزُ بَيْعُهُ فِي سَلْخِهِ ، فَإِنَّهُ إذَا جَازَ بَيْعُهُ قَبْلَ ذَبْحِهِ ، وَهُوَ يُرَادُ لِلذَّبْحِ ، فَكَذَلِكَ إذَا ذُبِحَ .\rكَمَا أَنَّ الرُّمَّانَةَ إذَا جَازَ بَيْعُهَا قَبْلَ كَسْرِهَا ، فَكَذَلِكَ إذَا كُسِرَتْ .\rوَأَمَّا تُرَابُ الصَّاغَةِ وَالْمَعْدِنِ ، فَلَنَا فِيهِمَا مَنْعٌ ، وَإِنْ سُلِّمَ ، فَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ أَصِلْ الْخِلْقَةِ فِي تُرَابِ الصَّاغَةِ ، وَلَا بَقَاؤُهُ فِيهِ مِنْ مَصْلَحَتِهِ ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا .","part":8,"page":158},{"id":3658,"text":"( 2914 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : وَكَذَلِكَ الرَّطْبَةُ كُلَّ جَزَّةٍ .\rوَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الرَّطْبَةَ وَمَا أَشْبَهَهَا مِمَّا تَثْبُتُ أُصُولُهُ فِي الْأَرْضِ ، وَيُؤْخَذُ مَا ظَهَرَ مِنْهُ بِالْقَطْعِ ، دَفْعَةً بَعْدَ دَفْعَةٍ ، كَالنَّعْنَاعِ ، وَالْهِنْدَبَا ، وَشِبْهِهِمَا ، لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ إلَّا أَنْ يَبِيعَ الظَّاهِرَ مِنْهُ ، بِشَرْطِ الْقَطْعِ فِي الْحَالِ .\rوَبِذَلِكَ قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ الْحَسَنِ وَعَطَاءٍ .\rوَرَخَّصَ مَالِكٌ فِي أَنْ يَشْتَرِيَ جَزَّتَيْنِ ، وَثَلَاثًا .\rوَلَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ مَا فِي الْأَرْضِ مِنْهُ مَسْتُورٌ ، وَمَا يَحْدُثُ مِنْهُ مَعْدُومٌ ، فَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ ، كَمَا لَا يَجُوزُ بَيْعُ مَا يَحْدُثُ مِنْ الثَّمَرَةِ .\rفَإِذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَمَتَى اشْتَرَاهَا قَبْلُ ، لَمْ يَجُزْ لَهُ إبْقَاؤُهَا ؛ لِأَنَّ مَا لَمْ يَظْهَرْ مِنْهَا أَعْيَانٌ لَمْ يَتَنَاوَلْهَا الْبَيْعُ ، فَيَكُونُ ذَلِكَ لِلْبَائِعِ إذَا ظَهَرَ ، فَيُفْضِي إلَى اخْتِلَاطِ الْمَبِيعِ بِغَيْرِهِ ، وَالثَّمَرَةُ بِخِلَافِ ذَلِكَ .\rفَإِنْ أَخَّرَهَا حَتَّى طَالَتْ ، فَالْحُكْمُ فِيهَا كَالثَّمَرَةِ إذَا اشْتَرَاهَا قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا ، ثُمَّ تَرَكَهَا حَتَّى بَدَا صَلَاحُهَا .","part":8,"page":159},{"id":3659,"text":"( 2915 ) فَصْلٌ : وَإِنْ اشْتَرَى قَصِيلًا مِنْ شَعِيرٍ ، وَنَحْوِهِ ، فَقَطَعَهُ ، ثُمَّ عَادَ فَنَبَتَ ، فَهُوَ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ تَرَكَ الْأَصْلَ عَلَى سَبِيلِ الرَّفْضِ لَهَا ، فَسَقَطَ حَقُّهُ مِنْهَا ، كَمَا يَسْقُطُ حَقُّ صَاحِبِ الزَّرْعِ مِنْ السَّنَابِلِ الَّتِي يُخَلِّفُهَا ، وَلِذَلِكَ أُبِيحَ لِكُلِّ أَحَدٍ الْتِقَاطُهَا .\rوَلَوْ سَقَطَ مِنْ الزَّرْعِ حَبٌّ ، ثُمَّ نَبَتَ مِنْ الْعَامِ الْمُقْبِلِ ، فَهُوَ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ .\rنَصَّ أَحْمَدُ عَلَى هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ .\rوَمِمَّا يُؤَكِّدُ مَا قُلْنَا ؛ أَنَّ الْبَائِعَ لَوْ أَرَادَ التَّصَرُّفَ فِي أَرْضِهِ ، بَعْدَ فَصْلِ الزَّرْعِ ، بِمَا يُفْسِدُ الْأُصُولَ وَيَقْلَعُهَا ، كَانَ لَهُ ذَلِكَ ، وَلَمْ يَمْلِكْ الْمُشْتَرِي مَنْعَهُ مِنْهُ .\rوَلَوْ كَانَ الْبَاقِي مُسْتَحَقًّا لَهُ ، لَمَلَكَ مَنْعَهُ مِنْهُ .","part":8,"page":160},{"id":3660,"text":"( 2916 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : وَالْحَصَادُ عَلَى الْمُشْتَرِي .\rفَإِنْ شَرَطَهُ عَلَى الْبَائِعِ بَطَلَ الْبَيْعُ الْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي فَصْلَيْنِ : ( 2917 ) الْفَصْلُ الْأَوَّلُ ، أَنَّ مَنْ اشْتَرَى زَرْعًا ، أَوْ جَزَّةٍ مِنْ الرَّطْبَةِ وَنَحْوِهَا ، أَوْ ثَمَرَةً فِي أُصُولِهَا ، فَإِنَّ حَصَادَ الزَّرْعِ ، وَجَذَّ الرَّطْبَةِ ، وَجِزَازَ الثَّمَرَةِ ، وَقَطْعَهَا ، عَلَى الْمُشْتَرِي ؛ لِأَنَّ نَقْلَ الْمَبِيعِ ، وَتَفْرِيغَ مِلْكِ الْبَائِعِ مِنْهُ عَلَى الْمُشْتَرِي ، كَنَقْلِ الطَّعَامِ الْمَبِيعِ مِنْ دَارِ الْبَائِعِ .\rوَيُفَارِقُ الْكَيْلَ ، وَالْوَزْنَ ، فَإِنَّهُمَا عَلَى الْبَائِعِ ؛ لِأَنَّهُمَا مِنْ مُؤْنَةِ التَّسْلِيمِ إلَى الْمُشْتَرِي ، وَالتَّسْلِيمُ عَلَى الْبَائِعِ ، وَهَا هُنَا حَصَلَ التَّسْلِيمُ بِالتَّخْلِيَةِ بِدُونِ الْقَطْعِ ، بِدَلِيلِ جَوَازِ بَيْعِهَا ، وَالتَّصَرُّفِ فِيهَا .\rوَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيِّ .\rوَلَا أَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا .\r( 2918 ) الْفَصْلُ الثَّانِي ، إذَا شَرَطَهُ عَلَى الْبَائِعِ ، فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا ؛ فَقَالَ الْخِرَقِيِّ : يَبْطُلُ الْبَيْعُ .\rوَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى : لَا يَجُوزُ .\rوَقِيلَ : يَجُوزُ .\rفَإِنْ قُلْنَا : لَا يَجُوزُ .\rفَهَلْ يَبْطُلُ الْبَيْعُ لِبُطْلَانِ الشَّرْطِ ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : الْمَذْهَبُ جَوَازُ الشَّرْطِ .\rذَكَرَهُ ابْنُ حَامِدٍ ، وَأَبُو بَكْرٍ .\rوَلَمْ أَجِدْ هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الْخِرَقِيِّ رِوَايَةً فِي الْمَذْهَبِ .\rوَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ أَيْضًا ؛ فَقَالَ بَعْضُهُمْ : إذَا شَرَطَ الْحَصَادَ عَلَى الْبَائِعِ فَسَدَ الْبَيْعُ ، قَوْلًا وَاحِدًا .\rوَقَالَ بَعْضُهُمْ : يَكُونُ عَلَى قَوْلَيْنِ .\rفَمِنْ أَفْسَدَ قَالَ : لَا يَصِحُّ لِثَلَاثَةِ مَعَانٍ ؛ أَحَدُهَا ، أَنَّهُ شَرَطَ الْعَمَلَ فِي الزَّرْعِ قَبْلَ أَنْ يَمْلِكَهُ .\rوَالثَّانِي ، أَنَّهُ شَرَطَ مَا لَا يَقْتَضِيهِ الْعَقْدُ .\rوَالثَّالِثُ ، أَنَّهُ شَرَطَ تَأْخِيرَ التَّسْلِيمِ ؛ لِأَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ تَسْلِيمُهُ مَقْطُوعًا .\rوَمَنْ أَجَازَهُ قَالَ : هَذَا بَيْعٌ ، وَإِجَارَةٌ ؛ لِأَنَّهُ بَاعَهُ الزَّرْعَ ، وَآجَرَهُ نَفْسَهُ عَلَى","part":8,"page":161},{"id":3661,"text":"حَصَادِهِ ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَصِحُّ إفْرَادُهُ بِالْعَقْدِ ، فَإِذَا جَمَعَهُمَا جَازَ ، كَالْعَيْنَيْنِ .\rوَقَوْلُهُمْ : شَرَطَ الْعَمَلَ فِيمَا لَا يَمْلِكُهُ .\rيَبْطُلُ بِشَرْطِ رَهْنِ الْمَبِيعِ عَلَى الثَّمَنِ فِي الْبَيْعِ .\rوَالثَّانِي ، يَبْطُلُ بِشَرْطِ الرَّهْنِ ، وَالْكَفِيلِ ، وَالْخِيَارِ .\rوَالثَّالِثُ ، لَيْسَ بِتَأْخِيرٍ ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ تَسْلِيمُهُ قَائِمًا ، وَلِأَنَّ الشَّرْطَ مِنْ الْمُتَسَلِّمِ ، فَلَيْسَ ذَلِكَ بِتَأْخِيرِ التَّسْلِيمِ .\rفَإِذَا فَسَدَتْ هَذِهِ الْمَعَانِي صَحَّ ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ .\rفَإِنْ قِيلَ : فَالْبَيْعُ يُخَالِفُ حُكْمُهُ حُكْمَ الْإِجَارَةِ ؛ لِأَنَّ الضَّمَانَ يَنْتَقِلُ فِي الْبَيْعِ بِتَسْلِيمِ الْعَيْنِ ، بِخِلَافِ الْإِجَارَةِ ، فَكَيْفَ يَصِحُّ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا ؟ قُلْنَا : كَمَا يَصِحُّ بَيْعُ الشِّقْصِ ، وَالسَّيْفِ ، وَحُكْمُهُمَا مُخْتَلِفٌ ؛ فَإِنَّ الشُّفْعَةَ تَثْبُتُ فِي الشِّقْصِ دُونَ السَّيْفِ ، وَيَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا .\rوَقَوْلُ الْخِرَقِيِّ : إنَّ الْعَقْدَ هَاهُنَا يَبْطُلُ .\rيَحْتَمِلُ أَنْ يَخْتَصَّ بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَشِبْهِهَا ، مِمَّا يُفْضِي الشَّرْطُ فِيهِ إلَى التَّنَازُعِ ، فَإِنَّ الْبَائِعَ رُبَّمَا أَرَادَ قَطْعَهَا مِنْ أَعْلَاهَا ، لِيَبْقَى لَهُ مِنْهَا بَقِيَّةٌ ، وَالْمُشْتَرِي يُرِيدُ الِاسْتِقْصَاءَ عَلَيْهَا ، لِيَزِيدَ لَهُ مَا يَأْخُذُهُ ، فَيُفْضِي إلَى التَّنَازُعِ ، وَهُوَ مَفْسَدَةٌ ، فَيَبْطُلُ الْبَيْعُ مِنْ أَجْلِهِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَاسَ عَلَيْهِ مَا أَشْبَهَهُ ، مِنْ اشْتِرَاطِ مَنْفَعَةِ الْبَائِعِ فِي الْمَبِيعِ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا فِي صَدْرِ الْمَسْأَلَةِ .\rوَالْأَوَّلُ أَوْلَى لِوَجْهَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، أَنَّهُ قَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ : وَلَا يَبْطُلُ الْبَيْعُ بِشَرْطٍ وَاحِدٍ .\rوَالثَّانِي ، أَنَّ الْمَذْهَبَ ، أَنَّهُ يَصِحُّ اشْتِرَاطُ مَنْفَعَةِ الْبَائِعِ فِي الْمَبِيعِ ، مِثْلُ أَنْ يَشْتَرِيَ ثَوْبًا ، وَيَشْتَرِطَ عَلَى بَائِعِهِ خِيَاطَتَهُ قَمِيصًا ، أَوْ قَلْعَة ، وَيَشْتَرِطَ حَذْوَهَا نَعْلًا ، أَوْ جُرْزَةَ حَطَبٍ ، وَيَشْتَرِطَ حَمْلَهَا إلَى مَوْضِعٍ مَعْلُومٍ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، فِي رِوَايَةِ","part":8,"page":162},{"id":3662,"text":"مُهَنَّا ، وَغَيْرِهِ .\rحَتَّى قَالَ الْقَاضِي : لَمْ أَجِدْ بِمَا قَالَ الْخِرَقِيِّ رِوَايَةً فِي أَنَّهُ لَا يَصِحُّ .\rوَاحْتَجَّ أَحْمَدُ بِأَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ اشْتَرَى مِنْ نَبَطِيٍّ جُرْزَةَ حَطَبٍ ، وَشَارَطَهُ عَلَى حَمْلِهَا .\rوَبِهِ قَالَ إِسْحَاقُ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِيَ قَلْعَةً ، وَيَشْتَرِطَ عَلَى الْبَائِعِ تَشْرِيكَهَا .\rوَحُكِيَ عَنْ أَبِي ثَوْرٍ ، وَالثَّوْرِيِّ أَنَّهُمَا أَبْطَلَا الْعَقْدَ بِهَذَا الشَّرْطِ ؛ لِأَنَّهُ شَرْطٌ فَاسِدٌ ، فَأَشْبَهَ سَائِرَ الشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ ، وَرُوِيَ { عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ نَهَى عَنْ بَيْعٍ ، وَشَرْطٍ } .\rوَلَنَا ، مَا تَقَدَّمَ ، وَلَمْ يَصِحَّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ بَيْعٍ ، وَشَرْطٍ .\rإنَّمَا الصَّحِيحُ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ شَرْطَيْنِ فِي بَيْعٍ .\r} كَذَا ذَكَرَهُ التِّرْمِذِيُّ .\rوَهَذَا دَالٌّ بِمَفْهُومِهِ عَلَى جَوَازِ الشَّرْطِ الْوَاحِدِ .\rقَالَ أَحْمَدُ : إنَّمَا النَّهْيُ عَنْ شَرْطَيْنِ فِي بَيْعٍ ، أَمَّا الشَّرْطُ الْوَاحِدُ فَلَا بَأْسَ بِهِ .","part":8,"page":163},{"id":3663,"text":"( 2919 ) فَصْلٌ : وَلَا بُدَّ مِنْ كَوْنِ الْمَنْفَعَةِ مَعْلُومَةً لَهُمَا ، لِيَصِحَّ اشْتِرَاطُهَا ، لِأَنَّنَا نَزَّلْنَا ذَلِكَ مَنْزِلَةَ الْإِجَارَةِ .\rفَلَوْ اشْتَرَطَ حَمْلَ الْحَطَبِ إلَى مَنْزِلِهِ ، وَالْبَائِعُ لَا يَعْرِفُ مَنْزِلَهُ ، لَمْ يَصِحَّ .\rوَلَوْ اشْتَرَطَ حَذْوَهَا نَعْلًا ، فَلَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَةِ صِفَتِهَا ، كَمَا لَوْ اسْتَأْجَرَهُ عَلَى ذَلِكَ ابْتِدَاءً .\rقَالَ أَحْمَدُ ، فِي الرَّجُلِ يَشْتَرِي النَّعْلَ ، عَلَى أَنْ يَحْذُوَهَا : جَائِزٌ إذَا أَرَادَ الشِّرَاكَ .\rوَإِنْ تَعَذَّرَ الْعَمَلُ بِتَلَفِ الْمَبِيعِ قَبْلَهُ ، أَوْ بِمَوْتِ الْبَائِعِ انْفَسَخَتْ الْإِجَارَةُ ، وَرَجَعَ الْمُشْتَرِي عَلَيْهِ بِعِوَضِ ذَلِكَ .\rوَإِنْ تَعَذَّرَ بِمَرَضٍ أُقِيمَ مُقَامَهُ مَنْ يَعْمَلُ الْعَمَلَ ، وَالْأُجْرَةُ عَلَيْهِ ، كَقَوْلِنَا فِي الْإِجَارَةِ .","part":8,"page":164},{"id":3664,"text":"فَصْلٌ : وَيَصِحُّ أَنْ يَشْتَرِطَ الْبَائِعُ نَفْعَ الْمَبِيعِ مُدَّةً مَعْلُومَةً ، مِثْلُ أَنْ يَبِيعَ دَارًا ، وَيَسْتَثْنِيَ سُكْنَاهَا شَهْرًا ، أَوْ جَمَلًا ، وَيَشْتَرِطَ ظَهْرَهُ إلَى مَكَان مَعْلُومٍ ، أَوْ عَبْدًا ، وَيَسْتَثْنِيَ خِدْمَتَهُ سَنَةً .\rنَصَّ عَلَى هَذَا أَحْمَدُ .\rوَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ ، وَإِسْحَاقَ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْي : لَا يَصِحُّ الشَّرْطُ ؛ { لِنَهْيِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعٍ وَشَرْطٍ } ، وَلِأَنَّهُ يُنَافِي مُقْتَضَى الْبَيْعِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ شَرَطَ أَنْ لَا يُسَلِّمَهُ ، وَذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ شَرَطَ تَأْخِيرَ تَسْلِيمِ الْمَبِيعِ إلَى أَنْ يَسْتَوْفِيَ الْبَائِعُ مَنْفَعَتَهُ ، وَلِأَنَّ مُقْتَضَى الْبَيْعِ مِلْكُ الْمَبِيعِ وَمَنَافِعِهِ ، وَهَذَا شَرْطٌ يُنَافِيهِ ، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ : فِيهِ رِوَايَةٌ ثَانِيَةٌ ، أَنَّهُ يَبْطُلُ الْبَيْعُ وَالشَّرْطُ ، نَقَلَهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفَقِيهُ ، فِي الرَّجُلِ يَشْتَرِي مِنْ الرَّجُلِ جَارِيَةً ، وَيَشْتَرِطُ أَنْ تَخْدِمَهُ ، فَالْبَيْعُ بَاطِلٌ .\rوَهَذِهِ الرِّوَايَةُ لَا تَدُلُّ عَلَى مَحَلِّ النِّزَاعِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ، فَإِنَّ اشْتِرَاطَ خِدْمَةِ الْجَارِيَةِ بَاطِلٌ لِوَجْهَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، أَنَّهَا مَجْهُولَةٌ ، وَإِطْلَاقُهَا يَقْتَضِي خِدْمَتَهَا أَبَدًا ، وَهَذَا لَا خِلَافَ فِي بُطْلَانِهِ ، إنَّمَا الْخِلَافُ فِي اشْتِرَاطِ مَنْفَعَةٍ مَعْلُومَةٍ .\rالثَّانِي ، أَنْ يَشْتَرِطَ خِدْمَتَهَا بَعْدَ زَوَالِ مِلْكِهِ عَنْهَا ، فَيُفْضِي إلَى الْخَلْوَةِ بِهَا ، وَالْخَطَرِ بِرُؤْيَتِهَا ، وَصُحْبَتِهَا ، وَلَا يُوجَدُ هَذَا فِي غَيْرِهَا ، وَلِذَلِكَ مُنِعَ إعَارَةَ الْجَارِيَةِ الشَّابَّةِ لِغَيْرِ مَحْرَمِهَا .\rوَقَالَ مَالِكٌ : إذَا اشْتَرَطَ رُكُوبًا إلَى مَكَان قَرِيبٍ ، جَازَ ، وَإِنْ كَانَ إلَى مَكَان بَعِيدٍ كُرِهَ ؛ لِأَنَّ الْيَسِيرَ تَدْخُلُهُ الْمُسَامَحَةُ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى جَابِرٌ : { أَنَّهُ بَاعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَمَلًا ، وَاشْتَرَطَ ظَهْرَهُ إلَى الْمَدِينَةِ } .\rوَفِي لَفْظٍ قَالَ : {","part":8,"page":165},{"id":3665,"text":"فَبِعْتُهُ بِأُوقِيَّةٍ ، وَاسْتَثْنَيْت حُمْلَانَهُ إلَى أَهْلِي .\r} مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَفِي لَفْظٍ { قَالَ : فَبِعْته مِنْهُ بِخَمْسِ أَوَاقٍ ، قَالَ : قُلْت : عَلَى أَنَّ لِي ظَهْرَهُ إلَى الْمَدِينَةِ .\rقَالَ : وَلَك ظَهْرُهُ إلَى الْمَدِينَةِ } .\rوَرَوَاهُ مُسْلِمٌ .\r{ وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : نَهَى عَنْ الثُّنْيَا إلَّا أَنْ تُعْلَمَ .\r} وَهَذِهِ مَعْلُومَةٌ ، وَلِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ قَدْ تَقَعُ مُسْتَثْنَاةً بِالشَّرْعِ عَلَى الْمُشْتَرِي فِيمَا إذَا اشْتَرَى نَخْلَةً مُؤَبَّرَةً ، أَوْ أَرْضًا مَزْرُوعَةً ، أَوْ دَارًا مُؤَجَّرَةً ، أَوْ أَمَةً مُزَوَّجَةً ، فَجَازَ أَنْ يَسْتَثْنِيَهَا ، كَمَا لَوْ اشْتَرَطَ الْبَائِعُ الثَّمَرَةَ قَبْلَ التَّأْبِيرِ ، وَلَمْ يَصِحَّ { نَهْيُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعٍ وَشَرْطٍ .\rوَإِنَّمَا نَهَى عَنْ شَرْطَيْنِ فِي بَيْعٍ } ، فَمَفْهُومُهُ إبَاحَةُ الشَّرْطِ الْوَاحِدِ ، وَقِيَاسُهُمْ يَنْتَقِضُ بِاشْتِرَاطِ الْخِيَارِ وَالتَّأْجِيلِ فِي الثَّمَنِ .","part":8,"page":166},{"id":3666,"text":"( 2921 ) فَصْلٌ : وَإِنْ بَاعَهُ أَمَةً ، وَاسْتَثْنَى وَطْأَهَا مُدَّةً مَعْلُومَةً ، لَمْ يَجُزْ ؛ لِأَنَّ الْوَطْءَ لَا يُبَاحُ فِي غَيْرِ مِلْكٍ أَوْ نِكَاحٍ ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَاَلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنْ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمْ الْعَادُونَ } ، وَفَارَقَ اشْتِرَاطَ وَطْءِ الْمُكَاتَبَةِ حَيْثُ نُبِيحُهُ ؛ لِأَنَّ الْمُكَاتَبَةَ مَمْلُوكَةٌ ، فَيُسْتَبَاحُ وَطْؤُهَا بِالشَّرْطِ فِي الْمَحَلِّ الْمَمْلُوكِ .\rوَاخْتَارَ ابْنُ عَقِيلٍ ، أَنَّهُ لَا يُبَاحُ وَطْؤُهَا أَيْضًا .\rوَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ .","part":8,"page":167},{"id":3667,"text":"( 2922 ) فَصْلٌ : وَإِنْ بَاعَ الْمُشْتَرِي الْعَيْنَ الْمُسْتَثْنَاةَ مَنْفَعَتُهَا ، صَحَّ الْبَيْعُ ، وَتَكُونُ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي الثَّانِي مُسْتَثْنَاةً أَيْضًا ، فَإِنْ كَانَ عَالِمًا بِذَلِكَ ، فَلَا خِيَارَ لَهُ ؛ لِأَنَّهُ دَخَلَ عَلَى بَصِيرَةٍ ، فَلَمْ يَثْبُتْ لَهُ خِيَارٌ ، كَمَا لَوْ اشْتَرَى مَعِيبًا يَعْلَمُ عَيْبَهُ ، فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ ، فَلَهُ خِيَارُ الْفَسْخِ ؛ لِأَنَّهُ عَيْبٌ ، فَهُوَ كَمَا لَوْ اشْتَرَى أَمَةً مُزَوَّجَةً ، أَوْ دَارًا مُؤَجَّرَةً .\rوَإِنْ أَتْلَفَ الْمُشْتَرِي الْعَيْنَ ، فَعَلَيْهِ أُجْرَةُ الْمِثْلِ ؛ لِتَفْوِيتِ الْمَنْفَعَةِ الْمُسْتَحَقَّةِ لِغَيْرِهِ ، وَثَمَنُ الْمَبِيعِ ، وَإِنْ تَلِفَتْ الْعَيْنُ بِتَفْرِيطِهِ ، فَهُوَ كَتَلَفِهَا بِفِعْلِهِ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .\rوَقَالَ : يَرْجِعُ الْبَائِعُ عَلَى الْمُبْتَاعِ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ .\rقَالَ الْقَاضِي : مَعْنَاهُ عِنْدِي ، الْقَدْرُ الَّذِي نَقَصَهُ الْبَائِعُ لِأَجْلِ الشَّرْطَ .\rوَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ خِلَافُ هَذَا ؛ لِأَنَّهُ يَضْمَنُ مَا فَاتَ بِتَفْرِيطِهِ ، فَضَمِنَهُ بِعِوَضِهِ ، وَهُوَ أُجْرَةُ الْمِثْلِ ، فَأَمَّا إنْ تَلِفَتْ بِغَيْرِ فِعْلِهِ ، وَلَا بِتَفْرِيطِهِ ، لَمْ يَضْمَنْ .\rقَالَ الْأَثْرَمُ : قُلْت لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ : فَعَلَى الْمُشْتَرِي أَنْ يَحْمِلَهُ عَلَى غَيْرِهِ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ لَهُ حَمْلَانِ ؟ قَالَ : لَا .\rإنَّمَا شَرَطَ هَذَا عَلَيْهِ بِعَيْنِهِ .\rوَلِأَنَّهُ لَمْ يَمْلِكْهَا الْبَائِعُ مِنْ جِهَتِهِ ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ عِوَضُهَا ، كَمَا لَوْ تَلِفَتْ النَّخْلَةُ الْمُؤَبَّرَةُ ، بِثَمَرَتِهَا أَوْ غَيْرُ الْمُؤَبَّرَةِ إذْ اشْتَرَطَ الْبَائِعُ ثَمَرَتَهَا ، وَكَمَا لَوْ بَاعَ حَائِطًا ، وَاسْتَثْنَى مِنْهُ شَجَرَةً بِعَيْنِهَا فَتَلِفَتْ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : عَلَيْهِ ضَمَانُهَا ، أَخْذًا مِنْ عُمُومِ كَلَامِ أَحْمَدَ .\rوَإِذَا تَلِفَتْ الْعَيْنُ ، رَجَعَ الْبَائِعُ عَلَى الْمُبْتَاعِ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى حَالَةِ التَّفْرِيطِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا .","part":8,"page":168},{"id":3668,"text":"( 2923 ) فَصْلٌ : وَإِذَا اشْتَرَطَ الْبَائِعُ مَنْفَعَةَ الْمَبِيعِ ، وَأَرَادَ الْمُشْتَرِي أَنْ يُعْطِيَهُ مَا يَقُومُ مَقَامَ الْمَبِيعِ فِي الْمَنْفَعَةِ ، أَوْ يُعَوِّضُهُ عَنْهَا لَمْ يَلْزَمْهُ قَبُولُهُ ، وَلَهُ اسْتِيفَاءُ الْمَنْفَعَةِ مِنْ غَيْرِ الْمَبِيعِ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ؛ لِأَنَّ حَقَّهُ تَعَلَّقَ بِهَا ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ اسْتَأْجَرَ عَيْنًا ، فَبَذَلَ لَهُ الْآخَرُ مِثْلَهَا ، وَلِأَنَّ الْبَائِعَ قَدْ يَكُونُ لَهُ غَرَضٌ فِي اسْتِيفَاءِ مَنَافِعِ تِلْكَ الْعَيْنِ ، فَلَا يُجْبَرُ عَلَى قَبُولِ عِوَضِهَا .\rفَإِنْ تَرَاضَيَا عَلَى ذَلِكَ ، جَازَ ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمَا ، وَلَا يَخْرُجُ عَنْهُمَا ، وَإِنْ أَرَادَ الْبَائِعُ إعَارَةَ الْعَيْنِ ، أَوْ إجَارَتَهَا لِمَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ ، فَلَهُ ذَلِكَ فِي قِيَاسِ الْمَذْهَبِ ؛ لِأَنَّهَا مَنَافِعُ مُسْتَحَقَّةٌ لَهُ ، فَمَلَكَ ذَلِكَ فِيهَا ، كَمَنَافِعِ الدَّارِ الْمُسْتَأْجَرَةِ وَالْمُوصَى بِمَنَافِعِهَا ، وَلَا يَجُوزُ إجَارَتُهَا إلَّا لِمِثْلِهِ فِي الِانْتِفَاعِ ، فَإِنْ أَرَادَ إجَارَتَهَا أَوْ إعَارَتَهَا لِمَنْ يَضُرُّ بِالْعَيْنِ بِانْتِفَاعِهِ ، لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ .\rكَمَا لَا يَجُوزُ لَهُ إجَارَةُ الْعَيْنِ الْمُسْتَأْجَرَةِ لِمَنْ لَا يَقُومُ مَقَامَهُ .\rذَكَرَ ذَلِكَ ابْنُ عَقِيلٍ .","part":8,"page":169},{"id":3669,"text":"( 2924 ) فَصْلٌ : إذَا اشْتَرَطَ الْمُشْتَرِي مَنْفَعَةَ الْبَائِعِ فِي الْمَبِيعِ ، فَأَقَامَ الْبَائِعُ مَقَامَهُ مَنْ يَعْمَلُ الْعَمَلَ ، فَلَهُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ هَاهُنَا بِمَنْزِلَةِ الْأَجِيرِ الْمُشْتَرَكِ ، يَجُوزُ أَنْ يَعْمَلَ الْعَمَلَ بِنَفْسِهِ ، وَبِمَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ .\rوَإِنْ أَرَادَ بَذْلَ الْعِوَضِ عَنْ ذَلِكَ ، لَمْ يَلْزَمْ الْمُشْتَرِيَ قَبُولُهُ ، وَإِنْ أَرَادَ الْمُشْتَرِي أَخْذَ الْعِوَضِ عَنْهُ ، لَمْ يَلْزَمْ الْبَائِعَ بَدَلُهُ ؛ لِأَنَّ الْمُعَاوَضَةَ عَقْدُ تَرَاضٍ ، فَلَمْ يُجْبَرْ عَلَيْهِ أَحَدٌ .\rوَإِنْ تَرَاضَيَا عَلَيْهِ ، احْتَمَلَ الْجَوَازَ ؛ لِأَنَّهَا مَنْفَعَةٌ يَجُوزُ أَخْذُ الْعِوَضِ عَنْهَا ، لَوْ لَمْ يَشْتَرِطْهَا ، فَإِذَا مَلَكَهَا الْمُشْتَرِي ، جَازَ لَهُ أَخْذُ الْعِوَضِ عَنْهَا ، كَمَا لَوْ اسْتَأْجَرَهَا ، وَكَمَا يَجُوزُ أَنْ يُؤْجِرَ الْمَنَافِعَ الْمُوصَى بِهَا مِنْ وَرَثَةِ الْمُوصِي ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَجُوزَ ؛ لِأَنَّهُ مُشْتَرَطٌ بِحُكْمِ الْعَادَةِ وَالِاسْتِحْسَانِ لِأَجْلِ الْحَاجَةِ ، فَلَمْ يَجُزْ أَخْذُ الْعِوَضِ عَنْهُ ، كَالْقَرْضِ ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَرُدَّ فِي الْخُبْزِ وَالْخَمِيرِ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ .\rوَلَوْ أَرَادَ أَنْ يَأْخُذَ بِقَدْرِ خُبْزِهِ وَكَسْرِهِ بِقَدْرِ الزِّيَادَةِ الْجَائِزَةِ ، لَمْ يَجُزْ .\rوَلِأَنَّهُ أَخْذُ عِوَضٍ عَنْ مِرْفَقٍ مُعْتَادٍ جَرَتْ الْعَادَةُ بِالْعَفْوِ عَنْهُ دُونَ أَخْذِ الْعِوَضِ ، فَأَشْبَهَ الْمَنَافِعَ الْمُسْتَثْنَاةَ شَرْعًا ، وَهُوَ مَا لَوْ بَاعَ أَرْضًا فِيهَا زَرْعٌ لِلْبَائِعٍ ، وَاسْتَحَقَّ تَبْقِيَتَهُ إلَى حِينِ الْحَصَادِ ، فَلَوْ أَخَذَهُ قَصِيلًا لِيَنْتَفِعَ بِالْأَرْضِ إلَى وَقْتِ الْحَصَادِ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ .","part":8,"page":170},{"id":3670,"text":"( 2925 ) فَصْلٌ : وَلَوْ قَالَ : بِعْتُك هَذِهِ الدَّارَ وَأَجَرْتُكَهَا شَهْرًا .\rلَمْ يَصِحَّ ؛ لِأَنَّهُ إذَا بَاعَهُ فَقَدْ مَلَكَ الْمُشْتَرِي الْمَنَافِعَ ، فَإِذَا أَجَرَهُ إيَّاهَا ، فَقَدْ شَرَطَ أَنْ يَكُونَ لَهُ بَدَلٌ فِي مُقَابَلَةِ مَا مَلَكَهُ الْمُشْتَرِي فَلَمْ يَصِحَّ .\rقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ : وَقَدْ { نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ قَفِيزِ الطَّحَّانِ .\r} وَمَعْنَاهُ أَنْ يَسْتَأْجِرَ طَحَّانًا ، لِيَطْحَنَ لَهُ كِرَاءً بِقَفِيزٍ مِنْهُ ، فَيَصِيرَ كَأَنَّهُ شَرَطَ عَمَلَهُ فِي الْقَفِيزِ عِوَضًا عَنْ عَمَلِهِ فِي بَاقِي الْكِرَاءِ الْمَطْحُونِ .\rوَيَحْتَمِلُ الْجَوَازَ بِنَاءً عَلَى اشْتِرَاطِ مَنْفَعَةِ الْبَائِعِ فِي الْمَبِيعِ .","part":8,"page":171},{"id":3671,"text":"( 2926 ) فَصْلٌ : وَإِنْ شَرَطَ فِي الْمَبِيعِ إنَّ هُوَ بَاعَهُ فَالْبَائِعُ أَحَقُّ بِهِ بِالثَّمَنِ .\rفَرَوَى الْمَرُّوذِيُّ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : فِي مَعْنَى حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا شَرْطَانِ فِي بَيْعٍ } .\rيَعْنِي أَنَّهُ فَاسِدٌ ؛ لِأَنَّهُ شَرَطَ أَنْ يَبِيعَهُ إيَّاهُ ، وَأَنْ يُعْطِيَهُ إيَّاهُ بِالثَّمَنِ الْأَوَّلِ ، فَهُمَا شَرْطَانِ فِي بَيْعٍ نُهِيَ عَنْهُمَا ، وَلِأَنَّهُ يُنَافِي مُقْتَضَى الْعَقْدِ ؛ لِأَنَّهُ شَرَطَ أَنْ لَا يَبِيعَهُ لِغَيْرِهِ إذَا أَعْطَاهُ ثَمَنَهُ ، فَهُوَ كَمَا لَوْ شَرَطَ أَنْ لَا يَبِيعَهُ إلَّا مِنْ فُلَانٍ ، أَوْ أَنْ لَا يَبِيعَهُ أَصْلًا ، وَرَوَى عَنْهُ إسْمَاعِيلُ بْنُ سَعِيدٍ : الْبَيْعُ جَائِزٌ ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ، أَنَّهُ قَالَ : ابْتَعْت مِنْ امْرَأَتِي زَيْنَبَ الثَّقَفِيَّةِ جَارِيَةً ، وَشَرَطْت لَهَا إنْ بِعْتهَا ، فَهِيَ لَهَا بِالثَّمَنِ الَّذِي ابْتَعْتهَا بِهِ ، فَذَكَرْت ذَلِكَ لِعُمَرَ ، فَقَالَ : لَا تَقْرَبْهَا وَلِأَحَدٍ فِيهَا شَرْطٌ .\rقَالَ إسْمَاعِيلُ : فَذَكَرْت لِأَحْمَدَ الْحَدِيثَ ، فَقَالَ : الْبَيْعُ جَائِزٌ ، وَ \" لَا تَقْرَبْهَا \" ؛ لِأَنَّهُ كَانَ فِيهَا شَرْطٌ وَاحِدٌ لِلْمَرْأَةِ .\rوَلَمْ يَقُلْ عُمَرُ فِي ذَلِكَ الْبَيْعِ : فَاسِدٌ .\rفَحَمَلَ الْحَدِيثَ عَلَى ظَاهِرِهِ ، وَأَخَذَ بِهِ .\rوَقَدْ اتَّفَقَ عُمَرُ وَابْنُ مَسْعُودٍ عَلَى صِحَّتِهِ ، وَالْقِيَاسُ يَقْتَضِي فَسَادَهُ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يُحْمَلَ كَلَامُ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيِّ عَلَى فَسَادِ الشَّرْطِ ؛ وَفِي رِوَايَةِ إسْمَاعِيلِ بْنِ سَعِيدٍ عَلَى جَوَازِ الْبَيْعِ ، فَيَكُونُ الْبَيْعُ صَحِيحًا ، وَالشَّرْطُ فَاسِدًا ، كَمَا لَوْ اشْتَرَاهَا بِشَرْطِ أَنْ لَا يَبِيعَهَا .\rوَقَوْلُ أَحْمَدَ : \" لَا تَقْرَبْهَا \" .\rقَدْ رُوِيَ مِثْلُهُ فِي مَنْ اشْتَرَطَ فِي الْأَمَةِ أَنْ لَا يَبِيعَهَا وَلَا يَهَبَهَا ، أَوْ شَرَطَ عَلَيْهِ وَلَاءَهَا ، وَلَا يَقْرَبُهَا .\rوَالْبَيْعُ جَائِزٌ .\rوَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ عُمَرَ : \" لَا تَقْرَبْهَا وَلِأَحَدٍ فِيهَا مَثْنَوِيَّةٌ \" .\rقَالَ الْقَاضِي : وَهَذَا عَلَى الْكَرَاهَةِ لَا عَلَى التَّحْرِيمِ .\rقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ :","part":8,"page":172},{"id":3672,"text":"عِنْدِي أَنَّهُ إنَّمَا مُنِعَ مِنْ الْوَطْءِ ؛ لِمَكَانِ الْخِلَافِ فِي الْعَقْدِ ؛ لِكَوْنِهِ يَفْسُدُ بِفَسَادِ الشَّرْطِ فِي بَعْضِ الْمَذَاهِبِ .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":8,"page":173},{"id":3673,"text":"( 2927 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : وَإِذَا بَاعَ حَائِطًا وَاسْتَثْنَى مِنْهُ صَاعًا ، لَمْ يَجُزْ .\rوَإِنْ اسْتَثْنَى مِنْهُ نَخْلَةً أَوْ شَجَرَةً بِعَيْنِهَا ، جَازَ .\rالْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي فَصْلَيْنِ ؛ ( 2928 ) الْفَصْلُ الْأَوَّلُ ، أَنَّهُ إذَا بَاعَ ثَمَرَةَ بُسْتَانٍ ، وَاسْتَثْنَى صَاعًا ، أَوْ آصُعًا ، أَوْ مُدًّا ، أَوْ أَمْدَادًا ، أَوْ بَاعَ صُبْرَةً وَاسْتَثْنَى مِنْهَا مِثْلَ ذَلِكَ ، لَمْ يَجُزْ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، وَالْحَسَنِ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَإِسْحَاقَ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ .\rوَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : فِيهِ رِوَايَةٌ أُخْرَى ، أَنَّهُ يَجُوزُ ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ سِيرِينَ ، وَسَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، وَمَالِكٍ ؛ { لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : نَهَى عَنْ بَيْعِ الثُّنْيَا إلَّا أَنْ تُعْلَمَ .\r} رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ : هُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ، وَهَذِهِ ثَنَيَا مَعْلُومَةٌ ، وَلِأَنَّهُ اسْتَثْنَى مَعْلُومًا أَشْبَهَ مَا إذَا اسْتَثْنَى مِنْهَا جُزْءًا .\rوَلَنَا ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : نَهَى عَنْ الثُّنْيَا .\r} رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ .\rوَلِأَنَّ الْمَبِيعَ مَعْلُومٌ بِالْمُشَاهَدَةِ لَا بِالْقَدْرِ ، وَالِاسْتِثْنَاءُ يُغَيِّرُ حُكْمَ الْمُشَاهَدَةِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي كَمْ يَبْقَى فِي حُكْمِ الْمُشَاهَدَةِ ، فَلَمْ يَجُزْ ، وَيُخَالِفُ الْجُزْءَ ؛ فَإِنَّهُ لَا يُغَيِّرُ حُكْمَ الْمُشَاهَدَةِ ، وَلَا يَمْنَعُ الْمَعْرِفَةَ بِهَا .","part":8,"page":174},{"id":3674,"text":"( 2929 ) فَصْلٌ : وَإِنْ بَاعَ شَجَرَةً ، أَوْ نَخْلَةً ، وَاسْتَثْنَى أَرْطَالًا مَعْلُومَةً ، فَالْحُكْمُ فِيهِ كَمَا لَوْ بَاعَ حَائِطًا وَاسْتَثْنَى آصُعًا .\rوَقَالَ الْقَاضِي فِي \" شَرْحِهِ \" : يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجَازُوا اسْتِثْنَاءَ سَوَاقِطِ الشَّاةِ .\rوَالصَّحِيحُ ، مَا ذَكَرْنَاهُ .\rوَهَذَا أَشْبَهُ بِمَسْأَلَةِ الصَّاعِ مِنْ الْحَائِطِ وَإِلَيْهَا أَقْرَبُ ، وَالْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِيهَا مُتَحَقِّقٌ هَاهُنَا ، فَلَا يَصِحُّ .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":8,"page":175},{"id":3675,"text":"( 2930 ) الْفَصْلُ الثَّانِي ، أَنَّهُ إذَا اسْتَثْنَى نَخْلَةً ، أَوْ شَجَرَةً بِعَيْنِهَا ، جَازَ .\rوَلَا نَعْلَمُ فِي ذَلِكَ خِلَافًا ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُسْتَثْنَى مَعْلُومٌ ، وَلَا يُؤَدِّي إلَى جَهَالَةِ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ .\rوَإِنْ اسْتَثْنَى شَجَرَةً غَيْرَ مُعَيَّنَةٍ ، لَمْ يَجُزْ ؛ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ غَيْرُ مَعْلُومٍ ، فَصَارَ الْمَبِيعُ وَالْمُسْتَثْنَى مَجْهُولَيْنِ .\rوَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، أَنَّهُ بَاعَ ثَمَرَتَهُ بِأَرْبَعَةِ آلَافٍ ، وَاسْتَثْنَى طَعَامَ الْقِيَانِ .\rوَهَذَا يَحْتَمِلُ أَنَّهُ اسْتَثْنَى نَخْلًا مُعَيَّنًا بِقَدْرِ طَعَامِ الْقِيَانِ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ حُمِلَ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ لَكَانَ مُخَالِفًا { لِنَهْيِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الثُّنْيَا إلَّا أَنْ تُعْلَمَ .\r} وَلِأَنَّ الْمُسْتَثْنَى مَتَى كَانَ مَجْهُولًا لَزِمَ أَنْ يَكُونَ الْبَاقِي بَعْدَهُ مَجْهُولًا ، فَلَا يَصِحُّ بَيْعُهُ ، كَمَا لَوْ قَالَ : بِعْتُك مِنْ هَذِهِ الثَّمَرَةِ طَعَامَ الْقِيَانِ .","part":8,"page":176},{"id":3676,"text":"( 2931 ) فَصْلٌ : وَإِنْ اسْتَثْنَى جُزْءًا مَعْلُومًا مِنْ الصُّبْرَةِ أَوْ الْحَائِطِ مُشَاعًا ، كَثُلُثٍ ، أَوْ رُبْعٍ ، أَوْ أَجْزَاءٍ ، كَسَبْعِينَ ، أَوْ ثَلَاثَةِ أَثْمَانٍ ، صَحَّ الْبَيْعُ وَالِاسْتِثْنَاءُ .\rذَكَرَهُ أَصْحَابُنَا .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ أَبُو بَكْرٍ ، وَابْنُ أَبِي مُوسَى : لَا يَجُوزُ .\rوَلَنَا أَنَّهُ لَا يُؤَدِّي إلَى جَهَالَةِ الْمُسْتَثْنَى وَلَا الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ ، فَصَحَّ ، كَمَا لَوْ اشْتَرَى شَجَرَةً بِعَيْنِهَا ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ مَعْنَى : بِعْتُك هَذِهِ الصُّبْرَةَ إلَّا ثُلُثَهَا .\rأَيْ بِعْتُك ثُلُثَيْهَا .\rوَقَوْلُهُ : إلَّا رُبْعَهَا مَعْنَاهُ : بِعْتُك ثَلَاثَةَ أَرْبَاعِهَا .\rوَلَوْ بَاعَ حَيَوَانًا ، وَاسْتَثْنَى ثُلُثَهُ ، جَازَ ، وَكَانَ مَعْنَاهُ بِعْتُك ثُلُثَيْهِ .\rوَمَنَعَ مِنْهُ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى قِيَاسًا عَلَى اسْتِثْنَاءِ الشَّحْمِ .\rوَلَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ الشَّحْمَ مَجْهُولٌ لَا يَصِحُّ إفْرَادُهُ بِالْبَيْعِ ، وَهَذَا مَعْلُومٌ ؛ وَيَصِحُّ إفْرَادُهُ بِالْبَيْعِ ، فَصَحَّ اسْتِثْنَاؤُهُ ، كَالشَّجَرَةِ الْمُعَيَّنَةِ ، وَقِيَاسُ الْمَعْلُومِ عَلَى الْمَجْهُولِ فِي الْفَسَادِ لَا يَصِحُّ ، فَعَلَى هَذَا يَصِيرَانِ شَرِيكَيْنِ فِيهِ ، لِلْمُشْتَرِي ثُلُثَاهُ وَلِلْبَائِعِ ثُلُثُهُ .","part":8,"page":177},{"id":3677,"text":"( 2932 ) فَصْلٌ : فَإِنْ قَالَ : بِعْتُك قَفِيزًا مِنْ هَذِهِ الصُّبْرَةِ إلَّا مَكُّوكًا .\rجَازَ ؛ لِأَنَّ الْقَفِيزَ مَعْلُومٌ ، وَالْمَكُّوك مَعْلُومٌ ، فَلَا يُفْضِي إلَى الْجَهَالَةِ ، وَلَوْ قَالَ : بِعْتُك هَذِهِ الثَّمَرَةَ بِأَرْبَعَةِ دَرَاهِمَ ، إلَّا بِقَدْرِ دِرْهَمٍ .\rصَحَّ ؛ لِأَنَّ قَدْرَهُ مَعْلُومٌ مِنْ الْمَبِيعِ وَهُوَ الرُّبْعُ ، فَكَأَنَّهُ قَالَ : بِعْتُك ثَلَاثَةَ أَرْبَاعِ هَذِهِ الثَّمَرَةِ بِأَرْبَعَةِ دَرَاهِمَ .\rوَلَوْ قَالَ : إلَّا مَا يُسَاوِي دِرْهَمًا .\rلَمْ يَصِحَّ ؛ لِأَنَّ مَا يُسَاوِي الدِّرْهَمَ قَدْ يَكُونُ الرُّبْعَ ، أَوْ أَكْثَرَ أَوْ أَقَلَّ ، فَيَكُونُ مَجْهُولًا ، فَيَبْطُلُ .","part":8,"page":178},{"id":3678,"text":"( 2933 ) فَصْلٌ : وَإِنْ بَاعَ قَطِيعًا ، وَاسْتَثْنَى مِنْهُ شَاةً بِعَيْنِهَا ، صَحَّ .\rوَإِنْ اسْتَثْنَى شَاةً غَيْرَ مُعَيَّنَةٍ ، لَمْ يَصِحَّ .\rنَصَّ عَلَيْهِ .\rوَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : يَصِحُّ أَنْ يَبِيعَ مِائَةَ شَاةٍ إلَّا شَاةً يَخْتَارُهَا ، أَوْ يَبِيعَ ثَمَرَةَ حَائِطِهِ ، وَيَسْتَثْنِيَ ثَمَرَةَ نَخَلَاتِ يَعُدُّهَا .\rوَلَنَا ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : نَهَى عَنْ الثُّنْيَا إلَّا أَنْ تُعْلَمَ .\rوَنَهَى عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ .\r} وَلِأَنَّهُ مَبِيعٌ مَجْهُولٌ ، وَالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ مَجْهُولٌ ، فَلَمْ يَصِحَّ ، كَمَا لَوْ قَالَ : إلَّا شَاةً مُطْلَقَةً .\rوَلِأَنَّهُ مَبِيعٌ مَجْهُولٌ ، فَلَمْ يَصِحَّ ، كَمَا لَوْ قَالَ : بِعْتُك شَاةً تَخْتَارُهَا مِنْ الْقَطِيعِ .\rوَضَابِطُ هَذَا الْبَابِ ، أَنَّهُ لَا يَصِحُّ اسْتِثْنَاءُ مَا لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ مُفْرَدًا أَوْ بَيْعُ مَا عَدَاهُ مُنْفَرِدًا عَنْ الْمُسْتَثْنَى ، وَنَحْوُ هَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيِّ ، إلَّا أَنَّ أَصْحَابَنَا اسْتَثْنَوْا مِنْ هَذَا سَوَاقِطَ الشَّاةِ ، وَجِلْدَهَا ؛ لِلْأَثَرِ الْوَارِدِ فِيهِ .\rوَالْحَمْلُ عَلَى رِوَايَةِ الْجَوَازِ ؛ لِفِعْلِ ابْنِ عُمَرَ ، وَمَا عَدَا هَذَا فَيَبْقَى عَلَى الْأَصْلِ .","part":8,"page":179},{"id":3679,"text":"( 2934 ) فَصْلٌ : وَإِنْ بَاعَ حَيَوَانًا مَأْكُولًا ، وَاسْتَثْنَى رَأْسَهُ وَجِلْدَهُ وَأَطْرَافَهُ وَسَوَاقِطَهُ ، صَحَّ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : يَصِحُّ فِي السَّفَرِ دُونَ الْحَضَرِ ؛ لِأَنَّ الْمُسَافِرَ لَا يُمْكِنُهُ الِانْتِفَاعُ بِالْجِلْدِ وَالسَّوَاقِطِ .\rفَجَوَّزَ لَهُ شِرَاءَ اللَّحْمِ دُونَهَا .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ : لَا يَجُوزُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ إفْرَادُهُ بِالْعَقْدِ ، فَلَمْ يَجُزْ اسْتِثْنَاؤُهُ كَالْحَمْلِ .\rوَلَنَا ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ الثُّنْيَا إلَّا أَنْ تُعْلَمَ .\r} وَهَذِهِ مَعْلُومَةٌ ، وَرُوِيَ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا هَاجَرَ إلَى الْمَدِينَةِ ، وَمَعَهُ أَبُو بَكْرٍ وَعَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ ، مَرُّوا بِرَاعِي غَنَمٍ ، فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ وَعَامِرٌ فَاشْتَرَيَا مِنْهُ شَاةً ، وَشَرَطَا لَهُ سَلَبَهَا .\r} وَرَوَى أَبُو بَكْرٍ ، فِي \" الشَّافِي \" بِإِسْنَادِهِ عَنْ جَابِرٍ ، عَنْ الشَّعْبِيِّ قَالَ : قَضَى زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ ، وَأَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَقَرَةٍ بَاعَهَا رَجُلٌ وَاشْتَرَطَ رَأْسَهَا ، فَقَضَى بِالشَّرْوَى .\rيَعْنِي أَنْ يُعْطِيَ رَأْسًا مِثْلَ رَأْسٍ .\rوَلِأَنَّ الْمُسْتَثْنَى وَالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ مَعْلُومَانِ ، فَصَحَّ ، كَمَا لَوْ بَاعَ حَائِطًا ، وَاسْتَثْنَى مِنْهُ نَخْلَةً مُعَيَّنَةً .\rوَكَوْنُهُ لَا يَجُوزُ إفْرَادُهُ بِالْبَيْعِ يَبْطُلُ بِالثَّمَرَةِ قَبْلَ التَّأْبِيرِ لَا يَجُوزُ إفْرَادُهَا بِالْبَيْعِ بِشَرْطِ التَّبْقِيَةِ ، وَيَجُوزُ اسْتِثْنَاؤُهَا ، وَالْحَمْلُ مَجْهُولٌ .\rوَلَنَا فِيهِ مَنْعٌ ، فَإِنْ امْتَنَعَ الْمُشْتَرِي مِنْ ذَبْحِهَا لَمْ يُجْبَرْ عَلَيْهِ ، وَيَلْزَمُهُ قِيمَةُ ذَلِكَ عَلَى التَّقْرِيبِ .\rنَصَّ عَلَيْهِ ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَضَى فِي رَجُلٍ اشْتَرَى نَاقَةً وَشَرَطَ ثَنَيَاهَا .\rفَقَالَ : اذْهَبُوا إلَى السُّوقِ ، فَإِذَا بَلَغَتْ أَقْصَى ثَمَنِهَا ، فَأَعْطُوهُ حِسَابَ ثَنَيَاهَا مِنْ ثَمَنِهَا .","part":8,"page":180},{"id":3680,"text":"( 2935 ) فَصْلٌ : فَإِنْ اسْتَثْنَى شَحْمَ الْحَيَوَانِ ، لَمْ يَصِحَّ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .\rقَالَ أَبُو بَكْرٍ : لَا يَخْتَلِفُونَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ، أَنَّهُ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ ؛ { لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ الثُّنْيَا إلَّا أَنْ تُعْلَمَ .\r} وَلِأَنَّهُ مَجْهُولٌ لَا يَصِحُّ إفْرَادُهُ بِالْبَيْعِ ، فَلَمْ يَصِحَّ اسْتِثْنَاؤُهُ ، كَفَخِذِهَا ، وَإِنْ اسْتَثْنَى الْحَمْلَ ، لَمْ يَصِحَّ اسْتِثْنَاؤُهُ لِذَلِكَ .\rوَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٍ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَالشَّافِعِيِّ .\rوَقَدْ نُقِلَ عَنْ أَحْمَدَ صِحَّتُهُ ، وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ .\rلِمَا رَوَى نَافِعٌ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، أَنَّهُ بَاعَ جَارِيَةً ، وَاسْتَثْنَى مَا فِي بَطْنِهَا .\rوَلِأَنَّهُ يَصِحُّ اسْتِثْنَاؤُهُ فِي الْعِتْقِ ، فَصَحَّ فِي الْبَيْعِ قِيَاسًا عَلَيْهِ .\rوَلَنَا ، مَا تَقَدَّمَ .\rوَالصَّحِيحُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ أَعْتَقَ جَارِيَةً وَاسْتَثْنَى مَا فِي بَطْنِهَا .\rلِأَنَّ الثِّقَاتِ الْحُفَّاظَ حَدَّثُوا الْحَدِيثَ ، فَقَالُوا : أَعْتَقَ جَارِيَةً .\rوَالْإِسْنَادُ وَاحِدٌ ، قَالَهُ أَبُو بَكْرٍ .\rوَلَا يَلْزَمُ مِنْ الصِّحَّةِ فِي الْعِتْقِ الصِّحَّةُ فِي الْبَيْعِ ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ لَا تَمْنَعُهُ الْجَهَالَةُ وَلَا الْعَجْزُ عَنْ التَّسْلِيمِ ، وَلَا يُعْتَبَرُ فِيهِ شُرُوطُ الْبَيْعِ .","part":8,"page":181},{"id":3681,"text":"( 2936 ) فَصْلٌ : وَإِنْ بَاعَ جَارِيَةً حَامِلًا بِحُرٍّ .\rفَقَالَ الْقَاضِي : لَا يَصِحُّ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدْخُلُ فِي الْبَيْعِ ، فَكَأَنَّهُ مُسْتَثْنًى .\rوَالْأُولَى صِحَّتُهُ ؛ لِأَنَّ الْمَبِيعَ مَعْلُومٌ ، وَجَهَالَةُ الْحَمْلِ لَا تَضُرُّ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ لَيْسَ بِمَبِيعٍ وَلَا مُسْتَثْنًى بِاللَّفْظِ ، وَقَدْ يُسْتَثْنَى بِالشَّرْعِ مَا لَا يَصِحُّ اسْتِثْنَاؤُهُ بِاللَّفْظِ ، كَمَا لَوْ بَاعَ أَمَةً مُزَوَّجَةً صَحَّ ، وَوَقَعَتْ مَنْفَعَةُ الْبُضْعِ مُسْتَثْنَاةً بِالشَّرْعِ .\rوَلَوْ اسْتَثْنَاهَا بِاللَّفْظِ لَمْ يَجُزْ .\rوَلَوْ بَاعَ أَرْضًا فِيهَا زَرْعٌ لِلْبَائِعٍ ، أَوْ نَخْلَةً مُؤَبَّرَةً ، لَوَقَعَتْ مَنْفَعَتُهَا مُسْتَثْنَاةً بِالشَّرْعِ مُدَّةَ بَقَاءِ الزَّرْعِ وَالثَّمَرَةِ ، وَلَوْ اسْتَثْنَاهَا بِقَوْلِهِ ، لَمْ يَجُزْ .","part":8,"page":182},{"id":3682,"text":"( 2937 ) فَصْلٌ : وَلَوْ بَاعَ دَارًا إلَّا ذِرَاعًا ، وَهُمَا يَعْلَمَانِ ذُرْعَانُ الدَّارِ ، جَازَ ، وَكَانَ مُسْتَثْنِيًا جُزْءًا مُشَاعًا مِنْهَا ، لِأَنَّهُ جُزْءٌ مَعْلُومٌ يَصِحُّ إفْرَادُهُ بِالْبَيْعِ ، فَجَازَ اسْتِثْنَاؤُهُ ، كَثُلُثِهَا وَرُبْعِهَا ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمَا ، لَمْ يَجُزْ ؛ لِأَنَّهُ مَجْهُولٌ لَا يَجُوزُ إفْرَادُهُ بِالْبَيْعِ ، وَلِأَنَّهُ اسْتَثْنَى مَعْلُومَ الْمِقْدَارِ مِنْ مَبِيعٍ مَعْلُومٍ بِالْمُشَاهَدَةِ ، فَلَمْ يَجُزْ كَاسْتِثْنَاءِ الصَّاعِ مِنْ ثَمَرَةِ الْحَائِطِ ، وَالْقَفِيزِ مِنْ الصُّبْرَةِ .\rوَهَكَذَا الْحُكْمُ إذَا بَاعَهُ ضَيْعَةً إلَّا جَرِيبًا ، فَمَتَى عَلِمَ جُرْبَانَ الضَّيْعَةِ صَحَّ ، وَإِلَّا فَلَا .","part":8,"page":183},{"id":3683,"text":"( 2938 ) فَصْلٌ : وَإِذَا بَاعَ سِمْسِمًا وَاسْتَثْنَى الْكَسْبَ ، لَمْ يَجُزْ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ بَاعَهُ الشَّيْرَجَ فِي الْحَقِيقَةِ .\rوَهُوَ غَيْرُ مَعْلُومٍ ، فَإِنَّهُ غَيْرُ مُعَيَّنٍ وَلَا مَوْصُوفٍ ، { وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ الثُّنْيَا إلَّا أَنْ تُعْلَمَ .\r} وَكَذَا لَوْ بَاعَهُ قُطْنًا وَاسْتَثْنَى الْحَبَّ ، لَمْ يَجُزْ ؛ لِجَهَالَةِ ذَلِكَ ، وَلِأَنَّ الْمُسْتَثْنَى غَيْرُ مَعْلُومٍ وَلَوْ بَاعَهُ السِّمْسِمَ وَاسْتَثْنَى الشَّيْرَجَ ، لَمْ يَجُزْ كَذَلِكَ .","part":8,"page":184},{"id":3684,"text":"( 2939 ) فَصْلٌ : وَلَوْ بَاعَهُ بِدِينَارٍ إلَّا دِرْهَمًا ، أَوْ إلَّا قَفِيزًا مِنْ حِنْطَةٍ أَوْ شَعِيرٍ ، لَمْ يَصِحَّ الْبَيْعُ ؛ لِأَنَّهُ قَصَدَ رَفْعَ قَدْرِ الْمُسْتَثْنَى مِنْ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ .\rوَقَدْرُ ذَلِكَ مَجْهُولٌ ، فَيَصِيرُ الثَّمَنُ مَجْهُولًا .","part":8,"page":185},{"id":3685,"text":"( 2940 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : وَإِذَا اشْتَرَى الثَّمَرَةَ دُونَ الْأَصْلِ ، فَتَلِفَتْ بِجَائِحَةٍ مِنْ السَّمَاءِ ، رَجَعَ بِهَا عَلَى الْبَائِعِ الْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي فُصُولٍ ثَلَاثَةٍ : ( 2941 ) الْفَصْلُ الْأَوَّلُ ، أَنَّ مَا تُهْلِكُهُ الْجَائِحَةُ مِنْ الثِّمَارِ مِنْ ضَمَانِ الْبَائِعِ .\rوَبِهَذَا قَالَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مِنْهُمْ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ ، وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ .\rوَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ فِي الْجَدِيدِ : هُوَ مِنْ ضَمَانِ الْمُشْتَرِي ؛ لِمَا رُوِيَ ، { أَنَّ امْرَأَةً أَتَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ : إنَّ ابْنِي اشْتَرَى ثَمَرَةً مِنْ فُلَانٍ ، فَأَذْهَبَتْهَا الْجَائِحَةُ ، فَسَأَلْته أَنْ يَضَعَ عَنْهُ ، فَتَأَلَّى أَنْ لَا يَفْعَلَ .\rفَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : تَأَلَّى فُلَانٌ أَنْ لَا يَفْعَلَ خَيْرًا .\r} مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلَوْ كَانَ وَاجِبًا لَأَجْبَرَهُ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ التَّخْلِيَةَ يَتَعَلَّقُ بِهَا جَوَازُ التَّصَرُّفِ ، فَتَعَلَّقَ بِهَا الضَّمَانُ ، كَالنَّقْلِ وَالتَّحْوِيلِ ، وَلِأَنَّهُ لَا يَضْمَنُهُ إذَا أَتْلَفَهُ آدَمِي ، كَذَلِكَ لَا يَضْمَنُهُ بِإِتْلَافِ غَيْرِهِ .\rوَلَنَا مَا رَوَى مُسْلِمٌ ، فِي \" صَحِيحِهِ \" عَنْ جَابِرٍ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِوَضْعِ الْجَوَائِحِ .\r} وَعَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إنْ بِعْت مِنْ أَخِيك ثَمَرًا ، فَأَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ ، فَلَا يَحِلُّ لَك أَنْ تَأْخُذَ مِنْهُ شَيْئًا ، لِمَ تَأْخُذُ مَالَ أَخِيك بِغَيْرِ حَقٍّ ؟ } رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد ، وَلَفْظُهُ : { مَنْ بَاعَ ثَمَرًا ، فَأَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ فَلَا يَأْخُذْ مِنْ مَالِ أَخِيهِ شَيْئًا ، عَلَى مَا يَأْخُذُ أَحَدُكُمْ مَالَ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ ؟ } .\rوَهَذَا صَرِيحٌ فِي الْحُكْمِ فَلَا يَعْدِلُ عَنْهُ .\rقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَمْ يَثْبُتْ عِنْدِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِوَضْعِ الْجَوَائِحِ","part":8,"page":186},{"id":3686,"text":"، وَلَوْ ثَبَتَ لَمْ أَعْدُهُ ، وَلَوْ كُنْت قَائِلًا بِوَضْعِهَا لَوَضَعْتهَا فِي الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ .\rقُلْنَا : الْحَدِيثُ ثَابِتٌ .\rرَوَاهُ الْأَئِمَّةُ ، مِنْهُمْ : الْإِمَامُ أَحْمَدُ ، وَيَحْيَى بْنُ مَعِينٍ ، وَعَلِيُّ بْنُ حَرْبٍ ، وَغَيْرُهُمْ عَنْ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنْ حُمَيْدٍ الْأَعْرَجِ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ عَتِيقٍ ، عَنْ جَابِرٍ .\rوَرَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي \" صَحِيحِهِ \" وَأَبُو دَاوُد فِي \" سُنَنِهِ \" ، وَابْنُ مَاجَهْ وَغَيْرُهُمْ .\rوَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِي حَدِيثِهِمْ ، فَإِنَّ فِعْلَ الْوَاجِبِ خَيْرٌ ، فَإِذَا تَأَلَّى أَنْ لَا يَفْعَلَ الْوَاجِبَ ، فَقَدْ تَأَلَّى أَلَّا يَفْعَلَ خَيْرًا .\rفَأَمَّا الْإِجْبَارُ ، فَلَا يَفْعَلُهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمُجَرَّدِ قَوْلِ الْمُدَّعِي مِنْ غَيْرِ إقْرَارٍ مِنْ الْبَائِعِ ، وَلَا حُضُورٍ .\rوَلِأَنَّ التَّخْلِيَةَ لَيْسَتْ بِقَبْضٍ تَامٍّ ، بِدَلِيلِ مَا لَوْ تَلِفَتْ بِعَطَشٍ عِنْدَ بَعْضِهِمْ .\rوَلَا يَلْزَمُ مِنْ إبَاحَةِ التَّصَرُّفِ تَمَامُ الْقَبْضِ ، بِدَلِيلِ الْمَنَافِعِ فِي الْإِجَارَةِ يُبَاحُ التَّصَرُّفُ فِيهَا ، وَلَوْ تَلِفَتْ كَانَتْ مِنْ ضَمَانِ الْمُؤَجَّرِ ، كَذَلِكَ الثَّمَرَةُ ، فَإِنَّهَا فِي شَجَرِهَا ، كَالْمَنَافِعِ قَبْلَ اسْتِيفَائِهَا ، تُوجَدُ حَالًا فَحَالًا ، وَقِيَاسُهُمْ يَبْطُلُ بِالتَّخْلِيَةِ فِي الْإِجَارَةِ .\r( 2942 ) الْفَصْلُ الثَّانِي : أَنَّ الْجَائِحَةَ كُلُّ آفَةٍ لَا صُنْعَ لِلْآدَمِيِّ فِيهَا ، كَالرِّيحِ ، وَالْبَرْدِ ، وَالْجَرَادِ ، وَالْعَطَشِ ؛ لِمَا رَوَى السَّاجِيُّ بِإِسْنَادِهِ ، عَنْ جَابِرٍ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى فِي الْجَائِحَةِ .\r} وَالْجَائِحَةُ تَكُونُ فِي الْبَرْدِ ، وَالْجَرَادِ ، وَفِي الْحَبَقِ ، وَالسَّيْلِ ، وَفِي الرِّيحِ .\rوَهَذَا تَفْسِيرٌ مِنْ الرَّاوِي لِكَلَامِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَجِبُ الرُّجُوعُ إلَيْهِ .\rوَأَمَّا مَا كَانَ بِفِعْلِ آدَمِيٍّ ، فَقَالَ الْقَاضِي : الْمُشْتَرِي بِالْخِيَارِ بَيْنَ فَسْخِ الْعَقْدِ ، وَمُطَالَبَةِ الْبَائِعِ بِالثَّمَنِ ، وَبَيْنَ الْبَقَاءِ عَلَيْهِ ، وَمُطَالَبَةِ الْجَانِي بِالْقِيمَةِ ؛ لِأَنَّهُ","part":8,"page":187},{"id":3687,"text":"أَمْكَنَ الرُّجُوعُ بِبَدَلِهِ ، بِخِلَافِ التَّالِفِ بِالْجَائِحَةِ .\r( 2943 ) الْفَصْلُ الثَّالِثُ : أَنَّ ظَاهِرَ الْمَذْهَبِ ، أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ قَلِيلِ الْجَائِحَةِ وَكَثِيرِهَا ، إلَّا أَنَّ مَا جَرَتْ الْعَادَةُ بِتَلَفِ مِثْلِهِ ، كَالشَّيْءِ الْيَسِيرِ الَّذِي لَا يَنْضَبِطُ ، فَلَا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ .\rقَالَ أَحْمَدُ : إنِّي لَا أَقُولُ فِي عَشْرِ ثَمَرَاتٍ ، وَلَا عِشْرِينَ ثَمَرَةً ، وَلَا أَدْرِي مَا الثُّلُثُ ، وَلَكِنْ إذَا كَانَتْ جَائِحَةٌ تُعْرَفُ ؛ الثُّلُثُ ، أَوْ الرُّبْعُ ، أَوْ الْخُمْسُ ، تُوضَعُ .\rوَفِيهِ رِوَايَةٌ أُخْرَى ، أَنَّ مَا كَانَ يَعُدْ دُونَ الثُّلُثِ فَهُوَ مِنْ ضَمَانِ الْمُشْتَرِي وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيمِ ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَأْكُلَ الطَّيْرُ مِنْهَا ، وَتَنْثُرَ الرِّيحُ ، وَيَسْقُطَ مِنْهَا ، فَلَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ ضَابِطٍ وَاحِدٍ فَاصِلٍ بَيْنَ ذَلِكَ وَبَيْنَ الْجَائِحَةِ ، وَالثُّلُثُ قَدْ رَأَيْنَا الشَّرْعَ اعْتَبَرَهُ فِي مَوَاضِعَ : مِنْهَا ؛ الْوَصِيَّةُ ، وَعَطَايَا الْمَرِيضِ ، وَتَسَاوِي جِرَاحِ الْمَرْأَةِ جِرَاحَ الرَّجُلِ إلَى الثُّلُثِ .\rقَالَ الْأَثْرَمُ : قَالَ أَحْمَدُ : إنَّهُمْ يَسْتَعْمِلُونَ الثُّلُثَ فِي سَبْعَ عَشَرَةَ مَسْأَلَةً .\rوَلِأَنَّ الثُّلُثَ فِي حَدِّ الْكَثْرَةِ ، وَمَا دُونَهُ فِي حَدِّ الْقِلَّةِ ، بِدَلِيلِ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْوَصِيَّةِ : ( الثُّلُثُ ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ ) .\rفَيَدُلُّ هَذَا عَلَى أَنَّهُ آخِرُ حَدِّ الْكَثْرَةِ ، فَلِهَذَا قُدِّرَ بِهِ .\rوَوَجْهُ الْأَوَّلِ ، عُمُومُ الْأَحَادِيثِ ، فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِوَضْعِ الْجَوَائِحِ .\rوَمَا دُونَ الثُّلُثِ دَاخِلٌ فِيهِ ، فَيَجِبُ وَضْعُهُ .\rوَلِأَنَّ هَذِهِ الثَّمَرَةَ لَمْ يَتِمَّ قَبْضُهَا ، فَكَانَ مَا تَلِفَ مِنْهَا مِنْ مَالِ الْبَائِعِ ، وَإِنْ كَانَ قَلِيلًا ، كَاَلَّتِي عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ ، وَمَا أَكَلَهُ الطَّيْرُ أَوْ سَقَطَ لَا يُؤَثِّرُ فِي الْعَادَةِ ، وَلَا يُسَمَّى جَائِحَةً ، فَلَا يَدْخُلُ فِي الْخَبَرِ ، وَلَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ ، فَهُوَ مَعْلُومُ الْوُجُودِ بِحُكْمِ","part":8,"page":188},{"id":3688,"text":"الْعَادَةِ ، فَكَأَنَّهُ مَشْرُوطٌ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّهُ إذَا تَلِفَ شَيْءٌ لَهُ قَدْرٌ خَارِجٌ عَنْ الْعَادَةِ ، وَضَعَ مِنْ الثَّمَنِ بِقَدْرِ الذَّاهِبِ .\rفَإِنْ تَلِفَ الْجَمِيعُ ، بَطَلَ الْعَقْدُ ، وَيَرْجِعُ الْمُشْتَرِي بِجَمِيعِ الثَّمَنِ .\rوَأَمَّا عَلَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى ، فَإِنَّهُ يَعْتَبِرُ ثُلُثَ الْمَبْلَغِ ، وَقِيلَ : ثُلُثَ الْقِيمَةِ .\rفَإِنْ تَلِفَ الْجَمِيعُ ، أَوْ أَكْثَرُ مِنْ الثُّلُثِ ، رَجَعَ بِقِيمَةِ التَّالِفِ كُلِّهِ مِنْ الثَّمَنِ ، وَإِذَا اخْتَلَفَا فِي الْجَائِحَةِ ، أَوْ قَدْرِ مَا أُتْلِفَ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ السَّلَامَةُ .\rوَلِأَنَّهُ غَارِمٌ ، وَالْقَوْلُ فِي الْأُصُولِ قَوْلُ الْغَارِمِ .","part":8,"page":189},{"id":3689,"text":"( 2944 ) فَصْلٌ : فَإِنْ بَلَغَتْ الثَّمَرَةُ أَوَانَ الْجِزَازِ ، فَلَمْ يَجُزَّهَا حَتَّى اُجْتِيحَتْ ، فَقَالَ الْقَاضِي : عِنْدِي لَا يُوضَعُ عَنْهُ ؛ لِأَنَّهُ مُفَرِّطٌ بِتَرْكِ النَّقْلِ فِي وَقْتِهِ مَعَ قُدْرَتِهِ ، فَكَانَ الضَّمَانُ عَلَيْهِ .\rوَلَوْ اشْتَرَى ثَمَرَةً قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا بِشَرْطِ الْقَطْعِ ، فَأَمْكَنَهُ قَطْعُهَا ، فَلَمْ يَقْطَعْهَا حَتَّى تَلِفَتْ ، فَهِيَ مِنْ ضَمَانِهِ ؛ لِأَنَّ تَلَفَهَا بِتَفْرِيطِهِ .\rوَإِنْ تَلِفَتْ قَبْلَ إمْكَانِ قَطْعِهَا ، فَهِيَ مِنْ ضَمَانِ بَائِعِهَا ، كَالْمَسْأَلَةِ فِيهَا .","part":8,"page":190},{"id":3690,"text":"( 2945 ) فَصْلٌ : إذَا اسْتَأْجَرَ أَرْضًا ، فَزَرَعَهَا ، فَتَلِفَ الزَّرْعُ ، فَلَا شَيْءَ عَلَى الْمُؤَجِّرِ ، نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .\rوَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا ؛ لِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ مَنَافِعُ الْأَرْضِ ، وَلَمْ تَتْلَفْ ، وَإِنَّمَا تَلِفَ مَالُ الْمُسْتَأْجِرِ فِيهَا ، فَصَارَ كَدَارٍ اسْتَأْجَرَهَا لِيَقْصُرَ فِيهَا ثِيَابًا ، فَتَلِفَتْ الثِّيَابُ فِيهَا .","part":8,"page":191},{"id":3691,"text":"( 2946 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِذَا وَقَعَ الْبَيْعُ عَلَى مَكِيلٍ ، أَوْ عَلَى مَوْزُونٍ ، أَوْ مَعْدُودٍ ، فَتَلِفَ قَبْلَ قَبْضِهِ ، فَهُوَ مِنْ مَالِ الْبَائِعِ ) .\rظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ أَنَّ الْمَكِيلَ ، وَالْمَوْزُونَ ، وَالْمَعْدُودَ ، لَا يَدْخُلُ فِي ضَمَانِ الْمُشْتَرِي إلَّا بِقَبْضِهِ ، سَوَاءٌ كَانَ مُتَعَيِّنًا ، كَالصُّبْرَةِ ، أَوْ غَيْرَ مُتَعَيِّنٍ ، كَقَفِيزِ مِنْهَا .\rوَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ .\rوَنَحْوُهُ قَوْلُ إِسْحَاقَ .\rوَرُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، وَالْحَسَنِ ، وَالْحَكَمِ ، وَحَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ ، أَنَّ كُلَّ مَا بِيعَ عَلَى الْكَيْلِ وَالْوَزْنِ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ قَبْلَ قَبْضِهِ ، وَمَا لَيْسَ بِمَكِيلٍ وَلَا مَوْزُونٍ يَجُوزُ بَيْعُهُ قَبْلَ قَبْضِهِ .\rوَقَالَ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ : الْمُرَادُ بِالْمَكِيلِ ، وَالْمَوْزُونِ ، وَالْمَعْدُودِ ، مَا لَيْسَ بِمُتَعَيِّنٍ مِنْهُ ، كَالْقَفِيزِ مِنْ صُبْرَةٍ ، وَالرِّطْلِ مِنْ زُبْرَةٍ ، وَمَكِيلَةِ زَيْتٍ مِنْ دَنٍّ ، فَأَمَّا الْمُتَعَيِّنُ ، فَيَدْخُلُ فِي ضَمَانِ الْمُشْتَرِي ، كَالصُّبْرَةِ يَبِيعُهَا مِنْ غَيْرِ تَسْمِيَةِ كَيْلٍ .\rوَقَدْ نُقِلَ عَنْ أَحْمَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى قَوْلِهِمْ ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي رِوَايَةِ أَبِي الْحَارِثِ ، فِي رَجُلٍ اشْتَرَى طَعَامًا ، فَطَلَبَ مَنْ يَحْمِلُهُ ، فَرَجَعَ وَقَدْ احْتَرَقَ الطَّعَامُ ، فَهُوَ مِنْ مَالِ الْمُشْتَرِي ، وَاسْتَدَلَّ بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ : مَا أَدْرَكَتْ الصَّفْقَةُ حَيًّا مَجْمُوعًا ، فَهُوَ مِنْ مَالِ الْمُشْتَرِي .\rوَذَكَرَ الْجُوزَجَانِيُّ عَنْهُ فِي مَنْ اشْتَرَى مَا فِي السَّفِينَةِ صُبْرَةً ، وَلَمْ يُسَمِّ كَيْلًا ، فَلَا بَأْسَ أَنْ يُشْرِكَ فِيهَا ، وَيَبِيعَ مَا شَاءَ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا كَيْلٌ ، فَلَا يُوَلِّي حَتَّى يُكَالَ عَلَيْهِ .\rوَنَحْوَ هَذَا قَالَ مَالِكٌ ، فَإِنَّهُ قَالَ : مَا بِيعَ مِنْ الطَّعَامِ مُكَايَلَةً ، أَوْ مُوَازَنَةً ، لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ قَبْلَ قَبْضِهِ ، وَمَا بِيعَ مُجَازَفَةً ، أَوْ بِيعَ مِنْ غَيْرِ الطَّعَامِ مُكَايَلَةً ، أَوْ مُوَازَنَةً ، جَازَ بَيْعُهُ قَبْلَ قَبْضِهِ .\rوَوَجْهُ ذَلِكَ ، مَا","part":8,"page":192},{"id":3692,"text":"رَوَى الْأَوْزَاعِيُّ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يَقُولُ : { مَضَتْ السُّنَّةُ أَنَّ مَا أَدْرَكَتْهُ الصَّفْقَةُ حَيًّا مَجْمُوعًا ، فَهُوَ مِنْ مَالِ الْمُبْتَاعِ } .\rرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ مِنْ قَوْلِهِ تَعْلِيقًا .\rوَقَوْلُ الصَّحَابِيِّ مَضَتْ السُّنَّةُ .\rيَقْتَضِي سُنَّةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rوَلِأَنَّ الْمَبِيعَ الْمُعَيَّنَ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّ تَوْفِيَةٍ ، فَكَانَ مِنْ مَالِ الْمُشْتَرِي ، كَغَيْرِ الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ .\rوَنُقِلَ عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّ الْمَطْعُومَ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ قَبْلَ قَبْضِهِ ، سَوَاءٌ كَانَ مَكِيلًا ، أَوْ مَوْزُونًا ، أَوْ لَمْ يَكُنْ .\rوَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ الطَّعَامَ خَاصَّةً لَا يَدْخُلُ فِي ضَمَانِ الْمُشْتَرِي حَتَّى يَقْبِضَهُ ، فَإِنَّ التِّرْمِذِيَّ رَوَى عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّهُ أَرْخَصَ فِي بَيْعِ مَا لَا يُكَالُ وَلَا يُوزَنُ مِمَّا لَا يُؤْكَلُ وَلَا يُشْرَبُ قَبْلَ قَبْضِهِ .\rوَقَالَ الْأَثْرَمُ : سَأَلْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَنْ قَوْلِهِ : نَهَى عَنْ رِبْحِ مَا لَمْ يَضْمَنْ .\rقَالَ : هَذَا فِي الطَّعَامِ وَمَا أَشْبَهَهُ مِنْ مَأْكُولٍ أَوْ مَشْرُوبٍ ، فَلَا يَبِيعُهُ حَتَّى يَقْبِضَهُ .\rقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : الْأَصَحُّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ أَنَّ الَّذِي يُمْنَعُ مِنْ بَيْعِهِ قَبْلَ قَبْضِهِ هُوَ الطَّعَامُ ، وَذَلِكَ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ قَبْلَ قَبْضِهِ .\rفَمَفْهُومُهُ إبَاحَةُ بَيْعِ مَا سِوَاهُ قَبْلَ قَبْضِهِ .\rوَرَوَى ابْنُ عُمَرَ ، قَالَ { : رَأَيْت الَّذِينَ يَشْتَرُونَ الطَّعَامَ مُجَازَفَةً يُضْرَبُونَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَبِيعُوهُ حَتَّى يُؤْوُوهُ إلَى رِحَالِهِمْ } .\rوَهَذَا نَصٌّ فِي بَيْعِ الْمُعَيَّنِ .\rوَعُمُومُ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ { : مَنْ ابْتَاعَ طَعَامًا فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا .\rوَلِمُسْلِمٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ { : كُنَّا نَشْتَرِي الطَّعَامَ مِنْ الرُّكْبَانِ جُزَافًا ،","part":8,"page":193},{"id":3693,"text":"فَنَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ نَبِيعَهُ حَتَّى نَنْقُلَهُ مِنْ مَكَانِهِ } .\rوَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ مَنْ اشْتَرَى طَعَامًا فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَبِيعَهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ ، وَلَوْ دَخَلَ فِي ضَمَانِ الْمُشْتَرِي ، جَازَ لَهُ بَيْعُهُ وَالتَّصَرُّفُ فِيهِ ، كَمَا بَعْدَ الْقَبْضِ .\rوَهَذَا يَدُلُّ عَلَى تَعْمِيمِ الْمَنْعِ فِي كُلِّ طَعَامٍ ، مَعَ تَنْصِيصِهِ عَلَى الْمَبِيعِ مُجَازَفَةً بِالْمَنْعِ ، وَهُوَ خِلَافُ قَوْلِ الْقَاضِي وَأَصْحَابِهِ ، وَيَدُلُّ بِمَفْهُومِهِ عَلَى أَنَّ مَا عَدَا الطَّعَامَ يُخَالِفُهُ فِي ذَلِكَ .\rوَوَجْهُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ أَنَّ الطَّعَامَ الْمَنْهِيَّ عَنْ بَيْعِهِ قَبْلَ قَبْضِهِ لَا يَكَادُ يَخْلُو مِنْ كَوْنِهِ مَكِيلًا ، أَوْ مَوْزُونًا ، أَوْ مَعْدُودًا ، فَتَعَلُّقُ الْحُكْمِ بِذَلِكَ كَتَعَلُّقِ رِبَا الْفَضْلِ بِهِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ الْمَكِيلَ ، وَالْمَوْزُونَ ، وَالْمَعْدُودَ مِنْ الطَّعَامِ الَّذِي وَرَدَ النَّصُّ بِمَنْعِ بَيْعِهِ ، وَهَذَا أَظْهَرُ دَلِيلًا وَأَحْسَنُ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّهُ إنَّ تَلِفَ الْمَبِيعُ مِنْ ذَلِكَ قَبْلَ قَبْضِهِ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ ، بَطَلَ الْعَقْدُ ، وَرَجَعَ الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ .\rوَإِنْ تَلِفَ بِفِعْلِ الْمُشْتَرِي ، اسْتَقَرَّ الثَّمَنُ عَلَيْهِ ، وَكَانَ كَالْقَبْضِ ؛ لِأَنَّهُ تَصَرَّفَ فِيهِ .\rوَإِنْ أَتْلَفَهُ أَجْنَبِيٌّ ، لَمْ يَبْطُلْ الْعَقْدُ ، عَلَى قِيَاسِ قَوْلِهِ فِي الْجَائِحَةِ ، وَيَثْبُتُ لِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ بَيْنَ الْفَسْخِ وَالرُّجُوعِ بِالثَّمَنِ ؛ لِأَنَّ التَّلَفَ حَصَلَ فِي يَدِ الْبَائِعِ ، فَهُوَ كَحُدُوثِ الْعَيْبِ فِي يَدِهِ ، وَبَيْنَ الْبَقَاءِ عَلَى الْعَقْدِ ، وَمُطَالَبَةِ الْمُتْلِفِ بِالْمِثْلِ إنْ كَانَ مِثْلِيًّا .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا .\rوَإِنْ أَتْلَفَهُ الْبَائِعُ ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا : الْحُكْمُ فِيهِ كَمَا لَوْ أَتْلَفَهُ أَجْنَبِيٌّ ؛ لِأَنَّهُ أَتْلَفَهُ مَنْ يَلْزَمُهُ ضَمَانُهُ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَتْلَفَهُ أَجْنَبِيٌّ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يَنْفَسِخُ الْعَقْدُ ، وَيَرْجِعُ","part":8,"page":194},{"id":3694,"text":"الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ لَا غَيْرُ ؛ لِأَنَّهُ تَلَفٌ يَضْمَنُهُ بِهِ الْبَائِعُ ، فَكَانَ الرُّجُوعُ عَلَيْهِ بِالثَّمَنِ كَالتَّلَفِ بِفِعْلِ اللَّهِ تَعَالَى .\rوَفَرَّقَ أَصْحَابُنَا بَيْنَهُمَا بِكَوْنِهِ إذَا تَلِفَ بِفِعْلِ اللَّهِ تَعَالَى ، لَمْ يُوجَدْ مُقْتَضٍ لِلضَّمَانِ سِوَى حُكْمِ الْعَقْدِ ، بِخِلَافِ مَا إذَا أَتْلَفَهُ ، فَإِنَّ إتْلَافَهُ يَقْتَضِي الضَّمَانَ بِالْمِثْلِ ، وَحُكْمُ الْعَقْدِ يَقْتَضِي الضَّمَانَ بِالثَّمَنِ ، فَكَانَتْ الْخِيرَةُ إلَى الْمُشْتَرِي فِي التَّضْمِينِ بِأَيِّهِمَا شَاءَ .","part":8,"page":195},{"id":3695,"text":"( 2947 ) فَصْلٌ : وَلَوْ تَعَيَّبَ فِي يَدِ الْبَائِعِ ، أَوْ تَلِفَ بَعْضُهُ بِأَمْرٍ سَمَاوِيٍّ ، فَالْمُشْتَرِي مُخَيَّرٌ بَيْنَ قَبُولِهِ نَاقِصًا ، وَلَا شَيْءَ لَهُ ، وَبَيْنَ فَسْخِ الْعَقْدِ وَالرُّجُوعِ بِالثَّمَنِ ؛ لِأَنَّهُ إنْ رَضِيَهُ مَعِيبًا ، فَكَأَنَّهُ اشْتَرَى مَعِيبًا وَهُوَ عَالِمٌ بِعَيْبِهِ ، وَلَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا مِنْ أَجْلِ الْعَيْبِ .\rوَإِنْ فَسَخَ الْعَقْدَ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَكْثَرُ مِنْ الثَّمَنِ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ تَلِفَ الْمَبِيعُ كُلُّهُ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَكْثَرُ مِنْ الثَّمَنِ ، فَإِذَا تَعَيَّبَ ، أَوْ تَلِفَ بَعْضُهُ ، كَانَ أَوْلَى .\rوَإِنْ تَعَيَّبَ بِفِعْلِ الْمُشْتَرِي ، أَوْ تَلِفَ بَعْضُهُ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ فَسْخٌ لِذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ أَتْلَفَ مِلْكَهُ ، فَلَمْ يَرْجِعْ عَلَى غَيْرِهِ .\rوَإِنْ كَانَ ذَلِكَ بِفِعْلِ الْبَائِعِ ، فَقِيَاسُ قَوْلِ أَصْحَابِنَا ، أَنَّ الْمُشْتَرِيَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْفَسْخِ وَالرُّجُوعِ بِالثَّمَنِ ، وَبَيْنَ أَخْذِهِ ، وَالرُّجُوعِ عَلَى الْبَائِعِ بِعِوَضِ مَا أَتْلَفَ أَوْ عِيبَ .\rوَقِيَاسُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ ، أَنْ يَكُونَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ تَلِفَ بِفِعْلِ اللَّهِ تَعَالَى .\rوَإِنْ كَانَ بِفِعْلِ أَجْنَبِيٍّ ، فَلَهُ الْخِيَارُ بَيْنَ الْفَسْخِ ، وَالْمُطَالَبَةِ بِالثَّمَنِ ، وَبَيْنَ أَخْذِ الْمَبِيعِ ، وَمُطَالَبَةِ الْمُتْلِفِ بِعِوَضِ مَا أَتْلَفَ .","part":8,"page":196},{"id":3696,"text":"( 2948 ) فَصْلٌ : وَلَوْ بَاعَ شَاةً بِشَعِيرٍ ، فَأَكَلَتْهُ قَبْلَ قَبْضِهِ ، فَإِنْ كَانَتْ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي ، فَهُوَ كَمَا لَوْ أَتْلَفَهُ ، وَإِنْ كَانَتْ فِي يَدِ الْبَائِعِ ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ إتْلَافِهِ لَهُ ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَتْ فِي يَدِ أَجْنَبِيٍّ ، فَهُوَ كَإِتْلَافِهِ .\rفَإِنْ لَمْ تَكُنْ فِي يَدِ أَحَدٍ ، انْفَسَخَ الْبَيْعُ ؛ لِأَنَّ الْمَبِيعَ هَلَكَ قَبْلَ الْقَبْضِ بِأَمْرٍ لَا يُنْسَبُ إلَى آدَمِيٍّ ، فَهُوَ كَتَلَفِهِ بِفِعْلِ اللَّهِ تَعَالَى .\r( 2949 ) فَصْلٌ : وَلَوْ اشْتَرَى شَاةً أَوْ عَبْدًا أَوْ شِقْصًا بِطَعَامٍ ، فَقَبَضَ الشَّاةَ أَوْ الْعَبْدَ ، أَوْ بَاعَهُمَا ، أَوْ أَخَذَ الشِّقْصَ بِالشُّفْعَةِ ثُمَّ تَلِفَ الطَّعَامُ قَبْلَ قَبْضِهِ ، انْفَسَخَ الْعَقْدُ الْأَوَّلُ دُونَ الثَّانِي ، وَلَا يَبْطُلُ الْأَخْذُ بِالشُّفْعَةِ ؛ لِأَنَّهُ كَمَّلَ قَبْلَ فَسْخِ الْعَقْدِ ، وَيَرْجِعُ مُشْتَرِي الطَّعَامِ عَلَى مُشْتَرِي الشَّاةِ وَالْعَبْدِ وَالشِّقْصِ بِقِيمَةِ ذَلِكَ ؛ لِتَعَذُّرِ رَدِّهِ ، وَعَلَى الشَّفِيعِ مِثْلُ الطَّعَامِ ؛ لِأَنَّهُ عِوَضُ الشِّقْصِ .","part":8,"page":197},{"id":3697,"text":"( 2950 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَمَا عَدَاهُ فَلَا يُحْتَاجُ فِيهِ إلَى قَبْضٍ ، وَإِنْ تَلِفَ فَهُوَ مِنْ مَالِ الْمُشْتَرِي ) يَعْنِي مَا عَدَا الْمَكِيلَ ، وَالْمَوْزُونَ ، وَالْمَعْدُودَ ، فَإِنَّهُ يَدْخُلُ فِي ضَمَانِ الْمُشْتَرِي قَبْلَ قَبْضِهِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : كُلُّ مَبِيعٍ تَلِفَ قَبْلَ قَبْضِهِ مِنْ ضَمَانِ الْبَائِعِ ، إلَّا الْعَقَارَ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : كُلُّ مَبِيعٍ مِنْ ضَمَانِ الْبَائِعِ حَتَّى يَقْبِضَهُ الْمُشْتَرِي .\rوَحَكَى أَبُو الْخَطَّابِ عَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةً أُخْرَى كَقَوْلِهِ ؛ لِأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ : أَرَى كُلَّ شَيْءٍ بِمَنْزِلَةِ الطَّعَامِ .\rوَلِأَنَّ التَّسْلِيمَ وَاجِبٌ عَلَى الْبَائِعِ ؛ لِأَنَّهُ فِي يَدِهِ ، فَإِذَا تَعَذَّرَ بِتَلَفِهِ ، انْفَسَخَ الْعَقْدُ ، كَالْمَكِيلِ ، وَالْمَوْزُونِ ، وَالْمَعْدُودِ .\rوَلَنَا قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ } .\rوَهَذَا الْمَبِيعُ نَمَاؤُهُ لِلْمُشْتَرِي ، فَضَمَانُهُ عَلَيْهِ .\rوَقَوْلُ ابْنِ عُمَرَ : مَضَتْ السُّنَّةُ أَنَّ مَا أَدْرَكَتْهُ الصَّفْقَةُ حَيًّا مَجْمُوعًا فَهُوَ مِنْ مَالِ الْمُبْتَاعِ .\rوَلِأَنَّهُ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّ تَوْفِيَةٍ ، وَهُوَ مِنْ ضَمَانِهِ بَعْدَ قَبْضِهِ ، فَكَانَ مِنْ ضَمَانِهِ قَبْلَهُ ، كَالْمِيرَاثِ .\rوَتَخْصِيصُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الطَّعَامَ بِالنَّهْيِ عَنْ بَيْعِهِ قَبْلَ قَبْضِهِ دَلِيلٌ عَلَى مُخَالَفَةِ غَيْرِهِ لَهُ .","part":8,"page":198},{"id":3698,"text":"( 2951 ) فَصْلٌ : وَالْمَبِيعُ بِصِفَةٍ ، أَوْ رُؤْيَةٍ ، مُتَقَدِّمَةٍ ، مِنْ ضَمَانِ الْبَائِعِ حَتَّى يَقْبِضَهُ الْمُبْتَاعُ ؛ لِأَنَّهُ ؛ يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّ تَوْفِيَةٍ ، فَجَرَى مَجْرَى الْمَكِيلِ ، وَالْمَوْزُونِ .\rقَالَ أَحْمَدُ : لَوْ اشْتَرَى مِنْ رَجُلٍ عَبْدًا بِعَيْنِهِ ، فَمَاتَ فِي يَدِ الْبَائِعِ ، فَهُوَ مِنْ مَالِ الْمُشْتَرِي ، إلَّا أَنْ يَطْلُبَهُ ، فَيَمْنَعَهُ الْبَائِعُ ، فَهُوَ ضَامِنٌ لِقِيمَتِهِ حِينَ عَطِبَ .\rوَلَوْ حَبَسَهُ بِبَقِيَّةِ الثَّمَنِ ، فَهُوَ غَاصِبٌ ، وَلَا يَكُونُ رَهْنًا ، إلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ اشْتَرَطَ عَلَيْهِ فِي نَفْسِ الرَّهْنِ .","part":8,"page":199},{"id":3699,"text":"( 2952 ) فَصْلٌ : وَقَبْضُ كُلِّ شَيْءٍ بِحَسَبِهِ ، فَإِنْ كَانَ مَكِيلًا ، أَوْ مَوْزُونًا ، بِيعَ كَيْلًا ، أَوْ وَزْنًا ، فَقَبْضُهُ بِكَيْلِهِ وَوَزْنِهِ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : التَّخْلِيَةُ فِي ذَلِكَ قَبْضٌ .\rوَقَدْ رَوَى أَبُو الْخَطَّابِ عَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةً أُخْرَى ، أَنَّ الْقَبْضَ فِي كُلِّ شَيْءٍ بِالتَّخْلِيَةِ مَعَ التَّمْيِيز ؛ لِأَنَّهُ خَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَبِيعِ مِنْ غَيْرِ حَائِلٍ ، فَكَانَ قَبْضًا لَهُ ، كَالْعَقَارِ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { إذَا بِعْت فَكِلْ ، وَإِذَا ابْتَعْت فَاكْتَلْ } رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ .\rوَعَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَنَّهُ نَهَى عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ حَتَّى يَجْرِيَ فِيهِ الصَّاعَانِ ؛ صَاعُ الْبَائِعِ ، وَصَاعُ الْمُشْتَرِي } .\rرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ ، وَهَذَا فِيمَا بِيعَ كَيْلًا .\rوَإِنْ بِيعَ جُزَافًا ، فَقَبْضُهُ نَقْلُهُ ؛ لِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ قَالَ : كَانُوا { يُضْرَبُونَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا اشْتَرَوْا طَعَامًا جُزَافًا ، أَنْ يَبِيعُوهُ فِي مَكَانِهِ حَتَّى يُحَوِّلُوهُ ، } .\rوَفِي لَفْظٍ { : كُنَّا نَبْتَاعُ الطَّعَامَ جُزَافًا ، فَبُعِثَ عَلَيْنَا مَنْ يَأْمُرُنَا بِانْتِقَالِهِ مِنْ مَكَانِهِ الَّذِي ابْتَعْنَاهُ إلَى مَكَان سِوَاهُ قَبْلَ أَنْ نَبِيعَهُ } .\rوَفِي لَفْظٍ { : كُنَّا نَشْتَرِي الطَّعَامَ مِنْ الرُّكْبَانِ جُزَافًا ، فَنَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ نَبِيعَهُ حَتَّى نَنْقُلَهُ } .\rرَوَاهُنَّ مُسْلِمٌ .\rوَهَذَا يُبَيِّنُ أَنَّ الْكَيْلَ إنَّمَا وَجَبَ فِيمَا بِيعَ بِالْكَيْلِ ، وَقَدْ دَلَّ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : إذَا سَمَّيْت الْكَيْلَ فَكِلْ } .\rرَوَاهُ الْأَثْرَمُ .\rوَإِنْ كَانَ الْمَبِيعُ دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ ، فَقَبْضُهَا بِالْيَدِ .\rوَإِنْ كَانَ ثِيَابًا ، فَقَبْضُهَا نَقْلُهَا .\rوَإِنْ كَانَ حَيَوَانًا ، فَقَبْضُهُ تَمْشِيَتُهُ مِنْ مَكَانِهِ .\rوَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يُنْقَلُ وَيُحَوَّلُ ،","part":8,"page":200},{"id":3700,"text":"فَقَبْضُهُ التَّخْلِيَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مُشْتَرِيهِ لَا حَائِلَ دُونَهُ .\rوَقَدْ ذَكَرَهُ الْخِرَقِيِّ فِي بَابِ الرَّهْنِ ، فَقَالَ : إنْ كَانَ مِمَّا يُنْقَلُ ، فَقَبْضُهُ أَخْذُهُ إيَّاهُ مِنْ رَاهِنِهِ مَنْقُولًا ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يُنْقَلُ ، فَقَبْضُهُ تَخْلِيَةُ رَاهِنِهِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مُرْتَهِنِهِ لَا حَائِلَ دُونَهُ .\rوَلِأَنَّ الْقَبْضَ مُطْلَقٌ فِي الشَّرْعِ ، فَيَجِبُ الرُّجُوعُ فِيهِ إلَى الْعُرْفِ ، كَالْإِحْرَازِ ، وَالتَّفَرُّقِ .\rوَالْعَادَةُ فِي قَبْضِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ مَا ذَكَرْنَا .","part":8,"page":201},{"id":3701,"text":"( 2953 ) فَصْلٌ وَأُجْرَةُ الْكَيَّالِ وَالْوَزَّانِ فِي الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ عَلَى الْبَائِعِ ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ تَقْبِيضَ الْمَبِيعِ لِلْمُشْتَرِي ، وَالْقَبْضُ لَا يَحْصُلُ إلَّا بِذَلِكَ ، فَكَانَ عَلَى الْبَائِعِ ، كَمَا أَنَّ عَلَى بَائِعِ الثَّمَرَةِ سَقْيَهَا ، وَكَذَلِكَ أُجْرَةُ الَّذِي يَعُدُّ الْمَعْدُودَاتِ .\rوَأَمَّا نَقْلُ الْمَنْقُولَاتِ ، وَمَا أَشْبَهَهُ ، فَهُوَ عَلَى الْمُشْتَرِي ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّ تَوْفِيَةٍ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .","part":8,"page":202},{"id":3702,"text":"فَصْلٌ : وَيَصِحُّ الْقَبْضُ قَبْلَ نَقْدِ الثَّمَنِ وَبَعْدَهُ بِاخْتِيَارِ الْبَائِعِ ، وَبِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لِلْبَائِعِ حَبْسُ الْمَبِيعِ عَلَى قَبْضِ الثَّمَنِ ، لِأَنَّ التَّسْلِيمَ مِنْ مُقْتَضَيَاتِ الْعَقْدِ ، فَمَتَى وُجِدَ بَعْدَهُ وَقَعَ مَوْقِعَهُ ، كَقَبْضِ الثَّمَنِ .","part":8,"page":203},{"id":3703,"text":"( 2955 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَمَنْ اشْتَرَى مَا يَحْتَاجُ إلَى قَبْضِهِ ، لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ حَتَّى يَقْبِضَهُ ) قَدْ ذَكَرْنَا الَّذِي لَا يَحْتَاجُ إلَى قَبْضٍ ، وَالْخِلَافَ فِيهِ .\rوَكُلُّ مَا يَحْتَاجُ إلَى قَبْضٍ إذَا اشْتَرَاهُ لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ حَتَّى يَقْبِضَهُ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : مَنْ ابْتَاعَ طَعَامًا ، فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَلِأَنَّهُ مِنْ ضَمَانِ بَائِعِهِ ، فَلَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ ، كَالسَّلَمِ ، وَلَمْ أَعْلَمْ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ خِلَافًا ، إلَّا مَا حُكِيَ عَنْ الْبَتِّيِّ ، أَنَّهُ قَالَ : لَا بَأْسَ بِبَيْعِ كُلِّ شَيْءٍ قَبْلَ قَبْضِهِ .\rوَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : وَهَذَا قَوْلٌ مَرْدُودٌ بِالسُّنَّةِ وَالْحُجَّةِ الْمُجْمِعَةِ عَلَى الطَّعَامِ ، وَأَظُنُّهُ لَمْ يَبْلُغْهُ هَذَا الْحَدِيثُ ، وَمِثْلُ هَذَا لَا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ .\rوَأَمَّا غَيْرُ ذَلِكَ ، فَيَجُوزُ بَيْعُهُ قَبْلَ قَبْضِهِ فِي أَظْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ ، وَيُرْوَى مِثْلُ هَذَا عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، وَالْحَكَمِ ، وَحَمَّادٍ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَإِسْحَاقَ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى ، لَا يَجُوزُ بَيْعُ شَيْءٍ قَبْلَ قَبْضِهِ .\rاخْتَارَهَا ابْنُ عَقِيلٍ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ .\rوَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيِّ ، إلَّا أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ أَجَازَ بَيْعَ الْعَقَارِ قَبْلَ قَبْضِهِ ، وَاحْتَجُّوا بِنَهْيِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ قَبْلَ قَبْضِهِ ، وَبِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى أَنْ تُبَاعَ السِّلَعُ حَيْثُ تُبْتَاعُ حَتَّى يَحُوزَهَا التُّجَّارُ إلَى رِحَالِهِمْ .\r} وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ شِرَاءِ الصَّدَقَاتِ حَتَّى تُقْبَضَ .\r} وَرُوِيَ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا بَعَثَ عَتَّابَ بْنَ أَسِيدٍ إلَى مَكَّةَ ، قَالَ : انْهَهُمْ عَنْ بَيْعِ مَا لَمْ يَقْبِضُوهُ ، وَعَنْ رِبْحِ مَا لَمْ","part":8,"page":204},{"id":3704,"text":"يَضْمَنُوهُ } .\rوَلِأَنَّهُ لَمْ يَتِمَّ الْمِلْكُ عَلَيْهِ ، فَلَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ ، كَغَيْرِ الْمُتَعَيِّنِ ، أَوْ كَالْمَكِيلِ ، وَالْمَوْزُونِ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ ، قَالَ { : كُنَّا نَبِيعُ الْإِبِلَ بِالْبَقِيعِ بِالدَّرَاهِمِ ، فَنَأْخُذُ بَدَلَ الدَّرَاهِمِ الدَّنَانِيرَ ، وَنَبِيعُهَا بِالدَّنَانِيرِ ، فَنَأْخُذُ بَدَلَهَا الدَّرَاهِمَ ، فَسَأَلْنَا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ ، فَقَالَ : لَا بَأْسَ ، إذَا تَفَرَّقْتُمَا وَلَيْسَ بَيْنَكُمَا شَيْءٌ } .\rوَهَذَا تَصَرُّفٌ فِي الثَّمَنِ قَبْلَ قَبْضِهِ ، وَهُوَ أَحَدُ الْعِوَضَيْنِ .\rوَرَوَى ابْنُ عُمَرَ { أَنَّهُ كَانَ عَلَى بَكْرٍ صَعْبٍ - يُعْنَى لِعُمَرَ - فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعُمَرَ : بِعْنِيهِ .\rفَقَالَ : هُوَ لَك يَا رَسُولَ اللَّهِ .\rفَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هُوَ لَك يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ، فَاصْنَعْ بِهِ مَا شِئْت } .\rوَهَذَا ظَاهِرُهُ التَّصَرُّفُ فِي الْمَبِيعِ بِالْهِبَةِ قَبْلَ قَبْضِهِ .\rوَاشْتَرَى مِنْ جَابِرٍ جَمَلَهُ ، وَنَقَدَهُ ثَمَنَهُ ، ثُمَّ وَهَبَهُ إيَّاهُ قَبْلَ قَبْضِهِ .\rوَلِأَنَّهُ أَحَدُ نَوْعَيْ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ ، فَجَازَ التَّصَرُّفُ فِيهِ قَبْلَ قَبْضِهِ .\rكَالْمَنَافِعِ فِي الْإِجَارَةِ ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ إجَارَةُ الْعَيْنِ الْمُسْتَأْجَرَةِ قَبْلَ قَبْضِ الْمَنَافِعِ .\rوَلِأَنَّهُ مَبِيعٌ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّ تَوْفِيَةٍ ، فَصَحَّ بَيْعُهُ ، كَالْمَالِ فِي يَدِ مُودِعِهِ ، أَوْ مُضَارِبِهِ .\rفَأَمَّا أَحَادِيثُهُمْ ، فَقَدْ قِيلَ : لَمْ يَصِحَّ مِنْهَا إلَّا حَدِيثُ الطَّعَامِ ، وَهُوَ حُجَّةٌ لَنَا بِمَفْهُومِهِ ، فَإِنَّ تَخْصِيصَهُ الطَّعَامَ بِالنَّهْيِ عَنْ بَيْعِهِ قَبْلَ قَبْضِهِ ، يَدُلُّ عَلَى إبَاحَةِ ذَلِكَ فِيمَا سِوَاهُ .\rوَقَوْلُهُمْ : لَمْ يَتِمَّ الْمِلْكُ عَلَيْهِ ، مَمْنُوعٌ ، فَإِنَّ السَّبَبَ الْمُقْتَضِيَ لِلْمِلْكِ مُتَحَقِّقٌ ، وَأَكْثَرُ مَا فِيهِ تَخَلُّفُ الْقَبْضِ ، وَالْيَدُ لَيْسَتْ شَرْطًا فِي صِحَّةِ الْبَيْعِ ، بِدَلِيلِ جَوَازِ بَيْعِ الْمَالِ الْمُودَعِ ، وَالْمَوْرُوثِ ، وَالتَّصَرُّفِ فِي الصَّدَاقِ ،","part":8,"page":205},{"id":3705,"text":"وَعِوَضِ الْخُلْعِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ .\r( 2956 ) فَصْلٌ : وَمَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ قَبْلَ قَبْضِهِ ، لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ لِبَائِعِهِ ؛ لِعُمُومِ الْخَبَرِ فِيهِ .\rقَالَ الْقَاضِي : وَلَوْ ابْتَاعَ شَيْئًا مِمَّا يَحْتَاجُ إلَى قَبْضٍ ، فَلَقِيَهُ بِبَلَدٍ آخَرَ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ مُطَالَبَتُهُ ، وَلَا أَخْذُ بَدَلِهِ ، وَإِنْ تَرَاضَيَا ؛ لِأَنَّهُ مَبِيعٌ لَمْ يُقْبَضْ .\rفَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يَحْتَاجُ إلَى قَبْضٍ ، جَازَ أَخْذُ الْبَدَلِ عَنْهُ .\rوَإِنْ كَانَ فِي سَلَمٍ لَمْ يَجُزْ أَخْذُ الْبَدَلِ عَنْهُ ؛ لِأَنَّهُ أَيْضًا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ .","part":8,"page":206},{"id":3706,"text":"( 2957 ) فَصْلٌ : وَكُلُّ عِوَضٍ مُلِكَ بِعَقْدٍ يَنْفَسِخُ بِهَلَاكِهِ قَبْلَ الْقَبْضِ ، لَمْ يَجُزْ التَّصَرُّفُ فِيهِ قَبْلَ قَبْضِهِ ، كَاَلَّذِي ذَكَرْنَا .\rوَالْأُجْرَةُ ، وَبَدَلُ الصُّلْحِ ، إذَا كَانَا مِنْ الْمَكِيلِ ، أَوْ الْمَوْزُونِ ، أَوْ الْمَعْدُودِ ، وَمَا لَا يَنْفَسِخُ الْعَقْدُ بِهَلَاكِهِ ، جَازَ التَّصَرُّفُ فِيهِ قَبْلَ قَبْضِهِ ، كَعِوَضِ الْخُلْعِ ، وَالْعِتْقِ عَلَى مَالٍ ، وَبَدَلِ الصُّلْحِ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ ، وَأَرْشِ الْجِنَايَةِ ، وَقِيمَةِ الْمُتْلَفِ ؛ لِأَنَّ الْمُطْلِقَ لِلتَّصَرُّفِ الْمِلْكُ ، وَقَدْ وُجِدَ .\rلَكِنَّ مَا يُتَوَهَّمُ فِيهِ غَرَرُ الِانْفِسَاخِ بِهَلَاكِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ ، لَمْ يَجُزْ بِنَاءُ عَقْدٍ آخَرَ عَلَيْهِ ؛ تَحَرُّزًا مِنْ الْغَرَرِ .\rوَمَا لَا يُتَوَهَّمُ فِيهِ ذَلِكَ الْغَرَرُ ، انْتَفَى الْمَانِعُ ، فَجَازَ الْعَقْدُ عَلَيْهِ ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ .\rوَالْمَهْرُ كَذَلِكَ عِنْدَ الْقَاضِي ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ لَا يَنْفَسِخُ بِهَلَاكِهِ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يَجُوزُ التَّصَرُّفُ فِيهِ قَبْلَ قَبْضِهِ .\rوَوَافَقَهُ أَبُو الْخَطَّابِ فِي غَيْرِ الْمُتَعَيِّنِ : لِأَنَّهُ يُخْشَى رُجُوعُهُ بِانْتِقَاضِ سَبَبِهِ بِالرِّدَّةِ قَبْلَ الدُّخُولِ ، أَوْ انْفِسَاخُهُ بِسَبَبٍ مِنْ جِهَةِ الْمَرْأَةِ ، أَوْ نِصْفِهِ بِالطَّلَاقِ ، أَوْ انْفِسَاخُهُ بِسَبَبِ مِنْ غَيْرِ جِهَتِهَا .\rوَكَذَلِكَ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي عِوَضِ الْخُلْعِ .\rوَهَذَا التَّعْلِيلُ بَاطِلٌ بِمَا بَعْدَ الْقَبْضِ ، فَإِنَّ قَبْضَهُ لَا يَمْنَعُ الرُّجُوعَ فِيهِ قَبْلَ الدُّخُولِ .\rوَأَمَّا مَا مُلِكَ بِإِرْثٍ ، أَوْ وَصِيَّةٍ ، أَوْ غَنِيمَةٍ ، وَتَعَيَّنَ مِلْكُهُ فِيهِ ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ التَّصَرُّفُ فِيهِ بِالْبَيْعِ وَغَيْرِهِ قَبْلَ قَبْضِهِ ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَضْمُونٍ بِعَقْدِ مُعَاوَضَةٍ ، فَهُوَ كَالْمَبِيعِ الْمَقْبُوضِ ، وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَلَا أَعْلَمُ عَنْ غَيْرِهِمْ خِلَافَهُمْ .\rوَإِنْ كَانَ لَإِنْسَانٍ فِي يَدِ غَيْرِهِ وَدِيعَةٌ ، أَوْ عَارِيَّةٌ ، أَوْ مُضَارَبَةٌ ، أَوْ جَعَلَهُ وَكِيلًا فِيهِ ، جَازَ لَهُ بَيْعُهُ مِمَّنْ","part":8,"page":207},{"id":3707,"text":"هُوَ فِي يَدِهِ ، وَمِنْ غَيْرِهِ ؛ لِأَنَّهُ عَيْنُ مَالٍ مَقْدُورٌ عَلَى تَسْلِيمِهَا ، لَا يُخْشَى انْفِسَاخُ الْمِلْكِ فِيهَا ، فَجَازَ بَيْعُهَا ، كَاَلَّتِي فِي يَدِهِ .\rوَإِنْ كَانَ غَصْبًا ، جَازَ بَيْعُهُ مِمَّنْ هُوَ فِي يَدِهِ ؛ لِأَنَّهُ مَقْبُوضٌ مَعَهُ ، فَأَشْبَهَ بَيْعَ الْعَارِيَّةِ مِمَّنْ هِيَ فِي يَدِهِ ؛ وَأَمَّا بَيْعُهُ لِغَيْرِهِ ، فَإِنْ كَانَ عَاجِزًا عَنْ اسْتِنْقَاذِهِ ، أَوْ ظَنَّ أَنَّهُ عَاجِزٌ ، لَمْ يَصِحَّ شِرَاؤُهُ لَهُ ؛ لِأَنَّهُ مَعْجُوزٌ عَنْ تَسْلِيمِهِ إلَيْهِ ، فَأَشْبَهَ بَيْعَ الْآبِقِ وَالشَّارِدِ .\rوَإِنْ ظَنَّ أَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى اسْتِنْقَاذِهِ مِمَّنْ هُوَ فِي يَدِهِ ، صَحَّ الْبَيْعُ ؛ لِإِمْكَانِ قَبْضِهِ .\rفَإِنْ عَجَزَ عَنْ اسْتِنْقَاذِهِ ، فَلَهُ الْخِيَارُ بَيْنَ الْفَسْخِ ، وَالْإِمْضَاءِ ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ صَحَّ لِكَوْنِهِ مَظْنُونَ الْقُدْرَةِ عَلَى قَبْضِهِ .\rوَيَثْبُتُ لَهُ الْفَسْخُ ؛ لِلْعَجْزِ عَنْ الْقَبْضِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ بَاعَهُ فَرَسًا ، فَشَرَدَتْ قَبْلَ تَسْلِيمِهَا ، أَوْ غَائِبًا بِالصِّفَةِ ، فَعَجَزَ عَنْ تَسْلِيمِهِ .\r( 2958 ) فَصْلٌ : وَإِنْ كَانَ لِزَيْدٍ عَلَى رَجُلٍ طَعَامٌ مِنْ سَلَمٍ ، وَعَلَيْهِ لِعَمْرٍو مِثْلُ ذَلِكَ الطَّعَامِ سَلَمًا ، فَقَالَ زَيْدٌ لِعَمْرٍو : اذْهَبْ فَاقْبِضْ الطَّعَامَ الَّذِي لِي مِنْ غَرِيمِي لِنَفْسِك .\rفَفَعَلَ ، لَمْ يَصِحَّ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَقْبِضَهُ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهُ .\rوَهَلْ يَصِحُّ لِزَيْدٍ ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ ؛ إحْدَاهُمَا ، يَصِحُّ ؛ لِأَنَّهُ أَذِنَ لَهُ فِي الْقَبْضِ ، فَأَشْبَهَ قَبْضَ وَكِيلِهِ .\rوَالثَّانِيَةُ ، لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَجْعَلْهُ نَائِبًا لَهُ فِي الْقَبْضِ ، فَلَمْ يَقَعْ لَهُ ، بِخِلَافِ الْوَكِيلِ .\rفَعَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ ، يَصِيرُ مِلْكًا لِزَيْدِ ، وَعَلَى الثَّانِي ، يَكُونُ بَاقِيًا عَلَى مِلْكِ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ .\rوَلَوْ قَالَ زَيْدٌ لِعَمْرٍو : اُحْضُرْ اكْتِيَالِي مِنْهُ لِأَقْبِضَهُ لَك .\rفَفَعَلَ ، لَمْ يَصِحَّ .\rوَهَلْ يَكُونُ قَابِضًا لِنَفْسِهِ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ ؛ أُولَاهُمَا ، أَنَّهُ يَكُونُ قَابِضًا لِنَفْسِهِ ؛ لِأَنَّ قَبْضَ الْمُسْلَمِ فِيهِ قَدْ وُجِدَ مِنْ","part":8,"page":208},{"id":3708,"text":"مُسْتَحِقِّهِ ، فَصَحَّ الْقَبْضُ لَهُ ، كَمَا لَوْ نَوَى الْقَبْضَ لِنَفْسِهِ .\rفَعَلَى هَذَا ، إذَا قَبَضَهُ لِعَمْرٍو ، صَحَّ .\rوَإِنْ قَالَ : خُذْهُ بِهَذَا الْكَيْلِ الَّذِي قَدْ شَاهَدْته فَأَخَذَهُ بِهِ ، صَحَّ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ شَاهَدَ كَيْلَهُ ، وَعَلِمَهُ ، فَلَا مَعْنَى لِاعْتِبَارِ كَيْلِهِ مَرَّةً ثَانِيَةً .\rوَعَنْهُ لَا يُجْزِئُ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ حَتَّى يَجْرِيَ فِيهِ الصَّاعَانِ .\rوَهَذَا دَاخِلٌ فِيهِ .\rوَلِأَنَّهُ قَبَضَهُ بِغَيْرِ كَيْلٍ ، أَشْبَهَ مَا لَوْ قَبَضَهُ جُزَافًا .\rوَلَوْ قَالَ زَيْدٌ لِعَمْرٍو : اُحْضُرْنَا حَتَّى أَكْتَالَهُ لِنَفْسِي ، ثُمَّ تَكْتَالُهُ أَنْتَ .\rوَفَعَلَا ، صَحَّ بِغَيْرِ إشْكَالٍ .\rوَإِنْ اكْتَالَهُ زَيْدٌ لِنَفْسِهِ ، ثُمَّ أَخَذَهُ عَمْرٌو بِذَلِكَ الْكَيْلِ الَّذِي شَاهَدَهُ ، فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ .\rوَإِنْ تَرَكَهُ زَيْدٌ فِي الْمِكْيَالِ ، وَدَفَعَهُ إلَى عَمْرٍو لِيُفْرِغَهُ لِنَفْسِهِ ، صَحَّ ، وَكَانَ ذَلِكَ قَبْضًا صَحِيحًا ؛ لِأَنَّ اسْتِدَامَةَ الْكَيْلِ بِمَنْزِلَةِ ابْتِدَائِهِ ، وَلَا مَعْنَى لِابْتِدَاءِ الْكَيْلِ هَاهُنَا ، إذْ لَا يَحْصُلُ بِهِ زِيَادَةُ عِلْمٍ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ : لَا يَصِحُّ ؛ لِنَهْيِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ حَتَّى يَجْرِيَ فِيهِ الصَّاعَانِ .\rوَهَذَا يُمْكِنُ الْقَوْلُ بِمُوجَبِهِ ، وَقَبْضُ الْمُشْتَرِي لَهُ فِي الْمِكْيَالِ جَرْيٌ لِصَاعَيْهِ فِيهِ .\rوَلَوْ دَفَعَ زَيْدٌ إلَى عَمْرٍو دَرَاهِمَ ، فَقَالَ : اشْتَرِ لَك بِهَا مِثْلَ الطَّعَامِ الَّذِي لَك عَلَيَّ .\rفَفَعَلَ ، لَمْ يَصِحَّ ؛ لِأَنَّ دَرَاهِمَ زَيْدٍ لَا يَكُونُ عِوَضُهَا لِعَمْرٍو .\rفَإِنْ اشْتَرَى الطَّعَامَ بِعَيْنِهَا ، أَوْ فِي ذِمَّتِهِ ، فَهُوَ كَتَصَرُّفِ الْفُضُولِيِّ عَلَى مَا تَبَيَّنَ .\rوَإِنْ قَالَ : اشْتَرِ لِي بِهَا طَعَامًا ، ثُمَّ أَقْبِضْهُ لِنَفْسِك ، فَفَعَلَ ، صَحَّ الشِّرَاءُ ، وَلَمْ يَصِحَّ الْقَبْضُ لِنَفْسِهِ ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي مِثْلِ هَذِهِ الصُّورَةِ .\rوَإِنْ قَالَ : اقْبِضْهُ لِنَفْسِك فَفَعَلَ ، جَازَ .\rنَصَّ أَحْمَدُ","part":8,"page":209},{"id":3709,"text":"عَلَى نَظِيرِ ذَلِكَ ، وَهَكَذَا جَمِيعُ الْمَسَائِلِ الَّتِي تَقَدَّمَتْ ، إذَا حَصَلَ الطَّعَامُ فِي يَدِ عَمْرٍو لِزَيْدٍ ، فَأَذِنَ لَهُ أَنْ يَقْبِضَ مِنْ نَفْسِهِ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ : لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَابِضًا لِنَفْسِهِ مِنْ نَفْسِهِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِيَ لِنَفْسِهِ مِنْ مَالِ وَلَدِهِ ، وَيَقْبِضَ لِنَفْسِهِ مِنْ نَفْسِهِ ، وَكَذَلِكَ لَوْ وَهَبَ لِوَلَدِهِ الصَّغِيرِ شَيْئًا ، جَازَ أَنْ يَقْبَلَ لَهُ مِنْ نَفْسِهِ ، وَيَقْبِضَ مِنْهَا ، فَكَذَا هَاهُنَا .","part":8,"page":210},{"id":3710,"text":"( 2959 ) فَصْلٌ : وَإِنْ اشْتَرَى اثْنَانِ طَعَامًا ، فَقَبَضَاهُ ، ثُمَّ بَاعَ أَحَدُهُمَا لِلْآخِرِ نَصِيبَهُ قَبْلَ أَنْ يَقْتَسِمَاهُ ، احْتَمَلَ أَنْ لَا يَجُوزَ ذَلِكَ .\rوَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ ، وَابْنِ سِيرِينَ ، كَرِهَا أَنْ يَبِيعَ الرَّجُلُ مِنْ شَرِيكِهِ شَيْئًا مِمَّا يُكَالُ أَوْ يُوزَنُ ، قَبْلَ أَنْ يَقْتَسِمَاهُ .\rلِأَنَّهُ لَمْ يَقْبِضْ نَصِيبَهُ مُنْفَرِدًا ، فَأَشْبَهَ غَيْرَ الْمَقْبُوضِ .\rوَيَحْتَمِلُ الْجَوَازَ ؛ لِأَنَّهُ مَقْبُوضٌ لَهُمَا ، يَجُوزُ بَيْعُهُ لِأَجْنَبِيٍّ ، فَجَازَ بَيْعُهُ لِشَرِيكِهِ ، كَسَائِرِ الْأَمْوَالِ .\rفَإِنْ تَقَاسَمَاهُ ، وَتَفَرَّقَا ، ثُمَّ بَاعَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ بِذَلِكَ الْكَيْلِ الَّذِي كَالَهُ ، لَمْ يَجُزْ .\rكَمَا لَوْ اشْتَرَى مِنْ رَجُلٍ طَعَامًا ، فَاكْتَالَهُ ، وَتَفَرَّقَا ، ثُمَّ بَاعَهُ إيَّاهُ بِذَلِكَ الْكَيْلِ .\rوَإِنْ لَمْ يَتَفَرَّقَا ، خُرِّجَ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ اللَّتَيْنِ تَقَدَّمَتَا .","part":8,"page":211},{"id":3711,"text":"( 2960 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَالشَّرِكَةُ فِيهِ وَالتَّوْلِيَةُ وَالْحَوَالَةُ بِهِ كَالْبَيْعِ ) .\rوَجُمْلَتُهُ ، أَنَّ مَا يَحْتَاجُ إلَى الْقَبْضِ لَا تَجُوزُ الشَّرِكَةُ فِيهِ ، وَلَا تَوْلِيَتُهُ ، وَلَا الْحَوَالَةُ بِهِ قَبْلَ قَبْضِهِ .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : يَجُوزُ هَذَا كُلُّهُ فِي الطَّعَامِ قَبْلَ قَبْضِهِ ؛ لِأَنَّهَا تَخْتَصُّ بِمِثْلِ الثَّمَنِ ، الْأَوَّلِ ، فَجَازَتْ قَبْلَ الْقَبْضِ ، كَالْإِقَالَةِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ هَذِهِ أَنْوَاعُ بَيْعٍ ، فَتَدْخُلُ فِي عُمُومِ النَّهْيِ عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ قَبْلَ أَنْ يَسْتَوْفِيَهُ ، فَإِنَّ الشَّرِكَةَ بَيْعُ بَعْضِ الْمَبِيعِ بِقِسْطِهِ مِنْ ثَمَنِهِ ، وَالتَّوْلِيَةَ بَيْعُ جَمِيعِهِ بِمِثْلِ ثَمَنِهِ .\rوَلِأَنَّهُ تَمْلِيكٌ لِغَيْرِ مَنْ هُوَ فِي ذِمَّتِهِ ، فَأَشْبَهَ الْبَيْعَ .\rوَفَارَقَ الْإِقَالَةَ ، فَإِنَّهَا فَسْخٌ لِلْبَيْعِ ، فَأَشْبَهَتْ الرَّدَّ بِالْعَيْبِ .\rوَكَذَلِكَ لَا تَصِحُّ هِبَتُهُ وَلَا رَهْنُهُ وَلَا دَفْعُهُ أُجْرَةً ، وَلَا مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ التَّصَرُّفَاتِ الْمُفْتَقِرَةِ إلَى الْقَبْضِ ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَقْبُوضٍ ، فَلَا سَبِيلَ إلَى إقْبَاضِهِ .\r( 2961 ) فَصْلٌ : وَأَمَّا التَّوْلِيَةُ وَالشَّرِكَةُ فِيمَا يَجُوزُ بَيْعُهُ فَجَائِزَانِ ؛ لِأَنَّهُمَا نَوْعَانِ مِنْ أَنْوَاعِ الْبَيْعِ ، وَإِنَّمَا اخْتَصَّا بِأَسْمَاءٍ ، كَمَا اخْتَصَّ بَيْعُ الْمُرَابَحَةِ وَالْمُوَاضَعَةِ بِأَسْمَاءٍ .\rفَإِذَا اشْتَرَى شَيْئًا فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ : أَشْرِكْنِي فِي نِصْفِهِ بِنِصْفِ الثَّمَنِ .\rفَقَالَ : أَشْرَكْتُك .\rصَحَّ ، وَصَارَ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمَا .\rوَإِنْ قَالَ : وَلِّنِي مَا اشْتَرَيْته بِالثَّمَنِ فَقَالَ : وَلَّيْتُك .\rصَحَّ ، إذَا كَانَ الثَّمَنُ مَعْلُومًا لَهُمَا .\rفَإِنْ جَهِلَهُ أَحَدُهُمَا ، لَمْ يَصِحَّ ، كَمَا لَوْ بَاعَهُ بِالرَّقْمِ .\rوَلَوْ قَالَ : أَشْرِكْنِي فِيهِ .\rأَوْ قَالَ : الشَّرِكَةُ فِيهِ .\rفَقَالَ : أَشْرَكْتُك .\rأَوْ قَالَ : وَلِّنِي مَا اشْتَرَيْت .\rوَلَمْ يَذْكُرْ الثَّمَنَ ، صَحَّ إذَا كَانَ الثَّمَنُ مَعْلُومًا ؛ لِأَنَّ الشَّرِكَةَ تَقْتَضِي ابْتِيَاعَ جُزْءٍ مِنْهُ بِقِسْطِهِ مِنْ الثَّمَنِ","part":8,"page":212},{"id":3712,"text":"، وَالتَّوْلِيَةُ ابْتِيَاعُهُ بِمِثْلِ الثَّمَنِ ، فَإِذَا أُطْلِقْ اسْمُهُ انْصَرَفَ إلَيْهِ ، كَمَا لَوْ قَالَ : أَقِلْنِي .\rفَقَالَ : أَقَلْتُك .\rوَفِي حَدِيثٍ عَنْ زُهْرَةَ بْنِ مَعْبَدٍ ، { أَنَّهُ كَانَ يَخْرُجُ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ هِشَامٍ إلَى السُّوقِ ، فَيَشْتَرِي الطَّعَامَ ، فَيَلْقَاهُ ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ الزُّبَيْرِ ، فَيَقُولَانِ لَهُ : أَشْرِكْنَا ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَعَا لَك بِالْبَرَكَةِ .\rفَيُشْرِكُهُمْ ، فَرُبَّمَا أَصَابَ الرَّاحِلَةَ كَمَا هِيَ ، فَيَبْعَثُ بِهَا إلَى الْمَنْزِلِ .\r} ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ .\rوَلَوْ اشْتَرَى شَيْئًا ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ : أَشْرِكْنِي فَأَشْرَكَهُ انْصَرَفَ إلَى نِصْفِهِ ؛ لِأَنَّهَا بِإِطْلَاقِهَا تَقْتَضِي التَّسْوِيَةَ .\rفَإِنْ اشْتَرَى اثْنَانِ عَبْدًا فَاشْتَرَكَا فِيهِ ، فَقَالَ لَهُمَا رَجُلٌ : أَشْرِكَانِي فِيهِ .\rفَقَالَا : أَشْرَكْنَاك .\rاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ لَهُ النِّصْفُ ؛ لِأَنَّ اشْتِرَاكِهِمَا لَوْ كَانَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُنْفَرِدًا كَانَ لَهُ النِّصْفُ ، فَكَذَلِكَ حَالَ الِاجْتِمَاعِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لَهُ الثُّلُثُ ؛ لِأَنَّ الِاشْتِرَاكَ يُفِيدُ التَّسَاوِي ، وَلَا يَحْصُلُ التَّسَاوِي إلَّا بِجَعْلِهِ بَيْنَهُمْ أَثْلَاثًا .\rوَهَذَا أَصَحُّ ؛ لِأَنَّ إشْرَاكَ الْوَاحِدِ إنَّمَا اقْتَضَى النِّصْفَ ؛ لِحُصُولِ التَّسْوِيَةِ بِهِ .\rوَإِنْ شَرَكَهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُنْفَرِدًا ، كَانَ لَهُ النِّصْفُ ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الرُّبْعُ .\rوَإِنْ قَالَ : أَشْرِكَانِي فِيهِ .\rفَشَرَكَهُ أَحَدُهُمَا ، فَعَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ يَكُونُ لَهُ نِصْفُ حِصَّةِ الَّذِي شَرَكَهُ وَهُوَ الرُّبْعُ ، وَعَلَى الْآخَرِ لَهُ السُّدُسُ ؛ لِأَنَّ طَلَبَ الشَّرِكَةِ مِنْهُمَا يَقْتَضِي طَلَبَ ثُلُثِ مَا فِي يَدِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ؛ لِيَكُونَ مُسَاوِيًا لَهُمَا .\rفَإِذَا أَجَابَهُ أَحَدُهُمَا ثَبَتَ لَهُ الْمِلْكُ فِيمَا طَلَبَ مِنْهُ .\rوَإِنْ قَالَ لَهُ أَحَدُهُمَا : أَشْرَكْنَاك .\rانْبَنَى عَلَى تَصَرُّفِ الْفُضُولِيِّ .\rفَإِنْ قُلْنَا : يَقِفُ عَلَى الْإِجَازَةِ مِنْ صَاحِبِهِ .\rفَأَجَازَهُ ، فَهَلْ يَثْبُتُ لَهُ الْمِلْكُ فِي","part":8,"page":213},{"id":3713,"text":"نِصْفِهِ أَوْ فِي ثُلُثِهِ ؟ عَلَى الْوَجْهَيْنِ وَلَوْ قَالَ لِأَحَدِهِمَا : أَشْرِكْنِي فِي نِصْفِ هَذَا الْعَبْدِ فَأَشْرَكَهُ ، فَإِنْ قُلْنَا : يَقِفُ عَلَى الْإِجَازَةِ مِنْ صَاحِبِهِ ، فَأَجَازَهُ .\rفَلَهُ نِصْفُ الْعَبْدِ ، وَلَهُمَا نِصْفُهُ ، وَإِلَّا فَلَهُ نِصْفُ حِصَّةِ الَّذِي شَرَكَهُ .\rوَإِنْ اشْتَرَى عَبْدًا فَلَقِيَهُ رَجُلٌ ، فَقَالَ : أَشْرِكْنِي فِي هَذَا الْعَبْدِ .\rفَقَالَ : قَدْ أَشْرَكَتْك .\rفَلَهُ نِصْفُهُ .\rفَإِنْ لَقِيَهُ آخَرُ فَقَالَ : أَشْرِكْنِي فِي هَذَا الْعَبْدِ .\rوَكَانَ عَالِمًا بِشَرِكَةِ الْأَوَّلِ ، فَلَهُ رُبْعُ الْعَبْدِ ، وَهُوَ نِصْفُ حِصَّةِ الَّذِي شَرَكَهُ ؛ لِأَنَّ طَلَبَهُ لِلْإِشْرَاكِ رَجَعَ إلَى مَا مَلَكَهُ الْمُشَارِكُ .\rوَهُوَ النِّصْفُ ، فَيَكُونُ بَيْنَهُمَا .\rوَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِشَرِكَةِ الْأَوَّلِ ، فَهُوَ طَالِبٌ لِنِصْفِ الْعَبْدِ ؛ لِاعْتِقَادِهِ أَنَّ الْعَبْدَ كُلَّهُ لِهَذَا الَّذِي طَلَبَ مِنْهُ الْمُشَارَكَةَ .\rفَإِذَا قَالَ لَهُ : أَشْرَكْتُكَ فِيهِ .\rاحْتَمَلَ ثَلَاثَةَ أَوْجُهٍ : أَحَدَهَا ، أَنْ يَصِيرَ لَهُ نِصْفُ الْعَبْدِ كُلِّهِ ، وَلَا يَبْقَى لِلَّذِي شَرَكَهُ شَيْءٌ ؛ لِأَنَّهُ طَلَبَ مِنْهُ نِصْفَ الْعَبْدِ ، فَأَجَابَهُ إلَى ذَلِكَ .\rفَصَارَ كَأَنَّهُ قَالَ لَهُ : بِعْنِي نِصْفَ هَذَا الْعَبْدِ ، فَقَالَ : بِعْتُك .\rوَهَذَا قَوْلُ الْقَاضِي .\rالثَّانِي ، أَنْ يَنْصَرِفَ قَوْلُهُ : أَشْرَكْتُكَ فِيهِ .\rإلَى نِصْفِ نَصِيبِهِ ، وَنِصْفِ نَصِيبِ شَرِيكِهِ ، فَيَنْفُذَ فِي نِصْفِ نَصِيبِهِ ، وَيَقِفَ فِي الزَّائِدِ عَلَى إجَازَةِ صَاحِبِهِ عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ ؛ لِأَنَّ لَفْظَ الشَّرِكَةِ يَقْتَضِي بَيْعَ بَعْضِ نَصِيبِهِ ، وَمُسَاوَاةَ الْمُشْتَرِي لَهُ .\rفَلَوْ بَاعَ جَمِيعَ نَصِيبِهِ ، لَمْ يَكُنْ شَرِكَةً ، وَلَا يَسْتَحِقُّ فِيهِ مَا طَلَبَ مِنْهُ .\rوَالثَّالِثُ : أَنْ لَا يَكُونَ لِلثَّانِي إلَّا الرُّبْعُ بِكُلِّ حَالٍ ؛ لِأَنَّ الشَّرِكَةَ إنَّمَا تَثْبُتُ بِقَوْلِ الْبَائِعِ : أَشْرَكْتُكَ .\rلِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْإِيجَابُ النَّاقِلُ لِلْمِلْكِ ، وَهُوَ عَالِمٌ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ إلَّا نِصْفُ الْعَبْدِ ، فَيَنْصَرِفُ إيجَابُهُ إلَى نِصْفِ مِلْكِهِ .\rوَعَلَى هَذَيْنِ","part":8,"page":214},{"id":3714,"text":"الْوَجْهَيْنِ ، لِطَالِبِ الشَّرِكَةِ الْخِيَارُ ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا طَلَبَ النِّصْفَ ، فَلَمْ يَحْصُلْ لَهُ جَمِيعُهُ ، إلَّا أَنْ نَقُولَ بِوُقُوفِهِ عَلَى الْإِجَازَةِ .\rفِي الْوَجْهِ الثَّانِي ، فَيُجِيزُهُ الْآخَرُ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا تَصِحَّ الشَّرِكَةُ أَصْلًا ؛ لِأَنَّهُ طَلَبَ شِرَاءَ النِّصْفِ ، فَأُجِيبَ فِي الرُّبْعِ ، فَصَارَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ قَالَ : بِعْنِي نِصْفَ هَذَا الْعَبْدِ ، قَالَ : بِعْتُك رُبْعَهُ .","part":8,"page":215},{"id":3715,"text":"( 2962 ) فَصْلٌ : وَلَوْ اشْتَرَى قَفِيزًا مِنْ الطَّعَامِ ، فَقَبَضَ نِصْفَهُ ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ : بِعْنِي نِصْفَ هَذَا الْقَفِيزِ .\rفَبَاعَهُ ، انْصَرَفَ إلَى النِّصْفِ الْمَقْبُوضِ كُلِّهِ ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ يَنْصَرِفُ إلَى مَا يَجُوزُ لَهُ بَيْعُهُ وَهُوَ النِّصْفُ الْمَقْبُوضُ .\rوَإِنْ قَالَ : أَشْرِكْنِي فِي هَذَا الْقَفِيزِ بِنِصْفِ الثَّمَنِ ، فَفَعَلَ ، لَمْ تَصِحَّ الشَّرِكَةُ ، إلَّا فِيمَا قَبَضَ مِنْهُ ، فَيَكُونُ النِّصْفُ الْمَقْبُوضُ بَيْنَهُمَا لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا رُبْعُهُ بِقِسْطِهِ مِنْ الثَّمَنِ ؛ لِأَنَّ الشَّرِكَةَ تَقْتَضِي التَّسْوِيَةَ .\rهَكَذَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي .\rوَالصَّحِيحُ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ، أَنَّهُ تَنْصَرِفُ الشَّرِكَةُ إلَى النِّصْفِ كُلِّهِ ، فَيَكُونُ تَابِعًا لِمَا يَصِحُّ بَيْعُهُ وَمَا لَا يَصِحُّ ، فَيَكُونُ ذَلِكَ مِنْ صُوَرِ تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ ، فَلَا يَصِحُّ فِي الرُّبْعِ الَّذِي لَيْسَ بِمَقْبُوضِ .\rوَهَلْ يَصِحُّ فِي الْمَقْبُوضِ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ .\r( 2963 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا الْحَوَالَةُ ، فَمَعْنَاهُ أَنْ يَكُونَ عَلَى مُشْتَرِي الطَّعَامِ طَعَامٌ مِنْ سَلَمٍ أَوْ مِنْ قَرْضٍ مِثْلُ الَّذِي اشْتَرَاهُ ، فَيَقُولَ لِغَرِيمِهِ : اذْهَبْ فَاقْبِضْ الطَّعَامَ الَّذِي اشْتَرَيْته لِنَفْسِك .\rفَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَقْبِضَهُ قَبْلَ قَبْضِهِ لَهُ .\rوَقَدْ ذَكَرْنَا تَفْرِيعَ هَذَا فِي الْفَصْلِ الَّذِي قَبْلَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ .","part":8,"page":216},{"id":3716,"text":"( 2964 ) فَصْلٌ : إذَا كَانَ لِرَجُلٍ فِي ذِمَّةِ آخَرَ طَعَامٌ مِنْ قَرْضٍ ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يَبِيعَهُ مِنْ غَيْرِهِ قَبْلَ قَبْضِهِ ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ قَادِرٍ عَلَى تَسْلِيمِهِ .\rوَيَجُوزُ بَيْعُهُ مِمَّنْ هُوَ فِي ذِمَّتِهِ ، فِي الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ ؛ لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ : كُنَّا نَبِيعُ الْأَبْعِرَةَ بِالْبَقِيعِ بِالدَّرَاهِمِ ، فَنَأْخُذُ مَكَانَهَا الدَّنَانِيرَ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rوَرُوِيَ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ ، كَمَا لَا يَصِحُّ فِي السَّلَمِ .\rوَالْأَوَّلُ أَوْلَى .\rفَإِنْ اشْتَرَاهُ مِنْهُ بِمَوْصُوفٍ فِي الذِّمَّةِ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ ، جَازَ ، وَلَا يَتَفَرَّقَا قَبْلَ الْقَبْضِ ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ بَيْعَ دَيْنٍ بِدَيْنٍ .\rفَإِنْ أَعْطَاهُ مُعَيَّنًا مِمَّا يُشْتَرَطُ فِيهِ التَّقَابُضُ ، مِثْلُ أَنْ أَعْطَاهُ بَدَلَ الْحِنْطَةِ شَعِيرًا ، جَازَ .\rوَلَمْ يَجُزْ التَّفَرُّقُ قَبْلَ الْقَبْضِ وَإِنْ أَعْطَاهُ مُعَيَّنًا ، لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ التَّقَابُضُ ، جَازَ التَّفَرُّقُ قَبْلَ الْقَبْضِ ، كَمَا لَوْ قَالَ : بِعْتُك هَذَا الشَّعِيرَ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ فِي ذِمَّتِك .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَجُوزَ ؛ لِأَنَّ الْمَبِيعَ فِي الذِّمَّةِ ، فَلَمْ يَجُزْ التَّفَرُّقُ قَبْلَ الْقَبْضِ ، كَالسَّلَمِ .","part":8,"page":217},{"id":3717,"text":"( 2965 ) فَصْلٌ : وَإِذَا قَالَ رَجُلٌ لِغَرِيمِهِ : بِعْنِي هَذَا عَلَى أَنْ أَقْضِيَك دَيْنَك مِنْهُ .\rفَفَعَلَ ، فَالشَّرْطُ بَاطِلٌ ؛ لِأَنَّهُ شَرَطَ أَنْ لَا يَتَصَرَّفَ فِيهِ بِغَيْرِ الْقَضَاءِ ، وَهَلْ يَبْطُلُ الْبَيْعُ ؟ يَنْبَنِي عَلَى الشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ فِي الْبَيْعِ ، هَلْ تُبْطِلُهُ ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ ، وَإِنْ قَالَ : اقْضِنِي حَقِّي عَلَى أَنْ أَبِيعَك كَذَا وَكَذَا .\rفَالشَّرْطُ بَاطِلٌ وَالْقَضَاءُ صَحِيحٌ ؛ لِأَنَّهُ قَبَّضَهُ حَقَّهُ .\rوَإِنْ قَالَ : اقْضِنِي أَجْوَدَ مِنْ مَالِي ، عَلَى أَنْ أَبِيعَك كَذَا وَكَذَا .\rفَالْقَضَاءُ وَالشَّرْطُ بَاطِلَانِ ، وَعَلَيْهِ رَدُّ مَا قَبَضَهُ وَالْمُطَالَبَةُ بِمَالِهِ .","part":8,"page":218},{"id":3718,"text":"( 2966 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْإِقَالَةُ ؛ لِأَنَّهَا فَسْخٌ ، وَعَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ، الْإِقَالَةُ بَيْعٌ ) اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ فِي الْإِقَالَةِ .\rفَعَنْهُ أَنَّهَا فَسْخٌ .\rوَهُوَ الصَّحِيحُ ، وَاخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rوَالثَّانِيَةُ ، أَنَّهَا بَيْعٌ .\rوَهِيَ مَذْهَبُ مَالِكٍ ؛ لِأَنَّ الْمَبِيعَ عَادَ إلَى الْبَائِعِ عَلَى الْجِهَةِ الَّتِي خَرَجَ عَلَيْهِ مِنْهُ ، فَلَمَّا كَانَ الْأَوَّلُ بَيْعًا كَذَلِكَ الثَّانِي ، وَلِأَنَّهُ نَقْلُ الْمِلْكِ بِعِوَضِ ، عَلَى وَجْهِ التَّرَاضِي ، فَكَانَ بَيْعًا ، كَالْأَوَّلِ .\rوَحُكِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ، أَنَّهَا فَسْخٌ فِي حَقِّ الْمُتَعَاقِدَيْنِ .\rبَيْعٌ فِي حَقِّ غَيْرِهِمَا .\rفَلَا تَثْبُتُ أَحْكَامُ الْبَيْعِ فِي حَقِّهِمَا ، بَلْ تَجُوزُ فِي السَّلَمِ ، وَفِي الْمَبِيعِ قَبْلَ قَبْضِهِ ، وَيَثْبُتُ حُكْمُ الْبَيْعِ فِي حَقِّ الشَّفِيعِ ، حَتَّى يَجُوزُ لَهُ أَخْذُ الشِّقْصِ الَّذِي تَقَايَلَا فِيهِ بِالشُّفْعَةِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الْإِقَالَةَ هِيَ الدَّفْعُ وَالْإِزَالَةُ .\rيُقَالُ : أَقَالَك اللَّهُ عَثْرَتَك .\rأَيْ أَزَالَهَا .\rقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : مَنْ أَقَالَ نَادِمًا بَيْعَتَهُ ، أَقَالَهُ اللَّهُ عَثْرَتَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ } .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : وَفِي إجْمَاعِهِمْ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ قَبْلَ قَبْضِهِ } ، مَعَ إجْمَاعِهِمْ عَلَى أَنَّ لَهُ أَنْ يُقِيلَ الْمُسْلِمَ جَمِيعَ الْمُسْلَمِ فِيهِ ، دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْإِقَالَةَ لَيْسَتْ بَيْعًا ، وَلِأَنَّهَا تَجُوزُ فِي الْمُسْلَمِ فِيهِ قَبْلَ قَبْضِهِ ، فَلَمْ تَكُنْ بَيْعًا كَالْإِسْقَاطِ ، وَلِأَنَّهَا تَتَقَدَّرُ بِالثَّمَنِ الْأَوَّلِ .\rوَلَوْ كَانَتْ بَيْعًا لَمْ تَتَقَدَّرُ بِهِ ، وَلِأَنَّهُ عَادَ إلَيْهِ الْمَبِيعُ بِلَفْظٍ لَا يَنْعَقِدُ بِهِ الْبَيْعُ ، فَكَانَ فَسْخًا ، كَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ .\rوَيَدُلُّ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ بِأَنَّ مَا كَانَ فَسْخًا فِي حَقِّ الْمُتَعَاقِدَيْنِ ، كَانَ فَسْخًا فِي حَقِّ غَيْرِهِمَا ، كَالرَّدِّ بِالْبَيْعِ وَالْفَسْخِ بِالْخِيَارِ ،","part":8,"page":219},{"id":3719,"text":"وَلِأَنَّ حَقِيقَةَ الْفَسْخِ لَا تَخْتَلِفُ بِالنِّسْبَةِ إلَى شَخْصٍ دُونَ شَخْصٍ ، وَالْأَصْلُ اعْتِبَارُ الْحَقَائِقِ .\r( 2967 ) فَصْلٌ : فَإِنْ قُلْنَا : هِيَ فَسْخٌ جَازَتْ قَبْلَ الْقَبْضِ وَبَعْدَهُ .\rوَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : لَا بُدَّ فِيهَا مِنْ كَيْلٍ ثَانٍ ، وَيَقُومُ الْفَسْخُ مَقَامَ الْبَيْعِ فِي إيجَابِ كَيْلٍ ثَانٍ ، كَقِيَامِ فَسْخِ النِّكَاحِ مَقَامَ الطَّلَاقِ فِي الْعِدَّةِ .\rوَلَنَا أَنَّهُ فَسْخٌ لِلْبَيْعِ ، فَجَازَ قَبْلَ الْقَبْضِ ، كَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ ، وَالتَّدْلِيسِ ، وَالْفَسْخِ بِالْخِيَارِ ، أَوْ اخْتِلَافِ الْمُتَبَايِعَيْنِ .\rوَفَارَقَ الْعِدَّةَ ، فَإِنَّهَا اُعْتُبِرَتْ لِلِاسْتِبْرَاءِ ، وَالْحَاجَةُ دَاعِيَةٌ إلَيْهِ فِي كُلِّ فُرْقَةٍ بَعْدَ الدُّخُولِ ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا .\rفَإِنْ قُلْنَا : هِيَ بَيْعٌ .\rلَمْ يَجُزْ قَبْلَ الْقَبْضِ ، فِيمَا يُعْتَبَرُ فِيهِ الْقَبْضُ ؛ لِأَنَّ بَيْعَهُ مِنْ بَائِعِهِ قَبْلَ قَبْضِهِ لَا يَجُوزُ ، كَمَا لَا يَجُوزُ مِنْ غَيْرِهِ .\rوَلَا يَسْتَحِقُّ بِهَا الشُّفْعَةَ إنْ كَانَتْ فَسْخًا ؛ لِأَنَّهَا رَفْعٌ لِلْعَقْدِ ، وَإِزَالَةٌ لَهُ ، وَلَيْسَتْ بِمُعَاوَضَةِ ، فَأَشْبَهَتْ سَائِرَ الْفُسُوخِ .\rوَمَنْ حَلَفَ لَا يَبِيعُ فَأَقَالَ ، لَمْ يَحْنَثْ .\rوَلَوْ كَانَتْ بَيْعًا ، اُسْتُحِقَّتْ بِهَا الشُّفْعَةُ ، وَحَنِثَ الْحَالِفُ عَلَى تَرْكِ الْبَيْعِ بِفِعْلِهَا ، كَسَائِرِ أَنْوَاعِ الْبَيْعِ .\rوَلَا يَجُوزُ إلَّا بِمِثْلِ الثَّمَنِ ، سَوَاءٌ قُلْنَا : هِيَ فَسْخٌ أَوْ بَيْعٌ ؛ لِأَنَّهَا خُصَّتْ بِمِثْلِ الثَّمَنِ ، كَالتَّوْلِيَةِ .\rوَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ ، أَنَّهَا تَجُوزُ بِأَكْثَرَ مِنْ الثَّمَنِ الْأَوَّلِ .\rوَأَقَلَّ مِنْهُ إذَا قُلْنَا : إنَّهَا بَيْعٌ كَسَائِرِ الْبِيَاعَاتِ .\rفَإِنْ قُلْنَا : لَا تَجُوزُ إلَّا بِمِثْلِ الثَّمَنِ الْأَوَّلِ ، فَأَقَالَ بِأَقَلَّ مِنْهُ أَوْ أَكْثَرَ ، لَمْ تَصِحَّ الْإِقَالَةُ ، وَكَانَ الْمِلْكُ بَاقِيًا لِلْمُشْتَرِي .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَحُكِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ، أَنَّهَا تَصِحُّ بِالثَّمَنِ الْأَوَّلِ ، وَيَبْطُلُ الشَّرْطُ ؛ لِأَنَّ لَفْظَ الْإِقَالَةِ اقْتَضَى مِثْلَ الثَّمَنِ ، وَالشَّرْطُ يُنَافِيهِ ، فَبَطَلَ ،","part":8,"page":220},{"id":3720,"text":"وَبَقِيَ الْفَسْخُ عَلَى مُقْتَضَاهُ ، كَسَائِرِ الْفُسُوخِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ شَرَطَ التَّفَاضُلَ فِيمَا يُعْتَبَرُ فِيهِ التَّمَاثُلُ ، فَبَطَلَ ، كَبَيْعِ دِرْهَمٍ بِدِرْهَمَيْنِ .\rوَلِأَنَّ الْقَصْدَ بِالْإِقَالَةِ رَدُّ كُلِّ حَقٍّ إلَى صَاحِبِهِ ، فَإِذَا شَرَطَ زِيَادَةً أَوْ نُقْصَانًا ، أَخْرَجَ الْعَقْدَ عَنْ مَقْصُودِهِ ، فَبَطَلَ ، كَمَا لَوْ بَاعَهُ بِشَرْطِ أَنْ لَا يُسَلِّمَ إلَيْهِ .\rوَيُفَارِقُ سَائِرَ الْفُسُوخِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ فِيهِ الرِّضَا مِنْهُمَا ، بَلْ يَسْتَقِلُّ بِهِ أَحَدُهُمَا ، فَإِذَا شُرِطَ عَلَيْهِ شَيْءٌ ، لَمْ يَلْزَمْهُ ؛ لِتَمَكُّنِهِ مِنْ الْفَسْخِ بِدُونِهِ .\rوَإِنْ شَرَطَ لِنَفْسِهِ شَيْئًا ، لَمْ يَلْزَمْهُ أَيْضًا ؛ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ أَكْثَرَ مِنْ الْفَسْخِ .\rوَفِي مَسْأَلَتِنَا لَا تَجُوزُ الْإِقَالَةُ إلَّا بِرِضَاهُمَا ، وَإِنَّمَا رَضِيَ بِهَا أَحَدُهُمَا مَعَ الزِّيَادَةِ أَوْ النَّقْصِ ، فَإِذَا أَبْطَلْنَا شَرْطَهُ فَاتَ رِضَاهُ ، فَتَبْطُلُ الْإِقَالَةُ ؛ لِعَدَمِ رِضَاهُ بِهَا .","part":8,"page":221},{"id":3721,"text":"( 2968 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَمِنْ اشْتَرَى صُبْرَةَ طَعَامٍ ، لَمْ يَبِعْهَا حَتَّى يَنْقُلَهَا ) هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تَدُلُّ عَلَى حُكْمَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ؛ إبَاحَةُ بَيْعِ الصُّبْرَةِ جُزَافًا مَعَ جَهْلِ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي بِقَدْرِهَا ، وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ .\rوَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا .\rوَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .\rوَدَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ : { كُنَّا نَشْتَرِي الطَّعَامَ مِنْ الرُّكْبَانِ جُزَافًا ، فَنَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ نَبِيعَهُ حَتَّى نَنْقُلَهُ مِنْ مَكَانِهِ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ، وَلِأَنَّهُ مَعْلُومٌ بِالرُّؤْيَةِ ، فَصَحَّ بَيْعُهُ ، كَالثِّيَابِ وَالْحَيَوَانِ .\rوَلَا يَضُرُّ عَدَمُ مُشَاهَدَةِ بَاطِنِ الصُّبْرَةِ ، فَإِنَّ ذَلِكَ يَشُقُّ ؛ لِكَوْنِ الْحَبِّ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ ، وَلَا يُمْكِنُ بَسْطُهَا حَبَّةً حَبَّةً ، وَلِأَنَّ الْحَبَّ تَتَسَاوَى أَجْزَاؤُهُ فِي الظَّاهِرِ ، فَاكْتُفِيَ بِرُؤْيَةِ ظَاهِرِهِ ، بِخِلَافِ الثَّوْبِ ، فَإِنَّ نَشْرَهُ لَا يَشُقُّ ، وَلَمْ تَخْتَلِفْ أَجْزَاؤُهُ ، وَلَا يَحْتَاجُ إلَى مَعْرِفَةِ قَدْرِهَا مَعَ الْمُشَاهَدَةِ ؛ لِأَنَّهُ عَلِمَ مَا اشْتَرَى بِأَبْلَغِ الطُّرُقِ ، وَهُوَ الرُّؤْيَةُ .\rوَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ : بِعْتُك نِصْفَ هَذِهِ الصُّبْرَةِ ، أَوْ ثُلُثَهَا ، أَوْ جُزْءًا مِنْهَا مَعْلُومًا .\rجَازَ ؛ لِأَنَّ مَا جَازَ بَيْعُ جُمْلَتِهِ ، جَازَ بَيْعُ بَعْضِهِ ، كَالْحَيَوَانِ .\rوَلِأَنَّ جُمْلَتَهَا مَعْلُومَةٌ بِالْمُشَاهَدَةِ ، فَكَذَلِكَ جُزْؤُهَا .\rقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ : وَلَا يَصِحُّ هَذَا إلَّا أَنْ تَكُونَ الصُّبْرَةُ مُتَسَاوِيَةَ الْأَجْزَاءِ ، فَإِنْ كَانَتْ مُخْتَلِفَةً ، مِثْلَ صُبْرَةِ بَقَّالِ الْقَرْيَةِ ، لَمْ يَصِحَّ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يَصِحَّ ؛ لِأَنَّهُ يَشْتَرِي مِنْهَا جُزْءًا مُشَاعًا ، فَيَسْتَحِقُّ مِنْ جَيِّدِهَا وَرَدِيئِهَا بِقِسْطِهِ .\rوَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْأَثْمَانِ وَالْمُثَمَّنَاتِ فِي صِحَّةِ بَيْعِهَا جُزَافًا .\rوَقَالَ مَالِكٌ : لَا يَجُوزُ فِي الْأَثْمَانِ لِأَنَّ لَهَا خَطَرًا وَلَا يَشُقُّ وَزْنُهَا وَلَا عَدَدُهَا ، فَأَشْبَهَ الرَّقِيقَ وَالثِّيَابَ .","part":8,"page":222},{"id":3722,"text":"وَلَنَا ، أَنَّهُ مَعْلُومٌ بِالْمُشَاهَدَةِ ، فَأَشْبَهَ الْمُثَمَّنَاتِ وَالنُّقْرَةَ وَالْحَلْيَ .\rوَيَبْطُلُ بِذَلِكَ مَا قَالَهُ .\rأَمَّا الرَّقِيقُ ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُهُمْ إذَا شَاهَدَهُمْ وَلَمْ يَعُدَّهُمْ ، وَكَذَلِكَ الثِّيَابُ إذَا نَشَرَهَا وَرَأَى جَمِيعَ أَجْزَائِهَا .\rالْحَكَمُ الثَّانِي ، أَنَّهُ إذَا اشْتَرَى الصُّبْرَةَ جُزَافًا ، لَمْ يَجُزْ لَهُ بَيْعُهَا حَتَّى يَنْقُلَهَا .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ ، وَعَنْهُ رِوَايَةٌ أُخْرَى ، لَهُ بَيْعُهَا قَبْلَ نَقْلِهَا .\rاخْتَارَهَا الْقَاضِي .\rوَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ ؛ لِأَنَّهُ مَبِيعٌ مُتَعَيِّنٌ لَا يَحْتَاجُ إلَى حَقِّ تَوْفِيَةٍ ، فَأَشْبَهَ الثَّوْبَ الْحَاضِرَ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ { : إنْ كُنَّا لَنَشْتَرِي الطَّعَامَ مِنْ الرُّكْبَانِ جُزَافًا ، فَنَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ نَبِيعَهُ حَتَّى نَنْقُلَهُ مِنْ مَكَانِهِ .\r} وَعُمُومُ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ { : مَنْ ابْتَاعَ طَعَامًا فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ } مَعَ مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْأَخْبَارِ ، وَرَوَى الْأَثْرَمُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ حُنَيْنٍ ، قَالَ { : قَدِمَ زَيْتٌ مِنْ الشَّامِ ، فَاشْتَرَيْت مِنْهُ أَبْعِرَةً ، وَفَرَغْت مِنْ شِرَائِهَا ، فَقَامَ إلَيَّ رَجُلٌ فَأَرْبَحَنِي فِيهَا رِبْحًا ، فَبَسَطْت يَدِي لِأُبَايِعَهُ ، فَإِذَا رَجُلٌ يَأْخُذُنِي مِنْ خَلْفِي ، فَنَظَرْت فَإِذَا زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ ، فَقَالَ : لَا تَبِعْهُ حَتَّى تَنْقُلَهُ إلَى رَحْلِك ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَنَا بِذَلِكَ } .\rفَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا فَإِنَّ قَبْضَهَا نَقْلُهَا .\rكَمَا جَاءَ فِي الْخَبَرِ ، وَلِأَنَّ الْقَبْضَ لَوْ لَمْ يُعَيَّنْ فِي الشَّرْعِ لَوَجَبَ رَدُّهُ إلَى الْعُرْفِ ، كَمَا قُلْنَا فِي الْإِحْيَاءِ وَالْإِحْرَازِ ، وَالْعَادَةُ فِي قَبْضِ الصُّبْرَةِ النَّقْلُ ( 2969 ) فَصْلٌ : وَلَا يَحِلُّ لِبَائِعِ الصُّبْرَةِ أَنْ يَغُشَّهَا ؛ بِأَنْ يَجْعَلَهَا عَلَى دِكَّةٍ ، أَوْ رَبْوَةٍ ، أَوْ حَجَرٍ يُنْقِصُهَا ، أَوْ يَجْعَلَ الرَّدِيءَ فِي بَاطِنِهَا أَوْ الْمَبْلُولَ ، وَنَحْوَ ذَلِكَ ؛ لِمَا رَوَى","part":8,"page":223},{"id":3723,"text":"أَبُو هُرَيْرَةَ ، { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ عَلَى صُبْرَةٍ مِنْ طَعَامٍ ، فَأَدْخَلَ يَدَهُ ، فَنَالَتْ أَصَابِعُهُ بَلَلًا .\rفَقَالَ : يَا صَاحِبَ الطَّعَامِ ، مَا هَذَا ؟ قَالَ : أَصَابَتْهُ السَّمَاءُ يَا رَسُولَ اللَّهِ .\rقَالَ : أَفَلَا جَعَلْتَهُ فَوْقَ الطَّعَامِ حَتَّى يَرَاهُ النَّاسُ ؟ ثُمَّ قَالَ : مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا } .\rقَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ .\rفَإِذَا وُجِدَ ذَلِكَ ، وَلَمْ يَكُنْ الْمُشْتَرِي عَلِمَ بِهِ ، فَلَهُ الْخِيَارُ بَيْنَ الْفَسْخِ ، وَأَخْذِ تَفَاوُتِ مَا بَيْنَهُمَا ؛ لِأَنَّهُ عَيْبٌ .\rوَإِنْ بَانَ تَحْتَهَا حُفْرَةٌ أَوْ بَانَ بَاطِنُهَا خَيْرًا مِنْ ظَاهِرِهَا ، فَلَا خِيَارَ لِلْمُشْتَرِي ؛ لِأَنَّهُ زِيَادَةٌ لَهُ .\rوَإِنْ عَلِمَ الْبَائِعُ ذَلِكَ ، فَلَا خِيَارَ لَهُ ؛ لِأَنَّهُ دَخَلَ عَلَى بَصِيرَةٍ بِهِ .\rوَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلِمَ ، فَلَهُ الْفَسْخُ ، كَمَا لَوْ بَاعَ بِعِشْرِينَ دِرْهَمًا فَوَزَنَهَا بِصَنْجَةٍ ثُمَّ وَجَدَ الصَّنْجَةَ زَائِدَةً ، كَانَ لَهُ الرُّجُوعُ .\rوَكَذَلِكَ لَوْ بَاعَ بِمِكْيَالٍ ، ثُمَّ وَجَدَهُ زَائِدًا .\rوَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ لَا خِيَارَ لَهُ ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ بَاعَ مَا يَعْلَمُ ، فَلَا يَثْبُتُ لَهُ الْفَسْخُ بِالِاحْتِمَالِ .","part":8,"page":224},{"id":3724,"text":"( 2970 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَمَنْ عَرَفَ مَبْلَغَ شَيْءٍ ، لَمْ يَبِعْهُ صُبْرَةً ) نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى هَذَا ، فِي مَوَاضِعَ .\rوَكَرِهَهُ عَطَاءٌ ، وَابْنُ سِيرِينَ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَعِكْرِمَةُ .\rوَبِهِ قَالَ مَالِكٌ ، وَإِسْحَاقُ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ طَاوُسٍ .\rقَالَ مَالِكٌ : لَمْ يَزَلْ أَهْلُ الْعِلْمِ يَنْهَوْنَ عَنْ ذَلِكَ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّ هَذَا مَكْرُوهٌ غَيْرُ مُحَرَّمٍ ، فَإِنَّ بَكْرَ بْنَ مُحَمَّدٍ رَوَى عَنْ أَبِيهِ ، أَنَّهُ سَأَلَهُ عَنْ الرَّجُلِ يَبِيعُ الطَّعَامَ جُزَافًا ، وَقَدْ عَرَفَ كَيْلَهُ ، وَقُلْت لَهُ : إنَّ مَالِكًا يَقُولُ : إذَا بَاعَ الطَّعَامَ وَلَمْ يَعْلَمْ الْمُشْتَرِي ، فَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يَرُدَّ رَدَّهُ .\rقَالَ : هَذَا تَغْلِيظٌ شَدِيدٌ ، وَلَكِنْ لَا يُعْجِبُنِي إذَا عَرَفَ كَيْلَهُ ، إلَّا أَنْ يُخْبِرَهُ ، فَإِنْ بَاعَهُ ، فَهُوَ جَائِزٌ عَلَيْهِ ، وَقَدْ أَسَاءَ .\rوَلَمْ يَرَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ ، بِذَلِكَ بَأْسًا ؛ لِأَنَّهُ إذَا جَازَ الْبَيْعُ مَعَ جَهْلِهِمَا بِمِقْدَارِهِ ، فَمَعَ الْعِلْمِ مِنْ أَحَدِهِمَا أَوْلَى .\rوَوَجْهُ الْأَوَّلِ ، مَا رَوَى الْأَوْزَاعِيُّ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { مَنْ عَرَفَ مَبْلَغَ شَيْءٍ فَلَا يَبِعْهُ جُزَافًا حَتَّى يُبَيِّنَهُ } .\rقَالَ الْقَاضِي : وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { ، أَنَّهُ نَهَى عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ مُجَازَفَةً ، وَهُوَ يَعْلَمُ كَيْلَهُ .\r} وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ ، وَأَيْضًا الْإِجْمَاعُ الَّذِي نَقَلَهُ مَالِكٌ وَلِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْبَائِعَ لَا يَعْدِلُ إلَى الْبَيْعِ جُزَافًا مَعَ عِلْمِهِ بِقَدْرِ الْكَيْلِ ، إلَّا لِلتَّغْرِيرِ بِالْمُشْتَرِي وَالْغِشِّ لَهُ ، وَلِذَلِكَ أَثَرٌ فِي عَدَمِ لُزُومِ الْعَقْدِ ، وَقَدْ قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ { : مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا } .\rفَصَارَ كَمَا لَوْ دَلَّسَ الْعَيْبَ .\rفَإِنْ بَاعَ مَا عَلِمَ كَيْلَهُ صُبْرَةً ، فَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَكَمِ ، أَنَّ الْبَيْعَ صَحِيحٌ لَازِمٌ .\rوَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ الْمَبِيعَ مَعْلُومٌ لَهُمَا ، وَلَا","part":8,"page":225},{"id":3725,"text":"تَغْرِيرَ مِنْ أَحَدِهِمَا ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ عَلِمَا كَيْلَهُ أَوْ جَهِلَاهُ ، وَلَمْ يَثْبُتْ مَا رُوِيَ مِنْ النَّهْيِ فِيهِ ، وَإِنَّمَا كَرِهَهُ أَحْمَدُ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ ؛ لِاخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ فِيهِ .\rوَلِأَنَّ اسْتِوَاءَهُمَا فِي الْعِلْمِ وَالْجَهْلِ أَبْعَدُ مِنْ التَّغْرِيرِ .\rوَقَالَ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ : هَذَا بِمَنْزِلَةِ التَّدْلِيسِ وَالْغِشِّ إنْ عَلِمَ بِهِ الْمُشْتَرِي ، فَلَا خِيَارَ لَهُ ؛ لِأَنَّهُ دَخَلَ عَلَى بَصِيرَةٍ ، فَهُوَ كَمَا لَوْ اشْتَرَى مُصَرَّاةً يَعْلَمُ تَصْرِيَتَهَا .\rوَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ الْبَائِعَ كَانَ عَالِمًا بِذَلِكَ ، فَلَهُ الْخِيَارُ فِي الْفَسْخِ ، وَالْإِمْضَاءِ .\rوَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ ؛ لِأَنَّهُ غِشٌّ ، وَغَدْرٌ مِنْ الْبَائِعِ ، فَصَحَّ الْعَقْدُ مَعَهُ ، وَيَثْبُتُ لِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ .\rوَذَهَبَ قَوْمٌ مِنْ أَصْحَابِنَا إلَى أَنَّ الْبَيْعَ فَاسِدٌ ؛ لِأَنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ ، وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي الْفَسَادَ .","part":8,"page":226},{"id":3726,"text":"( 2971 ) فَصْلٌ : وَإِنْ أَخْبَرَهُ الْبَائِعُ بِكَيْلِهِ ، ثُمَّ بَاعَهُ بِذَلِكَ الْكَيْلِ ، فَالْبَيْعُ صَحِيحٌ .\rفَإِنْ قَبَضَهُ بِاكْتِيَالِهِ ، تَمَّ الْبَيْعُ وَالْقَبْضُ ، وَإِنْ قَبَضَهُ بِغَيْرِ كَيْلٍ ، كَانَ بِمَنْزِلَةِ قَبْضِهِ جُزَافًا .\rفَإِنْ كَانَ الْمَبِيعُ بَاقِيًا ، كَالَهُ عَلَيْهِ ، فَإِنْ كَانَ قَدْرَ حَقِّهِ الَّذِي أَخْبَرَهُ بِهِ ، فَقَدْ اسْتَوْفَاهُ ، وَإِنْ كَانَ زَائِدًا رَدَّ الْفَضْلَ ، وَإِنْ كَانَ نَاقِصًا أَخَذَ النَّقْصَ ، وَإِنْ كَانَ قَدْ تَلِفَ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْقَابِضِ فِي قَدْرِهِ مَعَ يَمِينِهِ ، سَوَاءٌ كَانَ النَّقْصُ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْقَبْضِ ، وَبَقَاءُ الْحَقِّ ، وَلَيْسَ لِلْمُشْتَرِي التَّصَرُّفُ فِي الْجَمِيعِ قَبْلَ كَيْلِهِ ؛ لِأَنَّ لِلْبَائِعِ فِيهِ عَلَقَةً ، فَإِنَّهُ لَوْ زَادَ كَانَتْ الزِّيَادَةُ لَهُ ، وَلَا يَتَصَرَّفُ فِي أَقَلَّ مِنْ حَقِّهِ ، بِغَيْرِ كَيْلٍ لِأَنَّ ذَلِكَ يَمْنَعُهُ مِنْ مَعْرِفَةِ كَيْلِهِ .\rوَإِنْ تَصَرَّفَ فِيمَا يَتَحَقَّقُ أَنَّهُ مُسْتَحَقٌّ لَهُ ، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ حَقُّهُ قَفِيزًا ، فَتَصَرَّفَ فِي ذَلِكَ ، أَوْ فِي أَقَلَّ مِنْهُ ، بِالْكَيْلِ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا لَهُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ تَصَرَّفَ فِي حَقِّهِ بَعْدَ قَبْضِهِ ، فَجَازَ ، كَمَا لَوْ كِيلَ لَهُ .\rوَالثَّانِي ، لَا يَجُوزُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ التَّصَرُّفُ فِي الْجَمِيعِ فَلَمْ يَجُزْ لَهُ التَّصَرُّفُ فِي الْبَعْضِ ، كَمَا قَبْلَ الْقَبْضِ .\rوَإِنْ قَبَضَهُ بِالْوَزْنِ ، فَهُوَ كَمَا لَوْ قَبَضَهُ جُزَافًا .\rفَأَمَّا إنْ أَعْلَمَهُ بِكَيْلِهِ ، ثُمَّ بَاعَهُ إيَّاهُ مُجَازَفَةً ، عَلَى أَنَّهُ لَهُ بِذَلِكَ الثَّمَنِ ، سَوَاءٌ كَانَ زَائِدًا أَوْ نَاقِصًا ، لَمْ يَجُزْ ؛ لِمَا رَوَى الْأَثْرَمُ بِإِسْنَادِهِ ، عَنْ الْحَكَمِ ، قَالَ { : قَدِمَ طَعَامٌ لِعُثْمَانَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : اذْهَبُوا بِنَا إلَى عُثْمَانَ ، نُعِينُهُ عَلَى طَعَامِهِ .\rفَقَامَ إلَى جَنْبِهِ فَقَالَ عُثْمَانُ : فِي هَذِهِ الْغِرَارَةِ كَذَا وَكَذَا ، وَابْتَعْتهَا بِكَذَا وَكَذَا .\rفَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ","part":8,"page":227},{"id":3727,"text":"عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا سَمَّيْت الْكَيْلَ فَكِلْ } .\rقَالَ أَحْمَدُ : إذَا أَخْبَرَهُ الْبَائِعُ أَنَّ فِي كُلِّ قَارُورَةٍ مَنًّا ، فَأَخَذَ بِذَلِكَ ، وَلَا يَكْتَالُهُ ، فَلَا يُعْجِبْنِي ؛ لِقَوْلِهِ لِعُثْمَانَ : \" إذَا سَمَّيْت الْكَيْلَ فَكِلْ \" قِيلَ لَهُ : إنَّهُمْ يَقُولُونَ : إذَا فُتِحَ فَسَدَ .\rقَالَ : فَلِمَ لَا تَفْتَحُونَ وَاحِدًا وَتَزِنُونَ الْبَاقِيَ ؟ ( 2972 ) فَصْلٌ : وَلَوْ كَالَ طَعَامًا ، وَآخَرُ يَنْظُرُ إلَيْهِ ، فَهَلْ لِمَنْ شَاهَدَ الْكَيْلَ شِرَاؤُهُ بِغَيْرِ كَيْلٍ ثَانٍ ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ ، نَصَّ عَلَيْهِمَا .\rإحْدَاهُمَا ، لَا يَحْتَاجُ إلَى كَيْلٍ ؛ لِأَنَّهُ شَاهَدَ كَيْلَهُ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ كِيلَ لَهُ .\rوَالثَّانِيَةُ ، يَحْتَاجُ إلَى كَيْلٍ ؛ لِأَنَّهُ بَيْعٌ ، فَاحْتَاجَ إلَى كَيْلٍ ؛ لِلْأَخْبَارِ ، وَالْقِيَاسِ عَلَى الْبَيْعِ الْأَوَّلِ .\rوَلَوْ كَالَهُ الْبَائِعُ لِلْمُشْتَرِي ، ثُمَّ اشْتَرَاهُ مِنْهُ ، فَكَذَلِكَ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا فِي الَّتِي قَبْلَهَا .\rوَلَوْ اشْتَرَى اثْنَانِ طَعَامًا ، فَاكْتَالَاهُ ، ثُمَّ ابْتَاعَ أَحَدُهُمَا حِصَّةَ شَرِيكِهِ قَبْلَ تَفَرُّقِهِمَا ، فَقَالَ أَحْمَدُ ، فِي رِوَايَةِ حَرْبٍ : إذَا اشْتَرَيَا غَلَّةً أَوْ نَحْوَهَا ، وَحَضَرَاهَا جَمِيعًا ، وَعَرَفَا كَيْلَهَا ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِشَرِيكِهِ : بِعْنِي نَصِيبَك ، وَأُرْبِحُك ، فَهُوَ جَائِزٌ .\rوَإِنْ لَمْ يَحْضُرْ هَذَا الْمُشْتَرِي الْكَيْلَ ، فَلَا يَجُوزُ إلَّا بِكَيْلٍ .\rقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى : وَفِيهِ رِوَايَةٌ أُخْرَى ، لَا بُدَّ مِنْ كَيْلِهِ .\rوَوَجْهُهَا مَا تَقَدَّمَ .\rقَالَ الْقَاضِي : وَمَعْنَى الْكَيْلِ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ ، أَنَّهُ يُرْجَعُ فِي قَدْرِهِ إلَى قَوْلِ الْقَابِضِ ، إذَا كَانَ النَّقْصُ يَسِيرًا يَقَعُ مِثْلُهُ فِي الْكَيْلِ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ ، وَإِنْ كَانَ لَا يَقَعُ مِثْلُهُ فِي الْكَيْلِ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ ؛ لِأَنَّا نَتَحَقَّقُ كَذِبَهُ ، بِخِلَافِ مَسَائِلِ الْفَصْلِ الَّذِي قَبْلَهُ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكِلْ بِحَضْرَتِهِ .\rوَالظَّاهِرُ .\rأَنَّهُ أَرَادَ بِالْكَيْلِ حَقِيقَتَهُ دُونَ مَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي .\rوَفَائِدَةُ اعْتِبَارِ الْكَيْلِ ، مَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي","part":8,"page":228},{"id":3728,"text":"، وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْمُشْتَرِي التَّصَرُّفُ فِيهِ ، إلَّا مَا ذَكَرْنَا فِي الْفَصْلِ الَّذِي قَبْلَهُ .\rوَإِنْ بَاعَهُ لِلثَّانِي فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ عَلَى أَنَّهُ صُبْرَةٌ ، جَازَ ، وَلَمْ يَفْتَقِرْ إلَى كَيْلٍ ثَانٍ ، وَالْقَبْضُ فِيهِ بِنَقْلِهِ ، كَسَائِرِ الصُّبَرِ .","part":8,"page":229},{"id":3729,"text":"( 2973 ) فَصْلٌ : قَالَ أَحْمَدُ ، فِي رَجُلٍ يَشْتَرِي الْجَوْزَ ، فَيَعُدُّ فِي مِكْتَلٍ أَلْفَ جَوْزَةٍ ، ثُمَّ يَأْخُذُ الْجَوْزَ كُلَّهُ عَلَى ذَلِكَ الْمِعْيَارِ ، قَالَ : لَا يَجُوزُ .\rوَقَالَ فِي رَجُلٍ ابْتَاعَ أَعْكَامًا كَيْلًا ، وَقَالَ لِلْبَائِعِ : كِلْ لِي عِكْمًا مِنْهَا وَاحِدًا وَاحِدًا مَا بَقِيَ عَلَى هَذَا الْكَيْلِ .\rأَكْرَهُ هَذَا ، حَتَّى يَكِيلَهَا كُلَّهَا .\rوَقَالَ الثَّوْرِيُّ : كَانَ أَصْحَابُنَا يَكْرَهُونَ هَذَا ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ مَا فِي الْعُكُومِ يَخْتَلِفُ ، فَيَكُونُ فِي بَعْضِهَا أَكْثَرَ مِنْ بَعْضٍ فَلَا يُعْلَمُ مَا فِي بَعْضِهَا بِكَيْلِ الْبَعْضِ ، وَالْجَوْزُ يَخْتَلِفُ عَدَدُهُ ، فَيَكُونُ فِي أَحَدِ الْمِكْتَلَيْنِ أَكْثَرَ مِنْ الْآخَرِ ، فَلَا يَصِحُّ تَقْدِيرُهُ بِالْكَيْلِ ، كَمَا لَا يَصِحُّ تَقْدِيرُ الْمَكِيلِ بِالْوَزْنِ ، وَلَا الْمَوْزُونِ بِالْكَيْلِ .","part":8,"page":230},{"id":3730,"text":"( 2974 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَاذَا اشْتَرَى صُبْرَةً عَلَى أَنَّ كُلَّ مَكِيلَةٍ مِنْهَا بِشَيْءٍ مَعْلُومٍ جَازَ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ ، أَنَّهُ إذَا قَالَ : بِعْتُك هَذِهِ الصُّبْرَةَ كُلَّ قَفِيزٍ مِنْهَا بِدِرْهَمٍ .\rصَحَّ ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمَا مِقْدَارَ ذَلِكَ حَالَ الْعَقْدِ .\rوَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَصِحُّ فِي قَفِيزٍ وَاحِدٍ ، وَيَبْطُلُ فِيمَا سِوَاهُ لِأَنَّ جُمْلَةَ الثَّمَنِ مَجْهُولَةٌ ، فَلَمْ يَصِحَّ كَبَيْعِ الْمُبْتَاعِ بِرَقْمِهِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الْمَبِيعَ مَعْلُومٌ بِالْمُشَاهَدَةِ ، وَالثَّمَنَ مَعْلُومٌ ؛ لِإِشَارَتِهِ إلَى مَا يُعْرَفُ مَبْلَغُهُ بِجِهَةٍ لَا تَتَعَلَّقُ بِالْمُتَعَاقِدِينَ ، وَهُوَ أَنْ تُكَالَ الصُّبْرَةُ ، وَيُقَسَّطَ الثَّمَنُ عَلَى قَدْرِ قُفْزَانِهَا ، فَيَعْلَمُ مَبْلَغُهُ ، فَجَازَ ، كَمَا لَوْ بَاعَ مَا رَأْسُ مَالِهِ اثْنَانِ وَسَبْعُونَ مُرَابَحَةً ، لِكُلِّ ثَلَاثَةَ عَشَرَ دِرْهَمًا دِرْهَمٌ ، فَإِنَّهُ لَا يُعْلَمُ فِي الْحَالِ ، وَإِنَّمَا يُعْلَمُ بِالْحِسَابِ ، كَذَا هَاهُنَا .\rوَلِأَنَّ الْمَبِيعَ مَعْلُومٌ بِالْمُشَاهَدَةِ ، وَالثَّمَنَ مَعْلُومٌ قَدْرَ مَا يُقَابِلُ كُلَّ جُزْءٍ مِنْ الْمَبِيعِ ، فَصَحَّ كَالْأَصْلِ الْمَذْكُورِ .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ آجَرَ نَفْسَهُ كُلَّ دَلْوٍ بِتَمْرَةٍ ، وَجَاءَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالتَّمْرِ .","part":8,"page":231},{"id":3731,"text":"( 2975 ) فَصْلٌ : وَلَوْ قَالَ : بِعْتُك مِنْ هَذِهِ الصُّبْرَةِ قَفِيزًا .\rأَوْ قَالَ : عَشْرَةَ أَقْفِزَةٍ .\rوَهُمَا يَعْلَمَانِ أَنَّهُمَا أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ ، صَحَّ .\rوَحُكِيَ عَنْ دَاوُد ، أَنَّهُ لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُشَاهَدٍ ، وَلَا مَوْصُوفٍ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الْمَبِيعَ مُقَدَّرٌ مَعْلُومٌ مِنْ جُمْلَةٍ يَصِحُّ بَيْعُهَا أَشْبَهَ إذَا بَاعَ نِصْفَهَا ، وَمَا ذَكَرَهُ قِيَاسٌ ، وَهُوَ لَا يَحْتَجُّ بِالْقِيَاسِ ، ثُمَّ لَا يَصِحُّ ، فَإِنَّهُ إذَا شَاهَدَ الْجُمْلَةَ ، فَقَدْ شَاهَدَ الْمَبِيعَ ؛ لِأَنَّهُ بَعْضُهَا .","part":8,"page":232},{"id":3732,"text":"( 2976 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَالَ : بِعْتُك مِنْ هَذِهِ الصُّبْرَةِ كُلَّ قَفِيزٍ بِدِرْهَمٍ ، لَمْ يَصِحَّ ؛ لِأَنَّ \" مِنْ \" لِلتَّبْعِيضِ ، و \" كُلَّ \" لِلْعَدَدِ ، فَيَكُونُ ذَلِكَ الْعَدَدُ مِنْهَا مَجْهُولًا .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يَصِحَّ الْبَيْعُ ، كَمَا يَصِحُّ فِي الْإِجَارَةِ ، كُلَّ دَلْوٍ بِتَمْرَةِ ، وَإِنْ قَالَ : بِعْتُك هَذِهِ الصُّبْرَةَ الْأُخْرَى بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ .\rعَلَى أَنْ أَزِيدَك قَفِيزًا ، أَوْ أَنْقُصَكَ قَفِيزًا .\rلَمْ يَصِحَّ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي أَيَزِيدُهُ أَمْ يَنْقُصُهُ ، وَلَوْ قَالَ : عَلَى أَنْ أَزِيدَك قَفِيزًا .\rلَمْ يَجُزْ ؛ لِأَنَّ الْقَفِيزَ مَجْهُولٌ .\rوَلَوْ قَالَ : أَزِيدُك قَفِيزًا مِنْ هَذِهِ الصُّبْرَةِ الْأُخْرَى .\rأَوْ وَصَفَهُ بِصِفَةِ يُعْلَمُ بِهَا ، صَحَّ ؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُ ، بِعْتُك هَذِهِ ، وَقَفِيزًا مِنْ هَذِهِ الْأُخْرَى بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ .\rوَإِنْ قَالَ : عَلَى أَنْ أَنْقُصَكَ قَفِيزًا .\rلَمْ يَصِحَّ ؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُ ، بِعْتُك هَذِهِ الصُّبْرَةَ ، إلَّا قَفِيزًا ، كُلَّ قَفِيزٍ بِدِرْهَمٍ ، وَشَيْءٍ مَجْهُولٍ .\rوَلَوْ قَالَ : بِعْتُك هَذِهِ الصُّبْرَةَ كُلَّ قَفِيزٍ بِدِرْهَمٍ ، عَلَى أَنْ أَزِيدَك قَفِيزًا مِنْ هَذِهِ الصُّبْرَةِ لِأُخْرَى .\rلَمْ يَصِحَّ ؛ لِإِفْضَائِهِ إلَى جَهَالَةِ الثَّمَنِ فِي التَّفْصِيلِ ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ قَفِيزًا وَشَيْئًا بِدِرْهَمٍ ، وَالشَّيْءُ لَا يَعْرِفَانِهِ ؛ لِعَدَمِ مَعْرِفَتِهِمَا بِكَمِّيَّةِ مَا فِي الصُّبْرَةِ مِنْ الْقُفْزَانِ .\rوَلَوْ قَصَدَ أَنِّي أَحُطُّ ثَمَنَ قَفِيزٍ مِنْ الصُّبْرَةِ لَا أَحْتَسِبُ بِهِ ، لَمْ يَصِحَّ ؛ لِلْجَهَالَةِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا .\rوَإِنْ كَانَتْ الصُّبْرَةُ مَعْلُومًا قَدْرُ قُفْزَانِهَا لَهُمَا ، أَوْ قَالَ : هَذِهِ عَشَرَةُ أَقْفِزَةٍ بِعْتُكهَا كُلَّ قَفِيزٍ بِدِرْهَمٍ ، عَلَى أَنْ أَزِيدَك قَفِيزًا مِنْ هَذِهِ الصُّبْرَةِ .\rأَوْ وَصَفَهُ بِصِفَةِ يُعْلَمُ بِهَا صَحَّ لِأَنَّ مَعْنَاهُ بِعْتُك كُلَّ قَفِيرٍ وَعُشْرِ قَفِيزٍ بِدِرْهَمٍ .\rوَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ الْقَفِيزُ ، أَوْ جَعَلَهُ هِبَةً ، لَمْ يَصِحَّ .\rوَإِنْ أَرَادَ أَنِّي لَا أَحْسُبُ عَلَيْك بِثَمَنِ قَفِيزٍ مِنْهَا ، صَحَّ أَيْضًا ؛ لِأَنَّهُمَا لَمَّا عَلِمَا","part":8,"page":233},{"id":3733,"text":"جُمْلَةَ الصُّبْرَةِ عَلِمَا مَا يَنْقُصُ مِنْ الثَّمَنِ .\rوَلَوْ قَالَ : عَلَى أَنْ أَنْقُصَك قَفِيزًا .\rصَحَّ ؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُ ، بِعْتُك تِسْعَةَ أَقْفِزَةٍ بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ ، وَكُلَّ قَفِيزٍ بِدِرْهَمٍ وَتُسْعٍ .\rوَحُكِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ ، أَنَّهُ يَصِحُّ فِي جَمِيعِ الْمَسَائِلِ ، عَلَى قِيَاسِ قَوْلِ أَحْمَدَ ؛ لِأَنَّهُ يُجِيزُ الشَّرْطَ الْوَاحِدَ .\rوَلَا يَصِحُّ هَذَا ؛ لِأَنَّ الْمَبِيعَ مَجْهُولٌ ، فَلَا يَصِحُّ بَيْعُهُ ، بِخِلَافِ الشَّرْطِ الَّذِي لَا يُفْضِي إلَى الْجَهَالَةِ .","part":8,"page":234},{"id":3734,"text":"( 2977 ) فَصْلٌ : وَلَوْ بَاعَ مَا لَا تَتَسَاوَى أَجْزَاؤُهُ ، كَالْأَرْضِ وَالثَّوْبِ وَالْقَطِيعِ مِنْ الْغَنَمِ ، فَفِيهِ نَحْوٌ مِنْ مَسَائِلِ الصُّبَرِ .\rوَإِنْ قَالَ : بِعْتُك هَذِهِ الْأَرْضَ ، أَوْ هَذِهِ الدَّارَ ، أَوْ هَذَا الثَّوْبَ ، أَوْ هَذَا الْقَطِيعَ ، بِأَلْفٍ .\rصَحَّ إذَا كَانَ مُشَاهَدًا .\rأَوْ قَالَ : بِعْتُك نِصْفَهُ ، أَوْ ثُلُثَهُ ، أَوْ رُبْعَهُ ، بِكَذَا .\rصَحَّ أَيْضًا .\rفَإِنْ قَالَ : بِعْتُكَهُ كُلَّ ذِرَاعٍ بِدِرْهَمٍ ، أَوْ كُلَّ شَاةٍ بِدِرْهَمٍ .\rصَحَّ ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمَا قَدْرَ ذَلِكَ حَالَ الْعَقْدِ لِمَا ذَكَرْنَا فِي الصُّبْرَةِ ، وَإِنْ قَالَ : بِعْتُك مِنْ الثَّوْبِ كُلَّ ذِرَاعٍ بِدِرْهَمٍ ، أَوْ مِنْ الْقَطِيعِ كُلَّ شَاةٍ بِدِرْهَمٍ .\rلَمْ يَصِحَّ ؛ لِأَنَّهُ مَجْهُولٌ .\rوَإِنْ بَاعَهُ شَاةٍ مِنْ الْقَطِيعِ .\rلَمْ يَصِحَّ ؛ لِأَنَّ شِيَاهَ الْقَطِيعِ غَيْرُ مُتَسَاوِيَةِ الْقِيَمِ ، فَيُفْضِي ذَلِكَ إلَيَّ التَّنَازُعِ ، بِخِلَافِ الْقَفِيزِ مِنْ الصُّبْرَةِ ، فَإِنَّهُ يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ أَجْزَاءَهَا مُتَسَاوِيَةٌ .\rوَإِنْ بَاعَهُ ذِرَاعًا مِنْ الدَّارِ ، أَوْ عَشَرَةَ أَذْرُعٍ مِنْهَا ، يُرِيدَانِ بِذَلِكَ قَدْرًا غَيْرَ مُشَاعٍ ، لَمْ يَصِحَّ ؛ كَذَلِكَ .\rوَإِنْ أَرَادَا مُشَاعًا مِنْهَا ، وَهُمَا يَعْلَمَانِ عَدَدَ ذُرْعَانِهَا صَحَّ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ الذِّرَاعَ عِبَارَةٌ عَنْ بُقْعَةٍ بِعَيْنِهَا ، وَمَوْضِعُهُ مَجْهُولٌ .\rوَلَنَا أَنَّ عَشَرَةً مِنْ مِائَةٍ عُشْرُهَا ، وَلَوْ قَالَ : بِعْتُك عُشْرَهَا .\rصَحَّ .\rفَكَذَلِكَ إذَا قَالَ : بِعْتُك عَشْرَةً مِنْ مِائَةٍ .\rوَمَا ذَكَرُوهُ غَيْرُ مُسْلَمٍ ، بَلْ هُوَ عِبَارَةٌ عَنْ قَدْرٍ ، كَمَا أَنَّ الْمِكْيَالَ عِبَارَةٌ عَنْ قَدْرٍ ، فَإِذَا أَضَافَهُ إلَى جُمْلَةٍ كَانَ ذَلِكَ جُزْءًا مِنْهَا .\rوَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى أَنَّهُمَا أَرَادَا قَدْرًا مِنْهَا غَيْرَ مُشَاعٍ ، لَمْ يَصِحَّ الْبَيْعُ .\rوَإِنْ كَانَا لَا يَعْلَمَانِ ذُرْعَانَ الدَّارِ ، لَمْ يَصِحَّ ؛ لِأَنَّ الْجُمْلَةَ غَيْرُ مَعْلُومَةٍ ، وَأَجْزَاءَ الْأَرْضِ مُخْتَلِفَةٌ فَلَا يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ مُعَيَّنَةً وَلَا مُشَاعَةً .\rوَإِنْ قَالَ :","part":8,"page":235},{"id":3735,"text":"بِعْتُك مِنْ الدَّارِ مِنْ هَاهُنَا إلَى هَاهُنَا جَازَ ؛ لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ .\rوَإِنْ قَالَ : عَشَرَةَ أَذْرُعٍ ، ابْتِدَاؤُهَا مِنْ هَاهُنَا إلَى هَاهُنَا إلَى حَيْثُ يَنْتَهِي الذِّرَاعُ .\rلَمْ يَصِحَّ ؛ لِأَنَّ الذَّرْعَ يَخْتَلِفُ ، وَالْمَوْضِعُ الَّذِي يَنْتَهِي إلَيْهِ لَا يُعْلَمُ حَالَ الْعَقْدِ .\rوَلَوْ قَالَ : بِعْتُك نَصِيبِي مِنْ هَذِهِ الدَّارِ .\rوَلَا يُعْلَمُ قَدْرُ نَصِيبِهِ مِنْهَا ، أَوْ قَالَ : نَصِيبًا مِنْهَا أَوْ سَهْمًا .\rلَمْ يَصِحَّ ؛ لِأَنَّهُ مَجْهُولٌ .\rوَإِنْ عَلِمَا ذَلِكَ صَحَّ .\rوَإِنْ قَالَ : بِعْتُك نِصْفَ دَارِي مِمَّا يَلِي دَارَكَ .\rلَمْ يَصِحَّ ، نَصَّ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي إلَى أَيْنَ يَنْتَهِي ، فَيَكُونُ مَجْهُولًا .","part":8,"page":236},{"id":3736,"text":"( 2978 ) فَصْلٌ : وَلَوْ بَاعَهُ عَبْدًا مِنْ عَبْدَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ ، لَمْ يَصِحَّ .\rوَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إذَا بَاعَهُ عَبْدًا مِنْ عِيدَيْنِ أَوْ مِنْ ثَلَاثَةٍ بِشَرْطِ الْخِيَارِ لَهُ .\rصَحَّ ؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ تَدْعُو إلَيْهِ ، وَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ ، لَمْ يَصِحَّ ؛ لِأَنَّهُ يَكْثُرُ الْغَرَرُ .\rوَلَنَا أَنَّ مَا تَخْتَلِفُ أَجْزَاؤُهُ وَقِيمَتُهُ لَا يَجُوزُ شِرَاءُ بَعْضِهِ غَيْرَ مُعَيَّنٍ وَلَا مُشَاعًا ، كَالْأَرْبَعَةِ ، وَمَا لَا يَصِحُّ بِغَيْرِ شَرْطِ الْخِيَارِ ، لَا يَصِحُّ بِشَرْطِهِ ، كَالْأَرْبَعَةِ ، وَلَا حَاجَةَ إلَى هَذَا ، فَإِنَّ الِاخْتِيَارَ يُمْكِنُ قَبْلَ الْعَقْدِ ، ثُمَّ مَا قَالُوهُ يَبْطُلُ بِالْأَرْبَعَةِ .","part":8,"page":237},{"id":3737,"text":"( 2979 ) فَصْلٌ : وَحُكْمُ الثَّوْبِ حُكْمُ الْأَرْضِ ، إلَّا أَنَّهُ إذَا قَالَ : بِعْتُك مِنْ هَذَا الثَّوْبِ ، مِنْ هَذَا الْمَوْضِعِ إلَى هَذَا الْمَوْضِعِ .\rصَحَّ .\rفَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يَنْقُصُهُ الْقَطْعُ ، قَطَعَاهُ ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا يَنْقُصُهُ الْقَطْعُ ، وَشَرْطَ الْبَائِعُ أَنْ يَقْطَعَهُ لَهُ ، أَوْ رَضِيَ بِقَطْعِهِ هُوَ وَالْمُشْتَرِي ، جَازَ .\rوَإِنْ تَشَاحَّا فِي ذَلِكَ كَانَا شَرِيكَيْنِ فِيهِ ، كَمَا يَشْتَرِكَانِ فِي الْأَرْضِ ، وَقَالَ الْقَاضِي : لَا يَصِحُّ .\rلِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى التَّسْلِيمِ إلَّا بِضَرَرٍ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ بَاعَهُ نِصْفًا مُعَيَّنًا مِنْ الْحَيَوَانِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ التَّسْلِيمَ مُمْكِنٌ ، وَلُحُوقُ الضَّرَرِ لَا يَمْنَعُ التَّسْلِيمَ إذَا رَضِيَهُ الْبَائِعُ ، كَمَا لَوْ بَاعَهُ نِصْفًا مِنْ الْحَيَوَانِ مُشَاعًا ، وَفَارَقَ نِصْفَ الْحَيَوَانِ الْمُعَيَّنِ فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ تَسْلِيمُهُ مُفْرَدًا ، إلَّا بِإِتْلَافِهِ وَإِخْرَاجِهِ عَنْ الْمَالِيَّةِ .","part":8,"page":238},{"id":3738,"text":"( 2980 ) فَصْلٌ : إذَا قَالَ : بِعْتُك هَذِهِ الْأَرْضَ ، أَوْ هَذَا الثَّوْبَ عَلَى أَنَّهُ عَشَرَةُ أَذْرُعٍ .\rفَبَانَ أَحَدَ عَشَرَ ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، الْبَيْعُ بَاطِلٌ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ إجْبَارُ الْبَائِعِ عَلَى تَسْلِيمِ الزِّيَادَةِ ، وَإِنَّمَا بَاعَ عَشَرَةً ، وَلَا الْمُشْتَرِي عَلَى أَخْذِ الْبَعْضِ ، وَإِنَّمَا اشْتَرَى الْكُلَّ ، وَعَلَيْهِ ضَرَرٌ فِي الشَّرِكَةِ أَيْضًا .\rوَالثَّانِيَةُ ، الْبَيْعُ صَحِيحٌ وَالزِّيَادَةُ لِلْبَائِعِ لِأَنَّ ذَلِكَ نَقْصٌ عَلَى الْمُشْتَرِي ، فَلَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الْبَيْعِ ، كَالْعَيْبِ ، ثُمَّ يُخَيَّرُ الْبَائِعُ بَيْنَ تَسْلِيمِ الْمَبِيعِ زَائِدًا وَبَيْنَ تَسْلِيمِ الْعَشَرَةِ ، فَإِنْ رَضِيَ بِتَسْلِيمِ الْجَمِيعِ ، فَلَا خِيَارَ لِلْمُشْتَرِي ؛ لِأَنَّهُ زَادَهُ خَيْرًا ، وَإِنْ أَبَى تَسْلِيمَهُ زَائِدًا ، فَلِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ بَيْنَ الْفَسْخِ وَالْأَخْذِ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ الْمُسَمَّى وَقِسْطِ الزَّائِدِ ، فَإِنْ رَضِيَ بِالْأَخْذِ أَخَذَ الْعَشَرَةَ ، وَالْبَائِعُ شَرِيكٌ لَهُ بِالذِّرَاعِ .\rوَهَلْ لِلْبَائِعِ خِيَارُ الْفَسْخِ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، لَهُ الْفَسْخُ ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ ضَرَرًا فِي الْمُشَارَكَةِ .\rوَالثَّانِي ، لَا خِيَارَ لَهُ ؛ لِأَنَّهُ رَضِيَ بِبَيْعِ الْجَمِيعِ بِهَذَا الثَّمَنِ .\rفَإِذَا وَصَلَ إلَيْهِ الثَّمَنُ مَعَ بَقَاءِ جُزْءٍ لَهُ فِيهِ كَانَ زِيَادَةً ، فَلَا يَسْتَحِقُّ بِهَا الْفَسْخَ ، وَلِأَنَّ هَذَا الضَّرَرَ حَصَلَ بِتَغْرِيرِهِ وَإِخْبَارِهِ ، بِخِلَافِ غَيْرِهِ ، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَتَسَلَّطَ بِهِ عَلَى فَسْخِ عَقْدِ الْمُشْتَرِي .\rفَإِنْ بَذَلَهَا الْبَائِعُ لِلْمُشْتَرِي بِثَمَنٍ ، أَوْ طَلَبَهَا الْمُشْتَرِي بِثَمَنٍ ، لَمْ يَلْزَمْ الْآخَرَ الْقَبُولُ ؛ لِأَنَّهَا مُعَاوَضَةٌ يُعْتَبَرُ فِيهَا التَّرَاضِي مِنْهُمَا ، فَلَا يُجْبَرُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا عَلَيْهِ وَإِنْ تَرَاضَيَا عَلَى ذَلِكَ ، جَازَ ، فَإِنْ بَانَ تِسْعَةً ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، يَبْطُلُ الْبَيْعُ ؛ لِمَا تَقَدَّمَ .\rوَالثَّانِيَةُ ، الْبَيْعُ صَحِيحٌ ، وَالْمُشْتَرِي بِالْخِيَارِ بَيْنَ الْفَسْخِ وَالْإِمْسَاكِ بِتِسْعَةِ أَعْشَارِ","part":8,"page":239},{"id":3739,"text":"الثَّمَنِ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ : لَيْسَ لَهُ إمْسَاكُهُ إلَّا بِكُلِّ الثَّمَنِ ، أَوْ الْفَسْخِ .\rبِنَاءً عَلَى قَوْلِهِمْ : إنَّ الْمَعِيبَ لَيْسَ لِمُشْتَرِيهِ إلَّا الْفَسْخُ أَوْ إمْسَاكُهُ بِكُلِّ الثَّمَنِ .\rوَلَنَا أَنَّهُ وَجَدَ الْمَبِيعَ نَاقِصًا فِي الْقَدْرِ ، فَكَانَ لَهُ إمْسَاكُهُ بِقِسْطِهِ مِنْ الثَّمَنِ ، كَالصُّبْرَةِ إذَا اشْتَرَاهَا عَلَى أَنَّهَا مِائَةٌ فَبَانَتْ خَمْسِينَ ، وَسَنُبَيِّنُ أَنَّ الْمَعِيبَ لَهُ إمْسَاكُهُ ، وَأَخْذُ أَرْشِهِ ، فَإِنْ أَخَذَهَا بِقِسْطِهَا مِنْ الثَّمَنِ ، فَلِلْبَائِعِ الْخِيَارُ بَيْنَ الرِّضَا بِذَلِكَ وَبَيْنَ الْفَسْخِ ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا رَضِيَ بِبَيْعِهَا بِهَذَا الثَّمَنِ كُلِّهِ ، وَإِذَا لَمْ يَصِلْ إلَيْهِ كَانَ لَهُ الْفَسْخُ .\rفَإِنْ بَذَلَ لَهُ الْمُشْتَرِي جَمِيعَ الثَّمَنِ لَمْ يَمْلِكْ الْفَسْخَ ؛ لِأَنَّهُ وَصَلَ إلَيْهِ الثَّمَنُ الَّذِي رَضِيَهُ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ اشْتَرَى مَعِيبًا فَرَضِيَهُ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ .\r( 2981 ) فَصْلٌ : وَإِنْ اشْتَرَى صُبْرَةً عَلَى أَنَّهَا عَشَرَةُ أَقْفِزَةٍ ، فَبَانَتْ أَحَدَ عَشَرِ ، رَدَّ الزَّائِدَ ، وَلَا خِيَارَ لَهُ هَاهُنَا ؛ لِأَنَّهُ لَا ضَرَرَ فِي الزِّيَادَةِ ، وَإِنْ بَانَتْ تِسْعَةً أَخَذَهَا بِقِسْطِهَا مِنْ الثَّمَنِ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا فِيمَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ مَتَى سَمَّى الْكَيْلَ فِي الصُّبْرَةِ لَا يَكُونُ قَبْضُهَا إلَّا بِالْكَيْلِ ، فَإِذَا كَالَهَا فَوَجَدَهَا قَدْرَ حَقِّهِ ، أَخَذَهَا ، وَإِنْ كَانَتْ زَائِدَةً رَدَّ الزِّيَادَةَ وَإِنْ كَانَتْ نَاقِصَةً ، أَخَذَهَا بِقِسْطِهَا مِنْ الثَّمَنِ ، وَهَلْ لَهُ الْفَسْخُ إذَا وَجَدَهَا نَاقِصَةً ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، لَهُ الْخِيَارُ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ وَجَدَ الْمَبِيعَ نَاقِصًا ، فَكَانَ لَهُ الْفَسْخُ ، كَغَيْرِ الصُّبْرَةِ ، وَكَنُقْصَانِ الصِّفَةِ .\rالثَّانِي ، لَا خِيَارَ لَهُ ؛ لِأَنَّ نُقْصَانَ الْقَدْرِ لَيْسَ بِعَيْبٍ فِي الْبَاقِي مِنْ الْكَيْلِ ، بِخِلَافِ غَيْرِهِ .","part":8,"page":240},{"id":3740,"text":"( 2982 ) فَصْلٌ : إذَا بَاعَ الْأَدْهَانَ فِي ظَرْفِهَا جُمْلَةً ، وَقَدْ شَاهَدَهَا ، جَازَ ؛ لِأَنَّ أَجْزَاءَهَا لَا تَخْتَلِفُ ، فَهُوَ كَالصُّبْرَةِ .\rوَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي الْعَسَلِ ، وَالدِّبْسِ ، وَالْخَلِّ ، وَسَائِرِ الْمَائِعَاتِ الَّتِي لَا تَخْتَلِفُ .\rوَإِنْ بَاعَهُ كُلَّ رِطْلٍ بِدِرْهَمٍ ، أَوْ بَاعَهُ رِطْلًا مِنْهَا ، أَوْ أَرْطَالًا مَعْلُومَةً يَعْلَمُ أَنَّ فِيهَا أَكْثَرَ مِنْهَا أَوْ بَاعَةُ جُزْءًا مُشَاعًا ، أَوْ أَجْزَاءً ، أَوْ بَاعَهُ إيَّاهُ مَعَ الظَّرْفِ بِعَشْرَةِ دَرَاهِمَ ، أَوْ بِثَمَنٍ مَعْلُومٍ ، جَازَ .\rوَإِنْ بَاعَهُ السَّمْنَ وَالظَّرْفَ ، كُلَّ رِطْلٍ بِدِرْهَمٍ ، وَهُمَا يَعْلَمَانِ مَبْلَغَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ، صَحَّ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ عَلِمَ الْمَبِيعَ وَالثَّمَنَ .\rفَإِنْ لَمْ يَعْلَمَا ذَلِكَ ، جَازَ أَيْضًا ؛ لِأَنَّهُ قَدْ رَضِيَ أَنْ يَشْتَرِيَ الظَّرْفَ ، كُلَّ رِطْلٍ بِدِرْهَمٍ ، وَمَا فِيهِ كَذَلِكَ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ اشْتَرَى ظَرْفَيْنِ فِي أَحَدِهِمَا سَمْنٌ فِي الْآخَرِ زَيْتٌ ، كُلَّ رِطْلٍ بِدِرْهَمٍ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ وَزْنَ الظَّرْفِ يَزِيدُ وَيَنْقُصُ ، فَيَدْخُلُ عَلَى غَرَرٍ .\rوَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ؛ لِأَنَّ بَيْعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُتَفَرِّدًا يَصِحُّ لِذَلِكَ .\rفَكَذَلِكَ إذَا جَمَعَهُمَا ، كَالْأَرْضِ الْمُخْتَلِفَةِ الْأَجْزَاءِ ، وَالثِّيَابِ وَغَيْرِهَا .\rوَأَمَّا إنْ بَاعَهُ كُلَّ رِطْلٍ بِدِرْهَمٍ ، عَلَى أَنْ يَزِنَ الظَّرْفَ ، فَيَحْتَسِبَ عَلَيْهِ بِوَزْنِهِ ، وَلَا يَكُونُ مَبِيعًا ، وَهُمَا يَعْلَمَانِ زِنَةَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ، صَحَّ ؛ لِأَنَّهُ إذَا عَلِمَ أَنَّ الدُّهْنَ عَشَرَةً وَالظَّرْفَ رِطْلًا ، كَانَ مَعْنَاهُ : بِعْتُك عَشْرَةَ أَرْطَالٍ بِاثْنَيْ عَشَرَ دِرْهَمًا .\rوَإِنْ كَانَا لَا يَعْلَمَانِ زِنَةَ الظَّرْفِ وَالدُّهْنِ ، لَمْ يَصِحَّ ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى جَهَالَةِ الثَّمَنِ فِي الْحَالِ .\rوَسَوَاءٌ جَهِلَا زِنَتَهُمَا جَمِيعًا ، أَوْ زِنَةَ أَحَدِهِمَا ؛ لِذَلِكَ .","part":8,"page":241},{"id":3741,"text":"( 2983 ) فَصْلٌ : وَإِنْ وَجَدَ فِي ظَرْفِ السَّمْنِ رَبًّا ، فَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : قَالَ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ : إنْ كَانَ سَمَّانًا ، وَعِنْدَهُ سَمْنٌ أَعْطَاهُ بِوَزْنِهِ سَمْنًا ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ سَمْنٌ ، أَعْطَاهُ بِقَدْرِ الرَّبِّ مِنْ الثَّمَنِ .\rوَأَلْزَمَهُ شُرَيْحٌ بِقَدْرِ الرَّبِّ سَمْنًا بِكُلِّ حَالٍ .\rوَقَالَ الثَّوْرِيُّ : إنْ شَاءَ أَخَذَ الَّذِي وَجَدَهُ ، لَا يُكَلَّفُ أَنْ يُعْطِيَهُ بِقَدْرِ الرَّبِّ سَمْنًا .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ وَجَدَ الْمَبِيعَ الْمَكِيلَ نَاقِصًا ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ اشْتَرَى صُبْرَةً ، فَوَجَدَ تَحْتَهَا رَبْوَةً ، أَوْ اشْتَرَاهَا عَلَى أَنَّهَا عَشَرَةُ أَقْفِزَةٍ ، فَبَانَتْ تِسْعَةً ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ يَأْخُذُ الْمَوْجُودَ بِقِسْطِهِ مِنْ الثَّمَنِ ، كَذَا هَاهُنَا .\rفَعَلَى هَذَا إنَّمَا يَأْخُذُ الْمَوْجُودَ مِنْ السَّمْنِ بِقِسْطِهِ مِنْ الثَّمَنِ ، وَلَا يَلْزَمُ الْبَائِعَ أَنْ يُعْطِيَهُ سَمْنًا ، سَوَاءٌ كَانَ مَوْجُودًا عِنْدَهُ ، أَوْ لَمْ يَكُنْ ، فَإِنْ تَرَاضَيَا عَلَى إعْطَائِهِ سَمْنًا ، جَازَ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":8,"page":242},{"id":3742,"text":"بَابُ الْمُصَرَّاةِ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ .\rالتَّصْرِيَةُ : جَمْعُ اللَّبَنِ فِي الضَّرْعِ .\rيُقَالُ : صَرَّى الشَّاةَ ، وَصَرَى اللَّبَنَ فِي ضَرْعِ الشَّاةِ ، بِالتَّشْدِيدِ وَالتَّخْفِيفِ .\rوَيُقَالُ : صَرَى الْمَاءَ فِي الْحَوْضِ ، وَصَرَى الطَّعَامَ فِي فِيهِ ، وَصَرَى الْمَاءَ فِي ظَهْرِهِ .\rإذَا تَرَكَ الْجِمَاعَ .\rوَأَنْشَدَ أَبُو عُبَيْدَةَ : رَأَتْ غُلَامًا قَدْ صَرَى فِي فِقْرَتِهْ مَاءَ الشَّبَابِ عُنْفُوَانَ شِرَّتِهْ وَمَاءُ صَرًى ، وَصَرٍّ ، إذَا طَالَ اسْتِنْقَاعُهُ .\rقَالَ الْبُخَارِيُّ : أَصْلُ التَّصْرِيَةِ حَبْسُ الْمَاءِ ، يُقَالُ : صَرَّيْتُ الْمَاءَ .\rوَيُقَالُ لِلْمُصَرَّاةِ : الْمُحَفَّلَةُ .\rوَهُوَ مِنْ الْجَمْعِ أَيْضًا ، وَمِنْهُ سُمِّيَتْ مَجَامِعُ النَّاسِ مَحَافِلُ وَالتَّصْرِيَةُ حَرَامٌ إذَا أَرَادَ بِذَلِكَ التَّدْلِيسَ عَلَى الْمُشْتَرِي لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : لَا تُصِرُّوا } .\rوَقَوْلِهِ { : مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا } وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ ، فِي سُنَنِهِ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أَنَّهُ قَالَ : { بَيْعُ الْمُحَفَّلَاتِ خَلَابَةٌ ، وَلَا تَحِلُّ الْخِلَابَةُ لِمُسْلِمٍ .\r} رَوَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، { : وَلَا يَحِلُّ خَلَابَةٌ لِمُسْلِمٍ .\r} ( 2984 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِذَا اشْتَرَى مُصَرَّاةً وَهُوَ لَا يَعْلَمُ ، فَهُوَ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يَقْبَلَهَا أَوْ يَرُدَّهَا وَصَاعًا مِنْ تَمْرٍ ) .\rالْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي فُصُولٍ ثَلَاثَةٍ ( 2985 ) ، الْأَوَّلُ ، أَنَّ مَنْ اشْتَرَى مُصَرَّاةً مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ ، لَمْ يَعْلَمْ تَصْرِيَتَهَا ، ثُمَّ عَلِمَ .\rفَلَهُ الْخِيَارُ فِي الرَّدِّ وَالْإِمْسَاكِ .\rرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عُمَرَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَأَنَسٍ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مَالِكٌ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى وَالشَّافِعِيُّ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو يُوسُفَ ، وَعَامَّةُ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ إلَى أَنَّهُ لَا خِيَارَ لَهُ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِعَيْبٍ ؛ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ لَمْ تَكُنْ مُصَرَّاةً ، فَوَجَدَهَا أَقَلَّ لَبَنًا مِنْ أَمْثَالِهَا لَمْ يَمْلِكْ رَدَّهَا ،","part":8,"page":243},{"id":3743,"text":"وَالتَّدْلِيسُ بِمَا لَيْسَ بِعَيْبِ لَا يُثْبِتُ الْخِيَارَ ، كَمَا لَوْ عَلَفَهَا فَانْتَفَخَ بَطْنُهَا ، فَظَنَّ الْمُشْتَرِي أَنَّهَا حَامِلٌ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أَنَّهُ قَالَ : { لَا تُصِرُّوا الْإِبِلَ وَالْغَنَمَ فَمَنْ ابْتَاعَهَا بَعْدُ فَإِنَّهُ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ بَعْدَ أَنْ يَحْتَلِبَهَا إنْ شَاءَ أَمْسَكَهَا ، وَإِنْ شَاءَ رَدَّهَا وَصَاعًا مِنْ تَمْرٍ } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ، وَرَوَى ابْنُ عُمَرَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ { : مَنْ ابْتَاعَ مُحَفَّلَةً فَهُوَ بِالْخِيَارِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ، إنْ رَدَّهَا رَدَّ مَعَهَا مِثْلَ أَوْ مِثْلَيْ لَبَنِهَا قَمْحًا } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَلِأَنَّ هَذَا تَدْلِيسٌ بِمَا يَخْتَلِفُ الثَّمَنُ بِاخْتِلَافِهِ ، فَوَجَبَ بِهِ الرَّدُّ ، كَمَا لَوْ كَانَتْ شَمْطَاءَ ، فَسَوَّدَ شَعْرَهَا .\rوَقِيَاسُهُمْ يَبْطُلُ بِتَسْوِيدِ الشَّعْرِ ، فَإِنَّ بَيَاضَهُ لَيْسَ بِعَيْبٍ كَالْكِبَرِ ، وَإِذَا دَلَّسَهُ ثَبَتَ لَهُ الْخِيَارُ ، وَأَمَّا انْتِفَاخُ الْبَطْنِ ، فَقَدْ يَكُونُ مِنْ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ ، فَلَا مَعْنَى لِحَمْلِهِ عَلَى الْحَمْلِ ، وَعَلَى أَنَّ هَذَا الْقِيَاسَ يُخَالِفُ النَّصَّ ، وَاتِّبَاعُ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْلَى .\rإذَا تَقَرَّرَ هَذَا ، فَإِنَّمَا يَثْبُتُ الْخِيَارُ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَكُونَ الْمُشْتَرِي عَالِمًا بِالتَّصْرِيَةِ ، فَإِنْ كَانَ عَالِمًا ، لَمْ يَثْبُتْ لَهُ الْخِيَارُ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ يَثْبُتُ لَهُ الْخِيَارُ فِي وَجْهٍ ؛ لِلْخَبَرِ ، وَلِأَنَّ انْقِطَاعَ اللَّبَنِ لَمْ يُوجَدْ ، وَقَدْ يَبْقَى عَلَى حَالِهِ ، فَلَمْ يُجْعَلْ ذَلِكَ رِضًى ، كَمَا لَوْ تَزَوَّجَتْ عِنِّينًا ، ثُمَّ طَلَبَتْ الْفَسْخَ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ اشْتَرَاهَا عَالِمًا بِالتَّدْلِيسِ ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ خِيَارٌ ، كَمَا لَوْ اشْتَرَى مَنْ سَوَّدَ شَعْرَهَا عَالِمًا بِذَلِكَ ، وَلِأَنَّهُ دَخَلَ عَلَى بَصِيرَةٍ فَلَمْ يَثْبُتْ لَهُ الرَّدُّ ، كَمَا لَوْ اشْتَرَى مَعِيبًا يَعْلَمُ عَيْبَهُ ، وَبَقَاءُ اللَّبَنِ عَلَى حَالِهِ نَادِرٌ بَعِيدٌ","part":8,"page":244},{"id":3744,"text":"، لَا يُعَلَّقُ عَلَيْهِ حُكْمٌ ، وَالْأَصْلُ الَّذِي قَاسُوا عَلَيْهِ مَمْنُوعٌ .\rوَلَوْ اشْتَرَى مُصَرَّاةً فَصَارَ لَبَنُهَا عَادَةً ، وَاسْتَمَرَّ عَلَى كَثْرَتِهِ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ الرَّدُّ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ لَهُ الرَّدُّ ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ ؛ لِلْخَبَرِ ، وَلِأَنَّ التَّدْلِيسَ كَانَ مَوْجُودًا حَالَ الْعَقْدِ ، فَأَثْبَتِ الرَّدَّ ، كَمَا لَوْ نَقَصَ اللَّبَنُ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الرَّدَّ جُعِلَ لِدَفْعِ الضَّرَرِ بِنَقْصِ اللَّبَنِ ، وَلَمْ يُوجَدْ ، فَامْتَنَعَ الرَّدُّ ، وَلِأَنَّ الْعَيْبَ لَمْ يُوجَدْ ، وَلَمْ تَخْتَلِفْ صِفَةُ الْمَبِيعِ عَنْ حَالَةِ الْعَقْدِ ، فَلَمْ يَثْبُتْ التَّدْلِيسُ ، وَلِأَنَّ الْخِيَارَ ثَبَتَ لِدَفْعِ الضَّرَرِ ، وَلَمْ يُوجَدْ ضَرَرٌ .\r( 2986 ) الْفَصْلُ الثَّانِي ، أَنَّهُ إذَا رَدَّ ، لَزِمَهُ رَدُّ ، بَدَلِ اللَّبَنِ .\rوَهَذَا قَوْلُ كُلِّ مِنْ جَوَّزَ رَدَّهَا ، وَهُوَ مُقَدَّرٌ فِي الشَّرْعِ بِصَاعٍ مِنْ تَمْرٍ ، كَمَا فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الَّذِي أَوْرَدْنَاهُ ، وَهَذَا قَوْلُ اللَّيْثِ وَإِسْحَاقَ وَالشَّافِعِيِّ وَأَبِي عُبَيْدٍ وَأَبِي ثَوْرٍ وَذَهَبَ مَالِكٍ ، وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ ، إلَى أَنَّ الْوَاجِبَ صَاعٌ مِنْ غَالِبِ قُوتِ الْبَلَدِ ، لِأَنَّ فِي بَعْضِ الْحَدِيثِ : \" وَرَدَّ مَعَهَا صَاعًا مِنْ طَعَامٍ \" .\rوَفِي بَعْضِهَا : \" وَرَدَّ مَعَهَا مِثْلَيْ أَوْ مِيلَيْ لَبَنِهَا قَمْحًا \" فَجَمَعَ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ ، وَجَعَلَ تَنْصِيصَهُ عَلَى التَّمْرِ ؛ لِأَنَّهُ غَالِبُ قُوتِ الْبَلَدِ فِي الْمَدِينَةِ ، وَنَصَّ عَلَى الْقَمْحِ ؛ لِأَنَّهُ غَالِبُ قُوتِ بَلَدٍ آخَرَ .\rوَقَالَ أَبُو يُوسُفَ : يَرُدُّ قِيمَةَ اللَّبَنِ ؛ لِأَنَّهُ ضَمَانُ مُتْلَفٍ ، فَكَانَ مُقَدَّرًا بِقِيمَتِهِ ، كَسَائِرِ الْمُتْلَفَاتِ ، وَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ أَبِي لَيْلَى وَحُكِيَ عَنْ زُفَرَ أَنَّهُ يَرُدُّ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ ، أَوْ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ بِنَاءً عَلَى قَوْلِهِمْ فِي الْفِطْرَةِ وَالْكَفَّارَةِ .\rوَلَنَا ، الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ الَّذِي أَوْرَدْنَاهُ ، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ عَلَيْهِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ .\rوَقَدْ نَصَّ فِيهِ عَلَى التَّمْرِ فَقَالَ { : إنْ شَاءَ رَدَّهَا وَصَاعًا","part":8,"page":245},{"id":3745,"text":"مِنْ تَمْرٍ } .\rوَفِي لَفْظٍ لِلْبُخَارِيِّ { : مَنْ اشْتَرَى غَنَمًا مُصَرَّاةً فَاحْتَلَبَهَا ، فَإِنْ رَضِيَهَا أَمْسَكَهَا ، وَإِنْ سَخِطَهَا فَفِي حَلْبَتِهَا صَاعٌ مِنْ تَمْرٍ } وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمِ ، رَوَاهُ ابْنُ سِيرِينَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : وَرَدَّ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ لَا سَمْرَاءَ } وَفِي لَفْظٍ لَهُ : { طَعَامًا لَا سَمْرَاءَ } يَعْنِي لَا يَرُدُّ قَمْحًا .\rوَالْمُرَادُ بِالطَّعَامِ هَاهُنَا التَّمْرُ ؛ لِأَنَّهُ مُطْلَقٌ فِي أَحَدِ الْحَدِيثَيْنِ ، مُقَيَّدٌ فِي الْآخَرِ ، فِي قَضِيَّةٍ وَاحِدَةٍ وَالْمُطْلَقُ فِيمَا هَذَا سَبِيلُهُ يُحْمَلُ عَلَى الْمُقَيَّدِ .\rوَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ مَطْرَحُ الظَّاهِرِ بِالِاتِّفَاقِ ؛ إذْ لَا قَائِلَ بِإِيجَابِ مِثْلِ لَبَنِهَا أَوْ مِثْلَيْ لَبَنِهَا قَمْحًا ، ثُمَّ قَدْ شَكَّ فِيهِ الرَّاوِي ، وَخَالَفَتْهُ الْأَحَادِيثُ الصِّحَاحُ ، فَلَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ .\rوَقِيَاسُ أَبِي يُوسُفَ مُخَالِفٌ لِلنَّصِّ ، فَلَا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُقَدِّرَ الشَّرْعُ ، بَدَلَ هَذَا الْمُتْلَفِ ، قَطْعًا لِلْخُصُومَةِ ، وَدَفْعًا لِلتَّنَازُعِ ، كَمَا قَدَّرَ بَدَلَ الْآدَمِيِّ وَدِيَةَ أَطْرَافِهِ ، وَلَا يُمْكِنُ حَمْلُ الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ الصَّاعَ كَانَ قِيمَةَ اللَّبَنِ ، فَلِذَلِكَ أَوْجَبَهُ ، لِوُجُوهٍ ثَلَاثَةٍ : أَحَدُهَا ، أَنَّ الْقِيمَةَ هِيَ الْأَثْمَانُ لَا التَّمْرُ .\rالثَّانِي ، أَنَّهُ أَوْجَبَ فِي الْمُصَرَّاةِ مِنْ الْإِبِلِ وَالْغَنَمِ جَمِيعًا صَاعًا مِنْ تَمْرٍ ، مَعَ اخْتِلَافِ لَبَنِهَا .\rالثَّالِثُ ، أَنَّ لَفْظَهُ لِلْعُمُومِ ، فَيَتَنَاوَلُ كُلَّ مُصَرَّاةٍ ، وَلَا يَتَّفِقُ أَنْ تَكُونَ قِيمَةُ لَبَنِ كُلِّ مُصَرَّاةٍ صَاعًا ، وَإِنْ أَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ ، فَيَتَعَيَّنُ إيجَابُ الصَّاعِ ؛ لِأَنَّهُ الْقِيمَةُ الَّتِي عَيَّنَ الشَّارِعُ إيجَابَهَا ؛ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَعْدِلَ عَنْهَا ، وَإِذْ قَدْ ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الصَّاعُ مِنْ التَّمْرِ جَيِّدًا ، غَيْرَ مَعِيبٍ ؛ لِأَنَّهُ وَاجِبٌ بِإِطْلَاقِ الشَّارِعِ ، فَيَنْصَرِفُ إلَى مَا ذَكَرْنَاهُ ، كَالصَّاعِ الْوَاجِبِ فِي الْفِطْرَةِ .","part":8,"page":246},{"id":3746,"text":"وَلَا يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ مِنْ الْأَجْوَدِ ، بَلْ يَجُوزُ أَنْ يَكُنْ مِنْ أَدْنَيْ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الْجَيِّدِ .\rوَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ قِيمَةُ التَّمْرِ مِثْلَ قِيمَةِ الشَّاةِ ، أَوْ أَقَلَّ ، أَوْ أَكْثَرَ ، نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .\rوَلَيْسَ هَذَا جَمْعًا بَيْنَ الْبَدَلِ وَالْمُبْدَلِ ؛ لِأَنَّ التَّمْرَ بَدَلُ اللَّبَنِ ، قَدَّرَهُ الشَّرْعُ بِهِ ، كَمَا قَدَّرَ فِي يَدَيْ الْعَبْدِ قِيمَتَهُ ، وَفِي يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ قِيمَتَهُ مَرَّتَيْنِ ، مَعَ بَقَاءِ الْعَبْدِ عَلَى مِلْكِ سَيِّدِهِ .\rوَإِنْ عَدِمَ التَّمْرَ فِي مَوْضِعِهِ ، فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي وَقَعَ عَلَيْهِ الْعَقْدُ ؛ لِأَنَّهُ بِمَثَابَةِ عَيْنٍ أَتْلَفَهَا ، فَيَجِبُ عَلَيْهِ قِيمَتُهَا .\r( 2987 ) فَصْلٌ : وَإِنْ عَلِمَ بِالتَّصْرِيَةِ قَبْلَ حَلْبِهَا ، مِثْلُ أَنْ أَقَرَّ بِهِ الْبَائِعُ ، أَوْ شَهِدَ بِهِ مَنْ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ ، فَلَهُ رَدُّهَا ، وَلَا شَيْءَ مَعَهَا ؛ لِأَنَّ التَّمْرَ إنَّمَا وَجَبَ بَدَلًا لِلَّبَنِ الْمُحْتَلَبِ ، وَلِذَلِكَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : مَنْ اشْتَرَى غَنَمًا مُصَرَّاةً فَاحْتَلَبَهَا ، فَإِنْ رَضِيَهَا أَمْسَكَهَا ، وَإِنْ سَخِطَهَا ، فَفِي حَلْبَتِهَا صَاعٌ مِنْ تَمْرٍ } .\rوَلَمْ يَأْخُذْ لَهَا لَبَنًا هَاهُنَا ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ رَدُّ شَيْءٍ مَعَهَا .\rوَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ .\rقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : هَذَا مَا لَا خِلَافَ فِيهِ .\rوَأَمَّا لَوْ احْتَلَبَهَا وَتَرَك اللَّبَنَ بِحَالِهِ ثُمَّ رَدَّهَا ، رَدَّ لَبَنهَا ، وَلَا يُلْزِمُهُ أَيْضًا بِشَيْءٍ ؛ لِأَنَّ الْمَبِيعَ إذَا كَانَ مَوْجُودًا فَرَدَّهُ ، لَمْ يَلْزَمْهُ بَدَلُهُ .\rفَإِنْ أَبَى الْبَائِعُ قَبُولَهُ ، وَطَلَبَ التَّمْرَ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ ، إذَا كَانَ بِحَالِهِ لَمْ يَتَغَيَّرْ .\rوَقِيلَ : لَا يَلْزَمُهُ قَبُولُهُ ؛ لِظَاهِرِ الْخَبَرِ ، وَلِأَنَّهُ قَدْ نَقَصَ بِالْحَلْبِ ، وَكَوْنُهُ فِي الضَّرْعِ أَحْفَظَ لَهُ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ قَدَرَ عَلَى رَدِّ الْمُبْدَلِ ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ الْبَدَلُ ، كَسَائِرِ الْمُبْدَلَاتِ مَعَ أَبْدَالِهَا .\rوَالْحَدِيثُ الْمُرَادُ بِهِ رَدُّ التَّمْرِ حَالَةَ","part":8,"page":247},{"id":3747,"text":"عَدَمِ اللَّبَنِ ؛ لِقَوْلِهِ { : فَفِي حَلْبَتِهَا صَاعٌ مِنْ تَمْرٍ } .\rوَلِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْمَعْنَى .\rوَقَوْلُهُمْ إنَّ الضَّرْعَ أَحْفَظُ لَهُ .\rلَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنْ إبْقَاؤُهُ فِي الضَّرْعِ عَلَى الدَّوَامِ ، وَبَقَاؤُهُ يَضُرُّ بِالْحَيَوَانِ .\rوَإِنْ كَانَ اللَّبَنُ قَدْ تَغَيَّرَ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، لَا يَلْزَمُهُ قَبُولُهُ .\rوَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ ؛ لِلْخَبَرِ ، وَلِأَنَّهُ قَدْ نَقَصَ بِالْحُمُوضَةِ ، أَشْبَهَ مَا لَوْ أَتْلَفَهُ .\rوَالثَّانِي ، يَلْزَمُهُ قَبُولُهُ لِأَنَّ النَّقْصَ حَصَلَ بِإِسْلَامِ الْمَبِيعِ ، وَبِتَغْرِيرِ الْبَائِعِ ، وَتَسْلِيطِهِ عَلَى حَلْبِهِ ، فَلَمْ يَمْنَعُ الرَّدَّ ، كَلَبَنِ غَيْرِ الْمُصَرَّاةِ .","part":8,"page":248},{"id":3748,"text":"( 2988 ) فَصْلٌ : وَإِذَا رَضِيَ بِالتَّصْرِيَةِ فَأَمْسَكَهَا ، ثُمَّ وَجَدَ بِهَا عَيْبًا آخَرَ ، رَدَّهَا بِهِ ؛ لِأَنَّ رِضَاهُ بِعَيْبٍ لَا يَمْنَعُ الرَّدَّ بِعَيْبٍ آخَرَ ، كَمَا لَوْ اشْتَرَى أَعْرَجَ ، فَرَضِيَ بِعَيْبِهِ ، ثُمَّ أَصَابَ بِهِ بَرَصًا .\rوَإِذَا رَدَّ لَزِمَهُ صَاعٌ مِنْ تَمْرٍ عِوَضَ اللَّبَنِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ جُعِلَ عِوَضًا لَهُ فِيمَا إذَا رَدَّهَا بِالتَّصْرِيَةِ ، فَيَكُونُ عِوَضًا لَهُ مُطْلَقًا .\r( 2989 ) فَصْلٌ : وَلَوْ اشْتَرَى شَاةً غَيْرَ مُصَرَّاةٍ فَاحْتَلَبَهَا ، ثُمَّ وَجَدَ بِهَا عَيْبًا ، فَلَهُ الرَّدُّ ، ثُمَّ إنْ لَمْ يَكُنْ فِي ضَرْعِهَا لَبَنٌ حَالَ الْعَقْدِ ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ مَا حَدَثَ مِنْ اللَّبَنِ بَعْدَ الْعَقْدِ يَحْدُثُ عَلَى مِلْكِ الْمُشْتَرِي ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ لَبَنٌ حَالَ الْعَقْدِ ، إلَّا أَنَّهُ شَيْءٌ لَا يَخْلُو الضَّرْعُ مِنْ مِثْلِهِ فِي الْعَادَةِ ، فَلَا شَيْءَ فِيهِ ؛ لِأَنَّ مِثْلَ هَذَا لَا عِبْرَةَ بِهِ ، وَلَا قِيمَةَ لَهُ فِي الْعَادَةِ ، فَهُوَ تَابِعٌ لِمَا حَدَثَ ، وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا ، وَكَانَ قَائِمًا بِحَالِهِ ، فَهَلْ لَهُ رَدُّهُ ؟ يُبْنَى عَلَى رَدِّ لَبَنِ التَّصْرِيَةِ ، وَقَدْ سَبَقَ .\rفَإِنْ قُلْنَا : لَيْسَ لَهُ رَدُّهُ ، كَانَ بَقَاؤُهُ كَتَلَفِهِ .\rوَهَلْ لَهُ أَنْ يَرُدَّ الْمَبِيعَ ؟ يَخْرُجُ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِيمَا إذَا اشْتَرَى شَيْئًا فَتَلِفَ مِنْهُ جُزْءٌ أَوْ تَعَيَّبَ .\rوَالْأَشْهَرُ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يَرُدُّهُ ، فَعَلَى هَذَا يَلْزَمُهُ رَدُّ مِثْلِ اللَّبَنِ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ .\rوَالْأَصْلُ ضَمَانُ مَا كَانَ مِنْ الْمِثْلِيَّاتِ بِمِثْلِهِ ، إلَّا أَنَّهُ خُولِفَ فِي لَبَنِ التَّصْرِيَةِ بِالنَّصِّ ، فَفِيمَا عَدَاهُ يَبْقَى عَلَى الْأَصْلِ ، وَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ، فِي هَذَا الْفَصْلِ ، نَحْوٌ مِمَّا ذَكَرْنَا .","part":8,"page":249},{"id":3749,"text":"( 2990 ) الْفَصْلُ الثَّالِثُ فِي الْخِيَارِ : اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي مُدَّتِهِ .\rفَقَالَ الْقَاضِي : هُوَ مُقَدَّرٌ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ، لَيْسَ لَهُ الرَّدُّ قَبْلِ مُضِيِّهَا ، وَلَا إمْسَاكُهَا بَعْدَهَا ، فَإِنْ أَمْسَكَهَا بَعْدَ ذَلِكَ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ الرَّدُّ .\rقَالَ : وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رَوَى ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { مَنْ اشْتَرَى مُصَرَّاةً فَهُوَ فِيهَا بِالْخِيَارِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ، إنْ شَاءَ أَمْسَكَهَا ، وَإِنْ شَاءَ رَدَّهَا ، وَرَدَّ مَعَهَا صَاعًا مِنْ تَمْرٍ } رَوَاهُ مُسْلِمٌ .\rقَالُوا : فَهَذِهِ الثَّلَاثَةُ قَدَّرَهَا الشَّارِعُ لِمَعْرِفَةِ التَّصْرِيَةِ فَإِنَّهَا لَا تُعْرَفُ قَبْلَ مُضِيِّهَا ؛ لِأَنَّهَا فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ لَبَنُهَا لَبَنُ التَّصْرِيَةِ ، وَفِي الثَّانِي يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لَبَنُهَا نَقَصَ ؛ لِتَغَيُّرِ الْمَكَانِ وَاخْتِلَافِ الْعَلَفِ ، وَكَذَلِكَ فِي الثَّالِثِ ، فَإِذَا مَضَتْ الثَّلَاثَةُ اسْتَبَانَتْ التَّصْرِيَةُ ، وَثَبَتَ الْخِيَارُ عَلَى الْفَوْرِ ، وَلَا يَثْبُتُ قَبْلَ انْقِضَائِهَا .\rوَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : عِنْدِي مَتَى ثَبَتَتْ التَّصْرِيَةُ ، جَازَ لَهُ الرَّدُّ ، قَبْلَ الثَّلَاثَةِ وَبَعْدَهَا ؛ لِأَنَّهُ تَدْلِيسٌ يُثْبِتُ الْخِيَارَ ، فَمَلَكَ الرَّدَّ بِهِ إذَا تَبَيَّنَهُ ، كَسَائِرِ التَّدْلِيسِ .\rوَهَذَا قَوْلُ بَعْضِ الْمَدَنِيِّينَ .\rفَعَلَى هَذَا يَكُونُ فَائِدَةُ التَّقْدِيرِ فِي الْخَبَرِ بِالثَّلَاثَةِ ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ لَا يَحْصُلُ الْعِلْمُ إلَّا بِهَا ، فَاعْتَبَرَهَا لِحُصُولِ الْعِلْمِ ظَاهِرًا ، فَإِنْ حَصَلَ الْعِلْمُ بِهَا ، أَوْ لَمْ يَحْصُلْ بِهَا فَالِاعْتِبَارُ بِهِ دُونَهَا ، كَمَا فِي سَائِرِ التَّدْلِيسِ .\rوَظَاهِرُ قَوْلِ ابْنِ أَبِي مُوسَى ، أَنَّهُ مَتَى عَلِمَ التَّصْرِيَةَ ، ثَبَتَ لَهُ الْخِيَارُ فِي الْأَيَّامِ الثَّلَاثَةِ إلَى تَمَامِهَا .\rوَهَذَا قَوْلُ ابْنِ الْمُنْذِرِ وَأَبِي حَامِدٍ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ، وَحَكَاهُ عَنْ الشَّافِعِيِّ نَصًّا ؛ لِظَاهِرِ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ","part":8,"page":250},{"id":3750,"text":"وَسَلَّمَ فَإِنَّهُ يَقْتَضِي ثُبُوتَ الْخِيَارِ فِي الْأَيَّامِ الثَّلَاثَةِ كُلِّهَا .\rوَعَلَى قَوْلِ الْقَاضِي لَا يَثْبُتُ الْخِيَارُ فِي شَيْءٍ مِنْهَا ، وَإِنَّمَا يَثْبُتُ عَقِيبَهَا .\rوَقَوْلُ أَبِي الْخَطَّابِ يُسَوِّي بَيْنَ الْأَيَّامِ الثَّلَاثَةِ وَبَيْنَ غَيْرِهَا ، وَالْعَمَلُ بِالْخَبَرِ أَوْلَى ، وَالْقِيَاسُ مَا قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ كَذَلِكَ فِي الْعُيُوبِ ، وَسَائِرِ التَّدْلِيسِ .","part":8,"page":251},{"id":3751,"text":"( 2991 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَسَوَاءٌ كَانَ الْمُشْتَرَى نَاقَةً أَوْ بَقَرَةً أَوْ شَاةً ) جُمْهُورُ أَهْلِ الْعِلْمِ ، عَلَى أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي التَّصْرِيَةِ بَيْنَ الشَّاةِ وَالنَّاقَةِ وَالْبَقَرَةِ ، وَشَذَّ دَاوُد ، فَقَالَ : لَا يَثْبُتُ الْخِيَارُ بِتَصْرِيَةِ الْبَقَرَةِ ؛ لِأَنَّ الْحَدِيثَ { : لَا تُصِرُّوا الْإِبِلَ وَالْغَنَمَ } .\rفَدَلَّ عَلَى أَنَّ مَا عَدَاهُمَا بِخِلَافِهِمَا ، وَلِأَنَّ الْحُكْمَ ثَبَتَ فِيهِمَا بِالنَّصِّ ، وَالْقِيَاسُ لَا تَثْبُتُ بِهِ الْأَحْكَامُ .\rوَلَنَا عُمُومُ قَوْلِهِ { : مَنْ اشْتَرَى مُصَرَّاةً فَهُوَ بِالْخِيَارِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ .\r} وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ { مَنْ ابْتَاعَ مُحَفَّلَةً } .\rوَلَمْ يُفَصِّلْ ، وَلِأَنَّهُ تَصْرِيَةٌ بِلَبَنٍ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ ، أَشْبَهَ الْإِبِلَ وَالْغَنَمَ ، وَالْخَبَرُ فِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى تَصْرِيَةِ الْبَقَرِ ؛ لِأَنَّ لَبَنَهَا أَغْزَرُ وَأَكْثَرُ نَفْعًا .\rوَقَوْلُهُمْ : إنَّ الْأَحْكَامَ لَا تَثْبُتُ بِالْقِيَاسِ .\rمَمْنُوعٌ .\rثُمَّ هُوَ هَاهُنَا ثَبَتَ بِالتَّنْبِيهِ ، وَهُوَ حُجَّةٌ عِنْدَ الْجَمِيعِ .","part":8,"page":252},{"id":3752,"text":"( 2992 ) فَصْلٌ : إذَا اشْتَرَى مُصَرَّاتَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ ، فَرَدَّهُنَّ ، رَدَّ مَعَ كُلِّ مُصَرَّاةٍ صَاعًا .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَبَعْضُ أَصْحَابِ مَالِكٍ .\rوَقَالَ بَعْضُهُمْ : فِي الْجَمِيعِ صَاعٌ وَاحِدٌ ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { : مَنْ اشْتَرَى غَنَمًا مُصَرَّاةً فَاحْتَلَبَهَا فَإِنْ رَضِيَهَا أَمْسَكَهَا ، وَإِنْ سَخِطَهَا فَفِي حَلْبَتِهَا صَاعٌ مِنْ تَمْرٍ } .\rوَلَنَا ، عُمُومُ قَوْلِهِ { : مَنْ اشْتَرَى مُصَرَّاةً و مَنْ اشْتَرَى مُحَفَّلَةً } .\rوَهَذَا يَتَنَاوَلُ الْوَاحِدَةَ .\rوَلِأَنَّ مَا جُعِلَ عِوَضًا عَنْ الشَّيْءِ فِي صَفْقَتَيْنِ ، وَجَبَ إذَا كَانَ فِي صَفْقَةٍ وَاحِدَةٍ ، كَأَرْشِ الْعَيْبِ ، وَأَمَّا الْحَدِيثُ فَإِنَّ الضَّمِيرَ يَعُودُ إلَى الْوَاحِدَةِ .","part":8,"page":253},{"id":3753,"text":"( 2993 ) فَصْلٌ : فَإِنْ اشْتَرَى مُصَرَّاةً مِنْ غَيْرِ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ ، كَالْأَمَةِ وَالْأَتَانِ وَالْفَرَسِ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ، أَحَدُهُمَا ، يَثْبُتُ لَهُ الْخِيَارُ ، اخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ ؛ لِعُمُومِ قَوْلِهِ { : مَنْ اشْتَرَى مُصَرَّاةً و مَنْ اشْتَرَى مُحَفَّلَةً } .\rوَلِأَنَّهُ تَصْرِيَةٌ بِمَا يَخْتَلِفُ الثَّمَنُ بِهِ ، فَأَثْبَتَ الْخِيَارَ ، كَتَصْرِيَةِ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ ، وَذَلِكَ أَنَّ لَبَنَ الْآدَمِيَّةِ يُرَادُ لِلرَّضَاعِ ، وَيُرَغِّبُ فِيهَا ظِئْرًا وَيُحَسِّنُ ثَدْيَهَا ، وَلِذَلِكَ لَوْ اشْتَرَطَ كَثْرَةَ لَبَنِهَا ، فَبَانَ بِخِلَافِهِ ، مَلَكَ الْفَسْخَ ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مَقْصُودًا لَمَا ثَبَتَ بِاشْتِرَاطِهِ ، وَلَا مَلَكَ الْفَسْخَ بِعَدَمِهِ .\rوَلِأَنَّ الْأَتَانَ وَالْفَرَسَ يُرَادَانِ لِوَلَدِهِمَا .\rوَالثَّانِي : لَا يَثْبُتُ بِهِ الْخِيَارُ ؛ لِأَنَّ لَبَنَهَا لَا يُعْتَاضُ عَنْهُ فِي الْعَادَةِ ، وَلَا يُقْصَدُ قَصْدَ لَبَنِ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ ، وَالْخَبَرُ وَرَدَ فِي بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ ، وَلَا يَصِحُّ الْقِيَاسُ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ قَصْدَ لَبَنِ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ أَكْثَرُ ، وَاللَّفْظُ الْعَامُ أُرِيدَ بِهِ الْخَاصُّ ؛ بِدَلِيلِ أَنَّهُ أَمَرَ فِي رَدِّهَا بِصَاعٍ مِنْ تَمْرٍ ، وَلَا يَجِبُ فِي لَبَنِ غَيْرِهَا ، وَلِأَنَّهُ وَرَدَ عَامًّا وَخَاصًّا فِي قَضِيَّةٍ وَاحِدَةٍ ، فَيُحْمَلُ الْعَامُّ عَلَى الْخَاصِّ ، وَيَكُونُ الْمُرَادُ بِالْعَامِّ فِي أَحَدِ الْحَدِيثَيْنِ الْخَاصُّ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ .\rوَعَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ ، إذَا رَدَّهَا لَمْ يَلْزَمْ بَدَلُ لَبَنِهَا ، وَلَا يَرُدُّ مَعَهَا شَيْئًا ؛ لِأَنَّ هَذَا اللَّبَنَ لَا يُبَاعُ عَادَةً ، وَلَا يُعَاوَضُ عَنْهُ .","part":8,"page":254},{"id":3754,"text":"( 2994 ) فَصْلٌ : وَكُلُّ تَدْلِيسٍ يَخْتَلِفُ الثَّمَنُ لِأَجْلِهِ ، مِثْلُ أَنْ يُسَوِّدَ شَعْرَ الْجَارِيَةِ ، أَوْ يُجَعِّدَهُ ، أَوْ يُحَمِّرَ وَجْهَهَا ، أَوْ يُضْمِرَ الْمَاءَ عَلَى الرَّحَا ، وَيُرْسِلَهُ عِنْدَ عَرْضِهَا عَلَى الْمُشْتَرِي ، يُثْبِتُ الْخِيَارَ ؛ لِأَنَّهُ تَدْلِيسٌ بِمَا يَخْتَلِفُ الثَّمَنُ بِاخْتِلَافِهِ فَأَثْبَتَ الْخِيَارَ ، كَالتَّصْرِيَةِ ، وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَوَافَقَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي تَسْوِيدِ الشَّعْرِ .\rوَقَالَ فِي تَجْعِيدِهِ : لَا يَثْبُتُ بِهِ الْخِيَارُ ؛ لِأَنَّهُ تَدْلِيسٌ بِمَا لَيْسَ بِعَيْبٍ ، أَشْبَهَ مَا لَوْ سَوَّدَ أَنَامِلَ الْعَبْدِ ، لِيَظُنَّهُ كَاتِبًا أَوْ حَدَّادًا .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ تَدْلِيسٌ بِمَا يَخْتَلِفُ بِهِ الثَّمَنُ ، أَشْبَهَ تَسْوِيدَ الشَّعْرِ ، وَأَمَّا تَسْوِيدُ الْأَنَامِلِ ، فَلَيْسَ بِمُخْتَصٍّ بِكَوْنِهِ كَاتِبًا ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَدْ وَلَغَ بِالدَّوَاةِ ، أَوْ كَانَ غُلَامًا لِكَاتِبٍ يُصْلِحُ لَهُ الدَّوَاةَ ، فَظَنُّهُ كَاتِبًا ، طَمَعٌ لَا يَسْتَحِقُّ بِهِ فَسْخًا ، فَإِنْ حَصَلَ هَذَا مِنْ غَيْرِ تَدْلِيسٍ ، مِثْلُ أَنْ يَجْتَمِعَ اللَّبَنُ فِي الضَّرْعِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ ، أَوْ احْمَرَّ وَجْهُ الْجَارِيَةِ لِخَجَلٍ أَوْ تَعَبٍ ، أَوْ تَسَوَّدَ شَعْرُهَا بِشَيْءِ وَقَعَ عَلَيْهِ ، فَقَالَ الْقَاضِي : لَهُ الرَّدُّ أَيْضًا ؛ لِدَفْعِ الضَّرَرِ اللَّاحِقِ بِالْمُشْتَرِي ، وَالضَّرَرُ وَاجِبُ الدَّفْعِ ، سَوَاءٌ قَصَدَ أَوْ لَمْ يَقْصِدْ ، فَأَشْبَهَ الْعَيْبَ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَثْبُتَ الْخِيَارُ لِحُمْرَةِ وَجْهِهَا بِخَجَلٍ أَوْ تَعَبٍ ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ ذَلِكَ ، فَيَتَعَيَّنُ ظَنُّهُ مِنْ خِلْقَتِهِ الْأَصْلِيَّةِ طَمَعًا ، فَأَشْبَهَ سَوَادَ أَنَامِلِ الْعَبْدِ .","part":8,"page":255},{"id":3755,"text":"فَصْلٌ : فَإِنْ عَلَفَ الشَّاةَ فَمَلَأَ خَوَاصِرَهَا ، وَظَنَّ الْمُشْتَرِي أَنَّهَا حَامِلٌ ، أَوْ سَوَّدَ أَنَامِلَ الْعَبْدِ أَوْ ثَوْبَهُ ، يُوهِمُ أَنَّهُ كَاتِبٌ أَوْ حَدَّادٌ ، أَوْ كَانَتْ الشَّاةُ عَظِيمَةَ الضَّرْعِ خِلْقَةً ، فَظَنَّ أَنَّهَا كَثِيرَةَ اللَّبَنِ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ خِيَارٌ ؛ لِأَنَّ هَذَا لَا يَتَعَيَّنُ لِلْجِهَةِ الَّتِي ظَنَّهَا ؛ فَإِنَّ امْتِلَاءَ الْبَطْنِ قَدْ يَكُونُ لَأَكْلٍ أَوْ شُرْبٍ أَوْ غَيْرِهِمَا ، وَسَوَادَ أَنَامِلِ الْعَبْدِ قَدْ يَكُونُ لِوَلَغٍ بِالدَّوَاةِ ، أَوْ لِكَوْنِهِ شَارِعًا فِي الْكِتَابَةِ ، أَوْ غُلَامًا لِكَاتِبٍ ، فَحَمْلُهُ عَلَى أَنَّهُ كَاتِبٌ مِنْ بَابِ الطَّمَعِ ، فَلَا يُثْبِتُ خِيَارًا .","part":8,"page":256},{"id":3756,"text":"( 2996 ) فَصْلٌ : وَإِذَا أَرَادَ إمْسَاكَ الْمُدَلِّسِ ، وَأَخْذَ الْأَرْشِ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَرْشٌ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَجْعَلْ لَهُ فِي الْمُصَرَّاةِ أَرْشًا ، وَإِنَّمَا خَيَّرَهُ فِي شَيْئَيْنِ ، قَالَ { : إنْ شَاءَ أَمْسَكَ وَإِنْ شَاءَ رَدَّهَا وَصَاعًا مِنْ تَمْرٍ } .\rوَلِأَنَّ الْمُدَلِّسَ لَيْسَ بِعَيْبٍ ، فَلَمْ يَسْتَحِقَّ مِنْ أَجْلِهِ عِوَضًا .\rوَإِنْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ الرَّدُّ بِتَلَفٍ ، فَعَلَيْهِ الثَّمَنُ ؛ لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ الرَّدُّ فِيمَا لَا أَرْشَ لَهُ ، فَأَشْبَهَ غَيْرَ الْمُدَلِّسِ .\rوَإِنْ تَعَيَّبَ عِنْدَهُ قَبْلَ الْعِلْمِ بِالتَّدْلِيسِ ، فَلَهُ رَدُّهُ وَرَدُّ أَرْشِ الْعَيْبِ عِنْدَهُ ، وَأَخْذُ الثَّمَنِ .\rوَإِنْ شَاءَ أَمْسَكَ ، وَلَا شَيْءَ لَهُ .\rوَإِنْ عَلِمَ التَّدْلِيسَ ، فَتَصَرَّفَ فِي الْمَبِيعِ ، بَطَلَ رَدُّهُ ، كَمَا لَوْ تَصَرَّفَ فِي الْمَبِيعِ الْمَعِيبِ .\rوَإِنْ أَخَّرَ الرَّدَّ مِنْ غَيْرِ تَصَرُّفٍ ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ تَأَخُّرِ رَدِّ الْمَعِيبِ ، عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .","part":8,"page":257},{"id":3757,"text":"( 2997 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِذَا اشْتَرَى أَمَةً ثَيِّبًا ، فَأَصَابَهَا ، أَوْ اسْتَغَلَّهَا ، ثُمَّ ظَهَرَ عَلَى عَيْبٍ ، كَانَ مُخَيَّرًا بَيْنَ أَنْ يَرُدَّهَا وَيَأْخُذَ الثَّمَنَ كَامِلًا ؛ لِأَنَّ الْخَرَاجَ بِالضَّمَانِ ، وَالْوَطْءَ كَالْخِدْمَةِ ، وَبَيْنَ أَنْ يَأْخُذَ مَا بَيْنَ الصِّحَّةِ وَالْعَيْبِ ) فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فُصُولٌ خَمْسَةٌ : ( 2998 ) الْفَصْلُ الْأَوَّلُ ، أَنَّ مَنْ عَلِمَ بِسِلْعَتِهِ عَيْبًا ، لَمْ يَجُزْ بَيْعُهَا ، حَتَّى يُبَيِّنَهُ لِلْمُشْتَرِي .\rفَإِنْ لَمْ يُبَيِّنْهُ فَهُوَ آثِمٌ عَاصٍ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ؛ لِمَا رَوَى حَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ { : الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا ، فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا ، وَإِنْ كَذِبَا وَكَتَمَا مُحِقَ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ { : الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ ، لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ بَاعَ مِنْ أَخِيهِ بَيْعًا إلَّا بَيَّنَهُ لَهُ } .\rوَقَالَ { : مَنْ بَاعَ عَيْبًا لَمْ يُبَيِّنْهُ ، لَمْ يَزَلْ فِي مَقْتِ اللَّهِ ، وَلَمْ تَزَلْ الْمَلَائِكَةُ تَلْعَنُهُ } .\rرَوَاهُمَا ابْنُ مَاجَهْ .\rوَرَوَى التِّرْمِذِيُّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا } .\rوَقَالَ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ، وَالْعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْد أَهْل الْعِلْمِ ، كَرِهُوا الْغِشَّ ، وَقَالُوا : هُوَ حَرَامٌ .\rفَإِنْ بَاعَهُ ، وَلَمْ يُبَيِّنْهُ ، فَالْبَيْعُ صَحِيحٌ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، مِنْهُمْ مَالِكٌ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ وَحُكِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، أَنَّ الْبَيْعَ بَاطِلٌ ؛ لِأَنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ .\rوَالنَّهْيُ يَقْتَضِي الْفَسَادَ .\rوَلَنَا ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ التَّصْرِيَةِ ، وَصَحَّحَ الْبَيْعَ .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ : مَا تَقُولُ فِي الْمُصَرَّاةِ ؟ فَلَمْ يَذْكُرْ جَوَابًا .","part":8,"page":258},{"id":3758,"text":"( 2999 ) الْفَصْلُ الثَّانِي ، أَنَّهُ مَتَى عَلِمَ بِالْمَبِيعِ عَيْبًا ، لَمْ يَكُنْ عَالِمًا بِهِ ، فَلَهُ الْخِيَارُ بَيْنَ الْإِمْسَاكِ وَالْفَسْخِ ، سَوَاءٌ كَانَ الْبَائِعُ عَلِمَ الْعَيْبَ وَكَتَمَهُ ، أَوْ لَمْ يَعْلَمْ .\rلَا نَعْلَمُ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي هَذَا خِلَافًا .\rوَإِثْبَاتُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْخِيَارَ بِالتَّصْرِيَةِ تَنْبِيهٌ عَلَى ثُبُوتِهِ بِالْعَيْبِ .\rوَلِأَنَّ مُطْلَقَ الْعَقْدِ يَقْتَضِي السَّلَامَةَ مِنْ الْعَيْبِ ؛ بِدَلِيلِ مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَنَّهُ اشْتَرَى مَمْلُوكًا فَكَتَبَ : هَذَا مَا اشْتَرَى مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ مِنْ الْعَدَّاءِ بْنِ خَالِدٍ ، اشْتَرَى مِنْهُ عَبْدًا ، أَوْ أَمَةً ، لَا دَاءَ بِهِ ، وَلَا غَائِلَةَ ، بَيْعُ الْمُسْلِمِ الْمُسْلِمَ } .\rفَثَبَتَ أَنَّ بَيْعَ الْمُسْلِمِ اقْتَضَى السَّلَامَةَ .\rوَلِأَنَّ الْأَصْلَ السَّلَامَةُ ، وَالْعَيْبُ حَادِثٌ أَوْ مُخَالِفٌ لِلظَّاهِرِ ، فَعِنْدَ الْإِطْلَاقِ يُحْمَلُ عَلَيْهَا ، فَمَتَى فَاتَتْ فَاتَ بَعْضُ مُقْتَضَى الْعَقْدِ ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ أَخْذُهُ بِالْعِوَضِ ، وَكَانَ لَهُ الرَّدُّ ، وَأَخْذُ الثَّمَنِ كَامِلًا .","part":8,"page":259},{"id":3759,"text":"( 3000 ) فَصْلٌ : خِيَارُ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ عَلَى التَّرَاخِي ، فَمَتَى عَلِمَ الْعَيْبَ ، فَأَخَّرَ الرَّدَّ ، لَمْ يَبْطُلْ خِيَارُهُ ، حَتَّى يُوجَدَ مِنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى الرِّضَا .\rذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ .\rوَذَكَرَ الْقَاضِي شَيْئًا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ فِيهِ رِوَايَتَيْنِ ؛ إحْدَاهُمَا ، هُوَ عَلَى التَّرَاخِي .\rوَالثَّانِيَةُ ، هُوَ عَلَى الْفَوْرِ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ، فَمَتَى عَلِمَ الْعَيْبَ ، فَأَخَّرَ رَدَّهُ مَعَ إمْكَانِهِ ، بَطَلَ خِيَارُهُ ؛ لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى الرِّضَا بِهِ ، فَأُسْقِطَ خِيَارُهُ ، كَالتَّصَرُّفِ فِيهِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ خِيَارٌ لِدَفْعِ ضَرَرٍ مُتَحَقِّقٍ ، فَكَانَ عَلَى التَّرَاخِي ، كَالْقِصَاصِ ، وَلَا نُسَلِّمُ دَلَالَةَ الْإِمْسَاكِ عَلَى الرِّضَا بِهِ .\r( 3001 ) الْفَصْلُ الثَّالِثُ ، أَنَّهُ لَا يَخْلُو الْمَبِيعُ مِنْ أَنْ يَكُونَ بِحَالِهِ ، فَإِنَّهُ يَرُدُّهُ وَيَأْخُذُ رَأْسَ مَالِهِ ، أَوْ يَكُونَ قَدْ زَادَ بَعْدَ الْعَقْدِ ، أَوْ جُعِلَتْ لَهُ فَائِدَةٌ ، فَذَلِكَ قِسْمَانِ : أَحَدُهُمَا ، أَنْ تَكُونَ الزِّيَادَةُ مُتَّصِلَةً ، كَالسِّمَنِ ، وَالْكِبَرِ ، وَالتَّعَلُّمِ ، وَالْحَمْلِ قَبْلَ الْوَضْعِ ، وَالثَّمَرَةِ قَبْلَ التَّأْبِيرِ ، فَإِنَّهُ يَرُدُّهَا بِنَمَائِهَا ؛ لِأَنَّهُ يُتْبَعُ فِي الْعُقُودِ وَالْفُسُوخِ .\rالْقِسْمُ الثَّانِي ، أَنْ تَكُونَ الزِّيَادَةُ مُنْفَصِلَةً ، وَهِيَ نَوْعَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، أَنْ تَكُونَ الزِّيَادَةُ مِنْ غَيْرِ عَيْنِ الْمَبِيعِ ، كَالْكُسْبِ ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ : \" أَوْ اسْتَغَلَّهَا \" .\rيَعْنِي أَخَذَ غَلَّتَهَا ، وَهِيَ مَنَافِعُهَا الْحَاصِلَةُ مِنْ جِهَتِهَا ، كَالْخِدْمَةِ ، وَالْأُجْرَةِ ، وَالْكُسْبِ ، وَكَذَلِكَ مَا يُوهَبُ أَوْ يُوصَى لَهُ بِهِ ، فَكُلُّ ذَلِكَ لِلْمُشْتَرِي فِي مُقَابَلَةِ ضَمَانِهِ ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ لَوْ هَلَكَ هَلَكَ مِنْ مَالِ الْمُشْتَرِي ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ { : الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ } .\rوَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا .\rوَقَدْ رَوَى ابْنُ مَاجَهْ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عَمَّارٍ ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ خَالِدٍ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ","part":8,"page":260},{"id":3760,"text":"عَنْهَا { ، أَنَّ رَجُلًا اشْتَرَى عَبْدًا ، فَاسْتَغَلَّهُ مَا شَاءَ اللَّهُ ، ثُمَّ وَجَدَ بِهِ عَيْبًا فَرَدَّهُ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّهُ اسْتَغَلَّ غُلَامِي ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ } .\rوَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالشَّافِعِيُّ ، وَرَوَاهُ سَعِيدٌ فِي \" سُنَنِهِ \" عَنْ مُسْلِمٍ ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ ، وَقَالَ فِيهِ { : الْغَلَّةُ بِالضَّمَانِ } .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَلَا نَعْلَمُ عَنْ غَيْرِهِمْ خِلَافَهُمْ .\rالنَّوْعُ الثَّانِي ، أَنْ تَكُونَ الزِّيَادَةُ مِنْ عَيْنِ الْمَبِيعِ ، كَالْوَلَدِ ، وَالثَّمَرَةِ ، وَاللَّبَنِ ، فَهِيَ لِلْمُشْتَرِي أَيْضًا ، وَيَرُدُّ الْأَصْلَ دُونَهَا .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : إنْ كَانَ النَّمَاءُ ثَمَرَةً لَمْ يَرُدَّهَا ، وَإِنْ كَانَ وَلَدًا رَدَّهُ مَعَهَا ؛ لِأَنَّ الرَّدَّ حُكْمٌ ، فَسَرَى إلَى وَلَدِهَا كَالْكِتَابَةِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : النَّمَاءُ الْحَادِثُ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي يَمْنَعُ الرَّدَّ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ رَدُّ الْأَصْلِ بِدُونِهِ ، لِأَنَّهُ مِنْ مُوجِبِهِ ، فَلَا يُرْفَعُ الْعَقْدُ مَعَ بَقَاءِ مُوجِبِهِ ، وَلَا يُمْكِنُ رَدُّهُ مَعَهُ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَنَاوَلْهُ الْعَقْدُ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ حَادِثٌ فِي مِلْكِ الْمُشْتَرِي ، فَلَمْ يَمْنَعْ الرَّدَّ ، كَمَا لَوْ كَانَ فِي يَدِ الْبَائِعِ ، وَكَالْكُسْبِ .\rوَلِأَنَّهُ نَمَاءٌ مُنْفَصِلٌ ، فَجَازَ رَدُّ الْأَصْلِ بِدُونِهِ ، كَالْكُسْبِ وَالثَّمَرَةِ عِنْدَ مَالِكٍ .\rوَقَوْلُهُمْ : إنَّ النَّمَاءَ مُوجَبُ الْعَقْدِ .\rغَيْرُ صَحِيحٍ ، إنَّمَا مُوجَبُهُ الْمِلْكُ ، وَلَوْ كَانَ مُوجَبًا لِلْعَقْدِ لَعَادَ إلَى الْبَائِعِ بِالْفَسْخِ .\rوَقَوْلُ مَالِكٍ لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ لَيْسَ بِمَبِيعٍ ، فَلَا يُمْكِنُ رَدُّهُ بِحُكْمِ رَدِّ الْأُمِّ .\rوَيَبْطُلُ مَا ذَكَرَهُ بِنَقْلِ الْمِلْكِ بِالْهِبَةِ ، وَالْبَيْعِ ، وَغَيْرِهِمَا ، فَإِنَّهُ لَا يَسْرِي إلَى الْوَلَدِ بِوُجُودِهِ فِي الْأُمِّ وَإِنْ كَانَ قَدْ نَقَصَ ، فَهَذَا نَذْكُرُ حُكْمَهُ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .","part":8,"page":261},{"id":3761,"text":"الْفَصْلُ الرَّابِعُ ، إنْ كَانَ الْمَبِيعُ جَارِيَةً ثَيِّبًا فَوَطِئَهَا الْمُشْتَرِي قَبْلَ عِلْمِهِ بِالْعَيْبِ ، فَلَهُ رَدُّهَا ، وَلَيْسَ مَعَهَا شَيْءٌ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ .\rوَبِهِ قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَعُثْمَانُ الْبَتِّيُّ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى ؛ أَنَّهُ يَمْنَعُ الرَّدَّ .\rوَيُرْوَى ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .\rوَبِهِ قَالَ الزُّهْرِيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَإِسْحَاقُ ؛ لِأَنَّ الْوَطْءَ يَجْرِي مَجْرَى الْجِنَايَةِ ، لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو فِي مِلْكِ الْغَيْرِ مِنْ عُقُوبَةٍ ، أَوْ مَالٍ ، فَوَجَبَ أَنْ يَمْنَعَ الرَّدَّ ، كَمَا لَوْ كَانَتْ بِكْرًا .\rوَقَالَ شُرَيْحٌ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى : يَرُدُّهَا ، وَمَعَهَا أَرْشٌ .\rوَاخْتَلَفُوا فِيهِ ؛ فَقَالَ شُرَيْحٌ وَالنَّخَعِيُّ : نِصْفُ عُشْرِ ثَمَنِهَا .\rوَقَالَ الشَّعْبِيُّ : حُكُومَةٌ .\rوَقَالَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ : عَشَرَةُ دَنَانِيرَ .\rوَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى : مَهْرُ مِثْلِهَا .\rوَحُكِيَ نَحْوُ قَوْلِهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى رِوَايَةً عَنْ أَحْمَدَ ؛ لِأَنَّهُ إذَا فَسَخَ صَارَ وَاطِئًا فِي مِلْكِ الْغَيْرِ ، لِكَوْنِ الْفَسْخِ رَفْعًا لِلْعَقْدِ مِنْ أَصْلِهِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ مَعْنَى لَا يُنْقِصُ عَيْنَهَا ، وَلَا قِيمَتَهَا ، وَلَا يَتَضَمَّنُ الرِّضَا بِالْعَيْبِ ، فَلَا يَمْنَعُ الرَّدَّ ، كَالِاسْتِخْدَامِ ، وَكَوَطْءِ الزَّوْجِ .\rوَمَا قَالُوهُ يَبْطُلُ بِوَطْءِ الزَّوْجِ ، وَوَطْءُ الْبِكْرِ يُنْقِصُ ثَمَنَهَا .\rوَقَوْلُهُمْ : يَكُونُ وَاطِئًا فِي مِلْكِ الْغَيْرِ .\rلَيْسَ بِصَحِيحٍ ؛ لِأَنَّ الْفَسْخَ رَفْعٌ لِلْعَقْدِ مِنْ حِينِهِ ، لَا مِنْ أَصْلِهِ ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يُبْطِلُ الشُّفْعَةَ ، وَلَا يُوجِبُ رَدَّ الْكُسْبِ ، فَيَكُونُ وَطْؤُهُ فِي مِلْكِهِ .","part":8,"page":262},{"id":3762,"text":"( 3003 ) فَصْلٌ : وَلَوْ اشْتَرَى مُزَوَّجَةً ، فَوَطِئَهَا الزَّوْجُ ، لَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ الرَّدَّ .\rبِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ .\rفَإِنْ زَوَّجَهَا الْمُشْتَرِي ، فَوَطِئَهَا الزَّوْجُ ، ثُمَّ أَرَادَ رَدَّهَا بِالْعَيْبِ ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ النِّكَاحُ بَاقِيًا فَهُوَ عَيْبٌ حَادِثٌ ، وَإِنْ كَانَ قَدْ زَالَ ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ وَطْءِ السَّيِّدِ .\rوَقَدْ اسْتَحْسَنَ أَحْمَدُ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّهُ يَمْنَعُ الرَّدَّ .\rوَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى ؛ إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ هَذَا ، وَبَيْنَ وَطْءِ السَّيِّدِ .\rوَإِنْ زَنَتْ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي ، وَلَمْ يَكُنْ عَرَفَ ذَلِكَ مِنْهَا ، فَهُوَ عَيْبٌ حَادِثٌ ، حُكْمُهُ حُكْمُ الْعُيُوبِ الْحَادِثَةِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَيْبًا بِكُلِّ حَالٍ ؛ لِأَنَّهُ لَزِمَهَا حُكْمُ الزِّنَى فِي يَدِ الْمُشْتَرِي .","part":8,"page":263},{"id":3763,"text":"( 3004 ) الْفَصْلُ الْخَامِسُ ؛ أَنَّهُ إذَا اخْتَارَ الْمُشْتَرِي إمْسَاكَ الْمَعِيبِ ، وَأَخْذَ الْأَرْشِ ، فَلَهُ ذَلِكَ .\rوَهَذَا قَوْلُ إِسْحَاقَ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ : لَيْسَ لَهُ إلَّا الْإِمْسَاكُ ، أَوْ الرَّدُّ ، وَلَيْسَ لَهُ أَرْشٌ ، إلَّا أَنْ يَتَعَذَّرَ رَدُّ الْمَبِيعِ ، لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَعَلَ لِمُشْتَرِي الْمُصَرَّاةِ الْخِيَارَ بَيْنَ الْإِمْسَاكِ مِنْ غَيْرِ أَرْشٍ ، أَوْ الرَّدِّ .\rوَلِأَنَّهُ يَمْلِكُ الرَّدَّ ، فَلَمْ يَمْلِكْ أَخْذَ جُزْءٍ مِنْ الثَّمَنِ ، كَاَلَّذِي لَهُ الْخِيَارُ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ ظَهَرَ عَلَى عَيْبٍ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ ، فَكَانَ لَهُ الْأَرْشُ ، كَمَا لَوْ تَعَيَّبَ عِنْدَهُ .\rوَلِأَنَّهُ فَاتَ عَلَيْهِ جُزْءٌ مِنْ الْمَبِيعِ ، فَكَانَتْ لَهُ الْمُطَالَبَةُ بِعِوَضِهِ ، كَمَا لَوْ اشْتَرَى عَشَرَةَ أَقْفِزَةٍ ، فَبَانَتْ تِسْعَةً ، أَوْ كَمَا لَوْ أَتْلَفَهُ بَعْدَ الْبَيْعِ ؛ فَأَمَّا الْمُصَرَّاةُ فَلَيْسَ فِيهَا عَيْبٌ ، وَإِنَّمَا مَلَكَ الْخِيَارَ بِالتَّدْلِيسِ ، لَا لِفَوَاتِ جُزْءٍ ، وَلِذَلِكَ لَا يَسْتَحِقُّ أَرْشًا إذَا امْتَنَعَ الرَّدُّ عَلَيْهِ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَمَعْنَى أَرْشِ الْعَيْبِ أَنْ يُقَوَّمَ الْمَبِيعُ صَحِيحًا ، ثُمَّ يُقَوَّمَ مَعِيبًا ، فَيُؤْخَذُ قِسْطُ مَا بَيْنَهُمَا مِنْ الثَّمَنِ ، فَنِسْبَتُهُ إلَى الثَّمَنِ نِسْبَةُ النُّقْصَانِ بِالْعَيْبِ مِنْ الْقِيمَةِ ، مِثَالُهُ أَنْ يُقَوَّمَ الْمَعِيبُ صَحِيحًا بِعَشَرَةٍ ، وَمَعِيبًا بِتِسْعَةِ ، وَالثَّمَنُ خَمْسَةَ عَشَرَ ، فَقَدْ نَقَصَهُ الْعَيْبُ عُشْرَ قِيمَتِهِ ، فَيُرْجَعُ عَلَى الْبَائِعِ بِعُشْرِ الثَّمَنِ ، وَهُوَ دِرْهَمٌ وَنِصْفٌ .\rوَعِلَّةُ ذَلِكَ أَنَّ الْمَبِيعَ الْمَضْمُونَ عَلَى الْمُشْتَرِي بِثَمَنِهِ ، فَفَوَاتُ جُزْءٍ مِنْهُ يُسْقِطُ عَنْهُ ضَمَانَ مَا قَابَلَهُ مِنْ الثَّمَنِ أَيْضًا .\rوَلِأَنَّنَا لَوْ ضَمَّنَّاهُ نَقْصَ الْقِيمَةِ ، أَفْضَى إلَى اجْتِمَاعِ الثَّمَنِ وَالْمُثَمَّنِ لِلْمُشْتَرِي ، فِيمَا إذَا اشْتَرَى شَيْئًا بِنِصْفِ قِيمَتِهِ ، فَوَجَدَ بِهِ عَيْبًا يُنْقِصُهُ نِصْفَ قِيمَتِهِ ، مِثْلُ أَنْ يَشْتَرِيَهُ بِعَشَرَةٍ وَقِيمَتُهُ عِشْرُونَ ،","part":8,"page":264},{"id":3764,"text":"فَوَجَدَ بِهِ عَيْبًا يُنْقِصُهُ عَشَرَةً ، فَأَخَذَهَا ، حَصَلَ لَهُ الْمَبِيعُ ، وَرَجَعَ بِثَمَنِهِ .\rوَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ الْخِرَقِيِّ : \" أَوْ يَأْخُذَ مَا بَيْنَ الصِّحَّةِ وَالْعَيْبِ \" .\rوَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ .\rوَذَكَرَهُ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ ، فَقَالَ : يَرْجِعُ بِقِيمَةِ الْعَيْبِ فِي الثَّمَنِ يَوْمَ اشْتَرَاهُ .\rقَالَ أَحْمَدُ : هَذَا أَحْسَنُ مَا سَمِعْت .","part":8,"page":265},{"id":3765,"text":"( 3005 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِنْ كَانَتْ بِكْرًا ، فَأَرَادَ رَدَّهَا ، كَانَ عَلَيْهِ مَا نَقَصَهَا ) يَعْنِي الْأَمَةَ الْبِكْرَ إذَا وَطِئَهَا الْمُشْتَرِي ، ثُمَّ ظَهَرَ عَلَى عَيْبٍ فَرَدَّهَا ، كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَرُدَّ مَعَهَا أَرْشَ النَّقْصِ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ فِي جَوَازِ رَدِّهَا رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، لَا يَرُدُّهَا ، وَيَأْخُذُ أَرْشَ الْعَيْبِ .\rوَبِهِ قَالَ ابْنُ سِيرِينَ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَإِسْحَاقُ .\rقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى : وَهُوَ الصَّحِيحُ عَنْ أَحْمَدَ .\rوَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ ، يَرُدُّهَا ، وَيَرُدُّ مَعَهَا شَيْئًا .\rوَبِهِ قَالَ شُرَيْحٌ ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى ، وَأَبُو ثَوْرٍ .\rوَالْوَاجِبُ رَدُّ مَا نَقَصَ قِيمَتَهَا بِالْوَطْءِ ، فَإِذَا كَانَتْ قِيمَتُهَا بِكْرًا عَشَرَةً ، وَثَيِّبًا ثَمَانِيَةً ، رَدَّ دِينَارَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ بِفَسْخِ الْعَقْدِ يَصِيرُ مَضْمُونًا عَلَيْهِ بِقِيمَتِهِ ، بِخِلَافِ أَرْشِ الْعَيْبِ الَّذِي يَأْخُذُهُ الْمُشْتَرِي .\rوَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ ، وَأَبِي ثَوْرٍ .\rوَقَالَ شُرَيْحٌ ، وَالنَّخَعِيُّ : يَرُدُّ عُشْرَ ثَمَنِهَا .\rوَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ : يَرُدُّ عَشَرَةَ دَنَانِيرَ .\rوَمَا قُلْنَاهُ أَوْلَى ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .\rوَاحْتَجَّ مَنْ مَنَعَ رَدَّهَا بِأَنَّ الْوَطْءَ نَقَصَ عَيْنَهَا وَقِيمَتَهَا ، فَلَمْ يَمْلِكْ رَدَّهَا ، كَمَا [ إذَا ] اشْتَرَى عَبْدًا فَخَصَاهُ ، فَنَقَصَتْ قِيمَتُهُ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ عَيْبٌ حَدَثَ عِنْدَ أَحَدِ الْمُتَبَايِعَيْنِ لَا لِاسْتِعْلَامٍ ، فَأَثْبَتَ الْخِيَارَ ، كَالْعَيْبِ الْحَادِثِ عِنْدَ الْبَائِعِ قَبْلَ الْقَبْضِ .","part":8,"page":266},{"id":3766,"text":"( 3006 ) فَصْلٌ : وَكُلُّ مَبِيعٍ كَانَ مَعِيبًا ، ثُمَّ حَدَثَ بِهِ عِنْدَ الْمُشْتَرِي عَيْبٌ آخَرُ ، قَبْلَ عِلْمِهِ بِالْأَوَّلِ ، فَعَنْ أَحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ فِيهِ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، لَيْسَ لَهُ الرَّدُّ ، وَلَهُ أَرْشُ الْعَيْبِ الْقَدِيمِ .\rوَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَابْنُ شُبْرُمَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ ، وَالزُّهْرِيِّ ، وَالشَّعْبِيِّ ؛ لِأَنَّ الرَّدَّ ثَبَتَ لِإِزَالَةِ الضَّرَرِ ، وَفِي الرَّدِّ عَلَى الْبَائِعِ إضْرَارٌ بِهِ ، وَلَا يُزَالُ الضَّرَرُ بِالضَّرَرِ .\rوَالثَّانِيَةُ ، لَهُ الرَّدُّ ، يَرُدُّ أَرْشَ الْعَيْبِ الْحَادِثِ عِنْدَهُ ، وَيَأْخُذُ الثَّمَنَ .\rوَإِنْ شَاءَ أَمْسَكَهُ ، وَلَهُ الْأَرْشُ .\rوَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ وَإِسْحَاقُ .\rوَقَالَ النَّخَعِيُّ ، وَحَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ : يَرُدُّهُ وَنُقْصَانَ الْعَيْبِ .\rوَقَالَ الْحَكَمُ : يَرُدُّهُ .\rوَلَمْ يَذْكُرْ مَعَهُ شَيْئًا .\rوَلَنَا ، حَدِيثُ الْمُصَرَّاةِ ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِرَدِّهَا بَعْدَ حَلْبِهَا ، وَرَدِّ عِوَضِ لَبَنِهَا .\rوَاحْتَجَّ أَحْمَدُ بِأَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَضَى فِي الثَّوْبِ ، إذَا كَانَ بِهِ عَوَارٌ ، بِرَدِّهِ وَإِنْ كَانَ قَدْ لَبِسَهُ .\rوَلِأَنَّهُ عَيْبٌ حَدَثَ عِنْدَ الْمُشْتَرِي ، فَكَانَ لَهُ الْخِيَارُ بَيْنَ رَدِّ الْمَبِيعِ وَأَرْشِهِ ، وَبَيْنَ أَخْذِ أَرْشِ الْعَيْبِ الْقَدِيمِ ، كَمَا لَوْ كَانَ حُدُوثُهُ لِاسْتِعْلَامِ الْمَبِيعِ .\rوَلِأَنَّ الْعَيْبَيْنِ قَدْ اسْتَوَيَا ، وَالْبَائِعُ قَدْ دَلَّسَ بِهِ ، وَالْمُشْتَرِي لَمْ يُدَلِّسْ ، فَكَانَ رِعَايَةُ جَانِبِهِ أَوْلَى .\rوَلِأَنَّ الرَّدَّ كَانَ جَائِزًا قَبْلَ حُدُوثِ الْعَيْبِ الثَّانِي ، فَلَا يَزُولُ إلَّا بِدَلِيلٍ ، وَلَيْسَ فِي الْمَسْأَلَةِ إجْمَاعٌ وَلَا نَصٌّ ، وَالْقِيَاسُ إنَّمَا يَكُونُ عَلَى أَصْلٍ ، وَلَيْسَ لِمَا ذَكَرُوهُ أَصْلٌ ، فَيَبْقَى الْجَوَازُ بِحَالِهِ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّهُ يَرُدُّ أَرْشَ الْعَيْبِ الْحَادِثِ عِنْدَهُ ؛ لِأَنَّ الْمَبِيعَ بِجُمْلَتِهِ مَضْمُونٌ عَلَيْهِ ، فَكَذَلِكَ أَجْزَاؤُهُ .\rوَإِنْ","part":8,"page":267},{"id":3767,"text":"زَالَ الْعَيْبُ الْحَادِثُ عِنْدَ الْمُشْتَرِي ، رَدَّهُ وَلَا أَرْشَ مَعَهُ ، عَلَى كِلْتَا الرِّوَايَتَيْنِ .\rوَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ ؛ لِأَنَّهُ زَالَ الْمَانِعُ ، مَعَ قِيَامِ السَّبَبِ الْمُقْتَضِي لِلرَّدِّ ، فَثَبَتَ حُكْمُهُ .\rوَلَوْ اشْتَرَى أَمَةً ، فَحَمَلَتْ عِنْدَهُ ، ثُمَّ أَصَابَ بِهَا عَيْبًا ، فَالْحَمْلُ عَيْبٌ فِي الْآدَمِيَّاتِ دُونَ غَيْرِهِنَّ ؛ لِأَنَّهُ يَمْنَعُ الْوَطْءَ وَيُخَافُ مِنْهُ التَّلَفُ .\rفَإِنْ وَلَدَتْ ، فَالْوَلَدُ لِلْمُشْتَرِي .\rوَإِنْ نَقَصَتْهَا الْوِلَادَةُ ، فَذَلِكَ عَيْبٌ أَيْضًا .\rوَإِنْ لَمْ تَنْقُصْهَا الْوِلَادَةُ وَمَاتَ الْوَلَدُ ، جَازَ رَدُّهَا ؛ لِأَنَّهُ زَالَ الْعَيْبُ ، وَإِنْ كَانَ وَلَدُهَا بَاقِيًا ، لَمْ يَكُنْ لَهُ رَدُّهَا دُونَ وَلَدِهَا ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ تَفْرِيقٌ بَيْنَهُمَا ، وَهُوَ مُحَرَّمٌ .\rوَقَالَ الشَّرِيفُ أَبُو جَعْفَرٍ ، وَأَبُو الْخَطَّابِ فِي \" مَسَائِلِهِمَا \" : لَهُ الْفَسْخُ فِيهَا ، دُونَ وَلَدِهَا .\rوَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ .\rوَلِأَنَّهُ مَوْضِعُ حَاجَةٍ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ وَلَدَتْ حُرًّا ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُهَا دُونَ وَلَدِهَا .\rوَلَنَا ، عُمُومُ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ وَالِدَةٍ وَوَلَدِهَا ، فَرَّقَ اللَّه بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَحِبَّتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ } .\rوَلِأَنَّهُ أَمْكَنَ دَفْعُ الضَّرَرِ بِأَخْذِ الْأَرْشِ ، أَوْ بِرَدِّ وَلَدِهَا مَعَهَا ، فَلَمْ يَجُزْ ارْتِكَابُ مَنْهِيِّ الشَّرْعِ بِالتَّفْرِيقِ بَيْنَهُمَا ، كَمَا لَوْ أَرَادَ الْإِقَالَةَ فِيهَا دُونَ وَلَدِهَا .\rوَقَوْلُهُمْ : إنَّ الْحَاجَةَ دَاعِيَةٌ إلَيْهِ .\rقُلْنَا : قَدْ انْدَفَعَتْ الْحَاجَةُ بِأَخْذِ الْأَرْشِ ، أَمَّا إذَا وَلَدَتْ حُرًّا ، فَلَا سَبِيلَ إلَى بَيْعِهِ مَعَهَا بِحَالٍ .\rوَلَوْ كَانَ الْمَبِيعُ حَيَوَانًا غَيْرَ الْآدَمِيِّ ، فَحَدَثَ بِهِ حَمْلٌ عِنْدَ الْمُشْتَرِي ، لَمْ يَمْنَعْ الرَّدَّ بِالْعَيْبِ ؛ لِأَنَّهُ زِيَادَةٌ .\rوَإِنْ عَلِمَ بِالْعَيْبِ بَعْدَ الْوَضْعِ ، وَلَمْ تَنْقُصْهُ الْوِلَادَةُ ، فَلَهُ إمْسَاكُ الْوَلَدِ وَرَدُّ الْأُمِّ ؛ لِأَنَّ التَّفْرِيقَ بَيْنَهُمَا جَائِزٌ .\rوَلَا فَرْقَ","part":8,"page":268},{"id":3768,"text":"بَيْنَ حَمْلِهَا قَبْلَ الْقَبْضِ ، أَوْ بَعْدَهُ .\rوَلَوْ اشْتَرَاهَا حَامِلًا ، فَوَلَدَتْ عِنْدَهُ ، ثُمَّ اطَّلَعَ عَلَى الْعَيْبِ فَرَدَّهَا ، رَدَّ الْوَلَدَ مَعَهَا ؛ لِأَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ الْمَبِيعِ ، وَالزِّيَادَةُ فِيهِ نَمَاءٌ مُتَّصِلٌ بِالْمَبِيعِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ سَمِنَتْ الشَّاةُ .\rفَإِنْ تَلِفَ الْوَلَدُ ، فَهُوَ كَتَعَيُّبِ الْمَبِيعِ عِنْدَهُ .\rفَإِنْ قُلْنَا : لَهُ الرَّدُّ .\rفَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ ، إنْ اخْتَارَ رَدَّ الْأُمِّ ، وَعِنْدَ أَحْمَدَ ؛ أَنَّهُ لَا قِيمَةَ عَلَيْهِ لِلْوَلَدِ .\rوَحَمَلَهُ الْقَاضِي عَلَى أَنَّ الْبَائِعَ دَلَّسَ الْعَيْبَ .\rوَإِنْ نَقَصَتْ الْأُمُّ بِالْوِلَادَةِ ، فَهُوَ عَيْبٌ حَادِثٌ ، حُكْمُهُ حُكْمُ الْعُيُوبِ الْحَادِثَةِ .\rوَيُمْكِنُ حَمْلُ كَلَامِ أَحْمَدَ عَلَى أَنَّ الْحَمْلَ لَا حُكْمَ لَهُ .\rوَهَذَا أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ لِلشَّافِعِي .\rفَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْوَلَدُ حِينَئِذٍ لِلْمُشْتَرِي ، فَلَا يَلْزَمُهُ رَدُّهُ إنْ كَانَ بَاقِيًا ، وَلَا قِيمَتُهُ إنْ كَانَ تَالِفًا .\rوَالْأَوَّلُ هُوَ الصَّحِيحُ ، وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .","part":8,"page":269},{"id":3769,"text":"( 3007 ) فَصْلٌ : وَإِنْ كَانَ الْمَبِيعُ كَاتِبًا أَوْ صَانِعًا ، فَنَسِيَ ذَلِكَ عِنْد الْمُشْتَرِي ، ثُمَّ وَجَدَ بِهِ عَيْبًا ، فَذَلِكَ عَيْبٌ حَادِثٌ عِنْدَ الْمُشْتَرِي ، حُكْمُهُ حُكْمُ غَيْرِهِ مِنْ الْعُيُوبِ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ ، يَرُدُّهُ ، وَلَا يَرُدُّ ، مَعَهُ شَيْئًا .\rوَعَلَّلَهُ الْقَاضِي بِأَنَّهُ لَيْسَ بِنَقْصٍ فِي الْعَيْنِ ، وَيُمْكِنُ عَوْدُهُ بِالتَّذَكُّرِ .\rقَالَ : وَعَلَى هَذَا لَوْ كَانَ سَمِينًا فَهَزِلَ .\rوَالْقِيَاسُ مَا ذَكَرْنَاهُ ؛ فَإِنَّ الصِّيَاغَةَ وَالْكِتَابَةَ مُتَقَوِّمَةٌ تَضْمَنُ فِي الْغَصْبِ ، وَتَلْزَمُ بِشَرْطِهَا فِي الْبَيْعِ ، فَأَشْبَهَتْ الْأَعْيَانَ وَالْمَنَافِعَ ، مِنْ السَّمْعِ وَالْبَصَرِ ، وَالْعَقْلِ ، وَإِمْكَانُ الْعَوْدِ مُنْتَقِضٌ بِالسِّنِّ ، وَالْبَصَرِ ، وَالْحَمْلِ .\rوَلَعَلَّ مَا رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَرَادَ بِهِ ، إذَا دَلَّسَ الْبَائِعُ الْعَيْبَ .","part":8,"page":270},{"id":3770,"text":"( 3008 ) فَصْلٌ : وَإِذَا تَعَيَّبَ الْمَبِيعُ فِي يَدِ الْبَائِعِ بَعْدَ الْعَقْدِ ؛ فَإِنْ كَانَ الْمَبِيعُ مِنْ ضَمَانِهِ ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْعَيْبِ الْقَدِيمِ ، وَإِنْ كَانَ مِنْ ضَمَانِ الْمُشْتَرِي ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْعَيْبِ الْحَادِثِ بَعْدَ الْقَبْضِ .\rفَأَمَّا الْحَادِثُ بَعْدَ الْقَبْضِ ، فَهُوَ مِنْ ضَمَانِ الْمُشْتَرِي ، وَلَا يَثْبُتُ بِهِ خِيَارٌ .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : عُهْدَةُ الرَّقِيقِ ثَلَاثَةُ أَيَّامِ ، فَمَا أَصَابَهُ فِيهَا فَهُوَ مِنْ ضَمَانِ الْبَائِعِ ، إلَّا فِي الْجُنُونِ ، وَالْجُذَامِ ، وَالْبَرَصِ ، فَإِنْ ظَهَرَ إلَى سَنَةٍ ثَبَتَ الْخِيَارُ ؛ لِمَا رَوَى الْحَسَنُ ، عَنْ عُقْبَةَ { ؛ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَعَلَ عُهْدَةَ الرَّقِيقِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ } .\rوَأَنَّهُ إجْمَاعُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ .\rوَلِأَنَّ الْحَيَوَانَ يَكُونُ فِيهِ الْعَيْبُ ، ثُمَّ يَظْهَرُ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ ظَهَرَ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَادِثًا ، فَلَمْ يَثْبُتْ بِهِ الْخِيَارُ ، كَسَائِرِ الْمَبِيعِ ، أَوْ مَا بَعْدَ الثَّلَاثَةِ وَالسَّنَةِ ، وَحَدِيثُهُمْ لَا يَثْبُتُ ؛ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : لَيْسَ فِيهِ حَدِيثٌ صَحِيحٌ .\rوَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : لَا يَثْبُتُ فِي الْعُهْدَةِ حَدِيثٌ صَحِيحٌ ، وَالْحَسَنُ لَمْ يَلْقَ عُقْبَةَ .\rوَإِجْمَاعُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ .\rوَالدَّاءُ الْكَامِنُ لَا عِبْرَةَ بِهِ ، وَإِنَّمَا النَّقْصُ بِمَا ظَهَرَ لَا بِمَا كَمَنَ .","part":8,"page":271},{"id":3771,"text":"( 3009 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( إلَّا أَنْ يَكُونَ الْبَائِعُ دَلَّسَ الْعَيْبَ ، فَيَلْزَمُهُ رَدُّ الثَّمَنِ ، كَامِلًا .\rوَكَذَلِكَ سَائِرُ الْمَبِيعِ ) مَعْنَى دَلَّسَ الْعَيْبَ : أَيْ كَتَمَهُ عَنْ الْمُشْتَرِي ، مَعَ عِلْمِهِ بِهِ .\rأَوْ : غَطَّاهُ عَنْهُ ، بِمَا يُوهِمُ الْمُشْتَرِيَ عَدَمَهُ .\rمُشْتَقٌّ مِنْ الدُّلْسَةِ ، وَهِيَ الظُّلْمَةُ .\rفَكَأَنَّ الْبَائِعَ يَسْتُرُ الْعَيْبَ .\rوَكِتْمَانُهُ جَعْلُهُ فِي ظُلْمَةٍ ، فَخَفِيَ عَنْ الْمُشْتَرِي ، فَلَمْ يَرَهُ ، وَلَمْ يَعْلَمْ بِهِ .\rوَسَوَاءٌ فِي هَذَا مَا عَلِمَ بِهِ فَكَتَمَهُ ، وَمَا سَتَرَ ، فَكُلَاهُمَا تَدْلِيسٌ حَرَامٌ ، عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ .\rفَإِذَا فَعَلَهُ الْبَائِعُ ، فَلَمْ يَعْلَمْ بِهِ الْمُشْتَرِي حَتَّى تَعَيَّبَ الْمَبِيعُ فِي يَدِهِ ، فَلَهُ رَدُّ الْمَبِيعِ ، وَأَخْذُ ثَمَنِهِ كَامِلًا ، وَلَا أَرْشَ عَلَيْهِ ، سَوَاءٌ كَانَ الْحَادِثُ بِفِعْلِ الْمُشْتَرِي ، كَوَطْءِ الْبِكْرِ ، وَقَطْعِ الثَّوْبِ ، أَوْ بِفِعْلِ آدَمِيٍّ آخَرَ ، مِثْلُ أَنْ يَجْنِيَ عَلَيْهِ جَانٍ ، أَوْ بِفِعْلِ الْعَبْدِ كَالسَّرِقَةِ وَالْإِبَاقِ ، أَوْ بِفِعْلِ اللَّهِ تَعَالَى بِالْمَرَضِ وَنَحْوِهِ ، سَوَاءٌ كَانَ نَاقِصًا لِلْمَبِيعِ ، أَوْ مَذْهَبًا لَجَمِيعِهِ .\rقَالَ أَحْمَدُ ، فِي رَجُلٍ اشْتَرَى عَبْدًا ، فَأَبَقَ مِنْ يَدِهِ ، وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَنَّ إبَاقَهُ كَانَ مَوْجُودًا فِي يَدِ الْبَائِعِ : يَرْجِعُ بِهِ عَلَى الْبَائِعِ ، بِجَمِيعِ الثَّمَنِ الَّذِي أَخَذَهُ مِنْهُ ؛ لِأَنَّهُ غَرَّ الْمُشْتَرِيَ ، وَيَتْبَعُ الْبَائِعُ عَبْدَهُ حَيْثُ كَانَ .\rوَهَذَا يُحْكَى عَنْ الْحَكَمِ ، وَمَالِكٍ ؛ لِأَنَّهُ غَرَّهُ فَيَرْجِعُ عَلَيْهِ ، كَمَا لَوْ غَرَّهُ بِحُرِّيَّةِ أَمَةٍ .\rوَظَاهِرُ حَدِيثِ الْمُصَرَّاةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَا حَدَثَ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي مَضْمُونٌ عَلَيْهِ ، سَوَاءٌ دَلَّسَ الْبَائِعُ الْعَيْبَ ، أَوْ لَمْ يُدَلِّسْهُ ، فَإِنَّ التَّصْرِيَةَ تَدْلِيسٌ ، وَلَمْ يُسْقِطْ عَنْ الْمُشْتَرِي ضَمَانَ اللَّبَنِ ، بَلْ ضَمِنَهُ بِصَاعٍ مِنْ التَّمْرِ ، مَعَ كَوْنِهِ قَدْ نَهَى عَنْ التَّصْرِيَةِ ، وَقَالَ { : بَيْعُ الْمُحَفَّلَاتِ خَلَابَةٌ ، وَلَا تَحِلُّ الْخَلَابَةُ لِمُسْلِمٍ }","part":8,"page":272},{"id":3772,"text":".\rوَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ } .\rيَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَنْ لَهُ الْخَرَاجُ فَعَلَيْهِ الضَّمَانُ ؛ لِكَوْنِهِ جَعَلَ الضَّمَانَ عِلَّةً لِوُجُوبِ الْخَرَاجِ لَهُ .\rفَلَوْ كَانَ ضَمَانُهُ عَلَى الْبَائِعِ لَكَانَ الْخَرَاجُ لَهُ ؛ لِوُجُودِ عِلَّتِهِ ، وَلِأَنَّ وُجُوبَ الضَّمَانِ عَلَى الْبَائِعِ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِنَصٍّ ، أَوْ إجْمَاعٍ ، أَوْ قِيَاسٍ ، وَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا نَصًّا وَلَا إجْمَاعًا ، وَالْقِيَاسُ إنَّمَا يَكُونُ عَلَى أَصْلٍ ، وَلَا نَعْلَمُ لِهَذَا أَصْلًا .\rوَلَا يُشْبِهُ هَذَا التَّغْرِيرَ بِحُرِّيَّةِ الْأَمَةِ فِي النِّكَاحِ ؛ لِأَنَّهُ يَرْجِعُ عَلَى مَنْ غَرَّهُ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ سَيِّدَ الْأَمَةِ ، وَهَاهُنَا لَوْ كَانَ التَّدْلِيسُ مِنْ وَكِيلِ الْبَائِعِ لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ .","part":8,"page":273},{"id":3773,"text":"( 3010 ) فَصْلٌ : فِي مَعْرِفَةِ الْعُيُوبِ ؛ وَهِيَ النَّقَائِصُ الْمُوجِبَةُ لِنَقْصِ الْمَالِيَّةِ فِي عَادَاتِ التُّجَّارِ ؛ لِأَنَّ الْمَبِيعَ إنَّمَا صَارَ مَحَلًّا لِلْعَقْدِ بِاعْتِبَارِ صِفَةِ الْمَالِيَّةِ ، فَمَا يُوجِبُ نَقْصًا فِيهَا يَكُونُ عَيْبًا ، وَالْمَرْجِعُ فِي ذَلِكَ إلَى الْعَادَةِ فِي عُرْفِ أَهْلِ هَذَا الشَّأْنِ ، وَهُمْ التُّجَّارُ .\rفَالْعُيُوبُ فِي الْخِلْقَةِ ؛ كَالْجُنُونِ ، وَالْجُذَامِ ، وَالْبَرَصِ ، وَالْعَمَى ، وَالْعَوَرِ ، وَالْعَرَجِ ، وَالْعَفَلِ ، وَالْقَرْنِ ، وَالْعِتْقِ ، وَالرَّتَقِ ، وَالْقَرَعِ ، وَالصَّمَمِ ، وَالطَّرَشِ ، وَالْخَرَسِ ، وَسَائِرِ الْمَرَضِ ، وَالْأُصْبُعِ الزَّائِدَةِ وَالنَّاقِصَةِ ، وَالْحَوَلِ ، وَالْخُوصِ ، وَالسُّبُلِ ، وَهُوَ زِيَادَةٌ فِي الْأَجْفَانِ ، وَالتَّخْنِيثِ ، وَكَوْنِهِ خُنْثَى ، وَالْخِصَاءِ ، وَالتَّزَوُّجِ فِي الْأَمَةِ ، وَالْبَخَرِ فِيهَا .\rوَهَذَا كُلُّهُ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ .\rوَلَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي الْجَارِيَةِ تُشْتَرَى وَلَهَا زَوْجٌ أَنَّهُ عَيْبٌ .\rوَكَذَلِكَ الدَّيْنُ فِي رَقَبَةِ الْعَبْدِ إذَا كَانَ السَّيِّدُ مُعْسِرًا ، وَالْجِنَايَةُ الْمُوجِبَةُ لِلْقَوَدِ ؛ لِأَنَّ الرَّقَبَةَ صَارَتْ كَالْمُسْتَحِقَّةِ لِوُجُوبِ الدَّفْعِ فِي الْجِنَايَةِ وَالْبَيْعِ فِي الدَّيْنِ ، وَمُسْتَحِقَّةً لِلْإِتْلَافِ بِالْقِصَاصِ ، وَالزِّنَى وَالْبَخَرُ عَيْبٌ فِي الْعَبْدِ وَالْأَمَةِ جَمِيعًا .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَيْسَ ذَلِكَ بِعَيْبِ فِي الْعَبْدِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُرَادُ لِلْفِرَاشِ وَالِاسْتِمْتَاعِ بِهِ ، بِخِلَافِ الْأَمَةِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ ذَلِكَ يُنْقِصُ قِيمَتَهُ وَمَالِيَّتَهُ ، فَإِنَّهُ بِالزِّنَى يَتَعَرَّضُ لِإِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ وَالتَّعْزِيرِ ، وَلَا يَأْمَنُهُ سَيِّدُهُ عَلَى عَائِلَتِهِ وَحَرِيمِهِ ، وَالْبَخَرُ يُؤْذِي سَيِّدَهُ ، وَمَنْ جَالَسَهُ وَخَاطَبَهُ أَوْ سَارَّهُ .\rوَأَمَّا السَّرِقَةُ ، وَالْإِبَاقُ ، وَالْبَوْلُ فِي الْفِرَاشِ ، فَهِيَ عُيُوبٌ فِي الْكَبِيرِ الَّذِي جَاوَزَ الْعَشْرَ .\rوَقَالَ","part":8,"page":274},{"id":3774,"text":"أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ : فِي الَّذِي يَأْكُلُ وَحْدَهُ وَيَشْرَبُ وَحْدَهُ .\rوَقَالَ الثَّوْرِيُّ وَإِسْحَاقُ : لَيْسَ بِعَيْبٍ فِيهِ حَتَّى يَحْتَلِمَ ؛ لِأَنَّ الْأَحْكَامَ تَتَعَلَّقُ بِهِ ، مِنْ التَّكْلِيفِ ، وَوُجُوبِ الْحُدُودِ ، بِبُلُوغِهِ ، فَكَذَلِكَ هَذَا .\rوَلَنَا ، أَنَّ الصَّبِيَّ الْعَاقِلَ يَتَحَرَّزُ مِنْ هَذَا عَادَةً ، كَتَحَرُّزِ الْكَبِيرِ ، فَوُجُودُهُ مِنْهُ فِي تِلْكَ الْحَالِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْبَوْلَ لِدَاءٍ فِي بَاطِنِهِ ، وَالسَّرِقَةَ وَالْإِبَاقَ لِخُبْثٍ فِي طَبْعِهِ ، وَحُدَّ ذَلِكَ بِالْعَشْرِ لِأَمْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِتَأْدِيبِ الصَّبِيِّ عَلَى تَرْكِ الصَّلَاةِ عِنْدَهَا ، وَالتَّفْرِيقِ بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ لِبُلُوغِهَا .\rفَأَمَّا مَنْ دُونَ ذَلِكَ فَتَكُونُ هَذِهِ الْأُمُورُ مِنْهُ لِضَعْفِ عَقْلِهِ ، وَعَدَمِ تَثَبُّتِهِ .\rوَكَذَلِكَ إنْ كَانَ الْعَبْدُ يَشْرَبُ الْخَمْرَ ، أَوْ يَسْكَرُ مِنْ النَّبِيذِ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ؛ لِأَنَّهُ يُوجِبُ عَلَيْهِ الْحَدَّ ، فَهُوَ كَالزِّنَى .\rوَكَذَلِكَ الْحُمْقُ الشَّدِيدُ ، وَالِاسْتِطَالَةُ عَلَى النَّاسِ ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى التَّأْدِيبِ ، وَرُبَّمَا تَكَرَّرَ فَأَفْضَى إلَى تَلَفِهِ ، وَلَا يَكُونُ عَيْبًا إلَّا فِي الْكَبِيرِ دُونَ الصَّغِيرِ ؛ لِأَنَّهُ مَنْسُوبٌ إلَى فِعْلِهِ .\rوَعَدَمُ الْخِتَانِ لَيْسَ بِعَيْبٍ فِي الصَّغِيرِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَفُتْ وَقْتُهُ ، وَلَا فِي الْأَمَةِ الْكَبِيرَةِ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ : هُوَ عَيْبٌ فِيهَا ؛ لِأَنَّهُ زِيَادَةُ أَلَمٍ ، فَأَشْبَهَتْ الْعَبْدَ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ لَيْسَ بِوَاجِبِ فِي حَقِّهَا ، وَالْأَلَمُ فِيهِ يَسِيرٌ لَا يُخْشَى مِنْهُ التَّلَفُ ، بِخِلَافِ الْعَبْدِ الْكَبِير .\rفَأَمَّا الْعَبْدُ الْكَبِيرُ ، فَإِنْ كَانَ مَجْلُوبًا مِنْ الْكُفَّارِ ، فَلَيْسَ ذَلِكَ بِعَيْبٍ فِيهِ ؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ أَنَّهُمْ لَا يَخْتَتِنُونَ ، فَصَارَ ذَلِكَ مَعْلُومًا عِنْدَ الْمُشْتَرِي ، فَهُوَ كَدِينِهِمْ .\rوَإِنْ كَانَ مُسْلِمًا مَوْلِدًا ؛ فَهُوَ عَيْبٌ فِيهِ ؛ لِأَنَّهُ يُخْشَى عَلَيْهِ مِنْهُ ، وَهُوَ خِلَافُ الْعَادَةِ .\r( 3011 )","part":8,"page":275},{"id":3775,"text":"فَصْلٌ : وَالثُّيُوبَةُ لَيْسَتْ عَيْبًا ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ عَلَى الْجَوَارِي الثُّيُوبَةُ ، فَالْإِطْلَاقُ لَا يَقْتَضِي خِلَافَهَا ، وَكَوْنُهَا مُحَرَّمَةً عَلَى الْمُشْتَرِي بِنَسَبٍ أَوْ رَضَاعٍ ، لَيْسَ بِعَيْبٍ ، إذْ لَيْسَ فِي الْمَحَلِّ مَا يُوجِبُ خَلَلًا فِي الْمَالِيَّةِ ، وَلَا نَقْصًا ، وَإِنَّمَا التَّحْرِيمُ مُخْتَصٌّ بِهِ .\rوَكَذَلِكَ الْإِحْرَامُ وَالصِّيَامُ ؛ لِأَنَّهُمَا يَزُولَانِ قَرِيبًا .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ .\rوَلَا نَعْلَمُ لَهُمَا مُخَالِفًا .\rوَكَذَلِكَ عِدَّةُ الْبَائِنِ .\rوَأَمَّا عِدَّةُ الرَّجْعِيَّةِ فَهِيَ عَيْبٌ ؛ لِأَنَّ الرَّجْعِيَّةَ زَوْجَةٌ ، وَلَا يُؤْمَنُ ارْتِجَاعُهُ لَهَا .\rوَمَعْرِفَةُ الْغِنَاءِ وَالْحِجَامَةِ لَيْسَتْ بِعَيْبٍ .\rوَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ ، فِي الْجَارِيَةِ الْمُغَنِّيَةِ ، أَنَّ ذَلِكَ عَيْبٌ فِيهَا ؛ لِأَنَّ الْغِنَاءَ مُحَرَّمٌ .\rوَلَنَا أَنَّ هَذَا لَيْسَ بِنَقْصٍ فِي عَيْنِهَا ، وَلَا قِيمَتِهَا ، فَلَمْ يَكُنْ عَيْبًا كَالصِّنَاعَةِ ، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْغِنَاءَ مُحَرَّمٌ ، وَإِنْ سَلَّمْنَاهُ ، فَالْمُحَرَّمُ اسْتِعْمَالُهُ ، لَا مَعْرِفَتُهُ ، وَالْعُسْرُ لَيْسَ بِعَيْبٍ ، وَكَانَ شُرَيْحٌ يَرُدُّ بِهِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ لَيْسَ بِنَقْصِ ، وَعَمَلُهُ بِإِحْدَى يَدَيْهِ يَقُومُ مَقَامَ عَمَلِهِ بِالْأُخْرَى ، وَالْكُفْرُ لَيْسَ بِعَيْبٍ .\rوَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : هُوَ عَيْبٌ ؛ لِأَنَّهُ نَقْصٌ ؛ بِدَلِيلِ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى { وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ } .\rوَلَنَا ، أَنَّ الْعَبِيدَ يَكُونُ فِيهِمْ الْمُسْلِمُ وَالْكَافِرُ وَالْأَصْلُ فِيهِمْ الْكُفْرُ ، فَالْإِطْلَاقُ لَا يَقْتَضِي خِلَافَ ذَلِكَ ، وَكَوْنُ الْمُؤْمِنِ خَيْرًا مِنْ الْكَافِرِ لَا يَقْتَضِي كَوْنَ الْكُفْرِ عَيْبًا ، كَمَا أَنَّ الْمُتَّقِيَ خَيْرٌ مِنْ غَيْرِهِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { إنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ } .\rوَلَيْسَ عَدَمُ ذَلِكَ عَيْبًا .\rوَكَوْنُهُ وَلَدَ زِنًا لَيْسَ بِعَيْبٍ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : هُوَ عَيْبٌ فِي الْجَارِيَةِ ؛ لِأَنَّهَا تُرَادُ","part":8,"page":276},{"id":3776,"text":"لِلِافْتِرَاشِ ، بِخِلَافِ الْعَبْدِ .\rوَلَنَا أَنَّ النَّسَبَ فِي الرَّقِيقِ غَيْرُ مَقْصُودٍ ، بِدَلِيلِ أَنَّهُمْ يُشْتَرَوْنَ مَجْلُوبِينَ ، غَيْرَ مَعْرُوفِي النَّسَبِ .\rوَكَوْنُ الْجَارِيَةِ لَا تُحْسِنُ الطَّبْخَ أَوْ الْخَبْزَ أَوْ نَحْوَ هَذَا لَيْسَ بِعَيْبٍ ؛ لِأَنَّ هَذِهِ حِرْفَةٌ ، فَلَمْ يَكُنْ فَوَاتُهَا عَيْبًا ، كَسَائِرِ الصَّنَائِعِ ، وَكَوْنُهَا لَا تَحِيضُ ، لَيْسَ بِعَيْبٍ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : هُوَ عَيْبٌ إذَا كَانَ لِكِبَرٍ ؛ لِأَنَّ مَنْ لَا تَحِيضُ لَا تَحْمِلُ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الْإِطْلَاقَ لَا يَقْتَضِي الْحَيْضَ ، وَلَا عَدَمَهُ ، فَلَمْ يَكُنْ فَوَاتُهُ عَيْبًا ، كَمَا لَوْ كَانَ لِغَيْرِ الْكِبَرِ .","part":8,"page":277},{"id":3777,"text":"( 3012 ) فَصْلٌ : وَإِذَا اشْتَرَطَ الْمُشْتَرِي فِي الْبَيْعِ صِفَةً مَقْصُودَةً مِمَّا لَا يُعَدُّ فَقْدُهُ عَيْبًا ، صَحَّ اشْتِرَاطُهُ ، وَصَارَتْ مُسْتَحَقَّةً ، يَثْبُتُ لَهُ خِيَارُ الْفَسْخِ عِنْدَ عَدَمِهَا ، مِثْلُ أَنْ يَشْتَرِطَ مُسْلِمًا ، فَيَبِينُ كَافِرًا ، أَوْ يَشْتَرِطَ الْأَمَةَ بِكْرًا أَوْ جَعْدَةً أَوْ طَبَّاخَةً ، أَوْ ذَاتَ صَنْعَةٍ ، أَوْ لَبَنٍ ، أَوْ أَنَّهَا تَحِيضُ ، أَوْ يَشْتَرِطَ فِي الدَّابَّةِ أَنَّهَا هِمْلَاجَةٌ ، أَوْ فِي الْفَهْدِ أَنَّهُ صَيُودٌ ، وَمَا أَشْبَهَ هَذَا .\rفَمَتَى بَانَ خِلَافَ مَا اشْتَرَطَهُ ، فَلَهُ الْخِيَارُ فِي الْفَسْخِ ، وَالرُّجُوعُ بِالثَّمَنِ ، أَوْ الرِّضَا بِهِ ، وَلَا شَيْءَ لَهُ .\rلَا نَعْلَمُ بَيْنَهُمْ فِي هَذَا خِلَافًا ؛ لِأَنَّهُ شَرَطَ وَصْفًا مَرْغُوبًا فِيهِ ، فَصَارَ بِالشَّرْطِ مُسْتَحِقًّا .\rفَأَمَّا إنْ شَرَطَ صِفَةً غَيْرَ مَقْصُودَةٍ ، فَبَانَتْ بِخِلَافِهَا ، مِثْلُ أَنْ يَشْتَرِطَهَا سَبْطَةً فَبَانَتْ جَعْدَةً ، أَوْ جَاهِلَةً ، فَبَانَتْ عَالِمَةً ، فَلَا خِيَارَ لَهُ ؛ لِأَنَّهُ زَادَهُ خَيْرًا .\rوَإِنْ شَرَطَهَا كَافِرَةً فَبَانَتْ مُسْلِمَةً ، أَوْ ثَيِّبًا ، فَبَانَتْ بِكْرًا ، فَلَهُ الْخِيَارُ ؛ لِأَنَّ فِيهِ قَصْدًا صَحِيحًا ، وَهُوَ أَنَّ طَالِبَ الْكَافِرَةِ أَكْثَرُ ؛ لِصَلَاحِيَتِهَا لِلْمُسْلِمِينَ وَغَيْرِهَا ، أَوْ لِيَسْتَرِيحَ مِنْ تَكْلِيفهَا الْعِبَادَاتِ .\rوَقَدْ يَشْتَرِطُ الثَّيِّبَ ؛ لِعَجْزِهِ عَنْ الْبِكْرِ ، أَوْ لِيَبِيعَهَا لِعَاجِزٍ عَنْ الْبِكْرِ .\rفَقَدْ فَاتَ قَصْدُهُ .\rوَقِيلَ : لَا خِيَارَ لَهُ ؛ لِأَنَّ هَذَيْنِ زِيَادَةٌ ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي الْبِكْرِ ، وَاخْتِيَارُ الْقَاضِي .\rوَاسْتَبْعَدَ كَوْنَهُ يَقْصِدُ الثُّيُوبَةَ ، لِعَجْزِهِ عَنْ الْبِكْرِ ، وَلَيْسَ هَذَا بِبَعِيدٍ ، فَإِنَّهُ مُمْكِنٌ ، وَالِاشْتِرَاطُ يَدُلُّ عَلَيْهِ ، فَيَصِيرُ بِالدَّلِيلِ قَرِيبًا .\rوَإِنْ شَرَطَ الشَّاةَ لَبُونًا ، صَحَّ ، وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ اللَّبَنِ فِي الضَّرْعِ ، فَلَمْ يَجُزْ شَرْطُهُ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ أَمْرٌ مَقْصُودٌ يَتَحَقَّقُ فِي الْحَيَوَانِ ، وَيَأْخُذُ","part":8,"page":278},{"id":3778,"text":"قِسْطًا مِنْ الثَّمَنِ ، فَصَحَّ اشْتِرَاطُهُ ، كَالصِّنَاعَةِ فِي الْأَمَةِ ، وَالْهَمْلَجَةِ فِي الدَّابَّةِ .\rوَإِنَّمَا لَمْ يَحُزْ بَيْعُهُ مُفْرَدًا ؛ لِلْجَهَالَةِ ، وَالْجَهَالَةُ تَسْقُطُ فِيمَا كَانَ بَيْعًا ، وَكَذَلِكَ لَوْ اشْتَرَاهَا بِغَيْرِ شَرْطٍ ، صَحَّ بَيْعُهَا مَعَهُ ، وَكَذَلِكَ يَصِحُّ بَيْعُ أَسَاسَاتِ الْحِيطَانِ وَالنَّوَى فِي التَّمْرِ مَعَهُ ، وَإِنْ لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُمَا مُفْرَدَيْنِ .\rوَإِنْ شَرَطَ أَنَّهَا تَحْلُبُ كُلَّ يَوْمٍ قَدْرًا مَعْلُومًا ، لَمْ يَصِحَّ ؛ لِتَعَذُّرِ الْوَفَاءِ بِهِ ؛ لِأَنَّ اللَّبَنَ يَخْتَلِفُ ، وَلَا يُمْكِنُ ضَبْطُهُ .\rوَإِنْ شَرَطَهَا غَزِيرَةَ اللَّبَنِ صَحَّ ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ الْوَفَاءُ بِهِ .\rوَإِنْ شَرَطَهَا حَامِلًا صَحَّ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : قِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ .\rلِأَنَّ الْحَمْلَ لَا حُكْمَ لَهُ ؛ وَلِهَذَا لَا يَصِحُّ اللِّعَانُ عَلَى الْحَمْلِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ رِيحٌ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ صِفَةٌ مَقْصُودَةٌ يُمْكِنُ الْوَفَاءُ بِهَا ، فَصَحَّ شَرْطُهُ ، كَالصِّنَاعَةِ ، وَكَوْنِهَا لَبُونًا ، وَقَدْ بَيَّنَّا فِيمَا قَبْلُ أَنَّ لِلْحَمْلِ حُكْمًا ، وَلِذَلِكَ حَكَمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الدِّيَةِ بِأَرْبَعِينَ خِلْفَةً فِي بُطُونِهَا أَوْلَادُهَا .\rوَمَنَعَ أَخْذَ الْحَوَامِلِ فِي الزَّكَاةِ ، وَمَنَعَ وَطْءَ الْحَبَالَى الْمَسْبِيَّاتِ ، وَجَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى عِدَّةَ الْحَامِلِ وَضْعَ حَمْلِهَا ، وَأَرْخَصَ لَهَا الْفِطْرَ فِي رَمَضَانَ إذَا خَافَتْ عَلَى وَلَدِهَا ، وَمَنَعَ مِنْ الِاقْتِصَاصِ مِنْهَا ، وَإِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهَا مِنْ أَجْلِ حَمْلِهَا .\rوَظَاهِرُ الْحَدِيثِ الْمَرْوِيِّ فِي اللِّعَانِ ، يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَاعَنَهَا فِي حَالِ حَمْلِهَا ، فَانْتَفَى عَنْهُ وَلَدُهَا ، وَإِنْ شَرَطَ أَنَّهَا تَضَعُ الْوَلَدَ فِي وَقْتٍ بِعَيْنِهِ ، لَمْ يَصِحَّ وَجْهًا وَاحِدًا ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الْوَفَاءُ بِهِ ، وَإِنْ شَرَطَ أَنَّهَا لَا تَحْمِلُ ، لَمْ يَصِحَّ الشَّرْطُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الْوَفَاءُ بِهِ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : لَا يَصِحُّ فِي الْمُرْتَفِعَاتِ .\rوَيَصِحُّ فِي غَيْرِهِنَّ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ","part":8,"page":279},{"id":3779,"text":"بَاعَهَا بِشَرْطِ الْبَرَاءَةِ مِنْ الْحَمْلِ ، فَلَمْ يَصِحَّ كَالْمُرْتَفِعَاتِ .\rوَإِنْ شَرَطَهَا حَائِلًا ، فَبَانَتْ حَامِلًا ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ فِي الْأَمَةِ ، فَهُوَ عَيْبٌ يَثْبُتُ الْفَسْخُ بِهِ ، وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِهَا ، فَهُوَ زِيَادَةٌ لَا يَسْتَحِقُّ بِهِ فَسْخًا ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَسْتَحِقَّ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُرِيدُهَا لِسَفَرٍ ، أَوْ لِحَمْلِ شَيْءٍ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْهُ مَعَ الْحَمْلِ .\rوَإِنْ شَرَطَ الْبَيْضَ فِي الدَّجَاجَةِ ، فَقَدْ قِيلَ : لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّهُ لَا عِلْمَ عَلَيْهِ ، يُعْرَفُ بِهِ ، وَلَمْ يَثْبُتْ لَهُ فِي الشَّرْعِ حُكْمٌ ، وَالْأَوْلَى أَنَّهُ يَصِحُّ ؛ لِأَنَّهُ يُعْرَفُ بِالْعَادَةِ ، فَأَشْبَهَ اشْتِرَاطَ الشَّاةِ لَبُونًا .\rوَإِنْ اشْتَرَطَ الْهَزَارَ أَوْ الْقُمْرِيَّ مُصَوِّتًا ، فَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا : لَا يَصِحُّ .\rوَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لِأَنَّ صِيَاحَ الطَّيْرِ يَجُوزُ أَنْ يُوجَدَ .\rوَيَجُوزُ أَنْ لَا يُوجَدَ .\rوَالْأَوْلَى جَوَازُهُ ؛ لِأَنَّ فِيهِ مَقْصِدًا صَحِيحًا ، وَهُوَ عَادَةٌ لَهُ وَخِلْقَةٌ فِيهِ ، فَأَشْبَهَ الْهَمْلَجَةَ فِي الدَّابَّةِ ، وَالصَّيْدَ فِي الْفَهْدِ .\rوَإِنْ شَرَطَ فِي الْحَمَامِ أَنَّهُ يَجِيءُ مِنْ مَسَافَةٍ ذَكَرَهَا .\rفَقَالَ الْقَاضِي : لَا يَصِحُّ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَعْذِيبًا لِلْحَيَوَانِ ، وَالْقَصْدُ مِنْهُ غَيْرُ صَحِيحٍ .\rوَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ هَذِهِ عَادَةٌ مُسْتَمِرَّةٌ ، وَفِيهِ قَصْدٌ صَحِيحٌ لِتَبْلِيغِ الْأَخْبَارِ وَحَمْلِ الْكُتُبِ ، فَجَرَى مَجْرَى الصَّيْدِ فِي الْفَهْدِ ، وَالْهَمْلَجَةِ فِي الدَّابَّةِ ، وَإِنْ شَرَطَ فِي الْجَارِيَةِ أَنَّهَا مُغَنِّيَةٌ ، لَمْ يَصِحَّ ؛ لِأَنَّ الْغِنَاءَ مَذْمُومٌ فِي الشَّرْعِ ، فَلَمْ يَصِحَّ اشْتِرَاطُهُ ، كَالزِّنَى .\rوَإِنْ شَرَطَ فِي الْكَبْشِ كَوْنَهُ نَطَّاحًا ، وَفِي الدِّيكِ كَوْنَهُ مُقَاتِلًا ، لَمْ يَصِحَّ الشَّرْطُ ؛ لِأَنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ فِي الشَّرْعِ ، فَجَرَى مَجْرَى الْغِنَاءِ فِي الْجَارِيَةِ .\rوَإِنْ شَرَطَ فِي الدِّيكِ أَنَّهُ يُوقِظُهُ لِلصَّلَاةِ ، لَمْ يَصِحَّ ، لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ الْوَفَاءُ بِهِ ، وَإِنْ شَرَطَ","part":8,"page":280},{"id":3780,"text":"كَوْنَهُ يَصِيحُ فِي أَوْقَاتٍ مَعْلُومَةٍ ، جَرَى مَجْرَى اشْتِرَاطِ التَّصْوِيتِ فِي الْقُمْرِيِّ ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا .","part":8,"page":281},{"id":3781,"text":"( 3013 ) فَصْلٌ : وَلَا يَفْتَقِرُ الرَّدُّ بِالْعَيْبِ إلَى رِضَى الْبَائِعِ ، وَلَا حُضُورِهِ ، وَلَا حُكْمِ حَاكِمٍ ، قَبْلَ الْقَبْضِ وَلَا بَعْدَهُ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إنْ كَانَ قَبْلَ الْقَبْضِ ، افْتَقَرَ إلَى حُضُورِ صَاحِبِهِ دُونَ رِضَاهُ ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ ، افْتَقَرَ إلَى رِضَا صَاحِبِهِ ، أَوْ حُكْمِ حَاكِمٍ ؛ لِأَنَّ مِلْكَهُ قَدْ تَمَّ عَلَى الثَّمَنِ ، فَلَا يَزُولُ إلَّا بِرِضَاهُ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ رَفْعُ عَقْدٍ مُسْتَحِقٍّ لَهُ ، فَلَمْ يَفْتَقِرْ إلَى رِضَا صَاحِبِهِ ، وَلَا حُضُورِهِ كَالطَّلَاقِ ؛ وَلِأَنَّهُ مُسْتَحِقُّ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ ، فَلَا يَفْتَقِرُ إلَى رِضَا صَاحِبِهِ ، كَقَبْلِ الْقَبْضِ .","part":8,"page":282},{"id":3782,"text":"( 3014 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَلَوْ بَاعَ الْمُشْتَرِي بَعْضَهَا ، ثُمَّ ظَهَرَ عَلَى عَيْبٍ ، كَانَ مُخَيَّرًا بَيْنَ أَنْ يَرُدَّ مِلْكَهُ مِنْهَا بِمِقْدَارِهِ مِنْ الثَّمَنِ ، أَوْ يَأْخُذَ أَرْشَ الْعَيْبِ بِقَدْرِ مِلْكِهِ فِيهَا ) الْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي فُصُولٍ ثَلَاثَةٍ : ( 3015 ) الْفَصْلُ الْأَوَّلُ ، أَنَّهُ إذَا اشْتَرَى مَعِيبًا فَبَاعَهُ ، سَقَطَ رَدُّهُ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ زَالَ مِلْكُهُ عَنْهُ .\rفَإِنْ عَادَ إلَيْهِ ، فَأَرَادَ رَدَّهُ بِالْعَيْبِ الْأَوَّلِ ، نَظَرْنَا ، فَإِنْ كَانَ بَاعَهُ عَالِمًا بِالْعَيْبِ ، أَوْ وُجِدَ مِنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى رِضَاهُ بِهِ ، فَلَيْسَ لَهُ رَدُّهُ ؛ لِأَنَّ تَصَرُّفَهُ رِضًا بِالْعَيْبِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلِمَ بِالْعَيْبِ ، فَلَهُ رَدُّهُ عَلَى بَائِعِهِ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَيْسَ لَهُ رَدُّهُ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُشْتَرِي فَسَخَ بِحُكْمِ الْحَاكِمِ ؛ لِأَنَّهُ سَقَطَ حَقُّهُ مِنْ الرَّدِّ بِبَيْعِهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ عَلِمَ بِعَيْبِهِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ أَمْكَنَهُ اسْتِدْرَاكُ ظَلَامَتِهِ بِرَدِّهِ ، فَمَلَكَ ذَلِكَ ، كَمَا لَوْ فَسْخَ الثَّانِيَ بِحُكْمِ حَاكِمٍ ، أَوْ كَمَا لَوْ لَمْ يَزُلْ مِلْكُهُ عَنْهُ ، وَلَا نُسَلِّمُ سُقُوطَ حَقِّهِ ، وَإِنَّمَا امْتَنَعَ لِعَجْزِهِ عَنْ رَدِّهِ ، فَإِذَا عَادَ إلَيْهِ زَالَ الْمَانِعُ ، فَظَهَرَ جَوَازُ الرَّدِّ ، كَمَا لَوْ امْتَنَعَ الرَّدُّ لِغَيْبَةِ الْبَائِعِ ، أَوْ لِمَعْنًى سِوَاهُ .\rوَسَوَاءٌ رَجَعَ إلَى الْمُشْتَرِي الْأَوَّلِ بِالْعَيْبِ الْأَوَّلِ ، أَوْ بِإِقَالَةٍ ، أَوْ هِبَةٍ ، أَوْ شِرَاءٍ ثَانٍ ، أَوْ مِيرَاثٍ ، فِي ظَاهِرِ كَلَامِ الْقَاضِي .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ : إنْ رَجَعَ بِغَيْرِ الْفَسْخِ بِالْعَيْبِ الْأَوَّلِ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ، أَحَدُهُمَا ، لَيْسَ لَهُ رَدُّهُ ؛ لِأَنَّهُ اسْتَدْرَكَ ظَلَامَتَهُ بِبَيْعِهِ ، وَلَمْ يَزُلْ بِفَسْخِهِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ سَبَبَ اسْتِحْقَاقِ الرَّدِّ قَائِمٌ ، وَإِنَّمَا امْتَنَعَ لِتَعَذُّرِهِ بِزَوَالِ مِلْكِهِ ، فَإِذَا زَالَ الْمَانِعُ وَجَبَ أَنْ يَجُوزَ الرَّدُّ عَلَيْهِ بِالْعَيْبِ .\rفَعَلَى هَذَا إذَا بَاعَهَا","part":8,"page":283},{"id":3783,"text":"الْمُشْتَرِي لِبَائِعِهَا الْأَوَّلِ ، فَوَجَدَ بِهَا عَيْبًا كَانَ مَوْجُودًا حَالَ الْعَقْدِ الْأَوَّلِ ، فَلَهُ الرَّدُّ عَلَى الْبَائِعِ الثَّانِي ، ثُمَّ لِلثَّانِي رَدُّهُ .\rوَفَائِدَةُ الرَّدِّ هَاهُنَا ، اخْتِلَافُ الثَّمَنَيْنِ ، فَإِنَّهُ قَدْ يَكُونُ الثَّمَنُ الثَّانِي أَكْثَرُ .","part":8,"page":284},{"id":3784,"text":"( 3016 ) الْفَصْلُ الثَّانِي ، أَنَّهُ إذَا بَاعَ الْمَعِيبَ ، ثُمَّ أَرَادَ أَخْذَ أَرْشِهِ .\rفَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ ، أَنَّهُ لَا أَرْشَ لَهُ سَوَاءٌ بَاعَهُ عَالِمًا بِعَيْبِهِ ، أَوْ غَيْرَ عَالِمٍ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ امْتِنَاعَ الرَّدِّ كَانَ بِفِعْلِهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَتْلَفَ الْمَبِيعَ ، وَلِأَنَّهُ قَدْ اسْتَدْرَكَ ظَلَامَتَهُ بِبَيْعِهِ ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَرْشٌ ، كَمَا لَوْ زَالَ الْعَيْبُ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : إنْ بَاعَهُ مَعَ عِلْمِهِ بِالْعَيْبِ ، فَلَا أَرْشَ لَهُ ؛ لِرِضَاهُ بِهِ مَعِيبًا ، وَإِنْ بَاعَهُ غَيْرَ عَالِمٍ بِالْعَيْبِ ، فَلَهُ الْأَرْشُ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ لَمْ يُوَفِّهِ مَا أَوْجَبَهُ لَهُ الْعَقْدُ ، وَلَمْ يُوجَدْ مِنْهُ الرِّضَا بِهِ نَاقِصًا ، فَكَانَ لَهُ الرُّجُوعُ عَلَيْهِ ، كَمَا لَوْ أَعْتَقَهُ .\rوَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ ، أَنَّ لَهُ الْأَرْشَ بِكُلِّ حَالٍ ، سَوَاءٌ بَاعَهُ عَالِمًا بِعَيْبِهِ أَوْ جَاهِلًا بِهِ ؛ لِأَنَّنَا خَيَّرْنَاهُ ابْتِدَاءً بَيْنَ رَدِّهِ ، وَإِمْسَاكِهِ وَأَخْذِ الْأَرْشِ ، فَبَيْعُهُ وَالتَّصَرُّفُ فِيهِ بِمَنْزِلَةِ إمْسَاكِهِ ، وَلِأَنَّ الْأَرْشَ عِوَضُ الْجُزْءِ الْفَائِتِ مِنْ الْمَبِيعِ ، فَلَمْ يَسْقُطْ بِبَيْعِهِ ، وَلَا رِضَاهُ ، كَمَا لَوْ بَاعَهُ عَشَرَةَ أَقْفِزَةٍ ، وَسَلَّمَ إلَيْهِ تِسْعَةً ، فَبَاعَهَا الْمُشْتَرِي .\rوَقَوْلُهُمْ : إنَّهُ اسْتَدْرَكَ ظَلَامَتَهُ .\rلَا يَصِحُّ ، فَإِنَّ ظَلَامَتَهُ مِنْ الْبَائِعِ ، وَلَمْ يَسْتَدْرِكْهَا مِنْهُ ، وَإِنَّمَا ظُلِمَ الْمُشْتَرِي ، فَلَمْ يَسْقُطْ حَقُّهُ بِذَلِكَ مِنْ الظَّالِمِ لَهُ ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ ، وَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ عَنْ أَحْمَدَ ، فِي رُجُوعِ بَائِعِ الْمَعِيبِ بِالْأَرْشِ ، رِوَايَتَيْنِ ، مِنْ غَيْرِ تَفْرِيقٍ بَيْنَ عِلْمِ الْبَائِعِ بِالْعَيْبِ وَجَهْلِهِ بِهِ .\rوَعَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ لَا يَسْتَحِقُّ الْأَرْشَ ، فَإِذَا عَلِمَ بِهِ الْمُشْتَرِي الثَّانِي فَرَدَّهُ بِهِ ، أَوْ أَخَذَ أَرْشَهُ مِنْهُ ، فَلِلْأَوَّلِ أَخْذُ أَرْشِهِ .\rوَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ إذَا امْتَنَعَ عَلَى الْمُشْتَرِي الثَّانِي","part":8,"page":285},{"id":3785,"text":"رَدُّهُ بِعَيْبٍ حَدَثَ عِنْدَهُ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَدْرِكْ ظَلَامَتَهُ ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُشْتَرِيَيْنِ يَرْجِعُ بِحِصَّةِ الْعَيْبِ مِنْ الثَّمَنِ الَّذِي اشْتَرَاهُ بِهِ ، عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فِيمَا تَقَدَّمَ .","part":8,"page":286},{"id":3786,"text":"( 3017 ) الْفَصْلُ الثَّالِثُ ، إذَا بَاعَ الْمُشْتَرِي بَعْضَ الْمَبِيعِ ، ثُمَّ ظَهَرَ عَلَى عَيْبٍ ، فَلَهُ الْأَرْشُ ، لِمَا بَقِيَ فِي يَدِهِ مِنْ الْمَبِيعِ ، وَفِي الْأَرْشِ لِمَا بَاعَهُ مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْخِلَافِ فِيمَا إذَا بَاعَ الْجَمِيعَ ، وَإِنْ أَرَادَ رَدَّ الْبَاقِي بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ ، فَاَلَّذِي ذَكَرَهُ الْخِرَقِيِّ هَاهُنَا أَنَّ لَهُ ذَلِكَ .\rوَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ إنْ كَانَ الْمَبِيعُ عَيْنًا وَاحِدَةً ، أَوْ عَيْنَيْنِ يَنْقُصُهُمَا التَّفْرِيقُ ، كَمِصْرَاعَيْ بَابٍ ، وَزَوْجَيْ خُفٍّ ، أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ الرَّدَّ ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ الضَّرَرِ عَلَى الْبَائِعِ بِنَقْصِ الْقِيمَةِ ، أَوْ ضَرَرِ الشَّرِكَةِ ، وَامْتِنَاعِ الِانْتِفَاعِ بِهَا عَلَى الْكَمَالِ ، كَإِبَاحَةِ الْوَطْءِ وَالِاسْتِخْدَامِ .\rوَبِهَا قَالَ شُرَيْحٌ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ، وَقَدْ ذَكَرَ أَصْحَابُنَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ ، فِيمَا إذَا كَانَ الْمَبِيعُ عَيْنَيْنِ يَنْقُصُهُمَا التَّفْرِيقُ ، أَنَّهُ لَا يَجُوزُ رَدُّ إحْدَاهُمَا دُونَ الْأُخْرَى ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ الضَّرَرِ ؛ وَفِيمَا لَوْ اشْتَرَى مَعِيبًا فَتَعَيَّبَ عِنْدَهُ ، أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ رَدَّهُ ، إلَّا أَنْ يَرُدَّ أَرْشَ الْعَيْبِ الْحَادِثِ عِنْدَهُ ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَرُدَّهُ فِي مَسْأَلَتِنَا مَعِيبًا بِعَيْبِ الشَّرِكَةِ ، أَوْ نَقْصِ الْقِيمَةِ ، بِغَيْرِ شَيْءٍ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْخِرَقِيِّ أَرَادَ مَا إذَا دَلَّسَ الْبَائِعُ الْعَيْبَ ، فَإِنَّ ذَلِكَ عِنْدَهُ لَا يُسْقِطُ عَنْ الْمُشْتَرِي ضَمَانَ مَا حَدَثَ عِنْدَهُ مِنْ الْعَيْبِ ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِيمَا مَضَى .\rوَإِنْ كَانَ الْمَبِيعُ عَيْنَيْنِ لَا يَنْقُصُهُمَا التَّفْرِيقُ ، فَبَاعَ إحْدَاهُمَا ، ثُمَّ وَجَدَ بِالْأُخْرَى عَيْبًا ، أَوْ عَلِمَ أَنَّهُمَا كَانَتَا مَعِيبَتَيْنِ ، فَهَلْ لَهُ رَدُّ الْبَاقِيَةِ فِي مِلْكِهِ ؟ يُخَرَّجُ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : الْمَسْأَلَةُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ سَوَاءٌ كَانَ الْمَبِيعُ عَيْنًا وَاحِدَةً أَوْ عَيْنَيْنِ .","part":8,"page":287},{"id":3787,"text":"وَالتَّفْصِيلُ الَّذِي ذَكَرْنَا أَوْلَى .","part":8,"page":288},{"id":3788,"text":"( 3018 ) فَصْلٌ : وَإِنْ اشْتَرَى عَيْنَيْنِ ، فَوَجَدَ بِإِحْدَاهُمَا عَيْبًا ، وَكَانَا مِمَّا لَا يَنْقُصُهُمَا التَّفْرِيقُ ، أَوْ مِمَّا لَا يَجُوزُ التَّفْرِيقُ بَيْنَهُمَا ، كَالْوَلَدِ مَعَ أُمِّهِ ، فَلَيْسَ لَهُ إلَّا رَدُّهُمَا جَمِيعًا ، أَوْ إمْسَاكُهُمَا وَأَخْذُ الْأَرْشِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُونَا كَذَلِكَ ، فَفِيهِمَا رِوَايَتَانِ ، إحْدَاهُمَا ، لَيْسَ لَهُ إلَّا رَدُّهُمَا ، أَوْ أَخْذُ الْأَرْشِ مَعَ إمْسَاكِهِمَا .\rوَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ وَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ فِيمَا قَبْلَ الْقَبْضِ ؛ لِأَنَّ الرَّدَّ يُبَعِّضُ الصَّفْقَةَ مِنْ الْمُشْتَرِي ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ ، كَمَا لَوْ كَانَا مِمَّا يَنْقُصُهُ التَّفْرِيقُ .\rوَالثَّانِيَةُ ، لَهُ رَدُّ الْمَعِيبِ ، وَإِمْسَاكُ الصَّحِيحِ .\rوَهَذَا قَوْلُ الْحَارِثِ الْعُكْلِيِّ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَإِسْحَاقَ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ فِيمَا بَعْدَ الْقَبْضِ ؛ لِأَنَّهُ رَدَّ الْمَعِيبِ عَلَى وَجْهٍ لَا ضَرَرَ فِيهِ عَلَى الْبَائِعِ ، فَجَازَ كَمَا لَوْ رَدَّ الْجَمِيعَ .\rوَفَارَقَ مَا يَنْقُصُ بِالتَّفْرِيقِ ، فَإِنَّ فِيهِ ضَرَرًا .\rوَإِنْ تَلِفَ أَحَدُ الْمَبِيعَيْنِ ، أَوْ تَعَيَّبَ ، أَوْ وَجَدَ بِالْآخَرِ أَوْ بِهِمَا عَيْبًا ، فَأَرَادَ رَدَّهُ ، فَالْحُكْمُ فِيهِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ التَّفْصِيلِ وَالْخِلَافِ .\rوَإِنْ اخْتَلَفَا فِي قِيمَةِ التَّالِفِ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي مَعَ يَمِينِهِ ؛ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ لِمَا يَدَّعِيهِ الْبَائِعُ مِنْ زِيَادَةِ قِيمَتِهِ ؛ وَلِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْغَارِمِ ، لِأَنَّ قِيمَةَ التَّالِفِ إذَا زَادَتْ ، زَادَ قَدْرُ مَا يَغْرَمُهُ ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْمُسْتَعِيرِ وَالْغَاصِبِ .\rفَأَمَّا إنْ كَانَ الْمَبِيعَانِ بَاقِيَيْنِ مَعِيبَيْنِ ، لَمْ يُوجَدْ فِي أَحَدِهِمَا مَا يَمْنَعُ رَدَّهُ ، فَأَرَادَ رَدَّ أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ .\rفَقَالَ الْقَاضِي : لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ .\rوَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ سِوَى الْمَنْعِ مِنْ رَدِّ أَحَدِهِمَا .\rوَالْقِيَاسُ ، أَنَّهَا كَاَلَّتِي قَبْلَهَا ، إذْ لَوْ كَانَ إمْسَاكُ أَحَدِهِمَا مَانِعًا مِنْ الرَّدِّ فِيمَا إذَا كَانَا مَعِيبَيْنِ ، لَمَنَعَ مِنْهُ إذَا كَانَ صَحِيحًا .","part":8,"page":289},{"id":3789,"text":"( 3019 ) فَصْلٌ : إذَا اشْتَرَى اثْنَانِ شَيْئًا فَوَجَدَاهُ مَعِيبًا ، أَوْ اشْتَرَطَا الْخِيَارَ فَرَضِيَ أَحَدُهُمَا .\rفَفِيهِ رِوَايَتَانِ عَنْ أَحْمَدَ ، حَكَاهُمَا أَبُو بَكْرٍ ، وَابْنُ أَبِي مُوسَى .\rإحْدَاهُمَا ، لِمَنْ لَمْ يَرْضَ الْفَسْخُ .\rوَبِهِ قَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ ، وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ مَالِكٍ .\rوَالْأُخْرَى ، لَا يَجُوزُ لَهُ رَدُّهُ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ؛ لِأَنَّ الْمَبِيعَ خَرَجَ عَنْ مِلْكِهِ دَفْعَةً وَاحِدَةً غَيْرَ مُتَشَقِّصٍ ، فَإِذَا رَدَّهُ مُشْتَرِكًا ، رَدَّهُ نَاقِصًا ، أَشْبَهَ مَا لَوْ تَعَيَّبَ عِنْدَهُ .\rوَوَجْهُ الْأُولَى ، أَنَّهُ رَدَّ جَمِيعَ مَا مَلَكَهُ بِالْعَقْدِ ، فَجَازَ ، كَمَا لَوْ انْفَرَدَ بِشِرَائِهِ ، وَالشَّرِكَةُ إنَّمَا حَصَلَتْ بِإِيجَابِ الْبَائِعِ ؛ لِأَنَّهُ بَاعَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفَهَا ، فَخَرَجَتْ عَنْ مِلْكِ الْبَائِعِ مُشَقَّصَةً ، بِخِلَافِ الْعَيْبِ الْحَادِثِ .","part":8,"page":290},{"id":3790,"text":"( 3020 ) فَصْلٌ : وَإِذَا وَرِثَ اثْنَانِ عَنْ أَبِيهِمَا خِيَارَ عَيْبٍ ، فَرَضِيَ أَحَدُهُمَا ، سَقَطَ حَقُّ الْآخَرِ مِنْ الرَّدِّ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ رَدَّ وَحْدَهُ ، تَشَقَّصَتْ السِّلْعَةُ عَلَى الْبَائِعِ ، فَتَضَرَّرَ بِذَلِكَ ، وَإِنَّمَا أَخْرَجَهَا عَنْ مِلْكِهِ إلَى وَاحِدٍ غَيْرَ مُشَقَّصَةٍ ، فَلَا يَجُوزُ رَدُّ بَعْضِهَا إلَيْهِ مُشَقَّصًا ، بِخِلَافِ الْمَسْأَلَةِ الَّتِي قَبْلَهَا ، فَإِنَّ عَقْدَ الْوَاحِدِ مَعَ الِاثْنَيْنِ عَقْدَانِ ، فَكَأَنَّهُ بَاعَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفَهَا مُنْفَرِدًا ، فَرَدَّ عَلَيْهِ أَحَدُهُمَا جَمِيعَ مَا بَاعَهُ إيَّاهُ ، وَهَاهُنَا بِخِلَافِهِ .","part":8,"page":291},{"id":3791,"text":"( 3021 ) فَصْلٌ : وَلَوْ اشْتَرَى رَجُلٌ مِنْ رَجُلَيْنِ شَيْئًا فَوَجَدَهُ مَعِيبًا ، فَلَهُ رَدُّهُ عَلَيْهِمَا .\rفَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا غَائِبًا ، رَدَّ عَلَى الْحَاضِرِ حِصَّتَهُ بِقِسْطِهَا مِنْ الثَّمَنِ ، وَيَبْقَى نَصِيبُ الْغَائِبِ فِي يَدِهِ حَتَّى يَقْدُمَ .\rوَلَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا بَاعَ الْعَيْنَ كُلَّهَا بِوَكَالَةِ الْآخَرِ ، فَالْحُكْمُ كَذَلِكَ ، سَوَاءٌ كَانَ الْحَاضِرُ الْوَكِيلَ أَوْ الْمُوَكَّلَ .\rنَصَّ أَحْمَدُ عَلَى قَرِيبٍ مِنْ هَذَا .\rفَإِنْ أَرَادَ رَدَّ نَصِيبِ أَحَدِهِمَا ، وَإِمْسَاكَ نَصِيبِ الْآخَرِ ، جَازَ ؛ لِأَنَّهُ يَرُدُّ عَلَى الْبَائِعِ جَمِيعَ مَا بَاعَهُ ، وَلَا يَحْصُلُ بِرَدِّهِ تَشْقِيصٌ ؛ لِأَنَّ الْمَبِيعَ كَانَ مُشَقَّصًا قَبْلَ الْبَيْعِ .","part":8,"page":292},{"id":3792,"text":"( 3022 ) فَصْلٌ : فَإِنْ اشْتَرَى حُلِيَّ فِضَّةٍ بِوَزْنِهِ دَرَاهِمَ ، فَوَجَدَهُ مَعِيبًا ، فَلَهُ رَدُّهُ ، وَلَيْسَ لَهُ أَخْذُ الْأَرْشِ ؛ لِإِفْضَائِهِ إلَى التَّفَاضُلِ فِيمَا يَجِبُ التَّمَاثُلُ فِيهِ .\rفَإِنْ حَدَثَ بِهِ عَيْبٌ عِنْدَ الْمُشْتَرِي ، فَعَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ يَرُدُّهُ ؛ وَيَرُدُّ ، أَرْشَ الْعَيْبِ الْحَادِثِ عِنْدَهُ ، يَأْخُذُ ثَمَنَهُ ، وَقَالَ الْقَاضِي : لَا يَجُوزُ لَهُ رَدُّهُ ؛ لِإِفْضَائِهِ إلَى التَّفَاضُلِ ، فَلَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ الرَّدَّ فَسْخٌ لِلْعَقْدِ ، وَرَفْعٌ لَهُ ، فَلَا تَبْقَى الْمُعَاوَضَةُ ، وَإِنَّمَا يَدْفَعُ الْأَرْشَ عِوَضًا عَنْ الْعَيْبِ الْحَادِثِ عِنْدَهُ ، بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ جَنَى عَلَيْهِ فِي مِلْكِ صَاحِبِهِ مِنْ غَيْر بَيْعٍ ، وَكَمَا لَوْ فَسَخَ الْحَاكِمُ عَلَيْهِ .\rوَعَلَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى ، يَفْسَخُ الْحَاكِمُ الْبَيْعَ ، وَيَرُدُّ الْبَائِعُ الثَّمَنَ ، وَيُطَالِبُ بِقِيمَةِ الْحُلِيِّ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُمْكِنْ إهْمَالُ الْعَيْبِ ، وَلَا أَخْذُ الْأَرْشِ .\rوَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَجْهَانِ ، كَهَاتَيْنِ الرِّوَايَتَيْنِ .\rوَإِنْ تَلِفَ الْحَلْيُ ، فَإِنَّهُ يَفْسَخُ الْعَقْدَ وَيَرُدُّ قِيمَتَهُ ، وَيَسْتَرْجِعُ الثَّمَنَ ؛ فَإِنَّ تَلَفَ الْمَبِيعِ لَا يَمْنَعُ جَوَازَ الْفَسْخِ .\rوَعِنْدِي ، أَنَّ الْحَاكِمَ إذَا فَسَخَ ، وَجَبَ رَدُّ الْحَلْيِ وَأَرْشِ نَقْصِهِ ، كَمَا قُلْنَا فِيمَا إذَا فَسَخَ الْمُشْتَرِي عَلَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى ، وَإِنَّمَا يَرْجِعُ إلَى قِيمَتِهِ عِنْدَ تَعَذُّرِ رَدِّهِ بِتَلَفٍ أَوْ عَجْزٍ ، وَلَيْسَ فِي رَدِّهِ وَرَدِّ أَرْشِهِ تَفَاضُلٌ ؛ لِأَنَّ الْمُعَاوَضَةَ زَالَتْ بِالْفَسْخِ ، فَلَمْ يَبْقَ لَهُ مُقَابِلٌ ، وَإِنَّمَا هَذَا الْأَرْشُ بِمَنْزِلَةِ أَرْشِ الْجِنَايَةِ عَلَيْهِ ؛ وَلِأَنَّ قِيمَتَهُ إذَا زَادَتْ عَلَى وَزْنِهِ أَوْ نَقَصَتْ عَنْهُ ، أَفْضَى إلَى التَّفَاضُلِ ؛ لِأَنَّ قِيمَتَهُ عِوَضٌ عَنْهُ ، فَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ ، إلَّا أَنْ يَأْخُذَ قِيمَتَهُ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ ، وَلَوْ بَاعَ قَفِيزًا مِمَّا فِيهِ الرِّبَا بِمِثْلِهِ ، فَوَجَدَ أَحَدُهُمَا بِمَا أَخَذَهُ عَيْبًا يَنْقُصُ قِيمَتَهُ دَوَّنَ كَيْلِهِ ، لَمْ يَمْلِكْ","part":8,"page":293},{"id":3793,"text":"أَخْذَ أَرْشِهِ ، لِئَلَّا يُفْضِيَ إلَى التَّفَاضُلِ .\rوَالْحُكْمُ فِيهِ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فِي الْحَلْيِ بِالدَّرَاهِمِ .","part":8,"page":294},{"id":3794,"text":"( 3023 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِنْ ظَهَرَ عَلَى عَيْبٍ بَعْدَ إعْتَاقِهِ لَهَا أَوْ مَوْتِهَا فِي مِلْكِهِ ، فَلَهُ الْأَرْشُ ) وَجُمْلَتُهُ ، أَنَّهُ إذَا زَالَ مِلْكُ الْمُشْتَرِي عَنْ الْمَبِيعِ بِعِتْقٍ ، أَوْ وَقْفٍ ، أَوْ مَوْتٍ ، أَوْ قَتْلٍ ، أَوْ تَعَذَّرَ الرَّدُّ ، لَاسْتِيلَادِ وَنَحْوِهِ قَبْلَ عِلْمِهِ بِالْعَيْبِ ، فَلَهُ الْأَرْشُ .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، إلَّا أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ فِي الْمَقْتُولِ خَاصَّةً : لَا أَرْشَ لَهُ ؛ لِأَنَّهُ زَالَ مِلْكُهُ بِفِعْلٍ مَضْمُونٍ ، أَشْبَهَ الْبَيْعَ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ عَيْبٌ لَمْ يَرْضَ بِهِ ، وَلَمْ يَسْتَدْرِكْ ظَلَامَتَهُ فِيهِ ، فَكَانَ لَهُ الْأَرْشُ كَمَا لَوْ أَعْتَقَهُ ، وَالْبَيْعُ لَنَا فِيهِ مَنْعٌ ، وَمَعَ تَسْلِيمِهِ فَإِنَّهُ اسْتَدْرَكَ ظَلَامَتَهُ فِيهِ .\rوَأَمَّا الْهِبَةُ ، فَعَنْ أَحْمَدَ فِيهَا رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، أَنَّهَا كَالْبَيْعِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَيْأَسْ مِنْ إمْكَانِ الرَّدِّ ؛ لِاحْتِمَالِ رُجُوعِ الْمَوْهُوبِ إلَيْهِ .\rوَالثَّانِيَةُ لَهُ الْأَرْشُ وَهِيَ أَوْلَى .\rوَلَمْ يَذْكُرْ الْقَاضِي غَيْرهَا ؛ لِأَنَّهُ مَا اسْتَدْرَكَ ظَلَامَتَهُ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ وَقَفَهُ ، وَإِمْكَانُ الرَّدِّ لَيْسَ بِمَانِعٍ مِنْ أَخْذِ الْأَرْشِ عِنْدَنَا ؛ بِدَلِيلِ مَا قَبْلَ الْهِبَةِ .\rوَإِنْ أَكَلَ الطَّعَامَ أَوْ لَبِسَ الثَّوْبَ ، فَأَتْلَفَهُ ، رَجَعَ بِأَرْشِهِ .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَرْجِعُ بِشَيْءٍ ؛ لِأَنَّهُ أَهْلَكَ الْعَيْنَ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَتَلَ الْعَبْدَ .\rوَلَنَا أَنَّهُ مَا اسْتَدْرَكَ ظَلَامَتَهُ ، وَلَا رَضِيَ بِالْعَيْبِ ، فَلَمْ يَسْقُطْ حَقُّهُ مِنْ الْأَرْشِ ، كَمَا لَوْ تَلِفَ بِفِعْلِ اللَّهِ تَعَالَى .\r( 3024 ) فَصْلٌ : وَإِنْ فَعَلَ شَيْئًا مِمَّا ذَكَرْنَاهُ بَعْدَ عِلْمِهِ بِالْعَيْبِ ، فَمَفْهُومُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ : أَنَّهُ لَا أَرْشَ لَهُ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيِّ .\rوَهُوَ قِيَاسُ قَوْلِ الْقَاضِي ؛ لِقَوْلِهِ فِي مَنْ بَاعَ الْمَعِيبَ عَالِمًا بِعَيْبِهِ : لَيْسَ لَهُ أَرْشٌ ؛ لِأَنَّهُ رَضِيَ بِهِ مَعِيبًا","part":8,"page":295},{"id":3795,"text":"بِتَصَرُّفِهِ فِيهِ مَعَ عِلْمِهِ بِعَيْبِهِ .\rوَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ ، أَنَّ لَهُ الْأَرْشَ ؛ لِأَنَّ لَهُ إمْسَاكَ الْمَبِيعِ ، وَالْمُطَالَبَةَ بِأَرْشِهِ ، وَهَذَا يَتَنَزَّلُ مَنْزِلَةَ إمْسَاكِهِ مَعَ الْعِلْمِ بِعَيْبِهِ .\rوَلِأَنَّ الْبَائِعَ لَمْ يُوفِهِ مَا أَوْجَبَهُ الْعَقْدُ ، فَكَانَ لَهُ الرُّجُوعُ بِأَرْشِهِ ، كَمَا لَوْ أَعْتَقَهُ قَبْلَ عِلْمِهِ بِعَيْبِهِ .\rوَلِأَنَّ الْأَرْشَ عِوَضُ الْجُزْءِ الْفَائِتِ بِالْعَيْبِ ، فَلَمْ يَسْقُطْ بِتَصَرُّفِهِ فِيمَا سِوَاهُ ؛ كَمَا لَوْ بَاعَهُ عَشَرَةَ أَقْفِزَةٍ ، فَأَقْبَضَهُ تِسْعَةً ، فَتَصَرَّفَ فِيهَا .","part":8,"page":296},{"id":3796,"text":"( 3025 ) فَصْلٌ : فَإِنْ اسْتَغَلَّ الْمَبِيعَ ، أَوْ عَرَضَهُ عَلَى الْبَيْعِ ، أَوْ تَصَرَّفَ فِيهِ تَصَرُّفًا دَالًّا عَلَى الرِّضَا بِهِ ، قَبْلَ عِلْمِهِ بِالْعَيْبِ ، لَمْ يَسْقُطْ خِيَارُهُ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَدُلُّ عَلَى الرِّضَا بِهِ مَعِيبًا .\rوَإِنْ فَعَلَهُ بَعْدَ عِلْمِهِ بِعَيْبِهِ ، بَطَلَ خِيَارُهُ فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : وَكَانَ الْحَسَنُ ، وَشُرَيْحٌ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْي ، يَقُولُونَ : إذَا اشْتَرَى سِلْعَةً ، فَعَرَضَهَا عَلَى الْبَيْعِ ، لَزِمَتْهُ .\rوَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ .\rوَلَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا ، فَأَمَّا الْأَرْشُ ، فَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى : لَا يَسْتَحِقُّهُ أَيْضًا .\rوَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ قِيَاسَ الْمَذْهَبِ اسْتِحْقَاقُ الْأَرْشِ .\rقَالَ أَحْمَدُ : أَنَا أَقُولُ : إذَا اسْتَخْدَمَ الْعَبْدَ ، وَأَرَادَ نُقْصَانَ الْعَيْبِ ، فَلَهُ ذَلِكَ ، فَأَمَّا إنْ احْتَلَبَ اللَّبَنَ الْحَادِثَ بَعْدَ الْعَقْدِ ، لَمْ يَسْقُطْ رَدُّهُ ؛ لِأَنَّ اللَّبَنَ لَهُ ، فَمَلَكَ اسْتِيفَاءَهُ مِنْ الْمَبِيعِ الَّذِي يُرِيدُ رَدَّهُ .\rوَكَذَلِكَ إنْ رَكِبَ الدَّابَّةَ لِيَنْظُرَ سَيْرَهَا ، أَوْ لِيَسْقِيَهَا ، أَوْ لِيَرُدَّهَا عَلَى بَائِعِهَا .\rوَإِنْ اسْتَخْدَمَ الْأَمَةَ لِيَخْتَبِرَهَا ، أَوْ لَبِسَ الْقَمِيصَ لِيَعْرِفَ قَدْرَهُ ، لَمْ يَسْقُطْ خِيَارُهُ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِرِضًا بِالْمَبِيعِ ، وَلِهَذَا لَا يَسْقُطُ بِهِ خِيَارُ الشَّرْطِ .\rوَإِنْ اسْتَخْدَمَهَا لِغَيْرِ ذَلِكَ اسْتِخْدَامًا كَثِيرًا ، بَطَلَ رَدُّهُ ، فَإِنْ كَانَتْ يَسِيرَةً لَا تَخْتَصُّ الْمِلْكَ ، لَمْ يَبْطُلْ الْخِيَارُ .\rقِيلَ لِأَحْمَدَ : إنَّ هَؤُلَاءِ يَقُولُونَ : إذَا اشْتَرَى عَبْدًا ، فَوَجَدَهُ مَعِيبًا فَاسْتَخْدَمَهُ بِأَنْ يَقُولَ : نَاوِلْنِي هَذَا الثَّوْبَ .\rيَعْنِي بَطَلَ خِيَارُهُ .\rفَأَنْكَرَ ذَلِكَ ، وَقَالَ : مَنْ قَالَ هَذَا ؟ أَوْ مِنْ أَيْنَ أَخَذُوا هَذَا ؟ لَيْسَ هَذَا بِرِضًى حَتَّى يَكُونَ شَيْءٌ يَبِينُ .\rوَقَدْ نُقِلَ عَنْهُ فِي بُطْلَانِ الْخِيَارِ بِالِاسْتِخْدَامِ رِوَايَتَانِ .\rوَكَذَلِكَ يُخَرَّجُ","part":8,"page":297},{"id":3797,"text":"هَاهُنَا .","part":8,"page":298},{"id":3798,"text":"( 3026 ) فَصْلٌ : وَإِنْ أَبَقَ الْعَبْدُ ، ثُمَّ عَلِمَ عَيْبَهُ ، فَلَهُ أَخْذُ أَرْشِهِ .\rفَإِنْ أَخَذَهُ ثُمَّ قَدَرَ عَلَى الْعَبْدِ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعْرُوفَ الْإِبَاقِ قَبْلَ الْبَيْعِ ، فَقَدْ تَعَيَّبَ عِنْدَ الْمُشْتَرِي ، فَهَلْ يَمْلِكُ رَدَّهُ وَرَدَّ أَرْشِ الْعَيْبِ الْحَادِثِ عِنْدَهُ وَالْأَرْشُ الَّذِي أَخَذَهُ ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ .\rوَإِنْ كَانَ آبِقًا ، فَلَهُ رَدُّهُ وَرَدُّ مَا أَخَذَهُ مِنْ الْأَرْشِ وَأَخْذُ ثَمَنِهِ .\rوَقَالَ الثَّوْرِيُّ وَالشَّافِعِيُّ : لَيْسَ لِلْمُشْتَرِي أَخْذُ أَرْشِهِ ، سَوَاءٌ قَدَرَ عَلَى رَدِّهِ أَوْ عَجَزَ عَنْهُ ، إلَّا أَنْ يَهْلِكَ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَيْأَسْ مِنْ رَدِّهِ ، فَهُوَ كَمَا لَوْ بَاعَهُ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ مَعِيبٌ لَمْ يَرْضَ بِهِ ، وَلَمْ يَسْتَدْرِكْ ظَلَامَتَهُ فِيهِ ، فَكَانَ لَهُ أَرْشُهُ ، كَمَا لَوْ أَعْتَقَهُ ، وَفِي الْبَيْعِ اسْتَدْرَكَ ظَلَامَتِهِ ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا .","part":8,"page":299},{"id":3799,"text":"( 3027 ) فَصْلٌ : وَإِذَا اشْتَرَى عَبْدًا فَأَعْتَقَهُ ، ثُمَّ عَلِمَ بِهِ عَيْبًا فَأَخَذَ أَرْشَهُ ، فَهُوَ لَهُ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى ، أَنَّهُ يَجْعَلُهُ فِي الرِّقَابِ .\rوَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ الرَّقَبَةِ الَّتِي جَعَلَهَا اللَّهُ ، فَلَا يَرْجِعُ إلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ بَدَلِهَا .\rوَلَنَا ، أَنَّ الْعِتْقَ إنَّمَا صَادَفَ الرَّقَبَةَ الْمَعِيبَةَ ، وَالْجُزْءُ الَّذِي أَخَذَ بَدَلَهُ مَا تَنَاوَلَهُ عِتْقٌ ، وَلَا كَانَ مَوْجُودًا ، وَلِأَنَّ الْأَرْشَ لَيْسَ بَدَلًا عَنْ الْعَبْدِ ، إنَّمَا هُوَ جُزْءٌ مِنْ الثَّمَنِ ، جُعِلَ مُقَابِلًا لِلْجُزْءِ الْفَائِتِ ، فَلَمَّا لَمْ يُحَصِّلْ ذَلِكَ الْجُزْءَ مِنْ الْمَبِيعِ ، رَجَعَ بِقَدْرِهِ مِنْ الثَّمَنِ ، فَكَأَنَّهُ لَمْ يَصِحَّ الْعَقْدُ فِيهِ ، وَلِهَذَا رَجَعَ بِقَدْرِهِ مِنْ الثَّمَنِ ، لَا مِنْ قِيمَةِ الْعَبْدِ .\rوَكَلَامُ أَحْمَدَ ، فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى ، يُحْمَلُ عَلَى اسْتِحْبَابِ ذَلِكَ ، لَا عَلَى وُجُوبِهِ .\rقَالَ الْقَاضِي : إنَّمَا الرِّوَايَتَانِ فِيمَا إذَا أَعْتَقَهُ عَنْ كَفَّارَتِهِ ؛ لِأَنَّهُ إذَا أَعْتَقَهُ عَنْ الْكَفَّارَةِ ، لَا يَجُوزُ أَنْ يَرْجِعَ إلَيْهِ بِشَيْءٍ مِنْ بَدَلِهَا ، كَالْمُكَاتَبِ إذَا أَدَّى مِنْ كِتَابَتِهِ شَيْئًا .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ أَرْشُ عَبْدٍ أَعْتَقَهُ ، فَكَانَ لَهُ ، كَمَا لَوْ تَبَرَّعَ بِعِتْقِهِ .","part":8,"page":300},{"id":3800,"text":"( 3028 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( فَإِنْ ظَهَرَ عَلَى عَيْبٍ يُمْكِنُ حُدُوثُهُ قَبْلَ الشِّرَاءِ ، أَوْ بَعْدَهُ ، حَلَفَ الْمُشْتَرِي ، وَكَانَ لَهُ الرَّدُّ أَوْ الْأَرْشُ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ ، أَنَّ الْمُتَبَايِعَيْنِ إذَا اخْتَلَفَا فِي الْعَيْبِ ، هَلْ كَانَ فِي الْمَبِيعِ قَبْلَ الْعَقْدِ ، أَوْ حَدَثَ عِنْد الْمُشْتَرِي ؟ لَمْ يَخْلُ مِنْ قِسْمَيْنِ ؛ أَحَدِهِمَا ، أَنْ لَا يَحْتَمِلَ إلَّا قَوْلَ أَحَدِهِمَا ، كَالْإِصْبَعِ الزَّائِدَةِ ، وَالشَّجَّةِ الْمُنْدَمِلَةِ ، الَّتِي لَا يُمْكِنُ حُدُوثُ مِثْلِهَا ، وَالْجُرْحِ الطَّرِيِّ الَّذِي لَا يُحْتَمَلُ كَوْنُهُ قَدِيمًا .\rفَالْقَوْلُ قَوْلُ مِنْ يَدَّعِي ذَلِكَ ، بِغَيْرِ يَمِينٍ ؛ لِأَنَّنَا نَعْلَمُ صِدْقَهُ ، وَكَذِبَ خَصْمِهِ ، فَلَا حَاجَةَ إلَى اسْتِحْلَافِهِ .\rوَالثَّانِي ، أَنْ يَحْتَمِلَ قَوْلَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ، كَالْخَرْقِ فِي الثَّوْبِ وَالرَّفْوِ ، وَنَحْوِهِمَا ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي ، فَيَحْلِفُ بِاَللَّهِ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ وَبِهِ هَذَا الْعَيْبُ ، أَوْ أَنَّهُ مَا حَدَثَ عِنْدَهُ وَيَكُونُ لَهُ الْخِيَارُ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْقَبْضِ فِي الْجُزْءِ الْفَائِتِ ، وَاسْتِحْقَاقُ مَا يُقَابِلُهُ مِنْ الثَّمَنِ ، وَلُزُومُ الْعَقْدِ فِي حَقِّهِ ، فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ مَنْ يَنْفِي ذَلِكَ ، كَمَا لَوْ اخْتَلَفَا فِي قَبْضِ الْمَبِيعِ .\rوَالثَّانِيَةُ ، الْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ مَعَ يَمِينِهِ ، فَيَحْلِفُ عَلَى حَسَبِ جَوَابِهِ ، إنْ أَجَابَ إنَّنِي بِعْتُهُ بَرِيئًا مِنْ الْعَيْبِ ، حَلَفَ عَلَى ذَلِكَ ، وَإِنْ أَجَابَ بِأَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ ، عَلَى مَا يَدَّعِيهِ مِنْ الرَّدِّ ، حَلَفَ عَلَى ذَلِكَ ، وَيَمِينُهُ عَلَى الْبَتِّ لَا عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ ؛ لِأَنَّ الْأَيْمَانَ كُلَّهَا عَلَى الْبَتِّ ، لَا عَلَى نَفْيِ فِعْلِ الْغَيْرِ .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ سَلَامَةُ الْمَبِيعِ ، وَصِحَّةُ الْعَقْدِ ، وَلِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ يَدَّعِي عَلَيْهِ اسْتِحْقَاقَ فَسْخِ الْبَيْعِ ، وَهُوَ يُنْكِرُهُ ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ .","part":8,"page":301},{"id":3801,"text":"( 3029 ) فَصْلٌ : وَإِذَا بَاعَ الْوَكِيلُ ، ثُمَّ ظَهَرَ الْمُشْتَرِي عَلَى عَيْبٍ كَانَ بِهِ ، فَلَهُ رَدُّهُ عَلَى الْمُوَكِّلِ ؛ لِأَنَّ الْمَبِيعَ يُرَدُّ بِالْعَيْبِ ، عَلَى مَنْ كَانَ لَهُ ، فَإِنْ كَانَ الْعَيْبُ مِمَّا يُمْكِنُ حُدُوثُهُ ، فَأَقَرَّ بِهِ الْوَكِيلُ ، وَأَنْكَرَهُ الْمُوَكِّلُ ، فَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : يُقْبَلُ إقْرَارُهُ عَلَى مُوَكِّلِهِ بِالْعَيْبِ ؛ لِأَنَّهُ أَمْرٌ يَسْتَحِقُّ بِهِ الرَّدَّ ، فَيُقْبَلُ إقْرَارُ الْوَكِيلِ بِهِ عَلَى مُوَكِّلِهِ ، كَخِيَارِ الشَّرْطِ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ : لَا يُقْبَلُ إقْرَارُ الْوَكِيلِ بِذَلِكَ .\rوَهُوَ أَصَحُّ ؛ لِأَنَّهُ إقْرَارٌ عَلَى الْغَيْرِ ، فَلَمْ يُقْبَلْ ، كَالْأَجْنَبِيِّ ، فَإِذَا رَدَّهُ الْمُشْتَرِي عَلَى الْوَكِيلِ ، لَمْ يَمْلِكْ الْوَكِيلُ رَدَّهُ عَلَى الْمُوَكِّلِ ؛ لِأَنَّهُ رَدَّهُ بِإِقْرَارِهِ ، وَهُوَ غَيْرُ مَقْبُولٍ عَلَى غَيْرِهِ .\rذَكَرَهُ الْقَاضِي .\rفَإِنْ أَنْكَرَهُ الْوَكِيلُ فَتَوَجَّهَتْ الْيَمِينُ عَلَيْهِ ، فَنَكِلَ عَنْهَا ، فَرُدَّ عَلَيْهِ بِنُكُولِهِ ، فَهَلْ لَهُ رَدُّهُ عَلَى الْمُوَكِّلِ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ ؛ أَحَدِهِمَا ، لَيْسَ لَهُ رَدُّهُ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَجْرِي مَجْرَى إقْرَارِهِ .\rوَالثَّانِي ، لَهُ رَدُّهُ ؛ لِأَنَّهُ يَرْجِعُ إلَيْهِ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ ، أَشْبَهَ مَا لَوْ قَامَتْ بِهِ بَيِّنَةٌ .","part":8,"page":302},{"id":3802,"text":"( 3030 ) فَصْلٌ : وَلَوْ اشْتَرَى جَارِيَةً عَلَى أَنَّهَا بِكْرٌ ، ثُمَّ قَالَ الْمُشْتَرِي : إنَّمَا هِيَ ثَيِّبٌ .\rأَرَيْت النَّسَاءَ الثِّقَاتِ ، وَيُقْبَلُ قَوْلُ امْرَأَةٍ ثِقَةٍ .\rفَإِنْ وَطِئَهَا الْمُشْتَرِي ، وَقَالَ : مَا أَصَبْتهَا بِكْرًا .\rخُرِّجَ فِيهِ وَجْهَانِ ، بِنَاءً عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِيمَا إذَا اخْتَلَفَا فِي الْعَيْبِ الْحَادِثِ .","part":8,"page":303},{"id":3803,"text":"( 3031 ) فَصْلٌ : وَإِنْ رَدَّ الْمُشْتَرِي السِّلْعَةَ بِعَيْبٍ فِيهَا ، فَأَنْكَرَ الْبَائِعُ كَوْنَهَا سِلْعَتَهُ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ مَعَ يَمِينِهِ .\rوَبِهِ قَالَ أَبُو ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَنَحْوَهُ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي مَنْ صَرَفَ دَرَاهِمَ بِدَنَانِيرَ ، ثُمَّ رَجَعَ بِدِرْهَمٍ ، فَقَالَ الصَّيْرَفِيُّ : لَيْسَ هَذَا دِرْهَمِي يَحْلِفُ الصَّيْرَفِيُّ : بِاَللَّهِ لَقَدْ وَفَّيْتُكَهُ ، وَيَبْرَأُ ؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ مُنْكِرٌ كَوْنَ هَذِهِ سِلْعَتَهُ ، وَمُنْكِرٌ لِاسْتِحْقَاقِ الْفَسْخِ ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ .\rفَأَمَّا إنْ جَاءَ لِيَرُدَّ السِّلْعَةَ بِخِيَارٍ ، فَأَنْكَرَ الْبَائِعُ أَنَّهَا سِلْعَتُهُ ، فَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْمُشْتَرِي .\rوَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ ، وَإِسْحَاقَ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ ؛ لِأَنَّهُمَا اتَّفَقَا عَلَى اسْتِحْقَاقِ فَسْخِ الْعَقْدِ ، وَالرَّدُّ بِالْعَيْبِ بِخِلَافِهِ .","part":8,"page":304},{"id":3804,"text":"( 3032 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِذَا اشْتَرَى شَيْئًا ، مَأْكُولُهُ فِي جَوْفِهِ ، فَكَسَرَهُ ، فَوَجَدَهُ فَاسِدًا ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِمَكْسُورِهِ قِيمَةٌ ، كَبَيْضِ الدَّجَاجِ ، رَجَعَ بِالثَّمَنِ عَلَى الْبَائِعِ ، وَإِنْ كَانَ لِمَكْسُورِهِ قِيمَةٌ ، كَجَوْزِ الْهِنْدِ ، فَهُوَ مُخَيَّرٌ فِي الرَّدِّ وَأَخْذِ الثَّمَنِ ، وَعَلَيْهِ أَرْشُ الْكَسْرِ ، أَوْ يَأْخُذُ مَا بَيْنَ صَحِيحِهِ وَمَعِيبِهِ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ ، أَنَّهُ إذَا اشْتَرَى مَا لَا يُطَّلَعُ عَلَى عَيْبِهِ إلَّا بِكَسْرِهِ ، كَالْبِطِّيخِ ، وَالرُّمَّانِ ، وَالْجَوْزِ ، وَالْبَيْضِ ، فَكَسَرَهُ فَبَانَ عَيْبُهُ ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، لَا يَرْجِعُ عَلَى الْبَائِعِ بِشَيْءٍ ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْبَائِعِ تَدْلِيسٌ ، وَلَا تَفْرِيطٌ ؛ لِعَدَمِ مَعْرِفَتِهِ بِعَيْبِهِ ، وَكَوْنِهِ لَا يُمْكِنُهُ الْوُقُوفُ عَلَيْهِ إلَّا بِكَسْرِهِ ، فَجَرَى مَجْرَى الْبَرَاءَةِ مِنْ الْعُيُوبِ .\rوَالثَّانِيَةُ ، يَرْجِعُ عَلَيْهِ .\rوَهِيَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ ، وَقَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ عَقْدَ الْبَيْعِ اقْتَضَى السَّلَامَةَ مِنْ عَيْبٍ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ الْمُشْتَرِي ، فَإِذَا بَانَ مَعِيبًا ، ثَبَتَ لَهُ الْخِيَارُ ، وَلِأَنَّ الْبَائِعَ إنَّمَا يَسْتَحِقُّ ثَمَنَ الْمَعِيبِ ، دُونَ الصَّحِيحِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَمْلِكْهُ صَحِيحًا ، فَلَا مَعْنًى لِإِيجَابِ الثَّمَنِ كُلِّهِ ، وَكَوْنُهُ لَمْ يُفَرِّطْ لَا يَقْتَضِي أَنْ يَجِبَ لَهُ ثَمَنُ مَا لَمْ يُسَلِّمْهُ ؛ بِدَلِيلِ الْعَيْبِ الَّذِي لَمْ يَعْلَمْهُ فِي الْعَبْدِ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّ الْمَبِيعَ إنْ كَانَ مِمَّا لَا قِيمَةَ لَهُ مَكْسُورًا ، كَبِيضِ الدَّجَاجِ الْفَاسِدِ ، وَالرُّمَّانِ الْأَسْوَدِ ، وَالْجَوْزِ الْخَرِبِ ، وَالْبِطِّيخِ التَّالِفِ ، رَجَعَ بِالثَّمَنِ كُلِّهِ ؛ لِأَنَّ هَذَا تَبَيَّنَ بِهِ فَسَادُ الْعَقْدِ مِنْ أَصْلِهِ ؛ لِكَوْنِهِ وَقَعَ عَلَى مَا لَا نَفْعَ فِيهِ ، وَلَا يَصِحُّ بَيْعُ مَا لَا نَفْعَ فِيهِ ، كَالْحَشَرَاتِ وَالْمَيْتَاتِ ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَرُدَّ الْمَبِيعَ إلَى الْبَائِعِ ؛ لِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِيهِ .\rالثَّانِي ، أَنْ","part":8,"page":305},{"id":3805,"text":"يَكُونَ مِمَّا لِمَعِيبِهِ قِيمَةٌ ، كَجَوْزِ الْهِنْدِ ، وَبَيْضِ النَّعَامِ ، وَالْبِطِّيخِ الَّذِي فِيهِ نَفْعٌ ، وَنَحْوِهِ ، فَإِذَا كَسَرَهُ نَظَرْت ، فَإِنْ كَانَ كَسْرًا لَا يُمْكِنُ اسْتِعْلَامُ الْمَبِيعِ بِدُونِهِ ، فَالْمُشْتَرِي مُخَيَّرٌ بَيْنَ رَدِّهِ وَرَدِّ أَرْشِ الْكَسْرِ وَأَخْذِ الثَّمَنِ ، وَبَيْنَ أَخْذِ أَرْشِ عَيْبِهِ ، وَهُوَ قِسْطُ مَا بَيْنَ صَحِيحِهِ وَمَعِيبِهِ ، وَهَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : عِنْدِي لَا أَرْشَ عَلَيْهِ لِكَسْرِهِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ حَصَلَ بِطَرِيقِ اسْتِعْلَامِ الْعَيْبِ ، وَالْبَائِعُ سَلَّطَهُ عَلَيْهِ ، حَيْثُ عَلِمَ أَنَّهُ لَا تُعْلَمُ لَهُ صِحَّتُهُ مِنْ فَسَادِهِ بِغَيْرِ ذَلِكَ .\rوَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ .\rوَوَجْهُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ .\rأَنَّهُ نَقْصٌ لَمْ يَمْنَعْ الرَّدَّ ، فَلَزِمَ رَدُّ أَرْشِهِ ، كَلَبَنِ الْمُصَرَّاةِ إذَا حَلَبَهَا ، وَالْبِكْرِ إذَا وَطِئَهَا ، وَبِهَذَيْنِ الْأَصْلَيْنِ يَبْطُلُ مَا ذَكَرَهُ ، فَإِنَّهُ لِاسْتِعْلَامِ الْعَيْبِ ، وَالْبَائِعُ سَلَّطَهُ عَلَيْهِ ، بَلْ هَاهُنَا أَوْلَى ؛ لِأَنَّهُ تَدْلِيسٌ مِنْ الْبَائِعَ ، وَالتَّصْرِيَةُ حَصَلَتْ بِتَدْلِيسِهِ ، وَإِنْ كَانَ كَسْرًا يُمْكِنُ اسْتِعْلَامُ الْمَبِيعِ بِدُونِهِ ، إلَّا أَنَّهُ لَا يُتْلِفُ الْمَبِيعَ بِالْكُلِّيَّةِ ، فَالْحُكْمُ فِيهِ كَاَلَّذِي قَبْلَهُ فِي قَوْلِ الْخِرَقِيِّ وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي أَيْضًا .\rوَالْمُشْتَرِي مُخَيَّرٌ بَيْنَ رَدِّهِ وَأَرْشِ الْكَسْرِ وَأَخْذِ الثَّمَنِ ، بَيْنَ أَخْذِ أَرْشِ الْعَيْبِ .\rوَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ .\rوَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ ، لَيْسَ لَهُ رَدُّهُ ، وَلَهُ أَرْشُ الْعَيْبِ .\rوَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ فِيمَا تَقَدَّمَ .\rوَإِنْ كَسَرَهُ كَسْرًا لَا يُبْقِي لَهُ قِيمَةً ، فَلَهُ أَرْشُ الْعَيْبِ ، لَا غَيْرُ ؛ لِأَنَّهُ أَتْلَفَهُ ، وَقَدْرُ أَرْشِ الْعَيْبِ قِسْطُ مَا بَيْنَ الصَّحِيحِ وَالْمَعِيبِ مِنْ الثَّمَنِ ، فَيُقَوَّمُ الْمَبِيعُ صَحِيحًا ، ثُمَّ يُقَوَّمُ مَعِيبًا غَيْرَ مَكْسُورٍ ، فَيَكُونُ لِلْمُشْتَرِي قَدْرُ مَا بَيْنَهُمَا مِنْ الثَّمَنِ .\rعَلَى مَا مَضَى","part":8,"page":306},{"id":3806,"text":"شَرْحُهُ .","part":8,"page":307},{"id":3807,"text":"( 3033 ) فَصْلٌ : وَلَوْ اشْتَرَى ثَوْبًا فَنَشَرَهُ فَوَجَدَهُ مَعِيبًا ، فَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يَنْقُصُهُ النَّشْرُ ، رَدَّهُ ، وَإِنْ كَانَ يَنْقُصُهُ النَّشْرُ ، كالهسنجاني ، الَّذِي يُطْوَى طَاقَيْنِ مُلْتَصِقَيْنِ ، جَرَى ذَلِكَ مَجْرَى جَوْزِ الْهِنْدِ ، عَلَى التَّفْصِيلِ الْمَذْكُورِ ، فِيمَا إذَا لَمْ يَزِدْ عَلَى مَا يَحْصُلُ بِهِ اسْتِعْلَامُ الْمَبِيعِ ، أَوْ زَادَ ، كَنَشْرِ مَنْ لَا يَعْرِفُ .\rوَإِنْ أَحَبَّ أَخْذَ أَرْشِهِ ، فَلَهُ ذَلِكَ بِكُلِّ حَالٍ .","part":8,"page":308},{"id":3808,"text":"( 3034 ) فَصْلٌ : وَإِذَا اشْتَرَى ثَوْبًا فَصَبَغَهُ ، ثُمَّ ظَهَرَ عَلَى عَيْبٍ ، فَلَهُ أَرْشُهُ لَا غَيْرُ ، وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّ لَهُ رَدَّهُ .\rوَأَخْذَ زِيَادَتِهِ بِالصَّبْغِ ؛ لِأَنَّهَا زِيَادَةٌ ، فَلَا تَمْنَعُ الرَّدَّ ، كَالسَّمْنِ وَالْكُسْبِ .\rوَالْأَوَّلُ أَوْلَى ؛ لِأَنَّ هَذَا مُعَاوَضَةٌ ، فَلَا يُجْبَرُ الْبَائِعُ عَلَى قَبُولِهَا ، كَسَائِرِ الْمُعَاوَضَاتِ .\rوَفَارَقَ السَّمْنَ وَالْكُسْبَ ، فَإِنَّهُ لَا يَأْخُذُ عَنْ السَّمْنِ عِوَضًا ، وَالْكُسْبُ لِلْمُشْتَرِي لَا يَرُدُّهُ ، وَلَا يُعَاوَضُ عَنْهُ .\rوَإِنْ قَالَ الْبَائِعُ : أَنَا آخُذُهُ ، وَأُعْطِي قِيمَةَ الصَّبْغِ .\rلَمْ يَلْزَمْ الْمُشْتَرِيَ ذَلِكَ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَيْسَ لِلْمُشْتَرِي إلَّا رَدُّهُ ؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنَهُ رَدُّهُ ، فَلَمْ يَمْلِكْ أَخْذَ الْأَرْشِ ، كَمَا لَوْ سَمِنَ عَبْدُهُ ، أَوْ كَسَبَ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ رَدُّهُ ، إلَّا بِرَدِّ شَيْءٍ مِنْ مَالِهِ مَعَهُ ، فَلَمْ يَسْقُطْ حَقُّهُ مِنْ الْأَرْشِ بِامْتِنَاعِهِ مِنْ رَدِّهِ ، كَمَا لَوْ تَعَيَّبَ عِنْدَهُ ، فَطَلَبَ الْبَائِعُ أَخْذَهُ مَعَ أَرْشِ الْعَيْبِ الْحَادِثِ .\rوَالْأَصْلُ لَا نُسَلِّمُهُ ، فَإِنَّهُ يَسْتَحِقُّ أَخْذَ الْأَرْشِ إذَا أَرَادَهُ بِكُلِّ حَالٍ .","part":8,"page":309},{"id":3809,"text":"( 3035 ) فَصْلٌ : يَصِحُّ بَيْعُ الْعَبْدِ الْجَانِي ، سَوَاءٌ كَانَتْ الْجِنَايَةُ ، عَمْدًا أَوْ خَطَأً ، عَلَى النَّفْسِ وَمَا دُونَهَا ، مُوجِبَةً لِلْقِصَاصِ أَوْ غَيْرَ مُوجِبَةٍ لَهُ .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ ، وَقَالَ فِي الْآخَرِ : لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ ؛ لِأَنَّهُ تَعَلَّقَ بِرَقَبَتِهِ حَقُّ آدَمِيٍّ ، فَمَنَعَ صِحَّةَ بَيْعِهِ ، كَالرَّهْنِ ، بَلْ حَقُّ الْجِنَايَةِ آكَدُ ؛ لِأَنَّهَا تُقَدَّمُ عَلَى حَقِّ الْمُرْتَهِنِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ حَقٌّ غَيْرُ مُسْتَقِرٍّ فِي الْجَانِي ، يَمْلِكُ أَدَاءَهُ مِنْ غَيْرِهِ ، فَلَمْ يَمْنَعْ الْبَيْعَ ، كَالزَّكَاةِ ، أَوْ حَقٌّ يَثْبُتُ بِغَيْرِ رِضَا سَيِّدِهِ ، فَلَمْ يَمْنَعْ بَيْعَهُ ، كَالدَّيْنِ فِي ذِمَّتِهِ ، أَوْ تَصَرُّفٌ فِي الْجَانِي ، فَجَازَ ، كَالْعِتْقِ .\rوَإِنْ كَانَ الْحَقُّ قِصَاصًا ، فَهُوَ تُرْجَى سَلَامَتُهُ وَيُخْشَى تَلَفُهُ ، فَأَشْبَهَ الْمَرِيضَ .\rأَمَّا الرَّهْنُ ، فَإِنَّ الْحَقَّ مُتَعَيِّنٌ فِيهِ ، لَا يَمْلِكُ سَيِّدُهُ إبْدَالَهُ ، ثَبَتَ الْحَقُّ فِيهِ بِرِضَاهُ ، وَثِيقَةً لِلدَّيْنِ ، فَلَوْ أَبْطَلَهُ بِالْبَيْعِ ، سَقَطَ حَقُّ الْوَثِيقَةِ الَّذِي الْتَزَمَهُ بِرِضَاهُ وَاخْتِيَارِهِ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا فَمَتَى بَاعَهُ ، وَكَانَتْ الْجِنَايَةُ مُوجِبَةً لِلْمَالِ ، أَوْ الْقَوَدِ ، فَعُفِيَ عَنْهُ إلَى مَالٍ ، فَعَلَى السَّيِّدِ فِدَاؤُهُ بِأَقَلِّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ قِيمَتِهِ ، أَوْ أَرْشِ جِنَايَتِهِ ، وَيَزُولُ الْحَقُّ عَنْ رَقَبَةِ الْعَبْدِ بِبَيْعِهِ ؛ لِأَنَّ لِلسَّيِّدِ الْخِيرَةَ ، بَيْنَ تَسْلِيمِهِ وَفِدَائِهِ .\rفَإِنْ بَاعَهُ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ فِدَاؤُهُ ؛ لِإِخْرَاجِ الْعَبْدِ مِنْ مِلْكِهِ .\rوَلَا خِيَارَ لِلْمُشْتَرِي ؛ لِعَدَمِ الضَّرَرِ عَلَيْهِ ، إذْ الرُّجُوعُ عَلَى غَيْرِهِ ، هَذَا إذَا كَانَ السَّيِّدُ مُوسِرًا .\rوَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ : لَا يَلْزَمُ السَّيِّدَ فِدَاؤُهُ ؛ لِأَنَّ أَكْثَرَ مَا فِيهِ أَنَّهُ الْتَزَمَ فِدَاءَهُ ، فَلَا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ ، كَمَا لَوْ قَالَ الرَّاهِنُ : أَنَا أَقْضِي الدَّيْنَ مِنْ الرَّهْنِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ زَالَ مِلْكُهُ عَنْ الْجَانِي ، فَلَزِمَهُ فِدَاؤُهُ","part":8,"page":310},{"id":3810,"text":"، كَمَا لَوْ قَتَلَهُ ، بِخِلَافِ الرَّهْنِ ، وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ .\rوَإِنْ كَانَ الْبَائِعُ مُعْسِرًا ، لَمْ يَسْقُطْ حَقُّ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ مِنْ رَقَبَةِ الْجَانِي ؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ إنَّمَا يَمْلِكُ نَقْلَ حَقِّهِ عَنْ رَقَبَتِهِ بِفِدَائِهِ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ ، وَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ فِي ذِمَّةِ الْمُعْسِرِ ، فَيَبْقَى الْحَقُّ فِي رَقَبَتِهِ بِحَالِهِ مُقَدَّمًا عَلَى حَقِّ الْمُشْتَرِي .\rوَلِلْمُشْتَرِي خِيَارُ الْفَسْخِ ، إنْ كَانَ غَيْرَ عَالِمٍ بِبَقَاءِ الْحَقِّ فِي رَقَبَتِهِ ، فَإِنْ فَسَخَ رَجَعَ بِالثَّمَنِ ، وَإِنْ لَمْ يَفْسَخْ ، وَكَانَتْ الْجِنَايَةُ مُسْتَوْعِبَةً لِرَقَبَةِ الْعَبْدِ ، فَأَخَذَ بِهَا ، رَجَعَ الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ أَيْضًا ، لِأَنَّ أَرْشَ مِثْلِ هَذَا جَمِيعُ ثَمَنِهِ ، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مُسْتَوْعِبَةٍ لِرَقَبَتِهِ ، رَجَعَ بِقَدْرِ أَرْشِهِ .\rوَإِنْ كَانَ عَالِمًا بِعَيْبِهِ ، رَاضِيًا بِتَعَلُّقِ الْحَقِّ بِهِ ، لَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ ؛ لِأَنَّهُ اشْتَرَى مَعِيبًا عَالِمًا بِعَيْبِهِ .\rفَإِنْ اخْتَارَ الْمُشْتَرِي فِدَاءَهُ ، فَلَهُ ذَلِكَ ، وَالْبَيْعُ بِحَالِهِ ؛ لِأَنَّهُ يَقُومُ مَقَامَ الْبَائِعِ فِي الْخِيرَةِ بَيْنَ تَسْلِيمِهِ وَفِدَائِهِ ، وَحُكْمُهُ فِي الرُّجُوعِ بِمَا فَدَاهُ بِهِ عَلَى الْبَائِعِ حُكْمُ قَضَاءِ الدَّيْنِ عَنْهُ .\rفَإِنْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ مُوجِبَةً لِلْقِصَاصِ ، فَلِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ ، بَيْنَ الرَّدِّ وَأَخْذِ الْأَرْشِ ، فَإِنْ اُقْتُصَّ مِنْهُ تَعَيَّنَ الْأَرْشُ ، وَهُوَ قِسْطُ قِيمَتِهِ مَا بَيْنَهُ جَانِيًا وَغَيْرَ جَانٍ ، وَلَا يَبْطُلُ الْبَيْعُ مِنْ أَصْلِهِ .\rوَبِهَذَا قَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ : يَرْجِعُ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ ؛ لِأَنَّ تَلَفَهُ كَانَ بِمَعْنًى اُسْتُحِقَّ عِنْدَ الْبَائِعِ ، فَجَرَى مَجْرَى إتْلَافِهِ إيَّاهُ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ تَلِفَ عِنْد الْمُشْتَرِي بِالْعَيْبِ الَّذِي كَانَ فِيهِ ، فَلَمْ يُوجِبْ الرُّجُوعَ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ ، كَمَا لَوْ كَانَ مَرِيضًا ، فَمَاتَ بِدَائِهِ ، أَوْ مُرْتَدًّا ، فَقُتِلَ بِرِدَّتِهِ ، وَمَا ذَكَرُوهُ مُنْتَقِضٌ بِمَا ذَكَرْنَاهُ ، وَلَا يَصِحُّ","part":8,"page":311},{"id":3811,"text":"قِيَاسُهُمْ عَلَى إتْلَافِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُتْلِفْهُ ، فَمَا اشْتَرَكَا فِي الْمُقْتَضِي .\rوَلَوْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ مُوجِبَةً لِقَطْعِ يَدِهِ ، فَقُطِعَتْ عِنْد الْمُشْتَرِي ، فَقَدْ تَعَيَّبَ فِي يَدِهِ ؛ لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَ الْقَطْعِ دُونَ حَقِيقَتِهِ ، فَهَلْ يَمْنَعُ ذَلِكَ رَدَّهُ بِعَيْبِهِ ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ .\rوَمَتَى اشْتَرَاهُ عَالِمًا بِعَيْبِهِ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ رَدُّهُ ؛ وَلَا أَرْشٌ ، كَسَائِرِ الْمَعِيبَاتِ ، وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ .\r( 3036 ) فَصْلٌ : وَحُكْمُ الْمُرْتَدِّ حُكْمُ الْقَاتِلِ ، فِي صِحَّةِ بَيْعِهِ ، وَسَائِرِ أَحْكَامِهِ الْمَذْكُورَةِ فِيهِ ، فَإِنَّ قَتْلَهُ غَيْرُ مُتَحَتِّمٍ ؛ لِاحْتِمَالِ رُجُوعِهِ إلَى الْإِسْلَامِ .\rوَكَذَلِكَ الْقَاتِلُ فِي الْمُحَارَبَةِ إذَا تَابَ قَبْلَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ ، فَإِنْ لَمْ يَتُبْ حَتَّى قُدِرَ عَلَيْهِ ، فَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : هُوَ كَالْقَاتِلِ فِي غَيْرِ مُحَارَبَةٍ ؛ لِأَنَّهُ عَبْدٌ قِنٌّ ، يَصِحُّ إعْتَاقُهُ ، وَيَمْلِكُ اسْتِخْدَامَهُ ، فَصَحَّ بَيْعُهُ ، كَغَيْرِ الْقَاتِلِ ، وَلِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ الِانْتِفَاعُ بِهِ إلَى حَالِ قَتْلِهِ ، وَيَعْتِقُهُ فَيَنْجَرُّ بِهِ وَلَاءُ أَوْلَادِهِ ، فَجَازَ بَيْعُهُ ، كَالْمَرِيضِ الْمَأْيُوسِ مِنْ بُرْئِهِ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ ؛ لِأَنَّهُ تَحَتَّمَ قَتْلُهُ وَإِتْلَافُهُ وَإِذْهَابُ مَالِيَّتِهِ ، وَحَرُمَ إبْقَاؤُهُ ، فَصَارَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَا نَفْعَ فِيهِ مِنْ الْحَشَرَاتِ وَالْمَيْتَاتِ ، وَهَذِهِ الْمَنْفَعَةُ الْيَسِيرَةُ مُفْضِيَةٌ بِهِ إلَى قَتْلِهِ لَا يَتَمَهَّدُ بِهَا مَحِلًّا لِلْبَيْعِ ، كَالْمَنْفَعَةِ الْحَاصِلَةِ مِنْ الْمَيْتَةِ ؛ لِسَدِّ بَثْقٍ ، أَوْ إطْعَامِ كَلْبٍ ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ، فَإِنَّهُ كَانَ مَحِلًّا لِلْبَيْعِ ، وَالْأَصْلُ بَقَاءُ ذَلِكَ فِيهِ ، وَانْحِتَامُ إتْلَافِهِ لَا يَجْعَلُهُ تَالِفًا ؛ بِدَلِيلِ أَنَّ أَحْكَامَ الْحَيَاةِ ، مِنْ التَّكْلِيفِ وَغَيْرِهِ ، لَا تَسْقُطُ عَنْهُ ، وَلَا تَثْبُتُ أَحْكَامُ الْمَوْتَى لَهُ ، مِنْ إرْثِ مَالِهِ ، وَنُفُوذِ وَصِيَّتِهِ وَغَيْرِهَا ، وَلِأَنَّ خُرُوجَهُ عَنْ حُكْمِ الْأَصْلِ ، لَا يَثْبُتُ إلَّا بِدَلِيلٍ ، وَلَا","part":8,"page":312},{"id":3812,"text":"نَصَّ فِي هَذَا وَلَا إجْمَاعَ ، وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُهُ عَلَى الْحَشَرَاتِ وَالْمَيْتَاتِ ؛ لِأَنَّ تِلْكَ لَمْ تَكُنْ فِيهَا مَنْفَعَةٌ ، فِيمَا مَضَى ، وَلَا فِي الْحَالِ ، وَعَلَى أَنَّ هَذَا التَّحَتُّمَ يُمْكِنُ زَوَالُهُ ؛ لِزَوَالِ مَا ثَبَتَ بِهِ مِنْ الرُّجُوعِ عَنْ الْإِقْرَارِ ، وَإِنْ كَانَ ثَبَتَ بِهِ ، أَوْ رُجُوعِ الْبَيِّنَةِ ، وَلَوْ لَمْ يُمْكِنْ زَوَالُهُ ، فَأَكْثَرُ مَا فِيهِ تَحَقُّقُ تَلَفِهِ ، وَذَلِكَ يَجْعَلُهُ كَالْمَرِيضِ الْمَأْيُوسِ مِنْ بُرْئِهِ ، وَبَيْعُهُ جَائِزٌ .","part":8,"page":313},{"id":3813,"text":"( 3037 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَمَنْ بَاعَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ ، فَمَالُهُ لِلْبَائِعِ ، إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُبْتَاعُ ، إذَا كَانَ قَصْدُهُ لِلْعَبْدِ لَا لِلْمَالِ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ ، أَنَّ السَّيِّدَ إذَا بَاعَ عَبْدَهُ ، أَوْ جَارِيَتَهُ ، وَلَهُ مَالٌ مَلَّكَهُ إيَّاهُ مَوْلَاهُ ، أَوْ خَصَّهُ بِهِ ، فَهُوَ لِلْبَائِعِ ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { مَنْ بَاعَ عَبْدًا ، وَلَهُ مَالٌ ، فَمَالُهُ لِلْبَائِعِ ، إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُبْتَاعُ .\r} رَوَاهُ مُسْلِمٌ ، وَأَبُو دَاوُد ، وَابْنُ مَاجَهْ .\rوَلِأَنَّ الْعَبْدَ وَمَالَهُ لِلْبَائِعِ ، فَإِذَا بَاعَ الْعَبْدَ اخْتَصَّ الْبَيْعُ بِهِ دُونَ غَيْرِهِ ، كَمَا لَوْ كَانَ لَهُ عَبْدَانِ فَبَاعَ أَحَدَهُمَا .\rوَإِنْ اشْتَرَطَهُ الْمُبْتَاعُ كَانَ لَهُ ؛ لِلْخَبَرِ ، وَرَوَى ذَلِكَ نَافِعٌ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَقَضَى بِهِ شُرَيْحٌ ، وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ ، وَطَاوُسٌ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ .\rقَالَ الْخِرَقِيِّ : إذَا كَانَ قَصْدُهُ لِلْعَبْدِ لَا لِلْمَالِ .\rهَذَا مَنْصُوصُ أَحْمَدَ ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَعُثْمَانَ الْبَتِّيِّ .\rوَمَعْنَاهُ ، أَنَّهُ لَا يَقْصِدُ بِالْبَيْعِ شِرَاءَ مَالِ الْعَبْدِ ، إنَّمَا يَقْصِدُ بَقَاءَ الْمَالِ لِعَبْدِهِ ، وَإِقْرَارَهُ فِي يَدِهِ ، فَمَتَى كَانَ كَذَلِكَ ، صَحَّ اشْتِرَاطُهُ ، وَدَخَلَ فِي الْبَيْعِ بِهِ ، سَوَاءٌ كَانَ الْمَالُ مَعْلُومًا أَوْ مَجْهُولًا ، مِنْ جِنْسِ الثَّمَنِ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ ، عَيْنًا كَانَ أَوْ دَيْنًا ، وَسَوَاءٌ كَانَ مِثْلَ الثَّمَنِ أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ .\rقَالَ الْبَتِّيُّ : إذَا بَاعَ عَبْدًا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ ، وَمَعَهُ أَلْفُ دِرْهَمٍ ، فَالْبَيْعُ جَائِزٌ إذَا كَانَتْ رَغْبَةُ الْمُبْتَاعِ فِي الْعَبْدِ لَا فِي الدَّرَاهِمِ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ دَخَلَ فِي الْبَيْعِ تَبَعًا غَيْرَ مَقْصُودٍ ، فَأَشْبَهَ أَسَاسَاتِ الْحِيطَانِ ، وَالتَّمْوِيهَ بِالذَّهَبِ فِي السُّقُوفِ ، فَأَمَّا إنْ كَانَ الْمَالُ مَقْصُودًا بِالشِّرَاءِ ، جَازَ اشْتِرَاطُهُ إذَا وُجِدَتْ","part":8,"page":314},{"id":3814,"text":"فِيهِ شَرَائِطُ الْبَيْعِ ، مِنْ الْعِلْمِ بِهِ ، وَأَنْ لَا يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الثَّمَنِ رَبًّا ، كَمَا يُعْتَبَرُ ذَلِكَ فِي الْعَيْنَيْنِ الْمَبِيعَتَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ مَبِيعٌ مَقْصُودٌ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ ضَمَّ إلَى الْعَبْدِ عَيْنًا أُخْرَى وَبَاعَهُمَا .\rوَقَالَ الْقَاضِي : هَذَا يَنْبَنِي عَلَى كَوْنِ الْعَبْدِ يَمْلِكُ أَوْ لَا يَمْلِكُ ، فَإِنْ قُلْنَا : لَا يَمْلِكُ .\rفَاشْتَرَطَ الْمُشْتَرِي مَالَهُ صَارَ مَبِيعًا مَعَهُ ، فَاشْتُرِطَ فِيهِ مَا يُشْتَرَطُ فِي سَائِرِ الْمَبِيعَاتِ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ .\rوَإِنْ قُلْنَا : يَمْلِكُ .\rاُحْتُمِلَتْ فِيهِ الْجَهَالَةُ وَغَيْرُهَا مِمَّا ذَكَرْنَا مِنْ قَبْلُ ؛ لِأَنَّهُ تَبَعٌ فِي الْبَيْعِ لَا أَصْلٌ ، فَأَشْبَهَ طَيَّ الْآبَارِ .\rوَهَذَا خِلَافُ نَصِّ أَحْمَدَ وَقَوْلِ الْخِرَقِيِّ ؛ لِأَنَّهُمَا جَعَلَا الشَّرْطَ الَّذِي يَخْتَلِفُ الْحُكْمُ بِهِ قَصْدَ الْمُشْتَرِي دُونَ غَيْرِهِ ، وَهُوَ أَصَحُّ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ، وَاحْتِمَالُ الْجَهَالَةِ فِيهِ لِكَوْنِهِ غَيْرَ مَقْصُودٍ ، كَمَا ذَكَرْنَا ، كَاللَّبَنِ فِي ضَرْعِ الشَّاةِ الْمَبِيعَةِ ، وَالْحَمْلِ فِي بَطْنِهَا ، وَالصُّوفِ عَلَى ظَهْرِهَا ، وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ ، فَإِنَّهُ مَبِيعٌ ، وَيَحْتَمِلُ فِيهِ الْجَهَالَةَ وَغَيْرَهَا ، لِمَا ذَكَرْنَا .\rوَقَدْ قِيلَ : إنَّ الْمَالَ لَيْسَ بِمَبِيعٍ هَاهُنَا ، وَإِنَّمَا اسْتِبْقَاءُ الْمُشْتَرِي عَلَى مِلْكِ الْعَبْدِ لَا يَزُولُ عَنْهُ إلَى الْبَائِعِ .\rوَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ الْأَوَّلِ .","part":8,"page":315},{"id":3815,"text":"( 3038 ) فَصْلٌ : وَإِذَا اشْتَرَى عَبْدًا ، وَاشْتَرَطَ مَالُهُ ، ثُمَّ رَدَّ الْعَبْدَ بِعَيْبٍ أَوْ خِيَارٍ أَوْ إقَالَةٍ ، رَدَّ مَالَهُ مَعَهُ .\rوَقَالَ دَاوُد : يَرُدُّ الْعَبْدَ دُونَ مَالِهِ ؛ لِأَنَّ مَالَهُ لَمْ يَدْخُلْ فِي الْبَيْعِ ، فَأَشْبَهَ النَّمَاءَ الْحَادِثَ عِنْدَهُ .\rوَلَنَا أَنَّهُ عَيْنُ مَالٍ أَخَذَهَا الْمُشْتَرِي ، لَا تَحْصُلُ بِدُونِ الْبَيْعِ ، فَيَرُدُّهَا بِالْفَسْخِ ، كَالْعَبْدِ ، وَلِأَنَّ الْعَبْدَ إذَا كَانَ ذَا مَالٍ كَانَتْ قِيمَتُهُ أَكْثَرَ ، فَأَخْذُ مَالِهِ يَنْقُصُ قِيمَتَهُ ، فَلَمْ يَمْلِكْ رَدَّهُ حَتَّى يَدْفَعَ مَا يُزِيلُ نَقْصَهُ .\rفَإِنْ تَلِفَ مَالُهُ ، ثُمَّ أَرَادَ رَدَّهُ ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْعَيْبِ الْحَادِثِ عِنْد الْمُشْتَرِي ، هَلْ يَمْنَعُ الرَّدَّ ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ ، فَإِنْ قُلْنَا : يَرُدُّهُ .\rفَعَلَيْهِ قِيمَةُ مَا أَتْلَفَ .\rقَالَ أَحْمَدُ : فِي رَجُلٍ اشْتَرَى أَمَةً مَعَهَا قِنَاعٌ ، فَاشْتَرَطَهُ ، وَظَهَرَ عَلَى عَيْبٍ ، وَقَدْ تَلِفَ الْقِنَاعُ : غَرِمَ قِيمَتَهُ بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ .\r( 3039 ) فَصْلٌ : وَمَا كَانَ عَلَى الْعَبْدِ أَوْ الْجَارِيَةِ مِنْ الْحُلِيِّ ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَالِهِ ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا .\rفَأَمَّا الثِّيَابُ فَقَالَ أَحْمَدُ : مَا كَانَ يَلْبَسهُ عِنْد الْبَائِع ، فَهُوَ لِلْمُشْتَرِي ، وَإِنْ كَانَتْ ثِيَابًا يَلْبَسُهَا فَوْقَ ثِيَابِهِ ، أَوْ شَيْئًا يُزَيِّنُهُ بِهِ ، فَهُوَ لِلْبَائِعِ ، إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُبْتَاعُ .\rيَعْنِي أَنَّ الثِّيَابَ الَّتِي يَلْبَسُهَا عَادَةً لِلْخِدْمَةِ وَالْبِذْلَةِ ، تَدْخُلُ فِي الْبَيْعِ ، دَوَّنَ الثِّيَابِ الَّتِي يَتَجَمَّلُ بِهَا ؛ لِأَنَّ ثِيَابَ الْبِذْلَةِ جَرَتْ الْعَادَةُ بِبَيْعِهَا مَعَهُ ، وَلِأَنَّهَا تَتَعَلَّقُ بِهَا مَصْلَحَتُهُ وَحَاجَتُهُ ، إذْ لَا غَنَاءَ لَهُ عَنْهَا ، فَجَرَتْ مَجْرَى مَفَاتِيحِ الدَّارِ ، بِخِلَافِ ثِيَابِ الْجَمَالِ ، فَإِنَّهَا زِيَادَةٌ عَلَى الْعَادَةِ ، وَلَا تَتَعَلَّقُ بِهَا حَاجَةُ الْعَبْدِ ، وَإِنَّمَا يُلْبِسُهَا إيَّاهُ لِيُنْفِقَهُ بِهَا ، وَهَذِهِ حَاجَةُ السَّيِّدِ ، لَا حَاجَةُ الْعَبْدِ ، وَلَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِالْمُسَامَحَةِ فِيهَا ، فَجَرَتْ","part":8,"page":316},{"id":3816,"text":"مَجْرَى السُّتُورِ فِي الدَّارِ وَالدَّابَّةِ الَّتِي يَرْكَبُهُ عَلَيْهَا ، مَعَ دُخُولِهَا فِي الْخَبَرِ ، وَبَقَائِهَا عَلَى الْأَصْلِ .\rوَقَالَ ابْنُ عُمَر : مَنْ بَاعَ وَلِيدَةً ، زَيَّنَهَا بِثِيَابٍ ، فَلِلَّذِي اشْتَرَاهَا مَا عَلَيْهَا ، إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الَّذِي بَاعَهَا .\rوَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ ، وَالنَّخَعِيُّ وَلَنَا ، الْخَبَرُ الَّذِي رَوَاهُ ابْنُ عُمَرَ .\rوَلِأَنَّ الثِّيَابَ لَمْ يَتَنَاوَلْهَا لَفْظُ الْبَيْعِ ، وَلَا جَرَتْ الْعَادَةُ بِبَيْعِهَا مَعَهُ ، أَشْبَهَ سَائِرَ مَالِ الْبَائِعِ .\rوَلِأَنَّهُ زِينَةٌ لِلْمَبِيعِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ زَيَّنَ الدَّارَ بِبِسَاطٍ أَوْ سِتْرٍ .","part":8,"page":317},{"id":3817,"text":"( 3040 ) فَصْلٌ : وَلَا يَمْلِكُ الْعَبْدُ شَيْئًا ، إذَا لَمْ يُمَلِّكْهُ سَيِّدُهُ .\rفِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rوَقَالَ أَهْلُ الظَّاهِرِ : يَمْلِكُ ؛ لِدُخُولِهِ فِي عُمُومِ قَوْله تَعَالَى : { خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا } .\rوَقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : مَنْ بَاعَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ } .\rفَأَضَافَ الْمَالَ إلَيْهِ فَاللَّامُ التَّمْلِيكِ .\rوَلَنَا ، قَوْله تَعَالَى { : ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ } .\rوَلِأَنَّ سَيِّدَهُ يَمْلِكُ عَيْنَهُ وَمَنَافِعَهُ ، فَمَا حَصَلَ بِذَلِكَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ لِسَيِّدِهِ ، كَبَهِيمَتِهِ .\rفَأَمَّا إنَّ مَلَّكَهُ سَيِّدُهُ شَيْئًا ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، لَا يَمْلِكُهُ .\rوَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ ؛ فَإِنَّهُ قَالَ : وَالسَّيِّدُ يُزَكِّي عَمَّا فِي يَدِ عَبْدِهِ ؛ لِأَنَّهُ مَالِكُهُ .\rوَقَالَ : وَالْعَبْدُ لَا يَرِثُ ، وَلَا مَالَ لَهُ فَيُورَثُ عَنْهُ .\rوَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ ، وَقَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَإِسْحَاقَ ، وَالشَّافِعِيِّ فِي الْجَدِيدِ ؛ لِأَنَّهُ مَمْلُوكٌ ، فَلَمْ يَمْلِكْ ، كَالْبَهِيمَةِ .\rوَالثَّانِي ، يَمْلِكُ .\rوَهِيَ أَصَحُّ عِنْدِي .\rوَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيمِ ؛ لِلْآيَةِ وَالْخَبَرِ ، وَلِأَنَّهُ آدَمِيٌّ حَيٌّ ، فَمَلَكَ كَالْحُرِّ ، وَلِأَنَّهُ يَمْلِكُ فِي النِّكَاحِ ، فَمَلَكَ فِي الْمَالِ كَالْحُرِّ ، وَلِأَنَّهُ يَصِحُّ الْإِقْرَارُ لَهُ ، فَأَشْبَهَ الْحُرَّ ، وَمَا ذَكَرُوهُ تَعْلِيلٌ بِالْمَانِعِ ، وَلَا يَثْبُتُ اعْتِبَارُهُ إلَّا أَنْ يُوجَدَ الْمُقْتَضِي فِي الْأَصْلِ ، وَلَمْ يُوجَدْ فِي الْبَهِيمَةِ مَا يَقْتَضِي ثُبُوتَ الْمِلْكِ لَهَا ، وَإِنَّمَا انْتَفَى مِلْكُهَا لِعَدَمِ الْمُقْتَضِي لَهُ ، لَا لِكَوْنِهَا مَمْلُوكَةً ، وَكَوْنُهَا مَمْلُوكَةً عَدِيمُ الْأَثَرِ ، فَإِنَّ سَائِرَ الْبَهَائِمِ الَّتِي لَيْسَتْ مَمْلُوكَةً مِنْ الصَّيُودِ وَالْوُحُوشِ ، لَا تُمَلَّكُ ، وَكَذَلِكَ الْجَمَادَاتُ ، وَإِذَا بَطَلَ كَوْنُ مَا ذَكَرُوهُ مَانِعًا ، وَقَدْ تَحَقَّقَ الْمُقْتَضِي ، لَزِمَ ثُبُوتُ حُكْمِهِ .\rوَاَللَّه أَعْلَمُ","part":8,"page":318},{"id":3818,"text":".","part":8,"page":319},{"id":3819,"text":"مَسْأَلَةٌ قَالَ وَمَنْ بَاعَ سِلْعَةً بِنَسِيئَةٍ ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يَشْتَرِيَهَا بِأَقَلَّ مِمَّا بَاعَهَا بِهِ وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ مَنْ بَاعَ سِلْعَةً بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ ، ثُمَّ اشْتَرَاهَا بِأَقَلَّ مِنْهُ نَقْدًا لَمْ يَجُزْ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَعَائِشَةَ ، وَالْحَسَنِ ، وَابْنِ سِيرِينَ ، وَالشَّعْبِيِّ ، وَالنَّخَعِيِّ وَبِهِ قَالَ أَبُو الزِّنَادِ ، وَرَبِيعَةُ وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ ، وَالثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَمَالِكٌ وَإِسْحَاقُ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَأَجَازَهُ الشَّافِعِيُّ لِأَنَّهُ ثَمَنٌ يَجُوزُ بَيْعُهَا بِهِ مِنْ غَيْرِ بَائِعِهَا فَجَازَ مِنْ بَائِعِهَا ، كَمَا لَوْ بَاعَهَا بِمِثْلِ ثَمَنِهَا .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى غُنْدَرٌ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ عَنْ امْرَأَتِهِ الْعَالِيَةِ بِنْتِ أَيْفَعَ بْنِ شُرَحْبِيلَ أَنَّهَا قَالَتْ : دَخَلْت أَنَا وَأُمُّ وَلَدِ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ وَامْرَأَتُهُ عَلَى عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ، فَقَالَتْ أُمُّ وَلَدِ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ : إنِّي بِعْت غُلَامًا مِنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ بِثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ إلَى الْعَطَاءِ ، ثُمَّ اشْتَرَيْته مِنْهُ بِسِتِّمِائَةِ دِرْهَمٍ فَقَالَتْ لَهَا : بِئْسَ مَا شَرَيْت ، وَبِئْسَ مَا اشْتَرَيْت أَبْلِغِي زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ : أَنَّهُ قَدْ أَبْطَلَ جِهَادَهُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَّا أَنْ يَتُوبَ .\rرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ، وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ .\rوَالظَّاهِرُ أَنَّهَا لَا تَقُولُ مِثْلَ هَذَا التَّغْلِيظِ وَتُقْدِمُ عَلَيْهِ ، إلَّا بِتَوْقِيفٍ سَمِعَتْهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجَرَى مَجْرَى رِوَايَتِهَا ذَلِكَ عَنْهُ ، وَلِأَنَّ ذَلِكَ ذَرِيعَةٌ إلَى الرِّبَا ، فَإِنَّهُ يَدْخُلُ السِّلْعَةَ ، لِيَسْتَبِيحَ بَيْعَ أَلْفٍ بِخَمْسِمِائَةٍ إلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ .\rوَكَذَلِكَ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ قَالَ : أَرَى مِائَةً بِخَمْسِينَ بَيْنَهُمَا حَرِيرَةٌ .\rيَعْنِي خِرْقَةَ حَرِيرٍ جَعَلَاهَا فِي بَيْعِهِمَا .\rوَالذَّرَائِعُ مُعْتَبَرَةٌ لِمَا","part":8,"page":320},{"id":3820,"text":"قَدَّمْنَاهُ فَأَمَّا بَيْعُهَا بِمِثْلِ الثَّمَنِ أَوْ أَكْثَرَ ، فَيَجُوزُ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ ذَرِيعَةً .\rوَهَذَا إذَا كَانَتْ السِّلْعَةُ لَمْ تَنْقُصْ عَنْ حَالَةِ الْبَيْعِ ، فَإِنْ نَقَصَتْ ، مِثْلُ إنْ هَزَلَ الْعَبْدُ ، أَوْ نَسِيَ صِنَاعَةً ، أَوْ تَخَرَّقَ الثَّوْبُ ، أَوْ بَلِيَ جَازَ لَهُ شِرَاؤُهَا بِمَا شَاءَ لِأَنَّ نَقْصَ الثَّمَنِ لِنَقْصِ الْمَبِيعِ لَا لِلتَّوَسُّلِ إلَى الرِّبَا .\rوَإِنْ نَقَصَ سِعْرُهَا ، أَوْ زَادَ لِذَلِكَ أَوْ لِمَعْنًى حَدَثَ فِيهَا ، لَمْ يَجُزْ بَيْعُهَا بِأَقَلَّ مِنْ ثَمَنِهَا ، كَمَا لَوْ كَانَتْ بِحَالِهَا .\rنَصَّ أَحْمَدُ عَلَى هَذَا كُلِّهِ .\r( 3042 ) فَصْلٌ وَإِنْ اشْتَرَاهَا بِعَرْضٍ ، أَوْ كَانَ بَيْعُهَا الْأَوَّلُ بِعَرْضٍ ، فَاشْتَرَاهَا بِنَقْدٍ جَازَ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ .\rوَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا ؛ لِأَنَّ التَّحْرِيمَ إنَّمَا كَانَ لِشُبْهَةِ الرِّبَا ، وَلَا رِبَا بَيْنَ الْأَثْمَانِ وَالْعُرُوضِ .\rفَأَمَّا إنْ بَاعَهَا بِنَقْدٍ ثُمَّ اشْتَرَاهَا بِنَقْدٍ آخَرَ مِثْلُ أَنْ يَبِيعَهَا بِمِائَتَيْ دِرْهَمٍ ، ثُمَّ اشْتَرَاهَا بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا : يَجُوزُ ؛ لِأَنَّهُمَا جِنْسَانِ لَا يَحْرُمُ التَّفَاضُلُ بَيْنَهُمَا .\rفَجَازَ ، كَمَا لَوْ اشْتَرَاهَا بِعَرْضٍ ، أَوْ بِمِثْلِ الثَّمَنِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَجُوزُ اسْتِحْسَانًا لِأَنَّهُمَا كَالشَّيْءِ الْوَاحِدِ فِي مَعْنَى الثَّمَنِيَّةِ ، وَلِأَنَّ ذَلِكَ يُتَّخَذُ وَسِيلَةً إلَى الرِّبَا ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ بَاعَهَا بِجِنْسِ الثَّمَنِ الْأَوَّلِ .\rوَهَذَا أَصَحُّ .\rإنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .\r( 3043 ) فَصْلٌ وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تُسَمَّى مَسْأَلَةَ الْعِينَةِ .\rقَالَ الشَّاعِرُ أَنِدَّانِ أَمْ نَعْتَانِ أَمْ يَنْبَرِي لَنَا فَتًى مِثْلُ نَصْلِ السَّيْفِ مُيِّزَتْ مَضَارِبُهُ فَقَوْلُهُ : نَعْتَانِ .\rأَيْ نَشْتَرِي عِينَةً مِثْلَمَا وَصَفْنَا .\rوَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ { إذَا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ وَأَخَذْتُمْ أَذْنَابَ الْبَقَرِ ، وَرَضِيتُمْ بِالزَّرْعِ ، وَتَرَكْتُمْ الْجِهَادَ","part":8,"page":321},{"id":3821,"text":"سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ذُلًّا لَا يَنْزِعُهُ حَتَّى تَرْجِعُوا إلَى دِينِكُمْ } .\rوَهَذَا وَعِيدٌ يَدُلُّ عَلَى التَّحْرِيمِ .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ الْعِينَةُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ الرَّجُلِ الْمَتَاعُ ، فَلَا يَبِيعُهُ إلَّا بِنَسِيئَةٍ ، فَإِنْ بَاعَهُ بِنَقْدٍ وَنَسِيئَةٍ فَلَا بَأْسَ .\rوَقَالَ : أَكْرَهُ لِلرَّجُلِ أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ تِجَارَةٌ غَيْرُ الْعِينَةِ لَا يَبِيعُ بِنَقْدٍ .\rوَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ إنَّمَا كَرِهَ النَّسِيئَةَ لِمُضَارَعَتِهَا الرِّبَا ، فَإِنَّ الْغَالِبَ أَنَّ الْبَائِعَ بِنَسِيئَةٍ يَقْصِدُ الزِّيَادَةَ بِالْأَجَلِ .\rوَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْعِينَةُ اسْمًا لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَلِلْبَيْعِ بِنَسِيئَةٍ جَمِيعًا ، لَكِنَّ الْبَيْعَ بِنَسِيئَةٍ لَيْسَ بِمُحَرَّمٍ اتِّفَاقًا ، وَلَا يُكْرَهُ إلَّا أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ تِجَارَةٌ غَيْرُهُ .\r.","part":8,"page":322},{"id":3822,"text":"( 3044 ) فَصْلٌ وَإِنْ بَاعَ سِلْعَةً بِنَقْدٍ ، ثُمَّ اشْتَرَاهَا بِأَكْثَرَ مِنْهُ نَسِيئَةً ، فَقَالَ أَحْمَدُ ، فِي رِوَايَةِ حَرْبٍ : لَا يَجُوزُ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يُغَيِّرَ السِّلْعَةَ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَتَّخِذُهُ وَسِيلَةً إلَى الرِّبَا ، فَأَشْبَهَ مَسْأَلَةَ الْعِينَةِ فَإِنْ اشْتَرَاهَا بِنَقْدٍ آخَرَ ، أَوْ بِسِلْعَةٍ أُخْرَى ، أَوْ بِأَقَلَّ مِنْ ثَمَنِهَا نَسِيئَةً ، جَازَ ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ فِي مَسْأَلَةِ الْعِينَةِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يَجُوزَ لَهُ شِرَاؤُهَا بِجِنْسِ الثَّمَنِ بِأَكْثَرَ مِنْهُ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَنْ مُوَاطَأَةٍ ، أَوْ حِيلَةٍ ، فَلَا يَجُوزُ .\rوَإِنْ وَقَعَ ذَلِكَ اتِّفَاقًا مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ ، جَازَ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ حِلُّ الْبَيْعِ ، وَإِنَّمَا حُرِّمَ فِي مَسْأَلَةِ الْعِينَةِ بِالْأَثَرِ الْوَارِدِ فِيهِ ، وَلَيْسَ هَذَا فِي مَعْنَاهُ ، وَلِأَنَّ التَّوَسُّلَ بِذَلِكَ أَكْثَرُ ، فَلَا يَلْتَحِقُ بِهِ مَا دُونَهُ .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ ( 3045 ) فَصْلٌ : وَفِي كُلِّ مَوْضِعٍ قُلْنَا : لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ .\rلَا يَجُوزُ ذَلِكَ لِوَكِيلِهِ ؛ لِأَنَّهُ قَائِمٌ مَقَامَهُ ، وَيَجُوزُ لِغَيْرِهِ مِنْ النَّاسِ ، سَوَاءٌ كَانَ أَبَاهُ ، أَوْ ابْنَهُ ، أَوْ غَيْرَهُمَا ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ الْبَائِعِ وَيَشْتَرِي لِنَفْسِهِ ، فَأَشْبَهَ الْأَجْنَبِيَّ","part":8,"page":323},{"id":3823,"text":"( 3046 ) فَصْلٌ وَمَنْ بَاعَ طَعَامًا إلَى أَجَلٍ فَلَمَّا حَلَّ الْأَجَلُ أَخَذَ مِنْهُ بِالثَّمَنِ الَّذِي فِي ذِمَّتِهِ طَعَامًا قَبْلَ قَبْضِهِ ، لَمْ يَجُزْ .\rرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، وَطَاوُسٍ ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَإِسْحَاقُ وَأَجَازَهُ جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَعَلِيُّ بْنُ حُسَيْنٍ وَالشَّافِعِيُّ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ، قَالَ عَلِيُّ بْنُ حُسَيْنٍ : إذَا لَمْ يَكُنْ لَك فِي ذَلِكَ رَأْيٌ وَرُوِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ أَنَّهُ قَالَ : بِعْت تَمْرًا مِنْ التَّمَّارِينَ ، كُلَّ سَبْعَةِ آصُعٍ بِدِرْهَمٍ ، ثُمَّ وَجَدْت عِنْدَ رَجُلٍ مِنْهُمْ تَمْرًا يَبِيعُهُ أَرْبَعَةَ آصُعٍ بِدِرْهَمٍ ، فَاشْتَرَيْت مِنْهُ ، فَسَأَلْت عِكْرِمَةَ عَنْ ذَلِكَ ؟ فَقَالَ : لَا بَأْسَ ، أَخَذْت أُنْقَصَ مِمَّا بِعْت .\rثُمَّ سَأَلْت سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ عَنْ ذَلِكَ ، وَأَخْبَرْته بُقُولِ عِكْرِمَةَ فَقَالَ : كَذَبَ ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ مَا بِعْت مِنْ شَيْءٍ مِمَّا يُكَالُ بِمِكْيَالٍ ، فَلَا تَأْخُذْ مِنْهُ شَيْئًا مِمَّا يُكَالُ بِمِكْيَالٍ ، إلَّا وَرِقًا أَوْ ذَهَبًا ، فَإِذَا أَخَذْت وَرِقَك ، فَابْتَعْ مِمَّنْ شِئْت مِنْهُ ، أَوْ مِنْ غَيْرِهِ فَرَجَعْت ، فَإِذَا عِكْرِمَةُ قَدْ طَلَبَنِي ، فَقَالَ : الَّذِي قُلْت لَك هُوَ حَلَالٌ هُوَ حَرَامٌ .\rفَقُلْت لِسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ : إنَّ فَضَلَ لِي عِنْدَهُ فَضْلٌ ؟ قَالَ : فَأَعْطِهِ أَنْتَ الْكَسْرَ ، وَخُذْ مِنْهُ الدِّرْهَمَ وَوَجْهُ ذَلِكَ ، أَنَّهُ ذَرِيعَةٌ إلَى بَيْعِ الطَّعَامِ بِالطَّعَامِ نَسِيئَةً ، فَحَرُمَ كَمَسْأَلَةِ الْعِينَةِ ، فَعَلَى هَذَا ، كُلُّ شَيْئَيْنِ حَرُمَ النَّسَاءُ فِيهِمَا ، لَا يَجُوزُ أَنْ يُؤْخَذَ أَحَدُهُمَا عِوَضًا عَنْ الْآخَرِ قَبْلَ قَبْضِ ثَمَنِهِ ، إذَا كَانَ الْبَيْعُ نِسَاءً .\rنَصَّ أَحْمَدُ عَلَى مَا يَدُلُّ عَلَى هَذَا .\rوَكَذَلِكَ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ، فِيمَا حَكَيْنَا عَنْهُ .\rوَاَلَّذِي يَقْوَى عِنْدِي جَوَازُ ذَلِكَ إذَا لَمْ يَفْعَلْهُ حِيلَةً وَلَا قَصَدَ ذَلِكَ فِي ابْتِدَاءِ الْعَقْدِ ، كَمَا قَالَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ","part":8,"page":324},{"id":3824,"text":"، فِيمَا يَرْوِي عَنْهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ قَالَ قَدِمْت عَلَى عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ ، فَقُلْت لَهُ : إنِّي أَجُذُّ نَخْلِي ، وَأَبِيعُ مِمَّنْ حَضَرَنِي التَّمْرَ إلَى أَجَلٍ ، فَيَقْدَمُونَ بِالْحِنْطَةِ ، وَقَدْ حَلَّ ذَلِكَ الْأَجَلُ ، فَيُوقِفُونَهَا بِالسُّوقِ ، فَأَبْتَاعُ مِنْهُمْ وَأُقَاصُّهُمْ .\rقَالَ : لَا بَأْسَ بِذَلِكَ ، إذَا لَمْ يَكُنْ مِنْك عَلَى رَأْيٍ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ اشْتَرَى الطَّعَامَ بِالدَّرَاهِمِ الَّتِي فِي الذِّمَّةِ بَعْدَ انْبِرَامِ الْعَقْدِ أَوَّلَ لُزُومِهِ ، فَصَحَّ ، كَمَا لَوْ كَانَ الْمَبِيعُ الْأُوَلُ حَيَوَانًا أَوْ ثِيَابًا ، وَلِمَا ذَكَرْنَا فِي الْفَصْلِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا ، فَإِنَّهُ لَمْ يَأْخُذْ بِالثَّمَنِ طَعَامًا ، وَلَكِنْ اشْتَرَى مِنْ الْمُشْتَرِي طَعَامًا بِدَرَاهِمَ ، وَسَلَّمَهَا إلَيْهِ ، ثُمَّ أَخَذَهَا مِنْهُ وَفَاءً ، أَوْ لَمْ يُسَلِّمْهَا إلَيْهِ ، لَكِنْ قَاصَّهُ بِهَا ، كَمَا فِي حَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ .","part":8,"page":325},{"id":3825,"text":"( 3047 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : وَمَنْ بَاعَ حَيَوَانًا ، أَوْ غَيْرَهُ بِالْبَرَاءَةِ مِنْ كُلِّ عَيْبٍ ، لَمْ يَبْرَأْ ، سَوَاءٌ عَلِمَ بِهِ الْبَائِعُ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ فِي الْبَرَاءَةِ مِنْ الْعُيُوبِ ، فَرُوِيَ عَنْهُ : أَنَّهُ لَا يَبْرَأُ ، إلَّا أَنْ يَعْلَمَ الْمُشْتَرِي بِالْعَيْبِ .\rوَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَقَالَ إبْرَاهِيمُ وَالْحَكَمُ وَحَمَّادٌ : لَا يَبْرَأُ إلَّا مِمَّا سَمَّى .\rوَقَالَ شُرَيْحٌ : لَا يَبْرَأُ إلَّا مِمَّا أَرَاهُ أَوْ وَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ .\rوَرُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ عَطَاءٍ ، وَالْحَسَنِ ، وَإِسْحَاقَ .\rلِأَنَّهُ مُرْفَقٌ فِي الْبَيْعِ ، لَا يَثْبُتُ إلَّا بِالشَّرْطِ ، فَلَا يَثْبُتُ مَعَ الْجَهْلِ ، كَالْخِيَارِ .\rوَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ : أَنَّهُ يَبْرَأُ مِنْ كُلِّ عَيْبٍ لَمْ يَعْلَمْهُ ، وَلَا يَبْرَأُ مِنْ عَيْبٍ عَلِمَهُ ، وَيُرْوَى ذَلِكَ عَنْ عُثْمَانَ وَنَحْوُهُ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ .\rوَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ .\rوَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي الْحَيَوَانِ خَاصَّةً ؛ لِمَا رُوِيَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ بَاعَ زِيدَ بْنَ ثَابِتٍ عَبْدًا بِشَرْطِ الْبَرَاءَةِ مِنْ الْعَيْبِ ، بِثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ ، فَأَصَابَ بِهِ زَيْدٌ عَيْبًا ، فَأَرَادَ رَدَّهُ عَلَى ابْنِ عُمَرَ ، فَلَمْ يَقْبَلْهُ ، فَتَرَافَعَا إلَى عُثْمَانَ ، فَقَالَ عُثْمَانُ لِابْنِ عُمَرَ : تَحْلِفُ أَنَّك لَمْ تَعْلَمْ بِهَذَا الْعَيْبِ ؟ فَقَالَ : لَا .\rفَرَدَّهُ عَلَيْهِ فَبَاعَهُ ابْنُ عُمَرَ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ .\rوَهَذِهِ قَضِيَّةٌ اُشْتُهِرَتْ ، فَلَمْ تُنْكَرْ ، فَكَانَتْ إجْمَاعًا .\rوَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ أَجَازَ الْبَرَاءَةَ مِنْ الْمَجْهُولِ فَيُخَرَّجُ مِنْ هَذَا صِحَّةُ الْبَرَاءَةِ مِنْ كُلِّ عَيْبٍ وَرُوِيَ هَذَا عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ ، وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِمَا رَوَتْ أُمُّ سَلَمَةَ ، { أَنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا فِي مَوَارِيثَ دَرَسَتْ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَهِمَا ، وَتَوَخَّيَا ، وَلْيَحْلِلْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمَا صَاحِبَهُ } فَدَلَّ هَذَا عَلَى","part":8,"page":326},{"id":3826,"text":"أَنَّ الْبَرَاءَةَ مِنْ الْمَجْهُولِ جَائِزَةٌ ، وَلِأَنَّهُ إسْقَاطُ حَقٍّ لَا تَسْلِيمَ فِيهِ ، فَصَحَّ مِنْ الْمَجْهُولِ ، كَالْعَتَاقِ وَالطَّلَاقِ ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْحَيَوَانِ وَغَيْرِهِ ، فَمَا ثَبَتَ فِي أَحَدِهِمَا ثَبَتَ فِي الْآخَرِ ، وَقَوْلُ عُثْمَانَ قَدْ خَالَفَهُ ابْنُ عُمَرَ ، وَقَوْلُ الصَّحَابِيِّ الْمُخَالِفُ لَا يَبْقَى حُجَّةً .\r( 3048 ) فَصْلٌ فَإِنْ قُلْنَا : لَا يَصِحُّ شَرْطُ الْبَرَاءَةِ مِنْ الْعُيُوبِ .\rفَشَرْطُهُ لَمْ يُفْسِدْ الْبَيْعَ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ .\rوَهُوَ وَجْهٌ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ بَاعَ بِشَرْطِ الْبَرَاءَةِ ، فَأَجْمَعُوا عَلَى صِحَّتِهِ ، وَلَمْ يُنْكِرْهُ مُنْكِرٌ .\rفَعَلَى هَذَا لَا يُمْنَعُ الرَّدُّ بِوُجُودِ الشَّرْطِ ، وَيَكُونُ وُجُودُهُ كَعَدَمِهِ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ فِي الشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، أَنَّهَا تُفْسِدُ الْعَقْدَ ، فَيَدْخُلُ فِيهَا هَذَا الْبَيْعُ ؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ إنَّمَا رَضِيَ بِهَذَا الثَّمَنِ عِوَضًا عَنْهُ بِهَذَا الشَّرْطِ ، فَإِذَا فَسَدَ الشَّرْطُ فَاتَ الرِّضَى بِهِ ، فَيَفْسُدُ الْبَيْعُ لِعَدَمِ التَّرَاضِي بِهِ .","part":8,"page":327},{"id":3827,"text":"( 3049 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : وَمَنْ بَاعَ شَيْئًا مُرَابَحَةً ، فَعَلِمَ أَنَّهُ زَادَ فِي رَأْسِ مَالِهِ ، رَجَعَ عَلَيْهِ بِالزِّيَادَةِ وَحَطَّهَا مِنْ الرِّبْحِ مَعْنَى بَيْعِ الْمُرَابَحَةِ ، هُوَ الْبَيْعُ بِرَأْسِ الْمَالِ وَرِبْحٍ مَعْلُومٍ ، وَيُشْتَرَطُ عِلْمُهُمَا بِرَأْسِ الْمَالِ فَيَقُولُ : رَأْسُ مَالِي فِيهِ أَوْ هُوَ عَلَيَّ بِمِائَةٍ بِعْتُك بِهَا ، وَرِبْحُ عَشَرَةٍ ، فَهَذَا جَائِزٌ لَا خِلَافَ فِي صِحَّتِهِ ، وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ عِنْدَ أَحَدٍ كَرَاهَةً .\rوَإِنْ قَالَ : بِعْتُك بِرَأْسِ مَالِي فِيهِ وَهُوَ مِائَةٌ ، وَأَرْبَحُ فِي كُلِّ عَشَرَةٍ دِرْهَمًا ، أَوْ قَالَ : ده يازده .\rأَوْ ده داوزده .\rفَقَدْ كَرِهَهُ أَحْمَدُ ، وَقَدْ رُوِيَتْ كَرَاهَتُهُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَمَسْرُوقٍ ، وَالْحَسَنِ وَعِكْرِمَةَ ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَعَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ .\rوَقَالَ إِسْحَاقُ لَا يَجُوزُ .\rلِأَنَّ الثَّمَنَ مَجْهُولٌ حَالَ الْعَقْدِ ، فَلَمْ يَجُزْ ، كَمَا لَوْ بَاعَهُ بِمَا يَخْرُجُ بِهِ فِي الْحِسَابِ .\rوَرَخَّصَ فِيهِ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ، وَابْنُ سِيرِينَ ، وَشُرَيْحٌ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ وَابْنُ الْمُنْذِرِ .\rوَلِأَنَّ رَأْسَ الْمَالِ مَعْلُومٌ وَالرِّبْحَ مَعْلُومٌ فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَالَ : وَرِبْحُ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ .\rوَوَجْهُ الْكَرَاهَةِ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ وَابْنَ عَبَّاسٍ كَرِهَاهُ ، وَلَمْ نَعْلَمْ لَهُمَا فِي الصَّحَابَةِ مُخَالِفًا ، وَلِأَنَّ فِيهِ نَوْعًا مِنْ الْجَهَالَةِ ، وَالتَّحَرُّزُ عَنْهَا أَوْلَى .\rوَهَذِهِ كَرَاهَةُ تَنْزِيهٍ ، وَالْبَيْعُ صَحِيحٌ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا ، وَالْجَهَالَةُ يُمْكِنُ إزَالَتُهَا بِالْحِسَابِ ، فَلَمْ تَضُرَّ ، كَمَا لَوْ بَاعَهُ صُبْرَةً كُلَّ قَفِيزٍ بِدِرْهَمٍ ، وَأَمَّا مَا يَخْرُجُ بِهِ فِي الْحِسَابِ ، فَمَجْهُولٌ فِي الْجُمْلَةِ وَالتَّفْصِيلِ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا عُدْنَا إلَى مَسْأَلَةِ الْكِتَابِ ، فَنَقُولُ : مَتَى بَاعَ شَيْئًا بِرَأْسِ مَالِهِ ، وَرِبْحِ عَشَرَةٍ ، ثُمَّ عَلِمَ بِتَنْبِيهٍ أَوْ إقْرَارٍ أَنَّ رَأْسَ مَالِهِ تِسْعُونَ ، فَالْبَيْعُ صَحِيحٌ ؛ لِأَنَّهُ زِيَادَةٌ فِي الثَّمَنِ فَلَمْ","part":8,"page":328},{"id":3828,"text":"يَمْنَعْ صِحَّةَ الْعَقْدِ ، كَالْعَيْبِ وَلِلْمُشْتَرِي الرُّجُوعُ عَلَى الْبَائِعِ بِمَا زَادَ فِي رَأْسِ الْمَالِ ، وَهُوَ عَشَرَةٌ ، وَحَطَّهَا مِنْ الرِّبْحِ ، وَهُوَ دِرْهَمٌ ، فَيَبْقَى عَلَى الْمُشْتَرِي بِتِسْعَةٍ وَتِسْعِينَ دِرْهَمًا .\rوَبِهَذَا قَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى .\rوَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : هُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْأَخْذِ بِكُلِّ الثَّمَنِ ، أَوْ يَتْرُكُ قِيَاسًا عَلَى الْمَعِيبِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ بَاعَهُ بِرَأْسِ مَالِهِ وَمَا قَدَّرَهُ مِنْ الرِّبْحِ ، فَإِذَا بَانَ رَأْسُ مَالِهِ قَدْرًا مَبِيعًا بِهِ وَبِالزِّيَادَةِ الَّتِي اتَّفَقَا عَلَيْهَا ، وَالْمَعِيبُ كَذَلِكَ عِنْدَنَا ، فَإِنَّ لَهُ أَخْذَ الْأَرْشِ ، ثُمَّ الْمَعِيبُ لَمْ يَرْضَ بِهِ ، إلَّا بِالثَّمَنِ الْمَذْكُورِ ، وَهَاهُنَا رَضِيَ فِيهِ بِرَأْسِ الْمَالِ وَالرِّبْحِ الْمُقَرَّرِ .\rوَهَلْ لِلْمُشْتَرِي خِيَارٌ ؟ فَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَخْذِ الْمَبِيعِ بِرَأْسِ مَالِهِ وَحِصَّتِهِ مِنْ الرِّبْحِ ، وَبَيْنَ تَرْكِهِ .\rنَقَلَهُ حَنْبَلٌ ، وَحُكِيَ ذَلِكَ قَوْلًا لِلشَّافِعِي ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ لَا يَأْمَنُ الْجِنَايَةَ فِي هَذَا الثَّمَنِ أَيْضًا ، وَلِأَنَّهُ رُبَّمَا كَانَ لَهُ غَرَضٌ فِي الشِّرَاءِ بِذَلِكَ الثَّمَنِ بِعَيْنِهِ ؛ لِكَوْنِهِ حَالِفًا ، أَوْ وَكِيلًا ، أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ .\rوَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ ، أَنَّهُ لَا خِيَارَ لَهُ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْهُ .\rوَحُكِيَ ذَلِكَ قَوْلًا لِلشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ رَضِيَهُ بِمِائَةٍ وَعَشَرَةٍ ، فَإِذَا حَصَلَ لَهُ بِتِسْعَةٍ وَتِسْعِينَ ، فَقَدْ زَادَهُ خَيْرًا ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ خِيَارٌ ، كَمَا لَوْ اشْتَرَاهُ عَلَى أَنَّهُ مَعِيبٌ ، فَبَانَ صَحِيحًا ، أَوْ أُمِّيٌّ ، فَبَانَ صَانِعًا أَوْ كَاتِبًا أَوْ وُكِّلَ فِي شِرَاءٍ مُعَيَّنٍ بِمِائَةٍ ، فَاشْتَرَاهُ بِتِسْعِينَ .\rوَأَمَّا الْبَائِعُ ، فَلَا خِيَارَ لَهُ ؛ لِأَنَّهُ بَاعَهُ بِرَأْسِ مَالِهِ وَحِصَّتِهِ مِنْ الرِّبْحِ ، وَقَدْ حَصَلَ لَهُ ذَلِكَ .\r( 3050 ) فَصْلٌ وَإِذَا أَرَادَ الْإِخْبَارَ بِثَمَنِ السِّلْعَةِ ، فَإِنْ كَانَتْ بِحَالِهَا ، لَمْ","part":8,"page":329},{"id":3829,"text":"تَتَغَيَّرْ ، أَخْبَرَ بِثَمَنِهَا ، وَإِنْ حَطَّ الْبَائِعُ بَعْضَ الثَّمَنِ عَنْ الْمُشْتَرِي ، أَوْ اشْتَرَاهُ بَعْدَ لُزُومِ الْعَقْدِ ، لَمْ يُجَزِّئْهُ ، وَيُخْبِرُ بِالثَّمَنِ الْأَوَّلِ ، لَا غَيْرُ .\rوَلِأَنَّ ذَلِكَ هِبَةٌ مِنْ أَحَدِهِمَا لِلْآخَرِ ، لَا يَكُونُ عِوَضًا .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَلْحَقُ بِالْعَقْدِ ، وَيُخْبِرُ بِهِ فِي الْمُرَابَحَةِ ، وَهَذِهِ مَسْأَلَةٌ يَأْتِي ذِكْرُهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .\rوَإِنْ كَانَ ذَلِكَ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ لَحِقَ بِالْعَقْدِ ، وَأَخْبَرَ بِهِ فِي الثَّمَنِ .\rوَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَلَا أَعْلَمُ عَنْ غَيْرِهِمْ خِلَافَهُمْ .\rفَإِنْ تَغَيَّرَ سِعْرُهَا دُونَهَا ، فَإِنْ غَلَتْ ، لَمْ يَلْزَمْهُ الْإِخْبَارُ بِذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ زِيَادَةٌ فِيهَا وَإِنْ رَخُصَتْ ، فَنَصَّ أَحْمَدُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الْإِخْبَارُ بِذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ صَادِقٌ بِدُونِ الْإِخْبَارِ بِهِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يَلْزَمَهُ الْإِخْبَارُ بِالْحَالِ ؛ فَإِنَّ الْمُشْتَرِيَ لَوْ عَلِمَ ذَلِكَ ، لَمْ يَرْضَهَا بِذَلِكَ الثَّمَنِ ، فَكِتْمَانُهُ تَغْرِيرٌ بِهِ .\rفَإِنْ أَخْبَرَ بِدُونِ ثَمَنِهَا ، وَلَمْ يَتَبَيَّنْ الْحَالَ ، لَمْ يَجُزْ ؛ لِأَنَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَ الْكَذِبِ وَالتَّغْرِيرِ .\rفَصْلٌ : فَأَمَّا إنْ تَغَيَّرَتْ السِّلْعَةُ فَذَلِكَ عَلَى ضَرْبَيْنِ : أَحَدِهِمَا ، أَنْ تَتَغَيَّرَ بِزِيَادَةٍ ، وَهِيَ نَوْعَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، أَنْ تَزِيدَ لِنَمَائِهَا ، كَالسَّمْنِ ، وَتَعَلُّمِ صَنْعَةٍ ، أَوْ يَحْصُلُ مِنْهَا نَمَاءٌ مُنْفَصِلٌ ، كَالْوَلَدِ وَالثَّمَرَةِ ، وَالْكَسْبِ ، فَهَذَا إذَا أَرَادَ أَنْ يَبِيعَهَا مُرَابَحَةً ، أَخْبَرَ بِالثَّمَنِ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ ؛ لِأَنَّهُ الْقَدْرُ الَّذِي اشْتَرَاهَا بِهِ .\rوَإِنْ أَخَذَ النَّمَاءَ الْمُنْفَصِلَ ، أَوْ اسْتَخْدَمَ الْأَمَةَ ، أَوْ وَطِئَ الثَّيِّبَ ، أَخْبَرَ بِرَأْسِ الْمَالِ ، وَلَمْ يَلْزَمْهُ تَبْيِينُ الْحَالِ .\rوَرَوَى ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ تَبْيِينُ ذَلِكَ كُلِّهِ وَهُوَ قَوْلُ إِسْحَاقَ وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ فِي الْغَلَّةِ يَأْخُذُهَا : لَا بَأْسَ أَنْ","part":8,"page":330},{"id":3830,"text":"يَبِيعَ مُرَابَحَةً ، وَفِي الْوَلَدِ وَالثَّمَرَةِ لَا يَبِيعُ مُرَابَحَةً حَتَّى يُبَيِّنَ ، وَلِأَنَّهُ مِنْ مُوجِبِ الْعَقْدِ .\rوَلَنَا أَنَّهُ صَادِقٌ فِيمَا أَخْبَرَ بِهِ مِنْ غَيْرِ تَغْرِيرٍ بِالْمُشْتَرِي ، فَجَازَ ، كَمَا لَوْ لَمْ يَزِدْ وَلِأَنَّ الْوَلَدَ وَالثَّمَرَةَ نَمَاءٌ مُنْفَصِلٌ ، فَلَمْ يَمْنَعْ مِنْ بَيْعِ الْمُرَابَحَةِ بِدُونِ ذِكْرِهِ ، كَالْغَلَّةِ .\rوَقَدْ بَيَّنَّا مِنْ قَبْلُ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ مُوجَبَاتِ الْعَقْدِ .\rالنَّوْعُ الثَّانِي ، أَنْ يَعْمَلَ فِيهَا عَمَلًا ، مِثْلُ أَنْ يَقْصُرَهَا ، أَوْ يَرْفُوَهَا ، أَوْ يُجَمِّلَهَا أَوْ يَخِيطَهَا ، فَهَذِهِ مَتَى أَرَادَ أَنْ يَبِيعَهَا مُرَابَحَةً أَخْبَرَ بِالْحَالِ عَلَى وَجْهِهِ ، سَوَاءٌ عَمِلَ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ أَوْ اسْتَأْجَرَ مَنْ عَمِلَهُ .\rهَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ ؛ فَإِنَّهُ قَالَ : يُبَيِّنُ مَا اشْتَرَاهُ وَمَا لَزِمَهُ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ : تَحَصَّلَتْ عَلَيَّ بِكَذَا .\rوَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ ، وَابْنُ سِيرِينَ ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَطَاوُسٌ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يَجُوزَ فِيمَا اسْتَأْجَرَ عَلَيْهِ أَنْ يَضُمَّ الْأُجْرَةَ إلَى الثَّمَنِ ، وَيَقُولَ : تَحَصَّلَتْ عَلَيَّ بِكَذَا .\rلِأَنَّهُ صَادِقٌ .\rوَبِهِ قَالَ الشَّعْبِيُّ ، وَالْحَكَمُ ، وَالشَّافِعِيُّ .\rوَلَنَا أَنَّهُ تَغْرِيرٌ بِالْمُشْتَرِي ، فَإِنَّهُ عَسَى أَنْ لَوْ عَلِمَ أَنَّ بَعْضَ مَا تَحَصَّلَتْ بِهِ لِأَجْلِ الصِّنَاعَةِ ، لَا يَرْغَبُ فِيهِ ؛ لِعَدَمِ رَغْبَتِهِ فِي ذَلِكَ ، فَأَشْبَهَ مَا يَنْقُصُ الْحَيَوَانَ فِي مُؤْنَتِهِ ، وَكِسْوَتِهِ ، وَعَلَى الْمُبْتَاعِ فِي خَزْنِهِ .\rالضَّرْبُ الثَّانِي ، أَنْ يَتَغَيَّرَ بِنَقْصٍ ، كَنَقْصِهِ بِمَرَضٍ ، أَوْ جِنَايَةٍ عَلَيْهِ ، أَوْ تَلَفِ بَعْضِهِ ، أَوْ بِوِلَادَةٍ ، أَوْ عَيْبٍ ، أَوْ يَأْخُذَ الْمُشْتَرِي بَعْضَهُ ، كَالصُّوفِ وَاللَّبَنِ الْمَوْجُودِ وَنَحْوِهِ ، فَإِنَّهُ يُخْبِرُ بِالْحَالِ عَلَى وَجْهِهِ ، لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا .\rوَإِنْ أَخَذَ أَرْشَ الْعَيْبِ ، أَوْ الْجِنَايَةِ أَخْبَرَ بِذَلِكَ عَلَى وَجْهِهِ .\rذَكَرَهُ الْقَاضِي .\rوَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ","part":8,"page":331},{"id":3831,"text":"يَحُطُّ أَرْشَ الْعَيْبِ مِنْ الثَّمَنِ ، وَيُخْبِرُ بِالْبَاقِي ، لِأَنَّ أَرْشَ الْعَيْبِ عِوَضُ مَا فَاتَ بِهِ ، فَكَانَ ثَمَنُ الْمَوْجُودِ هُوَ مَا بَقِيَ .\rوَفِي أَرْشِ الْجِنَايَةِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، يَحُطُّهُ مِنْ الثَّمَنِ ، كَأَرْشِ الْعَيْبِ .\rوَالثَّانِي ، لَا يَحُطُّهُ كَالنَّمَاءِ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يَحُطُّهُمَا مِنْ الثَّمَنِ ، وَيَقُولُ : تَقَوَّمَ عَلَيَّ بِكَذَا ؛ لِأَنَّهُ صَادِقٌ فِيمَا أَخْبَرَ بِهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَخْبَرَ بِالْحَالِ عَلَى وَجْهِهِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الْإِخْبَارَ بِالْحَالِ عَلَى وَجْهِهِ أَبْلَغُ فِي الصِّدْقِ ، وَأَقْرَبُ إلَى الْبَيَانِ وَنَفْيِ التَّغْرِيرِ بِالْمُشْتَرِي وَالتَّدْلِيسِ عَلَيْهِ ، فَلَزِمَهُ ذَلِكَ ، كَمَا لَوْ اشْتَرَى شَيْئَيْنِ بِثَمَنٍ وَاحِدٍ ، وَقَسَّطَ الثَّمَنَ عَلَيْهِمَا .\rوَقِيَاسُ أَرْشِ الْجِنَايَةِ عَلَيْهِ عَلَى النَّمَاءِ وَالْكَسْبِ غَيْرُ صَحِيحٍ ؛ لِأَنَّ الْأَرْشَ عِوَضُ نَقْصِهِ الْحَاصِلِ بِالْجِنَايَةِ عَلَيْهِ ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ ثَمَنِ جُزْءٍ مِنْهُ بَاعَهُ ، وَكَقِيمَةِ أَحَدِ الثَّوْبَيْنِ إذَا تَلِفَ أَحَدُهُمَا ، وَالنَّمَاءُ وَالْكَسْبُ زِيَادَةٌ لَمْ يَنْقُصْ بِهَا الْمَبِيعُ وَلَا هِيَ عِوَضٌ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ ، فَأَمَّا إنْ جَنَى الْمَبِيعُ ، فَفَدَاهُ الْمُشْتَرِي ، لَمْ يَلْحَقْ ذَلِكَ بِالثَّمَنِ ، وَلَمْ يُخْبِرْ بِهِ فِي الْمُرَابَحَةِ ، بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ ، لِأَنَّ هَذَا الْأَرْشَ لَمْ يَزِدْ بِهِ الْمَبِيعُ قِيمَةً وَلَا ذَاتًا ، وَإِنَّمَا هُوَ مُزِيلٌ لِنَقْصِهِ بِالْجِنَايَةِ وَالْعَيْبِ الْحَاصِلِ بِتَعَلُّقِهَا بِرَقَبَتِهِ ، فَأَشْبَهَ الدَّوَاءَ الْمُزِيلَ لِمَرَضِهِ الْحَادِثِ عِنْدَ الْمُشْتَرِي .\rفَأَمَّا الْأَدْوِيَةُ ، وَالْمُؤْنَةُ ، وَالْكِسْوَةُ ، وَعَمَلُهُ فِي السِّلْعَةِ بِنَفْسِهِ ، أَوْ عَمَلُ غَيْرِهِ لَهُ بِغَيْرِ أُجْرَةٍ ، فَإِنَّهُ لَا يُخْبِرُ بِذَلِكَ فِي الثَّمَنِ ، وَجْهًا وَاحِدًا ، وَإِنْ أَخْبَرَ بِالْحَالِ عَلَى وَجْهِهِ ، فَحَسَنٌ .","part":8,"page":332},{"id":3832,"text":"فَصْلٌ وَإِنْ اشْتَرَى شَيْئَيْنِ صَفْقَةً وَاحِدَةً ، ثُمَّ أَرَادَ بَيْعَ أَحَدِهِمَا مُرَابَحَةً ، أَوْ اشْتَرَى اثْنَانِ شَيْئًا ، فَتَقَاسَمَاهُ ، وَأَرَادَ أَحَدُهُمَا بَيْعَ نَصِيبِهِ مُرَابَحَةً ، بِالثَّمَنِ الَّذِي أَدَّاهُ فِيهِ ، فَذَلِكَ قِسْمَانِ : أَحَدُهُمَا ، أَنْ يَكُونَ الْبَيْعُ مِنْ الْمُتَقَوِّمَاتِ الَّتِي لَا يَنْقَسِمُ الثَّمَنُ عَلَيْهَا بِالْأَجْزَاءِ كَالثِّيَابِ وَالْحَيَوَانِ وَالشَّجَرَةِ الْمُثْمِرَةِ ، وَأَشْبَاهِ هَذَا ، فَهَذَا لَا يَجُوزُ بَيْعُ بَعْضِهِ مُرَابَحَةً ، حَتَّى يُخْبِرَ بِالْحَالِ عَلَى وَجْهِهِ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .\rفَقَالَ : كُلُّ بَيْعٍ اشْتَرَاهُ جَمَاعَةٌ ، ثُمَّ اقْتَسَمُوهُ ، لَا يَبِيعُ أَحَدُهُمْ مُرَابَحَةً ، إلَّا أَنْ يَقُولَ : اشْتَرَيْنَاهُ جَمَاعَةً ، ثُمَّ اقْتَسَمْنَاهُ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الثَّوْرِيِّ ، وَإِسْحَاقَ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ يَجُوزُ بَيْعُهُ بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ ؛ لِأَنَّ الثَّمَنَ يَنْقَسِمُ عَلَى الْمَبِيعِ عَلَى قَدْرِ قِيمَتِهِ ؛ بِدَلِيلِ مَا لَوْ كَانَ الْمَبِيعُ شِقْصًا وَسَيْفًا ، أَخَذَ الشَّفِيعُ الشِّقْصَ بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ .\rوَلَوْ اشْتَرَى شَيْئَيْنِ ، فَوَجَدَ أَحَدَهُمَا مَعِيبًا رَدَّهُ بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ .\rوَذَكَرَ ابْنُ أَبِي مُوسَى ، فِيمَا اشْتَرَاهُ اثْنَانِ فَتَقَاسَمَاهُ رِوَايَةً أُخْرَى عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُهُ مُرَابَحَةً بِمَا اشْتَرَاهُ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ ثَمَنُهُ ، فَهُوَ صَادِقٌ فِيمَا أَخْبَرَ بِهِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ قِسْمَةَ الثَّمَنِ عَلَى الْمَبِيعِ طَرِيقُهُ الظَّنُّ وَالتَّخْمِينُ ، وَاحْتِمَالُ الْخَطَأِ فِيهِ كَثِيرٌ وَبَيْعُ الْمُرَابَحَةِ أَمَانَةٌ ، فَلَمْ يَجُزْ هَذَا فِيهِ ، فَصَارَ هَذَا كَالْخَرْصِ الْحَاصِلِ بِالظَّنِّ ، لَا يَجُوزُ أَنْ يُبَاعَ بِهِ مَا يَجِبُ التَّمَاثُلُ فِيهِ ، وَإِنَّمَا أَخَذَ الشَّفِيعُ بِالْقِيمَةِ لِلْحَاجَةِ الدَّاعِيَةِ إلَيْهِ ، وَكَوْنِهِ لَا طَرِيقَ لَهُ سِوَى التَّقْوِيمِ ، وَلِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَأْخُذْ بِالشُّفْعَةِ لَاتَّخَذَهُ النَّاسُ طَرِيقًا لِإِسْقَاطِهَا ، فَيُؤَدِّي إلَى تَفْوِيتهَا بِالْكُلِّيَّةِ ، وَهَاهُنَا لَهُ طَرِيقٌ ، وَهُوَ","part":8,"page":333},{"id":3833,"text":"الْإِخْبَارُ بِالْحَالِ عَلَى وَجْهِهِ ، أَوْ بَيْعُهُ مُسَاوِمَةً .\rالْقَسَمُ الثَّانِي ، أَنْ يَكُونَ الْمَبِيعُ مِنْ الْمُتَمَاثِلَاتِ الَّتِي يَنْقَسِمُ الثَّمَنُ عَلَيْهَا بِالْأَجْزَاءِ ، كَالْبُرِّ وَالشَّعِيرِ الْمُتَسَاوِي ، فَيَجُوزُ بَيْعُ بَعْضِهِ مُرَابَحَةً بِقِسْطِهِ مِنْ الثَّمَنِ .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو ثَوْرٍ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا ؛ لِأَنَّ ثَمَنَ الْجُزْءِ مَعْلُومٌ يَقِينًا ، وَلِذَلِكَ جَازَ بَيْعُ قَفِيزٍ مِنْ الصُّبْرَةِ .\rوَإِنْ أَسْلَمَ فِي ثَوْبَيْنِ بِصِفَةٍ وَاحِدَةٍ ، فَأَخَذَهُمَا عَلَى الصِّفَةِ ، وَأَرَادَ بَيْعَ أَحَدِهِمَا مُرَابَحَةً بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ ، فَالْقِيَاسُ جَوَازُهُ ؛ لِأَنَّ الثَّمَنَ يَنْقَسِمُ عَلَيْهِمَا نِصْفَيْنِ ، لَا بِاعْتِبَارِ الْقِيمَةِ .\rوَكَذَلِكَ لَوْ أَقَالَهُ فِي أَحَدِهِمَا ، أَوْ تَعَذَّرَ تَسْلِيمُهُ ، كَانَ لَهُ نِصْفُ الثَّمَنِ ، مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ قِيمَةِ الْمَأْخُوذِ مِنْهُمَا ، فَكَأَنَّهُ أَخَذَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُنْفَرِدًا .\rوَلِأَنَّ الثَّمَنَ وَقَعَ عَلَيْهِمَا مُتَسَاوِيًا لِتَسَاوِي صِفَتِهِمَا فِي الذِّمَّةِ ، فَهُمَا كَقَفِيزَيْنِ مِنْ صُبْرَةٍ .\rوَإِنْ حَصَلَ فِي أَحَدِهِمَا زِيَادَةٌ عَلَى الصِّفَةِ ، جَرَتْ مَجْرَى الْحَادِثِ بَعْدَ الْبَيْعِ .","part":8,"page":334},{"id":3834,"text":"( 3053 ) فَصْلٌ : وَإِنْ اشْتَرَى شَيْئًا بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ ، لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ مُرَابَحَةً ، حَتَّى يُبَيِّنَ ذَلِكَ وَإِنْ اشْتَرَاهُ مِنْ أَبِيهِ ، أَوْ ابْنِهِ ، أَوْ مِمَّنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لَهُ ، لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ مُرَابَحَةً ، حَتَّى يُبَيِّنَ أَمْرَهُ .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ يَجُوزُ مِنْ غَيْرِ بَيَانٍ ؛ لِأَنَّهُ أَخْبَرَ بِمَا اشْتَرَاهُ عَقْدًا صَحِيحًا ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ اشْتَرَاهُ مِنْ أَجْنَبِيٍّ وَلَنَا ، أَنَّهُ مُتَّهَمٌ فِي الشِّرَاءِ مِنْهُمْ ؛ لِكَوْنِهِ يُحَابِيهِمْ وَيَسْمَحُ لَهُمْ ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُخْبِرَ بِمَا اشْتَرَاهُ مِنْهُمْ مُطْلَقًا كَمَا لَوْ اشْتَرَى مِنْ مُكَاتَبِهِ ، وَفَارَقَ الْأَجْنَبِيَّ ؛ فَإِنَّهُ لَا يُتَّهَمُ فِي حَقِّهِ .\rوَقِيَاسُهُمْ يَبْطُلُ بِالشِّرَاءِ مِنْ مُكَاتَبِهِ ؛ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ بَيْعُ مَا اشْتَرَاهُ مِنْ مُكَاتَبِهِ مُرَابَحَةً ، حَتَّى يُبَيِّنَ أَمْرَهُ ، وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا .\rوَإِنْ اشْتَرَاهُ مِنْ غُلَامِ دُكَّانِهِ الْحُرِّ ، فَقَالَ الْقَاضِي : إذَا بَاعَهُ سِلْعَةً ثُمَّ اشْتَرَاهَا مِنْهُ بِأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ مُرَابَحَةً حَتَّى يُبَيِّنَ أَمْرَهُ ، وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا .\rوَلِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ فِي حَقِّهِ فَأَشْبَهَ مَنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لَهُ .\rوَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ إنْ فَعَلَ ذَلِكَ حِيلَةً لَمْ يَجُزْ .\rوَظَاهِرُهُ الْجَوَازُ إذَا لَمْ يَكُنْ حِيلَةً .\rوَهَذَا أَصَحُّ ؛ لِأَنَّهُ أَجْنَبِيٌّ ، لَكِنْ لَا يَخْتَصُّ هَذَا بِغُلَامِ دُكَّانِهِ ، بَلْ مَتَى فَعَلَ هَذَا عَلَى وَجْهِ الْحِيلَةِ لَمْ يَجُزْ ، وَكَانَ حَرَامًا وَتَدْلِيسًا ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ قَبْلُ .","part":8,"page":335},{"id":3835,"text":"( 3054 ) فَصْلٌ : فَإِنْ اشْتَرَى ثَوْبًا بِعَشَرَةٍ ثُمَّ بَاعَهُ بِخَمْسَةَ عَشَرَ ثُمَّ اشْتَرَاهُ بِعَشَرَةٍ اُسْتُحِبَّ أَنْ يُخْبِرَ بِالْحَالِ عَلَى وَجْهِهِ ، فَإِنْ أَخْبَرَ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ بِعَشَرَةٍ وَلَمْ يُبَيِّنْ ، جَازَ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ لِأَنَّهُ صَادِقٌ فِيمَا أَخْبَرَ بِهِ ، وَلَيْسَ فِيهِ تُهْمَةٌ ، وَلَا تَغْرِيرٌ بِالْمُشْتَرِي فَأَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ يَرْبَحْ فِيهِ ، وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ أَنَّهُ يَطْرَحُ الرِّبْحَ مِنْ الثَّمَنِ وَيُخْبِرُ أَنَّ رَأْسَ مَالِهِ عَلَيْهِ خَمْسَةٌ .\rوَأَعْجَبَ أَحْمَدَ قَوْلُ ابْنِ سِيرِينَ قَالَ : فَإِنْ بَاعَهُ عَلَى مَا اشْتَرَاهُ ، يُبَيِّنُ أَمْرَهُ .\rيَعْنِي يُخْبِرُ أَنَّهُ رَبِحَ فِيهِ مَرَّةً ثُمَّ اشْتَرَاهُ .\rوَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ لِمَا ذَكَرْنَاهُ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ مُرَابَحَةً إلَّا أَنْ يُبَيِّنَ أَمْرَهُ ، أَوْ يُخْبِرَ أَنَّ رَأْسَ مَالِهِ عَلَيْهِ خَمْسَةٌ .\rوَهَذَا قَوْلُ الْقَاضِي وَأَصْحَابِهِ ؛ لِأَنَّ الْمُرَابَحَةَ تُضَمُّ فِيهَا الْعُقُودُ فَيُخْبِرُ بِمَا تَقُومُ عَلَيْهِ ، كَمَا تُضَمُّ أُجْرَةُ الْخَيَّاطِ وَالْقَصَّارِ .\rوَقَدْ اسْتَفَادَ بِهَذَا الْعَقْدِ الثَّانِي تَقْرِيرَ الرِّبْحِ فِي الْعَقْدِ الْأَوَّلِ لِأَنَّهُ أَمِنَ أَنْ يَرُدَّهُ عَلَيْهِ ، وَلِأَنَّ الرِّبْحَ أَحَدُ نَوْعَيْ النَّمَاءِ ، فَوَجَبَ أَنْ يُخْبِرَ بِهِ فِي الْمُرَابَحَةِ كَالْوَلَدِ وَالثَّمَرَةِ .\rفَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي أَنَّهُ إذَا طَرَحَ الرِّبْحَ مِنْ الثَّمَنِ الثَّانِي يَقُولُ : تَقُومُ عَلَى بِخَمْسَةٍ .\rوَلَا يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ : اشْتَرَيْته بِخَمْسَةٍ لِأَنَّ ذَلِكَ كَذِبٌ ، وَالْكَذِبُ حَرَامٌ وَيَصِيرُ كَمَا لَوْ ضَمَّ أُجْرَةَ الْقِصَارَةِ وَالْخِيَاطَةِ إلَى الثَّمَنِ وَأَخْبَرَ بِهِ .\rوَلَنَا ، مَا ذَكَرْنَاهُ فِيمَا تَقَدَّمَ وَمَا ذَكَرُوهُ مِنْ ضَمِّ الْقِصَارَةِ وَالْخِيَاطَةِ وَالْوَلَدِ وَالثَّمَرَةِ فَشَيْءٌ بَنَوْهُ عَلَى أَصْلِهِمْ لَا نُسَلِّمُهُ ، ثُمَّ لَا يُشْبِهُ هَذَا مَا ذَكَرَهُ ؛ لِأَنَّ الْمُؤْنَةَ وَالنَّمَاءَ لَزِمَاهُ فِي هَذَا الْبَيْعِ الَّذِي يَلِي الْمُرَابَحَةَ وَهَذَا","part":8,"page":336},{"id":3836,"text":"الرِّبْحُ فِي عَقْدٍ آخَرَ قَبْلَ هَذَا الشِّرَاءِ فَأَشْبَهَ الْخَسَارَةَ فِيهِ ، وَأَمَّا تَقْرِيرُ الرِّبْحِ ، فَغَيْرُ صَحِيحٍ ؛ فَإِنَّ الْعَقْدَ الْأَوَّلَ قَدْ لَزِمَ ، وَلَمْ يَظْهَرْ الْعَيْبُ ، وَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ حُكْمُهُ ثُمَّ قَدْ ذَكَرْنَا فِي مِثْلِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يَرُدَّهُ عَلَى الْبَائِعِ إذَا ظَهَرَ عَلَى عَيْبٍ قَدِيمٍ وَإِذَا لَمْ يَلْزَمْهُ طَرْحُ النَّمَاءِ وَالْغَلَّةِ ، فَهَاهُنَا أَوْلَى ، وَيَجِيءُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ ، أَنَّهُ لَوْ اشْتَرَاهُ بِعَشَرَةٍ ثُمَّ بَاعَهُ بِعِشْرِينَ ثُمَّ اشْتَرَاهُ بِعَشَرَةٍ فَإِنَّهُ يُخْبِرُ أَنَّهَا حَصَلَتْ بِغَيْرِ شَيْءٍ ، وَإِنْ اشْتَرَاهَا بِعَشَرَةٍ ثُمَّ بَاعَهَا بِثَلَاثَةَ عَشَرَ ثُمَّ اشْتَرَاهَا بِخَمْسَةٍ أَخْبَرَ أَنَّهَا تَقَوَّمَتْ عَلَيْهِ بِدِرْهَمَيْنِ .\rوَإِنْ اشْتَرَاهَا بِخَمْسَةَ عَشَرَ ، أَخْبَرَ أَنَّهَا تَقَوَّمَتْ عَلَيْهِ بِاثْنَيْ عَشَرَ .\rنَصَّ أَحْمَدُ عَلَى نَظِيرِ هَذَا .\rوَعَلَى هَذَا يَطْرَحُ الرِّبْحَ مِنْ الثَّمَنِ الثَّانِي كَيْفَمَا كَانَ ، فَإِنْ لَمْ يَرْبَحْ ، وَلَكِنْ اشْتَرَاهَا ثَانِيَةً بِخَمْسَةٍ أَخْبَرَ بِهَا ؛ لِأَنَّهَا ثَمَنُ الْعَقْدِ الَّذِي يَلِي الْمُرَابَحَةَ .\rوَلَوْ خَسِرَ فِيهَا ، مِثْلُ إنْ اشْتَرَاهَا بِخَمْسَةَ عَشَرَ ، ثُمَّ بَاعَهَا بِعَشَرَةٍ ثُمَّ اشْتَرَاهَا بِأَيِّ ثَمَنٍ كَانَ ، أَخْبَرَ بِهِ وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَضُمَّ الْخَسَارَةَ إلَى الثَّمَنِ الثَّانِي فَيُخْبِرَ بِهِ فِي الْمُرَابَحَةِ ، بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ .\rوَهَذَا يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَكَرْنَاهُ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ( 3055 ) فَصْلٌ : وَكُلُّ مَا قُلْنَا : إنَّهُ يَلْزَمُهُ أَنْ يُخْبِرَ بِهِ فِي الْمُرَابَحَةِ وَيُبَيِّنَهُ .\rفَلَمْ يَفْعَلْ ، فَإِنَّ الْبَيْعَ لَا يَفْسُدُ بِهِ ، وَيَثْبُتُ لِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ بَيْنَ الْأَخْذِ بِهِ وَبَيْنَ الرَّدِّ ، إلَّا فِي الْخَبَرِ بِزِيَادَةِ عَلَى رَأْسِ مَالِهِ ، عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ الْقَوْلِ فِيهِ .\rوَإِنْ اشْتَرَاهُ بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ وَلَمْ يُبَيِّنْ أَمْرَهُ ، فَعَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَخْذِهِ بِالثَّمَنِ الَّذِي وَقَعَ عَلَيْهِ الْعَقْدُ حَالًا","part":8,"page":337},{"id":3837,"text":"وَبَيْنَ الْفَسْخِ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ لَمْ يَرْضَ بِذِمَّةِ الْمُشْتَرِي ، وَقَدْ تَكُونُ ذِمَّتُهُ دُونَ ذِمَّةِ الْبَائِعِ ، فَلَا يَلْزَمُهُ الرِّضَى بِذَلِكَ وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ إنْ كَانَ الْمَبِيعُ قَائِمًا ، كَانَ لَهُ ذَلِكَ إلَى الْأَجَلِ يَعْنِي وَإِنْ شَاءَ فَسَخَ وَإِنْ كَانَ قَدْ اُسْتُهْلِكَ ، حَبَسَ الْمُشْتَرِي الثَّمَنَ بِقَدْرِ الْأَجَلِ .\rوَهَذَا قَوْلُ شُرَيْحٍ ؛ لِأَنَّهُ كَذَلِكَ وَقَعَ عَلَى الْبَائِعِ فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ لِلْمُشْتَرِي أَخْذُهُ بِذَلِكَ عَلَى صِفَتِهِ ، كَمَا لَوْ أَخْبَرَ بِزِيَادَةٍ عَلَى الثَّمَنِ ، وَكَوْنُهُ لَمْ يَرْضَ بِذِمَّةِ الْمُشْتَرِي لَا يَمْنَعُ نُفُوذَ الْبَيْعِ بِذَلِكَ كَمَا أَنَّهُ إذَا أَخْبَرَ بِزِيَادَةٍ لَمْ يَرْضَ بِبَيْعِهِ إلَّا بِمَا أَخْبَرَ بِهِ ، وَلَمْ يَلْتَفِتْ إلَى رِضَاهُ ، بَلْ وَجَبَ الرُّجُوعُ إلَى مَا وَقَعَ بِهِ الْبَيْعُ الْأَوَّلُ .\rكَذَا هَاهُنَا ( 3056 ) فَصْلٌ : فَإِنْ ابْتَاعَهُ بِدَنَانِيرَ ، فَأَخْبَرَ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ بِدَرَاهِمَ أَوْ كَانَ بِالْعَكْسِ ، أَوْ اشْتَرَاهُ بِعَرْضٍ فَأَخْبَرَ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ بِثَمَنٍ ، أَوْ بِثَمَنٍ ، فَأَخْبَرَ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ بِعَرْضٍ ، وَأَشْبَاهِ هَذَا ، فَلِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ بَيْنَ الْفَسْخِ وَالرُّجُوعِ بِالثَّمَنِ ، وَبَيْنَ الرِّضَى بِهِ بِالثَّمَنِ الَّذِي تَبَايَعَا بِهِ ، كَسَائِرِ الْمَوَاضِعِ الَّتِي ثَبَتَ فِيهَا ذَلِكَ .","part":8,"page":338},{"id":3838,"text":"( 3057 ) فَصْلٌ وَإِنْ ابْتَاعَ اثْنَانِ ثَوْبًا بِعِشْرِينَ ، وَبُذِلَ لَهُمَا فِيهِ اثْنَانِ وَعِشْرُونَ ، فَاشْتَرَى أَحَدُهُمَا نَصِيبَ صَاحِبِهِ فِيهِ بِذَلِكَ السِّعْرِ فَإِنَّهُ يُخْبِرُ فِي الْمُرَابَحَةِ بِأَحَدٍ وَعِشْرِينَ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ وَهَذَا قَوْلُ النَّخَعِيِّ وَقَالَ الشَّعْبِيُّ يَبِيعُهُ عَلَى اثْنَيْنِ وَعِشْرِينَ لِأَنَّ ذَلِكَ الدِّرْهَمَ الَّذِي كَانَ أُعْطِيَهُ قَدْ كَانَ أَحْرَزَهُ .\rثُمَّ رَجَعَ بَعْدَ ذَلِكَ إلَى قَوْلِ إبْرَاهِيمَ وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا خَالَفَ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ اشْتَرَى نِصْفَهُ الْأَوَّلَ بِعَشَرَةٍ ، ثُمَّ اشْتَرَى نِصْفَهُ الثَّانِي بِأَحَدَ عَشَرَ ، فَصَارَ مَجْمُوعُهُمَا أَحَدًا وَعِشْرِينَ .","part":8,"page":339},{"id":3839,"text":"( 3058 ) فَصْلٌ : قَالَ أَحْمَدُ وَلَا بَأْسَ أَنْ يَبِيعَ .\rبِالرَّقْمِ وَمَعْنَاهُ أَنْ يَقُولَ : بِعْتُك هَذَا الثَّوْبَ بِرَقْمِهِ وَهُوَ الثَّمَنُ الْمَكْتُوبُ عَلَيْهِ إذَا كَانَ مَعْلُومًا لَهُمَا حَالَ الْعَقْدِ ، وَهَذَا قَوْلُ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ ، وَكَرِهَهُ طَاوُسٌ .\rوَلَنَا أَنَّهُ بَيْعٌ بِثَمَنٍ مَعْلُومٍ فَأَشْبَهَ مَا لَوْ ذَكَرَ مِقْدَارَهُ ، أَوْ مَا لَوْ قَالَ : بِعْتُك هَذَا بِمَا اشْتَرَيْته بِهِ وَقَدْ عَلِمَا قَدْرَهُ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعْلُومًا لَهُمَا ، أَوْ لِأَحَدِهِمَا ، لَمْ يَصِحَّ لِأَنَّ الثَّمَنَ مَجْهُولٌ .\rقَالَ أَحْمَدُ وَالْمُسَاوَمَةُ عِنْدِي أَسْهَلُ مِنْ بَيْعِ الْمُرَابَحَةِ ، وَذَلِكَ لِأَنَّ بَيْعَ الْمُرَابَحَةِ تَعْتَرِيهِ أَمَانَةٌ وَاسْتِرْسَالٌ مِنْ الْمُشْتَرِي وَيَحْتَاجُ فِيهِ إلَى تَبْيِينِ الْحَالِ عَلَى وَجْهِهِ فِي الْمَوَاضِعِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا ، وَلَا يُؤْمَنُ هَوَى النَّفْسِ فِي نَوْعِ تَأْوِيلٍ أَوْ غَلَطٍ فَيَكُونُ عَلَى خَطَرٍ وَغَرَرٍ وَتَجَنُّبُ ذَلِكَ أَسْلَمُ وَأَوْلَى .","part":8,"page":340},{"id":3840,"text":"فَصْلٌ ( 3059 ) وَبَيْعُ التَّوْلِيَةِ هُوَ الْبَيْعُ بِمِثْلِ ثَمَنِهِ مِنْ غَيْر نَقْصٍ وَلَا زِيَادَةٍ وَحُكْمُهُ فِي الْإِخْبَارِ بِثَمَنِهِ وَتَبْيِينُ مَا يَلْزَمُهُ تَبْيِينُهُ حُكْمُ الْمُرَابَحَةِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ ، وَيَصِحُّ بِلَفْظِ الْبَيْعِ ، وَلَفْظِ التَّوْلِيَةِ .","part":8,"page":341},{"id":3841,"text":"( 3060 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ وَإِنْ أَخْبَرَ بِنُقْصَانٍ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ ، كَانَ عَلَى الْمُشْتَرِي رَدُّهُ ، أَوْ إعْطَاؤُهُ مَا غَلِطَ بِهِ ، وَلَهُ أَنْ يُحَلِّفَهُ أَنَّ وَقْتَ مَا بَاعَهَا لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ شِرَاءَهَا بِأَكْثَرَ .\rوَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا قَالَ فِي الْمُرَابَحَةِ : رَأْسُ مَالِي فِيهِ مِائَةٌ ، وَأَرْبَحُ عَشَرَةً .\rثُمَّ عَادَ فَقَالَ : غَلِطْت ، رَأْسُ مَالِي فِيهِ مِائَةٌ وَعَشَرَةٌ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ فِي الْغَلَطِ إلَّا بِبَيِّنَةٍ تَشْهَدُ أَنَّ رَأْسَ مَالِهِ عَلَيْهِ مَا قَالَهُ ثَانِيًا .\rوَذَكَرَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ أَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ وَرَوَى أَبُو طَالِبٍ عَنْ أَحْمَدَ إذَا كَانَ الْبَائِعُ مَعْرُوفًا بِالصِّدْقِ ، قُبِلَ قَوْلُهُ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ صَدُوقًا ، جَازَ الْبَيْعُ .\rقَالَ الْقَاضِي : وَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْبَائِعِ مَعَ يَمِينِهِ ، لِأَنَّهُ لَمَّا دَخَلَ مَعَهُ فِي الْمُرَابَحَةِ فَقَدْ ائْتَمَنَهُ ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْأَمِينِ مَعَ يَمِينِهِ ، كَالْوَكِيلِ وَالْمُضَارِبِ .\rوَالظَّاهِرُ أَنَّ الْخِرَقِيِّ لَمْ يَتْرُكْ ذِكْرَ مَا يَلْزَمُ الْبَائِعَ فِي إثْبَاتِ دَعْوَاهُ ؛ لِكَوْنِهِ يَقْبَلُ مُجَرَّدَ دَعْوَاهُ ، بَلْ لِأَنَّهُ عَطَفَهُ عَلَى الْمَسْأَلَةِ قَبْلَهَا ، وَقَدْ ذَكَرَ فِيهَا ، فَعَلِمَ أَنَّهُ زَادَ فِي رَأْسِ الْمَالِ ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِمَا يَحْصُلُ بِهِ الْعِلْمُ ، لَكِنْ قَدْ عَلِمْنَا أَنَّ الْعِلْمَ إنَّمَا يَحْصُلُ بِبَيِّنَةِ أَوْ إقْرَارٍ ، كَذَلِكَ عِلْمُ غَلَطِهِ هَاهُنَا يَحْصُلُ بِبَيِّنَةٍ أَوْ إقْرَارٍ مِنْ الْمُشْتَرِي ، وَكَوْنُ الْبَائِعِ مُؤْتَمَنًا لَا يُوجِبُ قَبُولَ دَعْوَاهُ فِي الْغَلَطِ ، كَالْمُضَارِبِ وَالْوَكِيلِ إذَا أَقَرَّا بِرِبْحٍ ثُمَّ قَالَا : غَلِطْنَا أَوْ نَسِينَا .\rوَالْيَمِينُ الَّتِي ذَكَرَهَا الْخِرَقِيِّ هَاهُنَا ، إنَّمَا هِيَ عَلَى نَفْيِ عِلْمِهِ بِغَلَطِ نَفْسِهِ وَقْتَ الْبَيْعِ ، لَا عَلَى إثْبَاتِ غَلَطِهِ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ ثَالِثَةٌ أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ قَوْلُ الْبَائِعِ ، وَإِنْ أَقَامَ بِهِ بَيِّنَةً حَتَّى يُصَدِّقَهُ الْمُشْتَرِي وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ وَالشَّافِعِيِّ","part":8,"page":342},{"id":3842,"text":"لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِالثَّمَنِ وَتَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ الْغَيْرِ .\rفَلَا يُقْبَلُ رُجُوعُهُ وَلَا بَيِّنَتُهُ ؛ لِإِقْرَارِهِ بِكَذِبِهَا وَلَنَا أَنَّهَا بَيِّنَةٌ عَادِلَةٌ ، شَهِدَتْ بِمَا يَحْتَمِلُ الصِّدْقَ ، فَتُقْبَلُ ، كَسَائِرِ الْبَيِّنَاتِ .\rوَلَا يُسَلَّمُ أَنَّهُ أَقَرَّ بِخِلَافِهَا ؛ فَإِنَّ الْإِقْرَارَ يَكُونُ لِغَيْرِ الْمُقِرِّ وَحَالَةَ إخْبَارِهِ بِثَمَنِهَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ حَقٌّ لِغَيْرِهِ ، فَلَمْ يَكُنْ إقْرَارٌ .\rفَإِنْ لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ أَوْ كَانَتْ لَهُ بَيِّنَةٌ ، وَقُلْنَا : لَا تُقْبَلُ بَيِّنَتُهُ ، فَادَّعَى أَنَّ الْمُشْتَرِيَ يَعْلَمُ غَلَطَهُ فَأَنْكَرَ الْمُشْتَرِي ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ ، وَإِنْ طَلَبَ يَمِينَهُ ، فَقَالَ الْقَاضِي : لَا يَمِينَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ مُدَّعٍ ، وَالْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ .\rوَلِأَنَّهُ قَدْ أَقَرَّ لَهُ فَيَسْتَغْنِي بِالْإِقْرَارِ عَنْ الْيَمِينِ .\rوَالصَّحِيحُ أَنَّ عَلَيْهِ الْيَمِينَ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ ادَّعَى عَلَيْهِ مَا يَلْزَمُهُ بِهِ رَدُّ السِّلْعَةِ أَوْ زِيَادَةٌ فِي ثَمَنِهَا فَلَزِمَتْهُ الْيَمِينُ ، كَمَوْضِعِ الْوِفَاقِ .\rوَلَيْسَ هُوَ هَاهُنَا مُدَّعِيًا ، إنَّمَا هُوَ مُدَّعَى عَلَيْهِ الْعِلْمُ بِمِقْدَارِ الثَّمَنِ الْأَوَّلِ ، ثُمَّ قَالَ الْخِرَقِيِّ لَهُ أَنْ يُحَلِّفَهُ أَنَّ وَقْتَ مَا بَاعَهَا لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ شِرَاءَهَا أَكْثَرُ .\rوَهَذَا صَحِيحٌ ، فَإِنَّهُ لَوْ بَاعَهَا بِهَذَا الثَّمَنِ عَالِمًا بِأَنَّ ثَمَنَهَا عَلَيْهِ أَكْثَرُ ، لَزِمَهُ الْبَيْعُ بِمَا عَقَدَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ تَعَاطَى شَيْئًا عَالِمًا بِالْحَالِ ، فَلَزِمَهُ ، كَمُشْتَرِي الْمَعِيبِ عَالِمًا بِعَيْبِهِ ، وَإِذَا كَانَ الْبَيْعُ يَلْزَمُهُ بِالْعِلْمِ فَادَّعَى عَلَيْهِ ، لَزِمَتْهُ الْيَمِينُ .\rفَإِنْ نَكَلَ قُضِيَ عَلَيْهِ .\rوَإِنْ حَلَفَ خُيِّرَ الْمُشْتَرِي بَيْنَ قَبُولِهِ بِالثَّمَنِ وَالزِّيَادَةِ الَّتِي غَلِطَ بِهَا وَحَطِّهَا مِنْ الرِّبْحِ ، وَبَيْنَ فَسْخِ الْعَقْدِ وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ إذَا بَاعَهُ بِمِائَةٍ وَرِبْحِ عَشَرَةٍ ، ثُمَّ إنَّهُ غَلِطَ بِعَشَرَةٍ ، لَا يَلْزَمُهُ حَطُّ الْعَشَرَةِ مِنْ الرِّبْحِ لِأَنَّ الْبَائِعَ رَضِيَ","part":8,"page":343},{"id":3843,"text":"بِرِبْحِ عَشَرَةٍ فِي هَذَا الْمَبِيعِ ، فَلَا يَكُونُ لَهُ أَكْثَرُ مِنْهَا .\rوَكَذَلِكَ إنْ تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ زَادَ فِي رَأْسِ مَالِهِ ، لَا يَنْقُصُ الرِّبْحَ مِنْ عَشَرَةٍ لِأَنَّ الْبَائِعَ لَمْ يَبِعْهُ إلَّا بِرِبْحِ عَشَرَةٍ ، فَأَمَّا إنْ قَالَ : وَأَرْبَحُ فِي كُلِّ عَشَرَةٍ دِرْهَمًا .\rأَوْ قَالَ : ده يازده .\rلَزِمَهُ حَطُّ الْعَشَرَةِ مِنْ الرِّبْحِ فِي الْغَلَطِ وَالزِّيَادَةِ عَلَى الثَّمَنِ فِي الصُّورَتَيْنِ .\rوَإِنَّمَا أَثْبَتْنَا لَهُ الْخِيَارَ لِأَنَّهُ دَخَلَ عَلَى أَنَّ الثَّمَنَ مِائَةٌ وَعَشَرَةٌ ، فَإِذَا بَانَ أَكْثَرَ كَانَ عَلَيْهِ ضَرَرٌ فِي الْتِزَامِهِ فَلَمْ يَلْزَمْهُ ، كَالْمَعِيبِ .\rوَإِنْ اخْتَارَ أَخْذَهَا بِمِائَةٍ وَأَحَدٍ وَعِشْرِينَ ، لَمْ يَكُنْ لِلْبَائِعِ خِيَارٌ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ زَادَهُ خَيْرًا ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ خِيَارٌ كَبَائِعِ الْمَعِيبِ إذَا رَضِيَهُ الْمُشْتَرِي .\rوَإِنْ اخْتَارَ الْبَائِعُ إسْقَاطَ الزِّيَادَةِ عَنْ الْمُشْتَرِي ، فَلَا خِيَارَ لَهُ أَيْضًا ؛ لِأَنَّهُ قَدْ بَذَلَهَا بِالثَّمَنِ الَّذِي وَقَعَ عَلَيْهِ الْعَقْدُ ، وَتَرَاضَيَا بِهِ .","part":8,"page":344},{"id":3844,"text":"( 3061 ) فَصْلٌ : وَيَجُوزُ بَيْعُ الْمُوَاضَعَةِ وَهُوَ أَنْ يُخْبِرَ بِرَأْسِ مَالِهِ ثُمَّ يَقُولُ : بِعْتُك هَذَا بِهِ وَأَضَعُ عَنْك كَذَا فَإِنْ قَالَ : بِوَضِيعَةِ دِرْهَمٍ مِنْ كُلِّ عَشَرَةٍ كُرِهَ لِمَا ذَكَرْنَا فِي الْمُرَابَحَةِ وَصَحَّ وَيَطْرَحُ مِنْ كُلِّ عَشَرَةٍ دِرْهَمًا .\rفَإِنْ كَانَ الثَّمَنُ مِائَةً لَزِمَهُ تِسْعُونَ ، وَيَكُونُ الْحَطُّ عَشَرَةً .\rوَقَالَ قَوْمٌ : يَكُونُ الْحَطُّ مِنْ كُلِّ أَحَدَ عَشَرَ دِرْهَمًا ، فَيَكُونُ ذَلِكَ تِسْعَةَ دَرَاهِمَ وَجُزْءًا مِنْ أَحَدَ عَشَرَ جُزْءًا مِنْ دِرْهَمٍ ، وَتَبْقَى تِسْعُونَ وَعَشَرَةُ أَجْزَاءٍ مِنْ أَحَدَ عَشَرَ جُزْءًا مِنْ دِرْهَمٍ .\rوَهَذَا غَلَطٌ ؛ لِأَنَّ هَذَا يَكُونُ حَطًّا مِنْ كُلِّ أَحَدَ عَشَرَ ، وَهُوَ غَيْرُ مَا قَالَهُ .\rفَأَمَّا إنْ قَالَ بِوَضِيعَةِ دِرْهَمٍ لِكُلِّ عَشَرَةٍ ، كَانَ الْوَضِيعَةُ مِنْ كُلِّ أَحَدَ عَشَرَ دِرْهَمًا ، وَيَكُونُ الْبَاقِي تِسْعِينَ وَعَشَرَةَ أَجْزَاءٍ مِنْ أَحَدَ عَشَرَ جُزْءًا مِنْ دِرْهَمٍ .\rوَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ ، وَحُكِيَ عَنْ أَبِي ثَوْرٍ أَنَّهُ قَالَ : الْحَطُّ هَاهُنَا عَشَرَةٌ مِثْلُ الْأُولَى .\rوَلَيْسَ بِصَحِيحٍ ؛ فَإِنَّهُ إذَا قَالَ : لِكُلِّ عَشَرَةٍ دِرْهَمًا يَكُونُ الدِّرْهَمُ مِنْ غَيْرِهَا .\rفَكَأَنَّهُ قَالَ : مِنْ كُلِّ أَحَدَ عَشَرَ دِرْهَمًا دِرْهَمًا ، وَإِذَا قَالَ : مِنْ كُلِّ عَشَرَةٍ دِرْهَمًا .\rكَانَ الدِّرْهَمُ مِنْ الْعَشَرَةِ ؛ لِأَنَّ مِنْ لِلتَّبْعِيضِ ، فَكَأَنَّهُ قَالَ : آخُذُ مِنْ الْعَشَرَةِ تِسْعَةً ، وَأَحُطُّ مِنْهَا دِرْهَمًا .","part":8,"page":345},{"id":3845,"text":"( 3062 ) فَصْلٌ إذَا اشْتَرَى رَجُلٌ نِصْفَ سِلْعَةٍ بِعَشَرَةٍ ، وَاشْتَرَى آخَرُ نِصْفَهَا بِعِشْرِينَ ، ثُمَّ بَاعَاهَا مُسَاوَمَةً بِثَمَنٍ وَاحِدٍ فَهُوَ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا ؛ لِأَنَّ الثَّمَنَ عِوَضٌ عَنْهَا ، فَيَكُونُ بَيْنَهُمَا عَلَى حَسَبِ مِلْكَيْهِمَا فِيهَا .\rوَإِنْ بَاعَاهَا مُرَابَحَةً أَوْ مُوَاضَعَةً أَوْ تَوْلِيَةً ، فَكَذَلِكَ ، نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ سِيرِينَ وَالْحَكَمِ .\rقَالَ الْأَثْرَمُ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ رَحِمَهُ اللَّهُ : إذَا بَاعَهَا ، فَالثَّمَنُ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ قُلْت : أَعْطَى أَحَدُهُمَا أَكْثَرَ مِمَّا أَعْطَى الْآخَرُ ؟ فَقَالَ : وَإِنْ أُلْبِسَ الثَّوْبُ بَيْنَهُمَا السَّاعَةَ سَوَاءً فَالثَّمَنُ بَيْنَهُمَا لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَمْلِكُ مِثْلَ الَّذِي يَمْلِكُ صَاحِبُهُ .\rوَحَكَى أَبُو بَكْرٍ ، عَنْ أَحْمَدَ .\rرِوَايَةً أُخْرَى أَنَّ الثَّمَنَ بَيْنَهُمَا عَلَى قَدْرِ رُءُوسِ أَمْوَالِهِمَا ؛ لِأَنَّ بَيْعَ الْمُرَابَحَةِ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الثَّمَنُ فِي مُقَابَلَةِ رَأْسِ الْمَالِ ، فَيَكُونُ مَقْسُومًا بَيْنَهُمَا عَلَى حَسَبِ رُءُوسِ أَمْوَالِهِمَا .\rوَلَمْ أَجِدْ عَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةً بِمَا قَالَ أَبُو بَكْرٍ .\rوَقِيلَ : هَذَا وَجْهٌ خَرَّجَهُ أَبُو بَكْرٍ وَلَيْسَ بِرِوَايَةٍ وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ لِأَنَّ الثَّمَنَ عِوَضُ الْمَبِيعِ وَمِلْكُهُمَا مُتَسَاوٍ فِيهِ فَكَانَ مِلْكُهُمَا كَعِوَضِهِ مُتَسَاوِيًا .\rكَمَا لَوْ بَاعَاهُ مُسَاوَاةً .","part":8,"page":346},{"id":3846,"text":"( 3063 ) فَصْلٌ : وَمَتَى بَاعَاهُ السِّلْعَةَ بِرَقْمِهَا ، وَلَا يَعْلَمَانِهِ أَوْ جَهِلَا رَأْسَ الْمَالِ فِي الْمُرَابَحَةِ ، أَوْ الْمُوَاضَعَةِ أَوْ التَّوْلِيَةِ أَوْ جَهِلَ ذَلِكَ أَحَدُهُمَا أَوْ جَهِلَ قَدْرَ الرِّبْحِ أَوْ قَدْرَ الْوَضِيعَةِ فَالْبَيْعُ بَاطِلٌ ؛ لِأَنَّ الْعِلْمَ بِالثَّمَنِ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الْبَيْعِ ، فَلَا يَثْبُتُ بِدُونِهِ .\rوَلَوْ بَاعَهُ بِمِائَةٍ ذَهَبًا وَفِضَّةً لَمْ يَصِحَّ الْبَيْعُ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَصِحُّ وَيَكُونُ نِصْفَيْنِ لِأَنَّ الْإِطْلَاقَ يَقْتَضِي التَّسْوِيَةَ ، كَالْإِقْرَارِ .\rوَلَنَا أَنَّ قَدْرَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَجْهُولٌ ، فَلَمْ يَصِحَّ ، كَمَا لَوْ قَالَ : بِمِائَةٍ بَعْضُهَا ذَهَبٌ وَقَوْلُهُ : إنَّهُ يَقْتَضِي التَّسْوِيَةَ .\rلَا يَصِحُّ ؛ فَإِنَّهُ لَوْ فَسَّرَهُ بِغَيْرِ ذَلِكَ ، صَحَّ وَكَذَلِكَ لَوْ أَقَرَّ لَهُ بِمِائَةٍ ذَهَبًا وَفِضَّةً فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِي قَدْرِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا .","part":8,"page":347},{"id":3847,"text":"( 3064 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ وَإِذَا بَاعَ شَيْئًا وَاخْتَلَفَا فِي ثَمَنِهِ ، تَحَالَفَا ، فَإِنْ شَاءَ الْمُشْتَرِي أَخَذَهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِمَا قَالَ الْبَائِعُ وَإِلَّا انْفَسَخَ الْبَيْعُ بَيْنَهُمَا ، وَالْمُبْتَدِئُ بِالْيَمِينِ الْبَائِعُ .\rوَالْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي فُصُولٍ ثَلَاثَةٍ .\r( 3065 ) الْفَصْلُ الْأَوَّلُ أَنَّهُ إذَا اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ وَالسِّلْعَةُ قَائِمَةٌ فَقَالَ الْبَائِعُ : بِعْتُك بِعِشْرِينَ وَقَالَ الْمُشْتَرِي : بَلْ بِعَشَرَةٍ وَلِأَحَدِهِمَا بَيِّنَةٌ ، حُكِمَ بِهَا .\rوَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا بَيِّنَةٌ تَحَالُفًا .\rوَبِهَذَا قَالَ شُرَيْحٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ فِي رِوَايَةٍ .\rوَعَنْهُ الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي مَعَ يَمِينِهِ .\rوَبِهِ قَالَ أَبُو ثَوْرٍ وَزُفَرُ لِأَنَّ الْبَائِعَ يَدَّعِي عَشَرَةً زَائِدَةً ، يُنْكِرُهَا الْمُشْتَرِي ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ .\rوَقَالَ الشَّعْبِيُّ الْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ ، أَوْ يَتَرَادَّانِ الْبَيْعَ .\rوَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ إمَامِنَا ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، وَرَوَى ابْنُ مَسْعُودٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ { إذَا اخْتَلَفَ الْبَيِّعَانِ ، وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا بَيِّنَةٌ فَالْقَوْلُ مَا قَالَ الْبَائِعُ أَوْ يَتَرَادَّانِ الْبَيْعَ } رَوَاهُ سَعِيدٌ وَابْنُ مَاجَهْ وَغَيْرُهُمَا ، وَالْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ الْأَوَّلُ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى الْقَوْلَيْنِ وَاحِدًا ، وَأَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْبَائِعِ مَعَ يَمِينِهِ فَإِذَا حَلَفَ فَرَضِيَ الْمُشْتَرِي بِذَلِكَ أَخَذَ بِهِ وَإِنْ أَبَى حَلَفَ أَيْضًا وَفُسِخَ الْبَيْعُ بَيْنَهُمَا ، لِأَنَّ فِي بَعْضِ أَلْفَاظِ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إذَا اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ وَالسِّلْعَةُ قَائِمَةٌ وَلَا بَيِّنَةَ لِأَحَدِهِمَا ، تَحَالَفَا وَلِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُدَّعٍ وَمُدَّعَى عَلَيْهِ ، فَإِنَّ الْبَائِعَ يَدَّعِي عَقْدًا بِعِشْرِينَ ، يُنْكِرُهُ الْمُشْتَرِي وَالْمُشْتَرِي يَدَّعِي عَقْدًا بِعَشَرَةٍ يُنْكِرُهُ الْبَائِعُ ، وَالْعَقْدُ بِعَشَرَةٍ غَيْرُ","part":8,"page":348},{"id":3848,"text":"الْعَقْدِ بِعِشْرِينَ فَشُرِعَتْ الْيَمِينُ فِي حَقِّهِمَا ، وَهَذَا الْجَوَابُ عَمَّا ذَكَرُوهُ .\r( 3066 ) الْفَصْلُ الثَّانِي أَنَّ الْمُبْتَدِئَ بِالْيَمِينِ الْبَائِعُ ، فَيَحْلِفُ مَا بِعْتُهُ بِعَشَرَةٍ ، وَإِنَّمَا بِعْته بِعِشْرِينَ .\rفَإِنْ شَاءَ الْمُشْتَرِي أَخَذَهُ بِمَا قَالَ الْبَائِعُ ، وَإِلَّا يَحْلِفُ مَا اشْتَرَيْته بِعِشْرِينَ وَإِنَّمَا اشْتَرَيْته بِعَشَرَةِ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَبْتَدِئُ بِيَمِينِ الْمُشْتَرِي لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ وَالْيَمِينُ فِي جَنْبَتِهِ أَقْوَى وَلِأَنَّهُ يُقْضَى بِنُكُولِهِ وَيَنْفَصِلُ الْحُكْمُ ، وَمَا كَانَ أَقْرَبَ إلَى فَصْلِ الْخُصُومَةِ كَانَ أَوْلَى وَلَنَا قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { فَالْقَوْلُ مَا قَالَ الْبَائِعُ } وَفِي لَفْظٍ { فَالْقَوْلُ مَا قَالَ الْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِي بِالْخِيَارِ } رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَمَعْنَاهُ : إنْ شَاءَ أَخَذَ ، وَإِنْ شَاءَ حَلَفَ وَلِأَنَّ الْبَائِعَ أَقْوَى جَنْبَةً لِأَنَّهُمَا إذَا تَحَالَفَا عَادَ الْمَبِيعُ إلَيْهِ ، فَكَانَ أَقْوَى ، كَصَاحِبِ الْيَدِ ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُنْكِرٌ ، فَيَتَسَاوَيَانِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ .\rوَالْبَائِعُ إذَا نَكَلَ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ نُكُولِ الْمُشْتَرِي ، يَحْلِفُ الْآخَرُ ، وَيُقْضَى لَهُ ، فَهُمَا سَوَاءٌ .\r( 3067 ) الْفَصْلُ الثَّالِثُ أَنَّهُ إذَا حَلَفَ الْبَائِعُ فَنَكَلَ الْمُشْتَرِي عَنْ الْيَمِينِ ، قُضِيَ عَلَيْهِ .\rوَإِنْ نَكَلَ الْبَائِعُ ، حَلَفَ الْمُشْتَرِي ، وَقُضِيَ لَهُ .\rوَإِنْ حَلَفَا جَمِيعًا ، لَمْ يَنْفَسِخْ الْبَيْعُ بِنَفْسِ التَّحَالُفِ لِأَنَّهُ عَقْدٌ صَحِيحٌ ، فَتَنَازُعُهُمَا ، وَتَعَارُضُهُمَا لَا يَفْسَخُهُ كَمَا لَوْ أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةً بِمَا ادَّعَاهُ ، لَكِنْ إنْ رَضِيَ أَحَدُهُمَا بِمَا قَالَ صَاحِبُهُ أُقِرَّ الْعَقْدُ بَيْنَهُمَا ، وَإِنْ لَمْ يَرْضَيَا ، فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْفَسْخُ .\rهَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَقِفَ الْفَسْخُ عَلَى الْحَاكِمِ .\rوَهُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ لِأَنَّ الْعَقْدَ صَحِيحٌ وَأَحَدُهُمَا ظَالِمٌ ، وَإِنَّمَا","part":8,"page":349},{"id":3849,"text":"يَفْسَخُهُ الْحَاكِمُ لِتَعَذُّرِ إمْضَائِهِ فِي الْحُكْمِ ، فَأَشْبَهَ نِكَاحَ الْمَرْأَةِ إذَا زَوَّجَهَا الْوَلِيَّانِ ، وَجَهِلَ السَّابِقُ مِنْهُمَا .\rوَلَنَا قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَوْ يَتَرَادَّانِ الْبَيْعَ } وَظَاهِرُهُ اسْتِقْلَالُهُمَا بِذَلِكَ ، وَفِي الْقِصَّةِ ، أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بَاعَ الْأَشْعَثَ بْنَ قَيْسٍ رَقِيقًا مِنْ رَقِيقِ الْإِمَارَةِ ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بِعْتُك بِعِشْرِينَ أَلْفًا .\rقَالَ الْأَشْعَثُ اشْتَرَيْت مِنْك بِعَشَرَةِ آلَافٍ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ { إذَا اخْتَلَفَ الْبَيْعَانِ وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا بَيِّنَةٌ ، وَالْمَبِيعُ قَائِمٌ بِعَيْنِهِ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ أَوْ يَتَرَادَّانِ الْبَيْعَ } قَالَ : فَإِنِّي أَرُدُّ الْبَيْعَ رَوَاهُ سَعِيدٌ عَنْ هُشَيْمٍ عَنْ ابْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَرَوَى أَيْضًا حَدِيثًا عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُبَيْدٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إذَا اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ اسْتَحْلَفَ الْبَائِعُ ثُمَّ كَانَ الْمُشْتَرِي بِالْخِيَارِ ، إنْ شَاءَ أَخَذَ ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ } وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ يُفْسَخُ مِنْ غَيْرِ حَاكِمٍ لِأَنَّهُ جَعَلَ الْخِيَارَ إلَيْهِ ، فَأَشْبَهَ مَنْ لَهُ خِيَارُ الشَّرْطِ أَوْ الرَّدُّ بِالْعَيْبِ وَلِأَنَّهُ فَسْخٌ لِاسْتِدْرَاكِ الظُّلَامَةِ ، فَأَشْبَهَ الرَّدَّ بِالْعَيْبِ وَلَا يُشْبِهُ النِّكَاحَ ؛ لِأَنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الزَّوْجَيْنِ الِاسْتِقْلَالَ بِالطَّلَاقِ وَإِذَا فُسِخَ الْعَقْدُ ، فَقَالَ الْقَاضِي : ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ أَنَّ الْفَسْخَ يَنْفُذُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا ؛ لِأَنَّهُ فَسْخٌ لِاسْتِدْرَاكِ الظُّلَامَةِ ، فَهُوَ كَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ أَوْ فَسْخُ عَقْدٍ بِالتَّحَالُفِ فَوَقَعَ فِي الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ ، كَالْفَسْخِ بِاللِّعَانِ ، وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ إنْ كَانَ الْبَائِعُ ظَالِمًا لَمْ يَنْفَسِخُ الْعَقْدُ فِي الْبَاطِنِ لِأَنَّهُ كَانَ يُمْكِنُهُ إمْضَاءُ الْعَقْدِ ، وَاسْتِيفَاءُ حَقِّهِ ،","part":8,"page":350},{"id":3850,"text":"فَلَا يَنْفَسِخُ الْعَقْدُ فِي الْبَاطِنِ وَلَا يُبَاحُ لَهُ التَّصَرُّفُ فِي الْمَبِيعِ ؛ لِأَنَّهُ غَاصِبٌ ، فَإِنْ كَانَ الْمُشْتَرِي ظَالِمًا ، انْفَسَخَ الْبَيْعُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا ؛ لِعَجْزِ الْبَائِعِ عَنْ اسْتِيفَاءِ حَقِّهِ ، فَكَانَ لَهُ الْفَسْخُ ، كَمَا لَوْ أَفْلَسَ الْمُشْتَرِي .\rوَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَجْهَانِ كَهَذَيْنِ وَلَهُمْ وَجْهٌ ثَالِثٌ أَنَّهُ لَا يَنْفَسِخُ فِي الْبَاطِنِ بِحَالٍ .\rوَهَذَا فَاسِدٌ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ عُلِمَ أَنَّهُ لَمْ يَنْفَسِخْ فِي الْبَاطِنِ بِحَالٍ ، لَمَا أَمْكَنَ فَسْخُهُ فِي الظَّاهِرِ فَإِنَّهُ لَا يُبَاحُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا التَّصَرُّفُ فِيمَا رَجَعَ إلَيْهِ بِالْفَسْخِ وَمَتَى عُلِمَ أَنَّ ذَلِكَ مُحَرَّمٌ مُنِعَ مِنْهُ .\rوَلِأَنَّ الشَّارِعَ جَعَلَ لِلْمَظْلُومِ مِنْهُمَا الْفَسْخَ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا ، فَانْفَسَخَ بِفَسْخِهِ فِي الْبَاطِنِ ، كَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ وَيَقْوَى عِنْدِي أَنَّهُ إنْ فَسَخَهُ الصَّادِقُ مِنْهُمَا ، انْفَسَخَ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا ؛ لِذَلِكَ .\rوَإِنْ فَسَخَهُ الْكَاذِبُ عَالِمًا بِكَذِبِهِ ، لَمْ يَنْفَسِخْ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهُ الْفَسْخُ ، فَلَمْ يَثْبُتْ حُكْمُهُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ وَيَثْبُتُ بِالنِّسْبَةِ إلَى صَاحِبِهِ فَيُبَاحُ لَهُ التَّصَرُّفُ فِيمَا رَجَعَ إلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ رَجَعَ إلَيْهِ بِحُكْمِ الشَّرْعِ مِنْ غَيْرِ عُدْوَانٍ مِنْهُ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ رَدَّ عَلَيْهِ الْمَبِيعَ بِدَعْوَى الْعَيْبِ ، وَلَا عَيْبَ فِيهِ .","part":8,"page":351},{"id":3851,"text":"( 3068 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ فَإِنْ كَانَتْ السِّلْعَةُ تَالِفَةً تَحَالَفَا وَرَجَعَا إلَى قِيمَةِ مِثْلِهَا إلَّا أَنْ يَشَاءَ الْمُشْتَرِي أَنْ يُعْطِيَ الثَّمَنَ عَلَى مَا قَالَ الْبَائِعُ .\rفَإِنْ اخْتَلَفَا فِي الصِّفَةِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي ، مَعَ يَمِينِهِ فِي الصِّفَةِ وَجُمْلَتُهُ ؛ أَنَّهُمَا إذَا اخْتَلَفَا فِي ثَمَنِ السِّلْعَةِ بَعْدَ تَلَفِهَا فَعَنْ أَحْمَدَ فِيهَا رِوَايَتَانِ إحْدَاهُمَا يَتَحَالَفَانِ ، مِثْلُ مَا لَوْ كَانَتْ قَائِمَةً .\rوَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ مَالِكٍ وَالْأُخْرَى ، الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي مَعَ يَمِينِهِ .\rاخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ وَهَذَا قَوْلُ النَّخَعِيِّ وَالثَّوْرِيِّ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي الْحَدِيثِ { وَالسِّلْعَةُ قَائِمَةٌ } فَمَفْهُومُهُ أَنَّهُ لَا يُشْرَعُ التَّحَالُفُ عِنْدَ تَلَفِهَا وَلِأَنَّهُمَا اتَّفَقَا عَلَى نَقْلِ السِّلْعَةِ إلَى الْمُشْتَرِي ، وَاسْتِحْقَاقِ عَشَرَةٍ فِي ثَمَنِهَا ، وَاخْتَلَفَا فِي عَشَرَةٍ زَائِدَةٍ الْبَائِعُ يَدَّعِيهَا وَالْمُشْتَرِي يُنْكِرُهَا ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ .\rوَتَرَكْنَا هَذَا الْقِيَاسَ حَالَ قِيَامِ السِّلْعَةِ لِلْحَدِيثِ الْوَارِدِ فِيهِ ، فَفِيمَا عَدَاهُ يَبْقَى عَلَى الْقِيَاسِ .\rوَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى عُمُومُ قَوْلِهِ : { إذَا اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي بِالْخِيَارِ } وَقَالَ أَحْمَدُ وَلَمْ يَقُلْ فِيهِ : { وَالْمَبِيعُ قَائِمٌ } إلَّا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ وَقَدْ أَخْطَأَ رُوَاةُ الْحَلِفِ عَنْ الْمَسْعُودِيِّ لَمْ يَقُولُوا هَذِهِ الْكَلِمَةَ ، وَلَكِنَّهَا فِي حَدِيثِ مَعْنٍ وَلِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُدَّعٍ وَمُنْكِرٌ فَيُشْرَعُ الْيَمِينُ ، كَحَالِ قِيَامِ السِّلْعَةِ ، وَمَا ذَكَرُوهُ مِنْ الْمَعْنَى يَبْطُلُ بِحَالِ قِيَامِ السِّلْعَةِ ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَخْتَلِفُ بِقِيَامِ السِّلْعَةِ وَتَلَفِهَا وَقَوْلُهُمْ : تَرَكْنَاهُ لِلْحَدِيثِ قُلْنَا : لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ تَحَالَفَا ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِثَابِتٍ فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَخْبَارِ .\rقَالَ ابْنُ","part":8,"page":352},{"id":3852,"text":"الْمُنْذِرِ وَلَيْسَ فِي هَذَا الْبَابِ حَدِيثٌ يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ .\rوَعَلَى أَنَّهُ إذَا خُولِفَ الْأَصْلُ لِمَعْنًى ، وَجَبَ تَعْدِيَةُ الْحُكْمِ بِتَعَدِّي ذَلِكَ الْمَعْنَى ، فَنَقِيسُ عَلَيْهِ بَلْ يَثْبُتُ الْحُكْمُ بِالْبَيِّنَةِ فَإِنَّ التَّحَالُفَ إذَا ثَبَتَ مَعَ قِيَامِ السِّلْعَةِ مَعَ أَنَّهُ يُمْكِنُ مَعْرِفَةُ ثَمَنِهَا لِلْمَعْرِفَةِ بِقِيمَتِهَا ، فَإِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الثَّمَنَ يَكُونُ بِالْقِيمَةِ ، فَمَعَ تَعَذُّرِ ذَلِكَ أَوْلَى .\rفَإِذَا تَحَالَفَا ، فَإِنْ رَضِيَ أَحَدُهُمَا بِمَا قَالَ الْآخَرُ ، لَمْ يُفْسَخْ الْعَقْدُ ؛ لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إلَى فَسْخِهِ ، وَإِنْ لَمْ يَرْضَيَا ، فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَسْخُهُ ، كَمَا لَهُ ذَلِكَ فِي حَالِ بَقَاءِ السِّلْعَةِ ، وَيَرُدُّ الثَّمَنُ الَّذِي قَبَضَهُ الْبَائِعُ إلَى الْمُشْتَرِي ، وَيَدْفَعُ الْمُشْتَرِي قِيمَةَ السِّلْعَةِ إلَى الْبَائِعِ ، فَإِنْ كَانَ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ ، وَتُسَاوَيَا بَعْدَ التَّقَابُضِ ، تَقَاصَّا .\rوَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُشْرَعَ التَّحَالُفُ وَلَا الْفَسْخُ ، فِيمَا إذَا كَانَتْ قِيمَةُ السِّلْعَةِ مُسَاوِيَةً لِلثَّمَنِ الَّذِي ادَّعَاهُ الْمُشْتَرِي ، وَيَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمُشْتَرِي مَعَ يَمِينِهِ لِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِي يَمِينِ الْبَائِعِ وَلَا فَسْخِ الْبَيْعِ ؛ لِأَنَّ الْحَاصِلَ بِذَلِكَ الرُّجُوعُ إلَى مَا ادَّعَاهُ الْمُشْتَرِي وَإِنْ كَانَتْ الْقِيمَةُ أَقَلَّ ، فَلَا فَائِدَةَ لِلْبَائِعِ فِي الْفَسْخِ ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يُشْرَعَ لَهُ الْيَمِينُ وَلَا الْفَسْخُ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ ضَرَرٌ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ فَائِدَةٍ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُشْرَعَ لِتَحْصِيلِ الْفَائِدَةِ لِلْمُشْتَرِي .\rوَمَتَى اخْتَلَفَا فِي قِيمَةِ السِّلْعَةِ ، رَجَعَا إلَى قِيمَةِ مِثْلِهَا ، مَوْصُوفًا بِصِفَاتِهَا ، فَإِنْ اخْتَلَفَا فِي الصِّفَةِ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي مَعَ يَمِينِهِ ؛ لِأَنَّهُ غَارِمٌ ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْغَارِمِ .","part":8,"page":353},{"id":3853,"text":"( 3069 ) فَصْلٌ : وَإِنْ تَقَايَلَا الْمَبِيعَ ، أَوْ رُدَّ بِعَيْبٍ بَعْدَ قَبْضِ الْبَائِعِ الثَّمَنَ ، ثُمَّ اخْتَلَفَا فِي قَدْرِهِ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ ؛ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ لِمَا يَدَّعِيهِ الْمُشْتَرِي بَعْدَ انْفِسَاخِ الْعَقْدِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ اخْتَلَفَا فِي الْقَبْضِ .","part":8,"page":354},{"id":3854,"text":"( 3070 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَالَ : بِعْتُك هَذَا الْعَبْدَ بِأَلْفٍ .\rفَقَالَ : بَلْ هُوَ وَالْعَبْدُ الْآخَرُ بِأَلْفٍ .\rفَالْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ مَعَ يَمِينِهِ ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يَتَحَالَفَانِ ؛ لِأَنَّهُمَا اخْتَلَفَا فِي أَصْلِ عِوَضَيْ الْعَقْدِ ، فَيَتَحَالَفَانِ ، كَمَا لَوْ اخْتَلَفَا فِي الثَّمَنِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الْبَائِعَ يُنْكِرُ بَيْعَ الْعَبْدِ الزَّائِدِ ، فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ بِيَمِينِهِ ، كَمَا لَوْ ادَّعَى شِرَاءَهُ مُنْفَرِدًا .","part":8,"page":355},{"id":3855,"text":"( 3071 ) فَصْلٌ وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي عَيْنِ الْمَبِيعِ ، فَقَالَ : بِعْتُك هَذَا الْعَبْدَ .\rقَالَ : بَلْ بِعْتنِي هَذِهِ الْجَارِيَةَ .\rفَالْقَوْلُ قَوْلُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِيمَا يُنْكِرُهُ ، مَعَ يَمِينِهِ ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَدَّعِي عَقْدًا عَلَى عَيْنٍ يُنْكِرُهَا الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ .\rفَإِنْ حَلَفَ الْبَائِعُ : مَا بِعْتُك هَذِهِ الْجَارِيَةَ .\rأُقِرَّتْ فِي يَدِهِ ، إنْ كَانَتْ فِي يَدِهِ ، وَرُدَّتْ عَلَيْهِ إنْ كَانَ مُدَّعِيهَا قَدْ قَبَضَهَا .\rوَأَمَّا الْعَبْدُ ، فَإِنْ كَانَ فِي يَدِ الْبَائِعِ ، أُقِرَّ فِي يَدِهِ ، وَلَمْ يَكُنْ لِلْمُشْتَرِي طَلَبُهُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدَّعِيهِ ، وَعَلَى الْبَائِعِ رَدُّ الثَّمَنِ إلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَصِلْ إلَيْهِ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ .\rوَإِنْ كَانَ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي ، فَعَلَيْهِ رَدُّهُ إلَى الْبَائِعِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَعْتَرِفْ أَنَّهُ لَمْ يَشْتَرِهِ ، وَلَيْسَ لِلْبَائِعِ طَلَبُهُ إذَا بَذَلَ لَهُ ثَمَنَهُ ، لِاعْتِرَافِهِ بِبَيْعِهِ ، وَإِنْ لَمْ يُعْطِهِ ثَمَنَهُ ، فَلَهُ فَسْخُ الْبَيْعِ وَاسْتِرْجَاعُهُ ؛ لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ الْوُصُولُ إلَى ثَمَنِهِ ، فَمَلَكَ الْفَسْخَ ، كَمَا لَوْ أَفْلَسَ الْمُشْتَرِي .\rوَإِنْ أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةً بِدَعْوَاهُ ، ثَبَتَ الْعَقْدَانِ ؛ لِأَنَّهُمَا لَا يَتَنَافَيَانِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ ادَّعَى أَحَدُهُمَا الْبَيْعَ فِيهِمَا جَمِيعًا وَأَنْكَرَهُ الْآخَرُ وَإِنْ أَقَامَ أَحَدُهُمَا بَيِّنَةً بِدَعْوَاهُ دُونَ الْآخَرِ ثَبَتَ مَا قَامَتْ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ دُونَ مَا لَمْ تَقُمْ عَلَيْهِ .","part":8,"page":356},{"id":3856,"text":"( 3072 ) فَصْلٌ وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي صِفَةِ الثَّمَنِ رُجِعَ إلَى نَقْدِ الْبَلَدِ ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُمَا لَا يَعْقِدَانِ إلَّا بِهِ .\rوَإِنْ كَانَ فِي الْبَلَدِ نُقُودٌ ، رُجِعَ إلَى أَوْسَطِهَا .\rنَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ جَمَاعَةٍ فَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ إذَا كَانَ هُوَ الْأَغْلَبَ ، وَالْمُعَامَلَةُ بِهِ أَكْثَرُ ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ وُقُوعُ الْمُعَامَلَةِ بِهِ ، فَهُوَ كَمَا لَوْ كَانَ فِي الْبَلَدِ نَقْدٌ وَاحِدٌ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ رَدَّهُمَا إلَيْهِ مَعَ التَّسَوِّي ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَوَسُّطًا بَيْنَهُمَا ، وَتَسْوِيَةً بَيْنَ حَقَّيْهِمَا ، وَفِي الْعُدُولِ إلَى غَيْرِهِ مَيْلٌ عَلَى أَحَدِهِمَا ، فَكَانَ التَّوَسُّطُ أَوْلَى ، وَعَلَى مُدَّعِي ذَلِكَ الْيَمِينُ ؛ لِأَنَّ مَا قَالَهُ خَصْمُهُ مُحْتَمِلٌ ، فَتَجِبُ الْيَمِينُ لِنَفْيِ ذَلِكَ الِاحْتِمَالِ ، كَوُجُوبِهَا عَلَى الْمُنْكِرِ .\rوَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْبَلَدِ إلَّا نَقْدَانِ مُتَسَاوِيَانِ ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَتَحَالَفَا ؛ لِأَنَّهُمَا اخْتَلَفَا فِي الثَّمَنِ عَلَى وَجْهٍ لَمْ يَتَرَجَّحْ قَوْلُ أَحَدِهِمَا ، فَيَتَحَالَفَانِ ، كَمَا لَوْ اخْتَلَفَا فِي قَدْرِهِ .","part":8,"page":357},{"id":3857,"text":"( 3073 ) فَصْلٌ : وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي أَجَلٍ أَوْ رَهْنٍ ، أَوْ فِي قَدْرِهِمَا ، أَوْ فِي شَرْطِ خِيَارٍ ، أَوْ ضَمِينٍ ؛ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الشُّرُوطِ الصَّحِيحَةِ ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، يَتَحَالَفَانِ .\rوَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُمَا اخْتَلَفَا فِي صِفَةِ الْعَقْدِ ، فَوَجَبَ أَنْ يَتَحَالَفَا ، قِيَاسًا عَلَى الِاخْتِلَافِ فِي الثَّمَنِ .\rوَالثَّانِيَةُ ، الْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ يَنْفِي ذَلِكَ مَعَ يَمِينِهِ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ يَنْفِيهِ ، كَأَصْلِ الْعَقْدِ ، لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ .","part":8,"page":358},{"id":3858,"text":"( 3074 ) فَصْلٌ : وَإِنْ اخْتَلَفَا فِيمَا يُفْسِدُ الْعَقْدَ ، أَوْ شَرْطٍ فَاسِدٍ ، فَقَالَ : بِعْتُك بِخَمْرٍ ، أَوْ خِيَارٍ مَجْهُولٍ .\rفَقَالَ : بَلْ بِعْتنِي بِنَقْدٍ مَعْلُومٍ ، أَوْ خِيَارِ ثَلَاثٍ .\rفَالْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ يَدَّعِي الصِّحَّةَ مَعَ يَمِينِهِ ؛ لِأَنَّ ظُهُورَ تَعَاطِي الْمُسْلِمِ الصَّحِيحَ أَكْثَرُ مِنْ تَعَاطِيه لِلْفَاسِدِ .\rوَإِنْ قَالَ : بِعْتُك مُكْرَهًا .\rفَأَنْكَرَهُ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْإِكْرَاهِ ، وَصِحَّةُ الْبَيْعِ .\rوَإِنْ قَالَ : بِعْتُك وَأَنَا صَبِيٌّ .\rفَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي .\rنَصَّ عَلَيْهِ ، وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ وَإِسْحَاقَ لِأَنَّهُمَا اتَّفَقَا عَلَى الْعَقْدِ ، وَاخْتَلَفَا فِيمَا يُفْسِدُهُ ، فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ مَنْ يَدَّعِي الصِّحَّةَ ، كَاَلَّتِي قَبْلَهَا .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقْبَلَ قَوْلُ مَنْ يَدَّعِي الصِّغَرَ ؛ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ .\rوَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ .\rوَيُفَارِقُ مَا إذَا اخْتَلَفَا فِي شَرْطٍ فَاسِدٍ أَوْ إكْرَاهٍ لِوَجْهَيْنِ ؛ أَحَدِهِمَا أَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ .\rوَهَا هُنَا الْأَصْلُ بَقَاؤُهُ .\rوَالثَّانِي أَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ الْمُكَلَّفِ أَنَّهُ لَا يَتَعَاطَى إلَّا الصَّحِيحَ .\rوَهَا هُنَا مَا ثَبَتَ أَنَّهُ كَانَ مُكَلَّفًا .\rوَإِنْ قَالَ : بِعْتُك وَأَنَا مَجْنُونٌ .\rفَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ لَهُ حَالُ جُنُونٍ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ .\rوَإِنْ ثَبَتَ أَنَّهُ كَانَ مَجْنُونًا ، فَهُوَ كَالصَّبِيِّ .\rوَلَوْ قَالَ الْعَبْدُ : بِعْتُك ، وَأَنَا غَيْرُ مَأْذُونٍ لِي فِي التِّجَارَةِ .\rفَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي .\rنَصَّ عَلَيْهِ ، فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا ؛ لِأَنَّهُ مُكَلَّفٌ ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَعْقِدُ إلَّا عَقْدًا صَحِيحًا .","part":8,"page":359},{"id":3859,"text":"( 3075 ) فَصْلٌ : وَإِنْ مَاتَ الْمُتَبَايِعَانِ ، فَوَرَثَتُهُمَا بِمَنْزِلَتِهِمَا فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَاهُ ؛ لِأَنَّهُمْ يَقُومُونَ مَقَامَهُمَا ، فِي أَخْذِ مَالِهِمَا ، وَإِرْثِ حُقُوقِهِمَا ، فَكَذَلِكَ مَا يَلْزَمُهُمَا ، أَوْ يَصِيرُ لَهُمَا .","part":8,"page":360},{"id":3860,"text":"( 3076 ) فَصْلٌ : وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي التَّسْلِيمِ ، فَقَالَ الْبَائِعُ : لَا أُسَلِّمُ الْمَبِيعَ حَتَّى أَقْبِضَ الثَّمَنَ .\rوَقَالَ الْمُشْتَرِي : لَا أُسَلِّمُ الثَّمَنَ حَتَّى أَقْبِضَ الْمَبِيعَ .\rوَالثَّمَنُ فِي الذِّمَّةِ ، أُجْبِرَ الْبَائِعُ عَلَى تَسْلِيمِ الْمَبِيعِ ، ثُمَّ أُجْبِرَ الْمُشْتَرِي عَلَى تَسْلِيمِ الثَّمَنِ .\rفَإِنْ كَانَ عَيْنًا ، أَوْ عَرْضًا بِعَرْضٍ ، جُعِلَ بَيْنَهُمَا عَدْلٌ ، فَيَقْبِضُ مِنْهُمَا ، ثُمَّ يُسَلِّمُ إلَيْهِمَا .\rوَهَذَا قَوْلُ الثَّوْرِيِّ وَأَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْبَائِعَ يُجْبَرُ عَلَى تَسْلِيمِ الْمَبِيعِ عَلَى الْإِطْلَاقِ .\rوَهُوَ قَوْلٌ ثَانٍ لِلشَّافِعِيِّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ يُجْبَرُ الْمُشْتَرِي عَلَى تَسْلِيمِ الثَّمَنِ لِأَنَّ لِلْبَائِعِ حَبْسَ الْمَبِيعِ عَلَى تَسْلِيمِ الثَّمَنِ ، وَمَنْ اسْتَحَقَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ التَّسْلِيمُ قَبْلَ الِاسْتِيفَاءِ ، كَالْمُرْتَهِنِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ تَسْلِيمَ الْمَبِيعِ يَتَعَلَّقُ بِهِ اسْتِقْرَارُ الْبَيْعِ وَتَمَامُهُ ، فَكَانَ تَقْدِيمُهُ أَوْلَى ، سِيَّمَا مَعَ تَعَلُّقِ الْحُكْمِ بِعَيْنِهِ ، وَتَعَلُّقِ حَقِّ الْبَائِعِ بِالذِّمَّةِ ، وَتَقْدِيمُ مَا تَعَلَّقَ بِالْعَيْنِ أَوْلَى ؛ لِتَأَكُّدِهِ ، وَلِذَلِكَ يُقَدَّمُ الدَّيْنُ الَّذِي بِهِ الرَّهْنُ فِي ثَمَنِهِ عَلَى مَا تَعَلَّقَ بِالذِّمَّةِ ، وَيُخَالِفُ الرَّهْنَ ؛ فَإِنَّهُ لَا تَتَعَلَّقُ بِهِ مَصْلَحَةُ عَقْدِ الرَّهْنِ ، وَالتَّسْلِيمُ هَاهُنَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مَصْلَحَةُ عَقْدِ الْبَيْعِ .\rوَأَمَّا إذَا كَانَ الثَّمَنُ عَيْنًا ، فَقَدْ تَعَلَّقَ الْحَقُّ بِعَيْنِهِ أَيْضًا ، كَالْمَبِيعِ ، فَاسْتَوَيَا ، وَقَدْ وَجَبَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ حَقٌّ ، قَدْ اُسْتُحِقَّ قَبْضُهُ ، فَأُجْبِرَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى إيفَاءِ صَاحِبِهِ حَقَّهُ .\rوَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى ؛ أَنَّ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ اسْتِقْرَارُ الْبَيْعِ وَتَمَامُهُ هُوَ الْمَبِيعُ ، فَوَجَبَ تَقْدِيمُهُ .\rوَلِأَنَّ الثَّمَنَ لَا يَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ ، فَأَشْبَهَ غَيْرَ الْمُعَيَّنِ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، وَأَوْجَبْنَا","part":8,"page":361},{"id":3861,"text":"التَّسْلِيمَ عَلَى الْبَائِعِ ، فَسَلَّمَهُ ، فَلَا يَخْلُو الْمُشْتَرِي مِنْ أَنْ يَكُونَ مُوسِرًا ، أَوْ مُعَسِّرًا ، فَإِنْ كَانَ مُوسِرًا وَالثَّمَنُ مَعَهُ ، أُجْبِرَ عَلَى تَسْلِيمِهِ ، وَإِنْ كَانَ غَائِبًا قَرِيبًا فِي بَيْتِهِ أَوْ بَلَدِهِ ، حُجِرَ عَلَيْهِ فِي الْمَبِيعِ وَسَائِرِ مَالِهِ ، حَتَّى يُسَلِّمَ الثَّمَنَ ، خَوْفًا مِنْ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِي مَالِهِ تَصَرُّفًا يَضُرُّ بِالْبَائِعِ ، وَإِنْ كَانَ غَائِبًا عَنْ الْبَلَدِ فِي مَسَافَةِ الْقَصْرِ ، فَالْبَائِعُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يَصْبِرَ إلَى أَنْ يُوجَدَ ، وَبَيْنَ فَسْخِ الْعَقْدِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ الثَّمَنُ ، فَهُوَ كَالْمُفْلِسِ ، وَإِنْ كَانَ دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ ، فَلَهُ الْخِيَارُ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ ؛ لِأَنَّ فِيهِ ضَرَرًا عَلَيْهِ .\rوَالثَّانِي ، لَا خِيَارَ لَهُ ؛ لِأَنَّ مَا دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ بِمَنْزِلَةِ الْحَاضِرِ .\rوَإِنْ كَانَ الْمُشْتَرِي مُعْسِرًا ، فَلِلْبَائِعِ الْفَسْخُ فِي الْحَالِ ، وَالرُّجُوعُ فِي الْمَبِيعِ .\rوَهَذَا كُلُّهُ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَيَقْوَى عِنْدِي أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ تَسْلِيمُ الْمَبِيعِ ، حَتَّى يُحْضِرَ الثَّمَنَ ، وَيَتَمَكَّنَ الْمُشْتَرِي مِنْ تَسْلِيمِهِ ؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ إنَّمَا رَضِيَ بِبَذْلِ الْمَبِيعِ بِالثَّمَنِ ، فَلَا يَلْزَمُهُ دَفْعُهُ قَبْلَ حُصُولِ عِوَضِهِ ، وَلِأَنَّ الْمُتَعَاقِدَيْنِ سَوَاءٌ فِي الْمُعَاوَضَةِ ، فَيَسْتَوِيَانِ فِي التَّسْلِيمِ ، وَإِنَّمَا يُؤَثِّرُ مَا ذُكِرَ مِنْ التَّرْجِيحِ فِي تَقْدِيمِ التَّسْلِيمِ مَعَ حُضُورِ الْعِوَضِ الْآخَرِ ؛ لِعَدَمِ الضَّرَرِ فِيهِ ، وَأَمَّا مَعَ الْخَطَرِ الْمُحْوِجِ إلَى الْحَجْرِ ، أَوْ الْمَحْجُوزِ لِلْفَسْخِ ، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَثْبُتَ .\rوَلِأَنَّ شَرْعَ الْحَجْرِ لَا يَنْدَفِعُ بِهِ الضَّرَرُ .\rوَلِأَنَّهُ يَقِفُ عَلَى الْحَاكِمِ ، وَيَتَعَذَّرُ ذَلِكَ فِي الْغَالِبِ .\rوَلِأَنَّ مَا أَثْبَتَ الْحَجْرَ وَالْفَسْخَ بَعْدَ التَّسْلِيمِ ، فَهُوَ أَوْلَى أَنْ يَمْنَعَ التَّسْلِيمَ ؛ لِأَنَّ الْمَنْعَ أَسْهَلُ مِنْ الرَّفْعِ ، وَالْمَنْعُ قَبْلَ التَّسْلِيمِ أَسْهَلُ مِنْ الْمَنْعِ بَعْدَهُ ، وَلِذَلِكَ مَلَكَتْ الْمَرْأَةُ","part":8,"page":362},{"id":3862,"text":"مَنْعَ نَفْسِهَا قَبْلَ قَبْضِ صَدَاقِهَا ، قَبْلَ تَسْلِيمِ نَفْسِهَا ، وَلَمْ تَمْلِكْهُ بَعْدَ التَّسْلِيمِ .\rوَلِأَنَّ لِلْبَائِعِ مَنْعَ الْمَبِيعِ قَبْلَ قَبْضِ ثَمَنِهِ ، أَوْ كَوْنِهِ بِمَنْزِلَةِ الْمَقْبُوضِ ؛ لِإِمْكَانِ تَقْبِيضِهِ ، وَإِلَّا فَلَا ، وَكُلُّ مَوْضِعٍ قُلْنَا : لَهُ الْفَسْخُ .\rفَلَهُ ذَلِكَ بِغَيْرِ حُكْمِ حَاكِمٍ ؛ لِأَنَّهُ فَسْخٌ لِلْبَيْعِ لِلْإِعْسَارِ بِثَمَنِهِ ، فَمَلَكَهُ الْبَائِعُ ، كَالْفَسْخِ فِي عَيْنِ مَالِهِ إذَا أَفْلَسَ الْمُشْتَرِي .\rوَكُلُّ مَوْضِعٍ قُلْنَا : يُحْجَرُ عَلَيْهِ .\rفَذَلِكَ إلَى الْحَاكِمِ ؛ لِأَنَّ وِلَايَةَ الْحَجْرِ إلَيْهِ .","part":8,"page":363},{"id":3863,"text":"( 3077 ) فَصْلٌ : فَإِنْ هَرَبَ الْمُشْتَرِي قَبْلَ وَزْنِ الثَّمَنِ ، وَهُوَ مُعْسِرٌ ، فَلِلْبَائِعِ الْفَسْخُ فِي الْحَالِ ؛ لِأَنَّهُ إذَا مَلَكَ الْفَسْخَ مَعَ حُضُورِهِ ، فَمَعَ هَرَبِهِ أَوْلَى .\rوَإِنْ كَانَ مُوسِرًا أَثْبَتَ الْبَائِعُ ذَلِكَ عِنْدَ الْحَاكِمِ ، ثُمَّ إنْ وَجَدَ الْحَاكِمُ لَهُ مَالًا قَضَاهُ ، وَإِلَّا بَاعَ الْمَبِيعَ ، وَقَضَى ثَمَنَهُ مِنْهُ ، وَمَا فَضَلَ فَهُوَ لِلْمُشْتَرِي ، وَإِنْ أَعُوز فَفِي ذِمَّتِهِ .\rوَيَقْوَى عِنْدِي أَنَّ لِلْبَائِعِ الْفَسْخَ بِكُلِّ حَالٍ ؛ لِأَنَّنَا أَبَحْنَا لَهُ الْفَسْخَ مَعَ حُضُورِهِ ، إذَا كَانَ الثَّمَنُ بَعِيدًا عَنْ الْبَلَدِ ، لِمَا عَلَيْهِ مِنْ ضَرَرِ التَّأْخِيرِ ، فَهَاهُنَا مَعَ الْعَجْزِ عَنْ الِاسْتِيفَاءِ بِكُلِّ حَالٍ أَوْلَى .\rوَلَا يَنْدَفِعُ الضَّرَرُ بِرَفْعِ الْأَمْرِ إلَى الْحَاكِمِ ؛ لِعَجْزِ الْبَائِعِ عَنْ إثْبَاتِهِ عِنْدَ الْحَاكِمِ ، وَقَدْ يَكُونُ الْبَيْعُ فِي مَكَان لَا حَاكِمَ فِيهِ ، وَالْغَالِبُ أَنَّهُ لَا يَحْضُرُهُ مَنْ يَقْبَلُ الْحَاكِمُ شَهَادَتَهُ ، فَإِحَالَتُهُ عَلَى هَذَا تَضْيِيعٌ لِمَالِهِ .\rوَهَذِهِ الْفُرُوعُ تُقَوِّي مَا ذَكَرْتُهُ ، مِنْ أَنَّ لِلْبَائِعِ مَنْعَ الْمُشْتَرِي مِنْ قَبْضِ الْمَبِيعِ قَبْلَ إحْضَارِ ثَمَنِهِ ؛ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الضَّرَرِ .","part":8,"page":364},{"id":3864,"text":"( 3078 ) فَصْلٌ : وَلَيْسَ لِلْبَائِعِ الِامْتِنَاعُ مِنْ تَسْلِيمِ الْمَبِيعِ بَعْدَ قَبْضِ الثَّمَنِ لِأَجْلِ الِاسْتِبْرَاءِ .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ فِي الْقَبِيحَةِ .\rوَقَالَ فِي الْجَمِيلَةِ : يَضَعُهَا عَلَى يَدَيْ عَدْلٍ حَتَّى تُسْتَبْرَأَ ؛ لِأَنَّ التُّهْمَةَ تَلْحَقُهُ فِيهَا ، فَمُنِعَ مِنْهَا .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ بَيْعُ عَيْنٍ لَا خِيَارَ فِيهَا ، قَدْ قَبَضَ ثَمَنَهَا ، فَوَجَبَ تَسْلِيمُهَا ، كَسَائِرِ الْمَبِيعَاتِ ، وَمَا ذَكَرُوهُ مِنْ التُّهْمَةِ لَا يُمَكِّنُهُ مِنْ التَّسَلُّطِ عَلَى مَنْعِهِ مِنْ قَبْضِ مَمْلُوكَتِهِ ، كَالْقَبِيحَةِ .\rوَلِأَنَّهُ إذَا كَانَ اسْتَبْرَأَهَا قَبْلَ بَيْعِهَا ، فَاحْتِمَالُ وُجُودِ الْحَمْلِ فِيهَا بَعِيدٌ نَادِرٌ ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يَسْتَبْرِئْهَا ، فَهُوَ تَرَكَ التَّحَفُّظَ لِنَفْسِهِ .\rوَلَوْ طَالَبَ الْمُشْتَرِي الْبَائِعَ بِكَفِيلٍ ، لِئَلَّا تَظْهَرَ حَامِلًا ، لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ التَّحَفُّظَ لِنَفْسِهِ حَالَ الْعَقْدِ ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ كَفِيلٌ ، كَمَا لَوْ طَلَبَ كَفِيلًا بِالثَّمَنِ الْمُؤَجَّلِ .","part":8,"page":365},{"id":3865,"text":"( 3079 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الْآبِقِ .\rوَجُمْلَتُهُ ؛ أَنَّ بَيْعَ الْعَبْدِ الْآبِقِ لَا يَصِحُّ ، سَوَاءٌ عَلِمَ مَكَانَهُ ، أَوْ جَهِلَهُ .\rوَكَذَلِكَ مَا فِي مَعْنَاهُ مِنْ الْجَمَلِ الشَّارِدِ ، وَالْفَرَسِ الْعَائِرِ ، وَشِبْهِهِمَا .\rوَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ اشْتَرَى مِنْ بَعْضِ وَلَدِهِ بَعِيرًا شَارِدًا .\rوَعَنْ ابْنِ سِيرِينَ لَا بَأْسَ بِبَيْعِ الْآبِقِ ، إذَا كَانَ عِلْمُهُمَا فِيهِ وَاحِدًا .\rوَعَنْ شُرَيْحٍ مِثْلُهُ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ، قَالَ : { نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعِ الْحَصَاةِ وَعَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ .\r} رَوَاهُ مُسْلِمٌ .\rوَهَذَا بَيْعُ غَرَرٍ .\rوَلِأَنَّهُ غَيْرُ مَقْدُورٍ عَلَى تَسْلِيمِهِ ، فَلَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ ، كَالطَّيْرِ فِي الْهَوَاءِ ، فَإِنْ حَصَلَ فِي يَدِ إنْسَانٍ ، جَازَ بَيْعُهُ ؛ لِإِمْكَانِ تَسْلِيمِهِ .","part":8,"page":366},{"id":3866,"text":"( 3080 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : وَلَا الطَّائِرِ قَبْلَ أَنْ يُصَادَ وَجُمْلَةُ ذَلِكَ ؛ أَنَّهُ إذَا بَاعَ طَائِرًا فِي الْهَوَاءِ ، لَمْ يَصِحَّ ، مَمْلُوكًا أَوْ غَيْرَ مَمْلُوكٍ ؛ أَمَّا الْمَمْلُوكُ ؛ فَلِأَنَّهُ غَيْرُ مَقْدُورٍ عَلَيْهِ ، وَغَيْرُ الْمَمْلُوكِ ، لَا يَجُوزُ لِعِلَّتَيْنِ ؛ إحْدَاهُمَا ، الْعَجْزُ عَنْ تَسْلِيمِهِ ، وَالثَّانِيَةُ ، أَنَّهُ غَيْرُ مَمْلُوكٍ لَهُ .\rوَالْأَصْلُ فِي هَذَا { نَهْيُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ .\r} وَقِيلَ فِي تَفْسِيرِهِ : هُوَ بَيْعُ الطَّيْرِ فِي الْهَوَاءِ ، وَالسَّمَكِ فِي الْمَاءِ .\rوَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا .\rوَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ الطَّائِرِ يَأْلَفُ الرُّجُوعَ ، أَوْ لَا يَأْلَفُهُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى تَسْلِيمِهِ الْآنَ ، وَإِنَّمَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إذَا عَادَ .\rفَإِنْ قِيلَ : فَالْغَائِبُ فِي مَكَان بَعِيدٍ ، لَا يَقْدِرُ عَلَى تَسْلِيمِهِ فِي الْحَالِ ، قُلْنَا : الْغَائِبُ يَقْدِرُ عَلَى اسْتِحْضَارِهِ ، وَالطَّيْرُ لَا يَقْدِرُ صَاحِبُهُ عَلَى رَدِّهِ ، إلَّا أَنْ يَرْجِعَ هُوَ بِنَفْسِهِ ، وَلَا يَسْتَقِلُّ مَالِكُهُ بِرَدِّهِ ، فَيَكُونُ عَاجِزًا عَنْ تَسْلِيمِهِ ، لِعَجْزِهِ عَنْ الْوَاسِطَةِ الَّتِي يَحْصُلُ بِهَا تَسْلِيمُهُ ، بِخِلَافِ الْغَائِبِ .\rوَإِنْ بَاعَهُ الطَّيْرَ فِي الْبُرْجِ ، نَظَرْت ؛ فَإِنْ كَانَ الْبُرْجُ مَفْتُوحًا ، لَمْ يَجُزْ ؛ لِأَنَّ الطَّيْرَ إذَا قَدَرَ عَلَى الطَّيَرَانِ لَمْ يُمْكِنْ تَسْلِيمُهُ ، فَإِنْ كَانَ مُغْلَقًا وَيُمْكِنُ أَخْذُهُ ، جَازَ بَيْعُهُ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : إنْ لَمْ يُمْكِنْ أَخْذُهُ إلَّا بِتَعَبٍ وَمَشَقَّةٍ ، لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ ؛ لِعَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَى تَسْلِيمِهِ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَهُوَ مُلْغَى بِالْبَعِيدِ الَّذِي لَا يُمْكِنُ إحْضَارُهُ إلَّا بِتَعَبٍ وَمَشَقَّةٍ .\rوَفَرَّقُوا بَيْنَهُمَا ، بِأَنَّ الْبَعِيدَ تُعْلَمُ الْكُلْفَةُ الَّتِي يَحْتَاجُ إلَيْهَا فِي إحْضَارِهِ بِالْعَادَةِ ، وَتَأْخِيرُ التَّسْلِيمِ مُدَّتُهُ مَعْلُومَةٌ ، وَلَا كَذَلِكَ فِي إمْسَاكِ الطَّائِرِ .\rوَالصَّحِيحُ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ، أَنْ تَفَاوُتَ الْمُدَّةِ فِي إحْضَارِ","part":8,"page":367},{"id":3867,"text":"الْبَعِيدِ ، وَاخْتِلَافَ الْمَشَقَّةِ أَكْثَرُ مِنْ التَّفَاوُتِ وَالِاخْتِلَافِ فِي إمْسَاكِ طَائِرٍ مِنْ الْبُرْجِ ، وَالْعَادَةُ تَكُونُ فِي هَذَا ، كَالْعَادَةِ فِي ذَاكَ ، فَإِذَا صَحَّ فِي الْبَعِيدِ مَعَ كَثْرَةِ التَّفَاوُتِ ، وَشِدَّةِ اخْتِلَافِ الْمَشَقَّةِ ، فَهَذَا أَوْلَى .","part":8,"page":368},{"id":3868,"text":"( 3081 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : وَلَا السَّمَكِ فِي الْآجَامِ هَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rرُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ نَهَى عَنْهُ ، قَالَ : إنَّهُ غَرَرٌ .\rوَكَرِهَ ذَلِكَ الْحَسَنُ وَالنَّخَعِيُّ وَمَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو يُوسُفَ وَأَبُو ثَوْرٍ وَلَا نَعْلَمُ لَهُمْ مُخَالِفًا ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْحَدِيثِ .\rوَالْمَعْنَى لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ فِي الْمَاءِ إلَّا أَنْ يَجْتَمِعَ ثَلَاثَةُ شُرُوطٍ ؛ أَحَدُهَا ، أَنْ يَكُونَ مَمْلُوكًا .\rالثَّانِي ، أَنْ يَكُونَ الْمَاءُ رَقِيقًا ، لَا يَمْنَعُ مُشَاهَدَتَهُ وَمَعْرِفَتَهُ .\rالثَّالِثُ ، أَنْ يُمْكِنَ اصْطِيَادُهُ وَإِمْسَاكُهُ .\rفَإِنْ اجْتَمَعَتْ هَذِهِ الشُّرُوطُ ، جَازَ بَيْعُهُ ؛ لِأَنَّهُ مَمْلُوكٌ مَعْلُومٌ مَقْدُورٌ عَلَى تَسْلِيمِهِ ؛ فَجَازَ بَيْعُهُ ، كَالْمَوْضُوعِ فِي الطَّسْتِ .\rوَإِنْ اخْتَلَّ شَرْطٌ مِمَّا ذَكَرْنَا ، لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ ؛ لِذَلِكَ .\rوَإِنْ اخْتَلَّتْ الثَّلَاثَةُ ، لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ ؛ لِثَلَاثِ عِلَلٍ .\rوَإِنْ اخْتَلَّ اثْنَانِ مِنْهَا ، لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ ؛ لِعِلَّتَيْنِ .\rوَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَابْنِ أَبِي لَيْلَى فِي مَنْ لَهُ أَجَمَةٌ يَحْبِسُ السَّمَكَ فِيهَا ، يَجُوزُ بَيْعُهُ ؛ لِأَنَّهُ يَقْدِرُ عَلَى تَسْلِيمِهِ ظَاهِرًا ، أَشْبَهَ مَا يَحْتَاجُ إلَى مُؤْنَةٍ فِي كَيْلِهِ وَوَزْنِهِ وَنَقْلِهِ .\rوَلَنَا ، مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُمَا قَالَا : لَا تَشْتَرُوا السَّمَكَ فِي الْمَاءِ ، فَإِنَّهُ غَرَرٌ .\rوَلِأَنَّ النَّبِيَّ : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { نَهَى عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ } ، وَهَذَا مِنْهُ .\rوَلِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى تَسْلِيمِهِ إلَّا بَعْدَ اصْطِيَادِهِ ، أَشْبَهَ الطَّيْرَ فِي الْهَوَاءِ ، وَالْعَبْدَ الْآبِقَ ؛ لِأَنَّهُ مَجْهُولٌ ، فَلَمْ يَصِحَّ بَيْعُهُ ، كَاللَّبَنِ فِي الضَّرْعِ ، وَالنَّوَى فِي التَّمْرِ ، وَيُفَارِقُ مَا ذَكَرُوهُ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ مُؤْنَةِ الْقَبْضِ ، وَهَذَا يَحْتَاجُ إلَى مُؤْنَةٍ لِيُمْكِنَ قَبْضُهُ ، فَأَمَّا إنْ كَانَتْ لَهُ بِرْكَةٌ فِيهَا سَمَكٌ لَهُ يُمْكِنُ اصْطِيَادُهُ بِغَيْرِ كُلْفَةٍ ، وَالْمَاءُ رَقِيقٌ","part":8,"page":369},{"id":3869,"text":"لَا يَمْنَعُ مُشَاهَدَتَهُ ، صَحَّ بَيْعُهُ ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ إلَّا بِمَشَقَّةٍ ، وَكُلْفَةٍ يَسِيرَةٍ ، بِمَنْزِلَةِ كُلْفَةِ اصْطِيَادِهِ الطَّائِرِ مِنْ الْبُرْجِ ، فَالْقَوْلُ فِيهِ كَالْقَوْلِ فِي بَيْعِ الطَّائِرِ فِي الْبُرْجِ ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِيهِ مِنْ الْخِلَافِ .\rوَإِنْ كَانَتْ كَثِيرَةً ، وَتَتَطَاوَلُ الْمُدَّةُ فِيهِ ، لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ ؛ لِلْعَجْزِ عَنْ تَسْلِيمِهِ ، وَالْجَهْلِ لِوَقْتِ إمْكَانِ التَّسْلِيمِ .","part":8,"page":370},{"id":3870,"text":"( 3082 ) فَصْلٌ : إذَا أَعَدَّ بِرْكَةً ، أَوْ مِصْفَاةً ؛ لِيَصْطَادَ فِيهَا السَّمَكَ ، فَحَصَلَ فِيهَا سَمَكٌ مَلَكَهُ ؛ لِأَنَّهُ آلَةٌ مُعَدَّةٌ لِلِاصْطِيَادِ ، فَأَشْبَهَ الشَّبَكَةَ .\rوَلَوْ اسْتَأْجَرَ الْبِرْكَةَ ، أَوْ الشَّبَكَةَ ، أَوْ اسْتَعَارَهُمَا لِلِاصْطِيَادِ ، جَازَ ، وَمَا حَصَلَ فِيهِمَا مَلَكَهُ .\rوَإِنْ كَانَتْ الْبِرْكَةُ غَيْرَ مُعَدَّةٍ لِلِاصْطِيَادِ ، لَمْ يَمْلِكْ مَا حَصَلَ فِيهَا مِنْ السَّمَكِ ؛ لِأَنَّهَا غَيْرُ مُعَدَّةٍ لَهُ ، فَأَشْبَهَتْ أَرْضَهُ إذَا دَخَلَ فِيهَا صَيْدٌ ، أَوْ حَصَلَ فِيهَا سَمَكٌ .\rوَمَتَى نَصَبَ شَبَكَةً ، أَوْ شَرَكًا ، أَوْ فَخًّا ، أَوْ أُحْبُولَةً ، مَلَكَ مَا وَقَعَ فِيهَا مِنْ الصَّيْدِ ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ يَدِهِ .\rوَكَذَلِكَ لَوْ نَصَبَ الْمَنَاجِلَ لِلصَّيْدِ ، وَسَمَّى فَقَتَلَتْ صَيْدًا حَلَّ لَهُ أَكْلُهُ ، وَكَانَ كَذَبْحِهِ .\rوَلَوْ وَقَعَ فِي شَبَكَتِهِ أَوْ شِبْهِهَا شَيْءٌ كَانَ مَضْمُونًا عَلَيْهِ ، فَعُلِمَ بِذَلِكَ ، أَنَّهُ كَيَدِهِ .\rوَلَوْ أَعَدَّ لِمِيَاهِ الْأَمْطَارِ مَصَانِعَ ، أَوْ بِرَكًا ، أَوْ أَوَانِيَ ؛ لِيَحْصُلَ فِيهَا الْمَاءُ ، مَلَكَهُ بِحُصُولِهِ فِيهَا ؛ لِأَنَّهَا فِي بَابِ الْإِعْدَادِ ، كَالشِّبَاكِ لِلِاصْطِيَادِ .\rوَلَوْ أَعَدَّ سَفِينَةً لِلِاصْطِيَادِ ، كَاَلَّتِي يُجْعَلُ فِيهَا الضَّوْءُ وَيُضْرَبُ صَوَانِي الصُّفْرِ ؛ لِيَثِبَ السَّمَكُ فِيهَا ، كَانَ حُصُولُهُ فِيهَا كَحُصُولِهِ فِي شَبَكَتِهِ ؛ لِكَوْنِهَا صَارَتْ مِنْ الْآلَاتِ الْمُعَدَّةِ لَهُ ، وَلَوْ لَمْ يُعِدَّهَا لِذَلِكَ ، لَمْ يَمْلِكْ مَا وَقَعَ فِيهَا .\rوَمَنْ سَبَقَ إلَيْهِ فَأَخَذَهُ مَلَكَهُ ، كَالْأَرْضِ الَّتِي لَمْ تُعَدَّ لِلِاصْطِيَادِ ، مِثْلُ أَرْضِ الزَّرْعِ إذَا دَخَلَهَا مَاءٌ فِيهِ سَمَكٌ ، ثُمَّ نَضَبَ عَنْهُ ، أَوْ دَخَلَ فِيهَا ظَبْيٌ ، أَوْ عَشَّشَ فِيهَا طَائِرٌ ، أَوْ سَقَطَ فِيهَا جَرَادٌ ، أَوْ حَصَلَ فِيهَا مِلْحٌ ، لَمْ يَمْلِكْهُ صَاحِبُهَا ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ نَمَاءِ الْأَرْضِ ، وَلَا مِمَّا هِيَ مُعَدَّةٌ لَهُ ، لَكِنَّهُ يَكُونُ أَحَقَّ بِهِ ، إذْ لَيْسَ لِغَيْرِهِ التَّخَطِّي فِي أَرْضِهِ ، وَلَا الِانْتِفَاعُ بِهَا ، فَإِنْ تَخَطَّى وَأَخَذَهُ ، أَخْطَأَ","part":8,"page":371},{"id":3871,"text":"وَمَلَكَهُ .\rقَالَ أَحْمَدُ فِي وَرَشَانَ عَلَى نَخْلَةِ قَوْمٍ ، صَادَهُ إنْسَانٌ : هُوَ لِلصَّائِدِ .\rوَقَالَ فِي طَيْرَةٍ لِقَوْمٍ أَفْرَخَتْ فِي دَارِ جِيرَانِهِمْ : إنَّ الْفَرْخَ يَتْبَعُ الْأُمَّ ، يُرَدُّ فِرَاخُهَا عَلَى أَصْحَابِ الطَّيْرَةِ .\rوَاخْتَارَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْمَأْخُوذِ مِنْ أَمْلَاكِ النَّاسِ ، مِنْ صَيْدٍ وَكَلَأٍ وَشِبْهِهِ ، أَنَّهُ لَا يَمْلِكُهُ بِأَخْذِهِ ؛ لِأَنَّهُ سَبَبٌ مَنْهِيٌّ عَنْهُ ، فَلَمْ يَفِدْ الْمِلْكَ ، كَالْبَيْعِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ ، إذْ السَّبَبُ لَا يَخْتَلِفُ بَيْنَ كَوْنِهِ بَيْعًا ، أَوْ غَيْرَهُ ؛ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ { مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا ، فَهُوَ رَدٌّ .\r} وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ .\rوَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ السَّبَبَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ ، فَإِنَّ السَّبَبَ الْأَخْذُ ، وَلَيْسَ بِمَنْهِيٍّ عَنْهُ ، إنَّمَا نُهِيَ عَنْ الدُّخُولِ ، وَهُوَ غَيْرُ السَّبَبِ ، بِخِلَافِ الْبَيْعِ ، وَلِأَنَّ النَّهْيَ هَاهُنَا لِحَقِّ آدَمِيٍّ ، فَلَا يَمْنَعُ الْمِلْكَ ، كَبَيْعِ الْمُصَرَّاةِ ، وَالْمَعِيبِ ، وَتَلَقِّي الرُّكْبَانِ ، وَالنَّجْشِ ، وَبَيْعِهِ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ .\rوَلَوْ أَعَدَّ أَرْضَهُ لِلْمِلْحِ ، فَجَعَلَهَا مَلَّاحَةً ؛ لِيَحْصُلَ فِيهَا الْمَاءُ ، فَيَصِيرَ مِلْحًا ، كَالْأَرْضِ الَّتِي عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ ، يَجْعَلُ إلَيْهَا طَرِيقًا لِلْمَاءِ ، فَإِذَا امْتَلَأَتْ قَطَعَهُ عَنْهَا ، أَوْ تَكُونُ أَرْضُهُ سَبْخَةً ، يَفْتَحُ إلَيْهَا الْمَاءَ مِنْ عَيْنٍ ، أَوْ يَجْمَعُ فِيهَا مَاءَ الْمَطَرِ ، فَيَصِيرُ مِلْحًا ، مَلَكَهُ بِذَلِكَ ؛ لِأَنَّهَا مُعَدَّةٌ لَهُ ، فَأَشْبَهَتْ الْبِرْكَةَ الْمُعَدَّةَ لِلصَّيْدِ .\rوَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَعَدَّهَا لِذَلِكَ ، لَمْ يَمْلِكْ مَا حَصَلَ فِيهَا ، كَمَا قَدَّمْنَا فِي مِثْلِهَا .\rفَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ فِي إنْسَانٍ رَمَى طَيْرًا بِبُنْدُقٍ ، فَوَقَعَ فِي دَارِ قَوْمٍ ، فَهُوَ لَهُمْ دُونَهُ .\rوَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ مَلَكُوهُ بِحُصُولِهِ فِي دَارِهِمْ .\rقُلْنَا : هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ وَقَعَ مُمْتَنِعًا ، فَصَادَهُ أَهْلُ الدَّارِ ، فَمَلَكُوهُ بِاصْطِيَادِهِمْ .\rكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ","part":8,"page":372},{"id":3872,"text":"وَيَتَعَيَّنُ حَمْلُهُ عَلَى هَذَا ؛ لِأَنَّهُمْ إذَا لَمْ يَمْلِكُوا مَا حَصَلَ فِي دَارِهِمْ بِفِعْلِ اللَّهِ تَعَالَى ، فَمَا حَصَلَ بِفِعْلِ آدَمِيٍّ أَوْلَى .\rوَلِأَنَّهُ وَقَعَ فِي الدَّارِ بَعْدَ الضَّرْبَةِ الْمُثْبِتَةِ لَهُ ، الَّتِي يُمْلَكُ بِهَا الصَّيْدُ فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَطَارَتْ الرِّيحُ ثَوْبَ إنْسَانِ ، فَأَلْقَتْهُ فِي دَارِهِمْ .\rوَلَوْ كَانَتْ آلَةُ الصَّيْدِ ، كَالشَّبَكَةِ وَالشَّرَكِ ، وَالْمَنَاجِلِ ، غَيْرَ مَنْصُوبَةٍ لِلصَّيْدِ ، وَلَا قُصِدَ بِهَا الِاصْطِيَادُ ، فَتَعَلَّقَ بِهَا صَيْدٌ لَمْ يَمْلِكْهُ صَاحِبُهَا بِذَلِكَ ؛ لِأَنَّهَا غَيْرُ مُعَدَّةٍ لِلصَّيْدِ فِي هَذِهِ الْحَالِ ، فَأَشْبَهَتْ الْأَرْضَ الَّتِي لَيْسَتْ مُعَدَّةً لَهُ .","part":8,"page":373},{"id":3873,"text":"( 3083 ) فَصْلٌ : وَمَا حَصَلَ مِنْ الصَّيْدِ فِي كَلْبِ إنْسَانٍ أَوْ صَقْرِهِ أَوْ فَهْدِهِ ، وَكَانَ اسْتَرْسَلَ بِإِرْسَالِ صَاحِبِهِ ، فَهُوَ لَهُ ؛ لِأَنَّهُ آكَدُ مِنْ الشَّبَكَةِ ؛ لِأَنَّهُ حَيَوَانٌ يَحْصُلُ بِفِعْلِهِ ، وَقَصْدِهِ ، وَإِرْسَالِ صَاحِبِهِ ، فَهُوَ كَسَهْمِهِ ، وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : { فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ .\r} وَإِنْ اسْتَرْسَلَ بِنَفْسِهِ ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ الصَّيْدِ الْحَاصِلِ فِي أَرْضِ إنْسَانٍ ، فِي أَنَّهُ لَا يَمْلِكُهُ ، وَلَيْسَ لِغَيْرِهِ أَخْذُهُ ، فَإِنْ أَخَذَهُ غَيْرُهُ مَلَكَهُ ، كَالْكَلَأِ .\rوَكَذَلِكَ مَا يَحْصُلُ فِي بَهِيمَةِ إنْسَانٍ مِنْ الْحَشِيشِ فِي الْمَرْعَى .","part":8,"page":374},{"id":3874,"text":"( 3084 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : وَالْوَكِيلُ إذَا خَالَفَ فَهُوَ ضَامِنٌ ، إلَّا أَنْ يَرْضَى الْآمِرُ ، فَيَلْزَمُهُ .\rوَجُمْلَةُ ذَلِكَ ، أَنَّ الْوَكِيلَ إذَا خَالَفَ مُوَكِّلَهُ ، فَاشْتَرَى غَيْرَ مَا أَمَرَهُ بِشِرَائِهِ ، أَوْ بَاعَ مَا لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فِي بَيْعِهِ ، أَوْ اشْتَرَى غَيْرَ مَا عُيِّنَ لَهُ ، فَعَلَيْهِ ضَمَانُ مَا فَوَّتَ عَلَى الْمَالِكِ ، أَوْ تَلِفَ ؛ لِأَنَّهُ خَرَجَ عَنْ حَالِ الْأَمَانَةِ ، وَصَارَ بِمَنْزِلَةِ الْغَاصِبِ ، فَأَمَّا قَوْلُهُ : إلَّا أَنْ يَرْضَى الْآمِرُ ، فَيَلْزَمُهُ .\rيَعْنِي إذَا اشْتَرَى غَيْرَ مَا أُمِرَ بِشِرَائِهِ ، بِثَمَنٍ فِي ذِمَّتِهِ ، فَإِنَّ الشِّرَاءَ صَحِيحٌ ، وَيَقِفُ عَلَى إجَازَةِ الْمُوَكِّلِ ، فَإِنْ أَجَازَهُ لَزِمَهُ ، وَعَلَيْهِ الثَّمَنُ ، وَإِنْ لَمْ يَقْبَلْ ، لَزِمَ الْوَكِيلَ ، وَيَتَعَيَّنُ حَمْلُهُ عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ بَيَّنَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ .\rفَقَالَ : إلَّا أَنْ يَكُونَ اشْتَرَاهُ بِعَيْنِ الْمَالِ ، فَيَبْطُلُ الشِّرَاءُ .\rوَذَكَرَهُ فِي كِتَابِ الْعِتْقِ أَيْضًا ، فَلِذَلِكَ تَعَيَّنَ حَمْلُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى مَا قُلْنَا .\rوَإِنَّمَا صَحَّ الشِّرَاءُ ؛ لِأَنَّهُ مُتَصَرِّفٌ فِي ذِمَّتِهِ ، لَا فِي مَالِ غَيْرِهِ ، وَسَوَاءٌ نَقَدَ الثَّمَنَ مِنْ مَالِ الْمُوَكِّلِ ، أَمْ لَا ؛ لِأَنَّ الثَّمَنَ هُوَ الَّذِي فِي الذِّمَّةِ ، وَاَلَّذِي نَقَدَهُ عِوَضُهُ ، وَلِذَلِكَ قُلْنَا : إنَّهُ إذَا اشْتَرَى فِي الذِّمَّةِ ، وَنَقَدَهُ الثَّمَنَ بَعْدَ ذَلِكَ ، كَانَ لَهُ الْبَدَلُ .\rوَإِنْ خَرَجَ مَغْصُوبًا ، لَمْ يَبْطُلْ الْعَقْدُ ، وَإِنَّمَا وَقَفَ عَلَى إجَازَةِ الْآمِرِ ؛ لِأَنَّهُ قَصَدَ الشِّرَاءَ لَهُ ، فَإِنْ أَجَازَهُ لَزِمَهُ ، وَعَلَيْهِ الثَّمَنُ ، وَإِنْ لَمْ يَقْبَلْهُ ، لَزِمَ مَنْ اشْتَرَاهُ .\r( 3085 ) فَصْلٌ : وَإِنْ اشْتَرَى بِعَيْنِ مَالِ الْآمِرِ أَوْ بَاعَ بِغَيْرِ إذْنِهِ ، أَوْ اشْتَرَى لِغَيْرِ مُوَكِّلَهُ شَيْئًا بِعَيْنِ مَالِهِ ، أَوْ بَاعَ مَالَهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ إحْدَاهُمَا ، الْبَيْعُ بَاطِلٌ ، وَيَجِبُ رَدُّهُ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي ثَوْرٍ وَابْنِ الْمُنْذِرِ وَالثَّانِيَةُ ، الْبَيْعُ","part":8,"page":375},{"id":3875,"text":"وَالشِّرَاءُ صَحِيحَانِ ، وَيَقِفُ عَلَى إجَازَةِ الْمَالِكِ ، فَإِنْ أَجَازَهُ نَفَذَ ، وَلَزِمَ الْبَيْعُ ، وَإِنْ لَمْ يُجِزْهُ ، بَطَلَ ، وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ وَإِسْحَاقَ وَقَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ فِي الْبَيْعِ ، فَأَمَّا الشِّرَاءُ ، فَعِنْدَهُ يَقَعُ لِلْمُشْتَرِي بِكُلِّ حَالٍ .\rوَوَجْهُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ ، مَا رَوَى عُرْوَةُ بْنُ الْجَعْدِ الْبَارِقِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْطَاهُ دِينَارًا لِيَشْتَرِيَ بِهِ شَاةً ، فَاشْتَرَى شَاتَيْنِ ، ثُمَّ بَاعَ إحْدَاهُمَا بِدِينَارٍ فِي الطَّرِيقِ ، قَالَ : فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالدِّينَارِ وَالشَّاةِ ، فَأَخْبَرْتُهُ ، فَقَالَ : بَارَكَ اللَّهُ فِي صَفْقَةِ يَمِينِكَ .\r} رَوَاهُ الْأَثْرَمُ وَابْنُ مَاجَهْ .\rوَلِأَنَّهُ عَقْدٌ مُجِيزٌ حَالَ وُقُوعِهِ ، فَيَجِبُ أَنْ يَقِفَ عَلَى إجَازَتِهِ ، كَالْوَصِيَّةِ .\rوَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى ، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِحَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ : { لَا تَبِعْ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ .\r} رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ ، وَالتِّرْمِذِيُّ .\rوَقَالَ : حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ .\rيَعْنِي مَا لَا تَمْلِكُ ؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَهُ جَوَابًا لَهُ حِينَ سَأَلَهُ ، أَنَّهُ يَبِيعُ الشَّيْءَ ، ثُمَّ يَمْضِي فَيَشْتَرِيهِ وَيُسَلِّمُهُ .\rوَلِاتِّفَاقِنَا عَلَى صِحَّةِ بَيْعِ مَالِهِ الْغَائِبِ ، وَلِأَنَّهُ بَاعَ مَا لَا يَقْدِرُ عَلَى تَسْلِيمِهِ ، فَأَشْبَهَ الطَّيْرَ فِي الْهَوَاءِ ، وَالْوَصِيَّةُ يَتَأَخَّرُ فِيهَا الْقَبُولُ عَنْ الْإِيجَابِ ، وَلَا يُعْتَبَرُ أَنْ يَكُونَ لَهَا مُجِيزٌ حَالَ وُقُوعِ الْعَقْدِ ، وَيَجُوزُ فِيهَا مِنْ الْغَرَرِ ، مَا لَا يَجُوزُ فِي الْبَيْعِ ، فَأَمَّا حَدِيثُ عُرْوَةَ فَنَحْمِلُهُ عَلَى أَنَّ وَكَالَتَهُ كَانَتْ مُطْلَقَةً ؛ بِدَلِيلِ أَنَّهُ سَلَّمَ وَتَسَلَّمَ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لِغَيْرِ الْمَالِكِ بِاتِّفَاقِنَا .","part":8,"page":376},{"id":3876,"text":"( 3086 ) فَصْلٌ : وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَبِيعَ عَيْنًا لَا يَمْلِكُهَا ، لِيَمْضِيَ وَيَشْتَرِيهَا ، وَيُسَلِّمُهَا ، رِوَايَةً وَاحِدَةً .\rوَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا ؛ { لِأَنَّ حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ قَالَ لِلنَّبِيِّ : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّ الرَّجُلَ يَأْتِينِي ، فَيَلْتَمِسُ مِنْ الْبَيْعِ مَا عِنْدِي ، فَأَمْضِي إلَى السُّوقِ فَأَشْتَرِيهِ ، ثُمَّ أَبِيعُهُ مِنْهُ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا تَبِعْ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ } .","part":8,"page":377},{"id":3877,"text":"( 3087 ) فَصْلٌ : وَلَوْ بَاعَ سِلْعَةً ، وَصَاحِبُهَا حَاضِرٌ سَاكِتٌ ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ مَا لَوْ بَاعَهَا مِنْ غَيْرِ عِلْمِهِ ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، مِنْهُمْ : أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو ثَوْرٍ وَالشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى سُكُوتُهُ إقْرَارٌ ؛ لِأَنَّهُ دَلِيلٌ عَلَى الرِّضَى ، فَأَشْبَهَ سُكُوتَ الْبِكْرِ فِي الْإِذْنِ فِي نِكَاحِهَا .\rوَلَنَا أَنَّ السُّكُوتَ مُحْتَمِلٌ ، فَلَمْ يَكُنْ إذْنًا ، كَسُكُوتِ الثَّيِّبِ ، وَفَارَقَ سُكُوتَ الْبِكْرِ ؛ لِوُجُودِ الْحَيَاءِ الْمَانِعِ مِنْ الْكَلَامِ فِي حَقِّهَا ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِمَوْجُودٍ هَاهُنَا .","part":8,"page":378},{"id":3878,"text":"( 3088 ) فَصْلٌ : وَإِذَا وَكَّلَ رَجُلَيْنِ فِي بَيْعِ سِلْعَتِهِ ، فَبَاعَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السِّلْعَةَ مِنْ رَجُلٍ ، بِثَمَنٍ مُسَمًّى ، فَالْبَيْعُ لِلْأَوَّلِ مِنْهُمَا ، رُوِيَ هَذَا عَنْ شُرَيْحٍ وَابْنِ سِيرِينَ وَالشَّافِعِيِّ وَابْنِ الْمُنْذِرِ وَحُكِيَ عَنْ رَبِيعَةَ وَمَالِكٍ أَنَّهُمَا قَالَا : هِيَ لِلَّذِي بَدَأَ بِالْقَبْضِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ قَدْ رُوِيَ فِي حَدِيثٍ : { إذَا بَاعَ الْمُجِيزَانِ فَهُوَ لِلْأَوَّلِ .\r} رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ ، وَلِأَنَّ الْوَكِيلَ الثَّانِيَ زَالَتْ وَكَالَتُهُ بِانْتِقَالِ مِلْكِ الْمُوَكِّلِ عَنْ السِّلْعَةِ ، فَصَارَ بَائِعًا مِلْكَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ ، فَلَمْ يَصِحَّ ، كَمَا لَوْ قَبَضَ الْأَوَّلُ ، أَوْ كَمَا لَوْ زَوَّجَ أَحَدُ الْوَلِيَّيْنِ بَعْدَ الْأَوَّلِ .","part":8,"page":379},{"id":3879,"text":"( 3089 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : وَبَيْعُ الْمُلَامَسَةِ وَالْمُنَابَذَةِ غَيْرُ جَائِزٍ .\rلَا نَعْلَمُ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ خِلَافًا فِي فَسَادِ هَذَيْنِ الْبَيْعَيْنِ ، وَقَدْ صَحَّ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ الْمُلَامَسَةِ وَالْمُنَابَذَةِ .\r} ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَالْمُلَامَسَةُ ، أَنْ يَبِيعَهُ شَيْئًا ، وَلَا يُشَاهِدُهُ ، عَلَى أَنَّهُ مَتَى لَمَسَهُ وَقَعَ الْبَيْعُ .\rوَالْمُنَابَذَةُ ، أَنْ يَقُولَ : أَيُّ ثَوْبٍ نَبَذْتَهُ إلَيَّ فَقَدْ اشْتَرَيْتُهُ بِكَذَا .\rهَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ وَنَحْوُهُ قَالَ مَالِكٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَفِيمَا رَوَى الْبُخَارِيُّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { نَهَى عَنْ الْمُنَابَذَةِ ، } وَهِيَ طَرْحُ الرَّجُلِ ثَوْبَهُ بِالْبَيْعِ إلَى الرَّجُلِ ، قَبْلَ أَنْ يُقَلِّبَهُ أَوْ يَنْظُرَ إلَيْهِ ، وَنَهَى عَنْ الْمُلَامَسَةِ ، لَمْسِ الثَّوْبِ لَا يَنْظُرُ إلَيْهِ .\rوَرَوَى مُسْلِمٌ ، فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي تَفْسِيرِهَا قَالَ : هُوَ لَمْسُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ثَوْبَ صَاحِبِهِ بِغَيْرِ تَأَمُّلٍ .\rوَالْمُنَابَذَةُ ، أَنْ يَنْبِذَ كُلُّ وَاحِدٍ ثَوْبَهُ ، وَلَمْ يَنْظُرْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إلَى ثَوْبِ صَاحِبِهِ .\rوَعَلَى مَا فَسَّرْنَاهُ بِهِ لَا يَصِحُّ الْبَيْعُ فِيهِمَا ؛ لِعِلَّتَيْنِ ؛ إحْدَاهُمَا ، الْجَهَالَةُ .\rوَالثَّانِيَةُ ، كَوْنُهُ مُعَلَّقًا عَلَى شَرْطٍ ، وَهُوَ نَبْذُ الثَّوْبِ إلَيْهِ ، أَوْ لَمْسُهُ لَهُ .\rوَإِنْ عَقَدَ الْبَيْعَ قَبْلَ نَبْذِهِ ، فَقَالَ : بِعْتُكَ مَا تَلْمِسُهُ مِنْ هَذِهِ الثِّيَابِ .\rأَوْ مَا أَنْبِذُهُ إلَيْك .\rفَهُوَ غَيْرُ مُعَيَّنٍ وَلَا مَوْصُوفٍ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَالَ : بِعْتُكَ وَاحِدًا مِنْهَا .","part":8,"page":380},{"id":3880,"text":"( 3090 ) فَصْلٌ : وَمِنْ الْبُيُوعِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا ، بَيْعُ الْحَصَاةِ فَإِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رَوَى ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ بَيْعِ الْحَصَاةِ .\r} رَوَاهُ مُسْلِمٌ .\rوَاخْتُلِفَ فِي تَفْسِيرِهِ ، فَقِيلَ : هُوَ أَنْ يَقُولَ : ارْمِ هَذِهِ الْحَصَاةَ ، فَعَلَى أَيِّ ثَوْبٍ وَقَعَتْ فَهُوَ لَك بِدِرْهَمٍ .\rوَقِيلَ : هُوَ أَنْ يَقُولَ : بِعْتُكَ مِنْ هَذِهِ الْأَرْضِ مِقْدَارَ مَا تَبْلُغُ هَذِهِ الْحَصَاةُ ، إذَا رَمَيْتَهَا ، بِكَذَا .\rوَقِيلَ : هُوَ أَنْ يَقُولَ : بِعْتُكَ هَذَا بِكَذَا ، عَلَى أَنِّي مَتَى رَمَيْتُ هَذِهِ الْحَصَاةَ ، وَجَبَ الْبَيْعُ .\rوَكُلُّ هَذِهِ الْبُيُوعِ فَاسِدَةٌ ؛ لِمَا فِيهَا مِنْ الْغَرَرِ وَالْجَهْلِ .\rوَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا .","part":8,"page":381},{"id":3881,"text":"( 3091 ) فَصْلٌ : وَرَوَى أَنَسٌ قَالَ : { نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْمُحَاقَلَةِ ، وَالْمُخَاضَرَةِ وَالْمُلَامَسَةِ ، وَالْمُنَابَذَةِ .\r} أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ .\rوَالْمُخَاضَرَةُ ، بَيْعُ الزَّرْعِ الْأَخْضَرِ ، وَالثَّمَرَةِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا ، بِغَيْرِ شَرْطِ الْقَطْعِ .\rوَالْمُحَاقَلَةُ ، بَيْعُ الزَّرْعِ بِحَبٍّ مِنْ جِنْسِهِ .\rقَالَ جَابِرٌ الْمُحَاقَلَةُ ، أَنْ يَبِيعَ الزَّرْعَ بِمِائَةِ فَرْقٍ حِنْطَةً .\rقَالَ الْأَزْهَرِيُّ الْحَقْلُ ، الْقَرَاحُ الْمَزْرُوعُ ، وَالْحَوَاقِلُ الْمَزَارِعُ .\rوَفَسَّرَ أَبُو سَعِيدٍ الْمُحَاقَلَةَ ، بِاسْتِكْرَاءِ الْأَرْضِ بِالْحِنْطَةِ .","part":8,"page":382},{"id":3882,"text":"( 3092 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : وَكَذَا بَيْعُ الْحَمْلِ غَيْرَ أُمِّهِ ، وَاللَّبَنِ فِي الضَّرْعِ .\rمَعْنَاهُ ، بَيْعُ الْحَمْلِ فِي الْبَطْنِ ، دُونَ الْأُمِّ .\rوَلَا خِلَافَ فِي فَسَادِهِ .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ بَيْعَ الْمَلَاقِيحِ وَالْمَضَامِينِ غَيْرُ جَائِزٍ ، وَإِنَّمَا لَمْ يَجُزْ بَيْعُ الْحَمْلِ فِي الْبَطْنِ ؛ لِوَجْهَيْنِ ؛ أَحَدِهِمَا ، جَهَالَتُهُ ، فَإِنَّهُ لَا تُعْلَمُ صِفَتُهُ وَلَا حَيَّاتُهُ .\rوَالثَّانِي ، أَنَّهُ غَيْرُ مَقْدُورٍ عَلَى تَسْلِيمِهِ ، بِخِلَافِ الْغَائِبِ ، فَإِنَّهُ يَقْدِرُ عَلَى الشُّرُوعِ فِي تَسْلِيمِهِ .\rوَقَدْ رَوَى سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ بَيْعِ الْمَضَامِينِ ، وَالْمَلَاقِيحِ .\r} قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : الْمَلَاقِيحُ ، مَا فِي الْبُطُونِ ، وَهِيَ الْأَجِنَّةُ .\rوَالْمَضَامِينُ ، مَا فِي أَصْلَابِ الْفُحُولِ .\rفَكَانُوا يَبِيعُونَ الْجَنِينَ فِي بَطْنِ النَّاقَةِ ، وَمَا يَضْرِبُهُ الْفَحْلُ فِي عَامِهِ ، أَوْ فِي أَعْوَامٍ .\rوَأَنْشَدَ : إنَّ الْمَضَامِينَ الَّتِي فِي الصُّلْبِ مَاءُ الْفُحُولِ فِي الظُّهُورِ الْحُدْبِ وَرَوَى ابْنُ عُمَرَ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ بَيْعِ الْمَجْرِ } .\rقَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ : الْمَجْرُ مَا فِي بَطْنِ النَّاقَةِ .\rوَالْمَجْرُ الرِّبَا .\rوَالْمَجْرُ الْقِمَارُ .\rوَالْمَجْرُ الْمُحَاقَلَةُ وَالْمُزَابَنَةُ .","part":8,"page":383},{"id":3883,"text":"( 3093 ) فَصْلٌ : وَقَدْ رَوَى ابْنُ عُمَرَ { عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ نَهَى عَنْ بَيْعِ حَبَلِ الْحَبَلَةِ .\r} مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rمَعْنَاهُ نِتَاجُ النِّتَاجِ .\rقَالَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ ، وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : { كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَتَبَايَعُونَ لَحْمَ الْجَزُورِ إلَى حَبَلِ الْحَبَلَةِ .\rوَحَبَلُ الْحَبَلَةِ أَنْ تُنْتَجَ النَّاقَةُ ، ثُمَّ تَحْمِلُ الَّتِي نُتِجَتْ ، فَنَهَاهُمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ } رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَكِلَا الْبَيْعَيْنِ فَاسِدٌ ؛ أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّهُ بَيْعٌ مَعْدُومٌ ، وَإِذَا لَمْ يَجُزْ بَيْعُ الْحَمْلِ ، فَبَيْعُ حَمْلِهِ أَوْلَى .\rوَأَمَّا الثَّانِي ، فَلِأَنَّهُ بَيْعٌ إلَى أَجَلٍ مَجْهُولٍ .","part":8,"page":384},{"id":3884,"text":"( 3094 ) فَصْلٌ : وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ اللَّبَنِ فِي الضَّرْعِ .\rوَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَإِسْحَاقُ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَنَهَى عَنْهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ .\rوَكَرِهَهُ طَاوُسٌ وَمُجَاهِدٌ وَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يَجُوزُ أَيَّامًا مَعْلُومَةً ، إذَا عَرَفَا حِلَابَهَا ، لِسَقْيِ الصَّبِيِّ ، كَلَبَنِ الظِّئْرِ .\rوَأَجَازَهُ الْحَسَنُ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ وَلَنَا مَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى أَنْ يُبَاعَ صُوفٌ عَلَى ظَهْرٍ ، أَوْ لَبَنٌ فِي ضَرْعٍ } رَوَاهُ الْخَلَّالُ بِإِسْنَادِهِ وَلِأَنَّهُ مَجْهُولُ الصِّفَةِ وَالْمِقْدَارِ ، فَأَشْبَهَ الْحَمْلَ ؛ لِأَنَّهُ بَيْعُ عَيْنٍ لَمْ تُخْلَقْ ، فَلَمْ يَجُزْ ، كَبَيْعِ مَا تَحْمِلُ النَّاقَةُ ، وَالْعَادَةُ فِي ذَلِكَ تَخْتَلِفُ .\rوَأَمَّا لَبَنُ الظِّئْرِ فَإِنَّمَا جَازَ لِلْحَضَانَةِ ؛ لِأَنَّهُ مَوْضِعُ حَاجَةٍ .","part":8,"page":385},{"id":3885,"text":"( 3095 ) فَصْلٌ : وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ فِي بَيْعِ الصُّوفِ عَلَى الظَّهْرِ ؛ فَرُوِيَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْحَدِيثِ وَلِأَنَّهُ مُتَّصِلٌ بِالْحَيَوَانِ ، فَلَمْ يَجُزْ إفْرَادُهُ بِالْعَقْدِ ، كَأَعْضَائِهِ .\rوَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ يَجُوزُ بِشَرْطِ جَزِّهِ فِي الْحَالِ ؛ لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ يُمْكِنُ تَسْلِيمُهُ ، فَجَازَ بَيْعُهُ ، كَالرَّطْبَةِ .\rوَفَارَقَ الْأَعْضَاءَ ، فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُ تَسْلِيمُهَا مَعَ سَلَامَةِ الْحَيَوَانِ .\rوَالْخِلَافُ فِيهِ كَالْخِلَافِ فِي اللَّبَنِ فِي الضَّرْعِ ، فَإِنْ اشْتَرَاهُ بِشَرْطِ الْقَطْعِ ، فَتَرَكَهُ حَتَّى طَالَ ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ الرَّطْبَةِ إذَا اشْتَرَاهَا ، فَتَرَكَهَا حَتَّى طَالَتْ .","part":8,"page":386},{"id":3886,"text":"( 3096 ) فَصْلٌ : وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ مَا تَجْهَلُ صِفَتَهُ كَالْمِسْكِ فِي الْفَأْرِ ، وَهُوَ الْوِعَاءُ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ .\rقَالَ الشَّاعِرُ إذَا التَّاجِرُ الْهِنْدِيُّ جَاءَ بِفَأْرَةٍ مِنْ الْمِسْكِ رَاحَتْ فِي مَفَارِقِهِمْ تَجْرِي فَإِنْ فَتَحَ وَشَاهَدَ مَا فِيهِ ، جَازَ بَيْعُهُ ، وَإِنْ لَمْ يُشَاهِدْهُ ، لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ ؛ لِلْجَهَالَةِ .\rوَقَدْ قَالَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ : يَجُوزُ لِأَنَّ بَقَاءَهُ فِي فَأْرِهِ مَصْلَحَةٌ لَهُ ، فَإِنَّهُ يَحْفَظُ رُطُوبَتَهُ وَذَكَاءَ رَائِحَتِهِ ، فَأَشْبَهَ مَا مَأْكُولُهُ فِي جَوْفِهِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ يَبْقَى خَارِجَ وِعَائِهِ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ وَتَبْقَى رَائِحَتُهُ ، فَلَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ مَسْتُورًا ، كَالدُّرِّ فِي الصَّدَفِ وَأَمَّا مَا مَأْكُولُهُ فِي جَوْفِهِ ، فَإِخْرَاجُهُ يُفْضِي إلَى تَلَفِهِ .\rوَالتَّفْصِيلُ فِي بَيْعِهِ مَعَ وِعَائِهِ ، كَالتَّفْصِيلِ فِي بَيْعِ السَّمْنِ فِي ظَرْفِهِ .\rوَمِنْ ذَلِكَ الْبَيْضُ فِي الدَّجَاجِ ، وَالنَّوَى فِي التَّمْرِ ، لَا يَجُوزُ بَيْعُهُمَا ؛ لِلْجَهْلِ بِهِمَا .\rوَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا نَذْكُرُهُ .","part":8,"page":387},{"id":3887,"text":"( 3097 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا بَيْعُ الْأَعْمَى وَشِرَاؤُهُ فَإِنْ أَمْكَنَهُ مَعْرِفَةُ الْمَبِيعِ ، بِالذَّوْقِ إنْ كَانَ مَطْعُومًا ، أَوْ بِالشَّمِّ إنْ كَانَ مَشْمُومًا ، صَحَّ بَيْعُهُ وَشِرَاؤُهُ .\rوَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ ، جَازَ بَيْعُهُ ، كَالْبَصِيرِ ، وَلَهُ خِيَارُ الْخَلْفِ فِي الصِّفَةِ .\rوَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَثْبَتَ أَبُو حَنِيفَةَ لَهُ الْخِيَارَ ، إلَى مَعْرِفَتِهِ بِالْمَبِيعِ ، إمَّا بِحِسِّهِ أَوْ ذَوْقِهِ أَوْ وَصْفِهِ ، وَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ شِرَاؤُهُ جَائِزٌ ، وَإِذَا أَمَرَ إنْسَانًا بِالنَّظَرِ إلَيْهِ ، لَزِمَهُ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يَجُوزُ إلَّا عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يَجُوزُ فِيهِ بَيْعُ الْمَجْهُولِ ، أَوْ يَكُونُ قَدْ رَآهُ بَصِيرًا ، ثُمَّ اشْتَرَاهُ قَبْلَ مُضِيِّ زَمَنٍ يَتَغَيَّرُ الْمَبِيعُ فِيهِ ؛ لِأَنَّهُ مَجْهُولُ الصِّفَةِ عِنْدَ الْعَاقِدِ ، فَلَمْ يَصِحَّ كَبَيْعِ الْبَيْضِ فِي الدَّجَاجِ ، وَالنَّوَى فِي التَّمْرِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ يُمْكِنُ الِاطِّلَاعُ عَلَى الْمَقْصُودِ وَمَعْرِفَتُهُ ، فَأَشْبَهَ بَيْعَ الْبَصِيرِ ، وَلِأَنَّ إشَارَةَ الْأَخْرَسِ تَقُومُ مَقَامَ نُطْقِهِ ، فَكَذَلِكَ شَمُّ الْأَعْمَى وَذَوْقُهُ ، وَأَمَّا الْبَيْضُ وَالنَّوَى ، فَلَا يُمْكِنُ الِاطِّلَاعُ عَلَيْهِ ، وَلَا وَصْفُهُ ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا .","part":8,"page":388},{"id":3888,"text":"( 3098 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ ( وَبَيْعُ عَسْبِ الْفَحْلِ غَيْرُ جَائِزٍ ) .\rعَسْبُ الْفَحْلِ ضِرَابُهُ .\rوَبَيْعُهُ أَخْذُ عِوَضُهُ وَتُسَمَّى الْأُجْرَةُ عَسْبُ الْفَحْلِ مَجَازًا .\rوَإِجَارَةُ الْفَحْلِ لِلضِّرَابِ حَرَامٌ ، وَالْعَقْدُ فَاسِدٌ .\rوَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ جَوَازُهُ قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ وَيَحْتَمِلُ عِنْدِي الْجَوَازَ ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ عَلَى مَنَافِعِ الْفَحْلِ وَنَزْوِهِ ، وَهَذِهِ مَنْفَعَةٌ مَقْصُودَةٌ ، وَالْمَاءُ تَابِعُ ، وَالْغَالِبُ حُصُولُهُ عَقِيبَ نَزْوِهِ ، فَيَكُونُ كَالْعَقْدِ عَلَى الظِّئْرِ ؛ لِيَحْصُلَ اللَّبَنُ فِي بَطْنِ الصَّبِيِّ .\rوَلَنَا مَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ بَيْعِ عَسْبِ الْفَحْلِ } رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ { نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعِ ضِرَابِ الْجَمَلِ } رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَلِأَنَّهُ مِمَّا لَا يَقْدِرُ عَلَى تَسْلِيمِهِ ، فَأَشْبَهَ إجَارَةَ الْآبِقِ .\rوَلِأَنَّ ذَلِكَ مُتَعَلِّقٌ بِاخْتِيَارِ الْفَحْلِ وَشَهْوَتِهِ .\rوَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ هُوَ الْمَاءُ ، وَهُوَ مِمَّا لَا يَجُوزُ إفْرَادُهُ بِالْعَقْدِ ، وَهُوَ مَجْهُولٌ .\rوَإِجَارَةُ الظِّئْرِ خُولِفَ فِيهِ الْأَصْلُ لِمَصْلَحَةِ بَقَاءِ الْآدَمِيِّ ، فَلَا يُقَاسَ عَلَيْهِ مَا لَيْسَ مِثْلَهُ .\rفَعَلَى هَذَا إذَا أَعْطَى أُجْرَةً لِعَسْبِ الْفَحْلِ ، فَهُوَ حَرَامٌ عَلَى الْآخِذِ لِمَا ذَكَرْنَاهُ .\rوَلَا يَحْرُمُ عَلَى الْمُعْطِي لِأَنَّهُ بَذَلَ مَالَهُ لِتَحْصِيلِ مُبَاحٍ يَحْتَاجُ إلَيْهِ ، وَلَا تَمْتَنِعُ هَذَا كَمَا فِي كَسْبِ الْحَجَّامِ ، فَإِنَّهُ خَبِيثٌ ، وَقَدْ أَعْطَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي حَجَمَهُ .\rوَكَذَلِكَ أُجْرَةُ الْكَسْحِ وَالصَّحَابَةُ أَبَاحُوا شِرَاءَ الْمَصَاحِفِ ، وَكَرِهُوا بَيْعَهَا .\rوَإِنْ أَعْطَى صَاحِبَ الْفَحْلِ هَدِيَّةً ، أَوْ أَكْرَمَهُ مِنْ غَيْرِ إجَارَةٍ ، جَازَ .\rوَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ ؛ لِمَا رَوَى أَنَسٌ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ { إذَا كَانَ إكْرَامًا فَلَا بَأْسَ } وَلِأَنَّهُ سَبَبٌ","part":8,"page":389},{"id":3889,"text":"مُبَاحٌ ، فَجَازَ أَخْذُ الْهَدِيَّةِ عَلَيْهِ ، كَالْحِجَامَةِ .\rوَقَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ لَا يَأْخُذُ .\rفَقِيلَ لَهُ : أَلَا يَكُونُ مِثْلَ الْحَجَّامِ يُعْطَى ، وَإِنْ كَانَ مَنْهِيًّا عَنْهُ ؟ فَقَالَ : لَمْ يَبْلُغْنَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْطَى فِي مِثْلِ هَذَا شَيْئًا كَمَا بَلَغَنَا فِي الْحَجَّامِ .\rوَوَجْهُهُ أَنَّ مَا مَنَعَ أَخْذَ الْأُجْرَةِ عَلَيْهِ مَنَعَ قَبُولَ الْهَدِيَّةِ ، كَمَهْرِ الْبَغِيِّ ، وَحُلْوَانِ الْكَاهِنِ .\rقَالَ الْقَاضِي : هَذَا مُقْتَضَى النَّظَرِ ، لَكِنْ تُرِكَ مُقْتَضَاهُ فِي الْحَجَّامِ ، فَيَبْقَى فِيمَا عَدَاهُ عَلَى مُقْتَضَى الْقِيَاسِ .\rوَاَلَّذِي ذَكَرْنَاهُ أَرْفَقُ بِالنَّاسِ ، وَأَوْفَقُ لِلْقِيَاسِ ، وَكَلَامُ أَحْمَدَ يُحْمَلُ عَلَى الْوَرَعِ ، لَا عَلَى التَّحْرِيمِ .","part":8,"page":390},{"id":3890,"text":"( 3099 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ ( وَالنَّجْشُ مَنْهِيُّ عَنْهُ وَهُوَ أَنْ يَزِيدَ فِي السِّلْعَةِ ، وَلَيْسَ هُوَ مُشْتَرِيًا لَهَا ) النَّجْشُ : أَنْ يَزِيدَ فِي السِّلْعَةِ مَنْ لَا يُرِيدُ شِرَاءَهَا ، لِيَقْتَدِيَ بِهِ الْمُسْتَامُ ، فَيَظُنَّ أَنَّهُ لَمْ يَزِدْ فِيهَا هَذَا الْقَدْرَ إلَّا وَهِيَ تُسَاوِيهِ ، فَيَغْتَرَّ بِذَلِكَ ، فَهَذَا حَرَامٌ وَخِدَاعٌ قَالَ الْبُخَارِيُّ النَّاجِشُ آكِلُ رِبًا خَائِنٌ ، وَهُوَ خِدَاعٌ بَاطِلٌ لَا يَحِلُّ .\rوَرَوَى ابْنُ عُمَرَ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ النَّجْشِ } وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { لَا تَلَقَّوْا الرُّكْبَانَ ، وَلَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ ، وَلَا تَنَاجَشُوا ، وَلَا يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا وَلِأَنَّ فِي ذَلِكَ تَغْرِيرًا بِالْمُشْتَرِي ، وَخَدِيعَةً لَهُ ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { الْخَدِيعَةُ فِي النَّارِ } فَإِنْ اشْتَرَى مَعَ النَّجْشِ ، فَالشِّرَاءُ صَحِيحٌ ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، مِنْهُمْ الشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ وَعَنْ أَحْمَدَ أَنَّ الْبَيْعَ بَاطِلٌ .\rاخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ يَقْتَضِي الْفَسَادَ .\rوَلَنَا ، أَنَّ النَّهْيَ عَادَ إلَى النَّاجِشِ ، لَا إلَى الْعَاقِدِ ، فَلَمْ يُؤَثِّرْ فِي الْبَيْعِ .\rوَلِأَنَّ النَّهْيَ لِحَقِّ الْآدَمِيِّ ، فَلَمْ يَفْسُدْ الْعَقْدُ ، كَتَلَقِّي الرُّكْبَانِ ، وَبَيْعِ الْمَعِيبِ ، وَالْمُدَلِّسِ ، وَفَارَقَ مَا كَانَ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْآدَمِيِّ يُمْكِنُ جَبْرُهُ بِالْخِيَارِ ، أَوْ زِيَادَةٍ فِي الثَّمَنِ ، لَكِنْ إنْ كَانَ فِي الْبَيْعِ غَبْنٌ لَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِمِثْلِهِ فَلِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ بَيْنَ الْفَسْخِ وَالْإِمْضَاءِ ، كَمَا فِي تَلَقِّي الرُّكْبَانِ ، وَإِنْ كَانَ يُتَغَابَنُ بِمِثْلِهِ ، فَلَا خِيَارَ لَهُ .\rوَسَوَاءٌ كَانَ النَّجْشُ بِمُوَاطَأَةٍ مِنْ الْبَائِعِ ، أَوْ لَمْ يَكُنْ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ : إنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بِمُوَاطَأَةِ الْبَائِعِ وَعِلْمِهِ ، فَلَا","part":8,"page":391},{"id":3891,"text":"خِيَارَ لَهُ .\rوَاخْتَلَفُوا فِيمَا إذَا كَانَ بِمُوَاطَأَةِ مِنْهُ .\rفَقَالَ بَعْضُهُمْ : لَا خِيَارَ لِلْمُشْتَرِي ؛ لِأَنَّ التَّفْرِيطَ مِنْهُ ، حَيْثُ اشْتَرَى مَا لَا يَعْرِفُ قِيمَتَهُ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ تَغْرِيرٌ بِالْعَاقِدِ ، فَإِذَا كَانَ مَغْبُونًا ثَبَتَ لَهُ الْخِيَارُ ، كَمَا فِي تَلَقِّي الرُّكْبَانِ ، وَيَبْطُلُ مَا ذَكَرَهُ بِتَلَقِّي الرُّكْبَانِ .","part":8,"page":392},{"id":3892,"text":"( 3100 ) فَصْلٌ وَلَوْ قَالَ الْبَائِعُ أُعْطِيتُ بِهَذِهِ السِّلْعَةِ كَذَا وَكَذَا .\rفَصَدَّقَهُ الْمُشْتَرِي وَاشْتَرَاهَا بِذَلِكَ ، ثُمَّ بَانَ كَاذِبًا فَالْبَيْعُ صَحِيحٌ ، وَلِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ أَيْضًا ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى النَّجْشِ .","part":8,"page":393},{"id":3893,"text":"( 3101 ) فَصْلٌ وَقَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ { لَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ .\r} مَعْنَاهُ أَنَّ الرَّجُلَيْنِ إذَا تَبَايَعَا ، فَجَاءَ آخَرُ إلَى الْمُشْتَرِي فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ فَقَالَ : أَنَا أَبِيعُك مِثْلَ هَذِهِ السِّلْعَةِ بِدُونِ هَذَا الثَّمَنِ ، أَوْ أَبِيعُك خَيْرًا مِنْهَا بِثَمَنِهَا ، أَوْ دُونَهُ أَوْ عَرَضَ عَلَيْهِ سِلْعَةً رَغِبَ فِيهَا الْمُشْتَرِي ، فَفَسَخَ الْبَيْعَ ، وَاشْتَرَى هَذِهِ ، فَهَذَا غَيْرُ جَائِزٍ ؛ لِنَهْيِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْهُ ، وَلِمَا فِيهِ مِنْ الْإِضْرَارِ بِالْمُسْلِمِ ، وَالْإِفْسَادِ عَلَيْهِ .\rوَكَذَلِكَ إنْ اشْتَرَى عَلَى شِرَاءِ أَخِيهِ ، وَهُوَ أَنْ يَجِيءَ إلَى الْبَائِعِ قَبْلَ لُزُومِ الْعَقْدِ ، فَيَدْفَعَ فِي الْمَبِيعِ أَكْثَرَ مِنْ الثَّمَنِ الَّذِي اُشْتُرِيَ بِهِ ، فَهُوَ مُحَرَّمٌ أَيْضًا ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْمَنْهِيِّ عَنْهُ ، وَلِأَنَّ الشِّرَاءَ يُسَمَّى بَيْعًا ، فَيَدْخُلُ فِي النَّهْيِ ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى أَنْ يَخْطُبَ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ .\rوَهُوَ فِي مَعْنَى الْخَاطِبِ .\rفَإِنْ خَالَفَ وَعَقَدَ ، فَالْبَيْعُ بَاطِلٌ ؛ لِأَنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ ، وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي الْفَسَادَ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ صَحِيحٌ ؛ لِأَنَّ الْمُحَرَّمَ هُوَ عَرْضُ سِلْعَتِهِ عَلَى الْمُشْتَرِي ، أَوْ قَوْلُهُ الَّذِي فَسَخَ الْبَيْعَ مِنْ أَجْلِهِ ، وَذَلِكَ سَابِقٌ عَلَى الْبَيْعِ ، وَلِأَنَّهُ إذَا صَحَّ الْفَسْخُ الَّذِي حَصَلَ بِهِ الضَّرَرُ ، فَالْبَيْعُ الْمُحَصِّلُ لِلْمَصْلَحَةِ أَوْلَى ، وَلِأَنَّ النَّهْيَ لِحَقِّ آدَمِيٍّ ، فَأَشْبَهَ بَيْعَ النَّجْشِ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .","part":8,"page":394},{"id":3894,"text":"( 3102 ) فَصْلٌ وَرَوَى مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { لَا يَسُمْ الرَّجُلُ عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ } وَلَا يَخْلُو مِنْ أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ : أَحَدِهَا ، أَنْ يُوجَدَ مِنْ الْبَائِعِ تَصْرِيحٌ بِالرِّضَا بِالْبَيْعِ ، فَهَذَا يُحَرِّمُ السَّوْمَ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ الْمُشْتَرِي ، وَهُوَ الَّذِي تَنَاوَلَهُ النَّهْيُ .\rالثَّانِي ، أَنْ يَظْهَرَ مِنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الرِّضَا فَلَا يَحْرُمُ السَّوْمُ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَاعَ فِي مَنْ يَزِيدُ فَرَوَى أَنَسٌ : { أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ شَكَا إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الشِّدَّةَ وَالْجَهْدَ ، فَقَالَ لَهُ : أَمَا بَقِيَ لَك شَيْءٌ ؟ فَقَالَ بَلَى ، قَدَحٌ وَحِلْسٌ ، قَالَ : فَأْتِنِي بِهِمَا فَأَتَاهُ بِهِمَا ، فَقَالَ مَنْ يَبْتَاعُهُمَا ؟ فَقَالَ رَجُلٌ : أَخَذْتُهُمَا بِدِرْهَمٍ .\rفَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ يَزِيدُ عَلَى دِرْهَمٍ ؟ مَنْ يَزِيدُ عَلَى دِرْهَمٍ ؟ فَأَعْطَاهُ رَجُلٌ دِرْهَمَيْنِ ، فَبَاعَهُمَا مِنْهُ .\r} .\rرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ : حَدِيثٌ حَسَنٌ .\rوَهَذَا أَيْضًا إجْمَاعُ الْمُسْلِمِينَ ، يَبِيعُونَ فِي أَسْوَاقِهِمْ بِالْمُزَايَدَةِ .\rالثَّالِثُ ، أَنْ لَا يُوجَدَ مِنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى الرِّضَا وَلَا عَلَى عَدَمِهِ ، فَلَا يَجُوزُ لَهُ السَّوْمُ أَيْضًا ، وَلَا الزِّيَادَةُ ؛ اسْتِدْلَالًا بِحَدِيثِ { فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ ، حِينَ ذَكَرَتْ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ مُعَاوِيَةَ وَأَبَا جَهْمٍ خَطَبَاهَا ، فَأَمَرَهَا أَنْ تَنْكِحَ أُسَامَةَ وَقَدْ نَهَى عَنْ الْخِطْبَةِ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ ، كَمَا نَهَى عَنْ السَّوْمِ عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ ، } فَمَا أُبِيحَ فِي أَحَدِهِمَا أُبِيحَ فِي الْآخَرِ .\rالرَّابِعُ ، أَنْ يَظْهَرَ مِنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى الرِّضَا مِنْ غَيْرِ تَصْرِيحٍ ، فَقَالَ الْقَاضِي : لَا تَحْرُمُ الْمُسَاوَمَةُ .\rوَذَكَرَ أَنَّ أَحْمَدَ نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْخِطْبَةِ ، اسْتِدْلَالًا بِحَدِيثِ فَاطِمَةَ .\rوَلِأَنَّ الْأَصْلَ إبَاحَةُ السَّوْمِ وَالْخِطْبَةِ ، فَحَرُمَ مَنْعُ مَا","part":8,"page":395},{"id":3895,"text":"وُجِدَ فِيهِ التَّصْرِيحُ بِالرِّضَا ، وَمَا عَدَاهُ يَبْقَى عَلَى الْأَصْلِ .\rوَلَوْ قِيلَ بِالتَّحْرِيمِ هَاهُنَا ، لَكَانَ وَجْهًا حَسَنًا ، فَإِنَّ النَّهْيَ عَامٌ خَرَجَتْ مِنْهُ الصُّوَرُ الْمَخْصُوصَةُ بِأَدِلَّتِهَا ، فَتَبْقَى هَذِهِ الصُّورَةُ عَلَى مُقْتَضَى الْعُمُومِ .\rوَلِأَنَّهُ وُجِدَ مِنْهُ دَلِيلُ الرِّضَا ، أَشْبَهَ مَا لَوْ صَرَّحَ بِهِ ، وَلَا يَضُرُّ اخْتِلَافُ الدَّلِيلِ بَعْدَ التَّسَاوِي فِي الدَّلَالَةِ ، وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ فَاطِمَةَ مَا يَدُلُّ عَلَى الرِّضَا ؛ لِأَنَّهَا جَاءَتْ مُسْتَشِيرَةً لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَيْسَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى الرِّضَا ، فَكَيْفَ تَرْضَى وَقَدْ نَهَاهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلِهِ : { لَا تُفَوِّتِينَا بِنَفْسِك .\r} فَلَمْ تَكُنْ تَفْعَلُ شَيْئًا قَبْلَ مُرَاجَعَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْحُكْمُ فِي الْفَسَادِ كَالْحُكْمِ فِي الْبَيْعِ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ ، فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي حَكَمْنَا بِالتَّحْرِيمِ فِيهِ .\r.","part":8,"page":396},{"id":3896,"text":"( 3103 ) فَصْلٌ بَيْعُ التَّلْجِئَةِ بَاطِلٌ .\rوَبِهِ قَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ : هُوَ صَحِيحٌ ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ تَمَّ بِأَرْكَانِهِ وَشُرُوطِهِ ، خَالِيًا عَنْ مُقَارَنَةِ مُفْسِدٍ ، فَصَحَّ ، كَمَا لَوْ اتَّفَقَا عَلَى شَرْطٍ فَاسِدٍ ، ثُمَّ عَقَدَا الْبَيْعَ بِغَيْرِ شَرْطٍ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُمَا مَا قَصَدَا الْبَيْعَ ، فَلَمْ يَصِحَّ مِنْهُمَا كَالْهَازِلَيْنِ ، وَمَعْنَى بَيْعِ التَّلْجِئَةِ ، أَنْ يَخَافَ أَنْ يَأْخُذَ السُّلْطَانُ أَوْ غَيْرُهُ مِلْكَهُ فَيُوَاطِئَ رَجُلًا عَلَى أَنْ يُظْهِرَا أَنَّهُ اشْتَرَاهُ مِنْهُ ، لِيَحْتَمِيَ بِذَلِكَ ، وَلَا يُرِيدَانِ بَيْعًا حَقِيقِيًّا .","part":8,"page":397},{"id":3897,"text":"( 3104 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( فَإِنْ بَاعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ ، فَالْبَيْعُ بَاطِلٌ ) وَهُوَ أَنْ يَخْرُجَ الْحَضَرِيُّ إلَى الْبَادِي ، وَقَدْ جَلَبَ السِّلْعَةَ ، فَيُعَرِّفَهُ السِّعْرَ ، وَيَقُولَ : أَنَا أَبِيعُ لَك .\rفَنَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ ، فَقَالَ : { دَعُوا النَّاسَ يَرْزُقْ اللَّهُ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ } وَالْبَادِي هَاهُنَا ، مَنْ يَدْخُلُ الْبَلْدَةَ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهَا ، سَوَاءٌ كَانَ بَدَوِيًّا ، أَوْ مِنْ قَرْيَةٍ ، أَوْ بَلْدَةٍ أُخْرَى نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْحَاضِرَ أَنْ يَبِيعَ لَهُ ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ { نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ تُتَلَقَّى الرُّكْبَانُ ، وَأَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ ، قَالَ فَقُلْت لِابْنِ عَبَّاسٍ مَا قَوْلُهُ حَاضِرٌ لِبَادٍ ؟ قَالَ : لَا يَكُونُ لَهُ سِمْسَارًا } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ، وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَا يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ ، دَعُوا النَّاسَ يَرْزُقْ اللَّهُ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ } رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَابْنُ عُمَرَ وَأَبُو هُرَيْرَةَ ، وَأَنَسٌ وَالْمَعْنَى فِي ذَلِكَ ، أَنَّهُ مَتَى تُرِكَ الْبَدَوِيُّ يَبِيعُ سِلْعَتَهُ ، اشْتَرَاهَا النَّاسُ بِرُخْصٍ ، وَيُوَسِّعُ عَلَيْهِمْ السِّعْرَ ، فَإِذَا تَوَلَّى الْحَاضِرُ بَيْعَهَا ، وَامْتَنَعَ مِنْ بَيْعِهَا ، إلَّا بِسِعْرِ الْبَلَدِ .\rضَاقَ عَلَى أَهْلِ الْبَلَدِ .\rوَقَدْ أَشَارَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي تَعْلِيلِهِ إلَى هَذَا الْمَعْنَى .\rوَمِمَّنْ كَرِهَ بَيْعَ الْحَاضِرِ لِلْبَادِي طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ ، وَابْنُ عُمَرَ وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَأَنَسٌ وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَمَالِكٌ وَاللَّيْثُ وَالشَّافِعِيُّ وَنَقَلَ أَبُو إِسْحَاقَ بْنُ شَاقِلَا فِي جُمْلَةِ سَمَاعَاتِهِ ، أَنَّ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ الْمِصْرِيَّ سَأَلَ أَحْمَدَ عَنْ بَيْعِ حَاضِرٍ لِبَادٍ ، فَقَالَ : لَا بَأْسَ بِهِ .\rفَقَالَ لَهُ : فَالْخَبَرُ الَّذِي جَاءَ بِالنَّهْيِ .\rقَالَ : كَانَ ذَلِكَ مَرَّةً .\rفَظَاهِرُ هَذَا صِحَّةُ الْبَيْعِ ، وَأَنَّ النَّهْيَ اخْتَصَّ بِأَوَّلِ الْإِسْلَامِ ؛","part":8,"page":398},{"id":3898,"text":"لِمَا كَانَ عَلَيْهِمْ مِنْ الضِّيقِ فِي ذَلِكَ .\rوَهَذَا قَوْلُ مُجَاهِدٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابِهِ .\rوَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ لِعُمُومِ النَّهْيِ ، وَمَا يَثْبُتُ فِي حَقِّهِمْ يَثْبُتُ فِي حَقِّنَا ، مَا لَمْ يَقُمْ عَلَى اخْتِصَاصِهِمْ بِهِ دَلِيلٌ .\rوَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ أَنَّهُ يَحْرُمُ بِثَلَاثَةِ شُرُوطٍ ؛ أَحَدِهَا ، أَنْ يَكُونَ الْحَاضِرُ قَصَدَ الْبَادِيَ ؛ لِيَتَوَلَّى الْبَيْعَ لَهُ .\rوَالثَّانِي ، أَنْ يَكُونَ الْبَادِي جَاهِلًا بِالسِّعْرِ ؛ لِقَوْلِهِ : \" فَيُعَرِّفَهُ السِّعْرَ \" ، وَلَا يَكُونُ التَّعْرِيفُ ، إلَّا لِجَاهِلٍ ، وَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ ، فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ : إذَا كَانَ الْبَادِي عَارِفًا بِالسِّعْرِ ، لَمْ يَحْرُمْ .\rوَالثَّالِثُ ، أَنْ يَكُونَ قَدْ جَلَبَ السِّلَعَ لِلْبَيْعِ ؛ لِقَوْلِهِ : \" وَقَدْ جَلَبَ السِّلَعَ \" .\rوَالْجَالِبُ هُوَ الَّذِي يَأْتِي بِالسِّلَعِ لِيَبِيعَهَا .\rوَذَكَرَ الْقَاضِي شَرْطَيْنِ آخَرَيْنِ ؛ أَحَدَهُمَا ، أَنْ يَكُونَ مُرِيدًا لِبَيْعِهَا بِسِعْرِ يَوْمِهَا .\rوَالثَّانِي ، أَنْ يَكُونَ بِالنَّاسِ حَاجَةٌ إلَى مَتَاعِهِ ، وَضِيقٌ فِي تَأْخِيرِ بَيْعِهِ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ إنَّمَا يَحْرُمُ بِشُرُوطٍ أَرْبَعَةٍ ؛ وَهِيَ مَا ذَكَرْنَا إلَّا حَاجَةَ النَّاسِ إلَى مَتَاعِهِ ، فَمَتَى اخْتَلَّ مِنْهَا شَرْطٌ ، لَمْ يَحْرُمْ الْبَيْعُ ، وَإِنْ اجْتَمَعَتْ هَذِهِ الشُّرُوطُ ، فَالْبَيْعُ حَرَامٌ ، وَقَدْ صَرَّحَ الْخِرَقِيِّ بِبُطْلَانِهِ .\rوَنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ إسْمَاعِيلَ بْنِ سَعِيدٍ قَالَ : سَأَلْت أَحْمَدَ عَنْ الرَّجُلِ الْحَضَرِيِّ يَبِيعُ لِلْبَدَوِيِّ ؟ فَقَالَ : أَكْرَهُ ذَلِكَ ، وَأَرُدُّ الْبَيْعَ فِي ذَلِكَ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى ، أَنَّ الْبَيْعَ صَحِيحٌ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِكَوْنِ النَّهْيِ لِمَعْنَى فِي غَيْرِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ .\rوَلَنَا أَنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ ، وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي فَسَادَ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ .","part":8,"page":399},{"id":3899,"text":"( 3105 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا الشِّرَاءُ لَهُمْ ، فَيَصِحُّ عِنْدَ أَحْمَدَ ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ .\rوَكَرِهَتْ طَائِفَةٌ الشِّرَاءَ لَهُمْ ، كَمَا كَرِهَتْ الْبَيْعَ .\rيُرْوَى عَنْ أَنَسٍ قَالَ ، كَانَ يُقَالُ : هِيَ كَلِمَةٌ جَامِعَةٌ ، يَقُولُ : لَا تَبِيعَنَّ لَهُ شَيْئًا ، وَلَا تَبْتَاعَنَّ لَهُ شَيْئًا .\rوَعَنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ رِوَايَتَانِ ؛ وَوَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ ، أَنَّ النَّهْي غَيْرُ مُتَنَاوِلٍ لِلشِّرَاءِ بِلَفْظِهِ ، وَلَا هُوَ فِي مَعْنَاهُ ، فَإِنَّ النَّهْيَ عَنْ الْبَيْعِ لِلرِّفْقِ بِأَهْلِ الْحَضَرِ ، لِيَتَّسِعَ عَلَيْهِمْ السِّعْرُ ، وَيَزُولَ عَنْهُمْ الضَّرَرُ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي الشِّرَاءِ لَهُمْ ، إذْ لَا يَتَضَرَّرُونَ ، لِعَدَمِ الْغَبْنِ لِلْبَادِينَ ، بَلْ هُوَ دَفْعُ الضَّرَرِ عَنْهُمْ ، وَالْخَلْقُ فِي نَظَرِ الشَّارِعِ عَلَى السَّوَاءِ ، فَكَمَا شَرَعَ مَا يَدْفَعُ الضَّرَرَ عَنْ أَهْلِ الْحَضَرِ ، لَا يَلْزَمُ أَنْ يَلْزَمَ أَهْلَ الْبَدْوِ الضَّرَرُ .\rوَأَمَّا إنْ أَشَارَ الْحَاضِرُ عَلَى الْبَادِي مِنْ غَيْرِ أَنْ يُبَاشِرَ الْبَيْعَ لَهُ ، فَقَدْ رَخَّصَ فِيهِ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَابْنُ الْمُنْذِرِ ، وَكَرِهَهُ مَالِكٌ وَاللَّيْثُ وَقَوْلُ الصَّحَابِيِّ حُجَّةٌ ، مَا لَمْ يَثْبُتْ خِلَافُهُ .","part":8,"page":400},{"id":3900,"text":"( 3106 ) فَصْلٌ : قَالَ ابْنُ حَامِدٍ لَيْسَ لِلْإِمَامِ أَنْ يُسَعِّرَ عَلَى النَّاسِ ، بَلْ يَبِيعُ النَّاسُ ، أَمْوَالَهُمْ عَلَى مَا يَخْتَارُونَ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rوَكَانَ مَالِكٌ يَقُولُ : يُقَالُ لِمَنْ يُرِيدُ أَنْ يَبِيعَ أَقَلَّ مِمَّا يَبِيعُ النَّاسُ بِهِ : بِعْ كَمَا يَبِيعُ النَّاسُ ، وَإِلَّا فَاخْرُجْ عَنَّا وَاحْتَجَّ لَهُ بِمَا رَوَى الشَّافِعِيُّ ، وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ ، عَنْ دَاوُد بْنِ صَالِحٍ التَّمَّارِ ، عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ عُمَرَ ، أَنَّهُ مَرَّ بِحَاطِبٍ فِي سُوقِ الْمُصَلَّى ، وَبَيْنَ يَدَيْهِ غِرَارَتَانِ فِيهِمَا زَبِيبٌ ، فَسَأَلَهُ عَنْ سِعْرِهِمَا ، فَسَعَّرَ لَهُ مَدَّيْنِ بِكُلِّ دِرْهَمٍ ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ : قَدْ حُدِّثْت بِعِيرٍ مُقْبِلَةٍ مِنْ الطَّائِفِ تَحْمِلُ زَبِيبًا ، وَهُمْ يَعْتَبِرُونَ بِسِعْرِكِ ، فَإِمَّا أَنْ تَرْفَعَ فِي السِّعْرِ ، وَإِمَّا أَنْ تُدْخِلَ زَبِيبَك فَتَبِيعَهُ كَيْفَ شِئْت وَلِأَنَّ فِي ذَلِكَ إضْرَارًا بِالنَّاسِ إذَا زَادَ تَبِعَهُ أَصْحَابُ الْمَتَاعِ ، وَإِذَا نَقَصَ أَضَرَّ بِأَصْحَابِ الْمَتَاعِ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى أَبُو دَاوُد ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، عَنْ أَنَسٌ قَالَ : { غَلَا السِّعْرُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، غَلَا السِّعْرُ فَسَعِّرْ لَنَا .\rفَقَالَ : إنَّ اللَّهَ هُوَ الْمُسَعِّرُ الْقَابِضُ الْبَاسِطُ الرَّزَّاقُ ، إنِّي لَأَرْجُو أَنْ أَلْقَى اللَّهَ تَعَالَى وَلَيْسَ أَحَدٌ يَطْلُبُنِي بِمَظْلِمَةٍ فِي دَمٍ وَلَا مَالٍ } قَالَ التِّرْمِذِيُّ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ، وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ مِثْلُهُ .\rفَوَجْهُ الدَّلَالَةِ مِنْ وَجْهَيْنِ ؛ أَحَدِهِمَا ، أَنَّهُ لَمْ يُسَعِّرْ ، وَقَدْ سَأَلُوهُ ذَلِكَ ، وَلَوْ جَازَ لَأَجَابَهُمْ إلَيْهِ .\rالثَّانِي ، أَنَّهُ عَلَّلَ بِكَوْنِهِ مَظْلَمَةٌ ، وَالظُّلْمُ حَرَامٌ ، وَلِأَنَّهُ مَالُهُ ، فَلَمْ يَجُزْ مَنْعُهُ مِنْ بَيْعِهِ بِمَا تَرَاضَى عَلَيْهِ الْمُتَبَايِعَانِ ، كَمَا اتَّفَقَ الْجَمَاعَةُ عَلَيْهِ .\rقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا : التَّسْعِيرُ سَبَبُ الْغَلَاءِ ، لِأَنَّ الْجَالِبِينَ إذَا بَلَغَهُمْ","part":8,"page":401},{"id":3901,"text":"ذَلِكَ ، لَمْ يَقْدَمُوا بِسِلَعِهِمْ بَلَدًا يُكْرَهُونَ عَلَى بَيْعِهَا فِيهِ بِغَيْرِ مَا يُرِيدُونَ ، وَمَنْ عِنْدَهُ الْبِضَاعَةُ يَمْتَنِعُ مِنْ بَيْعِهَا ، وَيَكْتُمُهَا ، وَيَطْلُبُهَا أَهْلُ الْحَاجَةِ إلَيْهَا ، فَلَا يَجِدُونَهَا إلَّا قَلِيلًا ، فَيَرْفَعُونَ فِي ثَمَنِهَا لِيَصِلُوا إلَيْهَا ، فَتَغْلُوا الْأَسْعَارُ ، وَيَحْصُلُ الْإِضْرَارُ بِالْجَانِبَيْنِ ، جَانِبِ الْمُلَّاكِ فِي مَنْعِهِمْ مِنْ بَيْعِ أَمْلَاكِهِمْ ، وَجَانِبِ الْمُشْتَرِي فِي مَنْعِهِ مِنْ الْوُصُولِ إلَى غَرَضِهِ ، فَيَكُونُ حَرَامًا .\rفَأَمَّا حَدِيثُ عُمَرَ ، فَقَدْ رَوَى فِيهِ سَعِيدٌ وَالشَّافِعِيُّ ، أَنَّ عُمَرَ لَمَّا رَجَعَ حَاسَبَ نَفْسَهُ ، ثُمَّ أَتَى حَاطِبًا فِي دَارِهِ ، فَقَالَ : إنَّ الَّذِي قُلْت لَك لَيْسَ بِعَزِيمَةٍ مِنِّي وَلَا قَضَاءٍ ، وَإِنَّمَا هُوَ شَيْءٌ أَرَدْت بِهِ الْخَيْرَ لِأَهْلِ الْبَلَدِ ، فَحَيْثُ شِئْت فَبِعْ كَيْفَ شِئْت .\rوَهَذَا رُجُوعٌ إلَى مَا قُلْنَا .\rوَمَا ذَكَرُوهُ مِنْ الضَّرَرِ مَوْجُودٌ فِيمَا إذَا بَاعَ فِي بَيْتِهِ ، وَلَا يُمْنَعُ مِنْهُ .","part":8,"page":402},{"id":3902,"text":"( 3107 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ ( وَنُهِيَ عَنْ تَلَقِّي الرُّكْبَانِ ) فَإِنْ تُلُقُّوا ، وَاشْتُرِيَ مِنْهُمْ ، فَهُمْ بِالْخِيَارِ إذَا دَخَلُوا السُّوقَ ، وَعَرَفُوا أَنَّهُمْ قَدْ غُبِنُوا إنْ أَحَبُّوا أَنْ يَفْسَخُوا الْبَيْعَ فَسَخُوا .\rرُوِيَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَتَلَقَّوْنَ الْأَجْلَابَ ، فَيَشْتَرُونَ مِنْهُمْ الْأَمْتِعَةَ قَبْلَ أَنْ تَهْبِطَ الْأَسْوَاقَ ، فَرُبَّمَا غَبَنُوهُمْ غَبْنًا بَيِّنًا ، فَيَضُرُّونَهُمْ ، وَرُبَّمَا أَضَرُّوا بِأَهْلِ الْبَلَدِ ؛ لِأَنَّ الرُّكْبَانَ إذَا وَصَلُوا بَاعُوا أَمْتِعَتَهُمْ ، وَاَلَّذِينَ يَتَلَقَّوْنَهُمْ لَا يَبِيعُونَهَا سَرِيعًا ، وَيَتَرَبَّصُونَ بِهَا السِّعْرَ ، فَهُوَ فِي مَعْنَى بَيْعِ الْحَاضِرِ لِلْبَادِي ، فَنَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ .\rوَرَوَى طَاوُسٌ عَنْ أَبِيهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَا تَلَقَّوْا الرُّكْبَانَ ، وَلَا يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ } وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مِثْلُهُ ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا ، وَكَرِهَهُ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ ، مِنْهُمْ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَمَالِكٌ وَاللَّيْثُ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالشَّافِعِيُّ وَإِسْحَاقُ .\rوَحُكِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَمْ يَرَ بِذَلِكَ بَأْسًا .\rوَسُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَقُّ أَنْ تُتَّبَعَ .\rفَإِنْ خَالَفَ ، وَتَلَقَّى الرَّكْبَانِ ، وَاشْتَرَى مِنْهُمْ ، فَالْبَيْعُ صَحِيحٌ فِي قَوْلِ الْجَمِيعِ .\rوَقَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ .\rوَحُكِيَ عَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى ، أَنَّ الْبَيْعَ فَاسِدٌ لِظَاهِرِ النَّهْيِ .\rوَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ؛ لِأَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رَوَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { لَا تَلَقَّوْا الْجَلَبَ ، فَمَنْ تَلَقَّاهُ ، وَاشْتَرَى مِنْهُ ، فَإِذَا أَتَى السُّوقَ فَهُوَ بِالْخِيَارِ } ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ ، وَالْخِيَارُ لَا يَكُونُ إلَّا فِي عَقْدٍ صَحِيحٍ ، وَلِأَنَّ النَّهْيَ لَا لِمَعْنَى فِي الْبَيْعِ ، بَلْ يَعُودُ إلَى ضَرْبٍ مِنْ الْخَدِيعَةِ يُمْكِنْ اسْتِدْرَاكُهَا بِإِثْبَاتِ الْخِيَارِ ، فَأَشْبَهَ بَيْعَ الْمُصَرَّاةِ ،","part":8,"page":403},{"id":3903,"text":"وَفَارَقَ بَيْعَ الْحَاضِرِ لِلْبَادِي ، فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُ اسْتِدْرَاكُهُ بِالْخِيَارِ ، إذْ لَيْسَ الضَّرَرُ عَلَيْهِ ، إنَّمَا هُوَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ .\rفَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا ، فَلِلْبَائِعِ الْخِيَارُ إذَا عَلِمَ أَنَّهُ قَدْ غِبْنَ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ : لَا خِيَارَ لَهُ .\rوَقَدْ رَوَيْنَا قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا ، وَلَا قَوْلَ لَأَحَدٍ مَعَ قَوْلِهِ .\rوَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا خِيَارَ لَهُ إلَّا مَعَ الْغَبْنِ ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا ثَبَتَ لِأَجْلِ الْخَدِيعَةِ وَدَفْعِ الضَّرَرِ ، وَلَا ضَرَرَ مَعَ عَدَمِ الْغَبْنِ .\rوَهَذَا ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ ، وَيُحْمَلُ إطْلَاقُ الْحَدِيثِ فِي إثْبَاتِ الْخِيَارِ عَلَى هَذَا ؛ لِعِلْمِنَا بِمَعْنَاهُ وَمُرَادِهِ ؛ لِأَنَّهُ مَعْنًى يَتَعَلَّقُ الْخِيَارُ بِمِثْلِهِ ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَعَلَ لَهُ الْخِيَارَ إذَا أَتَى السُّوقَ ، فَيُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّهُ أَشَارَ إلَى مَعْرِفَتِهِ بِالْغَبْنِ فِي السُّوقِ ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَكَانَ الْخِيَارُ لَهُ مِنْ حِينِ الْبَيْعِ .\rوَلَمْ يُقَدِّرْ الْخِرَقِيِّ الْغَبْنَ الْمُثْبِتَ لِلْخِيَارِ ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَتَقَيَّدَ بِمَا يَخْرُجُ عَنْ الْعَادَةِ ؛ لِأَنَّ مَا دُونَ ذَلِكَ لَا يَنْضَبِطُ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ مَالِكٍ : إنَّمَا نُهِيَ عَنْ تَلَقِّي الرُّكْبَانِ لِمَا يَفُوتُ بِهِ مِنْ الرِّفْقُ لِأَهْلِ السُّوقِ ، لِئَلَّا يُقْطَعَ عَنْهُمْ مَا لَهُ جَلَسُوا مِنْ ابْتِغَاءِ فَضْلِ اللَّهِ تَعَالَى .\rقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فَإِنْ تَلَقَّاهَا مُتَلَقٍّ ، فَاشْتَرَاهَا ، عُرِضَتْ عَلَى أَهْلِ السُّوقِ ، فَيَشْتَرِكُونَ فِيهَا .\rوَقَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ : تُبَاعُ فِي السُّوقِ .\rوَهَذَا مُخَالِفٌ لِمَدْلُولِ الْحَدِيثِ ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَعَلَ الْخِيَارَ لِلْبَائِعِ إذَا دَخَلَ السُّوقَ ، وَلَمْ يَجْعَلُوا لَهُ خِيَارًا ، وَجَعْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْخِيَارَ لَهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ النَّهْيَ عَنْ تَلَقِّي الرُّكْبَانِ لِحَقِّهِ ، لَا لِحَقِّ غَيْرِهِ .\rوَلِأَنَّ الْجَالِسَ فِي السُّوقِ كَالْمُتَلَقِّي","part":8,"page":404},{"id":3904,"text":"، فِي أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُبْتَغٍ لِفَضْلِ اللَّهِ تَعَالَى ، فَلَا يَلِيقُ بِالْحِكْمَةِ فَسْخُ عَقْدِ أَحَدِهِمَا ، وَإِلْحَاقُ الضَّرَرِ بِهِ ، دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْ مِثْلِهِ ، وَلَيْسَ رِعَايَةُ حَقِّ الْجَالِسِ أَوْلَى مِنْ رِعَايَةِ حَقِّ الْمُتَلَقِّي وَلَا يُمْكِنُ اشْتِرَاكُ أَهْلِ السُّوقِ كُلِّهِمْ فِي سِلْعَتِهِ ، فَلَا يُعَرَّجُ عَلَى مِثْلِ هَذَا .\rوَاَللَّه أَعْلَمُ .","part":8,"page":405},{"id":3905,"text":"( 3108 ) فَصْلٌ : فَإِنْ تَلَقَّى الرُّكْبَانَ ، فَبَاعَهُمْ شَيْئًا ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الشِّرَاءِ مِنْهُمْ ، وَلَهُمْ الْخِيَارُ إذَا غَبَنَهُمْ غَبْنَا يَخْرُجُ عَنْ الْعَادَةِ .\rوَهَذَا أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ .\rوَقَالُوا فِي الْآخَرِ : النَّهْيُ عَنْ الشِّرَاءِ دُونَ الْبَيْعِ ، فَلَا يَدْخُلُ الْبَيْعُ فِيهِ .\rوَهَذَا مُقْتَضَى قَوْلِ أَصْحَابِ مَالِكٍ ؛ لِأَنَّهُمْ عَلَّلُوا ذَلِكَ بِمَا ذَكَرْنَا عَنْهُمْ ، وَلَا يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ فِي الْبَيْعِ لَهُمْ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : لَا تَلَقَّوْا الرُّكْبَانَ .\r} وَالْبَائِعُ دَاخِلٌ فِي هَذَا .\rوَلِأَنَّ النَّهْيَ عَنْهُ لِمَا فِيهِ مِنْ خَدِيعَتِهِمْ وَغَبَنِهِمْ ، وَهَذَا فِي الْبَيْعِ كَهُوَ فِي الشِّرَاءِ ، وَالْحَدِيثُ قَدْ جَاءَ مُطْلَقًا ، وَلَوْ كَانَ مُخْتَصًّا بِالشِّرَاءِ لَأُلْحِقَ بِهِ مَا فِي مَعْنَاهُ ، وَهَذَا فِي مَعْنَاهُ .","part":8,"page":406},{"id":3906,"text":"( 3109 ) فَصْلٌ : فَإِنْ خَرَجَ لِغَيْرِ قَصْدِ التَّلَقِّي ، فَلَقِيَ رَكْبًا ، فَقَالَ الْقَاضِي : لَيْسَ لَهُ الِابْتِيَاعُ مِنْهُمْ ، وَلَا الشِّرَاءُ .\rوَهَذَا أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَحْرُمَ عَلَيْهِ ذَلِكَ .\rوَهُوَ قَوْلُ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ .\rوَالْوَجْهُ الثَّانِي لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ التَّلَقِّي ، فَلَمْ يَتَنَاوَلْهُ النَّهْيُ وَوَجْهُ الْأَوَّلِ ، أَنَّهُ إنَّمَا نَهَى عَنْ التَّلَقِّي دَفْعًا لِلْخَدِيعَةِ وَالْغَبْنِ عَنْهُمْ ، وَهَذَا مُتَحَقِّقٌ ، سَوَاءٌ قَصَدَ التَّلَقِّي ، أَوْ لَمْ يَقْصِدْهُ ، فَوَجَبَ الْمَنْعُ مِنْهُ ، كَمَا لَوْ قَصَدَ .","part":8,"page":407},{"id":3907,"text":"( 3110 ) فَصْلٌ : وَإِنْ تَلَقَّى الْجَلَبَ فِي أَعْلَى الْأَسْوَاقِ ، فَلَا بَأْسَ فَإِنَّ ابْنَ عُمَرَ رَوَى { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى أَنْ تُتَلَقَّى السِّلَعُ حَتَّى يُهْبَطَ بِهَا الْأَسْوَاقُ } .\rرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ .\rوَلِأَنَّهُ إذَا صَارَ فِي السُّوقِ ، فَقَدْ صَارَ فِي مَحَلِّ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ ، فَلَمْ يَدْخُلْ فِي النَّهْيِ ، كَاَلَّذِي وَصَلَ إلَى وَسَطِهَا .","part":8,"page":408},{"id":3908,"text":"( 3111 ) فَصْلٌ : وَالِاحْتِكَارُ حَرَامٌ لِمَا رُوِيَ عَنْ الْأَثْرَمِ ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ، قَالَ { : نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُحْتَكَرَ الطَّعَامُ } وَرُوِيَ أَيْضًا ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { مَنْ احْتَكَرَ فَهُوَ خَاطِئٌ } .\rوَرُوِيَ { أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ خَرَجَ مَعَ أَصْحَابِهِ ، فَرَأَى طَعَامًا كَثِيرًا قَدْ أُلْقِيَ عَلَى بَابِ مَكَّةَ ، فَقَالَ : مَا هَذَا الطَّعَامُ ؟ فَقَالُوا : جُلِبَ إلَيْنَا .\rفَقَالَ : بَارَكَ اللَّهُ فِيهِ ، وَفِي مَنْ جَلَبَهُ .\rفَقِيلَ لَهُ : فَأَنَّهُ قَدْ اُحْتُكِرَ .\rقَالَ : وَمَنْ احْتَكَرَهُ ؟ قَالُوا : فُلَانٌ مَوْلَى عُثْمَانَ ، وَفُلَانٌ مَوْلَاك .\rفَأَرْسَلَ إلَيْهِمَا .\rفَقَالَ : مَا حَمَلَكُمَا عَلَى احْتِكَارِ طَعَامِ الْمُسْلِمِينَ ؟ قَالَا : نَشْتَرِي بِأَمْوَالِنَا وَنَبِيعُ .\rقَالَ : سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : مَنْ احْتَكَرَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ طَعَامَهُمْ ، لَمْ يَمُتْ حَتَّى يَضْرِبَهُ اللَّهُ بِالْجُذَامِ أَوْ الْإِفْلَاسِ } قَالَ الرَّاوِي : فَأَمَّا مَوْلَى عُثْمَانَ فَبَاعَهُ ، وَقَالَ : وَاَللَّهِ لَا أَحْتَكِرُهُ أَبَدًا وَأَمَّا مَوْلَى عُمَرَ فَلَمْ يَبِعْهُ ، فَرَأَيْته مَجْذُومًا .\rوَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { الْجَالِبُ مَرْزُوقٌ وَالْمُحْتَكِرُ مَلْعُونٌ .\r}","part":8,"page":409},{"id":3909,"text":"فَصْلٌ : وَالِاحْتِكَارُ الْمُحَرَّمُ مَا اجْتَمَعَ فِيهِ ثَلَاثَةُ شُرُوطٍ ؛ أَحَدُهَا ، أَنْ يَشْتَرِيَ ، فَلَوْ جَلَبَ شَيْئًا ، أَوْ أَدْخَلَ مِنْ غَلَّتِهِ شَيْئًا ، فَادَّخَرَهُ ، لَمْ يَكُنْ مُحْتَكِرًا .\rرُوِيَ [ عَنْ ] الْحَسَنِ وَمَالِكٍ وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ الْجَالِبُ لَيْسَ بِمُحْتَكَرِ ؛ لِقَوْلِهِ { : الْجَالِبُ مَرْزُوقٌ ، وَالْمُحْتَكِرُ مَلْعُونٌ } وَلِأَنَّ الْجَالِبَ لَا يُضَيِّقُ عَلَى أَحَدٍ ، وَلَا يَضُرُّ بِهِ ، بَلْ يَنْفَعُ ، فَإِنَّ النَّاسَ إذَا عَلِمُوا عِنْدَهُ طَعَامًا مُعَدًّا لِلْبَيْعِ ، كَانَ ذَلِكَ أَطْيَبُ لَقُلُوبِهِمْ مِنْ عَدَمِهِ .\rالثَّانِي ، أَنْ يَكُونَ الْمُشْتَرَى قُوتًا .\rفَأَمَّا الْإِدَامُ ، وَالْحَلْوَاءُ ، وَالْعَسَلُ ، وَالزَّيْتُ ، وَأَعْلَافُ الْبَهَائِمِ ، فَلَيْسَ فِيهَا احْتِكَارٌ مُحَرَّمٌ .\rقَالَ الْأَثْرَمُ : سَمِعْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يُسْأَلُ ، عَنْ أَيِّ شَيْءٍ الِاحْتِكَارُ ؟ قَالَ : إذَا كَانَ مِنْ قُوتِ النَّاسِ فَهُوَ الَّذِي يُكْرَهُ .\rوَهَذَا قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو .\rوَكَانَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَهُوَ رَاوِي حَدِيثِ الِاحْتِكَارِ - يَحْتَكِرُ الزَّيْتَ .\rقَالَ أَبُو دَاوُد : كَانَ يَحْتَكِرُ النَّوَى ، وَالْخَيْطَ ، وَالْبِزْرَ وَلِأَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ مِمَّا لَا تَعُمُّ الْحَاجَةُ إلَيْهَا ، فَأَشْبَهَتْ الثِّيَابَ ، وَالْحَيَوَانَاتِ .\rالثَّالِثُ ، أَنْ يُضَيِّقَ عَلَى النَّاسِ بِشِرَائِهِ .\rوَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ إلَّا بِأَمْرَيْنِ ؛ أَحَدِهِمَا ، يَكُونُ فِي بَلَدٍ يُضَيِّقُ بِأَهْلِهِ الِاحْتِكَارُ ، كَالْحَرَمَيْنِ ، وَالثُّغُورِ .\rقَالَ أَحْمَدُ : الِاحْتِكَارُ فِي مِثْلِ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ ، وَالثُّغُورِ .\rفَظَاهِرُ هَذَا أَنَّ الْبِلَادَ الْوَاسِعَةَ الْكَثِيرَةَ الْمَرَافِقِ وَالْجَلَبِ كَبَغْدَادَ ، وَالْبَصْرَةِ وَمِصْرَ ، لَا يَحْرُمُ فِيهَا الِاحْتِكَارُ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُؤَثِّرُ فِيهَا غَالِبًا .\rالثَّانِي ، أَنْ يَكُونَ فِي حَالِ الضَّيِّقِ ، بِأَنْ يَدْخُلَ الْبَلَدَ قَافِلَةٌ فَيَتَبَادَرُ ذَوُو الْأَمْوَالِ فَيَشْتَرُونَهَا ، وَيُضَيِّقُونَ عَلَى النَّاسِ .\rفَأَمَّا إنْ اشْتَرَاهُ فِي حَالِ الِاتِّسَاعِ وَالرُّخْصِ ، عَلَى وَجْهٍ لَا يُضَيِّقُ","part":8,"page":410},{"id":3910,"text":"عَلَى أَحَدٍ فَلَيْسَ بِمُحَرَّمٍ .","part":8,"page":411},{"id":3911,"text":"( 3113 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَبَيْعُ الْعَصِيرِ مِمَّنْ يَتَّخِذُهُ خَمْرًا بَاطِلٌ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ ؛ أَنَّ بَيْعَ الْعَصِيرِ لِمَنْ يُعْتَقَدُ أَنَّهُ يَتَّخِذُهُ خَمْرًا مُحَرَّمٌ .\rوَكَرِهَهُ الشَّافِعِيُّ ، وَذَكَرَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ أَنَّ الْبَائِعَ إذَا اعْتَقَدَ أَنَّهُ يَعْصِرُهَا خَمْرًا ، فَهُوَ مُحَرَّمٌ ، وَأَنَّمَا يُكْرَهُ إذَا شَكَّ فِيهِ .\rوَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرَ عَنْ الْحَسَنِ وَعَطَاءٍ وَالثَّوْرِيِّ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِبَيْعِ التَّمْرِ لِمَنْ يَتَّخِذُهُ مُسْكِرًا .\rقَالَ الثَّوْرِيُّ بِعْ الْحَلَالَ مِمَّنْ شِئْت .\rوَاحْتَجَّ لَهُمْ بُقُولِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ } وَلِأَنَّ الْبَيْعَ تَمَّ بِأَرْكَانِهِ وَشُرُوطِهِ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى { وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ } وَهَذَا نَهْيٌ يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ لَعَنَ فِي الْخَمْرِ عَشَرَةً .\rفَرَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَاهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ : يَا مُحَمَّدُ إنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْخَمْرَ ، وَعَاصِرَهَا ، وَمُعْتَصِرَهَا ، وَحَامِلَهَا ، وَالْمَحْمُولَةَ إلَيْهِ ، وَشَارِبَهَا وَبَائِعَهَا ، وَمُبْتَاعَهَا ، وَسَاقِيَهَا } .\rوَأَشَارَ إلَى كُلِّ مُعَاوِنٍ عَلَيْهَا ، وَمُسَاعِدٍ فِيهَا أَخْرَجَ هَذَا الْحَدِيثَ التِّرْمِذِيُّ ، مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ وَقَالَ : قَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَابْنِ عُمَرَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَوَى ابْنُ بَطَّةَ فِي تَحْرِيمِ النَّبِيذِ ، بِإِسْنَادِهِ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ أَنَّ قَيِّمًا كَانَ لِسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ فِي أَرْضٍ لَهُ ، فَأَخْبَرَهُ عَنْ عِنَبٍ أَنَّهُ لَا يَصْلُحُ زَبِيبًا ، وَلَا يَصْلُحُ أَنْ يُبَاعَ إلَّا لِمَنْ يَعْصِرُهُ ، فَأَمَرَ بِقَلْعِهِ ، وَقَالَ : بِئْسَ الشَّيْخُ أَنَا إنْ بِعْت الْخَمْرَ وَلِأَنَّهُ يَعْقِدُ عَلَيْهَا لِمَنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ يُرِيدُهَا لِلْمَعْصِيَةِ ، فَأَشْبَهَ إجَارَةَ أَمَتِهِ لِمَنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَسْتَأْجِرُهَا لِيَزْنِيَ بِهَا .\rوَالْآيَةُ مَخْصُوصَةٌ بِصُوَرٍ","part":8,"page":412},{"id":3912,"text":"كَثِيرَةٍ ، فَيُخَصُّ مِنْهَا مَحَلُّ النِّزَاعِ بِدَلِيلِنَا .\rوَقَوْلُهُمْ : تَمَّ الْبَيْعُ بِشُرُوطِهِ وَأَرْكَانِهِ .\rقُلْنَا : لَكِنْ وُجِدَ الْمَانِعُ مِنْهُ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّمَا يَحْرُمُ الْبَيْعُ وَيَبْطُلُ ، إذَا عَلِمَ الْبَائِعُ قَصْدَ الْمُشْتَرِي ذَلِكَ ، إمَّا بِقَوْلِهِ ، وَإِمَّا بِقَرَائِنَ مُخْتَصَّةٍ بِهِ ، تَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ .\rفَأَمَّا إنْ كَانَ الْأَمْرُ مُحْتَمِلًا ، مِثْلُ أَنْ يَشْتَرِيَهَا مَنْ لَا يَعْلَمُ ، أَوْ مَنْ يَعْمَلُ الْخَلَّ وَالْخَمْرَ مَعًا ، وَلَمْ يَلْفِظْ بِمَا يَدُلُّ عَلَى إرَادَةِ الْخَمْرِ ، فَالْبَيْعُ جَائِزٌ .\rوَإِذَا ثَبَتَ التَّحْرِيمُ ، فَالْبَيْعُ بَاطِلٌ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَصِحَّ ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ الْمُحَرَّمَ فِي ذَلِكَ اعْتِقَادُهُ بِالْعَقْدِ دُونَهُ ، فَلَمْ يَمْنَعْ صِحَّةَ الْعَقْدِ ، كَمَا لَوْ دَلَّسَ الْعَيْبَ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ عَقَدَ عَلَى عَيْنٍ لِمَعْصِيَةِ اللَّهِ بِهَا ، فَلَمْ يَصِحَّ ، كَإِجَارَةِ الْأَمَةِ لِلزِّنَى وَالْغِنَاءِ .\rوَأَمَّا التَّدْلِيسُ ، فَهُوَ الْمُحَرَّمُ ، دُونَ الْعَقْدِ .\rوَلِأَنَّ التَّحْرِيمَ هَاهُنَا لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى ، فَأَفْسَدَ الْعَقْدَ ، كَبَيْعِ دِرْهَمٍ بِدِرْهَمَيْنِ ، وَيُفَارِقُ التَّدْلِيسَ ، فَإِنَّهُ لِحَقِّ آدَمِيٍّ .","part":8,"page":413},{"id":3913,"text":"( 3114 ) فَصْلٌ : وَهَكَذَا الْحُكْمُ فِي كُلِّ مَا يُقْصَدُ بِهِ الْحَرَامُ ، كَبَيْعِ السِّلَاحِ لِأَهْلِ الْحَرْبِ ، أَوْ لِقُطَّاعِ الطَّرِيقِ ، أَوْ فِي الْفِتْنَةِ ، وَبَيْعِ الْأَمَةِ لِلْغِنَاءِ ، أَوْ إجَارَتِهَا كَذَلِكَ ، أَوْ إجَارَةِ دَارِهِ لِبَيْعِ الْخَمْرِ فِيهَا ، أَوْ لِتُتَّخَذَ كَنِيسَةً ، أَوْ بَيْتَ نَارٍ ، وَأَشْبَاهَ ذَلِكَ .\rفَهَذَا حَرَامٌ ، وَالْعَقْدُ بَاطِلٌ ؛ لِمَا قَدَّمْنَا .\rقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ : وَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ رَحِمَهُ اللَّهُ عَلَى مَسَائِلَ ، نَبَّهَ بِهَا عَلَى ذَلِكَ ، فَقَالَ فِي الْقَصَّابِ وَالْخَبَّازِ : إذَا عَلِمَ أَنَّ مَنْ يَشْتَرِي مِنْهُ ، يَدْعُو عَلَيْهِ مَنْ يَشْرَبُ الْمُسْكِرَ ، لَا يَبِيعُهُ ، وَمَنْ يَخْتَرِطُ الْأَقْدَاحَ لَا يَبِيعُهَا مِمَّنْ يَشْرَبُ فِيهَا .\rوَنَهَى عَنْ بَيْعَ الدِّيبَاجِ لِلرِّجَالِ ، وَلَا بَأْسَ بَيْعِهِ لِلنِّسَاءِ .\rوَرُوِيَ عَنْهُ ؛ لَا يَبِيعُ الْجَوْزَ مِنْ الصِّبْيَانِ لِلْقِمَارِ .\rوَعَلَى قِيَاسِهِ الْبَيْضُ ، فَيَكُونُ بَيْعُ ذَلِكَ كُلِّهِ بَاطِلًا .","part":8,"page":414},{"id":3914,"text":"( 3115 ) فَصْلٌ : قِيلَ لِأَحْمَدَ : رَجُلٌ مَاتَ ، وَخَلَّفَ جَارِيَةً مُغَنِّيَةً ، وَوَلَدًا يَتِيمًا ، وَقَدْ احْتَاجَ إلَى بَيْعِهَا قَالَ : يَبِيعُهَا عَلَى أَنَّهَا سَاذِجَةٌ .\rفَقِيلَ لَهُ : فَإِنَّهَا تُسَاوِي ثَلَاثِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ ، فَإِذَا بِيعَتْ سَاذَجَةٌ تُسَاوِي عِشْرِينَ دِينَارًا .\rقَالَ : لَا تُبَاعُ إلَّا عَلَى أَنَّهَا سَاذِجَةٌ .\rوَوَجْهُ ذَلِكَ مَا رَوَى أَبُو أُمَامَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ أَنَّهُ قَالَ : { لَا يَجُوزُ بَيْعُ الْمُغَنِّيَاتِ ، وَلَا أَثْمَانُهُنَّ ، وَلَا كَسْبُهُنَّ .\r} قَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا لَا نَعْرِفُهُ إلَّا مِنْ حَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ يَزِيدَ ، وَقَدْ تَكَلَّمَ فِيهِ أَهْلُ الْعِلْمِ .\rوَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَهَذَا يُحْمَلُ عَلَى بَيْعِهِنَّ لِأَجْلِ الْغِنَاءِ ، فَأَمَّا مَالِيَّتُهُنَّ الْحَاصِلَةُ بِغَيْرِ الْغِنَاءِ فَلَا تَبْطُلُ ، كَمَا أَنَّ الْعَصِيرَ لَا يَحْرُمُ بَيْعُهُ لِغَيْرِ الْخَمْرِ ، لِصَلَاحِيَّتِهِ لِلْخَمْرِ .","part":8,"page":415},{"id":3915,"text":"( 3116 ) فَصْلٌ : وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الْخَمْرِ ، وَلَا التَّوْكِيلُ فِي بَيْعِهِ ، وَلَا شِرَاؤُهُ .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ بَيْعَ الْخَمْرِ غَيْرُ جَائِزٍ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَجُوزُ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يُوَكِّلَ ذِمِّيًّا فِي بَيْعِهَا وَشِرَائِهَا .\rوَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ ؛ فَإِنَّ عَائِشَةَ رَوَتْ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { حُرِّمَتْ .\rالتِّجَارَةُ فِي الْخَمْرِ } .\rوَعَنْ جَابِرٍ ، أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامَ الْفَتْحِ ، وَهُوَ بِمَكَّةَ ، يَقُولُ { إنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ وَالْمَيْتَةِ وَالْخِنْزِيرِ وَالْأَصْنَامِ فَقِيلَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْت شُحُومَ الْمَيْتَةِ ، فَإِنَّهُ تُطْلَى بِهَا السُّفُنُ ، وَتُدْهَنُ بِهَا الْجُلُودُ ، وَيَسْتَصْبِحُ بِهَا النَّاسُ ؟ فَقَالَ : لَا ، هُوَ حَرَامٌ .\rثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ ، إنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَرَّمَ عَلَيْهِمْ شُحُومَهَا ، فَجَمَلُوهُ ، ثُمَّ بَاعُوهُ ، وَأَكَلُوا ثَمَنَهُ } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَمَنْ وُكِّلَ فِي بَيْعِ الْخَمْرِ ، وَأَكَلَ ثَمَنَهُ ، فَقَدْ أَشْبَهَهُمْ فِي ذَلِكَ .\rوَلِأَنَّ الْخَمْرَ نَجِسَةٌ مُحَرَّمَةٌ ، يَحْرُمُ بَيْعُهَا ، وَالتَّوْكِيلُ فِي بَيْعِهَا ، كَالْمَيْتَةِ وَالْخِنْزِيرِ ، وَلِأَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِ بَيْعُهُ ، فَحَرُمَ عَلَيْهِ التَّوْكِيلُ فِي بَيْعِهِ ، كَالْخِنْزِيرِ .","part":8,"page":416},{"id":3916,"text":"مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَيَبْطُلُ الْبَيْعُ إذَا كَانَ فِيهِ شَرْطَانِ ، وَلَا يُبْطِلُهُ شَرْطٌ وَاحِدٌ ) ثَبَتَ عَنْ أَحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ ، أَنَّهُ قَالَ : الشَّرْطُ الْوَاحِدُ لَا بَأْسَ بِهِ ، إنَّمَا نُهِيَ عَنْ الشَّرْطَيْنِ فِي الْبَيْعِ ، ذَهَبَ أَحْمَدُ إلَى مَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ { : لَا يَحِلُّ سَلَفٌ وَبَيْعٌ ، وَلَا شَرْطَانِ فِي بَيْعٍ ، وَلَا تَبِعْ مَا لَيْسَ عِنْدَك } أَخْرُجَهُ أَبُو دَاوُد ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ : حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ قَالَ الْأَثْرَمُ : قِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ : إنَّ هَؤُلَاءِ يَكْرَهُونَ الشَّرْطَ فِي الْبَيْعِ .\rفَنَفَضَ يَدَهُ ، وَقَالَ : الشَّرْطُ الْوَاحِدُ لَا بَأْسَ بِهِ فِي الْبَيْعِ ، إنَّمَا نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ شَرْطَيْنِ فِي الْبَيْعِ .\rوَحَدِيثُ جَابِرٍ يَدُلُّ عَلَى إبَاحَةِ الشَّرْطِ حِينَ بَاعَهُ جَمَلَهُ ، وَشَرَطَ ظَهْرَهُ إلَى الْمَدِينَةِ .\rوَاخْتُلِفَ فِي تَفْسِيرِ الشَّرْطَيْنِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُمَا ، فَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ ؛ أَنَّهُمَا شَرْطَانِ صَحِيحَانِ ، لَيْسَا مِنْ مَصْلَحَةِ الْعَقْدِ .\rفَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْهُ ، وَعَنْ إِسْحَاقَ فِي مَنْ اشْتَرَى ثَوْبًا ، وَاشْتَرَطَ عَلَى الْبَائِعِ خِيَاطَتَهُ وَقِصَارَتَهُ ، أَوْ طَعَامًا ، وَاشْتَرَطَ طَحْنَهُ وَحَمْلَهُ : إنْ اشْتَرَطَ أَحَدَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ فَالْبَيْعُ جَائِزٌ ، وَإِنْ اشْتَرَطَ شَرْطَيْنِ ، فَالْبَيْعُ بَاطِلٌ .\rوَكَذَلِكَ فَسَّرَ الْقَاضِي فِي \" شَرْحِهِ \" الشَّرْطَيْنِ الْمُبْطِلَيْنِ بِنَحْوٍ مِنْ هَذَا التَّفْسِيرِ .\rوَرَوَى الْأَثْرَمُ عَنْ أَحْمَدَ تَفْسِيرَ الشَّرْطَيْنِ ؛ أَنْ يَشْتَرِيَهَا عَلَى أَنَّهُ لَا يَبِيعُهَا مِنْ أَحَدٍ ، وَأَنَّهُ لَا يَطَؤُهَا .\rفَفَسَّرَهُ بِشَرْطَيْنِ فَاسِدَيْنِ .\rوَرَوَى عَنْهُ إسْمَاعِيلُ بْنُ سَعِيدٍ فِي الشَّرْطَيْنِ فِي الْبَيْعِ ، أَنْ يَقُولَ : إذَا بِعْتُكهَا فَأَنَا أَحَقُّ بِهَا بِالثَّمَنِ ، وَأَنْ تَخْدِمَنِي سَنَةً .\rوَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ أَنَّ الشَّرْطَيْنِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُمَا مَا كَانَ مِنْ هَذَا النَّحْوِ .\rفَأَمَّا إنْ شَرَطَ","part":8,"page":417},{"id":3917,"text":"شَرْطَيْنِ ، أَوْ أَكْثَرَ ، مِنْ مُقْتَضَى الْعَقْدِ ، أَوْ مَصْلَحَتِهِ ، مِثْلُ أَنْ يَبِيعَهُ بِشَرْطِ الْخِيَارِ ، وَالتَّأْجِيلِ ، وَالرَّهْنِ ، وَالضَّمِينِ ، أَوْ بِشَرْطِ أَنْ يُسَلِّمَ إلَيْهِ الْمَبِيعَ أَوْ الثَّمَنَ .\rفَهَذَا لَا يُؤَثِّرُ فِي الْعَقْدِ وَإِنْ كَثُرَ .\rوَقَالَ الْقَاضِي فِي \" الْمُجَرَّدِ \" : ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ مَتَى شَرَطَ فِي الْعَقْدِ شَرْطَيْنِ ، بَطَلَ ، سَوَاءٌ كَانَا صَحِيحَيْنِ ، أَوْ فَاسِدَيْنِ ، لِمَصْلَحَةِ الْعَقْدِ ، أَوْ لِغَيْرِ مَصْلَحَتِهِ .\rأَخْذًا مِنْ ظَاهِرِ الْحَدِيثِ ، وَعَمَلًا بِعُمُومِهِ .\rوَلَمْ يُفَرِّقْ الشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ بَيْنَ الشَّرْطَيْنِ ، وَرَوَوْا { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ بَيْعٍ وَشَرْطٍ } .\rوَلِأَنَّ الصَّحِيحَ لَا يُؤَثِّرُ فِي الْبَيْعِ وَإِنْ كَثُرَ ، وَالْفَاسِدُ يُؤَثِّرُ فِيهِ وَإِنْ اتَّحَدَ .\rوَالْحَدِيثُ الَّذِي رَوَيْنَاهُ يَدُلُّ عَلَى الْفَرْقِ .\rوَلِأَنَّ الْغَرَرَ الْيَسِيرَ إذَا اُحْتُمِلَ فِي الْعَقْدِ ، لَا يَلْزَمُ مِنْهُ احْتِمَالُ الْكَثِيرِ .\rوَحَدِيثُهُمْ لَمْ يَصِحَّ وَلَيْسَ لَهُ أَصْلٌ ، وَقَدْ أَنْكَرَهُ أَحْمَدُ ، وَلَا نَعْرِفُهُ مَرْوِيًّا فِي مُسْنَدٍ ، وَلَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ .\rوَقَوْلُ الْقَاضِي : إنَّ النَّهْيَ يُبْقِي عَلَى عُمُومِهِ فِي كُلِّ شَرْطَيْنِ .\rبَعِيدٌ أَيْضًا ؛ فَإِنَّ شَرْطَ مَا يَقْتَضِيهِ الْعَقْدُ لَا يُؤَثِّرُ فِيهِ بِغَيْرِ خِلَافٍ ، وَشَرْطَ مَا هُوَ مِنْ مَصْلَحَةِ الْعَقْدِ ، كَالْأَجَلِ ، وَالْخِيَارِ ، وَالرَّهْنِ ، وَالضَّمِينِ ، وَشَرْطَ صِفَةٍ فِي الْمَبِيعِ ، كَالْكِتَابَةِ ، وَالصِّنَاعَةِ ، فِيهِ مَصْلَحَةُ الْعَقْدِ ، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُؤَثِّرَ أَيْضًا فِي بُطْلَانِهِ ، قَلَّتْ أَوْ كَثُرَتْ .\rوَلَمْ يَذْكُرْ أَحْمَدُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ شَيْئًا مِنْ هَذَا الْقِسْمِ ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ غَيْرُ مُرَادٍ لَهُ .","part":8,"page":418},{"id":3918,"text":"( 3118 ) فَصْلٌ : وَالشُّرُوطُ تَنْقَسِمُ إلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ أَحَدِهَا ، مَا هُوَ مِنْ مُقْتَضَى الْعَقْدِ ، كَاشْتِرَاطِ التَّسْلِيمِ وَخِيَارِ الْمَجْلِسِ ، وَالتَّقَابُضِ فِي الْحَالِ .\rفَهَذَا وُجُودُهُ كَعَدَمِهِ ، لَا يُفِيدُ حُكْمًا ، وَلَا يُؤَثِّرُ فِي الْعَقْدِ .\rالثَّانِي ، تَتَعَلَّقُ بِهِ مَصْلَحَةُ الْعَاقِدَيْنِ ، كَالْأَجَلِ ، وَالْخِيَارِ ، وَالرَّهْنِ ، وَالضَّمِينِ ، وَالشَّهَادَةِ ، أَوْ اشْتِرَاطِ صِفَةٍ مَقْصُودَةٍ فِي الْمَبِيعِ ، كَالصِّنَاعَةِ وَالْكِتَابَةِ ، وَنَحْوِهَا .\rفَهَذَا شَرْطٌ جَائِزٌ يَلْزَمُ الْوَفَاءُ بِهِ .\rوَلَا نَعْلَمُ فِي صِحَّةِ هَذَيْنِ الْقِسْمَيْنِ خِلَافًا .\rالثَّالِثُ ، مَا لَيْسَ مِنْ مُقْتَضَاهُ ، وَلَا مِنْ مَصْلَحَتِهِ ، وَلَا يُنَافِي مُقْتَضَاهُ ، وَهُوَ نَوْعَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، اشْتِرَاطُ مَنْفَعَةِ الْبَائِعِ فِي الْمَبِيعِ ، فَهَذَا قَدْ مَضَى ذِكْرُهُ .\rالثَّانِي ، أَنْ يَشْتَرِطَ عَقْدًا فِي عَقْدٍ ، نَحْوَ أَنْ يَبِيعَهُ شَيْئًا بِشَرْطِ أَنْ يَبِيعَهُ شَيْئًا آخَرَ ، أَوْ يَشْتَرِيَ مِنْهُ ، أَوْ يُؤْجِرَهُ ، أَوْ يُزَوِّجَهُ ، أَوْ يُسَلِّفَهُ ، أَوْ يَصْرِفَ لَهُ الثَّمَنَ أَوْ غَيْرَهُ ، فَهَذَا شَرْطٌ فَاسِدٌ يَفْسُدُ بِهِ الْبَيْعُ ، سَوَاءٌ اشْتَرَطَهُ الْبَائِعُ أَوْ الْمُشْتَرِي ، وَسَنَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .\rالرَّابِعُ ، اشْتِرَاطُ مَا يُنَافِي مُقْتَضَى الْبَيْعِ ، وَهُوَ عَلَى ضَرْبَيْنِ ؛ أَحَدِهِمَا ، اشْتِرَاطُ مَا بُنِيَ عَلَى التَّغْلِيبِ وَالسِّرَايَةِ ، مِثْلُ أَنْ يَشْتَرِطَ الْبَائِعُ عَلَى الْمُشْتَرِي عِتْقَ الْعَبْدِ ، فَهَلْ يَصِحُّ ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ ؛ إحْدَاهُمَا ، يَصِحُّ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ { لِأَنَّ عَائِشَةَ .\rرَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا اشْتَرَتْ بَرِيرَةَ وَشَرَطَ أَهْلُهَا عَلَيْهَا عِتْقَهَا وَوَلَاءَهَا ، فَأَنْكَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَرْطَ الْوَلَاءِ ، دُونَ الْعِتْقِ } وَالثَّانِيَةُ ، الشَّرْطُ فَاسِدٌ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّهُ شَرْطٌ يُنَافِي مُقْتَضَى الْعَقْدِ ، أَشْبَهَ إذَا شَرَطَ أَنْ لَا يَبِيعَهُ لِأَنَّهُ شَرَطَ عَلَيْهِ إزَالَةَ مِلْكِهِ عَنْهُ ،","part":8,"page":419},{"id":3919,"text":"أَشْبَهَ مَا لَوْ شَرَطَ أَنْ يَبِيعَهُ .\rوَلَيْسَ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ أَنَّهَا شَرَطَتْ لَهُمْ الْعِتْقَ ، وَإِنَّمَا أَخْبَرَتْهُمْ بِإِرَادَتِهَا لِذَلِكَ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ ، فَاشْتَرَطُوا الْوَلَاءَ ، فَإِذَا حَكَمْنَا بِفَسَادِهِ ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ سَائِرِ الشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ الَّتِي يَأْتِي ذِكْرُهَا .\rوَإِنْ حَكَمْنَا بِصِحَّتِهِ ، فَأَعْتَقَهُ الْمُشْتَرِي ، فَقَدْ وَفَّى بِمَا شَرَطَ عَلَيْهِ ، وَإِنْ لَمْ يُعْتِقْهُ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، يُجْبَرُ ؛ لِأَنَّ شَرْطَ الْعِتْقِ إذَا صَحَّ ، تَعَلَّقَ بِعَيْنِهِ ، فَيُجْبَرُ عَلَيْهِ ، كَمَا لَوْ نَذَرَ عِتْقَهُ .\rوَالثَّانِي ، لَا يُحْبَرُ ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ لَا يُوجِبُ فِعْلَ الْمَشْرُوطِ ، بِدَلِيلِ مَا لَوْ شَرَطَ الرَّهْنَ ، وَالضَّمِينَ ، فَعَلَى هَذَا يَثْبُتُ لِلْبَائِعِ خِيَارُ الْفَسْخِ ، لِأَنَّهُ لَمْ يُسَلِّمْ لَهُ مَا شَرَطَهُ لَهُ ، أَشْبَهَ مَا لَوْ شَرَطَ عَلَيْهِ رَهْنًا .\rوَإِنْ تَعَيَّبَ الْمَبِيعُ ، أَوْ كَانَ أَمَةً ، فَأَحْبَلَهَا ، أَعْتَقَهُ ، وَأَجْزَأَهُ ؛ لِأَنَّ الرِّقَّ بَاقٍ فِيهِ .\rوَإِنْ اسْتَغَلَّهُ ، أَوْ أَخَذَ مِنْ كَسْبِهِ شَيْئًا ، فَهُوَ لَهُ .\rوَإِنْ مَاتَ الْمَبِيعُ ، رَجَعَ الْبَائِعُ عَلَى الْمُشْتَرِي بِمَا نَقَصَهُ شَرْطُ الْعِتْقِ ، فَيُقَالُ : كَمْ قِيمَتُهُ لَوْ بِيعَ مُطْلَقًا ؟ وَكَمْ يُسَاوِي إذَا بِيعَ بِشَرْطِ الْعِتْقِ ؟ فَيَرْجِعُ بِقِسْطِ ذَلِكَ مِنْ ثَمَنِهِ ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ وَفِي الْآخَرِ يَضْمَنُ مَا نَقَصَ مِنْ قِيمَتِهِ .\rالضَّرْبُ الثَّانِي ، أَنْ يَشْتَرِطَ غَيْرَ الْعِتْقِ ؛ مِثْلُ أَنْ يَشْتَرِطَ أَنْ لَا يَبِيعَ ، وَلَا يَهَبَ ، وَلَا يَعْتِقَ ، وَلَا يَطَأَ .\rأَوْ يَشْتَرِطَ عَلَيْهِ أَنْ يَبِيعَهُ ، أَوْ يَقِفَهُ ، أَوْ مَتَى نَفَقَ الْمَبِيعُ وَإِلَّا رَدَّهُ ، أَوْ إنْ غَصَبَهُ غَاصِبٌ رَجَعَ عَلَيْهِ بِالثَّمَنِ ، وَإِنْ أَعْتَقَهُ فَالْوَلَاءُ لَهُ .\rفَهَذِهِ وَمَا أَشْبَهَهَا شُرُوطٌ فَاسِدَةٌ .\rوَهَلْ يَفْسُدُ بِهَا الْبَيْعُ ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ ؛ قَالَ الْقَاضِي : الْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّ الْبَيْعَ صَحِيحٌ .\rوَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ هَاهُنَا .\rوَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ ،","part":8,"page":420},{"id":3920,"text":"وَالشَّعْبِيِّ وَالنَّخَعِيِّ وَالْحَكَمِ وَابْنِ أَبِي لَيْلَى ، وَأَبِي ثَوْرٍ .\rوَالثَّانِيَةُ ، الْبَيْعُ فَاسِدٌ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ لِأَنَّ { النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ بَيْعٍ وَشَرْطٍ } وَلِأَنَّهُ شَرْطٌ فَاسِدٌ ، فَأَفْسَدَ الْبَيْعَ ، كَمَا لَوْ شَرَطَ فِيهِ عَقْدًا آخَرَ .\rوَلِأَنَّ الشَّرْطَ إذَا فَسَدَ ، وَجَبَ الرُّجُوعُ بِمَا نَقَصَهُ الشَّرْطُ مِنْ الثَّمَنِ ، وَذَلِكَ مَجْهُولٌ فَيَصِيرُ الثَّمَنُ مَجْهُولًا .\rوَلِأَنَّ الْبَائِعَ إنَّمَا رَضِيَ بِزَوَالِ مِلْكِهِ عَنْ الْمَبِيعِ بِشَرْطِهِ ، وَالْمُشْتَرِي كَذَلِكَ إذَا كَانَ الشَّرْطُ لَهُ ، فَلَوْ صَحَّ الْبَيْعُ بِدُونِهِ ، لَزَالَ مِلْكُهُ بِغَيْرِ رِضَاهُ ، وَالْبَيْعُ مِنْ شَرْطِهِ التَّرَاضِي .\rوَلَنَا ، مَا رَوَتْ عَائِشَةُ ، قَالَتْ : { جَاءَتْنِي بَرِيرَةُ ، فَقَالَتْ : كَاتَبْت أَهْلِي عَلَى تِسْعِ أَوَاقٍ ، فِي كُلِّ عَامٍ أُوقِيَّةٌ ، فَأَعِينِينِي .\rفَقُلْت : إنْ أَحَبَّ أَهْلُك أَنْ أَعُدَّهَا لَهُمْ عِدَّةً وَاحِدَةً ، وَيَكُونَ لِي وَلَاؤُك فَعَلْت .\rفَذَهَبَتْ بَرِيرَةُ إلَى أَهْلِهَا ، فَقَالَتْ لَهُمْ ، فَأَبَوْا عَلَيْهَا ، فَجَاءَتْ مِنْ عِنْدِهِمْ ، وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَالِسٌ ، فَقَالَتْ : إنِّي عَرَضْت عَلَيْهِمْ ، فَأَبَوْا ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْوَلَاءُ لَهُمْ .\rفَسَمِعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرَتْ عَائِشَةُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : خُذِيهَا ، وَاشْتَرِطِي الْوَلَاءَ ، فَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ فَفَعَلَتْ عَائِشَةُ ، ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي النَّاسِ ، فَحَمِدَ اللَّهَ ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، ثُمَّ قَالَ : أَمَّا بَعْدُ ، مَا بَالُ رِجَالٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ ، مَا كَانَ مِنْ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ ، وَإِنْ كَانَ مِائَةَ شَرْطٍ ، قَضَاءُ اللَّهِ أَحَقُّ ، وَشَرْطُ اللَّهِ أَوْثَقُ ، وَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rفَأَبْطَلَ الشَّرْطَ ، وَلَمْ يُبْطِلْ الْعَقْدَ .\rقَالَ ابْنُ","part":8,"page":421},{"id":3921,"text":"الْمُنْذِرِ : خَبَرُ بَرِيرَةَ ثَابِتٌ .\rوَلَا نَعْلَمُ خَبَرًا يُعَارِضُهُ ، فَالْقَوْلُ بِهِ يَجِبُ .\rفَإِنْ قِيلَ : الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ : \" اشْتَرِطِي لَهُمْ الْوَلَاءَ \" .\rأَيْ عَلَيْهِمْ .\rبِدَلِيلِ أَنَّهُ أَمَرَهَا بِهِ ، وَلَا يَأْمُرُهَا بِفَاسِدٍ .\rقُلْنَا : لَا يَصِحُّ هَذَا التَّأْوِيلُ بِوَجْهَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، أَنَّ الْوَلَاءَ لَهَا بِإِعْتَاقِهَا فَلَا حَاجَةَ إلَى اشْتِرَاطِهِ .\rالثَّانِي ، أَنَّهُمْ أَبَوْا الْبَيْعَ ، إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْوَلَاءَ لَهُمْ ، فَكَيْفَ يَأْمُرُهَا بِمَا يَعْلَمُ أَنَّهُمْ لَا يَقْبَلُونَهُ مِنْهَا ؟ وَأَمَّا أَمْرُهُ بِذَلِكَ فَلَيْسَ هُوَ أَمْرًا عَلَى الْحَقِيقَةِ ، وَإِنَّمَا هُوَ صِيغَةُ الْأَمْرِ بِمَعْنَى التَّسْوِيَةِ بَيْنَ الِاشْتِرَاطِ وَتَرْكِهِ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى { : اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ } وَقَوْلِهِ { : فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا } وَالتَّقْدِيرُ : وَاشْتَرِطِي لَهُمْ الْوَلَاءَ ، أَوْ لَا تَشْتَرِطِي .\rوَلِهَذَا قَالَ عَقِيبَهُ : { فَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ } .\rوَحَدِيثُهُمْ لَا أَصِلَ لَهُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا ، وَمَا ذَكَرُوهُ مِنْ الْمَعْنَى فِي مُقَابَلَةِ النَّصِّ غَيْرُ مَقْبُولٍ .\r( 3119 ) فَصْلٌ : فَإِنْ حَكَمْنَا بِصِحَّةِ الْبَيْعِ ، فَلِلْبَائِعِ الرُّجُوعُ بِمَا نَقَصَهُ الشَّرْطُ مِنْ الثَّمَنِ .\rذَكَرَهُ الْقَاضِي .\rوَلِلْمُشْتَرِي الرُّجُوعُ بِزِيَادَةِ الثَّمَنِ إنْ كَانَ هُوَ الْمُشْتَرِطَ ؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ إنَّمَا سَمَحَ بِبَيْعِهَا بِهَذَا الثَّمَنِ ، لِمَا يَحْصُلُ لَهُ مِنْ الْغَرَضِ بِالشَّرْطِ ، وَالْمُشْتَرِي إنَّمَا سَمَحَ بِزِيَادَةِ الثَّمَنِ مِنْ أَجَلِ شَرْطِهِ ، فَإِذَا لَمْ يَحْصُلْ غَرَضُهُ ، يَنْبَغِي أَنْ يَرْجِعَ بِمَا سَمَحَ بِهِ ، كَمَا لَوْ وَجَدَهُ مَعِيبًا .\r( 3120 ) فَصْلٌ : فَإِنْ حَكَمْنَا بِفَسَادِ الْعَقْدِ ، لَمْ يَحْصُلْ بِهِ مِلْكٌ ، سَوَاءٌ اتَّصَلَ بِهِ الْقَبْضُ ، أَوْ لَمْ يَتَّصِلْ .\rوَلَا يَنْفُذُ تَصَرُّفُ الْمُشْتَرِي فِيهِ بِبَيْعِ ، وَلَا هِبَةٍ ، وَلَا عِتْقٍ ، وَلَا غَيْرِهِ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إلَى أَنَّ الْمِلْكَ يَثْبُتُ فِيهِ إذَا اتَّصَلَ بِهِ","part":8,"page":422},{"id":3922,"text":"الْقَبْضُ ، وَلِلْبَائِعِ الرُّجُوعُ فِيهِ ، فَيَأْخُذُهُ مَعَ الزِّيَادَةِ الْمُنْفَصِلَةِ ، إلَّا أَنْ يَتَصَرَّفَ فِيهِ الْمُشْتَرِي تَصَرُّفًا يَمْنَعُ الرُّجُوعَ فِيهِ ، فَيَأْخُذَ قِيمَتَهُ وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ بَرِيرَةَ ؛ فَإِنَّ عَائِشَةَ اشْتَرَتْهَا بِشَرْطِ الْوَلَاءِ ، فَأَعْتَقَتْهَا ، فَأَجَازَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْعِتْقَ ، وَالْبَيْعُ فَاسِدٌ .\rوَلِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ عَلَى صِفَةٍ يَمْلِكُ الْمَبِيعَ ابْتِدَاءً بِعَقْدٍ ، وَقَدْ حَصَلَ عَلَيْهِ الضَّمَانُ لِلْبَدَلِ عَنْ عَقْدٍ فِيهِ تَسْلِيطٌ ، فَوَجَبَ أَنْ يَمْلِكَهُ ، كَمَا لَوْ كَانَ الْعَقْدُ صَحِيحًا .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ مَقْبُوضٌ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ ، فَلَمْ يَمْلِكْهُ ، كَمَا لَوْ كَانَ الثَّمَنُ مَيْتَةً ، أَوْ دَمًا فَأَمَّا حَدِيثُ بَرِيرَةَ فَإِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ الْعَقْدِ ، لَا عَلَى مَا ذَكَرُوهُ .\rوَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ عَائِشَةَ اشْتَرَتْهَا بِهَذَا الشَّرْطِ ، بَلْ الظَّاهِرُ أَنَّ أَهْلَ بَرِيرَةَ حِينَ بَلَغَهُمْ إنْكَارُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذَا الشَّرْطَ تَرَكُوهُ ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّ الشَّرْطَ كَانَ سَابِقًا لِلْعَقْدِ ، فَلَمْ يُؤَثِّرْ فِيهِ .\r( 3121 ) فَصْلٌ : وَعَلَيْهِ رَدُّ الْمَبِيعِ ، مَعَ نَمَائِهِ الْمُتَّصِلِ وَالْمُنْفَصِلِ ، وَأُجْرَةِ مِثْلِهِ مُدَّةَ بَقَائِهِ فِي يَدِهِ ، وَإِنْ نَقَصَ ضَمِنَ نَقْصَهُ ؛ لِأَنَّهَا جُمْلَةٌ مَضْمُونَةٌ ، فَأَجْزَاؤُهَا تَكُونُ مَضْمُونَةً أَيْضًا .\rفَإِنْ تَلِفَ الْمَبِيعُ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي ، فَعَلَيْهِ ضَمَانُهُ بِقِيمَتِهِ يَوْمَ التَّلَفِ .\rقَالَهُ الْقَاضِي .\rوَلِأَنَّ أَحْمَدَ نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْغَصْبِ ، وَلِأَنَّهُ قَبَضَهُ بِإِذْنِ مَالِكِهِ ، فَأَشْبَهَ الْعَارِيَّةَ ، وَذَكَرَ الْخِرَقِيِّ فِي الْغَصْبِ ، أَنَّهُ يَلْزَمُهُ قِيمَتُهُ أَكْثَرَ مَا كَانَتْ ، فَيَخْرُجُ هَاهُنَا كَذَلِكَ ، وَهُوَ أَوْلَى ؛ لِأَنَّ الْعَيْنَ كَانَتْ عَلَى مِلْكِ صَاحِبِهَا فِي حَالِ زِيَادَتِهَا ، وَعَلَيْهِ ضَمَانُ نَقْصِهَا مَعَ زِيَادَتِهَا ، فَكَذَلِكَ فِي حَالِ تَلَفِهَا ، كَمَا لَوْ أَتْلَفَهَا بِالْجِنَايَةِ ، وَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَجْهَانِ كَهَذَيْنِ .","part":8,"page":423},{"id":3923,"text":"( 3122 ) فَصْلٌ : فَإِنْ كَانَ الْمَبِيعُ أَمَةً ، فَوَطِئَهَا الْمُشْتَرِي ، فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ ؛ لِاعْتِقَادِهِ أَنَّهَا مِلْكُهُ ، وَلِأَنَّ فِي الْمِلْكِ اخْتِلَافًا .\rوَعَلَيْهِ مَهْرُ مِثْلِهَا ؛ لِأَنَّ الْحَدَّ إذَا سَقَطَ لِلشُّبْهَةِ ، وَجَبَ الْمَهْرُ .\rوَلِأَنَّ الْوَطْءَ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ يُوجِبُ الْمَهْرَ .\rوَعَلَيْهِ أَرْشُ الْبَكَارَةِ ، إنْ كَانَتْ بِكْرًا .\rفَإِنْ قِيلَ : أَلَيْسَ إذَا تَزَوَّجَ امْرَأَةً تَرْوِيجًا فَاسِدًا ، فَوَطِئَهَا ، فَأَزَالَ بَكَارَتَهَا ، لَا يَضْمَنُ الْبَكَارَةَ ؟ قُلْنَا : لِأَنَّ النِّكَاحَ تَضَمَّنَ الْإِذْنَ فِي الْوَطْءِ الْمُذْهِبِ لِلْبَكَارَةِ ؛ لِأَنَّهُ مَعْقُودٌ عَلَى الْوَطْءِ ، وَلَا كَذَلِكَ الْبَيْعُ ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بِمَعْقُودٍ عَلَى الْوَطْءِ ؛ بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَجُوزُ شِرَاءُ مَنْ لَا يَحِلُّ وَطْؤُهَا ، وَلَا يَحِلُّ نِكَاحُهَا .\rفَإِنْ قِيلَ : فَإِذَا أَوْجَبْتُمْ مَهْرَ بِكْرٍ ، فَكَيْفَ تُوجِبُونَ ضَمَانَ الْبَكَارَةِ ، وَقَدْ دَخَلَ ضَمَانُهَا فِي الْمَهْرِ ؟ وَإِذَا أَوْجَبْتُمْ ضَمَانَ الْبَكَارَةِ ، فَكَيْفَ تُوجِبُونَ مَهْرَ بِكْرٍ ، وَقَدْ أَدَّى عِوَضَ الْبَكَارَةِ بِضَمَانِهِ لَهَا ، فَجَرَى مَجْرَى مَنْ أَزَالَ بَكَارَتَهَا بِأُصْبُعِهِ ، ثُمَّ وَطِئَهَا ؟ قُلْنَا : لِأَنَّ مَهْرَ الْبِكْرِ ضَمَانُ الْمَنْفَعَةِ ، وَأَرْشُ الْبَكَارَةِ ضَمَانُ جُزْءٍ ، فَلِذَلِكَ اجْتَمَعَا ، وَأَمَّا الثَّانِي فَإِنَّهُ إذَا وَطِئَهَا بِكْرًا ، فَقَدْ اسْتَوْفَى نَفْعَ هَذَا الْجُزْءِ ، فَوَجَبَتْ قِيمَتُهُ بِمَا اسْتَوْفَى مِنْ نَفْعِهِ ، فَإِذَا أَتْلَفَهُ وَجَبَ ضَمَانُ عَيْنِهِ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ تُضْمَنَ الْعَيْنُ ، وَيَسْقُطَ ضَمَانُ الْمَنْفَعَةِ ، كَمَا لَوْ غَصَبَ عَيْنًا ذَاتَ مَنْفَعَةٍ ، فَاسْتَوْفَى مَنْفَعَتَهَا ، ثُمَّ أَتْلَفَهَا ، أَوْ غَصَبَ ثَوْبًا ، فَلَبِسَهُ حَتَّى أَبْلَاهُ وَأَتْلَفَهُ ، فَإِنَّهُ يَضْمَنُ الْقِيمَةَ وَالْمَنْفَعَةَ كَذَا هَاهُنَا .\r( 3123 ) فَصْلٌ : وَإِنْ وَلَدَتْ كَانَ وَلَدُهَا حُرًّا ؛ لِأَنَّهُ وَطِئَهَا بِشُبْهَةٍ .\rوَيَلْحَقُ بِهِ النَّسَبُ لِذَلِكَ ، وَلَا وَلَاءَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ حُرُّ الْأَصْلِ وَعَلَى الْوَاطِئِ قِيمَتُهُ يَوْمَ وَضْعِهِ","part":8,"page":424},{"id":3924,"text":"؛ لِأَنَّهُ يَوْمُ الْحَيْلُولَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ صَاحِبِهِ ، فَإِنْ سَقَطَ مَيْتًا ، لَمْ يَضْمَنْ ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَضْمَنُهُ حِينَ وَضَعَهُ ، وَلَا قِيمَةَ لَهُ حِينَئِذٍ .\rفَإِنْ قِيلَ : فَلَوْ ضَرَبَ بَطْنَهَا فَأَلْقَتْ جَنِينًا مَيِّتًا ، وَجَبَ ضَمَانُهُ .\rقُلْنَا : الضَّارِبُ يَجِبُ عَلَيْهِ غُرَّةٌ ، وَهَاهُنَا يَضْمَنُهُ بِقِيمَتِهِ ، وَلَا قِيمَةَ لَهُ ، وَلِأَنَّ الْجَانِيَ أَتْلَفَهُ ، وَقَطَعَ نَمَاءَهُ ، وَهَاهُنَا يَضْمَنُهُ بِالْحَيْلُولَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَيِّدِهِ ، وَوَقْتُ الْحَيْلُولَةِ وَقْتُ السُّقُوطِ ، وَكَانَ مَيِّتًا ، فَلَمْ يَجِبْ ضَمَانُهُ ، وَعَلَيْهِ ضَمَانُ نَقْصِ الْوِلَادَةِ .\rوَإِنْ ضَرَبَ بَطْنَهَا أَجْنَبِيُّ فَأَلْقَتْ جَنِينًا مَيِّتًا ، فَعَلَى الضَّارِبِ غُرَّةٌ ، عَبْدٌ أَوْ أَمَةٌ لِلسَّيِّدِ مِنْهَا أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ أَرْشِ الْجَنِينِ ، أَوْ قِيمَتِهِ يَوْمَ سَقَطَ ؛ لِأَنَّ ضَمَانَ الضَّارِبِ لَهُ قَامَ مَقَامَ خُرُوجِهِ حَيًّا ، وَلِذَلِكَ ضَمِنَهُ الْبَائِعُ .\rوَإِنَّمَا كَانَ لِلسَّيِّدِ أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ ؛ لِأَنَّ الْغُرَّةَ إنْ كَانَتْ أَكْثَرَ مِنْ الْقِيمَةِ ، فَالْبَاقِي مِنْهَا لِوَرَثَتِهِ ؛ لِأَنَّهُ حَصَلَ بِالْحُرِّيَّةِ ، فَلَا يَسْتَحِقُّ السَّيِّدُ مِنْهَا شَيْئًا .\rوَإِنْ كَانَتْ أَقَلَّ ، لَمْ يَكُنْ عَلَى الضَّارِبِ أَكْثَرُ مِنْهَا ؛ لِأَنَّهُ بِسَبَبِ ذَلِكَ ضَمِنَ .\rوَإِنْ ضَرَبَ الْوَاطِئُ بَطْنَهَا ، فَأَلْقَتْ الْجَنِينَ مَيِّتًا ، فَعَلَيْهِ الْغُرَّةُ أَيْضًا ، وَلَا يَرِثُ مِنْهَا شَيْئًا ، وَلِلسَّيِّدِ أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ كَمَا ذَكَرْنَا .\rوَإِنْ سَلَّمَ الْجَارِيَةَ الْمَبِيعَةَ إلَى الْبَائِعِ حَامِلًا ، فَوَلَدَتْ عِنْدَهُ ، ضَمِنَ نَقْصَ الْوِلَادَةِ ، وَإِنْ تَلِفَتْ بِذَلِكَ ضَمِنَهَا ؛ لِأَنَّ تَلَفَهَا بِسَبَبِ مِنْهُ .\rوَإِنْ مَلَكَهَا الْوَاطِئُ ، لَمْ تَصِرْ بِذَلِكَ أُمَّ وَلَدٍ ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ ؛ لِأَنَّهَا عَلِقَتْ مِنْهُ فِي غَيْرِ مِلْكِهِ ، فَأَشْبَهَ الزَّوْجَةَ .\rوَهَكَذَا كُلُّ مَوْضِعٍ حَبِلَتْ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ ، وَلَا تَصِيرُ لَهُ أُمَّ وَلَدٍ بِهَذَا .","part":8,"page":425},{"id":3925,"text":"( 3124 ) فَصْلٌ : إذَا بَاعَ الْمُشْتَرِي الْمَبِيعَ الْفَاسِدَ ، لَمْ يَصِحَّ ؛ لِأَنَّهُ بَاعَ مِلْكَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ ، وَعَلَى الْمُشْتَرِي رَدُّهُ عَلَى الْبَائِعِ الْأَوَّلِ ؛ لِأَنَّهُ مَالِكٌ ، وَلِبَائِعِهِ أَخْذُهُ حَيْثُ وُجِدَ ، وَيَرْجِعُ الْمُشْتَرِي الثَّانِي بِالثَّمَنِ عَلَى الَّذِي بَاعَهُ ، وَيَرْجِعُ الْأَوَّلُ عَلَى بَائِعِهِ ، فَإِنْ تَلِفَ فِي يَدِ الثَّانِي ، فَلِلْبَائِعِ مُطَالَبَةُ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ ضَامِنٌ ، وَالثَّانِيَ قَبَضَهُ مِنْ يَدِ ضَامِنِهِ بِغَيْرِ إذْنِ صَاحِبِهِ ، فَكَانَ ضَامِنًا .\rفَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ أَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِهِ ، فَضَمِنَ الثَّانِي ، لَمْ يَرْجِعْ بِالْفَضْلِ عَلَى الْأَوَّلِ ؛ لِأَنَّ التَّلَفَ فِي يَدِهِ ، فَاسْتَقَرَّ الضَّمَانُ عَلَيْهِ .\rفَإِنْ ضَمِنَ الْأَوَّلُ ، رَجَعَ بِالْفَضْلِ عَلَى الثَّانِي .","part":8,"page":426},{"id":3926,"text":"( 3125 ) فَصْلٌ : وَإِنْ زَادَ الْمَبِيعُ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي ، بِسِمَنٍ ، أَوْ نَحْوِهِ ، ثُمَّ نَقَصَ حَتَّى عَادَ إلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ ، أَوْ وَلَدَتْ الْأَمَةُ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي ، ثُمَّ مَاتَ وَلَدُهَا ، احْتَمَلَ أَنْ يَضْمَنَ تِلْكَ الزِّيَادَةَ ؛ لِأَنَّهَا زِيَادَةٌ فِي عَيْنٍ مَضْمُونَةٍ ، أَشْبَهَتْ الزِّيَادَةَ فِي الْمَغْصُوبِ ، وَاحْتَمَلَ أَنْ لَا يَضْمَنَهَا ؛ لِأَنَّهُ دَخَلَ عَلَى أَنْ لَا يَكُونَ فِي مُقَابَلَةِ الزِّيَادَةِ عِوَضٌ ، فَعَلَى هَذَا تَكُونُ الزِّيَادَةُ أَمَانَةً فِي يَدِهِ ، فَإِنْ تَلِفَتْ بِتَفْرِيطِهِ ، أَوْ عُدْوَانِهِ ، ضَمِنَهَا ، وَإِلَّا فَلَا ، وَإِنْ تَلْفِتْ الْعَيْنُ بَعْدَ زِيَادَتِهَا أَسْقَطَ تِلْكَ الزِّيَادَةَ مِنْ الْقِيمَةِ ، وَضَمِنَهَا بِمَا بَقِيَ مِنْ الْقِيمَةِ ، حِينَ التَّلَفِ .\rقَالَ الْقَاضِي : وَهَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ .","part":8,"page":427},{"id":3927,"text":"( 3126 ) فَصْلٌ : إذَا بَاعَ بَيْعًا فَاسِدًا وَتَقَابَضَا ثُمَّ أَتْلَفَ الْبَائِعُ الثَّمَنَ ثُمَّ أَفْلَسَ فَلَهُ الرُّجُوعُ فِي الْمَبِيعِ وَلِلْمُشْتَرِي أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ الْمُشْتَرِي أَحَقُّ بِالْمَبِيعِ مِنْ سَائِرِ الْغُرَمَاءِ لِأَنَّهُ فِي يَدِهِ فَكَانَ أَحَقَّ بِهِ كَالْمُرْتَهِنِ .\rوَلَنَا أَنَّهُ لَمْ يَقْبِضْهُ وَثِيقَةً فَلَمْ يَكُنْ أَحَقَّ بِهِ كَمَا لَوْ كَانَ وَدِيعَةً عِنْدَهُ بِخِلَافِ الْمُرْتَهِنِ فَإِنَّهُ قَبَضَهُ عَلَى أَنَّهُ وَثِيقَةٌ بِحَقِّهِ .","part":8,"page":428},{"id":3928,"text":"( 3127 ) فَصْلٌ : إذَا قَالَ : بِعْ عَبْدَك مِنْ فُلَانٍ عَلَى أَنَّ عَلَيَّ خَمْسَمِائَةٍ فَبَاعَهُ بِهَذَا الشَّرْطِ فَالْبَيْعُ فَاسِدٌ لِأَنَّ الثَّمَنَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ جَمِيعَهُ عَلَى الْمُشْتَرِي فَإِذَا شَرَطَ كَوْنَ بَعْضِهِ عَلَى غَيْرِهِ ، لَمْ يَصِحَّ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ الْمَنْعَ ، وَالثَّمَنُ عَلَى غَيْرِهِ ، وَلَا يُشْبِهُ هَذَا مَا لَوْ قَالَ : أَعْتِقْ عَبْدَكَ ، أَوْ طَلِّقْ امْرَأَتَكَ وَعَلَيَّ خَمْسُمِائَةٍ لِكَوْنِ هَذَا عِوَضًا فِي مُقَابَلَةِ فَكِّ الزَّوْجِيَّةِ وَرَقَبَةِ الْعَبْدِ ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَجُزْ فِي النِّكَاحِ أَمَّا فِي مَسْأَلَتِنَا فَإِنَّهُ مُعَاوَضَةٌ فِي مُقَابَلَةِ نَقْلِ الْمِلْكِ ، فَلَا يَثْبُتُ لِمَنْ الْعِوَضُ عَلَى غَيْرِهِ ، وَإِنْ كَانَ هَذَا الْقَوْلُ عَلَى وَجْهِ الضَّمَانِ صَحَّ الْبَيْعُ وَلَزِمَ الضَّمَانُ .","part":8,"page":429},{"id":3929,"text":"( 3128 ) فَصْلٌ وَالْعُرْبُونُ فِي الْبَيْعِ هُوَ أَنْ يَشْتَرِيَ السِّلْعَةَ فَيَدْفَعَ إلَى الْبَائِعِ دِرْهَمًا أَوْ غَيْرَهُ عَلَى أَنَّهُ إنْ أَخَذَ السِّلْعَةَ احْتَسَبَ بِهِ مِنْ الثَّمَنِ ، وَإِنْ لَمْ يَأْخُذْهَا فَذَلِكَ لِلْبَائِعِ يُقَالُ عُرْبُونٌ وَأُرْبُونٌ وَعُرْبَانٌ وَأُرْبَانٌ ، قَالَ أَحْمَدْ لَا بَأْسَ بِهِ وَفَعَلَهُ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ أَجَازَهُ ، وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ لَا بَأْسَ بِهِ ، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَابْنُ سِيرِينَ لَا بَأْسَ إذَا كَرِهَ السِّلْعَةَ أَنْ يَرُدَّهَا يَرُدُّ مَعَهَا شَيْئًا وَقَالَ أَحْمَدُ هَذَا فِي مَعْنَاهُ ، وَاخْتَارَ أَبُو الْخَطَّابِ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ يُرْوَى ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنِ لِأَنَّ { النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ بَيْعِ الْعُرْبُونِ } رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ ، وَلِأَنَّهُ شَرَطَ لِلْبَائِعِ شَيْئًا بِغَيْرِ عِوَضٍ فَلَمْ يَصِحَّ كَمَا لَوْ شَرَطَهُ لِأَجْنَبِيٍّ وَلِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْخِيَارِ الْمَجْهُولِ فَإِنَّهُ اشْتَرَطَ أَنَّ لَهُ رَدَّ الْبَيْعِ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ مُدَّةٍ فَلَمْ يَصِحَّ كَمَا لَوْ قَالَ وَلِي الْخِيَارُ مَتَى شِئْتُ رَدَدْت السِّلْعَةَ وَمَعَهَا دِرْهَمًا ، وَهَذَا هُوَ الْقِيَاسُ وَإِنَّمَا صَارَ أَحْمَدُ فِيهِ إلَى مَا رُوِيَ فِيهِ عَنْ نَافِعِ بْنِ عَبْدِ الْحَارِثِ أَنَّهُ اشْتَرَى لِعُمَرَ دَارَ السِّجْنِ مِنْ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ فَإِنْ رَضِيَ عُمَرُ وَإِلَّا فَلَهُ كَذَا وَكَذَا .\rقَالَ الْأَثْرَمُ قُلْت لِأَحْمَدَ تَذْهَبُ إلَيْهِ ؟ قَالَ أَيُّ شَيْءٍ أَقُلْ ؟ هَذَا عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَضَعَّفَ الْحَدِيثَ الْمَرْوِيَّ رَوَى هَذِهِ الْقِصَّةَ الْأَثْرَمُ بِإِسْنَادِهِ ، فَأَمَّا إنْ دَفَعَ إلَيْهِ قَبْلَ الْبَيْعِ دِرْهَمًا وَقَالَ لَا تَبِعْ هَذِهِ السِّلَعَ لِغَيْرِي وَإِنْ لَمْ أَشْتَرِهَا مِنْك فَهَذَا الدِّرْهَمُ لَك .\rثُمَّ اشْتَرَاهَا مِنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِعَقْدٍ مُبْتَدِئٍ وَحَسَبَ الدِّرْهَمَ مِنْ الثَّمَنِ صَحَّ لِأَنَّ الْبَيْعَ خَلَا عِنْدَ الشَّرْطِ الْمُفْسِدِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّ الشِّرَاءَ","part":8,"page":430},{"id":3930,"text":"الَّذِي اُشْتُرِيَ لِعُمَرَ كَانَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ فَيُحْتَمَلُ عَلَيْهِ جَمْعًا بَيْنَ فِعْلِهِ وَبَيْنَ الْخَبَرِ وَمُوَافَقَةِ الْقِيَاسِ وَالْأَئِمَّةِ الْقَائِلِينَ بِفَسَادِ الْعُرْبُونِ وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِ السِّلْعَةَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ لَمْ يَسْتَحِقَّ الْبَائِعُ الدِّرْهَمَ لِأَنَّهُ يَأْخُذُهُ بِغَيْرِ عِوَضٍ وَلِصَاحِبِهِ الرُّجُوعُ فِيهِ وَلَا يَصِحُّ جَعْلُهُ عِوَضًا عَنْ انْتِظَارِهِ وَتَأْخُذُ بَيْعَهُ مِنْ أَجْلِهِ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ عِوَضًا عَنْ ذَلِكَ لَمَا جَازَ جَعْلُهُ مِنْ الثَّمَنِ فِي حَالِ الشِّرَاءِ ، وَلِأَنَّ الِانْتِظَارَ بِالْبَيْعِ لَا تَجُوزُ الْمُعَاوَضَةُ عَنْهُ وَلَوْ جَازَتْ تُوجِبُ أَنْ يَكُنْ مَعْلُومَ الْمِقْدَارِ كَمَا فِي الْإِجَارَةِ .","part":8,"page":431},{"id":3931,"text":"( 3129 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ وَإِذَا قَالَ بِعْتُك بِكَذَا عَلَى أَنْ آخُذَ مِنْك الدِّينَارَ بِكَذَا لَمْ يَنْعَقِدْ الْبَيْعُ وَكَذَلِكَ إنْ بَاعَهُ بِذَهَبٍ عَلَى أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ دَرَاهِمَ بِصَرْفٍ ذَكَرَاهُ .\rوَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْبَيْعَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ بَاطِلٌ لِأَنَّهُ شَرَطَ فِي الْعَقْدِ أَنْ يُصَارِفَهُ بِالثَّمَنِ الَّذِي وَقَعَ الْعَقْدُ بِهِ ، وَالْمُصَارَفَةُ عَقْدُ بَيْعٍ فَيَكُونُ بَيْعَتَانِ فِي بَيْعَةٍ قَالَ أَحْمَدُ هَذَا مَعْنَاهُ ، وَقَدْ رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ { نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ } ، أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهَكَذَا كُلُّ مَا كَانَ فِي مَعْنَى هَذَا مِثْلُ أَنْ يَقُولَ بِعْتُك دَارِي هَذِهِ عَلَى أَنْ أَبِيعَكَ دَارِي الْأُخْرَى بِكَذَا أَوْ عَلَى أَنْ تَبِيعَنِي دَارَك أَوْ عَلَى أَنْ أُؤَجِّرَكَ أَوْ عَلَى أَنْ تُؤْجِرَنِي كَذَا أَوْ عَلَى أَنْ تُزَوِّجَنِي ابْنَتَك أَوْ عَلَى أَنْ أُزَوِّجَكَ ابْنَتِي وَنَحْوَ هَذَا فَهَذَا كُلُّهُ لَا يَصِحُّ .\rقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ الصَّفْقَتَانِ فِي صَفْقَةٍ رِبًا وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَجُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ ، وَجَوَّزَهُ مَالِكٌ وَقَالَ لَا أَلْتَفِتُ إلَى اللَّفْظِ الْفَاسِدِ إذَا كَانَ مَعْلُومًا حَلَالًا فَكَأَنَّهُ بَاعَ السِّلْعَةَ بِالدَّرَاهِمِ الَّتِي ذَكَرَ أَنَّهُ يَأْخُذُهَا بِالدَّنَانِيرِ .\rوَلَنَا الْخَبَرُ وَأَنَّ النَّهْيَ يَقْتَضِي الْفَسَادَ وَلِأَنَّ الْعَقْدَ لَا يَجِبُ بِالشَّرْطِ لِكَوْنِهِ لَا يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ فَيَسْقُطُ فَيُفْسِدُ الْعَقْدَ لِأَنَّ الْبَائِعَ لَمْ يَرْضَ بِهِ إلَّا بِذَلِكَ الشَّرْطِ فَإِذَا فَاتَ فَاتَ الرِّضَا بِهِ ، وَلِأَنَّهُ شَرَطَ عَقْدًا فِي عَقْدٍ .\rلَمْ يَصِحَّ كَنِكَاحِ الشِّغَارِ ، وَقَوْلُهُ لَا أَلْتَفِتُ إلَى اللَّفْظِ لَا يَصِحُّ لِأَنَّ الْبَيْعَ هُوَ اللَّفْظُ فَإِذَا كَانَ فَاسِدًا فَكَيْفَ يَكُنْ صَحِيحًا ؟ وَيَتَخَرَّجُ أَنْ يَصِحَّ الْبَيْعُ وَيَفْسُدَ الشَّرْطُ بِنَاءً عَلَى مَا لَوْ شَرَطَ مَا","part":8,"page":432},{"id":3932,"text":"يُنَافِي مُقْتَضَى الْعَقْدِ كَمَا سَبَقَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .\r( 3130 ) فَصْلٌ وَقَدْ رُوِيَ فِي تَفْسِيرِ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ وَجْهٌ آخَرُ وَهُوَ أَنْ يَقُولَ بِعْتُك هَذَا الْعَبْدَ بِعَشَرَةٍ نَقْدًا أَوْ بِخَمْسَةَ عَشَرَ نَسِيئَةً أَوْ بِعَشَرَةٍ مُكَسَّرَةٍ ، أَوْ تِسْعَةً صِحَاحًا .\rهَكَذَا فَسَّرَهُ مَالِكٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَإِسْحَاقُ وَهُوَ أَيْضًا بَاطِلٌ وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ لِأَنَّهُ لَمْ يَجْزِمْ لَهُ بِبَيْعٍ وَاحِدٍ فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَالَ بِعْتُك هَذَا أَوْ هَذَا ، وَلِأَنَّ الثَّمَنَ مَجْهُولٌ فَلَمْ يَصِحَّ كَالْبَيْعِ بِالرَّقْمِ الْمَجْهُولِ وَلِأَنَّ أَحَدَ الْعِوَضَيْنِ غَيْرُ مُعَيَّنٍ وَلَا مَعْلُومٍ فَلَمْ يَصِحَّ كَمَا لَوْ قَالَ بِعْتُك أَحَدَ عَبِيدِي وَقَدْ رُوِيَ عَنْ طَاوُسٍ وَالْحَكَمِ وَحَمَّادٍ أَنَّهُمْ قَالُوا لَا بَأْسَ أَنْ يَقُولَ أَبِعْك بِالنَّقْدِ بِكَذَا وَبِالنَّسِيئَةِ بِكَذَا فَيَذْهَبُ عَلَى أَحَدِهِمَا وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ جَرَى بَيْنَهُمَا بَعْدَمَا يَجْرِي فِي الْعَقْدِ فَكَأَنَّ الْمُشْتَرِيَ قَالَ أَنَا آخُذُهُ بِالنَّسِيئَةِ بِكَذَا فَقَالَ : خُذْهُ أَوْ قَدْ رَضِيتُ وَنَحْوُ ذَلِكَ فَيَكُونُ عَقْدًا كَافِيًا وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ مَا يَقُومُ مَقَامَ الْإِيجَابِ أَوْ يَدُلُّ عَلَيْهِ ، لَمْ يَصِحَّ ؛ لِأَنَّ مَا مَضَى مِنْ الْقَوْلِ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ إيجَابًا لِمَا ذَكَرْنَاهُ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ فِي مَنْ قَالَ وَإِنْ خِطْتَهُ الْيَوْمَ فَلَكَ دِرْهَمٌ وَإِنْ خِطْتَهُ غَدًا فَلَكَ نِصْفُ دِرْهَمٍ أَنَّهُ يَصِحُّ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَلْحَقَ بِهِ هَذَا الْبَيْعُ فَيَخْرُجُ وَجْهًا فِي الصِّحَّةِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَهُمَا مِنْ حَيْثُ إنَّ الْعَقْدَ ثَمَّ يُمْكِنُ أَنْ يَصِحَّ لِكَوْنِهِ جَعَالَةً يَحْتَمِلُ فِيهَا الْجَهَالَةَ بِخِلَافِ الْبَيْعِ .\rوَلِأَنَّ الْعَمَلَ الَّذِي يَسْتَحِقُّ بِهِ الْأُجْرَةَ لَا يُمْكِنُ وُقُوعُهُ إلَّا عَلَى إحْدَى الصَّفْقَتَيْنِ ، فَتَتَعَيَّنُ الْأُجْرَةُ الْمُسَمَّاةُ عِوَضًا لَهُ فَلَا يُفْضِي إلَى التَّنَازُعِ وَهَاهُنَا بِخِلَافِهِ .","part":8,"page":433},{"id":3933,"text":"( 3131 ) فَصْلٌ : وَلَوْ بَاعَهُ بِشَرْطِ أَنْ يُسَلِّفَهُ أَوْ بِقَرْضِهِ ، أَوْ شَرَطَ الْمُشْتَرِي ذَلِكَ عَلَيْهِ ، فَهُوَ مُحَرَّمٌ وَالْبَيْعُ بَاطِلٌ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا ، إلَّا أَنَّ مَالِكًا قَالَ : إنْ تَرَكَ مُشْتَرِطُ السَّلَفِ السَّلَفَ صَحَّ الْبَيْعُ وَلَنَا مَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ رِبْحِ مَا لَمْ يَضْمَنْ ، وَعَنْ بَيْعِ مَا لَمْ يَقْبِضْ ، وَعَنْ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ ، وَعَنْ شَرْطَيْنِ فِي بَيْعٍ وَعَنْ بَيْعٍ وَسَلَفٍ } أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَفِي لَفْظٍ { لَا يَحِلُّ بَيْعٌ وَسَلَفٌ } وَلِأَنَّهُ اشْتَرَطَ عَقْدًا فِي عَقْدٍ فَاسِدٍ كَبَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ ، وَلِأَنَّهُ إذَا اشْتَرَطَ الْقَرْضَ زَادَ فِي الثَّمَنِ لِأَجْلِهِ فَتَصِيرُ الزِّيَادَةُ فِي الثَّمَنِ .\rعِوَضًا عَنْ الْقَرْضِ وَرِيحًا لَهُ وَذَلِكَ رِبًا مُحَرَّمٌ فَفَسَدَ كَمَا لَوْ صَرَّحَ بِهِ .\rوَلِأَنَّهُ بَيْعٌ فَاسِدٌ ، فَلَا يَعُودُ صَحِيحًا كَمَا لَوْ بَاعَ دِرْهَمًا بِدِرْهَمَيْنِ ، ثُمَّ تَرَكَ أَحَدَهُمَا .","part":8,"page":434},{"id":3934,"text":"( 3132 ) فَصْلٌ وَإِذَا جَمَعَ بَيْنَ عَقْدَيْنِ مُخْتَلِفَيْ الْقِيمَةِ بِعِوَضٍ وَاحِدٍ كَالصَّرْفِ وَبَيْعِ مَا يَجُوزُ التَّفَرُّقُ فِيهِ قَبْلَ الْقَبْضِ وَالْبَيْعِ وَالنِّكَاحِ أَوْ الْإِجَارَةِ نَحْوُ أَنْ يَقُولَ بِعْتُك هَذَا الدِّينَارَ وَهَذَا الثَّوْبَ بِعِشْرِينَ دِرْهَمًا أَوْ بِعْتُك هَذِهِ الدَّارَ وَأَجَّرْتُك الْأُخْرَى بِأَلْفِ .\rأَوْ بَاعَهُ سَيْفًا مُحَلَّى بِالذَّهَبِ بِفِضَّةٍ أَوْ زَوَّجْتُكَ ابْنَتِي وَبِعْتُك عَبْدَهَا بِأَلْفٍ صَحَّ الْعَقْدُ فِيهِمَا ؛ لِأَنَّهُمَا عَيْنَانِ يَجُوزُ أَخْذُ الْعِوَضِ عَنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مُنْفَرِدَةٍ فَجَازَ أَخْذُ الْعِوَضِ عَنْهُمَا مُجْتَمِعَتَيْنِ كَالْعَبْدَيْنِ ، وَهَذَا أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ ، وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : فِي ذَلِكَ وَجْهٌ آخَرُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ .\rوَهُوَ الْقَوْلُ الثَّانِي لِلشَّافِعِيِّ لِأَنَّ حُكْمَهُمَا مُخْتَلِفٌ فَإِنَّ الْمَبِيعَ يُضْمَنُ بِمُجَرَّدِ الْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ بِخِلَافِهِ ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ، وَمَا ذَكَرُوهُ يَبْطُلُ بِمَا إذَا بَاعَ شِقْصًا وَسَيْفًا فَإِنَّهُ يَصِحُّ مَعَ اخْتِلَافِ حُكْمِهِمَا بِوُجُوبِ الشُّفْعَةِ فِي أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ ، فَأَمَّا إنْ جَمَعَ بَيْنَ الْكِتَابَةِ وَالْبَيْعِ فَقَالَ كَاتَبْتُكَ وَبِعْتُك عَبْدِي هَذَا بِأَلْفٍ فِي كُلِّ شَهْرٍ مِائَةٌ .\rلَمْ يَصِحَّ لِأَنَّ الْمُكَاتَبَ قَبْلَ تَمَامِ الْكِتَابَةِ عَبْدُ قِنٍّ فَلَا يَصِحُّ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْ سَيِّدِهِ شَيْئًا وَلَا يَثْبُتُ لِسَيِّدِهِ فِي ذِمَّتِهِ ثَمَنٌ ، وَإِذَا بَطَلَ الْبَيْعُ فَهَلْ يَصِحَّ فِي الْكِتَابَةِ بِقِسْطِهَا ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ نَذْكُرُهُمَا فِي تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ ، وَسَوَّى أَبُو الْخَطَّابِ بَيْنَ هَذِهِ الصُّورَةِ وَبَيْنَ الصُّوَرِ الَّتِي قَبْلَهَا فَقَالَ : فِي الْكُلِّ وَجْهَانِ وَاَلَّذِي ذَكَرْنَاهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى أَوْلَى .","part":8,"page":435},{"id":3935,"text":"( 3133 ) فَصْلٌ فِي تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ .\rوَمَعْنَاهُ أَنْ يَبِيعَ مَا يَجُوزُ بَيْعُهُ ، وَمَا لَا يَجُوزُ ، صَفْقَةً وَاحِدَةً ، بِثَمَنٍ وَاحِدٍ وَهُوَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ ؛ أَحَدِهَا أَنْ يَبِيعَ مَعْلُومًا وَمَجْهُولًا كَقَوْلِ بِعْتُك هَذِهِ الْفَرَسَ ، وَمَا فِي بَطْنِ هَذِهِ الْفَرَسِ الْأُخْرَى بِأَلْفٍ .\rفَهَذَا الْبَيْعُ بَاطِلٌ بِكُلِّ حَالٍ وَلَا أَعْلَمُ فِي بُطْلَانِهِ خِلَافًا لِأَنَّ الْمَجْهُولَ لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ لِجَهَالَتِهِ وَالْمَعْلُومُ مَجْهُولُ الثَّمَنِ وَلَا سَبِيلَ إلَى مَعْرِفَتِهِ لِأَنَّ مَعْرِفَتَهُ إنَّمَا تَكُونُ بِتَقْسِيطِ الثَّمَنِ عَلَيْهِمَا وَالْمَجْهُولُ لَا يُمْكِنُ تَقْوِيمُهُ فَيَتَعَذَّرُ التَّقْسِيطُ .\rالثَّانِي ، أَنْ يَكُنْ الْمَبِيعَانِ مِمَّا يَنْقَسِمُ الثَّمَنُ عَلَيْهِمَا بِالْأَجْزَاءِ كَعَبْدٍ مُشْتَرَكٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ بَاعَهُ كُلَّهُ بِغَيْرِ إذْنِ شَرِيكِهِ وَكَقَفِيزَيْنِ مِنْ صُبْرَةٍ وَاحِدَةٍ بَاعَهُمَا مَنْ لَا يَمْلِكُ إلَّا بَعْضَهُمَا فَفِيهِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا يَصِحُّ فِي مِلْكِهِ بِقِسْطِهِ مِنْ الثَّمَنِ وَيَفْسُدُ فِيمَا لَا يَمْلِكُهُ .\rوَالثَّانِي ، لَا يَصِحُّ فِيهِمَا ، وَأَصْلُ الْوَجْهَيْنِ أَنَّ أَحْمَدَ نَصَّ فِيمَنْ تَزَوَّجَ حُرَّةً وَأَمَةً عَلَى رِوَايَتَيْنِ إحْدَاهُمَا يَفْسُدُ فِيهِمَا وَالثَّانِيَةُ يَصِحُّ فِي الْحُرَّةِ ، وَالْأَوْلَى أَنَّهُ يَصِحُّ فِيمَا يَمْلِكُهُ ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ وَقَالَ فِي الْآخَرِ : لَا يَصِحُّ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ لِأَنَّ الصَّفْقَةَ جَمَعَتْ حَلَالًا وَحَرَامًا فَغَلَبَ التَّحْرِيمُ وَلِأَنَّ الصَّفْقَةَ إذَا لَمْ يَكُنْ تَصْحِيحُهَا فِي جَمِيعِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ بَطَلَتْ فِي الْكُلِّ كَالْجَمْعِ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ وَبَيْعِ دِرْهَمٍ بِدِرْهَمَيْنِ وَلَنَا أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَهُ حُكْمٌ لَوْ كَانَ مُنْفَرِدًا فَإِذَا جَمَعَ بَيْنَهُمَا ثَبَتَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حُكْمُهُ ، كَمَا لَوْ بَاعَ شِقْصًا وَسَيْفًا ، وَلِأَنَّ مَا يَجُوزُ لَهُ بَيْعُهُ قَدْ صَدَرَ فِيهِ الْبَيْعُ مِنْ أَهْلِهِ فِي مَحِلِّهِ بِشَرْطِهِ فَصَحَّ كَمَا لَوْ","part":8,"page":436},{"id":3936,"text":"انْفَرَدَ ، وَلِأَنَّ الْبَيْعَ سَبَبٌ اقْتَضَى الْحُكْمَ فِي مَحِلَّيْنِ وَامْتَنَعَ حُكْمُهُ فِي أَحَدِ الْمَحِلَّيْنِ لِنُبُوَّتِهِ عَنْ قَبُولٍ فَيَصِحُّ فِي الْآخَرِ كَمَا لَوْ أَوْصَى بِشَيْءٍ لِآدَمِيٍّ وَبَهِيمَةٍ ، وَأَمَّا الدِّرْهَمَانِ وَالْأُخْتَانِ ، فَلَيْسَ وَاحِدٌ مِنْهُمَا أَوْلَى بِالْفَسَادِ مِنْ الْآخَرِ فَلِذَلِكَ فَسَدَ فِيهِمَا ، وَهَاهُنَا بِخِلَافِهِ .\rالْقَسَمِ الثَّالِثِ ، أَنْ يَكُونَ الْمَبِيعَانِ مَعْلُومَيْنِ ، مِمَّا لَا يَنْقَسِمُ عَلَيْهِمَا الثَّمَنُ بِالْأَجْزَاءِ كَعَبْدٍ وَحُرٍّ ، وَخَلٍّ وَخَمْرٍ ، [ وَعَبْدِهِ ] وَعَبْدِ غَيْرِهِ وَعَبْدٍ حَاضِرٍ وَآبِقٍ ، فَهَذَا يَبْطُلُ الْبَيْعُ فِيمَا لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ وَفِي الْآخَرِ رِوَايَتَانِ ، نَقَلَ صَالِحٌ عَنْ أَبِيهِ فِي مَنْ اشْتَرَى عَبْدَيْنِ فَوَجَدَ أَحَدَهُمَا حُرًّا رَجَعَ بِقِيمَتِهِ مِنْ الثَّمَنِ ، وَنَقَلَ عَنْهُ مُهَنَّا فِي مَنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً عَلَى عَبْدَيْنِ فَوَجَدَ أَحَدَهُمَا حُرًّا ، فَلَهَا قِيمَةُ الْعَبْدَيْنِ فَأَبْطَلَ الصَّدَاقَ فِيهِمَا جَمِيعًا وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ كَالرِّوَايَتَيْنِ وَأَبْطَلَ مَالِكٌ الْعَقْدَ فِيهِمَا إلَّا أَنْ يَبِيعَ مِلْكَهُ وَمِلْكَ غَيْرِهِ فَيَصِحُّ فِي مِلْكِهِ وَيَقِفُ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ عَلَى الْإِجَازَةِ ، وَنَحْوُهُ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ فَإِنَّهُ قَالَ إنْ كَانَ أَحَدُهُمَا لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ بِنَصٍّ أَوْ إجْمَاعٍ كَالْحُرِّ وَالْخَمْرِ لَمْ يَصِحَّ الْعَقْدُ فِيهِمَا ، وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ كَمِلْكِهِ وَمِلْكِ غَيْرِهِ صَحَّ فِيمَا يَمْلِكُهُ ؛ لِأَنَّ مَا اُخْتُلِفَ فِيهِ يُمْكِنُ أَنْ يَلْحَقَهُ حُكْمُ الْإِجَازَةِ ، بِحُكْمِ حَاكِمٍ ، بِصِحَّةِ بَيْعِهِ .\rوَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ : لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ ؛ لِمَا تَقَدَّمَ فِي الْقِسْمِ الثَّانِي ، وَلِأَنَّ الثَّمَنَ مَجْهُولٌ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَتَبَيَّنُ بِالتَّقْسِيطِ لِلثَّمَنِ عَلَى الْقِيمَةِ ، وَذَلِكَ مَجْهُولٌ فِي الْحَالِ ، فَلَمْ يَصِحَّ الْبَيْعُ بِهِ ، كَمَا لَوْ قَالَ : بِعْتُك هَذِهِ السِّلْعَةَ بِرَقْمِهَا ، أَوْ بِحِصَّةٍ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ وَلِأَنَّهُ لَوْ صَرَّحَ بِهِ ، فَقَالَ بِعْتُك هَذَا بِقِسْطِهِ مِنْ الثَّمَنِ لَمْ","part":8,"page":437},{"id":3937,"text":"يَصِحَّ .\rفَكَذَلِكَ إذَا لَمْ يُصَرِّحْ .\rوَقَالَ مَنْ نَصَرَ الرِّوَايَةَ الْأُولَى إنَّهُ مَتَى سَمَّى ثَمَنًا فِي مَبِيعٍ يَسْقُطُ بَعْضُهُ لَا يُوجِبُ ذَلِكَ جَهَالَةً تَمْنَعُ الصِّحَّةَ ، كَمَا لَوْ وَجَدَ بَعْضَ الْمَبِيعِ مَعِيبًا فَأَخَذَ أَرْشَهُ ، وَالْقَوْلُ بِالْفَسَادِ فِي هَذَا الْقِسْمِ أَظْهَرُ إنْ شَاءَ اللَّهُ ، وَالْحُكْمُ فِي الرَّهْنِ وَالْهِبَةِ وَسَائِرِ الْعُقُودِ إذَا جَمَعَتْ مَا يَجُوزُ وَمَا لَا يَجُوزُ كَالْحُكْمِ فِي الْبَيْعِ إلَّا أَنَّ الظَّاهِرَ فِيهَا الصِّحَّةُ ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ عُقُودَ مُعَاوَضَةٍ ، فَلَا تُوجَدُ جَهَالَةُ الْعِوَضِ فِيهَا .\r( 3134 ) فَصْلٌ : وَإِنْ وَقَعَ الْعَقْدُ عَلَى مَكِيلٍ ، أَوْ مَوْزُونٍ ، فَتَلِفَ بَعْضُهُ قَبْلَ قَبْضِهِ لَمْ يَنْفَسِخْ الْعَقْدُ فِي الْبَاقِي .\rرِوَايَةً وَاحِدَةً .\rيَأْخُذُ الْمُشْتَرِي الْبَاقِي بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ لِأَنَّ الْعَقْدَ وَقَعَ صَحِيحًا فَذَهَابُ بَعْضِهِ لَا يَفْسَخُهُ ، كَمَا بَعْدَ الْقَبْضِ وَكَمَا لَوْ وَجَدَ أَحَدَ الْمَبِيعَيْنِ مَعِيبًا فَرَدَّهُ أَوْ أَقَالَ أَحَدُ الْمُتَبَايِعَيْنِ الْآخَرَ فِي بَعْضِ الْمَبِيعِ .\rفَصْلٌ : وَإِنْ كَانَ لِرَجُلَيْنِ عَبْدَانِ ، لِكُلِّ وَاحِدٍ عَبْدٌ فَبَاعَاهُمَا صَفْقَةً وَاحِدَةً بِثَمَنٍ وَاحِدٍ أَوْ وَكَّلَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ فَبَاعَهُمَا بِثَمَنٍ وَاحِدٍ فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا يَصِحُّ فِيهِمَا ، وَيَتَقَسَّطُ الْعِوَضُ عَلَى قَدْرِ قِيمَتِهِمَا .\rوَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَأَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ لِأَنَّ جُمْلَةَ الثَّمَنِ مَعْلُومَةٌ فَصَحَّ كَمَا لَوْ كَانَا لَرَجُلٍ وَاحِدٍ ، وَكَمَا لَوْ بَاعَا عَبْدًا وَاحِدًا لَهُمَا ، أَوْ قَفِيزَيْنِ مِنْ صُبْرَةٍ وَاحِدَةٍ وَالثَّانِي لَا يَصِحُّ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَبِيعٌ بِقِسْطِهِ مِنْ الثَّمَنِ ، وَهُوَ مَجْهُولٌ عَلَى مَا قَدَّمْنَا ، وَفَارَقَ مَا إذَا كَانَا لِرَجُلٍ وَاحِدٍ فَإِنَّ جُمْلَةَ الْبَيْعِ مُقَابَلَةٌ بِجُمْلَةِ الثَّمَنِ مِنْ غَيْرِ تَقْسِيطٍ وَالْعَبْدُ الْمُشْتَرَكُ وَالْقَفِيزَانِ يَنْقَسِمُ الثَّمَنُ عَلَيْهِمَا بِالْأَجْزَاءِ ، فَلَا جَهَالَةَ فِيهِ .\r( 3136 ) فَصْلٌ : وَمَتَى حَكَمْنَا","part":8,"page":438},{"id":3938,"text":"بِالصِّحَّةِ فِي تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ وَكَانَ الْمُشْتَرِي عَالِمًا بِالْحَالِ فَلَا خِيَارَ لَهُ لِأَنَّهُ دَخَلَ عَلَى بَصِيرَةٍ ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ مِثْلُ إنْ اشْتَرَى عَبْدًا يَظُنُّهُ كُلَّهُ لِلْبَائِعِ فَبَانَ أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ إلَّا نِصْفَهُ أَوْ عَبْدَيْنِ فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ إلَّا أَحَدَهُمَا ، فَلَهُ الْخِيَارُ بَيْنَ الْفَسْخِ وَالْإِمْسَاكِ لِأَنَّ الصَّفْقَةَ تَبَعَّضَتْ عَلَيْهِ ، وَأَمَّا الْبَائِعُ فَلَا خِيَارَ لَهُ لِأَنَّهُ رَضِيَ بِزَوَالِ مِلْكِهِ عَمَّا يَجُوزُ بَيْعُهُ بِقِسْطِهِ وَلَوْ وَقَعَ الْعَقْدُ عَلَى شَيْئَيْنِ يُفْتَقَرُ إلَى الْقَبْضِ فِيهِمَا ، فَتَلِفَ أَحَدُهَا قَبْلَ قَبْضِهِ فَقَالَ الْقَاضِي لِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ بَيْنَ إمْسَاكِ الْبَاقِي بِحِصَّتِهِ وَبَيْنَ الْفَسْخِ لِأَنَّ حُكْمَ مَا قَبْلَ الْقَبْضِ فِي كَوْنِ الْمَبِيعِ مِنْ ضَمَانِ الْبَائِعِ حُكْمُ مَا قَبْلَ الْعَقْدِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ تَعَيَّبَ قَبْلَ قَبْضِهِ لَمَلَكَ الْمُشْتَرِي الْفَسْخَ بِهِ .","part":8,"page":439},{"id":3939,"text":"( 3137 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ وَيَتَّجِرُ الْوَصِيُّ بِمَالِ الْيَتِيمِ وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ وَالرِّبْحُ كُلُّهُ لِلْيَتِيمِ فَإِنْ أَعْطَاهُ لِمَنْ يُضَارِبُ لَهُ بِهِ فَلِلْمُضَارِبِ مِنْ الرِّبْحِ مَا وَافَقَهُ الْوَصِيُّ عَلَيْهِ .\rوَجُمْلَتُهُ أَنَّ لِوَلِيِّ الْيَتِيمِ أَنْ يُضَارِبَ بِمَالِهِ وَأَنْ يَدْفَعَهُ إلَى مَنْ يُضَارِبُ لَهُ بِهِ ، وَيَجْعَلُ لَهُ نَصِيبًا مِنْ الرِّبْحِ ، أَيًّا كَانَ ، أَوْ وَصِيًّا ، أَوْ حَاكِمًا ، أَوْ أَمِينَ حَاكِمٍ ، وَهُوَ أَوْلَى مِنْ تَرْكِهِ .\rوَمِمَّنْ رَأَى ذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ وَالنَّخَعِيُّ وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ يُرْوَى إبَاحَةُ التِّجَارَةِ بِهِ عَنْ عُمَرَ وَعَائِشَةَ وَالضَّحَّاكِ وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا كَرِهَهُ إلَّا مَا رُوِيَ عَنْ الْحَسَنِ ، وَلَعَلَّهُ أَرَادَ اجْتِنَابَ الْمُخَاطَرَةِ بِهِ ، وَلِأَنَّ خَزْنَهُ أَحْفَظُ لَهُ ، وَاَلَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ أَوْلَى لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { مَنْ وَلِيَ يَتِيمًا لَهُ مَالٌ فَلْيَتَّجِرْ وَلَا يَتْرُكْهُ حَتَّى تَأْكُلَهُ الصَّدَقَةُ } وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَهُوَ أَصَحُّ مِنْ الْمَرْفُوعِ .\rوَلِأَنَّ ذَلِكَ أَحَظُّ لِلْمُوَلَّى عَلَيْهِ لِتَكُونَ نَفَقَتُهُ مِنْ فَاضِلِهِ وَرِبْحِهِ كَمَا يَفْعَلُهُ الْبَالِغُونَ فِي أَمْوَالِهِمْ وَأَمْوَالِ مَنْ يَعِزُّ عَلَيْهِمْ مِنْ أَوْلَادِهِمْ إلَّا أَنَّهُ لَا يَتَّجِرُ إلَّا فِي الْمَوَاضِعِ الْآمِنَةِ ، وَلَا يَدْفَعُهُ إلَّا لِأُمَّيْنِ وَلَا يُغَرِّرُ بِمَالِهِ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا أَبْضَعَتْ مَالَ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ فِي الْبَحْرِ فَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ كَانَ فِي مَوْضِعٍ مَأْمُونٍ قَرِيبٍ مِنْ السَّاحِلِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهَا جَعَلَتْهُ مِنْ ضَمَانِهِ عَلَيْهَا إنْ هَلَكَ غَرِمَتْهُ فَمَتَى اتَّجَرَ فِي الْمَالِ بِنَفْسِهِ فَالرِّبْحُ كُلُّهُ لِلْيَتِيمِ وَأَجَازَ الْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ وَإِسْحَاقُ أَنْ يَأْخُذَهُ الْوَصِيُّ مُضَارَبَةً لِنَفْسِهِ لِأَنَّهُ جَازَ أَنْ","part":8,"page":440},{"id":3940,"text":"يَدْفَعَهُ بِذَلِكَ إلَى غَيْرِهِ فَجَازَ أَنْ يَأْخُذ ذَلِكَ لِنَفْسِهِ وَالصَّحِيحُ مَا قُلْنَا لِأَنَّ الرِّبْحَ نَمَاءُ مَالِ الْيَتِيمِ فَلَا يَسْتَحِقُّهُ غَيْرُهُ إلَّا بِعَقْدٍ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَعْقِدَ الْوَلِيُّ الْمُضَارَبَةَ مَعَ نَفْسِهِ ، فَأَمَّا إنْ دَفَعَهُ إلَى غَيْرِهِ فَلِلْمُضَارِبِ مَا جَعَلَهُ لَهُ الْوَلِيُّ وَوَافَقَهُ عَلَيْهِ ، أَيْ اتَّفَقَا عَلَيْهِ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا لِأَنَّ الْوَصِيَّ نَائِبٌ عَنْ الْيَتِيمِ فِيمَا فِيهِ مَصْلَحَتُهُ ، وَهَذَا فِيهِ مَصْلَحَتُهُ فَصَارَ تَصَرُّفُهُ فِيهِ كَتَصَرُّفِ الْمَالِكِ فِي مَالِهِ .","part":8,"page":441},{"id":3941,"text":"( 3138 ) فَصْلٌ : وَيَجُوزُ لِوَلِيِّ الْيَتِيمِ إبْضَاعُ مَالِهِ وَمَعْنَاهُ ؛ دَفْعُهُ إلَى مَنْ يَتَّجِرُ بِهِ وَالرِّبْحُ كُلُّهُ لِلْيَتِيمِ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا أَبْضَعَتْ مَالَ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ وَلِأَنَّهُ إذَا جَازَ دَفْعُهُ بِجُزْءٍ مِنْ رِبْحِهِ فَدَفْعُهُ إلَى مَنْ يُوَفِّرُ الرِّبْحَ أَوْلَى وَيَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ الْعَقَارَ لِأَنَّهُ مَصْلَحَةٌ لَهُ ؛ فَإِنَّهُ يُحَصِّلُ مِنْهُ الْفَضْلَ وَيَبْقَى الْأَصْلُ وَالْغَرَرُ فِيهِ أَقَلَّ مِنْ التِّجَارَةِ لِأَنَّ أَصْلَهُ مَحْفُوظٌ وَيَجُوزُ أَنْ يَبْنِي لَهُ عَقَارًا لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الشِّرَاءِ إلَّا أَنْ يَكُنْ الشِّرَاءُ أَحَظَّ وَهُوَ مُمْكِنٌ فَيَتَعَيَّنُ تَقْدِيمُهُ وَإِذَا أَرَادَ الْبِنَاءَ بَنَاهُ بِمَا يَرَى الْحَظَّ فِي الْبِنَاءِ بِهِ ، وَقَالَ أَصْحَابُنَا يَبْنِيهِ بِالْآجُرِّ وَالطِّينِ وَلَا يَبْنِي بِاللَّبِنِ لِأَنَّهُ إذَا هُدِمَ لَا مَرْجُوعَ لَهُ وَلَا بِجِصٍّ لِأَنَّهُ يَلْتَصِقُ بِالْآجِرِ فَلَا يَتَخَلَّصُ مِنْهُ ، فَإِذَا هُدِمَ فَسَدَ الْآجِرُ لِأَنَّ تَخْلِيصَهُ مِنْهُ يُفْضِي إلَى كَسْرِهِ ، وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ، وَاَلَّذِي قُلْنَاهُ أَوْلَى إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فَإِنَّهُ إذَا كَانَ الْحَظُّ لَهُ فِي الْبِنَاءِ بِغَيْرِهِ فَتَرَكَهُ ضَيَّعَ حَظَّهُ وَمَالَهُ وَلَا يَجُوزُ تَضْيِيعُ الْحَظِّ الْعَاجِلِ وَتَحَمُّلُ الضَّرَرِ النَّاجِزِ الْمُتَيَقَّنِ لِتَوَهُّمِ مَصْلَحَةِ بَقَاءِ الْآجِرِ عِنْدَ هَدْمِ الْبِنَاءِ وَلَعَلَّ ذَلِكَ لَا يَكُونُ فِي حَيَّاتِهِ وَلَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مَعَ أَنَّ كَثِيرًا مِنْ الْبُلْدَانِ لَا يُوجَدُ فِيهَا الْآجِرُ وَكَثِيرٌ مِنْهَا لَمْ تَجْرِ عَادَتْهُمْ بِالْبِنَاءِ بِهِ ، فَلَوْ كُلِّفُوا الْبِنَاءَ بِهِ لَاحْتَاجُوا إلَى غَرَامَةٍ كَثِيرَةٍ لَا يَحْصُلُ مِنْهَا طَائِلٌ وَقَوْلُ أَصْحَابِنَا يَخْتَصُّ مَنْ عَادَتْهُمْ الْبِنَاءُ بِالْآجِرِ كَالْعِرَاقِ وَنَحْوِهَا فَلَا يَصِحُّ فِي حَقِّ غَيْرِهِمْ .","part":8,"page":442},{"id":3942,"text":"( 3139 ) فَصْلٌ : وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ عَقَارِهِ لِغَيْرِ حَاجَةٍ ؛ لِأَنَّنَا نَأْمُرُهُ بِالشِّرَاءِ لِمَا فِيهِ مِنْ الْحَظِّ ، فَيَكُونُ بَيْعُهُ تَفْوِيتًا لِلْحَظِّ فَإِنْ اُحْتِيجَ إلَى بَيْعِهِ جَازَ ، نَقَلَ أَبُو دَاوُد عَنْ أَحْمَدَ يَجُوزُ لِلْوَصِيِّ بَيْعُ الدُّورِ عَلَى الصِّغَارِ ، إذَا كَانَ نَظَرًا لَهُمْ .\rوَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيُّ وَالشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ وَإِسْحَاقُ قَالُوا يَبِيعُ إذَا رَأَى الصَّلَاحَ قَالَ الْقَاضِي لَا يَجُوزُ إلَّا فِي مَوْضِعَيْنِ أَحَدِهِمَا أَنْ يَكُونَ بِهِ ضَرُورَةٌ إلَى كِسْوَةٍ ، أَوْ نَفَقَةٍ ، أَوْ قَضَاءِ دَيْنٍ ، أَوْ مَا لَا بُدَّ مِنْهُ ، وَلَيْسَ لَهُ مَا تَنْدَفِعُ بِهِ حَاجَتُهُ ، الثَّانِي أَنْ يَكُونَ فِي بَيْعِهِ غِبْطَةٌ ؛ وَهُوَ أَنْ يَدْفَعَ فِيهِ زِيَادَةً كَثِيرَةً عَلَى ثَمَنِ الْمِثْلِ ، قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ كَالثُّلُثِ وَنَحْوِهِ أَوْ يَخَافُ عَلَيْهِ الْهَلَاكَ بِغَرَقٍ أَوْ خَرَابٍ أَوْ نَحْوِهِ ، وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rوَكَلَامُ أَحْمَدَ يَقْتَضِي إبَاحَةَ الْبَيْعِ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ يَكُونُ نَظَرًا لَهُمْ ، وَلَا يَخْتَصُّ بِمَا ذَكَرُوهُ .\rوَقَدْ يَرَى الْوَلِيُّ الْحَظَّ فِي غَيْرِ هَذَا ، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ فِي مَكَان لَا يُنْتَفَعُ بِهِ ، أَوْ نَفْعُهُ قَلِيلٌ ، فَيَبِيعُهُ وَيَشْتَرِي لَهُ فِي مَكَان يَكْثُرُ نَفْعُهُ ، أَوْ يَرَى شَيْئًا فِي شِرَائِهِ غِبْطَةٌ وَلَا يُمْكِنُهُ شِرَاؤُهُ إلَّا بِبَيْعِ عَقَارِهِ .\rوَقَدْ تَكُونُ دَارُهُ فِي مَكَان يَتَضَرَّرُ الْغُلَامُ بِالْمُقَامِ فِيهَا ، لِسُوءِ الْجِوَارِ أَوْ غَيْرِهِ فَيَبِيعُهَا وَيَشْتَرِي لَهُ بِثَمَنِهَا دَارًا يَصْلُحُ لَهُ الْمُقَامُ بِهَا ، وَأَشْبَاهُ هَذَا مِمَّا لَا يَنْحَصِرُ .\rوَقَدْ لَا يَكُونُ لَهُ حَظٌّ فِي بَيْعِ عَقَارِهِ وَإِنْ دَفَعَ فِيهِ مِثْلَا ثَمَنِهِ إمَّا لِحَاجَتِهِ إلَيْهِ ، وَإِمَّا لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ صَرْفُ ثَمَنِهِ فِي مِثْلِهِ فَيَضِيعُ الثَّمَنُ وَلَا يُبَارَكُ فِيهِ .\rفَقَدْ جَاءَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { مَنْ بَاعَ دَارًا أَوْ عَقَارًا ، وَلَمْ يَصْرِفْ ثَمَنَهُ فِي مِثْلِهِ لَمْ يُبَارَكْ لَهُ فِيهِ } فَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ إذَا فَلَا","part":8,"page":443},{"id":3943,"text":"مَعْنَى لِتَقْيِيدِهِ بِمَا ذَكَرُوهُ فِي الْجَوَازِ ، وَلَا فِي الْمَنْعِ ، بَلْ مَتَى كَانَ بَيْعُهُ أَحْظَ لَهُ جَازَ بَيْعُهُ وَإِلَّا فَلَا .","part":8,"page":444},{"id":3944,"text":"( 3140 ) فَصْلٌ : وَيَجُوزُ لِوَلِيِّ الْيَتِيمِ كِتَابَةُ رَقِيقِ الْيَتِيمِ وَإِعْتَاقُهُ عَلَى مَالٍ ، إذَا كَانَ الْحَظُّ فِيهِ ، مِثْلُ أَنْ تَكُونَ قِيمَتُهُ أَلْفًا ، فَيُكَاتِبَهُ بِأَلْفَيْنِ أَوْ يُعْتِقَهُ بِأَلْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا حَظُّ ، لَمْ يَصِحَّ .\rوَقَالَ مَالِكٌ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَجُوزُ إعْتَاقُهُ ؛ لِأَنَّ الْإِعْتَاقَ بِمَالٍ تَعْلِيقٌ لَهُ عَلَى شَرْطٍ ، فَلَمْ يَمْلِكْهُ وَلِيُّ الْيَتِيمِ ، كَالتَّعْلِيقِ عَلَى دُخُولِ الدَّارِ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا تَجُوزُ كِتَابَتُهُ ، وَلَا إعْتَاقُهُ ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُمَا الْعِتْقُ ، دُونَ الْمُعَاوَضَةِ ، فَلَمْ تَجُزْ ، كَالْإِعْتَاقِ بِغَيْرِ عِوَضٍ .\rوَلَنَا ، إنَّهَا مُعَاوَضَةٌ لِلْيَتِيمِ فِيهَا حَظُّ ، فَمَلَكَهَا وَلِيُّهُ ، كَبَيْعِهِ ، وَلَا عِبْرَةَ بِنَفْعِ الْعَقْدِ ، وَلَا يَضُرُّهُ كَوْنُهُ تَعْلِيقًا ، فَإِنَّهُ إذَا حَصَلَ الْحَظُّ لِلْيَتِيمِ ، لَا يَضُرُّهُ نَفْعُ غَيْرِهِ ، وَلَا كَوْنُ الْعِتْقِ حَصَلَ بِالتَّعْلِيقِ ، وَفَارَقَ مَا قَاسُوا عَلَيْهِ ؛ فَإِنَّهُ لَا نَفْعَ فِيهِ ، فَمُنِعَ مِنْهُ ، لِعَدَمِ الْحَظِّ وَانْتِفَاءِ الْمُقْتَضِي ، لَا لِمَا ذَكَرُوهُ .\rوَلَوْ قُدِّرَ أَنْ يَكُونُ فِي الْعِتْقِ بِغَيْرِ مَالٍ نَفْعٌ ، كَانَ نَادِرًا .\rوَيَتَوَجَّهُ أَنْ يَصِحَّ .\rقَالَ أَبُو بَكْرٍ : يَتَوَجَّهُ الْعِتْقُ بِغَيْرِ عِوَضٍ لِلْحَظِّ ، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ لِلْيَتِيمِ جَارِيَةٌ وَابْنَتُهَا ، يُسَاوَيَانِ مِائَةً مُجْتَمَعَتَيْنِ ، وَلَوْ أُفْرِدَتْ إحْدَاهُمَا سَاوَتْ مِائَتَيْنِ ، وَلَا يُمْكِنُ إفْرَادُهَا بِالْبَيْعِ ، فَيُعْتِقُ الْأُخْرَى ، لِتَكْثُرَ قِيمَةُ الْبَاقِيَةِ ، فَتَصِيرُ ضِعْفَ قِيمَتِهَا .","part":8,"page":445},{"id":3945,"text":"( 3141 ) فَصْلٌ : قَالَ أَحْمَدُ وَيَجُوزُ لِلْوَصِيِّ أَنْ يَشْتَرِيَ لِلْيَتِيمِ أُضْحِيَّةً ، إذَا كَانَ لَهُ مَالٌ .\rيَعْنِي مَالًا كَثِيرًا لَا يَتَضَرَّرُ بِشِرَاءِ الْأُضْحِيَّةِ ، فَيَكُونُ ذَلِكَ ، وَعَلَى وَجْهِ التَّوْسِعَةِ فِي النَّفَقَةِ فِي هَذَا الْيَوْمِ ، الَّذِي هُوَ عِيدٌ ، وَيَوْمُ فَرَحٍ ، وَفِيهِ جَبْرُ قَلْبِهِ وَتَطْيِيبُهُ ، وَإِلْحَاقُهُ بِمَنْ لَهُ أَبٌ فَيَنْزِلُ مَنْزِلَةَ الثِّيَابِ الْحَسَنَةِ وَشِرَاءِ اللَّحْمِ ، سِيَّمَا مَعَ اسْتِحْبَابِ التَّوْسِعَةِ فِي هَذَا الْيَوْمِ ، وَجَرْيِ الْعَادَةِ بِهَا بِدَلِيلِ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إنَّهَا أَيَّامُ أَكْلٍ ، وَشُرْبٍ ، وَذِكْرٍ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ } رَوَاهُ مُسْلِمُ وَمَتَى كَانَ خَلْطُ مَالِ الْيَتِيمِ أَرْفَقَ بِهِ ، وَأَلْيَنَ فِي الْخُبْزِ ، وَأَمْكَنَ فِي حُصُولِ الْأُدْمِ ، فَهُوَ أَوْلَى .\rوَإِنْ كَانَ إفْرَادُهُ أَرْفَقَ بِهِ أَفْرَدَهُ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الْيَتَامَى قُلْ إصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاَللَّه يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنْ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } .\rأَيْ ضَيَّقَ عَلَيْكُمْ وَشَدَّدَ ، مِنْ قَوْلِهِمْ : أَعْنَتَ فُلَانٌ فُلَانًا إذَا ضَيَّقَ عَلَيْهِ وَشَدَّدَ .\rوَعَنَتَتْ الرَّجُلَ ، إذَا ظَلَعَتْ ، وَيَجُوزُ لِلْوَصِيِّ تَرْكُ الصَّبِيِّ فِي الْمَكْتَبِ بِغَيْرِ إذْنِ الْحَاكِمِ .\rوَحُكِيَ لِأَحْمَدَ قَوْلُ سُفْيَانَ : لَا يُسَلِّمُ الْوَصِيُّ الصَّبِيَّ إلَّا بِإِذْنِ .\rالْحَاكِمِ .\rفَأَنْكَرَ ذَلِكَ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَكْتَبَ مِنْ مَصَالِحِهِ ، فَجَرَى مَجْرَى نَفَقَتِهِ ، وَلِمَأْكُولِهِ ، وَمَشْرُوبِهِ ، وَمَلْبُوسِهِ .\rوَكَذَلِكَ يَجُوزُ لَهُ إسْلَامُهُ فِي صِنَاعَةٍ ، إذَا كَانَتْ مَصْلَحَتُهُ فِي ذَلِكَ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا .","part":8,"page":446},{"id":3946,"text":"( 3142 ) فَصْلٌ : وَإِذَا كَانَ الْوَلِيُّ مُوسِرًا ، فَلَا يَأْكُلُ مِنْ مَالِ الْيَتِيمِ شَيْئًا إذَا لَمْ يَكُنْ أَبًا ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ } وَإِنْ كَانَ فَقِيرًا ، فَلَهُ أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ ؛ مِنْ أُجْرَتِهِ ، أَوْ قَدْرِ كِفَايَتِهِ ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَحِقُّهُ بِالْعَمَلِ وَالْحَاجَةِ جَمِيعًا ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَأْخُذَ إلَّا مَا وُجِدَا فِيهِ .\rفَإِذَا أَكَلَ مِنْهُ ذَلِكَ الْقَدْرَ ، ثُمَّ أَيْسَرَ ؛ فَإِنْ كَانَ أَبًا لَمْ يَلْزَمْهُ عِوَضُهُ ، رِوَايَةً وَاحِدَةً ؛ لِأَنَّ لِلْأَبِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ مَالِ وَلَدِهِ مَا شَاءَ مَعَ الْحَاجَةِ وَعَدَمِهَا .\rوَإِنْ كَانَ غَيْرَ الْأَبِ ، فَهَلْ يَلْزَمُهُ عِوَضُ ذَلِكَ ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ ؛ إحْدَاهُمَا ، لَا يَلْزَمُهُ .\rوَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ وَالنَّخَعِيِّ وَأَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِالْأَكْلِ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ عِوَضٍ ، فَأَشْبَهَ سَائِرَ مَا أَمَرَ بِأَكْلِهِ ، وَلِأَنَّهُ عِوَضٌ مِنْ عَمَلِهِ فَلَمْ يَلْزَمْهُ بَدَلُهُ ، كَالْأَجِيرِ وَالْمُضَارِبِ .\rوَالثَّانِيَةُ ، يَلْزَمُهُ عِوَضُهُ .\rوَهُوَ قَوْلُ عَبِيدَةُ السَّلْمَانِيِّ وَعَطَاءٍ وَمُجَاهِدٍ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَأَبِي الْعَالِيَةِ لِأَنَّهُ اسْتَبَاحَهُ بِالْحَاجَةِ مِنْ مَالِ غَيْرِهِ ، فَلَزِمَهُ قَضَاؤُهُ ، كَالْمُضْطَرِّ إلَى طَعَامِ غَيْرِهِ .\rوَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ وَجَبَ عَلَيْهِ إذَا أَيْسَرِ ، لَكَانَ وَاجِبًا فِي الذِّمَّةِ قَبْلَ الْيَسَارِ ، فَإِنَّ الْيَسَارَ لَيْسَ بِسَبَبٍ لِلْوُجُوبِ ، فَإِذَا لَمْ يَجِبْ بِالسَّبَبِ ، الَّذِي هُوَ الْأَكْلُ ، لَمْ يَجِبْ بَعْدَهُ .\rوَفَارَقَ الْمُضْطَرَّ ؛ فَإِنَّ الْعِوَضَ وَاجِبٌ عَلَيْهِ فِي ذِمَّتِهِ ، وَلِأَنَّهُ لَمْ يَأْكُلْهُ عِوَضًا عَنْ شَيْءٍ ، وَهَذَا بِخِلَافِهِ .","part":8,"page":447},{"id":3947,"text":"( 3143 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا قَرْضُ مَالِ الْيَتِيمِ ؛ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ حَظٌّ لَهُ ، لَمْ يَجُزْ قَرْضُهُ ، فَمَتَى أَمْكَنَ الْوَلِيُّ التِّجَارَةَ بِهِ ، أَوْ تَحْصِيلَ عَقَارٍ لَهُ فِيهِ الْحَظُّ ، لَمْ يُقْرِضْهُ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُفَوِّتُ الْحَظَّ عَلَى الْيَتِيمِ ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ ذَلِكَ ، وَكَانَ قَرْضُهُ حَظًّا لِلْيَتِيمِ ، جَازَ .\rقَالَ أَحْمَدُ : لَا يُقْرِضُ مَالَ الْيَتِيمِ لَأَحَدٍ يُرِيدُ مُكَافَأَتَهُ ، وَمَوَدَّتَهُ ، وَيُقْرِضُ عَلَى النَّظَرِ ، وَالشَّفَقَةِ ، كَمَا صَنَعَ ابْنُ عُمَرَ .\rوَقِيلَ لِأَحْمَدَ : إنَّ عُمَرَ اسْتَقْرَضَ مَالَ الْيَتِيمِ .\rقَالَ : إنَّمَا اسْتَقْرَضَ نَظَرًا لِلْيَتِيمِ ، وَاحْتِيَاطًا ، إنْ أَصَابَهُ بِشَيْءٍ غَرِمَهُ .\rقَالَ الْقَاضِي : وَمَعْنَى الْحَظِّ أَنْ يَكُونَ لِلْيَتِيمِ مَالٌ فِي بَلَدِهِ ، فَيُرِيدُ نَقْلَهُ إلَى بَلَدٍ آخَرَ ، فَيُقْرِضُهُ مِنْ رَجُلٍ فِي ذَلِكَ الْبَلَدِ ، لِيَقْضِيَهُ بَدَلَهُ فِي بَلَدِهِ ، يَقْصِدُ بِذَلِكَ حِفْظَهُ مِنْ الْغَرَرِ فِي نَقْلِهِ ، أَوْ يَخَافُ عَلَيْهِ الْهَلَاكَ مِنْ نَهْبٍ ، أَوْ غَرَقٍ ، أَوْ نَحْوِهِمَا ، أَوْ يَكُونُ مِمَّا يَتْلَفُ بِتَطَاوُلِ مُدَّتِهِ ، أَوْ حَدِيثُهُ خَيْرٌ مِنْ قَدِيمِهِ ، كَالْحِنْطَةِ وَنَحْوِهَا ، فَيُقْرِضُهُ خَوْفًا أَنْ يُسَوِّسَ ، أَوْ تَنْقُصَ قِيمَتُهُ ، وَأَشْبَاهِ هَذَا ، فَيَجُوزُ الْقَرْضُ ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا لِلْيَتِيمِ فِيهِ حَظٌّ فَجَازَ ، كَالتِّجَارَةِ بِهِ .\rوَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ حَظٌّ ، وَإِنَّمَا قَصَدَ إرْفَاقَ الْمُقْتَرِضِ ، وَقَضَاءَ حَاجَتِهِ ، فَهَذَا غَيْرُ جَائِزٍ ؛ لِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ بِمَالِ الْيَتِيمِ ، فَلَمْ يَحُزْ كَهِبَتِهِ .\rوَإِنْ أَرَادَ الْوَلِيُّ السَّفَرَ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ الْمُسَافَرَةُ بِمَالِهِ ، وَقَرْضُهُ لِثِقَةٍ أَمِينٍ أَوْلَى مِنْ إيدَاعِهِ ؛ لِأَنَّ الْوَدِيعَةَ لَا تُضْمَنُ إذَا تَلِفَتْ ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ مَنْ يَسْتَقْرِضُهُ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ ، فَلَهُ إيدَاعُهُ ؛ لِأَنَّهُ مَوْضِعُ حَاجَةٍ .\rوَلَوْ أَوْدَعَهُ مَعَ إمْكَانِ قَرْضِهِ ، جَازَ ، وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ ، فَإِنَّهُ رُبَّمَا رَأَى الْإِيدَاعَ أَحْظَ لَهُ مِنْ الْقَرْضِ ، فَلَا يَكُونُ مُفَرِّطًا .\rوَكُلُّ","part":8,"page":448},{"id":3948,"text":"مَوْضِعٍ قُلْنَا : لَهُ قَرْضُهُ .\rفَلَا يَجُوزُ إلَّا لِمَلِيءٍ أَمِينٍ ، لِيَأْمَنَ جُحُودَهُ ، وَتَعَذُّرَ الْإِيفَاءِ ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَأْخُذَ رَهْنًا إنْ أَمْكَنَهُ ، وَإِنْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ أَخْذُ الرَّهْنِ ، جَازَ تَرْكُهُ ، فِي ظَاهِرِ كَلَامِ أَحْمَدَ ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِمَّنْ يَسْتَقْرِضُهُ مِنْ أَجَلِ حَظِّ الْيَتِيمِ ، أَنَّهُ لَا يَبْذُلُ رَهْنًا ، فَاشْتِرَاطُ الرَّهْنِ يُفَوِّتُ هَذَا الْحَظَّ .\rوَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : يُقْرِضُهُ إذَا أَخَذَ بِالْقَرْضِ رَهْنًا .\rفَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ لَا يُقْرِضُهُ إلَّا بِرَهْنٍ ؛ لِأَنَّ فِيهِ احْتِيَاطًا لِلْمَالِ ، وَحِفْظًا لَهُ عَنْ الْجَحْدِ ، وَالْمَطْلِ .\rوَإِنْ أَمْكَنَهُ أَخْذُ الرَّهْنِ ، فَالْأَوْلَى لَهُ أَخْذُهُ ، احْتِيَاطًا عَلَى الْمَالِ ، وَحِفْظًا لَهُ ، فَإِنْ تَرَكَهُ احْتَمَلَ أَنْ يَضْمَنَ إنْ ضَاعَ الْمَالُ ؛ لِتَقْرِيطِهِ ، وَاحْتَمَلَ أَنْ لَا يَضْمَنَ ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ سَلَامَتُهُ .\rوَهَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ ؛ لِكَوْنِهِ لَمْ يَذْكُرْ الرَّهْنَ .","part":8,"page":449},{"id":3949,"text":"( 3144 ) فَصْلٌ : قَالَ أَبُو بَكْرٍ : وَهَلْ يَجُوزُ لِلْوَصِيِّ أَنْ يَسْتَنِيبَ فِيمَا يَتَوَلَّى مِثْلَهُ بِنَفْسِهِ ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ مُتَصَرِّفٌ بِالْإِذْنِ فِي مَالِ غَيْرِهِ ، فَأَشْبَهَ الْوَكِيلَ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : يَجُوزُ ذَلِكَ لِلْوَصِيِّ ، وَفِي الْوَكِيلِ رِوَايَتَانِ .\rوَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الْوَكِيلَ يُمْكِنُهُ الِاسْتِئْذَانُ ، وَالْوَصِيُّ بِخِلَافِهِ .","part":8,"page":450},{"id":3950,"text":"( 3145 ) فَصْلٌ : وَإِذَا ادَّعَى الْوَلِيُّ الْإِنْفَاقَ عَلَى الصَّبِيِّ ، أَوْ عَلَى مَالِهِ ، أَوْ عَقَارِهِ ، بِالْمَعْرُوفِ مِنْ مَالِهِ ، أَوْ ادَّعَى أَنَّهُ بَاعَ عَقَارَهُ لِحَظِّهِ ، أَوْ بِنَاءً لِمَصْلَحَتِهِ ، أَوْ أَنَّهُ تَلِفَ ، قُبِلَ قَوْلُهُ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ : لَا يُمْضِي الْحَاكِمُ بَيْعَ الْأَمِينِ وَالْوَصِيِّ حَتَّى يَثْبُتَ عِنْدَهُ الْحَظُّ بِبَيِّنَةٍ ، وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُمَا فِي ذَلِكَ ، وَيُقْبَلُ قَوْلُ الْأَبِ وَالْجَدِّ .\rوَلَنَا أَنَّ مَنْ جَازَ لَهُ بَيْعُ الْعَقَارِ ، وَشِرَاؤُهُ لِلْيَتِيمِ ، يَجِبُ أَنْ يُقْبَلَ قَوْلُهُ فِي الْحَظِّ ، كَالْأَبِ وَالْجَدِّ ، وَلِأَنَّهُ يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي عَدَمِ التَّفْرِيطِ فِيمَا تَصَرَّفَ فِيهِ مِنْ غَيْرِ الْعَقَارِ ، فَيُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي الْعَقَارِ ، كَالْأَبِ .\rوَإِذَا بَلَغَ الصَّبِيُّ ، فَادَّعَى أَنَّهُ لَاحَظَ لَهُ فِي الْبَيْعِ ، لَمْ يُقْبَلُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْوَلِيِّ مَعَ يَمِينِهِ .\rوَإِنْ قَالَ الْوَلِيُّ : أَنْفَقْت عَلَيْك مُنْذُ ثَلَاثِ سِنِينَ .\rوَقَالَ الْغُلَامُ : مَا مَاتَ أَبِي إلَّا مُنْذُ سَنَتَيْنِ .\rفَالْقَوْلُ قَوْلُ الْغُلَامِ .\rذَكَرَهُ الْقَاضِي ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ حَيَاةُ وَالِدِهِ ، وَاخْتِلَافُهُمَا فِي أَمْرٍ لَيْسَ الْوَصِيُّ أَمِينًا فِيهِ ، فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ مَنْ يُوَافِقُ قَوْلُهُ الْأَصْلَ .","part":8,"page":451},{"id":3951,"text":"( 3146 ) فَصْلٌ : قَالَ أَحْمَدُ : يَجُوزُ لِلْوَصِيِّ الْبَيْعُ عَلَى الْغَائِبِ الْبَالِغِ ، إذَا كَانَ مِنْ طَرِيقِ النَّظَرِ .\rوَقَالَ أَصْحَابُنَا : يَجُوزُ لِلْوَصِيِّ الْبَيْعُ عَلَى الصِّغَارِ وَالْكِبَارِ ، إذَا كَانَتْ حُقُوقُهُمْ مُشْتَرَكَةً فِي عَقَارٍ فِي قَسْمِهِ إضْرَارٌ ، وَبِالصِّغَارِ حَاجَةٌ إلَى الْبَيْعِ ، إمَّا لِقَضَاءِ دَيْنٍ ، أَوْ مُؤْنَةٍ لَهُمْ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى : يَجُوزُ الْبَيْعُ ، عَلَى الصِّغَارِ وَالْكِبَارِ فِيمَا لَا بُدَّ مِنْهُ .\rوَلَعَلَّهُمَا أَرَادَا هَذِهِ الصُّورَةَ ؛ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ نَظَرًا لِلصِّغَارِ ، وَاحْتِيَاطًا لِلْمَيِّتِ فِي قَضَاءِ دَيْنِهِ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ عَلَى الْكِبَارِ ؛ لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ فِي مَالِ غَيْرِهِ مِنْ غَيْرِ وِكَالَةٍ ، وَلَا وِلَايَةٍ ، فَلَمْ يَصِحُّ ، كَبَيْعِ مَالِهِ الْمُفْرَدِ ، أَوْ مَا لَا تَضُرُّ قِسْمَتُهُ .\rوَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ ، وَمَا ذَكَرُوهُ لَا أَصِلَ لَهُ يُقَاسُ عَلَيْهِ ، وَيُعَارِضُهُ أَنَّ فِيهِ ضَرَرًا عَلَى الْكِبَارِ ، بِبَيْعِ مَا لَهُمْ بِغَيْرِ إذْنِهِمْ .\rوَلِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ بَيْعُ غَيْرِ الْعَقَارِ ، فَلَمْ يَحُزْ لَهُ بَيْعُ غَيْرِ الْعَقَارِ ، كَالْأَجْنَبِيِّ .","part":8,"page":452},{"id":3952,"text":"( 3147 ) فَصْلٌ : وَيَصِحُّ تَصَرُّفُ الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ بِالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ ، فِيمَا أَذِنَ لَهُ الْوَلِيُّ فِيهِ .\rفِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ .\rوَالثَّانِيَةُ ، لَا يَصِحُّ حَتَّى يَبْلُغَ .\rوَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ ، أَشْبَهَ غَيْرَ الْمُمَيِّزِ .\rوَلِأَنَّ الْعَقْلَ لَا يُمْكِنُ الْوُقُوفُ مِنْهُ عَلَى الْحَدِّ الَّذِي يَصْلُحُ بِهِ التَّصَرُّفُ ؛ لِخَفَائِهِ ، وَتَزَايُدِهِ تَزَايُدًا خَفِيَّ التَّدْرِيجِ ، فَجَعَلَ الشَّارِعُ لَهُ ضَابِطًا ، وَهُوَ الْبُلُوغُ ، فَلَا يَثْبُتُ لَهُ أَحْكَامُ الْعُقَلَاءِ قَبْلَ وُجُودِ الْمَظِنَّةِ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ } .\rوَمَعْنَاهُ ؛ اخْتَبِرُوهُمْ لِتَعْلَمُوا رُشْدَهُمْ .\rوَإِنَّمَا يَتَحَقَّقُ اخْتِيَارُهُمْ بِتَفْوِيضِ التَّصَرُّفِ إلَيْهِمْ مِنْ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ ؛ لِيُعْلَمَ هَلْ يُغْبَنَّ أَوْ لَا .\rوَلِأَنَّهُ عَاقِلٌ مُمَيِّزٌ ، مَحْجُورٌ عَلَيْهِ ، فَصَحَّ تَصَرُّفُهُ بِإِذْنِ وَلِيِّهِ ، كَالْعَبْدِ .\rوَفَارَقَ غَيْرَ الْمُمَيِّزِ ، فَإِنَّهُ لَا تَحْصُلُ الْمَصْلَحَةُ بِتَصَرُّفِهِ ؛ لِعَدَمِ تَمْيِيزِهِ وَمَعْرِفَتِهِ ، وَلَا حَاجَةَ إلَى اخْتِيَارِهِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ عُلِمَ حَالُهُ .\rوَقَوْلُهُمْ : إنَّ الْعَقْلَ لَا يُمْكِنُ الِاطِّلَاعُ عَلَيْهِ .\rقُلْنَا : يُعْلَمُ ذَلِكَ بِآثَارِ وَجَرَيَانِ تَصَرُّفَاتِهِ عَلَى وَفْقِ الْمَصْلَحَةِ ، كَمَا يُعْلَمُ فِي حَقِّ الْبَالِغِ ، فَإِنَّ مَعْرِفَةَ رُشْدِهِ ، شَرْطُ دَفْعِ مَالِهِ إلَيْهِ ، وَصِحَّةِ تَصَرُّفِهِ ، كَذَا هَاهُنَا .\rفَأَمَّا إنْ تَصَرَّفَ بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهِ ، لَمْ يَصِحَّ تَصَرُّفُهُ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يَصِحَّ ، وَيَقِفَ عَلَى إجَازَةِ الْوَلِيِّ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ .\rوَمَبْنَى ذَلِكَ عَلَى مَا إذَا تَصَرَّفَ فِي مَالِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهَا فِيمَا مَضَى .\rوَأَمَّا غَيْرُ الْمُمَيِّزِ ، فَلَا يَصِحُّ تَصَرُّفُهُ ، وَإِنْ أَذِنَ لَهُ الْوَلِيُّ فِيهِ ، إلَّا فِي الشَّيْءِ الْيَسِيرِ ،","part":8,"page":453},{"id":3953,"text":"كَمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ، أَنَّهُ اشْتَرَى مِنْ صَبِيٍّ عُصْفُورًا ، فَأَرْسَلَهُ .\rذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى .","part":8,"page":454},{"id":3954,"text":"( 3148 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَمَا اسْتَدَانَ الْعَبْدُ ، فَهُوَ فِي رَقَبَتِهِ يَفْدِيهِ سَيِّدُهُ ، أَوْ يُسَلِّمُهُ ، فَإِنْ جَاوَزَ مَا اسْتَدَانَ قِيمَتَهُ ، لَمْ يَكُنْ عَلَى سَيِّدِهِ أَكْثَرُ مِنْ قِيمَتِهِ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ مَأْذُونًا لَهُ فِي التِّجَارَةِ ، فَيَلْزَمُ مَوْلَاهُ جَمِيعُ مَا اسْتَدَانَ ) فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَرْبَعَةُ فُصُولٍ : ( 3149 ) الْفَصْلُ الْأَوَّلُ ، فِي اسْتِدَانَةِ الْعَبْدِ ، يَعْنِي أَخْذَهُ بِالدَّيْنِ ، يُقَالُ : أَدَانَ وَاسْتَدَانَ وَتَدَيَّنَ .\rقَالَ الشَّاعِرُ : يُؤَنِّبُنِي فِي الدَّيْنِ قَوْمِي وَإِنَّمَا تَدَيَّنْتُ فِيمَا سَوْفَ يُكْسِبُهُمْ حَمْدَا وَالْعَبِيدُ قِسْمَانِ ، مَحْجُورٌ عَلَيْهِ ، فَمَا لَزِمَهُ مِنْ الدَّيْنِ بِغَيْرِ رِضَا سَيِّدِهِ ، مِثْلُ أَنْ يَقْتَرِضَ ، أَوْ يَشْتَرِيَ شَيْئًا فِي ذِمَّتِهِ ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، يَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِهِ .\rاخْتَارَهَا الْخِرَقِيِّ ، وَأَبُو بَكْرٍ ؛ لِأَنَّهُ دَيْنٌ لَزِمَهُ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ ، فَتَعَلَّقَ بِرَقَبَتِهِ ، كَأَرْشِ جِنَايَتِهِ .\rوَالثَّانِيَةُ ، يَتَعَلَّقُ بِذِمَّتِهِ يَتْبَعُهُ الْغَرِيمُ بِهِ إذَا أَعْتَقَ وَأَيْسَرِ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ مُتَصَرِّفٌ فِي ذِمَّتِهِ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ .\rفَتَعَلَّقَ بِذِمَّتِهِ ، كَعِوَضِ الْخُلْعِ مِنْ الْأَمَةِ ، وَكَالْحُرِّ .\rالْقِسْمُ الثَّانِي ، الْمَأْذُونُ لَهُ فِي التَّصَرُّفِ ، أَوْ فِي الِاسْتِدَانَةِ ، فَمَا يَلْزَمُهُ مِنْ الدَّيْنِ هَلْ يَتَعَلَّقُ بِذِمَّةِ السَّيِّدِ ، أَوْ بِرَقَبَتِهِ ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ .\rوَقَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ : إنْ كَانَ فِي يَدِهِ مَالٌ ، قُضِيَتْ دُيُونُهُ مِنْهُ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي يَدِهِ شَيْءٌ ، تَعَلَّقَ بِذِمَّتِهِ ، يُتْبَعُ بِهِ إذَا عَتَقَ وَأَيْسَرَ ؛ لِأَنَّهُ دَيْنٌ ثَبَتَ بِرِضَى مَنْ لَهُ الدَّيْنُ ، أَشْبَهَ غَيْرَ الْمَأْذُونِ لَهُ ، فَوَجَبَ أَنْ لَا يَتَعَلَّقَ بِرَقَبَتِهِ ، كَمَا لَوْ اسْتَقْرَضَ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يُبَاعُ إذَا طَالَبَ الْغُرَمَاءُ بَيْعَهُ .\rوَهَذَا مَعْنَاهُ ، أَنَّهُ تَعَلَّقَ بِرَقَبَتِهِ ؛ لِأَنَّهُ دَيْنٌ ثَبَتَ بِرِضَى","part":8,"page":455},{"id":3955,"text":"مَنْ لَهُ الدَّيْنُ ، فَيُبَاعُ فِيهِ ، كَمَا لَوْ رَهَنَهُ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ إذَا أَذِنَ لَهُ فِي التِّجَارَةِ ، فَقَدْ أَغْرَى النَّاسَ بِمُعَامَلَتِهِ ، وَأَذِنَ فِيهَا ، فَصَارَ ضَامِنًا ، كَمَا لَوْ قَالَ لَهُمْ : دَايِنُوهُ ، أَوْ أَذِنَ فِي اسْتِدَانَةٍ ، تَزِيدُ عَلَى قِيمَتِهِ ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الدَّيْنِ الَّذِي لَزِمَهُ فِي التِّجَارَةِ الْمَأْذُونِ فِيهَا ، أَوْ فِيمَا لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فِيهِ ، مِثْلُ إنْ أَذِنَ لَهُ فِي التِّجَارَةِ فِي الْبُرِّ ، فَاتَّجَرَ فِي غَيْرِهِ ، فَإِنَّهُ لَا يَنْفَكُّ عَنْ التَّغْرِيرِ ، إذْ يَظُنُّ النَّاسُ أَنَّهُ مَأْذُونٌ لَهُ فِي ذَلِكَ أَيْضًا .","part":8,"page":456},{"id":3956,"text":"( 3150 ) الْفَصْلُ الثَّانِي ، فِيمَا لَزِمَهُ مِنْ الدَّيْنِ مِنْ أُرُوشِ جِنَايَاتِهِ ، أَوْ قِيَمِ مُتْلَفَاتِهِ ، فَهَذَا يَتَعَلَّقُ بِرَقَبَةِ الْعَبْدِ ، عَلَى كُلِّ حَالٍ ، مَأْذُونًا ، أَوْ غَيْرَ مَأْذُونٍ ، رِوَايَةً وَاحِدَةً ، وَبِهِ يَقُولُ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ .\rوَكُلُّ مَا يَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِهِ فَإِنَّ السَّيِّدَ يَتَخَيَّرُ بَيْنَ تَسْلِيمِهِ لِلْبَيْعِ وَبَيْنَ فِدَائِهِ ، فَإِنْ سَلَّمَهُ فَبِيعَ ، وَكَانَ ثَمَنُهُ أَقَلَّ مِنْ أَرْشِ جِنَايَتِهِ ، فَلَيْسَ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ إلَّا ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ هُوَ الْجَانِي ، فَلَا يَجِبُ عَلَى غَيْرِهِ شَيْءٌ ، وَإِنْ كَانَ ثَمَنُهُ أَكْثَرَ ، فَالْفَضْلُ لِسَيِّدِهِ .\rوَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّ ظَاهِرَ كَلَامِ أَحْمَدَ ، أَنَّ السَّيِّدَ لَا يَرْجِعُ بِالْفَضْلِ .\rوَلَعَلَّهُ يَذْهَبُ إلَى أَنَّهُ دَفَعَهُ إلَيْهِ عِوَضًا عَنْ الْجِنَايَةِ ، فَلَمْ يَبْقَ لِسَيِّدِهِ فِيهِ شَيْءٌ ، كَمَا لَوْ مَلَّكَهُ إيَّاهُ عِوَضًا عَنْ الْجِنَايَةِ .\rوَهَذَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ .\rفَإِنَّ الْمَجْنِيَّ عَلَيْهِ لَا يَسْتَحِقُّ أَكْثَرَ مِنْ قَدْرِ أَرْشِ الْجِنَايَةِ عَلَيْهِ ، كَمَا لَوْ جَنَى عَلَيْهِ حُرٌّ ، وَالْجَانِي لَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَكْثَرُ مِنْ قَدْرِ جِنَايَتِهِ ، وَلِأَنَّ الْحَقَّ تَعَلَّقَ بِعَيْنِهِ ، فَكَانَ الْفَضْلُ مِنْ ثَمَنِهِ لِسَيِّدِهِ ، كَالرَّهْنِ .\rوَلَا يَصِحُّ قَوْلُهُمْ : إنَّهُ دَفَعَهُ عِوَضًا .\rلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ عِوَضًا .\rلَمَلَكَهُ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ ، وَلَمْ يُبَعْ فِي الْجِنَايَةِ ، وَإِنَّمَا دَفَعَهُ لِيُبَاعَ ، فَيُؤْخَذَ مِنْهُ عِوَضُ الْجِنَايَةِ ، وَيُرَدَّ إلَيْهِ الْبَاقِي ، وَلِذَلِكَ لَوْ أَتْلَفَ دِرْهَمًا ، لَمْ يَبْطُلْ حَقُّ سَيِّدِهِ مِنْهُ بِذَلِكَ ؛ لِعَجْزِهِ عَنْ أَدَاءِ الدِّرْهَمِ مِنْ غَيْرِ ثَمَنِهِ .\rوَإِنْ اخْتَارَ السَّيِّدُ فِدَاءَهُ لَزِمَهُ أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ ؛ مِنْ قِيمَتِهِ ، أَوْ أَرْشِ جِنَايَتِهِ ؛ لِأَنَّ أَرْشَ الْجِنَايَةِ إنْ كَانَ أَكْثَرَ ، فَلَا يَتَعَلَّقُ بِغَيْرِ الْعَبْدِ الْجَانِي ؛ لِعَدَمِ الْجِنَايَةِ مِنْ غَيْرِهِ ، وَإِنَّمَا تَجِبُ قِيمَتُهُ ، وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ ، فَلَمْ يَجِبْ بِالْجِنَايَةِ إلَّا","part":8,"page":457},{"id":3957,"text":"هُوَ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى ، أَنَّهُ يَلْزَمُهُ أَرْشُ جِنَايَتِهِ ، بَالِغًا مَا بَلَغَ ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَرْغَبَ فِيهِ رَاغِبٌ ، فَيَشْتَرِيَهُ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِهِ ، فَإِذَا مَنَعَ بَيْعَهُ لَزِمَهُ جَمِيعُ الْأَرْشِ ؛ لِتَفْوِيتِهِ ذَلِكَ .\rوَلِلشَّافِعِي قَوْلَانِ ، كَالرِّوَايَتَيْنِ .","part":8,"page":458},{"id":3958,"text":"( 3151 ) الْفَصْلُ الثَّالِثُ ، فِي تَصَرُّفَاتِهِ ؛ أَمَّا غَيْرُ الْمَأْذُونِ ، فَلَا يَصِحُّ بَيْعُهُ ، وَلَا شِرَاؤُهُ بِعَيْنِ الْمَالِ ؛ لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ مِنْ الْمَحْجُورِ فِيمَا حُجِرَ عَلَيْهِ فِيهِ ، فَأَشْبَهَ الْمُفْلِسَ .\rوَلِأَنَّهُ تَصَرَّفَ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ ، فَهُوَ كَتَصَرُّفِ الْفُضُولِيِّ .\rوَيَتَخَرَّجُ أَنْ يَصِحَّ وَيَقِفَ عَلَى إجَازَةِ السَّيِّدِ كَذَلِكَ .\rوَأَمَّا شِرَاؤُهُ بِثَمَنٍ فِي ذِمَّتِهِ وَاقْتِرَاضُهُ ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَصِحَّ ؛ لِأَنَّهُ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ ، أَشْبَهَ السَّفِيهَ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَصِحَّ ؛ لِأَنَّ الْحَجْرَ لِحَقِّ غَيْرِهِ ، أَشْبَهَ الْمُفْلِسَ وَالْمَرِيضَ .\rوَيَتَفَرَّعُ عَنْ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ ، أَنَّ التَّصَرُّفَ وَإِنْ كَانَ فَاسِدًا ، فَلِلْبَائِعِ وَالْمُقْرِضِ أَخْذُ مَالِهِ ، إنْ كَانَ بَاقِيًا ، سَوَاءٌ كَانَ فِي يَدِ الْعَبْدِ أَوْ السَّيِّدِ ، وَإِنْ كَانَ تَالِفًا ، فَلَهُ قِيمَتُهُ أَوْ مِثْلُهُ ، إنْ كَانَ مِثْلِيًّا ، فَإِنْ تَلِفَ فِي يَدِ السَّيِّدِ رَجَعَ بِذَلِكَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ عَيْنَ مَالِهِ تَلِفَ فِي يَدِهِ ، وَإِنْ شَاءَ كَانَ ذَلِكَ مُتَعَلِّقًا بِرَقَبَةِ الْعَبْدِ ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي أَخَذَهُ مِنْهُ ، وَإِنْ تَلِفَ فِي يَدِ الْعَبْدِ ، فَالرُّجُوعُ عَلَيْهِ .\rوَهَلْ يَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِهِ ، أَوْ ذِمَّتِهِ ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ .\rوَإِنْ قُلْنَا : التَّصَرُّفُ صَحِيحٌ .\rوَالْمَبِيعُ فِي يَدِ الْعَبْدِ ، فَلِلْبَائِعِ فَسْخُ الْبَيْعِ ، وَلِلْمُقْرِضِ الرُّجُوعُ فِيمَا أَقْرَضَ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَحَقَّقَ إعْسَارُ الْمُشْتَرِي وَالْمُقْتَرِضِ ، فَهُوَ أَسْوَأُ حَالًا مِنْ الْحُرِّ الْمُعْسِرِ .\rوَإِنْ كَانَ السَّيِّدُ قَدْ انْتَزَعَهُ مِنْ يَدِ الْعَبْدِ ، مَلَكَهُ بِذَلِكَ ، وَلَهُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ أَخَذَ مِنْ عَبْدِهِ مَالًا فِي يَدِهِ ، بِحَقٍّ ، فَهُوَ كَالصَّيْدِ .\rفَإِذَا مَلَكَهُ السَّيِّدُ ، كَانَ كَهَلَاكِهِ فِي يَدِ الْعَبْدِ ، وَلَا يَمْلِكُ الْبَائِعُ وَالْمُقْرِضُ انْتِزَاعَهُ مِنْ السَّيِّدِ ، بِحَالٍ .\rوَإِنْ كَانَ قَدْ تَلِفَ ، اسْتَقَرَّ ثَمَنُهُ فِي رَقَبَةِ الْعَبْدِ أَوْ فِي ذِمَّتِهِ ، سَوَاءٌ تَلِفَ فِي يَدِ الْعَبْدِ أَوْ","part":8,"page":459},{"id":3959,"text":"السَّيِّدِ .\rوَأَمَّا الْعَبْدُ الْمَأْذُونُ لَهُ ، فَيَصِحُّ تَصَرُّفُهُ فِي قَدْرِ مَا أُذِنَ لَهُ فِيهِ .\rلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا ، وَلَا يَصِحُّ فِيمَا زَادَ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .\rوَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إذَا أَذِنَ لَهُ فِي نَوْعٍ ، انْفَكَّ الْحَجْرُ عَنْهُ ، وَجَازَ لَهُ التَّصَرُّفُ مُطْلَقًا ؛ لِأَنَّ الْحَجْرَ لَا يَتَجَزَّأُ ، فَإِذَا زَالَ بَعْضُهُ ، زَالَ كُلُّهُ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ مُتَصَرِّفٌ بِالْإِذْنِ ، فَاخْتَصَّ تَصَرُّفُهُ بِمَحَلِّ الْإِذْنِ ، كَالْوَكِيلِ ، وَقَوْلُهُمْ : إنَّ الْحَجْرَ لَا يَتَجَزَّأُ .\rلَا يَصِحُّ ، فَإِنَّهُ لَوْ صَرَّحَ بِالْإِذْنِ لَهُ فِي بَيْعِ عَيْنٍ ، وَنَهْيِهِ عَنْ بَيْعِ أُخْرَى ، صَحَّ .\rوَكَذَلِكَ فِي الشِّرَاءِ ، كَالْوَكِيلِ .\rوَإِنْ أَذِنَ لَهُ السَّيِّدُ فِي ضَمَانٍ ، أَوْ كَفَالَةٍ ، فَفَعَلَ ، صَحَّ .\rوَهَلْ يَتَعَلَّقُ بِذِمَّةِ السَّيِّدِ ، أَوْ رَقَبَةِ الْعَبْدِ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ .\rوَإِنْ رَأَى السَّيِّدُ عَبْدَهُ يَتَّجِرُ ، فَلَمْ يَنْهَهُ ، لَمْ يَصِرْ بِذَلِكَ مَأْذُونًا لَهُ .","part":8,"page":460},{"id":3960,"text":"( 3152 ) الْفَصْلُ الرَّابِعُ ، فِي تَصَرُّفَاتِهِ ، إنْ كَانَ مَأْذُونًا لَهُ فِي التِّجَارَةِ ، قُبِلَ إقْرَارُهُ فِي قَدْرِ مَا أُذِنَ لَهُ ، وَلَمْ يُقْبَلْ فِيمَا زَادَ .\rوَلَا يُقْبَلُ إقْرَارُ غَيْرِ الْمَأْذُونِ لَهُ بِالْمَالِ .\rفَإِنْ أَقَرَّ بِعَيْنٍ فِي يَدِهِ أَوْ دَيْنٍ يَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِهِ ، لَمْ يُقْبَلْ عَلَى سَيِّدِهِ ؛ لِأَنَّهُ يُقِرُّ بِحَقٍّ عَلَى غَيْرِهِ ، فَلَمْ يُقْبَلْ ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ أَنَّ سَيِّدَهُ بَاعَهُ ، وَيَثْبُتُ فِي ذِمَّتِهِ يُتْبَعُ بِهِ بَعْدَ الْعِتْقِ .\rوَإِنْ أَقَرَّ بِجِنَايَتِهِ ، اسْتَوَى فِي ذَلِكَ الْمَأْذُونُ لَهُ وَغَيْرُهُ .\rوَيَنْقَسِمُ ذَلِكَ أَقْسَامًا أَرْبَعَةً ؛ أَحَدُهَا ، جِنَايَةٌ مُوجِبُهَا الْمَالُ ، كَإِتْلَافِهِ ، أَوْ جِنَايَةُ خَطَأٍ ، أَوْ شِبْهِ عَمْدٍ ، أَوْ جِنَايَةُ عَمْدٍ فِيمَا لَا قِصَاصَ فِيهِ ، كَالْجَائِفَةِ ، وَنَحْوِهَا ، فَلَا يُقْبَلُ إقْرَارُهُ بِهَا ؛ لِأَنَّهُ إقْرَارٌ بِالْمَالِ ، فَلَمْ يُقْبَلْ ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِدَرَاهِمَ ، أَوْ دَنَانِيرَ .\rالْقِسْمُ الثَّانِي ، جِنَايَةٌ مُوجِبُهَا حَدٌّ سِوَى السَّرِقَةِ ، أَوْ قِصَاصٌ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ ، فَيُقْبَلُ إقْرَارُهُ بِذَلِكَ .\rوَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ لَهُ زُفَرُ ، وَدَاوُد ، وَالْمُزَنِيُّ ، وَجَرِيرٌ : لَا يُقْبَلُ ؛ لِأَنَّهُ يَسْقُطُ بِهِ حَقُّ السَّيِّدِ ، فَلَا يُقْبَلُ ، كَالْإِقْرَارِ بِجِنَايَةِ الْخَطَإِ .\rوَلَنَا ، مَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَطَعَ يَدَ عَبْدٍ بِإِقْرَارِهِ بِالسَّرِقَةِ ، وَجَلَدَ عَبْدًا أَقَرَّ عِنْدَهُ بِالزِّنَا نِصْفَ الْحَدِّ .\rوَلَا مُخَالِفَ لَهُ فِي الصَّحَابَةِ ، فَكَانَ إجْمَاعًا .\rوَلِأَنَّ مَا لَا يُقْبَلُ إقْرَارُ السَّيِّدِ فِيهِ عَلَى الْعَبْدِ ، يُقْبَلُ فِيهِ إقْرَارُ الْعَبْدِ ، كَالطَّلَاقِ .\rوَلِأَنَّ الْعَبْدَ غَيْرُ مُتَّهَمٍ فِيهِ ؛ لِأَنَّ ضَرَرَهُ بِهِ أَخَصُّ ، وَهُوَ بِأَلَمِهِ أَمَسُّ ، فَقُبِلَ إقْرَارُهُ ، كَمَا لَوْ أَقَرَّتْ بِهِ الزَّوْجَةُ .\rوَخُرِّجَ عَلَى هَذَيْنِ الْمَعْنَيَيْنِ جِنَايَةُ الْخَطَإِ ؛ فَإِنَّ إقْرَارَ السَّيِّدِ بِهَا مَقْبُولٌ ، وَلَا يَتَضَرَّرُ الْعَبْدُ بِهَا","part":8,"page":461},{"id":3961,"text":".\rالْقِسْمُ الثَّالِثُ ، إقْرَارُهُ بِالسَّرِقَةِ ، يُقْبَلُ فِي الْحَدِّ ، فَيُقْطَعُ ، وَلَا يُقْبَلُ فِي الْمَالِ ، سَوَاءٌ كَانَتْ الْعَيْنُ تَالِفَةً ، أَوْ بَاقِيَةً فِي يَدِ السَّيِّدِ ، أَوْ فِي يَدِ الْعَبْدِ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يُقْطَعَ إذَا أَقَرَّ بِسَرِقَةِ عَيْنٍ مَوْجُودَةٍ فِي يَدِهِ .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّ الْعَيْنَ مَحْكُومٌ بِهَا لِسَيِّدِهِ ، فَلَا يُقْطَعُ بِسَرِقَةِ عَيْنٍ لِسَيِّدِهِ ، وَلِأَنَّ الْمُطَالَبَةَ بِالْمَسْرُوقِ شَرْطٌ فِي الْقَطْعِ ، وَهَذِهِ لَا يَمْلِكُ غَيْرُ السَّيِّدِ الْمُطَالَبَةَ بِهَا ، وَلِأَنَّ هَذَا شُبْهَةٌ ، وَالْحُدُودُ تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ .\rوَلَنَا ، خَبَرُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَلِأَنَّهُ مُقِرٌّ بِسَرِقَةِ عَيْنٍ تَبْلُغُ نِصَابًا ، فَوَجَبَ قَطْعُهُ ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ حُرٌّ بِسَرِقَةِ عَيْنٍ فِي يَدِ غَيْرِهِ ، وَمَا ذَكَرُوهُ يَبْطُلُ بِهَذِهِ الصُّورَةِ ، وَإِنَّمَا لَمْ تُرَدَّ الْعَيْنُ إلَى الْمَسْرُوقِ مِنْهُ لِحَقِّ السَّيِّدِ ، وَأَمَّا فِي حَقِّ الْعَبْدِ ، فَقَدْ يَثْبُتُ لِلْمُقِرِّ لَهُ ، وَلِهَذَا لَوْ عَتَقَ وَعَادَتْ الْعَيْنُ إلَى يَدِهِ ، لَزِمَهُ رَدُّهَا إلَى الْمُقِرِّ لَهُ .\rالْقِسْمُ الرَّابِعُ ، الْإِقْرَارُ بِمَا يُوجِبُ الْقِصَاصَ فِي النَّفْسِ .\rفَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ .\rوَعُمُومُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ ، إنْ أَقَرَّ الْمَحْجُورُ عَلَيْهِ بِمَا يُوجِبُ حَدًّا ، أَوْ قِصَاصًا ، أَوْ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ ، لَزِمَهُ ذَلِكَ .\rيَقْتَضِي قَبُولَ إقْرَارِهِ ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِمَا يُوجِبُ قِصَاصًا ، فَقُبِلَ ، كَإِقْرَارِهِ بِقَطْعِ الْيَدِ ، وَلِأَنَّهُ أَحَدُ نَوْعَيْ الْقِصَاصِ ، فَقُبِلَ إقْرَارُهُ بِهِ ، كَالْآخَرِ ، وَلِأَنَّهُ لَا يُقْبَلُ إقْرَارُ سَيِّدِهِ عَلَيْهِ بِهِ .\rفَقُبِلَ إقْرَارُهُ بِهِ ، كَالْحَدِّ .\rوَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا ، بِأَنَّ مُقْتَضَى الْقِيَاسِ أَنْ لَا يُقْبَلَ إقْرَارُهُ بِالْقِصَاصِ أَصْلًا ؛ لِأَنَّهُ إقْرَارٌ عَلَى مَالِ سَيِّدِهِ ، وَلِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ ، إذْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَنْ مُوَاطَأَةٍ","part":8,"page":462},{"id":3962,"text":"بَيْنَهُمَا ، لِيَعْفُوَ عَلَى مَالٍ ، فَيَسْتَحِقَّ رَقَبَةَ الْعَبْدِ ، وَلِذَلِكَ لَمْ تَحْمِلْ الْعَاقِلَةُ اعْتِرَافًا ، فَتَرَكْنَا مُوجِبَ الْقِيَاسِ ؛ لِخَبَرِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَفِيمَا عَدَاهُ يَبْقَى عَلَى مُوجَبِ الْقِيَاسِ .\rوَيُفَارِقُ الْقِصَاصُ فِي النَّفْسِ الْقِصَاصَ فِي الطَّرَفِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ التَّخَلُّصَ مِنْ سَيِّدِهِ ، وَلَوْ بِفَوَاتِ نَفْسِهِ .\rوَكُلُّ مَوْضِعٍ حَكَمْنَا بِقَبُولِ إقْرَارِهِ بِالْقِصَاصِ ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ الثَّابِتِ بِالْبَيِّنَةِ ، فَلِوَلِيِّ الْجِنَايَةِ الْعَفْوُ ، وَالِاسْتِيفَاءُ ، وَالْعَفْوُ عَلَى مَالٍ ، فَإِنْ عَفَا ، تَعَلَّقَ الْأَرْشُ بِرَقَبَةِ الْعَبْدِ ، عَلَى مَا مَرَّ بَيَانُهُ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَمْلِكَ الْعَفْوَ عَلَى مَالٍ ؛ لِئَلَّا يَتَّخِذَ ذَلِكَ وَسِيلَةً إلَى الْإِقْرَارِ بِمَالِ .","part":8,"page":463},{"id":3963,"text":"( 3153 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَبَيْعُ الْكَلْبِ بَاطِلٌ ، وَإِنْ كَانَ مُعَلَّمًا ) لَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ فِي أَنَّ بَيْعَ الْكَلْبِ بَاطِلٌ ، أَيَّ كَلْبٍ كَانَ .\rوَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ ، وَرَبِيعَةُ ، وَحَمَّادٌ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَدَاوُد .\rوَكَرِهَ أَبُو هُرَيْرَةَ ثَمَنَ الْكَلْبِ .\rوَرَخَّصَ فِي ثَمَنِ كَلْبِ الصَّيْدِ خَاصَّةً جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، وَعَطَاءٌ ، وَالنَّخَعِيُّ .\rوَجَوَّزَ أَبُو حَنِيفَةَ بَيْعَ الْكِلَابِ كُلِّهَا ، وَأَخْذَ ثَمَنِهَا ، وَعَنْهُ رِوَايَةٌ فِي الْكَلْبِ الْعَقُورِ ، أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ .\rوَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ مَالِكٌ ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : لَا يَجُوزُ .\rوَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : الْكَلْبُ الْمَأْذُونُ فِي إمْسَاكِهِ ، يَجُوزُ بَيْعُهُ ، وَيُكْرَهُ .\rوَاحْتَجَّ مَنْ أَجَازَ بَيْعَهُ بِمَا رُوِيَ عَنْ جَابِرٍ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { نَهَى عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ وَالسِّنَّوْرِ ، إلَّا كَلْبَ الصَّيْدِ } .\rوَلِأَنَّهُ يُبَاحُ الِانْتِفَاعُ بِهِ ، وَيَصِحُّ نَقْلُ الْيَدِ فِيهِ ، وَالْوَصِيَّةُ بِهِ ، فَصَحَّ بَيْعُهُ ، كَالْحِمَارِ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى أَبُو مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيُّ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { نَهَى عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ ، وَمَهْرِ الْبَغِيِّ ، وَحُلْوَانِ الْكَاهِنِ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَعَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ قَالَ ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { ثَمَنُ الْكَلْبِ خَبِيثٌ ، وَمَهْرُ الْبَغِيِّ خَبِيثٌ ، وَكَسْبُ الْحَجَّامِ خَبِيثٌ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا .\rوَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ : { نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ ، فَإِنْ جَاءَ يَطْلُبُهُ فَامْلَئُوا كَفَّهُ تُرَابًا } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَلِأَنَّهُ حَيَوَانٌ نُهِيَ عَنْ اقْتِنَائِهِ فِي غَيْرِ حَالِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ ، أَشْبَهَ الْخِنْزِيرَ ، أَوْ حَيَوَانٌ نَجِسُ الْعَيْنِ ، أَشْبَهَ الْخِنْزِيرَ .\rفَأَمَّا حَدِيثُهُمْ ، فَقَالَ أَحْمَدُ : هَذَا مِنْ الْحَسَنِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ ، وَهُوَ ضَعِيفٌ .\rوَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : الصَّحِيحُ","part":8,"page":464},{"id":3964,"text":"أَنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى جَابِرٍ ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : لَا يَصِحُّ إسْنَادُ هَذَا الْحَدِيثِ .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَلَا يَصِحُّ أَيْضًا .\rوَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ ، وَلَا كَلْبَ صَيْدٍ ، وَقَدْ جَاءَتْ اللُّغَةُ بِمِثْلِ ذَلِكَ ، قَالَ الشَّاعِرُ : وَكُلُّ أَخٍ مُفَارِقُهُ أَخُوهُ لَعَمْرُ أَبِيكَ إلَّا الْفَرْقَدَانِ أَيْ وَالْفَرْقَدَانِ .\rثُمَّ هَذَا الْحَدِيثُ حُجَّةٌ عَلَى مِنْ أَبَاحَ بَيْعَ غَيْرِ كَلْبِ الصَّيْدِ .","part":8,"page":465},{"id":3965,"text":"( 3154 ) فَصْلٌ : وَلَا تَجُوزُ إجَارَتُهُ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .\rوَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ بَعْضُهُمْ : يَجُوزُ ؛ لِأَنَّهَا مَنْفَعَةٌ مُبَاحَةٌ ، فَجَازَتْ الْمُعَاوَضَةُ عَنْهَا ، كَنَفْعِ الْحَمِيرِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ حَيَوَانٌ مُحَرَّمٌ بَيْعُهُ ؛ لِخُبْثِهِ ، فَحَرُمَتْ إجَارَتُهُ ، كَالْخِنْزِيرِ .\rوَقِيَاسُهُمْ يَنْتَقِضُ بِضِرَابِ الْفَحْلِ ، فَإِنَّهَا مَنْفَعَةٌ مُبَاحَةٌ ، وَلَا يَجُوزُ إجَارَتُهَا ، وَلِأَنَّ إبَاحَةَ الِانْتِفَاعِ لَمْ تُبِحْ بَيْعَهُ ، فَكَذَلِكَ إجَارَتُهُ ، وَلِأَنَّ مَنْفَعَتَهُ لَا تُضْمَنُ فِي الْغَصْبِ ، فَإِنَّهُ لَوْ غَصَبَهُ غَاصِبٌ مُدَّةً ، لَمْ يَلْزَمْهُ لِذَلِكَ عِوَضٌ ، فَلَمْ يَجُزْ أَخْذُ الْعِوَضِ عَنْهَا فِي الْإِجَارَةِ ، كَنَفْعِ الْخِنْزِيرِ .","part":8,"page":466},{"id":3966,"text":"( 3155 ) فَصْلٌ : وَتَصِحُّ الْوَصِيَّةُ بِالْكَلْبِ الَّذِي يُبَاحُ اقْتِنَاؤُهُ ؛ لِأَنَّهَا نَقْلٌ لِلْيَدِ فِيهِ مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ .\rوَتَصِحُّ هِبَتُهُ ؛ لِذَلِكَ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : لَا تَصِحُّ ؛ لِأَنَّهَا تَمْلِيكٌ فِي الْحَيَاةِ ، أَشْبَهَتْ الْبَيْعَ .\rوَالْأَوَّلُ أَصَحُّ .\rوَيُفَارِقُ الْبَيْعَ ؛ لِأَنَّهُ يُؤْخَذُ عِوَضُهُ ، وَهُوَ مُحَرَّمٌ .\rوَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَجْهَانِ ، كَهَذَيْنِ .","part":8,"page":467},{"id":3967,"text":"( 3156 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَمَنْ قَتَلَهُ وَهُوَ مُعَلَّمٌ ، فَقَدْ أَسَاءَ ، وَلَا غُرْمَ عَلَيْهِ ) أَمَّا قَتْلُ الْمُعَلَّمِ فَحَرَامٌ ، وَفَاعِلُهُ مُسِيءٌ ظَالِمٌ ، وَكَذَلِكَ كُلُّ كَلْبٍ مُبَاحٍ إمْسَاكُهُ ؛ لِأَنَّهُ مَحَلٌّ مُنْتَفَعٌ بِهِ يُبَاحُ اقْتِنَاؤُهُ ، فَحُرِّمَ إتْلَافُهُ ، كَالشَّاةِ .\rوَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا .\rوَلَا غُرْمَ عَلَى قَاتِلِهِ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ مَالِكٌ وَعَطَاءٌ : عَلَيْهِ الْغُرْمُ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا فِي تَحْرِيمِ إتْلَافِهِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ مَحَلٌّ يَحْرُمُ أَخْذُ عِوَضِهِ لِخُبْثِهِ ، فَلَمْ يَجِبْ غُرْمُهُ بِإِتْلَافِهِ ، كَالْخِنْزِيرِ ، وَإِنَّمَا يَحْرُمُ إتْلَافُهُ ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِضْرَارِ .\rوَقَدْ نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الضَّرَرِ وَالْإِضْرَارِ .","part":8,"page":468},{"id":3968,"text":"فَصْلٌ : فَأَمَّا قَتْلُ مَا لَا يُبَاحُ إمْسَاكُهُ ، فَإِنَّ الْكَلْبَ الْأَسْوَدَ الْبَهِيمَ يُبَاحُ قَتْلُهُ ؛ لِأَنَّهُ شَيْطَانٌ .\rقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الصَّامِتِ : سَأَلْت أَبَا ذَرٍّ فَقُلْت : { مَا بَالُ الْأَسْوَدِ مِنْ الْأَحْمَرِ مِنْ الْأَبْيَضِ ؟ فَقَالَ : سَأَلْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا سَأَلْتنِي ، فَقَالَ : الْكَلْبُ الْأَسْوَدُ شَيْطَانٌ } .\rرَوَاهُ مُسْلِمٌ ، وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { لَوْلَا أَنَّ الْكِلَابَ أُمَّةٌ مِنْ الْأُمَمِ لَأَمَرْت بِقَتْلِهَا ، فَاقْتُلُوا مِنْهَا كُلَّ أَسْوَدَ بَهِيمٍ } .\rوَيُبَاحُ قَتْلُ الْكَلْبِ الْعَقُورِ ؛ لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { خَمْسٌ مِنْ الدَّوَابِّ كُلُّهُنَّ فَاسِقٌ ، يُقْتَلْنَ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ ؛ الْغُرَابُ ، وَالْحِدَأَةُ ، وَالْعَقْرَبُ وَالْفَأْرَةُ ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ، وَيُقْتَلُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَذَيْنِ ، وَإِنْ كَانَ مُعَلَّمًا ؛ لِلْخَبَرَيْنِ .\rوَعَلَى قِيَاسِ الْكَلْبِ الْعَقُورِ ، كُلُّ مَا آذَى النَّاسَ ، وَضَرَّهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ .\rوَأَمْوَالِهِمْ ، يُبَاحُ قَتْلُهُ ؛ لِأَنَّهُ يُؤْذِي بِلَا نَفْعٍ ، أَشْبَهَ الذِّئْبَ ، وَمَا لَا مَضَرَّةَ فِيهِ ، لَا يُبَاحُ قَتْلُهُ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْخَبَرِ .\rوَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ { أَمَرَ بِقَتْلِ الْكِلَابِ ، حَتَّى إنَّ الْمَرْأَةَ تَقْدُمُ مِنْ الْبَادِيَةِ بِكَلْبِهَا فَتَقْتُلُهُ ، ثُمَّ نَهَى عَنْ قَتْلِهَا ، وَقَالَ : عَلَيْكُمْ بِالْأَسْوَدِ الْبَهِيمِ ذِي الطُّفْيَتَيْنِ ، فَإِنَّهُ شَيْطَانٌ } رَوَاهُ مُسْلِمٌ .","part":8,"page":469},{"id":3969,"text":"( 3158 ) فَصْلٌ : وَلَا يَجُوزُ اقْتِنَاءُ الْكَلْبِ ، إلَّا كَلْبَ الصَّيْدِ ، أَوْ كَلْبَ مَاشِيَةٍ ، أَوْ حَرْثٍ ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ { : مَنْ اتَّخَذَ كَلْبًا إلَّا كَلْبَ صَيْدٍ أَوْ مَاشِيَةٍ أَوْ زَرْعٍ ، نَقَصَ مِنْ أَجْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطٌ } .\rوَعَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : سَمِعْت النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ { : مَنْ اقْتَنَى كَلْبًا إلَّا كَلْبَ صَيْدٍ أَوْ مَاشِيَةٍ ، فَإِنَّهُ يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطَانِ } .\rقَالَ سَالِمٌ : وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يَقُولُ : أَوْ كَلْبَ حَرْثٍ .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَإِنْ اقْتَنَاهُ لِحِفْظِ الْبُيُوتِ ، لَمْ يَجُزْ ؛ لِلْخَبَرِ .\rوَيَحْتَمِلُ الْإِبَاحَةَ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الثَّلَاثَةِ ، فَيُقَاسُ عَلَيْهَا .\rوَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ؛ لِأَنَّ قِيَاسَ غَيْرِ الثَّلَاثَةِ عَلَيْهَا ، يُبِيحُ مَا يَتَنَاوَلُ الْخَبَرُ تَحْرِيمَهُ .\rقَالَ الْقَاضِي : وَلَيْسَ هُوَ فِي مَعْنَاهَا ، فَقَدْ يَحْتَالُ اللِّصُّ لِإِخْرَاجِهِ بِشَيْءِ يُطْعِمُهُ إيَّاهُ ، ثُمَّ يَسْرِقُ الْمَتَاعَ .\rوَأَمَّا الذِّئْبُ ، فَلَا يَحْتَمِلُ هَذَا فِي حَقِّهِ ، وَلِأَنَّ اقْتِنَاءَهُ فِي الْبُيُوتِ يُؤْذِي الْمَارَّةَ ، بِخِلَافِ الصَّحْرَاءِ .","part":8,"page":470},{"id":3970,"text":"( 3159 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا تَرْبِيَةُ الْجَرْوِ الصَّغِيرِ لِأَحَدِ الْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ ، فَيَجُوزُ فِي أَقْوَى الْوَجْهَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ قَصَدَهُ لِذَلِكَ ، فَيَأْخُذُ حُكْمَهُ .\rكَمَا يَجُوزُ بَيْعُ الْعَبْدِ الصَّغِيرِ ، وَالْجَحْشِ الصَّغِيرِ ، الَّذِي لَا نَفْعَ فِيهِ فِي الْحَالِ ؛ لِمَالِهِ إلَى الِانْتِفَاعِ .\rوَلِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَتَّخِذْ الصَّغِيرَ ، مَا أَمْكَنَ جَعْلُ الْكَلْبِ لِلصَّيْدِ ، إذَا لَا يَصِيرُ مُعَلَّمًا إلَّا بِالتَّعْلِيمِ ، وَلَا يُمْكِنُ تَعْلِيمُهُ إلَّا بِتَرْبِيَتِهِ ، وَاقْتِنَائِهِ مُدَّةً يُعَلِّمُهُ فِيهَا .\rقَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنْ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمْ اللَّهُ } .\rوَلَا يُوجَدُ كَلْبٌ مُعَلَّمٌ بِغَيْرِ تَعْلِيمٍ .\rوَالْوَجْهُ الثَّانِي ، لَا يَجُوزُ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الثَّلَاثَةِ .","part":8,"page":471},{"id":3971,"text":"( 3160 ) فَصْلٌ : وَمَنْ اقْتَنَى كَلْبًا لِلصَّيْدِ ، ثُمَّ تَرَكَ الصَّيْدَ مُدَّةً ، وَهُوَ يُرِيدُ الْعَوْدَ إلَيْهِ ، لَمْ يَحْرُمُ اقْتِنَاؤُهُ فِي مُدَّةِ تَرْكِهِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ .\rوَكَذَلِكَ لَوْ حَصَدَ صَاحِبُ الزَّرْعِ زَرْعَهُ ، أُبِيحَ لَهُ إمْسَاكُ الْكَلْبِ ، إلَى أَنْ يَزْرَعَ زَرْعًا آخَرَ .\rوَلَوْ هَلَكَتْ مَاشِيَتُهُ ، فَأَرَادَ شِرَاءَ غَيْرِهَا ، فَلَهُ إمْسَاكُ كَلْبِهَا ؛ لِيَنْتَفِعَ بِهِ فِي الَّتِي يَشْتَرِيهَا .\rفَأَمَّا إنْ اقْتَنَى كَلْبَ الصَّيْدِ مَنْ لَا يَصِيدُ بِهِ ، احْتَمَلَ الْجَوَازَ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَثْنَى كَلْبَ الصَّيْدِ مُطْلَقًا .\rوَاحْتَمَلَ الْمَنْعَ ؛ لِأَنَّهُ اقْتَنَاهُ لِغَيْرِ حَاجَةٍ ، أَشْبَهَ غَيْرَهُ مِنْ الْكِلَابِ .\rوَمَعْنَى كَلْبِ الصَّيْدِ ، أَيُّ كَلْبٍ يَصِيدُ بِهِ .\rوَهَكَذَا الِاحْتِمَالُ ؛ لِأَنَّ فِي مَنْ اقْتَنَى كَلْبًا ؛ لِيَحْفَظَ لَهُ حَرْثًا ، أَوْ مَاشِيَةً ، إنْ حَصَلَتْ ، أَوْ يَصِيدَ بِهِ إنْ احْتَاجَ إلَى الصَّيْدِ ، وَلَيْسَ لَهُ فِي الْحَالِ حَرْثٌ ، وَلَا مَاشِيَةٌ ، يَحْتَمِلُ الْجَوَازَ ؛ لِقَصْدِهِ ذَلِكَ ، كَمَا لَوْ حَصَدَ الزَّرْعَ ، وَأَرَادَ أَنْ يَزْرَعَ غَيْرَهُ .","part":8,"page":472},{"id":3972,"text":"( 3161 ) فَصْلٌ : وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الْخِنْزِيرِ ، وَلَا الْمَيْتَةِ ، وَلَا الدَّمِ .\r.\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى الْقَوْلِ بِهِ .\rوَأَجْمَعُوا عَلَى تَحْرِيمِ الْمَيْتَةِ وَالْخَمْرِ ، وَعَلَى أَنَّ بَيْعَ الْخِنْزِيرِ ، وَشِرَاءَهُ ، حَرَامٌ ؛ وَذَلِكَ لِمَا رَوَى جَابِرٌ قَالَ : سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ بِمَكَّةَ يَقُولُ : { إنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَا بَيْعَ الْخَمْرِ ، وَالْمَيْتَةِ ، وَالْخِنْزِيرِ ، وَالْأَصْنَامِ .\r} مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَلَا يَجُوزُ بَيْعُ مَا لَا مَنْفَعَةَ فِيهِ ، كَالْحَشَرَاتِ كُلِّهَا ، وَسِبَاعِ الْبَهَائِمِ الَّتِي لَا تَصْلُحُ لِلِاصْطِيَادِ ، كَالْأَسَدِ وَالذِّئْبِ ، وَمَا لَا يُؤْكَلُ وَلَا يُصَادُ بِهِ مِنْ الطَّيْرِ ، كَالرَّخَمِ ، وَالْحِدَأَةِ ، وَالْغُرَابِ الْأَبْقَعِ ، وَغُرَابِ الْبَيْنِ وَبَيْضِهَا ، فَكُلُّ هَذَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ ؛ لِأَنَّهُ لَا نَفْعَ فِيهِ ، فَأَخْذُ ثَمَنِهِ أَكْلُ مَالٍ بِالْبَاطِلِ .","part":8,"page":473},{"id":3973,"text":"( 3162 ) فَصْلٌ : وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ السِّرْجِينِ النَّجِسِ .\rوَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَجُوزُ ؛ لِأَنَّ أَهْلَ الْأَمْصَارِ يَتَبَايَعُونَهُ لِزُرُوعِهِمْ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ ، فَكَانَ إجْمَاعًا .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ مُجْمَعٌ عَلَى نَجَاسَتِهِ ؛ فَلَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ ، كَالْمَيْتَةِ .\rوَمَا ذَكَرُوهُ فَلَيْسَ بِإِجْمَاعِ ، فَإِنَّ الْإِجْمَاعَ اتِّفَاقُ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَلَمْ يُوجَدْ ، وَلِأَنَّهُ رَجِيعٌ نَجِسٌ ، فَلَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ ، كَرَجِيعِ الْآدَمِيِّ .","part":8,"page":474},{"id":3974,"text":"( 3163 ) فَصْلٌ : وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الْحُرِّ ، وَلَا مَا لَيْسَ بِمَمْلُوكِ ، كَالْمُبَاحَاتِ قَبْلَ حِيَازَتِهَا وَمِلْكِهَا .\rوَلَا نَعْلَمُ فِي ذَلِكَ خِلَافًا ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : ثَلَاثَةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ؛ رَجُلٌ أُعْطِيَ بِي ثُمَّ غَدَرَ ، وَرَجُلٌ بَاعَ حُرًّا ، فَأَكَلَ ثَمَنَهُ ، وَرَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا ، فَاسْتَوْفَى مِنْهُ وَلَمْ يُوَفِّهِ أَجْرَهُ } .\rرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ .","part":8,"page":475},{"id":3975,"text":"( 3164 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَبَيْعُ الْفَهْدِ ، وَالصَّقْرِ الْمُعَلَّمِ ، جَائِزٌ ، وَكَذَلِكَ بَيْعُ الْهِرِّ ، وَكُلِّ مَا فِيهِ الْمَنْفَعَة ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ ، أَنَّ كُلَّ مَمْلُوكٍ أُبِيحَ الِانْتِفَاعُ بِهِ ، يَجُوزُ بَيْعُهُ ، إلَّا مَا اسْتَثْنَاهُ الشَّرْعُ ، مِنْ الْكَلْبِ وَأُمِّ الْوَلَدِ ، وَالْوَقْفِ .\rوَفِي الْمُدَبَّرِ ، وَالْمُكَاتَبِ ، وَالزَّيْتِ النَّجِسِ اخْتِلَافٌ ، نَذْكُرُهُ فِي مَوْضِعِهِ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ سَبَبٌ لِإِطْلَاقِ التَّصَرُّفِ ، وَالْمَنْفَعَةُ الْمُبَاحَةُ يُبَاحُ لَهُ اسْتِيفَاؤُهَا ، فَجَازَ لَهُ أَخْذُ عِوَضِهَا ، وَأُبِيحَ لِغَيْرِهِ بَذْلُ مَالِهِ فِيهَا ، تَوَصُّلًا إلَيْهَا ، وَدَفْعًا لِحَاجَتِهِ بِهَا ، كَسَائِرِ مَا أُبِيحَ بَيْعُهُ ، وَسَوَاءٌ فِي هَذَا مَا كَانَ طَاهِرًا ، كَالثِّيَابِ ، وَالْعَقَارِ ، وَبَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ ، وَالْخَيْلِ ، وَالصَّيُودِ ، أَوْ مُخْتَلَفًا فِي نَجَاسَتِهِ ، كَالْبَغْلِ ، وَالْحِمَارِ ، وَسِبَاعِ الْبَهَائِمِ ، وَجَوَارِحِ الطَّيْرِ ، الَّتِي تَصْلُحُ لِلصَّيْدِ ، الَّتِي كَالْفَهْدِ ، وَالصَّقْرِ ، وَالْبَازِي ، وَالشَّاهَيْنِ ، وَالْعُقَابِ ، وَالطَّيْرِ الْمَقْصُودِ صَوْتُهُ ، كَالْهَزَّازِ ، وَالْبُلْبُلِ ، وَالْبَبْغَاءِ ، وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ ، فَكُلُّهُ يَجُوزُ بَيْعُهُ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ ، وَابْنُ أَبِي مُوسَى : لَا يَجُوزُ بَيْعُ الْفَهْدِ ، وَالصَّقْرِ ، وَنَحْوِهِمَا ؛ لِأَنَّهَا نَجِسَةٌ ، فَلَمْ يَجُزْ بَيْعُهَا ، كَالْكَلْبِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ حَيَوَانٌ أُبِيحَ اقْتِنَاؤُهُ ، وَفِيهِ نَفْعٌ مُبَاحٌ ، مِنْ غَيْرِ وَعِيدٍ فِي حَبْسِهِ ، فَأُبِيحَ بَيْعُهُ كَالْبَغْلِ ، وَمَا ذَكَرَاهُ يَبْطُلُ بِالْبَغْلِ ، وَالْحِمَارِ ، فَإِنَّهُ لَا خِلَافَ فِي إبَاحَةِ بَيْعِهِمَا ، وَحُكْمُهَا حُكْمُ سِبَاعِ الْبَهَائِمِ فِي الطَّهَارَةِ ، وَالنَّجَاسَةِ وَإِبَاحَةِ الِاقْتِنَاءِ ، وَالِانْتِفَاعِ .\rوَأَمَّا الْكَلْبُ فَإِنَّ الشَّرْعَ تَوَعَّدَ عَلَى اقْتِنَائِهِ وَحَرَّمَهُ ، إلَّا فِي حَالِ الْحَاجَةِ ، فَصَارَتْ إبَاحَتُهُ ثَابِتَةً ، بِطَرِيقِ الضَّرُورَةِ ، بِخِلَافِ غَيْرِهِ ، وَلِأَنَّ","part":8,"page":476},{"id":3976,"text":"الْأَصْلَ الْإِبَاحَةُ ؛ بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى : { وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ } .\rوَلَمَّا ذَكَرْنَا مِنْ الْمَعْنَى خَرَجَ مِنْهُ مَا اسْتَثْنَاهُ الشَّرْعُ ؛ لِمَعَانٍ غَيْرِ مَوْجُودَةٍ فِي هَذَا ، فَبَقِيَ عَلَى أَصْلِ الْإِبَاحَةِ .\rوَأَمَّا الْهِرُّ ، فَقَالَ الْخِرَقِيِّ : يَجُوزُ بَيْعُهَا .\rوَبِهِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَالْحَسَنُ ، وَابْنُ سِيرِينَ ، وَالْحَكَمُ ، وَحَمَّادٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ كَرِهَ ثَمَنَهَا .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَطَاوُسٍ ، وَمُجَاهِدٍ ، وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ .\rوَاخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ ؛ لِمَا رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ جَابِرٍ ، أَنَّهُ { سُئِلَ عَنْ ثَمَنِ السِّنَّوْرِ ، فَقَالَ : زَجَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ } .\rوَفِي لَفْظٍ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَنْ جَابِرٍ { ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ ثَمَنِ السِّنَّوْرِ .\r} قَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ ، وَفِي إسْنَادِهِ اضْطِرَابٌ .\rوَلَنَا ، مَا ذَكَرْنَا فِيمَا يُصَادُ بِهِ مِنْ السِّبَاعِ ، وَيُحْمَلُ الْحَدِيثُ عَلَى غَيْرِ الْمَمْلُوكِ مِنْهَا ، أَوْ مَا لَا نَفْعَ فِيهِ مِنْهَا ؛ بِدَلِيلِ مَا ذَكَرْنَا ، وَلِأَنَّ الْبَيْعَ شُرِعَ طَرِيقًا لِلتَّوَصُّلِ إلَى قَضَاءِ الْحَاجَةِ ، وَاسْتِيفَاءِ الْمَنْفَعَةِ الْمُبَاحَةِ ؛ لِيَصِلَ كُلُّ وَاحِدٍ إلَى الِانْتِفَاعِ بِمَا فِي يَدِ صَاحِبِهِ ، مِمَّا يُبَاحُ الِانْتِفَاعُ بِهِ ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُشْرَعَ ذَلِكَ فِيهِ ؛ لِيَصِلَ كُلُّ وَاحِدٍ إلَى الِانْتِفَاعِ بِمَا فِي يَدِ صَاحِبِهِ ، فَمَا يُبَاحُ الِانْتِفَاعُ بِهِ ، يَنْبَغِي أَنْ يَجُوزَ بَيْعُهُ .\r( 3165 ) فَصْلٌ : فَإِنْ كَانَ الْفَهْدُ وَالصَّقْرُ وَنَحْوُهُمَا ، مِمَّا لَيْسَ بِمُعَلَّمٍ ، وَلَا يَقْبَلُ التَّعْلِيمَ ، لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ ؛ لِعَدَمِ النَّفْعِ بِهِ .\rوَإِنْ كَانَ مِمَّا يُمْكِنُ تَعْلِيمُهُ ، جَازَ بَيْعُهُ ؛ لِأَنَّ مَآلَهُ إلَى الِانْتِفَاعِ ، فَأَشْبَهَ الْجَحْشَ الصَّغِيرَ .\r( 3166 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا مَا يُصَادُ عَلَيْهِ ، كَالْبُومَةِ الَّتِي يَجْعَلُهَا شِبَاكًا ،","part":8,"page":477},{"id":3977,"text":"لِتَجْمَعَ الطَّيْرَ إلَيْهَا ، فَيَصِيدُهُ الصَّيَّادُ ، فَيُحْتَمَلُ جَوَازُ بَيْعِهَا ، لِلنَّفْعِ الْحَاصِلِ مِنْهَا ، وَيُحْتَمَلُ الْمَنْعُ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مَكْرُوهٌ ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ تَعْذِيبِ الْحَيَوَانِ .\rوَكَذَلِكَ اللَّقْلَقُ وَنَحْوُهُ .","part":8,"page":478},{"id":3978,"text":"( 3167 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا بَيْضُ مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ مِنْ الطَّيْرِ ، فَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا نَفْعَ فِيهِ ، لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ ، طَاهِرًا كَانَ أَوْ نَجِسًا .\rوَإِنْ كَانَ يُنْتَفَعُ بِهِ ، بِأَنْ يَصِيرَ فَرْخًا ، وَكَانَ طَاهِرًا ، جَازَ بَيْعُهُ ؛ لِأَنَّهُ طَاهِرٌ مُنْتَفَعٌ بِهِ ؛ أَشْبَهَ أَصْلَهُ ، وَإِنْ كَانَ نَجِسًا ، كَبِيضِ الْبَازِي ، وَالصَّقْرِ ، وَنَحْوِهِ ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ فَرْخِهِ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ ؛ لِأَنَّهُ نَجِسٌ ، لَا يُنْتَفَعُ بِهِ فِي الْحَالِ .\rوَهَذَا مُلْغَى بِفَرْخِهِ ، وَبِالْجَحْشِ الصَّغِيرِ .","part":8,"page":479},{"id":3979,"text":"( 3168 ) فَصْلٌ : قَالَ أَحْمَدُ : أَكْرَهُ بَيْعَ الْقِرْدِ .\rقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ : هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى بَيْعِهِ لِلْإِطَافَةِ بِهِ ، وَاللَّعِبِ ، فَأَمَّا بَيْعُهُ لِمَنْ يَنْتَفِعُ بِهِ ، كَحِفْظِ الْمَتَاعِ وَالدُّكَّانِ وَنَحْوِهِ ، فَيَجُوزُ ؛ لِأَنَّهُ كَالصَّقْرِ وَالْبَازِي .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rوَقِيَاسُ قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ وَابْنِ أَبِي مُوسَى الْمَنْعُ مِنْ بَيْعِهِ مُطْلَقًا .","part":8,"page":480},{"id":3980,"text":"( 3169 ) فَصْلٌ : وَفِي بَيْعِ الْعَلَقِ الَّتِي يُنْتَفَعُ بِهَا ، مِثْلُ الَّتِي تُعَلَّقُ عَلَى وَجْهِ صَاحِبِ الْكَلَفِ ، فَتَمُصُّ الدَّمَ ، وَالدِّيدَانَ الَّتِي تُتْرَكُ فِي الشِّصِّ ، فَيُصَادُ بِهَا السَّمَكُ ، وَجْهَانِ ؛ أَصَحُّهُمَا جَوَازُ بَيْعِهَا ؛ لِحُصُولِ نَفْعِهَا ، فَهِيَ كَالسَّمَكِ وَالثَّانِي ، لَا يَجُوزُ ؛ لِأَنَّهَا لَا يُنْتَفَعُ بِهَا ، إلَّا نَادِرًا ، فَأَشْبَهَتْ مَا لَا نَفْعَ فِيهِ .","part":8,"page":481},{"id":3981,"text":"( 3170 ) فَصْلٌ : وَيَجُوزُ بَيْعُ دُودِ الْقَزِّ ، وَبِزْرِهِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ : إنْ كَانَ مَعَ دُودِ الْقَزِّ قَزٌّ ، جَازَ بَيْعُهُ ، وَإِلَّا فَلَا ؛ لِأَنَّهُ لَا يُنْتَفَعُ بِعَيْنِهِ ، فَهُوَ كَالْحَشَرَاتِ .\rوَقِيلَ : لَا يَجُوزُ بَيْعُ بِزْرِهِ .\rوَلَنَا أَنَّ الدُّودَ حَيَوَانٌ طَاهِرٌ يَجُوزُ اقْتِنَاؤُهُ ؛ لِتَمَلُّكِ مَا يَخْرُجُ مِنْهُ ، أَشْبَهَ الْبَهَائِمَ ، وَلِأَنَّ الدُّودَ وَبِزْرُهُ طَاهِرٌ ، مُنْتَفَعٌ بِهِ ، فَجَازَ بَيْعُهُ ، كَالثَّوْبِ .\rوَقَوْلُهُ : لَا يُنْتَفَعُ بِعَيْنِهِ ، يَبْطُلُ بِالْبَهَائِمِ الَّتِي لَا يَحْصُل مِنْهَا نَفْعٌ ، سِوَى النِّتَاجِ ، وَيُفَارِقُ الْحَشَرَاتِ ، الَّتِي لَا نَفْعَ فِيهَا أَصْلًا ، فَإِنَّ نَفْعَ هَذِهِ كَثِيرٌ ؛ لِأَنَّ الْحَرِيرَ الَّذِي هُوَ أَشْرَفُ مَلَابِسِ الدُّنْيَا ، إنَّمَا يَحْصُلُ مِنْهَا .","part":8,"page":482},{"id":3982,"text":"( 3171 ) فَصْلٌ : وَيَجُوزُ بَيْعُ النَّحْلِ إذَا شَاهَدَهَا مَحْبُوسَةً ، بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُهَا أَنْ تَمْتَنِعَ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَجُوزُ بَيْعُهَا مُنْفَرِدَةً ؛ لِمَا ذَكَرَ فِي دُودِ الْقَزِّ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ حَيَوَانٌ طَاهِرٌ ، يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ فِيهِ مَنَافِعُ لِلنَّاسِ ، فَجَازَ بَيْعُهُ ، كَبَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ .\rوَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي بَيْعِهَا فِي كِوَارَاتِهَا ، فَقَالَ الْقَاضِي : لَا يَجُوزُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ مُشَاهَدَةُ جَمِيعِهَا ، وَلِأَنَّهَا لَا تَخْلُو مِنْ عَسَلٍ يَكُونُ مَبِيعًا مَعَهَا ، وَهُوَ مَجْهُولٌ .\rوَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : يَجُوزُ بَيْعُهَا فِي كِوَارَاتِهَا ، وَمُنْفَرِدَةً عَنْهَا ، فَإِنَّهُ يُمْكِنُ مُشَاهَدَتُهَا فِي كِوَارَاتِهَا إذَا فُتِحَ رَأْسُهَا ، وَيُعْرَفُ كَثْرَتُهُ مِنْ قِلَّتِهِ ، وَخَفَاءُ بَعْضِهِ لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ ، بَيْعِهِ ، كَالصُّبْرَةِ ، وَكَمَا لَوْ كَانَ فِي وِعَاءٍ ، فَإِنَّ بَعْضَهُ يَكُونُ عَلَى بَعْضٍ ، فَلَا يُشَاهَدُ إلَّا ظَاهِرُهُ ، وَالْعَسَلُ يَدْخُلُ فِي الْبَيْعِ تَبَعًا ، فَلَا تَضُرُّ جَهَالَتُهُ ، كَأَسَاسَاتِ الْحِيطَانِ .\rفَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ مُشَاهَدَةُ النَّحْلِ ؛ لِكَوْنِهِ مَسْتُورًا بِأَقْرَاصِهِ ، وَلَمْ يُعْرَفْ ، لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ لِجَهَالَتِهِ .","part":8,"page":483},{"id":3983,"text":"( 3172 ) فَصْلٌ : ذَكَرَ الْخِرَقِيِّ ، أَنَّ التِّرْيَاقَ لَا يُؤْكَلُ لِأَنَّهُ يَقَعُ فِيهِ لُحُومُ الْحَيَّاتِ ، فَعَلَى هَذَا ، لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ ؛ لِأَنَّ نَفْعَهُ إنَّمَا يَحْصُلُ بِالْأَكْلِ ، وَهُوَ مُحَرَّمٌ ، فَخَلَا مِنْ نَفْعٍ مُبَاحٍ ، فَلَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ ، كَالْمَيْتَةِ ، وَلَا يَجُوزُ التَّدَاوِي بِهِ ، وَلَا بِسُمِّ الْأَفَاعِي .\rفَأَمَّا السُّمُّ مِنْ الْحَشَائِشِ وَالنَّبَاتِ ، فَإِنْ كَانَ لَا يُنْتَفَعُ بِهِ ، أَوْ كَانَ يَقْتُلُ قَلِيلُهُ ، لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ ؛ لِعَدَمِ نَفْعِهِ ، وَإِنْ اُنْتُفِعَ بِهِ ، وَأَمْكَنَ التَّدَاوِي بِيَسِيرِهِ ، كَالسَّقَمُونْيَا ، جَازَ بَيْعُهُ ؛ لِأَنَّهُ طَاهِرٌ مُنْتَفَعٌ بِهِ ، فَأَشْبَهَ بَقِيَّةَ الْمَأْكُولَاتِ .","part":8,"page":484},{"id":3984,"text":"( 3173 ) فَصْلٌ : وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ جِلْدِ الْمَيْتَةِ ، قَبْلَ الدَّبْغِ ، قَوْلًا وَاحِدًا ، قَالَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى وَفِي بَيْعِهِ بَعْدَ الدَّبْغِ عَنْهُ خِلَافٌ .\rوَقَدْ رَوَى حَرْبٌ عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّهُ قَالَ { : إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ } .\rوَأَمَّا غَيْرُ ذَلِكَ ، نَحْوُ رِيشِ الطَّيْرِ الَّتِي لَهَا مِخْلَبٌ ، أَوْ بَعْضِ جُلُودِ السِّبَاعِ الَّتِي لَهَا أَنْيَابٌ ، فَإِنَّ بَيْعَهَا أَسْهَلُ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّمَا نَهَى عَنْ أَكْلِ لُحُومِهَا .\rوَالصَّحِيحُ عَنْهُ ، أَنَّهُ لَا يَجُوزُ .\rوَهَذَا يَنْبَنِي عَلَى الْحُكْمِ بِنَجَاسَةِ جُلُودِ الْمَيْتَةِ ، وَأَنَّهَا لَا تَطْهُرُ بِالدِّبَاغِ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ فِي بَابِهِ .\r.","part":8,"page":485},{"id":3985,"text":"فَصْلٌ : فَأَمَّا بَيْعُ لَبَنِ الْآدَمِيَّاتِ ، فَقَالَ أَحْمَدُ : أَكْرَهُهُ .\rوَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي جَوَازِهِ .\rفَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ جَوَازُهُ ؛ لِقَوْلِهِ : \" وَكُلُّ مَا فِيهِ الْمَنْفَعَةُ \" .\rوَهَذَا قَوْلُ ابْنِ حَامِدٍ ، وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rوَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا إلَى تَحْرِيمِ بَيْعِهِ ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ ؛ لِأَنَّهُ مَائِعٌ خَارِجٌ مِنْ آدَمِيَّةٍ ، فَلَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ ، كَالْعَرَقِ ، وَلِأَنَّهُ مِنْ آدَمِيٍّ ، فَأَشْبَهَ سَائِرَ أَجْزَائِهِ .\rوَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ؛ لِأَنَّهُ لَبَنٌ طَاهِرٌ مُنْتَفَعٌ بِهِ ، فَجَازَ بَيْعُهُ ، كَلَبَنِ الشَّاهِ ، وَلِأَنَّهُ يَجُوزُ أَخْذُ الْعِوَضِ عَنْهُ فِي إجَارَةِ الظِّئْرِ فَأَشْبَهَ الْمَنَافِعَ ، وَيُفَارِقُ الْعَرَقَ ، فَإِنَّهُ لَا نَفْعَ فِيهِ ، وَلِذَلِكَ لَا يُبَاعُ عَرَقُ الشَّاةِ ، وَيُبَاعُ لَبَنُهَا .\rوَسَائِرُ أَجْزَاءِ الْآدَمِيِّ يَجُوزُ بَيْعُهَا ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُ الْعَبْدِ ، وَالْأَمَةِ ، وَإِنَّمَا حَرُمَ بَيْعُ الْحُرِّ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَمْلُوكٍ ، وَحَرُمَ بَيْعُ الْعُضْوِ الْمَقْطُوعِ ؛ لِأَنَّهُ لَا نَفْعَ فِيهِ .","part":8,"page":486},{"id":3986,"text":"( 3175 ) فَصْلٌ : وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ فِي بَيْعِ رُبَاعِ مَكَّةَ وَإِجَارَةِ دُورِهَا ، فَرُوِيَ أَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَالثَّوْرِيِّ وَأَبِي عُبَيْدٍ .\rوَكَرِهَ إِسْحَاقُ ؛ لِمَا رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { فِي مَكَّةَ : لَا تُبَاعُ رُبَاعُهَا ، وَلَا تُكْرَى بُيُوتُهَا } .\rرَوَاهُ الْأَثْرَمُ بِإِسْنَادِهِ .\rوَعَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ { : مَكَّةُ حَرَامٌ بَيْعُ رُبَاعِهَا ، حَرَامٌ إجَارَتُهَا .\r} وَهَذَا نَصٌّ رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ ، فِي \" سُنَنِهِ \" .\rوَرُوِيَ أَنَّهَا كَانَتْ تُدْعَى السَّوَائِبَ ، عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَكَرَهُ مُسَدَّدٌ فِي \" مُسْنَدِهِ \" ، وَلِأَنَّهَا فُتِحَتْ عَنْوَةً ، وَلَمْ تُقَسَّمْ ، فَكَانَتْ مَوْقُوفَةً ، فَلَمْ يَجُزْ بَيْعُهَا ، كَسَائِرِ الْأَرْضِ الَّتِي فَتَحَهَا الْمُسْلِمُونَ عَنْوَةً ، وَلَمْ يُقَسِّمُوهَا ، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهَا فُتِحَتْ عَنْوَةً ، قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : إنَّ اللَّهَ حَبَسَ عَنْ مَكَّةَ الْفِيلَ ، وَسَلَّطَ عَلَيْهَا رَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ ، وَأَنَّهَا لَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي ، وَلَا تَحِلُّ لَأَحَدٍ بَعْدِي ، وَإِنَّمَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ .\r} مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَرَوَتْ أُمُّ هَانِئٍ قَالَتْ { : أَجَرْت حَمَوَيْنِ لِي ، فَأَرَادَ عَلِيٌّ أَخِي قَتْلَهُمَا ، فَأَتَيْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْت : يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي أَجَرْت حَمَوَيْنِ لِي ، فَزَعَمَ ابْنُ أُمِّي عَلِيٌّ أَنَّهُ قَاتِلُهُمَا .\rفَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْت ، أَوْ أَمَّنَّا مَنْ أَمَّنْت يَا أُمَّ هَانِئٍ .\r} مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ، وَلِذَلِكَ { أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : بِقَتْلِ أَرْبَعَةٍ فَقُتِلَ مِنْهُمْ ابْنُ خَطَلٍ ، وَمَقِيسُ بْنُ صَبَابَةَ } ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا فُتِحَتْ عَنْوَةً .","part":8,"page":487},{"id":3987,"text":"وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ ، أَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُ رُبَاعِهَا ، وَإِجَارَةُ بُيُوتِهَا .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ طَاوُسٍ وَعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ .\rوَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَابْنِ الْمُنْذِرِ .\rوَهُوَ أَظْهَرُ فِي الْحُجَّةِ ؛ لِأَنَّ { النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا قِيلَ لَهُ : أَيْنَ نَنْزِلُ غَدًا ؟ قَالَ : وَهَلْ تَرَكَ لَنَا عَقِيلٌ مِنْ رُبَاعٍ ؟ } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rيَعْنِي أَنَّ عَقِيلًا بَاعَ رُبَاعَ أَبِي طَالِبٍ ؛ لِأَنَّهُ وَرِثَهُ دُونَ إخْوَتِهِ ؛ لِكَوْنِهِ كَانَ عَلَى دِينِهِ دُونَهُمَا ، فَلَوْ كَانَتْ غَيْرَ مَمْلُوكَةٍ ، لَمَا أَثَّرَ بَيْعُ عَقِيلٍ ، شَيْئًا ، وَلِأَنَّ أَصْحَابَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَتْ لَهُمْ دُورٌ بِمَكَّةَ لِأَبِي بَكْرٍ وَالزُّبَيْرِ وَحَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ وَأَبِي سُفْيَانَ ، وَسَائِرِ أَهْلِ مَكَّةَ ، فَمِنْهُمْ مَنْ بَاعَ ، وَمِنْهُمْ مَنْ تَرَكَ دَارِهِ ، فَهِيَ فِي يَدِ أَعْقَابِهِمْ .\rوَقَدْ بَاعَ حَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ دَارَ النَّدْوَةِ ، فَقَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ : بِعْت مَكْرُمَةَ قُرَيْشٍ .\rفَقَالَ : يَا ابْنَ أَخِي ، ذَهَبَتْ الْمَكَارِمُ إلَّا التَّقْوَى .\rأَوْ كَمَا قَالَ .\rوَاشْتَرَى مُعَاوِيَةُ دَارَيْنِ .\rوَاشْتَرَى عُمَرُ دَارَ السِّجْنِ مِنْ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ ، بِأَرْبَعَةِ آلَافٍ .\rوَلَمْ يَزَلْ أَهْلُ مَكَّةَ يَتَصَرَّفُونَ فِي دُورِهِمْ تَصَرُّفَ الْمُلَّاكِ ، بِالْبَيْعِ وَغَيْرِهِ ، وَلَمْ يُنْكِرْهُ مُنْكِرٌ ، فَكَانَ إجْمَاعًا ، وَقَدْ قَرَّرَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِنِسْبَةِ دُورِهِمْ إلَيْهِمْ ، فَقَالَ { : مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ ، وَمَنْ أَغْلَقَ عَلَيْهِ بَابَهُ فَهُوَ آمِنٌ } .\rوَأَقَرَّهُمْ فِي دُورِهِمْ وَرُبَاعَهُمْ ، وَلَمْ يَنْقُلْ أَحَدًا عَنْ دَارِهِ ، وَلَا وَجَدَ مِنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى زَوَالِ أَمْلَاكِهِمْ ، وَكَذَلِكَ مَنْ بَعْدَهُ مِنْ الْخُلَفَاءِ ، حَتَّى إنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَعَ شِدَّتِهِ فِي الْحَقِّ ، لَمَّا احْتَاجَ إلَى دَارِ السِّجْنِ ، لَمْ يَأْخُذْهَا إلَّا بِالْبَيْعِ .\rوَلِأَنَّهَا أَرْضٌ حَيَّةٌ لَمْ يَرِدْ عَلَيْهَا صَدَقَةٌ مُحَرَّمَةٌ ؛ فَجَازَ","part":8,"page":488},{"id":3988,"text":"بَيْعُهَا كَسَائِرِ الْأَرْضِ ، وَمَا رُوِيَ مِنْ الْأَحَادِيثِ فِي خِلَافِ هَذَا ، فَهُوَ ضَعِيفٌ .\rوَأَمَّا كَوْنُهَا فُتِحَتْ عَنْوَةً ، فَهُوَ الصَّحِيحُ ، الَّذِي لَا يُمْكِنُ دَفْعُهُ ، إلَّا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقَرَّ أَهْلَهَا فِيهَا عَلَى أَمْلَاكِهِمْ وَرُبَاعِهِمْ ، فَيَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ تَرَكَهَا لَهُمْ ، كَمَا تَرَكَ لِهَوَازِنَ نِسَاءَهُمْ وَأَبْنَاءَهُمْ .\rوَعَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ ، مَنْ كَانَ سَاكِنَ دَارٍ أَوْ مَنْزِلٍ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ ، يَسْكُنُهُ وَيُسْكِنُهُ ، وَلَيْسَ لَهُ بَيْعُهُ ، وَلَا أَخْذُ أُجْرَتِهِ ، وَمَنْ احْتَاجَ إلَى مَسْكَنٍ ، فَلَهُ بَذْلُ الْأُجْرَةِ فِيهِ ، وَإِنْ احْتَاجَ إلَى الشِّرَاءِ فَلَهُ ذَلِكَ ، كَمَا فَعَلَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .\rوَكَانَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ إذَا سَكَنَ أَعْطَاهُمْ أُجْرَتَهَا .\rفَإِنْ سَكَنَ بِأُجْرَةٍ فَأَمْكَنَهُ أَنْ لَا يَدْفَعَ إلَيْهِمْ الْأُجْرَةَ ، جَازَ لَهُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَسْتَحِقُّونَهَا ، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ سُفْيَانَ سَكَنَ فِي بَعْضِ رُبَاعِ مَكَّةَ ، وَهَرَبَ ، وَلَمْ يُعْطِهِمْ أُجْرَةً ، فَأَدْرَكُوهُ ، فَأَخَذُوهَا مِنْهُ .\rوَذُكِرَ لِأَحْمَدَ فِعْلُ سُفْيَانَ ، فَتَبَسَّمَ ، فَظَاهِرُ هَذَا ، أَنَّهُ أَعْجَبَهُ .\rقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ : وَالْخِلَافُ فِي غَيْرِ مَوَاضِعِ الْمَنَاسِكِ ، أَمَّا بِقَاعُ الْمَنَاسِكِ كَمَوْضِعِ السَّعْيِ وَالرَّمْيِ ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْمَسَاجِدِ ، بِغَيْرِ خِلَافٍ .","part":8,"page":489},{"id":3989,"text":"( 3176 ) فَصْلٌ : وَمَنْ بَنَى بِنَاءً بِمَكَّةَ ، بِآلَةٍ مَجْلُوبَةٍ مِنْ غَيْرِ أَرْضِ مَكَّةَ ، جَازَ بَيْعُهَا ، كَمَا يَجُوزُ بَيْعُ أَبْنِيَةِ الْوُقُوفِ وَأَنْقَاضِهَا .\rوَإِنْ كَانَتْ مِنْ تُرَابِ الْحَرَمِ وَحِجَارَتِهِ ، انْبَنَى جَوَازُ بَيْعِهَا عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي بَيْعِ رُبَاعِ مَكَّةَ ؛ لِأَنَّهَا تَابِعَةٌ لِمَكَّةَ ، وَهَكَذَا تُرَابُ كُلِّ وَقْفٍ وَأَنْقَاضُهُ .\rقَالَ أَحْمَدُ : وَأَمَّا الْبِنَاءُ بِمَكَّةَ فَإِنِّي أَكْرَهُهُ .\rقَالَ إِسْحَاقُ : الْبِنَاءُ بِمَكَّةَ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِخْلَاصِ لِنَفْسِهِ ، لَا يَحِلُّ .\rوَقَدْ رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { قِيلَ لَهُ : أَلَا تَبْنِي لَك بِمِنًى بَيْتًا ؟ قَالَ : مِنًى مَنَاخٌ لِمَنْ سَبَقَ } .","part":8,"page":490},{"id":3990,"text":"( 3177 ) فَصْلٌ : قَالَ أَحْمَدُ : لَا أَعْلَمُ فِي بَيْعِ الْمَصَاحِفِ رُخْصَةً .\rوَرَخَّصَ فِي شِرَائِهَا .\rوَقَالَ : الشِّرَاءُ أَهْوَنُ .\rوَكَرِهَ بَيْعَهَا ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَأَبُو مُوسَى ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَإِسْحَاقُ وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ : وَدِدْت أَنَّ الْأَيْدِي تُقْطَعُ فِي بَيْعِهَا .\rوَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : يَجُوزُ بَيْعُ الْمُصْحَفِ ، مَعَ الْكَرَاهَةِ .\rوَهَلْ يُكْرَهُ شِرَاؤُهُ وَإِبْدَالُهُ ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ .\rوَرَخَّصَ فِي بَيْعِهَا الْحَسَنُ وَالْحَكَمُ وَعِكْرِمَةُ وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ يَقَعُ عَلَى الْجِلْدِ ، وَالْوَرَقِ ، وَبَيْعُ ذَلِكَ مُبَاحٌ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، وَلَمْ نَعْلَمْ لَهُمْ مُخَالِفًا فِي عَصْرِهِمْ ، وَلِأَنَّهُ يَشْتَمِلُ عَلَى كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى ، فَتَجِبُ صِيَانَتُهُ عَنْ الْبَيْعِ وَالِابْتِذَالِ ، وَأَمَّا الشِّرَاءُ فَهُوَ أَسْهَلُ ؛ لِأَنَّهُ اسْتِنْقَاذٌ لِلْمُصْحَفِ وَبَذْلٌ لِمَالِهِ فِيهِ ، فَجَازَ ، كَمَا أَجَازَ شِرَاءَ رُبَاعِ مَكَّةَ ، وَاسْتِئْجَارَ دُورِهَا ، مَنْ لَا يَرَى بَيْعَهَا ، وَلَا أَخْذَ أُجْرَتِهَا .\rوَكَذَلِكَ أَرْضُ السَّوَادِ وَنَحْوُهَا .\rوَكَذَلِكَ دَفْعُ الْأُجْرَةِ إلَى الْحَجَّامِ ، لَا يُكْرَهُ ، مَعَ كَرَاهَةِ كَسْبِهِ .\rوَإِنْ اشْتَرَى الْكَافِرُ مُصْحَفًا ، فَالْبَيْعُ بَاطِلٌ .\rبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَجَازَهُ أَصْحَابُ الرَّأْيِ ، وَقَالُوا : يُجْبَرُ عَلَى بَيْعِهِ ؛ لِأَنَّهُ أَهْلٌ لِلشِّرَاءِ ، وَالْمُصْحَفُ مَحَلٌّ لَهُ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ يُمْنَعُ مِنْ اسْتِدَامَةِ الْمِلْكِ عَلَيْهِ ، فَمُنِعَ مِنْ ابْتِدَائِهِ ، كَسَائِرِ مَا يَحْرُمُ بَيْعُهُ ، وَقَدْ نَهَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْمُسَافَرَةِ بِالْقُرْآنِ إلَى أَرْضِ الْعَدُوِّ ، مَخَافَةَ أَنْ تَنَالَهُ أَيْدِيهِمْ .\rفَلَا يَجُوزُ تَمْكِينُهُمْ مِنْ التَّوَصُّلِ إلَى نَيْلِ أَيْدِيهِمْ إيَّاهُ .","part":8,"page":491},{"id":3991,"text":"فَصْلٌ : وَلَا يَصِحُّ شِرَاءُ الْكَافِرِ مُسْلِمًا .\rوَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ ، وَالشَّافِعِيِّ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَصِحُّ وَيُجْبَرُ عَلَى إزَالَةِ مِلْكِهِ ؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ الْمُسْلِمَ بِالْإِرْثِ ، وَيَبْقَى مِلْكُهُ عَلَيْهِ إذَا أَسْلَمَ فِي يَدِهِ ، فَصَحَّ شِرَاؤُهُ لَهُ ، كَالْمُسْلِمِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ يُمْنَعُ اسْتِدَامَةَ مِلْكِهِ عَلَيْهِ ، فَمُنِعَ ابْتِدَاءَهُ ، كَالنِّكَاحِ ، وَلِأَنَّهُ عَقْدٌ يُثْبِتُ الْمِلْكَ عَلَى الْمُسْلِمِ لِلْكَافِرِ ، فَلَمْ يَصِحَّ ، كَالنِّكَاحِ ، وَالْمِلْكِ بِالْإِرْثِ .\rالِاسْتِدَامَةُ أَقْوَى مِنْ ابْتِدَاءِ الْمِلْكِ بِالْفِعْلِ وَالِاخْتِيَارِ ، بِدَلِيلِ ثُبُوتِهِ بِهِمَا لِلْمُحْرِمِ فِي الصَّيْدِ ، مَعَ مَنْعِهِ مِنْ ابْتِدَائِهِ ، فَلَا يَلْزَمُ مِنْ ثُبُوتِ الْأَقْوَى ثُبُوتُ مَا دُونَهُ ، مَعَ أَنَّنَا نَقْطَعُ الِاسْتِدَامَةَ عَلَيْهِ بِمَنْعِهِ مِنْهَا ، وَإِجْبَارِهِ عَلَى إزَالَتِهَا .","part":8,"page":492},{"id":3992,"text":"( 3179 ) فَصْلٌ : وَلَوْ وَكَّلَ كَافِرٌ مُسْلِمًا فِي شِرَاءِ مُسْلِمٍ ، لَمْ يَصِحَّ الشِّرَاءُ ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ يَقَعُ لِلْمُوَكِّلِ ، وَلِأَنَّ الْمُوَكَّلَ لَيْسَ بِأَهْلٍ لِشِرَائِهِ ، فَلَمْ يَصِحَّ أَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ ، كَمَا لَوْ وَكَّلَ مُسْلِمٌ ذِمِّيًّا فِي شِرَاءِ خَمْرٍ .\rوَإِنْ وَكَّلَ الْمُسْلِمُ كَافِرًا يَشْتَرِي لَهُ مُسْلِمًا ، فَاشْتَرَاهُ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، يَصِحُّ لِأَنَّ الْمَنْعَ مِنْهُ إنَّمَا كَانَ لِمَا فِيهِ مِنْ ثُبُوتِ مِلْكِ الْكَافِرِ عَلَى الْمُسْلِمِ ، وَالْمِلْكُ يَثْبُتُ لِلْمُسْلِمِ هَاهُنَا ، فَلَمْ يَتَحَقَّقْ الْمَانِعُ .\rوَالثَّانِي ، لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ مَا مُنِعَ مِنْ شِرَائِهِ مُنِعَ التَّوْكِيلُ فِيهِ ، كَالْمُحْرِمِ فِي شِرَاءِ الصَّيْدِ ، وَالْكَافِرِ فِي نِكَاحِ الْمُسْلِمَةِ ، وَالْمُسْلِمُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ وَكِيلًا لِذِمِّيِّ فِي شِرَاءِ خَمْرٍ .","part":8,"page":493},{"id":3993,"text":"( 3180 ) فَصْلٌ : وَإِنْ اشْتَرَى الْكَافِرُ مُسْلِمًا يَعْتِقُ عَلَيْهِ بِالْقَرَابَةِ ، كَأَبِيهِ وَأَخِيهِ ، صَحَّ الشِّرَاءُ ، وَعَتَقَ عَلَيْهِ ، فِي قَوْلِ بَعْضِ أَصْحَابِنَا .\rوَحَكَى فِيهِ أَبُو الْخَطَّابِ رِوَايَتَيْنِ ؛ إحْدَاهُمَا ، لَا يَصِحُّ .\rوَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ الْأَصْحَابِ ؛ لِأَنَّهُ شِرَاءٌ يَمْلِكُ بِهِ الْمُسْلِمَ ، فَلَمْ يَصِحَّ ، كَاَلَّذِي لَا يَعْتِقُ عَلَيْهِ .\rوَلِأَنَّ مَا مُنِعَ مِنْ شِرَائِهِ ، لَمْ يُبَحْ لَهُ شِرَاؤُهُ وَإِنْ زَالَ مِلْكُهُ عَقِيبَ الشِّرَاءِ ، كَشِرَاءِ الْمُحْرِمِ الصَّيْدَ .\rوَالثَّانِيَةُ يَصِحُّ شِرَاؤُهُ ؛ لِأَنَّ الْمَنْعَ إنَّمَا ثَبَتَ لِمَا فِيهِ مِنْ إهَانَةِ الْمُسْلِمِ بِمِلْكِ الْكَافِرِ لَهُ ، وَالْمِلْكُ هَاهُنَا يَزُولُ عَقِيبَ الشِّرَاءِ بِالْكُلِّيَّةِ ، وَيَحْصُلُ مِنْ نَفْعِ الْحُرِّيَّةِ أَضْعَافُ مَا حَصَلَ مِنْ الْإِهَانَةِ بِالْمِلْكِ فِي لَحْظَةٍ يَسِيرَةٍ .\rوَيُفَارِقُ مَنْ لَا يَعْتِقُ عَلَيْهِ ؛ فَإِنَّ مِلْكَهُ لَا يَزُولُ إلَّا بِإِزَالَتِهِ ، وَكَذَلِكَ شِرَاءُ الْمُحْرِمِ لِلصَّيْدِ ، فَإِنَّهُ لَوْ مَلَكَهُ ، لَثَبَتَ مِلْكُهُ عَلَيْهِ ، وَلَمْ يَزُلْ .\rوَلَوْ قَالَ كَافِرٌ لَمُسْلِمٍ : أَعْتِقْ عَبْدَكَ عَنِّي ، وَعَلَيَّ ثَمَنَهُ .\rفَفَعَلَ ، صَحَّ ؛ لِأَنَّ إعْتَاقَهُ لَيْسَ بِتَمْلِيكٍ ، وَإِنَّمَا هُوَ إبْطَالٌ لِلرِّقِّ فِيهِ ، وَإِنَّمَا حَصَلَ الْمِلْكُ فِيهِ حُكْمًا ، فَجَازَ ، كَمَا يَمْلِكُهُ بِالْإِرْثِ حُكْمًا .\rوَلِأَنَّ مَا يَحْصُلُ لَهُ بِالْحُرِّيَّةِ مِنْ النَّفْعِ يَنْغَمِرُ فِيهِ مَا يَحْصُلُ مِنْ الضَّرَرِ بِالْمِلْكِ ، فَيَصِيرُ كَالْمَعْدُومِ .\rوَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ ؛ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ ؛ بِنَاءً عَلَى شِرَاءِ قَرِيبِهِ الْمُسْلِمِ .","part":8,"page":494},{"id":3994,"text":"( 3181 ) فَصْلٌ : وَلَوْ أَجَّرَ مُسْلِمٌ نَفْسَهُ لِذِمِّيِّ ، لَعَمَلٍ فِي ذِمَّتِهِ ، صَحَّ ؛ { لِأَنَّ عَلِيًّا ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَجَرَ نَفْسَهُ مِنْ يَهُودِيٍّ ، يَسْتَقِي لَهُ كُلَّ دَلْوٍ بِتَمْرَةٍ ، وَأَتَى بِذَلِكَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَكَلَهُ .\r} وَفَعَلَ ذَلِكَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ ، وَأَتَى بِهِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يُنْكِرْهُ .\rوَلِأَنَّهُ لَا صَغَارَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ .\rوَإِنْ اسْتَأْجَرَهُ فِي مُدَّةٍ ، كَيَوْمٍ ، أَوْ شَهْرٍ فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ فِيهِ اسْتِيلَاءً عَلَيْهِ ، وَصَغَارًا ، أَشْبَهَ الشِّرَاءَ .\rوَالثَّانِي ، يَصِحُّ .\rوَهُوَ أَوْلَى ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ عَمَلٌ فِي مُقَابَلَةِ عِوَضٍ ، أَشْبَهَ الْعَمَلَ فِي ذِمَّتِهِ ، وَلَا يُشْبِهُ الْمِلْكَ ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ يَقْتَضِي سُلْطَانًا ، وَاسْتِدَامَةً ، وَتَصَرُّفًا بِأَنْوَاعِ التَّصَرُّفَاتِ فِي رَقَبَتِهِ ، بِخِلَافِ الْإِجَارَةِ .","part":8,"page":495},{"id":3995,"text":"( 3182 ) فَصْلٌ : وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُفَرِّقَ فِي الْبَيْعِ بَيْنَ كُلِّ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ .\rوَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : لَا يَحْرُمُ التَّفْرِيقُ إلَّا بَيْنَ الْأُمِّ وَوَلَدِهَا ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الْوَالِدَةِ وَوَلَدِهَا ، فَرَّقَ اللَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَحِبَّتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ } .\rرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَقَالَ : حَدِيثٌ حَسَنٌ .\rوَقَالَ : { لَا تُوَلَّهُ وَالِدَةٌ عَنْ وَلَدِهَا } .\rفَخَصَّهَا بِذَلِكَ ، فَدَلَّ عَلَى الْإِبَاحَةِ فِيمَا سِوَاهُ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يَحْرُمُ بَيْنَ الْوَالِدَيْنِ وَالْمَوْلُودِينَ وَإِنْ سَفَلُوا ، وَلَا يَحْرُمُ بَيْنَ مَنْ عَدَاهُمْ ؛ لِأَنَّ الْقَرَابَةَ الَّتِي بَيْنَهُمْ لَا تَمْنَعُ الْقِصَاصَ ، وَلَا شَهَادَةَ بَعْضِهِمْ لَبَعْضٍ ، فَلَمْ تَمْنَعْ التَّفْرِيقَ فِي الْبَيْعِ ، كَابْنَيْ الْعَمِّ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى أَحْمَدُ ، فِي \" الْمُسْنَدِ \" ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ ، عَنْ الْحَكَمِ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ { : أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ أَبِيعَ غُلَامَيْنِ أَخَوَيْنِ ، فَبِعْتُهُمَا ، فَفَرَّقْت بَيْنَهُمَا ، فَذَكَرْت ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : أَدْرِكْهُمَا فَارْتَجِعْهُمَا ، وَلَا تَبِعْهُمَا إلَّا جَمِيعًا } .\rوَرُوِيَ عَنْ أَبِي مُوسَى ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { لَعَنَ اللَّهُ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الْوَالِدَةِ وَوَلَدِهَا ، وَالْأَخِ وَأَخِيهِ } .\rوَلِأَنَّ بَيْنَهُمَا رَحِمًا مَحْرَمًا ، فَلَمْ يَجُزْ التَّفْرِيقُ بَيْنَهُمَا ، كَالْوَلَدِ مَعَ أُمِّهِ .\rوَيُفَارِقُ ابْنَيْ الْعَمِّ فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهُمَا رَحِمٌ مَحْرَمٌ .\r( 3183 ) فَصْلٌ : فَإِنْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا قَبْلَ الْبُلُوغِ ، فَالْبَيْعُ بَاطِلٌ .\rوَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِيمَا دُونَ السَّبْعِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : الْبَيْعُ صَحِيحٌ ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ ، لِمَعْنًى فِي غَيْرِ الْبَيْعِ ، وَهُوَ الضَّرَرُ اللَّاحِقُ","part":8,"page":496},{"id":3996,"text":"بِالتَّفْرِيقِ ، فَلَمْ يَمْنَعْ صِحَّةَ الْبَيْعِ ، كَالْبَيْعِ فِي وَقْتِ النِّدَاءِ .\rوَلَنَا حَدِيثُ عَلِيٍّ ، وَأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَهُ بِرَدِّهِمَا ، وَلَوْ لَزِمَ الْبَيْعُ لَمَا أَمْكَنَ رَدُّهُمَا .\rوَرَوَى أَبُو دَاوُد فِي \" سُنَنِهِ \" ، { أَنَّ عَلِيًّا فَرَّقَ بَيْنَ الْأُمِّ وَوَلَدِهَا ، فَنَهَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَدَّ الْمَبِيعَ } .\rوَلِأَنَّهُ بَيْعٌ مُحَرَّمٌ ، لِمَعْنًى فِيهِ ، فَفَسَدَ ، كَبَيْعِ الْخَمْرِ .\rوَلَا يَصِحُّ مَا قَالَهُ ؛ فَإِنَّ ضَرَرَ التَّفْرِيقِ حَاصِلٌ بِالْبَيْعِ ، فَكَانَ لِمَعْنًى فِيهِ .\rفَأَمَّا تَحْدِيدُهُ بِالسَّبْعِ ؛ فَإِنَّ عُمُومَ اللَّفْظِ يَمْنَعُ ذَلِكَ ، وَلَا يَجُوزُ تَخْصِيصُهُ بِغَيْرِ دَلِيلٍ ، وَإِنْ كَانَ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا بَعْدَ الْبُلُوغِ جَازَ .\rوَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : فِيهِ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، لَا يَجُوزُ ؛ لِعُمُومِ النَّهْيِ .\rوَالثَّانِيَةُ ، يَجُوزُ .\rوَهِيَ الصَّحِيحَةُ ؛ لِمَا رُوِيَ أَنَّ { سَلَمَةَ بْنَ الْأَكْوَعِ أَتَى أَبَا بَكْرٍ بِامْرَأَةٍ وَابْنَتِهَا ، فَنَفَلَهُ أَبُو بَكْرٍ ابْنَتَهَا ، فَاسْتَوْهَبَهَا مِنْهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَوَهَبَهَا لَهُ .\rوَأُهْدِيَ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَارِيَةُ ، وَأُخْتُهَا سِيرِينَ ، فَأَعْطَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سِيرِينَ لِحَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ ، وَتَرَكَ مَارِيَةَ لَهُ .\r} وَلِأَنَّهُ بَعْدَ الْبُلُوغِ يَصِيرُ مُسْتَقِلًّا بِنَفْسِهِ ، وَالْعَادَةُ التَّفْرِيقُ بَيْنَ الْأَحْرَارِ ، فَإِنَّ الْمَرْأَةَ تُزَوِّجُ ابْنَتَهَا ، وَيُفَرَّقُ بَيْنَ الْحُرَّةِ وَوَلَدِهَا إذَا افْتَرَقَ الْأَبَوَانِ .","part":8,"page":497},{"id":3997,"text":"( 3184 ) فَصْلٌ : وَإِذَا اشْتَرَى مِمَّنْ فِي مَالِهِ حَرَامٌ وَحَلَالٌ ، كَالسُّلْطَانِ الظَّالِمِ ، وَالْمُرَابِي ؛ فَإِنْ عَلِمَ أَنَّ الْمَبِيعَ مِنْ حَلَالِ مَالِهِ ، فَهُوَ حَلَالٌ ، وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ حَرَامٌ ، فَهُوَ حَرَامٌ ، وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي عَلَيْهِ فِي الْحُكْمِ ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ مَا فِي يَدِ الْإِنْسَانِ مِلْكُهُ ، فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ مِنْ أَيِّهِمَا هُوَ ، كَرِهْنَاهُ لِاحْتِمَالِ التَّحْرِيمِ فِيهِ ، وَلَمْ يَبْطُلْ الْبَيْعُ ؛ لِإِمْكَانِ الْحَلَالِ ، قَلَّ الْحَرَامُ أَوْ كَثُرَ .\rوَهَذَا هُوَ الشُّبْهَةُ ، وَبِقَدْرِ قِلَّةِ الْحَرَامِ وَكَثْرَتِهِ ، تَكُونُ كَثْرَةُ الشُّبْهَةِ وَقِلَّتُهَا .\rقَالَ أَحْمَدُ : لَا يُعْجِبُنِي أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ ؛ لِمَا رَوَى النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { الْحَلَالُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ ، وَبَيْنَهُمَا أُمُورٌ مُشْتَبِهَاتٌ ، لَا يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ ، فَمَنْ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ ، كَالرَّاعِي حَوْلَ الْحِمَى ، يُوشِكُ أَنْ يَرْتَعَ فِيهِ .\rأَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى ، وَحِمَى اللَّهِ مَحَارِمُهُ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَهَذَا لَفْظُ رِوَايَةِ مُسْلِمٍ .\rوَفِي لَفْظِ رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ : { فَمَنْ تَرَكَ مَا اشْتَبَهَ عَلَيْهِ ، كَانَ لِمَا اسْتَبَانَ أَتْرَكَ ، وَمَنْ اجْتَرَأَ عَلَى مَا يَشُكُّ فِيهِ مِنْ الْمَأْثَمِ ، أَوْشَكَ أَنْ يُوَاقِعَ مَا اسْتَبَانَ .\r} وَرَوَى الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ { : دَعْ مَا يَرِيبُك إلَى مَا لَا يَرِيبُك .\r} وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rفَصْلٌ : وَالْمَشْكُوكُ فِيهِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ ؛ الْأَوَّلُ ، مَا أَصْلُهُ الْحَظْرُ ، كَالذَّبِيحَةِ فِي بَلَدٍ فِيهَا مَجُوسٌ وَعَبَدَةُ أَوْثَانٍ يَذْبَحُونَ ، فَلَا يَجُوزُ شِرَاؤُهَا وَإِنْ أَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ ذَابِحُهَا مُسْلِمًا ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ التَّحْرِيمُ ، فَلَا يَزُولُ إلَّا بِيَقِينٍ أَوْ ظَاهِرٍ .\rوَكَذَلِكَ إنْ كَانَ فِيهَا أَخْلَاطٌ مِنْ","part":8,"page":498},{"id":3998,"text":"الْمُسْلِمِينَ وَالْمَجُوس ، لَمْ يَجُزْ شِرَاؤُهَا لِذَلِكَ .\rوَالْأَصْلُ فِيهِ حَدِيثُ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { إذَا أَرْسَلْت كَلْبَك ، فَخَالَطَ كَلْبًا لَمْ يُسَمَّ عَلَيْهَا ، فَلَا تَأْكُلْ ، فَإِنَّك لَا تَدْرِي أَيُّهَا قَتَلَهُ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rفَأَمَّا إنْ كَانَ ذَلِكَ فِي بَلَدِ الْإِسْلَامِ ، فَالظَّاهِرُ إبَاحَتُهَا لِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ لَا يُقِرُّونَ فِي بَلَدِهِمْ بَيْعَ مَا لَا يَحِلُّ بَيْعُهُ ظَاهِرًا .\rوَالثَّانِي ، مَا أَصْلُهُ الْإِبَاحَةُ ، كَالْمَاءِ يَجِدُهُ مُتَغَيِّرًا ، لَا يَعْلَمُ أَبِنَجَاسَةٍ تَغَيَّرَ أَمْ بِغَيْرِهَا ؟ فَهُوَ طَاهِرٌ فِي الْحُكْمِ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ الطَّهَارَةُ ، فَلَا نَزُولُ عَنْهَا إلَّا بِيَقِينٍ أَوْ ظَاهِرٍ ، وَلَمْ يُوجَدْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا .\rوَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ ، قَالَ : { شُكِيَ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الرَّجُلُ يُخَيَّلُ إلَيْهِ فِي الصَّلَاةِ أَنَّهُ يَجِدُ الشَّيْءَ ، قَالَ : لَا يَنْصَرِفُ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا .\r} مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَالثَّالِثُ ، مَا لَا يُعْرَفُ لَهُ أَصْلٌ ، كَرَجُلٍ فِي مَالِهِ حَلَالٌ وَحَرَامٌ ، فَهَذَا هُوَ الشُّبْهَةُ ، الَّتِي الْأَوْلَى تَرْكُهَا ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا ، وَعَمَلًا بِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَنَّهُ وَجَدَ تَمْرَةً سَاقِطَةً ، فَقَالَ : لَوْلَا أَنِّي أَخْشَى أَنَّهَا مِنْ الصَّدَقَةِ لَأَكَلْتُهَا } .\rوَهُوَ مِنْ بَابِ الْوَرَعِ .","part":8,"page":499},{"id":3999,"text":"( 3186 ) فَصْلٌ : وَكَانَ أَحْمَدُ رَحِمَهُ اللَّهُ ، لَا يَقْبَلُ جَوَائِزَ السُّلْطَانِ ، وَيُنْكِرُ عَلَى وَلَدِهِ وَعَمِّهِ قَبُولَهَا ، وَيُشَدِّدُ فِي ذَلِكَ ، وَمِمَّنْ كَانَ لَا يَقْبَلُهَا سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ، وَالْقَاسِمُ ، وَبِشْرُ بْنُ سَعِيدٍ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ وَاسِعٍ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَابْنُ الْمُبَارَكِ ، وَكَانَ هَذَا مِنْهُمْ عَلَى سَبِيلِ الْوَرَعِ وَالتَّوَقِّي ، لَا عَلَى أَنَّهَا حَرَامٌ ، فَإِنَّ أَحْمَدَ قَالَ : جَوَائِزُ السُّلْطَانِ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ الصَّدَقَةِ .\rوَقَالَ : لَيْسَ أَحَدٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ إلَّا وَلَهُ فِي هَذِهِ الدَّرَاهِمِ نَصِيبٌ فَكَيْفَ أَقُولُ : إنَّهَا سُحْتٌ ؟ وَمِمَّنْ كَانَ يَقْبَلُ جَوَائِزَهُمْ ابْنُ عُمَرَ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ ، وَعَائِشَةُ وَغَيْرُهُمْ مِنْ الصَّحَابَةِ ، مِثْلُ الْحَسَنِ ، وَالْحُسَيْنِ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ .\rوَرَخَّصَ فِيهِ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَمَكْحُولٌ ، وَالزُّهْرِيُّ وَالشَّافِعِيُّ .\rوَاحْتَجَّ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { اشْتَرَى مِنْ يَهُودِيٍّ طَعَامًا ، وَمَاتَ وَدِرْعُهُ مَرْهُونَةٌ عِنْدَهُ } .\r{ وَأَجَابَ يَهُودِيًّا دَعَاهُ ، وَأَكَلَ مِنْ طَعَامِهِ .\r} وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُمْ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، أَنَّهُ قَالَ : لَا بَأْسَ بِجَوَائِزِ السُّلْطَانِ ، فَإِنَّ مَا يُعْطِيكُمْ مِنْ الْحَلَالِ أَكْثَرَ مِمَّا يُعْطِيكُمْ مِنْ الْحَرَامِ .\rوَقَالَ : لَا تَسْأَلْ السُّلْطَانَ شَيْئًا ، وَإِنْ أَعْطَى فَخُذْ ، فَإِنَّ مَا فِي بَيْتِ الْمَالِ مِنْ الْحَلَالِ أَكْثَرُ مِمَّا فِيهِ مِنْ الْحَرَامِ .\rفَصْلٌ : قَالَ أَحْمَدُ رَحِمَهُ اللَّهُ ، فِي مَنْ مَعَهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ حَرَامٌ : يَتَصَدَّقُ بِالثَّلَاثَةِ ، وَإِنْ كَانَ مَعَهُ مِائَتَا دِرْهَمٍ ، فِيهَا عَشْرَةٌ حَرَامٌ ، يَتَصَدَّقُ بِالْعَشَرَةِ ؛ لِأَنَّ هَذَا كَثِيرٌ ، وَذَاكَ قَلِيلٌ .\rفَقِيلَ لَهُ : قَالَ سُفْيَانُ : مَا كَانَ دُونَ الْعَشَرَةِ يَتَصَدَّقُ بِهِ ، وَمَا كَانَ أَكْثَرَ يَخْرُجُ .\rقَالَ : نَعَمْ ، لَا يُجْحَفُ بِهِ .\rقَالَ الْقَاضِي : وَلَيْسَ هَذَا عَلَى سَبِيلِ التَّحْدِيدِ ،","part":8,"page":500},{"id":4000,"text":"وَإِنَّمَا هُوَ عَلَى طَرِيقِ الِاخْتِيَارِ ؛ لِأَنَّهُ كُلَّمَا كَثُرَ الْحَلَالُ بَعُدَ تَنَاوُلِ الْحَرَامِ ، وَشَقَّ التَّوَرُّعُ عَنْ الْجَمِيعِ ، بِخِلَافِ الْقَلِيلِ فَإِنَّهُ يَسْهُلُ إخْرَاجُ الْكُلِّ .\rوَالْوَاجِبُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ إخْرَاجُ قَدْرِ الْحَرَامِ ، وَالْبَاقِي مُبَاحٌ لَهُ ؛ وَهَذَا لِأَنَّ تَحْرِيمَهُ لَمْ يَكُنْ لِتَحْرِيمِ عَيْنِهِ ، وَإِنَّمَا حَرُمَ لِتَعَلُّقِ حَقِّ غَيْرِهِ بِهِ ، فَإِذَا أَخْرَجَ عِوَضَهُ زَالَ التَّحْرِيمُ عَنْهُ ، كَمَا لَوْ كَانَ صَاحِبُهُ حَاضِرًا فَرَضِيَ بِعِوَضِهِ ، وَسَوَاءٌ كَانَ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا .\rوَالْوَرَعُ إخْرَاجُ مَا يُتَيَقَّنُ بِهِ إخْرَاجُ عَيْنِ الْحَرَامِ ، وَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ إلَّا بِإِخْرَاجِ الْجَمِيعِ ، لَكِنْ لَمَّا شَقَّ ذَلِكَ فِي الْكَثِيرِ ، تُرِكَ لِأَجْلِ الْمَشَقَّةِ فِيهِ ، وَاقْتُصِرَ عَلَى الْوَاجِبِ .\rثُمَّ يَخْتَلِفُ هَذَا بِاخْتِلَافِ النَّاسِ ؛ فَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَكُونُ لَهُ إلَّا الدَّرَاهِمُ الْيَسِيرَةِ ، فَيَشُقُّ إخْرَاجُهَا ؛ لِحَاجَتِهِ إلَيْهَا ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ لَهُ مَالٌ كَثِيرٌ ، فَيَسْتَغْنِي عَنْهَا ، فَيَسْهُلُ إخْرَاجُهَا .","part":9,"page":1},{"id":4001,"text":"( 3187 ) فَصْلٌ : قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ الْمَذْهَبِ ، لَا يَجُوزُ بَيْعُ كُلِّ مَاءٍ عَدَّ كَمِيَاهِ الْعُيُونِ ، وَنَقْعِ الْبِئْرِ فِي أَمَاكِنِهِ قَبْلَ إحْرَازِهِ فِي إنَائِهِ ، وَلَا الْكَلَأِ فِي مَوَاضِعِهِ قَبْلَ حِيَازَتِهِ .\rفَعَلَى هَذَا ؛ مَتَى بَاعَ الْأَرْضَ وَفِيهَا كَلَأٌ أَوْ مَاءٌ ، فَلَا حَقَّ لِلْبَائِعِ فِيهِ .\rوَقَدْ ذَكَرْنَا رِوَايَةً أُخْرَى ؛ أَنَّ ذَلِكَ مَمْلُوكٌ وَأَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُهُ .\rفَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ ، إنْ بَاعَ الْأَرْضَ ، فَذَكَرَ الْمَاءَ وَالْكَلَأَ فِي الْبَيْعِ ، دَخَلَ فِيهِ ، وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْهُ ، كَانَ الْمَاءُ الْمَوْجُودُ وَالْكَلَأُ لِلْبَائِعِ ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الزَّرْعِ فِي الْأَرْضِ .\rوَالْمَاءُ أَصْلٌ بِنَفْسِهِ ، فَهُوَ كَالطَّعَامِ فِي الدَّارِ ، فَمَا يَتَجَدَّدُ بَعْدَ الْبَيْعِ ، فَهُوَ لِلْمُشْتَرِي .\rوَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ ، إذَا بَاعَ مِنْ هَذَا الْمَاءِ آصُعًا مَعْلُومَةً ، جَازَ ؛ لِأَنَّهُ كَالصُّبْرَةِ ، وَإِنْ بَاعَ كُلَّ مَاءِ الْبِئْرِ ، لَمْ يَجُزْ ؛ لِأَنَّهُ يَخْتَلِطُ بِغَيْرِهِ .\rوَلَوْ بَاعَ مِنْ النَّهْرِ الْجَارِي آصُعًا ، لَمْ يَجُزْ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ الْمَاءَ يَذْهَبُ ، وَيَأْتِي غَيْرُهُ .\r( 3188 ) فَصْلٌ : وَعَلَى كِلْتَا الرِّوَايَتَيْنِ ؛ مَتَى كَانَ الْمَاءُ النَّابِعُ فِي مِلْكِهِ ، أَوْ الْكَلَأُ أَوْ الْمَعَادِنُ ، وَفْقَ كِفَايَتِهِ ، لِشُرْبِهِ ، وَشُرْبِ مَاشِيَتِهِ ، لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ بَذْلُهُ .\rنَصَّ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ فِي مِلْكِهِ ، فَإِذَا تَسَاوَى هُوَ وَغَيْرُهُ فِي الْحَاجَةِ ، كَانَ أَحَقَّ بِهِ ، كَالطَّعَامِ ، وَإِنَّمَا تَوَعَّدَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَنْعِ فَضْلِ الْمَاءِ ، وَلَا فَضْلَ فِي هَذَا .\rوَلِأَنَّ عَلَيْهِ فِي بَذْلِهِ ضَرَرًا ، وَلَا يَلْزَمُهُ نَفْعُ غَيْرِهِ بِمَضَرَّةِ نَفْسِهِ .\rوَإِنْ كَانَ فِيهِ فَضْلٌ عَنْ شُرْبِهِ ، وَشُرْبِ مَاشِيَتِهِ وَزَرْعِهِ ، وَاحْتَاجَتْ إلَيْهِ مَاشِيَةُ غَيْرِهِ ، لَزِمَهُ بَذْلُهُ بِغَيْرِ عِوَضٍ ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ أَنْ يَتَقَدَّمَ إلَى الْمَاءِ وَيَشْرَبَ ، وَيَسْقِيَ مَاشِيَتَهُ ، وَلَيْسَ لِصَاحِبِهِ الْمَنْعُ مِنْ ذَلِكَ ؛ لِمَا رَوَى إيَاسُ","part":9,"page":2},{"id":4002,"text":"بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيّ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { مَنْ مَنَعَ فَضْلَ الْمَاءِ ، لِيَمْنَعَ بِهِ فَضْلَ الْكَلَأِ ، مَنَعَهُ اللَّهُ فَضْلَ رَحْمَتِهِ } .\rوَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { نَهَى أَنْ تَسْأَلَ الْمَرْأَةُ طَلَاقَ أُخْتِهَا وَنَهَى أَنْ يُمْنَعَ الْمَاءُ مَخَافَةَ أَنْ يُرْعَى الْكَلَأُ .\r} يَعْنِي إذَا كَانَ فِي مَكَان كَلَأٌ ، وَلَيْسَ يُمْكِنُهُ الْإِقَامَةُ لِرَعْيِهِ إلَّا بِالسَّقْيِ مِنْ هَذَا الْمَاءِ فَيَمْنَعُهُمْ السَّقْيَ ، لِيَتَوَفَّرَ الْكَلَأُ عَلَيْهِ .\rوَرَوَى أَبُو عُبَيْدَةَ بِإِسْنَادِهِ ، عَنْ عُمَرَ ، أَنَّهُ قَالَ : ابْنُ السَّبِيلِ أَحَقُّ بِالْمَاءِ مِنْ الْبَانِي عَلَيْهِ .\rوَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : ابْنُ السَّبِيلِ أَوَّلُ شَارِبٍ .\rوَعَنْ بُهَيْسَةَ ، قَالَتْ { : قَالَ أَبِي : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَا الشَّيْءُ الَّذِي لَا يَحِلُّ مَنْعُهُ ؟ قَالَ : الْمَاءُ .\rقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الشَّيْءُ الَّذِي لَا يَحِلُّ مَنْعُهُ ؟ قَالَ : الْمِلْحُ } .\rوَلَيْسَ عَلَيْهِ بَذْلُ آلَةِ الْبِئْرِ مِنْ الْحَبْلِ ، وَالدَّلْوِ ، وَالْبَكَرَةِ ؛ لِأَنَّهُ يَخْلُقُ وَلَا يَسْتَخْلِفُ غَيْرَهُ ، بِخِلَافِ الْمَاءِ .\rوَهَذَا كُلُّهُ هُوَ الظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَلَا فَرْقَ فِيمَا ذَكَرْنَا بَيْنَ الْبُنْيَانِ وَالصَّحَارِي .\rوَعَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّهُ قَالَ : إنَّمَا هَذَا فِي الصَّحَارِي وَالْبَرِّيَّةِ ، دُونَ الْبُنْيَانِ .\rيَعْنِي أَنَّ الْبُنْيَانَ إذَا كَانَ فِيهِ الْمَاءُ فَلَيْسَ لَأَحَدٍ الدُّخُولُ إلَيْهِ إلَّا بِإِذْنِ صَاحِبِهِ .","part":9,"page":3},{"id":4003,"text":"( 3189 ) فَصْلٌ : وَهَلْ يَلْزَمُهُ بَذْلُ فَضْلِ مَائِهِ لِزَرْعِ غَيْرِهِ ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، لَا يَلْزَمُهُ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ الزَّرْعَ لَا حُرْمَةَ لَهُ فِي نَفْسِهِ ، وَلِهَذَا لَا يَجِبُ عَلَى صَاحِبِهِ سَقْيُهُ ، بِخِلَافِ الْمَاشِيَةِ .\rوَالثَّانِيَةُ يَلْزَمُهُ بَذْلُهُ لِذَلِكَ ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، { أَنَّ قَيِّمَ أَرْضِهِ بِالْوَهْطِ كَتَبَ إلَيْهِ ، يُخْبِرُهُ أَنَّهُ قَدْ سَقَى أَرْضَهُ ، وَفَضَلَ لَهُ مِنْ الْمَاءِ فَضْلٌ يُطْلَبُ بِثَلَاثِينَ أَلْفًا .\rفَكَتَبَ إلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو ؛ أَقِمْ قِلْدَكَ ، ثُمَّ اسْقِ الْأَدْنَى فَالْأَدْنَى ، فَإِنِّي سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْهَى عَنْ بَيْعِ فَضْلِ الْمَاءِ } .\rقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : الْقِلْدُ يَوْمُ الشُّرْبِ .\rوَفِي \" الْمُسْنَدِ \" ، حَدَّثَنَا حَسَنٌ ، قَالَ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرٍ ، قَالَ : { نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعِ فَضْلِ الْمَاءِ } .\rوَرَوَى إيَاسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، قَالَ : { نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُمْنَعَ فَضْلُ الْمَاءِ .\r} رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَقَالَ : حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ .\rوَفِي لَفْظٍ : { نَهَى عَنْ بَيْعِ الْمَاءِ .\r} وَلِأَنَّ فِي مَنْعِهِ فَضْلَ الْمَاءِ إهْلَاكَهُ ، فَحَرُمَ مَنْعُهُ كَالْمَاشِيَةِ .\rوَقَوْلُهُمْ : لَا حُرْمَةَ لَهُ .\rقُلْنَا : فَلِصَاحِبِهِ حُرْمَةٌ ، فَلَا يَجُوزُ التَّسَبُّبُ إلَى إهْلَاكِ مَالِهِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يُمْنَعَ نَفْيُ الْحُرْمَةِ عَنْهُ ، فَإِنَّ إضَاعَةَ الْمَالِ مَنْهِيٌّ عَنْهَا ، وَإِتْلَافَهُ مُحَرَّمٌ ، وَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى حُرْمَتِهِ .","part":9,"page":4},{"id":4004,"text":"( 3190 ) فَصْلٌ : وَإِذَا اشْتَرَى عَبْدًا بِمِائَةٍ فَقَضَاهَا عَنْهُ غَيْرُهُ ، صَحَّ ، سَوَاءٌ قَضَاهُ بِأَمْرِهِ أَوْ غَيْرِ أَمْرِهِ .\rفَإِنْ بَانَ الْعَبْدُ مُسْتَحِقًّا ، لَزِمَ رَدُّ الْمِائَةِ إلَى دَافِعِهَا ؛ لِأَنَّنَا تَبَيَّنَّا أَنَّهُ قَبْضٌ غَيْرُ مُسْتَحَقٍّ ، فَكَأَنَّ الْمِائَةَ لَمْ تَخْرُجْ مِنْ يَدِ دَافِعِهَا .\rوَإِنْ بَانَ الْعَبْدُ مَعِيبًا ، فَرَدَّهُ بِالْعَيْبِ ، أَوْ بِإِقَالَةِ ، أَوْ أَصْدَقَ امْرَأَةَ إنْسَانٍ شَيْئًا ، فَطَلَّقَهَا الزَّوْجُ قَبْلَ دُخُولِهِ بِهَا ، أَوْ ارْتَدَّتْ ، فَهَلْ يَلْزَمُ رَدُّ الْمِائَةِ إلَى دَافِعِهَا أَوْ عَلَى الْمُشْتَرِي وَالزَّوْجِ ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، عَلَى الدَّافِعِ ؛ لِأَنَّ الْقَبْضَ حَصَلَ مِنْهُ ، فَالرَّدُّ عَلَيْهِ ، كَاَلَّتِي قَبْلَهَا .\rوَالثَّانِي ، عَلَى الزَّوْجِ وَالْمُشْتَرِي ؛ لِأَنَّ قَضَاءَهُ بِمَنْزِلَةِ الْهِبَةِ لَهُمَا ، بِدَلِيلِ بَرَاءَةِ ذِمَّتِهَا مِنْهُ ، وَالْهِبَةُ الْمَقْبُوضَةُ لَا يَجُوزُ الرُّجُوعُ فِيهَا .\rوَإِنْ كَانَ الدَّفْعُ بِإِذْنِ الْمُشْتَرِي وَالزَّوْجِ ، احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ فِيهِ كَمَا لَوْ قَضَاهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ ، إذَا كَانَ فَعَلَ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ التَّبَرُّعِ عَلَيْهِ ، وَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ رَدُّهُ عَلَى الزَّوْجِ وَالْمُشْتَرِي ، إذَا كَانَ عَقْدُهُمَا صَحِيحًا بِكُلِّ حَالٍ ؛ لِأَنَّ إذْنَهُمَا فِي تَسْلِيمِهِ إلَى مَنْ لَهُ الدَّيْنُ عَلَيْهِمَا إذَا اتَّصَلَ بِهِ الْقَبْضُ ، جَرَى مَجْرَى قَبُولِهِ وَقَبْضِهِ ، بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَأْذَنْ وَإِنْ أَذِنَا فِي دَفْعِ ذَلِكَ عَنْهُمَا قَرْضًا ، فَإِنَّ الرَّدَّ يَكُونُ عَلَيْهِمَا ، وَالْمُقْرِضُ يَرْجِعُ عَلَيْهِمَا بِعِوَضِهِ .","part":9,"page":5},{"id":4005,"text":"( 3191 ) فَصْلٌ إذَا قَالَ الْعَبْدُ لَرَجُلٍ : ابْتَعْنِي مِنْ سَيِّدِي .\rفَفَعَلَ ، فَبَانَ الْعَبْدُ مُعْتَقًا ، فَالضَّمَانُ عَلَى السَّيِّدِ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إنْ كَانَ السَّيِّدُ حَاضِرًا حِينَ غَرَّهُ الْعَبْدُ ، وَإِنْ كَانَ غَائِبًا فَالضَّمَانُ عَلَى الْعَبْدِ ؛ لِأَنَّ الْغَرُورَ مِنْهُ .\rوَلَنَا ، أَنَّ السَّيِّدَ قَبَضَ الثَّمَنَ بِغَيْرِ اسْتِحْقَاقٍ ، وَضَمِنَ الْعُهْدَةَ ، فَكَانَ الضَّمَانُ عَلَيْهِ ، كَمَا لَوْ كَانَ حَاضِرًا .\rوَإِنْ بَانَ الْعَبْدُ مَغْصُوبًا ، أَوْ بِهِ عَيْبٌ ، فَرَدَّهُ ، فَالضَّمَانُ عَلَى السَّيِّدِ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا .","part":9,"page":6},{"id":4006,"text":"( 3192 ) فَصْلٌ : وَإِنْ اشْتَرَى اثْنَانِ عَبْدًا ، فَغَابَ أَحَدُهُمَا ، وَجَاءَ الْآخَرُ يَطْلُبُ نَصِيبَهُ مِنْهُ ، فَلَهُ ذَلِكَ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ تَسْلِيمُهُ إلَّا بِتَسْلِيمِ نَصِيبِ الْغَائِبِ ، وَلَيْسَ لَهُ تَسْلِيمُهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ طَلَبَ حِصَّتَهُ ، فَكَانَ لَهُ ذَلِكَ ، كَمَا لَوْ أَوْجَبَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُنْفَرِدًا .\rوَمَا ذَكَرُوهُ يَبْطُلُ بِهَذِهِ الصُّورَةِ .\rوَإِنْ قَالَ الْحَاضِرُ : أَنَا أَدْفَعُ جَمِيعَ الثَّمَنِ ، وَيَدْفَعُ إلَى جَمِيعَ الْعَبْدِ .\rلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَهُ ذَلِكَ .\rوَلَنَا ، أَنَّ شَرِيكَهُ لَمْ يَأْذَنْ لِلْحَاضِرِ فِي قَبْضِ نَصِيبِهِ ، وَلَا لِلْبَائِعِ فِي دَفْعِهِ إلَيْهِ ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُمَا ذَلِكَ ، كَمَا لَوْ كَانَا حَاضِرَيْنِ .\rفَإِنْ سُلِّمَ إلَيْهِ ، فَتَلِفَ الْعَبْدُ ، فَلِلْغَائِبِ تَضْمِينُ أَيِّهِمَا شَاءَ ؛ لِأَنَّ الدَّافِعَ فَرَّطَ بِدَفْعِ مَالِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ ، وَالشَّرِيكَ قَبَضَ مَالَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَإِنْ ضَمِنَ الشَّرِيكُ ، لَمْ يَرْجِعْ عَلَى أَحَدٍ ؛ لِأَنَّ التَّلَفَ حَصَلَ فِي يَدِهِ ، فَاسْتَقَرَّ الضَّمَانُ عَلَيْهِ .\rوَإِنْ ضَمِنَ الدَّافِعُ رَجَعَ عَلَى الْقَابِضِ لِذَلِكَ .\rوَيَقْوَى عِنْدِي أَنَّهُ إذَا لَمْ يُمْكِنْ تَسْلِيمُ نَصِيبِ أَحَدِ الْمُشْتَرِيَيْنِ إلَيْهِ إلَّا بِتَسْلِيمِ نَصِيبِ صَاحِبِهِ ، أَنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّسْلِيمُ إلَيْهِ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا هَاهُنَا .","part":9,"page":7},{"id":4007,"text":"( 3193 ) فَصْلٌ : وَيُسْتَحَبُّ الْإِشْهَادُ فِي الْبَيْعِ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَأَشْهِدُوا إذَا تَبَايَعْتُمْ .\r} وَأَقَلُّ أَحْوَالِ الْأَمْرِ الِاسْتِحْبَابُ .\rوَلِأَنَّهُ أَقْطَعُ لِلنِّزَاعِ ، وَأَبْعَدُ مِنْ التَّجَاحُدِ ، فَكَانَ أَوْلَى ، وَيَخْتَصُّ ذَلِكَ بِمَا لَهُ خَطَرٌ ، فَأَمَّا الْأَشْيَاءُ الْقَلِيلَةُ الْخَطَرِ ، كَحَوَائِجِ الْبَقَّالِ ، وَالْعَطَّارِ ، وَشَبَهِهِمَا ، فَلَا يُسْتَحَبُّ ذَلِكَ فِيهَا ؛ لِأَنَّ الْعُقُودَ فِيهَا تَكْثُرُ ، فَيَشُقُّ الْإِشْهَادُ عَلَيْهَا ، وَتَقْبُحُ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهَا ، وَالتَّرَافُعُ إلَى الْحَاكِمِ مِنْ أَجْلِهَا ، بِخِلَافِ الْكَثِيرِ .\rوَلَيْسَ الْإِشْهَادُ بِوَاجِبٍ فِي وَاحِدٍ مِنْهُمَا ، وَلَا شَرْطًا لَهُ .\rرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ ، وَإِسْحَاقَ وَأَبِي أَيُّوبَ وَقَالَتْ طَائِفَةٌ : ذَلِكَ فَرْضٌ لَا يَجُوزُ تَرْكُهُ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ .\rوَمِمَّنْ رَأَى الْإِشْهَادَ عَلَى الْبَيْعِ عَطَاءٌ وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ ، وَالنَّخَعِيُّ ؛ لِظَاهِرِ الْأَمْرِ ، وَلِأَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ فَيَجِبُ الْإِشْهَادُ عَلَيْهِ كَالنِّكَاحِ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اُؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ } .\rوَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ : صَارَ الْأَمْرُ إلَى الْأَمَانَةِ .\rوَتَلَا هَذِهِ الْآيَةَ ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { اشْتَرَى مِنْ يَهُودِيٍّ طَعَامًا ، وَرَهَنَهُ دِرْعَهُ ، } { وَاشْتَرَى مِنْ رَجُلٍ سَرَاوِيلَ } ، { وَمِنْ أَعْرَابِيٍّ فَرَسًا ، فَجَحَدَهُ الْأَعْرَابِيُّ حَتَّى شَهِدَ لَهُ خُزَيْمَةُ بْنُ ثَابِتٍ ، } وَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُ أَشْهَدَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ .\rوَكَانَ الصَّحَابَةُ يَتَبَايَعُونَ فِي عَصْرِهِ فِي الْأَسْوَاقِ ، فَلَمْ يَأْمُرْهُمْ بِالْإِشْهَادِ ، وَلَا نُقِلَ عَنْهُمْ فِعْلُهُ ، وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَوْ كَانُوا يُشْهَدُونَ فِي كُلِّ بِيَاعَاتِهِمْ لَمَا أُخِلَّ بِنَقْلِهِ .\r{ وَقَدْ أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ","part":9,"page":8},{"id":4008,"text":"عُرْوَةَ بْنَ الْجَعْدِ أَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ أُضْحِيَّةً .\rوَلَمْ يَأْمُرْهُ بِالْإِشْهَادِ ، وَأَخْبَرَهُ عُرْوَةُ أَنَّهُ اشْتَرَى شَاتَيْنِ فَبَاعَ إحْدَاهُمَا ، وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ تَرْكَ الْإِشْهَادِ .\r} وَلِأَنَّ الْمُبَايَعَةَ تَكْثُرُ بَيْنَ النَّاسِ فِي أَسْوَاقِهِمْ وَغَيْرِهَا ، فَلَوْ وَجَبَ الْإِشْهَادُ فِي كُلِّ مَا يَتَبَايَعُونَهُ ، أَفْضَى إلَى الْحَرَجِ الْمَحْطُوطِ عَنَّا بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ } .\rوَالْآيَةُ الْمُرَادُ بِهَا الْإِرْشَادُ إلَى حِفْظِ الْأَمْوَالِ وَالتَّعْلِيمِ ، كَمَا أَمَرَ بِالرَّهْنِ وَالْكَاتِبِ ، وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ ، وَهَذَا ظَاهِرٌ .","part":9,"page":9},{"id":4009,"text":"( 3194 ) فَصْلٌ : وَيُكْرَهُ الْبَيْعُ وَالشِّرَاءُ فِي الْمَسْجِدِ .\rوَبِهِ قَالَ إِسْحَاقُ ؛ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { إذَا رَأَيْتُمْ مَنْ يَبِيعُ أَوْ يَبْتَاعُ فِي الْمَسْجِدِ ، فَقُولُوا : لَا أَرْبَحَ اللَّهُ تِجَارَتَكَ ، وَإِذَا رَأَيْتُمْ مَنْ يَنْشُدُ ضَالَّةً فِي الْمَسْجِدِ ، فَقُولُوا : لَا رَدَّهَا اللَّهُ عَلَيْك } .\rأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ ، وَلِأَنَّ الْمَسَاجِدَ لَمْ تُبْنَ لِهَذَا .\rوَرَأَى عِمْرَانُ الْقَصِيرُ رَجُلًا يَبِيعُ فِي الْمَسْجِدِ ، فَقَالَ : هَذِهِ سُوقُ الْآخِرَةِ ، فَإِنْ أَرَدْت التِّجَارَةَ فَاخْرُجْ إلَى سُوقِ الدُّنْيَا .\rفَإِنْ بَاعَ فَالْبَيْعُ صَحِيحٌ ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ تَمَّ بِأَرْكَانِهِ ، وَشُرُوطِهِ ، وَلَمْ يَثْبُتْ وُجُودُ مُفْسِدٍ لَهُ ، وَكَرَاهَةُ ذَلِكَ لَا تُوجِبُ الْفَسَادَ ، كَالْغِشِّ فِي الْبَيْعِ وَالتَّدْلِيسِ وَالتَّصْرِيَةِ .\rوَفِي قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : \" قُولُوا : لَا أَرْبَحَ اللَّهُ تِجَارَتَكَ \" .\rمِنْ غَيْرِ إخْبَارٍ بِفَسَادِ الْبَيْعِ ، دَلِيلٌ عَلَى صِحَّتِهِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":9,"page":10},{"id":4010,"text":"بَابُ السَّلَمِ وَهُوَ أَنْ يُسْلِمَ عِوَضًا حَاضِرًا ، فِي عِوَضٍ مَوْصُوفٍ فِي الذِّمَّةِ إلَى أَجَلٍ ، وَيُسَمَّى سَلَمًا ، وَسَلَفًا .\rيُقَالُ : أَسْلَمَ ، وَأَسْلَفَ ، وَسَلَّفَ .\rوَهُوَ نَوْعٌ مِنْ الْبَيْعِ ، يَنْعَقِدُ بِمَا يَنْعَقِدُ بِهِ الْبَيْعُ ، وَبِلَفْظِ السَّلَمِ وَالسَّلَفِ ، وَيُعْتَبَرُ فِيهِ مِنْ الشُّرُوطِ مَا يُعْتَبَرُ فِي الْبَيْعِ ، وَهُوَ جَائِزٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ ؛ أَمَّا الْكِتَابُ ، فَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ } ، وَرَوَى سَعِيدٌ بِإِسْنَادِهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّهُ قَالَ : أَشْهَدُ أَنَّ السَّلَفَ الْمَضْمُونَ إلَى أَجَلٍ مُسَمًّى قَدْ أَحَلَّهُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ ، وَأَذِنَ فِيهِ ، ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ .\rوَلِأَنَّ هَذَا اللَّفْظَ يَصْلُحُ لِلسَّلَمِ .\rوَيَشْمَلُهُ بِعُمُومِهِ .\rوَأَمَّا السُّنَّةُ ، فَرَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَنَّهُ قَدِمَ الْمَدِينَةَ وَهُمْ يُسَلِّفُونَ فِي الثِّمَارِ السَّنَتَيْنِ وَالثَّلَاثَ ، فَقَالَ : مَنْ أَسَلَفَ فِي شَيْءٍ فَلْيُسْلِفْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ ، وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ ، إلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ .\r} مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ، وَرَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي الْمُجَالِدِ ، قَالَ : { أَرْسَلَنِي أَبُو بُرْدَةَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدَّادٍ إلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى ، فَسَأَلْتُهُمَا عَنْ السَّلَفِ ، فَقَالَا : كُنَّا نُصِيبُ الْمَغَانِمَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَانَ يَأْتِينَا أَنْبَاطٌ مِنْ أَنْبَاطِ الشَّامِ ، فَنُسَلِّفُهُمْ فِي الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالزَّبِيبِ .\rفَقُلْت : أَكَانَ لَهُمْ زَرْعٌ أَمْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ زَرْعٌ ؟ قَالَ : مَا كُنَّا نَسْأَلُهُمْ عَنْ ذَلِكَ .\r} وَأَمَّا الْإِجْمَاعُ ، فَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ السَّلَمَ جَائِزٌ ، وَلِأَنَّ الْمُثَمَّنَ فِي الْبَيْعِ أَحَدُ عِوَضَيْ الْعَقْدِ ، فَجَازَ أَنْ يَثْبُتَ فِي الذِّمَّةِ ،","part":9,"page":11},{"id":4011,"text":"كَالثَّمَنِ ، وَلِأَنَّ بِالنَّاسِ حَاجَةً إلَيْهِ ؛ لِأَنَّ أَرْبَابَ الزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ وَالتِّجَارَاتِ يَحْتَاجُونَ إلَى النَّفَقَةِ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَعَلَيْهَا ؛ لِتَكْمُلَ ، وَقَدْ تُعْوِزُهُمْ النَّفَقَةُ ، فَجَوَّزَ لَهُمْ السَّلَمَ ؛ لِيَرْتَفِقُوا ، وَيَرْتَفِقُ الْمُسْلِمُ بِالِاسْتِرْخَاصِ .","part":9,"page":12},{"id":4012,"text":"( 3195 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ رَحِمَهُ اللَّهُ : ( وَكُلُّ مَا ضُبِطَ بِصِفَةٍ ، فَالسَّلَمُ فِيهِ جَائِزٌ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ ، أَنَّ السَّلَمَ ، لَا يَصِحُّ إلَّا بِشُرُوطٍ سِتَّةٍ : أَحَدُهَا ، أَنْ يَكُونَ الْمُسْلَمُ فِيهِ مِمَّا يَنْضَبِطُ بِالصِّفَاتِ الَّتِي يَخْتَلِفُ الثَّمَنُ بِاخْتِلَافِهَا ظَاهِرًا ، فَيَصِحُّ فِي الْحُبُوبِ وَالثِّمَارِ ، وَالدَّقِيقِ ، وَالثِّيَابِ ، وَالْإِبْرَيْسَمِ ، وَالْقُطْنِ ، وَالْكَتَّانِ ، وَالصُّوفِ ، وَالشَّعْرِ ، وَالْكَاغَدِ ، وَالْحَدِيدِ ، وَالرَّصَاصِ ، وَالصُّفْرِ ، وَالنُّحَاسِ ، وَالْأَدْوِيَةِ ، وَالطِّيبِ ، وَالْخُلُولِ ، وَالْأَدْهَانِ ، وَالشُّحُومِ ، وَالْأَلْبَانِ ، وَالزِّئْبَقِ ، وَالشَّبِّ ، وَالْكِبْرِيتِ ، وَالْكُحْلِ ، وَكُلِّ مَكِيلٍ ، أَوْ مَوْزُونٍ ، أَوْ مَزْرُوعٍ ، وَقَدْ جَاءَ الْحَدِيثُ فِي الثِّمَارِ ، وَحَدِيثُ ابْنِ أَبِي أَوْفَى فِي الْحِنْطَةِ ، وَالشَّعِيرِ ، وَالزَّبِيبِ ، وَالزَّيْتِ .\rوَأَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ السَّلَمَ فِي الطَّعَامِ جَائِزٌ ، قَالَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ .\rوَأَجْمَعُوا عَلَى جَوَازِ السَّلَمِ فِي الثِّيَابِ .\rوَلَا يَصِحُّ السَّلَمُ فِيمَا لَا يَنْضَبِطُ بِالصِّفَةِ ، كَالْجَوْهَرِ مِنْ اللُّؤْلُؤ ، وَالْيَاقُوتِ ، وَالْفَيْرُوزَجِ ، وَالزَّبَرْجَدِ ، وَالْعَقِيقِ ، وَالْبَلُّورِ ؛ لِأَنَّ أَثْمَانَهَا تَخْتَلِفُ اخْتِلَافًا مُتَبَايِنًا بِالصِّغَرِ ، وَالْكِبَرِ ، وَحُسْنِ التَّدْوِيرِ ، وَزِيَادَةِ ضَوْئِهَا ، وَصَفَائِهَا ، وَلَا يُمْكِنُ تَقْدِيرُهَا بِبَيْضِ الْعُصْفُورِ ، وَنَحْوِهِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ ؛ وَلَا بِشَيْءِ مُعَيَّنٍ ، لِأَنَّ ذَلِكَ يَتْلَفُ .\rوَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ .\rوَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ صِحَّةُ السَّلَمِ فِيهَا ، إذَا اشْتَرَطَ مِنْهَا شَيْئًا مَعْلُومًا وَإِنْ كَانَ وَزْنًا ، فَبِوَزْنٍ مَعْرُوفٍ .\rوَاَلَّذِي قُلْنَاهُ أَوْلَى ؛ لِمَا ذَكَرْنَا .\rوَلَا يَصِحُّ فِيمَا يَجْمَعُ أَخْلَاطًا مَقْصُودَةً غَيْرَ مُتَمَيِّزَةٍ ، كَالْغَالِيَةِ ، وَالنِّدِّ ، وَالْمَعَاجِينِ الَّتِي يُتَدَاوَى بِهَا ؛ لِلْجَهْلِ بِهَا ، وَلَا فِي الْحَوَامِلِ مِنْ الْحَيَوَانِ ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ مَجْهُولٌ","part":9,"page":13},{"id":4013,"text":"غَيْرُ مُتَحَقِّقٍ ، وَلَا فِي الْأَوَانِي الْمُخْتَلِفَةِ الرُّءُوسِ وَالْأَوْسَاطِ ؛ لِأَنَّ الصِّفَةَ لَا تَأْتِي عَلَيْهِ .\rوَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ ، أَنَّهُ يَصِحُّ السَّلَمُ فِيهِ إذَا ضُبِطَ بِارْتِفَاعِ حَائِطِهِ ، وَدُورِ أَعْلَاهُ وَأَسْفَلِهِ ؛ لِأَنَّ التَّفَاوُتَ فِي ذَلِكَ يَسِيرٌ ، وَلَا يَصِحُّ فِي الْقِسِيِّ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى الْخَشَبِ ، وَالْقَرْنِ ، وَالْعَضَبِ ، والتوز ، إذْ لَا يُمْكِنُ ضَبْطُ مَقَادِيرِ ذَلِكَ ، وَتَمْيِيزُ مَا فِيهِ مِنْهَا .\rوَقِيلَ : يَجُوزُ السَّلَمُ فِيهَا ، وَالْأَوْلَى مَا ذَكَرْنَا .\rقَالَ الْقَاضِي : وَاَلَّذِي يَجْمَعُ أَخْلَاطًا عَلَى أَرْبَعَةِ أَضْرُبٍ ؛ أَحَدُهَا ، مُخْتَلِطٌ مَقْصُودٌ مُتَمَيِّزٌ ، كَالثِّيَابِ الْمَنْسُوجَةِ مِنْ قُطْنٍ وَكَتَّانٍ ، أَوْ قُطْنٍ وَإِبْرَيْسَمٍ ، فَيَصِحُّ السَّلَمُ فِيهَا ، لِأَنَّ ضَبْطَهَا مُمْكِنٌ الثَّانِي ، مَا خَلْطُهُ لِمَصْلَحَتِهِ ، وَلَيْسَ بِمَقْصُودٍ فِي نَفْسِهِ ، كَالْإِنْفَحَةِ فِي الْجُبْنِ ، وَالْمِلْحِ فِي الْعَجِينِ وَالْخُبْزِ ، وَالْمَاءِ فِي خَلِّ التَّمْرِ وَالزَّبِيبِ ، فَيَصِحُّ السَّلَمُ فِيهِ ؛ لِأَنَّهُ يَسِيرٌ لِمَصْلَحَتِهِ .\rالثَّالِثُ ، أَخْلَاطٌ مَقْصُودَةٌ غَيْرُ مُتَمَيِّزَةٍ ، كَالْغَالِيَةِ وَالنِّدِّ وَالْمَعَاجِينِ ، فَلَا يَصِحُّ السَّلَمُ فِيهَا ؛ لِأَنَّ الصِّفَةَ لَا تَأْتِي عَلَيْهَا .\rالرَّابِعُ ، مَا خَلْطُهُ غَيْرُ مَقْصُودٍ ، وَلَا مَصْلَحَةَ فِيهِ كَاللَّبَنِ الْمَشُوبِ بِالْمَاءِ ، فَلَا يَصِحُّ السَّلَمُ فِيهِ .","part":9,"page":14},{"id":4014,"text":"( 3196 ) فَصْلٌ : وَيَصِحُّ السَّلَمُ فِي الْخُبْزِ ، وَاللِّبَأِ ، وَمَا أَمْكَنَ ضَبْطُهُ مِمَّا مَسَّتْهُ النَّارُ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يَصِحُّ السَّلَمُ فِي كُلِّ مَعْمُولٍ بِالنَّارِ ؛ لِأَنَّ النَّارَ تَخْتَلِفُ ، وَيَخْتَلِفُ ، عَمَلُهَا ، وَيَخْتَلِفُ الثَّمَنُ بِذَلِكَ .\rوَلَنَا : قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ { مَنْ أَسْلَمَ فَلْيُسْلِمْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ ، أَوْ وَزْنٍ مَعْلُومٍ .\r} فَظَاهِرُ هَذَا إبَاحَةُ السَّلَمِ فِي كُلِّ مَكِيلٍ وَمَوْزُونٍ وَمَعْدُودٍ ، وَلِأَنَّ عَمَلَ النَّارِ فِيهِ مَعْلُومٌ بِالْعَادَةِ ، مُمْكِنٌ ضَبْطُهُ بِالنَّشَّافَةِ ، وَالرُّطُوبَةِ ، فَصَحَّ السَّلَمُ فِيهِ ، كَالْمُجَفَّفِ بِالشَّمْسِ .\rفَأَمَّا اللَّحْمُ الْمَطْبُوخُ ، وَالشِّوَاءُ ، فَقَالَ الْقَاضِي : لَا يَصِحُّ السَّلَمُ فِيهِ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَتَفَاوَتُ كَثِيرًا ، وَعَادَاتُ النَّاسِ فِيهِ مُخْتَلِفَةٌ ، فَلَمْ يُمْكِنْ ضَبْطُهُ .\rوَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا : يَصِحُّ السَّلَمُ فِيهِ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا فِي الْخُبْزِ وَاللِّبَأِ .","part":9,"page":15},{"id":4015,"text":"( 3197 ) فَصْلٌ : وَيَصِحُّ السَّلَمُ فِي النُّشَّابِ وَالنَّبْلِ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : لَا يَصِحُّ السَّلَمُ فِيهِمَا .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ لِأَنَّهُ يَجْمَعُ أَخْلَاطًا مِنْ خَشَبٍ ، وَعَقِبٍ وَرِيشٍ ، وَنَصْلٍ ، فَجَرَى مَجْرَى أَخْلَاطِ الصَّيَادِلَةِ ، وَلِأَنَّ فِيهِ رِيشًا نَجِسًا ؛ لِأَنَّ رِيشَهُ مِنْ جَوَارِحِ الطَّيْرِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ مِمَّا يَصِحُّ بَيْعُهُ ، وَيُمْكِنُ ضَبْطُهُ بِالصِّفَاتِ الَّتِي لَا يَتَفَاوَتُ الثَّمَنُ مَعَهَا غَالِبًا ، فَصَحَّ السَّلَمُ فِيهِ ، كَالْخَشَبِ وَالْقَصَبِ ، وَمَا فِيهِ مِنْ غَيْرِهِ مُتَمَيِّزٌ ، يُمْكِنُ ضَبْطُهُ وَالْإِحَاطَةُ بِهِ ، وَلَا يَتَفَاوَتُ كَثِيرًا ، فَلَا يُمْنَعُ ، كَالثِّيَابِ الْمَنْسُوجَةِ مِنْ جِنْسَيْنِ ، وَقَدْ يَكُونُ الرِّيشُ طَاهِرًا ، وَإِنْ كَانَ نَجِسًا لَكِنْ يَصِحُّ بَيْعُهُ ، فَلَمْ يُمْنَعْ السَّلَمُ فِيهِ ، كَنَجَاسَةِ الْبَغْلِ وَالْحِمَارِ .","part":9,"page":16},{"id":4016,"text":"( 3198 ) فَصْلٌ : وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ فِي السَّلَمِ فِي الْحَيَوَانِ فَرُوِيَ ، لَا يَصِحُّ السَّلَمُ فِيهِ .\rوَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَحُذَيْفَةَ ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَالشَّعْبِيِّ ، وَالْجُوزَجَانِيِّ ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : إنَّ مِنْ الرِّبَا أَبْوَابًا لَا تَخْفَى ، وَإِنَّ مِنْهَا السَّلَمَ فِي السِّنِّ .\rوَلِأَنَّ الْحَيَوَانَ يَخْتَلِفُ اخْتِلَافًا مُتَبَايِنًا ، فَلَا يُمْكِنُ ضَبْطُهُ .\rوَإِنْ اسْتَقْصَى صِفَاتِهِ الَّتِي يَخْتَلِفُ بِهَا الثَّمَنُ ، مِثْلُ : أَزَجُّ الْحَاجِبَيْنِ ، أَكْحَلُ الْعَيْنَيْنِ ، أَقْنَى الْأَنْفِ ، أَشَمُّ الْعِرْنِينِ ، أَهْدَبُ الْأَشْفَارِ ، أَلْمَى الشَّفَةِ ، بَدِيعُ الصِّفَةِ .\rتَعَذَّرَ تَسْلِيمُهُ ؛ لِنُدْرَةِ وُجُودِهِ عَلَى تِلْكَ الصِّفَةِ .\rوَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ ، صِحَّةُ السَّلَمِ فِيهِ .\rنَصَّ عَلَيْهِ ، فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : وَمِمَّنْ رَوَيْنَا عَنْهُ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِالسَّلَمِ فِي الْحَيَوَانِ ابْنُ مَسْعُودٍ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ ، وَابْنُ عُمَرَ ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ، وَالْحَسَنُ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ .\rوَحَكَاهُ الْجُوزَجَانِيُّ عَنْ عَطَاءٍ ، وَالْحَكَمِ .\rلِأَنَّ أَبَا رَافِعٍ قَالَ : { اسْتَسْلَفَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ رَجُلٍ بَكْرًا } .\rرَوَاهُ مُسْلِمٌ .\rوَرَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ : { أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ أَبْتَعَ الْبَعِيرَ بِالْبَعِيرَيْنِ وَبِالْأَبْعِرَةِ إلَى مَجِيءِ الصَّدَقَةِ } .\rوَقَدْ ذَكَرْنَا هَذَا الْحَدِيثَ فِي بَابِ الرِّبَا .\rوَلِأَنَّهُ ثَبَتَ فِي الذِّمَّةِ صَدَاقًا ، فَثَبَتَ فِي السَّلَمِ كَالثِّيَابِ ، فَأَمَّا حَدِيثُ عُمَرَ ، فَلَمْ يَذْكُرْهُ أَصْحَابُ الِاخْتِلَافِ ، ثُمَّ هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُمْ يَشْتَرِطُونَ مِنْ ضِرَابِ فَحْلِ بَنِي فُلَانٍ .\rقَالَ الشَّعْبِيُّ : إنَّمَا كَرِهَ ابْنُ","part":9,"page":17},{"id":4017,"text":"مَسْعُودٍ السَّلَفَ فِي الْحَيَوَانِ ؛ لِأَنَّهُمْ اشْتَرَطُوا نِتَاجَ فَحْلٍ مَعْلُومٍ .\rرَوَاهُ سَعِيدٌ .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ؛ أَنَّهُ بَاعَ جَمَلًا لَهُ يُدْعَى عُصَيْفِيرَ ، بِعِشْرِينَ بَعِيرًا ، إلَى أَجَلٍ .\rوَلَوْ ثَبَتَ قَوْلُ عُمَرَ فِي تَحْرِيمِ السَّلَمِ فِي الْحَيَوَانِ ، فَقَدْ عَارَضَهُ قَوْلُ مَنْ سَمَّيْنَا مِمَّنْ وَافَقَنَا .","part":9,"page":18},{"id":4018,"text":"( 3199 ) فَصْلٌ : وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ فِي السَّلَمِ فِي غَيْرِ الْحَيَوَانِ ، مِمَّا لَا يُكَالُ وَلَا يُوزَنُ وَلَا يُزْرَعُ ، فَنَقَلَ إِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ ، عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّهُ قَالَ : لَا أَرَى السَّلَمَ إلَّا فِيمَا يُكَالُ أَوْ يُوزَنُ أَوْ يُوقَفُ عَلَيْهِ .\rقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : مَعْنَاهُ يُوقَفُ عَلَيْهِ بِحَدٍّ مَعْلُومٍ لَا يَخْتَلِفُ ، كَالزَّرْعِ ، فَأَمَّا الرُّمَّانُ وَالْبَيْضُ ، فَلَا أَرَى السَّلَمَ فِيهِ .\rوَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْهُ وَعَنْ إِسْحَاقَ ، أَنَّهُ لَا خَيْرَ فِي السَّلَمِ فِي الرُّمَّانِ ، وَالسَّفَرْجَلِ ، وَالْبِطِّيخِ ، وَالْقِثَّاءِ ، وَالْخِيَارِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُكَالُ وَلَا يُوزَنُ ، وَمِنْهُ الصَّغِيرُ وَالْكَبِيرُ .\rفَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ ، لَا يَصِحُّ السَّلَمُ فِي كُلِّ مَعْدُودٍ مُخْتَلِفٍ ، كَاَلَّذِي سَمَّيْنَاهُ ، وَكَالْبُقُولِ ؛ لِأَنَّهُ يَخْتَلِفُ ، وَلَا يُمْكِنُ تَقْدِيرُ الْبَقْلِ بِالْحَزْمِ ؛ لِأَنَّ الْحَزْمَ يُمْكِنُ فِي الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ ، فَلَمْ يَصِحَّ السَّلَمُ فِيهِ ، كَالْجَوَاهِرِ .\rوَنَقَلَ إسْمَاعِيلُ بْنُ سَعِيدٍ وَابْنُ مَنْصُورٍ ، جَوَازَ السَّلَمِ فِي الْفَوَاكِهِ ، وَالسَّفَرْجَلِ ، وَالرُّمَّانِ ، وَالْمَوْزِ ، وَالْخَضْرَاوَاتِ ، وَنَحْوِهَا ؛ لِأَنَّ كَثِيرًا مِنْ ذَلِكَ مِمَّا يَتَقَارَبُ وَيَنْضَبِطُ بِالصِّغَرِ وَالْكِبَرِ ، وَمَا لَا يَتَقَارَبُ يَنْضَبِطُ بِالْوَزْنِ ، كَالْبُقُولِ وَنَحْوهَا ، فَصَحَّ السَّلَمُ فِيهِ ، كَالْمَزْرُوعِ .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ .\rوَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ الشَّافِعِيِّ الْمَنْعَ مِنْ السَّلَمِ فِي الْبَيْضِ وَالْجَوْزِ .\rوَلَعَلَّ هَذَا قَوْلٌ آخَرُ ، فَيَكُونُ لَهُ فِي ذَلِكَ قَوْلَانِ .","part":9,"page":19},{"id":4019,"text":"( 3200 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا السَّلَمُ فِي الرُّءُوسِ وَالْأَطْرَافِ ، فَيَخْرُجُ فِي صِحَّةِ السَّلَمِ فِيهَا الْخِلَافُ الَّذِي ذَكَرْنَا .\rوَلِلشَّافِعِيِّ فِيهَا قَوْلَانِ أَيْضًا ، كَالرِّوَايَتَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا : يَجُوزُ .\rوَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ؛ لِأَنَّهُ لَحْمٌ فِيهِ عَظْمٌ يَجُوزُ شِرَاؤُهُ ، فَجَازَ السَّلَمُ فِيهِ ، كَبَقِيَّةِ اللَّحْمِ .\rوَالْآخَرُ ، لَا يَجُوزُ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّ أَكْثَرَهُ الْعِظَامُ وَالْمَشَافِرُ ، وَاللَّحْمُ فِيهِ قَلِيلٌ ، وَلَيْسَ بِمَوْزُونٍ ، بِخِلَافِ اللَّحْمِ .\rفَإِنْ كَانَ مَطْبُوخًا ، أَوْ مَشْوِيًّا ، فَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يَصِحُّ السَّلَمُ فِيهِ .\rوَهُوَ قِيَاسُ قَوْلِ الْقَاضِي ؛ لِأَنَّهُ يَتَنَاثَرُ وَيَخْتَلِفُ .\rوَعَلَى قَوْلِ غَيْرِ الْقَاضِي مِنْ أَصْحَابِنَا ، حُكْمُ مَا مَسَّتْهُ النَّارُ مِنْ ذَلِكَ حُكْمُ غَيْرِهِ .\rوَبِهِ قَالَ مَالِكٌ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ .\rوَالْعَقْدُ يَقْتَضِيه سَلِيمًا مِنْ التَّأَثُّرِ ، وَالْعَادَةُ فِي طَبْخِهِ تَتَفَاوَتُ ، فَأَشْبَهَ غَيْرَهُ .","part":9,"page":20},{"id":4020,"text":"( 3201 ) فَصْلٌ : وَفِي الْجُلُودِ مِنْ الْخِلَافِ مِثْلُ مَا فِي الرُّءُوسِ وَالْأَطْرَافِ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يَصِحُّ السَّلَمُ فِيهَا ؛ لِأَنَّهَا تَخْتَلِفُ ، فَالْوَرِكُ ثَخِينٌ قَوِيٌّ ، وَالصَّدْرُ ثَخِينٌ رِخْوٌ ، وَالْبَطْنُ رَقِيقٌ ضَعِيفٌ ، وَالظَّهْرُ أَقْوَى ، فَيَحْتَاجُ إلَى وَصْفِ كُلِّ مَوْضِعٍ مِنْهُ ، وَلَا يُمْكِنُ ذَرْعُهُ ؛ لِاخْتِلَافِ أَطْرَافِهِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ التَّفَاوُتَ فِي ذَلِكَ مَعْلُومٌ ، فَلَمْ يَمْنَعْ صِحَّةَ السَّلَمِ فِيهِ ، كَالْحَيَوَانِ ؛ فَإِنَّهُ يَشْتَمِلُ عَلَى الرَّأْسِ وَالْجِلْدِ وَالْأَطْرَافِ وَاللَّحْمِ وَالشَّحْمِ وَمَا فِي الْبَطْنِ ، وَكَذَلِكَ الرَّأْسُ يَشْتَمِلُ عَلَى لَحْمِ الْخَدَّيْنِ وَالْأُذُنَيْنِ وَالْعَيْنَيْنِ ، وَيَخْتَلِفُ ذَلِكَ ، وَلَمْ يَمْنَعْ صِحَّةَ السَّلَمِ فِيهِ ، كَذَا هَاهُنَا .","part":9,"page":21},{"id":4021,"text":"( 3202 ) فَصْلٌ : وَيَصِحُّ السَّلَمُ فِي اللَّحْمِ .\rوَبِهِ قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَجُوزُ ؛ لِأَنَّهُ يَخْتَلِفُ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : مَنْ أَسْلَمَ فَلْيُسْلِمْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ ، أَوْ وَزْنٍ مَعْلُومٍ } .\rوَظَاهِرُهُ إبَاحَةُ السَّلَمِ فِي كُلِّ مَوْزُونٍ .\rوَلِأَنَّنَا قَدْ بَيَّنَّا جَوَازَ السَّلَمِ فِي الْحَيَوَانِ ، فَاللَّحْمُ أَوْلَى .","part":9,"page":22},{"id":4022,"text":"الشَّرْطُ الثَّانِي ، أَنْ يَضْبِطَهُ بِصِفَاتِهِ الَّتِي يَخْتَلِفُ الثَّمَنُ بِهَا ظَاهِرًا فَإِنَّ الْمُسْلَمَ فِيهِ عِوَضٌ فِي الذِّمَّةِ ، فَلَا بُدَّ مِنْ كَوْنِهِ مَعْلُومًا بِالْوَصْفِ كَالثَّمَنِ ، وَلِأَنَّ الْعِلْمَ شَرْطٌ فِي الْمَبِيعِ ، وَطَرِيقُهُ إمَّا الرُّؤْيَةُ وَإِمَّا الْوَصْفُ .\rوَالرُّؤْيَةُ مُمْتَنِعَةٌ هَاهُنَا ، فَتَعَيَّنَ الْوَصْفُ .\rوَالْأَوْصَافُ عَلَى ضَرْبَيْنِ : مُتَّفَقٌ عَلَى اشْتِرَاطِهَا ، وَمُخْتَلَفٌ فِيهَا فَالْمُتَّفَقُ عَلَيْهَا ثَلَاثَةُ أَوْصَافٍ ؛ الْجِنْسُ ، وَالنَّوْعُ ، وَالْجَوْدَةُ وَالرَّدَاءَةُ .\rفَهَذِهِ لَا بُدَّ مِنْهَا فِي كُلّ مُسْلَمٍ فِيهِ .\rوَلَا نَعْلَمُ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ خِلَافًا فِي اشْتِرَاطِهَا .\rوَبِهِ يَقُولُ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ .\rالضَّرْبُ الثَّانِي ، مَا يَخْتَلِفُ الثَّمَنُ بِاخْتِلَافِهِ مِمَّا عَدَا هَذِهِ الثَّلَاثَةِ الْأَوْصَافِ ، وَهَذِهِ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْمُسْلَمِ فِيهِ ، وَنَذْكُرُهَا عِنْدَ ذِكْرِهِ .\rوَذِكْرُهَا شَرْطٌ فِي السَّلَمِ عِنْدَ إمَامِنَا وَالشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَكْفِي ذِكْرُ الْأَوْصَافِ الثَّلَاثَةِ لِأَنَّهَا تَشْتَمِلُ عَلَى مَا وَرَاءَهَا مِنْ الصِّفَاتِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ يَبْقَى مِنْ الْأَوْصَافِ ، مِنْ اللَّوْنِ وَالْبَلَدِ وَنَحْوِهِمَا ، مَا يَخْتَلِفُ الثَّمَنُ وَالْغَرَضُ لِأَجْلِهِ ، فَوَجَبَ ، ذِكْرُهُ ، كَالنَّوْعِ .\rوَلَا يَجِبُ اسْتِقْصَاءُ كُلِّ الصِّفَاتِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَتَعَذَّرُ ، وَقَدْ يَنْتَهِي الْحَالُ فِيهَا إلَى أَمْرٍ يَتَعَذَّرُ تَسْلِيمُ الْمُسْلَمِ فِيهِ ، إذْ يَبْعُدُ وُجُودُ الْمُسْلَمِ فِيهِ عِنْدَ الْمَحِلِّ بِتِلْكَ الصِّفَاتِ كُلِّهَا ، فَيَجِبُ الِاكْتِفَاءُ بِالْأَوْصَافِ الظَّاهِرَةِ الَّتِي يَخْتَلِفُ الثَّمَنُ بِهَا ظَاهِرًا .\rوَلَوْ اسْتَقْصَى الصِّفَاتِ حَتَّى انْتَهَى إلَى حَالَ يَنْدُرُ وُجُودُ الْمُسْلَمِ فِيهِ بِتِلْكَ الْأَوْصَافِ ، بَطَلَ السَّلَمُ ؛ لِأَنَّ مِنْ شَرْطِ السَّلَمِ أَنْ يَكُونَ الْمُسْلَمُ فِيهِ عَامَ الْوُجُودِ عِنْدَ الْمَحِلِّ ، وَاسْتِقْصَاءُ الصِّفَاتِ يَمْنَعُ مِنْهُ .\rوَلَوْ شَرَطَ الْأَجْوَدَ ، لَمْ يَصِحَّ أَيْضًا ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ","part":9,"page":23},{"id":4023,"text":"عَلَى الْأَجْوَدِ .\rوَإِنْ قَدَرَ عَلَيْهِ كَانَ نَادِرًا .\rوَإِنْ شَرَطَ الْأَرْدَأَ احْتَمَلَ أَنْ لَا يَصِحَّ لِذَلِكَ ، وَاحْتَمَلَ أَنْ يَصِحَّ ؛ لِأَنَّهُ يَقْدِرُ عَلَى تَسْلِيمِ مَا هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ ، فَإِنَّهُ لَا يُسْلِمُ شَيْئًا إلَّا كَانَ خَيْرًا مِمَّا شَرَطَهُ ، فَلَا يَعْجِزُ إذًا عَنْ تَسْلِيمِ مَا يَجِبُ قَبُولُهُ ، بِخِلَافِ الَّتِي قَبْلَهَا .\rوَلَوْ أَسْلَمَ فِي جَارِيَةٍ وَابْنَتِهَا ، لَمْ يَصِحَّ ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَضْبِطَ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بِصِفَاتٍ ، وَيَتَعَذَّرُ وُجُودُ تِلْكَ الصِّفَاتِ فِي جَارِيَةٍ وَابْنَتِهَا .\rوَكَذَلِكَ إنْ أَسْلَمَ فِي جَارِيَةٍ وَأُخْتِهَا أَوْ عَمَّتِهَا أَوْ خَالَتِهَا أَوْ ابْنَةِ عَمِّهَا ؛ لِمَا ذَكَرْنَا .\rوَلَوْ أَسْلَمَ فِي ثَوْبٍ عَلَى صِفَةِ خِرْقَةٍ أَحْضَرَهَا ، لَمْ يَجُزْ ؛ لِجَوَازِ أَنْ تَهْلِكَ الْخِرْقَةُ ، وَهَذَا غَرَرٌ ، وَلَا حَاجَةَ إلَيْهِ ، فَمَنَعَ الصِّحَّةَ ، كَمَا لَوْ شَرَطَ مِكْيَالًا بِعَيْنِهِ ، أَوْ صَنْجَةً بِعَيْنِهَا .","part":9,"page":24},{"id":4024,"text":"( 3203 ) فَصْلٌ : وَالْجِنْسُ ، وَالْجَوْدَةُ ، أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُمَا ، شَرْطَانِ فِي كُلّ مُسْلَمٍ فِيهِ ، فَلَا حَاجَةَ إلَى تَكْرِيرِ ذِكْرِهِمَا فِي كُلّ مُسْلَمٍ فِيهِ ، وَيَذْكُرُ مَا سِوَاهُمَا ، فَيَصِفُ التَّمْرَ بِأَرْبَعَةِ أَوْصَافٍ ؛ النَّوْعُ ، بَرْنِيُّ أَوْ مَعْقِلِيٌّ ، وَالْبَلَدُ ، إنْ كَانَ يَخْتَلِفُ ، فَيَقُولُ بَغْدَادِيٌّ ، أَوْ بَصْرِيٌّ ؛ فَإِنَّ الْبَغْدَادِيَّ أَحْلَى وَأَقَلُّ بَقَاءً لِعُذُوبَةِ الْمَاءِ ، وَالْبَصْرِيُّ بِخِلَافِ ذَلِكَ .\rوَالْقَدْرُ ، كِبَارٌ أَوْ صِغَارٌ ، وَحَدِيثٌ أَوْ عَتِيقٌ .\rفَإِنْ أَطْلَقَ الْعَتِيقَ ، فَأَيَّ عَتِيقٍ أَعْطَى جَازَ ، مَا لَمْ يَكُنْ مَسُوسًا وَلَا حَشَفًا وَلَا مُتَغَيِّرًا .\rوَإِنْ قَالَ : عَتِيقُ عَامٍ أَوْ عَامَيْنِ فَهُوَ عَلَى مَا قَالَ .\rفَأَمَّا اللَّوْنُ ، فَإِنْ كَانَ النَّوْعُ الْوَاحِدُ مُخْتَلِفًا ، كالطبرز يَكُونُ أَحْمَرَ ، وَيَكُونُ أَسْوَدَ .\rذَكَرَهُ ، وَإِلَّا فَلَا .\rوَالرُّطَبُ كَالتَّمْرِ فِي هَذِهِ الْأَوْصَافِ ، إلَّا الْحَدِيثَ وَالْعَتِيقَ ، وَلَا يَأْخُذُ مِنْ الرُّطَبِ إلَّا مَا أُرْطِبَ كُلُّهُ .\rوَلَا يَأْخُذُ مِنْهُ مُشَدَّخًا ، وَلَا قَدِيمًا قَارَبَ أَنْ يُتْمِرَ .\rوَهَكَذَا مَا جَرَى مَجْرَاهُ ، مِنْ الْعِنَبِ وَالْفَوَاكِهِ .","part":9,"page":25},{"id":4025,"text":"( 3204 ) فَصْلٌ : وَيَصِفُ الْبُرَّ بِأَرْبَعَةِ أَوْصَافٍ ؛ النَّوْعُ ، فَيَقُولُ : سَبِيلَةٌ أَوْ سَلْمُونِيٌّ .\rوَالْبَلَدُ ، فَيَقُولُ : حُورَانِيٌّ أَوْ بَلْقَاوِيٌّ أَوْ سِمَالِيٌّ .\rوَصِغَارُ الْحَبِّ أَوْ كِبَارُهُ ، وَحَدِيثٌ أَوْ عَتِيقٌ .\rوَإِنْ كَانَ النَّوْعُ الْوَاحِدُ يَخْتَلِفُ لَوْنُهُ .\rذَكَرَهُ ، وَلَا يَسْلَمُ فِيهِ إلَّا مُصَفًّى ، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي الشَّعِيرِ وَالْقُطْنِيَّاتِ وَسَائِرِ الْحُبُوبِ .","part":9,"page":26},{"id":4026,"text":"( 3205 ) فَصْلٌ : وَيَصِفُ الْعَسَلَ بِثَلَاثَةِ أَوْصَافٍ الْبَلَدِيُّ ، فِيجِيٌّ أَوْ نَحْوُهُ .\rوَيُجْزِئُ ذَلِكَ عَنْ النَّوْعِ .\rوَالزَّمَانِ ؛ رَبِيعِيٌّ أَوْ خَرِيفِيٌّ ، أَوْ صَيْفِيٌّ .\rوَاللَّوْنُ ؛ أَبْيَضُ أَوْ أَحْمَرُ ، وَلَيْسَ لَهُ إلَّا مُصَفًّى مِنْ الشَّمْعِ .","part":9,"page":27},{"id":4027,"text":"( 3206 ) فَصْلٌ : وَلَا بُدَّ فِي الْحَيَوَانِ كُلِّهِ مِنْ ذِكْرِ النَّوْعِ ، وَالسِّنِّ ، وَالذُّكُورِيَّةِ ، وَالْأُنُوثِيَّةِ ، وَيُذْكَرُ اللَّوْنُ إذَا كَانَ النَّوْعُ الْوَاحِدُ يَخْتَلِفُ ، وَيَرْجِعُ فِي سِنِّ الْغُلَامِ إلَيْهِ إنْ كَانَ بَالِغًا ، وَإِنْ كَانَ صَغِيرًا فَالْقَوْلُ قَوْلُ سَيِّدِهِ ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ رَجَعَ فِي قَوْلِهِ إلَى أَهْلِ الْخِبْرَةِ ، عَلَى مَا يَغْلِبُ عَلَى ظُنُونِهِمْ تَقْرِيبًا .\rوَإِذَا ذَكَرَ النَّوْعَ فِي الرَّقِيقِ وَكَانَ مُخْتَلِفًا ، مِثْلَ التُّرْكِيِّ ؛ مِنْهُمْ الْجِكِلِيُّ وَالْخَزَرِيُّ ، فَهَلْ يَحْتَاجُ إلَى ذِكْرِهِ ، أَوْ يَكْفِي ذِكْرُ النَّوْعِ ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ .\rوَلَا يَحْتَاجُ فِي الْجَارِيَةِ إلَى ذِكْرِ الْبَكَارَةِ وَالثُّيُوبَةِ وَلَا الْجُعُودَةِ وَالسُّبُوطَةِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَخْتَلِفُ بِهِ الثَّمَنُ اخْتِلَافًا بَيِّنًا ، وَمِثْلُ ذَلِكَ لَا يُرَاعَى ، كَمَا فِي صِفَاتِ الْحُسْنِ وَالْمَلَاحَةِ ، فَإِنْ ذَكَرَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ ، لَزِمَهُ .\rوَيَذْكُرُ الثُّيُوبَةَ وَالْبَكَارَةَ ؛ لِأَنَّ الثَّمَنَ يَخْتَلِفُ بِذَلِكَ وَيَتَعَلَّقُ بِهِ الْغَرَضُ .\rوَيَذْكُرُ الْقَدَّ ؛ خُمَاسِيٌّ أَوْ سُدَاسِيٌّ ، يَعْنِي خَمْسَةَ أَشْبَارٍ أَوْ سِتَّةَ أَشْبَارٍ .\rقَالَ أَحْمَدُ ، يَقُولُ : خُمَاسِيٌّ سُدَاسِيٌّ ، أَسْوَدُ أَبْيَضُ ، أَعْجَمِيٌّ أَوْ فَصِيحٌ .\rفَأَمَّا الْإِبِلُ فَيَضْبِطُهَا بِأَرْبَعَةِ أَوْصَافٍ ، فَيَقُولُ : مِنْ نِتَاجِ بَنِي فُلَانٍ .\rوَالسِّنُّ ، بِنْتُ مَخَاضٍ أَوْ بِنْتُ لَبُونٍ .\rوَاللَّوْنُ ، بَيْضَاءُ أَوْ حَمْرَاءُ أَوْ وَرْقَاءُ ، وَذَكَرٌ أَوْ أُنْثَى ، فَإِنْ كَانَ نِتَاجٌ يَخْتَلِفُ فِيهِ مَهْرِيَّةٌ وَأَرْحَبِيَّةٌ ، فَهَلْ يَحْتَاجُ إلَى ضَبْطِ ذَلِكَ ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ ؛ وَمَا زَادَ عَلَى هَذِهِ الْأَوْصَافِ لَا يَفْتَقِرُ إلَى ذِكْرِهِ ، وَإِنْ ذَكَرَ بَعْضَهُ كَانَ تَأْكِيدًا وَلَزِمَهُ .\rوَأَوْصَافُ الْخَيْلِ ، كَأَوْصَافِ الْإِبِلِ .\rوَأَمَّا الْبِغَالُ وَالْحَمِيرُ ، فَلَا نِتَاجَ لَهَا ، فَيَجْعَلُ مَكَانَ ذَلِكَ نِسْبَتَهَا إلَى بَلَدِهَا .\rوَأَمَّا الْبَقَرُ وَالْغَنَمُ ، فَإِنْ عُرِفَ لَهَا نِتَاجٌ ، فَهِيَ كَالْإِبِلِ ، وَإِلَّا فَهِيَ","part":9,"page":28},{"id":4028,"text":"كَالْحُمُرِ ، وَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ النَّوْعِ فِي هَذِهِ الْحَيَوَانَاتِ ، فَيَقُولُ فِي الْإِبِلِ : بُخْتِيَّةٌ أَوْ عَرَبِيَّةٌ ، وَفِي الْخَيْلِ ، عَرَبِيَّةٌ أَوْ هَجِينٌ أَوْ بِرْذَوْنٌ .\rوَفِي الْغَنَمِ ، ضَأْنٌ أَوْ مَعْزٌ ، إلَّا الْحُمُرَ وَالْبِغَالَ ، فَلَا نَوْعَ فِيهِمَا .","part":9,"page":29},{"id":4029,"text":"( 3207 ) فَصْلٌ : وَيَذْكُرُ فِي اللَّحْمِ السِّنَّ ، وَالذُّكُورِيَّةَ ، وَالْأُنُوثِيَّةَ ، وَالسِّمَنَ ، وَالْهُزَالَ ، وَرَاعِيًا أَوْ مَعْلُوفًا ، وَنَوْعَ الْحَيَوَانِ ، وَمَوْضِعَ اللَّحْمِ مِنْهُ .\rوَيَزِيدُ فِي الذَّكَرِ ، فَحْلًا أَوْ خَصِيًّا .\rوَإِنْ كَانَ مِنْ صَيْدٍ ، لَمْ يَحْتَجْ إلَى ذِكْرِ الْعَلَفِ وَالْخِصَاءِ .\rوَيَذْكُرُ الْآلَةَ الَّتِي يُصَادُ بِهَا ، مِنْ جَارِحَةٍ أَوْ أُحْبُولَةٍ .\rوَفِي الْجَارِحَةِ يَذْكُرُ صَيْدَ فَهْدٍ ، أَوْ كَلْبٍ ، أَوْ صَقْرٍ ، فَإِنَّ الْأُحْبُولَةَ يُؤْخَذُ الصَّيْدُ مِنْهَا سَلِيمًا .\rوَصَيْدُ الْكَلْبِ خَيْرٌ مِنْ صَيْدِ الْفَهْدِ ؛ لِكَوْنِ الْكَلْبِ أَطْيَبَ الْحَيَوَانِ نَكْهَةً .\rقِيلَ : هُوَ أَطْيَبُ الْحَيَوَانِ نَكْهَةً ؛ لِكَوْنِهِ مَفْتُوحَ الْفَمِ فِي أَكْثَرِ الْأَوْقَاتِ ، وَالصَّحِيحُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ هَذَا لَيْسَ بِشَرْطِ ؛ لِأَنَّ التَّفَاوُتَ فِيهِ يَسِيرٌ ، وَلَا يَكَادُ الثَّمَنُ يَتَبَايَنُ بِاخْتِلَافِهِ ، وَلَا يَعْرِفُهُ إلَّا الْقَلِيلُ مِنْ النَّاسِ .\rوَإِذَا لَمْ يَحْتَجْ فِي الرَّقِيقِ إلَى ذِكْرِ الْبَكَارَةِ وَالثُّيُوبَةِ ، وَالسِّمَنِ ، وَالْهُزَالِ ، وَأَشْبَاهِهَا مِمَّا يَتَبَايَنُ بِهَا الثَّمَنُ وَتَخْتَلِفُ الرَّغَبَاتُ بِهَا ، وَيَعْرِفُهَا النَّاسُ ، فَهَذَا أُولَى .\rوَيَلْزَمُ قَبُولُ اللَّحْمِ بِعِظَامِهِ ؛ لِأَنَّهُ هَكَذَا يُقْطَعُ ، فَهُوَ كَالنَّوَى فِي التَّمْرِ ، وَإِنْ كَانَ السَّلَمُ فِي لَحْمِ طَيْرٍ ، لَمْ يَحْتَجْ إلَى ذِكْرِ الذُّكُورِيَّةِ وَالْأُنُوثِيَّةِ ، إلَّا أَنْ يَخْتَلِفَ بِذَلِكَ ، كَلَحْمِ الدَّجَاجِ ، وَلَا إلَى ذِكْرِ مَوْضِعِ اللَّحْمِ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ كَثِيرًا يَأْخُذُ مِنْهُ بَعْضَهُ ، وَلَا يَلْزَمُهُ قَبُولُ الرَّأْسِ وَالسَّاقَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ لَا لَحْمَ عَلَيْهَا .\rوَفِي السَّمَكِ يَذْكُرُ النَّوْعَ ؛ بَرَدِيٌّ أَوْ غَيْرُهُ ، وَالْكِبَرَ وَالصِّغَرَ ، وَالسِّمَنَ وَالْهُزَالَ ، وَالطَّرِيَّ وَالْمِلْحَ ، وَلَا يَقْبَلُ الرَّأْسَ وَالذَّنَبَ ، وَلَهُ مَا بَيْنَهُمَا ، وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا يَأْخُذُ بَعْضَهُ ، ذَكَرَ مَوْضِعَ اللَّحْمِ مِنْهُ .","part":9,"page":30},{"id":4030,"text":"( 3208 ) فَصْلٌ : وَيَضْبِطُ السَّمْنَ بِالنَّوْعِ مِنْ ضَأْنٍ أَوْ مَعْزٍ أَوْ بَقَرٍ ، وَاللَّوْنِ ، أَبْيَضَ أَوْ أَصْفَرَ .\rقَالَ الْقَاضِي : وَيَذْكُرُ الْمَرْعِيَّ ، وَلَا يَحْتَاجُ إلَى ذِكْرِ حَدِيثٍ أَوْ عَتِيقٍ ؛ لِأَنَّ إطْلَاقَهُ يَقْتَضِي الْحَدِيثَ ، وَلَا يَصِحُّ السَّلَمُ فِي عَتِيقِهِ ؛ لِأَنَّهُ عَيْبٌ ، وَلَا يَنْتَهِي إلَى حَدٍّ يُضْبَطُ بِهِ .\rوَيَصِفُ الزُّبْدَ بِأَوْصَافِ السَّمْنِ ، وَيَزِيدُ ، زُبْدُ يَوْمِهِ أَوْ أَمْسِهِ .\rوَلَا يَلْزَمُهُ قَبُولُ مُتَغَيِّرٍ فِي السَّمْنِ أَوْ الزُّبْدِ ، وَلَا رَقِيقٍ ، إلَّا أَنْ تَكُونَ رِقَّتُهُ لِلْحَرِّ .\rوَيَصِفُ اللَّبَنَ بِالنَّوْعِ وَالْمَرْعَى ، وَلَا يَحْتَاجُ إلَى اللَّوْنِ ، وَلَا حَلْبَةِ يَوْمِهِ ؛ لِأَنَّ إطْلَاقَهُ يَقْتَضِي ذَلِكَ ، وَلَا يَلْزَمُهُ قَبُولُ مُتَغَيِّرٍ .\rقَالَ أَحْمَدُ : وَيَصِحُّ السَّلَمَ فِي الْمَخِيضِ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يَصِحُّ السَّلَمَ فِيهِ ؛ لِأَنَّ فِيهِ مَا لَيْسَ مِنْ مَصْلَحَتِهِ ، وَهُوَ الْمَاءُ ، فَصَارَ الْمَقْصُودُ مَجْهُولًا .\rوَلَنَا أَنَّ الْمَاءَ يَسِيرٌ ، يُتْرَكُ لِأَجْلِ الْمَصْلَحَةِ ، جَرَتْ الْعَادَةُ بِهِ ، فَلَمْ يَمْنَعْ صِحَّةَ السَّلَمَ فِيهِ ، كَالْمَاءِ فِي الشَّيْرَجِ ، وَالْمِلْحِ وَالْإِنْفَحَة فِي الْجُبْنِ ، وَالْمَاءِ فِي خَلِّ التَّمْرِ ، وَيَصِفُ الْجُبْنَ بِالنَّوْعِ وَالْمَرْعَى ، وَرَطْبٍ أَوْ يَابِسٍ ، وَيَصِفُ اللِّبَأَ بِصِفَاتِ اللَّبَنِ ، وَيَزِيدُ اللَّوْنَ ، وَيَذْكُرُ الطَّبْخَ أَوْ لَيْسَ بِمَطْبُوخٍ .","part":9,"page":31},{"id":4031,"text":"( 3209 ) فَصْلٌ : وَتُضْبَطُ الثِّيَابُ بِسِتَّةِ أَوْصَافٍ ؛ النَّوْعُ ، كَتَّانٌ أَوْ قُطْنٌ .\rوَالْبَلَدُ .\rوَالطُّولُ .\rوَالْعَرْضُ .\rوَالصَّفَاقَةُ وَالرِّقَّةُ .\rوَالْغِلَظُ وَالدِّقَّةُ .\rوَالنُّعُومَةُ وَالْخُشُونَةُ .\rوَلَا يَذْكُرُ الْوَزْنَ ، فَإِنْ ذَكَرَهُ ، لَمْ يَصِحَّ لِتَعَذُّرِ الْجَمْعِ بَيْنَ صِفَاتِهِ الْمُشْتَرَطَةِ ، وَكَوْنِهِ عَلَى وَزْنٍ مَعْلُومٍ ، فَيَكُونُ فِيهِ تَغْرِيرٌ ؛ لِتَعَذُّرِ اتِّفَاقِهِ .\rوَإِنْ ذَكَرَ خَامًا أَوْ مَقْصُورًا ، فَلَهُ مَا شَرَطَ ، وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْهُ ، جَازَ ، وَلَهُ خَامٌ ؛ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ .\rوَإِنْ ذَكَرَ مَغْسُولًا أَوْ لَبِيسًا .\rلَمْ يَجُزْ ؛ لِأَنَّ اللُّبْسَ يَخْتَلِفُ ، وَلَا يَنْضَبِطُ .\rفَإِنْ أَسْلَمَ فِي مَصْبُوغٍ ، وَكَانَ مِمَّا يُصْبَغُ غَزْلُهُ ، جَازَ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ جُمْلَةِ صِفَاتِ الثَّوْبِ ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا يُصْبَغُ بَعْدَ نَسْجِهِ ، لَمْ يَجُزْ ؛ لِأَنَّ صَبْغَ الثَّوْبِ يَمْنَعُ الْوُقُوفَ عَلَى نُعُومَتِهِ وَخُشُونَتِهِ ، وَلِأَنَّ الصِّبْغَ غَيْرَ مَعْلُومٍ .\rوَإِنْ أَسْلَمَ فِي ثَوْبٍ مُخْتَلِفِ الْغُزُولِ ؛ كَقُطْنِ وَإِبْرَيْسَمَ ، أَوْ قُطْنٍ وَكَتَّانٍ ، أَوْ صُوفٍ ، وَكَانَتْ الْغُزُولُ مَضْبُوطَةً بِأَنْ يَقُولَ : السُّدَى إبْرَيْسَمُ ، وَاللُّحْمَةُ كَتَّانٌ أَوْ نَحْوُهُ ، جَازَ .\rوَلِهَذَا جَازَ السَّلَمُ فِي الْخَزِّ ، وَهُوَ مِنْ غَزْلَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ .\rوَإِنْ أَسْلَمَ فِي ثَوْبٍ مَوْشِيٍّ ، وَكَانَ الْوَشْيُ مِنْ تَمَامِ نَسْجِهِ ، جَازَ .\rوَإِنْ كَانَ زِيَادَةً ، لَمْ يَجُزْ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَنْضَبِطُ .","part":9,"page":32},{"id":4032,"text":"( 3210 ) فَصْلٌ : وَيَصِفُ غَزْلَ الْقُطْنِ وَالْكَتَّانِ ، بِالْبَلَدِ وَاللَّوْنِ ، وَالْغِلَظِ وَالدِّقَّةِ ، وَالنُّعُومَةِ وَالْخُشُونَةِ وَيَصِفُ الْقُطْنَ بِذَلِكَ ، وَيَجْعَلُ مَكَانَ الْغِلَظِ وَالدِّقَّةِ الطُّولَ وَالْقِصَرَ .\rوَإِنْ شَرَطَ فِي الْقُطْنِ مَنْزُوعَ الْحَبِّ ، جَازَ .\rوَإِنْ أَطْلَقَ كَانَ لَهُ بِحَبِّهِ ، كَالتَّمْرِ بِنَوَاهُ .\rيَصِفُ الْإِبْرَيْسَمَ بِالْبَلَدِ وَاللَّوْنِ ، وَالْغِلَظِ وَالدِّقَّةِ ، يَصِفُ الصُّوفَ بِالْبَلَدِ وَاللَّوْنِ ، وَالطُّولِ وَالْقِصَرِ ، وَالزَّمَانِ ، خَرِيفِيٍّ أَوْ رَبِيعِيٍّ ؛ لِأَنَّ صُوفَ الْخَرِيفِ أَنْظَفُ .\rقَالَ الْقَاضِي : وَيَصِفُهُ بِالذُّكُورِيَّةِ وَالْأُنُوثِيَّةِ ؛ لِأَنَّ صُوفَ الْإِنَاثِ أَنْعَمُ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَحْتَاجَ إلَى هَذِهِ الصِّفَةِ ؛ لِأَنَّ التَّفَاوُتَ فِي هَذَا يَسِيرٌ .\rوَعَلَيْهِ تَسْلِيمُهُ نَقِيًّا مِنْ الشَّوْكِ وَالْبَعْرِ ، وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْهُ .\rوَإِنْ اشْتَرَطَهُ ، جَازَ ، وَكَانَ تَأْكِيدًا .\rوَالشَّعْرُ وَالْوَبَرُ ، كَالصُّوفِ .\rوَيَصِحُّ السَّلَمُ فِي الْكَاغَدِ ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ ضَبْطُهُ ، وَيَصِفُهُ بِالطُّولِ وَالْعَرْضِ ، وَالدِّقَّةِ وَالْغِلَظِ ، وَاسْتِوَاءِ الصَّنْعَةِ ، وَمَا يَخْتَلِفُ بِهِ الثَّمَنُ .","part":9,"page":33},{"id":4033,"text":"( 3211 ) فَصْلٌ : وَيَضْبِطُ النُّحَاسُ ، وَالرَّصَاصُ ، وَالْحَدِيدُ بِالنَّوْعِ ، فَيَقُولُ فِي الرَّصَاصِ : قَلْعِيٌّ أَوْ أُسْرُبٌ .\rوَالنُّعُومَةُ وَالْخُشُونَةُ ، وَاللَّوْنُ إنْ كَانَ يَخْتَلِفُ .\rوَيَزِيدُ فِي الْحَدِيدِ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى ، فَإِنَّ الذَّكَرَ أَحَدُّ وَأَمْضَى .\rوَإِنْ أَسْلَمَ فِي الْأَوَانِي الَّتِي يُمْكِنُ ضَبْطُ قَدْرِهَا وَطُولِهَا وَسُمْكِهَا وَدُورِهَا ، كَالْأَسْطَالِ الْقَائِمَةِ الْحِيطَانِ ، وَالطُّسُوتِ ، جَازَ .\rوَيَضْبِطُهَا بِذَلِكَ كُلِّهِ .\rوَإِنْ أَسْلَمَ فِي قِصَاعٍ وَأَقْدَاحٍ مِنْ الْخَشَبِ ، جَازَ ، وَيَذْكُرُ نَوْعَ خَشَبِهَا مِنْ جَوْزٍ ، أَوْ تُوتٍ ، وَقَدْرَهَا فِي الصِّغَرِ وَالْكِبَرِ ، وَالْعُمْقِ وَالضِّيقِ ، وَالثَّخَانَةِ وَالرِّقَّةِ وَأَيِّ عَمَلٍ .\rوَإِنْ أَسْلَمَ فِي سَيْفٍ ، ضَبَطَهُ بِنَوْعِ حَدِيدِهِ ، وَطُولِهِ وَعَرْضِهِ ، وَرِقَّتِهِ وَغِلَظِهِ ، وَبَلَدِهِ ، وَقَدِيمِ الطَّبْعِ أَوْ مُحْدَثٍ ، مَاضٍ أَوْ غَيْرِهِ ، وَيَصِفُ قَبْضَتَهُ وَجَفْنَهُ .","part":9,"page":34},{"id":4034,"text":"( 3212 ) فَصْلٌ : وَالْخَشَبُ عَلَى أَضْرُبٍ ؛ مِنْهُ مَا يُرَادُ لِلْبِنَاءِ ، فَيَذْكُرُ نَوْعَهُ ، وَيُبْسَهُ وَرُطُوبَتَهُ ، وَطُولَهُ ، وَدُورَهُ ، أَوْ سُمْكَهُ ، وَعَرْضَهُ .\rوَيَلْزَمُهُ أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ مِنْ طَرَفِهِ إلَى طَرَفِهِ بِذَلِكَ الْعَرْضِ وَالدَّوْرِ .\rفَإِنْ كَانَ أَحَدُ طَرَفَيْهِ أَغْلَظَ مِمَّا وَصَفَ ، فَقَدْ زَادَهُ خَيْرًا ، وَإِنْ كَانَ أَدَقَّ ، لَمْ يَلْزَمْهُ قَبُولُهُ .\rوَإِنْ ذَكَرَ الْوَزْنَ أَوْ سَمْحًا ، جَازَ ، وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْهُ ، جَازَ ، وَلَهُ سَمْحٌ خَالٍ مِنْ الْعُقَدِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ ، عَيْبٌ .\rوَإِنْ كَانَ لِلْقِسِيِّ ذَكَرَ هَذِهِ الْأَوْصَافَ ، وَزَادَ سَهْلِيًّا ، أَوْ جَبَلِيًّا ، أَوْ خُوطًا أَوْ فِلْقَةً ؛ فَإِنَّ الْجَبَلِيَّ أَقْوَى مِنْ السَّهْلِيِّ ؛ وَالْخُوطَ أَقْوَى مِنْ الْفِلْقَةِ .\rوَيَذْكُرُ فِيمَا لِلْوَقُودِ الْغِلْظَةَ ، وَالْيُبْسَ ، وَالرُّطُوبَةَ ، وَالْوَزْنَ وَيَذْكُرُ فِيمَا لِلنَّصْبِ النَّوْعَ ، وَالْغِلَظَ ، وَسَائِرَ مَا يَحْتَاجُ إلَى مَعْرِفَتِهِ ، وَيُخْرِجُهُ مِنْ الْجَهَالَةِ .\rوَإِنْ أَسْلَمَ فِي النُّشَّابِ وَالنَّبْلِ ، ضَبَطَهُ بِنَوْعِ جِنْسِهِ ، وَطُولِهِ وَقِصَرِهِ ، وَدِقَّتِهِ وَغِلَظِهِ ، وَلَوْنِهِ ، وَنَصْلِهِ ، وَرِيشِهِ .","part":9,"page":35},{"id":4035,"text":"( 3213 ) فَصْلٌ : وَالْحِجَارَةُ مِنْهَا مَا هُوَ لِلْأَرْحِيَةِ ، فَيَضْبِطُهَا بِالدَّوْرِ ، وَالثَّخَانَةِ ، وَالْبَلَدِ ، وَالنَّوْعِ إنْ كَانَ يَخْتَلِفُ .\rوَمِنْهَا مَا هُوَ لِلْبِنَاءِ ، فَيَذْكُرُ النَّوْعَ ، وَاللَّوْنَ ، وَالْقَدْرَ وَالْوَزْنَ .\rوَيَذْكُرُ فِي حِجَارَةِ الْآنِيَةِ اللَّوْنَ ، وَالنَّوْعَ ، وَالْقَدْرَ ، وَاللِّينَ ، وَالْوَزْنَ .\rوَيَصِفُ الْبَلُّورَ بِأَوْصَافِهِ .\rيَصِفُ الْآجُرَّ وَاللَّبِنَ بِمَوْضِعِ التُّرْبَةِ ، وَاللَّوْنِ ، وَالدَّوْرِ ، وَالثَّخَانَةِ ، وَإِنْ أَسْلَمَ فِي الْجِصِّ ، وَالنُّورَةِ ، ذَكَرَ اللَّوْنَ ، وَالْوَزْنَ .\rوَلَا يَقْبَلُ مَا أَصَابَهُ الْمَاءُ فَجَفَّ ، وَلَا مَا قَدُمَ قِدَمًا يُؤَثِّرُ فِيهِ .\rوَيَضْبِطُ التُّرَابَ بِمِثْلِ ذَلِكَ ، وَيَقْبَلُ الطِّينَ الَّذِي قَدْ جَفَّ إذَا كَانَ لَا يَتَأَثَّرُ بِذَلِكَ .","part":9,"page":36},{"id":4036,"text":"( 3214 ) فَصْلٌ : وَيَضْبِطُ الْعَنْبَرَ بِلَوْنِهِ وَالْبَلَدِ ، وَإِنْ شَرَطَ قِطْعَةً أَوْ قِطْعَتَيْنِ ، جَازَ ، وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ ، فَلَهُ أَنْ يُعْطِيَهُ صِغَارًا أَوْ كِبَارًا ، وَقَدْ قِيلَ : إنَّ الْعَنْبَرَ نَبَاتٌ يَخْلُقُهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي جَنْبَاتِ الْبَحْرِ .\rوَيَضْبِطُ الْعُودَ الْهِنْدِيَّ بِبَلَدِهِ ، وَمَا يُعْرَفُ بِهِ .\rوَيَضْبِطُ الْمَصْطَكَى ، وَاللُّبَانَ ، وَالْغِرَاءَ الْعَرَبِيَّ ، وَصَمْغَ الشَّجَرِ ، وَالْمِسْكَ ، وَسَائِرُ مَا يَجُوزُ السَّلَمُ فِيهِ ، بِمَا يَخْتَلِفُ بِهِ .","part":9,"page":37},{"id":4037,"text":"( 3215 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : ( إذَا كَانَ بِكَيْلٍ مَعْلُومٍ ، أَوْ وَزْنٍ مَعْلُومٍ ، أَوْ عَدَدٍ مَعْلُومٍ ) هَذَا الشَّرْطُ الثَّالِثُ .\rوَهُوَ مَعْرِفَةُ مِقْدَارِ الْمُسْلَمِ فِيهِ بِالْكَيْلِ إنْ كَانَ مَكِيلًا ، وَبِالْوَزْنِ إنْ كَانَ مَوْزُونًا ، وَبِالْعَدَدِ إنْ كَانَ مَعْدُودًا ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : مَنْ أَسْلَفَ فِي شَيْءٍ فَلْيُسْلِفْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ ، أَوْ وَزْنٍ مَعْلُومٍ ، إلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ } .\rوَلِأَنَّهُ عِوَضٌ غَيْرُ مُشَاهَدٍ يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ ، فَاشْتُرِطَ مَعْرِفَةُ قَدْرِهِ ، كَالثَّمَنِ .\rوَلَا نَعْلَمُ فِي اعْتِبَارِ مَعْرِفَةِ الْمِقْدَارِ خِلَافًا .\rوَيَجِبُ أَنْ يُقَدِّرَهُ بِمِكْيَالِ ، أَوْ أَرْطَالٍ مَعْلُومَةٍ عِنْدَ الْعَامَّةِ .\rفَإِنْ قَدَّرَهُ بِإِنَاءٍ مَعْلُومٍ ، أَوْ صَنْجَةٍ مُعَيَّنَةٍ ، غَيْرِ مَعْلُومَةٍ ، لَمْ يَصِحَّ ؛ لِأَنَّهُ يَهْلِكُ ، فَيَتَعَذَّرُ مَعْرِفَةُ قَدْرِ الْمُسْلَمِ فِيهِ ، وَهَذَا غَرَرٌ لَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ الْعَقْدُ .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ، عَلَى أَنَّ الْمُسْلَمَ فِي الطَّعَامِ لَا يَجُوزُ بِقَفِيزٍ لَا يُعْلَمُ عِيَارُهُ ، وَلَا فِي ثَوْبٍ بِذَرْعِ فُلَانٍ ؛ لِأَنَّ الْمِعْيَارَ لَوْ تَلِفَ ، أَوْ مَاتَ فُلَانٌ ، بَطَلَ السَّلَمُ .\rمِنْهُمْ ؛ الثَّوْرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ .\rوَإِنْ عَيَّنَ مِكْيَالَ رَجُلٍ أَوْ مِيزَانَهُ ، وَكَانَا مَعْرُوفَيْنِ عِنْدَ الْعَامَّةِ ، جَازَ .\rوَلَمْ يَخْتَصَّ بِهِمَا .\rوَإِنْ لَمْ يُعْرَفَا ، لَمْ يَجُزْ .","part":9,"page":38},{"id":4038,"text":"( 3216 ) فَصْلٌ : وَإِنْ أَسْلَمَ فِيمَا يُكَالُ وَزْنًا ، أَوْ فِيمَا يُوزَنُ كَيْلًا ، فَنَقَلَ الْأَثْرَمُ ، أَنَّهُ سَأَلَ أَحْمَدَ عَنْ السَّلَمِ فِي التَّمْرِ وَزْنًا ؟ فَقَالَ : لَا إلَّا كَيْلًا .\rقُلْت : إنَّ النَّاسَ هَاهُنَا لَا يَعْرِفُونَ الْكَيْلَ .\rقَالَ : وَإِنْ كَانُوا لَا يَعْرِفُونَ الْكَيْلَ .\rفَيَحْتَمِلُ هَذَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ فِي الْمَكِيلِ إلَّا كَيْلًا ، وَلَا فِي الْمَوْزُونِ إلَّا وَزْنًا .\rوَهَكَذَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي ، وَابْنُ أَبِي مُوسَى ؛ لِأَنَّهُ مَبِيعٌ يُشْتَرَطُ مَعْرِفَةُ قَدْرِهِ ، فَلَمْ يَجُزْ بِغَيْرِ مَا هُوَ مُقَدَّرٌ بِهِ فِي الْأَصْلِ ، كَبَيْعِ الرُّطُوبَاتِ بَعْضِهَا بِبَعْضِ .\rوَلِأَنَّهُ قَدَّرَ الْمُسْلَمَ بِغَيْرِ مَا هُوَ مُقَدَّرٌ بِهِ فِي الْأَصْلِ ، فَلَمْ يَجُزْ ، كَمَا لَوْ أَسْلَمَ فِي الْمَذْرُوعِ وَزْنًا .\rوَنَقَلَ الْمَرُّوذِيُّ عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّهُ يَجُوزُ السَّلَمُ فِي اللَّبَنِ إذَا كَانَ كَيْلًا أَوْ وَزْنًا .\rوَهَذَا يَدُلُّ عَلَى إبَاحَةِ السَّلَمِ فِي الْمَكِيلِ وَزْنًا ، وَفِي الْمَوْزُونِ كَيْلًا ؛ لِأَنَّ اللَّبَنَ لَا يَخْلُو مِنْ كَوْنِهِ مَكِيلًا أَوْ مَوْزُونًا ، وَقَدْ أَجَازَ السَّلَمَ فِيهِ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا .\rوَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَابْنِ الْمُنْذِرِ وَقَالَ مَالِكٌ : ذَلِكَ جَائِزٌ إذَا كَانَ النَّاسُ يَتَبَايَعُونَ التَّمْرَ وَزْنًا .\rوَهَذَا أَصَحُّ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ؛ لِأَنَّ الْغَرَضَ مَعْرِفَةُ قَدْرِهِ ، وَخُرُوجُهُ مِنْ الْجَهَالَةِ ، وَإِمْكَانُ تَسْلِيمِهِ مِنْ غَيْرِ تَنَازُعٍ ، فَبِأَيِّ قَدْرٍ قَدَّرَهُ جَازَ .\rوَيُفَارِقُ بَيْعَ الرِّبَوِيَّاتِ ؛ فَإِنَّ التَّمَاثُلَ فِيهَا فِي الْمَكِيلِ كَيْلًا وَفِي الْمَوْزُونِ وَزْنًا شَرْطٌ ، وَلَا نَعْلَمُ هَذَا الشَّرْطَ إذَا قَدَّرَهَا بِغَيْرِ مِقْدَارِهَا الْأَصْلِيِّ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّ الْحُبُوبَ كُلَّهَا مَكِيلَةٌ ، وَكَذَلِكَ التَّمْرُ وَالزَّبِيبُ وَالْفُسْتُقُ وَالْبُنْدُقُ وَالْمِلْحُ .\rقَالَ الْقَاضِي : وَكَذَلِكَ الْأَدْهَانُ .\rوَقَالَ فِي السَّمْنِ وَاللَّبَنِ وَالزُّبْدِ : يَجُوزُ السَّلَمُ فِيهَا كَيْلًا وَوَزْنًا .\rوَلَا يُسْلِمُ فِي اللِّبَأِ إلَّا وَزْنًا ؛ لِأَنَّهُ","part":9,"page":39},{"id":4039,"text":"يَجْمُدُ عَقِيبَ حَلْبِهِ فَلَا يَتَحَقَّقُ الْكَيْلُ فِيهِ .","part":9,"page":40},{"id":4040,"text":"( 3217 ) فَصْلٌ : فَإِنْ كَانَ الْمُسْلَمُ فِيهِ مِمَّا لَا يُمْكِنُهُ وَزْنُهُ بِالْمِيزَانِ لِثِقَلِهِ ، كَالْأَرْحِيَةِ وَالْحِجَارَةِ الْكِبَارِ ، يُوزَنُ بِالسَّفِينَةِ ، فَتُتْرَكُ السَّفِينَةُ فِي الْمَاءِ ، ثُمَّ يُتْرَكُ ذَلِكَ فِيهَا فَيَنْظُرُ إلَى أَيْ مَوْضِعٍ تَغُوصُ ، فَيُعَلِّمُهُ ، ثُمَّ يُرْفَعُ وَيُتْرَكُ مَكَانَهُ رَمْلٌ أَوْ حِجَارَةٌ صِغَارٌ ، إلَى أَنْ يَبْلُغَ الْمَاءُ الْمَوْضِعَ الَّذِي كَانَ بَلَغَهُ ، ثُمَّ يُوزَنُ بِمِيزَانٍ .\rفَمَا بَلَغَ فَهُوَ زِنَةُ ذَلِكَ الشَّيْءِ الَّذِي أُرِيدَ مَعْرِفَةُ وَزْنِهِ .","part":9,"page":41},{"id":4041,"text":"( 3218 ) فَصْلٌ : وَلَا بُدَّ مِنْ تَقْدِيرِ الْمَذْرُوعِ بِالذَّرْعِ ، بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ، عَلَى أَنَّ السَّلَمَ جَائِزٌ فِي الثِّيَابِ بِذَرْعِ مَعْلُومٍ .","part":9,"page":42},{"id":4042,"text":"( 3219 ) فَصْلٌ : وَمَا عَدَّا الْمَكِيلَ وَالْمَوْزُونِ وَالْحَيَوَانِ وَالْمَذْرُوعِ ، فَعَلَى ضَرْبَيْنِ : مَعْدُودٍ ، وَغَيْرِهِ فَالْمَعْدُودُ نَوْعَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، لَا يَتَبَايَنُ كَثِيرًا ، كَالْجَوْزِ وَالْبَيْضِ وَنَحْوِهِمَا ، فَيُسْلِمُ فِيهِ عَدَدًا .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالْأَوْزَاعِيِّ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يُسْلِمُ فِيهِمَا كَيْلًا أَوْ وَزْنًا ، وَلَا يَجُوزُ عَدَدًا ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَتَبَايَنُ وَيَخْتَلِفُ ، فَلَمْ يَجُزْ عَدَدًا ، كَالْبِطِّيخِ .\rوَلَنَا أَنَّ التَّفَاوُتَ يَسِيرٌ ، وَيَذْهَبُ ذَلِكَ بِاشْتِرَاطِ الْكِبَرِ أَوْ الصِّغَرِ أَوْ الْوَسَطِ ، فَيَذْهَبُ التَّفَاوُتُ ، وَإِنْ بَقِيَ شَيْءٌ يَسِيرٌ عُفِيَ عَنْهُ ، كَسَائِرِ التَّفَاوُتِ فِي الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ الْمَعْفُوِّ عَنْهُ ، وَيُفَارِقُ الْبِطِّيخَ ؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِمَعْدُودٍ ، وَالتَّفَاوُتُ فِيهِ كَثِيرٌ لَا يَنْضَبِطُ .\rالنَّوْعُ الثَّانِي ، مَا يَتَفَاوَتُ ؛ كَالرُّمَّانِ وَالسَّفَرْجَلِ وَالْقِثَّاءِ وَالْخِيَارِ ، فَهَذَا حُكْمُهُ حُكْمُ مَا لَيْسَ بِمَعْدُودٍ مِنْ الْبِطِّيخِ وَالْبُقُولِ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، يُسْلِمُ فِيهِ عَدَدًا ، وَيَضْبِطُهُ بِالصِّغَرِ وَالْكِبَرِ ؛ لِأَنَّهُ يُبَاعُ هَكَذَا .\rالثَّانِي ، لَا يُسْلِمُ فِيهِ إلَّا وَزْنًا .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ تَقْدِيرُهُ بِالْعَدَدِ ، لِأَنَّهُ يَخْتَلِفُ كَثِيرًا ، وَيَتَبَايَنُ جِدًّا ، وَلَا بِالْكَيْلِ ؛ لِأَنَّهُ يَتَجَافَى فِي الْمِكْيَالِ ، وَلَا يُمْكِنُ تَقْدِيرُ الْبُقُولِ بِالْحَزْمِ ؛ لِأَنَّهُ يَخْتَلِفُ ، وَيُمْكِنُ حَزْمُ الْكَبِيرَةِ وَالصَّغِيرَةِ ، فَلَمْ يُمْكِنْ تَقْدِيرُهُ بِغَيْرِ الْوَزْنِ ، فَتَعَيَّنَ تَقْدِيرُهُ بِهِ .","part":9,"page":43},{"id":4043,"text":"( 3220 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( إلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ بِالْأَهِلَّةِ ) وَهَذَا الشَّرْطُ الرَّابِعُ ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ مُؤَجَّلًا أَجَلًا مَعْلُومًا .\rوَفِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فُصُولٌ ثَلَاثَةٌ : ( 3221 ) أَحَدُهَا : أَنَّهُ يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ السَّلَمِ كَوْنُهُ مُؤَجَّلًا ، وَلَا يَصِحُّ السَّلَمُ الْحَالُ .\rقَالَ أَحْمَدُ ، فِي رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيِّ : لَا يَصِحُّ حَتَّى يَشْتَرِطَ الْأَجَلَ .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٌ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ : يَجُوزُ السَّلَمُ حَالًّا ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ يَصِحُّ مُؤَجَّلًا ، فَصَحَّ حَالًّا ، كَبُيُوعِ الْأَعْيَانِ ، وَلِأَنَّهُ إذَا جَازَ مُؤَجَّلًا فَحَالًّا أَجْوَزُ ، وَمِنْ الْغَرَرِ أَبْعَدُ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : مَنْ أَسْلَفَ فِي شَيْءٍ ، فَلْيُسْلِفْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ ، أَوْ وَزْنٍ مَعْلُومٍ ، إلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ } .\rفَأَمَرَ بِالْأَجَلِ ، وَأَمْرُهُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ .\rوَلِأَنَّهُ أَمَرَ بِهَذِهِ الْأُمُورِ تَبْيِينًا لِشُرُوطِ السَّلَمِ ، وَمَنْعًا مِنْهُ بِدُونِهَا ، وَلِذَلِكَ لَا يَصِحُّ إذَا انْتَفَى الْكَيْلُ وَالْوَزْنُ ، فَكَذَلِكَ الْأَجَلُ .\rوَلِأَنَّ السَّلَمَ إنَّمَا جَازَ رُخْصَةً لِلرِّفْقِ ، وَلَا يَحْصُلُ الرِّفْقُ إلَّا بِالْأَجَلِ ، فَإِذَا انْتَفَى الْأَجَلُ انْتَفَى الرِّفْقُ ، فَلَا يَصِحُّ ، كَالْكِتَابَةِ .\rوَلِأَنَّ الْحُلُولَ يُخْرِجُهُ عَنْ اسْمِهِ وَمَعْنَاهُ ، أَمَّا الِاسْمُ فَلِأَنَّهُ يُسَمَّى سَلَمًا وَسَلَفًا ؛ لِتَعَجُّلِ أَحَدِ الْعِوَضَيْنِ وَتَأَخُّرِ الْآخَرِ ، وَمَعْنَاهُ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي أَوَّلِ الْبَابِ ، مِنْ أَنَّ الشَّارِعَ أَرْخَصَ فِيهِ لِلْحَاجَةِ الدَّاعِيَةِ إلَيْهِ ، وَمَعَ حُضُورِ مَا يَبِيعُهُ حَالًّا لَا حَاجَةً إلَى السَّلَمِ ، فَلَا يَثْبُتُ .\rوَيُفَارِقُ تَنَوُّعَ الْأَعْيَانِ ، فَإِنَّهَا لَمْ تَثْبُتْ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ لِمَعْنًى يَخْتَصُّ بِالتَّأْجِيلِ .\rوَمَا ذَكَرُوهُ مِنْ التَّنْبِيهِ غَيْرُ صَحِيحٍ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا يُجْزِئُ فِيمَا إذَا كَانَ الْمَعْنَى الْمُقْتَضِي مَوْجُودًا فِي الْفَرْعِ بِصِفَةِ","part":9,"page":44},{"id":4044,"text":"التَّأْكِيدِ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ هَاهُنَا ؛ فَإِنَّ الْبُعْدَ مِنْ الضَّرَرِ لَيْسَ هُوَ الْمُقْتَضِي لِصِحَّةِ السَّلَمِ الْمُؤَجَّلِ ، وَإِنَّمَا الْمُصَحَّحُ لَهُ شَيْءٌ آخَرُ ، لَمْ نَذْكُرْ اجْتِمَاعَهُمَا فِيهِ ، وَقَدْ بَيَّنَّا افْتِرَاقَهُمَا .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّهُ إنْ بَاعَهُ مَا يَصِحُّ السَّلَمُ فِيهِ حَالًّا فِي الذِّمَّة ، صَحَّ ، وَمَعْنَاهُ مَعْنَى السَّلَمِ ، وَإِنَّمَا افْتَرَقَا فِي اللَّفْظِ .","part":9,"page":45},{"id":4045,"text":"( 3222 ) الْفَصْلُ الثَّانِي ، أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ السَّلَمِ كَوْنِ الْأَجَلِ مَعْلُومًا السَّلَم ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { إذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إلَى أَجَلٍ مُسَمًّى } .\rوَقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : \" إلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ \" .\rوَلَا نَعْلَمُ فِي اشْتِرَاطِ الْعِلْمِ فِي الْجُمْلَةِ اخْتِلَافًا فَأَمَّا كَيْفِيَّتُهُ فَإِنَّهُ يَحْتَاجُ أَنْ يُعْلِمَهُ بِزَمَانٍ بِعَيْنِهِ لَا يَخْتَلِفُ ، وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُؤَجِّلَهُ بِالْحَصَادِ وَالْجِزَازِ وَمَا أَشْبَهَهُ .\rوَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ ، رِوَايَةٌ أُخْرَى ، أَنَّهُ قَالَ : أَرْجُو أَنْ لَا يَكُونَ بِهِ بَأْسٌ .\rوَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَبُو ثَوْرٍ وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ : أَنَّهُ كَانَ يَبْتَاعُ إلَى الْعَطَاء .\rوَبِهِ قَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى .\rوَقَالَ أَحْمَدُ : إنْ كَانَ شَيْءٌ يُعْرَفُ فَأَرْجُو ، وَكَذَلِكَ إنْ قَالَ : إلَى قُدُومِ الْغُزَاةِ .\rوَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ وَقْتَ الْعَطَاءِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مَعْلُومٌ فَأَمَّا نَفْسُ الْعَطَاءِ فَهُوَ فِي نَفْسِهِ مَجْهُولٌ يَخْتَلِفُ وَيَتَقَدَّمُ وَيَتَأَخَّرُ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ نَفْسَ الْعَطَاءِ ؛ لِكَوْنِهِ يَتَفَاوَتُ أَيْضًا ، فَأَشْبَهَ الْحَصَادَ .\rوَاحْتَجَّ مَنْ أَجَازَ ذَلِكَ ، بِأَنَّهُ أَجَلٌ يَتَعَلَّقُ بِوَقْتٍ مِنْ الزَّمَنِ ، يُعْرَفُ فِي الْعَادَةِ ، لَا يَتَفَاوَتُ فِيهِ تَفَاوُتًا كَثِيرًا ، فَأَشْبَهَ إذَا قَالَ : إلَى رَأْسِ السَّنَةِ .\rوَلَنَا مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّهُ قَالَ : لَا تَتَبَايَعُوا إلَى الْحَصَادِ وَالدِّيَاسِ ، وَلَا تَتَبَايَعُوا إلَّا إلَى شَهْرٍ مَعْلُومٍ .\rوَلِأَنَّ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ وَيَقْرُبُ وَيَبْعُدُ ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَجَلًا كَقُدُومِ زَيْدٍ .\rفَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ : إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { بَعَثَ إلَى يَهُودِيٍّ ، أَنْ ابْعَثْ إلَيَّ بِثَوْبَيْنِ إلَى الْمَيْسَرَةِ } .\rقُلْنَا : قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : رَوَاهُ حَرَمِيُّ بْنُ عُمَارَةَ .\rقَالَ أَحْمَدُ : فِيهِ غَفْلَةٌ ،","part":9,"page":46},{"id":4046,"text":"وَهُوَ صَدُوقٌ .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : فَأَخَافُ أَنْ يَكُونَ مِنْ غَفَلَاتِهِ ، إذْ لَمْ يُتَابَعْ عَلَيْهِ ، ثُمَّ لَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ لَوْ جَعَلَ الْأَجَلَ إلَى الْمَيْسَرَةِ لَمْ يَصِحَّ .","part":9,"page":47},{"id":4047,"text":"( 3223 ) فَصْلٌ : إذَا جَعَلَ الْأَجَلَ إلَى شَهْرٍ تَعَلَّقَ بِأَوَّلِهِ .\rوَإِنْ جَعَلَ الْأَجَلَ اسْمًا يَتَنَاوَلُ شَيْئَيْنِ كَجُمَادَى وَرَبِيعٍ وَيَوْمِ النَّفْرِ ، تَعَلَّقَ بِأَوَّلِهِمَا .\rوَإِنْ قَالَ : إلَى ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ كَانَ إلَى انْقِضَائِهَا ؛ لِأَنَّهُ إذَا ذَكَرَ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ مُبْهَمَةٍ ، وَجَبَ أَنْ يَكُونَ ابْتِدَاؤُهَا مِنْ حِينِ لَفْظِهِ بِهَا .\rوَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ : إلَى شَهْرٍ .\rكَانَ آخِرَهُ .\rوَيَنْصَرِفُ ذَلِكَ إلَى الْأَشْهُرِ الْهِلَالِيَّةِ ، بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى : { إنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ } .\rوَأَرَادَ الْهِلَالِيَّةَ .\rوَإِنْ كَانَ فِي أَثْنَاءِ شَهْرٍ كَمَّلْنَا شَهْرَيْنِ بِالْهِلَالِ وَشَهْرًا بِالْعَدَدِ ثَلَاثِينَ يَوْمًا .\rوَقِيلَ : تَكُونُ الثَّلَاثَةُ كُلُّهَا عَدَدِيَّةً .\rوَقَدْ ذَكَرْنَا هَذَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ .\rوَإِنْ قَالَ : مَحَلُّهُ شَهْرَ كَذَا أَوْ يَوْمَ كَذَا .\rصَحَّ ، وَتَعَلَّقَ بِأَوَّلِهِ .\rوَقِيلَ : لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ ذَلِكَ ظَرْفًا ، فَيَحْتَمِلُ أَوَّلَهُ وَآخِرَهُ .\rوَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ ؛ فَإِنَّهُ لَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ : أَنْتِ طَالِقٌ فِي شَهْرِ كَذَا .\rتَعَلَّقَ بِأَوَّلِهِ ، وَهُوَ نَظِيرُ مَسْأَلَتِنَا .\rفَإِنْ قِيلَ : الطَّلَاقُ يَتَعَلَّقُ بِالْإِخْطَارِ وَالْإِغْرَارِ ، وَيَجُوزُ تَعْلِيقُهُ عَلَى مَجْهُولٍ ، كَنُزُولِ الْمَطَرِ ، وَقُدُومِ زَيْدٍ ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا .\rقُلْنَا : إلَّا أَنَّهُ إذَا جَعَلَ مَحَلَّهُ فِي شَهْرٍ تَعَلَّقَ بِأَوَّلِهِ ، فَلَا يَكُونُ مَجْهُولًا ، وَكَذَا السَّلَمُ .","part":9,"page":48},{"id":4048,"text":"( 3224 ) فَصْلٌ : وَمِنْ شَرْطِ الْأَجَلِ أَنْ يَكُونَ مُدَّةً لَهَا وَقْعٌ فِي الثَّمَنِ ، كَالشَّهْرِ وَمَا قَارَبَهُ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ : لَوْ قَدَّرَهُ بِنِصْفِ يَوْمٍ ، جَازَ .\rوَقَدَّرَهُ بَعْضُهُمْ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ ؛ لِأَنَّهَا مُدَّةٌ يَجُوزُ فِيهَا خِيَارُ الشَّرْطِ ، وَلِأَنَّهَا آخِرُ حَدِّ الْقِلَّةِ ، وَيَتَعَلَّقُ بِهَا عِنْدَهُمْ إبَاحَةُ رُخَصِ السَّفَرِ .\rوَقَالَ الْآخَرُونَ : إنَّمَا اُعْتُبِرَ التَّأْجِيلُ لِأَنَّ الْمُسْلَمَ فِيهِ مَعْدُومٌ فِي الْأَصْلِ ، لِكَوْنِ السَّلَمِ إنَّمَا ثَبَتَ رُخْصَةً فِي حَقِّ الْمَفَالِيسِ ، فَلَا بُدَّ مِنْ الْأَجَلِ لِيَحْصُلَ وَيُسَلَّمَ ؛ وَهَذَا يَتَحَقَّقُ بِأَقَلِّ مُدَّةٍ يَتَصَوَّرُ تَحْصِيلُهُ فِيهَا وَلَنَا أَنَّ الْأَجَلَ إنَّمَا اُعْتُبِرَ لِيَتَحَقَّقَ الْمَرْفِقُ الَّذِي شُرِعَ مِنْ أَجْلِهِ السَّلَمُ ، وَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ بِالْمُدَّةِ الَّتِي لَا وَقْعَ لَهَا فِي الثَّمَنِ ، وَلَا يَصِحُّ اعْتِبَارُهُ بِمُدَّةِ الْخِيَارِ ؛ لِأَنَّ الْخِيَارَ يَجُوزُ سَاعَةً ، وَهَذَا لَا يَجُوزُ ، وَالْأَجَلُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَعْوَامًا ، وَهُمْ لَا يُجِيزُونَ الْخِيَارَ أَكْثَرِ مِنْ ثَلَاثٍ ، وَكَوْنُهَا آخِرَ حَدِّ الْقِلَّةِ ، لَا يَقْتَضِي التَّقْدِيرَ بِهَا .\rوَقَوْلُهُمْ : إنَّ الْمَقْصُودَ يَحْصُلُ بِأَقَلِّ مُدَّةٍ .\rغَيْرُ صَحِيحٍ ؛ فَإِنَّ السَّلَمَ إنَّمَا يَكُونُ لِحَاجَةِ الْمَفَالِيسِ الَّذِينَ لَهُمْ ثِمَارٌ أَوْ زُرُوعٌ أَوْ تِجَارَاتٌ يَنْتَظِرُونَ حُصُولَهَا ، وَلَا تَحْصُلُ هَذِهِ فِي الْمُدَّةِ الْيَسِيرَةِ .","part":9,"page":49},{"id":4049,"text":"( 3225 ) الْفَصْلُ الثَّالِثُ ، فِي كَوْنِ الْأَجَلِ مَعْلُومًا بِالْأَهِلَّةِ ، وَهُوَ أَنْ يُسْلِمَ إلَى وَقْتٍ يُعْلَمُ بِالْهِلَالِ ، نَحْوَ أَوَّلِ الشَّهْرِ ، أَوْ أَوْسَطِهِ ، أَوْ آخِرِهِ ، أَوْ يَوْمٍ مَعْلُومٍ مِنْهُ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى { : يَسْأَلُونَك عَنْ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ } .\rوَلَا خِلَافَ فِي صِحَّةِ التَّأْجِيلِ بِذَلِكَ .\rوَلَوْ أَسْلَمَ إلَى عِيدِ الْفِطْرِ ، أَوْ النَّحْرِ ، أَوْ يَوْمِ عَرَفَةَ ، أَوْ عَاشُورَاءَ ، أَوْ نَحْوِهَا ، جَازَ ؛ لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ بِالْأَهِلَّةِ .\rوَإِنْ جَعَلَ الْأَجَلَ مُقَدَّرًا بِغَيْرِ الشُّهُورِ الْهِلَالِيَّةِ ، فَذَلِكَ قِسْمَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، مَا يَعْرِفُهُ الْمُسْلِمُونَ ، وَهُوَ بَيْنَهُمْ مَشْهُورٌ كَكَانُونَ وَشُبَاطَ ، أَوْ عِيدٍ لَا يَخْتَلِفُ كَالنَّيْرُوزِ وَالْمِهْرَجَانِ عِنْدَ مَنْ يَعْرِفُهُمَا ، فَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ وَابْنِ أَبِي مُوسَى ، أَنَّهُ لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّهُ أَسْلَمَ إلَى غَيْرِ الشُّهُورِ الْهِلَالِيَّةِ .\rأَشْبَهَ إذَا أَسْلَمَ إلَى الشَّعَانِينِ وَعِيدِ الْفَطِيرِ ، وَلِأَنَّ هَذِهِ لَا يَعْرِفُهَا كَثِيرٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ، أَشْبَهَ مَا ذَكَرْنَا .\rوَقَالَ الْقَاضِي : يَصِحُّ .\rوَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ ، وَالشَّافِعِيِّ .\rقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : إذَا أَسْلَمَ إلَى فِصْحِ النَّصَارَى وَصَوْمِهِمْ ، جَازَ ؛ لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ لَا يَخْتَلِفُ ، أَشْبَهَ أَعْيَادَ الْمُسْلِمِينَ .\rوَفَارَقَ مَا يَخْتَلِفُ ؛ فَإِنَّهُ لَا يَعْلَمُهُ الْمُسْلِمُونَ .\rالْقِسْمُ الثَّانِي ، مَا لَا يَعْرِفُهُ الْمُسْلِمُونَ ، كَعِيدِ الشَّعَانِينِ وَعِيدِ الْفَطِيرِ وَنَحْوِهِمَا ، فَهَذَا لَا يَجُوزُ السَّلَمُ إلَيْهِ ؛ لِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ لَا يَعْرِفُونَهُ ، وَلَا يَجُوزُ تَقْلِيدُ أَهْلِ الذِّمَّةِ فِيهِ ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُمْ غَيْرُ مَقْبُولٍ ، وَلِأَنَّهُمْ يُقَدِّمُونَهُ وَيُؤَخِّرُونَهُ عَلَى حِسَابٍ لَهُمْ لَا يَعْرِفُهُ الْمُسْلِمُونَ .\rوَإِنْ أَسْلَمَ إلَى مَا لَا يَخْتَلِفُ ، مِثْلُ كَانُونِ الْأَوَّلِ ، وَلَا يَعْرِفُهُ الْمُتَعَاقِدَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا ، لَمْ يَصِحَّ ؛ لِأَنَّهُ مَجْهُولٌ عِنْدَهُ .","part":9,"page":50},{"id":4050,"text":"مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( مَوْجُودًا عِنْدَ مَحَلِّهِ ) هَذَا الشَّرْطُ الْخَامِسُ ، وَهُوَ كَوْنُ الْمُسْلَمِ فِيهِ عَامَّ الْوُجُودِ فِي مَحِلِّهِ ، وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا .\rوَذَلِكَ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ كَذَلِكَ ، أَمْكَنَ تَسْلِيمُهُ عِنْدَ وُجُوبِ تَسْلِيمِهِ .\rوَإِذَا لَمْ يَكُنْ عَامَ الْوُجُودِ ، لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا عِنْدَ الْمَحِلِّ بِحُكْمِ الظَّاهِرِ ، فَلَمْ يُمْكِنْ تَسْلِيمُهُ ، فَلَمْ يَصِحَّ بَيْعُهُ ، كَبَيْعِ الْآبِقِ ، بَلْ أَوْلَى ؛ فَإِنَّ السَّلَمَ اُحْتُمِلَ فِيهِ أَنْوَاعٌ مِنْ الْغَرَرِ لِلْحَاجَةِ ، فَلَا يَحْتَمِلُ فِيهِ غَرَرٌ آخَرُ ، لِئَلَّا يَكْثُرَ الْغَرَرُ فِيهِ ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُسْلِمَ فِي الْعِنَبِ وَالرُّطَبِ إلَى شُبَاطَ أَوْ آذَارَ ، وَلَا إلَى مَحِلٍّ لَا يُعْلَمُ وُجُودُهُ فِيهِ ، كَزَمَانِ أَوَّلِ الْعِنَبِ أَوْ آخِرِهِ الَّذِي لَا يُوجَدُ فِيهِ إلَّا نَادِرًا ، فَلَا يُؤْمَنُ انْقِطَاعُهُ .","part":9,"page":51},{"id":4051,"text":"( 3227 ) فَصْلٌ : وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُسْلِمَ فِي ثَمَرَةِ بُسْتَانٍ بِعَيْنِهِ ، وَلَا قَرْيَةٍ صَغِيرَةٍ ؛ لِكَوْنِهِ لَا يُؤْمَنُ تَلَفُهُ وَانْقِطَاعُهُ .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : إبْطَالُ السَّلَمِ إذَا أَسْلَمَ فِي ثَمَرَةِ بُسْتَانٍ بِعَيْنِهِ كَالْإِجْمَاعِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَمِمَّنْ حَفِظْنَا عَنْهُ ذَلِكَ ؛ الثَّوْرِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ، وَإِسْحَاقُ .\rقَالَ : وَرَوَيْنَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { ، أَنَّهُ أَسَلَفَ إلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ الْيَهُودِ دَنَانِيرَ فِي تَمْرٍ مُسَمًّى ، فَقَالَ الْيَهُودِيُّ : مِنْ تَمْرِ حَائِطِ بَنِي فُلَانٍ .\rفَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَمَّا مِنْ حَائِطِ بَنِي فُلَانٍ فَلَا ، وَلَكِنْ كَيْلٌ مُسَمًّى إلَى أَجَلٍ مُسَمًّى } .\rرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَغَيْرُهُ ، وَرَوَاهُ أَبُو إِسْحَاقَ الْجُوزَجَانِيُّ ، فِي \" الْمُتَرْجَمِ \" .\rوَقَالَ : أَجْمَعَ النَّاسُ عَلَى الْكَرَاهَةِ لِهَذَا الْبَيْعِ .\rوَلِأَنَّهُ إذَا أَسْلَمَ فِي ثَمَرَةِ بُسْتَانٍ بِعَيْنِهِ ، لَمْ يُؤْمَنْ انْقِطَاعُهُ وَتَلَفُهُ ، فَلَمْ يَصِحَّ ، كَمَا لَوْ أَسْلَمَ فِي شَيْءٍ قَدَّرَهُ بِمِكْيَالِ مُعَيَّنٍ ، أَوْ صَنْجَةٍ مُعَيَّنَةٍ ، أَوْ أَحْضَرَ خِرْقَةً ، وَقَالَ : أَسْلَمْت إلَيْك فِي مِثْلِ هَذِهِ .","part":9,"page":52},{"id":4052,"text":"( 3228 ) فَصْلٌ : وَلَا يُشْتَرَطُ كَوْنُ الْمُسْلَمِ فِيهِ مَوْجُودًا حَالِ السَّلَمِ ، بَلْ يَجُوزُ أَنْ يُسْلِمَ فِي الرُّطَبِ فِي أَوَانِ الشِّتَاءِ ، وَفِي كُلِّ مَعْدُومٍ إذَا كَانَ مَوْجُودًا فِي الْمَحَلِّ .\rوَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَإِسْحَاقَ ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ .\rوَقَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ : لَا يَجُوزُ حَتَّى يَكُونَ جِنْسُهُ مَوْجُودًا حَالَ الْعَقْدِ إلَى حِينِ الْمَحِلِّ ؛ لِأَنَّ كُلَّ زَمَنٍ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَحِلًّا لِلْمُسْلِمِ فِيهِ لِمَوْتِ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ ، فَاعْتُبِرَ وُجُودُهُ فِيهِ كَالْمَحِلِّ وَلَنَا { ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدِمَ الْمَدِينَةَ وَهُمْ يُسَلِّفُونَ فِي الثِّمَارِ السَّنَةَ وَالسَّنَتَيْنِ ، فَقَالَ : مَنْ أَسَلَفَ فَلْيُسْلِفْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ ، وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ ، إلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ } .\rوَلَمْ يَذْكُرْ الْوُجُودَ ، وَلَوْ كَانَ شَرْطًا لَذَكَرَهُ ، وَلَنَهَاهُمْ عَنْ السَّلَفِ سَنَتَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ انْقِطَاعُ الْمُسْلَمِ فِيهِ أَوْسَطِ السَّنَةِ ، وَلِأَنَّهُ يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ ، وَيُوجَدُ فِي مَحِلِّهِ غَالِبًا ، فَجَازَ السَّلَمُ فِيهِ ، كَالْمَوْجُودِ ، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ الدَّيْنَ يَحِلُّ بِالْمَوْتِ ، وَإِنْ سَلَّمْنَا فَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَشْتَرِطَ ذَلِكَ الْوُجُودَ ، إذْ لَوْ لَزِمَ أَفْضَى إلَى أَنْ تَكُونَ آجَالُ السَّلَمِ مَجْهُولَةً ، وَالْمَحِلُّ مَا جَعَلَهُ الْمُتَعَاقِدَانِ مَحِلًّا ، وَهَا هُنَا لَمْ يَجْعَلَاهُ .","part":9,"page":53},{"id":4053,"text":"( 3229 ) فَصْلٌ : إذَا تَعَذَّرَ تَسْلِيمُ الْمُسْلَمِ فِيهِ عِنْدَ الْمَحِلِّ ، إمَّا لِغَيْبَةِ الْمُسْلَمِ فِيهِ أَوْ عَجْزِهِ عَنْ التَّسْلِيمِ ، حَتَّى عَدِمَ الْمُسْلَمُ فِيهِ ، أَوْ لَمْ تَحْمِلْ الثِّمَارُ تِلْكَ السَّنَةَ ، فَالْمُسْلِمُ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يَصْبِرَ إلَى أَنْ يُوجَدَ فَيُطَالِبَ بِهِ ، وَبَيْنَ أَنْ يَفْسَخَ الْعَقْدَ وَيَرْجِعَ بِالثَّمَنِ إنْ كَانَ مَوْجُودًا ، أَوْ بِمِثْلِهِ إنْ كَانَ مِثْلِيًّا ، وَإِلَّا قِيمَتَهُ .\rوَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ .\rوَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ ، أَنَّهُ يَنْفَسِخُ الْعَقْدُ بِنَفْسِ التَّعَذُّرِ ؛ لِكَوْنِ الْمُسْلَمِ فِيهِ مِنْ ثَمَرَةِ الْعَامِ بِدَلِيلِ وُجُوبِ التَّسْلِيمِ مِنْهَا ، فَإِذَا هَلَكَتْ انْفَسَخَ الْعَقْدُ ، كَمَا لَوْ بَاعَهُ قَفِيزًا مِنْ صُبْرَةٍ فَهَلَكَتْ .\rوَالْأَوَّلُ الصَّحِيحُ ؛ فَإِنَّ الْعَقْدَ قَدْ صَحَّ ، وَإِنَّمَا تَعَذَّرَ التَّسْلِيمُ ، فَهُوَ كَمَا لَوْ اشْتَرَى عَبْدًا فَأَبَقَ قَبْلَ الْقَبْضِ .\rوَلَا يَصِحُّ دَعْوَى التَّعْيِينِ فِي هَذَا الْعَامِ ؛ فَإِنَّهُمَا لَوْ تَرَاضَيَا عَلَى دَفْعِ الْمُسْلَمِ فِيهِ مِنْ غَيْرِهَا ، جَازَ ، وَإِنَّمَا أُجْبِرَ عَلَى دَفْعِهِ مِنْ ثَمَرَةِ الْعَامِ ، لِتَمْكِينِهِ مِنْ دَفْعِ مَا هُوَ بِصِفَةِ حَقِّهِ ، وَلِذَلِكَ يَجِبُ عَلَيْهِ الدَّفْعُ مِنْ ثَمَرَةِ نَفْسِهِ إذَا وَجَدَهَا وَلَمْ يَجِدْ غَيْرَهَا ، وَلَيْسَتْ مُتَعَيِّنَةً .\rوَإِنْ تَعَذَّرَ الْبَعْضُ ، فَلِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ بَيْنَ الْفَسْخِ فِي الْكُلِّ ، وَالرُّجُوعِ بِالثَّمَنِ ، وَبَيْنَ أَنْ يَصْبِرَ إلَى حِينِ الْإِمْكَانِ ، وَيُطَالِبَ بِحَقِّهِ .\rفَإِنْ أَحَبَّ الْفَسْخَ فِي الْمَفْقُودِ دُونَ الْمَوْجُودِ ، فَلَهُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الْفَسَادَ طَرَأَ بَعْدَ صِحَّةِ الْعَقْدِ ، فَلَا يُوجِبُ الْفَسَادَ فِي الْكُلِّ ، كَمَا لَوْ بَاعَهُ صُبْرَتَيْنِ فَتَلِفَتْ إحْدَاهُمَا .\rوَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ : لَيْسَ لَهُ الْفَسْخُ إلَّا فِي الْكُلِّ ، أَوْ يَصْبِرُ ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْخِلَافِ فِي الْإِقَالَةِ فِي بَعْضِ الْمُسْلَمِ فِيهِ .\rوَإِنْ قُلْنَا : إنَّ الْفَسْخَ يَثْبُتُ بِنَفْسِ التَّعَذُّرِ .\rانْفَسَخَ فِي الْمَفْقُودِ","part":9,"page":54},{"id":4054,"text":"دُونَ الْمَوْجُودِ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّ الْفَسَادَ الطَّارِئَ عَلَى بَعْضِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ لَا يُوجِبُ فَسَادَ الْجَمِيعِ ، وَيَثْبُتُ لِلْمُشْتَرِي خِيَارُ الْفَسْخِ فِي الْمَوْجُودِ ، كَمَا ذَكَرْنَا فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ .","part":9,"page":55},{"id":4055,"text":"( 3230 ) فَصْلٌ : إذَا أَسْلَمَ نَصْرَانِيٌّ إلَى نَصْرَانِيٍّ فِي خَمْرٍ ، ثُمَّ أَسْلَمَ أَحَدُهُمَا .\rفَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعَ كُلُّ مِنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ، عَلَى أَنَّ الْمُسْلِمَ يَأْخُذُ دَرَاهِمَهُ .\rكَذَلِكَ قَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَبِهِ نَقُولُ ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ الْمُسْلِمُ الْمُسَلِّمَ فَلَيْسَ لَهُ اسْتِيفَاءُ الْخَمْرِ ، فَقَدْ تَعَذَّرَ اسْتِيفَاءُ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ ، وَإِنْ كَانَ الْمُسْلَمَ إلَيْهِ فَقَدْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ إيفَاؤُهَا ، فَصَارَ الْأَمْرُ إلَى رَأْسِ مَالِهِ .","part":9,"page":56},{"id":4056,"text":"( 3231 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَيَقْبِضُ الثَّمَنَ كَامِلًا وَقْتَ السَّلَمَ قَبْلَ التَّفَرُّقِ ) هَذَا الشَّرْطُ السَّادِسُ ، وَهُوَ أَنْ يَقْبِضَ رَأْسَ مَالِ السَّلَمِ فِي مَجْلِسِ الْعَقْدِ ، فَإِنْ تَفَرَّقَا قَبْلَ ذَلِكَ بَطَلَ الْعَقْدُ .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : يَجُوزُ أَنْ يَتَأَخَّرَ قَبْضُهُ يَوْمَيْنِ وَثَلَاثَةً وَأَكْثَرَ ، مَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ شَرْطًا ؛ لِأَنَّهُ مُعَاوَضَةٌ لَا يَخْرُجُ بِتَأْخِيرِ قَبْضِهِ مِنْ أَنْ يَكُونَ سَلَمًا ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ تَأَخَّرَ إلَى آخِرِ الْمَجْلِسِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ ، لَا يَجُوزُ فِيهِ شَرْطُ تَأْخِيرِ الْعِوَضِ الْمُطْلَقِ ، فَلَا يَجُوزُ التَّفَرُّقُ فِيهِ قَبْلَ الْقَبْضِ ، كَالصَّرْفِ وَيُفَارِقُ الْمَجْلِسُ مَا بَعْدَهُ ، بِدَلِيلِ الصَّرْفِ .\rوَإِنْ قَبَضَ بَعْدَهُ ، ثُمَّ تَفَرَّقَا ، فَكَلَامُ الْخِرَقِيِّ يَقْتَضِي أَنْ لَا يَصِحَّ ؛ لِقَوْلِهِ : \" كَامِلًا \" .\rوَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ شُبْرُمَةَ وَالثَّوْرِيِّ .\rوَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : هَلْ يَصِحُّ فِي غَيْرِ الْمَقْبُوضِ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ ، بِنَاءً عَلَى تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ .\rوَهَذَا الَّذِي يَقْتَضِيه مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rوَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ ، إذَا أَسْلَمَ ثَلَاثَمِائَةِ دِرْهَمٍ فِي أَصْنَافٍ شَتَّى ؛ مِائَةً فِي حِنْطَةٍ وَمِائَةً فِي شَعِيرٍ ، وَمِائَةً فِي شَيْءٍ آخَرَ ، فَخَرَجَ فِيهَا زُيُوفٌ ، رَدَّ عَلَى الْأَصْنَافِ الثَّلَاثَةِ ، عَلَى كُلِّ صِنْفٍ بِقَدْرِ مَا وَجَدَ مِنْ الزُّيُوفِ ، فَصَحَّ الْعَقْدُ فِي الْبَاقِي بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ .\rوَقَالَ الشَّرِيفُ أَبُو جَعْفَرٍ ، فِي مَنْ أَسْلَمَ أَلْفًا إلَى رَجُلٍ ، فَقَبَّضَهُ نِصْفَهُ ، وَأَحَالَهُ بِنِصْفِهِ ، أَوْ كَانَ لَهُ دَيْنٌ عَلَى الْمُسْلَمِ إلَيْهِ بِقَدْرِ نِصْفِهِ ، فَحَسَبَهُ عَلَيْهِ مِنْ الْأَلْفِ : فَإِنَّهُ يَصِحُّ السَّلَمُ فِي النِّصْفِ الْمَقْبُوضِ ، وَيَبْطُلُ فِي الْبَاقِي .\rفَأَبْطَلَ السَّلَمَ فِيمَا لَمْ يَقْبِضْ ، وَصَحَّحَهُ فِيمَا قَبَضَ .\rوَحُكِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ قَالَ : يَبْطُلُ فِي الْحَوَالَةِ فِي الْكُلِّ .\rوَفِي","part":9,"page":57},{"id":4057,"text":"الْمَسْأَلَةِ الْأُخْرَى : يَبْطُلُ فِيمَا لَمْ يَقْبِضْ ، وَيَصِحُّ فِيمَا قَبَضَ بِقِسْطِهِ ؛ بِنَاءً عَلَى تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ .","part":9,"page":58},{"id":4058,"text":"فَصْلٌ : وَإِنْ قَبَضَ الثَّمَنَ فَوَجَدَهُ رَدِيئًا ، فَرَدَّهُ وَالثَّمَنُ مُعَيَّنٌ ، بَطَلَ الْعَقْدُ بِرَدِّهِ ، وَيَبْتَدِئَانِ عَقْدًا آخَرَ إنْ أَحَبَّا .\rوَإِنْ كَانَ فِي الذِّمَّةِ ، فَلَهُ إبْدَالُهُ فِي الْمَجْلِسِ ، وَلَا يَبْطُلُ الْعَقْدُ بِرَدِّهِ ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ إنَّمَا وَقَعَ عَلَى ثَمَنٍ سَلِيمٍ ، فَإِذَا دَفَعَ إلَيْهِ مَا لَيْسَ بِسَلِيمِ ، كَانَ لَهُ الْمُطَالَبَةُ بِالسَّلِيمِ ، وَلَا يُؤَثِّرُ قَبْضُ الْمَعِيبِ فِي الْعَقْدِ .\rوَإِنْ تَفَرَّقَا ، ثُمَّ عَلِمَ عَيْبَهُ فَرَدَّهُ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا ، يَبْطُلُ الْعَقْدُ بِرَدِّهِ ، لِوُقُوعِ الْقَبْضِ بَعْدَ التَّفَرُّقِ ، وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِي السَّلَمِ .\rوَالثَّانِي ، لَا يَبْطُلُ ؛ لِأَنَّ الْقَبْضَ الْأَوَّلَ كَانَ صَحِيحًا ؛ بِدَلِيلِ مَا لَوْ أَمْسَكَهُ وَلَمْ يَرُدَّهُ ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى الْمَقْبُوضِ .\rوَهَذَا قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ .\rوَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ .\rوَاخْتِيَارُ الْمُزَنِيّ ، لَكِنَّ مِنْ شَرْطِهِ أَنْ يَقْبِضَ الْبَدَلَ فِي مَجْلِسِ الرَّدِّ ، فَإِنْ تَفَرَّقَا عَنْ مَجْلِسِ الرَّدِّ قَبْلَ قَبْضِ الْبَدَلَ لَمْ يَصِحَّ ، وَجْهًا وَاحِدًا ؛ لِخُلُوِّ الْعَقْدِ عَنْ قَبْضِ الثَّمَنِ بَعْدَ تَفَرُّقِهِمَا .\rوَإِنْ وَجَدَ بَعْضَ الثَّمَنِ رَدِيئًا فَرَدَّهُ ، فَعَلَى الْمَرْدُودِ التَّفْصِيلُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ .\rوَهَلْ يَصِحُّ فِي غَيْرِ الرَّدِيءِ إذَا قُلْنَا بِفَسَادِهِ فِي الرَّدِيءِ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ ، بِنَاءً عَلَى تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ .","part":9,"page":59},{"id":4059,"text":"( 3233 ) فَصْلٌ : وَإِنْ خَرَجَتْ الدَّرَاهِمُ مُسْتَحَقَّةً وَالثَّمَنُ مُعَيَّنٌ ، لَمْ يَصِحَّ الْعَقْدُ .\rقَالَ أَحْمَدُ : إذَا خَرَجَتْ الدَّرَاهِمُ مَسْرُوقَةً ، فَلَيْسَ بَيْنَهُمَا بَيْعٌ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الثَّمَنَ إذَا كَانَ مُعَيَّنًا فَقَدْ اشْتَرَى بِعَيْنِ مَالِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُعَيَّنٍ فَلَهُ الْمُطَالَبَةُ بِبَدَلِهِ فِي الْمَجْلِسِ .\rوَإِنْ قَبَضَهُ ثُمَّ تَفَرَّقَا بَطَلَ الْعَقْدُ ؛ لِأَنَّ الْمَقْبُوضَ لَا يَصْلُحُ عِوَضًا ، فَقَدْ تَفَرَّقَا قَبْلَ أَخْذِ الثَّمَنِ ، إلَّا عَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي تَقُلْ بِصِحَّةِ تَصَرُّفِ الْفُضُولِيِّ ، أَوْ أَنَّ النُّقُودَ لَا تَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ .\rوَإِنْ وَجَدَ بَعْضَهُ مُسْتَحَقًّا ، بَطَلَ فِي ذَلِكَ الْبَعْضِ ، وَفِي الْبَاقِي وَجْهَانِ ، بِنَاءً عَلَى تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ .","part":9,"page":60},{"id":4060,"text":"( 3234 ) فَصْلٌ : إذَا كَانَ لَهُ فِي ذِمَّةِ رَجُلٍ دِينَارٌ ، فَجَعَلَهُ سَلَمًا فِي طَعَامٍ إلَى أَجَلٍ ، لَمْ يَصِحَّ .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعَ عَلَى هَذَا كُلُّ مَنْ أَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ، مِنْهُمْ مَالِكٌ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ، وَالشَّافِعِيُّ .\rوَعَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ : لَا يَصْلُحُ ذَلِكَ .\rوَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُسْلَمَ فِيهِ دَيْنٌ ، فَإِذَا جَعَلَ الثَّمَنَ دَيْنًا كَانَ بَيْعَ دَيْنٍ بِدَيْنٍ ، وَلَا يَصِحُّ ذَلِكَ بِالْإِجْمَاعِ .\rوَلَوْ قَالَ أَسْلَمْت إلَيْك مِائَةَ دِرْهَمٍ فِي كُرِّ طَعَامٍ .\rوَشَرَطَا أَنْ يُعَجِّلَ لَهُ مِنْهَا خَمْسِينَ وَخَمْسِينَ إلَى أَجَلٍ ، لَمْ يَصِحَّ الْعَقْدُ فِي الْكُلِّ ، عَلَى قَوْلِ الْخِرَقِيِّ ، وَيُخَرَّجُ [ فِي ] صِحَّتِهِ فِي قَدْرِ الْمَقْبُوضِ وَجْهَانِ ، بِنَاءً عَلَى تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ ؛ أَحَدُهُمَا ، يَصِحُّ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ .\rوَالثَّانِي ، لَا يَصِحُّ .\rوَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ .\rوَهُوَ أَصَحُّ ؛ لِأَنَّ لِلْمُعَجَّلِ فَضْلًا عَلَى الْمُؤَجَّلِ ، فَيَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ فِي مُقَابَلَتِهِ أَكْثَرِ مِمَّا فِي مُقَابَلَةِ الْمُؤَجَّلِ ، وَالزِّيَادَةُ مَجْهُولَةٌ ، فَلَا يَصِحُّ .","part":9,"page":61},{"id":4061,"text":"( 3235 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَمَتَى عَدِمَ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ الْأَوْصَافِ ، بَطَلَ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ ، أَنَّ هَذِهِ الْأَوْصَافَ السِّتَّةَ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا ، لَا يَصِحُّ السَّلَمُ إلَّا بِهَا ، وَقَدْ دَلَّلْنَا عَلَى ذَلِكَ .\rوَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ فِي شَرْطَيْنِ آخَرَيْنِ : أَحَدُهُمَا ، مَعْرِفَةُ صِفَةِ الثَّمَنِ الْمُعَيَّنِ .\rوَلَا خِلَافَ فِي اشْتِرَاطِ مَعْرِفَةِ صِفَتِهِ ، إذَا كَانَ فِي الذِّمَّةِ ؛ لِأَنَّهُ أَحَدُ عِوَضَيْ السَّلَمِ ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ مُعَيَّنًا اشْتَرَطَ مَعْرِفَةَ صِفَتِهِ ، كَالْمُسْلَمِ فِيهِ ، إلَّا أَنَّهُ إذَا أَطْلَقَ وَفِي الْبَلَدِ نَقْدٌ مُعَيَّنٌ ، انْصَرَفَ الْإِطْلَاقُ إلَيْهِ ، وَقَامَ مَقَامَ وَصْفِهِ ، فَأَمَّا إنْ كَانَ الثَّمَنُ مُعَيَّنًا ، فَقَالَ الْقَاضِي وَأَبُو الْخَطَّابِ : لَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَةِ وَصْفِهِ ، وَاحْتَجَّا بُقُولِ أَحْمَدَ : يَقُولُ : أَسْلَمْت إلَيْك كَذَا وَكَذَا دِرْهَمًا .\rوَيَصِفُ الثَّمَنَ .\rفَاعْتَبَرَ ضَبْطَ صِفَتِهِ .\rوَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ لَا يَمْلِكُ إتْمَامَهُ فِي الْحَالِ ، وَلَا تَسْلِيمَ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ ، وَلَا يُؤْمَنُ انْفِسَاخُهُ ، فَوَجَبَ مَعْرِفَةُ رَأْسِ الْمُسْلَمِ فِيهِ ، لِيَرُدَّ بَدَلَهُ ، كَالْقَرْضِ وَالشَّرِكَةِ .\rوَلِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ أَنْ يَظْهَرَ بَعْضُ الثَّمَنِ مُسْتَحِقًّا ، فَيَنْفَسِخَ الْعَقْدُ فِي قَدْرِهِ ، فَلَا يَدْرِي فِي كَمْ بَقِيَ وَكَمْ انْفَسَخَ ؟ فَإِنْ قِيلَ : هَذَا مَوْهُومٌ ، وَالْمَوْهُومَاتُ لَا تُعْتَبَرُ .\rقُلْنَا : التَّوَهُّمُ مُعْتَبَرٌ هَاهُنَا ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْجَوَازِ ، وَإِنَّمَا جُوِّزَ إذَا وَقَعَ الْأَمْنُ مِنْ الْغَرَرِ ، وَلَمْ يُوجَدْ هَاهُنَا ، بِدَلِيلِ مَا إذَا أَسْلَمَ فِي ثَمَرَةِ بُسْتَانٍ بِعَيْنِهِ ، أَوْ قَدَّرَ الْمُسْلَمَ فِيهِ بِصَنْجَةٍ أَوْ مِكْيَالٍ مُعَيَّنٍ ، فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ .\rوَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ ، أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ ؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَ شَرَائِطَ السَّلَمَ وَلَمْ يَذْكُرْهُ .\rوَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ عِوَضٌ مُشَاهَدٌ ، فَلَمْ يَحْتَجْ إلَى مَعْرِفَةِ قَدْرِهِ ، كَبُيُوعِ الْأَعْيَانِ .","part":9,"page":62},{"id":4062,"text":"وَكَلَامُ أَحْمَدَ إنَّمَا تَنَاوَلَ غَيْرَ الْمُعَيَّنِ ، وَلَا خِلَافَ فِي اعْتِبَارِ أَوْصَافِهِ .\rوَدَلِيلُهُمْ يَنْتَقِضُ بِعَقْدِ الْإِجَارَةِ ، وَأَنَّهُ يَنْفَسِخُ بِتَلَفِ الْعَيْنِ الْمُسْتَأْجَرَةِ ، وَلَا يَحْتَاجُ مَعَ الْيَقِينِ إلَى مَعْرِفَةِ الْأَوْصَافِ .\rوَلِأَنَّ رَدَّ مِثْلِ الثَّمَنِ إنَّمَا يُسْتَحَقُّ عِنْدَ فَسْخِ الْعَقْدِ ، لَا مِنْ جِهَةِ عَقْدِهِ ، وَجَهَالَةُ ذَلِكَ لَا تُؤَثِّرُ ، كَمَا لَوْ بَاعَ الْمَكِيلَ ، أَوْ الْمَوْزُونَ .\rوَلِأَنَّ الْعَقْدَ تَمَّتْ شَرَائِطُهُ .\rفَلَا يَبْطُلُ بِأَمْرٍ مَوْهُومٍ ، فَعَلَى الْقَوْلِ الَّذِي يَعْتَبِرُ صِفَاتَهُ ، لَا يَجُوزُ أَنْ يَجْعَلَ رَأْسَ مَالِ السَّلَمِ مَا لَا يُمْكِنُ ضَبْطُ صِفَاتِهِ ، كَالْجَوَاهِرِ وَسَائِرِ مَا لَا يَجُوزُ السَّلَمُ فِيهِ ، فَإِنْ جَعَلَاهُ سَلَمًا بَطَلَ الْعَقْدُ ، وَيَجِبُ رَدُّهُ إنْ كَانَ مَوْجُودًا ، وَقِيمَتِهِ إنْ عُرِفَتْ إذَا كَانَ مَعْدُومًا .\rفَإِنْ اخْتَلَفَا ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ غَارِمٌ .\rوَهَكَذَا إنْ حَكَمْنَا بِصِحَّةِ الْعَقْدِ ثُمَّ انْفَسَخَ .\rوَإِنْ اخْتَلَفَا فِي الْمُسْلَمِ فِيهِ ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا : فِي مِائَةِ مُدَّيْ حِنْطَةٍ .\rوَقَالَ الْآخَرُ : فِي مِائَةِ مُدَّيْ شَعِيرٍ .\rتَحَالَفَا ، وَتَفَاسَخَا بِهِ .\rقَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ : كَمَا لَوْ اخْتَلَفَا فِي ثَمَنِ الْمَبِيعِ .","part":9,"page":63},{"id":4063,"text":"( 3236 ) فَصْلٌ : وَكُلُّ مَالَيْنِ حَرُمَ النَّسَاءُ فِيهِمَا ، لَا يَجُوزُ إسْلَامُ أَحَدِهِمَا فِي الْآخَرِ ؛ لِأَنَّ السَّلَمَ مِنْ شَرْطِهِ النَّسَاءُ وَالتَّأْجِيلُ .\rوَالْخِرَقِيُّ مَنَعَ بَيْعَ الْعُرُوضِ بَعْضُهَا بِبَعْضِ نَسَاءً .\rفَعَلَى قَوْلِهِ لَا يَجُوزُ إسْلَامُ بَعْضِهَا فِي بَعْضٍ .\rوَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى : لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ رَأْسُ مَالِ السَّلَمِ إلَّا عَيْنًا أَوْ وَرِقًا .\rوَقَالَ الْقَاضِي : وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ هَاهُنَا .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ .\rقِيلَ لِأَحْمَدَ : يُسْلَمُ مَا يُوزَنُ فِيمَا يُكَالُ ، وَمَا يُكَالُ فِيمَا يُوزَنُ ؟ فَلَمْ يُعْجِبْهُ .\rوَعَلَى هَذَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُسْلَمُ فِيهِ ثَمَنًا .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّهَا لَا تَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ إلَّا ثَمَنًا ، فَلَا تَكُونُ مُثَمَّنَةً .\rوَعَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي تَقُولُ بِجَوَازِ النَّسَاءِ فِي الْعُرُوضِ ، يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ رَأْسُ مَالِ السَّلَمِ عَرْضًا ، كَالثَّمَنِ سَوَاءً ، وَيَجُوزُ إسْلَامُهَا فِي الْأَثْمَانِ .\rقَالَ الشَّرِيفُ أَبُو جَعْفَرٍ : يَجُوزُ السَّلَمُ فِي الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهَا تَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ صَدَاقًا ، فَتَثْبُتُ سَلَمًا ، كَالْعُرُوضِ .\rوَلِأَنَّهُ لَا رِبًا بَيْنَهُمَا مِنْ حَيْثُ التَّفَاضُلُ وَلَا النَّسَاءُ ، فَصَحَّ إسْلَامُ أَحَدِهِمَا فِي الْآخَرِ ، كَالْعَرْضِ فِي الْعَرْضِ ، وَلَا يَصِحُّ مَا قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ ؛ فَإِنَّهُ لَوْ بَاعَ دَرَاهِمَ بِدَنَانِيرَ صَحَّ ، وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا مُثَمَّنًا .\rفَعَلَى هَذَا إذَا أَسْلَمَ عَرْضًا فِي عَرْضٍ مَوْصُوفٍ بِصِفَاتِهِ ، فَجَاءَهُ عِنْدَ الْحُلُولِ بِذَلِكَ الْعَرْضِ بِعَيْنِهِ ، لَزِمَهُ قَبُولُهُ ، عَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ أَتَاهُ بِالْمُسْلَمِ فِيهِ عَلَى صِفَتِهِ ، فَلَزِمَهُ قَبُولُهُ ، كَمَا لَوْ كَانَ غَيْرَهُ .\rوَالثَّانِي ، لَا يَلْزَمُهُ ؛ لِأَنَّهُ يُفْضِي إلَى كَوْنِ الثَّمَنِ هُوَ الْمُثَمَّنُ ، وَمَنْ نَصَرَ الْأَوَّلَ قَالَ : هَذَا لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ الثَّمَنَ إنَّمَا هُوَ فِي الذِّمَّةِ .\rوَهَذَا عِوَضٌ عَنْهُ .","part":9,"page":64},{"id":4064,"text":"وَهَكَذَا لَوْ أَسْلَمَ جَارِيَةً صَغِيرَةً فِي كَبِيرَةٍ فَحَلَّ الْمَحِلُّ وَهِيَ عَلَى صِفَةِ الْمُسْلَمِ فِيهِ ، فَأَحْضَرَهَا ، فَعَلَى احْتِمَالَيْنِ أَيْضًا ؛ أَحَدُهُمَا ، لَا يَصِحُّ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا ، وَلِأَنَّهُ يُفْضِي إلَى أَنْ يَكُونَ قَدْ اسْتَمْتَعَ بِهَا وَرَدَّهَا خَالِيَةً عَنْ عُقْرٍ .\rوَالثَّانِي ، يَجُوزُ ؛ لِأَنَّهُ أَحْضَرَ الْمُسْلَمَ فِيهِ عَلَى صِفَتِهِ .\rوَيَبْطُلُ الْأَوَّلُ بِمَا إذَا وَجَدَ بِهَا عَيْبًا فَرَدَّهَا .\rوَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ فِي هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ عَلَى هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ .\rوَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ حِيلَةً ؛ لِيَنْتَفِعَ بِالْعَيْنِ ، أَوْ لِيَطَأَ الْجَارِيَةَ ثُمَّ يَرُدَّهَا بِغَيْرِ عِوَضٍ ، لَمْ يَجُزْ ، وَجْهًا وَاحِدًا ؛ لِأَنَّ الْحِيَلَ كُلَّهَا بَاطِلَةٌ .","part":9,"page":65},{"id":4065,"text":"الشَّرْطُ الثَّانِي الْمُخْتَلَفُ فِيهِ ، تَعَيُّنُ مَكَانُ الْإِيفَاءِ .\rقَالَ الْقَاضِي : لَيْسَ بِشَرْطٍ .\rوَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ أَحْمَدَ ، وَإِسْحَاقَ ، وَطَائِفَةٍ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ .\rوَبِهِ قَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ .\rوَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : مَنْ أَسْلَمَ فَلْيُسْلِمْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ ، أَوْ وَزْنٍ مَعْلُومٍ ، إلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ } .\rوَلَمْ يَذْكُرْ مَكَانَ الْإِيفَاءِ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ .\rوَفِي الْحَدِيثِ الَّذِي فِيهِ { ، أَنَّ الْيَهُودِيَّ أَسْلَمَ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَمَّا مِنْ حَائِطِ بَنِي فُلَانٍ فَلَا ، وَلَكِنْ كَيْلٌ مُسَمًّى ، إلَى أَجَلٍ مُسَمًّى } .\rوَلَمْ يَذْكُرْ مَكَانَ الْإِيفَاءِ .\rوَلِأَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ ، فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ ذِكْرُ مَكَانِ الْإِيفَاءِ ، كَبُيُوعِ الْأَعْيَانِ ، وَقَالَ الثَّوْرِيُّ : يُشْتَرَطُ ذِكْرُ مَكَانِ الْإِيفَاءِ .\rوَهُوَ الْقَوْلُ الثَّانِي لِلشَّافِعِيِّ وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : هُوَ مَكْرُوهٌ لِأَنَّ الْقَبْضَ يَجِبُ بِحُلُولِهِ ، وَلَا يُعْلَمُ مَوْضِعُهُ حِينَئِذٍ ، فَيَجِبُ شَرْطُهُ لِئَلَّا يَكُونَ مَجْهُولًا .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَبَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ : إنْ كَانَ لِحَمْلِهِ مُؤْنَةً ، وَجَبَ شَرْطُهُ ، وَإِلَّا فَلَا يَجِبُ ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ لِحَمْلِهِ مُؤْنَةً اخْتَلَفَ فِيهِ الْغَرَضُ ، بِخِلَافِ مَا لَا مُؤْنَةَ فِيهِ .\rوَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى : إنْ كَانَا فِي بَرِّيَّةٍ لَزِمَ ذِكْرُ مَكَانِ الْإِيفَاءُ ، وَإِنْ لَمْ يَكُونَا فِي بَرِّيَّةٍ ، فَذِكْرُ مَكَانِ الْإِيفَاءِ حَسَنٌ ، وَإِنْ لَمْ يَذْكُرَاهُ كَانَ الْإِيفَاءُ فِي مَكَانَ الْعَقْدِ ؛ لِأَنَّهُ مَتَى كَانَا فِي بَرِّيَّةٍ لَمْ يُمْكِنْ التَّسْلِيمُ فِي مَكَانِ الْعَقْدِ فَإِذَا تَرَكَ ذِكْرَهُ كَانَ مَجْهُولًا ، وَإِنْ لَمْ يَكُونَا فِي بَرِّيَّةٍ اقْتَضَى الْعَقْدُ التَّسْلِيمَ فِي مَكَانِهِ ، فَاكْتَفَى بِذَلِكَ عَنْ ذَكَره ، فَإِنْ ذَكَرَهُ كَانَ تَأْكِيدًا ، فَكَانَ حَسَنًا فَإِنْ شَرَطَ الْإِيفَاءَ","part":9,"page":66},{"id":4066,"text":"فِي مَكَان سَوَاءٍ ، صَحَّ ؛ لِأَنَّهُ عَقْدُ بَيْعٍ فَصَحَّ شَرْطُ ذِكْرِ الْإِيفَاءِ فِي غَيْرِ مَكَانِهِ ، كَبُيُوعِ الْأَعْيَانِ .\rوَلِأَنَّهُ شَرَطَ ذِكْرَ مَكَانِ الْإِيفَاءِ ، فَصَحَّ ، كَمَا لَوْ ذَكَرَهُ فِي مَكَانِ الْعَقْدِ .\rوَذَكَرَ ابْنُ أَبِي مُوسَى رِوَايَةً أُخْرَى ، أَنَّهُ لَا يَصِحُّ لِأَنَّهُ شَرَطَ خِلَافَ مَا اقْتَضَاهُ الْعَقْدُ ، لِأَنَّ الْعَقْدَ يَقْتَضِي الْإِيفَاءَ فِي مَكَانِهِ .\rوَقَالَ الْقَاضِي ، وَأَبُو الْخَطَّابِ : مَتَى ذَكَرَ مَكَانَ الْإِيفَاءِ ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ ، سَوَاءٌ شَرَطَهُ فِي مَكَانِ الْعَقْدِ أَوْ فِي غَيْرِهِ ؛ لِأَنَّ فِيهِ غَرَرًا ، لِأَنَّهُ رُبَّمَا تَعَذَّرَ تَسْلِيمُهُ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ ، فَأَشْبَهَ تَعْيِينَ الْمِكْيَالِ .\rوَاخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ .\rوَهَذَا لَا يَصِحُّ ؛ فَإِنَّ فِي تَعْيِينِ الْمَكَانِ غَرَضًا وَمَصْلَحَةً لَهُمَا ، فَأَشْبَهَ تَعْيِينَ الزَّمَانِ .\rوَمَا ذَكَرُوهُ مِنْ احْتِمَالِ تَعَذُّرِ التَّسْلِيمِ فِيهِ يَبْطُلُ بِتَعْيِينِ الزَّمَانِ ، ثُمَّ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ مُقْتَضَى الْعَقْدِ التَّسْلِيمَ فِي مَكَانِهِ ، فَإِذَا شَرَطَهُ فَقَدْ شَرَطَ مُقْتَضَى الْعَقْدِ ، أَوْ لَا يَكُونَ ذَلِكَ مُقْتَضَى الْعَقْدِ فَيَتَعَيَّنَ ذِكْرُ مَكَانِ الْإِيفَاءِ ، نَفْيًا لِلْجَهَالَةِ عَنْهُ ، وَقَطْعًا لِلتَّنَازُعِ ، فَالْغَرَرُ فِي تَرْكِهِ لَا فِي ذِكْرِهِ .\rوَفَارَقَ تَعْيِينَ الْمِكْيَالِ ، فَإِنَّهُ لَا حَاجَةَ إلَيْهِ ، وَيَفُوتُ بِهِ عِلْمُ الْمِقْدَارِ الْمُشْتَرَطِ لِصِحَّةِ الْعَقْدِ ، وَيُفْضِي إلَى التَّنَازُعِ ، وَفِي مَسْأَلَتِنَا لَا يَفُوتُ بِهِ شَرْطٌ ، وَيَقْطَعُ التَّنَازُعَ ، فَالْمَعْنَى الْمَانِعُ مِنْ التَّقْدِيرِ بِمِكْيَالٍ بِعَيْنِهِ مَجْهُولٍ هُوَ الْمُقْتَضِي لِشَرْطِ مَكَانِ الْإِيفَاءِ ، فَكَيْفَ يَصِحُّ قِيَاسُهُمْ عَلَيْهِ .","part":9,"page":67},{"id":4067,"text":"( 3237 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَبَيْعُ الْمُسْلَمِ فِيهِ مِنْ بَائِعِهِ ، أَوْ مِنْ غَيْرِهِ ، قَبْلَ قَبْضِهِ ، فَاسِدٌ .\rوَكَذَلِكَ الشَّرِكَةُ فِيهِ ، وَالتَّوْلِيَةُ ، وَالْحَوَالَةُ بِهِ ، طَعَامًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ ) أَمَّا بَيْعُ الْمُسْلَمِ فِيهِ قَبْلَ قَبْضِهِ ، فَلَا نَعْلَمُ فِي تَحْرِيمِهِ خِلَافًا ، وَقَدْ { نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ قَبْلَ قَبْضِهِ } ، وَعَنْ رِبْحِ مَا لَمْ يُضْمَنْ .\rوَلِأَنَّهُ مَبِيعٌ لَمْ يَدْخُلْ فِي ضَمَانِهِ ، فَلَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ ، كَالطَّعَامِ قَبْلَ قَبْضِهِ .\rوَأَمَّا الشَّرِكَةُ فِيهِ وَالتَّوْلِيَةُ ، فَلَا تَجُوزُ أَيْضًا ؛ لِأَنَّهُمَا بَيْعٌ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ قَبْلُ .\rوَبِهَذَا قَالَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rوَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ جَوَازُ الشَّرِكَةِ وَالتَّوْلِيَةِ ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ { نَهَى عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ قَبْلَ قَبْضِهِ ، وَأَرْخَصَ فِي الشَّرِكَةِ وَالتَّوْلِيَةِ } .\rوَلَنَا ، أَنَّهَا مُعَاوَضَةٌ فِي الْمُسْلَمِ فِيهِ قَبْلَ الْقَبْضِ ، فَلَمْ يَجُزْ ، كَمَا لَوْ كَانَتْ بِلَفْظِ الْبَيْعِ .\rوَلِأَنَّهُمَا نَوْعَا بَيْعٍ ، فَلَمْ يَجُوزَا فِي الْمُسْلَمِ قَبْلَ قَبْضِهِ ، كَالنَّوْعِ الْآخَرِ ، وَالْخَبَرُ لَا نَعْرِفُهُ ، وَهُوَ حُجَّةٌ لَنَا ؛ لِأَنَّهُ نَهَى عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ قَبْلَ قَبْضِهِ ، وَالشَّرِكَةُ وَالتَّوْلِيَةُ بَيْعٌ فَيَدْخُلَانِ فِي النَّهْيِ .\rوَيُحْمَلُ قَوْلُهُ : وَأَرْخَصَ فِي الشَّرِكَةِ وَالتَّوْلِيَةِ .\rعَلَى أَنَّهُ أَرْخَصَ فِيهِمَا فِي الْجُمْلَةِ ، لَا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ .\rوَأَمَّا الْإِقَالَةُ فَإِنَّهَا فَسْخٌ وَلَيْسَتْ بَيْعًا .\rوَأَمَّا الْحَوَالَةُ بِهِ فَغَيْرُ جَائِزَةٍ ، لِأَنَّ الْحَوَالَةَ إنَّمَا تَجُوزُ عَلَى دَيْنٍ مُسْتَقِرٍّ ، وَالسَّلَمُ بِغَرَضِ الْفَسْخِ ، فَلَيْسَ بِمُسْتَقَرٍّ .\rوَلِأَنَّهُ نَقْلٌ لِلْمِلْكِ فِي الْمُسْلَمِ فِيهِ عَلَى غَيْرِ وَجْهِ الْفَسْخِ ، فَلَمْ يَجُزْ كَالْبَيْعِ .\rوَمَعْنَى الْحَوَالَةِ بِهِ ، أَنْ يَكُونَ لِرَجُلٍ طَعَامٌ مِنْ سَلَمٍ ، وَعَلَيْهِ مِثْلُهُ مِنْ قَرْضٍ أَوْ سَلَمٍ آخَرَ أَوْ بَيْعٍ فَيُحِيلُ","part":9,"page":68},{"id":4068,"text":"بِمَا عَلَيْهِ مِنْ الطَّعَامِ عَلَى الَّذِي لَهُ عِنْدَهُ السَّلَمُ ، فَلَا يَجُوزُ .\rوَإِنْ أَحَالَ الْمُسْلَمُ إلَيْهِ الْمُسْلَمَ بِالطَّعَامِ الَّذِي عَلَيْهِ لَمْ يَصِحَّ أَيْضًا ؛ لِأَنَّهُ مُعَاوَضَةٌ بِالْمُسْلَمِ فِيهِ قَبْلَ قَبْضِهِ ، فَلَمْ يَجُزْ ، كَالْبَيْعِ .\rوَأَمَّا بَيْعُ الْمُسْلَمِ فِيهِ مِنْ بَائِعِهِ ، فَهُوَ أَنْ يَأْخُذَ غَيْرَ مَا أَسْلَمَ فِيهِ عِوَضًا عَنْ الْمُسْلَمِ فِيهِ .\rفَهَذَا حَرَامٌ ، سَوَاءٌ كَانَ الْمُسْلَمُ فِيهِ مَوْجُودًا أَوْ مَعْدُومًا ، سَوَاءٌ كَانَ الْعِوَضُ مِثْلَ الْمُسْلَمِ فِيهِ فِي الْقِيمَةِ ، أَوْ أَقَلِّ ، أَوْ أَكْثَرِ .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ .\rوَذَكَرَ ابْنُ أَبِي مُوسَى ، عَنْ أَحْمَدَ ، رِوَايَةً أُخْرَى فِي مَنْ أَسْلَمَ فِي بُرٍّ ، فَعَدِمَهُ عِنْدَ الْمَحِلِّ ، فَرَضِيَ الْمُسْلِمُ بِأَخْذِ الشَّعِيرِ مَكَانَ الْبُرِّ ، جَازَ .\rوَلَمْ يَجُزْ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ .\rوَهَذَا يُحْمَلُ عَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي فِيهَا أَنَّ الْبُرَّ وَالشَّعِيرَ جِنْسٌ وَاحِدٌ ، وَالصَّحِيحُ فِي الْمَذْهَبِ خِلَافُهُ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : يَجُوزُ أَنْ يَأْخُذَ غَيْرَ الْمُسْلَمِ فِيهِ مَكَانَهُ ، يَتَعَجَّلُهُ وَلَا يُؤَخِّرُهُ إلَى الطَّعَامِ .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ : إذَا أَسْلَمَ فِي شَيْءٍ إلَى أَجَلٍ فَإِنْ أَخَذْت مَا أَسْلَفْت فِيهِ ، وَإِلَّا فَخُذْ عِوَضًا أَنْقَصَ مِنْهُ ، وَلَا تَرْبَحْ مَرَّتَيْنِ رَوَاهُ سَعِيدٌ فِي \" سُنَنِهِ \" .\rوَلَنَا قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : مَنْ أَسْلَمَ فِي شَيْءٍ ، فَلَا يَصْرِفْهُ إلَى غَيْرِهِ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَابْنُ مَاجَهْ .\rوَلِأَنَّ أَخْذَ الْعِوَضِ عَنْ الْمُسْلَمِ فِيهِ بَيْعٌ ، فَلَمْ يَجُزْ ، كَبَيْعِهِ مِنْ غَيْرِهِ .\rفَأَمَّا إنْ أَعْطَاهُ مِنْ جِنْسِ مَا أَسْلَمَ فِيهِ خَيْرًا مِنْهُ ، أَوْ دُونَهُ فِي الصِّفَاتِ ، جَازَ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِبَيْعٍ ، إنَّمَا هُوَ قَضَاءٌ لِلْحَقِّ ، مَعَ تَفَضُّلٍ مِنْ أَحَدِهِمَا .","part":9,"page":69},{"id":4069,"text":"( 3238 ) فَصْلٌ فَأَمَّا .\rالْإِقَالَةُ فِي الْمُسْلَمِ فِيهِ ، فَجَائِزَةٌ ، لِأَنَّهَا فَسْخٌ .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ، عَلَى أَنَّ الْإِقَالَةَ فِي جَمِيعِ مَا أَسْلَمَ فِيهِ جَائِزَةٌ ؛ لِأَنَّ الْإِقَالَةَ فَسْخٌ لِلْعَقْدِ ، وَرَفْعٌ لَهُ مِنْ أَصْلِهِ ، وَلَيْسَتْ بَيْعًا .\rقَالَ الْقَاضِي : وَلَوْ قَالَ : لِي عِنْدَك هَذَا الطَّعَامُ ، صَالِحْنِي مِنْهُ عَلَى ثَمَنِهِ .\rجَازَ ، وَكَانَتْ إقَالَةً صَحِيحَةً .\rفَأَمَّا الْإِقَالَةُ فِي بَعْضِ الْمُسْلَمِ فِيهِ ، فَاخْتَلَفَ عَنْ أَحْمَدَ فِيهَا ؛ فَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهَا لَا تَجُوزُ .\rوَرُوِيَتْ كَرَاهَتُهَا عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، وَالْحَسَنِ ، وَابْنِ سِيرِينَ ، وَالنَّخَعِيِّ ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَرَبِيعَةَ ، وَابْنِ أَبِي لَيْلَى ، وَإِسْحَاقَ .\rوَرَوَى حَنْبَلٌ ، عَنْ أَحْمَدَ .\rأَنَّهُ قَالَ : لَا بَأْسَ بِهَا .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَعَطَاءٍ ، وَطَاوُوسٍ ، وَمُحَمَّدِ بْن عَلِيٍّ وَحُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، وَالْحَكَمِ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَالنُّعْمَانِ وَأَصْحَابِهِ ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ .\rوَلِأَنَّ الْإِقَالَةَ مَنْدُوبٌ إلَيْهَا ، وَكُلُّ مَعْرُوفٍ جَازَ فِي الْجَمِيعِ جَازَ فِي الْبَعْضِ ، كَالْإِبْرَاءِ وَالْإِنْظَارِ .\rوَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى ، أَنَّ السَّلَفَ فِي الْغَالِبِ يُزَادُ فِيهِ فِي الثَّمَنِ مِنْ أَجْلِ التَّأْجِيلِ ، فَإِذَا أَقَالَهُ فِي الْبَعْضِ ، بَقِيَ الْبَعْضُ بِالْبَاقِي مِنْ الثَّمَنِ وَبِمَنْفَعَةِ الْجُزْءِ الَّذِي حُصِلَتْ الْإِقَالَةُ فِيهِ ، فَلَمْ يَجُزْ ، كَمَا لَوْ اشْتَرَطَ ذَلِكَ فِي ابْتِدَاءِ الْعَقْدِ .\rوَيُخَرَّجُ عَلَيْهِ الْإِبْرَاءُ وَالْإِنْظَارُ ؛ فَإِنَّهُ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ .\r( 3239 ) فَصْلٌ : إذَا أَقَالَهُ ، رَدَّ الثَّمَنَ إنْ كَانَ بَاقِيًا ، أَوْ مِثْلَهُ إنْ كَانَ مِثْلِيًّا ، أَوْ قِيمَتَهُ إنْ لَمْ يَكُنْ مِثْلِيًّا .\rفَإِنْ أَرَادَ أَنْ يُعْطِيَهُ عِوَضًا عَنْهُ ، فَقَالَ الشَّرِيفُ أَبُو جَعْفَرٍ : لَيْسَ لَهُ صَرْفُ ذَلِكَ الثَّمَنِ فِي عَقْدٍ آخَرَ","part":9,"page":70},{"id":4070,"text":"حَتَّى يَقْبِضَهُ .\rوَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : مَنْ أَسْلَمَ فِي شَيْءٍ فَلَا يَصْرِفْهُ إلَى غَيْرِهِ } .\rوَلِأَنَّ هَذَا مَضْمُونٌ عَلَى الْمُسْلَمِ إلَيْهِ بِعَقْدِ السَّلَمِ ، فَلَمْ يَجُزْ التَّصَرُّفُ فِيهِ قَبْلَ قَبْضِهِ ، كَمَا لَوْ كَانَ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي .\rوَقَالَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى : يَجُوزُ أَخْذُ الْعِوَضِ عَنْهُ .\rوَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ عِوَضٌ مُسْتَقِرٌّ فِي الذِّمَّةِ ، فَجَازَ أَخْذُ الْعِوَضِ عَنْهُ ، كَمَا لَوْ كَانَ قَرْضًا .\rوَلِأَنَّهُ مَالٌ عَادَ إلَيْهِ بِفَسْخِ الْعَقْدِ ، فَجَازَ أَخْذُ الْعِوَضِ عَنْهُ ، كَالثَّمَنِ فِي الْمَبِيعِ إذَا فُسِخَ ، وَالْمُسْلَمُ فِيهِ مَضْمُونٌ بِالْعَقْدِ ، وَهَذَا مَضْمُونٌ بَعْدَ فَسْخِهِ ، وَالْخَبَرُ أَرَادَ بِهِ الْمُسْلَمَ فِيهِ ، فَلَمْ يَتَنَاوَلْ هَذَا .\rفَإِنْ قُلْنَا بِهَذَا ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ مَا لَوْ كَانَ قَرْضًا أَوْ ثَمَنًا فِي بُيُوعِ الْأَعْيَانِ ، لَا يَجُوزُ جَعْلُهُ سَلَمًا فِي شَيْءٍ آخَرَ ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ بَيْعَ دَيْنٍ بِدَيْنٍ ، وَيَجُوزُ فِيهِ مَا يَجُوزُ فِي الْقَرْضِ وَأَثْمَانِ الْبِيَاعَاتِ إذَا فُسِخَتْ .","part":9,"page":71},{"id":4071,"text":"( 3240 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِذَا أَسْلَمَ فِي جِنْسَيْنِ ثَمَنًا وَاحِدًا ، لَمْ يَجُزْ ، حَتَّى يُبَيِّنَ ثَمَنَ كُلِّ جِنْسٍ ) صُورَةُ ذَلِكَ أَنَّ يُسْلِمَ دِينَارًا وَاحِدًا فِي قَفِيزِ حِنْطَةٍ وَقَفِيزِ شَعِيرٍ ، وَلَا يُبَيِّنَ ثَمَنَ الْحِنْطَةِ مِنْ الدِّينَارِ ، وَلَا ثَمَنَ الشَّعِيرِ ، فَلَا يَصِحُّ ذَلِكَ .\rوَجَوَّزَهُ مَالِكٌ وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ كَالْمَذْهَبَيْنِ .\rوَاحْتَجُّوا بِأَنَّ كُلَّ عَقْدٍ جَازَ عَلَى جِنْسَيْنِ فِي عَقْدَيْنِ ، جَازَ عَلَيْهِمَا فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ ، كَبُيُوعِ الْأَعْيَانِ ، وَكَمَا لَوْ بَيَّنَ ثَمَنَ أَحَدِهِمَا .\rوَلَنَا ، أَنَّ مَا يُقَابِلُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْجِنْسَيْنِ مَجْهُولٌ ، فَلَمْ يَصِحَّ ، كَمَا لَوْ عَقَدَ عَلَيْهِ مُفْرَدًا بِثَمَنِ مَجْهُولٍ .\rوَلِأَنَّ فِيهِ غَرَرًا لِأَنَّنَا لَا نَأْمَنُ الْفَسْخَ بِتَعَذُّرِ أَحَدِهِمَا ، فَلَا يَعْرِفُ بِمَ يَرْجِعُ ؟ وَهَذَا غَرَرٌ أَثَّرَ مِثْلُهُ فِي السَّلَمِ .\rوَبِمِثْلِ هَذَا عَلَّلْنَا مَعْرِفَةَ صِفَةِ الثَّمَنِ وَقَدْرِهِ .\rوَقَدْ ذَكَرْنَا ثَمَّ وَجْهًا آخَرَ ، أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ ، فَيُخَرَّجُ هَاهُنَا مِثْلُهُ ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَاهُ .\rوَلِأَنَّهُ لَمَّا جَازَ أَنْ يُسْلِمَ فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ إلَى أَجَلَيْنِ ، وَلَا يُبَيِّنَ ثَمَنَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ، كَذَا هَاهُنَا .\rقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى : وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُسْلِمَ خَمْسَةَ دَنَانِيرَ وَخَمْسِينَ دِرْهَمًا فِي كُرِّ حِنْطَةٍ ، حَتَّى يُبَيِّنَ حِصَّةَ مَا لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ الثَّمَنِ .\rوَالْأَوْلَى صِحَّةُ هَذَا ؛ لِأَنَّهُ إذَا تَعَذَّرَ بَعْضُ الْمُسْلَمِ فِيهِ ، رَجَعَ بِقِسْطِهِ مِنْهُمَا ؛ إنْ تَعَذَّرَ النِّصْفُ رَجَعَ بِنِصْفِهِمَا ، وَإِنْ تَعَذَّرَ الْخُمْسُ رَجَعَ بِدِينَارِ وَعَشْرَةِ دَرَاهِمَ .","part":9,"page":72},{"id":4072,"text":"( 3241 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِذَا أَسْلَمَ فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ ، عَلَى أَنْ يَقْبِضَهُ فِي أَوْقَاتٍ مُتَفَرِّقَةٍ أَجْزَاءً مَعْلُومَةً ، فَجَائِزٌ ) قَالَ الْأَثْرَمُ : قُلْت لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ : الرَّجُلُ يَدْفَعُ إلَى الرَّجُلِ الدَّرَاهِمَ فِي الشَّيْءِ يُؤْكَلُ ، فَيَأْخُذُ مِنْهُ كُلَّ يَوْمٍ مِنْ تِلْكَ السِّلْعَةِ شَيْئًا ؟ فَقَالَ : عَلَى مَعْنَى السَّلَمِ إذًا ؟ فَقُلْت : نَعَمْ .\rقَالَ : لَا بَأْسَ .\rثُمَّ قَالَ : مِثْلُ الرَّجُلِ الْقَصَّابِ ، يُعْطِيه الدِّينَارَ عَلَى أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ كُلَّ يَوْمٍ رِطْلًا مِنْ لَحْمٍ قَدْ وَصَفَهُ .\rوَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : إذَا أَسْلَمَ فِي جِنْسٍ وَاحِدٍ إلَى أَجَلَيْنِ ، فَفِيهِ قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا : لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ مَا يُقَابِلُ أَبْعَدَهُمَا أَجَلًا أَقَلُّ مِمَّا يُقَابِلُ الْآخَرَ ، وَذَلِكَ مَجْهُولٌ ، فَلَمْ يَجُزْ .\rوَلَنَا ، أَنَّ كُلَّ بَيْعٍ جَازَ فِي أَجَلٍ وَاحِدٍ ، جَازَ فِي أَجَلَيْنِ وَآجَالٍ ، كَبُيُوعِ الْأَعْيَانِ ، فَإِذَا قَبَضَ الْبَعْضَ وَتَعَذَّرَ قَبْضُ الْبَاقِي ، فَفَسَخَ الْعَقْدَ ، رَجَعَ بِقِسْطِهِ مِنْ الثَّمَنِ ، وَلَا يَجْعَلُ لِلْبَاقِي فَضْلًا عَنْ الْمَقْبُوضِ ؛ لِأَنَّهُ مَبِيعٌ وَاحِدٌ مُتَمَاثِلُ الْأَجْزَاءِ ، فَيُقَسِّطُ الثَّمَنَ عَلَى أَجْزَائِهِ بِالسَّوِيَّةِ ، كَمَا لَوْ اتَّفَقَ أَجَلُهُ .","part":9,"page":73},{"id":4073,"text":"( 3242 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِذَا لَمْ يَكُنْ السَّلَمُ فِيهِ ، كَالْحَدِيدِ وَالرَّصَاصِ ، وَمَا لَا يَفْسُدُ ، وَلَا يَخْتَلِفُ قَدِيمُهُ وَحَدِيثُهُ ، لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ قَبْضُهُ قَبْلَ مَحَلِّهِ ) يَعْنِي بِالسَّلَمِ : الْمُسْلَمَ فِيهِ ، بِاسْمِ الْمَصْدَرِ ، كَمَا يُسَمَّى الْمَسْرُوقُ سَرِقَةً وَالْمَرْهُونُ رَهْنًا .\rقَالَ إبْرَاهِيمُ : خُذْ سَلَمَك أَوْ دُونَ سَلَمَك ، وَلَا تَأْخُذْ فَوْقَ سَلَمَك .\rوَمَتَى أَحْضَرَ الْمُسْلَمَ فِيهِ عَلَى الصِّفَةِ الْمَشْرُوطَةِ ، لَمْ يَخْلُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ : أَحَدُهَا ، أَنْ يُحْضِرَهُ فِي مَحِلِّهِ ، فَيَلْزَمُهُ قَبُولُهُ ؛ لِأَنَّهُ أَتَاهُ بِحَقِّهِ فِي مَحَلِّهِ ، فَلَزِمَهُ قَبُولُهُ ، كَالْمَبِيعِ الْمُعَيَّنِ ، وَسَوَاءٌ كَانَ عَلَيْهِ فِي قَبْضِهِ ضَرَرٌ ، أَوْ لَمْ يَكُنْ .\rفَإِنْ أَبَى ، قِيلَ لَهُ : إمَّا أَنْ تَقْبِضَ حَقَّك ، وَإِمَّا أَنْ تُبْرِئَ مِنْهُ .\rفَإِنْ امْتَنَعَ قَبَضَهُ الْحَاكِمُ مِنْ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ لِلْمُسْلِمِ ، وَبَرِئَتْ ذِمَّتُهُ مِنْهُ ؛ لِأَنَّ الْحَاكِمَ يَقُومُ مَقَامَ الْمُمْتَنِعِ بِوِلَايَتِهِ ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُبْرِئَ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ الْإِبْرَاءَ .\rالْحَالُ الثَّانِي ، أَنْ يَأْتِيَ بِهِ قَبْلَ مَحِلِّهِ ، فَيُنْظَرَ فِيهِ ، فَإِنْ كَانَ مِمَّا فِي قَبْضِهِ قَبْلَ مَحِلِّهِ ضَرَرٌ ، إمَّا لِكَوْنِهِ مِمَّا يَتَغَيَّرُ ، كَالْفَاكِهَةِ وَالْأَطْعِمَةِ كُلِّهَا ، أَوْ كَانَ قَدِيمُهُ دُونَ حَدِيثِهِ ، كَالْحُبُوبِ وَنَحْوِهَا ، لَمْ يَلْزَمْ الْمُسْلِمَ قَبُولُهُ ؛ لِأَنَّ لَهُ غَرَضًا فِي تَأْخِيرِهِ ، بِأَنْ يَحْتَاجَ إلَى أَكْلِهِ أَوْ إطْعَامِهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ ، وَكَذَلِكَ الْحَيَوَانُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَأْمَنُ تَلَفَهُ ، وَيَحْتَاجُ إلَى الْإِنْفَاقِ عَلَيْهِ إلَى ذَلِكَ الْوَقْتِ ، وَرُبَّمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ دُونَ مَا قَبْلَهُ .\rوَهَكَذَا إنْ كَانَ مِمَّا يَحْتَاجُ فِي حِفْظِهِ إلَى مُؤْنَةٍ ، كَالْقُطْنِ وَنَحْوِهِ ، أَوْ كَانَ الْوَقْتُ مَخُوفًا يَخْشَى نَهْبَ مَا يَقْبِضُهُ ، فَلَا يَلْزَمُهُ الْأَخْذُ فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ كُلِّهَا ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ ضَرَرًا فِي قَبْضِهِ ، وَلَمْ يَأْتِ مَحِلُّ","part":9,"page":74},{"id":4074,"text":"اسْتِحْقَاقِهِ لَهُ ، فَجَرَى مَجْرَى نَقْصِ صِفَةٍ فِيهِ .\rوَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا ضَرَرَ فِي قَبْضِهِ ، بِأَنْ يَكُونَ لَا يَتَغَيَّرُ ، كَالْحَدِيدِ وَالرَّصَاصِ وَالنُّحَاسِ ، فَإِنَّهُ يَسْتَوِي قَدِيمُهُ وَحَدِيثُهُ ، وَنَحْوُ ذَلِكَ الزَّيْتُ وَالْعَسَلُ ، وَلَا فِي قَبْضِهِ ضَرَرُ الْخَوْفِ ، وَلَا تَحَمُّلُ مُؤْنَةٍ ، فَعَلَيْهِ قَبْضُهُ ؛ لِأَنَّ غَرَضَهُ حَاصِلٌ مَعَ زِيَادَةِ تَعْجِيلِ الْمَنْفَعَةِ ، فَجَرَى مَجْرَى زِيَادَةِ الصِّفَةِ وَتَعْجِيلِ الدَّيْنِ الْمُؤَجَّلِ .\rالْحَالُ الثَّالِثُ ، أَنْ يُحْضِرَهُ بَعْدَ مَحَلِّ الْوُجُوبِ ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ مَا لَوْ أَحْضَرَ الْمَبِيعَ بَعْدَ تَفَرُّقِهِمَا .","part":9,"page":75},{"id":4075,"text":"( 3243 ) فَصْلٌ : وَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يُحْضِرَ الْمُسْلَمَ فِيهِ عَلَى صِفَتِهِ ، أَوْ دُونَهَا ، أَوْ أَجْوَدَ مِنْهَا .\rفَإِنْ أَحْضَرَهُ عَلَى صِفَتِهِ ، لَزِمَ قَبُولُهُ ؛ لِأَنَّهُ حَقُّهُ .\rوَإِنْ أَتَى بِهِ دُونَ صِفَتِهِ ، لَمْ يَلْزَمْهُ قَبُولُهُ ؛ لِأَنَّ فِيهِ إسْقَاطَ حَقِّهِ ، فَإِنْ تَرَاضَيَا عَلَى ذَلِكَ وَكَانَ مِنْ جِنْسِهِ ، جَازَ ، وَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ ، لَمْ يَجُزْ ؛ لِمَا تَقَدَّمَ .\rوَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى أَنْ يُعْطِيَهُ دُونَ حَقِّهِ ، وَيَزِيدَهُ شَيْئًا ، لَمْ يَجُزْ ؛ لِأَنَّهُ أَفْرَدَ صِفَةَ الْجَوْدَةِ بِالْبَيْعِ ، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ ، وَلِأَنَّ بَيْعَ الْمُسْلَمِ فِيهِ قَبْلَ قَبْضِهِ غَيْرُ جَائِزٍ ، فَبَيْعُ وَصْفِهِ أَوْلَى .\rالثَّالِثُ ، أَنْ يُحْضِرَهُ أَجْوَدَ مِنْ الْمَوْصُوفِ ، فَيُنْظَرُ فِيهِ ؛ فَإِنْ أَتَاهُ بِهِ مِنْ نَوْعِهِ ، لَزِمَهُ قَبُولُهُ ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِمَا تَنَاوَلَهُ الْعَقْدُ وَزِيَادَةً تَابِعَةً لَهُ ، فَيَنْفَعُهُ وَلَا يَضُرُّهُ ، إذْ لَا يَفُوتُهُ غَرَضٌ .\rفَإِنْ أَتَاهُ بِهِ مِنْ نَوْعٍ آخَرَ ، لَمْ يَلْزَمْهُ قَبُولُهُ ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ تَنَاوَلَ مَا وَصَفَاهُ عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي شَرَطَاهَا ، وَقَدْ فَاتَ بَعْضُ الصِّفَاتِ ، فَإِنَّ النَّوْعَ صِفَةٌ ، وَقَدْ فَاتَ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ فَاتَ غَيْرُهُ مِنْ الصِّفَات .\rوَقَالَ الْقَاضِي : يَلْزَمُهُ قَبُولُهُ ؛ لِأَنَّهُمَا جِنْسٌ وَاحِدٌ يُضَمُّ أَحَدُهُمَا إلَى الْآخَرِ فِي الزَّكَاةِ ، فَأَشْبَهَ الزِّيَادَةَ فِي الصِّفَةِ مَعَ اتِّفَاقِ النَّوْعِ .\rوَالْأَوَّلُ أَجْوَدُ ؛ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا يَصْلُحُ لِمَا لَا يَصْلُحُ لَهُ الْآخَرُ ، فَإِذَا فَوَّتَهُ عَلَيْهِ ، فَوَّتَ عَلَيْهِ الْغَرَضَ الْمُتَعَلِّقَ بِهِ ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ قَبُولُهُ ، كَمَا لَوْ فَوَّتَ عَلَيْهِ صِفَةِ الْجَوْدَةِ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rفَإِنْ تَرَاضَيَا عَلَى أَخْذِ النَّوْعِ بَدَلًا عَنْ النَّوْعِ الْآخَرِ ، جَازَ ؛ لِأَنَّهُمَا جِنْسٌ وَاحِدٌ لَا يَجُوزُ بَيْعُ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ مُتَفَاضِلًا ، وَيُضَمُّ أَحَدُهُمَا إلَى الْآخَرِ فِي الزَّكَاةِ ، فَجَازَ أَخْذُ أَحَدِهِمَا عَنْ الْآخَرِ ، كَالنَّوْعِ الْوَاحِدِ .\rوَقَالَ بَعْضُ","part":9,"page":76},{"id":4076,"text":"أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ : لَا يَجُوزُ لَهُ أَخْذُهُ ؛ لِلْمَعْنَى الَّذِي مَنَعَ لُزُومَ أَخْذِهِ .\rوَقَالَ إبْرَاهِيمُ : لَا تَأْخُذْ فَوْقَ سَلَمَك فِي كَيْلٍ وَلَا صِفَةٍ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُمَا تَرَاضَيَا عَلَى دَفْعِ الْمُسْلَمِ فِيهِ مِنْ جِنْسِهِ ، فَجَازَ ، كَمَا لَوْ تَرَاضَيَا عَلَى دَفْعِ الرَّدِيءِ مَكَانَ الْجَيِّدِ ، أَوْ الْجَيِّدِ مَكَانَ الرَّدِيءِ ، وَبِهَذَا يَنْتَقِضُ مَا ذَكَرُوهُ ؛ فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُ أَخْذُ الرَّدِيءِ ، وَيَجُوزُ أَخْذُهُ .\rوَلِأَنَّ الْمُسْلِمَ أَسْقَطَ حَقَّهُ مِنْ النَّوْعِ ، فَلَمْ يَبْقَ بَيْنَهُمَا إلَّا صِفَةُ الْجَوْدَةِ ، وَقَدْ سَمَحَ بِهَا صَاحِبُهَا .","part":9,"page":77},{"id":4077,"text":"( 3244 ) فَصْلٌ : إذَا جَاءَهُ بِالْأَجْوَدِ ، فَقَالَ : خُذْهُ ، وَزِدْنِي دِرْهَمًا .\rلَمْ يَصِحَّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَصِحُّ كَمَا لَوْ أَسْلَمَ فِي عَشَرَةٍ فَجَاءَهُ بِأَحَدِ عَشَرِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الْجَوْدَةَ صِفَةٌ ، فَلَا يَجُوزُ إفْرَادُهَا بِالْعَقْدِ ، كَمَا لَوْ كَانَ مَكِيلًا أَوْ مَوْزُونًا ، فَإِنْ جَاءَهُ بِزِيَادَةِ فِي الْقَدْرِ ، فَقَالَ : خُذْهُ ، وَزِدْنِي دِرْهَمًا .\rفَفَعَلَا ، صَحَّ ؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ هَاهُنَا يَجُوزُ إفْرَادُهَا بِالْعَقْدِ .","part":9,"page":78},{"id":4078,"text":"( 3245 ) فَصْلٌ : وَلَيْسَ لَهُ إلَّا أَقَلُّ مَا تَقَعُ عَلَيْهِ الصِّفَةُ ؛ لِأَنَّهُ إذَا أَسْلَمَ إلَيْهِ ذَلِكَ ، فَقَدْ سَلَّمَ إلَيْهِ مَا تَنَاوَلَهُ الْعَقْدُ ، فَبَرِئَتْ ذِمَّتُهُ مِنْهُ .\rوَعَلَيْهِ أَنْ يُسَلِّمَ إلَيْهِ الْحِنْطَةَ نَقِيَّةً مِنْ التِّبْنِ وَالْقَصْلِ وَالشَّعِيرِ وَنَحْوِهِ ، مِمَّا لَا يَتَنَاوَلُهُ اسْمُ الْحِنْطَةِ .\rوَإِنْ كَانَ فِيهِ تُرَابٌ كَثِيرٌ يَأْخُذُ مَوْضِعًا مِنْ الْمِكْيَالِ ، لَمْ يَجُزْ .\rوَإِنْ كَانَ يَسِيرًا لَا يُؤَثِّرُ فِي الْمِكْيَالِ وَلَا يَعِيبُهَا ، لَزِمَهُ أَخْذُهُ .\rوَلَا يَلْزَمُهُ أَخْذُ التَّمْرِ إلَّا جَافًّا .\rوَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَتَنَاهَى جَفَافُهُ ؛ لِأَنَّهُ يَقَعُ عَلَيْهِ الِاسْمُ .\rوَلَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَقْبَلَ مَعِيبًا بِحَالِ ، وَمَتَى قَبَضَ الْمُسْلَمَ فِيهِ فَوَجَدَهُ مَعِيبًا ، فَلَهُ الْمُطَالَبَةُ بِالْبَدَلِ أَوْ الْأَرْشِ ، كَالْمَبِيعِ سَوَاءً .","part":9,"page":79},{"id":4079,"text":"( 3246 ) فَصْلٌ : وَلَا يَقْبِضُ الْمَكِيلَ إلَّا بِالْكَيْلِ ، وَلَا الْمَوْزُونَ إلَّا بِالْوَزْنِ ، وَلَا يَقْبِضُهُ جُزَافًا ، وَلَا بِغَيْرِ مَا يُقَدَّرُ بِهِ ؛ لِأَنَّ الْكَيْلَ وَالْوَزْنَ يَخْتَلِفَانِ ، فَإِنْ قَبَضَهُ بِذَلِكَ ، فَهُوَ كَقَبْضِهِ جُزَافًا ، فَيُقَدِّرُهُ بِمَا أَسْلَمَ فِيهِ ، وَيَأْخُذُ قَدْرَ حَقِّهِ ، وَيَرُدُّ الْبَاقِي ، وَيُطَالِبُ بِالْعِوَضِ .\rوَهَلْ لَهُ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِي قَدْرِ حَقِّهِ مِنْهُ قَبْلَ أَنْ يَعْتَبِرَهُ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ ، مَضَى ذِكْرُهُمَا فِي بُيُوعِ الْأَعْيَانِ .\rوَإِنْ اخْتَلَفَا فِي قَدْرِهِ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْقَابِضِ مَعَ يَمِينِهِ .\rقَالَ الْقَاضِي : وَيُسْلِمُ إلَيْهِ مِلْءَ الْمِكْيَالِ وَمَا يَحْمِلُهُ ، وَلَا يَكُونُ مَمْسُوحًا ، وَلَا يَدُقُّ وَلَا يَهُزُّ ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ : أَسْلَمْت إلَيْك فِي قَفِيزٍ .\rيَقْتَضِي مَا يَسَعُهُ الْمِكْيَالُ وَمَا يَحْمِلُهُ ، وَهُوَ مَا ذَكَرْنَا .","part":9,"page":80},{"id":4080,"text":"( 3247 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَأْخُذَ رَهْنًا ، وَلَا كَفِيلًا مِنْ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ ) وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ فِي الرَّهْنِ وَالضَّمِينِ فِي السَّلَمِ ، فَرَوَى الْمَرْوَزِيِّ ، وَابْنُ الْقَاسِمِ وَأَبُو طَالِبٍ ، مَنْعَ ذَلِكَ ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الْخِرَقِيِّ وَأَبُو بَكْرٍ .\rوَرُوِيَتْ كَرَاهَة ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ ، وَابْنِ عُمَرَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَالْحَسَنِ ، وَسَعِيدِ بْن جُبَيْرٍ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ .\rوَرَوَى حَنْبَلٌ جَوَازَهُ .\rوَرَخَّصَ فِيهِ عَطَاءٌ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ ، وَالْحَكَمُ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى { : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ } .\rإلَى قَوْله { : فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ } .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ ، أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ السَّلَم .\rوَلِأَنَّ اللَّفْظَ عَامٌّ ، فَيَدْخُلُ السَّلَمُ فِي عُمُومِهِ .\rوَلِأَنَّهُ أَحَدُ نَوْعَيْ الْبَيْعِ ، فَجَازَ أَخْذُ الرَّهْنِ بِمَا فِي الذِّمَّةِ مِنْهُ ، كَبُيُوعِ الْأَعْيَانِ .\rوَوَجْهُ الْأَوَّلِ ، أَنَّ الرَّاهِنَ وَالضَّمِينَ إنْ أَخَذَا بِرَأْسِ مَالِ السَّلَمِ ، فَقَدْ أَخَذَا بِمَا لَيْسَ بِوَاجِبِ وَلَا مَآلُهُ إلَى الْوُجُوبِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ قَدْ مَلَكَهُ الْمُسْلَمُ إلَيْهِ ، وَإِنْ أَخَذَا بِالْمُسْلَمِ فِيهِ ، فَالرَّهْنُ إنَّمَا يَجُوزُ بِشَيْءِ يُمْكِنُ اسْتِيفَاؤُهُ مِنْ ثَمَنِ الرَّهْنِ ، وَالْمُسْلَمُ فِيهِ لَا يُمْكِنُ اسْتِيفَاؤُهُ مِنْ الرَّهْنِ ، وَلَا مِنْ ذِمَّةِ الضَّامِنِ .\rوَلِأَنَّهُ لَا يَأْمَنُ هَلَاكَ الرَّهْنِ فِي يَدِهِ بِعُدْوَانٍ فَيَصِيرُ مُسْتَوْفِيًا لِحَقِّهِ مِنْ غَيْرِ الْمُسْلَمِ فِيهِ ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : مَنْ أَسْلَمَ فِي شَيْءٍ فَلَا يَصْرِفْهُ إلَى غَيْرِهِ } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَلِأَنَّهُ يُقِيمُ مَا فِي ذِمَّةِ الضَّامِنِ مُقَامَ مَا فِي ذِمَّةِ الْمَضْمُونِ عَنْهُ ، فَيَكُونُ فِي حُكْمِ أَخْذِ الْعِوَضِ وَالْبَدَلِ عَنْهُ ، وَهَذَا لَا يَجُوزُ .","part":9,"page":81},{"id":4081,"text":"( 3248 ) فَصْلٌ : فَإِنْ أَخَذَ رَهْنًا أَوْ ضَمِينًا بِالْمُسْلَمِ فِيهِ ، ثُمَّ تَقَايَلَا السَّلَمَ ، أَوْ فُسِخَ الْعَقْدُ لِتَعَذُّرِ الْمُسْلَمِ فِيهِ ، بَطَلَ الرَّهْنُ ؛ لِزَوَالِ الدَّيْنِ الَّذِي بِهِ الرَّهْنُ ، وَبَرِئَ الضَّامِنُ ، وَعَلَى الْمُسْلَمِ إلَيْهِ رَدُّ رَأْسِ مَالِ السَّلَمِ فِي الْحَالِ .\rوَلَا يُشْتَرَطُ قَبْضُهُ فِي الْمَجْلِسِ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِعِوَضٍ .\rوَلَوْ أَقْرَضَهُ أَلْفًا ، وَأَخَذَ بِهِ رَهْنًا ، ثُمَّ صَالَحَهُ مِنْ الْأَلْفِ عَلَى طَعَامٍ مَعْلُومٍ فِي ذِمَّتِهِ ، صَحَّ ، وَزَالَ الرَّهْنُ ، لِزَوَالِ دَيْنِهِ مِنْ الذِّمَّةِ ، وَبَقِيَ الطَّعَامُ فِي الذِّمَّةِ ، وَيُشْتَرَطُ قَبْضُهُ فِي الْمَجْلِسِ ، كَيْ لَا يَكُونَ بَيْعَ دَيْنٍ بِدَيْنٍ .\rفَإِنْ تَفَرَّقَا قَبْلَ الْقَبْضِ ، بَطَلَ الصُّلْحُ ، وَرَجَعَ الْأَلْفُ إلَى ذِمَّته بِرَهْنِهِ ؛ لِأَنَّهُ يَعُودُ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ ، كَالْعَصِيرِ إذَا تَخَمَّرَ ثُمَّ عَادَ خَلًّا .\rوَهَكَذَا لَوْ صَالَحَهُ عَنْ الدَّرَاهِمِ بِدَنَانِيرَ فِي ذِمَّتِهِ ، فَالْحُكْمُ مِثْلُ مَا بَيَّنَّا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ .","part":9,"page":82},{"id":4082,"text":"( 3249 ) فَصْلٌ : وَإِذَا حَكَمْنَا بِصِحَّةِ ضَمَانِ السَّلَمِ ، فَلِصَاحِبِ الْحَقِّ مُطَالَبَةُ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا ، وَأَيُّهُمَا قَضَاهُ بَرِئَتْ ذِمَّتُهُمَا مِنْهُ .\rفَإِنْ سَلَّمَ الْمُسْلَمَ إلَيْهِ الْمُسْلَمَ فِيهِ إلَى الضَّامِنِ لِيَدْفَعَهُ إلَى الْمُسْلِمِ ، جَازَ ، وَكَانَ وَكِيلًا .\rوَإِنْ قَالَ : خُذْهُ عَنْ الَّذِي ضَمِنْت عَنِّي .\rلَمْ يَصِحَّ ، وَكَانَ قَبْضًا فَاسِدًا مَضْمُونًا عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا اسْتَحَقَّ الْأَخْذَ بَعْدَ الْوَفَاءِ ، فَإِنْ أَوْصَلَهُ إلَى الْمُسْلِمِ ، بَرِئَ بِذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ سَلَّمَ إلَيْهِ مَا سَلَّطَهُ الْمُسْلَمُ إلَيْهِ فِي التَّصَرُّفِ فِيهِ .\rوَإِنْ أَتْلَفَهُ فَعَلَيْهِ ضَمَانُهُ ؛ لِأَنَّهُ قَبَضَهُ عَلَى ذَلِكَ .\rوَإِنْ صَالَحَ الْمُسْلِمُ الضَّامِنَ عَنْ الْمُسْلَمِ فِيهِ بِثَمَنِهِ ، لَمْ يَصِحَّ ؛ لِأَنَّ هَذَا إقَالَةٌ ، فَلَا يَصِحُّ مِنْ غَيْرِ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ .\rوَإِنْ صَالَحَهُ الْمُسْلَمُ إلَيْهِ بِثَمَنِهِ صَحَّ ، وَبَرِئَتْ ذِمَّتُهُ وَذِمَّةُ الضَّامِنِ ؛ لِأَنَّ هَذَا إقَالَةٌ ، وَإِنْ صَالَحَهُ عَلَى غَيْرِ ثَمَنِهِ ، لَمْ يَصِحَّ ؛ لِأَنَّهُ بَيْعُ الْمُسْلَمِ فِيهِ قَبْلَ الْقَبْضِ .","part":9,"page":83},{"id":4083,"text":"( 3250 ) فَصْلٌ : وَاَلَّذِي يَصِحُّ أَخْذُ الرَّهْنِ بِهِ ، كُلُّ دَيْنٍ ثَابِتٍ فِي الذِّمَّةِ يَصِحُّ اسْتِيفَاؤُهُ مِنْ الرَّهْنِ ، كَأَثْمَانِ الْبِيَاعَاتِ ، وَالْأُجْرَةِ فِي الْإِجَارَاتِ ، وَالْمَهْرِ ، وَعِوَضِ الْخُلْعِ ، وَالْقَرْضِ ، وَأَرْشُ الْجِنَايَاتِ ، وَقِيَمِ الْمُتْلَفَاتِ .\rوَلَا يَجُوزُ أَخْذُ الرَّهْنِ بِمَا لَيْسَ بِوَاجِبِ ، وَلَا مَآلُهُ إلَى الْوُجُوبِ ، كَالدِّيَةِ عَلَى الْعَاقِلَةِ قَبْلَ الْحَوْلِ ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَجِبْ بَعْدُ ، وَلَا يُعْلَمُ إفْضَاؤُهَا إلَى الْوُجُوبِ ، فَإِنَّهُمْ لَوْ جُنُّوا أَوْ افْتَقَرُوا أَوْ مَاتُوا ، لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِمْ ، فَلَمْ يَصِحَّ أَخْذُ الرَّهْنِ بِهَا .\rفَأَمَّا بَعْدَ الْحَوْلِ ، فَيَجُوزُ أَخْذُ الرَّهْنِ بِهَا ؛ لِأَنَّهَا قَدْ اسْتَقَرَّتْ فِي ذِمَّتِهِمْ .\rوَيَحْتَمِلُ جَوَازُ أَخْذَ الرَّهْنِ بِهَا قَبْلَ الْحَوْلِ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الْحَيَاةِ وَالْيَسَارِ وَالْعَقْلِ .\rوَلَا يَجُوزُ أَخْذُ الرَّهْنِ بِالْجَعْلِ فِي الْجَعَالَةِ قَبْلَ الْعَمَلِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَجِبْ ، وَلَا يُعْلَمُ إفْضَاؤُهُ إلَى الْوُجُوبِ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : يَحْتَمِلُ أَخْذُ الرَّهْنِ بِهِ ؛ لِأَنَّ مَآلُهُ إلَى الْوُجُوبِ وَاللُّزُومِ ، فَأَشْبَهَتْ أَثْمَانَ الْبِيَاعَاتِ .\rوَالْأُولَى أَوْلَى ؛ لِأَنَّ إفْضَاءَهَا إلَى الْوُجُوبِ مُحْتَمِلٌ ؛ فَأَشْبَهَتْ الدِّيَةَ قَبْلَ الْحَوْلِ .\rوَيَجُوزُ أَخْذُ الرَّهْنِ بِهِ بَعْدَ الْعَمَلِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ وَجَبَ .\rوَلَا يَجُوزُ أَخْذُ الرَّهْنِ بِمَالِ الْكِتَابَةِ ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ لَازِمٍ ؛ فَإِنَّ لِلْعَبْدِ تَعْجِيزَ نَفْسِهِ ، وَلَا يُمْكِنُ اسْتِيفَاءُ دَيْنِهِ مِنْ الرَّهْنِ ، لِأَنَّهُ لَوْ عَجَزَ صَارَ الرَّهْنُ لِلسَّيِّدِ ، لِأَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ مَالِ الْمُكَاتَبِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَجُوزُ : وَلَنَا ، أَنَّهَا وَثِيقَةٌ لَا يُمْكِنُ اسْتِيفَاءُ الْحَقِّ مِنْهَا ، فَلَمْ يَصِحَّ ، كَضَمَانِ الْخَمْرِ ، وَلَا يَجُوزُ أَخْذُ الرَّهْنِ بِعِوَضِ الْمُسَابَقَةِ ؛ لِأَنَّهَا جُعَلَةٌ ، وَلَمْ يُعْلَمْ إفْضَاؤُهَا إلَى الْوُجُوبِ ، لِأَنَّ الْوُجُوبَ ، إنَّمَا يَثْبُتُ بِسَبْقِ غَيْرِ الْمُخْرِجِ ، وَهَذَا غَيْرُ مَعْلُومٍ وَلَا","part":9,"page":84},{"id":4084,"text":"مَظْنُونٍ .\rوَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا : فِيهَا وَجْهَانِ ، هَلْ هِيَ إجَارَةٌ أَوْ جَعَالَةٌ ؟ فَإِنْ قُلْنَا : هِيَ إجَارَةٌ .\rجَازَ أَخْذُ الرَّهْنِ بِعِوَضِهَا .\rوَقَالَ الْقَاضِي : إنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا مُحَلِّلٌ فَهِيَ جَعَالَةٌ ، وَإِنْ كَانَ فِيهَا مُحَلِّلٌ فَعَلَى وَجْهَيْنِ .\rوَهَذَا كُلُّهُ بَعِيدٌ ؛ لِأَنَّ الْجَعْلَ لَيْسَ هُوَ فِي مُقَابَلَةِ الْعَمَلِ ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّهُ إذَا كَانَ مَسْبُوقًا .\rوَقَدْ عَمِلَ الْعَمَلَ ، وَإِنَّمَا هُوَ عِوَضٌ عَنْ السَّبْقِ ، وَلَا تُعْلَمُ الْقُدْرَةُ عَلَيْهِ .\rوَلِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ لِلْجَاعِلِ فِيهِ ، وَلَا هُوَ مُرَادٌ لَهُ ، وَإِذَا لَمْ تَكُنْ إجَارَةً مَعَ عَدَمِ الْمُحَلِّلِ ، فَمَعَ وُجُودِهِ أَوْلَى ، لِأَنَّ مُسْتَحِقَّ الْجَعْلِ هُوَ السَّابِقُ ، وَهُوَ غَيْرُ مُعَيَّنٍ ، وَلَا يَجُوزُ اسْتِئْجَارُ رَجُلٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ ، ثُمَّ لَوْ كَانَتْ إجَارَةً لَكَانَ عِوَضُهَا غَيْرَ وَاجِبٍ فِي الْحَالِ ، وَلَا يُعْلَمُ إفْضَاؤُهُ إلَى الْوُجُوبِ وَلَا يُظَنُّ ، فَلَمْ يَجُزْ أَخْذُ الرَّهْنِ بِهِ كَالْجَعْلِ فِي رَدِّ الْآبِقِ وَاللَّقْطِ ، وَلَا يَجُوزُ أَخْذُ الرَّهْنِ بِعِوَضٍ غَيْرِ ثَابِتٍ فِي الذِّمَّةِ ، كَالثَّمَنِ الْمُعَيَّنِ ، وَالْأُجْرَةِ الْمُعَيَّنَةِ فِي الْإِجَارَةِ ، وَالْمَعْقُودِ عَلَيْهِ فِي الْإِجَارَةِ إذَا كَانَ مَنَافِعُ مُعَيَّنَةٌ ، مِثْلُ إجَارَةِ الدَّارِ ، وَالْعَبْدِ الْمُعَيَّنِ ، وَالْجَمَلِ الْمُعَيَّنِ ، مُدَّةً مَعْلُومَةً ، أَوْ لِحَمْلِ شَيْءٍ مُعَيَّنٍ إلَى مَكَان مَعْلُومٍ ؛ لِأَنَّ هَذَا حَقٌّ تَعَلَّقَ بِالْعَيْنِ لَا بِالذِّمَّةِ ، وَلَا يُمْكِنُ اسْتِيفَاؤُهُ مِنْ الرَّهْنِ ؛ لِأَنَّ مَنْفَعَةَ الْعَيْنِ لَا يُمْكِنُ اسْتِيفَاؤُهَا مِنْ غَيْرِهَا ، وَتَبْطُلُ الْإِجَارَةُ بِتَلَفِ الْعَيْنِ .\rوَإِنْ وَقَعَتْ الْإِجَارَةُ عَلَى مَنْفَعَةٍ فِي الذِّمَّةَ ، كَخِيَاطَةِ ثَوْبٍ ، وَبِنَاءِ دَارٍ ، جَازَ أَخْذُ الرَّهْنِ بِهِ ؛ لِأَنَّهُ ثَابِتٌ فِي الذِّمَّةِ ، وَيُمْكِنُ اسْتِيفَاؤُهُ مِنْ الرَّهْنِ ، بِأَنْ يَسْتَأْجِرَ مِنْ ثَمَنِهِ مَنْ يَعْمَلُ ذَلِكَ الْعَمَلَ ، فَجَازَ أَخْذُ الرَّهْنِ بِهِ ، كَالدَّيْنِ .\rوَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فِي هَذَا","part":9,"page":85},{"id":4085,"text":"كُلِّهِ كَمَا قُلْنَا .","part":9,"page":86},{"id":4086,"text":"( 3251 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا الْأَعْيَانُ الْمَضْمُونَةُ ، كَالْمَغْصُوبِ ، وَالْعَوَارِيّ ، وَالْمَقْبُوضِ بِبَيْعٍ فَاسِدٍ ، وَالْمَقْبُوضِ عَلَى وَجْهِ السَّوْمِ ، فَفِيهَا وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، لَا يَصِحُّ الرَّهْنُ بِهَا .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ غَيْرُ ثَابِتٍ فِي الذِّمَّةِ ، فَأَشْبَهَ مَا ذَكَرْنَا ، وَلِأَنَّهُ إنْ رَهَنَهُ عَلَى قِيمَتِهَا إذَا تَلِفَتْ ، فَهُوَ رَهْنٌ عَلَى مَا لَيْسَ بِوَاجِبِ ، وَلَا يُعْلَمُ إفْضَاؤُهُ إلَى الْوُجُوبِ .\rوَإِنْ أَخَذَ الرَّهْنَ عَلَى عَيْنِهَا لَمْ يَصِحَّ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ اسْتِيفَاءُ عَيْنِهَا مِنْ الرَّهْنِ ، فَأَشْبَهَ أَثْمَانَ الْبِيَاعَاتِ الْمُتَعَيِّنَةِ .\rوَالثَّانِي يَصِحُّ أَخْذُ الرَّهْنِ بِهَا .\rوَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَقَالَ : كُلُّ عَيْنٍ كَانَتْ مَضْمُونَةً بِنَفْسِهَا ، جَازَ أَخْذُ الرَّهْنِ بِهَا .\rيُرِيدُ مَا يَضْمَنُ بِمِثْلِهِ أَوْ قِيمَتِهِ كَالْمَبِيعِ يَجُوزُ أَخْذُ الرَّهْنِ بِهِ ؛ لِأَنَّهُ مَضْمُونٌ بِفَسَادِ الْعَقْدِ ، لِأَنَّ مَقْصُودَ الرَّهْنِ الْوَثِيقَةُ بِالْحَقِّ ، وَهَذَا حَاصِلٌ ، فَإِنَّ الرَّهْنَ بِهَذِهِ الْأَعْيَانِ يَحْمِلُ الرَّاهِنَ عَلَى أَدَائِهَا .\rوَإِنْ تَعَذَّرَ أَدَاؤُهَا ، اسْتَوْفَى بَدَلَهَا مِنْ ثَمَنِ الرَّهْنِ ، فَأَشْبَهَتْ الدَّيْنَ فِي الذِّمَّةِ .","part":9,"page":87},{"id":4087,"text":"( 3252 ) فَصْلٌ قَالَ الْقَاضِي : كُلُّ مَا جَازَ أَخْذُ الرَّهْنِ بِهِ ، جَازَ أَخْذُ الضَّمِينِ بِهِ ، وَمَا لَمْ يَجُزْ الرَّهْنُ بِهِ ، لَمْ يَجُزْ أَخْذُ الضَّمِينِ بِهِ ، إلَّا ثَلَاثَةَ أَشْيَاءَ ؛ عُهْدَةُ الْمَبِيعِ يَصِحُّ ضَمَانُهَا وَلَا يَصِحُّ الرَّهْنُ بِهَا ، وَالْكِتَابَةُ لَا يَصِحُّ الرَّهْنُ بِدَيْنِهَا ، وَفِي ضَمَانِهَا رِوَايَتَانِ ، وَمَا لَمْ يَجِبْ لَا يَصِحُّ الرَّهْنُ بِهِ وَيَصِحُّ ضَمَانُهُ ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا مِنْ وَجْهَيْنِ .\rأَحَدِهِمَا ، أَنَّ الرَّهْنَ بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ يُبْطِلُ الْإِرْفَاقَ ، فَإِنَّهُ إذَا بَاعَ عَبْدَهُ بِأَلْفِ ، وَدَفَعَ رَهْنًا يُسَاوِي أَلْفًا ، فَكَأَنَّهُ مَا قَبَضَ الثَّمَنَ ، وَلَا ارْتَفَقَ بِهِ ، وَالْمُكَاتَبُ إذَا دَفَعَ مَا يُسَاوِي كِتَابَتَهُ ، فَمَا ارْتَفَقَ بِالْأَجَلِ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يُمْكِنُهُ بَيْعُ الرَّهْنِ أَوْ بَقَاءُ الْكِتَابَةِ ، وَيَسْتَرِيحُ مِنْ تَعْطِيلِ مَنَافِعِ عَبْدِهِ ، وَالضَّمَانُ بِخِلَافِ هَذَا .\rالثَّانِي أَنَّ ضَرَرَ الرَّهْنِ يَعُمُّ ؛ لِأَنَّهُ يَدُومُ بَقَاؤُهُ عِنْدَ الْمُشْتَرِي فَيَمْنَعُ .\rالْبَائِعَ التَّصَرُّفَ فِيهِ ، وَالضَّمَانُ بِخِلَافِهِ .","part":9,"page":88},{"id":4088,"text":"( 3253 ) فَصْلٌ : إذَا اخْتَلَفَ الْمُسْلِمُ وَالْمُسْلَمُ إلَيْهِ ، فِي حُلُولِ الْأَجَلِ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُسْلِمِ إلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ .\rوَإِنْ اخْتَلَفَا فِي أَدَاءِ الْمُسْلَمِ فِيهِ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُسْلِمِ ؛ لِذَلِكَ .\rوَإِنْ اخْتَلَفَا فِي قَبْضِ الثَّمَنِ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ ؛ لِذَلِكَ .\rوَإِنْ اتَّفَقَا عَلَيْهِ ، وَقَالَ أَحَدُهُمَا : كَانَ فِي الْمَجْلِسِ قَبْلَ التَّفَرُّقِ .\rوَقَالَ الْآخَرُ : بَعْدَهُ .\rفَالْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ يَدَّعِي الْقَبْضَ فِي الْمَجْلِسِ ؛ لِأَنَّ مَعَهُ سَلَامَةَ الْعَقْدِ ، وَإِنْ أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةً بِمُوجَبِ دَعْوَاهُ ، قُدِّمَتْ أَيْضًا بَيِّنَتُهُ ؛ لِأَنَّهَا مُثْبِتَةٌ وَالْأُخْرَى نَافِيَةٌ .","part":9,"page":89},{"id":4089,"text":"بَابُ الْقَرْضِ وَالْقَرْضُ نَوْعٌ مِنْ السَّلَفِ ، وَهُوَ جَائِزٌ بِالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ أَمَّا السُّنَّةُ ، فَرَوَى أَبُو رَافِعٍ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَسْلَفَ مِنْ رَجُلٍ بَكْرًا ، فَقَدِمَتْ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إبِلُ الصَّدَقَةِ ، فَأَمَرَ أَبَا رَافِعٍ أَنْ يَقْضِيَ الرَّجُلَ بَكْرَهُ .\rفَرَجَعَ إلَيْهِ أَبُو رَافِعٍ ، فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، لَمْ أَجِدْ فِيهَا إلَّا خِيَارًا رُبَاعِيًّا .\rفَقَالَ : أَعْطِهِ ، فَإِنَّ خَيْرَ النَّاسِ أَحْسَنُهُمْ قَضَاءً .\r} رَوَاهُ مُسْلِمٌ .\rوَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُقْرِضُ مُسْلِمًا قَرْضًا مَرَّتَيْنِ .\rإلَّا كَانَ كَصَدَقَةِ مَرَّةٍ } وَعَنْ أَنَسٍ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : رَأَيْت لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي عَلَى بَابِ الْجَنَّةِ مَكْتُوبًا : الصَّدَقَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا ، وَالْقَرْضُ بِثَمَانِيَةَ عَشْرَ .\rفَقُلْت : يَا جِبْرِيلُ ، مَا بَالُ الْقَرْضِ أَفْضَلُ مِنْ الصَّدَقَةِ ؟ .\rقَالَ : لِأَنَّ السَّائِلَ يَسْأَلُ وَعِنْدَهُ ، وَالْمُسْتَقْرِضُ لَا يَسْتَقْرِضُ إلَّا مِنْ حَاجَةٍ .\r} رَوَاهُمَا ابْنُ مَاجَهْ .\r، وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى جَوَازِ الْقَرْضِ .","part":9,"page":90},{"id":4090,"text":"( 3254 ) فَصْلٌ : وَالْقَرْضُ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ فِي حَقِّ الْمُقْرِضِ ، مُبَاحٌ لِلْمُقْتَرِضِ ؛ لِمَا رَوَيْنَا مِنْ الْأَحَادِيثِ ، وَلَمَّا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { مَنْ كَشَفَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا ، كَشَفَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، وَاَللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا دَامَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ } .\rوَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ، أَنَّهُ قَالَ : \" لَأَنْ أُقْرِضَ دِينَارَيْنِ ثُمَّ يُرَدَّانِ ، ثُمَّ أُقْرِضَهُمَا ، أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنَّ أَتَصَدَّقَ بِهِمَا .\rوَلِأَنَّ فِيهِ تَفْرِيجًا عَنْ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ ، وَقَضَاءً لِحَاجَتِهِ ، وَعَوْنًا لَهُ ، فَكَانَ مَنْدُوبًا إلَيْهِ ، كَالصَّدَقَةِ عَلَيْهِ وَلَيْسَ بِوَاجِبِ .\rقَالَ أَحْمَدُ لَا إثْمَ عَلَى مَنْ سُئِلَ الْقَرْضَ فَلَمْ يُقْرِضْ .\rوَذَلِكَ لِأَنَّهُ مِنْ الْمَعْرُوفِ ، فَأَشْبَهَ صَدَقَةَ التَّطَوُّعِ .\rوَلَيْسَ بِمَكْرُوهِ فِي حَقِّ الْمُقْرِضِ .\rقَالَ أَحْمَدُ : لَيْسَ الْقَرْضُ مِنْ الْمَسْأَلَةِ .\rيَعْنِي لَيْسَ بِمَكْرُوهٍ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَسْتَقْرِضُ ، بِدَلِيلِ حَدِيثِ أَبِي رَافِعٍ ، وَلَوْ كَانَ مَكْرُوهًا ، كَانَ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ .\rوَلِأَنَّهُ إنَّمَا يَأْخُذُهُ بِعِوَضِهِ ، فَأَشْبَهَ الشِّرَاءَ بِدَيْنِ فِي ذِمَّتِهِ .\rقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى : لَا أُحِبُّ أَنْ يَتَحَمَّلَ بِأَمَانَتِهِ مَا لَيْسَ عِنْدَهُ .\rيَعْنِي مَا لَا يَقْدِرُ عَلَى وَفَائِهِ .\rوَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَسْتَقْرِضَ ، فَلْيُعْلِمْ مَنْ يَسْأَلُهُ الْقَرْضَ بِحَالِهِ ، وَلَا يَغُرُّهُ مِنْ نَفْسِهِ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الشَّيْءُ الْيَسِيرُ الَّذِي لَا يَتَعَذَّرُ رَدُّ مِثْلِهِ .\rقَالَ أَحْمَدُ : إذَا اقْتَرَضَ لِغَيْرِهِ وَلَمْ يُعْلِمْهُ بِحَالِهِ ، لَمْ يُعْجِبْنِي .\rوَقَالَ : مَا أُحِبُّ أَنْ يَقْتَرِضَ بِجَاهِهِ لِإِخْوَانِهِ .\rقَالَ الْقَاضِي : يُعْنَى إذَا كَانَ مَنْ يَقْتَرِضُ لَهُ غَيْرَ مَعْرُوفٍ بِالْوَفَاءِ ؛ لِكَوْنِهِ تَغْرِيرًا بِمَالِ الْمُقْرِضِ ، وَإِضْرَارًا بِهِ ، أَمَّا إذَا كَانَ مَعْرُوفًا بِالْوَفَاءِ ، لَمْ","part":9,"page":91},{"id":4091,"text":"يُكْرَهْ ؛ لِكَوْنِهِ إعَانَةً لَهُ ، وَتَفْرِيجًا لِكُرْبَتِهِ .","part":9,"page":92},{"id":4092,"text":"( 3255 ) فَصْلٌ : وَلَا يَصِحُّ إلَّا مِنْ جَائِزِ التَّصَرُّفِ ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ عَلَى الْمَالِ ، فَلَمْ يَصِحَّ إلَّا مِنْ جَائِزِ التَّصَرُّفِ كَالْبَيْعِ .\rوَحُكْمُهُ فِي الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ حُكْمُ الْبَيْعِ ، عَلَى مَا مَضَى .\rوَيَصِحُّ بِلَفْظِ السَّلَفِ وَالْقَرْضِ ؛ لِوُرُودِ الشَّرْعِ بِهِمَا ، وَبِكُلِّ لَفْظٍ يُؤَدِّي مَعْنَاهُمَا ، مِثْلُ أَنْ يَقُولَ : مَلَّكْتُك هَذَا ، عَلَى أَنْ تَرُدَّ عَلَى بَدَلَهُ .\rأَوْ تُوجَدُ قَرِينَةٌ دَالَّةٌ عَلَى إرَادَةِ الْقَرْضِ .\rفَإِنْ قَالَ : مَلَّكْتُك .\rوَلَمْ يَذْكُرْ الْبَدَلَ ، وَلَا وُجِدَ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ ، فَهُوَ هِبَةٌ .\rفَإِنْ اخْتَلَفَا ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَوْهُوبِ لَهُ ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مَعَهُ ، لِأَنَّ التَّمْلِيكَ مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ هِبَةٌ .","part":9,"page":93},{"id":4093,"text":"( 3256 ) فَصْلٌ : وَلَا يَثْبُتُ فِيهِ خِيَارٌ مَا ؛ لِأَنَّ الْمُقْرِضَ دَخَلَ عَلَى بَصِيرَةِ أَنَّ الْحَظَّ لِغَيْرِهِ ، فَأَشْبَهَ الْهِبَةَ ، وَالْمُقْتَرِضُ مَتَى شَاءَ رَدَّهُ ، فَيَسْتَغْنِي بِذَلِكَ عَنْ ثُبُوتِ الْخِيَارِ لَهُ .\rوَيَثْبُتُ الْمِلْكُ فِي الْقَرْضِ بِالْقَبْضِ .\rوَهُوَ عَقَدَ لَازِمٌ فِي حَقِّ الْمُقْرِضِ ، جَائِزٌ فِي حَقِّ الْمُقْتَرِضِ ، فَلَوْ أَرَادَ الْمُقْرِضُ الرُّجُوعَ فِي عَيْنِ مَالِهِ ، لَمْ يَمْلِكْ ذَلِكَ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَهُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَا يَمْلِكُ الْمُطَالَبَةَ بِمِثْلِهِ مَلَكَ أَخْذَهُ إذَا كَانَ مَوْجُودًا ، كَالْمَغْصُوبِ وَالْعَارِيَّةِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ أَزَالَ مِلْكَهُ بِعِوَضٍ مِنْ غَيْرِ خِيَارٍ ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ الرُّجُوعُ فِيهِ كَالْمَبِيعِ ، وَيُفَارِقُ الْمَغْصُوبَ ، وَالْعَارِيَّةَ ، فَإِنَّهُ لَمْ يَزُلْ مِلْكُهُ عَنْهُمَا ، وَلِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ الْمُطَالَبَةَ بِمِثْلِهِمَا مَعَ وُجُودِهِمَا ، وَفِي مَسْأَلَتِنَا بِخِلَافِهِ .\rفَأَمَّا الْمُقْتَرِضُ ، فَلَهُ رَدُّ مَا اقْتَرَضَهُ عَلَى الْمُقْرِضِ ، إذَا كَانَ عَلَى صِفَتِهِ لَمْ يَنْقُصْ ، وَلَمْ يَحْدُثْ بِهِ عَيْبٌ ؛ لِأَنَّهُ عَلَى صِفَةِ حَقِّهِ ، فَلَزِمَهُ قَبُولُهُ كَالْمُسْلَمِ فِيهِ ، وَكَمَا لَوْ أَعْطَاهُ غَيْرَهُ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَلْزَمَ الْمُقْتَرِضَ قَبُولُ مَا لَيْسَ بِمِثْلِي ؛ لِأَنَّ الْقَرْضَ فِيهِ يُوجِبُ رَدَّ الْقِيمَةِ عَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ ، فَإِذَا رَدَّهُ بِعَيْنِهِ لَمْ يَرُدَّ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ ، فَلَمْ يَجِبْ قَبُولُهُ كَالْمَبِيعِ .","part":9,"page":94},{"id":4094,"text":"( 3257 ) فَصْلٌ : وَلِلْمُقْرِضِ الْمُطَالَبَةُ بِبَدَلِهِ فِي الْحَالِ ؛ لِأَنَّهُ سَبَبٌ يُوجِبُ رَدَّ الْمِثْلِ فِي الْمِثْلِيَّاتِ ، فَأَوْجَبَهُ حَالَّا كَالْإِتْلَافِ .\rوَلَوْ أَقْرَضَهُ تَفَارِيقَ ، ثُمَّ طَالَبَهُ بِهَا جُمْلَةً ؛ فَلَهُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الْجَمِيعَ حَالٌّ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ بَاعَهُ بُيُوعًا حَالَّةً ، ثُمَّ طَالَبَهُ بِثَمَنِهَا جُمْلَةً .\rوَإِنْ أَجَّلَ الْقَرْضَ ، لَمْ يَتَأَجَّلْ ، وَكَانَ حَالًّا .\rوَكُلُّ دَيْنٍ حَلَّ أَجَلُهُ ، لَمْ يَصِرْ مُؤَجَّلًا بِتَأْجِيلِهِ .\rوَبِهَذَا قَالَ الْحَارِثُ الْعُكْلِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَقَالَ مَالِكٌ وَاللَّيْثُ : يَتَأَجَّلُ الْجَمِيعُ بِالتَّأْجِيلِ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { الْمُؤْمِنُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ .\r} وَلِأَنَّ الْمُتَعَاقِدَيْنِ يَمْلِكَانِ التَّصَرُّفَ فِي هَذَا الْعَقْدِ بِالْإِقَالَةِ وَالْإِمْضَاءِ ؛ فَمَلَكَا الزِّيَادَةَ فِيهِ ، كَخِيَارِ الْمَجْلِسِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي الْقَرْضِ وَبَدَلِ الْمُتْلَفِ كَقَوْلِنَا ، وَفِي ثَمَنِ الْمَبِيعِ وَالْأُجْرَةِ وَالصَّدَاقِ وَعِوَضِ الْخُلْعِ كَقَوْلِهِمَا ؛ لِأَنَّ الْأَجَلَ يَقْتَضِي جُزْءًا مِنْ الْعِوَضِ ، وَالْقَرْضُ لَا يَحْتَمِلُ الزِّيَادَةَ وَالنَّقْصَ فِي عِوَضِهِ ، وَبَدَلُ الْمُتْلَفِ الْوَاجِبِ فِيهِ الْمِثْلُ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ وَلَا نَقْصٍ ؛ فَلِذَلِكَ لَمْ يَتَأَجَّلْ ، وَبَقِيَّةُ الْأَعْوَاضِ يَجُوزُ الزِّيَادَةُ فِيهَا ، فَجَازَ تَأْجِيلُهَا .\rوَلَنَا ، أَنَّ الْحَقَّ يَثْبُتُ ، حَالًّا ، وَالتَّأْجِيلَ تَبَرُّعٌ مِنْهُ وَوَعْدٌ ، فَلَا يَلْزَمُ الْوَفَاءُ بِهِ ، كَمَا لَوْ أَعَارَهُ شَيْئًا ، وَهَذَا لَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الشَّرْطِ ، وَلَوْ سُمِّيَ ، فَالْخَبَرُ مَخْصُوصٌ بِالْعَارِيَّةِ ، فَيَلْحَقُ بِهِ مِمَّا اخْتَلَفَا فِيهِ لِأَنَّهُ مِثْلُهُ وَلَنَا ، عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ ، أَنَّهَا زِيَادَةٌ بَعْدَ اسْتِقْرَارِ الْعَقْدِ ، فَأَشْبَهَ الْقَرْضَ ، وَأَمَّا الْإِقَالَةُ : فَهِيَ فَسْخٌ ، وَابْتِدَاءُ عَقْدٍ آخَرَ ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا ، وَأَمَّا خِيَارُ الْمَجْلِسِ ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ ابْتِدَاءِ الْعَقْدِ ،","part":9,"page":95},{"id":4095,"text":"بِدَلِيلِ أَنَّهُ يُجْزِئُ فِيهِ الْقَبْضُ لِمَا يُشْتَرَطُ قَبْضُهُ ، وَالتَّعَيُّنُ لِمَا فِي الذِّمَّةِ .","part":9,"page":96},{"id":4096,"text":"( 3258 ) فَصْلٌ : وَيَجُوزُ قَرْضُ الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ بِغَيْرِ خِلَافٍ .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ، عَلَى أَنَّ اسْتِقْرَاضَ مَالَهُ مِثْلٌ مِنْ الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُون وَالْأَطْعِمَةِ جَائِزٌ .\rوَيَجُوزُ قَرْضُ كُلِّ مَا يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ سَلَمًا ، سِوَى بَنِي آدَمَ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يَجُوزُ قَرْضٌ غَيْرُ الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ ؛ لِأَنَّهُ لَا مِثْلَ لَهُ ، أَشْبَهَ الْجَوَاهِرَ .\rوَلَنَا ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَسْلَفَ بَكْرًا ، وَلَيْسَ بِمَكِيلٍ وَلَا مَوْزُونٍ .\r} وَلِأَنَّ مَا يَثْبُتُ سَلَمًا ، يُمْلَكُ بِالْبَيْعِ وَيُضْبَطُ بِالْوَصْفِ ، فَجَازَ قَرْضُهُ ، كَالْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ .\rوَقَوْلُهُمْ : لَا مِثْلَ لَهُ .\rخِلَافُ أَصْلِهِمْ ، فَإِنَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ، لَوْ أَتْلَفَ عَلَى رَجُلٍ ثَوْبًا ، ثَبَتَ فِي ذِمَّتِهِ مِثْلُهُ ، وَيَجُوزُ الصُّلْحُ عَنْهُ بِأَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ .\rفَأُمًّا مَا لَا يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ سَلَمًا ، كَالْجَوَاهِرِ وَشَبَهِهَا ، فَقَالَ الْقَاضِي : يَجُوزُ فِيهَا قَرْضُهَا ، وَيَرُدُّ الْمُسْتَقْرِضُ الْقِيمَةَ ؛ لِأَنَّ مَا لَا مِثْلَ لَهُ يُضْمَنُ بِالْقِيمَةِ ، وَالْجَوَاهِرُ كَغَيْرِهَا فِي الْقِيَمِ .\rوَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : لَا يَجُوزُ قَرْضُهَا ، لِأَنَّ الْقَرْضَ يَقْتَضِي رَدَّ الْمِثْلِ ، وَهَذِهِ لَا مِثْلَ لَهَا .\rوَلِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ قَرْضُهَا ، وَلَا هِيَ فِي مَعْنَى مَا نُقِلَ الْقَرْضُ فِيهِ ، لِكَوْنِهَا لَيْسَتْ مِنْ الْمَرَافِقِ ، وَلَا يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ سَلَمًا ، فَوَجَبَ إبْقَاؤُهَا عَلَى الْمَنْعِ .\rوَيُمْكِنُ بِنَاءُ هَذَا الْخِلَافِ عَلَى الْوَجْهَيْنِ فِي الْوَاجِبِ فِي بَدَلِ غَيْرِ الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ ، فَإِذَا قُلْنَا : الْوَاجِبُ رَدُّ الْمِثْلِ .\rلَمْ يَجُزْ قَرْضُ الْجَوَاهِرِ وَمَا لَا يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ سَلَمًا ، لِتَعَذُّرِ رَدِّ مِثْلِهَا .\rوَإِنْ قُلْنَا : الْوَاجِبُ رَدُّ الْقِيمَةِ .\rجَازَ قَرْضُهُ ؛ لِإِمْكَانِ رَدِّ الْقِيمَةِ .\rوَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَجْهَانِ كَهَذَيْنِ .","part":9,"page":97},{"id":4097,"text":"( 3259 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا بَنُو آدَمَ ، فَقَالَ أَحْمَدُ : أَكْرَهُ قَرْضَهُمْ .\rفَيَحْتَمِلُ كَرَاهِيَةَ تَنْزِيهٍ ، وَيَصِحُّ قَرْضُهُمْ ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ جُرَيْجِ ، وَالْمَزْنِيِّ ؛ لِأَنَّهُ مَالٌ يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ سَلَمًا ، فَصَحَّ قَرْضُهُ ، كَسَائِرِ الْحَيَوَانِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ كَرَاهَةَ التَّحْرِيمِ ، فَلَا يَصِحُّ قَرْضُهُمْ .\rاخْتَارَهُ الْقَاضِي ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ قَرْضُهُمْ ، وَلَا هُوَ مِنْ الْمَرَافِقِ .\rوَيَحْتَمِلُ صِحَّةَ قَرْضِ الْعَبِيدِ دُونَ الْإِمَاء .\rوَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ ، إلَّا أَنْ يُقْرِضَهُنَّ مِنْ ذَوِي مَحَارِمِهِنَّ ، لِأَنَّ الْمِلْكَ بِالْقَرْضِ ضَعِيفٌ ، فَإِنَّهُ لَا يَمْنَعُهُ مِنْ رَدِّهَا عَلَى الْمُقْرِضِ ، فَلَا يُسْتَبَاحُ بِهِ الْوَطْءُ ، كَالْمِلْكِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ ، وَإِذَا لَمْ يُبَحْ الْوَطْءُ لَمْ يَصِحَّ الْقَرْضُ ، لِعَدَمِ الْقَائِلِ بِالْفَرْقِ ، وَلِأَنَّ الْأَبْضَاعَ مِمَّا يُحْتَاطُ لَهَا ، وَلَوْ أَبَحْنَا قَرْضَهُنَّ ، أَفْضَى إلَى أَنَّ الرَّجُلَ يَسْتَقْرِضُ أَمَةً ، فَيَطَؤُهَا ثُمَّ يَرُدُّهَا مِنْ يَوْمِهِ ، وَمَتَى احْتَاجَ إلَى وَطْئِهَا ، اسْتَقْرَضَهَا فَوَطِئَهَا ثُمَّ رَدَّهَا ، كَمَا يَسْتَعِيرُ الْمَتَاعَ ، فَيَنْتَفِعُ بِهِ ثُمَّ يَرُدُّهُ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ عَقْدٌ نَاقِلٌ لِلْمِلْكِ فَاسْتَوَى فِيهِ الْعَبِيدُ وَالْإِمَاءُ كَسَائِرِ الْعُقُودِ وَلَا نُسَلِّمُ ضِعْفَ الْمِلْكِ ؛ فَإِنَّهُ مُطْلَقٌ لِسَائِرِ التَّصَرُّفَاتِ ، بِخِلَافِ الْمِلْكِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ .\rوَقَوْلُهُمْ : مَتَى شَاءَ الْمُقْتَرِضُ رَدَّهَا .\rمَمْنُوعٌ ؛ فَإِنَّنَا إذَا قُلْنَا : الْوَاجِبُ رَدُّ الْقِيمَةِ .\rلَمْ يَمْلِكْ الْمُقْتَرِضُ رَدَّ الْأَمَةِ ، وَإِنَّمَا يَرُدُّ قِيمَتَهَا ، وَإِنْ سَلَّمْنَا ذَلِكَ ، لَكِنْ مَتَى قَصَدَ الْمُقْتَرِضُ هَذَا لَمْ يَحِلَّ لَهُ فِعْلُهُ ، وَلَا يَصِحُّ اقْتِرَاضُهُ ، كَمَا لَوْ اشْتَرَى أَمَةً لِيَطَأَهَا ثُمَّ يَرُدُّهَا بِالْمُقَابَلَةِ أَوْ بِعَيْبٍ فِيهَا ، وَإِنْ وَقَعَ هَذَا بِحُكْمِ الِاتِّفَاقِ ، لَمْ يَمْنَعْ الصِّحَّةَ ، كَمَا لَوْ وَقَعَ ذَلِكَ فِي الْبَيْعِ ، وَكَمَا لَوْ أَسْلَمَ جَارِيَةً فِي أُخْرَى","part":9,"page":98},{"id":4098,"text":"مَوْصُوفَةٍ بِصِفَاتِهَا ، ثُمَّ رَدَّهَا بِعَيْنِهَا عِنْدَ حُلُولِ الْأَجَلِ .\rوَلَوْ ثَبَتَ أَنَّ الْقَرْضَ ضَعِيفٌ لَا يُبِيحُ الْوَطْءَ ، لَمْ يَمْنَعْ مِنْهُ فِي الْجَوَارِي ، كَالْبَيْعِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ .\rوَعَدَمُ الْقَائِلِ بِالْفَرْقِ لَيْسَ بِشَيْءِ ، عَلَى مَا عُرِفَ فِي مَوَاضِعِهِ .\rوَعَدَمُ نَقْلِهِ لَيْسَ بِحَجَّةِ ؛ فَإِنَّ أَكْثَرَ الْحَيَوَانَاتِ لَمْ يُنْقَلْ قَرْضُهَا ، وَهُوَ جَائِزٌ .","part":9,"page":99},{"id":4099,"text":"( 3260 ) فَصْلٌ : وَإِذَا اقْتَرَضَ دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ غَيْرَ مَعْرُوفَةِ الْوَزْنِ ، لَمْ يَجُزْ ؛ لِأَنَّ الْقَرْضَ فِيهَا يُوجِبُ رَدَّ الْمِثْلِ ، فَإِذَا لَمْ يُعْرَفْ الْمِثْلُ لَمْ يُمْكِنْ الْقَضَاءُ .\rوَكَذَلِكَ لَوْ اقْتَرَضَ مَكِيلًا أَوْ مَوْزُونًا جُزَافًا ، لَمْ يَجُزْ ؛ لِذَلِكَ .\rوَلَوْ قَدَّرَهُ بِمِكْيَالٍ بِعَيْنِهِ ، أَوْ صَنْجَةٍ بِعَيْنِهَا ، غَيْرِ مَعْرُوفَيْنِ عِنْدَ الْعَامَّةِ ، لَمْ يَجُزْ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَأْمَنُ تَلَفَ ذَلِكَ ، فَيَتَعَذَّرَ رَدُّ الْمِثْلِ ، فَأَشْبَهَ السَّلَمَ فِي مِثْلِ ذَلِكَ .\rوَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ، فِي مَاءٍ بَيْنَ قَوْمٍ ، لَهُمْ نُوَبٌ فِي أَيَّامٍ مُسَمَّاةٍ ، فَاحْتَاجَ بَعْضُهُمْ إلَى أَنْ يَسْتَقِيَ فِي غَيْرِ نَوْبَتِهِ ، فَاسْتَقْرَضَ مِنْ نَوْبَةِ غَيْرِهِ ، لِيَرُدَّ عَلَيْهِ بَدَلَهُ فِي يَوْمِ نَوْبَتِهِ : فَلَا بَأْسَ ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَحْدُودٍ كَرِهْته .\rفَكَرِهَهُ إذَا لَمْ يَكُنْ مَحْدُودًا ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ رَدُّ مِثْلِهِ .\rوَإِنْ كَانَتْ الدَّرَاهِمُ يَتَعَامَلُ بِهَا عَدَدًا ، فَاسْتَقْرَضَ عَدَدًا ، رَدَّ عَدَدًا .\rوَإِنْ اسْتَقْرَضَ وَزْنًا .\rرَدَّ وَزْنًا .\rوَهَذَا قَوْلُ الْحَسَنِ ، وَابْنِ سِيرِينَ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ .\rوَاسْتَقْرَضَ أَيُّوبُ مِنْ حَمَّادِ بْن زَيْدٍ دَرَاهِمَ بِمَكَّةَ عَدَدًا ، وَأَعْطَاهُ بِالْبَصْرَةِ عَدَدًا ، لِأَنَّهُ وَفَّاهُ مِثْلَمَا اقْتَرَضَ فِيمَا يَتَعَامَلُ بِهِ النَّاسُ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ كَانُوا يَتَعَامَلُونَ بِهَا وَزْنًا .\rفَرَدَّ وَزْنًا .","part":9,"page":100},{"id":4100,"text":"( 3261 ) فَصْلٌ : وَيَجِبُ رَدُّ الْمِثْلِ فِي الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ .\rلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ، عَلَى أَنَّ مَنْ أَسْلَفَ سَلَفًا ، مِمَّا يَجُوزُ أَنْ يُسَلِّفَ ، فَرُدَّ عَلَيْهِ مِثْلُهُ ، أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ وَأَنَّ لِلْمُسَلِّفِ أَخْذَ ذَلِكَ .\rوَلِأَنَّ الْمَكِيلَ وَالْمَوْزُونَ يُضْمَنُ فِي الْغَصْبِ وَالْإِتْلَافِ بِمِثْلِهِ .\rفَكَذَا هَاهُنَا .\rفَأَمَّا غَيْرُ الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، يَجِبُ رَدُّ قِيمَتِهِ يَوْمَ الْقَرْضِ ؛ لِأَنَّهُ لَا مِثْلَ لَهُ ، فَيَضْمَنُهُ بِقِيمَتِهِ ، كَحَالِ الْإِتْلَافِ وَالْغَصْبِ .\rوَالثَّانِي ، يَجِبُ رَدُّ مِثْلِهِ ؛ { لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَسْلَفَ مِنْ رَجُلٍ بَكْرًا ، فَرَدَّ مِثْلَهُ .\r} وَيُخَالِفُ الْإِتْلَافَ ؛ فَإِنَّهُ لَا مُسَامَحَةَ فِيهِ ، فَوَجَبَتْ الْقِيمَةُ ، لِأَنَّهَا أُحْصَرُ ، وَالْقَرْضُ أَسْهَلُ ، وَلِهَذَا جَازَتْ النَّسِيئَةُ فِيهِ فِيمَا فِيهِ الرِّبَا ، وَيَعْتَبِرُ مِثْلَ صِفَاتِهِ تَقْرِيبًا ، فَإِنَّ حَقِيقَةَ الْمِثْلِ إنَّمَا تُوجَدُ فِي الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ .\rفَإِنْ تَعَذَّرَ الْمِثْلُ ، فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ يَوْمَ تَعَذَّرَ الْمِثْلُ ، لِأَنَّ الْقِيمَةَ ثَبَتَتْ فِي ذِمَّتِهِ حِينَئِذٍ .\rوَإِذَا قُلْنَا : تَجِبُ الْقِيمَةُ .\rوَجَبَتْ حِينَ الْقَرْضِ .\rلِأَنَّهَا حِينَئِذٍ ثَبَتَتْ فِي ذِمَّتِهِ .","part":9,"page":101},{"id":4101,"text":"( 3262 ) فَصْلٌ : وَيَجُوزُ قَرْضُ الْخُبْزِ .\rوَرَخَّصَ فِيهِ أَبُو قِلَابَةَ وَمَالِكٌ .\rوَمَنَعَ مِنْهُ أَبُو حَنِيفَةَ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ مَوْزُونٌ ، فَجَازَ قَرْضُهُ ، كَسَائِرِ الْمَوْزُونَاتِ .\rوَإِذَا أَقْرَضَهُ بِالْوَزْنِ ، وَرَدَّ مِثْلَهُ بِالْوَزْنِ ، جَازَ .\rوَإِنْ أَخَذَهُ عَدَدًا ، فَرَدَّهُ عَدَدًا ، فَقَالَ الشَّرِيفُ أَبُو جَعْفَرٍ : فِيهِ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، لَا يَجُوزُ ؛ لِأَنَّهُ مَوْزُونٌ ، أَشْبَهَ سَائِرَ الْمَوْزُونَاتِ .\rوَالثَّانِيَةُ ، يَجُوزُ .\rقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى : إذَا كَانَ يَتَحَرَّى أَنْ يَكُونَ مِثْلًا بِمِثْلٍ ، فَلَا يَحْتَاجُ إلَى الْوَزْنِ ، وَالْوَزْنُ أَحَبُّ إلَيَّ .\rوَوَجْهُ الْجَوَازِ ، مَا رَوَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ : { قُلْت : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنَّ الْجِيرَانَ يَسْتَقْرِضُونَ الْخُبْزَ وَالْخَمِيرَ ، وَيَرُدُّونَ زِيَادَةً وَنُقْصَانًا .\rفَقَالَ : لَا بَأْسَ ، إنَّ ذَلِكَ مِنْ مَرَافِقِ النَّاسِ ، لَا يُرَادُ بِهِ الْفَضْلُ } .\rذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ فِي \" الشَّافِي \" بِإِسْنَادِهِ .\rوَفِيهِ أَيْضًا ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ، { أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ اسْتِقْرَاضِ الْخُبْزِ وَالْخَمِيرِ ، فَقَالَ : سُبْحَانَ اللَّهِ ، إنَّمَا هَذَا مِنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ ، فَخُذْ الْكَبِيرَ وَأَعْطِ الصَّغِيرَ ، وَخُذْ الصَّغِيرَ وَأَعْطِ الْكَبِيرَ ، خَيْرُكُمْ أَحْسَنُكُمْ قَضَاءً .\rسَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ ذَلِكَ } .\rوَلِأَنَّ هَذَا مِمَّا تَدْعُو الْحَاجَةُ إلَيْهِ ، وَيَشُقُّ اعْتِبَارُ الْوَزْنِ فِيهِ ، وَتَدْخُلُهُ الْمُسَامَحَةُ ، فَجَازَ ، كَدُخُولِ الْحَمَّامِ مِنْ غَيْرِ تَقْدِيرِ أُجْرَةٍ ، وَالرُّكُوبِ فِي سَفِينَةِ الْمَلَّاحِ ، وَأَشْبَاهِ هَذَا .\rفَإِنْ شَرَطَ أَنْ يُعْطِيَهُ أَكْثَرَ مِمَّا أَقْرَضَهُ أَوْ أَجْوَدَ ، أَوْ أَعْطَاهُ مِثْلَ مَا أَخَذَ وَزَادَهُ كِسْرَةً ، كَانَ ذَلِكَ حَرَامًا .\rوَكَذَلِكَ إنْ أَقْرَضَهُ صَغِيرًا ، قَصْدَ أَنَّ يُعْطِيَهُ كَبِيرًا ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ تَحْرِيمُ ذَلِكَ ، وَإِنَّمَا أُبِيحَ لِمَشَقَّةِ إمْكَانِ التَّحَرُّزِ مِنْهُ ، فَإِذَا قَصَدَ أَوْ شَرَطَ أَوْ أَفْرَدَتْ الزِّيَادَةُ ،","part":9,"page":102},{"id":4102,"text":"فَقَدْ أَمْكَنَ التَّحَرُّزُ مِنْهُ ، فَحُرِّمَ بِحُكْمِ الْأَصْلِ ، كَمَا لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ فِي غَيْرِهِ .","part":9,"page":103},{"id":4103,"text":"( 3263 ) فَصْلٌ : وَكُلُّ قَرْضٍ شَرَطَ فِيهِ أَنْ يَزِيدَهُ ، فَهُوَ حَرَامٌ ، بِغَيْرِ خِلَافٍ .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْمُسَلِّفَ إذَا شَرَطَ عَلَى الْمُسْتَسْلِفِ زِيَادَةً أَوْ هَدِيَّةً ، فَأَسْلَفَ عَلَى ذَلِكَ ، أَنَّ أَخْذَ الزِّيَادَةِ عَلَى ذَلِكَ رَبًّا .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ ، أَنَّهُمْ نَهَوْا عَنْ قَرْضٍ جَرَّ مَنْفَعَةً .\rوَلِأَنَّهُ عَقْدُ إرْفَاقٍ وَقُرْبَةٍ ، فَإِذَا شَرَطَ فِيهِ الزِّيَادَةَ أَخْرَجَهُ عَنْ مَوْضُوعِهِ .\rوَلَا فَرْقَ بَيْنَ الزِّيَادَةِ فِي الْقَدْرِ أَوْ فِي الصِّفَةِ ، مِثْلُ أَنْ يُقْرِضَهُ مُكَسَّرَةً ، لِيُعْطِيَهُ صِحَاحًا ، أَوْ نَقْدًا ، لِيُعْطِيَهُ خَيْرًا مِنْهُ .\rوَإِنْ شَرَطَ أَنْ يُعْطِيَهُ إيَّاهُ فِي بَلَدٍ آخَرَ ، وَكَانَ لِحَمْلِهِ مُؤْنَةٌ ، لَمْ يَجُزْ ؛ لِأَنَّهُ زِيَادَةٌ .\rوَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِحَمْلِهِ مُؤْنَةٌ ، جَازَ .\rوَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ عَلِيٍّ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَالْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ ، وَابْنِ سِيرِينَ ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَسْوَدِ ، وَأَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيُّ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَأَحْمَدَ ، وَإِسْحَاقَ .\rوَكَرِهَهُ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ ، وَمَيْمُونُ بْنُ أَبِي شَبِيبٍ ، وَعَبْدَةُ بْنُ أَبِي لُبَابَةَ ، وَمَالِكٌ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ فِي ذَلِكَ زِيَادَةٌ .\rوَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى أَنَّ مَنْ شَرَطَ أَنْ يَكْتُبَ لَهُ بِهَا سَفْتَجَةً لَمْ يَجُزْ ، وَمَعْنَاهُ : اشْتِرَاطُ الْقَضَاءِ فِي بَلَدٍ آخَرَ ، وَرُوِيَ عَنْهُ جَوَازُهَا ؛ لِكَوْنِهَا مَصْلَحَةً لَهُمَا جَمِيعًا .\rوَقَالَ عَطَاءٌ : كَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ يَأْخُذُ مِنْ قَوْمٍ بِمَكَّةَ دَرَاهِمَ ، ثُمَّ يَكْتُبُ لَهُمْ بِهَا إلَى مُصْعَبِ بْن الزُّبَيْرِ بِالْعِرَاقِ ، فَيَأْخُذُونَهَا مِنْهُ .\rفَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ ابْنُ عَبَّاسٍ ، فَلَمْ يَرَ بِهِ بَأْسًا ، وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ مِثْلِ هَذَا ، فَلَمْ يَرَ بِهِ بَأْسًا .\rوَمِمَّنْ لَمْ يَرَ بِهِ بَأْسًا ابْنُ سِيرِينَ ، وَالنَّخَعِيُّ .\rرَوَاهُ كُلَّهُ سَعِيدٌ .\rوَذَكَرَ","part":9,"page":104},{"id":4104,"text":"الْقَاضِي أَنَّ لِلْوَصِيِّ قَرْضَ مَالِ الْيَتِيمِ فِي بَلَدٍ أُخْرَى لِيَرْبَح خَطَرَ الطَّرِيقِ .\rوَالصَّحِيحُ جَوَازُهُ ؛ لِأَنَّهُ مَصْلَحَةٌ لَهُمَا مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا ، وَالشَّرْعُ لَا يَرِدُ بِتَحْرِيمِ الْمَصَالِحِ الَّتِي لَا مَضَرَّةَ فِيهَا ، بَلْ بِمَشْرُوعِيَّتِهَا .\rوَلِأَنَّ هَذَا لَيْسَ بِمَنْصُوصِ عَلَى تَحْرِيمِهِ ، وَلَا فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ ، فَوَجَبَ إبْقَاؤُهُ عَلَى الْإِبَاحَةِ .\rوَإِنْ شَرَطَ فِي الْقَرْضِ أَنْ يُؤْجَرَهُ دَارِهِ ، أَوْ يَبِيعَهُ شَيْئًا ، أَوْ أَنْ يُقْرِضَهُ الْمُقْتَرَضُ مَرَّةً أُخْرَى ، لَمْ يَجُزْ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ بَيْعٍ وَسَلَفٍ .\rوَلِأَنَّهُ شَرَطَ عَقْدًا فِي عَقْدٍ ، فَلَمْ يَجُزْ ، كَمَا لَوْ بَاعَهُ دَارِهِ بِشَرْطِ أَنْ يَبِيعَهُ الْآخَرُ دَارِهِ .\rوَإِنْ شَرَطَ أَنْ يُؤْجَرَهُ دَارِهِ بِأَقَلَّ مِنْ أُجْرَتِهَا ، أَوْ عَلَى أَنْ يَسْتَأْجِرَ دَارَ الْمُقْرِضِ بِأَكْثَرَ مِنْ أُجْرَتِهَا ، أَوْ عَلَى أَنْ يُهْدِيَ لَهُ هَدِيَّةً ، أَوْ يَعْمَلَ لَهُ عَمَلًا ، كَانَ أَبْلَغَ فِي التَّحْرِيمِ .\rوَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ قَبْلَ الْوَفَاءِ ، لَمْ يَقْبَلْهُ ، وَلَمْ يَجُزْ قَبُولُهُ ، إلَّا أَنْ يُكَافِئَهُ ، أَوْ يَحْسُبَهُ مِنْ دَيْنِهِ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ شَيْئًا جَرَتْ الْعَادَةُ بِهِ بَيْنَهُمَا قَبْلَ الْقَرْضِ ؛ لِمَا رَوَى الْأَثْرَمُ أَنَّ رَجُلًا كَانَ لَهُ عَلَى سَمَّاكٍ عِشْرُونَ دِرْهَمًا فَجَعَلَ يُهْدِي إلَيْهِ السَّمَكَ وَيُقَوِّمُهُ حَتَّى بَلَغَ ثَلَاثَةَ عَشَرِ دِرْهَمًا ، فَسَأَلَ ابْنَ عَبَّاسٍ فَقَالَ : أَعْطِهِ سَبْعَةَ دَرَاهِمَ .\rوَعَنْ ابْنِ سِيرِينَ ، أَنَّ عُمَرَ أَسْلَفَ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ عَشَرَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ ، فَأَهْدَى إلَيْهِ أُبَيّ بْنُ كَعْبٍ مِنْ ثَمَرَةِ أَرْضِهِ ، فَرَدَّهَا عَلَيْهِ ، وَلَمْ يَقْبَلْهَا ، فَأَتَاهُ أُبَيٌّ فَقَالَ : لَقَدْ عَلِمَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ أَنِّي مِنْ أَطْيَبِهِمْ ثَمَرَةً ، وَأَنَّهُ لَا حَاجَةَ لَنَا فِيمَ مَنَعْت هَدِيَّتَنَا ، ثُمَّ أَهْدَى إلَيْهِ بَعْد ذَلِكَ فَقَبِلَ .\rوَعَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ ، قَالَ : قُلْت لِأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ : إنِّي أُرِيدُ","part":9,"page":105},{"id":4105,"text":"أَنْ أَسِيرَ إلَى أَرْضِ الْجِهَادِ إلَى الْعِرَاقِ .\rفَقَالَ : إنَّك تَأْتِي أَرْضًا فَاشٍ فِيهَا الرِّبَا ، فَإِنْ أَقْرَضْت رَجُلًا قَرْضًا ، فَأَتَاك بِقَرْضِك وَمَعَهُ هَدِيَّةٌ ، فَاقْبِضْ قَرْضَك ، وَارْدُدْ عَلَيْهِ هَدِيَّتَهُ .\rرَوَاهُمَا الْأَثْرَمُ .\rوَرَوَى الْبُخَارِيُّ ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ ، عَنْ أَبِي مُوسَى ، قَالَ : قَدِمْت الْمَدِينَةَ ، فَلَقِيت عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلَامٍ .\rوَذَكَرَ حَدِيثًا .\rوَفِيهِ : ثُمَّ قَالَ لِي : إنَّك بِأَرْضِ فِيهَا الرِّبَا فَاشٍ ، فَإِذَا كَانَ لَك عَلَى رَجُلٍ دَيْنٌ ، فَأَهْدَى إلَيْك حِمْلَ تِبْنٍ ، أَوْ حِمْلَ شَعِيرٍ ، أَوْ حِمْلَ قَتٍّ ، فَلَا تَأْخُذْهُ ، فَإِنَّهُ رَبًّا .\rقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى : وَلَوْ أَقْرَضَهُ قَرْضًا ، ثُمَّ اسْتَعْمَلَهُ عَمَلًا ، لَمْ يَكُنْ لِيَسْتَعْمِلهُ مِثْلَهُ قَبْلَ الْقَرْضِ ، كَانَ قَرْضًا جَرَّ مَنْفَعَةً .\rوَلَوْ اسْتَضَافَ غَرِيمَهُ ، وَلَمْ تَكُنْ الْعَادَةُ جَرَتْ بَيْنَهُمَا بِذَلِكَ ، حَسَبِ لَهُ مَا أَكَلَهُ ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ مَاجَهْ ، فِي \" سُنَنِهِ \" ، عَنْ أَنَسٌ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إذَا أَقْرَضَ أَحَدُكُمْ قَرْضًا ، فَأَهْدَى إلَيْهِ ، أَوْ حَمَلَهُ عَلَى الدَّابَّةِ ، فَلَا يَرْكَبْهَا ، وَلَا يَقْبَلْهُ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ جَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ قَبْلَ ذَلِكَ } .\rوَهَذَا كُلُّهُ فِي مُدَّةِ الْقَرْضِ ، فَأَمَّا بَعْدَ الْوَفَاءِ ، فَهُوَ كَالزِّيَادَةِ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ ، عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .","part":9,"page":106},{"id":4106,"text":"( 3264 ) فَصْلٌ : فَإِنْ أَقْرَضَهُ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ ، فَقَضَاهُ خَيْرًا مِنْهُ فِي الْقَدْرِ ، أَوْ الصِّفَةِ ، أَوْ دُونَهُ ، بِرِضَاهُمَا ، جَازَ .\rوَكَذَلِكَ إنْ كَتَبَ لَهُ بِهَا سَفْتَجَةً ، أَوْ قَضَاهُ فِي بَلَدٍ آخَرَ ، جَازَ .\rوَرَخَّصَ فِي ذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ، وَالْحَسَنُ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَمَكْحُولٌ ، وَقَتَادَةُ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : إنْ قَضَاهُ خَيْرًا مِنْهُ ، أَوْ زَادَهُ زِيَادَةً بَعْدَ الْوَفَاءِ مِنْ غَيْرِ مُوَاطَأَةٍ ، فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ .\rوَرُوِيَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ، وَابْنِ عَبَّاسِ ، وَابْنِ عُمَرَ ، أَنَّهُ يَأْخُذُ مِثْلَ قَرْضِهِ ، وَلَا يَأْخُذُ فَضْلًا ؛ لِأَنَّهُ إذَا أَخَذَ فَضْلًا كَانَ قَرْضًا جَرَّ مَنْفَعَةً .\rوَلَنَا ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَسْلَفَ بَكْرًا ، فَرَدَّ خَيْرًا مِنْهُ .\rوَقَالَ : { خَيْرُكُمْ أَحْسَنُكُمْ قَضَاءً .\r} مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَلِلْبُخَارِيِّ : { أَفْضَلُكُمْ أَحْسَنُكُمْ قَضَاءً } .\rوَلِأَنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ تِلْكَ الزِّيَادَةَ عِوَضًا فِي الْقَرْضِ ، وَلَا وَسِيلَةً إلَيْهِ ، وَلَا إلَى اسْتِيفَاءِ دَيْنِهِ ، فَحَلَّتْ ، كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ قَرْضٌ .\rوَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى : إذَا زَادَهُ بَعْدَ الْوَفَاءِ ، فَعَادَ الْمُسْتَقْرِضُ بَعْدَ ذَلِكَ يَلْتَمِسُ مِنْهُ قَرْضًا ثَانِيًا ، فَفَعَلَ ، لَمْ يَأْخُذْ مِنْهُ إلَّا مِثْلَ مَا أَعْطَاهُ ، فَإِنْ أَخَذَ زِيَادَةً ، أَوْ أَجْوَدَ مِمَّا أَعْطَاهُ ، كَانَ حَرَامًا ، قَوْلًا وَاحِدًا .\rوَإِنْ كَانَ الرَّجُلُ مَعْرُوفًا بِحُسْنِ الْقَضَاءِ ، لَمْ يُكْرَهْ إقْرَاضُهُ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : فِيهِ وَجْهٌ آخَرُ ، أَنَّهُ يُكْرَهُ ؛ لِأَنَّهُ يَطْمَعُ فِي حُسْنِ عَادَتِهِ .\rوَهَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ مَعْرُوفًا بِحُسْنِ الْقَضَاءِ ، فَهَلْ يَسُوغُ لَأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ : إنَّ إقْرَاضَهُ مَكْرُوهٌ ، وَلِأَنَّ الْمَعْرُوفَ بِحُسْنِ الْقَضَاءِ خَيْرُ النَّاسِ وَأَفْضَلُهُمْ ، وَهُوَ أَوْلَى النَّاسِ بِقَضَاءِ حَاجَتِهِ ،","part":9,"page":107},{"id":4107,"text":"وَإِجَابَةِ مَسْأَلَتِهِ ، وَتَفْرِيجِ كُرْبَتِهِ ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَكْرُوهًا ، وَإِنَّمَا يُمْنَعُ مِنْ الزِّيَادَةِ الْمَشْرُوطَةِ .\rوَلَوْ أَقْرَضَهُ مُكَسَّرَةً ، فَجَاءَهُ مَكَانَهَا بِصِحَاحِ بِغَيْرِ شَرْطٍ ، جَازَ .\rوَإِنْ جَاءَهُ بِصِحَاحٍ أَقَلَّ مِنْهَا ، فَأَخَذَهَا بِجَمِيعِ حَقِّهِ ، لَمْ يَجُزْ ، قَوْلًا وَاحِدًا ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مُعَاوَضَةٌ لِلنَّقْدِ بِأَقَلَّ مِنْهُ ، فَكَانَ رَبًّا .","part":9,"page":108},{"id":4108,"text":"فَصْلٌ : وَإِنْ شَرَطَ فِي الْقَرْضِ أَنْ يُوَفِّيَهُ أَنْقَصَ مِمَّا أَقْرَضَهُ ، وَكَانَ ذَلِكَ مِمَّا يَجْرِي فِيهِ الرِّبَا ، لَمْ يَجُزْ ؛ لِإِفْضَائِهِ إلَى فَوَاتِ الْمُمَاثَلَةِ فِيمَا هِيَ شَرْطٌ فِيهِ .\rوَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِهِ ، لَمْ يَجُزْ أَيْضًا .\rوَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ، وَفِي الْوَجْهِ الْآخَرِ ، يَجُوزُ ؛ لِأَنَّ الْقَرْضَ جُعِلَ لِلرِّفْقِ بِالْمُسْتَقْرِضِ ، وَشَرْطُ النُّقْصَانِ لَا يُخْرِجُهُ عَنْ مَوْضُوعِهِ ، بِخِلَافِ الزِّيَادَةِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الْقَرْضَ يَقْتَضِي الْمِثْلَ ، فَشَرْطُ النُّقْصَانِ يُخَالِفُ مُقْتَضَاهُ .\rفَلَمْ يَجُزْ ، كَشَرْطِ الزِّيَادَةِ .","part":9,"page":109},{"id":4109,"text":"( 3266 ) فَصْلٌ : وَلَوْ اقْتَرَضَ مِنْ رَجُلٍ نِصْفَ دِينَارٍ ، فَدَفَعَ إلَيْهِ دِينَارًا صَحِيحًا ، وَقَالَ : نِصْفُهُ قَضَاءٌ ، وَنِصْفُهُ وَدِيعَةٌ عِنْدَك ، أَوْ سَلَمًا فِي شَيْءٍ ، صَحَّ .\rوَإِنْ امْتَنَعَ الْمُقْرِضُ مِنْ قَبُولِهِ ، فَلَهُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ فِي الشَّرِكَةِ ضَرَرًا .\rوَلَوْ اشْتَرَى بِالنِّصْفِ الثَّانِي مِنْ الدِّينَارِ سِلْعَةً ، جَازَ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَنْ مُشَارَطَةٍ ، فَقَالَ : أَقْضِيك صَحِيحًا بِشَرْطِ أَنِّي آخُذُ مِنْك بِنِصْفِهِ الْبَاقِي قَمِيصًا .\rفَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَدْفَعْ إلَيْهِ صَحِيحًا إلَّا لِيُعْطِيَهُ بِالنِّصْفِ الْبَاقِي فَضْلَ مَا بَيْنَ الصَّحِيحِ وَالْمَكْسُورِ مِنْ النِّصْفِ الْمَقْضِيِّ .\rوَلَوْ لَمْ يَكُنْ شَرْطًا ، جَازَ .\rفَإِنْ تَرَكَ النِّصْفَ الْآخَرَ عِنْدَهُ وَدِيعَةً ، جَازَ ، وَكَانَا شَرِيكَيْنِ فِيهِ .\rوَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى كَسْرِهِ ، كَسَرَاهُ .\rفَإِنْ اخْتَلَفَا ، لَمْ يُجْبَرْ أَحَدُهُمَا عَلَى كَسْرِهِ ؛ لِأَنَّهُ يُنْقِصُ قِيمَتَهُ .","part":9,"page":110},{"id":4110,"text":"( 3267 ) فَصْلٌ : وَلَوْ أَفْلَسَ غَرِيمُهُ ، فَأَقْرَضَهُ أَلْفًا ، لِيُوَفِّيَهُ كُلَّ شَهْرٍ شَيْئًا مَعْلُومًا ، جَازَ ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا انْتَفَعَ بِاسْتِيفَاءِ مَا هُوَ مُسْتَحِقٌّ لَهُ .\rوَلَوْ كَانَ لَهُ عَلَيْهِ حِنْطَةٌ .\rفَأَقْرَضَهُ مَا يَشْتَرِي بِهِ حِنْطَةً يُوَفِّيه إيَّاهَا ، لَمْ يَكُنْ مُحَرَّمًا ؛ لِذَلِكَ .\rوَلَوْ أَرَادَ رَجُلٌ أَنْ يَبْعَثَ إلَى عِيَالِهِ نَفَقَةً ، فَأَقْرَضَهَا رَجُلًا ، عَلَى أَنْ يَدْفَعَهَا إلَى عِيَالِهِ .\rفَلَا بَأْسَ ، إذَا لَمْ يَأْخُذْ عَلَيْهَا شَيْئًا .\rوَلَوْ أَقْرَضَ أَكَّارَهُ مَا يَشْتَرِي بِهِ بَقَرًا يَعْمَلُ عَلَيْهَا فِي أَرْضِهِ ، أَوْ بَذْرًا يَبْذُرُهُ فِيهَا ، فَإِنْ شَرَطَ ذَلِكَ فِي الْقَرْضِ ، لَمْ يَجُزْ ؛ لِأَنَّهُ شَرَطَ مَا يَنْتَفِعُ بِهِ ، فَأَشْبَهَ شَرْطَ الزِّيَادَةِ .\rوَإِنْ لَمْ يَكُنْ شَرْطًا ، فَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى : لَا يَجُوزُ ؛ لِأَنَّهُ قَرْضٌ جَرَّ مَنْفَعَةً .\rقَالَ : وَلَوْ قَالَ : أَقْرِضْنِي أَلْفًا ، وَادْفَعْ إلَى أَرْضَك أَزْرَعْهَا بِالثُّلُثِ .\rكَانَ خَبِيثًا .\rوَالْأَوْلَى جَوَازُ ذَلِكَ ، إذَا لَمْ يَكُنْ مَشْرُوطًا ؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ دَاعِيَةٌ إلَيْهِ ، وَالْمُسْتَقْرِضُ إنَّمَا يَقْصِدُ نَفْعَ نَفْسِهِ ، وَإِنَّمَا يَحْصُلُ انْتِفَاعُ الْمُقْرِضِ ضِمْنًا ، فَأَشْبَهَ أَخْذَ السَّفْتَجَةَ بِهِ ، وَإِيفَاءَهُ فِي بَلَدٍ آخَرَ ، وَلِأَنَّهُ مَصْلَحَةٌ لَهُمَا جَمِيعًا ، فَأَشْبَهَ مَا ذَكَرْنَا .","part":9,"page":111},{"id":4111,"text":"( 3268 ) فَصْلٌ : قَالَ أَحْمَدُ ، فِي مَنْ اقْتَرَضَ مِنْ رَجُلٍ دَرَاهِمَ ، وَابْتَاعَ بِهَا مِنْهُ شَيْئًا ، فَخَرَجَتْ زُيُوفًا : فَالْبَيْعُ جَائِزٌ ، وَلَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِشَيْءِ .\rيَعْنِي لَا يَرْجِعُ الْبَائِعُ عَلَى الْمُشْتَرِي بِبَدَلِ الثَّمَنِ ؛ لِأَنَّهَا دَرَاهِمُهُ ، فَعَيْبُهَا عَلَيْهِ ، وَإِنَّمَا لَهُ عَلَى الْمُشْتَرِي بَدَلُ مَا أَقْرَضَهُ إيَّاهُ بِصِفَتِهِ زُيُوفًا .\rوَهَذَا يَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ فِيمَا إذَا بَاعَهُ السِّلْعَةَ بِهَا وَهُوَ يَعْلَمُ عَيْبَهَا ؛ فَأَمَّا إنْ بَاعَهُ فِي ذِمَّتِهِ بِدَرَاهِمَ ، ثُمَّ قَبَضَ هَذِهِ بَدَلًا عَنْهَا غَيْرَ عَالِمٍ بِهَا ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَجِبَ لَهُ دَرَاهِمُ خَالِيَةٌ مِنْ الْعَيْبِ ، وَيَرُدَّ هَذِهِ عَلَيْهِ ، وَلِلْمُشْتَرِي رَدُّهَا عَلَى الْبَائِعِ ، وَفَاءً عَنْ الْقَرْضِ ، وَيَبْقَى الثَّمَنُ فِي ذِمَّتِهِ .\rوَإِنْ حَسَبَهَا عَلَى الْبَائِعِ وَفَاءً عَنْ الْقَرْضِ ، وَوَفَّاهُ الثَّمَنَ جَيِّدًا ، جَازَ .\rقَالَ : وَلَوْ أَقْرَضَ رَجُلًا دَرَاهِمَ ، وَقَالَ : إذَا مِتّ فَأَنْتِ فِي حِلٍّ .\rكَانَتْ وَصِيَّةً .\rوَإِنْ قَالَ : إنْ مِتّ فَأَنْتَ فِي حِلٍّ .\rلَمْ يَصِحَّ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ هَذَا إبْرَاءٌ مُعَلَّقٌ عَلَى شَرْطٍ ، وَلَا يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ عَلَى الشُّرُوطِ ، وَالْأَوَّلُ وَصِيَّةٌ ؛ لِأَنَّهُ عَلَّقَ ذَلِكَ عَلَى مَوْتِ نَفْسِهِ ، وَالْوَصِيَّةُ جَائِزَةٌ .\rقَالَ : وَلَوْ أَقْرَضَهُ تِسْعِينَ دِينَارًا بِمِائَةٍ عَدَدًا وَالْوَزْنُ وَاحِدٌ ، وَكَانَتْ لَا تُنْفَقُ فِي مَكَان إلَّا بِالْوَزْنِ ، جَازَ .\rوَإِنْ كَانَتْ تُنْفَقُ بِرُءُوسِهَا ، فَلَا ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهَا إذَا كَانَتْ تُنْفَقُ فِي مَكَان بِرُءُوسِهَا ، كَانَ ذَلِكَ زِيَادَةً ، لِأَنَّ التِّسْعِينَ مِنْ الْمِائَةِ تَقُومُ مَقَامَ التِّسْعِينَ الَّتِي أَقْرَضَهُ إيَّاهَا ، وَيَسْتَفْضِلُ عَشَرَةً ، وَلَا يَجُوزُ اشْتِرَاطُ الزِّيَادَةِ ، وَإِذَا كَانَتْ لَا تُنْفَقُ إلَّا بِالْوَزْنِ ، فَلَا زِيَادَةَ فِيهَا وَإِنْ كَثُرَ عَدَدُهَا .\rقَالَ : وَلَوْ قَالَ : اقْتَرِضْ لِي مِنْ فُلَانٍ مِائَةً ، وَلَك عَشَرَةٌ .\rفَلَا بَأْسَ ، وَلَوْ قَالَ : اُكْفُلْ عَنِّي وَلَك أَلْفٌ .\rلَمْ يَجُزْ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ قَوْلَهُ","part":9,"page":112},{"id":4112,"text":": اقْتَرِضْ لِي وَلَك عَشْرَةٌ .\rجَعَالَةٌ عَلَى فِعْلٍ مُبَاحٍ ، فَجَازَتْ ، كَمَا لَوْ قَالَ : ابْنِ لِي هَذَا الْحَائِطَ وَلَك عَشْرَةٌ .\rوَأَمَّا الْكَفَالَةُ ، فَإِنَّ الْكَفِيلَ يَلْزَمُهُ الدَّيْنُ ، فَإِذَا أَدَّاهُ وَجَبَ لَهُ عَلَى الْمَكْفُولِ عَنْهُ ، فَصَارَ كَالْقَرْضِ ، فَإِذَا أَخَذَ عِوَضًا صَارَ الْقَرْضُ جَارًّا لِلْمَنْفَعَةِ ، فَلَمْ يَجُزْ .","part":9,"page":113},{"id":4113,"text":"( 3269 ) فَصْلٌ قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْمُسْتَقْرِضَ يَرُدُّ الْمِثْلَ فِي الْمِثْلِيَّاتِ ، سَوَاءٌ رَخُصَ سِعْرُهُ أَوْ غَلَا ، أَوْ كَانَ بِحَالِهِ .\rوَلَوْ كَانَ مَا أَقْرَضَهُ مَوْجُودًا بِعَيْنِهِ ، فَرَدَّهُ مِنْ غَيْرِ عَيْبٍ يَحْدُثُ فِيهِ ، لَزِمَ قَبُولُهُ ، سَوَاءٌ تَغَيَّرَ سِعْرُهُ أَوْ لَمْ يَتَغَيَّرْ .\rوَإِنْ حَدَثَ بِهِ عَيْبٌ ، لَمْ يَلْزَمْهُ قَبُولُهُ .\rوَإِنْ كَانَ الْقَرْضُ فُلُوسًا أَوْ مُكَسَّرَةً ، فَحَرَّمَهَا السُّلْطَانُ ، وَتَرَكَتْ الْمُعَامَلَةُ بِهَا ، كَانَ لِلْمُقْرِضِ قِيمَتُهَا ، وَلَمْ يَلْزَمْهُ قَبُولُهَا ، سَوَاءٌ كَانَتْ قَائِمَةً فِي يَدِهِ أَوْ اسْتَهْلَكَهَا ؛ لِأَنَّهَا تَعَيَّبَتْ فِي مِلْكِهِ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي الدَّرَاهِمِ الْمُكَسَّرَةِ ، وَقَالَ : يُقَوِّمُهَا كَمْ تُسَاوِي يَوْمَ أَخَذَهَا ؟ ثُمَّ يُعْطِيه ، وَسَوَاءٌ نَقَصَتْ قِيمَتُهَا قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا .\rقَالَ الْقَاضِي : هَذَا إذَا اتَّفَقَ النَّاسُ عَلَى تَرْكِهَا ، فَأَمَّا إنْ تَعَامَلُوا بِهَا مَعَ تَحْرِيمِ السُّلْطَانِ لَهَا ، لَزِمَ أَخْذُهَا .\rوَقَالَ مَالِكٌ ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، وَالشَّافِعِيُّ : لَيْسَ لَهُ إلَّا مِثْلُ مَا أَقْرَضَهُ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِعَيْبٍ حَدَثَ فِيهَا ، فَجَرَى مَجْرَى نَقْصِ سِعْرِهَا .\rوَلَنَا أَنَّ تَحْرِيمَ السُّلْطَانِ لَهَا مَنْعُ إنْفَاقِهَا ، وَإِبْطَالُ مَالِيَّتِهَا ، فَأَشْبَهَ كَسْرَهَا ، أَوْ تَلَفَ أَجْزَائِهَا ، وَأَمَّا رُخْصُ السِّعْرِ فَلَا يَمْنَعُ رَدَّهَا ، سَوَاءٌ كَانَ كَثِيرًا ، مِثْلَ إنْ كَانَتْ عَشَرَةً بِدَانِقٍ ، فَصَارَتْ عِشْرِينَ بِدَانِقٍ ، أَوْ قَلِيلًا ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَحْدُثْ فِيهَا شَيْءٌ ، إنَّمَا تَغَيَّرَ السِّعْرُ ، فَأَشْبَهَ الْحِنْطَةَ إذَا رَخُصَتْ أَوْ غَلَتْ .","part":9,"page":114},{"id":4114,"text":"( 3270 ) فَصْلٌ وَإِذَا أَقْرَضَهُ مَا لِحَمْلِهِ مُؤْنَةٌ ، ثُمَّ طَالَبَهُ بِمِثْلِهِ بِبَلَدٍ آخَرَ ، لَمْ يَلْزَمْهُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ حَمْلُهُ لَهُ إلَى ذَلِكَ الْبَلَدِ .\rفَإِنْ طَالَبَهُ بِالْقِيمَةِ لَزِمَهُ ؛ لِأَنَّهُ لَا مُؤْنَةَ لِحَمْلِهَا .\rفَإِنْ تَبَرَّعَ الْمُسْتَقْرِضُ بِدَفْعِ الْمِثْلِ ، وَأَبَى الْمُقْرِضُ قَبُولَهُ ، فَلَهُ ذَلِكَ ، لِأَنَّ عَلَيْهِ ضَرَرًا فِي قَبْضِهِ ، لِأَنَّهُ رُبَّمَا احْتَاجَ إلَى حَمْلِهِ إلَى الْمَكَانِ الَّذِي أَقْرَضَهُ فِيهِ ، وَلَهُ الْمُطَالَبَةُ بِقِيمَةِ ذَلِكَ فِي الْبَلَدِ الَّذِي أَقْرَضَهُ فِيهِ ؛ لِأَنَّهُ الْمَكَانُ الَّذِي يَجِبُ التَّسْلِيمُ فِيهِ ، وَإِنْ كَانَ الْقَرْضُ أَثْمَانًا ، أَوْ مَا لَا مُؤْنَةَ فِي حَمْلِهِ ، وَطَالَبَهُ بِهَا ، وَهُمَا بِبَلَدٍ آخَرَ ، لَزِمَهُ دَفْعُهُ إلَيْهِ ؛ لِأَنَّ تَسْلِيمَهُ إلَيْهِ فِي هَذَا الْبَلَدِ وَغَيْرِهِ وَاحِدٌ .","part":9,"page":115},{"id":4115,"text":"( 3271 ) فَصْلٌ : وَإِنْ أَقْرَضَ ذِمِّيٌّ ذِمِّيًّا خَمْرًا ، ثُمَّ أَسْلَمَا أَوْ أَحَدُهُمَا .\rبَطَلَ الْقَرْضُ .\rوَلَمْ يَجِبْ عَلَى الْمُقْتَرِضِ شَيْءٌ ، سَوَاءٌ كَانَ هُوَ الْمُسْلِمَ أَوْ الْآخَرَ ؛ لِأَنَّهُ إذَا أَسْلَمَ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَجِبَ عَلَيْهِ خَمْرٌ ، لِعَدَمِ مَالِيَّتِهَا ، وَلَا يَجِبُ بَدَلُهَا ؛ لِأَنَّهَا لَا قِيمَةَ لَهَا ، وَلِذَلِكَ لَا يَضْمَنُهَا إذَا أَتْلَفَهَا .\rوَإِنْ كَانَ الْمُسْلِمُ الْآخَرَ لَمْ يَجِبْ لَهُ شَيْءٌ ، لِذَلِكَ .","part":9,"page":116},{"id":4116,"text":"كِتَابُ الرَّهْنِ الرَّهْنُ فِي اللُّغَةِ : الثُّبُوتُ وَالدَّوَامُ .\rيُقَالُ : مَاءٌ رَاهِنٌ .\rأَيْ رَاكِدٌ .\rوَنِعْمَةٌ رَاهِنَةٌ .\rأَيْ ثَابِتَةٌ دَائِمَةٌ .\rوَقِيلَ : هُوَ مِنْ الْحَبْسِ .\rقَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ } وَقَالَ : { كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ } .\rوَقَالَ الشَّاعِرُ : وَفَارَقَتْك بِرَهْنٍ لَا فِكَاكَ لَهُ يَوْمَ الْوَدَاعِ فَأَضْحَى الرَّهْنُ قَدْ غَلِقَا شَبَّهَ لُزُومَ قَلْبِهِ لَهَا ، وَاحْتِبَاسَهُ عِنْدَهَا ، لِشِدَّةِ وَجْدِهِ بِهَا ، بِالرَّهْنِ الَّذِي يَلْزَمُهُ الْمُرْتَهِنُ ، فَيُبْقِيه عِنْدَهُ ، وَلَا يُفَارِقُهُ .\rوَغَلْقُ الرَّهْنِ : اسْتِحْقَاقُ الْمُرْتَهِنِ إيَّاهُ ، لِعَجْزِ الرَّاهِنِ عَنْ فِكَاكِهِ .\rوَالرَّهْنُ فِي الشَّرْعِ : الْمَالُ الَّذِي يُجْعَلُ وَثِيقَةً بِالدَّيْنِ لِيُسْتَوْفَى مِنْ ثَمَنِهِ إنْ تَعَذَّرَ اسْتِيفَاؤُهُ مِمَّنْ هُوَ عَلَيْهِ .\rوَهُوَ جَائِزٌ .\rبِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ ، أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ } .\rوَتُقْرَأُ : { فَرُهُنٌ } .\rوَالرِّهَانُ : جَمْعُ رَهْنٍ ، وَالرُّهُنُ : جَمْعُ الْجَمْعِ .\rقَالَهُ الْفَرَّاءُ .\rوَقَالَ الزَّجَّاجُ : يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ جَمْعَ رَهْنٍ ، مِثْل سَقْفٍ وَسُقُفٍ .\rوَأَمَّا السُّنَّةُ ، فَرَوَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اشْتَرَى مِنْ يَهُودِيٍّ طَعَامًا ، وَرَهَنَهُ دِرْعَهُ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الظَّهْرُ يُرْكَبُ بِنَفَقَتِهِ ، إذَا كَانَ مَرْهُونًا ، وَلَبَنُ الدَّرِّ يُشْرَبُ بِنَفَقَتِهِ ، إذَا كَانَ مَرْهُونًا ، وَعَلَى الَّذِي يَرْكَبُ وَيَشْرَبُ النَّفَقَةُ } .\rرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ .\rوَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ .\rرَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { لَا يُغْلَقُ الرَّهْنُ } .\rوَأَمَّا الْإِجْمَاعُ ، فَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى جَوَازِ الرَّهْنِ فِي الْجُمْلَةِ .","part":9,"page":117},{"id":4117,"text":"( 3272 ) فَصْلٌ : وَيَجُوزُ الرَّهْنُ فِي الْحَضَرِ ، كَمَا يَجُوزُ فِي السَّفَرِ .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : لَا نَعْلَمُ أَحَدًا خَالَفَ فِي ذَلِكَ ، إلَّا مُجَاهِدًا ، قَالَ : لَيْسَ الرَّهْنُ إلَّا فِي السَّفَرِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى شَرَطَ السَّفَرَ فِي الرَّهْنِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ } .\rوَلَنَا ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { اشْتَرَى مِنْ يَهُودِيٍّ طَعَامًا ، وَرَهَنَهُ دِرْعَهُ ، وَكَانَا بِالْمَدِينَةِ .\r} وَلِأَنَّهَا وَثِيقَةٌ تَجُوزُ فِي السَّفَرِ ، فَجَازَتْ فِي الْحَضَرِ ، كَالضَّمَانِ .\rفَأَمَّا ذِكْرُ السَّفَرِ ، فَإِنَّهُ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ ؛ لِكَوْنِ الْكَاتِبِ يُعْدَمُ فِي السَّفَرِ غَالِبًا ، وَلِهَذَا لَمْ يَشْتَرِطْ عَدَمَ الْكَاتِبِ ، وَهُوَ مَذْكُورٌ مَعَهُ أَيْضًا .","part":9,"page":118},{"id":4118,"text":"( 3273 ) فَصْلٌ : وَالرَّهْنُ غَيْرُ وَاجِبٍ .\rلَا نَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا ؛ لِأَنَّهُ وَثِيقَةٌ بِالدَّيْنِ ، فَلَمْ يَجِبْ ، كَالضَّمَانِ وَالْكِتَابَةِ .\rوَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ } .\rإرْشَادٌ لَنَا لَا إيجَابٌ عَلَيْنَا ، بِدَلِيلِ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اُؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ } .\rوَلِأَنَّهُ أَمَرَ بِهِ عِنْدَ إعْوَازِ الْكِتَابَةِ ، وَالْكِتَابَةُ غَيْرُ وَاجِبَةٍ ، فَكَذَلِكَ بَدَلُهَا .","part":9,"page":119},{"id":4119,"text":"( 3274 ) فَصْلٌ : وَلَا يَخْلُو الرَّهْنُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ ، أَحَدُهَا ، أَنْ يَقَعَ بَعْدَ الْحَقِّ ، فَيَصِحُّ بِالْإِجْمَاعِ ؛ لِأَنَّهُ دَيْنٌ ثَابِتٌ تَدْعُو الْحَاجَةُ إلَى أَخْذِ الْوَثِيقَةِ بِهِ ، فَجَازَ أَخْذُهَا بِهِ كَالضَّمَانِ ، وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : { وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ } .\rفَجَعَلَهُ بَدَلًا عَنْ الْكِتَابَةِ ، فَيَكُونُ فِي مَحَلِّهَا ، وَمَحَلُّهَا بَعْدَ وُجُوبِ الْحَقِّ ، وَفِي الْآيَةِ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ ، وَهُوَ قَوْلُهُ : { إذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ } .\rفَجَعَلَهُ جَزَاءً لِلْمُدَايِنَةِ مَذْكُورًا بَعْدَهَا بِفَاءِ التَّعْقِيبِ الْحَالُ الثَّانِي ، أَنْ يَقَعَ الرَّهْنُ مَعَ الْعَقْدِ الْمُوجِبِ لِلدَّيْنِ ، فَيَقُولُ : بِعْتُك ثَوْبِي هَذَا بِعَشْرَةٍ إلَى شَهْرٍ ، تَرْهَنُنِي بِهَا عَبْدَك سَعْدًا .\rفَيَقُولُ : قَبِلْت ذَلِكَ .\rفَيَصِحُّ أَيْضًا .\rوَبِهِ قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ دَاعِيَةٌ إلَى ثُبُوتِهِ ، فَإِنَّهُ لَوْ لَمْ يَعْقِدْهُ مَعَ ثُبُوتِ الْحَقِّ ، وَيَشْتَرِطْ فِيهِ ، لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ إلْزَامِ الْمُشْتَرِي عَقْدَهُ ، وَكَانَتْ الْخِيرَةُ إلَى الْمُشْتَرِي ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَبْذُلُهُ ، فَتَفُوتُ الْوَثِيقَةُ بِالْحَقِّ .\rالْحَالُ الثَّالِثُ ، أَنْ يَرْهَنَهُ قَبْلَ الْحَقِّ ، فَيَقُولُ : رَهَنْتُك عَبْدِي هَذَا بِعَشْرَةٍ تُقْرِضُنِيهَا .\rفَلَا يَصِحُّ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ .\rوَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ وَالْقَاضِي .\rوَذَكَرَ الْقَاضِي : أَنَّ أَحْمَدَ نَصَّ عَلَيْهِ ، فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rوَاخْتَارَ أَبُو الْخَطَّابِ أَنَّهُ يَصِحُّ .\rفَمَتَى قَالَ : رَهَنْتُك ثَوْبِي هَذَا بِعَشْرَةٍ تُقْرِضُنِيهَا غَدًا .\rوَسَلَّمَهُ إلَيْهِ ، ثُمَّ أَقْرَضَهُ الدَّرَاهِمَ ، لَزِمَ الرَّهْنُ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّهُ وَثِيقَةٌ بِحَقِّ ، فَجَازَ عَقْدُهَا قَبْلَ وُجُوبِهِ ، كَالضَّمَانِ ، أَوْ فَجَازَ انْعِقَادُهَا عَلَى شَيْءٍ يَحْدُثُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ ، كَضَمَانِ الدَّرْكِ .","part":9,"page":120},{"id":4120,"text":"وَلَنَا ، أَنَّهُ وَثِيقَةٌ بِحَقِّ لَا يَلْزَمُ قَبْلَهُ ، فَلَمْ تَصِحَّ قَبْلَهُ كَالشَّهَادَةِ ، وَلِأَنَّ الرَّهْنَ تَابِعٌ لِلْحَقِّ ، فَلَا يَسْبِقُهُ ، كَالشَّهَادَةِ ، وَالثَّمَنُ لَا يَتَقَدَّمُ الْبَيْعَ .\rوَأَمَّا الضَّمَانُ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَمْنَعَ صِحَّتَهُ ، وَإِنْ سَلَّمْنَا فَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الضَّمَانَ الْتِزَامُ مَالٍ تَبَرُّعًا بِالْقَوْلِ ، فَجَازَ مِنْ غَيْرِ حَقٍّ ثَابِتٍ ، كَالنَّذْرِ ، بِخِلَافِ الرَّهْنِ .","part":9,"page":121},{"id":4121,"text":"( 3275 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ ( وَلَا يَصِحُّ الرَّهْنُ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَقْبُوضًا مِنْ جَائِزِ الْأَمْرِ ) يَعْنِي لَا يَلْزَمُ الرَّهْنُ إلَّا بِالْقَبْضِ .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا : مَا كَانَ مَكِيلًا أَوْ مَوْزُونًا ، لَا يَلْزَمُ رَهْنُهُ إلَّا بِالْقَبْضِ ، وَفِيمَا عَدَّاهُمَا رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، لَا يَلْزَمُ إلَّا بِالْقَبْضِ .\rوَالْأُخْرَى ، يَلْزَمُ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ ، كَالْبَيْعِ .\rوَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى هَذَا ، فِي رِوَايَةِ الْمَيْمُونِي .\rوَحَمَلَ الْقَاضِي كَلَامَ الْخِرَقِيِّ عَلَى الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ خَاصَّةً .\rوَلَيْسَ بِصَحِيحِ ؛ فَإِنَّ كَلَامَ الْخِرَقِيِّ مَعَ عُمُومِهِ ، قَدْ أَتْبَعَهُ بِمَا يَدُلُّ عَلَى إرَادَةِ التَّعْمِيمِ ، وَهُوَ قَوْلُهُ : فَإِنْ كَانَ مِمَّا يُنْقَلُ ، فَقَبْضُهُ أَخْذُهُ إيَّاهُ مِنْ رَاهِنِهِ مَنْقُولًا ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يُنْقَلُ ، كَالدُّورِ وَالْأَرْضِينَ ، فَقَبْضُهُ بِتَخْلِيَةِ رَاهِنِهِ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ .\rوَقَدْ وَقَالَ أَحْمَدُ فِي الدَّارِ وَالْجَارِيَةِ إذَا رَدَّهَا إلَى الرَّاهِنِ : لَمْ يَكُنْ رَهْنًا فِي الْحَالِ .\rوَهَذَا كَقَوْلِ الْخِرَقِيِّ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : يَلْتَزِمُ الرَّهْنَ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ قَبْلَ الْقَبْضِ ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ يَلْزَمُ بِالْقَبْضِ ، فَلَزِمَ قَبْلَهُ ، كَالْبَيْعِ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ } .\rوَصَفَهَا بِكَوْنِهَا مَقْبُوضَةً ، وَلِأَنَّهُ عَقْدُ إرْفَاقٍ يَفْتَقِرُ إلَى الْقَبُولِ ، فَافْتَقَرَ إلَى الْقَبْضِ ، كَالْقَرْضِ ، وَلِأَنَّهُ رَهْنٌ لَمْ يُقْبَضْ ، فَلَا يَلْزَمُ إقْبَاضُهُ ، كَمَا لَوْ مَاتَ الرَّاهِنُ ، وَلَا يُشْبِهُ الْبَيْعَ ، فَإِنَّهُ مُعَاوَضَةٌ ، وَلَيْسَ بِإِرْفَاقِ .\rوَقَوْلُ الْخِرَقِيِّ : \" مِنْ جَائِزِ الْأَمْرِ \" .\rيَعْنِي أَنَّ الرَّاهِنَ الَّذِي يَرْهَنُ وَيَقْبِضُ ، يَكُونُ جَائِزَ التَّصَرُّفِ فِي مَالِهِ ، وَهُوَ الْحُرُّ الْمُكَلَّفُ الرَّشِيدُ ، وَلَا يَكُونُ مَحْجُورًا عَلَيْهِ ، لِصِغَرٍ أَوْ جُنُونٍ أَوْ سَفَهٍ أَوْ فَلَسٍ ، وَيُعْتَبَرُ ذَلِكَ فِي حَالِ رَهْنِهِ وَإِقْبَاضِهِ ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ وَالتَّسْلِيمَ","part":9,"page":122},{"id":4122,"text":"لَيْسَ بِوَاجِبِ ، وَإِنَّمَا هُوَ إلَى اخْتِيَارِ الرَّاهِنِ ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ اخْتِيَارٌ صَحِيحٌ ، لَمْ يَصِحَّ ، وَلِأَنَّهُ نَوْعُ تَصَرُّفٍ فِي الْمَالِ ، فَلَمْ يَصِحَّ مِنْ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ إذْنٍ ، كَالْبَيْعِ .\rفَإِنْ جُنَّ أَحَدُ الْمُتَرَاهِنَيْنِ قَبْلَ الْقَبْضِ ، أَوْ مَاتَ ، لَمْ يَبْطُلْ الرَّهْنُ ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ يَئُولُ إلَى اللُّزُومِ ، فَلَمْ يَبْطُلْ بِجُنُونِ أَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ أَوْ مَوْتِهِ ، كَالْبَيْعِ الَّذِي فِيهِ الْخِيَارُ ، وَيَقُومُ وَلِيُّ الْمَجْنُونِ مَقَامَهُ ، فَإِنْ كَانَ الْمَجْنُونُ الرَّاهِنَ ، وَكَانَ الْحَظُّ فِي التَّقْبِيضِ ، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ شَرْطًا فِي بَيْعٍ يَسْتَضِرُّ بِفَسْخِهِ وَنَحْوَهُ أَقْبَضَهُ .\rوَإِنْ كَانَ الْحَظُّ فِي تَرْكِهِ ، لَمْ يَجُزْ لَهُ تَقْبِيضُهُ .\rوَإِنْ كَانَ الْمَجْنُونُ الْمُرْتَهِنَ ، قَبَضَهُ وَلِيُّهُ إنْ اخْتَارَ الرَّاهِنُ ، وَإِنْ امْتَنَعَ لَمْ يُجْبَرْ .\rوَإِذَا مَاتَ ، قَامَ وَارِثُهُ مَقَامَهُ فِي الْقَبْضِ .\rفَإِنْ مَاتَ الرَّاهِنُ ، لَمْ يَلْزَمْ وَرَثَتُهُ تَقْبِيضَهُ ؛ لِأَنَّهُمْ يَقُومُونَ مَقَامَ الرَّاهِنِ ، وَلَمْ يَلْزَمْهُ ذَلِكَ .\rفَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى الْمَيِّتِ دَيْنٌ سِوَى هَذَا الدَّيْنِ ، فَأَحَبَّ الْوَرَثَةُ تَقْبِيضَ الرَّهْنِ ، جَازَ .\rوَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ سِوَاهُ فَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَيْسَ لِلْوَارِثِ تَخْصِيصُ الْمُرْتَهِنِ بِالرَّهْنِ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، فِي رِوَايَةِ عَلِيِّ بْن سَعِيدٍ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rوَذَكَرَ الْقَاضِي فِيهِ رِوَايَةً أُخْرَى ، أَنَّ لَهُمْ ذَلِكَ ، أَخْذًا مِمَّا نَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ وَأَبُو طَالِبٍ عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّهُ قَالَ : إذَا مَاتَ الرَّاهِنُ أَوْ أَفْلَسَ ، فَالْمُرْتَهِنُ أَحَقُّ بِهِ مِنْ الْغُرَمَاءِ وَلَمْ يَعْتَبِرْ وُجُودَ الْقَبْضِ بَعْدَ الْمَوْتِ أَوْ قَبْلَهُ .\rوَهَذَا لَا يُعَارِضُ مَا نَقَلَهُ عَلِيُّ بْنُ سَعِيدٍ ؛ لِأَنَّهُ خَاصٌّ وَهَذَا عَامٌ ، وَالِاسْتِدْلَالُ بِهِ عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ يَضْعُفُ جِدًّا لِنُدْرَتِهَا ، فَكَيْفَ يُعَارَضُ بِهِ الْخَاصُّ ، لَكِنْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْحُكْمُ مَبْنِيًّا عَلَى","part":9,"page":123},{"id":4123,"text":"الرِّوَايَةِ الَّتِي لَا يُعْتَبَرُ فِيهَا الْقَبْضُ فِي غَيْرِ الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ ، فَيَكُونُ الرَّهْنُ قَدْ لَزِمَ قَبْلَ الْقَبْضِ ، وَوَجَبَ تَقْبِيضُهُ عَلَى الرَّاهِنِ ، فَكَذَلِكَ عَلَى وَارِثِهِ .\rوَيَخْتَصُّ هَذَا بِمَا عَدَّا الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ ، وَأَمَّا مَا لَمْ يَلْزَمْ الرَّهْنُ فِيهِ ، فَلَيْسَ لِلْوَرَثَةِ تَقْبِيضُهُ ؛ لِأَنَّ الْغُرَمَاءَ تَعَلَّقَتْ دُيُونُهُمْ بِالتَّرِكَةِ قَبْلَ لُزُومِ حَقِّهِ فِي الرَّهْنِ ، فَلَمْ يَجُزْ تَخْصِيصُهُ بِهِ بِغَيْرِ رِضَاهُمْ ، كَمَا لَوْ أَفْلَسَ الرَّاهِنُ ، إلَّا إذَا قُلْنَا : إنَّ لِلْوَرَثَةِ التَّصَرُّفَ فِي التَّرِكَةِ ، وَوَفَاءَ الدَّيْنِ مِنْ أَمْوَالِهِمْ .\rفَإِنْ قِيلَ : فَمَا الْفَائِدَةُ فِي الْقَوْلِ بِصِحَّةِ الرَّهْنِ إذَا لَمْ يَخْتَصَّ بِهِ الْمُرْتَهِنُ ؟ قُلْنَا : فَائِدَتُهُ أَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَرْضَى الْغُرَمَاءُ بِتَسْلِيمِهِ إلَيْهِ ، فَيَتِمُّ الرَّهْنُ .\rوَلَا فَرْقَ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَاهُ بَيْنَ مَا قَبْلَ الْإِذْنِ فِي الْقَبْضِ وَمَا بَعْدَهُ ؛ لِكَوْنِ الْإِذْنِ يَبْطُلُ بِالْجُنُونِ وَالْمَوْتِ وَالْإِغْمَاءِ وَالْحَجْرِ .","part":9,"page":124},{"id":4124,"text":"( 3276 ) فَصْلٌ وَلَوْ حُجِرَ عَلَى الرَّاهِنِ لِفَلْسِ قَبْلَ التَّسْلِيمِ لَمْ يَكُنْ لَهُ تَسْلِيمُهُ ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَخْصِيصًا لِلْمُرْتَهِنِ بِثَمَنِهِ ، وَلَيْسَ لَهُ تَخْصِيصُ بَعْضِ غُرَمَائِهِ .\rوَإِنْ حُجِرَ عَلَيْهِ لِسَفَهٍ ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ مَا لَوْ زَالَ عَقْلُهُ بِجُنُونِ ، عَلَى مَا أَسْلَفْنَاهُ .\rوَإِنْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ ، لَمْ يَكُنْ لِلْمُرْتَهِنِ قَبْضُ الرَّهْنِ ، وَلَيْسَ لَأَحَدٍ تَقْبِيضُهُ ؛ لِأَنَّ الْمُغْمَى عَلَيْهِ لَا وِلَايَةَ عَلَيْهِ .\rوَإِنْ أُغْمِيَ عَلَى الْمُرْتَهِنِ ، لَمْ يَكُنْ لَأَحَدٍ أَنْ يَقُومَ مَقَامَهُ فِي قَبْضِ الرَّهْنِ أَيْضًا .\rوَانْتُظِرَ إفَاقَتُهُ ، وَإِنْ خَرِسَ ، وَكَانَتْ لَهُ كِتَابَةٌ مَفْهُومَةٌ ، أَوْ إشَارَةٌ مَعْلُومَةٌ ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْمُتَكَلِّمِينَ ، إنْ أَذِنَ فِي الْقَبْضِ جَازَ ، وَإِلَّا فَلَا .\rوَإِنْ لَمْ تُفْهَمْ إشَارَتُهُ وَلَا كِتَابَتُهُ ، لَمْ يَجُزْ الْقَبْضُ .\rوَإِنْ كَانَ أَحَدُ هَؤُلَاءِ قَدْ أَذِنَ فِي الْقَبْضِ ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ مِنْ لَمْ يَأْذَنْ ؛ لِأَنَّ إذْنَهُمْ يَبْطُلُ بِمَا عَرَضَ لَهُمْ .\rوَجَمِيعُ هَذَا تَنَاوَلَهُ قَوْلُ الْخِرَقِيِّ : مِنْ جَائِزِ الْأَمْرِ \" .\rوَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْ هَؤُلَاءِ جَائِزَ الْأَمْرِ .","part":9,"page":125},{"id":4125,"text":"( 3277 ) فَصْلٌ إذَا تَصَرَّفَ الرَّاهِنُ فِي الرَّهْنِ قَبْلَ الْقَبْضِ ، بِهِبَةِ أَوْ بَيْعٍ أَوْ عِتْقٍ ، أَوْ جَعَلَهُ صَدَاقًا ، أَوْ رَهَنَهُ ثَانِيًا ، بَطَلَ الرَّهْنُ الْأَوَّلُ ، سَوَاءٌ قَبَضَ الْهِبَةَ وَالْمَبِيعَ وَالرَّهْنَ الثَّانِيَ أَوْ لَمْ يَقْبِضْهُ ؛ لِأَنَّهُ أَخْرَجَهُ عَنْ إمْكَانِ اسْتِيفَاءِ الدَّيْنِ مِنْ ثَمَنِهِ ، أَوْ فَعَلَ مَا يَدُلُّ عَلَى قَصْدِهِ ذَلِكَ ، وَإِنْ دَبَّرَ الْعَبْدَ ، أَوْ أَجَرَهُ ، أَوْ زَوَّجَ الْأَمَةَ ، لَمْ يَبْطُلْ الرَّهْنُ ؛ لِأَنَّ هَذَا التَّصَرُّفَ لَا يَمْنَعُ الْبَيْعَ ، فَلَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الرَّهْنِ .\rوَلِأَنَّهُ لَا يَمْنَعُ ابْتِدَاءَ الرَّهْنِ ، فَلَا يَقْطَعُ اسْتَدَامَتْهُ كَاسْتِخْدَامِهِ .\rوَإِنْ كَاتَبَ الْعَبْدَ ، انْبَنَى عَلَى صِحَّةِ رَهْنِ الْمُكَاتَبِ ، فَإِنْ قُلْنَا : يَجُوزُ رَهْنُهُ .\rلَمْ يَبْطُلْ رَهْنُهُ .\rوَإِنْ قُلْنَا : لَا يَجُوزُ رَهْنُهُ .\rبَطَلَ رَهْنُهُ ، كَمَا لَوْ أَعْتَقَهُ .","part":9,"page":126},{"id":4126,"text":"فَصْلٌ : وَاسْتِدَامَةُ الْقَبْضِ شَرْطٌ لِلُزُومِ الرَّهْنِ .\rفَإِذَا أَخْرَجَهُ الْمُرْتَهِنُ عَنْ يَدِهِ بِاخْتِيَارِهِ ، زَالَ لُزُومُ الرَّهْنِ ، وَبَقِيَ الْعَقْدُ ، كَأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ فِيهِ قَبْضٌ ، سَوَاءٌ أَخْرَجَهُ بِإِجَارَةِ أَوْ إعَارَةٍ أَوْ إيدَاعٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ .\rفَإِذَا عَادَ فَرَدَّهُ إلَيْهِ ، عَادَ اللُّزُومُ بِحُكْمِ الْعَقْدِ السَّابِقِ .\rقَالَ أَحْمَدُ ، فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ : إذَا ارْتَهَنَ دَارًا ، ثُمَّ أَكْرَاهَا صَاحِبُهَا ، خَرَجَتْ مِنْ الرَّهْنِ ، فَإِذَا رَجَعَتْ إلَيْهِ ، صَارَتْ رَهْنًا .\rوَقَالَ فِي مَنْ رَهَنَ جَارِيَةً ، ثُمَّ سَأَلَ الْمُرْتَهِنَ أَنْ يَبْعَثَهَا إلَيْهِ لِتَخْبِزَ لَهُمْ ، فَبَعَثَ بِهَا ، فَوَطِئَهَا : انْتَقَلَتْ مِنْ الرَّهْنِ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَطِئَهَا ، فَلَا شَيْءَ .\rقَالَ أَبُو بَكْرٍ : لَا يَكُونُ رَهْنًا فِي تِلْكَ الْحَالِ ، فَإِذَا رَدَّهَا رَجَعَتْ إلَى الرَّهْنِ .\rوَمِمَّنْ أَوْجَبَ اسْتِدَامَةَ الْقَبْضِ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ .\rوَهَذَا عَلَى الْقَوْلِ الصَّحِيحِ ، فَأَمَّا عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ : ابْتِدَاءُ الْقَبْضِ لَيْسَ بِشَرْطٍ .\rفَأَوْلَى أَنْ يَقُولَ : الِاسْتِدَامَةُ غَيْرُ مُشْتَرَطَةٍ ؛ لِأَنَّ كُلَّ شَرْطٍ يُعْتَبَرُ فِي الِاسْتِدَامَةِ ، يُعْتَبَرُ فِي الِابْتِدَاءِ ، وَقَدْ يُعْتَبَرُ فِي الِابْتِدَاءِ مَا لَا يُعْتَبَرُ فِي الِاسْتِدَامَةِ .\rقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : إذَا قُلْنَا : الْقَبْضُ شَرْطٌ فِي الِابْتِدَاءِ .\rكَانَ شَرْطًا فِي الِاسْتِدَامَةِ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ اسْتِدَامَةُ الْقَبْضِ لَيْسَتْ شَرْطًا ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ يُعْتَبَرُ الْقَبْضُ فِي ابْتِدَائِهِ ، فَلَمْ يُشْتَرَطْ اسْتَدَامَتْهُ كَالْهِبَةِ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ } .\rلِأَنَّهَا إحْدَى حَالَتَيْ الرَّهْنِ ، فَكَانَ الْقَبْضُ فِيهَا شَرْطًا ، كَالِابْتِدَاءِ .\rوَيُفَارِقُ الْهِبَةَ ؛ لِأَنَّ الْقَبْضَ فِي ابْتِدَائِهَا يُثْبِتُ الْمِلْكَ ، فَإِذَا ثَبَتَ اُسْتُغْنِيَ عَنْ الْقَبْضِ ثَانِيًا ، وَالرَّهْنُ يُرَادُ لِلْوَثِيقَةِ مِنْ بَيْعِهِ ، وَاسْتِيفَاءِ دَيْنِهِ مِنْ ثَمَنِهِ ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِي يَدِهِ ، لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ بَيْعِهِ","part":9,"page":127},{"id":4127,"text":"، وَلَمْ تَحْصُلْ وَثِيقَةٌ .\rوَإِنْ أُزِيلَتْ يَدُ الْمُرْتَهِنِ لِغَيْرِ حَقٍّ ، كَغَصْبٍ ، أَوْ سَرِقَةٍ ، أَوْ إبَاقِ الْعَبْدِ ، أَوْ ضَيَاعِ الْمَتَاعِ ، وَنَحْوِ ذَلِكَ ، لَمْ يَزُلْ لُزُومُ الرَّهْنِ ؛ لِأَنَّ يَدَهُ ثَابِتَةٌ حُكْمًا ، فَكَأَنَّهَا لَمْ تَزُلْ .","part":9,"page":128},{"id":4128,"text":"( 3279 ) فَصْلٌ : وَلَيْسَ لِلْمُرْتَهِنِ قَبْضُ الرَّهْنِ إلَّا بِإِذْنِ الرَّاهِنِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ تَقْبِيضُهُ ، فَاعْتُبِرَ إذْنُهُ فِي قَبْضِهِ ، كَالْوَاهِبِ .\rفَإِنْ تَعَدَّى الْمُرْتَهِنُ ، فَقَبَضَهُ بِغَيْرِ إذْنٍ ، لَمْ يَثْبُتْ حُكْمُهُ ، وَكَانَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ لَمْ يَقْبِضْ .\rوَإِنْ أَذِنَ الرَّاهِنُ فِي الْقَبْضِ ، ثُمَّ رَجَعَ عَنْ الْإِذْنِ قَبْلَهُ ، زَالَ حُكْمُ الْإِذْنِ .\rوَإِنْ رَجَعَ عَنْ الْإِذْنِ بَعْدَ قَبْضِهِ ، لَمْ يُؤَثِّرْ رُجُوعُهُ ؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ قَدْ لَزِمَ لِاتِّصَالِ الْقَبْضِ بِهِ .\rوَكُلُّ مَوْضِعٍ زَالَ لُزُومُ الرَّهْنِ لِزَوَالِ الْقَبْضِ ، اُعْتُبِرَ الْإِذْنُ فِي الْقَبْضِ الثَّانِي ؛ لِأَنَّهُ قَبْضٌ يَلْزَمُ بِهِ الرَّهْنُ ، أَشْبَهَ الْأَوَّلَ ، وَيَقُومُ مَا يَدُلُّ عَلَى الْإِذْنِ مَقَامَهُ ، مِثْلُ إرْسَالِهِ الْعَبْدَ إلَى مُرْتَهِنِهِ ، وَرَدِّهِ لِمَا أَخَذَهُ مِنْ الْمُرْتَهِنِ إلَى يَدِهِ ، وَنَحْوُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى الْإِذْنِ ، فَاكْتُفِيَ بِهِ ، كَدُعَاءِ النَّاسِ إلَى الطَّعَامِ ، وَتَقْدِيمِهِ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ ، يَجْرِي مَجْرَى الْإِذْنِ فِي أَكْلِهِ .","part":9,"page":129},{"id":4129,"text":"( 3280 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَالْقَبْضُ فِيهِ مِنْ وَجْهَيْنِ ؛ فَإِنْ كَانَ مِمَّا يُنْقَلُ ، فَقَبْضُ الْمُرْتَهِنِ لَهُ أَخْذُهُ إيَّاهُ مِنْ رَاهِنِهِ مَنْقُولًا ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يُنْقَلُ ، كَالدُّورِ وَالْأَرْضِينَ ، فَقَبْضُهُ تَخْلِيَةُ رَاهِنِهِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مُرْتَهِنِهِ ، لَا حَائِلَ دُونَهُ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْقَبْضَ فِي الرَّهْنِ كَالْقَبْضِ فِي الْبَيْعِ وَالْهِبَةِ ، فَإِنْ كَانَ مَنْقُولًا فَقَبْضُهُ نَقْلُهُ أَوْ تَنَاوُلُهُ ، وَإِنْ كَانَ أَثْمَانًا ، أَوْ شَيْئًا خَفِيفًا يُمْكِنُ قَبْضُهُ بِالْيَدِ ، فَقَبْضُهُ تَنَاوُلُهُ بِهَا ، وَإِنْ كَانَ مَكِيلًا ، رَهَنَهُ بِالْكَيْلِ ، أَوْ مَوْزُونًا ، رَهَنَهُ بِالْوَزْنِ ، فَقَبْضُهُ اكْتِيَالُهُ أَوْ اتِّزَانُهُ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إذَا سَمَّيْت الْكَيْلَ فَكِلْ } .\rوَإِنْ ارْتَهَنَ الصُّبْرَةَ جُزَافًا ، أَوْ كَانَ ثِيَابًا أَوْ حَيَوَانًا فَقَبْضُهُ نَقْلُهُ ؛ لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ : { كُنَّا نَشْتَرِي الطَّعَامَ مِنْ الرُّكْبَانِ جُزَافًا .\rفَنَهَانَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ نَبِيعَهُ حَتَّى نَنْقُلَهُ مِنْ مَكَانِهِ .\r} مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَإِنْ كَانَ الرَّهْنُ غَيْرَ مَنْقُولٍ ، كَالْعَقَارِ وَالثَّمَرَةِ عَلَى الشَّجَرَةِ ، فَقَبْضُهُ التَّخْلِيَةُ بَيْنَ مُرْتَهِنِهِ وَبَيْنَهُ مِنْ غَيْرِ حَائِلٍ ، بِأَنْ يَفْتَحَ لَهُ بَابَ الدَّارِ ، أَوْ يُسَلِّمَ إلَيْهِ مِفْتَاحَهَا .\rوَإِنْ خَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا وَفِيهَا قُمَاشٌ لِلرَّاهِنِ ، صَحَّ التَّسْلِيمُ ؛ لِأَنَّ اتِّصَالَهَا بِمِلْكِ الرَّاهِنِ ، لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ التَّسْلِيمِ ، كَالثَّمَرَةِ فِي الشَّجَرَةِ .\rوَكَذَلِكَ لَوْ رَهَنَهُ دَابَّةً عَلَيْهَا حِمْلٌ لِلرَّاهِنِ ، فَسَلَّمَهَا إلَيْهِ ، صَحَّ التَّسْلِيمُ .\rوَلَوْ رَهَنَ الْحِمْلَ وَهُوَ عَلَى الدَّابَّةِ ، وَسَلَّمَهَا إلَيْهِ بِحِمْلِهَا ، صَحَّ الْقَبْضُ ؛ لِأَنَّ الْقَبْضَ حَصَلَ فِيهِمَا جَمِيعًا ، فَيَكُونُ مَوْجُودًا فِي الرَّهْنِ مِنْهُمَا .","part":9,"page":130},{"id":4130,"text":"( 3281 ) فَصْلٌ : وَإِنْ رَهَنَهُ سَهْمًا مُشَاعًا مِمَّا لَا يُنْقَلُ .\rخَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ ، سَوَاءٌ حَضَرَ الشَّرِيكُ أَوْ لَمْ يَحْضُرْ وَإِنْ كَانَ مَنْقُولًا كَالْجَوْهَرَةِ يَرْهَنُ نِصْفَهَا ، فَقَبْضُهَا تَنَاوُلُهَا ، وَلَا يُمْكِنُ تَنَاوُلُهَا إلَّا بِرِضَا الشَّرِيكِ ، فَإِنْ رَضِيَ الشَّرِيكُ ، تَنَاوَلَهَا ، وَإِنْ امْتَنَعَ الشَّرِيكُ ، فَرَضِيَ الْمُرْتَهِنُ وَالرَّاهِنُ بِكَوْنِهَا فِي يَدِ الشَّرِيكِ ، جَازَ ، وَنَابَ عَنْهُ فِي الْقَبْضِ ، وَإِنْ تَنَازَعَ الشَّرِيكُ وَالْمُرْتَهِنُ ، نَصَّبَ الْحَاكِمُ عَدْلًا تَكُونُ فِي يَدِهِ لَهُمَا وَإِنْ نَاوَلَهَا الرَّاهِنُ لِلْمُرْتَهِنِ بِغَيْرِ رِضَا الشَّرِيكِ فَتَنَاوَلَهَا ، فَإِنْ قُلْنَا : اسْتِدَامَةُ الْقَبْضِ شَرْطٌ .\rلَمْ يَكْفِهِ ذَلِكَ التَّنَاوُلُ .\rوَإِنْ قُلْنَا : لَيْسَ بِشَرْطِ .\rفَقَدْ حَصَلَ الْقَبْضُ ؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ حَصَلَ فِي يَدِهِ مَعَ التَّعَدِّي فِي غَيْرِهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ رَهَنَهُ ثَوْبًا فَسَلَّمَهُ إلَيْهِ مَعَ ثَوْبٍ لِغَيْرِهِ ، فَتَنَاوَلَهُمَا مَعًا .\rوَلَوْ رَهَنَهُ ثَوْبًا ، فَاشْتَبَهَ عَلَيْهِ بِغَيْرِهِ ، فَسَلَّمَ إلَيْهِ أَحَدَهُمَا ، لَمْ يَثْبُتْ الْقَبْضُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَعْلَمُ أَنَّهُ أَقْبِضهُ الرَّهْنَ ، فَإِنْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ الرَّهْنُ ، تَبَيَّنَ صِحَّةُ التَّسْلِيمِ .\rوَإِنْ سَلَّمَ إلَيْهِ الثَّوْبَيْنِ مَعًا ، حَصَلَ الْقَبْضُ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَسَلَّمَ الرَّهْنَ يَقِينًا .","part":9,"page":131},{"id":4131,"text":"( 3282 ) فَصْلٌ : وَلَوْ رَهَنَهُ دَارًا ، فَخَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا وَهُمَا فِيهَا ، ثُمَّ خَرَجَ الرَّاهِنُ ، صَحَّ الْقَبْضُ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَصِحُّ حَتَّى يُخَلِّيَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا بَعْد خُرُوجِهِ مِنْهَا ؛ لِأَنَّهُ مَا كَانَ فِي الدَّارِ فَيَدُهُ عَلَيْهَا ، فَمَا حُصِلَتْ التَّخْلِيَةُ .\rوَلَنَا ، أَنَّ التَّخْلِيَةَ تَصِحُّ بِقَوْلِهِ مَعَ التَّمَكُّنِ مِنْهَا وَعَدَمِ الْمَانِعِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَا خَارِجِينَ عَنْهَا ، وَلَا يَصِحُّ مَا ذَكَرَهُ ، أَلَا تَرَى أَنَّ خُرُوجَ الْمُرْتَهِنِ مِنْهَا لَا يُزِيلُ يَدَهُ عَنْهَا ، وَدُخُولَهُ إلَى دَارِ غَيْرِهِ لَا يُثْبِتُ يَدَهُ عَلَيْهَا ، وَلِأَنَّهُ بِخُرُوجِهِ عَنْهَا مُحَقِّقٌ لِقَوْلِهِ ، فَلَا مَعْنَى لِإِعَادَةِ التَّخْلِيَةِ .","part":9,"page":132},{"id":4132,"text":"( 3283 ) فَصْلٌ : وَإِنْ رَهَنَهُ مَالًا لَهُ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ ؛ عَارِيَّةً أَوْ وَدِيعَةً أَوْ غَصْبًا أَوْ نَحْوَهُ ، صَحَّ الرَّهْنُ ؛ لِأَنَّهُ مَالِكٌ لَهُ يُمْكِنُ قَبْضُهُ ، فَصَحَّ رَهْنُهُ ، كَمَا لَوْ كَانَ فِي يَدِهِ .\rوَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَد لُزُومُ الرَّهْنِ بِنَفْسِ الْعَقْدِ ، مِنْ غَيْرِ احْتِيَاجٍ إلَى أَمْرٍ زَائِدٍ ، فَإِنَّهُ قَالَ : إذَا حُصِلَتْ الْوَدِيعَةُ فِي يَدِهِ بَعْد الرَّهْنِ ، فَهُوَ رَهْنٌ .\rفَلَمْ يَعْتَبِرْ أَمْرًا زَائِدًا ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْيَدَ ثَابِتَةٌ ، وَالْقَبْضُ حَاصِلٌ .\rوَإِنَّمَا يَتَغَيَّرُ الْحُكْمُ لَا غَيْرُ ، وَيُمْكِنْ تَغَيُّرُ الْحُكْمِ مَعَ اسْتِدَامَةِ الْقَبْضِ .\rكَمَا لَوْ طُولِبَ الْوَدِيعَةِ فَجَحَدَهَا لِتَغَيُّرِ الْحُكْمِ ، وَصَارَتْ مَضْمُونَةً عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ أَمْرٍ زَائِدٍ .\rوَلَوْ عَادَ الْجَاحِدُ ، فَأَقَرَّ بِهَا ، وَقَالَ لِصَاحِبِهَا : خُذْ وَدِيعَتَك .\rفَقَالَ : دَعْهَا عِنْدَك وَدِيعَةً كَمَا كَانَتْ ، وَلَا ضَمَانَ عَلَيْك فِيهَا .\rلَتَغَيَّرَ الْحُكْمُ مِنْ غَيْرِ حُدُوثِ أَمْرٍ زَائِدٍ .\rوَقَالَ الْقَاضِي وَأَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ : لَا يَصِيرُ رَهْنًا حَتَّى تَمْضِيَ مُدَّةً يَتَأَتَّى قَبْضُهُ فِيهَا ، فَإِنْ كَانَ مَنْقُولًا فَبِمُضِيِّ مُدَّةٍ يُمْكِنُ نَقْلُهُ فِيهَا ، وَإِنْ كَانَ مَكِيلًا فَبِمُضِيِّ مُدَّةٍ يُمْكِنُ اكْتِيَالُهُ فِيهَا ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَنْقُولٍ فَبِمُضِيِّ مُدَّةِ التَّخْلِيَةِ ، وَإِنْ كَانَ غَائِبًا عَنْ الْمُرْتَهِنِ لَمْ يَصِرْ مَقْبُوضًا حَتَّى يُوَافِيَهُ هُوَ أَوْ وَكِيلُهُ ، ثُمَّ تَمْضِي مُدَّةٌ يُمْكِنُ قَبْضُهُ فِيهَا ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ يَفْتَقِرُ إلَى الْقَبْضِ ، وَالْقَبْضُ إنَّمَا يَحْصُلُ بِفِعْلِهِ أَوْ بِإِمْكَانِهِ ، وَيَكْفِي ذَلِكَ ، وَلَا يَحْتَاجُ إلَى وُجُودِ حَقِيقَةِ الْقَبْضِ ، لِأَنَّهُ مَقْبُوضٌ حَقِيقَةً .\rفَإِنْ تَلِفَ قَبْلَ مُضِيِّ مُدَّةٍ يَتَأَتَّى قَبْضُهُ فِيهَا ، فَهُوَ كَتَلَفِ الرَّهْنِ قَبْلَ قَبَضَهُ .\rثُمَّ هَلْ يَفْتَقِرُ إلَى الْإِذْنِ مِنْ الرَّاهِنِ فِي الْقَبْضِ ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا ، يَفْتَقِرُ ، لِأَنَّهُ قَبْضٌ يَلْزَمُ بِهِ عَقْدٌ غَيْرُ لَازِمٍ ، فَلَمْ يَحْصُلْ بِغَيْرِ","part":9,"page":133},{"id":4133,"text":"إذْنٍ ، كَمَا لَوْ كَانَ فِي يَدِ الرَّاهِنِ ، وَإِقْرَارُهُ فِي يَدِهِ لَا يَكْفِي ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ الْمَغْصُوبَ فِي يَدِ غَاصِبِهِ مَعَ إمْكَانِ أَخْذِهِ مِنْهُ .\rوَالثَّانِي ، لَا يَفْتَقِرُ إلَى إذْنٍ فِي الْقَبْضِ ؛ لِأَنَّ إقْرَارَهُ لَهُ فِي يَدِهِ بِمَنْزِلَةِ إذْنِهِ فِي الْقَبْضِ .\rفَإِنْ أَذِنَ لَهُ فِي الْقَبْضِ ، ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ قَبْلَ مُضِيِّ مُدَّةٍ يَتَأَتَّى الْقَبْضُ فِيهَا ، لَمْ يَلْزَمْ الرَّهْنُ .\rحَتَّى يَعُودَ فَيَأْذَنَ ، ثُمَّ تَمْضِي مُدَّةٌ يَقْبِضُهُ فِي مِثْلِهَا .","part":9,"page":134},{"id":4134,"text":"( 3284 ) فَصْلٌ : وَإِذَا رَهَنَهُ الْمَضْمُونَ ، كَالْمَغْصُوبِ وَالْعَارِيَّةِ وَالْمَقْبُوضِ فِي بَيْعٍ فَاسِدٍ ، أَوْ عَلَى تَوَجُّهِ السَّوْمِ .\rصَحَّ ، وَزَالَ الضَّمَانُ .\rوَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يَزُولُ الضَّمَانُ ، وَيَثْبُتُ فِيهِ حُكْمُ الرَّهْنِ ، وَالْحُكْمُ الَّذِي كَانَ ثَابِتًا فِيهِ يَبْقَى بِحَالِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا تَنَافِي بَيْنَهُمَا ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ تَعَدَّى فِي الرَّهْنِ صَارَ مَضْمُونًا ضَمَانَ الْغَصْبِ .\rوَهُوَ رَهْنٌ كَمَا كَانَ ، فَكَذَلِكَ ابْتِدَاؤُهُ ، لِأَنَّهُ أَحَدُ الرَّهْنِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ مَأْذُونٌ لَهُ فِي إمْسَاكِهِ رَهْنًا لَمْ يَتَجَدَّدْ مِنْهُ فِيهِ عُدْوَانٌ ، فَلَمْ يَضْمَنْهُ ، كَمَا لَوْ قَبَضَهُ مِنْهُ ثُمَّ أَقْبِضهُ إيَّاهُ ، أَوْ أَبْرَأَهُ مِنْ ضَمَانِهِ .\rوَقَوْلُهُمْ : لَا تَنَافِي بَيْنَهُمَا .\rمَمْنُوعٌ ؛ فَإِنَّ الْغَاصِبَ يَدُهُ عَادِيَةٌ يَجِبُ عَلَيْهِ إزَالَتُهَا ، وَيَدُ الْمُرْتَهِنِ مُحِقَّةٌ جَعَلَهَا الشَّرْعُ لَهُ ، وَيَدُ الْمُرْتَهِنِ يَدُ أَمَانَةٍ .\rوَيَدُ الْغَاصِبِ وَالْمُسْتَعِيرِ وَنَحْوِهِمَا يَدٌ ضَامِنَةٌ ، وَهَذَانِ مُتَنَافِيَانِ .\rوَلِأَنَّ السَّبَبَ الْمُقْتَضِيَ لِلضَّمَانِ زَالَ ، فَزَالَ الضَّمَانُ لِزَوَالِهِ ، كَمَا لَوْ رَدَّهُ إلَى مَالِكِهِ ، وَذَلِكَ لِأَنَّ سَبَبَ الضَّمَانِ الْغَصْبُ وَالْعَارِيَّةُ وَنَحْوُهُمَا ، وَهَذَا لَمْ يَبْقَ غَاصِبًا وَلَا مُسْتَعِيرًا ، وَلَا يَبْقَى الْحُكْمُ مَعَ زَوَالِ سَبَبِهِ وَحُدُوثِ سَبَبٍ يُخَالِفُ حُكْمُهُ حُكْمَهُ ، وَأَمَّا إذَا تَعَدَّى فِي الرَّهْنِ ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ الضَّمَانُ ، لِعُدْوَانِهِ ، لَا لِكَوْنِهِ غَاصِبًا وَلَا مُسْتَعِيرًا ، وَهَا هُنَا قَدْ زَالَ سَبَبُ الضَّمَانِ ، وَلَمْ يَحْدُثْ مَا يُوجِبهُ ، فَلَمْ يَثْبُتْ .","part":9,"page":135},{"id":4135,"text":"( 3285 ) فَصْلٌ : وَيَجُوزُ أَنْ يُوَكِّلَ فِي قَبْضِ الرَّهْنِ ، وَيَقُومُ قَبْضُ وَكِيلِهِ مَقَامَ قَبْضِهِ ، فِي لُزُومِ الرَّهْنِ وَسَائِرِ أَحْكَامِهِ .\rوَإِنْ وَكَّلَ الْمُرْتَهِنُ الرَّاهِنَ فِي قَبْضِ الرَّهْنِ لَهُ مِنْ نَفْسِهِ ، لَمْ يَصِحَّ ، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ قَبْضًا ؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ وَثِيقَةٌ لِيَسْتَوْفِيَ الْحَقَّ مِنْهُ عِنْدَ تَعَذُّرِ اسْتِيفَائِهِ مِنْ الرَّاهِنِ ، فَإِذَا كَانَ فِي يَدِ الرَّاهِنِ لَمْ يَحْصُلْ مَعْنَى الْوَثِيقَةِ وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي الْبَيْعِ ، أَنَّ الْمُشْتَرِيَ لَوْ دَفَعَ إلَى الْبَائِعِ غِرَارَةً ، وَقَالَ : كُلُّ حَقِّي فِي هَذِهِ .\rفَفَعَلَ ، كَانَ ذَلِكَ قَبْضًا .\rفَيَخْرُجُ هَاهُنَا كَذَلِكَ .","part":9,"page":136},{"id":4136,"text":"( 3286 ) فَصْلٌ : وَإِذَا أَقَرَّ الرَّاهِنُ بِتَقْبِيضِ الرَّهْنِ ، أَوْ أَقَرَّ الْمُرْتَهِنُ بِقَبْضِهِ ، كَانَ ذَلِكَ مَقْبُولًا فِيمَا يُمْكِنُ صِدْقُهُمَا فِيهِ .\rوَإِنْ أَقَرَّ الرَّاهِنُ بِالتَّقْبِيضِ ، ثُمَّ أَنْكَرَهُ ، وَقَالَ : أَقْرَرْت بِذَلِكَ وَلَمْ أَكُنْ قَبَّضْت شَيْئًا .\rأَوْ أَقَرَّ الْمُرْتَهِنُ بِالْقَبْضِ ، ثُمَّ أَنْكَرَ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُقِرِّ لَهُ ، فَإِنْ طَلَبَ الْمُنْكِرُ يَمِينَهُ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، لَا يَلْزَمُهُ يَمِينٌ ؛ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ أَقْوَى مِنْ الْبَيِّنَةِ ، وَلَوْ قَامَتْ الْبَيِّنَةُ بِذَلِكَ وَطَلَبَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ يَمِينَ خَصْمِهِ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ ، فَكَذَلِكَ الْإِقْرَارُ .\rوَالثَّانِي ، يَلْزَمُهُ الْيَمِينُ .\rوَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي مَنْصُوصِهِ ؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ جَارِيَةٌ بِأَنَّ الْإِنْسَانَ يَشْهَدُ عَلَى نَفْسِهِ بِالْقَبْضِ قَبْلَهُ ، فَتُسْمَعُ دَعْوَاهُ ، وَيَلْزَمُ خَصْمَهُ الْيَمِينُ ، لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ حُكْمِ الْعَادَةِ ، وَهَذَا أَجْوَدُ .\rوَيُفَارِقُ الْبَيِّنَةَ ، فَإِنَّهَا لَا تَشْهَدُ بِالْحَقِّ قَبْلَهُ ، وَلَوْ فَعَلْت ذَلِكَ لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةً عَادِلَةً .\rوَقَالَ الْقَاضِي : إنْ كَانَ الْمُقِرُّ غَائِبًا ، فَقَالَ : أَقْرَرْت لِأَنَّ وَكِيلِي كَتَبَ إلَيَّ بِذَلِكَ ، ثُمَّ بَانَ لِي خِلَافُهُ .\rسَمِعْنَا قَوْلَهُ ، وَأَحْلَفْنَا خَصْمَهُ .\rوَإِنْ أَقَرَّ أَنَّهُ بَاشَرَ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ ، ثُمَّ عَادَ فَأَكْذَبَ نَفْسَهُ ، لَمْ يَحْلِفْ خَصْمُهُ .\rوَهَذَا قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ، فَأُمًّا إنْ اخْتَلَفَا فِي الْقَبْضِ ، فَقَالَ الْمُرْتَهِنُ : قَبَّضْته .\rوَأَنْكَرَ الرَّاهِنُ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ هُوَ فِي يَدِهِ ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ فِي يَدِ الرَّاهِنِ فَالْأَصْلُ مَعَهُ ، وَهُوَ عَدَمُ الْإِقْبَاضِ ، وَلَمْ يُوجَدْ مَا يَدُلُّ عَلَى خِلَافِهِ ، وَإِنْ كَانَ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ ، فَقَدْ وُجِدَ الْقَبْضُ ، لِكَوْنِهِ لَا يَحْصُلُ فِي يَدِهِ إلَّا بَعْدَ قَبْضِهِ .\rوَإِنْ اخْتَلَفَا فِي الْإِذْنِ ، فَقَالَ الرَّاهِنُ : أَخَذْته بِغَيْرِ إذْنِي .\rقَالَ : بَلْ بِإِذْنِك .\rوَهُوَ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ","part":9,"page":137},{"id":4137,"text":"؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مَعَهُ ، فَإِنَّ الْعَقْدَ قَدْ وُجِدَ ، وَيَدُهُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ بِحَقِّ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْقَوْلُ قَوْلَ الرَّاهِنِ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْإِذْنِ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rوَذَكَرَ الْقَاضِي هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ .","part":9,"page":138},{"id":4138,"text":"( 3287 ) فَصْلٌ : وَإِذَا رَهَنَهُ عَيْنَيْنِ ، فَتَلِفَتْ إحْدَاهُمَا قَبْلَ قَبْضِهَا ، انْفَسَخَ الْعَقْدُ فِيهَا دُونَ الْبَاقِيَةِ ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ كَانَ صَحِيحًا فِيهِمَا ، وَإِنَّمَا طَرَأَ انْفِسَاخُ الْعَقْدِ فِي إحْدَاهُمَا ، فَلَمْ يُؤَثِّرْ ، كَمَا لَوْ اشْتَرَى شَيْئَيْنِ ، ثُمَّ رَدَّ أَحَدَهُمَا بِعَيْبِ أَوْ خِيَارٍ أَوْ إقَالَةٍ ، وَالرَّاهِنُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ إقْبَاضِ الْبَاقِيَةِ وَبَيْنَ مَنْعِهَا .\rوَإِنْ كَانَ التَّلَفُ بَعْد قَبْضِ الْأُخْرَى ، فَقَدْ لَزِمَ الرَّهْنُ فِيهَا ، فَإِنْ كَانَ الرَّهْنُ مَشْرُوطًا فِي بَيْعٍ ثَبَتَ لِلْبَائِعِ الْخِيَارُ ؛ لِتَعَذُّرِ الرَّهْنِ بِكَمَالِهِ ، فَإِنْ رَضِيَ لَمْ يَكُنْ لَهُ الْمُطَالَبَةُ بِبَدَلِ التَّالِفَةِ ؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ لَمْ يَلْزَمْ فِيهَا ، وَتَكُونُ الْمَقْبُوضَةُ رَهْنًا بِجَمِيعِ الثَّمَنِ .\rوَلَوْ تَلِفَتْ إحْدَى الْعَيْنَيْنِ بَعْد الْقَبْضِ ، فَلَا خِيَارَ لِلْبَائِعِ ؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ لَوْ تَلِفَ كُلُّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ خِيَارٌ ، فَإِذَا تَلِفَ بَعْضُهُ أَوْلَى .\rثُمَّ إنْ كَانَ تَلَفُهَا بَعْدَ قَبْضِ الْعَيْنِ الْأُخْرَى ، فَقَدْ لَزِمَ الرَّهْنُ فِيهَا ، وَإِنْ كَانَ قَبْلَ قَبْضِ الْأُخْرَى ، فَالرَّاهِنُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ إقْبَاضِهَا وَبَيْنَ تَرْكِهِ ، فَإِنْ امْتَنَعَ مِنْ تَقْبِيضِهَا ، ثَبَتَ لِلْبَائِعِ الْخِيَارُ ، كَمَا لَوْ لَمْ تَتْلَفْ الْأُخْرَى .","part":9,"page":139},{"id":4139,"text":"( 3288 ) فَصْلٌ : وَإِنْ رَهَنَهُ دَارًا فَانْهَدَمَتْ قَبْلَ قَبْضِهَا ، لَمْ يَنْفَسِخْ عَقْدُ الرَّهْنِ ؛ لِأَنَّ مَالِيَّتَهَا لَمْ تَذْهَبْ بِالْكُلِّيَّةِ ، فَإِنَّ عَرْصَتَهَا وَأَنْقَاضَهَا بَاقِيَةٌ ، وَيَثْبُتُ لِلْمُرْتَهِنِ الْخِيَارُ إنْ كَانَ الرَّهْنُ مَشْرُوطًا فِي بَيْعٍ ؛ لِأَنَّهَا تَعَيَّبَتْ وَنَقَصَتْ قِيمَتُهَا .\rفَإِنْ قِيلَ : فَلِمَ لَا يَنْفَسِخُ عَقْدُ الرَّهْنِ كَمَا تَنْفَسِخُ الْإِجَارَةُ ؟ قُلْنَا : الْإِجَارَةُ عَقْدٌ عَلَى مَنْفَعَةِ السُّكْنَى ، وَقَدْ تَعَذَّرَتْ وَعَدِمَتْ ، فَبَطَلَ الْعَقْدُ لِعَدَمِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ ، وَالرَّهْنُ عَقْدُ اسْتِيثَاقٍ يَتَعَلَّقُ بِالْأَعْيَانِ الَّتِي فِيهَا الْمَالِيَّةُ ، وَهِيَ بَاقِيَةٌ .\rفَعَلَى هَذَا تَكُونُ الْعَرْصَةُ وَالْأَنْقَاضُ مِنْ الْأَخْشَابِ وَالْأَحْجَارِ وَنَحْوِهِمَا مِنْ الرَّهْنِ ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ وَرَدَ عَلَى جَمِيعِ الْأَعْيَانِ وَالْأَنْقَاضُ مِنْهَا ، وَمَا دَخَلَ فِي الْعَقْدِ اسْتَقَرَّ بِالْقَبْضِ .","part":9,"page":140},{"id":4140,"text":"( 3289 ) فَصْلٌ : وَكُلُّ عَيْنٍ جَازَ بَيْعُهَا جَازَ رَهْنُهَا ؛ لِأَنَّ مَقْصُودَ الرَّهْنِ الِاسْتِيثَاقُ بِالدَّيْنِ لِلتَّوَصُّلِ إلَى اسْتِيفَائِهِ مِنْ ثَمَنِ الرَّهْنِ إنْ تَعَذَّرَ اسْتِيفَاؤُهُ مِنْ ذِمَّةِ الرَّاهِنِ ، وَهَذَا يَتَحَقَّقُ فِي كُلِّ عَيْنٍ جَازَ بَيْعُهَا ، وَلِأَنَّ مَا كَانَ مَحَلًّا لِلْبَيْعِ كَانَ مَحَلًّا لِحِكْمَةِ الرَّهْنِ ، وَمَحِلُّ الشَّيْءِ مَحِلُّ حِكْمَتِهِ ، إلَّا أَنْ يَمْنَعَ مَانِعٌ مِنْ ثُبُوتِهِ ، أَوْ يَفُوتَ شَرْطٌ ، فَيَنْتَفِيَ الْحُكْمُ لِانْتِفَائِهِ ، فَيَصِحُّ رَهْنُ الْمُشَاعِ لِذَلِكَ .\rوَبِهِ قَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى ، وَمَالِكٌ ، وَالْبَتِّيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَسَوَّارٌ ، وَالْعَنْبَرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ : لَا يَصِحُّ رَهْنُهُ ، إلَّا أَنْ يَرْهَنَهُ مِنْ شَرِيكِهِ ، أَوْ يَرْهَنَهَا الشَّرِيكَانِ مِنْ رَجُلٍ وَاحِدٍ ، أَوْ يَرْهَنَ رَجُلًا دَارِهِ مِنْ رَجُلَيْنِ ، فَيَقْبِضَانِهَا مَعًا ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ تَخَلَّفَ عَنْهُ مَقْصُودُهُ لِمَعْنًى اتَّصَلَ بِهِ ، فَلَمْ يَصِحَّ ، كَمَا لَوْ تَزَوَّجَ أُخْتَهُ مِنْ الرَّضَاعِ ، بَيَانُهُ أَنَّ مَقْصُودَهُ الْحَبْسُ الدَّائِمُ ، وَالْمُشَاعُ لَا يُمْكِنُ الْمُرْتَهِنُ حَبْسَهُ ، لِأَنَّ شَرِيكَهُ يَنْتَزِعُهُ يَوْمَ نَوْبَتِهِ ، وَلِأَنَّ اسْتِدَامَةَ الْقَبْضِ شَرْطٌ ، وَهَذَا يَسْتَحِقُّ زَوَالَ الْيَدِ عَنْهُ لِمَعْنًى قَارَنَ الْعَقْدَ ، فَلَمْ يَصِحَّ رَهْنُهُ كَالْمَغْصُوبِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهَا عَيْنٌ يَجُوزُ بَيْعُهَا فِي مَحِلِّ الْحَقِّ ، فَيَصِحُّ رَهْنُهَا كَالْمُفْرَزَةِ .\rوَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ مَقْصُودَهُ الْحَبْسُ ، بَلْ مَقْصُودُهُ اسْتِيفَاءُ الدَّيْنِ مِنْ ثَمَنِهِ عِنْدَ تَعَذُّرِهِ مِنْ غَيْرِهِ ، وَالْمُشَاعُ قَابِلٌ لِذَلِكَ ، ثُمَّ يَبْطُلُ مَا ذَكَرُوهُ بِرَهْنِ الْقَاتِلِ وَالْمُرْتَدِّ وَالْمَغْصُوبِ ، وَرَهْنِ مِلْكِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ مِنْ غَيْرِ وِلَايَةٍ ، فَإِنَّهُ يَصِحُّ عِنْدَهُمْ .","part":9,"page":141},{"id":4141,"text":"( 3290 ) فَصْلٌ : وَيَصِحُّ أَنْ يَرْهَنَ بَعْضَ نَصِيبِهِ مِنْ الْمُشَاعِ ، كَمَا يَصِحُّ أَنْ يَرْهَنَ جَمِيعَهُ ، سَوَاءٌ رَهَنَهُ مُشَاعًا فِي نَصِيبِهِ ، مِثْلَ أَنْ يَرْهَنَ نِصْفَ نَصِيبِهِ ، أَوْ يَرْهَنَ نَصِيبَهُ مِنْ مُعَيَّنٍ ، مِثْلَ أَنْ يَكُونَ لَهُ نِصْفُ دَارٍ فَيَرْهَنَ نَصِيبَهُ مِنْ بَيْتٍ مِنْهَا بِعَيْنِهِ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : يَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَصِحَّ رَهْنُ حِصَّتِهِ مِنْ مُعَيَّنٍ مِنْ شَيْءٍ تُمْكِنُ قِسْمَتُهُ ، لِاحْتِمَالِ أَنْ يَقْتَسِمَ الشَّرِيكَانِ ، فَيَحْصُلُ الرَّهْنُ فِي حِصَّةِ شَرِيكِهِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ يَصِحُّ بَيْعُهُ ، فَصَحَّ رَهْنُهُ كَغَيْرِهِ ، وَمَا ذَكَرَهُ لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ الرَّاهِنَ مَمْنُوعٌ مِنْ التَّصَرُّفِ فِي الرَّهْنِ بِمَا يَضُرُّ بِالْمُرْتَهِنِ ، فَيُمْنَعُ مِنْ الْقِسْمَةِ الْمُضِرَّةِ ، كَمَا يُمْنَعُ مِنْ بَيْعِهِ .","part":9,"page":142},{"id":4142,"text":"( 3291 ) فَصْلٌ : وَيَصِحُّ رَهْنُ الْمُرْتَدِّ وَالْقَاتِلِ فِي الْمُحَارَبَةِ وَالْجَانِي ، سَوَاءٌ كَانَتْ جِنَايَتُهُ عَمْدًا أَوْ خَطَأً عَلَى النَّفْسِ وَمَا دُونَهَا .\rوَقَالَ الْقَاضِي : لَا يَصِحُّ رَهْنُ الْقَاتِلِ فِي الْمُحَارَبَةِ ، وَاخْتَارَ أَبُو بَكْرٍ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ رَهْنُ الْجَانِي .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ، وَمَبْنَى الْخِلَافِ فِي هَذَا عَلَى الْخِلَافِ فِي بَيْعِهِ ، وَقَدْ سَبَقَ الْكَلَامُ فِيهِ فِي مَوْضِعِهِ .\rثُمَّ إنْ كَانَ الْمُرْتَهِنُ عَالِمًا بِحَالِهِ ، فَلَا خِيَارَ لَهُ ؛ لِأَنَّهُ دَخَلَ عَلَى بَصِيرَةٍ ، فَأَشْبَهَ الْمُشْتَرِيَ إذَا عَلِمَ الْعَيْبَ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَالِمًا ، ثُمَّ عَلِمَ بَعْد إسْلَامِ الْمُرْتَدِّ وَفِدَاءِ الْجَانِي ، فَكَذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الْعَيْبَ زَالَ ، فَهُوَ كَمَا لَوْ زَالَ عَيْبُ الْمَبِيعِ .\rوَإِنْ عَلِمَ قَبْلَ ذَلِكَ ، فَلَهُ رَدُّهُ وَفَسْخُ الْبَيْعِ إنْ كَانَ مَشْرُوطًا فِي عَقْدِ بَيْعٍ ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ اقْتَضَاهُ سَلِيمًا ، فَإِذَا سَلَّمَ إلَيْهِ مَعِيبًا ، مَلَكَ الْفَسْخَ ، كَالْبَيْعِ ، وَإِنْ اخْتَارَ إمْسَاكَهُ ، فَلَيْسَ لَهُ أَرْشٌ وَلَا شَيْءٌ ؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ بِجُمْلَتِهِ لَوْ تَلِفَ قَبْلَ قَبْضِهِ ، لَمْ يَمْلِكْ بَدَلَهُ ، فَبَعْضُهُ أَوْلَى .\rوَكَذَلِكَ لَوْ لَمْ يَعْلَمْ حَتَّى قُتِلَ الْعَبْدُ بِالرِّدَّةِ أَوْ الْقِصَاصِ ، أَوْ أُخِذَ فِي الْجِنَايَةِ ، فَلَا أَرْشَ لِلْمُرْتَهِنِ .\rوَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّ قِيَاسَ الْمَذْهَبِ أَنَّ لَهُ الْأَرْشَ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ ، قِيَاسًا عَلَى الْبَيْعِ .\rوَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ ؛ فَإِنَّ الْمَبِيعَ عِوَضٌ عَنْ الثَّمَنِ ، فَإِذَا فَاتَ بَعْضَهُ ، رَجَعَ بِمَا يُقَابِلهُ مِنْ الثَّمَنِ ، وَلَوْ فَاتَ كُلُّهُ ، مِثْلَ أَنْ يَتْلَفَ الْمَبِيعُ قَبْلَ قَبْضِهِ ، رَجَعَ بِالثَّمَنِ كُلِّهِ ، وَالرَّهْنُ لَيْسَ بِعِوَضٍ ، وَلَوْ تَلِفَ كُلُّهُ قَبْلَ الْقَبْضِ ، لَمَا اسْتَحَقَّ الرُّجُوعَ بِشَيْءٍ ، فَكَيْفَ يَسْتَحِقُّ الرُّجُوعَ بِبَدَلِ عَيْنِهِ أَوْ فَوَاتِ بَعْضِهِ ؟ وَإِنْ امْتَنَعَ السَّيِّدُ مِنْ فِدَاءِ الْجَانِي ، لَمْ يُجْبَرْ ، وَيُبَاعُ فِي الْجِنَايَةِ ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ","part":9,"page":143},{"id":4143,"text":"مُقَدَّمٌ عَلَى الرَّهْنِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ حَدَّثَتْ الْجِنَايَةُ بَعْدَ الرَّهْنِ .\rفَعَلَى هَذَا إنْ اسْتَغْرَقَ الْأَرْشُ قِيمَتَهُ ، بِيعَ وَبَطَلَ الرَّهْنُ ، وَإِنْ لَمْ يَسْتَغْرِقْهَا ، بِيعَ مِنْهُ بِقَدْرِ الْأَرْشِ ، وَالْبَاقِي رَهْنٌ .","part":9,"page":144},{"id":4144,"text":"( 3292 ) فَصْلٌ : وَيَصِحُّ رَهْنُ الْمُدَبَّرِ ، فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ .\rبِنَاءً عَلَى جَوَازِ بَيْعِهِ .\rوَمَنَعَ مِنْهُ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ ؛ لِأَنَّهُ عَلَّقَ عِتْقَهُ بِصِفَةِ ، أَشْبَهَ مَا لَوْ عَلَّقَ عِتْقَهُ بِصِفَةِ تُوجَدُ قَبْلَ حُلُولِ الْحَقِّ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ عَقْدٌ يُقْصَدُ مِنْهُ اسْتِيفَاءُ الْحَقِّ مِنْ الْعَيْنِ ، أَشْبَهَ الْإِجَارَةَ .\rوَلِأَنَّهُ عَلَّقَ عِتْقَهُ بِصِفَةِ لَا تَمْنَعُ اسْتِيفَاءَ الْحَقِّ ، أَشْبَهَ مَا لَوْ عَلَّقَهُ بِصِفَةٍ تُوجَدُ بَعْدَ حُلُولِ الْحَقِّ .\rوَمَا ذَكَرُوهُ يَنْتَقِضُ بِهَذَا الْأَصْلِ ، وَيُفَارِقُ التَّدْبِيرُ التَّعْلِيقَ بِصِفَةِ تَحِلُّ قَبْلَ حُلُولِ الدَّيْنِ ؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ لَا يَمْنَعُ عِتْقَهُ بِالصِّفَةِ ، فَإِذَا عَتَقَ تَعَذَّرَ اسْتِيفَاءُ الدَّيْنِ مِنْهُ ، فَلَا يَحْصُلُ الْمَقْصُودُ ، وَالدَّيْنُ فِي الْمُدَبَّرِ يَمْنَعُ عِتْقَهُ بِالتَّدْبِيرِ ، وَيَقْدُمُ عَلَيْهِ ، فَلَا يَمْنَعُ حُصُولَ الْمَقْصُودِ .\rوَالْحُكْمُ فِيمَا إذَا عُلِمَ التَّدْبِيرُ أَوْ لَمْ يُعْلَمْ ، كَالْحُكْمِ فِي الْعَبْدِ الْجَانِي ، عَلَى مَا فُصِّلَ فِيهِ .\rوَمَتَى مَاتَ السَّيِّدُ قَبْلَ الْوَفَاءِ ، فَعَتَقَ الْمُدَبَّرُ ، بَطَلَ الرَّهْنُ ، وَإِنْ عَتَقَ بَعْضُهُ ، بَقِيَ الرَّهْنُ فِيمَا بَقِيَ .\rوَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلسَّيِّدِ مَالٌ يَفْضُلُ عَنْ وَفَاءِ الدَّيْنِ ، بِيعَ الْمُدَبَّرُ فِي الدَّيْنِ ، وَبَطَلَ التَّدْبِيرُ ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ مُقَدَّمٌ عَلَى التَّدْبِيرِ ، وَلَا يَبْطُلُ الرَّهْنُ .\rوَإِنْ كَانَ الدَّيْنُ لَا يَسْتَغْرِقُهُ ، بِيعَ مِنْهُ بِقَدْرِ الدَّيْنِ ، وَعَتَقَ مِنْهُ ثُلُثُ الْبَاقِي ، وَمَا بَقِيَ لِلْوَرَثَةِ .","part":9,"page":145},{"id":4145,"text":"( 3293 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا الْمُكَاتَبُ ، فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ رَهْنُهُ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ اسْتِدَامَةَ الْقَبْضِ فِي الرَّهْنِ شَرْطٌ فِي الصَّحِيحِ ، وَلَا يُمْكِنُ ذَلِكَ فِي الْمُكَاتَبِ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : قِيَاسُ الْمَذْهَبِ صِحَّةُ رَهْنِهِ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُهُ وَإِيفَاءُ الدَّيْنِ مِنْ ثَمَنِهِ .\rفَعَلَى هَذَا يَكُونُ مَا يُؤَدِّيه مِنْ نُجُوم كِتَابَتِهِ رَهْنًا مَعَهُ ، فَإِنْ عَجَزَ ثَبَتَ الرَّهْنُ فِيهِ وَفِي اكْتِسَابِهِ ، وَإِنْ عَتَقَ كَانَ مَا أَدَّاهُ مِنْ نُجُومِهِ رَهْنًا ، بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ كَسَبَ الْعَبْدُ الْقِنُّ ، ثُمَّ مَاتَ .\r( 3294 ) فَصْلٌ : وَأَمَّا مَنْ عُلِّقَ عِتْقُهُ بِصِفَةِ تَحِلُّ قَبْلَ حُلُولِ الْحَقِّ ، كَمَنْ عُلِّقَ عِتْقُهُ بِهِلَالِ رَمَضَانَ ، وَمَحَلُّ الْحَقِّ آخِرُهُ ، لَمْ يَصِحَّ رَهْنُهُ ؛ لِكَوْنِهِ لَا يُمْكِنُ بَيْعُهُ عِنْدَ حُلُولِ الْحَقِّ ، وَلَا اسْتِيفَاءُ الدَّيْنِ مِنْ ثَمَنِهِ .\rوَإِنْ كَانَ الدَّيْنُ يَحِلُّ قَبْلَهَا ، مِثْلُ أَنْ يُعَلَّقَ عِتْقُهُ بِآخِرِ رَمَضَانَ ، وَالْحَقُّ يَحِلُّ فِي أَوَّلِهِ ، صَحَّ رَهْنُهُ ؛ لِإِمْكَانِ اسْتِيفَاءِ الدَّيْنِ مِنْ ثَمَنِهِ ، فَإِنْ كَانَتْ تَحْتَمِلُ الْأَمْرَيْنِ ، كَقُدُومِ زَيْدٍ ، فَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ صِحَّةُ رَهْنِهِ ؛ لِأَنَّهُ فِي الْحَالِ مَحِلٌّ لِلرَّهْنِ يُمْكِنُ أَنْ يَبْقَى حَتَّى يَسْتَوْفِيَ الدَّيْنَ مِنْ ثَمَنِهِ ، فَصَحَّ رَهْنُهُ ، كَالْمَرِيضِ وَالْمُدَبَّرِ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَصِحَّ رَهْنُهُ ؛ لِأَنَّ فِيهِ غَرَّرَا ، إذْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَعْتِقَ قَبْلَ حُلُولِ الْحَقِّ ، وَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ فِيهِ اخْتِلَافٌ عَلَى نَحْوِ مَا ذَكَرْنَا .","part":9,"page":146},{"id":4146,"text":"( 3295 ) فَصْلٌ : وَيَحُوزُ رَهْنُ الْجَارِيَةِ دُونَ وَلَدِهَا ، وَرَهْنُ وَلَدِهَا دُونَهَا ؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ لَا يُزِيلُ الْمِلْكَ ، فَلَا يَحْصُلُ بِذَلِكَ تَفْرِقَةٌ ، وَلِأَنَّهُ يُمْكِنُ تَسْلِيمُ الْوَلَدِ مَعَ أُمِّهِ ، وَالْأُمِّ مَعَ وَلَدِهَا ، فَإِنْ دَعَتْ الْحَاجَةُ إلَى بَيْعِهَا فِي الدَّيْنِ ، بِيعَ وَلَدُهَا مَعَهَا ؛ لِأَنَّ الْجَمْعَ فِي الْعَقْدِ مُمْكِنٌ ، وَالتَّفْرِيقَ بَيْنَهُمَا حَرَامٌ ، فَوَجَبَ بَيْعُهُ مَعَهَا .\rفَإِذَا بِيعَا مَعًا ، تَعَلَّقَ حَقُّ الْمُرْتَهِنِ مِنْ ذَلِكَ بِقَدْرِ قِيمَةِ الْجَارِيَةِ مِنْ الثَّمَنِ ، فَإِذَا كَانَتْ قِيمَتُهَا مِائَةً ، مَعَ أَنَّهَا ذَاتُ وَلَدٍ ، وَقِيمَةُ الْوَلَدِ خَمْسُونَ ، فَحِصَّتُهَا ثُلُثَا الثَّمَنِ .\rوَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ الْمُرْتَهِنُ بِالْوَلَدِ ، ثُمَّ عَلِمَ ، فَلَهُ الْخِيَارُ فِي الرَّدِّ وَالْإِمْسَاكِ ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ عَيْبٌ فِيهَا ، لِكَوْنِهِ لَا يُمْكِنُ بَيْعُهَا بِدُونِهِ ، فَإِنْ أَمْسَكَ ، فَهُوَ كَمَا لَوْ عَلِمَ حَالَ الْعَقْدِ ، وَلَا شَيْءَ لَهُ غَيْرُهَا ، وَإِنْ رَدَّهَا فَلَهُ فَسْخُ الْبَيْعِ ، إنْ كَانَتْ مَشْرُوطَةً فِيهِ .","part":9,"page":147},{"id":4147,"text":"( 3296 ) فَصْلٌ : وَيَصِحُّ رَهْنُ مَا يُسْرِعُ إلَيْهِ الْفَسَادُ ، سَوَاءٌ كَانَ مِمَّا يُمْكِنُ إصْلَاحُهُ بِالتَّجْفِيفِ ، كَالْعِنَبِ وَالرُّطَبِ ، أَوْ لَا يُمْكِنُ ، كَالْبِطِّيخِ وَالطَّبِيخِ .\rثُمَّ إنْ كَانَ مِمَّا يُجَفَّفُ ، فَعَلَى الرَّاهِنِ تَجْفِيفُهُ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ مُؤْنَةِ حِفْظِهِ وَتَبْقِيَتِهِ ، فَلَزِمَ الرَّاهِنَ ، كَنَفَقَةِ الْحَيَوَانِ .\rوَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يُجَفَّفُ ، فَإِنَّهُ يُبَاعُ ، وَيَقْضِي الدَّيْنَ مِنْ ثَمَنِهِ ، إنْ كَانَ حَالًّا ، أَوْ يَحِلُّ قَبْلَ فَسَادِهِ ، وَإِنْ كَانَ لَا يَحِلُّ قَبْلَ فَسَادِهِ ، جَعَلَ ثَمَنَهُ مَكَانَهُ رَهْنًا ، سَوَاءٌ شَرَطَ فِي الرَّهْنِ بَيْعَهُ أَوْ أَطْلَقَ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ : إنْ كَانَ مِمَّا يَفْسُدُ قَبْلَ مَحِلِّ الدَّيْنِ ، فَشَرَطَ الْمُرْتَهِنُ عَلَى الرَّاهِنِ بَيْعَهُ وَجَعَلَ ثَمَنَهُ مَكَانَهُ ، صَحَّ .\rوَإِنْ أَطْلَقَ ، فَعَلَى قَوْلَيْنِ : أَحَدِهِمَا ، لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ بَيْعَ الرَّهْنِ قَبْلَ حُلُولِ الْحَقِّ لَا يَقْتَضِيه عَقْدُ الرَّهْنِ ، فَلَمْ يَجِبْ ، وَلَمْ يَصِحَّ رَهْنُهُ ، كَمَا لَوْ شَرَطَ أَنْ لَا يَبِيعَهُ .\rوَذَكَرَ الْقَاضِي فِيهِ وَجْهَيْنِ ، كَالْقَوْلَيْنِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الْعُرْفَ يَقْتَضِي ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الْمَالِكَ لَا يُعَرِّضُ مِلْكَهُ لِلتَّلَفِ وَالْهَلَاكِ ، فَإِذَا تَعَيَّنَ حِفْظُهُ فِي بَيْعِهِ ، حُمِلَ عَلَيْهِ مُطْلَقُ الْعَقْدِ ، كَتَجْفِيفِ مَا يَجِفُّ ، وَالْإِنْفَاقِ عَلَى الْحَيَوَانِ ، وَحِرْزِ مَا يَحْتَاجُ إلَى حِرْزٍ .\rوَأَمَّا إذَا شَرَطَ أَنْ لَا يُبَاعَ ، فَلَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّهُ شَرَطَ مَا يَتَضَمَّنُ فَسَادَهُ ، وَفَوَاتَ الْمَقْصُودِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ شَرَطَ أَنْ لَا يُجَفِّفَ مَا يَجِفُّ ، أَوْ لَا يُنْفِقَ عَلَى الْحَيَوَانِ .\rوَإِذَا ثَبَتَ مَا ذَكَرْنَاهُ ، فَإِنَّهُ إنْ شَرَطَ لِلْمُرْتَهِنِ بَيْعَهُ ، أَوْ أَذِنَ لَهُ فِي بَيْعِهِ بَعْدَ الْعَقْدِ ، أَوْ اتَّفَقَا عَلَى أَنْ يَبِيعَهُ الرَّاهِنُ أَوْ غَيْرُهُ ، بَاعَهُ .\rوَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ ذَلِكَ ، بَاعَهُ الْحَاكِمُ ، وَجَعَلَ ثَمَنَهُ رَهْنًا ، وَلَا يَقْضِي الدَّيْنَ مِنْ ثَمَنِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ تَعْجِيلُ وَفَاءِ الدَّيْنِ","part":9,"page":148},{"id":4148,"text":"قَبْلَ حُلُولِهِ .\rوَكَذَلِكَ الْحُكْمُ إنْ رَهَنَهُ ثِيَابًا فَخَافَ تَلَفَهَا ، أَوْ حَيَوَانًا وَخَافَ مَوْتَهُ .\rقَالَ أَحْمَدُ ، فِي مَنْ رَهَنَ ثِيَابًا يَخَافُ فَسَادَهَا ، كَالصُّوفِ : أَتَى السُّلْطَانَ ، فَأَمَرَهُ بِبَيْعِهَا .","part":9,"page":149},{"id":4149,"text":"( 3297 ) فَصْلٌ : وَيَصِحُّ رَهْنُ الْعَصِيرِ ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُهُ ، وَتَعَرُّضُهُ لِلْخُرُوجِ عَنْ الْمَالِيَّةِ لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ رَهْنِهِ ، كَالْمَرِيضِ وَالْجَانِي .\rثُمَّ إنْ اسْتَحَالَ إلَى حَالٍ لَا يَخْرُجُ فِيهَا عَنْ الْمَالِيَّةِ ، كَالْخَلِّ ، فَالرَّهْنُ بِحَالِهِ ، وَإِنْ صَارَ خَمْرًا زَالَ لُزُومُ الْعَقْدِ ، وَوَجَبَتْ إرَاقَتُهُ ، فَإِنْ أُرِيقَ بَطَلَ الْعَقْدُ فِيهِ ، وَلَا خِيَارَ لِلْمُرْتَهِنِ ؛ لِأَنَّ التَّلَفَ حَصَلَ فِي يَدِهِ .\rوَإِنْ عَادَ خَلًّا ، عَادَ اللُّزُومُ ، بِحُكْمِ الْعَقْدِ السَّابِقِ ، كَمَا لَوْ زَالَتْ يَدُ الْمُرْتَهِنِ عَنْ الرَّهْنِ ثُمَّ عَادَتْ إلَيْهِ .\rوَإِنْ اسْتَحَالَ خَمْرًا قَبْلَ قَبْضِ الْمُرْتَهِنِ لَهُ ، بَطَلَ الرَّهْنُ ، وَلَمْ يَعُدْ بِعَوْدِهِ خَلًّا ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ ضَعِيفٌ لِعَدَمِ الْقَبْضِ فِيهِ ، فَأَشْبَهَ إسْلَامَ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ قَبْلَ الدُّخُولِ .\rوَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّ الْعَصِيرَ إذَا اسْتَحَالَ خَمْرًا بَعْدَ الْقَبْضِ ، بَطَلَ الرَّهْنُ ، ثُمَّ إذَا عَادَ خَلًّا ، عَادَ مِلْكًا لِصَاحِبِهِ ، مَرْهُونًا بِالْعَقْدِ السَّابِقِ ؛ لِأَنَّهُ يَعُودُ مَمْلُوكًا بِحُكْمِ الْمِلْكِ الْأَوَّلِ ، فَيَعُودُ حُكْمُ الرَّهْنِ أَيْضًا ؛ لِأَنَّهُ زَالَ بِزَوَالِ الْمِلْكِ ، فَيَعُودُ بِعَوْدِهِ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ : هُوَ رَهْنٌ بِحَالِهِ ؛ لِأَنَّهُ كَانَتْ لَهُ قِيمَةٌ حَالَةَ كَوْنِهِ عَصِيرًا ، وَيَجُوزُ أَنْ يَصِيرَ لَهُ قِيمَةٌ ، فَلَا يَزُولُ الْمِلْكُ عَنْهُ ، كَمَا لَوْ ارْتَدَّ الْجَانِي ، وَلِأَنَّ الْيَدَ لَمْ تَزُلْ عَنْهُ حُكْمًا ، وَلِهَذَا لَوْ غَصَبَهُ غَاصِبٌ ، فَتَخَلَّلَ فِي يَدِهِ ، كَانَ مِلْكًا لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ ، وَلَوْ زَالَتْ يَدُهُ ، لَكَانَ مِلْكًا لِلْغَاصِبِ ، كَمَا لَوْ أَرَاقَهُ فَجَمَعَهُ إنْسَانٌ ، فَتَخَلَّلَ فِي يَدِهِ ، كَانَ لَهُ ، دُونَ مَنْ أَرَاقَهُ .\rوَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ قَوْلُنَا الْأَوَّلُ فِي الْمَعْنَى ، إلَّا أَنْ يَقُولُوا بِبَقَاءِ اللُّزُومِ فِيهِ حَالَ كَوْنِهِ خَمْرًا .\rوَلَمْ يَظْهَرْ لِي فَائِدَةُ الْخِلَافِ بَعْدَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى عَوْدِهِ رَهْنًا بِاسْتِحَالَتِهِ خَلًّا ،","part":9,"page":150},{"id":4150,"text":"وَأَرَى الْقَوْلَ بِبَقَائِهِ رَهْنًا أَقْرَبَ إلَى الصِّحَّةِ ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ لَوْ بَطَلَ لَمَا عَادَ صَحِيحًا مِنْ غَيْرِ ابْتِدَاءِ عَقْدٍ .\rفَإِنْ قَالُوا : يُمْكِنُ عَوْدُهُ صَحِيحًا لِعَوْدِ الْمَعْنَى الَّذِي بَطَلَ بِزَوَالِهِ ، كَمَا أَنَّ زَوْجَةَ الْكَافِرِ إذَا أَسْلَمَتْ خَرَجَتْ مِنْ حُكْمِ الْعَقْدِ ، لِاخْتِلَافِ دِينِهِمَا ، فَإِذَا أَسْلَمَ الزَّوْجُ فِي الْعِدَّةِ ، عَادَتْ الزَّوْجِيَّةُ بِالْعَقْدِ الْأَوَّلِ ، لِزَوَالِ الِاخْتِلَافِ فِي الدِّينِ .\rقُلْنَا : هُنَاكَ مَا زَالَتْ الزَّوْجِيَّةُ ، وَلَا بَطَلَ الْعَقْدُ ، وَلَوْ بَطَلَ بِانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ لَمَا عَادَ إلَّا بِعَقْدٍ جَدِيدٍ ، وَإِنَّمَا الْعَقْدُ كَانَ مَوْقُوفًا مُرَاعًى ، فَإِذَا أَسْلَمَ فِي الْعِدَّةِ تَبَيَّنَّا أَنَّهُ لَمْ يَبْطُلْ ، وَإِنْ لَمْ يُسْلِمْ تَبَيَّنَّا أَنَّهُ كَانَ قَدْ بَطَلَ ، وَهَا هُنَا قَدْ جَزَمْتُمْ بِبُطْلَانِهِ .","part":9,"page":151},{"id":4151,"text":"( 3298 ) فَصْلٌ : وَهَلْ يَصِحُّ رَهْنُ الثَّمَرَةِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا ، مِنْ غَيْرِ شَرْطِ الْقَطْعِ أَوْ الزَّرْعِ الْأَخْضَرِ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، يَجُوزُ .\rوَهُوَ اخْتِيَارُ الْقَاضِي ؛ لِأَنَّ الْغَرَرَ يَقِلُّ فِيهِ ، فَإِنَّ الثَّمَرَةَ مَتَى تَلِفَتْ ، عَادَ إلَى حَقِّهِ فِي ذِمَّةِ الرَّاهِنِ ، وَلِأَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُهُ ، فَجَازَ رَهْنُهُ ، وَمَتَى حَلَّ الْحَقُّ بِيعَ ، وَإِنْ اخْتَارَ الْمُرْتَهِنُ تَأْخِيرَ بَيْعِهِ ، فَلَهُ ذَلِكَ .\rوَالثَّانِي ، لَا يَصِحُّ .\rوَهُوَ مَنْصُوصُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ ، فَلَا يَصِحُّ رَهْنُهُ ، كَسَائِرِ مَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ .\rوَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّهُ يَجُوزُ رَهْنُ الْمَبِيعِ الَّذِي يُشْتَرَطُ ، قَبْضُهُ ، كَالْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ قَبْلَ قَبْضِهِ لِأَنَّ قَبْضَهُ مُسْتَحَقٌّ ، فَيُمْكِنُ الْمُشْتَرِيَ قَبْضُهُ ، ثُمَّ يَقْبِضُهُ .\rأَمَّا الْبَيْعُ فَإِنَّهُ يُفْضِي إلَى أَنْ يَرْبَحَ فِيمَا لَمْ يَضْمَنْ ، وَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَصِحَّ رَهْنُهُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ .","part":9,"page":152},{"id":4152,"text":"( 3299 ) فَصْلٌ : وَفِي رَهْنِ الْمُصْحَفِ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، لَا يَصِحُّ رَهْنُهُ .\rنَقَلَ الْجَمَاعَةُ عَنْهُ : أَرْخَصَ فِي رَهْنِ الْمُصْحَفِ .\rوَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الرَّهْنِ اسْتِيفَاءُ الدَّيْنِ مِنْ ثَمَنِهِ ، وَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ إلَّا بِبَيْعِهِ ، وَبَيْعُهُ غَيْرُ جَائِزٍ .\rوَالثَّانِيَةُ ، يَصِحُّ رَهْنُهُ .\rفَإِنَّهُ قَالَ : إذَا رَهَنَ مُصْحَفًا لَا يَقْرَأُ فِيهِ إلَّا بِإِذْنِهِ .\rفَظَاهِرُ هَذَا صِحَّةُ رَهْنِهِ .\rوَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْي ، بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ يَصِحُّ بَيْعُهُ فَصَحَّ رَهْنُهُ ، كَغَيْرِهِ .","part":9,"page":153},{"id":4153,"text":"( 3300 ) فَصْلٌ : وَيَجُوزُ أَنَّ يَسْتَعِيرَ شَيْئًا يَرْهَنُهُ .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ، عَلَى أَنَّ الرَّجُلَ إذَا اسْتَعَارَ مِنْ الرَّجُلِ شَيْئًا يَرْهَنُهُ عَلَى دَنَانِيرَ مَعْلُومَةٍ ، عِنْدَ رَجُلٍ سَمَّاهُ ، إلَى وَقْتٍ مَعْلُومٍ ، فَفَعَلَ ، أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ .\rوَيَنْبَغِي أَنْ يَذْكُرَ الْمُرْتَهَنَ ، وَالْقَدْرَ الَّذِي يَرْهَنُهُ بِهِ ، وَجِنْسَهُ ، وَمُدَّةَ الرَّهْنِ ؛ لِأَنَّ الضَّرَرَ يَخْتَلِفُ بِذَلِكَ ، فَاحْتِيجَ إلَى ذِكْرِهِ ، كَأَصْلِ الرَّهْنِ ، وَمَتَى شَرَطَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ ، فَخَالَفَ ، وَرَهَنَهُ بِغَيْرِهِ ، لَمْ يَصِحَّ الرَّهْنُ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فِي هَذَا الرَّهْنِ ، فَأَشْبَهَ مَنْ لَمْ يَأْذَنْ فِي أَصْلِ الرَّهْنِ ، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى ذَلِكَ .\rوَإِنْ أَذِنَ لَهُ فِي رَهْنِهِ بِقَدْرِ مِنْ الْمَالِ ، فَنَقَصَ عَنْهُ ، مِثْلُ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ فِي رَهْنِهِ بِمِائَةِ ، فَيَرْهَنُهُ بِخَمْسِينَ ، صَحَّ ؛ لِأَنَّ مَنْ أَذِنَ فِي مِائَةٍ ، فَقَدْ أَذِنَ فِي خَمْسِينَ .\rوَإِنْ رَهَنَهُ بِأَكْثَرَ ، مِثْلُ أَنَّ رَهَنَهُ بِمِائَةِ وَخَمْسِينَ ، احْتَمَلَ أَنْ يَبْطُلَ فِي الْكُلِّ ؛ لِأَنَّهُ خَالَفَ الْمَنْصُوصَ عَلَيْهِ ، فَبَطَلَ ، كَمَا لَوْ قَالَ : ارْهَنْهُ بِدَنَانِيرَ .\rفَرَهَنَهُ بِدَرَاهِمَ أَوْ بِحَالٍّ فَرَهَنَهُ بِمُؤَجَّلٍ أَوْ بِمُؤَجَّلٍ .\rفَرَهَنَهُ بِحَالٍّ ، فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ .\rكَذَلِكَ هَاهُنَا .\rوَهَذَا مَنْصُوصُ الشَّافِعِيِّ .\rوَالْوَجْهُ الثَّانِي ، أَنَّهُ يَصِحُّ فِي الْمِائَةِ ، وَيَبْطُلُ فِي الزَّائِدِ عَلَيْهَا ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ تَنَاوَلَ مَا يَجُوزُ وَمَا لَا يَجُوزُ ، فَجَازَ فِيمَا دُونَ غَيْرِهِ ، كَتَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ .\rوَيُفَارِقُ مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْأُصُولِ ؛ فَإِنَّ الْعَقْدَ لَمْ يَتَنَاوَلْ مَأْذُونًا فِيهِ بِحَالٍّ ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ يَتَعَلَّقُ بِهِ غَرَضٌ لَا يُوجَدُ فِي الْآخَرِ ، فَإِنَّ الرَّاهِنَ قَدْ يَقْدِرُ عَلَى فِكَاكِهِ فِي الْحَالِّ ، وَلَا يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ عِنْدَ الْأَجَلِ وَبِالْعَكْسِ .\rوَقَدْ يَقْدِرُ عَلَى فِكَاكِهِ","part":9,"page":154},{"id":4154,"text":"بِأَحَدِ النَّقْدَيْنِ دُونَ الْآخَرِ ، فَيَفُوتُ الْغَرَضُ بِالْمُخَالَفَةِ ، وَفِي مَسْأَلَتِنَا إذَا صَحَّ فِي الْمِائَةِ الْمَأْذُونِ فِيهَا لَمْ يَخْتَلِفْ الْغَرَضُ ، فَإِنْ أَطْلَقَ الرَّهْنَ فِي الْإِذْنِ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ ، فَقَالَ الْقَاضِي : يَصِحُّ ، وَلَهُ رَهْنُهُ بِمَا شَاءَ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ ، وَأَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ .\rوَالْآخَرُ : لَا يَجُوزُ حَتَّى يُبَيِّنَ قَدْرَ الَّذِي يَرْهَنُهُ بِهِ ، وَصِفَتَهُ ، وَحُلُولَهُ ، وَتَأْجِيلَهُ ؛ لِأَنَّ هَذَا بِمَنْزِلَةِ الضَّمَانِ ، لِأَنَّ مَنْفَعَةَ الْعَبْدِ لِسَيِّدِهِ ، وَالْعَارِيَّةُ مَا أَفَادَتْ الْمَنْفَعَةَ ، إنَّمَا حَصَّلَتْ لَهُ نَفْعًا يَكُونُ الرَّهْنُ وَثِيقَةً عَنْهُ ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الضَّمَانِ فِي ذِمَّتِهِ ، وَضَمَانُ الْمَجْهُولِ لَا يَصِحُّ .\rوَلَنَا ، أَنَّهَا عَارِيَّةٌ ، فَلَمْ يُشْتَرَطْ لِصِحَّتِهَا ذِكْرُ ذَلِكَ ، كَالْعَارِيَّةِ لِغَيْرِ الرَّهْنِ ، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ عَارِيَّةٌ أَنَّهُ قَبَضَ مِلْكَ غَيْرِهِ لِمَنْفَعَةِ نَفْسِهِ ، مُنْفَرِدًا بِهَا مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ ، فَكَانَ عَارِيَّةً ، كَقَبْضِهِ لِلْخِدْمَةِ .\rوَقَوْلُهُمْ : إنَّهُ ضَمَانٌ .\rغَيْرُ صَحِيحٍ ؛ لِأَنَّ الضَّمَانَ يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ ، وَلِهَذَا ثَبَتَ فِي الرَّقَبَةِ ، وَلِأَنَّ الضَّمَانَ لَازِمٌ فِي حَقِّ الضَّامِنِ ، وَهَذَا لَهُ الرُّجُوعُ فِي الْعَبْدِ قَبْلَ الرَّهْنِ ، وَإِلْزَامُ الْمُسْتَعِيرِ بِفِكَاكِهِ بَعْدَهُ .\rوَقَوْلُهُمْ : إنَّ الْمَنَافِعَ لِلسَّيِّدِ .\rقُلْنَا : الْمَنَافِعُ مُخْتَلِفَةٌ ، فَيَجُوزُ أَنْ يَسْتَعِيرَهُ لِتَحْصِيلِ مَنْفَعَةٍ وَاحِدَةٍ وَسَائِرَ الْمَنَافِعِ لِلسَّيِّدِ ، كَمَا لَوْ اسْتَعَارَهُ لِحِفْظِ مَتَاعٍ وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ يَخِيطُ لِسَيِّدِهِ .\rأَوْ يَعْمَلُ لَهُ شَيْئًا ، أَوْ اسْتَعَارَهُ لِيَخِيطَ لَهُ ، وَيَحْفَظَ الْمَتَاعَ لِسَيِّدِهِ .\rفَإِنْ قِيلَ : لَوْ كَانَ عَارِيَّةً لَمَا صَحَّ رَهْنُهُ ؛ لِأَنَّ الْعَارِيَّةَ لَا تَلْزَمُ ، وَالرَّهْنُ لَازِمٌ .\rقُلْنَا : الْعَارِيَّةُ غَيْرُ لَازِمَةٍ مِنْ جِهَةِ الْمُسْتَعِيرِ ؛ فَإِنَّ لِصَاحِبِ الْعَبْدِ الْمُطَالَبَةَ بِفِكَاكِهِ قَبْلَ حُلُولِ الدَّيْنِ .\rوَلِأَنَّ","part":9,"page":155},{"id":4155,"text":"الْعَارِيَّةَ قَدْ تَكُونُ لَازِمَةً ، بِدَلِيلِ مَا لَوْ أَعَارَهُ حَائِطًا لِيَبْنِيَ عَلَيْهِ ، أَوْ أَرْضًا لِيَدْفِنَ فِيهَا ، أَوْ لِيَزْرَعَ فِيهَا مَا لَا يُحْصَدُ قَصِيلًا .\rإذْ ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّهُ يَصِحُّ رَهْنُهُ بِمَا شَاءَ ، إلَى أَيْ وَقْتٍ شَاءَ ، مِمَّنْ شَاءَ ؛ لِأَنَّ الْإِذْنَ يَتَنَاوَلُ الْكُلَّ بِإِطْلَاقِهِ ، وَلِلسَّيِّدِ مُطَالَبَةُ الرَّاهِنِ بِفِكَاكِ الرَّهْنِ ، حَالًا كَانَ أَوْ مُؤَجَّلًا ، فِي مَحِلِّ الْحَقِّ وَقَبْلَ مَحِلِّهِ ؛ لِأَنَّ الْعَارِيَّةَ لَا تَلْزَمُ .\rوَمَتَى حَلَّ الْحَقُّ فَلَمْ يَقْبِضْهُ ، فَلِلْمُرْتَهِنِ بَيْعُ الرَّهْنِ .\rوَاسْتِيفَاءُ الدَّيْنِ مِنْ ثَمَنِهِ ، وَيَرْجِعُ الْمُعِيرُ عَلَى الرَّاهِنِ بِالضَّمَانِ ، وَهُوَ قِيمَةُ الْعَيْنِ الْمُسْتَعَارَةِ ، أَوْ مِثْلُهَا إنْ كَانَتْ مِنْ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ ، وَلَا يَرْجِعُ بِمَا بِيعَتْ بِهِ ، سَوَاءٌ بِيعَتْ بِأَقَلَّ مِنْ الْقِيمَةِ أَوْ أَكْثَرَ ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ .\rوَالصَّحِيحُ أَنَّهَا إنْ بِيعَتْ بِأَقَلَّ مِنْ قِيمَتِهَا ، رَجَعَ بِالْقِيمَةِ ؛ لِأَنَّ الْعَارِيَّة مَضْمُونَةٌ ، فَيَضْمَنُ نَقْصَ ثَمَنِهَا ، وَإِنْ بِيعَتْ بِأَكْثَرَ ، رَجَعَ بِمَا بِيعَتْ بِهِ ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ مِلْكٌ لِلْمُعِيرِ ، فَيَكُونُ ثَمَنُهُ كُلُّهُ لَهُ .\rوَكَذَلِكَ لَوْ أَسْقَطَ الْمُرْتَهِنُ حَقَّهُ عَنْ الرَّاهِنِ ، رَجَعَ الثَّمَنُ كُلُّهُ إلَى صَاحِبِهِ .\rفَإِذَا قَضَى بِهِ دَيْنَ الرَّاهِنِ ، رَجَعَ بِهِ عَلَيْهِ ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُوبِ ضَمَانِ النَّقْصِ أَنْ لَا تَكُونَ الزِّيَادَةُ لِصَاحِبِ الْعَبْدِ ، كَمَا لَوْ كَانَ بَاقِيًا بِعَيْنِهِ ، وَإِنْ تَلَفَ الرَّهْنُ ضَمِنَهُ الرَّاهِنُ بِقِيمَتِهِ ، سَوَاءٌ تَلِفَ بِتَفْرِيطِ أَوْ غَيْرِ تَفْرِيطٍ .\rنَصَّ عَلَى هَذَا أَحْمَدُ .\rوَذَلِكَ لِأَنَّ الْعَارِيَّةَ مَضْمُونَةٌ .","part":9,"page":156},{"id":4156,"text":"( 3301 ) فَصْلٌ : وَإِنْ فَكَّ الْمُعِيرُ الرَّهْنَ ، وَأَدَّى الدَّيْنَ الَّذِي عَلَيْهِ بِإِذْنِ الرَّاهِنِ ، رَجَعَ عَلَيْهِ .\rوَإِنْ قَضَاهُ مُتَبَرِّعًا ، لَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءِ .\rوَإِنْ قَضَاهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ مُحْتَسِبًا بِالرُّجُوعِ بِغَيْرِ إذْنِهِ ، فَهَلْ يَرْجِعُ ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ ، بِنَاءً عَلَى مَا إذَا قَضَى دَيْنَهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ ، وَيَتَرَجَّحُ الرُّجُوعُ هَاهُنَا ؛ لِأَنَّ لَهُ الْمُطَالَبَةَ بِفِكَاكِ عَبْدِهِ ، وَأَدَاءُ دَيْنِهِ فِكَاكُهُ .\rوَإِنْ اخْتَلَفَا فِي الْإِذْنِ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الرَّاهِنِ مَعَ يَمِينِهِ ؛ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ .\rوَإِنْ شَهِدَ الْمُرْتَهِنُ لِلْمُعِيرِ ، قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُرُّ بِهَا نَفْعًا ، وَلَا يَدْفَعُ بِهَا ضَرَرًا ، وَإِنْ قَالَ : أَذِنْت لِي فِي رَهْنِهِ بِعَشْرَةٍ .\rقَالَ : بَلْ بِخَمْسَةٍ .\rفَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَالِكِ ؛ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ لِلزِّيَادَةِ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَإِنْ كَانَ الدَّيْنُ مُؤَجَّلًا ، فَقَضَاهُ حَالًّا بِإِذْنِهِ ، رَجَعَ بِهِ حَالًّا ، وَإِنْ قَضَاهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ ، فَقَالَ الْقَاضِي : يَرْجِعُ بِهِ حَالًّا أَيْضًا ؛ لِأَنَّهُ لَهُ الْمُطَالَبَةُ بِفِكَاكِ عَبْدِهِ فِي الْحَالِّ .","part":9,"page":157},{"id":4157,"text":"( 3302 ) فَصْلٌ : وَلَوْ اسْتَعَارَ مِنْ رَجُلٍ عَبْدًا لِيَرْهَنهُ بِمِائَةٍ ، فَرَهَنَهُ عِنْدَ رَجُلَيْنِ ، صَحَّ ؛ لِأَنَّ تَعْيِينَ مَا يَرْهَنُ بِهِ لَيْسَ بِشَرْطٍ ، فَكَذَلِكَ مَنْ يَرْهَنُ عِنْدَهُ ، وَلِأَنَّ رَهْنَهُ مِنْ رَجُلَيْنِ أَقَلُّ ضَرَرًا مِنْ رَهْنِهِ عِنْدَ رَجُلٍ وَاحِدٍ ؛ لِأَنَّهُ يَنْفَكُّ مِنْهُ بَعْضُهُ بِقَضَاءِ بَعْضِ الدَّيْنِ ، بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَ رَهْنًا عِنْدَ وَاحِدٍ .\rفَعَلَى هَذَا ، إذَا قَضَى أَحَدُهُمَا مَا عَلَيْهِ مِنْ الدَّيْنِ ، خَرَجَ نَصِيبُهُ مِنْ الرَّهْنِ ؛ لِأَنَّ عَقْدَ الْوَاحِدِ مَعَ الِاثْنَيْنِ عَقْدَانِ فِي الْحَقِيقَةِ .\rوَلَوْ اسْتَعَارَ عَبْدًا مِنْ رَجُلَيْنِ ، فَرَهَنَهُ عِنْدَ وَاحِدٍ بِمِائَةٍ ، فَقَضَاهُ نِصْفَهَا عَنْ أَحَدِ النَّصِيبَيْنِ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، لَا يَنْفَكُّ مِنْ الرَّهْنِ شَيْءٌ ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ وَاحِدٌ ، مِنْ رَاهِنٍ وَاحِدٍ ، مَعَ مُرْتَهِنٍ وَاحِدٍ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَ الْعَبْدُ لِوَاحِدٍ .\rوَالثَّانِي ، يَنْفَكُّ نِصْفُ الْعَبْدِ ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إنَّمَا أَذِنَ فِي رَهْنِ نَصِيبِهِ بِخَمْسِينَ ، فَلَا يَكُونُ رَهْنًا بِأَكْثَرَ مِنْهَا ، كَمَا لَوْ صَرَّحَ لَهُ بِذَلِكَ ، فَقَالَ : ارْهَنْ نَصِيبِي بِخَمْسِينَ ، لَا تَزِدْ عَلَيْهَا .\rفَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ ، إنْ كَانَ الْمُرْتَهِنُ عَالِمًا بِذَلِكَ ، فَلَا خِيَارَ لَهُ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَالِمًا بِذَلِكَ ، وَالرَّهْنُ مَشْرُوطٌ فِي بَيْعٍ ، احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ لَهُ الْخِيَارُ ؛ لِأَنَّهُ دَخَلَ عَلَى أَنَّ كُلَّ جُزْءٍ مِنْ الرَّهْنِ وَثِيقَةٌ بِجَمِيعِ الدَّيْنِ ، وَقَدْ فَاتَهُ ذَلِكَ ، وَاحْتَمَلَ أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ خِيَارٌ ؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ سُلِّمَ لَهُ كُلُّهُ بِالدَّيْنِ كُلِّهِ ، وَهُوَ دَخَلَ عَلَى ذَلِكَ وَلَوْ كَانَ رَهَنَ هَذَا الْعَبْدَ عِنْدَ رَجُلَيْنِ ، فَقَضَى أَحَدَهُمَا ، انْفَكَّ نَصِيبُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُعِيرَيْنِ مِنْ نِصْفِهِ .\rوَإِنْ قَضَى نِصْفَ دَيْنِ أَحَدِهِمَا انْفَكَّ فِي نَصِيبِ أَحَدِهِمَا ، عَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ ، وَفِي الْآخَرِ ، يَنْفَكُّ نِصْفُ نَصِيبِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":9,"page":158},{"id":4158,"text":"( 3303 ) فَصْلٌ : وَلَوْ كَانَ لِرَجُلَيْنِ عَبْدَانِ ، فَأَذِنَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِشَرِيكِهِ فِي رَهْنِ نَصِيبِهِ مِنْ أَحَدِ الْعَبْدَيْنِ ، فَرَهَنَاهُمَا عِنْدَ رَجُلٍ مُطْلَقًا ، صَحَّ ، فَإِنْ شَرَطَ أَحَدُهُمَا أَنَّنِي مَتَى قَضَيْت مَا عَلَيَّ مِنْ الدَّيْنِ ، انْفَكَّ الرَّهْنُ فِي الْعَبْدِ الَّذِي رَهَنْته ، وَفِي الْعَبْدِ الْآخَرِ ، أَوْ فِي قَدْرِ نَصِيبِي مِنْ الْعَبْدِ الْآخَرِ .\rفَهَذَا شَرْطٌ فَاسِدٌ ؛ لِأَنَّهُ شَرَطَ أَنْ يَنْفَكَّ بِقَضَاءِ الدَّيْنِ رَهْنٌ عَلَى دَيْنٍ آخَرَ ، وَيَفْسُدُ الرَّهْنُ ؛ لِأَنَّ فِي هَذَا الشَّرْطِ نَقْصًا عَلَى الْمُرْتَهِنِ ، وَكُلُّ شَرْطٍ فَاسِدٍ يُنْقِصُ حَقَّ الْمُرْتَهِنِ ، يُفْسِدُ الرَّهْنَ .\rفَأَمَّا إنْ شَرَطَ أَنَّهُ لَا يَنْفَكُّ شَيْءٌ مِنْ الْعَبْدِ حَتَّى يَقْضِيَ جَمِيعَ الدَّيْنِ ، فَهُوَ فَاسِدٌ ، أَيْضًا ؛ لِأَنَّهُ شَرَطَ أَنْ يَبْقَى الرَّهْنُ مَحْبُوسًا بِغَيْرِ الدَّيْنِ الَّذِي هُوَ رَهْنٌ بِهِ ، لَكِنَّهُ لَا يَنْقُصُ حَقَّ الْمُرْتَهِنِ ، فَهَلْ يَفْسُدُ الرَّهْنُ بِذَلِكَ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ .","part":9,"page":159},{"id":4159,"text":"( 3304 ) فَصْلٌ : وَلَا يَصِحُّ رَهْنُ مَا لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ ، كَأُمِّ الْوَلَدِ ، وَالْوَقْفِ ، وَالْعَيْنِ الْمَرْهُونَةِ ؛ لِأَنَّ مَقْصُودَ الرَّهْنِ اسْتِيفَاءُ الدَّيْنِ مِنْ ثَمَنِهِ ، وَمَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ لَا يُمْكِنُ ذَلِكَ فِيهِ .\rوَلَوْ رَهَنَ الْعَيْنَ الْمَرْهُونَةَ عِنْدَ الْمُرْتَهِنِ ، لَمْ يَجُزْ .\rفَلَوْ قَالَ الرَّاهِنُ لِلْمُرْتَهِنِ : زِدْنِي مَا لَا يَكُونُ الرَّهْنُ الَّذِي عِنْدَك رَهْنًا بِهِ وَبِالدَّيْنِ الْأَوَّلِ .\rلَمْ يَجُزْ .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ وَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو يُوسُفَ وَأَبُو ثَوْرٍ وَالْمُزَنِيُّ وَابْنُ الْمُنْذِرِ يَجُوزُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ زَادَهُ رَهْنًا جَازَ ، فَكَذَلِكَ إذَا زَادَ فِي دَيْنِ الرَّهْنِ ، وَلِأَنَّهُ لَوْ فَدَى الْمُرْتَهِنُ الْعَبْدَ الْجَانِي بِإِذْنِ الرَّاهِنِ ، لِيَكُونَ رَهْنًا بِالْمَالِ الْأَوَّلِ وَبِمَا فَدَاهُ بِهِ ، جَازَ ، فَكَذَلِكَ هَاهُنَا ، وَلِأَنَّهَا وَثِيقَةٌ مَحْضَةٌ ، فَجَازَتْ الزِّيَادَةُ فِيهَا كَالضَّمَانِ وَلَنَا ، أَنَّهَا عَيْنٌ مَرْهُونَةٌ ، فَلَمْ يَجُزْ رَهْنُهَا بِدَيْنٍ آخَرَ ، كَمَا لَوْ رَهَنَهَا عِنْدَ غَيْرِ الْمُرْتَهِنِ ، فَأَمَّا الزِّيَادَةُ فِي الرَّهْنِ فَيَجُوزُ ؛ لِأَنَّهُ زِيَادَةُ اسْتِيثَاقٍ ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا ، وَأَمَّا الْعَبْدُ الْجَانِي فَيَصِحُّ فِدَاؤُهُ ، لِيَكُونَ رَهْنًا بِالْفِدَاءِ وَالْمَالِ الْأَوَّلِ ، لِكَوْنِ الرَّهْنِ لَا يَمْنَعُ تَعَلُّقَ الْأَرْشِ بِالْجَانِي ، لِكَوْنِ الْجِنَايَةِ أَقْوَى ، وَلِأَنَّ لِوَلِيِّ الْجِنَايَةِ الْمُطَالَبَةَ بِبَيْعِ الرَّهْنِ وَإِخْرَاجِهِ مِنْ الرَّهْنِ ، فَصَارَ بِمَنْزِلَةِ الرَّهْنِ الْجَائِزِ قَبْلَ قَبْضِهِ ، وَيَجُوزُ أَنْ يَزِيدَهُ فِي الرَّهْنِ الْجَائِزِ حَقًّا قَبْلَ لُزُومِهِ ، فَكَذَلِكَ إذَا صَارَ جَائِزًا بِالْجِنَايَةِ ، وَيُفَارِقُ الرَّهْنُ الضَّمَانَ ؛ فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَضْمَنَ لِغَيْرِهِ إذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَرَهَنَهُ بِحَقٍّ ثَانٍ كَانَ رَهْنًا بِالْأَوَّلِ خَاصَّةً ، فَإِنْ شَهِدَ بِذَلِكَ شَاهِدَانِ يَعْتَقِدَانِ فَسَادَهُ ، لَمْ يَكُنْ لَهُمَا أَنْ يَشْهَدَا بِهِ ، وَإِنْ اعْتَقَدَا","part":9,"page":160},{"id":4160,"text":"صِحَّتَهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا أَنْ يَشْهَدَا أَنَّهُ رَهَنَهُ بِالْحَقَّيْنِ مُطْلَقًا ، بَلْ يَشْهَدَانِ بِكَيْفِيَّةِ الْحَالِ ، لِيَرَى الْحَاكِمُ فِيهِ رَأْيَهُ .","part":9,"page":161},{"id":4161,"text":"( 3305 ) فَصْلٌ : وَأَمَّا رَهْنُ سَوَادِ الْعِرَاقِ ، وَالْأَرْضِ الْمَوْقُوفَةِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ ، فَالصَّحِيحُ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُهَا ، فَكَذَلِكَ رَهْنُهَا .\rوَهَذَا مَنْصُوصُ الشَّافِعِيِّ وَمَا كَانَ فِيهَا مِنْ بِنَائِهَا ، فَحُكْمُهُ حُكْمُهَا ، وَمَا كَانَ فِيهَا مِنْ غَيْرِ تُرَابِهَا أَوْ مِنْ الشَّجَرِ الْمُجَدَّدِ فِيهَا ، إنْ أَفْرَدَهُ بِالْبَيْعِ وَالرَّهْنِ ، فَهَلْ يَصِحُّ ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ ، نَصَّ عَلَيْهِمَا فِي الْبَيْعِ ؛ إحْدَاهُمَا : يَصِحُّ ؛ لِأَنَّهُ طَلْقٌ .\rوَالثَّانِيَةُ ، لَا يَجُوزُ ؛ لِأَنَّهُ تَابِعٌ لِمَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ وَلَا رَهْنُهُ ، فَهُوَ كَأَسَاسَاتِ الْحِيطَانِ .\rوَإِنْ رَهَنَهُ مَعَ الْأَرْضِ ، بَطَلَ فِي الْأَرْضِ ، وَهَلْ يَجُوزُ فِي الْأَشْجَارِ وَالْبِنَاءِ عَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي يَجُوزُ رَهْنُهَا مُنْفَرِدَةً ؟ يُخَرَّجُ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rرَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ","part":9,"page":162},{"id":4162,"text":"( 3306 ) فَصْلٌ : وَلَا يَصِحُّ رَهْنُ الْمَجْهُولِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ ، فَلَوْ قَالَ : رَهَنْتُك هَذَا الْجِرَابَ أَوْ الْبَيْتَ أَوْ الْخَرِيطَةَ بِمَا فِيهَا .\rلَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّهُ مَجْهُولٌ .\rوَإِنْ لَمْ يَقْلُ : بِمَا فِيهَا .\rصَحَّ رَهْنُهَا ؛ لِلْعِلْمِ بِهَا ، إلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِمَّا لَا قِيمَةَ لَهُ ، كَالْجِرَابِ الْخَلِقِ وَنَحْوِهِ .\rوَلَوْ قَالَ : رَهَنْتُك أَحَدَ هَذَيْنِ الْعَبْدَيْنِ .\rلَمْ يَصِحَّ ؛ لِعَدَمِ التَّعْيِينِ .\rوَفِي الْجُمْلَةِ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ لِلْعِلْمِ فِي الرَّهْنِ مَا يُعْتَبَرُ فِي الْبَيْعِ ، وَكَذَلِكَ الْقُدْرَةُ عَلَى التَّسْلِيمِ ، فَلَا يَصِحُّ رَهْنُ الْآبِقِ وَلَا الْجَمَلِ الشَّارِدِ ، وَلَا غَيْرِ مَمْلُوكٍ .","part":9,"page":163},{"id":4163,"text":"( 3307 ) فَصْلٌ : وَلَوْ رَهَنَ عَبْدًا ، أَوْ بَاعَهُ ، يَعْتَقِدُهُ مَغْصُوبًا ، فَبَانَ مِلْكُهُ ، مِثْلُ إنْ رَهَنَ عَبْدَ أَبِيهِ ، فَبَانَ أَنَّ أَبَاهُ قَدْ مَاتَ ، وَصَارَ الْعَبْدُ مِلْكَهُ بِالْمِيرَاثِ ، أَوْ وَكَّلَ إنْسَانًا يَشْتَرِي لَهُ عَبْدًا مِنْ سَيِّدِهِ ، ثُمَّ إنَّ الْمُوَكِّلَ بَاعَ الْعَبْدَ أَوْ رَهَنَهُ ، يَعْتَقِدُهُ لِسَيِّدِهِ الْأَوَّلِ ، فَبَانَ أَنَّ تَصَرُّفَهُ بَعْدَ شِرَاءِ الْوَكِيلِ لَهُ ، وَنَحْوِ ذَلِكَ ، صَحَّ تَصَرُّفُهُ ؛ لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ صَدَرَ مِنْ أَهْلِهِ ، وَصَادَفَ مِلْكَهُ ، فَصَحَّ كَمَا لَوْ عَلِمَ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَصِحَّ ؛ لِأَنَّهُ اعْتَقَدَهُ بَاطِلًا .","part":9,"page":164},{"id":4164,"text":"( 3308 ) فَصْلٌ : وَلَوْ رَهَنَ الْمَبِيعَ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ ، لَمْ يَصِحَّ ، إلَّا أَنْ يَرْهَنَهُ الْمُشْتَرِي وَالْخِيَارُ لَهُ وَحْدَهُ ، فَيَصِحُّ تَصَرُّفُهُ ، وَيَبْطُلُ خِيَارُهُ .\rذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَكَذَلِكَ بَيْعُهُ وَتَصَرُّفَاتُهُ .\rوَلَوْ أَفْلَسَ الْمُشْتَرِي ، فَرَهَنَ الْبَائِعُ عَيْنَ مَالِهِ الَّتِي لَهُ الرُّجُوعُ فِيهَا قَبْلَ الرُّجُوعِ فِيهَا لَمْ يَصِحَّ ؛ لِأَنَّهُ رَهَنَ مَالًا يَمْلِكُهُ .\rوَكَذَلِكَ لَوْ رَهَنَ الْأَبُ الْعَيْنَ الَّتِي وَهَبَهَا لِابْنِهِ قَبْلَ رُجُوعِهِ فِيهَا ، لَمْ يَصِحَّ ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ ، وَلِلشَّافِعِي فِي ذَلِكَ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ لَهُ اسْتِرْجَاعَ الْعَيْنِ ، فَتَصَرُّفُهُ فِيهَا يَدُلُّ عَلَى رُجُوعِهِ فِيهَا .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ رَهَنَ مَا لَا يَمْلِكُهُ .\rبِغَيْرِ إذْنِ الْمَالِكِ ، وَلَا وِلَايَةَ عَلَيْهِ ، فَلَمْ يَصِحَّ ، كَمَا لَوْ رَهَنَ الزَّوْجُ نِصْفَ الصَّدَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ .","part":9,"page":165},{"id":4165,"text":"( 3309 ) فَصْلٌ : وَلَوْ رَهَنَ ثَمَرَةَ شَجَرٍ يَحْمِلُ فِي السَّنَةِ حِمْلَيْنِ ، لَا يَتَمَيَّزُ أَحَدُهُمَا مِنْ الْآخَرِ ، فَرَهَنَ الثَّمَرَةَ الْأُولَى إلَى مَحِلٍّ تَحْدُثُ الثَّانِيَةُ عَلَى وَجْهٍ لَا يَتَمَيَّزُ ، فَالرَّهْنُ بَاطِلٌ ؛ لِأَنَّهُ مَجْهُولٌ حِينَ حُلُولِ الْحَقِّ ، فَلَا يُمْكِنُ اسْتِيفَاءُ الدَّيْنِ مِنْهُ ، فَلَمْ يَصِحَّ ، كَمَا لَوْ كَانَ مَجْهُولًا حِينَ الْعَقْدِ ، وَكَمَا لَوْ رَهَنَهُ إيَّاهَا بَعْدَ اشْتِبَاهِهَا .\rفَإِنْ شَرَطَ قَطْعَ الْأُولَى إذَا خِيفَ اخْتِلَاطُهَا بِالثَّانِيَةِ ، صَحَّ .\rفَإِنْ كَانَ الْحِمْلُ الْمَرْهُونُ بِحَقِّ حَالًّا ، وَكَانَتْ الثَّمَرَةُ الثَّانِيَةُ تَتَمَيَّزُ مِنْ الْأُولَى إذَا حَدَثَتْ ، فَالرَّهْنُ صَحِيحٌ .\rفَإِنْ وَقَعَ التَّوَانِي فِي قَطْعِ الْأُولَى حَتَّى اخْتَلَطَتْ بِالثَّانِيَةِ ، وَتَعَذَّرَ التَّمَيُّزُ ، لَمْ يَبْطُلْ الرَّهْنُ ؛ لِأَنَّهُ وَقَعَ صَحِيحًا ، وَقَدْ اخْتَلَطَ بِغَيْرِهِ عَلَى وَجْهٍ لَا يُمْكِنُ فَصْلُهُ .\rفَعَلَى هَذَا إنْ سَمْحَ الرَّاهِنُ بِكَوْنِ الثَّمَرَةِ رَهْنًا ، أَوْ اتَّفَقَا عَلَى قَدْرِ الْمَرْهُونِ مِنْهُمَا ، فَحَسَنٌ ، وَإِنْ اخْتَلَفَا ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الرَّاهِنِ مَعَ يَمِينِهِ فِي قَدْرِ الرَّهْنِ ؛ لِأَنَّهُ مُنْكَرٌ لِلْقَدْرِ الزَّائِدِ ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ .","part":9,"page":166},{"id":4166,"text":"( 3310 ) فَصْلٌ : وَلَوْ رَهَنَهُ مَنَافِعَ دَارِهِ شَهْرًا ، لَمْ يَصِحَّ ؛ لِأَنَّ مَقْصُودَ الرَّهْنِ اسْتِيفَاءُ الدَّيْنِ مِنْ ثَمَنِهِ ، وَالْمَنَافِعُ تَهْلِكُ إلَى حُلُولِ الْحَقِّ .\rوَإِنْ رَهَنَهُ أُجْرَةَ دَارِهِ شَهْرًا ، لَمْ يَصِحَّ ؛ لِأَنَّهَا مَجْهُولَةٌ وَغَيْرُ مَمْلُوكَةٍ .","part":9,"page":167},{"id":4167,"text":"( 3311 ) فَصْلٌ : وَلَوْ رَهَنَ الْمُكَاتَبُ مَنْ يَعْتِقُ عَلَيْهِ ، لَمْ يَصِحَّ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ بَيْعَهُ .\rوَأَجَازَهُ أَبُو حَنِيفَةَ لِأَنَّهُمْ لَا يَدْخُلُونَ مَعَهُ فِي الْكِتَابَةِ .\rوَلَوْ رَهَنَ الْعَبْدَ الْمَأْذُونُ مَنْ يَعْتِقُ عَلَى السَّيِّدِ ، لَمْ يَصِحَّ ؛ لِأَنَّ مَا فِي يَدِهِ مِلْكٌ لِسَيِّدِهِ .\rفَقَدْ صَارَ حُرًّا بِشِرَائِهِ إيَّاهُ .","part":9,"page":168},{"id":4168,"text":"( 3312 ) فَصْلٌ : وَلَوْ رَهَنَ الْوَارِثُ تَرِكَةَ الْمَيِّتِ ، أَوْ بَاعَهَا ، وَعَلَى الْمَيِّتِ دَيْنٌ ، صَحَّ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ : لَا يَصِحُّ ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ ، إذَا كَانَ عَلَى الْمَيِّتِ دَيْنٌ يَسْتَغْرِقُ التَّرِكَةَ ؛ لِأَنَّهُ تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ آدَمِي ، فَلَمْ يَصِحَّ رَهْنُهُ ، كَالْمَرْهُونِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ تَصَرُّفٌ صَادَفَ مِلْكَهُ ، وَلَمْ يُعَلِّقْ بِهِ حَقًّا ، فَصَحَّ ، كَمَا لَوْ رَهَنَ الْمُرْتَدَّ .\rوَفَارَقَ الْمَرْهُونَ ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ تَعَلَّقَ بِهِ بِاخْتِيَارِهِ ، فَأَمَّا فِي مَسْأَلَتنَا فَالْحَقُّ تَعَلَّقَ بِهِ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ ، فَلَمْ يَمْنَعْ تَصَرُّفَهُ .\rوَهَكَذَا كُلُّ حَقٍّ ثَبَتَ مِنْ غَيْرِ إثْبَاتِهِ ، كَالزَّكَاةِ وَالْجِنَايَةِ ، فَلَا يَمْنَعُ رَهْنَهُ ، فَإِذَا رَهَنَهُ ، ثُمَّ قَضَى الْحَقَّ مِنْ غَيْرِهِ ، فَالرَّهْنُ بِحَالِهِ ، وَإِنْ لَمْ يَقْضِ الْحَقَّ ، فَلِلْغُرَمَاءِ انْتِزَاعُهُ ؛ لِأَنَّ حَقَّهُمْ أَسْبَقُ ، وَالْحُكْمُ فِيهِ كَالْحُكْمِ فِي الْجَانِي .\rوَهَكَذَا الْحُكْمُ لَوْ تَصَرَّفَ فِي التَّرِكَةِ ، ثُمَّ رُدَّ عَلَيْهِ مَبِيعٌ بَاعَهُ الْمَيِّتُ بِعَيْبٍ ظَهَرَ فِيهِ ، أَوْ حَقٌّ تَجَدَّدَ تَعَلُّقُهُ بِالتَّرِكَةِ ، مِثْلُ إنْ وَقَعَ إنْسَانٌ أَوْ بَهِيمَةٌ فِي بِئْرٍ حَفَرَهُ فِي غَيْرِ مِلْكِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ ، فَالْحُكْمُ وَاحِدٌ ، وَهُوَ أَنَّ تَصَرُّفَهُ صَحِيحٌ غَيْرُ نَافِذٍ ، فَإِنْ قَضَى الْحَقَّ مِنْ غَيْرِهِ نَفَذَ ، وَإِلَّا فُسِخَ الْبَيْعُ وَالرَّهْنُ .","part":9,"page":169},{"id":4169,"text":"( 3313 ) فَصْلٌ : قَالَ الْقَاضِي : لَا يَصِحُّ رَهْنُ الْعَبْدِ الْمُسْلِمِ لِكَافِرٍ .\rوَاخْتَارَ أَبُو الْخَطَّابِ صِحَّةَ رَهْنِهِ ، إذَا شَرَطَا كَوْنَهُ عَلَى يَدِ مُسْلِمٍ ، وَيَبِيعُهُ الْحَاكِمُ إذَا امْتَنَعَ مَالِكُهُ .\rوَهَذَا أَوْلَى ؛ لِأَنَّ مَقْصُودَ الرَّهْنِ يَحْصُلُ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ .","part":9,"page":170},{"id":4170,"text":"( 3314 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : وَإِذَا قَبَضَ الرَّهْنَ مَنْ تَشَارَطَا أَنَّ الرَّهْنَ يَكُونُ عَلَى يَدِهِ ، صَارَ مَقْبُوضًا وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْمُتَرَاهِنَيْنِ إذَا شَرَطَا كَوْنَ الرَّهْنِ عَلَى يَدَيْ رَجُلٍ رَضِيَاهُ ، وَاتَّفَقَا عَلَيْهِ ، جَازَ ، وَكَانَ وَكِيلًا لِلْمُرْتَهِنِ نَائِبًا عَنْهُ فِي الْقَبْضِ ، فَمَتَى قَبَضَهُ صَحَّ قَبْضُهُ ، فِي قَوْلِ جَمَاعَةِ الْفُقَهَاءِ ، مِنْهُمْ عَطَاءٌ ، وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ ، وَالثَّوْرِيُّ وَابْنُ الْمُبَارَكِ وَالشَّافِعِيُّ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَقَالَ الْحَكَمُ وَالْحَارِثُ الْعُكْلِيُّ ، وَقَتَادَةُ ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى : لَا يَكُونُ مَقْبُوضًا بِذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الْقَبْضَ مِنْ تَمَامِ الْعَقْدِ ، فَتَعَلَّقَ بِأَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ ، كَالْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ وَلَنَا ، أَنَّهُ قَبْضٌ فِي عَقَدَ ، فَجَازَ فِيهِ التَّوْكِيلُ ، كَسَائِرِ الْقُبُوضِ ، وَفَارَقَ الْقَبُولَ ؛ لِأَنَّ الْإِيجَابَ إذَا كَانَ لِشَخْصِ كَانَ الْقَبُولُ مِنْهُ ، لِأَنَّهُ يُخَاطَبُ بِهِ ، وَلَوْ وَكَّلَ فِي الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ قَبْلَ أَنْ يُوجِبَ لَهُ ، صَحَّ أَيْضًا ، وَمَا ذَكَرُوهُ يَنْتَقِضُ بِالْقَبْضِ فِي الْبَيْعِ ، فِيمَا يُعْتَبَرُ الْقَبْضُ فِيهِ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَجْعَلَا الرَّهْنَ عَلَى يَدَيْ مَنْ يَجُوزُ تَوْكِيلُهُ ، وَهُوَ الْجَائِزُ التَّصَرُّفِ ، مُسْلِمًا كَانَ أَوْ كَافِرًا ، عَدْلًا أَوْ فَاسِقًا ، ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ صَبِيًّا ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ جَائِزِ التَّصَرُّفِ مُطْلَقًا ، فَإِنْ فَعَلَا كَانَ قَبْضُهُ وَعَدَمُ الْقَبْضِ وَاحِدًا ، وَلَا عَبْدًا بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ ؛ لِأَنَّ مَنَافِعَ الْعَبْدِ لِسَيِّدِهِ ، فَلَا يَجُوزُ تَضْيِيعُهَا فِي الْحِفْظِ بِغَيْرِ إذْنِهِ ، فَإِنْ أَذِنَ لَهُ السَّيِّدُ ، جَازَ وَأَمَّا الْمُكَاتَبُ ، فَإِنْ كَانَ بِجَعْلٍ ، جَازَ ؛ لِأَنَّ لَهُ الْكَسْبَ ، وَبَذْلَ مَنَافِعِهِ بِغَيْرِ إذْنِ السَّيِّدِ ، وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ جَعَلَ ، لَمْ يَجُزْ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ التَّبَرُّعُ بِمَنَافِعِهِ .","part":9,"page":171},{"id":4171,"text":"( 3315 ) فَصْلٌ : فَإِنْ : جَعَلَا الرَّهْنَ فِي يَدِ عَدْلَيْنِ ، جَازَ ، وَلَهُمَا إمْسَاكُهُ ، وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدِهِمَا الِانْفِرَادُ بِحِفْظِهِ .\rوَإِنْ سَلَّمَهُ أَحَدُهُمَا إلَى الْآخَرِ ، فَعَلَيْهِ ضَمَانُ النِّصْفِ ؛ لِأَنَّهُ الْقَدْرُ الَّذِي تَعَدَّى فِيهِ .\rوَهَذَا أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ، وَفِي الْآخَرِ ، إذَا رَضِيَ أَحَدُهُمَا بِإِمْسَاكِ الْآخَرِ ، جَازَ .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إنْ كَانَ مِمَّا يَنْقَسِمُ ، اقْتَسَمَاهُ ، وَإِلَّا فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إمْسَاكُ جَمِيعِهِ ؛ لِأَنَّ اجْتِمَاعَهُمَا عَلَى حِفْظِهِ يَشُقُّ عَلَيْهِمَا ، فَحُمِلَ الْأَمْرُ عَلَى أَنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْحِفْظَ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الْمُتَرَاهِنِينَ لَمْ يَرْضَيَا إلَّا بِحِفْظِهِمَا فَلَمْ يَجُزْ لِأَحَدِهِمَا الِانْفِرَادُ بِذَلِكَ ، كَالْوَصِيَّيْنِ لَا يَنْفَرِدُ أَحَدِهِمَا بِالتَّصَرُّفِ .\rوَقَوْلُهُمْ : إنَّ الِاجْتِمَاعَ عَلَى الْحِفْظِ يَشُقُّ .\rلَيْسَ كَذَلِكَ ؛ فَإِنَّهُ يُمْكِنُ جَعْلُهُ فِي مَخْزَنٍ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَيْهِ قُفْلٌ .\r( 3316 ) فَصْلٌ : وَمَا دَامَ الْعَدْلُ بِحَالِهِ ، لَمْ يَتَغَيَّرْ عَنْ الْأَمَانَةِ ، وَلَا حَدَثَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَحَدِهِمَا عَدَاوَةٌ ، فَلَيْسَ لَأَحَدِهِمَا ، وَلَا لِلْحَاكِمِ ، نَقْلُ الرَّهْنِ عَنْ يَدِهِ ؛ لِأَنَّهُمَا رَضِيَا بِهِ فِي الِابْتِدَاءِ .\rوَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى نَقْلِهِ ، جَازَ ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمَا لَمْ يَعْدُهُمَا .\rوَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الرَّهْنُ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ ، فَلَمْ يَتَغَيَّرْ حَالُهُ ، لَمْ يَكُنْ لِلرَّاهِنِ وَلَا لِلْحَاكِمِ نَقْلُهُ عَنْ يَدِهِ .\rوَإِنْ تَغَيَّرَتْ حَالُ الْعَدْلِ بِفِسْقٍ ، أَوْ ضَعْفٍ عَنْ الْحِفْظِ ، أَوْ حَدَثَتْ عَدَاوَةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمَا ، أَوْ بَيْنَ أَحَدِهِمَا ، فَلِمَنْ طَلَبَ نَقْلَهُ عَنْ يَدِهِ ذَلِكَ ، وَيَضَعَانِهِ فِي يَدِ مَنْ يَتَّفِقَانِ عَلَيْهِ ، فَإِنْ اخْتَلَفَا ، وَضَعَهُ الْحَاكِمُ عَلَى يَدِ عَدْلٍ ، وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي تُغَيِّرْ حَالِهِ ، بَحَثَ الْحَاكِمُ ، وَعَمِلَ بِمَا يَظْهَرُ لَهُ .\rوَهَكَذَا لَوْ كَانَ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ ،","part":9,"page":172},{"id":4172,"text":"فَتَغَيَّرَتْ حَاله فِي الثِّقَةِ وَالْحِفْظِ ، فَلِلرَّاهِنِ رَفْعُهُ عَنْ يَدِهِ إلَى الْحَاكِمِ ، لِيَضَعَهُ فِي يَدِ عَدْلٍ وَإِذَا ادَّعَى الرَّاهِنُ تَغَيُّرَ حَالِ الْمُرْتَهِنِ ، فَأَنْكَرَ ، بَحَثَ الْحَاكِمُ عَنْ ذَلِكَ ، وَعَمَلَ بِمَا بَانَ لَهُ .\rوَإِنْ مَاتَ الْعَدْلُ أَوْ الْمُرْتَهِنُ ، لَمْ يَكُنْ لِوَرَثَتِهِمَا إمْسَاكُهُ إلَّا بِتَرَاضِيهِمَا ، فَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى ذَلِكَ ، جَازَ .\rوَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى عَدْلٍ يَضَعَانِهِ عَلَى يَدِهِ ، فَلَهُمَا ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمَا ، فَيُفَوَّضُ أَمْرُهُ إلَيْهِمَا .\rفَإِنْ اخْتَلَفَ الرَّاهِنُ وَالْمُرْتَهِنُ عِنْدَ مَوْتِ الْعَدْلِ ، أَوْ اخْتَلَفَ الرَّاهِنُ وَوَرَثَةُ الْمُرْتَهِنِ ، رَفَعَا الْأَمْرَ إلَى الْحَاكِمِ ، لِيَضَعَهُ عَلَى يَدِ عَدْلٍ وَإِنْ كَانَ الرَّهْنُ فِي يَدِ اثْنَيْنِ ، فَمَاتَ أَحَدُهُمَا ، أَوْ تَغَيَّرَتْ حَالُهُ ، بِفِسْقٍ ، أَوْ ضَعْفٍ عَنْ الْحِفْظِ ، أَوْ عَدَاوَةٍ بَيْنَ أَحَدِ الْمُتَرَاهِنَيْنِ ، أُقِيمَ مُقَامَهُ عَدْلٌ يَنْضَمُّ إلَى الْعَدْلِ الْآخَرِ ، فَيَحْفَظَانِ مَعًا .","part":9,"page":173},{"id":4173,"text":"( 3317 ) فَصْلٌ : وَلَوْ أَرَادَ الْعَدْلُ رَدَّهُ عَلَيْهِمَا ، فَلَهُ ذَلِكَ ، وَعَلَيْهِمَا قَبُولُهُ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ؛ لِأَنَّهُ أَمِينٌ مُتَطَوِّعٌ بِالْحِفْظِ ، فَلَا يَلْزَمُهُ الْمُقَامُ عَلَيْهِ .\rفَإِنْ امْتَنَعَا ، أَجْبَرَهُمَا الْحَاكِمُ .\rفَإِنْ تَغَيَّبَا ، نَصَبَ الْحَاكِمُ أَمِينًا يَقْبِضُهُ لَهُمَا ؛ لِأَنَّ لِلْحَاكِمِ وِلَايَةً عَلَى الْمُمْتَنِعِ مِنْ الْحَقِّ الَّذِي عَلَيْهِ .\rوَلَوْ دَفَعَهُ إلَى الْأَمِينِ مِنْ غَيْرِ امْتِنَاعِهِمَا ، ضَمِنَ ، وَضَمِنَ الْحَاكِمُ ؛ لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَى غَيْر الْمُمْتَنِع .\rوَكَذَا لَوْ تَرَكَهُ الْعَدْلُ عِنْدَ آخَرَ مَعَ وُجُودِهِمَا ، ضَمِنَ ، وَضَمِنَ الْقَابِضُ .\rوَإِنْ امْتَنَعَا ، وَلَمْ يَجِدْ حَاكِمَا ، فَتَرَكَهُ عِنْدَ عَدْلٍ آخَرَ ، لَمْ يَضْمَنْ .\rوَإِنْ امْتَنَعَ أَحَدُهُمَا ، لَمْ يَكُنْ لَهُ دَفْعُهُ إلَى الْآخَرِ ، فَإِنْ فَعَلَ ضَمِنَ ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ أَحَدَهُمَا يُمْسِكُهُ لِنَفْسِهِ ، وَالْعَدْلُ يُمْسِكُهُ لَهُمَا ، هَذَا فِيمَا إذَا كَانَ حَاضِرَيْنِ ، فَأَمَّا إذَا كَانَا غَائِبِينَ ، نَظَرْت ، فَإِنْ كَانَ لِلْعَدْلِ عُذْرٌ مِنْ مَرَضٍ أَوْ سَفَرٍ أَوْ نَحْوِهِ ، رَفَعَهُ إلَى الْحَاكِمِ ، فَقَبَضَهُ مِنْهُ ، أَوْ نَصَبَ لَهُ عَدْلًا يَقْبِضُهُ لَهُمَا ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ حَاكِمًا ، أَوْدَعَهُ عِنْدَ نَفْسِهِ ، وَلَيْسَ لَهُ دَفْعُهُ إلَى ثِقَةٍ يُودِعُهُ عِنْدَهُ ، مَعَ وُجُودِ الْحَاكِمِ ، فَإِنْ فَعَلَ ضَمِنَ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عُذْرٌ ، وَكَانَتْ الْغَيْبَةُ بَعِيدَةً إلَى مَسَافَةِ الْقَصْرِ ، قَبَضَهُ الْحَاكِمُ مِنْهُ ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ حَاكِمًا ، دَفَعَهُ إلَى عَدْلٍ .\rوَإِنْ كَانَتْ الْغَيْبَةُ دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ ، فَهُوَ كَمَا لَوْ كَانَا حَاضِرَيْنِ ؛ لِأَنَّ مَا دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ فِي حُكْمِ الْإِقَامَةِ .\rوَإِنْ كَانَا أَحَدُهُمَا حَاضِرًا وَالْآخَرُ غَائِبًا ، فَحُكْمُهُمَا حُكْمُ الْغَائِبَيْنِ ، وَلَيْسَ لَهُ دَفْعُهُ إلَى الْحَاضِرِ مِنْهُمَا .\rوَفِي جَمِيعِ هَذِهِ الْأَقْسَامِ ، مَتَى دَفَعَهُ إلَى أَحَدِهِمَا لَزِمَهُ رَدَّهُ إلَى يَدِهِ ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ ، فَعَلَيْهِ ضَمَانُ حَقِّ الْآخَرِ .","part":9,"page":174},{"id":4174,"text":"( 3318 ) فَصْلٌ : إذَا كَانَ الرَّهْنُ عَلَى يَدَيْ عَدْلٍ ، وَشَرَطَا لَهُ أَنْ يَبِيعَهُ عِنْدَ حُلُولِ الْحَقِّ ، صَحَّ ، وَيَصِحُّ بَيْعُهُ .\rوَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ فَإِنْ عَزَلَ الرَّاهِنُ الْعَدْلَ عَنْ الْبَيْعِ ، صَحَّ عَزْلُهُ ، وَلَمْ يَمْلِكْ الْبَيْعَ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ لَا يَنْعَزِلُ ؛ لِأَنَّ وَكَالَتَهُ صَارَتْ مِنْ حُقُوقِ الرَّهْنِ ، فَلَمْ يَكُنْ لِلرَّاهِنِ إسْقَاطُهُ ، كَسَائِرِ حُقُوقِهِ .\rوَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى وَيَتَوَجَّهُ لَنَا مِثْلُ ذَلِكَ ؛ فَإِنَّ أَحْمَدَ قَدْ مَنَعَ الْحِيلَةَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ كُتُبِهِ ، وَهَذَا يَفْتَحُ بَابَ الْحِيلَةِ لِلرَّاهِنِ ، فَإِنَّهُ يَشْتَرِطُ ذَلِكَ لِلْمُرْتَهِنِ ، لِيُجِيبَهُ إلَيْهِ ، ثُمَّ يَعْزِلَهُ وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَنْصُوصُ عَنْهُ ؛ لِأَنَّ الْوَكَالَةَ عَقْدٌ جَائِزٌ ، فَلَمْ يَلْزَمْ الْمَقَامُ عَلَيْهَا ، كَسَائِرِ الْوَكَالَاتِ ، وَكَوْنُهُ مِنْ حُقُوقِ الرَّاهِنِ لَا يَمْنَعُ مِنْ جَوَازِهِ ، كَمَا لَوْ شَرَطَا الرَّهْنَ فِي الْبَيْعِ ، فَإِنَّهُ لَا يَصِيرُ لَازِمًا ، وَكَذَلِكَ لَوْ مَاتَ الرَّاهِنُ بَعْدَ الْإِذْنِ ، انْفَسَخَتْ الْوَكَالَةُ ، وَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ مَتَى عَزَلَهُ عَنْ الْبَيْعِ ، فَلِلْمُرْتَهِنِ فَسْخُ الْبَيْعِ الَّذِي حَصَلَ الرَّهْنُ بِثَمَنِهِ ، كَمَا لَوْ امْتَنَعَ الرَّاهِنُ مِنْ تَسْلِيمِ الرَّهْنِ الْمَشْرُوطِ فِي الْبَيْعِ ، فَأَمَّا إنْ عَزَلَهُ الْمُرْتَهِنُ ، فَلَا يَنْعَزِلُ ؛ لِأَنَّ الْعَدْلَ وَكِيلُ الرَّاهِنِ ، إذْ الرَّهْنُ مِلْكُهُ ، وَلَوْ انْفَرَدَ بِتَوْكِيلِهِ صَحَّ ، فَلَمْ يَنْعَزِلْ بِعَزْلِ غَيْرِهِ ، لَكِنْ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ .\rوَهَكَذَا لَوْ لَمْ يَعْزِلَاهُ ، فَحَلَّ الْحَقُّ ، لَمْ يَبِعْهُ حَتَّى يَسْتَأْذِنَ الْمُرْتَهِنَ ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ لِحَقِّهِ ، فَلَمْ يَجُزْ حَتَّى يَأْذَنَ فِيهِ ، وَلَا يَحْتَاجُ إلَى تَجْدِيدِ إذْنٍ مِنْ الرَّاهِنِ ، فِي ظَاهِرِ كَلَامِ أَحْمَدَ لِأَنَّ الْإِذْنَ قَدْ وُجِدَ مَرَّةً ، فَيَكْفِي ، كَمَا فِي الْوَكَالَةِ فِي سَائِرِ الْحُقُوقِ وَذَكَرَ الْقَاضِي وَجْهًا آخَرَ ، أَنَّهُ يَحْتَاجُ","part":9,"page":175},{"id":4175,"text":"إلَى تَجْدِيدِ إذْنٍ ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ لَهُ غَرَضٌ فِي قَضَاءِ الْحَقِّ مِنْ غَيْرِهِ .\rوَالْأَوَّلُ أَوْلَى ؛ فَإِنَّ الْإِذْنَ كَافٍ مَا لَمْ يُغَيَّرْ ، وَالْغَرَضُ لَا اعْتِبَارَ بِهِ مَعَ صَرِيحِ الْإِذْنِ بِخِلَافِهِ ، بِدَلِيلِ مَا لَوْ جَدَّدَ الْإِذْنَ لَهُ ، بِخِلَافِ الْمُرْتَهِنِ ؛ فَإِنَّ الْمَبِيعَ يَفْتَقِرُ إلَى مُطَالَبَتِهِ بِالْحَقِّ ، وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ نَحْوٌ مِنْ هَذَا .","part":9,"page":176},{"id":4176,"text":"( 3319 ) فَصْلٌ : وَلَوْ أَتْلَفَ الرَّهْنَ فِي يَدِ الْعَدْلِ أَجْنَبِيٌّ ، فَعَلَى الْجَانِي قِيمَتُهُ ، تَكُونُ رَهْنًا فِي يَدِهِ ، وَلَهُ الْمُطَالَبَةُ بِهَا ؛ لِأَنَّهَا بَدَلِ الرَّهْنِ ، وَقَائِمَةٌ مَقَامَهُ ، وَلَهُ إمْسَاكُ الرَّهْنِ وَحِفْظُهُ .\rفَإِنْ كَانَ الْمُتَرَاهِنَانِ أَذِنَا لَهُ فِي بَيْعِ الرَّهْنِ ، فَقَالَ الْقَاضِي : قِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنَّ لَهُ بَيْعَ قِيمَته ؛ لِأَنَّ لَهُ بَيْعَ نَمَاءِ الرَّهْنِ تَبِعَا لِلْأَصْلِ ، فَالْقِيمَةُ أَوْلَى .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ : لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ مُتَصَرِّفٌ بِالْإِذْنِ ، فَلَا يَمْلِكُ بَيْعَ مَا لَمْ يُؤْذَنَ لَهُ فِي بَيْعِهِ ، وَالْمَأْذُونُ فِي بَيْعِهِ قَدْ تَلِفَ ، وَقِيمَتُهُ غَيْرُهُ .\rوَلِلْقَاضِي أَنْ يَقُولَ : إنَّهُ قَدْ أُذِنَ لَهُ فِي بَيْعِ الرَّهْنِ ، وَالْقِيمَةُ رَهْنٌ ، يَثْبُتُ لَهَا حُكْمُ الْأَصْلِ ، مِنْ كَوْنِهِ يَمْلِكُ الْمُطَالَبَةَ بِهَا ، وَإِمْسَاكَهَا ، وَاسْتِيفَاءَ دَيْنِهِ مِنْ ثَمَنِهَا ، فَكَذَلِكَ بَيْعُهَا ، فَإِنْ كَانَتْ الْقِيمَةُ مِنْ جِنْسِ الدَّيْنِ ، وَقَدْ أُذِنَ لَهُ فِي وَفَائِهِ مِنْ ثَمَنِ الرَّهْنِ ، مَلَكَ إيفَاءَهُ مِنْ الْقِيمَةِ ؛ لِأَنَّهَا بَدَلُ الرَّهْنِ مِنْ جِنْسِ الدَّيْنِ ، فَأَشْبَهَتْ ثَمَنَ الْبَيْعِ .","part":9,"page":177},{"id":4177,"text":"( 3320 ) فَصْلٌ : وَإِذَا أَذِنَا لِلْعَدْلِ فِي الْبَيْعِ ، وَعَيَّنَا لَهُ نَقْدًا ، لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يُخَالِفَهُمَا .\rوَإِنْ اخْتَلَفَا ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا : بِعْهُ بِدَرَاهِمَ .\rوَقَالَ الْآخَرُ : بِدَنَانِيرَ .\rلَمْ يُقْبَلْ قَوْلُ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ، لِأَنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِيهِ حَقًّا ، لِلرَّاهِنِ مِلْكُ الْيَمِينِ ، وَلِلْمُرْتَهِنِ حَقُّ الْوَثِيقَةِ وَاسْتِيفَاءُ حَقِّهِ ، وَيُرْفَعُ الْأَمْرُ إلَى الْحَاكِمِ ، فَيَأْمُرُ مَنْ يَبِيعُهُ بِنَقْدِ الْبَلَدِ ، سَوَاءٌ كَانَ مِنْ جِنْسِ الْحَقِّ أَوْ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ ، وَافَقَ قَوْلَ أَحَدِهِمَا أَوْ لَمْ يُوَافِقْ ؛ لِأَنَّ الْحَظَّ فِي ذَلِكَ ، وَالْأَوْلَى أَنْ يَبِيعَهُ بِمَا يَرَى الْحَظَّ فِيهِ ، فَإِنْ كَانَ فِي الْبَلَدِ نَقْدَانِ بَاعَهُ بِأَغْلَبِهِمَا ، فَإِنْ تَسَاوَيَا ، فَقَالَ الْقَاضِي : يَبِيعُ بِمَا يُؤَدِّيه اجْتِهَادُهُ إلَيْهِ .\rوَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ لِأَنَّهُ الْأَحَظُّ ، وَالْغَرَضُ تَحْصِيلِ الْحَظِّ ، فَإِنْ تَسَاوَيَا ، بَاعَ بِجِنْسِ الدَّيْنِ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا جِنْسُ الدَّيْنِ ، عَيَّنَ لَهُ الْحَاكِمُ مَا يَبِيعُهُ بِهِ ، وَحُكْمُهُ حُكْمُ الْوَكِيلِ فِي وُجُوبِ الِاحْتِيَاطِ ، وَالْمَنْعِ مِنْ الْبَيْعِ بِدُونِ ثَمَنِ الْمِثْلِ ، وَمِنْ الْبَيْعِ نَسَاء ، مَتَى خَالَفَ لَزِمَهُ مَا يَلْزَمُ الْوَكِيلَ الْمُخَالِفَ وَذَكَرَ فِي الْبَيْعِ نَسَاءً رِوَايَةً أُخْرَى ، أَنَّهُ يَجُوزُ بِنَاءً عَلَى الْوَكِيلِ .\rوَلَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ هَاهُنَا لِإِيفَاءِ دَيْنٍ حَالِ يَجِبُ تَعْجِيلُهُ ، وَالْبَيْعُ نَسَاءً يَمْنَعُ ذَلِكَ .\rوَكَذَا نَقُولُ فِي الْوَكِيلِ ، مَتَى وُجِدَتْ فِي حَقِّهِ قَرِينَةٌ دَالَّةٌ عَلَى مَنْعِ الْبَيْعِ نَسَاءً لَمْ يَجُزْ لَهُ ذَلِكَ ، وَإِنَّمَا الرِّوَايَتَانِ فِيهِ عِنْدَ انْتِفَاءِ الْقَرَائِنِ .\rوَكُلُّ مَوْضِعٍ حَكَمْنَا بِأَنَّ الْبَيْعَ بَاطِلٌ ، وَجَبَ رَدُّ الْمَبِيعِ إنْ كَانَ بَاقِيًا ، فَإِنْ تَعَذَّرَ ، فَلِلْمُرْتَهِنِ تَضْمِينُ مَنْ شَاءَ مِنْ الْعَدْلِ وَالْمُشْتَرِي بِأَقَلَّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ قِيمَةِ الرَّهْنِ أَوْ قَدْرِ الدَّيْنِ ؛ لِأَنَّهُ يَقْبِضُ قِيمَةَ الرَّهْنِ مُسْتَوْفِيًا لِحَقِّهِ","part":9,"page":178},{"id":4178,"text":"، لَا رَهْنًا ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَقْبِضَ أَكْثَرَ مِنْ دَيْنِهِ ، وَمَا بَقِيَ مِنْ قِيمَةِ الرَّهْنِ لِلرَّاهِنِ ، يَرْجِعُ بِهِ عَلَى مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا وَإِنْ اسْتَوْفَى دَيْنَهُ مِنْ الرَّهْنِ ، رَجَعَ الرَّاهِنُ بِقِيمَتِهِ عَلَى مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا .\rوَمَتَى ضَمِنَ الْمُشْتَرِي لَمْ يَرْجِعْ عَلَى أَحَدٍ .\rلِأَنَّ الْعَيْنَ تَلِفَتْ فِي يَدِهِ ، وَإِنْ ضَمِنَ الْعَدْلُ رَجَعَ عَلَى الْمُشْتَرِي .","part":9,"page":179},{"id":4179,"text":"( 3321 ) فَصْلٌ : وَمَتَى قَدَّرَا لَهُ ثَمَنًا لَمْ يَجُزْ لَهُ بَيْعُهُ بِدُونِهِ ، وَإِنْ أَطْلَقَا ، فَلَهُ بَيْعُهُ بِثَمَنِ مِثْلِهِ ، أَوْ زِيَادَةٍ عَلَيْهِ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَهُ بَيْعُهُ وَلَوْ بِدَرَاهِمَ وَالْكَلَامُ مَعَهُ فِي الْوَكَالَةِ .\rفَإِنْ أَطْلَقَا ، فَبَاعَ بِأَقَلَّ مِنْ ثَمَنِ الْمِثْلِ ، مِمَّا يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِهِ ، صَحَّ ، وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُضْبَطُ غَالِبًا .\rوَإِنْ كَانَ النَّقْصُ مِمَّا لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِهِ ، أَوْ بَاعَ بِأَنْقَصَ مِمَّا قَرَّرَا لَهُ ، صَحَّ الْبَيْعُ ، وَضَمِنَ النَّقْصَ كُلَّهُ .\rذَكَرَهُ أَصْحَابُنَا .\rوَالْأَوْلَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ الْبَيْعُ ؛ لِأَنَّهُ بَيْعٌ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فِيهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ خَالَفَ فِي النَّقْدِ .","part":9,"page":180},{"id":4180,"text":"( 3322 ) فَصْلٌ : وَإِذَا بَاعَ الْعَدْلُ الرَّهْنَ بِإِذْنِهِمَا ، وَقَبَضَ الثَّمَنَ ، فَتَلِفَ فِي يَدِهِ مِنْ غَيْرِ تَعَدٍّ ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ أَمِينٌ ، فَهُوَ كَالْوَكِيلِ .\rوَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا .\rوَيَكُونُ مِنْ ضَمَانِ الرَّاهِنِ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ مِنْ ضَمَانِ الْمُرْتَهِنِ ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ لِأَجْلِهِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ وَكِيلُ الرَّاهِنِ فِي الْبَيْعِ ، وَالثَّمَنُ مِلْكُهُ ، وَهُوَ أَمِينٌ لَهُ فِي قَبْضِهِ ، فَإِذَا تَلِفَ ، كَانَ مِنْ ضَمَانِ مُوَكَّلِهِ ، كَسَائِرِ الْأُمَنَاءِ .\rوَإِنْ ادَّعَى التَّلَفَ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ ؛ لِأَنَّهُ أَمِينٌ ، وَيَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَى ذَلِكَ ، وَإِنْ كَلَّفْنَاهُ الْبَيِّنَةَ ، شَقَّ عَلَيْهِ ، وَرُبَّمَا أَدَّى إلَى أَنْ لَا يَدْخُلَ النَّاسُ فِي الْأَمَانَاتِ فَإِنْ خَالَفَاهُ فِي قَبْضِ الثَّمَنِ ، فَقَالَا : مَا قَبَضَهُ مِنْ الْمُشْتَرِي .\rوَادَّعَى ذَلِكَ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا ، الْقَوْلُ قَوْلُهُ ، لِأَنَّهُ أَمِينٌ .\rوَالْآخَرُ : لَا يُقْبَلُ ؛ لِأَنَّ هَذَا إبْرَاءٌ لِلْمُشْتَرِي مِنْ الثَّمَنِ ، فَلَا يُقْبَلُ قَوْله فِيهِ ، كَمَا لَوْ أَبْرَأَهُ مِنْ غَيْرِ الثَّمَنِ .\rوَإِنْ خَرَجَ الْمَبِيعُ مُسْتَحَقًّا ، فَالْعُهْدَةُ عَلَى الرَّاهِنِ دُونَ الْعَدْلِ ، إذَا كَانَ قَدْ أَعْلَمَ الْمُشْتَرِي أَنَّهُ وَكِيلٌ .\rوَكَذَلِكَ كُلُّ وَكِيلٍ بَاعَ مَالَ غَيْرِهِ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ الْعُهْدَةُ عَلَى الْوَكِيلِ .\rوَالْكَلَامُ مَعَهُ فِي الْوَكَالَةِ فَإِنْ عَلِمَ الْمُشْتَرِي بَعْدَ تَلَفِ الثَّمَنِ فِي يَدِ الْعَدْلِ ، رَجَعَ عَلَى الرَّاهِنِ ، وَلَا شَيْء عَلَى الْعَدْلِ .\rفَإِنْ قِيلَ : فَلِمَ لَا يَرْجِعُ الْمُشْتَرِي عَلَى الْعَدْلِ ، لِأَنَّهُ قَبَضَ الثَّمَنَ بِغَيْرِ حَقٍّ ؟ قُلْنَا : لِأَنَّهُ سَلَّمَهُ إلَيْهِ عَلَى أَنَّهُ أَمِينٌ فِي قَبْضِهِ ، يُسَلِّمُهُ إلَى الْمُرْتَهِنِ .\rفَلِذَلِكَ لَمْ يَجِبْ الضَّمَانُ عَلَيْهِ ، فَأَمَّا الْمُرْتَهِنُ ، فَقَدْ بَانَ لَهُ أَنَّ عَقْدَ الرَّهْنِ كَانَ فَاسِدًا ، فَإِنْ كَانَ مَشْرُوطًا فِي","part":9,"page":181},{"id":4181,"text":"بَيْعِ ، ثَبَتَ لَهُ الْخِيَارُ فِيهِ ، وَإِلَّا سَقَطَ حَقُّهُ ، فَإِنْ كَانَ الرَّاهِنُ مُفْلِسًا ، حَيًّا أَوْ مَيِّتًا ، كَانَ الْمُرْتَهِنُ وَالْمُشْتَرِي أُسْوَةَ الْغُرَمَاءِ ؛ لِأَنَّهُمْ مُتَسَاوُونَ فِي ثُبُوتِ حَقِّهِمْ فِي الذِّمَّةِ ، فَاسْتَوَوْا فِي قِسْمَةِ مَالِهِ بَيْنَهُمْ فَأَمَّا إنْ خَرَجَ مُسْتَحَقًّا بَعْدَ مَا دَفَعَ الثَّمَنَ إلَى الْمُرْتَهِنِ ، رَجَعَ الْمُشْتَرِي عَلَى الْمُرْتَهِنِ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَرْجِعُ عَلَى الْعَدْلِ ، وَيَرْجِعُ الْعَدْلُ عَلَى أَيِّهِمَا شَاءَ مِنْ الرَّاهِنِ وَالْمُرْتَهِنِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ عَيْنَ مَالِهِ صَارَ إلَى الْمُرْتَهِنِ بِغَيْرِ حَقٍّ ، فَكَانَ رُجُوعُهُ عَلَيْهِ كَمَا لَوْ قَبَضَهُ مِنْهُ ، فَأَمَّا إنْ كَانَ الْمُشْتَرِي رَدَّهُ بِعَيْبٍ ، لَمْ يَرْجِعْ عَلَى الْمُرْتَهِنِ ؛ لِأَنَّهُ قَبَضَ الثَّمَنَ بِحَقِّ ، وَلَا عَلَى الْعَدْلِ ؛ لِأَنَّهُ أَمِينٌ وَوَكِيلٌ ، وَيَرْجِعُ عَلَى الرَّاهِنِ وَإِنْ كَانَ الْعَدْلُ حِينَ بَاعَهُ لَمْ يُعْلِمْ الْمُشْتَرِيَ أَنَّهُ وَكِيلٌ ، كَانَ لِلْمُشْتَرِي الرُّجُوعُ عَلَيْهِ ، وَيَرْجِعُ هُوَ عَلَى الرَّاهِنِ ، إنْ أَقَرَّ بِذَلِكَ ، أَوْ قَامَتْ بِهِ بَيِّنَةٌ ، وَإِنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْعَدْلِ مَعَ يَمِينِهِ ، فَإِنْ نَكِلَ عَنْ الْيَمِينِ ، فَقُضِيَ عَلَيْهِ بِالنُّكُولِ ، أَوْ رُدَّتْ الْيَمِينُ عَلَى الْمُشْتَرِي ، فَحَلَفَ ، وَرَجَعَ عَلَى الْعَدْلِ ، لَمْ يَرْجِعْ الْعَدْلُ عَلَى الرَّاهِنِ ؛ لِأَنَّهُ يُقِرُّ أَنَّهُ ظَلَمَهُ وَعَلَى قَوْلِ الْخِرَقِيِّ الْقَوْلُ فِي حُدُوثِ الْعَيْبِ قَوْلُ الْمُشْتَرِي مَعَ يَمِينِهِ .\rوَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ فَإِذَا حَلَفَ الْمُشْتَرِي ، رَجَعَ عَلَى الْعَدْلِ ، وَرَجَعَ الْعَدْلُ عَلَى الرَّاهِنِ .\rوَإِنْ تَلِفَ الْعَبْدُ الْمَبِيعُ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي ، ثُمَّ بَانَ مُسْتَحَقًّا قَبْلَ وَزْنِ ثَمَنِهِ ، فَلِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ تَضْمِينُ مَنْ شَاءَ مِنْ الْغَاصِبِ وَالْعَدْلِ وَالْمُرْتَهِنِ ، وَيَسْتَقِرُّ الضَّمَانُ عَلَى الْمُشْتَرِي ؛ لِأَنَّ التَّلَفَ فِي يَدِهِ ، هَذَا إذَا عَلِمَ بِالْغَصْبِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَالَمًا ،","part":9,"page":182},{"id":4182,"text":"فَهَلْ يَسْتَقِرُّ الضَّمَانُ عَلَيْهِ ، أَوْ عَلَى الْغَاصِبِ ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ .","part":9,"page":183},{"id":4183,"text":"( 3323 ) فَصْلٌ : فَإِنْ ادَّعَى الْعَدْلُ دَفْعَ الثَّمَنِ إلَى الْمُرْتَهِنِ ، فَأَنْكَرَ ، فَقَالَ الْقَاضِي وَأَبُو الْخَطَّابِ يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي حَقِّ الرَّاهِنِ ، وَلَا يُقْبَلُ فِي حَقِّ الْمُرْتَهِنِ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ لِأَنَّ الْعَدْلَ وَكِيلُ الرَّاهِنِ فِي دَفْعِ الدَّيْنِ إلَى الْمُرْتَهِنِ ، وَلَيْسَ بِوَكِيلٍ لِلْمُرْتَهِنِ فِي ذَلِكَ ، إنَّمَا هُوَ وَكِيلُهُ فِي الْحِفْظِ فَقَطْ ، فَلَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ عَلَيْهِ فِيمَا لَيْسَ بِوَكِيلٍ لَهُ فِيهِ ، كَمَا لَوْ وَكَّلَ رَجُلًا فِي قَضَاءِ دَيْنٍ ، فَادَّعَى أَنَّهُ سَلَّمَهُ إلَى صَاحِبِ الدَّيْنِ .\rوَقَالَ الشَّرِيفُ أَبُو جَعْفَرٍ وَأَبُو الْخَطَّابِ فِي رُءُوسِ مَسَائِلِهِمَا : يُقْبَلُ قَوْلُهُ عَلَى الْمُرْتَهِنِ فِي إسْقَاطِ الضَّمَانِ عَنْ نَفْسِهِ ، وَلَا يُقْبَلُ فِي إيجَابِ الضَّمَانِ عَلَى غَيْرِهِ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ لِأَنَّهُ أَمِينٌ ، فَقُبِلَ قَوْلُهُ فِي إسْقَاطِ الضَّمَانِ عَنْ نَفْسِهِ ، كَالْمُودِعِ يَدَّعِي رَدَّ الْوَدِيعَةِ .\rفَعَلَى هَذَا ، إذَا حَلَفَ الْعَدْلُ لَهُ ، سَقَطَ الضَّمَانُ عَنْهُ ، وَلَمْ يَثْبُتْ عَنْ الْمُرْتَهِنِ أَنَّهُ قَبَضَهُ .\rوَعَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ يَحْلِفُ الْمُرْتَهِنُ ، وَيَرْجِعُ عَلَى مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا ، فَإِنْ رَجَعَ عَلَى الْعَدْلِ ، لَمْ يَرْجِعْ الْعَدْلُ عَلَى الرَّاهِنِ ؛ لِأَنَّهُ يَقُولُ : ظَلَمَنِي وَأَخَذَ مِنِّي بِغَيْرِ حَقٍّ فَلَمْ يَرْجِعْ عَلَى الرَّاهِنِ ، كَمَا لَوْ غَصَبَهُ مَالًا آخَرَ ، فَإِنْ رَجَعَ عَلَى الرَّاهِنِ ، فَهَلْ يَرْجِعُ الرَّاهِنُ عَلَى الْعَدْلِ ؟ نَظَرْت ؛ فَإِنْ كَانَ دَفَعَهُ إلَى الْمُرْتَهِنِ بِحَضْرَةِ الرَّاهِنِ أَوْ بِبَيِّنَةٍ ، فَمَاتَتْ أَوْ غَابَتْ ، لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ أَمِينٌ وَلَمْ يُفَرِّطْ فِي الْقَضَاءِ ، وَإِنْ دَفَعَهُ إلَيْهِ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ فِي غَيْبَةِ الرَّاهِنِ ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ : إحْدَاهُمَا ، يَرْجِعُ الرَّاهِنُ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ مُفَرِّطٌ فِي الْقَضَاءِ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ ، فَلَزِمَهُ الضَّمَانُ ، كَمَا لَوْ تَلِفَ الرَّهْنُ بِتَفْرِيطِهِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا مَعْنَى قَوْلِ الْخِرَقِيِّ وَمَنْ أَمَرَ رَجُلًا","part":9,"page":184},{"id":4184,"text":"أَنْ يَدْفَعَ إلَى رَجُلٍ مَالًا ، وَادَّعَى أَنَّهُ دَفَعَهُ إلَيْهِ ، لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ عَلَى الْآمِرِ إلَّا بِبَيِّنَةٍ وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ ، لَا يَرْجِعُ الرَّاهِنُ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ أَمِينٌ فِي حَقِّهِ ، سَوَاءٌ صَدَّقَهُ فِي الْقَضَاءِ أَوْ كَذَّبَهُ ، إلَّا أَنَّهُ إنْ كَذَّبَهُ فَلَهُ عَلَيْهِ الْيَمِينُ .","part":9,"page":185},{"id":4185,"text":"( 3324 ) فَصْلٌ : إذَا غَصَبَ الْمُرْتَهِنُ الرَّهْنَ مِنْ الْعَدْلِ ، ثُمَّ رَدَّهُ إلَيْهِ ، زَالَ عَنْهُ الضَّمَانُ .\rوَلَوْ كَانَ الرَّهْنُ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ ، فَتَعَدَّى فِيهِ ، ثُمَّ أَزَالَ التَّعَدِّيَ ، أَوْ سَافَرَ بِهِ ثُمَّ رَدَّهُ ، لَمْ يَزُلْ عَنْهُ الضَّمَانُ ، لِأَنَّ اسْتِئْمَانَهُ زَالَ بِذَلِكَ ، فَلَمْ يَفْسُدْ بِفِعْلِهِ مَعَ بَقَائِهِ فِي يَدِهِ ، بِخِلَافِ الَّتِي قَبْلَهَا ، فَإِنْ رَدَّهُ إلَى يَدِ نَائِبِ مَالِكِهَا ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ رَدَّهَا إلَى يَدِ مَالِكهَا .","part":9,"page":186},{"id":4186,"text":"( 3325 ) فَصْلٌ : وَإِذَا اسْتَقْرَضَ ذِمِّيٌّ مِنْ مُسْلِمٍ مَالًا ، وَرَهَنَهُ خَمْرًا ، لَمْ يَصِحَّ ، سَوَاءٌ جَعَلَهُ عَلَى يَدِ ذِمِّيٍّ أَوْ غَيْرِهِ ، فَإِنْ بَاعَهَا الرَّاهِنُ ، أَوْ نَائِبُهُ الذِّمِّيُّ ، وَجَاءَ الْمُقْرِضُ بِثَمَنِهَا ، لَزِمَهُ قَبُولُهُ .\rفَإِنْ أَبَى ، قِيلَ لَهُ : إمَّا أَنْ تَقْبِضَ ، وَإِمَّا أَنْ تُبْرِئَ ؛ لِأَنَّ أَهْلَ الذِّمَّةِ إذَا تَقَابَضُوا فِي الْعُقُودِ الْفَاسِدَةِ ، جَرَتْ مَجْرَى الصَّحِيحَةِ .\rقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي أَهْلِ الذِّمَّةِ ، مَعَهُمْ الْخَمْرُ : وَلُّوهُمْ بَيْعَهَا ، وَخُذُوا مِنْ أَثْمَانِهَا .\rوَإِنْ جَعَلَهَا عَلَى يَدِ مُسْلِمٍ .\rفَبَاعَهَا ، لَمْ يُجْبَرْ الْمُرْتَهِنُ عَلَى قَبُولِ الثَّمَنِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ الْبَيْعَ فَاسِدٌ ، لَا يُقَرَّانِ عَلَيْهِ ، وَلَا حُكْمَ لَهُ .","part":9,"page":187},{"id":4187,"text":"( 3326 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : وَلَا يَرْهَنُ مَالَ مَنْ أَوْصَى إلَيْهِ بِحِفْظِ مَالِهِ إلَّا مِنْ ثِقَةٍ وَجُمْلَتُهُ أَنَّ وَلِيَّ الْيَتِيمِ لَيْسَ لَهُ رَهْنُ مَالِهِ ، إلَّا عِنْدَ ثِقَةٍ يُودِعُ مَالَهُ عِنْدَهُ ، لِئَلَّا يَجْحَدَهُ أَوْ يُفَرِّطَ فِيهِ فَيَضِيعَ .\rقَالَ الْقَاضِي : لَيْسَ لِوَلِيِّهِ رَهْنُ مَالِهِ إلَّا بِشَرْطَيْنِ : أَحَدُهُمَا ، أَنْ يَكُونَ عِنْدَ ثِقَةٍ .\rالثَّانِي ، أَنْ يَكُونَ لَهُ فِيهِ حَظٌّ ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ بِهِ حَاجَةٌ إلَى نَفَقَةٍ ، أَوْ كُسْوَةٍ ، أَوْ إنْفَاقٍ عَلَى عَقَارِهِ الْمُتَهَدِّمِ ، أَوْ أَرْضِهِ ، أَوْ بَهَائِمِهِ ، وَنَحْوِ ذَلِكَ ، وَمَالُهُ غَائِبٌ يَتَوَقَّعُ وُرُودَهُ ، أَوْ ثَمَرَةٌ يَنْتَظِرُهَا ، أَوْ لَهُ دَيْنٌ مُؤَجَّلٌ يَحِلُّ ، أَوْ مَتَاعٌ كَاسِدٌ يَرْجُو نِفَاقَهُ ؛ فَيَجُوزُ لِوَلِيِّهِ الِاقْتِرَاضُ وَرَهْنُ مَالِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ يَنْتَظِرُهُ ، فَلَا حَظَّ لَهُ فِي الِاقْتِرَاضِ ، فَيَبِيعُ شَيْئًا مِنْ أُصُولِ مَالِهِ ، وَيَصْرِفُهُ فِي نَفَقَتِهِ .\rوَإِنْ لَمْ يَجِدْ مِنْ يُقْرِضُهُ ، وَوَجَدَ مَنْ يَبِيعُهُ نَسِيئَةً ، وَكَانَ أَحْظَ مِنْ بَيْعِ أَصْلِهِ ، جَازَ أَنْ يَشْتَرِيَهُ نَسِيئَةً وَيَرْهَنَ بِهِ شَيْئًا مِنْ مَالِهِ ، وَالْوَصِيُّ وَالْحَاكِمُ وَأَمِينُهُ فِي هَذَا سَوَاءٌ ، وَكَذَلِكَ الْأَبُ ، إلَّا أَنَّ لِلْأَبِ أَنْ يَرْهَنَ مِنْ نَفْسِهِ لِوَلَدِهِ وَلِنَفْسِهِ مِنْ وَلَدِهِ ، وَمَنْ عَدَاهُ بِخِلَافِهِ ، عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ .","part":9,"page":188},{"id":4188,"text":"( 3327 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا أَخْذُ الرَّهْنِ بِمَالِ الْيَتِيمِ ، فَيَكُونُ فِي بَيْعٍ أَوْ قَرْضٍ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا الْقَرْضَ فِي بَابِ الْمُصَرَّاةِ وَفِي الْبَيْعِ ثَلَاثُ مَسَائِلَ : إحْدَاهُنَّ ، أَنْ يَبِيعَ مَا يُسَاوِي مِائَةً نَقْدًا بِمِائَةِ أَوْ دُونهَا نَسِيئَةً ، وَيَأْخُذَهَا رَهْنًا ، فَهَذَا بَيْعٌ فَاسِدٌ ؛ لِأَنَّ بَيْعَهُ نَقْدًا أَحْوَطُ ، وَكَذَلِكَ لَوْ جَعَلَ بَعْضَ الثَّمَنِ نَسِيئَةً .\rالثَّانِيَةُ ، أَنْ يَبِيعَهُ بِمِائَةٍ نَقْدًا وَعِشْرِينَ نَسِيئَةً ، يَأْخُذُ بِهَا رَهْنًا ، فَهَذَا جَائِزٌ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ بَاعَهُ بِمِائَةٍ نَقْدًا جَازَ ، فَإِذَا زَادَ عَلَيْهَا ، فَقَدْ زَادَهُ خَيْرًا ، سَوَاء قَلَّتْ الزِّيَادَةُ أَوْ كَثُرَتْ .\rالثَّالِثَةُ ، بَاعَهُ بِمِائَةٍ وَعِشْرِينَ نَسِيئَةً ، وَأَخَذَ بِهَا رَهْنًا ، فَهَذَا جَائِزٌ أَيْضًا .\rذَكَرَهُ الْقَاضِي .\rوَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ بَعْضُهُمْ : لَا يَجُوزُ ؛ لِأَنَّهُ تَغْرِيرٌ بِمَالِهِ ، وَبَيْعُ النَّقْدِ أَحْوَطُ لَهُ وَلَنَا ، أَنَّ هَذَا عَادَةُ التُّجَّارِ ، وَقَدْ أَمَرْنَاهُ بِالتِّجَارَةِ وَطَلَبِ الرِّبْحِ ، وَهَذَا مِنْ جِهَاته ، وَالتَّغْرِيرُ يَزُولُ بِالرَّهْنِ ( 3328 ) فَصْلٌ : وَحُكْمُ الْمُكَاتَبِ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ حُكْمُ وَلِيِّ الْيَتِيمِ ، لِأَنَّ لَهُ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِيمَا فِي يَدَيْهِ فِيمَا لَهُ فِيهِ الْحَظُّ ، فَأَمَّا الْمَأْذُونُ ، فَإِنْ دَفَعَ لَهُ سَيِّدُهُ مَالًا يَتَّجِرُ فِيهِ ، أَوْ لَمْ يَدْفَعْ إلَيْهِ ، فَقَالَ الْقَاضِي : لَيْسَ لَهُ التَّصَرُّفُ بِالنَّسِيئَةِ ؛ لِأَنَّ دُيُونَهُ تَتَعَلَّقُ بِذِمَّةِ السَّيِّدِ ، فَيَتَضَرَّرُ بِذَلِكَ ، لِأَنَّ الدَّيْنَ غَرَّرَ بِخِلَافِ الْمُكَاتَبِ .","part":9,"page":189},{"id":4189,"text":"( 3329 ) فَصْلٌ : وَلَوْ كَانَ مَالُ الْيَتِيمِ رَهْنًا ، فَاسْتَعَادَهُ الْوَصِيُّ لِلْيَتِيمِ ، جَازَ .\rوَإِنْ اسْتَعَادَهُ لِنَفْسِهِ ، لَمْ يَجُزْ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فِي مَالِ الْيَتِيمِ لِنَفْسِهِ ، وَعَلَيْهِ الضَّمَانُ ؛ لِأَنَّهُ قَبَضَهُ عَلَى وَجْهٍ لَيْسَ لَهُ قَبْضُهُ .\rوَإِنْ فَكَّهُ بِمَالِ الْيَتِيمِ ، وَأَطْلَقَ ، فَهُوَ لِلْيَتِيمِ .\rوَإِنْ فَكَّهُ بِمَالِ نَفْسِهِ ، وَأَطْلَقَ ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ اسْتَعَادَهُ لِنَفْسِهِ .\rفَإِنْ قَالَ : اسْتَعَدْته لِلْيَتِيمِ .\rقُبِلَ قَوْلُهُ ، وَإِنْ تَلِفَ قَبْلَ ذَلِكَ ضَمِنَهُ وَإِنْ قَالَ اسْتَعَدْته لِلْيَتِيمِ بَعْدَ هَلَاكِهِ أَوْ هَلَاكِ بَعْضِهِ .\rلَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ ، لِأَنَّنَا حَكَمْنَا بِالضَّمَانِ ظَاهِرًا ، فَلَا يَزُولُ بِقَوْلِهِ .\rوَالْأَوْلَى أَنْ يُقْبَلَ قَوْلُهُ ؛ لِأَنَّهُ أَمِينٌ ؛ وَهُوَ أَعْلَمُ بِنِيَّتِهِ ، فَيُقْبَلُ قَوْلُهُ فِيهَا ، كَمَا قَبْلَ التَّلَفِ .","part":9,"page":190},{"id":4190,"text":"( 3330 ) فَصْلٌ : وَلَوْ رَهَنَ الْوَصِيُّ أَوْ الْحَاكِمُ مَالَ الْيَتِيمِ عِنْدَ مُكَاتَبِهِ ، أَوْ وَلَدِهِ الْكَبِيرِ ، صَحَّ ؛ لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةً لَهُ عَلَيْهِمَا .","part":9,"page":191},{"id":4191,"text":"( 3331 ) فَصْلٌ : وَلَوْ أَوْصَى إلَى رَجُلٍ بِقَضَاءِ دَيْنِهِ .\rفَرَهَنَ شَيْئًا مِنْ تَرِكَتِهِ عِنْدَ الْغَرِيمِ ، أَوْ غَيْرِهِ ، ضَمِنَ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فِي رَهْنِهَا ، فَضَمِنَ ، كَمَا لَوْ لَمْ يُوصِ إلَيْهِ بِقَضَاءِ دَيْنِهِ .","part":9,"page":192},{"id":4192,"text":"( 3332 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : وَإِذَا قَضَاهُ بَعْضَ الْحَقِّ ، كَانَ الرَّهْنُ بِحَالِهِ عَلَى مَا بَقِيَ وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ حَقَّ الْوَثِيقَةِ يَتَعَلَّقُ بِالرَّهْنِ جَمِيعِهِ ، فَيَصِيرُ مَحْبُوسًا بِكُلِّ الْحَقِّ ، وَبِكُلِّ جُزْءٍ مِنْهُ ، لَا يَنْفَكُّ مِنْهُ شَيْءٌ حَتَّى يَقْضِيَ جَمِيعَ الدَّيْنِ ، سَوَاءٌ كَانَ مِمَّا يُمْكِنُ قِسْمَتُهُ أَوْ لَا يُمْكِنُ .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ أَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ، عَلَى أَنَّ مَنْ رَهَنَ شَيْئًا بِمَالِ ، فَأَدَّى بَعْضَ الْمَالِ ، وَأَرَادَ إخْرَاجَ بَعْضِ الرَّهْنِ ، أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ لَهُ ، وَلَا يَخْرُجُ شَيْءٌ حَتَّى يُوَفِّيَهُ آخِرَ حَقِّهِ ، أَوْ يُبْرِئَهُ مِنْ ذَلِكَ .\rكَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ وَالثَّوْرِيُّ وَالشَّافِعِيُّ وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ وَثِيقَةٌ بِحَقِّ ، فَلَا يَزُولُ إلَّا بِزَوَالِ جَمِيعِهِ ، كَالضَّمَانِ وَالشَّهَادَةِ .","part":9,"page":193},{"id":4193,"text":"( 3333 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : وَإِذَا أَعْتَقَ الرَّاهِنُ عَبْدَهُ الْمَرْهُونَ ، فَقَدْ صَارَ حُرًّا ، وَيُؤْخَذُ إنْ كَانَ لَهُ مَالٌ بِقِيمَةِ الْمُعْتَقِ ، فَيَكُونُ رَهْنًا وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَيْسَ لِلرَّاهِنِ عِتْقُ الرَّهْنِ ؛ لِأَنَّهُ يُبْطِلُ حَقَّ الْمُرْتَهِنِ مِنْ الْوَثِيقَةِ ، فَإِنْ أَعْتَقَ ، نَفَذَ عِتْقُهُ مُوسِرًا كَانَ أَوْ مُعَسِّرًا .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ وَبِهِ قَالَ { شَرِيكٌ } ، وَالْحَسَنُ بْن صَالِحٍ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ، وَالشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ أَقْوَالِهِ ، إلَّا أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ : يَسْتَسْعِي الْعَبْدَ فِي قِيمَتِهِ إنْ كَانَ الْمُعْتِقُ مُعَسِّرًا .\rوَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى : لَا يَنْفُذُ عِتْقُ الْمُعَسِّرِ .\rذَكَرَهَا الشَّرِيفُ أَبُو جَعْفَرٍ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالْقَوْلُ الثَّانِي لِلشَّافِعِي لِأَنَّ عِتْقَهُ يُسْقِطُ حَقَّ الْمُرْتَهِنِ مِنْ الْوَثِيقَةِ ، مِنْ عَيْنِ الرَّهْنِ وَبَدَلِهَا ، فَلَمْ يَنْفُذْ ، لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِضْرَارِ بِالْمُرْتَهِنِ ، وَلِأَنَّهُ عِتْقٌ يُبْطِلُ حَقَّ غَيْرِ الْمَالِكِ ، فَنَفَذَ مِنْ الْمُوسِرِ دُونَ الْمُعَسِّرِ ، كَعِتْقِ شِرْكٍ لَهُ مِنْ عَبْدٍ وَقَالَ عَطَاءٌ وَالْبَتِّيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ لَا يَنْفُذُ عِتْقُ الرَّاهِنِ مُوسِرًا كَانَ أَوْ مُعَسِّرًا .\rوَهُوَ الْقَوْلُ الثَّالِثُ لِلشَّافِعِي لِأَنَّهُ مَعْنَى يُبْطِلُ حَدُّ الْوَثِيقَةِ مِنْ الرَّهْنِ ، فَلَمْ يَنْفُذْ كَالْبَيْعِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ إعْتَاقٌ مِنْ مَالِكٍ جَائِزِ التَّصَرُّفِ تَامِّ الْمِلْكِ ، فَنَفَذَ ، كَعِتْقِ الْمُسْتَأْجِرِ ، وَلِأَنَّ الرَّهْنَ عَيْنٌ مَحْبُوسَةٌ لِاسْتِيفَاءِ الْحَقِّ ، فَنَفَذَ فِيهَا عِتْقُ الْمَالِكِ ، كَالْمَبِيعِ فِي يَدِ الْبَائِعِ ، وَالْعِتْقُ يُخَالِفُ الْبَيْعَ ، فَإِنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى التَّغْلِيبِ وَالسِّرَايَةِ ، وَيَنْفُذُ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ ، وَيَجُوزُ عِتْقُ الْمَبِيعِ قَبْلَ قَبْضِهِ ، وَالْآبِقِ ، وَالْمَجْهُولِ ، وَمَا لَا يَقْدِرُ عَلَى تَسْلِيمِهِ ، وَيَجُوزُ تَعْلِيقُهُ عَلَى الشُّرُوطِ ، بِخِلَافِ الْبَيْعِ إذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِنَّهُ إنْ كَانَ مُوسِرًا أُخِذَتْ مِنْ قِيمَتُهُ ، فَجُعِلَتْ مَكَانه رَهْنًا ؛ لِأَنَّهُ أَبْطَلَ","part":9,"page":194},{"id":4194,"text":"حَقَّ الْوَثِيقَةِ بِغَيْرِ إذْنِ الْمُرْتَهِنِ ، فَلَزِمَتْهُ قِيمَتُهُ ، كَمَا لَوْ أَبْطَلَهَا أَجْنَبِيٌّ ، أَوْ كَمَا لَوْ أَتْلَفَهُ ، وَتَكُونُ الْقِيمَةُ رَهْنًا ؛ لِأَنَّهَا نَائِبَةٌ عَنْ الْعَيْنِ ، وَبَدَلٌ عَنْهَا ، وَإِنْ كَانَ مُعَسِّرًا فَالْقِيمَةُ فِي ذِمَّتِهِ ، فَإِنْ أُيْسِرَ قَبْلَ حُلُولِ الْحَقِّ ، أُخِذَتْ مِنْهُ الْقِيمَةُ فَجُعِلَتْ رَهْنًا ، إلَّا أَنْ يَخْتَارَ تَعْجِيلَ الْحَقِّ ، فَيَقْضِيَهُ ، وَلَا يَحْتَاجُ إلَى رَهْنٍ ، وَإِنْ أُيْسِرَ بَعْدَ حُلُولِ الْحَقِّ ، طُولِبَ بِالدَّيْنِ خَاصَّةً ؛ لِأَنَّ ذِمَّتَهُ تَبْرَأُ بِهِ مِنْ الْحَقَّيْنِ مَعًا ، وَالِاعْتِبَارُ بِقِيمَةِ الْعَبْدِ حَالَ الْإِعْتَاقِ ، لِأَنَّهُ حَالُ الْإِتْلَافِ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي الْمُعَسِّرِ : يَسْتَسْعِي الْعَبْدَ فِي قِيمَتِهِ ، ثُمَّ يَرْجِعُ عَلَى الرَّاهِنِ .\rوَفِيهِ إيجَابُ الْكَسْبِ عَلَى الْعَبْدِ ، وَلَا صُنْعَ لَهُ ، وَلَا جِنَايَةَ مِنْهُ ، وَإِلْزَامُ الْغُرْمِ لِمَنْ وُجِدَ مِنْهُ الْإِتْلَافُ أَوْلَى ، كَحَالِ الْيَسَارِ ، وَكَسَائِرِ الْإِتْلَافِ .","part":9,"page":195},{"id":4195,"text":"( 3334 ) فَصْلٌ : وَإِنْ أَعْتَقَهُ بِإِذْنِ الْمُرْتَهِنِ ، فَلَا نَعْلَمُ خِلَافًا فِي نُفُوذِ عِتْقِهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ ؛ لِأَنَّ الْمَنْعَ كَانَ لِحَقِّ الْمُرْتَهِنِ ، وَقَدْ أَذِنَ ، فَيَسْقُطُ حَقُّهُ مِنْ الْوَثِيقَةِ مُوسِرًا كَانَ الْمُعْتِقُ أَوْ مُعَسِّرًا ، لِأَنَّهُ أَذِنَ فِيمَا يُنَافِي حَقَّهُ ، فَإِذَا وُجِدَ ، زَالَ حَقُّهُ ، وَقَدْ رَضِيَ بِهِ لِرِضَاهُ بِمَا يُنَافِيه ، وَإِذْنِهِ فِيهِ ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ بَدَلٌ .\rفَإِنْ رَجَعَ عَنْ الْإِذْنِ قَبْلَ الْعِتْقِ ، وَعَلِمَ الرَّاهِنُ بِرُجُوعِهِ ، كَانَ كَمَنْ لَمْ يَأْذَنْ ، فَإِنْ عَلِمَ الرَّاهِنُ بِرُجُوعِهِ ، فَأَعْتَقَ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ، بِنَاءً عَلَى عَزْلِ الْوَكِيلِ بِدُونِ عِلْمِهِ .\rوَإِنْ رَجَعَ بَعْدَ الْعِتْقِ ، لَمْ يَنْفَعْ رُجُوعُهُ ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُرْتَهِنِ مَعَ يَمِينه ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْإِذْنِ .\rوَلَوْ اخْتَلَفَ الرَّاهِنُ وَوَرَثَةُ الْمُرْتَهِنِ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ وَرَثَةِ الْمُرْتَهِنُ أَيْضًا ، إلَّا أَنَّ أَيْمَانَهُمْ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ ، لِأَنَّهَا عَلَى فِعْلِ الْغَيْرِ .\rوَإِنْ اخْتَلَفَ الْمُرْتَهِنُ وَوَرَثَةُ الرَّاهِنِ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُرْتَهِنِ مَعَ يَمِينِهِ ، وَإِنْ لَمْ يَحْلِفْ ، قُضِيَ عَلَيْهِ بِالنُّكُولِ .","part":9,"page":196},{"id":4196,"text":"( 3335 ) فَصْلٌ : وَإِنْ تَصَرَّفَ الرَّاهِنُ بِغَيْرِ الْعِتْقِ ، كَالْبَيْعِ ، وَالْإِجَارَةِ ، وَالْهِبَةِ ، وَالْوَقْفِ ، وَالرَّهْنِ ، وَغَيْرِهِ ، فَتَصَرُّفُهُ بَاطِلٌ ؛ لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ يُبْطِلُ حَقَّ الْمُرْتَهِنِ مِنْ الْوَثِيقَةِ ، غَيْرُ مَبْنِيٍّ عَلَى التَّغْلِيبِ وَالسِّرَايَةِ ، فَلَمْ يَصِحَّ بِغَيْرِ إذْنِ الْمُرْتَهِنِ ، كَفَسْخِ الرَّهْنِ .\rفَإِنْ أَذِنَ فِيهِ الْمُرْتَهِنُ ، صَحَّ ، وَبَطَلَ الرَّهْنُ ؛ لِأَنَّهُ أَذِنَ فِيمَا يُنَافِي حَقَّهُ ، فَيَبْطُلُ بِفِعْلِهِ ، كَالْعِتْقِ .\rوَإِنْ زَوَّجَ الْأَمَةَ الْمَرْهُونَةَ ، لَمْ يَصِحَّ .\rوَهَذَا اخْتِيَارُ أَبِي الْخَطَّابِ وَقَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ ، وَقَالَ الْقَاضِي وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا : يَصِحُّ ، وَلِلْمُرْتَهِنِ مَنْعُ الزَّوْجِ مِنْ وَطْئِهَا ، وَمَهْرُهَا رَهْنٌ مَعَهَا .\rوَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ لِأَنَّ مَحَلَّ النِّكَاحِ غَيْرُ مَحَلِّ عَقْدِ الرَّهْنِ ، وَلِذَلِكَ صَحَّ رَهْنُ الْأَمَةِ الْمُزَوَّجَةِ ، وَلِأَنَّ الرَّهْنَ لَا يُزِيلُ الْمِلْكَ ، فَلَا يَمْنَعُ التَّزْوِيجَ ، كَالْإِجَارَةِ وَلَنَا ، أَنَّهُ تَصَرَّفَ فِي الرَّهْنِ بِمَا يُنْقِصُ ثَمَنَهُ ، وَيَسْتَغِلُّ بَعْضَ مَنَافِعِهِ ، فَلَمْ يَمْلِكْهُ الرَّاهِنُ بِغَيْرِ رِضَا الْمُرْتَهِنِ ، كَالْإِجَارَةِ ، وَلَا يُخْفِي تَنْقِيصَهُ لِثَمَنِهَا ، فَإِنَّهُ يُعَطِّلُ مَنَافِعَ بَعْضِهَا ، وَيَمْنَعُ مُشْتَرِيَهَا مِنْ وَطْئِهَا وَحِلِّهَا ، وَيُوجِبُ عَلَيْهِ تَمْكِينَ زَوْجِهَا مِنْ اسْتِمْتَاعِهَا فِي اللَّيْلِ ، وَيُعَرِّضُهَا بِوَطْئِهِ لِلْحَمْلِ الَّذِي يُخَافُ مِنْهُ تَلَفُهَا ، وَيَشْغَلُهَا عَنْ خِدْمَتِهِ بِتَرْبِيَةِ وَلَدِهَا ، فَتَذْهَبُ الرَّغْبَةُ فِيهَا ، وَتَنْقُصُ نَقْصًا كَثِيرًا ، وَرُبَّمَا مَنَعَ بَيْعَهَا بِالْكُلِّيَّةِ وَقَوْلُهُمْ : إنَّ مَحِلَّ عَقْدِ النِّكَاحِ غَيْرُ مَحِلِّ الرَّهْنِ .\rغَيْرُ صَحِيحٍ ؛ فَإِنَّ مَحِلَّ الرَّهْنِ مَحِلُّ الْبَيْعِ ، وَالْبَيْعُ يَتَنَاوَلُ جُمْلَتَهَا ، وَلِهَذَا يُبَاحُ لِمُشْتَرِيهَا اسْتِمْتَاعُهَا ، وَإِنَّمَا صَحَّ رَهْنُ الْمُزَوَّجَةِ لِبَقَاءِ مُعْظَمِ الْمَنْفَعَةِ فِيهَا ، وَبَقَائِهَا مَحِلًّا لِلْبَيْعِ ، كَمَا يَصِحُّ","part":9,"page":197},{"id":4197,"text":"رَهْنُ الْمُسْتَأْجَرَةِ ، وَيُفَارِقُ الرَّهْنُ الْإِجَارَةَ ؛ فَإِنَّ التَّزْوِيجَ لَا يُؤَثِّرُ فِي مَقْصُودِ الْإِجَارَةِ ، وَلَا يَمْنَعُ الْمُسْتَأْجِرَ مِنْ اسْتِيفَاءِ الْمَنَافِعِ الْمُسْتَحَقَّةِ لَهُ ، وَيُؤَثِّرُ فِي مَقْصُودِ الرَّهْنِ ، وَهُوَ اسْتِيفَاءُ الدَّيْنِ مِنْ ثَمَنِهَا ، فَإِنَّ تَزْوِيجَهَا يَمْنَعُ بَيْعَهَا ، أَوْ يَنْقُصُ ثَمَنَهَا ، فَلَا يُمْكِنُ اسْتِيفَاءُ الدَّيْنِ بِكَمَالِهِ .","part":9,"page":198},{"id":4198,"text":"( 3336 ) فَصْلٌ : وَلَا يَجُوزُ لِلرَّاهِنِ وَطْءُ أَمَتِهِ الْمَرْهُونَةِ ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rوَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَهُ وَطْءُ الْآيِسَةِ وَالصَّغِيرَةِ ؛ لِأَنَّهُ لَا ضَرَرَ فِيهِ ؛ فَإِنَّ عِلَّةَ الْمَنْعِ الْخَوْفُ مِنْ الْحَمْلِ ، مَخَافَةَ أَنْ تَلِدَ مِنْهُ ، فَتَخْرُجَ بِذَلِكَ عَنْ الرَّهْنِ ، أَوْ تَتَعَرَّضَ لِلتَّلَفِ ، وَهَذَا مَعْدُومٌ فِيهِمَا .\rوَأَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى خِلَافِ هَذَا .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ لِلْمُرْتَهِنِ مَنَعَ الرَّاهِنِ مِنْ وَطْءِ أَمَتِهِ الْمَرْهُونَةِ .\rوَلِأَنَّ سَائِرَ مَنْ يَحْرُمُ وَطْؤُهَا لَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ الْآيِسَةِ وَالصَّغِيرَةِ وَغَيْرِهِمَا ، كَالْمُعْتَدَّةِ وَالْمُسْتَبْرَأَةِ وَالْأَجْنَبِيَّةِ ، وَلِأَنَّ الَّذِي تَحْبَلُ فِيهِ يَخْتَلِفُ ، وَلَا يَنْحَزِرُ ، فَمُنِعَ مِنْ الْوَطْءُ جُمْلَةً ، كَمَا حُرِّمَ الْخَمْرُ لِلسُّكْرِ ، وَحُرِّمَ مِنْهُ الْيَسِيرُ الَّذِي لَا يُسْكِرُ ، لِكَوْنِ السُّكْرِ يَخْتَلِفُ .\rوَإِنْ وَطِئَ فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهَا مِلْكُهُ ، وَإِنَّمَا حَرُمَتْ عَلَيْهِ لِعَارِضٍ ، كَالْمُحْرِمَةِ وَالصَّائِمَةِ ، وَلَا مَهْرَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ الْمُرْتَهِنَ لَا حَقَّ لَهُ فِي مَنْفَعَتِهَا ، وَوَطْؤُهَا لَا يُنْقِصُ قِيمَتَهَا ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ اسْتَخْدَمَهَا وَإِنْ تَلِفَ جُزْءٌ مِنْهَا أَوْ نَقَصَهَا ، مِثْلَ إنْ افْتَضَّ الْبِكْرَ أَوْ أَفْضَاهَا ، فَعَلَيْهِ قِيمَةُ مَا أَتْلَفَ ، فَإِنْ شَاءَ جَعَلَ رَهْنًا مَعَهَا ، وَإِنْ شَاءَ جَعَلَهُ قَضَاءً مِنْ الْحَقِّ ، إنْ لَمْ يَكُنْ حَلَّ .\rفَإِنْ كَانَ الْحَقُّ قَدْ حَلَّ ، جَعَلَهُ قَضَاءً لَا غَيْرُ ؛ فَإِنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِي جَعْلِهِ رَهْنًا .\rوَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْكَبِيرَةِ وَالصَّغِيرَةِ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ .","part":9,"page":199},{"id":4199,"text":"( 3337 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : وَإِنْ كَانَتْ جَارِيَةً ، فَأَوْلَدَهَا الرَّاهِنُ ، خَرَجَتْ أَيْضًا مِنْ الرَّهْنِ ، وَأَخَذَ مِنْهُ قِيمَتَهَا ، فَتَكُونُ رَهْنًا وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الرَّاهِنَ إذَا وَطِئَ أَمَتَهُ الْمَرْهُونَةَ ، فَأَوْلَدَهَا ، خَرَجَتْ مِنْ الرَّهْنِ ، وَعَلَيْهِ قِيمَتُهَا حِينَ أَحْبَلَهَا ، كَمَا لَوْ جَرَحَ الْعَبْدَ كَانَتْ عَلَيْهِ قِيمَتُهُ حِينَ جَرَحَهُ ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْمُوسِرِ وَالْمُعَسِّرِ ، إلَّا أَنَّ الْمُوسِرَ يُؤْخَذُ مِنْهُ قِيمَتُهَا ، وَالْمُعَسِّرُ يَكُونُ فِي ذِمَّتِهِ قِيمَتُهَا ، عَلَى حَسَبِ مَا ذَكَرْنَا فِي الْعِتْقِ .\rوَهَذَا قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ .\rوَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ هَاهُنَا كَقَوْلِهِ فِي الْعِتْقِ ، إلَّا أَنَّهُ إذَا قَالَ لَهُ : لَا يَنْفُذُ الْإِحْبَالُ .\rفَإِنَّمَا هُوَ فِي حَقِّ الْمُرْتَهِنِ ، فَأَمَّا فِي حَقِّ الرَّاهِنِ ، فَهُوَ ثَابِتٌ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَهَبَهَا لِلْمُرْتَهِنِ .\rوَلَوْ حَلَّ الْحَقُّ وَهِيَ حَامِلٌ ، لَمْ يَجُزْ بَيْعُهَا ؛ لِأَنَّهَا حَامِلٌ بِحُرٍّ ، فَإِذَا وَلَدَتْ ، لَمْ يَجُزْ بَيْعُهَا حَتَّى تَسْقِيَ وَلَدَهَا اللِّبَأَ ، فَإِنْ وَجَدَ مِنْ يُرْضِعُهُ بِيعَتْ ، وَإِلَّا تُرِكَتْ حَتَّى تُرْضِعَهُ ، ثُمَّ يُبَاعُ مِنْهَا بِقَدْرِ الدَّيْنِ خَاصَّةً ، وَيَثْبُتُ لِلْبَاقِي حُكْمُ الِاسْتِيلَادِ ، فَإِذَا مَاتَ الرَّاهِنُ عَتَقَ وَإِنْ رَجَعَ هَذَا الْمَبِيعُ إلَى الرَّاهِنِ بِإِرْثٍ أَوْ بَيْعٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ ، أَوْ بِيعَ جَمِيعُهَا ، ثُمَّ رَجَعَتْ إلَيْهِ ، ثَبَتَ لَهَا حُكْمُ الِاسْتِيلَادِ وَقَالَ مَالِكٌ إنْ كَانَتْ الْأَمَةُ تَخْرُجُ إلَى الرَّاهِنِ وَتَأْتِيه ، خَرَجَتْ مِنْ الرَّهْنِ ، وَإِنْ تَسَوَّرَ عَلَيْهَا ، أَخَذَ وَلَدَهَا ، وَبِيعَتْ .\rوَلَنَا أَنَّ هَذِهِ أُمُّ وَلَدٍ ، فَلَمْ يَثْبُتْ فِيهَا حُكْمُ الرَّهْنِ ، كَمَا لَوْ كَانَ الْوَطْءُ سَابِقًا عَلَى الرَّهْنِ ، أَوْ نَقُولُ : مَعْنَى يُنَافِي الرَّهْنَ فِي ابْتِدَائِهِ ، فَنَافَاهُ فِي دَوَامِهِ ، كَالْحُرِّيَّةِ .","part":9,"page":200},{"id":4200,"text":"( 3338 ) فَصْلٌ : فَإِنْ كَانَ الْوَطْءُ بِإِذْنِ الْمُرْتَهِنِ ، خَرَجَتْ مِنْ الرَّهْنِ ، وَلَا شَيْءَ لِلْمُرْتَهِنِ ، لِأَنَّهُ أَذِنَ فِي سَبَبِ مَا يُنَافِي حَقِّهِ ، فَكَانَ إذْنًا فِيهِ .\rوَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا .\rوَإِنْ لَمْ تَحْبَلْ ، فَهِيَ رَهْنٌ بِحَالِهَا .\rفَإِنْ قِيلَ : إنَّمَا أَذِنَ فِي الْوَطْءِ ، وَلَمْ يَأْذَنْ فِي الْإِحْبَالِ .\rقُلْنَا : الْوَطْءُ هُوَ الْمُفْضِي إلَى الْإِحْبَالِ ، وَلَا يَقِفُ ذَلِكَ عَلَى اخْتِيَارِهِ ، فَالْإِذْنُ فِي سَبَبِهِ إذْنٌ فِيهِ ، فَإِنْ أَذِنَ ثُمَّ رَجَعَ ، فَهُوَ كَمَنْ لَمْ يَأْذَنْ .\rوَإِنْ اخْتَلَفَا فِي الْإِذْنِ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ يُنْكِرُهُ ، وَإِنْ أَقَرَّ الْمُرْتَهِنُ بِالْإِذْنِ ، وَأَنْكَرَ كَوْنَ الْوَلَدِ مِنْ الْوَطْءِ الْمَأْذُونِ فِيهِ ، أَوْ قَالَ : هُوَ مِنْ زَوْجٍ أَوْ زِنًا .\rفَالْقَوْلُ قَوْلُ الرَّاهِنِ ، بِأَرْبَعَةِ شُرُوطٍ ؛ أَحَدُهَا ، أَنْ يَعْتَرِفَ الْمُرْتَهِنُ بِالْإِذْنِ وَالثَّانِي ، أَنْ يَعْتَرِفَ بِالْوَطْءِ .\rوَالثَّالِثِ ، أَنْ يَعْتَرِفَ بِالْوِلَادَةِ .\rوَالرَّابِعِ ، أَنْ يَعْتَرِفَ بِمُضِيِّ مُدَّةٍ بَعْدَ الْوَطْءِ يُمْكِنُ أَنْ تَلِدَ فِيهَا ، فَحِينَئِذٍ لَا يُلْتَفَتُ إلَى إنْكَارِهِ ، وَيَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَ الرَّاهِنِ بِغَيْرِ يَمِينٍ ؛ لِأَنَّنَا لَمْ نُلْحِقْهُ بِهِ بِدَعْوَاهُ ، بَلْ بِالشَّرْعِ .\rفَإِنْ أَنْكَرَ شَرْطًا مِنْ هَذِهِ الشُّرُوطِ ، فَقَالَ : لَمْ آذَنْ .\rأَوْ قَالَ : أَذِنْت فَمَا وَطِئَتْ .\rأَوْ قَالَ : لَمْ تَمْضِ مُدَّةٌ تَضَعُ فِيهَا الْحَمْلَ مُنْذُ وَطِئَتْ .\rأَوْ قَالَ : لَيْسَ هَذَا وَلَدَهَا ، وَإِنَّمَا اسْتَعَارَتْهُ .\rفَالْقَوْلُ قَوْلُهُ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ ذَلِكَ كُلِّهِ ، وَبَقَاءُ الْوَثِيقَةِ صَحِيحَةً حَتَّى تَقُومَ الْبَيِّنَةُ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .","part":9,"page":201},{"id":4201,"text":"( 3339 ) فَصْلٌ : وَلَوْ أَذِنَ فِي ضَرْبِهَا ، فَضَرَبَهَا فَتَلِفَتْ ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ تَوَلَّدَ مِنْ الْمَأْذُونِ فِيهِ ، كَتَوَلُّدِ الْإِحْبَالِ مِنْ الْوَطْءِ .","part":9,"page":202},{"id":4202,"text":"( 3340 ) فَصْلٌ : إذَا أَقَرَّ الرَّاهِنُ بِالْوَطْءِ لَمْ يَخْلُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ ؛ أَحَدُهَا ، أَنْ يُقِرَّ بِهِ حَالَ الْعَقْدِ ، أَوْ قَبْلَ لُزُومِهِ ، فَحُكْمُ هَذَيْنِ وَاحِدٌ ، وَلَا يَمْنَعُ ذَلِكَ صِحَّةَ الْعَقْدِ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْحَمْلِ ، فَإِنْ بَانَتْ حَائِلًا ، أَوْ حَامِلًا بِوَلَدِ لَا يَلْحَقُ بِالرَّاهِنِ ، فَالرَّهْنُ بِحَالِهِ ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ يَلْحَقُ بِهِ ، لَكِنْ لَا تَصِيرُ بِهِ أُمَّ وَلَدٍ ، مِثْلُ إنْ وَطِئَهَا وَهِيَ زَوْجَتُهُ ، ثُمَّ مَلَكَهَا وَرَهَنَهَا .\rوَإِنْ بَانَتْ حَامِلًا بِوَلَدٍ تَصِيرُ بِهِ أُمَّ وَلَدٍ ، بَطَلَ الرَّهْنُ ، وَلَا خِيَارَ لِلْمُرْتَهِنِ ، وَإِنْ كَانَ مَشْرُوطًا فِي بَيْعٍ ؛ لِأَنَّهُ دَخَلَ مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّهَا قَدْ لَا تَكُونُ رَهْنًا ، فَإِذَا خَرَجَتْ مِنْ الرَّهْنِ بِذَلِكَ السَّبَبِ الَّذِي عَلِمَهُ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ خِيَارٌ ، كَالْمَرِيضِ إذَا مَاتَ ، وَالْجَانِي إذَا اُقْتُصَّ مِنْهُ .\rوَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ بَعْضُهُمْ : لَهُ الْخِيَارُ ؛ لِأَنَّ الْوَطْءَ نَفْسَهُ لَا يُثْبِتُ الْخِيَارَ ، فَلَمْ يَكُنْ رِضَاهُ بِهِ رِضَى بِالْحَمْلِ الَّذِي يَحْدُثُ مِنْهُ ، بِخِلَافِ الْجِنَايَةِ وَالْمَرَضِ وَلَنَا ، أَنَّ إذْنَهُ فِي الْوَطْءِ إذْنٌ فِيمَا يَئُولُ إلَيْهِ ، كَذَلِكَ رِضَاهُ بِهِ رِضَى بِمَا يَئُولهُ إلَيْهِ .\rالْحَالُ الثَّالِثُ ، أَقَرَّ بِالْوَطْءِ بَعْدَ لُزُومِ الرَّهْنِ ، فَإِنَّهُ يُقْبَلُ فِي حَقِّهِ ، وَلَا يُقْبَلُ فِي حَقِّ الْمُرْتَهِنِ ؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِمَا يَفْسَخُ عَقْدًا لَازِمًا لِغَيْرِهِ ، فَلَمْ يُقْبَلْ ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِذَلِكَ بَعْدَ بَيْعِهَا .\rوَيَحْتَمِلَ أَنْ يُقْبَلَ ؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ فِي مِلْكِهِ بِمَا لَا تُهْمَةَ فِيهِ ، لِأَنَّهُ يَسْتَضِرُّ بِذَلِكَ أَكْثَرُ مِنْ نَفْعِهِ بِخُرُوجِهَا مِنْ الرَّهْنِ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ؛ لِأَنَّ إقْرَارَ الْإِنْسَانِ عَلَى غَيْرِهِ لَا يُقْبَلُ .\rوَهَكَذَا الْحُكْمُ فِيمَا إذَا أَقَرَّ بِأَنَّهُ غَصَبَهَا ، أَوْ أَنَّهَا كَانَتْ جَنَتْ جِنَايَةً تَعَلَّقَ أَرْشُهَا بِرَقَبَتِهَا .\rوَلِلشَّافِعِيِّ فِي ذَلِكَ قَوْلَانِ ، وَإِنْ أَقَرَّ أَنَّهُ","part":9,"page":203},{"id":4203,"text":"أَعْتَقَهَا ، صَحَّ إقْرَارُهُ ، وَخَرَجَتْ مِنْ الرَّهْنِ .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ : لَا يُقْبَلُ .\rبِنَاءً عَلَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ إعْتَاقُهُ لِلرَّهْنِ وَلَنَا ، أَنَّهُ لَوْ أَعْتَقَهُ لَنَفَذَ عِتْقُهُ ، فَقُبِلَ إقْرَارُهُ بِعِتْقِهِ ، كَغَيْرِ الرَّهْنِ ، وَلِأَنَّ إقْرَارَهُ بِعِتْقِهِ يَجْرِي مَجْرَى عِتْقِهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَالَ : أَنْتَ حُرٌّ .\rوَيَتَخَرَّجُ أَنْ لَا يَنْفُذَ إقْرَارُ الْمُعَسِّرِ ، بِنَاءٍ عَلَى أَنَّهُ لَا يَنْفُذُ إعْتَاقُهُ .\rوَكُلُّ مَوْضِعٍ قُلْنَا : الْقَوْلُ قَوْلُ الرَّاهِنِ .\rفَقَالَ الْقَاضِي : ذَلِكَ مَعَ يَمِينِهِ ؛ لِأَنَّ كَذِبَهُ مُحْتَمَلٌ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَسْتَحْلِفَ ، لِأَنَّهُ لَوْ رَجَعَ عَنْ إقْرَارِهِ ، لَمْ يُقْبَلْ ، فَلَا فَائِدَةَ فِي اسْتِحْلَافِهِ .\rوَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ فِي اسْتِحْلَافِهِ ، عَلَى نَحْوِ الْوَجْهَيْنِ .\rوَالصَّحِيحُ عِنْدِي أَنَّهُ إذَا أَقَرَّ بِالْعِتْقِ لَمْ يَسْتَحْلِفْ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ جَرَى مَجْرَى قَوْلِهِ : أَنْتَ حُرٌّ .\rفَلَمْ يَحْتَجْ إلَى يَمِينٍ ، كَمَا لَوْ صَرَّحَ بِهِ وَإِنْ أَقَرَّ بِالْغَصْبِ وَالْجِنَايَةِ ، فَإِنَّهُ إنْ لَمْ يَدَّعِ ذَلِكَ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ وَالْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ ، لَمْ يُلْتَفَتْ إلَى قَوْلِ الرَّاهِنِ ، وَجْهًا وَاحِدًا ، وَإِنْ ادَّعَيَاهُ ، فَالْيَمِينُ عَلَيْهِمَا ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمَا ، وَرُجُوعُهُمَا عَنْهُ مَقْبُولٌ ، فَكَانَتْ الْيَمِينُ عَلَيْهِمَا ، كَسَائِرِ الدَّعَاوَى .\rوَإِنْ أَقَرَّ بِاسْتِيلَادِ أَمَتِهِ ، فَعَلَيْهِ الْيَمِينُ ؛ لِأَنَّ نَفْعَهَا عَائِدٌ إلَيْهِ مِنْ حِلِّ اسْتِمْتَاعِهَا ، وَمِلْكِ خِدْمَتِهَا ، فَكَانَتْ الْيَمِينُ عَلَيْهِ ، بِخِلَافِ مَا قَبْلَهَا وَإِنْ قُلْنَا : الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُرْتَهِنِ .\rفَعَلَيْهِ الْيَمِينُ بِكُلِّ حَالٍ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ اعْتَرَفَ ثَبَتَ الْحَقُّ فِي الرَّهْنِ ، وَيَمِينُهُ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ ، لِأَنَّهَا عَلَى نَفْيِ فَعَلَ الْغَيْرِ ، فَإِذَا حَلَفَ ، سَقَطَتْ الدَّعْوَى بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ ، وَبَقِيَ حُكْمُهَا فِي حَقِّ الرَّاهِنِ ، بِحَيْثُ لَوْ عَادَ إلَيْهِ الرَّهْنُ ظَهَرَ فِيهِ حُكْمُ","part":9,"page":204},{"id":4204,"text":"إقْرَارِهِ ، وَإِنْ أَرَادَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ ، أَوْ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ ، أَنْ يُغَرِّمَاهُ فِي الْحَالِ ، فَلَهُمَا ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ مَنَعَ مِنْ اسْتِيفَاءِ الْجِنَايَةِ بِتَصَرُّفِهِ ، فَلَزِمَهُ أَرْشُهَا ، كَمَا لَوْ قَتَلَهُ .","part":9,"page":205},{"id":4205,"text":"( 3341 ) فَصْلٌ : وَلَا يَحِلُّ لِلْمُرْتَهِنِ وَطْءُ الْجَارِيَةِ الْمَرْهُونَةِ إجْمَاعًا ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { إلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ } .\rوَلَيْسَتْ هَذِهِ زَوْجَةً وَلَا مِلْكَ يَمِينٍ .\rفَإِنْ وَطِئَهَا ، عَالِمًا بِالتَّحْرِيمِ ، فَعَلَيْهِ الْحَدُّ ؛ لِأَنَّهُ لَا شُبْهَةَ لَهُ فِيهِ ، فَإِنَّ الرَّهْنَ اسْتِيثَاقٌ بِالدَّيْنِ ، وَلَا مَدْخَلَ لِذَلِكَ فِي إبَاحَةِ الْوَطْءِ ، لِأَنَّ وَطْءَ الْمُسْتَأْجَرَةِ يُوجِبُ الْحَدَّ مَعَ مِلْكِهِ لِنَفْعِهَا ، فَالرَّهْنُ أَوْلَى .\rفَإِنْ ادَّعَى الْجَهْلَ بِالتَّحْرِيمِ ، وَاحْتَمَلَ صِدْقَهُ لِكَوْنِهِ مِمَّنْ نَشَأَ بِبَادِيَةِ ، أَوْ حَدِيثَ عَهْدٍ بِالْإِسْلَامِ ، فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ ، وَوَلَدُهُ حُرٌّ ؛ لِأَنَّهُ وَطِئَهَا مُعْتَقِدًا إبَاحَةَ وَطْئِهَا ، فَهُوَ كَمَا لَوْ وَطِئَهَا يَظُنُّهَا أَمَتَهُ ، وَعَلَيْهِ قِيمَةُ وَلَدِهَا يَوْمَ الْوِلَادَةِ ؛ لِأَنَّ اعْتِقَادَهُ الْحِلَّ مَنَعَ انْخِلَاقَ الْوَلَدِ رَقِيقًا ، فَفَوَّتَ رِقَّ الْوَلَدِ عَلَى سَيِّدِهَا ، فَلَزِمَتْهُ قِيمَتُهُ ، كَالْمَغْرُورِ بِحُرِّيَّةِ أَمَةٍ وَإِنْ لَمْ يَحْتَمِلْ صِدْقَهُ ، كَالنَّاشِئِ بِبِلَادِ الْإِسْلَامِ ، مُخْتَلِطًا بِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ، لَمْ تُقْبَلْ دَعْوَاهُ ، لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو مِمَّنْ يَسْمَعُ مِنْهُ مَا يَعْلَمُ بِهِ تَحْرِيمَ ذَلِكَ ، فَيَكُونُ كَمَنْ لَمْ يَدَّعِ الْجَهْلَ ، وَوَلَدُهُ رَقِيقٌ لِلرَّاهِنِ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ زِنَا .\rوَلَا فَرْقَ فِي جَمِيعَ مَا ذَكَرْنَا بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْوَطْءُ بِإِذْنِ الرَّاهِنِ ، أَوْ بِغَيْرِ إذْنِهِ .\rوَهَذَا الْمَنْصُوصُ عَنْ الشَّافِعِيِّ وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا تَجِبَ قِيمَةُ الْوَلَدِ مَعَ الْإِذْنِ فِي الْوَطْءِ .\rوَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ الْإِذْنَ فِي الْوَطْءِ .\rإذْنٌ فِيمَا يَحْدُثُ مِنْهُ ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ أَذِنَ الْمُرْتَهِنُ لِلرَّاهِنِ فِي الْوَطْءِ ، فَحَمَلَتْ مِنْهُ ، سَقَطَ حَقُّهُ مِنْ الرَّهْنِ وَلَوْ أَذِنَ فِي قَطْعِ إصْبَعٍ ، فَسَرَتْ إلَى أُخْرَى ، لَمْ يَضْمَنْهَا .\rوَوَجْهُ الْأَوَّلِ أَنَّ وُجُوبَ الضَّمَانِ يَمْنَعُ انْخِلَاقَ الْوَلَدِ رَقِيقًا ،","part":9,"page":206},{"id":4206,"text":"وَسَبَبُهُ اعْتِقَادُ الْحِلِّ ، وَمَا حَصَلَ ذَلِكَ بِإِذْنِهِ ، بِخِلَافِ الْوَطْءِ ، فَإِنَّ خُرُوجَهَا مِنْ الرَّهْنِ بِالْحَمْلِ الَّذِي الْوَطْءَ الْمَأْذُونِ فِيهِ سَبَبٌ لَهُ .\rوَأَمَّا الْمَهْرُ ، فَإِنْ كَانَ الْوَطْءُ بِإِذْنِ الرَّاهِنِ ، فَلَا مَهْرَ لَهُ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَجِبُ لَهُ ؛ لِأَنَّهُ يَجِبُ لَهَا ابْتِدَاءً ، فَلَا يَسْقُطُ بِإِذْنِ غَيْرِهَا .\rوَعَنْ الشَّافِعِيِّ كَالْمَذْهَبَيْنِ وَلَنَا ، أَنَّهُ أَذِنَ فِي سَبَبِهِ ، وَهُوَ حَقُّهُ ، فَلَمْ يَجِبْ ، كَمَا لَوْ أَذِنَ فِي قَتْلِهَا ، وَلِأَنَّ الْمَالِكَ أَذِنَ فِي اسْتِيفَاءِ الْمَنْفَعَةِ ، فَلَمْ يَجِبْ عِوَضُهَا ، كَالْحُرَّةِ الْمُطَاوِعَةِ .\rوَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ إذْنٍ ، فَالْمَهْرُ وَاجِبٌ ، سَوَاءٌ أَكْرَهَهَا أَوْ طَاوَعَتْهُ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يَجِبُ الْمَهْرُ مَعَ الْمُطَاوَعَةِ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ مَهْرِ الْبَغِيِّ .\rوَلِأَنَّ الْحَدَّ إذَا وَجَبَ عَلَى الْمَوْطُوءَةِ لَمْ يَجِبْ الْمَهْرُ ، كَالْحُرَّةِ وَلَنَا ، أَنَّ الْمَهْرَ يَجِبُ لِلسَّيِّدِ ، فَلَا يَسْقُطُ بِمُطَاوَعَةِ الْأَمَةِ وَإِذْنِهَا ، كَمَا لَوْ أَذِنَتْ فِي قَطْعِ يَدِهَا ، وَلِأَنَّهُ اسْتَوْفَى هَذِهِ الْمَنْفَعَةَ الْمَمْلُوكَةَ لِلسَّيِّدِ بِغَيْرِ إذْنِهِ ، فَكَانَ عَلَيْهِ عِوَضُهَا ، كَمَا لَوْ أَكْرَهَهَا ، وَكَأَرْشِ بَكَارَتِهَا لَوْ كَانَتْ بِكْرًا ، وَالْحَدِيثُ مَخْصُوصٌ بِالْمُكْرَهَةِ عَلَى الْبِغَاءِ ؛ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَمَّاهَا بِذَلِكَ ، مَعَ كَوْنِهَا مُكْرَهَةً عَلَيْهِ ، فَقَالَ : { وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا } وَقَوْلُهُمْ : لَا يَجِبُ الْحَدُّ وَالْمَهْرُ .\rقُلْنَا : لَا يَجِبُ الْمَهْرُ لَهَا ، وَفِي مَسْأَلَتِنَا لَا يَجِبُ لَهَا ، وَإِنَّمَا يَجِبُ لِسَيِّدِهَا ، وَيُفَارِقُ الْحُرَّةَ ، فَإِنَّ الْمَهْرَ لَوْ وَجَبَ لَوَجَبَ لَهَا ، وَقَدْ أَسْقَطَتْ حَقَّهَا بِإِذْنِهَا ، وَهَاهُنَا الْمُسْتَحِقُّ لَمْ يَأْذَنْ ، وَلِأَنَّ الْوُجُوبَ فِي حَقِّ الْحُرَّةِ بِإِكْرَاهِهَا ، وَسُقُوطُهُ بِمُطَاوَعَتِهَا ، فَكَذَلِكَ السَّيِّدُ هَاهُنَا ، لَمَا تَعَلَّقَ السُّقُوطُ","part":9,"page":207},{"id":4207,"text":"بِإِذْنِهِ ، يَنْبَغِي أَنْ يَثْبُتَ عِنْدَ عَدَمِهِ ، وَسَوَاءٌ وَطِئَهَا مُعْتَقِدًا لِلْحِلِّ ، أَوْ غَيْرَ مُعْتَقِدٍ لَهُ ، أَوْ ادَّعَى شُبْهَةً ، أَوْ لَمْ يَدَّعِهَا ؛ لِأَنَّ الْمَهْرَ حَقُّ آدَمِي ، فَلَا يَسْقُطُ بِالشُّبُهَاتِ ، وَلَا تَصِيرُ هَذِهِ الْأَمَةُ أُمَّ وَلَدٍ لِلْمُرْتَهِنِ بِحَالٍ ، سَوَاءٌ مَلَكَهَا بَعْدَ الْوَضْعِ أَوْ قَبْلَهُ ، وَسَوَاءٌ حَكَمْنَا بِرِقِّ الْوَلَدِ أَوْ حُرِّيَّته ؛ لِأَنَّهُ أَحْبَلَهَا فِي غَيْرِ مِلْكِهِ .","part":9,"page":208},{"id":4208,"text":"( 3342 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : وَإِذَا جَنَى الْعَبْدُ الْمَرْهُونُ ، فَالْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ أَحَقُّ بِرَقَبَتِهِ مِنْ مُرْتَهِنِهِ ، حَتَّى يَسْتَوْفِيَ حَقَّهُ ، فَإِنْ اخْتَارَ سَيِّدُهُ أَنْ يَفْدِيَهُ وَفَعَلَ ، فَهُوَ رَهْنٌ بِحَالِهِ وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْعَبْدَ الْمَرْهُونَ إذَا جَنَى عَلَى إنْسَانٍ ، أَوْ عَلَى مَالِهِ ، تَعَلَّقَتْ الْجِنَايَةُ بِرَقَبَتِهِ ، فَكَانَتْ مُقَدَّمَةً عَلَى حَقِّ الْمُرْتَهِنِ .\rلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْجِنَايَةَ مُقَدَّمَةٌ عَلَى حَقِّ الْمَالِكِ ، وَالْمِلْكُ أَقْوَى مِنْ الرَّهْنِ ، فَأَوْلَى أَنْ يُقَدَّمَ عَلَى الرَّهْنِ .\rفَإِنْ قِيلَ : فَحَقُّ الْمُرْتَهِنِ أَيْضًا يُقَدَّمُ عَلَى حَقِّ الْمَالِكِ .\rقُلْنَا : حَقُّ الْمُرْتَهِنِ ثَبَتَ مِنْ جِهَةِ الْمَالِكِ بِعَقْدِهِ ، وَحَقُّ الْجِنَايَةِ ثَبَتَ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ مُقَدَّمًا عَلَى حَقِّهِ ، فَيُقَدَّمُ عَلَى مَا ثَبَتَ بِعَقْدِهِ ، وَلِأَنَّ حَقَّ الْجِنَايَةِ مُخْتَصٌّ بِالْعَيْنِ ، يَسْقُطُ بِفَوَاتِهَا ، وَحَقُّ الْمُرْتَهِنِ لَا يَسْقُطُ بِفَوَاتِ الْعَيْنِ ، وَلَا يَخْتَصُّ بِهَا ، فَكَانَ تَعَلُّقُهُ بِهَا أَخَفَّ وَأَدْنَى ، فَإِنْ كَانَتْ جِنَايَتُهُ مُوجِبَةً لِلْقِصَاصِ ، فَلِوَلِيِّ الْجِنَايَةِ اسْتِيفَاؤُهُ ، فَإِنْ اقْتَصَّ سَقَطَ الرَّهْنُ ، كَمَا لَوْ تَلِفَ ، وَإِنْ عَفَا عَلَى مَالٍ تَعَلَّقَ بِرَقَبَةِ الْعَبْدِ ، وَصَارَ كَالْجِنَايَةِ الْمُوجِبَةِ لِلْمَالِ ، فَيُقَالُ لِلسَّيِّدِ : أَنْتَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ فِدَائِهِ وَبَيْنَ تَسْلِيمِهِ لِلْبَيْعِ فَإِنْ اخْتَارَ فِدَاءَهُ ، فَبِكَمْ يَفْدِيه ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ ؛ إحْدَاهُمَا ، بِأَقَلِّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ قِيمَتِهِ أَوْ أَرْشِ جِنَايَتِهِ ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ الْأَرْشُ أَقَلِّ ، فَالْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ لَا يَسْتَحِقُّ أَكْثَرَ مِنْ أَرْشِ جِنَايَتِهِ ، وَإِنْ كَانَتْ الْقِيمَةُ أَقَلَّ ، فَلَا يَلْزَمُهُ أَكْثَرُ مِنْهَا ، لِأَنَّ مَا يَدْفَعُهُ عِوَضٌ عَنْ الْعَبْدِ ، فَلَا يَلْزَمُ أَكْثَرُ مِنْ قِيمَتِهِ ، كَمَا لَوْ أَتْلَفَهُ وَالثَّانِيَةُ ، يَفْدِيه بِأَرْشِ جِنَايَتِهِ بَالِغًا مَا بَلَغَ ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا يَرْغَبُ فِيهِ رَاغِبٌ ، فَيَشْتَرِيه","part":9,"page":209},{"id":4209,"text":"بِأَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ ، فَإِذَا فَدَاهُ فَهُوَ رَهْنٌ بِحَالِهِ ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْمُرْتَهِنِ قَائِمٌ لِوُجُودِ سَبَبِهِ ، وَإِنَّمَا قُدِّمَ حَقُّ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ لِقُوَّتِهِ ، فَإِذَا زَالَ ظَهَرَ حُكْمُ الرَّهْنِ ، كَحَقِّ مِنْ لَا رَهْنَ لَهُ مَعَ حَقِّ الْمُرْتَهِنِ فِي تَرِكَةِ مُفْلِسٍ ، إذَا أَسْقَطَ الْمُرْتَهِنُ حَقَّهُ ظَهَرَ حُكْمُ الْآخَرِ ، فَإِنْ امْتَنَعَ قِيلَ لِلْمُرْتَهِنِ : أَنْتَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ فِدَائِهِ وَبَيْنَ تَسْلِيمِهِ فَإِنْ اخْتَارَ فِدَاءَهُ ، فَبِكَمْ يَفْدِيه ؟ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ .\rفَإِنْ فَدَاهُ بِإِذْنِ الرَّاهِنِ ، رَجَعَ بِهِ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ أَدَّى الْحَقَّ عَنْهُ بِإِذْنِهِ ، فَرَجَعَ بِهِ ، كَمَا لَوْ قَضَى دَيْنَهُ بِإِذْنِهِ ، وَإِنْ فَدَاهُ مُتَبَرِّعًا ، لَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءِ .\rوَإِنْ نَوَى الرُّجُوعَ ، فَهَلْ يَرْجِعُ بِذَلِكَ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ ، بِنَاءً عَلَى مَا لَوْ قَضَى دَيْنَهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ .\rوَإِنْ زَادَ فِي الْفِدَاءِ عَلَى الْوَاجِبِ ، لَمْ يَرْجِعْ بِهِ ، وَجْهًا وَاحِدًا .\rوَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ كَمَا ذَكَرْنَا فِي هَذَا الْفَصْلِ ، إلَّا أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ بِمَا فَدَاهُ بِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ ، قَوْلًا وَاحِدًا وَإِنْ شَرَطَ لَهُ الرَّاهِنُ الرُّجُوعَ ، رَجَعَ ، قَوْلًا وَاحِدًا .\rوَإِنْ قَضَاهُ بِإِذْنِهِ مِنْ غَيْرِ شَرْطِ الرُّجُوعِ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ، وَهَذَا أَصْلٌ يُذْكَرُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ .\rفَإِنْ فَدَاهُ ، وَشَرَطَ أَنْ يَكُنْ رَهْنًا بِالْفِدَاءِ مَعَ الدَّيْنِ الْأَوَّلِ ، فَقَالَ الْقَاضِي : يَجُوزُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الْمَجْنِيَّ عَلَيْهِ يَمْلِكُ بَيْعَ الْعَبْدِ ، وَإِبْطَالَ الرَّهْنِ ، فَصَارَ بِمَنْزِلَةِ الرَّهْنِ الْجَائِزِ قَبْلَ قَبْضِهِ ، وَالزِّيَادَةُ فِي دَيْنِ الرَّهْنِ قَبْلَ لُزُومِهِ جَائِزَةٌ ، وَلِأَنَّ أَرْشَ الْجِنَايَةِ مُتَعَلِّقٌ بِهِ ، وَإِنَّمَا يَنْتَقِلُ مِنْ الْجِنَايَةِ إلَى الرَّهْنِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَصِحَّ ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ رُهِنَ بِدَيْنٍ ، فَلَا يَجُوزُ رَهْنُهُ ثَانِيًا بِدَيْنٍ سِوَاهُ ، كَمَا لَوْ رَهَنَهُ بِدَيْنٍ سِوَى هَذَا وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إلَى أَنَّ ضَمَانَ جِنَايَةِ الرَّهْنِ عَلَى الْمُرْتَهِنِ ،","part":9,"page":210},{"id":4210,"text":"فَإِنْ فَدَاهُ لَمْ يَرْجِعْ بِالْفِدَاءِ ، وَإِنْ فَدَاهُ الرَّاهِنُ أَوْ بِيعَ فِي الْجِنَايَةِ سَقَطَ دَيْنُ الرَّهْنِ ، إنْ كَانَ بِقَدْرِ الْفِدَاءِ .\rوَبِنَاءً عَلَى أَصْلِهِ فِي أَنَّ الرَّهْنَ مِنْ ضَمَانِ الْمُرْتَهِنِ .\rوَهَذَا يَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ ، إنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى .\rوَإِذَا لَمْ يَفْدِ الْجَانِي .\rفَبِيعَ فِي الْجِنَايَةِ الَّتِي تَسْتَغْرِقُ قِيمَتَهُ ، بَطَلَ الرَّهْنُ ، وَإِنْ لَمْ تَسْتَغْرِقْهَا ، بِيعَ مِنْهُ بِقَدْرِ أَرْشِ الْجِنَايَةِ ، وَبَاقِيه رَهْنٌ ، إلَّا أَنْ يَتَعَذَّرَ بَيْعُ بَعْضِهِ ، فَيُبَاعَ الْكُلُّ ، وَيُجْعَلَ بَقِيَّةُ الثَّمَنِ رَهْنًا وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : هَلْ يُبَاعُ مِنْهُ بِقَدْرِ الْجِنَايَةِ ، أَمْ يُبَاعُ جَمِيعُهُ ، وَيَكُونُ الْفَاضِلُ مِنْ ثَمَنِهِ عَنْ أَرْشِ جِنَايَتِهِ رَهْنًا ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ .","part":9,"page":211},{"id":4211,"text":"( 3343 ) فَصْلٌ : وَإِنْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ عَلَى سَيِّدِ الْعَبْدِ ، فَلَا يَخْلُو مِنْ حَالَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، أَنْ تَكُونَ الْجِنَايَةُ غَيْرَ مُوجِبَةٍ لِلْقَوَدِ ، كَجِنَايَةِ الْخَطَأِ ، أَوْ شِبْهِ الْعَمْدِ ، أَوْ إتْلَافِ مَالٍ ، فَيَكُونُ هَدْرًا ، لِأَنَّ الْعَبْدَ مَالٌ لِسَيِّدِهِ فَلَا يَثْبُتُ لَهُ مَالٌ فِي مَالِهِ .\rالثَّانِي ، أَنْ تَكُونَ مُوجِبَةً لِلْقَوَدِ ، فَلَا يَخْلُو مِنْ أَنْ تَكُونَ عَلَى النَّفْسِ أَوْ عَلَى مَا دُونَهَا ، فَإِنْ كَانَتْ عَلَى مَا دُونَ النَّفْسِ ، فَالْحَقُّ لِلسَّيِّدِ ، فَإِنْ عَفَا عَلَى مَالٍ سَقَطَ الْقِصَاصُ ، وَلَمْ يَجِبْ الْمَالُ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا .\rوَكَذَلِكَ إنْ عَفَا عَلَى غَيْرِ مَالٍ .\rوَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يَقْتَصَّ فَلَهُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ السَّيِّدَ لَا يَمْلِكُ الْجِنَايَةَ عَلَى عَبْدِهِ ، فَيَثْبُتُ لَهُ ذَلِكَ بِجِنَايَتِهِ عَلَيْهِ ، وَلِأَنَّ الْقِصَاصَ يَجِبُ لِلزَّجْرِ ، وَالْحَاجَةُ تَدْعُو إلَى زَجْرِهِ عَنْ سَيِّدِهِ .\rفَإِنْ اقْتَصَّ ، فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ ، تَكُونُ رَهْنًا مَكَانَهُ ، وَقَضَاءً عَنْ الدَّيْنِ ؛ لِأَنَّهُ يُخْرِجُهُ عَنْ كَوْنِهِ رَهْنًا بِاخْتِيَارِهِ ، فَكَانَ عَلَيْهِ بَدَلُهُ ، كَمَا لَوْ أَعْتَقَهُ وَإِنْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ عَلَى النَّفْسِ ، فَلِلْوَرَثَةِ اسْتِيفَاءُ الْقِصَاصِ ، وَلَيْسَ لَهُمْ الْعَفْوُ عَلَى مَالٍ .\rوَذَكَرَ الْقَاضِي وَجْهًا آخَرَ ، أَنَّ لَهُمْ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الْجِنَايَةَ حَصَلَتْ فِي مِلْكِ غَيْرِهِمْ ، فَكَانَ لَهُمْ الْعَفْوُ عَلَى مَالٍ ، كَمَا لَوْ جَنَى عَلَى أَجْنَبِيٍّ .\rوَلِلشَّافِعِي قَوْلَانِ ، كَالْمَذْهَبَيْنِ .\rفَإِنْ عَفَا بَعْضُ الْوَرَثَةِ ، سَقَطَ الْقِصَاصُ ، وَهَلْ يَثْبُتُ لِغَيْرِ الْعَافِي نَصِيبُهُ مِنْ الدِّيَةِ ؟ عَلَى الْوَجْهَيْنِ .\rوَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فِي هَذَا الْفَصْلِ كُلِّهِ عَلَى نَحْوِ مَا ذَكَرْنَاهُ .","part":9,"page":212},{"id":4212,"text":"( 3344 ) فَصْلٌ : وَإِنْ جَنَى الْعَبْدُ الْمَرْهُونُ عَلَى عَبْدٍ لِسَيِّدِهِ ، لَمْ يَخْلُ مِنْ حَالَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، أَنْ لَا يَكُونَ مَرْهُونًا ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْجِنَايَةِ عَلَى طَرَفِ سَيِّدِهِ ، لَهُ الْقِصَاصُ إنْ كَانَتْ جِنَايَتُهُ مُوجِبَةً لَهُ ، وَإِنْ عَفَا عَلَى مَالٍ أَوْ غَيْرِهِ ، أَوْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ لَا تُوجِبُ الْقِصَاصَ ، ذَهَبَتْ هَدْرًا ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ قِنًّا أَوْ مُدَبَّرًا أَوْ أُمَّ وَلَدٍ .\rالْحَالُ الثَّانِي ، أَنْ يَكُونَ رَهْنًا ، فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ رَهْنًا عِنْدَ مُرْتَهِنِ الْقَاتِلِ ، أَوْ عِنْدَ غَيْرِهِ ، فَإِنْ كَانَ عِنْدَ مُرْتَهِنِ الْقَاتِلِ وَالْجِنَايَةُ مُوجِبَةٌ لِلْقِصَاصِ ، فَلِسَيِّدِهِ الْقِصَاصُ .\rفَإِنْ اقْتَصَّ ، بَطَلَ الرَّهْنُ فِي الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ ، وَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ لِلْمُقْتَصِّ مِنْهُ ، فَإِنْ عَفَا عَلَى مَالٍ ، أَوْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ مُوجِبَةً لِلْمَالِ ، وَكَانَا رَهْنًا بِحَقٍّ وَاحِدٍ فَجِنَايَتُهُ ، هَدْرٌ ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ يَتَعَلَّقُ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ، فَإِذَا قُتِلَ أَحَدُهُمَا ، بَقِيَ الْحَقُّ مُتَعَلِّقًا بِالْآخَرِ ، وَإِنْ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَرْهُونًا بِحَقِّ مُفْرَدٍ ، فَفِيهِ أَرْبَعُ مَسَائِلَ ؛ ( 3345 ) الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى ، أَنْ يَكُونَ الْحَقَّانِ سَوَاءً ، وَقِيمَتُهُمَا سَوَاءً ، فَتَكُونَ الْجِنَايَةُ هَدْرًا ، سَوَاءٌ كَانَ الْحَقَّانِ مِنْ جِنْسَيْنِ ، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا بِمِائَةِ دِينَارٍ وَالْآخَرُ أَلْفَ دِرْهَمٍ قِيمَتُهَا مِائَةُ دِينَارٍ ، أَوْ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ ؛ لِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِي اعْتِبَارِ الْجِنَايَةِ .\r( 3346 ) الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ ، أَنْ يَخْتَلِفَ الْحَقَّانِ وَتَتَّفِقَ الْقِيمَتَانِ ، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ دَيْنُ أَحَدِهِمَا مِائَةً وَدَيْنُ الْآخَرِ مِائَتَيْنِ ، وَقِيمَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةٌ ، فَإِنْ كَانَ دَيْنُ الْقَاتِلِ أَكْثَرَ ، لَمْ يُنْقَلْ إلَى دَيْنِ الْمَقْتُولِ ، لِعَدَمِ الْغَرَضِ فِيهِ ، وَإِنْ كَانَ دَيْنُ الْمَقْتُولِ أَكْثَرَ ، نُقِلَ إلَى الْقَاتِلِ ، لِأَنَّ لِلْمُرْتَهِنِ ، غَرَضًا فِي ذَلِكَ .\rوَهَلْ يُبَاعُ الْقَاتِلُ","part":9,"page":213},{"id":4213,"text":"، وَتُجْعَلُ قِيمَتُهُ رَهْنًا مَكَانَ الْمَقْتُولِ ، أَوْ يُنْقَلُ بِحَالِهِ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، لَا يُبَاعُ ؛ لِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِيهِ وَالثَّانِي ، يُبَاعُ ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا زَادَ فِيهِ مُزَايِدٌ ، فَبَلَّغَهُ أَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِهِ ، فَإِنْ عُرِضَ لِلْبَيْعِ فَلَمْ يُزَدْ فِيهِ ، لَمْ يُبَعْ ، لِعَدَمِ ذَلِكَ ( 3347 ) الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ ؛ أَنْ يَتَّفِقَ الدَّيْنَانِ وَتَخْتَلِفَ الْقِيمَتَانِ ، بِأَنْ يَكُونَ دَيْنُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةً ، وَقِيمَةُ أَحَدِهِمَا مِائَةً ، وَالْآخَرُ مِائَتَيْنِ ، فَإِنْ كَانَتْ قِيمَةُ الْمَقْتُولِ أَكْثَرَ ، فَلَا غَرَضَ فِي النَّقْلِ ، فَيَبْقَى بِحَالِهِ ، وَإِنْ كَانَتْ قِيمَةُ الْجَانِي أَكْثَرَ ، بَيْعَ مِنْهُ بِقَدْرِ جِنَايَتِهِ ، يَكُونُ رَهْنًا بِدَيْنِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ ، وَالْبَاقِي رَهْنٌ بِدَيْنِهِ ، وَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى تَبْقِيَتِهِ وَنَقْلِ الدَّيْنِ إلَيْهِ ، صَارَ مَرْهُونًا بِهِمَا ، فَإِنْ حَلَّ أَحَدُ الدَّيْنَيْنِ ، بِيعَ بِكُلِّ حَالٍ ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ دَيْنُهُ الْمُعَجَّلَ بِيعَ لِيُسْتَوْفَى مِنْ ثَمَنِهِ ، وَمَا بَقِيَ مِنْهُ رَهْنٌ بِالدَّيْنِ الْآخَرِ ، فَإِنْ كَانَ الْمُعَجَّلَ الْآخَرُ بِيعَ لِيُسْتَوْفَى بِقَدْرِهِ ، وَالْبَاقِي رَهْنٌ بِدَيْنِهِ ( 3348 ) الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ ، أَنْ يَخْتَلِفَ الدَّيْنَانِ وَالْقِيمَتَانِ ، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الدَّيْنَيْنِ خَمْسِينَ وَالْآخَرُ ثَمَانِينَ ، وَقِيمَةُ أَحَدِهِمَا مِائَةً وَالْآخَرُ مِائَتَيْنِ ، فَإِنْ كَانَ دَيْنُ الْمَقْتُولِ أَكْثَرَ ، نُقِلَ إلَيْهِ ، وَإِلَّا فَلَا .\rوَأَمَّا إنْ كَانَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ رَهْنًا عِنْدَ غَيْرِ مُرْتَهَنِ الْقَاتِلِ ، فَلِلسَّيِّدِ الْقِصَاصُ ؛ لِأَنَّهُ مُقَدَّمٌ عَلَى حَقِّ الْمُرْتَهِنِ ، بِدَلِيلِ أَنَّ الْجِنَايَةَ الْمُوجِبَةَ لِلْمَالِ مُقَدَّمَةٌ عَلَيْهِ ، فَالْقِصَاصُ أَوْلَى ، فَإِنْ اقْتَصَّ ، بَطَلَ الرَّهْنُ فِي الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ الْجِنَايَةَ عَلَيْهِ لَمْ تُوجِبْ مَالًا يُجْعَلُ رَهْنًا مَكَانَهُ ، وَعَلَيْهِ قِيمَةُ الْمُقْتَصِّ مِنْهُ ، وَتَكُونُ رَهْنًا ، لِأَنَّهُ أَبْطَلَ حَقَّ الْوَثِيقَةِ فِيهِ بِاخْتِيَارِهِ ،","part":9,"page":214},{"id":4214,"text":"وَلِلسَّيِّدِ الْعَفْوُ عَلَى مَالٍ ، فَتَصِيرُ الْجِنَايَةُ كَالْجِنَايَةِ الْمُوجِبَةِ لِلْمَالِ ، فَيَثْبُتُ الْمَالُ فِي رَقَبَةِ الْعَبْدِ ؛ لِأَنَّ السَّيِّدَ لَوْ جَنَى عَلَى الْعَبْدِ ، لَوَجَبَ أَرْشُ جِنَايَتِهِ لِحَقِّ الْمُرْتَهِنِ ، فَلَأَنْ يَثْبُتَ عَلَى عَبْدِهِ أَوْلَى فَإِنْ كَانَ الْأَرْشُ لَا يَسْتَغْرِقُ قِيمَتَهُ ، بِعْنَا مِنْهُ بِقَدْرِ أَرْشِ الْجِنَايَةِ ، يَكُونُ رَهْنًا عِنْدَ مُرْتَهِنِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ ، وَبَاقِيه بَاقٍ عِنْدَ مُرْتَهِنِهِ ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ بَيْعُ بَعْضِهِ ، بِيعَ جَمِيعُهُ ، وَقُسِّمَ ثَمَنُهُ بَيْنَهُمَا عَلَى حَسَبِ ذَلِكَ ، يَكُونُ رَهْنًا .\rوَإِنْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ تَسْتَغْرِقُ قِيمَتَهُ ، نُقِلَ الْجَانِي ، فَجُعِلَ رَهْنًا عِنْدَ الْآخَرِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يُبَاعَ ، لِاحْتِمَالِ أَنْ يَرْغَبَ فِيهِ رَاغِبٌ أَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِهِ ، فَيَفْضُلُ مِنْ قِيمَتِهِ شَيْءٌ يَكُنْ رَهْنًا عِنْدَ مُرْتَهِنِهِ .\rوَهَذَا كُلُّهُ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ .","part":9,"page":215},{"id":4215,"text":"( 3349 ) فَصْلٌ : فَإِنْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ عَلَى مَوْرُوثِ سَيِّدِهِ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ ، كَأَطْرَافِهِ أَوْ مَالِهِ ، فَهِيَ كَالْجِنَايَةِ عَلَى أَجْنَبِيٍّ ، وَلَهُ الْقِصَاصُ إنْ كَانَتْ مُوجِبَةً لَهُ ، وَالْعَفْوُ عَلَى مَالٍ غَيْرِهِ ، وَإِنْ كَانَتْ مُوجِبَةً لِلْمَالِ ابْتِدَاءً ، ثَبَتَ ، فَإِنْ انْتَقَلَ ذَلِكَ إلَى السَّيِّدِ بِمَوْتِ الْمُسْتَحِقِّ ، فَلَهُ مَا لِمُوَرِّثِهِ مِنْ الْقِصَاصِ وَالْعَفْوِ عَلَى مَالٍ ، لِأَنَّ الِاسْتِدَامَةَ أَقْوَى مِنْ الِابْتِدَاءِ ، فَجَازَ أَنْ يَثْبُتَ بِهَا مَا لَا يَثْبُتُ فِي الِابْتِدَاءِ ، وَإِنْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ عَلَى نَفْسِهِ بِالْقَتْلِ ، ثَبَتَ الْحُكْمُ لِسَيِّدِهِ ، وَلَهُ أَنْ يَقْتَصَّ فِيمَا يُوجِبُ الْقِصَاصَ .\rوَإِنْ عَفَا عَلَى مَالٍ ، أَوْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ مُوجِبَةً لِلْمَالِ ابْتِدَاءً ، فَهَلْ يَثْبُتُ لِلسَّيِّدِ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، يَثْبُتُ .\rوَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ الْجِنَايَةَ عَلَى غَيْرِهِ ، فَأَشْبَهَتْ الْجِنَايَةَ عَلَى مَا دُونَ النَّفْسِ .\rوَالثَّانِي ، لَا يَثْبُتُ لَهُ مَالُهُ فِي عَبْدِهِ ، وَلَا لَهُ الْعَفْوُ عَلَيْهِ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ ثَبَتَ لِلسَّيِّدِ ابْتِدَاءً ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ ، كَمَا لَوْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ عَلَيْهِ .\rوَأَصْلُ الْوَجْهَيْنِ ، وُجُوبُ الْحَقِّ فِي ابْتِدَائِهِ هَلْ يَثْبُتُ لِلْقَتِيلِ ثُمَّ يَنْتَقِلُ إلَى وَارِثِهِ ، أَوْ يَثْبُتُ لِلْوَارِثِ ابْتِدَاءً ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ وَكُلُّ مَوْضِعٍ يَثْبُتُ لَهُ الْمَالُ فِي رَقَبَةِ عَبْدِهِ ، فَإِنَّهُ يُقَدَّمُ عَلَى الرَّهْنِ ؛ لِأَنَّهُ يَثْبُتُ لِلْمَوْرُوثِ كَذَلِكَ ، فَيَنْتَقِلُ إلَى وَارِثِهِ كَذَلِكَ ، وَإِنْ اقْتَصَّ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ لَمْ يَلْزَمْهُ بَدَلُ الرَّهْنِ ؛ لِأَنَّهُ إذَا قُدِّمَ الْمَالُ عَلَى حَقِّ الْمُرْتَهِنِ ، فَالْقِصَاصُ أَوْلَى ، وَلِأَنَّ الْقِصَاصَ يَثْبُتُ لِلْمَوْرُوثِ مُقَدَّمًا عَلَى حَقِّ الْمُرْتَهِنِ ، فَكَذَلِكَ فِي حَقِّ وَارِثِهِ .","part":9,"page":216},{"id":4216,"text":"( 3350 ) فَصْلٌ : وَإِنْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ عَلَى مُكَاتَبِ السَّيِّدِ ، فَهِيَ كَالْجِنَايَةِ عَلَى وَلَدِهِ ، وَتَعْجِيزُهُ كَمَوْتِ وَلَدِهِ ، فِيمَا ذَكَرْنَا .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":9,"page":217},{"id":4217,"text":"( 3351 ) فَصْلٌ : فَإِنْ جَنَى الْعَبْدُ الْمَرْهُونُ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ ، وَكَانَ مِمَّنْ يَعْلَمُ تَحْرِيمَ الْجِنَايَةِ ، وَأَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ قَبُولُ ذَلِكَ مِنْ سَيِّدِهِ ، فَهِيَ كَالْجِنَايَةِ بِغَيْرِ إذْنِهِ ، وَإِنْ كَانَ أَعْجَمِيًّا ، أَوْ صَبِيًّا لَا يَعْلَمُ ذَلِكَ ، فَالسَّيِّدُ هُوَ الْقَاتِلُ ، وَالْقِصَاصُ وَالدِّيَةُ مُتَعَلِّقَانِ بِهِ ، لَا يُبَاعُ الْعَبْدُ فِيهَا ، مُوسِرًا كَانَ السَّيِّدُ أَوْ مُعَسِّرًا كَمَا لَوْ بَاشَرَ السَّيِّدُ الْقَتْلَ .\rوَذَكَرَ الْقَاضِي وَجْهًا آخَرَ ، أَنَّ الْعَبْدَ يُبَاعُ إذَا كَانَ السَّيِّدُ مُعَسِّرًا ؛ لِأَنَّهُ بَاشَرَ الْجِنَايَةَ .\rوَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ آلَةٌ ، فَلَوْ تَعَلَّقَتْ الْجِنَايَةُ بِهِ بِيعَ فِيهَا وَإِنْ كَانَ السَّيِّدُ مُوسِرًا ، وَحُكْمُ إقْرَارِ الْعَبْدِ بِالْجِنَايَةِ ، حُكْمُ إقْرَارِ الْعَبْدِ غَيْرِ الْمَرْهُونِ ، عَلَى مَا مَضَى بَيَانُهُ فِي مَوْضِعِهِ .","part":9,"page":218},{"id":4218,"text":"( 3352 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : وَإِنْ جُرِحَ الْعَبْدُ الْمَرْهُونُ ، أَوْ قُتِلَ ، فَالْخَصْمُ فِي ذَلِكَ سَيِّدُهُ ، وَمَا قَبَضَ بِسَبَبِ ذَلِكَ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ رَهْنٌ وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ إذَا جُنِيَ عَلَى الرَّهْنِ ، فَالْخَصْمُ فِي ذَلِكَ سَيِّدُهُ ؛ لِأَنَّهُ مَالِكُهُ ، وَالْأَرْشُ الْوَاجِبُ بِالْجِنَايَةِ مِلْكُهُ ، وَإِنَّمَا لِلْمُرْتَهِنِ فِيهِ حَقُّ الْوَثِيقَةِ ، فَصَارَ كَالْعَبْدِ الْمُسْتَأْجَرِ وَالْمُودَعِ ، وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ .\rفَإِنْ تَرَكَ الْمُطَالَبَةَ ، أَوْ أَخَّرَهَا ، أَوْ كَانَ غَائِبًا ، أَوْ لَهُ عُذْرٌ يَمْنَعُهُ مِنْهَا ، فَلِلْمُرْتَهِنِ الْمُطَالَبَةُ بِهَا ؛ لِأَنَّ حَقَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِمُوجِبِهَا ، فَكَانَ لَهُ الطَّلَبُ بِهِ ، كَمَا لَوْ كَانَ الْجَانِي سَيِّدُهُ .\rثُمَّ إنْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ مُوجِبَةً لِلْقِصَاصِ ، فَلِلسَّيِّدِ الْقِصَاصُ ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ لَهُ ، وَإِنَّمَا يَثْبُتُ لِيُسْتَوْفَى ، فَإِنْ اقْتَصَّ ، أُخِذَتْ مِنْهُ قِيمَةُ أَقَلِّهِمَا قِيمَةً ، فَجُعِلَتْ مَكَانَهُ رَهْنًا .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ وَهَذَا قَوْلُ إِسْحَاقَ وَيَتَخَرَّجُ أَنْ لَا يَجِبَ عَلَيْهِ شَيْءٌ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَجِبْ بِالْجِنَايَةِ مَالٌ ، وَلَا اُسْتُحِقَّ بِحَالِ ، وَلَيْسَ عَلَى الرَّاهِنِ أَنْ يَسْعَى لِلْمُرْتَهِنِ فِي اكْتِسَابِ مَالٍ وَلَنَا ، أَنَّهُ أَتْلَفَ مَالًا اُسْتُحِقَّ بِسَبَبِ إتْلَافِ الرَّهْنِ ، فَغَرِمَ قِيمَتَهُ ، كَمَا لَوْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ مُوجِبَةً لِلْمَالِ ، وَهَكَذَا الْحُكْمُ فِيمَا إذَا ثَبَتَ الْقِصَاصُ لِلسَّيِّدِ فِي عَبْدِهِ الْمَرْهُونِ ، وَإِنَّمَا أَوْجَبْنَا أَقَلِّ الْقِيمَتَيْنِ ، لِأَنَّ حَقَّ الْمُرْتَهِنِ إنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَالِيَّةِ ، وَالْوَاجِبُ مِنْ الْمَالِ هُوَ أَقَلُّ الْقِيمَتَيْنِ ، لِأَنَّ الرَّهْنَ إنْ كَانَ أَقَلَّ لَمْ يَجِبْ أَكْثَرُ مِنْ قِيمَتِهِ ، وَإِنْ كَانَ الْجَانِي أَقَلَّ لَمْ يَجِبْ أَكْثَرُ مِنْ قِيمَتِهِ ، وَإِنْ عَفَا عَلَى مَالٍ صَحَّ عَفْوُهُ ، وَوَجَبَ أَقَلُّ الْقِيمَتَيْنِ ، لِمَا ذَكَرْنَا هَذَا إذَا كَانَ الْقِصَاصُ قَتْلًا ، وَإِنْ كَانَ جُرْحًا أَوْ قَلْعَ","part":9,"page":219},{"id":4219,"text":"سِنٍّ وَنَحْوَهُ ، فَالْوَاجِبُ بِالْعَفْوِ أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ ؛ مِنْ أَرْشِ الْجُرْحِ ، أَوْ قِيمَةِ الْجَانِي .\rوَإِنْ عَفَا مُطْلَقًا ، أَوْ عَلَى غَيْرِ مَالٍ ، انْبَنِي ذَلِكَ عَلَى مُوجِبِ الْعَمْدِ مَا هُوَ ؟ فَإِنْ قُلْنَا : مُوجِبُهُ أَحَدُ شَيْئَيْنِ .\rثَبَتَ الْمَالُ وَإِنْ قُلْنَا : مُوجِبُهُ الْقِصَاصُ عَيْنًا ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ مَا لَوْ اقْتَصَّ ؛ إنْ قُلْنَا ثَمَّ : يَجِبُ قِيمَتُهُ عَلَى الرَّاهِنِ .\rوَجَبَ هَاهُنَا .\rوَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي الْخَطَّابِ ؛ لِأَنَّهُ فَوَّتَ بَدَلَ الرَّهْنِ بِفِعْلِهِ ، أَشْبَهَ مَا لَوْ اقْتَصَّ .\rوَإِنْ قُلْنَا : لَا يَجِبُ عَلَى الرَّاهِنِ شَيْءٌ ثَمَّ .\rلَمْ يَجِبْ هَاهُنَا شَيْءٌ .\rوَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي ، وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ لِأَنَّهُ اكْتِسَابُ مَالٍ ، فَلَا يُجْبَرُ عَلَيْهِ وَأَمَّا إنْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ مُوجِبَةً لِلْمَالِ ، أَوْ ثَبَتَ الْمَالُ بِالْعَفْوِ عَنْ الْجِنَايَةِ الْمُوجِبَةِ لِلْقِصَاصِ ، فَإِنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّ الرَّاهِنِ وَالْمُرْتَهِنِ ، وَيَكُونُ مِنْ غَالِبِ نَقْدِ الْبَلَدِ ، كَقِيَمِ الْمُتْلَفَاتِ ، فَلَوْ أَرَادَ الرَّاهِنُ أَنْ يُصَالِحَ عَنْهَا ، أَوْ يَأْخُذَ حَيَوَانًا عَنْهَا ، لَمْ يَجُزْ إلَّا بِإِذْنِ الْمُرْتَهِنِ ، فَإِنْ أَذِنَ فِيهِ جَازَ ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمَا لَا يَخْرُجُ عَنْهُمَا ، وَمَا قَبَضَ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ رَهْنٌ ، بَدَلًا عَنْ الْأَوَّلِ ، نَائِبًا عَنْهُ ، وَقَائِمًا مَقَامَهُ ، فَإِنْ عَفَا الرَّاهِنُ عَنْ الْمَالِ ، فَقَالَ الْقَاضِي : يَسْقُطُ حَقُّ الرَّاهِنِ دُونَ حَقِّ الْمُرْتَهِنِ ، فَتُؤْخَذُ الْقِيمَةُ تَكُنْ رَهْنًا ، فَإِذَا زَالَ الرَّهْنُ رَجَعَ الْأَرْشُ إلَى الْجَانِي ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ أَنَّ الرَّهْنَ مَغْصُوبٌ أَوْ جَانٍ وَإِنْ اسْتَوْفَى الدَّيْنَ مِنْ الْأَرْشِ ، احْتَمَلَ أَنْ يَرْجِعَ الْجَانِي عَلَى الْعَافِي ؛ لِأَنَّ مَالَهُ ذَهَبَ فِي قَضَاءِ دَيْنِهِ ، فَلَزِمَتْهُ غَرَامَتُهُ ، كَمَا لَوْ غَصَبَهُ أَوْ اسْتَعَارَهُ فَرَهَنَهُ ، وَاحْتَمَلَ أَنْ لَا يَرْجِعَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ فِي حَقِّ الْجَانِي مَا يَقْتَضِي وُجُوبَ الضَّمَانِ ، وَإِنَّمَا اُسْتُوْفِيَ بِسَبَبِ كَانَ مِنْهُ حَالَ","part":9,"page":220},{"id":4220,"text":"مِلْكِهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ جَنَى إنْسَانٌ عَلَى عَبْدِهِ .\rثُمَّ وَهَبَهُ لِغَيْرِهِ ، فَتَلِفَ بِالْجِنَايَةِ السَّابِقَةِ وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : يَصِحُّ الْعَفْوُ مُطْلَقًا ، وَيُؤْخَذُ مِنْ الرَّاهِنِ قِيمَتُهُ تَكُونُ رَهْنًا ؛ لِأَنَّهُ أَسْقَطَ دَيْنَهُ عَنْ غَرِيمِهِ ، فَصَحَّ ، كَسَائِرِ دُيُونِهِ .\rقَالَ : وَلَا يُمْكِنُ كَوْنُهُ رَهْنًا مَعَ عَدَمِ حَقِّ الرَّاهِنِ فِيهِ ، فَلَزِمَتْهُ الْقِيمَةُ ، لِتَفْوِيتِهِ حَقَّ الْمُرْتَهِنِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ تَلِفَ بَدَلُ الرَّهْنِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يَصِحُّ الْعَفْوُ أَصْلًا ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْمُرْتَهِنِ مُتَعَلِّقٌ بِهِ ، فَلَمْ يَصِحَّ عَفْوُ الرَّاهِنِ عَنْهُ كَالرَّهْنِ نَفْسِهِ ، وَكَمَا لَوْ وُهِبَ الرَّهْنُ أَوْ غُصِبَ ، فَعُفِيَ عَنْ غَاصِبِهِ .\rوَهَذَا أَصَحُّ فِي النَّظَرِ ، وَإِنْ قَالَ الْمُرْتَهِنُ : أَسْقَطْت حَقِّي مِنْ ذَلِكَ .\rسَقَطَ ؛ لِأَنَّهُ يَنْفَعُ الرَّاهِنَ وَلَا يَضُرُّهُ .\rوَإِنْ قَالَ : أَسْقَطْت الْأَرْشَ .\rأَوْ : أَبْرَأْت مِنْهُ .\rلَمْ يَسْقُطْ ؛ لِأَنَّهُ مِلْكٌ لِلرَّاهِنِ ، فَلَا يَسْقُطُ بِإِسْقَاطِ غَيْرِهِ وَهَلْ يَسْقُطُ حَقُّهُ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، يَسْقُطُ .\rوَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَتَضَمَّنُ إسْقَاطَ حَقِّهِ ، فَإِذَا لَمْ يَسْقُطْ حَقُّ غَيْرِهِ سَقَطَ حَقُّهُ ، كَمَا لَوْ قَالَ : أَسْقَطْت حَقِّي وَحَقَّ الرَّاهِنِ .\rوَالثَّانِي : لَا يَسْقُطُ ؛ لِأَنَّ الْعَفْوَ وَالْإِبْرَاءَ مِنْهُ لَا يَصِحُّ .\rفَلَمْ يَصِحَّ مَا تَضَمَّنَهُ .","part":9,"page":221},{"id":4221,"text":"( 3353 ) فَصْلٌ : وَإِذَا أَقَرَّ رَجُلٌ بِالْجِنَايَةِ عَلَى الرَّهْنِ ، فَكَذَّبَاهُ ، فَلَا شَيْءَ لَهُمَا .\rوَإِنْ كَذَّبَهُ الْمُرْتَهِنُ ، وَصَدَّقَهُ الرَّاهِنُ ، فَلَهُ الْأَرْشُ ، وَلَا حَقَّ لِلْمُرْتَهِنِ فِيهِ ، فَإِنْ صَدَّقَهُ الْمُرْتَهِنُ وَحْدَهُ ، تَعَلَّقَ حَقُّهُ بِالْأَرْشِ ، وَلَهُ قَبْضُهُ .\rفَإِذَا قَضَى الرَّاهِنُ الْحَقَّ ، أَوْ أَبْرَأَهُ الْمُرْتَهِنُ ، رَجَعَ الْأَرْشُ إلَى الْجَانِي ، وَلَا شَيْءَ لِلرَّاهِنِ فِيهِ .\rوَإِنْ اسْتَوْفَى حَقَّهُ مِنْ الْأَرْشِ ، لَمْ يَمْلِكْ الْجَانِي مُطَالَبَةَ الرَّاهِنِ بِشَيْءِ ؛ لِأَنَّهُ مُقِرٌّ لَهُ بِاسْتِحْقَاقِهِ .","part":9,"page":222},{"id":4222,"text":"( 3354 ) فَصْلٌ : وَلَوْ كَانَ الرَّهْنُ أَمَةً حَامِلًا ، فَضَرَبَ بَطْنَهَا أَجْنَبِيٌّ ، فَأَلْقَتْ جَنِينًا مَيِّتًا ، فَفِيهِ عُشْرُ قِيمَةِ أُمِّهِ .\rوَإِنْ أَلْقَتْهُ حَيًّا ثُمَّ مَاتَ لِوَقْتِ يَعِيشُ مِثْلُهُ ، فَفِيهِ قِيمَتُهُ .\rوَلَا يَجِبُ ضَمَانُ نَقْصِ الْوِلَادَةِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَمَيَّزُ نَقْصُهَا عَمَّا وَجَبَ ضَمَانُهُ مِنْ وَلَدِهَا .\rوَيَحْتَمِلَ أَنْ يَضْمَنَ نَقْصَهَا بِالْوِلَادَةِ ؛ لِأَنَّهُ حُصِلَ بِفِعْلِهِ ، فَلَزِمَهُ ضَمَانُهُ ، كَمَا لَوْ غَصَبَهَا ثُمَّ جَنَى عَلَيْهَا .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يَجِبَ أَكْثَرُ الْأَمْرَيْنِ ؛ مِنْ نَقْصِهَا ، أَوْ ضَمَانِ جَنِينِهَا ؛ لِأَنَّ سَبَبَ ضَمَانِهَا وُجِدَ ، فَإِذَا لَمْ يَجْتَمِعْ ضَمَانُهُمَا ، وَجَبَ ضَمَانُ أَكْثَرِهِمَا .\rوَإِنْ ضَرَبَ بَطْنَ بَهِيمَةٍ ، فَأَلْقَتْ وَلَدَهَا مَيِّتًا ، فَفِيهِ مَا نَقَصَتْهَا الْجِنَايَةُ لَا غَيْرُ ، وَمَا وَجَبَ مِنْ ذَلِكَ كُلّه فَهُوَ رَهْنٌ مَعَ الْأُمِّ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ مَا وَجَبَ لِنَقْصِ الْأُمِّ ، أَوْ لِنَقْصِ الْبَهِيمَةِ ، فَهُوَ رَهْنٌ مَعَهَا ، وَكَذَلِكَ مَا وَجَبَ فِي وَلَدِهَا ، وَمَا وَجَبَ فِي جَنِينِ الْأَمَةِ فَلَيْسَ بِرَهْنٍ ؛ لِأَنَّ نَمَاءَ الرَّهْنِ لَيْسَ بِرَهْنٍ .\rوَلَنَا أَنَّ هَذَا ضَمَانٌ يَجِبُ بِسَبَبِ الْجِنَايَةِ عَلَى الرَّهْنِ ، فَكَانَ مِنْ الرَّهْنِ ، كَالْوَاجِبِ لِنَقْصِ الْوِلَادَةِ وَضَمَانِ وَلَدِ الْبَهِيمَةِ .\rوَقَوْلُهُمْ : إنَّ نَمَاءَ الرَّهْنِ لَا يَدْخُلُ فِي الرَّهْنِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ .","part":9,"page":223},{"id":4223,"text":"( 3355 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : وَإِذَا اشْتَرَى مِنْهُ سِلْعَةً ، عَلَى أَنْ يَرْهَنَهُ بِهَا شَيْئًا مِنْ مَالِهِ يَعْرِفَانِهِ ، أَوْ عَلَى أَنْ يُعْطِيَهُ بِالثَّمَنِ حَمِيلًا يَعْرِفَانِهِ ، فَالْبَيْعُ جَائِزٌ .\rفَإِنْ أَبَى تَسْلِيمَ الرَّهْنِ ، أَوْ أَبَى الْحَمِيلُ أَنْ يَتَحَمَّلَ ، فَالْبَائِعُ مُخَيَّرٌ فِي فَسْخِ الْبَيْعِ ، وَفِي إقَامَتِهِ بِلَا رَهْنٍ وَلَا حَمِيلٍ الْحَمِيلُ : الضَّمِينُ .\rوَهُوَ فَعِيلَ بِمَعْنَى فَاعِلٍ ، يُقَالُ : ضَمِينٌ ، وَحَمِيلٌ ، وَقَبِيلٌ ، وَكَفِيلٌ ، وَزَعِيمٌ ، وَصَبِيرٌ ، بِمَعْنَى وَاحِدٍ .\rوَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْبَيْعَ بِشَرْطِ الرَّهْنِ أَوْ الضَّمِينِ صَحِيحٌ ، وَالشَّرْطُ صَحِيحٌ أَيْضًا ؛ لِأَنَّهُ مِنْ مَصْلَحَةِ الْعَقْدِ ، غَيْرُ مُنَافٍ لِمُقْتَضَاهُ ، وَلَا نَعْلَمُ فِي صِحَّتِهِ خِلَافًا إذَا كَانَ مَعْلُومًا ، وَلِذَلِكَ قَالَ الْخِرَقِيِّ يَعْرِفَانِهِ فِي الرَّهْنِ وَالضَّمِينِ مَعًا وَمَعْرِفَةُ الرَّهْنِ تَحْصُلُ بِأَحَدِ شَيْئَيْنِ ؛ الْمُشَاهَدَةُ ، أَوْ الصِّفَةُ الَّتِي يُعْلَمُ بِهَا الْمَوْصُوفُ ، كَمَا فِي السَّلَمِ .\rوَيَتَعَيَّنُ بِالْقَبْضِ .\rوَأَمَّا الضَّمِينُ فَيُعْلَمُ بِالْإِشَارَةِ إلَيْهِ ، أَوْ تَعْرِيفِهِ بِالِاسْمِ وَالنَّسَبِ ، وَلَا يَصِحُّ بِالصِّفَةِ بِأَنْ يَقُولَ : رَجُلٌ غَنِيٌّ .\rمِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ ؛ لِأَنَّ الصِّفَةَ لَا تَأْتِي عَلَيْهِ .\rوَلَوْ قَالَ : بِشَرْطِ رَهْنٍ أَوْ ضَمِينٍ .\rكَانَ فَاسِدًا ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ ، وَلَيْسَ لَهُ عُرْفٌ يَنْصَرِفُ إلَيْهِ بِإِطْلَاقِ .\rوَلَوْ قَالَ : بِشَرْطِ رَهْنِ أَحَدِ هَذَيْنِ الْعَبْدَيْنِ .\rأَوْ : يَضْمَنُنِي أَحَدُ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ .\rلَمْ يَصِحَّ ؛ لِأَنَّ الْغَرَضَ يَخْتَلِفُ .\rفَلَمْ يَصِحَّ مَعَ عَدَمِ التَّعْيِينِ ، كَالْبَيْعِ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rوَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ وَأَبِي ثَوْرٍ أَنَّهُ يَصِحُّ شَرْطُ الرَّهْنِ الْمَجْهُولِ ، وَيَلْزَمُهُ أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ رَهْنًا بِقَدْرِ الدَّيْنِ ؛ لِأَنَّهُ وَثِيقَةٌ ، فَجَازَ شَرْطُهَا مُطْلَقًا ، كَالشَّهَادَةِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إذَا قَالَ : عَلَى أَنْ أَرْهَنَك أَحَدَ هَذَيْنِ الْعَبْدَيْنِ .\rجَازَ ؛ لِأَنَّ بَيْعَهُ جَائِزٌ عِنْدَهُ .","part":9,"page":224},{"id":4224,"text":"وَلَنَا ، أَنَّهُ شَرَطَ رَهْنًا مَجْهُولًا ، فَلَمْ يَصِحَّ ، كَمَا لَوْ شَرَطَ رَهْنَ مَا فِي كُمِّهِ ، وَلِأَنَّهُ عَقْدٌ يَخْتَلِفُ فِيهِ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ ، فَلَمْ يَصِحَّ مَعَ الْجَهْلِ ، كَالْبَيْعِ ، وَفَارَقَ الشَّهَادَةَ ، فَإِنْ لَهَا عُرْفًا فِي الشَّرْعِ حُمِلَتْ عَلَيْهِ ، وَالْكَلَامُ مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ قَدْ مَضَى فِي الْبَيْعِ ، فَإِنَّ الْخِلَافَ فِيهِمَا وَاحِدٌ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِنَّ الْمُشْتَرِيَ إنْ وَفَّى بِالشَّرْطِ ، فَسَلَّمَ الرَّهْنَ ، أَوْ حَمَلَ عَنْهُ الْحَمِيلُ ، لَزِمَ الْبَيْعُ ، وَإِنْ أَبَى تَسْلِيمَ الرَّهْنِ ، أَوْ أَبَى الْحَمِيلُ أَنْ يَتَحَمَّلَ عَنْهُ ، فَلِلْبَائِعِ الْخِيَارُ بَيْنَ فَسْخِ الْبَيْعِ وَبَيْنَ إمْضَائِهِ وَالرِّضَا بِهِ بِلَا رَهْنٍ وَلَا حَمِيلٍ ، فَإِنْ رَضِيَ بِهِ لَزِمَهُ الْبَيْعُ .\rوَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ .\rوَلَا يَلْزَمُ الْمُشْتَرِيَ تَسْلِيمُ الرَّهْنِ وَقَالَ مَالِك وَأَبُو ثَوْرٍ : يَلْزَمُ الرَّهْنُ إذَا كَانَ مَشْرُوطًا فِي عَقْدِ الْبَيْعِ .\rوَيُجْبَرُ عَلَيْهِ الْمُشْتَرِي .\rوَإِنْ وَجَدَهُ الْحَاكِمُ دَفَعَهُ إلَى الْبَائِعِ ؛ لِأَنَّ عَقْدَ الْبَيْعِ وَقَعَ عَلَيْهِ ، فَأَشْبَهَ الْخِيَارَ وَقَالَ الْقَاضِي : مَا عَدَا الْمَكِيلَ وَالْمَوْزُونَ يَلْزَمُ فِيهِ الرَّهْنُ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ .\rوَقَدْ مَضَى الْكَلَامُ مَعَهُ فِي أَوَّلِ الْبَابِ .\rوَلِأَنَّهُ رَهْنٌ ، فَلَمْ يَلْزَمْ قَبْلَ الْقَبْضِ ، كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ مَشْرُوطًا فِي الْبَيْعِ ، أَوْ كَغَيْرِ الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ ، وَإِنَّمَا لَزِمَ الْخِيَارُ وَالْأَجَلُ بِالشَّرْطِ ، لِأَنَّهُ مِنْ تَوَابِعِ الْبَيْعِ ، لَا يَنْفَرِدُ بِنَفْسِهِ ، وَالرَّهْنُ عَقْدٌ مُنْفَرِدٌ بِنَفْسِهِ لَيْسَ مِنْ التَّوَابِعِ ، وَلِأَنَّ الْخِيَارَ وَالْأَجَلَ يَثْبُتُ بِالْقَوْلِ ، وَلَا يَفْتَقِرُ إلَى تَسْلِيمٍ ، فَاكْتُفِيَ فِي ثُبُوتِهِ بِمُجَرَّدِ الْقَوْلِ ، بِخِلَافِ الرَّهْنِ .\rوَأَمَّا الضَّمِينُ ، فَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الضَّمَانُ ، إذْ لَا يَلْزَمُهُ شَغْلُ ذِمَّتِهِ وَأَدَاءُ دَيْنِ غَيْرِهِ بِاشْتِرَاطِ غَيْرِهِ وَلَوْ وَعَدَهُ بِأَنَّهُ يَضْمَنُ ، ثُمَّ لَمْ يَفْعَلْ ، لَمْ","part":9,"page":225},{"id":4225,"text":"يَلْزَمْ فِي الْحُكْمِ ، كَمَا لَوْ وَعَدَهُ أَنَّهُ يَبِيعُهُ ، ثُمَّ أَبَى ذَلِكَ .\rوَمَتَى لَمْ يَفِ الْمُشْتَرِي لِلْبَائِعِ بِشَرْطِهِ ، كَانَ لَهُ الْفَسْخُ ، كَمَا لَوْ شَرَطَ صِفَةً فِي الثَّمَنِ ، فَلَمْ يَفِ بِهَا ، وَلِأَنَّهُ أَحَدُ الْمُتَعَاقِدَيْنِ ، فَإِذَا لَمْ يَفِ بِمَا شَرَطَ فِي الْعَقْدِ ، ثَبَتَ الْخِيَارُ لِصَاحِبِهِ ، كَالْبَائِعِ إذَا شَرَطَ الْمَبِيعَ عَلَى صِفَةٍ ، فَبَانَ بِخِلَافِهَا .","part":9,"page":226},{"id":4226,"text":"( 3356 ) فَصْلٌ : وَلَوْ شَرَطَ رَهْنًا ، أَوْ ضَمِينًا مُعَيَّنًا ، فَجَاءَ بِغَيْرِهِمَا ، لَمْ يَلْزَمْ الْبَائِعَ قَبُولُهُ ، وَإِنْ كَانَ مَا أَتَى بِهِ خَيْرًا مِنْ الْمَشْرُوطِ ، مِثْلُ أَنْ يَأْتِيَ بِأَكْثَرَ قِيمَةً مِنْ الْمَشْرُوطِ ، وَحَمِيلٍ أَوْثَقَ مِنْ الْمُعَيَّنِ ؛ لِأَنَّهُ عَقَدَ عَلَى مُعَيَّنٍ ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ قَبُولُ غَيْرِهِ ، كَالْبَيْعِ ، وَلِأَنَّ الْغَرَضَ يَخْتَلِفُ بِالْأَعْيَانِ ، فَمِنْهَا مَا يَسْهُلُ بَيْعُهُ وَالِاسْتِيفَاءُ مِنْ ثَمَنِهِ ، وَمِنْهَا مَا هُوَ أَقَلُّ مُؤْنَةً وَأَسْهَلُ حِفْظًا ، وَبَعْضُ الذِّمَمِ أَمْلَأُ مِنْ بَعْضِ ، وَأَسْهَلُ إيفَاءً ، فَلَا يَلْزَمُهُ قَبُولُ غَيْرِ مَا عَيَّنَهُ ، كَسَائِرِ الْعُقُودِ .","part":9,"page":227},{"id":4227,"text":"( 3357 ) فَصْلٌ : وَإِنْ تَعَيَّبَ الرَّهْنُ ، أَوْ اسْتَحَالَ الْعَصِيرُ خَمْرًا قَبْلَ قَبْضِهِ ، فَلِلْبَائِعِ الْخِيَارُ بَيْنَ قَبْضِهِ مَعِيبًا ، وَرِضَاهُ بِلَا رَهْنٍ فِيمَا إذَا تَخَمَّرَ الْعَصِيرُ ، وَبَيْنَ فَسْخِ الْبَيْعِ وَرَدِّ الرَّهْنِ .\rوَإِنْ عَلِمَ بِالْعَيْبِ بَعْدَ قَبْضِهِ ، فَكَذَلِكَ .\rوَلَيْسَ لَهُ مَعَ إمْسَاكِهِ أَرْشٌ مِنْ أَجْلِ الْعَيْبِ ؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ إنَّمَا لَزِمَ فِيمَا حَصَلَ قَبْضُهُ ، وَهُوَ الْمَوْجُودُ ، وَالْجُزْءُ الْفَائِتُ لَمْ يَلْزَمْ تَسْلِيمُهُ ، فَلَمْ يَلْزَمْ الْأَرْشُ بَدَلًا عَنْهُ ، بِخِلَافِ الْمَبِيعِ .\rوَإِنْ تَلِفَ أَوْ تَعَيَّبَ بَعْدَ الْقَبْضِ ، فَلَا خِيَارَ لِلْبَائِعِ .\rوَإِنْ اخْتَلَفَا فِي زَمَنِ حُدُوثِ الْعَيْبِ ، وَهُوَ مِمَّا لَا يَحْتَمِلُ إلَّا قَوْلَ أَحَدِهِمَا ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مِنْ غَيْرِ يَمِينٍ ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ إنَّمَا تُرَادُ لِدَفْعِ الِاحْتِمَالِ ، وَهَذَا لَا يَحْتَمِلُ .\rوَإِنْ احْتَمَلَ قَوْلَيْهِمَا مَعًا ، انْبَنَى عَلَى اخْتِلَافِ الْمُتَبَايِعَيْنِ فِي حُدُوثِ الْعَيْبِ فِي الْمَبِيعِ ، وَفِيهِ رِوَايَتَانِ ، فَيَكُونُ فِيهِ هَاهُنَا وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، الْقَوْلُ قَوْلُ الرَّاهِنِ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ لِأَنَّ الْأَصْلَ صِحَّةُ الْعَقْدِ وَلُزُومُهُ وَالْآخَرُ ، الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُرْتَهِنِ ، وَهُوَ قِيَاسُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ لِقَوْلِهِ مِثْلُ ذَلِكَ فِي الْبَيْعِ ، لِأَنَّهُمَا اخْتَلَفَا فِي قَبْضِ الْمُرْتَهِنِ لِلْجُزْءِ الْفَائِتِ ، فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ ، كَمَا لَوْ اخْتَلَفَا فِي قَبْضِ جُزْءٍ مُنْفَصِلٍ مِنْهُ .\rوَإِنْ اخْتَلَفَا فِي زَمَنِ التَّلَفِ ، فَقَالَ الرَّاهِنُ : بَعْدَ الْقَبْضِ .\rوَقَالَ الْمُرْتَهِنُ : قَبْلَهُ .\rفَالْقَوْلُ قَوْلُهُ ؛ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ لِلْقَبْضِ وَإِنْ كَانَ الرَّهْنُ عَصِيرًا فَاسْتَحَالَ خَمْرًا ، وَاخْتَلَفَا فِي زَمَنِ اسْتِحَالَتِهِ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الرَّاهِنِ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : يُخَرَّجُ فِيهِ رِوَايَةٌ أُخْرَى ، أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْمُرْتَهِنِ ، كَالِاخْتِلَافِ فِي الْبَيْعِ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ","part":9,"page":228},{"id":4228,"text":"الْقَبْضِ ، كَمَا لَوْ اخْتَلَفَا فِي زَمَنِ التَّلَفِ وَلَنَا ، أَنَّهُمَا اتَّفَقَا عَلَى الْعَقْدِ وَالْقَبْضِ ، وَاخْتَلَفَا فِيمَا يَفْسُدُ بِهِ ، فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ مَنْ يَنْفِيه ، كَمَا لَوْ اخْتَلَفَا فِي شَرْطٍ فَاسِدٍ ، وَيُفَارِقُ اخْتِلَافَهُمَا فِي حُدُوثِ الْعَيْبِ مِنْ وَجْهَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، أَنَّهُمَا اتَّفَقَا عَلَى الْقَبْضِ هَاهُنَا ، وَثَمَّ اخْتَلَفَا فِي قَبْضِ الْجُزْءِ الْفَائِتِ الثَّانِي ، أَنَّهُمَا اخْتَلَفَا هُنَا فِيمَا يُفْسِدُ الْعَقْدَ ، وَالْعَيْبُ بِخِلَافِهِ .","part":9,"page":229},{"id":4229,"text":"( 3358 ) فَصْلٌ : وَلَوْ وَجَدَ بِالرَّهْنِ عَيْبًا بَعْدَ أَنْ حَدَثَ عِنْدَهُ عَيْبٌ آخَرُ ، فَلَهُ رَدُّهُ وَفَسْخُ الْبَيْعِ ؛ لِأَنَّ الْعَيْبَ الْحَادِثَ فِي مِلْكِ الرَّاهِنِ لَا يَلْزَمُ الْمُرْتَهِنَ ضَمَانُهُ ، بِخِلَافِ الْمَبِيعِ .\rوَخَرَّجَهُ الْقَاضِي عَلَى رِوَايَتَيْنِ ، بِنَاءً عَلَى الْبَيْعِ ، فَعَلَى قَوْلِهِ : لَا يَمْلِكُ الرَّدَّ .\rلَا يَمْلِكُ الْفَسْخَ .\rوَالصَّحِيحُ مَا ذَكَرْنَاهُ .\rوَإِنْ هَلَكَ الرَّهْنُ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ ، ثُمَّ عَلِمَ أَنَّهُ كَانَ مَعِيبًا ، لَمْ يَمْلِكْ فَسْخَ الْبَيْعِ ؛ لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ رَدُّهُ .\rفَإِنْ قِيلَ : فَالرَّهْنُ غَيْرُ مَضْمُونٍ ، وَلِهَذَا لَا يُمْنَعُ رَدُّهُ بِحُدُوثِ الْعَيْبِ فِيهِ ، قُلْنَا : إنَّمَا تُضْمَنُ قِيمَتُهُ ، لِأَنَّ الْعَقْدَ لَمْ يَقَعْ عَلَى مِلْكِهِ ، وَإِنَّمَا وَقَعَ عَلَى الْوَثِيقَةِ ، فَهُوَ مَضْمُونٌ بِالْوَثِيقَةِ ، أَمَّا إذَا تَعَيَّبَ فَقَدْ رَدَّهُ ، فَيَسْتَحِقُّ بَدَلَ مَا رَدَّهُ ، وَهَاهُنَا لَمْ يَرُدَّ شَيْئًا ، فَلَوْ أَوْجَبْنَا لَهُ بَدَلَهُ ، لَأَوْجَبْنَا عَلَى الرَّاهِنِ غَيْرَ مَا شَرَطَ عَلَى نَفْسِهِ .","part":9,"page":230},{"id":4230,"text":"( 3359 ) فَصْلٌ : وَلَوْ لَمْ يَشْتَرِطَا رَهْنًا فِي الْبَيْعِ ، فَتَطَوَّعَ الْمُشْتَرِي بِرَهْنٍ ، وَقَبَضَهُ الْبَائِعُ ، كَانَ حُكْمُهُ حُكْمَ الرَّهْنِ الْمَشْرُوطِ فِي الْبَيْعِ ، وَلَا يَنْفَكُّ شَيْءٌ مِنْهُ حَتَّى يَقْضِيَ جَمِيعَ الدَّيْنِ ، وَلَا يَمْلِكُ الرَّاهِنُ انْتِزَاعَهُ ، وَلَا التَّصَرُّفَ فِيهِ ، إلَّا بِإِذْنِ الْمُرْتَهِنِ ، إلَّا أَنَّهُ إذَا رَدَّهُ بِعَيْبِ أَوْ غَيْرِهِ ، لَمْ يَمْلِكْ فَسْخَ الْبَيْعِ .","part":9,"page":231},{"id":4231,"text":"( 3360 ) فَصْلٌ : وَإِذَا تَبَايَعَا بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ الْمَبِيعُ رَهْنًا عَلَى ثَمَنِهِ ، لَمْ يَصِحَّ قَالَهُ ابْنُ حَامِدٍ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ لِأَنَّ الْمَبِيعَ حِينَ شَرَطَ رَهْنَهُ لَمْ يَكُنْ مِلْكًا لَهُ ، وَسَوَاءٌ شَرَطَ أَنَّهُ يَقْبِضُهُ ثُمَّ يَرْهَنُهُ ، أَوْ شَرَطَ رَهْنَهُ قَبْلَ قَبْضِهِ ، وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّهُ قَالَ : إذَا حَبَسَ الْمَبِيعَ بِبَقِيَّةِ الثَّمَنِ ، فَهُوَ غَاصِبٌ ، وَلَا يَكُونُ رَهْنًا إلَّا أَنْ يَكُونَ شَرْطًا عَلَيْهِ فِي نَفْسِ الْبَيْعِ .\rوَهَذَا يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ الشَّرْطِ ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُهُ ، فَجَازَ رَهْنُهُ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : مَعْنَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ ، أَنَّهُ شَرَطَ عَلَيْهِ فِي نَفْسِ الْبَيْعِ رَهْنًا غَيْرَ الْمَبِيعِ ، فَيَكُونُ لَهُ حَبْسُ الْمَبِيعِ حَتَّى يَقْبِضَ الرَّهْنَ ، وَإِنْ لَمْ يَفِ بِهِ فُسِخَ الْبَيْعُ .\rفَأَمَّا شَرْطُ رَهْنِ الْمَبِيعِ بِعَيْنِهِ عَلَى ثَمَنِهِ ، فَلَا يَصِحُّ ؛ لِوُجُوهِ ، مِنْهَا أَنَّهُ غَيْرُ مَمْلُوكٍ لَهُ .\rوَمِنْهَا أَنَّ الْبَيْعَ يَقْتَضِي إيفَاءَ الثَّمَنِ مِنْ غَيْرِ الْمَبِيعِ وَالرَّهْنُ يَقْتَضِي الْوَفَاءَ مِنْهُ .\rوَمِنْهَا أَنَّ الْبَيْعَ يَقْتَضِي تَسْلِيمَ الْمَبِيعِ أَوَّلًا ، وَرَهْنُ الْمَبِيعِ يَقْتَضِي أَنْ لَا يُسَلِّمَهُ حَتَّى يَقْبِضَ الثَّمَنَ .\rوَمِنْهَا أَنَّ الْبَيْعَ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ إمْسَاكُ الْمَبِيعِ مَضْمُونًا ، وَالرَّهْنُ يَقْتَضِي أَنْ لَا يَكُونَ مَضْمُونًا ، وَهَذَا يُوجِبُ تَنَاقُضَ أَحْكَامِهِمَا .\rوَظَاهِرُ الرِّوَايَةِ صِحَّةُ رَهْنِهِ .\rوَقَوْلُهُمْ : إنَّهُ غَيْرُ مَمْلُوكٍ .\rقُلْنَا إنَّمَا شَرَطَ رَهْنَهُ بَعْدَ مِلْكِهِ .\rوَقَوْلُهُمْ الْبَيْعَ يَقْتَضِي إيفَاءَ الثَّمَنِ مِنْ غَيْرِ الْمَبِيعِ .\rغَيْرُ صَحِيحٍ ، إنَّمَا يَقْتَضِي وَفَاءَ الثَّمَنِ مُطْلَقًا ، وَلَوْ تَعَذَّرَ وَفَاءُ الثَّمَنِ مِنْ غَيْرِ الْمَبِيعِ لَاسْتُوْفِيَ مِنْ ثَمَنِهِ .\rوَقَوْلُهُمْ : الْبَيْعُ يَقْتَضِي تَسْلِيمَ الْمَبِيعِ قَبْلَ تَسْلِيمِ الثَّمَنِ .\rمَمْنُوعٌ .\rوَإِنْ سُلِّمَ فَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يُثْبِتَ بِالشَّرْطِ خِلَافُهُ .\rكَمَا أَنَّ مُقْتَضَى الْبَيْعِ حُلُولُ الثَّمَنِ وَوُجُوبُ تَسْلِيمه فِي","part":9,"page":232},{"id":4232,"text":"الْحَالِ ، وَلَوْ شَرَطَ التَّأْجِيلَ جَازَ ، وَكَذَلِكَ مُقْتَضَى الْبَيْعِ ثُبُوتُ الْمِلْكِ فِي الْمَبِيعِ ، وَالتَّمْكِينُ مِنْ التَّصَرُّفِ فِيهِ ، وَيَنْتَفِي بِشَرْطِ الْخِيَارِ ، وَهَذَا هُوَ الْجَوَابُ عَنْ الْوَجْهِ الثَّالِثِ وَالرَّابِعِ .\rفَأَمَّا إنْ لَمْ يَشْتَرِطْ ذَلِكَ فِي الْبَيْعِ ، لَكِنْ رَهَنَهُ عِنْدَهُ بَعْدَ الْبَيْعِ ، فَإِنْ كَانَ بَعْدَ لُزُومِ الْبَيْعِ ، فَالْأَوْلَى صِحَّتُهُ ؛ لِأَنَّهُ يَصِحُّ رَهْنُهُ عِنْدَ غَيْرِهِ ، فَصَحَّ عِنْدَهُ كَغَيْرِهِ ، وَلِأَنَّهُ يَصِحُّ رَهْنُهُ عَلَى غَيْرِ ثَمَنِهِ ، فَصَحَّ رَهْنُهُ عَلَى ثَمَنِهِ .\rوَإِنْ كَانَ قَبْلَ لُزُومِ الْبَيْعِ ، انْبَنَى عَلَى جَوَازِ التَّصَرُّفِ فِي الْمَبِيعِ ، فَفِي كُلِّ مَوْضِعٍ جَازَ التَّصَرُّفُ فِيهِ جَازَ رَهْنُهُ ، وَمَا لَا فَلَا ؛ لِأَنَّهُ نَوْعُ تَصَرُّفٍ ، فَأَشْبَهَ بَيْعَهُ .","part":9,"page":233},{"id":4233,"text":"( 3361 ) فَصْلٌ : وَإِذَا شَرَطَ فِي الْبَيْعِ رَهْنًا فَاسِدًا كَالْمُحَرَّمِ ، وَالْمَجْهُولِ ، وَالْمَعْدُومِ ، وَمَا لَا يَقْدِرُ عَلَى تَسْلِيمِهِ ، أَوْ غَيْرِ الْمُعَيَّنِ ، أَوْ شَرَطَ رَهْنَ الْمَبِيعِ عَلَى ثَمَنِهِ ، فَفِي فَسَادِ الْبَيْعِ رِوَايَتَانِ ، مَضَى تَوْجِيهُهُمَا فِي الشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ فِي الْبَيْعِ .\rوَاخْتَارَ أَبُو الْخَطَّابِ هَاهُنَا فَسَادَ الْبَيْعِ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَأَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ وَقَدْ مَضَى ذِكْرُ ذَلِكَ .","part":9,"page":234},{"id":4234,"text":"( 3362 ) فَصْلٌ : وَالشُّرُوطُ فِي الرَّهْنِ تَنْقَسِمُ قِسْمَيْنِ ؛ صَحِيحًا وَفَاسِدًا ، فَالصَّحِيحُ مِثْلُ أَنْ يَشْتَرِطَ كَوْنَهُ عَلَى يَدِ عَدْلٍ عَيَّنَهُ ، أَوْ عَدْلَيْنِ ، أَوْ أَكْثَرِ ، أَوْ أَنْ يَبِيعَهُ الْعَدْلُ عِنْدَ حُلُولِ الْحَقِّ .\rوَلَا نَعْلَمُ فِي صِحَّةِ هَذَا خِلَافًا ، وَإِنْ شَرَطَ أَنْ يَبِيعَهُ الْمُرْتَهِنُ ، صَحَّ .\rوَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّهُ تَوْكِيلٌ فِيمَا يَتَنَافَى فِيهِ الْغَرَضَانِ ، فَلَمْ يَصِحَّ ، كَمَا لَوْ وَكَّلَهُ فِي بَيْعِهِ مِنْ نَفْسِهِ .\rوَوَجْهُ التَّنَافِي أَنَّ الرَّاهِنَ يُرِيدُ الصَّبْرَ عَلَى الْمَبِيعِ ، وَالِاحْتِيَاطَ فِي تَوْفِيرِ الثَّمَنِ ، وَالْمُرْتَهِنَ يُرِيدُ تَعْجِيلَ الْحَقِّ ، وَإِنْجَازَ الْبَيْعِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ مَا جَازَ تَوْكِيلُ غَيْرِ الْمُرْتَهِنِ فِيهِ ، جَازَ تَوْكِيلُ الْمُرْتَهِنِ فِيهِ ، كَبَيْعِ عَيْنٍ أُخْرَى ، وَلِأَنَّ مَنْ جَازَ أَنْ يُشْتَرَطَ لَهُ الْإِمْسَاكُ ، جَازَ اشْتِرَاطُ الْبَيْعِ لَهُ ، كَالْعَدْلِ ، وَلَا يَضُرُّ اخْتِلَافُ الْغَرَضَيْنِ ، إذَا كَانَ غَرَضُ الْمُرْتَهِنِ مُسْتَحَقًّا لَهُ ، وَهُوَ اسْتِيفَاءُ الثَّمَنِ عِنْدَ حُلُولِ الْحَقِّ ، وَإِنْجَازِ الْبَيْعِ ؛ وَعَلَى أَنَّ الرَّاهِنَ إذَا وَكَّلَهُ مَعَ الْعِلْمِ بِغَرَضِهِ ، فَقَدْ سَمَحَ لَهُ بِذَلِكَ ، وَالْحَقُّ لَهُ ، فَلَا يُمْنَعُ مِنْ السَّمَاحَةِ بِهِ ، كَمَا لَوْ وَكَّلَ فَاسِقًا فِي بَيْعِ مَالِهِ وَقَبْضِ ثَمَنِهِ .\rوَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَوْكِيلُهُ فِي بَيْعِ شَيْءٍ مِنْ نَفْسِهِ ، وَإِنْ سَلَّمْنَا ، فَلِأَنَّ الشَّخْصَ الْوَاحِدَ يَكُونُ بَائِعًا مُشْتَرِيًا ، وَمُوجِبًا ، قَابِلًا ، وَقَابِضًا مِنْ نَفْسِهِ لِنَفْسِهِ بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا .","part":9,"page":235},{"id":4235,"text":"( 3363 ) فَصْلٌ : وَإِذَا رَهَنَهُ أَمَةً ، فَشَرَطَ كَوْنَهَا عِنْدَ امْرَأَةٍ ، أَوْ ذِي مَحْرَمٍ لَهَا ، أَوْ كَوْنَهَا فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ ، أَوْ أَجْنَبِيٍّ عَلَى وَجْهٍ لَا يُفْضِي إلَى الْخَلْوَةِ بِهَا ، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ لَهُمَا زَوْجَاتٌ ، أَوْ سَرَارِيٌّ ، أَوْ نِسَاءٌ مِنْ مَحَارِمِهِمَا مَعَهُمَا فِي دَارِهِمَا ، جَازَ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُفْضِي إلَى مُحَرَّمٍ .\rوَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ ، فَسَدَ الشَّرْطُ ؛ لِأَنَّهُ يُفْضِي إلَى الْخَلْوَةِ الْمُحَرَّمَةِ ، وَلَا يُؤْمَنُ عَلَيْهَا .\rوَلَا يَفْسُدُ الرَّهْنُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَعُودُ إلَى نَقْصٍ ، وَلَا ضَرَرٍ فِي حَقِّ الْمُتَعَاقِدَيْنِ ، وَيَكُونُ الْحُكْمُ فِيهِ كَمَا لَوْ رَهَنَهَا مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ ، يَصِحُّ الرَّهْنُ ، وَيَجْعَلُهَا الْحَاكِمُ عَلَى يَدِ مَنْ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ عِنْدَهُ .\rوَإِنْ كَانَ الرَّهْنُ عَبْدًا ، فَشَرَطَ مَوْضِعَهُ ، جَازَ ، وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ مَوْضِعَهُ ، صَحَّ أَيْضًا ، كَالْأَمَةِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَصِحَّ ؛ لِأَنَّ لِلْأَمَةِ عُرْفًا ، بِخِلَافِ الْعَبْدِ .\rوَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ، فَإِنَّ الْأَمَةَ إذَا كَانَ الْمُرْتَهِنُ مِمَّنْ يَجُوزُ وَضْعُهَا عِنْدَهُ كَالْعَبْدِ ، وَإِذَا كَانَ مُرْتَهِنُ الْعَبْدِ امْرَأَةً لَا زَوْجَ لَهَا ، فَشَرَطَتْ كَوْنِهِ عِنْدَهَا عَلَى وَجْهٍ يُفْضِي إلَى خَلْوَتِهِ بِهَا ، لَمْ يَجُزْ أَيْضًا ، فَاسْتَوَيَا .","part":9,"page":236},{"id":4236,"text":"( 3364 ) فَصْلٌ : وَالْقِسْمُ الثَّانِي ، الشُّرُوطُ الْفَاسِدَةُ ، مِثْلُ أَنْ يَشْتَرِطَ مَا يُنَافِي مُقْتَضَى الرَّهْنِ نَحْوِ أَنْ يَشْتَرِطَ أَلَّا يُبَاعَ الرَّهْنُ عِنْدَ حُلُول الْحَقِّ ، أَوْ لَا يُسْتَوْفَى الدَّيْنُ مِنْ ثَمَنِهِ ، أَوْ لَا يُبَاعُ مَا خِيفَ تَلَفُهُ ، أَوْ بَيْعَ الرَّهْنِ بِأَيِّ ثَمَنٍ كَانَ ، أَوْ أَنْ لَا يَبِيعَهُ إلَّا بِمَا يُرْضِيه .\rفَهَذِهِ شُرُوطٌ فَاسِدَةٌ ؛ لِمُنَافَاتِهَا مُقْتَضَى الْعَقْدِ ، فَإِنَّ الْمَقْصُودَ مَعَ الْوَفَاءِ بِهَذِهِ الشُّرُوطِ مَفْقُودٌ وَكَذَلِكَ إنْ شَرَطَ الْخِيَارَ لِلرَّاهِنِ ، أَوْ أَنْ لَا يَكُونَ الْعَقْدُ لَازِمًا فِي حَقِّهِ ، أَوْ تَوْقِيتَ الرَّهْنِ ، أَوْ أَنْ يَكُونَ رَهْنًا يَوْمًا وَيَوْمًا لَا ، أَوْ كَوْنَ الرَّهْنِ فِي يَدِ الرَّاهِنِ ، أَوْ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهِ ، أَوْ يَنْتَفِعَ بِهِ الْمُرْتَهِنُ ، أَوْ كَوْنَهُ مَضْمُونًا عَلَى الْمُرْتَهِنِ أَوْ الْعَدْلِ ، فَهَذِهِ كُلّهَا فَاسِدَةٌ ، لِأَنَّ مِنْهَا مَا يُنَافِي مُقْتَضَى الْعَقْدِ ، وَمِنْهَا مَا لَا يَقْتَضِيه الْعَقْدُ ، وَلَا هُوَ مِنْ مَصْلَحَتِهِ .\rوَإِنْ شَرَطَا شَيْئًا مِنْهَا فِي عَقْدِ الرَّهْنِ ، فَقَالَ الْقَاضِي : يَحْتَمِلُ أَنْ يَفْسُدَ الرَّهْنُ بِهَا بِكُلِّ حَالٍ ؛ لِأَنَّ الْعَاقِدَ إنَّمَا بَذَلَ مِلْكَهُ بِهَذَا الشَّرْطِ ، فَإِذَا لَمْ يُسَلَّمْ لَهُ ، لَمْ يَصِحَّ الْعَقْدُ ، لِعَدَمِ الرِّضَى بِهِ بِدُونِهِ .\rوَقِيلَ : إنْ شَرَطَ الرَّهْنَ مُؤَقَّتًا ، أَوْ رَهَنَهُ يَوْمًا وَيَوْمًا لَا ، فَسَدَ الرَّهْنُ .\rوَهَلْ يَفْسُدُ بِسَائِرِهَا ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ ، بِنَاءً عَلَى الشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ فِي الْبَيْعِ .\rوَنَصَرَ أَبُو الْخَطَّابِ فِي \" رُءُوسِ الْمَسَائِلِ \" صِحَّتَهُ ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { لَا يُغْلَقُ الرَّهْنُ } وَهُوَ مَشْرُوطٌ فِيهِ شَرْطٌ فَاسِدٌ .\rوَلَمْ يُحْكَمْ بِفَسَادِهِ .\rوَقِيلَ : مَا يُنْقِصُ حَقَّ الْمُرْتَهِنِ يُبْطِلُهُ ، وَجْهًا وَاحِدًا ، وَمَا لَا فَعَلَى وَجْهَيْنِ ، وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ الْمُرْتَهِنَ شَرَطَتْ لَهُ زِيَادَةٌ لَمْ تَصِحَّ لَهُ ، فَإِذَا فَسَدَتْ الزِّيَادَةُ لَمْ","part":9,"page":237},{"id":4237,"text":"يَبْطُلْ أَصْلُ الرَّهْنِ .","part":9,"page":238},{"id":4238,"text":"( 3365 ) فَصْلٌ : وَإِنْ شَرَطَ أَنَّهُ مَتَى حَلَّ الْحَقُّ وَلَمْ يُوَفِّنِي فَالرَّهْنُ لِي بِالدَّيْنِ أَوْ : فَهُوَ مَبِيعٌ لِي بِالدَّيْنِ الَّذِي عَلَيْك .\rفَهُوَ شَرْطٌ فَاسِدٌ .\rرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَشُرَيْحٍ وَالنَّخَعِيِّ ، وَمَالِكٍ وَالثَّوْرِيِّ وَالشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ .\rوَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا خَالَفَهُمْ .\rوَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ مَا رَوَى مُعَاوِيَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : لَا يُغْلَقُ الرَّهْنُ } رَوَاهُ الْأَثْرَمُ .\rقَالَ الْأَثْرَمُ قُلْت : لِأَحْمَدْ مَا مَعْنَى قَوْله : { لَا يُغْلَقُ الرَّهْنُ } ؟ قَالَ : لَا يَدْفَعُ رَهْنًا إلَى رَجُلٍ ، وَيَقُولُ : إنْ جِئْتُك بِالدَّرَاهِمِ إلَى كَذَا وَكَذَا ، وَإِلَّا فَالرَّهْنُ لَك .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : هَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ : { لَا يُغْلَقُ الرَّهْنُ } عِنْدَ مَالِكٍ وَالثَّوْرِيِّ وَأَحْمَدَ وَفِي حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ أَنَّ رَجُلًا رَهَنَ دَارًا بِالْمَدِينَةِ إلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ، فَمَضَى الْأَجَلُ ، فَقَالَ الَّذِي ارْتَهَنَ : مَنْزِلِي .\rفَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَا يُغْلَقُ الرَّهْنُ } وَلِأَنَّهُ عَلَّقَ الْبَيْعَ عَلَى شَرْطٍ ، فَإِنَّهُ جَعَلَهُ مَبِيعًا بِشَرْطِ أَنْ لَا يُوَفِّيَهُ الْحَقَّ فِي مَحِلِّهِ ، وَالْبَيْعُ الْمُعَلَّقُ بِشَرْطِ لَا يَصِحُّ ، وَإِذَا شَرَطَ هَذَا الشَّرْطَ فَسَدَ الرَّهْنُ .\rوَيَتَخَرَّجُ أَنْ لَا يَفْسُدَ ، لِمَا ذَكَرْنَا فِي سَائِرِ الشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ ، وَهَذَا ظَاهِرُ قَوْلِ أَبِي الْخَطَّابِ فِي \" رُءُوسِ الْمَسَائِلِ \" وَاحْتَجَّ بُقُولِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَا يُغْلَقُ الرَّهْنُ } فَنَفَى غَلْقَهُ دُونَ أَصْلِهِ ، فَيَدُلُّ عَلَى صِحَّتِهِ ، وَلِأَنَّ الرَّاهِنَ قَدْ رَضِيَ بِرَهْنِهِ مَعَ هَذَا الشَّرْطِ ، فَمَعَ بُطْلَانِهِ أَوْلَى أَنْ يَرْضَى بِهِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ رَهْنٌ بِشَرْطِ فَاسِدٍ ، فَكَانَ فَاسِدًا ، كَمَا لَوْ شَرَطَ تَوَفَّيْته ، وَلَيْسَ فِي الْخَبَرِ أَنَّهُ شَرَطَ ذَلِكَ فِي ابْتِدَاءِ الْعَقْدِ ، فَلَا يَكُونُ فِيهِ حُجَّةٌ .","part":9,"page":239},{"id":4239,"text":"( 3366 ) فَصْلٌ : وَلَوْ قَالَ الْغَرِيمُ : رَهَنْتُك عَبْدِي هَذَا ، عَلَى أَنْ تَزِيدَنِي فِي الْأَجَلِ .\rكَانَ بَاطِلًا ؛ لِأَنَّ الْأَجَلَ لَا يَثْبُتُ فِي الدَّيْنِ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ مَشْرُوطًا فِي عَقْدٍ وَجَبَ بِهِ ، فَإِذَا لَمْ يَثْبُتْ الْأَجَلُ ، لَمْ يَصِحَّ الرَّهْنُ ، لِأَنَّهُ جَعَلَهُ فِي مُقَابَلَتِهِ ، وَلِأَنَّ ذَلِكَ يُضَاهِي رِبَا الْجَاهِلِيَّةِ ، كَانُوا يَزِيدُونَ فِي الدَّيْنِ لِيَزْدَادُوا فِي الْأَجَلِ .","part":9,"page":240},{"id":4240,"text":"( 3367 ) فَصْلٌ : إذَا كَانَ لَهُ عَلَى رَجُلٍ أَلْفٌ ، فَقَالَ : أَقْرِضْنِي أَلْفًا ، بِشَرْطِ أَنْ أَرْهَنَك عَبْدِي هَذَا بِالْأَلْفَيْنِ فَنَقَلَ حَنْبَلٌ عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّ الْقَرْضَ بَاطِلٌ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ قَرْضٌ يَجُرُّ مَنْفَعَةً ، وَهُوَ الِاسْتِيثَاقُ بِالْأَلْفِ الْأَوَّلِ .\rوَإِذَا بَطَلَ الْقَرْضُ بَطَلَ الرَّهْنُ .\rفَإِذَا قِيلَ : أَلَيْسَ لَوْ شَرَطَ أَنَّهُ يُعْطِيَهُ رَهْنًا بِمَا يَقْتَرِضُهُ جَازَ ؟ قُلْنَا : لَيْسَ هَذَا قَرْضًا جَرَّ مَنْفَعَةً ؛ لِأَنَّ غَايَةَ مَا حَصَلَ لَهُ تَأْكِيدُ الِاسْتِيفَاءِ لِبَدَلِ مَا أَقْرَضَهُ ، وَهُوَ مِثْلُهُ ، وَالْقَرْضُ يَقْتَضِي وُجُوبَ الْوَفَاءِ ، وَفِي مَسْأَلَتِنَا شَرَطَ فِي هَذَا الْقَرْضِ الِاسْتِيثَاقَ لِدَيْنِهِ الْأَوَّلِ ، فَقَدْ شَرَطَ اسْتِيثَاقًا لِغَيْرِ مُوجِبِ الْقَرْضِ .\rوَنَقَلَ مُهَنَّا أَنَّ الْقَرْضَ صَحِيحٌ .\rوَلَعَلَّ أَحْمَدَ حَكَمَ بِصِحَّةِ الْقَرْضِ مَعَ فَسَادِ الشَّرْطِ ، كَيْ لَا يُفْضِيَ إلَى جَرِّ الْمَنْفَعَةِ بِالْقَرْضِ ، أَوْ حَكَمَ بِفَسَادِ الرَّهْنِ فِي الْأَلْفِ الْأَوَّلِ وَحْدَهُ ، وَصَحَّحَهُ فِيمَا عَدَاهُ .\rوَلَوْ كَانَ مَكَانَ الْقَرْضِ بَيْعٌ ، فَقَالَ : بِعْنِي عَبْدَك هَذَا بِأَلْفٍ ، عَلَى أَنْ أَرْهَنَك عَبْدِي بِهِ وَبِالْأَلْفِ الْآخَرِ الَّذِي عَلَى .\rفَالْبَيْعُ بَاطِلٌ ، رِوَايَةً وَاحِدَةً ؛ لِأَنَّ الثَّمَنَ مَجْهُولٌ ، فَإِنَّهُ جَعَلَ الثَّمَنَ أَلْفًا وَمَنْفَعَةً هِيَ وَثِيقَةٌ بِالْأَلْفِ الْأَوَّلِ ، وَتِلْكَ الْمَنْفَعَةُ مَجْهُولَةٌ ، وَلِأَنَّهُ شَرَطَ عَقْدَ الرَّهْنِ بِالْأَلْفِ الْأَوَّلِ ، فَلَمْ يَصِحَّ ، كَمَا لَوْ أَفْرَدَهُ ، أَوْ كَمَا لَوْ بَاعَهُ دَارِهِ بِشَرْطِ أَنْ يَبِيعَهُ الْآخَرُ دَارِهِ .","part":9,"page":241},{"id":4241,"text":"( 3368 ) فَصْلٌ : وَإِذَا فَسَدَ الرَّهْنُ ، وَقَبَضَهُ الْمُرْتَهِنُ ، لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ ضَمَانُهُ ؛ لِأَنَّهُ قَبَضَهُ بِحُكْمِ أَنَّهُ رَهْنٌ ، وَكُلُّ عَقْدٍ كَانَ صَحِيحُهُ غَيْرَ مَضْمُونٍ أَوْ مَضْمُونًا ، فَفَاسِدُهُ كَذَلِكَ .\rفَإِنْ كَانَ مُؤَقَّتًا ، أَوْ شَرَطَ أَنَّهُ يَصِيرُ لِلْمُرْتَهِنِ بَعْدَ انْقِضَاءِ مُدَّتِهِ ، صَارَ بَعْدَ ذَلِكَ مَضْمُونًا ؛ لِأَنَّهُ مَقْبُوضٌ بِحُكْمِ بَيْعٍ فَاسِدٍ ، وَحُكْمُ الْفَاسِدِ مِنْ الْعُقُودِ حُكْمُ الصَّحِيحِ فِي الضَّمَانِ .\rفَإِنْ كَانَ أَرْضًا فَغَرَسَهَا قَبْلَ انْقِضَاءِ الْأَجَلِ ، فَهُوَ كَغَرْسِ الْغَاصِبِ ؛ لِأَنَّهُ غَرْسٌ بِغَيْرِ إذْنٍ ، وَإِنْ غَرَسَ بَعْدَ الْأَجَلِ ، وَكَانَ قَدْ شَرَطَ أَنَّ الرَّهْنَ يَصِيرُ لَهُ ، فَقَدْ غَرَسَ بِإِذْنِ ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ وَإِنْ كَانَ فَاسِدًا ، فَقَدْ تَضَمَّنَ الْإِذْنَ فِي التَّصَرُّفِ ، فَيَكُونُ الرَّاهِنُ مُخَيَّرًا بَيْنَ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ ، بَيْنَ أَنْ يُقِرَّ غَرْسَهُ لَهُ ، وَبَيْنَ أَخْذِهِ بِقِيمَتِهِ ، وَبَيْنَ أَنْ يُجْبِرَهُ عَلَى قَلْعِهِ ، وَيَضْمَنَ لَهُ مَا نَقَصَ .","part":9,"page":242},{"id":4242,"text":"( 3369 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَلَا يَنْتَفِعُ الْمُرْتَهِنُ مِنْ الرَّهْنِ بِشَيْءِ ، إلَّا مَا كَانَ مَرْكُوبًا أَوْ مَحْلُوبًا ، فَيَرْكَبُ وَيَحْلُبُ بِقَدْرِ الْعَلَفِ ) الْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي حَالَيْنِ ؛ أَحَدِهِمَا مَا لَا يَحْتَاجُ إلَى مُؤْنَةٍ ، كَالدَّارِ وَالْمَتَاعِ وَنَحْوِهِ ، فَلَا يَجُوزُ لِلْمُرْتَهِنِ الِانْتِفَاعُ بِهِ بِغَيْرِ إذْنِ الرَّاهِنِ بِحَالٍ .\rلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا ؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ مِلْكُ الرَّاهِنِ ، فَكَذَلِكَ نَمَاؤُهُ وَمَنَافِعُهُ ، فَلَيْسَ لِغَيْرِهِ أَخْذُهَا بِغَيْرِ إذْنِهِ ، فَإِنْ أَذِنَ الرَّاهِنُ لِلْمُرْتَهِنِ فِي الِانْتِفَاعِ بِغَيْرِ عِوَضٍ ، وَكَانَ دَيْنُ الرَّهْنِ مِنْ قَرْضٍ ، لَمْ يَجُزْ ؛ لِأَنَّهُ يُحَصِّلُ قَرْضًا يَجُرُّ مَنْفَعَةً ، وَذَلِكَ حَرَامٌ .\rقَالَ أَحْمَدُ : أَكْرَهُ قَرْضَ ، الدُّورِ ، وَهُوَ الرِّبَا الْمَحْضُ .\rيَعْنِي : إذَا كَانَتْ الدَّارُ رَهْنًا فِي قَرْضٍ يَنْتَفِعُ بِهَا الْمُرْتَهِنُ .\rوَإِنْ كَانَ الرَّهْنُ بِثَمَنِ مَبِيعٍ ، أَوْ أَجْرِ دَارٍ ، أَوْ دَيْنٍ غَيْرِ الْقَرْضِ ، فَأَذِنَ لَهُ الرَّاهِنُ فِي الِانْتِفَاعِ ، جَازَ ذَلِكَ .\rرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ الْحَسَنِ وَابْنِ سِيرِينَ ، وَبِهِ قَالَ إِسْحَاقُ .\rفَأَمَّا إنْ كَانَ الِانْتِفَاعُ بِعِوَضِ ، مِثْلُ إنْ اسْتَأْجَرَ الْمُرْتَهِنُ الدَّارَ مِنْ الرَّاهِنِ بِأُجْرَةِ مِثْلِهَا ، مِنْ غَيْر مُحَابَاةٍ ، جَازَ فِي الْقَرْضِ وَغَيْرِهِ ، لِكَوْنِهِ مَا انْتَفَعَ بِالْقَرْضِ ، بَلْ بِالْإِجَارَةِ ، وَإِنْ حَابَاهُ فِي ذَلِكَ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الِانْتِفَاعِ ، بِغَيْرِ عِوَضٍ ، لَا يَجُوزُ فِي الْقَرْضِ ، وَيَجُوزُ فِي غَيْرِهِ .\rوَمَتَى اسْتَأْجَرَهَا الْمُرْتَهِنُ ، أَوْ اسْتَعَارَهَا ، فَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ أَنَّهَا تَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهَا رَهْنًا ، فَمَتَى انْقَضَتْ الْإِجَارَةُ ، أَوْ الْعَارِيَّةُ ، عَادَ الرَّهْنُ بِحَالِهِ .\rقَالَ أَحْمَدُ ، فِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ بْنِ ثَوَابٍ عَنْ أَحْمَدَ إذَا كَانَ الرَّهْنُ دَارًا ، فَقَالَ الْمُرْتَهِنُ : اُسْكُنْهَا بِكِرَائِهَا ، وَهِيَ وَثِيقَةٌ بِحَقِّي يَنْتَقِلُ فَيَصِيرُ دَيْنًا ، وَيَتَحَوَّلُ عَنْ الرَّهْنِ .\rوَكَذَلِكَ إنْ أَكْرَاهَا","part":9,"page":243},{"id":4243,"text":"لِلرَّاهِنِ ، قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ : إذَا ارْتَهَنَ دَارًا ، ثُمَّ أَكْرَاهَا لِصَاحِبِهَا ، خَرَجَتْ مِنْ الرَّهْنِ ، فَإِذَا رَجَعَتْ إلَيْهِ صَارَتْ رَهْنًا .\rوَالْأَوْلَى أَنَّهَا لَا تَخْرُجُ عَنْ الرَّهْنِ ، إذَا اسْتَأْجَرَهَا الْمُرْتَهِنُ ، أَوْ اسْتَعَارَهَا ؛ لِأَنَّ الْقَبْضَ مُسْتَدَامٌ ، وَلَا تَنَافِي بَيْنَ الْعَقْدَيْنِ ، وَكَلَامُ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ بْنِ ثَوَابٍ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ أَذِنَ لِلرَّاهِنِ فِي سُكْنَاهَا ، كَمَا فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ ؛ لِأَنَّهَا خَرَجَتْ عَنْ يَدِ الْمُرْتَهِنِ ، فَزَالَ اللُّزُومُ لِزَوَالِ الْيَدِ ، بِخِلَافِ مَا إذَا سَكَنَهَا الْمُرْتَهِنُ .\rوَمَتَى اسْتَعَارَ الْمُرْتَهِنُ الرَّهْنَ صَارَ مَضْمُونًا عَلَيْهِ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ .\rوَمَبْنَى ذَلِكَ عَلَى الْعَارِيَّةِ ، فَإِنَّهَا عِنْدَنَا مَضْمُونَةٌ وَعِنْدَهُ غَيْرُ مَضْمُونَةٍ .","part":9,"page":244},{"id":4244,"text":"( 3370 ) فَصْلٌ : فَإِنْ شَرَطَ فِي الرَّهْنِ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهِ الْمُرْتَهِنُ فَالشَّرْطُ فَاسِدٌ ؛ لِأَنَّهُ يُنَافِي مُقْتَضَى الرَّهْنِ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ يَجُوزُ فِي الْمَبِيعِ ، قَالَ الْقَاضِي : مَعْنَاهُ أَنْ يَقُولَ : بِعْتُك هَذَا الثَّوْبَ بِدِينَارِ ، بِشَرْطِ أَنْ تَرْهَنَنِي عَبْدَك يَخْدُمُنِي شَهْرًا .\rفَيَكُونُ بَيْعًا وَإِجَارَةً ، فَهُوَ صَحِيحٌ .\rوَإِنْ أَطْلَقَ ، فَالشَّرْطُ بَاطِلٌ ؛ لِجَهَالَةِ ثَمَنِهِ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : لَا بَأْسَ أَنْ يَشْتَرِطَ فِي الْبَيْعِ مَنْفَعَةَ الرَّهْنِ إلَى أَجَلٍ فِي الدُّورِ وَالْأَرْضِينَ ، وَكَرِهَهُ فِي الْحَيَوَانِ وَالثِّيَابِ ، وَكَرِهَهُ فِي الْقَرْضِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ شَرَطَ فِي الرَّهْنِ مَا يُنَافِيه ، فَلَمْ يَصِحَّ ، كَمَا لَوْ شَرَطَهُ فِي الْقَرْضِ .","part":9,"page":245},{"id":4245,"text":"( 3371 ) فَصْلٌ : الْحَالُ الثَّانِي مَا يَحْتَاجُ فِيهِ إلَى مُؤْنَةٍ ، فَحُكْمُ الْمُرْتَهِنِ فِي الِانْتِفَاعِ بِهِ ، بِعِوَضٍ أَوْ بِغَيْرِ عِوَضٍ ، بِإِذْنِ الرَّاهِنِ ، كَالْقِسْمِ الَّذِي قَبْلَهُ .\rوَإِنْ أَذِنَ لَهُ فِي الْإِنْفَاقِ وَالِانْتِفَاعِ بِقَدْرِهِ ، جَازَ ؛ لِأَنَّهُ نَوْعُ مُعَاوَضَةٍ .\rوَأَمَّا مَعَ عَدَمِ الْإِذْنِ ، فَإِنْ الرَّهْنَ يَنْقَسِمُ قِسْمَيْنِ ؛ مَحْلُوبًا وَمَرْكُوبًا ، وَغَيْرَهُمَا ، فَأَمَّا الْمَحْلُوبُ وَالْمَرْكُوبُ ، فَلِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يُنْفِقَ عَلَيْهِ ، وَيَرْكَبَ ، وَيَحْلُبَ ، بِقَدْرِ نَفَقَتِهِ ، مُتَحَرِّيًا لِلْعَدْلِ فِي ذَلِكَ .\rوَنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَكَمِ ، وَأَحْمَدَ بْن الْقَاسِمِ وَاخْتَارَهُ الْخِرَقِيِّ ، وَهُوَ قَوْلُ إِسْحَاقَ .\rوَسَوَاءٌ أَنَفَقَ مَعَ تَعَذُّرِ النَّفَقَةِ مِنْ الرَّاهِنِ ، لِغَيْبَتِهِ ، أَوْ امْتِنَاعِهِ مِنْ الْإِنْفَاقِ ، أَوْ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى أَخْذِ النَّفَقَةِ مِنْ الرَّاهِنِ ، وَاسْتِئْذَانِهِ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى ، لَا يُحْتَسَبُ لَهُ بِمَا أَنْفَقَ ، وَهُوَ مُتَطَوِّعٌ بِهَا ، وَلَا يَنْتَفِعُ مِنْ الرَّهْنِ بِشَيْءٍ .\rوَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : الرَّهْنُ مِنْ رَاهِنِهِ ، لَهُ غُنْمُهُ ، وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ } .\rوَلِأَنَّهُ مِلْكُ غَيْرِهِ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ فِي الِانْتِفَاعِ بِهِ ، وَلَا الْإِنْفَاقِ عَلَيْهِ .\rفَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ ، كَغَيْرِ الرَّهْنِ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى الْبُخَارِيُّ ، وَأَبُو دَاوُد ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { الظَّهْرُ يُرْكَبُ بِنَفَقَتِهِ إذَا كَانَ مَرْهُونًا ، وَلَبَنُ الدَّرِّ يُشْرَبُ بِنَفَقَتِهِ إذَا كَانَ مَرْهُونًا } ، وَعَلَى الَّذِي يَرْكَبُ وَيَشْرَبُ النَّفَقَةُ .\rفَجَعَلَ مَنْفَعَتَهُ بِنَفَقَتِهِ ، وَهَذَا مَحِلُّ النِّزَاعِ ، فَإِنْ قِيلَ : الْمُرَادُ بِهِ أَنَّ الرَّاهِنَ يُنْفِقُ وَيَنْتَفِعُ .\rقُلْنَا : لَا يَصِحُّ لِوَجْهَيْنِ ؛ أَحَدِهِمَا ، أَنَّهُ قَدْ رُوِيَ فِي بَعْضِ","part":9,"page":246},{"id":4246,"text":"الْأَلْفَاظِ : \" إذَا كَانَتْ الدَّابَّةُ مَرْهُونَةً ، فَعَلَى الْمُرْتَهِنِ عَلْفُهَا ، وَلَبَنُ الدَّرِّ يُشْرَبُ ، وَعَلَى الَّذِي يَشْرَبُ وَيَرْكَبُ نَفَقَتُهُ \" .\rفَجَعَلَ الْمُنْفِقَ الْمُرْتَهِنَ ، فَيَكُونُ هُوَ الْمُنْتَفِعَ .\rوَالثَّانِي ، أَنَّ قَوْلَهُ : ( بِنَفَقَتِهِ ) يُشِيرُ إلَى أَنَّ الِانْتِفَاعَ عِوَضُ النَّفَقَةِ ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ حَقُّ الْمُرْتَهِنِ ، أَمَّا الرَّاهِنُ فَإِنْفَاقُهُ وَانْتِفَاعُهُ لَا بِطَرِيقِ الْمُعَاوَضَةِ لِأَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ ، وَلِأَنَّ نَفَقَةَ الْحَيَوَانِ وَاجِبَةٌ ، وَلِلْمُرْتَهِنِ حَقٌّ قَدْ أَمْكَنَهُ اسْتِيفَاءُ حَقِّهِ مِنْ نَمَاءِ الرَّهْنِ ، وَالنِّيَابَةِ عَنْ الْمَالِكِ فِيمَا وَجَبَ عَلَيْهِ وَاسْتِيفَاءِ ذَلِكَ مِنْ مَنَافِعِهِ ، فَجَازَ ذَلِكَ كَمَا ، يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ أَخْذُ مُؤْنَتِهَا مِنْ مَالِ زَوْجِهَا عِنْدَ امْتِنَاعِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ ، وَالنِّيَابَةُ عَنْهُ فِي الْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا ، وَالْحَدِيثُ نَقُولُ بِهِ : وَالنَّمَاءُ لِلرَّاهِنِ ، وَلَكِنْ لِلْمُرْتَهِنِ وِلَايَةُ صَرْفِهَا إلَى نَفَقَتِهِ ، لِثُبُوتِ يَدِهِ عَلَيْهِ وَوِلَايَتِهِ ، وَهَذَا فِيمَنْ أَنْفَقَ مُحْتَسِبًا بِالرُّجُوعِ ، فَأَمَّا إنْ أَنْفَقَ مُتَبَرِّعًا بِغَيْرِ نِيَّةِ الرُّجُوعِ ، لَمْ يَنْتَفِعْ بِهِ ، رِوَايَةً وَاحِدَةً .","part":9,"page":247},{"id":4247,"text":"( 3372 ) فَصْلٌ : وَأَمَّا غَيْرُ الْمَحْلُوبِ وَالْمَرْكُوبِ ، فَيَتَنَوَّعُ نَوْعَيْنِ ؛ حَيَوَانٌ ، وَغَيْرُهُ ، فَأَمَّا الْحَيَوَانُ كَالْعَبْدِ وَالْأَمَةِ وَنَحْوِهِمَا ، فَهَلْ لِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يُنْفِقَ وَيَسْتَخْدِمَهُ بِقَدْرِ نَفَقَتِهِ ؟ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ .\rذَكَرَهَا الْخِرَقِيِّ ، وَنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ .\rقَالَ : سَمِعْت أَبَا عَبْدِ اللَّه يَسْأَلُ عَنْ الرَّجُلِ يَرْهَنُ الْعَبْدَ ، فَيَسْتَخْدِمُهُ فَقَالَ : الرَّهْنُ لَا يَنْتَفِعُ مِنْهُ بِشَيْءِ ، إلَّا حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ خَاصَّةً فِي الَّذِي يَرْكَبُ وَيَحْلُبُ وَيَعْلِفُ .\rقُلْت لَهُ : فَإِنْ كَانَ اللَّبَنُ وَالرُّكُوبُ أَكْثَرَ ؟ قَالَ : لَا إلَّا بِقَدْرِ .\rوَنَقَلَ حَنْبَلٌ ، عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّ لَهُ اسْتِخْدَامَ الْعَبْدِ أَيْضًا - وَبِهِ قَالَ أَبُو ثَوْرٍ - إذَا امْتَنَعَ الْمَالِكُ مِنْ الْإِنْفَاقِ عَلَيْهِ .\rقَالَ أَبُو بَكْرٍ : خَالَفَ حَنْبَلٌ الْجَمَاعَةَ ، وَالْعَمَلُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَنْتَفِعُ مِنْ الرَّهْنِ بِشَيْءِ ، إلَّا مَا خَصَّهُ الشَّرْعُ بِهِ ، فَإِنَّ الْقِيَاسَ يَقْتَضِي أَنْ لَا يَنْتَفِعَ بِشَيْءِ مِنْهُ ، تَرَكْنَاهُ فِي الْمَرْكُوبِ وَالْمَحْلُوبِ لِلْأَثَرِ ، فَفِيمَا عَدَاهُ يُبْقِي عَلَى مُقْتَضَى الْقِيَاسِ .\rالنَّوْعُ الثَّانِي ، غَيْرُ الْحَيَوَانِ ، كَدَارٍ اسْتُهْدِمَتْ ، فَعَمَرَهَا الْمُرْتَهِنُ ، لَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءِ .\rرِوَايَةً وَاحِدَةً .\rوَلَيْسَ لَهُ الِانْتِفَاعُ بِهَا بِقَدْرِ نَفَقَتِهِ ، فَإِنَّ عِمَارَتَهَا غَيْرُ وَاجِبَةٍ عَلَى الرَّاهِنِ ، فَلَيْسَ لِغَيْرِهِ أَنْ يَنُوبَ عَنْهُ فِيمَا لَا يَلْزَمُهُ ، فَإِنْ فَعَلَ كَانَ مُتَبَرِّعًا ، بِخِلَافِ الْحَيَوَانِ ، فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَى مَالِكِهِ الْإِنْفَاقُ عَلَيْهِ ، لِحُرْمَتِهِ فِي نَفْسِهِ .","part":9,"page":248},{"id":4248,"text":"( 3373 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا الْحَيَوَانُ ، إذَا أَنْفَقَ عَلَيْهِ مُتَبَرِّعًا لَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءِ ؛ لِأَنَّهُ تَصَدَّقَ بِهِ ، فَلَمْ يَرْجِعْ بِعِوَضِهِ ، كَمَا لَوْ تَصَدَّقَ عَلَى مِسْكِينٍ .\rوَإِنْ نَوَى الرُّجُوعَ عَلَى مَالِكِهِ ، وَكَانَ ذَلِكَ بِإِذْنِ الْمَالِكِ ، رَجَعَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ نَابَ عَنْهُ فِي الْإِنْفَاقِ بِإِذْنِهِ ، فَكَانَتْ النَّفَقَةُ عَلَى الْمَالِكِ ، كَمَا لَوْ وَكَّلَهُ فِي ذَلِكَ ، وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ إذْنِهِ ، فَهَلْ يَرْجِعُ عَلَيْهِ ؟ يُخَرَّجُ عَلَى رِوَايَتَيْنِ ، بِنَاءً عَلَى مَا إذَا قَضَى دَيْنَهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ ؛ لِأَنَّهُ نَابَ عَنْهُ فِيمَا يَلْزَمُهُ .\rوَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : إنْ قَدَرَ عَلَى اسْتِئْذَانِهِ فَلَمْ يَسْتَأْذِنْهُ ، فَهُوَ مُتَبَرِّعٌ ، لَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ ، وَإِنْ عَجَزَ عَنْ اسْتِئْذَانِهِ ، فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ ، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِيمَا إذَا مَاتَ الْعَبْدُ الْمَرْهُونُ فَكَفَنَهُ .\rوَالْأَوَّلُ أَقْيَسُ فِي الْمَذْهَبِ ؛ إذْ لَا يُعْتَبَرُ فِي قَضَاءِ الدَّيْنِ الْعَجْزُ عَنْ اسْتِئْذَانِ الْغَرِيمِ .","part":9,"page":249},{"id":4249,"text":"( 3374 ) فَصْلٌ : وَإِذَا انْتَفَعَ الْمُرْتَهِنُ بِالرَّهْنِ ، بِاسْتِخْدَامِ ، أَوْ رُكُوبٍ أَوْ لُبْسٍ ، أَوْ اسْتِرْضَاعٍ ، أَوْ اسْتِغْلَالٍ ، أَوْ سُكْنَى ، أَوْ غَيْرِهِ ، حَسَبَ مِنْ دَيْنِهِ بِقَدْرِ ذَلِكَ .\rقَالَ أَحْمَدُ : يُوضَعُ عَنْ الرَّاهِنِ بِقَدْرِ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الْمَنَافِعَ مِلْكُ الرَّاهِنِ ، فَإِذَا اسْتَوْفَاهَا فَعَلَيْهِ قِيمَتُهَا فِي ذِمَّتِهِ لِلرَّاهِنِ ، فَيُتَقَاصُّ الْقِيمَةَ وَقَدْرَهَا مِنْ الدَّيْنِ ، وَيَتَسَاقَطَانِ .","part":9,"page":250},{"id":4250,"text":"( 3375 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَغَلَّةُ الدَّارِ ، وَخِدْمَةُ الْعَبْدِ ، وَحَمْلُ الشَّاةِ وَغَيْرِهَا ، وَثَمَرَةُ الشَّجَرَةِ الْمَرْهُونَةِ ، مِنْ الرَّهْنِ ) أَرَادَ بِغَلَّةِ الدَّارِ أَجْرَهَا .\rوَكَذَلِكَ خِدْمَةُ الْعَبْدِ .\rوَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ نَمَاءَ الرَّهْنِ جَمِيعَهُ وَغَلَّاتَهُ تَكُونُ رَهْنًا فِي يَدِ مَنْ الرَّهْنُ فِي يَدِهِ كَالْأَصْلِ .\rوَإِذَا اُحْتِيجَ إلَى بَيْعِهِ فِي وَفَاءِ الدَّيْنِ ، بِيعَ مَعَ الْأَصْلِ ، سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الْمُتَّصِلُ ، كَالسَّمْنِ وَالتَّعَلُّمِ ، وَالْمُنْفَصِلُ كَالْكَسْبِ وَالْأُجْرَةِ وَالْوَلَدِ وَالثَّمَرَةِ وَاللَّبَنِ وَالصُّوفِ وَالشَّعْرِ .\rوَبِنَحْوِ هَذَا قَالَ النَّخَعِيُّ وَالشَّعْبِيُّ ، وَقَالَ الثَّوْرِيُّ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ : فِي النَّمَاءِ يَتْبَعُ ، وَفِي الْكَسْبِ لَا يَتْبَعُ ؛ لِأَنَّ الْكَسْبَ فِي حُكْمِ الْكِتَابَةِ وَالِاسْتِيلَادِ وَالتَّدْبِيرِ ، فَلَا يَتْبَعُ فِي الرَّهْنِ ، كَأَعْيَانِ مَالِ الرَّاهِنِ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : يَتْبَعُ الْوَلَدُ فِي الرَّهْنِ خَاصَّةً ، دُونَ سَائِرِ النَّمَاءِ ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ يَتْبَعُ الْأَصْلَ فِي الْحُقُوقِ الثَّابِتَةِ ، كَوَلَدِ أُمِّ الْوَلَدِ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ : لَا يَدْخُلُ فِي الرَّهْنِ شَيْءٌ مِنْ النَّمَاءِ الْمُنْفَصِلِ ، وَلَا مِنْ الْكَسْبِ ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ تَعَلَّقَ بِالْأَصْلِ ، يُسْتَوْفَى مِنْ ثَمَنِهِ ، فَلَا يَسْرِي إلَى غَيْرِهِ ، كَحَقِّ الْجِنَايَةِ .\rقَالَ الشَّافِعِيُّ : وَلَوْ رَهَنَهُ مَاشِيًا مَخَاضًا ، فَنَتَجَتْ ، فَالنِّتَاجُ خَارِجٌ مِنْ الرَّهْنِ .\rوَخَالَفَهُ أَبُو ثَوْرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ .\rوَمِنْ حُجَّتِهِمْ أَيْضًا قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { الرَّهْنُ مِنْ رَاهِنِهِ ، لَهُ غُنْمُهُ ، وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ } وَالنَّمَاءُ غُنْمٌ ، فَيَكُونُ لِلرَّاهِنِ .\rوَلِأَنَّهَا عَيْنٌ مِنْ أَعْيَانِ مِلْكِ الرَّاهِنِ ، لَمْ يَعْقِدْ عَلَيْهَا عَقْدَ رَهْنٍ فَلَمْ تَكُنْ رَهْنًا ، كَسَائِرِ مَالِهِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ حُكْمٌ يَثْبُتُ فِي الْعَيْنِ بِعَقْدِ الْمَالِكِ ، فَيَدْخُلُ فِيهِ النَّمَاءُ وَالْمَنَافِعُ ، كَالْمِلْكِ بِالْبَيْعِ وَغَيْرِهِ ،","part":9,"page":251},{"id":4251,"text":"وَلِأَنَّ ، النَّمَاءَ نَمَاءٌ حَادِثٌ مِنْ عَيْنِ الرَّهْنِ ، فَيَدْخُلُ فِيهِ ، كَالْمُتَّصِلِ ، وَلِأَنَّهُ حَقٌّ مُسْتَقِرٌّ فِي الْأُمِّ ، ثَبَتَ بِرِضَى الْمَالِكِ ، فَيَسْرِي إلَى الْوَلَدِ ، كَالتَّدْبِيرِ وَالِاسْتِيلَادِ .\rلَنَا عَلَى مَالِكٍ أَنَّهُ نَمَاءٌ حَادِثٌ مِنْ عَيْنِ الرَّهْنِ ، فَسَرَى إلَيْهِ حُكْمُ الرَّهْنِ كَالْوَلَدِ .\rوَعَلَى أَبِي حَنِيفَةَ ؛ أَنَّهُ عَقْدٌ يَسْتَتْبِعُ النَّمَاءَ ، فَاسْتَتْبَعَ الْكَسْبَ كَالشِّرَاءِ .\rفَأَمَّا الْحَدِيثُ .\rفَنَقُولُ بِهِ ، وَأَنَّ غُنْمَهُ وَنَمَاءَهُ وَكَسْبَهُ لِلرَّاهِنِ ، لَكِنْ يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّ الرَّهْنِ ، كَالْأَصْلِ ، فَإِنَّهُ لِلرَّاهِنِ ، وَالْحَقُّ مُتَعَلِّقٌ بِهِ ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَائِرِ مَالِ الرَّاهِنِ ، أَنَّهُ تَبَعٌ ، فَثَبَتَ لَهُ حُكْمُ أَصْلِهِ .\rوَأَمَّا حَقُّ الْجِنَايَةِ ، فَإِنَّهُ ثَبَتَ بِغَيْرِ رِضَى الْمَالِكِ ، فَلَمْ يَتَعَدَّ مَا ثَبَتَ فِيهِ ، وَلِأَنَّهُ جَزَاءُ عُدْوَانٍ ، فَاخْتَصَّ الْجَانِي كَالْقِصَاصِ ، وَلِأَنَّ السِّرَايَةَ فِي الرَّهْنِ لَا تُفْضِي إلَى اسْتِيفَاءِ أَكْثَرَ مِنْ دَيْنِهِ ، فَلَا يَكْثُرُ الضَّرَرُ فِيهِ .","part":9,"page":252},{"id":4252,"text":"( 3376 ) فَصْلٌ : وَإِذَا ارْتَهَنَ أَرْضًا ، أَوْ دَارًا ، أَوْ غَيْرَهُمَا ، تَبِعَهُ فِي الرَّهْنِ مَا يَتْبَعُ فِي الْبَيْعِ فَإِنْ كَانَ فِي الْأَرْضِ شَجَرٌ ، فَقَالَ : رَهَنْتُك هَذِهِ الْأَرْضَ بِحُقُوقِهَا .\rأَوْ ذَكَرَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الشَّجَرَ فِي الرَّهْنِ ، دَخَلَ فِيهِ ، وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ ، فَهَلْ يَدْخُلُ الشَّجَرُ فِي الرَّهْنِ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ ، بِنَاءً عَلَى دُخُولِهِ فِي الْبَيْعِ .\rوَإِنْ رَهَنَهُ شَجَرًا مُثْمِرًا ، وَفِيهِ ثَمَرَةٌ ظَاهِرَةٌ ، لَمْ تَدْخُلْ فِي الرَّهْنِ ، كَمَا لَا تَدْخُلُ فِي الْبَيْعِ ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ ظَاهِرَةً دَخَلَتْ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا تَدْخُلُ الثَّمَرَةُ فِي الرَّهْنِ بِحَالٍ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : تَدْخُلُ بِكُلِّ حَالٍ ؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ عِنْدَهُ لَا يَصِحُّ عَلَى الْأُصُولِ دُونَ الثَّمَرَةِ ، وَقَدْ قَصَدَ إلَى عَقْدٍ صَحِيحٍ ، فَتَدْخُلُ الثَّمَرَةُ ضَرُورَةَ الصِّحَّةِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الثَّمَرَةَ الْمُؤَبَّرَةَ لَا تَدْخُلُ فِي الْبَيْعِ ، مَعَ قُوَّتِهِ ، وَإِزَالَتِهِ لِمِلْكِ الْبَائِعِ ، فَالرَّهْنُ مَعَ ضَعْفِهِ أَوْلَى ، وَعَلَى الشَّافِعِيِّ ، أَنَّهُ عَقْدٌ عَلَى الشَّجَرَةِ فَاسْتَتْبَعَ الثَّمَرَةَ غَيْرَ الْمُؤَبَّرَةِ ، كَالْبَيْعِ ، وَيَدْخُلُ فِي الرَّهْنِ الصُّوفُ وَاللَّبَنُ الْمَوْجُودَانِ ، كَمَا يَدْخُلُ فِي الْبَيْعِ ، وَكَذَلِكَ الْحَمْلُ وَسَائِرُ مَا بِيعَ فِي الْبَيْعِ ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ وَارِدٌ عَلَى الْعَيْنِ ، فَدَخَلَتْ فِيهِ هَذِهِ التَّوَابِعُ كَالْبَيْعِ ، وَلَوْ كَانَ الرَّهْنُ دَارًا فَخَرِبَتْ ، كَانَتْ أَنْقَاضُهَا رَهْنًا ؛ لِأَنَّهَا مِنْ أَجْزَائِهَا ، وَلَوْ كَانَتْ مَرْهُونَةً قَبْلَ خَرَابِهَا ، وَلَوْ رَهَنَهُ أَرْضًا ، فَنَبَتَ فِيهَا شَجَرٌ ، فَهُوَ مِنْ الرَّهْنِ ، سَوَاءٌ نَبَتَ بِفِعْلِ الرَّاهِنِ ، أَوْ بِفِعْلِ غَيْرِهِ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ نَمَائِهَا .","part":9,"page":253},{"id":4253,"text":"( 3377 ) فَصْلٌ وَلَيْسَ لِلرَّاهِنِ الِانْتِفَاعُ بِالرَّهْنِ ، بِاسْتِخْدَامٍ ، وَلَا وَطْءٍ ، وَلَا سُكْنَى ، وَلَا غَيْرِ ذَلِكَ وَلَا يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فِيهِ ، بِإِجَارَةِ ، وَلَا إعَارَةٍ ، وَلَا غَيْرِهِمَا ، بِغَيْرِ رِضَا الْمُرْتَهِنِ .\rوَبِهَذَا قَالَ الثَّوْرِيُّ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَقَالَ مَالِكٌ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى وَالشَّافِعِيُّ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ : لِلرَّاهِنِ إجَارَتُهُ وَإِعَارَتُهُ مُدَّةً لَا يَتَأَخَّرُ انْقِضَاؤُهَا عَنْ حُلُولِ الدَّيْنِ .\rوَهَلْ لَهُ أَنْ يَسْكُنَ بِنَفْسِهِ ؟ عَلَى اخْتِلَافٍ بَيْنَهُمْ فِيهِ .\rوَإِنْ كَانَ الرَّهْنُ عَبْدًا ، فَلَهُ اسْتِيفَاء مَنَافِعِهِ بِغَيْرِهِ .\rوَهَلْ لَهُ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ ؟ عَلَى الْخِلَافِ .\rوَلَيْسَ لَهُ إجَارَةُ الثَّوْبِ وَلَا مَا يَنْقُصُ بِالِانْتِفَاعِ .\rوَبَنَوْهُ عَلَى أَنَّ الْمَنَافِعَ لِلرَّاهِنِ ، لَا تَدْخُلُ فِي الرَّهْنِ ، وَلَا يَتَعَلَّقُ بِهَا حَقُّهُ .\rوَقَدْ سَبَقَ الْكَلَامُ فِي هَذَا .\rوَلِأَنَّهَا عَيْنٌ مَحْبُوسَةٌ ، فَلَمْ يَكُنْ لِلْمَالِكِ الِانْتِفَاعُ بِهَا ، كَالْبَيْعِ الْمَحْبُوسِ عِنْدَ الْبَائِعِ عَلَى اسْتِيفَاءِ ثَمَنِهِ .\rأَوْ نَقُولُ : نَوْعُ انْتِفَاعٍ ، فَلَا يَمْلِكُهُ الرَّاهِنُ ، كَاَلَّذِي يُنْقِصُ قِيمَةَ الرَّهْنِ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِنَّ الْمُتَرَاهِنَيْنِ إذَا لَمْ يَتَّفِقَا عَلَى الِانْتِفَاعِ بِهَا ، لَمْ يَجُزْ الِانْتِفَاعُ بِهَا ، وَكَانَتْ مَنَافِعُهَا مُعَطَّلَةً ، فَإِنْ كَانَتْ دَارًا أُغْلِقَتْ ، وَإِنْ كَانَ عَبْدًا أَوْ غَيْرَهُ تَعَطَّلَتْ مَنَافِعُهُ حَتَّى يَفُكَّ الرَّهْنُ .\rوَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى إجَارَةِ الرَّهْنِ ، أَوْ إعَارَتِهِ ، جَازَ ذَلِكَ .\rهَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ لِأَنَّهُ جَعَلَ غَلَّةَ الدَّارِ وَخِدْمَةَ الْعَبْدِ رَهْنًا ، وَلَوْ عُطِّلَتْ مَنَافِعُهُمَا لَمْ يَكُنْ لَهُمَا غَلَّةٌ .\rوَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى : إنْ أَذِنَ الرَّاهِنُ لِلْمُرْتَهِنِ فِي إعَارَتِهِ ، أَوْ إجَارَتِهِ ، جَازَ وَالْأُجْرَةُ رَهْنٌ ، وَإِنْ أَجَرَهُ الرَّاهِنُ بِإِذْنِ الْمُرْتَهِنِ ، خَرَجَ مِنْ الرَّهْنِ ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ ، وَالْآخَرُ لَا يَخْرُجُ ، كَمَا لَوْ أَجَرَهُ الْمُرْتَهِنُ .\rوَقَالَ أَبُو","part":9,"page":254},{"id":4254,"text":"الْخَطَّابِ ، فِي الْمُشَاعِ : يُؤْجِرُهُ الْحَاكِمُ لَهُمَا .\rوَذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ فِي الْخِلَافِ ، أَنَّ مَنَافِعَ الرَّهْنِ تُعَطَّلُ مُطْلَقًا ، وَلَا يُؤْجَرَاهُ .\rوَهَذَا قَوْلُ الثَّوْرِيِّ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ .\rوَقَالُوا : إذَا أَجَرَ الرَّاهِنُ الرَّهْنَ بِإِذْنِ الْمُرْتَهِنِ ، كَانَ إخْرَاجًا مِنْ الرَّهْنِ ؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ يَقْتَضِي حَبْسَهُ عِنْدَ الْمُرْتَهِنِ أَوْ نَائِبِهِ عَلَى الدَّوَامِ ، فَمَتَى وُجِدَ عَقْدٌ يَسْتَحِقُّ بِهِ زَوَالَ الْحَبْسِ زَالَ الرَّهْنُ .\rوَلَنَا ، أَنَّ مَقْصُودَ الرَّهْنِ الِاسْتِيثَاقُ بِالدَّيْنِ ، وَاسْتِيفَاؤُهُ مِنْ ثَمَنِهِ عِنْدَ تَعَذُّرِ اسْتِيفَائِهِ مِنْ ذِمَّةِ الرَّاهِنِ ، وَهَذَا لَا يُنَافِي الِانْتِفَاعَ بِهِ ، وَلَا إجَارَتَهُ ، وَلَا إعَارَتَهُ ، فَجَازَ اجْتِمَاعُهُمَا ، كَانْتِفَاعِ الْمُرْتَهِنِ بِهِ ، وَلِأَنَّ تَعْطِيلَ مَنْفَعَتِهِ تَضْيِيعٌ لِلْمَالِ ، وَقَدْ نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ إضَاعَةِ الْمَالِ ، وَلِأَنَّهُ عَيْنٌ تَعَلَّقَ بِهَا حَقُّ الْوَثِيقَةِ ، فَلَمْ يَمْنَعْ إجَارَتَهَا ، كَالْعَبْدِ إذَا ضَمِنَ بِإِذْنِ سَيِّده ، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ مُقْتَضَى الرَّهْنِ الْحَبْسُ ، وَإِنَّمَا مُقْتَضَاهُ تَعَلُّقُ الْحَقِّ بِهِ عَلَى وَجْهٍ تَحْصُلُ بِهِ الْوَثِيقَةُ ، وَذَلِكَ غَيْرُ مُنَافٍ لِلِانْتِفَاعِ بِهِ ، وَلَوْ سَلَّمْنَا أَنَّ مُقْتَضَاهُ الْحَبْسُ ، فَلَا يَمْنَعُ أَنْ يَكُونَ الْمُسْتَأْجِرُ نَائِبًا عَنْهُ فِي إمْسَاكِهِ وَحَبْسِهِ ، وَمُسْتَوْفِيًا لِمَنْفَعَتِهِ لِنَفْسِهِ .","part":9,"page":255},{"id":4255,"text":"( 3378 ) فَصْلٌ : وَلَا يُمْنَعُ الرَّاهِنُ مِنْ إصْلَاحِ الرَّهْنِ ، وَدَفْعِ الْفَسَادِ عَنْهُ ، وَمُدَاوَاتِهِ إنْ احْتَاجَ إلَيْهَا ، فَإِذَا كَانَ الرَّهْنُ مَاشِيَةً فَاحْتَاجَتْ إلَى إطْرَاقِ الْفَحْلِ ، فَلِلرَّاهِنِ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ فِيهِ مَصْلَحَةً لِلرَّهْنِ ، وَزِيَادَتَهُ ، وَذَلِكَ زِيَادَةٌ ، فِي حَقِّ الْمُرْتَهِنِ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ ، وَإِنْ كَانَتْ فُحُولًا لَمْ يَكُنْ لِلرَّاهِنِ إطْرَاقُهَا بِغَيْرِ رِضَا الْمُرْتَهِنِ ؛ لِأَنَّهُ انْتِفَاعٌ لَا مَصْلَحَةَ لِلرَّهْنِ فِيهِ ، فَهُوَ كَالِاسْتِخْدَامِ ، إلَّا أَنْ يَصِيرَ إلَى حَالٍ يَتَضَرَّرُ بِتَرْكِ الْإِطْرَاقِ ، فَيَجُوزُ ؛ لِأَنَّهُ كَالْمُدَاوَاةِ لَهُ .","part":9,"page":256},{"id":4256,"text":"( 3379 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَمُؤْنَةُ الرَّهْنِ عَلَى الرَّاهِنِ وَإِنْ كَانَ عَبْدًا فَمَاتَ ، فَعَلَيْهِ كَفَنُهُ ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا يُخَزَّنُ ، فَعَلَيْهِ كِرَاءُ مَخْزَنِهِ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ مُؤْنَةَ الرَّهْنِ مِنْ طَعَامِهِ ، وَكُسْوَتِهِ ، وَمَسْكَنِهِ ، وَحَافِظِهِ ، وَحِرْزِهِ ، وَمَخْزَنِهِ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ عَلَى الرَّاهِنِ .\rوَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ ، وَالْعَنْبَرِيُّ ، وَإِسْحَاقُ : وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : أَجْرُ الْمَسْكَنِ وَالْحَافِظِ عَلَى الْمُرْتَهِنِ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ مُؤْنَةِ إمْسَاكِهِ وَارْتِهَانِهِ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { الرَّهْنُ مِنْ رَاهِنِهِ لَهُ غُنْمُهُ وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ } وَلِأَنَّهُ نَوْعُ إنْفَاقٍ ، فَكَانَ عَلَى الرَّاهِنِ ، كَالطَّعَامِ ، وَلِأَنَّ الرَّهْنَ مِلْكٌ لِلرَّاهِنِ ، فَكَانَ عَلَيْهِ مَسْكَنُهُ وَحَافِظُهُ ، كَغَيْرِ الرَّهْنِ .\rوَإِنْ أَبَقَ الْعَبْدُ فَأُجْرَةُ مَنْ يَرُدُّهُ عَلَى الرَّاهِنِ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَكُونُ بِقَدْرِ الْأَمَانَةِ عَلَى الرَّاهِنِ ، وَبِقَدْرِ الضَّمَانِ عَلَى الْمُرْتَهِنِ .\rوَإِنْ اُحْتِيجَ إلَى مُدَاوَاتِهِ لِمَرَضٍ أَوْ جُرْحٍ فَذَلِكَ عَلَى الرَّاهِنِ .\rوَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ، هُوَ كَأَجْرِ مَنْ يَرُدُّهُ مِنْ إبَاقِهِ .\rوَبَنَى ذَلِكَ عَلَى أَصْلِهِ فِي أَنَّ يَدَ الْمُرْتَهِنِ يَدُ ضَمَانٍ ، بِقَدْرِ دَيْنِهِ فِيهِ ، وَمَا زَادَ فَهُوَ أَمَانَةٌ عِنْدَهُ .\rوَالْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ .\rوَإِنْ مَاتَ الْعَبْدُ كَانَتْ مُؤْنَتُهُ ، كَتَجْهِيزِهِ ، وَتَكْفِينه ، وَدَفْنِهِ عَلَى الرَّاهِنِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ تَابِعٌ لِمُؤْنَتِهِ ، فَإِنَّ كُلَّ مَنْ لَزِمَتْهُ مُؤْنَةُ شَخْصٍ كَانَتْ مُؤْنَتُهُ كَتَجْهِيزِهِ وَدَفْنِهِ عَلَيْهِ ، كَسَائِرِ الْعَبِيدِ وَالْإِمَاءِ وَالْأَقَارِبِ مِنْ الْأَحْرَارِ .","part":9,"page":257},{"id":4257,"text":"( 3380 ) فَصْلٌ : وَإِنْ كَانَ الرَّهْنُ ثَمَرَةً فَاحْتَاجَتْ إلَى سَقْيٍ وَتَسْوِيَةٍ وَجُذَاذٍ ، فَذَلِكَ عَلَى الرَّاهِنِ ، وَإِنْ احْتَاجَتْ إلَى تَجْفِيفٍ ، وَالْحَقُّ مُؤَجَّلٌ ، فَعَلَيْهِ التَّجْفِيفُ ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى أَنْ يَسْتَبْقِيَهَا رَهْنًا حَتَّى يَحِلَّ الْحَقُّ .\rوَإِنْ كَانَ حَالًّا ، بِيعَتْ وَلَمْ يَحْتَجْ إلَى تَجْفِيفِهَا .\rوَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى بَيْعِهَا وَجَعْلِ ثَمَنِهَا رَهْنًا بِالْحَقِّ الْمُؤَجَّلِ ، جَازَ ، وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي ذَلِكَ ، قُدِّمَ قَوْلُ مَنْ يَسْتَبْقِيهَا بِعَيْنِهَا ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ يَقْتَضِي ذَلِكَ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّا تَقِلُّ قِيمَتُهُ بِالتَّجْفِيفِ ، وَقَدْ جَرَتْ الْعَادَةُ بِبَيْعِهِ رَطْبًا ، فَإِنَّهُ يُبَاعُ ، وَيُجْعَلُ ثَمَنُهُ مَكَانَهُ .\rوَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى قَطْعِ الثَّمَرَةِ فِي وَقْتٍ ، فَلَهُمَا ذَلِكَ ، سَوَاءٌ كَانَ الْحَقُّ حَالًّا أَوْ مُؤَجَّلًا ، وَسَوَاء كَانَ الْأَصْلَحُ الْقَطْعَ أَوْ التَّرْكَ ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَا يَخْرُجُ عَنْهُمَا ، وَإِنْ اخْتَلَفَا قَدَّمْنَا قَوْلَ مِنْ طَلَبَ الْأَصْلَحَ ، إنْ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ حُلُولِ الْحَقِّ .\rوَإِنْ كَانَ الْحَقُّ حَالًّا قُدِّمَ قَوْلُ مَنْ طَلَبَ الْقَطْعَ ، لِأَنَّهُ إنْ كَانَ الْمُرْتَهِنَ ، فَهُوَ طَالِبٌ لِاسْتِيفَاءِ حَقِّهِ الْحَالِّ ، فَلَزِمَ إجَابَتُهُ ، وَإِنْ كَانَ الرَّاهِنَ ، فَهُوَ يَطْلُبُ تَبْرِئَةَ ذِمَّتِهِ ، وَتَخْلِيصَ عَيْنِ مِلْكِهِ مِنْ الرَّهْنِ ، وَالْقَطْعُ أَحْوَطُ مِنْ جِهَةِ أَنَّ فِي تَبَقَّيْته غَرَرًا .\rذَكَرَ الْقَاضِي هَذَا فِي الْمُفْلِسِ ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ، وَهَذَا فِي مَعْنَاهُ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يُنْظَرَ فِي الثَّمَرَةِ ، فَإِنْ كَانَتْ تَنْقُصُ بِالْقَطْعِ نَقْصًا كَثِيرًا ، لَمْ يُجْبَرْ الْمُمْتَنِعُ مِنْ قَطْعِهَا عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ إتْلَافٌ ، فَلَا يُجْبَرُ عَلَيْهِ ؛ كَمَا لَا يُجْبَرُ عَلَى نَقْضِ دَارِهِ لِيَبِيعَ أَنْقَاضِهَا ، وَلَا عَلَى ذَبْحِ فَرَسِهِ لِيَبِيعَ لَحْمَهَا ، وَإِنْ كَانَتْ الثَّمَرَةُ مِمَّا لَا يُنْتَفَعُ بِهَا قَبْلَ كَمَالِهَا ، لَمْ يَجُزْ قَطْعُهَا قَبْلَهُ ، وَلَمْ يُجْبَرْ عَلَيْهِ بِحَالٍ .","part":9,"page":258},{"id":4258,"text":"( 3381 ) فَصْلٌ : وَإِنْ كَانَ الرَّهْنُ مَاشِيَةً تَحْتَاجُ إلَى إطْرَاقِ الْفَحْلِ ، لَمْ يُجْبَرْ الرَّاهِنُ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ مَا يَتَضَمَّنُ زِيَادَةً فِي الرَّهْنِ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مِمَّا يَحْتَاجُ إلَيْهِ لِبَقَائِهَا ، وَلَا يُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ ؛ لِكَوْنِهَا زِيَادَةً لَهُمَا ، لَا ضَرَرَ عَلَى الْمُرْتَهِنِ فِيهِ .\rوَإِنْ احْتَاجَتْ إلَى رَعْيٍ ، فَعَلَى الرَّاهِنِ أَنْ يُقِيمَ لَهَا رَاعِيًا ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَجْرِي مَجْرَى عَلْفِهَا .\rوَإِنْ أَرَادَ الرَّاهِنُ السَّفَرَ بِهَا لِيَرْعَاهَا فِي مَكَان آخَرَ ، وَكَانَ لَهَا فِي مَكَانِهَا مَرْعَى تَتَمَاسَكُ بِهِ ، فَلِلْمُرْتَهِنِ مَنْعُهُ مِنْ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ فِي السَّفَرِ بِهَا إخْرَاجَهَا عَنْ نَظَرِهِ وَيَدِهِ .\rوَإِنْ أَجْدَبَ مَكَانُهَا ، فَلَمْ يَجِدْ مَا تَتَمَاسَكُ بِهِ فَلِلرَّاهِنِ السَّفَرُ بِهَا ؛ لِأَنَّهُ مَوْضِعُ ضَرُورَةٍ ، لِأَنَّهَا تَهْلَكُ إذَا لَمْ يُسَافِرْ بِهَا ، إلَّا أَنَّهَا تَكُونُ فِي يَدِ عَدْلٍ يَرْضَيَانِ بِهِ ، أَوْ يَنْصِبُهُ الْحَاكِمُ ، وَلَا يَنْفَرِدُ الرَّاهِنُ بِهَا ، فَإِنْ امْتَنَعَ الرَّاهِنُ مِنْ السَّفَرِ بِهَا ، فَلِلْمُرْتَهِنِ نَقْلُهَا ؛ لِأَنَّ فِي بَقَائِهَا هَلَاكَهَا ، وَضَيَاعَ حَقِّهِ مِنْ الرَّهْنِ .\rفَإِنْ أَرَادَا جَمِيعًا السَّفَرَ بِهَا ، وَاخْتَلَفَا فِي مَكَانِهَا ، قَدَّمْنَا قَوْلَ مَنْ يُعَيِّنُ الْأَصْلَحَ ، فَإِنْ اسْتَوَيَا ، قَدَّمْنَا قَوْلَ الْمُرْتَهِن .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يُقَدَّمُ قَوْلُ الرَّاهِنِ ، وَإِنْ كَانَ الْأَصْلَحُ غَيْرَهُ ؛ لِأَنَّهُ أَمْلَكُ بِهَا ، إلَّا أَنْ يَكُونَ مَأْوَاهَا إلَى يَدِ عَدْلٍ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الْيَدَ لِلْمُرْتَهِنِ ، فَكَانَ أَوْلَى ، كَمَا لَوْ كَانَا فِي بَلَدٍ وَاحِدٍ ، وَأَيُّهُمَا أَرَادَ نَقْلَهَا عَنْ الْبَلَدِ مَعَ خِصْبِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ ، سَوَاءٌ أَرَادَ نَقْلَهَا إلَى مِثْلِهِ ، أَوْ أَخْصَبِ مِنْهُ ، إذْ لَا مَعْنَى لِلْمُسَافِرَةِ بِالرَّهْنِ مَعَ إمْكَانِ تَرْكِ السَّفَرِ بِهِ .\rوَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى نَقْلِهَا ، جَازَ أَيْضًا ، سَوَاءٌ كَانَ أَنْفَعَ لَهَا أَوْ لَا ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمَا ، لَا يَخْرُجُ عَنْهُمَا .","part":9,"page":259},{"id":4259,"text":"( 3382 ) فَصْلٌ : وَإِنْ كَانَ عَبْدًا يَحْتَاجُ إلَى خِتَانٍ ، وَالدَّيْنُ حَالٌّ ، أَوْ أَجَلُهُ قَبْلَ بُرْئِهِ ، مُنِعَ مِنْهُ ؛ لِأَنَّهُ يُنْقِصُ ثَمَنَهُ ، وَفِيهِ ضَرَرٌ ، وَإِنْ كَانَ يَبْرَأُ قَبْلَ مَحِلِّ الْحَقِّ ، وَالزَّمَانُ مُعْتَدِلٌ لَا يَخَافُ عَلَيْهِ فِيهِ ، فَلَهُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْوَاجِبَاتِ ، وَيَزِيدُ بِهِ الثَّمَنُ ، وَلَا يَضُرُّ الْمُرْتَهِنَ ، وَمُؤْنَتُهُ عَلَى الرَّاهِنِ .\rفَإِنْ مَرِضَ ، فَاحْتَاجَ إلَى دَوَاءٍ ، لَمْ يُجْبَرْ الرَّاهِنُ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ يَتَحَقَّقُ أَنَّهُ سَبَبٌ لِبَقَائِهِ ، وَقَدْ يَبْرَأُ بِغَيْرِ عِلَاجٍ ، بِخِلَافِ النَّفَقَةِ ، وَإِنْ أَرَادَ الرَّاهِنُ مُدَاوَاتَهُ بِمَا لَا ضَرَرَ فِيهِ ، لَمْ يُمْنَعْ مِنْهُ ؛ لِأَنَّهُ مَصْلَحَةٌ لَهُمَا مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ بِوَاحِدِ مِنْهُمَا .\rوَإِنْ كَانَ الدَّوَاءُ مِمَّا يُخَافُ غَائِلَتُهُ ، كَالسُّمُومِ ، فَلِلْمُرْتَهِنِ مَنْعُهُ مِنْهُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَأْمَنُ تَلَفَهُ .\rوَإِنْ احْتَاجَ إلَى فَصْدٍ ، أَوْ احْتَاجَتْ الدَّابَّةُ إلَى تَوْدِيجٍ ، وَمَعْنَاهُ فَتْحُ الْوَدَجَيْنِ حَتَّى يَسِيلَ الدَّمُ ، وَهُمَا عِرْقَانِ عَرِيضَانِ غَلِيظَانِ مِنْ جَانِبَيْ ثَغْرَةِ النَّحْرِ ، أَوْ تَبْزِيغٍ ، وَهُوَ فَتْحُ الرَّهْصَةِ ، فَلِلرَّاهِنِ فِعْلُ ذَلِكَ ، مَا لَمْ يَخَفْ مِنْهُ ضَرَرًا .\rوَإِنْ اُحْتِيجَ إلَى قَطْعِ شَيْءٍ مِنْ بَدَنِهِ بِدَوَاءٍ لَا يُخَافُ مِنْهُ ، جَازَ ، وَإِنْ خِيفَ مِنْهُ ، فَأَيُّهُمَا امْتَنَعَا مِنْهُ لَمْ يُجْبَرْ .\rوَإِنْ كَانَتْ بِهِ آكِلَةٌ كَانَ لَهُ قَطْعُهَا ؛ لِأَنَّهُ يُخَافُ مِنْ تَرْكِهَا لَا مِنْ قَطْعِهَا ، لِأَنَّهُ لَا يُحِسُّ بِلَحْمِ مَيِّتٍ .\rوَإِنْ كَانَتْ بِهِ خَبِيثَةٌ ، فَقَالَ أَهْلُ الْخِبْرَةِ : الْأَحْوَطُ قَطْعُهَا .\rوَهُوَ أَنْفَعُ مِنْ بَقَائِهَا ، فَلِلرَّاهِنِ ذَلِكَ ، وَإِلَّا فَلَيْسَ لَهُ فِعْلُهُ .\rوَإِنْ تَسَاوَى الْخَوْفُ عَلَيْهِ فِي الْحَالَيْنِ لَمْ يَكُنْ لَهُ قَطْعُهَا ؛ لِأَنَّهُ يُحْدِثُ جُرْحًا فِيهِ لَمْ يَتَرَجَّحْ إحْدَاثُهُ .\rوَإِنْ كَانَتْ بِهِ سِلْعَةٌ أَوْ إصْبَعٌ زَائِدَةٌ ، لَمْ يَمْلِكْ الرَّاهِنُ قَطْعَهَا ؛ لِأَنَّ قَطْعَهَا يُخَافُ مِنْهُ ، وَتَرْكَهَا لَا يُخَافُ مِنْهُ .","part":9,"page":260},{"id":4260,"text":"وَإِنْ كَانَتْ الْمَاشِيَةُ جَرِبَةً ، فَأَرَادَ الرَّاهِنُ دَهْنَهَا بِمَا يُرْجَى نَفْعُهُ ، وَلَا يُخَافُ ضَرَرُهُ ، كَالْقَطِرَانِ وَالزَّيْتِ الْيَسِيرِ ، لَمْ يُمْنَعْ .\rوَإِنْ خِيفَ ضَرَرُهُ ، كَالْكَثِيرِ ، فَلِلْمُرْتَهِنِ مَنْعُهُ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : لَهُ ذَلِكَ بِغَيْرِ إذْنِ الْمُرْتَهِنِ ؛ لِأَنَّ لَهُ مُعَالَجَةَ مِلْكِهِ ، وَإِنْ امْتَنَعَ مِنْ ذَلِكَ ، لَمْ يُجْبَرْ عَلَيْهِ .\rوَلَوْ أَرَادَ الْمُرْتَهِنُ مُدَاوَاتَهَا بِمَا يَنْفَعُهَا ، وَلَا يُخْشَى ضَرَرُهُ ، لَمْ يُمْنَعْ ؛ لِأَنَّ فِيهِ إصْلَاحَ حَقِّهِ بِمَا لَا يَضُرُّ بِغَيْرِهِ ، وَإِنْ خِيفَ مِنْهُ الضَّرَرُ لَمْ يُمَكَّنْ مِنْهُ ؛ لِأَنَّ فِيهِ خَطَرًا بِحَقِّ غَيْرِهِ .","part":9,"page":261},{"id":4261,"text":"( 3383 ) فَصْلٌ : فَإِنْ كَانَ الرَّهْنُ نَخْلًا ، فَاحْتَاجَ إلَى تَأْبِيرٍ ، فَهُوَ عَلَى الرَّاهِنِ ، وَلَيْسَ لِلْمُرْتَهِنِ مَنْعُهُ ؛ لِأَنَّ فِيهِ مَصْلَحَةً بِغَيْرِ مَضَرَّةٍ .\rوَمَا يَسْقُطُ مِنْ لِيفٍ أَوْ سَعَفٍ أَوْ عَرَاجِينَ ، فَهُوَ مِنْ الرَّهْنِ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَجْزَائِهِ ، أَوْ مِنْ نَمَائِهِ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ لَيْسَ مِنْ الرَّهْنِ .\rبِنَاءً مِنْهُمْ عَلَى أَنَّ النَّمَاءَ لَيْسَ مِنْهُ .\rوَلَا يَصِحُّ ذَلِكَ هَاهُنَا ؛ لِأَنَّ السَّعَفَ مِنْ جُمْلَةِ الْأَعْيَانِ الَّتِي وَرَدَ عَلَيْهَا عَقْدُ الرَّهْنِ ، فَكَانَتْ مِنْهُ ، كَالْأُصُولِ وَأَنْقَاضِ الدَّارِ .\rوَإِنْ كَانَ الرَّهْنُ كَرْمًا فَلَهُ زِبَارُهُ ، لِأَنَّهُ لِمَصْلَحَتِهِ ، وَلَا ضَرَرَ فِيهِ .\rوَالزَّرَجُونُ مِنْ الرَّهْنِ .\rوَلَوْ كَانَ الشَّجَرُ مُزْدَحِمًا ، وَفِي قَطْعِ بَعْضِهِ صَلَاحٌ لِمَا يُبْقِي ، فَلَهُ ذَلِكَ .\rوَإِنْ أَرَادَ تَحْوِيلَهُ كُلَّهُ لَمْ يَمْلِكْ ذَلِكَ .\rوَإِنْ قِيلَ : هُوَ الْأَوْلَى ؛ لِأَنَّهُ قَدْ لَا يَعْلَقُ فَيَفُوتُ الرَّهْنُ .\rوَإِنْ امْتَنَعَ الرَّاهِنُ مِنْ فِعْلِ هَذَا كُلِّهِ ، لَمْ يُجْبَرْ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ فِعْلُ مَا فِيهِ زِيَادَةٌ مِنْ الرَّهْنِ .","part":9,"page":262},{"id":4262,"text":"( 3384 ) فَصْلٌ : وَكُلُّ زِيَادَةٍ تَلْزَمُ الرَّاهِنَ إذَا امْتَنَعَ ، أَجْبَرَهُ الْحَاكِمُ عَلَيْهَا ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ اكْتَرَى لَهُ الْحَاكِمُ مِنْ مَالِهِ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ اكْتَرَى مِنْ الرَّهْنِ .\rفَإِنْ بَذَلَهَا الْمُرْتَهِنُ مُتَطَوِّعًا لَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ .\rوَإِنْ أَنْفَقَ بِإِذْنِ الرَّاهِنِ ، أَوْ إذْنِ الْحَاكِمِ عِنْدَ تَعَذُّرِ إذْنِ الرَّاهِنِ ، مُحْتَسِبًا ، رَجَعَ بِهِ .\rوَإِنْ تَعَذَّرَ إذْنُهُمَا ، أَشْهَدَ عَلَى أَنَّهُ أَنْفَقَ ، لِيَرْجِعَ بِالنَّفَقَةِ .\rوَلَهُ الرُّجُوعُ بِهَا ، وَإِنْ أَنْفَقَ مِنْ غَيْرِ اسْتِئْذَانِ الْحَاكِمِ مَعَ إمْكَانِهِ ، أَوْ مِنْ غَيْر إشْهَاد بِالرُّجُوعِ عِنْدَ تَعَذُّرِ اسْتِئْذَانِهِ لِيَرْجِعَ بِهِ ، فَهَلْ يَرْجِعُ بِهِ ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ .\rوَإِنْ أَنْفَقَ بِإِذْنِ الرَّاهِنِ ؛ لِيَكُونَ الرَّهْنُ رَهْنًا بِالنَّفَقَةِ وَالدَّيْنِ الْأَوَّلِ ، لَمْ يَصِحَّ ، وَلَمْ يَصِرْ رَهْنًا بِالنَّفَقَةِ لِمَا ذَكَرْنَا .\rوَإِنْ قَالَ الرَّاهِنُ : أَنْفَقْت مُتَبَرِّعًا .\rوَقَالَ الْمُرْتَهِنُ : بَلْ أَنْفَقْت مُحْتَسِبًا بِالرُّجُوعِ .\rفَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُرْتَهِنِ ؛ لِأَنَّ الْخِلَافَ فِي نِيَّتِهِ ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِهَا ، وَلَا اطِّلَاعَ لِغَيْرِهِ مِنْ النَّاسِ عَلَيْهَا ، وَعَلَيْهِ الْيَمِينُ ؛ لِأَنَّ مَا قَالَهُ الرَّاهِنُ مُحْتَمِلٌ .\rوَكُلُّ مُؤْنَةٍ لَا تَلْزَمُ الرَّاهِنَ ، كَنَفَقَةِ الْمُدَاوَاةِ وَالتَّأْبِيرِ وَأَشْبَاهِهِمَا ، لَا يَرْجِعُ بِهَا الْمُرْتَهِنُ إذَا أَنْفَقَهَا مُحْتَسِبًا أَوْ مُتَبَرِّعًا .","part":9,"page":263},{"id":4263,"text":"( 3385 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَالرَّهْنُ إذَا تَلِفَ بِغَيْرِ جِنَايَةٍ مِنْ الْمُرْتَهِنِ ، رَجَعَ الْمُرْتَهِنُ بِحَقِّهِ عِنْدَ مَحِلِّهِ ، وَكَانَتْ الْمُصِيبَةُ فِيهِ مِنْ رَاهِنِهِ ، وَإِنْ كَانَ بِتَعَدِّي الْمُرْتَهِنِ ، أَوْ لَمْ يَحْرُزْهُ ، ضَمِنَ ) أَمَّا إذَا تَعَدَّى الْمُرْتَهِنُ فِي الرَّهْنِ ، أَوْ فَرَّطَ فِي الْحِفْظِ لِلرَّهْنِ الَّذِي عِنْدَهُ حَتَّى تَلِفَ ، فَإِنَّهُ يَضْمَنُ .\rلَا نَعْلَمُ فِي وُجُوبِ الضَّمَانِ عَلَيْهِ خِلَافًا ؛ وَلِأَنَّهُ أَمَانَةٌ فِي يَدِهِ ، فَلَزِمَهُ إذَا تَلِفَ بِتَعَدِّيهِ أَوْ تَفْرِيطِهِ ، كَالْوَدِيعَةِ .\rوَأَمَّا إنْ تَلِفَ مِنْ غَيْرِ تَعَدٍّ مِنْهُ وَلَا تَفْرِيطٍ ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ ، وَهُوَ مِنْ مَالِ الرَّاهِنِ .\rيُرْوَى ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ ، وَالزُّهْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ .\rوَيُرْوَى عَنْ شُرَيْحٍ وَالنَّخَعِيِّ وَالْحَسَنِ أَنَّ الرَّهْنَ يَضْمَنُ بِجَمِيعِ الدَّيْنِ ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ ؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ { : الرَّهْنُ بِمَا فِيهِ } وَقَالَ .\rمَالِكٌ إنْ كَانَ تَلَفُهُ بِأَمْرِ ظَاهِرٍ ، كَالْمَوْتِ وَالْحَرِيقِ ، فَمِنْ ضَمَانِ الرَّاهِنِ ، وَإِنْ ادَّعَى تَلَفَهُ بِأَمْرٍ خَفِيٍّ ، لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ ، وَضَمِنَ .\rوَقَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ : يَضْمَنُهُ الْمُرْتَهِنُ بِأَقَلِّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ قِيمَتِهِ أَوْ قَدْرِ الدَّيْنِ وَيَرْوِي ذَلِكَ عُمَرُ بْن الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَاحْتَجُّوا بِمَا رَوَى عَطَاءٌ ، أَنَّ رَجُلًا رَهَنَ فَرَسًا ، فَنَفَقَ عِنْدَ الْمُرْتَهِنِ ، فَجَاءَ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرَهُ بِذَلِكَ ، فَقَالَ : { ذَهَبَ حَقُّك } .\rوَلِأَنَّهَا عَيْنٌ مَقْبُوضَةٌ لِلِاسْتِيفَاءِ ، فَيَضْمَنُهَا مَنْ قَبَضَهَا لِذَلِكَ ، أَوْ مَنْ قَبَضَهَا نَائِبُهُ ، كَحَقِيقَةِ الْمُسْتَوْفَى ، وَلِأَنَّهُ مَحْبُوسٌ بِدَيْنٍ ، فَكَانَ مَضْمُونًا ، كَالْمَبِيعِ إذَا حُبِسَ لِاسْتِيفَاءِ ثَمَنِهِ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ","part":9,"page":264},{"id":4264,"text":"الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { : لَا يُغْلَقُ الرَّهْنُ ، لِصَاحِبِهِ غُنْمُهُ ، وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ } رَوَاهُ الْأَثْرَمُ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ عَنْ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ وَرَوَاهُ الشَّافِعِيُّ عَنْ ابْنِ أَبِي فُدَيْكٍ عَنْ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ ، وَلَفْظُهُ : { الرَّهْنُ مِنْ صَاحِبِهِ الَّذِي رَهَنَهُ } وَبَاقِيه سَوَاءٌ .\rقَالَ : وَوَصَلَهُ ابْنُ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَهُ أَوْ مِثْلَ مَعْنَاهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُنَيْسَةَ .\rوَلِأَنَّهُ وَثِيقَةٌ بِالدَّيْنِ ، فَلَا يَضْمَنُ ، كَالزِّيَادَةِ عَلَى قَدْرِ الدَّيْنِ ، وَكَالْكَفِيلِ وَالشَّاهِدِ ، وَلِأَنَّهُ مَقْبُوضٌ بِعَقْدِ وَاحِدٍ بَعْضُهُ أَمَانَةٌ ، فَكَانَ جَمِيعُهُ أَمَانَةً ، كَالْوَدِيعَةِ .\rوَعِنْدَ مَالِكٍ : أَنَّ مَا لَا يُضْمَنُ بِهِ الْعَقَارُ ، لَا يُضْمَنُ بِهِ الذَّهَبُ .\rكَالْوَدِيعَةِ ، فَأَمَّا حَدِيثُ عَطَاءٍ فَهُوَ مُرْسَلٌ ، وَقَوْلُ عَطَاءٍ يُخَالِفُهُ ، قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : يَرْوِيه إسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ ، وَكَانَ كَذَّابًا ، وَقِيلَ : يَرْوِيه مُصْعَبُ بْنُ ثَابِتٍ وَكَانَ ضَعِيفًا .\rوَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ ، ذَهَبَ حَقُّك مِنْ الْوَثِيقَةِ ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَمْ يَسْأَلْ عَنْ قَدْرِ الدَّيْنِ وَقِيمَةِ الْفَرَسِ ، وَحَدِيثُ أَنَسٍ إنْ صَحَّ ، فَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ مَحْبُوسٌ بِمَا فِيهِ ، وَأَمَّا الْمُسْتَوْفَى فَإِنَّهُ صَارَ مِلْكًا لِلْمُسْتَوْفِي ، وَلَهُ نَمَاؤُهُ وَغُنْمُهُ ، فَكَانَ عَلَيْهِ ضَمَانُهُ وَغُرْمُهُ ، بِخِلَافِ الرَّهْنِ ، وَالْبَيْعُ قَبْلَ الْقَبْضِ مَمْنُوعٌ .","part":9,"page":265},{"id":4265,"text":"( 3386 ) فَصْلٌ : وَإِذَا قَضَاهُ جَمِيعَ الْحَقِّ ، أَوْ أَبْرَأَهُ مِنْ الدَّيْنِ ، بَقِيَ الرَّهْنُ أَمَانَةً فِي يَدِهِ ، وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إذَا قَضَاهُ كَانَ مَضْمُونًا ، وَإِذَا أَبْرَأهُ أَوْ وَهَبَهُ لَمْ يَكُنْ مَضْمُونًا اسْتِحْسَانًا .\rوَهَذَا مُنَاقَضَةٌ ؛ لِأَنَّ الْقَبْضَ مَضْمُونٌ مِنْهُ ، لَمْ يَزُلْ ، وَلَمْ يُبْرِئْهُ مِنْهُ .\rوَعِنْدَنَا أَنَّهُ كَانَ أَمَانَةً ، وَبَقِيَ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ رَدُّهُ ؛ لِأَنَّهُ أَمْسَكَهُ بِإِذْنِ مَالِكِهِ ، وَلَا يَخْتَصُّ بِنَفْعِهِ ، فَهُوَ كَالْوَدِيعَةِ ، بِخِلَافِ الْعَارِيَّةِ فَإِنَّهُ يَخْتَصُّ بِنَفْعِهَا ، وَبِخِلَافِ مَا لَوْ أَطَارَتْ الرِّيحُ إلَى دَارِهِ ثَوْبًا ، لَزِمَهُ رَدُّهُ إلَى مَالِكِهِ ؛ لِأَنَّ مَالِكَهُ لَمْ يَأْذَنْ فِي إمْسَاكِهِ ، فَأَمَّا إنْ سَأَلَ مَالِكُهُ فِي هَذِهِ الْحَالِ دَفْعَهُ إلَيْهِ ، لَزِمَ مَنْ هُوَ فِي يَدِهِ ، مِنْ الْمُرْتَهِنِ أَوْ الْعَدْلِ دَفْعُهُ إلَيْهِ ، إذَا أَمْكَنَهُ ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ ، صَارَ ضَامِنًا ، كَالْمُودَعِ إذَا امْتَنَعَ مِنْ رَدِّ الْوَدِيعَةِ عِنْدَ طَلَبِهَا .\rوَإِنْ كَانَ امْتِنَاعُهُ لِعُذْرٍ ، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ طَرِيقٌ مُخِيفٌ ، أَوْ بَابٌ مُغْلَقٌ لَا يُمْكِنُهُ فَتْحُهُ ، أَوْ كَانَ يَخَافُ فَوْتَ جُمُعَةٍ أَوْ جَمَاعَةٍ ، أَوْ فَوْتَ صَلَاةٍ ، أَوْ بِهِ مَرَضٌ ، أَوْ جُوعٌ شَدِيدٌ ، وَمَا أَشْبَهَهُ ، فَأَخَّرَ التَّسْلِيمَ لِذَلِكَ ، فَتَلِفَ ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا تَفْرِيطَ مِنْهُ ، فَأَشْبَهَ الْمُودِعَ .","part":9,"page":266},{"id":4266,"text":"( 3387 ) فَصْلٌ : وَإِذَا قَبَضَ الْمُرْتَهِنُ الرَّهْنَ ، فَوَجَدَهُ مُسْتَحَقًّا ، لَزِمَهُ رَدُّهُ عَلَى مَالِكِهِ ، وَالرَّهْنُ بَاطِلٌ مِنْ أَصْلِهِ فَإِنْ أَمْسَكَهُ ، مَعَ عِلْمِهِ بِالْغَصْبِ ، حَتَّى تَلِفَ فِي يَدِهِ ، اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ الضَّمَانُ ، وَلِلْمَالِكِ تَضْمِينُ أَيِّهِمَا شَاءَ ، فَإِنْ ضَمَّنَ الْمُرْتَهِنَ ، لَمْ يَرْجِعْ عَلَى أَحَدٍ لِذَلِكَ ، وَإِنْ ضَمَّنَ الرَّاهِنَ ، رَجَعَ عَلَيْهِ .\rوَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِالْغَصْبِ حَتَّى تَلِفَ بِتَفْرِيطِهِ ، فَالْحُكْمُ كَذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الضَّمَانَ يَسْتَقِرُّ عَلَيْهِ ، وَإِنْ تَلِفَ بِغَيْرِ تَفْرِيطِهِ ، فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ ؛ أَحَدُهَا يَضْمَنُ ، وَيَسْتَقِرُّ الضَّمَانُ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ مَالَ غَيْرِهِ تَلِفَ تَحْتَ يَدِهِ الْعَادِيَةِ ، فَاسْتَقَرَّ الضَّمَانُ عَلَيْهِ ، كَمَا لَوْ عَلِمَ .\rوَالثَّانِي ، لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ قَبَضَهُ عَلَى أَنَّهُ أَمَانَةٌ مِنْ غَيْر عِلْمه ، فَلَمْ يَضْمَنْهُ ، كَالْوَدِيعَةِ .\rفَعَلَى هَذَا يَرْجِعُ الْمَالِكُ عَلَى الْغَاصِبِ لَا غَيْرُ .\rوَالْوَجْهُ الثَّالِثُ ، أَنَّ لِلْمَالِكِ تَضْمِينَ أَيِّهِمَا شَاءَ ، وَيَسْتَقِرُّ الضَّمَانُ عَلَى الْغَاصِبِ ، فَإِنْ ضَمَّنَ الْغَاصِبَ لَمْ يَرْجِعْ عَلَى أَحَدٍ ، وَإِنْ ضَمَّنَ الْمُرْتَهِنَ رَجَعَ عَلَى الْغَاصِبِ ؛ لِأَنَّهُ غَرَّهُ ، فَرَجَعَ عَلَيْهِ ، كَالْمَغْرُورِ بِحُرِّيَّةِ أَمَةٍ .","part":9,"page":267},{"id":4267,"text":"( 3388 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي الْقِيمَةِ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُرْتَهِنِ مَعَ يَمِينِهِ ، وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي قَدْرِ الْحَقِّ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الرَّاهِنِ مَعَ يَمِينِهِ ، إذَا لَمْ يَكُنْ لِوَاحِدِ مِنْهُمَا بِمَا قَالَ بَيِّنَةٌ ) .\rيَعْنِي : إذَا اخْتَلَفَا فِي قِيمَةِ الرَّهْنِ ، إذَا تَلِفَ فِي الْحَالِ الَّتِي يَلْزَمُ الْمُرْتَهِنَ ضَمَانُهُ ، وَهِيَ إذَا تَعَدَّى ، أَوْ لَمْ يَحْرُزْ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُرْتَهِنِ مَعَ يَمِينِهِ ؛ لِأَنَّهُ غَارِمٌ ، وَلِأَنَّهُ مُنْكِرٌ لِوُجُوبِ الزِّيَادَةِ عَلَى مَا أَقَرَّ بِهِ ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا ، وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي قَدْرِ الْحَقِّ ، نَحْوُ أَنْ يَقُولَ الرَّاهِنُ : رَهَنْتُك عَبْدِي هَذَا بِأَلْفٍ .\rفَقَالَ الْمُرْتَهِنُ : بَلْ بِأَلْفَيْنِ .\rفَالْقَوْلُ قَوْلُ الرَّاهِنِ .\rوَبِهَذَا قَالَ النَّخَعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ وَالْبَتِّيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَحُكِيَ عَنْ الْحَسَنِ وَقَتَادَةَ ، أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْمُرْتَهِنِ ، مَا لَمْ يُجَاوِزْ ثَمَنَ الرَّهْنِ ، أَوْ قِيمَتَهُ ، وَنَحْوُهُ قَوْلُ مَالِكٍ ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الرَّهْنَ يَكُونُ بِقَدْرِ الْحَقِّ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الرَّاهِنَ مُنْكِرٌ لِلزِّيَادَةِ الَّتِي يَدَّعِيهَا الْمُرْتَهِنُ ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ ؛ لَقَوْلِ رَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ ، لَادَّعَى قَوْمٌ دِمَاءَ رِجَالٍ وَأَمْوَالَهُمْ ، وَلَكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ } رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَلِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ مِنْ هَذِهِ الْأَلْفِ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ يَنْفِيهَا ، كَمَا لَوْ اخْتَلَفَا فِي أَصْلِ الدَّيْنِ ، وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ الظَّاهِرِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ ؛ فَإِنَّ الْعَادَةَ رَهْنُ الشَّيْءِ بِأَقَلَّ مِنْ قِيمَتِهِ ، إذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الرَّاهِنِ فِي قَدْرِ مَا رَهَنَهُ بِهِ ، سَوَاءٌ اتَّفَقَا عَلَى أَنَّهُ رَهَنَهُ بِجَمِيعِ الدَّيْنِ أَوْ اخْتَلَفَا ، فَلَوْ اتَّفَقَا عَلَى أَنَّ الدَّيْنَ أَلْفَانِ ،","part":9,"page":268},{"id":4268,"text":"وَقَالَ الرَّاهِنُ : إنَّمَا رَهَنْتُك بِأَحَدِ الْأَلْفَيْنِ .\rوَقَالَ الْمُرْتَهِنُ : بَلْ رَهَنْته بِهِمَا .\rفَالْقَوْلُ قَوْلُ الرَّاهِنِ مَعَ يَمِينِهِ ، لِأَنَّهُ يُنْكِرُ تَعَلُّقَ حَقِّ الْمُرْتَهِنِ فِي أَحَدِ الْأَلْفَيْنِ بِعَبْدِهِ ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ .\rوَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى أَنَّهُ رَهْنٌ بِأَحَدِ الْأَلْفَيْنِ ، وَقَالَ الرَّاهِنُ : هُوَ رَهْنٌ بِالْمُؤَجَّلِ .\rوَقَالَ الْمُرْتَهِنُ : بَلْ بِالْحَالِّ .\rفَالْقَوْلُ قَوْلُ الرَّاهِنِ مَعَ يَمِينِهِ ، لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ ، وَلِأَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُهُ فِي أَصْلِ الرَّهْنِ ، فَكَذَلِكَ فِي صِفَتِهِ ، وَهَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ بَيِّنَةٌ ، فَإِنْ كَانَ لِأَحَدِهِمَا بَيِّنَةٌ ، حُكِمَ بِهَا ، بِغَيْرِ خِلَافٍ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ .","part":9,"page":269},{"id":4269,"text":"( 3389 ) فَصْلٌ : وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي قَدْرِ الرَّهْنِ ، فَقَالَ : رَهَنْتُك هَذَا الْعَبْدَ .\rقَالَ : بَلْ هُوَ وَالْعَبْدَ الْآخَرَ .\rفَالْقَوْلُ قَوْلُ الرَّاهِنِ ؛ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ .\rوَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا .\rوَإِنْ قَالَ : رَهَنْتُك هَذَا الْعَبْدَ .\rقَالَ : بَلْ هَذِهِ الْجَارِيَةَ .\rخَرَجَ الْعَبْدُ مِنْ الرَّهْنِ ، لِاعْتِرَافِ الْمُرْتَهِنِ بِأَنَّهُ لَمْ يَرْهَنْهُ ، وَحَلَفَ الرَّاهِنُ عَلَى أَنَّهُ مَا رَهَنَهُ الْجَارِيَةَ ، وَخَرَجَتْ مِنْ الرَّهْنِ أَيْضًا .\rوَإِنْ اخْتَلَفَا فِي رَدِّ الرَّهْنِ إلَى الرَّاهِنِ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ أَيْضًا ؛ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ ، وَالْأَصْلُ مَعَهُ .\rوَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي الْمُسْتَأْجِرِ ، إذَا ادَّعَى رَدَّ الْعَيْنِ الْمُسْتَأْجَرَةِ .\rوَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : يَتَخَرَّجُ فِيهِمَا وَجْهٌ آخَرُ ، أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْمُرْتَهِنِ وَالْمُسْتَأْجِرِ فِي الرَّدِّ ، بِنَاءً عَلَى الْمُضَارِبِ وَالْوَكِيلِ بِجَعْلٍ ، إذَا ادَّعَيَا الرَّدَّ ، فَإِنَّ فِيهِمَا وَجْهَيْنِ ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْمُرْتَهِنِ ، أَنَّ الْمُرْتَهِنَ قَبَضَ الْعَيْنَ لِيَنْتَفِعَ بِهَا ، وَكَذَلِكَ الْمُسْتَأْجِرُ وَالْوَكِيلُ ، قَبَضَ الْعَيْنَ لِيَنْتَفِعَ بِالْجَعْلِ لَا بِالْعَيْنِ ، وَالْمُضَارِبُ قَبَضَهَا لِيَنْتَفِعَ بِرِبْحِهَا لَا بِهَا ، وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي تَلَفِ الْعَيْنِ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُرْتَهِنِ مَعَ يَمِينِهِ ؛ لِأَنَّ يَدَهُ يَدُ أَمَانَةٍ ، وَيَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَى التَّلَفِ ، فَقُبِلَ قَوْلُهُ فِيهِ ، كَالْمُودَعِ .","part":9,"page":270},{"id":4270,"text":"( 3390 ) فَصْلٌ : فَإِنْ قَالَ : بِعْتُك هَذَا الثَّوْبَ ، عَلَى أَنْ تَرْهَنَنِي بِثَمَنِهِ عَبْدَيْك هَذَيْنِ .\rقَالَ : بَلْ عَلَى أَنْ أَرْهَنَك هَذَا وَحْدَهُ .\rفَفِيهَا رِوَايَتَانِ ، حَكَاهُمَا الْقَاضِي ، إحْدَاهُمَا ، يَتَحَالَفَانِ ، لِأَنَّهُ اخْتِلَافٌ فِي الْبَيْعِ ، فَهُوَ كَالِاخْتِلَافِ فِي الثَّمَنِ .\rوَالثَّانِيَةُ ، الْقَوْلُ قَوْلُ الرَّاهِنِ ؛ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ لِشَرْطِ رَهْنِ الْعَبْدِ الَّذِي اخْتَلَفَا فِيهِ ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ ، وَهَذَا أَصَحُّ .","part":9,"page":271},{"id":4271,"text":"( 3391 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَالَ : أَرْسَلْت وَكِيلَك ، فَرَهَنَنِي عَبْدَك ، عَلَى عِشْرِينَ قَبَضَهَا .\rقَالَ : مَا أَمَرْته بِرَهْنِهِ إلَّا بِعَشْرَةِ ، وَلَا قَبَضْت إلَّا عَشَرَةً سُئِلَ الرَّسُولُ ، فَإِنْ صَدَّقَ الرَّاهِنَ ، فَعَلَيْهِ الْيَمِينُ أَنَّهُ مَا رَهَنَهُ إلَّا بِعَشْرَةِ ، وَلَا قَبَضَ إلَّا عَشَرَةً ، وَلَا يَمِينَ عَلَى الرَّاهِنِ ، لِأَنَّ الدَّعْوَى عَلَى غَيْرِهِ ، فَإِذَا حَلَفَ الْوَكِيلُ بَرِئَا جَمِيعًا ، وَإِنْ نَكِلَ ، فَعَلَيْهِ الْعَشَرَةُ الْمُخْتَلَفُ فِيهَا ، وَلَا يَرْجِعُ بِهَا عَلَى أَحَدٍ ؛ لِأَنَّهُ يُصَدِّقُ الرَّاهِنَ فِي أَنَّهُ مَا أَخَذَهَا ، وَلَا أَمَرَهُ بِأَخْذِهَا ، وَإِنَّمَا الْمُرْتَهِنُ ظَلَمَهُ .\rوَإِنْ صَدَّقَ الْوَكِيلُ الْمُرْتَهِنَ ، وَادَّعَى أَنَّهُ سَلَّمَ الْعِشْرِينَ إلَى الرَّاهِنِ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الرَّاهِنِ مَعَ يَمِينه .\rفَإِنْ نَكِلَ ، قُضِيَ عَلَيْهِ بِالْعَشَرَةِ ، وَيَدْفَعُ إلَى الْمُرْتَهِنِ ، وَإِنْ حَلَفَ بَرِئَ ، وَعَلَى الرَّسُولِ غَرَامَةُ الْعَشَرَةِ لِلْمُرْتَهِنِ ؛ لِأَنَّهُ يَزْعُمُ أَنَّهَا حَقٌّ لَهُ وَإِنَّمَا الرَّاهِنُ ظَلَمَهُ .\rوَإِنْ عَدِمَ الرَّسُولَ ، أَوْ تَعَذَّرَ إحْلَافُهُ ، فَعَلَى الرَّاهِنِ الْيَمِينُ أَنَّهُ مَا أَذِنَ فِي رَهْنِهِ إلَّا بِعَشْرَةٍ ، وَلَا قَبَضَ أَكْثَرَ مِنْهَا ، وَيَبْقَى الرَّهْنُ بِالْعَشَرَةِ الْأُخْرَى .","part":9,"page":272},{"id":4272,"text":"( 3392 ) فَصْلٌ : إذَا كَانَ عَلَى رَجُلٍ أَلْفَانِ ، أَحَدُهُمَا بِرَهْنٍ ، وَالْآخَرُ بِغَيْرِ رَهْنٍ ، فَقَضَى أَلْفًا ، وَقَالَ : قَضَيْت دَيْنَ الرَّهْنِ .\rوَقَالَ الْمُرْتَهِنُ : بَلْ قَضَيْت الدَّيْنَ الْآخَرَ .\rفَالْقَوْلُ قَوْلُ الرَّاهِنِ مَعَ يَمِينه ، سَوَاءٌ اخْتَلَفَا فِي نِيَّةِ الرَّاهِنِ بِذَلِكَ أَوْ فِي لَفْظِهِ ؛ لِأَنَّهُ أَعْلَمُ بِنِيَّتِهِ وَصِفَةِ ، دَفْعِهِ ، وَلِأَنَّهُ يَقُولُ : إنَّ الدَّيْنَ الْبَاقِيَ بِلَا رَهْنٍ ، وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِي أَصْلِ الرَّهْنِ ، فَكَذَلِكَ فِي صِفَتِهِ ، وَإِنْ أَطْلَقَ الْقَضَاءَ ، وَلَمْ يَنْوِ شَيْئًا ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : لَهُ صَرْفُهَا إلَى أَيِّهِمَا شَاءَ ، كَمَا لَوْ كَانَ لَهُ مَالٌ حَاضِرٌ وَغَائِبٌ ، فَأَدَّى قَدْرَ زَكَاةِ أَحَدِهِمَا ، كَانَ لَهُ أَنْ يُعَيِّنَ عَنْ أَيِّ الْمَالَيْنِ شَاءَ .\rوَهَذَا قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ، وَقَالَ بَعْضِهِمْ : يَقَعُ الدَّفْعُ عَنْ الدَّيْنَيْنِ مَعًا ، عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفُهُ ؛ لِأَنَّهُمَا تَسَاوَيَا فِي الْقَضَاءِ ، فَتُسَاوَيَا فِي وُقُوعِهِ عَنْهُمَا ، فَأَمَّا إنْ أَبْرَأَهُ الْمُرْتَهِنُ مِنْ أَحَدِ الدَّيْنَيْنِ ، وَاخْتَلَفَا ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُرْتَهِنِ ، عَلَى التَّفْصِيلِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي الرَّاهِنِ ، ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ .","part":9,"page":273},{"id":4273,"text":"( 3393 ) فَصْلٌ : وَإِذَا اتَّفَقَ الْمُتَرَاهِنَانِ عَلَى قَبْضِ الْعَدْلِ لِلرَّهْنِ لَزِمَ الرَّهْنُ فِي حَقِّهِمَا ، وَلَمْ يَضُرَّ إنْكَارُهُ ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمَا ، وَإِنْ قَالَ أَحَدُهُمَا : قَبَضَهُ الْعَدْلُ .\rفَأَنْكَرَ الْآخَرُ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ ، كَمَا لَوْ اخْتَلَفَا فِي قَبْضِ الْمُرْتَهِنِ لَهُ .\rوَلَوْ شَهِدَ الْعَدْلُ بِالْقَبْضِ ، لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ ؛ لِأَنَّهَا شَهَادَةُ الْوَكِيلِ لِمُوَكِّلِهِ .","part":9,"page":274},{"id":4274,"text":"( 3394 ) فَصْلٌ : إذَا كَانَ فِي يَدِ رَجُلٍ عَبْدٌ ، فَقَالَ : رَهَنْتنِي عَبْدَك هَذَا بِأَلْفٍ فَقَالَ : بَلْ قَدْ غَصَبْته ، أَوْ اسْتَعَرْته .\rفَالْقَوْلُ قَوْلُ السَّيِّدِ ، سَوَاءٌ اعْتَرَفَ بِالدَّيْنِ أَوْ جَحَدَهُ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الرَّهْنِ .\rوَإِنْ قَالَ السَّيِّدُ : بِعْتُك عَبْدِي هَذَا بِأَلْفٍ قَالَ : بَلْ رَهَنْته عِنْدِي بِهَا .\rفَالْقَوْلُ قَوْلُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي الْعَقْدِ الَّذِي يُنْكِرُهُ ، وَيَأْخُذُ السَّيِّدُ عَبْدَهُ .\rوَهَكَذَا لَوْ قَالَ : رَهَنْتَكَهُ بِأَلْفٍ أَقْرَضْتنِيهِ .\rقَالَ : بَلْ بِعْتنِيهِ بِأَلْفٍ قَبَضْته مِنِّي ثَمَنًا .\rفَكَذَلِكَ ، وَيَرُدُّ صَاحِبُ الْعَبْدِ الْأَلْفَ ، وَيَأْخُذُ عَبْدَهُ .","part":9,"page":275},{"id":4275,"text":"( 3395 ) فَصْلٌ : وَإِذَا ادَّعَى عَلَى رَجُلَيْنِ ، فَقَالَ : رَهَنْتُمَانِي عَبْدَكُمَا بِدَيْنِي عَلَيْكُمَا .\rفَأَنْكَرَاهُ .\rفَالْقَوْلُ قَوْلُهُمَا ، فَإِنْ شَهِدَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ ، قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ إذَا كَانَ عَدْلًا ، وَلِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يَحْلِفَ مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَيَصِيرَ جَمِيعُهُ رَهْنًا ، أَوْ يَحْلِفَ مَعَ أَحَدِهِمَا وَيَصِيرَ نَصِيبُ الْآخَرِ رَهْنًا ، وَإِنْ أَقَرَّ أَحَدُهُمَا ، ثَبَتَ فِي حَقِّهِ وَحْدَهُ .\rوَإِنْ شَهِدَ الْمُقِرُّ عَلَى الْمُنْكِرِ ، قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ إنْ كَانَ عَدْلًا ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجْلُبُ لِنَفْسِهِ نَفْعًا ، وَلَا يَدْفَعُ عَنْهَا ضَرَرًا .\rوَبِهَذَا قَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ : إذَا أَنْكَرَا جَمِيعًا فِي شَهَادَتِهِمَا نَظَرَ ؛ لِأَنَّ الْمَشْهُودَ لَهُ يَدَّعِي أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ظَالِمٌ لَهُ بِجُحُودِهِ حَقَّهُ مِنْ الرَّهْنِ ، فَإِذَا طَعَنَ الْمَشْهُودُ لَهُ فِي شُهُودِهِ ، لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُمْ لَهُ .\rقُلْنَا : لَا يَصِحُّ هَذَا ؛ فَإِنَّ إنْكَارَ الدَّعْوَى لَا يَثْبُتُ بِهِ فِسْقُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ .\rوَإِنْ كَانَ الْحَقُّ عَلَيْهِ ، لِجَوَازِ أَنْ يَنْسَى ، أَوْ تَلْحَقهُ شُبْهَةٌ فِيمَا يَدَّعِيه أَوْ يُنْكِرهُ .\rوَكَذَلِكَ لَوْ تَدَاعَى رَجُلَانِ شَيْئًا ، وَتَخَاصَمَا فِيهِ ، ثُمَّ شَهِدَا عِنْدَ الْحَاكِمِ بِشَيْءٍ ، لَمْ تُرَدَّ شَهَادَتُهُمَا ، وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا كَاذِبًا فِي مُخَالَفَتِهِ لِصَاحِبِهِ ، وَلَوْ ثَبَتَ الْفِسْقُ بِذَلِكَ ، لَمْ يَجُزْ قَبُولُ شَهَادَتِهِمَا جَمِيعًا ، مَعَ تَحَقُّقِ الْجَرْحِ فِي أَحَدِهِمَا .","part":9,"page":276},{"id":4276,"text":"فَصْلٌ : وَإِذَا رَهَنَ عَيْنًا عِنْدَ رَجُلَيْنِ ، فَنِصْفُهَا رَهْنٌ عِنْدَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِدَيْنِهِ ، وَمَتَى وَفَّى أَحَدُهُمَا ، خَرَجَتْ حِصَّتُهُ مِنْ الرَّهْنِ ؛ لِأَنَّ عَقْدَ الْوَاحِدِ مَعَ الِاثْنَيْنِ بِمَنْزِلَةِ عَقْدَيْنِ ، فَكَأَنَّهُ رَهَنَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا النِّصْفَ مُفْرَدًا ، فَإِنْ أَرَادَ مُقَاسَمَةَ الْمُرْتَهِنِ ، وَأَخْذَ نَصِيبِ مَنْ وَفَّاهُ ، وَكَانَ الرَّهْنُ مِمَّا لَا تَنْقُصُهُ الْقِسْمَةُ ، كَالْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ ، لَزِمَ ذَلِكَ ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا تَنْقُصُهُ الْقِسْمَةُ ، لَمْ تَجِبْ قِسْمَتُهُ ؛ لِأَنَّ عَلَى الْمُرْتَهِنِ ضَرَرًا فِي قِسْمَتِهِ ، وَيُقَرُّ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ ، نِصْفُهُ رَهْنٌ ، وَنِصْفُهُ وَدِيعَةٌ ، وَإِنْ رَهَنَ اثْنَانِ عَبْدَهُمَا عِنْدَ رَجُلٍ ، فَوَفَّاهُ أَحَدُهُمَا ، انْفَكَّ الرَّهْنُ فِي نَصِيبِهِ .\rوَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا ، فِي رَجُلَيْنِ رَهَنَا دَارًا لَهُمَا عِنْدَ رَجُلٍ ، عَلَى أَلْفٍ ، فَقَضَاهُ أَحَدُهُمَا ، وَلَمْ يَقْضِ الْآخَرُ : فَالدَّارُ رَهْنٌ عَلَى مَا بَقِيَ ، وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ فِي رَجُلٍ رَهَنَ عَبْدَهُ عِنْدَ رَجُلَيْنِ ، فَوَفَّى أَحَدُهُمَا ، فَجَمِيعُهُ رَهْنٌ عِنْدَ الْآخَرِ ، حَتَّى يُوَفِّيَهُ ، وَهَذَا مِنْ كَلَامِ أَحْمَدَ وَأَبِي الْخَطَّابِ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِلرَّاهِنِ مُقَاسَمَةُ الْمُرْتَهِنِ ، لِمَا عَلَيْهِ مِنْ الضَّرَرِ ، لَا بِمَعْنَى أَنَّ الْعَيْنَ كُلَّهَا تَكُونُ رَهْنًا ، إذْ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ : إنَّهُ رَهَنَ نِصْفَ الْعَبْدِ عِنْدَ رَجُلٍ ، فَصَارَ جَمِيعُهُ رَهْنًا .\rوَلَوْ رَهَنَ اثْنَانِ عَبْدًا لَهُمَا عِنْدَ اثْنَيْنِ بِأَلْفٍ ، فَهَذِهِ أَرْبَعَةُ عُقُودٍ ، وَيَصِيرُ كُلُّ رُبْعٍ مِنْ الْعَبْدِ رَهْنًا بِمِائَتَيْنِ وَخَمْسِينَ ، فَمَتَى قَضَاهَا مَنْ هِيَ عَلَيْهِ ، انْفَكَّ مِنْ الرَّهْنِ ذَلِكَ الْقَدْرُ .\rقَالَهُ الْقَاضِي ، وَهُوَ الصَّحِيحُ .","part":9,"page":277},{"id":4277,"text":"( 3397 ) فَصْلٌ : وَلَوْ ادَّعَى رَجُلَانِ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ رَهَنَهُمَا عَبْدَهُ وَقَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا : رَهَنَهُ عِنْدِي دُونَ صَاحِبِي .\rفَأَنْكَرَهُمَا جَمِيعًا فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ .\rوَإِنْ أَنْكَرَ أَحَدَهُمَا ، وَصَدَّقَ الْآخَرَ ، سُلِّمَ إلَى مَنْ صَدَّقَهُ ، وَحُلِّفَ الْآخَرُ .\rوَإِنْ قَالَ : لَا أَعْلَمُ عَيْنَ الْمُرْتَهِنِ مِنْهُمَا .\rحَلَفَ عَلَى ذَلِكَ ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ هُوَ فِي يَدِهِ مِنْهُمَا مَعَ يَمِينه .\rوَإِنْ كَانَ فِي أَيْدِيهِمَا ، حَلَفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى نِصْفِهِ ، وَصَارَ رَهْنًا عِنْدَهُ .\rوَإِنْ كَانَ فِي يَدِ غَيْرِهِمَا ، أَقْرَعِ بَيْنَهُمَا ، فَمَنْ قَرَعَ صَاحِبَهُ ، حَلَفَ وَأَخَذَهُ ، كَمَا لَوْ ادَّعَيَا مِلْكَهُ .\rوَلَوْ قَالَ : رَهَنْته عِنْدَ أَحَدِهِمَا ، ثُمَّ رَهَنْته لِلْآخَرِ ، وَلَا أَعْلَمُ السَّابِقَ مِنْهُمَا .\rفَكَذَلِكَ ، وَإِنْ قَالَ : هَذَا هُوَ السَّابِقُ بِالْعَقْدِ وَالْقَبْضِ .\rسُلِّمَ إلَيْهِ ، وَحَلَفَ لِلْآخَرِ ، وَإِنْ نَكِلَ وَالْعَبْدُ فِي يَدِ الْأَوَّلِ ، أَوْ يَدِ غَيْرِهِ ، فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ لِلثَّانِي ، كَمَا لَوْ قَالَ : هَذَا الْعَبْدُ لِزَيْدٍ ، وَغَصَبْته مِنْ عَمْرٍو .\rفَإِنَّهُ يُسَلَّمُ إلَى زَيْدٍ ، وَيَغْرَمُ قِيمَتَهُ لِعَمْرٍو .\rوَإِنْ نَكِلَ وَالْعَبْدُ فِي يَدِ الثَّانِي ، أَقَرَّ فِي يَدِهِ ، وَغَرِمَ قِيمَتَهُ لِلْأَوَّلِ ؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ لَهُ بَعْدَ مَا فَعَلَ مَا حَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَنْ أَقَرَّ لَهُ ، فَلَزِمَتْهُ قِيمَتُهُ ، كَمَا قُلْنَا .\rوَقَالَ الْقَاضِي : إذَا اعْتَرَفَ بِهِ لِغَيْرِ مَنْ هُوَ فِي يَدِهِ ، فَهَلْ يَرْجِعُ صَاحِبُ الْيَدِ أَوْ الْمُقِرُّ لَهُ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ .\rوَلَوْ اعْتَرَفَ لَأَحَدِهِمَا وَهُوَ فِي يَدَيْهِمَا .\rثَبَتَتْ يَدُ الْمُقِرِّ لَهُ فِي النِّصْفِ ، وَفِي النِّصْفِ الْآخَرِ وَجْهَانِ .","part":9,"page":278},{"id":4278,"text":"( 3398 ) فَصْلٌ : إذَا أَذِنَ لِلرَّاهِنِ فِي بَيْعِ الرَّهْنِ بَعْدَ حُلُولِ الْحَقِّ ، جَازَ ، وَتَعَلَّقَ حَقُّهُ بِثَمَنِهِ .\rوَإِنْ أَذِنَ لَهُ قَبْلَ حُلُولِهِ مُطْلَقًا ، فَبَاعَهُ ، بَطَلَ الرَّهْنُ ، وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ عِوَضُهُ ؛ لِأَنَّهُ أَذِنَ لَهُ فِيمَا يُنَافِي حَقَّهُ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَذِنَ فِي عِتْقِهِ ، وَلِلْمَالِكِ أَخْذُ ثَمَنِهِ .\rوَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ : يَكُونُ الثَّمَنُ رَهْنًا ؛ لِأَنَّ الرَّاهِنَ بَاعَ الرَّهْنَ بِإِذْنِ الْمُرْتَهِنِ فَوَجَبَ أَنْ يَثْبُتَ حَقُّهُ فِيهِ ، كَمَا لَوْ حَلَّ الدَّيْنُ .\rقَالَ الطَّحَاوِيُّ : حَقُّ الْمُرْتَهِنِ مُتَعَلِّقٌ بِعَيْنِ الرَّهْنِ ، وَالثَّمَنُ بَدَلُهُ ، فَوَجَبَ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِهِ ، كَمَا لَوْ أَتْلَفَهُ ، مُتْلِفٌ .\rوَلَنَا أَنَّهُ تَصَرُّفٌ يُبْطِلُ حَقَّ الْمُرْتَهِنِ مِنْ عَيْنِ الرَّهْنِ لَا يَمْلِكُهُ الْمُرْتَهِنُ ، فَإِذَا أَذِنَ فِيهِ ، أَسْقَطَ حَقَّهُ ، كَالْعِتْقِ ، وَيُخَالِفُ مَا بَعْدَ الْحُلُولِ ، لِأَنَّ الْمُرْتَهِنَ يَسْتَحِقُّ الْبَيْعَ ، وَيُخَالِفُ الْإِتْلَافَ ، لِأَنَّهُ غَيْرُ مَأْذُونٍ فِيهِ مِنْ جِهَةِ الْمُرْتَهِنِ .\rفَإِنْ قَالَ : إنَّمَا أَرَدْت بِإِطْلَاقِ الْإِذْنِ أَنْ يَكُونَ ثَمَنُهُ رَهْنًا .\rلَمْ يُلْتَفَتْ إلَى دَعْوَاهُ ؛ لِأَنَّ إطْلَاقَ الْإِذْنِ يَقْتَضِي بَيْعًا بِفَسْخِ الرَّهْنِ ، وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَإِنْ أَذِنَ فِيهِ بِشَرْطِ أَنْ يَجْعَلَ ثَمَنَهُ مَكَانَهُ رَهْنًا ، أَوْ يُعَجِّلَ لَهُ دَيْنَهُ مِنْ ثَمَنِهِ ، جَازَ ، وَلَزِمَ ذَلِكَ ، وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي الْإِذْنِ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُرْتَهِنِ ؛ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ .\rوَإِنْ أَذِنَ فِي الْبَيْعِ ، وَاخْتَلَفَا فِي شَرْطِ جَعْلِ ثَمَنِهِ رَهْنًا ، أَوْ تَعْجِيلِ دَيْنِهِ مِنْهُ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الرَّاهِنِ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الشَّرْطِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمُرْتَهِنِ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الْوَثِيقَةِ .\rوَإِنْ أَذِنَ الرَّاهِنُ فِي الْبَيْعِ ، ثُمَّ رَجَعَ قَبْلَ الْبَيْعِ ، فَبَاعَهُ الْمُرْتَهِنُ بَعْدَ الْعِلْمِ بِالرُّجُوعِ ، لَمْ يَصِحَّ بَيْعُهُ ، وَإِنْ بَاعَهُ بَعْدَ","part":9,"page":279},{"id":4279,"text":"الرُّجُوعِ ، وَقَبْلَ الْعِلْمِ ، احْتَمَلَ وَجْهَيْنِ ، بِنَاءً عَلَى عَزْلِ الْوَكِيلِ قَبْلَ عِلْمِهِ .\rفَإِنْ اخْتَلَفَا فِي الرُّجُوعِ قَبْلَ الْبَيْعِ ، فَقَالَ الْقَاضِي : الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُرْتَهِنِ أَيْضًا ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الرُّجُوعِ ، وَعَدَمُ الْبَيْعِ قَبْلَ الرُّجُوعِ ، فَتَعَارَضَ الْأَصْلَانِ ، وَبَقِيت الْعَيْنُ رَهْنًا عَلَى مَا كَانَتْ .\rوَبِهَذَا كُلِّهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَهَذَا فِيمَا لَا يُحْتَاجُ إلَى بَيْعِهِ ، فَأَمَّا مَا دَعَتْ الْحَاجَةُ إلَى بَيْعِهِ ، كَاَلَّذِي خِيفَ تَلَفُهُ ، إذَا أَذِنَ فِي بَيْعِهِ مُطْلَقًا ، تَعَلَّقَ الْحَقُّ بِثَمَنِهِ ، لِأَنَّ بَيْعَهُ مُسْتَحَقٌّ ، فَأَشْبَهَ مَا بِيعَ بَعْدَ حُلُولِ الدَّيْنِ .","part":9,"page":280},{"id":4280,"text":"( 3399 ) فَصْلٌ : إذَا حَلَّ الْحَقُّ ، لَزِمَ الرَّاهِنَ الْإِيفَاءُ ؛ لِأَنَّهُ دَيْنٌ حَالٌّ ، فَلَزِمَ إيفَاؤُهُ ، كَاَلَّذِي لَا رَهْنَ بِهِ ، فَإِنْ لَمْ يُوَفِّ ، وَكَانَ قَدْ أَذِنَ لِلْمُرْتَهِنِ أَوْ لِلْعَدْلِ فِي بَيْعِ الرَّهْنِ ، بَاعَهُ ، وَوَفَّى الْحَقَّ مِنْ ثَمَنِهِ ، وَمَا فَضَلَ مِنْ ثَمَنِهِ فَلِمَالِكِهِ ، وَإِنْ فَضَلَ مِنْ الدَّيْنِ شَيْءٌ فَعَلَى الرَّاهِنِ .\rوَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَذِنَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِ ، أَوْ كَانَ قَدْ أَذِنَ لَهُمَا ثُمَّ عَزَلَهُمَا ، طُولِبَ بِالْوَفَاءِ وَبَيْعِ الرَّهْنِ ، فَإِنْ فَعَلَ ، وَإِلَّا فَعَلَ الْحَاكِمُ مَا يَرَى مِنْ حَبْسِهِ وَتَعْزِيرِهِ لِبَيْعِهِ ، أَوْ يَبِيعُهُ بِنَفْسِهِ أَوْ أَمِينِهِ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَبِيعُهُ الْحَاكِمُ ، لِأَنَّ وِلَايَةَ الْحَاكِمِ عَلَى مَنْ عَلَيْهِ الْحَقُّ ، لَا عَلَى مَالِهِ ، فَلَمْ يَنْفُذْ بَيْعُهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ حَقٌّ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ ، فَإِذَا امْتَنَعَ مِنْ أَدَائِهِ ، قَامَ الْحَاكِمُ مَقَامَهُ فِي أَدَائِهِ كَالْإِيفَاءِ مِنْ جِنْسِ الدَّيْنِ ، وَإِنْ وَفَّى الدَّيْنَ مِنْ غَيْرِ الرَّهْنِ ، انْفَكَّ الرَّهْنُ .","part":9,"page":281},{"id":4281,"text":"( 3400 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَالْمُرْتَهِنُ أَحَقُّ بِثَمَنِ الرَّهْنِ مِنْ جَمِيعِ الْغُرَمَاءِ ، حَتَّى يَسْتَوْفِيَ حَقَّهُ ، حَيًّا كَانَ الرَّاهِنُ أَوْ مَيِّتًا ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ إذَا ضَاقَ مَالُ الرَّاهِنِ عَنْ دُيُونِهِ ، وَطَالَبَ الْغُرَمَاءُ بِدُيُونِهِمْ ، أَوْ حُجِرَ عَلَيْهِ لِفَلْسِهِ ، وَأُرِيدَ قِسْمَةُ مَالِهِ بَيْنَ غُرَمَائِهِ ، فَأَوَّلُ مَنْ يُقَدَّمُ مَنْ لَهُ أَرْشُ جِنَايَةٍ يَتَعَلَّقُ بِرَقَبَةِ بَعْض عَبِيدِ الْمُفْلِسِ ، لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ قَبْلُ ، ثُمَّ مَنْ لَهُ رَهْنٌ ؛ فَإِنَّهُ يُخَصُّ بِثَمَنِهِ عَنْ سَائِرِ الْغُرَمَاءِ ؛ لِأَنَّ حَقَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِعَيْنِ الرَّهْنِ وَذِمَّةِ الرَّاهِنِ مَعًا ، وَسَائِرُهُمْ يَتَعَلَّقُ حَقُّهُ بِالذِّمَّةِ دُونَ الْعَيْنِ ، فَكَانَ حَقُّهُ أَقْوَى ، وَهَذَا مِنْ أَكْثَرِ فَوَائِدِ الرَّهْنِ ، وَهُوَ تَقْدِيمُهُ بِحَقِّهِ عِنْدَ فَرْضِ مُزَاحَمَةِ الْغُرَمَاءِ ، وَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ وَغَيْرِهِمْ ، فَيُبَاعُ الرَّهْنُ ، فَإِنْ كَانَ ثَمَنُهُ وَفْقَ حَقِّهِ أَخَذَهُ ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ فَضْلٌ عَنْ دَيْنِهِ رُدَّ الْبَاقِي عَلَى الْغُرَمَاءِ ، وَإِنْ فَضَلَ مِنْ دَيْنِهِ شَيْءٌ أَخَذَ ثَمَنَهُ ، وَضَرَبَ مَعَ الْغُرَمَاءِ بِبَقِيَّةِ دَيْنِهِ ، ثُمَّ مَنْ بَعْدِ ذَلِكَ مَنْ وَجَدَ عَيْنَ مَالِهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا ، ثُمَّ يُقْسَمُ الْبَاقِي بَيْنَ الْغُرَمَاءِ ، عَلَى قَدْرِ دُيُونِهِمْ ، وَلَوْ كَانَ فِيهِمْ مَنْ دَيْنُهُ ثَابِتٌ بِجِنَايَةِ الْمُفْلِسِ ، لَمْ يُقَدَّمْ ، وَكَانَ أُسْوَةَ الْغُرَمَاءِ ؛ لِأَنَّ أَرْشَ جِنَايَتِهِ يَتَعَلَّقُ بِذِمَّتِهِ دُونَ مَالِهِ ، فَهُوَ كَبَقِيَّةِ الدُّيُونِ ، بِخِلَافِ أَرْشِ جِنَايَةِ الْعَبْدِ ، فَإِنَّهَا تَتَعَلَّقُ بِرَقَبَةِ الْعَبْدِ ، فَلِذَلِكَ كَانَ أَحَقَّ بِهِ مِمَّنْ تَعَلَّقَ حَقُّهُ بِمُجَرَّدِ الذِّمَّةِ ، وَلَا فَرْقَ فِي اسْتِحْقَاقِ ثَمَنِ الرَّهْنِ وَالِاخْتِصَاصِ بِهِ بَيْنَ كَوْنِ الرَّهْنِ حَيًّا أَوْ مَيِّتًا ؛ لِأَنَّ تَقْدِيمَ حَقِّهِ مِنْ حَيْثُ كَانَ حَقُّهُ مُتَعَلِّقًا بِعَيْنِ الْمَالِ ، وَهَذَا الْمَعْنَى لَا يَخْتَلِفُ بِالْحَيَاةِ","part":9,"page":282},{"id":4282,"text":"وَالْمَوْتِ ، فَكَذَلِكَ مَا ثَبَتَ بِهِ ، كَأَرْشِ الْجِنَايَةِ .","part":9,"page":283},{"id":4283,"text":"( 3401 ) فَصْلٌ : وَلَوْ بَاعَ شَيْئًا أَوْ بَاعَهُ وَكِيلُهُ وَقَبَضَ الثَّمَنَ ، أَوْ بَاعَ الْعَدْلُ الرَّهْنَ وَقَبَضَ الثَّمَنَ فَتُلْفِ ، وَتَعَذَّرَ رَدُّهُ ، وَخَرَجَتْ السِّلْعَةُ مُسْتَحَقَّةً ، سَاوَى الْمُشْتَرِي الْغُرَمَاءَ ؛ لِأَنَّ حَقَّهُ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِعَيْنِ الْمَالِ ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ أَرْشِ جِنَايَةِ الْمُفْلِسِ .\rوَذَكَرَ الْقَاضِي احْتِمَالًا آخَرَ ، أَنَّهُ يُقَدَّمُ عَلَى الْغُرَمَاءِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرْضَ بِمُجَرَّدِ الذِّمَّةِ ، فَكَانَ أَوْلَى كَالْمُرْتَهِنِ ، وَلِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يُقَدَّمْ عَلَى الْغُرَمَاءِ ، لَامْتَنَعَ النَّاسُ عَنْ شِرَاءِ مَالِ الْمُفْلِسِ ، خَوْفًا مِنْ ضَيَاعِ أَمْوَالِهِمْ ، فَتَقِلُّ الرَّغَبَاتُ فِيهِ ، وَيَقِلُّ ثَمَنُهُ ، فَكَانَ تَقْدِيمُ الْمُشْتَرِي بِذَلِكَ عَلَى الْغُرَمَاءِ أَنْفَعَ لَهُمْ .\rوَهَذَا وَجْهٌ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ، وَلَنَا ، أَنَّ هَذَا حَقٌّ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِعَيْنِ الْمَالِ ، فَلَمْ يُقَدَّمْ ، كَاَلَّذِي جَنَى عَلَيْهِ الْمُفْلِسُ ، وَفَارَقَ الْمُرْتَهِنَ ، فَإِنَّ حَقَّهُ تَعَلَّقَ بِالْعَيْنِ ، وَمَا ذَكَرُوهُ مِنْ الْمَعْنَى الْأَوَّلِ مُنْتَقَضٌ بِأَرْشِ جِنَايَةِ الْمُفْلِسِ ، وَالثَّانِي مَصْلَحَةٌ لَا أَصْلَ لَهَا ، فَلَا يَثْبُتُ الْحُكْمُ بِهَا .\rفَأَمَّا إنْ كَانَ الثَّمَنُ مَوْجُودًا ، يُمْكِنُ رَدُّهُ ، وَجَبَ رَدُّهُ ، وَيَنْفَرِدُ بِهِ صَاحِبُهُ ؛ لِأَنَّ عَيْنَ مَالِهِ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ حَقُّ أَحَدٍ مِنْ النَّاسِ ، وَكَذَلِكَ صَاحِبُ السِّلْعَةِ الْمُسْتَحَقَّةِ يَأْخُذُهَا ، وَمَتَى بَاعَ الْعَدْلُ مَالَ الْمُفْلِسِ ، أَوْ بَاعَ الرَّهْنَ وَخَرَجَتْ السِّلْعَةُ مُسْتَحَقَّةً ، فَالْعُهْدَةُ ، عَلَى الْمُفْلِسِ ، فَلَا شَيْءَ عَلَى الْعَدْلِ ؛ لِأَنَّهُ أَمِينٌ .","part":9,"page":284},{"id":4284,"text":"( 3402 ) فَصْلٌ : وَمَنْ اسْتَأْجَرَ دَارًا أَوْ بَعِيرًا بِعَيْنِهِ ، أَوْ شَيْئًا غَيْرَهُمَا بِعَيْنِهِ ، ثُمَّ أَفْلَسَ الْمُؤَجِّرُ فَالْمُسْتَأْجِرُ أَحَقُّ بِالْعَيْنِ الَّتِي اسْتَأْجَرَهَا مِنْ الْغُرَمَاءِ ، حَتَّى يَسْتَوْفِيَ حَقَّهُ ؛ لِأَنَّ حَقَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِعَيْنِ الْمَالِ ، وَالْمَنْفَعَةُ مَمْلُوكَةٌ لَهُ فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ ، فَكَانَ أَحَقَّ بِهَا ، كَمَا لَوْ اشْتَرَى مِنْهُ شَيْئًا .\rفَإِنْ هَلَكَ الْبَعِيرُ ، أَوْ انْهَدَمَتْ الدَّارُ ، قَبْلَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ ، انْفَسَخَتْ الْإِجَارَةُ ، وَيَضْرِبُ مَعَ الْغُرَمَاءِ بِبَقِيَّةِ الْأُجْرَةِ .\rوَإِنْ اسْتَأْجَرَ جَمَلًا فِي الذِّمَّةِ أَوْ غَيْرَهُ ، ثُمَّ أَفْلَسَ الْمُؤَجِّرُ ، فَالْمُسْتَأْجِرُ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ ؛ لِأَنَّ حَقَّهُ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِالْعَيْنِ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ، وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا .\rفَإِنْ آجَرَ دَارًا ثُمَّ أَفْلَسَ ، فَاتَّفَقَ الْغُرَمَاءُ وَالْمُفْلِسُ عَلَى الْبَيْعِ قَبْلَ انْقِضَاءِ مُدَّةِ الْإِجَارَةِ ، فَلَهُمْ ذَلِكَ ، وَيَبِيعُونَهَا مُسْتَأْجَرَةً ، وَإِنْ اخْتَلَفُوا ، قُدِّمَ قَوْلُ مَنْ طَلَبَ الْبَيْعَ فِي الْحَالِ ؛ لِأَنَّهُ أَحْوَطُ مِنْ التَّأْخِيرِ ، فَإِذَا اسْتَوْفَى الْمُسْتَأْجِرُ يُسَلِّمُ الْمُشْتَرِي .\rوَإِنْ اتَّفَقُوا عَلَى تَأْخِيرِ الْبَيْعِ حَتَّى تَنْقَضِيَ مُدَّةُ الْإِجَارَةِ ، فَلَهُمْ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمْ ، لَا يَخْرُجُ عَنْهُمْ .","part":9,"page":285},{"id":4285,"text":"( 3403 ) فَصْلٌ : وَلَوْ بَاعَ سِلْعَةً ، ثُمَّ أَفْلَسَ قَبْلَ تَقْبِيضِهَا ، فَالْمُشْتَرِي أَحَقُّ بِهَا مِنْ الْغُرَمَاءِ ، سَوَاءٌ كَانَتْ مِنْ الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ أَوْ غَيْرِهِمَا ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ قَدْ مَلَكَهَا ، وَثَبَتَ مِلْكُهُ فِيهَا ، فَكَانَ أَحَقَّ بِهَا ، كَمَا لَوْ قَبَضَهَا ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ مَا قَبْلَ قَبْضِ الثَّمَنِ وَمَا بَعْدَهُ .\rوَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ سَلَمٌ فَوَجَدَ الْمُسْلِمُ الثَّمَنَ قَائِمًا .\rفَهُوَ أَحَقُّ بِهِ ؛ لِأَنَّهُ وَجَدَ عَيْنَ مَالِهِ ، وَإِنْ لَمْ يَجِدْهُ ، فَلَهُ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَلَّقْ حَقُّهُ بِعَيْنِ مَالٍ ، وَلَا ثَبَتَ مِلْكُهُ فِيهِ ، وَيَضْرِبُ مَعَ الْغُرَمَاءِ بِالْمُسْلِمِ فِيهِ الَّذِي يَسْتَحِقُّهُ دُونَ الثَّمَنِ ، فَيُعْزَلُ لَهُ قَدْرُ حَقِّهِ ، فَإِنْ كَانَ فِي الْمَالِ جِنْسُ حَقِّهِ ، أَخَذَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَا يَسْتَحِقُّهُ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ جِنْسُ حَقِّهِ ، عُزِلَ لَهُ بِقَدْرِ حَقِّهِ ، فَيَشْتَرِي بِهِ الْمُسْلَمَ فِيهِ ، فَيَأْخُذُهُ ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ الْمَعْزُولَ بِعَيْنِهِ ؛ لِئَلَّا يَكُونَ بَدَلًا عَمَّا فِي الذِّمَّةِ مِنْ الْمُسْلَمِ فِيهِ .\rوَلَا يَجُوزُ أَخْذُ الْبَدَلِ عَنْ الْمُسْلَمِ فِيهِ .\rوَإِنْ أَمْكَنَ أَنْ يَشْتَرِي بِالْمَعْزُولِ أَكْثَرِ مِمَّا قُدِّرَ لَهُ ، لِرُخْصِ الْمُسْلَمِ فِيهِ ، اُشْتُرِيَ لَهُ بِقَدْرِ حَقِّهِ ، وَرُدَّ الْبَاقِي عَلَى الْغُرَمَاءِ .\rمِثَالُهُ ، رَجُلٌ أَفْلَسَ وَلَهُ دِينَارٌ ، وَعَلَيْهِ لِرَجُلٍ دِينَارٌ ، وَلِآخَرَ قَفِيزُ حِنْطَةٍ مِنْ سَلَمٍ قِيمَتُهُ دِينَارٌ .\rفَإِنَّهُ يُقْسَمُ دِينَارُ الْمُفْلِسِ نِصْفَيْنِ ، لِصَاحِبِ الدِّينَارِ نِصْفُهُ ، وَيُعْزَلُ نِصْفُهُ لِلْمُسْلِمِ ، فَإِنْ رَخَّصَتْ الْحِنْطَةُ ، فَصَارَ قِيمَةُ الْقَفِيزِ نِصْفَ دِينَارٍ ، تَبَيَّنَّا أَنَّ حَقَّهُ مِثْلُ نِصْفِ حَقِّ صَاحِبِ الدِّينَارِ ، فَلَا يَسْتَحِقُّ مِنْ دِينَارِ الْمُفْلِسِ إلَّا ثُلُثَهُ ، يَشْتَرِي لَهُ بِهِ ثُلُثَا قَفِيزٍ ، فَيُدْفَعُ إلَيْهِ ، وَيُرَدُّ سُدُسُ الدِّينَارِ عَلَى الْغَرِيمِ الْآخَرِ ، فَإِنْ غَلَا الْمُسْلَمُ فِيهِ ، فَصَارَ قِيمَةُ الْقَفِيزِ دِينَارَيْنِ ، تَبَيَّنَّا","part":9,"page":286},{"id":4286,"text":"أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ مِثْلَيْ مَا يَسْتَحِقُّهُ صَاحِبُ الدِّينَارِ ، فَيَكُونُ لَهُ مِنْ دِينَارِ الْمُفْلِسِ ثُلُثَاهُ فَيَشْتَرِي لَهُ بِالنِّصْفِ الْمَعْزُولِ ، وَيُرْجَعُ عَلَى الْغَرِيمِ بِسُدُسِ دِينَارٍ ، يَشْتَرِي لَهُ بِهِ أَيْضًا ؛ لِأَنَّ الْمَعْزُولَ مِلْكُ الْمُفْلِسِ ، وَإِنَّمَا لِلْمُسْلِمِ قَدْرُ حَقِّهِ ، فَإِنْ زَادَ فَلِلْمُفْلِسِ ، وَإِنْ نَقَصَ فَعَلَيْهِ .","part":9,"page":287},{"id":4287,"text":"( 3404 ) فَصْلٌ : قَالَ عَبْدُ اللَّه بْنُ أَحْمَدَ : سَأَلْت أَبِي عَنْ رَجُلٍ عِنْدَهُ رُهُونٌ كَثِيرَةٌ ، لَا يَعْرِفُ أَصْحَابَهَا ، وَلَا مَنْ رَهَنَ عِنْدَهُ قَالَ : إذَا أَيِسَتْ مِنْ مَعْرِفَتِهِمْ ، وَمَعْرِفَةِ وَرَثَتِهِمْ ، فَأَرَى أَنْ تُبَاعَ وَيُتَصَدَّقَ بِثَمَنِهَا ، فَإِنْ عَرَفَ بَعْدُ أَرْبَابَهَا ، خَيَّرَهُمْ بَيْنَ الْأَجْرِ أَوْ يَغْرَمُ لَهُمْ ، هَذَا الَّذِي أَذْهَبُ إلَيْهِ .\rوَقَالَ أَبُو الْحَارِثِ عَنْ أَحْمَدَ فِي الرَّهْنِ يَكُونُ عِنْدَهُ السِّنِينَ الْكَثِيرَةَ ، يَأْيَسُ مِنْ صَاحِبِهِ : يَبِيعُهُ ، وَيَتَصَدَّقُ بِالْفَضْلِ ، فَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ يَسْتَوْفِي حَقَّهُ .\rوَنَقَلَ أَبُو طَالِبٍ : لَا يَسْتَوْفِي حَقَّهُ مِنْ ثَمَنِهِ .\rوَلَكِنْ إنْ جَاءَ صَاحِبُهَا فَطَلَبِهِ ، أَعْطَاهُ إيَّاهُ ، وَطَلَبَ مِنْهُ حَقَّهُ ، وَأَمَّا إنْ رَفَعَ أَمْرَهُ إلَى الْحَاكِمِ ، فَبَاعَهُ وَوَفَّاهُ مِنْهُ حَقَّهُ ، جَازُ ذَلِكَ .","part":9,"page":288},{"id":4288,"text":"كِتَابُ الْمُفْلِسِ الْمُفْلِسُ هُوَ الَّذِي لَا مَالَ لَهُ ، وَلَا مَا يَدْفَعُ بِهِ حَاجَتَهُ ، وَلِهَذَا لَمَّا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَصْحَابِهِ { : أَتَدْرُونَ مَنْ الْمُفْلِسُ ؟ قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ وَلَا مَتَاعَ .\rقَالَ : لَيْسَ ذَلِكَ الْمُفْلِسَ ، وَلَكِنَّ الْمُفْلِسَ مَنْ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ الْجِبَالِ ، وَيَأْتِي وَقَدْ ظَلَمَ هَذَا ، وَلَطَمَ هَذَا ، وَأَخَذَ مِنْ عِرْضِ هَذَا ، فَيَأْخُذُ هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ ، فَإِنْ بَقِيَ عَلَيْهِ شَيْءٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِهِمْ ، فَرُدَّ عَلَيْهِ ، ثُمَّ صَكَّ لَهُ صَكٌّ إلَى النَّارِ } أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ بِمَعْنَاهُ فَقَوْلُهُمْ ذَلِكَ إخْبَارٌ عَنْ حَقِيقَةِ الْمُفْلِسِ ، وَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" لَيْسَ ذَلِكَ الْمُفْلِسَ \" تَجُوزُ لَمْ يُرِدْ بِهِ نَفْيَ الْحَقِيقَةِ ، بَلْ أَرَادَ أَنَّ فَلَسَ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَعْظَمُ ؛ بِحَيْثُ يَصِيرُ مُفْلِسُ الدُّنْيَا بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ كَالْغَنِيِّ .\rوَنَحْوُ هَذَا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ ، وَلَكِنَّ الشَّدِيدَ الَّذِي يَغْلِبُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ } وَقَوْلُهُ : { لَيْسَ السَّابِقُ مَنْ سَبَقَ بَعِيرُهُ ، وَإِنَّمَا السَّابِقُ مَنْ غُفِرَ لَهُ } وَقَوْلُهُ { لَيْسَ الْغِنَى عَنْ كَثْرَةِ الْعَرَضِ ، إنَّمَا الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ } وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ لَيْسَ مَنْ مَاتَ فَاسْتَرَاحَ بِمَيِّتٍ إنَّمَا الْمَيْتُ مَيِّتُ الْأَحْيَاءِ وَإِنَّمَا سُمِّيَ هَذَا مُفْلِسًا ؛ لِأَنَّهُ لَا مَالَ لَهُ إلَّا الْفُلُوسَ ، وَهِيَ أَدْنَى أَنْوَاعِ الْمَالِ .\rوَالْمُفْلِسُ فِي عُرْفِ الْفُقَهَاءِ : مَنْ دَيْنُهُ أَكْثَرُ مِنْ مَالِهِ ، وَخَرَّجَهُ أَكْثَرُ مِنْ دَخْلِهِ .\rوَسَمَّوْهُ مُفْلِسًا وَإِنْ كَانَ ذَا مَالٍ ؛ لِأَنَّ مَالَهُ مُسْتَحَقُّ الصَّرْفِ فِي جِهَةِ دَيْنِهِ ، فَكَأَنَّهُ مَعْدُومٌ .\rوَقَدْ دَلَّ عَلَيْهِ تَفْسِيرُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُفْلِسُ الْآخِرَةِ ، فَإِنَّهُ أَخْبَرَ أَنَّ لَهُ حَسَنَاتٍ","part":9,"page":289},{"id":4289,"text":"أَمْثَالَ الْجِبَالِ ، لَكِنَّهَا كَانَتْ دُونَ مَا عَلَيْهِ ، فَقُسِمَتْ بَيْنَ الْغُرَمَاءِ ، وَبَقِيَ لَا شَيْءَ لَهُ .\rوَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِمَا يَئُولُ إلَيْهِ مِنْ عَدَمِ مَالِهِ بَعْدَ وَفَاءِ دَيْنِهِ ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ سُمِّيَ بِذَلِكَ ، لِأَنَّهُ يُمْنَعُ مِنْ التَّصَرُّفِ فِي مَالِهِ ، إلَّا الشَّيْءَ التَّافِهَ الَّذِي لَا يَعِيشُ إلَّا بِهِ ، كَالْفُلُوسِ وَنَحْوِهَا .","part":9,"page":290},{"id":4290,"text":"( 3405 ) فَصْلٌ : وَمَتَى لَزِمَ الْإِنْسَانَ دُيُونٌ حَالَّةٌ ، لَا يَفِي مَالُهُ بِهَا ، فَسَأَلَ غُرَمَاؤُهُ الْحَاكِمَ الْحَجْرَ عَلَيْهِ ، لَزِمَتْهُ إجَابَتُهُمْ ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَظْهَرَ الْحَجْرُ عَلَيْهِ لِتُجْتَنَبَ مُعَامَلَتُهُ ، فَإِذَا حُجِرَ عَلَيْهِ ثَبَتَ بِذَلِكَ أَرْبَعَةُ أَحْكَامٍ ؛ أَحَدُهَا ، تَعَلُّقُ حُقُوقِ الْغُرَمَاءِ بِعَيْنِ مَالِهِ .\rوَالثَّانِي ، مَنْعُ تَصَرُّفِهِ فِي عَيْنِ مَالِهِ .\rوَالثَّالِثُ ، أَنَّ مَنْ وَجَدَ عَيْنَ مَالِهِ عِنْدَهُ فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا مِنْ سَائِرِ الْغُرَمَاءِ إذَا وَجَدَتْ الشُّرُوطُ .\rالرَّابِعُ ، أَنَّ لِلْحَاكِمِ بَيْعَ مَالِهِ وَإِيفَاءَ الْغُرَمَاءِ .\rوَالْأَصْلُ فِي هَذَا مَا رَوَى كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ ، { أَنَّ رَسُولَ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَجَرَ عَلَى مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ، وَبَاعَ مَالَهُ .\r} رَوَاهُ الْخَلَّالُ بِإِسْنَادِهِ وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبٍ ، قَالَ : كَانَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ مِنْ أَفْضَلِ شَبَابِ قَوْمِهِ ، وَلَمْ يَكُنْ يُمْسِكُ شَيْئًا ، فَلَمْ يَزَلْ يُدَانُ حَتَّى أَغْرَقَ مَالَهُ فِي الدَّيْنِ ، فَكَلَّمَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غُرَمَاؤُهُ ، فَلَوْ تُرِك أَحَدٌ مِنْ أَجْلِ أَحَدٍ لَتَرَكُوا مُعَاذًا مِنْ أَجْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَبَاعَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَالَهُ ، حَتَّى قَامَ مُعَاذٌ بِغَيْرِ شَيْءٍ .\rقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ : إنَّمَا لَمْ يَتْرُكْ الْغُرَمَاءُ لِمُعَاذٍ حِينَ كَلَّمَهُمْ رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَهُودًا .","part":9,"page":291},{"id":4291,"text":"( 3406 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِذَا فَلَّسَ الْحَاكِمُ رَجُلًا ، فَأَصَابَ أَحَدُ الْغُرَمَاءِ عَيْنَ مَالِهِ ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ ، إلَّا أَنْ يَشَاءَ تَرْكَهُ ، وَيَكُونَ أُسْوَةَ الْغُرَمَاءِ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْمُفْلِسَ مَتَى حُجِرَ عَلَيْهِ ، فَوَجَدَ بَعْضُ غُرَمَائِهِ سِلْعَتَهُ الَّتِي بَاعَهُ إيَّاهَا بِعَيْنِهَا ، بِالشُّرُوطِ الَّتِي يَذْكُرُهَا ، مَلَكَ فَسْخَ الْبَيْعِ ، وَأَخَذَ سِلْعَتَهُ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ .\rوَبِهِ قَالَ عُرْوَةُ ، وَمَالِكٌ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَالْعَنْبَرِيُّ وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ .\rوَقَالَ الْحَسَنُ وَالنَّخَعِيُّ ، وَابْنُ شُبْرُمَةَ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ : هُوَ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ ؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ كَانَ لَهُ حَقُّ الْإِمْسَاكِ لِقَبْضِ الثَّمَنِ ، فَلَمَّا سَلَّمَهُ أَسْقَطَ حَقَّهُ مِنْ الْإِمْسَاكِ ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِي ذَلِكَ بِالْإِفْلَاسِ ، كَالْمُرْتَهِنِ إذَا سَلَّمَ الرَّهْنَ إلَى الرَّاهِنِ .\rوَلِأَنَّهُ سَاوَى الْغُرَمَاءَ فِي سَبَبِ الِاسْتِحْقَاقِ ، فَيُسَاوِيهِمْ فِي الِاسْتِحْقَاقِ ، كَسَائِرِهِمْ .\rوَلَنَا مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { : مَنْ أَدْرَكَ مَتَاعَهُ بِعَيْنِهِ عِنْدَ إنْسَانٍ قَدْ أَفْلَسَ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rقَالَ أَحْمَدُ : لَوْ أَنَّ حَاكِمًا حَكَمَ أَنَّهُ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ ، ثُمَّ رُفِعَ إلَى رَجُلٍ يَرَى الْعَمَلَ بِالْحَدِيثِ ، جَازَ لَهُ نَقْضُ حُكْمِهِ ، وَلِأَنَّ هَذَا الْعَقْدَ يَلْحَقُهُ الْفَسْخُ بِالْإِقَالَةِ ، فَجَازَ فِيهِ الْفَسْخُ ؛ لِتَعَذُّرِ الْعِوَضِ ، كَالْمُسْلَمِ فِيهِ إذَا تَعَذَّرَ .\rوَلِأَنَّهُ إذَا شَرَطَ فِي الْبَيْعِ رَهْنًا ، فَعَجَزَ عَنْ تَسْلِيمِهِ ، اسْتَحَقَّ الْفَسْخَ ، وَهُوَ وَثِيقَةٌ بِالثَّمَنِ ، فَالْعَجْزُ عَنْ تَسْلِيمِ الثَّمَنِ بِنَفْسِهِ أَوْلَى .\rوَيُفَارِقُ الْمَبِيعُ الرَّهْنَ ؛ فَإِنْ إمْسَاكَ الرَّهْنِ إمْسَاكٌ مُجَرَّدٌ عَلَى سَبِيلِ الْوَثِيقَةِ ، وَلَيْسَ بِبَدَلٍ ، وَالثَّمَنُ هَاهُنَا بَدَلٌ عَنْ الْعَيْنِ ، فَإِذَا تَعَذَّرَ اسْتِيفَاؤُهُ","part":9,"page":292},{"id":4292,"text":"، رَجَعَ إلَى الْمُبْدَلِ .\rوَقَوْلُهُمْ : تَسَاوَوْا فِي سَبَبِ الِاسْتِحْقَاقِ .\rقُلْنَا : لَكِنْ اخْتَلَفُوا فِي الشَّرْطِ ، فَإِنَّ بَقَاءَ الْعَيْنِ شَرْطٌ لِمِلْكِ الْفَسْخِ ، وَهِيَ مَوْجُودَةٌ فِي حَقِّ مَنْ وَجَدَ مَتَاعَهُ دُونَ مَنْ لَمْ يَجِدْهُ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّ الْبَائِعَ بِالْخِيَارِ ، إنْ شَاءَ رَجَعَ فِي السِّلْعَةِ ، وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَرْجِعْ ، وَكَانَ أُسْوَةَ الْغُرَمَاءِ ، وَسَوَاءٌ كَانَتْ السِّلْعَةُ مُسَاوِيَةً لِثَمَنِهَا أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ ؛ لِأَنَّ الْإِعْسَارَ سَبَبٌ يُثْبِتُ جَوَازَ الْفَسْخِ ، فَلَا يُوجِبهُ ، كَالْعَيْبِ وَالْخِيَارِ ، وَلَا يَفْتَقِرُ الْفَسْخُ إلَى حُكْمِ حَاكِمٍ لِأَنَّهُ فَسْخٌ ثَبَتَ بِالنَّصِّ ، فَلَمْ يَفْتَقِرْ إلَى حُكْمِ حَاكِمٍ ، كَفَسْخِ النِّكَاحِ لِعِتْقِ الْأَمَةِ .","part":9,"page":293},{"id":4293,"text":"( 3407 ) فَصْلٌ : وَهَلْ خِيَارُ الرُّجُوعِ عَلَى الْفَوْرِ ، أَوْ عَلَى التَّرَاخِي ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ ، بِنَاءً عَلَى خِيَارِ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ ، وَفِي ذَلِكَ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، هُوَ عَلَى التَّرَاخِي ؛ لِأَنَّهُ حَقُّ رُجُوعٍ يَسْقُطُ إلَى عِوَضٍ ، فَكَانَ عَلَى التَّرَاخِي ، كَالرُّجُوعِ فِي الْهِبَةِ .\rوَالثَّانِي ، هُوَ عَلَى الْفَوْرِ ؛ لِأَنَّهُ خِيَارٌ يَثْبُتُ فِي الْبَيْعِ لِنَقْصٍ فِي الْعِوَضِ ، فَكَانَ عَلَى الْفَوْرِ ، كَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ .\rوَلِأَنَّ جَوَازَ تَأْخِيرِهِ يُفْضِي إلَى الضَّرَرِ بِالْغُرَمَاءِ ، لِإِفْضَائِهِ إلَى تَأْخِيرِ حُقُوقِهِمْ ، فَأَشْبَهَ خِيَارَ الْأَخْذِ بِالشُّفْعَةِ .\rوَنَصَرَ الْقَاضِي هَذَا الْوَجْهَ ، وَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَجْهَانِ كَهَذَيْنِ .","part":9,"page":294},{"id":4294,"text":"( 3408 ) فَصْلٌ : فَإِنْ بَذَلَ الْغُرَمَاءُ الثَّمَنَ لِصَاحِبِ السِّلْعَةِ لِيَتْرُكَهَا ، لَمْ يَلْزَمْهُ قَبُولُهُ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَقَالَ مَالِكٌ : لَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ ؛ لِأَنَّ الرُّجُوعَ إنَّمَا يَجُوزُ لِدَفْعِ مَا يَلْحَقُهُ مِنْ النَّقْصِ فِي الثَّمَنِ ، فَإِذَا بُذِلَ بِكَمَالِهِ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ الرُّجُوعُ ، كَمَا لَوْ زَالَ الْعَيْبُ مِنْ الْمَعِيبِ .\rوَلَنَا ، الْخَبَرُ الَّذِي رَوَيْنَاهُ ، وَلِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ بِدَفْعِ الْحَقِّ مِنْ غَيْرِ مَنْ هُوَ عَلَيْهِ ، فَلَمْ يُجْبَرْ صَاحِبُ الْحَقِّ عَلَى قَبْضِهِ ، كَمَا لَوْ أَعْسَرَ الزَّوْجُ بِالنَّفَقَةِ ، فَبَذَلَهَا غَيْرُهُ ، أَوْ عَجَزَ الْمُكَاتَبُ ، فَبَذَلَ غَيْرُهُ مَا عَلَيْهِ لِسَيِّدِهِ ، وَبِهَذَا يَنْتَقِضُ مَا ذَكَرُوهُ ، وَسَوَاءٌ بَذَلُوهُ مِنْ أَمْوَالِهِمْ أَوْ خَصُّوهُ بِثَمَنِهِ مِنْ التَّرِكَةِ ، وَفِي هَذَا الْقَسَمِ ضَرَرٌ آخَرُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَأْمَنُ تَجَدُّدَ ثُبُوتِ دَيْنٍ آخَرَ ، فَيَرْجِعُ عَلَيْهِ ، وَإِنْ دَفَعُوا إلَى الْمُفْلِسِ الثَّمَنَ ، فَبَذَلَهُ لِلْبَائِعِ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ الْفَسْخُ ؛ لِأَنَّهُ زَالَ الْعَجْزُ عَنْ تَسْلِيمِ الثَّمَنِ ، فَزَالَ مِلْكُ الْفَسْخِ ، كَمَا لَوْ أَسْقَطَ سَائِرُ الْغُرَمَاءِ حُقُوقَهُمْ عَنْهُ ، فَمَلَكَ أَدَاءَ الثَّمَنِ .\rوَلَوْ أَسْقَطَ الْغُرَمَاءُ حُقُوقَهُمْ عَنْهُ ، فَتَمَكَّنَ مِنْ الْأَدَاءِ ، أَوْ وُهِبَ لَهُ مَالٌ .\rفَأَمْكَنَهُ الْأَدَاءُ مِنْهُ ، أَوْ غَلَتْ أَعْيَانُ مَالِهِ ، فَصَارَتْ قِيمَتُهَا وَافِيَةً بِحُقُوقِ الْغُرَمَاءِ ، بِحَيْثُ يُمْكِنُهُ أَدَاءُ الثَّمَنِ كُلِّهِ ، لَمْ يَكُنْ لِلْبَائِعِ الْفَسْخُ ؛ لِزَوَالِ سَبَبِهِ ، وَلِأَنَّهُ أَمْكَنَهُ الْوُصُولُ إلَى ثَمَنِ سِلْعَتِهِ مِنْ الْمُشْتَرِي ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ الْفَسْخُ ، كَمَا لَوْ لَمْ يُفْلِسْ .","part":9,"page":295},{"id":4295,"text":"( 3409 ) فَصْلٌ : فَإِنْ اشْتَرَى الْمُفْلِسُ مِنْ إنْسَانٍ سِلْعَةً بَعْدَ ثُبُوتِ الْحَجْرِ عَلَيْهِ فِي ذِمَّتِهِ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ الْفَسْخُ ؛ لِتَعَذُّرِ الِاسْتِيفَاءِ ، سَوَاءٌ عَلِمَ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ .\rوَلِأَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ الْمُطَالَبَةَ بِثَمَنِهَا ، فَلَا يَسْتَحِقُّ الْفَسْخَ لِتَعَذُّرِهِ ، كَمَا لَوْ كَانَ ثَمَنُهَا مُؤَجَّلًا .\rوَلِأَنَّ الْعَالِمَ بِالْعَيْبِ دَخَلَ عَلَى بَصِيرَةٍ بِخَرَابِ الذِّمَّةِ ، فَأَشْبَهَ مَنْ اشْتَرَى مَعِيبًا يَعْلَمُ عَيْبَهُ .\rوَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ ، أَنَّ لَهُ الْخِيَارَ ؛ لِعُمُومِ الْخَبَرِ ، وَلِأَنَّهُ عَقَدَ عَلَيْهِ وَقْتَ الْفَسْخِ ، فَلَمْ يَسْقُطْ حَقُّهُ مِنْ الْفَسْخِ ، كَمَا لَوْ تَزَوَّجَتْ امْرَأَةٌ فَقِيرًا مُعْسِرًا بِنَفَقَتِهَا وَفِيهِ وَجْهٌ ثَالِثٌ ، إنْ بَاعَهُ عَالِمًا بِفَلَسِهِ فَلَا فَسْخَ لَهُ ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ فَلَهُ الْفَسْخُ ، كَمُشْتَرِي الْمَعِيبِ .\rوَيُفَارَقُ الْمُعْسِرُ بِالنَّفَقَةِ ؛ لِكَوْنِ النَّفَقَةِ يَتَجَدَّدُ وُجُوبُهَا كُلَّ يَوْمٍ ، فَالرِّضَى بِالْمُعْسِرِ بِهَا رِضَى بِعَيْبِ مَا لَمْ يَجِبْ ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا ، وَإِنَّمَا يُشْبِهُ هَذَا إذَا تَزَوَّجَتْهُ مُعْسِرًا بِالصَّدَاقِ وَسَلَّمَتْ نَفْسَهَا إلَيْهِ ، ثُمَّ أَرَادَتْ الْفَسْخَ .","part":9,"page":296},{"id":4296,"text":"( 3410 ) فَصْلٌ : وَمَنْ اسْتَأْجَرَ أَرْضًا لِيَزْرَعَهَا ، فَأَفْلَسَ قَبْلَ مُضِيِّ شَيْءٍ مِنْ الْمُدَّةِ فَلِلْمُؤَجَّرِ فَسْخُ الْإِجَارَةِ ؛ لِأَنَّهُ وَجَدَ عَيْنَ مَالِهِ ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ ، فَهُوَ غَرِيمٌ بِالْأُجْرَةِ .\rوَإِنْ كَانَ بَعْدَ مُضِيِّ بَعْضِهَا ، لَمْ يَمْلِكْ الْفَسْخَ فِي قِيَاسِ قَوْلِنَا فِي الْمَبِيعِ إذَا تَلِفَ بَعْضُهُ ، فَإِنَّ الْمُدَّةَ هَاهُنَا كَالْمَبِيعِ ، وَمُضِيُّ بَعْضِهَا كَتَلَفِ بَعْضِهِ ، لَكِنْ يُعْتَبَرُ مُضِيُّ مُدَّةٍ لِمِثْلِهَا أُجْرَةٌ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ عَنْ مُضِيِّ جُزْءٍ مِنْهَا بِحَالِ وَقَالَ الْقَاضِي ، فِي مَوْضِعٍ آخَرَ : مَنْ اكْتَرَى أَرْضًا فَزَرَعَهَا ، ثُمَّ أَفْلَسَ ، فَفَسَخَ صَاحِبُ الْأَرْضِ ، فَعَلَيْهِ تَبْقِيَةُ زَرْعِ الْمُفْلِسِ إلَى حِينِ الْحَصَادِ بِأَجْرِ مِثْله ؛ لِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ الْمَنْفَعَةُ ، فَإِذَا فَسَخَ الْعَقْدَ ، فَسَخَهُ فِيمَا مَلَكَ عَلَيْهِ بِالْعَقْدِ ، وَقَدْ تَعَذَّرَ رَدُّهَا عَلَيْهِ ، فَكَانَ عَلَيْهِ عِوَضُهَا ، كَمَا لَوْ فَسَخَ الْبَيْعَ بَعْدَ أَنْ أَتْلَفَ الْمَبِيعَ ، فَلَهُ قِيمَتُهُ ، وَيَضْرِبُ بِذَلِكَ مَعَ الْغُرَمَاءِ ، كَذَا هَاهُنَا ، وَيَضْرِبُ مَعَ الْغُرَمَاءِ بِأَجْرِ الْمِثْلِ دُونَ الْمُسَمَّى وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ، وَهَذَا لَا يَقْتَضِيه مَذْهَبُنَا ، وَلَا يَشْهَدُ لِصِحَّتِهِ الْخَبَرُ ، وَلَا يَصِحُّ فِي النَّظَرِ ؛ أَمَّا الْخَبَرُ ، فَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّمَا قَالَ : { مَنْ أَدْرَكَ مَتَاعَهُ بِعَيْنِهِ عِنْدَ رَجُلٍ قَدْ أَفْلَسَ ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ } .\rوَهَذَا مَا أَدْرَكَ مَتَاعَهُ بِعَيْنِهِ ، وَلَا هُوَ أَحَقُّ بِهِ بِالْإِجْمَاعِ ، فَإِنَّهُمْ وَافَقُوا عَلَى وُجُوبِ تَبَقَّيْتِهَا ، وَعَدَمِ الرُّجُوعِ فِي عَيْنِهَا ، وَلِأَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ : ( مَنْ أَدْرَكَ مَتَاعَهُ بِعَيْنِهِ ) أَيْ عَلَى وَجْهٍ يُمْكِنُهُ أَخْذُهُ ، لَا يَتَعَلَّقُ حَقُّهُ بِعَيْنِهِ ، وَلَيْسَ هَذَا كَذَلِكَ .\rوَأَمَّا النَّظَرُ فَلِأَنَّ الْبَائِعَ إنَّمَا كَانَ أَحَقَّ بِعَيْنِ مَالِهِ ؛ لِتَعَلُّقِ حَقِّهِ بِالْعَيْنِ ، وَإِمْكَانِ رَدِّ مَالِهِ إلَيْهِ","part":9,"page":297},{"id":4297,"text":"بِعَيْنِهِ ، فَيَرْجِعُ عَلَى مَنْ تَعَلَّقَ حَقُّهُ بِمُجَرَّدِ الذِّمَّةِ ، وَهَذَا لَمْ يَتَعَلَّقْ حَقُّهُ بِالْعَيْنِ ، وَلَا أَمْكَنَ رَدُّهَا إلَيْهِ ، وَإِنَّمَا صَارَ فَائِدَةُ الرُّجُوعِ الضَّرْبَ بِالْقِيمَةِ دُونَ الْمُسَمَّى ، وَلَيْسَ هَذَا هُوَ الْمُقْتَضَى فِي مَحِلِّ النَّصِّ ، وَلَا هُوَ فِي مَعْنَاهُ ، فَإِثْبَاتُ الْحُكْمِ بِهِ تَحَكُّمٌ بِغَيْرِ دَلِيلٍ وَلَوْ اكْتَرَى رَجُلًا يَحْمِلُ لَهُ مَتَاعًا إلَى بَلَدٍ ، ثُمَّ أَفْلَسَ الْمُكْتَرِي قَبْلَ حَمْلِ شَيْءٍ ، فَلِلْمُكْتَرِي الْفَسْخُ .\rوَإِنْ حَمَلَ الْبَعْضَ ، أَوْ بَعْضَ الْمَسَافَةِ فَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ لَيْسَ لَهُ الْفَسْخُ ، وَقِيَاسُ قَوْلِ الْقَاضِي : لَهُ ذَلِكَ .\rفَإِذَا فَسَخَ سَقَطَ عَنْهُ حَمْلُ مَا بَقِيَ ، وَضَرَبَ مَعَ الْغُرَمَاءِ بِقِسْطِ مَا حَمَلَ مِنْ الْأَجْرِ الْمُسَمَّى وَعَلَى قِيَاسِ قَوْلِ الْقَاضِي : يَنْفَسِخُ الْعَقْدُ فِي الْجَمِيعِ ، وَيَضْرِبُ بِقِسْطِ مَا حَمَلَ مِنْ أَجْرِ الْمِثْلِ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ قَوْلِهِ فِي الْمَسْأَلَةِ الَّتِي حَكَيْنَا قَوْلَهُ فِيهَا .","part":9,"page":298},{"id":4298,"text":"( 3411 ) فَصْلٌ : فَإِنْ أَقْرَضَ رَجُلًا مَالًا ، ثُمَّ أَفْلَسَ الْمُقْتَرِضُ ، وَعَيْنُ الْمَالِ قَائِمٌ ، فَلَهُ الرُّجُوعُ فِيهَا ؛ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { مَنْ أَدْرَكَ مَتَاعَهُ بِعَيْنِهِ عِنْدَ رَجُلٍ قَدْ أَفْلَسَ ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ } .\rوَلِأَنَّهُ غَرِيمٌ وَجَدَ عَيْنَ مَالِهِ ، فَكَانَ لَهُ أَخْذُهَا ، كَالْبَائِعِ .\rوَإِنْ أَصْدَقَ امْرَأَةً لَهُ عَيْنًا ، ثُمَّ انْفَسَخَ نِكَاحُهَا بِسَبَبٍ مِنْ جِهَتِهَا يُسْقِطُ صَدَاقَهَا ، أَوْ طَلَّقَهَا قَبْلَ دُخُولِهِ بِهَا ، فَاسْتَحَقَّ الرُّجُوعَ فِي نِصْفِهِ ، وَقَدْ أَفْلَسَتْ وَوَجَدَ عَيْنَ مَالِهِ ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا ؛ لِمَا ذَكَرْنَا .","part":9,"page":299},{"id":4299,"text":"( 3412 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( فَإِنْ كَانَتْ السِّلْعَةُ قَدْ تَلِفَ بَعْضُهَا ، أَوْ مَزِيدَةً بِمَا لَا تَنْفَصِلُ زِيَادَتُهَا ، أَوْ نَقَدَ بَعْضَ ثَمَنِهَا ، كَانَ الْبَائِعُ فِيهَا كَأُسْوَةِ الْغُرَمَاءِ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْبَائِعَ إنَّمَا يَسْتَحِقُّ الرُّجُوعَ فِي السِّلْعَةِ بِخَمْسِ شَرَائِطَ ؛ أَحَدُهَا ، أَنْ تَكُونَ السِّلْعَةُ بَاقِيَةً بِعَيْنِهَا ، لَمْ يَتْلَفْ بَعْضُهَا ، فَإِنْ تَلِفَ جُزْءٌ مِنْهَا كَبَعْضِ أَطْرَافِ الْعَبْدِ ، أَوْ ذَهَبَتْ عَيْنُهُ ، أَوْ تَلِفَ بَعْضُ الثَّوْبِ ، أَوْ انْهَدَمَ بَعْضُ الدَّارِ ، أَوْ اشْتَرَى شَجَرًا مُثْمِرًا لَمْ تَظْهَرْ ثَمَرَتُهُ ، فَتَلْفِت الثَّمَرَةُ ، أَوْ نَحْوُ هَذَا ، لَمْ يَكُنْ لِلْبَائِعِ الرُّجُوعُ ، وَكَانَ أُسْوَةَ الْغُرَمَاءِ وَبِهَذَا قَالَ إِسْحَاقُ .\rوَقَالَ مَالِكٌ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالشَّافِعِيُّ ، وَالْعَنْبَرِيُّ : لَهُ الرُّجُوعُ فِي الْبَاقِي ، وَيَضْرِبُ مَعَ الْغُرَمَاءِ بِحِصَّةِ التَّالِفِ ؛ لِأَنَّهَا عَيْنٌ يَمْلِكُ الرُّجُوعَ فِي جَمِيعِهَا ، فَمَلَكَ الرُّجُوعَ فِي بَعْضِهَا ، كَاَلَّذِي لَهُ الْخِيَارُ ، وَكَالْأَبِ فِيمَا وَهَبَ لِوَلَدِهِ وَلَنَا ، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ أَدْرَكَ مَتَاعَهُ بِعَيْنِهِ عِنْدَ إنْسَانٍ قَدْ أَفْلَسَ ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ } .\rفَشَرَطَ أَنْ يَجِدَهُ بِعَيْنِهِ ، وَلَمْ يَجِدْهُ بِعَيْنِهِ .\rوَلِأَنَّهُ إذَا أَدْرَكَهُ بِعَيْنِهِ ، حَصَلَ لَهُ بِالرُّجُوعِ فَصْلُ الْخُصُومَةِ ، وَانْقِطَاعُ مَا بَيْنَهُمَا مِنْ الْمُعَامَلَةِ ، بِخِلَافِ مَا إذَا وَجَدَ بَعْضَهُ .\rوَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَرْضَى بِالْمَوْجُودِ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ ، أَوْ يَأْخُذَهُ بِقِسْطِهِ مِنْ الثَّمَنِ ؛ لِأَنَّهُ فَاتَ شَرْطُ الرُّجُوعِ وَإِنْ كَانَ الْمَبِيعُ عَيْنَيْنِ ، كَعَبْدَيْنِ ، أَوْ ثَوْبَيْنِ تَلِفَ أَحَدُهُمَا ، أَوْ بَعْضُ أَحَدُهُمَا ، فَفِي جَوَازِ الرُّجُوعِ فِي الْبَاقِي مِنْهُمَا رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، لَا يَرْجِعُ .\rنَقَلَهَا أَبُو طَالِبٍ ، عَنْ أَحْمَدَ ، قَالَ : لَا يَرْجِعُ بِبَقِيَّةِ الْعَيْنِ ، وَيَكُونُ أُسْوَةَ الْغُرَمَاءِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَجِدْ الْمَبِيعِ بِعَيْنِهِ ، فَأَشْبَهَ","part":9,"page":300},{"id":4300,"text":"مَا لَوْ كَانَ عَيْنًا وَاحِدَةً .\rوَلِأَنَّ بَعْضَ الْمَبِيعِ تَالِفٌ ، فَلَمْ يَمْلِكْ الرُّجُوعَ ، كَمَا لَوْ قُطِعَتْ يَدُ الْعَبْدِ وَنَقَلَ الْحَسَنُ بْنُ ثَوَابٍ عَنْ أَحْمَدَ ، إنْ كَانَ ثَوْبًا وَاحِدًا ، فَتَلِفَ بَعْضُهُ ، فَهُوَ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ ، وَإِنْ كَانَ رِزَمًا ، فَتَلِفَ بَعْضُهَا ، فَإِنَّهُ يَأْخُذُ بِقِيمَتِهَا إذَا كَانَ بِعَيْنِهِ ؛ لِأَنَّ السَّالِمَ مِنْ الْمَبِيعِ وَجَدَهُ الْبَائِعُ بِعَيْنِهِ ، فَيَدْخُلُ فِي عُمُومِ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ أَدْرَكَ مَتَاعَهُ بِعَيْنِهِ عِنْدَ إنْسَانٍ قَدْ أَفْلَسَ .\rفَهُوَ أَحَقُّ بِهِ } .\rوَلِأَنَّهُ مَبِيعٌ ، وَجَدَهُ بِعَيْنِهِ ، فَكَانَ لِلْبَائِعِ الرُّجُوعُ فِيهِ ، كَمَا لَوْ كَانَ جَمِيعَ الْمَبِيعِ .","part":9,"page":301},{"id":4301,"text":"( 3413 ) فَصْلٌ : وَإِنْ بَاعَ بَعْضَ الْمَبِيعِ ، أَوْ وَهَبَهُ ، أَوْ وَقَفَهُ ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ تَلَفِهِ ؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ مَا أَدْرَكَ مَالَهُ بِعَيْنِهِ .","part":9,"page":302},{"id":4302,"text":"( 3414 ) فَصْلٌ : وَإِنْ نَقَصَتْ مَالِيَّةُ الْمَبِيعِ ، لِذَهَابِ صِفَةٍ مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهِ ، كَعَبْدٍ هَزِلَ ، أَوْ نَسِيَ صِنَاعَةً أَوْ كِتَابَةً ، أَوْ كَبِرَ ، أَوْ مَرِضَ ، أَوْ تَغَيَّرَ عَقْلُهُ ، أَوْ كَانَ ثَوْبًا فَخَلِقَ ، لَمْ يَمْنَعْ الرُّجُوعَ ؛ لِأَنَّ فَقْدَ الصِّفَةِ لَا يُخْرِجُهُ عَنْ كَوْنِهِ عَيْنَ مَالِهِ ، لَكِنَّهُ يَتَخَيَّرُ بَيْنَ أَخْذِهِ نَاقِصًا بِجَمِيعِ حَقِّهِ ، وَبَيْنَ أَنْ يَضْرِبَ مَعَ الْغُرَمَاءِ بِكَمَالِ ؛ ثَمَنِهِ ؛ لِأَنَّ الثَّمَنَ لَا يَتَقَسَّطُ عَلَى صِفَةِ السِّلْعَةِ مِنْ سِمَنٍ ، أَوْ هُزَالٍ ، أَوْ عِلْمٍ ، أَوْ نَحْوِهِ ، فَيَصِيرُ كَنَقْصِهِ لِتَغَيُّرِ الْأَسْعَارِ وَلَوْ كَانَ الْمَبِيعُ أَمَةً ثَيِّبًا ، فَوَطِئَهَا الْمُشْتَرِي ، وَلَمْ تَحْمِلْ ، فَلَهُ الرُّجُوعُ فِيهَا ؛ لِمَا ذَكَرْنَا ، فَإِنَّهَا لَمْ تَنْقُصْ فِي ذَاتٍ وَلَا فِي صِفَاتِ .\rوَإِنْ كَانَتْ بِكْرًا ، فَقَالَ الْقَاضِي : لَهُ الرُّجُوعُ ؛ لِأَنَّهُ فَقَدَ صِفَةً ، فَإِنَّهُ لَمْ يَذْهَبْ مِنْهَا جَزْءٌ ، وَإِنَّمَا هُوَ كَالْجِرَاحِ .\rوَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : لَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ ؛ لِأَنَّهُ أَذْهَبَ مِنْهَا جُزْءًا ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ فَقَأَ عَيْنَهَا .\rوَإِنْ وُجِدَ الْوَطْءُ مِنْ غَيْرِ الْمُفْلِسِ ، فَهُوَ كَوَطْءِ الْمُفْلِسِ ، فِيمَا ذَكَرْنَا .","part":9,"page":303},{"id":4303,"text":"( 3415 ) فَصْلٌ : وَإِنْ جُرِحَ الْعَبْدُ أَوْ شُجَّ ، فَعَلَى قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ : لَا يَرْجِعُ ؛ لِأَنَّهُ ذَهَبَ جُزْءٌ يَنْقُصُ بِهِ الثَّمَنُ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ فُقِئَتْ عَيْنُ الْعَبْدِ ؛ لِأَنَّهُ ذَهَبَ مِنْ الْعَيْنِ جُزْءٌ لَهُ بَدَلٌ فَمَنَعَ الرُّجُوعَ ، كَمَا لَوْ قُطِعَتْ يَدُ الْعَبْدِ ، وَلِأَنَّهُ لَوْ نَقَصَ صِفَةً مُجَرَّدَةً ، لَمْ يَكُنْ لِلْبَائِعِ مِنْ الرُّجُوعِ فِيهَا شَيْءٌ سِوَاهُ ، كَمَا ذَكَرْنَا فِي هُزَالِ الْعَبْدِ ، وَنِسْيَانِ الصَّنْعَةِ ، وَهَاهُنَا بِخِلَافِهِ ، وَلِأَنَّ الرُّجُوعَ فِي الْمَحِلِّ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ يَقْطَعُ النِّزَاعَ ، وَيُزِيلُ الْمُعَامَلَةَ بَيْنَهُمَا ، فَلَا يَثْبُتُ فِي مَحِلٍّ لَا يَحْصُلُ بِهِ هَذَا الْمَقْصُودُ وَقَالَ الْقَاضِي : قِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنَّ لَهُ الرُّجُوعَ ؛ لِأَنَّهُ فَقَدَ صِفَةً ، فَأَشْبَهَ نِسْيَانَ الصَّنْعَةِ ، وَاسْتِخْلَاقَ الثَّوْبِ .\rفَإِذَا رَجَعَ ، نَظَرْنَا فِي الْجَرْحِ ، فَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا أَرْشَ لَهُ ، كَالْحَاصِلِ بِفِعْلِ اللَّهِ تَعَالَى ، أَوْ فِعْلِ بَهِيمَةٍ ، أَوْ جِنَايَةِ الْمُفْلِسِ ، أَوْ جِنَايَةِ عَبْدِهِ ، أَوْ جِنَايَةِ الْعَبْدِ عَلَى نَفْسِهِ ، فَلَيْسَ لَهُ مَعَ الرُّجُوعِ أَرْشٌ .\rوَإِنْ كَانَ الْجَرْحُ مُوجِبًا لِأَرْشٍ كَجِنَايَةِ الْأَجْنَبِيِّ ، فَلِلْبَائِعِ إذَا رَجَعَ أَنْ يَضْرِبَ مَعَ الْغُرَمَاءِ بِحِصَّةِ مَا نَقَصَ مِنْ الثَّمَنِ ، فَيَنْظُرُ كَمْ نَقَصَ مِنْ قِيمَتِهِ ، فَيَرْجِعُ بِقِسْطِ ذَلِكَ مِنْ الثَّمَنِ ؛ لِأَنَّهُ مَضْمُونٌ عَلَى الْمُشْتَرِي لِلْبَائِعِ بِالثَّمَنِ فَإِنْ قِيلَ : فَهَلَّا جَعَلْتُمْ لَهُ الْأَرْشَ الَّذِي وَجَبَ عَلَى الْأَجْنَبِيِّ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَجِبْ بِهِ أَرْشٌ لَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءِ ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَرْجِعَ بِأَكْثَرَ مِنْ الْأَرْشِ .\rقُلْنَا : لَمَّا أَتْلَفَهُ الْأَجْنَبِيُّ ، صَارَ مَضْمُونًا بِإِتْلَافِهِ لِلْمُفْلِسِ ، فَكَانَ بِالْأَرْشِ لَهُ وَهُوَ مَضْمُونٌ عَلَى الْمُفْلِسِ لِلْبَائِعِ بِالثَّمَنِ ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَضْمَنَهُ بِالْأَرْشِ ، وَإِذَا لَمْ يُتْلِفْهُ أَجْنَبِيٌّ ، فَلَمْ يَكُنْ مَضْمُونًا ، فَلَمْ يَجِبْ بِفَوَاتِهِ شَيْءٌ .\rفَإِنْ قِيلَ : فَهَلَّا كَانَ","part":9,"page":304},{"id":4304,"text":"هَذَا الْأَرْشُ لِلْمُشْتَرِي كَكَسْبِهِ ، لَا يَضْمَنُهُ لِلْبَائِعِ قُلْنَا : الْكَسْبُ بَدَلُ مَنَافِعِهِ ، وَمَنَافِعُهُ مَمْلُوكَةٌ لِلْمُشْتَرِي بِغَيْرِ عِوَضٍ ، وَهَذَا بَدَلُ جُزْءٍ مِنْ الْعَيْنِ ، وَالْعَيْنُ جَمِيعُهَا مَضْمُونَةٌ بِالْعِوَضِ ، فَلِهَذَا ضَمِنَ ذَلِكَ لِلْمُشْتَرِي .","part":9,"page":305},{"id":4305,"text":"( 3416 ) فَصْلٌ : فَإِنْ اشْتَرَى زَيْتًا ، فَخَلَطَهُ بِزَيْتٍ آخَرَ ، أَوْ قَمْحًا ، فَخَلَطَهُ بِمَا لَا يُمْكِنُ تَمْيِيزُهُ مِنْهُ ، سَقَطَ حَقُّ الرُّجُوعِ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : يَأْخُذُ زَيْتَهُ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : إنْ خَلَطَهُ بِمِثْلِهِ أَوْ دُونِهِ ، لَمْ يَسْقُطْ الرُّجُوعُ ، وَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ مَتَاعَهُ بِالْكَيْلِ أَوْ الْوَزْنِ ، وَإِنْ خَلَطَهُ بِأَجْوَدَ مِنْهُ ، فَفِيهِ قَوْلَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، يَسْقُطُ حَقُّهُ مِنْ الْعَيْنِ قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَبِهِ أَقُولُ .\rوَاحْتَجُّوا بِأَنَّ عَيْنَ مَالِهِ مَوْجُودَةٌ مِنْ طَرِيقِ الْحُكْمِ ، فَكَانَ لَهُ الرُّجُوعُ كَمَا لَوْ كَانَتْ مُنْفَرِدَةً ، وَلِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ أَكْثَرُ مِنْ اخْتِلَاطِ مَالِهِ بِغَيْرِهِ ، فَلَمْ يَمْنَعْ الرُّجُوعَ ، كَمَا لَوْ اشْتَرَى ثَوْبًا فَصَبَغَهُ ، أَوْ سَوِيقًا فَلَتَّهُ وَلَنَا ، أَنَّهُ لَمْ يَجِدْ عَيْنَ مَالِهِ ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ الرُّجُوعُ ، كَمَا لَوْ تَلِفَتْ ، وَلِأَنَّ مَا يَأْخُذُهُ مِنْ غَيْرِ عَيْنِ مَالِهِ ، إنَّمَا يَأْخُذُهُ عِوَضًا عَنْ مَالِهِ ، فَلَمْ يَخْتَصَّ بِهِ دُونَ الْغُرَمَاءِ ، كَمَا لَوْ تَلِفَ مَالُهُ .\rوَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ أَدْرَكَ مَتَاعَهُ بِعَيْنِهِ } .\rأَيْ مَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ ، وَتَمَكَّنَ مِنْ أَخْذِهِ مِنْ الْمُفْلِسِ ؛ بِدَلِيلِ مَا لَوْ وَجَدَهُ بَعْدَ زَوَالِ مِلْكِ الْمُفْلِسِ ، أَوْ كَانَتْ مَسَامِيرَ قَدْ سَمَّرَ بِهَا بَابًا ، أَوْ حَجَرًا قَدْ بَنِي عَلَيْهِ ، أَوْ خَشَبًا فِي سَقْفِهِ ، أَوْ أَمَةً اسْتَوْلَدَهَا ، وَهَذَا إذَا أَخَذَ كَيْلَهُ أَوْ قِيمَتَهُ إنَّمَا يَأْخُذُ عِوَضَ مَالِهِ ، فَهُوَ كَالثَّمَنِ وَالْقِيمَةِ .\rوَفَارَقَ الْمَصْبُوغَ ، فَإِنْ عَيْنَهُ يُمْكِنُهُ أَخْذُهَا ، وَالسَّوِيقُ كَذَلِكَ ، فَاخْتَلَفَا .","part":9,"page":306},{"id":4306,"text":"( 3417 ) فَصْلٌ : وَإِنْ اشْتَرَى حِنْطَةً فَطَحَنَهَا أَوْ زَرَعَهَا ، أَوْ دَقِيقًا فَخَبَزَهُ ، أَوْ زَيْتًا فَعَمِلَهُ صَابُونًا ، أَوْ ثَوْبًا فَقَطَعَهُ قَمِيصًا ، أَوْ غَزْلًا فَنَسَجَهُ ثَوْبًا ، أَوْ خَشَبًا فَنَجَّرَهُ أَبْوَابًا ، أَوْ شَرِيطًا فَعَمِلَهُ إبَرًا ، أَوْ شَيْئًا فَعَمِلَ بِهِ مَا أَزَالَ اسْمَهُ ، سَقَطَ حَقُّ الرُّجُوعِ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : فِيهِ قَوْلَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، بِهِ أَقُولُ ، يَأْخُذُ عَيْنَ مَالِهِ ، وَيُعْطِي قِيمَةَ عَمَلِ الْمُفْلِسِ فِيهَا ؛ لِأَنَّ عَيْنَ مَالِهِ مَوْجُودَةٌ ، وَإِنَّمَا تَغَيَّرَ اسْمُهَا ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَ الْمَبِيعُ حَمَلًا فَصَارَ كَبْشًا ، أَوْ وَدِيًّا فَصَارَ نَخْلًا وَلَنَا ، أَنَّهُ لَمْ يَجِدْ مَتَاعَهُ بِعَيْنِهِ ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ الرُّجُوعُ ، كَمَا لَوْ تَلِفَ ، وَلِأَنَّهُ غَيَّرَ اسْمَهُ وَصِفَتَهُ ، فَلَمْ يَمْلِكْ الرُّجُوعَ ، كَمَا لَوْ كَانَ نَوَى فَنَبَتَ شَجَرًا .\rوَالْأَصْلُ الَّذِي قَاسُوا عَلَيْهِ مَمْنُوعٌ ، وَإِنْ سَلَّمَ ، فَإِنَّهُ لَمْ يَتَغَيَّرْ اسْمُهُ ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا .","part":9,"page":307},{"id":4307,"text":"( 3418 ) فَصْلٌ : وَإِنْ كَانَ حَبًّا فَصَارَ زَرْعًا ، أَوْ زَرْعًا فَصَارَ حَبًّا ، أَوْ نَوًى فَنَبَتَ شَجَرًا ، أَوْ بَيْضًا فَصَارَ فِرَاخًا ، سَقَطَ حَقُّ الرُّجُوعِ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : لَا يَسْقُطُ .\rوَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ مِنْهُمَا ؛ لِأَنَّ الزَّرْعَ نَفْسُ الْحَبِّ ، وَالْفَرْخَ نَفْسُ الْبَيْضَةِ وَلَنَا ، أَنَّهُ لَمْ يَجِدْ عَيْنَ مَالِهِ ، فَلَمْ يَرْجِعْ ، كَمَا لَوْ أَتْلَفَهُ مُتْلِفٌ فَأَخَذَ قِيمَتَهُ .\rوَلِأَنَّ الْحَبَّ أَعْيَانٌ ابْتَدَأَهَا اللَّهُ تَعَالَى ، لَمْ تَكُنْ مَوْجُودَةً عِنْدَ الْبَيْعِ ، وَكَذَلِكَ أَعْيَانُ الزَّرْعِ وَالْفَرْخِ .\rوَلَوْ اسْتَأْجَرَ أَرْضًا ، وَاشْتَرَى بَذْرًا وَمَاءً ، فَزَرَعَ ، وَسَقَى ، وَاسْتَحْصَدَ ، وَأَفْلَسَ ، فَالْمُؤَجَّرُ وَبَائِعُ الْبَذْرِ وَالْمَاءِ غُرَمَاءُ ، لَا حَقَّ لَهُمْ فِي الرُّجُوعِ ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَجِدُوا أَعْيَانَ أَمْوَالِهِمْ .\rوَعَلَى قَوْلِ مِنْ قَالَ : لَهُ الرُّجُوعُ فِي الزَّرْعِ .\rيَكُونُ عَلَيْهِ غَرَامَةُ الْأُجْرَةِ وَثَمَنُ الْمَاءِ ، أَوْ قِيمَةُ ذَلِكَ .","part":9,"page":308},{"id":4308,"text":"( 3419 ) فَصْلٌ : وَإِنْ اشْتَرَى ثَوْبًا فَصَبَغَهُ ، أَوْ سَوِيقًا فَلَتَّهُ بِزَيْتٍ ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا : لِبَائِعِ الثَّوْبِ وَالسَّوِيقِ الرُّجُوعُ فِي أَعْيَانِ أَمْوَالِهِمَا وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ عَيْنَ مَالِهِمَا قَائِمَةٌ مُشَاهَدَةٌ ، مَا تَغَيَّرَ اسْمُهَا ، وَيَكُونُ الْمُفْلِسُ شَرِيكًا لِصَاحِبِ الثَّوْبِ وَالسَّوِيقِ بِمَا زَادَ عَنْ قِيمَتِهِمَا .\rفَإِنْ حَصَلَ زِيَادَةٌ ، فَهِيَ لَهُ ، وَإِنْ حَصَلَ نَقَصَ ، فَعَلَيْهِ .\rوَإِنْ نَقَصَتْ قِيمَةُ الثَّوْبِ أَوْ السَّوِيقِ ، فَإِنْ شَاءَ الْبَائِعُ أَخَذَهُمَا نَاقِصَيْنِ ، وَلَا شَيْءَ لَهُ ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَهُمَا ، وَلَهُ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ ؛ لِأَنَّ هَذَا نَقْصَ صِفَةٍ ، فَهُوَ كَالْهُزَالِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ الرُّجُوعُ إذَا زَادَتْ الْقِيمَةُ ؛ لِأَنَّهُ اتَّصَلَ بِالْمَبِيعِ زِيَادَةٌ لِلْمُفْلِسِ ، فَمَنَعَتْ الرُّجُوعَ ، كَمَا لَوْ سَمِنَ الْعَبْدُ ، وَلِأَنَّ الرُّجُوعَ هَاهُنَا لَا يَتَخَلَّصُ بِهِ الْبَائِعُ مِنْ الْمُفْلِسِ ، وَلَا يَحْصُلُ بِهِ الْمَقْصُودُ مِنْ قَطْعِ الْمُنَازَعَةِ ، وَإِزَالَةِ الْمُعَامَلَةِ ، بَلْ يَحْصُلُ بِهِ ضَرَرُ الشَّرِكَةِ ، فَلَمْ يَكُنْ فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ ، فَلَا يُمْكِنُ إلْحَاقُهُ بِهِ .","part":9,"page":309},{"id":4309,"text":"( 3420 ) فَصْلٌ : وَإِنْ اشْتَرَى صَبْغًا فَصَبَغَ بِهِ ثَوْبًا ، أَوْ زَيْتًا فَلَتَّ بِهِ سَوِيقًا ، فَبَائِعُهُمَا أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ : لَهُ الرُّجُوعُ ؛ لِأَنَّهُ وَجَدَ عَيْنَ مَالِهِ .\rقَالُوا : وَلَوْ اشْتَرَى ثَوْبًا وَصَبْغًا ، وَصَبَغَ الثَّوْبَ بِالصَّبْغِ ، رَجَعَ بَائِعُ كُلِّ شَيْءٍ فِي عَيْنِ مَالِهِ ، وَكَانَ بَائِعُ الصَّبْغِ شَرِيكًا لِبَائِعِ الثَّوْبِ .\rوَإِنْ حَصَلَ نَقْصٌ ، فَهُوَ مِنْ صَاحِبِ الصَّبْغِ ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي يَتَفَرَّقُ وَيَنْقُصُ وَالثَّوْبُ بِحَالِهِ ، فَإِذَا كَانَتْ قِيمَةُ الثَّوْبِ عَشَرَةً ، وَقِيمَةُ الصَّبْغِ خَمْسَةً ، فَصَارَتْ قِيمَتُهُمَا اثْنَا عَشَرَ ، كَانَ لِصَاحِبِ الثَّوْبِ خَمْسَةُ أَسْدَاسِهِ ، وَلِلْآخَرِ سُدُسُهُ ، وَيَضْرِبُ مَعَ الْغُرَمَاءِ بِمَا نَقَصَ ، وَذَلِكَ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ وَذَكَرَ الْقَاضِي مِثْلَ هَذَا فِي مَوْضِعٍ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ لَمْ يَجِدْ عَيْنَ مَالِهِ ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ الرُّجُوعُ ، كَمَا لَوْ تَلِفَ ، وَلِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ شَغَلَهُ بِغَيْرِهِ عَلَى وَجْهِ الْبَيْعِ ، فَلَمْ يَمْلِكْ بَائِعُهُ الرُّجُوعَ فِيهِ ، كَمَا لَوْ كَانَ حَجَرًا بُنِيَ عَلَيْهِ ، أَوْ مَسَامِيرَ سَمَّرَ بِهَا بَابًا .\rوَلَوْ اشْتَرَى ثَوْبًا وَصِبْغًا مِنْ وَاحِدٍ ، فَصَبَغَهُ بِهِ ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا : لَا فَرْقَ بَيْنَ ذَلِكَ وَبَيْنَ كَوْنِ الصَّبْغِ مِنْ غَيْرِ بَائِعِ الثَّوْبِ .\rفَعَلَى قَوْلِهِمْ يَرْجِعُ فِي الثَّوْبِ وَحْدَهُ ، وَيَكُونُ الْمُفْلِسُ شَرِيكًا لَهُ بِزِيَادَةِ الصَّبْغِ ، وَيَضْرِبُ مَعَ الْغُرَمَاءِ بِثَمَنِ الصَّبْغِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَرْجِعَ فِيهِمَا هَاهُنَا ؛ لِأَنَّهُ وَجَدَ عَيْنَ مَالِهِ مُتَمَيِّزًا عَنْ غَيْرِهِ ، فَكَانَ لَهُ الرُّجُوعُ فِيهِ ، لِلْخَبَرِ ، وَلِأَنَّ الْمَعْنَى فِي الْمَحِلِّ الَّذِي يَثْبُتُ فِيهِ الرُّجُوعُ مَوْجُودٌ هَاهُنَا ، فَيَمْلِكُ الرُّجُوعَ بِهِ ، كَمَا يَمْلِكُهُ ثَمَّ ، وَلَوْ أَنَّهُ اشْتَرَى رُفُوفًا وَمَسَامِيرَ مِنْ رَجُلٍ وَاحِدٍ ، فَسَمَّرَهَا بِهَا ، رَجَعَ بَائِعُهُمَا فِيهِمَا كَذَلِكَ ، وَكَذَلِكَ مَا أَشْبَهَهُ .","part":9,"page":310},{"id":4310,"text":"( 3421 ) فَصْلٌ : إذَا اشْتَرَى ثَوْبًا فَقَصَرَهُ ، لَمْ يَخْلُ مِنْ حَالَيْنِ ؛ أَحَدِهِمَا ، أَنْ لَا تَزِيدَ قِيمَتُهُ بِذَلِكَ ، فَلِلْبَائِعِ الرُّجُوعُ فِيهِ ؛ لِأَنَّ عَيْنَ مَالِهِ قَائِمَةٌ لَمْ يَزُلْ اسْمُهَا ، وَلَمْ يَتْلَفْ بَعْضُهَا وَلَا اتَّصَلَتْ بِغَيْرِهَا ، فَكَانَ لَهُ الرُّجُوعُ فِيهَا ، كَمَا لَوْ عَلَّمَ الْعَبْدَ صِنَاعَةً لَمْ تَزِدْ قِيمَتُهُ بِهَا .\rوَسَوَاءٌ نَقَصَتْ قِيمَتُهُ بِذَلِكَ أَوْ لَمْ تَنْقُصْ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ النَّقْصَ نَقْصُ صِفَةٍ ، فَلَا يَمْنَعُ الرُّجُوعَ ، كَنِسْيَانِ صِنَاعَةٍ ، وَهُزَالِ الْعَبْدِ ، وَلَا شَيْءَ لَهُ مَعَ الرُّجُوعِ الثَّانِي ، أَنْ تَزِيدَ قِيمَتُهُ بِذَلِكَ ، فَلَيْسَ لِلْبَائِعِ الرُّجُوعُ ، عَلَى قِيَاسِ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ ؛ لِأَنَّ الثَّوْبَ زَادَ زِيَادَةً لَا تَتَمَيَّزُ فَلَمْ يَمْلِكْ الْبَائِعُ الرُّجُوعَ فِيهِ ، كَمَا لَوْ سَمِنَ الْعَبْدُ ، وَلِأَنَّهُ لَمْ يَجِدْ عَيْنَ مَالِهِ مُتَمَيِّزَةً عَنْ غَيْرِهَا ، فَلَمْ يَمْلِكْ الرُّجُوعَ ، كَبَائِعِ الصِّبْغِ إذَا صَبَغَ بِهِ ، وَالزَّيْتِ إذَا لَتّ بِهِ سَوِيقٌ .\rوَقَالَ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ .\rلَهُ الرُّجُوعُ فِيهَا ، لِأَنَّهُ أَدْرَكَ مَتَاعَهُ بِعَيْنِهِ ، وَلِأَنَّهُ وَجَدَ عَيْنَ مَالِهِ لَمْ يَتَغَيَّرْ اسْمُهَا وَلَا ذَهَبَتْ عَيْنُهَا ، فَمَلَكَ الرُّجُوعَ فِيهَا ، كَمَا لَوْ صَبَغَهَا فَعَلَى قَوْلِهِمْ إنْ كَانَتْ الْقُصَارَةُ بِعَمَلِ الْمُفْلِسِ ، أَوْ بِأُجْرَةٍ وَفَّاهَا ، فَهُمَا شَرِيكَانِ فِي الثَّوْبِ ، فَإِذَا كَانَتْ قِيمَةُ الثَّوْبِ خَمْسَةً ، فَصَارَ يُسَاوِي سِتَّةً ، فَلِلْمُفْلِسِ سُدُسُهُ ، وَلِبَائِعِهِ خَمْسَةُ أَسْدَاسِهِ ، فَإِنْ اخْتَارَ الْبَائِعُ دَفْعَ قِيمَةِ الزِّيَادَةِ إلَى الْمُفْلِسِ ، لَزِمَهُ قَبُولُهَا ؛ لِأَنَّهُ يَتَخَلَّصُ بِذَلِكَ مِنْ ضَرَرِ الشَّرِكَةِ مِنْ غَيْرِ مَضَرَّةٍ تَلْحَقُهُ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ دَفَعَ الشَّفِيعُ قِيمَةَ الْبِنَاءِ إلَى الْمُشْتَرِي .\rوَإِنْ لَمْ يَخْتَرْ بِيعَ الثَّوْبُ ، وَأَخَذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِقَدْرِ حَقِّهِ .\rوَإِنْ كَانَ الْعَمَلُ مِنْ صَانِعٍ لَمْ يَسْتَوْفِ أَجْرَهُ ، فَلَهُ حَبْسُ الثَّوْبِ عَلَى اسْتِيفَاءِ أَجْرِهِ فَإِنْ كَانَتْ","part":9,"page":311},{"id":4311,"text":"الزِّيَادَةُ بِقَدْرِ الْأَجْرِ ، دُفِعَتْ إلَيْهِ ، وَإِنْ كَانَتْ أَقَلَّ ، فَلَهُ حَبْسُ الثَّوْبِ عَلَى اسْتِيفَاءِ قَدْرِ الزِّيَادَةِ ، وَيَضْرِبُ مَعَ الْغُرَمَاءِ بِمَا بَقِيَ ، وَإِنْ كَانَتْ أَكْثَرَ ، مِثْلُ أَنْ تَكُونَ الزِّيَادَةُ دِرْهَمَيْنِ ، وَالْآخَرُ دِرْهَمٌ ، فَلَهُ قَدْرُ أَجْرِهِ ، وَمَا فَضَلَ لِلْغُرَمَاءِ .","part":9,"page":312},{"id":4312,"text":"( 3422 ) فَصْلٌ : الشَّرْطُ الثَّانِي ، أَنْ لَا يَكُونَ الْمَبِيعُ زَادَ زِيَادَةً مُتَّصِلَةً ، كَالسِّمَنِ ، وَالْكِبَرِ ، وَتَعَلُّمِ الصِّنَاعَةِ أَوْ الْكِتَابَةِ أَوْ الْقُرْآنِ .\rوَنَحْوُ ذَلِكَ .\rوَاخْتَلَفَ الْمَذْهَبُ فِي هَذَا ، فَذَهَبَ الْخِرَقِيِّ إلَى أَنَّهَا تَمْنَعُ الرُّجُوعَ .\rوَرَوَى الْمَيْمُونِي ، عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّهَا لَا تَمْنَعُ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، إلَّا أَنَّ مَالِكًا يُخَيِّرُ الْغُرَمَاءَ بَيْنَ أَنْ يُعْطُوهُ السِّلْعَةَ أَوْ ثَمَنِهَا الَّذِي بَاعَهَا بِهِ .\rوَاحْتَجُّوا بِالْخَبَرِ ، وَبِأَنَّهُ فَسْخٌ لَا تَمْنَعُ مِنْهُ الزِّيَادَةُ الْمُنْفَصِلَةُ ، فَلَا تَمْنَعُهُ الْمُتَّصِلَةُ ، كَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ ، وَفَارَقَ الطَّلَاقَ ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بِفَسْخٍ ، وَلِأَنَّ الزَّوْجَ يُمْكِنُهُ الرُّجُوعُ فِي قِيمَةِ الْعَيْنِ ، فَيَصِلُ إلَى حَقِّهِ تَامًّا .\rوَهَاهُنَا لَا يُمْكِنُهُ الرُّجُوعُ فِي الثَّمَنِ وَلَنَا ، أَنَّهُ فَسْخٌ بِسَبَبٍ حَادِثٍ ، فَلَمْ يَمْلِكْ بِهِ الرُّجُوعَ فِي عَيْنِ الْمَالِ الزَّائِدَةِ زِيَادَةً مُتَّصِلَةً ، كَفَسْخِ النِّكَاحِ بِالْإِعْسَارِ أَوْ الرَّضَاعِ ، وَلِأَنَّهَا زِيَادَةٌ فِي مِلْكِ الْمُفْلِسِ ، فَلَمْ يَسْتَحِقَّ الْبَائِعُ أَخْذَهَا ، كَالْمُنْفَصِلَةِ ، وَكَالْحَاصِلَةِ بِفِعْلِهِ ، وَلِأَنَّ النَّمَاءَ لَمْ يَصِلْ إلَيْهِ مِنْ الْبَائِعِ ، فَلَمْ يَسْتَحِقَّ أَخْذَهُ مِنْهُ ، كَغَيْرِهِ مِنْ أَمْوَالِهِ ، وَفَارَقَ الرَّدَّ بِالْعَيْبِ لِوَجْهَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، أَنَّ الْفَسْخَ فِيهِ مِنْ الْمُشْتَرِي ، فَهُوَ رَاضٍ بِإِسْقَاطِ حَقِّهِ مِنْ الزِّيَادَةِ ، وَتَرْكِهَا لِلْبَائِعِ ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا وَالثَّانِي ، أَنَّ الْفَسْخَ ثُمَّ لِمَعْنَى قَارَنَ الْعَقْدَ ، وَهُوَ الْعَيْبُ الْقَدِيمُ ، وَالْفَسْخُ هَاهُنَا لِسَبَبٍ حَادِثٍ ، فَهُوَ أَشْبَهُ بِفَسْخِ النِّكَاحِ الَّذِي لَا يَسْتَحِقُّ بِهِ اسْتِرْجَاعَ الْعَيْنِ الزَّائِدَةِ .\rوَقَوْلهمْ : إنَّ الزَّوْجَ إنَّمَا لَمْ يَرْجِعْ فِي الْعَيْنِ لِكَوْنِهِ يَنْدَفِعُ عَنْهُ الضَّرَرُ بِالْقِيمَةِ - لَا يَصِحُّ ؛ فَإِنَّ انْدِفَاعَ الضَّرَرِ عَنْهُ بِطَرِيقٍ آخَرَ لَا يَمْنَعُهُ مِنْ أَخْذِ حَقِّهِ مِنْ","part":9,"page":313},{"id":4313,"text":"الْعَيْنِ ، وَلَوْ كَانَ مُسْتَحِقًّا لِلزِّيَادَةِ لَمْ يَسْقُطْ حَقُّهُ مِنْهَا بِالْقُدْرَةِ عَلَى أَخْذِ الْقِيمَةِ ، كَمُشْتَرِي الْمَعِيبِ ثُمَّ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَأْخُذَ قِيمَةَ الْعَيْنِ زَائِدَةً ؛ لِكَوْنِ الزِّيَادَةِ مُسْتَحَقَّةً ، فَلَمَّا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ ، عُلِمَ أَنَّ الْمَانِعَ مِنْ الرُّجُوعِ كَوْنُ الزِّيَادَةِ لِلْمَرْأَةِ ، وَأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ فَصْلُهَا ، فَكَذَلِكَ هَاهُنَا ، بَلْ أَوْلَى ؛ فَإِنَّ الزِّيَادَةَ يَتَعَلَّقُ بِهَا حَقُّ الْمُفْلِسِ وَالْغُرَمَاءِ ، فَمَنْعُ الْمُشْتَرِي مِنْ أَخْذِ زِيَادَةٍ لَيْسَتْ لَهُ ، أُولَى مِنْ تَفْوِيتِهَا عَلَى الْغُرَمَاءِ الَّذِينَ لَمْ يَصِلُوا إلَى تَمَامِ دُيُونِهِمْ ، وَالْمُفْلِسِ الْمُحْتَاجِ إلَى تَبْرِئَةِ ذِمَّتِهِ عِنْدَ اشْتِدَادِ حَاجَتِهِ ( 3423 ) فَصْلٌ : وَأَمَّا الْخَبَرُ فَمَحْمُولٌ عَلَى مَنْ وَجَدَ مَتَاعَهُ عَلَى صِفَتِهِ ، لَيْسَ بِزَائِدٍ ، وَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ حَقٌّ آخَرُ ، وَهَاهُنَا قَدْ تَعَلَّقَتْ بِهِ حُقُوقُ الْغُرَمَاءِ ، لِمَا فِيهِ مِنْ الزِّيَادَةِ ، لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الدَّلِيلِ ، يُحَقِّقُهُ أَنَّهُ إذَا كَانَ تَلَفُ بَعْضِ الْمَبِيعِ مَانِعًا مِنْ الرُّجُوعِ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ يَلْحَقُ بِالْمُفْلِسِ ، وَلَا بِالْغُرَمَاءِ ، فَلَأَنْ يَمْنَعَ الزِّيَادَةَ فِيهِ مَعَ تَفْوِيتِهَا بِالرُّجُوعِ عَلَيْهِمْ أَوْلَى ، وَلِأَنَّهُ إذَا رَجَعَ فِي النَّاقِصِ ، فَمَا رَجَعَ إلَّا فِيمَا بَاعَهُ وَخَرَجَ مِنْهُ ، وَإِذَا رَجَعَ فِي الزَّائِدِ ، أَخَذَ مَا لَمْ يَبِعْهُ ، وَاسْتَرْجَعَ مَا لَمْ يَخْرُجْ عَنْهُ ، فَكَانَ بِالْمَنْعِ أَحَقَّ .","part":9,"page":314},{"id":4314,"text":"( 3424 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا الزِّيَادَةُ الْمُنْفَصِلَةُ ، كَالْوَلَدِ وَالثَّمَرَةِ وَالْكَسْبِ ، فَلَا تَمْنَعُ الرُّجُوعَ .\rبِغَيْرِ خِلَافٍ بَيْنَ أَصْحَابِنَا ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ .\rوَسَوَاءٌ نَقَصَ بِهَا الْمَبِيعُ أَوْ لَمْ يَنْقُصْ ، إذَا كَانَ نَقْصَ صِفَةٍ ، وَالزِّيَادَةُ لِلْمُفْلِسِ .\rهَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ ؛ لِأَنَّهُ مَنَعَ الرُّجُوعَ بِالزِّيَادَةِ الْمُتَّصِلَةِ ، لِكَوْنِهَا لِلْمُفْلِسِ ، فَالْمُنْفَصِلَةُ أَوْلَى .\rوَهَذَا قَوْلُ ابْنِ حَامِدٍ وَالْقَاضِي ، وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ، وَهُوَ الصَّحِيحُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : الزِّيَادَةُ لِلْبَائِعِ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ .\rوَنَقَلَ حَنْبَلٌ عَنْ أَحْمَدَ ، فِي وَلَدِ الْجَارِيَةِ ، وَنِتَاجِ الدَّابَّةِ : هُوَ لِلْبَائِعِ ؛ لِأَنَّهَا زِيَادَةٌ ، فَكَانَتْ لِلْبَائِعِ كَالْمُتَّصِلَةِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهَا زِيَادَةٌ انْفَصَلَتْ فِي مِلْكِ الْمُشْتَرِي فَكَانَتْ لَهُ ، كَمَا لَوْ رَدَّهُ بِعَيْبٍ ، وَلِأَنَّهُ فَسْخٌ اسْتَحَقَّ بِهِ اسْتِرْجَاعَ الْعَيْنِ ، فَلَمْ يَسْتَحِقَّ أَخْذَ الزِّيَادَةِ الْمُنْفَصِلَةِ ، كَفَسْخِ الْبَيْعِ بِالْعَيْبِ أَوْ الْخِيَارِ أَوْ الْإِقَالَةِ ، وَفَسْخِ النِّكَاحِ بِسَبَبِ مِنْ أَسْبَابِ الْفَسْخِ ، وَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ } .\rيَدُلُّ عَلَى أَنَّ النَّمَاءَ وَالْغَلَّةَ لِلْمُشْتَرِي لِكَوْنِ الضَّمَانِ عَلَيْهِ ، وَأَمَّا الزِّيَادَةُ الْمُتَّصِلَةُ ، فَقَدْ دَلَّلْنَا عَلَى أَنَّهَا لِلْمُفْلِسِ أَيْضًا ، وَفِي ذَلِكَ تَنْبِيهٌ عَلَى كَوْنِ الْمُنْفَصِلَةِ لَهُ ثُمَّ لَوْ سَلَّمْنَا ثَمَّ ، فَالْفَرْقُ ظَاهِرٌ ، فَإِنَّ الْمُتَّصِلَةَ تَتْبَعُ فِي الْفُسُوخِ وَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ ، بِخِلَافِ الْمُنْفَصِلَةِ ، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَقَعَ فِي هَذَا اخْتِلَافٌ لِظُهُورِهِ ، وَكَلَامُ أَحْمَدَ ، فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ ، يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ بَاعِهِمَا فِي حَالِ حَمْلِهِمَا ، فَيَكُونَانِ مَبِيعَيْنِ ، وَلِهَذَا خَصَّ هَذَيْنِ بِالذِّكْرِ دُونَ بَقِيَّةِ النَّمَاءِ .","part":9,"page":315},{"id":4315,"text":"( 3425 ) فَصْلٌ : وَلَوْ اشْتَرَى أَمَةً حَامِلًا ، ثُمَّ أَفْلَسَ وَهِيَ حَامِلٌ ، فَلَهُ الرُّجُوعُ فِيهَا ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْحَمْلُ قَدْ زَادَ بِكِبَرِهِ ، وَكَثُرَتْ قِيمَتُهَا مِنْ أَجْلِهِ ، فَيَكُونَ مِنْ قَبِيلِ الزَّائِدِ زِيَادَةً مُتَّصِلَةً ، عَلَى مَا مَضَى .\rوَإِنْ أَفْلَسَ بَعْدَ وَضْعِهَا ، فَقَالَ الْقَاضِي : لَهُ الرُّجُوعُ فِيهِمَا بِكُلِّ حَالٍ ، مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ .\rوَالصَّحِيحُ أَنَّنَا إنْ قُلْنَا : إنَّ الْحَمْلَ لَا حُكْمَ لَهُ .\rفَالْوَلَدُ زِيَادَةٌ مُنْفَصِلَةٌ ، فَعَلَى قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ ، لَا يَمْنَعُ الرُّجُوعَ فِيهِمَا ، وَعَلَى قَوْلِ غَيْرِهِ ، يَكُونُ الْوَلَدُ لِلْمُفْلِسِ ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَمْنَعَ الرُّجُوعَ فِي الْأُمِّ ؛ لِئَلَّا يُفْضِيَ إلَى التَّفْرِيقِ بَيْنَ الْأُمِّ وَوَلَدِهَا ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَرْجِعَ فِي الْأُمِّ ، وَيَدْفَعَ قِيمَةَ الْوَلَدِ ؛ لِيَكُونَا جَمِيعًا .\rلَهُ ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ ، بِيعَتْ الْأُمُّ وَوَلَدُهَا جَمِيعًا ، وَقُسِمَ الثَّمَنُ عَلَى قَدْرِ قِيمَتِهِمَا ، فَمَا خَصَّ الْأُمَّ فَهُوَ لِلْبَائِعِ ، وَمَا خَصَّ الْوَلَدَ كَانَ لِلْمُفْلِسِ وَإِنْ قُلْنَا إنَّ لِلْوَلَدِ حُكْمًا .\rوَهُوَ الصَّحِيحُ ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ فِيمَا تَقَدَّمَ ، فَإِنْ كَانَتْ الْأُمُّ وَالْوَلَدُ قَدْ زَادَا بِالْوَضْعِ ، فَحُكْمُهُمَا حُكْمُ الْمَبِيعِ الزَّائِدِ زِيَادَةً مُتَّصِلَةً .\rوَإِنْ لَمْ يَزِيدَا ، جَازَ الرُّجُوعُ فِيهِمَا .\rوَإِنْ زَادَ أَحَدُهُمَا دُونَ الْآخَرِ ، خَرَجَ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِيمَا إذَا كَانَ الْمَبِيعُ عَيْنَيْنِ فَتَلِفَ بَعْضُ أَحَدِهِمَا ، فَهَلْ يَمْنَعُ ذَلِكَ الرُّجُوعَ فِي الْأُخْرَى كَذَلِكَ ؟ يُخَرَّجُ هَاهُنَا وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، أَنَّهُ لَهُ الرُّجُوعَ فِيمَا لَمْ يَزِدْ ، دُونَ مَا زَادَ ، فَيَكُونُ حُكْمُهُ كَحُكْمِ الرُّجُوعِ فِي الْأُمِّ دُونَ الْوَلَدِ ، عَلَى مَا فَصَّلْنَاهُ الثَّانِي ، لَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ فِي شَيْءٍ مِنْهُمَا ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَجِدْ الْمَبِيعَ إلَّا زَائِدًا ، فَامْتَنَعَ عَلَيْهِ الرُّجُوعُ ، كَالْعَيْنِ الْوَاحِدَةِ .\rوَإِنْ كَانَ الْمَبِيعُ حَيَوَانًا غَيْرَ الْأَمَةِ ، فَحُكْمُهُ حُكْمُهَا ، إلَّا فِي أَنَّ التَّفْرِيقَ","part":9,"page":316},{"id":4316,"text":"بَيْنَهَا وَبَيْنَ وَلَدِهَا جَائِزٌ ، وَالْأَمَةُ بِخِلَافِ ذَلِكَ .","part":9,"page":317},{"id":4317,"text":"( 3426 ) فَصْلٌ : وَإِنْ اشْتَرَى حَائِلًا ، فَحَمَلَتْ ، ثُمَّ أَفْلَسَ وَهِيَ حَامِلٌ ، فَزَادَتْ قِيمَتُهَا بِهِ ، فَهِيَ زِيَادَةٌ مُتَّصِلَةٌ تَمْنَعُ الرُّجُوعَ ، عَلَى قَوْلِ الْخِرَقِيِّ ، وَلَا تَمْنَعُهُ ، عَلَى رِوَايَةِ الْمَيْمُونِي ، وَإِنْ أَفْلَسَ بَعْدَ وَضْعِهَا ، فَهِيَ زِيَادَةٌ مُنْفَصِلَةٌ ، فَتَكُونُ لِلْمُفْلِسِ ، عَلَى الصَّحِيحِ .\rوَيَمْتَنِعُ الرُّجُوعُ فِي الْأُمِّ دُونَ وَلَدِهَا ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّفْرِيقِ بَيْنَهُمَا .\rوَهَذَا أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يَرْجِعَ فِي الْأُمِّ ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي الَّتِي قَبْلَهَا وَعَلَى قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ ، الزِّيَادَةُ لِلْبَائِعِ ، فَيَكُونُ لَهُ الرُّجُوعُ فِيهِمَا .\rوَقَالَ الْقَاضِي : إذَا وَجَدْنَا حَامِلًا ، انْبَنَى عَلَى أَنَّ الْحَمْلَ هَلْ لَهُ حُكْمٌ أَوْ لَا ؟ فَإِنْ قُلْنَا : لَا حُكْمَ لَهُ .\rجَرَى مَجْرَى الزِّيَادَةِ الْمُتَّصِلَةِ .\rوَإِنْ قُلْنَا : لَهُ حُكْمٌ .\rفَالْوَلَدُ فِي حُكْمِ الْمُنْفَصِلِ ، يَتَرَبَّصُ بِهِ حَتَّى تَضَعَ ، وَيَكُونُ الْحُكْمُ فِيهِ كَمَا لَوْ وَجَدَهُ بَعْدَ وَضْعِهِ .\rوَإِنْ كَانَ الْحَمْلُ فِي غَيْر الْآدَمِيَّةِ ، جَازَ التَّفْرِيقُ بَيْنَهُمَا ، كَمَا تَقَدَّمَ .","part":9,"page":318},{"id":4318,"text":"( 3427 ) فَصْلٌ : إذَا كَانَ الْمَبِيعُ نَخْلًا أَوْ شَجَرًا ، فَأَفْلَسَ الْمُشْتَرِي ، لَمْ يَخْلُ مِنْ أَرْبَعَةِ أَحْوَالٍ : أَحَدِهَا ، أَنْ يُفْلِسَ وَهِيَ بِحَالِهَا ، لَمْ تَزِدْ وَلَمْ تُثْمِرْ وَلَمْ يَتْلَفْ بَعْضُهَا ، فَلَهُ الرُّجُوعُ فِيهَا .\rالثَّانِي ، أَنْ يَكُونَ فِيهَا ثَمَرٌ ظَاهِرٌ ، أَوْ طَلْعٌ مُؤَبَّرٌ ، وَيَشْتَرِطَهُ الْمُشْتَرِي ، فَيَأْكُلَهُ ، أَوْ يَتَصَرَّفَ فِيهِ ، أَوْ يَذْهَبَ بِجَائِحَةٍ ، ثُمَّ يُفْلِسَ ، فَهَذَا فِي حُكْمِ مَا لَوْ اشْتَرَى عَيْنَيْنِ فَتَلِفَتْ إحْدَاهُمَا ، ثُمَّ أَفْلَسَ ، فَهَلْ لِلْبَائِعِ الرُّجُوعُ فِي الْأُصُولِ ، وَيَضْرِبُ مَعَ الْغُرَمَاءِ بِحِصَّةِ التَّالِفِ مِنْ الثَّمَرِ ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ وَإِنْ تَلِفَ بَعْضهَا ، فَهُوَ كَتَلَفِ جَمِيعِهَا .\rوَإِنْ زَادَتْ ، أَوْ بَدَا صَلَاحُهَا ، فَهَذِهِ زِيَادَةٌ مُتَّصِلَةٌ فِي إحْدَى الْعَيْنَيْنِ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا بَيَانَ حُكْمِهَا .\rالْحَالُ الثَّالِثُ ، أَنْ يَبِيعَهُ نَخْلًا قَدْ أَطْلَعَتْ وَلَمْ تُؤَبَّرْ ، أَوْ شَجَرًا فِيهَا ثَمَرَةٌ لَمْ تَظْهَرْ ، فَهَذِهِ الثَّمَرَةُ تَدْخُلُ فِي الْبَيْعِ الْمُطْلَقِ ، فَإِنْ أَفْلَسَ بَعْدَ تَلَفِ الثَّمَرَةِ ، أَوْ تَلَفِ بَعْضِهَا ، أَوْ الزِّيَادَةِ فِيهَا ، أَوْ بُدُوِّ صَلَاحٍ ، فَحُكْمُ ذَلِكَ حُكْمُ تَلَفِ بَعْضِ الْمَبِيعِ وَزِيَادَتِهِ الْمُتَّصِلَةِ ؛ لِأَنَّ الْمَبِيعَ كَانَ بِمَنْزِلَةِ الْعَيْنِ الْوَاحِدَةِ ، وَلِهَذَا دَخَلَ الثَّمَرُ فِي مُطْلَقِ الْبَيْعِ ، بِخِلَافِ الَّتِي قَبْلَهَا الْحَالُ الرَّابِعُ ، بَاعَهُ نَخْلًا حَائِلًا فَأَثْمَرَ ، أَوْ شَجَرًا فَأَثْمَرَ ، فَذَلِكَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَضْرُبٍ ؛ أَحَدِهَا ، أَنْ يُفْلِسَ قَبْلَ تَأْبِيرِهَا ، فَالطَّلْعُ زِيَادَةٌ مُتَّصِلَةٌ ، تَمْنَعُ الرُّجُوعَ ، عَلَى قَوْلِ الْخِرَقِيِّ ، كَالسِّمَنِ وَالْكِبَرِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يَرْجِعَ فِي النَّخْلِ دُونَ الطَّلْعِ ، لِأَنَّهُ يُمْكِنُ فَصْلُهُ ، وَيَصِحُّ إفْرَادُهُ بِالْبَيْعِ ، فَهُوَ كَالْمُؤَبَّرِ ، بِخِلَافِ السِّمَنِ وَالْكِبَرِ .\rوَهَذَا قَوْلُ ابْنِ حَامِدٍ .\rوَعَلَى رِوَايَةِ الْمَيْمُونِي ، لَا يَمْنَعُ ، بَلْ يَرْجِعُ ، وَيَكُونُ الطَّلْعُ لِلْبَائِعِ ، كَمَا لَوْ فُسِخَ","part":9,"page":319},{"id":4319,"text":"بِعَيْبِ .\rوَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ وَالْقَوْلُ الثَّانِي ، يَرْجِعُ فِي الْأَصْلِ دُونَ الطَّلْعِ ، وَكَذَلِكَ عِنْدَهُمْ الرَّدُّ بِالْعَيْبِ ، وَالْأَخْذُ بِالشُّفْعَةِ .\rالضَّرْبُ الثَّانِي ، أَفْلَسَ بَعْدَ التَّأْبِيرِ وَظُهُورِ الثَّمَرَةِ ، فَلَا يَمْنَعُ الرُّجُوعَ .\rبِغَيْرِ خِلَافٍ ، وَالطَّلْعُ لِلْمُشْتَرِي ، إلَّا عَلَى قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ .\rوَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ ، لِأَنَّ الثَّمَرَةَ لَا تَتْبَعُ فِي الْبَيْعِ الَّذِي ثَبَتَ بِتَرَاضِيهِمَا ، فَفِي الْفَسْخِ الْحَاصِلِ بِغَيْرِ رِضَا الْمُشْتَرِي أَوْلَى .\rوَلَوْ بَاعَهُ أَرْضًا فَارِغَةً فَزَرَعَهَا الْمُشْتَرِي ، ثُمَّ أَفْلَسَ ، فَإِنَّهُ يَرْجِعُ فِي الْأَرْضِ دُونَ الزَّرْعِ ، وَجْهًا وَاحِدًا ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِ الْمُشْتَرِي الضَّرْبُ الثَّالِثُ ، أَفْلَسَ وَالطَّلْعُ غَيْرُ مُؤَبَّرٍ ، فَلَمْ يَرْجِعْ حَتَّى أَبَّرَ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ الرُّجُوعُ ، كَمَا لَوْ أَفْلَسَ بَعْدَ تَأْبِيرِهَا ؛ لِأَنَّ الْعَيْنَ لَا تَنْتَقِلُ إلَّا بِاخْتِيَارِهِ لَهَا ، وَهَذَا لَمْ يَخْتَرْهَا إلَّا بَعْدَ تَأْبِيرِهَا .\rفَإِنْ ادَّعَى الْبَائِعُ الرُّجُوعَ قَبْلَ التَّأْبِيرِ ، وَأَنْكَرَهُ الْمُفْلِسُ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُفْلِسِ مَعَ يَمِينِهِ ، لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ مِلْكِهِ ، وَعَدَمُ زَوَالِهِ .\rوَإِنْ قَالَ لَهُ الْبَائِعُ : بِعْت بَعْدَ التَّأْبِيرِ ، وَقَالَ الْمُفْلِسُ : بَلْ قَبْلَهُ .\rفَالْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ ؛ لِهَذِهِ الْعِلَّةِ .\rفَإِنْ شَهِدَ الْغُرَمَاءُ لِلْمُفْلِسِ ، لَمْ تُسْمَعْ شَهَادَتُهُمْ ؛ لِأَنَّهُمْ يَجُرُّونَ إلَى أَنْفُسِهِمْ نَفْعًا .\rوَإِنْ شَهِدُوا لِلْبَائِعِ ، وَهُمْ عُدُولٌ ، قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمْ ؛ لِعَدَمِ التُّهْمَةِ الضَّرْبُ الرَّابِعُ ، أَفْلَسَ بَعْدَ أَخْذِ الثَّمَرَةِ ، أَوْ ذَهَبَتْ بِجَائِحَةِ ، أَوْ غَيْرِهَا ، رَجَعَ الْبَائِعَ فِي الْأَصْلِ ، وَالثَّمَرَةُ لِلْمُشْتَرِي ، إلَّا عَلَى قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ .\rوَكُلُّ مَوْضِعٍ لَا يَتْبَعُ الثَّمَرُ الشَّجَرَ إذَا رَجَعَ الْبَائِعُ فِيهِ ، فَلَيْسَ لَهُ مُطَالَبَةُ الْمُفْلِسِ بِقَطْعِ الثَّمَرَةِ قَبْلَ أَوَانِ الْجُذَاذِ .\rوَكَذَلِكَ إذَا رَجَعَ فِي الْأَرْضِ ، وَفِيهَا زَرْعٌ","part":9,"page":320},{"id":4320,"text":"لِلْمُفْلِسِ ، فَلَيْسَ لَهُ الْمُطَالَبَةُ بِأَخْذِهِ قَبْلَ أَوَانِ الْحَصَادِ ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ زَرَعَ فِي أَرْضِهِ بِحَقِّ ، وَطَلْعُهُ عَلَى الشَّجَرِ بِحَقِّ ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ أَخْذُهُ ، قَبْلَ كَمَالِهِ كَمَا لَوْ بَاعَ الْأَصْلَ وَعَلَيْهِ الثَّمَرَةُ أَوْ الزَّرْعُ ، وَلَيْسَ عَلَى صَاحِبِ الزَّرْعِ أَجْرٌ ؛ لِأَنَّهُ زَرَعَ فِي أَرْضِهِ زَرْعًا تَجِبُ تَبْقِيَتُهُ ، فَكَأَنَّهُ اسْتَوْفَى مَنْفَعَةَ الْأَرْضِ ، فَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ ضَمَانُ ذَلِكَ إذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنْ اتَّفَقَ الْمُفْلِسُ وَالْغُرَمَاءُ عَلَى التَّبْقِيَةِ ، أَوْ الْقَطْعِ ، فَلَهُمْ ذَلِكَ ، وَإِنْ اخْتَلَفُوا فَطَلَبَ بَعْضُهُمْ قَطْعَهُ ، وَبَعْضُهُمْ تَبْقِيَتُهُ ، نَظَرْنَا ؛ فَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا قِيمَةَ لَهُ مَقْطُوعًا ، أَوْ قِيمَتُهُ يَسِيرَةً ، لَمْ يُقْطَعْ ؛ لِأَنَّ قَطْعَهُ سَفَهٌ .\rوَتَضْيِيعٌ لِلْمَالِ ، وَقَدْ نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ إضَاعَتِهِ ، وَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ كَثِيرَةً ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، يُقَدَّمُ قَوْلُ مَنْ طَلَبَ الْقَطْعَ ؛ لِأَنَّهُ أَحْوَطُ ، فَإِنَّ فِي تَبْقِيَتُهُ غَرَرًا ، وَلِأَنَّ طَالِبَ الْقَطْعِ إنْ كَانَ الْمُفْلِسَ فَهُوَ يَقْصِدُ تَبْرِئَةَ ذِمَّتِهِ ، وَإِنْ كَانَ الْغُرَمَاءَ فَهُمْ يَطْلُبُونَ تَعْجِيلَ حُقُوقِهِمْ ، وَذَلِكَ حَقٌّ لَهُمْ وَهَذَا قَوْلُ الْقَاضِي ، وَأَكْثَرِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ .\rوَالثَّانِي ، يُنْظَرُ إلَى مَا فِيهِ الْحَظُّ فَيُعْمَلُ بِهِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ أَنْفَعُ لِجَمِيعِهِمْ ، وَالظَّاهِرُ سَلَامَتُهُ ، وَلِهَذَا يَجُوزُ أَنْ يُزْرَعَ لِلْمُوَلَّى عَلَيْهِ .\rوَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ أَنَّهُ .\rإنْ كَانَ الطَّالِبُ لِلْقَطْعِ الْغُرَمَاءَ ، وَجَبَتْ إجَابَتُهُمْ ؛ لِأَنَّ حُقُوقَهُمْ حَالَّةٌ ، فَلَا يَلْزَمُهُمْ تَأْخِيرُهَا مَعَ إمْكَانِ إيفَائِهَا ، وَإِنْ كَانَ الطَّالِبُ لَهُ الْمُفْلِسَ دُونَهُمْ ، وَكَانَ التَّأْخِيرُ أَحَظَّ لَهُ ، لَمْ يَقْطَعْ ؛ لِأَنَّهُمْ رَضُوا بِتَأْخِيرِ حُقُوقِهِمْ لِحَظٍّ يَحْصُلُ لَهُمْ وَلِلْمُفْلِسِ ، وَالْمُفْلِسُ يَطْلُبُ مَا فِيهِ ضَرَرٌ بِنَفْسِهِ ، وَمَنْعٌ لِلْغُرَمَاءِ مِنْ اسْتِيفَاءِ الْقَدْرِ الَّذِي","part":9,"page":321},{"id":4321,"text":"يَحْصُلُ مِنْ الزِّيَادَةِ بِالتَّأْخِيرِ ، فَلَا يَلْزَمُ الْغُرَمَاءَ إجَابَتُهُ إلَى ذَلِكَ .","part":9,"page":322},{"id":4322,"text":"( 3428 ) فَصْلٌ : إذَا أَقَرَّ الْغُرَمَاءُ بِأَنَّ الزَّرْعَ أَوْ الطَّلْعَ لِلْبَائِعٍ ، وَلَمْ يَشْهَدُوا بِهِ ، أَوْ شَهِدُوا بِهِ وَلَمْ يَكُونُوا عُدُولًا ، أَوْ لَمْ يُحْكَمْ بِشَهَادَتِهِمْ .\rحَلَفَ الْمُفْلِسُ ، وَثَبَتَ الطَّلْعُ لَهُ يَنْفَرِدُ بِهِ دُونَهُمْ ؛ لِأَنَّهُمْ يُقِرُّونَ أَنَّهُمْ لَا حَقَّ لَهُمْ فِيهِ فَإِنْ أَرَادَ دَفْعَهُ إلَى أَحَدِهِمْ وَتَخْصِيصَهُ بِثَمَنِهِ ، فَلَهُ ذَلِكَ ؛ لِإِقْرَارِ بَاقِيهمْ بِعَدَمِ حَقِّهِمْ فِيهِ ، فَإِنْ امْتَنَعَ ذَلِكَ الْغَرِيمُ مِنْ قَبُولِهِ ، أُجْبِرَ عَلَى قَبُولِهِ ، أَوْ الْإِبْرَاءِ مِنْ قَدْرِهِ مِنْ دَيْنِهِ ، فَيُقَالُ لَهُ : إمَّا أَنْ تَقْبِضَهُ ، وَإِمَّا أَنْ تُبْرِئَ مِنْ قَدْرِ ذَلِكَ مِنْ دَيْنِك ، وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ مَحْكُومٌ بِهِ عَلَى الْمُفْلِسِ ، فَكَانَ لَهُ أَنْ يَقْضِيَ دَيْنَهُ مِنْهُ ، كَمَا لَوْ أَدَّى الْمُكَاتَبُ إلَى سَيِّدِهِ نُجُومَ كِتَابَتِهِ ، فَقَالَ سَيِّدُهُ : هَذَا حَرَامٌ .\rوَأَنْكَرَ الْمُكَاتَبُ .\rوَإِنْ أَرَادَ قِسْمَتَهُ عَلَى الْغُرَمَاءِ ، لَزِمَهُمْ قَبُولُهُ ، أَوْ الْإِبْرَاءُ ؛ لِذَلِكَ .\rفَإِنْ قَبَضُوا الثَّمَرَةَ بِعَيْنِهَا ، لَزِمَهُمْ رَدُّ مَا حَصَلَ لَهُمْ إلَى الْبَائِعِ ؛ لِأَنَّهُمْ يُقِرُّونَ لَهُ بِهَا ، فَلَزِمَهُمْ دَفْعُهَا إلَيْهِ ، كَمَا لَوْ أَقَرُّوا بِعِتْقِ عَبْدٍ فِي مِلْكِ غَيْرهمْ ، ثُمَّ اشْتَرَوْهُ مِنْهُ وَإِنْ بَاعَ الثَّمَرَةَ ، وَفَرَّقَ ثَمَنَهَا فِيهِمْ ، أَوْ دَفَعَهُ إلَى بَعْضِهِمْ ، لَمْ يَلْزَمْهُمْ رَدُّ مَا أَخَذُوا مِنْ ثَمَنهَا ؛ لِأَنَّهُمْ إنَّمَا اعْتَرَفُوا بِالْعَيْنِ ، لَا بِثَمَنِهَا .\rوَإِنْ شَهِدَ بَعْضُ الْغُرَمَاءِ دُونَ بَعْضٍ ، أَوْ أَقَرَّ بَعْضُهُمْ دُونَ بَعْضٍ ، لَزِمَ الشَّاهِدَ أَوْ الْمُقِرَّ الْحُكْمُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ ، دُونَ غَيْرِهِ .\rوَإِنْ عَرَضَ عَلَيْهِمْ الْمُفْلِسُ الثَّمَرَةَ بِعَيْنِهَا ، فَأَبَوْا أَخْذَهَا ، لَمْ يَلْزَمْهُمْ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَلْزَمُهُمْ الِاسْتِيفَاءُ مِنْ جِنْسِ دُيُونِهِمْ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ فِيهِمْ مَنْ لَهُ جِنْسٌ مِنْ الثَّمَرِ أَوْ الزَّرْعِ ، كَالْمُقْرِضِ أَوْ الْمُسْلِمِ ، فَيَلْزَمُهُ أَخْذُ مَا عُرِضَ عَلَيْهِ ،","part":9,"page":323},{"id":4323,"text":"إذَا كَانَ بِصِفَةِ حَقِّهِ وَلَوْ أَقَرَّ الْغُرَمَاءُ بِأَنَّ الْمُفْلِسَ أَعْتَقَ عَبْدًا لَهُ قَبْلَ فَلَسِهِ ، فَأَنْكَرَ ذَلِكَ ، لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُمْ ، إلَّا أَنْ يَشْهَدَ مِنْهُمْ عَدْلَانِ ، وَيَكُونُ حُكْمُهُمْ فِي قَبْضِ الْعَبْدِ أَوْ أَخْذِ ثَمَنِهِ إنْ عَرَضَهُ عَلَيْهِمْ ، حُكْمَ مَا لَوْ أَقَرُّوا بِالثَّمَنِ لِلْبَائِعِ ، وَكَذَلِكَ إنْ أَقَرُّوا بِعَيْنِ مِمَّا فِي يَدَيْهِ أَنَّهَا غَصْبٌ أَوْ عَارِيَّةٌ أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ ، فَالْحُكْمُ كَمَا ذَكَرْنَا سَوَاءٌ وَإِنْ أَقَرُّوا بِأَنَّهُ أَعْتَقَ عَبْدَهُ بَعْدَ فَلَسِهِ ، انْبَنَى عَلَى صِحَّةِ عِتْقِ الْمُفْلِسِ ، فَإِنْ قُلْنَا : لَا يَصِحُّ عِتْقُهُ .\rفَلَا أَثَرَ لَإِقْرَارِهِمْ ، وَإِنْ قُلْنَا بِصِحَّتِهِ ، فَهُوَ كَإِقْرَارِهِمْ بِعِتْقِهِ قَبْلَ فَلَسِهِ ، وَإِنْ حَكَمَ الْحَاكِمُ بِصِحَّتِهِ ، أَوْ بِفَسَادِهِ ، نَفَذَ حُكْمُهُ عَلَى كُلِّ حَالٍ ؛ لِأَنَّهُ فِعْلٌ مُجْتَهَدٌ فِيهِ ، فَيَلْزَمُ مَا حَكَمَ بِهِ الْحَاكِمُ ، وَلَا يَجُوزُ نَقْضُهُ وَلَا تَغْيِيرُهُ .","part":9,"page":324},{"id":4324,"text":"( 3429 ) فَصْلٌ : وَإِنْ صَدَّقَ الْمُفْلِسُ الْبَائِعَ فِي الرُّجُوعِ قَبْلَ التَّأْبِيرِ ، وَكَذَّبَهُ الْغُرَمَاءُ ، لَمْ يُقْبَلْ إقْرَارُهُ ؛ لِأَنَّ حُقُوقَهُمْ تَعَلَّقَتْ بِالثَّمَرَةِ ظَاهِرًا ، فَلَمْ يُقْبَلْ إقْرَارُهُ ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِالنَّخِيلِ ، وَعَلَى الْغُرَمَاءِ الْيَمِينُ ، أَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ أَنَّ الْبَائِعَ رَجَعَ قَبْلَ التَّأْبِيرِ ؛ وَلِأَنَّ هَذِهِ الْيَمِينَ لَا يَنُوبُونَ فِيهَا عَنْ الْمُفْلِسِ ، بَلْ هِيَ ثَابِتَةٌ فِي حَقِّهِمْ ابْتِدَاءً ، بِخِلَافِ مَا لَوْ ادَّعَى حَقًّا وَأَقَامَ شَاهِدًا فَلَمْ يَحْلِفْ ، لَمْ يَكُنْ لِلْغُرَمَاءِ أَنْ يَحْلِفُوا مَعَهُ ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ ثُمَّ عَلَى الْمُفْلِسِ ، فَلَوْ حَلَفُوا حَلَفُوا لِيُثْبِتُوا حَقًّا لَغَيْرِهِمْ ، وَلَا يَحْلِفُ الْإِنْسَانُ لِيُثْبِتَ لِغَيْرِهِ حَقًّا ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ نَائِبًا فِيهَا ؛ لِأَنَّ الْأَيْمَانَ لَا تَدْخُلُهَا النِّيَابَةُ ، وَفِي مَسْأَلَتِنَا الْأَصْلُ أَنَّ هَذَا الطَّلْعَ قَدْ تَعَلَّقَتْ حُقُوقُهُمْ بِهِ ، لِكَوْنِهِ فِي يَدِ غَرِيمِهِمْ ، وَمُتَّصِلٌ بِنَخْلِهِ ، وَالْبَائِعُ يَدَّعِي مَا يُزِيلُ حُقُوقَهُمْ عَنْهُ ، فَأَشْبَهَ سَائِرَ أَعْيَانِ مَالِهِ ، وَيَحْلِفُونَ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ ؛ لِأَنَّهُ يَمِينٌ عَلَى نَفْيِ الدَّيْنِ عَنْ الْمَيِّتِ وَلَوْ أَقَرَّ الْمُفْلِسُ بِعَيْنٍ مِنْ أَعْيَانِ مَالِهِ لِأَجْنَبِيٍّ ، أَوْ لِبَعْضِ غُرَمَائِهِ ، فَأَنْكَرَهُ الْغُرَمَاءُ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُمْ ، وَعَلَيْهِمْ الْيَمِينُ أَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ذَلِكَ .\rوَكَذَلِكَ لَوْ أَقَرَّ بِغَرِيمٍ آخَرَ يَسْتَحِقُّ مُشَارَكَتَهُمْ ، فَأَنْكَرُوهُ ، فَعَلَيْهِمْ الْيَمِينُ أَيْضًا ، وَيَكُونُ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ لِذَلِكَ .\rوَإِنْ أَقَرَّ أَنَّهُ ، أَعْتَقَ عَبْدَهُ ، انْبَنَى ذَلِكَ عَلَى صِحَّةِ عِتْقِ الْمُفْلِسِ فَإِنْ قُلْنَا : يَصِحُّ عِتْقُهُ صَحَّ إقْرَارُهُ ، وَعَتَقَ ؛ لِأَنَّ مَنْ مَلَكَ شَيْئًا مَلَكَ الْإِقْرَارَ بِهِ ، وَلِأَنَّ الْإِقْرَارَ بِالْعِتْقِ يَحْصُلُ بِهِ الْعِتْقُ ، فَكَأَنَّهُ أَعْتَقَهُ فِي الْحَالِ .\rوَإِنْ قُلْنَا : لَا يَصِحُّ عِتْقُهُ .\rلَمْ يُقْبَلْ إقْرَارُهُ ، وَكَانَ عَلَى الْغُرَمَاءِ","part":9,"page":325},{"id":4325,"text":"الْيَمِينُ أَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ذَلِكَ .\rوَكُلُّ مَوْضِعٍ قُلْنَا عَلَى الْغُرَمَاءِ الْيَمِينُ ، فَهُوَ عَلَى جَمِيعِهِمْ ، فَإِنْ حَلَفُوا أَخَذُوا ، وَإِنْ نَكَّلُوا قُضِيَ لِلْمُدَّعِي بِمَا ادَّعَاهُ ، إلَّا أَنْ نَقُولَ بِرَدِّ الْيَمِينِ ، فَتُرَدُّ عَلَى الْمُدَّعِي ، فَيَحْلِفَ وَيَسْتَحِقُّ ، وَإِنْ حَلَفَ بَعْضُهُمْ دُونَ بَعْضٍ ، أَخَذَ الْحَالِفُ نَصِيبَهُ ، وَحُكْمُ النَّاكِلِ مَا ذَكَرْنَاهُ .","part":9,"page":326},{"id":4326,"text":"( 3430 ) فَصْلٌ : وَإِنْ أَقَرَّ الْمُفْلِسُ أَنَّهُ أَعْتَقَ عَبْدَهُ مُنْذُ شَهْرٍ ، وَكَانَ الْعَبْدُ قَدْ اكْتَسَبَ بَعْدَ ذَلِكَ مَالًا ، وَأَنْكَرَ الْغُرَمَاءُ ، فَإِنْ قُلْنَا : لَا يُقْبَلُ إقْرَارُهُ .\rحَلَفُوا ، وَاسْتَحَقُّوا الْعَبْدَ وَكَسْبَهُ .\rوَإِنْ قُلْنَا : يُقْبَلُ إقْرَارُهُ .\rلَمْ يُقْبَلْ فِي كَسْبِهِ ، وَكَانَ لِلْغُرَمَاءِ أَنْ يَحْلِفُوا أَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ أَنَّهُ أَعْتَقَهُ قَبْلَ الْكَسْبِ ، وَيَأْخُذُونَ كَسْبَهُ ؛ لِأَنَّ إقْرَارَهُ إنَّمَا قُبِلَ فِي الْعِتْقِ دُونَ غَيْرِهِ لِصِحَّتِهِ مِنْهُ ، وَلِبِنَائِهِ عَلَى التَّغْلِيبِ وَالسِّرَايَةِ ، فَلَا يُقْبَلُ فِي الْمَالِ ، لِعَدَمِ ذَلِكَ فِيهِ ، وَلِأَنَّنَا نَزَّلْنَا إقْرَارَهُ مَنْزِلَةَ إعْتَاقِهِ فِي الْحَالِ ، فَلَا تَثْبُتُ لَهُ الْحُرِّيَّةُ فِيمَا مَضَى ، فَيَكُونُ كَسْبُهُ مَحْكُومًا بِهِ لِسَيِّدِهِ ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِعِتْقِهِ ، ثُمَّ أَقَرَّ لَهُ بِعَيْنٍ فِي يَدِهِ .","part":9,"page":327},{"id":4327,"text":"( 3431 ) فَصْلٌ : فَإِنْ كَانَ الْمَبِيعُ أَرْضًا فَبَنَاهَا الْمُشْتَرِي ، أَوْ غَرَسَهَا ، ثُمَّ أَفْلَسَ ، فَأَرَادَ الْبَائِعُ الرُّجُوعَ فِي الْأَرْضِ ، نَظَرْت ؛ فَإِنْ اتَّفَقَ الْمُفْلِسُ وَالْغُرَمَاءُ عَلَى قَلْعِ الْغِرَاسِ وَالْبِنَاءِ ، فَلَهُمْ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمْ ، لَا يَخْرُجُ عَنْهُمْ ، فَإِذَا قَلَعُوهُ ، فَلِلْبَائِعِ الرُّجُوعُ فِي أَرْضِهِ ؛ لِأَنَّهُ وَجَدَ مَتَاعَهُ بِعَيْنِهِ قَالَ أَصْحَابُنَا ، وَيَسْتَحِقُّ الرُّجُوعَ قَبْلَ الْقَلْعِ ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَسْتَحِقَّهُ حَتَّى يُوجَدَ الْقَلْعُ ؛ لِأَنَّهُ قَبْلَ الْقَلْعِ لَمْ يُدْرِكْ مَتَاعَهُ إلَّا مَشْغُولًا بِمِلْكِ الْمُشْتَرِي ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَتْ مَسَامِيرَ فِي بَابِ الْمُشْتَرِي .\rفَإِنْ قُلْنَا : لَهُ الرُّجُوعُ قَبْلَ الْقَلْعِ .\rفَقَلَعُوهُ ، لَزِمَهُمْ تَسْوِيَةُ الْأَرْضِ مِنْ الْحَفْرِ ، وَأَرْشُ نَقْصِ الْأَرْضِ الْحَاصِلِ بِهِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ نَقْصٌ حَصَلَ لِتَخْلِيصِ مِلْكِ الْمُفْلِسِ ، فَكَانَ عَلَيْهِ ، كَمَا لَوْ دَخَلَ فَصِيلُهُ دَارَ إنْسَانٍ وَكَبِرَ ، فَأَرَادَ صَاحِبُهُ إخْرَاجَهُ ، فَلَمْ يُمْكِنْ إلَّا بِهَدْمِ بَابِهَا ، فَإِنَّ الْبَابَ يُهْدَمُ لِيَخْرُجَ ، وَيَضْمَنُ صَاحِبُهُ مَا نَقَصَ ، بِخِلَافِ مَا إذَا وَجَدَ الْبَائِعُ عَيْنَ مَالِهِ نَاقِصَةً .\rفَرَجَعَ فِيهَا ، فَإِنَّهُ لَا يَرْجِعُ فِي النَّقْصِ لِأَنَّ النَّقْصَ كَانَ فِي مِلْكِ الْمُفْلِسِ ، وَهُنَا حَدَثَ بَعْدَ رُجُوعِهِ فِي الْعَيْنِ ، فَلِهَذَا ضَمِنُوهُ ، وَيَضْرِبُ بِالنَّقْصِ مَعَ الْغُرَمَاءِ وَإِنْ قُلْنَا : لَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ قَبْلَ الْقَلْعِ .\rلَمْ يَلْزَمْهُمْ تَسْوِيَةُ الْحَفْرِ ، وَلَا أَرْشُ النَّقْصِ ؛ لِأَنَّهُمْ فَعَلُوا ذَلِكَ فِي أَرْضِ الْمُفْلِسِ قَبْلَ رُجُوعِ الْبَائِعِ فِيهَا ، فَلَمْ يَضْمَنُوا النَّقْصَ ، كَمَا لَوْ قَلَعَهُ الْمُفْلِسُ قَبْلَ فَلَسِهِ ، فَأَمَّا إنْ امْتَنَعَ الْمُفْلِسُ وَالْغُرَمَاءُ مِنْ الْقَلْعِ ، فَلَهُمْ ذَلِكَ ، وَلَا يُجْبَرُونَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ غَرْسٌ بِحَقٍّ .\rوَمَفْهُومُ قَوْله عَلَيْهِ السَّلَامُ : { لَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ } .\rأَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ ظَالِمًا","part":9,"page":328},{"id":4328,"text":"فَلَهُ حَقٌّ فَإِنْ بَذَلَ الْبَائِعُ قِيمَةَ الْغِرَاسِ وَالْبِنَاءِ ، لِيَكُونَ لَهُ الْكُلُّ .\rأَوْ قَالَ : أَنَا أَقْلَعُ ، وَأَضْمَنُ مَا نَقَصَ فَإِنْ قُلْنَا : لَهُ الرُّجُوعُ قَبْلَ الْقَلْعِ .\rفَلَهُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الْبِنَاءَ وَالْغِرَاسَ حَصَلَ فِي مِلْكِهِ لِغَيْرِهِ بِحَقٍّ ، فَكَانَ لَهُ أَخْذُهُ بِقِيمَتِهِ ، أَوْ قَلْعُهُ وَضَمَانُ نَقْصِهِ ، كَالشَّفِيعِ إذَا أَخَذَ الْأَرْضَ وَفِيهَا غِرَاسٌ وَبِنَاءٌ لِلْمُشْتَرِي ، وَالْمُعِيرِ إذَا رَجَعَ فِي أَرْضِهِ بَعْدَ غَرْسِ الْمُسْتَعِيرِ وَإِنْ قُلْنَا : لَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ قَبْلَ الْقَلْعِ .\rلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ بِنَاءَ الْمُفْلِسِ وَغَرْسَهُ فِي مِلْكِهِ ، فَلَمْ يُجْبَرْ عَلَى بَيْعِهِ لِهَذَا الْبَائِعِ ، وَلَا عَلَى قَلْعِهِ ، كَمَا لَوْ لَمْ يَرْجِعْ فِي الْأَرْضِ .\rفَأَمَّا إنْ امْتَنَعَ الْبَائِعُ مِنْ بَذْلِ ذَلِكَ ، سَقَطَ حَقُّ الرُّجُوعِ .\rوَهَذَا قَوْلُ ابْنِ حَامِدٍ ، وَأَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : يَحْتَمِلُ أَنَّ لَهُ الرُّجُوعَ .\rوَهُوَ الْقَوْلُ الثَّانِي لِلشَّافِعِي ؛ لِأَنَّهُ أَدْرَكَ مَتَاعَهُ بِعَيْنِهِ ، وَفِيهِ مَالُ الْمُشْتَرِي عَلَى وَجْهِ التَّبَعِ ، فَلَمْ يَمْنَعْهُ ذَلِكَ الرُّجُوعَ ، كَالثَّوْبِ إذَا صَبَغَهُ الْمُشْتَرِي وَلَنَا ، أَنَّهُ لَمْ يُدْرِكْ مَتَاعَهُ عَلَى وَجْهٍ يُمْكِنُهُ أَخْذُهُ مُنْفَرِدًا عَنْ غَيْرِهِ ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَخْذُهُ ، كَالْحَجَرِ فِي الْبِنَاءِ ، وَالْمَسَامِيرِ فِي الْبَابِ ، وَلِأَنَّ فِي ذَلِكَ ضَرَرًا عَلَى الْمُشْتَرِي وَالْغُرَمَاءِ ، وَلَا يُزَالُ الضَّرَرِ ، وَلِأَنَّهُ لَا يَحْصُلُ بِالرُّجُوعِ هَاهُنَا انْقِطَاعُ النِّزَاعِ وَالْخُصُومَةِ ، بِخِلَافِ مَا إذَا وَجَدَهَا غَيْر مَشْغُولَةٍ بِشَيْءِ .\rوَأَمَّا الثَّوْبُ إذَا صَبَغَهُ ، فَلَا نُسَلَّمُ لَهُ الرُّجُوعَ ، فَهُوَ كَمَسْأَلَتِنَا ، فَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا مِنْ وَجْهَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، أَنَّ الصَّبْغَ تَقَرَّرَ فِي الثَّوْبِ ، فَصَارَ كَالصِّفَةِ فِيهِ ، بِخِلَافِ الْبِنَاءِ وَالْغَرْسِ ، فَإِنَّهُ أَعْيَانٌ مُتَمَيِّزَةٌ ، وَأَصْلٌ فِي نَفْسِهِ .\rوَالثَّانِي ، أَنَّ الثَّوْبَ لَا يُرَادُ لِلْبَقَاءِ ،","part":9,"page":329},{"id":4329,"text":"بِخِلَافِ الْأَرْضِ وَالْبِنَاءِ ، فَإِذَا قُلْنَا : لَا يَرْجِعُ .\rفَلَا كَلَامَ .\rوَإِنْ قُلْنَا : يَرْجِعُ .\rفَرَجَعَ ، وَاتَّفَقَ الْجَمِيعُ عَلَى بَيْعِهِمَا ، بِيعَا لَهُمَا ، وَأَخَذَ كُلُّ وَاحِدٍ بِقَدْرِ حَقِّهِ وَإِنْ امْتَنَعَ أَحَدُهُمَا مِنْ الْبَيْعِ ، احْتَمَلَ أَنْ يُجْبَرَ عَلَيْهِ ، كَمَا لَوْ كَانَ الْمَبِيعُ ثَوْبًا ، فَصَبَغَهُ الْمُشْتَرِي ، فَإِنَّ الثَّوْبَ يُبَاعُ لَهُمَا ، كَذَا هَاهُنَا .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يُجْبَرَ ؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنَ طَالِبُ الْبَيْعِ أَنْ يَبِيعَ مِلْكَهُ مُفْرَدًا ، بِخِلَافِ الثَّوْبِ الْمَصْبُوغِ ، فَإِنْ بِيعَا لَهُمَا ، قَسَمَا الثَّمَنَ عَلَى قَدْرِ الْقِيمَتَيْنِ ، فَتُقَوَّمُ الْأَرْضُ غَيْرَ ذَاتِ شَجَرٍ وَلَا بِنَاءٍ ، ثُمَّ تُقَوَّمُ وَهُمَا فِيهَا ، فَمَا كَانَ قِيمَةَ الْأَرْضِ بِغَيْرِ غِرَاسٍ وَلَا بِنَاءٍ ، فَلِلْبَائِعِ قِسْطُهُ مِنْ الثَّمَنِ ، وَمَا زَادَ فَهُوَ لِلْمُفْلِسِ وَالْغُرَمَاءِ .\rوَإِنْ قُلْنَا : لَا يُجْبَرُ الْمُمْتَنِعُ عَلَى الْبَيْعِ .\rأَوْ لَمْ يَطْلُبْ أَحَدُهُمَا الْبَيْعَ فَاتَّفَقَا عَلَى كَيْفِيَّةِ كَوْنِهِمَا بَيْنَهُمَا ، جَازَ مَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ ، وَإِنْ اخْتَلَفَا ، كَانَتْ الْأَرْضُ لِلْبَائِعِ ، وَالْغِرَاسُ وَالْبِنَاءُ لِلْمُفْلِسِ وَالْغُرَمَاءِ ، وَلَهُمْ دُخُولُ الْأَرْضِ لِسَقْيِ الشَّجَرِ وَأَخْذِ الثَّمَرَةِ ، وَلَيْسَ لَهُمْ دُخُولُهَا لِلتَّفَرُّجِ وَلِغَيْرِ حَاجَةٍ ، وَلِلْبَائِعِ دُخُولُهَا لِلزَّرْعِ ، وَلَمَّا شَاءَ ؛ لِأَنَّ الْأَرْضَ لَهُ وَمِلْكُهُ .\rوَإِنْ بَاعُوا الشَّجَرَ وَالْبِنَاءَ لَإِنْسَانٍ ، فَحُكْمُهُ فِي ذَلِكَ حُكْمُهُمْ .\rوَلَوْ بَذَلَ الْمُفْلِسُ وَالْغُرَمَاءُ ، أَوْ الْمُشْتَرِي مِنْهُمْ ، قِيمَةَ الْأَرْضِ لِلْبَائِعِ ، لِيَدْفَعهَا لَهُمْ ، لَمْ يَلْزَمْهُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الْأَرْضَ أَصْلٌ ، فَلَا يُجْبَرُ عَلَى بَيْعِهَا ، بِخِلَافِ مَا فِيهَا مِنْ الْغَرْسِ وَالْبِنَاءِ .","part":9,"page":330},{"id":4330,"text":"( 3432 ) فَصْلٌ : إذَا اشْتَرَى غِرَاسًا ، فَغَرَسَهُ فِي أَرْضِهِ ، ثُمَّ أَفْلَسَ ، وَلَمْ يَزِدْ الْغِرَاسُ ، فَلَهُ الرُّجُوعُ فِيهِ ؛ لِأَنَّهُ أَدْرَكَ مَتَاعَهُ بِعَيْنِهِ .\rوَإِذَا أَخَذَهُ ، فَعَلَيْهِ تَسْوِيَةُ الْأَرْضِ ، وَأَرْشُ نَقْصِهَا الْحَاصِلُ بِقِلْعِهِ ؛ لِأَنَّهُ نَقْصٌ حَصَلَ لِتَخْلِيصِ مِلْكِهِ مِنْ مِلْكِ غَيْره .\rوَإِنْ بَذَلَ الْمُفْلِسُ وَالْغُرَمَاءُ لَهُ قِيمَتَهُ ، لِيَمْلِكُوهُ بِذَلِكَ ، لَمْ يُجْبَرْ عَلَى قَبُولِهَا ؛ لِأَنَّهُ إذَا اخْتَارَ أَخْذَ مَالِهِ ، وَتَفْرِيغَ مِلْكِهِمْ ، وَإِزَالَةَ ضَرَرِهِ عَنْهُمْ ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مَنْعُهُ ، كَالْمُشْتَرِي إذَا غَرَسَ فِي الْأَرْضِ الْمَشْفُوعَةِ .\rوَإِنْ امْتَنَعَ مِنْ الْقَلْعِ ، فَبَذَلُوا لَهُ الْقِيمَةَ لِيَمْلِكَهُ الْمُفْلِسُ ، أَوْ أَرَادُوا قَلْعَهُ وَضَمَانَ النَّقْصِ ، فَلَهُمْ ذَلِكَ .\rوَكَذَلِكَ إذَا أَرَادُوا قَلْعَهُ مِنْ غَيْرِ ضَمَانِ النَّقْصِ ؛ لِأَنَّ الْمُفْلِسَ إنَّمَا ابْتَاعَهُ مَقْلُوعًا ، فَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ إبْقَاؤُهُ فِي أَرْضِهِ وَقِيلَ : لَيْسَ لَهُمْ قَلْعُهُ مِنْ غَيْرِ ضَمَانِ النَّقْصِ ؛ لِأَنَّهُ غَرْسٌ بِحَقٍّ ، فَأَشْبَهَ غَرْسَ الْمُفْلِسِ فِي الْأَرْضِ الَّتِي ابْتَاعَهَا إذَا رَجَعَ بَائِعُهَا فِيهَا .\rوَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا ظَاهِرٌ ؛ فَإِنَّ إبْقَاءَ الْغِرَاسِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ حَقٌّ عَلَيْهِ ، فَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ بِفِعْلِهِ ، وَفِي الَّتِي قَبْلَهَا إبْقَاؤُهُ حَقٌّ لَهُ فَوَجَبَ لَهُ بِغِرَاسِهِ فِي مِلْكِهِ .\rفَإِنْ اخْتَارَ بَعْضُهُمْ الْقَلْعَ ، وَبَعْضُهُمْ التَّبْقِيَةَ ، قُدِّمَ قَوْلُ مَنْ طَلَبَ الْقَلْعَ ، سَوَاءٌ كَانَ الْمُفْلِسَ أَوْ الْغُرَمَاءَ ، أَوْ بَعْضَ الْغُرَمَاءَ ؛ لِأَنَّ الْإِبْقَاءَ ضَرَرٌ غَيْرُ وَاجِبٍ ، فَلَمْ يَلْزَمْ الْمُمْتَنِعَ مِنْهُ الْإِجَابَةُ إلَيْهِ وَإِنْ زَادَ الْغِرَاسُ فِي الْأَرْضِ ، فَهِيَ زِيَادَةٌ مُتَّصِلَةٌ ، تَمْنَعُ الرُّجُوعَ عَلَى قَوْلِ الْخِرَقِيِّ ، وَلَا تَمْنَعُهُ عَلَى رِوَايَةِ الْمَيْمُونِي .","part":9,"page":331},{"id":4331,"text":"( 3433 ) فَصْلٌ : وَإِنْ اشْتَرَى أَرْضًا مِنْ رَجُلٍ ، وَغِرَاسًا مِنْ آخَرَ ، فَغَرَسَهُ فِيهَا ، ثُمَّ أَفْلَسَ وَلَمْ يَزِدْ الشَّجَرُ ، فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الرُّجُوعُ فِي عَيْنِ مَالِهِ ، وَلِصَاحِبِ الْأَرْضِ قَلْعُ الْغِرَاسِ مِنْ غَيْرِ ضَمَانِ نَقْصِهِ بِالْقَلْعِ ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا ، لِأَنَّ الْبَائِعَ إنَّمَا بَاعَهُ مَقْلُوعًا ، فَلَا يَسْتَحِقُّهُ إلَّا كَذَلِكَ وَإِنْ أَرَادَ بَائِعُهُ قَلْعَهُ مِنْ الْأَرْضِ ، فَقَلَعَهُ ، فَعَلَيْهِ تَسْوِيَةُ الْحَفْرِ ، وَضَمَانُ نَقْصِهَا الْحَاصِلِ بِهِ ؛ لِمَا تَقَدَّمَ .\rوَإِنْ بَذَلَ صَاحِبُ الْغِرَاسِ قِيمَةَ الْأَرْضِ لِصَاحِبِهَا لِيَمْلِكَهُ ، لَمْ يُجْبَرْ عَلَى ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الْأَرْضَ أَصْلٌ ، فَلَا يُجْبَرُ عَلَى بَيْعِهَا تَبَعًا .\rوَإِنْ بَذَلَ صَاحِبُ الْأَرْضِ قِيمَةَ الْغِرَاسِ لِيَمْلِكَهُ إذَا امْتَنَعَ مِنْ الْقَلْعِ ، فَلَهُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ غَرْسَهُ حَصَلَ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ بِحَقٍّ ، فَأَشْبَهَ غَرْسَ الْمُفْلِسِ فِي أَرْضِ الْبَائِعِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَمْلِكَ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُجْبَرُ عَلَى إبْقَائِهِ إذَا امْتَنَعَ مِنْ دَفْعِ قِيمَتِهِ ، أَوْ أَرْشِ نَقْصِهِ ، فَلَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يَتَمَلَّكَهُ بِالْقِيمَةِ ، بِخِلَافِ الَّتِي قَبْلَهَا وَالْأُولَى أَوْلَى .\rوَهَذَا يَنْتَقِضُ بِغَرْسِ الْغَاصِبِ .","part":9,"page":332},{"id":4332,"text":"( 3434 ) فَصْلٌ : الشَّرْطُ الثَّالِثُ ، أَنْ لَا يَكُونَ الْبَائِعُ قَبَضَ مِنْ ثَمَنِهَا شَيْئًا .\rفَإِنْ كَانَ قَدْ قَبَضَ بَعْضَ ثَمَنِهَا ، سَقَطَ حَقُّ الرُّجُوعِ .\rوَبِهَذَا قَالَ إِسْحَاقُ ، وَالشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ ، وَقَالَ فِي الْجَدِيدِ : لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِي قَدْرِ مَا بَقِيَ مِنْ الثَّمَنِ ؛ لِأَنَّهُ سَبَبٌ تَرْجِعُ بِهِ الْعَيْنُ كُلُّهَا إلَى الْعَاقِدِ ، فَجَازَ أَنْ يَرْجِعَ بِهِ بَعْضُهَا ، كَالْفُرْقَةِ قَبْلَ الدُّخُولِ فِي النِّكَاحِ وَقَالَ مَالِكٌ : هُوَ مُخَيَّرٌ ، إنْ شَاءَ رَدَّ مَا قَبَضَهُ وَرَجَعَ فِي جَمِيعَ الْعَيْنِ ، وَإِنْ شَاءَ حَاصَّ الْغُرَمَاءَ وَلَمْ يَرْجِعْ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { أَيُّمَا رَجُلٍ بَاعَ سِلْعَةً ، فَأَدْرَكَ سِلْعَتَهُ بِعَيْنِهَا عِنْدَ رَجُلٍ قَدْ أَفْلَسَ ، وَلَمْ يَكُنْ قَدْ قَبَضَ مِنْ ثَمَنِهَا شَيْئًا ، فَهِيَ لَهُ ، وَإِنْ كَانَ قَدْ قَبَضَ مِنْ ثَمَنِهَا شَيْئًا فَهُوَ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَالدَّارَقُطْنِيّ .\rوَلِأَنَّ فِي الرُّجُوعِ فِي قِسْطِ مَا بَقِيَ تَبْعِيضًا لِلصَّفْقَةِ عَلَى الْمُشْتَرِي ، وَإِضْرَارًا بِهِ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لِلْبَائِعِ .\rفَإِنْ قِيلَ : لَا ضَرَرَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ مَالَهُ يُبَاعُ ، وَلَا يَبْقَى لَهُ ، فَيَزُولُ عَنْهُ الضَّرَرُ قُلْنَا : لَا يَنْدَفِعُ الضَّرَرُ بِالْبَيْعِ ؛ فَإِنْ قِيمَتَهُ تَنْقُصُ بِالتَّشْقِيصِ ، وَلَا يُرْغَبُ فِيهِ مُشَقَّصًا ، فَيَتَضَرَّرُ الْمُفْلِسُ وَالْغُرَمَاءُ بِنَقْصِ الْقِيمَةِ .\rوَلِأَنَّهُ سَبَبٌ يُفْسَخُ بِهِ الْبَيْعُ ، فَلَمْ يَجُزْ تَشْقِيصُهُ ، كَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ وَالْخِيَارِ ، وَقِيَاسُ الْبَيْعِ عَلَى الْبَيْعِ أَوْلَى مِنْ قِيَاسِهِ عَلَى النِّكَاحِ .\rوَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ الْمَبِيعِ عَيْنًا وَاحِدَةً ، أَوْ عَيْنَيْنِ ، لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْحَدِيثِ وَالْمَعْنَى فَإِنْ قِيلَ : حَدِيثُكُمْ يَرْوِيه أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُرْسَلًا ، وَلَا حُجَّةَ فِي","part":9,"page":333},{"id":4333,"text":"الْمَرَاسِيلِ .\rقُلْنَا : قَدْ رَوَاهُ مَالِكٌ وَمُوسَى بْنُ عُقْبَةَ عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، كَذَلِكَ ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارَقُطْنِيّ فِي \" سُنَنِهِمْ \" مُتَّصِلًا ، فَلَا يَضُرُّ إرْسَالُ مَنْ أَرْسَلَهُ ، فَإِنَّ رَاوِيَ الْمُسْنَدِ مَعَهُ زِيَادَةٌ لَا يُعَارِضُهَا تَرْكُ مُرْسِلِ الْحَدِيثِ لَهَا ، وَعَلَى أَنَّ الْمُرْسَلَ حُجَّةٌ ، فَلَا يَضُرُّ إرْسَالُهُ .","part":9,"page":334},{"id":4334,"text":"( 3435 ) فَصْلٌ : الشَّرْطُ الرَّابِعُ ، أَنْ لَا يَكُونَ تَعَلَّقَ بِهَا حَقُّ الْغَيْرِ .\rفَإِنْ رَهَنَهَا الْمُشْتَرِي ، ثُمَّ أَفْلَسَ أَوْ وَهَبَهَا ، لَمْ يَمْلِكْ الْبَائِعُ الرُّجُوعَ ، كَمَا لَوْ بَاعَهَا أَوْ أَعْتَقَهَا ، وَلِأَنَّ فِي الرُّجُوعِ إضْرَارًا بِالْمُرْتَهِنِ ، وَلَا يُزَالُ الضَّرَرُ بِالضَّرَرِ ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { مَنْ وَجَدَ مَتَاعَهُ بِعَيْنِهِ عِنْدَ رَجُلٍ قَدْ أَفْلَسَ ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ } .\rوَهَذَا لَمْ يَجِدْهُ عِنْدَ الْمُفْلِسِ .\rوَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا فَإِنْ كَانَ دَيْنُ الْمُرْتَهِنِ دُونَ قِيمَةِ الرَّهْنِ ، بِيعَ كُلُّهُ ، فَقُضِيَ مِنْهُ دَيْنُ الْمُرْتَهِنِ ، وَالْبَاقِي يُرَدُّ عَلَى سَائِرِ مَالِ الْمُفْلِسِ ، وَيَشْتَرِكُ الْغُرَمَاءُ فِيهِ ، وَإِنْ بِيعَ بَعْضُهُ ، فَبَاقِيه بَيْنَهُمْ يُبَاعُ لَهُمْ أَيْضًا ، وَلَا يَرْجِعُ بِهِ الْبَائِعُ .\rقَالَ الْقَاضِي : لَهُ الرُّجُوعُ بِهِ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ عَيْنُ مَالِهِ ، لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ حَقُّ غَيْرِهِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ لَمْ يَجِدْ مَتَاعَهُ بِعَيْنِهِ ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَخْذُهُ ، كَمَا لَوْ كَانَ الدَّيْنُ مُسْتَغْرِقًا لَهُ .\rوَمَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي لَا يُخَرَّجُ عَلَى الْمَذْهَبِ ؛ لِأَنَّ تَلَفَ بَعْضِ الْمَبِيعِ يَمْنَعُ الرُّجُوعَ ، فَكَذَلِكَ ذَهَابُ بَعْضِهَا بِالْبَيْعِ وَلَوْ رَهَنَ بَعْضَ الْعَبْدِ لَمْ يَكُنْ لِلْبَائِعِ الرُّجُوعُ فِي بَاقِيه ؛ لِمَا ذَكَرْنَا .\rوَإِنْ كَانَ الْمَبِيعُ عَيْنَيْنِ ، فَرَهَنَ إحْدَاهُمَا ، فَهَلْ يَمْلِكُ الْبَائِعُ الرُّجُوعَ فِي الْأُخْرَى ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ ، بِنَاءً عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِيمَا إذَا تَلِفَتْ إحْدَى الْعَيْنَيْنِ .\rوَإِنْ فَكَّ الرَّهْنَ قَبْلَ فَلَسِ الْمُشْتَرِي .\rأَوْ أُبْرِئَ مِنْ دَيْنِهِ ، فَلِلْبَائِعِ الرُّجُوعُ ؛ أَنَّهُ أَدْرَكَ مَتَاعَهُ بِعَيْنِهِ عِنْدَ الْمُشْتَرِي .\rوَإِنْ أَفْلَسَ وَهُوَ رَهْنٌ ، فَأَبْرَأَ الْمُرْتَهِنُ الْمُشْتَرِي مِنْ دَيْنِهِ ، أَوْ قَضَى الدَّيْنَ مِنْ غَيْرِهِ ، فَلِلْبَائِعِ الرُّجُوعُ أَيْضًا كَذَلِكَ .","part":9,"page":335},{"id":4335,"text":"( 3436 ) فَصْلٌ : وَإِنْ كَانَ عَبْدًا ، فَأَفْلَسَ الْمُشْتَرِي بَعْدَ تَعَلُّقِ أَرْشِ الْجِنَايَةِ بِرَقَبَتِهِ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، لَيْسَ لِلْبَائِعِ الرُّجُوعُ ؛ لِأَنَّ تَعَلُّقَ الرَّهْنِ بِهِ يَمْنَعُ الرُّجُوعَ ، وَأَرْشُ الْجِنَايَةِ يُقَدَّمُ عَلَى حَقِّ الْمُرْتَهِنِ ، فَأَوْلَى أَنْ لَا يَرْجِعَ .\rذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ .\rوَالثَّانِي ، لَا يَمْنَعُ الرُّجُوعَ فِيهِ ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ لَا يَمْنَعُ تَصَرُّفَ الْمُشْتَرِي فِيهِ ، فَلَمْ يَمْنَعْ الرُّجُوعَ ، كَالدَّيْنِ فِي ذِمَّتِهِ .\rوَفَارَقَ الرَّهْنَ ؛ فَإِنَّهُ يَمْنَعُ تَصَرُّفَ الْمُشْتَرِي فِيهِ .\rفَإِنْ قُلْنَا : لَا يَرْجِعُ .\rفَحُكْمُهُ حُكْمُ الرَّهْنِ .\rوَإِنْ قُلْنَا : لَهُ الرُّجُوعُ .\rفَهُوَ مُخَيَّرٌ ؛ إنْ شَاءَ رَجَعَ فِيهِ نَاقِصًا بِأَرْشِ الْجِنَايَةِ ، وَإِنْ شَاءَ ضَرَبَ بِثَمَنِهِ مَعَ الْغُرَمَاءِ وَإِنْ أَبْرَأَ الْغَرِيمَ مِنْ الْجِنَايَةِ ، فَلِلْبَائِعِ الرُّجُوعُ فِيهِ ؛ لِأَنَّهُ وَجَدَ مَتَاعَهُ بِعَيْنِهِ خَالِيًا مِنْ تَعَلُّقِ حَقِّ غَيْرِهِ بِهِ .","part":9,"page":336},{"id":4336,"text":"( 3437 ) فَصْلٌ : وَإِنْ أَفْلَسَ بَعْدَ خُرُوجِ الْمَبِيعِ مِنْ مِلْكِهِ ؛ بِبَيْعٍ ، أَوْ هِبَةٍ ، أَوْ وَقْفٍ ، أَوْ عِتْقٍ ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ ، لَمْ يَكُنْ لِلْبَائِعِ الرُّجُوعُ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُدْرِكْ مَتَاعَهُ بِعَيْنِهِ عِنْدَ الْمُفْلِسِ ، سَوَاءٌ كَانَ الْمُشْتَرِي يُمْكِنُهُ اسْتِرْجَاعُهُ بِخِيَارِ لَهُ ، أَوْ عَيْبٍ فِي ثَمَنِهِ ، أَوْ رُجُوعِهِ فِي هِبَةِ وَلَدِهِ ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا وَخُرُوجُ بَعْضِهِ كَخُرُوجِ جَمِيعِهِ ؛ لِمَا تَقَدَّمَ .\rفَإِنْ أَفْلَسَ بَعْد رُجُوعِ ذَلِكَ إلَى مِلْكِهِ ، فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ : أَحَدُهَا ، لَهُ الرُّجُوعُ ؛ لِلْخَبَرِ ، وَلِأَنَّهُ وَجَدَ عَيْنَ مَالِهِ خَالِيًا عَنْ حَقِّ غَيْرِهِ ، أَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ يَبِعْهُ .\rوَالثَّانِي ، لَا يَرْجِعُ ؛ لِأَنَّ هَذَا الْمِلْكَ لَمْ يَنْتَقِلْ إلَيْهِ مِنْهُ ، فَلَمْ يَمْلِكْ فَسْخَهُ .\rذَكَرَ أَصْحَابُنَا هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ .\rوَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ مِثْلُ ذَلِكَ .\rوَالثَّالِثُ ، أَنَّهُ إنْ عَادَ إلَيْهِ بِسَبَبٍ جَدِيدٍ ، كَبَيْعٍ ، أَوْ هِبَةٍ ، أَوْ إرْثٍ ، أَوْ وَصِيَّةٍ ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ .\rلَمْ يَكُنْ لِلْبَائِعِ الرُّجُوعُ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَصِرْ إلَيْهِ مِنْ جِهَتِهِ .\rوَإِنْ عَادَ إلَيْهِ بِفَسْخٍ ، كَالْإِقَالَةِ ، وَالرَّدِّ بِعَيْبٍ أَوْ خِيَارٍ ، وَنَحْوُ ذَلِكَ ، فَلِلْبَائِعِ الرُّجُوعُ ؛ لِأَنَّ هَذَا الْمِلْكَ اسْتَنَدَ إلَى السَّبَبِ الْأَوَّلِ ، فَإِنَّ فَسْخَ الْعَقْدِ الثَّانِي لَا يَقْتَضِي ثُبُوتَ الْمِلْكِ ، وَإِنَّمَا أَزَالَ السَّبَبَ الْمُزِيلَ لِمُلْكِ الْبَائِعِ ، فَثَبَتَ الْمِلْكُ بِالسَّبَبِ الْأَوَّلِ ، فَمَلَكَ اسْتِرْجَاعَ مَا ثَبَتَ الْمِلْكُ فِيهِ بِبَيْعِهِ .","part":9,"page":337},{"id":4337,"text":"( 3438 ) فَصْلٌ وَإِنْ كَانَ الْمَبِيعُ شِقْصًا مَشْفُوعًا ، فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ : أَحَدُهَا : الْبَائِعُ أَحَقُّ بِهِ .\rهَذَا قَوْلُ ابْنِ حَامِدٍ ؛ لِلْخَبَرِ ، وَلِأَنَّهُ إذَا رَجَعَ فِيهِ عَادَ الشِّقْصُ إلَيْهِ ، فَزَالَ الضَّرَرُ عَنْ الشَّفِيعِ ، لِأَنَّهُ عَادَ كَمَا كَانَ قَبْلَ الْبَيْعِ ، وَلَمْ تَتَجَدَّدْ شَرِكَةُ غَيْرِهِ .\rوَالثَّانِي ، أَنَّ الشَّفِيعَ أَحَقُّ .\rذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ لِأَنَّ حَقَّهُ أَسْبَقُ فَكَانَ أَوْلَى ، بَيَانُهُ أَنَّ حَقَّ الْبَائِعِ ثَبَتَ بِالْحَجْرِ ، وَحَقَّ الشَّفِيعِ ثَبَتَ بِالْبَيْعِ ، وَلِأَنَّ حَقَّهُ آكَدُ ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَحِقُّ انْتِزَاعَ الشِّقْصِ مِنْ الْمُشْتَرِي ، وَمِمَّنْ نَقَلَهُ إلَيْهِ ، وَحَقُّ الْبَائِعِ إنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِالْعَيْنِ ، مَا دَامَتْ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي ، وَلَا يَزُولُ الضَّرَرُ عَنْهُ بِرَدِّهِ إلَى الْبَائِعِ ، بِدَلِيلِ مَا لَوْ بَاعَهُ الْمُشْتَرِي لِبَائِعِهِ ، أَوْ وَهَبَهُ إيَّاهُ ، أَوْ أَقَالَهُ ، لَمْ يَسْقُطْ حَقُّ الشَّفِيعِ ، وَلِأَنَّ الْبَائِعَ إنَّمَا يَسْتَحِقُّ الرُّجُوعَ فِي عَيْنٍ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهَا حَقُّ الْغَيْرِ ، وَهَذِهِ قَدْ تَعَلَّقَ بِهَا حَقُّ الشَّفِيعِ الْوَجْهُ الثَّالِثُ ، أَنَّ الشَّفِيعَ إنْ كَانَ طَالَبَ بِالشُّفْعَةِ ، فَهُوَ أَحَقُّ ؛ لِأَنَّ حَقَّهُ تَأَكَّدَ هُنَا بِالْمُطَالَبَةِ ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يُطَالِبْ بِهَا ، فَالْبَائِعُ أَوْلَى .\rوَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَجْهَانِ ، كَالْأَوَّلَيْنِ ، وَلَهُمْ وَجْهٌ ثَالِثٌ ، أَنَّ الثَّمَنَ يُؤْخَذُ مِنْ الشَّفِيعِ ، فَيَخْتَصُّ بِهِ الْبَائِعُ ، جَمْعًا بَيْنَ الْحَقَّيْنِ ، فَإِنْ غَرَضَ الشَّفِيعِ فِي عَيْنِ الشِّقْصِ الْمَشْفُوعِ ، وَغَرَضَ الْبَائِعِ فِي ثَمَنِهِ ، فَيَحْصُلُ ذَلِكَ بِمَا ذَكَرْنَا .\rوَلَيْسَ هَذَا جَيِّدًا ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْبَائِعِ إنَّمَا ثَبَتَ فِي الْعَيْنِ ، فَإِذَا صَارَ الْأَمْرُ إلَى وُجُوبِ الثَّمَنِ ، تَعَلَّقَ بِذِمَّتِهِ ، فَسَاوَى الْغُرَمَاءُ فِيهِ .","part":9,"page":338},{"id":4338,"text":"( 3439 ) فَصْلٌ : وَإِنْ كَانَ الْمَبِيعُ صَيْدًا ، فَأَفْلَسَ الْمُشْتَرِي وَالْبَائِعُ مُحْرِمٌ ، لَمْ يَرْجِعْ فِيهِ ؛ لِأَنَّهُ تَمَلَّكَ الصَّيْدَ ، فَلَمْ يَجُزْ مَعَ الْإِحْرَامِ ، كَشِرَاءِ الصَّيْدِ .\rوَإِنْ كَانَ الْبَائِعُ حَلَالًا فِي الْحَرَمِ ، وَالصَّيْدُ فِي الْحِلِّ ، فَأَفْلَسَ الْمُشْتَرِي ، فَلِلْبَائِعِ الرُّجُوعُ فِيهِ ؛ لِأَنَّ الْحَرَمَ إنَّمَا يَحْرُمُ الصَّيْدُ الَّذِي فِيهِ ، وَهَذَا لَيْسَ مِنْ صَيْدِهِ ، فَلَا يَحْرُمُ ، وَلَوْ أَفْلَسَ الْمُحْرِمُ ، وَفِي مِلْكِهِ صَيْدٌ ، بَائِعُهُ حَلَالٌ ، فَلَهُ أَخْذُهُ ؛ لِأَنَّ الْمَانِعَ غَيْرُ مَوْجُودٍ فِي حَقِّهِ .","part":9,"page":339},{"id":4339,"text":"( 3440 ) فَصْلٌ : وَإِذَا أَفْلَسَ ، وَفِي يَدِهِ عَيْنُ مَال ، دَيْنُ بَائِعِهَا مُؤَجَّلٌ ، وَقُلْنَا : لَا يَحِلُّ الدَّيْنُ بِالْفَلَسِ .\rفَقَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ بْنِ ثَوَابٍ : يَكُونُ مَالُهُ مَوْقُوفًا إلَى أَنْ يَحِلّ دَيْنُهُ ، فَيَخْتَارَ الْبَائِعُ الْفَسْخَ أَوْ التَّرْكَ .\rوَهَذَا قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ .\rوَالْمَنْصُوصُ عَنْ الشَّافِعِيِّ ، أَنَّهُ يُبَاعُ فِي الدُّيُونِ الْحَالَّةِ .\rوَيَتَخَرَّجُ لَنَا مِثْلُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهَا حُقُوقٌ حَالَّةٌ ، فَقُدِّمَتْ عَلَى الدَّيْنِ الْمُؤَجَّلِ ، كَدَيْنِ مَنْ لَمْ يَجِدْ عَيْنَ مَالِهِ .\rوَلِلْأَوَّلِ الْخَبَرُ ، وَلِأَنَّ حَقَّ هَذَا الْبَائِعِ تَعَلَّقَ بِالْعَيْنِ ، فَقُدِّمَ عَلَى غَيْرِهِ ، وَإِنْ كَانَ مُؤَجَّلًا .\rكَالْمُرْتَهِنِ ، وَالْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ .","part":9,"page":340},{"id":4340,"text":"( 3441 ) فَصْلٌ : قَالَ أَحْمَدُ ، فِي رَجُلٍ ابْتَاعَ طَعَامًا نَسِيئَةً ، وَنَظَرَ إلَيْهِ وَقَلَّبَهُ ، وَقَالَ : أَقْبِضُهُ غَدًا .\rفَمَاتَ الْبَائِعُ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ ، فَالطَّعَامُ لِلْمُشْتَرِي ، وَيَتْبَعُهُ الْغُرَمَاءُ فِي الثَّمَنِ ، وَإِنْ كَانَ رَخِيصًا .\rوَكَذَلِكَ قَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، لِأَنَّ الْمِلْكَ ثَبَتَ لِلْمُشْتَرِي فِيهِ بِالشِّرَاءِ ، وَزَالَ مِلْكُ الْبَائِعِ عَنْهُ ، فَلَمْ يُشَارِكْهُ غُرَمَاءُ الْبَائِعِ فِيهِ ، كَمَا لَوْ قَبَضَهُ .\rالشَّرْطُ الْخَامِسُ ، أَنْ يَكُونَ الْمُفْلِسُ حَيًّا .\rوَيَأْتِي شَرْحُ ذَلِكَ فِي آخِرِ الْبَابِ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .","part":9,"page":341},{"id":4341,"text":"( 3442 ) فَصْلٌ : وَرُجُوعُ الْبَائِعِ فِي الْمَبِيعِ فَسْخٌ لِلْبَيْعِ ، لَا يَحْتَاجُ إلَى مَعْرِفَةِ الْمَبِيعِ ، وَلَا الْقُدْرَةِ عَلَى تَسْلِيمِهِ ، وَلَا اشْتِبَاهِ الْمَبِيعِ بِغَيْرِهِ ، فَلَوْ رَجَعَ فِي الْمَبِيعِ الْغَائِبِ بَعْدَ مُضِيِّ مُدَّةٍ يَتَغَيَّرُ فِيهَا ، ثُمَّ وَجَدَهُ عَلَى حَالِهِ لَمْ يَتْلَفْ شَيْءٌ مِنْهُ ، صَحَّ رُجُوعُهُ .\rوَإِنْ رَجَعَ فِي الْعَبْدِ بَعْدَ إبَاقِهِ ، أَوْ الْجَمَلِ بَعْد شُرُودِهِ ، أَوْ الْفَرَسِ الْعَاثِرِ ، صَحَّ ، وَصَارَ ذَلِكَ لَهُ ، فَإِنْ قَدَرَ عَلَيْهِ أَخَذَهُ ، وَإِنْ ذَهَبَ كَانَ مِنْ مَالِهِ وَإِنْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ كَانَ تَالِفًا حِينَ اسْتِرْجَاعِهِ ، لَمْ يَصِحَّ اسْتِرْجَاعُهُ ، وَكَانَ لَهُ أَنْ يَضْرِبَ مَعَ الْغُرَمَاءِ فِي الْمَوْجُودِ مِنْ مَالِهِ .\rوَإِنْ رَجَعَ فِي الْمَبِيعِ ، وَاشْتَبَهَ بِغَيْرِهِ ، فَقَالَ الْبَائِعُ : هَذَا هُوَ الْمَبِيعُ .\rوَقَالَ الْمُفْلِسُ : بَلْ هَذَا .\rفَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُفْلِسِ ؛ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ لِاسْتِحْقَاقِ مَا ادَّعَاهُ الْبَائِعُ ، وَالْأَصْلُ مَعَهُ .","part":9,"page":342},{"id":4342,"text":"مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : وَمَنْ وَجَبَ لَهُ حَقٌّ بِشَاهِدٍ ، فَلَمْ يَحْلِفْ ، لَمْ يَكُنْ لِلْغُرَمَاءِ أَنْ يَحْلِفُوا مَعَهُ ، وَيَسْتَحِقُّوا .\rوَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْمُفْلِسَ فِي الدَّعْوَى كَغَيْرِهِ ، فَإِذَا ادَّعَى حَقًّا لَهُ بِهِ شَاهِدُ عَدْلٍ ، وَحَلَفَ مَعَ شَاهِدِهِ ، ثَبَتَ الْمَالُ ، وَتَعَلَّقَتْ بِهِ حُقُوقُ الْغُرَمَاءِ .\rوَإِنْ امْتَنَعَ لَمْ يُجْبَرْ ؛ لِأَنَّنَا لَا نَعْلَمُ صِدْقَ الشَّاهِدِ ، وَلَوْ ثَبَتَ الْحَقُّ بِشَهَادَتِهِ لَمْ يَحْتَجْ إلَى يَمِينٍ مَعَهُ ، فَلَا يُجْبَرُ عَلَى الْحَلِفِ عَلَى مَا لَا يَعْلَمُ صِدْقَهُ كَغَيْرِهِ .\rفَإِنْ قَالَ الْغُرَمَاءُ : نَحْنُ نَحْلِفُ مَعَ الشَّاهِدِ .\rلَمْ يَكُنْ لَهُمْ ذَلِكَ وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْجَدِيدِ ، وَقَالَ فِي الْقَدِيمِ : يَحْلِفُونَ مَعَهُ ؛ لِأَنَّ حُقُوقَهُمْ تَعَلَّقَتْ بِالْمَالِ ، فَكَانَ لَهُمْ أَنْ يَحْلِفُوا ، كَالْوَرَثَةِ يَحْلِفُونَ عَلَى مَالِ مَوْرُوثِهِمْ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُمْ يُثْبِتُونَ مِلْكًا لِغَيْرِهِمْ ؛ لِتَعَلُّقِ حُقُوقِهِمْ بِهِ بَعْدَ ثُبُوتِهِ ، فَلَمْ يَجُزْ لَهُمْ ذَلِكَ ، كَالْمَرْأَةِ تَحْلِفُ لِإِثْبَاتِ مِلْكٍ لِزَوْجِهَا ؛ لِتَعَلُّقِ نَفَقَتِهَا بِهِ ، وَكَالْوَرَثَةِ قَبْلَ مَوْتِ مَوْرُوثِهِمْ .\rوَفَارَقَ مَا بَعْدَ الْمَوْتِ ، فَإِنَّ الْمَالَ انْتَقَلَ إلَيْهِمْ ، وَهُمْ يُثْبِتُونَ بِأَيْمَانِهِمْ مِلْكًا لَأَنْفُسِهِمْ .","part":9,"page":343},{"id":4343,"text":"( 3444 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : وَإِذَا كَانَ عَلَى الْمُفْلِسِ دَيْنٌ مُؤَجَّلٌ ، لَمْ يَحِلَّ بِالتَّفْلِيسِ ، وَكَذَلِكَ فِي الدَّيْنِ الَّذِي عَلَى الْمَيِّتِ ، إذَا وَثَّقَ الْوَرَثَةُ وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الدَّيْنَ الْمُؤَجَّلَ يَحِلُّ بِفَلَسِ مَنْ هُوَ عَلَيْهِ ، رِوَايَةً وَاحِدَةً .\rقَالَهُ الْقَاضِي .\rوَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ فِيهِ رِوَايَةً أُخْرَى ، أَنَّهُ يَحِلُّ .\rوَبِهِ قَالَ مَالِكٌ .\rوَعَنْ الشَّافِعِيِّ كَالْمَذْهَبَيْنِ .\rوَاحْتَجُّوا بِأَنَّ الْإِفْلَاسَ يَتَعَلَّقُ بِهِ الدَّيْنُ بِالْمَالِ ، فَأَسْقَطَ الْأَجَلَ كَالْمَوْتِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الْأَجَلَ حَقٌّ لِلْمُفْلِسِ ، فَلَا يَسْقُطُ بِفَلَسِهِ ، كَسَائِرِ حُقُوقِهِ ، وَلِأَنَّهُ لَا يُوجِبُ حُلُولَ مَالِهِ ، فَلَا يُوجِبُ حُلُولَ مَا عَلَيْهِ ، كَالْجُنُونِ وَالْإِغْمَاءِ ، وَلِأَنَّهُ دَيْنٌ مُؤَجَّلٌ عَلَى حَيٍّ ، فَلَمْ يَحِلَّ قَبْلَ أَجَلِهِ ، كَغَيْرِ الْمُفْلِسِ ، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ الدَّيْنَ يَحِلُّ بِالْمَوْتِ ، فَهُوَ كَمَسْأَلَتِنَا ، وَإِنْ سَلَّمْنَا ، فَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ ذِمَّتَهُ خَرِبَتْ وَبَطَلَتْ بِخِلَافِ الْمُفْلِسِ إذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّهُ إذَا حُجِرَ عَلَى الْمُفْلِسِ ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا لَا يُشَارِكُ أَصْحَابُ الدُّيُونِ الْمُؤَجَّلَةِ غُرَمَاءَ الدُّيُونِ الْحَالَّةِ ، بَلْ يُقْسَمُ الْمَالُ الْمَوْجُودُ بَيْنَ أَصْحَابِ الدُّيُونِ الْحَالَّةِ ، وَيَبْقَى الْمُؤَجَّلُ فِي الذِّمَّةِ إلَى وَقْتِ حُلُولِهِ ، فَإِنْ لَمْ يَقْتَسِمْ الْغُرَمَاءُ حَتَّى حَلَّ الدَّيْنُ ، شَارَكَ الْغُرَمَاءَ ، كَمَا لَوْ تَجَدَّدَ عَلَى الْمُفْلِسِ دَيْنٌ بِجِنَايَتِهِ ، وَإِنْ أَدْرَكَ بَعْضَ الْمَالِ قَبْلَ قَسَمَهُ ، شَارَكَهُمْ فِيهِ ، وَيَضْرِبُ فِيهِ بِجَمِيعِ دَيْنِهِ ، وَيَضْرِبُ سَائِرُ الْغُرَمَاءِ بِبَقِيَّةِ دُيُونِهِمْ .\rوَإِنْ قُلْنَا : إنَّ الدَّيْنَ يَحِلُّ .\rفَإِنَّهُ يَضْرِبُ مَعَ الْغُرَمَاءِ بِدَيْنِهِ ، كَغَيْرِهِ مِنْ أَرْبَابِ الدُّيُونِ الْحَالَّةِ .\rفَأَمَّا إنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ دُيُونٌ مُؤَجَّلَةٌ ، فَهَلْ تَحِلُّ بِالْمَوْتِ ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، لَا تَحِلُّ إذَا وَثَّقَ الْوَرَثَةُ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ سِيرِينَ وَعَبْدِ","part":9,"page":344},{"id":4344,"text":"اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ ، وَإِسْحَاقَ ، وَأَبِي عُبَيْدٍ .\rوَقَالَ طَاوُسٌ ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَسَعْدُ بْنُ إبْرَاهِيمَ : الدَّيْنُ إلَى أَجَلِهِ .\rوَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ الْحَسَنِ .\rوَالرِّوَايَةُ الْأُخْرَى ، أَنَّهُ يَحِلُّ بِالْمَوْتِ .\rوَبِهِ قَالَ الشَّعْبِيُّ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَسَوَّارٌ ، وَمَالِكٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَبْقَى فِي ذِمَّةِ الْمَيِّتِ ، أَوْ الْوَرَثَةِ ، أَوْ يَتَعَلَّقُ بِالْمَالِ ، لَا يَجُوزُ بَقَاؤُهُ فِي ذِمَّةِ الْمَيِّتِ لِخَرَابِهَا ، وَتَعَذُّرِ مُطَالَبَتِهِ بِهَا ، وَلَا ذِمَّةِ الْوَرَثَةِ ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَلْتَزِمُوهَا ، وَلَا رَضِيَ صَاحِبُ الدَّيْنِ بِذِمَمِهِمْ ، وَهِيَ مُخْتَلِفَةٌ مُتَبَايِنَةٌ ، وَلَا يَجُوزُ تَعْلِيقُهُ عَلَى الْأَعْيَانِ وَتَأْجِيلُهُ ؛ لِأَنَّهُ ضَرَرٌ بِالْمَيِّتِ وَصَاحِبِ الدَّيْنِ ، وَلَا نَفْعَ لِلْوَرَثَةِ فِيهِ ؛ أَمَّا الْمَيِّتُ فَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { الْمَيِّتُ مُرْتَهَنٌ بِدَيْنِهِ ، حَتَّى يُقْضَى عَنْهُ } .\rوَأَمَّا صَاحِبُهُ فَيَتَأَخَّرُ حَقُّهُ ، وَقَدْ تَتْلَفُ الْعَيْنُ فَيَسْقُطُ حَقُّهُ وَأَمَّا الْوَرَثَةُ ، فَإِنَّهُمْ لَا يَنْتَفِعُونَ بِالْأَعْيَانِ ، وَلَا يَتَصَرَّفُونَ فِيهَا ، وَإِنْ حَصَلَتْ لَهُمْ مَنْفَعَةٌ ، فَلَا يَسْقُطُ حَظُّ الْمَيِّتِ وَصَاحِبِ الدَّيْنِ لِمَنْفَعَةِ لَهُمْ .\rوَلَنَا ، مَا ذَكَرْنَا فِي الْمُفْلِسِ ، وَلِأَنَّ الْمَوْتَ مَا جُعِلَ مُبْطِلًا لِلْحُقُوقِ ، وَإِنَّمَا هُوَ مِيقَاتٌ لِلْخِلَافَةِ ، وَعَلَامَةٌ عَلَى الْوِرَاثَةِ ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ تَرَكَ حَقًّا أَوْ مَالًا فَلِوَرَثَتِهِ } وَمَا ذَكَرُوهُ إثْبَاتُ حُكْمٍ بِالْمَصْلَحَةِ الْمُرْسَلَةِ ، وَلَا يَشْهَدُ لَهَا شَاهِدُ الشَّرْعِ بِاعْتِبَارِ ، وَلَا خِلَافَ فِي فَسَادِ هَذَا ، فَعَلَى هَذَا يَبْقَى الدَّيْنُ فِي ذِمَّةِ الْمَيِّتِ كَمَا كَانَ ، وَيَتَعَلَّقُ بِعَيْنِ مَالِهِ كَتَعَلُّقِ حُقُوقِ الْغُرَمَاءِ بِمَالِ الْمُفْلِسِ عِنْدَ الْحَجْرِ عَلَيْهِ .\rفَإِنْ أَحَبَّ الْوَرَثَةُ أَدَاءَ","part":9,"page":345},{"id":4345,"text":"الدَّيْنِ ، وَالْتِزَامَهُ لِلْغَرِيمِ ، وَيَتَصَرَّفُونَ فِي الْمَالِ ، لَمْ يَكُنْ لَهُمْ ذَلِكَ ، إلَّا أَنْ يَرْضَى الْغَرِيمُ أَوْ يُوَثِّقُوا الْحَقَّ بِضَمِينٍ مَلِيءٍ ، أَوْ رَهْنٍ يَثِقُ بِهِ لِوَفَاءِ حَقِّهِ ، فَإِنَّهُمْ قَدْ لَا يَكُونُونَ أَمْلِيَاءً ، وَلَمْ يَرْضَ بِهِمْ الْغَرِيمُ ، فَيُؤَدِّي إلَى فَوَاتِ الْحَقِّ وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّ الْحَقَّ يَنْتَقِلُ إلَى ذِمَمِ الْوَرَثَةِ بِمَوْتِ مُوَرِّثِهِمْ ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يُشْتَرَطَ الْتِزَامُهُمْ لَهُ .\rوَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَلْزَمَ الْإِنْسَانَ دَيْنٌ لَمْ يَلْتَزِمْهُ ، وَلَمْ يَتَعَاطَ سَبَبَهُ ، وَلَوْ لَزِمَهُمْ ذَلِكَ لِمَوْتِ مُوَرِّثِهِمْ لَلَزِمَهُمْ وَإِنْ لَمْ يُخْلِفْ وَفَاءً ، وَإِنْ قُلْنَا : إنَّ الدَّيْنَ يَحِلُّ بِالْمَوْتِ .\rفَأَحَبَّ الْوَرَثَةُ الْقَضَاءَ مِنْ غَيْرِ التَّرِكَةِ ، وَاسْتِخْلَاصَ التَّرِكَةَ ، فَلَهُمْ ذَلِكَ ، وَإِنْ قَضَوْا مِنْهَا ، فَلَهُمْ ذَلِكَ ، وَإِنْ امْتَنَعُوا مِنْ الْقَضَاءِ ، بَاعَ الْحَاكِمُ مِنْ التَّرِكَةِ مَا يَقْضِي بِهِ الدَّيْنَ وَإِنْ مَاتَ مُفْلِسٌ وَلَهُ غُرَمَاءُ ، بَعْضُ دُيُونِهِمْ مُؤَجَّلٌ ، وَبَعْضُهَا حَالٌ ، وَقُلْنَا : الْمُؤَجَّلُ يَحِلُّ بِالْمَوْتِ .\rتَسَاوَوْا فِي التَّرِكَةِ ، فَاقْتَسَمُوهَا عَلَى قَدْرِ دُيُونِهِمْ .\rوَإِنْ قُلْنَا : لَا يَحِلُّ بِالْمَوْتِ .\rنَظَرْنَا ؛ فَإِنْ وَثَقَ الْوَرَثَةُ لِصَاحِبِ الْمُؤَجَّلِ ، اخْتَصَّ أَصْحَابُ الْحَالِ بِالتَّرِكَةِ ، وَإِنْ امْتَنَعَ الْوَرَثَةُ مِنْ التَّوْثِيقِ ، حَلَّ دَيْنُهُ ، وَشَارَكَ أَصْحَابَ الْحَالِ ، لِئَلَّا يُفْضِيَ إلَى إسْقَاطِ دَيْنِهِ بِالْكُلِّيَّةِ .","part":9,"page":346},{"id":4346,"text":"( 3445 ) فَصْلٌ : حَكَى بَعْضُ أَصْحَابِنَا فِيمَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ ، هَلْ يَمْنَعُ الدَّيْنُ نَقْلَ التَّرِكَةِ إلَى الْوَرَثَةِ ؟ رِوَايَتَيْنِ ؛ إحْدَاهُمَا ، لَا يَمْنَعُهُ ؛ لِلْخَبَرِ ، وَلِأَنَّ تَعَلُّقَ الدَّيْنِ بِالْمَالِ لَا يُزِيلُ الْمِلْكَ فِي حَقِّ الْجَانِي وَالرَّاهِنِ وَالْمُفْلِسِ ، فَلَمْ يَمْنَعْ نَقْلَهُ .\rفَإِنْ تَصَرَّفَ الْوَرَثَةُ فِي التَّرِكَةِ بِبَيْعٍ أَوْ غَيْرِهِ ، صَحَّ تَصَرُّفُهُمْ ، وَلَزِمَهُمْ أَدَاءُ الدَّيْنِ ، فَإِنْ تَعَذَّرَ وَفَاؤُهُ ، فُسِخَ تَصَرُّفُهُمْ ، كَمَا لَوْ بَاعَ السَّيِّدُ عَبْدَهُ الْجَانِي ، أَوْ النِّصَابَ الَّذِي وَجَبَتْ فِيهِ الزَّكَاةُ .\rوَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ ، يَمْنَعُ نَقْلَ التَّرِكَةِ إلَيْهِمْ ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ } .\rفَجَعَلَ التَّرِكَةَ لِلْوَارِثِ مِنْ بَعْدِ الدَّيْنِ وَالْوَصِيَّةِ ، فَلَا يَثْبُتُ لَهُمْ الْمِلْكُ قَبْلَهُمَا فَعَلَى هَذَا ، لَوْ تَصَرَّفَ الْوَرَثَةُ ، لَمْ يَصِحَّ تَصَرُّفُهُمْ ؛ لِأَنَّهُمْ تَصَرَّفُوا فِي غَيْرِ مِلْكِهِمْ ، إلَّا أَنْ يَأْذَنَ الْغُرَمَاءُ لَهُمْ ، وَإِنْ تَصَرَّفَ الْغُرَمَاءُ ، لَمْ يَصِحَّ إلَّا بِإِذْنِ الْوَرَثَةِ .","part":9,"page":347},{"id":4347,"text":"مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : وَكُلُّ مَا فَعَلَهُ الْمُفْلِسُ فِي مَالِهِ قَبْلَ أَنْ يَقِفَهُ الْحَاكِمُ ، فَجَائِزٌ يَعْنِي قَبْلَ أَنْ يَحْجُرَ عَلَيْهِ الْحَاكِمُ .\rفَنَبْدَأُ بِذِكْرِ سَبَبِ الْحَجْرِ ، فَنَقُولُ : إذَا رُفِعَ إلَى الْحَاكِمِ رَجُلٌ عَلَيْهِ دَيْنٌ ، فَسَأَلَ غُرَمَاؤُهُ الْحَاكِمَ الْحَجْرَ عَلَيْهِ ، لَمْ يُجِبْهُمْ حَتَّى تَثْبُتَ دُيُونُهُمْ بِاعْتِرَافِهِ أَوْ بِبَيِّنَةٍ ، فَإِذَا ثَبَتَتْ ، نَظَرَ فِي مَالِهِ ، فَإِنْ كَانَ وَافِيًا بِدَيْنِهِ ، لَمْ يَحْجُرْ عَلَيْهِ ، وَأَمَرَهُ بِقَضَاءِ دَيْنِهِ ، فَإِنْ أَبَى حَبَسَهُ ، فَإِنْ لَمْ يَقْضِهِ ، وَصَبَرَ عَلَى الْحَبْسِ قَضَى الْحَاكِمُ دَيْنَهُ مِنْ مَالِهِ ، وَإِنْ احْتَاجَ إلَى بَيْعِ مَالِهِ فِي قَضَاءِ دَيْنِهِ بَاعَهُ ، وَإِنْ كَانَ مَالُهُ دُونَ دَيْنِهِ ، وَدُيُونُهُ مُؤَجَّلَةٌ ، لَمْ يَحْجُرْ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا تُسْتَحَقُّ مُطَالَبَتُهُ بِهَا ، فَلَا يَحْجُرُ عَلَيْهِ مِنْ أَجْلِهَا وَإِنْ كَانَ بَعْضُهَا مُؤَجَّلًا ، وَبَعْضُهَا حَالًّا ، وَمَالُهُ يَفِي بِالْحَالِّ ، لَمْ يَحْجُرْ عَلَيْهِ أَيْضًا كَذَلِكَ .\rوَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ : إنْ ظَهَرَتْ أَمَارَاتُ الْفَلَسِ ، لِكَوْنِ مَالِهِ بِإِزَاءِ دَيْنِهِ ، وَلَا نَفَقَةَ لَهُ إلَّا مِنْ مَالِهِ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، يَحْجُرُ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ مَالَهُ يَعْجِزُ عَنْ دُيُونِهِ ، فَهُوَ كَمَا لَوْ كَانَ مَالُهُ نَاقِصًا .\rوَلَنَا : أَنَّ مَالَهُ وَافٍ بِمَا يَلْزَمُهُ أَدَاؤُهُ ، فَلَمْ يُحْجَرْ عَلَيْهِ ، كَمَا لَوْ لَمْ تَظْهَرْ أَمَارَاتُ الْفَلَسِ ، وَلِأَنَّ الْغُرَمَاءَ لَا يُمْكِنُهُمْ طَلَبُ حُقُوقِهِمْ فِي الْحَالِ ، فَلَا حَاجَةَ إلَى الْحَجْرِ .\rوَأَمَّا إنْ كَانَتْ دُيُونُهُ حَالَّةً ، يَعْجِزُ مَالُهُ عَنْ أَدَائِهَا ، فَسَأَلَ غُرَمَاؤُهُ الْحَجْرَ عَلَيْهِ ، لَزِمَتْهُ إجَابَتُهُمْ وَلَا يَجُوزُ الْحَجْرُ عَلَيْهِ بِغَيْرِ سُؤَالِ غُرَمَائِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لَهُ فِي ذَلِكَ ، وَإِنَّمَا يَفْعَلُهُ لِحَقِّ الْغُرَمَاءِ ، فَاعْتُبِرَ رِضَاهُمْ بِهِ .\rوَإِنْ اخْتَلَفُوا ، فَطَلَبَ بَعْضُهُمْ دُونَ بَعْضٍ ، أُجِيبَ مَنْ طَلَبَ ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ لَهُ .\rوَبِهَذَا","part":9,"page":348},{"id":4348,"text":"قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَيْسَ لِلْحَاكِمِ الْحَجْرُ عَلَيْهِ ، فَإِذَا أَدَّى اجْتِهَادُهُ إلَى الْحَجْرِ عَلَيْهِ ثَبَتَ ؛ لِأَنَّهُ فَصْلٌ مُجْتَهَدٌ فِيهِ ، وَلَيْسَ لَهُ التَّصَرُّفُ فِي مَالِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ عَلَيْهِ ، إلَّا أَنَّ الْحَاكِمَ يُجْبِرُهُ عَلَى الْبَيْعِ إذَا لَمْ يُمْكِنْ الْإِيفَاءُ بِدُونِهِ ، فَإِنْ امْتَنَعَ لَمْ يَبِعْهُ ، وَكَذَلِكَ إنْ امْتَنَعَ الْمُوسِرُ مِنْ وَفَاءِ الدَّيْنِ ، لَا يَبِيعُ مَالَهُ ، وَإِنَّمَا يَحْبِسُهُ لِيَبِيعَ بِنَفْسِهِ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ أَحَدُ النَّقْدَيْنِ ، وَمَالُهُ مِنْ النَّقْدِ الْآخَرِ ، فَيَدْفَعُ الدَّرَاهِمَ عَنْ الدَّنَانِيرَ ، وَالدَّنَانِيرَ عَنْ الدَّرَاهِمِ ؛ لِأَنَّهُ رَشِيدٌ لَا وِلَايَةَ عَلَيْهِ ، فَلَمْ يَجُزْ لِلْحَاكِمِ بَيْعُ مَالِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ ، كَاَلَّذِي لَا دَيْنَ عَلَيْهِ ، وَخَالَفَهُ صَاحِبَاهُ فِي ذَلِكَ وَلَنَا ، مَا رَوَى كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَجَرَ عَلَى مُعَاذٍ ، وَبَاعَ مَالَهُ فِي دَيْنِهِ .\rرَوَاهُ الْخَلَّالُ بِإِسْنَادِهِ وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْن الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ خَطَبَ النَّاسَ ، وَقَالَ : أَلَا إنَّ أُسَيْفِعَ جُهَيْنَةَ قَدْ رَضِيَ مِنْ دِينِهِ وَأَمَانَتِهِ بِأَنْ يُقَالَ : سَبَقَ الْحَاجَّ ، فَادَّانَ مُعَرِّضًا ، فَأَصْبَحَ وَقَدْ رِينَ بِهِ ، فَمَنْ كَانَ لَهُ عَلَيْهِ مَالٌ فَلْيَحْضُرْ غَدًا ، فَإِنَّا بَائِعُو مَالِهِ ، وَقَاسِمُوهُ بَيْنَ غُرَمَائِهِ وَلِأَنَّهُ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ ، مُحْتَاجٌ إلَى قَضَاءِ دَيْنِهِ ، فَجَازَ بَيْعُ مَالِهِ بِغَيْرِ رِضَاهُ ، كَالصَّغِيرِ وَالسَّفِيهِ ، وَلِأَنَّهُ نَوْعُ مَالٍ ، فَجَازَ بَيْعُهُ فِي قَضَاءِ دَيْنِهِ ، كَالْأَثْمَانِ .\rوَقِيَاسُهُمْ يَبْطُلُ بِبَيْعِ الدَّرَاهِمِ بِالدَّنَانِيرِ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا عُدْنَا إلَى مَسْأَلَةِ الْكِتَابِ ، فَنَقُولُ : مَا فَعَلَهُ الْمُفْلِسُ قَبْلَ حَجْرِ الْحَاكِمِ عَلَيْهِ ، مِنْ بَيْعٍ ، أَوْ هِبَةٍ ، أَوْ إقْرَارٍ ، أَوْ قَضَاءِ بَعْضِ الْغُرَمَاءِ ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ ، فَهُوَ جَائِزٌ نَافِذٌ وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٌ ،","part":9,"page":349},{"id":4349,"text":"وَالشَّافِعِيُّ .\rوَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا خَالَفَهُمْ .\rوَلِأَنَّهُ رَشِيدٌ غَيْرُ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ ، فَنَفَذَ تَصَرُّفُهُ كَغَيْرِهِ ، وَلِأَنَّ سَبَبَ الْمَنْعِ الْحَجْرُ ، فَلَا يَتَقَدَّمُ سَبَبَهُ ، وَلِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ التَّصَرُّفِ ، وَلَمْ يُحْجَرْ عَلَيْهِ ، فَأَشْبَهَ الْمَلِيءَ ، وَإِنْ أَكْرَى جَمَلًا بِعَيْنِهِ ، أَوْ دَارًا ، لَمْ تَنْفَسِخْ إجَارَتُهُ بِالْفَلَسِ ، وَكَانَ الْمُكْتَرِي أَحَقَّ بِهِ ، حَتَّى تَنْقَضِيَ مُدَّتُهُ .","part":9,"page":350},{"id":4350,"text":"( 3447 ) فَصْلٌ : وَمَتَى حُجِرَ عَلَيْهِ ، لَمْ يَنْفُذْ تَصَرُّفُهُ فِي شَيْءٍ مِنْ مَالِهِ ، فَإِنْ تَصَرَّفَ بِبَيْعِ ، أَوْ هِبَةٍ ، أَوْ وَقْفٍ ، أَوْ أَصْدَقَ امْرَأَةً مَالًا لَهُ ، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ ، لَمْ يَصِحَّ .\rوَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ فِي قَوْلٍ ، وَقَالَ فِي آخَرَ : يَقِفُ تَصَرُّفُهُ ، فَإِنْ كَانَ فِيمَا بَقِيَ مِنْ مَالِهِ وَفَاءُ الْغُرَمَاء نَفَذَ ، وَإِلَّا بَطَلَ وَلَنَا ، أَنَّهُ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ بِحُكْمِ حَاكِمٍ ، فَلَمْ يَصِحَّ تَصَرُّفُهُ ، كَالسَّفِيهِ ، وَلِأَنَّ حُقُوقَ الْغُرَمَاءِ تَعَلَّقَتْ بِأَعْيَانِ مَالِهِ ، فَلَمْ يَصِحَّ تَصَرُّفُهُ فِيهَا ، كَالْمَرْهُونَةِ .\rفَأَمَّا إنْ تَصَرَّفَ فِي ذِمَّتِهِ ، فَاشْتَرَى ، أَوْ اقْتَرَضَ ، أَوْ تَكَفَّلَ ، صَحَّ تَصَرُّفُهُ ؛ لِأَنَّهُ أَهْلٌ لِلتَّصَرُّفِ ، وَإِنَّمَا وُجِدَ فِي حَقِّهِ الْحَجْرُ ، وَالْحَجْرُ إنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِمَالِهِ لَا بِذِمَّتِهِ ، وَلَكِنْ لَا يُشَارِكُ أَصْحَابُ هَذِهِ الدُّيُونِ الْغُرَمَاءَ ؛ لِأَنَّهُمْ رَضُوا بِذَلِكَ ، إذَا عَلِمُوا أَنَّهُ مُفْلِسٌ وَعَامَلُوهُ ، وَمَنْ لَمْ يَعْلَمْ فَقَدْ فَرَّطَ فِي ذَلِكَ ، فَإِنَّ هَذَا فِي مَظِنَّةِ الشُّهْرَةِ ، وَيُتْبَعُ بِهَا بَعْدَ فَكِّ الْحَجْرِ عَنْهُ وَإِنْ أَقَرَّ بِدِينٍ ، لَزِمَهُ بَعْدَ فَكِّ الْحَجْرِ عَنْهُ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَمُحَمَّدِ بْن الْحَسَنِ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَالشَّافِعِيِّ فِي قَوْلٍ ، وَقَالَ فِي الْآخَرِ : يُشَارِكُهُمْ ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ ؛ لِأَنَّهُ دَيْنٌ ثَابِتٌ مُضَافٌ إلَى مَا قَبْلَ الْحَجْرِ ، فَيُشَارِكُ صَاحِبُهُ الْغُرَمَاءَ ، كَمَا لَوْ ثَبَتَ بِبَيِّنَةٍ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ ، فَلَمْ يَصِحَّ إقْرَارُهُ فِيمَا حُجِرَ عَلَيْهِ فِيهِ ، كَالسَّفِيهِ ، أَوْ كَالرَّاهِنِ يُقِرُّ عَلَى الرَّهْنِ ، وَلِأَنَّهُ إقْرَارٌ يُبْطِلُ ثُبُوتُهُ حَقَّ غَيْرِ الْمُقِرِّ ، فَلَمْ يُقْبَلْ ، أَوْ إقْرَارٌ عَلَى الْغُرَمَاءِ ، فَلَمْ يُقْبَلْ ، كَإِقْرَارِ الرَّاهِنِ ، وَلِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ فِي إقْرَارِهِ ، فَهُوَ كَالْإِقْرَارِ عَلَى غَيْرِهِ ، وَفَارَقَ الْبَيِّنَةَ ، فَإِنَّهُ لَا تُهْمَةَ فِي حَقِّهَا","part":9,"page":351},{"id":4351,"text":"وَلَوْ كَانَ الْمُفْلِسُ صَانِعًا ، كَالْقِصَارِ ، وَالْحَائِكِ ، فِي يَدَيْهِ مَتَاعٌ ، فَأَقَرَّ بِهِ لِأَرْبَابِهِ ، لَمْ يُقْبَلْ إقْرَارُهُ ، وَالْقَوْلُ فِيهَا كَاَلَّتِي قَبْلَهَا ، وَتُبَاعُ الْعَيْنُ الَّتِي فِي يَدَيْهِ ، وَتُقْسَمُ بَيْنَ الْغُرَمَاءِ ، وَتَكُونُ قِيمَتُهَا وَاجِبَةً عَلَى الْمُفْلِسِ إذَا قَدَرَ عَلَيْهَا ؛ لِأَنَّهَا صُرِفَتْ فِي دَيْنِهِ بِسَبَبٍ مِنْ جِهَتِهِ ، فَكَانَتْ قِيمَتُهَا عَلَيْهِ ، كَمَا لَوْ أَذِنَ فِي ذَلِكَ .\rوَإِنْ تَوَجَّهَتْ عَلَى الْمُفْلِسِ يَمِينٌ ، فَنَكِلَ عَنْهَا ، فَقُضِيَ عَلَيْهِ ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ إقْرَارِهِ ، يَلْزَمُ فِي حَقِّهِ ، وَلَا يُحَاصُّ الْغُرَمَاءَ .","part":9,"page":352},{"id":4352,"text":"( 3448 ) فَصْلٌ : وَإِنْ أَعْتَقَ الْمُفْلِسُ بَعْضَ رَقِيقِهِ ، فَهَلْ يَصِحُّ ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ ؛ إحْدَاهُمَا ، يَصِحُّ وَيَنْفُذُ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ ، وَإِسْحَاقَ ؛ لِأَنَّهُ عِتْقٌ مِنْ مَالِكٍ رَشِيدٍ ، فَنَفَذَ ، كَمَا قَبْلَ الْحَجْرِ ، وَيُفَارِقُ سَائِرَ التَّصَرُّفَاتِ ؛ لِأَنَّ لِلْعِتْقِ تَغْلِيبًا وَسِرَايَةً ، وَلِهَذَا يَسْرِي إلَى مِلْكِ الْغَيْرِ ، وَيَسْرِي وَاقِفِهِ ، بِخِلَافِ غَيْرِهِ .\rوَالرِّوَايَةُ الْأُخْرَى ، لَا يَنْفُذُ عِتْقُهُ وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَاخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ ، فِي \" رُءُوسِ الْمَسَائِلِ \" ؛ لِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْ التَّبَرُّعِ لِحَقِّ الْغُرَمَاءِ ، فَلَمْ يَنْفُذْ عِتْقُهُ كَالْمَرِيضِ الَّذِي يَسْتَغْرِقُ دَيْنُهُ مَالَهُ ، وَلِأَنَّ الْمُفْلِسَ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ ، فَلَمْ يَنْفُذْ عِتْقُهُ كَالسَّفِيهِ ، وَفَارَقَ الْمُطْلَقَ وَأَمَّا سِرَايَتُهُ إلَى مِلْكِ الْغَيْرِ ، فَمِنْ شَرْطِهِ أَنْ يَكُونَ مُوسِرًا ، يُؤْخَذُ مِنْهُ قِيمَةُ نَصِيبِ شَرِيكِهِ ، فَلَا يَتَضَرَّرُ ، وَلَوْ كَانَ مُعْسِرًا ، لَمْ يَنْفُذْ عِتْقُهُ إلَّا فِيمَا يَمْلِكُ ، صِيَانَةً لِحَقِّ الْغَيْرِ ، وَحِفْظًا لَهُ عَنْ الضَّيَاعِ ، كَذَا هَاهُنَا .\rوَهَذَا أَصَحُّ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .","part":9,"page":353},{"id":4353,"text":"( 3449 ) فَصْلٌ : وَيُسْتَحَبُّ إظْهَارُ الْحَجْرِ عَلَيْهِ ، لِتُجْتَنَبَ مُعَامَلَتُهُ ، كَيْ لَا يَسْتَضِرَّ النَّاسُ بِضَيَاعِ أَمْوَالِهِمْ عَلَيْهِ ، وَالْإِشْهَادُ عَلَيْهِ ، لِيَنْتَشِرَ ذَلِكَ عَنْهُ ، وَرُبَّمَا عُزِلَ الْحَاكِمُ أَوْ مَاتَ ، فَيَثْبُتُ الْحَجْرُ عِنْدَ الْآخَرِ ، فَيُمْضِيه ، وَلَا يَحْتَاجُ إلَى ابْتِدَاءِ حَجْرٍ ثَانٍ .","part":9,"page":354},{"id":4354,"text":"( 3450 ) فَصْلٌ : وَإِنْ ثَبَتَ عَلَيْهِ حَقٌّ بِبَيِّنَةٍ شَارَكَ صَاحِبُهُ الْغُرَمَاءَ ؛ لِأَنَّهُ دَيْنٌ ثَابِتٌ قَبْلَ الْحَجْرِ عَلَيْهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَامَتْ الْبَيِّنَةُ بِهِ قَبْلَ الْحَجْرِ .\rوَلَوْ جَنَى الْمُفْلِسُ بَعْدَ الْحَجْرِ جِنَايَةً أَوْجَبَتْ مَالًا ، شَارَكَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ الْغُرَمَاءَ ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ ثَبَتَ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ وَلَوْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ مُوجِبَةً لِلْقِصَاصِ ، فَعَفَا صَاحِبُهَا عَنْهَا إلَى مَالٍ ، أَوْ صَالَحَهُ الْمُفْلِسُ عَلَى مَالٍ ، شَارَكَ الْغُرَمَاءَ ؛ لِأَنَّ سَبَبَهُ ثَبَتَ بِغَيْرِ اخْتِيَارِ صَاحِبِهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَوْجَبَتْ الْمَالَ .\rفَإِنْ قِيلَ : أَلَا قَدَّمْتُمْ حَقَّهُ عَلَى الْغُرَمَاءِ ، كَمَا قَدَّمْتُمْ حَقَّ مِنْ جَنَى عَلَيْهِ بَعْضُ عَبِيدِ الْمُفْلِسِ ؟ قُلْنَا : لِأَنَّ الْحَقَّ فِي الْعَبْدِ الْجَانِي تَعَلَّقَ بِعَيْنِهِ ، فَقُدِّمَ لِذَلِكَ ، وَحَقُّ هَذَا تَعَلَّقَ بِالذِّمَّةِ ، كَغَيْرِهِ مِنْ الدُّيُونِ ، فَاسْتَوَيَا .","part":9,"page":355},{"id":4355,"text":"( 3451 ) فَصْلٌ : وَلَوْ قَسَمَ الْحَاكِمُ مَالَهُ بَيْنَ غُرَمَائِهِ ، ثُمَّ ظَهَرَ غَرِيمٌ آخَرُ ، رَجَعَ عَلَى الْغُرَمَاءِ بِقِسْطِهِ ، وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ مَالِكٍ ، وَحُكِيَ عَنْهُ : لَا يَحَاصُّهُمْ ؛ لِأَنَّهُ نَقْضٌ لِحُكْمِ الْحَاكِمِ وَلَنَا ، أَنَّهُ غَرِيمٌ لَوْ كَانَ حَاضِرًا قَاسَمَهُمْ ، فَإِذَا ظَهَرَ بَعْدَ ذَلِكَ ، قَاسَمَهُمْ ، كَغَرِيمِ الْمَيِّتِ يَظْهَرُ بَعْدَ قَسَمَ مَالِهِ ، وَلَيْسَ قَسْمُ الْحَاكِمِ مَالَهُ حُكْمًا ، إنَّمَا هُوَ قِسْمَةٌ بَانَ الْخَطَأُ فِيهَا ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَسَّمَ مَالَ الْمَيِّتِ بَيْنَ غُرَمَائِهِ ثُمَّ ظَهَرَ غَرِيمٌ آخَرُ .\rأَوْ قَسَمَ أَرْضًا بَيْنَ شُرَكَاءَ ، ثُمَّ ظَهَرَ شَرِيكٌ آخَرُ .\rأَوْ قَسَمَ الْمِيرَاثَ بَيْنَ وَرَثَةٍ ، ثُمَّ ظَهَرَ وَارِثٌ سِوَاهُ ، أَوْ وَصِيَّةٌ ، ثُمَّ ظَهَرَ مُوصَى لَهُ آخَرُ .","part":9,"page":356},{"id":4356,"text":"( 3452 ) فَصْلٌ : وَلَوْ أَفْلَسَ وَلَهُ دَارٌ مُسْتَأْجَرَةٌ ، فَانْهَدَمَتْ بَعْدَ قَبْضِ الْمُفْلِسِ الْأُجْرَةَ ، انْفَسَخَتْ الْإِجَارَةُ فِيمَا بَقِيَ مِنْ الْمُدَّةِ ، وَسَقَطَ مِنْ الْأُجْرَةِ بِقَدْرِ ذَلِكَ ، ثُمَّ إنْ وَجَدَ عَيْنَ مَالِهِ ، أَخَذَ بِقَدْرِ ذَلِكَ ، وَإِنْ لَمْ يَجِدْهُ ، ضَرَبَ مَعَ الْغُرَمَاءِ بِقَدْرِهِ .\rوَإِنْ كَانَ ذَلِكَ بَعْدَ قَسْمِ مَالِهِ ، رَجَعَ عَلَى الْغُرَمَاءِ بِحِصَّتِهِ ؛ لِأَنَّهُ سَبَبُ وُجُوبِهِ قَبْلَ الْحَجْرِ ، وَلِذَلِكَ يُشَارِكُهُمْ إذَا وَجَبَ قَبْلَ الْقِسْمَةِ وَلَوْ بَاعَ سِلْعَةً ، وَقَبَضَ ثَمَنَهَا ، ثُمَّ أَفْلَسَ فَوَجَدَ بِهَا الْمُشْتَرِي عَيْبًا ، فَرَدَّهَا بِهِ ، أَوْ رَدَّهَا بِخِيَارٍ ، أَوْ اخْتِلَافٍ فِي الثَّمَنِ ، وَنَحْوِهِ ، وَوَجَدَ عَيْنَ مَالِهِ ، أَخَذَهَا ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ لَمَّا انْفَسَخَ ، زَالَ مِلْكُ الْمُفْلِسِ عَنْ الثَّمَنِ ، كَزَوَالِ مِلْكِ الْمُشْتَرِي عَنْ الْمَبِيعِ ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ تَصَرُّفِهِ فِيهِ ، شَارَكَ الْمُشْتَرِي الْغُرَمَاءَ .","part":9,"page":357},{"id":4357,"text":"( 3453 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : وَيُنْفَقُ عَلَى الْمُفْلِسِ ، وَعَلَى مَنْ تَلْزَمُهُ مُؤْنَتُهُ بِالْمَعْرُوفِ مِنْ مَالِهِ ، إلَى أَنْ يُفْرَغَ مِنْ قِسْمَتِهِ بَيْنَ غُرَمَائِهِ وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا حُجِرَ عَلَى الْمُفْلِسِ ، وَكَانَ ذَا كَسْبٍ يَفِي بِنَفَقَتِهِ ، وَنَفَقَةِ مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ ، فَنَفَقَتُهُ فِي كَسْبِهِ ، فَإِنَّهُ لَا حَاجَةَ إلَى إخْرَاجِ مَالِهِ مَعَ غِنَاهُ بِكَسْبِهِ ، فَلَمْ يَجُزْ أَخْذُ مَالِهِ ، كَالزِّيَادَةِ عَلَى النَّفَقَةِ ، وَإِنْ كَانَ كَسْبُهُ دُونَ نَفَقَتِهِ ، كَمَّلْنَاهَا مِنْ مَالِهِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَا كَسْبٍ ، أُنْفِقَ عَلَيْهِ مِنْ مَالِهِ مُدَّةَ الْحَجْرِ ، وَإِنْ طَالَتْ ؛ لِأَنَّ مِلْكَهُ بَاقٍ ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { ابْدَأْ بِنَفْسِك ، ثُمَّ بِمَنْ تَعُولُ } .\rوَمَعْلُومٌ أَنَّ فِيمَنْ يَعُولُهُ مَنْ تَجِبُ نَفَقَتُهُ عَلَيْهِ ، وَيَكُونُ دَيْنًا عَلَيْهِ ، وَهِيَ الزَّوْجَةُ ، فَإِذَا قَدَّمَ نَفَقَةَ نَفْسِهِ عَلَى نَفَقَةِ الزَّوْجَةِ ، فَكَذَلِكَ عَلَى حَقِّ الْغُرَمَاءِ ، وَلِأَنَّ الْحَيَّ آكَدُ حُرْمَةً مِنْ الْمَيِّتِ ، لِأَنَّهُ مَضْمُونٌ بِالْإِتْلَافِ ، وَتَقْدِيمُ تَجْهِيزِ الْمَيِّتِ ، وَمُؤْنَةِ دَفْنِهِ عَلَى دَيْنِهِ ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rفَنَفَقَتُهُ أَوْلَى وَتُقَدَّمُ أَيْضًا نَفَقَةُ مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ مِنْ أَقَارِبِهِ ، مِثْلِ الْوَالِدَيْنِ ، وَالْمَوْلُودِينَ ، وَغَيْرِهِمْ ، مِمَّنْ تُحَبُّ نَفَقَتُهُمْ ؛ لِأَنَّهُمْ يَجْرُونَ مَجْرَى نَفْسِهِ ، لِأَنَّ ذَوِي رَحِمِهِ مِنْهُمْ يَعْتِقُونَ إذَا مَلَكَهُمْ ، كَمَا يَعْتِقُ إذَا مَلَكَ نَفْسَهُ ، فَكَانَتْ نَفَقَتُهُمْ كَنَفَقَتِهِ ، وَكَذَلِكَ زَوْجَتُهُ تُقَدَّمُ نَفَقَتُهَا لِأَنَّ نَفَقَتَهَا آكَدُ مِنْ نَفَقَةِ الْأَقَارِبِ ؛ لِأَنَّهَا تَجِبُ مِنْ طَرِيقِ الْمُعَاوَضَةِ ، وَفِيهَا مَعْنَى الْإِحْيَاءِ ، كَمَا فِي الْأَقَارِبِ ، وَمِمَّنْ أَوْجَبَ الْإِنْفَاقَ عَلَى الْمُفْلِسِ وَزَوْجَتِهِ وَأَوْلَادِهِ الصِّغَارِ مِنْ مَالِهِ ، أَبُو حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا خَالَفَهُمْ .\rوَتَجِبُ كُسْوَتُهُمْ أَيْضًا ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا لَا","part":9,"page":358},{"id":4358,"text":"بُدَّ مِنْهُ ، وَلَا تَقُومُ النَّفْسُ بِدُونِهِ ، وَالْوَاجِبُ مِنْ النَّفَقَةِ وَالْكُسْوَةِ أَدْنَى مَا يُنْفَقُ عَلَى مِثْلِهِ بِالْمَعْرُوفِ ، وَأَدْنَى مَا يَكْتَسِي مِثْلُهُ ، إنْ كَانَ مِنْ جِنْسِ الطَّعَامِ أَوْ مُتَوَسِّطِهِ ، وَكَذَلِكَ كُسْوَتُهُ مِنْ جِنْسِ مَا يَكْتَسِبهُ مِثْلُهُ ، وَكُسْوَةُ امْرَأَتِهِ وَنَفَقَتُهَا مِثْلُ مَا يُفْتَرَضُ عَلَى مِثْلِهِ وَأَقَلُّ مَا يَكْفِيه مِنْ اللِّبَاسِ قَمِيصٌ ، وَسَرَاوِيلُ ، وَشَيْءٌ يَلْبَسُهُ عَلَى رَأْسِهِ ، إمَّا عِمَامَةٌ وَإِمَّا قَلَنْسُوَةٌ أَوْ غَيْرُهُمَا ، مِمَّا جَرَتْ بِهِ عَادَتُهُ ، وَلِرِجْلِهِ حِذَاءٌ ، إنْ كَانَ يَعْتَادُهُ .\rوَإِنْ احْتَاجَ إلَى جُبَّةٍ ، أَوْ فَرْوَةٍ لِدَفْعِ الْبَرْدِ ، دُفِعَ إلَيْهِ ذَلِكَ .\rوَإِنْ كَانَتْ لَهُ ثِيَابٌ لَا يَلْبَسُ مِثْله مِثْلَهَا ، بِيعَتْ ، وَاشْتُرِيَ لَهُ كُسْوَةٌ مِثْلُهَا ، وَرُدَّ الْفَضْلُ عَلَى الْغُرَمَاءِ ، فَإِنْ كَانَتْ إذَا بِيعَتْ ، وَاشْتُرِيَ لَهُ كُسْوَةٌ ، لَا يَفْضُلُ مِنْهَا شَيْءٌ تُرِكَتْ ؛ فَإِنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِي بَيْعِهَا .","part":9,"page":359},{"id":4359,"text":"( 3454 ) فَصْلٌ : وَإِنْ مَاتَ الْمُفْلِسُ ، كُفِّنَ مِنْ مَالِهِ ؛ لِأَنَّ نَفَقَتَهُ كَانَتْ وَاجِبَةً مِنْ مَالِهِ فِي حَالِ حَيَاتِهِ ، فَوَجَبَ تَجْهِيزُهُ مِنْهُ بَعْدَ الْمَوْتِ ، كَغَيْرِهِ .\rوَكَذَلِكَ يَجِبُ كَفَنُ مَنْ يُمَوِّنُهُ ؛ لِأَنَّهُمْ بِمَنْزِلَتِهِ ، وَلَا يَلْزَمُ تَكْفِينُ الزَّوْجَةِ ؛ لِأَنَّ النَّفَقَةَ تَجِبُ فِي مُقَابَلَةِ الِاسْتِمْتَاعِ ، وَقَدْ فَاتَ بِالْمَوْتِ ، فَسَقَطَتْ النَّفَقَةُ .\rوَيُفَارِقُ الْأَقَارِبَ ؛ لِأَنَّ قَرَابَتَهُمْ بَاقِيَةٌ .\rوَإِنْ مَاتَ مِنْ عَبِيدِهِ وَاحِدٌ ، وَجَبَ تَكْفِينُهُ وَتَجْهِيزُهُ ؛ لِأَنَّ نَفَقَتَهُ لَيْسَتْ فِي مُقَابَلَةِ الِانْتِفَاعِ بِهِ ، وَلِذَلِكَ تَجِبُ نَفَقَةُ الصَّغِيرِ وَالْمَبِيعِ قَبْلَ التَّسْلِيمِ ، وَيُكَفَّنُ فِي ثَلَاثَةٍ أَثْوَابٍ ، كَمَا كَانَ يَلْبَسُ فِي حَيَاتِهِ ثَلَاثَةً ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُكَفَّنَ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ يَسْتُرُهُ ، لِأَنَّ ذَلِكَ يَكْفِيه ، فَلَا حَاجَةَ إلَى الزِّيَادَةِ ، وَفَارَقَ حَالَةَ الْحَيَاةِ ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ تَغْطِيَةِ رَأْسِهِ ، وَكَشْفُ ذَلِكَ يُؤْذِيه ، بِخِلَافِ الْمَيِّتِ وَيَمْتَدُّ الْإِنْفَاقُ عَلَى الْمُفْلِسِ إلَى حِينِ فَرَاغِهِ مِنْ الْقِسْمَةِ بَيْنَ الْغُرَمَاءِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَزُولُ مِلْكُهُ إلَّا بِذَلِكَ .\rوَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فِي هَذَا الْفَصْلِ قَرِيبٌ مِمَّا ذَكَرْنَا .","part":9,"page":360},{"id":4360,"text":"( 3455 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : وَلَا تُبَاعُ دَارُهُ الَّتِي لَا غِنَى لَهُ عَنْ سُكْنَاهَا .\rوَجُمْلَته أَنَّ الْمُفْلِسَ إذَا حُجِرَ عَلَيْهِ ، بَاعَ الْحَاكِمُ مَالَهُ ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَحْضُرَ الْمُفْلِسُ الْبَيْعَ ، لَمَعَانٍ أَرْبَعَةٍ ؛ أَحَدُهَا ، لِيُحْصِيَ ثَمَنَهُ ، وَيَضْبِطَهُ .\rالثَّانِي ، أَنَّهُ أَعْرَفُ بِثَمَنِ مَتَاعِهِ ، وَجَيِّدِهِ وَرَدِيئِهِ ، فَإِذَا حَضَرَ تَكَلَّمَ عَلَيْهِ ، وَعَرَفَ الْغَبْنَ مِنْ غَيْرِهِ .\rالثَّالِثُ ، أَنْ تَكْثُرَ الرَّغْبَةُ فِيهِ ، فَإِنَّ شِرَاءَهُ مِنْ صَاحِبِهِ أَحَبُّ إلَى الْمُشْتَرِي الرَّابِعُ ، أَنَّ ذَلِكَ أَطْيَبُ لِنَفْسِهِ ، وَأَسْكَنُ لِقَلْبِهِ .\rوَيُسْتَحَبُّ إحْضَارُ الْغُرَمَاءِ أَيْضًا ، لَأُمُورٍ أَرْبَعَةٍ ؛ أَحَدُهَا ، أَنَّهُ يُبَاعُ لَهُمْ .\rالثَّانِي ، أَنَّهُمْ رُبَّمَا رَغِبُوا فِي شِرَاءِ شَيْءٍ مِنْهُ ، فَزَادُوا فِي ثَمَنِهِ ، فَيَكُونُ أَصْلَحَ لَهُمْ وَلِلْمُفْلِسِ .\rالثَّالِثُ ، أَنَّهُ أَطْيَبُ لِقُلُوبِهِمْ ، وَأَبْعَدُ مِنْ التُّهْمَةِ .\rالرَّابِعُ ، أَنَّهُ رُبَّمَا كَانَ فِيهِمْ مَنْ يَجِدُ عَيْنَ مَالِهِ ، فَيَأْخُذُهَا فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ ، وَبَاعَهُ مِنْ غَيْرِ حُضُورِهِمْ كُلِّهِمْ ، جَازَ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مَوْكُولٌ إلَيْهِ ، وَمُفَوَّضٌ إلَى اجْتِهَادِهِ ، وَرُبَّمَا أَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ إلَى خِلَافِ ذَلِكَ ، وَبَانَتْ لَهُ الْمَصْلَحَةُ فِي الْمُبَادَرَةِ إلَى الْبَيْعِ قَبْلَ إحْضَارِهِمْ .\rوَيَأْمُرُهُمْ الْحَاكِمُ أَنْ يُقِيمُوا مُنَادِيًا يُنَادِي لَهُمْ عَلَى الْمَتَاعِ ، فَإِنْ تَرَاضَوْا بِرَجُلٍ ثِقَةٍ ، أَمْضَاهُ الْحَاكِمُ ، وَإِنْ اتَّفَقُوا عَلَى غَيْرِ ثِقَةٍ رَدَّهُ .\rفَإِنْ قِيلَ : فَلِمَ يَرُدُّهُ وَأَصْحَابُ الْحَقِّ قَدْ اتَّفَقُوا عَلَيْهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ اتَّفَقَ الرَّاهِنُ وَالْمُرْتَهِنُ عَلَى أَنْ يَبِيعَ الرَّهْنَ غَيْرُ ثِقَةٍ لَمْ يَكُنْ لِلْحَاكِمِ الِاعْتِرَاضُ ؟ قُلْنَا : لِأَنَّ لِلْحَاكِمِ هَاهُنَا نَظَرًا وَاجْتِهَادًا ؛ فَإِنَّهُ قَدْ يَظْهَرُ غَرِيمٌ آخَرُ ، فَيَتَعَلَّقُ حَقُّهُ بِهِ ، فَلِهَذَا نَظَرَ فِيهِ ، بِخِلَافِ الرَّهْنِ ، فَإِنَّهُ لَا نَظَرَ لِلْحَاكِمِ فِيهِ فَإِنْ اخْتَارَ الْمُفْلِسُ رَجُلًا ، وَاخْتَارَ","part":9,"page":361},{"id":4361,"text":"الْغُرَمَاءُ آخَرُ ، أَقَرَّ الْحَاكِمُ الثِّقَةَ مِنْهُمَا ، فَإِنْ كَانَا ثِقَتَيْنِ ، قَدَّمَ الْمُتَطَوِّعَ مِنْهُمَا ؛ لِأَنَّهُ أَوْفَرُ ، فَإِنْ كَانَا مُتَطَوِّعَيْنِ ، ضَمَّ أَحَدَهُمَا إلَى الْآخَرِ ، وَإِنْ كَانَا بِجَعْلٍ ، قَدَّمَ أَعْرَفَهُمَا وَأَوْثَقَهُمَا ، فَإِنْ تَسَاوَيَا قَدَّمَ مَنْ يَرَى مِنْهُمَا .\rفَإِنْ وَجَدَ مُتَطَوِّعًا بِالنِّدَاءِ ، وَإِلَّا دُفِعَتْ الْأُجْرَةُ مِنْ مَالِ الْمُفْلِسِ ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ حَقٌّ عَلَيْهِ ، لِكَوْنِهِ طَرِيقَ وَفَاءِ دَيْنِهِ وَقِيلَ يَدْفَعُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْمَصَالِحِ ، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي أَجْرِ مَنْ يَحْفَظُ الْمَتَاعَ وَالثَّمَنَ ، وَأَجْرِ الْحَمَّالِينَ ، وَنَحْوِهِمْ .\rوَيُسْتَحَبُّ بَيْعُ كُلِّ شَيْءٍ فِي سُوقِهِ ؛ الْبَزُّ فِي الْبَزَّازِينَ ، وَالْكُتُبُ فِي سُوقِهَا ، وَنَحْوُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ أَحْوَطُ وَأَكْثَرُ لِطُلَّابِهِ ، وَمَعْرِفَةُ قِيمَتِهِ .\rفَإِنْ بَاعَ فِي غَيْرِ سُوقِهِ بِثَمَنِ مِثْلِهِ ، جَازَ ؛ لِأَنَّ الْغَرَضَ تَحْصِيلُ الثَّمَنِ ، وَرُبَّمَا أَدَّى الِاجْتِهَادُ إلَى أَنَّ ذَلِكَ أَصْلَحُ ، وَلِذَلِكَ لَوْ قَالَ : بِعْ ثَوْبِي فِي سُوقِ كَذَا بِكَذَا .\rفَبَاعَهُ بِذَلِكَ فِي سُوقٍ آخَرَ ، جَازَ وَيَبِيعُ بِنَقْدِ الْبَلَدِ ؛ لِأَنَّهُ أَوْفَرُ .\rفَإِنْ كَانَ فِي الْبَلَدِ نُقُودٌ بَاعَ بِغَالِبِهَا ، فَإِنْ تَسَاوَتْ بَاعَ بِجِنْسِ الدَّيْنِ ، وَإِنْ زَادَ فِي السِّلْعَةِ زَائِدٌ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ ، أَلْزَمَ الْأَمِين الْفَسْخَ ؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنَهُ بَيْعُهُ بِثَمَنِ ، فَلَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ بِدُونِهِ ، كَمَا لَوْ زِيدَ فِيهِ قَبْلَ الْعَقْدِ وَإِنْ زَادَ بَعْدَ لُزُومِ الْعَقْدِ ، اُسْتُحِبَّ لِلْأَمِينِ سُؤَالُ الْمُشْتَرِي الْإِقَالَةَ ، وَاسْتُحِبَّ لِلْمُشْتَرِي الْإِجَابَةُ إلَى ذَلِكَ ؛ لِتَعْلِيقِهِ بِمَصْلَحَةِ الْمُفْلِسِ ، وَقَضَاءِ دَيْنِهِ ، فَيَبْدَأُ بِبَيْعِ الْعَبْدِ الْجَانِي ، فَيَدْفَعُ إلَى الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ أَقَلِّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ ثَمَنِهِ أَوْ أَرْشِ جِنَايَتِهِ ، وَمَا فَضَلَ مِنْهُ رَدَّهُ إلَى الْغُرَمَاءِ ، ثُمَّ يَبِيعُ الرَّهْنَ ، فَيَدْفَعُ إلَى الْمُرْتَهِنِ قَدْرَ دَيْنِهِ ، وَمَا فَضَلَ مِنْ","part":9,"page":362},{"id":4362,"text":"ثَمَنِهِ رَدَّهُ إلَى الْغُرَمَاءِ ، وَإِنْ بَقِيَتْ مِنْ دَيْنِهِ بَقِيَّةٌ ، ضَرَبَ بِهَا مَعَ الْغُرَمَاءِ ، ثُمَّ يَبِيعُ مَا يُسْرِعُ إلَيْهِ الْفَسَادُ مِنْ الطَّعَامِ الرَّطْبِ ؛ لِأَنَّ بَقَاءَهُ يُتْلِفُهُ بِيَقِينٍ ، ثُمَّ يَبِيعُ الْحَيَوَانَ ، لِأَنَّهُ مُعَرَّضٌ لِلتَّلَفِ ، وَيَحْتَاجُ إلَى مُؤْنَةٍ فِي بَقَائِهِ ، ثُمَّ يَبِيعُ السِّلَعَ وَالْأَثَاثَ ، لِأَنَّهُ يُخَافُ عَلَيْهِ ، وَتَنَالُهُ الْأَيْدِي ، ثُمَّ الْعَقَارَ آخِرًا ؛ لِأَنَّهُ لَا يُخَافُ تَلَفُهُ ، وَبَقَاؤُهُ أَشْهَرُ لَهُ وَأَكْثَرُ لِطُلَّابِهِ وَمَتَى بَاعَ شَيْئًا مِنْ مَالِهِ ، وَكَانَ الدَّيْنُ لَوَاحِدٍ وَحْدَهُ ، دَفَعَهُ إلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا حَاجَةَ إلَى تَأْخِيرِهِ ، وَإِنْ كَانَ لَهُ غُرَمَاءُ ، فَأَمْكَنَ قِسْمَتُهُ عَلَيْهِمْ ، قَسَمَ وَلَمْ يُؤَخِّرْ ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ قِسْمَتُهُ ، أُودِعَ عِنْدَ ثِقَةٍ ، إلَى أَنْ يَجْتَمِعَ ، وَيُمْكِنَ قِسْمَتُهُ فَيُقْسَمُ .\rوَإِنْ احْتَاجَ فِي حِفْظِهِ إلَى غَرَامَةٍ ، دَفَعَ ذَلِكَ إلَى مَنْ يَحْفَظُهُ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا عُدْنَا إلَى مَسْأَلَةٌ الْكِتَابِ ، فَنَقُولُ : لَا تُبَاعُ دَارُهُ الَّتِي لَا غِنَى لَهُ عَنْ سُكْنَاهَا وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَإِسْحَاقُ .\rوَقَالَ شُرَيْحٌ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ : تُبَاعُ ، وَيَكْتَرِي لَهُ بَدَلَهَا .\rوَاخْتَارَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي الَّذِي أُصِيبَ فِي ثِمَارٍ ابْتَاعَهَا ، فَكَثُرَ دَيْنُهُ ، فَقَالَ لِغُرَمَائِهِ { خُذُوا مَا وَجَدْتُمْ } .\rوَهَذَا مِمَّا وَجَدُوهُ ، وَلِأَنَّهُ عَيْنُ مَالِ الْمُفْلِسِ فَوَجَبَ صَرْفُهُ فِي دَيْنِهِ ، كَسَائِرِ مَالِهِ وَلَنَا ، أَنَّ هَذَا مِمَّا لَا غِنَى لِلْمُفْلِسِ عَنْهُ ، فَلَمْ يُصْرَفْ فِي دَيْنِهِ ، كَثِيَابِهِ وَقُوتِهِ ، وَالْحَدِيثُ قَضِيَّةٌ فِي عَيْنٍ ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَقَارٌ ، وَلَا خَادِمٌ ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( خُذُوا مَا وَجَدْتُمْ ) مِمَّا تَصَدَّقَ بِهِ عَلَيْهِ ، فَإِنَّ الْمَذْكُورَ قَبْلَ ذَلِكَ ، كَذَلِكَ رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { :","part":9,"page":363},{"id":4363,"text":"تَصَدَّقُوا عَلَيْهِ .\rفَتَصَدَّقُوا عَلَيْهِ ، فَلَمْ يَبْلُغْ ذَلِكَ وَفَاءَ دَيْنِهِ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خُذُوا مَا وَجَدْتُمْ .\r} أَيْ مِمَّا تَصَدَّقَ بِهِ عَلَيْهِ ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَمْ يَتَصَدَّقْ عَلَيْهِ بِدَارٍ وَهُوَ مُحْتَاجٌ إلَى سُكْنَاهَا وَلَا خَادِمٍ وَهُوَ مُحْتَاجٌ إلَى خِدْمَتِهِ ، وَلِأَنَّ الْحَدِيثَ مَخْصُوصٌ بِثِيَابِ الْمُفْلِسِ وَقُوتِهِ ، فَنَقِيسُ عَلَيْهِ مَحِلَّ النِّزَاعِ ، وَقِيَاسُهُمْ مُنْتَقِضٌ بِذَلِكَ أَيْضًا ، وَبِأَجْرِ الْمَسْكَنِ ، وَسَائِرِ مَالِهِ يُسْتَغْنَى عَنْهُ ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا .","part":9,"page":364},{"id":4364,"text":"( 3456 ) فَصْلٌ : وَإِنْ كَانَ لَهُ دَارَانِ يَسْتَغْنِي بِسُكْنَى إحْدَاهُمَا ، بِيعَتْ الْأُخْرَى ؛ لِأَنَّ بِهِ غِنًى عَنْ سُكْنَاهَا .\rوَإِنْ كَانَ مَسْكَنُهُ وَاسِعًا ، لَا يَسْكُنُ مِثْلُهُ فِي مِثْلِهِ ، بِيعَ ، وَاشْتُرِيَ لَهُ مَسْكَنُ مِثْلِهِ ، وَرُدَّ الْفَضْلُ عَلَى الْغُرَمَاءِ ، كَالثِّيَابِ الَّتِي لَهُ إذَا كَانَتْ رَفِيعَةً لَا يُلْبَسُ مِثْلُهُ مِثْلَهَا .\rوَلَوْ كَانَ الْمَسْكَنُ وَالْخَادِمُ اللَّذَيْنِ لَا يَسْتَغْنِي عَنْهُمَا عَيْنَ مَالِ بَعْضِ الْغُرَمَاءِ ، أَوْ كَانَ جَمِيعُ مَالِهِ أَعْيَانَ أَمْوَالٍ أَفْلَسَ بِأَثْمَانِهَا ، وَوَجَدَهَا أَصْحَابُهَا ، فَلَهُمْ أَخْذُهَا ، بِالشَّرَائِطِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : مَنْ أَدْرَكَ مَتَاعَهُ بِعَيْنِهِ عِنْدَ رَجُلٍ قَدْ أَفْلَسَ ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ .\r} وَلِأَنَّ حَقَّهُ تَعَلَّقَ بِالْعَيْنِ ، فَكَانَ أَقْوَى سَبَبًا مِنْ الْمُفْلِسِ ، وَلِأَنَّ الْإِعْسَارَ بِالثَّمَنِ سَبَبٌ يَسْتَحِقُّ بِهِ الْفَسْخَ ، فَلَمْ يَمْنَعْهُ مِنْهُ تَعَلُّقُ حَاجَةِ الْمُشْتَرِي ، كَمَا قَبْلَ الْقَبْضِ ، وَكَالْعَيْبِ وَالْخِيَارِ .\rوَلِأَنَّ مَنْعَهُمْ مِنْ أَخْذِ أَعْيَانِ أَمْوَالِهِمْ يَفْتَحُ بَابَ الْحِيَلِ ، بِأَنْ يَجِيءَ مَنْ لَا مَالَ لَهُ ، فَيَشْتَرِيَ فِي ذِمَّتِهِ ثِيَابًا يَلْبَسُهَا ، وَدَارًا يَسْكُنُهَا ، وَخَادِمًا يَخْدِمُهُ ، وَفَرَسًا يَرْكَبُهَا ، وَطَعَامًا لَهُ وَلِعَائِلَتِهِ وَيَمْتَنِعُ عَلَى أَرْبَابِهَا أَخْذُهَا ؛ لِتَعَلُّقِ حَاجَتِهِ بِهَا ، فَتَضِيعُ أَمْوَالُهُمْ وَيَسْتَغْنِي هُوَ بِهَا .\rفَعَلَى هَذَا يُؤْخَذُ ذَلِكَ .\rوَلَا يُتْرَكُ لَهُ شَيْءٌ مِنْهُ ؛ لِأَنَّهُ أَعْيَانُ أَمْوَالِ النَّاسِ ، فَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا مِنْهُ ، كَمَا لَوْ كَانَتْ فِي أَيْدِيهِمْ ، أَوْ أَخَذَهَا مِنْهُمْ غَصْبًا .","part":9,"page":365},{"id":4365,"text":"( 3457 ) فَصْلٌ : وَلَوْ كَانَ الْمُفْلِسُ ذَا صَنْعَةٍ ، يَكْسِبُ مَا يُمَوِّنُهُ وَيُمَوَّنُ مَنْ تَلْزَمُهُ مُؤْنَتُهُ ، أَوْ كَانَ يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يَكْسِبَ ذَلِكَ بِأَنْ يُؤْجِرَ نَفْسَهُ ، أَوْ يَتَوَكَّلَ لَإِنْسَانٍ ، أَوْ يَكْتَسِبَ مِنْ الْمُبَاحَاتِ مَا يَكْفِيه ، لَمْ يُتْرَكْ لَهُ مِنْ مَالِهِ شَيْءٌ .\rوَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ ، تُرِكَ لَهُ مِنْ مَالِهِ قَدْرُ مَا يَكْفِيه .\rقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى ، فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد : وَيُتْرَكُ لَهُ قُوتٌ يَتَقَوَّتُ بِهِ ، وَإِنْ كَانَ لَهُ عِيَالٌ تُرِكَ لَهُ قِوَامٌ .\rوَقَالَ ، فِي رِوَايَةِ الْمَيْمُونِي : يُتْرَكُ لَهُ قَدْرُ مَا يَقُومُ بِهِ مَعَاشُهُ ، وَيُبَاعُ الْبَاقِي .\rوَهَذَا فِي حَقِّ الشَّيْخِ الْكَبِيرِ ، وَذَوِي الْهَيْئَاتِ الَّذِينَ لَا يُمْكِنُهُمْ التَّصَرُّفُ بِأَبْدَانِهِمْ .\rوَيَنْبَغِي أَنْ يُجْعَلَ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّ بَعْضِهِمْ بِعَيْنِهِ ؛ لِأَنَّ مَنْ تَعَلَّقَ حَقُّهُ بِالْعَيْنِ أَقْوَى سَبَبًا مِنْ غَيْرِهِ .","part":9,"page":366},{"id":4366,"text":"( 3458 ) فَصْلٌ : وَإِذَا تَلِفَ شَيْءٌ مِنْ مَالِ الْمُفْلِسِ تَحْتَ يَدِ الْأَمِينِ ، أَوْ بِيعَ شَيْءٌ مِنْ مَالِهِ وَأُودِعَ ثَمَنُهُ فَتَلِفَ عِنْدَ الْمُودَعِ ، فَهُوَ مِنْ ضَمَانِ الْمُفْلِسِ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ مَالِكٌ الْعُرُوض مِنْ مَالِهِ ، وَالدَّرَاهِمُ وَالدَّنَانِيرُ مِنْ مَالِ الْغُرَمَاءِ .\rوَقَالَ الْمُغِيرَةُ : الدَّنَانِيرُ مِنْ مَالِ أَصْحَابِ الدَّنَانِيرِ ، وَالدَّرَاهِمُ مِنْ مَالِ أَصْحَابِ الدَّرَاهِمِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ مِنْ مَالِ الْمُفْلِسِ ، وَنَمَاؤُهُ لَهُ ، فَكَانَ تَلَفُهُ فِي مَالِهِ ، كَالْعُرُوضِ .","part":9,"page":367},{"id":4367,"text":"( 3459 ) فَصْلٌ : وَإِذَا اجْتَمَعَ مَالُ الْمُفْلِسِ قُسِمَ بَيْنَ غُرَمَائِهِ ، فَإِنْ كَانَتْ دُيُونُهُمْ مِنْ جِنْسِ الْأَثْمَانِ ، أَخَذُوهَا ، وَإِنْ كَانَ فِيهِمْ مَنْ دَيْنُهُ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الْأَثْمَانِ كَالْقَرْضِ بِغَيْرِ الْأَثْمَانِ ، فَرَضِيَ أَنْ يَأْخُذَ عِوَضَ حَقِّهِ مِنْ الْأَثْمَانِ ، جَازَ ، وَإِنْ امْتَنَعَ .\rوَطَلَبَ جِنْسَ حَقِّهِ ، اُبْتِيعَ لَهُ بِحِصَّتِهِ مِنْ جِنْسِ دَيْنِهِ .\rوَلَوْ أَرَادَ الْغَرِيمُ الْأَخْذَ مِنْ الْمَالِ الْمَجْمُوعِ ، وَقَالَ الْمُفْلِسُ : لَا أُوَفِّيك إلَّا مِنْ جِنْسِ دَيْنِك .\rقُدِّمَ قَوْلُهُ ؛ لِأَنَّ هَذَا عَلَى سَبِيلِ الْمُعَاوَضَةِ ، فَلَا يَجُوزُ إلَّا بِتَرَاضِيهِمَا عَلَيْهِ .\rوَإِنْ كَانَ فِيهِمْ مَنْ لَهُ دَيْنٌ مِنْ سَلَمٍ ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يَأْخُذَ إلَّا مِنْ جِنْسِ حَقِّهِ ، وَإِنْ تَرَاضَيَا عَلَى دَفْعِ عِوَضِهِ ؛ لِأَنَّ مَا فِي الذِّمَّةِ مِنْ السَّلَمِ لَا يَجُوزُ أَخْذُ الْبَدَلِ عَنْهُ ، لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { مَنْ أَسْلَمَ فِي شَيْءٍ ، فَلَا يَصْرِفْهُ إلَى غَيْرِهِ .\r}","part":9,"page":368},{"id":4368,"text":"( 3460 ) فَصْلٌ : وَإِذَا فُرِّقَ مَالُ الْمُفْلِسِ ، وَبَقِيَتْ عَلَيْهِ بَقِيَّةٌ ، وَلَهُ صَنْعَةٌ ، فَهَلْ يُجْبِرُهُ الْحَاكِمُ عَلَى إيجَارِ نَفْسِهِ ، لِيَقْضِيَ دَيْنَهُ ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ ؛ إحْدَاهُمَا ، لَا يُجْبِرُهُ ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إلَى مَيْسَرَةٍ } .\rوَلَمَّا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ ، { أَنَّ رَجُلًا أُصِيبَ فِي ثِمَارٍ ابْتَاعَهَا ، وَكَثُرَ دَيْنُهُ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَصَدَّقُوا عَلَيْهِ .\rفَتَصَدَّقُوا عَلَيْهِ ، فَلَمْ يَبْلُغْ وَفَاءَ دَيْنِهِ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خُذُوا مَا وَجَدْتُمْ ، وَلَيْسَ لَكُمْ إلَّا ذَلِكَ .\r} رَوَاهُ مُسْلِمٌ .\rوَلِأَنَّ هَذَا تَكَسُّبٌ لِلْمَالِ ، فَلَمْ يُجْبِرْهُ عَلَيْهِ ، كَقَبُولِ الْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ ، وَكَمَا لَا تُجْبَرُ الْمَرْأَةُ عَلَى التَّزْوِيجِ لِتَأْخُذَ الْمَهْرَ .\rوَالثَّانِيَةُ ، يُجْبَرُ عَلَى الْكَسْبِ .\rوَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَسَوَّارٍ وَالْعَنْبَرِيِّ وَإِسْحَاقَ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَاعَ سَرَقًا فِي دَيْنِهِ ، وَكَانَ سَرَقَ رَجُلًا دَخَلَ الْمَدِينَةَ ، وَذَكَرَ أَنَّ وَرَاءَهُ مَالًا ، فَدَايَنَهُ النَّاسُ ، فَرَكِبَتْهُ دُيُونٌ ، وَلَمْ يَكُنْ وَرَاءَهُ مَالٌ ، فَسَمَّاهُ سَرَقًا ، وَبَاعَهُ بِخَمْسَةِ أَبْعِرَةٍ .\rوَالْحُرُّ لَا يُبَاعُ ، ثَبَتَ أَنَّهُ بَاعَ مَنَافِعَهُ .\rوَلِأَنَّ الْمَنَافِعَ تَجْرِي مَجْرَى الْأَعْيَانِ ، فِي صِحَّةِ الْعَقْدِ عَلَيْهَا وَتَحْرِيمِ أَخْذِ الزَّكَاةِ ، وَثُبُوتِ الْغِنَى بِهَا ، فَكَذَلِكَ فِي وَفَاءِ الدَّيْنِ مِنْهَا .\rوَلِأَنَّ الْإِجَارَةَ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ ، فَجَازَ إجْبَارُهُ عَلَيْهَا ، كَبَيْعِ مَالِهِ فِي وَفَاءِ الدَّيْنِ مِنْهَا .\rوَلِأَنَّهَا إجَارَةٌ لِمَا يَمْلِكُ إجَارَتَهُ ، فَيُجْبَرُ عَلَيْهَا فِي وَفَاءِ دَيْنِهِ ، كَإِجَارَةِ أَمِّ وَلَدِهِ .\rوَلِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى وَفَاءِ دَيْنِهِ ، فَلَزِمَهُ .\rكَمَالِكِ مَا يَقْدِرُ عَلَى الْوَفَاءِ مِنْهُ .\rفَإِنْ قِيلَ : حَدِيثُ سَرَقٍ مَنْسُوخٌ ، بِدَلِيلِ أَنَّ الْحُرَّ لَا","part":9,"page":369},{"id":4369,"text":"يُبَاعُ ، وَالْبَيْعُ وَقَعَ عَلَى رَقَبَتِهِ ، بِدَلِيلِ أَنَّ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ الْغُرَمَاءَ قَالُوا لِمُشْتَرِيهِ : مَا تَصْنَعُ بِهِ ؟ قَالَ أُعْتِقُهُ .\rقَالُوا : لَسْنَا بِأَزْهَدَ مِنْك فِي إعْتَاقِهِ .\rفَأَعْتَقُوهُ .\rقُلْنَا : هَذَا إثْبَاتُ النَّسْخِ بِالِاحْتِمَالِ ، وَلَا يَجُوزُ ، وَلَمْ يَثْبُتْ أَنَّ بَيْعَ الْحُرِّ كَانَ جَائِزًا فِي شَرِيعَتِنَا ، وَحَمْلُ لَفْظِ بَيْعِهِ عَلَى بَيْعِ مَنَافِعِهِ أَسْهَلُ مِنْ حَمْلِهِ عَلَى بَيْعِ رَقَبَتِهِ الْمُحَرَّمِ ، فَإِنَّ حَذْفَ الْمُضَافِ وَإِقَامَةَ الْمُضَافِ إلَيْهِ مُقَامَهُ سَائِغٌ كَثِيرٌ فِي الْقُرْآنِ ، وَفِي كَلَامِ الْعَرَبِ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمْ الْعِجْلَ } { .\rوَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاَللَّهِ .\r} { وَاسْأَلْ الْقَرْيَةَ .\r} وَغَيْرِ ذَلِكَ .\rوَكَذَلِكَ قَوْلُهُ : \" أُعْتِقُهُ \" .\rأَيْ مِنْ حَقِّي عَلَيْهِ .\rوَكَذَلِكَ قَالَ : \" فَأَعْتَقُوهُ \" يَعْنِي الْغُرَمَاءَ ، وَهُمْ لَا يَمْلِكُونَ إلَّا الدَّيْنِ الَّذِي عَلَيْهِ .\rوَأَمَّا قَوْله تَعَالَى : { وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إلَى مَيْسَرَةٍ .\r} فَيَتَوَجَّه مَنْعُ كَوْنِهِ دَاخِلًا تَحْتَ عُمُومِهَا ؛ فَإِنَّ هَذَا فِي حُكْمِ الْأَغْنِيَاءِ ، فِي حِرْمَانِ الزَّكَاةِ ، وَسُقُوطِ نَفَقَتِهِ عَنْ قَرِيبِهِ ، وَوُجُوبِ نَفَقَةِ قَرِيبِهِ عَلَيْهِ ، وَحَدِيثُهُمْ قَضِيَّةُ عَيْنٍ ، لَا يَثْبُتُ حُكْمُهَا إلَّا فِي مِثْلِهَا ، وَلَمْ يَثْبُتْ أَنَّ لِذَلِكَ الْغَرِيمِ كَسْبًا يَفْضُلُ عَنْ قَدْرِ نَفَقَتِهِ .\rوَأَمَّا قَبُولُ الْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ ، فَفِيهِ مِنَّةٌ وَمَعَرَّةٌ تَأْبَاهَا قُلُوبُ ذَوِي الْمُرُوءَاتِ ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَلَا يُجْبَرُ عَلَى الْكَسْبِ إلَّا مَنْ فِي كَسْبِهِ فَضْلَةٌ عَنْ نَفَقَتِهِ ، وَنَفَقَةِ مِنْ يُمَوِّنُهُ ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ .","part":9,"page":370},{"id":4370,"text":"( 3461 ) فَصْلٌ : وَلَا يُجْبَرُ عَلَى قَبُولِ هَدِيَّةٍ ، وَلَا صَدَقَةٍ ، وَلَا وَصِيَّةٍ وَلَا قَرْضٍ ، وَلَا تُجْبَرُ الْمَرْأَةُ عَلَى التَّزَوُّجِ ، لِيَأْخُذَ مَهْرَهَا ، لِأَنَّ فِي ذَلِكَ ضَرَرًا لِلُحُوقِ الْمِنَّةِ فِي الْهَدِيَّةِ وَالصَّدَقَةِ وَالْوَصِيَّةِ ، وَالْعِوَضِ فِي الْقَرْضِ ، وَمِلْكِ الزَّوْجِ لِلْمَرْأَةِ فِي النِّكَاحِ ، وَوُجُوبِ حُقُوقِهِ عَلَيْهَا .\rوَلَوْ بَاعَ بِشَرْطِ الْخِيَارِ ، ثُمَّ أَفْلَسَ ، فَالْخِيَارُ بِحَالِهِ ، وَلَا يُجْبَرُ عَلَى مَا فِيهِ الْحَظُّ مِنْ الرَّدِّ وَالْإِمْضَاءِ ؛ لِأَنَّ الْفَلَسَ يَمْنَعُهُ مِنْ إحْدَاثِ عَقْدٍ ، أَمَّا مِنْ إمْضَائِهِ وَتَنْفِيذِ عُقُودِهِ فَلَا .\rوَإِنْ جُنِيَ عَلَى الْمُفْلِسِ جِنَايَةٌ تُوجِبُ الْمَالَ ، ثَبَتَ الْمَالُ ، وَتَعَلَّقَتْ حُقُوقُ الْغُرَمَاءِ بِهِ ، وَلَا يَصِحُّ مِنْهُ الْعَفْوُ عَنْهُ .\rوَإِنْ كَانَتْ مُوجِبَةً لِلْقِصَاصِ ، فَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْقِصَاصِ وَالْعَفْوِ ، وَلَا يُجْبَرُ عَلَى الْعَفْوِ عَلَى مَالٍ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُفَوِّتُ الْقِصَاصَ الَّذِي يَجِبُ لِمَصْلَحَتِهِ ، فَإِنْ اقْتَصَّ ، لَمْ يَجِبْ لِلْغُرَمَاءِ شَيْءٌ .\rوَإِنْ عَفَا عَلَى مَالٍ ، ثَبَتَ ، وَتَعَلَّقَتْ حُقُوقُ الْغُرَمَاءِ بِهِ .\rوَإِنْ عَفَا مُطْلَقًا ، انْبَنَى عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ ، فِي مُوجِبِ الْعَمْدِ ، إنْ قُلْنَا : الْقِصَاصُ خَاصَّةً .\rلَمْ يَثْبُتْ شَيْءٌ ، وَسَقَطَ الْقِصَاصُ .\rوَإِنْ قُلْنَا : أَحَدُ أَمْرَيْنِ .\rثَبَتَتْ لَهُ الدِّيَةُ ، وَتَعَلَّقَتْ بِهَا حُقُوقُ الْغُرَمَاءِ .\rوَإِنْ عَفَا عَلَى غَيْرِ مَالٍ ، فَعَلَى الرِّوَايَتَيْنِ أَيْضًا .\rفَإِنْ قُلْنَا : الْقِصَاصُ عَيْنًا .\rلَمْ يَثْبُتْ شَيْءٌ .\rوَإِنْ قُلْنَا : أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ .\rتَثْبُتُ الدِّيَةُ ، وَلَمْ يَصِحَّ إسْقَاطُهُ ، لِأَنَّ عَفْوَهُ عَنْ الْقِصَاصِ يُثْبِتُ لَهُ الدِّيَةَ ، وَلَا يَصِحُّ إسْقَاطُهَا .\rوَإِنْ وَهَبَ هِبَةً بِشَرْطِ الثَّوَابِ ، ثُمَّ أَفْلَسَ ، فَبُذِلَ لَهُ الثَّوَابُ ، لَزِمَهُ قَبُولُهُ ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ إسْقَاطُهُ ؛ لِأَنَّهُ أَخَذَهُ عَلَى سَبِيلِ الْعِوَضِ عَنْ الْمَوْهُوبِ ، فَلَزِمَهُ قَبُولُهُ ، كَالثَّمَنِ فِي الْبَيْعِ .\rوَلَيْسَ لَهُ إسْقَاطُ شَيْءٍ مِنْ","part":9,"page":371},{"id":4371,"text":"ثَمَنِ مَبِيعٍ ، أَوْ أُجْرَةٍ فِي إجَارَةٍ ، وَلَا قَبْضُهُ رَدِيئًا ، وَلَا قَبْضُ الْمُسْلَمِ فِيهِ دُونَ صِفَاتِهِ ، إلَّا بِإِذْنِ غُرَمَائِهِ .\rوَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فِي هَذَا الْفَصْلِ كُلِّهِ كَمَذْهَبِنَا .","part":9,"page":372},{"id":4372,"text":"( 3462 ) فَصْلٌ إذَا فُرِّقَ مَالُ الْمُفْلِسِ ، فَهَلْ يَنْفَكُّ عَنْهُ الْحَجْرُ بِذَلِكَ ، أَوْ يَحْتَاجُ إلَى فَكِّ الْحَجْرِ عَنْهُ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، يَزُولُ بِقِسْمَةِ مَالِهِ ؛ لِأَنَّهُ حُجِرَ عَلَيْهِ لِأَجْلِهِ ، فَإِذَا زَالَ مِلْكُهُ عَنْهُ ، زَالَ سَبَبُ الْحَجْرِ ، فَزَالَ الْحَجْرُ ، كَزَوَالِ حَجْرِ الْمَجْنُونِ ، لِزَوَالِ جُنُونِهِ .\rوَالثَّانِي ، لَا يَزُولُ إلَّا بِحُكْمِ الْحَاكِمِ ؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ بِحُكْمِهِ ، فَلَا يَزُولُ إلَّا بِحُكْمِهِ ، كَالْمَحْجُورِ عَلَيْهِ لِسَفَهٍ .\rوَفَارَقَ الْجُنُونَ ، فَإِنَّهُ يَثْبُتُ بِنَفْسِهِ ، فَزَالَ بِزَوَالِهِ .\rوَلِأَنَّ فَرَاغَ مَالِهِ يَحْتَاجُ إلَى مَعْرِفَةٍ وَبِحَثِّ ، فَوَقْفُ ذَلِكَ عَلَى الْحَاكِمِ ، بِخِلَافِ الْمَجْنُونِ .","part":9,"page":373},{"id":4373,"text":"( 3463 ) فَصْلٌ : وَمَتَى ثَبَتَ إعْسَارُهُ عِنْدَ الْحَاكِمِ ، لَمْ يَكُنْ لَأَحَدٍ مُطَالَبَتُهُ وَمُلَازَمَتُهُ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لِغُرَمَائِهِ مُلَازَمَتُهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَمْنَعُوهُ مِنْ الْكَسْبِ ، فَإِذَا رَجَعَ إلَى بَيْتِهِ ، فَأَذِنَ لَهُمْ فِي الدُّخُولِ ، دَخَلُوا مَعَهُ ، وَإِلَّا مَنَعُوهُ مِنْ الدُّخُولِ ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : لِصَاحِبِ الْحَقِّ الْيَدُ وَاللِّسَانُ .\r} وَلَنَا ، أَنَّ مَنْ لَيْسَ لِصَاحِبِ الْحَقِّ مُطَالَبَته ، لَمْ يَكُنْ لَهُ مُلَازَمَتُهُ ، كَمَا لَوْ كَانَ دَيْنُهُ مُؤَجَّلًا ، وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى { : فَنَظِرَةٌ إلَى مَيْسَرَةٍ } .\rوَمَنْ وَجَبَ إنْظَارُهُ ، حَرُمَتْ مُلَازَمَتُهُ ، كَمَنْ دَيْنُهُ مُؤَجَّلٌ .\rوَالْحَدِيثُ فِيهِ مَقَالٌ .\rقَالَهُ .\rابْنُ الْمُنْذِرِ ثُمَّ نَحْمِلُهُ عَلَى الْمُوسِرِ ، بِدَلِيلِ مَا ذَكَرْنَا ، فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِغُرَمَاءِ الَّذِي أُصِيبَ فِي ثِمَارٍ ابْتَاعَهَا ، فَكَثُرَ دَيْنُهُ : { خُذُوا مَا وَجَدْتُمْ ، وَلَيْسَ لَكُمْ إلَّا ذَلِكَ .\r} رَوَاهُ مُسْلِمٌ ، وَالتِّرْمِذِيُّ .\rوَإِنْ فُكَّ الْحَجْرُ عَنْهُ لَمْ يَكُنْ لَأَحَدٍ مُطَالَبَتُهُ ، وَلَا مُلَازَمَتُهُ ، حَتَّى يَمْلِكَ مَالًا ، فَإِنْ جَاءَ الْغُرَمَاءُ عَقِيبَ فَكِّ الْحَجْرِ عَنْهُ ، فَادَّعَوْا أَنَّ لَهُ مَالًا ، لَمْ يُلْتَفَتْ إلَى قَوْلِهِمْ ، حَتَّى يُثْبِتُوا سَبَبَهُ ، فَإِنْ جَاءُوا بَعْدَ مُدَّةٍ ، فَادَّعَوْا أَنَّ فِي يَدِهِ مَالًا ، أَوْ ادَّعَوْا ذَلِكَ عَقِيبَ فَكِّ الْحَجْرِ ، وَبَيَّنُوا سَبَبَهُ أَحْضَرَهُ الْحَاكِمُ وَسَأَلَهُ ، فَإِنْ أَنْكَرَ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ ؛ لِأَنَّهُ مَا فَكَّ الْحَجْرُ عَنْهُ حَتَّى لَمْ يَبْقَ لَهُ شَيْءٌ ، وَإِنْ أَقَرَّ ، وَقَالَ : هُوَ لِفُلَانٍ ، وَأَنَا وَكِيلُهُ أَوْ مُضَارِبُهُ .\rوَكَانَ الْمُقَرُّ لَهُ حَاضِرًا ، سَأَلَهُ الْحَاكِمُ ، فَإِنْ صَدَّقَهُ فَهُوَ لَهُ ، وَيَسْتَحْلِفُهُ الْحَاكِمُ ، لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَا تَوَاطَأَ عَلَى ذَلِكَ .\rلِيَدْفَعَ الْمُطَالَبَةَ عَنْ الْمُفْلِسِ .\rوَإِنْ قَالَ : مَا هُوَ لِي .","part":9,"page":374},{"id":4374,"text":"عَرَفْنَا كَذِبَ الْمُفْلِسِ ، فَيَصِيرُ كَأَنَّهُ قَالَ : الْمَالُ لِي .\rفَيُعَادُ الْحَجْرُ عَلَيْهِ إنْ طَلَبَ الْغُرَمَاءُ ذَلِكَ .\rوَإِنْ أَقَرَّ لِغَائِبٍ ، أَقَرَّ فِي يَدَيْهِ حَتَّى يَحْضُرَ الْغَائِبُ ، ثُمَّ يُسْأَلُ ، كَمَا حَكَمْنَا فِي الْحَاضِرِ .\rوَمَتَى أُعِيدَ الْحَجْرُ عَلَيْهِ لِدُيُونِ تَجَدَّدَتْ عَلَيْهِ ، شَارَكَ غُرَمَاءُ الْحَجْرِ الْأَوَّلِ غُرَمَاءَ الْحَجْرِ الثَّانِي إلَّا أَنَّ الْأَوَّلِينَ يَضْرِبُونَ بِبَقِيَّةِ دُيُونِهِمْ ، وَالْآخَرِينَ يَضْرِبُونَ بِجَمِيعِهَا .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ مَالِكٌ لَا يَدْخُلُ غُرَمَاءُ الْحَجْرِ الْأَوَّلِ عَلَى هَؤُلَاءِ الَّذِينَ تَجَدَّدَتْ حُقُوقُهُمْ ، حَتَّى يَسْتَوْفُوا ، إلَّا أَنْ تَكُونَ لَهُ فَائِدَةٌ مِنْ مِيرَاثٍ ، أَوْ يُجْنَى عَلَيْهِ جِنَايَةٌ ، فَيَتَحَاصُّ الْغُرَمَاءُ فِيهِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُمْ تَسَاوَوْا فِي ثُبُوتِ حُقُوقِهِمْ فِي ذِمَّتِهِ ، فَتَسَاوَوْا فِي الِاسْتِحْقَاقِ ، كَاَلَّذِينَ تَثْبُتُ حُقُوقُهُمْ فِي حَجْرٍ وَاحِدٍ ، وَكَتَسَاوِيهِمْ فِي الْمِيرَاثِ وَأَرْشِ الْجِنَايَةِ ، وَلِأَنَّ مَكْسَبَهُ مَالٌ لَهُ ، فَتَسَاوَوْا فِيهِ ، كَالْمِيرَاثِ .","part":9,"page":375},{"id":4375,"text":"( 3464 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ حَقٌّ ، فَذَكَرَ أَنَّهُ مُعْسِرٌ بِهِ ، حُبِسَ إلَى أَنْ يَأْتِيَ بِبَيِّنَةٍ تَشْهَدُ بِعُسْرَتِهِ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ دَيْنٌ حَالٌ ، فَطُولِبَ بِهِ ، وَلَمْ يُؤَدِّهِ ، نَظَرَ الْحَاكِمُ ؛ فَإِنْ كَانَ فِي يَدِهِ مَالٌ ظَاهِرٌ أَمَرَهُ بِالْقَضَاءِ ، فَإِنْ ذَكَرَ أَنَّهُ لِغَيْرِهِ ، فَقَدْ ذَكَرْنَا حُكْمَهُ فِي الْفَصْلِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا ، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ لَهُ مَالًا ظَاهِرًا ، فَادَّعَى الْإِعْسَارَ ، فَصَدَّقَهُ غَرِيمُهُ ، لَمْ يُحْبَسْ ، وَوَجَبَ إنْظَارُهُ ، وَلَمْ تَجُزْ مُلَازَمَتُهُ ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى { : وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إلَى مَيْسَرَةٍ } .\rوَلِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِغُرَمَاءِ الَّذِي كَثُرَ دَيْنُهُ : { خُذُوا مَا وَجَدْتُمْ ، وَلَيْسَ لَكُمْ إلَّا ذَلِكَ .\r} وَلِأَنَّ الْحَبْسَ إمَّا أَنْ يَكُونَ لِإِثْبَاتِ عُسْرَتِهِ أَوْ لِقَضَاءِ دَيْنِهِ ، وَعُسْرَتُهُ ثَابِتَةٌ ، وَالْقَضَاءُ مُتَعَذِّرٌ ، فَلَا فَائِدَةَ فِي الْحَبْسِ .\rوَإِنْ كَذَّبَهُ غَرِيمُهُ فَلَا يَخْلُو ، إمَّا أَنْ يَكُونَ عُرِفَ لَهُ مَالٌ أَوْ لَمْ يُعْرَفْ ، فَإِنْ عُرِفَ لَهُ مَالٌ لِكَوْنِ الدَّيْنِ ثَبَتَ عَنْ مُعَاوَضَةٍ ، كَالْقَرْضِ وَالْبَيْعِ ، أَوْ عُرِفَ لَهُ أَصْلُ مَالٍ سِوَى هَذَا ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ غَرِيمِهِ مَعَ يَمِينِهِ .\rفَإِذَا حَلَفَ أَنَّهُ ذُو مَالٍ ، حُبِسَ حَتَّى تَشْهَدَ الْبَيِّنَةُ بِإِعْسَارِهِ .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَكْثَرُ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ عُلَمَاءِ الْأَمْصَارِ وَقُضَاتِهِمْ ، يَرَوْنَ الْحَبْسَ فِي الدَّيْنِ ، مِنْهُمْ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو عُبَيْدٍ وَالنُّعْمَانُ وَسَوَّارٌ وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ وَرُوِيَ عَنْ شُرَيْحٍ ، وَالشَّعْبِيِّ .\rوَكَانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَقُولُ : يُقْسَمُ مَالُهُ بَيْنَ الْغُرَمَاءِ ، وَلَا يُحْبَسُ .\rوَبِهِ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ وَلَنَا أَنَّ الظَّاهِرَ قَوْلُ الْغَرِيمِ ، فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ ، كَسَائِرِ الدَّعَاوَى .\rفَإِنْ شَهِدَتْ الْبَيِّنَةُ بِتَلَفِ مَالِهِ ، قُبِلَتْ","part":9,"page":376},{"id":4376,"text":"شَهَادَتُهُمْ ، سَوَاءٌ كَانَتْ مِنْ أَهْلِ الْخِبْرَةِ الْبَاطِنَةِ أَوْ لَمْ تَكُنْ ؛ لِأَنَّ التَّلَفَ يَطَّلِعُ عَلَيْهِ أَهْلُ الْخِبْرَةِ وَغَيْرُهُمْ .\rوَإِنْ طَلَبَ الْغَرِيمُ إحْلَافَهُ عَلَى ذَلِكَ ، لَمْ يُجَبْ إلَيْهِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ تَكْذِيبٌ لِلْبَيِّنَةِ ، وَإِنْ شَهِدَتْ مَعَ ذَلِكَ بِالْإِعْسَارِ اُكْتُفِيَ بِشَهَادَتِهَا ، وَثَبَتَتْ عُسْرَتُهُ ، وَإِنْ لَمْ تَشْهَدْ بِعُسْرَتِهِ ، وَإِنَّمَا شَهِدَتْ بِالتَّلَفِ لَا غَيْرُ ، وَطَلَبَ الْغَرِيمُ يَمِينَهُ عَلَى عُسْرِهِ ، وَأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ مَالٌ آخَرُ ، اسْتَحْلَفَ عَلَى ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَا شَهِدَتْ بِهِ الْبَيِّنَةُ .\rوَإِنْ لَمْ تَشْهَدْ بِالتَّلَفِ ، وَإِنَّمَا شَهِدَتْ بِالْإِعْسَارِ ، لَمْ تُقْبَلْ الشَّهَادَةُ إلَّا مِنْ ذِي خِبْرَةٍ بَاطِنَةٍ ، وَمَعْرِفَةٍ مُتَقَادِمَةٍ لِأَنَّ هَذَا مِنْ الْأُمُورِ الْبَاطِنَةِ ، لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ فِي الْغَالِبِ إلَّا أَهْلُ الْخِبْرَةِ وَالْمُخَالَطَةِ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ : لَا تُسْمَعُ الْبَيِّنَةُ عَلَى الْإِعْسَارِ ؛ لِأَنَّهَا شَهَادَةٌ عَلَى النَّفْيِ ، فَلَمْ تُسْمَعْ ، كَالشَّهَادَةِ عَلَى أَنَّهُ لَا دَيْنَ عَلَيْهِ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى قَبِيصَةُ بْنُ الْمُخَارِقِ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ { : يَا قَبِيصَةُ ، إنَّ الْمَسْأَلَةَ لَا تَحِلُّ إلَّا لِأَحَدِ ثَلَاثَةٍ : رَجُلٍ تَحَمَّلَ حَمَالَةً ، فَحَلَّتْ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَهَا ، ثُمَّ يُمْسِكَ ، وَرَجُلٍ أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ ، فَاجْتَاحَتْ مَالَهُ ، فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ ، حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ أَوْ قَالَ سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ ، وَرَجُلٍ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ ، حَتَّى يَقُولَ ثَلَاثَةٌ مِنْ ذَوِي الْحِجَا مِنْ قَوْمِهِ : لَقَدْ أَصَابَتْ فُلَانًا فَاقَةٌ .\rفَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ أَوْ قَالَ : سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ .\r} رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد .\rوَقَوْلُهُمْ : إنَّ الشَّهَادَةَ عَلَى النَّفْيِ لَا تُقْبَلُ .\rقُلْنَا : لَا تُرَدُّ مُطْلَقًا ، فَإِنَّهُ لَوْ شَهِدَتْ الْبَيِّنَةُ أَنَّ هَذَا وَارِثُ الْمَيِّتِ ، لَا","part":9,"page":377},{"id":4377,"text":"وَارِثَ لَهُ سِوَاهُ قُبِلَتْ ، وَلِأَنَّ هَذِهِ وَإِنْ كَانَتْ تَتَضَمَّنُ النَّفْيَ ، فَهِيَ تُثْبِتُ حَالَةً تَظْهَرُ ، وَيُوقَفُ عَلَيْهَا بِالْمُشَاهَدَةِ ، بِخِلَافِ مَا إذَا شَهِدَتْ أَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ ، فَإِنَّ هَذَا مِمَّا لَا يُوقَفُ عَلَيْهِ ، وَلَا يُشْهَدُ بِهِ حَالٌ يَتَوَصَّلُ بِهَا إلَى مَعْرِفَتِهِ بِهِ ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا .\rوَتُسْمَعُ الْبَيِّنَةُ فِي الْحَالِ ، وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا تُسْمَعُ فِي الْحَالِ ، وَيُحْبَسُ شَهْرًا ، وَرُوِيَ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ ، وَرُوِيَ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ ، حَتَّى يَغْلِبَ عَلَى ظَنَّ الْحَاكِمِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ لَهُ مَالٌ لَأَظْهَرَهُ .\rوَلَنَا ، أَنَّ كُلَّ بَيِّنَةٍ جَازَ سَمَاعُهَا بَعْدَ مُدَّةٍ ، جَازَ سَمَاعُهَا فِي الْحَالِ ، كَسَائِرِ الْبَيِّنَاتِ ، وَمَا ذَكَرُوهُ لَوْ كَانَ صَحِيحًا لَأَغْنَى عَنْ الْبَيِّنَةِ .\rفَإِنْ قَالَ الْغَرِيمُ : أَحْلِفُوهُ لِي مَعَ يَمِينِهِ أَنَّهُ لَا مَالَ لَهُ ، لَمْ يُسْتَحْلَفْ فِي ظَاهِرِ كَلَامِ أَحْمَدَ لِأَنَّهُ قَالَ ، فِي رِوَايَةِ إِسْحَاقَ بْنِ إبْرَاهِيمَ فِي رَجُلٍ جَاءَ بِشُهُودِ عَلَى حَقٍّ ، فَقَالَ الْغَرِيمُ اسْتَحْلِفُوهُ : لَا يَسْتَحْلِفُ ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَ الْحَدِيثِ : \" الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي ، وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ \" .\rقَالَ الْقَاضِي : سَوَاءٌ شَهِدَتْ الْبَيِّنَةُ بِتَلَفِ الْمَالِ أَوْ بِالْإِعْسَارِ وَهَذَا أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهَا بَيِّنَةٌ مَقْبُولَةٌ ، فَلَمْ يَسْتَحْلِفْ مَعَهَا ، كَمَا لَوْ شَهِدَتْ بِأَنَّ هَذَا عَبْدُهُ ، أَوْ هَذِهِ دَارُهُ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يَسْتَحْلِفَ .\rوَهَذَا الْقَوْلُ الثَّانِي لِلشَّافِعِي لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنَّ لَهُ مَالًا خَفِيَ عَلَى الْبَيِّنَةِ .\rوَيَصِحُّ عِنْدِي إلْزَامُهُ الْيَمِينَ عَلَى الْإِعْسَارِ ، فِيمَا إذَا شَهِدَتْ الْبَيِّنَةُ بِتَلَفِ الْمَالِ ، وَسُقُوطِهَا عَنْهُ فِيمَا إذَا شَهِدَتْ بِالْإِعْسَارِ ، لِأَنَّهَا إذَا شَهِدَتْ بِالتَّلَفِ ، صَارَ كَمَنْ لَمْ يَثْبُتْ لَهُ أَصْلُ مَالٍ أَوْ بِمَنْزِلَةِ مَنْ أَقَرَّ لَهُ غَرِيمُهُ بِتَلَفِ ذَلِكَ الْمَالِ ، وَادَّعَى أَنَّ لَهُ مَالًا سِوَاهُ ، أَوْ أَنَّهُ","part":9,"page":378},{"id":4378,"text":"اسْتَحْدَثَ مَالًا بَعْدَ تَلَفِهِ .\rوَلَوْ لَمْ تَقُمْ الْبَيِّنَةُ ، وَأَقَرَّ لَهُ غَرِيمُهُ بِتَلَفِ مَالِهِ وَادَّعَى أَنَّ لَهُ مَالًا سِوَاهُ ، لَزِمَتْهُ الْيَمِينُ ، فَكَذَلِكَ إذَا قَامَتْ بِهِ الْبَيِّنَةُ ، فَإِنَّهَا لَا تَزِيدُ عَلَى الْإِقْرَارِ .\rوَإِنْ كَانَ الْحَقُّ يَثْبُتُ عَلَيْهِ فِي غَيْرِ مُقَابَلَةِ مَالٍ أَخَذَهُ ، كَأَرْشِ جِنَايَةٍ ، وَقِيمَةِ مُتْلَفٍ ، وَمَهْرٍ أَوْ ضَمَانٍ أَوْ كَفَالَةٍ ، أَوْ عِوَضِ خُلْعٍ ، إنْ كَانَ امْرَأَةً ، وَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ لَهُ مَالٌ ، حَلَفَ أَنَّهُ لَا مَالَ لَهُ ، وَخَلَّى سَبِيلَهُ ، وَلَمْ يُحْبَسْ .\rوَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَابْنِ الْمُنْذِرِ فَإِنْ شَهِدَتْ الْبَيِّنَةُ بِإِعْسَارِهِ ، قُبِلَتْ ، وَلَمْ يُسْتَحْلَفْ مَعَهَا ؛ لِمَا تَقَدَّمَ .\rوَإِنْ شَهِدَتْ أَنَّهُ كَانَ لَهُ مَالٌ ، فَتَلِفَ ، لَمْ يُسْتَغْنَ بِذَلِكَ عَنْ يَمِينِهِ ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ .\rوَكَذَلِكَ لَوْ أَقَرَّ لَهُ بِهِ غَرِيمُهُ ، وَإِنَّمَا اكْتَفَيْنَا بِيَمِينِهِ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْمَالِ ، لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِحَبَّةَ وَسَوَاءٍ ابْنَيْ خَالِدِ بْنِ سَوَاءٍ { : لَا تَيْئَسَا مِنْ الرِّزْقِ مَا اهْتَزَّتْ رُءُوسُكُمَا ، فَإِنَّ ابْنَ آدَمَ يُخْلَقُ وَلَيْسَ لَهُ إلَّا قِشْرَتَاهُ ، ثُمَّ يَرْزُقُهُ اللَّهُ تَعَالَى .\r} قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : الْحَبْسُ عُقُوبَةٌ ، وَلَا نَعْلَمُ لَهُ ذَنْبًا يُعَاقَبُ بِهِ .\rوَالْأَصْلُ عَدَمُ مَالِهِ ، بِخِلَافِ الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى ، فَإِنَّ الْأَصْلَ ثُبُوتُ مَالِهِ ، فَيُحْبَسُ حَتَّى يُعْلَمَ ذَهَابُهُ .\rوَالْخِرَقِيُّ لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الْحَالَيْنِ ، لَكِنَّهُ يُحْمَلُ كَلَامُهُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا ، لِقِيَامِ الدَّلِيلِ عَلَى الْفَرْقِ .","part":9,"page":379},{"id":4379,"text":"( 3465 ) فَصْلٌ : إذَا امْتَنَعَ الْمُوسِرُ مِنْ قَضَاءِ الدَّيْنِ ، فَلِغَرِيمِهِ مُلَازَمَتُهُ ، وَمُطَالَبَتُهُ ، وَالْإِغْلَاظُ لَهُ بِالْقَوْلِ ، فَيَقُولُ : يَا ظَالِمُ ، يَا مُعْتَدٍ .\rوَنَحْوِ ذَلِكَ ؛ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : لَيُّ الْوَاجِدِ ، يُحِلُّ عُقُوبَتَهُ وَعِرْضَهُ } .\rفَعُقُوبَتُهُ حَبْسُهُ ، وَعِرْضُهُ أَيْ يُحِلُّ الْقَوْلَ فِي عِرْضِهِ بِالْإِغْلَاظِ لَهُ .\rوَقَالَ : النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ } .\rوَقَالَ { : إنَّ لِصَاحِبِ الْحَقِّ مَقَالًا .\r}","part":9,"page":380},{"id":4380,"text":"( 3466 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِذَا مَاتَ ، فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ كَانَ مُفْلِسًا ، لَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ مِنْ الْغُرَمَاءِ أَنْ يَأْخُذَ عَيْنَ مَالِهِ ) هَذَا الشَّرْطُ الْخَامِسُ لِاسْتِحْقَاقِ اسْتِرْجَاعِ عَيْنِ الْمَالِ مِنْ الْمُفْلِسِ ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ حَيًّا ، فَإِنْ مَاتَ ، فَالْبَائِعُ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ ، سَوَاءٌ عَلِمَ بِفَلَسِهِ قَبْلَ الْمَوْتِ ، فَحَجَرَ عَلَيْهِ ثُمَّ مَاتَ ، أَوْ مَاتَ فَتَبَيَّنَ فَلَسُهُ .\rوَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ وَإِسْحَاقُ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَهُ الْفَسْخُ وَاسْتِرْجَاعُ الْعَيْنِ ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ خَلْدَةَ الزُّرَقِيُّ ، قَاضِي الْمَدِينَةِ قَالَ : أَتَيْنَا أَبَا هُرَيْرَةَ فِي صَاحِبٍ لَنَا قَدْ أَفْلَسَ ، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : هَذَا الَّذِي قَضَى فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : أَيُّمَا رَجُلٍ مَاتَ ، أَوْ أَفْلَسَ ، فَصَاحِبُ الْمَتَاعِ أَحَقُّ بِمَتَاعِهِ إذَا وَجَدَهُ بِعَيْنِهِ .\r} رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَابْنُ مَاجَهْ .\rوَاحْتَجُّوا بِعُمُومِ قَوْلِهِ : عَلَيْهِ السَّلَامُ { مَنْ أَدْرَكَ مَتَاعَهُ بِعَيْنِهِ عِنْدَ رَجُلٍ ، أَوْ إنْسَانٍ ، قَدْ أَفْلَسَ ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ } .\rوَلِأَنَّ هَذَا الْعَقْدَ يَلْحَقُهُ الْفَسْخُ بِالْإِقَالَةِ ، فَجَازَ فَسْخُهُ لِتَعَذُّرِ الْعِوَضِ ، كَمَا لَوْ تَعَذَّرَ الْمُسْلَمَ فِيهِ ، وَلِأَنَّ الْفَلَسَ سَبَبٌ لِاسْتِحْقَاقِ الْفَسْخِ ، فَجَازَ الْفَسْخُ بِهِ بَعْدَ الْمَوْتِ كَالْعَيْبِ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثِ الْمُفْلِسِ { : فَإِنْ مَاتَ فَصَاحِبُ الْمَتَاعِ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ .\r} رَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَرَوَى أَبُو الْيَمَانِ ، عَنْ الزُّبَيْدِيِّ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : أَيُّمَا امْرِئٍ مَاتَ ، وَعِنْدَهُ مَالُ امْرِئٍ بِعَيْنِهِ ، اقْتَضَى مِنْ ثَمَنِهِ شَيْئًا ، أَوْ لَمْ يَقْتَضِ ، فَهُوَ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ .\r} رَوَاهُ ابْن مَاجَهْ .\r.\rوَلِأَنَّهُ تَعَلَّقَ","part":9,"page":381},{"id":4381,"text":"بِهِ حَقُّ غَيْرِ الْمُفْلِسِ وَالْغُرَمَاءِ ، وَهُمْ الْوَرَثَةُ فَأَشْبَهَ الْمَرْهُونَ .\rوَحَدِيثُهُمْ مَجْهُولُ الْإِسْنَادِ ، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ يَرْوِيه أَبُو الْمُعْتَمِرِ ، عَنْ الزُّرَقِيُّ ، وَأَبُو الْمُعْتَمِرِ غَيْرُ مَعْرُوفٍ بِحَمْلِ الْعِلْمِ .\rثُمَّ هُوَ غَيْرُ مَعْمُولٍ بِهِ إجْمَاعًا ؛ فَإِنَّهُ جَعَلَ الْمَتَاعَ لِصَاحِبِهِ بِمُجَرَّدِ مَوْتِ الْمُشْتَرِي ، مِنْ غَيْرِ شَرْطِ فَلَسِهِ ، وَلَا تَعَذُّرِ وَفَائِهِ ، وَلَا عَدَمِ قَبْضِ ثَمَنِهِ ، وَالْأَمْرُ بِخِلَافِ ذَلِكَ عِنْدَ جَمِيعِ الْعُلَمَاءِ ، إلَّا مَا حُكِيَ عَنْ الْإِصْطَخْرِيِّ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ، أَنَّهُ قَالَ : لِصَاحِبِ السِّلْعَةِ أَنْ يَرْجِعَ فِيهَا إذَا مَاتَ الْمُشْتَرِي ، وَإِنْ خَلَّفَ وَفَاءً .\rوَهَذَا شُذُوذٌ عَنْ أَقْوَالِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَخِلَافٌ لِلسُّنَّةِ لَا يَعْرُجُ عَلَى مِثْلِهِ .\rوَأَمَّا الْحَدِيثُ الْآخَرُ ، فَنَقُولُ بِهِ ، وَإِنَّ صَاحِبَ الْمَتَاعِ أَحَقُّ بِهِ إذَا وَجَدَهُ عِنْدَ الْمُفْلِسِ ، وَمَا وَجَدَهُ فِي مَسْأَلَتِنَا عِنْدَهُ ، إنَّمَا وَجَدَهُ عِنْدَ وَرَثَتِهِ ، فَلَا يَتَنَاوَلُهُ الْخَبَرُ ، وَإِنَّمَا يَدُلُّ بِمَفْهُومِهِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ الرُّجُوعَ فِيهِ ، ثُمَّ هُوَ مُطْلَقٌ وَحَدِيثُنَا يُقَيِّدُهُ ، وَفِيهِ زِيَادَةٌ ، وَالزِّيَادَةُ مِنْ الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ .\rوَتُفَارِقُ حَالَةُ الْحَيَاةِ حَالَ الْمَوْتِ لِأَمْرَيْنِ ؛ أَحَدِهِمَا ، أَنَّ الْمِلْكَ فِي الْحَيَاةِ لِلْمُفْلِسِ ، وَهَا هُنَا لِغَيْرِهِ .\rوَالثَّانِي ، أَنَّ ذِمَّةَ الْمُفْلِسِ خَرِبَتْ هَاهُنَا خَرَابًا لَا يَعُودُ ، فَاخْتِصَاصُ هَذَا بِالْعَيْنِ يَسْتَضِرُّ بِهِ الْغُرَمَاءُ كَثِيرًا ، بِخِلَافِ حَالَةِ الْحَيَاةِ .","part":9,"page":382},{"id":4382,"text":"( 3467 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَمَنْ أَرَادَ سَفَرًا وَعَلَيْهِ حَقٌّ يُسْتَحَقُّ قَبْلَ مُدَّةِ سَفَرِهِ فَلِصَاحِبِ الْحَقِّ مَنْعُهُ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ إذَا أَرَادَ السَّفَرَ ، وَأَرَادَ غَرِيمُهُ مَنْعَهُ ، نَظَرْنَا ؛ فَإِنْ كَانَ مَحَلُّ الدَّيْنِ قَبْلَ مَحَلِّ قُدُومِهِ مِنْ السَّفَرِ ، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ سَفَرُهُ إلَى الْحَجِّ لَا يَقْدَمُ إلَّا فِي صَفَرٍ ، وَدَيْنُهُ يَحِلُّ فِي الْمُحَرَّمِ أَوْ ذِي الْحِجَّةِ ، فَلَهُ مَنْعُهُ مِنْ السَّفَرِ ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ ضَرَرًا فِي تَأْخِيرِ حَقِّهِ عَنْ مَحَلِّهِ .\rفَإِنْ أَقَامَ ضَمِينًا مَلِيئًا ، أَوْ دَفَعَ رَهْنًا يَفِي بِالدَّيْنِ عِنْدَ الْمَحَلِّ ، فَلَهُ السَّفَرُ ؛ لِأَنَّ الضَّرَرَ يَزُولُ بِذَلِكَ .\rوَأَمَّا إنْ كَانَ الدَّيْنُ لَا يَحِلُّ إلَّا بَعْدَ مَحَلِّ السَّفَرِ ، مِثْل أَنْ يَكُونَ مَحَلُّهُ فِي رَبِيعٍ ، وَقُدُومُهُ فِي صَفَرٍ ، نَظَرْنَا ؛ فَإِنْ كَانَ سَفَرُهُ إلَى الْجِهَادِ ، فَلَهُ مَنْعُهُ إلَّا بِضَمِينٍ أَوْ رَهْنٍ ؛ لِأَنَّهُ سَفَرٌ يَتَعَرَّضُ فِيهِ لِلشَّهَادَةِ ، وَذَهَابِ النَّفْسِ ، فَلَا يَأْمَنُ فَوَاتَ الْحَقِّ .\rوَإِنْ كَانَ السَّفَرُ لِغَيْرِ الْجِهَادِ فَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ مَنْعُهُ ، وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ لِأَنَّ هَذَا السَّفَرَ لَيْسَ بِأَمَارَةٍ عَلَى مَنْعِ الْحَقِّ فِي مَحَلِّهِ ، فَلَمْ يَمْلِكْ مَنْعَهُ مِنْهُ ، كَالسَّفَرِ الْقَصِيرِ ، وَكَالسَّعْيِ إلَى الْجُمُعَةِ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَيْسَ لَهُ مَنْعُهُ مِنْ السَّفَرِ ، وَلَا الْمُطَالَبَةُ بِكَفِيلٍ إذَا كَانَ الدَّيْنُ مُؤَجَّلًا بِحَالٍ ، سَوَاءٌ كَانَ الدَّيْنُ يَحِلُّ قَبْلَ مَحَلِّ سَفَرِهِ أَوْ بَعْدَهُ ، أَوْ إلَى الْجِهَادِ أَوْ إلَى غَيْرِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ الْمُطَالَبَةَ بِالدَّيْنِ ، فَلَمْ يَمْلِكْ مَنْعَهُ مِنْ السَّفَرِ ، وَلَا الْمُطَالَبَةَ بِكَفِيلٍ ، كَالسَّفَرِ الْآمِنِ الْقَصِيرِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ سَفَرٌ يَمْنَعُ اسْتِيفَاءَ الدَّيْنِ فِي مَحَلِّهِ ، فَمَلَكَ مَنْعَهُ مِنْهُ ، إنْ لَمْ يُوَثِّقْهُ بِكَفِيلٍ ، أَوْ رَهْنٍ ، كَالسَّفَرِ بَعْدَ حُلُولِ الْحَقِّ ، وَلِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ","part":9,"page":383},{"id":4383,"text":"تَأْخِيرَ الدَّيْنِ عَنْ مَحَلِّهِ ، وَفِي السَّفَرِ الْمُخْتَلِفِ فِيهِ تَأْخِيرُهُ عَنْ مَحَلِّهِ ، فَلَمْ يَمْلِكْهُ ، كَجَحْدِهِ .","part":9,"page":384},{"id":4384,"text":"كِتَابُ الْحَجْرِ الْحَجْرُ ؛ فِي اللُّغَةِ : الْمَنْعُ وَالتَّضْيِيقُ .\rوَمِنْهُ سُمِّيَ الْحَرَامُ حِجْرًا ، قَالَ تَعَالَى : { وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا .\r} أَيْ حَرَامًا مُحَرَّمًا ، وَيُسَمَّى الْعَقْلُ حِجْرًا ، قَالَ اللَّه تَعَالَى { : هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ ؟ } .\rأَيْ عَقْلٍ .\rسُمِّيَ حِجْرًا ؛ لِأَنَّهُ يَمْنَعُ صَاحِبَهُ مِنْ ارْتِكَابِ مَا يَقْبَحُ ، وَتَضُرُّ عَاقِبَتُهُ ، وَهُوَ فِي الشَّرِيعَةِ : مَنْعُ الْإِنْسَانِ مِنْ التَّصَرُّفِ فِي مَالِهِ ، وَالْحَجْرُ عَلَى ضَرْبَيْنِ ، حَجْرٌ عَلَى الْإِنْسَانِ لِحَقِّ نَفْسِهِ ، وَحَجْرٌ عَلَيْهِ لِحَقِّ غَيْرِهِ ، فَالْحَجْرُ عَلَيْهِ لِحَقِّ غَيْرِهِ ، كَالْحَجْرِ عَلَى الْمُفْلِسِ ، لِحَقِّ غُرَمَائِهِ ، وَعَلَى الْمَرِيضِ فِي التَّبَرُّعِ بِزِيَادَةٍ عَلَى الثُّلُثِ ، أَوْ التَّبَرُّعِ بِشَيْءِ لِوَارِثِ لِحَقِّ وَرَثَتِهِ ، وَعَلَى الْمُكَاتَبِ وَالْعَبْدِ لِحَقِّ سَيِّدِهِمَا ، وَالرَّاهِنِ يُحْجَرُ عَلَيْهِ فِي الرَّهْنِ لِحَقِّ الْمُرْتَهِنِ ، وَلِهَؤُلَاءِ أَبْوَابٌ يُذْكَرُونَ فِيهَا .\rوَأَمَّا الْمَحْجُورُ عَلَيْهِ لِحَقِّ نَفْسِهِ ، فَثَلَاثَةٌ ؛ الصَّبِيُّ ، وَالْمَجْنُونُ ، وَالسَّفِيهُ ، وَهَذَا الْبَابُ مُخْتَصٌّ بِهَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ .\rوَالْحَجْرُ عَلَيْهِمْ حَجْرٌ عَامٌ ؛ لِأَنَّهُمْ يُمْنَعُونَ التَّصَرُّفَ فِي أَمْوَالِهِمْ وَذِمَمِهِمْ .\rوَالْأَصْلُ فِي الْحَجْرِ عَلَيْهِمْ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمْ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا .\r} وَالْآيَةُ الَّتِي بَعْدَهَا .\rقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَعِكْرِمَةُ هُوَ مَالُ الْيَتِيمِ عِنْدَك ، لَا تُؤْتِهِ إيَّاهُ ، وَأَنْفِقْ عَلَيْهِ .\rوَإِنَّمَا أَضَافَ الْأَمْوَالَ إلَى الْأَوْلِيَاءِ وَهِيَ لِغَيْرِهِمْ ؛ لِأَنَّهُمْ قِوَامُهَا وَمُدَبِّرُوهَا ، وقَوْله تَعَالَى : { وَابْتَلُوا الْيَتَامَى .\r} يَعْنِي ، اخْتَبِرُوهُمْ فِي حِفْظِهِمْ لِأَمْوَالِهِمْ .\r{ حَتَّى إذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ .\r} أَيْ مَبْلَغَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ .\r{ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا .\r} أَيْ أَبْصَرْتُمْ وَعَلِمْتُمْ مِنْهُمْ حِفْظًا لِأَمْوَالِهِمْ ، وَصَلَاحًا فِي تَدْبِيرِ","part":9,"page":385},{"id":4385,"text":"مَعَايِشِهِمْ .","part":9,"page":386},{"id":4386,"text":"( 3468 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ رَحِمَهُ اللَّهُ : ( وَمَنْ أُونِسَ مِنْهُ رُشْدٌ ، دُفِعَ إلَيْهِ مَالُهُ ، إذَا كَانَ قَدْ بَلَغَ ) الْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي فُصُولٍ ثَلَاثَةٍ : ( 3469 ) أَحَدُهَا ، فِي وُجُوبِ دَفْعِ الْمَالِ إلَى الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ إذَا رَشَدَ وَبَلَغَ ، وَلَيْسَ فِيهِ اخْتِلَافٌ بِحَمْدِ اللَّهِ تَعَالَى .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : اتَّفَقُوا عَلَى ذَلِكَ ، وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ فِي نَصِّ كِتَابِهِ ، بِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ : { وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ .\r} وَلِأَنَّ الْحَجْرَ عَلَيْهِ إنَّمَا كَانَ لِعَجْزِهِ عَنْ التَّصَرُّفِ فِي مَالِهِ عَلَى وَجْهِ الْمَصْلَحَةِ ، حِفْظًا لِمَالِهِ عَلَيْهِ ، وَبِهَذَيْنِ الْمَعْنَيَيْنِ يَقْدِرُ عَلَى التَّصَرُّفِ ، وَيُحْفَظُ مَالُهُ ، فَيَزُولُ الْحَجْرُ ، لِزَوَالِ سَبَبِهِ .\rوَلَا يُعْتَبَرُ فِي زَوَالِ الْحَجْرِ عَنْ الْمَجْنُونِ إذَا عَقَلَ حُكْمَ حَاكِمٍ ، بِغَيْرِ خِلَافٍ ، وَلَا يُعْتَبَرُ ذَلِكَ فِي الصَّبِيِّ إذَا رَشَدَ وَبَلَغَ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ مَالِكٌ لَا يَزُولُ إلَّا بِحَاكِمٍ .\rوَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ مَوْضِعُ اجْتِهَادٍ وَنَظَرٍ ، فَإِنَّهُ يَحْتَاجُ فِي مَعْرِفَةِ الْبُلُوغِ وَالرُّشْدِ إلَى اجْتِهَادٍ ، فَيُوقَفُ ذَلِكَ عَلَى حُكْمِ الْحَاكِمِ ، كَزَوَالِ الْحَجْرِ عَنْ السَّفِيهِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِدَفْعِ أَمْوَالِهِمْ إلَيْهِمْ عِنْدَ الْبُلُوغِ وَإِينَاسِ الرُّشْدِ ، فَاشْتِرَاطُ حُكْمِ الْحَاكِمِ زِيَادَةٌ تَمْنَعُ الدَّفْعَ عِنْدَ وُجُوبِ ذَلِكَ بِدُونِ حُكْمِ الْحَاكِمِ ، وَهَذَا خِلَافُ النَّصِّ ، وَلِأَنَّهُ حَجْرٌ بِغَيْرِ حُكْمِ حَاكِمٍ فَيَزُولُ بِغَيْرِ حُكْمِهِ ، كَالْحَجْرِ عَلَى الْمَجْنُونِ ، وَبِهَذَا فَارَقَ السَّفِيهَ .\rوَقَدْ ذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ أَنَّ الْحَجْرَ عَلَى السَّفِيهِ يَزُولُ بِزَوَالِ السَّفَهِ .\rوَالْأَوَّلُ أَوْلَى .\rفَصَارَ الْحَجْرُ مُنْقَسِمًا إلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ ، قِسْمٌ يَزُولُ بِغَيْرِ حُكْمِ حَاكِمٍ ، وَهُوَ حَجْرُ","part":9,"page":387},{"id":4387,"text":"الْمَجْنُونِ ، وَقِسْمٌ لَا يَزُولُ إلَّا بِحَاكِمِ ، وَهُوَ حَجْرُ السَّفِيهِ ، وَقِسْمٌ فِيهِ الْخِلَافُ ، وَهُوَ حَجْرُ الصَّبِيِّ .","part":9,"page":388},{"id":4388,"text":"( 3470 ) الْفَصْلُ الثَّانِي ، أَنَّهُ لَا يُدْفَعُ إلَيْهِ مَالُهُ قَبْلَ وُجُودِ الْأَمْرَيْنِ ، الْبُلُوغِ وَالرُّشْدِ وَلَوْ صَارَ شَيْخًا .\rوَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَكْثَرُ عُلَمَاءِ الْأَمْصَارِ مِنْ أَهْلِ الْحِجَازِ ، وَالْعِرَاقِ ، وَالشَّامِ ، ، وَمِصْرَ ، يَرَوْنَ الْحَجْرَ عَلَى كُلِّ مُضَيِّعٍ لِمَالِهِ ، صَغِيرًا كَانَ أَوْ كَبِيرًا .\rوَهَذَا قَوْلُ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ .\rوَرَوَى الْجُوزَجَانِيُّ ، فِي \" كِتَابِهِ \" ، قَالَ : كَانَ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ يَلِي أَمْرَ شَيْخٍ مِنْ قُرَيْشٍ ذِي أَهْلٍ وَمَالٍ ، فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَمْرٌ فِي مَالِهِ دُونَهُ ؛ لِضَعْفِ عَقْلِهِ .\rقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ : رَأَيْته شَيْخًا يُخَضِّبُ ، وَقَدْ جَاءَ إلَى الْقَاسِمِ بْن مُحَمَّدٍ ، فَقَالَ : يَا أَبَا مُحَمَّدٍ ، ادْفَعْ إلَيَّ مَالِي ، فَإِنَّهُ لَا يُوَلَّى عَلَى مِثْلِيٍّ فَقَالَ : إنَّك فَاسِدٌ .\rفَقَالَ : امْرَأَتُهُ طَالِقٌ أَلْبَتَّةَ ، وَكُلُّ مَمْلُوكٍ لَهُ حُرٌّ ، إنْ لَمْ تَدْفَعْ إلَيَّ مَالِي .\rفَقَالَ لَهُ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ وَمَا يَحِلُّ لَنَا أَنْ نَدْفَعَ إلَيْك مَالَك عَلَى حَالِك هَذِهِ .\rفَبَعَثَ إلَى امْرَأَتِهِ ، وَقَالَ : هِيَ حُرَّةٌ مُسْلِمَةٌ ، وَمَا كُنْت لِأَحْبِسهَا عَلَيْك وَقَدْ فُهْت بِطَلَاقِهَا .\rفَأَرْسَلَ إلَيْهَا فَأَخْبَرَهَا ذَلِكَ ، وَقَالَ : أَمَّا رَقِيقُك فَلَا عِتْقَ لَك ، وَلَا كَرَامَةَ .\rفَحَبَسَ رَقِيقَهُ .\rقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ : مَا كَانَ يُعَابُ عَلَى الرَّجُلِ إلَّا سَفَّهَهُ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يُدْفَعُ مَالُهُ إلَيْهِ قَبْلَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً ، وَإِنْ تَصَرَّفَ نَفَذَ تَصَرُّفُهُ ، فَإِذَا بَلَغَ خَمْسًا وَعِشْرِينَ سَنَةً ، فُكَّ عَنْهُ الْحَجْرُ .\rوَدُفِعَ إلَيْهِ مَالُهُ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إلَّا بِاَلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ .\r} وَهَذَا قَدْ بَلَغَ أَشُدَّهُ ، وَيَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ جَدًّا ، وَلِأَنَّهُ حُرٌّ بَالِغٌ عَاقِلٌ مُكَلَّفٌ ، فَلَا يُحْجَرُ عَلَيْهِ ،","part":9,"page":389},{"id":4389,"text":"كَالرَّشِيدِ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ } .\rعَلَّقَ الدَّفْعَ عَلَى شَرْطَيْنِ ، وَالْحُكْمُ الْمُعَلَّقُ عَلَى شَرْطَيْنِ لَا يَثْبُتُ بِدُونِهِمَا ، وَقَالَ اللَّه تَعَالَى : { وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمْ } .\rيَعْنِي أَمْوَالَهُمْ ، وَقَوْلُ اللَّه تَعَالَى : { فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ } فَأَثْبَتِ الْوِلَايَةَ عَلَى السَّفِيهِ ، وَلِأَنَّهُ مُبَذِّرٌ لِمَالِهِ ، فَلَا يَجُوزُ دَفْعُهُ إلَيْهِ ، كَمَنْ لَهُ دُونَ ذَلِكَ .\rوَأَمَّا الْآيَةُ الَّتِي احْتَجَّ بِهَا ، فَإِنَّمَا يَدُلُّ بِدَلِيلِ خِطَابِهَا ، وَهُوَ لَا يَقُولُ بِهِ ، ثُمَّ هِيَ مُخَصَّصَةٌ فِيمَا قَبْلَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً بِالْإِجْمَاعِ ، لِعِلَّةِ السَّفَهِ ، وَهُوَ مَوْجُودٌ بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ ، فَيَجِبُ أَنْ تُخَصَّ بِهِ أَيْضًا ، كَمَا أَنَّهَا لَمَّا خُصِّصَتْ فِي حَقِّ الْمَجْنُونِ لِأَجْلِ جُنُونِهِ قَبْلَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ ، خُصَّتْ أَيْضًا بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ ، وَمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ الْمَنْطُوقِ أَوْلَى مِمَّا اسْتَدَلَّ بِهِ مِنْ الْمَفْهُومِ الْمُخَصَّصِ ، وَمَا ذَكَرُوهُ مِنْ كَوْنِهِ جَدًّا لَيْسَ تَحْتَهُ مَعْنَى يَقْضِي الْحُكْمَ ، وَلَا لَهُ أَصْلٌ يَشْهَدُ لَهُ فِي الشَّرْعِ ، فَهُوَ إثْبَاتٌ لِلْحُكْمِ بِالتَّحَكُّمِ .\rثُمَّ هُوَ مُتَصَوَّرٌ فِي مَنْ لَهُ دُونَ هَذِهِ السِّنِّ ، فَإِنَّ الْمَرْأَةَ تَكُونُ جَدَّةً لِإِحْدَى وَعِشْرِينَ سَنَةً ، وَقِيَاسُهُمْ مُنْتَقِضٌ بِمَنْ لَهُ دُونَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً ، وَمَا أَوْجَبَ الْحَجْرَ قَبْلَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ يُوجِبُهُ بَعْدَهَا .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ تَصَرُّفُهُ ، وَلَا إقْرَارُهُ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَصِحُّ بَيْعُهُ وَإِقْرَارُهُ .\rوَإِنَّمَا لَا يُسَلَّمُ إلَيْهِ مَالُهُ ؛ لِأَنَّ الْبَالِغَ عِنْدَهُ لَا يُحْجَرُ عَلَيْهِ ، وَإِنَّمَا مُنِعَ تَسْلِيمُ مَالِهِ إلَيْهِ لِلْآيَةِ .\rوَقَالَ أَصْحَابُنَا فِي إقْرَارِهِ :","part":9,"page":390},{"id":4390,"text":"يَلْزَمُهُ بَعْدَ فَكِّ الْحَجْرِ عَنْهُ ، إذَا كَانَ بَالِغًا .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ لَا يُدْفَعُ إلَيْهِ مَالُهُ لِعَدَمِ رُشْدِهِ ، فَلَا يَصِحُّ تَصَرُّفُهُ وَإِقْرَارُهُ ، كَالصَّبِيِّ ، وَالْمَجْنُونِ ، وَلِأَنَّهُ إذَا نَفَذَ تَصَرُّفُهُ وَإِقْرَارُهُ تَلِفَ مَالُهُ ، وَلَمْ يُفِدْ مَنْعُهُ مِنْ مَالِهِ شَيْئًا ، وَلِأَنَّ تَصَرُّفَهُ لَوْ كَانَ نَافِذًا ، لَسُلِّمَ إلَيْهِ مَالُهُ ، كَالرَّشِيدِ ، فَإِنَّهُ إنَّمَا يُمْنَعُ مَالَهُ حِفْظًا لَهُ ، فَإِذَا لَمْ يُحْفَظْ بِالْمَنْعِ ، وَجَبَ تَسْلِيمُهُ إلَيْهِ بِحُكْمِ الْأَصْلِ .","part":9,"page":391},{"id":4391,"text":"( 3471 ) الْفَصْلُ الثَّالِثُ ، فِي الْبُلُوغِ ، وَيَحْصُلُ فِي حَقِّ الْغُلَامِ وَالْجَارِيَةِ بِأَحَدِ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ ، وَفِي حَقِّ الْجَارِيَةِ بِشَيْئَيْنِ يَخْتَصَّانِ بِهَا ، أَمَّا الثَّلَاثَةُ الْمُشْتَرَكَةُ بَيْنَ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى ، فَأَوَّلُهَا خُرُوجُ الْمَنِيِّ مِنْ قُبُلِهِ ، وَهُوَ الْمَاءُ الدَّافِقُ الَّذِي يُخْلَقُ مِنْهُ الْوَلَدُ ، فَكَيْفَمَا خَرَجَ فِي يَقَظَةٍ أَوْ مَنَامٍ ، بِجِمَاعِ ، أَوْ احْتِلَامٍ ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ ، حَصَلَ بِهِ الْبُلُوغُ .\rلَا نَعْلَمُ فِي ذَلِكَ اخْتِلَافًا ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمْ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا } وَقَوْلِهِ { وَاَلَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ } وَقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ ؛ عَنْ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ .\r} وَقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِمُعَاذِ { : خُذْ مِنْ كُلِّ حَالِمٍ دِينَارًا } .\rرَوَاهُمَا أَبُو دَاوُد .\rوَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْفَرَائِضَ وَالْأَحْكَامَ تَجِبُ عَلَى الْمُحْتَلِمِ الْعَاقِلِ ، وَعَلَى الْمَرْأَةِ بِظُهُورِ الْحَيْضِ مِنْهَا .\rوَأَمَّا الْإِنْبَاتُ فَهُوَ أَنْ يَنْبُتَ الشَّعْرُ الْخَشِنُ حَوْلَ ذَكَرِ الرَّجُلِ ، أَوْ فَرْجِ الْمَرْأَةِ ، الَّذِي اسْتَحَقَّ أَخْذَهُ بِالْمُوسَى ، وَأَمَّا الزَّغَبُ الضَّعِيفُ ، فَلَا اعْتِبَارَ بِهِ ، فَإِنَّهُ يَثْبُتُ فِي حَقِّ الصَّغِيرِ .\rوَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ فِي قَوْلٍ ، وَقَالَ فِي الْآخَرِ : هُوَ بُلُوغٌ فِي حَقِّ الْمُشْرِكِينَ ، وَهَلْ هُوَ بُلُوغٌ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِينَ ؟ فِيهِ قَوْلَانِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا اعْتِبَارَ بِهِ ؛ لِأَنَّهُ نَبَاتُ شَعْرٍ ، فَأَشْبَهَ نَبَاتَ شَعْرِ سَائِرِ الْبَدَنِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا حَكَّمَ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ ، حَكَمَ بِأَنْ تُقْتَلَ مُقَاتِلَتُهُمْ ، وَتُسْبَى ذَرَارِيُّهُمْ ، وَأَمَرَ أَنْ يُكْشَفَ عَنْ مُؤَازَرَتِهِمْ ، فَمَنْ أَنْبَتَ ، فَهُوَ مِنْ الْمُقَاتِلَةِ ، وَمَنْ لَمْ يُنْبِتْ ، أَلْحَقُوهُ بِالذُّرِّيَّةِ .\rوَقَالَ عَطِيَّةُ","part":9,"page":392},{"id":4392,"text":"الْقُرَظِيّ : عُرِضْت عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ قُرَيْظَةَ ، فَشَكُّوا فِي ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُنْظَرَ إلَيَّ ، هَلْ أَنْبَتُّ بَعْدُ ، فَنَظَرُوا إلَيَّ ، فَلَمْ يَجِدُونِي أَنْبَتُّ بَعْدُ ، فَأَلْحَقُونِي بِالذُّرِّيَّةِ .\rمُتَعَلِّقٌ عَلَى مَعْنَاهُ .\rوَكَتَبَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إلَى عَامِلِهِ ، أَنْ لَا تَأْخُذَ الْجِزْيَةَ إلَّا مِنْ مَنْ جَرَتْ عَلَيْهِ الْمَوَاسِي .\rوَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ حِبَّانَ ، أَنَّ غُلَامًا مِنْ الْأَنْصَارِ شَبَّبَ بِامْرَأَةِ فِي شِعْرِهِ ، فَرُفِعَ إلَى عُمَرَ ، فَلَمْ يَجِدْهُ أَنْبَتَ ، فَقَالَ : لَوْ أَنْبَتَّ الشَّعْرَ لَحَدَدْتُك .\rوَلِأَنَّهُ خَارِجٌ يُلَازِمُهُ الْبُلُوغُ غَالِبًا ، وَيَسْتَوِي فِيهِ الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى ، فَكَانَ عَلَمًا عَلَى الْبُلُوغِ ، كَالِاحْتِلَامِ ، وَلِأَنَّ الْخَارِجَ ضَرْبَانِ ، مُتَّصِلٌ ، وَمُنْفَصِلٌ ، فَلَمَّا كَانَ مِنْ الْمُنْفَصِلِ مَا يَثْبُتُ بِهِ الْبُلُوغُ ، كَانَ كَذَلِكَ الْمُتَّصِلُ .\rوَمَا كَانَ بُلُوغًا فِي حَقِّ الْمُشْرِكِينَ ، كَانَ بُلُوغًا فِي حَقِّ الْمُسْلِمِينَ ، كَالِاحْتِلَامِ ، وَالسِّنِّ .\rوَأَمَّا السِّنُّ ، فَإِنَّ الْبُلُوغَ بِهِ فِي الْغُلَامِ وَالْجَارِيَةِ بِخَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً .\rوَبِهَذَا قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَقَالَ دَاوُد : لَا حَدَّ لِلْبُلُوغِ مِنْ السِّنِّ ، لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ { : رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ ، عَنْ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ } .\rوَإِثْبَاتُ الْبُلُوغِ بِغَيْرِهِ يُخَالِفُ الْخَبَرَ .\rوَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ وَقَالَ أَصْحَابُهُ : سَبْعَ عَشْرَةَ ، أَوْ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ .\rوَرُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِي الْغُلَامِ رِوَايَتَانِ .\rإحْدَاهُمَا ، سَبْعَ عَشْرَةَ ، وَالثَّانِيَةُ ، ثَمَانِيَ عَشْرَةَ .\rوَالْجَارِيَةُ سَبْعَ عَشْرَةَ بِكُلِّ حَالٍ ؛ لِأَنَّ الْحَدَّ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِتَوْقِيفٍ ، أَوْ اتِّفَاقٍ ، وَلَا تَوْقِيفَ فِي مَا دُونَ هَذَا ، وَلَا اتِّفَاقَ .\rوَلَنَا ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ قَالَ { : عُرِضْت عَلَى رَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ","part":9,"page":393},{"id":4393,"text":"وَأَنَا ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً ، فَلَمْ يُجْزِنِي فِي الْقِتَالِ ، وَعُرِضْت عَلَيْهِ وَأَنَا ابْنُ خَمْسَ عَشَرَةَ ، فَأَجَازَنِي } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَفِي لَفْظٍ : عُرِضْت عَلَيْهِ يَوْمَ أُحُدٍ وَأَنَا ابْنُ أَرْبَعَ عَشَرَةَ فَرَدَّنِي ، وَلَمْ يَرَنِي بَلَغْت ، وَعُرِضْت عَلَيْهِ عَامَ الْخَنْدَقِ وَأَنَا ابْنُ خَمْسَ عَشَرَةَ ، فَأَجَازَنِي .\rفَأُخْبِرَ بِهَذَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، فَكَتَبَ إلَى عُمَّالِهِ : أَنْ لَا تَفْرِضُوا إلَّا لِمَنْ بَلَغَ خَمْسَ عَشَرَةَ .\rرَوَاهُ الشَّافِعِيُّ فِي \" مُسْنَدِهِ \" ، وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَقَالَ : حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ .\rوَرُوِيَ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { : إذَا اسْتَكْمَلَ الْمَوْلُودُ خَمْسَ عَشَرَةَ سَنَةً كُتِبَ مَا لَهُ وَمَا عَلَيْهِ ، وَأُخِذَتْ مِنْهُ الْحُدُودُ } .\rوَلِأَنَّ السِّنَّ مَعْنًى يَحْصُلُ بِهِ الْبُلُوغُ ، يَشْتَرِكُ فِيهِ الْغُلَامُ وَالْجَارِيَةُ ، فَاسْتَوَيَا فِيهِ ، كَالْإِنْزَالِ .\rوَمَا ذَكَرَهُ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ ، فَفِيمَا رَوَيْنَاهُ جَوَابٌ عَنْهُ ، وَمَا احْتَجَّ بِهِ دَاوُد لَا يَمْنَعُ إنْبَاتَ الْبُلُوغِ بِغَيْرِ الِاحْتِلَامِ إذَا ثَبَت بِالدَّلِيلِ ، وَلِهَذَا كَانَ إنْبَاتُ الشَّعْرِ عَلَمًا .\rوَأَمَّا الْحَيْضُ فَهُوَ عَلَمٌ عَلَى الْبُلُوغِ ، لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : لَا يَقْبَلُ اللَّه صَلَاةَ حَائِضٍ إلَّا بِخِمَارٍ } .\rرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ : حَدِيثٌ حَسَنٌ .\rوَأَمَّا الْحَمْلُ فَهُوَ عَلَمٌ عَلَى الْبُلُوغِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَجْرَى الْعَادَةَ أَنَّ الْوَلَدَ لَا يُخْلَقُ إلَّا مِنْ مَاءِ الرَّجُلِ وَمَاءِ الْمَرْأَةِ .\rقَالَ اللَّه تَعَالَى : { فَلْيَنْظُرْ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ } وَأَخْبَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ فِي الْأَحَادِيثِ ، فَمَتَى حَمَلَتْ ، حُكِمَ بِبُلُوغِهَا فِي الْوَقْتِ الَّذِي حَمَلَتْ فِيهِ .","part":9,"page":394},{"id":4394,"text":"( 3472 ) فَصْلٌ : وَإِذَا وُجِدَ خُرُوجُ الْمَنِيِّ مِنْ ذَكَرِ الْخُنْثَى الْمُشْكِلِ ، فَهُوَ عَلَمٌ عَلَى بُلُوغِهِ ، وَكَوْنِهِ رَجُلًا ، وَإِنْ خَرَجَ مِنْ فَرْجِهِ ، أَوْ حَاضَ ، فَهُوَ عَلَمٌ عَلَى بُلُوغِهِ ، وَكَوْنِهِ امْرَأَةً .\rوَقَالَ الْقَاضِي : لَيْسَ وَاحِدٌ مِنْهُمَا عَلَمًا عَلَى الْبُلُوغِ ، فَإِنْ اجْتَمَعَا ، فَقَدْ بَلَغَ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الْفَرْجُ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ ذَلِكَ خِلْقَةً زَائِدَةً .\rوَلَنَا ، أَنَّ خُرُوجَ الْبَوْلِ مِنْ أَحَدِ الْفَرْجَيْنِ دَلِيلٌ عَلَى كَوْنِهِ رَجُلًا أَوْ امْرَأَةً ، فَخُرُوجُ الْمَنِيِّ وَالْحَيْضِ أَوْلَى ، وَإِذَا ثَبَتَ كَوْنُهُ رَجُلًا خَرَجَ الْمَنِيُّ مِنْ ذَكَرِهِ ، أَوْ امْرَأَةً خَرَجَ الْحَيْضُ مِنْ فَرْجِهَا ، لَزِمَ وُجُودُ الْبُلُوغِ ، وَلِأَنَّ خُرُوجَ مَنِيِّ الرَّجُلِ مِنْ الْمَرْأَةِ ، وَالْحَيْضِ مِنْ الرَّجُلِ ، مُسْتَحِيلٌ ، فَكَانَ دَلِيلًا عَلَى التَّعْيِينِ ، فَإِذَا ثَبَتَ التَّعْيِينُ لَزِمَ كَوْنُهُ دَلِيلًا عَلَى الْبُلُوغِ ، كَمَا لَوْ تَعَيَّنَ قَبْلَ خُرُوجِهِ ، وَلِأَنَّهُ مَنِيٌّ خَارِجٌ مِنْ ذَكَرٍ ، أَوْ حَيْضٌ خَارِجٌ مِنْ فَرْجٍ ، فَكَانَ عَلَمًا عَلَى الْبُلُوغ كَالْمَنِيِّ الْخَارِجِ مِنْ الْغُلَامِ ، وَالْحَيْضِ الْخَارِجِ مِنْ الْجَارِيَةِ ، وَلِأَنَّهُمْ سَلَّمُوا أَنَّ خُرُوجَهُمَا مَعًا دَلِيلٌ عَلَى الْبُلُوغِ ، فَخُرُوجُ أَحَدِهِمَا مُنْفَرِدًا أَوْلَى ؛ لِأَنَّ خُرُوجَهُمَا مَعًا يَقْتَضِي تَعَارُضَهُمَا ، وَإِسْقَاطَ دَلَالَتِهِمَا ، إذْ لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَجْتَمِعَ حَيْضٌ صَحِيحٌ وَمَنِيُّ رَجُلٍ ، فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا فَضْلَةً خَارِجَةً مِنْ غَيْرِ مَحَلِّهَا ، وَلَيْسَ أَحَدُهُمَا بِذَلِكَ أَوْلَى مِنْ الْآخَرِ ، فَتَبْطُلُ دَلَالَتُهُمَا ، كَالْبَيِّنَتَيْنِ إذَا تَعَارَضَتَا ، وَكَالْبَوْلِ إذَا خَرَجَ مِنْ الْمَخْرَجَيْنِ جَمِيعًا ، بِخِلَافِ مَا إذَا وُجِدَ أَحَدُهُمَا مُنْفَرِدًا ، فَإِنَّ اللَّه تَعَالَى أَجْرَى الْعَادَةَ بِأَنَّ الْحَيْضَ يَخْرُجُ مِنْ فَرْجِ الْمَرْأَةَ عِنْدَ بُلُوغِهَا ، وَمَنِيَّ الرَّجُلِ يَخْرُجُ مِنْ ذَكَرِهِ عِنْدَ بُلُوغِهِ ، فَإِذَا وُجِدَ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ","part":9,"page":395},{"id":4395,"text":"مُعَارِضٍ وَجَبَ أَنْ يَثْبُتَ حُكْمُهُ ، وَيَقْضِي بِثُبُوتِ دَلَالَتِهِ ، كَالْحُكْمِ بِكَوْنِهِ رَجُلًا ، بِخُرُوجِ الْبَوْلِ مِنْ ذَكَرِهِ ، وَبِكَوْنِهِ امْرَأَةً ، بِخُرُوجِهِ مِنْ فَرْجِهَا ، وَالْحُكْمِ لِلْغُلَامِ بِالْبُلُوغِ بِخُرُوجِ الْمَنِيِّ مِنْ ذَكَرِهِ ، وَلِلْجَارِيَةِ بِخُرُوجِ الْحَيْضِ مِنْ فَرْجِهَا ، فَعَلَى هَذَا إنْ خَرَجَا جَمِيعًا لَمْ يَثْبُتْ كَوْنُهُ رَجُلًا وَلَا امْرَأَةً ؛ لِأَنَّ الدَّلِيلَيْنِ تَعَارَضَا ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ خَرَجَ الْبَوْلُ مِنْ الْفَرْجَيْنِ .\rوَهَلْ يَثْبُتُ الْبُلُوغُ بِذَلِكَ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، يَثْبُتُ .\rوَهُوَ اخْتِيَارُ الْقَاضِي ، وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ رَجُلًا ، فَقَدْ خَرَجَ الْمَنِيُّ مِنْ ذَكَرِهِ ، وَإِنْ كَانَتْ امْرَأَةً ، فَقَدْ حَاضَتْ .\rوَالثَّانِي ، لَا يَثْبُتُ ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ لَا يَكُونَ هَذَا حَيْضًا وَلَا مَنِيًّا ، فَلَا يَكُونُ فِيهِ دَلَالَةٌ ، وَقَدْ دَلَّ تَعَارُضُهُمَا عَلَى ذَلِكَ ، فَانْتَفَتْ دَلَالَتُهُمَا عَلَى الْبُلُوغِ ، كَانْتِفَاءِ دَلَالَتِهِمَا عَلَى الذُّكُورِيَّةِ وَالْأُنُوثِيَّةِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":9,"page":396},{"id":4396,"text":"( 3473 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَكَذَلِكَ الْجَارِيَةُ ، وَإِنْ لَمْ تُنْكَحْ ) يَعْنِي أَنَّ الْجَارِيَةَ إذَا بَلَغَتْ ، وَأُونِسَ رُشْدُهَا بَعْد بُلُوغِهَا ، دُفِعَ إلَيْهَا مَالُهَا ، وَزَالَ الْحَجْرُ عَنْهَا ، وَإِنْ لَمْ تَتَزَوَّجْ .\rوَبِهَذَا قَالَ عَطَاءٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ .\rوَنَقَلَ أَبُو طَالِبٍ ، عَنْ أَحْمَدَ لَا يُدْفَعُ إلَى الْجَارِيَةِ مَالُهَا بَعْدَ بُلُوغِهَا ، حَتَّى تَتَزَوَّجَ وَتَلِدَ ، أَوْ يَمْضِيَ عَلَيْهَا سَنَةٌ فِي بَيْتِ الزَّوْجِ .\rرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ ، وَبِهِ قَالَ شُرَيْحٌ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ شُرَيْحٍ أَنَّهُ قَالَ : عَهِدَ إلَيَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنْ لَا أُجِيزَ لِجَارِيَةٍ عَطِيَّةً حَتَّى تَحُولَ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا حَوْلًا ، أَوْ تَلِدَ وَلَدًا .\rرَوَاهُ سَعِيدٌ فِي سُنَنِهِ ، وَلَا يُعْرَفُ لَهُ مُخَالِفٌ ، فَصَارَ إجْمَاعًا .\rوَقَالَ مَالِكٌ : لَا يُدْفَعُ إلَيْهَا مَالُهَا حَتَّى تَتَزَوَّجَ ، وَيَدْخُلَ عَلَيْهَا زَوْجُهَا ؛ لِأَنَّ كُلَّ حَالَةٍ جَازَ لِلْأَبِ تَزْوِيجُهَا مِنْ غَيْرِ إذْنِهَا ، لَمْ يَنْفَكَّ عَنْهَا الْحَجْرُ ، كَالصَّغِيرَةِ .\rوَلَنَا ، عُمُومُ قَوْله تَعَالَى : { وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ } .\rوَلِأَنَّهَا يَتِيمٌ بَلَغَ وَأُونِسَ مِنْهُ الرُّشْدُ ؛ فَيُدْفَعُ إلَيْهِ مَالُهُ كَالرَّجُلِ ، وَلِأَنَّهَا بَالِغَةٌ رَشِيدَةٌ ، فَجَازَ لَهَا التَّصَرُّفُ فِي مَالِهَا ، كَالَّتِي دَخَلَ بِهَا الزَّوْجُ ، وَحَدِيثُ عُمَرَ إنْ صَحَّ ، فَلَمْ يُعْلَمْ انْتِشَارُهُ فِي الصَّحَابَةِ ، وَلَا يُتْرَكُ بِهِ الْكِتَابُ وَالْقِيَاسُ ، عَلَى أَنَّ حَدِيثَ عُمَرَ مُخْتَصٌّ بِمَنْعِ الْعَطِيَّةِ ، فَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ الْمَنْعُ مِنْ تَسْلِيمِ مَالِهَا إلَيْهَا ، وَمَنْعُهَا مِنْ سَائِرِ التَّصَرُّفَاتِ ، وَمَالِكٌ لَمْ يَعْمَلْ بِهِ ، وَإِنَّمَا اعْتَمَدَ عَلَى إجْبَارِ الْأَبِ لَهَا عَلَى النِّكَاحِ ، وَلَنَا أَنْ نَمْنَعَ ذَلِكَ ، وَإِنْ سَلَّمْنَاهُ ، فَإِنَّمَا أَجْبَرَهَا","part":9,"page":397},{"id":4397,"text":"عَلَى النِّكَاحِ لِأَنَّ اخْتِيَارَهَا لِلنِّكَاحِ وَمَصَالِحِهِ لَا يُعْلَمُ إلَّا بِمُبَاشَرَتِهِ ، وَالْبَيْعُ وَالشِّرَاءُ وَالْمُعَامَلَاتُ مُمْكِنَةٌ قَبْلَ النِّكَاحِ ، وَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ ، إذَا لَمْ تَتَزَوَّجْ أَصْلًا احْتَمَلَ أَنْ يَدُومَ الْحَجْرُ عَلَيْهَا ، عَمَلًا بِعُمُومِ حَدِيثِ عُمَرَ ، وَلِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ شَرْطُ دَفْعِ مَالِهَا إلَيْهَا ، فَلَمْ يَجُزْ دَفْعُهُ إلَيْهَا ، كَمَا لَوْ لَمْ تُرْشَدْ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : عِنْدِي أَنَّهُ يُدْفَعُ إلَيْهَا مَالُهَا إذَا عَنَّسَتْ وَبَرَزَتْ لِلرِّجَالِ ، يَعْنِي كَبِرَتْ .","part":9,"page":398},{"id":4398,"text":"( 3474 ) فَصْلٌ : وَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ ، أَنَّ لِلْمَرْأَةِ الرَّشِيدَةِ التَّصَرُّفَ فِي مَالِهَا كُلِّهِ ، بِالتَّبَرُّعِ ، وَالْمُعَاوَضَةِ .\rوَهَذَا إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَابْنِ الْمُنْذِرِ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى ، لَيْسَ لَهَا أَنْ تَتَصَرَّفَ فِي مَالِهَا بِزِيَادَةٍ عَلَى الثُّلُثِ بِغَيْرِ عِوَضٍ ، إلَّا بِإِذْنِ زَوْجِهَا .\rوَبِهِ قَالَ مَالِكٌ .\rوَحُكِيَ عَنْهُ فِي امْرَأَةٍ حَلَفَتْ أَنْ تَعْتِقَ جَارِيَةً لَهَا لَيْسَ لَهَا غَيْرُهَا ، فَحَنِثَتْ ، وَلَهَا زَوْجٌ ، فَرَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهَا زَوْجُهَا ، قَالَ : لَهُ أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهَا ، وَلَيْسَ لَهَا عِتْقٌ ؛ لِمَا رُوِيَ أَنَّ امْرَأَةَ كَعْبِ بْنِ مَالِك أَتَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِحُلِيٍّ لَهَا ، فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَا يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ عَطِيَّةٌ حَتَّى يَأْذَنَ زَوْجُهَا ، فَهَلْ اسْتَأْذَنْت كَعْبًا ؟ فَقَالَتْ : نَعَمْ .\rفَبَعَثَ رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى كَعْبٍ ، فَقَالَ : هَلْ أَذِنَ لَهَا أَنْ تَتَصَدَّقَ بِحُلِيِّهَا ؟ .\rقَالَ : نَعَمْ .\rفَقَبِلَهُ رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ } .\rرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ .\rوَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ عَمْرو بْنِ شُعَيْبٍ .\rعَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي خُطْبَةٍ خَطَبَهَا { : لَا يَجُوزُ لِامْرَأَةٍ عَطِيَّةٌ مِنْ مَالِهَا إلَّا بِإِذْنِ زَوْجِهَا ؛ إذْ هُوَ مَالِكُ عِصْمَتِهَا .\r} رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِلَفْظِهِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، أَنَّ رَسُولَ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { لَا يَجُوزُ لَامْرَأَةٍ عَطِيَّةٌ إلَّا بِإِذْنِ زَوْجِهَا } .\rوَلِأَنَّ حَقَّ الزَّوْجِ مُعَلَّقٌ بِمَالِهَا ، فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ \" تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لِمَالِهَا وَجَمَالِهَا وَدِينِهَا \" .\rوَالْعَادَةُ أَنَّ الزَّوْجَ يَزِيدُ فِي مَهْرِهَا مِنْ أَجْلِ مَالِهَا ، وَيَتَبَسَّطُ فِيهِ ، وَيَنْتَفِعُ بِهِ ، فَإِذَا أُعْسِرَ بِالنَّفَقَةِ","part":9,"page":399},{"id":4399,"text":"أَنْظَرَتْهُ ، فَجَرَى ذَلِكَ مَجْرَى حُقُوقِ الْوَرَثَةِ الْمُعَلَّقَةِ بِمَالِ الْمَرِيضِ .\rوَلَنَا ، قَوْله تَعَالَى : { فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ } .\rوَهُوَ ظَاهِرٌ فِي فَكِّ الْحَجْرِ عَنْهُمْ ، وَإِطْلَاقِهِمْ فِي التَّصَرُّفِ ، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ تَصَدَّقْنَ ، وَلَوْ مِنْ حُلِيِّكُنَّ } { .\rوَأَنَّهُنَّ تَصَدَّقْنَ فَقَبِلَ صَدَقَتَهُنَّ وَلَمْ يَسْأَلْ وَلَمْ يَسْتَفْصِلْ } { .\rوَأَتَتْهُ زَيْنَبُ امْرَأَةُ عَبْدِ اللَّهِ وَامْرَأَةٌ أُخْرَى اسْمُهَا زَيْنَبُ فَسَأَلَتْهُ عَنْ الصَّدَقَةِ ، هَلْ يَجْزِيهِنَّ أَنْ يَتَصَدَّقْنَ عَلَى أَزْوَاجِهِنَّ ، وَأَيْتَامٍ لَهُنَّ ؟ فَقَالَ : نَعَمْ } وَلَمْ يَذْكُرْ لَهُنَّ هَذَا الشَّرْطَ ، وَلِأَنَّ مَنْ وَجَبَ دَفْعُ مَالِهِ إلَيْهِ لِرُشْدٍ ، جَازَ لَهُ التَّصَرُّفُ فِيهِ مِنْ غَيْرِ إذْنٍ كَالْغُلَامِ ، وَلِأَنَّ الْمَرْأَةَ مِنْ أَهْلِ التَّصَرُّفِ ، وَلَا حَقَّ لِزَوْجِهَا فِي مَالِهَا .\rفَلَمْ يَمْلِكْ الْحَجْرَ عَلَيْهَا فِي التَّصَرُّفِ بِجَمِيعِهِ ، كَأُخْتِهَا .\rوَحَدِيثُهُمْ ضَعِيفٌ وَشُعَيْبٌ لَمْ يُدْرِكْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو ، فَهُوَ مُرْسَلٌ .\rوَعَلَى أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ عَطِيَّتُهَا لِمَالِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَجُوزُ عَطِيَّتُهَا مَا دُونَ الثُّلُثِ مِنْ مَالِهَا ، وَلَيْسَ مَعَهُمْ حَدِيثٌ يَدُلُّ عَلَى تَحْدِيدِ الْمَنْعِ بِالثُّلُثِ ، فَالتَّحْدِيدُ بِذَلِكَ تَحَكُّمٌ لَيْسَ فِيهِ تَوْقِيفٌ ، وَلَا عَلَيْهِ دَلِيلٌ .\rوَقِيَاسُهُمْ عَلَى الْمَرِيضِ غَيْرُ صَحِيحٍ ، لِوُجُوهِ ؛ أَحَدِهَا ، أَنَّ الْمَرَضَ سَبَبٌ يُفْضِي إلَى وُصُولِ الْمَالِ إلَيْهِمْ بِالْمِيرَاثِ ، وَالزَّوْجِيَّة إنَّمَا تَجْعَلُهُ مِنْ أَهْلِ الْمِيرَاثِ ، فَهِيَ أَحَدُ وَصَفِّي الْعِلَّةِ ، فَلَا يَثْبُتُ الْحُكْمُ بِمُجَرَّدِهَا ، كَمَا لَا يَثْبُتُ لِلْمَرْأَةِ الْحَجْرُ عَلَى زَوْجِهَا ، وَلَا لِسَائِرِ الْوُرَّاثِ بِدُونِ الْمَرَضِ .\rالثَّانِي : أَنَّ تَبَرُّعَ الْمَرِيضِ مَوْقُوفٌ ، فَإِنْ بَرِئَ مِنْ مَرَضِهِ ، صَحَّ تَبَرُّعُهُ ، وَهَا هُنَا","part":9,"page":400},{"id":4400,"text":"أَبْطَلُوهُ عَلَى كُلِّ حَالٍ ، وَالْفَرْعُ لَا يَزِيدُ عَلَى أَصْلِهِ .\rالثَّالِثُ ، أَنَّ مَا ذَكَرُوهُ مُنْتَقِضٌ بِالْمَرْأَةِ ، فَإِنَّهَا تَنْتَفِعُ بِمَالِ زَوْجِهَا وَتَتَبَسَّطُ فِيهِ عَادَةً ، وَلَهَا النَّفَقَةُ مِنْهُ ، وَانْتِفَاعُهَا بِمَالِهِ أَكْثَرُ مِنْ انْتِفَاعِهِ بِمَالِهَا ، وَلَيْسَ لَهَا الْحَجْرُ عَلَيْهِ ، وَعَلَى أَنَّ هَذَا الْمَعْنَى لَيْسَ بِمَوْجُودِ فِي الْأَصْلِ ، وَمِنْ شَرْطِ صِحَّةِ الْقِيَاسِ وُجُودُ الْمَعْنَى الْمُثْبِتِ لِلْحُكْمِ فِي الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ جَمِيعًا .","part":9,"page":401},{"id":4401,"text":"فَصْلٌ : وَهَلْ يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ الصَّدَقَةُ مِنْ مَالِ زَوْجِهَا بِالشَّيْءِ الْيَسِيرِ ، بِغَيْرِ إذْنِهِ ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ ؛ إحْدَاهُمَا ، الْجَوَازُ ؛ لِأَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : مَا أَنْفَقَتْ الْمَرْأَةُ مِنْ بَيْتِ زَوْجِهَا ، غَيْرَ مُفْسِدَةٍ ، كَانَ لَهَا أَجْرُهَا ، وَلَهُ مِثْلُهُ بِمَا كَسَبَ ، وَلَهَا بِمَا أَنْفَقَتْ ، وَلِلْخَازِنِ مِثْلُ ذَلِكَ ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يُنْتَقَصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ } .\rوَلَمْ يَذْكُرْ إذْنًا .\rوَعَنْ أَسْمَاءَ ، أَنَّهَا جَاءَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ لَيْسَ لِي شَيْءٌ إلَّا مَا أَدْخَلَ عَلَيَّ الزُّبَيْرُ ، فَهَلْ عَلَيَّ جُنَاحٌ أَنْ أَرْضَخَ مِمَّا يُدْخِلُ عَلَيَّ ؟ فَقَالَ { : ارْضَخِي مَا اسْطَعْتِ ، وَلَا تُوعِي ، فَيُوعَى عَلَيْك } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا وَرُوِيَ أَنَّ { امْرَأَةً أَتَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّا كَلٌّ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَآبَائِنَا ، فَمَا يَحِلُّ لَنَا مِنْ أَمْوَالِهِمْ ؟ قَالَ : الرَّطْبُ تَأْكُلِينَهُ ، وَتُهْدِينَهُ } .\rوَلِأَنَّ الْعَادَةَ السَّمَاحُ بِذَلِكَ ، وَطِيبُ النَّفْسِ ، فَجَرَى مَجْرَى صَرِيحِ الْإِذْنِ ، كَمَا أَنَّ تَقْدِيمَ الطَّعَامِ بَيْنَ يَدَيْ الْأَكَلَةِ قَامَ مَقَامَ صَرِيحِ الْإِذْنِ فِي أَكْلِهِ .\rوَالرِّوَايَة الثَّانِيَة ، لَا يَجُوزُ ؛ لِمَا رَوَى أَبُو أُمَامَةَ الْبَاهِلِيُّ ، قَالَ : سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ { : لَا تُنْفِقُ الْمَرْأَةُ شَيْئًا مِنْ بَيْتِهَا إلَّا بِإِذْنِ زَوْجِهَا .\rقِيلَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا الطَّعَامَ ؟ .\rقَالَ : ذَاكَ أَفْضَلُ أَمْوَالِنَا } .\rرَوَاهُ سَعِيدٌ فِي \" سُنَنِهِ \" .\rوَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلَّا عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ } .\rوَقَالَ { إنَّ اللَّهَ حَرَّمَ بَيْنَكُمْ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا ، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا ، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا } .\rوَلِأَنَّهُ تَبَرَّعَ بِمَالِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ ،","part":9,"page":402},{"id":4402,"text":"فَلَمْ يَجُزْ ، كَغَيْرِ الزَّوْجَةِ .\rوَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ؛ لِأَنَّ الْأَحَادِيثَ فِيهَا خَاصَّة صَحِيحَةٌ ، وَالْخَاصُّ يُقَدَّمُ عَلَى الْعَامِ وَيُبَيِّنُهُ ، وَيُعَرِّفُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْعَامِّ غَيْرُ هَذِهِ الصُّورَةِ الْمَخْصُوصَةِ ، وَالْحَدِيثُ الْخَاصُّ لِهَذِهِ الرِّوَايَةِ ضَعِيفٌ ، وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُ الْمَرْأَةِ عَلَى غَيْرِهَا ؛ لِأَنَّهَا بِحُكْمِ الْعَادَةِ تَتَصَرَّفُ فِي مَالِ زَوْجِهَا ، وَتَتَبَسَّطُ فِيهِ ، وَتَتَصَدَّقُ مِنْهُ ، لِحُضُورِهَا وَغَيْبَتِهِ ، وَالْإِذْنُ الْعُرْفِيُّ يَقُومُ مَقَامَ الْإِذْنِ الْحَقِيقِيِّ ، فَصَارَ كَأَنَّهُ قَالَ لَهَا : افْعَلِي هَذَا .\rفَإِنْ مَنَعَهَا ذَلِكَ ، وَقَالَ : لَا تَتَصَدَّقِي بِشَيْءٍ ، وَلَا تَتَبَرَّعِي مِنْ مَالِي بِقَلِيلٍ ، وَلَا كَثِيرٍ .\rلَمْ يَجُزْ لَهَا ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الْمَنْعَ الصَّرِيحَ نَفْيٌ لِلْإِذْنِ الْعُرْفِيِّ وَلَوْ كَانَ فِي بَيْتِ الرَّجُلِ مَنْ يَقُومُ مَقَامَ امْرَأَتِهِ كَجَارِيَتِهِ ، أَوْ أُخْتِهِ .\rأَوْ غُلَامِهِ الْمُتَصَرِّفِ فِي بَيْتِ سَيِّدِهِ وَطَعَامِهِ ، جَرَى مَجْرَى الزَّوْجَةِ فِيمَا ذَكَرْنَا ؛ لِوُجُودِ الْمَعْنَى فِيهِ .\rوَلَوْ كَانَتْ امْرَأَتُهُ مَمْنُوعَةً مِنْ التَّصَرُّفِ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا ، كَالَّتِي يُطْعِمُهَا بِالْفَرْضِ ، وَلَا يُمَكِّنُهَا مِنْ طَعَامِهِ ، وَلَا مِنْ التَّصَرُّفِ فِي شَيْءٍ مِنْ مَالِهِ ، لَمْ يَجُزْ لَهَا الصَّدَقَةُ بِشَيْءِ مِنْ مَالِهِ ؛ لِعَدَمِ الْمَعْنَى فِيهَا ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":9,"page":403},{"id":4403,"text":"( 3476 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَالرُّشْدُ الصَّلَاحُ فِي الْمَالِ ) هَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، مِنْهُمْ ؛ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ .\rوَقَالَ الْحَسَنُ وَالشَّافِعِيُّ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ الرُّشْدُ صَلَاحُهُ فِي دِينِهِ وَمَالِهِ ؛ لِأَنَّ الْفَاسِقَ غَيْرُ رَشِيدٍ ، وَلِأَنَّ إفْسَادَهُ لِدِينِهِ يَمْنَعُ الثِّقَةَ بِهِ فِي حِفْظِ مَالِهِ ، كَمَا يَمْنَعُ قَبُولَ قَوْلِهِ ، وَثُبُوتَ الْوِلَايَةِ عَلَى غَيْرِهِ ، وَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ مِنْهُ كَذِبٌ وَلَا تَبْذِيرٌ .\rوَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى { : فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ } .\rقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : يَعْنِي صَلَاحًا فِي أَمْوَالِهِمْ .\rوَقَالَ مُجَاهِدٌ : إذَا كَانَ عَاقِلًا .\rوَلِأَنَّ هَذَا إثْبَاتٌ فِي نَكِرَةٍ ، وَمَنْ كَانَ مُصْلِحًا لِمَالِهِ فَقَدْ وُجِدَ مِنْهُ رُشْدٌ ، وَلِأَنَّ الْعَدَالَةَ لَا تُعْتَبَرُ فِي الرُّشْدِ فِي الدَّوَامِ ، فَلَا تُعْتَبَرُ فِي الِابْتِدَاءِ ، كَالزُّهْدِ فِي الدُّنْيَا ، وَلِأَنَّ هَذَا مُصْلِحٌ لِمَالِهِ ، فَأَشْبَهَ الْعَدْلَ ، يُحَقِّقُهُ أَنَّ الْحَجْرَ عَلَيْهِ إنَّمَا كَانَ لِحِفْظِ مَالِهِ عَلَيْهِ ، فَالْمُؤَثِّرُ فِيهِ مَا أَثَّرَ فِي تَضْيِيعِ الْمَالِ ، أَوْ حِفْظِهِ .\rوَقَوْلُهُمْ : إنَّ الْفَاسِقَ غَيْرُ رَشِيدٍ .\rقُلْنَا : هُوَ غَيْرُ رَشِيدٍ فِي دِينِهِ ، أَمَّا فِي مَالِهِ وَحِفْظِهِ فَهُوَ رَشِيدٌ ، ثُمَّ هُوَ مُنْتَقِضٌ بِالْكَافِرِ ، فَإِنَّهُ غَيْرُ رَشِيدٍ وَلَا يُحْجَرُ عَلَيْهِ لِذَلِكَ ، وَكَذَلِكَ لَوْ طَرَأَ الْفِسْقُ عَلَى الْمُسْلِمِ بَعْدَ دَفْعِ مَالِهِ إلَيْهِ ، لَمْ يَزُلْ رُشْدُهُ ، وَلَمْ يُحْجَرْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْلِهِ ، وَلَوْ كَانَتْ الْعَدَالَةُ شَرْطًا فِي الرُّشْدِ ، لَزَالَ بِزَوَالِهَا ، كَحِفْظِ الْمَالِ ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ مَنْعِ قَبُولِ الْقَوْلِ مَنْعُ دَفْعِ مَالِهِ إلَيْهِ ، فَإِنَّ مَنْ يُعْرَفُ بِكَثْرَةِ الْغَلَطِ وَالْغَفْلَةِ وَالنِّسْيَانِ ، أَوْ مِنْ يَأْكُلُ فِي السُّوقِ ، وَيَمُدُّ رِجْلَيْهِ فِي مَجَامِعِ النَّاسِ ، وَأَشْبَاهِهِمْ .\rلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ ، وَتُدْفَعُ إلَيْهِمْ أَمْوَالُهُمْ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّ الْفَاسِقَ إنْ كَانَ","part":9,"page":404},{"id":4404,"text":"يُنْفِقُ مَالَهُ فِي الْمَعَاصِي ، كَشِرَاءِ الْخَمْرِ ، وَآلَاتِ اللَّهْوِ ، أَوْ يَتَوَصَّلُ بِهِ إلَى الْفَسَادِ ، فَهُوَ غَيْرُ رَشِيدٍ ؛ لِتَبْذِيرِهِ لِمَالِهِ ، وَتَضْيِيعِهِ إيَّاهُ فِي غَيْر فَائِدَةٍ .\rوَإِنْ كَانَ فِسْقُهُ لِغَيْرِ ذَلِكَ ، كَالْكَذِبِ ، وَمَنْعِ الزَّكَاةِ ، وَإِضَاعَةِ الصَّلَاةِ ، مَعَ حِفْظِهِ لِمَالِهِ ، دُفِعَ مَالُهُ إلَيْهِ ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِالْحَجْرِ حِفْظُ الْمَالِ ، وَمَالُهُ مَحْفُوظٌ بِدُونِ الْحَجْرِ ، وَلِذَلِكَ لَوْ طَرَأَ الْفِسْقُ بَعْد دَفْعِ مَالِهِ إلَيْهِ ، لَمْ يُنْزَعْ مِنْهُ .","part":9,"page":405},{"id":4405,"text":"( 3477 ) فَصْلٌ : وَإِنَّمَا يُعْرَفُ رُشْدُهُ بِاخْتِبَارِهِ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى { : وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ } .\rيَعْنِي اخْتَبِرُوهُمْ .\rكَقَوْلِهِ تَعَالَى : { لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا } أَيْ يَخْتَبِرَكُمْ .\rوَاخْتِبَارُهُ بِتَفْوِيضِ التَّصَرُّفَاتِ الَّتِي يَتَصَرَّفُ فِيهَا أَمْثَالُهُ إلَيْهِ ؛ فَإِنْ كَانَ مِنْ أَوْلَادِ التُّجَّارِ فُوِّضَ إلَيْهِ الْبَيْعُ ، وَالشِّرَاءُ ، فَإِذَا تَكَرَّرَتْ مِنْهُ ، فَلَمْ يَغِبْنَ ، وَلَمْ يُضَيِّعْ مَا فِي يَدَيْهِ ، فَهُوَ رَشِيدٌ .\rوَإِنْ كَانَ مِنْ أَوْلَادِ الدَّهَاقِينِ ، وَالْكُبَرَاءِ الَّذِينَ يُصَانُ أَمْثَالُهُمْ عَنْ الْأَسْوَاقِ ، رُفِعَتْ إلَيْهِ نَفَقَةُ مُدَّةٍ ، لِيُنْفِقهَا فِي مَصَالِحِهِ ، فَإِنْ كَانَ قَيِّمًا بِذَلِكَ ، يَصْرِفُهَا فِي مَوَاقِعِهَا ، وَيَسْتَوْفِي عَلَى وَكِيلِهِ ، وَيَسْتَقْصِي عَلَيْهِ ، فَهُوَ رَشِيدٌ .\rوَالْمَرْأَةُ يُفَوَّضُ إلَيْهَا مَا يُفَوَّضُ إلَى رَبَّةِ الْبَيْتِ ، مِنْ اسْتِئْجَارِ الْغَزَالَاتِ ، وَتَوْكِيلِهَا فِي شِرَاءِ الْكَتَّانِ ، وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ .\rفَإِنْ وُجِدَتْ ضَابِطَةً لِمَا فِي يَدَيْهَا ، مُسْتَوْفِيَةً مِنْ وَكِيلِهَا ، فَهِيَ رَشِيدَةٌ .\rوَوَقْتُ الِاخْتِبَارِ قَبْلَ الْبُلُوغِ ، فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ ، وَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : { وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ } .\rفَظَاهِرُ الْآيَةِ أَنَّ ابْتِلَاءَهُمْ قَبْلَ الْبُلُوغِ ، لِوَجْهَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، أَنَّهُ سَمَّاهُمْ يَتَامَى ، وَإِنَّمَا يَكُونُونَ يَتَامَى قَبْلَ الْبُلُوغِ .\rوَالثَّانِي ، أَنَّهُ مَدَّ اخْتِبَارَهُمْ إلَى الْبُلُوغِ بِلَفْظَةِ : ( حَتَّى ) ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الِاخْتِبَارَ قَبْلَهُ ، وَلِأَنَّ تَأْخِيرَ الِاخْتِبَارِ إلَى الْبُلُوغِ مُؤَدٍّ إلَى الْحَجْرِ عَلَى الْبَالِغِ الرَّشِيدِ ؛ لِأَنَّ الْحَجْرَ يَمْتَدُّ إلَى أَنْ يُخْتَبَرَ وَيُعْلَمَ رُشْدُهُ ، وَاخْتِبَارُهُ قَبْلَ الْبُلُوغِ يَمْنَعُ ذَلِكَ ، فَكَانَ أَوْلَى .\rلَكِنْ لَا يُخْتَبَرُ إلَّا","part":9,"page":406},{"id":4406,"text":"الْمُرَاهِقُ الْمُمَيِّزُ ، الَّذِي يَعْرِفُ الْبَيْعَ وَالشِّرَاءَ .\rوَالْمَصْلَحَةَ مِنْ الْمَفْسَدَةِ .\rوَمَتَى أَذِنَ لَهُ وَلِيُّهُ فَتَصَرَّفَ ، صَحَّ تَصَرُّفُهُ ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِيمَا مَضَى .\rوَقَدْ أَوْمَأَ أَحْمَدُ فِي مَوْضِعٍ إلَى اخْتِبَارِهِ بَعْدَ الْبُلُوغِ ؛ لِأَنَّ تَصَرُّفَهُ قَبْلَ ذَلِكَ تَصَرُّفٌ مِمَّنْ لَمْ يُوجَدْ فِيهِ مَظِنَّةُ الْعَقْلِ .\rوَقَدْ اخْتَلَفَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ فِي وَقْتِ الِاخْتِبَارِ عَلَى نَحْوِ مَا ذَكَرْنَا فِيمَا مَضَى مِنْ الرِّوَايَتَيْنِ .","part":9,"page":407},{"id":4407,"text":"( 3478 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( فَإِنْ عَاوَدَ السَّفَهَ ، حُجِرَ عَلَيْهِ ) وَجُمْلَتُهُ ، أَنَّ الْمَحْجُورَ عَلَيْهِ إذَا فُكَّ عَنْهُ الْحَجْرُ لِرُشْدِهِ وَبُلُوغِهِ ، وَدُفِعَ إلَيْهِ مَالُهُ ، ثُمَّ عَادَ إلَى السَّفَهِ ، أُعِيدَ عَلَيْهِ الْحَجْرُ .\rوَبِهَذَا قَالَ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ وَأَبُو عُبَيْدٍ ، وَأَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يُبْتَدَأُ الْحَجْرُ عَلَى بَالِغٍ عَاقِلٍ ، وَتَصَرُّفُهُ نَافِذٌ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ وَالنَّخَعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ حُرٌّ مُكَلَّفٌ ، فَلَا يُحْجَرُ عَلَيْهِ كَالرَّشِيدِ .\rوَلَنَا .\rإجْمَاعُ الصَّحَابَةِ ، وَرَوَى عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَعْفَرٍ ابْتَاعَ بَيْعًا ، فَقَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَآتِيَنَّ عُثْمَانَ لِيَحْجُرَ عَلَيْك .\rفَأَتَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ الزُّبَيْرَ ، فَقَالَ : قَدْ ابْتَاعَ بَيْعًا ، وَإِنَّ عَلِيًّا يُرِيدُ أَنْ يَأْتِيَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عُثْمَانَ ، فَيَسْأَلَهُ الْحَجْرَ عَلَيَّ .\rفَقَالَ الزُّبَيْرُ : أَنَا شَرِيكُك فِي الْبَيْعِ .\rفَأَتَى عَلِيٌّ عُثْمَانَ ، فَقَالَ إنَّ ابْنَ جَعْفَرٍ قَدْ ابْتَاعَ بَيْعَ كَذَا ، فَاحْجُرْ عَلَيْهِ .\rفَقَالَ الزُّبَيْرُ : أَنَا شَرِيكُهُ فِي الْبَيْعِ .\rفَقَالَ عُثْمَانُ : كَيْفَ أَحْجُرُ عَلَى رَجُلٍ شَرِيكُهُ الزُّبَيْرُ .\rقَالَ أَحْمَدُ : لَمْ أَسْمَعْ هَذَا إلَّا مِنْ أَبِي يُوسُفَ الْقَاضِي .\rوَهَذِهِ قِصَّةٌ يَشْتَهِرُ مِثْلُهَا ، وَلَمْ يُخَالِفْهَا أَحَدٌ فِي عَصْرِهِمْ ، فَتَكُونُ إجْمَاعًا .\rوَلِأَنَّ هَذَا سَفِيهٌ ، فَيَحْجُرُ عَلَيْهِ ، كَمَا لَوْ بَلَغَ سَفِيهًا ؛ فَإِنَّ الْعِلَّةَ الَّتِي اقْتَضَتْ الْحَجْرَ عَلَيْهِ إذَا بَلَغَ سَفِيهًا سَفَهُهُ ، وَهُوَ مَوْجُودٌ ، وَلِأَنَّ السَّفَهَ لَوْ قَارَنَ الْبُلُوغَ مَنَعَ دَفْعَ مَالِهِ إلَيْهِ ، فَإِذَا حَدَثَ ، أَوْجَبَ انْتِزَاعَ الْمَالِ كَالْجُنُونِ .\rوَفَارَقَ الرَّشِيدَ ؛ فَإِنَّ رُشْدَهُ لَوْ قَارَنَ الْبُلُوغَ لَمْ يَمْنَعْ دَفْعَ مَالِهِ إلَيْهِ .","part":9,"page":408},{"id":4408,"text":"( 3479 ) فَصْلٌ : وَلَا يَحْجُرُ عَلَيْهِ إلَّا الْحَاكِمُ ، وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ مُحَمَّدٌ يَصِيرُ مَحْجُورًا عَلَيْهِ بِمُجَرَّدِ تَبْذِيرِهِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ سَبَبُ الْحَجْرِ ، فَأَشْبَهَ الْجُنُونَ .\rوَلَنَا : أَنَّ التَّبْذِيرَ يَخْتَلِفُ ، وَيُخْتَلَفُ فِيهِ ، وَيَحْتَاجُ إلَى الِاجْتِهَادِ ، فَإِذَا افْتَقَرَ السَّبَبُ إلَى الِاجْتِهَادِ ، لَمْ يَثْبُتْ إلَّا بِحُكْمِ الْحَاكِمِ ، كَابْتِدَاءِ مُدَّةِ الْعُنَّةِ ، وَلِأَنَّهُ حَجْرٌ مُخْتَلَفٌ فِيهِ ، فَلَمْ يَثْبُتْ إلَّا بِحُكْمِ الْحَاكِمِ ، كَالْحَجْرِ عَلَى الْمُفْلِسِ ، وَفَارَقَ الْجُنُونَ ؛ فَإِنَّهُ لَا يَفْتَقِرُ إلَى الِاجْتِهَادِ ، وَلَا خِلَافَ فِيهِ ، وَمَتَى حُجِرَ عَلَيْهِ ، ثُمَّ عَادَ فَرَشَدَ ، فُكَّ الْحَجْرُ عَنْهُ .\rوَلَا يَزُولُ إلَّا بِحُكْمِ الْحَاكِمِ .\rوَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : يَزُولُ السَّفَهُ ؛ لِأَنَّهُ سَبَبُ الْحَجْرِ ، فَيَزُولُ بِزَوَالِهِ ، كَمَا فِي حَقِّ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ حَجْرٌ ثَبَتَ بِحُكْمِ الْحَاكِمِ ، فَلَا يَزُولُ إلَّا بِهِ ، كَحَجْرِ الْمُفْلِسِ ، وَلِأَنَّ الرُّشْدَ يَحْتَاجُ إلَى تَأَمُّلٍ وَاجْتِهَادٍ فِي مَعْرِفَتِهِ ، وَزَوَالِ تَبْذِيرِهِ ، فَكَانَ كَابْتِدَاءِ الْحَجْرِ عَلَيْهِ .\rوَفَارَقَ الصَّبِيَّ وَالْمَجْنُونَ ؛ فَإِنَّ الْحَجْرَ عَلَيْهِمَا بِغَيْرِ حُكْمِ حَاكِمٍ ، فَيَزُولُ بِغَيْرِ حُكْمِهِ .\rوَلِأَنَّنَا لَوْ وَقَفْنَا تَصَرُّفَ النَّاسِ عَلَى الْحَاكِمِ ، كَانَ أَكْثَرُ النَّاسِ مَحْجُورًا عَلَيْهِ .\rقَالَ أَحْمَدُ : وَالشَّيْخُ الْكَبِيرُ يُنْكَرُ عَقْلُهُ ، يُحْجَرُ عَلَيْهِ .\rيَعْنِي : إذَا كَبِرَ ، وَاخْتَلَّ عَقْلُهُ ، حُجِرَ عَلَيْهِ ، بِمَنْزِلَةِ الْمَجْنُونِ ؛ لِأَنَّهُ يَعْجِزُ بِذَلِكَ عَنْ التَّصَرُّفِ فِي مَالِهِ عَلَى وَجْهِ الْمَصْلَحَةِ ، وَحِفْظِهِ ، فَأَشْبَهَ الصَّبِيَّ وَالسَّفِيهَ .","part":9,"page":409},{"id":4409,"text":"( 3480 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( فَمَنْ عَامَلَهُ بَعْدَ ذَلِكَ ، فَهُوَ الْمُتْلِفُ لِمَالِهِ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْحَاكِمَ إذَا حَجَرَ عَلَى السَّفِيهِ ، اُسْتُحِبَّ أَنْ يُشْهِدَ عَلَيْهِ ، لِيَظْهَرَ أَمْرُهُ ، فَتُجْتَنَبَ مُعَامَلَتُهُ .\rوَإِنْ رَأَى أَنْ يَأْمُرَ مُنَادِيًا يُنَادِي بِذَلِكَ ، لِيَعْرِفَهُ النَّاسُ ، فَعَلَ .\rوَلَا يُشْتَرَطُ الْإِشْهَادُ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَنْتَشِرُ أَمْرُهُ بِشُهْرَتِهِ ، وَحَدِيثِ النَّاسِ بِهِ .\rفَإِذَا حُجِرَ عَلَيْهِ .\rفَبَاعَ وَاشْتَرَى ، كَانَ ذَلِكَ فَاسِدًا ، وَاسْتَرْجَعَ الْحَاكِمُ مَا بَاعَ مِنْ مَالِهِ ، وَرَدَّ الثَّمَنَ إنْ كَانَ بَاقِيًا .\rوَإِنْ أَتْلَفَهُ السَّفِيهُ ، أَوْ تَلِفَ فِي يَدِهِ ، فَهُوَ مِنْ ضَمَانِ الْمُشْتَرِي ، وَلَا شَيْءَ عَلَى السَّفِيهِ .\rوَكَذَلِكَ مَا أَخَذَ مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِرِضَا أَصْحَابِهَا ، كَاَلَّذِي يَأْخُذُهُ بِقَرْضٍ أَوْ شِرَاءٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ ، رَدَّهُ الْحَاكِمُ إنْ كَانَ بَاقِيًا ، وَإِنْ كَانَ تَالِفًا ، فَهُوَ مِنْ ضَمَانِ صَاحِبِهِ ، عَلِمَ بِالْحَجْرِ عَلَيْهِ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ ؛ لِأَنَّهُ إنْ عَلِمَ فَقَدْ فَرَّطَ ، بِدَفْعِ مَالِهِ إلَى مَنْ حُجِرَ عَلَيْهِ ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ ، فَهُوَ مُفْرِطٌ إذَا كَانَ فِي مَظِنَّةِ الشُّهْرَةِ ، هَذَا إذَا كَانَ صَاحِبُهُ قَدْ سَلَّطَهُ عَلَيْهِ ، فَأَمَّا إنْ حَصَلَ فِي يَدِهِ بِاخْتِيَارِ صَاحِبِهِ مِنْ غَيْرِ تَسْلِيطٍ ، كَالْوَدِيعَةِ وَالْعَارِيَّةِ ، فَاخْتَارَ الْقَاضِي أَنَّهُ يَلْزَمُهُ الضَّمَانُ إنْ أَتْلَفَهُ ، أَوْ تَلِفَ بِتَفْرِيطِهِ ؛ لِأَنَّهُ أَتْلَفَهُ بِغَيْرِ اخْتِيَارِ صَاحِبه ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَ الْقَبْضُ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ ، لِأَنَّهُ عَرَّضَهَا لِإِتْلَافِهِ ، وَسَلَّطَهُ عَلَيْهَا ، فَأَشْبَهَ الْمَبِيعَ .\rوَأَمَّا مَا أَخَذَهُ بِغَيْرِ اخْتِيَارِ صَاحِبِهِ ، أَوْ أَتْلَفَهُ ، كَالْغَصْبِ وَالْجِنَايَةِ ، فَعَلَيْهِ ضَمَانُهُ ؛ لِأَنَّهُ لَا تَفْرِيطَ مِنْ الْمَالِكِ ، لِأَنَّ الصَّبِيَّ وَالْمَجْنُونَ لَوْ فَعَلَا ذَلِكَ ، لَزِمَهُمَا الضَّمَانُ ، فَالسَّفِيهُ أَوْلَى .\rوَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فِي هَذَا كُلِّهِ كَذَلِكَ .","part":9,"page":410},{"id":4410,"text":"( 3481 ) فَصْلٌ : وَالْحُكْمُ فِي الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ ، كَالْحُكْمِ فِي السَّفِيهِ ، فِي وُجُوبِ الضَّمَانِ عَلَيْهِمَا فِيمَا أَتْلَفَاهُ مِنْ مَالِ غَيْرِهِمَا بِغَيْرِ إذْنِهِ أَوْ غَصَبَاهُ فَتَلِفَ فِي أَيْدِيهِمَا ، وَانْتِفَاءِ الضَّمَانِ عَنْهُمَا فِيمَا حَصَلَ فِي أَيْدِيهِمَا بِاخْتِيَارِ صَاحِبِهِ وَتَسْلِيطِهِ ، كَالثَّمَنِ وَالْمَبِيعِ وَالْقَرْضِ وَالِاسْتِدَانَةِ .\rوَأَمَّا الْوَدِيعَةُ وَالْعَارِيَّةُ ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِمَا فِيمَا تَلِفَ بِتَفْرِيطِهِمَا ، وَإِنْ أَتْلَفَاهُ فَفِي ضَمَانِهِ وَجْهَانِ .\r\"","part":9,"page":411},{"id":4411,"text":"( 3482 ) فَصْلٌ : وَلَا يَنْظُرُ فِي مَالِ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ ، مَا دَامَا فِي الْحَجْرِ ، إلَّا الْأَبُ ، أَوْ وَصِيُّهُ بَعْدَهُ ، أَوْ الْحَاكِمُ عِنْدَ عَدَمِهِمَا .\rوَأَمَّا السَّفِيهُ ، فَإِنْ كَانَ مَحْجُورًا عَلَيْهِ صَغِيرًا ، وَاسْتُدِيمَ الْحَجْرُ عَلَيْهِ لِسَفَهِهِ ، فَالْوَلِيُّ فِيهِ مَنْ ذَكَرْنَاهُ .\rوَإِنْ جُدِّدَ الْحَجْرُ عَلَيْهِ بَعْدَ بُلُوغِهِ ، لَمْ يَنْظُرْ فِي مَالِهِ إلَّا الْحَاكِمُ ؛ لِأَنَّ الْحَجْرَ يَفْتَقِرُ إلَى حُكْمِ حَاكِمٍ ، وَزَوَالَهُ يَفْتَقِرُ إلَى ذَلِكَ فَكَذَلِكَ النَّظَرُ فِي مَالِهِ .","part":9,"page":412},{"id":4412,"text":"( 3483 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَأَنْ أَقَرَّ الْمَحْجُورُ عَلَيْهِ بِمَا يُوجِبُ حَدًّا أَوْ قِصَاصًا ، أَوْ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ ، لَزِمَهُ ذَلِكَ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْمَحْجُورَ عَلَيْهِ ، لِفَلَسٍ ، أَوْ سَفَهٍ ، إذَا أَقَرَّ بِمَا يُوجِبُ حَدًّا أَوْ قِصَاصًا ، كَالزِّنَا ، وَالسَّرِقَةِ ، وَالشُّرْبِ ، وَالْقَذْفِ ، وَالْقَتْلِ الْعَمْدِ ، أَوْ قَطْعِ الْيَدِ ، وَمَا أَشْبَهَهَا ، فَإِنَّ ذَلِكَ مَقْبُولٌ ، وَيَلْزَمُهُ حُكْمُ ذَلِكَ فِي الْحَال .\rلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ إقْرَارَ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ عَلَى نَفْسِهِ جَائِزٌ ، إذَا كَانَ إقْرَارُهُ بِزِنًا ، أَوْ سَرِقَةٍ ، أَوْ شُرْبِ خَمْرٍ ، أَوْ قَذْفٍ ، أَوْ قَتْلٍ ، وَأَنَّ الْحُدُودَ تُقَامُ عَلَيْهِ .\rوَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ ، وَلَا أَحْفَظُ عَنْ غَيْرِهِمْ خِلَافَهُمْ .\rوَذَلِكَ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَّهَمٍ فِي حَقِّ نَفْسِهِ ، وَالْحَجْرُ إنَّمَا تَعَلَّقَ بِمَالِهِ ، فَقُبِلَ إقْرَارُهُ عَلَى نَفْسِهِ بِمَا لَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَالِ .\rوَإِنْ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ ، نَفَذَ طَلَاقُهُ ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rوَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى : لَا يَقَعُ طَلَاقُهُ ؛ لِأَنَّ الْبُضْعَ يَجْرِي مَجْرَى الْمَالِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَمْلِكُهُ بِمَالٍ ، وَيَصِحُّ أَنْ يَزُولَ مِلْكُهُ عَنْهُ بِمَالٍ ، فَلَمْ يَمْلِكْ التَّصَرُّفَ فِيهِ كَالْمَالِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الطَّلَاقَ لَيْسَ بِتَصَرُّفٍ فِي الْمَالِ ، وَلَا يَجْرِي مَجْرَاهُ ، فَلَا يُمْنَعُ مِنْهُ .\rكَالْإِقْرَارِ بِالْحَدِّ وَالْقِصَاصِ .\rوَدَلِيلُ أَنَّهُ لَا يَجْرِي مَجْرَى الْمَالِ ، أَنَّهُ يَصِحُّ مِنْ الْعَبْدِ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ ، مَعَ مَنْعِهِ مِنْ التَّصَرُّفِ فِي الْمَالِ ، وَلَا يُمْلَكُ بِالْمِيرَاثِ ، وَلِأَنَّهُ مُكَلَّفٌ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ مُخْتَارًا ، فَوَقَعَ طَلَاقُهُ ، كَالْعَبْدِ وَالْمُكَاتَبِ .","part":9,"page":413},{"id":4413,"text":"فَصْلٌ : وَإِذَا أَقَرَّ بِمَا يُوجِبُ الْقِصَاصَ ، فَعَفَا الْمُقَرُّ لَهُ عَلَى مَالٍ ، احْتَمَلَ أَنْ يَجِبَ الْمَالُ ؛ لِأَنَّهُ عَفْوٌ عَنْ قِصَاصٍ ثَابِتٍ ، فَصَحَّ ، كَمَا لَوْ ثَبَتَ بِالْبَيِّنَةِ .\rوَاحْتَمَلَ أَنْ لَا يَصِحَّ ؛ لِئَلَّا يُتَّخَذَ ذَلِكَ وَسِيلَةٌ إلَى الْإِقْرَارِ بِالْمَالِ ، بِأَنْ يَتَوَاطَأَ الْمَحْجُورُ عَلَيْهِ وَالْمُقَرُّ لَهُ عَلَى الْإِقْرَارِ بِالْقِصَاصِ ، وَالْعَفْوِ عَنْهُ عَلَى مَالٍ .\rوَلِأَنَّهُ وُجُوبُ مَالٍ ، مُسْتَنَدُهُ إقْرَارُهُ ، فَلَمْ يَثْبُتْ ، كَالْإِقْرَارِ بِهِ ابْتِدَاءً .\rفَعَلَى هَذَا الْقَوْل يَسْقُطُ وُجُوبُ الْقِصَاصِ ، وَلَا يَجِبُ الْمَالُ فِي الْحَالِ .","part":9,"page":414},{"id":4414,"text":"( 3485 ) فَصْلٌ : وَإِنْ خَالَعَ ، صَحَّ خُلْعُهُ ؛ لِأَنَّهُ إذَا صَحَّ الطَّلَاقُ ، وَلَا يَحْصُلُ مِنْهُ شَيْءٌ ، فَالْخُلْعُ الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ الْمَالُ أَوْلَى ، إلَّا أَنَّ الْعِوَضَ لَا يُدْفَعُ إلَيْهِ ، وَإِنْ دُفِعَ إلَيْهِ ، لَمْ يَصِحَّ قَبْضُهُ ، وَإِنْ أَتْلَفَهُ ، لَمْ يَضْمَنْهُ ، وَلَمْ تَبْرَأْ الْمَرْأَةُ بِدَفْعِهِ إلَيْهِ ، وَهُوَ مِنْ ضَمَانِهَا إنْ أَتْلَفَهُ أَوْ تَلِفَ فِي يَدِهِ ؛ لِأَنَّهَا سَلَّطَتْهُ عَلَى إتْلَافِهِ .","part":9,"page":415},{"id":4415,"text":"( 3486 ) فَصْلٌ : وَإِنْ أَعْتَقَ ، لَمْ يَصِحَّ عِتْقُهُ ، وَهَذَا قَوْلُ الْقَاسِمِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَحَكَى أَبُو الْخَطَّابِ ، عَنْ أَحْمَدَ ، رِوَايَةً أُخْرَى : أَنَّهُ يَصِحُّ ؛ لِأَنَّهُ عِتْقٌ مِنْ مُكَلَّفٍ مَالِكٍ تَامِّ الْمِلْكِ ، فَصَحَّ ، كَعِتْقِ الرَّاهِنِ وَالْمُفْلِسِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ تَصَرُّفٌ فِي مَالِهِ ، فَلَمْ يَصِحَّ ، كَسَائِرِ تَصَرُّفَاتِهِ ، وَلِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ فَأَشْبَهَ هِبَتَهُ وَوَقْفَهُ ، وَلِأَنَّهُ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ لَحِفْظِ مَالِهِ عَلَيْهِ ، فَلَمْ يَصِحَّ عِتْقُهُ ، كَالصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ .\rوَفَارَقَ الْمُفْلِسَ وَالرَّاهِنَ ؛ فَإِنَّ الْحَجْرَ عَلَيْهِمَا لِحَقِّ غَيْرِهِمَا .\r،","part":9,"page":416},{"id":4416,"text":"( 3487 ) فَصْلٌ : وَإِنْ تَزَوَّجَ ، صَحَّ النِّكَاحُ بِإِذْنِ وَلِيِّهِ ، وَبِغَيْرِ إذْنِهِ ، وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ .\rوَقَالَ : أَبُو الْخَطَّابِ لَا يَصِحُّ بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهِ ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ؛ لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ يَجِبُ بِهِ مَالٌ ، فَلَمْ يَصِحَّ بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهِ ، كَالشِّرَاءِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ عَقْدٌ غَيْرُ مَالِيٍّ ، فَصَحَّ مِنْهُ ، كَخُلْعِهِ وَطَلَاقِهِ ، وَإِنْ لَزِمَ مِنْهُ الْمَالُ ، فَحُصُولُهُ بِطَرِيقِ الضِّمْنِ ، فَلَا يَمْنَعُ مِنْ الْعَقْدِ ، كَمَا لَوْ لَزِمَ ذَلِكَ مِنْ الطَّلَاقِ .","part":9,"page":417},{"id":4417,"text":"( 3488 ) فَصْلٌ : وَيَصِحُّ تَدْبِيرُهُ وَوَصِيَّتُهُ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مَحْضُ مَصْلَحَتِهِ لِأَنَّهُ تَقَرَّبَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى بِمَالِهِ بَعْدَ غِنَاهُ عَنْهُ .\rوَيَصِحُّ اسْتِيلَادُهُ ، وَتَعْتِقُ الْأَمَةُ الْمُسْتَوْلَدَةُ بِمَوْتِهِ ؛ لِأَنَّهُ إذَا صَحَّ ذَلِكَ مِنْ الْمَجْنُونِ ، فَمِنْ السَّفِيهِ أَوْلَى .\rوَلَهُ الْمُطَالَبَةُ بِالْقِصَاصِ ؛ لِأَنَّهُ مَوْضُوعٌ لِلتَّشَفِّي وَالِانْتِقَامِ ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِهِ .\rوَلَهُ الْعَفْوُ عَلَى مَالٍ ؛ لِأَنَّهُ تَحْصِيلٌ لِلْمَالِ ، لَا تَضْيِيعٌ لَهُ .\rوَإِنْ عَفَا عَلَى غَيْرِ مَالٍ نَظَرْتَ ؛ فَإِنْ قُلْنَا : الْوَاجِبُ الْقِصَاصُ عَيْنًا .\rصَحَّ عَفْوُهُ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَضَمَّنْ تَضْيِيعَ الْمَالِ .\rوَإِنْ قُلْنَا : أَحَدُ الشَّيْئَيْنِ .\rلَمْ يَصِحَّ عَفْوُهُ عَنْ الْمَالِ ، وَوَجَبَ الْمَالُ ، كَمَا لَوْ سَقَطَ الْقِصَاصُ بِعَفْوِ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ .\rوَإِنْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ ، صَحَّ إحْرَامُهُ ؛ لِأَنَّهُ مُكَلَّفٌ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ ، أَشْبَهَ غَيْرَهُ ، وَلِأَنَّ ذَلِكَ عِبَادَةٌ ، فَصَحَّتْ مِنْهُ ، كَسَائِرِ عِبَادَاتِهِ .\rثُمَّ إنْ كَانَ أَحْرَمَ بِفَرْضٍ ، دُفِعَ إلَيْهِ النَّفَقَةُ مِنْ مَالِهِ لِيُسْقِطَ الْفَرْضَ عَنْ نَفْسِهِ ، وَإِنْ كَانَ تَطَوُّعًا فَكَانَتْ نَفَقَتُهُ فِي السَّفَرِ كَنَفَقَتِهِ فِي الْحَضَرِ ، دُفِعَتْ إلَيْهِ ، لِأَنَّهُ لَا ضَرَرَ فِي إحْرَامِهِ .\rوَإِنْ كَانَتْ نَفَقَةُ السَّفَرِ أَكْثَرَ ، فَقَالَ : أَنَا أَكْتَسِبُ تَمَامَ نَفَقَتِي ، دُفِعَتْ إلَيْهِ أَيْضًا ، لِأَنَّهُ لَا يَضُرُّ بِمَالِهِ .\rوَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ كَسْبٌ ، فَلِوَلِيِّهِ تَحْلِيلُهُ ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ تَضْيِيعِ مَالِهِ ، وَيَتَحَلَّلُ بِالصِّيَامِ كَالْمُعْسِرِ ؛ لِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْ التَّصَرُّفِ فِي مَالِهِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَمْلِكَ وَلِيُّهُ تَحْلِيلَهُ ، بِنَاءً عَلَى الْعَبْدِ إذَا أَحْرَمَ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ .\rوَإِنْ حَنِثَ فِي يَمِينِهِ ، أَوْ عَادَ فِي ظِهَارِهِ ، أَوْ لَزِمَتْهُ كَفَّارَةٌ بِالْقَتْلِ أَوْ الْوَطْءِ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ ، كَفَّرَ بِالصِّيَامِ لِذَلِكَ .\rوَإِنْ أَعْتَقَ أَوْ أَطْعَمَ عَنْ ذَلِكَ ، لَمْ يُجْزِهِ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ؛","part":9,"page":418},{"id":4418,"text":"لِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْ مَالِهِ ، أَشْبَهَ الْمُفْلِسَ .\rوَيَتَخَرَّجُ أَنْ يُجْزِئَهُ الْعِتْقُ ، بِنَاءً عَلَى قَوْلِنَا بِصِحَّتِهِ مِنْهُ .\rوَإِنْ نَذَرَ عِبَادَةً بَدَنِيَّةً ، لَزِمَهُ فِعْلُهَا ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ فِي بَدَنِهِ .\rوَإِنْ نَذَرَ صَدَقَةَ الْمَالِ ، لَمْ يَصِحَّ مِنْهُ ، وَكَفَّرَ بِالصِّيَامِ .\rوَإِنْ فُكَّ الْحَجْرُ عَنْهُ قَبْلَ تَكْفِيرِهِ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ كُلِّهَا ، لَزِمَهُ الْعِتْقُ ، إنْ قَدَرَ عَلَيْهِ .\rوَمُقْتَضَى قَوْلِ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ يَلْزَمُهُ الْوَفَاءُ بِنَذْرِهِ ، بِنَاءً عَلَى قَوْلِهِمْ فِي مَنْ أَقَرَّ قَبْلَ فَكِّ الْحَجْرِ عَنْهُ ، ثُمَّ فُكَّ عَنْهُ ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ أَدَاؤُهُ ، وَإِنْ فُكَّ بَعْدَ تَكْفِيرِهِ ، لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ ، كَمَا لَوْ كَفَّرَ عَنْ يَمِينِهِ بِالصِّيَامِ ثُمَّ فُكَّ الْحَجْرُ عَنْهُ .","part":9,"page":419},{"id":4419,"text":"( 3489 ) فَصْلٌ : وَإِنْ أَقَرَّ بِنَسَبِ وَلَدٍ ، قُبِلَ مِنْهُ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِإِقْرَارِ بِمَالِ ، وَلَا تَصَرُّفٍ فِيهِ ، فَقُبِلَ ، كَإِقْرَارِهِ بِالْحَدِّ وَالطَّلَاقِ .\rوَإِذَا ثَبَتَ النَّسَبُ ، لَزِمَتْهُ أَحْكَامُهُ ، مِنْ النَّفَقَةِ وَغَيْرهَا ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ حَصَلَ ضِمْنًا لِمَا صَحَّ مِنْهُ ، فَأَشْبَهَ نَفَقَةَ الزَّوْجَةِ .","part":9,"page":420},{"id":4420,"text":"( 3490 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِنْ أَقَرَّ بِدَيْنٍ ، لَمْ يَلْزَمْهُ فِي حَالِ حَجْرِهِ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ السَّفِيهَ إذَا أَقَرَّ بِمَالٍ ، كَالدَّيْنِ ، أَوْ بِمَا يُوجِبُهُ ، كَجِنَايَةِ الْخَطَإِ وَشِبْهِ الْعَمْدِ ، وَإِتْلَافِ الْمَالِ ، وَغَصْبِهِ ، وَسَرِقَتِهِ ، لَمْ يُقْبَلْ إقْرَارُهُ بِهِ ؛ لِأَنَّهُ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ لِحَظِّهِ ، فَلَمْ يَصِحَّ إقْرَارُهُ بِالْمَالِ ، كَالصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ .\rوَلِأَنَّا لَوْ قَبِلْنَا إقْرَارَهُ فِي مَالِهِ ، لَزَالَ مَعْنَى الْحَجْرِ ؛ لِأَنَّهُ يَتَصَرَّفُ فِي مَالِهِ ، ثُمَّ يُقِرُّ بِهِ ، فَيَأْخُذُهُ الْمُقَرُّ لَهُ .\rوَلِأَنَّهُ أَقَرَّ بِمَا هُوَ مَمْنُوعٌ مِنْ التَّصَرُّفِ فِيهِ ، فَلَمْ يَنْفُذْ كَإِقْرَارِ الرَّاهِنِ عَلَى الرَّهْنِ ، وَالْمُفْلِسِ عَلَى الْمَالِ .\rوَمُقْتَضَى قَوْلِ الْخِرَقِيِّ ، أَنَّهُ يَلْزَمُهُ مَا أَقَرَّ بِهِ بَعْدَ فَكِّ الْحَجْرِ عَنْهُ .\rوَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ قَوْلِ أَصْحَابِنَا ، وَقَوْلِ أَبِي ثَوْرٍ ؛ لِأَنَّهُ مُكَلَّفٌ أَقَرَّ بِمَا لَا يَلْزَمُهُ فِي الْحَالِ فَلَزِمَهُ بَعْدَ فَكِّ الْحَجْرِ عَنْهُ ، كَالْعَبْدِ يُقِرُّ بِدَيْنٍ وَالرَّاهِنِ يُقِرُّ عَلَى الرَّهْنِ ، وَالْمُفْلِسِ عَلَى الْمَالِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَصِحَّ إقْرَارُهُ ، وَلَا يُؤْخَذَ بِهِ فِي الْحُكْمِ بِحَالِ ، وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ لِأَنَّهُ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ ، لِعَدَمِ رُشْدِهِ ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ حُكْمُ إقْرَارِهِ بَعْدَ فَكَّ الْحَجْرِ عَنْهُ ، كَالصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ .\rوَلِأَنَّ الْمَنْعَ مِنْ نُفُوذِ إقْرَارِهِ فِي الْحَالِ ، إنَّمَا ثَبَتَ لِحِفْظِ مَالِهِ عَلَيْهِ ، وَدَفْعِ الضَّرَرِ عَنْهُ ، فَلَوْ نَفَذَ بَعْدَ فَكَّ الْحَجْرِ ، لَمْ يُفِدْ إلَّا تَأْخِيرَ الضَّرَرِ عَلَيْهِ إلَى أَكْمَلِ حَالَتَيْهِ .\rوَفَارَقَ الْمَحْجُورَ عَلَيْهِ لِحَقِّ غَيْرِهِ ، فَإِنَّ الْمَانِعَ تَعَلُّقُ حَقِّ الْغَيْرِ بِمَالِهِ ، فَيَزُولُ الْمَانِعُ بِزَوَالِ الْحَقِّ عَنْ مَالِهِ ، فَيَثْبُتُ مُقْتَضَى إقْرَارِهِ .\rوَفِي مَسْأَلَتِنَا انْتَفَى الْحُكْمُ لِخَلَلٍ فِي الْإِقْرَارِ .\rفَلَمْ يَثْبُتْ كَوْنُهُ سَبَبًا ، وَبِزَوَالِ الْحَجْرِ لَمْ يَكْمُلْ السَّبَبُ ، فَلَا يَثْبُتُ","part":9,"page":421},{"id":4421,"text":"الْحُكْمُ مَعَ اخْتِلَافِ السَّبَبِ ، كَمَا لَمْ يَثْبُتْ قَبْلَ فَكِّ الْحَجْرِ .\rوَلِأَنَّ الْحَجْرَ لِحَقِّ الْغَيْرِ لَمْ يَمْنَعْ تَصَرُّفَهُمْ فِي ذِمَمِهِمْ فَأَمْكَنَ تَصْحِيحُ إقْرَارِهِمْ فِي ذِمَمِهِمْ عَلَى وَجْهٍ لَا يَضُرُّ بِغَيْرِهِمْ ، بِأَنْ يَلْزَمَهُمْ بَعْدَ زَوَالِ حَقِّ غَيْرِهِمْ وَالْحَجْرُ هَاهُنَا لِحَظِّ نَفْسِهِ ، مِنْ أَجْلِ ضَعْفِ عَقْلِهِ ، وَسُوءِ تَصَرُّفِهِ ، وَلَا يَنْدَفِعُ الضَّرَرُ إلَّا بِإِبْطَالِ إقْرَارِهِ بِالْكُلِّيَّةِ ، كَالصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ .\rفَأَمَّا صِحَّتُهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى ، فَإِنْ عَلِمَ صِحَّةَ مَا أَقَرَّ بِهِ ، كَدَيْنٍ لَزِمَهُ مِنْ جِنَايَةٍ ، أَوْ دَيْنٍ لَزِمَهُ قَبْلَ الْحَجْرِ عَلَيْهِ ، فَعَلَيْهِ أَدَاؤُهُ ؛ لِأَنَّهُ عَلِمَ أَنَّ عَلَيْهِ حَقًّا ، فَلَزِمَهُ أَدَاؤُهُ ، كَمَا لَوْ لَمْ يُقِرَّ بِهِ .\rوَإِنْ عَلِمَ فَسَادَ إقْرَارِهِ ، مِثْلُ أَنْ عَلِمَ أَنَّهُ أَقَرَّ بِدَيْنٍ وَلَا دَيْنَ عَلَيْهِ ، أَوْ بِجِنَايَةٍ لَمْ تُوجَدْ مِنْهُ ، أَوْ أَقَرَّ بِمَا لَا يَلْزَمُهُ ، مِثْلُ إنْ أَتْلَفَ مَالَ مَنْ دَفَعَهُ إلَيْهِ بِقَرْضٍ أَوْ بَيْعٍ ، لَمْ يَلْزَمْهُ أَدَاؤُهُ ؛ لِأَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا دَيْنَ عَلَيْهِ ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ ، كَمَا لَوْ لَمْ يُقِرَّ بِهِ .","part":9,"page":422},{"id":4422,"text":"( 3491 ) فَصْلٌ : إذَا أَذِنَ وَلِيُّ السَّفِيهِ لَهُ فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ ، فَهَلْ يَصِحُّ مِنْهُ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ ؛ أَحَدِهِمَا ، يَصِحُّ لِأَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٌ ، فَمَلَكَهُ بِالْإِذْنِ ، كَالنِّكَاحِ .\rوَلِأَنَّهُ عَاقِلٌ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ ، فَصَحَّ تَصَرُّفُهُ بِالْإِذْنِ فِيهِ كَالصَّبِيِّ .\rيُحَقِّقُ هَذَا أَنَّ الْحَجْرَ عَلَى الصَّبِيِّ أَعْلَى مِنْ الْحَجْرِ عَلَيْهِ ثُمَّ ، يَصِحُّ تَصَرُّفُهُ بِالْإِذْنِ ، فَهَاهُنَا أُولَى .\rوَلِأَنَّا لَوْ مَنَعْنَا تَصَرُّفَهُ بِالْإِذْنِ ، لَمْ يَكُنْ لَنَا طَرِيقٌ إلَى مَعْرِفَة رُشْدِهِ وَاخْتِبَارِهِ .\rوَالثَّانِي ، لَا يَصِحُّ ، لِأَنَّ الْحَجْرَ عَلَيْهِ لِتَبْذِيرِهِ وَسُوءِ تَصَرُّفِهِ ، فَإِذَا أَذِنَ لَهُ ، فَقَدْ أَذِنَ فِيمَا لَا مَصْلَحَةَ فِيهِ ، فَلَمْ يَصِحَّ ، كَمَا لَوْ أَذِنَ فِي بَيْعِ مَا يُسَاوِي عَشَرَةً بِخَمْسَةٍ .\rوَلِلشَّافِعِيِّ وَجْهَانِ كَهَذَيْنِ .\rوَاَللَّه أَعْلَمُ .","part":9,"page":423},{"id":4423,"text":"كِتَابُ الصُّلْحِ الصُّلْحُ مُعَاقَدَةٌ يُتَوَصَّلُ بِهَا إلَى الْإِصْلَاحِ بَيْنَ الْمُخْتَلِفَيْنِ ، وَيَتَنَوَّعُ أَنْوَاعًا ؛ صُلْحٌ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَأَهْلِ الْحَرْبِ ، وَصُلْحٌ بَيْنَ أَهْلِ الْعَدْلِ وَأَهْلِ الْبَغْيِ ، وَصُلْحٌ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ إذَا خِيفَ الشِّقَاقُ بَيْنَهُمَا ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا } ، وَقَالَ تَعَالَى : { وَإِنْ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ } .\rوَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { الصُّلْحُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ جَائِزٌ ، إلَّا صُلْحًا حَرَّمَ حَلَالًا أَوْ أَحَلَّ حَرَامًا } .\rأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَقَالَ : حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ .\rوَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ ، أَنَّهُ كَتَبَ إلَى أَبِي مُوسَى بِمِثْلِ ذَلِكَ ، وَأَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى جَوَازِ الصُّلْحِ فِي هَذِهِ الْأَنْوَاعِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا بَابٌ يُفْرَدُ لَهُ ، يَذْكُرُ فِيهِ أَحْكَامُهُ .\rوَهَذَا الْبَابُ لِلصُّلْحِ بَيْنَ الْمُتَخَاصِمَيْنِ فِي الْأَمْوَالِ ، وَهُوَ نَوْعَانِ ؛ صُلْحٌ عَلَى إقْرَارٍ ، وَصُلْحٌ عَلَى إنْكَارٍ .\rوَلَمْ يُسَمِّ الْخِرَقِيِّ الصُّلْحَ إلَّا فِي الْإِنْكَارِ خَاصَّةً .","part":9,"page":424},{"id":4424,"text":"( 3492 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَالصُّلْحُ الَّذِي يَجُوزُ هُوَ أَنْ يَكُونَ لِلْمُدَّعِي حَقٌّ لَا يَعْلَمُهُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ، فَيَصْطَلِحَانِ عَلَى بَعْضِهِ ، فَإِنْ كَانَ يَعْلَمُ مَا عَلَيْهِ ، فَجَحَدَهُ ، فَالصُّلْحُ بَاطِلٌ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ ، أَنَّ الصُّلْحَ عَلَى الْإِنْكَارِ صَحِيحٌ .\rوَبِهِ قَالَ مَالِكٌ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّهُ عَاوَضَ عَلَى مَا لَمْ يَثْبُتْ لَهُ ، فَلَمْ تَصِحَّ الْمُعَاوَضَةُ كَمَا لَوْ بَاعَ مَالَ غَيْرِهِ ، وَلِأَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ خَلَا عَنْ الْعِوَضِ فِي أَحَدِ جَانِبَيْهِ ، فَبَطَلَ ، كَالصُّلْحِ عَلَى حَدِّ الْقَذْفِ .\rوَلَنَا ، عُمُومُ قَوْلِهِ : عَلَيْهِ السَّلَامُ { الصُّلْحُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ جَائِزٌ } .\rفَيَدْخُلُ هَذَا فِي عُمُومِ قَوْلِهِ .\rفَإِنْ قَالُوا : فَقَدْ قَالَ : { إلَّا صُلْحًا أَحَلَّ حَرَامًا } .\rوَهَذَا دَاخِلٌ فِيهِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ مَالِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ، فَحَلَّ بِالصُّلْحِ .\rقُلْنَا : لَا نُسَلِّمُ دُخُولَهُ فِيهِ ، وَلَا يَصِحُّ حَمْلُ الْحَدِيثِ عَلَى مَا ذَكَرُوهُ لِوَجْهَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، أَنَّ هَذَا يُوجَدُ فِي الصُّلْحِ بِمَعْنَى الْبَيْعِ ، فَإِنَّهُ يُحِلُّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا كَانَ مُحَرَّمًا عَلَيْهِ قَبْلَهُ ، وَكَذَلِكَ الصُّلْحُ بِمَعْنَى الْهِبَةِ ، فَإِنَّهُ يُحِلُّ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ مَا كَانَ حَرَامًا عَلَيْهِ ، الْإِسْقَاطُ يُحِلُّ لَهُ تَرْكَ أَدَاءِ مَا كَانَ وَاجِبًا عَلَيْهِ .\rالثَّانِي ، أَنَّهُ لَوْ حَلَّ بِهِ الْمُحَرَّمُ ، لَكَانَ الصُّلْحُ صَحِيحًا ، فَإِنَّ الصُّلْحَ الْفَاسِدَ لَا يُحِلُّ الْحَرَامَ ، وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ مَا يُتَوَصَّلُ بِهِ إلَى تَنَاوُلِ الْمُحَرَّمِ مَعَ بَقَائِهِ عَلَى تَحْرِيمِهِ ، كَمَا لَوْ صَالَحَهُ عَلَى اسْتِرْقَاقِ حُرٍّ ، أَوْ إحْلَالِ بُضْعٍ مُحَرَّمٍ ، أَوْ صَالَحَهُ بِخَمْرٍ أَوْ خِنْزِيرٍ .\rوَلَيْسَ مَا نَحْنُ فِيهِ كَذَلِكَ .\rوَعَلَى أَنَّهُمْ لَا يَقُولُونَ بِهَذَا ، فَإِنَّهُمْ يُبِيحُونَ لِمَنْ لَهُ حَقٌّ يَجْحَدُهُ غَرِيمُهُ ، أَنْ يَأْخُذَ مِنْ مَالِهِ بِقَدْرِهِ أَوْ دُونَهُ ، فَإِذَا حَلَّ لَهُ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ","part":9,"page":425},{"id":4425,"text":"اخْتِيَارِهِ وَلَا عِلْمِهِ ، فَلَأَنْ يَحِلَّ بِرِضَاهُ وَبَذْلِهِ أَوْلَى ، وَكَذَلِكَ إذَا حَلَّ مَعَ اعْتِرَافِ الْغَرِيمِ ، فَلَأَنْ يَحِلَّ مَعَ جَحْدِهِ وَعَجْزِهِ عَنْ الْوُصُولِ إلَى حَقِّهِ إلَّا بِذَلِكَ أَوْلَى ، وَلِأَنَّ الْمُدَّعِيَ هَاهُنَا يَأْخُذُ عِوَضَ حَقِّهِ الثَّابِتِ لَهُ ، وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ يَدْفَعُهُ لِدَفْعِ الشَّرِّ عَنْهُ ، وَقَطْعِ الْخُصُومَةِ ، وَلَمْ يَرِدْ الشَّرْعُ بِتَحْرِيمِ ذَلِكَ فِي مَوْضِعٍ ، وَلِأَنَّهُ صُلْحٌ يَصِحُّ مَعَ الْأَجْنَبِيِّ ، فَصَحَّ مَعَ الْخَصْمِ كَالصُّلْحِ مَعَ الْإِقْرَارِ .\rيُحَقِّقُهُ أَنَّهُ إذَا صَحَّ مَعَ الْأَجْنَبِيِّ مَعَ غِنَاهُ عَنْهُ ، فَلَأَنْ يَصِحَّ مَعَ الْخَصْمِ مَعَ حَاجَتِهِ إلَيْهِ أَوْلَى .\rوَقَوْلُهُمْ : إنَّهُ مُعَاوَضَةٌ .\rقُلْنَا : فِي حَقِّهِمَا أَمْ فِي حَقِّ أَحَدِهِمَا ؟ الْأَوَّلُ مَمْنُوعٌ ، وَالثَّانِي مُسَلِّمٌ ؛ وَهَذَا لِأَنَّ الْمُدَّعِيَ يَأْخُذُ عِوَضَ حَقِّهِ مِنْ الْمُنْكِرِ لِعِلْمِهِ بِثُبُوتِ حَقِّهِ عِنْدَهُ ، فَهُوَ مُعَاوَضَةٌ فِي حَقِّهِ ، وَالْمُنْكِرُ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ يَدْفَعُ الْمَالَ لِدَفْعِ الْخُصُومَةِ وَالْيَمِينِ عَنْهُ ، وَيُخَلِّصُهُ مِنْ شَرِّ الْمُدَّعِي ، فَهُوَ أَبْرَأُ فِي حَقِّهِ ، وَغَيْرُ مُمْتَنِعٍ ثُبُوتُ الْمُعَاوَضَةِ فِي حَقِّ أَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ دُونَ الْآخَرِ ، كَمَا لَوْ اشْتَرَى عَبْدًا شَهِدَ بِحُرِّيَّتِهِ ، فَإِنَّهُ يَصِحُّ ، وَيَكُونُ مُعَاوَضَةً فِي حَقِّ الْبَائِعِ وَاسْتِنْقَاذًا لَهُ مِنْ الرِّقِّ فِي حَقِّ الْمُشْتَرِي ، كَذَا هَاهُنَا .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَلَا يَصِحُّ هَذَا الصُّلْحُ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُدَّعِي مُعْتَقِدًا أَنَّ مَا ادَّعَاهُ حَقٌّ ، وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ لَا حَقَّ عَلَيْهِ ، فَيَدْفَعُ إلَى الْمُدَّعِي شَيْئًا افْتِدَاءً لِيَمِينِهِ ، وَقَطْعًا لِلْخُصُومَةِ ، وَصِيَانَةً لِنَفْسِهِ عَنْ التَّبَذُّلِ ، وَحُضُورِ مَجْلِسِ الْحَاكِمِ ، فَإِنَّ ذَوِي النُّفُوسِ الشَّرِيفَةِ وَالْمُرُوءَةِ يَصْعُبُ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ ، وَيَرَوْنَ دَفْعَ ضَرَرِهَا عَنْهُمْ مِنْ أَعْظَمِ مَصَالِحِهِمْ ، وَالشَّرْعُ لَا يَمْنَعهُمْ مِنْ وِقَايَةِ أَنْفُسِهِمْ وَصِيَانَتِهَا ، وَدَفْعِ","part":9,"page":426},{"id":4426,"text":"الشَّرِّ عَنْهُمْ بِبَذْلِ أَمْوَالِهِمْ ، وَالْمُدَّعِي يَأْخُذُ ذَلِكَ عِوَضًا عَنْ حَقِّهِ الثَّابِتِ لَهُ ، فَلَا يَمْنَعُهُ الشَّرْعُ مِنْ ذَلِكَ أَيْضًا ، سَوَاءٌ كَانَ الْمَأْخُوذُ مِنْ جِنْسِ حَقِّهِ ، أَوْ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ ، بِقَدْرِ حَقِّهِ أَوْ دُونَهُ ، فَإِنْ أَخَذَ مِنْ جِنْسِ حَقِّهِ بِقَدْرِهِ فَهُوَ مُسْتَوْفٍ لَهُ ، وَإِنْ أَخَذَ دُونَهُ ، فَقَدْ اسْتَوْفَى بَعْضَهُ وَتَرَكَ بَعْضَهُ ، وَإِنْ أَخَذَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ حَقِّهِ فَقَدْ أَخَذَ عِوَضَهُ .\rوَلَا يَجُوزُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ جِنْسِ حَقِّهِ أَكْثَرِ مِمَّا ادَّعَاهُ ؛ لِأَنَّ الزَّائِدَ لَا مُقَابِلَ لَهُ ، فَيَكُونَ ظَالِمًا بِأَخْذِهِ .\rوَإِنْ أَخَذَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ جَازَ ، وَيَكُونُ بَيْعًا فِي حَقِّ الْمُدَّعِي ؛ لِاعْتِقَادِهِ أَخْذَهُ عِوَضًا ، فَيَلْزَمُهُ حُكْمُ إقْرَارِهِ .\rفَإِنْ كَانَ الْمَأْخُوذُ شِقْصًا فِي دَارٍ أَوْ عَقَارٍ ، وَجَبَتْ فِيهِ الشُّفْعَةُ ، وَإِنْ وَجَدَ بِهِ عَيْبًا فَلَهُ رَدُّهُ ، وَالرُّجُوعُ فِي دَعْوَاهُ ، وَيَكُونُ فِي حَقِّ الْمُنْكِرِ بِمَنْزِلَةِ الْإِبْرَاءِ ، لِأَنَّهُ دَفَعَ الْمَالَ افْتِدَاءً لِيَمِينِهِ ، وَدَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْهُ ، لَا عِوَضًا عَنْ حَقٍّ يَعْتَقِدُهُ فَيَلْزَمُهُ أَيْضًا حُكْمُ إقْرَارِهِ .\rفَإِنْ وَجَدَ بِالْمُصَالَحِ عَنْهُ عَيْبًا ، لَمْ يَرْجِعْ بِهِ عَلَى الْمُدَّعِي ؛ لِاعْتِقَادِهِ أَنَّهُ مَا أَخَذَ عِوَضًا .\rوَإِنْ كَانَ شِقْصًا لَمْ تَثْبُتْ فِيهِ الشُّفْعَةُ ؛ لِأَنَّهُ يَعْتَقِدُهُ عَلَى مِلْكِهِ ، لَمْ يَزُلْ ، وَمَا مَلَكَهُ بِالصُّلْحِ .\rوَلَوْ دَفَعَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إلَى الْمُدَّعِي مَا ادَّعَاهُ أَوْ بَعْضَهُ ، لَمْ يَثْبُتْ فِيهِ حُكْمُ الْبَيْعِ وَلَا تَثْبُتْ فِيهِ الشُّفْعَةُ ؛ لِأَنَّ الْمُدَّعِيَ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ اسْتَوْفَى بَعْضَ حَقِّهِ ، وَأَخَذَ عَيْنَ مَالِهِ ، مُسْتَرْجِعًا لَهَا مِمَّنْ هِيَ عِنْدَهُ ، فَلَمْ يَكُنْ بَيْعًا ، كَاسْتِرْجَاعِ الْعَيْنِ الْمَغْصُوبَةِ ، فَأَمَّا إنْ كَانَ أَحَدُهُمَا كَاذِبًا ، مِثْلُ أَنْ يَدَّعِيَ الْمُدَّعِي شَيْئًا يَعْلَمُ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ ، وَيُنْكِرَ الْمُنْكِرُ حَقًّا يَعْلَمُ أَنَّهُ عَلَيْهِ ، فَالصُّلْحُ بَاطِلٌ فِي الْبَاطِنِ ؛ لِأَنَّ","part":9,"page":427},{"id":4427,"text":"الْمُدَّعِيَ إذَا كَانَ كَاذِبًا ، فَمَا يَأْخُذُهُ أَكْلُ مَالٍ بِالْبَاطِلِ ، أَخَذَهُ بِشَرِّهِ وَظُلْمِهِ وَدَعْوَاهُ الْبَاطِلَةُ ، لَا عِوَضًا عَنْ حَقٍّ لَهُ ، فَيَكُونُ حَرَامًا عَلَيْهِ ، كَمَنْ خَوَّفَ رَجُلًا بِالْقَتْلِ حَتَّى أَخَذَ مَالَهُ ، وَإِنْ كَانَ صَادِقًا ، وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ يَعْلَمُ صِدْقَهُ وَثُبُوتَ حَقِّهِ ، فَجَحَدَهُ لِيَنْتَقِصَ حَقَّهُ ، أَوْ يُرْضِيَهُ عَنْهُ بِشَيْءِ فَهُوَ هَضْمٌ لِلْحَقِّ ، وَأَكْلُ مَالٍ بِالْبَاطِلِ ، فَيَكُونُ ذَلِكَ حَرَامًا ، وَالصُّلْحُ بَاطِلٌ ، وَلَا يَحِلُّ لَهُ مَالُ الْمُدَّعِي بِذَلِكَ .\rوَقَدْ ذَكَرَهُ الْخِرَقِيِّ فِي قَوْله \" وَإِنْ كَانَ يَعْلَمُ مَا عَلَيْهِ فَجَحَدَهُ ، فَالصُّلْحُ بَاطِلٌ \" .\rيَعْنِي فِي الْحَقِيقَةِ ، وَأَمَّا الظَّاهِرُ لَنَا فَهُوَ الصِّحَّةُ ؛ لِأَنَّنَا لَا نَعْلَمُ بَاطِنَ الْحَالِ ، وَإِنَّمَا يَنْبَنِي الْأَمْرُ عَلَى الظَّوَاهِرِ ، وَالظَّاهِرُ ، مِنْ الْمُسْلِمِ السَّلَامَةُ .","part":9,"page":428},{"id":4428,"text":"( 3493 ) فَصْلٌ : وَلَوْ ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ وَدِيعَةً ، أَوْ قَرْضًا ، أَوْ تَفْرِيطًا فِي وَدِيعَةٍ أَوْ مُضَارَبَةٍ ، فَأَنْكَرَهُ وَاصْطَلَحَا ، صَحَّ لِمَا ذَكَرْنَاهُ .","part":9,"page":429},{"id":4429,"text":"( 3494 ) فَصَلِّ : وَإِنْ صَالَحَ عَنْ الْمُنْكِرِ أَجْنَبِيٌّ ، صَحَّ ، سَوَاءٌ اعْتَرَفَ لِلْمُدَّعِي بِصِحَّةِ دَعْوَاهُ أَوْ لَمْ يَعْتَرِفْ ، وَسَوَاءٌ كَانَ بِإِذْنِهِ أَوْ غَيْرِ إذْنِهِ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ : إنَّمَا يَصِحُّ إذَا اعْتَرَفَ لِلْمُدَّعِي بِصِدْقِهِ ، وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى صُلْحِ الْمُنْكِرِ ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ .\rثُمَّ لَا يَخْلُو الصُّلْحُ ، إمَّا أَنْ يَكُونَ عَنْ دَيْنٍ أَوْ عَيْنٍ ، فَإِنْ كَانَ عَنْ دَيْنٍ ، صَحَّ سَوَاءٌ كَانَ بِإِذْنِ الْمُنْكِرِ ، أَوْ بِغَيْرِ إذْنِهِ ، لِأَنَّ قَضَاءَ الدَّيْنِ عَنْ غَيْرِهِ جَائِزٌ بِإِذْنِهِ وَبِغَيْرِ إذْنِهِ ، فَإِنَّ { عَلِيًّا وَأَبَا قَتَادَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَضَيَا عَنْ الْمَيِّتِ ، فَأَجَازَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ } وَإِنْ كَانَ الصُّلْحُ عَنْ عَيْنٍ بِإِذْنِ الْمُنْكِرِ ، فَهُوَ كَالصُّلْحِ مِنْهُ ؛ لِأَنَّ الْوَكِيلَ يَقُومُ مَقَامَ الْمُوَكِّلِ .\rوَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ إذْنِهِ ، فَهُوَ افْتِدَاءٌ لِلْمُنْكِرِ مِنْ الْخُصُومَةِ ، وَإِبْرَاءٌ لَهُ مِنْ الدَّعْوَى ، وَذَلِكَ جَائِزٌ .\rوَفِي الْمَوْضِعَيْنِ ، إذَا صَالَحَ عَنْهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ ، لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهِ بِشَيْءِ لِأَنَّهُ أَدَّى عَنْهُ مَالًا يَلْزَمُهُ أَدَاؤُهُ .\rوَخَرَّجَهُ الْقَاضِي وَأَبُو الْخَطَّابِ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ .\rفِيمَا إذَا قَضَى دَيْنَهُ الثَّابِتَ بِغَيْرِ إذْنِهِ ، وَلَيْسَ هَذَا بِجَيِّدٍ ؛ لِأَنَّ هَذَا لَمْ يَثْبُتْ وُجُوبُهُ عَلَى الْمُنْكِرِ ، وَلَا يَلْزَمُهُ أَدَاؤُهُ إلَى الْمُدَّعِي ، فَكَيْفَ يَلْزَمُهُ أَدَاؤُهُ إلَى غَيْرِهِ ، وَلِأَنَّهُ أَدَّى عَنْهُ مَا لَا يَجِبُ عَلَيْهِ ، فَكَانَ مُتَبَرِّعًا ، كَمَا لَوْ تَصَدَّقَ عَنْهُ .\rوَمَنْ قَالَ بِرُجُوعِهِ ، فَإِنَّهُ يَجْعَلُهُ كَالْمُدَّعِي فِي الدَّعْوَى عَلَى الْمُنْكَرِ لَا غَيْرُ ، أَمَّا أَنْ يَجِبَ لَهُ الرُّجُوعُ بِمَا أَدَّاهُ حَتْمًا ، فَلَا وَجْهَ لَهُ أَصْلًا ؛ لِأَنَّ أَكْثَرَ مَا يَجِبُ لِمَنْ قَضَى دَيْنَ غَيْرِهِ أَنْ يَقُومَ مَقَامَ صَاحِبِ الدَّيْنِ ، وَصَاحِبُ الدَّيْنِ هَاهُنَا لَمْ يَجِبْ لَهُ حَقٌّ ، وَلَا لَزِمَ الْأَدَاءُ إلَيْهِ ، وَلَا يَثْبُتُ لَهُ أَكْثَرُ مِنْ","part":9,"page":430},{"id":4430,"text":"جَوَازِ الدَّعْوَى ، فَكَذَلِكَ هَذَا .\rوَيُشْتَرَطُ فِي جَوَازِ الدَّعْوَى أَنْ يَعْلَمَ صِدْقَ الْمُدَّعِي ، فَأَمَّا إنْ لَمْ يَعْلَمْ ، لَمْ يَحِلَّ لَهُ دَعْوَى بِشَيْءِ لَا يَعْلَمُ ثُبُوتَهُ ، وَأَمَّا مَا إذَا صَالَحَ عَنْهُ بِإِذْنِهِ ، فَهُوَ وَكِيلُهُ ، وَالتَّوْكِيلُ فِي ذَلِكَ جَائِزٌ .\rثُمَّ إنْ أَدَّى عَنْهُ بِإِذْنِهِ ، رَجَعَ إلَيْهِ ، وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ .\rوَإِنْ أَدَّى عَنْهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ مُتَبَرِّعًا ، لَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءِ وَإِنْ قَضَاهُ مُحْتَسِبًا بِالرُّجُوعِ ، خُرِّجَ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي مَنْ قَضَى دَيْنَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ أَدَاؤُهُ بِعَقْدِ الصُّلْحِ ، بِخِلَافِ مَا إذَا صَالَحَ وَقَضَى بِغَيْرِ إذْنِهِ ، فَإِنَّهُ قَضَى مَا لَا يَجِبُ عَلَى الْمُنْكِرِ قَضَاؤُهُ .","part":9,"page":431},{"id":4431,"text":"( 3495 ) فَصْلٌ : وَإِنْ صَالَحَ الْأَجْنَبِيُّ الْمُدَّعِيَ لِنَفْسِهِ ؛ لِتَكُونَ الْمُطَالَبَةُ لَهُ ، فَلَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَعْتَرِفَ لِلْمُدَّعِي بِصِحَّةِ دَعْوَاهُ ، أَوْ لَا يَعْتَرِفَ لَهُ ، فَإِنْ لَمْ يَعْتَرِفْ لَهُ ، كَانَ الصُّلْحُ بَاطِلًا ؛ لِأَنَّهُ يَشْتَرِي مِنْهُ مَا لَمْ يَثْبُتْ لَهُ ، وَلَمْ تَتَوَجَّهْ إلَيْهِ خُصُومَةٌ يَفْتَدِي مِنْهَا ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ اشْتَرَى مِنْهُ مِلْكَ غَيْرِهِ .\rوَإِنْ اعْتَرَفَ لَهُ بِصِحَّةِ دَعْوَاهُ ، وَكَانَ الْمُدَّعَى دَيْنًا ، لَمْ يَصِحَّ ؛ لِأَنَّهُ اشْتَرَى مَا لَا يَقْدِرُ الْبَائِعُ عَلَى تَسْلِيمِهِ ، وَلِأَنَّهُ بَيْعٌ لِلدَّيْنِ مِنْ غَيْرِ مَنْ هُوَ فِي ذِمَّتِهِ .\rوَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ : يَصِحُّ .\rوَلَيْسَ بِجَيِّدٍ ؛ لِأَنَّ بَيْعَ الدَّيْنِ الْمُقَرِّ بِهِ مِنْ غَيْرِ مَنْ هُوَ فِي ذِمَّتِهِ لَا يَصِحُّ ، فَبَيْعُ دَيْنٍ فِي ذِمَّةِ مُنْكِرٍ مَعْجُوزٍ عَنْ قَبْضِهِ أُولَى .\rوَإِنْ كَانَ الْمُدَّعَى عَيْنًا ، فَقَالَ الْأَجْنَبِيُّ لِلْمُدَّعِي : أَنَا أَعْلَمُ أَنَّك صَادِقٌ ، فَصَالِحْنِي عَنْهَا ، فَإِنِّي قَادِرٌ عَلَى اسْتِنْقَاذِهَا مِنْ الْمُنْكِرِ .\rفَقَالَ أَصْحَابُنَا : يَصِحُّ الصُّلْحُ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ اشْتَرَى مِنْهُ مِلْكَهُ الَّذِي يَقْدِرُ عَلَى تَسْلِيمِهِ .\rثُمَّ إنْ قَدَرَ عَلَى انْتِزَاعِهِ ، اسْتَقَرَّ الصُّلْحُ ، وَإِنْ عَجَزَ ، كَانَ لَهُ الْفَسْخُ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُسَلِّمْ لَهُ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ ، فَكَانَ لَهُ الرُّجُوعُ إلَى بَدَلِهِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ إنْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى تَسْلِيمِهِ ، تَبَيَّنَ أَنَّ الصُّلْحَ كَانَ فَاسِدًا ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ الَّذِي هُوَ الْقُدْرَةُ عَلَى قَبْضِهِ مَعْدُومٌ حَالَ الْعَقْدِ ، فَكَانَ فَاسِدًا ، كَمَا لَوْ اشْتَرَى عَبْدَهُ ، فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ آبِقٌ أَوْ مَيِّتٌ .\rوَلَوْ اعْتَرَفَ لَهُ بِصِحَّةِ دَعْوَاهُ ، وَلَا يُمْكِنُهُ اسْتِيفَاؤُهُ ، لَمْ يَصِحَّ الصُّلْحُ لِأَنَّهُ اشْتَرَى مَا لَا يُمْكِنُهُ قَبْضُهُ مِنْهُ ، فَأَشْبَهَ شِرَاءَ الْعَبْدِ الْآبِقِ ، وَالْجَمَلِ الشَّارِدِ .\rفَإِنْ اشْتَرَاهُ وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّهُ عَاجِزٌ عَنْ قَبْضِهِ ، فَتَبَيَّنَ أَنَّ","part":9,"page":432},{"id":4432,"text":"قَبْضَهُ مُمْكِنٌ ، صَحَّ الْبَيْعُ ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ تَنَاوَلَ مَا يُمْكِنُ قَبْضُهُ ، فَصَحَّ ، كَمَا لَوْ عَلِمَا ذَلِكَ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَصِحَّ ؛ لِأَنَّهُ ظَنَّ عَدَمَ الشَّرْطِ فَأَشْبَهَ مَا لَوْ بَاعَ عَبْدًا يَظُنُّ أَنَّهُ حُرُّ ، أَوْ أَنَّهُ عَبْدُ غَيْرِهِ ، فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ عَبْدُهُ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ مَنْ يَعْلَمُ أَنَّ الْبَيْعَ يَفْسُدُ بِالْعَجْزِ عَنْ تَسْلِيمِ الْمَبِيعِ ، وَبَيْنَ مَنْ لَا يَعْلَمْ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ مَنْ يَعْلَمُ ذَلِكَ يَعْتَقِدُ فَسَادَ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ ، فَكَانَ بَيْعُهُ فَاسِدًا ؛ لِكَوْنِهِ مُتَلَاعِبًا بِقَوْلِهِ : مُعْتَقِدًا فَسَادَهُ ، وَمِنْ لَا يَعْلَمُ يَعْتَقِدُهُ صَحِيحًا ، وَقَدْ تَبَيَّنَ اجْتِمَاعُ شُرُوطِهِ ، فَصَحَّ ، كَمَا لَوْ عَلِمَهُ مَقْدُورًا عَلَى تَسْلِيمِهِ .","part":9,"page":433},{"id":4433,"text":"( 3496 ) فَصْلٌ : فَإِنْ قَالَ الْأَجْنَبِيُّ لِلْمُدَّعِي : أَنَا وَكِيلُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِي مُصَالَحَتِك عَنْ هَذِهِ الْعَيْنِ ، وَهُوَ مُقِرٌّ لَك بِهَا ، وَإِنَّمَا يَجْحَدُهَا فِي الظَّاهِرِ .\rفَظَاهِرِ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ أَنَّ الصُّلْحَ لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّهُ يَجْحَدُهَا فِي الظَّاهِرِ لِيَنْتَقِصَ الْمُدَّعِيَ بَعْضَ حَقِّهِ ، أَوْ يَشْتَرِيَهُ بِأَقَلَّ مِنْ ثَمَنِهِ ، فَهُوَ هَاضِمٌ لِلْحَقِّ ، يَتَوَصَّلُ إلَى أَخْذِ الْمُصَالِحِ عَنْهُ بِالظُّلْمِ وَالْعَدُوَّانِ ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ شَافَهَهُ بِذَلِكَ ، فَقَالَ : أَنَا أَعْلَمُ صِحَّةَ دَعْوَاك ، وَأَنَّ هَذَا لَك ، وَلَكِنْ لَا أُسَلِّمُهُ إلَيْك ، وَلَا أُقِرُّ لَك بِهِ عِنْدَ الْحَاكِمِ حَتَّى تُصَالِحَنِي مِنْهُ عَلَى بَعْضِهِ ، أَوْ عِوَضٍ عَنْهُ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : يَصِحُّ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ .\rالشَّافِعِيِّ .\rقَالُوا : ثُمَّ يَنْظُرُ إلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ، فَإِنْ صَدَّقَهُ عَلَى ذَلِكَ ، مَلَكَ الْعَيْنَ ، وَرَجَعَ عَلَى الْأَجْنَبِيِّ وَعَلَيْهِ بِمَا أَدَّى عَنْهُ ، إنْ كَانَ أَذِنَ لَهُ فِي الدَّفْعِ ، وَإِنْ أَنْكَرَ الْإِذْنَ فِي الدَّفْعِ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ ، وَيَكُونُ حُكْمُهُ حُكْمَ مِنْ قَضَى دَيْنَهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ .\rوَإِنْ أَنْكَرَ الْوِكَالَةَ ، فَالْقَوْل قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ ، وَلَيْسَ لِلْأَجْنَبِيِّ الرُّجُوعُ عَلَيْهِ ، وَلَا يُحْكَمُ لَهُ بِمِلْكِهَا .\rفَأَمَّا حُكْمُ مِلْكِهَا فِي الْبَاطِنِ ، فَإِنْ كَانَ وَكَّلَ الْأَجْنَبِيَّ فِي الشِّرَاءِ ، فَقَدْ مَلَكَهَا ؛ لِأَنَّهُ اشْتَرَاهَا بِإِذْنِهِ ، فَلَا يَقْدَحُ إنْكَارُهُ فِي مِلْكِهَا ؛ لِأَنَّ مِلْكَهُ ثَبَتَ قَبْلَ إنْكَارِهِ ، وَإِنَّمَا هُوَ ظَالِمٌ بِالْإِنْكَارِ لِلْأَجْنَبِيِّ ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يُوَكِّلْهُ ، لَمْ يَمْلِكُهَا ؛ لِأَنَّهُ اشْتَرَى لَهُ عَيْنًا بِغَيْرِ إذْنِهِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَقِفَ عَلَى إجَازَتِهِ ، كَمَا قُلْنَا فِي مَنْ اشْتَرَى لِغَيْرِهِ شَيْئًا بِغَيْرِ إذْنِهِ بِثَمَنٍ فِي ذِمَّتِهِ ، فَإِنْ أَجَازَهُ ، لَزِمَ فِي حَقِّهِ ، وَإِنْ لَمْ يَجُزْهُ لَزِمَ مَنْ اشْتَرَاهُ .\rوَإِنْ قَالَ الْأَجْنَبِيُّ لِلْمُدَّعِي : قَدْ عَرَفَ الْمُدَّعَى","part":9,"page":434},{"id":4434,"text":"عَلَيْهِ صِحَّةَ دَعْوَاك ، وَهُوَ يَسْأَلُك أَنْ تُصَالِحَهُ عَنْهُ ، وَقَدْ وَكَّلَنِي فِي الْمُصَالَحَةِ عَنْهُ .\rفَصَالَحَهُ صَحَّ ، وَكَانَ الْحُكْمُ كَمَا ذَكَرْنَا ؛ لِأَنَّهُ هَاهُنَا لَمْ يَمْتَنِعْ مِنْ أَدَائِهِ ، بَلْ اعْتَرَفَ بِهِ ، وَصَالَحَهُ عَلَيْهِ ، مَعَ بَذْلِهِ لَهُ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ يَجْحَدْهُ .","part":9,"page":435},{"id":4435,"text":"( 3497 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَمَنْ اعْتَرَفَ بِحَقٍّ ، فَصَالَحَ عَلَى بَعْضِهِ ، لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ صُلْحًا ؛ لِأَنَّهُ هَضْمٌ لِلْحَقِّ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ مَنْ اعْتَرَفَ بِحَقٍّ وَامْتَنَعَ مِنْ أَدَائِهِ حَتَّى صُولِحَ عَلَى بَعْضِهِ ، فَالصُّلْحُ بَاطِلٌ ؛ لِأَنَّهُ صَالَحَ عَنْ بَعْضِ مَالِهِ بِبَعْضٍ ، وَهَذَا مُحَالُ ، وَسَوَاءٌ كَانَ بِلَفْظِ الصُّلْحِ ، أَوْ بِلَفْظِ الْإِبْرَاءِ أَوْ بِلَفْظِ الْهِبَةِ الْمَقْرُونِ بِشَرْطِ ، مِثْلُ أَنْ يَقُولَ : أَبْرَأَتْك عَنْ خَمْسِمِائَةٍ ، أَوْ وَهَبْت لَك خَمْسَمِائَةٍ ، بِشَرْطِ أَنْ تُعْطِيَنِي مَا بَقِيَ .\rوَلَوْ لَمْ يَشْتَرِطْ ، إلَّا أَنَّهُ لَمْ يُعْطِ بَعْضَ حَقِّهِ إلَّا بِإِسْقَاطِهِ بَعْضَهُ ، فَهُوَ حَرَامٌ أَيْضًا ؛ لِأَنَّهُ هَضَمَهُ حَقَّهُ .\rقَالَ ابْنُ أَبِي إِسْحَاقَ : الصُّلْحُ عَلَى الْإِقْرَارِ هَضْمٌ لِلْحَقِّ ، فَمَتَى أَلْزَمَ الْمُقَرَّ لَهُ تَرْكَ بَعْضِ حَقِّهِ ، فَتَرَكَهُ عَنْ غَيْرِ طِيبِ نَفْسِهِ ، لَمْ يَطِبْ الْأَخْذُ .\rوَإِنْ تَطَوَّعَ الْمُقَرُّ لَهُ بِإِسْقَاطِ بَعْضِ حَقِّهِ بِطِيبٍ مِنْ نَفْسِهِ ، جَازَ ، غَيْرَ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِصُلْحٍ ، وَلَا مِنْ بَابِ الصُّلْحِ بِسَبِيلٍ ، وَلَمْ يُسَمِّ الْخِرَقِيِّ الصُّلْحَ إلَّا فِي الْإِنْكَارِ ، عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ ، فَأَمَّا فِي الِاعْتِرَافِ ، فَإِذَا اعْتَرَفَ بِشَيْءِ وَقَضَاهُ مِنْ جِنْسِهِ ، فَهُوَ وَفَاءٌ ، وَإِنْ قَضَاهُ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ ، فَهِيَ مُعَاوَضَةٌ ، وَإِنْ أَبْرَأَهُ مِنْ بَعْضِهِ اخْتِيَارًا مِنْهُ ، وَاسْتَوْفَى الْبَاقِيَ ، فَهُوَ إبْرَاءٌ ، وَإِنْ وَهَبَ لَهُ بَعْضَ الْعَيْنِ وَأَخَذَ بَاقِيَهَا بِطِيبِ نَفْسٍ ، فَهِيَ هِبَةٌ ، فَلَا يُسَمِّي ذَلِكَ صُلْحًا .\rوَنَحْوُ ذَلِكَ قَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى وَسَمَّاهُ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ صُلْحًا .\rوَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ ؛ وَالْخِلَافُ فِي التَّسْمِيَةِ ، أَمَّا الْمَعْنَى فَمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ، وَهُوَ فِعْلُ مَا عَدَا وَفَاءَ الْحَقِّ ، وَإِسْقَاطُهُ عَلَى وَجْهٍ يَصِحُّ ، وَذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ ؛ مُعَاوَضَةٌ ، وَإِبْرَاءٌ ، وَهِبَةٌ .\rفَأَمَّا الْمُعَاوَضَةُ ، فَهُوَ أَنْ يَعْتَرِفَ لَهُ بِعَيْنٍ فِي","part":9,"page":436},{"id":4436,"text":"يَدِهِ ، أَوْ دَيْنٍ فِي ذِمَّتِهِ ، ثُمَّ يَتَّفِقَانِ عَلَى تَعْوِيضِهِ عَنْ ذَلِكَ بِمَا يَجُوزُ تَعْوِيضُهُ بِهِ ، وَهَذَا ثَلَاثَةُ أَضْرُبٍ أَحَدُهَا ، أَنْ يَعْتَرِفَ لَهُ بِأَحَدِ النَّقْدَيْنِ ، فَيُصَالِحَهُ الْآخَرُ ، نَحْوُ أَنْ يَعْتَرِفَ لَهُ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ ، فَيُصَالِحَهُ مِنْهَا بِعَشْرَةِ دَنَانِيرَ ، أَوْ يَعْتَرِفَ لَهُ بِعَشْرَةِ دَنَانِيرَ ، فَيُصَالِحَهُ عَلَى مِائَةِ دِرْهَمٍ ، فَهَذَا صَرْفٌ ، يُشْتَرَطُ لَهُ شُرُوطُ الصَّرْفِ ، مِنْ التَّقَابُضِ فِي الْمَجْلِسِ وَنَحْوِهِ .\rالثَّانِي ، أَنْ يَعْتَرِفَ لَهُ بِعُرُوضٍ ، فَيُصَالِحَهُ عَلَى أَثْمَانٍ ، أَوْ بِأَثْمَانٍ فَيُصَالِحَهُ عَلَى عُرُوضٍ ، فَهَذَا بَيْعٌ يَثْبُتْ فِيهِ أَحْكَامُ الْبَيْعِ .\rوَإِنْ اعْتَرَفَ لَهُ بِدَيْنٍ ، فَصَالَحَهُ عَلَى مَوْصُوفٍ فِي الذِّمَّةِ ، لَمْ يَجُزْ التَّفَرُّقُ قَبْلَ الْقَبْضِ ؛ لِأَنَّهُ بَيْعُ دَيْنٍ بِدِينٍ .\rالثَّالِثُ .\rأَنْ يُصَالِحَهُ عَلَى سُكْنَى دَارٍ أَوْ ، خِدْمَةِ عَبْدٍ ، وَنَحْوِهِ ، أَوْ عَلَى أَنْ يَعْمَلَ لَهُ عَمَلًا مَعْلُومًا ، فَيَكُونُ ذَلِكَ إجَارَةً لَهَا حُكْمُ سَائِرِ الْإِجَارَاتِ ، وَإِذَا أَتْلَفَ الدَّارُ أَوْ الْعَبْدُ قَبْلَ اسْتِيفَاءِ شَيْءٍ مِنْ الْمَنْفَعَةِ ، انْفَسَخَتْ الْإِجَارَةُ ، وَرَجَعَ بِمَا صَالَحَ عَنْهُ .\rوَإِنْ تَلِفَتْ بَعْدَ اسْتِيفَاءِ شَيْءٍ مِنْ الْمَنْفَعَةِ ، انْفَسَخَتْ فِيمَا بَقِيَ مِنْ الْمُدَّةِ ، وَرَجَعَ بِقِسْطِ مَا بَقِيَ .\rوَلَوْ صَالَحَهُ عَلَى أَنْ يُزَوِّجَهُ جَارِيَتَهُ ، وَهُوَ مِمَّنْ يَجُوزُ لَهُ نِكَاحُ الْإِمَاءِ ، صَحَّ .\rوَكَانَ الْمُصَالَحُ عَنْهُ صَدَاقَهَا ، فَإِنْ انْفَسَخَ النِّكَاحُ قَبْلَ الدُّخُولِ بِأَمْرٍ يُسْقِطُ الصَّدَاقَ ، رَجَعَ الزَّوْجُ بِمَا صَالَحَ عَنْهُ ، وَإِنْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ ، رَجَعَ بِنِصْفِهَا ، وَإِنْ كَانَ الْمُعْتَرِفُ امْرَأَةً ، فَصَالَحَتْ الْمُدَّعِي عَلَى أَنْ تُزَوِّجَهُ نَفْسَهَا ، جَازَ وَلَوْ كَانَ الْمُعْتَرَفُ بِهِ عَيْبًا فِي مَبِيعِهَا ، فَصَالَحَتْهُ عَلَى نِكَاحِهَا صَحَّ .\rفَإِنْ زَالَ الْعَيْبُ ، رَجَعَتْ بِأَرْشِهِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ صَدَاقُهَا ، فَرَجَعَتْ بِهِ ، لَا بِمَهْرِ مِثْلِهَا .\rوَإِنْ لَمْ يَزُلْ","part":9,"page":437},{"id":4437,"text":"الْعَيْبُ ، لَكِنْ انْفَسَخَ نِكَاحُهَا بِمَا يُسْقِطُ صَدَاقَهَا ، رَجَعَ عَلَيْهَا بِأَرْشِهِ .\rالْقِسْمُ الثَّانِي ، الْإِبْرَاءُ ، وَهُوَ أَنْ يَعْتَرِفَ لَهُ بِدَيْنٍ فِي ذِمَّتِهِ ، فَيَقُولَ : قَدْ أَبْرَأْتُك مِنْ نِصْفِهِ أَوْ جُزْءٍ مُعَيَّنٍ مِنْهُ ، فَأَعْطِنِي مَا بَقِيَ .\rفَيَصِحُّ إذَا كَانَتْ الْبَرَاءَةُ مُطْلَقَةً مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ .\rقَالَ أَحْمَدُ : إذَا كَانَ لِلرَّجُلِ عَلَى الرَّجُلِ الدَّيْنُ ، لَيْسَ عِنْدَهُ وَفَاءٌ فَوَضَعَ عَنْهُ بَعْضَ حَقِّهِ ، وَأَخَذَ مِنْهُ الْبَاقِيَ ، كَانَ ذَلِكَ جَائِزًا لَهُمَا ، وَلَوْ فَعَلَ ذَلِكَ قَاضٍ ، لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ إثْمٌ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَلَّمَ غُرَمَاءَ جَابِرٍ لِيَضَعُوا عَنْهُ ، فَوَضَعُوا عَنْهُ ، الشَّطْرَ .\rوَفِي الَّذِي أُصِيبَ فِي حَدِيقَتِهِ فَمَرَّ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مَلْزُومٌ ، فَأَشَارَ إلَى غُرَمَائِهِ بِالنِّصْفِ ، فَأَخَذُوهُ مِنْهُ .\rفَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ قَاضٍ الْيَوْمَ ، جَازَ إذَا كَانَ عَلَى وَجْهِ الصُّلْحِ وَالنَّظَرِ لَهُمَا .\rوَرَوَى يُونُسُ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْن كَعْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، أَنَّهُ تَقَاضَى ابْنَ أَبِي حَدْرَدٍ دَيْنًا كَانَ لَهُ عَلَيْهِ فِي الْمَسْجِدِ ، فَارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا حَتَّى سَمِعَهَا رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَخَرَجَ إلَيْهِمَا ، ثُمَّ نَادَى : { يَا كَعْبُ .\rقَالَ : لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ .\rفَأَشَارَ إلَيْهِ ، أَنْ ضَعْ الشَّطْرَ مِنْ دَيْنَك .\rقَالَ : قَدْ فَعَلْت يَا رَسُولَ اللَّه .\rقَالَ رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُمْ فَأَعْطِهِ } .\rفَإِنْ قَالَ : عَلَى أَنْ تُوَفِّيَنِي مَا بَقِيَ بَطَلَ ؛ لِأَنَّهُ مَا أَبْرَأَهُ عَنْ بَعْضِ الْحَقِّ إلَّا لِيُوَفِّيَهُ بَقِيَّتَهُ ، فَكَأَنَّهُ عَاوَضَ بَعْضَ حَقِّهِ بِبَعْضٍ .\rالْقِسْمُ الثَّالِثُ ، الْهِبَةُ .\rوَهُوَ أَنْ يَكُونَ لَهُ فِي يَدِهِ عَيْنٌ ، فَيَقُولَ قَدْ وَهَبْتُك نِصْفَهَا ، فَأَعْطِنِي بَقِيتهَا .\rفَيَصِحُّ ، وَيُعْتَبَرُ لَهُ شُرُوطُ الْهِبَةِ .\rوَإِنْ أَخْرَجَهُ مَخْرَجَ الشَّرْطِ ، لَمْ يَصِحَّ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ","part":9,"page":438},{"id":4438,"text":"الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ إذَا شَرَطَ فِي الْهِبَةِ الْوَفَاءَ جَعَلَ الْهِبَةَ عِوَضًا عَنْ الْوَفَاءِ بِهِ ، فَكَأَنَّهُ عَاوَضَ بَعْضَ حَقِّهِ بِبَعْضٍ .\rوَإِنْ أَبْرَأَهُ مِنْ بَعْضِ الدَّيْنِ ، أَوْ وَهَبَ لَهُ بَعْضَ الْعَيْنِ بِلَفْظِ الصُّلْحِ ، مِثْلَ أَنْ يَقُولَ : صَالِحْنِي بِنِصْفِ دَيْنَك عَلَيَّ ، أَوْ بِنِصْفِ دَارِك هَذِهِ .\rفَيَقُولَ : صَالِحَتك بِذَلِكَ .\rلَمْ يَصِحَّ ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ .\rوَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ أَكْثَرُهُمْ : يَجُوزُ الصُّلْحُ ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَجُزْ بِلَفْظِهِ خَرَجَ عَنْ أَنْ يَكُونَ صُلْحًا ، وَلَا يَبْقَى لَهُ تَعَلُّقٌ بِهِ ، فَلَا يُسَمَّى صُلْحًا ، أَمَّا إذَا كَانَ بِلَفْظِ الصُّلْحِ سُمِّيَ صُلْحًا ؛ لِوُجُودِ اللَّفْظِ ، وَإِنْ تَخَلَّفَ الْمَعْنَى ، كَالْهِبَةِ بِشَرْطِ الثَّوَابِ ، وَإِنَّمَا يَقْتَضِي لَفْظُ الصُّلْحِ الْمُعَاوَضَةَ إذَا كَانَ ثَمَّ عِوَضٌ ، أَمَّا مَعَ عَدَمِهِ فَلَا .\rوَإِنَّمَا مَعْنَى الصُّلْحِ الِاتِّفَاقُ ، وَالرِّضَى ، وَقَدْ يَحْصُلُ هَذَا مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ ، كَالتَّمْلِيكِ إذَا كَانَ بِعِوَضٍ سُمِّيَ بَيْعًا ، وَإِنْ خَلَا عَنْ الْعِوَضِ سُمِّيَ هِبَةً .\rوَلَنَا أَنَّ لَفْظَ الصُّلْحِ يَقْتَضِي الْمُعَاوَضَةَ ؛ لِأَنَّهُ إذَا قَالَ : صَالِحْنِي بِهِبَةِ كَذَا ، أَوْ عَلَى نِصْفِ هَذِهِ الْعَيْنِ ، وَنَحْوُ هَذَا .\rفَقَدْ أَضَافَ إلَيْهِ بِالْمُقَابَلَةِ ، فَصَارَ كَقَوْلِهِ : بِعْنِي بِأَلْفٍ .\rوَإِنْ أَضَافَ إلَيْهِ \" عَلَى \" جَرَى مَجْرَى الشَّرْطِ .\rكَقَوْلِهِ تَعَالَى : { فَهَلْ نَجْعَلُ لَك خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا } .\rوَكِلَاهُمَا لَا يَجُوزُ ؛ بِدَلِيلِ مَا لَوْ صَرَّحَ بِلَفْظِ الشَّرْطِ أَوْ بِلَفْظِ الْمُعَاوَضَةِ .\rوَقَوْلُهُمْ : أَنَّهُ يُسَمَّى صُلْحًا .\rمَمْنُوعٌ ، وَإِنْ سُمِّيَ صُلْحًا فَمَجَازٌ ؛ لِتَضَمُّنِهِ قَطْعَ النِّزَاعِ وَإِزَالَةَ الْخُصُومَةِ .\rوَقَوْلُهُمْ : إنَّ الصُّلْحَ لَا يَقْتَضِي الْمُعَاوَضَةَ .\rقُلْنَا : لَا نُسَلِّمُ .\rوَإِنْ سَلَّمْنَا لَكِنَّ الْمُعَاوَضَةَ حَصَلَتْ مِنْ اقْتِرَانِ حَرْفِ الْبَاءِ ، أَوْ عَلَى ، أَوْ نَحْوِهِمَا بِهِ ، فَإِنَّ لَفْظَةَ الصُّلْحِ","part":9,"page":439},{"id":4439,"text":"تَحْتَاجُ إلَى حَرْفٍ تَعَدَّى بِهِ ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي الْمُعَاوَضَةَ ، عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ .","part":9,"page":440},{"id":4440,"text":"( 3498 ) فَصْل : وَإِنْ ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ بَيْتًا ، فَصَالَحَهُ عَلَى بَعْضِهِ ، أَوْ عَلَى بِنَاءِ غُرْفَةٍ فَوْقَهُ ، أَوْ عَلَى أَنْ يَسْكُنَهُ سَنَةً ، لَمْ يَصِحَّ ؛ لِأَنَّهُ يُصَالِحُهُ مِنْ مِلْكِهِ عَلَى مِلْكِهِ أَوْ مَنْفَعَتِهِ .\rوَإِنْ أَسْكَنَهُ كَانَ تَبَرُّعًا مِنْهُ ، مَتَى شَاءَ أَخْرَجَهُ مِنْهَا .\rوَإِنْ أَعْطَاهُ بَعْضَ دَارِهِ بِنَاءً عَلَى هَذَا ، فَمَتَى شَاءَ انْتَزَعَهُ مِنْهُ ؛ لِأَنَّهُ أَعْطَاهُ إيَّاهُ عِوَضًا عَمَّا لَا يَصْلُحُ عِوَضًا عَنْهُ .\rوَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الْمُصَالَحَةِ ، مُعْتَقِدًا أَنَّ ذَلِكَ وَجَبَ عَلَيْهِ بِالصُّلْحِ ، رَجَعَ عَلَيْهِ بِأَجْرِ مَا سَكَنَ وَأَجْرِ مَا كَانَ فِي يَدِهِ مِنْ الدَّارِ ؛ لِأَنَّهُ أَخَذَهُ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ ، فَأَشْبَهَ الْمَبِيعَ الْمَأْخُوذَ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ ، وَسُكْنَى الدَّارِ بِإِجَارَةٍ فَاسِدَةٍ .\rوَإِنْ بَنَى فَوْقَ الْبَيْتِ غُرْفَةً ، أُجْبِرَ عَلَى نَقْضِهَا ، وَإِذَا آجَرَ السَّطْحَ مُدَّةَ مُقَامِهِ فِي يَدَيْهِ ، فَلَهُ أَخْذُ آلَتِهِ .\rوَلَوْ اتَّفَقَا عَلَى أَنْ يُصَالِحَهُ صَاحِبُ الْبَيْتِ عَنْ بِنَائِهِ بِعِوَضٍ ، جَازَ .\rوَإِنْ بَنَى الْغُرْفَةَ بِتُرَابٍ مِنْ أَرْضِ صَاحِبِ الْبَيْتِ وَآلَاتِهِ ، فَلَيْسَ لَهُ أَخْذُ بِنَائِهِ ؛ لِأَنَّهُ مِلْكٌ لِصَاحِبِ الْبَيْتِ .\rوَإِنْ أَرَادَ نَقْضَ الْبِنَاءِ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ ، إذَا أَبْرَأْهُ الْمَالِكُ مِنْ ضَمَانِ مَا يُتْلَفُ بِهِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يَمْلِكَ نَقْضَهُ ، كَقَوْلِنَا فِي الْغَاصِبِ .","part":9,"page":441},{"id":4441,"text":"( 3499 ) فَصْلٌ : وَإِذَا صَالَحَهُ بِخِدْمَةِ عَبْدِهِ سَنَةً ، صَحَّ .\rوَكَانَتْ إجَارَةً .\rوَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ .\rفَإِنْ بَاعَ الْعَبْدَ فِي السَّنَةِ صَحَّ الْبَيْعُ ، وَيَكُونُ لِلْمُشْتَرِي مَسْلُوبَ الْمَنْفَعَةِ بَقِيَّةَ السَّنَةِ ، وَلِلْمُسْتَأْجِرِ اسْتِيفَاءُ مَنْفَعَتِهِ إلَى انْقِضَاءِ مُدَّتِهِ ، كَمَا لَوْ زَوَّجَ أَمَتَهُ ثُمَّ بَاعَهَا .\rوَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ الْمُشْتَرِي بِذَلِكَ ، فَلَهُ الْفَسْخُ ؛ لِأَنَّهُ عَيْبٌ .\rوَإِنْ أَعْتَقَ الْعَبْدَ فِي أَثْنَاءِ الْمُدَّةِ ، نَفَذَ عِتْقُهُ ؛ لِأَنَّهُ مَمْلُوكُهُ يَصِحُّ بَيْعُهُ ، فَصَحَّ عِتْقُهُ لِغَيْرِهِ ، وَلِلْمُصَالِحِ أَنْ يَسْتَوْفِيَ نَفْعَهُ فِي الْمُدَّةِ ، لِأَنَّهُ أَعْتَقَهُ بَعْدَ أَنْ مَلَّكَ مَنْفَعَتَهُ لِغَيْرِهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَعْتَقَ الْأَمَةَ الْمُزَوَّجَة لِحُرٍّ .\rوَلَا يَرْجِعُ الْعَبْدُ عَلَى سَيِّدِهِ بِشَيْءِ ؛ لِأَنَّهُ مَا زَالَ مِلْكُهُ بِالْعِتْقِ إلَّا عَنْ الرَّقَبَةِ ، وَالْمَنَافِعُ حِينَئِذٍ مَمْلُوكَةٌ لِغَيْرِهِ ، فَلَمْ تَتْلَفْ مَنَافِعُهُ بِالْعِتْقِ ، فَلَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءِ ، وَإِنْ أَعْتَقَهُ مَسْلُوبَ الْمَنْفَعَةِ ، فَلَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ ، كَمَا لَوْ أَعْتَقَ زَمِنًا أَوْ مَقْطُوعَ الْيَدَيْنِ ، أَوْ أَعْتَقَ أَمَةً مُزَوَّجَةً ، وَذَكَرَ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ وَجْهًا آخَرَ ، أَنَّهُ يَرْجِعُ عَلَى سَيِّدِهِ بِأَجْرِ مِثْلِهِ .\rوَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ لِأَنَّ الْعِتْقَ اقْتَضَى إزَالَةَ مِلْكِهِ عَنْ الرَّقَبَةِ وَالْمَنْفَعَةِ جَمِيعًا ، فَلَمَّا لَمْ تَحْصُلْ الْمَنْفَعَةُ لِلْعَبْدِ هَاهُنَا ، فَكَأَنَّهُ حَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَنْفَعَتِهِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ إعْتَاقَهُ لَمْ يُصَادِفْ لِلْمُعْتَقِ سِوَى مِلْكِ الرَّقَبَةِ ، فَلَمْ يُؤَثِّرْ إلَّا فِيهِ ، كَمَا لَوْ وَصَّى لِرَجُلٍ بِرَقَبَةِ عَبْدٍ وَلِآخَرَ بِنَفْعِهِ ، فَأَعْتَقَ صَاحِبُ الرَّقَبَةِ ، وَكَمَا لَوْ أَعْتَقَ أَمَةً مُزَوَّجَةً .\rوَقَوْلُهُمْ : إنَّهُ اقْتَضَى زَوَالَ الْمِلْكِ عَنْ الْمَنْفَعَةِ .\rقُلْنَا : إنَّمَا يَقْتَضِي ذَلِكَ إذَا كَانَتْ مَمْلُوكَةً لَهُ ، أَمَّا إذَا كَانَتْ مَمْلُوكَةً لِغَيْرِهِ فَلَا يَقْتَضِي إعْتَاقُهُ إزَالَةَ مَا لَيْسَ","part":9,"page":442},{"id":4442,"text":"بِمَوْجُودٍ وَإِنْ تَبَيَّنَ أَنَّ الْعَبْدَ مُسْتَحِقٌّ ، تَبَيَّنَ بُطْلَانُ الصُّلْحِ لِفَسَادِ الْعِوَضِ ، وَرَجَعَ الْمُدَّعِي فِيمَا أَقَرَّ لَهُ بِهِ .\rوَإِنْ وَجَدَ الْعَبْدَ مَعِيبًا عَيْبًا تَنْقُصُ بِهِ الْمَنْفَعَةُ ، فَلَهُ رَدَّهُ وَفَسْخُ الصُّلْحِ .\rوَإِنْ صَالَحَ عَلَى الْعَبْدِ بِعَيْنِهِ ، صَحَّ الصُّلْحُ ، وَيَكُونُ بَيْعًا .\rوَالْحُكْمُ فِيمَا إذَا خَرَجَ مُسْتَحَقًّا أَوْ ظَهَرَ بِهِ عَيْبٌ ، كَمَا ذَكَرْنَا .","part":9,"page":443},{"id":4443,"text":"( 3500 ) فَصْل : إذَا ادَّعَى زَرْعًا فِي يَدِ رَجُلٍ ، فَأَقَرَّ لَهُ بِهِ ، ثُمَّ صَالَحَهُ مِنْهُ عَلَى دَرَاهِمَ ، جَازَ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يَجُوزُ بِهِ بَيْعُ الزَّرْعِ .\rوَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ فِي الْبَيْعِ .\rوَإِنْ كَانَ الزَّرْعُ فِي يَدِ رَجُلَيْنِ ، فَأَقَرَّ لَهُ أَحَدُهُمَا بِنِصْفِهِ ، ثُمَّ صَالَحَهُ عَلَيْهِ قَبْلَ اشْتِدَادِ حُبِّهِ ، لَمْ يَجُزْ ؛ لِأَنَّهُ إنْ صَالَحَهُ عَلَيْهِ بِشَرْطِ التَّبْقِيَةِ ، أَوْ مِنْ غَيْرِ شَرْطِ الْقَطْعِ لَمْ يَجُزْ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ كَذَلِكَ .\rوَإِنْ شَرَطَ الْقَطْعَ لَمْ يَجُزْ لِأَنَّهُ ؛ لَا يُمْكِنُهُ قَطْعُهُ إلَّا بِقَطْعِ زَرْعِ الْآخَرِ .\rوَلَوْ كَانَ الزَّرْعُ لَوَاحِدٍ ، فَأَقَرَّ لِلْمُدَّعِي بِنِصْفِهِ ، ثُمَّ صَالَحَهُ عَنْهُ بِنِصْفِ الْأَرْضِ لِيَصِيرَ الزَّرْعُ كُلُّهُ لِلْمُقِرِّ ، وَالْأَرْضُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ ، فَإِنْ شَرَطَ الْقَطْعَ جَازَ ؛ لِأَنَّ الزَّرْعَ كُلّه لِلْمُقِرِّ ، فَجَازَ شَرْطُ قَطْعِهِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَجُوزَ ؛ لِأَنَّ فِي الزَّرْعِ مَا لَيْسَ بِمَبِيعٍ ، وَهُوَ النِّصْفُ الَّذِي لَمْ يُقِرَّ بِهِ ، وَهُوَ فِي النِّصْفِ الْبَاقِي لَهُ ، فَلَا يَصِحُّ اشْتِرَاطُ قَطْعِهِ ، كَمَا لَوْ شَرَطَ قَطْعَ زَرْعٍ آخَرَ فِي أَرْضٍ أُخْرَى .\rوَإِنْ صَالِحَهُ مِنْهُ بِجَمِيعِ الْأَرْضِ بِشَرْطِ الْقَطْعِ لِيُسَلِّمَ الْأَرْضَ إلَيْهِ فَارِغَةً ، صَحَّ ؛ لِأَنَّ قَطْعَ جَمِيعِ الزَّرْعِ مُسْتَحَقٌّ نِصْفُهُ بِحُكْمِ الصُّلْحِ ، وَالْبَاقِي لِتَفْرِيغِ الْأَرْضِ ، فَأَمْكَنَ الْقَطْعُ .\rوَإِنْ كَانَ إقْرَارُهُ بِجَمِيعِ الزَّرْعِ ، فَصَالَحَهُ مِنْ نِصْفِهِ عَلَى نِصْفِ الْأَرْضِ ، لِيَكُونَ الْأَرْضُ وَالزَّرْعُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ وَشَرَطَ الْقَطْعَ فِي الْجَمِيعِ ، احْتَمَلَ الْجَوَازَ ؛ لِأَنَّهُمَا قَدْ شَرَطَا قَطْعَ كُلِّ الزَّرْعِ وَتَسْلِيمَ الْأَرْضِ فَارِغَةً ، وَاحْتَمَلَ الْمَنْعَ ؛ لِأَنَّ بَاقِيَ الزَّرْعِ لَيْسَ بِمَبِيعٍ ، فَلَا يَصِحُّ شَرْطُ قَطْعِهِ فِي الْعَقْدِ .","part":9,"page":444},{"id":4444,"text":"( 3501 ) فَصْلٌ : إذَا حَصَلَتْ أَغْصَانُ شَجَرَتِهِ فِي هَوَاءِ مِلْكِ غَيْرِهِ ، أَوْ هَوَاءِ جِدَارٍ لَهُ فِيهِ شَرِكَةٌ ، أَوْ عَلَى نَفْسِ الْجِدَارِ ، لَزِمَ مَالِكَ الشَّجَرَةِ إزَالَةُ تِلْكَ الْأَغْصَانِ ، إمَّا بِرَدِّهَا إلَى نَاحِيَةٍ أُخْرَى ، وَإِمَّا بِالْقَطْعِ ؛ لِأَنَّ الْهَوَاءَ مِلْكٌ لِصَاحِبِ الْقَرَارَ ، فَوَجَبَ إزَالَةُ مَا يَشْغَلُهُ مِنْ مِلْكِ غَيْرِهِ كَالْقَرَارِ .\rفَإِنْ امْتَنَعَ الْمَالِكُ مِنْ إزَالَته ، لَمْ يُجْبَرْ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ غَيْرِ فِعْلِهِ ، فَلَمْ يُجْبَرْ عَلَى إزَالَتِهِ ، كَمَا إذَا لَمْ يَكُنْ مَالِكًا لَهُ .\rوَإِنْ تَلِفَ بِهَا شَيْءٌ ، لَمْ يَضْمَنْهُ كَذَلِكَ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يُجْبَرَ عَلَى إزَالَتِهِ ، وَيَضْمَنَ مَا تَلِفَ بِهِ ، إذَا أُمِرَ بِإِزَالَتِهِ فَلَمْ يَفْعَلْ ، بِنَاءً عَلَى مَا إذَا مَالَ حَائِطُهُ إلَى مِلْكِ غَيْره ، عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .\rوَعَلَى كِلَا الْوَجْهَيْنِ ، إذَا امْتَنَعَ مِنْ إزَالَتِهِ كَانَ لِصَاحِبِ الْهَوَاءِ إزَالَتُهُ بِأَحَدِ الْأَمْرَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْبَهِيمَةِ الَّتِي تَدْخُلُ دَارِهِ ، لَهُ إخْرَاجُهَا ، كَذَا هَاهُنَا .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rفَإِنْ أَمْكَنَهُ إزَالَتُهَا بِلَا إتْلَافٍ وَلَا قَطْعٍ ، مِنْ غَيْرِ مَشَقَّةٍ تَلْزَمُهُ وَلَا غَرَامَةٍ ، لَمْ يَجُزْ لَهُ إتْلَافُهَا ، كَمَا أَنَّهُ إذَا أَمْكَنَهُ إخْرَاجُ الْبَهِيمَةِ مِنْ غَيْرِ إتْلَافٍ لَمْ يَجُزْ لَهُ إتْلَافُهَا .\rفَإِنْ أَتْلَفَهَا فِي هَذِهِ الْحَالِ غَرِمَهَا ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ إزَالَتُهَا إلَّا بِالْإِتْلَافِ ، فَلَهُ ذَلِكَ ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ ؛ فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ إقْرَارُ مَالِ غَيْرِهِ فِي مِلْكِهِ .\rفَإِنْ صَالَحَهُ عَلَى إقْرَارِهَا بِعِوَضٍ مَعْلُومٍ ، فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا .\rفَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ وَابْنُ عَقِيلٍ : يَجُوزُ ذَلِكَ رَطْبًا كَانَ الْغُصْنُ أَوْ يَابِسًا ؛ لِأَنَّ الْجَهَالَةَ فِي الْمُصَالَحِ عَنْهُ لَا تَمْنَعُ الصِّحَّةَ ، لِكَوْنِهَا لَا تَمْنَعُ التَّسْلِيمَ ، بِخِلَافِ الْعِوَضِ ، فَإِنَّهُ يَفْتَقِرُ إلَى الْعِلْمِ ؛ لِوُجُوبِ تَسْلِيمِهِ ، وَلِأَنَّ الْحَاجَةَ دَاعِيَةٌ إلَى الصُّلْحِ عَنْهُ ،","part":9,"page":445},{"id":4445,"text":"لِكَوْنِ ذَلِكَ يَكْثُرُ فِي الْأَمْلَاكِ الْمُتَجَاوِرَةِ ، وَفِي الْقَطْعِ إتْلَافٌ وَضَرَرٌ .\rوَالزِّيَادَةُ الْمُتَجَدِّدَةُ يُعْفَى عَنْهَا ، كَالسِّمَنِ الْحَادِثِ فِي الْمُسْتَأْجَرِ لِلرُّكُوبِ ، وَالْمُسْتَأْجِرِ لِلْغُرْفَةِ يَتَجَدَّدُ لَهُ الْأَوْلَادُ ، وَالْغِرَاسِ الَّذِي يَسْتَأْجِرُ لَهُ الْأَرْضَ يَعْظُمُ وَيَجْفُو .\rوَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : لَا تَصِحُّ الْمُصَالَحَةُ عَنْهُ بِحَالٍ ، رَطْبًا كَانَ أَوْ يَابِسًا ؛ لِأَنَّ الرَّطْبَ يَزِيدُ وَيَتَغَيَّرُ وَالْيَابِسُ يَنْقُصُ ، وَرُبَّمَا ذَهَبَ كُلُّهُ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : إنْ كَانَ يَابِسًا مُعْتَمِدًا عَلَى نَفْسِ الْجِدَارِ ، صَحَّتْ الْمُصَالَحَةُ عَنْهُ ؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ مَأْمُونَةٌ فِيهِ ، وَلَا يَصِحُّ الصُّلْحُ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الرَّطْبَ يَزِيدُ فِي كُلِّ وَقْتٍ ، وَمَا لَا يَعْتَمِدُ عَلَى الْجِدَارِ ، لَا يَصِحُّ الصُّلْحُ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ تَبَعُ الْهَوَاءِ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rوَاللَّائِقُ بِمَذْهَبِ أَحْمَدَ صِحَّتُهُ ؛ لِأَنَّ الْجَهَالَةَ فِي الْمُصَالَحِ عَنْهُ لَا تَمْنَعُ الصِّحَّةَ إذَا لَمْ يَكُنْ إلَى الْعِلْمِ بِهِ سَبِيلٌ ، وَذَلِكَ لِدُعَاءِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ ، وَكَوْنِهِ لَا يَحْتَاجُ إلَى تَسْلِيمٍ ، وَهَذَا كَذَلِكَ .\rوَالْهَوَاءُ كَالْقَرَارِ فِي كَوْنِهِ مَمْلُوكًا لِصَاحِبِهِ ، فَجَازَ الصُّلْحُ عَلَى مَا فِيهِ ، كَاَلَّذِي فِي الْقَرَارِ .","part":9,"page":446},{"id":4446,"text":"( 3502 ) فَصْل : وَإِنْ صَالَحَهُ عَلَى إقْرَارِهَا بِجُزْءٍ مَعْلُومٍ مِنْ ثَمَرِهَا ، أَوْ بِثَمَرِهَا كُلُّهُ ، فَقَدْ نَقَلَ الْمَرُّوذِيُّ وَإِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ ، عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ ، فَقَالَ : لَا أَدْرِي .\rفَيَحْتَمِلُ أَنْ يَصِحَّ .\rوَنَحْوَهُ .\rوَقَالَ مَكْحُولٌ ، فَإِنَّهُ نُقِلَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : أَيُّمَا شَجَرَةٍ ظُلِّلَتْ عَلَى قَوْمٍ ، فَهُمْ بِالْخِيَارِ بَيْنَ قَطْعِ مَا ظَلَّلَ ، أَوْ أَكْلِ ثَمَرَهَا .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَصِحَّ .\rوَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِينَ .\rوَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ ؛ لِأَنَّ الْعِوَضَ مَجْهُولٌ ، فَإِنَّ الثَّمَرَةَ مَجْهُولَةٌ ، وَجُزْؤُهَا مَجْهُولٌ ، وَمِنْ شَرْطِ الصُّلْحِ الْعِلْمُ بِالْعِوَضِ ، وَلِأَنَّ الْمُصَالَحَ عَلَيْهِ أَيْضًا مَجْهُولٌ ؛ لِأَنَّهُ يَزِيدُ وَيَتَغَيَّرُ عَلَى مَا أَسْلَفْنَا .\rوَوَجْهُ الْأَوَّل ، أَنَّ هَذَا مِمَّا يَكْثُرُ فِي الْأَمْلَاكِ ، وَتَدْعُو الْحَاجَةُ إلَيْهِ ، وَفِي الْقَطْعِ إتْلَافٌ ، فَجَازَ مَعَ الْجَهَالَةَ ، كَالصُّلْحِ عَلَى مَجْرَى مِيَاهِ الْأَمْطَارِ ، وَالصُّلْحِ عَلَى الْمَوَارِيثِ الدَّارِسَةِ ، وَالْحُقُوقِ الْمَجْهُولَةِ الَّتِي لَا سَبِيلَ إلَى عِلْمِهَا ، وَيَقْوَى عِنْدِي أَنَّ الصُّلْحَ هَاهُنَا يَصِحُّ ، بِمَعْنَى أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُبِيحُ صَاحِبَهُ مَا بَذَلَ لَهُ ، فَصَاحِبُ الْهَوَاءِ يُبِيحُ صَاحِبَ الشَّجَرَةِ إبْقَاءَهَا ، وَيَمْتَنِعُ مِنْ قَطْعِهَا وَإِزَالَتِهَا ، وَصَاحِبُ الشَّجَرَةَ يُبِيحُهُ مَا بَذَلَ لَهُ مِنْ ثَمَرَتهَا ، وَلَا يَكُونُ هَذَا بِمَعْنَى الْبَيْعِ ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ لَا يَصِحُّ بِمَعْدُومٍ وَلَا مَجْهُولٍ ، وَالثَّمَرَةُ فِي حَالِ الصُّلْحِ مَعْدُومَةٌ مَجْهُولَةٌ ، وَلَا هُوَ لَازِمٌ ، بَلْ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الرُّجُوعُ عَمَّا بَذَلَهُ ، وَالْعَوْدُ فِيمَا قَالَهُ ؛ لِأَنَّهُ مُجَرَّدُ إبَاحَةٍ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ ، فَجَرَى مَجْرَى قَوْلِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ : اُسْكُنْ دَارِي ، وَأَسْكُنُ دَارَك .\rمِنْ غَيْرِ تَقْدِيرِ مُدَّةٍ ، وَلَا ذِكْرِ شُرُوطِ الْإِجَارَةِ ، أَوْ قَوْلِهِ : أَبَحْتُك الْأَكْلَ مِنْ ثَمَرَةِ بُسْتَانِي ،","part":9,"page":447},{"id":4447,"text":"فَأَبِحْنِي الْأَكْلَ مِنْ ثَمَرَة بُسْتَانِك .\rوَكَذَلِكَ قَوْلُهُ : دَعْنِي أُجْرِي فِي أَرْضِك مَاءً ، وَلَك أَنْ تَسْقِيَ بِهِ مَا شِئْت ، وَتَشْرَبَ مِنْهُ .\rوَنَحْوُ ذَلِكَ ، فَهَذَا مِثْلُهُ بَلْ أَوْلَى ، فَإِنَّ هَذَا مِمَّا تَدْعُو الْحَاجَةُ إلَيْهِ كَثِيرًا ، وَفِي إلْزَامِ الْقَطْعِ ضَرَرٌ كَبِيرٌ ، وَإِتْلَافُ أَمْوَالٍ كَثِيرَةٍ ، وَفِي التَّرْكِ مِنْ غَيْرِ نَفْعٍ يَصِلُ إلَى صَاحِبِ الْهَوَاءِ ضَرَرٌ عَلَيْهِ ، وَفِيمَا ذَكَرْنَاهُ جَمْعٌ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ ، وَنَظَرٌ لِلْفَرِيقَيْنِ ، وَهُوَ عَلَى وَفْقِ الْأُصُولِ ، فَكَانَ أَوْلَى .","part":9,"page":448},{"id":4448,"text":"( 3503 ) فَصْلٌ : وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي كُلِّ مَا امْتَدَّ مِنْ عُرُوقِ شَجَرَةِ إنْسَانٍ إلَى أَرْضِ جَارِهِ ، سَوَاءٌ أَثَّرَتْ ضَرَرًا مِثْلُ تَأْثِيرِهَا فِي الْمَصَانِعِ ، وَطَيِّ الْآبَارِ ، وَأَسَاسِ الْحِيطَانِ أَوْ مَنْعِهَا مِنْ ثَبَاتِ شَجَرٍ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ أَوْ زَرْعٍ ، أَوْ لَمْ يُؤَثِّرْ ؛ فَإِنَّ الْحُكْمَ فِي قَطْعِهِ وَالصُّلْحِ عَلَيْهِ كَالْحُكْمِ فِي الْفُرُوعِ ، إلَّا أَنَّ الْعُرُوقَ لَا ثَمَرَ لَهَا ، فَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى أَنَّ مَا نَبَتَ مِنْ عُرُوقِهَا لِصَاحِبِ الْأَرْضِ ، أَوْ جُزْءٍ مَعْلُومٍ مِنْهُ ، فَهُوَ كَالصُّلْحِ عَلَى الثَّمَرِ فِيمَا ذَكَرْنَا ، فَعَلَى قَوْلِنَا ، إذَا اصْطَلَحَا عَلَى ذَلِكَ ، فَمَضَتْ مُدَّةٌ ، ثُمَّ أَبَى صَاحِبُ الشَّجَرَةِ دَفْعَ نَبَاتِهَا إلَى صَاحِبِ الْأَرْضِ ، فَعَلَيْهِ أَجْرُ الْمِثْلِ ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا تَرَكَهُ فِي أَرْضِهِ لِهَذَا ، فَلَمَّا لَمْ يُسَلِّمْهُ لَهُ ، رَجَعَ بِأَجْرِ الْمِثْلِ ، كَمَا لَوْ بَذَلَهَا بِعِوَضٍ فَلَمْ يُسَلَّمْ لَهُ .\rوَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي مَنْ مَالَ حَائِطُهُ إلَى هَوَاءِ مِلْكِ غَيْرِهِ ، أَوْ ذَلِقَ مِنْ أَخْشَابِهِ إلَى مِلْكِ غَيْرِهِ ، فَالْحُكْمِ فِيهِ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ .","part":9,"page":449},{"id":4449,"text":"( 3504 ) فَصْلٌ : وَإِذَا صَالَحَهُ عَلَى الْمُؤَجَّلِ بِبَعْضِهِ حَالًّا ، لَمْ يَجُزْ ، كَرِهَهُ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَابْنُ عُمَرَ - وَقَالَ : نَهَى عُمَرُ أَنْ تُبَاعَ الْعَيْنُ بِالدَّيْنِ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَالْقَاسِمُ وَسَالِمٌ ، وَالْحَسَنُ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَابْنُ عُيَيْنَةَ ، وَهُشَيْمٌ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَإِسْحَاقُ .\rوَرَوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَالنَّخَعِيِّ ، وَابْنِ سِيرِينَ ، أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ .\rوَعَنْ الْحَسَنِ وَابْنِ سِيرِينَ ، أَنَّهُمَا كَانَا لَا يَرَيَانِ بَأْسًا بِالْعُرُوضِ أَنْ يَأْخُذُهَا مِنْ حَقِّهِ قَبْلَ مَحَلِّهِ ؛ لِأَنَّهُمَا تَبَايَعَا الْعُرُوضَ بِمَا فِي الذِّمَّةِ ، فَصَحَّ كَمَا لَوْ اشْتَرَاهَا بِثَمَنِ مِثْلِهَا .\rوَلَعَلَّ ابْنَ سِيرِينَ يَحْتَجُّ بِأَنَّ التَّعْجِيلَ جَائِزٌ وَالْإِسْقَاطَ وَحْدَهُ جَائِزٌ ، فَجَازَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا ، كَمَا لَوْ فَعَلَا ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ مُوَاطَأَةٍ عَلَيْهِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ يَبْذُلُ الْقَدْرَ الَّذِي يَحُطُّهُ عِوَضًا عَنْ تَعْجِيلِ مَا فِي ذِمَّتِهِ ، وَبَيْعُ الْحُلُولِ وَالتَّأْجِيلِ لَا يَجُوزُ ، كَمَا لَا يَجُوزُ أَنْ يُعْطِيَهُ عَشَرَةً حَالَّةً بِعِشْرِينَ مُؤَجَّلَةٍ .\rوَلِأَنَّهُ يَبِيعُهُ عَشَرَةً بِعِشْرِينَ ، فَلَمْ يَجُزْ ، كَمَا لَوْ كَانَتْ مَعِيبَةً ، وَيُفَارِقُ مَا إذَا كَانَ مِنْ غَيْرِ مُوَاطَأَةٍ وَلَا عَقْدٍ ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُتَبَرِّعٌ بِبَذْلِ حَقِّهِ مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ .\rوَلَا يَلْزَمُ مِنْ جَوَازِ ذَلِكَ جَوَازُهُ فِي الْعَقْدِ ، أَوْ مَعَ الشَّرِكَة كَبَيْعِ دِرْهَمٍ بِدِرْهَمَيْنِ .\rوَيُفَارِقُ مَا إذَا اشْتَرَى الْعُرُوضَ بِثَمَنِ مِثْلِهَا ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْخُذْ عَنْ الْحُلُولِ عِوَضًا ، فَأَمَّا إنْ صَالَحَهُ عَنْ أَلْفٍ حَالَّةٍ بِنِصْفِهَا مُؤَجَّلًا ، فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ اخْتِيَارًا مِنْهُ ، وَتَبَرُّعًا بِهِ ، صَحَّ الْإِسْقَاطُ ، وَلَمْ يَلْزَمْ التَّأْجِيلُ ؛ لِأَنَّ الْحَالَ لَا يَتَأَجَّلُ بِالتَّأْجِيلِ ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِيمَا مَضَى ، وَالْإِسْقَاطُ صَحِيحٌ .\rوَإِنْ فَعَلَهُ لِمَنْعِهِ مِنْ حَقِّهِ بِدُونِهِ ، أَوْ شَرَطَ ذَلِكَ فِي الْوَفَاءِ ،","part":9,"page":450},{"id":4450,"text":"لَمْ يَسْقُطْ شَيْءٌ أَيْضًا .\rعَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي أَوَّلِ الْبَابِ .\rوَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ فِي هَذَا رِوَايَتَيْنِ ، أَصَحُّهُمَا لَا يَصِحُّ .\rوَمَا ذَكَرْنَا مِنْ التَّفْصِيلِ أَوْلَى ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .","part":9,"page":451},{"id":4451,"text":"( 3505 ) فَصْل : وَيَصِحُّ الصُّلْحُ عَنْ الْمَجْهُولِ ، سَوَاءٌ كَانَ عَيْنًا أَوْ دَيْنًا ، إذَا كَانَ مِمَّا لَا سَبِيلَ إلَى مَعْرِفَتِهِ .\rقَالَ أَحْمَدُ فِي الرَّجُلِ يُصَالِحُ عَلَى الشَّيْءِ ، فَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ أَكْثَرُ مِنْهُ ، لَمْ يَجُزْ إلَّا أَنْ يُوقِفَهُ عَلَيْهِ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ مَجْهُولًا لَا يَدْرِي مَا هُوَ ، وَنَقَلَ عَنْهُ عَبْدُ اللَّهِ ، إذَا اخْتَلَطَ قَفِيزُ حِنْطَةٍ بِقَفِيزِ شَعِيرٍ ، وَطُحِنَا ، فَإِنْ عَرَفَ قِيمَةَ دَقِيقِ الْحِنْطَةِ وَدَقِيقِ الشَّعِيرِ ، بِيعَ هَذَا ، وَأُعْطِيَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قِيمَةَ مَالِهِ ، إلَّا أَنْ يَصْطَلِحَا عَلَى شَيْءٍ وَيَتَحَالَّا .\rوَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى : الصُّلْحُ الْجَائِزُ هُوَ صُلْحُ الزَّوْجَةِ مِنْ صَدَاقِهَا الَّذِي لَا بَيِّنَةَ لَهَا بِهِ ، وَلَا عِلْمَ لَهَا ، وَلَا لِلْوَرَثَةِ بِمَبْلَغِهِ ، وَكَذَلِكَ الرَّجُلَانِ يَكُونُ بَيْنَهُمَا الْمُعَامَلَةُ وَالْحِسَابُ الَّذِي قَدْ مَضَى عَلَيْهِ الزَّمَانُ الطَّوِيلُ ، لَا عِلْمَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِمَا عَلَيْهِ لِصَاحِبِهِ ، فَيَجُوزُ الصُّلْحُ ، بَيْنَهُمَا ، وَكَذَلِكَ مَنْ عَلَيْهِ حَقٌّ لَا عِلْمَ لَهُ بِقَدْرِهِ ، جَازَ أَنْ يُصَالِحَ عَلَيْهِ ، وَسَوَاءٌ كَانَ صَاحِبُ الْحَقِّ يَعْلَمُ قَدْرَ حَقِّهِ وَلَا بَيِّنَةَ لَهُ ، أَوْ لَا عِلْمَ لَهُ .\rوَيَقُول الْقَابِضُ : إنْ كَانَ لِي عَلَيْك حَقٌّ فَأَنْتَ فِي حِلٍّ مِنْهُ .\rوَيَقُول الدَّافِعُ : إنْ كُنْت أَخَذْت مِنِّي أَكْثَرَ مِنْ حَقِّك فَأَنْتَ مِنْهُ فِي حِلٍّ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يَصِحُّ الصُّلْحُ عَلَى مَجْهُولٍ ؛ لِأَنَّهُ فَرْعُ الْبَيْعِ ، وَلَا يَصِحُّ الْبَيْعُ عَلَى مَجْهُولٍ .\rوَلَنَا ، مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ فِي رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا فِي مَوَارِيثَ دُرِسَتْ : { اسْتِهِمَا ، وَتَوَخَّيَا ، وَلْيَحْلِلْ أَحَدُكُمَا صَاحِبَهُ } .\rوَهَذَا صُلْحٌ عَلَى الْمَجْهُولِ .\rوَلِأَنَّهُ إسْقَاطُ حَقٍّ ، فَصَحَّ فِي الْمَجْهُولِ ، كَالْعَتَاقِ وَالطَّلَاقِ ، وَلِأَنَّهُ إذَا صَحَّ الصُّلْحُ مَعَ الْعِلْمِ ، وَإِمْكَانِ أَدَاءِ الْحَقِّ بِعَيْنِهِ ، فَلَأَنْ يَصِحُّ مَعَ الْجَهْلِ أَوْلَى ، وَذَلِكَ","part":9,"page":452},{"id":4452,"text":"لِأَنَّهُ إذَا كَانَ مَعْلُومًا فَلَهُمَا طَرِيقٌ إلَى التَّخَلُّصِ وَبَرَاءَةُ أَحَدِهِمَا مِنْ صَاحِبِهِ بِدُونِهِ ، وَمَعَ الْجَهْلِ لَا يُمْكِنُ ذَلِكَ ، فَلَوْ لَمْ يَجُزْ الصُّلْحُ أَفْضَى إلَى ضَيَاعِ الْمَالِ ، عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا مَالٌ لَا يَعْرِفُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَدْرَ حَقِّهِ مِنْهُ .\rوَلَا نُسَلِّمُ كَوْنَهُ بَيْعًا ، وَلَا فَرْعَ بَيْعٍ ، وَإِنَّمَا هُوَ إبْرَاءٌ .\rوَإِنْ سَلَّمْنَا كَوْنَهُ بَيْعًا ، فَإِنَّهُ يَصِحُّ فِي الْمَجْهُولِ عِنْدَ الْحَاجَةِ بِدَلِيلِ بَيْعِ أَسَاسَاتِ الْحِيطَانِ ، وَطَيِّ الْآبَارِ ، وَمَا مَأْكُولُهُ فِي جَوْفِهِ ، وَلَوْ أَتْلَفَ رَجُلٌ صُبْرَةَ طَعَامٍ لَا يَعْلَمُ قَدْرَهَا ، فَقَالَ صَاحِبُ الطَّعَامِ لِمُتْلِفِهِ : بِعْتُك الطَّعَامَ الَّذِي فِي ذِمَّتِك بِهَذِهِ الدَّرَاهِمِ ، أَوْ بِهَذَا الثَّوْبِ .\rصَحَّ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنْ كَانَ الْعِوَضُ فِي الصُّلْحِ مِمَّا لَا يَحْتَاجُ إلَى تَسْلِيمِهِ ، وَلَا سَبِيلَ إلَى مَعْرِفَتِهِ ، كَالْمُخْتَصِمِينَ فِي مَوَارِيثَ دَارِسَةٍ ، وَحُقُوقٍ سَالِفَةٍ ، أَوْ عَيْنٍ مِنْ الْمَالِ لَا يَعْلَمُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَدْرَ حَقِّهِ مِنْهَا ، صَحَّ الصُّلْحُ مَعَ الْجَهَالَةِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ الْخَبَرِ وَالْمَعْنَى .\rوَإِنْ كَانَ مِمَّا يَحْتَاجُ إلَى تَسْلِيمِهِ ، لَمْ يَجُزْ مَعَ الْجَهَالَةِ ، وَلَا بُدَّ مِنْ كَوْنِهِ مَعْلُومًا ؛ لِأَنَّ تَسْلِيمَهُ وَاجِبٌ ، وَالْجَهَالَةُ تَمْنَعُ التَّسْلِيمَ ، وَتُفْضِي إلَى التَّنَازُعِ ، فَلَا يَحْصُلُ مَقْصُودُ الصُّلْحِ ( 3506 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا مَا يُمْكِنُهُمَا مَعْرِفَتُهُ ، كَتَرِكَةٍ مَوْجُودَةٍ ، أَوْ يَعْلَمُهُ الَّذِي هُوَ عَلَيْهِ ، وَيَجْهَلُهُ صَاحِبُهُ ، فَلَا يَصِحُّ الصُّلْحُ عَلَيْهِ مَعَ الْجَهْلِ .\rقَالَ أَحْمَدُ : إنْ صُولِحَتْ امْرَأَةٌ مِنْ ثُمُنِهَا ، لَمْ يَصِحَّ .\rوَاحْتَجَّ بُقُولِ شُرَيْحٍ : أَيُّمَا امْرَأَةٍ صُولِحَتْ مِنْ ثُمُنِهَا ، لَمْ يَتَبَيَّنْ لَهَا مَا تَرَكَ زَوْجُهَا ، فَهِيَ الرِّيبَةُ كُلُّهَا .\rقَالَ : وَإِنْ وَرِثَ قَوْمٌ مَالًا وَدُورًا وَغَيْرَ ذَلِكَ ، فَقَالُوا لَبَعْضِهِمْ : نُخْرِجُك مِنْ الْمِيرَاثِ بِأَلْفِ","part":9,"page":453},{"id":4453,"text":"دِرْهَمٍ .\rأَكْرَهُ ذَلِكَ ، وَلَا يُشْتَرَى مِنْهَا شَيْءٌ ، وَهِيَ لَا تَعْلَمُ لَعَلَّهَا تَظُنُّ أَنَّهُ قَلِيلٌ ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ كَثِيرٌ وَلَا يَشْتَرِي حَتَّى تَعْرِفَهُ وَتَعْلَمَ مَا هُوَ ، وَإِنَّمَا يُصَالِحُ الرَّجُلُ الرَّجُلَ عَلَى الشَّيْءِ لَا يَعْرِفُهُ ، وَلَا يَدْرِي مَا هُوَ حِسَابُ بَيْنَهُمَا ، فَيُصَالِحُهُ ، أَوْ يَكُونُ رَجُلٌ يَعْلَمُ مَالَهُ عَلَى رَجُلٍ ، وَالْآخَرُ لَا يَعْلَمُهُ فَيُصَالِحُهُ ، فَأَمَّا إذَا عَلِمَ فَلَمْ يُصَالِحْهُ إنَّمَا يُرِيدُ أَنْ يَهْضِمَ حَقَّهُ وَيَذْهَبَ بِهِ .\rوَذَلِكَ لِأَنَّ الصُّلْحَ إنَّمَا جَازَ مَعَ الْجَهَالَةِ ، لِلْحَاجَةِ إلَيْهِ لِإِبْرَاءِ الذِّمَمِ ، وَإِزَالَةِ الْخِصَامِ ، فَمَعَ إمْكَانِ الْعِلْمِ لَا حَاجَةَ إلَى الصُّلْحِ مَعَ الْجَهَالَةِ ، فَلَمْ يَصِحَّ كَالْبَيْعِ .","part":9,"page":454},{"id":4454,"text":"( 3507 ) فَصْل : وَيَصِحُّ الصُّلْحُ عَنْ كُلِّ مَا يَجُوزُ أَخْذُ الْعِوَضِ عَنْهُ سَوَاءٌ كَانَ مِمَّا يَجُوزُ بَيْعُهُ أَوْ لَا يَجُوزُ ، فَيَصِحُّ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ ، وَسُكْنَى الدَّارِ ، وَعَيْبِ الْمَبِيعِ .\rوَمَتَى صَالَحَ عَمَّا يُوجِبُ الْقِصَاصَ بِأَكْثَرَ مِنْ دِيَتِهِ أَوْ أَقَلَّ ، جَازَ .\rوَقَدْ رُوِيَ أَنَّ الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ وَسَعِيدَ بْنِ الْعَاصِ بَذَلُوا لِلَّذِي وَجَبَ لَهُ الْقِصَاصُ عَلَى هُدْبَةَ بْنِ خَشْرَمٍ سَبْعَ دِيَاتٍ ، فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَهَا .\rوَلِأَنَّ الْمَالَ غَيْرُ مُتَعَيِّنٍ ، فَلَا يَقَعُ الْعِوَضُ فِي مُقَابَلَتَهُ .\rفَأَمَّا إنْ صَالَحَ عَنْ قَتْلِ الْخَطَأِ بِأَكْثَرَ مِنْ دِيَتِهِ مِنْ جِنْسِهَا ، لَمْ يَجُزْ .\rوَكَذَلِكَ لَوْ أَتْلَفَ عَبْدًا أَوْ شَيْئًا غَيْرَهُ ، فَصَالَحَ عَنْهُ بِأَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ مِنْ جِنْسِهَا ، لَمْ يَجُزْ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَجُوزُ لِأَنَّهُ يَأْخُذُ عِوَضًا عَنْ الْمُتْلَفِ ، فَجَازَ أَنْ يَأْخُذَ أَكْثَرِ مِنْ قِيمَتِهِ ، كَمَا لَوْ بَاعَهُ بِذَلِكَ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الدِّيَةَ وَالْقِيمَةَ ثَبَتَتْ فِي الذِّمَّةِ مُقَدَّرَةً ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُصَالِحَ عَنْهَا بِأَكْثَرَ مِنْهَا مِنْ جِنْسِهَا ، كَالثَّابِتَةِ عَنْ قَرْضٍ أَوْ ثَمَنِ مَبِيعٍ ، وَلِأَنَّهُ إذَا أَخَذَ أَكْثَرَ مِنْهَا فَقَدْ أَخَذَ حَقَّهُ وَزِيَادَةً لَا مُقَابِلَ لَهَا ، فَيَكُونُ أَكْلُ مَالٍ بِالْبَاطِلِ .\rفَأَمَّا إنْ صَالَحَهُ عَلَى غَيْرِ جِنْسِهَا ، بِأَكْثَرَ قِيمَةً مِنْهَا ، جَازَ ؛ لِأَنَّهُ بَيْعٌ ، وَيَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِيَ الشَّيْءَ بِأَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ أَوْ أَقَلَّ .","part":9,"page":455},{"id":4455,"text":"( 3508 ) فَصْلٌ : وَلَوْ صَالَحَ عَنْ الْمِائَةِ الثَّابِتَةِ فِي الذِّمَّةِ بِالْإِتْلَافِ ، بِمِائَةٍ مُؤَجَّلَةٍ ، لَمْ يَجُزْ ، وَكَانَتْ حَالَّةً .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ يَجُوزُ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّهُ عَاوَضَ عَنْ الْمُتْلِفِ بِمِائَةٍ مُؤَجَّلَةٍ فَجَازَ كَمَا لَوْ بَاعَهُ إيَّاهُ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ إنَّمَا يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ قِيمَةَ الْمُتْلَفِ وَهُوَ مِائَةٌ حَالَّةٌ ، الْحَالُّ لَا يَتَأَجَّلُ بِالتَّأْجِيلِ ، وَإِنْ جَعَلْنَاهُ بَيْعًا فَهُوَ بَيْعُ دَيْنٍ بِدَيْنِ ، وَبَيْعُ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ غَيْرُ جَائِزٍ .","part":9,"page":456},{"id":4456,"text":"( 3509 ) فَصْلٌ : وَلَوْ صَالَحَ عَنْ الْقِصَاصِ بِعَبْدٍ ، فَخَرَجَ مُسْتَحَقًّا ، رَجَعَ بِقِيمَتِهِ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا .\rوَإِنْ خَرَجَ حُرًّا فَكَذَلِكَ .\rوَبِهِ قَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَرْجِعُ بِالدِّيَةِ ؛ لِأَنَّ الصُّلْحَ فَاسِدٌ ، فَيَرْجِعُ بِبَذْلِ مَا صَالَحَ عَنْهُ ، وَهُوَ الدِّيَةُ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ تَعَذَّرَ تَسْلِيمُ مَا جَعَلَهُ عِوَضًا ، فَرَجَعَ فِي قِيمَتِهِ ، كَمَا لَوْ خَرَجَ مُسْتَحَقًّا .","part":9,"page":457},{"id":4457,"text":"( 3510 ) فَصْل : وَلَوْ صَالَحَ عَنْ دَارٍ أَوْ عَبْدٍ بِعِوَضِ ، فَوَجَدَ الْعِوَضَ مُسْتَحَقًّا أَوْ حُرًّا ، رَجَعَ فِي الدَّارِ وَمَا صَالَحَ عَنْهُ ، أَوْ بِقِيمَتِهِ إنْ كَانَ تَالِفًا ؛ لِأَنَّ الصُّلْحَ هَاهُنَا بَيْعٌ فِي الْحَقِيقَةِ ، فَإِذَا تَبَيَّنَ أَنَّ الْعِوَضَ كَانَ مُسْتَحَقًّا أَوْ حُرًّا كَانَ الْبَيْعُ فَاسِدًا ، فَرَجَعَ فِيمَا كَانَ لَهُ ، بِخِلَافِ الصُّلْحِ عَنْ الْقِصَاصِ ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بِبَيْعٍ وَإِنَّمَا يَأْخُذُ عِوَضًا عَنْ إسْقَاطِ الْقِصَاصِ .\rوَلَوْ اشْتَرَى شَيْئًا فَوَجَدَهُ مَعِيبًا ، فَصَالَحَهُ عَنْهُ بِعَبْدٍ ، فَبَانَ مُسْتَحَقًّا أَوْ حُرًّا ، رَجَعَ بِأَرْشِ الْعَيْبِ .\rوَلَوْ كَانَ الْبَائِعُ امْرَأَةً ، فَزَوْجَته نَفْسَهَا عِوَضًا عَنْ أَرْشِ الْعَيْبِ ، فَزَالَ الْعَيْبُ رَجَعَتْ بِأَرْشِهِ ، لَا بِمَهْرِ الْمِثْلِ لِأَنَّهَا رَضِيَتْ ذَلِكَ مَهْرًا لَهَا .","part":9,"page":458},{"id":4458,"text":"( 3511 ) فَصْلٌ : وَلَوْ صَالَحَهُ عَنْ الْقِصَاصِ بِحُرٍّ يَعْلَمَانِ حُرِّيَّتَهُ أَوْ عَبْدٍ يَعْلَمَانِ أَنَّهُ مُسْتَحَقٌّ ، أَوْ تَصَالَحَا بِذَلِكَ عَنْ غَيْرِ الْقِصَاصِ ، رَجَعَ بِالدِّيَةِ وَبِمَا صَالَحَ عَنْهُ ؛ لِأَنَّ الصُّلْحَ هَاهُنَا بَاطِلٌ يَعْلَمَانِ بُطْلَانَهُ ، فَكَانَ وُجُودُهُ كَعَدَمِهِ .","part":9,"page":459},{"id":4459,"text":"( 3512 ) فَصْلٌ : إذَا صَالَحَ رَجُلًا عَلَى مَوْضِعِ قَنَاةٍ مِنْ أَرْضِهِ يَجْرِي فِيهَا مَاءٌ ، بَيَّنَّا مَوْضِعَهَا وَعَرْضَهَا وَطُولَهَا ، جَازَ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ بَيْعٌ لَمَوْضِعٍ مِنْ أَرْضِهِ ، وَلَا حَاجَةَ إلَى بَيَانِ عُمْقِهِ ؛ لِأَنَّهُ إذَا مَلَكَ الْمَوْضِعَ كَانَ لَهُ إلَى تُخُومِهِ ، فَلَهُ أَنْ يَتْرُكَ فِيهِ مَا شَاءَ .\rوَإِنْ صَالَحَهُ عَلَى إجْرَاءِ الْمَاءِ فِي سَاقِيَةٍ مِنْ أَرْضِ رَبِّ الْأَرْضِ ، مَعَ بَقَاءِ مِلْكِهِ عَلَيْهَا ، فَهَذَا إجَارَةٌ لِلْأَرْضِ ، فَيَشْتَرِطُ تَقْدِيرُ الْمُدَّةِ ؛ لِأَنَّ هَذَا شَأْنُ الْإِجَارَةِ .\rفَإِنْ كَانَتْ الْأَرْضُ فِي يَدِ رَجُلٍ بِإِجَارَةٍ ، جَازَ لَهُ أَنْ يُصَالِحَ رَجُلًا عَلَى إجْرَاءِ الْمَاءِ فِيهَا فِي سَاقِيَةٍ مَحْفُورَةٍ مُدَّةً لَا تُجَاوِزُ مُدَّةَ إجَارَتِهِ .\rوَإِنْ لَمْ تَكُنْ السَّاقِيَةُ مَحْفُورَةً لَمْ يَجُزْ أَنْ يُصَالِحَهُ عَلَى ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ إحْدَاثُ سَاقِيَةٍ فِي أَرْضٍ فِي يَدِهِ بِإِجَارَةِ .\rفَأَمَّا إنْ كَانَتْ الْأَرْضُ فِي يَدِهِ وَقْفًا عَلَيْهِ ، فَقَالَ الْقَاضِي : هُوَ كَالْمُسْتَأْجِرِ ، لَهُ أَنْ يُصَالِحَ إجْرَاءَ الْمَاءِ فِي سَاقِيَةٍ مَحْفُورَةٍ فِي مُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَحْفِرَ فِيهَا سَاقِيَةً ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُهَا ، إنَّمَا يَسْتَوْفِي مَنْفَعَتَهَا ، كَالْأَرْضِ الْمُسْتَأْجَرَةِ سَوَاءً .\rوَهَذَا كُلُّهُ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَالْأَوْلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ حَفْرُ السَّاقِيَةِ ؛ لِأَنَّ الْأَرْضَ لَهُ ، وَلَهُ التَّصَرُّفُ فِيهَا كَيْفَمَا شَاءَ ، مَا لَمْ يَنْقُلْ الْمِلْكَ فِيهَا إلَى غَيْرِهِ ، بِخِلَافِ الْمُسْتَأْجِرِ ، فَإِنَّهُ إنَّمَا يَتَصَرَّفُ فِيهَا بِمَا أُذِنَ لَهُ فِيهِ ، فَكَانَ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ بِمَنْزِلَةِ الْمُسْتَأْجِرِ إذَا أُذِنَ لَهُ فِي الْحَفْرِ ، فَإِنْ مَاتَ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ فِي أَثْنَاءِ الْمُدَّةِ ، فَهَلْ لِمَنْ انْتَقَلَ إلَيْهِ فَسْخُ الصُّلْحِ فِيمَا بَقِيَ مِنْ الْمُدَّةِ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ ، بِنَاءً عَلَى مَا إذَا آجَرَهُ مُدَّةً ، فَمَاتَ فِي أَثْنَائِهَا .\rفَإِنْ قُلْنَا : لَهُ فَسْخُ الصُّلْحِ .\rفَفَسَخَهُ ، رَجَعَ الْمُصَالِحُ عَلَى وَرَثَةِ الَّذِي صَالَحَهُ","part":9,"page":460},{"id":4460,"text":"بِقِسْطِ مَا بَقِيَ مِنْ الْمُدَّةِ .\rوَإِنْ قُلْنَا : لَيْسَ لَهُ الْفَسْخُ .\rرَجَعَ مِنْ انْتَقَلَ إلَيْهِ الْوَقْفُ عَلَى الْوَرَثَة .","part":9,"page":461},{"id":4461,"text":"( 3513 ) فَصْلٌ : وَإِنْ صَالَحَ رَجُلًا عَلَى إجْرَاءِ مَاءِ سَطْحِهِ مِنْ الْمَطَرِ عَلَى سَطْحِهِ أَوْ فِي أَرْضِهِ عَنْ سَطْحِهِ ، أَوْ فِي أَرْضِهِ عَنْ أَرْضِهِ ، جَازَ ، إذَا كَانَ مَا يَجْرِي مَاءً مَعْلُومًا ، إمَّا بِالْمُشَاهَدَةِ ، وَإِمَّا بِمَعْرِفَةِ الْمِسَاحَةِ ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ يَخْتَلِفُ بِصِغَرِ السَّطْحِ وَكِبَرِهِ .\rوَلَا يُمَكِّنُ ضَبْطُهُ بِغَيْرِ ذَلِكَ .\rوَيُشْتَرَطُ مَعْرِفَةُ الْمَوْضِعِ الَّذِي يَجْرِي مِنْهُ الْمَاءُ إلَى السَّطْحِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ .\rوَلَا يَفْتَقِرُ إلَى ذِكْرِ مُدَّةٍ ؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ تَدْعُو إلَى هَذَا ، وَيَجُوزُ الْعَقْدُ عَلَى الْمَنْفَعَةِ فِي مَوْضِعِ الْحَاجَةَ غَيْرَ مُقَدَّرٍ ، كَمَا فِي النِّكَاحِ ، وَلَا يَمْلِكُ صَاحِبُ الْمَاءِ مَجْرَاهُ ؛ لِأَنَّ هَذَا لَا يَسْتَوْفِي بِهِ مَنَافِعَ الْمَجْرَى دَائِمًا ، وَلَا فِي أَكْثَرِ الْمُدَّةِ ، بِخِلَافِ السَّاقِيَةِ ، وَيَخْتَلِفَانِ أَيْضًا فِي أَنَّ الْمَاءَ الَّذِي فِي السَّاقِيَّةِ لَا يَحْتَاجُ إلَى مَا يُقَدَّرُ بِهِ ؛ لِأَنَّ تَقْدِيرَ ذَلِكَ حَصَلَ بِتَقْدِيرِ السَّاقِيَةِ ، فَإِنَّهُ لَا يَمْلِكُ أَنْ يُجْرِيَ فِيهَا أَكْثَرَ مِنْ مَائِهَا ، وَالْمَاءُ الَّذِي عَلَى السَّطْحِ يَحْتَاجُ إلَى مَعْرِفَةِ مِقْدَارِ السَّطْحِ ؛ لِأَنَّهُ يَجْرِي مِنْهُ الْقَلِيلُ وَالْكَثِيرُ .\rوَإِنْ كَانَ السَّطْحُ الَّذِي يَجْرِي عَلَيْهِ الْمَاءُ مُسْتَأْجَرًا ، أَوْ عَارِيَّةً مَعَ إنْسَانٍ ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يُصَالِحَ عَلَى إجْرَاءِ الْمَاءِ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ يَتَضَرَّرُ بِذَلِكَ ، وَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فِيهِ ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَتَصَرَّفَ بِهِ بِخِلَافِ الْمَاءِ فِي السَّاقِيَةِ الْمَحْفُورَةِ ، فَإِنَّ الْأَرْضَ لَا تَتَضَرَّرُ بِهِ .\rوَإِنْ كَانَ مَاءُ السَّطْحِ يَجْرِي عَلَى أَرْضٍ ، احْتَمَلَ أَنْ لَا يَجُوزَ لَهُ الصُّلْحُ عَلَى ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ إنْ احْتَاجَ إلَى حَفْرٍ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَحْفِرَ أَرْضَ غَيْرِهِ ، وَلِأَنَّهُ يَجْعَلُ لِغَيْرِ صَاحِبِ الْأَرْضِ رَسْمًا ، فَرُبَّمَا ادَّعَى اسْتِحْقَاقَ ذَلِكَ عَلَى صَاحِبِهَا .\rوَاحْتَمَلَ الْجَوَازَ إذَا لَمْ يَحْتَجْ إلَى حَفْرٍ ، وَلَمْ تَكُنْ فِيهِ مَضَرَّةٌ ؛ لِأَنَّهُ","part":9,"page":462},{"id":4462,"text":"بِمَنْزِلَةِ إجْرَاءِ الْمَاءِ فِي سَاقِيَةٍ مَحْفُورَةٍ ، وَلَا يَجُوزُ إلَّا مُدَّةً لَا تَزِيدُ عَلَى مُدَّةِ إجَارَتِهِ ، كَمَا قُلْنَا فِي إجْرَاءِ الْمَاءِ فِي السَّاقِيَةِ .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":9,"page":463},{"id":4463,"text":"( 3514 ) فَصْلٌ : وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يُجْرِيَ مَاءً فِي أَرْضِ غَيْرِهِ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ ، لَمْ يَجُزْ إلَّا بِإِذْنِهِ ، وَإِنْ كَانَ لِضَرُورَةٍ ، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَرْضٌ لِلزِّرَاعَةِ ، لَهَا مَاءٌ لَا طَرِيقَ لَهُ إلَّا أَرْضُ جَارِهِ ، فَهَلْ لَهُ ذَلِكَ ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ ، إحْدَاهُمَا ، لَا يَجُوزُ ؛ لِأَنَّهُ تَصَرَّفَ فِي أَرْضِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ ، فَلَمْ يَجُزْ ، كَمَا لَوْ لَمْ تَدْعُ إلَيْهِ ضَرُورَةٌ ، وَلِأَنَّ مِثْلَ هَذِهِ الْحَاجَةِ لَا تُبِيحُ مَالَ غَيْرِهِ ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يُبَاحُ لَهُ الزَّرْعُ فِي أَرْضِ غَيْرِهِ ، وَلَا الْبِنَاءُ فِيهَا ، وَلَا الِانْتِفَاعُ بِشَيْءِ مِنْ مَنَافِعِهَا الْمُحَرَّمَةِ عَلَيْهِ قَبْل هَذِهِ الْحَاجَةِ .\rوَالْأُخْرَى يَجُوزُ ؛ لِمَا رُوِيَ أَنَّ الضَّحَّاكَ بْنَ خَلِيفَةَ سَاقَ خَلِيجًا مِنْ الْعَرِيضِ ، فَأَرَادَ أَنْ يَمُرَّ بِهِ فِي أَرْضِ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ ، فَأَبَى ، فَقَالَ لَهُ الضَّحَّاكُ : لِمَ تَمْنَعُنِي وَهُوَ مَنْفَعَةٌ لَك ، تَشْرَبُهُ أَوَّلًا وَآخِرًا ، وَلَا يَضُرُّك ؟ فَأَبَى مُحَمَّدٌ ، فَكَلَّمَ فِيهِ الضَّحَّاكُ عُمَرَ ، فَدَعَا مُحَمَّدَ بْن مَسْلَمَةَ ، وَأَمَرَهُ أَنْ يُخَلِّيَ سَبِيلَهُ .\rفَقَالَ مُحَمَّدٌ : لَا وَاَللَّهِ .\rفَقَالَ لَهُ عُمَرُ : لِمَ تَمْنَعُ أَخَاك مَا يَنْفَعُهُ ، وَهُوَ لَك نَافِعٌ ، تَشْرَبُهُ أَوَّلًا وَآخِرًا ؟ فَقَالَ مُحَمَّدٌ : لَا وَاَللَّهِ .\rفَقَالَ عُمَرُ : وَاَللَّهِ لَيَمُرَّنَّ بِهِ وَلَوْ عَلَى بَطْنِك .\rفَأَمَرَهُ عُمَرُ أَنْ يَمُرَّ بِهِ ، فَفَعَلَهُ .\rرَوَاهُ مَالِكٌ فِي \" مُوَطَّئِهِ \" ، وَسَعِيدٌ فِي \" سُنَنِهِ \" .\rوَالْأَوَّلُ أَقْيَسُ ، وَقَوْلُ عُمَرَ يُخَالِفُهُ قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنُ مَسْلَمَةَ ، وَهُوَ مُوَافِقٌ لِلْأُصُولِ ، فَكَانَ أَوْلَى .","part":9,"page":464},{"id":4464,"text":"( 3515 ) فَصْلٌ : وَإِنْ صَالَحَ رَجُلًا عَلَى أَنْ يَسْقِيَ أَرْضَهُ مِنْ نَهْرِ الرَّجُلِ يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ ، أَوْ مِنْ عَيْنِهِ ، وَقَدَّرَهُ بِشَيْءٍ يُعْلَمُ بِهِ ، فَقَالَ الْقَاضِي : لَا يَجُوزُ ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ لَيْسَ بِمَمْلُوكِ ، وَلَا يَجُوزُ ؛ بَيْعُهُ ، فَلَا يَجُوزُ الصُّلْحُ عَلَيْهِ ، وَلِأَنَّهُ مَجْهُولٌ .\rقَالَ : وَإِنْ صَالَحَهُ عَلَى سَهْمٍ مِنْ الْعَيْنِ أَوْ النَّهْرِ كَالثُّلُثِ أَوْ الرُّبْعِ ، جَازَ ، وَكَانَ بَيْعًا لِلْقَرَارِ ، وَالْمَاءُ تَابِعٌ لَهُ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يَجُوزَ الصُّلْحُ عَلَى السَّقْيِ مِنْ نَهْرِهِ وَقَنَاتِهِ ؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ تَدْعُو إلَى ذَلِكَ ، وَالْمَاءُ مِمَّا يَجُوزُ أَخْذُ الْعِوَضِ عَنْهُ فِي الْجُمْلَةِ ، بِدَلِيلِ مَا لَوْ أَخَذَهُ فِي قِرْبَتِهِ أَوْ إنَائِهِ ، وَيَجُوزُ الصُّلْحُ عَلَى مَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ ؛ بِدَلِيلِ الصُّلْحِ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ وَأَشْبَاهِهِ ، وَالصُّلْحِ عَلَى الْمَجْهُولِ .","part":9,"page":465},{"id":4465,"text":"( 3516 ) فَصْلٌ : وَلَا يَصِحُّ الصُّلْحُ عَلَى مَا لَا يَجُوزُ أَخْذُ الْعِوَضِ عَنْهُ ، مِثْلُ أَنْ يُصَالِحَ امْرَأَةً لِتُقِرَّ لَهُ بِالزَّوْجِيَّةِ ؛ لِأَنَّهُ صُلْحٌ يُحِلُّ حَرَامًا ، وَلِأَنَّهَا لَوْ أَرَادَتْ بَذْلَ نَفْسِهَا بِعِوَضٍ لَمْ يَجُزْ .\rوَإِنْ دَفَعَتْ إلَيْهِ عِوَضًا عَنْ هَذِهِ الدَّعْوَى لِيَكُفَّ عَنْهَا ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، لَا يَجُوزُ ؛ لِأَنَّ الصُّلْحَ فِي الْإِنْكَارِ إنَّمَا يَكُونُ فِي حَقِّ الْمُنْكِرِ لِافْتِدَاءِ الْيَمِينِ ، وَهَذِهِ لَا يَمِينَ عَلَيْهَا ، وَفِي حَقِّ الْمُدَّعِي بِأَخْذِ الْعِوَضِ فِي مُقَابَلَةِ حَقِّهِ الَّذِي يَدَّعِيه ، وَخُرُوجُ الْبُضْعِ مِنْ مِلْكِ الزَّوْجِ لَا قِيمَةَ لَهُ ، وَإِنَّمَا أُجِيزَ الْخَلْع لِلْحَاجَةِ إلَى افْتِدَاءِ نَفْسِهَا .\rوَالثَّانِي ، يَصِحُّ .\rذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ وَابْنُ عَقِيلٍ ؛ لِأَنَّ الْمُدَّعِيَ يَأْخُذُ عِوَضًا عَنْ حَقِّهِ مِنْ النِّكَاحِ ، فَجَازَ كَعِوَضِ الْخُلْعِ وَالْمَرْأَةُ تَبْذُلُهُ لِقَطْعِ خُصُومَتِهِ وَإِزَالَةِ شَرِّهِ ، وَرُبَّمَا تَوَجَّهَتْ الْيَمِينُ عَلَيْهَا لِكَوْنِ الْحَاكِمِ يَرَى ذَلِكَ ، أَوَلِأَنَّهَا مَشْرُوعَةٌ فِي حَقِّهَا فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ ، وَمَتَى صَالَحَتْهُ عَلَى ذَلِكَ ، ثَبَتَتْ الزَّوْجِيَّةُ بِإِقْرَارِهَا أَوْ بِبَيِّنَةٍ ، فَإِنْ قُلْنَا : الصُّلْحُ بَاطِلٌ .\rفَالنِّكَاحُ بَاقٍ بِحَالِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْ الزَّوْجِ طَلَاقٌ وَلَا خَلَعَ .\rوَإِنْ قُلْنَا : هُوَ صَحِيحٌ .\rاحْتَمَلَ ذَلِكَ أَيْضًا ؛ وَلِذَلِكَ احْتَمَلَ أَنْ تَبِينَ مِنْهُ بِأَخْذِ الْعِوَضِ ؛ لِأَنَّهُ أَخَذَ الْعِوَضَ عَمَّا يَسْتَحِقُّهُ مِنْ نِكَاحِهَا ، فَكَانَ خُلْعًا ، كَمَا لَوْ أَقَرَّتْ لَهُ بِالزَّوْجِيَّةِ فَخَالَعَهَا .\rوَلَوْ ادَّعَتْ أَنَّ زَوْجَهَا طَلَّقَهَا ثَلَاثًا ، فَصَالَحَهَا عَلَى مَالٍ لِتَنْزِلَ عَنْ دَعْوَاهَا ، لَمْ يَجُزْ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهَا بَذْلُ نَفْسِهَا لِمُطَلِّقِهَا بِعِوَضٍ وَلَا بِغَيْرِهِ .\rوَإِنْ دَفَعَتْ إلَيْهِ مَالًا لِيُقِرَّ بِطَلَاقِهَا ، لَمْ يَجُزْ ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ ، وَفِي الْآخَرِ يَجُوزُ ، كَمَا لَوْ بَذَلَتْ لَهُ عِوَضًا لِيُطَلِّقهَا ثَلَاثًا .","part":9,"page":466},{"id":4466,"text":"( 3517 ) فَصْل : وَإِنْ ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ عَبْدُهُ ، فَأَنْكَرَهُ ، فَصَالَحَهُ عَلَى مَالٍ لِيُقِرَّ لَهُ بِالْعُبُودِيَّةِ ، لَمْ يَجُزْ ؛ لِأَنَّهُ يُحِلُّ حَرَامًا ، فَإِنَّ إرْقَاقَ الْحُرِّ نَفْسَهُ لَا يَحِلُّ بِعِوَضِ وَلَا بِغَيْرِهِ .\rوَإِنْ دَفَعَ إلَيْهِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَالًا صُلْحًا عَنْ دَعْوَاهُ ، صَحَّ ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَعْتِقَ عَبْدَهُ بِمَالِ ، وَيُشْرَعُ لِلدَّافِعِ لِدَفْعِ الْيَمِينِ الْوَاجِبَةِ عَلَيْهِ ، وَالْخُصُومَةِ الْمُتَوَجِّهَةِ إلَيْهِ .\rوَلَوْ ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ أَلْفًا ، فَأَنْكَرَهُ فَدَفَعَ إلَيْهِ شَيْئًا لِيُقِرَّ لَهُ بِالْأَلْفِ ، لَمْ يَصِحَّ .\rفَإِنْ أَقَرَّ لَزِمَهُ مَا أَقَرَّ بِهِ ، وَيَرُدُّ مَا أَخَذَهُ ؛ لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ بِإِقْرَارِهِ كَذِبُهُ فِي إنْكَارِهِ ، وَأَنَّ الْأَلْفَ عَلَيْهِ ، فَيَلْزَمُهُ أَدَاؤُهُ بِغَيْرِ عِوَضٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَخْذُ الْعِوَضِ عَنْ أَدَاءِ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ .\rوَإِنْ دَفَعَ إلَيْهِ الْمُنْكَرُ مَالًا صُلْحًا عَنْ دَعْوَاهُ ، صَحَّ .\rوَقَدْ مَضَى ذِكْرُهُ .","part":9,"page":467},{"id":4467,"text":"( 3518 ) فَصْلٌ : وَلَوْ صَالَحَ شَاهِدًا عَلَى أَنْ لَا يَشْهَدَ عَلَيْهِ ، لَمْ يَصِحَّ لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ : أَحَدُهَا ، أَنْ يُصَالِحَهُ عَلَى أَنْ لَا يَشْهَدَ عَلَيْهِ بِحَقٍّ تَلْزَمُ الشَّهَادَةُ بِهِ ، كَدَيْنِ آدَمِي ، أَوْ حَقٍّ لِلَّهِ تَعَالَى لَا يَسْقُطُ بِالشُّبْهَةِ ، كَالزَّكَاةِ وَنَحْوِهَا ، فَلَا يَجُوزُ كِتْمَانُهُ ، وَلَا يَجُوزُ أَخْذُ الْعِوَضِ عَنْ ذَلِكَ ، كَمَا لَا يَجُوزُ أَخْذُ الْعِوَضِ عَلَى شُرْبِ الْخَمْرِ وَتَرْكِ الصَّلَاةِ .\rالثَّانِي ، أَنْ يُصَالِحَهُ عَلَى أَنْ لَا يَشْهَدَ عَلَيْهِ بِالزُّورِ .\rفَهَذَا يَجِبُ عَلَيْهِ تَرْكُ ذَلِكَ ، وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ فِعْلُهُ ، فَلَا يَجُوزُ أَخْذُ الْعِوَضِ عَنْهُ ، كَمَا لَا يَجُوزُ أَنْ يُصَالِحَهُ عَلَى أَنْ لَا يَقْتُلَهُ وَلَا يَغْصِبَ مَالَهُ .\rالثَّالِثُ ، أَنْ يُصَالِحَهُ عَلَى أَنْ لَا يَشْهَدَ عَلَيْهِ بِمَا يُوجِبُ حَدًّا ، كَالزِّنَا وَالسَّرِقَةِ ، فَلَا يَجُوزُ أَخْذُ الْعِوَضِ عَنْهُ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِحَقِّ لَهُ ، فَلَمْ يَجُزْ لَهُ أَخْذُ عِوَضِهِ ، كَسَائِرِ مَا لَيْسَ بِحَقٍّ لَهُ .\rوَلَوْ صَالَحَ السَّارِقَ وَالزَّانِيَ وَالشَّارِبَ بِمَالٍ ، عَلَى أَنْ لَا يَرْفَعَهُ إلَى السُّلْطَانِ ، لَمْ يَصِحَّ الصُّلْحُ لِذَلِكَ ، وَلَمْ يَجُزْ لَهُ أَخْذُ الْعِوَضِ .\rوَإِنْ صَالَحَهُ عَنْ حَدِّ الْقَذْفِ ، لَمْ يَصِحَّ الصُّلْحُ ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ لِلَّهِ تَعَالَى ، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ عِوَضَهُ ، لِكَوْنِهِ لَيْسَ بِحَقٍّ لَهُ ، فَأَشْبَهَ حَدَّ الزِّنَى وَالسَّرِقَةِ ، وَإِنْ كَانَ حَقًّا لَهُ ، لَمْ يَجُزْ الِاعْتِيَاضُ عَنْهُ ، لِكَوْنِهِ حَقًّا لَيْسَ بِمَالِي ، وَلِهَذَا لَا يَسْقُطُ إلَى بَدَلَ ، بِخِلَافِ الْقِصَاصِ ، وَلِأَنَّهُ شُرِعَ لِتَنْزِيهِ الْعِرْضِ ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَعْتَاضَ عَنْ عِرْضِهِ بِمَالٍ .\rوَهَلْ يَسْقُطُ الْحَدُّ بِالصُّلْحِ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ ، مَبْنِيَّانِ عَلَى الْخِلَافِ فِي كَوْنِهِ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى ، أَوْ حَقًّا لِآدَمِي ؛ فَإِنْ كَانَ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى ، لَمْ يَسْقُطْ بِصُلْحِ الْآدَمِيِّ وَلَا إسْقَاطِهِ ، كَحَدِّ الزِّنَى وَالسَّرِقَةِ ، وَإِنْ كَانَ حَقًّا لِآدَمِيٍّ سَقَطَ","part":9,"page":468},{"id":4468,"text":"بِصُلْحِهِ وَإِسْقَاطِهِ ، مِثْل الْقِصَاصِ .\rوَإِنْ صَالَحَ عَنْ حَقِّ الشُّفْعَةِ ، لَمْ يَصِحَّ الصُّلْحُ ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ شُرِعَ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ لِدَفْعِ ضَرَرِ الشَّرِكَةِ ، فَإِذَا رَضِيَ بِالْتِزَامِ الضَّرَرِ ، سَقَطَ الْحَقُّ مِنْ غَيْرِ بَدَلٍ ، كَحَدِّ الْقَذْفِ ، إلَّا أَنَّهُ يَسْقُطُ هَاهُنَا وَجْهًا وَاحِدًا ؛ لِكَوْنِهِ حَقًّا لِآدَمِيٍّ .","part":9,"page":469},{"id":4469,"text":"( 3519 ) فَصْل : وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَشْرَعَ إلَى طَرِيقٍ نَافِذٍ جَنَاحًا ؛ وَهُوَ الرَّوْشَنُ يَكُونُ عَلَى أَطْرَافِ خَشَبَةٍ مَدْفُونَةٍ فِي الْحَائِطِ ، وَأَطْرَافُهَا خَارِجَةٌ فِي الطَّرِيقِ ، سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ يَضُرُّ فِي الْعَادَةِ بِالْمَارَّةِ أَوْ لَا يَضُرُّ .\rوَلَا يَجُوزُ أَنْ يَجْعَلَ عَلَيْهَا .\rسَابَاطًا بِطَرِيقِ الْأَوْلَى ، وَهُوَ الْمُسْتَوْفِي لِهَوَاءِ الطَّرِيقِ كُلِّهِ عَلَى حَائِطَيْنِ ، سَوَاءٌ كَانَ الْحَائِطَانِ مِلْكَهُ أَوْ لَمْ يَكُونَا ، وَسَوَاءٌ أَذِنَ الْإِمَامُ فِي ذَلِكَ أَوْ لَمْ يَأْذَنْ .\rوَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ : إنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ ضَرَرٌ جَازَ بِإِذْنِ الْإِمَامِ ؛ لِأَنَّهُ نَائِبُهُمْ ، فَجَرَى إذْنُهُ مَجْرَى إذْنِ الْمُشْتَرِكِينَ فِي الدَّرْبِ الَّذِي لَيْسَ بِنَافِدٍ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَجُوزُ مِنْ ذَلِكَ مَا لَا ضَرَرَ فِيهِ ، وَإِنْ عَارَضَهُ رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَجَبَ قَلْعُهُ .\rوَقَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ : يَجُوزُ ذَلِكَ إذَا لَمْ يَضُرَّ بِالْمَارَّةِ ، وَلَا يَمْلِكُ أَحَدٌ مَنْعَهُ ؛ لِأَنَّهُ ارْتَفَقَ بِمَا لَمْ يَتَعَيَّنْ مِلْكُ أَحَدٍ فِيهِ مِنْ غَيْرِ مَضَرَّةٍ ، فَكَانَ جَائِزًا ، كَالْمَشْيِ فِي الطَّرِيقِ وَالْجُلُوسِ فِيهَا .\rوَاخْتَلَفُوا فِيمَا لَا يَضُرُّ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : إنْ كَانَ فِي شَارِعٍ تَمُرُّ فِيهِ الْجُيُوشُ وَالْأَحْمَالُ ، فَيَكُونُ بِحَيْثُ إذَا سَارَ فِيهِ الْفَارِسُ وَرُمْحُهُ مَنْصُوبٌ لَا يَبْلُغُهُ .\rوَقَالَ أَكْثَرُهُمْ : لَا يُقَدَّرُ بِذَلِكَ ، بَلْ يَكُونُ بِحَيْثُ لَا يَضُرُّ بالعماريات وَالْمَحَامِلِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ بِنَاءٌ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ ، فَلَمْ يَجُزْ ، كَبِنَاءِ الدَّكَّةِ أَوْ بِنَاءِ ذَلِكَ فِي دَرْبٍ غَيْرِ نَافِذٍ بِغَيْرِ إذْنِ أَهْلِهِ ، وَيُفَارِقُ الْمُرُورَ فِي الطَّرِيقِ ، فَإِنَّهَا جُعِلَتْ لِذَلِكَ ، وَلَا مَضَرَّةَ فِيهِ ، وَالْجُلُوسُ لَا يَدُومُ ، وَلَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ ، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ لَا مَضَرَّةَ فِيهِ ، فَإِنَّهُ يُظْلِمُ الطَّرِيقَ ، وَيَسُدُّ الضَّوْءَ ، وَرُبَّمَا سَقَطَ عَلَى الْمَارَّةِ ، أَوْ سَقَطَ","part":9,"page":470},{"id":4470,"text":"مِنْهُ شَيْءٌ ، وَقَدْ تَعْلُو الْأَرْضُ بِمُرُورِ الزَّمَانِ ، فَيَصْدِمُ رُءُوسَ النَّاسِ ، وَيَمْنَعُ مُرُورَ الدَّوَابِّ بِالْأَحْمَالِ ، وَيَقْطَعُ الطَّرِيقَ إلَّا عَلَى الْمَاشِي ، وَقَدْ رَأَيْنَا مِثْل هَذَا كَثِيرًا ، وَمَا يُفْضِي إلَى الضَّرَرِ فِي ثَانِي الْحَالِ ، يَجِبُ الْمَنْعُ مِنْهُ فِي ابْتِدَائِهِ ، كَمَا لَوْ أَرَادَ بِنَاءَ حَائِطٍ مَائِلٍ إلَى الطَّرِيقِ يُخْشَى وُقُوعُهُ عَلَى مِنْ يَمُرُّ فِيهَا .\rوَعَلَى أَبِي حَنِيفَةَ : أَنَّهُ بِنَاءٌ فِي حَقٍّ مُشْتَرَكٍ ، لَوْ مَنَعَ مِنْهُ بَعْضُ أَهْلِهِ لَمْ يَجُزْ ، فَلَمْ يَجُزْ بِغَيْرِ إذْنِهِمْ ، كَمَا لَوْ أَخْرَجَهُ إلَى هَوَاءِ دَارٍ مُشْتَرَكَةٍ ، وَذَلِكَ لِأَنَّ حَقَّ الْآدَمِيِّ لَا يَجُوزُ لِغَيْرِهِ التَّصَرُّفُ فِيهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ ، وَإِنْ كَانَ سَاكِنًا ، كَمَا لَا يَجُوزُ إذَا مَنَعَ مِنْهُ .","part":9,"page":471},{"id":4471,"text":"( 3520 ) فَصْلٌ : وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَبْنِيَ فِي الطَّرِيقِ دُكَّانًا ، بِغَيْرِ خِلَافِ نَعْلَمُهُ ، سَوَاءٌ كَانَ الطَّرِيقُ وَاسِعًا أَوْ غَيْرَ وَاسِعٍ ، سَوَاءٌ أَذِنَ الْإِمَامُ فِيهِ أَوْ لَمْ يَأْذَنْ ؛ لِأَنَّهُ بِنَاءٌ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ ، وَلِأَنَّهُ يُؤْذِي الْمَارَّةَ وَيُضَيِّقُ عَلَيْهِمْ ، وَيَعْثُرُ بِهِ الْعَاثِرُ ، فَلَمْ يَجُزْ ، كَمَا لَوْ كَانَ الطَّرِيقُ ضَيِّقًا .","part":9,"page":472},{"id":4472,"text":"( 3521 ) فَصْلٌ : وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَبْنِيَ دُكَّانًا ، وَلَا يُخْرِجَ رَوْشَنًا وَلَا سَابَاطًا عَلَى دَرْبٍ غَيْرِ نَافِذٍ ، إلَّا بِإِذْنِ أَهْلِهِ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ، إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ فِي الدَّرْبِ بَابٌ ، وَإِنْ كَانَ لَهُ فِي الدَّرْبِ بَابٌ ، فَقَدْ اخْتَلَفَ أَصْحَابُهُ ، فَمِنْهُمْ مَنْ مَنَعَهُ أَيْضًا ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَجَازَ لَهُ إخْرَاجَ الْجَنَاحِ وَالسَّابَاطِ ؛ لِأَنَّ لَهُ فِي الدَّرْبِ اسْتِطْرَاقًا ، فَمَلَكَ ذَلِكَ ، كَمَا يَمْلِكُهُ فِي الدَّرْبِ النَّافِذِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ بِنَاءٌ فِي هَوَاءِ مِلْكِ قَوْمٍ مُعَيَّنِينَ ، أَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِيهِ بَابٌ ، وَلَا نُسَلِّمُ الْأَصْلَ الَّذِي قَاسُوا عَلَيْهِ .\rفَأَمَّا إنْ أَذِنَ أَهْلُ الدَّرْبِ فِيهِ ، جَازَ ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمْ ، فَجَازَ بِإِذْنِهِمْ ، كَمَا لَوْ كَانَ الْمَالِكُ وَاحِدًا .\rوَإِنْ صَالَحَ أَهْلَ الدَّرْبِ مِنْ ذَلِكَ عَلَى عِوَضٍ مَعْلُومٍ ، جَازَ .\rوَقَالَ الْقَاضِي ، وَأَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ : لَا يَجُوزُ ؛ لِأَنَّهُ بَيْعٌ لِلْهَوَاءِ دُونَ الْقَرَارِ .\rوَلَنَا أَنَّهُ يَبْنِي فِيهِ بِإِذْنِهِمْ ، فَجَازَ ، كَمَا لَوْ أَذِنُوا لَهُ بِغَيْرِ عِوَضٍ ، وَلِأَنَّهُ مِلْكٌ لَهُمْ ، فَجَازَ لَهُمْ أَخْذُ عِوَضِهِ ، كَالْقَرَارِ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّمَا يَجُوزُ بِشَرْطِ كَوْنِ مَا يُخْرِجُهُ مَعْلُومَ الْمِقْدَارِ فِي الْخُرُوجِ وَالْعُلُوِّ ، وَهَكَذَا الْحُكْمُ فِيمَا إذَا أَخْرَجَهُ إلَى مِلْكِ إنْسَانٍ مُعَيَّنٍ ، لَا يَجُوزُ بِغَيْرِ إذْنِهِ ، وَيَجُوزُ بِإِذْنِهِ ، بِعِوَضِ وَبِغَيْرِهِ ، إذَا كَانَ مَعْلُومَ الْمِقْدَارِ .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":9,"page":473},{"id":4473,"text":"( 3522 ) فَصْلٌ : وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَحْفِرَ فِي الطَّرِيقِ النَّافِذَةِ بِئْرًا لِنَفْسِهِ ، سَوَاءٌ جَعَلَهَا لِمَاءِ الْمَطَرِ ، أَوْ لِيَسْتَخْرِجَ مِنْهَا مَا يَنْتَفِعُ بِهِ ، وَلَا غَيْرَ ذَلِكَ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ قَبْلُ .\rوَإِنْ أَرَادَ حَفْرَهَا لِلْمُسْلِمِينَ وَنَفْعِهِمْ أَوْ لِنَفْعِ الطَّرِيقِ ، مِثْل أَنْ يَحْفِرَهَا لِيَسْتَقِيَ النَّاسُ مِنْ مَائِهَا ، وَيَشْرَبَ مِنْهُ الْمَارَّةُ ، أَوْ لِيَنْزِلَ فِيهَا مَاءُ الْمَطَرِ عَنْ الطَّرِيقِ ، نَظَرْنَا ، فَإِنْ كَانَ الطَّرِيقِ ضَيِّقًا ، أَوْ يَحْفِرَهَا فِي مَمَرِّ النَّاسِ بِحَيْثُ يُخَافُ سُقُوطُ إنْسَانٍ فِيهَا أَوْ دَابَّةٍ ، أَوْ يُضَيِّقَ عَلَيْهِمْ مَمَرَّهُمْ ، لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ ضَرَرَهَا أَكْثَرُ مِنْ نَفْعِهَا ، وَإِنْ حَفَرَهَا فِي زَاوِيَةٍ فِي طَرِيقٍ وَاسِعٍ ، وَجَعَلَ عَلَيْهَا مَا يَمْنَعُ الْوُقُوعَ فِيهَا ، جَازَ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ نَفْعٌ بِلَا ضَرَرٍ ، فَجَازَ كَتَمْهِيدِهَا ، وَبِنَاءِ رَصِيفٍ فِيهَا ، فَأَمَّا مَا فَعْلَهُ فِي دَرْبٍ غَيْرِ نَافِذٍ ، فَلَا يَجُوزُ إلَّا بِإِذْنِ أَهْلِهِ ؛ لِأَنَّ هَذَا مِلْكٌ لِقَوْمِ مُعَيَّنِينَ ، فَلَمْ يَجُزْ فِعْلُ ذَلِكَ بِغَيْرِ إذْنِهِمْ .\rكَمَا لَوْ فَعَلَهُ فِي بُسْتَانِ إنْسَانٍ .\rوَلَوْ صَالَحَ أَهْلَ الدَّرْبِ عَنْ ذَلِكَ بِعِوَضٍ ، جَازَ ، سَوَاءٌ حَفَرَهَا لِنَفْسِهِ لِيَنْزِل فِيهَا مَاءُ الْمَطَرِ عَنْ دَارِهِ ، أَوْ لِيَسْتَقِيَ مِنْهَا مَاءً لِنَفْسِهِ ، أَوْ حَفَرَهَا لِلسَّبِيلِ وَنَفْعِ الطَّرِيقِ .\rوَكَذَلِكَ إنْ فَعَلَ ذَلِكَ فِي مِلْكِ إنْسَانٍ مُعَيَّنٍ .","part":9,"page":474},{"id":4474,"text":"( 3523 ) فَصْلٌ : وَلَا يَجُوزُ إخْرَاجُ الْمَيَازِيبِ إلَى الطَّرِيقِ الْأَعْظَمِ .\rوَلَا يَجُوزُ إخْرَاجُهَا إلَى دَرْبٍ نَافِذٍ إلَّا بِإِذْنِ أَهْلِهِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ : يَجُوزُ إخْرَاجُهُ إلَى الطَّرِيقِ الْأَعْظَمِ لِأَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ اجْتَازَ عَلَى دَارِ الْعَبَّاسِ وَقَدْ نَصَبَ مِيزَابًا عَلَى الطَّرِيقِ ، فَقَلَعَهُ ، فَقَالَ الْعَبَّاسُ : تَقْلَعُهُ وَقَدْ نَصَبَهُ رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِهِ ؟ فَقَالَ : وَاَللَّهِ لَا نَصَبْته إلَّا عَلَى ظَهْرِي ، وَانْحَنَى حَتَّى صَعِدَ عَلَى ظَهْرِهِ ، فَنَصَبَهُ .\rوَمَا فَعَلَهُ رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلِغَيْرِهِ فِعْلُهُ ، مَا لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلَى اخْتِصَاصِهِ بِهِ .\rوَلِأَنَّ الْحَاجَةَ تَدْعُو إلَى ذَلِكَ ، وَلَا يُمْكِنُهُ رَدَّ مَائِهِ إلَى الدَّارِ .\rوَلِأَنَّ النَّاسَ يَعْمَلُونَ ذَلِكَ فِي جَمِيعِ بِلَادِ الْإِسْلَامِ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ .\rوَلَنَا ، أَنَّ هَذَا تَصَرُّفٌ فِي هَوَاءٍ مُشْتَرَكٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ ، فَلَمْ يَجُزْ ، كَمَا لَوْ كَانَ الطَّرِيقِ غَيْرُ نَافِذٍ وَلِأَنَّهُ يَضُرُّ بِالطَّرِيقِ وَأَهْلِهَا ، فَلَمْ يَجُزْ كَبِنَاءِ دَكَّةٍ فِيهَا أَوْ جَنَاحٍ يَضُرُّ بِأَهْلِهَا .\rوَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ مِنْ الضَّرَرِ ، فَإِنَّ مَاءَهُ يَقَعُ عَلَى الْمَارَّةِ ، وَرُبَّمَا جَرَى فِيهِ الْبَوْلُ أَوْ مَاءٌ نَجِسٌ فَيُنَجِّسُهُمْ ، وَيَزْلَقُ الطَّرِيقَ ، وَيَجْعَلُ فِيهَا الطِّينَ ، وَالْحَدِيثُ قَضِيَّةٌ فِي عَيْنٍ ، فَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ كَانَ فِي دَرْبٍ غَيْرِ نَافِذٍ ، أَوْ تَجَدَّدَتْ الطَّرِيقُ بَعْدَ نَصْبِهِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَجُوزَ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ دَاعِيَةٌ إلَيْهِ ، وَالْعَادَةُ جَارِيَةٌ بِهِ ، مَعَ مَا فِيهِ مِنْ الْخَبَرِ الْمَذْكُورِ .","part":9,"page":475},{"id":4475,"text":"فَصْلٌ : وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَفْتَحَ فِي الْحَائِطِ الْمُشْتَرَكِ طَاقًا وَلَا بَابًا ، إلَّا بِإِذْنِ شَرِيكِهِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ انْتِفَاعٌ بِمِلْكِ غَيْرِهِ ، وَتَصَرُّفٌ فِيهِ بِمَا يَضُرُّ بِهِ .\rوَلَا يَجُوزُ أَنْ يَغْرِزَ فِيهِ وَتَدًا ، وَلَا يُحْدِثَ عَلَيْهِ حَائِطًا وَلَا يَسْتُرَهُ ، وَلَا يَتَصَرَّفَ فِيهِ نَوْعَ تَصَرُّفٍ لِأَنَّهُ تَصَرَّفَ فِي الْحَائِطِ بِمَا يَضْرِبُهُ ، فَلَمْ يَجُزْ ، كَنَقْضِهِ .\rوَلَا يَجُوزُ لَهُ فِعْلُ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فِي حَائِطِ جَارِهِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى لِأَنَّهُ ؛ إذَا لَمْ يَجُزْ فِيمَا لَهُ فِيهِ حَقٌّ ، فَفِيمَا لَا حَقَّ لَهُ فِيهِ أَوْلَى .\rوَإِنْ صَالَحَهُ عَنْ ذَلِكَ بِعِوَضٍ ، جَازَ .\rوَأَمَّا الِاسْتِنَادُ إلَيْهِ ، وَإِسْنَادُ شَيْءٍ لَا يَضُرُّهُ إلَيْهِ ، فَلَا بَأْسَ بِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا مَضَرَّةَ فِيهِ ، وَلَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ أَشْبَهَ الِاسْتِظْلَالَ بِهِ .","part":9,"page":476},{"id":4476,"text":"( 3525 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا وَضْعُ خَشَبَةٍ عَلَيْهِ ، فَإِنْ كَانَ يَضُرُّ بِالْحَائِطِ لِضَعْفِهِ عَنْ حَمْلِهِ ، لَمْ يَجُزْ ، بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ ؛ لَا ذَكَرْنَا ، وَلِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ .\r} وَإِنْ كَانَ لَا يَضُرُّ بِهِ ، إلَّا أَنَّ بِهِ غَنِيَّةً عَنْ وَضْعِ خَشَبِهِ عَلَيْهِ ، لِإِمْكَانِ وَضْعِهِ عَلَى غَيْرِهِ ، فَقَالَ أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا : لَا يَجُوزُ أَيْضًا .\rوَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي ثَوْرٍ .\rلِأَنَّهُ انْتِفَاعٌ بِمِلْكِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ ، فَلَمْ يَجُزْ كَبِنَاءِ حَائِطٍ عَلَيْهِ .\rوَأَشَارَ ابْنُ عَقِيلٍ إلَى جَوَازِهِ ؛ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { : لَا يَمْنَعُ أَحَدُكُمْ جَارَهُ أَنْ يَضَعَ خَشَبَهُ عَلَى جِدَارِهِ .\r} مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَلِأَنَّ مَا أُبِيحَ لِلْحَاجَةِ الْعَامَّةِ لَمْ يُعْتَبَرْ فِيهِ حَقِيقَةُ الْحَاجَةِ ، كَأَخْذِ الشِّقْصِ بِالشُّفْعَةِ مِنْ الْمُشْتَرِي ، وَالْفَسْخِ بِالْخِيَارِ أَوْ بِالْعَيْبِ ، اتِّخَاذِ الْكَلْبِ لِلصَّيْدِ ، وَإِبَاحَةِ السَّلَمِ ، وَرُخَصِ السَّفَرِ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ .\rفَأَمَّا إنْ دَعَتْ الْحَاجَةُ إلَى وَضْعِهِ عَلَى حَائِطِ جَارِهِ ، أَوْ الْحَائِطِ الْمُشْتَرَكِ ، بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُهُ التَّسْقِيفُ بِدُونِهِ ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ وَضْعُهُ بِغَيْرِ إذْنِ الشَّرِيكِ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ .\rوَقَالَ فِي الْجَدِيدِ : لَيْسَ لَهُ وَضْعُهُ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٍ ؛ لِأَنَّهُ انْتِفَاعٌ بِمِلْكِ غَيْرِهِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ ، فَلَمْ يَجُزْ ، كَزِرَاعَتِهِ .\rوَلَنَا ، الْخَبَرُ وَلِأَنَّهُ انْتِفَاعٌ بِحَائِطِ جَارِهِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَضُرُّ بِهِ ، أَشْبَهَ الِاسْتِنَادَ إلَيْهِ وَالِاسْتِظْلَالَ بِهِ ، وَيُفَارِقُ الزَّرْعَ ، فَإِنَّهُ يَضُرُّ ، وَلَمْ تَدْعُ إلَيْهِ حَاجَةٌ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَاشْتَرَطَ الْقَاضِي وَأَبُو الْخَطَّابِ لِلْجَوَازِ أَنْ يَكُونَ لَهُ ثَلَاثَةُ حِيطَانٍ ، وَلِجَارِهِ حَائِطٌ وَاحِدٌ ، وَلَيْسَ هَذَا فِي كَلَامِ أَحْمَدَ ، إنَّمَا قَالَ ،","part":9,"page":477},{"id":4477,"text":"فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد : لَا يَمْنَعُهُ إذَا لَمْ يَكُنْ ضَرَرٌ ، وَكَانَ الْحَائِطُ يَبْقَى .\rوَلِأَنَّهُ قَدْ يَمْتَنِعُ التَّسْقِيفُ عَلَى حَائِطَيْنِ إذَا كَانَا غَيْرَ مُتَقَابِلَيْنِ ، أَوْ كَانَ الْبَيْتُ وَاسِعًا يَحْتَاجُ إلَى أَنْ يَجْعَلَ عَلَيْهِ جِسْرًا ثُمَّ يَضَعُ الْخَشَبَ عَلَى ذَلِكَ الْجِسْرِ .\rوَالْأَوْلَى اعْتِبَارُهُ بِمَا ذَكَرْنَا مِنْ اعْتِبَارِ التَّسْقِيفِ بِدُونِهِ .\rوَلَا فَرْقَ فِيمَا ذَكَرْنَا بَيْنَ الْبَالِغِ وَالْيَتِيمِ وَالْمَجْنُونِ وَالْعَاقِلِ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا .\rوَاَللَّه أَعْلَمُ .","part":9,"page":478},{"id":4478,"text":"( 3526 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا وَضْعُهُ فِي جِدَارِ الْمَسْجِدِ ، إذَا وُجِدَ الشَّرْطَانِ ، فَعَنْ أَحْمَدَ فِيهِ رِوَايَتَانِ : إحْدَاهُمَا ، الْجَوَازُ ؛ لِأَنَّهُ إذَا جَازَ فِي مِلْكِ الْجَارِ ، مَعَ أَنَّ حَقَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى الشُّحِّ وَالضِّيقِ ، فَفِي حُقُوقِ اللَّه تَعَالَى الْمَبْنِيَّةِ عَلَى الْمُسَامَحَةِ وَالْمُسَاهَلَةِ أَوْلَى .\rوَالثَّانِيَةُ ، لَا يَجُوزُ .\rنَقَلَهَا أَبُو طَالِبٍ ؛ لِأَنَّ الْقِيَاسَ يَقْتَضِي الْمَنْعَ فِي حَقِّ الْكُلِّ ، تُرِكَ فِي حَقِّ الْجَارِ لِلْخَبَرِ الْوَارِدِ فِيهِ ، فَوَجَبَ الْبَقَاءُ فِي غَيْرِهِ عَلَى مُقْتَضَى الْقِيَاسِ .\rوَهَذَا اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ .\rوَخَرَّجَ أَبُو الْخَطَّابِ مِنْ هَذِهِ الرِّوَايَةِ وَجْهًا لِلْمَنْعِ مِنْ وَضْعِ الْخَشَبِ فِي مِلْكِ الْجَارِ ؛ لِأَنَّهُ إذَا مُنِعَ مِنْ وَضْعِ الْخَشَبِ فِي الْجِدَارِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَلِلْوَاضِعِ فِيهِ حَقٌّ فَلَأَنْ يُمْنَعَ مَنْ الْمُخْتَصِّ بِغَيْرِهِ أَوْلَى .\rوَلِأَنَّهُ إذَا مُنِعَ فِي حَقٍّ لِلَّهِ تَعَالَى مَعَ أَنَّ حَقَّهُ عَلَى الْمُسَامَحَةِ وَالْمُسَاهَلَةِ ؛ لِغِنَى اللَّهِ تَعَالَى وَكَرَمِهِ ، فَلَأَنْ يُمْنَعَ فِي حَقِّ آدَمِيٍّ مَعَ شُحِّهِ وَضِيقِهِ أَوْلَى .\rوَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ .\rفَإِنْ قِيلَ : فَلِمَ لَا تُجِيزُونَ فَتْحَ الطَّاقِ وَالْبَابِ فِي الْحَائِطِ ، بِالْقِيَاسِ عَلَى وَضْعِ الْخَشَبِ ؟ قُلْنَا لِأَنَّ الْخَشَبَ يُمْسِكُ الْحَائِطَ وَيَنْفَعُهُ ، بِخِلَافِ الطَّاقِ وَالْبَابِ ، فَإِنَّهُ يُضْعِفُ الْحَائِطَ ، لِأَنَّهُ يَبْقَى مَفْتُوحًا فِي الْحَائِطِ ، وَاَلَّذِي يَفْتَحُهُ لِلْخَشَبَةِ يَسُدُّهُ بِهَا ، وَلِأَنَّ وَضْعَ الْخَشَبِ تَدْعُو الْحَاجَةُ إلَيْهِ ، بِخِلَافِ غَيْرِهِ .","part":9,"page":479},{"id":4479,"text":"( 3527 ) فَصْلٌ : وَمَنْ مَلَكَ وَضْعَ خَشَبِهِ عَلَى حَائِطٍ ، فَزَالَ بِسُقُوطِهِ ، أَوْ قَلْعِهِ أَوْ سُقُوطِ الْحَائِطِ ، ثُمَّ أُعِيدَ ، فَلَهُ إعَادَةُ خَشَبِهِ ، لِأَنَّ السَّبَبَ الْمُجَوِّزَ لِوَضْعِهِ مُسْتَمِرٌّ ، فَاسْتَمَرَّ اسْتِحْقَاقُ ذَلِكَ .\rوَإِنْ زَالَ السَّبَبُ ، مِثْلُ أَنْ يُخْشَى عَلَى الْحَائِطِ مِنْ وَضْعِهِ عَلَيْهِ ، أَوْ اُسْتُغْنِيَ عَنْ وَضْعِهِ ، لَمْ تَجُزْ إعَادَتُهُ ؛ لِزَوَالِ السَّبَبِ الْمُبِيحِ .\rوَإِنْ خِيفَ سُقُوطُ الْحَائِطِ بَعْدَ وَضْعِهِ عَلَيْهِ ، أَوْ اُسْتُغْنِيَ عَنْ وَضْعِهِ ، لَزِمَ إزَالَتُهُ ؛ لِأَنَّهُ يَضُرُّ بِالْمَالِكِ ، وَيَزُولُ الْخَشَبُ .\rوَإِنْ لَمْ يُخَفْ عَلَيْهِ ، لَكِنْ اُسْتُغْنِيَ عَنْ إبْقَائِهِ عَلَيْهِ ، لَمْ يَلْزَمْ إزَالَتُهُ ؛ لِأَنَّ فِي إزَالَتِهِ ضَرَرًا بِصَاحِبِهِ ، وَلَا ضَرَرَ عَلَى صَاحِبِ الْحَائِطِ فِي إبْقَائِهِ ، بِخِلَافِ مَا لَوْ خَشِيَ سُقُوطَهُ .","part":9,"page":480},{"id":4480,"text":"( 3528 ) فَصْلٌ : وَلَوْ كَانَ لَهُ وَضْعُ خَشَبِهِ عَلَى جِدَارِ غَيْرِهِ ، لَمْ يَمْلِكْ إعَارَتَهُ وَلَا إجَارَتَهُ ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا كَانَ لَهُ ذَلِكَ لِحَاجَتِهِ الْمَاسَّةِ إلَى وَضْعِ خَشَبِهِ ، وَلَا حَاجَةَ لَهُ إلَى وَضْعِ خَشَبِ غَيْرِهِ ، فَلَمْ يَمْلِكْهُ .\rوَكَذَلِكَ لَا يَمْلِكُ بَيْعَ حَقِّهِ مِنْ وَضْعِ خَشَبِهِ ، وَلَا الْمُصَالَحَةَ عَنْهُ لِلْمَالِكِ وَلَا لِغَيْرِهِ ؛ لِأَنَّهُ أُبِيحَ لَهُ مِنْ حَقِّ غَيْرِهِ لِحَاجَتِهِ ، فَلَمْ يَجُزْ لَهُ ذَلِكَ فِيهِ ، كَطَعَامِ غَيْرِهِ إذَا أُبِيحَ لَهُ مِنْ أَجْلِ الضَّرُورَةِ ، وَلَوْ أَرَادَ صَاحِبُ الْحَائِطِ إعَارَةَ الْحَائِطِ ، أَوْ إجَارَتَهُ عَلَى وَجْهٍ يَمْنَعُ هَذَا الْمُسْتَحِقَّ مِنْ وَضْعِ خَشَبِهِ ، لَمْ يَمْلِكْ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ وَسِيلَةٌ إلَى مَنْعِ ذِي الْحَقِّ مِنْ حَقِّهِ ، فَلَمْ يَمْلِكْهُ ، كَمَنْعِهِ .\rوَلَوْ أَرَادَ هَدْمَ الْحَائِطِ لِغَيْرِ حَاجَةٍ ، لَمْ يَمْلِكْ ذَلِكَ ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ تَفْوِيتِ الْحَقِّ .\rوَإِنْ احْتَاجَ إلَى هَدْمِهِ لِلْخَوْفِ مِنْ انْهِدَامِهِ ، أَوْ لِتَحْوِيلِهِ إلَى مَكَان آخَرَ أَوْ لِغَرَضِ صَحِيحٍ مَلَكَ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ صَاحِبَ الْخَشَبِ إنَّمَا يَثْبُتُ حَقُّهُ لِلْإِرْفَاقِ بِهِ ، مَشْرُوطًا بِعَدَمِ الضَّرَرِ لِصَاحِبِ الْحَائِطِ ، فَمَتَى أَفْضَى إلَى الضَّرَرِ زَالَ الِاسْتِحْقَاقُ ؛ لِزَوَالِ شَرْطِهِ .","part":9,"page":481},{"id":4481,"text":"( 3529 ) فَصْلٌ : وَإِذَا أَذِنَ صَاحِبُ الْحَائِطِ لِجَارِهِ فِي الْبِنَاءِ عَلَى حَائِطِهِ ، أَوْ وَضْعِ سُتْرَةٍ عَلَيْهِ ، أَوْ وَضْعِ خَشَبِهِ عَلَيْهِ فِي الْمَوْضِع الَّذِي لَا يَسْتَحِقُّ وَضْعَهُ ، جَازَ ، فَإِذَا فَعَلَ مَا أُذِنَ لَهُ فِيهِ ، صَارَتْ الْعَارِيَّةُ لَازِمَةً ، فَإِذَا رَجَعَ الْمُعِيرُ فِيهَا ، لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ ، وَلَمْ يَلْزَمْ الْمُسْتَعِيرَ إزَالَةُ مَا فَعَلَهُ ؛ لِأَنَّ إذْنَهُ اقْتَضَى الْبَقَاءَ وَالدَّوَامَ ، وَفِي الْقَلْعِ إضْرَارٌ بِهِ ، فَلَا يَمْلِكُ ذَلِكَ الْمُعِيرُ ، كَمَا لَوْ أَعَارَهُ أَرْضًا لِلدَّفْنِ وَالْغِرَاسِ ، لَمْ يَمْلِكْ الْمُطَالَبَةَ بِنَقْلِ الْمَيِّتِ وَالْغِرَاسِ بِغَيْرِ ضَمَانٍ .\rوَإِنْ أَرَادَ هَدْمَ الْحَائِطِ لِغَيْرِ حَاجَةٍ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَعِيرَ قَدْ اسْتَحَقَّ تَبْقِيَةَ الْخَشَبِ عَلَيْهِ ، وَلَا ضَرَرَ فِي تَبْقِيَتِهِ .\rوَإِنْ كَانَ مُسْتَهْدَمًا ، فَلَهُ نَقْضُهُ .\rوَعَلَى صَاحِبِ الْبِنَاءِ وَالْخَشَبِ إزَالَتُهُ .\rوَإِذَا أُعِيدَ الْحَائِطُ لَمْ يَمْلِكْ الْمُسْتَعِيرُ رَدَّ بِنَائِهِ وَخَشَبِهِ إلَّا بِإِذْنِ جَدِيدٍ ، سَوَاءٌ بَنَاهُ بِآلَتِهِ أَوْ غَيْرِهَا .\rوَهَكَذَا لَوْ قَلَعَ الْمُسْتَعِيرُ خَشَبًا ، أَوْ سَقَطَ بِنَفْسِهِ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ رَدُّهُ إلَّا بِإِذْنِ مُسْتَأْنَفٍ ؛ لِأَنَّ الْمَنْعَ مِنْ الْقَلْعِ إنَّمَا كَانَ لِمَا فِيهِ مِنْ الضَّرَرِ ، وَهَا هُنَا قَدْ حَصَلَ الْقَلْعُ بِغَيْرِ فِعْلِهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ شَجَرٌ فَانْقَلَعَ .\rوَهَذَا أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ، وَقَالُوا فِي الْآخَرِ : ذَلِكَ لِأَنَّهُ قَدْ اسْتَحَقَّ بَقَاءَ ذَلِكَ عَلَى التَّأْبِيدِ .\rوَلَيْسَ كَذَلِكَ ؛ فَإِنَّهُ إنَّمَا اسْتَحَقَّ الْإِبْقَاءَ ضَرُورَةَ دَفْعِ ضَرَرِ الْقَلْعِ ، وَقَدْ حَصَلَ الْقَلْعُ هَاهُنَا ، فَلَا يَبْقَى الِاسْتِحْقَاقُ .\rوَإِنْ قَلَعَ صَاحِبُ الْحَائِطِ ذَلِكَ عُدْوَانًا ، كَانَ لِلْآخَرِ إعَادَتُهُ ؛ لِأَنَّهُ أُزِيلَ بِغَيْرِ حَقٍّ ، تَعَدِّيًا مِمَّنْ عَلَيْهِ الْحَقُّ ، فَلَمْ يَسْقُطْ الْحَقُّ عَنْهُ بِعُدْوَانِهِ .\rوَإِنْ أَزَالَهُ أَجْنَبِيٌّ ، لَمْ يَمْلِكْ صَاحِبُهُ إعَادَتَهُ","part":9,"page":482},{"id":4482,"text":"بِغَيْرِ إذْنِ الْمَالِكِ ؛ لِأَنَّهُ زَالَ بِغَيْرِ عُدْوَانٍ ، مِنْهُ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ سَقَطَ بِنَفْسِهِ .","part":9,"page":483},{"id":4483,"text":"( 3530 ) فَصْلٌ : وَإِنْ أَذِنَ لَهُ فِي وَضْعِ خَشَبِهِ ، أَوْ الْبِنَاءِ عَلَى جِدَارِهِ بِعِوَضٍ ، جَازَ سَوَاءٌ كَانَ إجَارَةً فِي مُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ ، أَوْ صُلْحًا عَلَى وَضْعِهِ عَلَى التَّأْبِيدِ .\rوَمَتَى زَالَ فَلَهُ إعَادَتُهُ ، سَوَاءٌ زَالَ لِسُقُوطِهِ ، أَوْ سُقُوطِ الْحَائِطِ ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ اسْتَحَقَّ إبْقَاءَهُ بِعِوَضٍ ، وَيَحْتَاجُ إلَى أَنْ يَكُونَ الْبِنَاءُ مَعْلُومَ الْعَرْضِ وَالطُّولِ ، وَالسُّمْكِ ، وَالْآلَاتُ مِنْ الطِّينِ وَاللَّبَنِ ، وَالْآجُرُّ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ هَذَا كُلَّهُ يَخْتَلِفُ فَيُحْتَاجُ إلَى مَعْرِفَتِهِ .\rوَإِذَا سَقَطَ الْحَائِطُ الَّذِي عَلَيْهِ الْبِنَاءُ أَوْ الْخَشَبُ ، فِي أَثْنَاءِ مُدَّةِ الْإِجَارَةِ ، سُقُوطًا لَا يَعُودُ ، انْفَسَخَتْ الْإِجَارَةُ فِيمَا بَقِيَ مِنْ الْمُدَّةِ ، وَرَجَعَ مِنْ الْأُجْرَةِ بِقِسْطِ مَا بَقِيَ مِنْ الْمُدَّةِ .\rوَإِنْ أُعِيدَ رَجَعَ مِنْ الْأُجْرَةِ بِقَدْرِ الْمُدَّةِ الَّتِي سَقَطَ الْبِنَاءُ وَالْخَشَبُ عَنْهُ .\rوَإِنْ صَالَحَهُ مَالِكُ الْحَائِطِ عَلَى رَفْعِ بِنَائِهِ أَوْ خَشَبِهِ بِشَيْءٍ مَعْلُومٍ ، جَازَ كَمَا يَجُوزُ الصُّلْحُ عَلَى وَضْعِهِ ، سَوَاءٌ كَانَ مَا صَالَحَهُ بِهِ مِثْلَ الْعِوَضِ الَّذِي صُولِحَ بِهِ عَلَى وَضْعِهِ ، أَوْ أَقَلِّ أَوْ أَكْثَرِ ؛ لِأَنَّ هَذَا عِوَضٌ عَنْ الْمَنْفَعَةِ الْمُسْتَحَقَّةِ لَهُ .\rوَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ لَهُ مَسِيلُ مَاءٍ فِي أَرْضِ غَيْرِهِ ، أَوْ مِيزَابٌ ، أَوْ غَيْرُهُ فَصَالَحَ صَاحِبُ الْأَرْضِ مُسْتَحِقَّ ذَلِكَ بِعِوَضٍ ، لِيُزِيلَهُ عَنْهُ ، جَازَ .\rوَإِنْ كَانَ الْخَشَبُ أَوْ الْحَائِطُ قَدْ سَقَطَ ، فَصَالَحَهُ بِشَيْءٍ عَلَى أَنْ لَا يُعِيدَهُ ، جَازَ ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا جَازَ أَنْ يَبِيعَ ذَلِكَ مِنْهُ ، جَازَ أَنْ يُصَالِحَ عَنْهُ ؛ لِأَنَّ الصُّلْحَ بَيْعٌ .","part":9,"page":484},{"id":4484,"text":"فَصْل : وَإِذَا وُجِدَ بِنَاؤُهُ أَوْ خَشَبُهُ عَلَى حَائِطٍ مُشْتَرَكٍ ، أَوْ حَائِطِ جَارِهِ ، وَلَمْ يُعْلَمْ سَبَبُهُ ، فَمَتَى زَالَ فَلَهُ إعَادَتُهُ ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ هَذَا الْوَضْعَ بِحَقٍّ مِنْ صُلْحٍ أَوْ غَيْرِهِ ، فَلَا يَزُولُ هَذَا الظَّاهِرُ حَتَّى يُعْلَمَ خِلَافُهُ .\rوَكَذَلِكَ لَوْ وُجِدَ مَسِيلُ مَائِهِ فِي أَرْضِ غَيْرِهِ ، أَوْ مَجْرَى مَاءِ سَطْحِهِ عَلَى سَطْحِ غَيْرِهِ ، وَمَا أَشْبَهَ هَذَا ، فَهُوَ لَهُ ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ لَهُ بِحَقٍّ فَجَرَى ذَلِكَ مَجْرَى الْيَدِ الثَّابِتَةِ .\rوَإِذَا اخْتَلَفَا فِي ذَلِكَ ، هَلْ هُوَ بِحَقٍّ أَوْ بِعُدْوَانٍ ؟ فَالْقَوْلُ قَوْلُ صَاحِبِ الْخَشَبِ وَالْبِنَاءِ وَالْمَسِيلِ مَعَ يَمِينِهِ ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مَعَهُ .","part":9,"page":485},{"id":4485,"text":"( 3532 ) فَصْل : إذَا ادَّعَى رَجُلٌ دَارًا فِي يَدِ أَخَوَيْنِ ، فَأَنْكَرَهُ أَحَدُهُمَا ، وَأَقَرَّ لَهُ الْآخَرُ ، ثُمَّ صَالَحَهُ عَمَّا أَقَرَّ لَهُ بِعِوَضٍ ، صَحَّ الصُّلْحُ ، وَلِأَخِيهِ الْأَخْذُ بِالشُّفْعَةِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ مَا إذَا كَانَ الْإِنْكَارُ مُطْلَقًا ، وَبَيْنَ مَا إذَا قَالَ : هَذِهِ لَنَا وَرِثْنَاهَا جَمِيعًا عَنْ أَبِينَا أَوْ أَخِينَا .\rفَيُقَال : إذَا كَانَ الْإِنْكَارُ مُطْلَقًا ، كَانَ لَهُ الْأَخْذُ بِالشُّفْعَةِ ، وَإِنْ قَالَ : وَرِثْنَاهَا عَنْ أَبِينَا .\rفَلَا شُفْعَةَ لَهُ ؛ لِأَنَّ الْمُنْكِرَ يَزْعُمُ أَنَّ الْمِلْكَ لِأَخِيهِ الْمُقِرَّ لَمْ يَزُلْ ، وَأَنَّ الصُّلْحَ بَاطِلٌ ، فَيُؤَاخَذُ بِذَلِكَ وَلَا يَسْتَحِقُّ بِهِ شُفْعَةً .\rوَوَجْهُ الْأَوَّلِ ، أَنَّ الْمِلْكَ ثَبَتَ لِلْمُدَّعِيَّ حُكْمًا ؛ وَقَدْ رَجَعَ إلَى الْمُقِرِّ بِالْبَيْعِ ، وَهُوَ مُعْتَرَفٌ بِأَنَّهُ بَيْعٌ صَحِيحٌ فَتَثْبُتُ فِيهِ الشُّفْعَةُ ، كَمَا لَوْ كَانَ الْإِنْكَارُ مُطْلَقًا .\rوَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ انْتَقَلَ نَصِيبُ الْمُقِرِّ إلَى الْمُدَّعِي بِبَيْعٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ سَبَبٍ مِنْ الْأَسْبَابِ ، فَلَا يَتَنَافَى إنْكَارُ الْمُنْكَرِ وَإِقْرَارُ الْمُقِرِّ ، كَحَالَةِ إطْلَاقِ الْإِنْكَارِ وَهَذَا أَصَحُّ .","part":9,"page":486},{"id":4486,"text":"( 3533 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَإِذَا تَدَاعَى نَفْسَانِ جِدَارًا مَعْقُودًا بِبِنَاءِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ، تَحَالَفَا ، وَكَانَ بَيْنَهُمَا .\rوَكَذَلِكَ إنْ كَانَ مَحْلُولًا مِنْ بِنَائِهِمَا .\rوَإِنْ كَانَ مَعْقُودًا بِبِنَاءِ أَحَدِهِمَا ، كَانَ لَهُ مَعَ يَمِينِهِ ) .\rوَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الرَّجُلَيْنِ إذَا تَدَاعَيَا حَائِطًا بَيْنَ مِلْكَيْهِمَا ، وَتَسَاوَيَا فِي كَوْنِهِ مَعْقُودًا بِبِنَائِهِمَا مَعًا ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا بِهِمَا اتِّصَالًا لَا يُمْكِنُ إحْدَاثُهُ بَعْدَ بِنَاءِ الْحَائِطِ ، مِثْلُ اتِّصَالِ الْبِنَاءِ بِالطِّينِ ، كَهَذِهِ الْفَطَائِرِ الَّتِي لَا يُمْكِنُ إحْدَاثُ اتِّصَالِ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ ، أَوْ تَسَاوَيَا فِي كَوْنِهِ مَحْلُولًا مِنْ بِنَائِهِمَا ، أَيْ غَيْرَ مُتَّصِلٍ بِبِنَائِهِمَا الِاتِّصَالَ الْمَذْكُورَ ، بَلْ بَيْنَهُمَا شَقٌّ مُسْتَطِيلٌ ، كَمَا يَكُونُ بَيْنَ الْحَائِطَيْنِ اللَّذَيْنِ أُلْصِقَ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ .\rفَهُمَا سَوَاءٌ فِي الدَّعْوَى ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَوَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ تَحَالَفَا ، فَيَحْلِفُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى نِصْفِ الْحَائِطِ ، أَنَّهُ لَهُ ، وَيُجْعَلُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَدُهُ عَلَى نِصْفِ الْحَائِطِ ؛ لِكَوْنِ الْحَائِطِ فِي أَيْدِيهِمَا .\rوَإِنْ حَلَفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى جَمِيعِ الْحَائِطِ ، أَنَّهُ لَهُ ، وَمَا هُوَ لِصَاحِبِهِ ، جَازَ ، وَهُوَ بَيْنَهُمَا .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ .\rوَلَا أَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُخْتَلِفَيْنِ فِي الْعَيْنِ ، إذَا لَمْ يَكُنْ لَوَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ هِيَ فِي يَدِهِ مَعَ يَمِينِهِ .\rفَإِذَا كَانَتْ فِي أَيْدِيهِمَا ، كَانَتْ يَدُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى نِصْفِهَا ، فَيَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَهُ فِي نِصْفِهَا مَعَ يَمِينِهِ .\rوَإِنْ كَانَ لِأَحَدِهِمَا بَيِّنَةٌ ، حُكِمَ لَهُ بِهَا ، وَإِنْ كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ ، تَعَارَضَتَا ، وَصَارَا كَمَنْ لَا بَيِّنَةَ لَهُمَا .\rفَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا بَيِّنَةٌ ، وَنَكَلَا عَنْ","part":9,"page":487},{"id":4487,"text":"الْيَمِينِ ، كَانَ الْحَائِطُ فِي أَيْدِيهِمَا عَلَى مَا كَانَ .\rوَإِنْ حَلَفَ أَحَدُهُمَا ، وَنَكَلَ الْآخَرُ ، قُضِيَ عَلَى النَّاكِلِ ، فَكَانَ الْكُلُّ لِلْآخَرِ .\rوَإِنْ كَانَ الْحَائِطُ مُتَّصِلًا بِبِنَاءِ أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ ، فَهُوَ لَهُ مَعَ يَمِينِهِ .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ : لَا يُرَجَّحُ بِالْعَقْدِ ، وَلَا يُنْظَرُ إلَيْهِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ هَذَا الْبِنَاءِ بُنِيَ كُلُّهُ بِنَاءً وَاحِدًا ، فَإِذَا كَانَ بَعْضُهُ لِرَجُلِ ، كَانَ بَقِيَّتُهُ لَهُ ، وَالْبِنَاءُ الْآخَرُ الْمَحْلُولُ ، الظَّاهِرُ أَنَّهُ بُنِيَ وَحْدَهُ ، فَإِنَّهُ لَوْ بُنِيَ مَعَ هَذَا ، كَانَ مُتَّصِلًا بِهِ ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لِغَيْرِ صَاحِبِ هَذَا الْحَائِطِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ ، فَوَجَبَ أَنْ يُرَجَّحَ بِهَذَا ، كَالْيَدِ وَالْأَزَجِ .\rفَإِنْ قِيلَ : فَلِمَ لَمْ تَجْعَلُوهُ لَهُ بِغَيْرِ يَمِينٍ لِذَلِكَ ؟ قُلْنَا : لِأَنَّ ذَلِكَ ظَاهِرٌ ، وَلَيْسَ بِيَقِينٍ ، إذْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا بَنَى الْحَائِطَ لِصَاحِبِهِ تَبَرُّعًا مَعَ حَائِطِهِ ، أَوْ كَانَ لَهُ فَوَهَبَهُ إيَّاهُ ، أَوْ بَنَاهُ بِأُجْرَةِ ، فَشُرِعَتْ الْيَمِينُ مِنْ أَجْلِ الِاحْتِمَالِ ، كَمَا شُرِعَتْ فِي حَقِّ صَاحِبِ الْيَدِ وَسَائِرِ مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الْيَمِينُ .\rفَأَمَّا إنْ كَانَ مَعْقُودًا بِبِنَاءِ أَحَدِهِمَا عَقْدًا يُمْكِنُ إحْدَاثُهُ ، مِثْلُ الْبِنَاءِ بِاللَّبِنِ وَالْآجُرِّ ، فَإِنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَنْزَعَ مِنْ الْحَائِطِ الْمَبْنِيِّ نِصْفَ لَبِنَةٍ أَوْ آجُرَّةً ، أَوْ يَجْعَلَ مَكَانَهَا لَبِنَةً صَحِيحَةً أَوْ آجُرَّةً صَحِيحَةً تُعْقَدُ بَيْنَ الْحَائِطَيْنِ ، فَقَالَ الْقَاضِي : لَا يُرَجَّحُ بِهَذَا ؛ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ صَاحِبُ الْحَائِطِ فَعَلَ هَذَا لِيَتَمَلَّكَ الْحَائِطَ الْمُشْتَرَكَ .\rوَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ أَنَّهُ يُرَجَّحُ بِهَذَا الِاتِّصَالِ ، كَمَا يُرَجَّحُ بِالِاتِّصَالِ الَّذِي لَا يُمْكِنُ إحْدَاثُهُ ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ صَاحِبَ الْحَائِطِ لَا يَدَعُ غَيْرَهُ يَتَصَرَّفُ فِيهِ ، بِنَزْعِ آجُرِّهِ ، وَتَغْيِيرِ بِنَائِهِ ، وَفِعْلِ مَا يَدُلُّ عَلَى","part":9,"page":488},{"id":4488,"text":"مِلْكِهِ ، فَوَجَبَ أَنْ يُرَجَّحَ بِهَذَا ، كَمَا يُرَجَّحُ بِالْيَدِ ، فَإِنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ يَدًا عَادِيَةً ، حَدَثَتْ بِالْغَصْبِ أَوْ بِالسَّرِقَةِ أَوْ الْعَارِيَّة أَوْ الْإِجَارَةِ ، فَلَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ التَّرْجِيحَ بِهَا .","part":9,"page":489},{"id":4489,"text":"( 3534 ) فَصْلٌ : فَإِنْ كَانَ لَأَحَدِهِمَا عَلَيْهِ بِنَاءٌ ، كَحَائِطٍ مَبْنِيٍّ عَلَيْهِ ، أَوْ عَقْدٍ مُعْتَمَدٍ عَلَيْهِ ، أَوْ قُبَّةٍ وَنَحْوهَا فَهُوَ لَهُ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ؛ لِأَنَّ وَضْعَ بِنَائِهِ عَلَيْهِ بِمَنْزِلَةِ الْيَدِ الثَّابِتَةِ عَلَيْهِ ، لِكَوْنِهِ مُنْتَفِعًا بِهِ ، فَجَرَى مَجْرَى كَوْنِ حِمْلِهِ عَلَى الْبَهِيمَةِ وَزَرْعِهِ فِي الْأَرْضِ ، وَلِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَتْرُكُ غَيْرَهُ يَبْنِي عَلَى حَائِطِهِ .\rوَكَذَلِكَ إنْ كَانَتْ لَهُ عَلَيْهِ سُتْرَةٌ ، وَلَوْ كَانَ فِي أَصْلِ الْحَائِطِ خَشَبَةٌ طَرَفُهَا تَحْتَ حَائِطٍ يَنْفَرِدُ بِهِ أَحَدُهُمَا ، أَوْ لَهُ عَلَيْهَا أَزَجٌ مَعْقُودٌ ، فَالْحَائِطُ الْمُخْتَلَفُ فِيهِ لَهُ ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْخَشَبَةَ لِمَنْ يَنْفَرِدُ بِوَضْعِ بِنَائِهِ عَلَيْهَا ، فَيَكُونُ الظَّاهِرُ أَنَّ مَا عَلَيْهَا مِنْ الْبِنَاءِ لَهُ .\r( 3535 ) فَصْلٌ : فَإِنْ كَانَ لَأَحَدِهِمَا خَشَبٌ مَوْضُوعٌ ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا : لَا تُرَجَّحُ دَعْوَاهُ بِذَلِكَ .\rوَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ هَذَا مِمَّا يَسْمَحُ بِهِ الْجَارُ .\rوَقَدْ وَرَدَ الْخَبَرُ بِالنَّهْيِ عَنْ الْمَنْعِ مِنْهُ .\rوَعِنْدَنَا إنَّهُ حَقٌّ يَجِبُ التَّمْكِينُ مِنْهُ .\rفَلَمْ تُرَجَّحْ بِهِ الدَّعْوَى ، كَإِسْنَادِ مَتَاعِهِ إلَيْهِ ، وَتَجْصِيصِهِ وَتَزْوِيقِهِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ تُرَجَّحَ بِهِ الدَّعْوَى .\rوَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ؛ لِأَنَّهُ مُنْتَفِعٌ بِهِ بِوَضْعِ مَالِهِ عَلَيْهِ ، فَأَشْبَهَ الْبَانِيَ عَلَيْهِ وَالزَّارِعَ فِي الْأَرْضِ ، وَوُرُودُ الشَّرْعِ بِالنَّهْيِ عَنْ الْمَنْعِ مِنْهُ ، لَا يَمْنَعُ كَوْنَهُ دَلِيلًا عَلَى الِاسْتِحْقَاقِ ، بِدَلِيلِ أَنَّا اسْتَدْلَلْنَا بِوَضْعِهِ عَلَى كَوْنِ الْوَضْعِ مُسْتَحَقًّا عَلَى الدَّوَامِ ، حَتَّى مَتَى زَالَ جَازَتْ إعَادَتُهُ ، وَلِأَنَّ كَوْنَهُ مُسْتَحَقًّا تُشْتَرَطُ لَهُ الْحَاجَةُ إلَى وَضْعِهِ ، فَفِيمَا لَا حَاجَةَ إلَيْهِ لَهُ مَنْعُهُ مِنْ وَضْعِهِ .\rوَأَمَّا السَّمَاحُ بِهِ ، فَإِنَّ أَكْثَرِ النَّاسِ لَا يَتَسَامَحُونَ بِهِ ، وَلِهَذَا لَمَّا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ الْحَدِيثَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ","part":9,"page":490},{"id":4490,"text":"وَسَلَّمَ { ، طَأْطَئُوا رُءُوسَهُمْ ، كَرَاهَةً لِذَلِكَ ، فَقَالَ : مَالِي أَرَاكُمْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ ؟ وَاَللَّهِ لَأَرْمِيَنَّ بِهَا بَيْنَ أَكْتَافِكُمْ } .\rوَأَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ لَا يُوجِبُونَ التَّمْكِينَ مِنْ هَذَا ، وَيَحْمِلُونَ الْحَدِيثَ عَلَى كَرَاهَةِ الْمَنْعِ لَا عَلَى تَحْرِيمِهِ .\rوَلِأَنَّ الْحَائِطَ يَبْنِي لِذَلِكَ ، فَيُرَجَّحُ بِهِ ، كَالْأَزَجِّ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ : لَا تُرَجَّحُ الدَّعْوَى بِالْجِذْعِ الْوَاحِدِ ؛ لِأَنَّ الْحَائِطَ لَا يَبْنِي لَهُ ، وَيُرَجَّحُ بِالْجِذْعَيْنِ ؛ لِأَنَّ الْحَائِطَ يَبْنِي لَهُمَا وَلَنَا ، أَنَّهُ مَوْضُوعٌ عَلَى الْحَائِطِ ، فَاسْتَوَى فِي تَرْجِيحِ الدَّعْوَى بِهِ قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ ، كَالْبِنَاءِ .\r( 3536 ) فَصْلٌ : وَلَا تُرَجَّحُ الدَّعْوَى بِكَوْنِ الدَّوَاخِلِ إلَى أَحَدِهِمَا وَالْخَوَارِجِ وَوُجُوهِ الْآجُرِّ وَالْحِجَارَةِ ، وَلَا كَوْنِ الْآجُرَّةِ الصَّحِيحَةِ مِمَّا يَلِي مِلْكَ أَحَدِهِمَا وَأَقْطَاعِ الْآجُرِّ إلَى مِلْكِ الْآخَرِ ، وَلَا بِمَعَاقِدِ الْقِمْطِ فِي الْخُصِّ ، يَعْنِي عَقْدَ الْخُيُوطِ الَّتِي يُشَدُّ بِهَا الْخُصُّ .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ : يُحْكَمُ بِهِ لِمَنْ إلَيْهِ وَجْهُ الْحَائِطِ وَمَعَاقِدُ الْقِمْطِ ؛ لِمَا رَوَى نَمِرُ بْنُ حَارِثَةَ التَّمِيمِيُّ ، عَنْ أَبِيهِ { ، أَنَّ قَوْمًا اخْتَصَمُوا إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي خُصٍّ ، فَبَعَثَ حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ، فَحَكَمَ بِهِ لِمَنْ يَلِيهِ مَعَاقِدُ الْقِمْطِ ، ثُمَّ رَجَعَ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرَهُ ، فَقَالَ : أَصَبْت ، وَأَحْسَنْت } .\rرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ .\rوَرُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ عَلِيٍّ .\rوَلِأَنَّ الْعُرْفَ جَارٍ بِأَنَّ مَنْ بَنَى حَائِطًا جَعَلَ وَجْهَ الْحَائِطِ إلَيْهِ .\rوَلَنَا ، عُمُومُ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي ، وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ } .\rوَلِأَنَّ وَجْهَ الْحَائِطِ وَمَعَاقِدَ الْقِمْطِ إذَا كَانَا شَرِيكَيْنِ فِيهِ لَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ إلَى أَحَدِهِمَا ، إذْ لَا","part":9,"page":491},{"id":4491,"text":"يُمْكِنُ كَوْنُهُ إلَيْهِمَا جَمِيعًا ، فَبَطَلَتْ دَلَالَتُهُ كَالتَّزْوِيقِ ، وَلِأَنَّهُ يُرَادُ لِلزِّينَةِ ، فَأَشْبَهَ التَّزْوِيقَ .\rوَحَدِيثُهُمْ لَا يُثْبِتُهُ أَهْلُ النَّقْلِ ، وَإِسْنَادُهُ مَجْهُولٌ .\rقَالَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ .\rقَالَ الشَّالَنْجِيُّ : ذَكَرْت هَذَا الْحَدِيثَ لِأَحْمَدَ ، فَلَمْ يُقْنِعْهُ ، وَذَكَرْته لِإِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ ، فَقَالَ : لَيْسَ هَذَا حَدِيثًا .\rوَلَمْ يُصَحِّحْهُ .\rوَحَدِيثُ عَلِيٍّ فِيهِ مَقَالٌ ، وَمَا ذَكَرُوهُ مِنْ الْعُرْفِ لَيْسَ بِصَحِيحِ ؛ فَإِنَّ الْعَادَةَ جَعْلُ وَجْهِ الْحَائِطِ إلَى خَارِجٍ لِيَرَاهُ النَّاسُ ، كَمَا يَلْبَسُ الرَّجُلُ أَحْسَنَ أَثْوَابِهِ ، أَعْلَاهَا الظَّاهِرُ لِلنَّاسِ ، لِيَرَوْهُ ، فَيَتَزَيَّنُ بِهِ ، فَلَا دَلِيلَ فِيهِ .\r( 3537 ) .\rفَصْلٌ : وَلَا تُرَجَّحُ الدَّعْوَى بِالتَّزْوِيقِ وَالتَّحْسِينِ ، وَلَا يَكُونُ أَحَدُهُمَا لَهُ عَلَى الْآجُرِّ سُتْرَةٌ غَيْرُ مَبْنِيَّةٍ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا يُتَسَامَحُ بِهِ ، وَيُمْكِنُ إحْدَاثُهُ .","part":9,"page":492},{"id":4492,"text":"( 3538 ) فَصْلٌ : وَإِنْ تَنَازَعَ صَاحِبُ الْعُلْوِ وَالسُّفْلِ ، فِي حَوَائِطِ الْبَيْتِ السُّفْلَانِيِّ ، فَهِيَ لِصَاحِبِ السُّفْلِ ؛ لِأَنَّهُ الْمُنْتَفِعُ بِهَا ، وَهِيَ مِنْ جُمْلَةِ الْبَيْتِ ، فَكَانَتْ لِصَاحِبِهِ .\rوَإِنْ تَنَازَعَا حَوَائِطَ الْعُلْوِ ، فَهِيَ لِصَاحِبِ الْعُلْوِ ؛ لِذَلِكَ .\rوَإِنْ تَنَازَعَا السَّقْفَ ، تَحَالَفَا ، وَكَانَ بَيْنَهُمَا .\rوَبِهَذَا قَالَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ : وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : هُوَ لِصَاحِبِ السُّفْلِ ؛ لِأَنَّ السَّقْفَ عَلَى مِلْكِهِ ، فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ ، كَمَا لَوْ تَنَازَعَا سَرْجًا عَلَى دَابَّةِ أَحَدِهِمَا ، كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ صَاحِبِهَا ، وَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ ، أَنَّهُ لِصَاحِبِ السُّفْلِ .\rوَحُكِيَ عَنْهُ ، أَنَّهُ لِصَاحِبِ الْعُلْوِ ؛ لِأَنَّهُ يَجْلِسُ عَلَيْهِ ، وَيَتَصَرَّفُ فِيهِ ، وَلَا يُمْكِنُهُ السُّكْنَى إلَّا بِهِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ حَاجِزٌ بَيْنَ مِلْكَيْهِمَا ، يَنْتَفِعَانِ بِهِ ، غَيْرَ مُتَّصِلٍ بِبِنَاءِ أَحَدِهِمَا اتِّصَالَ الْبُنْيَانِ ، فَكَانَ بَيْنَهُمَا ، كَالْحَائِطِ بَيْنَ الْمِلْكَيْنِ .\rوَقَوْلُهُمْ : هُوَ عَلَى مِلْكِ صَاحِبِ السُّفْلِ .\rيَبْطُلُ بِحِيطَانِ الْعُلْوِ ، وَلَا يُشْبِهُ السَّرْجَ عَلَى الدَّابَّةِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَنْتَفِعُ بِهِ غَيْرُ صَاحِبِهَا ، وَلَا يُرَادُ إلَّا لَهَا ، فَكَانَ فِي يَدِهِ .\rوَهَذَا السَّقْفُ يَنْتَفِعُ بِهِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ؛ لِأَنَّهُ سَمَاءُ صَاحِبِ السُّفْلِ يُظِلُّهُ ، وَأَرْضُ صَاحِبِ الْعُلْوِ تُقِلُّهُ ، فَاسْتَوَيَا فِيهِ .","part":9,"page":493},{"id":4493,"text":"( 3539 ) فَصْلٌ : وَإِنْ تَنَازَعَ صَاحِبُ الْعُلْوِ وَالسُّفْلِ فِي الدَّرَجَةِ الَّتِي يَصْعَدُ مِنْهَا ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ تَحْتِهَا مِرْفَقٌ لِصَاحِبِ السُّفْلِ ، كَسُلَّمِ مُسَمَّرًا ، أَوْ دَكَّةٍ ، فَهِيَ لِصَاحِبِ الْعُلْوِ وَحْدَهُ ؛ لِأَنَّ لَهُ الْيَدَ وَالتَّصَرُّفَ وَحْدَهُ ؛ لِأَنَّهَا مَصْعَدُ صَاحِبِ الْعُلْوِ لَا غَيْرُ .\rوَالْعَرْصَةُ الَّتِي عَلَيْهَا الدَّرَجَةُ لَهُ أَيْضًا ؛ لِانْتِفَاعِهِ بِهَا وَحْدَهُ ، وَإِنْ كَانَ تَحْتَهَا بُنِيَتْ لِأَجْلِهِ ، لِتَكُونَ مَدْرَجًا لِلْعُلْوِ ، فَهِيَ بَيْنَهُمَا ؛ لِأَنَّ يَدَيْهِمَا عَلَيْهَا ، وَلِأَنَّهَا سَقْفٌ لِلسُّفْلَانِيِّ ، وَمَوْطِئٌ لِلْفَوْقَانِيِّ ، فَهِيَ كَالسَّقْفِ الَّذِي بَيْنَهُمَا .\rوَإِنْ كَانَ تَحْتِهَا طَاقَ صَغِيرٌ لَمْ تُبْنَ الدَّرَجَةُ لِأَجَلِهِ ، وَإِنَّمَا جُعِلَ مِرْفَقًا يُجْعَلُ فِيهِ جُبُّ الْمَاءِ وَنَحْوُهُ ، فَهِيَ لِصَاحِبِ الْعُلْوِ ؛ لِأَنَّهَا بُنِيَتْ لِأَجْلِهِ وَحْدَهُ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ بَيْنَهُمَا ؛ لِأَنَّ يَدَهُمَا عَلَيْهَا ، وَانْتِفَاعَهُمَا حَاصِلٌ بِهَا ، فَهِيَ كَالسَّقْفِ .","part":9,"page":494},{"id":4494,"text":"( 3540 ) فَصْلٌ : وَلَوْ تَنَازَعَا مُسَنَّاةً بَيْنَ نَهْرِ أَحَدِهِمَا وَأَرْضِ الْآخَرِ ، تَحَالَفَا ، وَكَانَتْ بَيْنَهُمَا ؛ لِأَنَّهَا حَاجِزٌ بَيْنَ مِلْكَيْهِمَا ، فَهِيَ كَالْحَائِطِ بَيْنَ الْمِلْكَيْنِ .","part":9,"page":495},{"id":4495,"text":"( 3541 ) فَصْلٌ : إذَا كَانَ بَيْنَهُمَا حَائِطٌ فَطَلَبَ أَحَدُهُمَا إعَادَتَهُ فَأَبَى الْآخَرُ مُشْتَرَكٌ ، فَانْهَدَمَ ، فَطَلَبَ أَحَدُهُمَا إعَادَتَهُ ، فَأَبَى الْآخَرُ ، فَهَلْ يُجْبَرُ الْمُمْتَنِعُ عَلَى إعَادَتِهِ ؟ قَالَ الْقَاضِي : فِيهِ رِوَايَتَانِ : إحْدَاهُمَا ، يُجْبَرُ .\rنَقَلَهَا ابْنُ الْقَاسِمِ ، وَحَرْبٌ ، وَسِنْدِي .\rقَالَ الْقَاضِي : هِيَ أَصَحُّ .\rوَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ : وَعَلَى ذَلِكَ أَصْحَابُنَا .\rوَبِهِ قَالَ مَالِكٌ ، فِي إحْدَى رِوَايَتَيْهِ ، وَالشَّافِعِيُّ فِي قَدِيمِ قَوْلَيْهِ .\rوَاخْتَارَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ ، وَصَحَّحَهُ ؛ لِأَنَّ فِي تَرْكِ بِنَائِهِ إضْرَارًا ، فَيُجْبَرُ عَلَيْهِ ، كَمَا يُجْبَرُ عَلَى الْقِسْمَةِ إذَا طَلَبَهَا أَحَدُهُمَا ، وَعَلَى النَّقْضِ إذَا خِيفَ سُقُوطُهُ عَلَيْهِمَا ، وَلِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا ضَرَرَ وَلَا إضْرَارَ } .\rوَهَذَا وَشَرِيكُهُ يَتَضَرَّرَانِ فِي تَرْكِ بِنَائِهِ .\rوَالرِّوَايَة الثَّانِيَة ، لَا يُجْبَرُ .\rنُقِلَ عَنْ أَحْمَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ ، وَهُوَ أَقْوَى دَلِيلًا ، وَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّهُ مِلْكٌ لَا حُرْمَةَ لَهُ فِي نَفْسِهِ ، فَلَمْ يُجْبَرْ مَالِكُهُ عَلَى الْإِنْفَاقِ عَلَيْهِ ، كَمَا لَوْ انْفَرَدَ بِهِ ، وَلِأَنَّهُ بِنَاءُ حَائِطٍ ، فَلَمْ يُجْبَرْ عَلَيْهِ ، كَالِابْتِدَاءِ ، وَلِأَنَّهُ لَا يَخْلُو ، إمَّا أَنْ يُجْبَرَ عَلَى بِنَائِهِ لِحَقِّ نَفْسِهِ ، أَوْ لِحَقِّ جَارِهِ ، أَوْ لِحَقَّيْهِمَا جَمِيعًا ، لَا يَجُوزُ أَنْ يُجْبَرَ عَلَيْهِ لِحَقِّ نَفْسِهِ ، بِدَلِيلِ مَا لَوْ انْفَرَدَ بِهِ ، وَلَا لِحَقِّ غَيْرِهِ ، كَمَا لَوْ انْفَرَدَ بِهِ جَارُهُ ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُوجَبًا عَلَيْهِ ، فَكَذَلِكَ إذَا اجْتَمَعَا .\rوَفَارَقَ الْقِسْمَةَ ، فَإِنَّهَا دَفْعٌ لِلضَّرَرِ عَنْهُمَا بِمَا لَا ضَرَرَ فِيهِ ، وَالْبِنَاءُ فِيهِ مَضَرَّةٌ ، لِمَا فِيهِ مِنْ الْغَرَامَةِ وَإِنْفَاقِ مَالِهِ ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ إجْبَارِهِ عَلَى إزَالَةِ الضَّرَرِ بِمَا لَا ضَرَرَ فِيهِ ، إجْبَارُهُ عَلَى إزَالَتِهِ بِمَا فِيهِ ضَرَرٌ ، بِدَلِيلِ قِسْمَةِ مَا فِي قِسْمَتِهِ ضَرَرٌ .\rوَيُفَارِقُ هَدْمَ","part":9,"page":496},{"id":4496,"text":"الْحَائِطِ إذَا خِيفَ سُقُوطُهُ ؛ لِأَنَّهُ يَخَافُ سُقُوطَ حَائِطِهِ عَلَى مَا يُتْلِفُهُ ، فَيُجْبَرُ عَلَى مَا يُزِيلُ ذَلِكَ ، وَلِهَذَا يُجْبَرُ عَلَيْهِ ، وَإِنْ انْفَرَدَ بِالْحَائِطِ ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا .\rوَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ فِي تَرْكِهِ إضْرَارًا ، فَإِنَّ الضَّرَرَ إنَّمَا حَصَلَ بِانْهِدَامِهِ ، وَإِنَّمَا تَرْكُ الْبِنَاءِ تَرْكٌ لِمَا يَحْصُلُ النَّفْعُ بِهِ ، وَهَذَا لَا يَمْنَعُ الْإِنْسَانَ مِنْهُ ، بِدَلِيلِ حَالَةِ الِابْتِدَاءِ ، وَإِنْ سَلَّمْنَا أَنَّهُ إضْرَارٌ ، لَكِنْ فِي الْإِجْبَارِ إضْرَارٌ ، وَلَا يُزَالُ الضَّرَرُ بِالضَّرَرِ ، وَقَدْ يَكُونُ الْمُمْتَنِعُ لَا نَفْعَ لَهُ فِي الْحَائِطِ ، أَوْ يَكُونُ الضَّرَرُ عَلَيْهِ أَكْثَرَ مِنْ النَّفْعِ ، أَوْ يَكُونُ مُعْسِرًا لَيْسَ مَعَهُ مَا يَبْنِي بِهِ ، فَيُكَلَّفُ الْغَرَامَةَ مَعَ عَجْزِهِ عَنْهَا ، فَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ إذَا امْتَنَعَ أَحَدُهُمَا لَمْ يُجْبَرْ ، فَإِنْ أَرَادَ شَرِيكُهُ الْبِنَاءِ فَلَيْسَ لَهُ مَنْعُهُ مِنْهُ ؛ لِأَنَّ لَهُ حَقًّا فِي الْحَمْلِ وَرَسْمًا ، فَلَا يَجُوزُ مَنْعُهُ مِنْهُ ، وَلَهُ بِنَاؤُهُ بِأَنْقَاضِهِ إنْ شَاءَ ، وَبِنَاؤُهُ بِآلَةٍ مِنْ عِنْدِهِ ، فَإِنْ بَنَاهُ بِآلَتِهِ وَأَنْقَاضِهِ ، فَالْحَائِطُ بَيْنَهُمَا عَلَى الشَّرِكَةِ ، كَمَا كَانَ ؛ لِأَنَّ الْمُنْفِقَ عَلَيْهِ إنَّمَا أَنْفَقَ عَلَى التَّالِفِ وَذَلِكَ أَثَرٌ لَا عَيْنٌ يَمْلِكُهَا .\rوَإِنْ بَنَاهُ بِآلَةٍ مِنْ عِنْدِهِ ، فَالْحَائِطُ مِلْكُهُ خَاصَّةً ، وَلَهُ مَنْعُ شَرِيكِهِ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِهِ ، وَوَضْعِ خَشَبِهِ وَرُسُومِهِ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ الْحَائِطَ لَهُ .\rوَإِذَا أَرَادَ نَقْضَهُ ، فَإِنْ كَانَ بَنَاهُ بِآلَتِهِ لَمْ يَمْلِكْ نَقْضَهُ ؛ لِأَنَّهُ مِلْكُهُمَا ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ التَّصَرُّفُ فِيهِ [ بِمَا ] فِيهِ مَضَرَّةٌ عَلَيْهِمَا .\rوَإِنْ بَنَاهُ بِآلَةٍ مِنْ عِنْدِهِ ، فَلَهُ نَقْضُهُ ؛ لِأَنَّهُ مِلْكُهُ خَاصَّةً .\rفَإِنْ قَالَ شَرِيكُهُ : أَنَا أَدْفَعُ إلَيْك نِصْفَ قِيمَةِ الْبِنَاءِ وَلَا تَنْقُضْهُ .\rلَمْ يُجْبَرْ ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يُجْبَرْ عَلَى الْبِنَاءِ لَمْ يُجْبَرْ عَلَى الْإِبْقَاءِ .\rوَإِنْ أَرَادَ غَيْرُ الْبَانِي نَقْضَهُ ، أَوْ","part":9,"page":497},{"id":4497,"text":"إجْبَارَ بَانِيه عَلَى نَقْضِهِ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ ، عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ جَمِيعًا ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَمْلِكْ مَنْعَهُ مِنْ بِنَائِهِ ، فَلَأَنْ لَا يَمْلِكَ إجْبَارَهُ عَلَى نَقْضِهِ أَوْلَى ، فَإِنْ كَانَ لَهُ عَلَى الْحَائِطِ رَسْمُ انْتِفَاعٍ ، وَوَضْعِ خَشَبٍ ، قَالَ لَهُ : إمَّا أَنْ تَأْخُذَ مِنِّي نِصْفَ قِيمَتِهِ ، وَتُمَكِّنَنِي مِنْ انْتِفَاعِي وَوَضْعِ خَشَبِي ، وَإِمَّا أَنْ تَقْلَعَ حَائِطَك ، لِنُعِيدَ الْبِنَاءَ بَيْنَنَا .\rفَيَلْزَمُ الْآخَرَ إجَابَتُهُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ إبْطَالَ رُسُومِهِ وَانْتِفَاعِهِ بِبِنَائِهِ .\rوَإِنْ لَمْ يُرِدْ الِانْتِفَاعَ بِهِ ، فَطَالَبَهُ الْبَانِي بِالْغَرَامَةِ أَوْ الْقِيمَةِ ، لَمْ يَلْزَمْهُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يُجْبَرْ عَلَى الْبِنَاءِ ، فَأَوْلَى أَنْ لَا يُجْبَرَ عَلَى الْغَرَامَةِ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ أَذِنَ فِي الْبِنَاءِ وَالْإِنْفَاقِ ، فَيَلْزَمُهُ مَا أَذِنَ فِيهِ ، فَأَمَّا عَلَى الرِّوَايَةِ الْأُولَى ، فَمَتَى امْتَنَعَ أَجْبَرَهُ الْحَاكِمُ عَلَى ذَلِكَ ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ ، أَخَذَ الْحَاكِمُ مِنْ مَالِهِ وَأَنْفَقَ عَلَيْهِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ ، فَأَنْفَقَ عَلَيْهِ الشَّرِيكُ بِإِذْنِ الْحَاكِمِ ، أَوْ إذْنِ الشَّرِيكِ ، رَجَعَ عَلَيْهِ مَتَى قَدَرَ .\rوَإِنْ أَرَادَ بِنَاءَهُ ، لَمْ يَمْلِكْ الشَّرِيكُ مَنْعَهُ ، وَمَا أَنْفَقَ ؛ إنْ تَبَرَّعَ بِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ الرُّجُوعُ بِهِ ، وَإِنْ نَوَى الرُّجُوعَ بِهِ ، فَهَلْ لَهُ الرُّجُوعُ بِذَلِكَ ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ ، بِنَاءً عَلَى مَا إذَا قَضَى دَيْنَهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ .\rوَإِنْ بَنَاهُ لِنَفْسِهِ بِآلَتِهِ ، فَهُوَ بَيْنَهُمَا .\rوَإِنْ بَنَاهُ بِآلَةٍ مِنْ عِنْدِهِ ، فَهُوَ لَهُ خَاصَّةً .\rفَإِنْ أَرَادَ نَقْضِهِ ، فَلَهُ ذَلِكَ ، إلَّا أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ شَرِيكُهُ نِصْفَ قِيمَتِهِ ، فَلَا يَكُونُ لَهُ نَقْضُهُ ؛ لِأَنَّهُ إذَا أُجْبِرَ عَلَى بِنَائِهِ ، فَأَوْلَى أَنْ يُجْبَرَ عَلَى إبْقَائِهِ .","part":9,"page":498},{"id":4498,"text":"( 3542 ) فَصْلٌ : فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ مِلْكَيْهِمَا حَائِطٌ قَدِيمٌ ، فَطَلَبَ أَحَدُهُمَا مِنْ الْآخَرِ مُبَانَاتِهِ حَائِطًا يَحْجِزُ بَيْنَ مِلْكَيْهِمَا ، فَامْتَنَعَ ، لَمْ يُجْبَرْ عَلَيْهِ .\rرِوَايَةٌ وَاحِدَةً .\rوَإِنْ أَرَادَ الْبِنَاءَ وَحْدَهُ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ الْبِنَاءُ إلَّا فِي مِلْكِهِ خَاصَّةً لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فِي مِلْكِ جَارِهِ الْمُخْتَصِّ بِهِ ، وَلَا فِي الْمِلْكِ الْمُشْتَرَكِ بِغَيْرِ مَا لَهُ فِيهِ رَسْمٌ ، وَهَذَا لَا رَسْمَ لَهُ .\rوَلَا أَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا .","part":9,"page":499},{"id":4499,"text":"( 3543 ) فَصْلٌ : فَإِنْ كَانَ السُّفْلُ لِرَجُلٍ ، وَالْعُلْوُ لِآخَرَ ، فَانْهَدَمَ السَّقْفُ الَّذِي بَيْنَهُمَا ، فَطَلَبَ أَحَدُهُمَا الْمُبَانَاةَ مِنْ الْآخَرِ ، فَامْتَنَعَ ، فَهَلْ يُجْبَرُ الْمُمْتَنِعُ عَلَى ذَلِكَ ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ ، كَالْحَائِطِ بَيْنَ الْبَيْتَيْنِ .\rوَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ كَالرِّوَايَتَيْنِ .\rوَإِنْ انْهَدَمَتْ حِيطَانُ السُّفْلِ ، فَطَالَبَهُ صَاحِبُ الْعُلْوِ بِإِعَادَتِهَا ، فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ .\rإحْدَاهُمَا ، يُجْبَرُ .\rوَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَأَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ ، فَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ ، يُجْبَرُ عَلَى الْبِنَاءِ وَحْدَهُ ؛ لِأَنَّهُ مِلْكُهُ خَاصَّةً .\rوَالثَّانِيَة ، لَا يُجْبَرُ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَإِنْ أَرَادَ صَاحِبُ الْعُلْوِ بِنَاءَهُ لَمْ يُمْنَعْ مِنْ ذَلِكَ .\rعَلَى الرِّوَايَتَيْنِ جَمِيعًا .\rفَإِنْ بَنَاهُ بِآلَتِهِ ، فَهُوَ عَلَى مَا كَانَ ، وَإِنْ بَنَاهُ بِآلَةٍ مِنْ عِنْدِهِ ، فَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ : لَا يَنْتَفِعُ بِهِ صَاحِبُ السُّفْلِ .\rيَعْنِي حَتَّى يُؤَدِّيَ الْقِيمَةَ ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَسْكُنَ ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، لِأَنَّ الْبَيْتَ إنَّمَا يَبْنِي لِلسُّكْنَى ، فَلَمْ يَمْلِكْهُ كَغَيْرِهِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ الِانْتِفَاعَ بِالْحِيطَانِ خَاصَّةً ، مِنْ طَرْحِ الْخَشَبِ ، وَسَمْرِ الْوَتَدِ ، وَفَتْحِ الطَّاقِ ، وَيَكُونُ لَهُ السُّكْنَى مِنْ غَيْرِ تَصَرُّفٍ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ ، وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ السُّكْنَى إنَّمَا هِيَ إقَامَتُهُ فِي فِنَاءِ الْحِيطَانِ ، مِنْ غَيْرِ تَصَرُّفٍ فِيهَا ، فَأَشْبَهَ الِاسْتِظْلَالَ بِهَا مِنْ خَارِجِ .\rفَأَمَّا إنْ طَالَبَ صَاحِبُ السُّفْلِ بِالْبِنَاءِ ، وَأَبَى صَاحِبُ الْعُلْوِ ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ : إحْدَاهُمَا ، لَا يُجْبَرُ عَلَى بِنَائِهِ ، وَلَا مُسَاعَدَتِهِ .\rوَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ الْحَائِطَ مِلْكُ صَاحِبِ السُّفْلِ مُخْتَصٌّ بِهِ ، فَلَمْ يُجْبَرْ غَيْرُهُ عَلَى بِنَائِهِ ، وَلَا الْمُسَاعَدَةِ فِيهِ ، كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ عُلْوٌ .\rوَالثَّانِيَة ، يُجْبَرُ عَلَى مُسَاعَدَتِهِ وَالْبِنَاءِ مَعَهُ ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي","part":9,"page":500},{"id":4500,"text":"الدَّرْدَاءِ ؛ لِأَنَّهُ حَائِطٌ يَشْتَرِكَانِ فِي الِانْتِفَاعِ بِهِ ، أَشْبَهَ الْحَائِطَ بَيْنَ الدَّارَيْنِ .","part":10,"page":1},{"id":4501,"text":"( 3544 ) فَصْلٌ : فَإِنْ كَانَ بَيْنَ الْبَيْتَيْنِ حَائِطٌ لِأَحَدِهِمَا ، فَانْهَدَمَ ، فَطَلَبَ أَحَدُهُمَا مِنْ الْآخَرِ بِنَاءَهُ .\rأَوْ الْمُسَاعَدَةَ فِي بِنَائِهِ ، فَامْتَنَعَ ، لَمْ يُجْبَرْ ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ الْمُمْتَنِعُ مَالِكَهُ لَمْ يُجْبَرْ عَلَى بِنَاءِ مِلْكِهِ الْمُخْتَصِّ بِهِ ، كَحَائِطِ الْآخَرِ ، وَإِنْ كَانَ الْمُمْتَنِعُ الْآخَرَ لَمْ يُجْبَرْ عَلَى بِنَاءِ مِلْكِ غَيْرِهِ ، وَلَا الْمُسَاعَدَةَ فِيهِ .\rوَلَا يَلْزَمُ عَلَى هَذَا حَائِطُ السُّفْلِ ، حَيْثُ يُجْبَرُ صَاحِبُهُ عَلَى بِنَائِهِ ، مَعَ اخْتِصَاصِهِ بِمِلْكِهِ ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ صَاحِبَ الْعُلْوِ مَلَكَهُ مُسْتَحِقًّا لِإِبْقَائِهِ عَلَى حِيطَانِ السُّفْلِ دَائِمًا ، فَلَزِمَ صَاحِبَ السُّفْلِ تَمْكِينُهُ مِمَّا يَسْتَحِقُّهُ ، وَطَرِيقُهُ الْبِنَاءُ ، فَلِذَلِكَ وَجَبَ ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا .\rوَإِنْ أَرَادَ صَاحِبُ الْحَائِطِ بِنَاءَهُ ، أَوْ نَقْضَهُ بَعْدَ بِنَائِهِ ، لَمْ يَكُنْ لِجَارِهِ مَنْعُهُ ؛ لِأَنَّهُ مِلْكُهُ خَاصَّةً .\rوَإِنْ أَرَادَ جَارُهُ بِنَاءَهُ ، أَوْ نَقْضَهُ أَوْ التَّصَرُّفَ فِيهِ ، لَمْ يَمْلِكْ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ فِيهِ .","part":10,"page":2},{"id":4502,"text":"( 3545 ) فَصْلٌ : وَمَتَى هَدَمَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ الْحَائِطَ الْمُشْتَرَكَ ، أَوْ السَّقْفَ الَّذِي بَيْنَهُمَا ، نَظَرْت ، فَإِنْ خِيفَ سُقُوطُهُ ، وَوَجَبَ هَدْمُهُ ، فَلَا شَيْءَ عَلَى هَادِمِهِ ، وَيَكُونُ كَمَا لَوْ انْهَدَمَ بِنَفْسِهِ ؛ لِأَنَّهُ فَعَلَ الْوَاجِبَ ، وَأَزَالَ الضَّرَرَ الْحَاصِلَ بِسُقُوطِهِ ، وَإِنْ هَدَمَهُ لِغَيْرِ ذَلِكَ ، فَعَلَيْهِ إعَادَتُهُ سَوَاءٌ هَدَمَهُ لِحَاجَةٍ أَوْ غَيْرِهَا ، وَسَوَاءٌ الْتَزَمَ إعَادَتَهُ أَوْ لَمْ يَلْتَزِمْ ؛ لِأَنَّ الضَّرَرَ حَصَلَ بِفِعْلِهِ ، فَلَزِمَهُ إعَادَتُهُ .","part":10,"page":3},{"id":4503,"text":"( 3546 ) فَصْلٌ : فَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى بِنَاءِ الْحَائِطِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ .\rوَمِلْكُهُ بَيْنَهُمَا الثُّلُثُ وَالثُّلُثَانِ ، لَمْ يَصِحَّ ؛ لِأَنَّهُ يُصَالِحُ عَلَى بَعْضِ مِلْكِهِ بِبَعْضٍ ، فَلَمْ يَصِحَّ ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ لَهُ بِدَارٍ فَصَالَحَهُ عَلَى سُكْنَاهَا .\rوَلَوْ اتَّفَقَا عَلَى أَنْ يُحَمِّلَهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا شَاءَ ، لَمْ يَجُزْ ؛ لِجَهَالَةِ الْحِمْلِ فَإِنَّهُ يُحَمِّلُهُ مِنْ الْأَثْقَالِ مَا لَا طَاقَةَ لَهُ بِحَمْلِهِ .\rوَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ جَازَ .","part":10,"page":4},{"id":4504,"text":"( 3547 ) فَصْلٌ : فَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا نَهْرٌ أَوْ قَنَاةٌ أَوْ دُولَابٌ ، أَوْ نَاعُورَةٌ ، أَوْ عَيْنٌ ، فَاحْتَاجَ إلَى عِمَارَةٍ ، فَفِي إجْبَارِ الْمُمْتَنِعِ مِنْهُمَا رِوَايَتَانِ .\rوَحُكِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ، أَنَّهُ يُجْبَرُ هَاهُنَا عَلَى الْإِنْفَاقِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَمَكَّنُ شَرِيكُهُ مِنْ مُقَاسَمَتِهِ ، فَيَضُرُّ بِهِ ، بِخِلَافِ الْحَائِطِ ؛ فَإِنَّهُ يُمْكِنُهُمَا قِسْمَةُ الْعَرْصَةِ .\rوَالْأَوْلَى التَّسْوِيَةُ ؛ لِأَنَّ فِي قِسْمَةِ الْعَرْصَةِ إضْرَارًا بِهِمَا وَالْإِنْفَاقُ أَرْفَقُ بِهِمَا ، فَكَانَا سَوَاءً .\rوَالْحُكْمُ فِي الدُّولَابِ وَالنَّاعُورَةِ ، كَالْحُكْمِ فِي الْحَائِطِ ، عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ .\rوَأَمَّا الْبِئْرُ وَالنَّهْرُ ، فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْإِنْقَاقُ عَلَيْهِ ، وَإِذَا أَنْفَقَ عَلَيْهِ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ مَنْعُ الْآخَرِ مِنْ نَصِيبِهِ مِنْ الْمَاءِ ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ يَنْبُعُ مِنْ مِلْكَيْهِمَا ، وَإِنَّمَا أَثَّرَ أَحَدُهُمَا فِي نَقْلِ الطِّينِ مِنْهُ ، وَلَيْسَ لَهُ فِيهِ عَيْنُ مَالٍ ، فَأَشْبَهَ الْحَائِطَ إذَا بَنَاهُ بِآلَتِهِ ، وَالْحُكْمُ فِي الرُّجُوعِ بِالنَّفَقَةِ ، كَحُكْمِ الرُّجُوعِ فِي النَّفَقَةِ عَلَى الْحَائِطِ ، عَلَى مَا مَضَى .","part":10,"page":5},{"id":4505,"text":"( 3548 ) فَصْل : إذَا كَانَ لِرَجُلَيْنِ بَابَانِ فِي زُقَاقٍ غَيْرِ نَافِذٍ ، أَحَدُهُمَا قَرِيبٌ مِنْ بَابِ الزُّقَاقِ وَالْآخَرُ فِي دَاخِلِهِ .\rفَلِلْقَرِيبِ مِنْ الْبَابِ نَقْلُ بَابِهِ إلَى مَا يَلِي بَابِ الزُّقَاقِ ؛ لِأَنَّ لَهُ الِاسْتِطْرَاقَ إلَى بَابِهِ الْقَدِيمِ ، فَقَدْ نَقَصَ مِنْ اسْتِطْرَاقِهِ ، وَمَتَى أَرَادَ رَدَّ بَابِهِ إلَى مَوْضِعِهِ الْأَوَّلِ ، كَانَ لَهُ ؛ لِأَنَّ حَقَّهُ لَمْ يَسْقُطْ ، وَإِنْ أَرَادَ نَقْلَ بَابِهِ تِلْقَاءَ صَدْرِ الزُّقَاقِ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ؛ لِأَنَّهُ يُقَدَّمُ بَابَهُ إلَى مَوْضِعٍ لَا اسْتِطْرَاقَ لَهُ فِيهِ .\rوَيَحْتَمِلُ جَوَازَ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ لَهُ أَنْ يَجْعَلَ بَابَهُ فِي أَوَّلِ الْبِنَاءِ ، فِي أَيْ مَوْضِعٍ شَاءَ ، فَتَرَكَهُ فِي مَوْضِعٍ لَا يُسْقِطُ حَقَّهُ ، كَمَا أَنَّ تَحْوِيلَهُ بَعْدَ فَتْحِهِ لَا يُسْقِطُ ، وَلِأَنَّ لَهُ أَنْ يَرْفَعَ حَائِطَهُ كُلَّهُ ، فَلَا يُمْنَعُ مِنْ رَفْعِ مَوْضِعِ الْبَابِ وَحْدَهُ .\rفَأَمَّا صَاحِبُ الْبَابِ الثَّانِي ، فَإِنْ كَانَ فِي دَاخِلِ الدَّرْبِ بَابٌ لِآخَرَ ، فَحُكْمُهُ فِي التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ حُكْمُ صَاحِبِ الْبَابِ الْأَوَّلِ سَوَاءً ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ ثَمَّ بَابٌ آخَرُ ، كَانَ لَهُ تَحْوِيلُ بَابِهِ حَيْثُ شَاءَ ؛ لِأَنَّهُ عَلَى الْأَوَّلِ ، لَا مُنَازِعَ لَهُ فِيمَا تَجَاوَزَ الْبَابَ الْأَوَّلَ ، وَعَلَى الِاحْتِمَالِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ ، لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ذَلِكَ .\rوَلَوْ أَرَادَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَفْتَحَ فِي دَارِهِ بَابًا آخَرَ ، أَوْ يَجْعَلَ دَارِهِ دَارَيْنِ ، يَفْتَحُ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بَابًا ، جَازَ ، إذَا وَضَعَ الْبَابَيْنِ فِي مَوْضِعِ اسْتِطْرَاقِهِ .\rوَإِنْ كَانَ ظَهْرُ دَارِ أَحَدِهِمَا إلَى شَارِعٍ نَافِذٍ ، أَوْ زُقَاقٍ نَافِذٍ ، فَفَتَحَ فِي حَائِطِهِ بَابًا إلَيْهِ ، جَازَ ؛ لِأَنَّهُ يَرْتَفِقُ بِمَا لَمْ يَتَعَيَّنْ مِلْكُ أَحَدٍ عَلَيْهِ .\rفَإِنْ قِيلَ : فِي هَذَا إضْرَارٌ بِأَهْلِ الدَّرْبِ ؛ لِأَنَّهُ بِجَعْلِهِ نَافِذًا يَسْتَطْرِقُ إلَيْهِ مِنْ الشَّارِعِ قُلْنَا : لَا يَصِيرُ الدَّرْبُ نَافِذًا ، وَإِنَّمَا تَصِيرُ دَارُهُ نَافِذَةً ،","part":10,"page":6},{"id":4506,"text":"وَلَيْسَ لَأَحَدٍ اسْتِطْرَاقُ دَارِهِ .\rفَأَمَّا إنْ كَانَ بَابُهُ فِي الشَّارِعِ ، وَظَهْرُ دَارِهِ إلَى الزُّقَاقِ الَّذِي لَا يَنْفُذُ ، فَأَرَادَ أَنْ يَفْتَحَ بَابًا إلَى الزُّقَاقِ لِلِاسْتِطْرَاقِ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ حَقٌّ فِي الدَّرْبِ الَّذِي قَدْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ مِلْكُ أَرْبَابِهِ .\rوَيَحْتَمِلُ الْجَوَازَ ، كَمَا ذَكَرْنَا فِي الْوَجْهِ الَّذِي قَدْ تَقَدَّمَ ، وَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَفْتَحَ فِيهِ بَابًا لِغَيْرِ الِاسْتِطْرَاقِ ، أَوْ يَجْعَلَ لَهُ بَابًا يُسَمِّرُهُ ، أَوْ شُبَّاكًا ، جَازَ ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ لَهُ رَفْعُ الْحَائِطِ بِجُمْلَتِهِ ، فَبَعْضُهُ أَوْلَى .\rقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ : وَيَحْتَمِلُ عِنْدِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ ؛ لِأَنَّ شَكْلَ الْبَابِ مَعَ تَقَادُمِ الْعَهْدِ رُبَّمَا اُسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى حَقِّ الِاسْتِطْرَاقِ ، فَيَضُرُّ بِأَهْلِ الدَّرْبِ ، بِخِلَافِ رَفْعِ الْحَائِطِ ؛ فَإِنَّهُ لَا يَدُلُّ عَلَى شَيْءٍ .","part":10,"page":7},{"id":4507,"text":"( 3549 ) فَصْلٌ : وَإِذَا كَانَ لِرَجُلٍ دَارَانِ مُتَلَاصِقَتَانِ ، ظَهْرُ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا إلَى ظَهْرِ الْأُخْرَى ، وَبَابُ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا فِي زُقَاقٍ غَيْرِ نَافِذٍ ، فَرَفَعَ الْحَاجِزَ بَيْنَهُمَا ، وَجَعَلَهُمَا دَارًا وَاحِدَةً ، جَازَ .\rوَإِنْ فَتَحَ مِنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بَابًا إلَى الْأُخْرَى ، لِيَتَمَكَّنَ مِنْ التَّطَرُّقِ مِنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا إلَى كِلَا الدَّارَيْنِ ، لَمْ يَجُزْ .\rذَكَرَهُ الْقَاضِي ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُثْبِتُ الِاسْتِطْرَاقَ فِي الدَّرْبِ الَّذِي لَا يَنْفُذُ مِنْ دَارٍ لَمْ يَكُنْ لَهَا فِيهِ طَرِيقٌ ، وَلِأَنَّ ذَلِكَ رُبَّمَا أَدَّى إلَى إثْبَاتِ الشُّفْعَةِ فِي قَوْلِ مَنْ يُثْبِتُهَا بِالطَّرِيقِ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ الدَّارَيْنِ فِي زُقَاقِ الْأُخْرَى .\rوَيَحْتَمِلُ جَوَازَ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ لَهُ رَفْعَ الْحَاجِزِ جَمِيعِهِ ، فَبَعْضُهُ أَوْلَى ، وَهَذَا أَشْبَهُ ، وَمَا ذَكَرْنَاهُ لِلْمَنْعِ مُنْتَقِضٌ بِمَا إذَا رَفَعَ الْحَائِطَ جَمِيعَهُ .\rوَفِي كُلِّ مَوْضِعٍ قُلْنَا : لَيْسَ لَهُ فِعْلُهُ .\rإذَا صَالَحَهُ أَهْلُ الدَّرْبِ بِعِوَضٍ مَعْلُومٍ ، أَوْ أَذِنُوا لَهُ بِغَيْرِ عِوَضٍ ، جَازَ .","part":10,"page":8},{"id":4508,"text":"( 3550 ) فَصْلٌ : إذَا تَنَازَعَ صَاحِبُ الْبَابَيْنِ فِي الدَّرْبِ ، وَتَدَاعَيَاهُ ، وَلَمْ يَكُنْ فِيهِ بَابٌ لَغَيْرِهِمَا .\rفَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ : أَحَدُهَا ، أَنَّهُ يُحْكَمُ بِالدَّرْبِ مِنْ أَوَّلِهِ إلَى الْبَابِ الَّذِي يَلِي أَوَّلَهُ بَيْنَهُمَا ؛ لِأَنَّ لَهُمَا الِاسْتِطْرَاقَ فِيهِ جَمِيعًا ، وَمَا بَعْدَهُ إلَى صَدْرِ الدَّرْبِ لِلْأُخَرِ ؛ لِأَنَّ الِاسْتِطْرَاقَ فِي ذَلِكَ لَهُ وَحْدَهُ ، فَلَهُ الْيَدُ وَالتَّصَرُّفُ .\rوَالْوَجْهُ الثَّانِي ، أَنَّ مِنْ أَوَّلِهِ إلَى أَقْصَى حَائِطِ الْأَوَّلِ بَيْنَهُمَا ؛ لِأَنَّ مَا يُقَابِلُ ذَلِكَ لَهُمَا التَّصَرُّفُ فِيهِ ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ لِلْأَوَّلِ أَنْ يَفْتَحَ بَابَهُ فِيمَا شَاءَ مِنْ حَائِطِهِ ، وَمَا بَعْدَ ذَلِكَ لِلثَّانِي ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِفِنَاءٍ لِلْأَوَّلِ ، وَلَا لَهُ فِيهِ اسْتِطْرَاقٌ .\rوَالثَّالِثُ ، يَكُونُ بَيْنَهُمَا ؛ لِأَنَّ لَهُمَا جَمِيعًا يَدًا وَتَصَرُّفًا .\rوَهَكَذَا الْحُكْمُ فِيمَا إذَا كَانَ لِرَجُلِ عُلْوُ خَانٍ ، وَلِآخَرَ سُفْلُهُ ، وَلِصَاحِبِ الْعُلْوِ دَرَجَةٌ فِي أَثْنَاءِ صَحْنِ الْخَانِ ، فَاخْتَلَفَا فِي الصَّحْنِ ، فَمَا كَانَ مِنْ الدَّرَجَةِ إلَى بَابِ الْخَانِ بَيْنَهُمَا ، وَمَا وَرَاءَ ذَلِكَ إلَى صَدْرِ الْخَانِ عَلَى الْوَجْهَيْنِ ، أَحَدُهُمَا هُوَ لِصَاحِبِ السُّفْلِ .\rوَالثَّانِي هُوَ بَيْنَهُمَا .\rفَإِنْ كَانَتْ الدَّرَجَةُ فِي صَدْرِ الصَّحْنِ ، فَالصَّحْنُ بَيْنَهُمَا ؛ لِوُجُودِ الْيَدِ وَالتَّصَرُّفِ مِنْهُمَا جَمِيعًا .\rفَعَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يَقُولُ : إنْ صَدْرَ الدَّرْبِ مُخْتَصٌّ بِصَاحِبِ الْبَابِ الصَّدْرَانِيِّ .\rلَهُ أَنْ يَسْتَبْدِلَ بِمَا يَخْتَصُّ بِهِ مِنْهُ ، بِأَنْ يَجْعَلَهُ دِهْلِيزًا لِنَفْسِهِ ، أَوْ يُدْخِلَهُ فِي دَارِهِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَضُرُّ بِجَارِهِ ، وَلَا يَضَعُ عَلَى حَائِطِهِ شَيْئًا ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِلْكٌ لَهُ يَنْفَرِدُ بِهِ .","part":10,"page":9},{"id":4509,"text":"( 3551 ) فَصْلٌ : وَلَيْسَ لِلرَّجُلِ التَّصَرُّفُ فِي مِلْكِهِ تَصَرُّفًا يَضُرُّ بِجَارِهِ ، نَحْو أَنْ يَبْنِيَ فِيهِ حَمَّامًا بَيْنَ الدُّورِ ، أَوْ يَفْتَحَ خَبَّازًا بَيْنَ الْعَطَّارِينَ ، أَوْ يَجْعَلَهُ دُكَّانَ قِصَارَةٍ يَهُزُّ الْحِيطَانَ وَيُخَرِّبُهَا ، أَوْ يَحْفِرَ بِئْرًا إلَى جَانِبِ بِئْرِ جَارِهِ يَجْتَذِبُ مَاءَهَا .\rوَبِهَذَا قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَة أُخْرَى : لَا يُمْنَعُ .\rوَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَبَعْضُ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ لِأَنَّهُ تَصَرَّفَ فِي مِلْكِهِ الْمُخْتَصِّ بِهِ ، وَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ حَقُّ غَيْرِهِ ، فَلَمْ يُمْنَعْ مِنْهُ ، كَمَا لَوْ طَبَخَ فِي دَارِهِ أَوْ خَبَزَ فِيهَا ، وَسَلَّمُوا أَنَّهُ يُمْنَعُ مِنْ الدَّقِّ الَّذِي يَهْدِمُ الْحِيطَانَ وَيَنْثِرُهَا .\rوَلَنَا : قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ } .\rوَلِأَنَّ هَذَا إضْرَارٌ بِجِيرَانِهِ ، فَمُنِعَ مِنْهُ ، كَالدَّقِّ الَّذِي يَهُزُّ الْحِيطَانَ وَيَنْثِرُهَا ، وَكَسَقْيِ الْأَرْضِ الَّذِي يَتَعَدَّى إلَى هَدْمِ حِيطَانِ جَارِهِ ، أَوْ إشْعَالِ نَارٍ تَتَعَدَّى إلَى إحْرَاقِهَا .\rقَالُوا : هَاهُنَا تَعَدَّتْ النَّارُ الَّتِي أَضْرَمَهَا ، وَالْمَاءُ الَّذِي أَرْسَلَهُ ، فَكَانَ مُرْسِلًا لِذَلِكَ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَرْسَلَهُ إلَيْهَا قَصْدًا .\rقُلْنَا : وَالدُّخَانُ هُوَ أَجْزَاءُ الْحَرِيقِ الَّذِي أَحْرَقَهُ ، فَكَانَ مُرْسِلًا لَهُ فِي مِلْكِ جَارِهِ ، فَهُوَ كَأَجْزَاءِ النَّارِ وَالْمَاءِ .\rوَأَمَّا دُخَانُ الْخُبْزِ وَالطَّبِيخِ ، فَإِنَّ ضَرَرَهُ يَسِيرٌ ، وَلَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ ، وَتَدْخُلُهُ الْمُسَامَحَةُ .","part":10,"page":10},{"id":4510,"text":"( 3552 ) فَصْلٌ : وَإِنْ كَانَ سَطْحُ أَحَدِهِمَا أَعْلَى مِنْ سَطْحِ الْآخَرَ ، فَلَيْسَ لِصَاحِبِ الْأَعْلَى الصُّعُودُ عَلَى سَطْحِهِ عَلَى وَجْهٍ يُشْرِفُ عَلَى سَطْحِ جَارِهِ ، إلَّا أَنْ يَبْنِيَ سُتْرَةً تَسْتُرُهُ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يَلْزَمُهُ عَمَلُ سُتْرَةٍ ؛ لِأَنَّ هَذَا حَاجِزٌ بَيْنَ مِلْكَيْهِمَا ، فَلَا يُجْبَرُ أَحَدُهُمَا عَلَيْهِ ، كَالْأَسْفَلِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ إضْرَارٌ بِجَارِهِ ، فَمُنِعَ مِنْهُ ، كَدَقِّ يَهُزُّ الْحِيطَانَ ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ يَكْشِفُ جَارَهُ ، وَيَطَّلِعُ عَلَى حُرُمِهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ اطَّلَعَ عَلَيْهِ مِنْ صِيرِ بَابِهِ أَوْ خَصَاصِهِ .\rوَقَدْ دَلَّ عَلَى الْمَنْعِ مِنْ ذَلِكَ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَوْ أَنَّ رَجُلًا اطَّلَعَ إلَيْك ، فَحَذَفْتَهُ بِحَصَاةٍ ، فَفَقَأْت عَيْنَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْك جُنَاحٌ } .\rوَيُفَارِقُ الْأَسْفَلَ ؛ فَإِنَّ تَصَرُّفَهُ لَا يَضُرُّ بِالْأَعْلَى ، وَلَا يَكْشِفُ دَارِهِ .","part":10,"page":11},{"id":4511,"text":"( 3553 ) فَصْلٌ : إذَا كَانَتْ بَيْنَهُمَا عَرْصَةُ حَائِطٍ ، فَاتَّفَقَا عَلَى قَسْمَهَا طُولًا ، جَازَ ذَلِكَ ، سَوَاءٌ اتَّفَقَا عَلَى قَسْمِهَا طُولًا أَوْ عَرْضًا ؛ لِأَنَّهَا مِلْكُهُمَا ، وَلَا تَخْرُجُ عَنْهُمَا .\rوَإِنْ اخْتَلَفَا ، فَطَلَبَ أَحَدُهُمَا قَسْمَهَا طُولًا وَهُوَ أَنْ يُجْعَلَ لَهُ نِصْفُ الطُّولِ فِي جَمِيعِ الْعَرْضِ ، وَلِلْآخَرِ مِثْلُهُ ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا : يُجْبَرُ الْمُمْتَنِعُ عَلَى الْقِسْمَةِ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَضُرُّ .\rفَإِذَا اقْتَسَمَا اقْتَرَعَا ، فَكَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا تَخْرُجُ بِهِ الْقُرْعَةُ ، فَإِنْ كَانَ مَبْنِيًّا فَلَا كَلَامَ ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَبْنِيٍّ ، كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَبْنِيَ فِي نَصِيبِهِ ، وَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يُدْخِلَ بَعْضَ عَرْصَتِهِ فِي دَارِهِ فَعَلَ ، وَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يَزِيدَ فِي حَائِطِهِ مِنْ عَرْصَتِهِ فَعَلَ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يُجْبَرَ عَلَى الْقِسْمَةِ ؛ لِأَنَّهَا تُوجِبُ اخْتِصَاصَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِبَعْضِ الْحَائِطِ الْمُقَابِلِ لِمِلْكِ شَرِيكِهِ ، وَزَوَالَ مِلْكِ شَرِيكِهِ ، فَيَتَضَرَّرُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى حَائِطٍ يَسْتُرُ مِلْكَهُ ، وَرُبَّمَا اخْتَارَ أَحَدُهُمَا أَنْ لَا يَبْنِيَ حَائِطَهُ ، فَيَبْقَى مِلْكِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَكْشُوفًا ، أَوْ يَبْنِيه وَيَمْنَعُ جَارَهُ مِنْ وَضْعِ خَشَبِهِ عَلَيْهِ ، وَهَذَا ضَرَرٌ لَا يَرِدُ الشَّرْعُ بِالْإِجْبَارِ عَلَيْهِ .\rفَإِنْ قِيلَ : فَإِذَا كَانَ مُشْتَرَكًا تَمَكَّنَ أَيْضًا مِنْ مَنْعِ شَرِيكِهِ وَضْعَ خَشَبِهِ عَلَيْهِ .\rقُلْنَا : إذَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِ رَسْمُ وَضْعِ خَشَبِهِ ، أَوْ انْتِفَاعٌ بِهِ ، لَمْ يَمْلِكْ مَنْعَهُ مِنْ رَسْمِهِ ، وَهَا هُنَا يَمْلِكُ مَنْعَهُ بِالْكُلِّيَّةِ .\rوَأَمَّا إنْ طَلَبَ قَسْمَهَا عَرْضًا ، وَهُوَ أَنْ يُجْعَلَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفُ الْعَرْضِ فِي كَمَالِ الطُّولِ ، نَظَرْنَا ، فَإِنْ كَانَتْ الْعَرْصَةُ لَا تَتَّسِعُ لِحَائِطَيْنِ ، لَمْ يُجْبَرْ الْمُمْتَنِعُ مِنْ قَسْمِهَا .\rوَاخْتَارَ ابْنُ عَقِيلٍ أَنَّهُ يُجْبَرُ .\rوَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الشَّافِعِيُّ ؛ لِأَنَّهَا عَرْصَةٌ ،","part":10,"page":12},{"id":4512,"text":"فَأُجْبِرَ عَلَى قَسْمِهَا ، كَعَرْصَةِ الدَّارِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ فِي قَسْمِهَا ضَرَرًا ، فَلَمْ يُجْبَرْ الْمُمْتَنِعُ مِنْ قَسْمِهَا عَلَيْهِ ، كَالدَّارِ الصَّغِيرَةِ ، وَمَا ذَكَرُوهُ يَنْتَقِضُ بِذَلِكَ .\rوَإِنْ كَانَتْ تَتَّسِعُ لِحَائِطَيْنِ ، بِحَيْثُ يَحْصُلُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا يَبْنِي فِيهِ حَائِطًا ، فَفِي إجْبَارِ الْمُمْتَنِعِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا : يُجْبَرُ .\rقَالَهُ أَبُو الْخَطَّابِ ؛ لِأَنَّهُ لَا ضَرَرَ فِي الْقِسْمَةِ ؛ لِكَوْنِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَحْصُلُ لَهُ مَا يَنْدَفِعُ بِهِ حَاجَتُهُ ، فَأَشْبَهَ عَرْصَةَ الدَّارِ الَّتِي يَحْصُلُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا يَبْنِي فِيهِ دَارًا .\rوَالثَّانِي ، لَا يُجْبَرُ .\rذَكَرَهُ الْقَاضِي ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْقِسْمَةَ لَا تَقَعُ فِيهَا قُرْعَةٌ ؛ لِأَنَّنَا لَوْ أَقْرَعْنَا بَيْنَهُمَا ، لَمْ نَأْمَنْ أَنْ تَخْرُجَ قُرْعَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى مَا يَلِي مِلْكَ جَارِهِ ، فَلَا يَنْتَفِعُ بِهِ ، فَلَوْ أَجْبَرْنَاهُ عَلَى الْقِسْمَةِ لَأَجْبَرْنَاهُ عَلَى أَخْذِ مَا يَلِي دَارِهِ مِنْ غَيْرِ قُرْعَةٍ ، وَهَذَا لَا نَظِيرَ لَهُ .\rوَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَجْهَانِ ، كَهَذَيْنِ .\rوَمَتَى اقْتَسَمَا الْعَرْصَةَ طُولًا ، فَبَنَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِنَفْسِهِ حَائِطًا ، وَبَقِيَتْ بَيْنَهُمَا فُرْجَةٌ ، لَمْ يُجْبَرْ أَحَدُهُمَا عَلَى سَدِّهَا ، وَلَمْ يُمْنَعْ مِنْ سَدِّهَا ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَجْرِي مَجْرَى بِنَاءِ الْحَائِطِ فِي عَرْصَتِهِ .","part":10,"page":13},{"id":4513,"text":"( 3554 ) فَصْلٌ : وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا حَائِطٌ ، فَاتَّفَقَا عَلَى قِسْمَتِهِ طُولًا ، جَازَ ، وَيُعَلَّمُ بَيْنَ نَصِيبِهِمَا بِعَلَامَةٍ .\rوَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى قِسْمَتِهِ عَرْضًا ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا : يَجُوزُ الْقِسْمَةُ ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمَا ، لَا يَخْرُجُ عَنْهُمَا ، فَأَشْبَهَ الْعَرْصَةَ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا تَجُوزَ الْقِسْمَةُ ؛ لِأَنَّهَا لَا تَكُونُ إلَّا بِتَمْيِيزِ نَصِيبِ أَحَدِهِمَا مِنْ الْآخَرِ ، بِحَيْثُ يُمْكِنُهُ الِانْتِفَاعُ بِنَصِيبِهِ دُونَ نَصِيبِ صَاحِبِهِ ، وَهَا هُنَا لَا يَتَمَيَّزُ ، وَلَا يُمْكِنُ انْتِفَاعُ أَحَدِهِمَا بِنَصِيبِهِ مُنْفَرِدًا ؛ لِأَنَّ إنْ وَضَعَ خَشَبَهُ عَلَى أَحَدِ جَانِبَيْ الْحَائِطِ ، كَانَ ثِقْلُهُ عَلَى الْحَائِطِ كُلِّهِ ، وَإِنْ فَتَحَ فِيهِ طَاقًا يُضْعِفُهُ ، ضَعُفَ كُلُّهُ ، وَإِنْ وَقَعَ بَعْضُهُ ، تَضَرَّرَ النَّصِيبُ الْآخَرُ .\rوَإِنْ طَلَبَ أَحَدُهُمَا قَسَمَهُ وَأَبَى الْآخَرُ ، فَذَكَرَ الْقَاضِي ، أَنَّ الْحُكْمَ فِي الْحَائِطِ كَالْحُكْمِ فِي عَرْصَتِهِ ، سَوَاءٌ ، وَلَا يُجْبَرُ عَلَى قَسْمِ الْحَائِطِ ، إلَّا أَنْ يَطْلُبَ أَحَدُهُمَا قَسْمَهُ طُولًا وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يُجْبَرَ عَلَى قَسْمِهِ أَيْضًا ، وَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُمَا إنْ قَطَعَاهُ بَيْنَهُمَا ، فَقَدْ أَتْلَفَا جُزْءًا مِنْ الْحَائِطِ ، وَلَا يُجْبَرُ الْمُمْتَنِعُ مِنْ ذَلِكَ ، كَمَا لَوْ كَانَ بَيْنَهُمَا ثَوْبٌ ، فَطَلَبَ أَحَدُهُمَا قَطْعَهُ .\rوَإِنْ لَمْ يُقْطَعْ وَعَلَّمَا عَلَامَةَ عَلَى نِصْفِهِ ، كَانَ انْتِفَاعُ أَحَدِهِمَا بِنَصِيبِهِ انْتِفَاعًا بِنَصِيبِ الْآخَرِ .\rوَوَجْهُ الْأَوَّلِ ، أَنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى قَسْمِ الدَّارِ وَقَسْمِ حَائِطِهَا الْمُحِيطِ بِهَا ، وَكَذَلِكَ قَسْمِ الْبُسْتَانِ وَحَائِطِهِ ، وَلَا يُجْبَرُ عَلَى الْقَطْعِ الْمُضِرِّ ، بَلْ يُعَلِّمُهُ بِخَطِّ بَيْنَ نَصِيبِهِمَا ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ انْتِفَاعُ أَحَدِهِمَا بِنَصِيبِ الْآخَرِ وَإِنْ اتَّصَلَ بِهِ ، بِدَلِيلِ الْحَائِطِ الْمُتَّصِلِ فِي دَارَيْنِ .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":10,"page":14},{"id":4514,"text":"كِتَابُ الْحَوَالَةِ وَالضَّمَانِ الْحَوَالَةُ ثَابِتَةٌ بِالسُّنَّةِ ، وَالْإِجْمَاعِ .\rأَمَّا السُّنَّةُ ، فَمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ ، وَإِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَتْبَعْ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَفِي لَفْظٍ { مَنْ أُحِيلَ بِحَقِّهِ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَحْتَلْ } وَأَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى جَوَازِ الْحَوَالَةِ فِي الْجُمْلَةِ ، وَاشْتِقَاقِهَا مِنْ تَحْوِيلِ الْحَقِّ مِنْ ذِمَّةٍ إلَى ذِمَّةٍ ، وَقَدْ قِيلَ : إنَّهَا بَيْعٌ ، فَإِنَّ الْمُحِيلَ يَشْتَرِي مَا فِي ذِمَّتِهِ بِمَالِهِ فِي ذِمَّةِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ ، وَجَازَ تَأْخِيرُ الْقَبْضِ رُخْصَةً ؛ لِأَنَّهُ مَوْضُوعٌ عَلَى الرِّفْقِ ، فَيَدْخُلُهَا خِيَارُ الْمَجْلِسِ لِذَلِكَ .\rوَالصَّحِيحُ أَنَّهَا عَقْدُ إرْفَاقٍ مُنْفَرِدٌ بِنَفْسِهِ ، لَيْسَ بِمَحْمُولٍ عَلَى غَيْرِهِ ؛ لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ بَيْعًا لَمَا جَازَتْ ، لِكَوْنِهَا بَيْعُ دَيْنٍ بِدَيْنٍ وَلَمَّا جَازَ التَّفَرُّقُ قَبْلَ الْقَبْضِ ؛ لِأَنَّهُ بَيْعُ مَالِ الرَّبَّا بِجِنْسِهِ .\rوَلَجَازَتْ بِلَفْظِ الْبَيْعِ ، وَلَجَازَتْ بَيْنَ جِنْسَيْنِ ، كَالْبَيْعِ كُلِّهِ .\rوَلِأَنَّ لَفْظَهَا يُشْعِرُ بِالتَّحَوُّلِ لَا بِالْبَيْعِ ، فَعَلَى هَذَا لَا يَدْخُلُهَا خِيَارٌ ، وَتَلْزَمُ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ ، وَهَذَا أَشْبَهُ بِكَلَامِ أَحْمَدَ وَأُصُولِهِ .\rوَلَا بُدَّ فِيهَا مِنْ مُحِيلٍ وَمُحْتَالٍ وَمُحَالٍ عَلَيْهِ .\rوَيُشْتَرَطُ فِي صِحَّتِهَا رِضَى الْمُحِيلِ ، بِلَا خِلَافٍ ؛ فَإِنَّ الْحَقَّ عَلَيْهِ ، وَلَا يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ جِهَةُ قَضَائِهِ .\rوَأَمَّا الْمُحْتَالُ وَالْمُحَالُ عَلَيْهِ ، فَلَا يُعْتَبَرُ رِضَاهُمَا ، عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .","part":10,"page":15},{"id":4515,"text":"( 3555 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَمَنْ أُحِيلَ بِحَقِّهِ عَلَى مَنْ عَلَيْهِ مِثْلُ ذَلِكَ الْحَقِّ ، فَرَضِيَ ، فَقَدْ بَرِئَ الْمُحِيلُ أَبَدًا ) .\rمِنْ شَرْطِ صِحَّةِ الْحَوَالَةِ شُرُوطٌ أَرْبَعَةٌ : أَحَدُهَا ، تَمَاثُلُ الْحَقَّيْنِ ؛ لِأَنَّهَا تَحْوِيلٌ لِلْحَقِّ وَنَقْلٌ لَهُ ، فَيُنْقَلُ عَلَى صِفَتِهِ ، وَيُعْتَبَرُ تَمَاثُلُهُمَا فِي أُمُورٍ ثَلَاثَةٍ : أَحَدُهَا ، الْجِنْسُ .\rفَيُحِيلُ مَنْ عَلَيْهِ ذَهَبٌ بِذَهَبٍ ، وَمَنْ عَلَيْهِ فِضَّةٌ بِفِضَّةٍ .\rوَلَوْ أَحَالَ مَنْ عَلَيْهِ ذَهَبٌ بِفِضَّةٍ ، أَوْ مَنْ عَلَيْهِ فِضَّةٌ بِذَهَبٍ ، لَمْ يَصِحَّ .\rالثَّانِي ، الصِّفَةُ .\rفَلَوْ أَحَالَ مَنْ عَلَيْهِ صِحَاحٌ بِمُكَسَّرَةٍ ، أَوْ مَنْ عَلَيْهِ مِصْرِيَّةٌ بِأَمِيرِيَّةٍ ، لَمْ يَصِحَّ .\rالثَّالِثُ ، الْحُلُولُ وَالتَّأْجِيلُ .\rوَيُعْتَبَرُ اتِّفَاقُ أَجَلِ الْمُؤَجَّلَيْنِ ، فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا حَالًّا وَالْآخَرُ مُؤَجَّلًا ، أَوْ أُجِّلَ أَحَدُهُمَا إلَى شَهْرٍ وَالْآخَرُ إلَى شَهْرَيْنِ ، لَمْ تَصِحَّ الْحَوَالَةُ .\rوَلَوْ كَانَ الْحَقَّانِ حَالَّيْنِ ، فَشَرَطَ عَلَى الْمُحْتَالِ أَنْ يَقْبِضَ حَقَّهُ أَوْ بَعْضَهُ بَعْدَ شَهْرٍ لَمْ تَصِحَّ الْحَوَالَةُ ؛ لِأَنَّ الْحَالَ لَا يَتَأَجَّلُ ، وَلِأَنَّهُ شَرَطَ مَا لَوْ كَانَ ثَابِتًا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ لَمْ تَصِحَّ الْحَوَالَةُ ؛ فَكَذَلِكَ إذَا شَرَطَهُ .\rوَإِذَا اجْتَمَعَتْ هَذِهِ الْأُمُورُ ، وَصَحَّتْ الْحَوَالَةُ ، وَتَرَاضَيَا بِأَنْ يَدْفَعَ الْمُحَالُ عَلَيْهِ خَيْرًا مِنْ حَقِّهِ ، أَوْ رَضِيَ الْمُحْتَالُ بِدُونِ الصِّفَةِ ، أَوْ رَضِيَ مَنْ عَلَيْهِ الْمُؤَجَّلُ بِتَعْجِيلِهِ ، أَوْ رَضِيَ مَنْ لَهُ الْحَالُ بِإِنْظَارِهِ ، جَازَ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَجُوزُ فِي الْقَرْضِ ، فَفِي الْحَوَالَةِ أَوْلَى .\rوَإِنْ مَاتَ الْمُحِيلُ ، أَوْ الْمُحَالُ ، فَالْأَجَلُ بِحَالِهِ .\rوَإِنْ مَاتَ الْمُحَالُ عَلَيْهِ ، فَفِي حُلُولِ الْحَقِّ رِوَايَتَانِ ، مَضَى ذِكْرُهُمَا .\rالشَّرْطُ الثَّانِي ، أَنْ تَكُونَ عَلَى دَيْنٍ مُسْتَقِرٍّ .\rوَلَا يُعْتَبَرُ أَنْ يُحِيلَ بِدَيْنٍ [ غَيْرِ ] مُسْتَقِرٍّ ، إلَّا أَنَّ السَّلَمَ لَا تَصِحُّ الْحَوَالَةُ بِهِ وَلَا عَلَيْهِ ، لِأَنَّ دَيْنَ السَّلَمِ لَيْسَ","part":10,"page":16},{"id":4516,"text":"بِمُسْتَقَرٍّ لِكَوْنِهِ بِعَرْضِ الْفَسْخِ ، لِانْقِطَاعِ الْمُسْلَمِ فِيهِ .\rوَلَا تَصِحُّ الْحَوَالَةُ بِهِ ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَصِحَّ إلَّا فِيمَا يَجُوزُ أَخْذُ الْعِوَضِ عَنْهُ ، وَالسَّلَمُ لَا يَجُوزُ أَخْذُ الْعِوَضِ عَنْهُ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ أَسْلَمَ فِي شَيْءٍ ، فَلَا يَصْرِفْهُ إلَى غَيْرِهِ } .\rوَلَا تَصِحُّ الْحَوَالَةُ عَلَى الْمُكَاتَبِ بِمَالِ الْكِتَابَةِ ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُسْتَقِرٍّ ، فَإِنَّ لَهُ أَنْ يَمْتَنِعَ مِنْ أَدَائِهِ ، وَيَسْقُطُ بِعَجْزِهِ .\rوَتَصِحُّ الْحَوَالَةُ عَلَيْهِ بِدَيْنٍ غَيْرِ دَيْنٍ الْكِتَابَةِ ؛ لِأَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الْأَحْرَارِ فِي الْمُدَايِنَات .\rوَإِنْ أَحَالَ الْمُكَاتَبُ سَيِّدَهُ بِنَجْمٍ قَدْ حَلَّ عَلَيْهِ ، صَحَّ ، وَبَرِئَتْ ذِمَّةُ الْمُكَاتَبِ بِالْحَوَالَةِ ، وَيَكُونُ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْقَبْضِ .\rوَإِنْ أَحَالَتْ الْمَرْأَةُ عَلَى زَوْجِهَا بِصَدَاقِهَا قَبْلَ الدُّخُولِ ، لَمْ يَصِحَّ ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُسْتَقِرٍّ .\rوَإِنْ أَحَالَهَا الزَّوْجُ بِهِ ، صَحَّ ؛ لِأَنَّهُ لَهُ تَسْلِيمَهُ إلَيْهَا ، وَحَوَالَتُهُ بِهِ تَقُومُ مَقَامَ تَسْلِيمِهِ .\rوَإِنْ أَحَالَتْ بِهِ بَعْدَ الدُّخُولِ ، صَحَّ ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَقِرٌّ .\rوَإِنْ أَحَالَ الْبَائِعُ بِالثَّمَنِ عَلَى الْمُشْتَرِي فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ ، لَمْ يَصِحَّ ، فِي قِيَاسِ مَا ذَكَرْنَا .\rوَإِنْ أَحَالَهُ الْمُشْتَرِي بِهِ ، صَحَّ ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْوَفَاءِ ، وَلَهُ الْوَفَاءُ قَبْلَ الِاسْتِقْرَارِ .\rوَإِنْ أَحَالَ الْبَائِعُ بِالثَّمَنِ عَلَى الْمُشْتَرِي ، ثُمَّ ظَهَرَ عَلَى عَيْبٍ ، لَمْ يَتَبَيَّنْ أَنَّ الْحَوَالَةَ كَانَتْ بَاطِلَةً ؛ لِأَنَّ الثَّمَنَ كَانَ ثَابِتًا مُسْتَقِرًّا ، وَالْبَيْعُ كَانَ لَازِمًا ، وَإِنَّمَا ثَبَتَ الْجَوَازُ عِنْدَ الْعِلْمِ بِالْعَيْبِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمُشْتَرِي .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ تَبْطُلَ الْحَوَالَةُ ؛ لِأَنَّ سَبَبَ الْجَوَازِ عَيْبُ الْمَبِيعِ ، وَقَدْ كَانَ مَوْجُودًا وَقْتَ الْحَوَالَةِ .\rوَكُلُّ مَوْضِعٍ أَحَالَ مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ غَيْرُ مُسْتَقِرٍّ بِهِ ، ثُمَّ سَقَطَ الدَّيْنُ ، كَالزَّوْجَةِ يَنْفَسِخُ نِكَاحُهَا بِسَبَبٍ مِنْ","part":10,"page":17},{"id":4517,"text":"جِهَتِهَا ، أَوْ الْمُشْتَرِي يَفْسَخُ الْبَيْعَ وَيَرُدُّ الْمَبِيعَ ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ الْقَبْضِ مِنْ الْمُحَالِ عَلَيْهِ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا ، تَبْطُلُ الْحَوَالَةَ ؛ لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ فِي بَقَائِهَا ، وَيَرْجِعُ الْمُحِيلُ بِدَيْنِهِ عَلَى الْمُحَالِ عَلَيْهِ .\rوَالثَّانِي ، لَا تَبْطُلُ ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ انْتَقَلَ عَنْ الْمُحِيلِ ، فَلَمْ يَعُدْ إلَيْهِ ، وَثَبَتَ لِلْمُحْتَالِ فَلَمْ يَزُلْ عَنْهُ ، وَلِأَنَّ الْحَوَالَةَ بِمَنْزِلَةِ الْقَبْضِ ، فَكَأَنَّ الْمُحِيلَ أَقْبَضَ الْمُحْتَالَ دَيْنَهُ ، فَيَرْجِعُ عَلَيْهِ بِهِ ، وَيَأْخُذُ الْمُحْتَالُ مِنْ الْمُحَالِ عَلَيْهِ .\rوَسَوَاءٌ تَعَذَّرَ الْقَبْضُ مِنْ الْمُحَالِ عَلَيْهِ أَوْ لَمْ يَتَعَذَّرْ .\rوَإِنْ كَانَ بَعْدَ الْقَبْضِ ، لَمْ يَبْطُلْ ، وَجْهًا وَاحِدًا ، وَيَرْجِعُ الْمُحِيلُ عَلَى الْمُحْتَالِ بِهِ .\r( 3556 ) فَصْلٌ : وَإِنْ أَحَالَ مَنْ لَا دَيْنَ لَهُ عَلَيْهِ رَجُلًا عَلَى آخَرَ لَهُ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَلَيْسَ ذَلِكَ بِحَوَالَةٍ ، بَلْ هِيَ وَكَالَةٌ تَثْبُتُ فِيهَا أَحْكَامُهَا ؛ لِأَنَّ الْحَوَالَةَ مَأْخُوذَةٌ مِنْ تَحَوُّلِ الْحَقِّ وَانْتِقَالِهِ ، وَلَا حَقَّ هَاهُنَا يَنْتَقِلُ وَيَتَحَوَّلُ ، وَإِنَّمَا جَازَتْ الْوَكَالَةُ بِلَفْظِ الْحَوَالَةِ ، لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي الْمَعْنَى ؛ وَهُوَ اسْتِحْقَاقُ الْوَكِيلِ مُطَالَبَةَ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ ، كَاسْتِحْقَاقِ الْمُحْتَالِ مُطَالَبَةَ الْمُحَالِ عَلَيْهِ ، وَتَحُولُ ذَلِكَ إلَى الْوَكِيلِ كَتَحَوُّلِهِ إلَى الْمُحِيلِ .\rوَإِنْ أَحَالَ مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ عَلَى مَنْ لَا دَيْنَ عَلَيْهِ ، فَلَيْسَتْ حَوَالَةً أَيْضًا .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .\rفَلَا يَلْزَمُهُ الْمُحَالَ عَلَيْهِ الْأَدَاءُ ، وَلَا الْمُحْتَالُ قَبُولُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الْحَوَالَةَ مُعَاوَضَةٌ ، وَلَا مُعَاوَضَةَ هَاهُنَا ، وَإِنَّمَا هُوَ اقْتِرَاضٌ .\rفَإِنْ قَبَضَ الْمُحْتَالُ مِنْهُ الدَّيْنَ ، رَجَعَ عَلَى الْمُحِيلِ ؛ لِأَنَّهُ قَرْضٌ .\rوَإِنْ أَبْرَأَهُ وَلَمْ يَقْبِضْ مِنْهُ شَيْئًا ، لَمْ تَصِحَّ الْبَرَاءَةُ ؛ لِأَنَّهَا بَرَاءَةُ لِمَنْ لَا دَيْنَ عَلَيْهِ .\rوَإِنْ قَبَضَ مِنْهُ الدَّيْنَ ، ثُمَّ وَهَبَهُ إيَّاهُ ، رَجَعَ","part":10,"page":18},{"id":4518,"text":"الْمُحَالُ عَلَيْهِ عَلَى الْمُحِيلِ بِهِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ غَرِمَ عَنْهُ ، وَإِنَّمَا عَادَ إلَيْهِ الْمَالُ بِعَقْدٍ مُسْتَأْنَفٍ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَرْجِعَ عَلَيْهِ ، لِكَوْنِهِ مَا غَرِمَ عَنْهُ شَيْئًا .\rوَإِنْ أَحَالَ مَنْ لَا دَيْنٍ عَلَيْهِ فَهِيَ وَكَالَةٌ فِي اقْتِرَاضٍ وَلَيْسَتْ حَوَالَةً ، لِأَنَّ الْحَوَالَةَ إنَّمَا تَكُونُ بِدَيْنٍ عَلَى دَيْنٍ ، وَلَمْ يُوجَدْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا .\r( 3557 ) فَصْلٌ : الشَّرْطُ الثَّالِثُ ، أَنْ تَكُونَ بِمَالٍ مَعْلُومٍ ؛ لِأَنَّهَا إنْ كَانَتْ بَيْعًا فَلَا تَصِحُّ فِي مَجْهُولٍ ، وَإِنْ كَانَتْ تُحَوِّلُ الْحَقَّ فَيُعْتَبَرُ فِيهَا التَّسْلِيمُ ، وَالْجَهَالَةُ تَمْنَعُ مِنْهُ ، فَتَصِحُّ بِكُلِّ مَا يَثْبُتُ مِثْلُهُ فِي الذِّمَّةِ بِالْإِتْلَافِ مِنْ الْأَثْمَانِ وَالْحُبُوبِ وَالْأَدْهَانِ ، وَلَا تَصِحُّ فِيمَا لَا يَصِحُّ السَّلَمُ فِيهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ ، وَمِنْ شَرْطِ الْحَوَالَةِ تَسَاوِي الدَّيْنَيْنِ ، فَأَمَّا مَا يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ سَلَّمَا غَيْرَ الْمِثْلِيَّاتِ ، كَالْمَذْرُوعِ وَالْمَعْدُودِ ، فَفِي صِحَّةِ الْحَوَالَةِ بِهِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا : لَا تَصِحُّ ؛ لِأَنَّ الْمِثْلَ فِيهِ لَا يَتَحَرَّرُ ، وَلِهَذَا لَا يَضْمَنُهُ بِمِثْلِهِ فِي الْإِتْلَافِ ، وَهَذَا ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ .\rوَالثَّانِي : تَصِحُّ .\rذَكَرَهُ الْقَاضِي ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ ثَابِتٌ فِي الذِّمَّةِ ، فَأَشْبَهَ مَالَهُ مِثْلٌ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يُخَرَّجَ هَذَانِ الْوَجْهَانِ عَلَى الْخِلَافِ فِيمَا يَقْتَضِي بِهِ قَرْضَ هَذِهِ الْأَمْوَالِ ، فَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ إبِلٌ مِنْ الدِّيَةِ وَلَهُ عَلَى آخَرَ مِثْلُهَا فِي السِّنِّ ، فَقَالَ الْقَاضِي : تَصِحُّ ؛ لِأَنَّهَا تَخْتَصُّ بِأَقَلِّ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الِاسْمُ فِي السِّنِّ وَالْقِيمَةِ وَسَائِرِ الصِّفَاتِ .\rوَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : لَا تَصِحُّ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ ؛ لِأَنَّهَا مَجْهُولَةٌ ، وَلِأَنَّ الْإِبِلَ لَيْسَتْ مِنْ الْمِثْلِيَّاتِ الَّتِي تُضْمَنُ بِمِثْلِهَا فِي الْإِتْلَافِ ، وَلَا تَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ سَلَمًا .\rفِي رِوَايَةٍ وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ إبِلٌ مِنْ دِيَةٍ ، وَلَهُ عَلَى آخَرَ مِثْلُهَا قَرْضًا ،","part":10,"page":19},{"id":4519,"text":"فَأَحَالَهُ عَلَيْهِ ، فَإِنْ قُلْنَا : يَرُدُّ فِي الْقَرْضِ قِيمَتَهَا .\rلَمْ تَصِحَّ الْحَوَالَةِ ؛ لِاخْتِلَافِ الْجِنْسِ .\rوَإِنْ قُلْنَا : يَرُدُّ مِثْلَهَا .\rاقْتَضَى قَوْلُ الْقَاضِي صِحَّةَ الْحَوَالَةِ ؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنَ اسْتِيفَاءُ الْحَقِّ عَلَى صِفَتِهِ مِنْ الْمُحَالِ عَلَيْهِ ، وَلِأَنَّ الْخِيرَةَ فِي التَّسْلِيمِ إلَى مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ ، وَقَدْ رَضِيَ بِتَسْلِيمِ مَا لَهُ فِي ذِمَّةِ الْمُقْتَرِضِ .\rوَإِنْ كَانَتْ بِالْعَكْسِ ، فَاحْتَالَ الْمُقْرِضُ بِإِبِلِ الدِّيَةِ ، لَمْ تَصِحَّ ؛ لِأَنَّنَا إنْ قُلْنَا : تَجِبُ الْقِيمَةُ فِي الْقَرْضِ .\rفَقَدْ اخْتَلَفَ الْجِنْسُ .\rوَإِنْ قُلْنَا : يَجِبُ الْمِثْلُ .\rفَلِلْمُقْرِضِ مِثْلُ مَا أَقْرَضَ فِي صِفَاتِهِ وَقِيمَتِهِ ، وَاَلَّذِي عَلَيْهِ الدِّيَةُ لَا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ .\r( 3558 ) فَصْلٌ : الشَّرْطُ الرَّابِعُ ، أَنْ يُحِيلَ بِرِضَائِهِ ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ عَلَيْهِ ، فَلَا يَلْزَمُهُ أَدَاؤُهُ مِنْ جِهَةِ الدَّيْنِ الَّذِي عَلَى الْمُحَالِ عَلَيْهِ ، وَلَا خِلَافَ فِي هَذَا فَإِذَا اجْتَمَعَتْ شُرُوطُ الْحَوَالَةِ وَصَحَّتْ ، بَرِئَتْ ذِمَّةُ الْمُحِيلِ ، فِي قَوْلِ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ إلَّا مَا يُرْوَى عَنْ الْحَسَنِ ، أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى الْحَوَالَةَ بَرَاءَةً إلَّا أَنْ يُبْرِئَهُ .\rوَعَنْ زَفَرَ أَنَّهُ قَالَ : لَا تَنْقُلُ الْحَقَّ .\rوَأَجْرَاهَا مَجْرَى الضَّمَانِ ، وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ ؛ لِأَنَّ الْحَوَالَةَ مُشْتَقَّةٌ مِنْ تَحْوِيلِ الْحَقِّ ، بِخِلَافِ الضَّمَانِ ، فَإِنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنْ ضَمِّ ذِمَّةٍ إلَى ذِمَّةٍ .\rفَعُلِّقَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مُقْتَضَاهُ ، وَمَا دَلَّ عَلَيْهِ لَفْظُهُ .\rإذَا ثَبَتَ أَنَّ الْحَقَّ انْتَقَلَ ، فَمَتَى رَضِيَ بِهَا الْمُحْتَالُ ، وَلَمْ يَشْتَرِطْ الْيَسَارَ ، لَمْ يَعُدْ الْحَقُّ إلَى الْمُحِيلِ أَبَدًا ، سَوَاءٌ أَمْكَنَ اسْتِيفَاءُ الْحَقِّ ، أَوْ تَعَذَّرَ لِمَطْلٍ أَوْ فَلَسٍ أَوْ مَوْتٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ .\rهَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ ، وَبِهِ قَالَ اللَّيْثُ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ إذَا كَانَ الْمُحَالُ عَلَيْهِ مُفْلِسًا ، وَلَمْ يَعْلَمْ","part":10,"page":20},{"id":4520,"text":"الْمُحْتَالُ بِذَلِكَ ، فَلَهُ الرُّجُوعُ ، إلَّا أَنْ يَرْضَى بَعْدَ الْعِلْمِ .\rوَبِهِ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا ، وَنَحْوُهُ قَوْلُ مَالِكٍ ؛ لِأَنَّ الْفَلَسَ عَيْبٌ فِي الْمُحَالِ عَلَيْهِ ، فَكَانَ لَهُ الرُّجُوعُ ، كَمَا لَوْ اشْتَرَى سِلْعَةً فَوَجَدَهَا مَعِيبَةً ، وَلِأَنَّ الْمُحِيلَ غَرَّهُ ، فَكَانَ لَهُ الرُّجُوعُ ، كَمَا لَوْ دَلَّسَ الْمَبِيعَ .\rوَقَالَ شُرَيْحٌ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَالنَّخَعِيُّ : مَتِّي أَفْلَسَ أَوْ مَاتَ ، رَجَعَ عَلَى صَاحِبِهِ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَرْجِعُ عَلَيْهِ فِي حَالَيْنِ ؛ إذَا مَاتَ الْمُحَالُ عَلَيْهِ مُفْلِسًا ، وَإِذَا جَحَدَهُ وَحَلَفَ عَلَيْهِ عِنْدَ الْحَاكِمِ ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ : يَرْجِعُ عَلَيْهِ فِي هَاتَيْنِ الْحَالَتَيْنِ ، وَإِذَا حُجِرَ عَلَيْهِ لِفَلَسٍ ؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ ، أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ أُحِيلَ بِحَقِّهِ ، فَمَاتَ الْمُحَالُ عَلَيْهِ مُفْلِسًا فَقَالَ : يَرْجِعُ بِحَقِّهِ ، لَا تَوَى عَلَى مَالِ امْرِئٍ مُسْلِمٍ .\rوَلِأَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ لَمْ يَسْلَمْ الْعِوَضُ فِيهِ لِأَحَدِ الْمُتَعَاوِضَيْنِ ، فَكَانَ لَهُ الْفَسْخُ ، كَمَا لَوْ اعْتَاضَ بِثَوْبٍ فَلَمْ يُسَلَّمْ إلَيْهِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ حَزْنًا جَدَّ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، كَانَ لَهُ عَلَى عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ دَيْنٌ ، فَأَحَالَهُ بِهِ ، فَمَاتَ الْمُحَالُ عَلَيْهِ ، فَأَخْبَرَهُ ، فَقَالَ : اخْتَرْت عَلَيْنَا ، أَبْعَدَك اللَّهُ .\rفَأَبْعَدَهُ بِمُجَرَّدِ احْتِيَالِهِ ، وَلَمْ يُخْبِرُهُ أَنَّ لَهُ الرُّجُوعَ .\rوَلِأَنَّهَا بَرَاءَةٌ مِنْ دَيْنٍ لَيْسَ فِيهَا قَبْضٌ مِمَّنْ عَلَيْهِ ، وَلَا مِمَّنْ يَدْفَعُ عَنْهُ ، فَلَمْ يَكُنْ فِيهَا رُجُوعٌ ، كَمَا لَوْ أَبْرَأَهُ مِنْ الدَّيْنِ ، وَحَدِيثُ عُثْمَانَ لَمْ يَصِحَّ ، يَرْوِيه خَالِدُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ عَنْ عُثْمَانَ ، وَلَمْ يَصِحَّ سَمَاعُهُ مِنْهُ ، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ قَالَ : فِي حَوَالَةٍ أَوْ كَفَالَةٍ .\rوَهَذَا يُوجِبُ التَّوَقُّفَ ، وَلَا يَصِحُّ ، وَلَوْ صَحَّ كَانَ قَوْلُ عَلِيٍّ مُخَالِفًا لَهُ .\rوَقَوْلُهُمْ : إنَّهُ مُعَاوَضَةٌ .\rلَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّهُ يُفْضِي إلَى بَيْعِ","part":10,"page":21},{"id":4521,"text":"الدَّيْنِ ، بِالدَّيْنِ ، وَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ ، وَيُفَارِقُ الْمُعَاوَضَةَ بِالثَّوْبِ ؛ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ قَبْضًا يَقِفُ اسْتِقْرَارُ الْعَقْدِ عَلَيْهِ ، وَهَا هُنَا الْحَوَالَةُ بِمَنْزِلَةِ الْقَبْضِ ، وَإِلَّا كَانَ بَيْعَ دَيْنٍ بِدَيْنٍ .","part":10,"page":22},{"id":4522,"text":"( 3559 ) فَصْلٌ : فَإِنْ شَرَطَ مُلَاءَةَ الْمُحَالِ عَلَيْهِ ، فَبَانَ مُعْسِرًا ، رَجَعَ عَلَى الْمُحِيلِ .\rوَبِهِ قَالَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ .\rوَقَالَ بَعْضُهُمْ : لَا يَرْجِعُ ؛ لِأَنَّ الْحَوَالَةَ لَا تُرَدُّ بِالْإِعْسَارِ إذَا لَمْ يَشْتَرِطْ الْمُلَاءَةَ ، فَلَا تُرَدُّ بِهِ ، وَإِنْ شَرَطَ ، كَمَا لَوْ اشْتَرَطَ كَوْنَهُ مُسْلِمًا ، وَيُفَارِقُ الْبَيْعَ ؛ فَإِنَّ الْفَسْخَ يَثْبُتُ بِالْإِعْسَارِ فِيهِ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ ، بِخِلَافِ الْحَوَالَةِ .\rوَلَنَا قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ } .\rوَلِأَنَّهُ شَرَطَ مَا فِيهِ مَصْلَحَةُ الْعَقْدِ فِي عَقْدِ مُعَاوَضَةٍ ، فَيَثْبُتُ الْفَسْخُ بِفَوَاتِهِ ، كَمَا لَوْ شَرَطَ صِفَةً فِي الْمَبِيعِ ، وَقَدْ يَثْبُتُ بِالشَّرْطِ مَا لَا يَثْبُتُ بِإِطْلَاقِ الْعَقْدِ ، بِدَلِيلِ اشْتِرَاطِ صِفَةٍ فِي الْمَبِيعِ .","part":10,"page":23},{"id":4523,"text":"( 3560 ) فَصْلٌ : وَلَوْ لَمْ يَرْضَ الْمُحْتَالُ بِالْحَوَالَةِ ، ثُمَّ بَانَ الْمُحَالُ عَلَيْهِ مُفْلِسًا أَوْ مَيِّتًا ، رَجَعَ عَلَى الْمُحِيلِ ، بِلَا خِلَافٍ ؛ فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الِاحْتِيَالُ عَلَى غَيْرِ مَلِيءٍ لِمَا عَلَيْهِ فِيهِ مِنْ الضَّرَرِ ، وَإِنَّمَا { أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَبُولِ الْحَوَالَةِ إذَا أُحِيلَ عَلَى مَلِيءٍ ، } وَلَوْ أَحَالَهُ عَلَى مَلِيءٍ فَلَمْ يَقْبَلْ حَتَّى أَعْسَرَ ، فَلَهُ الرُّجُوعُ أَيْضًا ، عَلَى ظَاهِرِ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ ؛ لِكَوْنِهِ اشْتَرَطَ فِي بَرَاءَةِ الْمُحِيل إبْدَاءَ رِضَى الْمُحْتَالِ .","part":10,"page":24},{"id":4524,"text":"( 3561 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَمَنْ أُحِيلَ بِحَقِّهِ عَلَى مَلِيءٍ ، فَوَاجِبٌ عَلَيْهِ أَنْ يَحْتَالَ ) الْمَلِيءُ : هُوَ الْقَادِرُ عَلَى الْوَفَاءِ .\rجَاءَ فِي الْحَدِيثِ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ { : إنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ : مَنْ يُقْرِضُ الْمَلِيءَ غَيْرَ الْمُعْدِمِ .\r} وَقَالَ الشَّاعِرُ : تُطِيلِينَ لَيَّانِي وَأَنْتِ مَلِيئَة وَأُحْسِنُ يَا ذَاتَ الْوِشَاحِ التَّقَاضِيَا يَعْنِي قَادِرَةٌ عَلَى وَفَائِي .\rوَالظَّاهِرُ أَنَّ الْخِرَقِيِّ أَرَادَ بِالْمَلِيءِ هَاهُنَا الْقَادِرَ عَلَى الْوَفَاءِ غَيْرَ الْجَاحِدِ وَلَا الْمُمَاطِلِ .\rقَالَ أَحْمَدُ فِي تَفْسِيرِ الْمَلِيءِ ، كَأَنَّ الْمَلِيءَ عِنْدَهُ ، أَنْ يَكُونَ مَلِيًّا بِمَالِهِ وَقَوْلِهِ وَبَدَنِهِ وَنَحْو هَذَا .\rفَإِذَا أُحِيلَ عَلَى مَنْ هَذِهِ صِفَتُهُ لَزِمَ الْمُحْتَالَ وَالْمُحَالَ عَلَيْهِ الْقَبُولُ ، وَلَمْ يُعْتَبَرْ رِضَاهُمَا .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يُعْتَبَرُ رِضَاهُمَا ؛ لِأَنَّهَا مُعَاوَضَةٌ ، فَيُعْتَبَرُ الرِّضَا مِنْ الْمُتَعَاقِدَيْنِ .\rوَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ : يُعْتَبَرُ رِضَى الْمُحْتَالِ ؛ لِأَنَّ حَقَّهُ فِي ذِمَّةِ الْمُحِيلِ ، فَلَا يَجُوزُ نَقْلُهُ إلَى غَيْرِهَا بِغَيْرِ رِضَاهُ ، كَمَا لَا يَجُوزُ أَنْ يُجْبِرَهُ عَلَى أَنْ يَأْخُذَ بِالدَّيْنِ عَرْضًا .\rفَأَمَّا الْمُحَالُ عَلَيْهِ ، فَقَالَ مَالِكٌ : لَا يُعْتَبَرُ رِضَاهُ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُحْتَالُ عَدُوَّهُ .\rوَلِلشَّافِعِي فِي اعْتِبَارِ رِضَائِهِ قَوْلَانِ ؛ أَحَدُهُمَا : يُعْتَبَرُ .\rوَهُوَ يَحْكِي عَنْ الزُّهْرِيِّ ؛ لِأَنَّهُ أَحَدُ مَنْ تَتِمُّ بِهِ الْحَوَالَةُ ، فَأَشْبَهَ الْمُحِيلَ .\rوَالثَّانِي : لَا يُعْتَبَرُ ؛ لِأَنَّهُ أَقَامَهُ فِي الْقَبْضِ مَقَامَ نَفْسِهِ ، فَلَمْ يَفْتَقِرْ إلَى رِضَى مَنْ عَلَيْهِ الْحَقُّ كَالتَّوْكِيلِ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَتْبَعْ } .\rوَلِأَنَّ لِلْمُحِيلِ أَنْ يُوَفِّيَ الْحَقَّ الَّذِي عَلَيْهِ بِنَفْسِهِ وَبِوَكِيلِهِ ، وَقَدْ أَقَامَ الْمُحَالَ عَلَيْهِ مَقَامَ نَفْسِهِ فِي التَّقْبِيضِ فَلَزِمَ الْمُحَالَ","part":10,"page":25},{"id":4525,"text":"الْقَبُولُ ، كَمَا لَوْ وَكَّلَ رَجُلًا فِي إبْقَائِهِ ، وَفَارَقَ مَا إذَا أَرَادَ أَنْ يُعْطِيَهُ عَمَّا فِي ذِمَّتِهِ عَرْضًا ؛ لِأَنَّهُ يُعْطِيه غَيْرَ مَا وَجَبَ لَهُ ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ قَبُولُهُ .","part":10,"page":26},{"id":4526,"text":"( 3562 ) فَصْلٌ : إذَا أَحَالَ رَجُلًا عَلَى زَيْدٍ بِأَلْفٍ ، فَأَحَالَهُ زَيْدٌ بِهَا عَلَى عَمْرٍ فَالْحَوَالَةُ صَحِيحَةٌ ؛ لِأَنَّ حَقَّ الثَّانِي ثَابِتٌ مُسْتَقِرٌّ فِي الذِّمَّةِ ، فَصَحَّ أَنْ يُحِيلَ بِهِ ، كَالْأَوَّلِ .\rوَهَكَذَا لَوْ أَحَالَ الرَّجُلُ عَمْرًا عَلَى زَيْدٍ بِمَا يَثْبُتُ لَهُ فِي ذِمَّتِهِ ، صَحَّ أَيْضًا ؛ لِمَا ذَكَرْنَا .\rوَتَكَرُّرُ الْمُحْتَالِ وَالْمُحِيلِ لَا يَضُرُّ .","part":10,"page":27},{"id":4527,"text":"( 3563 ) فَصْلٌ : إذَا اشْتَرَى عَبْدًا ، فَأَحَالَ الْمُشْتَرِي الْبَائِعَ بِالثَّمَنِ ، ثُمَّ ظَهَرَ الْعَبْدُ حُرًّا أَوْ مُسْتَحَقًّا ، فَالْبَيْعُ بَاطِلٌ ، وَالْحَوَالَةُ بَاطِلَةٌ ؛ لِأَنَّنَا تَبَيَّنَّا أَنَّهُ لَا ثَمَنَ عَلَى الْمُشْتَرِي ، وَإِنَّمَا تَثْبُتُ حُرِّيَّته بِبَيِّنَةٍ أَوْ اتِّفَاقِهِمْ ، فَإِنْ اتَّفَقَ الْمُحِيلُ وَالْمُحَالُ عَلَيْهِ عَلَى حُرِّيَّته ، وَكَذَّبَهُمَا الْمُحْتَالُ ، وَلَا بَيِّنَةَ بِذَلِكَ ، لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُمَا عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُمَا يُبْطِلَانِ حَقَّهُ ، أَشْبَهَ مَا لَوْ بَاعَ الْمُشْتَرِي الْعَبْدَ ، ثُمَّ اعْتَرَفَ هُوَ وَبَائِعُهُ أَنَّهُ كَانَ حُرًّا ، لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُمَا عَلَى الْمُشْتَرِي الثَّانِي ، وَإِنْ أَقَامَا بَيِّنَةً ، لَمْ تُسْمَعْ ؛ لِأَنَّهُمَا كَذَّبَاهَا بِدُخُولِهِمَا فِي التَّبَايُعِ .\rوَإِنْ أَقَامَ الْعَبْدُ بَيِّنَةً بِحُرِّيَّتِهِ ، قُبِلَتْ ، وَبَطَلَتْ الْحَوَالَةُ .\rوَإِنْ صَدَّقَهُمَا الْمُحْتَالُ ، وَادَّعَى أَنَّ الْحَوَالَةَ بِغَيْرِ ثَمَنِ الْعَبْدِ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ صِحَّةُ الْحَوَالَةِ ، وَهُمَا يَدَّعِيَانِ بُطْلَانَهَا ، فَكَانَتْ جَنْبَتُهُ أَقْوَى .\rفَإِنْ أَقَامَا الْبَيِّنَةَ أَنَّ الْحَوَالَةَ كَانَتْ بِالثَّمَنِ ، قُبِلَتْ ؛ لِأَنَّهُمَا لَمْ يُكَذِّبَاهَا .\rوَإِنْ اتَّفَقَ الْمُحِيلُ وَالْمُحْتَالُ عَلَى حُرِّيَّةِ الْعَبْدِ ، وَكَذَّبَهُمَا الْمُحَالُ عَلَيْهِ ، لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُمَا عَلَيْهِ فِي حُرِّيَّةِ الْعَبْدِ ؛ لِأَنَّهُ إقْرَارٌ عَلَى غَيْرِهِمَا ، وَتَبْطُلُ الْحَوَالَةُ ؛ لِاتِّفَاقِ الْمَرْجُوعِ عَلَيْهِ بِالدَّيْنِ وَالرَّاجِعِ بِهِ عَلَى اسْتِحْقَاقِ الرُّجُوعِ ، وَالْمُحَالُ عَلَيْهِ يَعْتَرِفُ لِلْمُحْتَالِ بِدَيْنٍ لَا يُصَدِّقُهُ فِيهِ ، فَلَا يَأْخُذُ مِنْهُ شَيْئًا .\rوَإِنْ اعْتَرَفَ الْمُحْتَالُ وَالْمُحَالُ عَلَيْهِ بِحُرِّيَّةِ الْعَبْدِ عَتَقَ ؛ لِإِقْرَارِ مَنْ هُوَ فِي يَدِهِ بِحُرِّيَّتِهِ ، وَبَطَلَتْ الْحَوَالَةُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمَا ، وَلَمْ يَكُنْ لِلْمُحْتَالِ الرُّجُوعُ عَلَى الْمُحِيلِ ؛ لِأَنَّ دُخُولَهُ مَعَهُ فِي الْحَوَالَةِ اعْتِرَافٌ بِبَرَاءَتِهِ ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ","part":10,"page":28},{"id":4528,"text":"الرُّجُوعُ عَلَيْهِ .","part":10,"page":29},{"id":4529,"text":"( 3564 ) فَصْلٌ : وَإِنْ اشْتَرَى عَبْدًا ، فَأَحَالَ الْمُشْتَرِي الْبَائِعَ بِالثَّمَنِ عَلَى آخَرَ ، فَقَبَضَهُ مِنْ الْمُحَالِ عَلَيْهِ ، ثُمَّ رَدَّ الْمُشْتَرِي الْعَبْدَ بِعَيْبٍ ، أَوْ مُقَايَلَةٍ ، أَوْ اخْتِلَافٍ فِي ثَمَنٍ ، فَقَدْ بَرِئَ الْمُحَالُ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ قَبَضَ مِنْهُ بِإِذْنِهِ ، وَيَرْجِعُ الْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ .\rوَإِنْ رَدَّهُ قَبْلَ الْقَبْضِ ، فَقَالَ الْقَاضِي : تَبْطُلُ الْحَوَالَةُ ، وَيَعُودُ الْمُشْتَرِي إلَى ذِمَّةِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ ، وَيَبْرَأُ الْبَائِعُ ، فَلَا يَبْقَى لَهُ دَيْنٌ وَلَا عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ الْحَوَالَةَ بِالثَّمَنِ ، وَقَدْ سَقَطَ بِالْفَسْخِ ، فَيَجِبُ أَنْ تَبْطُلَ الْحَوَالَةُ لِذَهَابِ حَقِّهِ مِنْ الْمَالِ الْمُحَالِ بِهِ .\rوَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : لَا تَبْطُلُ الْحَوَالَةُ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ عَوَّضَ الْبَائِعَ عَمَّا فِي ذِمَّتِهِ مَالَهُ فِي ذِمَّةِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ ، وَنَقَلَ حَقَّهُ إلَيْهِ نَقْلًا صَحِيحًا ، وَبَرِئَ مِنْ الثَّمَنِ ، وَبَرِئَ الْمُحَالُ عَلَيْهِ مِنْ دَيْنِ الْمُشْتَرِي ، فَلَمْ يَبْطُلْ ذَلِكَ بِفَسْخِ الْعَقْدِ الْأَوَّلِ ، كَمَا لَوْ أَعْطَاهُ بِالثَّمَنِ ثَوْبًا وَسَلَّمَهُ إلَيْهِ ، فَسَخَ الْعَقْدَ ، لَمْ يَرْجِعْ بِالثَّوْبِ ، كَذَا هَاهُنَا .\rفَإِنْ قُلْنَا بِبُطْلَانِ الْحَوَالَةِ ، رَجَعَ الْمُحِيلُ عَلَى الْمُحَالِ عَلَيْهِ بِدَيْنِهِ ، وَلَمْ يَبْقَ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْبَائِعِ مُعَامَلَةٌ .\rوَإِنْ قُلْنَا : لَا تَبْطُلُ .\rرَجَعَ الْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ بِالثَّمَنِ ، وَيَأْخُذُهُ الْبَائِعُ مِنْ الْمُحَالِ عَلَيْهِ .\rفَإِنْ عَادَ الْبَائِعُ فَأَحَالَ الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ عَلَى مَنْ أَحَالَهُ الْمُشْتَرِي عَلَيْهِ ، صَحَّ وَبَرِئَ الْبَائِعُ ، وَعَادَ الْمُشْتَرِي إلَى غَرِيمِهِ وَإِنْ كَانَتْ الْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا ، لَكِنْ أَحَالَ الْبَائِعُ أَجْنَبِيًّا عَلَى الْمُشْتَرِي ، ثُمَّ رَدَّ الْعَبْدَ الْمَبِيعَ ، فَفِي الْحَوَالَةِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا ، لَا تَبْطُلُ ؛ لِأَنَّ ذِمَّةَ الْمُشْتَرِي بَرِئَتْ بِالْحَوَالَةِ مِنْ حِقَّ الْبَائِعَ ، وَصَارَ الْحَقُّ عَلَيْهِ لِلْأَجْنَبِيِّ الْمُحْتَالِ ، فَأَشْبَهَ","part":10,"page":30},{"id":4530,"text":"مَا لَوْ دَفَعَهُ الْمُشْتَرِي إلَى الْمُحِيلِ ، فَعَلَى هَذَا يَرْجِعُ الْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ بِالثَّمَنِ ، وَيُسَلِّمُ إلَى الْمُحْتَالِ مَا أَحَالَهُ بِهِ .\rوَالثَّانِي ، تَبْطُلُ الْحَوَالَةُ إنْ كَانَ الرَّدُّ قَبْلَ الْقَبْضِ ، لِسُقُوطِ الثَّمَنِ الَّذِي كَانَتْ الْحَوَالَةُ بِهِ ، وَلِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِي بَقَاءِ الْحَوَالَةِ هَاهُنَا ، فَيَعُودُ الْبَائِعُ بِدَيْنِهِ ، وَيَبْرَأُ الْمُشْتَرِي مِنْهُمَا ، كَالْمَسْأَلَةِ قَبْلَهَا ، وَإِذَا قُلْنَا : لَا تَبْطُلُ .\rفَأَحَالَ الْمُشْتَرِي الْمُحَالَ عَلَيْهِ بِالثَّمَنِ عَلَى الْبَائِعِ ، صَحَّ ، وَبَرِئَ الْمُشْتَرِي مِنْهَا .","part":10,"page":31},{"id":4531,"text":"( 3565 ) فَصْلٌ : إذَا كَانَ لِرَجُلٍ عَلَى آخَرَ دَيْنٌ ، فَأَذِنَ لِآخَرَ فِي قَبْضِهِ ، ثُمَّ اخْتَلَفَ هُوَ وَالْمَأْذُونُ لَهُ ، فَقَالَ : وَكَّلْتُك فِي قَبْضِ دَيْنِي بِلَفْظِ التَّوْكِيلِ .\rفَقَالَ : بَلْ أَحَلْتنِي بِلَفْظِ الْحَوَالَةِ .\rأَوْ كَانَتْ بِالْعَكْسِ ، فَقَالَ : أَحَلْتُك بِدَيْنِك .\rفَقَالَ : بَلْ وَكَّلْتنِي .\rفَالْقَوْلُ قَوْلُ مُدَّعِي الْوَكَالَةِ مِنْهُمَا مَعَ يَمِينِهِ ؛ لِأَنَّهُ يَدَّعِي بَقَاءَ الْحَقِّ عَلَى مَا كَانَ ، وَيُنْكِرُ انْتِقَالَهُ ، وَالْأَصْلُ مَعَهُ ، فَإِنْ كَانَ لَأَحَدِهِمَا بَيِّنَةٌ حُكِمَ بِهَا ؛ لِأَنَّ اخْتِلَافَهُمَا فِي اللَّفْظِ ، وَهُوَ مِمَّا يُمْكِنُ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ .\rوَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى أَنَّهُ قَالَ : أَحَلْتُك بِالْمَالِ الَّذِي لِي قِبَلَ زَيْدٍ .\rثُمَّ اخْتَلَفَا ، فَقَالَ الْمُحِيلُ : إنَّمَا وَكَّلْتُك فِي الْقَبْضِ لِي .\rوَقَالَ الْآخَرُ : بَلْ أَحَلْتنِي بِدَيْنِي عَلَيْك .\rفَالْقَوْلُ قَوْلُ مُدَّعِي الْحَوَالَةِ ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مَعَهُ فَإِنَّ اللَّفْظَ حَقِيقَةٌ فِي الْحَوَالَةِ دُونَ الْوَكَالَةِ ، فَيَجِبُ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلَى ظَاهِرِهِ ، كَمَا لَوْ اخْتَلَفَا فِي دَارٍ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا .\rوَالثَّانِي ، الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُحِيلِ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ حَقِّ الْمُحِيلِ عَلَى الْمُحَالِ عَلَيْهِ ، وَالْمُحْتَالُ يَدَّعِي نَقْلَهُ ، وَالْمُحِيلُ يُنْكِرُهُ ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ .\rفَعَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ ، يَحْلِفُ الْمُحْتَالُ وَيَثْبُتُ حَقَّهُ فِي ذِمَّةِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ ، وَيَسْتَحِقُّ مُطَالَبَتَهُ ، وَيَسْقُطُ عَنْ الْمُحِيلِ .\rوَعَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي ، يَحْلِفُ الْمُحِيلُ ، وَيَبْقَى حَقُّهُ فِي ذِمَّةِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ .\rوَعَلَى كِلَا الْوَجْهَيْنِ : إنْ كَانَ الْمُحْتَالُ قَدْ قَبَضَ الْحَقَّ مِنْ الْمُحَالِ عَلَيْهِ ، وَتَلِفَ فِي يَدِهِ ، فَقَدْ بَرِئَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ صَاحِبِهِ ، وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ ، سَوَاءٌ تَلِفَ بِتَفْرِيطِهِ أَوْ غَيْرِهِ ؛ لِأَنَّهُ إنْ تَلِفَ بِتَفْرِيطٍ ، وَكَانَ الْمُحْتَالُ مُحِقًّا ، فَقَدْ أَتْلَفَ مَالَهُ ، وَإِنْ كَانَ مُبْطِلًا ، ثَبَتَ لِكُلِّ","part":10,"page":32},{"id":4532,"text":"وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي ذِمَّةِ الْآخَرِ مِثْلُ مَا فِي ذِمَّتِهِ لَهُ ، فَيَتَقَاصَّانِ ، وَيَسْقُطَانِ .\rوَإِنْ تَلِفَ بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ ، فَالْمُحَالُ قَدْ قَبَضَ حَقَّهُ ، وَتَلِفَ فِي يَدِهِ ، وَبَرِئَ مِنْهُ الْمُحِيلُ بِالْحَوَالَةِ ، وَالْمُحَالُ عَلَيْهِ بِتَسَلُّمِهِ ، وَالْمُحِيلُ يَقُولُ : قَدْ تَلِفَ الْمَالُ فِي يَدِ وَكِيلِي بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ .\rفَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ .\rوَإِنْ لَمْ يَتْلَفْ ، احْتَمَلَ أَنْ لَا يَمْلِكَ الْمُحِيلُ طَلَبَهُ ؛ لِأَنَّهُ مُعْتَرِفٌ أَنَّ لَهُ عَلَيْهِ مِنْ الدَّيْنِ مِثْلَ مَا لَهُ فِي يَدِهِ ، وَهُوَ مُسْتَحِقٌّ لِقَبْضِهِ ، فَلَا فَائِدَةَ فِي أَنْ يَقْبِضَهُ مِنْهُ ثُمَّ يُسَلِّمَهُ إلَيْهِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يَمْلِكَ أَخْذَهُ مِنْهُ ، وَيَمْلِكَ الْمُحْتَالُ مُطَالَبَتَهُ بِدَيْنِهِ .\rوَقِيلَ : يَمْلِكُ الْمُحِيلُ أَخْذَهُ مِنْهُ ، وَلَا يَمْلِكَ الْمُحْتَالُ الْمُطَالَبَةَ بِدَيْنِهِ ؛ لِاعْتِرَافِهِ بِبَرَاءَةِ الْمُحِيلِ مِنْهُ بِالْحَوَالَةِ .\rوَلَيْسَ بِصَحِيحِ ؛ لِأَنَّ الْمُحْتَالَ إنْ اعْتَرَفَ بِذَلِكَ ، فَهُوَ يَدَّعِي أَنَّهُ قَبَضَ هَذَا الْمَالَ مِنْهُ بِغَيْرِ حَقٍّ ، وَأَنَّهُ يَسْتَحِقُّ الْمُطَالَبَةَ بِهِ ، فَعَلَى كِلَا الْحَالَيْنِ ، هُوَ مُسْتَحِقٌّ لِلْمُطَالَبَةِ بِمِثْلِ هَذَا الْمَالِ الْمَقْبُوضِ مِنْهُ ، فِي قَوْلِهِمَا جَمِيعًا ، فَلَا وَجْهَ لِإِسْقَاطِهِ ، وَلَا مَوْضِعَ لِلْبَيِّنَةِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ؛ لِأَنَّهُمَا لَا يَخْتَلِفَانِ فِي لَفْظٍ يُسْمَعُ ، وَلَا فِعْلٍ يُرَى ، وَإِنَّمَا يَدَّعِي الْمُحِيلُ بَيِّنَةً ، وَهَذَا لَا تَشْهَدُ بِهِ الْبَيِّنَةُ نَفْيًا وَلَا إثْبَاتًا .\r( 3566 ) فَصْلٌ : وَإِنْ كَانَتْ الْمَسْأَلَةُ بِالْعَكْسِ ، فَقَالَ : أَحَلْتُك بِدَيْنِك .\rفَقَالَ : بَلْ وَكَّلْتنِي .\rفَفِيهَا الْوَجْهَانِ أَيْضًا ؛ لِمَا قَدَّمْنَاهُ .\rفَإِنْ قُلْنَا : الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُحِيلِ .\rفَحَلَفَ ، بَرِئَ مِنْ حَقِّ الْمُحْتَالِ ، وَلِلْمُحْتَالِ قَبَضَ الْمَالِ مِنْ الْمُحَالِ عَلَيْهِ لِنَفْسِهِ ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ بُقُولِهِمَا مَعًا ، فَإِذَا قَبَضَهُ كَانَ لَهُ بِحَقِّهِ .\rوَإِنْ قُلْنَا : الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُحْتَالِ ، فَحَلَفَ كَانَ لَهُ","part":10,"page":33},{"id":4533,"text":"مُطَالَبَةُ الْمُحِيلِ بِحَقِّهِ ، وَمُطَالَبَةُ الْمُحْتَالِ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ إمَّا وَكِيلٌ وَإِمَّا مُحْتَالٌ .\rفَإِنْ قَبَضَ مِنْهُ قَبْلَ أَخْذِهِ مِنْ الْمُحِيلِ ، فَلَهُ أَخْذُ مَا قَبَضَ لِنَفْسِهِ ؛ لِأَنَّ الْمُحِيلَ يَقُولُ : هُوَ لَك .\rوَالْمُحْتَالُ يَقُولُ : هُوَ أَمَانَةٌ فِي يَدِي ، وَلِي مِثْلُهُ عَلَى صَاحِبِهِ ، وَقَدْ أَذِنَ لَهُ فِي أَخْذِهِ ضِمْنًا .\rفَإِذَا أَخَذَهُ لِنَفْسِهِ حَصَلَ غَرَضُهُ ، وَلَمْ يَأْخُذْ مِنْ الْمُحِيلِ شَيْئًا .\rوَإِنْ اسْتَوْفَى مِنْ الْمُحِيلِ ، رَجَعَ عَلَى الْمُحَالِ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَثَبَّتَتْ الْوَكَالَةُ بِيَمِينِ الْمُحْتَالِ ، وَبَقِيَ الْحَقُّ فِي ذِمَّةِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ لِلْمُحِيلِ .\rوَالثَّانِي ، لَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ يَعْتَرِفُ أَنَّهُ قَدْ بَرِئَ مِنْ حَقِّهِ ، وَإِنَّمَا الْمُحْتَالُ ظَلَمَهُ بِأَخْذِ مَا كَانَ عَلَيْهِ .\rقَالَ الْقَاضِي : وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ .\rوَإِنْ كَانَ قَدْ قَبَضَ الْحَوَالَةَ ، فَتَلِفَتْ فِي يَدِهِ بِتَفْرِيطٍ ، أَوْ أَتْلَفَهَا ، سَقَطَ حَقُّهُ عَلَى الْوَجْهَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ مُحِقًّا فَقَدْ أَتْلَفَ حَقَّهُ ، وَإِنْ كَانَ مُبْطِلًا فَقَدْ أَتْلَفَ مِثْلَ دَيْنِهِ ، فَيَثْبُت فِي ذِمَّتِهِ وَيَتَقَاصَّانِ .\rوَإِنْ تَلْفِتْ بِغَيْرِ تَفْرِيطِهِ ، فَعَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ ، يَسْقُطُ حَقُّهُ أَيْضًا ؛ لِأَنَّ مَالَهُ تَلِفَ تَحْتَ يَدِهِ .\rوَعَلَى الثَّانِي ، لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْمُحِيلِ بِحَقِّهِ ، وَلَيْسَ لِلْمُحِيلِ الرُّجُوعُ عَلَى الْمُحَالِ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ يَعْتَرِفُ بِبَرَاءَتِهِ .","part":10,"page":34},{"id":4534,"text":"( 3567 ) فَصْلٌ : وَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى أَنَّ الْمُحِيلَ قَالَ : أَحَلْتُك بِدَيْنِك .\rثُمَّ اخْتَلَفَا ، فَقَالَ أَحَدِهِمَا : هِيَ حَوَالَةٌ بِلَفْظِهَا .\rوَقَالَ الْآخَرُ : هِيَ وَكَالَةٌ بِلَفْظِ الْحَوَالَةِ .\rفَالْقَوْلُ قَوْلُ مُدَّعِي الْحَوَالَةِ ، وَجْهًا وَاحِدًا ؛ لِأَنَّ الْحَوَالَةَ بِدَيْنِهِ لَا تَحْتَمِلُ الْوَكَالَةَ ، فَلَمْ يُقْبَلْ قَوْلُ مُدَّعِيهَا .\rوَسَوَاءٌ اعْتَرَفَ الْمُحِيلُ بِدَيْنِ الْمُحْتَالِ ، أَوْ قَالَ : لَا دَيْنَ لَك عَلَيَّ ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ : أَحَلْتُك بِدَيْنِك .\rاعْتِرَافٌ بِدَيْنِهِ ، فَلَا يُقْبَلُ جَحْدُهُ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ .\rفَأَمَّا إنْ لَمْ يَقُلْ بِدَيْنِك ، بَلْ قَالَ : أَحَلْتُك .\rثُمَّ قَالَ : لَيْسَ لَك عَلَيَّ دَيْنٌ ، وَإِنَّمَا عَنَيْت التَّوْكِيلَ بِلَفْظِ الْحَوَالَةِ .\rأَوْ قَالَ : أَرَدْت أَنْ أَقُولَ ، وَكَّلْتُك ، فَسَبَقَ لِسَانِي فَقُلْت : أَحَلْتُك .\rوَادَّعَى الْمُحْتَالُ أَنَّهَا حَوَالَةٌ بِدَيْنِهِ ، وَأَنَّ دَيْنَهُ كَانَ ثَابِتًا عَلَى الْمُحِيلِ ، فَهَلْ ذَلِكَ اعْتِرَافٌ بِالدَّيْنِ أَوْ لَا ؟ فِيهِ وَجْهَانِ ، سَبَقَ تَوْجِيهُهُمَا .","part":10,"page":35},{"id":4535,"text":"( 3568 ) فَصْلٌ : وَإِذَا كَانَ لِرَجُلِ دَيْنٌ عَلَى آخَرَ ، فَطَالَبَهُ بِهِ ، فَقَالَ : قَدْ أَحَلْت بِهِ عَلَيَّ فُلَانًا الْغَائِبَ .\rوَأَنْكَرَ صَاحِبُ الدَّيْنِ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ مَعَ يَمِينِهِ .\rوَإِنْ كَانَ لِمَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ بَيِّنَةٌ بِدَعْوَاهُ ، سُمِعَتْ بَيِّنَتُهُ ، لِإِسْقَاطِ حَقَّ الْمُحِيلِ عَلَيْهِ .\rوَإِنْ ادَّعَى رَجُلٌ أَنَّ فُلَانًا الْغَائِبَ أَحَالَنِي عَلَيْك ، فَأَنْكَرَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ .\rفَإِنْ أَقَامَ الْمُدَّعِي بَيِّنَةً ، ثَبَتَتْ فِي حَقِّهِ وَحَقِّ الْغَائِبِ ؛ لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ يُقْضَى بِهَا عَلَى الْغَائِبِ ، وَلَزِمَ الدَّفْعُ إلَى الْمُحْتَالِ .\rوَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ ، فَأَنْكَرَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ، فَهَلْ تَلْزَمُهُ الْيَمِينُ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ ، بِنَاءً عَلَى مَا لَوْ اعْتَرَفَ لَهُ هَلْ يَلْزَمُهُ الدُّفَعُ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، يَلْزَمُهُ الدَّفْعُ إلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ مُقِرٌّ بِدَيْنِهِ عَلَيْهِ ، وَوُجُوبُ دَفْعِهِ إلَيْهِ ، فَلَزِمَهُ الدَّفْعُ إلَيْهِ ، كَمَا لَوْ كَانَتْ بَيِّنَةً .\rوَالثَّانِي لَا يَلْزَمُهُ الدَّفْعُ إلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَأْمَنُ مِنْ إنْكَارِ الْمُحِيلِ وَرُجُوعِهِ عَلَيْهِ ، فَكَانَ لَهُ الِاحْتِيَاطُ لِنَفْسِهِ ، كَمَا لَوْ ادَّعَى عَلَيْهِ أَنِّي وَكَيْلُ فُلَانٍ فِي قَبْضِ دَيْنِهِ مِنْك ، فَصَدَّقَهُ ، وَقَالَ : لَا أَدْفَعُهُ إلَيْك .\rفَإِذَا قُلْنَا : يَلْزَمُهُ الدُّفَعُ مَعَ الْإِقْرَارِ .\rلَزِمَهُ الْيَمِينُ مَعَ الْإِنْكَارِ .\rفَإِذَا حَلَفَ ، بَرِئَ ، وَلَمْ يَكُنْ لِلْمُحْتَالِ الرُّجُوعُ عَلَى الْمُحِيلِ ؛ لِاعْتِرَافِهِ بِبَرَاءَتِهِ .\rوَكَذَلِكَ إنْ قُلْنَا : لَا تَلْزَمُهُ الْيَمِينُ .\rفَلَيْسَ لِلْمُحْتَالِ الرُّجُوعُ عَلَى الْمُحِيلِ ، ثُمَّ يُنْظَرُ فِي الْمُحِيلِ ، فَإِنْ صَدَقَ الْمُدَّعِي فِي أَنَّهُ أَحَالَهُ ، ثَبَتَتْ الْحَوَّالَةُ لَهُ ؛ لِأَنَّ رِضَى الْمُحَالِ عَلَيْهِ لَا يُعْتَبَرُ .\rوَإِنْ أَنْكَرَ الْحَوَالَةَ ، حَلَفَ ، وَسَقَطَ حُكْمُ الْحَوَالَةِ .\rوَإِنْ نَكَلَ الْمُحَالِ عَلَيْهِ عَنْ الْيَمِينِ ، فَقُضِيَ عَلَيْهِ بِالنُّكُولِ وَاسْتُوْفِيَ الْحَقُّ مِنْهُ ، ثُمَّ إنَّ الْمُحِيلَ صَدَّقَ","part":10,"page":36},{"id":4536,"text":"الْمُدَّعِيَ ، فَلَا كَلَامَ .\rوَإِنْ أَنْكَرَ الْحَوَالَة ، فَالْقَوْلُ قَوْله ، وَلَهُ أَنْ يَسْتَوْفِيَ مِنْ الْمُحَالِ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ مُعْتَرَفٌ لَهُ بِالْحَقِّ وَيَدَّعِي أَنَّ الْمُحْتَالَ ظَلَمَهُ ، وَيَبْقَى دَيْنُ الْمُحْتَالِ عَلَى الْمُحِيلِ .\rوَإِنْ كَانَ الْمُحِيلُ يُنْكِرُ أَنَّ لَهُ عَلَيْهِ دَيْنًا ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ بِغَيْرِ يَمِينٍ ؛ لِأَنَّ الْمُحْتَالَ يُقِرُّ بِبَرَاءَتِهِ مِنْهُ ، لِاسْتِيفَائِهِ مِنْ الْمُحَالِ عَلَيْهِ .\rوَإِنْ كَانَ الْمُحِيلُ يَعْتَرِفُ بِهِ ، لَمْ يَكُنْ لِلْمُحْتَالِ الْمُطَالَبَةُ بِهِ ؛ لِأَنَّهُ يُقِرُّ بِأَنَّهُ قَدْ بَرِئَ مِنْهُ بِالْحَوَالَةِ ، وَالْمُحِيلُ يُصَدِّقُ الْمُحَالَ عَلَيْهِ فِي كَوْنِ الْمُحْتَالِ قَدْ ظَلَمَهُ ، وَاسْتَوْفَى مِنْهُ بِغَيْرِ حَقٍّ ، وَالْمُحْتَالُ يَزْعُمُ أَنَّ الْمُحِيلَ قَدْ أَخَذَ مِنْهُ أَيْضًا بِغَيْرِ حَقٍّ ، وَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَرُدَّ مَا أَخَذَهُ مِنْهُ إلَيْهِ ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَقْبِضَهَا الْمُحْتَالُ ، وَيُسَلِّمُهَا إلَى الْمُحَالِ عَلَيْهِ ، أَوْ يَأْذَنَ لِلْمُحِيلِ فِي دَفْعِهَا إلَى الْمُحَالِ عَلَيْهِ .\rوَإِنْ صَدَّقَ الْمُحَالُ عَلَيْهِ الْمُحْتَالَ فِي الْحَوَالَة ، وَدَفَعَ إلَيْهِ ، فَأَنْكَرَ الْمُحِيلُ الْحَوَالَةَ ، حَلَفَ ، وَرَجَعَ عَلَى الْمُحَالِ عَلَيْهِ .\rوَالْحُكْمُ فِي الرُّجُوعِ بِمَا عَلَى الْمُحِيلِ مِنْ الدَّيْنِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي الَّتِي قَبْلَهَا .","part":10,"page":37},{"id":4537,"text":"( 3569 ) فَصْلٌ : فَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ أَلْفٌ ضَمِنَهُ رَجُلٌ ، فَأَحَالَ الضَّامِنُ صَاحِبَ الدَّيْنِ بِهِ ، بَرِئَتْ ذِمَّتُهُ وَذَمَّةُ الْمَضْمُونِ عَنْهُ ؛ لِأَنَّ الْحَوَالَةَ كَالتَّسْلِيمِ ، وَيَكُونُ الْحُكْمُ هَاهُنَا كَالْحُكْمِ فِيمَا لَوْ قَضَى عَنْهُ الدَّيْنَ .\rفَإِنْ كَانَ الْأَلْفُ عَلَى رَجُلَيْنِ ، عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا خَمْسُمِائَةٍ ، وَكُلُّ وَاحِدٍ كَفِيلٌ عَنْ الْآخَرِ بِذَلِكَ ، فَأَحَالَهُ أَحَدِهِمَا بِالْأَلْفِ ، بَرِئَتْ ذِمَّتُهُمَا مَعًا ، كَمَا لَوْ قَضَاهَا .\rوَإِنْ أَحَالَ صَاحِبُ الْأَلْفِ رَجُلًا عَلَى أَحَدِهِمَا بِعَيْنِهِ بِالْأَلْفِ ، صَحَّتْ الْحَوَالَةُ ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُسْتَقِرٌّ .\rوَإِنْ أَحَالَ عَلَيْهِمَا جَمِيعًا ، لِيَسْتَوْفِيَ مِنْهُمَا ، أَوْ مِنْ أَيِّهِمَا شَاءَ صَحَّتْ الْحَوَالَةُ أَيْضًا عِنْدَ الْقَاضِي ؛ لِأَنَّهُ لَا فَضْلَ هَاهُنَا فِي نَوْعٍ وَلَا أَجَلٍ وَلَا عَدَدٍ ، وَإِنَّمَا هُوَ زِيَادَةُ اسْتِيثَاقٍ ، فَلَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ صِحَّةَ الْحَوَالَةِ ، كَحَوَالَةِ الْمُعْسِرِ عَلَى الْمَلِيءِ .\rوَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ : لَا تَصِحُّ الْحَوَالَةُ ؛ لِأَنَّ الْفَضْلَ قَدْ دَخَلَهَا ، فَإِنَّ الْمُحْتَالَ ارْتَفَقَ بِالتَّخْيِيرِ بِالِاسْتِيفَاءِ مِنْهُمَا ، أَوْ مِنْ أَيِّهِمَا شَاءَ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَحَالَهُ عَلَى رَجُلَيْنِ لَهُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَلْفٌ لِيَسْتَوْفِيَ مِنْ أَيِّهِمَا شَاءَ .\rوَالْأَوَّلُ أَصَحُّ .\rوَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ، وَبَيْنَ مَا إذَا أَحَالَهُ بِأَلْفَيْنِ ، أَنَّهُ لَا فَضْلَ بَيْنَهُمَا فِي الْعَدَدِ هَاهُنَا ، وَثَمَّ تَفَاضَلَا فِيهِ ، وَلِأَنَّ الْحَوَالَةَ هَاهُنَا بِأَلْفِ مُعَيَّنٍ ، وَثَمَّ الْحَوَالَةُ بِأَحَدِهِمَا مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ ، وَأَنَّهُ إذَا قَضَاهُ أَحَدُهُمَا الْأَلْفَ فَقَدْ قَضَى جَمِيعَ الدَّيْنِ ، وَثَمَّ إذَا قَضَى أَحَدَهُمَا بَقِيَ مَا عَلَى الْآخَرِ ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الرَّجُلَيْنِ ضَامِنًا عَنْ صَاحِبَهُ ، فَأَحَالَ عَلَيْهِمَا ، صَحَّتْ الْحَوَالَةُ بِغَيْرِ إشْكَالٍ ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ لَهُ أَنْ يَسْتَوْفِيَ الْأَلْفَ مِنْ وَاحِدٍ","part":10,"page":38},{"id":4538,"text":"، كَانَ لَهُ أَنْ يَسْتَوْفِيَ مِنْ اثْنَيْنِ ، كَالْوَكِيلَيْنِ .","part":10,"page":39},{"id":4539,"text":"بَاب الضَّمَان ( 3570 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَمَنْ ضُمِنَ عَنْهُ حَقٌّ بَعْدَ وُجُوبِهِ ، أَوْ قَالَ : مَا أَعْطَيْته فَهُوَ عَلَيَّ .\rفَقَدْ لَزِمَهُ مَا صَحَّ أَنَّهُ أَعْطَاهُ ) .\rالضَّمَانُ : ضَمُّ ذِمَّةِ الضَّامِنِ إلَى ذِمَّةِ الْمَضْمُونِ عَنْهُ فِي الْتِزَامِ الْحَقِّ .\rفَيَثْبُتُ فِي ذِمَّتِهِمَا جَمِيعًا ، وَلِصَاحِبِ الْحَقِّ مُطَالَبَةُ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا ، وَاشْتِقَاقُهُ مِنْ الضَّمِّ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : هُوَ مُشْتَقٌّ مِنْ التَّضْمِينِ ؛ لِأَنَّ ذِمَّةَ الضَّامِنِ تَتَضَمَّنُ الْحَقَّ .\rوَالْأَصْلُ فِي جَوَازِهِ ، الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ ، أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ } .\rوَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : الزَّعِيمُ الْكَفِيلُ .\rوَأَمَّا السُّنَّةُ فَمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { الزَّعِيمُ غَارِمٌ } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَالتِّرْمِذِيُّ .\rوَقَالَ : حَدِيثٌ حَسَنٌ ، وَرَوَى الْبُخَارِيُّ ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُتِيَ بِرَجُلٍ لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ ، فَقَالَ : هَلْ عَلَيْهِ دَيْنٌ ؟ قَالُوا : نَعَمْ ، دِينَارَانِ .\rقَالَ : هَلْ تَرَكَ لَهُمَا وَفَاءً ؟ قَالُوا : لَا ، فَتَأَخَّرَ ، فَقِيلَ : لَمْ لَا تُصَلِّ عَلَيْهِ ؟ : فَقَالَ : مَا تَنْفَعُهُ صَلَاتِي وَذِمَّتُهُ مَرْهُونَةٌ ؟ أَلَا إنْ قَامَ أَحَدُكُمْ فَضَمِنَهُ .\rفَقَامَ أَبُو قَتَادَةَ ، فَقَالَ : هُمَا عَلَيَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَصَلَّى عَلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ } .\rوَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى جَوَازِ الضَّمَانِ فِي الْجُمْلَةِ .\rوَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي فُرُوعٍ نَذْكُرُهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّهُ يُقَالُ : ضَمِينٌ ، وَكَفِيلٌ ، وَقَبِيلٌ ، وَحَمِيلٌ ، وَزَعِيمٌ ، وَصَبِيرٌ ، بِمَعْنِيِّ وَاحِدٍ .\rوَلَا بُدَّ فِي الضَّمَان مِنْ ضَامِن ، ومضمون عَنْهُ ، ومضمون لَهُ .\rوَلَا بد مِنْ رِضَى الضَّامِن ، فَإِن أُكْرِهَ عَلَى الضَّمَانِ لَمْ يَصِحَّ ، وَلَا يُعْتَبَرُ رِضَى الْمَضْمُونِ عَنْهُ .\rلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا .","part":10,"page":40},{"id":4540,"text":"لِأَنَّهُ لَوْ قُضِيَ الدَّيْنُ عَنْهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ وَرِضَاهُ صَحَّ ، فَكَذَلِكَ إذَا ضَمِنَ عَنْهُ .\rوَلَا يُعْتَبَرُ رِضَى الْمَضْمُونِ لَهُ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ : يُعْتَبَرُ ؛ لِأَنَّهُ إثْبَاتُ مَالٍ لِآدَمِي ، فَلَمْ يَثْبُتْ إلَّا بِرِضَاهُ أَوْ رِضَى مَنْ يَنُوبُ عَنْهُ ، كَالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ .\rوَعَنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ كَالْمَذْهَبَيْنِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ أَبَا قَتَادَةَ ضَمِنَ مِنْ غَيْرِ رِضَى الْمَضْمُونِ عَنْهُ ، فَأَجَازَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَذَلِكَ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ .\rرَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَلِأَنَّهُمَا وَثِيقَةٌ لَا يُعْتَبَرُ فِيهَا قَبْضٌ ، فَأَشْبَهَتْ الشَّهَادَةَ ، وَلِأَنَّهُ ضَمَانُ دَيْنٍ ، فَأَشْبَهَ ضَمَانَ بَعْضِ الْوَرَثَةِ دَيْنٍ الْمَيِّتِ لِلْغَائِبِ ، وَقَدْ سَلَّمُوهُ .\r( 3571 ) فَصْلٌ : وَلَا يُعْتَبَرُ أَنْ يَعْرِفَهُمَا الضَّامِنُ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : يُعْتَبَرُ مَعْرِفَتُهُمَا ، لِيَعْلَمَ هَلْ الْمَضْمُونُ عَنْهُ أَهْلٌ لِاصْطِنَاعِ الْمَعْرُوفِ إلَيْهِ أَوَّلًا ؟ وَلِيَعْرِفَ الْمَضْمُونَ لَهُ ، فَيُؤَدِّيَ إلَيْهِ .\rوَذَكَرَ وَجْهًا آخَرَ ، أَنَّهُ تُعْتَبَرُ مَعْرِفَةُ الْمَضْمُونِ لَهُ لِذَلِكَ .\rوَلَا تُعْتَبَرُ مَعْرِفَةُ الْمَضْمُونِ عَنْهُ ؛ لِأَنَّهُ لَا مُعَامَلَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ .\rوَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ نَحْو هَذِهِ .\rوَلَنَا ، حَدِيثُ عَلِيٍّ وَأَبِي قَتَادَةَ ، فَإِنَّهُمَا ضَمِنَا لِمَنْ لَمْ يَعْرِفَاهُ عَمَّنْ لَمْ يَعْرِفَاهُ .\rوَلِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ بِالْتِزَامِ مَالٍ ، فَلَمْ يُعْتَبَرْ مَعْرِفَةُ مَنْ يَتَبَرَّعُ لَهُ بِهِ ، كَالنَّذْرِ .","part":10,"page":41},{"id":4541,"text":"فَصْلٌ : وَقَدْ دَلَّتْ مَسْأَلَةُ الْخِرَقِيِّ عَلَى أَحْكَامٍ ؛ مِنْهَا ، صِحَّةُ ضَمَانِ الْمَجْهُولِ ؛ لِقَوْلِهِ : مَا أَعْطَيْته فَهُوَ عَلَيَّ .\rوَهَذَا مَجْهُولٌ فَمَتَى قَالَ : أَنَا ضَامِنٌ لَك مَالَك عَلَى فُلَانٍ ، أَوْ مَا يُقْضَى بِهِ عَلَيْهِ ، أَوْ مَا تَقُومُ بِهِ الْبَيِّنَةُ ، أَوْ يُقِرُّ بِهِ لَك ، أَوْ مَا يَخْرُجُ فِي رَوْز مَانِحك .\rصَحَّ الضَّمَانُ .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ .\rوَقَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَاللَّيْثُ ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ : لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّهُ الْتِزَامُ مَالٍ ، فَلَمْ يَصِحَّ مَجْهُولًا ، كَالثَّمَنِ فِي الْمَبِيعِ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ } ، وَحِمْلُ الْبَعِيرِ غَيْرُ مَعْلُومٍ ؛ لِأَنَّ حِمْلَ الْبَعِيرِ يَخْتَلِف بِاخْتِلَافِهِ ، وَعُمُومُ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { الزَّعِيمُ غَارِمٌ } ، وَلِأَنَّهُ الْتِزَامُ حَقٍّ فِي الذِّمَّةِ مِنْ غَيْرِ مُعَاوَضَةٍ ، فَصَحَّ فِي الْمَجْهُولِ ، كَالنَّذْرِ وَالْإِقْرَارِ ، وَلِأَنَّهُ يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ بِضَرَرٍ وَخَطَرٍ ، وَهُوَ ضَمَانُ الْعُهْدَةِ .\rوَإِذَا قَالَ : أَلْقِ مَتَاعَك فِي الْبَحْرِ ، وَعَلَيَّ ضَمَانُهُ .\rأَوْ قَالَ : ادْفَعْ ثِيَابَك إلَى هَذَا الرِّفَاء ، وَعَلَيَّ ضَمَانُهَا .\rفَصَحَّ الْمَجْهُولُ ، كَالْعِتْقِ وَالطَّلَاقِ .","part":10,"page":42},{"id":4542,"text":"وَمِنْهَا صِحَّةُ ضَمَانِ مَا لَمْ يَجِبْ ، فَإِنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ : \" مَا أَعْطَيْته \" ، أَيْ مَا يُعْطِيه فِي الْمُسْتَقْبَلِ ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ عَطَفَهُ عَلَى مَنْ ضَمِنَ عَنْهُ حَقٌّ بَعْدَ وُجُوبِهِ عَلَيْهِ ، فَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُهُ ، وَلَوْ كَانَ \" مَا أَعْطَيْته \" فِي الْمَاضِي ، كَانَ مَعْنَى الْمَسْأَلَتَيْنِ سَوَاءً ، أَوْ إحْدَاهُمَا دَاخِلَةً فِي الْأُخْرَى .\rوَالْخِلَافُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَدَلِيلُ الْقَوْلَيْنِ ، كَاَلَّتِي قَبْلَهَا ، إلَّا أَنَّهُمْ قَالُوا : الضَّمَانُ ضَمُّ ذِمَّةٍ إلَى ذِمَّةٍ فِي الْتِزَامِ الدَّيْنِ ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى الْمَضْمُونِ عَنْهُ شَيْءٌ ، فَلَا ضَمَّ فِيهِ ، فَلَا يَكُونُ ضَمَانًا .\rقُلْنَا : قَدْ ضَمَّ ذِمَّته إلَى ذِمَّةِ الْمَضْمُونِ عَنْهُ فِي أَنَّهُ يَلْزَمُهُ مَا يَلْزَمُهُ ، وَأَنَّ مَا ثَبَتَ فِي ذِمَّة مَضْمُونِهِ يَثْبُتُ فِي ذِمَّتِهِ .\rوَهَذَا كَافٍ .\rوَقَدْ سَلَّمُوا ضَمَانَ مَا يُلْقِيه فِي الْبَحْرِ قَبْلَ وُجُوبِهِ بِقَوْلِهِ : أَلْقِ مَتَاعَك فِي الْبَحْرِ ، وَعَلَيَّ ضَمَانُهُ .\rوَسَلَّمَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ ضَمَانَ الْجَعْلِ فِي الْجَعَالَةِ قَبْلَ الْعَمَلِ ، وَمَا وَجَبَ شَيْءٌ بَعْدُ .","part":10,"page":43},{"id":4543,"text":"وَمِنْهَا ، أَنَّ الضَّمَانَ إذَا صَحَّ لَزِمَ الضَّامِنَ مِنْ أَدَاءِ مَا ضَمِنَهُ ، وَكَانَ لِلْمَضْمُونِ لَهُ مُطَالَبَتُهُ .\rوَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا .\rوَهُوَ فَائِدَةُ الضَّمَانِ ، وَقَدْ دَلَّ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { وَالزَّعِيمُ غَارِمٌ } .\rوَاشْتِقَاقُ اللَّفْظِ .","part":10,"page":44},{"id":4544,"text":"وَمِنْهَا صِحَّةُ الضَّمَانِ عَنْ كُلِّ وَجَبَ عَلَيْهِ حَقٌّ ، حَيًّا كَانَ أَوْ مَيِّتًا ، مَلِيئًا أَوْ مُفْلِسًا ؛ لِعُمُومِ لَفْظِهِ فِيهِ .\rوَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَصِحُّ ضَمَانُ دَيْنِ الْمَيِّتِ ، إلَّا أَنْ يَخْلُفَ وَفَاءً ، فَإِنْ خَلَفَ بَعْضَ الْوَفَاءِ ، صَحَّ ضَمَانُهُ بِقَدْرِ مَا خَلَفَ ؛ لِأَنَّهُ دَيْنٌ سَاقِطٌ ، فَلَمْ يَصِحَّ ضَمَانُهُ ، كَمَا لَوْ سَقَطَ بِالْأَبْرَاءِ ، وَلِأَنَّ ذِمَّتَهُ قَدْ خَرِبَتْ خَرَابًا لَا تَعْمُرُ بَعْدَهُ ، فَلَمْ يَبْقَ فِيهَا دَيْنٌ ، وَالضَّمَانُ : ضَمُّ ذِمَّةٍ إلَى ذِمَّةٍ فِي الْتِزَامِهِ .\rوَلَنَا ، حَدِيثُ أَبِي قَتَادَةَ وَعَلِيٍّ ، فَإِنَّهُمَا ضَمِنَا دَيْنَ مَيِّتٍ لَمْ يَخْلُفْ وَفَاءً .\rوَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَضَّهُمْ عَلَى ضَمَانِهِ فِي حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ ، بِقَوْلِهِ : { أَلَا قَامَ أَحَدُكُمْ فَضَمِنَهُ ؟ } وَهَذَا صَرِيحٌ فِي الْمَسْأَلَةِ ، وَلِأَنَّهُ دَيْنٌ ثَابِتٌ ، فَصَحَّ ضَمَانُهُ ، كَمَا لَوْ خَلَفَ وَفَاءً ، وَدَلِيلُ ثُبُوتِهِ أَنَّهُ لَوْ تَبَرَّعَ رَجُلٌ بِقَضَاءِ دَيْنِهِ ، جَازَ لِصَاحِبِ الدَّيْنِ اقْتِضَاؤُهُ ، وَلَوْ ضَمِنَهُ حَيًّا ثُمَّ مَاتَ ، لَمْ تَبْرَأْ ذِمَّةُ الضَّامِنِ ، وَلَوْ بَرِئَتْ ذِمَّةُ الْمَضْمُونِ عَنْهُ بَرِئَتْ ذِمَّة الضَّامِنِ ، وَفِي هَذَا انْفِصَالٌ عَمَّا ذَكَرُوهُ .","part":10,"page":45},{"id":4545,"text":"وَمِنْهَا ، صِحَّةُ الضَّمَانِ فِي كُلِّ حَقٍّ ، أَعْنِي مِنْ الْحُقُوقِ الْمَالِيَّةِ الْوَاجِبَةِ ، أَوْ الَّتِي تَئُولُ إلَى الْوُجُوبِ ، كَثَمَنِ الْمَبِيعِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ وَبَعْدَهُ ، وَالْأُجْرَةِ وَالْمَهْرِ قَبْلَ الدُّخُولِ أَوْ بَعْدَهُ ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْحُقُوقَ لَازِمَةٌ ، وَجَوَازُ سُقُوطِهَا لَا يَمْنَعُ ضَمَانَهَا ، كَالثَّمَنِ فِي الْمَبِيعِ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْخِيَارِ ، وَيَجُوزُ أَنْ يَسْقُطَ بِرَدِّ بِعَيْبِ أَوْ مُقَايَلَةٍ .\rوَبِهَذَا كُلِّهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ .","part":10,"page":46},{"id":4546,"text":"( 3573 ) فَصْلٌ : فِيمَا يَصِحُّ ضَمَانُهُ : وَيَصِحُّ ضَمَانُ الْجَعْلِ فِي الْجَعَالَةِ ، وَفِي الْمُسَابَقَةِ وَالْمُنَاضَلَةِ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ : لَا يَصِحُّ ضَمَانُهُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَئُولُ إلَى اللُّزُومِ ، فَلَمْ يَصِحَّ ضَمَانُهُ ، كَمَا فِي الْكِتَابَةِ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ } .\rوَلِأَنَّهُ يَئُولُ إلَى اللُّزُومِ إذَا عَمِلَ الْعَمَلَ ، وَإِنَّمَا الَّذِي لَا يَلْزَمُ الْعَمَلُ ، وَالْمَالُ يَلْزَمُ بِوُجُودِهِ ، وَالضَّمَانُ لِلْمَالِ دُونَ الْعَمَلِ .\rوَيَصِحُّ ضَمَانُ أَرْشِ الْجِنَايَةِ ، سَوَاءٌ كَانَتْ نُقُودًا كَقِيَمِ الْمُتْلَفَاتِ ، أَوْ حَيَوَانًا كَالدِّيَاتِ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ : لَا يَصِحُّ ضَمَانُ الْحَيَوَانِ الْوَاجِبِ فِيهَا ؛ لِأَنَّهُ مَجْهُولٌ .\rوَقَدْ مَضَى الدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ ضَمَانِ الْمَجْهُولِ ، وَلِأَنَّ الْإِبِلَ الْوَاجِبَةَ فِي الذِّمَّةِ مَعْلُومَةُ الْأَسْنَانِ وَالْعَدَدِ ، وَجَهَالَةُ اللَّوْنِ أَوْ غَيْرُهُ مِنْ الصِّفَاتِ الْبَاقِيَةِ لَا تَضُرُّ ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَلْزَمُهُ أَدْنَى لَوْنٍ أَوْ صِفَةٍ فَتَحْصُلُ مَعْلُومَةً ، وَكَذَلِكَ غَيْرُهَا مِنْ الْحَيَوَانِ ، وَلِأَنَّ جَهْلَ ذَلِكَ لَمْ يَمْنَعْ وُجُوبَهُ بِالْإِتْلَافِ ، فَلَمْ يَمْنَعْ وُجُوبَهُ بِالِالْتِزَامِ .\rوَيَصِحُّ ضَمَانُ نَفَقَةَ الزَّوْجَةِ ، سَوَاءٌ كَانَتْ نَفَقَةَ يَوْمِهَا أَوْ مُسْتَقْبَلَةً ؛ لِأَنَّ نَفَقَةَ الْيَوْمِ وَاجِبَةٌ ، وَالْمُسْتَقْبِلَةُ مَآلُهَا إلَى اللُّزُومِ ، وَيَلْزَمُهُ مَا يَلْزَمُ الزَّوْجَ فِي قِيَاسِ الْمَذْهَبِ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : إذَا ضَمِنَ نَفَقَةَ الْمُسْتَقْبَلِ ، لَمْ تَلْزَمْهُ إلَّا نَفَقَةُ الْمُعْسِرِ ؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى ذَلِكَ تَسْقُطُ بِالْإِعْسَارِ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ عَلَى الْقَوْلِ الَّذِي قَالَ فِيهِ : يَصِحُّ ضَمَانُهَا .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ يَصِحُّ ضَمَانُ مَا لَمْ يَجِبْ ، وَاحْتِمَالُ عَدَمِ وُجُوبِ الزِّيَادَةِ لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ ضَمَانِهَا ، بِدَلِيلِ الْجَعْلِ فِي الْجَعَالَةِ ، وَالصَّدَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ ، وَالْمَبِيعِ فِي مُدَّةِ","part":10,"page":47},{"id":4547,"text":"الْخِيَارِ .\rفَأَمَّا النَّفَقَةُ فِي الْمَاضِي ، فَإِنْ كَانَتْ وَاجِبَةً ، إمَّا بِحُكْمِ الْحَاكِمِ بِهَا ، أَوْ قُلْنَا : بِوُجُوبِهَا بِدُونِ حُكْمِهِ ، صَحَّ ضَمَانُهَا ، وَإِلَّا فَلَا .\rوَيَصِحُّ ضَمَانُ مَالِ السَّلَمِ ، فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ .\rوَالْأُخْرَى لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى اسْتِيفَاءِ الْمُسْلَمِ فِيهِ مِنْ غَيْرِ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ ، فَلَمْ يَجُزْ ، كَالْحَوَالَةِ بِهِ .\rوَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ؛ لِأَنَّهُ دَيْنٌ لَازِمٌ فَصَحَّ ضَمَانُهُ ، كَالْأُجْرَةِ وَثَمَنِ الْمَبِيعِ .\rوَلَا يَصِحُّ ضَمَانُ مَالِ الْكِتَابَةِ ، فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ .\rوَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rوَالْأُخْرَى : يَصِحُّ ؛ لِأَنَّهُ دَيْنٌ عَلَى الْمُكَاتَبِ ، فَصَحَّ ضَمَانُهُ ، كَسَائِرِ الدُّيُونِ عَلَيْهِ .\rوَالْأُولَى أَصَحُّ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِلَازِمٍ .\rوَلَا مَآلُهُ إلَى اللُّزُومِ ، فَإِنَّ لِلْمُكَاتَبِ تَعْجِيزَ نَفْسِهِ ، وَالِامْتِنَاعَ عَنْ أَدَائِهِ ، فَإِذَا لَمْ يَلْزَمْ الْأَصِيلَ ، فَالضَّمِينُ أَوْلَى .\rوَيَصِحُّ ضَمَانُ الْأَعْيَانِ الْمَضْمُونَةِ ، كَالْمَغْصُوبِ وَالْعَارِيَّةِ .\rوَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ ، وَقَالَ فِي الْآخَرِ : لَا يَصِحَّ ؛ لِأَنَّ الْأَعْيَانَ غَيْرُ ثَابِتَةٍ فِي الذِّمَّةِ ، وَإِنَّمَا يَضْمَنُ مَا ثَبَتَ فِي الذِّمَّةِ ، وَوَصْفُنَا لَهَا بِالضَّمَانِ إنَّمَا مَعْنَاهُ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ قِيمَتُهَا إنَّ تَلِفَتْ ، وَالْقِيمَةُ مَجْهُولَةٌ .\rوَلَنَا ، أَنَّهَا مَضْمُونَةٌ عَلَى مَنْ هِيَ فِي يَدِهِ ، فَصَحَّ ضَمَانُهَا ، كَالْحُقُوقِ الثَّابِتَةِ فِي الذِّمَّةِ .\rوَقَوْلُهُمْ : إنَّ الْأَعْيَانَ لَا تَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ .\rقُلْنَا : الضَّمَانُ فِي الْحَقِيقَةِ إنَّمَا هُوَ ضَمَانُ اسْتِنْقَاذِهَا وَرَدِّهَا ، وَالْتِزَامُ تَحْصِيلِهَا أَوْ قِيمَتِهَا عِنْدَ تَلَفِهَا .\rوَهَذَا مِمَّا يَصِحُّ ضَمَانُهُ ، كَعُهْدَةِ الْمَبِيعِ ، فَإِنَّ ضَمَانَهَا يَصِحُّ ، وَهُوَ فِي الْحَقِيقَة الْتِزَامُ رَدِّ الثَّمَنِ أَوْ عِوَضِهِ ، إنْ ظَهَرَ بِالْبَيْعِ عَيْبٌ ، أَوْ خَرَجَ مُسْتَحَقًّا ، فَأَمَّا الْأَمَانَاتُ ، كَالْوَدِيعَةِ ،","part":10,"page":48},{"id":4548,"text":"وَالْعَيْنِ الْمُؤَجَّرَة ، وَالشَّرِكَةِ ، وَالْمُضَارَبَةِ ، وَالْعَيْنِ الَّتِي يَدْفَعُهَا إلَى الْقَصَّارِ وَالْخَيَّاطِ ، فَهَذِهِ إنْ ضَمِنَهَا مِنْ غَيْرِ تَعَدٍّ فِيهَا ، لَمْ يَصِحَّ ضَمَانُهَا ؛ لِأَنَّهَا غَيْرُ مَضْمُونَةٍ عَلَى مَنْ هِيَ فِي يَدِهِ ، فَكَذَلِكَ عَلَى ضَامِنِهِ .\rوَإِنْ ضَمِنَهَا إنْ تَعَدَّى فِيهَا ، فَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ ، يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ الضَّمَانِ ؛ فَإِنَّهُ قَالَ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ ، فِي رَجُلٍ يَتَقَبَّلُ مِنْ النَّاسِ الثِّيَابَ ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ : ادْفَعْ إلَيْهِ ثِيَابَك ، وَأَنَا ضَامِنٌ .\rفَقَالَ لَهُ : هُوَ ضَامِنٌ لِمَا دَفَعَهُ إلَيْهِ .\rيَعْنِي إذَا تَعَدَّى أَوْ تَلِفَ بِفِعْلِهِ .\rفَعَلَى هَذَا إنْ تَلِفَ بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ مِنْهُ وَلَا فِعْلِهِ ، لَمْ يَلْزَمْ الضَّامِنَ شَيْءٌ ، لِمَا ذَكَرْنَا ، وَإِنْ تَلِفَ بِفِعْلِهِ أَوْ تَفْرِيطٍ لَزِمَ ضَمَانُهَا وَلَزِمَ ضَامِنُهُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهَا مَضْمُونَةٌ عَلَى مَنْ هِيَ فِي يَدِهِ ، فَلَزِمَ ضَامِنَهُ ، كَالْغُصُوبِ وَالْعَوَارِيّ .\rوَهَذَا فِي الْحَقِيقَةِ ضَمَانُ مَا لَمْ يَجِبْ ، وَقَدْ بَيَّنَّا جَوَازَهُ .\rوَيَصِحُّ ضَمَانُ عُهْدَةِ الْمَبِيعِ عَنْ الْبَائِعِ لِلْمُشْتَرِي ، وَعَنْ الْمُشْتَرِي لِلْبَائِعِ ، فَضَمَانُهُ عَلَى الْمُشْتَرِي هُوَ أَنْ يَضْمَنَ الثَّمَنَ الْوَاجِبَ بِالْبَيْعِ قَبْلَ تَسْلِيمِهِ ، وَإِنْ ظَهَرَ فِيهِ عَيْبٌ أَوْ اُسْتُحِقَّ ، رَجَعَ بِذَلِكَ عَلَى الضَّامِنِ ، وَضَمَانُهُ عَنْ الْبَائِعِ لِلْمُشْتَرِي هُوَ أَنْ يَضْمَنَ عَنْ الْبَائِعِ الثَّمَنَ مَتَى خَرَجَ الْمَبِيعُ مُسْتَحَقًّا ، أَوْ رُدَّ بِعَيْبٍ ، أَوْ أَرْشِ الْعَيْبِ .\rفَضَمَانُ الْعُهْدَةِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ هُوَ ضَمَانُ الثَّمَنِ أَوْ جُزْءٍ مِنْهُ عَنْ أَحَدِهِمَا لِلْآخَرِ .\rوَحَقِيقَةُ الْعُهْدَةِ الْكِتَابُ الَّذِي يَكْتُبُ فِيهِ وَثِيقَةَ الْبَيْعِ ، وَيَذْكُرُ فِيهِ الثَّمَنَ ، فَعُبِّرَ بِهِ عَنْ الثَّمَنِ الَّذِي يَضْمَنُهُ .\rوَمِمَّنْ أَجَازَ ضَمَانَ الْعُهْدَةِ فِي الْجُمْلَةِ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ .\rوَمَنَعَ مِنْهُ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ ؛ لِكَوْنِهِ ضَمَانَ مَا لَمْ يَجِبْ ، وَضَمَانَ مَجْهُولٍ ،","part":10,"page":49},{"id":4549,"text":"وَضَمَانَ عَيْنٍ .\rوَقَدْ بَيَّنَّا جَوَازَ الضَّمَانِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ .\rوَلِأَنَّ الْحَاجَةَ تَدْعُو إلَى الْوَثِيقَةِ عَلَى الْبَائِعِ ، وَالْوَثَائِقُ ثَلَاثَةٌ ؛ الشَّهَادَةُ ، وَالرَّهْنُ ، وَالضَّمَانُ .\rفَأَمَّا الشَّهَادَةُ فَلَا يُسْتَوْفَى مِنْهَا الْحَقُّ ، وَأَمَّا الرَّهْنُ فَلَا يَجُوزُ فِي ذَلِكَ بِالْإِجْمَاعِ ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى أَنْ يَبْقَى أَبَدًا مَرْهُونًا ، فَلَمْ يَبْقَ إلَّا الضَّمَانُ .\rوَلِأَنَّهُ لَا يَضْمَنُ إلَّا مَا كَانَ وَاجِبًا حَالَ الْعَقْدِ ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِالضَّمَانِ حُكْمٌ إذَا خَرَجَ مُسْتَحَقًّا أَوْ مَعِيبًا حَالَ الْعَقْدِ ، وَمَتَى كَانَ كَذَلِكَ ، فَقَدْ ضَمِنَ مَا وَجَبَ حِينَ الْعَقْدِ ، وَالْجَهَالَةُ مُنْتَفِيَةٌ ؛ لِأَنَّهُ ضَمِنَ الْجُمْلَةَ ، فَإِذَا خَرَجَ بَعْضُهُ مُسْتَحَقًّا ، لَزِمَهُ بَعْضُ مَا ضَمِنَهُ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّهُ يَصِحُّ ضَمَانُ الْعُهْدَةِ عَنْ الْبَائِعِ لِلْمُشْتَرِي قَبْلَ قَبْضِ الثَّمَنِ وَبَعْدَهُ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : إنَّمَا يَصِحُّ بَعْدَ الْقَبْضِ ؛ لِأَنَّهُ قَبْلَ الْقَبْضِ لَوْ خَرَجَ مُسْتَحَقًّا لَمْ يَجِبْ عَلَى الْبَائِعِ شَيْءٌ .\rوَهَذَا يَنْبَنِي عَلَى ضَمَانِ مَا لَمْ يَجِبْ إذَا كَانَ مُفْضِيًا إلَى الْوُجُوبِ ، كَالْجَعَالَةِ .\rوَأَلْفَاظُ ضَمَانِ الْعُهْدَةِ أَنْ يَقُولَ : ضَمِنْت عُهْدَتَهُ أَوْ ثَمَنَهُ أَوْ دَرَكَهُ .\rأَوْ يَقُولَ لِلْمُشْتَرِي : ضَمِنْت خَلَاصَك مِنْهُ .\rأَوْ يَقُولَ : مَتَى خَرَجَ الْمَبِيعُ مُسْتَحَقًّا فَقَدْ ضَمِنْت لَك الثَّمَنَ .\rوَحُكِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ ، أَنَّهُ قَالَ : ضَمِنْت عُهْدَته ، أَوْ ضَمِنَتْ لَك الْعُهْدَةَ .\rوَالْعُهْدَةُ فِي الْحَقِيقَةِ : هِيَ الصَّكُّ الْمَكْتُوبُ فِيهِ الِابْتِيَاعُ .\rهَكَذَا فَسَّرَهُ بِهِ أَهْلُ اللُّغَةِ ، فَلَا يَصِحُّ ضَمَانُهُ لِلْمُشْتَرِي ؛ لِأَنَّهُ مِلْكُهُ ، وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ ؛ لِأَنَّ الْعُهْدَةَ صَارَتْ فِي الْعُرْفِ عِبَارَةً عَنْ الدَّرْكِ وَضَمَانِ الثَّمَنِ ، وَالْكَلَامُ الْمُطْلَقُ يُحْمَلُ عَلَى الْأَسْمَاءِ الْعُرْفِيَّةِ دُونَ اللُّغَوِيَّةِ ، كَالرَّاوِيَةِ ، تُحْمَلُ عِنْدَ إطْلَاقِهَا عَلَى الْمَزَادَةِ ، لَا عَلَى الْجَمَلِ ، وَإِنْ كَانَ هُوَ","part":10,"page":50},{"id":4550,"text":"الْمَوْضُوعَ .\rفَأَمَّا إنْ ضَمِنَ لَهُ خَلَاصَ الْمَبِيعِ ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : هُوَ بَاطِلٌ ؛ لِأَنَّهُ إذَا خَرَجَ حُرًّا أَوْ مُسْتَحَقًّا ، لَا يَسْتَطِيعُ تَخْلِيصَهُ ، وَلَا يَحِلُّ .\rوَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ ، فِي رَجُلٍ بَاعَ عَبْدًا أَوْ أَمَةً ، وَضَمِنَ لَهُ الْخَلَاصَ ، فَقَالَ : كَيْفَ يَسْتَطِيعُ الْخَلَاصَ إذَا خَرَجَ حُرًّا ؟ فَإِنْ ضَمِنَ عُهْدَةَ الْمَبِيعِ وَخَلَاصَهُ ، بَطَلَ فِي الْخَلَاصِ .\rوَهَلْ يَصِحُّ فِي الْعُهْدَةِ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ ، بِنَاءً عَلَى تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ .\rإذَا ثَبَتَ صِحَّةُ ضَمَانِ الْعُهْدَةِ ، فَالْكَلَامُ فِيمَا يَلْزَمُ الضَّامِنَ ، فَنَقُولُ : إنَّ اسْتِحْقَاقَ رُجُوعِ الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ لَا يَخْلُو ، إمَّا أَنْ يَكُونَ بِسَبَبِ حَادِثٍ بَعْدَ الْعَقْدِ ، أَوْ مُقَارِنٍ لَهُ ، فَأَمَّا الْحَادِثُ فَمِثْلُ تَلَفِ الْمَبِيعِ مِنْ الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ فِي يَدِ الْبَائِعِ أَوْ بِغَصْبِ مِنْ يَدِهِ أَوْ يَتَقَايَلَانِ ، فَإِنَّ الْمُشْتَرِيَ يَرْجِعُ عَلَى الْبَائِعِ دُونَ الضَّامِنِ ؛ لِأَنَّ هَذَا الِاسْتِحْقَاقَ لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا حَالَ الْعَقْدِ ، وَإِنَّمَا ضَمِنَ الِاسْتِحْقَاقَ الْمَوْجُودَ حَالَ الْعَقْدِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يَرْجِعَ بِهِ عَلَى الضَّامِنِ ؛ لِأَنَّ ضَمَانَ مَا لَمْ يَجِبْ جَائِزٌ ، وَهَذَا مِنْهُ .\rوَأَمَّا إنْ كَانَ بِسَبَبٍ مُقَارِنٍ ، نَظَرْنَا ؛ فَإِنْ كَانَ بِسَبَبٍ لَا تَفْرِيطَ مِنْ الْبَائِعِ فِيهِ ، كَأَخْذِهِ بِالشُّفْعَةِ ، فَإِنَّ الْمُشْتَرِيَ يَأْخُذُ الثَّمَنَ مِنْ الشَّفِيعِ وَلَا يَرْجِعُ عَلَى الْبَائِعِ وَلَا الضَّامِنِ .\rوَمَتَى لَمْ يَجِبْ عَلَى الْمَضْمُونِ عَنْهُ شَيْءٌ ، لَمْ يَجِبْ عَلَى الضَّامِنِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى .\rوَأَمَّا إنْ زَالَ مِلْكُهُ عَنْ الْمَبِيعِ بِسَبَبٍ مُقَارِنٍ لِتَفْرِيطٍ مِنْ الْبَائِعِ ، بِاسْتِحْقَاقٍ أَوْ حُرِّيَّةٍ أَوْ رَدٍّ بِعَيْبٍ قَدِيمٍ ، فَلَهُ الرُّجُوعُ إلَى الضَّامِنِ ، وَهَذَا ضَمَانُ الْعُهْدَةِ ، وَإِنْ أَرَادَ أَخْذَ أَرْشِ الْعَيْبِ ، رَجَعَ عَلَى الضَّامِنِ أَيْضًا ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَزِمَهُ كُلُّ الثَّمَنِ ، لَزِمَهُ بَعْضُهُ إذَا اسْتَحَقَّ ذَلِكَ عَلَى الْمَضْمُونِ عَنْهُ ، وَسَوَاءٌ ظَهَرَ كُلُّ الْمَبِيعِ","part":10,"page":51},{"id":4551,"text":"مُسْتَحَقًّا أَوْ بَعْضُهُ ؛ لِأَنَّهُ إذَا ظَهَرَ بَعْضُهُ مُسْتَحَقًّا ، بَطَلَ الْعَقْدُ فِي الْجَمِيعِ ، فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ ، فَقَدْ خَرَجَتْ الْعَيْنُ كُلُّهَا مِنْ يَدِهِ بِسَبَبِ الِاسْتِحْقَاقِ ، وَعَلَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى : لَا يَبْطُلُ الْعَقْدُ فِي الْجَمِيعِ ، وَلَكِنْ اسْتَحَقَّ رَدَّهَا ، فَإِنْ رَدَّهَا كُلَّهَا فَالْحُكْمُ كَذَلِكَ ، وَإِنْ أَمْسَكَ الْمَمْلُوكَ مِنْهَا ، فَلَهُ الْمُطَالَبَةُ بِالْأَرْشِ ، كَمَا لَوْ وَجَدَ بِهَا عَيْبًا .\rوَلَوْ بَاعَهُ عَيْنًا أَوْ أَقْرِضَهُ شَيْئًا بِشَرْطِ أَنْ يَرْهَنَ عِنْدَهُ عَيْنَهَا ، فَتَكَفَّلَ رَجُلٌ بِتَسْلِيمِ الرَّهْنِ ، لَمْ تَصِحَّ الْكَفَالَةُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ الرَّاهِنَ إقْبَاضُهُ وَتَسْلِيمُهُ ، فَلَا يَلْزَمُ الْكَفِيلَ مَا لَا يَلْزَمُ الْأَصْلَ .\rوَإِنْ ضَمِنَ لِلْمُشْتَرِي قِيمَةَ مَا يَحْدُثُ فِي الْمَبِيعِ ، مِنْ بِنَاءٍ أَوْ غِرَاسٍ ، صَحَّ ، سَوَاءٌ ضَمِنَهُ الْبَائِعُ أَوْ أَجْنَبِيٌّ ، فَإِذَا بَنَى أَوْ غَرَسَ وَاسْتَحَقَّ الْمَبِيعَ ، رَجَعَ الْمُشْتَرِي عَلَى الضَّامِنِ بِقِيمَةِ مَا تَلِفَ أَوْ نَقَصَ .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّهُ ضَمَانُ مَجْهُولٍ ، وَضَمَانُ مَا لَمْ يَجِبْ .\rوَقَدْ بَيَّنَّا جَوَازَ ذَلِكَ .","part":10,"page":52},{"id":4552,"text":"( 3574 ) فَصْلٌ : فِي مَنْ يَصِحُّ ضَمَانُهُ ، وَمَنْ لَا يَصِحُّ ، يَصِحُّ ضَمَانُ كُلِّ جَائِزِ التَّصَرُّفِ فِي مَالِهِ ، سَوَاءٌ كَانَ رَجُلًا أَوْ امْرَأَةً ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ يُقْصَدُ بِهِ الْمَالُ ، فَصَحَّ مِنْ الْمَرْأَةِ كَالْبَيْعِ ، وَلَا يَصِحُّ مِنْ الْمَجْنُونِ وَالْمُبَرْسَمِ ، وَلَا مِنْ صَبِيٍّ غَيْرِ مُمَيَّزٍ ، بِغَيْرِ خِلَافٍ ؛ لِأَنَّهُ إيجَابُ مَالٍ بِعَقْدِ ، فَلَمْ يَصِحَّ مِنْهُمْ ، كَالنَّذْرِ .\rوَلَا يَصِحُّ مِنْ السَّفِيهِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ .\rذَكَرِهِ أَبُو الْخَطَّابِ ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : يَصِحُّ ، وَيُتْبَعُ بِهِ بَعْدَ فَكِّ الْحَجْرِ عَنْهُ ؛ لِأَنَّ مِنْ أَصْلِنَا أَنَّ إقْرَارَهُ صَحِيحٌ يُتْبَعُ بِهِ مِنْ بَعْدِ فَكِّ الْحَجْرِ عَنْهُ ، صَحَّ ، فَكَذَلِكَ ضَمَانُهُ .\rوَالْأَوَّلُ أَوْلَى ؛ لِأَنَّهُ إيجَابُ مَالٍ بِعَقْدٍ ، فَلَمْ يَصِحَّ مِنْهُ ، كَالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ ، وَلَا يُشْبِهُ الْإِقْرَارَ ؛ لِأَنَّهُ إخْبَارٌ بِحَقٍّ سَابِقٍ .\rوَأَمَّا الصَّبِيُّ الْمُمَيِّزُ ، فَلَا يَصِحُّ ضَمَانُهُ ، فِي الصَّحِيحِ مِنْ الْوَجْهَيْنِ .\rوَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ .\rوَخَرَّجَهُ أَصْحَابُنَا عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي صِحَّةِ إقْرَارِهِ وَتَصَرُّفَاتِهِ بِإِذْنِ وَلِيِّهِ ، وَلَا يَصِحُّ هَذَا الْجَمْعُ ؛ لِأَنَّ هَذَا الْتِزَامُ مَالٍ لَا فَائِدَةَ لَهُ فِيهِ ، فَلَمْ يَصِحَّ مِنْهُ ، كَالتَّبَرُّعِ وَالنَّذْرِ ، بِخِلَافِ الْبَيْعِ .\rوَإِنْ اخْتَلَفَا فِي وَقْتِ الضَّمَانِ بَعْدَ بُلُوغِهِ ، فَقَالَ الصَّبِيُّ : قَبْلَ بُلُوغِي .\rوَقَالَ الْمَضْمُونُ لَهُ : بَعْدَ الْبُلُوغِ .\rفَقَالَ الْقَاضِي : قِيَاسُ قَوْلِ أَحْمَدَ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْمَضْمُونِ لَهُ ؛ لِأَنَّ مَعَهُ سَلَامَةَ الْعَقْدِ ، فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ ، كَمَا لَوْ اخْتَلَفَا فِي شَرْطٍ فَاسِدٍ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الضَّامِنِ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْبُلُوغِ ، وَعَدَمُ وُجُوبِ الْحَقِّ عَلَيْهِ .\rوَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ .\rوَلَا يُشْبِهُ هَذَا مَا إذَا اخْتَلَفَا فِي شَرْطٍ فَاسِدٍ ؛ لِأَنَّ الْمُخْتَلِفَيْنِ ثَمَّ مُتَّفِقَانِ عَلَى أَهْلِيَّةِ التَّصَرُّفِ ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُمَا لَا","part":10,"page":53},{"id":4553,"text":"يَتَصَرَّفَانِ إلَّا تَصَرُّفًا صَحِيحًا ، فَكَانَ قَوْلُ مُدَّعِي الصِّحَّةِ هُوَ الظَّاهِرُ ، وَهَاهُنَا اخْتَلَفَا فِي أَهْلِيَّةِ التَّصَرُّفِ ، وَلَيْسَ مَعَ مَنْ يَدَّعِي الْأَهْلِيَّةَ ظَاهِرٌ يَسْتَنِدُ إلَيْهِ ، وَلَا أَصْلٌ يَرْجِعُ إلَيْهِ ، فَلَا تُرَجَّحُ دَعْوَاهُ .\rوَالْحُكْمُ فِي مَنْ عُرِفَ لَهُ حَالُ جُنُونٍ ، كَالْحُكْمِ فِي الصَّبِيِّ ، وَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ لَهُ حَالُ جُنُونٍ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَضْمُونِ لَهُ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ ، فَأَمَّا الْمَحْجُورُ عَلَيْهِ لِفَلَسٍ ، فَيَصِحُّ ضَمَانُهُ ، وَيُتْبَعُ بِهِ بَعْدَ فَكِّ الْحَجْرِ عَنْهُ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ التَّصَرُّفِ ، وَالْحَجْرُ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ ، لَا فِي ذِمَّتِهِ ، فَأَشْبَهَ الرَّاهِنَ ، فَصَحَّ تَصَرُّفُهُ فِيمَا عَدَّا الرَّهْنِ ، فَهُوَ كَمَا لَوْ اقْتَرَضَ أَوْ أَقَرَّ أَوْ اشْتَرَى فِي ذِمَّتِهِ .\rوَلَا يَصِحُّ ضَمَانُ الْعَبْدِ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ ، سَوَاءٌ كَانَ مَأْذُونًا لَهُ فِي التِّجَارَةِ أَوْ غَيْرَ مَأْذُونٍ لَهُ .\rوَبِهَذَا قَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى وَالثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يَصِحَّ ، وَيُتْبَعَ بِهِ بَعْدَ الْعِتْقِ .\rوَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ التَّصَرُّفِ ، فَصَحَّ تَصَرُّفُهُ بِمَا لَا ضَرَرَ عَلَى السَّيِّدِ فِيهِ ، كَالْإِقْرَارِ بِالْإِتْلَافِ .\rوَوَجْهُ الْأَوَّلِ ، أَنَّهُ عَقْدٌ تَضَمَّنَ إيجَابَ مَالٍ ، فَلَمْ يَصِحَّ بِغَيْرِ إذْنٍ ، كَالنِّكَاحِ .\rوَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ : إنْ كَانَ مِنْ جِهَةِ التِّجَارَةِ جَازَ ، وَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ ذَلِكَ لَمْ يَجُزْ .\rفَإِنْ ضَمِنَ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ ، صَحَّ ؛ لِأَنَّ سَيِّدَهُ لَوْ أَذِنَ لَهُ فِي التَّصَرُّفِ صَحَّ .\rقَالَ الْقَاضِي : وَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ تَعَلُّقُ الْمَالِ بِرَقَبَتِهِ .\rوَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ : ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ وَقِيَاسُهُ أَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِذِمَّةِ السَّيِّد .\rوَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : هَلْ يَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِهِ أَوْ بِذِمَّةِ سَيِّدِهِ ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ ، كَاسْتِدَانَتِهِ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ .\rوَقَدْ سَبَقَ الْكَلَامُ فِيهَا .\rفَإِنْ أَذِنَ لَهُ سَيِّدُهُ فِي الضَّمَانِ","part":10,"page":54},{"id":4554,"text":"لِيَكُونَ الْقَضَاءُ مِنْ الْمَالِ الَّذِي فِي يَدِهِ ، صَحَّ ، وَيَكُونُ مَا فِي ذِمَّتِهِ مُتَعَلِّقًا بِالْمَالِ الَّذِي فِي يَدِ الْعَبْدِ ، كَتَعَلُّقِ حَقِّ الْجِنَايَةِ بِرَقَبَةِ الْجَانِي ، كَمَا لَوْ قَالَ الْحُرُّ : ضَمِنْت لَك الدَّيْنَ ، عَلَى أَنْ تَأْخُذَ مِنْ مَالِي هَذَا .\rصَحَّ .\rوَأَمَّا الْمُكَاتَبُ فَلَا يَصِحُّ ضَمَانُهُ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ ، كَالْعَبْدِ الْقِنِّ ؛ لِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ بِالْتِزَامِ مَالٍ ، فَأَشْبَهَ نَذْرَ الصَّدَقَةَ بِغَيْرِ مَالٍ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يَصِحَّ ، وَيُتْبَعُ بِهِ بَعْدَ عِتْقِهِ ، كَقَوْلِنَا فِي الْعَبْدِ .\rوَإِنْ ضَمِنَ بِإِذْنِهِ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، لَا يَصِحُّ أَيْضًا ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا أَدَّى إلَى تَفْوِيتِ الْحُرِّيَّةِ .\rوَالثَّانِي ، يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمَا ، لَا يَخْرُجُ عَنْهُمَا .\rفَأَمَّا الْمَرِيضُ ، فَإِنْ كَانَ مَرَضُهُ غَيْرَ مَخُوفٍ ، أَوْ غَيْرَ مَرَضِ الْمَوْتِ ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ الصَّحِيحِ .\rوَإِنْ كَانَ مَرَضَ الْمَوْتِ الْمَخُوفِ ، فَحُكْمُ ضَمَانِهِ حُكْمُ تَبَرُّعِهِ ، يَحْسِبُ مِنْ ثُلُثِهِ ؛ لِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ بِالْتِزَامِ مَالٍ لَا يَلْزَمُهُ ، وَلَمْ يَأْخُذْ عَنْهُ عِوَضًا ، فَأَشْبَهَ الْهِبَةَ .\rوَإِذَا فُهِمَتْ إشَارَةُ الْأَخْرَسِ ، صَحَّ ضَمَانُهُ ؛ لِأَنَّهُ يَصِحُّ بَيْعُهُ وَإِقْرَارُهُ وَتَبَرُّعُهُ ، فَصَحَّ ضَمَانُهُ ، كَالنَّاطِقِ ، وَلَا يَثْبُتُ الضَّمَانُ بِكِتَابَةِ مُنْفَرِدَةً عَنْ إشَارَةٍ يُفْهَمُ بِهَا أَنَّهُ قَصَدَ الضَّمَانَ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكْتُبُ عَبَثًا أَوْ تَجْرِبَةً ، فَلَمْ يَثْبُتْ الضَّمَانُ بِهِ مَعَ الِاحْتِمَالِ .\rوَمَنْ لَا تُفْهَمُ إشَارَتُهُ لَا يَصِحُّ مِنْهُ الضَّمَانُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي بِضَمَانِهِ ، وَلِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ سَائِرُ تَصَرُّفَاتِهِ ، فَكَذَلِكَ ضَمَانُهُ .","part":10,"page":55},{"id":4555,"text":"( 3575 ) فَصْلٌ : إذَا ضَمِنَ الدَّيْنَ الْحَالَ مُؤَجَّلًا ، صَحَّ ، وَيَكُونُ حَالًّا عَلَى الْمَضْمُونِ عَنْهُ مُؤَجَّلًا عَلَى الضَّامِنِ ، يَمْلِكُ مُطَالَبَةَ الْمَضْمُونِ عَنْهُ دُونَ الضَّامِنِ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rقَالَ أَحْمَدُ ، فِي رَجُلٍ ضَمِنَ مَا عَلَى فُلَانٍ أَنْ يُؤَدِّيَهُ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ : فَهُوَ عَلَيْهِ ، وَيُؤَدِّيَهُ كَمَا ضَمِنَ .\rوَوَجْهُ ذَلِكَ : مَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ { ، أَنَّ رَجُلًا لَزِمَ غَرِيمًا لَهُ بِعَشْرَةِ دَنَانِيرَ ، عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : مَا عِنْدِي شَيْءٌ أُعْطِيكَهُ .\rفَقَالَ : وَاَللَّهِ لَا أُفَارِقَنَّكَ حَتَّى تَقْضِيَنِي أَوْ تَأْتِيَنِي بِحَمِيلٍ ، فَجَرَّهُ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : كَمْ تَسْتَنْظِرْهُ ؟ قَالَ : شَهْرًا .\rقَالَ رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَأَنَا أَحْمِلُ .\rفَجَاءَ بِهِ فِي الْوَقْتِ الَّذِي قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مِنْ أَيْنَ أَصَبْت هَذَا ؟ قَالَ : مِنْ مَعْدِنٍ .\rقَالَ : لَا خَيْرَ فِيهَا .\rوَقَضَاهَا عَنْهُ .\r} رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ ، فِي \" سُنَنِهِ \" .\rوَلِأَنَّهُ ضَمِنَ مَالًا بِعَقْدٍ مُؤَجَّلٍ ، فَكَانَ مُؤَجَّلًا كَالْبَيْعِ .\rفَإِنْ قِيلَ : فَعِنْدَكُمْ الدَّيْنُ الْحَالُ لَا يَتَأَجَّلُ ، فَكَيْفَ يَتَأَجَّلُ عَلَى الضَّامِنِ ؟ أَمْ كَيْفَ يَثْبُتُ فِي ذِمَّةِ الضَّامِنِ عَلَى غَيْرِ الْوَصْفِ الَّذِي يَتَّصِفُ بِهِ فِي ذِمَّةِ الْمَضْمُونِ عَنْهُ ؟ قُلْنَا : الْحَقُّ يَتَأَجَّلُ فِي ابْتِدَاءِ ثُبُوتِهِ ، إذَا كَانَ بِعَقْدٍ ، وَهَذَا ابْتِدَاءُ ثُبُوتِهِ فِي حَقِّ الضَّامِنِ ، فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ ثَابِتًا عَلَيْهِ حَالًّا ، وَيَجُوزُ أَنْ يُخَالِفَ مَا فِي ذِمَّةِ الضَّامِنِ مَا فِي ذِمَّةِ الْمَضْمُونِ عَنْهُ ، بِدَلِيلِ مَا لَوْ مَاتَ الْمَضْمُونُ عَنْهُ وَالدَّيْنُ مُؤَجَّلٌ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، وَكَانَ الدَّيْنُ مُؤَجَّلًا إلَى شَهْرٍ ، فَضَمِنَهُ إلَى شَهْرَيْنِ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ مُطَالَبَةُ الضَّامِنِ إلَى شَهْرَيْنِ","part":10,"page":56},{"id":4556,"text":"، فَإِنْ قَضَاهُ قَبْلَ الْأَجَلِ ، فَلَهُ الرُّجُوعُ بِهِ فِي الْحَالِ ، عَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي تَقُولُ : إنَّهُ إذَا قَضَى دَيْنَهُ بِغَيْرِ إذْنٍ رَجَعَ بِهِ ؛ لِأَنَّ أَكْثَرَ مَا فِيهِ هَاهُنَا ، أَنَّهُ قَضَى بِغَيْرِ إذْنٍ .\rوَعَلَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى ، لَا يَرْجِعُ بِهِ قَبْلَ الْأَجَلِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ فِي الْقَضَاءِ قَبْلَ ذَلِكَ .\rوَإِنْ كَانَ الدَّيْنُ مُؤَجَّلًا فَضَمِنَهُ حَالًّا ، لَمْ يَصِرْ حَالًّا ، وَلَا يَلْزَمْهُ أَدَاؤُهُ قَبْلَ أَجَلِهِ ؛ لِأَنَّ الضَّامِنَ فَرْعٌ لِلْمَضْمُونِ عَنْهُ ، فَلَا يَلْزَمُهُ مَا لَا يَلْزَمُ الْمَضْمُونَ عَنْهُ ، وَلِأَنَّ الْمَضْمُونَ عَنْهُ لَوْ أَلْزَمَ نَفْسَهُ تَعْجِيلَ هَذَا الدَّيْنِ ، لَمْ يَلْزَمْهُ تَعْجِيلُهُ ، فَبِأَنْ لَا يَلْزَمَ الضَّامِنَ أَوْلَى ، وَلِأَنَّ الضَّمَانَ الْتِزَامُ دَيْنٍ فِي الذِّمَّةِ ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَلْتَزِمَ مَا لَا يَلْزَمُ الْمَضْمُونَ عَنْهُ .\rفَعَلَى هَذَا ، إنْ قَضَاهُ حَالًّا ، لَمْ يَرْجِعْ بِهِ قَبْلَ أَجَلِهِ ؛ لِأَنَّ ضَمَانَهُ لَمْ يُغَيِّرْهُ عَنْ تَأْجِيلِهِ .\rوَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَاَلَّتِي قَبْلهَا ، أَنَّ الدَّيْنَ الْحَالَ ثَابِتٌ فِي الذِّمَّةِ ، مُسْتَحَقُّ الْقَضَاءِ فِي جَمِيعِ الزَّمَانِ ، فَإِذَا ضَمِنَهُ مُؤَجَّلًا فَقَدْ الْتَزَمَ بَعْضَ مَا يَجِبُ عَلَى الْمَضْمُونِ عَنْهُ ، فَصَحَّ ، كَمَا لَوْ كَانَ الدَّيْنُ عَشْرَةً ، فَضَمِنَ خَمْسَةً ، وَأَمَّا الدَّيْنُ الْمُؤَجَّلُ ، فَلَا يُسْتَحَقُّ قَضَاؤُهُ إلَّا عِنْدَ أَجَلِهِ ، فَإِذَا ضَمِنَهُ حَالًّا الْتَزَمَ مَا لَمْ يَجِبْ عَلَى الْمَضْمُونِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَ الدَّيْنُ عَشْرَةً فَضَمِنَ عِشْرِينَ .\rوَقِيلَ : يَحْتَمِلُ أَنْ يَصِحَّ ضَمَانُ الدَّيْنِ الْمُؤَجَّلِ حَالًّا ، كَمَا يَصِحُّ ضَمَانُ الْحَالِ مُؤَجَّلًا ، قِيَاسًا لِإِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى .\rوَقَدْ فَرَّقْنَا بَيْنَهُمَا بِمَا يَمْنَعُ الْقِيَاسَ ، إنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى .","part":10,"page":57},{"id":4557,"text":"( 3576 ) فَصْلٌ : وَإِذَا ضَمِنَ دَيْنًا مُؤَجَّلًا عَنْ إنْسَانٍ ، فَمَاتَ أَحَدَاهُمَا ، إمَّا الضَّامِنُ وَإِمَّا الْمَضْمُونُ عَنْهُ ، فَهَلْ يَحِلُّ الدَّيْنُ عَلَى الْمَيِّتِ مِنْهُمَا ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ ، تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمَا .\rفَإِنْ قُلْنَا : يَحِلُّ عَلَى الْمَيِّتِ ، لَمْ يَحِلَّ عَلَى الْآخَرِ ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ لَا يَحِلُّ عَلَى شَخْصٍ بِمَوْتِ غَيْرِهِ ، فَإِنْ كَانَ الْمَيِّتُ الْمَضْمُونَ عَنْهُ ، لَمْ يَسْتَحِقَّ مُطَالَبَةَ الضَّامِنِ قَبْلَ الْأَجَلِ ، فَإِنْ قَضَاهُ قَبْلَ الْأَجَلِ ، كَانَ مُتَبَرِّعًا بِتَعْجِيلِ الْقَضَاءِ ، وَهَلْ لَهُ مُطَالَبَةُ الْمَضْمُونِ عَنْهُ قَبْلَ الْأَجَلِ ؟ يُخَرَّجُ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِيمَنْ قَضَى بِغَيْرِ إذْنِ مَنْ هُوَ عَلَيْهِ .\rوَإِنْ كَانَ الْمَيِّتُ الضَّامِنَ ، فَاسْتَوْفَى الْغَرِيمُ الدَّيْنَ مِنْ تَرِكَتِهِ ، لَمْ يَكُنْ لِوَرَثَتِهِ مُطَالَبَةُ الْمَضْمُونِ عَنْهُ حَتَّى يَحِلَّ الْحَقُّ ؛ لِأَنَّهُ مُؤَجَّلٌ عَلَيْهِ ، فَلَا يَسْتَحِقُّ مُطَالَبَتَهُ بِهِ قَبْلَ أَجَلِهِ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rوَحُكِيَ عَنْ زَفَرَ أَنَّ لَهُمْ مُطَالَبَتَهُ ؛ لِأَنَّهُ أَدْخَلَهُ فِي ذَلِكَ مَعَ عِلْمِهِ أَنَّهُ يَحِلُّ بِمَوْتِهِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ دَيْنٌ مُؤَجَّلٌ ، فَلَا تَجُوزُ مُطَالَبَتُهُ بِهِ قَبْلَ الْأَجَلِ ، كَمَا لَوْ لَمْ يَمُتْ .\rوَقَوْلُهُ : أَدْخَلَهُ فِيهِ .\rقُلْنَا : إنَّمَا أَدْخَلَهُ فِي الْمُؤَجَّلِ ، وَحُلُولُهُ بِسَبَبٍ مِنْ جِهَتِهِ ، فَهُوَ كَمَا لَوْ قَضَى قَبْلَ الْأَجَلِ .","part":10,"page":58},{"id":4558,"text":"مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَلَا يَبْرَأُ الْمَضْمُونُ عَنْهُ إلَّا بِأَدَاءِ الضَّامِنِ ) يَعْنِي أَنَّ الْمَضْمُونَ عَنْهُ لَا يَبْرَأُ بِنَفْسِ الضَّمَانِ ، كَمَا يَبْرَأُ الْمُحِيلُ بِنَفْسِ الْحَوَالَةِ قَبْلَ الْقَبْضِ ، بَلْ يَثْبُتُ الْحَقُّ فِي ذِمَّةِ الضَّامِنِ ، مَعَ بَقَائِهِ فِي ذِمَّةِ الْمَضْمُونِ عَنْهُ ، وَلِصَاحِبِ الْحَقِّ مُطَالَبَةُ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا فِي الْحَيَاةِ وَبَعْدَ الْمَوْتِ .\rوَبِهَذَا قَالَ الثَّوْرِيُّ وَالشَّافِعِيُّ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو عُبَيْدٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ : الْكَفَالَةُ وَالْحَوَالَةُ سَوَاءٌ ، وَكِلَاهُمَا يَنْقُلُ الْحَقَّ عَنْ ذِمَّةِ الْمَضْمُونِ عَنْهُ وَالْمُحِيلِ .\rوَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ أَبِي لَيْلَى وَابْنِ شُبْرُمَةَ وَدَاوُد ، وَاحْتَجُّوا بِمَا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ : { كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي جِنَازَةٍ ، فَلَمَّا وُضِعَتْ ، قَالَ : هَلْ عَلَى صَاحِبِكُمْ مِنْ دَيْنٍ ؟ قَالُوا : نَعَمْ ، دِرْهَمَانِ فَقَالَ : صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ .\rفَقَالَ عَلِيٌّ : هُمَا عَلَيَّ يَا رَسُولَ اللَّه ، وَأَنَا لَهُمَا ضَامِنٌ .\rفَقَامَ رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَصَلَّى عَلَيْهِ ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى عَلِيٍّ : فَقَالَ : جَزَاك اللَّهُ خَيْرًا عَنْ الْإِسْلَامِ ، وَفَكَّ رِهَانَك كَمَا فَكَكْت رِهَانَ أَخِيك .\rفَقِيلَ : يَا رَسُولَ اللَّه ، هَذَا لِعَلِيٍّ خَاصَّةً ، أَمْ لِلنَّاسِ عَامَّةً ؟ فَقَالَ : لِلنَّاسِ عَامَّةً } .\rرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ .\rفَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمَضْمُونَ عَنْهُ بَرِئَ بِالضَّمَانِ .\rوَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي \" الْمُسْنَدِ \" ، عَنْ جَابِرٍ ، قَالَ : { تُوُفِّيَ صَاحِبٌ لَنَا ، فَأَتَيْنَا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ ، فَخَطَا خُطْوَةً ، ثُمَّ قَالَ : أَعَلَيْهِ دَيْنٌ ؟ قُلْنَا : دِينَارَانِ .\rفَانْصَرَفَ ، فَتَحَمَّلَهُمَا أَبُو قَتَادَةَ .\rفَقَالَ : الدِّينَارَانِ عَلَيَّ .\rفَقَالَ .\rرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَجَبَ حَقُّ الْغَرِيمِ ، وَبَرِئَ الْمَيِّتُ مِنْهُمَا ؟ قَالَ : نَعَمْ .\rفَصَلَّى عَلَيْهِ ، ثُمَّ قَالَ","part":10,"page":59},{"id":4559,"text":"بَعْدَ ذَلِكَ : مَا فَعَلَ الدِّينَارَانِ ؟ قَالَ : إنَّمَا مَاتَ أَمْسِ .\rقَالَ : فَعَادَ إلَيْهِ مِنْ الْغَدِ ، فَقَالَ : قَدْ قَضَيْتُهُمَا .\rفَقَالَ رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْآنَ بَرَّدْت جِلْدَتَهُ } .\rوَهَذَا صَرِيحٌ فِي بَرَاءَةِ الْمَضْمُونِ عَنْهُ لِقَوْلِهِ : \" وَبَرِئَ الْمَيِّتُ مِنْهُمَا \" .\rوَلِأَنَّهُ دَيْنٌ وَاحِدٌ ، فَإِذَا صَارَ فِي ذِمَّةٍ ثَانِيَةٍ بَرِئَتْ الْأُولَى مِنْهُ ، كَالْمُحَالِ بِهِ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الدَّيْنَ الْوَاحِدَ لَا يَحِلُّ فِي مَحَلَّيْنِ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : نَفْسُ الْمُؤْمِنِ مُعَلَّقَةٌ بِدَيْنِهِ حَتَّى يُقْضَى عَنْهُ } .\rوَقَوْلُهُ فِي خَبَرِ أَبِي قَتَادَةَ : \" الْآنَ بَرَّدْت جِلْدَهُ \" .\rحِينَ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ قَضَى دَيْنَهُ ، وَلِأَنَّهَا وَثِيقَةٌ ، فَلَا تَنْقُلُ الْحَقَّ ، كَالشَّهَادَةِ .\rوَأَمَّا صَلَاةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْمَضْمُونِ عَنْهُ ، فَلِأَنَّهُ بِالضَّمَانِ صَارَ لَهُ وَفَاءٌ ، وَإِنَّمَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمْتَنِعُ مِنْ الصَّلَاةِ عَلَى مَدِينٍ لَمْ يَخْلُفْ وَفَاءً .\rوَأَمَّا قَوْلُهُ لِعَلِّي { : فَكَّ اللَّهُ رِهَانَك ، كَمَا فَكَكْت رِهَانَ أَخِيك } .\rفَإِنَّهُ كَانَ بِحَالٍ لَا يُصَلِّي عَلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا ضَمِنَهُ فَكَّهُ مِنْ ذَلِكَ ، أَوْ مِمَّا فِي مَعْنَاهُ .\rوَقَوْلُهُ : \" بَرِئَ الْمَيِّتُ مِنْهُمَا \" أَيْ صِرْت أَنْتَ الْمُطَالَبَ بِهِمَا .\rوَهَذَا عَلَى سَبِيلِ التَّأْكِيدِ ؛ لِثُبُوتِ الْحَقِّ فِي ذِمَّتِهِ ، وَوُجُوبِ الْأَدَاءِ عَلَيْهِ ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ فِي سِيَاقِ الْحَدِيثِ ، حِينَ أَخْبَرَهُ بِالْقَضَاءِ : \" الْآنَ بَرَّدْت عَلَيْهِ جِلْدَهُ \" .\rوَيُفَارِقُ الضَّمَانُ الْحَوَالَةَ ؛ فَإِنَّ الضَّمَانَ مُشْتَقٌّ مِنْ الضَّمِّ ، فَيَقْتَضِي الضَّمَّ بَيْنَ الذِّمَّتَيْنِ فِي تَعَلُّقِ الْحَقِّ بِهِمَا وَثُبُوتِهِ فِيهِمَا .\rوَالْحَوَالَةُ مِنْ التَّحَوُّلِ ، فَتَقْتَضِي تَحَوُّلَ الْحَقِّ مِنْ مَحَلِّهِ إلَى ذِمَّةِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ .\rوَقَوْلهمْ : إنَّ الدَّيْنَ الْوَاحِدَ لَا يَحِلُّ فِي","part":10,"page":60},{"id":4560,"text":"مَحَلَّيْنِ .\rقُلْنَا : يَجُوزُ تَعَلُّقُهُ بِمَحَلَّيْنِ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِيثَاقِ ، كَتَعَلُّقِ دَيْنِ الرَّهْنِ بِهِ وَبِذِمَّةِ الرَّاهِنِ .\rوَقَالَ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ : أَمَّا الْحَيُّ فَلَا يَبْرَأُ بِمُجَرَّدِ الضَّمَانِ ، رِوَايَةً وَاحِدَةً ، وَأَمَّا الْمَيِّتُ فَفِي بَرَاءَتِهِ بِمُجَرَّدِ الضَّمَانِ ، رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، يَبْرَأُ بِمُجَرَّدِ الضَّمَانِ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، فِي رِوَايَةِ يُوسُفَ بْنِ مُوسَى ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْخَبَرَيْنِ ، وَلِأَنَّ فَائِدَةَ الضَّمَانِ فِي حَقِّهِ تَبْرِئَةُ ذِمَّتِهِ ؛ فَيَنْبَغِي أَنْ تَحْصُلَ هَذِهِ الْفَائِدَةُ بِمُجَرَّدِ الضَّمَانِ ، بِخِلَافِ الْحَيِّ ، فَإِنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الضَّمَانِ فِي حَقِّهِ الِاسْتِيثَاقُ ، وَثُبُوتُهُ فِي الذِّمَّتَيْنِ آكَدُ فِي الِاسْتِيثَاقِ .\rوَالثَّانِيَةُ ، لَا يَبْرَأُ إلَّا بِالْأَدَاءِ ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ ، وَلِأَنَّهُ ضَمَانٌ ، فَلَا يَبْرَأُ بِهِ الْمَضْمُونُ عَنْهُ كَالْحَيِّ .\r( 3578 ) فَصْلٌ : وَلِصَاحِبِ الْحَقِّ مُطَالَبَةُ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا .\rوَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ ، أَنَّهُ لَا يُطَالِبُ الضَّامِنَ إلَّا إذَا تَعَذَّرَ مُطَالَبَةُ الْمَضْمُونِ عَنْهُ ؛ لِأَنَّهُ وَثِيقَةٌ ، فَلَا يُسْتَوْفَى الْحَقُّ مِنْهَا إلَّا عِنْدَ تَعَذُّرِ اسْتِيفَائِهِ مِنْ الْأَصْلِ ، كَالرَّهْنِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الْحَقَّ ثَابِتٌ فِي ذِمَّةِ الضَّامِنِ ، فَمَلَكَ مُطَالَبَتَهُ ، كَالْأَصِيلِ ، وَلِأَنَّ الْحَقَّ ثَابِتٌ فِي ذِمَّتِهِمَا ، فَمَلَكَ مُطَالَبَةَ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا ، كَالضَّامِنَيْنِ إذَا تَعَذَّرَتْ مُطَالَبَةُ الْمَضْمُونِ عَنْهُ .\rوَلَا يُشْبِهُ الرَّهْنَ ؛ لِأَنَّهُ مَالُ مَنْ عَلَيْهِ الْحَقُّ ، وَلَيْسَ بِذِي ذِمَّةٍ يُطَالِبُ ، إنَّمَا يُطَالِبُ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ ، لِيَقْضِيَ مِنْهُ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ .","part":10,"page":61},{"id":4561,"text":"( 3579 ) فَصْلٌ : وَإِنْ أَبْرَأَ صَاحِبُ الدَّيْنِ الْمَضْمُونَ عَنْهُ ، بَرِئَتْ ذِمَّةُ الضَّامِنِ .\rلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا ؛ لِأَنَّهُ تَبَعٌ ، وَلِأَنَّهُ وَثِيقَةٌ ، فَإِذَا بَرِئَ الْأَصْلُ زَالَتْ الْوَثِيقَةُ ، كَالرَّهْنِ .\rوَإِنْ أَبْرَأَ الضَّامِنَ لَمْ تَبْرَأْ ذِمَّةُ الْمَضْمُونِ عَنْهُ ؛ لِأَنَّهُ أَصْلٌ ، فَلَا يَبْرَأُ بِإِبْرَاءِ التَّبَعِ ؛ وَلِأَنَّهُ وَثِيقَةٌ انْحَلَّتْ مِنْ غَيْرِ اسْتِيفَاءِ الدَّيْنِ مِنْهَا ، فَلَمْ تَبْرَأْ ذِمَّةُ الْأَصِيلِ ، كَالرَّهْنِ إذَا انْفَسَخَ مِنْ غَيْرِ اسْتِيفَائِهِ .\rوَأَيُّهُمَا قَضَى الْحَقَّ بَرِئَا جَمِيعًا مِنْ الْمَضْمُونِ لَهُ ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ وَاحِدٌ ، فَإِذَا اُسْتُوْفِيَ مَرَّةً زَالَ تَعَلُّقُهُ بِهِمَا ، كَمَا لَوْ اُسْتُوْفِيَ الْحَقُّ الَّذِي بِهِ رَهْنٌ ، وَإِنْ أَحَالَ الْغَرِيمَ بَرِئَا جَمِيعًا ، لِأَنَّهُ حَقٌّ وَاحِدٌ ، فَإِذَا اُسْتُوْفِيَ مَرَّةً زَالَ تَعَلُّقُهُ بِهِمَا كَمَا لَوْ اُسْتُوْفِيَ دَيْنُ الرَّهْنِ .\rوَإِنْ أَحَالَ أَحَدُهُمَا الْغَرِيمَ بَرِئَا جَمِيعًا ؛ لِأَنَّ الْحَوَالَةَ كَالْقَضَاءِ .","part":10,"page":62},{"id":4562,"text":"( 3580 ) فَصْلٌ : وَإِنْ ضَمِنَ الضَّامِنَ ضَامِنٌ آخَرُ صَحَّ ؛ لِأَنَّهُ دَيْنٌ لَازِمٌ فِي ذِمَّتِهِ ، فَصَحَّ ضَمَانُهُ ، كَسَائِرِ الدُّيُونِ ، وَيَثْبُتُ الْحَقُّ فِي ذِمَمِ ثَلَاثَةٍ ، أَيُّهُمْ قَضَاهُ بَرِئَتْ ذِمَمُهُمْ كُلُّهَا ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ وَاحِدٌ ، فَإِذَا قُضِيَ مَرَّةً لَمْ يَجِبْ قَضَاؤُهُ مَرَّةً أُخْرَى .\rوَإِنْ أَبْرَأَ الْغَرِيمُ الْمَضْمُونَ عَنْهُ ، بَرِئَ الضَّامِنَانِ ؛ لِأَنَّهُمَا فَرْعٌ .\rوَإِنْ أَبْرَأَ الضَّامِنَ الْأَوَّلَ بَرِئَ الضَّامِنَانِ كَذَلِكَ ، وَلَمْ يَبْرَأْ الْمَضْمُونُ عَنْهُ ؛ لِمَا تَقَدَّمَ .\rوَإِنْ أَبْرَأَ الضَّامِنَ الْأَوَّلَ ، بَرِئَ الضَّامِنَانِ كَذَلِكَ ، وَلَمْ يَبْرَأْ الْمَضْمُونُ عَنْهُ ؛ لِمَا تَقَدَّمَ .\rوَإِنْ أَبْرَأَ الضَّامِنَ الثَّانِي بَرِئَ وَحْدَهُ .\rوَمَتَى حَصَلَتْ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ بِالْإِبْرَاءِ ، فَلَا رُجُوعَ فِيهَا بِحَالٍ ، لِأَنَّ الرُّجُوعَ مَعَ الْغُرْمِ ، وَلَيْسَ فِي الْإِبْرَاءِ غُرْمٌ .\rوَالْكَفَالَةُ كَالضَّمَانِ فِي هَذَا الْمَعْنَى جَمِيعِهِ ، وَتَزِيدُ بِأَنَّهُ إذَا مَاتَ الْمَكْفُولُ عَنْهُ بَرِئَ كَفِيلَاهُ ، وَإِنْ مَاتَ الْكَفِيلُ الْأَوَّلُ بَرِئَ الثَّانِي دُونَ الْمَكْفُولِ عَنْهُ ؛ لِأَنَّ الْوَثِيقَةَ انْحَلَّتْ مِنْ غَيْرِ اسْتِيفَاءٍ ، فَأَشْبَهَ الرَّهْنَ ، وَإِنْ مَاتَ الْكَفِيلُ الثَّانِي بَرِئَ وَحْدَهُ .","part":10,"page":63},{"id":4563,"text":"( 3581 ) فَصْلٌ : وَإِنْ ضَمِنَ الْمَضْمُونُ عَنْهُ الضَّامِنَ ، أَوْ تَكَفَّلَ الْمَكْفُولُ عَنْهُ الْكَفِيلَ ، لَمْ يَصِحَّ ؛ لِأَنَّ الضَّمَانَ يَقْتَضِي إلْزَامَهُ الْحَقَّ فِي ذِمَّتِهِ ، وَالْحَقُّ لَازِمٌ لَهُ ، فَلَا يُتَصَوَّرُ إلْزَامُهُ ثَانِيًا ، وَلِأَنَّهُ أَصْلٌ فِي هَذَا الدَّيْنِ ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَصِيرَ فَرْعًا فِيهِ .\rوَإِنْ ضَمِنَ عَنْهُ دَيْنًا آخَرَ ، أَوْ كَفَلَ بِهِ فِي حَقٍّ آخَرَ ، جَازَ ؛ لِعَدَمِ مَا ذَكَرْنَاهُ فِيهِ .\r\"","part":10,"page":64},{"id":4564,"text":"( 3582 ) فَصْلٌ : وَيَجُوزُ أَنْ يَضْمَنَ الْحَقَّ عَنْ الرَّجُلِ الْوَاحِدِ اثْنَانِ وَأَكْثَرُ ، سَوَاءٌ ضَمِنَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ جَمِيعَهُ أَوْ جُزْءًا مِنْهُ ، فَإِنْ ضَمِنَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ جَمِيعَهُ ، بَرِئَ ، كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِأَدَاءِ أَحَدِهِمْ ، وَإِنْ أَبْرَأَ الْمَضْمُونَ عَنْهُ ، بَرِئَ الْجَمِيعُ ؛ لِأَنَّهُمْ فُرُوعٌ لَهُ .\rوَإِنْ أُبْرِئَ أَحَدُ الضُّمَّانِ ، بَرِئَ وَحْدَهُ ، وَلَمْ يَبْرَأْ غَيْرُهُ ؛ لِأَنَّهُمْ غَيْرُ فُرُوعٍ لَهُ ، فَلَمْ يَبْرَءُوا بِبَرَاءَتِهِ ، كَالْمَضْمُونِ عَنْهُ .\rوَإِنْ ضَمِنَ أَحَدُهُمْ صَاحِبَهُ لَمْ يَجُزْ ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ ثَبَتَ فِي ذِمَّتِهِ بِضَمَانِهِ الْأَصْلِيِّ ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَثْبُتَ ثَانِيًا ، وَلِأَنَّهُ أَصْلٌ فِيهِ بِالضَّمَانِ ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَصِيرَ فِيهِ فَرْعًا .\rوَلَوْ تَكَفَّلَ بِالرَّجُلِ الْوَاحِدِ رَجُلَانِ ، جَازَ .\rوَيَجُوزُ أَنْ يَتَكَفَّلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْكَفِيلَيْنِ صَاحِبَهُ ؛ لِأَنَّ الْكَفَالَةَ بِبَدَنِهِ ، لَا بِمَا فِي ذِمَّتِهِ .\rوَأَيُّ الْكَفِيلَيْنِ أَحْضَرَ الْمَكْفُولَ بِهِ بَرِئَ وَبَرِئَ صَاحِبُهُ مِنْ الْكَفَالَةِ ؛ لِأَنَّهُ فَرْعُهُ ، وَلَمْ يَبْرَأْ مِنْ إحْضَارِ الْمَكْفُولِ بِهِ ؛ لِأَنَّهُ أَصْلٌ فِي ذَلِكَ .\rوَإِنْ كَفَلَ الْمَكْفُولُ الْكَفِيلَ ، لَمْ يَجُزْ ؛ لِأَنَّهُ أَصْلٌ لَهُ فِي الْكَفَالَةِ ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَصِيرَ فَرْعًا لَهُ فِيمَا كَفَلَ بِهِ .\rوَإِنْ كَفَلَ بِهِ فِي غَيْرِ هَذَا الْحَقِّ ، جَازَ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِفَرْعٍ لَهُ فِي ذَلِكَ .","part":10,"page":65},{"id":4565,"text":"( 3583 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( فَمَتَى أَدَّى رَجَعَ عَلَيْهِ ، سَوَاءٌ قَالَ لَهُ : اضْمَنْ عَنِّي ، أَوْ لَمْ يَقُلْ ) .\rيَعْنِي إذَا أَدَّى الدَّيْنَ مُحْتَسِبًا بِالرُّجُوعِ عَلَى الْمَضْمُونِ عَنْهُ ، فَأَمَّا إنْ قَضَى الدَّيْنَ مُتَبَرِّعًا بِهِ ، غَيْرَ نَاوٍ لِلرُّجُوعِ بِهِ ، فَلَا يَرْجِعُ بِشَيْءِ ؛ لِأَنَّهُ يَتَطَوَّعُ بِذَلِكَ ، أَشْبَهَ الصَّدَقَةَ .\rوَسَوَاءٌ ضَمِنَ بِأَمْرِهِ أَوْ بِغَيْرِ أَمْرِهِ ، فَأَمَّا إذَا أَدَّاهُ بِنِيَّةِ الرُّجُوعِ بِهِ ، لَمْ يَخْلُ مِنْ أَرْبَعَةِ أَحْوَالٍ : أَحَدِهَا ، أَنْ يَضْمَنَ بِأَمْرِ الْمَضْمُونِ عَنْهُ ، وَيُؤَدِّيَ بِأَمْرِهِ ، فَإِنَّهُ يَرْجِعُ عَلَيْهِ ، سَوَاءٌ قَالَ لَهُ : اضْمَنْ عَنِّي .\rأَوْ : أَدِّ عَنِّي .\rأَوْ أَطْلَقَ .\rوَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو يُوسُفَ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ : إنْ قَالَ : اضْمَنْ عَنِّي ، وَانْقُدْ عَنِّي .\rرَجَعَ عَلَيْهِ .\rوَإِنْ قَالَ : اُنْقُدْ هَذَا .\rلَمْ يَرْجِعْ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ مُخَالِطًا لَهُ ، يَسْتَقْرِضُ مِنْهُ ، وَيُودِعُ عِنْدَهُ ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ : اضْمَنْ عَنِّي ، وَانْقُدْ عَنِّي .\rإقْرَارٌ مِنْهُ بِالْحَقِّ ، وَإِذَا أَطْلَقَ ذَلِكَ صَارَ كَأَنَّهُ قَالَ : هَبْ لِهَذَا ، أَوْ تَطَوَّعْ عَلَيْهِ .\rوَإِذَا كَانَ مُخَالِطًا لَهُ رَجَعَ اسْتِحْسَانًا ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَأْمُرُ مُخَالِطَهُ بِالنَّقْدِ عَنْهُ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ ضَمِنَ وَدَفَعَ بِأَمْرِهِ ، فَأَشْبَهَ إذَا كَانَ مُخَالِطًا لَهُ ، أَوْ قَالَ : اضْمَنْ عَنِّي .\rوَمَا ذَكَرَاهُ لَيْسَ بِصَحِيحٍ ؛ لِأَنَّهُ إذَا أَمَرَهُ بِالضَّمَانِ لَا يَكُونُ إلَّا لِمَا هُوَ عَلَيْهِ ، وَأَمْرُهُ بِالنَّقْدِ بَعْدَ ذَلِكَ يَنْصَرِفُ إلَى مَا ضَمِنَهُ ، بِدَلِيلِ الْمُخَالِطِ لَهُ ، فَيَجِبُ عَلَيْهِ أَدَاءُ مَا أَدَّى عَنْهُ ، كَمَا لَوْ صَرَّحَ بِهِ .\rالْحَالُ الثَّانِي ، ضَمِنَ بِأَمْرِهِ ، وَقَضَى بِغَيْرِ أَمْرِهِ ، فَلَهُ الرُّجُوعُ أَيْضًا .\rوَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ الْوُجُوهِ عَنْهُ .\rوَالْوَجْهُ الثَّانِي : لَا يَرْجِعُ بِهِ ؛ لِأَنَّهُ دَفَعَ بِغَيْرِ أَمْرِهِ ، أَشْبَهَ مَا لَوْ تَبَرَّعَ بِهِ .\rالثَّالِثُ ، أَنَّهُ إنْ تَعَذَّرَ","part":10,"page":66},{"id":4566,"text":"الرُّجُوعُ عَلَى الْمَضْمُونِ عَنْهُ ، فَدَفَعَ مَا عَلَيْهِ ، رَجَعَ ، وَإِلَّا فَلَا ؛ لِأَنَّهُ تَبَرَّعَ بِالدَّفْعِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ إذَا أَذِنَ فِي الضَّمَانِ ، تَضَمَّنَ ذَلِكَ إذْنَهُ فِي الْأَدَاءِ ؛ لِأَنَّ الضَّمَانَ يُوجِبُ عَلَيْهِ الْأَدَاءَ ، فَيَرْجِعُ عَلَيْهِ ، كَمَا لَوْ أَذِنَ فِي الْأَدَاءِ صَرِيحًا .\rالْحَالُ الثَّالِثُ ، ضَمِنَ بِغَيْرِ أَمْرِهِ ، وَقَضَى بِأَمْرِهِ ، فَلَهُ الرُّجُوعُ أَيْضًا .\rوَظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ ؛ لِأَنَّ أَمْرَهُ بِالْقَضَاءِ انْصَرَفَ إلَى مَا وَجَبَ بِضَمَانِهِ .\rوَلَنَا : أَنَّهُ أَدَّى دَيْنَهُ بِأَمْرِهِ ، فَرَجَعَ عَلَيْهِ ، كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ ضَامِنًا ، أَوْ كَمَا لَوْ ضَمِنَ بِأَمْرِهِ .\rوَقَوْلُهُمْ : إنَّ إذْنَهُ فِي الْقَضَاءِ انْصَرَفَ إلَى مَا وَجَبَ بِضَمَانِهِ .\rقُلْنَا : الْوَاجِبُ بِضَمَانِهِ إنَّمَا هُوَ أَدَاءُ دَيْنِهِ ، وَلَيْسَ هُوَ شَيْئًا آخَرَ ، فَمَتَى أَدَّاهُ عَنْهُ بِإِذْنِهِ لَزِمَهُ إعْطَاؤُهُ بَدَلَهُ .\rالْحَالُ الرَّابِعُ ، ضَمِنَ بِغَيْرِ أَمْرِهِ ، وَقَضَى بِغَيْرِ أَمْرِهِ ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، يَرْجِعُ بِمَا أَدَّى .\rوَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ وَإِسْحَاقَ .\rوَالثَّانِيَةُ ، لَا يَرْجِعُ بِشَيْءِ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ ، بِدَلِيلِ حَدِيثِ عَلِيٍّ وَأَبِي قَتَادَةَ ، فَإِنَّهُمَا لَوْ كَانَا يَسْتَحِقَّانِ الرُّجُوعَ عَلَى الْمَيِّتِ ، صَارَ الدَّيْنُ لَهُمَا ، فَكَانَتْ ذِمَّةُ الْمَيِّتِ مَشْغُولَةً بِدَيْنِهِمَا ، كَاشْتِغَالِهَا بِدَيْنِ الْمَضْمُونِ عَنْهُ ، وَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلِأَنَّهُ تَبَرَّعَ بِذَلِكَ ، أَشْبَهَ مَا لَوْ عَلَفَ دَوَابَّهُ وَأَطْعَمَ عَبِيدَهُ بِغَيْرِ أَمْرِهِ .\rوَوَجْهُ الْأُولَى ، أَنَّهُ قَضَاءٌ مُبْرِئٌ مِنْ دَيْنٍ وَاجِبٍ ، فَكَانَ مِنْ ضَمَانِ مَنْ هُوَ عَلَيْهِ ، كَالْحَاكِمِ إذَا قَضَاهُ عَنْهُ عِنْدَ امْتِنَاعِهِ .\rفَأَمَّا عَلِيٌّ وَأَبُو قَتَادَةَ ، فَإِنَّهُمَا تَبَرَّعَا بِالْقَضَاءِ وَالضَّمَانِ ، فَإِنَّهُمَا قَضَيَا دَيْنَهُ قَصْدًا لِتَبْرِئَةِ ذِمَّتِهِ ،","part":10,"page":67},{"id":4567,"text":"لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ عِلْمِهِمَا بِأَنَّهُ لَمْ يَتْرُكْ وَفَاءً ، وَالْمُتَبَرِّعُ لَا يَرْجِعُ بِشَيْءِ ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي الْمُحْتَسِبِ بِالرُّجُوعِ .","part":10,"page":68},{"id":4568,"text":"( 3584 ) فَصْلٌ : وَيَرْجِعُ الضَّامِنُ عَلَى الْمَضْمُونِ عَنْهُ بِأَقَلِّ الْأَمْرَيْنِ مِمَّا قَضَى أَوْ قَدْرِ الدَّيْنِ ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ الْأَقَلُّ الدَّيْنَ ، فَالزَّائِدُ لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا ، فَهُوَ مُتَبَرِّعٌ بِأَدَائِهِ ، وَإِنْ كَانَ الْمَقْضِيُّ أَقَلَّ ، فَإِنَّمَا يَرْجِعُ بِمَا غَرِمَ ، وَلِهَذَا لَوْ أَبْرَأَهُ غَرِيمُهُ لَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ .\rوَإِنْ دَفَعَ عَنْ الدَّيْنِ عَرَضًا ، رَجَعَ بِأَقَلِّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ قِيمَتِهِ أَوْ قَدْر الدَّيْنِ لِذَلِكَ ، وَإِنْ قَضَى الْمُؤَجَّلَ قَبْلَ أَجَلِهِ ، لَمْ يَرْجِعْ بِهِ قَبْلَ أَجَلِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ لَهُ أَكْثَرُ مِمَّا كَانَ لِلْغَرِيمِ .\rفَإِنْ أَحَالَهُ ، كَانَتْ الْحَوَالَةُ بِمَنْزِلَةِ تَقْبِيضِهِ ، وَيَرْجِعُ بِالْأَقَلِّ مِمَّا أَحَالَ بِهِ أَوْ قَدْرِ الدَّيْنِ ، سَوَاءٌ قَبَضَ الْغَرِيمُ مِنْ الْمُحَالِ عَلَيْهِ أَوْ أَبْرَأَهُ ، أَوْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ الِاسْتِيفَاءُ ، لِفَلَسٍ أَوْ مَطْلٍ ؛ لِأَنَّ نَفْسَ الْحَوَالَةِ كَالْإِقْبَاضِ .","part":10,"page":69},{"id":4569,"text":"( 3585 ) فَصْلٌ : وَلَوْ كَانَ عَلَى رَجُلَيْنِ مِائَةٌ ، عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا نِصْفُهَا ، وَكُلُّ وَاحِدٍ ضَامِنٌ عَنْ صَاحِبِهِ مَا عَلَيْهِ ، فَضَمِنَ آخَرُ عَنْ أَحَدِهِمَا الْمِائَةَ بِأَمْرِهِ وَقَضَاهَا ، سَقَطَ الْحَقُّ عَنْ الْجَمِيعِ ، وَلَهُ الرُّجُوعُ بِهَا عَلَى الَّذِي ضَمِنَ عَنْهُ ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْآخَرِ بِشَيْءٍ ، فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَضْمَنْ عَنْهُ ، وَلَا أَذِنَ لَهُ فِي الْقَضَاءِ ، فَإِذَا رَجَعَ عَلَى الَّذِي ضَمِنَ عَنْهُ ، رَجَعَ عَلَى الْآخَرِ بِنِصْفِهَا ، إنْ كَانَ ضَمِنَ عَنْهُ بِإِذْنِهِ ؛ لِأَنَّهُ ضَمِنَهَا عَنْهُ بِإِذْنِهِ ، وَقَضَاهَا ضَامِنُهُ .\rوَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَة ، لَهُ الرُّجُوعُ عَلَى الْآخَرِ بِالْمِائَةِ ؛ لِأَنَّهَا وَجَبَتْ لَهُ عَلَى مَنْ أَدَّاهَا عَنْهُ ، فَمَلَكَ الرُّجُوعَ بِهَا عَلَيْهِ كَالْأَصْلِ .\r\"","part":10,"page":70},{"id":4570,"text":"( 3586 ) فَصْلٌ : إذَا ضَمِنَ عَنْ رَجُلٍ بِإِذْنِهِ ، فَطُولِبَ الضَّامِنُ ، فَلَهُ مُطَالَبَةُ الْمَضْمُونِ عَنْهُ بِتَخْلِيصِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَزِمَهُ الْأَدَاءُ عَنْهُ بِأَمْرِهِ ، فَكَانَتْ لَهُ الْمُطَالَبَةُ بِتَبْرِئَةِ ذِمَّتِهِ .\rوَإِنْ لَمْ يُطَالَبْ الضَّامِنُ ، لَمْ يَمْلِكْ مُطَالَبَةَ الْمَضْمُونِ عَنْهُ ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَكُنْ لَهُ الرُّجُوعُ بِالدَّيْنِ قَبْلَ غَرَامَتِهِ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ الْمُطَالَبَةُ بِهِ قَبْلَ طَلَبِهِ مِنْهُ .\rوَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ ، أَنَّ لَهُ الْمُطَالَبَة ؛ لِأَنَّهُ شَغَلَ ذِمَّتَهُ بِإِذْنِهِ ، فَكَانَتْ لَهُ الْمُطَالَبَةُ بِتَفْرِيغِهَا ، كَمَا لَوْ اسْتَعَارَ عَبْدًا فَرَهَنَهُ ، كَانَ لِلسَّيِّدِ مُطَالَبَتُهُ بِفِكَاكِهِ وَتَفْرِيغِهِ مِنْ الرَّهْنِ .\rوَالْأَوَّلُ أَوْلَى .\rوَيُفَارِقُ الضَّمَانُ الْعَارِيَّةَ ؛ لِأَنَّ السَّيِّدَ يَتَضَرَّرُ بِتَعْوِيقِ مَنَافِعِ عَبْدِهِ الْمُسْتَعَارِ ، فَمَلَكَ الْمُطَالَبَةَ بِمَا يُزِيلُ الضَّرَرَ عَنْهُ ، وَالضَّامِنُ لَا يَبْطُلُ بِالضَّمَانِ شَيْءٌ مِنْ مَنَافِعِهِ .\rفَأَمَّا إنْ ضَمِنَ عَنْهُ بِغَيْرِ أَمْرِهِ ، لَمْ يَمْلِكْ مُطَالَبَةَ الْمَضْمُونِ عَنْهُ قَبْلَ الْأَدَاءِ بِحَالٍ ؛ لِأَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ يُطَالِبُ بِهِ ، وَلَا شَغَلَ ذِمَّتَهُ بِأَمْرِهِ ، فَأَشْبَهَ الْأَجْنَبِيَّ .\rوَقِيلَ : إنَّ هَذَا يَنْبَنِي عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي رُجُوعِهِ عَلَى الْمَضْمُونِ عَنْهُ بِمَا أَدَّى عَنْهُ ، فَإِنْ قُلْنَا : لَا يَرْجِعُ .\rفَلَا مُطَالَبَةَ لَهُ بِحَالٍ .\rوَإِنْ قُلْنَا : يَرْجِعُ .\rفَحُكْمُهُ حُكْمُ مَنْ ضَمِنَ عَنْهُ بِأَمْرِهِ ، عَلَى مَا مَضَى تَفْصِيلِهِ .","part":10,"page":71},{"id":4571,"text":"( 3587 ) فَصْلٌ : فَإِنْ ضَمِنَ الضَّامِنَ ضَامِنٌ آخَرُ ، فَقَضَى أَحَدُهُمْ الدَّيْنَ ، بَرِئُوا جَمِيعًا .\rفَإِنْ قَضَاهُ الْمَضْمُونُ عَنْهُ ، لَمْ يَرْجِعْ عَلَى أَحَدٍ .\rوَإِنْ قَضَاهُ الضَّامِنُ الْأَوَّلُ رَجَعَ عَلَى الْمَضْمُونِ عَنْهُ دُونَ الضَّامِنِ عَنْهُ ، وَإِنْ قَضَاهُ الثَّانِي رَجَعَ عَلَى الْأَوَّلِ ، ثُمَّ رَجَعَ الْأَوَّلُ عَلَى الْمَضْمُونِ عَنْهُ ، إذَا كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَدْ أَذِنَ لَصَاحِبِهِ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَذِنَ لَهُ ، فَفِي الرُّجُوعِ رِوَايَتَانِ .\rوَإِنْ أَذِنَ الْأَوَّلُ لِلثَّانِيَّ ، وَلَمْ يَأْذَنْ الْمَضْمُونُ عَنْهُ ، أَوْ أَذِنَ الْمَضْمُونُ عَنْهُ لِضَامِنِهِ ، وَلَمْ يَأْذَنْ الضَّامِنُ لِضَامِنِهِ ، رَجَعَ الْمَأْذُونُ لَهُ عَلَى مَنْ أَذِنَ لَهُ ، وَلَمْ يَرْجِعْ الْآخَرُ عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ ، فَإِنْ أَذِنَ الْمَضْمُونُ عَنْهُ لِلضَّامِنِ الثَّانِي فِي الضَّمَانِ ، وَلَمْ يَأْذَنْ لَهُ الضَّامِنُ الْأَوَّلُ ، رَجَعَ عَلَى الْمَضْمُونِ عَنْهُ ، وَلَمْ يَرْجِعْ عَلَى الضَّامِنِ ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُرْجَعُ عَلَى مَنْ أَذِنَ لَهُ دُونَ غَيْرِهِ .","part":10,"page":72},{"id":4572,"text":"( 3588 ) فَصْلٌ : إذَا كَانَ لَهُ أَلْفٌ عَلَى رَجُلَيْنِ ، عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفُهُ ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ضَامِنٌ عَنْ صَاحِبِهِ ، فَأَبْرَأَ الْغَرِيمُ أَحَدَهُمَا مِنْ الْأَلْفِ ، بَرِئَ مِنْهُ ، وَبَرِئَ صَاحِبُهُ مِنْ ضَمَانِهِ ، وَبَقِيَ عَلَيْهِ خَمْسُمِائَةٍ .\rوَإِنْ قَضَاهُ أَحَدُهُمَا خَمْسَمِائَةٍ ، أَوْ أَبْرَأْهُ الْغَرِيمُ مِنْهَا ، وَعَيَّنَ الْقَضَاءَ بِلَفْظِهِ أَوْ بِبَيِّنَةٍ عَنْ الْأَصْلِ وَالضَّمَانِ ، انْصَرَفَ إلَيْهِ .\rوَإِنْ أَطْلَقَ ، احْتَمَلَ أَنَّ لَهُ صَرْفَهَا إلَى مَا شَاءَ مِنْهُمَا ، كَمَنْ أَخْرَجَ زَكَاةَ نِصَابٍ وَلَهُ نِصَابَانِ غَائِبٌ وَحَاضِرٌ ، كَانَ لَهُ صَرْفُهَا إلَى مَا شَاءَ مِنْهُمَا ، وَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ نِصْفُهَا عَنْ الْأَصْلِ ، وَنِصْفُهَا عَنْ الضَّمَانِ ؛ لِأَنَّ إطْلَاقَ الْقَضَاءِ وَالْإِبْرَاءِ يَنْصَرِفُ إلَى جُمْلَةِ مَا فِي ذِمَّتِهِ ، فَيَكُونُ بَيْنَهُمَا ، وَالْمُعْتَبَرُ فِي الْقَضَاءِ لَفْظُ الْقَاضِي وَنِيَّتُهُ ، وَفِي الْإِبْرَاءِ لَفْظُ الْمُبْرِئِ وَنِيَّتُهُ ، وَمَتَى اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ الْمُعْتَبَرُ لَفْظُهُ وَنِيَّتُهُ .","part":10,"page":73},{"id":4573,"text":"( 3589 ) فَصْل : وَلَوْ ادَّعَى أَلْفًا عَلَى حَاضِرٍ وَغَائِبٍ ، وَأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ضَامِنٌ عَنْ صَاحِبِهِ ، فَاعْتَرَفَ الْحَاضِرُ بِذَلِكَ ، فَلَهُ أَخْذُ الْأَلْفِ مِنْهُ ، فَإِذَا قَدِمَ الْغَائِبُ فَاعْتَرَفَ ، رَجَعَ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ بِنِصْفِهِ ، وَإِنْ أَنْكَرَ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ ، وَإِنْ أَنْكَرَ الْحَاضِرُ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ ، فَإِنْ قَامَتْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ فَاسْتَوْفَى الْأَلْفَ مِنْهُ ، لَمْ يَرْجِعْ عَلَى الْغَائِبِ بِشَيْءٍ ؛ لِأَنَّهُ بِإِنْكَارِهِ مُعْتَرِفٌ أَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ عَلَيْهِ ، وَإِنَّمَا الْمُدَّعِي ظَلَمَهُ .\rوَإِنْ اعْتَرَفَ الْغَائِبُ وَعَادَ الْحَاضِرُ عَنْ إنْكَارِهِ ، فَلَهُ أَنْ يَسْتَوْفِيَ مِنْهُ ؛ لِأَنَّهُ يَدَّعِي عَلَيْهِ حَقًّا يَعْتَرِفُ لَهُ بِهِ ، فَكَانَ لَهُ أَخْذُهُ مِنْهُ .\rوَإِنْ لَمْ يَقُمْ عَلَى الْحَاضِرِ بَيِّنَةٌ ، حَلَفَ وَبَرِئَ ، فَإِذَا قَدِمَ الْغَائِبُ فَأَنْكَرَ أَيْضًا وَحَلَفَ ، بَرِئَ ، وَإِنْ اعْتَرَفَ ، لَزِمَهُ دَفْعُ الْأَلْفِ .\rوَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ : لَا يَلْزَمُهُ إلَّا خَمْسُ الْمِائَةِ الْأَصْلِيَّةِ دُونَ الْمَضْمُونَةِ ؛ لِأَنَّهَا سَقَطَتْ عَنْ الْمَضْمُونِ عَنْهُ بِيَمِينِهِ ، فَتَسْقُطُ عَنْ ضَامِنِهِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ يَعْتَرِفُ بِهَا وَغَرِيمُهُ يَدَّعِيهَا ، وَالْيَمِينُ إنَّمَا أَسْقَطَتْ الْمُطَالَبَةَ عَنْهُ فِي الظَّاهِرِ ، وَلَمْ تُسْقِطْ عَنْهُ الْحَقَّ الَّذِي فِي ذِمَّتِهِ ، وَلِهَذَا لَوْ قَامَتْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ بَعْدَ يَمِينِهِ ، لَزِمَهُ ، وَلَزِمَ الضَّامِنَ .","part":10,"page":74},{"id":4574,"text":"( 3590 ) فَصْلٌ : وَإِذَا ادَّعَى الضَّامِنُ أَنَّهُ قَضَى الدَّيْنَ ، فَأَنْكَرَ الْمَضْمُونُ لَهُ ، وَلَا بَيِّنَةَ لَهُ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَضْمُونِ لَهُ ؛ لِأَنَّهُ ادَّعَى تَسْلِيمَ الْمَالِ إلَى مَنْ لَمْ يَأْمَنْهُ ، فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمُنْكِرِ ، وَلَهُ مُطَالَبَةُ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا ، فَإِنْ رَجَعَ عَلَى الْمَضْمُونِ عَنْهُ ، فَهَلْ يَرْجِعُ الضَّامِنُ بِمَا قَضَاهُ عَنْهُ ؟ نَظَرْنَا ؛ فَإِنْ لَمْ يَعْتَرِفْ لَهُ بِالْقَضَاءِ ، لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهِ ، وَإِنْ اعْتَرَفَ لَهُ بِالْقَضَاءِ ، وَكَانَ قَدْ قَضَى بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ فِي غَيْبَةِ الْمَضْمُونِ عَنْهُ ، لَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ ، سَوَاءٌ صَدَّقَهُ الْمَضْمُونُ عَنْهُ أَوْ كَذَّبَهُ ؛ لِأَنَّهُ أَذِنَ لَهُ فِي قَضَاءٍ مُبَرِّئٍ وَلَمْ يُوجَدْ ، وَإِنْ قَضَاهُ بِبَيِّنَةٍ ، ثَبَتَ بِهَا الْحَقُّ ، لَكِنْ إنْ كَانَتْ مَيْتَةً أَوْ غَائِبَةً فَلِلضَّامِنِ الرُّجُوعُ عَلَى الْمَضْمُونِ عَنْهُ ؛ لِأَنَّهُ مُعْتَرِفٌ أَنَّهُ مَا قَصَّرَ وَلَا فَرَّطَ .\rوَإِنْ قَضَاهُ بِبَيِّنَةٍ مَرْدُودَةٍ بِأَمْرٍ ظَاهِرٍ ، كَالْكُفْرِ وَالْفِسْقِ الظَّاهِرِ ، لَمْ يَرْجِعْ الضَّامِنُ لِتَفْرِيطِهِ ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْبَيِّنَةَ كَعَدَمِهَا ، وَإِنْ رُدَّتْ بِأَمْرٍ خَفِيٍّ ، كَالْفِسْقِ الْبَاطِنِ ، أَوْ كَانَتْ الشَّهَادَةُ مُخْتَلَفًا فِيهَا ، مِثْلُ أَنْ أَشْهَدَ عَبْدَيْنِ ، أَوْ شَاهِدًا وَاحِدًا ، فَرُدَّتْ لِذَلِكَ ، أَوْ كَانَ مَيْتًا أَوْ غَائِبًا ، احْتَمَلَ أَنْ يَرْجِعَ ؛ لِأَنَّهُ قَضَى بِبَيِّنَةٍ شَرْعِيَّةٍ ، وَالْجَرْحُ وَالتَّعْدِيلُ لَيْسَ إلَيْهِ .\rوَاحْتَمَلَ أَنْ لَا يَرْجِعَ ؛ لِأَنَّهُ أَشْهَدَ مَنْ لَا يَثْبُتُ الْحَقُّ بِشَهَادَتِهِ .\rوَإِنْ قَضَى بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ بِحَضْرَةِ الْمَضْمُونِ عَنْهُ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، يَرْجِعُ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ حَاضِرًا كَانَ الِاحْتِيَاطُ إلَيْهِ ، فَإِذَا تَرَكَ التَّحَفُّظَ وَهُوَ حَاضِرٌ ، فَهُوَ الْمُفَرِّطُ دُونَ الضَّامِنِ .\rوَالثَّانِي ، لَا يَرْجِعُ ؛ لِأَنَّهُ قَضَى قَضَاءً لَا يُبْرِئُ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَضَى فِي غَيْبَتِهِ .\rفَأَمَّا إنْ رَجَعَ الْمَضْمُونُ لَهُ عَلَى الضَّامِنِ ،","part":10,"page":75},{"id":4575,"text":"فَاسْتَوْفِي مِنْهُ مَرَّةً ثَانِيَةً ، رَجَعَ عَلَى الْمَضْمُونِ عَنْهُ بِمَا قَضَاهُ ثَانِيًا ؛ لِأَنَّهُ أَبْرَأَ بِهِ ذِمَّتَهُ ظَاهِرًا .\rقَالَ الْقَاضِي : وَيَحْتَمِلُ أَنَّ لَهُ الرُّجُوعَ بِمَا قَضَاهُ أَوَّلًا دُونَ الثَّانِي ؛ لِأَنَّ الْبَرَاءَةَ حَصَلَتْ بِهِ فِي الْبَاطِنِ .\rوَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ كَهَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ وَجْهٌ ثَالِثٌ ، أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ بِشَيْءٍ بِحَالٍ ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ مَا أَبْرَأَهُ ظَاهِرًا ، وَالثَّانِيَ مَا أَبْرَأَهُ بَاطِنًا .\rوَلَنَا ، أَنَّ الضَّامِنَ أَدَّى عَنْ الْمَضْمُونِ عَنْهُ بِإِذْنِهِ إذَا أَبْرَأَهُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا فَرَجَعَ بِهِ ، كَمَا لَوْ قَامَتْ بِهِ الْبَيِّنَةُ .\rوَالْوَجْهُ الْأَوَّلُ أَرْجَحُ ؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ الْمُبْرِئَ فِي الْبَاطِنِ مَا أَوْجَبَ الرُّجُوعَ ، فَيَجِبُ أَنْ يَجِبَ بِالْبَاقِي الْمُبْرِئِ فِي الظَّاهِرِ .\rوَإِنْ اعْتَرَفَ الْمَضْمُونُ لَهُ بِالْقَضَاءِ ، وَأَنْكَرَ الْمَضْمُونُ عَنْهُ ، لَمْ يُلْتَفَتْ إلَى إنْكَارِهِ ؛ لِأَنَّ مَا فِي ذِمَّتِهِ حَقٌّ لِلْمَضْمُونِ لَهُ ، فَإِذَا اعْتَرَفَ بِالْقَبْضِ مِنْ الضَّامِنِ ، فَقَدْ اعْتَرَفَ بِأَنَّ الْحَقَّ الَّذِي لَهُ صَارَ لِلضَّامِنِ ، فَيَجِبُ أَنْ يُقْبَلَ إقْرَارُهُ ، لِكَوْنِهِ إقْرَارًا فِي حَقِّ نَفْسِهِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يُقْبَلَ ؛ لِأَنَّ الضَّامِنَ مُدَّعٍ لِمَا يَسْتَحِقُّ بِهِ الرُّجُوعَ عَلَى الْمَضْمُونِ عَنْهُ ، فَقَوْلُ الْمَضْمُونِ لَهُ شَهَادَةٌ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ ، فَلَا يُقْبَلُ .\rوَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ ، وَشَهَادَةُ الْإِنْسَانِ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ صَحِيحَةٌ ، كَشَهَادَةِ الْمُرْضِعَةِ بِالرَّضَاعِ ، وَقَدْ ثَبَتَ ذَلِكَ بِخَبَرِ عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ .","part":10,"page":76},{"id":4576,"text":"( 3591 ) فَصْلٌ : وَلَا يَدْخُلُ الضَّمَانَ وَالْكَفَالَةَ خِيَارٌ ؛ لِأَنَّ الْخِيَارَ جُعِلَ لِيُعْرَفَ مَا فِيهِ الْحَظُّ ، وَالضَّمِينُ وَالْكَفِيلُ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَّهُ لَا حَظَّ لَهُمَا ، وَلِأَنَّهُ عَقْدٌ لَا يَفْتَقِرُ إلَى الْقَبُولِ ، فَلَمْ يَدْخُلْهُ خِيَارٌ ، كَالنَّذْرِ .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ .\rوَلَا نَعْلَمُ عَنْ أَحَدٍ خِلَافَهُمْ .\rفَإِنْ شَرَطَ الْخِيَارَ فِيهِمَا ، فَقَالَ الْقَاضِي : عِنْدِي أَنَّ الْكَفَالَةَ تَبْطُلُ ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ شَرَطَ مَا يُنَافِي مُقْتَضَاهَا ، فَفَسَدَتْ ، كَمَا لَوْ شَرَطَ أَنْ لَا يُؤَدِّيَ مَا عَلَى الْمَكْفُولِ بِهِ ، وَذَلِكَ لِأَنَّ مُقْتَضَى الضَّمَانِ وَالْكَفَالَة لُزُومُ مَا ضَمِنَهُ أَوْ كَفَلَ بِهِ ، وَالْخِيَارُ يُنَافِي ذَلِكَ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يَبْطُلَ الشَّرْطُ وَتَصِحَّ الْكَفَالَةُ ، كَمَا قُلْنَا فِي الشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ فِي الْبَيْعِ .\rوَلَوْ أَقَرَّ بِأَنَّهُ كَفَلَ بِشَرْطِ الْخِيَارِ ، لَزِمَتْهُ الْكَفَالَةُ ، وَبَطَلَ الشَّرْطُ ؛ لِأَنَّهُ وَصَلَ بِإِقْرَارِهِ مَا يُبْطِلُهُ ، فَأَشْبَهَ اسْتِثْنَاءَ الْكُلِّ .","part":10,"page":77},{"id":4577,"text":"( 3592 ) فَصْلٌ : وَإِذَا ضَمِنَ رَجُلَانِ عَنْ رَجُلٍ أَلْفًا ، ضَمَانَ اشْتِرَاطٍ فَقَالَا : ضَمِنَّا لَك الْأَلْفَ الَّذِي عَلَى زَيْدٍ .\rفَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ضَامِنٌ لِنِصْفِهِ .\rوَإِنْ كَانُوا ثَلَاثَةً ، فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ضَامِنٌ ثُلُثَهُ .\rفَإِنْ قَالَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ : أَنَا وَهَذَانِ ضَامِنُونَ لَك الْأَلْفَ .\rفَسَكَتَ الْآخَرَانِ ، فَعَلَيْهِ ثُلُثُ الْأَلْفِ ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِمَا .\rوَإِنْ قَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ : كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا ضَامِنٌ لَك الْأَلْفَ .\rفَهَذَا ضَمَانُ اشْتِرَاكٍ وَانْفِرَادٍ ، وَلَهُ مُطَالَبَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِالْأَلْفِ كُلِّهِ إنْ شَاءَ .\rوَإِنْ أَدَّى أَحَدُهُمْ الْأَلْفَ كُلَّهُ ، أَوْ حِصَّتَهُ .\rلَمْ يَرْجِعْ إلَّا عَلَى الْمَضْمُونِ عَنْهُ ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ضَامِنٌ أَصْلِيٌّ ، وَلَيْسَ بِضَامِنٍ عَنْ الضَّامِنِ الْآخَرِ .","part":10,"page":78},{"id":4578,"text":"( 3593 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ .\r( وَمَنْ كَفَلَ بِنَفْسٍ لَزِمَهُ مَا عَلَيْهَا إنْ لَمْ يُسَلِّمْهَا ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْكَفَالَةَ بِالنَّفْسِ صَحِيحَةٌ ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rهَذَا مَذْهَبُ شُرَيْحٍ وَمَالِكٍ وَالثَّوْرِيِّ وَاللَّيْثِ وَأَبِي حَنِيفَةَ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي بَعْضِ أَقْوَالِهِ : الْكَفَالَةُ بِالْبَدَنِ ضَعِيفَةٌ .\rوَاخْتَلَفَ أَصْحَابُهُ ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : هِيَ صَحِيحَةٌ قَوْلًا وَاحِدًا .\rوَإِنَّمَا أَرَادَ أَنَّهَا ضَعِيفَةٌ فِي الْقِيَاسِ ، وَإِنْ كَانَتْ ثَابِتَةً بِالْإِجْمَاعِ وَالْأَثَرِ .\rوَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : فِيهَا قَوْلَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، أَنَّهَا غَيْرُ صَحِيحَةٍ ؛ لِأَنَّهَا كَفَالَةٌ بِعَيْنٍ ، فَلَمْ تَصِحَّ ، كَالْكَفَالَةِ بِالْوَجْهِ وَبَدَنِ الشَّاهِدِينَ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى { : قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنْ اللَّهِ لَتَأْتُنَنِّي بِهِ إلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ } وَلِأَنَّ مَا وَجَبَ تَسْلِيمُهُ بِعَقْدٍ وَجَبَ تَسْلِيمُهُ بِعَقْدِ الْكَفَالَة ، كَالْمَالِ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّهُ مَتَى تَعَذَّرَ عَلَى الْكَفِيلِ إحْضَارُ الْمَكْفُولِ بِهِ مَعَ حَيَاتِهِ ، أَوْ امْتَنَعَ مِنْ إحْضَارِهِ ، لَزِمَهُ مَا عَلَيْهِ .\rوَقَالَ أَكْثَرُهُمْ : لَا يَغْرَمُ .\rوَلَنَا عُمُومُ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ { : الزَّعِيمُ غَارِمٌ } .\rوَلِأَنَّهَا أَحَدُ نَوْعَيْ الْكَفَالَةِ ، فَوَجَبَ بِهَا الْغُرْمُ ، كَالْكَفَالَةِ بِالْمَالِ .","part":10,"page":79},{"id":4579,"text":"( 3594 ) فَصْلٌ : وَإِذَا قَالَ : أَنَا كَفِيلٌ بِفُلَانٍ ، أَوْ بِنَفْسِهِ ، أَوْ بِبَدَنِهِ ، أَوْ بِوَجْهِهِ ، كَانَ كَفِيلًا بِهِ .\rوَإِنْ كَفَلَ بِرَأْسِهِ أَوْ كَبِدِهِ ، أَوْ جُزْءٍ لَا تَبْقَى الْحَيَاةُ بِدُونِهِ ، أَوْ بِجُزْءِ شَائِعٍ مِنْهُ ، كَثُلُثِهِ أَوْ رُبُعِهِ ، صَحَّتْ الْكَفَالَةُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ إحْضَارُ ذَلِكَ إلَّا بِإِحْضَارِهِ كُلِّهِ .\rوَإِنْ تَكَفَّلَ بِعُضْوٍ تَبْقَى الْحَيَاةُ بَعْدَ زَوَاله ، كَيَدِهِ وَرِجْلِهِ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، تَصِحُّ الْكَفَالَةُ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي الْخَطَّابِ ، وَأَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ إحْضَارُ هَذِهِ الْأَعْضَاءِ عَلَى صِفَتِهَا إلَّا بِإِحْضَارِ الْبَدَنِ كُلِّهِ ، فَأَشْبَهَ الْكَفَالَةَ بِوَجْهِهِ وَرَأْسِهِ ، وَلِأَنَّهُ حُكْمٌ يَتَعَلَّقُ بِالْجُمْلَةِ فَيَثْبُتُ حُكْمُهُ إذَا أُضِيفَ إلَى الْبَعْضِ ، كَالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ .\rوَالثَّانِي ، لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ إحْضَارُهُ بِدُونِ الْجُمْلَةِ مَعَ بَقَائِهَا .\rوَقَالَ الْقَاضِي : لَا تَصِحُّ الْكَفَالَةُ بِبَعْضِ الْبَدَنِ ، وَلَا تَصِحُّ إلَّا فِي جَمِيعِهِ ؛ لِأَنَّ مَا لَا يَسْرِي لَا يَصِحُّ إذَا خُصَّ بِهِ عُضْوٌ ، كَالْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ .","part":10,"page":80},{"id":4580,"text":"( 3595 ) فَصْلٌ : وَتَصِحُّ الْكَفَالَةُ بِبَدَنِ كُلِّ مَنْ يَلْزَمُ حُضُورُهُ فِي مَجْلِسِ الْحُكْمِ بِدَيْنٍ لَازِمٍ ، سَوَاءٌ كَانَ الدَّيْنُ مَعْلُومًا أَوْ مَجْهُولًا ؛ وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَاب الشَّافِعِيَّةِ : لَا تَصِحُّ بِمَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ مَجْهُولٌ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَتَعَذَّرُ إحْضَارُ الْمَكْفُولِ بِهِ ، فَيَلْزَمُهُ الدَّيْنُ ، وَلَا يُمْكِنُ طَلَبُهُ مِنْهُ لِجَهْلِهِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الْكَفَالَةَ بِالْبَدَنِ لَا بِالدَّيْنِ ، وَالْبَدَنُ مَعْلُومٌ ، فَلَا تَبْطُلُ الْكَفَالَةُ لِاحْتِمَالِ عَارِضٍ ، وَلِأَنَّا قَدْ تَبَيَّنَّا أَنَّ ضَمَانَ الْمَجْهُولِ يَصِحُّ ، وَهُوَ الْتِزَامُ الْمَالِ ابْتِدَاءً ، فَالْكَفَالَةُ الَّتِي لَا تَتَعَلَّقُ بِالْمَالِ ابْتِدَاءً أَوْلَى .\rوَتَصِحُّ الْكَفَالَةُ بِالصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ ؛ لِأَنَّهُمَا قَدْ يَجِبُ إحْضَارُهُمَا مَجْلِسَ الْحُكْمِ لِلشَّهَادَةِ عَلَيْهِمَا بِالْإِتْلَافِ ، وَإِذْنُ وَلِيِّهِمَا يَقُومُ مَقَامَ إذْنِهِمَا .\rوَتَصِحُّ الْكَفَالَةُ بِبَدَنِ الْمَحْبُوسِ وَالْغَائِبِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا تَصِحُّ .\rوَلَنَا ، أَنَّ كُلَّ وَثِيقَةٍ صَحَّتْ مَعَ الْحُضُورِ صَحَّتْ مَعَ الْغَيْبَةِ وَالْحَبْسِ ، كَالرَّهْنِ وَالضَّمَانِ ، وَلِأَنَّ الْحَبْسَ لَا يَمْنَعُ مِنْ التَّسْلِيمِ ، لِكَوْنِ الْمَحْبُوسِ يُمْكِنُ تَسْلِيمُهُ بِأَمْرِ الْحَاكِمِ ، أَوْ أَمْرِ مَنْ حَبَسَهُ ، ثُمَّ يُعِيدُهُ إلَى الْحَبْسِ بِالْحَقَّيْنِ جَمِيعًا ، وَالْغَائِبُ يَمْضِي إلَيْهِ فَيُحَضِّرُهُ إنْ كَانَتْ الْغَيْبَةُ غَيْرَ مُنْقَطِعَةٍ ، وَهُوَ أَنْ يَعْلَمَ خَبَرَهُ ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ خَبَرَهُ ، لَزِمَهُ مَا عَلَيْهِ : قَالَهُ الْقَاضِي .\rوَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ : لَا يَلْزَمُهُ مَا عَلَيْهِ حَتَّى تَمْضِيَ مُدَّةٌ يُمْكِنُهُ الرَّدُّ فِيهَا ، فَلَا يَفْعَلُ .","part":10,"page":81},{"id":4581,"text":"( 3596 ) فَصْلٌ : وَلَا تَصِحُّ الْكَفَالَةُ بِبَدَنِ مَنْ عَلَيْهِ حَدٌّ ، سَوَاءٌ كَانَ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى ، كَحَدِّ الزِّنَى وَالسَّرِقَةِ ، أَوْ لِآدَمِي كَحَدِّ الْقَذْفِ وَالْقِصَاصِ .\rوَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ؛ مِنْهُمْ شُرَيْحٌ وَالْحَسَنُ .\rوَبِهِ قَالَ إِسْحَاقُ وَأَبُو عُبَيْدٍ وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَاخْتَلَفَ قَوْلُهُ فِي حُدُودِ الْآدَمِيِّ ، فَقَالَ فِي مَوْضِعٍ : لَا كَفَالَةَ فِي حُدُودِ الْآدَمِيِّ وَلَا لِعَانَ .\rوَقَالَ فِي مَوْضِعٍ : تَجُوزُ الْكَفَالَةُ بِمَنْ عَلَيْهِ حَقٌّ أَوْ حَدٌّ ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ لِآدَمِي ، فَصَحَّتْ الْكَفَالَةُ بِهِ ، كَسَائِرِ حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ .\rوَلَنَا ، مَا رُوِيَ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ { لَا كَفَالَةَ فِي حَدٍّ } .\rوَلِأَنَّهُ حَدٌّ ، فَلَمْ تَصِحَّ الْكَفَالَةُ فِيهِ كَحُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَلِأَنَّ الْكَفَالَةَ اسْتِيثَاقٌ ، وَالْحُدُودُ مَبْنَاهَا عَلَى الْإِسْقَاطِ وَالدَّرْءِ بِالشُّبُهَاتِ ، فَلَا يَدْخُلُ فِيهَا الِاسْتِيثَاقُ ، وَلِأَنَّهُ حَقٌّ لَا يَجُوزُ اسْتِيفَاؤُهُ مِنْ الْكَفِيلِ إذَا تَعَذَّرَ عَلَيْهِ ، إحْضَارُ الْمَكْفُولِ بِهِ ، فَلَمْ تَصِحّ الْكَفَالَةُ بِمَنْ هُوَ عَلَيْهِ ، كَحَدِّ الزِّنَى .","part":10,"page":82},{"id":4582,"text":"( 3597 ) فَصْلٌ : وَلَا تَجُوزُ الْكَفَالَةُ بِالْمُكَاتِبِ مِنْ أَجْلِ دَيْنِ الْكِتَابَةِ ؛ لِأَنَّ الْحُضُورَ لَا يَلْزَمُهُ .\rفَلَا تَجُوزُ الْكَفَالَةُ بِهِ ، كَدَيْنِ الْكِتَابَةِ .","part":10,"page":83},{"id":4583,"text":"( 3598 ) فَصْلٌ : وَتَصِحُّ الْكَفَالَةُ حَالَّةً وَمُؤَجَّلَةً ، كَمَا يَصِحُّ الضَّمَانُ حَالًّا وَمُؤَجَّلًا ، وَإِذَا أَطْلَقَ كَانَتْ حَالَّةً ؛ لِأَنَّ كُلَّ عَقْدٍ يَدْخُلُهُ الْحُلُولُ اقْتَضَى إطْلَاقُهُ الْحُلُولَ ، كَالثَّمَنِ وَالضَّمَانِ ، فَإِذَا تَكَفَّلَ حَالًّا كَانَ لَهُ مُطَالَبَتُهُ بِإِحْضَارِهِ ، فَإِنْ أَحْضَرَهُ وَهُنَاكَ يَدٌ حَائِلَةٌ ظَالِمَةٌ لَمْ يَبْرَأْ مِنْهُ ، وَلَمْ يَلْزَمْ الْمَكْفُولَ لَهُ تَسَلُّمُهُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْصُلُ لَهُ غَرَضُهُ .\rوَإِنْ لَمْ يَكُنْ يَدٌ حَائِلَةٌ ، لَزِمَهُ قَبُولُهُ ، فَإِنْ قَبِلَهُ بَرِئَ مِنْ الْكَفَالَةِ .\rوَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى : لَا يَبْرَأُ حَتَّى يَقُولَ : قَدْ بَرِئْت إلَيْك مِنْهُ .\rأَوْ قَدْ سَلَّمْته إلَيْك .\rأَوْ قَدْ أَخْرَجْت نَفْسِي مِنْ كَفَالَتِهِ .\rوَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ عَلَى عَمَلٍ ، فَبَرِئَ مِنْهُ بِالْعَمَلِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ ، كَالْإِجَارَةِ ، فَإِنْ امْتَنَعَ مِنْ تَسَلُّمِهِ بَرِئَ ، لِأَنَّهُ أَحْضَرَ مَا يَجِبُ تَسْلِيمُهُ عِنْدَ غَرِيمِهِ وَطَلَبَ مِنْهُ تَسَلُّمَهُ عَلَى وَجْهٍ لَا ضَرَرَ فِي قَبْضِهِ ، فَبَرِئَ مِنْهُ كَالْمُسْلِمِ فِيهِ .\rوَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا : إذَا امْتَنَعَ مِنْ تَسَلُّمِهِ ، أَشْهَدَ عَلَى امْتِنَاعِهِ رَجُلَيْنِ ، وَبَرِئَ ؛ لِأَنَّهُ فَعَلَ مَا وَقَعَ الْعَقْدُ عَلَى فَعَلَهُ ، فَبَرِئَ مِنْهُ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : يَرْفَعُهُ إلَى الْحَاكِمِ فَيُسَلِّمهُ إلَيْهِ ؛ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ حَاكِمًا أَشْهَدَ شَاهِدَيْنِ عَلَى إحْضَارِهِ وَامْتِنَاعِ الْمَكْفُولِ لَهُ مِنْ قَبُوله .\rوَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ؛ فَإِنَّ مَعَ وُجُودِ صَاحِبِ الْحَقِّ لَا يَلْزَمُهُ دَفْعُهُ إلَى نَائِبِهِ ، كَحَاكِمٍ أَوْ غَيْرِهِ .\rوَإِنْ كَانَتْ الْكَفَالَةُ مُؤَجَّلَةً ، لَمْ يَلْزَمْ إحْضَارُهُ قَبْلَ الْأَجَلِ ، كَالدَّيْنِ الْمُؤَجَّلِ ، فَإِذَا حَلَّ الْأَجَلُ فَأَحْضَرَهُ وَسَلَّمَهُ بَرِئَ .\rوَإِنْ كَانَ غَائِبًا أَوْ مُرْتَدًّا لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ ، لَمْ يُؤْخَذْ بِالْحَقِّ حَتَّى يَمْضِيَ زَمَنٌ يُمْكِنُ الْمُضِيُّ إلَيْهِ وَإِعَادَتُهُ .\rوَقَالَ ابْن شُبْرُمَةَ : يُحْبَسُ فِي الْحَالِ ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ قَدْ تَوَجَّهَ عَلَيْهِ","part":10,"page":84},{"id":4584,"text":".\rوَلَنَا ، أَنَّ الْحَقَّ يُعْتَبَرُ فِي وُجُوبِ أَدَائِهِ إمْكَانُ التَّسْلِيمِ .\rوَإِنْ كَانَ حَالًّا كَالدَّيْنِ ، فَإِذَا مَضَتْ مُدَّةٌ يُمْكِنُ إحْضَارُهُ فِيهَا وَلَمْ يُحْضِرْهُ ، أَوْ كَانَتْ الْغَيْبَةُ مُنْقَطِعَةً لَا يُعْلَمُ خَبَرُهُ ، أَوْ امْتَنَعَ مِنْ إحْضَارِهِ مَعَ إمْكَانِهِ ، أُخِذَ بِمَا عَلَيْهِ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ : إنْ كَانَتْ الْغَيْبَةُ مُنْقَطِعَةً لَا يُعْلَمُ مَكَانُهُ ، لَمْ يُطَالَبْ الْكَفِيلُ بِإِحْضَارِهِ ، وَلَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ ، وَإِنْ امْتَنَعَ مِنْ إحْضَارِهِ مَعَ إمْكَانِهِ حُبِسَ .\rوَقَدْ دَلَّلْنَا عَلَى وُجُوبِ الْغُرْمِ فِيمَا مَضَى .\rوَإِنْ أَحْضَرَ الْمَكْفُولَ بِهِ قَبْلَ الْأَجَلِ ، وَلَا ضَرَرَ فِي تَسْلِيمِهِ ، لَزِمَهُ .\rوَإِنْ كَانَ فِيهِ ضَرَرٌ ، مِثْلُ أَنْ تَكُونَ حُجَّةُ الْغَرِيمِ غَائِبَةً ، أَوْ لَمْ يَكُنْ يَوْمَ مَجْلِسِ الْحَاكِمِ ، أَوْ الدَّيْنُ مُؤَجَّلٌ عَلَيْهِ لَا يُمْكِنُ اقْتِضَاؤُهُ مِنْهُ ، أَوْ قَدْ وَعَدَهُ بِالْإِنْظَارِ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ ، لَمْ يَلْزَمْهُ قَبُولُهُ ، كَمَا نَقُولُ فِي مَنْ دَفَعَ الدَّيْنَ الْمُؤَجَّلَ قَبْلَ حُلُولِهِ","part":10,"page":85},{"id":4585,"text":"( 3599 ) فَصْلٌ : وَإِذَا عَيَّنَ فِي الْكَفَالَةِ تَسْلِيمَهُ فِي مَكَان ، فَأَحْضَرَهُ فِي غَيْرِهِ ، لَمْ يَبْرَأْ مِنْ الْكَفَالَةِ .\rوَبِهِ قَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : إنْ أَحْضَرَهُ بِمَكَانٍ آخَرَ مِنْ الْبَلَدِ وَسَلَّمَهُ ، بَرِئَ مِنْ الْكَفَالَةِ .\rوَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا : مَتَى أَحْضَرَهُ فِي أَيِّ مَكَان كَانَ ، وَفِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ سُلْطَانٌ ، بَرِئَ مِنْ الْكَفَالَةِ ؛ لِكَوْنِهِ لَا يُمْكِنُهُ الِامْتِنَاعُ مِنْ مَجْلِسِ الْحَاكِمِ ، وَيُمْكِنُ إثْبَاتُ الْحُجَّةِ فِيهِ .\rوَقِيلَ : إنْ كَانَ عَلَيْهِ ضَرَرٌ فِي إحْضَارِهِ بِمَكَانٍ آخَرَ ، لَمْ يَبْرَأْ الْكَفِيلُ بِإِحْضَارِهِ فِيهِ ، وَإِلَّا بَرِئَ ، كَقَوْلِنَا فِيمَا إذَا أَحْضَرَهُ قَبْلَ الْأَجَلِ .\rوَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ اخْتِلَافٌ عَلَى نَحْوِ مَا ذَكَرْنَا .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ سَلَّمَ مَا شَرَطَ تَسْلِيمَهُ فِي مَكَان فِي غَيْرِهِ ، فَلَمْ يَبْرَأْ ، كَمَا لَوْ أَحْضَرَ الْمُسَلَّمَ فِيهِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ الَّذِي شَرَطَهُ ، وَلِأَنَّهُ قَدْ سَلَّمَ فِي مَوْضِعٍ لَا يَقْدِرُ عَلَى إثْبَاتِ الْحُجَّةِ فِيهِ ، لِغَيْبَةِ شُهُودِهِ ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ ، وَقَدْ يَهْرُبُ مِنْهُ ، وَلَا يَقْدِرُ عَلَى إمْسَاكِهِ ، يُفَارِقُ مَا إذَا أَحْضَرَهُ قَبْلَ الْأَجَلِ ، فَإِنَّهُ عَجَّلَ الْحَقَّ قَبْلَ أَجَلِهِ ، فَزَادَهُ خَيْرًا ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ ضَرَرٌ وَجَبَ قَبُولُهُ .\rوَإِنْ وَقَعَتْ الْكَفَالَةُ مُطْلَقَةً ، وَجَبَ تَسْلِيمُهُ فِي مَكَانِ الْعَقْدِ ، كَالسَّلَمِ .\rفَإِنْ سَلَّمَهُ فِي غَيْرِهِ ، فَهُوَ كَتَسْلِيمِهِ فِي غَيْرِ الْمَكَانِ الَّذِي عَيَّنَهُ .\rوَإِنْ كَانَ الْمَكْفُولُ بِهِ مَحْبُوسًا عِنْدَ غَيْرِ الْحَاكِمِ ، لَمْ يَلْزَمْهُ تَسْلِيمُهُ مَحْبُوسًا ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ الْحَبْسَ يَمْنَعُهُ اسْتِيفَاءَ حَقِّهِ .\rوَإِنْ كَانَ مَحْبُوسًا عِنْدَ الْحَاكِمِ ، فَسَلَّمَهُ إلَيْهِ مَحْبُوسًا لَزِمَهُ تَسْلِيمُهُ ؛ لِأَنَّ حَبْسَ الْحَاكِمِ لَا يَمْنَعُهُ اسْتِيفَاءَ حَقِّهِ .\rوَإِذَا طَالَبَ الْحَاكِمُ بِإِحْضَارِهِ ، أَحْضَرَهُ مَجْلِسَهُ ، وَحَكَمَ بَيْنَهُمَا ، ثُمَّ يَرُدُّهُ إلَى الْحَبْسِ .\rفَإِنْ تَوَجَّهَ عَلَيْهِ حَقٌّ","part":10,"page":86},{"id":4586,"text":"لِلْمَكْفُولِ لَهُ ، حَبَسَهُ بِالْحَقِّ الْأَوَّلِ أَوْ حَقِّ الْمَكْفُولِ لَهُ .","part":10,"page":87},{"id":4587,"text":"( 3600 ) فَصْلٌ : وَإِنْ كَفَلَ إلَى أَجَلٍ مَجْهُولٍ ، لَمْ تَصِحَّ الْكَفَالَةُ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ وَقْتٌ يَسْتَحِقُّ مُطَالَبَتُهُ فِيهِ ، وَهَكَذَا الضَّمَانُ .\rوَإِنْ جَعَلَهُ إلَى الْحَصَادِ وَالْجِزَازِ وَالْعَطَاءِ ، خُرِّجَ عَلَى الْوَجْهَيْنِ ، كَالْأَجَلِ فِي الْبَيْعِ .\rوَالْأَوْلَى صِحَّتُهَا هُنَا ، لِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ ، جَعَلَ لَهُ أَجَلًا لَا يَمْنَعُ مِنْ حُصُولِ الْمَقْصُودِ مِنْهُ ، فَصَحَّ ، كَالنَّذْرِ .\rوَهَكَذَا كُلُّ مَجْهُولٍ لَا يَمْنَعُ مَقْصُودَ الْكَفَالَةِ .\rوَقَدْ رَوَى مُهَنَّا عَنْ أَحْمَدَ ، فِي رَجُلٍ كَفَلَ رَجُلًا آخَرَ ، فَقَالَ : إنْ جِئْت بِهِ فِي وَقْتِ كَذَا ، وَإِلَّا فَمَا عَلَيْهِ عَلَى .\rفَقَالَ : لَا أَدْرِي ، وَلَكِنْ إنْ قَالَ : سَاعَةَ كَذَا .\rلَزِمَهُ .\rفَنَصَّ عَلَى تَعْيِينِ السَّاعَةِ وَتَوَقَّفَ عَنْ تَعْيِينِ الْوَقْتِ ، وَلَعَلَّهُ أَرَادَ وَقْتًا مُتَّسِعًا ، أَوْ وَقْتَ شَيْءٍ يَحْدُثُ ، مِثْلُ وَقْتِ الْحَصَادِ وَنَحْوه .\rفَأَمَّا إنْ قَالَ : وَقْتَ طُلُوعِ الشَّمْسِ ، وَنَحْو ذَلِكَ ، صَحَّ .\rوَإِنْ قَالَ : إلَى الْغَدِ أَوْ شَهْرِ كَذَا .\rتَعَلَّقَ بِأَوَّلِهِ ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي السَّلَمِ .","part":10,"page":88},{"id":4588,"text":"فَصْلٌ : وَإِذَا تَكَفَّلَ بِرَجُلٍ إلَى أَجَلٍ ، إنْ جَاءَ بِهِ فِيهِ ، وَإِلَّا لَزِمَهُ مَا عَلَيْهِ ، صَحَّ .\rوَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ : وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ وَالشَّافِعِيُّ : لَا تَصِحُّ الْكَفَالَةُ ، وَلَا يَلْزَمُهُ مَا عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ هَذَا تَعْلِيقُ الضَّمَانِ بِخَطَرٍ فَلَمْ يَصِحَّ ، كَمَا لَوْ عَلَّقَهُ بِقُدُومِ زَيْدٍ .\rوَلَنَا ، أَنَّ هَذَا مُوجِبُ الْكَفَالَةِ وَمُقْتَضَاهَا ، فَصَحَّ اشْتِرَاطُهُ ، كَمَا لَوْ قَالَ : إنَّ جِئْت بِهِ فِي وَقْتِ كَذَا ، وَإِلَّا فَلَكَ حَبْسِي .\rوَمَبْنَى الْخِلَافِ هَاهُنَا عَلَى الْخِلَافِ فِي أَنَّ هَذَا مُقْتَضَى الْكَفَالَةِ ، وَقَدْ دَلَّلْنَا عَلَيْهِ .\rوَأَمَّا إنْ قَالَ : إنْ جِئْت بِهِ فِي وَقْتِ كَذَا ، وَإِلَّا فَأَنَا كَفِيلٌ بِبَدَنِ فُلَانٍ ، أَوْ فَأَنَا ضَامِنٌ لَك مَالَك عَلَى فُلَانٍ .\rأَوْ قَالَ : إذَا جَاءَ زَيْدٌ فَأَنَا ضَامِنٌ لَك مَا عَلَيْهِ .\rأَوْ إذَا قَدِمَ الْحَاجُّ فَأَنَا كَفِيلٌ بِفُلَانٍ .\rأَوْ قَالَ : أَنَا كَفِيلٌ بِفُلَانٍ شَهْرًا .\rفَقَالَ الْقَاضِي : لَا تَصِحُّ الْكَفَالَةُ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ خَطَرٌ فَلَمْ يَجُزْ تَعْلِيقُ الضَّمَانِ وَالْكَفَالَةِ بِهِ ، كَمَجِيءِ الْمَطَرِ وَهُبُوبِ الرِّيحِ ، وَلِأَنَّهُ إثْبَاتُ حَقٍّ لِآدَمِيٍّ مُعَيَّنٍ ، فَلَمْ يَجُزْ تَعْلِيقُهُ عَلَى شَرْطٍ ، وَلَا تَوْقِيتُهُ ، كَالْهِبَةِ .\rوَقَالَ الشَّرِيفُ أَبُو جَعْفَرٍ ، وَأَبُو الْخَطَّابِ : تَصِحُّ ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ ؛ لِأَنَّهُ أَضَافَ الضَّمَانَ إلَى سَبَبِ الْوُجُودِ ، فَيَجِبُ أَنْ يَصِحَّ ، كَضَمَانِ الدَّرَكِ .\rوَالْأَوَّلُ أَقْيَسُ .\rفَإِنْ قَالَ : كَفَلْت بِفُلَانٍ إنْ جِئْت بِهِ فِي وَقْتِ كَذَا .\rوَإِلَّا فَأَنَا كَفِيلٌ بِفُلَانٍ ، أَوْ ضَامِنُ الْمَالِ الَّذِي عَلَى فُلَانٍ .\rلَمْ يَصِحَّ فِيهِمَا عِنْدَ الْقَاضِي ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ مُؤَقَّتٌ ، وَالثَّانِيَ مُعَلَّقٌ عَلَى شَرْطٍ .\rوَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : يَصِحُّ فِيهِمَا .\rفَأَمَّا إنْ قَالَ : كَفَلْت بِأَحَدِ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ .\rلَمْ يَصِحَّ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَعْلُومٍ فِي","part":10,"page":89},{"id":4589,"text":"الْحَالِ وَلَا فِي الْمَآلِ .","part":10,"page":90},{"id":4590,"text":"( 3602 ) فَصْلٌ : فَإِنْ قَالَ : كَفَلْت بِبَدَنِ فُلَانٍ ، عَلَى أَنْ يَبْرَأَ فُلَانٌ الْكَفِيلُ .\rأَوْ عَلَى أَنْ تُبْرِئَهُ مِنْ الْكَفَالَةِ ؛ لَمْ يَصِحَّ ؛ لِأَنَّهُ شَرَطَ شَرْطًا لَا يَلْزَمُ الْوَفَاءُ بِهِ ، فَيَكُونُ فَاسِدًا وَتَفْسُدُ الْكَفَالَةُ بِهِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ تَصِحَّ الْكَفَالَةُ ؛ لِأَنَّهُ شَرَطَ تَحْوِيلَ الْوَثِيقَةِ الَّتِي عَلَى الْكَفِيلِ إلَيْهِ .\rفَعَلَى هَذَا لَا تَلْزَمُهُ الْكَفَالَةُ ، إلَّا أَنْ يُبْرِئَ الْمَكْفُولُ لَهُ الْكَفِيلَ الْأَوَّلَ ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا كَفَلَ بِهَذَا الشَّرْطِ ، فَلَا تَثْبُتُ كَفَالَتُهُ بِدُونِ شَرْطِهِ .\rوَإِنْ قَالَ : كَفَلْت لَك بِهَذَا الْغَرِيمِ ، عَلَى أَنْ تُبْرِئَنِي مِنْ الْكَفَالَةِ بِفُلَانٍ .\rأَوْ ضَمِنْت لَك هَذَا الدَّيْنَ ، بِشَرْطِ أَنْ تُبْرِئَنِي مِنْ ضَمَانِ الدِّينِ الْآخَرِ ، أَوْ عَلَى أَنْ تُبْرِئَنِي مِنْ الْكَفَالَةِ بِفُلَانِ .\rخُرِّجَ فِيهِ الْوَجْهَانِ ، وَالْأَوْلَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّهُ شَرَطَ فَسْخَ عَقْدٍ فِي عَقْدٍ ، فَلَمْ يَصِحَّ ، كَالْبَيْعِ بِشَرْطِ فَسْخِ بَيْعٍ آخَرَ .\rوَكَذَلِكَ لَوْ شَرَطَ فِي الْكَفَالَةِ أَوْ الضَّمَانِ أَنْ يَتَكَفَّلَ الْمَكْفُولُ لَهُ أَوْ الْمَكْفُولُ بِهِ بِآخَرَ ، أَوْ يَضْمَنَ دَيْنًا عَلَيْهِ ، أَوْ يَبِيعَهُ شَيْئًا عَيَّنَهُ ، أَوْ يُؤْجِرَهُ دَارِهِ ، لَمْ يَصِحَّ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا .","part":10,"page":91},{"id":4591,"text":"( 3603 ) فَصْلٌ : وَلَوْ تَكَفَّلَ اثْنَانِ بِوَاحِدٍ ، صَحَّ .\rوَأَيُّهُمْ قَضَى الدَّيْنَ بَرِئَ الْآخَرَانِ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا فِي الضَّمَانِ .\rوَإِنْ سَلَّمَ الْمَكْفُولُ بِهِ نَفْسَهُ ، بَرِئَ كَفِيلَاهُ ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِمَا يَلْزَمُ الْكَفِيلَيْنِ ، وَهُوَ إحْضَارُ نَفْسِهِ ، فَبَرِئَتْ ذِمَّتُهُمَا ، كَمَا لَوْ قَضَى الدَّيْنَ .\rوَإِنْ أَحْضَرَ أَحَدَ الْكَفِيلَيْنِ ، لَمْ يَبْرَأْ الْآخَرُ ؛ لِأَنَّ إحْدَى الْوَثِيقَتَيْنِ انْحَلَّتْ مِنْ غَيْرِ اسْتِيفَاءٍ ، فَلَمْ تَنْحَلَّ الْأُخْرَى ، كَمَا لَوْ أَبْرَأَ أَحَدَهُمَا ، أَوْ انْفَكَّ أَحَدُ الرَّهْنَيْنِ مِنْ قَضَاءِ الْحَقِّ .\rوَفَارَقَ مَا إذَا سَلَّمَ الْمَكْفُولُ بِهِ نَفْسَهُ ؛ لِأَنَّهُ أَصْلٌ لَهُمَا ، فَإِذَا بَرِئَ الْأَصْلُ مِمَّا تَكَفَّلَ بِهِ عَنْهُ ، بَرِئَ فَرْعَاهُ ، وَكَّلَ وَاحِدٍ مِنْ الْكَفِيلَيْنِ لَيْسَ بِفَرْعٍ لِلْآخَرِ ، فَلَمْ يَبْرَأْ بِبَرَاءَتِهِ .\rوَلِذَلِكَ لَوْ أَبْرَأَ الْمَكْفُولَ بِهِ بَرِئَ كَفِيلَاهُ .\rوَلَوْ أُبْرِئَ أَحَدُ الْكَفِيلَيْنِ بَرِئَ وَحْدَهُ ، دُونَ صَاحِبِهِ .","part":10,"page":92},{"id":4592,"text":"( 3604 ) فَصْلٌ : وَلَوْ تَكَفَّلَ وَاحِدٌ لِاثْنَيْنِ ، فَأَبْرَأَهُ أَحَدُهُمَا ، أَوْ أَحْضَرَهُ عِنْدَ أَحَدِهِمَا ، لَمْ يَبْرَأْ مِنْ الْآخَرِ ؛ لِأَنَّ عَقْدَ الْوَاحِدِ مَعَ الِاثْنَيْنِ بِمَنْزِلَةِ الْعَقْدَيْنِ ، فَقَدْ الْتَزَمَ إحْضَارَهُ عِنْدَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ، فَإِذَا أَحْضَرَهُ عِنْدَ وَاحِدِ ، بَرِئَ مِنْهُ ، وَبَقِيَ حَقُّ الْآخَرِ ، كَمَا لَوْ كَانَ فِي عَقْدَيْنِ ، وَكَمَا لَوْ ضَمِنَ دَيْنًا لِرَجُلَيْنِ ، فَوَفَّى أَحَدَهُمَا حَقَّهُ .\r\"","part":10,"page":93},{"id":4593,"text":"( 3605 ) فَصْلٌ : وَتَفْتَقِرُ صِحَّةُ الْكَفَالَةِ إلَى رِضَى الْكَفِيلِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الْحَقُّ ابْتِدَاءً إلَّا بِرِضَاهُ ، وَلَا يُعْتَبَرُ رِضَى الْمَكْفُولِ لَهُ ؛ لِأَنَّهَا وَثِيقَةٌ لَهُ لَا قَبْضَ فِيهَا ، فَصَحَّتْ مِنْ غَيْرِ رِضَاهُ فِيهَا ، كَالشَّهَادَةِ ، وَلِأَنَّهَا الْتِزَامُ حَقٍّ لَهُ مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ ، فَلَمْ يُعْتَبَرْ رِضَاهُ فِيهَا ، كَالنَّذْرِ ، فَأَمَّا رِضَى الْمَكْفُولِ لَهُ فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، لَا يُعْتَبَرُ ، كَالضَّمَانِ .\rوَالثَّانِي ، يُعْتَبَرُ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ مَقْصُودَهَا إحْضَارُهُ ، وَإِنْ تَكَفَّلَ بِغَيْرِ إذْنِهِ ، لَمْ يَلْزَمْهُ الْحُضُورُ مَعَهُ ، وَلِأَنَّهُ يَجْعَلُ لِنَفْسِهِ حَقًّا عَلَيْهِ ، وَهُوَ الْحُضُورُ مَعَهُ مِنْ غَيْرِ رِضَاهُ ، فَلَمْ يَجُزْ ، كَمَا لَوْ أَلْزَمَهُ الدَّيْنَ ، وَفَارَقَ الضَّمَانَ ، فَإِنَّ الضَّامِنَ يَقْضِي الْحَقَّ ، وَلَا يَحْتَاجُ إلَى الْمَضْمُونِ عَنْهُ .\rوَعَلَى كِلَا الْوَجْهَيْنِ ، مَتَى كَانَتْ الْكَفَالَةُ بِإِذْنِهِ ، فَأَرَادَ الْكَفِيلُ إحْضَارَهُ ، لَزِمَهُ الْحُضُورُ مَعَهُ ؛ لِأَنَّهُ شَغَلَ ذِمَّتَهُ مِنْ أَجْلِهِ بِإِذْنِهِ ، فَكَانَ عَلَيْهِ تَخْلِيصُهَا ، كَمَا لَوْ اسْتَعَارَ عَبْدَهُ فَرَهَنَهُ بِإِذْنِهِ ، كَانَ عَلَيْهِ تَخْلِيصُهُ إذَا طَلَبَهُ سَيِّدُهُ .\rوَإِنْ كَانَتْ الْكَفَالَةُ بِغَيْرِ إذْنِهِ نَظَرْنَا ؛ فَإِنْ طَلَبَهُ الْمَكْفُولُ لَهُ مِنْهُ ، لَزِمَهُ أَنْ يَحْضُرَ مَعَهُ ؛ لِأَنَّ حُضُورَهُ حَقٌّ لِلْمَكْفُولِ لَهُ ، وَقَدْ اسْتَنَابَ الْكَفِيلَ فِي طَلَبِهِ .\rوَإِنْ لَمْ يَطْلُبْهُ الْمَكْفُولُ لَهُ ، لَمْ يَلْزَمْهُ أَنْ يَحْضُرَ مَعَهُ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُشْغِلْ ذِمَّتَهُ ، وَإِنَّمَا الْكَفِيلُ شَغَلَهَا بِاخْتِيَارِ نَفْسِهِ ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَثْبُتَ لَهُ بِذَلِكَ حَقٌّ عَلَى غَيْرِهِ .\rوَإِنْ قَالَ الْمَكْفُولُ لَهُ : أَحْضِرْ كَفِيلَك .\rكَانَ تَوْكِيلًا فِي إحْضَارِهِ ، وَلَزِمَهُ أَنْ يَحْضُرَ مَعَهُ ، كَمَا لَوْ وَكَّلَ أَجْنَبِيًّا .\rوَإِنْ قَالَ : اُخْرُجْ مِنْ كَفَالَتِك .\rاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ تَوْكِيلًا فِي إحْضَارِهِ ، كَاللَّفْظِ الْأَوَّلِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ","part":10,"page":94},{"id":4594,"text":"مُطَالَبَةً بِالدَّيْنِ الَّذِي عَلَيْهِ ، فَلَا يَكُونُ تَوْكِيلًا ، فَلَا يَلْزَمُهُ الْحُضُورُ مَعَهُ .","part":10,"page":95},{"id":4595,"text":"( 3606 ) فَصْلٌ : وَإِذَا قَالَ رَجُلٌ لِآخَرَ : اضْمَنْ عَنْ فُلَانٍ ، أَوْ اُكْفُلْ بِفُلَانٍ .\rفَفَعَلَ ، كَانَ الضَّمَانُ وَالْكَفَالَةُ لَازِمَيْنِ لِلْمُبَاشِرِ دُونَ الْآمِرِ ؛ لِأَنَّهُ كَفَلَ بِاخْتِيَارِ نَفْسِهِ ، وَإِنَّمَا الْأَمْرُ إرْشَادٌ وَحَثٌّ عَلَى فِعْلِ خَيْرٍ ، فَلَمْ يُلْزِمْهُ بِهِ بِشَيْءٍ .","part":10,"page":96},{"id":4596,"text":"( 3607 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( فَإِنْ مَاتَ ، بَرِئَ الْمُتَكَفِّلُ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ إذَا مَاتَ الْمَكْفُولُ بِهِ ، سَقَطَتْ الْكَفَالَةُ ، وَلَمْ يَلْزَمْ الْكَفِيلَ شَيْءٌ .\rوَبِهَذَا قَالَ شُرَيْحٌ وَالشَّعْبِيُّ وَحَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ الْحَكَمُ وَمَالِكٌ وَاللَّيْثُ : يَجِبُ عَلَى الْكَفِيلِ غُرْمُ مَا عَلَيْهِ .\rوَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ شُرَيْحٍ ؛ لِأَنَّ الْكَفِيلَ وَثِيقَةٌ بِحَقٍّ ، فَإِذَا تَعَذَّرَتْ مِنْ جِهَةِ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ اسْتَوْفَى مِنْ الْوَثِيقَةِ كَالرَّهْنِ ، وَلِأَنَّهُ تَعَذَّرَ إحْضَارُهُ ، فَلَزِمَ كَفِيلَهُ مَا عَلَيْهِ ، كَمَا لَوْ غَابَ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الْحُضُورَ سَقَطَ عَنْ الْمَكْفُولِ بِهِ ، فَبَرِئَ الْكَفِيلُ ، كَمَا لَوْ بَرِئَ مِنْ الدَّيْنِ .\rوَلِأَنَّ مَا الْتَزَمَهُ مِنْ أَجْلِهِ سَقَطَ عَنْ الْأَصْلِ ، فَبَرِئَ الْفَرْعُ ، كَالضَّامِنِ إذَا قَضَى الْمَضْمُونُ عَنْهُ الدَّيْنَ ، أَوْ أُبْرِئَ مِنْهُ ، وَفَارَقَ مَا إذَا غَابَ ، فَإِنَّ الْحُضُورَ لَمْ يُسْقِطْ عَنْهُ ، وَيُفَارِقُ الرَّهْنَ ؛ فَإِنَّهُ عُلِّقَ بِهِ الْمَالُ ، فَاسْتُوْفِيَ مِنْهُ .","part":10,"page":97},{"id":4597,"text":"( 3608 ) فَصْلٌ : إذَا قَالَ الْكَفِيلُ : قَدْ بَرِئَ الْمَكْفُولُ بِهِ مِنْ الدَّيْنِ ، وَسَقَطَتْ الْكَفَالَةُ .\rأَوْ قَالَ : لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ حِينَ كَفَلْته .\rفَأَنْكَرَ الْمَكْفُولُ لَهُ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ صِحَّةُ الْكَفَالَةِ وَبَقَاءُ الدَّيْنِ ، وَعَلَيْهِ الْيَمِينُ ، فَإِنْ نَكَلَ ، قُضِيَ عَلَيْهِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَسْتَحْلِفَ فِيمَا إذَا ادَّعَى الْكَفِيلُ أَنَّهُ تَكَفَّلَ بِمَنْ لَا دَيْنَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ الْكَفِيلَ مُكَذِّبٌ لِنَفْسِهِ فِيمَا ادَّعَاهُ ، فَإِنَّ مَنْ كَفَلَ بِشَخْصٍ مُعْتَرِفٍ بِدَيْنِهِ فِي الظَّاهِرِ .\rوَالْأَوَّلُ أَوْلَى ؛ لِأَنَّ مَا ادَّعَاهُ مُحْتَمَلٌ .","part":10,"page":98},{"id":4598,"text":"( 3609 ) فَصْلٌ : وَإِذَا قَالَ الْمَكْفُولُ لَهُ لِلْكَفِيلِ : أَبْرَأْتُك مِنْ الْكَفَالَةِ .\rبَرِئَ ؛ لِأَنَّهُ حَقُّهُ ، فَيَسْقُطُ بِإِسْقَاطِهِ ، كَالدَّيْنِ .\rوَإِنَّ قَالَ : قَدْ بَرِئْت إلَى مِنْهُ .\rأَوْ قَدْ رَدَدْته إلَى .\rبَرِئَ أَيْضًا ؛ لِأَنَّهُ مُعْتَرِفٌ بِوَفَاءِ الْحَقِّ ، فَهُوَ كَمَا لَوْ اعْتَرَفَ بِذَلِكَ فِي الضَّمَانِ .\rوَكَذَلِكَ إذَا قَالَ : بَرِئْت مِنْ الدَّيْنِ الَّذِي كَفَلْت بِهِ .\rيَبْرَأُ الْكَفِيلُ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ دُونَ الْمَكْفُولِ بِهِ .\rوَلَا يَكُونُ إقْرَارًا بِقَبْضِ الْحَقِّ .\rوَهَذَا قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ .\rوَقِيلَ : يَكُونُ إقْرَارًا بِقَبْضِ الْحَقِّ ، فِيمَا إذَا قَالَ : بَرِئْت مِنْ الدَّيْنِ الَّذِي كَفَلْت بِهِ .\rوَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ بَرَاءَتُهُ بِدُونِ قَبْضِ الْحَقِّ ، بِإِبْرَاءِ الْمُسْتَحِقِّ ، أَوْ مَوْتِ الْمَكْفُولِ بِهِ .\rفَأَمَّا إنَّ قَالَ لِلْمَكْفُولِ بِهِ : أَبْرَأْتُك عَمَّا لِي قِبَلَك مِنْ الْحَقِّ .\rأَوْ بَرِئْت مِنْ الدَّيْنِ الَّذِي قِبَلَك .\rفَإِنَّهُ يَبْرَأُ مِنْ الْحَقِّ ، وَتَزُولُ الْكَفَالَةُ ؛ لِأَنَّهُ لَفْظٌ يَقْتَضِي الْعُمُومَ فِي كُلِّ مَا قَبْلَهُ .\rوَإِنْ قَالَ : بَرِئْت مِنْ الدَّيْنِ الَّذِي كَفَلَ بِهِ فُلَانٌ .\rبَرِئَ ، وَبَرِئَ كَفِيلُهُ .","part":10,"page":99},{"id":4599,"text":"( 3610 ) فَصْلٌ : وَإِذَا كَانَ لِذِمِّيِّ عَلَى ذِمِّيٍّ خَمْرٌ ، فَكَفَلَ بِهِ ذِمِّيٌّ آخَرُ ، ثُمَّ أَسْلَمَ الْمَكْفُولُ لَهُ أَوْ الْمَكْفُولُ عَنْهُ ، بَرِئَ الْكَفِيلُ وَالْمَكْفُولُ عَنْهُ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إذَا أَسْلَمَ الْمَكْفُولُ عَنْهُ ، لَمْ يَبْرَأْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا ، وَيَلْزَمُهُمَا قِيمَةُ الْخَمْرِ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ وَاجِبًا ، وَلَمْ يُوجَدْ إسْقَاطٌ وَلَا اسْتِيفَاءٌ ، وَلَا وُجِدَ مِنْ الْمَكْفُولِ لَهُ مَا يُسْقِطُ حَقَّهُ ، فَبَقِيَ بِحَالِهِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الْمَكْفُولَ بِهِ مُسْلِمٌ ، فَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الْخَمْرُ ، كَمَا لَوْ كَانَ مُسْلِمًا قَبْلَ الْكَفَالَةِ .\rوَإِذَا بَرِئَ الْمَكْفُولُ بِهِ ، بَرِئَ كَفِيلُهُ .\rكَمَا لَوْ أَدَّى الدَّيْنَ أَوْ أُبْرِئَ مِنْهُ ، وَلِأَنَّهُ لَوْ أَسْلَمَ الْمَكْفُولُ لَهُ ، بَرِئَا جَمِيعًا ، وَكَذَلِكَ إذَا أَسْلَمَ الْمَكْفُولُ بِهِ .\rوَإِنْ أَسْلَمَ الْكَفِيلُ وَحْدَهُ ، بَرِئَ مِنْ الْكَفَالَةِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ وُجُوبُ الْخَمْرِ عَلَيْهِ وَهُوَ مُسْلِمٌ .","part":10,"page":100},{"id":4600,"text":"( 3611 ) فَصْلٌ : فَإِذَا قَالَ : أَعْطِ فُلَانًا أَلْفًا .\rفَفَعَلَ ، لَمْ يَرْجِعْ عَلَى الْآمِرِ ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ كَفَالَةً ، وَلَا ضَمَانًا إلَّا أَنْ يَقُولَ : أُعْطِهِ عَنِّي .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَرْجِعُ عَلَيْهِ إذَا كَانَ خَلِيطًا لَهُ ؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ أَنْ يَسْتَقْرِضَ مِنْ خَلِيطِهِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ : أَعْطِهِ عَنِّي .\rفَلَمْ يَلْزَمْهُ الضَّمَانُ ، كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ خَلِيطًا .\rوَلَا يَلْزَمُ إذَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِ مَالٌ ، فَقَالَ : أَعْطِهِ فُلَانًا .\rحَيْثُ يَلْزَمُهُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ لِأَجْلِ هَذَا الْقَوْلِ ، بَلْ لِأَنَّ عَلَيْهِ حَقًّا يَلْزَمهُ ؛ أَدَاؤُهُ .","part":10,"page":101},{"id":4601,"text":"( 3612 ) فَصْلٌ : إذَا كَانَتْ السَّفِينَةُ فِي الْبَحْرِ ، وَفِيهَا مَتَاعٌ ، فَخِيفَ غَرَقُهَا ، فَأَلْقَى بَعْضُ مَنْ فِيهَا مَتَاعَهُ فِي الْبَحْرِ لِتَخِفَّ ، لَمْ يَرْجِعْ بِهِ عَلَى أَحَدٍ ، سَوَاءٌ أَلْقَاهُ مُحْتَسِبًا بِالرُّجُوعِ أَوْ مُتَبَرِّعًا ؛ لِأَنَّهُ أَتْلَفَ مَالَ نَفْسِهِ بِاخْتِيَارِهِ مِنْ غَيْرِ ضَمَانٍ .\rفَإِنْ قَالَ لَهُ بَعْضُهُمْ : أَلْقِ مَتَاعَك .\rفَأَلْقَاهُ فَكَذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُكْرِهُهُ عَلَى إلْقَائِهِ ، وَلَا ضَمِنَ لَهُ .\rوَإِنْ قَالَ : أَلْقِهِ ، وَعَلَيَّ ضَمَانُهُ .\rفَأَلْقَاهُ ، فَعَلَى الْقَائِلِ ضَمَانُهُ .\rذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ ؛ لِأَنَّ ضَمَانَ مَا لَمْ يَجِبْ صَحِيحٌ .\rوَإِنْ قَالَ : أَلْقِهِ ، وَأَنَا وَرُكْبَانُ السَّفِينَةِ ضُمَنَاءُ لَهُ .\rفَفَعَلَ .\rفَقَالَ أَبُو بَكْرٍ يَضْمَنُهُ الْقَائِلُ وَحْدَهُ ، إلَّا أَنْ يَتَطَوَّعَ بَقِيَّتُهُمْ .\rقَالَ الْقَاضِي : إنْ كَانَ ضَمَانَ اشْتِرَاكٍ ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا ضَمَانُ حِصَّتِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَضْمَنْ الْجَمِيعَ ، إنَّمَا يَضْمَنْ حِصَّتَهُ ، وَأَخْبَرَ عَنْ سَائِرِ رُكْبَانِ السَّفِينَةِ بِضَمَانِ سَائِره ، فَلَزِمَتْهُ حِصَّتُهُ ، وَلَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ فِي حَقِّ الْبَاقِينَ ، وَإِنْ كَانَ ضَمَانَ اشْتِرَاكٍ وَانْفِرَادٍ ، بِأَنْ يَقُولَ : كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا ضَامِنٌ لَك مَتَاعَك أَوْ قِيمَتَهُ .\rلَزِمَ الْقَائِلَ ضَمَانُ الْجَمِيعِ ، وَسَوَاءٌ قَالَ هَذَا وَالْبَاقُونَ يَسْمَعُونَ فَسَكَتُوا ، أَوْ قَالُوا : لَا نَفْعَلُ .\rأَوْ لَمْ يَسْمَعُوا ؛ لِأَنَّ سُكُوتَهُمْ لَا يَلْزَمُهُمْ بِهِ حَقٌّ .","part":10,"page":102},{"id":4602,"text":"( 3613 ) فَصْلٌ : قَالَ مُهَنَّا : سَأَلْت أَحْمَدَ ، عَنْ رَجُلٍ لَهُ عَلَى رَجُلٍ أَلْفُ دِرْهَمٍ ، فَأَقَامَ بِهَا كَفِيلَيْنِ ، كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَفِيلٌ ضَامِنٌ ، فَأَيُّهُمَا شَاءَ أَخَذَهُ بِحَقِّهِ ، فَأَحَالَ رَبُّ الْمَالِ عَلَيْهِ رَجُلًا بِحَقِّهِ ؟ فَقَالَ : يَبْرَأُ الْكَفِيلَانِ .\rقُلْت : فَإِنْ مَاتَ الَّذِي أَحَالَهُ عَلَيْهِ بِالْحَقِّ وَلَمْ يَتْرُكْ شَيْئًا ؟ قَالَ : لَا شَيْءَ لَهُ ، وَيَذْهَبُ الْأَلْفُ .","part":10,"page":103},{"id":4603,"text":"كِتَابُ الشَّرِكَةِ الشَّرِكَةُ : هِيَ الِاجْتِمَاعُ فِي اسْتِحْقَاقٍ أَوْ تَصَرُّفٍ .\rوَهِيَ ثَابِتَةٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ ؛ أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ } .\rوَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ } .\rوَالْخُلَطَاءُ .\rهُمْ الشُّرَكَاءُ .\rوَمِنْ السُّنَّةِ ، مَا رُوِيَ { أَنَّ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ وَزَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ كَانَا شَرِيكَيْنِ ، فَاشْتَرَيَا فِضَّةً بِنَقْدٍ وَنَسِيئَةٍ ، فَبَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَمَرَهُمَا أَنَّ مَا كَانَ بِنَقْدٍ فَأَجِيزُوهُ ، وَمَا كَانَ نَسِيئَةً فَرُدُّوهُ .\r} وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ { : يَقُولُ اللَّهُ : أَنَا ثَالِثُ الشَّرِيكَيْنِ مَا لَمْ يَخُنْ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ ، فَإِذَا خَانَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ ، خَرَجْت مِنْ بَيْنِهِمَا } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { ، أَنَّهُ قَالَ : يَدُ اللَّهِ عَلَى الشَّرِيكَيْنِ مَا لَمْ يَتَخَاوَنَا } .\rوَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى جَوَازِ الشَّرِكَةِ فِي الْجُمْلَةِ ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي أَنْوَاعٍ مِنْهَا نُبَيِّنُهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .\rوَالشَّرِكَةُ عَلَى ضَرْبَيْنِ : شَرِكَةُ أَمْلَاكٍ ، وَشَرِكَةُ عُقُودٍ .\rوَهَذَا الْبَابُ لِشَرِكَةِ الْعُقُودِ .\rوَهِيَ أَنْوَاعٌ خَمْسَةٌ ؛ شَرِكَةُ الْعِنَانِ ، وَالْأَبْدَانِ ، وَالْوُجُوهِ ، وَالْمُضَارَبَةِ ، وَالْمُفَاوَضَةِ .\rوَلَا يَصِحُّ شَيْءٌ مِنْهَا إلَّا مِنْ جَائِزِ التَّصَرُّفِ ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ عَلَى التَّصَرُّفِ فِي الْمَالِ فَلَمْ يَصِحَّ مِنْ غَيْرِ جَائِزِ التَّصَرُّفِ فِي الْمَالِ ، كَالْبَيْعِ .\r( 3614 ) فَصْلٌ قَالَ أَحْمَدُ : يُشَارَكُ الْيَهُودِيُّ وَالنَّصْرَانِيُّ ، وَلَكِنْ لَا يَخْلُو الْيَهُودِيُّ وَالنَّصْرَانِيُّ بِالْمَالِ دُونَهُ وَيَكُونُ هُوَ الَّذِي يَلِيهِ ؛ لِأَنَّهُ يَعْمَلُ بِالرِّبَا .\rوَبِهَذَا قَالَ الْحَسَنُ وَالثَّوْرِيُّ وَكَرِهَ الشَّافِعِيُّ","part":10,"page":104},{"id":4604,"text":"مُشَارَكَتَهُمْ مُطْلَقًا ؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّهُ قَالَ : أَكْرَهُ أَنْ يُشَارِكْ الْمُسْلِمُ الْيَهُودِيَّ .\rوَلَا يُعْرَفُ لَهُ مُخَالِفٌ فِي الصَّحَابَةِ ، وَلِأَنَّ مَالَ الْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ لَيْسَ بِطَيِّبٍ ، فَإِنَّهُمْ يَبِيعُونَ الْخَمْرَ ، وَيَتَعَامَلُونَ بِالرِّبَا ، فَكَرِهَتْ مُعَامَلَتُهُمْ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى الْخَلَّالُ بِإِسْنَادِهِ ، عَنْ عَطَاءٍ قَالَ { : نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ مُشَارَكَةِ الْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الشِّرَاءُ وَالْبَيْعُ بِيَدِ الْمُسْلِمِ } .\rوَلِأَنَّ الْعِلَّةَ فِي كَرَاهَةِ مَا خَلَوَا بِهِ ، مُعَامَلَتُهُمْ بِالرِّبَا ، وَبَيْعُ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ ، وَهَذَا مُنْتَفٍ فِيمَا حَضَرَهُ الْمُسْلِمُ أَوْ وَلِيَهُ .\rوَقَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ مَحْمُولٌ عَلَى هَذَا ، فَإِنَّهُ عَلَّلَ بِكَوْنِهِمْ يُرْبُونَ .\rكَذَلِكَ رَوَاهُ الْأَثْرَمُ ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّهُ قَالَ : لَا تُشَارِكَنَّ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَا مَجُوسِيًّا ؛ لِأَنَّهُمْ يُرْبُونَ ، وَأَنَّ الرِّبَا لَا يَحِلُّ .\rوَهُوَ قَوْلُ وَاحِدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ لَمْ يَثْبُتْ انْتِشَارُهُ بَيْنَهُمْ ، وَهُمْ لَا يَحْتَجُّونَ بِهِ .\rوَقَوْلُهُمْ : إنَّ أَمْوَالَهُمْ غَيْرُ طَيِّبَةٍ .\rلَا يَصِحُّ ؛ فَإِنَّ { النَّبِيَّ ، قَدْ عَامَلَهُمْ ، وَرَهَنَ دِرْعَهُ عِنْدَ يَهُودِيٍّ عَلَى شَعِيرٍ أَخَذَهُ لِأَهْلِهِ ، وَأَرْسَلَ إلَى آخَرَ يَطْلُبُ مِنْهُ ثَوْبَيْنِ إلَى الْمَيْسَرَةِ ، وَأَضَافَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَهُودِيٌّ بِخُبْزٍ وَإِهَالَةٍ سَنِخَةٍ .\rوَلَا يَأْكُلُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا لَيْسَ بِطَيِّبٍ } ، وَمَا بَاعُوهُ مِنْ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ قَبْلَ مُشَارَكَةِ الْمُسْلِمِ ، فَثَمَنُهُ حَلَالٌ ، لِاعْتِقَادِهِمْ حِلَّهُ ، وَلِهَذَا قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : وَلُّوهُمْ بَيْعَهَا وَخُذُوا أَثْمَانَهَا .\rفَأَمَّا مَا يَشْتَرِيه أَوْ يَبِيعُهُ مِنْ الْخَمْرِ بِمَالِ الشَّرِكَةِ أَوْ الْمُضَارَبَةِ ، فَإِنَّهُ يَقَعُ فَاسِدًا ، وَعَلَيْهِ","part":10,"page":105},{"id":4605,"text":"الضَّمَانُ ؛ لِأَنَّ عَقْدَ الْوَكِيلِ يَقَعُ لِلْمُوَكِّلِ ، وَالْمُسْلِمُ لَا يَثْبُتُ مِلْكُهُ عَلَى الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ اشْتَرَى بِهِ مَيْتَةً ، أَوْ عَامَلَ بِالرِّبَا ، وَمَا خَفِيَ أَمْرُهُ فَلَمْ يُعْلَمْ ، فَالْأَصْلُ إبَاحَتُهُ وَحِلُّهُ ، فَأَمَّا الْمَجُوسِيُّ ، فَإِنَّ أَحْمَدَ كَرِهَ مُشَارَكَتَهُ وَمُعَامَلَتَهُ ، قَالَ : مَا أُحِبُّ مُخَالَطَتَهُ وَمُعَامَلَتَهُ ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَحِلُّ مَا لَا يَسْتَحِلُّ هَذَا .\rقَالَ حَنْبَلٌ : قَالَ عَمِّي : لَا تُشَارِكْهُ وَلَا تُضَارِبْهُ .\rوَهَذَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِحْبَابِ ، لِتَرْكِ مُعَامَلَتِهِ وَالْكَرَاهَةِ لِمُشَارَكَتِهِ ، وَإِنْ فَعَلَ صَحَّ ؛ لِأَنَّ تَصَرُّفَهُ صَحِيحٌ .","part":10,"page":106},{"id":4606,"text":"( 3615 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَشَرِكَةُ الْأَبْدَانِ جَائِزَةٌ ) .\rمَعْنَى شَرِكَةِ الْأَبْدَانِ ، أَنْ يَشْتَرِكَ اثْنَانِ أَوْ أَكْثَرُ فِيمَا يَكْتَسِبُونَهُ بِأَيْدِيهِمْ ، كَالصُّنَّاعِ يَشْتَرِكُونَ عَلَى أَنْ يَعْمَلُوا فِي صِنَاعَتِهِمْ ، فَمَا رَزَقَ اللَّهُ تَعَالَى فَهُوَ بَيْنَهُمْ .\rوَإِنْ اشْتَرَكُوا فِيمَا يَكْتَسِبُونَ مِنْ الْمُبَاحِ ، كَالْحَطَبِ ، وَالْحَشِيشِ ، وَالثِّمَارِ الْمَأْخُوذَةِ مِنْ الْجِبَالِ ، وَالْمَعَادِنِ ، وَالتَّلَصُّصِ عَلَى دَارِ الْحَرْبِ ، فَهَذَا جَائِزٌ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ ، فَقَالَ : لَا بَأْسَ أَنْ يَشْتَرِكَ الْقَوْمُ بِأَبْدَانِهِمْ ، وَلَيْسَ لَهُمْ مَالٌ ، مِثْلُ الصَّيَّادِينَ وَالنَّقَّالِينَ وَالْحَمَّالِينَ .\rقَدْ { أَشْرَكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ عَمَّارٍ وَسَعْدٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ ، فَجَاءَ سَعْدٌ بِأَسِيرَيْنِ ، وَلَمْ يَجِيئَا بِشَيْءٍ } .\rوَفَسَّرَ أَحْمَدُ صِفَةَ الشَّرِكَةِ فِي الْغَنِيمَةِ ، فَقَالَ : يَشْتَرِكَانِ فِيمَا يُصِيبَانِ مِنْ سَلَبَ الْمَقْتُولِ ؛ لِأَنَّ الْقَاتِلَ يَخْتَصُّ بِهِ دُونَ الْغَانِمِينَ .\rوَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَصِحُّ فِي الصِّنَاعَةِ ، وَلَا يَصِحُّ فِي اكْتِسَابِ الْمُبَاحِ ، كَالِاحْتِشَاشِ وَالِاغْتِنَامِ ؛ لِأَنَّ الشَّرِكَةَ مُقْتَضَاهَا الْوَكَالَةُ وَلَا تَصِحُّ الْوَكَالَةُ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ ؛ لِأَنَّ مَنْ أَخَذَهَا مَلَكَهَا .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ شَرِكَةُ الْأَبْدَانِ كُلُّهَا فَاسِدَةٌ ؛ لِأَنَّهَا شَرِكَةٌ عَلَى غَيْرِ مَالٍ .\rفَلَمْ تَصِحَّ .\rكَمَا لَوْ اخْتَلَفَتْ الصِّنَاعَاتُ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى أَبُو دَاوُد وَالْأَثْرَمُ بِإِسْنَادِهِمَا ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّه ، قَالَ : اشْتَرَكْنَا أَنَا وَسَعْدٌ وَعَمَّارٌ يَوْمَ بَدْرٍ ، فَلَمْ أَجِئْ أَنَا وَعَمَّارٌ بِشَيْءٍ ، وَجَاءَ سَعْدٌ بِأَسِيرَيْنِ .\rوَمِثْلُ هَذَا لَا يَخْفَى عَلَى رَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ أَقَرَّهُمْ عَلَيْهِ ، وَقَالَ أَحْمَدُ : أَشْرَكَ بَيْنَهُمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rفَإِنْ قِيلَ : فَالْمَغَانِمُ مُشْتَرَكَةٌ","part":10,"page":107},{"id":4607,"text":"بَيْنَ الْغَانِمِينَ بِحُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى ، فَكَيْفَ يَصِحُّ اخْتِصَاصُ هَؤُلَاءِ بِالشَّرِكَةِ فِيهَا ؟ وَقَالَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ : غَنَائِمُ بَدْرٍ كَانَتْ لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَ لَهُ أَنْ يَدْفَعَهَا إلَى مَنْ شَاءَ .\rفَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ فَعَلَ ذَلِكَ لِهَذَا .\rقُلْنَا : أَمَّا الْأَوَّلَ ، فَالْجَوَابُ عَنْهُ أَنَّ غَنَائِمَ بَدْرٍ كَانَتْ لِمَنْ أَخَذَهَا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُشْرِكَ اللَّهُ تَعَالَى بَيْنَهُمْ ، وَلِهَذَا نُقِلَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { : مَنْ أَخَذَ شَيْئًا فَهُوَ لَهُ } .\rفَكَانَ ذَلِكَ مِنْ قَبِيلِ الْمُبَاحَاتِ ؛ مَنْ سَبَقَ إلَى أَخْذِ شَيْءٍ فَهُوَ لَهُ .\rوَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ شَرَكَ بَيْنَهُمْ فِيمَا يُصِيبُونَهُ مِنْ الْأَسْلَابِ وَالنَّفَلِ ، إلَّا أَنَّ الْأَوَّلَ أَصَحُّ لِقَوْلِهِ : جَاءَ سَعْدٌ بِأَسِيرَيْنِ ، وَلَمْ أَجِئْ أَنَا وَعَمَّارٌ بِشَيْءٍ .\rوَأَمَّا الثَّانِي ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى إنَّمَا جَعَلَ الْغَنِيمَةَ لِنَبِيِّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ بَعْدَ أَنْ غَنِمُوا وَاخْتَلَفُوا فِي الْغَنَائِمِ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى : { يَسْأَلُونَكَ عَنْ الْأَنْفَالِ قُلْ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ } .\rوَالشَّرِكَةُ كَانَتْ قَبْلَ ذَلِكَ .\rوَيَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ هَذَا ، أَنَّهَا لَوْ كَانَتْ لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَخْلُ ؛ إمَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ أَبَاحَهُمْ أَخْذَهَا ، فَصَارَتْ كَالْمُبَاحَاتِ ، أَوْ لَمْ يُبِحْهَا لَهُمْ ، فَكَيْفَ يَشْتَرِكُونَ فِي شَيْءٍ لِغَيْرِهِمْ ؟ .\rوَفِي هَذَا الْخَبَرِ حُجَّةٌ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ أَيْضًا ؛ لِأَنَّهُمْ اشْتَرَكُوا فِي مُبَاحٍ ، وَفِيمَا لَيْسَ بِصِنَاعَةٍ ، وَهُوَ يَمْنَعُ ذَلِكَ ، وَلِأَنَّ الْعَمَلَ أَحَدُ جِهَتِي الْمُضَارَبَةِ ، فَصَحَّتْ الشَّرِكَةُ عَلَيْهِ كَالْمَالِ ، وَعَلَى أَبِي حَنِيفَةَ ، أَنَّهُمَا اشْتَرَكَا فِي مَكْسَبٍ مُبَاحٍ فَصَحَّ ، كَمَا لَوْ اشْتَرَكَا فِي الْخِيَاطَةِ وَالْقِصَارَةِ ، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْوَكَالَةَ لَا تَصِحُّ فِي الْمُبَاحَاتِ ؛ فَإِنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يَسْتَنِيبَ فِي تَحْصِيلِهَا بِأُجْرَةِ ، فَكَذَلِكَ يَصِحُّ","part":10,"page":108},{"id":4608,"text":"بِغَيْرِ عِوَضٍ إذَا تَبَرَّعَ أَحَدُهُمَا بِذَلِكَ ، كَالتَّوْكِيلِ فِي بَيْعِ مَالِهِ .\r( 3616 ) فَصْلٌ : وَتَصِحُّ شَرِكَةُ الْأَبْدَانِ مَعَ اتِّفَاقِ الصَّنَائِعِ .\rفَأَمَّا مَعَ اخْتِلَافِهَا ، فَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : لَا تَصِحُّ .\rوَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ؛ لِأَنَّ مُقْتَضَاهَا أَنَّ مَا يَتَقَبَّلُهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ الْعَمَلِ يَلْزَمُهُ ، وَيَلْزَمُ صَاحِبَهُ ، وَيُطَالَبُ بِهِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ، فَإِذَا تَقَبَّلَ أَحَدُهُمَا شَيْئًا مَعَ اخْتِلَافِ صَنَائِعِهِمَا ، لَمْ يُمْكِنْ الْآخَرَ أَنْ يَقُومَ بِهِ ، فَكَيْفَ يَلْزَمُهُ عَمَلُهُ ، أَمْ كَيْفَ يُطَالَبُ بِمَا لَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَيْهِ ، وَقَالَ الْقَاضِي : تَصِحُّ الشَّرِكَةُ ؛ لِأَنَّهُمَا اشْتَرَكَا فِي مَكْسَبٍ مُبَاحٍ ، فَصَحَّ ، كَمَا لَوْ اتَّفَقَتْ الصَّنَائِعُ ، وَلِأَنَّ الصَّنَائِعَ الْمُتَّفِقَةَ قَدْ يَكُونُ أَحَدُ الرَّجُلَيْنِ أَحْذَقُ فِيهَا مِنْ الْآخَرِ ، فَرُبَّمَا يَتَقَبَّلُ أَحَدُهُمَا مَا لَا يُمْكِنُ الْآخَرَ عَمَلُهُ ، وَلَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ صِحَّتَهَا ، فَكَذَلِكَ إذَا اخْتَلَفَتْ الصِّنَاعَتَانِ .\rوَقَوْلهمْ : يَلْزَمُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا يَتَقَبَّلُهُ صَاحِبُهُ .\rقَالَ الْقَاضِي : يَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَلْزَمَهُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُمَا كَالْوَكِيلَيْنِ ؛ بِدَلِيلِ صِحَّتِهِمَا فِي الْمُبَاحِ ، وَلَا ضَمَانَ فِيهَا .\rوَإِنْ قُلْنَا : يَلْزَمُهُ .\rأَمْكَنَهُ تَحْصِيلُ ذَلِكَ بِالْأُجْرَةِ ، أَوْ بِمَنْ يَتَبَرَّعُ لَهُ بِعَمَلِهِ .\rوَيَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ هَذَا ، أَنَّهُ لَوْ قَالَ أَحَدُهُمَا : أَنَا أَتَقَبَّلُ وَأَنْتَ تَعْمَلُ .\rصَحَّتْ الشَّرِكَةُ ، وَعَمَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا غَيْرَ عَمَلِ صَاحِبِهِ .","part":10,"page":109},{"id":4609,"text":"( 3617 ) فَصْلٌ : وَإِذَا قَالَ أَحَدُهُمَا : أَنَا أَتَقَبَّلُ ، وَأَنْت تَعْمَلُ ، وَالْأُجْرَةُ بَيْنِي وَبَيْنَك .\rصَحَّتْ الشَّرِكَةُ .\rوَقَالَ زُفَرُ : لَا تَصِحُّ ، وَلَا يَسْتَحِقُّ الْعَامِلُ الْمُسَمَّى ، وَإِنَّمَا لَهُ أُجْرَةُ الْمِثْلِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الضَّمَانَ يُسْتَحَقُّ بِهِ الرِّبْحُ ، بِدَلِيلِ شَرِكَةِ الْأَبْدَانِ ، وَتَقَبُّلُ الْعَمَلِ يُوجِبُ الضَّمَانَ عَلَى الْمُتَقَبِّلِ ، وَيَسْتَحِقُّ بِهِ الرِّبْحَ ، فَصَارَ كَتَقَبُّلِهِ الْمَالَ فِي الْمُضَارَبَةِ ، وَالْعَمَلُ يَسْتَحِقُّ بِهِ الْعَامِلُ الرِّبْحَ كَعَمَلِ الْمُضَارِبِ ، فَيَنْزِلُ بِمَنْزِلَةِ الْمُضَارَبَةِ .","part":10,"page":110},{"id":4610,"text":"( 3618 ) فَصْلٌ وَالرِّبْحُ ، فِي شَرِكَةِ الْأَبْدَانِ عَلَى مَا اتَّفَقُوا عَلَيْهِ ، مِنْ مُسَاوَاةٍ أَوْ تَفَاضُلٍ ؛ لِأَنَّ الْعَمَلَ يُسْتَحَقُّ بِهِ الرِّبْحُ ، وَيَجُوزُ تَفَاضُلُهُمَا فِي الْعَمَلِ ، فَجَازَ تَفَاضُلُهُمَا فِي الرِّبْحِ الْحَاصِلِ بِهِ ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْمُطَالَبَةُ بِالْأُجْرَةِ ، وَلِلْمُسْتَأْجِرِ دَفْعُهَا إلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ، وَإِلَى أَيِّهِمَا دَفَعَهَا بَرِئَ مِنْهَا .\rوَإِنْ تَلْفِت فِي يَدِ أَحَدِهِمَا مِنْ غَيْرِ تَفْرِيطٍ ، فَهِيَ مِنْ ضَمَانِهِمَا مَعًا ؛ لِأَنَّهُمَا كَالْوَكِلَيْنِ فِي الْمُطَالَبَةِ ، وَمَا يَتَقَبَّلُهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ الْأَعْمَالِ فَهُوَ مِنْ ضَمَانِهِمَا ، يُطَالَبُ بِهِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ، وَيَلْزَمُهُ عَمَلُهُ ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الشَّرِكَةَ لَا تَنْعَقِدُ إلَّا عَلَى الضَّمَانِ ، وَلَا شَيْءَ فِيهَا تَنْعَقِدُ عَلَيْهِ الشَّرِكَةُ حَالَ الضَّمَانِ ، فَكَأَنَّ الشَّرِكَةَ تَضَمَّنَتْ ضَمَانَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنْ الْآخَرِ مَا يَلْزَمُهُ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : يَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَلْزَمَ أَحَدَهُمَا مَا لَزِمَ الْآخَرَ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ قَبْلُ .\rوَمَا يَتْلَفُ بِتَعَدِّي أَحَدِهِمَا أَوْ تَفْرِيطِهِ أَوْ تَحْت يَدِهِ ، عَلَى وَجْهٍ يُوجِبُ الضَّمَانَ عَلَيْهِ ، فَذَلِكَ عَلَيْهِ وَحْدَهُ .\rوَإِنْ أَقَرَّ أَحَدُهُمَا بِمَا فِي يَدِهِ ، قُبِلَ عَلَيْهِ وَعَلَى شَرِيكِهِ ؛ لِأَنَّ الْيَدَ لَهُ ، فَيُقْبَلُ إقْرَارُهُ بِمَا فِيهَا ، وَلَا يُقْبَلُ إقْرَارُهُ بِمَا فِي يَدِ شَرِيكِهِ ، وَلَا بِدَيْنٍ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدَ لَهُ عَلَى ذَلِكَ ( 3619 ) فَصْلٌ : وَإِنْ عَمِلَ أَحَدُهُمَا دُونِ صَاحِبِهِ ، فَالْكَسْبُ بَيْنَهُمَا .\rقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ : نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، فِي رِوَايَةِ إِسْحَاقَ بْنِ هَانِئٍ .\rوَقَدْ سُئِلَ عَنْ الرَّجُلَيْنِ يَشْتَرِكَانِ فِي عَمَلِ الْأَبْدَانِ ، فَيَأْتِي أَحَدُهُمَا بِشَيْءٍ ، وَلَا يَأْتِي الْآخَرُ بِشَيْءٍ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، هَذَا بِمَنْزِلَةِ حَدِيثِ سَعْدٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ .\rيَعْنِي حَيْثُ اشْتَرَكُوا فَجَاءَ سَعْدٌ بِأَسِيرَيْنِ وَأَخْفَقَ الْآخَرَانِ .\rوَلِأَنَّ الْعَمَلَ مَضْمُونٌ عَلَيْهِمَا مَعًا ،","part":10,"page":111},{"id":4611,"text":"وَبِضَمَانِهِمَا لَهُ وَجَبَتْ الْأُجْرَةُ ، فَيَكُونُ لَهُمَا كَمَا كَانَ الضَّمَانُ عَلَيْهِمَا ، وَيَكُونُ الْعَامِلُ عَوْنًا لِصَاحِبِهِ فِي حِصَّتِهِ .\rوَلَا يَمْنَعُ ذَلِكَ اسْتِحْقَاقَهُ ، كَمَنْ اسْتَأْجَرَ رَجُلًا لِيَقْصُرَ لَهُ ثَوْبًا ، فَاسْتَعَانَ الْقَصَّارُ بِإِنْسَانِ .\rفَقَصَرَ مَعَهُ ، كَانَتْ الْأُجْرَةُ لِلْقِصَارِ الْمُسْتَأْجَرِ .\rكَذَا هَاهُنَا .\rوَسَوَاءٌ تَرَكَ الْعَمَلَ لِمَرَضٍ أَوْ غَيْره ، فَإِنْ طَالَبَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ أَنْ يَعْمَلَ مَعَهُ أَوْ يُقِيمَ مُقَامَهُ مَنْ يَعْمَلُ ، فَلَهُ ذَلِكَ .\rفَإِنْ امْتَنَعَ ، فَلِلْآخَرِ الْفَسْخُ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ مَتَى تَرَكَ الْعَمَلَ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ ، أَنْ لَا يُشَارِكْ صَاحِبَهُ فِي أُجْرَةِ مَا عَمِلَهُ دُونَهُ ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا شَارَكَهُ لِيَعْمَلَا جَمِيعًا ، فَإِذَا تَرَكَ أَحَدُهُمَا الْعَمَلَ ، فَمَا وَفَى بِمَا شَرَطَ عَلَى نَفْسِهِ ، فَلَمْ يَسْتَحِقَّ مَا جُعِلَ لَهُ فِي مُقَابَلَتِهِ .\rوَإِنَّمَا احْتَمَلَ ذَلِكَ فِيمَا إذَا تَرَكَ أَحَدُهُمَا الْعَمَلَ لِعُذْرِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ .","part":10,"page":112},{"id":4612,"text":"( 3620 ) فَصْلٌ : فَإِنْ اشْتَرَكَ رَجُلَانِ ، لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا دَابَّةٌ ، عَلَى أَنْ يُؤْجَرَاهُمَا ، فَمَا رَزَقَهُمَا اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ بَيْنَهُمَا ، صَحَّ .\rفَإِذَا تَقَبَّلَا حَمْلَ شَيْءٍ مَعْلُومٍ إلَى مَكَان مَعْلُومٍ فِي ذِمَّتِهِمَا ، ثُمَّ حَمَلَاهُ عَلَى الْبَهِيمَيْنِ أَوْ غَيْرِهِمَا ، صَحَّ ، وَالْأُجْرَةُ بَيْنَهُمَا عَلَى مَا شَرَطَاهُ ؛ لِأَنَّ تَقَبُّلَهُمَا الْحَمْلَ أَثْبَتِ الضَّمَانَ ، فِي ذِمَّتهمَا ، وَلَهُمَا أَنْ يَحْمِلَاهُ بِأَيِّ ظَهْرٍ كَانَ ، وَالشَّرِكَةُ تَنْعَقِدُ عَلَى الضَّمَانِ ، كَشَرِكَةِ الْوُجُوهِ .\rوَإِنْ أَجَرَاهُمَا بِأَعْيَانِهِمَا عَلَى حَمْلِ شَيْءٍ بِأُجْرَةٍ مَعْلُومَةٍ ، لَمْ تَصِحَّ الشَّرِكَةُ ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَجْرُ دَابَّتِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُجِبْ ضَمَانُ الْحَمْلِ فِي ذِمَمِهِمَا ، وَإِنَّمَا اسْتَحَقَّ الْمُكْتَرِي مَنْفَعَةَ الْبَهِيمَةِ الَّتِي اسْتَأْجَرَهَا ، وَلِهَذَا تَنْفَسِخُ الْإِجَارَةُ بِمَوْتِ الدَّابَّةِ الَّتِي اكْتَرَاهَا ، وَلِأَنَّ الشَّرِكَةَ إمَّا أَنْ تَنْعَقِدَ عَلَى الضَّمَانِ فِي ذِمَمِهِمَا ، أَوْ عَلَى عَمَلِهِمَا .\rوَلَيْسَ هَذَا بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا ، فَإِنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ فِي ذِمَمِهِمَا ضَمَانٌ ، وَلَا عَمِلَا بِأَبْدَانِهِمَا مَا يَجِبُ الْأَجْرُ فِي مُقَابَلَتِهِ ، وَلِأَنَّ الشَّرِكَةَ تَتَضَمَّنُ الْوَكَالَةَ ، وَالْوَكَالَةُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ لَا تَصِحُّ ، وَلِهَذَا لَوْ قَالَ : آجِرِهِ عَبْدَك ، وَتَكُونُ أُجْرَتُهُ بَيْنِي وَبَيْنَك .\rلَمْ تَصِحَّ .\rكَمَا لَوْ قَالَ : بِعْ عَبْدَك وَثَمَنُهُ بَيْنَنَا .\rلَمْ يَصِحَّ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ تَصِحَّ الشَّرِكَةُ ، كَمَا لَوْ اشْتَرَكَا فِيمَا يَكْتَسِبَانِ مِنْ الْمُبَاحِ بِأَبْدَانِهِمَا .\rفَإِنْ أَعَانَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ فِي التَّحْمِيلِ وَالنَّقْلِ ، كَانَ لَهُ أَجْرُ مِثْله ؛ لِأَنَّهَا مَنَافِعُ وَفَّاهَا بِشُبْهَةِ عَقْدٍ .","part":10,"page":113},{"id":4613,"text":"( 3621 ) فَصْلٌ : فَإِنْ كَانَ لِقَصَّارٍ أَدَاةٌ ، وَلِآخَرَ بَيْتٌ ، فَاشْتَرَكَا عَلَى أَنْ يَعْمَلَا بِأَدَاةِ هَذَا فِي بَيْتِ هَذَا ، وَالْكَسْبُ بَيْنَهُمَا ، جَازَ ، وَالْأَجْرُ عَلَى مَا شَرَطَاهُ ؛ لِأَنَّ الشَّرِكَةَ وَقَعَتْ عَلَى عَمَلِهِمَا ، وَالْعَمَلُ يُسْتَحَقُّ بِهِ الرِّبْحُ فِي الشَّرِكَةِ ، وَالْآلَةُ وَالْبَيْتُ لَا يُسْتَحَقُّ بِهِمَا شَيْءٌ ؛ لِأَنَّهُمَا يُسْتَعْمَلَانِ فِي الْعَمَلِ الْمُشْتَرَكِ ، فَصَارَا كَالدَّابَّتَيْنِ اللَّتَيْنِ أَجَرَاهُمَا لِحَمْلِ الشَّيْءِ الَّذِي تَقَبَّلَا حَمْلَهُ .\rوَإِنْ فَسَدَتْ الشَّرِكَةُ ، قُسِمَ مَا حَصَلَ لَهُمَا عَلَى قَدْرِ أَجْرِ عَمَلِهِمَا وَأَجْرِ الدَّارِ وَالْآلَةِ .\rوَإِنْ كَانَتْ لِأَحَدِهِمَا آلَةٌ وَلَيْسَ لِلْآخَرِ شَيْءٌ ، أَوْ لَأَحَدِهِمَا بَيْتٌ وَلَيْسَ لِلْآخَرِ شَيْءٌ ، فَاتَّفَقَا عَلَى أَنْ يَعْمَلَا بِالْآلَةِ أَوْ فِي الْبَيْتِ وَالْأُجْرَةُ بَيْنَهُمَا ، جَازَ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا .","part":10,"page":114},{"id":4614,"text":"فَصْلٌ : وَإِنْ دَفَعَ رَجُلٌ دَابَّتَهُ إلَى آخَرَ لِيَعْمَلَ عَلَيْهَا ، وَمَا يَرْزُقُ اللَّهُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ أَوْ أَثْلَاثًا أَوْ كَيْفَمَا شَرَطَا ، صَحَّ ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ وَمُحَمَّدِ بْنِ أَبِي حَرْبٍ وَأَحْمَدَ بْنِ سَعِيدٍ .\rوَنُقِلَ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ مَا يَدُلُّ عَلَى هَذَا .\rوَكَرِهَ ذَلِكَ الْحَسَنُ ، وَالنَّخَعِيُّ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ : لَا يَصِحُّ ، وَالرِّبْحُ كُلُّهُ لِرَبِّ الدَّابَّةِ ؛ لِأَنَّ الْحَمْلَ الَّذِي يُسْتَحَقُّ بِهِ الْعِوَضُ مِنْهَا .\rوَلِلْعَامِلِ أَجْرُ مِثْلِهِ ؛ لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ مِنْ أَقْسَامِ الشَّرِكَةِ ، إلَّا أَنْ تَكُونَ الْمُضَارَبَةُ ، وَلَا تَصِحُّ الْمُضَارَبَةُ بِالْعُرُوضِ ، وَلِأَنَّ الْمُضَارَبَةَ تَكُونُ بِالتِّجَارَةِ فِي الْأَعْيَانِ وَهَذِهِ لَا يَجُوزُ بَيْعُهَا وَلَا إخْرَاجُهَا عَنْ مِلْكِ مَالِكِهَا .\rوَقَالَ الْقَاضِي : يَتَخَرَّجُ أَنْ لَا يَصِحَّ ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُضَارَبَةَ بِالْعُرُوضِ لَا تَصِحُّ ، فَعَلَى هَذَا إنْ كَانَ أَجْرُ الدَّابَّةِ بِعَيْنِهَا فَالْأَجْرُ لِمَالِكِهَا ، وَإِنْ تَقَبَّلَ حَمْلَ شَيْءٍ فَحَمَلَهُ ، أَوْ حَمَلَ عَلَيْهَا شَيْئًا مُبَاحًا فَبَاعَهُ ، فَالْأُجْرَةُ وَالثَّمَنُ لَهُ ، وَعَلَيْهِ أُجْرَةُ مِثْلِهَا لِمَالِكِهَا .\rوَلَنَا ، أَنَّهَا عَيْنٌ تُنَمَّى بِالْعَمَلِ عَلَيْهَا فَصَحَّ الْعَقْدُ عَلَيْهَا بِبَعْضِ نَمَائِهَا ، كَالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ ، وَكَالشَّجَرِ فِي الْمُسَاقَاةِ ، وَالْأَرْضِ فِي الْمُزَارَعَةِ .\rوَقَوْلُهُمْ : إنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَقْسَامِ الشَّرِكَةِ ، وَلَا هُوَ مُضَارَبَةٌ .\rقُلْنَا : نَعَمْ ، لَكِنَّهُ يُشْبِهُ الْمُسَاقَاةَ وَالْمُزَارَعَةَ ، فَإِنَّهُ دَفْعٌ لِعَيْنِ الْمَالِ إلَى مَنْ يَعْمَلُ عَلَيْهَا بِبَعْضِ نَمَائِهَا مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهَا .\rوَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ أَنَّ تَخْرِيجَهَا عَلَى الْمُضَارَبَةِ بِالْعُرُوضِ فَاسِدٌ ؛ فَإِنَّ الْمُضَارَبَةَ إنَّمَا تَكُونُ بِالتِّجَارَةِ وَالتَّصَرُّفِ فِي رَقَبَةِ الْمَالِ ، وَهَذَا بِخِلَافِهِ .\rوَذَكَرَ الْقَاضِي ، فِي مَوْضِعٍ آخَرَ ، فِي مَنْ اسْتَأْجَرَ دَابَّةً ؛ لِيَعْمَلَ","part":10,"page":115},{"id":4615,"text":"عَلَيْهَا بِنِصْفِ مَا يَرْزُقُهُ اللَّهُ تَعَالَى أَوْ ثُلُثِهِ ، جَازَ .\rوَلَا أَرَى لِهَذَا وَجْهًا ؛ فَإِنَّ الْإِجَارَةَ يُشْتَرَطُ لِصِحَّتِهَا الْعِلْمُ بِالْعِوَضِ ، وَتَقْدِيرُ الْمُدَّةِ أَوْ الْعَمَلِ ، وَلَمْ يُوجَدْ ، وَلِأَنَّ هَذَا عَقْدٌ غَيْرُ مَنْصُوصٍ عَلَيْهِ ، وَلَا هُوَ فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ ، فَهُوَ كَسَائِرِ الْعُقُودِ الْفَاسِدَةِ ، إلَّا أَنْ يُرِيدَ بِالْإِجَارَةِ الْمُعَامَلَةَ عَلَى الْوَجْه الَّذِي تَقَدَّمَ .\rوَقَدْ أَشَارَ أَحْمَدُ إلَى مَا يَدُلُّ عَلَى تَشْبِيهِهِ لِمِثْلِ هَذَا بِالْمُزَارِعَةِ ، فَقَالَ : لَا بَأْسَ بِالثَّوْبِ يُدْفَعُ بِالثُّلُثِ وَالرُّبْعِ ؛ لِحَدِيثِ جَابِرٍ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْطَى خَيْبَرَ عَلَى الشَّطْرِ .\r} وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ قَدْ صَارَ فِي هَذَا وَمِثْلِهِ إلَى الْجَوَازِ ؛ لِشَبَهِهِ بِالْمُسَاقَاةِ وَالْمُزَارَعَةِ ، لَا إلَى الْمُضَارَبَةِ ، وَلَا إلَى الْإِجَارَةِ .\rوَنَقَلَ أَبُو دَاوُد ، عَنْ أَحْمَدَ ، فِي مَنْ يُعْطِي فَرَسَهُ عَلَى النِّصْفِ مِنْ الْغَنِيمَةِ : أَرْجُو أَنْ لَا يَكُونَ بِهِ بَأْسٌ .\rقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ : قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ : إذَا كَانَ عَلَى النِّصْفِ وَالرُّبْعِ ، فَهُوَ جَائِزٌ .\rوَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ .\rوَنَقَلَ أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ أَحْمَدَ ، فِي مَنْ دَفَعَ عَبْدَهُ إلَى رَجُلٍ لِيَكْسِبَ عَلَيْهِ ، وَيَكُونَ لَهُ ثُلُثُ ذَلِكَ أَوْ رُبْعه ، فَجَائِزٌ ، وَالْوَجْهُ فِيهِ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي مَسْأَلَةِ الدَّابَّةِ .\rوَإِنْ دَفَعَ ثَوْبَهُ إلَى خَيَّاطٍ لِيُفَصِّلَهُ قُمْصَانًا يَبِيعُهَا ، وَلَهُ نِصْفُ رِبْحِهَا بِحَقِّ عَمَلِهِ ، جَازَ .\rنَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ حَرْبٍ ، وَإِنْ دَفَعَ غَزْلًا إلَى رَجُلٍ يَنْسِجُهُ ثَوْبًا بِثُلُثِ ثَمَنِهِ أَوْ رُبُعِهِ ، جَازَ .\rنَصَّ عَلَيْهِ .\rوَلَمْ يُجِزْ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ عِوَضٌ مَجْهُولٌ وَعَمَلٌ مَجْهُولٌ .\rوَقَدْ ذَكَرْنَا وَجْهَ جَوَازِهِ .\rوَإِنْ جَعَلَ لَهُ مَعَ ذَلِكَ دَرَاهِمَ مَعْلُومَةً ، لَمْ يَجُزْ .\rنَصَّ عَلَيْهِ .\rوَعَنْهُ الْجَوَازُ .\rوَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ .\rوَقَالَ","part":10,"page":116},{"id":4616,"text":"أَبُو بَكْرٍ : هَذَا قَوْلٌ قَدِيمٌ ، وَمَا رُوِيَ غَيْرُ هَذَا فَعَلَيْهِ الْمُعْتَمَدُ .\rقَالَ الْأَثْرَمُ : سَمِعْت أَبَا عَبْدِ اللَّه يَقُولُ : لَا بَأْسَ بِالثَّوْبِ يُدْفَعُ بِالثُّلُثِ وَالرُّبْعِ .\rوَسُئِلَ عَنْ الرَّجُلِ يُعْطِي الثَّوْبَ بِالثُّلُثِ وَدِرْهَمٍ وَدِرْهَمَيْنِ ؟ قَالَ : أَكْرَهُهُ ؛ لِأَنَّ هَذَا شَيْءٌ لَا يُعْرَفُ .\rوَالثُّلُثُ إذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ شَيْءٌ نَرَاهُ جَائِزًا ؛ لِحَدِيثِ جَابِرٍ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْطَى خَيْبَرَ عَلَى الشَّطْرِ .\rقِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّه : فَإِنْ كَانَ النَّسَّاجُ لَا يَرْضَى حَتَّى يُزَادَ عَلَى الثُّلُثِ دِرْهَمًا ؟ قَالَ : فَلْيَجْعَلْ لَهُ ثُلُثًا وَعُشْرَيْ ثُلُثٍ وَنِصْفَ عُشْرٍ وَمَا أَشْبَهَ .\rوَرَوَى الْأَثْرَمُ ، عَنْ ابْنِ سِيرِينَ ، وَالنَّخَعِيِّ ، وَالزُّهْرِيِّ ، وَأَيُّوبَ ، وَيَعْلَى بْنِ حَكِيمٍ ، أَنَّهُمْ أَجَازُوا ذَلِكَ .\rوَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : كَرِهَ هَذَا كُلَّهُ الْحَسَنُ وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ : هَذَا كُلُّهُ فَاسِدٌ .\rوَاخْتَارَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ عَقِيلٍ ، وَقَالُوا : لَوْ دَفَعَ شَبَكَتَهُ إلَى الصَّيَّادِ لِيَصِيدَ بِهَا السَّمَكَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ ، فَالصَّيْدُ كُلُّهُ لِلصَّيَّادِ ، وَلِصَاحِبِ الشَّبَكَةِ أَجْرُ مِثْلِهَا .\rوَقِيَاسُ مَا نُقِلَ عَنْ أَحْمَدَ صِحَّةُ الشَّرِكَةِ ، وَمَا رَزَقَ اللَّهُ بَيْنَهُمَا عَلَى مَا شَرَطَاهُ ؛ لِأَنَّهَا عَيْنٌ تُنَمَّى بِالْعَمَلِ فِيهَا ، فَصَحَّ دَفْعُهَا بِبَعْضِ نَمَائِهَا كَالْأَرْضِ .\r( 3623 ) فَصْلٌ : قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ { : نَهَى رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ قَفِيزِ الطَّحَّانِ } .\rوَهُوَ أَنْ يُعْطِيَ الطَّحَّانَ أَقْفِزَةً مَعْلُومَةً يَطْحَنُهَا بِقَفِيزِ دَقِيقٍ مِنْهَا .\rوَعِلَّةُ الْمَنْعِ أَنَّهُ جَعَلَ لَهُ بَعْضَ مَعْمُولِهِ أَجْرًا لِعَمَلِهِ ، فَيَصِيرُ الطَّحْنُ مُسْتَحَقًّا لَهُ عَلَيْهِ .\rوَهَذَا الْحَدِيثُ لَا نَعْرِفُهُ ، وَلَا يَثْبُتُ عِنْدَنَا صِحَّتُهُ ، وَقِيَاسُ قَوْلِ أَحْمَدَ جَوَازُهُ ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ عَنْهُ مِنْ الْمَسَائِلِ .","part":10,"page":117},{"id":4617,"text":"( 3624 ) فَصْلٌ : فَإِنْ كَانَ لِرَجُلِ دَابَّةٌ ، وَلِآخَرَ إكَافٌ وَجُوَالِقَاتٌ ، فَاشْتَرَكَا عَلَى أَنْ يُؤْجَرَاهُمَا وَالْأُجْرَةُ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ ، فَهُوَ فَاسِدٌ ، لِأَنَّ هَذِهِ أَعْيَانٌ لَا يَصِحُّ الِاشْتِرَاكُ فِيهَا ، فَكَذَلِكَ فِي مَنَافِعِهَا ، إذْ تَقْدِيره : آجِرْ دَابَّتَك لِتَكُونَ أُجْرَتُهَا بَيْنَنَا ، وَأُؤْجِرُ جُوَالِقَاتِي لِتَكُونَ أُجْرَتُهَا بَيْنَنَا .\rوَتَكُونُ الْأُجْرَةُ كُلُّهَا لِصَاحِبِ الْبَهِيمَةِ ؛ لِأَنَّهُ مَالِكُ الْأَصْلِ ، وَلِلْآخَرِ أَجْرُ مِثْلِهِ عَلَى صَاحِبِ الْبَهِيمَةِ ؛ لِأَنَّهُ اسْتَوْفَى مَنَافِعَ مِلْكِهِ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ ، هَذَا إذَا أَجَرَ الدَّابَّةَ بِمَا عَلَيْهَا مِنْ الْإِكَافِ وَالْجُوَالِقَاتِ فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ .\rفَأَمَّا لَوْ أَجَرَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِلْكَهُ مُنْفَرِدًا ، فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَجْرُ مِلْكِهِ .\rوَهَكَذَا لَوْ قَالَ رَجُلٌ لِصَاحِبِهِ : آجِرْ عَبْدِي ، وَالْأَجْرُ بَيْنَنَا .\rكَانَ الْأَجْرُ لِصَاحِبِهِ ، وَلِلْآخَرِ أَجْرُ مِثْلِهِ .\rوَكَذَلِكَ فِي جَمِيعِ الْأَعْيَانِ .","part":10,"page":118},{"id":4618,"text":"( 3625 ) فَصْلٌ فَإِنْ اشْتَرَكَ ثَلَاثَةٌ ؛ مِنْ أَحَدِهِمْ دَابَّةٌ ، وَمِنْ آخَرَ رَاوِيَةٌ ، وَمِنْ آخَرَ الْعَمَلُ ، عَلَى أَنَّ مَا رَزَقَ اللَّهُ تَعَالَى فَهُوَ بَيْنَهُمْ ، صَحَّ ، فِي قِيَاسِ قَوْلِ أَحْمَدَ ؛ فَإِنَّهُ نَصَّ فِي الدَّابَّةِ يَدْفَعُهَا إلَى آخَرَ يَعْمَلُ عَلَيْهَا ، عَلَى أَنَّ لَهُمَا الْأُجْرَةَ عَلَى الصِّحَّةِ .\rوَهَذَا مِثْلُهُ ؛ لِأَنَّهُ دَفَعَ دَابَّتَهُ إلَى آخَرَ يَعْمَلُ عَلَيْهَا ، وَالرَّاوِيَةُ عَيْنٌ تُنَمَّى بِالْعَمَلِ عَلَيْهَا ، فَهِيَ كَالْبَهِيمَةِ ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ مَا رَزَقَ اللَّهُ بَيْنَهُمْ عَلَى مَا اتَّفَقُوا عَلَيْهِ .\rوَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ لِأَنَّهُمَا وَكَّلَا الْعَامِلَ فِي كَسْبٍ مُبَاحٍ بِآلَةٍ دَفَعَاهَا إلَيْهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ دَفَعَ إلَيْهِ أَرْضَهُ لِيَزْرَعَهَا .\rوَهَكَذَا لَوْ اشْتَرَكَ أَرْبَعَةٌ مِنْ أَحَدِهِمْ دُكَّانٌ وَمِنْ آخَرَ رَحًى ، وَمِنْ آخَرَ بَغْلٌ ، وَمِنْ آخَرَ الْعَمَلُ ، عَلَى أَنْ يَطْحَنُوا بِذَلِكَ ، فَمَا رَزَقَ اللَّهُ تَعَالَى فَهُوَ بَيْنَهُمْ ، صَحَّ ، وَكَانَ بَيْنَهُمْ عَلَى مَا شَرَطُوهُ وَقَالَ الْقَاضِي : الْعَقْدُ فَاسِدٌ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ جَمِيعًا .\rوَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ هَذَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُشَارَكَةً وَلَا مُضَارَبَةً ، لِكَوْنِهِ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ رَأْسُ مَالِهِمَا الْعُرُوضَ ، وَلِأَنَّ مِنْ شُرُوطِهِمَا عَوْدَ رَأْسِ الْمَالِ سَلِيمًا ، بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا يُسْتَحَقُّ شَيْءٌ مِنْ الرِّبْحِ حَتَّى يُسْتَوْفَى رَأْسُ الْمَالِ بِكَمَالِهِ .\rوَالرَّاوِيَةُ هَاهُنَا تَخْلُقُ وَتَنْقُصُ ، وَلَا إجَارَةَ ؛ لِأَنَّهَا تَفْتَقِرُ إلَى مُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ وَأَجْرٍ مَعْلُومٍ ، فَتَكُونُ فَاسِدَةً .\rفَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْأَجْرُ كُلُّهُ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى لِلسَّقَّاءِ ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا غَرَفَ الْمَاءَ فِي الْإِنَاءِ مَلَكَهُ ، فَإِذَا بَاعَهُ فَثَمَنُهُ لَهُ ، لِأَنَّهُ عِوَضُ مِلْكِهِ ، وَعَلَيْهِ لِصَاحِبَيْهِ أَجْرُ الْمِثْلِ ، لِأَنَّهُ اسْتَعْمَلَ مِلْكَهُمَا بِعِوَضٍ لَمْ يُسَلَّمْ لَهُمَا ، فَكَانَ لَهُمَا أَجْرُ الْمِثْلِ ، كَسَائِرِ الْإِجَارَاتِ الْفَاسِدَةِ .\rوَأَمَّا فِي","part":10,"page":119},{"id":4619,"text":"الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ ، فَإِنَّهُمْ إذَا طَحَنُوا لِرَجُلٍ طَعَامًا بِأُجْرَةِ ، نَظَرْت فِي عَقْدِ الْإِجَارَةِ ، فَإِنْ كَانَ مِنْ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَصْحَابَهُ ، وَلَا نَوَاهُمْ ، فَالْأَجْرُ كُلُّهُ لَهُ ، وَعَلَيْهِ لِأَصْحَابِهِ أَجْرُ الْمِثْلِ ، وَإِنْ نَوَى أَصْحَابَهُ ، أَوْ ذَكَرَهُمْ ، كَانَ كَمَا لَوْ عَقَدَ مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مُنْفَرِدًا ، أَوْ اسْتَأْجَرَ مِنْ جَمِيعِهِمْ ، فَقَالَ : اسْتَأْجَرْتُكُمْ لِتَطْحَنُوا لِي هَذَا الطَّعَامَ بِكَذَا .\rفَالْأَجْرُ بَيْنَهُمْ أَرْبَاعًا ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ قَدْ لَزِمَهُ طَحْنُ رُبْعِهِ بِرُبْعِ الْأَجْرِ ، وَيَرْجِعُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَلَى أَصْحَابِهِ بِرُبْعِ أَجْرِ مِثْلِهِ .\rوَإِنْ كَانَ قَالَ : اسْتَأْجَرْت هَذَا الدُّكَّانَ وَالْبَغْلَ وَالرَّحَى ، وَهَذَا الرَّجُلَ بِكَذَا وَكَذَا ، لِطَحْنِ كَذَا وَكَذَا مِنْ الطَّعَامِ .\rصَحَّ ، وَالْأَجْرُ بَيْنَهُمْ عَلَى قَدْرِ أَجْرِ مِثْلِهِمْ ، لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُسَمَّى بِقَدْرِ حِصَّتِهِ ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ ، وَفِي الْآخَرِ ، يَكُونُ بَيْنَهُمْ أَرْبَاعًا ، بِنَاءً عَلَى مَا إذَا تَزَوَّجَ أَرْبَعًا بِمَهْرِ وَاحِدٍ ، أَوْ كَاتَبَ أَرْبَعَةَ أَعْبُدٍ بِعِوَضٍ وَاحِدٍ .\rوَهَلْ يَكُونُ الْعِوَضُ أَرْبَاعًا ، أَوْ عَلَى قَدْرِ قِيمَتِهِمْ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ .","part":10,"page":120},{"id":4620,"text":"( 3626 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِنْ اشْتَرَكَ بَدَنَانِ بِمَالِ أَحَدِهِمَا ، أَوْ بَدَنَانِ بِمَالِ غَيْرِهِمَا ، أَوْ بَدَنٌ وَمَالٌ ، أَوْ مَالَانِ وَبَدَنُ صَاحِبِ أَحَدِهِمَا ، أَوْ بَدَنَانِ بِمَالَيْهِمَا ، تَسَاوَى الْمَالُ أَوْ اخْتَلَفَ ، فَكُلُّ ذَلِكَ جَائِزٌ .\r) ذَكَرَ أَصْحَابُنَا الشَّرِكَةَ الْجَائِزَةَ أَرْبَعًا ، وَقَدْ ذَكَرْنَا نَوْعًا مِنْهَا ؛ وَهُوَ شَرِكَةُ الْأَبْدَانِ ، وَبَقِيَ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ ، ذَكَرَهَا الْخِرَقِيِّ فِي خَمْسَةِ أَقْسَامٍ ، ثَلَاثَةٌ مِنْهَا الْمُضَارَبَةُ ، وَهِيَ إذَا اشْتَرَكَ بَدَنَانِ بِمَالِ أَحَدِهِمَا ، أَوْ بَدَنٌ وَمَالٌ ، أَوْ مَالَانِ وَبَدَنُ صَاحِبِ أَحَدِهِمَا .\rوَقِسْمٌ مِنْهَا شَرِكَةُ الْوُجُوهِ ، وَهُوَ إذَا اشْتَرَكَ بَدَنَانِ بِمَالِ غَيْرِهِمَا .\rوَقَالَ الْقَاضِي : مَعْنَى هَذَا الْقِسْمِ ، أَنْ يَدْفَعَ وَاحِدٌ مَالَهُ إلَى اثْنَيْنِ مُضَارَبَةً ، فَيَكُونُ الْمُضَارِبَانِ شَرِيكَيْنِ فِي الرِّبْحِ بِمَالِ غَيْرِهِمَا ؛ لِأَنَّهُمَا إذَا أُخِذَا الْمَالُ بِجَاهِهِمَا فَلَا يَكُونَانِ مُشْتَرِكَيْنِ بِمَالِ غَيْرِهِمَا ، وَهَذَا مُحْتَمِلٌ .\rوَاَلَّذِي قُلْنَا لَهُ وَجْهٌ ؛ لِكَوْنِهِمَا اشْتَرَكَا فِيمَا يَأْخُذَانِ مِنْ مَالِ غَيْرِهِمَا ، وَاخْتَرْنَا هَذَا التَّفْسِيرَ ؛ لِأَنَّ كَلَامَ الْخِرَقِيِّ بِهَذَا التَّقْدِيرِ يَكُونُ جَامِعًا لِأَنْوَاعِ الشَّرِكَةِ الصَّحِيحَةِ ، وَعَلَى تَفْسِيرِ الْقَاضِي يَكُونُ مُخِلًّا بِنَوْعٍ مِنْهَا ، وَهِيَ شَرِكَةُ الْوُجُوهِ ، وَيَكُونُ هَذَا الْمَذْكُورُ نَوْعًا مِنْ الْمُضَارَبَةِ ، وَلِأَنَّ الْخِرَقِيِّ ذَكَرَ الشَّرِكَةَ بَيْنَ اثْنَيْنِ ، وَهُوَ صَحِيحٌ عَلَى تَفْسِيرِنَا ، وَعَلَى تَفْسِيرِ الْقَاضِي تَكُونُ الشَّرِكَةُ بَيْنَ ثَلَاثَةٍ ، وَهُوَ خِلَافُ ظَاهِرِ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ .\rوَالْقِسْمُ الْخَامِسُ إذَا اشْتَرَكَ بَدَنَانِ بِمَالَيْهِمَا ، وَهَذِهِ شَرِكَةُ الْعِنَانِ ، وَهِيَ شَرِكَةٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا .\rفَأَمَّا شَرِكَةُ الْوُجُوهِ ، فَهُوَ أَنْ يَشْتَرِك اثْنَانِ فِيمَا يَشْتَرِيَانِ بِجَاهِهِمَا ، وَثِقَةُ التُّجَّارِ بِهِمَا ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ لَهُمَا رَأْسُ مَالٍ ، عَلَى أَنَّ مَا اشْتَرَيَا بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ","part":10,"page":121},{"id":4621,"text":"أَوْ أَثْلَاثًا أَوْ أَرْبَاعًا أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ ، وَيَبِيعَانِ ذَلِكَ ، فَمَا قَسَمَ اللَّهُ تَعَالَى فَهُوَ بَيْنَهُمَا ، فَهِيَ جَائِزَةٌ ، سَوَاءٌ عَيَّنَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ مَا يَشْتَرِيه ، أَوْ قَدْرَهُ ، أَوْ وَقْتَهُ ، أَوْ ذَكَرَ صِنْفَ الْمَالِ ، أَوْ لَمْ يُعَيِّنْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ ، بَلْ قَالَ : مَا اشْتَرَيْت مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ بَيْنَنَا .\rوَقَالَ أَحْمَدُ ، فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ : فِي رَجُلَيْنِ اشْتَرَكَا بِغَيْرِ رُءُوسِ أَمْوَالِهِمَا ، عَلَى أَنَّ مَا يَشْتَرِيه كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيْنَهُمَا ، فَهُوَ جَائِزٌ .\rوَبِهَذَا قَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَصِحُّ حَتَّى يَذْكُرَ الْوَقْتَ أَوْ الْمَالَ ، أَوْ صِنْفًا مِنْ الثِّيَابِ .\rوَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ : يُشْتَرَطُ ذِكْرُ شَرَائِطِ الْوَكَالَةِ ؛ لِأَنَّ شَرَائِطَ الْوَكَالَةِ مُعْتَبَرَةٌ فِي ذَلِكَ ، مِنْ تَعَيُّنِ الْجِنْسِ وَغَيْرِهِ مِنْ شَرَائِطِ الْوَكَالَةِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُمَا اشْتَرَكَا فِي الِابْتِيَاعِ ، وَأَذِنَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِلْآخَرِ فِيهِ ، فَصَحَّ ، وَكَانَ مَا يَتَبَايَعَانِهِ بَيْنَهُمَا ، كَمَا لَوْ ذَكَرَ شَرَائِطَ الْوَكَالَةِ .\rوَقَوْلُهُمْ : إنَّ الْوَكَالَةَ لَا تَصِحُّ حَتَّى يَذْكُرَ قَدْرَ الثَّمَنِ وَالنَّوْعَ .\rمَمْنُوعٌ عَلَى رِوَايَةٍ لَنَا ، وَإِنْ سَلَّمْنَا ذَلِكَ فَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ فِي الْوَكَالَةِ الْمُفْرَدَةِ ، أَمَّا الْوَكَالَةُ الدَّاخِلَةُ فِي ضِمْنِ الشَّرِكَةِ فَلَا يُعْتَبَرُ فِيهَا ذَلِكَ ، بِدَلِيلِ الْمُضَارَبَةِ وَشَرِكَةِ الْعِنَانِ ، فَإِنَّ فِي ضِمْنِهِمَا تَوْكِيلًا ، وَلَا يُعْتَبَرُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ هَذَا ، كَذَا هَاهُنَا .\rفَعَلَى هَذَا إذَا قَالَ لِرَجُلٍ : مَا اشْتَرَيْت الْيَوْمَ مِنْ شَيْءٍ ، فَهُوَ بَيْنِي وَبَيْنَك نِصْفَانِ .\rأَوْ أَطْلَقَ الْوَقْتَ ، فَقَالَ : نَعَمْ .\rأَوْ قَالَ : مَا اشْتَرَيْت أَنَا مِنْ شَيْءٍ ، فَهُوَ بَيْنِي وَبَيْنَك نِصْفَانِ .\rجَازَ ، وَكَانَتْ شَرِكَةً صَحِيحَةً ؛ لِأَنَّهُ أَذِنَ لَهُ فِي التِّجَارَةِ عَلَى أَنْ يَكُونَ الْمَبِيعُ بَيْنَهُمَا ، وَهَذَا مَعْنَى الشَّرِكَةِ ، وَيَكُونُ","part":10,"page":122},{"id":4622,"text":"تَوْكِيلًا لَهُ فِي شِرَاءِ نِصْفِ الْمَتَاعِ بِنِصْفِ الثَّمَنِ ، فَيَسْتَحِقُّ الرِّبْحَ فِي مُقَابَلَةِ مِلْكِهِ الْحَاصِلِ فِي الْمَبِيعِ ، سَوَاءٌ خَصَّ ذَلِكَ بِنَوْعٍ مِنْ الْمَتَاعِ أَوْ أَطْلَقَ .\rوَكَذَلِكَ إذَا قَالَا : مَا اشْتَرَيْنَاهُ أَوْ مَا اشْتَرَاهُ أَحَدُنَا مِنْ تِجَارَةٍ فَهُوَ بَيْنَنَا .\rفَهُوَ شَرِكَةٌ صَحِيحَةٌ ، وَهُمَا فِي تَصَرُّفَاتِهِمَا ، وَمَا يَجِبُ لَهُمَا وَعَلَيْهِمَا ، وَفِي إقْرَارِهِمَا ، وَخُصُومَتِهِمَا ، وَغَيْرِ ذَلِكَ ، بِمَنْزِلَةِ شَرِيكِي الْعِنَانِ ، عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .\rوَأَيُّهُمَا عَزَلَ صَاحِبَهُ عَنْ التَّصَرُّفِ ، انْعَزَلَ ؛ لِأَنَّهُ وَكِيلُهُ .\rوَسُمِّيَتْ هَذِهِ شَرِكَةَ الْوُجُوهِ ، لِأَنَّهُمَا يَشْتَرِكَانِ فِيمَا يَشْتَرِيَانِ بِجَاهِهِمَا ، وَالْجَاهُ وَالْوَجْهُ وَاحِدُ ، يُقَالُ : فُلَانٌ وَجِيهٌ .\rإذَا كَانَ ذَا جَاهٍ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ : { وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا } .\rوَفِي بَعْضِ الْآثَارِ ، أَنَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ ، قَالَ يَا رَبِّ ، إنْ كَانَ قَدْ خَلِقَ جَاهِي عِنْدَك ، فَأَسْأَلُك بِحَقِّ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي تَبْعَثُهُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ .\rفَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إلَيْهِ : مَا خَلِقَ جَاهُك عِنْدِي ، وَإِنَّك عِنْدِي لَوَجِيهٌ .","part":10,"page":123},{"id":4623,"text":"( 3627 ) فَصْلٌ : الْقِسْمُ الثَّانِي ، أَنْ يَشْتَرِكَ بَدَنَانِ بِمَالَيْهِمَا .\rوَهَذَا النَّوْعُ الثَّالِثُ مِنْ أَنْوَاعِ الشَّرِكَةُ ، وَهِيَ شَرِكَةُ الْعِنَانِ .\rوَمَعْنَاهَا : أَنْ يَشْتَرِكَ رَجُلَانِ بِمَالَيْهِمَا عَلَى أَنْ يَعْمَلَا فِيهِمَا ، بِأَبْدَانِهِمَا ، وَالرِّبْحُ بَيْنَهُمَا .\rوَهِيَ جَائِزَةٌ بِالْإِجْمَاعِ .\rذَكَرَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَإِنَّمَا اُخْتُلِفَ فِي بَعْضِ شُرُوطِهَا ، وَاخْتُلِفَ فِي عِلَّةِ تَسْمِيَتِهَا شَرِكَةَ الْعِنَانِ ، فَقِيلَ : سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهُمَا يَتَسَاوَيَانِ فِي الْمَالِ وَالتَّصَرُّفِ ، كَالْفَارِسَيْنِ إذَا سَوَّيَا بَيْنَ فَرَسَيْهِمَا ، وَتَسَاوَيَا فِي السَّيْرِ ، فَإِنَّ عِنَانَيْهِمَا يَكُونَانِ سَوَاءً .\rوَقَالَ الْفَرَّاءُ : هِيَ مُشْتَقَّةٌ مِنْ عَنَّ الشَّيْءُ إذَا عَرَضَ ، يُقَالُ : عَنَّتْ لِي حَاجَةٌ .\rإذَا عَرَضَتْ ، فَسُمِّيت الشَّرِكَةُ بِذَلِكَ ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنَّ لَهُ أَنْ يُشَارِكْ صَاحِبَهُ .\rوَقِيلَ : هِيَ مُشْتَقَّةٌ مِنْ الْمُعَانَنَةِ ، وَهِيَ الْمُعَارَضَةُ ، يُقَالُ : عَانَنْت فُلَانًا .\rإذَا عَارَضْته بِمِثْلِ مَالِهِ وَأَفْعَالِهِ .\rفَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الشَّرِيكَيْنِ مُعَارِضٌ لِصَاحِبِهِ بِمَالِهِ وَفِعَالِهِ .\rوَهَذَا يَرْجِعُ إلَى قَوْلِ الْفَرَّاءِ .","part":10,"page":124},{"id":4624,"text":"( 3628 ) فَصْلٌ : وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ يَجُوزُ جَعْلُ رَأْسِ الْمَالِ الدَّرَاهِمَ وَالدَّنَانِيرَ ، فَإِنَّهُمَا قِيَمُ الْأَمْوَالِ وَأَثْمَانُ الْبَيَّاعَات ، وَالنَّاسُ يَشْتَرِكُونَ بِهَا مِنْ لَدُنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى زَمَنِنَا مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ .\rفَأَمَّا الْعُرُوض ، فَلَا تَجُوزُ الشَّرِكَةُ فِيهَا ، فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ وَحَرْبٍ .\rوَحَكَاهُ عَنْهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ .\rوَكَرِهَ ذَلِكَ ابْنُ سِيرِينَ ، وَيَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ وَالثَّوْرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ؛ لِأَنَّ الشَّرِكَةَ إمَّا أَنْ تَقَعَ عَلَى أَعْيَانِ الْعُرُوضِ أَوْ قِيمَتِهَا أَوْ أَثْمَانِهَا ، لَا يَجُوزُ وُقُوعُهَا عَلَى أَعْيَانِهَا ؛ لِأَنَّ الشَّرِكَةَ تَقْتَضِي الرُّجُوعَ عِنْدَ الْمُفَاصَلَةِ بِرَأْسِ الْمَالِ أَوْ بِمِثْلِهِ ، وَهَذِهِ لَا مِثْلَ لَهَا ، فَيُرْجَعُ إلَيْهِ ، وَقَدْ تَزِيدُ قِيمَةُ جِنْسِ أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ ، فَيَسْتَوْعِبُ بِذَلِكَ جَمِيعَ الرِّبْحِ أَوْ جَمِيعَ الْمَالِ ، وَقَدْ تَنْقُصُ قِيمَتُهُ ، فَيُؤَدِّي إلَى أَنْ يُشَارِكَهُ الْآخَرُ فِي ثَمَنِ مِلْكِهِ الَّذِي لَيْسَ بِرِبْحٍ ، وَلَا عَلَى قِيمَتِهَا ؛ لِأَنَّ الْقِيمَةَ غَيْرُ مُتَحَقِّقَةِ الْقَدْرِ ، فَيُفْضِي إلَى التَّنَازُعِ ، وَقَدْ يُقَوَّمُ الشَّيْءُ بِأَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ ، وَلِأَنَّ الْقِيمَةَ قَدْ تَزِيدُ فِي أَحَدِهِمَا قَبْلَ بَيْعِهِ ، فَيُشَارِكُهُ الْآخَرُ فِي الْعَيْنِ الْمَمْلُوكَةِ لَهُ ، وَلَا يَجُوزُ وُقُوعُهَا عَلَى أَثْمَانِهَا ؛ لِأَنَّهَا مَعْدُومَةٌ حَالَ الْعَقْدِ وَلَا يَمْلِكَانِهَا ، وَلِأَنَّهُ إنْ أَرَادَ ثَمَنَهَا الَّذِي اشْتَرَاهَا بِهِ ، فَقَدْ خَرَجَ عَنْ مِلْكِهِ وَصَارَ لِلْبَائِعِ ، وَإِنْ أَرَادَ ثَمَنَهَا الَّذِي يَبِيعُهَا بِهِ ، فَإِنَّهَا تَصِيرُ شَرِكَةً مُعَلَّقَةً عَلَى شَرْطٍ ، وَهُوَ بَيْعُ الْأَعْيَانِ ، وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى ، أَنَّ الشَّرِكَةَ وَالْمُضَارَبَةَ تَجُوزُ بِالْعُرُوضِ ، وَتُجْعَلُ قِيمَتُهَا وَقْتَ الْعَقْدِ رَأْسَ الْمَالِ .\rقَالَ أَحْمَدُ : إذَا","part":10,"page":125},{"id":4625,"text":"اشْتَرَكَا فِي الْعُرُوضِ ، يُقَسَّمُ الرِّبْحُ عَلَى مَا اشْتَرَطَا .\rوَقَالَ الْأَثْرَمُ : سَمِعْت أَبَا عَبْدِ اللَّه يُسْأَلُ عَنْ الْمُضَارَبَةِ بِالْمَتَاعِ ؟ فَقَالَ : جَائِزٌ .\rفَظَاهِرُ هَذَا صِحَّةُ الشَّرِكَةِ بِهَا .\rاخْتَارَ هَذَا أَبُو بَكْرٍ ، وَأَبُو الْخَطَّابِ .\rوَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَابْنِ أَبِي لَيْلَى .\rوَبِهِ قَالَ فِي الْمُضَارَبَةِ طَاوُسٌ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَحَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ ؛ لِأَنَّ مَقْصُودَ الشَّرِكَةِ جَوَازُ تَصَرُّفِهَا فِي الْمَالَيْنِ جَمِيعًا ، وَكَوْنُ رِبْحِ الْمَالَيْنِ بَيْنَهُمَا ، وَهَذَا يَحْصُلُ فِي الْعُرُوضِ كَحُصُولِهِ فِي الْأَثْمَانِ ، فَيَجِبُ أَنْ تَصِحَّ الشَّرِكَةُ وَالْمُضَارَبَةُ بِهَا ، كَالْأَثْمَانِ .\rوَيَرْجِعُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عِنْدَ الْمُفَاصَلَةِ بِقِيمَةِ مَالِهِ عِنْدَ الْعَقْدِ ، كَمَا أَنَّنَا جَعَلْنَا نِصَابَ زَكَاتِهَا قِيمَتَهَا .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : إنْ كَانَتْ الْعُرُوض مِنْ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ ؛ كَالْحُبُوبِ وَالْأَدْهَانِ ، جَازَتْ الشَّرِكَةُ بِهَا ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ ؛ لِأَنَّهَا مِنْ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ ، أَشْبَهَتْ النُّقُودَ ، وَيَرْجِعُ عِنْدَ الْمُفَاصَلَةِ بِمِثْلِهَا .\rوَإِنْ لَمْ تَكُنْ مِنْ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ ، لَمْ يَجُزْ ، وَجْهًا وَاحِدًا ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الرُّجُوعُ بِمِثْلِهَا .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ نَوْعُ شَرِكَةٍ ، فَاسْتَوَى فِيهَا مَالُهُ مِثْلٌ مِنْ الْعُرُوضِ وَمَا لَا مِثْلَ لَهُ ، كَالْمُضَارَبَةِ ، وَقَدْ سَلَّمَ أَنَّ الْمُضَارَبَةَ لَا تَجُوزُ بِشَيْءٍ مِنْ الْعُرُوضِ ، وَلِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِنَقْدٍ ، فَلَمْ تَصِحَّ الشَّرِكَةُ بِهَا ، كَاَلَّذِي لَا مِثْلَ لَهُ .\r( 3629 ) فَصْلٌ : وَالْحُكْمُ فِي النُّقْرَةِ كَالْحُكْمِ فِي الْعُرُوضِ ؛ لِأَنَّ قِيمَتَهَا تَزِيدُ وَتَنْقُصُ ، فَهِيَ كَالْعُرُوضِ .\rوَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي الْمَغْشُوشِ مِنْ الْأَثْمَانِ ، قَلَّ الْغِشُّ أَوْ كَثُرَ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إنْ كَانَ الْغِشُّ أَقَلِّ مِنْ النِّصْفِ ، جَازَ ، وَإِنْ كَثُرَ ، لَمْ يَجُزْ ؛ لِأَنَّ الِاعْتِبَارَ بِالْغَالِبِ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْأُصُولِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهَا مَغْشُوشَةٌ ،","part":10,"page":126},{"id":4626,"text":"فَأَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَ الْغِشُّ أَكْثَرَ ، وَلِأَنَّ قِيمَتَهَا تَزِيدُ وَتَنْقُصُ ، أَشْبَهَتْ الْعُرُوضَ .\rوَقَوْلُهُمْ : الِاعْتِبَارُ بِالْغَالِبِ .\rلَيْسَ بِصَحِيحٍ ؛ فَإِنَّ الْفِضَّةَ إذَا كَانَتْ أَقَلَّ ، لَمْ يَسْقُطْ حُكْمُهَا فِي الزَّكَاةِ ، وَكَذَلِكَ الذَّهَبُ ، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْغِشُّ قَلِيلًا جِدًّا لِمَصْلَحَةِ النَّقْدِ ، كَيَسِيرِ الْفِضَّةِ فِي الدِّينَارِ ، مِثْلُ الْحَبَّةِ وَنَحْوِهَا ، فَلَا اعْتِبَارَ بِهِ ، لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ ، وَلَا يُؤَثِّرُ فِي الرِّبَا ، وَلَا فِي غَيْرِهِ .","part":10,"page":127},{"id":4627,"text":"( 3630 ) فَصْلٌ : وَلَا تَصِحُّ الشَّرِكَةُ بِالْفُلُوسِ .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَابْنُ الْقَاسِمِ صَاحِبُ مَالِكٍ .\rوَيَتَخَرَّجُ الْجَوَازُ إذَا كَانَتْ نَافِقَةً ؛ فَإِنَّ أَحْمَدَ قَالَ : لَا أَرَى السَّلَمَ فِي الْفُلُوسِ ؛ لِأَنَّهُ يُشْبِهُ الصَّرْفَ .\rوَهَذَا قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ؛ لِأَنَّهَا ثَمَنٌ ، فَجَازَتْ الشَّرِكَةُ بِهَا ، كَالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ .\rوَيَحْتَمِلُ جَوَازُ الشَّرِكَةِ بِهَا عَلَى كُلِّ حَالٍ ، نَافِقَةً كَانَتْ أَوْ غَيْرَ نَافِقَةٍ ، بِنَاءً عَلَى جَوَازِ الشَّرِكَةِ بِالْعُرُوضِ .\rوَوَجْهُ الْأَوَّلِ ، أَنَّهَا تُنْفَقُ مَرَّةً وَتَكْسُدُ أُخْرَى ، فَأَشْبَهَتْ الْعُرُوضَ ، فَإِذَا قُلْنَا بِصِحَّةِ الشَّرِكَةِ بِهَا ، فَإِنَّهَا إنْ كَانَتْ نَافِقَةً كَانَ رَأْسُ الْمَالِ مِثْلَهَا ، وَإِنْ كَانَتْ كَاسِدَةً ، كَانَتْ قِيمَتُهَا كَالْعُرُوضِ .","part":10,"page":128},{"id":4628,"text":"( 3631 ) فَصْلٌ : وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ رَأْسُ مَالِ الشَّرِكَةِ مَجْهُولًا ، وَلَا جُزَافًا ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الرُّجُوعِ بِهِ عِنْدَ الْمُفَاصَلَةِ ، وَلَا يُمْكِنُ مَعَ الْجَهْلِ وَالْجُزَافِ .\rوَلَا يَجُوزُ بِمَالٍ غَائِبٍ ، وَلَا دَيْنٍ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ التَّصَرُّفُ فِيهِ فِي الْحَالِ ، وَهُوَ مَقْصُودُ الشَّرِكَةِ .\r( 3632 ) فَصْلٌ : وَلَا يُشْتَرَطُ لِصِحَّتِهَا اتِّفَاقُ الْمَالَيْنِ فِي الْجِنْسِ ، بَلْ يَجُوزُ أَنْ يُخْرِجَ أَحَدُهُمَا دَرَاهِمَ وَالْآخَرُ دَنَانِيرَ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .\rوَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ ، وَابْنُ سِيرِينَ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا تَصِحُّ الشَّرِكَةُ إلَّا أَنْ يَتَّفِقَا فِي مَالٍ وَاحِدٍ ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ خَلْطَ الْمَالَيْنِ شَرْطٌ ، وَلَا يُمْكِنُ إلَّا فِي الْمَالِ الْوَاحِدِ .\rوَنَحْنُ لَا نَشْتَرِطُ ذَلِكَ ، وَلِأَنَّهُمَا مِنْ جِنْسِ الْأَثْمَانِ ، فَصَحَّتْ الشَّرِكَةُ فِيهِمَا ، كَالْجِنْسِ الْوَاحِدِ ، وَمَتَى تَفَاصَلَا ، رَجَعَ هَذَا بِدَنَانِيرِهِ ، وَهَذَا بِدَرَاهِمِهِ ، ثُمَّ اقْتَسَمَا الْفَضْلَ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، فَقَالَ : يَرْجِعُ هَذَا بِدَنَانِيرِهِ ، وَهَذَا بِدَرَاهِمِهِ .\rوَقَالَ : كَذَا يَقُولُ مُحَمَّدٌ وَالْحَسَنُ ، وَقَالَ الْقَاضِي : إذَا أَرَادَا الْمُفَاصَلَةَ ، قَوَّمَا الْمَتَاعَ بِنَقْدِ الْبَلَدِ ، وَقَوَّمَا مَالَ الْآخَرِ بِهِ ، وَيَكُونُ التَّقْوِيمُ حِينَ صَرَفَا الثَّمَنَ فِيهِ .\rوَلَنَا أَنَّ هَذِهِ شَرِكَةٌ صَحِيحَةٌ ، رَأْسُ الْمَالِ فِيهَا الْأَثْمَانُ ، فَيَكُونُ الرُّجُوعُ بِجِنْسِ رَأْسِ الْمَالِ ، كَمَا لَوْ كَانَ الْجِنْسُ وَاحِدًا .\r( 3633 ) فَصْلٌ : وَلَا يُشْتَرَطُ تَسَاوِي الْمَالَيْنِ فِي الْقَدْرِ .\rوَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ : يُشْتَرَطُ ذَلِكَ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُمَا مَالَانِ مِنْ جِنْسِ الْأَثْمَانِ ، فَجَازَ عَقْدُ الشَّرِكَةِ عَلَيْهِمَا ، كَمَا لَوْ تَسَاوَيَا .\r( 3634 ) فَصْلٌ : وَلَا يُشْتَرَطُ اخْتِلَاطُ الْمَالَيْنِ ، إذَا عَيَّنَاهُمَا وَأَحْضَرَاهُمَا .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ ،","part":10,"page":129},{"id":4629,"text":"إلَّا أَنَّ مَالِكًا شَرَطَ أَنْ تَكُونَ أَيْدِيهِمَا عَلَيْهِ ، بِأَنْ يَجْعَلَاهُ فِي حَانُوتٍ لَهُمَا ، أَوْ فِي يَدِ وَكِيلِهِمَا .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يَصِحُّ حَتَّى يَخْلِطَا الْمَالَيْنِ ؛ لِأَنَّهُمَا إذَا لَمْ يَخْلِطَاهُمَا فَمَالُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَتْلَفُ مِنْهُ دُونَ صَاحِبِهِ ، أَوْ يَزِيدُ لَهُ دُونَ صَاحِبِهِ ، فَلَمْ تَنْعَقِد الشَّرِكَةُ ، كَمَا لَوْ كَانَ مِنْ الْمَكِيلِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ عَقْدٌ يُقْصَدُ بِهِ الرِّبْحُ ، فَلَمْ يُشْتَرَطْ فِيهِ خَلْطُ الْمَالِ ، كَالْمُضَارَبَةِ ، وَلِأَنَّهُ عَقْدٌ عَلَى التَّصَرُّفِ ، فَلَمْ يَكُنْ مِنْ شَرْطِهِ الْخَلْطُ كَالْوَكَالَةِ .\rوَعَلَى مَالِكٍ ، فَلَمْ يَكُنْ مِنْ شَرْطِهِ أَنْ تَكُونَ أَيْدِيهِمَا عَلَيْهِ ، كَالْوَكَالَةِ .\rوَقَوْلُهُمْ : إنَّهُ يَتْلَفُ مِنْ مَالِ صَاحِبِهِ ، أَوْ يَزِيدُ عَلَى مِلْكِ صَاحِبِهِ .\rمَمْنُوعٌ ، بَلْ مَا يَتْلَفُ مِنْ مَالِهِمَا وَزِيَادَتُهُ لَهُمَا ؛ لِأَنَّ الشَّرِكَةَ اقْتَضَتْ ثُبُوتَ الْمِلْكِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي نِصْفِ مَالِ صَاحِبِهِ ، فَيَكُونُ تَلَفُهُ مِنْهُمَا ، وَزِيَادَتُهُ لَهُمَا .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : مَتَى تَلِفَ أَحَدُ الْمَالَيْنِ ، فَهُوَ مِنْ ضَمَانِ صَاحِبِهِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الْوَضِيعَةَ وَالضَّمَانَ أَحَدُ مُوجِبِي الشَّرِكَةِ ، فَتَعَلَّقَ بِالشَّرِيكَيْنِ ، كَالرِّبْحِ ، وَكَمَا لَوْ اخْتَلَطَا .","part":10,"page":130},{"id":4630,"text":"فَصْلٌ : وَمَتَى وَقَعَتْ الشَّرِكَةُ فَاسِدَةً ، فَإِنَّهُمَا يَقْتَسِمَانِ الرِّبْحَ عَلَى قَدْرِ رُءُوسِ أَمْوَالِهِمَا ، وَيَرْجِعُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى الْآخَرِ بِأَجْرِ عَمَلِهِ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي الْمُضَارَبَةِ .\rوَاخْتَارَهُ الْقَاضِي .\rوَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ الْمُسَمَّى يَسْقُطُ فِي الْعَقْدِ الْفَاسِدِ ، كَالْبَيْعِ الْفَاسِدِ إذَا تَلِفَ الْمَبِيعُ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي ، إلَّا أَنْ يَكُونَ مَالُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُتَمَيِّزًا وَرِبْحُهُ مَعْلُومًا ، فَيَكُونَ لَهُ رِبْحُ مَالِهِ .\rوَلَوْ رَبِحَ فِي جُزْءٍ مِنْهُ رِبْحًا مُتَمَيِّزًا وَبَاقِيهِ مُخْتَلِطٌ ، كَانَ لَهُ مَا تَمَيَّزَ مِنْ رِبْحِ مَالِهِ ، وَلَهُ بِحِصَّتِهِ بَاقِي مَالِهِ مِنْ الرِّبْحِ .\rوَاخْتَارَ الشَّرِيفُ أَبُو جَعْفَرٍ أَنَّهُمَا يَقْتَسِمَانِ الرِّبْحَ عَلَى مَا شَرَطَاهُ ، وَلَا يَسْتَحِقُّ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ أَجْرَ عَمَلِهِ .\rوَأَجْرَاهَا مَجْرَى الصَّحِيحَةِ فِي جَمِيعِ أَحْكَامِهَا .\rقَالَ : لِأَنَّ أَحْمَدَ قَالَ : إذَا اشْتَرَكَا فِي الْعُرُوضِ ، قُسِّمَ الرِّبْحُ عَلَى مَا اشْتَرَطَاهُ .\rوَاحْتَجَّ بِأَنَّهُ عَقْدٌ يَصِحُّ مَعَ الْجَهَالَةِ ، فَيَثْبُتُ الْمُسَمَّى فِي فَاسِدِهِ ، كَالنِّكَاحِ .\rوَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ .\rقَالَهُ الْقَاضِي وَكَلَامُ أَحْمَدَ مَحْمُولٌ عَلَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى فِي تَصْحِيحِ الْمُضَارَبَةِ بِالْعُرُوضِ ، لِأَنَّ الْأَصْلَ كَوْنُ رِبْحِ مَالِ كُلِّ وَاحِدٍ لِمَالِكِهِ ؛ لِأَنَّهُ نَمَاؤُهُ ، وَإِنَّمَا تُرِك ذَلِكَ بِالْعَقْدِ الصَّحِيحِ ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ الْعَقْدُ صَحِيحًا ، بَقِيَ الْحُكْمُ عَلَى مُقْتَضَى الْأَصْلِ ، كَمَا أَنَّ الْبَيْعَ إذَا كَانَ فَاسِدًا لَمْ يَنْقُلْ مِلْكَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُتَبَايِعَيْنِ عَنْ مَالِهِ .","part":10,"page":131},{"id":4631,"text":"( 3636 ) فَصْلٌ : وَشَرِكَةُ الْعِنَانِ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْوَكَالَةِ وَالْأَمَانَةِ ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَدْفَعُ الْمَالَ إلَى صَاحِبِهِ أَمَنَةً ، وَبِإِذْنِهِ لَهُ فِي التَّصَرُّفِ وَكَّلَهُ .\rوَمِنْ شَرْطِ صِحَّتِهَا أَنْ يَأْذَنَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ فِي التَّصَرُّفِ ، فَإِنْ أَذِنَ لَهُ مُطْلَقًا فِي جَمِيعِ التِّجَارَاتِ ، تَصَرَّفَ فِيهَا ، وَإِنْ عَيَّنَ لَهُ جِنْسًا أَوْ نَوْعًا أَوْ بَلَدًا ، تَصَرَّفَ فِيهِ دُونَ غَيْرِهِ ؛ لِأَنَّهُ مُتَصَرِّفٌ بِالْإِذْنِ ، فَوَقَفَ عَلَيْهِ ، كَالْوَكِيلِ .\rوَيَجُوزُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَبِيعَ وَيَشْتَرِيَ مُسَاوَمَةً وَمُرَابَحَةً وَتَوْلِيَةً وَمُوَاضَعَةً ، وَكَيْفَ رَأَى الْمَصْلَحَةَ ؛ لِأَنَّ هَذَا عَادَةُ التُّجَّارِ .\rوَلَهُ أَنْ يَقْبِضَ الْمَبِيعَ وَالثَّمَنَ ، وَيَقْبِضَهُمَا ، وَيُخَاصِمَ فِي الدِّينِ ، وَيُطَالِبَ بِهِ ، وَيُحِيلَ ، وَيَحْتَالَ ، وَيَرُدَّ بِالْعَيْبِ فِيمَا وَلِيَهُ هُوَ ، وَفِيمَا وَلِيَ صَاحِبِهِ .\rوَلَهُ أَنْ يَسْتَأْجِرَ مِنْ رَأْسِ مَالِ الشَّرِكَةِ وَيُؤْجَرُ ؛ لِأَنَّ الْمَنَافِعَ أُجْرِيَتْ مُجْرَى الْأَعْيَانِ ، فَصَارَ كَالشِّرَاءِ وَالْبَيْعِ ، وَالْمُطَالَبَةُ بِالْأَجْرِ لَهُمَا وَعَلَيْهِمَا ؛ لِأَنَّ حُقُوقَ الْعَقْدِ لَا تَخْتَصُّ الْعَاقِدَ .\r( 3637 ) فَصْلٌ : وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُكَاتِبَ الرَّقِيقَ ، وَلَا يَعْتِقَ عَلَى مَالٍ وَلَا غَيْرِهِ ، وَلَا يُزَوِّجَ الرَّقِيقَ ؛ لِأَنَّ الشَّرِكَةَ تَنْعَقِدُ عَلَى التِّجَارَةِ ، وَلَيْسَتْ هَذِهِ الْأَنْوَاعُ تِجَارَةً ، سِيَّمَا تَزْوِيجُ الْعَبْدِ ، فَإِنَّهُ مَحْضُ ضَرَرٍ .\rوَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُقْرِضَ وَلَا يُحَابِيَ ؛ لِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ .\rوَلَيْسَ لَهُ التَّبَرُّعُ .\rوَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُشَارِكَ بِمَالِ الشَّرِكَةِ ، وَلَا يَدْفَعُهُ مُضَارَبَةً ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُثْبِتُ فِي الْمَالِ حُقُوقًا ، وَيُسْتَحَقُّ رِبْحُهُ لِغَيْرِهِ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لَهُ .\rوَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَخْلِطَ مَالَ الشَّرِكَةِ بِمَالِهِ ، وَلَا مَالِ غَيْرِهِ ؛ لِأَنَّهُ يَتَضَمَّنُ إيجَابَ حُقُوقٍ فِي الْمَالِ ، وَلَيْسَ هُوَ مِنْ التِّجَارَةِ الْمَأْذُونِ فِيهَا .\rوَلَا يَأْخُذُ بِالْمَالِ سَفْتَجَةً ؛","part":10,"page":132},{"id":4632,"text":"وَلَا يُعْطِي بِهِ سَفْتَجَةً ؛ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ خَطَرًا لَمْ يُؤْذَنْ فِيهِ .\rوَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْتَدِينَ عَلَى مَالِ الشَّرِكَةِ ، فَإِنْ فَعَلَ فَذَلِكَ لَهُ ، وَلَهُ رِبْحُهُ وَعَلَيْهِ وَضِيعَتُهُ .\rقَالَ أَحْمَدُ ، فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ ، فِي مَنْ اسْتَدَانَ فِي الْمَالِ بِوَجْهِهِ أَلْفًا : فَهُوَ لَهُ ، وَرِبْحُهُ لَهُ وَالْوَضِيعَةُ عَلَيْهِ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : إذَا اسْتَقْرَضَ شَيْئًا ، لَزِمَهُمَا ، وَرِبْحُهُ لَهُمَا ؛ لِأَنَّهُ تَمْلِيكُ مَالٍ بِمَالِ ، فَهُوَ كَالصَّرْفِ .\rوَنَصُّ أَحْمَدَ يُخَالِفُ هَذَا .\rوَلِأَنَّهُ أَدْخَلَ فِي الشَّرِكَةِ أَكْثَرَ مِمَّا رَضِيَ الشَّرِيكُ بِالْمُشَارَكَةِ فِيهِ ، فَلَمْ يَجُزْ ، كَمَا لَوْ ضَمَّ إلَيْهَا أَلْفًا مِنْ مَالِهِ .\rوَيُفَارِقُ الصَّرْفَ ؛ لِأَنَّهُ بَيْعٌ وَإِبْدَالُ عَيْنٍ بِعَيْنٍ ، فَهُوَ كَبَيْعِ الثِّيَابِ بِالدَّرَاهِمِ .\rوَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُقِرَّ عَلَى مَالِ الشَّرِكَةِ ، فَإِنْ فَعَلَ لَزِمَ فِي حَقِّهِ دُونَ صَاحِبِهِ ، سَوَاءٌ أَقَرَّ بِعَيْنِ أَوْ دَيْنٍ ؛ لِأَنَّ شَرِيكَهُ إنَّمَا أَذِنَ فِي التِّجَارَةِ ، وَلَيْسَ الْإِقْرَارُ دَاخِلًا فِيهَا .\rوَإِنْ أَقَرَّ بِعَيْبٍ فِي عَيْنٍ بَاعَهَا ، قُبِلَ إقْرَارُهُ ، وَكَذَلِكَ يُقْبَلُ إقْرَارُ الْوَكِيلِ عَلَى مُوَكَّلِهِ بِالْعَيْبِ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ وَكَذَلِكَ إنْ أَقَرَّ بِبَقِيَّةِ ثَمَنِ الْمَبِيعِ ، أَوْ بِجَمِيعِهِ ، أَوْ بِأَجْرِ الْمُنَادِي أَوْ الْحَمَّالِ ، وَأَشْبَاهِ هَذَا ، يَنْبَغِي أَنْ يُقْبَلَ ؛ لِأَنَّ هَذَا مِنْ تَوَابِعِ التِّجَارَةِ ، فَكَانَ لَهُ ذَلِكَ ، كَتَسْلِيمِ الْمَبِيعِ وَأَدَاءِ ثَمَنِهِ .\rوَإِنْ رُدَّتْ السِّلْعَةُ عَلَيْهِ بِعَيْبٍ ، فَلَهُ أَنْ يَقْبَلَهَا .\rوَلَهُ أَنْ يُعْطِيَ أَرْشَ الْعَيْبِ ، أَوْ يَحُطَّ مِنْ ثَمَنِهِ ، أَوْ يُؤَخِّرَ ثَمَنَهُ لِأَجْلِ الْعَيْبِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ قَدْ يَكُونُ أَحْظَ مِنْ الرَّدِّ ، وَإِنْ حَطَّ مِنْ الثَّمَنِ ابْتِدَاءً ، أَوْ أَسْقَطَ دَيْنًا لَهُمَا عَنْ غَرِيمِهِمَا ، لَزِمَ فِي حَقِّهِ ، وَبَطَلَ فِي حَقِّ شَرِيكِهِ ؛ لِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ ، وَالتَّبَرُّعُ يَجُوزُ فِي حَقِّ نَفْسِهِ دُونَ شَرِيكِهِ .\rوَإِنْ كَانَ لَهُمَا دَيْنٌ حَالٌ ، فَأَخَّرَ","part":10,"page":133},{"id":4633,"text":"أَحَدُهُمَا حِصَّتَهُ مِنْ الدَّيْنِ ، جَازَ .\rوَبِهِ قَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَجُوزُ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ أَسْقَطَ حَقَّهُ مِنْ الْمُطَالَبَةِ ، فَصَحَّ أَنْ يَنْفَرِدَ أَحَدُهُمَا بِهِ ، كَالْإِبْرَاءِ .\r( 3638 ) فَصْلٌ : وَهَلْ لِأَحَدِهِمَا أَنْ يَبِيعَ نَسَاءً ؟ يُخَرَّجُ عَلَى رِوَايَتَيْنِ ، بِنَاءً عَلَى الْوَكِيلِ وَالْمُضَارِبِ .\rوَسَنَذْكُرُ ذَلِكَ .\rوَإِنْ اشْتَرَى نَسَاءً بِنَقْدٍ عِنْدَهُ مِثْلُهُ ، أَوْ نَقْدٍ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ ، أَوْ اشْتَرَى بِشَيْءٍ مِنْ ذَوَات الْأَمْثَالِ وَعِنْدَهُ مِثْلُهُ ، جَازَ ؛ لِأَنَّهُ إذَا اشْتَرَى بِجِنْسِ مَا عِنْدَهُ ، فَهُوَ يُؤَدِّي مِمَّا فِي يَدَيْهِ ، فَلَا يُفْضِي إلَى الزِّيَادَةِ فِي الشَّرِكَةِ .\rوَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي يَدِهِ نَقْدٌ وَلَا مِثْلِيٌّ مِنْ جِنْسِ مَا اشْتَرَى بِهِ ، أَوْ كَانَ عِنْدَهُ عَرْضٌ فَاسْتَدَانَ عَرْضًا ، فَالشِّرَاءُ لَهُ خَاصَّةً ، وَرِبْحُهُ لَهُ ، وَضَمَانُهُ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ اسْتَدَانَهُ عَلَى مَالِ الشَّرِكَةِ ، وَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ ، عَلَى مَا أَسْلَفْنَاهُ .\rوَالْأَوْلَى أَنَّهُ مَتَى كَانَ عِنْدَهُ مِنْ مَالِ الشَّرِكَةِ مَا يُمَكِّنُهُ مِنْ أَدَاءِ الثَّمَنِ مِنْهُ بِبَيْعِهِ ، أَنَّهُ يَجُوزُ ؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنَهُ أَدَاءُ الثَّمَنِ مِنْ مَالِ الشَّرِكَةِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَ عِنْدَهُ نَقْدٌ ، وَلِأَنَّ هَذَا عَادَةُ التُّجَّارِ وَلَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ .\rوَهَلْ لَهُ أَنْ يُبْضِعَ أَوْ يُودِعَ ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ ؛ إحْدَاهُمَا ، لَهُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ عَادَةُ التُّجَّارِ ، وَقَدْ تَدْعُو الْحَاجَةُ إلَى الْإِيدَاعِ .\rوَالثَّانِيَةُ ، لَا يَجُوزُ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الشَّرِكَةِ ، وَفِيهِ غَرَرٌ .\rوَالصَّحِيحُ أَنَّ الْإِيدَاعَ يَجُوزُ عِنْدَ الْحَاجَةِ إلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ ضَرُورَةِ الشَّرِكَةِ ، أَشْبَهَ دَفْعَ الْمَتَاعِ إلَى الْحَمَّالِ .\rوَفِي التَّوْكِيلِ فِيمَا يَتَوَلَّى مِثْلَهُ بِنَفْسِهِ وَجْهَانِ ، بِنَاءً عَلَى الْوَكِيلِ .\rوَقِيلَ : يَجُوزُ لِلشَّرِيكِ التَّوْكِيلُ ، بِخِلَافِ الْوَكِيلِ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ جَازَ لِلْوَكِيلِ التَّوْكِيلُ ، لَاسْتَفَادَ بِحُكْمِ الْعَقْدِ مِثْلُ الْعَقْدِ ،","part":10,"page":134},{"id":4634,"text":"وَالشَّرِيكُ يَسْتَفِيدُ بِعَقْدِ الشَّرِكَةِ مَا هُوَ أَخَصُّ مِنْهُ وَدُونَهُ ؛ لِأَنَّ التَّوْكِيلَ أَخُصُّ مِنْ عَقْدِ الشَّرِكَةِ .\rفَإِنْ وَكَّلَ أَحَدُهُمَا ، مَلَكَ الْآخَرُ عَزْلَهُ ؛ لِأَنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا التَّصَرُّفَ فِي حَقِّ صَاحِبِهِ بِالتَّوْكِيلِ ، فَكَذَلِكَ بِالْعَزْلِ .\rوَهَلْ لِأَحَدِهِمَا أَنْ يَرْهَنَ بِالدَّيْنِ الَّذِي عَلَيْهِمَا ، أَوْ يَرْتَهِنَ بِالدَّيْنِ الَّذِي لَهُمَا ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ ، أَصَحِّهِمَا ، أَنَّ لَهُ ذَلِكَ عِنْدَ الْحَاجَةِ ؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ يُرَادُ لِلْإِيفَاءِ ، وَالِارْتِهَانُ يُرَادُ لِلِاسْتِيفَاءِ ، وَهُوَ يَمْلِكُ الْإِيفَاءَ وَالِاسْتِيفَاءَ ، فَمَلَكَ مَا يُرَادُ لَهُمَا .\rوَالثَّانِي ، لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ فِيهِ خَطَرًا .\rوَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ وَلِي الْعَقْدَ ، أَوْ مِنْ غَيْرِهِ ، لِكَوْنِ الْقَبْضِ مِنْ حُقُوقِ الْعَقْدِ ، وَحُقُوقُ الْعَقْدِ لَا تَخْتَصُّ الْعَاقِدَ ، فَكَذَلِكَ مَا يُرَادُ لَهُ .\rوَهَلْ لَهُ السَّفَرُ بِالْمَالِ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ ، نَذْكُرُهُمَا فِي الْمُضَارَبَةِ .\rفَأَمَّا الْإِقَالَةُ ، فَالْأَوْلَى أَنَّهُ يَمْلِكُهَا ؛ لِأَنَّهَا إنْ كَانَتْ بَيْعًا فَهُوَ يَمْلِكُ الْبَيْعَ ، وَإِنْ كَانَتْ فَسْخًا فَهُوَ يَمْلِكُ الْفَسْخَ بِالرَّدِّ بِالْعَيْبِ ، إذَا رَأَى الْمَصْلَحَةَ فِيهِ ، فَكَذَلِكَ يَمْلِكُ الْفَسْخَ بِالْإِقَالَةِ إذَا كَانَ الْحَظُّ فِيهِ ، فَإِنَّهُ قَدْ يَشْتَرِي مَا يَرَى أَنَّهُ قَدْ غَبَنَ فِيهِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَمْلِكَهَا إذَا قُلْنَا : هِيَ فَسْخٌ ، لِأَنَّ الْفَسْخَ لَيْسَ مِنْ التِّجَارَةِ .\rوَإِنْ قَالَ لَهُ : اعْمَلْ بِرَأْيِك .\rجَازَ لَهُ أَنْ يَعْمَلَ كُلَّ مَا يَقَعُ فِي التِّجَارَةِ ، مِنْ الْإِبْضَاعِ ، وَالْمُضَارَبَةِ بِالْمَالِ ، وَالْمُشَارَكَةِ بِهِ ، وَخَلْطِهِ بِمَالِهِ ، وَالسَّفَرِ بِهِ ، وَالْإِيدَاعِ ، وَالْبَيْعِ نَسَاءً ، وَالرَّهْنِ ، وَالِارْتِهَانِ ، وَالْإِقَالَةِ ، وَنَحْوِ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ فَوَّضَ إلَيْهِ الرَّأْيَ فِي التَّصَرُّفِ الَّذِي تَقْتَضِيه الشَّرِكَةُ ، فَجَازَ لَهُ كُلُّ مَا هُوَ مِنْ التِّجَارَةِ .\rفَأَمَّا مَا كَانَ تَمَسُّكًا بِغَيْرِ عِوَضٍ ، كَالْهِبَةِ ،","part":10,"page":135},{"id":4635,"text":"وَالْحَطِيطَةِ لِغَيْرِ فَائِدَةٍ ، وَالْقَرْضِ ، وَالْعِتْقِ ، وَمُكَاتَبَةِ الرَّقِيقِ ، وَتَزْوِيجِهِمْ ، وَنَحْوِهِ ، فَلَيْسَ لَهُ فِعْلُهُ ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا فَوَّضَ إلَيْهِ الْعَمَلَ بِرَأْيِهِ فِي التِّجَارَةِ ، وَلَيْسَ هَذَا مِنْهَا .","part":10,"page":136},{"id":4636,"text":"( 3639 ) فَصْلٌ : وَإِنْ أَخَذَ أَحَدُهُمَا مَالًا مُضَارَبَةً ، فَرِبْحُهُ لَهُ ، وَوَضِيعَتُهُ عَلَيْهِ ، دُونَ صَاحِبِهِ ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ فِي مُقَابَلَةِ عَمَلِهِ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ الْمَالِ الَّذِي اشْتَرَكَا فِيهِ .\rوَقَدْ قَالَ أَصْحَابُنَا فِي الْمُضَارَبَةِ : إذَا ضَارَبَ لِرَجُلٍ آخَرَ ، رَدَّ مَا حَصَلَ مِنْ الرِّبْحِ فِي شَرِكَةِ الْأَوَّلِ ، إذَا كَانَ فِيهِ ضَرَرٌ عَلَى الْأَوَّلِ .\rفَيَجِيءُ هَاهُنَا مِثْلُهُ .","part":10,"page":137},{"id":4637,"text":"( 3640 ) فَصْلٌ : وَالشَّرِكَةُ مِنْ الْعُقُودِ الْجَائِزَةِ ، تَبْطُلُ بِمَوْتِ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ ، وَجُنُونِهِ ، وَالْحَجْرِ عَلَيْهِ لِلسَّفَهِ ، وَبِالْفَسْخِ مِنْ أَحَدِهِمَا ؛ لِأَنَّهَا عَقْدٌ جَائِزٌ ، فَبَطَلَتْ بِذَلِكَ ، كَالْوَكَالَةِ ، وَإِنْ عَزَلَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ ، انْعَزَلَ الْمَعْزُولُ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَتَصَرَّفَ إلَّا فِي قَدْرِ نَصِيبِهِ ، وَلِلْعَازِلِ التَّصَرُّفُ فِي الْجَمِيعِ ؛ لِأَنَّ الْمَعْزُولَ لَمْ يَرْجِعْ عَنْ إذْنِهِ .\rهَذَا إذَا كَانَ الْمَالُ نَاضًّا ، وَإِنْ كَانَ عَرْضًا ، فَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّ ظَاهِرَ كَلَامِ أَحْمَدَ ، أَنَّهُ لَا يَنْعَزِلُ بِالْعَزْلِ ، وَلَهُ التَّصَرُّفُ حَتَّى يَنِضَّ الْمَالُ ، كَالْمُضَارِبِ إذَا عَزَلَهُ رَبُّ الْمَالِ ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ لَهُ التَّصَرُّفُ بِالْبَيْعِ دُونَ الْمُعَاوَضَةِ بِسِلْعَةِ أُخْرَى ، أَوْ التَّصَرُّفِ بِغَيْرِ مَا يَنِضُّ بِهِ الْمَالُ .\rوَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ أَنَّهُ يَنْعَزِلُ مُطْلَقًا .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ جَائِزٌ ، فَأَشْبَهَ الْوَكَالَةَ .\rفَعَلَى هَذَا إنْ اتَّفَقَا عَلَى الْبَيْعِ أَوْ الْقِسْمَةِ ، فَعَلَا .\rوَإِنْ طَلَبَ أَحَدُهُمَا الْقِسْمَةَ وَالْآخَرُ الْبَيْعَ .\rأُجِيبَ طَالِبُ الْقِسْمَةِ دُونَ طَالِبِ الْبَيْعِ .\rفَإِنْ قِيلَ : أَلَيْسَ إذَا فَسَخَ رَبُّ الْمَالِ الْمُضَارَبَةَ ، فَطَلَبَ الْعَامِلُ الْبَيْعَ ، أُجِيبَ إلَيْهِ ؟ فَالْجَوَابُ : أَنَّ حَقَّ الْعَامِلِ فِي الرِّبْحِ ، وَلَا يَظْهَرُ الرِّبْحُ إلَّا بِالْبَيْعِ ، فَاسْتَحَقَّهُ الْعَامِلُ لِوُقُوفِ حُصُولِ حَقّه عَلَيْهِ ، وَفِي مَسْأَلَتِنَا ، مَا يَحْصُلُ مِنْ الرِّبْحِ يَسْتَدْرِكُهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي نَصِيبِهِ مِنْ الْمَتَاعِ ، فَلَمْ يُجْبَرْ عَلَى الْبَيْعِ .","part":10,"page":138},{"id":4638,"text":"( 3641 ) فَصْلٌ : فَإِنْ مَاتَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ ، وَلَهُ وَارِثٌ رَشِيدٌ ، فَلَهُ أَنْ يُقِيمَ عَلَى الشَّرِكَةِ ، وَيَأْذَنَ لَهُ الشَّرِيكُ فِي التَّصَرُّفِ .\rوَلَهُ الْمُطَالَبَةُ بِالْقِسْمَةِ ، فَإِنْ كَانَ مُوَلِّيًا عَلَيْهِ قَامَ وَلِيُّهُ مَقَامَهُ فِي ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَفْعَلُ إلَّا مَا فِيهِ الْمَصْلَحَةُ لِلْمُولَى عَلَيْهِ .\rفَإِنْ كَانَ الْمَيِّتُ قَدْ وَصَّى بِمَالِ الشَّرِكَةِ ، أَوْ بِبَعْضِهِ ، لِمُعَيَّنٍ ، فَالْمُوصَى لَهُ كَالْوَارِثِ فِيمَا ذَكَرْنَا .\rوَإِنْ وَصَّى بِهِ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ ، كَالْفُقَرَاءِ ، لَمْ يَجُزْ لِلْوَصِيِّ الْإِذْنُ فِي التَّصَرُّفِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ وَجَبَ دَفْعُهُ إلَيْهِمْ ، فَيَعْزِلُ نَصِيبَهُمْ ، وَيُفَرِّقُهُ بَيْنَهُمْ .\rوَإِنْ كَانَ عَلَى الْمَيِّتِ دَيْنٌ تَعَلَّقَ بِتَرِكَتِهِ ، فَلَيْسَ لِلْوَارِثِ إمْضَاءُ الشَّرِكَةِ حَتَّى يَقْضِيَ دَيْنَهُ ، فَإِنْ قَضَاهُ مِنْ غَيْرِ مَالِ الشَّرِكَةِ ، فَلَهُ الْإِتْمَامُ ، وَإِنْ قَضَاهُ مِنْهُ ، بَطَلَتْ الشَّرِكَةُ فِي قَدْرِ مَا قَضَى .","part":10,"page":139},{"id":4639,"text":"( 3642 ) فَصْلٌ : الْقِسْمُ الثَّالِثُ ، أَنْ يَشْتَرِك بَدَنٌ وَمَالٌ .\rوَهَذِهِ الْمُضَارَبَةُ ، وَتُسَمَّى قِرَاضًا أَيْضًا ، وَمَعْنَاهَا أَنْ يَدْفَعَ رَجُلٌ مَالَهُ إلَى آخَرَ يَتَّجِرُ لَهُ فِيهِ ، عَلَى أَنَّ مَا حَصَلَ مِنْ الرِّبْحِ بَيْنَهُمَا حَسَبِ مَا يَشْتَرِطَانِهِ ، فَأَهْلُ الْعِرَاقِ يُسَمُّونَهُ مُضَارَبَةً ، مَأْخُوذٌ مِنْ الضَّرْبِ فِي الْأَرْضِ ، وَهُوَ السَّفَرُ فِيهَا لِلتِّجَارَةِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى { وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ } .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ ضَرْبِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي الرِّبْحِ بِسَهْمٍ .\rوَيُسَمِّيه أَهْلُ الْحِجَازِ الْقِرَاضَ .\rفَقِيلَ : هُوَ مُشْتَقٌّ مِنْ الْقَطْعِ .\rيُقَالُ : قَرَضَ الْفَأْرُ الثَّوْبَ .\rإذَا قَطَعَهُ .\rفَكَأَنَّ صَاحِبَ الْمَالِ اقْتَطَعَ مِنْ مَالِهِ قِطْعَةً وَسَلَّمَهَا إلَى الْعَامِلِ ، وَاقْتَطَعَ لَهُ قِطْعَةً مِنْ الرِّبْحِ .\rوَقِيلَ : اشْتِقَاقُهُ مِنْ الْمُسَاوَاةِ وَالْمُوَازَنَةِ .\rيُقَالُ : تَقَارَضَ الشَّاعِرَانِ .\rإذَا وَازَنَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْآخَرَ بِشِعْرِهِ .\rوَهَاهُنَا مِنْ الْعَامِلِ الْعَمَلُ ، وَمِنْ الْآخَرِ الْمَالُ ، فَتَوَازَنَا .\rوَأَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى جَوَازِ الْمُضَارَبَةِ فِي الْجُمْلَةِ .\rذَكَرَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَرُوِيَ عَنْ حُمَيْدٍ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَعْطَاهُ مَالَ يَتِيمٍ مُضَارَبَةً يَعْمَلُ بِهِ فِي الْعِرَاقِ ، .\rوَرَوَى مَالِكٌ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ أَبِيهِ : أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ وَعُبَيْدَ اللَّهِ ابْنَيْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، خَرَجَا فِي جَيْشٍ إلَى الْعِرَاقِ ، فَتَسَلَّفَا مِنْ أَبِي مُوسَى مَالًا ، وَابْتَاعَا بِهِ مَتَاعًا .\rوَقَدِمَا بِهِ إلَى الْمَدِينَةِ ، فَبَاعَاهُ ، وَرَبِحَا فِيهِ ، فَأَرَادَ عُمَرُ أَخْذَ رَأْسِ الْمَالِ وَالرِّبْحِ كُلِّهِ .\rفَقَالَا : لَوْ تَلِفَ كَانَ ضَمَانُهُ عَلَيْنَا ، فَلِمَ لَا يَكُونُ رِبْحُهُ لَنَا ؟ فَقَالَ رَجُلٌ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، لَوْ جَعَلْته قِرَاضًا ؟ قَالَ : قَدْ جَعَلْته .\rوَأَخَذَ مِنْهُمَا نِصْفَ الرِّبْحِ .","part":10,"page":140},{"id":4640,"text":"وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ الْقِرَاضِ .\rوَعَنْ مَالِكٍ ، عَنْ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، أَنَّ عُثْمَانَ قَارَضَهُ .\rوَعَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ الْحَسَنِ ، أَنَّ عَلِيًّا قَالَ : إذَا خَالَفَ الْمُضَارِبُ فَلَا ضَمَانَ ، هُمَا عَلَى مَا شَرَطَا .\rوَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَحَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ ، أَنَّهُمَا قَارِضًا .\rوَلَا مُخَالِفَ لَهُمْ فِي الصَّحَابَةِ فَحَصَلَ إجْمَاعًا .\rوَلِأَنَّ بِالنَّاسِ حَاجَةً إلَى الْمُضَارَبَةِ ، فَإِنَّ الدَّرَاهِمَ وَالدَّنَانِيرَ لَا تُنَمَّى إلَّا بِالتَّقَلُّبِ وَالتِّجَارَةِ ، وَلَيْسَ كُلُّ مَنْ يَمْلِكُهَا يُحْسِنُ التِّجَارَةَ ، وَلَا كُلُّ مَنْ يُحْسِنُ التِّجَارَةَ لَهُ رَأْسُ مَالٍ ، فَاحْتِيجَ إلَيْهَا مِنْ الْجَانِبَيْنِ ، فَشَرَعَهَا اللَّهُ تَعَالَى لِدَفْعِ الْحَاجَتَيْنِ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّهَا تَنْعَقِدُ بِلَفْظِ الْمُضَارَبَةِ وَالْقِرَاضِ ؛ لِأَنَّهُمَا لَفْظَانِ مَوْضُوعَانِ لَهَا أَوْ بِمَا يُؤَدِّي مَعْنَاهَا ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ الْمَعْنَى ، فَجَازَ بِمَا دَلَّ عَلَيْهِ ، كَلَفْظِ التَّمْلِيكِ فِي الْبَيْعِ .","part":10,"page":141},{"id":4641,"text":"( 3643 ) فَصْلٌ : وَحُكْمُهَا حُكْمُ شَرِكَةِ الْعِنَانِ ، فِي أَنَّ كُلَّ مَا جَازَ لِلشَّرِيكِ عَمَلُهُ جَازَ لِلْمُضَارِبِ عَمَلُهُ ، وَمَا مُنِعَ مِنْهُ الشَّرِيكُ مُنِعَ مِنْهُ الْمُضَارِبُ ، وَمَا اُخْتُلِفَ فِيهِ ثَمَّ ، فَهَاهُنَا مِثْلُهُ ، وَمَا جَازَ أَنْ يَكُونُ رَأْسَ مَالِ الشَّرِكَةِ ، جَازَ أَنْ يَكُونَ رَأْسَ مَالِ الْمُضَارَبَةِ .\rوَمَا لَا يَجُوزُ ثَمَّ لَا يَجُوزُ هَاهُنَا ، عَلَى مَا فَصَّلْنَاهُ .","part":10,"page":142},{"id":4642,"text":"( 3644 ) فَصْلٌ : الْقِسْمُ الرَّابِعُ ، أَنْ يَشْتَرِكَ مَالَانِ وَبَدَنُ صَاحِبِ أَحَدِهِمَا .\rفَهَذَا يَجْمَعُ شَرِكَةً وَمُضَارَبَةً ، وَهُوَ صَحِيحٌ .\rفَلَوْ كَانَ بَيْنَ رَجُلَيْنِ ثَلَاثَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ ، لِأَحَدِهِمَا أَلْفٌ ، وَلِلْآخَرِ أَلْفَانِ ، فَأَذِنَ صَاحِبُ الْأَلْفَيْنِ لِصَاحِبِ الْأَلْفِ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِيهَا عَلَى أَنْ يَكُونَ الرِّبْحُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ ، صَحَّ ، وَيَكُونُ لِصَاحِبِ الْأَلْفِ ثُلُثُ الرِّبْحِ بِحَقِّ مَالِهِ ، وَالْبَاقِي وَهُوَ ثُلُثَا الرِّبْحِ بَيْنَهُمَا ، لِصَاحِبِ الْأَلْفَيْنِ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهِ ، وَلِلْعَامِلِ رُبْعُهُ ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ جَعَلَ لَهُ نِصْفَ الرِّبْحِ ، فَجَعَلْنَاهُ سِتَّةَ أَسْهُمٍ ، مِنْهَا ثَلَاثَةٌ لِلْعَامِلِ ، حِصَّةُ مَالِهِ سَهْمَانِ ، وَسَهْمٌ يَسْتَحِقُّهُ بِعَمَلِهِ فِي مَالِ شَرِيكِهِ ، وَحِصَّةُ مَالِ شَرِيكِهِ أَرْبَعَةُ أَسْهُمٍ ، لِلْعَامِلِ سَهْمٌ وَهُوَ الرُّبْعُ .\rفَإِنْ قِيلَ : فَكَيْفَ تَجُوزُ الْمُضَارَبَةُ وَرَأْسُ الْمَالِ مُشَاعٌ ؟ قُلْنَا : إنَّمَا تَمْنَعُ الْإِشَاعَةُ الْجَوَازَ إذَا كَانَتْ مَعَ غَيْرِ الْعَامِلِ ؛ لِأَنَّهَا تَمْنَعُهُ مِنْ التَّصَرُّفِ ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَتْ مَعَ الْعَامِلِ ، فَإِنَّهَا لَا تَمْنَعُهُ مِنْ التَّصَرُّفِ ، فَلَا تَمْنَعُ مِنْ صِحَّةِ الْمُضَارَبَةِ .\rفَإِنْ شَرَطَ لِلْعَامِلِ ثُلُثَ الرِّبْحِ فَقَطْ ، فَمَالُ صَاحِبِهِ بِضَاعَةٌ فِي يَدِهِ ، وَلَيْسَتْ بِمُضَارَبَةٍ ؛ لِأَنَّ الْمُضَارَبَةَ إنَّمَا تَحْصُلُ إذَا كَانَ الرِّبْحُ بَيْنَهُمَا .\rفَأَمَّا إذَا قَالَ : رِبْحُ مَالِكَ لَك ، وَرِبْحُ مَالِي لِي .\rفَقَبِلَ الْآخَرُ ، كَانَ إبْضَاعًا لَا غَيْرُ .\rوَبِهَذَا كُلِّهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ مَالِكٌ : لَا يَجُوزُ أَنْ يَضُمَّ إلَى الْقِرَاضِ شَرِكَةً ، كَمَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَضُمَّ إلَيْهِ عَقْدَ إجَارَةٍ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُمَا لَمْ يَجْعَلَا أَحَدَ الْعَقْدَيْنِ شَرْطًا لِلْآخَرِ ، فَلَمْ نَمْنَعْ مِنْ جَمْعِهِمَا ، كَمَا لَوْ كَانَ الْمَالُ مُتَمَيِّزًا .","part":10,"page":143},{"id":4643,"text":"( 3645 ) فَصْلٌ : إذَا دَفَعَ إلَيْهِ أَلْفًا مُضَارَبَةً ، وَقَالَ : أَضِفْ إلَيْهِ أَلْفًا مِنْ عِنْدِك ، وَاتَّجَرَ بِهِمَا ، وَالرِّبْحُ بَيْنَنَا ، لَك ثُلُثَاهُ ، وَلِي ثُلُثُهُ .\rجَازَ ؛ وَكَانَ شَرِكَةً وَقِرَاضًا .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ : لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ الشَّرِكَةَ إذَا وَقَعَتْ عَلَى الْمَالِ كَانَ الرِّبْحُ تَابِعًا لَهُ ، دُونَ الْعَمَلِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُمَا تَسَاوَيَا فِي الْمَالِ ، وَانْفَرَدَ أَحَدُهُمَا بِالْعَمَلِ ، فَجَازَ أَنْ يَنْفَرِدَ بِزِيَادَةِ الرِّبْحِ ، كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ .\rوَقَوْلُهُمْ : إنَّ الرِّبْحَ تَابِعٌ لِلْمَالِ وَحْدَهُ .\rمَمْنُوعٌ ، بَلْ هُوَ تَابِعٌ لَهُمَا ، كَمَا أَنَّهُ حَاصِلٌ بِهِمَا .\rفَإِنْ شَرَطَ غَيْرُ الْعَامِلِ لِنَفْسِهِ ثُلُثَيْ الرِّبْحِ ، لَمْ يَجُزْ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : يَجُوزُ ، بِنَاءً عَلَى جَوَازِ تَفَاضُلِهِمَا فِي شَرِكَةِ الْعِنَانِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ اشْتَرَطَ لِنَفْسِهِ جُزْءًا مِنْ الرِّبْحِ لَا مُقَابِلَ لَهُ ، فَلَمْ يَصِحَّ ، كَمَا لَوْ شَرَطَ رِبْحَ مَالِ الْعَامِلِ الْمُنْفَرِدِ ، وَفَارَقَ شَرِكَةَ الْعِنَانِ ؛ لِأَنَّ فِيهَا عَمَلًا مِنْهُمَا ، فَجَازَ أَنْ يَتَفَاضَلَا فِي الرِّبْحِ لِتَفَاضُلِهِمَا فِي الْعَمَلِ ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا .\rوَإِنْ جَعَلَا الرِّبْحَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ ، وَلَمْ يَقُولَا مُضَارَبَةً ، جَازَ ، وَكَانَ إبْضَاعًا كَمَا تَقَدَّمَ .\rوَإِنْ قَالَا : مُضَارَبَةً .\rفَسَدَ الْعَقْدُ ؛ لِمَا سَنَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .","part":10,"page":144},{"id":4644,"text":"( 3646 ) فَصْلٌ : الْقِسْمُ الْخَامِسُ ، أَنْ يَشْتَرِكَ بَدَنَانِ بِمَالِ أَحَدِهِمَا .\rوَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْمَالُ مِنْ أَحَدِهِمَا وَالْعَمَلُ مِنْهُمَا ، مِثْلُ أَنْ يُخْرِجَ أَحَدُهُمَا أَلْفًا ، وَيَعْمَلَانِ فِيهِ مَعًا ، وَالرِّبْحُ بَيْنَهُمَا .\rفَهَذَا جَائِزٌ .\rوَنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، فِي رِوَايَةِ أَبِي الْحَارِثِ .\rوَتَكُونُ مُضَارَبَةً ؛ لِأَنَّ غَيْرَ صَاحِبِ الْمَالِ يَسْتَحِقُّ الْمَشْرُوطَ لَهُ مِنْ الرِّبْحِ بِعَمَلِهِ فِي مَالِ غَيْره ، وَهَذَا هُوَ حَقِيقَةُ الْمُضَارَبَةِ .\rوَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَامِدٍ ، وَالْقَاضِي ، وَأَبُو الْخَطَّابِ : إذَا شَرَطَ أَنْ يَعْمَلَ مَعَهُ رَبُّ الْمَالِ ، لَمْ يَصِحَّ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ .\rقَالَ : وَلَا تَصِحُّ الْمُضَارَبَةُ حَتَّى يُسَلِّمَ الْمَالَ إلَى الْعَامِلِ ، وَيُخَلِّيَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ ؛ لِأَنَّ الْمُضَارَبَةَ تَقْتَضِي تَسْلِيمَ الْمَالِ إلَى الْمُضَارِبِ ، فَإِذَا شَرَطَ عَلَيْهِ الْعَمَلَ فَلَمْ يُسَلِّمْهُ لِأَنَّ يَدَهُ عَلَيْهِ ، فَيُخَالِفُ مَوْضُوعَهَا .\rوَتَأَوَّلَ الْقَاضِي كَلَامَ أَحْمَدَ وَالْخِرَقِيِّ ، عَلَى أَنَّ رَبَّ الْمَالِ عَمِلَ مِنْ غَيْرِ اشْتِرَاطٍ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الْعَمَلَ أَحَدُ رُكْنَيْ الْمُضَارَبَةِ ، فَجَازَ أَنْ يَنْفَرِدَ بِهِ أَحَدُهُمَا مَعَ وُجُودِ الْأَمْرَيْنِ مِنْ الْآخَرِ ، كَالْمَالِ .\rوَقَوْلُهُمْ : إنَّ الْمُضَارَبَةَ تَقْتَضِي تَسْلِيمَ الْمَالِ إلَى الْعَامِلِ .\rمَمْنُوعٌ ، إنَّمَا تَقْتَضِي إطْلَاقَ التَّصَرُّفِ فِي مَالِ غَيْرِهِ بِجُزْءٍ مُشَاعٍ مِنْ رِبْحِهِ ، وَهَذَا حَاصِلٌ مَعَ اشْتِرَاكِهِمَا فِي الْعَمَلِ ، وَلِهَذَا لَوْ دَفَعَ مَالَهُ إلَى اثْنَيْنِ مُضَارَبَةً صَحَّ ، وَلَمْ يَحْصُلْ تَسْلِيمُ الْمَالِ إلَى أَحَدِهِمَا .\r( 3647 ) فَصْلٌ : وَإِنْ شَرَطَ أَنْ يَعْمَلَ مَعَهُ غُلَامُ رَبِّ الْمَالِ ، صَحَّ .\rوَهَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ ، وَقَوْلُ أَكْثَرِ أَصْحَابِهِ .\rوَمَنَعَهُ بَعْضُهُمْ .\rوَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي ؛ لِأَنَّ يَدَ الْغُلَامِ كَيَدِ سَيِّدِهِ .\rوَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : فِيهِ وَجْهَانِ ؛","part":10,"page":145},{"id":4645,"text":"أَحَدُهُمَا ، الْجَوَازُ ؛ لِأَنَّ عَمَلَ الْغُلَامِ مَالٌ لِسَيِّدِهِ ، فَصَحَّ ضَمُّهُ إلَيْهِ ، كَمَا يَصِحُّ أَنْ يَضُمَّ إلَيْهِ بَهِيمَةً يَحْمِلُ عَلَيْهَا .","part":10,"page":146},{"id":4646,"text":"( 3648 ) فَصْلٌ : وَأَمَّا شَرِكَةُ الْمُفَاوَضَةِ فَنَوْعَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، أَنْ يَشْتَرِكَا فِي جَمِيعِ أَنْوَاعِ الشَّرِكَةِ ، مِثْلُ أَنْ يَجْمَعَا بَيْنَ شَرِكَةِ الْعِنَانِ وَالْوُجُوهِ وَالْأَبْدَانِ ، فَيَصِحُّ ذَلِكَ ، لِأَنَّ كُلَّ نَوْعٍ مِنْهَا يَصِحُّ عَلَى انْفِرَادِهِ ، فَصَحَّ مَعَ غَيْرِهِ .\rوَالثَّانِي ، أَنْ يُدْخِلَا بَيْنَهُمَا فِي الشَّرِكَةِ الِاشْتِرَاكَ فِيمَا يَحْصُلُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ مِيرَاثٍ ، أَوْ يَجِدُهُ مِنْ رِكَازٍ أَوْ لُقَطَةٍ ، وَيَلْزَمُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا يَلْزَمُ الْآخَرَ مِنْ أَرْشِ جِنَايَةٍ ، وَضَمَانِ غَصْبٍ ، وَقِيمَةِ مُتْلَفٍ ، وَغَرَامَةِ الضَّمَانِ ، أَوْ كَفَالَةٍ ، فَهَذَا فَاسِدٌ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَجَازَهُ الثَّوْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ وَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ مَالِكٍ .\rوَشَرَطَ أَبُو حَنِيفَةَ لَهَا شُرُوطًا ، وَهِيَ أَنْ يَكُونَا حُرَّيْنِ مُسْلِمَيْنِ ، وَأَنْ يَكُونَ مَالُهُمَا فِي الشَّرِكَةِ سَوَاءً ، وَأَنْ يُخْرِجَا جَمِيعَ مَا يَمْلِكَانِهِ مِنْ جِنْسِ الشَّرِكَةِ ، وَهُوَ الدَّرَاهِمُ وَالدَّنَانِيرُ .\rوَاحْتَجُّوا بِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ { : إذَا تَفَاوَضْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْمُفَاوَضَةَ } .\rوَلِأَنَّهَا نَوْعُ شَرِكَةٍ يَخْتَصُّ بِاسْمٍ ، فَكَانَ فِيهَا صَحِيحٌ كَشَرِكَةِ الْعِنَانِ .\rوَلَنَا : أَنَّهُ عَقْدٌ لَا يَصِحُّ بَيْنَ الْكَافِرَيْنِ ، وَلَا بَيْنَ كَافِرٍ وَمُسْلِمٍ ، فَلَمْ يَصِحَّ بَيْنَ الْمُسْلِمَيْنِ ، كَسَائِرِ الْعُقُودِ الْفَاسِدَةِ ، وَلِأَنَّهُ عَقْدٌ لَمْ يَرِدْ الشَّرْعُ بِمِثْلِهِ ، فَلَمْ يَصِحَّ ، كَمَا ذَكَرْنَا ، وَلِأَنَّ فِيهِ غَرَّرَا ، فَلَمْ يَصِحَّ ، كَبَيْعِ الْغَرَرِ ، وَبَيَانُ غَرَّرَهُ أَنَّهُ يَلْزَمُ كُلَّ وَاحِدٍ مَا لَزِمَ الْآخَرَ ، وَقَدْ يَلْزَمُهُ شَيْءٌ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْقِيَامِ بِهِ ، وَقَدْ أَدْخَلَا فِيهِ الْأَكْسَابَ النَّادِرَةَ ، وَالْخَبَرُ لَا نَعْرِفُهُ ، وَلَا رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ ، ثُمَّ لَيْسَ فِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ هَذَا الْعَقْدَ ، فَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ الْمُفَاوَضَةَ فِي الْحَدِيثِ وَلِهَذَا","part":10,"page":147},{"id":4647,"text":"رُوِيَ فِيهِ { : وَلَا تَجَادَلُوا ، فَإِنَّ الْمُجَادَلَةَ مِنْ الشَّيْطَانِ } .\rوَأَمَّا الْقِيَاسُ : فَلَا يَصِحُّ .\rفَإِنْ اخْتِصَاصَهَا بِاسْمِ لَا يَقْتَضِي الصِّحَّةَ ، كَبَيْعِ الْمُنَابَذَةِ وَالْمُلَامَسَةِ وَسَائِرِ الْبُيُوعِ الْفَاسِدَةِ ، وَشَرِكَةُ الْعِنَانِ تَصِحُّ مِنْ الْكَافِرَيْنِ وَالْكَافِرِ وَالْمُسْلِمِ ، بِخِلَافِ هَذَا .","part":10,"page":148},{"id":4648,"text":"( 3649 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَالرِّبْحُ عَلَى مَا اصْطَلَحَا عَلَيْهِ ) يَعْنِي فِي جَمِيعِ أَقْسَامِ الشَّرِكَةِ .\rوَلَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ فِي الْمُضَارَبَةِ الْمَحْضَةِ .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ لِلْعَامِلِ أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَى رَبِّ الْمَالِ ثُلُثَ الرِّبْحِ ، أَوْ نِصْفَهُ ، أَوْ مَا يُجْمِعَانِ عَلَيْهِ ، بَعْدَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَعْلُومًا جُزْءًا مِنْ أَجْزَاءِ .\rوَلِأَنَّ اسْتِحْقَاقَ الْمُضَارِبِ الرِّبْحَ بِعَمَلِهِ ، فَجَازَ مَا يَتَّفِقَانِ عَلَيْهِ مِنْ قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ ، كَالْأُجْرَةِ فِي الْإِجَارَةِ ، وَكَالْجُزْءِ مِنْ الثَّمَرَةِ فِي الْمُسَاقَاةِ وَالْمُزَارَعَةِ .\rوَأَمَّا شَرِكَةُ الْعِنَانِ ، وَهُوَ أَنْ يَشْتَرِك بَدَنَانِ بِمَالَيْهِمَا ، فَيَجُوزُ أَنْ يَجْعَلَا الرِّبْحَ عَلَى قَدْرِ الْمَالَيْنِ ، وَيَجُوزُ أَنْ يَتَسَاوَيَا مَعَ تَفَاضُلِهِمَا فِي الْمَالِ ، وَأَنْ يَتَفَاضَلَا فِيهِ مَعَ تَسَاوِيهِمَا فِي الْمَالِ .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ .\rوَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ : مِنْ شَرْطِ صِحَّتِهَا كَوْنُ الرِّبْحِ وَالْخُسْرَانِ عَلَى قَدْرِ الْمَالَيْنِ ؛ لِأَنَّ الرِّبْحَ فِي هَذِهِ الشَّرِكَةِ تَبَعٌ لِلْمَالِ ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَصِحُّ عَقْدُ الشَّرِكَةِ ، وَإِطْلَاقُ الرِّبْحِ ، فَلَا يَجُوزُ تَغْيِيرُهُ بِالشَّرْطِ ، كَالْوَضِيعَةِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الْعَمَلَ مِمَّا يُسْتَحَقُّ بِهِ الرِّبْحُ ، فَجَازَ أَنْ يَتَفَاضَلَا فِي الرِّبْحِ مَعَ وُجُودِ الْعَمَلِ مِنْهُمَا ، كَالْمُضَارِبَيْنِ لَرَجُلٍ وَاحِدٍ ، وَذَلِكَ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا قَدْ يَكُونُ أَبْصَرَ بِالتِّجَارَةِ مِنْ الْآخَرِ ، وَأَقْوَى عَلَى الْعَمَلِ ، فَجَازَ لَهُ أَنْ يَشْتَرِطَ زِيَادَةً فِي الرِّبْحِ فِي مُقَابَلَةِ عَمَلِهِ ، كَمَا يُشْتَرَطُ الرِّبْحُ فِي مُقَابَلَةِ عَمَلِ الْمُضَارِبِ .\rيُحَقِّقُهُ أَنَّ هَذِهِ الشَّرِكَةَ مَعْقُودَةٌ عَلَى الْمَالِ وَالْعَمَلِ جَمِيعًا ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حِصَّةٌ مِنْ الرِّبْحِ إذَا كَانَ مُفْرَدًا ، فَكَذَلِكَ إذَا اجْتَمَعَا ، وَأَمَّا حَالَةُ الْإِطْلَاقِ ، فَإِنَّهُ لَمَّا لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا شَرْطٌ يُقْسَمُ الرِّبْحُ عَلَيْهِ ، وَيَتَقَدَّرُ بِهِ ،","part":10,"page":149},{"id":4649,"text":"قَدَّرْنَاهُ بِالْمَالِ ، لِعَدَمِ الشَّرْطِ ، فَإِذَا وُجِدَ الشَّرْطُ ، فَهُوَ الْأَصْلُ ، فَيَصِيرُ إلَيْهِ ، كَالْمُضَارَبَةِ يُصَارُ إلَى الشَّرْطِ ، فَإِذَا عَدَمَ ، وَقَالَا : الرِّبْحُ بَيْنَنَا .\rكَانَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ ، وَفَارَقَ الْوَضِيعَةَ ؛ فَإِنَّهَا لَا تَتَعَلَّقُ إلَّا بِالْمَالِ ، بِدَلِيلِ الْمُضَارَبَةِ .\rوَأَمَّا شَرِكَةُ الْأَبْدَانِ ، فَهِيَ مَعْقُودَةٌ عَلَى الْعَمَلِ الْمُجَرَّدِ ، وَهُمَا يَتَفَاضَلَانِ فِيهِ مَرَّةً ، وَيَتَسَاوَيَانِ أُخْرَى ، فَجَازَ مَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ مِنْ مُسَاوَاةٍ أَوْ تَفَاضُلٍ ، كَمَا ذَكَرْنَا فِي شَرِكَةِ الْعِنَانِ ، بَلْ هَذِهِ أَوْلَى ؛ لِانْعِقَادِهَا عَلَى الْعَمَلِ الْمُجَرَّدِ .\rوَأَمَّا شَرِكَةُ الْوُجُوهِ ، فَكَلَامُ الْخِرَقِيِّ بِعُمُومِهِ يَقْتَضِي جَوَازَ مَا يَتَّفِقَانِ عَلَيْهِ مِنْ مُسَاوَاةٍ أَوْ تَفَاضُلٍ .\rوَهُوَ قِيَاسُ الْمَذْهَبِ ؛ لِأَنَّ سَائِرَ الشَّرِكَاتِ الرِّبْحُ فِيهَا عَلَى مَا يَتَّفِقَانِ عَلَيْهِ ، فَكَذَلِكَ هَذِهِ ، وَلِأَنَّهَا تَنْعَقِدُ عَلَى الْعَمَلِ وَغَيْرِهِ ، فَجَازَ مَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ ، كَشَرِكَةِ الْعِنَانِ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : الرِّبْحُ بَيْنَهُمَا عَلَى قَدْرِ مِلْكَيْهِمَا فِي الْمُشْتَرَى ؛ لِأَنَّ الرِّبْحَ يُسْتَحَقُّ بِالضَّمَانِ ، إذْ الشَّرِكَةُ وَقَعَتْ عَلَيْهِ خَاصَّةً إذْ لَا مَالَ عِنْدَهُمَا ، فَيَشْتَرِكَانِ عَلَى الْعَمَلِ ، وَالضَّمَانُ لَا تَفَاضُلَ فِيهِ ، فَلَا يَجُوزُ التَّفَاضُلُ فِي الرِّبْحِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهَا شَرِكَةٌ فِيهَا عَمَلٌ ، فَجَازَ مَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ فِي الرِّبْحِ ، كَسَائِرِ الشَّرِكَاتِ .\rوَقَوْلُ الْقَاضِي : لَا مَالَ لَهُمَا يَعْمَلَانِ فِيهِ .\rقُلْنَا : إنَّمَا يَشْتَرِكَانِ لِيَعْمَلَا فِي الْمُسْتَقْبَلِ فِيمَا يَأْخُذَانِهِ بِجَاهِهِمَا ، كَمَا أَنَّ سَائِرَ الشَّرِكَاتِ إنَّمَا يَكُونُ الْعَمَلُ فِيهَا فِيمَا يَأْتِي ، فَكَذَا هَاهُنَا .\rوَأَمَّا الْمُضَارَبَةُ الَّتِي فِيهَا شَرِكَةٌ وَهِيَ أَنْ يَشْتَرِكَ مَالَانِ وَبَدَنُ صَاحِبِ أَحَدِهِمَا ، مِثْلُ أَنْ يُخْرِجَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَلْفًا ، وَيَأْذَنَ أَحَدُهُمَا لِلْآخَرِ فِي التِّجَارَةِ بِهِمَا ، فَمَهْمَا شَرَطَا لِلْعَامِلِ مِنْ","part":10,"page":150},{"id":4650,"text":"الرِّبْحِ إذَا زَادَ عَلَى النِّصْفِ ، جَازَ ؛ لِأَنَّهُ مُضَارِبٌ لِصَاحِبِهِ فِي أَلْفٍ ، وَلِعَامِلِ الْمُضَارَبَةِ مَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ بِغَيْرِ خِلَافٍ .\rوَإِنْ شَرَطَا لَهُ دُونَ نِصْفِ الرِّبْحِ ، لَمْ يَجُزْ ؛ لِأَنَّ الرِّبْحَ يُسْتَحَقُّ بِمَالٍ وَعَمَلٍ ، وَهَذَا الْجُزْءُ الزَّائِدُ عَلَى النِّصْفِ الْمَشْرُوطِ لِغَيْرِ الْعَامِلِ لَا مُقَابِلَ لَهُ ، فَبَطَلَ شَرْطُهُ .\rوَإِنْ جَعَلَا الرِّبْحَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ ، فَلَيْسَ هَذَا شَرِكَةً ، وَلَا مُضَارَبَةً ؛ لِأَنَّ شَرِكَةَ الْعِنَانِ تَقْتَضِي أَنْ يَشْتَرِكَا فِي الْمَالِ وَالْعَمَلِ ، وَالْمُضَارَبَةُ تَقْتَضِي أَنَّ لِلْعَامِلِ نَصِيبًا مِنْ الرِّبْحِ فِي مُقَابَلَةِ عَمَلِهِ ، وَلَمْ يَجْعَلَا لَهُ هَاهُنَا فِي مُقَابَلَةِ عَمَلِهِ شَيْئًا .\rوَإِنَّمَا جَعَلَا الرِّبْحَ عَلَى قَدْرِ الْمَالَيْنِ ، وَعَمَلُهُ فِي نَصِيبِ صَاحِبِهِ تَبَرُّعٌ ، فَيَكُونُ ذَلِكَ إبْضَاعًا ، وَهُوَ جَائِزٌ إنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عِوَضًا عَنْ قَرْضٍ ، فَإِنْ كَانَ الْعَامِلُ اقْتَرَضَ الْأَلْفَ أَوْ بَعْضَهَا مِنْ صَاحِبِهِ ، لَمْ يَجُزْ ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ عَمَلَهُ فِي مَالِ صَاحِبِهِ عِوَضًا عَنْ قَرْضِهِ ، وَذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ .\rوَأَمَّا إذَا اشْتَرَكَ بَدَنَانِ بِمَالِ أَحَدِهِمَا ، مِثْلُ أَنْ يُخْرِجَ أَحَدُهُمَا أَلْفًا وَيَعْمَلَانِ جَمِيعًا فِيهِ ، فَإِنَّ لِلْعَامِلِ الَّذِي لَا مَالَ لَهُ مِنْ الرِّبْحِ مَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ مُضَارِبٌ مَحْضٌ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ يَعْمَلْ مَعَهُ رَبُّ الْمَالِ ، فَحَصَلَ مِمَّا ذَكَرْنَا أَنَّ الرِّبْحَ بَيْنَهُمَا عَلَى مَا اصْطَلَحَا عَلَيْهِ فِي جَمِيعِ أَنْوَاعِ الشَّرِكَةِ ، سَوَاءٌ مَا ذَكَرْنَا فِي الْمُضَارَبَةِ الَّتِي فِيهَا شَرِكَةٌ عَلَى مَا شَرَحْنَا .","part":10,"page":151},{"id":4651,"text":"فَصْلٌ : وَمَنْ شَرْطِ صِحَّةِ الْمُضَارَبَةِ تَقْدِيرُ نَصِيبِ الْعَامِلِ ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَحِقُّهُ بِالشَّرْطِ ، فَلَمْ يُقَدَّرْ إلَّا بِهِ .\rوَلَوْ قَالَ : خُذْ هَذَا الْمَالَ مُضَارَبَةً .\rوَلَمْ يُسَمِّ لِلْعَامِلِ شَيْئًا مِنْ الرِّبْحِ ، فَالرِّبْحُ كُلُّهُ لِرَبِّ الْمَالِ ، وَالْوَضِيعَةُ عَلَيْهِ ، وَلِلْعَامِلِ أَجْرُ مِثْلِهِ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .\rوَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَإِسْحَاقَ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ .\rوَقَالَ الْحَسَنُ ، وَابْنُ سِيرِينَ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ : الرِّبْحُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ ، لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ : وَالرِّبْحُ بَيْنَنَا .\rلَكَانَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ ، فَكَذَلِكَ إذَا لَمْ يَذْكُرْ شَيْئًا .\rوَلَنَا ، أَنَّ الْمُضَارِبَ إنَّمَا يَسْتَحِقُّ بِالشَّرْطِ ، وَلَمْ يُوجَدْ .\rوَقَوْلُهُ : مُضَارَبَةً .\rاقْتَضَى أَنَّ لَهُ جُزْءًا مِنْ الرِّبْحِ مَجْهُولًا ، فَلَمْ تَصِحَّ الْمُضَارَبَةُ ، كَمَا لَوْ قَالَ : وَلَك جُزْءٌ مِنْ الرِّبْحِ .\rفَأَمَّا إذَا قَالَ : وَالرِّبْحُ بَيْنَنَا .\rفَإِنَّ الْمُضَارَبَةَ تَصِحُّ ، وَيَكُونُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ أَضَافَهُ إلَيْهِمَا إضَافَةً وَاحِدَةً ، لَمْ يَتَرَجَّحْ فِيهَا أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ ، فَاقْتَضَى التَّسْوِيَةَ ، كَمَا لَوْ قَالَ : هَذِهِ الدَّارُ بَيْنِي وَبَيْنَك .\rوَإِنْ قَدَّرَ نَصِيبَ الْعَامِلِ ، فَقَالَ : وَلَك ثُلُثُ الرِّبْحِ ، أَوْ رُبْعُهُ ، أَوْ جُزْءٌ مَعْلُومٌ ، أَيِّ جُزْءٍ كَانَ .\rفَالْبَاقِي لِرَبِّ الْمَالِ ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَحِقُّ الرِّبْحَ بِمَالِهِ ، لِكَوْنِهِ نَمَاءَهُ وَفَرْعَهُ ، وَالْعَامِلُ يَأْخُذُ بِالشَّرْطِ ، فَمَا شَرَطَ لَهُ اسْتَحَقَّهُ ، وَمَا بَقِيَ فَلِرَبِّ الْمَالِ بِحُكْمِ الْأَصْلِ .\rوَإِنْ قَدَّرَ نَصِيبَ رَبِّ الْمَالِ ، مِثْلُ أَنْ يَقُولَ : وَلِيَ ثُلُثُ الرِّبْحِ .\rوَلَمْ يَذْكُرْ نَصِيبَ الْعَامِلِ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ الْعَامِلَ إنَّمَا يَسْتَحِقُّ بِالشَّرْطِ ، وَلَمْ يُشْتَرَطْ لَهُ شَيْءٌ ، فَتَكُونُ الْمُضَارَبَةُ فَاسِدَةً .\rوَالثَّانِي ، يَصِحُّ ، وَيَكُونُ الْبَاقِي لِلْعَامِلِ .\rوَهَذَا قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ ؛","part":10,"page":152},{"id":4652,"text":"لِأَنَّ الرِّبْحَ لَهُمَا لَا يَسْتَحِقُّهُ غَيْرُهُمَا ، فَإِذَا قُدِّرَ نَصِيبُ أَحَدِهِمَا مِنْهُ فَالْبَاقِي لِلْآخَرِ مِنْ مَفْهُومِ اللَّفْظِ ، كَمَا عُلِمَ ذَلِكَ مِنْ قَوْله تَعَالَى : { فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ } .\rوَلَمْ يَذْكُرْ نَصِيبَ الْأَبِ ، فَعُلِمَ أَنَّ الْبَاقِيَ لَهُ .\rوَلِأَنَّهُ لَوْ قَالَ : أَوْصَيْت بِهَذِهِ الْمِائَةِ لِزَيْدٍ وَعَمْرٍو .\rوَنَصِيبُ زَيْدٍ مِنْهَا ثَلَاثُونَ ، كَانَ الْبَاقِي لِعَمْرٍو .\rكَذَا هَاهُنَا .\rوَإِنْ قَالَ : لِي النِّصْفُ وَلَك الثُّلُثُ .\rوَسَكَتَ عَنْ السُّدُسِ ، صَحَّ .\rوَكَانَ لِرَبِّ الْمَالِ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ سَكَتَ عَنْ جَمِيعِ الْبَاقِي بَعْدَ جُزْءِ الْعَامِلِ كَانَ لِرَبِّ الْمَالِ ؛ فَكَذَلِكَ إذَا ذَكَرَ بَعْضَهُ وَتَرَك بَعْضَهُ .\rوَإِنْ قَالَ : خُذْهُ مُضَارَبَةً عَلَى الثُّلُثِ أَوْ النِّصْفِ .\rأَوْ قَالَ : بِالثُّلُثِ أَوْ الرُّبْعِ .\rصَحَّ ، وَكَانَ تَقْدِيرُ النَّصِيبِ لِلْعَامِلِ ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ يُرَادُ لِأَجْلِهِ ، فَإِنَّ رَبَّ الْمَالِ يَسْتَحِقُّ بِمَالِهِ لَا بِالشَّرْطِ ، وَالْعَامِلُ يَسْتَحِقُّ بِالْعَمَلِ وَالْعَمَلُ يَكْثُرُ وَيَقِلُّ ، وَإِنَّمَا تَتَقَدَّرُ حِصَّتُهُ بِالشَّرْطِ ، فَكَانَ الشَّرْطُ لَهُ ، وَمَتَى شَرَطَا لِأَحَدِهِمَا شَيْئًا ، وَاخْتَلَفَا فِي الْجُزْءِ الْمَشْرُوطِ لِمَنْ هُوَ ؟ فَهُوَ لِلْعَامِلِ ، قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا ؛ لِذَلِكَ .\rوَإِنْ قَالَ : خُذْهُ مُضَارَبَةً ، وَلَك ثُلُثُ الرِّبْحِ ، وَثُلُثُ مَا بَقِيَ .\rصَحَّ ، وَكَانَ لَهُ خَمْسَةُ أَتْسَاعٍ ؛ لِأَنَّ هَذَا مَعْنَاهُ .\rوَإِنْ قَالَ : لَك ثُلُثُ الرِّبْحِ ، وَرُبْعُ مَا بَقِيَ .\rفَلَهُ النِّصْفُ .\rوَإِنْ قَالَ : لَك رُبْعُ الرِّبْحِ ، وَرُبْعُ مَا بَقِيَ ، فَلَهُ ثَلَاثَةُ أَثْمَانٍ وَنِصْفُ ثُمْنٍ .\rوَسَوَاءٌ عَرَفَا الْحِسَابَ أَوْ جَهِلَاهُ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ أَجْزَاءٌ مَعْلُومَةٌ مُقَدَّرَةٌ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ شَرَطَ الْخُمْسَيْنِ .\rوَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فِي هَذَا الْفَصْلِ كُلِّهِ كَمَذْهَبِنَا .","part":10,"page":153},{"id":4653,"text":"( 3651 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَالَ : خُذْهُ مُضَارَبَةً ، وَلَك جُزْءٌ مِنْ الرِّبْحِ ، أَوْ شَرِكَةٌ فِي الرِّبْحِ ، أَوْ شَيْءٌ مِنْ الرِّبْحِ ، أَوْ نَصِيبٌ أَوْ حَظٌّ .\rلَمْ يَصِحَّ ؛ لِأَنَّهُ مَجْهُولٌ ، وَلَا تَصِحُّ الْمُضَارَبَةُ إلَّا عَلَى قَدْرٍ مَعْلُومٍ .\rوَإِنْ قَالَ : خُذْهُ ، وَلَك مِثْلُ مَا شَرَطَ لِفُلَانٍ .\rوَهُمَا يَعْلَمَانِ ذَلِكَ .\rصَحَّ ؛ لِأَنَّهُمَا أَشَارَا إلَى مَعْلُومٍ عِنْدَهُمَا .\rوَإِنْ كَانَا لَا يَعْلَمَانِهِ ، أَوْ لَا يَعْلَمُهُ أَحَدُهُمَا ، فَسَدَتْ الْمُضَارَبَةُ ؛ لِأَنَّهُ مَجْهُولٌ .\r( 3652 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَالَ : خُذْ هَذَا الْمَالَ فَاتَّجَرَ بِهِ .\rوَرِبْحُهُ كُلُّهُ لَك .\rكَانَ قَرْضًا لَا قِرَاضًا ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ : خُذْهُ فَاتَّجَرَ بِهِ .\rيَصْلُحُ لَهُمَا ، وَقَدْ قَرَنَ بِهِ حُكْمَ الْقَرْضِ ، فَانْصَرَفَ إلَيْهِ .\rوَإِنْ قَالَ مَعَ ذَلِكَ : وَلَا ضَمَانَ عَلَيْك .\rفَهَذَا قَرْضٌ شَرَطَ فِيهِ نَفْيَ الضَّمَانِ ، فَلَا يَنْتَفِي بِشَرْطِهِ ، كَمَا لَوْ صَرَّحَ بِهِ ، فَقَالَ : خُذْ هَذَا قَرْضًا وَلَا ضَمَانَ عَلَيْك .\rوَإِنْ قَالَ : خُذْهُ فَاتَّجَرَ بِهِ ، وَالرِّبْحُ كُلُّهُ لِي .\rكَانَ إبْضَاعًا ؛ لِأَنَّهُ قَرَنَ بِهِ حُكْمَ الْإِبْضَاعِ فَانْصَرَفَ إلَيْهِ .\rفَإِنْ قَالَ مَعَ ذَلِكَ : وَعَلَيْك ضَمَانُهُ .\rلَمْ يَضْمَنْهُ ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ يَقْتَضِي كَوْنَهُ أَمَانَةً غَيْرَ مَضْمُونَةٍ ، فَلَا يَزُولُ ذَلِكَ بِشَرْطِهِ .\rوَإِنْ قَالَ : خُذْهُ مُضَارَبَةً ، وَالرِّبْحُ كُلُّهُ لَك ، أَوْ كُلُّهُ لِي .\rفَهُوَ عَقْدٌ فَاسِدٌ .\rوَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إذَا قَالَ : وَالرِّبْحُ كُلُّهُ لِي كَانَ إبْضَاعًا صَحِيحًا ؛ لِأَنَّهُ أَثْبَتِ لَهُ حُكْمَ الْإِبْضَاعِ فَانْصَرَفَ إلَيْهِ ، كَاَلَّتِي قَبْلَهَا .\rوَقَالَ مَالِكٌ : يَكُونُ مُضَارَبَةً صَحِيحَةً فِي الصُّورَتَيْنِ ؛ لِأَنَّهُمَا دَخَلَا فِي الْقِرَاضِ ، فَإِذَا شَرَطَ لَأَحَدِهِمَا ، فَكَأَنَّهُ وَهَبَ الْآخَرَ نَصِيبَهُ ، فَلَمْ يَمْنَعْ صِحَّةَ الْعَقْدِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الْمُضَارَبَةَ تَقْتَضِي كَوْنَ الرِّبْحِ بَيْنَهُمَا ، فَإِذَا شَرَطَ اخْتِصَاصَ أَحَدِهِمَا .\rبِالرِّبْحِ ، فَقَدْ شَرَطَ مَا يُنَافِي مُقْتَضَى الْعَقْدِ","part":10,"page":154},{"id":4654,"text":"، فَفَسَدَ ، كَمَا لَوْ شَرَطَ الرِّبْحَ كُلَّهُ فِي شَرِكَةِ الْعِنَانِ لَأَحَدِهِمَا .\rوَيُفَارِقُ مَا إذَا لَمْ يَقُلْ مُضَارَبَةً ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ يَصْلُحُ لِمَا أَثْبَتَ حُكْمَهُ مِنْ الْإِبْضَاعِ وَالْقِرَاضِ ، بِخِلَافِ مَا إذَا صَرَّحَ بِالْمُضَارَبَةِ .\rوَمَا ذَكَرَهُ مَالِكٌ لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ الْهِبَةَ لَا تَصِحُّ قَبْلَ وُجُودِ الْمَوْهُوبِ .","part":10,"page":155},{"id":4655,"text":"( 3653 ) فَصْلٌ : وَيَجُوزُ أَنْ يَدْفَعَ مَالًا إلَى اثْنَيْنِ مُضَارَبَةً فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ ، فَإِنْ شَرَطَ لَهُمَا جُزْءًا مِنْ الرِّبْحِ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ ، جَازَ .\rوَإِنْ قَالَ : لَكُمَا كَذَا وَكَذَا مِنْ الرِّبْحِ .\rوَلَمْ يُبَيِّنْ كَيْفَ هُوَ ، بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ ؛ لِأَنَّ إطْلَاقَ قَوْلِهِ بَيْنَهُمَا يَقْتَضِي التَّسْوِيَةَ ، كَمَا لَوْ قَالَ لِعَامِلِهِ : وَالرِّبْحُ بَيْنَنَا .\rوَإِنْ شَرَطَ لِأَحَدِهِمَا ثُلُثَ الرِّبْحِ ، وَلِلْآخَرِ رُبْعَهُ ، وَجَعَلَ الْبَاقِيَ لَهُ ، جَازَ .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَقَالَ مَالِكٌ : لَا يَجُوزُ ؛ لِأَنَّهُمَا شَرِيكَانِ فِي الْعَمَلِ بِأَبْدَانِهِمَا ، فَلَا يَجُوزُ تَفَاضُلُهُمَا فِي الرِّبْحِ كَشَرِيكَيْ الْأَبْدَانِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ عَقْدَ الْوَاحِدِ مَعَ الِاثْنَيْنِ عَقْدَانِ ، فَجَازَ أَنْ يَشْتَرِطَ فِي أَحَدِهِمَا أَكْثَرَ مِنْ الْآخَرِ ، كَمَا لَوْ انْفَرَدَ .\rوَلِأَنَّهُمَا يَسْتَحِقَّانِ بِالْعَمَلِ وَهُمَا يَتَفَاضَلَانِ فِيهِ ، فَجَازَ تَفَاضُلُهُمَا فِي الْعِوَضِ ، كَالْأَجِيرَيْنِ .\rوَلَا نُسَلِّمُ وُجُوبَ التَّسَاوِي فِي شَرِكَةِ الْأَبْدَانِ ، بَلْ هِيَ كَمَسْأَلَتِنَا فِي جَوَازِ تَفَاضُلِهِمَا .\rثُمَّ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ ذَلِكَ عَقْدٌ وَاحِدٌ ، وَهَذَانِ عَقْدَانِ .","part":10,"page":156},{"id":4656,"text":"( 3654 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَارِضِ اثْنَانِ وَاحِدًا بِأَلْفٍ لَهُمَا ، جَازَ .\rوَإِذَا شَرَطَا لَهُ رِبْحًا مُتَسَاوِيًا مِنْهُمَا ، جَازَ .\rوَإِنْ شَرَطَ أَحَدُهُمَا لَهُ النِّصْفَ ، وَالْآخَرُ الثُّلُثَ ، جَازَ ، وَيَكُونُ بَاقِي رِبْحِ مَالِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ .\rوَإِنْ شَرَطَا كَوْنَ الْبَاقِي مِنْ الرِّبْحِ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ ، لَمْ يَجُزْ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَكَلَامُ الْقَاضِي يَقْتَضِي جَوَازَهُ .\rوَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي ثَوْرٍ وَلَنَا ، أَنَّ أَحَدَهُمَا يَبْقَى لَهُ مِنْ رِبْحِ مَالِهِ النِّصْفُ ، وَالْآخَرَ يَبْقَى لَهُ الثُّلُثَانِ .\rفَإِذَا اشْتَرَطَا التَّسَاوِي فَقَدْ شَرَطَ أَحَدُهُمَا لِلْآخَرِ جُزْءًا مِنْ رِبْحِ مَالِهِ بِغَيْرِ عَمَلٍ ، فَلَمْ يَجُزْ .\rكَمَا لَوْ شَرَطَ رِبْحَ مَالِهِ الْمُنْفَرِدِ .","part":10,"page":157},{"id":4657,"text":"( 3655 ) فَصْلٌ : وَإِذَا شَرَطَا جُزْءًا مِنْ الرِّبْحِ لِغَيْرِ الْعَامِلِ نَظَرْت ؛ فَإِنْ شَرَطَاهُ لِعَبْدِ أَحَدِهِمَا أَوْ لِعَبْدَيْهِمَا ، صَحَّ ، وَكَانَ ذَلِكَ مَشْرُوطًا لِسَيِّدِهِ .\rفَإِذَا جَعَلَا الرِّبْحَ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ عَبْدَيْهِمَا أَثْلَاثًا ، كَانَ لِصَاحِبِ الْعَبْدِ الثُّلُثَانِ ، وَلِلْآخَرِ الثُّلُثُ .\rوَإِنْ شَرَطَاهُ لِأَجْنَبِيٍّ ، أَوْ لِوَلَدِ أَحَدِهِمَا أَوْ امْرَأَتِهِ ، أَوْ قَرِيبِهِ وَشَرَطَا عَلَيْهِ عَمَلًا مَعَ الْعَامِلِ ، صَحَّ ، وَكَانَا عَامِلَيْنِ .\rوَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطَا عَلَيْهِ عَمَلًا ، لَمْ تَصِحَّ الْمُضَارَبَةُ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَحُكِيَ عَنْ أَصْحَابِ الرَّأْيِ أَنَّهُ يَصِحُّ ، وَالْجُزْءُ الْمَشْرُوطُ لَهُ لِرَبِّ الْمَالِ ، سَوَاءٌ شَرَطَ لِقَرِيبِ الْعَامِلِ ، أَوْ لِقَرِيبِ رَبِّ الْمَالِ ، أَوْ لِأَجْنَبِيٍّ ؛ لِأَنَّ الْعَامِلَ لَا يَسْتَحِقُّ إلَّا مَا شَرَطَ لَهُ ، وَرَبُّ الْمَالِ يَسْتَحِقُّ الرِّبْحَ بِحُكْمِ الْأَصْلِ ، وَالْأَجْنَبِيُّ لَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَسْتَحِقُّ الرِّبْحَ بِمَالِ أَوْ عَمَلٍ ، وَلَيْسَ هَذَا وَاحِدًا مِنْهُمَا ، فَمَا شَرَطَ لَا يَسْتَحِقُّهُ ، فَيَرْجِعُ إلَى رَبِّ الْمَالِ ، كَمَا لَوْ تَرَكَ ذِكْرَهُ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ شَرْطٌ فَاسِدٌ يَعُودُ إلَى الرِّبْحِ ، فَفَسَدَ بِهِ الْعَقْدُ ، كَمَا لَوْ شَرَطَ دَرَاهِمَ مَعْلُومَةً .\rوَإِنْ قَالَ : لَك الثُّلُثَانِ ، عَلَى أَنْ تُعْطِيَ امْرَأَتَك نِصْفَهُ .\rفَكَذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ شَرَطَ فِي الرِّبْحِ شَرْطًا لَا يَلْزَمُ ، فَكَانَ فَاسِدًا .\rوَالْحُكْمُ فِي الشَّرِكَةِ كَالْحُكْمِ فِي الْمُضَارَبَةِ ، فِيمَا ذَكَرْنَاهُ .","part":10,"page":158},{"id":4658,"text":"( 3656 ) فَصْلٌ : وَالْحُكْمُ فِي الشَّرِكَةِ كَالْحُكْمِ فِي الْمُضَارَبَةِ ، فِي وُجُوبِ مَعْرِفَةِ قَدْرِ مَا لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ الرِّبْحِ ، إلَّا أَنَّهُمَا إذَا أَطْلَقَاهَا وَلَمْ يَذْكُرَا الرِّبْحَ ، كَانَ بَيْنَهُمَا عَلَى قَدْرِ الْمَالَيْنِ ، وَفِي شَرِكَةِ الْوُجُوهِ ، يَكُونُ عَلَى قَدْرِ مِلْكَيْهِمَا فِي الْمُشْتَرَى ؛ لِأَنَّ لَهُمَا أَصْلًا يَرْجِعَانِ إلَيْهِ ، وَيَتَقَدَّرُ الرِّبْحُ بِهِ ، بِخِلَافِ الْمُضَارَبَةِ ، فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُ تَقْدِيرُ الرِّبْحِ فِيهَا بِالْمَالِ وَالْعَمَلِ ، لِكَوْنِ أَحَدِهِمَا مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الْآخَرِ ، فَلَا يُعْلَمُ قَدْره مِنْهُ .\rوَأَمَّا شَرِكَةُ الْأَبْدَانِ ، فَلَا مَالَ فِيهَا يُقَدَّرُ الرِّبْحُ بِهِ ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَتَقَدَّرَ بِالْعَمَلِ ؛ لِأَنَّ عَمَلَ أَحَدِهِمَا مِنْ جِنْسِ عَمَلِ الْآخَرِ ، فَقَدْ تَسَاوَيَا فِي أَصْلِ الْعَمَلِ ، فَيَكُونُ ذَلِكَ أَصْلًا يُرْجَعُ إلَيْهِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَلَّا يَقْدِرَ بِهِ ؛ لِأَنَّ الْعَمَلَ يَقِلُّ وَيَكْثُرُ وَيَتَفَاضَلُ ، وَلَا يُوقَفُ عَلَى مِقْدَارِهِ ، بِخِلَافِ الْمَالِ ، فَيَعْتَبِرُ ذِكْرُ الرِّبْحِ وَالْمَعْرِفَةُ بِهِ ، كَمَا فِي الْمُضَارَبَةِ .","part":10,"page":159},{"id":4659,"text":"( 3657 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَالْوَضِيعَةُ عَلَى قَدْرِ الْمَالِ ) .\rيَعْنِي الْخُسْرَانَ فِي الشَّرِكَةِ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِقَدْرِ مَالِهِ ، فَإِنْ كَانَ مَالُهُمَا مُتَسَاوِيًا فِي الْقَدْرِ ، فَالْخُسْرَانُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ ، وَإِنْ كَانَ أَثْلَاثًا ، فَالْوَضِيعَةُ أَثْلَاثًا .\rلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rوَبِهِ يَقُولُ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُمَا .\rوَفِي شَرِكَةِ الْوُجُوهِ تَكُونُ الْوَضِيعَةُ عَلَى قَدْرِ مِلْكَيْهِمَا فِي الْمُشْتَرَى ، سَوَاءٌ كَانَ الرِّبْحُ بَيْنَهُمَا كَذَلِكَ أَوْ لَمْ يَكُنْ ، وَسَوَاءٌ كَانَتْ الْوَضِيعَةُ لِتَلَفٍ ، أَوْ نُقْصَانٍ فِي الثَّمَنِ عَمَّا اشْتَرَيَا بِهِ ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ .\rوَالْوَضِيعَةَ فِي الْمُضَارَبَةِ عَلَى الْمَالِ خَاصَّةً ، لَيْسَ عَلَى الْعَامِلِ مِنْهَا شَيْءٌ ؛ لِأَنَّ الْوَضِيعَةَ عِبَارَةٌ عَنْ نُقْصَانِ رَأْسِ الْمَالِ ، وَهُوَ مُخْتَصٌّ بِمِلْكِ رَبِّهِ ، لَا شَيْءَ لِلْعَامِلِ فِيهِ ، فَيَكُونُ نَقْصِهِ مِنْ مَالِهِ دُونَ غَيْرِهِ ؛ وَإِنَّمَا يَشْتَرِكَانِ فِيمَا يَحْصُلُ مِنْ النَّمَاءِ ، فَأَشْبَهَ الْمُسَاقَاةَ وَالْمُزَارَعَةَ ، فَإِنَّ رَبَّ الْأَرْضِ وَالشَّجَرِ يُشَارِكُ الْعَامِلَ فِيمَا يَحْدُثُ مِنْ الزَّرْعِ وَالتَّمْرِ .\rوَإِنْ تَلِفَ الشَّجَرُ ، أَوْ هَلَكَ شَيْءٌ مِنْ الْأَرْضِ بِغَرَقٍ أَوْ غَيْرِهِ ، لَمْ يَكُنْ عَلَى الْعَامِلِ شَيْءٌ .","part":10,"page":160},{"id":4660,"text":"( 3658 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَجْعَلَ لَأَحَدٍ مِنْ الشُّرَكَاءِ فَضْلَ دَرَاهِمَ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ مَتَى جَعَلَ نَصِيبَ أَحَدِ الشُّرَكَاءِ دَرَاهِمَ مَعْلُومَةً ، أَوْ جَعَلَ مَعَ نَصِيبِهِ دَرَاهِمَ ، مِثْلُ أَنْ يَشْتَرِطَ لِنَفْسِهِ جُزْءًا وَعَشْرَةَ دَرَاهِمَ ، بَطَلَتْ الشَّرِكَةُ .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ أَجْمَعَ كُلُّ مِنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى إبْطَالِ الْقِرَاضِ إذَا شَرَطَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا لِنَفْسِهِ دَرَاهِمَ مَعْلُومَةً .\rوَمِمَّنْ حَفِظْنَا ذَلِكَ عَنْهُ مَالِكٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ، وَالْجَوَابُ فِيمَا لَوْ قَالَ : لَك نِصْفُ الرِّبْحِ إلَّا عَشْرَةَ دَرَاهِمَ ، أَوْ نِصْفُ الرِّبْحِ وَعَشْرَةُ دَرَاهِمَ ، كَالْجَوَابِ فِيمَا إذَا شَرَطَ دَرَاهِمَ مُفْرَدَةً .\rوَإِنَّمَا لَمْ يَصِحّ ذَلِكَ لِمَعْنَيَيْنِ ؛ : أَحَدُهُمَا ، أَنَّهُ إذَا شَرَطَ دَرَاهِمَ مَعْلُومَةً ، احْتَمَلَ أَنْ لَا يَرْبَحَ غَيْرَهَا ، فَيَحْصُلَ عَلَى جَمِيعِ الرِّبْحِ ، وَاحْتَمَلَ أَنْ لَا يَرْبَحَهَا ، فَيَأْخُذَ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ جُزْءًا .\rوَقَدْ يَرْبَحُ كَثِيرًا ، فَيَسْتَضِرُّ مَنْ شُرِطَتْ لَهُ الدَّرَاهِمُ .\rوَالثَّانِي ، أَنَّ حِصَّةَ الْعَامِلِ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ مَعْلُومَةً بِالْأَجْزَاءِ ، لَمَّا تَعَذَّرَ كَوْنُهَا مَعْلُومَةً بِالْقَدْرِ ، فَإِذَا جُهِلَتْ الْأَجْزَاءُ ، فَسَدَتْ ، كَمَا لَوْ جُهِلَ الْقَدْرُ فِيمَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا بِهِ .\rوَلِأَنَّ الْعَامِلَ مَتَى شَرَطَ لِنَفْسِهِ دَرَاهِمَ مَعْلُومَةً ، رُبَّمَا تَوَانَى فِي طَلَبِ الرِّبْحِ ؛ لِعَدَمِ فَائِدَتِهِ فِيهِ وَحُصُولِ نَفْعِهِ لِغَيْرِهِ ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ لَهُ جُزْءٌ مِنْ الرِّبْحِ .","part":10,"page":161},{"id":4661,"text":"( 3659 ) فَصْلٌ : وَإِنْ دَفَعَ إلَيْهِ أَلْفَيْنِ مُضَارَبَةً ، عَلَى أَنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا رِبْحَ أَلْفٍ ، أَوْ عَلَى أَنَّ لَأَحَدِهِمَا رِبْحَ أَحَدِ الثَّوْبَيْنِ ، أَوْ رِبْحَ إحْدَى السَّفْرَتَيْنِ ، أَوْ رِبْحَ تِجَارَتِهِ فِي شَهْرٍ أَوْ عَامٍ بِعَيْنِهِ ، وَنَحْوَ ذَلِكَ ، فَسَدَ الشَّرْطُ وَالْمُضَارَبَةُ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَرْبَحُ فِي ذَلِكَ الْمُعَيَّنِ دُونَ غَيْرِهِ ، وَقَدْ يَرْبَحُ فِي غَيْرِهِ دُونَهُ ، فَيَخْتَصُّ أَحَدُهُمَا بِالرِّبْحِ ، وَذَلِكَ يُخَالِفُ مَوْضُوعَ الشَّرِكَةِ وَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا .\rوَإِنْ دَفَعَ إلَيْهِ أَلْفًا ، وَقَالَ لَك رِبْحُ نِصْفِهِ .\rلَمْ يَجُزْ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَبُو ثَوْرٍ : يَجُوزُ ؛ لِأَنَّ نِصْفَ رِبْحِهِ هُوَ رِبْحُ نِصْفِهِ ، فَجَازَ شَرْطُهُ ، كَمَا لَوْ عَبَّرَ عَنْهُ بِعِبَارَتِهِ الْأُخْرَى .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ شَرَطَ لِأَحَدِهِمَا رِبْحَ بَعْضِ الْمَالِ دُونَ بَعْضٍ ، وَكَذَلِكَ جَعَلَ الْآخَرَ ، فَلَمْ يَجُزْ .\rكَمَا لَوْ قَالَ : لَك رِبْحُ هَذِهِ الْخَمْسِمِائَةِ .\rوَلِأَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يُفْرِدَ نِصْفَ الْمَالِ ، فَيَرْبَحَ فِيهِ دُونَ النِّصْفِ الْآخَرِ ، بِخِلَافِ نِصْفِ الرِّبْحِ ؛ فَإِنَّهُ لَا يُؤَدِّي إلَى انْفِرَادِهِ بِرِبْحِ شَيْءٍ مِنْ الْمَالِ .","part":10,"page":162},{"id":4662,"text":"( 3660 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ ( وَالْمُضَارِبُ إذَا بَاعَ بِنَسِيئَةِ بِغَيْرِ أَمْرٍ ، ضَمِنَ ، فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ ، وَالْأُخْرَى لَا يَضْمَنُ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْمُضَارِبَ وَغَيْرَهُ مِنْ الشُّرَكَاءِ ، إذَا نَصَّ لَهُ عَلَى التَّصَرُّفِ ، فَقَالَ : نَقْدًا أَوْ نَسِيئَةً أَوْ قَالَ : بِنَقْدِ الْبَلَدِ .\rأَوْ ذَكَرَ نَقْدًا غَيْرَهُ ، جَازَ ، وَلَمْ تَجُزْ مُخَالَفَتُهُ ؛ لِأَنَّهُ مُتَصَرِّفٌ بِالْإِذْنِ ، فَلَا يَتَصَرَّفُ فِي غَيْرِ مَا أُذِنَ لَهُ فِيهِ ، كَالْوَكِيلِ ، وَلِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَمْنَعُ مَقْصُودَ الْمُضَارَبَةِ .\rوَقَدْ يَطْلُبُ بِذَلِكَ الْفَائِدَةَ فِي الْعَادَةِ .\rوَإِنْ أَطْلَقَ ، فَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِ الْبَيْعِ حَالًّا ، وَفِي الْبَيْعِ نَسِيئَةً رِوَايَتَانِ : إحْدَاهُمَا ، لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ .\rوَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَابْنِ أَبِي لَيْلَى وَالشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ نَائِبٌ فِي الْبَيْعِ ، فَلَمْ يَجُزْ لَهُ الْبَيْعُ نَسِيئَةً بِغَيْرِ إذْنٍ صَرِيحٍ فِيهِ ، كَالْوَكِيلِ ، وَذَلِكَ لِأَنَّ النَّائِبَ لَا يَجُوزُ لَهُ التَّصَرُّفُ إلَّا عَلَى وَجْهِ الْحَظِّ وَالِاحْتِيَاطِ ، وَفِي النَّسِيئَةِ تَغْرِيرٌ بِالْمَالِ ، وَقَرِينَةُ الْحَالِ تُقَيِّدُ مُطْلَقَ الْكَلَامِ ، فَيَصِيرُ كَأَنَّهُ قَالَ : بِعْهُ حَالًا .\rوَالثَّانِيَة : أَنَّهُ ، يَجُوزُ لَهُ الْبَيْعُ نَسَاءٌ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَاخْتِيَارُ ابْنِ عَقِيلٍ ؛ لِأَنَّ إذْنَهُ فِي التِّجَارَةِ وَالْمُضَارَبَةِ يَنْصَرِفُ إلَى التِّجَارَةِ الْمُعْتَادَةِ ، وَهَذَا عَادَةُ التُّجَّارِ ، وَلِأَنَّهُ يَقْصِدُ بِهِ الرِّبْحَ ، وَالرِّبْحُ فِي النَّسَاءِ أَكْثَرُ .\rوَيُفَارِقُ الْوَكَالَةَ الْمُطْلَقَةَ ؛ فَإِنَّهَا لَا تَخْتَصُّ بِقَصْدِ الرِّبْحِ ، وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ تَحْصِيلُ الثَّمَنِ فَحَسْبُ ، فَإِذَا أَمْكَنَ تَحْصِيلُهُ مِنْ غَيْرِ خَطَرٍ ، كَانَ أَوْلَى ، وَلِأَنَّ الْوَكَالَةَ الْمُطْلَقَةَ فِي الْبَيْعِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ حَاجَةَ الْمُوَكِّلِ إلَى الثَّمَنِ نَاجِزَةٌ ، فَلَمْ يَجُزْ تَأْخِيرُهُ ، بِخِلَافِ الْمُضَارَبَة .\rوَإِنْ قَالَ لَهُ اعْمَلْ بِرَأْيِك .\rفَلَهُ الْبَيْعُ نَسَاءً .\rوَكَذَلِكَ إذَا قَالَ لَهُ : تَصَرَّفْ كَيْف شِئْت ، وَقَالَ","part":10,"page":163},{"id":4663,"text":"الشَّافِعِيُّ : لَيْسَ لَهُ الْبَيْعُ نَسَاءً فِي الْمَوْضِعَيْنِ ؛ لِأَنَّ فِيهِ غَرَرًا ، فَلَمْ يَجُزْ ، كَمَا لَوْ لَمْ يَقُلْ لَهُ ذَلِكَ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ دَاخِلٌ فِي عُمُومِ لَفْظِهِ ، وَقَرِينَةُ حَالِهِ تَدُلُّ عَلَى رِضَائِهِ بِرَأْيِهِ فِي صِفَاتِ الْبَيْعِ ، وَفِي أَنْوَاعِ التِّجَارَةِ ، وَهَذَا مِنْهَا .\rفَإِذَا قُلْنَا : لَهُ الْبَيْعُ نَسَاءً .\rفَالْبَيْعُ صَحِيحٌ ، وَمَهْمَا فَاتَ مِنْ الثَّمَنِ لَا يَلْزَمُهُ ضَمَانُهُ ، إلَّا أَنْ يُفَرِّطَ بِبَيْعِ مَنْ لَا يُوثَقُ بِهِ ، أَوْ مَنْ لَا يَعْرِفُهُ ، فَيَلْزَمُهُ ضَمَانُ الثَّمَنِ الَّذِي انْكَسَرَ عَلَى الْمُشْتَرِي .\rوَإِنْ قُلْنَا : لَيْسَ لَهُ الْبَيْعُ نَسَاءً ، فَالْبَيْعُ بَاطِلٌ ؛ لِأَنَّهُ فَعَلَ مَا لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فِيهِ فَأَشْبَهَ الْبَيْعَ مِنْ الْأَجْنَبِيِّ ، إلَّا عَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي تَقُولُ : يَقِفُ بَيْعُ الْأَجْنَبِيِّ عَلَى الْإِجَازَةِ .\rفَهَاهُنَا مِثْلُهُ .\rوَيَحْتَمِلُ قَوْلُ الْخِرَقِيِّ صِحَّةَ ؛ الْبَيْعِ ؛ فَإِنَّهُ إنَّمَا ذَكَرَ الضَّمَانَ ؛ وَلَمْ يَذْكُرْ فَسَادَ الْبَيْعِ .\rوَعَلَى كُلِّ حَالٍ يَلْزَمُ الْعَامِلَ الضَّمَانُ ؛ لِأَنَّ ذَهَابَ الثَّمَنِ حَصَلَ بِتَفْرِيطِهِ .\rفَإِنْ قُلْنَا بِفَسَادِ الْبَيْعِ ، ضَمِنَ الْمَبِيعَ بِقِيمَتِهِ إذَا تَعَذَّرَ عَلَيْهِ اسْتِرْجَاعُهُ ، إمَّا لِتَلَفِ الْمَبِيعِ أَوْ امْتِنَاعِ الْمُشْتَرِي مِنْ رَدِّهِ إلَيْهِ .\rوَإِنْ قُلْنَا بِصِحَّتِهِ ، احْتَمَلَ أَنْ يَضْمَنَهُ بِقِيمَتِهِ أَيْضًا ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَفُتْ بِالْبَيْعِ أَكْثَرُ مِنْهَا ، وَلَا يُتَحَفَّظُ بِتَرْكِهِ سِوَاهَا ، وَزِيَادَةُ ، الثَّمَنِ حَصَلَتْ بِتَفْرِيطِهِ ، فَلَا يَضْمَنُهَا .\rوَاحْتَمَلَ أَنْ يَضْمَنَ الثَّمَنَ ؛ لِأَنَّهُ وَجَبَ بِالْبَيْعِ ، وَفَاتَ بِتَفْرِيطِ الْبَائِعِ .\rوَإِنْ نَقَصَ عَنْ الْقِيمَةِ ، فَقَدْ انْتَقَلَ ، الْوُجُوبُ إلَيْهِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ حَصَلَ الثَّمَنُ لَمْ يَضْمَنْ شَيْئًا .","part":10,"page":164},{"id":4664,"text":"( 3661 ) فَصْلٌ : وَلَيْسَ لَهُ السَّفَرُ بِالْمَالِ ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ فِي السَّفَرِ تَغْرِيرًا بِالْمَالِ وَخَطَرًا ، وَلِهَذَا يُرْوَى : \" إنَّ الْمُسَافِرَ وَمَالَهُ لَعَلَى خَطَرٍ \" قُلْت ، إلَّا مَا وَقَى اللَّهُ تَعَالَى : أَيْ هَلَاكٍ ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ التَّغْرِيرُ بِالْمَالِ بِغَيْرِ إذْنِ مَالِكِهِ .\rوَالْوَجْهُ الثَّانِي ، لَهُ السَّفَرُ بِهِ إذَا لَمْ يَكُنْ مَخُوفًا .\rقَالَ الْقَاضِي : قِيَاسُ الْمَذْهَبِ جَوَازُهُ ، بِنَاءً عَلَى السَّفَرِ الْوَدِيعَةِ .\rوَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ .\rوَيُحْكَى ذَلِكَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّ الْإِذْنَ الْمُطْلَقَ يَنْصَرِفُ إلَى مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ ، وَالْعَادَةُ جَارِيَةٌ بِالتِّجَارَةِ سَفَرًا وَحَضَرًا ، .\rوَلِأَنَّ الْمُضَارَبَةَ مُشْتَقَّةٌ مِنْ الضَّرْبِ فِي الْأَرْضِ ، فَمَلَكَ ذَلِكَ بِمُطْلَقِهَا ، وَهَذَانِ الْوَجْهَانِ فِي الْمُطْلَقِ .\rفَأَمَّا إنْ أُذِنَ فِي السَّفَرِ ، أَوْ نُهِيَ عَنْهُ ، أَوْ وُجِدَتْ قَرِينَةٌ دَالَّةٌ عَلَى أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ ، تَعَيَّنَ ذَلِكَ ، وَثَبَتَ مَا أُمِرَ بِهِ .\rوَحَرُمَ مَا نُهِيَ عَنْهُ .\rوَلَيْسَ لَهُ السَّفَرُ فِي مَوْضِعٍ مَخُوفٍ ، عَلَى الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا .\rوَكَذَلِكَ لَوْ أُذِنَ لَهُ فِي السَّفَرِ مُطْلَقًا ، لَمْ يَكُنْ لَهُ السَّفَرُ فِي طَرِيقٍ مَخُوفٌ ، وَلَا إلَى بَلَدٍ مَخُوفٍ ، فَإِنْ فَعَلَ ، فَهُوَ ضَامِنٌ لِمَا يَتْلَفُ ؛ لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ بِفِعْلِ مَا لَيْسَ لَهُ فِعْلُهُ .\rوَإِنْ سَافَرَ فِي طَرِيقٍ آمِنٍ جَازَ ، وَنَفَقَتُهُ فِي مَالِ نَفْسِهِ .\rوَبِهَذَا قَالَ ابْنُ سِيرِينَ ، وَحَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ .\rظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ الْحَسَنُ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ : يُنْفِقُ مِنْ الْمَالِ بِالْمَعْرُوفِ ، إذَا شَخَصَ بِهِ عَنْ الْبَلَدِ ؛ لِأَنَّ سَفَرَهُ لِأَجْلِ الْمَالِ ، فَكَانَتْ نَفَقَتُهُ مِنْهُ كَأَجْرِ الْحَمَّالِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ نَفَقَتَهُ تَخُصُّهُ ، فَكَانَتْ عَلَيْهِ ، كَنَفَقَةِ الْحَضَرِ ، وَأَجْرِ الطَّبِيبِ ، وَثَمَنِ الطِّبِّ ، وَلِأَنَّهُ دَخَلَ عَلَى أَنَّهُ","part":10,"page":165},{"id":4665,"text":"يَسْتَحِقُّ مِنْ الرِّبْحِ الْجُزْءَ الْمُسَمَّى ، فَلَا يَكُونُ لَهُ غَيْرُهُ ، وَلِأَنَّهُ لَوْ اسْتَحَقَّ النَّفَقَةَ أَفْضَى إلَى أَنْ يَخْتَصَّ بِالرِّبْحِ إذَا لَمْ يَرْبَحْ سِوَى مَا أَنْفَقَهُ .\rفَأَمَّا إنْ اشْتَرَطَ لَهُ النَّفَقَةَ ، فَلَهُ ذَلِكَ ، وَلَهُ مَا قَدَّرَ لَهُ مِنْ مَأْكُولٍ وَمَلْبُوسٍ وَمَرْكُوبٍ وَغَيْرِهِ .\rقَالَ أَحْمَدُ ، فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ : أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَشْتَرِطَ نَفَقَةً مَحْدُودَةً ، وَإِنْ أَطْلَقَ صَحَّ .\rنَصَّ عَلَيْهِ .\rوَلَهُ نَفَقَتُهُ مِنْ الْمَأْكُولِ ، وَلَا كُسْوَةَ لَهُ .\rقَالَ أَحْمَدُ : إذَا قَالَ : لَهُ نَفَقَتُهُ .\rفَإِنَّهُ يُنْفِقُ .\rقِيلَ لَهُ : فَيَكْتَسِي ؟ قَالَ : لَا ، إنَّمَا لَهُ النَّفَقَةُ .\rوَإِنْ كَانَ سَفَرُهُ طَوِيلًا ، يَحْتَاجُ إلَى تَجْدِيدِ كُسْوَةٍ ، فَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ جَوَازُهَا ؛ لِأَنَّهُ قِيلَ لَهُ : فَلَمْ يَشْتَرِطْ الْكُسْوَةَ ، إلَّا أَنَّهُ فِي بَلَدٍ بَعِيدٍ ، وَلَهُ مُقَامٌ طَوِيلٌ ، يَحْتَاجُ فِيهِ إلَى كُسْوَةٍ .\rفَقَالَ : إذَا أَذِنَ لَهُ فِي النَّفَقَةِ فَعَلَ ، مَا لَمْ يَحْمِلْ عَلَى مَالِ الرَّجُلِ ، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ قَصْدَهُ .\rهَذَا مَعْنَاهُ .\rوَقَالَ الْقَاضِي وَأَبُو الْخَطَّابِ : إذَا شَرَطَ لَهُ النَّفَقَةَ ، فَلَهُ جَمِيعُ نَفَقَتِهِ ، مِنْ مَأْكُولٍ أَوْ مَلْبُوسٍ بِالْمَعْرُوفِ وَقَالَ أَحْمَدُ : يُنْفِقُ عَلَى مَعْنَى مَا كَانَ يُنْفِقُ عَلَى نَفْسِهِ ، غَيْرَ مُتَعَدٍّ بِالنَّفَقَةِ ، وَلَا مُضِرٍّ بِالْمَالِ لَمْ يَذْهَبْ أَحْمَدُ إلَى تَقْدِيرِ النَّفَقَةِ ؛ لِأَنَّ الْأَسْعَارَ تَخْتَلِفُ ، وَقَدْ تَقِلُّ ، وَقَدْ تَكْثُرُ .\rفَإِنْ اخْتَلَفَا فِي قَدْرِ النَّفَقَةِ ، فَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : يَرْجِعُ فِي الْقُوتِ إلَى الْإِطْعَامِ فِي الْكَفَّارَةِ ، وَفِي الْكُسْوَةِ إلَى أَقَلِّ مَلْبُوسِ مِثْلِهِ .\rفَإِنْ كَانَ مَعَهُ مَالٌ لِنَفْسِهِ مَعَ مَالِ الْمُضَارَبَة ، أَوْ كَانَ مَعَهُ مُضَارَبَةٌ أُخْرَى ، أَوْ بِضَاعَةٌ لِآخَرَ ، فَالنَّفَقَةُ عَلَى قَدْرِ الْمَالَيْنِ ، لِأَنَّ النَّفَقَةَ إنَّمَا كَانَتْ لِأَجْلِ السَّفَرِ ، وَالسَّفَرُ لِلْمَالَيْنِ ، فَيَجِبُ أَنْ تَكُونَ النَّفَقَةُ مَقْسُومَةً عَلَى قَدْرِهِمَا ، إلَّا أَنْ يَكُونَ","part":10,"page":166},{"id":4666,"text":"رَبُّ الْمَالِ قَدْ شَرَطَ لَهُ النَّفَقَةَ مَعَ عِلْمِهِ بِذَلِكَ .\rوَلَوْ أَذِنَ لَهُ فِي السَّفَرِ إلَى مَوْضِعٍ مُعَيَّنٍ ، أَوْ غَيْرِ مُعَيَّنٍ ، ثُمَّ لَقِيَهُ رَبُّ الْمَالِ فِي السَّفَرِ ، إمَّا بِذَلِكَ الْمَوْضِعِ ، أَوْ فِي غَيْرِهِ ، وَقَدْ نَضَّ الْمَالُ ، فَأَخَذَ مَالَهُ ، فَطَالَبَهُ الْعَامِلُ بِنَفَقَةِ الرُّجُوعِ إلَى بَلَدِهِ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَسْتَحِقُّ النَّفَقَةَ مَا دَامَا فِي الْقِرَاضِ ، وَقَدْ زَالَ ، فَزَالَتْ النَّفَقَةُ ، وَلِذَلِكَ لَوْ مَاتَ لَمْ يَجِبْ تَكْفِينُهُ .\rوَقَدْ قِيلَ : لَهُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ شَرَطَ لَهُ نَفَقَةَ ذَهَابِهِ وَرُجُوعِهِ وَغَيْرِهِ ، بِتَسْفِيرِهِ إلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي أَذِنَ لَهُ فِيهِ ، مُعْتَقِدًا أَنَّهُ مُسْتَحِقٌّ لِلنَّفَقَةِ ذَاهِبًا وَرَاجِعًا ، فَإِذَا قَطَعَ عَنْهُ النَّفَقَةَ ، تَضَرَّرَ بِذَلِكَ .","part":10,"page":167},{"id":4667,"text":"( 3662 ) فَصْلٌ : وَحُكْمُ الْمُضَارِبِ حُكْمُ الْوَكِيلِ ، فِي أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَبِيعَ بِأَقَلَّ مِنْ ثَمَنِ الْمِثْلِ ، وَلَا يَشْتَرِيَ بِأَكْثَرَ مِنْهُ ، مِمَّا لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِمِثْلِهِ فَإِنْ فَعَلَ ، فَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّ الْبَيْعَ يَصِحُّ ، وَيَضْمَنُ النَّقْصَ ؛ لِأَنَّ الضَّرَرَ يَنْجَبِرُ بِضَمَانِ النَّقْص .\rوَالْقِيَاسُ أَنَّ الْبَيْعَ بَاطِلٌ ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ بَيْعٌ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فِيهِ ، فَأَشْبَهَ بَيْعَ الْأَجْنَبِيِّ .\rفَعَلَى هَذَا ، إنْ تَعَذَّرَ رَدُّ الْمَبِيعِ ، ضَمِنَ النَّقْصَ أَيْضًا ، وَإِنْ أَمْكَنَ رَدُّهُ ، وَجَبَ رَدُّهُ إنْ كَانَ بَاقِيًا ؛ أَوْ قِيمَتُهُ إنْ كَانَ تَالِفًا ، وَلِرَبِّ الْمَالِ مُطَالَبَةُ مَنْ شَاءَ مِنْ الْعَامِلِ أَوْ الْمُشْتَرِي ، فَإِنْ أَخَذَ مِنْ الْمُشْتَرِي قِيمَتَهُ رَجَعَ الْمُشْتَرِي عَلَى الْعَامِلِ بِالثَّمَنِ ، وَإِنْ رَجَعَ عَلَى الْعَامِلِ بِقِيمَتِهِ رَجَعَ الْعَامِلُ عَلَى الْمُشْتَرِي بِهَا .\rوَرَدَّ عَلَيْهِ الثَّمَنَ ؛ لِأَنَّ التَّلَفَ حَصَلَ فِي يَدِهِ .\rوَأَمَّا مَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِمِثْلِهِ ، فَغَيْرُ مَمْنُوعٍ مِنْهُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ ، وَأَمَّا إذَا اشْتَرَى بِأَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِ الْمِثْلِ بِعَيْنِ الْمَالِ ، فَهُوَ كَالْبَيْعِ .\rوَإِنْ اشْتَرَى فِي الذِّمَّةِ ، لَزِمَ الْعَامِلَ دُونَ رَبِّ الْمَالِ ، إلَّا أَنْ يُجِيزَهُ ، فَيَكُونَ لَهُ .\rهَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ وَقَالَ الْقَاضِي : إنْ أَطْلَقَ الشِّرَاءَ وَلَمْ يَذْكُرْ رَبَّ الْمَالِ ، فَكَذَلِكَ ، وَإِنْ صَرَّحَ لِلْبَائِعِ إنَّنِي اشْتَرَيْته لِفُلَانِ ، فَالْبَيْعُ بَاطِلٌ أَيْضًا .","part":10,"page":168},{"id":4668,"text":"فَصْلٌ : وَهَلْ لَهُ أَنْ يَبِيعَ وَيَشْتَرِيَ بِغَيْرِ نَقْدِ الْبَلَدِ ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ : الْأُولَى ، جَوَازُهُ إذَا رَأَى الْمَصْلَحَةَ فِيهِ وَالرِّبْحَ حَاصِلٌ بِهِ ، كَمَا يَجُوزُ أَنْ يَبِيعَ عَرْضًا بِعَرْضٍ وَيَشْتَرِيَهُ بِهِ .\rفَإِذَا قُلْنَا : لَا يَمْلِكُ ذَلِكَ .\rفَفَعَلَهُ ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ مَا لَوْ اشْتَرَى أَوْ بَاعَ بِغَيْرِ ثَمَنِ الْمِثْلِ .\rوَإِنْ قَالَ لَهُ : اعْمَلْ بِرَأْيِك فَلَهُ ذَلِكَ .\rوَهَلْ لَهُ الزِّرَاعَةُ ؟ يَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَمْلِكَ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الْمُضَارَبَةَ لَا يُفْهَمُ مِنْ إطْلَاقِهَا الْمُزَارَعَةُ .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ ، فِي مَنْ دَفَعَ إلَى رَجُلٍ أَلْفًا ، وَقَالَ : اتَّجَرَ فِيهَا بِمَا شِئْت فَزَرَعَ زَرْعًا ، فَرَبِحَ فِيهِ ، فَالْمُضَارَبَةُ جَائِزَةٌ ، وَالرِّبْحُ بَيْنَهُمَا .\rقَالَ الْقَاضِي : ظَاهِرُ هَذَا أَنَّ قَوْلَهُ : اتَّجِرْ بِمَا شِئْت دَخَلَتْ فِيهِ الْمُزَارَعَةُ ؛ لِأَنَّهَا مِنْ الْوُجُوهِ الَّتِي يُبْتَغَى بِهَا النَّمَاءُ ، وَعَلَى هَذَا لَوْ نَوَى الْمَالَ كُلَّهُ فِي الْمُزَارَعَةِ ، لَمْ يَلْزَمْهُ ضَمَانُهُ .","part":10,"page":169},{"id":4669,"text":"( 3664 ) فَصْل : وَلَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ الْمَعِيبَ ، إذَا رَأَى الْمَصْلَحَةَ فِيهِ ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ الرِّبْحُ ، وَقَدْ يَكُونُ الرِّبْحُ فِي الْمَعِيبِ .\rفَإِنْ اشْتَرَاهُ يَظُنُّهُ سَلِيمًا ، فَبَانَ مَعِيبًا ، فَلَهُ فِعْلُ مَا يَرَى الْمَصْلَحَةَ فِيهِ ، مِنْ رَدِّهِ بِالْعَيْبِ ، أَوْ إمْسَاكِهِ وَأَخْذِ أَرْشِ الْعَيْبِ .\rفَإِنْ اخْتَلَفَ الْعَامِلُ وَرَبُّ الْمَالِ فِي الرَّدِّ ، فَطَالَبَهُ أَحَدُهُمَا ، وَأَبَاهُ الْآخَرُ ، فَعَلَ مَا فِيهِ النَّظَرُ وَالْحَظُّ ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ تَحْصِيلُ الْحَظِّ فَيُحْتَمَلُ الْأَمْرُ عَلَى مَا فِيهِ الْحَظُّ .\rوَأَمَّا الشَّرِيكَانِ إذَا اخْتَلَفَا فِي رَدِّ الْمَعِيبِ ، فَلِطَالِبِ الرَّدِّ رَدُّ نَصِيبِهِ ، وَلِلْآخَرِ إمْسَاكُ نَصِيبِهِ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْبَائِعُ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ الشِّرَاءَ لَهُمَا جَمِيعًا ، فَلَا يَلْزَمُهُ قَبُولُ رَدِّ بَعْضِهِ ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَ الْحَالِ أَنَّ الْعَقْدَ لِمَنْ وَلِيَهُ ، فَلَمْ يَجُزْ إدْخَالُ الضَّرَرِ عَلَى الْبَائِعِ بِتَبْعِيضِ الصَّفْقَةِ عَلَيْهِ .\rوَلَوْ أَرَادَ الَّذِي وَلِيَ الْعَقْدَ رَدَّ بَعْضِ الْمَبِيعِ وَإِمْسَاكَ الْبَعْضِ ، كَانَ حُكْمُهُ حُكْمَ مَا لَوْ أَرَادَ شَرِيكُهُ ذَلِكَ ، عَلَى مَا فَصَّلْنَاهُ .","part":10,"page":170},{"id":4670,"text":"( 3665 ) فَصْلٌ : وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ مَنْ يَعْتِقُ عَلَى رَبِّ الْمَالِ بِغَيْرِ إذْنِهِ ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ فِيهِ ضَرَرًا .\rفَإِنْ اشْتَرَاهُ بِإِذْنِ رَبِّ الْمَالِ ، صَحَّ ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِيَهُ بِنَفْسِهِ ، فَإِذَا أَذِنَ لِغَيْرِهِ فِيهِ ، جَازَ ، وَيَعْتِقُ عَلَيْهِ ، وَتَنْفَسِخُ الْمُضَارَبَةُ فِي قَدْرِ ثَمَنِهِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَلِفَ ، وَيَكُونُ مَحْسُوبًا عَلَى رَبِّ الْمَالِ .\rفَإِنْ كَانَ ثَمَنُهُ كُلَّ الْمَالِ ، انْفَسَخَتْ الْمُضَارَبَةُ .\rوَإِنْ كَانَ فِي الْمَالِ رِبْحٌ رَجَعَ الْعَامِلُ بِحِصَّتِهِ مِنْهُ ، وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ إذْنِ رَبِّ الْمَالِ ، احْتَمَلَ أَنْ لَا يَصِحَّ الشِّرَاءُ إذَا كَانَ الثَّمَنُ عَيْنًا ؛ لِأَنَّ الْعَامِلَ اشْتَرَى مَا لَيْسَ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَهُ ، فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ اشْتَرَى شَيْئًا بِأَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِهِ ، وَلِأَنَّ الْإِذْنَ فِي الْمُضَارَبَةِ إنَّمَا يَنْصَرِفُ إلَى مَا يُمْكِنُ بَيْعُهُ وَالرِّبْحُ فِيهِ ، فَلَا يَتَنَاوَلُ غَيْرَ ذَلِكَ .\rوَإِنْ كَانَ اشْتَرَاهُ فِي الذِّمَّةِ ، وَقَعَ الشِّرَاءُ لِلْعَاقِدِ ، وَلَيْسَ لَهُ دَفْعُ الثَّمَنِ مِنْ مَالِ الْمُضَارَبَةِ ، فَإِنْ فَعَلَ ضَمِنَ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ صِحَّةُ الشِّرَاءِ ؛ لِأَنَّهُ مَالٌ مُتَقَوِّمٌ قَابِلٌ لِلْعُقُودِ ، فَصَحَّ شِرَاؤُهُ ، كَمَا لَوْ اشْتَرَى مَنْ نَذَرَ رَبُّ الْمَالِ إعْتَاقَهُ ، وَيَعْتِقُ عَلَى رَبِّ الْمَالِ ، وَتَنْفَسِخُ الْمُضَارَبَةُ فِيهِ .\rوَيَلْزَمُ الْعَامِلَ ضَمَانُهُ ، عَلَى ظَاهِرِ كَلَامِ أَحْمَدَ ، عَلِمَ بِذَلِكَ أَوْ جَهِلَ ؛ لِأَنَّ مَالَ الْمُضَارَبَةِ تَلِفَ بِسَبَبِهِ ، وَلَا فَرْقَ فِي الْإِتْلَافِ الْمُوجِبِ لِلضَّمَانِ بَيْنَ الْعِلْمِ وَالْجَهْلِ .\rوَفِيمَا يَضْمَنُهُ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا ، قِيمَتُهُ ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ ثَبَتَ فِيهِ ثُمَّ تَلِفَ ، فَأَشْبَهَ ، مَا لَوْ أَتْلَفَهُ بِفِعْلِهِ .\rوَالثَّانِي ، الثَّمَنُ الَّذِي اشْتَرَاهُ بِهِ ؛ لِأَنَّ التَّفْرِيطَ مِنْهُ حَصَلَ بِالشِّرَاءِ ، وَبَذْلِ الثَّمَنِ فِيمَا يَتْلَفُ بِالشِّرَاءِ ، فَكَانَ عَلَيْهِ ضَمَانُ مَا فَرَّطَ فِيهِ","part":10,"page":171},{"id":4671,"text":".\rوَمَتَى ظَهَرَ فِي الْمَالِ رِبْحٌ فَلِلْعَامِلِ حِصَّتُهُ مِنْهُ .\rوَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : إنْ لَمْ يَكُنْ الْعَامِلُ عَالِمًا بِأَنَّهُ يَعْتِقُ عَلَى رَبِّ الْمَالِ ، لَمْ يَضْمَنْ ؛ لِأَنَّ التَّلَفَ حَصَلَ لِمَعْنًى فِي الْمَبِيعِ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ الْمُشْتَرِي ، فَلَمْ يَضْمَنْ ، كَمَا لَوْ اشْتَرَى مَعِيبًا لَمْ يَعْلَمْ بِعَيْبِهِ ، فَتَلِفَ بِهِ .\rقَالَ : وَيَتَوَجَّهُ أَنْ لَا يَضْمَنَ ، وَإِنْ عَلِمَ .","part":10,"page":172},{"id":4672,"text":"( 3666 ) فَصْلٌ : وَإِنْ اشْتَرَى امْرَأَةَ رَبُّ الْمَالِ ، صَحَّ الشِّرَاءُ ، وَانْفَسَخَ النِّكَاحُ .\rفَإِنْ كَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ ، فَهَلْ يَلْزَمُ الزَّوْجَ نِصْفُ الصَّدَاقِ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ ذَكَرْنَاهُمَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ .\rفَإِنْ قُلْنَا : يَلْزَمُهُ .\rرَجَعَ بِهِ عَلَى الْعَامِلِ ؛ لِأَنَّهُ سَبَبُ تَقْرِيرِهِ عَلَيْهِ ، فَرَجَعَ عَلَيْهِ ، كَمَا لَوْ أَفْسَدَتْ امْرَأَةٌ نِكَاحَهُ بِالرَّضَاعِ .\rوَإِنْ اشْتَرَى زَوْجَ رَبَّةِ الْمَالِ ، صَحَّ الشِّرَاءُ ، وَانْفَسَخَ النِّكَاحُ ؛ لِأَنَّهَا مَلَكَتْ زَوْجَهَا .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يَصِحُّ الشِّرَاءُ إذَا كَانَ بِغَيْرِ إذْنِهَا ؛ لِأَنَّ الْإِذْنَ إنَّمَا يَتَنَاوَلُ شِرَاءَ مَا لَهَا فِيهِ حَظٌّ ، وَشِرَاءُ زَوْجِهَا يَضُرُّ بِهَا ؛ لِأَنَّهُ يَفْسَخُ نِكَاحَهَا ، وَيَضُرُّ بِهَا ، وَيُسْقِطُ حَقَّهَا مِنْ النَّفَقَةِ وَالْكُسْوَةِ ، فَلَمْ يَصِحَّ كَشِرَاءِ ابْنِهَا .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ اشْتَرَى مَا يُمْكِنُ طَلَبُ الرِّبْحِ فِيهِ ، فَجَازَ ، كَمَا لَوْ اشْتَرَى أَجْنَبِيًّا .\rوَلَا ضَمَانَ عَلَى الْعَامِلِ فِيمَا يَفُوتُ مِنْ الْمَهْرِ وَيَسْقُطُ مِنْ النَّفَقَةِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَعُودُ إلَى الْمُضَارَبَةِ ، وَإِنَّمَا هُوَ بِسَبَبٍ آخَرَ .\rوَلَا فَرْقَ بَيْنَ شِرَائِهِ فِي الذِّمَّةِ أَوْ بِعَيْنِ الْمَالِ .","part":10,"page":173},{"id":4673,"text":"( 3667 ) فَصْل : وَإِنْ اشْتَرَى الْمَأْذُونُ لَهُ مَنْ يَعْتِقُ عَلَى رَبِّ الْمَالِ بِإِذْنِهِ ، صَحَّ وَعَتَقَ فَإِنْ كَانَ عَلَى الْمَأْذُونِ لَهُ دَيْنٌ يَسْتَغْرِقُ قِيمَتَهُ وَمَا فِي يَدِهِ ، وَقُلْنَا : يَتَعَلَّقُ الدَّيْنُ بِرَقَبَتِهِ .\rفَعَلَيْهِ دَفْعُ قِيمَةِ الْعَبْدِ الَّذِي عَتَقَ إلَى الْغُرَمَاءِ ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي أَتْلَفَ عَلَيْهِمْ بِالْعِتْقِ .\rوَإِنْ نَهَاهُ عَنْ الشِّرَاءِ ، فَالشِّرَاءُ بَاطِلٌ ؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُهُ بِالْإِذْنِ ، وَقَدْ زَالَ بِالنَّهْيِ .\rوَإِنْ أَطْلَقَ الْإِذْنَ ، فَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : يَصِحُّ شِرَاؤُهُ ؛ لِأَنَّ مَنْ صَحَّ أَنْ يَشْتَرِيَهُ السَّيِّدُ ، صَحَّ شِرَاءُ الْمَأْذُونِ لَهُ ، كَالْأَجْنَبِيِّ .\rوَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ إذَا أَذِنَ لَهُ فِي التِّجَارَةِ وَلَمْ يَدْفَعْ إلَيْهِ مَالًا .\rوَقَالَ الْقَاضِي : لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ فِيهِ إتْلَافًا عَلَى السَّيِّدِ ، فَإِنَّ إذْنَهُ يَتَنَاوَلُ مَا فِيهِ حَظٌّ ، فَلَا يَدْخُلُ فِيهِ الْإِتْلَافُ .\rوَفَارَقَ عَامِلَ الْمُضَارَبَةِ ؛ لِأَنَّهُ يَضْمَنُ الْقِيمَةَ ، فَيَزُولُ الضَّرَرُ .\rوَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ ، كَالْوَجْهَيْنِ .\rوَإِنْ اشْتَرَى امْرَأَةَ رَبُّ الْمَالِ ، أَوْ زَوْجَ رَبَّةِ الْمَالِ ، فَهَلْ يَصِحُّ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ أَيْضًا ، كَشِرَاءِ مَنْ يَعْتِقُ بِالشِّرَاءِ .","part":10,"page":174},{"id":4674,"text":"( 3668 ) فَصْلٌ : وَإِنْ اشْتَرَى الْمُضَارِبُ مَنْ يَعْتِقُ عَلَيْهِ صَحَّ الشِّرَاءُ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ ظَهَرَ فِي الْمَالِ رِبْحٌ ، لَمْ يَعْتِقْ مِنْهُ شَيْءٌ ، وَإِنْ ظَهَرَ فِيهِ رِبْحٌ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ، مَبْنِيَّانِ عَلَى الْعَامِلِ مَتَى يَمْلِكُ الرِّبْحَ ؟ فَإِنْ قُلْنَا : يَمْلِكُهُ بِالْقِسْمَةِ .\rلَمْ يَعْتِقْ مِنْهُ شَيْءٌ ؛ لِأَنَّهُ مَا مَلَكَهُ .\rوَإِنْ قُلْنَا : يَمْلِكُهُ بِالظُّهُورِ .\rفَفِيهِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا ، لَا يَعْتِقُ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتِمَّ مِلْكُهُ عَلَيْهِ ، لِأَنَّ الرِّبْحَ وِقَايَةٌ لِرَأْسِ الْمَالِ ، فَلَمْ يَعْتِقْ لِذَلِكَ .\rوَالثَّانِي ، يَعْتِقُ بِقَدْرِ حِصَّتِهِ مِنْ الرِّبْحِ ، إنْ كَانَ مُعَسِّرًا ، وَيُقَوَّمُ عَلَيْهِ بَاقِيهِ إنْ كَانَ مُوسِرًا ؛ لِأَنَّهُ مَلَكَهُ بِفِعْلِهِ فَيُعْتَقُ عَلَيْهِ ، كَمَا لَوْ اشْتَرَاهُ بِمَالِهِ .\rوَهَذَا قَوْلُ الْقَاضِي ، وَمَذْهَبُ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ ، لَكِنَّ عِنْدَهُمْ يُسْتَسْعَى فِي بَقِيَّتِهِ إنْ كَانَ مُعَسِّرًا .\rوَلَنَا رِوَايَةٌ كَقَوْلِهِمْ .\rوَإِنْ اشْتَرَاهُ وَلَمْ يَظْهَرْ رِبْحٌ ، ثُمَّ ظَهَرَ بَعْدَ ذَلِكَ ، وَالْعَبْدُ بَاقٍ فِي التِّجَارَةِ ، فَهُوَ كَمَا لَوْ كَانَ الرِّبْحُ ظَاهِرًا وَقْتَ الشِّرَاءِ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ إنْ اشْتَرَاهُ بَعْدَ ظُهُورِ الرِّبْحِ ، لَمْ يَصِحَّ ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى أَنْ يُنْجِزَ الْعَامِلُ حَقَّهُ قَبْلَ رَبِّ الْمَالِ .\rوَلَنَا أَنَّهُمَا شَرِيكَانِ ، فَصَحَّ شِرَاءُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَنْ يَعْتِقُ عَلَيْهِ ، كَشَرِيكَيْ الْعِنَانِ .","part":10,"page":175},{"id":4675,"text":"( 3669 ) فَصْلٌ : وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ لِأَنَّ الْإِذْنَ مَا تَنَاوَلَ أَكْثَرَ مِنْهُ .\rفَإِنْ كَانَ رَأْسُ الْمَالِ أَلْفًا ، فَاشْتَرَى عَبْدًا بِأَلْفِ ، ثُمَّ اشْتَرَى عَبْدًا آخَرَ بِعَيْنِ الْأَلْفِ ، فَالشِّرَاءُ فَاسِدٌ ؛ لِأَنَّهُ اشْتَرَاهُ بِمَالٍ يُسْتَحَقُّ تَسْلِيمُهُ فِي الْبَيْعِ الْأَوَّلِ .\rوَإِنْ اشْتَرَاهُ فِي ذِمَّتِهِ ، صَحَّ الشِّرَاءُ ، وَالْعَبْدُ لَهُ ؛ لِأَنَّهُ اشْتَرَى فِي ذِمَّتِهِ لِغَيْرِهِ مَا لَمْ يَأْذَنْ لَهُ فِي شِرَائِهِ ، فَوَقَعَ لَهُ .\rوَهَلْ يَقِفُ عَلَى إجَازَةِ رَبِّ الْمَالِ ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ .\rوَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ كَنَحْوِ مَا ذَكَرْنَا .","part":10,"page":176},{"id":4676,"text":"( 3670 ) فَصْلٌ : وَلَيْسَ لِلْمُضَارِبِ وَطْءُ أَمَةٍ مِنْ الْمُضَارَبَةِ ، سَوَاءٌ ظَهَرَ فِي الْمَالِ رِبْحٌ أَوْ لَمْ يَظْهَرْ ، فَإِنْ فَعَلَ ، فَعَلَيْهِ الْمَهْرُ وَالتَّعْزِيرُ .\rوَإِنْ عَلِقَتْ مِنْهُ وَلَمْ يَظْهَرْ فِي الْمَالِ رِبْحٌ ، فَوَلَدُهُ رَقِيقٌ ؛ لِأَنَّهَا عَلِقَتْ مِنْهُ فِي غَيْرِ مِلْكٍ وَلَا شُبْهَةِ مِلْكٍ ، وَلَا تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ ؛ وَكَذَلِكَ وَإِنْ ظَهَرَ فِي الْمَالِ رِبْحٌ ، فَالْوَلَدُ حُرٌّ ، وَتَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ ، وَعَلَيْهِ قِيمَتُهَا .\rوَنَحْوُ هَذَا قَالَ سُفْيَانُ وَإِسْحَاقُ وَقَالَ الْقَاضِي : إنْ لَمْ يَظْهَرْ رِبْحٌ ، فَعَلَيْهِ الْحَدُّ ؛ لِأَنَّهُ وَطِئَ فِي غَيْرِ مِلْكٍ وَلَا شُبْهَةِ مِلْكٍ .\rوَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّ عَلَيْهِ التَّعْزِيرَ ؛ لِأَنَّ ظُهُورَ الرِّبْحِ يَنْبَنِي عَلَى التَّقْوِيمِ ، وَالتَّقْوِيمُ غَيْرُ مُتَحَقِّقٍ ، لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنَّ السِّلَعَ تُسَاوِي أَكْثَرَ مِمَّا قُوِّمَتْ بِهِ فَيَكُونُ ذَلِكَ شُبْهَةً فِي دَرْءِ ، الْحَدِّ ، لِأَنَّهُ يُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ .\r( 3671 ) فَصْلٌ : وَلَيْسَ لِرَبِّ الْمَالِ وَطْءُ الْأَمَةِ أَيْضًا ؛ لِأَنَّهُ يَنْقُصُهَا إنْ كَانَتْ بِكْرًا ، وَيُعَرِّضُهَا لِلْخُرُوجِ مِنْ الْمُضَارَبَةِ وَالتَّلَفِ ، فَإِنْ فَعَلَ ، فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهَا مَمْلُوكَتُهُ .\rوَإِنْ عَلِقَتْ مِنْهُ ، صَارَتْ أُمَّ وَلَدِهِ ، وَوَلَدُهُ حُرٌّ كَذَلِكَ وَتَخْرُجُ مِنْ الْمُضَارَبَةِ ، وَتُحْسَبُ قِيمَتُهَا ، وَيُضَافُ إلَيْهَا بَقِيَّةُ الْمَالِ فَإِنْ كَانَ فِيهِ رِبْحٌ فَلِلْعَامِلِ حِصَّتُهُ مِنْهُ .","part":10,"page":177},{"id":4677,"text":"( 3672 ) فَصْلٌ : وَإِذَا أَذِنَ رَبُّ الْمَالِ لِلْمُضَارِبِ فِي الشِّرَاءِ مِنْ مَالِ الْمُضَارَبَةِ ، فَاشْتَرَى جَارِيَةً لِيَتَسَرَّى بِهَا ، خَرَجَ ثَمَنُهَا مِنْ الْمُضَارَبَةِ ، وَصَارَ قَرْضًا فِي ذِمَّتِهِ ؛ لِأَنَّ اسْتِبَاحَةَ الْبُضْعِ لَا تَحْصُلُ إلَّا بِمِلْكِهِ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { إلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ } .\r( 3673 ) فَصْلٌ : وَلَيْسَ لَوَاحِدٍ مِنْهُمَا تَزْوِيجُ الْأَمَةِ ؛ لِأَنَّهُ يَنْقُصُهَا ، وَلَا مُكَاتَبَةُ الْعَبْدِ لِذَلِكَ .\rفَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى ذَلِكَ ، جَازَ ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمَا لَا يَخْرُجُ عَنْهُمَا .","part":10,"page":178},{"id":4678,"text":"( 3674 ) فَصْلٌ : وَلَيْسَ لِلْمُضَارِبِ دَفْعُ الْمَالِ إلَى آخَرَ مُضَارَبَةً .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ ، وَحَرْبٍ ، وَعَبْدِ اللَّهِ ، قَالَ : إنْ أَذِنَ لَهُ رَبُّ الْمَالِ ، وَإِلَّا فَلَا .\rوَخَرَّجَ الْقَاضِي وَجْهًا فِي جَوَازِ ذَلِكَ ، بِنَاءً عَلَى تَوْكِيلِ الْوَكِيلِ مِنْ غَيْرِ إذْنِ الْمُوَكِّلِ .\rوَلَا يَصِحُّ هَذَا التَّخْرِيجُ ، وَقِيَاسُهُ عَلَى الْوَكِيلِ مُمْتَنِعٌ لِوَجْهَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، أَنَّهُ إنَّمَا دَفَعَ إلَيْهِ الْمَالَ هَاهُنَا لِيُضَارِبَ بِهِ ، وَبِدَفْعِهِ إلَى غَيْرِهِ مُضَارَبَةً يَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ مُضَارِبًا بِهِ ، بِخِلَافِ الْوَكِيلِ .\rالثَّانِي ، أَنَّ هَذَا يُوجِبُ فِي الْمَالِ حَقًّا لِغَيْرِهِ ، وَلَا يَجُوزُ إيجَابُ حَقٍّ فِي مَالِ إنْسَانٍ بِغَيْرِ إذْنِهِ وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَلَا أَعْرِفُ عَنْ غَيْرِهِمْ خِلَافَهُمْ .\rفَإِنْ فَعَلَ ، فَلَمْ يَتْلَفْ الْمَالُ ، وَلَا ظَهَرَ فِيهِ رِبْحٌ ، رَدَّهُ إلَى مَالِكِهِ ، وَلَا شَيْءَ لَهُ وَلَا عَلَيْهِ وَإِنْ تَلَفَ ، أَوْ رَبِحَ فِيهِ ، فَقَالَ الشَّرِيفُ أَبُو جَعْفَرٍ : هُوَ فِي الضَّمَانِ وَالتَّصَرُّفِ كَالْغَاصِبِ ، وَلِرَبِّ الْمَالِ مُطَالَبَةُ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا بِرَدِّ الْمَالِ إنْ كَانَ بَاقِيًا ، وَبِرَدِّ بَدَلِهِ إنْ كَانَ تَالِفًا ، أَوْ تَعَذَّرَ رَدُّهُ ، فَإِنْ طَالَبَ الْأَوَّلَ ، وَضَمَّنَهُ قِيمَةَ التَّالِفِ ، وَلَمْ يَكُنْ الثَّانِي عَلِمَ بِالْحَالِ ، لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهِ بِشَيْءِ ؛ لِأَنَّهُ دَفَعَهُ إلَيْهِ عَلَى وَجْهِ الْأَمَانَةِ .\rوَإِنْ عَلِمَ بِالْحَالِ ، رَجَعَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ قَبَضَ مَالَ غَيْرِهِ عَلَى سَبِيلِ الْعُدْوَانِ ، وَتَلِفَ تَحْتَ يَدِهِ ، فَاسْتَقَرَّ ضَمَانُهُ عَلَيْهِ وَإِنْ ضَمَّنَ الثَّانِي مَعَ عِلْمِهِ بِالْحَالِ ، لَمْ يَرْجِعْ عَلَى الْأَوَّلِ .\rوَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ ، فَهَلْ يَرْجِعُ عَلَى الْأَوَّلِ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ ؛ : أَحَدُهُمَا ، يَرْجِعُ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ غَرَّهُ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ غَرَّهُ بِحُرِّيَّةِ أَمَةٍ .\rوَالثَّانِي : لَا يَرْجِعُ ؛ لِأَنَّ التَّلَفَ كَانَ فِي يَدِهِ ، فَاسْتَقَرَّ الضَّمَانُ عَلَيْهِ .\rوَإِنْ رَبِحَ فِي الْمَالِ ،","part":10,"page":179},{"id":4679,"text":"فَالرِّبْحُ لِمَالِكِهِ ، وَلَا شَيْءَ لِلْمُضَارِبِ الْأَوَّلِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ مَالٌ وَلَا عَمَلٌ .\rوَهَلْ لِلثَّانِيَّ أَجْرُ مِثْلِهِ ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ : إحْدَاهُمَا ، لَهُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ عَمِلَ فِي مَالِ غَيْرِهِ بِعِوَضٍ لَمْ يُسَلَّمْ لَهُ ، فَكَانَ لَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ ، كَالْمُضَارَبَةِ الْفَاسِدَةِ .\rوَالثَّانِيَةُ : لَا شَيْءَ لَهُ ؛ لِأَنَّهُ عَمِلَ فِي مَالِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ ، فَلَمْ يَسْتَحِقَّ لِذَلِكَ عِوَضًا ، كَالْغَاصِبِ .\rوَفَارَقَ الْمُضَارَبَةَ ؛ لِأَنَّهُ عَمِلَ فِي مَالِهِ بِإِذْنِهِ .\rوَسَوَاءٌ اشْتَرَى بِعَيْنِ الْمَالِ أَوْ فِي الذِّمَّةِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ إذَا اشْتَرَى فِي الذِّمَّةِ يَكُونُ الرِّبْحُ لَهُ ، لِأَنَّهُ رَبِحَ فِيمَا اشْتَرَاهُ فِي ذِمَّتِهِ مِمَّا لَمْ يَقَعْ فِي الشِّرَاءِ فِيهِ لِغَيْرِهِ فَأَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ يَنْقُدْ الثَّمَنَ مِنْ مَالِ رَبِّ الْمَالِ .\rقَالَ الشَّرِيفُ أَبُو جَعْفَرٍ : هَذَا قَوْلُ أَكْثَرِهِمْ .\rيَعْنِي قَوْلَ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ إنْ كَانَ عَالِمًا بِالْحَالِ ، فَلَا شَيْءَ لِلْعَامِلِ ، كَالْغَاصِبِ ، وَإِنْ جَهِلَ الْحَالَ ، فَلَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ ، يَرْجِعُ بِهِ عَلَى الْمُضَارِبِ الْأَوَّلِ ؛ لِأَنَّهُ غَرَّهُ ، وَاسْتَعْمَلَهُ بِعِوَضٍ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ ، فَوَجَبَ أَجْرُهُ عَلَيْهِ ، كَمَا لَوْ اسْتَعْمَلَهُ فِي مَالِ نَفْسِهِ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : إنْ اشْتَرَى بِعَيْنِ الْمَالِ ، فَالشِّرَاءُ بَاطِلٌ .\rوَإِنْ كَانَ اشْتَرَى فِي الذِّمَّةِ ، ثُمَّ نَقَدَ الْمَالَ ، وَكَانَ قَدْ شَرَطَ رَبُّ الْمَالِ لِلْمُضَارِبِ النِّصْفَ ، فَدَفَعَهُ الْمُضَارِبُ إلَى آخَرَ ، عَلَى أَنْ يَكُونَ لِرَبِّ الْمَالِ النِّصْفُ ، وَالنِّصْفُ الْآخَرُ بَيْنَهُمَا ؛ فَهُوَ عَلَى مَا اتَّفَقُوا عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ رَبَّ الْمَالِ رَضِيَ بِنِصْفِ الرِّبْحِ فَلَا يَدْفَعُ إلَيْهِ أَكْثَرَ مِنْهُ ، وَالْعَامِلَانِ عَلَى مَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ .\rوَهَذَا قَوْلٌ قَدِيمٌ لِلشَّافِعِيَّ وَلَيْسَ هَذَا مُوَافِقًا لِأُصُولِ الْمَذْهَبِ ، وَلَا لِنَصِّ أَحْمَدَ فَإِنَّ أَحْمَدَ قَالَ : لَا يَطِيبُ الرِّبْحُ لِلْمُضَارِبِ .\rوَلِأَنَّ الْمُضَارِبَ","part":10,"page":180},{"id":4680,"text":"الْأَوَّلَ لَيْسَ لَهُ عَمَلٌ وَلَا مَالٌ ، وَلَا يَسْتَحِقُّ الرِّبْحَ فِي الْمُضَارَبَةِ إلَّا بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا ، وَالْعَامِلُ الثَّانِي عَمِلَ فِي مَالِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ وَلَا شَرْطِهِ ، فَلَمْ يَسْتَحِقَّ مَا شَرَطَهُ لَهُ غَيْرُهُ كَمَا لَوْ دَفَعَهُ إلَيْهِ الْغَاصِبُ مُضَارَبَةً ، وَلِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَسْتَحِقَّ مَا شَرَطَهُ لَهُ رَبُّ الْمَالِ فِي الْمُضَارَبَةِ الْفَاسِدَةِ ، فَمَا شَرَطَهُ لَهُ غَيْرُهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ أَوْلَى .","part":10,"page":181},{"id":4681,"text":"( 3675 ) فَصْل : وَإِنْ أَذِنَ رَبُّ الْمَالِ فِي دَفْعِ الْمَالِ مُضَارَبَةً ، جَازَ ذَلِكَ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا .\rوَيَكُونُ الْعَامِلُ الْأَوَّلُ وَكِيلًا لِرَبِّ الْمَالِ فِي ذَلِكَ .\rفَإِذَا دَفَعَهُ إلَى آخَرَ ، وَلَمْ يَشْرُطْ لِنَفْسِهِ شَيْئًا مِنْ الرِّبْحِ ، كَانَ صَحِيحًا .\rوَإِنْ شَرَطَ لِنَفْسِهِ شَيْئًا مِنْ الرِّبْحِ ، لَمْ يَصِحَّ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ جِهَتِهِ مَالٌ وَلَا عَمَلٌ ، وَالرِّبْحُ إنَّمَا يُسْتَحَقُّ بِوَاحِدِ مِنْهُمَا .\rوَإِنْ قَالَ : اعْمَلْ بِرَأْيِك ، أَوْ بِمَا أَرَاك اللَّهُ .\rجَازَ لَهُ دَفْعُهُ مُضَارَبَةً .\rنَصَّ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَرَى أَنْ يَدْفَعَهُ إلَى أَبْصَرَ مِنْهُ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَجُوزَ لَهُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ : اعْمَلْ بِرَأْيِك .\rيَعْنِي فِي كَيْفِيَّةِ الْمُضَارَبَةِ وَالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَأَنْوَاعِ التِّجَارَةِ ، وَهَذَا يَخْرُجُ بِهِ عَنْ الْمُضَارَبَةِ ، فَلَا يَتَنَاوَلُهُ إذْنُهُ .","part":10,"page":182},{"id":4682,"text":"( 3676 ) فَصْل : وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَخْلِطَ مَال الْمُضَارَبَةِ بِمَالِهِ ، فَإِنْ فَعَلَ وَلَمْ يَتَمَيَّزْ ، ضَمِنَهُ ؛ لِأَنَّهُ أَمَانَةٌ فَهُوَ كَالْوَدِيعَةِ .\rفَإِنْ قَالَ لَهُ : اعْمَلْ بِرَأْيِك جَازَ لَهُ ذَلِكَ .\rوَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَالثَّوْرِيِّ وَأَصْحَابِ الرَّأْي .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ .\rوَعَلَيْهِ الضَّمَانُ إنْ فَعَلَهُ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنْ التِّجَارَةِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ قَدْ يَرَى الْخَلْطَ أَصْلَحَ لَهُ ، فَيَدْخُلُ فِي قَوْلِهِ : اعْمَلْ بِرَأْيِك .\rوَهَكَذَا الْقَوْلُ فِي الْمُشَارَكَةِ بِهِ لَيْسَ لَهُ فِعْلُهَا ، إلَّا أَنْ يَقُولَ : اعْمَلْ بِرَأْيِك .\rفَيَمْلِكُهَا .","part":10,"page":183},{"id":4683,"text":"( 3677 ) فَصْلٌ : وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ خَمْرًا وَلَا خِنْزِيرًا ، سَوَاءٌ كَانَا مُسْلِمَيْنِ أَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا مُسْلِمًا وَالْآخَرُ ذِمِّيًّا ، فَإِنْ فَعَلَ ، فَعَلَيْهِ الضَّمَانُ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إنْ كَانَ الْعَامِلُ ذِمِّيًّا صَحَّ شِرَاؤُهُ لِلْخَمْرِ ، وَبَيْعُهُ إيَّاهَا ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ عِنْدَهُ يَنْتَقِلُ إلَى الْوَكِيلِ ، وَحُقُوقُ الْعَقْدِ تَتَعَلَّقُ بِهِ .\rوَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ : يَصِحُّ شِرَاؤُهُ إيَّاهَا ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ فِيهَا يَنْتَقِلُ إلَى الْوَكِيلِ ، وَلَا يَصِحُّ بَيْعُهُ ؛ لِأَنَّهُ يَبِيعُ مَا لَيْسَ بِمِلْكٍ لَهُ ، وَلَا لِمُوَكِّلِهِ .\rوَلَنَا إنَّهُ إنْ كَانَ الْعَامِلُ مُسْلِمًا فَقَدْ اشْتَرَى خَمْرًا ، وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَشْتَرِيَ خَمْرًا وَلَا يَبِيعَهُ ، وَإِنْ كَانَ ذِمِّيًّا ، فَقَدْ اشْتَرَى لِلْمُسْلِمِ مَا لَا يَصِحُّ أَنْ يَمْلِكَهُ ابْتِدَاءً ، فَلَا يَصِحُّ ، كَمَا لَوْ اشْتَرَى الْخِنْزِيرَ ، وَلِأَنَّ الْخَمْرَ مُحَرَّمَةٌ فَلَا يَصِحُّ شِرَاؤُهَا لَهُ ، كَالْخِنْزِيرِ وَالْمَيْتَةِ ، وَلِأَنَّ مَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ لَا يَجُوزُ شِرَاؤُهُ ، كَالْمَيْتَةِ وَالدَّمِ .\rوَكُلُّ مَا جَازَ فِي الشَّرِكَةِ ، جَازَ فِي الْمُضَارَبَةِ ، وَمَا جَازَ فِي الْمُضَارَبَةِ ، جَازَ فِي الشَّرِكَةِ ، وَمَا مُنِعَ مِنْهُ فِي إحْدَاهُمَا مُنِعَ مِنْهُ فِي الْأُخْرَى ؛ لِأَنَّ الْمُضَارَبَةَ شَرِكَةٌ ، وَمَبْنَى كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عَلَى الْوَكَالَةِ وَالْأَمَانَةِ .","part":10,"page":184},{"id":4684,"text":"( 3678 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِذَا ضَارَبَ لِرَجُلٍ ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يُضَارِبَ لِآخَرَ ، إذَا كَانَ فِيهِ ضَرَرٌ عَلَى الْأَوَّلِ .\rفَإِنْ فَعَلَ ، وَرَبِحَ ، رَدَّهُ فِي شَرِكَةِ الْأَوَّلِ ) .\rوَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا أَخَذَ مِنْ إنْسَانٍ مُضَارَبَةً إحْدَاهَا ثُمَّ أَرَادَ أَخْذَ مُضَارَبَةٍ أُخْرَى مِنْ آخَرَ ، فَأَذِنَ لَهُ الْأَوَّلُ ، جَازَ .\rوَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ ، وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ ضَرَرٌ ، جَازَ أَيْضًا ، بِغَيْرِ خِلَافٍ ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ ضَرَرٌ عَلَى رَبِّ الْمَالِ الْأَوَّلِ وَلَمْ يَأْذَنْ ، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ الْمَالُ الثَّانِي كَثِيرًا يَحْتَاجُ إلَى أَنْ يَقْطَعَ زَمَانَهُ ، وَيَشْغَلَهُ عَنْ التِّجَارَةِ فِي الْأَوَّلِ ، وَيَكُونَ الْمَالُ الْأَوَّلُ كَثِيرًا مَتَى اشْتَغَلَ عَنْهُ بِغَيْرِهِ انْقَطَعَ عَنْ بَعْضِ تَصَرُّفَاتِهِ ، لَمْ يَجُزْ لَهُ ذَلِكَ .\rوَقَالَ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ : يَجُوزُ ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ لَا يَمْلِكُ بِهِ مَنَافِعَهُ كُلَّهَا ، فَلَمْ يَمْنَعْ مِنْ الْمُضَارَبَةِ ، كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ ضَرَرٌ ، وَكَالْأَجِيرِ الْمُشْتَرَكِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الْمُضَارَبَةَ عَلَى الْحَظِّ وَالنَّمَاءِ ، فَإِذَا فَعَلَ مَا يَمْنَعُهُ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ ، كَمَا لَوْ أَرَادَ التَّصَرُّفَ بِالْعَيْنِ ، وَفَارَقَ مَا لَا ضَرَرَ فِيهِ .\rفَعَلَى هَذَا إذَا فَعَلَ وَرَبِحَ ، رَدَّ الرِّبْحَ فِي شَرِكَةِ الْأَوَّلِ ، وَيَقْتَسِمَانِهِ ، فَلْيَنْظُرْ مَا رَبِحَ فِي الْمُضَارَبَةِ الثَّانِيَةِ ، فَيَدْفَعُ إلَى رَبِّ الْمَالِ مِنْهَا نَصِيبَهُ ، وَيَأْخُذُ الْمُضَارِبُ نَصِيبَهُ مِنْ الرِّبْحِ ، فَيَضُمُّهُ إلَى رِبْحِ الْمُضَارَبَةِ الْأُولَى ، وَيُقَاسِمُهُ لِرَبِّ الْمُضَارَبَةِ الْأُولَى ؛ لِأَنَّهُ اسْتَحَقَّ حِصَّتَهُ مِنْ الرِّبْحِ بِالْمَنْفَعَةِ الَّتِي اُسْتُحِقَّتْ بِالْعَقْدِ الْأَوَّلِ ، فَكَانَ بَيْنَهُمَا ، كَرِبْحِ الْمَالِ .\rالْأَوَّلِ .\rفَأَمَّا حِصَّةُ رَبِّ الْمَالِ الثَّانِي مِنْ الرِّبْحِ ، فَتُدْفَعُ إلَيْهِ ؛ لِأَنَّ الْعُدْوَانَ مِنْ الْمُضَارِبِ لَا يُسْقِطُ حَقَّ رَبِّ الْمَالِ الثَّانِي ، وَلِأَنَّا لَوْ رَدَدْنَا رِبْحَ الثَّانِي كُلَّهُ فِي الشَّرِكَةِ الْأُولَى ، لَاخْتَصَّ الضَّرَرُ","part":10,"page":185},{"id":4685,"text":"بِرَبِّ الْمَالِ الثَّانِي ، وَلَمْ يَلْحَقْ الْمُضَارِبَ شَيْءٌ مِنْ الضَّرَرِ ، وَالْعُدْوَانُ مِنْهُ ، بَلْ رُبَّمَا انْتَفَعَ إذَا كَانَ قَدْ شَرَطَ الْأَوَّلُ النِّصْفَ وَالثَّانِي الثُّلُثَ ، وَلِأَنَّهُ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يُحْكَمَ بِفَسَادِ الْمُضَارَبَةِ الثَّانِيَةِ ، أَوْ بِصِحَّتِهَا ، فَإِنْ كَانَتْ فَاسِدَةً ، فَالرِّبْحُ كُلُّهُ لِرَبِّ الْمَالِ ، وَلِلْمُضَارِبِ أَجْرُ مِثْلِهِ ، وَإِنْ حَكَمْنَا بِصِحَّتِهَا ، وَجَبَ صَرْفُ حِصَّةِ رَبِّ الْمَالِ إلَيْهِ بِمُقْتَضَى الْعَقْدِ وَمُوجِبِ الشَّرْطِ .\rوَالنَّظَرُ يَقْتَضِي أَنْ لَا يَسْتَحِقَّ رَبُّ الْمُضَارَبَةِ الْأُولَى مِنْ رَبِّ الثَّانِيَةِ شَيْئًا ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَسْتَحِقُّ بِمَالٍ أَوْ عَمَلٍ ، وَلَيْسَ لَهُ فِي الْمُضَارَبَةِ الثَّانِيَةِ مَالٌ وَلَا عَمَلٌ .\rوَتَعَدِّي الْمُضَارِبِ إنَّمَا كَانَ بِتَرْكِ الْعَمَلِ ، وَاشْتِغَالِهِ عَنْ الْمَالِ الْأَوَّلِ ، وَهَذَا لَا يُوجِبُ عِوَضًا ، كَمَا لَوْ اشْتَغَلَ بِالْعَمَلِ فِي مَالِ نَفْسِهِ ، أَوْ آجَرَ نَفْسَهُ ، أَوْ تَرَكَ التِّجَارَةَ لِلَّعِبِ ، أَوْ اشْتِغَالٍ بِعِلْمِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ .\rوَلَوْ أَوْجَبَ عِوَضًا ، لَأَوْجَبَ شَيْئًا مُقَدَّرًا ، لَا يَخْتَلِفُ وَلَا يَتَقَدَّرُ بِرِبْحِهِ فِي الثَّانِي .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":10,"page":186},{"id":4686,"text":"( 3679 ) فَصْلٌ : وَإِنْ دَفَعَ إلَيْهِ مُضَارَبَةً ، وَاشْتَرَطَ النَّفَقَةَ ، فَكَلَّمَهُ رَجُلٌ فِي أَنْ يَأْخُذَ لَهُ بِضَاعَةً أَوْ مُضَارَبَةً ، وَلَا ضَرَرَ فِيهَا .\rفَقَالَ : أَحْمَدُ إذَا اشْتَرَطَ النَّفَقَةَ ، صَارَ أَجِيرًا لَهُ ، فَلَا يَأْخُذُ .\rمِنْ أَحَدٍ بِضَاعَةً ، فَإِنَّهَا ، تَشْغَلُهُ عَنْ الْمَالِ الَّذِي يُضَارِبُ بِهِ .\rقِيلَ : فَإِنْ كَانَتْ لَا تَشْغَلُهُ ؟ فَقَالَ : مَا يُعْجِبُنِي أَنْ يَكُونَ إلَّا بِإِذْنِ صَاحِبِ الْمُضَارَبَةِ ، فَإِنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ شُغْلٍ .\rوَهَذَا ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ، عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِحْبَابِ .\rوَإِنْ فَعَلَ ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا ضَرَرَ عَلَى رَبِّ الْمُضَارَبَةِ فِيهِ .\r( 3680 ) فَصْلٌ : وَإِنْ أَخَذَ مِنْ رَجُلٍ مُضَارَبَةً ، ثُمَّ أَخَذَ مِنْ آخَرَ بِضَاعَةً ، أَوْ عَمِلَ فِي مَالِ نَفْسِهِ ، أَوْ اتَّجَرَ فِيهِ ، فَرِبْحُهُ فِي مَالِ الْبِضَاعَةِ لِصَاحِبِهَا ، وَفِي مَالِ نَفْسِهِ لِنَفْسِهِ .","part":10,"page":187},{"id":4687,"text":"( 3681 ) فَصْلٌ : إذَا أَخَذَ مِنْ رَجُلٍ مِائَةً قِرَاضًا ، ثُمَّ أَخَذَ مِنْ آخَرَ مِثْلَهَا ، وَاشْتَرَى بِكُلِّ مِائَةٍ عَبْدًا ، فَاخْتَلَطَ الْعَبْدَانِ ، وَلَمْ يَتَمَيَّزَا ، فَإِنَّهُمَا يَصْطَلِحَانِ عَلَيْهِمَا .\rكَمَا لَوْ كَانَتْ لِرَجُلِ حِنْطَةٌ ، فَانْثَالَتْ عَلَيْهِ أُخْرَى .\rوَذَكَرَ الْقَاضِي فِي ذَلِكَ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا ، يَكُونَانِ شَرِيكَيْنِ فِيهِمَا ، كَمَا لَوْ اشْتَرَكَا فِي عَقْدِ الْبَيْعِ ، فَيُبَاعَانِ ، وَيُقَسَّمُ بَيْنَهُمَا ، فَإِنْ كَانَ فِيهِمَا رِبْحٌ دَفَعَ إلَى الْعَامِلِ حِصَّتَهُ ، وَالْبَاقِي بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ .\rوَالثَّانِي : يَكُونَانِ لِلْعَامِلِ ، وَعَلَيْهِ أَدَاءُ رَأْسِ الْمَالِ ، وَالرِّبْحُ لَهُ وَالْخُسْرَانُ عَلَيْهِ .\rوَلِلشَّافِعِي قَوْلَانِ ، كَالْوَجْهَيْنِ .\rوَالْأَوَّلُ أَوْلَى ؛ لِأَنَّ مِلْكَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ثَابِتٌ فِي أَحَدِ الْعَبْدَيْنِ ، فَلَا يَزُولُ بِالِاشْتِبَاهِ عَنْ جَمِيعِهِ ، وَلَا عَنْ بَعْضِهِ ، بِغَيْرِ رِضَاهُ ، كَمَا لَوْ لَمْ يَكُونَا فِي يَدِ الْمُضَارِبِ ، وَلِأَنَّنَا لَوْ جَعَلْنَاهُمَا لِلْمُضَارِبِ ، أَدَّى إلَى أَنْ يَكُونَ تَفْرِيطُهُ سَبَبًا لِانْفِرَادِهِ بِالرِّبْحِ ، وَحِرْمَانِ الْمُتَعَدَّى عَلَيْهِ ، وَعَكْسُ ذَلِكَ أَوْلَى ، وَإِنْ جَعَلْنَاهُمَا شَرِيكَيْنِ ، أَدَّى إلَى أَنْ يَأْخُذَ أَحَدُهُمَا رِبْحَ مَالِ الْآخَرِ بِغَيْرِ رِضَاهُ ؛ وَلَيْسَ لَهُ فِيهِ مَالٌ وَلَا عَمَلٌ .","part":10,"page":188},{"id":4688,"text":"( 3682 ) فَصْلٌ : إذَا تَعَدَّى الْمُضَارِبُ ، وَفَعَلَ مَا لَيْسَ لَهُ فِعْلُهُ ، أَوْ اشْتَرَى شَيْئًا نُهِيَ عَنْ شِرَائِهِ ، فَهُوَ ضَامِنٌ لِلْمَالِ ، فِي قَوْلِ أَكْثَرَ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَحَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ ، وَأَبِي قِلَابَةَ ، وَنَافِعٍ ، وَإِيَاسٍ ، وَالشَّعْبِيِّ ، وَالنَّخَعِيِّ ، وَالْحَكَمِ ، وَحَمَّادٍ ، وَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ .\rوَعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : لَا ضَمَانَ عَلَى مَنْ شُورِكَ فِي الرِّبْحِ .\rوَرُوِيَ مَعْنَى ذَلِكَ عَنْ الْحَسَنِ وَالزُّهْرِيِّ وَلَنَا أَنَّهُ ، مُتَصَرِّفٌ فِي مَالِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَلَزِمَهُ الضَّمَانُ ، كَالْغَاصِبِ .\rوَلَا نَقُولُ بِمُشَارَكَتِهِ فِي الرِّبْحِ ، فَلَا يَتَنَاوَلُهُ قَوْلُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَمَتَى اشْتَرَى مَا لَمْ يُؤْذَنْ فِيهِ ، فَرَبِحَ فِيهِ ، فَالرِّبْحُ لِرَبِّ الْمَالِ ، نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .\rوَبِهِ قَالَ أَبُو قِلَابَةَ ، وَنَافِعٌ وَعَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّهُمَا يَتَصَدَّقَانِ بِالرِّبْحِ .\rوَبِهِ قَالَ الشَّعْبِيُّ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَالْحَكَمُ ، وَحَمَّادٌ .\rقَالَ الْقَاضِي : قَوْلُ أَحْمَدَ : يَتَصَدَّقَانِ بِالرِّبْحِ .\rعَلَى سَبِيلِ الْوَرَعِ ، وَهُوَ لِرَبِّ الْمَالِ فِي الْقَضَاءِ .\rوَهَذَا قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ .\rوَقَالَ إيَاسُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ، وَمَالِكٌ : الرِّبْحُ عَلَى مَا شَرَطَاهُ ؛ لِأَنَّهُ نَوْعُ تَعَدٍّ ، فَلَا يَمْنَعُ كَوْنَ الرِّبْحِ بَيْنَهُمَا عَلَى مَا شَرَطَاهُ ، كَمَا لَوْ لَبِسَ الثَّوْبَ ، وَرَكِبَ دَابَّةً لَيْسَ لَهُ رُكُوبُهَا .\rوَقَالَ الْقَاضِي : إذَا اشْتَرَى فِي الذِّمَّةِ ، ثُمَّ نَقَدَ الْمَالَ ، فَالرِّبْحُ لِرَبِّ الْمَالِ .\rوَإِنْ اشْتَرَى بِعَيْنِ الْمَالِ ، فَالشِّرَاءُ بَاطِلٌ ، فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ .\rوَالْأُخْرَى هُوَ مَوْقُوفٌ عَلَى إجَازَةِ الْمَالِكِ ، فَإِنْ أَجَازَهُ ، صَحَّ ، وَإِلَّا بَطَلَ .\rوَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ ، نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ .\rوَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : لَمْ يَرْوِ أَنَّهُ يَتَصَدَّقُ بِالرِّبْحِ إلَّا حَنْبَلٌ .\rوَاحْتَجَّ أَحْمَدُ بِحَدِيثِ عُرْوَةَ الْبَارِقِيِّ ، وَهُوَ","part":10,"page":189},{"id":4689,"text":"مَا رَوَى أَبُو لَبِيدٍ ، عَنْ عُرْوَةَ بْن الْجَعْدِ ، قَالَ : { عَرَضَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَلَبٌ ، فَأَعْطَانِي دِينَارًا ، فَقَالَ : عُرْوَةُ ، ائْتِ الْجَلَبَ ، فَاشْتَرِ لَنَا شَاةً .\rفَأَتَيْت الْجَلَبَ ، فَسَاوَمْت صَاحِبَهُ ، فَاشْتَرَيْت شَاتَيْنِ بِدِينَارٍ ، فَجِئْت أَسُوقُهُمَا أَوْ أَقُودُهُمَا ، فَلَقِيَنِي رَجُلٌ بِالطَّرِيقِ ، فَسَاوَمَنِي ، فَبِعْت مِنْهُمَا شَاةً بِالدِّينَارِ ، فَجِئْت بِالدِّينَارِ وَبِالشَّاةِ ، فَقُلْت : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، هَذَا دِينَارُكُمْ ، وَهَذِهِ شَاتُكُمْ .\rقَالَ : وَكَيْفَ صَنَعْت ؟ فَحَدَّثْتُهُ الْحَدِيثَ ، فَقَالَ : اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُ فِي صَفْقَةِ يَمِينِهِ .\r} رَوَاهُ الْأَثْرَمُ .\rوَلِأَنَّهُ نَمَاءُ مَالِ غَيْرِهِ ، بِغَيْرِ إذْنِ مَالِكِهِ ، فَكَانَ لِمَالِكِهِ ، كَمَا لَوْ غَصَبَ حِنْطَةً فَزَرَعَهَا .\rفَأَمَّا الْمُضَارِبُ ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، لَا شَيْءَ لَهُ ؛ لِأَنَّهُ عَقَدَ عَقْدًا لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فِيهِ ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ ، كَالْغَاصِبِ .\rوَهَذَا اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ .\rوَالثَّانِيَةُ ، لَهُ أَجْرٌ ؛ لِأَنَّ رَبَّ الْمَالِ رَضِيَ بِالْبَيْعِ ، وَأَخَذَ الرِّبْحَ ، فَاسْتَحَقَّ الْعَامِلُ عِوَضًا ، كَمَا لَوْ عَقَدَهُ بِإِذْنٍ .\rوَفِي قَدْرِ الْأَجْرِ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، أَجْرُ ، مِثْلِهِ ، مَا لَمْ يُحِطْ بِالرِّبْحِ ؛ لِأَنَّهُ عَمِلَ مَا يَسْتَحِقُّ بِهِ الْعِوَضَ ، وَلَمْ يُسَلَّمْ لَهُ الْمُسَمَّى ، فَكَانَ لَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ ، كَالْمُضَارَبَةِ .\rالْفَاسِدَةِ ، وَالثَّانِيَةُ ، لَهُ الْأَقَلُّ مِنْ الْمُسَمَّى أَوْ أَجْرِ الْمِثْلِ ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ الْأَقَلُّ الْمُسَمَّى ، فَقَدْ رَضِيَ بِهِ ، فَلَمْ يَسْتَحِقَّ أَكْثَرَ مِنْهُ ، وَإِنْ كَانَ الْأَقَلُّ أَجْرَ الْمِثْلِ ، لَمْ يَسْتَحِقَّ أَكْثَرَ مِنْهُ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ مَا رَضِيَ بِهِ .\rوَإِنْ قَصَدَ الشِّرَاءَ لِنَفْسِهِ ، فَلَا أَجْرَ لَهُ ، رِوَايَةً وَاحِدَةً .\rوَقَالَ الْقَاضِي وَأَبُو الْخَطَّابِ : إنْ اشْتَرَى فِي ذِمَّتِهِ ، ثُمَّ نَقَدَ الْمَالَ ، فَلَا أَجْرَ لَهُ ، رِوَايَةً وَاحِدَةً ، وَإِنْ اشْتَرَى بِعَيْنِ الْمَالِ ، فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ .","part":10,"page":190},{"id":4690,"text":"( 3683 ) فَصْلٌ : وَعَلَى الْعَامِلِ أَنْ يَتَوَلَّى بِنَفْسِهِ كُلَّ مَا جَرَتْ الْعَادَةُ أَنْ يَتَوَلَّاهُ الْمُضَارِبُ بِنَفْسِهِ ؛ مِنْ نَشْرِ الثَّوْبِ ، وَطَيِّهِ ، وَعَرْضِهِ عَلَى الْمُشْتَرِي ، وَمُسَاوَمَتِهِ ، وَعَقْدِ الْبَيْعِ مَعَهُ ، وَأَخَذَ الثَّمَنِ ، وَانْتِقَادِهِ ، وَشَدِّ الْكِيسِ ، وَخَتْمِهِ ، وَإِحْرَازِهِ فِي الصُّنْدُوقِ ، وَنَحْوِ ذَلِكَ .\rوَلَا أَجْرَ لَهُ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَحِقٌّ لِلرِّبْحِ فِي مُقَابَلَتِهِ .\rفَإِنْ اسْتَأْجَرَ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ ، فَالْأَجْرُ عَلَيْهِ خَاصَّةً ؛ لِأَنَّ الْعَمَلَ عَلَيْهِ .\rفَأَمَّا مَا لَا يَلِيهِ الْعَامِلُ فِي الْعَادَةِ ؛ مِثْلُ النِّدَاءِ عَلَى الْمَتَاعِ ، وَنَقْلِهِ إلَى الْخَانِ ، فَلَيْسَ عَلَى الْعَامِلِ عَمَلُهُ ، وَلَهُ أَنْ يَكْتَرِيَ مَنْ يَعْمَلُهُ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ لِأَنَّ الْعَمَلَ فِي الْمُضَارَبَةِ غَيْرُ مَشْرُوطٍ ، لِمَشَقَّةِ اشْتِرَاطِهِ ، فَرُجِعَ فِيهِ إلَى الْعُرْفِ .\rفَإِنْ فَعَلَ الْعَامِلُ مَا لَا يَلْزَمُهُ فِعْلُهُ مُتَبَرِّعًا ، فَلَا أَجْرَ لَهُ .\rوَإِنْ فَعَلَهُ لِيَأْخُذَ عَلَيْهِ أَجْرًا ، فَلَا شَيْءَ لَهُ أَيْضًا ، فِي الْمَنْصُوصِ عَنْ أَحْمَدَ .\rوَخَرَّجَ أَصْحَابُنَا وَجْهًا ، إنَّ لَهُ الْأَجْرَ ، بِنَاءً عَلَى الشَّرِيكِ إذَا انْفَرَدَ بِعَمَلِ لَا يَلْزَمُهُ ، هَلْ لَهُ أَجْرٌ لِذَلِكَ ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ .\rوَهَذَا مِثْلُهُ .\rوَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا شَيْءَ لَهُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ عَمِلَ فِي مَالِ غَيْرِهِ عَمَلًا لَمْ يُجْعَلْ لَهُ فِي مُقَابَلَتِهِ شَيْءٌ ، فَلَمْ يَسْتَحِقّ شَيْئًا ، كَالْأَجْنَبِيِّ .","part":10,"page":191},{"id":4691,"text":"( 3684 ) فَصْلٌ : وَإِذَا سُرِقَ مَالُ الْمُضَارَبَةِ أَوْ غُصِبَ ، فَعَلَى الْمُضَارِبِ طَلَبُهُ ، وَالْمُخَاصَمَةُ فِيهِ ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ ، وَفِي الْآخَرِ ، لَيْسَ عَلَيْهِ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الْمُضَارَبَةَ عَقْدٌ عَلَى التِّجَارَةِ ، فَلَا تَدْخُلُ فِيهِ الْخُصُومَةُ .\rوَالْأَوَّلُ أَوْلَى ؛ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي حِفْظَ الْمَالِ ، وَلَا يَتِمُّ ذَلِكَ إلَّا بِالْخُصُومَةِ وَالْمُطَالَبَةِ ، سِيَّمَا إذَا كَانَ غَائِبًا عَنْ رَبِّ الْمَالِ ، إمَّا لِسَفَرِ الْمُضَارِبِ ، أَوْ رَبِّ الْمَالِ ، فَإِنَّهُ لَا يُطَالِبَ بِهِ إلَّا الْمُضَارِبُ ، فَإِنْ تَرَكَهُ ضَاعَ .\rفَعَلَى هَذَا إنْ تَرَكَ الْخُصُومَةَ وَالطَّلَبَ بِهِ فِي هَذِهِ الْحَالِ ، غَرِمَهُ ؛ لِأَنَّهُ ضَيَّعَهُ وَفَرَّطَ فِيهِ .\rوَإِنْ كَانَ رَبُّ الْمَالِ حَاضِرًا ، وَعَلِمَ الْحَالَ ، لَمْ يَلْزَمْ الْعَامِلَ طَلَبُهُ ، وَلَا يَضْمَنُهُ إذَا تَرَكَهُ ؛ لِأَنَّ رَبَّ الْمَالِ أَوْلَى بِذَلِكَ مِنْ وَكِيلِهِ .","part":10,"page":192},{"id":4692,"text":"( 3685 ) فَصْلٌ : وَإِذَا اشْتَرَى لِلْمُضَارَبَةِ عَبْدًا ، فَقَتَلَهُ عَبْدٌ لِغَيْرِهِ ، وَلَمْ يَكُنْ ظَهَرَ فِي الْمَالِ رِبْحٌ ، فَالْأَمْرُ إلَى رَبِّ الْمَالِ ، إنْ شَاءَ اقْتَصَّ ، وَإِنْ شَاءَ عَفَا عَلَى غَيْرِ مَالٍ ، وَتَبْطُلُ الْمُضَارَبَةُ فِيهِ ؛ لِذَهَابِ رَأْسِ الْمَالِ .\rوَإِنْ شَاءَ عَفَا عَلَى مَالٍ ، فَإِنْ عَفَا عَلَى مَالٍ مِثْلِ رَأْسِ الْمَالِ ، أَوْ أَقَلَّ ، أَوْ أَكْثَرَ ، فَالْمُضَارَبَةُ بِحَالِهَا ، وَالرِّبْحُ بَيْنَهُمَا عَلَى شَرْطِهِمَا ؛ لِأَنَّهُ وُجِدَ بَدَلٌ عَنْ رَأْسِ الْمَالِ ، فَهُوَ كَمَا لَوْ وَجَدَ بَدَلَهُ بِالْبَيْعِ وَإِنْ كَانَ فِي الْعَبْدِ رِبْحٌ ، فَالْقِصَاصُ إلَيْهِمَا ، وَالْمُصَالَحَةُ كَذَلِكَ ؛ لِكَوْنِهِمَا شَرِيكَيْنِ فِيهِ .\rوَالْحُكْمُ فِي انْفِسَاخِ الْمُضَارَبَةِ وَبَقَائِهَا عَلَى مَا تَقَدَّمَ .","part":10,"page":193},{"id":4693,"text":"( 3686 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَلَيْسَ لِلْمُضَارِبِ رِبْحٌ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ رَأْسَ الْمَالِ ) يَعْنِي أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ أَخْذَ شَيْءٍ مِنْ الرِّبْحِ حَتَّى يُسَلِّمَ رَأْسَ الْمَالِ إلَى رَبِّهِ ، وَمَتَى كَانَ فِي الْمَالِ خُسْرَانٌ ، وَرِبْحٌ ، جُبِرَتْ الْوَضِيعَةُ مِنْ الرِّبْحِ ، سَوَاءٌ كَانَ الْخُسْرَانُ وَالرِّبْحُ فِي مَرَّةٍ وَاحِدَةٍ ، أَوْ الْخُسْرَانُ فِي صَفْقَةٍ وَالرِّبْحُ فِي أُخْرَى ، أَوْ أَحَدُهُمَا فِي سَفْرَةٍ وَالْآخَرُ فِي أُخْرَى ؛ لِأَنَّ مَعْنَى الرِّبْحِ هُوَ الْفَاضِلُ عَنْ رَأْسِ الْمَالِ ، وَمَا لَمْ يَفْضُلْ فَلَيْسَ بِرِبْحِ .\rوَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا ، وَأَمَّا مِلْكُ الْعَامِلِ لِنَصِيبِهِ مِنْ الرِّبْحِ بِمُجَرَّدِ الظُّهُورِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ ، فَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يَثْبُتُ .\rهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الْقَاضِي مَذْهَبًا .\rوَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَحَكَى أَبُو الْخَطَّابِ رِوَايَةً أُخْرَى ، أَنَّهُ لَا يَمْلِكُهُ إلَّا بِالْقِسْمَةِ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ ، كَالْمَذْهَبَيْنِ .\rوَاحْتَجَّ مَنْ لَمْ يُمَلِّكْهُ بِأَنَّهُ لَوْ مَلَكَهُ لَاخْتَصَّ بِرِبْحِهِ ، وَلَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ شَرِيكًا لِرَبِّ الْمَالِ ، كَشَرِيكَيْ الْعِنَانِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الشَّرْطَ صَحِيحٌ ، فَيَثْبُتُ مُقْتَضَاهُ ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ لَهُ جُزْءٌ مِنْ الرِّبْحِ ، فَإِذَا وُجِدَ يَجِبُ أَنْ يَمْلِكَهُ بِحُكْمِ الشَّرْطِ ، كَمَا يَمْلِكُ الْمُسَاقِي حِصَّتَهُ مِنْ الثَّمَرَةِ لِظُهُورِهَا ، وَقِيَاسًا عَلَى كُلِّ شَرْطٍ صَحِيحٍ فِي عَقْدٍ ، وَلِأَنَّ هَذَا الرِّبْحَ مَمْلُوكٌ ، فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ مَالِكٍ ، وَرَبُّ الْمَالِ لَا يَمْلِكُهُ اتِّفَاقًا ، وَلَا تَثْبُتُ أَحْكَامُ الْمِلْكِ فِي حَقِّهِ ، فَلَزِمَ أَنْ يَكُونَ لِلْمُضَارِبِ ، وَلِأَنَّهُ يَمْلِكُ الْمُطَالَبَةَ بِالْقِسْمَةِ ؛ فَكَانَ مَالِكًا كَأَحَدِ شَرِيكَيْ الْعِنَانِ .\rوَلَا يَمْنَعُ أَنْ يَمْلِكَهُ ، وَيَكُونَ وِقَايَةً لِرَأْسِ الْمَالِ ، كَنَصِيبِ رَبِّ الْمَالِ مِنْ الرِّبْحِ ، وَبِهَذَا امْتَنَعَ اخْتِصَاصُهُ بِرِبْحِهِ ، وَلِأَنَّهُ لَوْ اخْتَصَّ بِرِبْحِ نَصِيبِهِ لَاسْتَحَقَّ مِنْ الرِّبْحِ أَكْثَرَ مِمَّا شَرَطَ","part":10,"page":194},{"id":4694,"text":"لَهُ ، وَلَا يَثْبُتُ بِالشَّرْطِ مَا يُخَالِفُ مُقْتَضَاهُ .\rقَالَ أَحْمَدُ إذَا وَطِئَ الْمُضَارِبُ جَارِيَةً مِنْ الْمُضَارَبَةِ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ ظَهَرَ فِي الْمَالِ رِبْحٌ ، لَمْ تَكُنْ أُمَّ وَلَدِهِ ، وَإِنْ ظَهَرَ فِيهِ رِبْحٌ ، فَهِيَ أُمُّ وَلَدِهِ .\rوَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَمْلِكُ الرِّبْحَ بِالظُّهُورِ .","part":10,"page":195},{"id":4695,"text":"( 3687 ) فَصْل : وَإِذَا دَفَعَ إلَى رَجُلٍ مِائَةً مُضَارَبَةً ، فَخَسِرَ عَشَرَةً ، ثُمَّ أَخَذَ رَبُّ الْمَالِ مِنْهَا عَشَرَةً ، فَإِنَّ الْخُسْرَانَ لَا يَنْقُصُ بِهِ رَأْسُ الْمَالِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَرْبَحُ فَيَجْبُرُ الْخُسْرَانَ ، لَكِنَّهُ يَنْقُصُ بِمَا أَخَذَهُ رَبُّ الْمَالِ ، وَهِيَ الْعَشَرَةُ ، وَقِسْطُهَا مِنْ الْخُسْرَانِ ، وَهُوَ دِرْهَمٌ وَتُسْعُ دِرْهَمٍ ، وَيَبْقَى رَأْسُ الْمَالِ ثَمَانِينَ وَثَمَانِيَةَ دَرَاهِمَ وَثَمَانِيَةَ أَتْسَاعِ دِرْهَمٍ .\rوَإِنْ كَانَ أَخَذَ نِصْفَ التِّسْعِينَ الْبَاقِيَةِ ، وَبَقِيَ رَأْسُ الْمَالِ خَمْسِينَ ؛ لِأَنَّهُ أَخَذَ نِصْفَ الْمَالِ ، فَسَقَطَ نِصْفُ الْخُسْرَانِ .\rوَإِنْ كَانَ أَخَذَ خَمْسِينَ ، بَقِيَ أَرْبَعَةٌ وَأَرْبَعُونَ وَأَرْبَعَةُ أَتْسَاعٍ .\rوَكَذَلِكَ إذَا رَبِحَ الْمَالُ ، ثُمَّ أَخَذَ رَبُّ الْمَالِ بَعْضَهُ ، كَانَ مَا أَخَذَهُ مِنْ الرِّبْحِ وَرَأْسِ الْمَالِ ، فَلَوْ كَانَ رَأْسُ الْمَالِ مِائَةً فَرَبِحَ عِشْرِينَ ، فَأَخَذَهَا رَبُّ الْمَالِ ، لَبَقِيَ رَأْسُ الْمَالِ ثَلَاثَةً وَثَمَانِينَ وَثُلُثًا ؛ لِأَنَّهُ أَخَذَ سُدُسَ الْمَالِ ، فَنَقَصَ رَأْسُ الْمَالِ سُدُسَهُ ، وَهُوَ سِتَّةَ عَشَرَ وَثُلُثَانِ ، وَحَظُّهَا مِنْ الرِّبْحِ ثَلَاثَةُ وَثُلُثٌ .\rوَلَوْ كَانَ أَخَذَ سِتِّينَ ، بَقِيَ رَأْسُ الْمَالِ خَمْسِينَ ؛ لِأَنَّهُ أَخَذَ نِصْفَ الْمَالِ ، فَبَقِيَ نِصْفُ الْمَالِ .\rوَإِنْ أَخَذَ خَمْسِينَ ، بَقِيَ ثَمَانِيَةً وَخَمْسِينَ وَثُلُثًا ؛ لِأَنَّهُ أَخَذَ رُبْعَ الْمَالِ وَسُدُسَهُ ، فَبَقِيَ ثُلُثُهُ وَرُبْعُهُ ، وَهُوَ مَا ذَكَرْنَا .\rوَإِنْ أَخَذَ مِنْهُ سِتِّينَ ، ثُمَّ خَسِرَ فِي الْبَاقِي فَصَارَ أَرْبَعِينَ ، فَرَدَّهَا ، كَانَ لَهُ عَلَى رَبِّ الْمَالِ خَمْسَةٌ ؛ لِأَنَّ مَا أَخَذَهُ رَبُّ الْمَالِ انْفَسَخَتْ فِيهِ الْمُضَارَبَةُ ، فَلَا يَجْبُرُ بِرِبْحِهِ خُسْرَانَ مَا بَقِيَ فِي يَدِهِ ، لِمُفَارَقَتِهِ إيَّاهُ ، وَقَدْ أَخَذَ مِنْ الرِّبْحِ عَشَرَةً ، لِأَنَّ سُدُسَ مَا أَخَذَهُ رِبْحٌ ، فَكَانَتْ الْعَشَرَةُ بَيْنَهُمَا .\rوَإِنْ لَمْ يَرُدَّ الْأَرْبَعِينَ كُلَّهَا ، بَلْ رَدَّ مِنْهَا إلَى رَبِّ الْمَالِ عِشْرِينَ ، بَقِيَ ، رَأْسُ الْمَالِ خَمْسَةً وَعِشْرِينَ .","part":10,"page":196},{"id":4696,"text":"( 3688 ) فَصْلٌ : إذَا اشْتَرَى رَبُّ الْمَالِ مِنْ مَالِ الْمُضَارَبَةِ شَيْئًا لِنَفْسِهِ ، لَمْ يَصِحَّ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ .\rوَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَيَصِحُّ فِي الْأُخْرَى .\rوَبِهِ قَالَ مَالِكٌ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ لِأَنَّهُ قَدْ تَعَلَّقَ حَقُّ الْمُضَارِبِ بِهِ فَجَازَ لَهُ شِرَاؤُهُ ، وَكَمَا لَوْ اشْتَرَى مِنْ مُكَاتَبِهِ أَوْ مِنْ عَبْدِهِ الْمَأْذُونِ الَّذِي عَلَيْهِ دَيْنٌ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ مَلَكَهُ ، فَلَمْ يَصِحَّ شِرَاؤُهُ لَهُ ، كَشِرَائِهِ مِنْ وَكِيلِهِ وَعَبْدِهِ الْمَأْذُونِ الَّذِي لَا دَيْنَ عَلَيْهِ .\rوَفَارَقَ الْمُكَاتَبَ ؛ فَإِنَّ السَّيِّدَ لَا يَمْلِكُ مَا فِي يَدِهِ ، وَلِهَذَا لَا يُزَكِّيهِ ، وَلَهُ أَخْذُ مَا فِيهِ شُفْعَةٌ بِهَا .\rفَأَمَّا الْمَأْذُونُ لَهُ ، فَلَا يَصِحُّ شِرَاءُ سَيِّدِهِ مِنْهُ بِحَالٍ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يَصِحَّ إذَا اسْتَغْرَقَتْهُ الدُّيُونُ ؛ لِأَنَّ الْغُرَمَاءَ يَأْخُذُونَ مَا فِي يَدِهِ .\rوَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ ؛ لِأَنَّ مِلْكَ السَّيِّدِ لَمْ يَزُلْ عَنْهُ ، وَإِنْ اسْتَحَقَّ أَخْذَهُ ، كَمَالِ الْمُفْلِسِ .","part":10,"page":197},{"id":4697,"text":"( 3689 ) فَصْل : وَإِنْ اشْتَرَى الْمُضَارِبُ لِنَفْسِهِ مِنْ مَالِ الْمُضَارَبَةِ ، وَلَمْ يَظْهَرْ فِي الْمَالِ رِبْحٌ ، صَحَّ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَإِسْحَاقُ وَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ .\rوَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ : الْبَيْعُ بَاطِلٌ ؛ لِأَنَّهُ شَرِيكٌ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ مِلْكٌ لِغَيْرِهِ ، فَصَحَّ شِرَاؤُهُ لَهُ ، كَمَا لَوْ اشْتَرَى الْوَكِيلُ مِنْ مُوَكِّلِهِ ، وَإِنَّمَا يَكُونُ شَرِيكًا إذَا ظَهَرَ رِبْحٌ ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُشَارِكُ رَبَّ الْمَالِ فِي الرِّبْحِ ، لَا فِي أَصْلِ الْمَالِ ، وَمَتَى ظَهَرَ فِي الْمَالِ رِبْحٌ كَانَ شِرَاؤُهُ كَشِرَاءِ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ ، عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ .","part":10,"page":198},{"id":4698,"text":"فَصْلٌ : وَإِنْ اشْتَرَى أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ مِنْ مَالِ الشَّرِكَةِ شَيْئًا ، بَطَلَ فِي قَدْرِ حَقِّهِ ؛ لِأَنَّهُ مِلْكُهُ ، وَهَلْ يَصِحُّ فِي حِصَّةِ شَرِيكِهِ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ ، بِنَاءً عَلَى تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ .\rوَتَتَخَرَّجُ الصِّحَّةُ فِي الْجَمِيعِ ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ لِرَبِّ الْمَالِ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْ مَالِ الْمُضَارَبَةِ لِنَفْسِهِ .\rوَإِنْ اشْتَرَى أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ حِصَّةَ شَرِيكِهِ مِنْهُ ، جَازَ ؛ لِأَنَّهُ يَشْتَرِي مِلْكَ غَيْرِهِ .\rوَقَالَ أَحْمَدُ فِي الشَّرِيكَيْنِ فِي الطَّعَامِ ، يُرِيدُ أَحَدُهُمَا بَيْعَ حِصَّتِهِ مِنْ صَاحِبِهِ : إنْ لَمْ يَكُونَا يَعْلَمَانِ كَيْلَهُ فَلَا بَأْسَ ، وَإِنْ عَلِمَا كَيْلَهُ فَلَا بُدَّ مِنْ كَيْلِهِ ، يَعْنِي أَنَّ مَنْ عَلِمَ مَبْلَغَ شَيْءٍ لَمْ يَبِعْهُ صُبْرَةً ، وَإِنْ بَاعَهُ إيَّاهُ بِالْكَيْلِ وَالْوَزْنِ ، جَازَ .","part":10,"page":199},{"id":4699,"text":"( 3691 ) فَصْلٌ : وَلَوْ اسْتَأْجَرَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ مِنْ صَاحِبِهِ دَارًا ، لِيَحْرُزَ فِيهَا مَالَ الشَّرِكَةِ أَوْ غَرَائِرَ ، جَازَ نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ .\rوَإِنْ اسْتَأْجَرَهُ لِنَقْلِ الطَّعَامِ ، أَوْ غُلَامِهِ ، أَوْ دَابَّتِهِ ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، الْجَوَازُ ؛ لِأَنَّ مَا جَازَ أَنْ يَسْتَأْجِرَ لَهُ غَيْرَ الْحَيَوَانِ ، جَازَ أَنْ يَسْتَأْجِرَ لَهُ الْحَيَوَانَ ، كَمَالِ الْأَجْنَبِيِّ .\rوَالْأُخْرَى ، لَا يَجُوزُ ؛ لِأَنَّ هَذَا لَا تَجِبُ الْأُجْرَةُ فِيهِ إلَّا بِالْعَمَلِ ، وَلَا يُمْكِنُ إيفَاءُ الْعَمَلِ فِي الْمُشْتَرَكِ ؛ لِأَنَّ نَصِيبَ الْمُسْتَأْجِرِ غَيْرُ مُتَمَيِّزٍ مِنْ نَصِيبِ الْمُؤَجَّرِ ، فَإِذَا لَا تَجِبُ الْأُجْرَةُ ، وَالدَّارُ وَالْغَرَائِزُ لَا يُعْتَبَرُ فِيهِمَا إيقَاعُ الْعَمَلِ ، إنَّمَا تَجِبُ بِوَضْعِ الْعَيْنِ فِي الدَّارِ ، فَيُمْكِنُ تَسْلِيمُ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ .","part":10,"page":200},{"id":4700,"text":"( 3692 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِذَا اشْتَرَى سِلْعَتَيْنِ ، فَرَبِحَ فِي إحْدَاهُمَا ، وَخَسِرَ فِي الْأُخْرَى ، جُبِرَتْ الْوَضِيعَةُ مِنْ الرِّبْحِ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ إذَا دَفَعَ إلَى الْمُضَارِبِ أَلْفَيْنِ ، فَاشْتَرَى بِكُلِّ أَلْفٍ عَبْدًا ، فَرِبْحَ فِي أَحَدِهِمَا ، وَخَسِرَ فِي الْآخَرِ ، أَوْ تَلِفَ ، وَجَبَ جَبْرُ الْخُسْرَانِ مِنْ الرِّبْحِ ، وَلَا يَسْتَحِقُّ الْمُضَارِبُ شَيْئًا إلَّا بَعْدَ كَمَالِ الْأَلْفَيْنِ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ إلَّا فِيمَا إذَا تَلِفَ أَحَدُ الْعَبْدَيْنِ ، فَإِنَّ أَصْحَابَهُ ذَكَرُوا فِيهِ وَجْهًا ثَانِيًا ، أَنَّ التَّالِفَ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ ؛ لِأَنَّهُ بَدَلُ أَحَدِ الْأَلْفَيْنِ ، وَلَوْ تَلِفَ أَحَدُ الْأَلْفَيْنِ ، كَانَ رَأْسَ الْمَالِ ، فَكَذَلِكَ بَدَلُهُ .\rوَلَنَا أَنَّهُ تَلِفَ بَعْدَ أَنْ دَارَ فِي الْقِرَاضِ ، وَتَصَرَّفَ فِي الْمَالِ بِالتِّجَارَةِ ، فَكَانَ تَلَفُهُ مِنْ الرِّبْحِ ، كَمَا لَوْ كَانَ رَأْسُ الْمَالِ دِينَارًا وَاحِدًا ، فَاشْتَرَى بِهِ سِلْعَتَيْنِ ، وَلِأَنَّهُمَا سِلْعَتَانِ تُجْبَرُ خَسَارَةُ إحْدَاهُمَا بِرِبْحِ الْأُخْرَى ، فَجُبِرَ تَلَفُهَا بِهِ ، كَمَا لَوْ كَانَ رَأْسُ الْمَالِ دِينَارًا ، وَلِأَنَّهُ رَأْسُ مَالٍ ، وَاحِدٍ ، فَلَا يَسْتَحِقُّ الْمُضَارِبُ فِيهِ رِبْحًا حَتَّى يَكْمُلَ رَأْسُ الْمَالِ ، كَاَلَّذِي ذَكَرْنَا .\rفَأَمَّا إنْ تَلِفَ أَحَدُ الْأَلْفَيْنِ قَبْلَ الشِّرَاءِ بِهِ وَالتَّصَرُّفِ فِيهِ ، أَوْ تَلِفَ بَعْضُهُ ، انْفَسَخَتْ الْمُضَارَبَةُ فِيمَا تَلِفَ ، وَكَانَ رَأْسُ الْمَالِ الْبَاقِي خَاصَّةً وَقَالَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ : مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ أَنَّ التَّالِفَ مِنْ الرِّبْحِ وَرَأْسِ الْمَالِ الْأَلْفَانِ مَعًا ؛ لِأَنَّ الْمَالَ إنَّمَا يَصِيرُ قِرَاضًا بِالْقَبْضِ ، فَلَا فَرْقَ بَيْنَ هَلَاكِهِ قَبْلَ التَّصَرُّفِ وَبَعْدَهُ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ مَالٌ هَلَكَ عَلَى جِهَتِهِ قَبْلَ التَّصَرُّفِ فِيهِ ، فَكَانَ رَأْسُ الْمَالِ الْبَاقِي ، كَمَا لَوْ تَلِفَ قَبْلَ الْقَبْضِ وَفَارَقَ مَا بَعْدَ التَّصَرُّفِ ؛ لِأَنَّهُ دَارَ فِي التِّجَارَةِ ، وَشَرَعَ فِيمَا قُصِدَ بِالْعَقْدِ مِنْ التَّصَرُّفَاتِ الْمُؤَدِّيَةِ إلَى الرِّبْحِ .","part":10,"page":201},{"id":4701,"text":"فَصْلٌ : وَإِذَا دَفَعَ إلَيْهِ أَلْفًا مُضَارَبَةً ، ثُمَّ دَفَعَ إلَيْهِ أَلْفًا آخَرَ مُضَارَبَةً ، وَأَذِنَ لَهُ فِي ضَمِّ أَحَدِهِمَا إلَى الْآخَرِ قَبْلَ التَّصَرُّفِ فِي الْأَوَّلِ ، جَازَ ، وَصَارَا مُضَارَبَةً وَاحِدَةً ، كَمَا لَوْ دَفَعَهُمَا إلَيْهِ مَرَّةً وَاحِدَةً .\rوَإِنْ كَانَ بَعْدَ التَّصَرُّفِ فِي الْأَوَّلِ فِي شِرَاءِ الْمَتَاعِ ، لَمْ يَجُزْ ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْأَوَّلِ اسْتَقَرَّ ، فَكَانَ رِبْحُهُ وَخُسْرَانُهُ مُخْتَصًّا بِهِ ، فَضَمُّ الثَّانِي إلَيْهِ يُوجِبُ جُبْرَانَ خُسْرَانِ أَحَدِهِمَا بِرِبْحِ الْآخَرِ ، فَإِذَا شَرَطَ ذَلِكَ فِي الثَّانِي فَسَدَ .\rفَإِنْ نَضَّ ، الْأَوَّلُ ، جَازَ ضَمُّ الثَّانِي إلَيْهِ لِزَوَالِ هَذَا الْمَعْنَى .\rوَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ فِي ضَمِّ الثَّانِي إلَى الْأَوَّلِ ، لَمْ يَجُزْ لَهُ ذَلِكَ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .\rوَقَالَ إِسْحَاقُ لَهُ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِي الْأَوَّلِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ أَفْرَدَ كُلَّ وَاحِدٍ بِعَقْدِ ، فَكَانَا عَقْدَيْنِ لِكُلِّ عَقْدٍ حُكْمُ نَفْسِهِ ، وَلَا تُجْبَرُ وَضِيعَةُ أَحَدِهِمَا بِرِبْحِ الْآخَرِ ، كَمَا لَوْ نَهَاهُ عَنْ ذَلِكَ .\r( 3694 ) فَصْلٌ : قَالَ الْأَثْرَمُ : سَمِعْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يُسْأَلُ عَنْ الْمُضَارِبِ بِرِبْحٍ ، وَيَضَعُ مِرَارًا .\rفَقَالَ : يَرُدُّ الْوَضِيعَةَ عَلَى الرِّبْحِ ، إلَّا أَنْ يَقْبِضَ الْمَالَ صَاحِبُهُ ، ثُمَّ يَرُدُّهُ إلَيْهِ ، فَيَقُولُ : اعْمَلْ بِهِ ثَانِيَةً .\rفَمَا رَبِحَ بَعْدَ ذَلِكَ لَا تُجْبَرُ بِهِ وَضِيعَةُ الْأَوَّلِ ، فَهَذَا لَيْسَ فِي نَفْسِي مِنْهُ شَيْءٌ ، وَأَمَّا مَا لَمْ يَدْفَعْ إلَيْهِ ، فَحَتَّى يَحْتَسِبَا حِسَابًا كَالْقَبْضِ ، كَمَا قَالَ ابْنُ سِيرِينَ قِيلَ : وَكَيْفَ يَكُونُ حِسَابًا كَالْقَبْضِ ؟ قَالَ : يَظْهَرُ الْمَالُ .\rيَعْنِي يَنِضُّ وَيَجِيءُ ، فَيَحْتَسِبَانِ عَلَيْهِ ، فَإِنْ شَاءَ صَاحِبُ الْمَالِ قَبَضَهُ .\rقِيلَ لَهُ : فَيَحْتَسِبَانِ عَلَى الْمَتَاعِ ؟ فَقَالَ : لَا يَحْتَسِبَانِ إلَّا عَلَى النَّاضِّ ؛ لِأَنَّ الْمَتَاعَ قَدْ يَنْحَطُّ سِعْرُهُ وَيَرْتَفِعُ .\rقَالَ أَبُو طَالِبٍ : قِيلَ لِأَحْمَدَ رَجُلٌ دَفَعَ إلَى رَجُلٍ عَشَرَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ مُضَارَبَةً ، فَوَضَعَ ،","part":10,"page":202},{"id":4702,"text":"فَبَقِيَتْ أَلْفٌ ، فَحَاسَبَهُ صَاحِبُهَا ، ثُمَّ قَالَ لَهُ : اذْهَبْ فَاعْمَلْ بِهَا .\rفَرَبِحَ ؟ قَالَ : يُقَاسِمُهُ مَا فَوْقَ الْأَلْفِ .\rيَعْنِي إذَا كَانَتْ الْأَلْفُ نَاضَّةً حَاضِرَةً ، إنْ شَاءَ صَاحِبُهَا قَبَضَهَا .\rفَهَذَا الْحِسَابُ الَّذِي كَالْقَبْضِ ، فَيَكُونُ أَمْرُهُ بِالْمُضَارَبَةِ بِهَا فِي هَذِهِ الْحَالِ ابْتِدَاءَ مُضَارَبَةٍ ثَانِيَةٍ ، كَمَا لَوْ قَبَضَهَا مِنْهُ ثُمَّ رَدَّهَا إلَيْهِ .\rفَأَمَّا قَبْلَ ذَلِكَ ، فَلَا شَيْءِ لِلْمُضَارِبِ حَتَّى يُكْمِلَ عَشْرَةَ آلَافٍ ، وَلَوْ أَنَّ رَبَّ الْمَالِ وَالْمُضَارِبَ اقْتَسَمَا الرِّبْحَ ، أَوْ أَخَذَ أَحَدُهُمَا مِنْهُ شَيْئًا بِإِذْنِ صَاحِبِهِ ، وَالْمُضَارَبَةُ بِحَالِهَا ، ثُمَّ سَافَرَ الْمُضَارِبُ بِهِ ، فَخَسِرَ ، كَانَ عَلَى الْمُضَارِبِ رَدُّ مَا أَخَذَهُ مِنْ الرِّبْحِ ؛ لِأَنَّنَا تَبَيَّنَّا أَنَّهُ لَيْسَ بِرِبْحٍ ، مَا لَمْ تَنْجَبِرْ الْخَسَارَةُ .","part":10,"page":203},{"id":4703,"text":"( 3695 ) فَصْلٌ : وَإِذَا قَارَضَ فِي مَرَضِهِ ، صَحَّ ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ يَبْتَغِي بِهِ الْفَضْلَ ، فَأَشْبَهَ الْبَيْعَ وَالشِّرَاءَ .\rوَلِلْعَامِلِ مَا شَرَطَ لَهُ مِنْ الرِّبْحِ ، وَإِنْ زَادَ عَلَى شَرْطِ ، مِثْلِهِ ، وَإِلَّا يَحْتَسِبُ بِهِ مِنْ ثُلُثِهِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُسْتَحَقٍّ مِنْ مَالِ رَبِّ الْمَالِ ، وَإِنَّمَا حَصَلَ بِعَمَلِ الْمُضَارِبِ فِي الْمَالِ ، فَمَا يُوجَدُ مِنْ الرِّبْحِ الْمَشْرُوطِ يَحْدُثُ عَلَى مِلْكِ الْعَامِلِ ، بِخِلَافِ مَا لَوْ حَابَى الْأَجِيرَ فِي الْأَجْرِ ، فَإِنَّهُ يَحْتَسِبُ بِمَا حَابَاهُ مِنْ ثُلُثِهِ ؛ لِأَنَّ الْأَجْرَ يُؤْخَذُ مِنْ مَالِهِ .\rوَلَوْ شَرَطَ فِي الْمُسَاقَاةِ وَالْمُزَارَعَةِ أَكْثَرَ مِنْ أَجْرِ الْمِثْلِ ، احْتَمَلَ أَنْ لَا يَحْتَسِبَ بِهِ مِنْ ثُلُثِهِ ؛ لِأَنَّ الثَّمَرَةَ تَخْرُجُ عَلَى مِلْكَيْهِمَا ، كَالرِّبْحِ فِي الْمُضَارَبَةِ ، وَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ مِنْ ثُلُثِهِ ؛ لِأَنَّ الثَّمَرَةَ زِيَادَةٌ فِي مِلْكِهِ ، خَارِجَةٌ عَنْ عَيْنِهِ ، وَالرِّبْحُ لَا يَخْرُجُ مِنْ عَيْنِ الْمَالِ ، إنَّمَا يَحْصُلُ بِالتَّقْلِيبِ .","part":10,"page":204},{"id":4704,"text":"فَصْلٌ : وَإِذَا مَاتَ رَبُّ الْمَالِ ، قَدَّمْنَا حِصَّةَ الْعَامِلِ عَلَى غُرَمَائِهِ ، وَلَمْ يَأْخُذُوا شَيْئًا مِنْ نَصِيبِهِ ؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ الرِّبْحَ بِالظُّهُورِ ، فَكَانَ شَرِيكًا فِيهِ ، وَلَيْسَ لِرَبِّ الْمَالِ شَيْءٌ مِنْ نَصِيبِهِ ، فَهُوَ كَالشَّرِيكِ بِمَالِهِ ، وَلِأَنَّ حَقَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِعَيْنِ الْمَالِ دُونَ الذِّمَّةِ ، فَكَانَ مُقَدَّمًا ، كَحَقِّ الْجِنَايَةِ ، وَلِأَنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِالْمَالِ قَبْلَ الْمَوْتِ ، فَكَانَ أَسْبَقَ ، كَحَقِّ الرَّهْنِ .","part":10,"page":205},{"id":4705,"text":"( 3697 ) فَصْلٌ : وَإِنْ مَاتَ الْمُضَارِبُ وَلَمْ يُعْرَفْ مَالُ الْمُضَارَبَةِ بِعَيْنِهِ ، صَارَ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِ ، وَلِصَاحِبِهِ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَيْسَ عَلَى الْمُضَارِبِ شَيْءٌ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِي ذِمَّتِهِ وَهُوَ حَيٌّ شَيْءٌ ، وَلَمْ يُعْلَمْ حُدُوثُ ذَلِكَ بِالْمَوْتِ ، فَإِنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمَالُ قَدْ هَلَكَ .\rوَلَنَا أَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الْمَالِ فِي يَدِهِ ، وَاخْتِلَاطُهُ بِجُمْلَةِ التَّرِكَةِ ، وَلَا سَبِيلَ إلَى مَعْرِفَةِ عَيْنِهِ ، فَكَانَ دَيْنًا كَالْوَدِيعَةِ إذَا لَمْ تُعْرَفْ عَيْنُهَا ، وَلِأَنَّهُ لَا سَبِيلَ إلَى إسْقَاطِ حَقِّ رَبِّ الْمَالِ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاؤُهُ ، وَلَمْ يُوجَدْ مَا يُعَارِضُ ذَلِكَ وَيُخَالِفُهُ ، وَلَا سَبِيلَ إلَى إعْطَائِهِ عَيْنًا مِنْ هَذَا الْمَالِ ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ غَيْرِ مَالِ الْمُضَارَبَةِ ، فَلَمْ يَبْقَ إلَّا تَعَلُّقُهُ بِالذِّمَّةِ .","part":10,"page":206},{"id":4706,"text":"( 3698 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ ( وَإِذَا تَبَيَّنَ لِلْمُضَارِبِ أَنَّ فِي يَدِهِ فَضْلًا ، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَخْذُ شَيْءٍ مِنْهُ إلَّا بِإِذْنِ رَبِّ الْمَالِ ) .\rوَجُمْلَتُهُ أَنَّ الرِّبْحَ إذَا ظَهَرَ فِي الْمُضَارَبَةِ ، لَمْ يَجُزْ لِلْمُضَارِبِ أَخْذُ شَيْءٍ مِنْهُ بِغَيْرِ إذْنِ رَبٍّ الْمَالِ .\rلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ خِلَافًا .\rوَإِنَّمَا لَمْ يَمْلِكْ ذَلِكَ لَأُمُورٍ ثَلَاثَةٍ : أَحَدهَا ، إنَّ الرِّبْحَ وِقَايَةٌ لِرَأْسِ الْمَالِ ، فَلَا يَأْمَنُ الْخُسْرَانَ الَّذِي يَكُونُ هَذَا الرِّبْحُ جَابِرًا لَهُ ، فَيَخْرُجُ بِذَلِكَ عَنْ أَنْ يَكُونَ رِبْحًا .\rوَالثَّانِي ، إنَّ رَبَّ الْمَالِ شَرِيكُهُ ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ مُقَاسَمَةُ نَفْسِهِ .\rالثَّالِث ، أَنَّ مِلْكَهُ عَلَيْهِ غَيْرُ مُسْتَقِرٍّ ؛ لِأَنَّهُ بِعَرْضِ أَنْ يَخْرُجَ عَنْ يَدِهِ بِجُبْرَانِ خَسَارَةِ الْمَالِ .\rوَإِنْ أَذِنَ رَبُّ الْمَالِ فِي أَخْذِ شَيْءٍ ، جَازَ ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمَا ، لَا يَخْرُجُ عَنْهُمَا .","part":10,"page":207},{"id":4707,"text":"( 3699 ) فَصْلٌ : وَإِنْ طَلَبَ أَحَدُهُمَا قِسْمَةَ الرِّبْحِ دُونَ رَأْسِ الْمَالِ ، وَأَبَى الْآخَرُ ، قُدِّمَ قَوْلُ الْمُمْتَنِعِ ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ رَبَّ الْمَالِ ، فَلِأَنَّهُ لَا يَأْمَنُ الْخُسْرَانَ فِي رَأْسِ الْمَالِ ، فَيَجْبُرُهُ بِالرِّبْحِ ، وَإِنْ كَانَ الْعَامِلَ فَإِنَّهُ لَا يَأْمَنُ أَنْ يَلْزَمَهُ رَدُّ مَا أَخَذَ فِي وَقْتٍ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ .\rوَإِنْ تَرَاضَيَا عَلَى ذَلِكَ ، جَازَ ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمَا ، وَسَوَاءٌ اتَّفَقَا عَلَى قِسْمَةِ جَمِيعِهِ أَوْ بَعْضِهِ ، أَوْ عَلَى أَنْ يَأْخُذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا شَيْئًا مَعْلُومًا يُنْفِقُهُ .\rثُمَّ مَتَى ظَهَرَ فِي الْمَالِ خُسْرَانٌ ، أَوْ تَلِفَ كُلُّهُ ، لَزِمَ الْعَامِلَ رَدُّ أَقَلِّ الْأَمْرَيْنِ مِمَّا أَخَذَهُ ، أَوْ نِصْفِ خُسْرَانِ الْمَالِ ، إذَا اقْتَسَمَا الرِّبْحَ نِصْفَيْنِ وَبِهَذَا قَالَ الثَّوْرِيُّ وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا تَجُوزُ الْقِسْمَةُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ رَبُّ الْمَالِ مَالَهُ .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ إذَا اقْتَسَمَا الرِّبْحَ ، وَلَمْ يَقْبِضْ رَبُّ الْمَالِ رَأْسَ مَالِهِ ، فَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ يَقُولُونَ : يَرُدُّ الْعَامِلُ الرِّبْحَ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ رَبُّ الْمَالِ مَالَهُ .\rوَلَنَا ، عَلَى جَوَازِ الْقِسْمَةِ ، أَنَّ الْمَالَ لَهُمَا ، فَجَازَ لَهُمَا أَنْ يَقْتَسِمَا بَعْضَهُ ، كَالشَّرِيكَيْنِ .\rأَوْ نَقُولَ : إنَّهُمَا شَرِيكَانِ ، فَجَازَ لَهُمَا قِسْمَةُ الرِّبْحِ قَبْلَ الْمُفَاضَلَةِ ، كَشَرِيكَيْ الْعِنَانِ .","part":10,"page":208},{"id":4708,"text":"فَصْلٌ : وَالْمُضَارَبَةُ مِنْ الْعُقُودِ الْجَائِزَةِ ، تَنْفَسِخُ بِفَسْخِ أَحَدِهِمَا ، أَيِّهِمَا كَانَ ، وَبِمَوْتِهِ ، وَجُنُونِهِ ، وَالْحَجْرِ عَلَيْهِ لِسَفَهٍ ؛ لِأَنَّهُ مُتَصَرِّفٌ فِي مَالِ غَيْرِهِ بِإِذْنِهِ ، فَهُوَ كَالْوَكِيلِ .\rوَلَا فَرْقَ بَيْنَ مَا قَبْلَ التَّصَرُّفِ وَبَعْدَهُ .\rفَإِذَا انْفَسَخَتْ وَالْمَالُ نَاضٌّ لَا رِبْحَ فِيهِ ، أَخَذَهُ رَبُّهُ ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ رِبْحٌ ، قَسَمَا الرِّبْحَ عَلَى مَا شَرَطَاهُ .\rوَإِنْ انْفَسَخَتْ وَالْمَالُ عَرْضٌ ، فَاتَّفَقَا عَلَى بَيْعِهِ أَوْ قَسَمَهُ ، جَازَ ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمَا ، لَا يَعْدُوهُمَا .\rوَإِنْ طَلَبَ الْعَامِلُ الْبَيْعَ ، وَأَبَى ، رَبُّ الْمَالِ ، وَقَدْ ظَهَرَ فِي الْمَالِ رِبْحٌ ، أُجْبِرَ رَبُّ الْمَالِ عَلَى الْبَيْعِ .\rوَهُوَ قَوْلُ إِسْحَاقَ وَالثَّوْرِيِّ لِأَنَّ حَقَّ الْعَامِلِ فِي الرِّبْحِ ، وَلَا يَظْهَرُ إلَّا بِالْبَيْعِ .\rوَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ رِبْحٌ ، لَمْ يُجْبَرْ ؛ لِأَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ فِيهِ ، وَقَدْ رَضِيَهُ مَالِكُهُ كَذَلِكَ فَلَمْ يُجْبَرْ عَلَى بَيْعِهِ .\rوَهَذَا ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ بَعْضُهُمْ : فِيهِ وَجْهٌ آخَرُ ، أَنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى الْبَيْعِ ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا زَادَ فِيهِ زَائِدٌ ، أَوْ رَغِبَ فِيهِ رَاغِبٌ ، فَزَادَ عَلَى ثَمَنِ الْمِثْلِ ، فَيَكُونُ لِلْعَامِلِ فِي الْبَيْعِ حَظٌّ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الْمُضَارِبَ إنَّمَا اسْتَحَقَّ الرِّبْحَ إلَى حِينِ الْفَسْخِ ، وَذَلِكَ لَا يُعْلَمُ إلَّا بِالتَّقْوِيمِ ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُسْتَعِيرَ إذَا غَرَسَ أَوْ بَنَى ، أَوْ الْمُشْتَرِيَ ، كَانَ لِلْمُعِيرِ وَالشَّفِيعِ أَنْ يَدْفَعَا قِيمَةَ ذَلِكَ ، لِأَنَّهُ مُسْتَحِقٌّ لِلْأَرْضِ ، فَهَاهُنَا أَوْلَى .\rوَمَا ذَكَرُوهُ مِنْ احْتِمَالِ الزِّيَادَةِ ، بِزِيَادَةِ مُزَايِدٍ أَوْ رَاغِبٍ عَلَى قِيمَتِهِ ، فَإِنَّمَا حَدَثَ ذَلِكَ بَعْدَ فَسْخِ الْعَقْدِ ، فَلَا يَسْتَحِقُّهَا الْعَامِلُ .\rوَإِنْ طَلَبَ رَبُّ الْمَالِ الْبَيْعَ ، وَأَبَى الْعَامِلُ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا ، يُجْبَرُ الْعَامِلُ عَلَى الْبَيْعِ .\rوَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ رَدَّ الْمَالِ نَاضًّا كَمَا أَخَذَهُ .\rوَالثَّانِي ، لَا","part":10,"page":209},{"id":4709,"text":"يُجْبَرُ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْمَالِ رِبْحٌ ، أَوْ أَسْقَطَ حَقَّهُ مِنْ الرِّبْحِ ؛ لِأَنَّهُ بِالْفَسْخِ زَالَ تَصَرُّفُهُ ، وَصَارَ أَجْنَبِيًّا مِنْ الْمَالِ ، فَأَشْبَهَ الْوَكِيلَ إذَا اشْتَرَى مَا يُسْتَحَقُّ رَدُّهُ ، فَزَالَتْ وَكَالَتُهُ قَبْلَ رَدِّهِ .\rوَلَوْ كَانَ رَأْسُ الْمَالِ دَنَانِيرَ ، فَصَارَ دَرَاهِمَ ، أَوْ دَرَاهِمَ ، فَصَارَ دَنَانِيرَ ، فَهُوَ كَمَا لَوْ كَانَ عَرْضًا ، عَلَى مَا شُرِحَ .\rوَإِذَا نَضَّ رَأْسُ الْمَالِ جَمِيعُهُ ، لَمْ يَلْزَمْ الْعَامِلَ أَنْ يَنِضَّ لَهُ الْبَاقِي ؛ لِأَنَّهُ شَرِكَةٌ بَيْنَهُمَا ، وَلَا يَلْزَمُ الشَّرِيكَ أَنْ يَنِضَّ مَالَ شَرِيكِهِ ، وَلِأَنَّهُ إنَّمَا لَزِمَهُ أَنْ يَنِضَّ رَأْسَ الْمَالِ ، لِيَرُدَّ إلَيْهِ رَأْسَ مَالِهِ عَلَى صِفَتِهِ ، وَلَا يُوجَدُ هَذَا الْمَعْنَى فِي الرِّبْحِ .","part":10,"page":210},{"id":4710,"text":"( 3701 ) فَصْلٌ : وَإِنْ انْفَسَخَ الْقِرَاضُ ، وَالْمَالُ دَيْنٌ ، لَزِمَ الْعَامِلَ تَقَاضِيهِ ، سَوَاءٌ ظَهَرَ فِي الْمَالِ رِبْحٌ أَوْ لَمْ يَظْهَرْ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إنْ ظَهَرَ رِبْحٌ ، لَزِمَهُ تَقَاضِيهِ ، وَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ رِبْحٌ ، لَمْ يَلْزَمْهُ تَقَاضِيهِ ، لِأَنَّهُ لَا غَرَضَ لَهُ فِي الْعَمَلِ ، فَهُوَ كَالْوَكِيلِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الْمُضَارَبَةَ تَقْتَضِي رَدَّ رَأْسِ الْمَالِ عَلَى صِفَتِهِ ، وَالدُّيُونُ لَا تَجْرِي مَجْرَى النَّاضِّ ، فَلَزِمَهُ أَنْ يَنِضَّهُ ، كَمَا لَوْ ظَهَرَ فِي الْمَالِ رِبْحٌ ، وَكَمَا لَوْ كَانَ رَأْسُ الْمَالِ عَرْضًا وَيُفَارِقُ الْوَكِيلَ ؛ فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ رَدُّ الْمَالِ كَمَا قَبَضَهُ ، وَلِهَذَا لَا يَلْزَمُهُ بَيْعُ الْعُرُوضِ .\rوَلَا فَرْقَ بَيْن كَوْنِ الْفَسْخِ مِنْ الْعَامِلِ أَوْ رَبِّ الْمَالِ ، فَإِنْ اقْتَضَى مِنْهُ قَدْرَ رَأْسِ الْمَالِ ، أَوْ كَانَ الدَّيْنُ قَدْرَ الرِّبْحِ ، أَوْ دُونَهُ ، لَزِمَ الْعَامِلَ تَقَاضِيهِ أَيْضًا ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَسْتَحِقُّ نَصِيبَهُ مِنْ الرِّبْحِ عِنْدَ وُصُولِهِ إلَيْهِمَا عَلَى وَجْهٍ يُمْكِنُ قِسْمَتُهُ ، وَوُصُولُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إلَى حَقِّهِ مِنْهُ ، وَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ إلَّا بَعْدَ تَقَاضِيهِ .","part":10,"page":211},{"id":4711,"text":"فَصْلٌ : ( 3702 ) وَأَيُّ الْمُتَقَارِضَيْنِ مَاتَ أَوْ جُنَّ ، انْفَسَخَ الْقِرَاضُ ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ جَائِزٌ ، فَانْفَسَخَ بِمَوْتِ أَحَدِهِمَا وَجُنُونِهِ ، كَالتَّوْكِيلِ .\rفَإِنْ كَانَ الْمَوْتُ أَوْ الْجُنُونُ بِرَبِّ الْمَالِ ، فَأَرَادَ الْوَارِثُ أَوْ وَلِيُّهُ إتْمَامَهُ ، وَالْمَالُ نَاضٌّ ، جَازَ ، وَيَكُونُ رَأْسُ الْمَالِ وَحِصَّتُهُ مِنْ الرِّبْحِ رَأْسَ الْمَالِ ، وَحِصَّةُ الْعَامِلِ مِنْ الرِّبْحِ شَرِكَةً لَهُ مُشَاعَةٌ .\rوَهَذِهِ الْإِشَاعَةُ لَا تَمْنَعُ ؛ لِأَنَّ الشَّرِيكَ هُوَ الْعَامِلُ ، وَذَلِكَ لَا يَمْنَعُ التَّصَرُّفَ .\rوَإِنْ كَانَ الْمَالُ عَرْضًا وَأَرَادُوا إتْمَامَهُ ، فَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ جَوَازُهُ ؛ لِأَنَّهُ قَالَ ، فِي رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ سَعِيدٍ : إذَا مَاتَ رَبُّ الْمَالِ ، لَمْ يَجُزْ لِلْعَامِلِ أَنْ يَبِيعَ وَلَا يَشْتَرِيَ إلَّا بِإِذْنِ الْوَرَثَةِ .\rفَظَاهِرُ هَذَا بَقَاءُ الْعَامِلِ عَلَى قِرَاضِهِ ، وَهُوَ مَنْصُوصُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ هَذَا إتْمَامٌ لِلْقِرَاضِ لَا ابْتِدَاءَ لَهُ ، وَلِأَنَّ الْقِرَاضَ إنَّمَا مُنِعَ مِنْهُ فِي الْعُرُوضِ ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ عِنْدَ الْمُفَاصَلَةِ إلَى رَدِّ مِثْلِهَا أَوْ قِيمَتِهَا ، وَيَخْتَلِفُ ذَلِكَ بِاخْتِلَافِ الْأَوْقَاتِ ، وَهَذَا غَيْرُ مَوْجُودٍ هَاهُنَا ؛ لِأَنَّ رَأْسَ الْمَالِ غَيْرُ الْعُرُوضِ ، وَحُكْمُهُ بَاقٍ ، أَلَا تَرَى أَنَّ لِلْعَامِلِ أَنْ يَبِيعَهُ لِيُسَلِّمَ رَأْسَ الْمَالِ وَيَقْسِمَ الْبَاقِيَ وَذَكَرَ الْقَاضِي وَجْهًا آخَرَ ، أَنَّهُ لَا يَجُوزُ ؛ لِأَنَّ الْقِرَاضَ قَدْ بَطَلَ بِالْمَوْتِ ، وَهَذَا ابْتِدَاءُ قِرَاضٍ عَلَى عُرُوضٍ .\rوَهَذَا الْوَجْهُ أَقْيَسُ ؛ لِأَنَّ الْمَالَ لَوْ كَانَ نَاضًّا كَانَ ابْتِدَاءَ قِرَاضٍ ، وَكَانَتْ حِصَّةُ الْعَامِلِ مِنْ الرِّبْحِ شَرِكَةً لَهُ يَخْتَصُّ بِهَا دُونَ رَبِّ الْمَالِ .\rوَإِنْ كَانَ الْمَالُ نَاضًّا بِخَسَارَةٍ أَوْ تَلَفٍ ، كَانَ رَأْسُ الْمَالِ الْمَوْجُودِ مِنْهُ حَالَ ابْتِدَاءِ الْقِرَاضِ ، فَلَوْ جَوَّزْنَا ابْتِدَاءَ الْقِرَاضِ هَاهُنَا وَبِنَاءَهُمَا عَلَى الْقِرَاضِ ، لَصَارَتْ حِصَّةُ الْعَامِلِ مِنْ الرِّبْحِ غَيْرَ مُخْتَصَّةٍ بِهِ ، وَحِصَّتُهَا مِنْ الرِّبْحِ مُشْتَرَكَةً","part":10,"page":212},{"id":4712,"text":"بَيْنَهُمَا ، وَحُسِبَتْ عَلَيْهِ الْعُرُوض بِأَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِمَا ، فِيمَا إذَا كَانَ الْمَالُ نَاقِصًا ، وَهَذَا لَا يَجُوزُ فِي الْقِرَاضِ بِلَا خِلَافٍ .\rوَكَلَامُ أَحْمَدَ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ يَبِيعُ وَيَشْتَرِي بِإِذْنِ الْوَرَثَةِ كَبَيْعِهِ وَشِرَائِهِ بَعْدَ انْفِسَاخِ الْقِرَاضِ .\rفَأَمَّا إنْ مَاتَ الْعَامِلُ أَوْ جُنَّ ، وَأَرَادَ ابْتِدَاءَ الْقِرَاضِ مَعَ وَارِثِهِ أَوْ وَلِيِّهِ ، فَإِنْ كَانَ نَاضًّا ، جَازَ ، كَمَا قُلْنَا فِيمَا إذَا مَاتَ رَبُّ الْمَالِ وَإِنْ كَانَ عَرْضًا ، لَمْ يَجُزْ ابْتِدَاءُ الْقِرَاضِ إلَّا عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يُجَوِّزُ ابْتِدَاءَ الْقِرَاضِ عَلَى الْعُرُوضِ ، بِأَنْ تُقَوَّمَ الْعُرُوض ، وَيُجْعَلَ رَأْسُ الْمَالِ قِيمَتَهَا يَوْمَ الْعَقْدِ ؛ لِأَنَّ الَّذِي كَانَ مِنْهُ الْعَمَلُ قَدْ مَاتَ ، أَوْ جُنَّ ، وَذَهَبَ عَمَلُهُ ، وَلَمْ يَخْلُفْ أَصْلًا يَبْنِي عَلَيْهِ وَارِثُهُ ، بِخِلَافِ مَا إذَا مَاتَ رَبُّ الْمَالِ ، فَإِنَّ الْمَالَ الْمُقَارَضَ عَلَيْهِ مَوْجُودٌ ، وَمَنَافِعَهُ مَوْجُودَةٌ ، فَأَمْكَنَ اسْتِدَامَةُ الْعَقْدِ ، وَبِنَاءُ الْوَارِثِ عَلَيْهِ .\rوَإِنْ كَانَ الْمَالُ نَاضًّا ، جَازَ ابْتِدَاءُ الْقِرَاضِ فِيهِ إذَا اخْتَارَ ذَلِكَ ، فَإِنْ لَمْ يَبْتَدِئَاهُ ، لَمْ يَكُنْ لِلْوَارِثِ شِرَاءٌ وَلَا بَيْعٌ ؛ لِأَنَّ رَبَّ الْمَالِ إنَّمَا رَضِيَ بِاجْتِهَادِ مُوَرِّثِهِ ، فَإِذَا لَمْ يَرْضَ بِبَيْعِهِ ، رَفَعَهُ إلَى الْحَاكِمِ لِيَبِيعَهُ .\rفَأَمَّا إنْ كَانَ الْمَيِّتُ رَبَّ الْمَالِ ، فَلَيْسَ لِلْعَامِلِ الشِّرَاءُ ؛ لِأَنَّ الْقِرَاضَ انْفَسَخَ .\rفَأَمَّا الْبَيْعُ ، فَإِنَّ الْحُكْمَ فِيهِ وَفِي التَّقْوِيمِ وَاقْتِضَاءِ الدَّيْنِ ، عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ إذَا فُسِخَتْ الْمُضَارَبَةُ وَرَبُّ الْمَالِ حَيٌّ .","part":10,"page":213},{"id":4713,"text":"( 3703 ) فَصْلٌ : إذَا تَلِفَ الْمَالُ قَبْلَ الشِّرَاءِ انْفَسَخَتْ الْمُضَارَبَةُ ؛ لِزَوَالِ الْمَالِ الَّذِي تَعَلَّقَ الْعَقْدُ بِهِ ، وَمَا اشْتَرَاهُ بَعْدَ ذَلِكَ لِلْمُضَارَبَةِ ، فَهُوَ لَازِمٌ لَهُ ، وَالثَّمَنُ عَلَيْهِ سَوَاءٌ عَلِمَ بِتَلَفِ الْمَالِ قَبْلَ نَقْدِ الثَّمَنِ أَوْ جَهِلَ ذَلِكَ وَهَلْ يَقِفُ عَلَى إجَازَةِ رَبِّ الْمَالِ ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ ؛ إحْدَاهُمَا ، إنْ أَجَازَهُ ، فَالثَّمَنُ عَلَيْهِ ، وَالْمُضَارَبَةُ بِحَالِهَا .\rوَإِنْ لَمْ يُجِزْهُ ، لَزِمَ الْعَامِلَ .\rوَالثَّانِيَةُ : هُوَ لِلْعَامِلِ عَلَى كُلِّ حَالٍ .\rفَإِنْ اشْتَرَى لِلْمُضَارَبَةِ شَيْئًا ، فَتَلِفَ الْمَالُ قَبْلَ نَقْدِهِ ، فَالشِّرَاءُ لِلْمُضَارَبَةِ ، وَعَقْدُهَا بَاقٍ ، وَيَلْزَمُ رَبَّ الْمَالِ الثَّمَنُ ، وَيَصِيرُ رَأْسَ الْمَالِ الثَّمَنُ دُونَ التَّالِفِ ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ تَلِفَ قَبْلَ التَّصَرُّفِ فِيهِ .\rوَهَذَا قَوْلُ بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ .\rوَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : رَأْسُ الْمَالِ هَذَا وَالتَّالِفُ .\rوَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ التَّالِفَ تَلِفَ قَبْلَ التَّصَرُّفِ فِيهِ ، فَلَمْ يَكُنْ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ ، كَمَا لَوْ تَلِفَ قَبْلَ الشِّرَاءِ .\rوَلَوْ اشْتَرَى عَبْدَيْنِ بِمَالِ الْمُضَارَبَةِ ، فَتَلِفَ أَحَدُ الْعَبْدَيْنِ ، كَانَ تَلَفُهُ مِنْ الرِّبْحِ ، وَلَمْ يَنْقُصْ رَأْسُ الْمَالِ بِتَلَفِهِ ؛ لِأَنَّهُ تَلِفَ بَعْدَ التَّصَرُّفِ فِيهِ .\rوَإِنْ تَلِفَ الْعَبْدَانِ كِلَاهُمَا ، انْفَسَخَتْ الْمُضَارَبَةُ ؛ لِزَوَالِ مَالِهَا كُلِّهِ .\rفَإِنْ دَفَعَ إلَيْهِ رَبُّ الْمَالِ بَعْدَ ذَلِكَ أَلْفًا ، كَانَ الْأَلْفُ رَأْسَ الْمَالِ ، وَلَمْ يُضَمَّ إلَى الْمُضَارَبَةِ الْأُولَى ؛ لِأَنَّهَا انْفَسَخَتْ لِذَهَابِ مَالِهَا .","part":10,"page":214},{"id":4714,"text":"( 3704 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِذَا اتَّفَقَ رَبُّ الْمَالِ وَالْمُضَارِبُ عَلَى أَنَّ الرِّبْحَ بَيْنَهُمَا ، وَالْوَضِيعَةَ عَلَيْهِمَا ، كَانَ الرِّبْحُ بَيْنَهُمَا وَالْوَضِيعَةُ عَلَى الْمَالِ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ مَتَى شَرَطَ عَلَى الْمُضَارِبِ ضَمَانَ الْمَالِ ، أَوْ سَهْمًا مِنْ الْوَضِيعَةِ ، فَالشَّرْطُ بَاطِلٌ .\rلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا وَالْعَقْدُ صَحِيحٌ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٍ وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّ الْعَقْدَ يَفْسُدُ بِهِ .\rوَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ شَرْطٌ فَاسِدٌ ، فَأَفْسَدَ الْمُضَارَبَةَ ، كَمَا لَوْ شَرَطَ لَأَحَدِهِمَا فَضْلَ دَرَاهِمَ .\rوَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ شَرْطٌ لَا يُؤَثِّرُ فِي جَهَالَةِ الرِّبْحِ ، فَلَمْ يَفْسُدْ بِهِ ، كَمَا لَوْ شَرَطَ لُزُومَ الْمُضَارَبَةِ .\rوَيُفَارِقُ شَرْطَ الدَّرَاهِمَ ؛ لِأَنَّهُ إذَا فَسَدَ الشَّرْطُ ثَبَتَتْ حِصَّةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي الرِّبْحِ مَجْهُولَةً .","part":10,"page":215},{"id":4715,"text":"( 3705 ) فَصْلٌ : وَالشُّرُوطُ فِي الْمُضَارَبَةِ تَنْقَسِمُ قِسْمَيْنِ ؛ صَحِيحٌ ، وَفَاسِدٌ ، فَالصَّحِيحُ مِثْلُ أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَى الْعَامِلِ أَنْ لَا يُسَافِرَ بِالْمَالِ ، أَوْ أَنْ يُسَافِرَ بِهِ ، أَوْ لَا يَتَّجِرَ إلَّا فِي بَلَدٍ بِعَيْنِهِ ، أَوْ نَوْعٍ بِعَيْنِهِ ، أَوْ لَا يَشْتَرِيَ إلَّا مِنْ رَجُلٍ بِعَيْنِهِ .\rفَهَذَا كُلُّهُ صَحِيحٌ ، سَوَاءٌ كَانَ النَّوْعُ مِمَّا يَعُمُّ وُجُودُهُ ، أَوْ لَا يَعُمُّ ، وَالرَّجُلُ مِمَّنْ يَكْثُرُ عِنْدَهُ الْمَتَاعُ أَوْ يَقِلُّ .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَقَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ : إذَا شَرَطَ أَنْ لَا يَشْتَرِيَ إلَّا مِنْ رَجُلٍ بِعَيْنِهِ ، أَوْ سِلْعَةٍ بِعَيْنِهَا ، أَوْ مَا لَا يَعُمُّ وُجُودُهُ ، كَالْيَاقُوتِ الْأَحْمَرِ ، وَالْخَيْلِ الْبُلْقِ ، لَمْ يَصِحَّ ؛ لِأَنَّهُ يَمْنَعُ مَقْصُودَ الْمُضَارَبَةِ ، وَهُوَ التَّقْلِيبُ وَطَلَبُ الرِّبْحِ ، فَلَمْ يَصِحَّ ، كَمَا لَوْ اشْتَرَطَ أَنْ لَا يَبِيعَ وَيَشْتَرِيَ إلَّا مِنْ فُلَانٍ ، أَوْ أَنْ لَا يَبِيعَ إلَّا بِمِثْلِ مَا اشْتَرَى بِهِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهَا مُضَارَبَةٌ خَاصَّةٌ ، لَا تَمْنَعُ الرِّبْحَ بِالْكُلِّيَّةِ ، فَصَحَّتْ ، كَمَا لَوْ شَرَطَ أَنْ لَا يَتَّجِرَ إلَّا فِي نَوْعٍ يَعُمُّ وُجُودُهُ ، وَلِأَنَّهُ عَقْدٌ يَصِحُّ تَخْصِيصُهُ بِنَوْعِ ، فَصَحَّ تَخْصِيصُهُ فِي رَجُلٍ بِعَيْنِهِ ، وَسِلْعَةٍ بِعَيْنِهَا ، كَالْوَكَالَةِ .\rوَقَوْلُهُمْ : إنَّهُ يَمْنَعُ الْمَقْصُودَ .\rمَمْنُوعُ ، وَإِنَّمَا يُقَلِّلُهُ ، وَتَقْلِيلُهُ لَا يَمْنَعُ الصِّحَّةَ ، كَتَخْصِيصِهِ بِالنَّوْعِ .\rوَيُفَارِقُ مَا إذَا شَرَطَ أَنْ لَا يَبِيعَ إلَّا بِرَأْسِ الْمَالِ ، فَإِنَّهُ يَمْنَعُ الرِّبْحَ بِالْكُلِّيَّةِ .\rوَكَذَلِكَ إذَا قَالَ : لَا تَبِعْ إلَّا مِنْ فُلَانٍ ، وَلَا تَشْتَرِ إلَّا مِنْ فُلَانٍ .\rفَإِنَّهُ يَمْنَعُ الرِّبْحَ أَيْضًا ؛ لِأَنَّهُ لَا يَشْتَرِي مَا بَاعَهُ إلَّا بِدُونِ ثَمَنِهِ الَّذِي بَاعَهُ بِهِ .\rوَلِهَذَا لَوْ قَالَ : لَا تَبِعْ إلَّا مِمَّنْ اشْتَرَيْت مِنْهُ .\rلَمْ يَصِحّ ؛ لِذَلِكَ .","part":10,"page":216},{"id":4716,"text":"( 3706 ) فَصْلٌ : وَيَصِحُّ تَأْقِيتُ الْمُضَارَبَةِ ، مِثْلُ أَنْ يَقُولَ : ضَارَبْتُك عَلَى هَذِهِ الدَّرَاهِمِ سَنَةً ، فَإِذَا انْقَضَتْ فَلَا تَبِعْ ، وَلَا تَشْتَرِ .\rقَالَ مُهَنَّا : سَأَلْت أَحْمَدَ عَنْ رَجُلٍ أَعْطَى رَجُلًا أَلْفًا مُضَارَبَةً شَهْرًا ، قَالَ : إذَا مَضَى شَهْرٌ يَكُونُ قَرْضًا .\rقَالَ : لَا بَأْسَ بِهِ .\rقُلْت : فَإِنْ جَاءَ الشَّهْرُ وَهِيَ مَتَاعٌ ؟ قَالَ : إذَا بَاعَ الْمَتَاعَ يَكُونُ قَرْضًا .\rوَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : فِي صِحَّةِ شَرْطِ التَّأْقِيتِ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، هُوَ صَحِيحٌ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالثَّانِيَةُ ، لَا يَصِحُّ .\rوَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَمَالِكٍ .\rوَاخْتِيَارُ أَبِي حَفْصٍ الْعُكْبَرِيُّ ، لِثَلَاثَةِ مَعَانٍ : أَحَدُهَا ، أَنَّهُ عَقْدٌ يَقَعُ مُطْلَقًا ، فَإِذَا شَرَطَ قَطْعَهُ لَمْ يَصِحَّ ، كَالنِّكَاحِ .\rالثَّانِي ، أَنَّ هَذَا لَيْسَ مِنْ مُقْتَضَى الْعَقْدِ ، وَلَا لَهُ فِيهِ مَصْلَحَةٌ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ شَرَطَ أَنْ لَا يَبِيعَ ، وَبَيَانُ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ مُقْتَضَى الْعَقْدِ ، أَنَّهُ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ رَأْسُ الْمَالِ نَاضًّا ، فَإِذَا مَنَعَهُ الْبَيْعَ لَمْ يَنِضَّ .\rالثَّالِثُ ، إنَّ هَذَا يُؤَدِّي إلَى ضَرَرٍ بِالْعَامِلِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ الرِّبْحُ وَالْحَظُّ فِي تَبْقِيَةِ الْمَتَاعِ ، وَبَيْعِهِ بَعْدَ السَّنَةِ .\rفَيَمْتَنِعُ ذَلِكَ بِمُضِيِّهَا .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ تَصَرُّفٌ يَتَوَقَّتُ بِنَوْعٍ مِنْ الْمَتَاعِ فَجَازَ تَوْقِيتُهُ فِي الزَّمَانِ ، كَالْوَكَالَةِ .\rوَالْمَعْنَى الْأَوَّلِ الَّذِي ذَكَرُوهُ يَبْطُلُ بِالْوَكَالَةِ الْوَدِيعَةِ ، وَالْمَعْنَى الثَّانِي وَالثَّالِثِ يَبْطُلُ تَخْصِيصُهُ بِنَوْعٍ مِنْ الْمَتَاعِ ، وَلِأَنَّ لِرَبِّ الْمَالِ مَنْعَهُ مِنْ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ فِي كُلِّ وَقْتٍ إذَا رَضِيَ أَنْ يَأْخُذَ بِمَالِهِ عَرْضًا ، فَإِذَا شَرَطَ ذَلِكَ ، فَقَدْ شَرَطَ مَا هُوَ مِنْ مُقْتَضَى الْعَقْدِ ، فَصَحَّ ، كَمَا لَوْ قَالَ : إذَا انْقَضَتْ السَّنَةُ فَلَا تَشْتَرِ شَيْئًا .\rوَقَدْ سَلَّمُوا صِحَّةَ ذَلِكَ .","part":10,"page":217},{"id":4717,"text":"( 3707 ) فَصْلٌ : وَإِذَا اشْتَرَطَ الْمُضَارِبُ نَفَقَةَ نَفْسِهِ ، صَحَّ ، سَوَاءٌ كَانَ فِي الْحَضَرِ أَوْ السَّفَرِ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يَصِحُّ فِي الْحَضَرِ .\rوَلَنَا أَنَّ التِّجَارَةَ فِي الْحَضَرِ إحْدَى حَالَتَيْ الْمُضَارَبَةِ ، فَصَحَّ اشْتِرَاطُ النَّفَقَةِ فِيهَا ، كَالسَّفَرِ ، وَلِأَنَّهُ شَرَطَ النَّفَقَةَ فِي مُقَابَلَةِ عَمَلِهِ ، فَصَحَّ ، كَمَا لَوْ اشْتَرَطَهَا فِي الْوَكَالَةِ .","part":10,"page":218},{"id":4718,"text":"( 3708 ) فَصْلٌ : وَالشُّرُوطُ الْفَاسِدَةُ تَنْقَسِمُ إلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ : أَحَدُهُمَا ، مَا يُنَافِي مُقْتَضَى الْعَقْدِ ، مِثْلُ أَنْ يَشْتَرِطَ لُزُومَ الْمُضَارَبَةِ ، أَوْ لَا يَعْزِلَهُ مُدَّةً بِعَيْنِهَا ، أَوْ لَا يَبِيعَ إلَّا بِرَأْسِ الْمَالِ أَوْ أَقَلِّ ، أَوْ لَا يَبِيعَ إلَّا مِمَّنْ اشْتَرَى مِنْهُ ، أَوْ شَرَطَ أَنْ لَا يَشْتَرِيَ ، أَوْ لَا يَبِيعَ ، أَوْ أَنْ يُوَلِّيَهُ مَا يَخْتَارُهُ مِنْ السِّلَعِ ، أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ ، فَهَذِهِ شُرُوطٌ فَاسِدَةٌ ؛ لِأَنَّهَا تُفَوِّتُ الْمَقْصُودَ مِنْ الْمُضَارَبَةِ ، وَهُوَ الرِّبْحُ ، أَوْ تَمْنَعُ الْفَسْخَ الْجَائِزَ بِحُكْمِ الْأَصْلِ .\rالْقِسْمُ الثَّانِي : مَا يَعُودُ بِجَهَالَةِ الرِّبْحِ مِثْلُ أَنْ يَشْتَرِطَ لِلْمُضَارِبِ جُزْءًا مِنْ الرِّبْحِ مَجْهُولًا ، أَوْ رِبْحَ أَحَدِ الْكَسْبَيْنِ ، أَوْ أَحَدِ الْأَلْفَيْنِ ، أَوْ أَحَدِ الْعَبْدَيْنِ ، أَوْ رِبْحَ إحْدَى السَّفْرَتَيْنِ ، أَوْ مَا يَرْبَحُ فِي هَذَا الشَّهْرِ ، أَوْ أَنَّ حَقَّ أَحَدِهِمَا فِي عَبْدٍ يَشْتَرِيه ، أَوْ يَشْتَرِطَ لِأَحَدِهِمَا دَرَاهِمَ مَعْلُومَةً بِجَمِيعِ حَقِّهِ أَوْ بِبَعْضِهِ ، أَوْ يَشْتَرِطَ جُزْءًا مِنْ الرِّبْحِ لِأَجْنَبِيٍّ ، فَهَذِهِ شُرُوطٌ فَاسِدَةٌ ؛ لِأَنَّهَا تُفْضِي إلَى جَهْلِ حَقِّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ الرِّبْحِ ، أَوْ إلَى فَوَاتِهِ بِالْكُلِّيَّةِ ، وَمِنْ شَرْطِ الْمُضَارَبَةِ كَوْنُ الرِّبْحِ مَعْلُومًا .\rالْقِسْمُ الثَّالِثُ ، اشْتِرَاطُ مَا لَيْسَ مِنْ مَصْلَحَةِ الْعَقْدِ وَلَا مُقْتَضَاهُ ، مِثْلُ أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَى الْمُضَارِبِ الْمُضَارَبَةَ لَهُ فِي مَالٍ آخَرَ ، أَوْ يَأْخُذَهُ بِضَاعَةً أَوْ قَرْضًا ، أَوْ أَنْ يَخْدِمَهُ فِي شَيْءٍ بِعَيْنِهِ ، أَوْ يَرْتَفِقَ بِبَعْضِ السِّلَعِ ، مِثْلُ أَنْ يَلْبَسَ الثَّوْبَ ، وَيَسْتَخْدِمَ الْعَبْدَ ، وَيَرْكَبَ الدَّابَّةَ ، أَوْ يَشْتَرِطَ عَلَى الْمُضَارِبِ ضَمَانَ الْمَالِ أَوْ سَهْمًا مِنْ الْوَضِيعَةِ ، أَوْ أَنَّهُ مَتَى بَاعَ السِّلْعَةَ فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا بِالثَّمَنِ ، أَوْ شَرَطَ الْمُضَارِبُ عَلَى رَبِّ الْمَالِ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ .\rفَهَذِهِ كُلُّهَا شُرُوطٌ فَاسِدَةٌ .\rوَقَدْ ذَكَرْنَا كَثِيرًا مِنْهَا فِي غَيْرِ","part":10,"page":219},{"id":4719,"text":"هَذَا الْمَوْضِعِ مُعَلَّلًا .\rوَمَتَى اشْتَرَطَ شَرْطًا فَاسِدًا يَعُودُ بِجَهَالَةِ الرِّبْحِ ، فَسَدَتْ الْمُضَارَبَةُ ؛ لِأَنَّ الْفَسَادَ لِمَعْنًى فِي الْعِوَضِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ ، فَأَفْسَدَ الْعَقْدَ ، كَمَا لَوْ جَعَلَ رَأْسَ الْمَالِ خَمْرًا أَوْ خِنْزِيرًا ، وَلِأَنَّ الْجَهَالَةَ تَمْنَعُ مِنْ التَّسْلِيمِ ، فَتُفْضِي إلَى التَّنَازُعِ وَالِاخْتِلَافِ ، وَلَا يَعْلَمُ مَا يَدْفَعُهُ إلَى الْمُضَارِبِ .\rوَمَا عَدَا ذَلِكَ مِنْ الشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ ، فَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ ، فِي أَظْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ ، أَنَّ الْعَقْدَ صَحِيحٌ ذَكَرَهُ عَنْهُ الْأَثْرَمُ وَغَيْرُهُ ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ يَصِحُّ عَلَى مَجْهُولٍ ، فَلَمْ تُبْطِلْهُ الشُّرُوطُ الْفَاسِدَةُ ، كَالنِّكَاحِ وَالْعَتَاقِ وَالطَّلَاقِ .\rوَذَكَرَ الْقَاضِي ، وَأَبُو الْخَطَّابِ ، رِوَايَةً أُخْرَى ، أَنَّهَا تُفْسِدُ الْعَقْدَ ؛ لِأَنَّهُ شَرْطٌ فَاسِدٌ ، فَأَفْسَدَ الْعَقْدَ ، كَشَرْطِ دَرَاهِمَ مَعْلُومَةٍ ، أَوْ شَرْطِ أَنْ يَأْخُذَ لَهُ بِضَاعَةً ، وَالْحُكْمُ فِي الشَّرِكَةِ كَالْحُكْمِ فِي الْمُضَارَبَةِ سَوَاءٌ .","part":10,"page":220},{"id":4720,"text":"( 3709 ) فَصْلٌ : وَفِي الْمُضَارَبَةِ الْفَاسِدَةِ فُصُولٌ ثَلَاثَةٌ : ( 3710 ) الْفَصْلُ الْأَوَّلُ : أَنَّهُ إذَا تَصَرَّفَ نَفَذَ تَصَرُّفُهُ ؛ لِأَنَّهُ أَذِنَ لَهُ فِيهِ فَإِذَا بَطَلَ الْعَقْدُ بَقِيَ الْإِذْنُ فَمَلَكَ بِهِ التَّصَرُّفَ ، كَالْوَكِيلِ .\rفَإِنْ قِيلَ : فَلَوْ اشْتَرَى الرَّجُلُ شِرَاءً فَاسِدًا ، ثُمَّ تَصَرَّفَ فِيهِ ، لَمْ يَنْفُذْ تَصَرُّفُهُ ، مَعَ أَنَّ الْبَائِعَ قَدْ أَذِنَ لَهُ فِي التَّصَرُّفِ .\rقُلْنَا : لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ يَتَصَرَّفُ مِنْ جِهَةِ الْمِلْكِ لَا بِالْإِذْنِ ، فَإِنْ أَذِنَ لَهُ الْبَائِعُ كَانَ عَلَى أَنَّهُ مِلْكُ الْمَأْذُونِ لَهُ فَإِذَا لَمْ يَمْلِكْ ، لَمْ يَصِحّ ، وَهَا هُنَا أَذِنَ لَهُ رَبُّ الْمَالِ فِي التَّصَرُّفِ فِي مِلْكِ نَفْسِهِ ، وَمَا شَرَطَهُ مِنْ الشَّرْطِ الْفَاسِدِ فَلَيْسَ بِمَشْرُوطِ فِي مُقَابَلَةِ الْإِذْنِ ؛ لِأَنَّهُ أَذِنَ لَهُ فِي تَصَرُّفٍ يَقَعُ لَهُ .\r( 3711 ) الْفَصْلُ الثَّانِي : أَنَّ الرِّبْحَ جَمِيعَهُ لِرَبِّ الْمَالِ ؛ لِأَنَّهُ نَمَاءُ مَالِهِ ، وَإِنَّمَا يَسْتَحِقُّ الْعَامِلُ بِالشَّرْطِ ، فَإِذَا فَسَدَتْ الْمُضَارَبَةُ فَسَدَ الشَّرْطُ ، فَلَمْ يَسْتَحِقَّ مِنْهُ شَيْئًا ، وَلَكِنْ لَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيّ .\rوَاخْتَارَ الشَّرِيفُ أَبُو جَعْفَرٍ أَنَّ الرِّبْحَ بَيْنَهُمَا عَلَى مَا شَرَطَاهُ ، وَاحْتَجَّ بِمَا رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ : إذَا اشْتَرَكَا فِي الْعُرُوضِ ، قُسِمَ الرِّبْحُ عَلَى مَا شَرَطَاهُ .\rقَالَ : وَهَذِهِ الشَّرِكَةُ فَاسِدَةٌ .\rوَاحْتَجَّ بِأَنَّهُ عَقْدٌ يَصِحُّ مَعَ الْجَهَالَةِ ، فَيَثْبُتُ الْمُسَمَّى فِي فَاسِدِهِ ، كَالنِّكَاحِ .\rقَالَ : وَلَا أَجْرَ لَهُ .\rوَجَعَلَ أَحْكَامَهَا كُلَّهَا كَأَحْكَامِ الصَّحِيحَةِ .\rوَقَدْ ذَكَرْنَا هَذَا .\rقَالَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى : وَالْمَذْهَبُ مَا حَكَيْنَا ، وَكَلَامُ أَحْمَدَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ صَحَّحَ الشَّرِكَةَ بِالْعُرُوضِ .\rوَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يَرْجِعُ إلَى قِرَاضِ الْمِثْلِ .\rوَحُكِيَ عَنْهُ : إنْ لَمْ يَرْبَحْ فَلَا أَجْرَ لَهُ .\rوَمُقْتَضَى هَذَا أَنَّهُ إنْ رَبِحَ ، فَلَهُ الْأَقَلُّ مِمَّا شَرَطَ لَهُ أَوْ أَجْرُ","part":10,"page":221},{"id":4721,"text":"مِثْلِهِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يَثْبُتَ عِنْدَنَا مِثْلُ هَذَا ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ الْأَقَلُّ مَا شَرَطَ لَهُ فَقَدْ رَضِيَ بِهِ ، فَلَا يَسْتَحِقُّ أَكْثَرَ مِنْهُ ، كَمَا لَوْ تَبَرَّعَ بِالْعَمَلِ الزَّائِدِ ، وَلَنَا أَنَّ تَسْمِيَةَ الرِّبْحِ مِنْ تَوَابِعِ الْمُضَارَبَةِ ، أَوْ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِهَا ، فَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَتْ أَرْكَانُهَا وَتَوَابِعُهَا ، كَالصَّلَاةِ وَلَا نُسَلِّمُ فِي النِّكَاحِ وُجُوبَ الْمُسَمَّى إذَا كَانَ الْعَقْدُ فَاسِدًا ، وَإِذَا لَمْ يَجِبْ لَهُ الْمُسَمَّى ، وَجَبَ أَجْرُ الْمِثْلِ ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا عَمِلَ لِيَأْخُذَ الْمُسَمَّى ، فَإِذَا لَمْ يَحْصُلْ لَهُ الْمُسَمَّى وَجَبَ رَدُّ عَمَلِهِ إلَيْهِ ، وَذَلِكَ مُتَعَذِّرٌ ، فَتَجِبُ قِيمَتُهُ ، وَهُوَ أَجْرُ مِثْلِهِ ، كَمَا لَوْ تَبَايَعَا بَيْعًا فَاسِدًا ، وَتَقَابَضَا ، وَتَلِفَ أَحَدُ الْعِوَضَيْنِ فِي يَدِ الْقَابِضِ لَهُ ، وَجَبَ رَدُّ قِيمَتِهِ .\rفَعَلَى هَذَا سَوَاءٌ ظَهَرَ فِي الْمَالِ رِبْحٌ أَوْ لَمْ يَظْهَرْ ، فَأَمَّا إنْ رَضِيَ الْمُضَارِبُ بِالْعَمَلِ بِغَيْرِ عِوَضٍ ، مِثْلُ أَنْ يَقُولَ : قَارَضْتُكَ وَالرِّبْحُ كُلُّهُ لِي .\rفَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا شَيْءَ لِلْمُضَارِبِ هَاهُنَا ؛ لِأَنَّهُ تَبَرَّعَ بِعَمَلِهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَعَانَهُ فِي شَيْءٍ ، أَوْ تَوَكَّلَ لَهُ بِغَيْرِ جَعْلٍ ، أَوْ أَخَذَ لَهُ بِضَاعَةً .\rالْفَصْلُ الثَّالِثُ ، فِي الضَّمَانِ ، وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِيمَا يَتْلَفُ بِغَيْرِ تَعَدِّيهِ وَتَفْرِيطِهِ ؛ لِأَنَّ مَا كَانَ الْقَبْضُ فِي صَحِيحِهِ مَضْمُونًا ، كَانَ مَضْمُونًا فِي فَاسِدِهِ ، وَمَا لَمْ يَكُنْ مَضْمُونًا فِي صَحِيحِهِ ، لَمْ يُضْمَنْ فِي فَاسِدِهِ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ : يَضْمَنُ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ عَقْدٌ لَا يَضْمَنُ مَا قَبَضَهُ فِي صَحِيحِهِ ، فَلَمْ يَضْمَنْهُ فِي فَاسِدِهِ ، كَالْوَكَالَةِ ، وَلِأَنَّهَا إذَا فَسَدَتْ صَارَتْ إجَارَةً ، وَالْأَجِيرُ لَا يَضْمَنُ سُكْنَى مَا تَلِفَ بِغَيْرِ تَعَدِّيه وَلَا فِعْلِهِ ، فَكَذَا هَاهُنَا .\rوَأَمَّا الشَّرِكَةُ إذَا فَسَدَتْ ، فَقَدْ ذَكَرْنَاهَا قَبْلَ هَذَا .","part":10,"page":222},{"id":4722,"text":"( 3713 ) .\rمَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ لِمَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ : ضَارِبْ بِالدَّيْنِ الَّذِي عَلَيْك ) نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى هَذَا ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ، أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَجْعَلَ الرَّجُلُ دَيْنًا لَهُ عَلَى رَجُلٍ مُضَارَبَةً ، وَمِمَّنْ حَفِظْنَا ذَلِكَ عَنْهُ : عَطَاءٌ ، وَالْحَكَمُ ، وَحَمَّادٌ ، وَمَالِكٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا : يَحْتَمِلُ أَنْ تَصِحَّ الْمُضَارَبَةُ ؛ لِأَنَّهُ إذَا اشْتَرَى شَيْئًا لِلْمُضَارَبَةِ ، فَقَدْ اشْتَرَاهُ بِإِذْنِ رَبِّ الْمَالِ ، وَدَفَعَ الدَّيْنَ إلَى مَنْ أَذِنَ لَهُ فِي دَفْعِهِ إلَيْهِ ، فَتَبْرَأُ ذِمَّتُهُ مِنْهُ ، وَيَصِيرُ كَمَا لَوْ دَفَعَ إلَيْهِ عَرْضًا ، وَقَالَ : بِعْهُ ، وَضَارِبِ بِثَمَنِهِ .\rوَجَعَلَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ مَكَانَ هَذَا الِاحْتِمَالِ أَنَّ الشِّرَاءَ لِرَبِّ الْمَالِ ، وَلِلْمُضَارِبِ أَجْرُ مِثْلِهِ ؛ لِأَنَّهُ عَلَّقَهُ بِشَرْطٍ ، وَلَا يَصِحُّ عِنْدَهُمْ تَعْلِيقُ الْقِرَاضِ بِشَرْطٍ .\rوَالْمَذْهَبُ هُوَ الْأَوَّلُ ؛ لِأَنَّ الْمَالَ الَّذِي فِي يَدَيْ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ لَهُ ، وَإِنَّمَا يَصِيرُ لِغَرِيمِهِ بِقَبْضِهِ ، وَلَمْ يُوجَدْ الْقَبْضُ هَاهُنَا .\rوَإِنْ قَالَ لَهُ : اعْزِلْ الْمَالَ الَّذِي لِي عَلَيْك ، وَقَدْ قَارَضْتُكَ عَلَيْهِ .\rفَفَعَلَ ، وَاشْتَرَى بِعَيْنِ ذَلِكَ الْمَالِ شَيْئًا لِلْمُضَارَبَةِ ، وَقَعَ الشِّرَاءُ لِلْمُشْتَرِي ؛ لِأَنَّهُ يَشْتَرِي لِغَيْرِهِ بِمَالِ نَفْسِهِ ، فَحَصَلَ الشِّرَاءُ لَهُ وَإِنْ اشْتَرَى فِي ذِمَّتِهِ فَكَذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ عَقَدَ الْقِرَاضَ عَلَى مَا لَا يَمْلِكُهُ ، وَعَلَّقَهُ عَلَى شَرْطٍ لَا يَمْلِكُ بِهِ الْمَالَ .","part":10,"page":223},{"id":4723,"text":"( 3714 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَالَ لِرَجُلٍ : اقْبِضْ الْمَالَ الَّذِي عَلَى فُلَانٍ ، وَاعْمَلْ بِهِ مُضَارَبَةً .\rفَقَبَضَهُ ، وَعَمِلَ بِهِ ، جَازَ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا .\rوَيَكُونُ وَكِيلًا فِي قَبْضِهِ ، مُؤْتَمَنًا عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ قَبَضَهُ بِإِذْنِ مَالِكِهِ مِنْ غَيْرِهِ ، فَجَازَ أَنْ يَجْعَلَهُ مُضَارَبَةً ، كَمَا لَوْ قَالَ : اقْبِضْ الْمَالَ مِنْ غُلَامِي ، وَضَارِبِ بِهِ .\rقَالَ مُهَنَّا : سَأَلْت أَحْمَدَ عَنْ رَجُلٍ قَالَ : أَقْرِضْنِي أَلْفًا شَهْرًا ، ثُمَّ هُوَ بَعْدَ الشَّهْرِ مُضَارَبَةٌ ؟ قَالَ : لَا يَصْلُحُ ؛ وَذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ إذَا أَقْرَضَهُ صَارَ دَيْنًا عَلَيْهِ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُضَارِبَ بِالدَّيْنِ الَّذِي عَلَيْهِ .\rوَلَوْ قَالَ : ضَارِبْ بِهِ شَهْرًا ، ثُمَّ خُذْهُ قَرْضًا .\rجَازَ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا فِيمَا تَقَدَّمَ .","part":10,"page":224},{"id":4724,"text":"( 3715 ) فَصْلٌ : وَمَنْ شَرْطِ الْمُضَارَبَةِ أَنْ يَكُونَ رَأْسُ الْمَالِ مَعْلُومَ الْمِقْدَارِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَجْهُولًا وَلَا جُزَافًا ، وَلَوْ شَاهَدَاهُ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ : يَصِحُّ إذَا شَاهَدَاهُ ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْعَامِلِ مَعَ يَمِينِهِ فِي قَدْرِهِ ؛ لِأَنَّهُ أَمِينُ رَبِّ الْمَالِ ، وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِيمَا فِي يَدَيْهِ ، فَقَامَ ذَلِكَ مَقَامَ الْمَعْرِفَةِ بِهِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ مَجْهُولٌ ، فَلَمْ تَصِحَّ الْمُضَارَبَةُ بِهِ ، كَمَا لَوْ لَمْ يُشَاهِدَاهُ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي بِكَمْ يَرْجِعُ عِنْد الْمُفَاصَلَةِ ، وَلِأَنَّهُ يُفْضِي إلَى الْمُنَازَعَةِ وَالِاخْتِلَافِ فِي مِقْدَارِهِ ، فَلَمْ يَصِحَّ ، كَمَا لَوْ كَانَ فِي الْكِيسِ .\rوَمَا ذَكَرُوهُ يَبْطُلُ بِالسَّلَمِ ، وَبِمَا إذَا لَمْ يُشَاهِدَاهُ .","part":10,"page":225},{"id":4725,"text":"( 3716 ) فَصْلٌ : وَلَوْ أَحْضَرَ كِيسَيْنِ ، فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَالٌ مَعْلُومُ الْمِقْدَارِ ، وَقَالَ : قَارَضْتُك عَلَى أَحَدِهِمَا .\rلَمْ يَصِحَّ ، سَوَاءٌ تَسَاوَى مَا فِيهِمَا أَوْ اخْتَلَفَ ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ يَمْنَعُ صِحَّتَهُ الْجَهَالَةُ ، فَلَمْ يَجُزْ عَلَى غَيْرِ مُعَيَّنٍ ، كَالْبَيْعِ .","part":10,"page":226},{"id":4726,"text":"( 3717 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِنْ كَانَ فِي يَدِهِ وَدِيعَةٌ ، جَازَ لَهُ أَنْ يَقُولَ : ضَارِبْ بِهَا ) وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَقَالَ الْحَسَنُ : لَا يَجُوزُ حَتَّى يَقْبِضَهَا مِنْهُ ، قِيَاسًا عَلَى الدَّيْنِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الْوَدِيعَةَ مِلْكُ رَبِّ الْمَالِ ، فَجَازَ أَنْ يُضَارِبَهُ عَلَيْهَا ، كَمَا لَوْ كَانَتْ حَاضِرَةً .\rفَقَالَ : قَارَضْتُكَ عَلَى هَذَا الْأَلْفِ .\rوَأَشَارَ إلَيْهِ فِي زَاوِيَةِ الْبَيْتِ .\rوَفَارَقَ الدَّيْنَ ؛ فَإِنَّهُ لَا يَصِيرُ عَيْنُ الْمَالِ مِلْكًا لِلْغَرِيمِ إلَّا بِقَبْضِهِ .\rوَلَوْ كَانَتْ الْوَدِيعَةُ قَدْ تَلِفَتْ بِتَفْرِيطِهِ ، وَصَارَتْ فِي الذِّمَّةِ ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يُضَارِبَهُ عَلَيْهَا ؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ دَيْنًا .","part":10,"page":227},{"id":4727,"text":"( 3718 ) فَصْلٌ : وَلَوْ كَانَ لَهُ فِي يَدِ غَيْرِهِ مَالٌ مَغْصُوبٌ ، فَضَارَبَ الْغَاصِبَ بِهِ ، صَحَّ أَيْضًا ؛ لِأَنَّهُ مَالٌ لِرَبِّ الْمَالِ ، يُبَاحُ لَهُ بَيْعُهُ مِنْ غَاصِبِهِ ، وَمَنْ يَقْدِرُ عَلَى أَخْذِهِ مِنْهُ ، فَأَشْبَهَ الْوَدِيعَةَ .\rوَإِنْ تَلِفَ ، وَصَارَ فِي الذِّمَّةِ ، لَمْ تَجُزْ الْمُضَارَبَةُ بِهِ ؛ لِأَنَّهُ صَارَ دَيْنًا .\rوَمَتَى ضَارَبَهُ بِالْمَالِ الْمَغْصُوبِ ، زَالَ ضَمَانُ الْغَصْبِ ، بِمُجَرَّدِ عَقْدِ الْمُضَارَبَةِ .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : لَا يَزُولُ ضَمَانُ الْغَصْبِ إلَّا بِدَفْعِهِ ثَمَنًا .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ الْقِرَاضَ لَا يُنَافِي الضَّمَانَ ، بِدَلِيلِ مَا لَوْ تَعَدَّى فِيهِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ مُمْسِكٌ لِلْمَالِ بِإِذْنِ مَالِكِهِ ، لَا يَخْتَصُّ بِنَفْعِهِ ، وَلَمْ يَتَعَدَّ فِيهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَبَضَهُ إيَّاهُ .","part":10,"page":228},{"id":4728,"text":"( 3719 ) فَصْل : وَالْعَامِلُ أَمِينٌ فِي مَالِ الْمُضَارَبَةِ ؛ لِأَنَّهُ مُتَصَرِّفٌ فِي مَالِ غَيْرِهِ بِإِذْنِهِ ، لَا يَخْتَصُّ بِنَفْعِهِ ، فَكَانَ أَمِينًا ، كَالْوَكِيلِ .\rوَفَارَقَ الْمُسْتَعِيرَ ؛ فَإِنَّهُ قَبَضَهُ لِمَنْفَعَتِهِ خَاصَّةً ، وَهَا هُنَا الْمَنْفَعَةُ بَيْنَهُمَا .\rفَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ قَوْلُهُ فِي قَدْرِ رَأْسِ الْمَالِ .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُمْ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْعَامِلِ فِي قَدْرِ رَأْسِ الْمَالِ .\rكَذَا قَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ، وَبِهِ نَقُولُ .\rوَلِأَنَّهُ يَدَّعِي عَلَيْهِ قَبْضَ شَيْءٍ ، وَهُوَ يُنْكِرُهُ ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ .\rوَكَذَلِكَ الْقَوْلُ قَوْلُهُ فِيمَا يَدَّعِيه مِنْ تَلَفِ الْمَالِ أَوْ خَسَارَةٍ فِيهِ ، وَمَا يُدَّعَى عَلَيْهِ مِنْ خِيَانَةٍ وَتَفْرِيطٍ ، وَفِيمَا يَدَّعِي أَنَّهُ اشْتَرَاهُ لِنَفْسِهِ أَوْ لِلْمُضَارَبَةِ ؛ لِأَنَّ الِاخْتِلَافَ هَاهُنَا فِي نِيَّتِهِ ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا نَوَاهُ ، لَا يَطَّلِعُ عَلَى ذَلِكَ أَحَدٌ سِوَاهُ ، فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ فِيمَا نَوَاهُ ، كَمَا لَوْ اخْتَلَفَ الزَّوْجَانِ فِي نِيَّةِ الزَّوْجِ بِكِنَايَةِ الطَّلَاقِ .\rوَلِأَنَّهُ أَمِينٌ فِي الشِّرَاءِ ، فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ ، كَالْوَكِيلِ .\rوَلَوْ اشْتَرَى عَبْدًا ، فَقَالَ رَبُّ الْمَالِ : كُنْت نَهَيْتُك عَنْ شِرَائِهِ .\rفَأَنْكَرَ الْعَامِلُ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ النَّهْيِ .\rوَهَذَا كُلُّهُ لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا .\r( 3720 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَالَ : أَذِنْت لِي فِي الْبَيْعِ نَسِيئَةً وَفِي الشِّرَاءِ بِعَشْرَةٍ .\rقَالَ : بَلْ أَذِنْت لَك فِي الْبَيْعِ نَقْدًا ، وَفِي الشِّرَاءِ بِخَمْسَةٍ .\rفَالْقَوْلُ قَوْلُ الْعَامِلِ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .\rوَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ رَبِّ الْمَالِ .\rوَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْإِذْنِ .\rوَلِأَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ رَبِّ الْمَالِ فِي أَصْلِ الْإِذْنِ ، فَكَذَلِكَ فِي صِفَتِهِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُمَا اتَّفَقَا عَلَى الْإِذْنِ ، وَاخْتَلَفَا فِي صِفَتِهِ ،","part":10,"page":229},{"id":4729,"text":"فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْعَامِلِ ، كَمَا لَوْ قَالَ : قَدْ نَهَيْتُك عَنْ شِرَاءِ عَبْدٍ فَأَنْكَرَ النَّهْيَ .","part":10,"page":230},{"id":4730,"text":"( 3721 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَالَ : شَرَطْت لِي نِصْفَ الرِّبْحِ .\rفَقَالَ : بَلْ ثُلُثَهُ .\rفَعَنْ أَحْمَدَ فِيهِ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا : الْقَوْلُ قَوْلُ رَبِّ الْمَالِ .\rنَصَّ عَلَيْهِ ، فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْمَنْصُورِ وَسِنْدِيٍّ .\rوَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ، وَابْنُ الْمُبَارَكِ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ ؛ لِأَنَّ رَبَّ الْمَالِ يُنْكِرُ السُّدُسَ الزَّائِدَ وَاشْتِرَاطَهُ لَهُ ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ .\rوَالثَّانِيَةُ ، أَنَّ الْعَامِلَ إذَا ادَّعَى أَجْرَ الْمِثْلِ ، وَزِيَادَةً يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِمِثْلِهَا ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ ، وَإِنْ ادَّعَى أَكْثَرَ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِيمَا وَافَقَ أَجْرَ الْمِثْلِ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يَتَحَالَفَانِ ؛ لِأَنَّهُمَا اخْتَلَفَا فِي عِوَضِ عَقْدٍ ، فَيَتَحَالَفَانِ ، كَالْمُتَبَايِعِينَ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : وَلَكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ } وَلِأَنَّ الِاخْتِلَافَ فِي الْمُضَارَبَةِ ، فَلَمْ يَتَحَالَفَا ، كَسَائِرِ مَا قَدَّمْنَا اخْتِلَافَهُمَا فِيهِ ، وَالْمُتَبَايِعَانِ يَرْجِعَانِ إلَى رُءُوسِ أَمْوَالِهِمَا ، بِخِلَافِ مَا نَحْنُ فِيهِ .","part":10,"page":231},{"id":4731,"text":"( 3722 ) فَصْلٌ : وَإِنْ ادَّعَى الْعَامِلُ رَدَّ الْمَالِ ، فَأَنْكَرَ رَبُّ الْمَالِ ؛ فَالْقَوْلُ قَوْلُ رَبِّ الْمَالِ مَعَ يَمِينِهِ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .\rوَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا كَقَوْلِنَا .\rوَالْآخَرُ : يُقْبَلُ قَوْلُهُ ؛ لِأَنَّهُ أَمِينٌ ، وَلِأَنَّ مُعْظَمَ النَّفْعِ لِرَبِّ الْمَالِ ، فَالْعَامِلُ كَالْمُودَعِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ قَبَضَ الْمَالَ لِنَفْعِ نَفْسِهِ ، فَلَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ فِي الرَّدِّ ، كَالْمُسْتَعِيرِ ، وَلِأَنَّ رَبَّ الْمَالِ مُنْكِرٌ ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ .\rوَفَارَقَ الْمُودَعَ ؛ فَإِنَّهُ لَا نَفْعَ لَهُ فِي الْوَدِيعَةِ .\rوَقَوْلُهُمْ : إنَّ مُعْظَمَ النَّفْعِ لِرَبِّ الْمَالِ .\rيَمْنَعُهُ ، وَإِنْ سُلِّمَ إلَّا أَنَّ الْمُضَارِبَ لَمْ يَقْبِضْهُ إلَّا لِنَفْعِ نَفْسِهِ ، وَلَمْ يَأْخُذْهُ لِنَفْعِ رَبِّ الْمَالِ .","part":10,"page":232},{"id":4732,"text":"( 3723 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَالَ : رَبِحْت أَلْفًا .\rثُمَّ قَالَ : خَسِرْت ذَلِكَ .\rقُبِلَ قَوْلُهُ ؛ لِأَنَّهُ أَمِينٌ يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي التَّلَفِ ، فَقُبِلَ قَوْلُهُ فِي الْخَسَارَةِ ، كَالْوَكِيلِ .\rوَإِنْ قَالَ : غَلِطْت أَوْ نَسِيت .\rلَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ ؛ لِأَنَّهُ مُقِرٌّ بِحَقٍّ لِآدَمِي ، فَلَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ فِي الرُّجُوعِ ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِأَنَّ رَأْسَ الْمَالِ أَلْفٌ ثُمَّ رَجَعَ .\rوَلَوْ أَنَّ الْعَامِلَ خَسِرَ ، فَقَالَ لِرَجُلِ : أَقْرِضْنِي مَا أُتَمِّمُ بِهِ رَأْسَ الْمَالِ لِأَعْرِضَهُ عَلَى رَبِّهِ ، فَإِنَّنِي أَخْشَى أَنْ يَنْزِعَهُ مِنِّي إنْ عَلِمَ بِالْخَسَارَةِ .\rفَأَقْرَضَهُ ، فَعَرَضَهُ عَلَى رَبِّ الْمَالِ ، وَقَالَ : هَذَا رَأْسُ مَالِكَ .\rفَأَخَذَهُ ، فَلَهُ ذَلِكَ .\rوَلَا يُقْبَلُ رُجُوعُ الْعَامِلِ عَنْ إقْرَارِهِ إنْ رَجَعَ .\rوَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْمُقْرِضِ لَهُ ؛ لِأَنَّهُ يَجُرُّ إلَى نَفْسِهِ نَفْعًا .\rوَلَيْسَ لَهُ مُطَالَبَةُ رَبِّ الْمَالِ ؛ لِأَنَّ الْعَامِلَ مَلَكَهُ بِالْقَرْضِ ، ثُمَّ سَلَّمَهُ إلَى رَبِّ الْمَالِ ، وَلَكِنْ يَرْجِعُ الْمُقْرِضُ عَلَى الْعَامِلِ لَا غَيْرُ .","part":10,"page":233},{"id":4733,"text":"( 3724 ) فَصْلٌ : وَإِذَا دَفَعَ رَجُلٌ إلَى رَجُلَيْنِ مَالًا قِرَاضًا عَلَى النِّصْفِ ، فَنَضَّ الْمَالُ ، وَهُوَ ثَلَاثَةُ آلَافٍ ، فَقَالَ رَبُّ الْمَالِ : رَأْسُ الْمَالِ أَلْفَانِ ، فَصَدَّقَهُ أَحَدُهُمَا ، وَقَالَ الْآخَرُ : بَلْ هُوَ أَلْفٌ .\rفَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ مَعَ يَمِينِهِ .\rفَإِذَا حَلَفَ أَنَّ رَأْسَ الْمَالِ أَلْفٌ وَالرِّبْحَ أَلْفَانِ ، فَنَصِيبُهُ مِنْهُمَا خَمْسُمِائَةٍ ، يَبْقَى أَلْفَانِ وَخَمْسُمِائَةٍ ، يَأْخُذُ رَبُّ الْمَالِ أَلْفَيْنِ ؛ لِأَنَّ الْآخَرَ يُصَدِّقُهُ ، وَيَبْقَى خَمْسُمِائَةٍ رِبْحًا بَيْنَ رَبِّ الْمَالِ وَالْعَامِلِ الْآخَرِ ، يَقْتَسِمَانِهَا أَثْلَاثًا ، لِرَبِّ الْمَالِ ثُلُثَاهَا ، وَلِلْعَامِلِ ثُلُثُهَا مِائَةٌ وَسِتَّةٌ وَسِتُّونَ وَثُلُثَانِ ، وَلِرَبِّ الْمَالِ ثَلَاثُمِائَةٍ وَثَلَاثَةٌ وَثَلَاثُونَ وَثُلُثٌ ؛ لِأَنَّ نَصِيبَ رَبِّ الْمَالِ مِنْ الرِّبْحِ نِصْفُهُ ، وَنَصِيبَ هَذَا الْعَامِلِ رُبْعُهُ ، فَيُقْسَمُ بَيْنَهُمَا بَاقِي الرِّبْحِ عَلَى ثَلَاثَةٍ ، وَمَا أَخَذَهُ الْحَالِفُ فِيمَا زَادَ عَلَى قَدْرِ نَصِيبِهِ كَالتَّالِفِ مِنْهُمَا ، وَالتَّالِفُ يَحْسِبُ فِي الْمُضَارَبَةِ مِنْ الرِّبْحِ .\rوَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ .","part":10,"page":234},{"id":4734,"text":"( 3725 ) فَصْلٌ : وَإِنْ دَفَعَ إلَى رَجُلٍ أَلْفًا يَتَّجِرُ فِيهِ ، فَرِبْحَ ، فَقَالَ الْعَامِلُ : كَانَ قَرْضًا لِي رِبْحُهُ كُلُّهُ .\rوَقَالَ رَبُّ الْمَالِ : كَانَ قِرَاضًا فَرِبْحُهُ بَيْنَنَا .\rفَالْقَوْلُ قَوْلُ رَبِّ الْمَالِ ؛ لِأَنَّهُ مِلْكُهُ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِي صِفَةِ خُرُوجِهِ عَنْ يَدِهِ .\rفَإِذَا حَلَفَ قَسَمْنَا الرِّبْحَ بَيْنَهُمَا وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَتَحَالَفَا ، وَيَكُونَ لِلْعَامِلِ أَكْثَرُ الْأَمْرَيْنِ مِمَّا شَرَطَهُ لَهُ مِنْ الرِّبْحِ أَوْ أَجْرِ مِثْلِهِ ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ الْأَكْثَرُ نَصِيبَهُ مِنْ الرِّبْحِ ، فَرَبُّ الْمَالِ مُعْتَرِفٌ لَهُ بِهِ ، وَهُوَ يَدَّعِي الرِّبْحَ كُلَّهُ ، وَإِنْ كَانَ أَجْرُ مِثْلِهِ أَكْثَرَ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِي عَمَلِهِ مَعَ يَمِينِهِ .\rكَمَا أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ رَبِّ الْمَالِ فِي رِبْحِ مَالِهِ ، فَإِذَا حَلَفَ قُبِلَ قَوْلُهُ فِي أَنَّهُ مَا عَمِلَ بِهَذَا الشَّرْطِ ، وَإِنَّمَا عَمِلَ لِغَرَضٍ لَمْ يَسْلَمْ لَهُ ، فَيَكُونُ لَهُ أَجْرُ الْمِثْلِ .\rوَإِنْ أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةً بِدَعْوَاهُ ، فَنَصَّ ، أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا ، أَنَّهُمَا يَتَعَارَضَانِ ، وَيُقْسَمُ الرِّبْحُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ .\rوَإِنْ قَالَ رَبُّ الْمَالِ : كَانَ بِضَاعَةً .\rوَقَالَ الْعَامِلُ : بَلْ كَانَ قِرَاضًا .\rاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْعَامِلِ ؛ لِأَنَّهُ عَمِلَهُ لَهُ ، فَيَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَهُ فِيهِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يَتَحَالَفَا ، وَيَكُونَ لِلْعَامِلِ أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ نَصِيبِهِ مِنْ الرِّبْحِ أَوْ أَجْرِ مِثْلِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدَّعِي أَكْثَرَ مِنْ نَصِيبِهِ مِنْ الرِّبْحِ ، فَلَا يَسْتَحِقُّ زِيَادَةً عَلَيْهِ .\rوَإِنْ كَانَ الْأَقَلُّ أَجْرَ مِثْلِهِ ، فَلَمْ يَثْبُتْ كَوْنُهُ قِرَاضًا ، فَيَكُونُ لَهُ أَجْرُ عَمَلِهِ .\rوَإِنْ قَالَ رَبُّ الْمَالِ : كَانَ بِضَاعَةً .\rوَقَالَ الْعَامِلُ : كَانَ قَرْضًا .\rحَلَفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى إنْكَارِ مَا ادَّعَاهُ خَصْمُهُ ، وَكَانَ لَهُ أَجْرُ عَمَلِهِ لَا غَيْرُ .\rوَإِنْ خَسِرَ الْمَالُ أَوْ تَلِفَ ، فَقَالَ رَبُّ الْمَالِ : كَانَ قَرْضًا .\rوَقَالَ الْعَامِلُ : كَانَ قِرَاضًا أَوْ","part":10,"page":235},{"id":4735,"text":"بِضَاعَةً .\rفَالْقَوْلُ قَوْلُ رَبِّ الْمَالِ .","part":10,"page":236},{"id":4736,"text":"( 3726 ) فَصْلٌ : وَإِذَا اشْتَرَطَ الْمُضَارِبُ النَّفَقَةَ ، ثُمَّ ادَّعَى أَنَّهُ إنَّمَا أَنْفَقَ مِنْ مَالِهِ ، وَأَرَادَ الرُّجُوعَ ، فَلَهُ ذَلِكَ ، سَوَاءٌ كَانَ الْمَالُ بَاقِيًا فِي يَدَيْهِ ، أَوْ قَدْ رَجَعَ إلَى مَالِكِهِ .\rوَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إذَا كَانَ الْمَالُ بَاقِيًا فِي يَدَيْهِ ، وَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ إذَا كَانَ بَعْدَ رَدِّهِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ أَمِينٌ ، فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ فِي ذَلِكَ ، كَمَا لَوْ كَانَ بَاقِيًا فِي يَدِهِ ، وَكَالْوَصِيِّ إذَا ادَّعَى النَّفَقَةَ عَلَى الْيَتِيمِ .","part":10,"page":237},{"id":4737,"text":"( 3727 ) فَصْلٌ : إذَا كَانَ عَبْدٌ بَيْنَ رَجُلَيْنِ ، فَبَاعَهُ أَحَدُهُمَا بِأَمْرِ الْآخَرِ بِأَلْفٍ ، وَقَالَ : لَمْ أَقْبِضْ ثَمَنَهُ .\rوَادَّعَى الْمُشْتَرِي أَنَّهُ قَبَضَهُ ، وَصَدَّقَهُ الَّذِي لَمْ يَبِعْ ، بَرِئَ الْمُشْتَرِي مِنْ نِصْفِ ثَمَنِهِ ؛ لِاعْتِرَافِ شَرِيكِ الْبَائِعِ بِقَبْضِ وَكِيلِهِ حَقَّهُ ، فَبَرِئَ الْمُشْتَرِي مِنْهُ ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ أَنَّهُ قَبَضَهُ بِنَفْسِهِ ، وَتَبْقَى الْخُصُومَةُ بَيْنَ الْبَائِعِ وَشَرِيكِهِ وَالْمُشْتَرِي .\rفَإِنْ خَاصَمَهُ شَرِيكُهُ ، وَادَّعَى عَلَيْهِ إنَّك قَبَّضْته نَصِيبِي مِنْ الثَّمَنِ .\rفَأَنْكَرَ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ إنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمُدَّعِي بَيِّنَةٌ ، وَإِنْ كَانَتْ لَهُ بَيِّنَةٌ قُضِيَ بِهَا عَلَيْهِ ، وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْمُشْتَرِي لَهُ ؛ لِأَنَّهُ يَجُرُّ بِهَا إلَى نَفْسِهِ نَفْعًا .\rوَإِنْ خَاصَمَ الْبَائِعُ الْمُشْتَرِيَ ، فَادَّعَى الْمُشْتَرِي أَنَّهُ دَفَعَ إلَيْهِ الثَّمَنَ ، وَأَنْكَرَ الْبَائِعُ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ ؛ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ .\rفَإِذَا حَلَفَ ، أَخَذَ مِنْ الْمُشْتَرِي نِصْفَ الثَّمَنِ ، وَلَا يُشَارِكُهُ فِيهِ شَرِيكُهُ ؛ لِأَنَّهُ مُعْتَرِفٌ أَنَّهُ يَأْخُذُهُ ظُلْمًا ، فَلَا يَسْتَحِقُّ مُشَارَكَتَهُ فِيهِ .\rوَإِنْ كَانَتْ لِلْمُشْتَرِي بَيِّنَةٌ ، حُكِمَ بِهَا ، وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ شَرِيكِهِ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ يَجُرُّ بِهَا إلَى نَفْسِهِ نَفْعًا ، وَمِنْ شَهِدَ بِشَهَادَةٍ تَجُرُّ إلَى نَفْسِهِ نَفْعًا بَطَلَتْ شَهَادَتُهُ فِي الْكُلِّ ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ مُخَاصَمَةِ الشَّرِيكِ قَبْلَ مُخَاصَمَةِ الْمُشْتَرِي أَوْ بَعْدَهَا .\rوَإِنْ ادَّعَى الْمُشْتَرِي أَنَّ شَرِيكَ الْبَائِعِ قَبَضَ الثَّمَنَ مِنْهُ ، فَصَدَّقَهُ الْبَائِعُ ، نَظَرْت ، فَإِنْ كَانَ الْبَائِعُ أَذِنَ لِشَرِيكِهِ فِي الْقَبْضِ ، فَهِيَ كَاَلَّتِي قَبْلَهَا ، وَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ فِي الْقَبْضِ ، لَمْ تَبْرَأْ ذِمَّةُ الْمُشْتَرِي مِنْ شَيْءٍ مِنْ الثَّمَنِ ؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ لَمْ يُوَكِّلْهُ فِي الْقَبْضِ ، فَقَبْضُهُ لَهُ لَا يَلْزَمُهُ ، وَلَا يَبْرَأُ الْمُشْتَرِي مِنْهُ ، كَمَا لَوْ دَفَعَهُ إلَى أَجْنَبِيٍّ .\rوَلَا يُقْبَلُ قَوْلُ","part":10,"page":238},{"id":4738,"text":"الْمُشْتَرِي عَلَى شَرِيكِ الْبَائِعِ ؛ لِأَنَّهُ يُنْكِرُهُ ، وَلِلْبَائِعِ الْمُطَالَبَةُ بِقَدْرِ نَصِيبِهِ لَا غَيْرُ ؛ لِأَنَّهُ مُقِرٌّ أَنَّ شَرِيكَهُ قَبَضَ حَقَّهُ .\rوَيَلْزَمُ الْمُشْتَرِيَ دَفْعُ نَصِيبِهِ إلَيْهِ ، وَلَا يَحْتَاجُ إلَى أَمِينٍ ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ مُقِرٌّ بِبَقَاءِ حَقِّهِ .\rوَإِنْ دَفَعَهُ إلَى شَرِيكِهِ ، لَمْ تَبْرَأْ ذِمَّتُهُ ، فَإِذَا قَبَضَ حَقَّهُ ، فَلِشَرِيكِهِ مُشَارَكَتُهُ فِيمَا قَبَضَ ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ لَهُمَا ثَابِتٌ بِسَبَبٍ وَاحِدٍ ، فَمَا قَبَضَ مِنْهُ يَكُونُ بَيْنَهُمَا ، كَمَا لَوْ كَانَ مِيرَاثًا .\rوَلَهُ أَنْ لَا يُشَارِكَهُ ، وَيُطَالِبَ الْمُشْتَرِيَ بِحَقِّهِ كُلِّهِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَمْلِكَ الشَّرِيكُ مُشَارَكَتَهُ فِيمَا قَبَضَ ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَسْتَحِقُّ ثَمَنَ نَصِيبِهِ الَّذِي يَنْفَرِدُ بِهِ ، فَلَمْ يَكُنْ لِشَرِيكِهِ مُشَارَكَتُهُ فِيمَا قَبَضَ مِنْ ثَمَنِهِ ، كَمَا لَوْ بَاعَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نَصِيبَهُ فِي صَفْقَةٍ .\rوَيُخَالِفُ الْمِيرَاثَ ؛ لِأَنَّ سَبَبَ اسْتِحْقَاقِ الْوَرَثَةِ لَا يَتَبَعَّضُ ، فَلَمْ يَكُنْ لِلْوَرَثَةِ تَبْعِيضُهُ ، وَهَا هُنَا يَتَبَعَّضُ ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ الْبَائِعُ اثْنَيْنِ كَانَ بِمَنْزِلَةِ عَقْدَيْنِ ، وَلِأَنَّ الْوَارِثَ نَائِبٌ عَنْ الْمَوْرُوثِ ، فَكَانَ مَا يَقْبِضُهُ لِلْمَوْرُوثِ يَشْتَرِكُ فِيهِ جَمِيعُ الْوَرَثَةِ ، بِخِلَافِ .\rمَسْأَلَتِنَا ، فَإِنَّ مَا يَقْبِضُهُ لِنَفْسِهِ .\rفَإِنْ قُلْنَا : لَهُ مُشَارَكَتُهُ فِيمَا قَبَضَ .\rفَعَلَيْهِ الْيَمِينُ أَنَّهُ لَمْ يَسْتَوْفِ حَقَّهُ مِنْ الْمُشْتَرِي ، وَيَأْخُذُ مِنْ الْقَابِضِ نِصْفَ مَا قَبَضَهُ ، وَيُطَالِبُ الْمُشْتَرِيَ بِبَقِيَّةِ حَقِّهِ ، إذَا حَلَفَ لَهُ أَيْضًا أَنَّهُ مَا قَبَضَ مِنْهُ شَيْئًا .\rوَلَيْسَ لِلْمَقْبُوضِ مِنْهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْمُشْتَرِي بِعِوَضِ مَا أَخَذَ مِنْهُ ؛ لِأَنَّهُ مُقِرٌّ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ قَدْ بَرِئَتْ ذِمَّتُهُ فِي حَقِّ شَرِيكِهِ ، وَإِنَّمَا أَخَذَ مِنْهُ ظُلْمًا ، فَلَا يَرْجِعُ بِمَا ظَلَمَهُ هَذَا عَلَى غَيْرِهِ .\rوَإِنْ خَاصَمَ الْمُشْتَرِي شَرِيكَ الْبَائِعِ ، فَادَّعَى عَلَيْهِ أَنَّهُ قَبَضَ الثَّمَنَ مِنْهُ ،","part":10,"page":239},{"id":4739,"text":"فَكَانَتْ لَهُ بَيِّنَةٌ ، حُكِمَ بِهَا .\rوَتُقْبَلُ شَهَادَةُ الْبَائِعِ لَهُ إذَا كَانَ عَدْلًا ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُرُّ إلَى نَفْسِهِ نَفْعًا ، وَلَا يَدْفَعُ عَنْهَا ضَرَرًا ؛ لِأَنَّهُ إذَا ثَبَتَ أَنَّ شَرِيكَهُ قَبَضَ الثَّمَنَ ، لَمْ يَمْلِكْ مُطَالَبَتَهُ بِشَيْءِ ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِوَكِيلٍ لَهُ فِي الْقَبْضِ ، فَلَا يَقَعُ قَبْضُهُ لَهُ .\rهَكَذَا ذَكَرَهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا ، وَعِنْدِي لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لَهُ ؛ لِأَنَّهُ يَدْفَعُ عَنْ نَفْسِهِ ضَرَرَ مُشَارَكَةِ شَرِيكِهِ لَهُ فِيمَا يَقْبِضُهُ مِنْ الْمُشْتَرِي .\rوَإِذَا لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ ، فَحَلَفَ ، أَخَذَ مِنْ الْمُشْتَرِي نِصْفَ الثَّمَنِ ، وَإِنْ نَكَلَ ، أَخَذَ الْمُشْتَرِي مِنْهُ نِصْفَهُ .","part":10,"page":240},{"id":4740,"text":"( 3728 ) فَصْلٌ : وَإِذَا كَانَ الْعَبْدُ بَيْنَ اثْنَيْنِ ، فَغَصَبَ رَجُلٌ نَصِيبَ أَحَدِهِمَا ، بِأَنْ يَسْتَوْلِيَ عَلَى الْعَبْدِ ، وَيَمْنَعَ أَحَدَهُمَا الِانْتِفَاعَ دُونَ الْآخَرِ ، ثُمَّ إنَّ مَالِكَ نِصْفِهِ وَالْغَاصِبَ بَاعَا الْعَبْدَ صَفْقَةً وَاحِدَةً ، صَحَّ فِي نَصِيبِ الْمَالِكِ ، وَبَطَلَ فِي نَصِيبِ الْغَاصِبِ .\rوَإِنْ وَكَّلَ الشَّرِيكُ الْغَاصِبَ ، أَوْ وَكَّلَ الْغَاصِبُ الشَّرِيكَ فِي الْبَيْعِ ، فَبَاعَ الْعَبْدَ كُلَّهُ صَفْقَةً وَاحِدَةً ، بَطَلَ فِي نَصِيبِ الْغَاصِبِ ، فِي الصَّحِيحِ .\rوَهَلْ يَصِحُّ فِي نَصِيبِ الشَّرِيكِ ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ ، بِنَاءً عَلَى تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ ؛ لِأَنَّ الصَّفْقَةَ هَاهُنَا وَقَعَتْ وَاحِدَةً ، وَقَدْ بَطَلَ الْبَيْعُ فِي بَعْضِهَا ، فَبَطَلَ فِي سَائِرِهَا .\rبِخِلَافِ مَا إذَا بَاعَ الْمَالِكُ وَالْغَاصِبُ ، فَإِنَّهُمَا عَقْدَانِ ؛ لِأَنَّ عَقْدَ الْوَاحِدِ مَعَ الِاثْنَيْنِ عَقْدَانِ .\rوَلَوْ أَنَّ الْغَاصِبَ ذَكَرَ لِلْمُشْتَرِي أَنَّهُ وُكِّلَ فِي نِصْفِهِ ، لَصَلَحَ فِي نَصِيبِ الْآذِنِ ؛ لِكَوْنِهِ كَالْعَقْدِ الْمُنْفَرِدِ .","part":10,"page":241},{"id":4741,"text":"( 3729 ) فَصْلٌ : وَإِذَا كَانَ لِرَجُلَيْنِ دَيْنٌ لِسَبَبِ وَاحِدٍ ؛ إمَّا عَقْدٌ أَوْ مِيرَاثٌ أَوْ اسْتِهْلَاكٌ أَوْ غَيْرُهُ ، فَقَبَضَ أَحَدُهُمَا مِنْهُ شَيْئًا ، فَلِلْآخَرِ مُشَارَكَتُهُ فِيهِ .\rهَذَا ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ لَأَحَدِهِمَا أَنْ يَأْخُذَ حَقَّهُ دُونَ صَاحِبِهِ ، وَلَا يُشَارِكَهُ الْآخَرُ فِيمَا أَخَذَهُ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي الْعَالِيَةِ ، وَأَبِي قِلَابَةَ ، وَابْنِ سِيرِينَ ، وَأَبِي عُبَيْدٍ قِيلَ لِأَحْمَدَ : بِعْت أَنَا وَصَاحِبِي مَتَاعًا بَيْنِي وَبَيْنَهُ ، فَأَعْطَانِي حَقِّي ، وَقَالَ : هَذَا حَقُّك خَاصَّةً ، وَأَنَا أُعْطِي شَرِيكَك بَعْدُ .\rقَالَ : لَا يَجُوزُ .\rقِيلَ لَهُ : فَإِنْ أَخَّرَهُ أَوْ أَبْرَأَهُ مِنْ حَقِّهِ دُونَ صَاحِبِهِ ؟ قَالَ : يَجُوزُ .\rقِيلَ : فَقَدْ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : لَهُ أَنْ يَأْخُذَ دُونَ صَاحِبِهِ إذَا كَانَ لَهُ أَنْ يُؤَخِّرَ ، وَيُبْرِئَهُ دُونَ صَاحِبِهِ ؟ فَفَكَّرَ فِيهَا ، ثُمَّ قَالَ : هَذَا يُشْبِهُ الْمِيرَاثَ إذَا أَخَذَ مِنْهُ بَعْضَ الْوَرَثَةِ دُونَ بَعْضٍ ، وَقَدْ قَالَ ابْنُ سِيرِينَ وَأَبُو قِلَابَةَ وَأَبُو الْعَالِيَةِ : مَنْ أَخَذَ شَيْئًا فَهُوَ مِنْ نَصِيبِهِ .\rقَالَ : فَرَأَيْته قَدْ احْتَجَّ لَهُ وَأَجَازَهُ .\rقَالَ أَبُو بَكْرٍ : الْعَمَلُ عِنْدِي عَلَى مَا رَوَاهُ حَرْبٌ وَحَنْبَلٌ ، أَنَّهُ لَا يَجُوزُ وَهُوَ الصَّحِيحُ .\rوَقَدْ صَرَّحَ بِهِ أَحْمَدُ فِي أَوَّلِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ ، وَلَمْ يُصَرِّحْ بِالرُّجُوعِ عَمَّا قَالَهُ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ نَصِيبُ الْقَابِضِ مَا أَخَذَهُ ، لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ قِسْمَةِ الدَّيْنِ فِي الذِّمَّةِ مِنْ غَيْرِ رِضَى الشَّرِيكِ ، فَيَكُونُ الْمَأْخُوذُ وَالْبَاقِي جَمِيعًا مُشْتَرَكًا ، وَلِغَيْرِ الْقَابِضِ الرُّجُوعُ عَلَى الْقَابِضِ بِنِصْفِهِ ، سَوَاءٌ كَانَ بَاقِيًا فِي يَدِهِ ، أَوْ أَخْرَجَهُ عَنْهَا بِرَهْنٍ أَوْ قَضَاءِ دَيْنٍ أَوْ غَيْرِهِ ، وَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْغَرِيمِ ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ يَثْبُتُ فِي ذِمَّتِهِ لَهُمَا عَلَى وَجْهٍ سَوَاءٍ ، فَلَيْسَ لَهُ تَسْلِيمُ حَقِّ أَحَدِهِمَا إلَى الْآخَرِ ، فَإِنْ أَخَذَ مِنْ الْغَرِيمِ لَمْ يَرْجِعْ","part":10,"page":242},{"id":4742,"text":"عَلَى الشَّرِيكِ بِشَيْءٍ ؛ لِأَنَّ حَقَّهُ يَثْبُتُ فِي أَحَدِ الْمَحَلَّيْنِ ، فَإِذَا اخْتَارَ أَحَدُهُمَا سَقَطَ حَقُّهُ مِنْ الْآخَرِ ، وَلَيْسَ لِلْقَابِضِ مَنْعُهُ مِنْ الرُّجُوعِ عَلَى الْغَرِيمِ ، بِأَنْ يَقُولَ : أَنَا أُعْطِيك نِصْفَ مَا قَبَضْت .\rبَلْ الْخِيرَةُ إلَيْهِ مِنْ أَيِّهِمَا شَاءَ قَبَضَ ، فَإِنْ قَبَضَ مِنْ شَرِيكِهِ شَيْئًا ، رَجَعَ الشَّرِيكُ عَلَى الْغَرِيمِ بِمِثْلِهِ ، وَإِنْ هَلَكَ الْمَقْبُوضُ فِي يَدِ الْقَابِضِ ، تَعَيَّنَ حَقُّهُ فِيهِ ، وَلَمْ يَضْمَنْهُ لِلشَّرِيكِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْرُ حَقِّهِ فِيمَا تَعَدَّى بِالْقَبْضِ ، وَإِنَّمَا كَانَ لِشَرِيكِهِ مُشَارَكَتُهُ لِثُبُوتِهِ فِي الْأَصْلِ مُشْتَرَكًا .\rوَإِنْ أَبْرَأَ أَحَدَ الشَّرِيكَيْنِ مِنْ حَقِّهِ ، بَرِئَ مِنْهُ ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ تَلَفِهِ ، وَلَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ غَرِيمُهُ بِشَيْءٍ .\rوَإِنْ أَبْرَأَ أَحَدَهُمَا مِنْ عُشْرِ الدَّيْنِ ، ثُمَّ قَبَضَا مِنْ الدَّيْنِ شَيْئًا ، اقْتَسَمَاهُ عَلَى قَدْرِ حَقِّهِمَا فِي الْبَاقِي ؛ لِلْمُبْرِئِ أَرْبَعَةُ أَتْسَاعِهِ ، وَلِشَرِيكِهِ خَمْسَةُ أَتْسَاعِهِ .\rوَإِنْ قَبَضَا نِصْفَ الدَّيْنِ ، ثُمَّ أَبْرَأَ أَحَدَهُمَا مِنْ عُشْرِ الدَّيْنِ كُلِّهِ ، نَفَذَتْ بَرَاءَتُهُ فِي خُمْسِ الْبَاقِي ، وَمَا بَقِيَ بَيْنَهُمَا عَلَى ثَمَانِيَةٍ ؛ لِلْمُبْرِئِ ثَلَاثَةُ أَثْمَانِهِ ، وَلِلْآخَرِ خَمْسَةُ أَثْمَانِهِ ، فَمَا قَبَضَاهُ بَعْدَ ذَلِكَ اقْتَسَمَاهُ عَلَى هَذَا .\rوَإِنْ اشْتَرَى أَحَدُهُمَا بِنَصِيبِهِ مِنْ الدَّيْنِ ثَوْبًا ، فَلِلْآخَرِ إبْطَالُ الشِّرَاءِ فَإِنْ بَذَلَ لَهُ الْمُشْتَرِي نِصْفَ الثَّوْبِ ، وَلَا يُبْطِلُ الْبَيْعَ ، لَمْ يَلْزَمْهُ ذَلِكَ .\rوَإِنْ أَجَازَ الْبَيْعَ لِيَمْلِكَ نِصْفَ الثَّوْبِ ، انْبَنَى عَلَى بَيْعِ الْفُضُولِيِّ ، هَلْ يَقِفُ عَلَى الْإِجَازَةِ أَوْ لَا ؟ وَإِنْ أَخَّرَ أَحَدُهُمَا حَقَّهُ مِنْ الدَّيْنِ ، جَازَ ؛ فَإِنَّهُ لَوْ أَسْقَطَ حَقَّهُ جَازَ ، فَتَأْخِيرُهُ أَوْلَى .\rفَإِنْ قَبَضَ الشَّرِيكُ بَعْدَ ذَلِكَ شَيْئًا ، لَمْ يَكُنْ لِشَرِيكِهِ الرُّجُوعُ عَلَيْهِ بِشَيْءِ .\rذَكَرَهُ الْقَاضِي .\rوَالْأَوْلَى أَنَّ لَهُ الرُّجُوعَ ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ الْحَالَّ لَا يَتَأَجَّلُ","part":10,"page":243},{"id":4743,"text":"بِالتَّأْجِيلِ ؛ فَوُجُودُ التَّأْجِيلِ كَعَدَمِهِ .\rفَأَمَّا إنْ قُلْنَا بِالرِّوَايَةِ الْأُخْرَى ، وَأَنَّ مَا يَقْبِضُهُ أَحَدُهُمَا لَهُ دُونَ صَاحِبِهِ ، فَوَجْهُهَا أَنَّ مَا فِي الذِّمَّةِ لَا يَنْتَقِلُ إلَى الْعَيْنِ إلَّا بِتَسْلِيمِهِ إلَى غَرِيمِهِ أَوْ وَكِيلِهِ ، وَمَا قَبَضَهُ أَحَدُهُمَا فَلَيْسَ لِشَرِيكِهِ فِيهِ قَبْضٌ ، وَلَا لِوَكِيلِهِ ، فَلَا يَثْبُتُ لَهُ فِيهِ حَقٌّ ، وَكَانَ لِقَابِضِهِ ؛ لِثُبُوتِ يَدِهِ عَلَيْهِ بِحَقٍّ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَ الدَّيْنُ بِسَبَبَيْنِ .\rوَلَيْسَ هَذَا قِسْمَةَ الدَّيْنِ فِي الذِّمَّةِ ، وَإِنَّمَا تَعَيَّنَ حَقُّهُ بِقَبْضِهِ ، فَأَشْبَهَ تَعْيِينَهُ بِالْإِبْرَاءِ ، وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ لِغَيْرِ الْقَابِضِ حَقٌّ فِي الْمَقْبُوضِ ، لَمْ يَسْقُطْ بِتَلَفِهِ ، كَسَائِرِ الْحُقُوقِ ، وَلِأَنَّ هَذَا الْقَبْضَ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ بِحَقٍّ أَوْ بِغَيْرِ حَقٍّ ، فَإِنْ كَانَ بِحَقٍّ ، لَمْ يُشَارِكْهُ غَيْرُهُ فِيهِ ، كَمَا لَوْ كَانَ الدَّيْنُ بِسَبَبَيْنِ ، وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ حَقٍّ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ مُطَالَبَتُهُ ؛ لِأَنَّ حَقَّهُ فِي الذِّمَّةِ لَا فِي الْعَيْنِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَخَذَ غَاصِبٌ مِنْهُ مَالًا ، فَعَلَى هَذَا مَا قَبَضَهُ الْقَابِضُ يَخْتَصُّ بِهِ دُونَ شَرِيكِهِ ، وَلَيْسَ لِشَرِيكِهِ الرُّجُوعُ عَلَيْهِ .\rوَإِنْ اشْتَرَى بِنَصِيبِهِ ثَوْبًا ، صَحَّ ، وَلَمْ يَكُنْ لِشَرِيكِهِ إبْطَالُ الشِّرَاءِ .\rوَإِنْ قَبَضَ أَكْثَرَ مِنْ حَقِّهِ بِغَيْرِ إذْنِ شَرِيكِهِ ، لَمْ يَبْرَأْ الْغَرِيمُ مِمَّا زَادَ عَلَى حَقِّهِ .","part":10,"page":244},{"id":4744,"text":"( 3730 ) فَصْلٌ : وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ ، فِي قِسْمَةِ الدَّيْنِ فِي الذِّمَمِ ، فَنَقَلَ حَنْبَلٌ مَنْعَ ذَلِكَ .\rوَهُوَ الصَّحِيحُ ؛ لِأَنَّ الذِّمَمَ لَا تَتَكَافَأُ وَلَا تَتَعَادَلُ ، وَالْقِسْمَةُ تَقْتَضِي التَّعْدِيلَ .\rوَأَمَّا الْقِسْمَةُ مِنْ غَيْرِ تَعْدِيلٍ فَهِيَ بَيْعٌ ، وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ .\rفَعَلَى هَذَا لَوْ تَقَاسَمَا ، ثُمَّ تَوِيَ بَعْضُ الْمَالِ ، رَجَعَ مَنْ تَوِيَ مَالُهُ عَلَى مَنْ لَمْ يَتْوَ .\rوَبِهَذَا قَالَ ابْنُ سِيرِينَ ، وَالنَّخَعِيُّ .\rوَنَقَلَ حَرْبٌ جَوَازَ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الِاخْتِلَافَ لَا يَمْنَعُ الْقِسْمَةَ ، كَمَا لَوْ اخْتَلَفَتْ الْأَعْيَانُ .\rوَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ ، وَإِسْحَاقُ .\rفَعَلَى هَذَا لَا يَرْجِعُ مَنْ تَوِيَ مَالُهُ عَلَى مَنْ لَمْ يَتْوَ ، إذَا أَبْرَأَ كُلُّ وَاحِدٍ صَاحِبَهُ .\rوَهَذَا إذَا كَانَ فِي ذِمَمٍ ، فَأَمَّا فِي ذِمَّةٍ وَاحِدَةٍ ، فَلَا تُمْكِنُ الْقِسْمَةُ ؛ لِأَنَّ مَعْنَى الْقِسْمَةِ إفْرَازُ الْحَقِّ ، وَلَا يُتَصَوَّرُ ذَلِكَ فِي ذِمَّةٍ وَاحِدَةٍ .","part":10,"page":245},{"id":4745,"text":"( 3731 ) فُصُول فِي الْعَبْدِ الْمَأْذُونِ لَهُ : يَجُوزُ أَنْ يَأْذَنَ السَّيِّدُ لِعَبْدِهِ فِي التِّجَارَةِ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ ؛ لِأَنَّ الْحَجْرَ عَلَيْهِ إنَّمَا كَانَ لِحَقِّ سَيِّدِهِ ، فَجَازَ لَهُ التَّصَرُّفُ بِإِذْنِهِ .\rوَيَنْفَكُّ عَنْهُ الْحَجْرُ فِي قَدْرِ مَا أَذِنَ لَهُ فِيهِ ؛ لِأَنَّ تَصَرُّفَهُ إنَّمَا جَازَ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ ، فَزَالَ الْحَجْرُ فِي قَدْرِ مَا أَذِنَ فِيهِ ، كَالْوَكِيلِ .\rفَإِنْ دَفَعَ إلَيْهِ مَالًا يَتَّجِرُ بِهِ كَانَ لَهُ أَنْ يَبِيعَ وَيَشْتَرِيَ وَيَتَّجِرَ فِيهِ .\rوَإِنْ أَذِنَ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ فِي ذِمَّتِهِ ، جَازَ .\rوَإِنْ عَيَّنَ لَهُ نَوْعًا مِنْ الْمَالِ يَتَّجِرُ فِيهِ ، جَازَ ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ التِّجَارَةُ فِي غَيْرِهِ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَجُوزُ أَنْ يَتَّجِرَ فِي غَيْرِهِ ، وَيَنْفَكُّ عَنْهُ الْحَجْرُ مُطْلَقًا ؛ لِأَنَّ إذْنَهُ إطْلَاقٌ مِنْ الْحَجْرِ وَفَكٌّ لَهُ ، وَالْإِطْلَاقُ لَا يَتَبَعَّضُ ، كَبُلُوغِ الصَّبِيِّ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ مُتَصَرِّفٌ بِالْإِذْنِ مِنْ جِهَةِ الْآدَمِيِّ ، فَوَجَبَ أَنْ يَخْتَصَّ مَا أَذِنَ لَهُ فِيهِ ، كَالْوَكِيلِ وَالْمُضَارِبِ .\rوَمَا قَالَهُ يُنْقَضُ بِمَا إذَا أَذِنَ لَهُ فِي شِرَاءِ ثَوْبٍ لِيَلْبَسَهُ ، أَوْ طَعَامٍ لِيَأْكُلَهُ ، وَيُخَالِفُ الْبُلُوغَ ؛ فَإِنَّهُ يَزُولُ بِهِ الْمَعْنَى الْمُوجِبُ لِلْحَجْرِ ، فَإِنَّ الْبُلُوغَ مَظِنَّةُ كَمَالِ الْعَقْلِ ، الَّذِي يَتَمَكَّنُ بِهِ مِنْ التَّصَرُّفِ عَلَى وَجْهِ الْمَصْلَحَةِ ، وَهَا هُنَا الرِّقُّ سَبَبُ الْحَجْرِ ، وَهُوَ مَوْجُودٌ ، فَنَظِيرُ الْبُلُوغِ فِي الصَّبِيِّ الْعِتْقُ لِلْعَبْدِ ، وَإِنَّمَا يَتَصَرَّفُ الْعَبْدُ بِالْإِذْنِ ، أَلَا تَرَى أَنَّ الصَّبِيَّ يَسْتَفِيدُ بِالْبُلُوغِ قَبُولَ النِّكَاحِ ، بِخِلَافِ الْعَبْدِ ، ( 3732 ) فَصْلٌ : وَإِذَا أَذِنَ لَهُ فِي التِّجَارَةِ ، لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يُؤْجِرَ نَفْسَهُ ، وَلَا يَتَوَكَّلَ لَإِنْسَانٍ .\rوَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَأَبَاحَهُمَا أَبُو حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّهُ يَتَصَرَّفُ لِنَفْسِهِ ، فَمَلَكَ ذَلِكَ كَالْمُكَاتَبِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ عَقْدٌ عَلَى نَفْسِهِ ، فَلَا يَمْلِكُهُ بِالْإِذْنِ","part":10,"page":246},{"id":4746,"text":"فِي التِّجَارَةِ ، كَبَيْعِ نَفْسِهِ وَتَزَوُّجِهِ .\rوَقَوْلُهُمْ : إنَّهُ يَتَصَرَّفُ لِنَفْسِهِ .\rمَمْنُوعٌ ، بَلْ يَتَصَرَّفُ لِسَيِّدِهِ ، وَبِهَذَا فَارَقَ الْمُكَاتَبَ فَإِنَّ الْمُكَاتَبَ يَتَصَرَّفُ لِنَفْسِهِ ، وَلِهَذَا كَانَ لَهُ أَنْ يَبِيعَ مِنْ سَيِّدِهِ .","part":10,"page":247},{"id":4747,"text":"( 3733 ) فَصْلٌ : وَإِذَا رَأَى السَّيِّدُ عَبْدَهُ يَتَّجِرُ ، فَلَمْ يَنْهَهُ .\rلَمْ يَصِرْ مَأْذُونًا لَهُ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَصِيرُ مَأْذُونًا لَهُ ؛ لِأَنَّهُ سَكَتَ عَنْ حَقِّهِ ، فَكَانَ مُسْقِطًا لَهُ ، كَالشَّفِيعِ إذَا سَكَتَ عَنْ طَلَبِ الشُّفْعَةِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ تَصَرُّفٌ يَفْتَقِرُ إلَى الْإِذْنِ ، فَلَمْ يَقُمْ السُّكُوتُ مَقَامَ الْإِذْنِ ، كَمَا لَوْ بَاعَ الرَّاهِنُ الرَّهْنَ وَالْمُرْتَهِنُ سَاكِتٌ ، أَوْ بَاعَهُ الْمُرْتَهِنُ وَالرَّاهِنُ سَاكِتٌ ، وَكَتَصَرُّفَاتِ الْأَجَانِبِ .\rوَيُخَالِفُ الشُّفْعَةَ ؛ فَإِنَّهَا تَسْقُطُ بِمُضِيِّ الزَّمَانِ إذَا عَلِمَ بِهَا ؛ لِأَنَّهَا عَلَى الْفَوْرِ .\r( 3734 ) فَصْلٌ : وَلَا يَبْطُلُ الْإِذْنُ بِالْإِبَاقِ .\rوَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَبْطُلُ ؛ لِأَنَّهُ يُزِيلُ بِهِ وِلَايَةَ السَّيِّدِ عَنْهُ فِي التِّجَارَةِ ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ وَلَا هِبَتُهُ وَلَا رَهْنُهُ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ بَاعَهُ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الْإِبَاقَ لَا يَمْنَعُ ابْتِدَاءَ الْإِذْنِ لَهُ فِي التِّجَارَةِ ، فَلَمْ يَمْنَعْ اسْتِدَامَتَهُ ، كَمَا لَوْ غَصَبَهُ غَاصِبٌ أَوْ حُبِسَ بِدَيْنٍ عَلَيْهِ أَوْ عَلَى غَيْرِهِ .\rوَمَا ذَكَرُوهُ غَيْرُ صَحِيحٍ ؛ فَإِنَّ سَبَبَ الْوِلَايَةِ بَاقٍ وَهُوَ الرِّقُّ ، وَيَجُوزُ بَيْعُهُ وَإِجَارَتُهُ مِمَّنْ يَقْدِرُ عَلَيْهِ ، وَيَبْطُلُ بِالْمَغْصُوبِ .","part":10,"page":248},{"id":4748,"text":"( 3735 ) فَصْلٌ : وَلَا يَجُوزُ لِلْمَأْذُونِ التَّبَرُّعُ بِهِبَةِ الدَّرَاهِمِ ، وَلَا كِسْوَةِ الثِّيَابِ .\rوَتَجُوزُ هِبَتُهُ الْمَأْكُولَ ، وَإِعَارَةُ دَابَّتِهِ ، وَاِتِّخَاذُ الدَّعْوَةِ ، مَا لَمْ يَكُنْ إسْرَافًا .\rوَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يَجُوزُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ ؛ لِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ بِمَالِ مَوْلَاهُ ، فَلَمْ يَجُزْ ، كَهِبَةِ دَرَاهِمِهِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُجِيبُ دَعْوَةَ الْمَمْلُوكِ .\rوَرَوَى أَبُو سَعِيدٍ مَوْلَى أَبِي أُسَيْدَ ، أَنَّهُ تَزَوَّجَ ، فَحَضَرَ دَعْوَتَهُ أُنَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ مِنْهُمْ : عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ ، وَحُذَيْفَةُ ، وَأَبُو ذَرٍّ ، فَأَمَّهُمْ وَهُوَ يَوْمَئِذٍ عَبْدٌ .\rرَوَاهُ صَالِحٌ فِي مَسَائِلِهِ بِإِسْنَادِهِ وَلِأَنَّ الْعَادَةَ جَارِيَةٌ بِهَذَا بَيْنَ التُّجَّارِ ، فَجَازَ ، كَمَا جَازَ لِلْمَرْأَةِ الصَّدَقَةُ بِكِسْرَةِ الْخُبْزِ مِنْ بَيْتِ زَوْجِهَا .","part":10,"page":249},{"id":4749,"text":"كِتَابُ الْوَكَالَةِ وَهِيَ جَائِزَةٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ ؛ أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { إنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا } .\rفَجَوَّزَ الْعَمَلَ عَلَيْهَا ، وَذَلِكَ بِحُكْمِ النِّيَابَةِ عَنْ الْمُسْتَحِقِّينَ ، وَأَيْضًا قَوْله تَعَالَى : { فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ } .\rوَهَذِهِ وَكَالَةٌ .\rوَأَمَّا السُّنَّةُ ، فَرَوَى أَبُو دَاوُد ، وَالْأَثْرَمُ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، عَنْ الزُّبَيْرِ بْنِ الْخِرِّيتِ ، عَنْ أَبِي لَبِيدٍ لُمَازَةَ بْنِ زَبَّارٍ ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الْجَعْدِ قَالَ { : عُرِضَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَلَبٌ ، فَأَعْطَانِي دِينَارًا ، فَقَالَ : يَا عُرْوَةُ ، ائْتِ الْجَلَبَ ، فَاشْتَرِ لَنَا شَاةً .\rقَالَ : فَأَتَيْت الْجَلَبَ ، فَسَاوَمْت صَاحِبَهُ ، فَاشْتَرَيْت شَاتَيْنِ بِدِينَارٍ ، فَجِئْت أَسُوقُهُمَا ، أَوْ أَقُودُهُمَا ، فَلَقِيَنِي رَجُلٌ بِالطَّرِيقِ ، فَسَاوَمَنِي ، فَبِعْت مِنْهُ شَاةً بِدِينَارٍ ، فَأَتَيْت النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالدِّينَارِ وَبِالشَّاةِ .\rفَقُلْت : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، هَذَا دِينَارُكُمْ ، وَهَذِهِ شَاتُكُمْ .\rقَالَ : وَصَنَعْت كَيْفَ ؟ .\rقَالَ : فَحَدَّثْته الْحَدِيثَ .\rقَالَ : اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُ فِي صَفْقَةِ يَمِينِهِ } .\rهَذَا لَفْظُ رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ .\rوَرَوَى أَبُو دَاوُد ، بِإِسْنَادِهِ { عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، قَالَ : أَرَدْت الْخُرُوجَ إلَى خَيْبَرَ ، فَأَتَيْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْت لَهُ : إنِّي أَرَدْت الْخُرُوجَ إلَى خَيْبَرَ .\rفَقَالَ : ائْتِ وَكِيلِي ، فَخُذْ مِنْهُ خَمْسَةَ عَشَرَ وَسْقًا ، فَإِنْ ابْتَغَى مِنْك آيَةً ، فَضَعْ يَدَك عَلَى تَرْقُوَتِهِ } .\rوَرُوِيَ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { ، أَنَّهُ وَكَّلَ عَمْرَو بْنَ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيَّ ، فِي قَبُولِ نِكَاحِ أُمِّ حَبِيبَةَ ، وَأَبَا رَافِعٍ فِي قَبُولِ نِكَاحِ مَيْمُونَةَ .\r} وَأَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى جَوَازِ الْوَكَالَةِ فِي الْجُمْلَةِ","part":10,"page":250},{"id":4750,"text":".\rوَلِأَنَّ الْحَاجَةَ دَاعِيَةٌ إلَى ذَلِكَ ؛ فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُ كُلَّ وَاحِدٍ فِعْلُ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ ، فَدَعَتْ الْحَاجَةُ إلَيْهَا .","part":10,"page":251},{"id":4751,"text":"( 3736 ) فَصْلٌ : وَكُلُّ مَنْ صَحَّ تَصَرُّفُهُ فِي شَيْءٍ بِنَفْسِهِ ، وَكَانَ مِمَّا تَدْخُلُهُ النِّيَابَةُ ، صَحَّ أَنْ يُوَكِّلَ فِيهِ رَجُلًا كَانَ أَوْ امْرَأَةً ، حُرًّا أَوْ عَبْدًا ، مُسْلِمًا كَانَ أَوْ كَافِرًا .\rوَأَمَّا مَنْ يَتَصَرَّفُ بِالْإِذْنِ ، كَالْعَبْدِ الْمَأْذُونِ لَهُ ، وَالْوَكِيلِ ، وَالْمُضَارِبِ ، فَلَا يَدْخُلُونَ فِي هَذَا .\rلَكِنْ يَصِحُّ مِنْ الْعَبْدِ التَّوْكِيلُ فِيمَا يَمْلِكُهُ دُونَ سَيِّدِهِ ، كَالطَّلَاقِ وَالْخُلْعِ .\rوَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ لِسَفَهٍ ، لَا يُوَكَّلُ إلَّا فِيمَا لَهُ فِعْلُهُ ، مِنْ الطَّلَاقِ وَالْخُلْعِ ، وَطَلَبِ الْقِصَاصِ ، وَنَحْوِهِ .\rوَكُلُّ مَا يَصِحُّ أَنْ يَسْتَوْفِيَهُ بِنَفْسِهِ ، وَتَدْخُلُهُ النِّيَابَةُ ، صَحَّ أَنْ يَتَوَكَّلَ لِغَيْرِهِ فِيهِ ، إلَّا الْفَاسِقَ ، فَإِنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يَقْبَلَ النِّكَاحَ لِنَفْسِهِ .\rوَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّهُ لَا يَصِحُّ أَنْ يَقْبَلَهُ لِغَيْرِهِ .\rوَكَلَامُ أَبِي الْخَطَّابِ يَقْتَضِي جَوَازَ ذَلِكَ .\rوَهُوَ الْقِيَاسُ .\rوَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ فِي ذَلِكَ وَجْهَانِ ، كَهَذَيْنِ .\rفَأَمَّا تَوْكِيلُهُ فِي الْإِيجَابِ ، فَلَا يَجُوزُ إلَّا عَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي تُثْبِتُ الْوِلَايَةَ لَهُ .\rوَذَكَرَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ فِي ذَلِكَ وَجْهَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا : يَجُوزُ تَوْكِيلُهُ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِوَلِيٍّ .\rوَوَجْهُ الْوَجْهِ الْآخَرِ ، أَنَّهُ مُوجِبٌ لِلنِّكَاحِ ، أَشْبَهَ الْوَلِيَّ .\rوَلِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَتَوَلَّى ذَلِكَ بِنَفْسِهِ ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَتَوَكَّلَ فِيهِ ، كَالْمَرْأَةِ .\rوَيَصِحُّ تَوْكِيلُ الْمَرْأَةِ فِي طَلَاقِ نَفْسِهَا ، وَطَلَاقِ غَيْرِهَا .\rوَيَصِحُّ تَوْكِيلُ الْعَبْدِ فِي قَبُولِ النِّكَاحِ ؛ لِأَنَّهُ مِمَّنْ يَجُوزُ أَنْ يَقْبَلَهُ لِنَفْسِهِ ؛ وَإِنَّمَا يَقِفُ ذَلِكَ عَلَى إذْنِ سَيِّدِهِ ، لِيُرْضِيَ بِتَعَلُّقِ الْحُقُوقِ بِهِ .\rوَمَنْ لَا يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فِي شَيْءٍ لِنَفْسِهِ ، لَا يَصِحُّ أَنْ يَتَوَكَّلَ فِيهِ ، كَالْمَرْأَةِ فِي عَقْدِ النِّكَاحِ وَقَبُولِهِ ، وَالْكَافِرِ فِي تَزْوِيجِ مُسْلِمَةٍ ، وَالطِّفْلِ وَالْمَجْنُونِ فِي الْحُقُوقِ كُلِّهَا .","part":10,"page":252},{"id":4752,"text":"فَصْلٌ : وَلِلْمُكَاتَبِ أَنْ يُوَكِّلَ فِيمَا يَتَصَرَّفُ فِيهِ بِنَفْسِهِ .\rوَلَهُ أَنْ يَتَوَكَّلَ بِجَعْلٍ ، لِأَنَّهُ مِنْ اكْتِسَابِ الْمَالِ .\rوَلَا يُمْنَعُ الْمُكَاتَبُ مِنْ الِاكْتِسَابِ ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَوَكَّلَ لِغَيْرِهِ بِغَيْرِ جَعْلٍ ، إلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ ؛ لِأَنَّ مَنَافِعَهُ كَأَعْيَانِ مَالِهِ ، وَلَيْسَ لَهُ بَذْلُ عَيْنِ مَالِهِ بِغَيْرِ عِوَضٍ .\rوَلِلْعَبْدِ أَنْ يَتَوَكَّلَ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ ، وَلَيْسَ لَهُ التَّوْكِيلُ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ ، وَإِنْ كَانَ مَأْذُونًا لَهُ فِي التِّجَارَةِ ؛ لِأَنَّ الْإِذْنَ فِي التِّجَارَةِ لَا يَتَنَاوَلُ التَّوْكِيلَ .\rوَتَصِحُّ وَكَالَةُ الصَّبِيِّ الْمُرَاهِقِ ، إذَا أَذِنَ لَهُ الْوَلِيُّ ؛ لِأَنَّهُ مِمَّنْ يَصِحُّ تَصَرُّفُهُ .","part":10,"page":253},{"id":4753,"text":"( 3738 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَيَجُوزُ التَّوْكِيلُ فِي الشِّرَاءِ وَالْبَيْعِ ، وَمُطَالَبَةِ الْحُقُوقِ ، وَالْعِتْقِ وَالطَّلَاقِ ، حَاضِرًا كَانَ الْمُوَكِّلُ أَوْ غَائِبًا ) .\rلَا نَعْلَمُ خِلَافًا فِي جَوَازِ التَّوْكِيلِ فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ .\rوَقَدْ ذَكَرْنَا الدَّلِيلَ عَلَيْهِ مِنْ الْآيَةِ وَالْخَبَرِ ، وَلِأَنَّ الْحَاجَةَ دَاعِيَةٌ إلَى التَّوْكِيلِ فِيهِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ مِمَّنْ لَا يُحْسِنُ الْبَيْعَ وَالشِّرَاءَ ، أَوْ لَا يُمْكِنُهُ الْخُرُوجُ إلَى السُّوقِ .\rوَقَدْ يَكُونُ لَهُ مَالٌ وَلَا يُحْسِنُ التِّجَارَةَ فِيهِ ، وَقَدْ يُحْسِنُ وَلَا يَتَفَرَّغُ ، وَقَدْ لَا تَلِيقُ بِهِ التِّجَارَةُ لِكَوْنِهِ امْرَأَةً ، أَوْ مِمَّنْ يَتَعَيَّرُ بِهَا ، وَيَحُطُّ ذَلِكَ مِنْ مَنْزِلَتِهِ ، فَأَبَاحَهَا الشَّرْعُ دَفْعًا لِلْحَاجَةِ ، وَتَحْصِيلًا لِمَصْلَحَةِ الْآدَمِيِّ الْمَخْلُوقِ لِعِبَادَةِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ .\rوَيَجُوزُ التَّوْكِيلُ فِي الْحَوَالَةِ ، وَالرَّهْنِ ، وَالضَّمَانِ ، وَالْكَفَالَةِ ، وَالشَّرِكَةِ ، الْوَدِيعَةِ ، وَالْمُضَارَبَةِ ، وَالْجَعَالَةِ ، وَالْمُسَاقَاةِ ، وَالْإِجَارَةِ ، وَالْقَرْضِ ، وَالصُّلْحِ ، وَالْوَصِيَّةِ ، وَالْهِبَةِ ، وَالْوَقْفِ ، وَالصَّدَقَةِ ، وَالْفَسْخِ ، وَالْإِبْرَاءِ ؛ لِأَنَّهَا فِي مَعْنَى الْبَيْعِ فِي الْحَاجَةِ إلَى التَّوْكِيلِ فِيهَا ، فَيَثْبُتُ فِيهَا حُكْمُهُ .\rوَلَا نَعْلَمُ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ اخْتِلَافًا .\rوَيَجُوزُ التَّوْكِيلُ فِي عَقْدِ النِّكَاحِ فِي الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ ؛ لِأَنَّ { النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَّلَ عَمْرَو بْنَ أُمَيَّةَ ، وَأَبَا رَافِعٍ ، فِي قَبُولِ النِّكَاحِ لَهُ } .\rوَلِأَنَّ الْحَاجَةَ تَدْعُو إلَيْهِ ، فَإِنَّهُ رُبَّمَا احْتَاجَ إلَى التَّزَوُّجِ مِنْ مَكَان بَعِيدٍ ، لَا يُمْكِنُهُ السَّفَرُ إلَيْهِ ، فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَزَوَّجَ أُمَّ حَبِيبَةَ ، وَهِيَ يَوْمَئِذٍ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ .\rوَيَجُوزُ التَّوْكِيلُ فِي الطَّلَاقِ ، وَالْخُلْعِ ، وَالرَّجْعَةِ ، وَالْعَتَاقِ ؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ تَدْعُو إلَيْهِ ، كَدُعَائِهَا إلَى التَّوْكِيلِ فِي الْبَيْعِ وَالنِّكَاحِ .\rوَيَجُوزُ","part":10,"page":254},{"id":4754,"text":"التَّوْكِيلُ فِي تَحْصِيلِ الْمُبَاحَاتِ ، كَإِحْيَاءِ الْمَوَاتِ ، وَإِسْقَاءِ الْمَاءِ ، وَالِاصْطِيَادِ ، وَالِاحْتِشَاشِ ؛ لِأَنَّهَا تَمَلُّكُ مَالٍ بِسَبَبٍ لَا يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ ، فَجَازَ التَّوْكِيلُ فِيهِ ، كَالِابْتِيَاعِ وَالِاتِّهَابِ .\rوَيَجُوزُ التَّوْكِيلُ فِي إثْبَاتِ الْقِصَاصِ ، وَحَدِّ الْقَذْفِ ، وَاسْتِيفَائِهِمَا ، فِي حَضْرَةِ الْمُوَكِّلِ وَغَيْبَتِهِ ؛ لِأَنَّهُمَا مِنْ حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ ، وَتَدْعُو الْحَاجَةُ إلَى التَّوْكِيلِ فِيهِمَا ، لِأَنَّ مَنْ لَهُ حَقٌّ قَدْ لَا يُحْسِنُ الِاسْتِيفَاءَ ، أَوْ لَا يُحِبُّ أَنْ يَتَوَلَّاهُ بِنَفْسِهِ .","part":10,"page":255},{"id":4755,"text":"( 3739 ) فَصْلٌ : وَيَجُوزُ التَّوْكِيلُ فِي مُطَالَبَةِ الْحُقُوقِ ، وَإِثْبَاتِهَا ، وَالْمُحَاكَمَةِ فِيهَا ، حَاضِرًا كَانَ الْمُوَكِّلُ أَوْ غَائِبًا ، صَحِيحًا أَوْ مَرِيضًا .\rوَبِهِ قَالَ مَالِكٌ ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى ، وَأَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ ، وَالشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لِلْخَصْمِ أَنْ يُمْنَعَ مِنْ مُحَاكَمَةِ الْوَكِيلِ إذَا كَانَ الْمُوَكِّلُ حَاضِرًا ؛ لِأَنَّ حُضُورَهُ مَجْلِسَ الْحُكْمِ ، وَمُخَاصَمَتَهُ حَقٌّ لِخَصْمِهِ عَلَيْهِ ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ نَقْلُهُ إلَى غَيْرِهِ بِغَيْرِ رِضَاءِ خَصْمِهِ ، كَالدَّيْنِ عَلَيْهِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ حَقٌّ تَجُوزُ النِّيَابَةُ فِيهِ ، فَكَانَ لِصَاحِبِهِ الِاسْتِنَابَةُ بِغَيْرِ رِضَاءِ خَصْمِهِ ، كَحَالِ غَيْبَتِهِ وَمَرَضِهِ ، وَكَدَفْعِ الْمَالِ الَّذِي عَلَيْهِ ، وَلِأَنَّهُ إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، فَإِنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَكَّلَ عَقِيلًا عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَقَالَ : مَا قُضِيَ لَهُ فَلِي ، وَمَا قُضِيَ عَلَيْهِ فَعَلَيَّ .\rوَوَكَّلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَعْفَرٍ عِنْدَ عُثْمَانَ ، وَقَالَ : إنَّ لِلْخُصُومَةِ قُحَمًا ، وَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَيَحْضُرُهَا ، وَإِنِّي لِأَكْرَه أَنْ أَحْضُرَهَا .\rقَالَ أَبُو زِيَادٍ : الْقُحَمُ الْمَهَالِكُ .\rوَهَذِهِ قِصَصٌ انْتَشَرَتْ ، لِأَنَّهَا فِي مَظِنَّةِ الشُّهْرَةِ ، فَلَمْ يُنْقَلْ إنْكَارُهَا ، وَلِأَنَّ الْحَاجَةَ تَدْعُو إلَى ذَلِكَ ، فَإِنَّهُ قَدْ يَكُونُ لَهُ حَقٌّ ، أَوْ يُدَّعَى عَلَيْهِ ، وَلَا يُحْسِنُ الْخُصُومَةَ ، أَوْ لَا يُحِبُّ أَنْ يَتَوَلَّاهَا بِنَفْسِهِ .\rوَيَجُوزُ التَّوْكِيلُ فِي الْإِقْرَارِ .\rوَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، لَا يَجُوزُ التَّوْكِيلُ فِيهِ ؛ لِأَنَّهُ إخْبَارٌ بِحَقٍّ ، فَلَمْ يَجُزْ التَّوْكِيلُ فِيهِ ، كَالشَّهَادَةِ وَلَنَا ، أَنَّهُ إثْبَاتُ حَقٍّ فِي الذِّمَّةِ بِالْقَوْلِ ، فَجَازَ التَّوْكِيلُ فِيهِ ، كَالْبَيْعِ ، وَفَارَقَ الشَّهَادَةَ ، فَإِنَّهَا لَا تُثْبِتُ الْحَقَّ ، وَإِنَّمَا هُوَ إخْبَارٌ بِثُبُوتِهِ عَلَى غَيْرِهِ .","part":10,"page":256},{"id":4756,"text":"( 3740 ) فَصْلٌ : وَلَا يَصِحُّ التَّوْكِيلُ فِي الشَّهَادَةِ ؛ لِأَنَّهَا تَتَعَلَّقُ بِعَيْنِ الشَّاهِدِ لِكَوْنِهَا خَبَرًا عَمَّا رَآهُ أَوْ سَمِعَهُ ، وَلَا يَتَحَقَّقُ هَذَا الْمَعْنَى فِي نَائِبِهِ .\rفَإِنْ اسْتَنَابَ فِيهَا ، كَانَ النَّائِبُ شَاهِدًا عَلَى شَهَادَتِهِ ، لِكَوْنِهِ يُؤَدِّي مَا سَمِعَهُ مِنْ شَاهِدِ الْأَصْلِ ، وَلَيْسَ بِوَكِيلِ .\rوَلَا يَصِحُّ فِي الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ لِأَنَّهَا تَتَعَلَّقُ بِعَيْنِ الْحَالِفِ وَالنَّاذِرِ ، فَأَشْبَهَتْ الْعِبَادَاتِ الْبَدَنِيَّةَ وَالْحُدُودَ .\rوَلَا يَصِحُّ فِي الْإِيلَاءِ وَالْقَسَامَةِ وَاللِّعَانِ ؛ لِأَنَّهَا أَيْمَانٌ .\rوَلَا فِي الْقَسْمِ بَيْنَ الزَّوْجَاتِ ؛ لِأَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِبَدَنِ الزَّوْجِ لَأَمْرٍ لَا يُوجَدُ مِنْ غَيْرِهِ .\rوَلَا فِي الرَّضَاعِ ؛ لِأَنَّهُ يَخْتَصُّ بِالْمُرْضِعَةِ وَالْمُرْتَضِعِ ، لَأَمْرٍ يَخْتَصُّ بِإِثْبَاتِ لَحْمِ الْمُرْتَضِعِ ، وَإِنْشَازِ عَظْمِهِ بِلَبَنِ الْمُرْضِعَةِ .\rوَلَا فِي الظِّهَارِ ؛ لِأَنَّهُ قَوْلٌ مُنْكَرٌ وَزُورٌ ، فَلَا يَجُوزُ فِعْلُهُ ، وَلَا الِاسْتِنَابَةُ فِيهِ .\rوَلَا يَصِحُّ فِي الْغَصْبِ ؛ لِأَنَّهُ مُحَرَّمٌ .\rوَلَا فِي الْجِنَايَاتِ ؛ لِذَلِكَ .\rوَلَا فِي كُلِّ مُحَرَّمٍ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ فِعْلُهُ ، فَلَمْ يَجُزْ لِنَائِبِهِ .","part":10,"page":257},{"id":4757,"text":"( 3741 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا حُقُوقُ اللَّهِ تَعَالَى فَمَا كَانَ مِنْهَا حَدًّا كَحَدِّ الزِّنَى وَالسَّرِقَةِ ، جَازَ التَّوْكِيلُ فِي اسْتِيفَائِهِ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { : اُغْدُ يَا أُنَيْسُ إلَى امْرَأَةِ هَذَا ، فَإِنْ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا .\rفَغَدَا عَلَيْهَا أُنَيْسٌ ، فَاعْتَرَفَتْ ، فَأَمَرَ بِهَا فَرُجِمَتْ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\r{ وَأَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِرَجْمِ مَاعِزٍ ، فَرَجَمُوهُ } .\rوَوَكَّلَ عُثْمَانُ عَلِيًّا فِي إقَامَةِ حَدِّ الشُّرْبِ عَلَى الْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ .\rوَوَكَّلَ عَلِيٌّ الْحَسَنَ فِي ذَلِكَ ، فَأَبَى الْحَسَنُ ، فَوَكَّلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَعْفَرٍ ، فَأَقَامَهُ ، وَعَلِيٌّ يَعُدُّ .\rرَوَاهُ مُسْلِمٌ .\rوَلِأَنَّ الْحَاجَةَ تَدْعُو إلَى ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ لَا يُمْكِنُهُ تَوَلِّي ذَلِكَ بِنَفْسِهِ .\rوَيَجُوزُ التَّوْكِيلُ فِي إثْبَاتِهَا .\rوَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : لَا يَجُوزُ فِي إثْبَاتِهَا .\rوَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهَا تَسْقُطُ بِالشُّبُهَاتِ ، وَقَدْ أُمِرْنَا بِدَرْئِهَا بِهَا ، وَالتَّوْكِيلُ يُوصِلُ إلَى الْإِيجَابِ .\rوَلَنَا ، حَدِيثُ أُنَيْسٍ ؛ { فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَّلَهُ فِي إثْبَاتِهِ وَاسْتِيفَائِهِ جَمِيعًا ، فَإِنَّهُ قَالَ : فَإِنْ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا } .\rوَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ ثَبَتَ ، وَقَدْ وَكَّلَهُ فِي إثْبَاتِهِ وَاسْتِيفَائِهِ جَمِيعًا .\rوَلِأَنَّ الْحَاكِمَ إذَا اسْتَنَابَ ، دَخَلَ فِي ذَلِكَ الْحُدُودُ ، فَإِذَا دَخَلَتْ فِي التَّوْكِيلِ بِطَرِيقِ الْعُمُومِ ، وَجَبَ أَنْ تَدْخُلَ بِالتَّخْصِيصِ بِهَا أَوْلَى ، وَالْوَكِيلُ يَقُومُ مُقَامَ الْمُوَكِّلِ فِي دَرْئِهَا بِالشُّبُهَاتِ .\rوَأَمَّا الْعِبَادَاتُ ، فَمَا كَانَ مِنْهَا لَهُ تَعَلُّقٌ بِالْمَالِ ، كَالزَّكَاةِ وَالصَّدَقَاتِ وَالْمَنْذُورَاتِ وَالْكَفَّارَاتِ ، جَازَ التَّوْكِيلُ فِي قَبْضِهَا وَتَفْرِيقِهَا ، وَيَجُوزُ لِلْمُخْرِجِ التَّوْكِيلُ فِي إخْرَاجِهَا وَدَفْعِهَا إلَى مُسْتَحِقِّهَا .\rوَيَجُوزُ أَنْ يَقُولَ لِغَيْرِهِ : أَخْرِجْ زَكَاةَ مَالِي مِنْ مَالِكَ ؛ لِأَنَّ { النَّبِيَّ","part":10,"page":258},{"id":4758,"text":"صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ عُمَّالَهُ لِقَبْضِ الصَّدَقَاتِ وَتَفْرِيقِهَا ، وَقَالَ لِمُعَاذٍ حِينَ بَعَثَهُ إلَى الْيَمَنِ : أَعْلِمْهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ ، فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوك بِذَلِكَ ، فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ ، وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَيَجُوزُ التَّوْكِيلُ فِي الْحَجِّ إذَا أَيِسَ الْمَحْجُوجُ عَنْهُ مِنْ الْحَجِّ بِنَفْسِهِ ، وَكَذَلِكَ الْعُمْرَةُ .\rوَيَجُوزُ أَنْ يُسْتَنَابَ مَنْ يَحُجُّ عَنْهُ بَعْدَ الْمَوْتِ .\rوَأَمَّا الْعِبَادَاتُ الْبَدَنِيَّةُ الْمَحْضَةُ ، كَالصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَالطَّهَارَةِ مِنْ الْحَدَثِ ، فَلَا يَجُوزُ التَّوْكِيلُ فِيهَا ؛ لِأَنَّهَا تَتَعَلَّقُ بِبَدَنِ مَنْ هِيَ عَلَيْهِ ، فَلَا يَقُومُ غَيْرُهُ مَقَامَهُ فِيهَا ، إلَّا أَنَّ الصِّيَامَ الْمَنْذُورَ يُفْعَلُ عَنْ الْمَيِّتِ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِتَوْكِيلِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوَكِّلْ فِي ذَلِكَ ، وَلَا وَكَّلَ فِيهِ غَيْرُهُ .\rوَلَا يَجُوزُ فِي الصَّلَاةِ إلَّا فِي رَكْعَتِي الطَّوَافِ تَبَعًا لِلْحَجِّ .\rوَفِي فِعْلِ الصَّلَاةِ الْمَنْذُورَةِ ، وَفِي الِاعْتِكَافِ الْمَنْذُورِ عَنْ الْمَيِّتِ رِوَايَتَانِ .\rوَلَا تَجُوزُ الِاسْتِنَابَةُ فِي الطَّهَارَةِ ، إلَّا فِي صَبِّ الْمَاءِ ، وَإِيصَالِ الْمَاءِ لِلْأَعْضَاءِ ، وَفِي تَطْهِيرِ النَّجَاسَةِ عَنْ الْبَدَنِ وَالثَّوْبِ وَغَيْرِهِمَا .","part":10,"page":259},{"id":4759,"text":"( 3742 ) فَصْلٌ : وَكُلُّ مَا جَازَ التَّوْكِيلُ فِيهِ ، جَازَ اسْتِيفَاؤُهُ فِي حَضْرَةِ الْمُوَكَّلِ وَغَيْبَتِهِ .\rوَنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ .\rوَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا : لَا يَجُوزُ اسْتِيفَاءُ الْقِصَاصِ وَحَدِّ الْقَذْفِ فِي غَيْبَةِ الْمُوَكِّلِ .\rأَوْمَأَ إلَيْهِ أَحْمَدُ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَعْفُوَ الْمُوَكَّلُ فِي حَالَةِ غَيْبَتِهِ ، فَيَسْقُطَ ؛ وَهَذَا الِاحْتِمَالُ شُبْهَةٌ تَمْنَعُ الِاسْتِيفَاءَ .\rوَلِأَنَّ الْعَفْوَ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ ، فَإِذَا حَضَرَ ، احْتَمَلَ أَنْ يَرْحَمَهُ فَيَعْفُوَ .\rوَالْأَوَّلُ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ ؛ لِأَنَّ مَا جَازَ اسْتِيفَاؤُهُ فِي حَضْرَةِ الْمُوَكِّلِ ، جَازَ فِي غَيْبَتِهِ ، كَالْحُدُودِ وَسَائِرِ الْحُقُوقِ ، وَاحْتِمَالُ الْعَفْوِ بَعِيدٌ .\rوَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَوْ عَفَا لَبَعَثَ وَأَعْلَمَ وَكِيلَهُ بِعَفْوِهِ ، وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ ، فَلَا يُؤَثِّرُ ، أَلَا تَرَى أَنَّ قُضَاةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانُوا يَحْكُمُونَ فِي الْبِلَادِ ، وَيُقِيمُونَ الْحُدُودَ الَّتِي تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ ، مَعَ احْتِمَالِ النَّسْخِ ؟ وَكَذَلِكَ لَا يُحْتَاطُ فِي اسْتِيفَاءِ الْحُدُودِ بِإِحْضَارِ الشُّهُودِ ، مَعَ احْتِمَالِ رُجُوعِهِمْ عَنْ الشَّهَادَةِ ، أَوْ تَغَيُّرِ اجْتِهَادِ الْحَاكِمِ .","part":10,"page":260},{"id":4760,"text":"( 3743 ) فَصْلٌ : وَلَا تَصِحُّ الْوَكَالَةُ إلَّا بِالْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ، فَافْتَقَرَ إلَى الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ ، كَالْبَيْعِ .\rوَيَجُوزُ الْإِيجَابُ بِكُلِّ لَفْظٍ دَلَّ عَلَى الْإِذْنِ ، نَحْوُ أَنْ يَأْمُرَهُ بِفِعْلِ شَيْءٍ ، أَوْ يَقُولَ : أَذِنْت لَك فِي فِعْلِهِ { .\rفَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَّلَ عُرْوَةَ بْنَ الْجَعْدِ فِي شِرَاءِ شَاةٍ } بِلَفْظِ الشِّرَاءِ ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى ، مُخْبِرًا عَنْ أَهْلِ الْكَهْفِ أَنَّهُمْ قَالُوا : { فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ } .\rوَلِأَنَّهُ لَفْظٌ دَالٌ عَلَى الْإِذْنِ ، فَجَرَى مَجْرَى قَوْلِهِ : وَكَّلْتُك .\rوَيَجُوزُ الْقَبُولُ بِقَوْلِهِ : قَبِلْت .\rوَكُلِّ لَفْظٍ دَلَّ عَلَيْهِ .\rوَيَجُوزُ بِكُلِّ فِعْلٍ دَلَّ عَلَى الْقَبُولِ ، نَحْوِ أَنْ يَفْعَلَ مَا أَمَرَهُ بِفِعْلِهِ ؛ لِأَنَّ الَّذِينَ وَكَّلَهُمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُنْقَلْ عَنْهُمْ سِوَى امْتِثَالِ أَمْرِهِ .\rوَلِأَنَّهُ إذْنٌ فِي التَّصَرُّفِ ، فَجَازَ الْقَبُولُ فِيهِ بِالْفِعْلِ ، كَأَكْلِ الطَّعَامِ .\rوَيَجُوزُ الْقَبُولُ عَلَى الْفَوْرِ وَالتَّرَاخِي ، نَحْوُ أَنْ يَبْلُغَهُ أَنَّ رَجُلًا وَكَّلَهُ فِي بَيْعِ شَيْءٍ مُنْذُ سَنَةٍ ، فَيَبِيعَهُ .\rأَوْ يَقُولَ : قَبِلْت .\rأَوْ يَأْمُرَهُ بِفِعْلِ شَيْءٍ ، فَيَفْعَلَهُ بَعْدَ مُدَّةٍ طَوِيلَةٍ ؛ لِأَنَّ قَبُولَ وُكَلَاءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِوَكَالَتِهِ كَانَ بِفِعْلِهِمْ ، وَكَانَ مُتَرَاخِيًا عَنْ تَوْكِيلِهِ إيَّاهُمْ .\rوَلِأَنَّهُ إذْنٌ فِي التَّصَرُّفِ ، وَالْإِذْنُ قَائِمٌ ، مَا لَمْ يَرْجِعْ عَنْهُ ، فَأَشْبَهَ الْإِبَاحَةَ .\rوَهَذَا كُلُّهُ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .","part":10,"page":261},{"id":4761,"text":"( 3744 ) فَصْلٌ : وَيَجُوزُ تَعْلِيقُهَا عَلَى شَرْطٍ ، نَحْوِ قَوْلِهِ : إذَا قَدِمَ الْحَاجُّ فَبِعْ هَذَا الطَّعَامَ .\rوَإِذَا جَاءَ الشِّتَاءُ فَاشْتَرِ لَنَا فَحْمًا .\rوَإِذَا جَاءَ الْأَضْحَى فَاشْتَرِ لَنَا أُضْحِيَّةً .\rوَإِذَا طَلَبَ مِنْك أَهْلِي شَيْئًا فَادْفَعْهُ إلَيْهِمْ .\rوَإِذَا دَخَلَ رَمَضَانُ فَقَدْ وَكَّلْتُك فِي هَذَا ، أَوْ فَأَنْتَ وَكِيلِي .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يَصِحُّ ، لَكِنْ إنْ تَصَرَّفَ صَحَّ تَصَرُّفُهُ ؛ لِوُجُودِ الْإِذْنِ ، وَإِنْ كَانَ وَكِيلًا بِجَعْلٍ فَسَدَ الْمُسَمَّى ، وَلَهُ أَجْرُ الْمِثْلِ ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ يَمْلِكُ بِهِ التَّصَرُّفَ فِي الْحَيَاةِ ، فَأَشْبَهَ الْبَيْعَ .\rوَلَنَا ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { : أَمِيرُكُمْ زَيْدٌ ، فَإِنْ قُتِلَ فَجَعْفَرٌ ، فَإِنْ قُتِلَ فَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ } .\rوَهَذَا فِي مَعْنَاهُ .\rوَلِأَنَّهُ عَقْدٌ اُعْتُبِرَ فِي حَقِّ الْوَكِيلِ حُكْمُهُ ، وَهُوَ إبَاحَةُ التَّصَرُّفِ وَصِحَّتُهُ ، فَكَانَ صَحِيحًا ، كَمَا لَوْ قَالَ : أَنْتَ وَكِيلِي فِي بَيْعِ عَبْدِي إذَا قَدِمَ الْحَاجُّ .\rوَلِأَنَّهُ لَوْ قَالَ : وَكَّلْتُك فِي شِرَاءِ كَذَا ، فِي وَقْتِ كَذَا .\rصَحَّ بِلَا خِلَافٍ ، وَمَحَلُّ النِّزَاعِ فِي مَعْنَاهُ .\rوَلِأَنَّهُ إذْنٌ فِي التَّصَرُّفِ ، أَشْبَهَ الْوَصِيَّةَ وَالتَّأْمِيرَ .\rوَلِأَنَّهُ عَقْدٌ يَصِحُّ بِغَيْرِ جَعْلٍ ، وَلَا يَخْتَصُّ فَاعِلُهُ بِكَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرْبَةِ ، فَصَحَّ بِالْجَعْلِ ، كَالتَّوْكِيلِ النَّاجِزِ .","part":10,"page":262},{"id":4762,"text":"( 3745 ) فَصْلٌ : وَيَجُوزُ التَّوْكِيلُ بِجَعْلٍ وَغَيْرِ جَعْلٍ ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَّلَ أُنَيْسًا فِي إقَامَةِ الْحَدِّ ، وَعُرْوَةَ فِي شِرَاءِ شَاةٍ ، وَعَمْرًا وَأَبَا رَافِعٍ فِي قَبُولِ النِّكَاحِ بِغَيْرِ جَعْلٍ .\rوَكَانَ يَبْعَثُ عُمَّالَهُ لِقَبْضِ الصَّدَقَاتِ ، وَيَجْعَلُ لَهُمْ عِمَالَةً .\rوَلِهَذَا قَالَ لَهُ ابْنَا عَمِّهِ : لَوْ بَعَثْتنَا عَلَى هَذِهِ الصَّدَقَاتِ ، فَنُؤَدِّي إلَيْك مَا يُؤَدِّي النَّاسُ ، وَنُصِيبُ مَا يُصِيبُهُ النَّاسُ يَعْنِيَانِ الْعِمَالَةَ .\rفَإِنْ كَانَتْ بِجَعْلٍ ، اسْتَحَقَّ الْوَكِيلُ الْجَعْلَ بِتَسْلِيمِ مَا وُكِّلَ فِيهِ إلَى الْمُوَكِّلِ ، إنْ كَانَ مِمَّا يُمْكِنُ تَسْلِيمُهُ ، كَثَوْبٍ يَنْسِجُهُ أَوْ يَقْصِرُهُ أَوْ يَخِيطُهُ ، فَمَتَى سَلَّمَهُ إلَى الْمُوَكِّلِ مَعْمُولًا فَلَهُ الْأَجْرُ .\rوَإِنْ كَانَ الْخَيَّاطُ فِي دَارِ الْمُوَكِّلِ ، فَكُلَّمَا عَمِلَ شَيْئًا وَقَعَ مَقْبُوضًا ، فَيَسْتَحِقُّ الْوَكِيلُ الْجَعْلَ إذَا فَرَغَ الْخَيَّاطُ مِنْ الْخِيَاطَةِ .\rوَإِنْ وُكِّلَ فِي بَيْعٍ أَوْ شِرَاءٍ أَوْ حَجٍّ ، اسْتَحَقَّ الْأَجْرَ إذَا عَمِلَهُ .\rوَإِنْ لَمْ يَقْبِضْ الثَّمَنَ فِي الْبَيْعِ .\rوَإِنْ قَالَ : إذَا بِعْت الثَّوْبَ ، وَقَبَضْت ثَمَنَهُ ، وَسَلَّمْته إلَيَّ ، فَلَكَ الْأَجْرُ .\rلَمْ يَسْتَحِقَّ مِنْهَا شَيْئًا حَتَّى يُسَلِّمَهُ إلَيْهِ ، فَإِنْ فَاتَهُ التَّسْلِيمُ لَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا ؛ لِفَوَاتِ الشَّرْطِ .","part":10,"page":263},{"id":4763,"text":"( 3746 ) فَصْلٌ : وَلَا تَصِحُّ الْوَكَالَةُ إلَّا فِي تَصَرُّفٍ مَعْلُومٍ .\rفَإِنْ قَالَ : وَكَّلْتُك فِي كُلِّ شَيْءٍ .\rأَوْ فِي كُلِّ قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ .\rأَوْ فِي كُلِّ تَصَرُّفٍ يَجُوزُ لِي .\rأَوْ فِي كُلِّ مَالِي التَّصَرُّفُ فِيهِ .\rلَمْ يَصِحَّ .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى : يَصِحُّ ، وَيَمْلِكُ بِهِ كُلَّ مَا تَنَاوَلَهُ لَفْظُهُ ؛ لِأَنَّهُ لَفْظٌ عَامٌ ، فَصَحَّ فِيمَا يَتَنَاوَلُهُ ، كَمَا لَوْ قَالَ : بِعْ مَالِي كُلَّهُ .\rوَلَنَا ، أَنَّ فِي هَذَا غَرَرًا عَظِيمًا ، وَخَطَرًا كَبِيرًا ؛ لِأَنَّهُ تَدْخُلُ فِيهِ هِبَةُ مَالِهِ ، وَطَلَاقُ نِسَائِهِ ، وَإِعْتَاقُ رَقِيقِهِ ، وَتَزَوُّجُ نِسَاءٍ كَثِيرَةٍ .\rوَيَلْزَمُهُ الْمُهُورُ الْكَثِيرَةُ ، وَالْأَثْمَانُ الْعَظِيمَةُ ، فَيَعْظُمُ الضَّرَرُ .\rوَإِنْ قَالَ : اشْتَرِ لِي مَا شِئْت .\rلَمْ يَصِحَّ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَشْتَرِي مَا لَا يَقْدِرُ عَلَى ثَمَنِهِ .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ ، مَا يَدُلُّ عَلَى صِحَّتِهِ ؛ لِقَوْلِهِ فِي رَجُلَيْنِ ، قَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ : مَا اشْتَرَيْت مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ بَيْنَنَا : إنَّهُ جَائِزٌ .\rوَأَعْجَبَهُ .\rوَلِأَنَّ الشَّرِيكَ وَالْمُضَارِبَ وَكِيلَانِ فِي شِرَاءِ مَا شَاءَ .\rفَعَلَى هَذَا لَيْسَ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ إلَّا بِثَمَنِ الْمِثْلِ فَمَا دُونِ ، وَلَا يَشْتَرِيَ مَا لَا يَقْدِرُ الْمُوَكِّلُ عَلَى ثَمَنِهِ ، وَلَا مَا لَا يَرَى الْمَصْلَحَةَ لَهُ فِي شِرَائِهِ .\rوَإِنْ قَالَ : بِعْ مَالِيِّ كُلَّهُ ، وَاقْبِضْ دُيُونِي كُلَّهَا .\rصَحَّ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَعْرِفُ مَالَهُ وَدُيُونَهُ .\rوَإِنْ قَالَ : بِعْ مَا شِئْت مِنْ مَالِي ، وَاقْبِضْ مَا شِئْت مِنْ دُيُونِي .\rجَازَ ؛ لِأَنَّهُ إذَا جَازَ التَّوْكِيلُ فِي الْجَمِيعِ ، فَفِي بَعْضِهِ أَوْلَى .\rوَإِنْ قَالَ : اقْبِضْ دَيْنِي كُلَّهُ ، وَمَا يَتَجَدَّدُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ .\rصَحَّ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ : إذَا قَالَ : بِعْ مَا شِئْت مِنْ مَالِي .\rلَمْ يَجُزْ .\rوَإِنْ قَالَ : مِنْ عَبِيدِي .\rجَازَ ؛ لِأَنَّهُ مَحْصُورٌ بِالْجِنْسِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ مَا جَازَ التَّوْكِيلُ فِي جَمِيعِهِ ، جَازَ فِي بَعْضِهِ ، كَعَبْدِهِ .\rوَإِنْ","part":10,"page":264},{"id":4764,"text":"قَالَ : اشْتَرِ لِي عَبْدًا ، تُرْكِيًّا ، أَوْ ثَوْبًا هَرَوِيًّا .\rصَحَّ .\rوَإِنْ قَالَ : اشْتَرِ لِي عَبْدًا ، أَوْ قَالَ ثَوْبًا وَلَمْ يَذْكُرْ جِنْسَهُ ، صَحَّ أَيْضًا .\rوَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : لَا يَصِحُّ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ، لِأَنَّهُ مَجْهُولٌ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ تَوْكِيلٌ فِي شِرَاءِ عَبْدِهِ ، فَلَمْ يُشْتَرَطْ ذِكْرُ نَوْعِهِ ، كَالْقِرَاضِ .\rوَلَا يُشْتَرَطُ ذِكْرُ قَدْرِ الثَّمَنِ .\rذَكَرَهُ الْقَاضِي .\rوَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : لَا يَصِحُّ حَتَّى يَذْكُرَ قَدْرَ الثَّمَنِ .\rوَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ الْعَبِيدَ تَتَفَاوَتُ مِنْ الْجِنْسِ الْوَاحِدِ ، وَإِنَّمَا تَتَمَيَّزُ بِالثَّمَنِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ إذَا ذَكَرَ نَوْعًا ، فَقَدْ أَذِنَ فِي أَغْلَاهُ ثَمَنًا ، فَيَقِلُّ الْغَرَرُ ، وَلِأَنَّ تَقْدِيرَ الثَّمَنِ يَضُرُّ ، فَإِنَّهُ قَدْ لَا يَجِدُ بِقَدْرِ الثَّمَنِ .\rوَمَنْ اعْتَبَرَ ذِكْرَ الثَّمَنِ ، جَوَّزَ أَنْ يَذْكُرَ لَهُ أَكْثَرُ الثَّمَنِ وَأَقَلَّهُ .","part":10,"page":265},{"id":4765,"text":"( 3747 ) فَصْلٌ : وَإِذَا وَكَّلَ وَكِيلَيْنِ فِي تَصَرُّفٍ ، وَجَعَلَ لِكُلِّ وَاحِدٍ الِانْفِرَادَ بِالتَّصَرُّفِ ، فَلَهُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ مَأْذُونٌ لَهُ فِيهِ .\rفَإِنْ لَمْ يَجْعَلْ لَهُ ذَلِكَ ، فَلَيْسَ لِأَحَدِهِمَا الِانْفِرَادُ بِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ فِي ذَلِكَ ، وَإِنَّمَا يَجُوزُ لَهُ مَا أَذِنَ فِيهِ مُوَكِّلُهُ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَإِنْ وَكَّلَهُمَا فِي حِفْظِ مَالِهِ ، حَفِظَاهُ مَعًا فِي حِرْزٍ لَهُمَا ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ : افْعَلَا كَذَا .\rيَقْتَضِي اجْتِمَاعَهُمَا عَلَى فِعْلِهِ ، وَهُوَ مِمَّا يُمْكِنُ ، فَتَعَلَّقَ بِهِمَا .\rوَفَارَقَ هَذَا قَوْلَهُ : بِعْتُكُمَا .\rحَيْثُ كَانَ مُنْقَسِمًا بَيْنَهُمَا ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ كَوْنُ الْمِلْكِ لَهُمَا عَلَى الِاجْتِمَاعِ ، فَانْقَسَمَ بَيْنَهُمَا .\rفَإِنْ غَابَ أَحَدُ الْوَكِيلَيْنِ ، لَمْ يَكُنْ لِلْآخَرِ أَنْ يَتَصَرَّفَ ، وَلَا لِلْحَاكِمِ ضَمُّ أَمِينٍ إلَيْهِ لِيَتَصَرَّفَا ؛ لِأَنَّ الْمُوَكَّلَ رَشِيدٌ جَائِزُ التَّصَرُّفِ ، لَا وِلَايَةَ لِلْحَاكِمِ عَلَيْهِ ، فَلَا يَضُمُّ الْحَاكِمُ وَكِيلًا لَهُ بِغَيْرِ أَمْرِهِ .\rوَفَارَقَ مَا لَوْ مَاتَ أَحَدُ الْوَصِيَّيْنِ ، حَيْثُ يُضِيفُ الْحَاكِمُ إلَى الْوَصِيِّ أَمِينًا لِيَتَصَرَّفَ ؛ لِكَوْنِ الْحَاكِمِ لَهُ النَّظَرُ فِي حَقِّ الْمَيِّتِ وَالْيَتِيمِ ، وَلِهَذَا لَوْ لَمْ يُوصِ إلَى أَحَدٍ ، أَقَامَ الْحَاكِمُ أَمِينًا فِي النَّظَرِ لِلْيَتِيمِ .\rوَإِنْ حَضَرَ الْحَاكِمَ أَحَدُ الْوَكِيلَيْنِ ، وَالْآخَرُ غَائِبٌ ، وَادَّعَى الْوَكَالَةَ لَهُمَا ، وَأَقَامَ بَيِّنَةً سَمِعَهَا الْحَاكِمُ ، وَحَكَمَ بِثُبُوتِ الْوَكَالَةِ لَهُمَا ، وَلَمْ يَمْلِكْ الْحَاضِرُ التَّصَرُّفَ وَحْدَهُ ، فَإِذَا حَضَرَ الْآخَرُ تَصَرَّفَا مَعًا ، وَلَا يَحْتَاجُ إلَى إعَادَةِ الْبَيِّنَةِ ؛ لِأَنَّ الْحَاكِمَ سَمِعَهَا لَهُمَا مَرَّةً .\rفَإِنْ قِيلَ : هَذَا حُكْمٌ لِلْغَائِبِ .\rقُلْنَا : يَجُوزُ تَبَعًا لِحَقِّ الْحَاضِرِ ، كَمَا يَجُوزُ أَنْ يَحْكُمَ بِالْوَقْفِ الَّذِي يَثْبُتُ لِمَنْ لَمْ يُخْلَقْ لِأَجْلِ مَنْ يَسْتَحِقُّهُ فِي الْحَالِ ، كَذَا هَاهُنَا .\rوَإِنْ جَحَدَ الْغَائِبُ الْوَكَالَةَ ، أَوْ عَزَلَ","part":10,"page":266},{"id":4766,"text":"نَفْسَهُ ، لَمْ يَكُنْ لِلْآخَرِ أَنْ يَتَصَرَّفَ .\rوَبِمَا ذَكَرْنَاهُ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ .\rوَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا .\rوَجَمِيعُ التَّصَرُّفَاتِ فِي هَذَا سَوَاءٌ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إذَا وَكَّلَهُمَا فِي خُصُومَةٍ ، فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الِانْفِرَادُ بِهَا .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ لَمْ يَرْضَ بِتَصَرُّفِ أَحَدِهِمَا ، أَشْبَهَ الْبَيْعَ وَالشِّرَاءَ .","part":10,"page":267},{"id":4767,"text":"( 3748 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَلَيْسَ لِلْوَكِيلِ أَنْ يُوَكَّلَ فِيمَا وُكِّلَ فِيهِ ، إلَّا أَنْ يُجْعَلَ ذَلِكَ إلَيْهِ ) لَا يَخْلُو التَّوْكِيلُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ : أَحَدُهَا ، أَنْ يَنْهَى الْمُوَكِّلُ وَكِيلَهُ عَنْ التَّوْكِيلِ ، فَلَا يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ بِغَيْرِ خِلَافٍ ، لِأَنَّ مَا نَهَاهُ عَنْهُ غَيْرُ دَاخِلٍ فِي إذْنِهِ .\rفَلَمْ يَجُزْ ، كَمَا لَوْ لَمْ يُوَكِّلْهُ .\rالثَّانِي ، أَذِنَ لَهُ فِي التَّوْكِيلِ ، فَيَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ أَذِنَ لَهُ فِيهِ ، فَكَانَ لَهُ فِعْلُهُ ، كَالتَّصَرُّفِ الْمَأْذُونِ فِيهِ .\rوَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَيْنِ خِلَافًا .\rوَإِنْ قَالَ لَهُ : وَكَّلْتُك فَاصْنَعْ مَا شِئْت .\rفَلَهُ أَنْ يُوَكَّلَ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ : لَيْسَ لَهُ التَّوْكِيلُ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ ؛ لِأَنَّ التَّوْكِيلَ يَقْتَضِي تَصَرُّفًا يَتَوَلَّاهُ بِنَفْسِهِ ، وَقَوْلُهُ : اصْنَعْ مَا شِئْت .\rيَرْجِعُ إلَى مَا يَقْتَضِيه التَّوْكِيلُ مِنْ تَصَرُّفِهِ بِنَفْسِهِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ لَفْظَهُ عَامٌّ فِيمَا شَاءَ ، فَيَدْخُلُ فِي عُمُومِهِ التَّوْكِيلُ .\rالثَّالِثُ ، أَطْلَقَ الْوَكَالَةَ ، فَلَا يَخْلُو مِنْ أَقْسَامٍ ثَلَاثَةٍ ؛ أَحَدُهَا ، أَنْ يَكُونَ الْعَمَلُ مِمَّا يَرْتَفِعُ الْوَكِيلُ عَنْ مِثْلِهِ ، كَالْأَعْمَالِ الدَّنِيَّةِ فِي حَقِّ أَشْرَافِ النَّاسِ الْمُرْتَفِعِينَ عَنْ فِعْلِهَا فِي الْعَادَةِ ، أَوْ يَعْجِزُ عَنْ عَمَلِهِ لِكَوْنِهِ لَا يُحْسِنُهُ ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ التَّوْكِيلُ فِيهِ ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ مِمَّا لَا يَعْمَلُهُ الْوَكِيلُ عَادَةً ، انْصَرَفَ الْإِذْنُ إلَى مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ مِنْ الِاسْتِنَابَةِ فِيهِ .\rالْقِسْمُ الثَّانِي ، أَنْ يَكُونَ مِمَّا يَعْمَلُهُ بِنَفْسِهِ ، إلَّا أَنَّهُ يَعْجِزُ عَنْ عَمَلِهِ كُلِّهِ ؛ لِكَثْرَتِهِ وَانْتِشَارِهِ ، فَيَجُوزُ لَهُ التَّوْكِيلُ فِي عَمَلِهِ أَيْضًا ؛ لِأَنَّ الْوَكَالَةَ اقْتَضَتْ جَوَازَ التَّوْكِيلِ ، فَجَازَ التَّوْكِيلُ فِي فِعْلِ جَمِيعِهِ ، كَمَا لَوْ أَذِنَ فِي التَّوْكِيلِ بِلَفْظِهِ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : عِنْدِي أَنَّهُ إنَّمَا لَهُ التَّوْكِيلُ فِيمَا زَادَ عَلَى مَا يَتَمَكَّنُ مِنْ","part":10,"page":268},{"id":4768,"text":"عَمَلِهِ بِنَفْسِهِ ؛ لِأَنَّ التَّوْكِيلَ إنَّمَا جَازَ لِلْحَاجَةِ ، فَاخْتَصَّ مَا دَعَتْ إلَيْهِ الْحَاجَةُ بِخِلَافِ وُجُودِ إذْنِهِ ، فَإِنَّهُ مُطْلَقٌ .\rوَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَجْهَانِ كَهَذَيْنِ .\rالْقِسْمُ الثَّالِثُ : مَا عَدَا هَذَيْنِ الْقِسْمَيْنِ ، وَهُوَ مَا يُمْكِنُهُ عَمَلُهُ بِنَفْسِهِ ، وَلَا يَتَرَفَّعُ عَنْهُ ، فَهَلْ يَجُوزُ لَهُ التَّوْكِيلُ فِيهِ ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ ؛ إحْدَاهُمَا ، لَا يَجُوزُ .\rنَقَلَهَا ابْنُ مَنْصُورٍ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَأَبِي يُوسُفَ ، وَالشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ فِي التَّوْكِيلِ ، وَلَا تَضَمَّنَهُ إذْنُهُ ، فَلَمْ يَجُزْ ، كَمَا لَوْ نَهَاهُ ، وَلِأَنَّهُ اسْتِئْمَانٌ فِيمَا يُمْكِنُهُ النُّهُوضُ فِيهِ ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُوَلِّيَهُ لِمَنْ لَمْ يَأْمَنْهُ عَلَيْهِ ، كَالْوَدِيعَةِ وَالْأُخْرَى ، يَجُوزُ .\rنَقَلَهَا حَنْبَلٌ .\rوَبِهِ قَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى ، إذَا مَرِضَ أَوْ غَابَ ؛ لِأَنَّ الْوَكِيلَ لَهُ أَنْ يَتَصَرَّفَ بِنَفْسِهِ ، فَمَلَكَهُ نِيَابَةً كَالْمَالِكِ .\rوَالْأَوَّلُ أَوْلَى .\rوَلَا يُشْبِهُ الْوَكِيلُ الْمَالِكَ ؛ فَإِنَّ الْمَالِكَ يَتَصَرَّفُ بِنَفْسِهِ فِي مِلْكِهِ كَيْفَ شَاءَ ، بِخِلَافِ الْوَكِيلِ .","part":10,"page":269},{"id":4769,"text":"( 3749 ) فَصْلٌ : وَكُلُّ وَكِيلٍ جَازَ لَهُ التَّوْكِيلُ ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُوَكَّلَ إلَّا أَمِينًا ؛ لِأَنَّهُ لَا نَظَرَ لِلْمُوَكِّلِ فِي تَوْكِيلِ مَنْ لَيْسَ بِأَمِينٍ ، فَيُقَيَّدُ جَوَازُ التَّوْكِيلِ بِمَا فِيهِ الْحَظُّ وَالنَّظَرُ ، كَمَا أَنَّ الْإِذْنَ فِي الْبَيْعِ يَتَقَيَّدُ بِالْبَيْعِ بِثَمَنِ الْمِثْلِ ، إلَّا أَنْ يُعَيِّنَ لَهُ الْمُوَكَّلُ مَنْ يُوَكِّلُهُ ، فَيَجُوزُ تَوْكِيلُهُ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَمِينًا ؛ لِأَنَّهُ قَطَعَ نَظَرَهُ بِتَعْيِينِهِ .\rوَإِنْ وَكَّلَ أَمِينًا ، وَصَارَ خَائِنًا ، فَعَلَيْهِ عَزْلُهُ ؛ لِأَنَّ تَرْكَهُ يَتَصَرَّفُ مَعَ الْخِيَانَةِ تَضْيِيعٌ وَتَفْرِيطٌ ، وَالْوَكَالَةُ تَقْتَضِي اسْتِئْمَانَ أَمِينٍ ، وَهَذَا لَيْسَ بِأَمِينٍ ، فَوَجَبَ عَزْلُهُ .","part":10,"page":270},{"id":4770,"text":"( 3750 ) فَصْلٌ : وَالْحُكْمُ فِي الْوَصِيِّ يُوَكَّلُ فِيمَا أُوصِيَ بِهِ إلَيْهِ ، وَفِي الْحَاكِمِ يُوَلِّي الْقَضَاءَ فِي نَاحِيَةٍ يَسْتَنِيبُ غَيْرَهُ ، حُكْمُ الْوَكِيلِ فِيمَا ذَكَرْنَا مِنْ التَّفْصِيلِ ، إلَّا أَنَّ الْمَنْصُوصَ عَنْ أَحْمَدَ ، فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا ، جَوَازُ ذَلِكَ .\rوَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي الْوَصِيِّ ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّ يَتَصَرَّفُ بِوِلَايَةٍ ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَتَصَرَّفُ فِيمَا لَمْ يُنَصَّ لَهُ عَلَى التَّصَرُّفِ فِيهِ ، وَالْوَكِيلُ لَا يَتَصَرَّفُ إلَّا فِيمَا نُصَّ لَهُ عَلَيْهِ .\rوَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا أَوْلَى ؛ لِأَنَّهُ مُتَصَرِّفٌ فِي مَالِ غَيْرِهِ بِالْإِذْنِ ، فَأَشْبَهَ الْوَكِيلَ ، وَإِنَّمَا يَتَصَرَّفُ فِيمَا اقْتَضَتْهُ الْوَصِيَّةُ ، كَالْوَكِيلِ إنَّمَا يَتَصَرَّفُ فِيمَا اقْتَضَتْهُ الْوَكَالَةُ .","part":10,"page":271},{"id":4771,"text":"( 3751 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا الْوَلِيُّ فِي النِّكَاحِ ، فَلَهُ التَّوْكِيلُ فِي تَزْوِيجِ مُوَلِّيَتِهِ بِغَيْرِ إذْنِهَا ، أَبًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ .\rوَقَالَ الْقَاضِي فِي مَنْ وِلَايَتُهُ غَيْرُ وِلَايَةِ الْإِجْبَارِ : هُوَ كَالْوَكِيلِ ، يُخَرَّجُ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِمَا فِي الْوَكِيلِ .\rوَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ فِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، لَا يَمْلِكُ التَّوْكِيلَ إلَّا بِإِذْنِهَا ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ التَّزْوِيجَ إلَّا بِإِذْنِهَا ، أَشْبَهَ الْوَكِيلَ ، وَلَنَا ، أَنَّ وِلَايَتَهُ مِنْ غَيْرِ جِهَتِهَا ، فَلَمْ يُعْتَبَرْ إذْنُهَا فِي تَوْكِيلِهِ فِيهَا ، كَالْأَبِ ، بِخِلَافِ الْوَكِيلِ ، وَلِأَنَّهُ مُتَصَرِّفٌ بِحُكْمِ الْوِلَايَةِ الشَّرْعِيَّةِ ، أَشْبَهَ الْحَاكِمَ ، وَلِأَنَّ الْحَاكِمَ يَمْلِكُ تَفْوِيضَ عُقُودِ الْأَنْكِحَةِ إلَى غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِ النِّسَاءِ ، فَكَذَلِكَ الْوَلِيُّ .\rوَمَا ذَكَرُوهُ يَبْطُلُ بِالْحَاكِمِ .\rوَاَلَّذِي يُعْتَبَرُ إذْنُهَا فِيهِ هُوَ غَيْرُ مَا يُوَكَّلُ فِيهِ ، بِدَلِيلِ أَنَّ الْوَكِيلَ لَا يَسْتَغْنِي عَنْ إذْنِهَا لَهُ فِي التَّزْوِيجِ أَيْضًا ، فَهُوَ كَالْمُوَكَّلِ فِي ذَلِكَ .","part":10,"page":272},{"id":4772,"text":"( 3752 ) فَصْلٌ : إذَا أَذِنَ الْمُوَكِّلُ فِي التَّوْكِيلِ ، فَوَكَّلَ ، كَانَ الْوَكِيلُ الثَّانِي وَكِيلًا لِلْمُوَكِّلِ ، لِأَنَّهُ لَا يَنْعَزِلُ بِمَوْتِ الْوَكِيلِ الْأَوَّلِ ، وَلَا عَزْلِهِ ، وَلَا يَمْلِكُ الْأَوَّلُ عَزْلَ الثَّانِي ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِوَكِيلِهِ .\rوَإِنْ أَذِنَ لَهُ أَنْ يُوَكَّلَ لِنَفْسِهِ ، جَازَ ، وَكَانَ وَكِيلًا لِلْمُوَكَّلِ يَنْعَزِلُ بِمَوْتِهِ وَعَزْلِهِ إيَّاهُ ، وَإِنْ مَاتَ الْمُوَكَّلُ ، أَوْ عُزِلَ الْأَوَّلُ ، انْعَزِلَا جَمِيعًا ؛ لِأَنَّهُمَا فَرْعَانِ لَهُ ، لَكِنَّ أَحَدَهُمَا فَرْعٌ لِلْآخَرِ ، فَذَهَبَ حُكْمُهُمَا بِذَهَابِ أَصْلِهِمَا .\rوَإِنْ وُكِّلَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُؤْذَنَ لَهُ فِي التَّوْكِيلِ نُطْقًا ، بَلْ وُجِدَ عُرْفًا ، أَوْ عَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي أَجَزْنَا لَهُ التَّوْكِيلَ مِنْ غَيْرِ إذْنٍ ، فَالثَّانِي وَكِيلُ الْوَكِيلِ الْأَوَّلِ ، حُكْمُهُ حُكْمُ مَا لَوْ أَذِنَ لَهُ أَنْ يُوَكِّلَ لِنَفْسِهِ .","part":10,"page":273},{"id":4773,"text":"( 3753 ) فَصْلٌ : إذَا وَكَّلَ رَجُلًا فِي الْخُصُومَةِ ، لَمْ يُقْبَلْ إقْرَارُهُ عَلَى مُوَكِّلِهِ بِقَبْضِ الْحَقِّ وَلَا غَيْرِهِ .\rوَبِهِ قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ : يُقْبَلُ إقْرَارُهُ فِي مَجْلِسِ الْحُكْمِ ، فِيمَا عَدَا الْحُدُودَ وَالْقِصَاصَ .\rوَقَالَ أَبُو يُوسُفَ : يُقْبَلُ إقْرَارُهُ فِي مَجْلِسِ الْحُكْمِ وَغَيْرِهِ ؛ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ أَحَدُ جَوَابَيْ الدَّعْوَى ، فَصَحَّ مِنْ الْوَكِيلِ ، كَالْإِنْكَارِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الْإِقْرَارَ مَعْنًى يَقْطَعُ الْخُصُومَةَ وَيُنَافِيهَا ، فَلَا يَمْلِكُهُ الْوَكِيلُ فِيهَا ، كَالْإِبْرَاءِ .\rوَفَارَقَ الْإِنْكَارَ ؛ فَإِنَّهُ لَا يَقْطَعُ الْخُصُومَةَ ، وَيَمْلِكُهُ فِي الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ ، وَفِي غَيْرِ مَجْلِسِ الْحَاكِمِ .\rوَلِأَنَّ الْوَكِيلَ لَا يَمْلِكُ الْإِنْكَارَ عَلَى وَجْهٍ يَمْنَعُ الْمُوَكِّلَ مِنْ الْإِقْرَارِ ، فَلَوْ مَلَكَ الْإِقْرَارَ ، لَامْتَنَعَ عَلَى الْمُوَكِّلِ الْإِنْكَارُ ، فَافْتَرَقَا ، وَلَا يَمْلِكُ الْمُصَالَحَةَ عَنْ الْحَقِّ ، وَلَا الْإِبْرَاءَ مِنْهُ ، بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ ؛ لِأَنَّ الْإِذْنَ فِي الْخُصُومَةِ لَا يَقْتَضِي شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ .\rوَإِنْ أَذِنَ لَهُ فِي تَثْبِيتِ حَقٍّ ، لَمْ يَمْلِكْ قَبْضَهُ .\rوَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَمْلِكُ قَبْضَهُ ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ التَّثْبِيتِ قَبْضُهُ وَتَحْصِيلُهُ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الْقَبْضَ لَا يَتَنَاوَلُهُ الْإِذْنُ نُطْقًا وَلَا عُرْفًا ، إذْ لَيْسَ كُلُّ مَنْ يَرْضَاهُ لِتَثْبِيتِ الْحَقِّ يَرْضَاهُ لِقَبْضِهِ .\rوَإِنْ وَكَّلَهُ فِي قَبْضِ حَقٍّ ، فَجَحَدَ مَنْ عَلَيْهِ الْحَقُّ ، كَانَ وَكِيلًا فِي تَثْبِيتِهِ عَلَيْهِ ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ .\rوَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ .\rوَالْآخَرُ : لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ ، وَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُمَا مَعْنَيَانِ مُخْتَلِفَانِ ، فَالْوَكِيلُ فِي أَحَدِهِمَا لَا يَكُونُ وَكِيلًا فِي الْآخَرِ ، كَمَا لَا يَكُونُ وَكِيلًا فِي الْقَبْضِ بِالتَّوْكِيلِ فِي الْخُصُومَةِ .\rوَوَجْهُ الْأَوَّلِ ، أَنَّهُ لَا يَتَوَصَّلُ إلَى الْقَبْضِ إلَّا","part":10,"page":274},{"id":4774,"text":"بِالتَّثْبِيتِ ؛ فَكَانَ إذْنًا فِيهِ عُرْفًا ، وَلِأَنَّ الْقَبْضَ لَا يَتِمُّ إلَّا بِهِ ، فَمَلَكَهُ ، كَمَا لَوْ وَكَّلَ فِي شِرَاءِ شَيْءٍ مَلَكَ وَزْنَ ثَمَنِهِ ، أَوْ فِي بَيْعِ شَيْءٍ مَلَكَ تَسْلِيمَهُ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ إنْ كَانَ الْمُوَكِّلُ عَالِمًا بِجَحْدِ مَنْ عَلَيْهِ الْحَقُّ أَوْ مَطْلِهِ ، كَانَ تَوْكِيلًا فِي تَثْبِيتِهِ وَالْخُصُومَةِ فِيهِ ، لِعِلْمِهِ بِوُقُوفِ الْقَبْضِ عَلَيْهِ .\rوَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ ذَلِكَ ، لَمْ يَكُنْ تَوْكِيلًا فِيهِ ؛ لِعَدَمِ عِلْمِهِ بِتَوَقُّفِ الْقَبْضِ عَلَيْهِ .\rوَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ الْحَقِّ عَيْنًا أَوْ دَيْنًا .\rوَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ : إنْ وَكَّلَهُ فِي قَبْضِ عَيْنٍ لَمْ يَمْلِكْ تَثْبِيتَهَا ؛ لِأَنَّهُ وَكِيلٌ فِي نَقْلِهَا ، أَشْبَهَ الْوَكِيلَ فِي نَقْلِ الزَّوْجَةِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ وَكِيلٌ فِي قَبْضِ حَقٍّ ، فَأَشْبَهَ الْوَكِيلَ فِي قَبْضِ الدَّيْنِ .\rوَمَا ذَكَرُوهُ يَبْطُلُ بِالتَّوْكِيلِ فِي قَبْضِ الدِّينِ ؛ فَإِنَّهُ وَكِيلٌ فِي قَبْضِهِ وَنَقْلِهِ إلَيْهِ .","part":10,"page":275},{"id":4775,"text":"( 3754 ) فَصْلٌ : وَإِنْ وَكَّلَهُ فِي بَيْعِ شَيْءٍ ، مَلَكَ تَسْلِيمَهُ ؛ لِأَنَّ إطْلَاقَ التَّوْكِيلِ فِي الْبَيْعِ يَقْتَضِي التَّسْلِيمَ ، لِكَوْنِهِ مِنْ تَمَامِهِ ، وَلَمْ يَمْلِكْ الْإِبْرَاءَ مِنْ ثَمَنِهِ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَمْلِكُهُ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الْإِبْرَاءَ لَيْسَ مِنْ الْبَيْعِ ، وَلَا مِنْ تَتِمَّتِهِ ، فَلَا يَكُونُ التَّوْكِيلُ فِي الْبَيْعِ تَوْكِيلًا فِيهِ ، كَالْإِبْرَاءِ مِنْ غَيْرِ ثَمَنِهِ .\rوَأَمَّا قَبْضُ الثَّمَنِ ، فَقَالَ الْقَاضِي وَأَبُو الْخَطَّابِ : لَا يُمْكِنُ .\rوَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُوَكِّلُ فِي الْبَيْعِ مَنْ لَا يَأْمَنُهُ عَلَى قَبْضِ الثَّمَنِ .\rفَعَلَى هَذَا إنْ تَعَذَّرَ قَبْضُ الثَّمَنِ مِنْ الْمُشْتَرِي ، لَمْ يَلْزَمْ الْوَكِيلَ شَيْءٌ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يَمْلِكَ قَبْضَ الثَّمَنِ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ مُوجِبِ الْبَيْعِ ، فَمَلَكَهُ الْوَكِيلُ فِيهِ ، كَتَسْلِيمِ الْمَبِيعِ .\rفَعَلَى هَذَا لَيْسَ لَهُ تَسْلِيمُ الْمَبِيعِ إلَّا بِقَبْضِ الثَّمَنِ أَوْ حُضُورِهِ .\rوَإِنْ سَلَّمَهُ قَبْلَ قَبْضِ ثَمَنِهِ ضَمِنَهُ .\rوَالْأَوْلَى أَنْ يَنْظُرَ فِيهِ ، فَإِنْ دَلَّتْ قَرِينَةُ الْحَالِ عَلَى قَبْضِ الثَّمَنِ ، مِثْلُ تَوْكِيلِهِ فِي بَيْعِ ثَوْبٍ فِي سُوقٍ غَائِبٍ عَنْ الْمُوَكِّلِ ، أَوْ مَوْضِعٍ يَضِيعُ الثَّمَنُ بِتَرْكِ قَبْضِ الْوَكِيلِ لَهُ ، كَانَ إذْنًا فِي قَبْضِهِ .\rوَمَتَى تَرَكَ قَبْضَهُ كَانَ ضَامِنًا لَهُ ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَ حَالِ الْمُوَكِّلِ أَنَّهُ إنَّمَا أَمَرَهُ بِالْبَيْعِ لِتَحْصِيلِ ثَمَنِهِ ، فَلَا يَرْضَى بِتَضْيِيعِهِ ، وَلِهَذَا يُعَدُّ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ مُضَيِّعًا مُفَرِّطًا .\rوَإِنْ لَمْ تَدُلّ الْقَرِينَةُ عَلَى ذَلِكَ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ قَبْضُهُ .","part":10,"page":276},{"id":4776,"text":"( 3755 ) فَصْلٌ : وَإِنْ وَكَّلَهُ فِي بَيْعِ شَيْءٍ ، أَوْ طَلَبِ الشُّفْعَةِ ، أَوْ قَسْمِ شَيْءٍ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، يَمْلِكُ تَثْبِيتَهُ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ فِي الْقِسْمَةِ وَطَلَبِ الشُّفْعَةِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَوَصَّلُ إلَى مَا وَكَّلَهُ فِيهِ إلَّا بِالتَّثْبِيتِ .\rوَالثَّانِي ، لَا يَمْلِكُهُ .\rوَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ أَحَدُهُمَا دُونَ الْآخَرِ ، فَلَمْ يَتَضَمَّنْ الْإِذْنُ فِي أَحَدِهِمَا الْإِذْنَ فِي الْآخَرِ .","part":10,"page":277},{"id":4777,"text":"( 3756 ) فَصْلٌ : وَإِنْ وَكَّلَهُ فِي شِرَاءِ شَيْءٍ ، مَلَكَ تَسْلِيمَ ثَمَنِهِ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ تَتِمَّتِهِ وَحُقُوقِهِ ، فَهُوَ كَتَسْلِيمِ الْمَبِيعِ .\rفِي الْبَيْعِ .\rوَالْحُكْمُ فِي قَبْضِ الْمَبِيعِ كَالْحُكْمِ فِي قَبْضِ الثَّمَنِ فِي الْمَبِيعِ ، عَلَى مَا مَضَى مِنْ الْقَوْلِ فِيهِ .\rفَإِنْ اشْتَرَى عَبْدًا ، وَنَقَدَ ثَمَنَهُ ، فَخَرَجَ الْعَبْدُ مُسْتَحَقًّا ؛ فَهَلْ يَمْلِكُ أَنْ يُخَاصِمَ الْبَائِعَ فِي الثَّمَنِ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ .\rفَإِنْ اشْتَرَى شَيْئًا ، وَقَبَضَهُ ، وَأَخَّرَ تَسْلِيمَ الثَّمَنِ لِغَيْرِ عُذْرٍ ، فَهَلَكَ فِي يَدِهِ ، فَهُوَ ضَامِنٌ لَهُ .\rوَإِنْ كَانَ لَهُ عُذْرٌ ، مِثْلُ أَنْ ذَهَبَ لِيَنْقُدَهُ فَهَلَكَ ، أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ؛ لِأَنَّهُ مُفَرِّطٌ فِي إمْسَاكِهِ كَمَا فِي الصُّورَةِ الْأُولَى دُونَ الثَّانِيَةِ ، فَلِذَلِكَ لَزِمَهُ الضَّمَانُ ، بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يُفَرِّطْ .","part":10,"page":278},{"id":4778,"text":"( 3757 ) فَصْلٌ : وَإِذَا وَكَّلَهُ فِي قَبْضِ دَيْنٍ مِنْ رَجُلٍ ، فَمَاتَ ؛ نَظَرْت فِي لَفْظِهِ ؛ فَإِنْ قَالَ : اقْبِضْ حَقِّي مِنْ فُلَانٍ .\rلَمْ يَكُنْ لَهُ قَبْضُهُ مِنْ وَارِثِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُؤْمَرْ بِذَلِكَ .\rوَإِنْ قَالَ : اقْبِضْ حَقِّي الَّذِي قِبَلَ فُلَانٍ .\rأَوْ عَلَى فُلَانٍ .\rفَلَهُ مُطَالَبَةُ وَارِثِهِ وَالْقَبْضُ ؛ لِأَنَّ قَبْضَهُ مِنْ الْوَارِثِ قَبْضٌ لِلْحَقِّ الَّذِي عَلَى مَوْرُوثِهِ .\rفَإِنْ قِيلَ : فَلَوْ قَالَ : اقْبِضْ حَقِّي مِنْ زَيْدٍ .\rفَوَكَّلَ زَيْدٌ إنْسَانًا فِي الدَّفْعِ إلَيْهِ ، كَانَ لَهُ الْقَبْضُ مِنْهُ ، وَالْوَارِثُ نَائِبُ الْمَوْرُوثِ ، فَهُوَ كَوَكِيلِهِ .\rقُلْنَا : إنَّ الْوَكِيلَ إذَا دَفَعَ عَنْهُ بِإِذْنِهِ جَرَى مَجْرَى تَسْلِيمِهِ ؛ لِأَنَّهُ أَقَامَهُ مَقَامَ نَفْسِهِ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ هَاهُنَا ، فَإِنَّ الْحَقَّ انْتَقَلَ إلَى الْوَرَثَةِ فَاسْتَحَقَّتْ الْمُطَالَبَةُ عَلَيْهِمْ ، لَا بِطَرِيقِ النِّيَابَةِ عَنْ الْمَوْرُوثِ ، وَلِهَذَا لَوْ حَلَفَ لَا يَفْعَلُ شَيْئًا ، حَنِثَ بِفِعْلِ وَكِيلِهِ لَهُ ، وَلَا يَحْنَثُ بِفِعْلِ وَارِثِهِ .","part":10,"page":279},{"id":4779,"text":"( 3758 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِذَا بَاعَ الْوَكِيلُ ، ثُمَّ ادَّعَى تَلَفَ الثَّمَنِ مِنْ غَيْرٍ تَعَدٍّ ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ .\rفَإِنْ اُتُّهِمَ ، حَلَفَ ) إذَا اخْتَلَفَ الْوَكِيلُ وَالْمُوَكِّلُ ، لَمْ يَخْلُ مِنْ سِتَّةِ أَحْوَالٍ : أَحَدُهَا ، أَنْ يَخْتَلِفَا فِي التَّلَفِ ، فَيَقُولَ الْوَكِيلُ تَلِفَ مَالُكَ فِي يَدِي ، أَوْ الثَّمَنُ الَّذِي قَبَضْته ثَمَنَ مَتَاعِك تَلِفَ فِي يَدِي .\rفَيُكَذِّبُهُ الْمُوَكِّلُ .\rفَالْقَوْلُ قَوْلُ الْوَكِيلِ مَعَ يَمِينِهِ ؛ لِأَنَّهُ أَمِينٌ ، وَهَذَا مِمَّا يَتَعَذَّرُ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ ، فَلَا يُكَلَّفُ ذَلِكَ كَالْمُودِعِ .\rوَكَذَلِكَ كُلُّ مَنْ كَانَ فِي يَدِهِ شَيْءٌ لِغَيْرِهِ عَلَى سَبِيلِ الْأَمَانَةِ ، كَالْأَبِ ، وَالْوَصِيِّ ، وَأَمِينِ الْحَاكِمِ ، وَالْمُودِعِ ، وَالشَّرِيكِ ، وَالْمُضَارِبِ ، وَالْمُرْتَهِنِ ، وَالْمُسْتَأْجِرِ ، وَالْأَجِيرِ الْمُشْتَرَكِ ، وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ ، لِأَنَّهُ لَوْ كُلِّفَ ذَلِكَ مَعَ تَعَذُّرِهِ عَلَيْهِ ، لَامْتَنَعَ النَّاسُ مِنْ الدُّخُولِ فِي الْأَمَانَات مَعَ الْحَاجَةِ إلَيْهَا ، فَيَلْحَقُهُمْ الضَّرَرُ .\rقَالَ الْقَاضِي : إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ التَّلَفَ بِأَمْرٍ ظَاهِرٍ ، كَالْحَرِيقِ وَالنَّهْبِ وَشِبْهِهِمَا ، فَعَلَيْهِ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَى وُجُودِ هَذَا الْأَمْرِ فِي تِلْكَ النَّاحِيَةِ ، ثُمَّ يَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَهُ فِي تَلَفِهَا بِذَلِكَ .\rوَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ وُجُودَ الْأَمْرِ الظَّاهِرِ مِمَّا لَا يَخْفَى ، فَلَا تَتَعَذَّرُ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ .","part":10,"page":280},{"id":4780,"text":"الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ ، أَنْ يَخْتَلِفَا فِي تَعَدِّي الْوَكِيلِ أَوْ تَفْرِيطِهِ فِي الْحِفْظِ ، وَمُخَالَفَتِهِ أَمْرَ مُوَكِّلِهِ ، مِثْلُ أَنْ يَدَّعِيَ عَلَيْهِ أَنَّك حَمَلْت عَلَى الدَّابَّةِ فَوْقَ طَاقَتِهَا ، أَوْ حَمَلْت عَلَيْهَا شَيْئًا لِنَفْسِك ، أَوْ فَرَّطْت فِي حِفْظِهَا ، أَوْ لَبِسْت الثَّوْبَ ، أَوْ أَمَرْتُك بِرَدِّ الْمَالِ فَلَمْ تَفْعَلْ .\rوَنَحْوُ ذَلِكَ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْوَكِيلِ أَيْضًا مَعَ يَمِينِهِ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا فِي الَّذِي قَبْلَهُ ، وَلِأَنَّهُ مُنْكِرٌ لِمَا يُدَّعَى عَلَيْهِ ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ .\rوَمَتَى ثَبَتَ التَّلَفُ فِي يَدِهِ مِنْ غَيْرِ تَعَدِّيهِ ، إمَّا لِقَبُولِ قَوْلِهِ ، وَإِمَّا بِإِقْرَارِ مُوَكِّلِهِ أَوْ بَيِّنَةٍ ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ ، سَوَاءٌ تَلِفَ الْمَتَاعُ الَّذِي أُمِرَ بِبَيْعِهِ ، أَوْ بَاعَهُ وَقَبَضَ ثَمَنَهُ فَتَلِفَ الثَّمَنُ ، وَسَوَاءٌ كَانَ بِجَعْلٍ أَوْ بِغَيْرِ جَعْلٍ ؛ لِأَنَّهُ نَائِبُ الْمَالِكِ فِي الْيَدِ وَالتَّصَرُّفِ ، فَكَانَ الْهَلَاكُ فِي يَدِهِ كَالْهَلَاكِ فِي يَدِ الْمَالِكِ ، وَجَرَى مَجْرَى الْمُودِعِ وَالْمُضَارِبِ وَشِبْهِهِمَا .\rوَإِنْ تَعَدَّى أَوْ فَرَّطَ ، ضَمِنَ .\rوَكَذَلِكَ سَائِرُ الْأُمَنَاءِ .\rوَلَوْ بَاعَ الْوَكِيلُ سِلْعَةً وَقَبَضَ ثَمَنَهَا ، فَتَلِفَ مِنْ غَيْرِ تَعَدٍّ ، وَاسْتُحِقَّ الْمَبِيعُ ، رَجَعَ الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ عَلَى الْمُوَكِّلِ دُونَ الْوَكِيلِ ؛ لِأَنَّ الْمَبِيعَ لَهُ ، فَالرُّجُوعُ بِالْعُهْدَةِ عَلَيْهِ ، كَمَا لَوْ بَاعَ بِنَفْسِهِ .","part":10,"page":281},{"id":4781,"text":"الْحَالُ الثَّالِثَةُ ، أَنْ يَخْتَلِفَا فِي التَّصَرُّفِ ، فَيَقُولَ الْوَكِيلُ : بِعْت الثَّوْبَ وَقَبَضْت الثَّمَنَ ، فَتَلِفَ .\rفَيَقُولُ الْمُوَكِّلُ : لَمْ تَبِعْ وَلَمْ تَقْبِضْ .\rأَوْ يَقُولَ : بِعْت وَلَمْ تَقْبِضْ شَيْئًا .\rفَالْقَوْلُ قَوْلُ الْوَكِيلِ .\rذَكَرَهُ ابْنُ حَامِدٍ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ ؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ الْبَيْعَ وَالْقَبْضَ ، فَيُقْبَلُ قَوْلُهُ فِيهِمَا ، كَمَا يُقْبَلُ قَوْلُ وَلِيِّ الْمَرْأَةِ الْمُجْبَرَةِ عَلَى النِّكَاحِ فِي تَزْوِيجِهَا .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يُقْبَلَ قَوْلُهُ .\rوَهُوَ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ يُقِرُّ بِحَقٍّ لَغَيْرِهِ عَلَى مُوَكِّلِهِ ، فَلَمْ يُقْبَلْ ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِدَيْنٍ عَلَيْهِ .\rوَإِنْ وَكَّلَ فِي شِرَاءِ عَبْدٍ ، فَاشْتَرَاهُ ، وَاخْتَلَفَا فِي قَدْرِ مَا اشْتَرَاهُ بِهِ ، فَقَالَ : اشْتَرَيْته بِأَلْفِ .\rوَقَالَ : بَلْ اشْتَرَيْته بِخَمْسِمِائَةٍ .\rفَالْقَوْلُ قَوْلُ الْوَكِيلِ ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُوَكِّلِ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ عَيَّنَ لَهُ الشِّرَاءَ بِمَا ادَّعَاهُ ، فَقَالَ : اشْتَرِ لِي عَبْدًا بِأَلْفٍ .\rفَادَّعَى الْوَكِيلُ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ بِذَلِكَ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْوَكِيلِ إذًا ، وَإِلَّا فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُوَكِّلِ ؛ لِأَنَّ مَنْ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ فِي أَصْلِ شَيْءٍ ، كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ فِي صِفَتِهِ .\rوَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ كَهَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إنْ كَانَ الشِّرَاءُ فِي الذِّمَّةِ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُوَكِّلِ ؛ لِأَنَّهُ غَارِمٌ مُطَالَبٌ بِالثَّمَنِ .\rوَإِنْ اشْتَرَى بِعَيْنِ الْمَالِ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْوَكِيلِ ؛ لِكَوْنِهِ الْغَارِمَ ؛ فَإِنَّهُ يُطَالِبُهُ بِرَدِّ مَا زَادَ عَلَى خُمْسِ الْمِائَةِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُمَا اخْتَلَفَا فِي تَصَرُّفِ الْوَكِيلِ ، فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ ، كَمَا لَوْ اخْتَلَفَا فِي الْبَيْعِ ، وَلِأَنَّهُ أَمِينٌ فِي الشِّرَاءِ ، فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ فِي قَدْرِ ثَمَنِ الْمُشْتَرَيْ ، كَالْمُضَارِبِ ، وَكَمَا لَوْ قَالَ لَهُ : اشْتَرِ بِأَلْفٍ عِنْدَ الْقَاضِي .","part":10,"page":282},{"id":4782,"text":"الْحَالُ الرَّابِعَةُ ، أَنْ يَخْتَلِفَا فِي الرَّدِّ ، فَيَدَّعِيَهُ الْوَكِيلُ ، فَيُنْكِرَهُ الْمُوَكِّلُ ، فَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ جَعْلٍ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْوَكِيلِ ؛ لِأَنَّهُ قَبَضَ الْمَالَ لِنَفْعِ مَالِكِهِ ، فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ ، كَالْمُودِعِ ، وَإِنْ كَانَ بِجَعْلٍ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُهُ ؛ لِأَنَّهُ وَكِيلٌ ، فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ ، كَالْأَوَّلِ .\rوَالثَّانِي ، لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ ؛ لِأَنَّهُ قَبَضَ الْمَالَ لِنَفْعِ نَفْسِهِ ، فَلَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ فِي الرَّدِّ كَالْمُسْتَعِيرِ وَسَوَاءٌ اخْتَلَفَا فِي رَدِّ الْعَيْنِ ، أَوْ رَدِّ ثَمَنِهَا .\rوَجُمْلَةُ الْأُمَنَاءِ عَلَى ضَرْبَيْنِ ؛ أَحَدِهِمَا ، مَنْ قَبَضَ الْمَالَ لِنَفْعِ مَالِكِهِ لَا غَيْرُ ، كَالْمُودَعِ وَالْوَكِيلِ بِغَيْرِ جَعْلٍ ، فَيُقْبَلُ قَوْلُهُمْ فِي الرَّدِّ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُمْ لَامْتَنَعَ النَّاسُ مِنْ قَبُولِ هَذِهِ الْأَمَانَاتِ ، فَيَلْحَقُ النَّاسَ الضَّرَرُ .\rالثَّانِي ، مَنْ يَنْتَفِعُ بِقَبْضِ الْأَمَانَةِ ، كَالْوَكِيلِ بِجَعْلٍ ، وَالْمُضَارِبِ ، وَالْأَجِيرِ الْمُشْتَرَكِ ، وَالْمُسْتَأْجِرِ ، وَالْمُرْتَهِنِ ، فَفِيهِمْ وَجْهَانِ .\rذَكَرَهُمَا أَبُو الْخَطَّابِ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : لَا يُقْبَلُ قَوْلُ الْمُرْتَهِنِ وَالْمُسْتَأْجِرِ وَالْمُضَارِبِ فِي الرَّدِّ ؛ لِأَنَّ أَحْمَدَ نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْمُضَارِبِ ، فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ ، وَلِأَنَّ مَنْ قَبَضَ الْمَالَ لِنَفْعِ نَفْسِهِ ، لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي الرَّدِّ .\rوَلَوْ أَنْكَرَ الْوَكِيلُ قَبْضَ الْمَالِ ، ثُمَّ ثَبَتَ ذَلِكَ بِبَيِّنَةٍ ، أَوْ اعْتِرَافٍ ، فَادَّعَى الرَّدَّ أَوْ التَّلَفَ ، لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ ؛ لِأَنَّ خِيَانَتَهُ قَدْ ثَبَتَتْ بِجَحْدِهِ .\rفَإِنْ أَقَامَ بَيِّنَةً بِمَا ادَّعَاهُ مِنْ الرَّدِّ أَوْ التَّلَفِ ، فَهَلْ تُقْبَلُ بَيِّنَتُهُ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ ؛ أَحَدِهِمَا ، لَا تُقْبَلُ ؛ لِأَنَّهُ كَذَّبَهَا بِجَحْدِهِ ، فَإِنَّ قَوْلَهُ : مَا قَبَضْت .\rيَتَضَمَّنُ أَنَّهُ لَمْ يَرُدَّ شَيْئًا .\rوَالثَّانِي : تُقْبَلُ ؛ لِأَنَّهُ يَدَّعِي الرَّدَّ وَالتَّلَفَ قَبْلَ وُجُودِ خِيَانَتِهِ .\rوَإِنْ كَانَ","part":10,"page":283},{"id":4783,"text":"جُحُودُهُ أَنَّك لَا تَسْتَحِقُّ عَلَيَّ شَيْئًا ، أَوْ مَا لَكَ عِنْدِي شَيْءٌ ، سُمِعَ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ ؛ لِأَنَّ جَوَابَهُ لَا يُكَذِّبُ ذَلِكَ ، فَإِنَّهُ إذَا كَانَ قَدْ تَلِفَ أَوْ رُدَّ ، فَلَيْسَ لَهُ عِنْدَهُ شَيْءٌ .\rفَلَا تَنَافِيَ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ ، إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ أَنَّهُ رَدَّهُ أَوْ تَلِفَ بَعْدَ قَوْلِهِ : مَا لَكَ عِنْدِي شَيْءٌ .\rفَلَا يُسْمَعُ قَوْلُهُ أَيْضًا ؛ لِثُبُوتِ كَذِبِهِ وَخِيَانَتِهِ .","part":10,"page":284},{"id":4784,"text":"الْحَالَةُ الْخَامِسَةُ ، إذَا اخْتَلَفَا فِي أَصْلِ الْوَكَالَةِ ، فَقَالَ : وَكَّلْتنِي .\rفَأَنْكَرَ الْمُوَكِّلُ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُوَكِّلِ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْوَكَالَةِ ، فَلَمْ يُثْبِتْ أَنَّهُ أَمِينُهُ لِيُقْبَلَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ .\rوَلَوْ قَالَ : وَكَّلْتُك ، وَدَفَعْت إلَيْك مَالًا .\rفَأَنْكَرَ الْوَكِيلُ ذَلِكَ كُلَّهُ ، أَوْ اعْتَرَفَ بِالتَّوْكِيلِ ، وَأَنْكَرَ دَفْعَ الْمَالِ إلَيْهِ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ ؛ لِذَلِكَ .\rوَلَوْ قَالَ رَجُلٌ لِآخَرَ : وَكَّلْتنِي أَنْ أَتَزَوَّجَ لَك فُلَانَةَ ، بِصَدَاقِ كَذَا ، فَفَعَلْت .\rوَادَّعَتْ الْمَرْأَةُ ذَلِكَ ، فَأَنْكَرَ الْمُوَكِّلُ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، فَقَالَ : إنْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ ، وَإِلَّا لَمْ يَلْزَمْ الْآخَرَ عَقْدُ النِّكَاحِ .\rقَالَ أَحْمَدُ : وَلَا يُسْتَحْلَفُ .\rقَالَ الْقَاضِي : لِأَنَّ الْوَكِيلَ يَدَّعِي حَقًّا لِغَيْرِهِ .\rفَأَمَّا إنْ ادَّعَتْهُ الْمَرْأَةُ ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُسْتَحْلَفَ ؛ لِأَنَّهَا تَدَّعِي الصَّدَاقَ فِي ذِمَّتِهِ ، فَإِذَا حَلَفَ لَمْ يَلْزَمْهُ الصَّدَاقُ ، وَلَمْ يَلْزَمْ الْوَكِيلَ مِنْهُ شَيْءٌ ؛ لِأَنَّ دَعْوَى الْمَرْأَةِ عَلَى الْمُوَكِّلِ ، وَحُقُوقُ الْعَقْدِ لَا تَتَعَلَّقُ بِالْوَكِيلِ .\rوَنَقَلَ إِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّ الْوَكِيلَ يَلْزَمُهُ نِصْفُ الصَّدَاقِ ؛ لِأَنَّ الْوَكِيلَ فِي الشِّرَاءِ ضَامِنٌ لِلثَّمَنِ ، وَلِلْبَائِعِ مُطَالَبَتُهُ بِهِ ، كَذَا هَاهُنَا .\rوَالْأَوَّلُ أَوْلَى ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ .\rوَيُفَارِقُ الشِّرَاءَ ؛ لِأَنَّ الثَّمَنَ مَقْصُودُ الْبَائِعِ ، وَالْعَادَةُ تَعْجِيلُهُ وَأَخْذُهُ مِنْ الْمُتَوَلِّي لِلشِّرَاءِ ، وَالنِّكَاحُ يُخَالِفُهُ فِي هَذَا كُلِّهِ ، وَلَكِنْ إنْ كَانَ الْوَكِيلُ ضَمِنَ الْمَهْرَ ، فَلَهَا الرُّجُوعُ عَلَيْهِ بِنِصْفِهِ ؛ لِأَنَّهُ ضَمِنَهُ عَنْ الْمُوَكِّلِ ، وَهُوَ مُقِرٌّ بِأَنَّهُ فِي ذِمَّتِهِ .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَبُو يُوسُفَ ، وَالشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ : يَلْزَمُ الْوَكِيلَ جَمِيعُ الصَّدَاقِ ؛ لِأَنَّ الْفُرْقَةَ لَمْ تَقَعْ بِإِنْكَارِهِ ، فَيَكُونُ ثَابِتًا فِي الْبَاطِنِ ،","part":10,"page":285},{"id":4785,"text":"فَيَجِبُ جَمِيعُ الصَّدَاقِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ يَمْلِكُ الطَّلَاقَ ، فَإِذَا أَنْكَرَ فَقَدْ أَقَرَّ بِتَحْرِيمِهَا عَلَيْهِ ، فَصَارَ بِمَنْزِلَةِ إيقَاعِهِ لَهَا تَحْرُمُ بِهِ .\rقَالَ أَحْمَدُ : وَلَا تَتَزَوَّجُ الْمَرْأَةُ حَتَّى يُطَلِّقَ ، لَعَلَّهُ يَكُونُ كَاذِبًا فِي إنْكَارِهِ .\rوَظَاهِرُ هَذَا تَحْرِيمُ نِكَاحِهَا قَبْلَ طَلَاقِهَا ؛ لِأَنَّهَا مُعْتَرِفَةٌ بِأَنَّهَا زَوْجَةٌ لَهُ ، فَيُؤْخَذُ بِإِقْرَارِهَا ، وَإِنْكَارُهُ لَيْسَ بِطَلَاقٍ .\rوَهَلْ يَلْزَمُ الْمُوَكِّلَ طَلَاقُهَا ؟ يَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَلْزَمَهُ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ فِي حَقِّهِ نِكَاحٌ ، وَلَوْ ثَبَتَ لَمْ يُكَلِّفْ الطَّلَاقَ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يُكَلَّفَهُ ، لِإِزَالَةِ الِاحْتِمَالِ ، وَإِزَالَةِ الضَّرَرِ عَنْهَا بِمَا لَا ضَرَرَ عَلَيْهِ فِيهِ .\rفَأَشْبَهَ النِّكَاحَ الْفَاسِدَ .\rوَلَوْ ادَّعَى أَنَّ فُلَانًا الْغَائِبَ وَكَّلَهُ فِي تَزَوُّجِ امْرَأَةٍ ، فَتَزَوَّجَهَا لَهُ ، ثُمَّ مَاتَ الْغَائِبُ ، لَمْ تَرِثْهُ الْمَرْأَةُ ، إلَّا أَنْ يُصَدِّقَهُ الْوَرَثَةُ ، أَوْ يَثْبُتَ بِبَيِّنَةٍ .\rوَإِنْ أَقَرَّ الْمُوَكِّلُ بِالتَّوْكِيلِ فِي التَّزْوِيجِ ، وَأَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ الْوَكِيلُ تَزَوَّجَ لَهُ ، فَهَاهُنَا الِاخْتِلَافُ فِي تَصَرُّفِ الْوَكِيلِ ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْوَكِيلِ فِيهِ ، فَيَثْبُتُ التَّزْوِيجُ هَاهُنَا .\rوَقَالَ الْقَاضِي : لَا يَثْبُتُ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، لِأَنَّهُ لَا تَتَعَذَّرُ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ ، لِكَوْنِهِ لَا يَنْعَقِدُ إلَّا بِهَا .\rوَذَكَرَ أَنَّ أَحْمَدَ نَصَّ عَلَيْهِ .\rوَأَشَارَ إلَى نَصَّهُ فِيمَا إذَا أَنْكَرَ الْمُوَكِّلُ الْوَكَالَةَ مِنْ أَصْلِهَا .\rوَلَنَا ، أَنَّهُمَا اخْتَلَفَا فِي فِعْلِ الْوَكِيلِ مَا أُمِرَ بِهِ ، فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ ، كَمَا لَوْ وَكَّلَهُ فِي بَيْعِ ثَوْبٍ فَادَّعَى أَنَّهُ بَاعَهُ ، أَوْ فِي شِرَاءِ عَبْدٍ بِأَلْفٍ فَادَّعَى أَنَّهُ اشْتَرَاهُ بِهِ .\rوَمَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي مِنْ نَصِّ أَحْمَدَ فِيمَا إذَا أَنْكَرَ الْمُوَكِّلُ الْوَكَالَةَ ، فَلَيْسَ بِنَصِّ هَاهُنَا ؛ لِاخْتِلَافِ أَحْكَامِ الصُّورَتَيْنِ وَتَبَايُنِهِمَا ، فَلَا يَكُونُ النَّصُّ فِي إحْدَاهُمَا نَصًّا فِي","part":10,"page":286},{"id":4786,"text":"الْأُخْرَى .\rوَمَا ذَكَرَهُ مِنْ الْمَعْنَى لَا أَصْلَ لَهُ ، فَلَا يُعَوِّلُ عَلَيْهِ .\rوَلَوْ غَابَ رَجُلٌ ، فَجَاءَ رَجُلٌ آخَرُ إلَى امْرَأَتِهِ ، فَذَكَرَ أَنَّ زَوْجَهَا طَلَّقَهَا وَأَبَانَهَا ، وَوَكَّلَهُ فِي تَجْدِيدِ نِكَاحِهَا بِأَلْفِ .\rفَأَذِنَتْ لَهُ فِي نِكَاحِهَا ، فَعَقَدَ عَلَيْهَا ، وَضَمِنَ الْوَكِيلُ الْأَلْفَ ، ثُمَّ جَاءَ زَوْجُهَا فَأَنْكَرَ هَذَا كُلَّهُ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ ، وَالنِّكَاحُ الْأَوَّلُ بِحَالِهِ .\rوَقِيَاسُ مَا ذَكَرْنَاهُ أَنَّ الْمَرْأَةَ إنْ صَدَّقَتْ الْوَكِيلَ ، لَزِمَهُ الْأَلْفُ ، إلَّا أَنْ يُبِينَهَا زَوْجُهَا قَبْلَ دُخُولِهِ بِهَا .\rوَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ مَالِكٍ ، وَزُفَرَ .\rوَحُكِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيِّ ، أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ الضَّامِنَ شَيْءٌ ؛ لِأَنَّهُ فَرْعٌ عَنْ الْمَضْمُونِ عَنْهُ ، وَلَمْ يَلْزَمْ الْمَضْمُونَ عَنْهُ شَيْءٌ ، فَكَذَلِكَ فَرْعُهُ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الْوَكِيلَ مُقِرٌّ بِأَنَّ الْحَقَّ فِي ذِمَّةِ الْمَضْمُونِ عَنْهُ ، وَأَنَّهُ ضَامِنٌ عَنْهُ ، فَلَزِمَهُ مَا أَقَرَّ بِهِ ، كَمَا لَوْ ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ ضَمِنَ لَهُ أَلْفًا عَلَى أَجْنَبِيٍّ ، فَأَقَرَّ الضَّامِنُ بِالضَّمَانِ وَصِحَّتِهِ وَثُبُوتِ الْحَقِّ فِي ذِمَّةِ الْمَضْمُونِ عَنْهُ ، وَكَمَا لَوْ ادَّعَى شُفْعَةً عَلَى إنْسَانٍ فِي شِقْصٍ اشْتَرَاهُ ، فَأَقَرَّ الْبَائِعُ بِالْبَيْعِ ، وَأَنْكَرَهُ الْمُشْتَرِي ، فَإِنَّ الشَّفِيعَ يَسْتَحِقُّ الشُّفْعَةَ فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ .\rوَإِنْ لَمْ تَدَّعِ الْمَرْأَةُ صِحَّةَ مَا ذَكَرَهُ الْوَكِيلُ ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنَّ مَنْ أَسْقَطَ عَنْهُ الضَّمَانَ أَسْقَطَهُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ ، وَمَنْ أَوْجَبَهُ أَوْجَبَهُ فِي الصُّورَةِ الْأُخْرَى ، فَلَا يَكُونُ فِيهَا اخْتِلَافٌ .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":10,"page":287},{"id":4787,"text":"الْحَالُ السَّادِسَةُ ، أَنْ يَخْتَلِفَا فِي صِفَةِ الْوَكَالَةِ ، فَيَقُولَ : وَكَّلْتُك فِي بَيْعِ هَذَا الْعَبْدِ .\rقَالَ : بَلْ وَكَّلْتنِي فِي بَيْعِ هَذِهِ الْجَارِيَةِ .\rأَوْ قَالَ : وَكَّلْتُك فِي الْبَيْعِ بِأَلْفَيْنِ .\rقَالَ : بَلْ بِأَلْفٍ .\rأَوْ قَالَ : وَكَّلْتُك فِي بَيْعِهِ نَقْدًا .\rقَالَ بَلْ نَسِيئَةً .\rأَوْ قَالَ : وَكَّلْتُك فِي شِرَاءِ عَبْدٍ .\rقَالَ : بَلْ فِي شِرَاءِ أَمَةٍ .\rأَوْ قَالَ : وَكَّلْتُك فِي الشِّرَاءِ بِخَمْسَةٍ .\rقَالَ : بَلْ بِعَشْرَةٍ .\rفَقَالَ الْقَاضِي : الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُوَكِّلِ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : إذَا قَالَ : أَذِنْت لَك فِي الْبَيْعِ نَقْدًا ، فِي الشِّرَاءِ بِخَمْسَةٍ .\rقَالَ : بَلْ أَذِنْت لِي فِي الْبَيْعِ نَسِيئَةً ، وَفِي الشِّرَاءِ بِعَشْرَةٍ .\rفَالْقَوْلُ قَوْلُ الْوَكِيلِ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي الْمُضَارَبَةِ ؛ لِأَنَّهُ أَمِينٌ فِي التَّصَرُّفِ ، فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ فِي صِفَتِهِ ، كَالْخَيَّاطِ إذَا قَالَ : أَذِنْت لِي فِي تَفْصِيلِهِ قَبَاءً .\rقَالَ : بَلْ قَمِيصًا .\rوَحُكِيَ عَنْ مَالِك ، إنْ أَدْرَكَتْ السِّلْعَةَ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُوَكِّلِ ، وَإِنْ فَاتَتْ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْوَكِيلِ ؛ لِأَنَّهَا إذَا فَاتَتْ لَزِمَ الْوَكِيلَ الضَّمَانُ ، وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَتْ مَوْجُودَةً .\rوَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَصَحُّ ، لِوَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا أَنَّهُمَا اخْتَلَفَا فِي التَّوْكِيلِ الَّذِي يَدَّعِيه الْوَكِيلُ ، وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ ، فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ مَنْ يَنْفِيه ، كَمَا لَوْ لَمْ يُقِرَّ الْمُوَكِّلُ بِتَوْكِيلِهِ فِي غَيْرِهِ وَالثَّانِي ، أَنَّهُمَا اخْتَلَفَا فِي صِفَةِ قَوْلِ الْمُوَكِّلِ ، فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ فِي صِفَةِ كَلَامِهِ ، كَمَا لَوْ اخْتَلَفَ الزَّوْجَانِ فِي صِفَةِ الطَّلَاقِ .\rفَعَلَى هَذَا إذَا قَالَ : اشْتَرَيْت لَك هَذِهِ الْجَارِيَةَ بِإِذْنِك .\rقَالَ : مَا أَذِنْت لَك إلَّا فِي شِرَاءِ غَيْرِهَا .\rأَوْ قَالَ : اشْتَرَيْتهَا لَك بِأَلْفَيْنِ .\rفَقَالَ : مَا أَذِنْت لَك فِي شِرَائِهَا إلَّا بِأَلْفٍ .\rفَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُوَكِّلِ ،","part":10,"page":288},{"id":4788,"text":"وَعَلَيْهِ الْيَمِينُ .\rفَإِذَا حَلَفَ بَرِئَ مِنْ الشِّرَاءِ ، ثُمَّ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ الشِّرَاءُ بِعَيْنِ الْمَالِ ، أَوْ فِي الذِّمَّةِ ، فَإِنْ كَانَ بِعَيْنِ الْمَالِ ، فَالْبَيْعُ بَاطِلٌ ، وَتُرَدُّ الْجَارِيَةُ عَلَى الْبَائِعِ إنْ اعْتَرَفَ بِذَلِكَ ، وَإِنْ كَذَّبَهُ فِي أَنَّ الشِّرَاءَ لِغَيْرِهِ أَوْ بِمَالِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ مَا فِي يَدِ الْإِنْسَانِ لَهُ فَإِنْ ادَّعَى الْوَكِيلُ عِلْمَهُ بِذَلِكَ ، حَلَّفَهُ إنَّهُ لَا يَعْلَمُ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ بِمَالِ مُوَكِّلِهِ ؛ لِأَنَّهُ يَحْلِفُ عَلَى نَفْيِ فِعْلِ غَيْرِهِ فَكَانَتْ يَمِينُهُ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ ، فَإِذَا حَلَفَ ، أَمْضَى الْبَيْعَ ، وَعَلَى الْوَكِيلِ غَرَامَةُ الثَّمَنِ لِمُوَكِّلِهِ ، وَدَفْعُ الثَّمَنِ إلَى الْبَائِعِ ، وَتَبْقَى الْجَارِيَةُ فِي يَدِهِ ، وَلَا تَحِلُّ لَهُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ صَادِقًا ، فَتَكُونَ لِلْمُوَكِّلِ ، أَوْ كَاذِبًا فَتَكُونَ لِلْبَائِعِ ، فَإِذَا أَرَادَ اسْتِحْلَالَهَا ، اشْتَرَاهَا مِمَّنْ هِيَ لَهُ فِي الْبَاطِنِ ، فَإِنْ امْتَنَعَ مِنْ بَيْعِهِ إيَّاهَا ، رَفَعَ الْأَمْرَ إلَى الْحَاكِمِ ، لِيَرْفُقَ بِهِ لِيَبِيعَهُ إيَّاهَا ، لِيَثْبُتَ الْمِلْكُ لَهُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا ، وَيَصِيرَ مَا ثَبَتَ لَهُ فِي ذِمَّتِهِ ثَمَنًا قِصَاصًا بِاَلَّذِي أَخَذَ مِنْهُ الْآخَرُ ظُلْمًا ، فَإِنْ امْتَنَعَ الْآخَرُ مِنْ الْبَيْعِ ، لَمْ يُجْبَرْ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ عَقْدُ مُرَاضَاةٍ .\rوَإِنْ قَالَ : إنْ كَانَتْ الْجَارِيَةُ لِي فَقَدْ بِعْتُكَهَا .\rأَوْ قَالَ الْمُوَكِّلُ : إنْ كُنْت أَذِنْت لَك فِي شِرَائِهَا بِأَلْفَيْنِ ، فَقَدْ بِعْتُكَهَا .\rفَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، لَا يَصِحُّ .\rوَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي وَبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ ؛ لِأَنَّهُ بَيْعٌ مُعَلَّقٌ عَلَى شَرْطٍ .\rوَالثَّانِي ، يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ هَذَا أَمْرٌ وَاقِعٌ يَعْلَمَانِ ، وُجُودَهُ ، فَلَا يَضُرُّ جَعْلُهُ شَرْطًا ، كَمَا لَوْ قَالَ : إنْ كَانَتْ هَذِهِ الْجَارِيَةُ جَارِيَتِي ، فَقَدْ بِعْتُكَهَا .\rوَكَذَلِكَ كُلُّ شَرْطٍ عَلِمَا وُجُودَهُ ، فَإِنَّهُ لَا يُوجِبُ وُقُوفَ الْبَيْعِ وَلَا","part":10,"page":289},{"id":4789,"text":"شَكًّا فِيهِ .\rفَأَمَّا إنْ كَانَ الْوَكِيلُ اشْتَرَى فِي الذِّمَّةِ ثُمَّ نَقَدَ الثَّمَنَ ، صَحَّ الشِّرَاءُ ، وَلَزِمَ الْوَكِيلَ فِي الظَّاهِرِ ، فَأَمَّا فِي الْبَاطِنِ ، فَإِنْ كَانَ الْوَكِيلُ كَاذِبًا فِي دَعْوَاهُ ، فَالْجَارِيَةُ لَهُ ؛ لِأَنَّهُ اشْتَرَاهَا فِي ذِمَّتِهِ بِغَيْرِ أَمْرِ غَيْرِهِ ، وَإِنْ كَانَ صَادِقًا ، فَالْجَارِيَةُ لِمُوَكِّلِهِ .\rفَإِذَا أَرَادَ إحْلَالَهَا لَهُ ، تَوَصَّلَ إلَى شِرَائِهَا مِنْهُ ، كَمَا ذَكَرْنَا .\rوَكُلُّ مَوْضِعٍ كَانَتْ لِلْمُوَكِّلِ فِي الْبَاطِنِ فَامْتَنَعَ مِنْ بَيْعِهَا لِلْوَكِيلِ ، فَقَدْ حَصَلَتْ فِي يَدِ الْوَكِيلِ ، وَهِيَ لِلْمُوَكِّلِ ، وَفِي ذِمَّتِهِ لِلْوَكِيلِ ثَمَنُهَا .\rفَأَقْرَبُ الْوُجُوهِ أَنْ يَأْذَنَ لِلْحَاكِمِ فِي بَيْعِهَا ، وَتَوْفِيَةِ حَقِّهِ مِنْ ثَمَنِهَا ، فَإِنْ كَانَتْ لِلْوَكِيلِ ، فَقَدْ أَذِنَ فِي بَيْعِهَا ، وَإِنْ كَانَتْ لِلْمُوَكِّلِ ، فَقَدْ بَاعَهَا الْحَاكِمُ فِي إيفَاءِ دَيْنٍ امْتَنَعَ الْمَدِينُ مِنْ وَفَائِهِ .\rوَقَدْ قِيلَ غَيْرُ مَا ذَكَرْنَا .\rوَهَذَا أَقْرَبُ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .\rوَإِنْ اشْتَرَاهَا الْوَكِيلُ مِنْ الْحَاكِمِ بِمَالِهِ عَلَى الْمُوَكِّلِ ، جَازَ ؛ لِأَنَّهُ قَائِمٌ مَقَامَ الْمُوَكِّلِ فِي هَذَا ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ اشْتَرَى مِنْهُ .","part":10,"page":290},{"id":4790,"text":"( 3759 ) فَصْلٌ : وَلَوْ وَكَّلَهُ فِي بَيْعِ عَبْدٍ ، فَبَاعَهُ نَسِيئَةً ، فَقَالَ الْمُوَكِّلُ : مَا أَذِنْت فِي بَيْعِهِ إلَّا نَقْدًا .\rوَصَدَّقَهُ الْوَكِيلُ وَالْمُشْتَرِي ، فَسَدَ الْبَيْعُ ، وَلَهُ مُطَالَبَةُ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا بِالْعَبْدِ ، إنْ كَانَ بَاقِيًا ، أَوْ بِقِيمَتِهِ إنْ كَانَ تَالِفًا .\rفَإِنْ أَخَذَ الْقِيمَة مِنْ الْوَكِيلِ ، رَجَعَ عَلَى الْمُشْتَرِي بِهَا ؛ لِأَنَّ التَّلَفَ فِي يَدِهِ ، فَاسْتَقَرَّ الضَّمَانُ عَلَيْهِ ، وَإِنْ أَخَذَهَا مِنْ الْمُشْتَرِي ، لَمْ يَرْجِعْ عَلَى أَحَدٍ .\rوَإِنْ كَذَّبَاهُ ، وَادَّعَيَا أَنَّهُ أَذِنَ فِي الْبَيْعِ نَسِيئَةً ، فَعَلَى قَوْلِ الْقَاضِي : يَحْلِفُ الْمُوَكِّلُ ، وَيَرْجِعُ فِي الْعَيْنِ إنْ كَانَتْ قَائِمَةً ، وَإِنْ كَانَتْ تَالِفَةً ، رَجَعَ بِقِيمَتِهَا عَلَى مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا ، فَإِنْ رَجَعَ عَلَى الْمُشْتَرِي ، رَجَعَ عَلَى الْوَكِيلِ بِالثَّمَنِ الَّذِي أَخَذَهُ مِنْهُ لَا غَيْرُ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُسَلِّمْ لَهُ الْمَبِيعَ ، وَإِنْ ضَمِنَ الْوَكِيلُ ، لَمْ يَرْجِعْ عَلَى الْمُشْتَرِي فِي الْحَالِ ؛ لِأَنَّهُ يُقِرُّ بِصِحَّةِ الْبَيْعِ وَتَأْجِيلِ الثَّمَنِ ، وَإِنَّ الْبَائِعَ ظَلَمَهُ بِالرُّجُوعِ عَلَيْهِ ، وَأَنَّهُ إنَّمَا يَسْتَحِقُّ الْمُطَالَبَةَ بِالثَّمَنِ بَعْدَ الْأَجَلِ ، فَإِذَا حَلَّ الْأَجَلُ ، رَجَعَ الْوَكِيلُ عَلَى الْمُشْتَرِي بِأَقَلِّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ الْقِيمَةِ أَوْ الثَّمَنِ الْمُسَمَّى ؛ لِأَنَّ الْقِيمَةَ إنْ كَانَتْ أَقَلَّ ، فَمَا غَرِمَ أَكْثَرَ مِنْهَا ، فَلَا يَرْجِعُ بِأَكْثَرَ مِمَّا غَرِمَ ، وَإِنْ كَانَ الثَّمَنُ أَقَلَّ ، فَالْوَكِيلُ مُعْتَرِفٌ لِلْمُشْتَرِي أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ أَكْثَرَ مِنْهُ ، وَأَنَّ الْمُوَكِّلَ ظَلَمَهُ بِأَخْذِ الزَّائِدِ عَلَى الثَّمَنِ ، فَلَا يَرْجِعُ عَلَى الْمُشْتَرِي بِمَا ظَلَمَهُ بِهِ الْمُوَكِّلُ .\rوَإِنْ كَذَّبَهُ أَحَدُهُمَا دُونَ الْآخَرِ ، فَلَهُ الرُّجُوعُ عَلَى الْمُصَدِّقِ بِغَيْرِ يَمِينٍ ، وَيَحْلِفُ عَلَى الْمُكَذِّبِ ، وَيَرْجِعُ عَلَى حَسَبِ مَا ذَكَرْنَا .\rهَذَا إنْ اعْتَرَفَ الْمُشْتَرِي بِأَنَّ الْوَكِيلَ وَكِيلٌ فِي الْبَيْعِ ، وَإِنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ ، وَقَالَ : إنَّمَا بِعْتنِي","part":10,"page":291},{"id":4791,"text":"مِلْكَك ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ كَوْنَهُ وَكِيلًا ، وَلَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِشَيْءِ .","part":10,"page":292},{"id":4792,"text":"( 3760 ) فَصْلٌ : وَإِذَا قَبَضَ الْوَكِيلُ ثَمَنَ الْمَبِيعِ ، فَهُوَ أَمَانَةٌ فِي يَدِهِ ، لَا يَلْزَمُهُ تَسْلِيمُهُ قَبْلَ طَلَبِهِ وَلَا يَضْمَنُهُ بِتَأْخِيرِهِ ؛ لِأَنَّهُ رَضِيَ بِكَوْنِهِ فِي يَدِهِ ، وَلَمْ يَرْجِعْ عَنْ ذَلِكَ .\rفَإِنْ طَلَبَهُ فَأَخَّرَ رَدَّهُ مَعَ إمْكَانِهِ ، فَتَلِفَ ، ضَمِنَهُ .\rوَإِنْ وَعَدَهُ بِرَدِّهِ ، ثُمَّ ادَّعَى أَنَّنِي كُنْت رَدَدْته قَبْلَ طَلَبِهِ ، أَوْ أَنَّهُ كَانَ تَلِفَ ، لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ ؛ لِأَنَّهُ مُكَذِّبٌ لِنَفْسِهِ بِوَعْدِهِ بِرَدِّهِ .\rفَإِنْ صَدَّقَهُ الْمُوَكِّلُ ، بَرِئَ ، وَإِنْ كَذَّبَهُ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُوَكِّلِ .\rفَإِنْ أَقَامَ الْوَكِيلُ بَيِّنَةً بِذَلِكَ ، فَهَلْ يُقْبَلُ ، عَلَى وَجْهَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، يُقْبَلْ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ صَدَّقَهُ الْمُوَكِّلُ بَرِئَ ، فَكَذَلِكَ إذَا قَامَتْ لَهُ بَيِّنَةٌ ، وَلِأَنَّ الْبَيِّنَةَ إحْدَى الْحُجَّتَيْنِ ، فَبَرِئَ بِهَا كَالْإِقْرَارِ .\rوَالثَّانِي : لَا يُقْبَلُ ؛ لِأَنَّهُ كَذَّبَهُ بِوَعْدِهِ بِالدَّفْعِ .\rأَمَّا إذَا صَدَّقَهُ ، فَقَدْ أَقَرَّ بِبَرَاءَتِهِ ، فَلَمْ يَبْقَ لَهُ مُنَازِعٌ .\rوَإِنْ لَمْ يَعِدْهُ بِرَدِّهِ ، لَكِنْ مَنَعَهُ أَوْ مَطَلَهُ بِرَدِّهِ مَعَ إمْكَانِهِ ، ثُمَّ ادَّعَى التَّلَفَ أَوْ الرَّدَّ ، لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ ؛ لِأَنَّهُ ضَامِنٌ بِالْمَنْعِ ، خَارِجٌ عَنْ حَالِ الْأَمَانَةِ .\rوَإِنْ أَقَامَ بِمَا ادَّعَاهُ مِنْ الرَّدِّ أَوْ التَّلَفِ بَيِّنَةً ، سُمِعَتْ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُكَذِّبْهَا .","part":10,"page":293},{"id":4793,"text":"( 3761 ) فَصْلٌ : قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ أَبِي الْحَارِثِ ، فِي رَجُلٍ لَهُ عَلَى آخَرَ دَرَاهِمُ ، فَبَعَثَ إلَيْهِ رَسُولًا يَقْبِضُهَا ، فَبَعَثَ إلَيْهِ مَعَ الرَّسُولِ دِينَارًا ، فَضَاعَ مَعَ الرَّسُولِ ، فَهُوَ مِنْ مَالِ الْبَاعِثِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْمُرْهُ بِمُصَارَفَتِهِ ، إنَّمَا كَانَ مِنْ ضَمَانِ الْبَاعِثِ ؛ لِأَنَّهُ دَفَعَ إلَى الرَّسُولِ غَيْرَ مَا أَمَرَهُ بِهِ الْمُرْسِلُ ، فَإِنَّ الْمُرْسِلَ إنَّمَا أَمَرَهُ بِقَبْضِ مَا لَهُ فِي ذِمَّتِهِ ، وَهِيَ الدَّرَاهِمُ ، وَلَمْ يَدْفَعْهَا ، وَإِنَّمَا دَفَعَ دِينَارًا عِوَضًا عَنْ عَشْرَةِ دَرَاهِمَ ، وَهَذَا صَرْفٌ يَفْتَقِرُ إلَى رِضَى صَاحِبِ الدَّيْنِ وَإِذْنِهِ ، وَلَمْ يَأْذَنْ ، فَصَارَ الرَّسُولُ وَكِيلًا لِلْبَاعِثِ فِي تَأْدِيَتِهِ إلَى صَاحِبِ الدَّيْنِ وَمُصَارَفَتِهِ بِهِ ، فَإِذَا تَلِفَ فِي يَدِ وَكِيلِهِ .\rكَانَ مِنْ ضَمَانِهِ ، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُخْبِرَ الرَّسُولُ الْغَرِيمَ أَنَّ رَبَّ الدَّيْنِ أَذِنَ لَهُ فِي قَبْضِ الدِّينَارِ عَنْ الدَّرَاهِمِ .\rفَيَكُونُ حِينَئِذٍ مِنْ ضَمَانِ الرَّسُولِ ؛ لِأَنَّهُ غَرَّهُ وَأَخَذَ الدِّينَارَ عَلَى أَنَّهُ وَكِيلٌ لِلْمُرْسِلِ .\rوَإِنْ قَبَضَ مِنْهُ الدَّرَاهِمَ الَّتِي أَمَرَ بِقَبْضِهَا ، فَضَاعَتْ مِنْ الرَّسُولِ ، فَهِيَ مِنْ ضَمَانِ صَاحِبِ الدَّيْنِ ؛ لِأَنَّهَا تَلِفَتْ مِنْ يَدِ وَكِيلِهِ .\rوَقَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا ، فِي رَجُلٍ لَهُ عِنْدَ آخَرَ دَنَانِيرُ وَثِيَابٌ ، فَبَعَثَ إلَيْهِ رَسُولًا ، وَقَالَ : خُذْ دِينَارًا وَثَوْبًا .\rفَأَخَذَ دِينَارَيْنِ وَثَوْبَيْنِ ، فَضَاعَتْ ، فَالضَّمَانُ عَلَى الْبَاعِثِ .\rيَعْنِي الَّذِي أَعْطَاهُ الدِّينَارَيْنِ وَالثَّوْبَيْنِ ، وَيَرْجِعُ بِهِ عَلَى الرَّسُولِ .\rيَعْنِي عَلَيْهِ ضَمَانُ الدِّينَارِ وَالثَّوْبِ الزَّائِدَيْنِ ؛ إنَّمَا جُعِلَ عَلَيْهِ الضَّمَانُ ؛ لِأَنَّهُ دَفَعَهُمَا إلَى مَنْ لَمْ يُؤْمَرْ بِدَفْعِهِمَا إلَيْهِ ، وَرَجَعَ بِهِمَا عَلَى الرَّسُولِ ؛ لِأَنَّهُ غَرَّهُ ، وَحَصَلَ التَّلَفُ فِي يَدِهِ ، فَاسْتَقَرَّ عَلَيْهِ الضَّمَانُ .\rوَلِلْمُوَكِّلِ تَضْمِينُ الْوَكِيلِ ؛ لِأَنَّهُ تَعَدَّى بِقَبْضِ مَا لَمْ يُؤْمَرْ بِقَبْضِهِ .\rفَإِذَا ضَمِنَهُ","part":10,"page":294},{"id":4794,"text":"، لَمْ يَرْجِعْ عَلَى أَحَدٍ ؛ لِأَنَّ التَّلَفَ حَصَلَ فِي يَدِهِ ، فَاسْتَقَرَّ الضَّمَانُ عَلَيْهِ .\rوَقَالَ أَحْمَدُ فِي رَجُلٍ وَكَّلَ وَكِيلًا فِي اقْتِضَاءِ دَيْنِهِ ، وَغَابَ ، فَأَخَذَ الْوَكِيلُ بِهِ رَهْنًا ، فَتَلِفَ الرَّهْنُ فِي يَدِ الْوَكِيلِ ، فَقَالَ : أَسَاءَ الْوَكِيلُ فِي أَخْذِ الرَّهْنِ ، وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ .\rإنَّمَا لَمْ يَضْمَنْهُ ؛ لِأَنَّهُ رَهْنٌ فَاسِدٌ ، وَالْقَبْضُ فِي الْعَقْدِ الْفَاسِدِ ، كَالْقَبْضِ فِي الصَّحِيحِ ، فَمَا كَانَ الْقَبْضُ فِي صَحِيحِهِ مَضْمُونًا ، كَانَ مَضْمُونًا فِي فَاسِدِهِ ، وَمَا كَانَ غَيْرَ مَضْمُونٍ فِي صَحِيحِهِ ، كَانَ غَيْرَ مَضْمُونٍ فِي فَاسِدِهِ .\rوَنَقَلَ الْبَغَوِيّ ، عَنْ أَحْمَدَ فِي رَجُلٍ أَعْطَى آخَرَ دَرَاهِمَ يَشْتَرِي لَهُ بِهَا شَاةً ، فَخَلَطَهَا مَعَ دَرَاهِمِهِ ، فَضَاعَا ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ .\rوَإِنْ ضَاعَ أَحَدُهُمَا ، أَيُّهُمَا ضَاعَ غَرِمَهُ قَالَ الْقَاضِي : هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ خَلَطَهَا بِمَا تَمَيَّزَ مِنْهَا .\rوَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَذِنَ لَهُ فِي خَلْطِهَا .\rأَمَّا إنْ خَلَطَهَا بِمَا لَا تَتَمَيَّزُ مِنْهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ ، ضَمِنَهَا ، كَالْوَدِيعَةِ .\rوَإِنَّمَا لَزِمَهُ الضَّمَانُ إذَا ضَاعَ أَحَدُهُمَا ، لِأَنَّهُ لَا يَعْلَمُ أَنَّ الضَّائِعَ دَرَاهِمُ الْمُوَكِّلِ ، وَالْأَصْلُ بَقَاؤُهَا .\rوَمَعْنَى الضَّمَانِ هَاهُنَا ، أَنَّهُ يَحْسُبُ الضَّائِعَ مِنْ دَرَاهِمَ نَفْسِهِ فَأَمَّا عَلَى الْمَحْمَلِ الْآخَرِ ، وَهُوَ إذَا خَلَطَهَا بِمَا تَتَمَيَّزُ مِنْهُ ، فَإِذَا ضَاعَتْ دَرَاهِمُ الْمُوَكِّلِ وَحْدَهَا فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهَا ضَاعَتْ مِنْ غَيْرِ تَعَدٍّ مِنْهُ .","part":10,"page":295},{"id":4795,"text":"( 3762 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَلَوْ أَمَرَهُ أَنْ يَدْفَعَ إلَى رَجُلٍ مَالًا ، فَادَّعَى أَنَّهُ دَفَعَهُ إلَيْهِ ، لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ عَلَى الْآمِرِ إلَّا بِبَيِّنَةٍ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الرَّجُلَ إذَا وَكَّلَ وَكِيلًا فِي قَضَاءِ دِينِهِ ، وَدَفَعَ إلَيْهِ مَالًا لِيَدْفَعَهُ إلَيْهِ ، فَادَّعَى الْوَكِيلُ قَضَاءَ الدَّيْنِ وَدَفْعَ الْمَالِ إلَى الْغَرِيمِ ، لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ عَلَى الْغَرِيمِ إلَّا بِبَيِّنَةٍ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِأَمِينِهِ ، فَلَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ عَلَيْهِ فِي الدَّفْعِ إلَيْهِ ، كَمَا لَوْ ادَّعَى الْمُوَكِّلُ ذَلِكَ .\rفَإِذَا حَلَفَ الْغَرِيمُ ، فَلَهُ مُطَالَبَةُ الْمُوَكِّلِ ؛ لِأَنَّ ذِمَّتَهُ لَا تَبْرَأُ بِدَفْعِ الْمَالِ إلَى وَكِيلِهِ .\rفَإِذَا دَفَعَهُ فَهَلْ لِلْمُوَكِّلِ الرُّجُوعُ عَلَى وَكِيلِهِ ؟ يُنْظَرُ ، فَإِنْ ادَّعَى أَنَّهُ قَضَى الدَّيْنَ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ ، فَلِلْمُوَكَّلِ الرُّجُوعُ عَلَيْهِ إذَا قَضَاهُ فِي غَيْبَةِ الْمُوَكِّلِ .\rقَالَ الْقَاضِي : سَوَاءٌ صَدَّقَهُ أَنَّهُ قَضَى الْحَقَّ أَوْ كَذَّبَهُ وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ لِأَنَّهُ أَذِنَ لَهُ فِي قَضَاءٍ يُبْرِئُهُ ، وَلَمْ يُوجَدْ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى : لَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِشَيْءِ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ أَمَرَهُ بِالْإِشْهَادِ فَلَمْ يَفْعَلْ .\rفَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ ، إنْ صَدَّقَهُ الْمُوَكِّلُ فِي الدَّفْعِ ، لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهِ بِشَيْءِ ، وَإِنْ كَذَّبَهُ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْوَكِيلِ مَعَ يَمِينِهِ .\rوَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَوَجْهٌ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ ادَّعَى فِعْلَ مَا أَمَرَ بِهِ مُوَكِّلُهُ ، فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ ، كَمَا لَوْ أَمَرَهُ بِبَيْعِ ثَوْبِهِ ، فَادَّعَى أَنَّهُ بَاعَهُ .\rوَوَجْهُ الْأَوَّلِ أَنَّهُ مُفَرِّطٌ بِتَرْكِ الْإِشْهَادِ ، فَضَمِنَ كَمَا لَوْ فَرَّطَ فِي الْبَيْعِ بِدُونِ ثَمَنِ الْمِثْلِ .\rفَإِنْ قِيلَ : فَلِمَ يَأْمُرُهُ بِالْإِشْهَادِ ؟ قُلْنَا إطْلَاقُ الْأَمْرِ بِالْقَضَاءِ يَقْتَضِي ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِهِ ، فَيَصِيرُ كَأَمْرِهِ بِالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ ، يَقْتَضِي ذَلِكَ الْعُرْفُ لَا الْعُمُومُ .\rكَذَا هَاهُنَا .\rوَقِيَاسُ","part":10,"page":296},{"id":4796,"text":"الْقَوْلِ الْآخَرِ يُمْكِنُ الْقَوْلُ بِمُوجِبِهِ .\rوَأَنَّ قَوْلَهُ مَقْبُولٌ فِي الْقَضَاءِ ، لَكِنْ لَزِمَهُ الضَّمَانُ لِتَفْرِيطِهِ ، لَا لِرَدِّ قَوْلِهِ وَعَلَى هَذَا ، لَوْ كَانَ الْقَضَاءُ بِحَضْرَةِ الْمُوَكِّلِ ، لَمْ يَضْمَنْ الْوَكِيلُ شَيْئًا ؛ لِأَنَّ تَرْكَهُ الْإِشْهَادَ وَالِاحْتِيَاطَ رِضًى مِنْهُ بِمَا فَعَلَ وَكِيلُهُ .\rوَكَذَلِكَ لَوْ أَذِنَ لَهُ فِي الْقَضَاءِ بِغَيْرِ إشْهَادٍ ، فَلَا ضَمَانَ عَلَى الْوَكِيلِ ؛ لِأَنَّ صَرِيحَ قَوْلِهِ يُقَدَّمُ عَلَى مَا تَقْتَضِيه دَلَالَةُ الْحَالِ .\rوَكَذَلِكَ إنْ أَشْهَدَ عَلَى الْقَضَاءِ عُدُولًا فَمَاتُوا أَوْ غَابُوا ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ ؛ لِعَدَمِ تَفْرِيطِهِ .\rوَإِنْ أَشْهَدَ مَنْ يُخْتَلَفُ فِي ثُبُوتِ الْحَقِّ بِشَهَادَتِهِ ، كَشَاهِدٍ وَاحِدٍ ، أَوْ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ ، فَهَلْ يَبْرَأُ مِنْ الضَّمَانِ ؟ يُخَرَّجُ عَلَى رِوَايَتَيْنِ .\rوَإِنْ اخْتَلَفَ الْوَكِيلُ وَالْمُوَكِّلُ فَقَالَ : قَضَيْت الدَّيْنَ بِحَضْرَتِك .\rقَالَ : بَلْ فِي غَيْبَتِي ، أَوْ قَالَ : أَذِنْت لِي فِي قَضَائِهِ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ .\rفَأَنْكَرَ الْإِذْنَ أَوْ قَالَ : أَشْهَدْت عَلَى الْقَضَاءِ شُهُودًا فَمَاتُوا .\rفَأَنْكَرَهُ الْمُوَكِّلُ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُوَكِّلِ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ مَعَهُ .","part":10,"page":297},{"id":4797,"text":"( 3763 ) فَصْلٌ : وَإِنْ وَكَّلَهُ فِي إيدَاعِ مَالِهِ ، فَأَوْدَعَهُ وَلَمْ يُشْهِدْ ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا : لَا يَضْمَنُ إذَا أَنْكَرَ الْمُودَعُ .\rوَكَلَامُ الْخِرَقِيِّ بِعُمُومِهِ يَقْتَضِي أَنْ لَا يُقْبَلَ قَوْلُهُ عَلَى الْأَمْرِ .\rوَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ الْوَدِيعَةَ لَا تَثْبُتُ إلَّا بِالْبَيِّنَةِ ، فَهِيَ كَالدَّيْنِ .\rوَقَالَ أَصْحَابُنَا : لَا يَصِحُّ الْقِيَاسُ عَلَى الدَّيْنِ ؛ لِأَنَّ قَوْلَ الْمُودَعِ يُقْبَلُ فِي الرَّدِّ وَالْهَلَاكِ ، فَلَا فَائِدَةَ فِي الِاسْتِيثَاقِ ، بِخِلَافِ الدَّيْنِ .\rفَإِنْ قَالَ الْوَكِيلُ : دَفَعْت الْمَالَ إلَى الْمُودَعِ .\rفَقَالَ : لَمْ تَدْفَعْهُ .\rفَالْقَوْلُ قَوْلُ الْوَكِيلِ ؛ لِأَنَّهُمَا اخْتَلَفَا فِي تَصَرُّفِهِ ، وَفِيمَا وُكِّلَ فِيهِ ، فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ فِيهِ .","part":10,"page":298},{"id":4798,"text":"( 3764 ) فَصْلٌ : وَإِذَا كَانَ عَلَى رَجُلٍ دَيْنٌ وَعِنْدَهُ وَدِيعَةٌ ، فَجَاءَهُ إنْسَانٌ فَادَّعَى أَنَّهُ وَكِيلُ صَاحِبِ الدَّيْنِ الْوَدِيعَةِ فِي قَبْضِهِمَا ، وَأَقَامَ بِذَلِكَ بَيِّنَةً ، وَجَبَ الدَّفْعُ إلَيْهِ .\rوَإِنْ لَمْ يُقِمْ بَيِّنَةً ، لَمْ يَلْزَمْهُ دَفْعُهَا إلَيْهِ ، سَوَاءٌ صَدَّقَهُ فِي أَنَّهُ وَكِيلُهُ أَوْ كَذَّبَهُ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إنْ صَدَّقَهُ ، لَزِمَهُ وَفَاءُ الدَّيْنِ .\rوَفِي دَفْعِ الْعَيْنِ إلَيْهِ رِوَايَتَانِ ؛ أَشْهَرُهُمَا ، لَا يَجِبُ تَسْلِيمُهَا .\rوَاحْتَجَّ بِأَنَّهُ أَقَرَّ لَهُ بِحَقِّ الِاسْتِيفَاءِ ، فَلَزِمَهُ ، إيفَاؤُهَا ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ لَهُ أَنَّهُ وَارِثُهُ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ تَسْلِيمٌ لَا يُبْرِئُهُ ، فَلَا يَجِبُ ، كَمَا لَوْ كَانَ الْحَقُّ عَيْنًا ، وَكَمَا لَوْ أَقَرَّ بِأَنَّ هَذَا وَصِيُّ الصَّغِيرِ .\rوَفَارَقَ الْإِقْرَارَ بِكَوْنِهِ وَارِثَهُ ؛ لِأَنَّهُ يَتَضَمَّنُ بَرَاءَتَهُ ؛ فَإِنَّهُ أَقَرَّ بِأَنَّهُ لَا حَقَّ لِسِوَاهُ .\rفَأَمَّا إنْ أَنْكَرَ وَكَالَتَهُ ، لَمْ يُسْتَحْلَفْ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يُسْتَحْلَفُ .\rوَمَبْنَى الْخِلَافِ عَلَى الْخِلَافِ فِي وُجُوبِ الدَّفْعِ مَعَ التَّصْدِيقِ ، فَمَنْ أَوْجَبَ عَلَيْهِ الدَّفْعَ مَعَ التَّصْدِيقِ ، أَلْزَمَهُ الْيَمِينَ عِنْدَ التَّكْذِيبِ ، كَسَائِرِ الْحُقُوقِ ، وَمَنْ لَمْ يُوجِبْ عَلَيْهِ الدَّفْعَ مَعَ التَّصْدِيقِ ، قَالَ : لَا يَلْزَمُهُ الْيَمِينُ عِنْدَ التَّكْذِيبِ ؛ لِعَدَمِ فَائِدَتِهَا .\rفَإِنْ دَفَعَ إلَيْهِ مَعَ التَّصْدِيقِ أَوْ مَعَ عَدَمِهِ ، فَحَضَرَ الْمُوَكِّلُ ، وَصَدَّقَ الْوَكِيلَ ، بَرِئَ الدَّافِعُ ، وَإِنْ كَذَّبَهُ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينُهُ ، فَإِذَا حَلَفَ ، وَكَانَ الْحَقُّ عَيْنًا قَائِمَةً فِي يَدِ الْوَكِيلِ ، فَلَهُ أَخْذُهَا ، وَلَهُ مُطَالَبَةُ مَنْ شَاءَ بِرَدِّهَا ؛ لِأَنَّ الدَّافِعَ دَفَعَهَا إلَى غَيْرِ مُسْتَحِقِّهَا ، وَالْوَكِيلُ عَيْنُ مَالِهِ فِي يَدِهِ .\rفَإِنْ طَالَبَ الدَّافِعَ ، فَلِلدَّافِعِ مُطَالَبَةُ الْوَكِيلِ بِهَا ، وَأَخْذُهَا مِنْ يَدِهِ ، لِيُسَلِّمهَا إلَى صَاحِبِهَا .\rوَإِنْ تَلِفَتْ الْعَيْنُ ، أَوْ تَعَذَّرَ رَدُّهَا ،","part":10,"page":299},{"id":4799,"text":"فَلِصَاحِبِهَا الرُّجُوعُ بِبَدَلِهَا عَلَى مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا ؛ لِأَنَّ الدَّافِعَ ضَمِنَهَا بِالدَّفْعِ ، وَالْمَدْفُوعَ إلَيْهِ قَبَضَ مَا لَا يَسْتَحِقُّ قَبْضَهُ .\rوَأَيُّهُمَا ضَمِنَ لَمْ يَرْجِعْ عَلَى الْآخَرِ ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَدَّعِي أَنَّ مَا يَأْخُذهُ الْمَالِكُ ظُلْمٌ ، وَيُقِرُّ بِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْ صَاحِبِهِ تَعَدٍّ ، فَلَا يَرْجِعُ عَلَى صَاحِبِهِ بِظُلْمِ غَيْرِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الدَّافِعُ دَفَعَهَا إلَى الْوَكِيلِ مِنْ غَيْرِ تَصْدِيقِهِ فِيمَا ادَّعَاهُ مِنْ الْوَكَالَةِ .\rفَإِنْ ضَمِنَ رَجَعَ عَلَى الْوَكِيلِ ؛ لِكَوْنِهِ لَمْ يُقِرَّ بِوَكَالَتِهِ ، وَلَا ثَبَتَتْ بِبَيِّنَةِ .\rوَإِنْ ضَمِنَ الْوَكِيلُ ، لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهِ .\rوَإِنْ صَدَّقَهُ لَكِنَّ الْوَكِيلَ تَعَدَّى فِيهَا أَوْ فَرَّطَ ، اسْتَقَرَّ الضَّمَانُ عَلَيْهِ .\rفَإِنْ ضَمِنَ ، لَمْ يَرْجِعْ عَلَى أَحَدٍ ، وَإِنْ ضَمِنَ الدَّافِعُ ، رَجَعَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ يُقِرُّ أَنَّهُ قَبَضَهُ قَبْضًا صَحِيحًا ، لَكِنْ لَزِمَهُ الضَّمَانُ بِتَفْرِيطِهِ وَتَعَدِّيه ، فَالدَّافِعُ يَقُولُ : ظَلَمَنِي الْمَالِكُ بِالرُّجُوعِ عَلَيَّ .\rوَلَهُ عَلَى الْوَكِيلِ حَقٌّ يَعْتَرِفُ بِهِ الْوَكِيلُ ، فَبِأَخْذِهِ يَسْتَوْفِي حَقَّهُ مِنْهُ .\rفَأَمَّا إنْ كَانَ الْمَدْفُوعُ دَيْنًا ، لَمْ يَرْجِعْ إلَّا عَلَى الدَّافِعِ وَحْدَهُ ؛ لِأَنَّ حَقَّهُ فِي ذِمَّةِ الدَّافِعِ لَمْ يَبْرَأَ مِنْهُ بِتَسْلِيمِهِ إلَى غَيْرِ وَكِيلِ صَاحِبِ الْحَقِّ ، وَاَلَّذِي أَخَذَهُ الْوَكِيلُ عَيْنُ مَالِ الدَّافِعِ فِي زَعْمِ صَاحِبِ الْحَقِّ ، وَالْوَكِيلُ وَالدَّافِعُ يَزْعُمَانِ أَنَّهُ صَارَ مِلْكًا لِصَاحِبِ الْحَقِّ ، وَأَنَّهُ ظَالِمٌ لِلدَّافِعِ بِالْأَخْذِ مِنْهُ ، فَيَرْجِعُ الدَّافِعُ فِيمَا أَخَذَ مِنْهُ الْوَكِيلُ ، وَيَكُونُ قِصَاصًا مِمَّا أَخَذَ مِنْهُ صَاحِبُ الْحَقِّ .\rوَإِنْ كَانَ قَدْ تَلِفَ فِي يَدِ الْوَكِيلِ ، لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهِ بِشَيْءِ ؛ لِأَنَّهُ مُقِرٌّ بِأَنَّهُ أَمِينٌ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ ، إلَّا أَنْ يَتْلَفَ بِتَعَدِّيهِ وَتَفْرِيطِهِ ، فَيَرْجِعَ عَلَيْهِ .","part":10,"page":300},{"id":4800,"text":"( 3765 ) فَصْلٌ : فَإِنْ جَاءَ رَجُلٌ ، فَقَالَ : أَنَا وَارِثُ صَاحِبِ الْحَقِّ .\rفَإِنْ أَنْكَرَهُ ، لَزِمَتْهُ الْيَمِينُ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ صِحَّةَ مَا قَالَ ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ هَاهُنَا عَلَى نَفْيِ فِعْلِ الْغَيْرِ ، فَكَانَتْ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ صَدَّقَهُ لَزِمَهُ الدَّفْعُ إلَيْهِ ، فَلَمَّا لَزِمَهُ الدَّفْعُ مَعَ الْإِقْرَارِ ، لَزِمَتْهُ الْيَمِينُ مَعَ الْإِنْكَارِ .\rوَإِنْ صَدَّقَهُ فِي أَنَّهُ وَارِثُ صَاحِبِ الْحَقِّ ، لَا وَارِثَ لَهُ سِوَاهُ ، لَزِمَهُ الدَّفْعُ إلَيْهِ .\rبِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ ؛ لِأَنَّهُ مُقِرٌّ لَهُ بِالْحَقِّ ، وَإِنَّهُ يَبْرَأُ بِهَذَا الدَّفْعِ ، فَلَزِمَهُ ، كَمَا لَوْ جَاءَ صَاحِبُ الْحَقِّ .\rفَأَمَّا إنْ جَاءَ رَجُلٌ ، فَقَالَ : قَدْ أَحَالَنِي عَلَيْك صَاحِبُ الْحَقِّ .\rفَصَدَّقَهُ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا : لَا يَلْزَمُهُ الدَّفْعُ إلَيْهِ ؛ لِأَنَّ الدَّفْعُ إلَيْهِ غَيْرُ مُبْرِئٍ ، وَلِاحْتِمَالِ أَنْ يَجِيءَ الْمُحِيلُ فَيُنْكِرَ الْحَوَالَةَ أَوْ يُضَمِّنَهُ ، فَأَشْبَهَ الْمُدَّعِيَ لِلْوَكَالَةِ .\rوَالثَّانِي ، يَلْزَمُهُ الدَّفْعُ إلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ مُعْتَرِفٌ بِأَنَّ الْحَقَّ لَهُ لَا لَغَيْرِهِ ، فَأَشْبَهَ الْوَارِثَ .\rفَإِنْ قُلْنَا : يَلْزَمُهُ الدَّفْعُ مَعَ الْإِقْرَارِ .\rلَزِمَتْهُ الْيَمِينُ مَعَ الْإِنْكَارِ .\rوَإِنْ قُلْنَا : لَا يَلْزَمُهُ الدَّفْعُ مَعَ الْإِقْرَارِ .\rلَمْ تَلْزَمْهُ الْيَمِينُ مَعَ الْإِنْكَارِ ؛ لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ فِيهَا .\rوَمِثْلُ هَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .","part":10,"page":301},{"id":4801,"text":"( 3766 ) فَصْلٌ : وَمَنْ طُلِبَ مِنْهُ حَقٌّ ، فَامْتَنَعَ مِنْ دَفْعِهِ حَتَّى يُشْهِدَ الْقَابِضُ عَلَى نَفْسِهِ بِالْقَبْضِ ، نَظَرْت ؛ فَإِنْ كَانَ الْحَقُّ عَلَيْهِ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ ، لَمْ يُلْزِمْهُ الْقَاضِي بِالْإِشْهَادِ لِأَنَّهُ لَا ضَرَرَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ ، فَإِنَّهُ مَتَى ادَّعَى الْحَقَّ عَلَى الدَّافِعِ بَعْدَ ذَلِكَ ، قَالَ : لَا يُسْتَحَقُّ عَلَيَّ شَيْءٌ .\rوَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ .\rوَإِنْ كَانَ الْحَقُّ ثَبَتَ بِبَيِّنَةٍ ، وَكَانَ مَنْ عَلَيْهِ الْحَقُّ يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي الرَّدِّ ، كَالْمُودَعِ وَالْوَكِيلِ بِغَيْرِ جَعْلٍ ، فَكَذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ مَتَى اُدُّعِيَ عَلَيْهِ حَقٌّ ، أَوْ قَامَتْ بِهِ بَيِّنَةٌ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِي الرَّدِّ .\rوَإِنْ كَانَ مِمَّنْ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي الرَّدِّ ، أَوْ يُخْتَلَفُ فِي قَبُولِ قَوْلِهِ ، كَالْغَاصِبِ وَالْمُسْتَعِيرِ وَالْمُرْتَهِنِ ، لَمْ يَلْزَمْهُ تَسْلِيمُ مَا قَبِلَهُ إلَّا بِالْإِشْهَادِ ، لِئَلَّا يُنْكِرَ الْقَابِضُ الْقَبْضَ .\rوَلَا يُقْبَلُ قَوْلُ الدَّافِعِ فِي الرَّدِّ .\rوَإِنْ قَالَ : لَا يَسْتَحِقُّ عَلَيَّ شَيْئًا .\rقَامَتْ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ .\rأَوْ إذَا أَشْهَدَ عَلَى نَفْسِهِ بِالْقَبْضِ ، لَمْ يَلْزَمْهُ تَسْلِيمُ الْوَثِيقَةِ بِالْحَقِّ إلَى مَنْ عَلَيْهِ الْحَقُّ ؛ لِأَنَّ بَيِّنَةَ الْقَبْضِ تُسْقِطُ الْبَيِّنَةَ الْأُولَى ، وَالْكِتَابُ مِلْكُهُ ، فَلَا يَلْزَمُهُ تَسْلِيمُهُ إلَى غَيْرِهِ .","part":10,"page":302},{"id":4802,"text":"( 3767 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَشِرَاءُ الْوَكِيلِ مِنْ نَفْسِهِ غَيْرُ جَائِزٍ .\rوَكَذَلِكَ الْوَصِيُّ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ مَنْ وُكِّلَ فِي بَيْعِ شَيْءٍ ، لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَهُ مِنْ نَفْسِهِ ، فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ .\rنَقَلَهَا .\rمُهَنَّا .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ .\rوَكَذَلِكَ الْوَصِيُّ ، لَا يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْ مَالِ الْيَتِيمِ شَيْئًا لِنَفْسِهِ ، فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rوَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ جَوَازُ ذَلِكَ فِيهِمَا .\rوَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ عَنْ أَحْمَدَ : يَجُوزُ لَهُمَا أَنْ يَشْتَرِيَا بِشَرْطَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، أَنْ يَزِيدَا عَلَى مَبْلَغِ ثَمَنِهِ فِي النِّدَاءِ .\rوَالثَّانِي ، أَنْ يَتَوَلَّى النِّدَاءَ غَيْرُهُ .\rقَالَ الْقَاضِي : يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ اشْتِرَاطُ تَوَلِّي غَيْرِهِ النِّدَاءَ وَاجِبًا ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَحَبًّا ، وَالْأَوَّلُ أَشْبَهُ بِظَاهِرِ كَلَامِهِ .\rوَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : الشَّرْطُ الثَّانِي ، أَنْ يُوَلِّيَ مَنْ يَبِيعُ ، وَيَكُونَ هُوَ أَحَدَ الْمُشْتَرِينَ .\rفَإِنْ قِيلَ : فَكَيْفَ يَجُوزُ لَهُ دَفْعُهَا إلَى غَيْرِهِ لِيَبِيعَهَا ، وَهَذَا تَوْكِيلٌ وَلَيْسَ لِلْوَكِيلِ التَّوْكِيلُ ؟ قُلْنَا : يَجُوز التَّوْكِيلُ فِيمَا لَا يَتَوَلَّى مِثْلَهُ بِنَفْسِهِ ، وَالنِّدَاءُ مِمَّا لَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ أَنْ يَتَوَلَّاهُ أَكْثَرُ النَّاسِ بِنُفُوسِهِمْ .\rوَإِنْ وَكَّلَ إنْسَانًا يَشْتَرِي لَهُ ، وَبَاعَهُ هُوَ ، جَازَ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ ؛ لِأَنَّهُ امْتَثَلَ أَمْرَ مُوَكِّلِهِ فِي الْبَيْعِ ، وَحَصَّلَ غَرَضَهُ مِنْ الثَّمَنِ ، فَجَازَ ، كَمَا لَوْ اشْتَرَاهَا أَجْنَبِيٌّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَجُوزُ لِلْوَصِيِّ الشِّرَاءُ دُونَ الْوَكِيلِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : { وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إلَّا بِاَلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ .\r} .\rوَإِذَا اشْتَرَى مَالَ الْيَتِيمِ بِأَكْثَر مِنْ ثَمَنِ مِثْلِهِ ، فَقَدْ قَرِبَهُ بِاَلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ .\rوَلِأَنَّهُ نَائِبٌ عَنْ الْأَبِ ، وَذَلِكَ جَائِزٌ لِلْأَبِ ، فَكَذَلِكَ لِنَائِبِهِ .\rوَوَجْهُ","part":10,"page":303},{"id":4803,"text":"الرِّوَايَةِ الْأُولَى ، أَنَّ الْعُرْفَ فِي الْبَيْعِ بَيْعُ الرَّجُلِ مِنْ غَيْرِهِ ، فَحَمَلَتْ الْوَكَالَةُ عَلَيْهِ ، كَمَا لَوْ صَرَّحَ بِهِ ، فَقَالَ : بِعْهُ غَيْرَك .\rوَلِأَنَّهُ تَلْحَقُهُ التُّهْمَةُ ، وَيَتَنَافَى الْغَرَضَانِ فِي بَيْعِهِ نَفْسَهُ ، فَلَمْ يَجُزْ ، كَمَا لَوْ نَهَاهُ .\rوَالْوَصِيُّ كَالْوَكِيلِ ، لَا يَلِي بَيْعَ مَالِ غَيْرِهِ بِتَوَلِّيهِ ، فَأَشْبَهَ الْوَكِيلَ ، بَلْ التُّهْمَةُ فِي الْوَصِيِّ آكَدُ مِنْ الْوَكِيلِ ؛ لِأَنَّ الْوَكِيلَ يُتَّهَمُ فِي تَرْكِ الِاسْتِقْصَاءِ فِي الثَّمَنِ لَا غَيْرُ ، وَالْوَصِيُّ يُتَّهَمُ فِي ذَلِكَ ، وَفِي أَنَّهُ يَشْتَرِي مِنْ مَالِ الْيَتِيمِ مَا لَا حَظَّ لِلْيَتِيمِ فِي بَيْعِهِ ، فَكَانَ أَوْلَى بِالْمَنْعِ ، وَعِنْدَ ذَلِكَ لَا يَكُونُ أَخْذُهُ لِمَالِهِ قُرْبًا لَهُ بِاَلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ فِي رَجُلٍ أَوْصَى إلَى رَجُلٍ بِتَرِكَتِهِ ، وَقَدْ تَرَكَ فَرَسًا ، فَقَالَ الْوَصِيُّ : اشْتَرِهِ ؟ قَالَ : لَا .\r.\r( 3768 ) فَصْلٌ : وَالْحُكْمُ فِي الْحَاكِمِ وَأَمِينِهِ ، كَالْحُكْمِ فِي الْوَكِيلِ ، وَالْحُكْمُ فِي بَيْعِ أَحَدِ هَؤُلَاءِ لِوَكِيلِهِ ، أَوْ وَلَدِهِ الصَّغِيرِ ، أَوْ الطِّفْلِ يَلِي عَلَيْهِ ، أَوْ لِوَكِيلِهِ ، أَوْ عَبْدِهِ الْمَأْذُونِ ، كَالْحُكْمِ فِي بَيْعِهِ لِنَفْسِهِ ، كُلُّ ذَلِكَ يُخَرَّجُ عَلَى رِوَايَتَيْنِ ، بِنَاءً عَلَى بَيْعِهِ لِنَفْسِهِ ، أَمَّا بَيْعُهُ لِوَلَدِهِ الْكَبِيرِ ، أَوْ وَالِدِهِ ، أَوْ مُكَاتَبِهِ ، فَذَكَرَهُمْ أَصْحَابُنَا أَيْضًا فِي جُمْلَةِ مَا يُخَرَّجُ عَلَى رِوَايَتَيْنِ .\rوَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ فِيهِمْ وَجْهَانِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَجُوزُ بَيْعُهُ لِوَلَدِهِ الْكَبِيرِ ؛ لِأَنَّهُ امْتَثَلَ أَمْرَ مُوَكِّلِهِ ، وَوَافَقَ الْعُرْفَ فِي بَيْعِ غَيْرِهِ ، فَصَحَّ ، كَمَا لَوْ بَاعَهُ لِأَخِيهِ ، وَفَارَقَ الْبَيْع لِوَكِيلِهِ ؛ لِأَنَّ الشِّرَاءَ إنَّمَا يَقَعُ لِنَفْسِهِ ، وَكَذَلِكَ بَيْعُ عَبْدِهِ الْمَأْذُونِ ، وَبَيْعُ طِفْلٍ يَلِي عَلَيْهِ ، بَيْعٌ لِنَفْسِهِ ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْمُشْتَرِي لَهُ ، وَوَجْهُ الْجَمْعِ بَيْنَهُمْ ، أَنَّهُ يُتَّهَمُ فِي حَقِّهِمْ ، وَيَمِيلُ","part":10,"page":304},{"id":4804,"text":"إلَى تَرْكِ الِاسْتِقْصَاءِ عَلَيْهِمْ فِي الثَّمَنِ ، كَتُهْمَتِهِ فِي حَقِّ نَفْسِهِ ، وَكَذَلِكَ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ .\rوَالْحُكْمُ فِيمَا أَرَادَ أَنْ يَشْتَرِيَ لِمُوَكِّلِهِ ، كَالْحُكْمِ فِي بَيْعِهِ لِمَالِهِ لِأَنَّهُمَا سَوَاءٌ فِي الْمَعْنَى .","part":10,"page":305},{"id":4805,"text":"( 3769 ) فَصْلٌ : وَإِنْ وَكَّلَ رَجُلًا يَتَزَوَّجُ لَهُ امْرَأَةً ، فَهَلْ لَهُ أَنْ يُزَوِّجَهُ ابْنَتَهُ ؟ وَيُخَرَّجَ عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي الْوَكِيلِ فِي الْبَيْعِ ، هَلْ يَبِيعُ لِوَلَدِهِ ؟ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ : يَجُوزُ .\rوَوَجْهُ الْقَوْلَيْنِ مَا تَقَدَّمَ فِي الَّتِي قَبْلَهَا .\rوَإِنْ أَذِنَتْ لَهُ وَلِيَّتُهُ فِي تَزْوِيجِهَا ، خُرِّجَ فِي تَزْوِيجِهَا لِنَفْسِهِ أَوْ لِوَلَدِهِ وَجْهَانِ ، بِنَاءً عَلَى مَا ذُكِرَ فِي الْبَيْعِ .\rوَكَذَلِكَ إنْ وَكَّلَهُ رَجُلٌ فِي تَزْوِيجِ ابْنَتِهِ ، خُرِّجَ فِيهِ مِثْلُ ذَلِكَ .","part":10,"page":306},{"id":4806,"text":"( 3770 ) فَصْلٌ : وَإِنْ وَكَّلَهُ رَجُلٌ فِي بَيْعِ عَبْدِهِ وَوَكَّلَهُ آخَرُ فِي شِرَاءِ عَبْدٍ ، فَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَهُ لَهُ مِنْ نَفْسِهِ ؛ لِأَنَّهُ أُذِنَ لَهُ فِي طَرَفَيْ الْعَقْدِ ، فَجَازَ لَهُ أَنْ يَلِيَهُمَا إذَا كَانَ غَيْرَ مُتَّهَمٍ ، كَالْأَبِ يَشْتَرِي مِنْ مَالِ وَلَدِهِ لِنَفْسِهِ .\rوَلَوْ وَكَّلَهُ الْمُتَدَاعِيَانِ فِي الدَّعْوَى عَنْهُمَا ، فَالْقِيَاسُ جَوَازُهُ ؛ لِأَنَّهُ تُمْكِنُهُ الدَّعْوَى عَنْ أَحَدِهِمَا ، وَالْجَوَابُ عَنْ الْآخَرِ ، وَإِقَامَةُ حُجَّةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ، وَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ فِي الْمَسْأَلَةِ وَجْهَانِ .","part":10,"page":307},{"id":4807,"text":"( 3771 ) فَصْلٌ : وَإِذَا أَذِنَ لِلْوَكِيلِ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْ نَفْسِهِ ، جَازَ لَهُ ذَلِكَ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ : لَا يَجُوزُ ؛ لِأَنَّهُ يَجْتَمِعُ لَهُ فِي عَقْدِهِ غَرَضَانِ ، الِاسْتِرْخَاصُ لِنَفْسِهِ ، وَالِاسْتِقْصَاءُ لِلْمُوَكِّلِ ، وَهُمَا مُتَضَادَّانِ ، فَتُمَانِعَا .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ وَكَّلَ فِي التَّصَرُّفِ لِنَفْسِهِ ، فَجَازَ ، كَمَا لَوْ وَكَّلَ الْمَرْأَةَ فِي طَلَاقِ نَفْسِهَا ، وَلِأَنَّ عِلَّةَ الْمَنْعِ هِيَ مِنْ الْمُشْتَرِي لِنَفْسِهِ فِي مَحَلٍّ لِاتِّفَاقِ التُّهْمَةِ ، لِدَلَالَتِهَا عَلَى عَدَمِ رِضَى الْمُوَكِّلِ بِهَذَا التَّصَرُّفِ ، وَإِخْرَاجِ هَذَا التَّصَرُّفِ عَنْ عُمُومِ لَفْظِهِ وَإِذْنِهِ ، وَقَدْ صَرَّحَ هَاهُنَا بِالْإِذْنِ فِيهَا ، فَلَا تَبْقَى دَلَالَةُ الْحَالِ مَعَ نَصِّهِ بِلَفْظِهِ عَلَى خِلَافِهِ .\rوَقَوْلُهُمْ : إنَّهُ يَتَضَادَّ مَقْصُودُهُ فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ .\rقُلْنَا : إنْ عَيَّنَ الْمُوَكِّلُ لَهُ الثَّمَنَ ، فَاشْتَرَى بِهِ ، فَقَدْ زَالَ مَقْصُودُ الِاسْتِقْصَاءِ ، فَإِنَّهُ لَا يُرَادُ أَكْثَرُ مِمَّا قَدْ حَصَّلَ ، وَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْ لَهُ الثَّمَنَ ، تَقَيَّدَ الْبَيْعُ بِثَمَنِ الْمِثْلِ ، كَمَا لَوْ بَاعَ الْأَجْنَبِيُّ .\rوَقَدْ ذَكَرَ أَصْحَابُنَا فِيمَا إذَا وَكَّلَ عَبْدًا يَشْتَرِي لَهُ نَفْسَهُ مِنْ سَيِّدِهِ وَجْهًا ، أَنَّهُ لَا يَجُوزُ فَيَخْرُجُ هَاهُنَا مِثْلُهُ .\rوَالصَّحِيحُ مَا قُلْنَا ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .","part":10,"page":308},{"id":4808,"text":"( 3772 ) فَصْلٌ : إذَا وَكَّلَ عَبْدًا يَشْتَرِي نَفْسَهُ مِنْ سَيِّدِهِ ، أَوْ يَشْتَرِي مِنْهُ عَبْدًا آخَرَ ، فَفَعَلَ ، صَحَّ .\rوَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ .\rوَقَالَ بَعْضُهُمْ : لَا يَجُوزُ ؛ لِأَنَّ يَدَ الْعَبْدِ كَيَدِ سَيِّدِهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ وَكَّلَهُ فِي الشِّرَاءِ مِنْ نَفْسِهِ ، وَلِهَذَا يُحْكَمُ لِلْإِنْسَانِ بِمَا فِي يَدِ عَبْدِهِ .\rوَذَكَرَ أَصْحَابُنَا وَجْهًا كَذَلِكَ .\rوَلَنَا أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِيَ عَبْدًا مِنْ غَيْرِ مَوْلَاهُ ، فَجَازَ أَنْ يَشْتَرِيَهُ مِنْ مَوْلَاهُ ، كَالْأَجْنَبِيِّ ، وَإِذَا جَازَ أَنْ يَشْتَرِيَ غَيْرَهُ ، جَازَ أَنْ يَشْتَرِيَ نَفْسَهُ ، كَمَا أَنَّ الْمَرْأَةَ لَمَّا جَازَ تَوْكِيلُهَا فِي طَلَاقِ غَيْرِهَا ، جَازَ فِي طَلَاقِ نَفْسِهَا .\rوَالْوَجْهُ الَّذِي ذَكَرَهُ أَصْحَابُنَا لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ أَكْثَرَ مَا يُقَدَّرُ هَاهُنَا جَعْلُ تَوْكِيلِ الْعَبْدِ كَتَوْكِيلِ سَيِّدِهِ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا صِحَّةَ تَوْكِيلِ السَّيِّدِ فِي الشِّرَاءِ وَالْبَيْعِ مِنْ نَفْسِهِ ، فَهَاهُنَا أَوْلَى .\rفَعَلَى هَذَا ، إذَا قَالَ الْعَبْدُ : اشْتَرَيْت نَفْسِي لِزَيْدٍ فَصَدَّقَهُ سَيِّدُهُ وَزَيْدٌ ، صَحَّ ، وَلَزِمَ زَيْدًا الثَّمَنُ .\rوَإِنْ قَالَ السَّيِّدُ : مَا اشْتَرَيْت نَفْسَك إلَّا لِنَفْسِك .\rعَتَقَ الْعَبْدُ بِقَوْلِهِ وَإِقْرَارِهِ عَلَى نَفْسِهِ بِمَا يَعْتِقُ بِهِ ، وَيَلْزَمُ الْعَبْدَ الثَّمَنُ فِي ذِمَّتِهِ لِسَيِّدِهِ ؛ لِأَنَّ زَيْدًا لَا يَلْزَمُهُ الثَّمَنُ لِعَدَمِ حُصُولِ الْعَبْدِ لَهُ ، وَكَوْنِ سَيِّدِهِ لَا يَدَّعِيه عَلَيْهِ ، فَلَزِمَ الْعَبْدَ ، لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِمَّنْ بَاشَرَ الْعَقْدَ أَنَّهُ لَهُ .\rوَإِنْ صَدَّقَهُ السَّيِّدُ وَكَذَّبَهُ زَيْدٌ ، نَظَرْت فِي تَكْذِيبِهِ ، فَإِنْ كَذَّبَهُ فِي الْوَكَالَةِ ، حَلَفَ وَبَرِئَ ، وَلِلسَّيِّدِ فَسْخُ الْبَيْعِ ، وَاسْتِرْجَاعُ عَبْدِهِ ؛ لِتَعَذُّرِ ثَمَنِهِ ، وَإِنْ صَدَّقَهُ فِي الْوَكَالَةِ وَكَذَّبَهُ فِي أَنَّك مَا اشْتَرَيْت نَفْسَك لِي ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْعَبْدِ ؛ لِأَنَّ الْوَكِيلَ يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي التَّصَرُّفِ الْمَأْذُونِ فِيهِ .","part":10,"page":309},{"id":4809,"text":"( 3773 ) فَصْلٌ : وَإِنْ وَكَّلَ عَبْدَهُ فِي إعْتَاقِ نَفْسِهِ ، أَوْ امْرَأَتَهُ فِي طَلَاقِ نَفْسِهَا ، صَحَّ .\rوَإِنْ وَكَّلَ الْعَبْدَ فِي إعْتَاقِ عَبِيدِهِ ، وَالْمَرْأَةَ فِي طَلَاقِ نِسَائِهِ ، لَمْ يَمْلِكْ الْعَبْدُ إعْتَاقَ نَفْسِهِ ، وَلَا الْمَرْأَةُ طَلَاقَ نَفْسِهَا ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَنْصَرِفُ بِإِطْلَاقِهِ إلَى التَّصَرُّفِ فِي غَيْرِهِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنَّ لَهُمَا ذَلِكَ ، أَخْذًا مِنْ عُمُومِ لَفْظِهِ ، كَمَا يَجُوزُ لِلْوَكِيلِ فِي الْبَيْعِ ، الْبَيْعُ مِنْ نَفْسِهِ ، فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ .\rوَإِنْ وَكَّلَ غَرِيمًا لَهُ فِي إبْرَاءِ نَفْسِهِ ، صَحَّ ؛ لِأَنَّهُ وَكَّلَهُ فِي إسْقَاطِ حَقٍّ عَنْ نَفْسِهِ ، فَأَشْبَهَ تَوْكِيلَ الْعَبْدِ فِي إعْتَاقِ نَفْسِهِ .\rوَإِنْ وَكَّلَهُ فِي إبْرَاءِ غُرَمَائِهِ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُبْرِئَ نَفْسَهُ ، كَمَا لَوْ وَكَّلَهُ فِي حَبْسِ غُرَمَائِهِ ، لَمْ يَمْلِكْ حَبْسَ نَفْسِهِ .\rوَلَوْ وَكَّلَهُ فِي خُصُومَتِهِمْ ، لَمْ يَكُنْ وَكِيلًا فِي خُصُومَةِ نَفْسِهِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يَمْلِكَ إبْرَاءَ نَفْسِهِ ؛ لَمَّا ذَكَرْنَا مِنْ قَبْلُ .\rوَإِنْ وَكَّلَ الْمَضْمُونَ عَنْهُ ، فِي إبْرَاءِ الضَّامِنِ فَأَبْرَأَهُ ، صَحَّ .\rوَلَا يَبْرَأُ الْمَضْمُونُ عَنْهُ .\rوَإِنْ وَكَّلَ الضَّامِنَ فِي إبْرَاءِ الْمَضْمُونِ عَنْهُ ، أَوْ الْكَفِيلَ فِي إبْرَاءِ الْمَكْفُولِ عَنْهُ ، فَأَبْرَأَهُ ، صَحَّ ، وَبَرِئَ الْوَكِيلُ بِبَرَاءَتِهِ ؛ لِأَنَّهُ فَرْعٌ عَلَيْهِ ، فَإِذَا بَرِئَ الْأَصْلُ بَرِئَ الْفَرْعُ بِبَرَاءَتِهِ .","part":10,"page":310},{"id":4810,"text":"( 3774 ) فَصْلٌ : وَإِنْ وَكَّلَهُ فِي إخْرَاجِ صَدَقَةٍ عَلَى الْمَسَاكِينِ وَهُوَ مِسْكِينٌ ، أَوْ أَوْصَى إلَيْهِ بِتَفْرِيقِ ثُلُثِهِ عَلَى قَوْمٍ وَهُوَ مِنْهُمْ ، أَوْ دَفَعَ إلَيْهِ مَالًا وَأَمَرَهُ بِتَفْرِيقِهِ عَلَى مَنْ يُرِيدُ ، أَوْ دَفْعِهِ إلَى مَنْ شَاءَ ، فَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ شَيْئًا ، فَإِنَّ أَحْمَدَ قَالَ : إذَا كَانَ فِي يَدِهِ مَالٌ لِلْمَسَاكِينِ وَأَبْوَابِ الْبِرِّ وَهُوَ مُحْتَاجٌ ، فَلَا يَأْكُلْ مِنْهُ شَيْئًا ، إنَّمَا أَمَرَهُ بِتَنْفِيذِهِ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ إطْلَاقَ لَفْظِ الْمُوَكِّلِ يَنْصَرِفُ إلَى دَفْعِهِ إلَى غَيْرِهِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يَجُوزَ لَهُ الْأَخْذُ إذَا تَنَاوَلَهُ عُمُومُ اللَّفْظِ ، كَالْمَسَائِلِ الَّتِي تَقَدَّمَتْ ، وَلِأَنَّ الْمَعْنَى الَّذِي حَصَلَ بِهِ الِاسْتِحْقَاقُ مُتَحَقِّقٌ فِيهِ ، وَاللَّفْظُ مُتَنَاوِلٌ لَهُ ، فَجَازَ لَهُ الْأَخْذُ كَغَيْرِهِ .\rوَيَحْتَمِلُ الرُّجُوعَ فِي ذَلِكَ إلَى قَرَائِنِ الْأَحْوَالِ ، فَمَا غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ فِيهِ أَنَّهُ أَرَادَ الْعُمُومَ فِيهِ وَفِي غَيْرِهِ ، فَلَهُ الْأَخْذُ مِنْهُ ، وَمَا غَلَبَ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْهُ ، فَلَيْسَ لَهُ الْأَخْذُ ، وَمَا تَسَاوَى فِيهِ الْأَمْرَانِ ، احْتَمَلَ وَجْهَيْنِ .\rوَهَلْ لَهُ أَنْ يُعْطِيَهُ لِوَلَدِهِ أَوْ وَالِدِهِ أَوْ امْرَأَتِهِ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَوَّلُهُمَا ، جَوَازُهُ ؛ لِدُخُولِهِمْ ، فِي عُمُومِ لَفْظِهِ ، وَوُجُودِ الْمَعْنَى الْمُقْتَضِي لِجَوَازِ الدَّفْعِ إلَيْهِمْ .\rفَأَمَّا مَنْ تَلْزَمُهُ مُؤْنَتُهُ غَيْرَ هَؤُلَاءِ ، فَيَجُوزُ الدَّفْعُ إلَيْهِمْ ، كَمَا يَجُوزُ دَفْعُ صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ إلَيْهِمْ .","part":10,"page":311},{"id":4811,"text":"( 3775 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَشِرَاءُ الرَّجُلِ لِنَفْسِهِ مِنْ مَالِ وَلَدِهِ الطِّفْلِ جَائِزٌ .\rوَكَذَلِكَ شِرَاؤُهُ لَهُ مِنْ نَفْسِهِ ) .\rيَعْنِي أَنَّ الْأَبَ يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِيَ لِنَفْسِهِ مِنْ مَالِ ابْنِهِ الَّذِي فِي حِجْرِهِ .\rوَيَبِيعَ وَلَدَهُ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَزَادُوا الْجَدَّ ، فَأَبَاحُوا لَهُ ذَلِكَ .\rوَقَالَ زُفَرُ لَا يَجُوزُ ؛ لِأَنَّ حُقُوقَ الْعَقْدِ تَتَعَلَّقُ بِالْعَاقِدِ ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِهِ حُكْمَانِ مُتَضَادَّانِ ، وَلِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُوجِبًا وَقَابِلًا فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ ، كَمَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِنْتَ عَمِّهِ مِنْ نَفْسِهِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ هَذَا يَلِي بِنَفْسِهِ ، فَجَازَ أَنْ يَتَوَلَّى طَرَفَيْ الْعَقْدِ ، كَالْأَبِ يُزَوِّجُ ابْنَتَهُ عَبْدَهُ الصَّغِيرَ ، وَالسَّيِّدِ يُزَوِّجُ عَبْدَهُ أَمَتَهُ .\rوَلَا نُسَلِّمُ مَا ذَكَرَهُ مِنْ تَعَلُّقِ حُقُوقِ الْعَقْدِ بِالْعَاقِدِ لِغَيْرِهِ .\rفَأَمَّا الْجَدُّ فَلَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَى ابْنِ ابْنِهِ ، عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ فِي مَوْضِعِهِ ، فَيَنْزِلُ مَنْزِلَةَ الْأَجْنَبِيِّ .\rوَلِأَنَّ التُّهْمَةَ بَيْنَ الْأَبِ وَوَلَدِهِ مُنْتَفِيَةٌ ، إذْ مِنْ طَبْعِهِ الشَّفَقَةُ عَلَيْهِ ، وَالْمَيْلُ لَهُ ، وَتَرْكُ حَظِّ نَفْسِهِ لِحَظِّهِ ، فَلِذَلِكَ جَازَ .\rوَفَارَقَ الْجَدَّ وَالْوَصِيَّ وَالْحَاكِمَ وَأَمِينَهُ ؛ فَإِنَّ التُّهْمَةَ غَيْرُ مُنْتَفِيَةٍ فِي حَقِّهِمْ .\rوَأَمَّا تَوَلِّي طَرَفَيْ الْعَقْدِ ، فَيَجُوزُ ، بِدَلِيلِ الْأَصْلِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ .\rوَلَا نُسَلِّمُ مَا ذَكَرَهُ فِيمَا إذَا أَرَادَ أَنْ يَتَزَوَّجَ ابْنَةَ عَمِّهِ ، بَلْ يَجُوزُ بِدَلِيلِ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ قَالَ لِابْنَةِ قَارِظٍ : أَتَجْعَلِينَ أَمْرَكِ إلَيَّ ؟ قَالَتْ : نَعَمْ .\rقَالَ : قَدْ تَزَوَّجْتُك .\rوَلَئِنْ سَلَّمْنَا فَإِنَّ التُّهْمَةَ غَيْرُ مُنْتَفِيَةٍ ثَمَّ .","part":10,"page":312},{"id":4812,"text":"( 3776 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَمَا فَعَلَ الْوَكِيلُ بَعْدَ فَسْخِ الْمُوَكِّلِ أَوْ مَوْتِهِ فَبَاطِلٌ ) .\rوَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْوَكَالَةَ عَقْدٌ جَائِزٌ مِنْ الطَّرَفَيْنِ ، فَلِلْمُوَكِّلِ عَزْلُ وَكِيلِهِ مَتَى شَاءَ ، وَلِلْوَكِيلِ عَزْلُ نَفْسِهِ ؛ لِأَنَّهُ إذْنٌ فِي التَّصَرُّفِ ، فَكَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إبْطَالُهُ ، كَمَا لَوْ أَذِنَ فِي أَكْلِ طَعَامِهِ .\rوَتَبْطُلُ أَيْضًا بِمَوْتِ أَحَدِهِمَا ، أَيِّهِمَا كَانَ ، وَجُنُونِهِ الْمُطْبِقِ .\rوَلَا خِلَافَ فِي هَذَا كُلِّهِ فِيمَا نَعْلَمُ .\rفَمَتَى تَصَرَّفَ الْوَكِيلُ بَعْدَ فَسْخِ الْمُوَكِّلِ ، أَوْ مَوْتِهِ ، فَهُوَ بَاطِلٌ إذَا عَلِمَ ذَلِكَ .\rفَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ الْوَكِيلُ بِالْعَزْلِ ، وَلَا مَوْتِ الْمُوَكِّلِ ، فَعَنْ أَحْمَدَ فِيهِ رِوَايَتَانِ .\rوَلِلشَّافِعِيِّ فِيهِ قَوْلَانِ .\rوَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ هَذَا أَنَّهُ يَنْعَزِلُ ، عَلِمَ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ .\rوَمَتَى تَصَرَّفَ ، فَبَانَ أَنَّ تَصَرُّفَهُ بَعْدَ عَزْلِهِ أَوْ مَوْتِ مُوَكِّلِهِ ، فَتَصَرُّفُهُ بَاطِلٌ ؛ لِأَنَّهُ رَفْعُ عَقْدٍ لَا يَفْتَقِرُ إلَى رِضَى صَاحِبِهِ ، فَلَا يَفْتَقِرُ إلَى عِلْمِهِ ، كَالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ .\rوَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ عَنْ أَحْمَدَ ، لَا يَنْعَزِلُ قَبْلَ عِلْمِهِ بِمَوْتِ الْمُوَكِّلِ وَعَزْلِهِ .\rنَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، لِأَنَّهُ لَوْ انْعَزَلَ قَبْلَ عِلْمِهِ ، كَانَ فِيهِ ضَرَرٌ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَتَصَرَّفُ تَصَرُّفَاتٍ فَتَقَعُ بَاطِلَةً ، وَرُبَّمَا بَاعَ الْجَارِيَةَ فَيَطَؤُهَا الْمُشْتَرِي ، أَوْ الطَّعَامَ فَيَأْكُلُهُ ، أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ ، فَيَتَصَرَّفُ فِيهِ الْمُشْتَرِي ، وَيَجِبُ ضَمَانُهُ ، وَيَتَضَرَّرُ الْمُشْتَرِي وَالْوَكِيلُ .\rوَلِأَنَّهُ يَتَصَرَّفُ بِأَمْرِ الْمُوَكِّلِ ، وَلَا يَثْبُتُ حُكْمُ الرُّجُوعِ فِي حَقِّ الْمَأْمُورِ قَبْلَ عِلْمِهِ ، كَالْفَسْخِ .\rفَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ ، مَتَى تَصَرَّفَ قَبْلَ الْعِلْمِ ، نَفَذَ تَصَرُّفُهُ .\rوَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ إنْ عَزَلَهُ الْمُوَكِّلُ ، فَلَا يَنْعَزِلُ قَبْلَ عِلْمِهِ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا .\rوَإِنْ عَزَلَ الْوَكِيلُ نَفْسَهُ ، لَمْ يَنْعَزِلْ إلَّا بِحَضْرَةِ","part":10,"page":313},{"id":4813,"text":"الْمُوَكِّلِ ؛ لِأَنَّهُ مُتَصَرِّفٌ بِأَمْرِ الْمُوَكِّلِ ، فَلَا يَصِحُّ رَدُّ أَمْرِهِ بِغَيْرِ حَضْرَتِهِ ، كَالْمُودَعِ فِي رَدِّ الْوَدِيعَةِ .\rوَلَنَا ، مَا تَقَدَّمَ .\rفَأَمَّا الْفَسْخُ فَفِيهِ وَجْهَانِ ، كَالرِّوَايَتَيْنِ .\rثُمَّ هُمَا مُفْتَرِقَانِ ؛ فَإِنَّ أَمْرَ الشَّارِعِ يَتَضَمَّنُ الْمَعْصِيَةَ بِتَرْكِهِ ، وَلَا يَكُونُ عَاصِيًا مِنْ غَيْرِ عِلْمِهِ ، وَهَذَا يَتَضَمَّنُ الْعَزْلُ عَنْهُ إبْطَالَ التَّصَرُّفِ ، فَلَا يَمْنَعُ مِنْهُ عَدَمُ الْعِلْمِ .","part":10,"page":314},{"id":4814,"text":"( 3777 ) فَصْلٌ : وَمَتَى خَرَجَ أَحَدُهُمَا عَنْ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ التَّصَرُّفِ ، مِثْلُ أَنْ يُجَنَّ ، أَوْ يُحْجَرَ عَلَيْهِ لِسَفَهٍ ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْمَوْتِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ ، فَلَا يُمَلِّكُهُ غَيْرَهُ مِنْ جِهَتِهِ .\rقَالَ أَحْمَدُ فِي الشَّرِكَةِ : إذَا وَسْوَسَ أَحَدُهُمَا فَهُوَ مِثْلُ الْعَزْلِ .\rوَإِنْ حُجِرَ عَلَى الْوَكِيلِ لِفَلْسِ ، فَالْوَكَالَةُ بِحَالِهَا ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ كَوْنِهِ أَهْلًا لِلتَّصَرُّفِ .\rوَإِنْ حُجِرَ عَلَى الْمُوَكِّلِ ، وَكَانَتْ الْوَكَالَةُ فِي أَعْيَانِ مَالِهِ ، بَطَلَتْ ؛ لِانْقِطَاعِ تَصَرُّفِهِ فِي أَعْيَانِ مَالِهِ .\rوَإِنْ كَانَتْ فِي الْخُصُومَةِ ، أَوْ الشِّرَاءِ فِي الذِّمَّةِ ، أَوْ الطَّلَاقِ ، أَوْ الْخُلْعِ ، أَوْ الْقِصَاصِ ، فَالْوَكَالَةُ بِحَالِهَا ؛ لِأَنَّ الْمُوَكِّلَ أَهْلٌ لِذَلِكَ ، وَلَهُ أَنْ يَسْتَنِيبَ فِيهِ ابْتِدَاءً ، فَلَا تَنْقَطِعُ الِاسْتِدَامَةُ .\rوَإِنْ فَسَقَ الْوَكِيلُ لَمْ يَنْعَزِلْ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ التَّصَرُّفِ ، إلَّا أَنْ تَكُونَ الْوَكَالَةُ فِيمَا يُنَافِيهِ الْفِسْقُ ، كَالْإِيجَابِ فِي عَقْدِ النِّكَاحِ ، فَإِنَّهُ يَنْعَزِلُ بِفِسْقِهِ أَوْ فِسْقِ مُوَكِّلِهِ بِخُرُوجِهِ عَنْ أَهْلِيَّةِ التَّصَرُّفِ .\rوَإِنْ كَانَ وَكِيلًا فِي الْقَبُولِ لِلْمُوَكِّلِ ، لَمْ يَنْعَزِلْ بِفِسْقِ مُوَكِّلِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُنَافِي جَوَازَ قَبُولِهِ .\rوَهَلْ يَنْعَزِلُ بِفِسْقِ نَفْسِهِ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ .\rوَإِنْ كَانَ وَكِيلًا فِيمَا تُشْتَرَطُ فِيهِ الْأَمَانَةُ ، كَوَكِيلِ وَلِيِّ الْيَتِيمِ ، وَوَلِيِّ الْوَقْفِ عَلَى الْمَسَاكِينِ ، وَنَحْوِ هَذَا ، انْعَزَلَ بِفِسْقِهِ وَفِسْقِ مُوَكِّلِهِ بِخُرُوجِهِمَا بِذَلِكَ عَنْ أَهْلِيَّةِ التَّصَرُّفِ .\rوَإِنْ كَانَ وَكِيلًا لِوَكِيلِ مَنْ يَتَصَرَّفُ فِي مَالِ نَفْسِهِ ، انْعَزَلَ بِفِسْقِهِ ؛ لِأَنَّ الْوَكِيلَ لَيْسَ لَهُ تَوْكِيلُ فَاسِقٍ ، وَلَا يَنْعَزِلُ بِفِسْقِ مُوَكِّلِهِ ؛ لِأَنَّ مُوَكِّلَهُ وَكِيلٌ لِرَبِّ الْمَالِ ، وَلَا يُنَافِيه الْفِسْقُ ، وَلَا تَبْطُلُ الْوَكَالَةُ بِالنَّوْمِ وَالسُّكْرِ وَالْإِغْمَاءِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُخْرِجُهُ عَنْ أَهْلِيَّةِ التَّصَرُّفِ ، وَلَا","part":10,"page":315},{"id":4815,"text":"تَثْبُتُ عَلَيْهِ وِلَايَةٌ ، إلَّا أَنْ يَحْصُلَ الْفِسْقُ بِالسُّكْرِ ، فَيَكُونَ فِيهِ مِنْ التَّفْصِيلِ مَا أَسْلَفْنَاهُ .","part":10,"page":316},{"id":4816,"text":"( 3778 ) فَصْلٌ : وَلَا تَبْطُلُ الْوَكَالَةُ بِالتَّعَدِّي فِيمَا وُكِّلَ فِيهِ ، مِثْلُ أَنْ يَلْبَسَ الثَّوْبَ ، وَيَرْكَبَ الدَّابَّةَ .\rوَهَذَا أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ .\rوَالْوَجْهُ الثَّانِي ، تَبْطُلُ الْوَكَالَةُ ؛ لِأَنَّهَا عَقْدُ أَمَانَةٍ ، فَتَبْطُلُ بِالتَّعَدِّي كَالْوَدِيعَةِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ إذَا تَصَرَّفَ فَقَدْ تَصَرَّفَ بِإِذْنِ مُوَكِّلِهِ ، فَصَحَّ ، كَمَا لَوْ لَمْ يَتَعَدَّ .\rوَيُفَارِقُ الْوَدِيعَةَ مِنْ جِهَةِ أَنَّهَا أَمَانَةٌ مُجَرَّدَةٌ ، فَنَافَاهَا التَّعَدِّي وَالْخِيَانَةُ ، وَالْوَكَالَةُ إذْنٌ فِي التَّصَرُّفِ تَضَمَّنَتْ الْأَمَانَةَ ، فَإِذَا انْتَفَتْ الْأَمَانَةُ بِالتَّعَدِّي ، بَقِيَ الْإِذْنُ بِحَالِهِ .\rفَعَلَى هَذَا لَوْ وَكَّلَهُ فِي بَيْعِ ثَوْبٍ فَلَبِسَهُ .\rصَارَ ضَامِنًا .\rفَإِذَا بَاعَهُ ، صَحَّ بَيْعُهُ ، وَبَرِئَ مِنْ ضَمَانِهِ ؛ لِدُخُولِهِ فِي مِلْكِ الْمُشْتَرِي وَضَمَانِهِ .\rفَإِذَا قَبَضَ الثَّمَنَ ، كَانَ أَمَانَةً فِي يَدِهِ غَيْرَ مَضْمُونٍ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ قَبَضَهُ بِإِذْنِ الْمُوَكِّلِ ، وَلَمْ يَتَعَدَّ فِيهِ .\rوَلَوْ دَفَعَ إلَيْهِ مَالًا ، وَوَكَّلَهُ فِي شِرَاءِ شَيْءٍ ، فَتَعَدَّى فِي الثَّمَنِ ، صَارَ ضَامِنًا لَهُ ، فَإِذَا اشْتَرَى بِهِ وَسَلَّمَهُ ، زَالَ الضَّمَانُ ، وَقَبْضُهُ لِلْمَبِيعِ قَبْضُ أَمَانَةٍ وَإِنْ وُجِدَ بِالْمَبِيعِ عَيْبٌ ، فَرُدَّ عَلَيْهِ ، أَوْ وَجَدَ هُوَ بِمَا اشْتَرَى عَيْبًا ، فَرَدَّهُ وَقَبَضَ الثَّمَنَ ، كَانَ مَضْمُونًا عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ الْمُزِيلَ لِلضَّمَانِ زَالَ ، فَعَادَ مَا زَالَ عَنْهُ .","part":10,"page":317},{"id":4817,"text":"( 3779 ) فَصْلٌ : وَإِنْ وَكَّلَ امْرَأَتَهُ فِي بَيْعٍ أَوْ شِرَاءٍ أَوْ غَيْرِهِ ، ثُمَّ طَلَّقَهَا ، لَمْ تَنْفَسِخْ الْوَكَالَةُ ؛ لِأَنَّ زَوَالَ النِّكَاحِ لَا يَمْنَعُ ابْتِدَاءَ الْوَكَالَةِ ، فَلَا يَقْطَعُ اسْتَدَامَتْهَا .\rوَإِنْ وَكَّلَ عَبْدَهُ ، ثُمَّ أَعْتَقَهُ ، أَوْ بَاعَهُ ، لَمْ يَنْعَزِلْ ؛ لِذَلِكَ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يَنْعَزِلَ ، لِأَنَّ تَوْكِيلَ عَبْدِهِ لَيْسَ بِتَوْكِيلٍ فِي الْحَقِيقَةِ ، إنَّمَا هُوَ اسْتِخْدَامٌ بِحَقِّ الْمِلْكِ ، فَيَبْطُلُ بِزَوَالِ الْمِلْكِ .\rوَإِذَا بَاعَهُ فَقَدْ صَارَ إلَى مِلْكِ مَنْ لَمْ يَأْذَنْ فِي تَوْكِيلِهِ ، وَثُبُوتُ مِلْك غَيْرِهِ فِيهِ يَمْنَعُ ابْتِدَاءَ تَوْكِيلِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ ، فَيَقْطَعُ اسْتَدَامَتْهُ .\rوَهَكَذَا الْوَجْهَانِ فِيمَا إذَا وَكَّلَ عَبْدَ غَيْرِهِ ثُمَّ بَاعَهُ .\rوَالصَّحِيحُ أَنَّ الْوَكَالَةَ لَا تَبْطُلُ ؛ لِأَنَّ سَيِّدَ الْعَبْدِ أَذِنَ لَهُ فِي بَيْعِ مَالِهِ ، وَالْعِتْقُ لَا يُبْطِلُ ؛ الْإِذْنَ .\rوَهَكَذَا إنْ بَاعَهُ ، إلَّا أَنَّ الْمُشْتَرِيَ إنْ رَضِيَ بِبَقَائِهِ عَلَى الْوَكَالَةِ ، بَقِيَ ، وَإِنْ لَمْ يَرْضَ بِذَلِكَ ، بَطَلَتْ الْوَكَالَةُ وَإِنْ وَكَّلَ عَبْدَ غَيْرِهِ ، فَأَعْتَقَهُ ، لَمْ تَبْطُلْ الْوَكَالَةُ ، وَجْهًا وَاحِدًا ؛ لِأَنَّ هَذَا تَوْكِيلٌ حَقِيقَةً ، وَالْعِتْقُ غَيْرُ مُنَافٍ لَهُ .\rوَإِنْ اشْتَرَاهُ الْمُوَكِّلُ مِنْهُ لَمْ تَبْطُلْ الْوَكَالَةُ ؛ لِأَنَّ مِلْكَهُ لَهُ لَا يُنَافِي إذْنَهُ لَهُ فِي الْبَيْعِ أَوْ الشِّرَاءِ .","part":10,"page":318},{"id":4818,"text":"( 3780 ) فَصْلٌ : وَإِنْ وَكَّلَ مُسْلِمٌ كَافِرًا فِيمَا يَصِحُّ تَصَرُّفُهُ فِيهِ ، صَحَّ تَوْكِيلُهُ ، سَوَاءٌ كَانَ ذِمِّيًّا ، أَوْ مُسْتَأْمَنًا ، أَوْ حَرْبِيًّا ، أَوْ مُرْتَدًّا ؛ لِأَنَّ الْعَدَالَةَ غَيْرُ مُشْتَرَطَةٍ فِيهِ ، وَكَذَلِكَ الدِّينُ ، كَالْبَيْعِ .\rوَإِنْ وَكَّلَ مُسْلِمًا فَارْتَدَّ ، لَمْ تَبْطُلْ الْوَكَالَةُ ، سَوَاءٌ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ ، أَوْ أَقَامَ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إنْ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ بَطَلَتْ وَكَالَتُهُ ؛ لِأَنَّهُ صَارَ مِنْهُمْ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ يَصِحُّ تَصَرُّفُهُ لِنَفْسِهِ ، فَلَمْ تَبْطُلْ وَكَالَتُهُ ، كَمَا لَوْ لَمْ يَلْحَقْ بِدَارِ الْحَرْبِ ، وَلِأَنَّ الرِّدَّةَ لَا تَمْنَعُ ابْتِدَاءَ وَكَالَتِهِ فَلَمْ تَمْنَعْ اسْتِدَامَتَهَا ، كَسَائِرِ الْكُفْرِ .\rوَإِنْ ارْتَدَّ الْمُوَكِّلُ ، لَمْ تَبْطُلْ الْوَكَالَةُ فِيمَا لَهُ التَّصَرُّفُ فِيهِ ، فَأَمَّا الْوَكِيلُ فِي مَالِهِ ، فَيَنْبَنِي عَلَى تَصَرُّفِهِ نَفْسِهِ ، فَإِنْ قُلْنَا : يَصِحُّ تَصَرُّفُهُ .\rلَمْ يَبْطُلْ تَوْكِيلُهُ ، وَإِنْ قُلْنَا : هُوَ مَوْقُوفٌ .\rفَوَكَالَتُهُ مَوْقُوفَةٌ ، وَإِنْ قُلْنَا : يَبْطُلُ تَصَرُّفُهُ .\rبَطَلَ تَوْكِيلُهُ .\rوَإِنْ وَكَّلَ فِي حَالِ رِدَّتِهِ ، فَفِيهِ الْوُجُوهُ الثَّلَاثَةُ أَيْضًا .","part":10,"page":319},{"id":4819,"text":"( 3781 ) فَصْلٌ : وَلَوْ وَكَّلَ رَجُلًا فِي نَقْلِ امْرَأَتِهِ ، أَوْ بَيْعِ عَبْدِهِ ، أَوْ قَبْضِ دَارِهِ مِنْ فُلَانٍ ، فَقَامَتْ الْبَيِّنَةُ بِطَلَاقِ الزَّوْجَةِ ، وَعِتْقِ الْعَبْدِ ، وَانْتِقَالِ الدَّارِ عَنْ الْمُوَكِّلِ ، بَطَلَتْ الْوَكَالَةُ ؛ لِأَنَّهُ زَالَ تَصَرُّفُ الْمُوَكِّلِ ، فَزَالَتْ وَكَالَتُهُ .","part":10,"page":320},{"id":4820,"text":"( 3782 ) فَصْلٌ : وَإِنْ تَلِفَتْ الْعَيْنُ الَّتِي وَكَّلَ فِي التَّصَرُّفِ فِيهَا ، بَطَلَتْ ، الْوَكَالَةُ ؛ لِأَنَّ مَحَلَّهَا ذَهَبَ ، فَذَهَبَتْ الْوَكَالَةُ ، كَمَا لَوْ وَكَّلَهُ فِي بَيْعِ عَبْدٍ فَمَاتَ .\rوَلَوْ دَفَعَ إلَيْهِ دِينَارًا ، وَوَكَّلَهُ فِي الشِّرَاءِ بِهِ ، فَهَلَكَ الدِّينَارُ ، أَوْ ضَاعَ ، أَوْ اسْتَقْرَضَهُ الْوَكِيلُ وَتَصَرَّفَ فِيهِ ، بَطَلَتْ الْوَكَالَةُ ، سَوَاءٌ وَكَّلَهُ فِي الشِّرَاءِ بِعَيْنِهِ أَوْ مُطْلَقًا ؛ لِأَنَّهُ إنْ وَكَّلَهُ فِي الشِّرَاءِ بِعَيْنِهِ ، فَقَدْ اسْتَحَالَ الشِّرَاءُ بِعَيْنِهِ بَعْدَ تَلَفِهِ ، فَبَطَلَتْ الْوَكَالَةُ ، وَإِنْ وَكَّلَهُ فِي الشِّرَاءِ مُطْلَقًا ، وَنَقَدَ الدِّينَارَ ، بَطَلَتْ ، أَيْضًا ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا وَكَّلَهُ فِي الشِّرَاءِ بِهِ ، وَمَعْنَاهُ أَنْ يَنْقُدَهُ ثَمَنَ ذَلِكَ الْبَيْعِ ، إمَّا قَبْلَ الشِّرَاءِ أَوْ بَعْدَهُ ، وَقَدْ تَعَذَّرَ ذَلِكَ بِتَلَفِهِ ، وَلِأَنَّهُ لَوْ صَحَّ شِرَاؤُهُ ، لَلَزِمَ الْمُوَكِّلَ ثَمَنٌ لَمْ يَلْزَمْهُ ، وَلَا رَضِيَ بِلُزُومِهِ وَإِذَا اسْتَقْرَضَهُ الْوَكِيلُ ، ثُمَّ عَزَلَ دِينَارًا عِوَضَهُ ، وَاشْتَرَى بِهِ ، فَهُوَ كَالشِّرَاءِ لَهُ مِنْ غَيْرِ إذْنٍ ؛ لِأَنَّ الْوَكَالَةَ بَطَلَتْ ، وَالدِّينَارُ الَّذِي عَزَلَهُ عِوَضًا لَا يَصِيرُ لِلْمُوَكِّلِ حَتَّى يَقْبِضَهُ ، فَإِذَا اشْتَرَى لِلْمُوَكِّلِ بِهِ شَيْئًا وَقَفَ عَلَى إجَازَةِ الْمُوَكِّلِ ، فَإِنْ أَجَازَهُ صَحَّ وَلَزِمَ الثَّمَنُ ، وَإِلَّا لَزِمَ الْوَكِيلَ .\rوَعَنْهُ يَلْزَمُ الْوَكِيلَ .\rبِكُلِّ حَالٍ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : مَتَى اشْتَرَى بِعَيْنِ مَالِهِ لِغَيْرِهِ شَيْئًا ، فَالشِّرَاءُ بَاطِلٌ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ أَنْ يَشْتَرِيَ بِعَيْنِ مَالِهِ مَا يَمْلِكُهُ غَيْرُهُ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ : مَتَى اشْتَرَى لِغَيْرِهِ بِمَالِ نَفْسِهِ شَيْئًا ، صَحَّ الشِّرَاءُ لِلْوَكِيلِ ، سَوَاءٌ اشْتَرَاهُ بِعَيْنِ الْمَالِ أَوْ فِي الذِّمَّةِ ؛ لِأَنَّهُ اشْتَرَى لَهُ مَا لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فِي شِرَائِهِ ، أَشْبَهَ مَا لَوْ اشْتَرَاهُ فِي الذِّمَّةِ .","part":10,"page":321},{"id":4821,"text":"( 3783 ) فَصْلٌ : نَقَلَ الْأَثْرَمُ عَنْ أَحْمَدَ ، فِي رَجُلٍ كَانَ لَهُ عَلَى آخَرَ دَرَاهِمُ ، فَقَالَ لَهُ : إذَا أَمْكَنَك قَضَاؤُهَا فَادْفَعْهَا إلَى فُلَانٍ .\rوَغَابَ صَاحِبُ الْحَقِّ ، وَلَمْ يُوصِ إلَى هَذَا الَّذِي أَذِنَ لَهُ فِي الْقَبْضِ ، لَكِنْ جَعَلَهُ وَكِيلًا ، وَتَمَكَّنَ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ مِنْ الْقَضَاءِ ، فَخَافَ إنْ دَفَعَهَا إلَى الْوَكِيلِ أَنْ يَكُونَ الْمُوَكِّلُ قَدْ مَاتَ ، وَيَخَافُ التَّبِعَةَ مِنْ الْوَرَثَةِ .\rفَقَالَ : لَا يُعْجِبُنِي أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ لَعَلَّهُ قَدْ مَاتَ ، لَكِنْ يَجْمَعُ بَيْنَ الْوَكِيلِ وَالْوَرَثَةِ ، وَيَبْرَأُ إلَيْهِمَا مِنْ ذَلِكَ .\rهَذَا ذَكَرَهُ أَحْمَدُ عَلَى طَرِيقِ النَّظَرِ لِلْغَرِيمِ ، خَوْفًا مِنْ التَّبِعَةِ مِنْ الْوَرَثَةِ إنْ كَانَ مُوَرِّثُهُمْ قَدْ مَاتَ ، فَانْعَزَلَ وَكِيلُهُ وَصَارَ الْحَقُّ لَهُمْ ، فَيَرْجِعُونَ عَلَى الدَّافِعِ إلَى الْوَكِيلِ .\rفَأَمَّا مِنْ طَرِيقِ الْحُكْمِ ، فَلِلْوَكِيلِ الْمُطَالَبَةُ ، وَلِلْآخَرِ الدَّفْعُ إلَيْهِ ، فَإِنَّ أَحْمَدَ قَدْ نَصَّ فِي رِوَايَةِ حَرْبٍ : إذَا وَكَّلَهُ فِي الْحَدِّ وَغَابَ ، اسْتَوْفَاهُ الْوَكِيلُ .\rوَهُوَ أَبْلَغُ مِنْ هَذَا ؛ لِكَوْنِهِ يُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ ، لَكِنَّ هَذَا احْتِيَاطٌ حَسَنٌ ، وَتَبْرِئَةٌ لِلْغَرِيمِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا ، وَإِزَالَةٌ لِلتَّبِعَةِ عَنْهُ .\rوَفِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْوَكِيلَ انْعَزَلَ بِمَوْتِ الْمُوَكِّلِ ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِمَوْتِهِ ؛ لِأَنَّهُ اخْتَارَ أَنْ لَا يَدْفَعَ إلَى الْوَكِيلِ خَوْفًا مِنْ أَنْ يَكُونَ الْمُوَكِّلُ قَدْ مَاتَ ، فَانْتَقَلَ إلَى الْوَرَثَةِ .\rوَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اخْتَارَ هَذَا لِئَلَّا يَكُونَ الْقَاضِي مِمَّنْ يَرَى أَنَّ الْوَكِيلَ يَنْعَزِلُ بِالْمَوْتِ ، فَيَحْكُمُ عَلَيْهِ بِالْعَزْلِ بِهِ .\rوَفِيهَا دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ تَرَاخِي الْقَبُولِ عَنْ الْإِيجَابِ ؛ لِأَنَّهُ وَكَّلَهُ فِي قَبْضِ الْحَقِّ وَلَمْ يَعْلَمْهُ ، وَلَمْ يَكُنْ حَاضِرًا فَيَقْبَلُ .\rوَفِيهَا دَلِيلٌ عَلَى صِحَّةِ التَّوْكِيلِ بِغَيْرِ لَفْظِ التَّوْكِيلِ .\rوَقَدْ نَقَلَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، فِي رَجُلٍ قَالَ لِرَجُلِ : بِعْ ثَوْبِي .\rلَيْسَ","part":10,"page":322},{"id":4822,"text":"شَيْءٌ حَتَّى يَقُولَ : قَدْ وَكَّلْتُك .\rوَهَذَا سَهْوٌ مِنْ النَّاقِلِ .\rوَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الدَّلِيلِ عَلَى جَوَازِ التَّوْكِيلِ بِغَيْرِ لَفْظِ التَّوْكِيلِ ، وَهُوَ الَّذِي نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ .","part":10,"page":323},{"id":4823,"text":"( 3784 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِذَا وَكَّلَهُ فِي طَلَاقِ زَوْجَتِهِ ، فَهُوَ فِي يَدِهِ حَتَّى يَفْسَخَ أَوْ يَطَأَ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْوَكَالَةَ إذَا وَقَعَتْ مُطْلَقَةً غَيْرَ مُؤَقَّتَةٍ ، مَلَكَ التَّصَرُّفَ أَبَدًا ، مَا لَمْ تَنْفَسِخْ الْوَكَالَةُ ، وَفَسْخُ الْوَكَالَةِ أَنْ يَقُولَ : فَسَخْت الْوَكَالَةَ ، أَوْ أَبْطَلْتهَا ، أَوْ نَقَضْتهَا ، أَوْ عَزَلْتُك ، أَوْ صَرَفْتُك عَنْهَا ، وَأَزَلْتُك عَنْهَا .\rأَوْ يَنْهَاهُ عَنْ فِعْلِ مَا أَمَرَهُ بِهِ أَوْ وَكَّلَهُ فِيهِ ، وَمَا أَشْبَهَ هَذَا مِنْ الْأَلْفَاظِ الْمُقْتَضِيَةِ عَزْلَهُ أَوْ الْمُؤَدِّيَةِ مَعْنَاهُ ، أَوْ يَعْزِلَ الْوَكِيلُ نَفْسَهُ ، أَوْ يُوجَدَ مَا يَقْتَضِي فَسْخَهَا حُكْمًا ، عَلَى مَا قَدْ ذَكَرْنَا ، أَوْ يَزُولَ مِلْكُهُ عَمَّا قَدْ وَكَّلَهُ فِي التَّصَرُّفِ فِيهِ ، أَوْ يُوجَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى الرُّجُوعِ عَنْ الْوَكَالَةِ .\rفَإِذَا وَكَّلَهُ فِي طَلَاقِ امْرَأَتِهِ ، ثُمَّ وَطِئَهَا ، انْفَسَخَتْ الْوَكَالَةُ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى رَغْبَتِهِ فِيهَا ، وَاخْتِيَارِهِ إمْسَاكَهَا .\rوَكَذَلِكَ إنْ وَطِئَهَا بَعْدَ طَلَاقِهَا طَلَاقًا رَجْعِيَّا ، كَانَ ارْتِجَاعًا لَهَا ، فَإِذَا اقْتَضَى رَجْعَتَهَا بَعْدَ طَلَاقِهَا ، فَلَأَنْ يَقْتَضِيَ اسْتِبْقَاءَهَا عَلَى نِكَاحِهَا وَمَنْعَ طَلَاقِهَا أَوْلَى .\rوَإِنْ بَاشَرَهَا دُونَ الْفَرْجِ ، أَوْ قَبَّلَهَا ، أَوْ فَعَلَ بِهَا مَا يَحْرُمُ عَلَى غَيْرِ الزَّوْجِ ، فَهَلْ تَنْفَسِخُ الْوَكَالَةُ فِي الطَّلَاقِ ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ ، بِنَاءً عَلَى الْخِلَافِ فِي حُصُولِ الرَّجْعَةِ بِهِ .\rوَإِنْ وَكَّلَهُ فِي بَيْعِ عَبْدٍ ، ثُمَّ أَعْتَقَهُ ، أَوْ بَاعَهُ بَيْعًا صَحِيحًا ، أَوْ كَاتَبَهُ ، أَوْ دَبَّرَهُ ، انْفَسَخَتْ الْوَكَالَةُ ؛ لِأَنَّهُ بِزَوَالِ مِلْكِهِ لَا يَبْقَى لَهُ إذْنٌ فِي التَّصَرُّفِ فِيمَا لَا يَمْلِكُهُ ، وَفِي الْكِتَابَةِ وَالتَّدْبِيرِ عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ لَمْ يَبْقَ مَحَلًّا لِلْبَيْعِ ، وَعَلَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى ، تَصَرُّفُهُ فِيهِ بِذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ قَصَدَ الرُّجُوعَ عَنْ بَيْعِهِ .\rوَإِنْ بَاعَهُ بَيْعًا فَاسِدًا لَمْ تَبْطُلْ الْوَكَالَةُ ؛ لِأَنَّ","part":10,"page":324},{"id":4824,"text":"مِلْكَهُ فِي الْعَبْدِ لَمْ يَزُلْ .\rذَكَرَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ .","part":10,"page":325},{"id":4825,"text":"( 3785 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَمَنْ وُكِّلَ فِي شِرَاءِ شَيْءٍ فَاشْتَرَى غَيْرَهُ ، كَانَ الْآمِرُ مُخَيَّرًا فِي قَبُولِ الشِّرَاءِ ، فَإِنْ لَمْ يَقْبَلْ ، لَزِمَ الْوَكِيلَ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ اشْتَرَاهُ بِعَيْنِ الْمَالِ ، فَيَبْطُلُ الشِّرَاءُ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْوَكِيلَ فِي الشِّرَاءِ إذَا خَالَفَ مُوَكِّلَهُ ، فَاشْتَرَى غَيْرَ مَا وُكِّلَ فِي شِرَائِهِ ، مِثْلُ أَنْ يُوَكِّلَهُ فِي شِرَاءِ عَبْدٍ فَيَشْتَرِيَ جَارِيَةً ، لَمْ يَخْلُ مِنْ أَنْ يَكُونَ اشْتَرَاهُ فِي ذِمَّتِهِ أَوْ بِعَيْنِ الْمَالِ ، فَإِنْ كَانَ اشْتَرَاهُ فِي ذِمَّتِهِ ، ثُمَّ نَقَدَ ثَمَنَهُ ، فَالشِّرَاءُ صَحِيحٌ ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا اشْتَرَى بِثَمَنٍ فِي ذِمَّتِهِ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مِلْكًا لِغَيْرِهِ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ : لَا يَصِحُّ ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ عَقَدَهُ عَلَى أَنَّهُ لِلْمُوَكِّلِ ، وَلَمْ يَأْذَنْ فِيهِ ، فَلَمْ يَصِحَّ ، كَمَا لَوْ اشْتَرَى بِعَيْنِ مَالِهِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ لَمْ يَتَصَرَّفْ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ ، فَصَحَّ كَمَا لَوْ لَمْ يَنْوِهِ لِغَيْرِهِ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، الشِّرَاءُ لَازِمٌ لِلْمُشْتَرِي .\rوَهُوَ الْوَجْهُ الثَّانِي لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ اشْتَرَى فِي ذِمَّتِهِ بِغَيْرِ إذْنِ غَيْرِهِ ، فَكَانَ الشِّرَاءُ لَهُ ، كَمَا لَوْ لَمْ يَنْوِ غَيْرَهُ .\rوَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ ، يَقِفُ عَلَى إجَازَةِ الْمُوَكِّلِ ، فَإِنْ أَجَازَهُ لَزِمَهُ ؛ لِأَنَّهُ اشْتَرَى لَهُ وَقَدْ أَجَازَهُ ، فَلَزِمَهُ ، كَمَا لَوْ اشْتَرَى بِإِذْنِهِ ، وَإِنْ لَمْ يُجِزْهُ لَزِمَ الْوَكِيلَ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَلْزَمَ الْمُوَكِّلَ ، لِأَنَّهُ لَمْ يَأْذَنْ فِي شِرَائِهِ ، وَلَزِمَ الْوَكِيلَ ؛ لِأَنَّ الشِّرَاءَ صَدَرَ مِنْهُ ، وَلَمْ يَثْبُتْ لِغَيْرِهِ ، فَيَثْبُتُ فِي حَقِّهِ ، كَمَا لَوْ اشْتَرَاهُ لِنَفْسِهِ وَهَكَذَا الْحُكْمُ فِي كُلِّ مَنْ اشْتَرَى شَيْئًا فِي ذِمَّتِهِ لِغَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ ، سَوَاءٌ كَانَ وَكِيلًا لِلَّذِي قَصَدَ الشِّرَاءَ لَهُ ، أَوْ لَمْ يَكُنْ وَكِيلًا لَهُ .\rفَأَمَّا إنْ اشْتَرَى بِعَيْنِ الْمَالِ ، مِثْلُ أَنْ يَقُولَ : بِعْنِي","part":10,"page":326},{"id":4826,"text":"الْجَارِيَةَ بِهَذِهِ الدَّنَانِيرِ .\rأَوْ بَاعَ مَالَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ ، فَالصَّحِيحُ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّ الْبَيْعَ بَاطِلٌ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rوَفِيهِ رِوَايَةٌ أُخْرَى أَنَّهُ صَحِيحٌ ، وَيَقِفُ عَلَى إجَازَةِ الْمَالِكِ ، فَإِنْ لَمْ يُجِزْهُ بَطَلَ ، وَإِنْ أَجَازَهُ صَحَّ ؛ لِحَدِيثِ عُرْوَةَ بْنِ الْجَعْدِ ، { أَنَّهُ بَاعَ مَا لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فِي بَيْعِهِ ، فَأَقَرَّهُ عَلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَدَعَا لَهُ ، } وَلِأَنَّهُ تَصَرَّفَ لَهُ بِخَيْرٍ ، فَصَحَّ ، وَوَقَفَ عَلَى الْإِجَازَةِ ، كَالْوَصِيَّةِ بِالزَّائِدِ عَلَى الثُّلُثِ .\rوَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى ، أَنَّهُ عَقَدَ عَلَى مَالِ مَنْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ فِي الْعَقْدِ ، فَلَمْ يَصِحَّ ، كَمَا لَوْ بَاعَ مَالَ الصَّبِيِّ الْمُرَاهِقِ ، ثُمَّ بَلَغَ ، فَأَجَازَهُ ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِحَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ : { لَا تَبِعْ مَا لَيْسَ عِنْدَك } .\rيَعْنِي مَا لَمْ تَمْلِكْ .\rوَأَمَّا حَدِيثُ عُرْوَةَ فَإِنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ كَانَ وَكِيلًا مُطْلَقًا ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ بَاعَ وَسَلَّمَ الْمَبِيعَ وَأَخَذَ ثَمَنَهُ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ جَائِزًا لِمَنْ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فِيهِ اتِّفَاقًا .\rوَمَتَى حَكَمْنَا بِبُطْلَانِ الْبَيْعِ ، فَاعْتَرَفَ لَهُ الْعَاقِدُ مَعَهُ بِبُطْلَانِ الْبَيْعِ ، أَوْ ثَبَتَ ذَلِكَ بِبَيِّنَةٍ ، فَعَلَيْهِ رَدُّ مَا أَخَذَهُ ، وَإِنْ لَمْ يَعْتَرِفْ بِذَلِكَ ، وَلَا قَامَتْ بِهِ بَيِّنَةٌ ، حَلَفَ الْعَاقِدُ ، وَلَمْ يَلْزَمْهُ رَدُّ شَيْءٍ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ أَنَّ تَصَرُّفَ الْإِنْسَانِ لِنَفْسِهِ ، فَلَا يُصَدَّقُ عَلَى غَيْرِهِ فِيمَا يُبْطِلُ عَقْدَهُ .\rوَإِنْ ادَّعَى الْبَائِعُ أَنَّهُ بَاعَ مَالَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ .\rوَلَوْ قَالَ الْمُشْتَرِي : إنَّك بِعْت مَالَ غَيْرِك بِغَيْرِ إذْنِهِ ، فَأَنْكَرَ الْبَائِعُ ذَلِكَ .\rوَقَالَ : بَلْ بِعْت مِلْكِي .\rأَوْ قَالَ : بِعْت مَالَ مُوَكِّلِي بِإِذْنِهِ .\rفَالْقَوْلُ قَوْلُهُ أَيْضًا .\rوَإِنْ اتَّفَقَ الْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِي عَلَى مَا يُبْطِلُ الْبَيْعَ ، وَقَالَ","part":10,"page":327},{"id":4827,"text":"الْمُوَكِّلُ : بَلْ الْبَيْعُ صَحِيحٌ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ ، وَلَا يَلْزَمُهُ رَدُّ مَا أَخَذَهُ مِنْ الْعِوَضِ .","part":10,"page":328},{"id":4828,"text":"( 3786 ) فَصْلٌ : وَإِنْ وَكَّلَهُ فِي أَنْ يَتَزَوَّجَ لَهُ امْرَأَةً ، فَتَزَوَّجَ لَهُ غَيْرَهَا ، أَوْ تَزَوَّجَ لَهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ ، فَالْعَقْدُ فَاسِدٌ بِكُلِّ حَالٍ ، فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ مِنْ شَرْطِ صِحَّةِ النِّكَاحِ ذِكْرَ الزَّوْجِ ، فَإِذَا كَانَ بِغَيْرِ إذْنِهِ ، لَمْ يَقَعْ لَهُ وَلَا لِلْوَكِيلِ ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ أَعْيَانُ الزَّوْجَيْنِ ، بِخِلَافِ الْبَيْعِ ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ مِنْ غَيْرِ تَسْمِيَةِ الْمُشْتَرَى لَهُ ، فَافْتَرَقَا .\rوَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ ، يَصِحُّ النِّكَاحُ ، وَيَقِفُ عَلَى إجَازَةِ الْمُتَزَوَّجِ لَهُ ، فَإِنْ أَجَازَهُ صَحَّ ، وَإِلَّا بَطَلَ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ .\rوَالْقَوْلُ فِيهِ كَالْقَوْلِ فِي الْبَيْعِ ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ .","part":10,"page":329},{"id":4829,"text":"( 3787 ) فَصْلٌ : قَالَ الْقَاضِي : إذَا قَالَ لِرَجُلٍ : اشْتَرِ لِي بِدَيْنِي عَلَيْك طَعَامًا .\rلَمْ يَصِحَّ .\rوَلَوْ قَالَ : تَسَلَّفْ لِي أَلْفًا مِنْ مَالِك فِي كُرِّ طَعَامٍ .\rفَفَعَلَ ، لَمْ يَصِحَّ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِيَ الْإِنْسَانُ بِمَالِهِ مَا يَمْلِكُهُ غَيْرُهُ .\rوَإِنْ قَالَ : اشْتَرِ لِي فِي ذِمَّتِك .\rأَوْ قَالَ : تَسَلَّفْ لِي أَلْفًا فِي كُرِّ طَعَامٍ ، وَاقْضِ الثَّمَنَ عَنِّي مِنْ مَالِك ، أَوْ مِنْ الدَّيْنِ الَّذِي لِي عَلَيْك .\rصَحَّ ؛ لِأَنَّهُ إذَا اشْتَرَى فِي الذِّمَّةِ حَصَلَ الشِّرَاءُ لِلْمُوَكِّلِ وَالثَّمَنُ عَلَيْهِ ، فَإِذَا قَضَاهُ مِنْ الدَّيْنِ الَّذِي عَلَيْهِ ، فَقَدْ دَفَعَ الدَّيْنَ إلَى مَنْ أَمَرَهُ صَاحِبُ الدَّيْنِ بِدَفْعِهِ إلَيْهِ ، وَإِنْ قَضَاهُ مِنْ مَالِهِ عَنْ دَيْنِ السَّلَفِ الَّذِي عَلَيْهِ ، صَارَ قَرْضًا عَلَيْهِ .","part":10,"page":330},{"id":4830,"text":"( 3788 ) فَصْلٌ : وَلَا يَمْلِكُ الْوَكِيلُ مِنْ التَّصَرُّفِ إلَّا مَا يَقْتَضِيه إذْنُ مُوَكِّلِهِ ، مِنْ جِهَةِ النُّطْقِ ، أَوْ مِنْ جِهَةِ الْعُرْفِ ؛ لِأَنَّ تَصَرُّفَهُ بِالْإِذْنِ ، فَاخْتَصَّ بِمَا أَذِنَ فِيهِ ، وَالْإِذْنُ يُعْرَفُ بِالنُّطْقِ تَارَةً وَبِالْعُرْفِ أُخْرَى .\rوَلَوْ وَكَّلَ رَجُلًا فِي التَّصَرُّفِ فِي زَمَنٍ مُقَيَّدٍ ، لَمْ يَمْلِكْ التَّصَرُّفَ قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَنَاوَلْهُ إذْنُهُ مُطْلَقًا وَلَا عُرْفًا ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُؤْثِرُ التَّصَرُّفَ فِي زَمَنِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ دُونَ غَيْرِهِ ، وَلِهَذَا لَمَّا عَيَّنَ اللَّهُ تَعَالَى لِعِبَادَتِهِ وَقْتًا ، لَمْ يَجُزْ تَقْدِيمُهَا عَلَيْهِ وَلَا تَأْخِيرُهَا عَنْهُ .\rفَلَوْ قَالَ لَهُ : بِعْ ثَوْبِي غَدًا .\rلَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ الْيَوْمَ وَلَا بَعْدَ غَدٍ .\rوَإِنْ عَيَّنَ لَهُ الْمَكَانَ ، وَكَانَ يَتَعَلَّقُ بِهِ غَرَضٌ ، مِثْلُ أَنْ يَأْمُرَهُ بِبَيْعِ ثَوْبِهِ فِي سُوقٍ ، وَكَانَ ذَلِكَ السُّوقُ مَعْرُوفًا بِجَوْدَةِ ، النَّقْدِ ، أَوْ كَثْرَةِ الثَّمَنِ ، أَوْ حِلِّهِ ، أَوْ بِصَلَاحِ أَهْلِهِ ، أَوْ بِمَوَدَّةٍ بَيْنَ الْمُوَكِّلِ وَبَيْنَهُمْ ، تَقَيَّدَ الْإِذْنُ بِهِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ نَصَّ عَلَى أَمْرٍ لَهُ فِيهِ غَرَضٌ ، فَلَمْ يَجُزْ تَفْوِيتُهُ .\rوَإِنْ كَانَ هُوَ وَغَيْرُهُ سَوَاءً فِي الْغَرَضِ ، لَمْ يَتَقَيَّدْ الْإِذْنُ بِهِ ، وَجَازَ لَهُ الْبَيْعُ فِي غَيْرِهِ ؛ لِمُسَاوَاتِهِ الْمَنْصُوصَ عَلَيْهِ فِي الْغَرَضِ ، فَكَانَ تَنْصِيصُهُ عَلَى أَحَدِهِمَا إذْنًا فِي الْآخَرِ ، كَمَا لَوْ اسْتَأْجَرَ أَوْ اسْتَعَارَ أَرْضًا لِزِرَاعَةِ شَيْءٍ ، كَانَ إذْنًا فِي زِرَاعَةِ مِثْلِهِ فَمَا دُونَهُ ، وَلَوْ اشْتَرَى عَقَارًا كَانَ لَهُ أَنْ يُسْكِنَهُ مِثْلَهُ ، وَلَوْ نَذَرَ صَلَاةً أَوْ اعْتِكَافًا فِي مَسْجِدٍ ، جَازَ الِاعْتِكَافُ وَالصَّلَاةُ فِي غَيْرِهِ وَسَوَاءٌ قَدَّرَ لَهُ الثَّمَنَ أَوْ لَمْ يُقَدِّرْهُ .\rوَإِنْ عَيَّنَ لَهُ الْمُشْتَرِي ، فَقَالَ : بِعْهُ فُلَانًا .\rلَمْ يَمْلِكْ بَيْعَهُ لِغَيْرِهِ ، بِغَيْرِ خِلَافٍ عَلِمْنَاهُ ، سَوَاءٌ قَدَّرَ لَهُ الثَّمَنَ أَوْ لَمْ يُقَدِّرْهُ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ لَهُ غَرَضٌ فِي تَمْلِيكِهِ إيَّاهُ","part":10,"page":331},{"id":4831,"text":"دُونَ غَيْرِهِ ، إلَّا أَنْ يَعْلَمَ الْوَكِيلُ بِقَرِينَةِ أَوْ صَرِيحٍ أَنَّهُ لَا غَرَضَ لَهُ فِي عَيْنِ الْمُشْتَرِي .","part":10,"page":332},{"id":4832,"text":"( 3789 ) فَصْلٌ : وَإِنْ وَكَّلَهُ فِي عَقْدٍ فَاسِدٍ ، لَمْ يَمْلِكْهُ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَأْذَنْ فِيهِ ، وَلِأَنَّ الْمُوَكِّلَ لَا يَمْلِكُهُ ، فَالْوَكِيلُ أَوْلَى .\rوَلَا يَمْلِكُ الصَّحِيحَ ؛ لِأَنَّ الْمُوَكِّلَ لَمْ يَأْذَنْ فِيهِ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَمْلِكُ الصَّحِيحَ ؛ لِأَنَّهُ إذَا أَذِنَ فِي الْفَاسِدِ ، فَالصَّحِيحُ أَوْلَى .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ أَذِنَ لَهُ فِي مُحَرَّمٍ ، فَلَمْ يَمْلِكْ الْحَلَالَ بِهَذَا الْإِذْنِ ، كَمَا لَوْ أَذِنَ فِي شِرَاءِ خَمْرٍ وَخِنْزِيرٍ ، لَمْ يَمْلِكْ شِرَاءَ الْخَيْلِ وَالْغَنَمِ .","part":10,"page":333},{"id":4833,"text":"( 3790 ) فَصْلٌ : وَإِنْ وَكَّلَهُ فِي بَيْعِ عَبْدٍ أَوْ حَيَوَانٍ أَوْ عَقَارٍ وَنَحْوِهِ ، أَوْ شِرَائِهِ ، لَمْ يَمْلِكْ الْعَقْدَ عَلَى بَعْضِهِ ؛ لِأَنَّ التَّوْكِيلَ تَنَاوَلَ جَمِيعَهُ ، وَفِي التَّبْعِيضِ إضْرَارٌ بِالْمُوَكَّلِ وَتَشْقِيصٌ لِمِلْكِهِ ، وَلَمْ يَأْذَنْ فِيهِ .\rوَإِنْ وَكَّلَهُ فِي بَيْعِ عَبِيدٍ أَوْ شِرَائِهِمْ ، مَلَكَ الْعَقْدَ عَلَيْهِمْ جُمْلَةً وَاحِدَةً وَاحِدًا وَاحِدًا ، لِأَنَّ الْإِذْنَ يَتَنَاوَلُ الْعَقْدَ عَلَيْهِمْ جُمْلَةً ، وَالْعُرْفُ فِي بَيْعِهِمْ وَشِرَائِهِمْ الْعَقْدُ عَلَى وَاحِدٍ وَاحِدٍ ، وَلَا ضَرَرَ فِي جَمْعِهِمْ وَلَا إفْرَادِهِمْ .\rوَإِنْ قَالَ : اشْتَرِ لِي عَبِيدًا صَفْقَةً وَاحِدَةً ، أَوْ وَاحِدًا وَاحِدًا ، أَوْ بِعْهُمْ .\rلَمْ تَجُزْ مُخَالَفَتُهُ ؛ لِأَنَّ تَنْصِيصَهُ عَلَى ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى غَرَضِهِ فِيهِ ، فَلَمْ يَتَنَاوَلْ إذْنُهُ سِوَاهُ .\rوَإِنْ قَالَ : اشْتَرِ لِي عَبْدَيْنِ صَفْقَةً .\rفَاشْتَرَى عَبْدَيْنِ لِاثْنَيْنِ مُشْتَرَكَيْنِ بَيْنَهُمَا ، مِنْ وَكِيلِهِمَا ، أَوْ مِنْ أَحَدِهِمَا بِإِذْنِ الْآخَرِ ، جَازَ .\rوَإِنْ كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَبْدٌ مُفْرَدٌ ، فَاشْتَرَاهُمَا مِنْ الْمَالِكَيْنِ ، بِأَنْ أَوْجَبَا لَهُ الْبَيْعَ فِيهِمَا ، وَقَبِلَ ذَلِكَ مِنْهُمَا بِلَفْظٍ وَاحِدٍ ، فَقَالَ الْقَاضِي : لَا يَلْزَمُ الْمُوَكِّلَ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ لِأَنَّ عَقْدَ الْوَاحِدِ مَعَ الِاثْنَيْنِ عَقْدَانِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يَلْزَمَهُ ؛ لِأَنَّ الْقَبُولَ هُوَ الشِّرَاءُ ، وَهُوَ مُتَّحِدٌ ، وَالْغَرَضُ لَا يَخْتَلِفُ .\rوَإِنْ اشْتَرَاهُمَا مِنْ وَكِيلِهِمَا ، وَعَيَّنَ ثَمَنَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ، مِثْلُ أَنْ يَقُولَ : بِعْتُك هَذَيْنِ الْعَبْدَيْنِ ، هَذَا بِمِائَةٍ وَهَذَا بِمِائَتَيْنِ .\rفَقَالَ : قَبِلْت .\rاحْتَمَلَ أَيْضًا وَجْهَيْنِ .\rوَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْ ثَمَنَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ، لَمْ يَصِحَّ الْبَيْعُ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ ؛ لِأَنَّ ثَمَنَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَجْهُولٌ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يَصِحَّ وَيُقَسَّطَ الثَّمَنُ عَلَى قَدْرِ قِيمَتِهِمَا .","part":10,"page":334},{"id":4834,"text":"( 3791 ) فَصْلٌ : فَإِنْ دَفَعَ إلَيْهِ دَرَاهِمَ ، وَقَالَ اشْتَرِ لِي بِهَذِهِ عَبْدًا .\rكَانَ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَهُ بِعَيْنِهَا ، وَفِي الذِّمَّةِ ؛ لِأَنَّ الشِّرَاءَ يَقَعُ عَلَى هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ ، فَإِذَا أَطْلَقَ الْوَكَالَةَ ، كَانَ لَهُ فِعْلُ مَا شَاءَ مِنْهُمَا .\rوَإِنْ قَالَ : اشْتَرِ بِعَيْنِهَا .\rفَاشْتَرَاهُ فِي ذِمَّتِهِ ، ثُمَّ نَقَدَهَا ، لَمْ يَلْزَمْ الْمُوَكِّلَ ؛ لِأَنَّهُ إذَا تَعَيَّنَ الثَّمَنُ ، انْفَسَخَ الْعَقْدُ بِتَلَفِهِ ، أَوْ كَوْنِهِ مَغْصُوبًا ، وَلَمْ يَلْزَمْهُ ثَمَنٌ فِي ذِمَّتِهِ ، وَهَذَا غَرَضٌ لِلْمُوَكِّلِ ، فَلَمْ تَجُزْ مُخَالَفَتُهُ ، وَيَقَعُ الشِّرَاءُ لِلْوَكِيلِ .\rوَهَلْ يَقِفُ عَلَى إجَازَةِ الْمُوَكِّلِ ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ .\rوَإِنْ قَالَ : اشْتَرِ لِي فِي ذِمَّتِك ، وَانْقُدْ هَذِهِ الدَّرَاهِمَ ثَمَنًا .\rفَاشْتَرَاهُ بِعَيْنِهَا ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا : يَلْزَمُ الْمُوَكِّلَ ؛ لِأَنَّهُ أَذِنَ لَهُ فِي عَقْدٍ يَلْزَمُهُ بِهِ الثَّمَنُ مَعَ بَقَاءِ الدَّرَاهِمِ وَتَلَفِهَا ، فَكَانَ إذْنًا فِي عَبْدٍ لَا يَلْزَمُهُ الثَّمَنُ إلَّا مَعَ بَقَائِهَا .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَصِحَّ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ لَهُ غَرَضٌ فِي الشِّرَاءِ بِغَيْرِ عَيْنِهَا ، لِكَوْنِهَا فِيهَا شُبْهَةٌ لَا يُحِبُّ أَنْ يَشْتَرِيَ بِهَا ، أَوْ يُحِبُّ وُقُوعُ الْعَقْدِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَنْفَسِخُ بِتَلَفِهَا ، وَلَا يَبْطُلُ بِتَحْرِيمِهَا ، وَهَذَا غَرَضٌ صَحِيحٌ ، فَلَا يَجُوزُ تَفْوِيتُهُ عَلَيْهِ ، كَمَا لَمْ يَجُزْ تَفْوِيتُ غَرَضِهِ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى .\rوَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فِي هَذَا كُلِّهِ كَنَحْوِ مَا ذَكَرْنَاهُ .","part":10,"page":335},{"id":4835,"text":"( 3792 ) فَصْلٌ : وَإِنْ عَيَّنَ لَهُ الشِّرَاءَ بِنَقْدٍ أَوْ حَالًا ، لَمْ تَجُزْ مُخَالَفَتُهُ .\rوَإِنْ أَذِنَ لَهُ فِي النَّسِيئَةِ وَالْبَيْعِ بِأَيِّ نَقْدٍ شَاءَ ، جَازَ .\rوَإِنْ أَطْلَقَ ، لَمْ يَبِعْ إلَّا حَالًّا بِنَقْدِ الْبَلَدِ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْبَيْعِ الْحُلُولُ ، وَإِطْلَاقُ النَّقْدِ يَنْصَرِفُ إلَى نَقْدِ الْبَلَدِ ، وَلِهَذَا لَوْ بَاعَ عَبْدَهُ بِعَشْرَةِ دَرَاهِمَ وَأَطْلَقَ ، حُمِلَ عَلَى الْحُلُولِ بِنَقْدِ الْبَلَدِ .\rوَإِنْ كَانَ فِي الْبَلَدِ نَقْدَانِ ، بَاعَ بِأَغْلَبِهِمَا ، فَإِنْ تَسَاوَيَا ، بَاعَ بِمَا شَاءَ مِنْهُمَا .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَصَاحِبَاهُ : لَهُ الْبَيْعُ نَسَاءً ؛ لِأَنَّهُ مُعْتَادٌ فَأَشْبَهَ الْحَالَ .\rوَيَتَخَرَّجُ لَنَا مِثْلُ ذَلِكَ بِنَاءً عَلَى الرِّوَايَةِ فِي الْمُضَارِبِ ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهَا .\rوَالْأَوَّلُ ؛ أَوْلَى لِأَنَّهُ لَوْ أَطْلَقَ الْبَيْعَ حُمِلَ عَلَى الْحُلُولِ ، فَكَذَلِكَ إذَا أَطْلَقَ الْوَكَالَةَ فِيهِ ، وَلَا نُسَلِّمُ تَسَاوِي الْعَادَةِ فِيهِمَا ، فَإِنَّ بَيْعَ الْحَالِ أَكْثَرُ ، وَيُفَارِقُ الْمُضَارَبَةَ لِوَجْهَيْنِ ؛ أَحَدِهِمَا ، أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْمُضَارَبَةِ الرِّبْحُ ، لَا دَفْعُ الْحَاجَةِ بِالثَّمَنِ فِي الْحَالِ ، وَقَدْ يَكُونُ الْمَقْصُودُ فِي الْوَكَالَةِ دَفْعَ حَاجَةٍ نَاجِزَةٍ تَفُوتُ بِتَأْخِيرِ الثَّمَنِ .\rوَالثَّانِي ، أَنَّ اسْتِيفَاءَ الثَّمَنِ فِي الْمُضَارَبَةِ عَلَى الْمُضَارِبِ ، فَيَعُودُ ضَرَرُ التَّأْخِيرِ فِي التَّقَاضِي عَلَيْهِ ، وَهَا هُنَا بِخِلَافِهِ ، فَلَا يَرْضَى بِهِ الْمُوَكِّلُ ، وَلِأَنَّ الضَّرَرَ فِي تَوَى الثَّمَنِ عَلَى الْمُضَارِبِ ، لِأَنَّهُ يَحْسِبُ مِنْ الرِّبْحِ ، لِكَوْنِ الرِّبْحِ وِقَايَةً لِرَأْسِ الْمَالِ ، وَهَا هُنَا يَعُودُ عَلَى الْمُوَكِّلِ ، فَانْقَطَعَ الْإِلْحَاقُ .","part":10,"page":336},{"id":4836,"text":"( 3793 ) فَصْلٌ : إذَا وَكَّلَهُ فِي بَيْعِ سِلْعَةٍ نَسِيئَةً ، فَبَاعَهَا نَقْدًا بِدُونِ ثَمَنِهَا نَسِيئَةً ، أَوْ بِدُونِ مَا عَيَّنَهُ لَهُ ، لَمْ يَنْفُذْ بَيْعُهُ ؛ لِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِمُوَكِّلِهِ ، لِأَنَّهُ رَضِيَ بِثَمَنِ النَّسِيئَةِ دُونَ النَّقْدِ .\rوَإِنْ بَاعَهَا نَقْدًا بِمَا تُسَاوِي نَسِيئَةً ، أَوْ عَيَّنَ لَهُ ثَمَنَهَا فَبَاعَهَا بِهِ نَقْدًا ، فَقَالَ الْقَاضِي : يَصِحُّ ؛ لِأَنَّهُ زَادَهُ خَيْرًا فَكَانَ مَأْذُونًا فِيهِ عُرْفًا ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ وَكَّلَهُ فِي بَيْعِهَا بِعَشْرَةٍ فَبَاعَهَا بِأَكْثَرَ مِنْهَا .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يُنْظَرَ فِيهِ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ غَرَضٌ فِي النَّسِيئَةِ صَحَّ ، وَإِنْ كَانَ فِيهَا غَرَضٌ ، نَحْوُ أَنْ يَكُونَ الثَّمَنُ مِمَّا يُسْتَضَرُّ بِحِفْظِهِ فِي الْحَالِ ، أَوْ يُخَافُ عَلَيْهِ مِنْ التَّلَفِ أَوْ الْمُتَغَلِّبِينَ ، أَوْ يَتَغَيَّرُ عَنْ حَالِهِ إلَى وَقْتِ الْحُلُولِ ، فَهُوَ كَمَنْ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْحُلُولِ لَا يَتَنَاوَلُ الْمَسْكُوتَ عَنْهُ إلَّا إذَا عُلِمَ أَنَّهُ فِي الْمَصْلَحَةِ ، كَالْمَنْطُوقِ أَوْ أَكْثَرَ ، فَيَكُونُ الْحُكْمُ فِيهِ ثَابِتًا بِطَرِيقِ التَّنْبِيهِ أَوْ الْمُمَاثَلَةِ ، وَمَتَى كَانَ فِي الْمَنْطُوقِ بِهِ غَرَضٌ مُخْتَصٌّ بِهِ لَمْ يَجُزْ تَفْوِيتُهُ ، وَلَا ثُبُوتُ الْحُكْمِ فِي غَيْرِهِ .\rوَقَدْ ذَكَرَ الْقَاضِي نَحْوَ هَذَا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ .","part":10,"page":337},{"id":4837,"text":"( 3794 ) فَصْلٌ : وَإِنْ وَكَّلَهُ فِي الشِّرَاءِ بِثَمَنِ نَقْدًا ، فَاشْتَرَاهُ نَسِيئَةً بِأَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِ النَّقْدِ ، لَمْ يَقَعْ لِلْمُوَكِّلِ .\rوَإِنْ اشْتَرَاهُ نَسِيئَةً بِثَمَنِهِ نَقْدًا ، أَوْ بِمَا عَيَّنَهُ لَهُ ، فَهِيَ كَاَلَّتِي قَبْلَهَا .\rوَيَصِحُّ لِلْمُوَكِّلِ فِي قَوْلِ الْقَاضِي .\rوَعَلَى مَا ذَكَرْنَا يُنْظَرُ فِي ذَلِكَ ؛ فَإِنْ كَانَ فِيهِ ضَرَرٌ ، نَحْوُ أَنْ يُسْتَضَرَّ بِبَقَاءِ الثَّمَنِ مَعَهُ وَنَحْوُ ذَلِكَ ، لَمْ يَجُزْ ، كَقَوْلِنَا فِي الَّتِي قَبْلَهَا .\rوَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيّ فِي صِحَّةِ الشِّرَاءِ وَجْهَانِ .","part":10,"page":338},{"id":4838,"text":"( 3795 ) فَصْلٌ : وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَبِيعَ بِدُونِ ثَمَنِ الْمِثْلِ ، أَوْ دُونَ مَا قَدَّرَهُ لَهُ ، وَلَا يَشْتَرِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِ الْمِثْلِ أَوْ أَكْثَرَ مِمَّا قَدَّرَ لَهُ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إذَا أَطْلَقَ الْوَكَالَةَ فِي الْبَيْعِ ، فَلَهُ الْبَيْعُ بِأَيِّ ثَمَنٍ كَانَ ؛ لِأَنَّ لَفْظَهُ فِي الْإِذْنِ مُطْلَقٌ ، فَيَجِبُ حَمْلُهُ عَلَى إطْلَاقِهِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ تَوْكِيلٌ مُطْلَقٌ فِي عَقْدِ مُعَاوَضَةٍ ، فَاقْتَضَى ثَمَنَ الْمِثْلِ ، كَالشِّرَاءِ ، فَإِنَّهُ وَافَقَ عَلَيْهِ ، وَمَا ذَكَرَهُ يَنْتَقِضُ بِالشِّرَاءِ .\rفَإِنْ بَاعَ بِأَقَلَّ مِنْ ثَمَنِ الْمِثْلِ ، أَوْ اشْتَرَى بِأَكْثَرَ مِنْهُ مِمَّا لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِمِثْلِهِ ، أَوْ بَاعَ بِدُونِ مَا قَدَّرَهُ لَهُ ، أَوْ اشْتَرَى بِأَكْثَرَ مِنْهُ ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ مَنْ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ .\rوَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَعَنْ أَحْمَدَ أَنَّ الْبَيْعَ جَائِزٌ دُونَ الشِّرَاءِ ، وَيَضْمَنُ الْوَكِيلُ النَّقْصَ ؛ لِأَنَّ مَنْ صَحَّ بَيْعُهُ بِثَمَنِ الْمِثْلِ ، صَحَّ بِدُونِهِ كَالْمَرِيضِ .\rفَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ يَكُونُ الْبَيْعُ صَحِيحًا ، وَعَلَى الْوَكِيلِ ضَمَانُ النَّقْصِ ، وَفِي قَدْرِهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، مَا بَيْنَ ثَمَنِ الْمِثْلِ وَمَا بَاعَهُ بِهِ .\rوَالثَّانِي ، مَا بَيْنَ مَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِهِ ، وَمَا لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِهِ ، لِأَنَّ مَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِهِ يَصِحُّ بَيْعُهُ بِهِ وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ .\rوَالْأَوَّلُ أَقْيَسُ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُؤْذَنْ لِلْوَكِيلِ فِي هَذَا الْبَيْعِ ، فَأَشْبَهَ بَيْعَ الْأَجْنَبِيِّ .\rوَلَوْ أَذِنَ لَهُ فِي الْبَيْعِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ ضَمَانٌ ، فَأَشْبَهَ الشِّرَاءَ .\rوَكُلُّ تَصَرُّفٍ كَانَ الْوَكِيلُ مُخَالِفًا فِيهِ لِمُوَكِّلِهِ ، فَحُكْمُهُ فِيهِ حُكْمُ تَصَرُّفِ الْأَجْنَبِيِّ ، عَلَى مَا يُذْكَرُ فِي مَوْضِعِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ .\rوَأَمَّا مَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِهِ عَادَةً ، فَمَعْفُوٌّ عَنْهُ إذَا لَمْ يَكُنْ الْمُوَكِّلُ قَدَّرَ لَهُ الثَّمَنَ ؛ لِأَنَّ مَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِهِ","part":10,"page":339},{"id":4839,"text":"يُعَدُّ ثَمَنَ الْمِثْلِ ، وَلَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ .\rوَلَوْ حَضَرَ مِنْ يَزِيدُ عَلَى ثَمَنِ الْمِثْلِ ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يَبِيعَ بِثَمَنِ الْمِثْلِ ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ الِاحْتِيَاطَ وَطَلَبَ الْحَظِّ لِمُوَكِّلِهِ .\rوَإِنْ بَاعَ بِثَمَنِ الْمِثْلِ ، فَحَضَرَ مَنْ يَزِيدُ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ ، لَمْ يَلْزَمْهُ فَسْخُ الْعَقْدِ ، فِي الصَّحِيحِ ؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ مَمْنُوعٌ مِنْهَا ، مَنْهِيٌّ عَنْهَا ، فَلَا يَلْزَمُ الرُّجُوعُ إلَيْهَا ، وَلِأَنَّ الْمُزَايِدَ قَدْ لَا يَثْبُتُ عَلَى الزِّيَادَةِ ، فَلَا يَلْزَمُ الْفَسْخُ بِالشَّكِّ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يَلْزَمَهُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهَا زِيَادَةٌ فِي الثَّمَنِ أَمْكَنَ تَحْصِيلُهَا ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَجَازَ بِهِ قَبْلَ الْبَيْعِ ، وَالنَّهْيُ يَتَوَجَّهُ إلَى الَّذِي زَادَ لَا إلَى الْوَكِيلِ ، فَأَشْبَهَ مَنْ جَاءَتْهُ الزِّيَادَةُ قَبْلَ الْبَيْعِ وَبَعْدَ الِاتِّفَاقِ عَلَيْهِ .","part":10,"page":340},{"id":4840,"text":"( 3796 ) فَصْلٌ : وَمَنْ وُكِّلَ فِي بَيْعِ عَبْدٍ بِمِائَةٍ ، فَبَاعَهُ بِأَكْثَرَ مِنْهَا ، صَحَّ ، سَوَاءٌ كَانَتْ الزِّيَادَةُ كَثِيرَةً أَوْ قَلِيلَةً ؛ لِأَنَّهُ بَاعَ بِالْمَأْذُونِ فِيهِ وَزَادَ زِيَادَةً تَنْفَعُهُ وَلَا تَضُرُّهُ ، وَسَوَاءٌ كَانَتْ الزِّيَادَةُ مِنْ جِنْسِ الثَّمَنِ الْمَأْمُورِ بِهِ ، أَوْ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ ، مِثْلُ أَنْ يَأْذَنَ فِي بَيْعِهِ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ ، فَيَبِيعَهُ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ وَدِينَارٍ أَوْ ثَوْبٍ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ : لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ بِمِائَةِ وَثَوْبٍ ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الْأَثْمَانِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهَا زِيَادَةٌ تَنْفَعُهُ وَلَا تَضُرُّهُ ، أَشْبَهَ مَا لَوْ بَاعَهُ بِمِائَةٍ وَدِينَارٍ ، وَلِأَنَّ الْإِذْنَ فِي بَيْعِهِ بِمِائَةٍ ، إذْنٌ فِي بَيْعِهِ بِزِيَادَةٍ عَلَيْهَا عُرْفًا ، لِأَنَّ مَنْ رَضِيَ بِمِائَةٍ لَا يَكْرَهُ أَنْ يُزَادَ عَلَيْهَا ثَوْبٌ يَنْفَعُهُ وَلَا يَضُرُّهُ .\rوَإِنْ بَاعَهُ بِمِائَةِ دِينَارٍ ، أَوْ بِتِسْعِينَ دِرْهَمًا وَعَشْرَةِ دَنَانِيرَ ، وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ ، أَوْ بِمِائَةِ ثَوْبٍ ، أَوْ بِثَمَانِينَ دِرْهَمًا وَعِشْرِينَ ثَوْبًا ، لَمْ يَصِحَّ .\rذَكَرَهُ الْقَاضِي .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ خَالَفَ مُوَكِّلَهُ فِي الْجِنْسِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ بَاعَهُ بِثَوْبٍ يُسَاوِي أَكْثَرَ مِنْ مِائَةِ دِرْهَمٍ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يَصِحَّ فِيمَا إذَا جَعَلَ مَكَانَ الدَّرَاهِمِ دَنَانِيرَ ، أَوْ مَكَانَ بَعْضِهَا ؛ لِأَنَّهُ مَأْذُونٌ فِيهِ عُرْفًا ، فَإِنَّ مَنْ رَضِيَ بِدِرْهَمٍ رَضِيَ مَكَانَهُ بِدِينَارٍ ، فَجَرَى مَجْرَى بَيْعِهِ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ وَدِينَارٍ .\rوَأَمَّا الثِّيَابُ فَلَا يَصِحُّ بَيْعُهُ بِهَا ؛ لِأَنَّهَا مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الْأَثْمَانِ .","part":10,"page":341},{"id":4841,"text":"( 3797 ) فَصْلٌ : وَإِنْ وَكَّلَهُ فِي بَيْعِ عَبْدٍ بِمِائَةٍ ، فَبَاعَ نِصْفَهُ بِهَا ، أَوْ وَكَّلَهُ مُطْلَقًا ، فَبَاعَ نِصْفَهُ بِثَمَنِ الْكُلِّ ، جَازَ ؛ لِأَنَّهُ مَأْذُونٌ فِيهِ مِنْ جِهَةِ الْعُرْفِ ، فَإِنَّ مَنْ رَضِيَ مِائَةً ثَمَنًا لِلْكُلِّ ، رَضِيَ بِهَا ثَمَنًا لِلنِّصْفِ ، وَلِأَنَّهُ حَصَّلَ لَهُ الْمِائَةَ وَأَبْقَى لَهُ زِيَادَةً تَنْفَعُهُ وَلَا تَضُرُّهُ .\rوَلَهُ بَيْعُ النِّصْفِ الْآخَرِ ؛ لِأَنَّهُ مَأْذُونٌ فِي بَيْعِهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ بَاعَ الْعَبْدَ كُلَّهُ بِمِثْلَيْ ثَمَنِهِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَلَّا يَجُوزَ لَهُ بَيْعُهُ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ حَصَّلَ لِلْمُوَكِّلِ غَرَضَهُ مِنْ الثَّمَنِ بِبَيْعِ نِصْفِهِ ، فَرُبَّمَا لَا يُؤْثِرُ بَيْعَ بَاقِيهِ ، لِلْغِنَى عَنْ بَيْعِهِ بِمَا حَصَلَ لَهُ مِنْ ثَمَنِ نِصْفِهِ .\rوَهَكَذَا الْقَوْلُ فِي تَوْكِيلِهِ فِي بَيْعِ عَبْدَيْنِ بِمِائَةٍ ، إذَا بَاعَ أَحَدَهُمَا بِهَا ، صَحَّ .\rوَهَلْ يَكُونُ لَهُ بَيْعُ الْعَبْدِ الْآخَرِ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ .\rفَأَمَّا إنْ وَكَّلَهُ فِي بَيْعِ عَبْدِهِ بِمِائَةٍ ، فَبَاعَ بَعْضَهُ بِأَقَلَّ مِنْهَا ، لَمْ يَصِحَّ .\rوَإِنْ وَكَّلَهُ مُطْلَقًا ، فَبَاعَ بَعْضَهُ بِأَقَلَّ مِنْ ثَمَنِ الْكُلِّ ، لَمْ يَجُزْ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَجُوزُ فِيمَا إذَا أَطْلَقَ الْوَكَالَةَ .\rبِنَاءً عَلَى أَصْلِهِ فِي أَنَّ لِلْوَكِيلِ الْمُطْلَقِ الْبَيْعَ بِمَا شَاءَ ، وَلَنَا ، أَنَّ عَلَى الْمُوَكِّلِ ضَرَرًا فِي تَبْعِيضِهِ ، وَلَمْ يُوجَدْ الْإِذْنُ فِيهِ نُطْقًا وَلَا عُرْفًا ، فَلَمْ يَجُزْ ، كَمَا لَوْ وَكَّلَهُ فِي شِرَاءِ عَبْدٍ ، فَاشْتَرَى نِصْفَهُ .","part":10,"page":342},{"id":4842,"text":"( 3798 ) فَصْلٌ : وَإِنْ وَكَّلَهُ فِي شِرَاءِ عَبْدٍ بِعَيْنِهِ بِمِائَةٍ ، فَاشْتَرَاهُ بِخَمْسِينَ ، أَوْ بِمَا دُونَ الْمِائَةِ ، صَحَّ ، وَلَزِمَ الْمُوَكِّلَ ؛ لِأَنَّهُ مَأْذُونٌ فِيهِ مِنْ جِهَةِ الْعُرْفِ .\rوَإِنْ قَالَ : لَا تَشْتَرِهِ بِأَقَلَّ مِنْ مِائَةٍ ، فَخَالَفَهُ ، لَمْ يَجُزْ ؛ لِأَنَّهُ خَالَفَ نَصَّهُ ، وَصَرِيحُ قَوْلِهِ مُقَدَّمٌ عَلَى دَلَالَةِ الْعُرْفِ .\rفَإِنْ قَالَ : اشْتَرِهِ بِمِائَةٍ ، وَلَا تَشْتَرِهِ بِخَمْسِينَ .\rجَازَ لَهُ شِرَاؤُهُ بِمَا فَوْقَ الْخَمْسِينَ ؛ لِأَنَّ إذْنَهُ فِي الشِّرَاءِ بِمِائَةٍ دَلَّ عُرْفًا عَلَى الشِّرَاءِ بِمَا دُونَهَا ، خَرَجَ مِنْهُ الْخَمْسُونَ بِصَرِيحِ النَّهْيِ ، بَقِيَ فِيمَا فَوْقَهَا عَلَى مُقْتَضَى الْإِذْنِ .\rوَإِنْ اشْتَرَاهُ بِأَقَلَّ مِنْ الْخَمْسِينَ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، يَجُوزُ ؛ لِذَلِكَ ، وَلِأَنَّهُ لَمْ يُخَالِفْ صَرِيحَ نَهْيِهِ ، أَشْبَهَ مَا زَادَ عَلَى الْخَمْسِينَ .\rوَالثَّانِي ، لَا يَجُوزُ ؛ لِأَنَّهُ نَهَاهُ عَنْ الْخَمْسِينَ اسْتِقْلَالًا لَهَا .\rفَكَانَ تَنْبِيهًا عَلَى النَّهْيِ عَمَّا هُوَ أَقَلُّ مِنْهُمَا ، كَمَا أَنَّ الْإِذْنَ فِي الشِّرَاءِ بِمِائَةٍ إذْنٌ فِيمَا دُونَهَا ، فَجَرَى ذَلِكَ مَجْرَى صَرِيحِ نَهْيِهِ ، فَإِنَّ تَنْبِيهَ الْكَلَامِ كَنَصِّهِ .\rوَإِنْ قَالَ : اشْتَرِهِ بِمِائَةِ دِينَارٍ .\rفَاشْتَرَاهُ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ .\rفَالْحُكْمُ فِيهِ كَمَا لَوْ قَالَ : بِعْهُ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ ، فَبَاعَهُ بِمِائَةِ دِينَارٍ ، عَلَى مَا مَضَى مِنْ الْقَوْلِ فِيهِ .\rوَإِنْ قَالَ : اشْتَرِ لِي نِصْفَهُ بِمِائَةٍ .\rفَاشْتَرَاهُ كُلَّهُ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِهِ بِمِائَةٍ ، جَازَ ؛ لِأَنَّهُ مَأْذُونٌ فِيهِ عُرْفًا .\rوَإِنْ قَالَ : اشْتَرِ لِي نِصْفَهُ بِمِائَةٍ ، وَلَا تَشْتَرِهِ جَمِيعَهُ ، فَاشْتَرَى أَكْثَرَ مِنْ النِّصْفِ وَأَقَلَّ مِنْ الْكُلِّ بِمِائَةٍ ، صَحَّ ، فِي قِيَاسِ الْمَسْأَلَةِ الَّتِي قَبْلَهَا ، لِكَوْنِ دَلَالَةِ الْعُرْفِ قَاضِيَةً بِالْإِذْنِ فِي شِرَاءِ كُلِّ مَا زَادَ عَلَى النِّصْفِ ، خَرَجَ الْجَمِيعُ بِصَرِيحِ نَهْيِهِ ، فَفِيمَا عَدَاهُ يَبْقَى عَلَى مُقْتَضَى الْإِذْنِ .","part":10,"page":343},{"id":4843,"text":"( 3799 ) فَصْلٌ : وَإِنْ وَكَّلَهُ فِي شِرَاءِ عَبْدٍ مَوْصُوفٍ بِمِائَةٍ ، فَاشْتَرَاهُ عَلَى الصِّفَةِ بِدُونِهَا ، جَازَ ؛ لِأَنَّهُ مَأْذُونٌ فِيهِ عُرْفًا .\rوَإِنْ خَالَفَهُ فِي الصِّفَةِ ، أَوْ اشْتَرَاهُ بِأَكْثَرَ مِنْهَا ، لَمْ يَلْزَمْ الْمُوَكِّلَ .\rوَإِنْ قَالَ : اشْتَرِ لِي عَبْدًا بِمِائَةٍ فَاشْتَرَى عَبْدًا يُسَاوِي مِائَةً بِدُونِهَا ، جَازَ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ اشْتَرَاهُ بِمِائَةٍ جَازَ ، فَإِذَا اشْتَرَاهُ بِدُونِهَا فَقَدْ زَادَهُ خَيْرًا ، فَيَجُوزُ .\rوَإِنْ كَانَ لَا يُسَاوِي مِائَةً ، لَمْ يَجُزْ ، وَإِنْ كَانَ يُسَاوِي أَكْثَرَ مِمَّا اشْتَرَاهُ بِهِ ؛ لِأَنَّهُ خَالَفَ أَمْرَهُ ، وَلَمْ يُحَصِّلْ غَرَضَهُ .","part":10,"page":344},{"id":4844,"text":"( 3800 ) فَصْلٌ : وَإِنْ وَكَّلَهُ فِي شِرَاءِ شَاةٍ بِدِينَارٍ ، فَاشْتَرَى شَاتَيْنِ تُسَاوِي كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا أَقَلَّ مِنْ دِينَار لَمْ يَقَعْ لِلْمُوَكِّلِ .\rوَإِنْ كَانَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا تُسَاوِي دِينَارًا .\rأَوْ إحْدَاهُمَا تُسَاوِي دِينَارًا وَالْأُخْرَى أَقَلَّ مِنْ دِينَارٍ ، صَحَّ ، وَلَزِمَ الْمُوَكِّلَ .\rوَهَذَا الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَقَعُ لِلْمُوَكِّلِ إحْدَى الشَّاتَيْنِ بِنِصْفِ دِينَارٍ ، وَالْأُخْرَى لِلْوَكِيلِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرْضَ إلَّا بِإِلْزَامِهِ عُهْدَةَ شَاةٍ وَاحِدَةٍ .\rوَلَنَا ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْطَى عُرْوَةَ بْنَ الْجَعْدِ دِينَارًا ، فَقَالَ : اشْتَرِ لَنَا بِهِ شَاةً .\rقَالَ : فَأَتَيْت الْجَلَبَ ، فَاشْتَرَيْت شَاتَيْنِ بِدِينَارٍ ، فَجِئْت أَسُوقُهُمَا ، أَوْ أَقُودُهُمَا ، فَلَقِيَنِي رَجُلٌ بِالطَّرِيقِ ، فَسَاوَمَنِي ، فَبِعْت مِنْهُ شَاةً بِدِينَارٍ ، فَأَتَيْت النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالدِّينَارِ وَالشَّاةِ ، فَقُلْت : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، هَذَا دِينَارُكُمْ ، وَهَذِهِ شَاتُكُمْ .\rقَالَ : وَصَنَعْتَ كَيْفَ ؟ فَحَدَّثْته الْحَدِيثَ قَالَ : اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُ فِي صَفْقَةِ يَمِينِهِ .\r} وَلِأَنَّهُ حَصَّلَ لَهُ الْمَأْذُونَ فِيهِ وَزِيَادَةً مِنْ جِنْسِهِ تَنْفَعُ وَلَا تَضُرُّ ، فَوَقَعَ ذَلِكَ لَهُ ، كَمَا لَوْ قَالَ : لَهُ بِعْهُ بِدِينَارٍ .\rفَبَاعَهُ بِدِينَارَيْنِ ، وَمَا ذَكَرَهُ يَبْطُلُ بِالْبَيْعِ .\rفَإِنْ بَاعَ الْوَكِيلُ إحْدَى الشَّاتَيْنِ بِغَيْرِ أَمْرِ الْمُوَكِّلِ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، الْبَيْعُ بَاطِلٌ ؛ لِأَنَّهُ بَاعَ مَالَ مُوَكِّلِهِ بِغَيْرِ أَمْرِهِ ، فَلَمْ يَجُزْ كَبَيْعِ الشَّاتَيْنِ .\rوَالثَّانِي ، إنْ كَانَتْ الْبَاقِيَةُ تُسَاوِي دِينَارًا جَازَ ، لِحَدِيثِ عُرْوَةَ بْنِ الْجَعْدِ الْبَارِقِيِّ ، وَلِأَنَّهُ حَصَّلَ لَهُ الْمَقْصُودَ ، وَالزِّيَادَةُ لَوْ كَانَتْ غَيْرَ الشَّاةِ جَازَ ، فَجَازَ لَهُ إبْدَالُهَا بِغَيْرِهَا .\rوَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ صِحَّةُ الْبَيْعِ ؛ لِأَنَّهُ أَخَذَ بِحَدِيثِ عُرْوَةَ وَذَهَبَ إلَيْهِ .\rوَإِذَا قُلْنَا : لَا يَجُوزُ","part":10,"page":345},{"id":4845,"text":"لَهُ بَيْعُ الشَّاةِ .\rفَبَاعَهَا ، فَهَلْ يَقَعُ الْبَيْعُ بَاطِلًا أَوْ صَحِيحًا مَوْقُوفًا عَلَى إجَازَةِ الْمُوَكِّلِ ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ .\rوَهَذَا أَصْلٌ لِكُلِّ مَنْ تَصَرَّفَ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ ، وَوَكِيلٌ يُخَالِفُ مُوَكِّلَهُ ، هَلْ يَقَعُ بَاطِلًا أَوْ يَصِحُّ وَيَقِفُ عَلَى إجَازَةِ الْمَالِكِ ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ .\rوَلِلشَّافِعِيِّ فِي صِحَّةِ الْبَيْعِ هَاهُنَا وَجْهَانِ .","part":10,"page":346},{"id":4846,"text":"( 3801 ) فَصْلٌ : وَإِذَا وَكَّلَهُ فِي شِرَاءِ سِلْعَةٍ مَوْصُوفَةٍ ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يَشْتَرِيَهَا إلَّا سَلِيمَةً لِأَنَّ إطْلَاقَ الْبَيْعِ يَقْتَضِي السَّلَامَةَ ، وَلِذَلِكَ جَازَ الرَّدُّ بِالْعَيْبِ .\rفَإِنْ اشْتَرَى مَعِيبًا يَعْلَمُ عَيْبَهُ ، لَمْ يَلْزَمْ الْمُوَكِّلَ ؛ لِأَنَّهُ اشْتَرَى غَيْرَ مَا أَذِنَ لَهُ فِيهِ ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ عَيْبَهُ ، صَحَّ ، الْبَيْعُ ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَلْزَمُهُ شِرَاءُ الصَّحِيحِ فِي الظَّاهِرِ ، لِعَجْزِهِ عَنْ التَّحَرُّزِ عَنْ شِرَاءِ مَعِيبٍ لَا يَعْلَمُ عَيْبَهُ ، فَإِذَا عَلِمَ عَيْبَهُ مَلَكَ رَدَّهُ ؛ لِأَنَّهُ قَائِمٌ فِي الشِّرَاءِ مَقَامَ الْمُوَكِّلِ ، وَلِلْمُوَكِّلِ رَدُّهُ أَيْضًا ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ لَهُ ، فَإِنْ حَضَرَ قَبْلَ رَدِّ الْوَكِيلِ ، وَرَضِيَ بِالْعَيْبِ ، لَمْ يَكُنْ لِلْوَكِيلِ رَدُّهُ ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُ ، بِخِلَافِ الْمُضَارِبِ ، فَإِنَّ لَهُ الرَّدَّ وَإِنْ رَضِيَ رَبُّ الْمَالِ ؛ لِأَنَّ لَهُ حَقًّا فَلَا يَسْقُطُ بِرِضَى غَيْرِهِ ، وَإِنْ لَمْ يَحْضُرْ ، فَأَرَادَ الْوَكِيلُ الرَّدَّ ، فَقَالَ لَهُ الْبَائِعُ : تَوَقَّفْ حَتَّى يَحْضُرَ الْمُوَكِّلُ ، فَرُبَّمَا رَضِيَ بِالْعَيْبِ .\rلَمْ يَلْزَمْهُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَأْمَنُ فَوَاتَ الرَّدِّ لِهَرَبِ الْبَائِعِ ، وَفَوَاتَ الثَّمَنِ بِتَلَفِهِ ، وَإِنْ أَخَّرَهُ بِنَاءً عَلَى هَذَا الْقَوْلِ ، فَلَمْ يَرْضَ بِهِ الْمُوَكِّلُ ، لَمْ يَسْقُطْ رَدُّهُ .\rوَإِنْ قُلْنَا : الرَّدُّ عَلَى الْفَوْرِ ؛ لِأَنَّهُ أَخَّرَهُ بِإِذْنِ الْبَائِعِ فِيهِ .\rوَإِنْ قَالَ الْبَائِعُ : مُوَكِّلُك قَدْ عَلِمَ الْعَيْبَ فَرَضِيَهُ .\rلَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ إلَّا بِبَيِّنَةِ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ لَمْ يُسْتَحْلَفْ الْوَكِيلُ ، إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ عِلْمَهُ ، فَيَحْلِفَ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ لَا يُسْتَحْلَفُ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ حَلَفَ كَانَ نَائِبًا فِي الْيَمِينَ ، وَلَيْسَ بِصَحِيحِ ، فَإِنَّهُ لَا نِيَابَةَ هَاهُنَا ، وَإِنَّمَا يَحْلِفُ عَلَى نَفْيِ عِلْمِهِ ، وَهَذَا لَا يَنُوبُ فِيهِ عَنْ أَحَدٍ .\rفَإِنْ رَدَّ الْوَكِيلُ ، وَحَضَرَ","part":10,"page":347},{"id":4847,"text":"الْمُوَكِّلُ ، وَقَالَ : بَلَغَنِي الْعَيْبُ ، وَرَضِيت بِهِ .\rوَصَدَّقَهُ الْبَائِعُ ، أَوْ قَامَتْ بِهِ بَيِّنَةٌ ، لَمْ يَقَعْ الرَّدُّ مَوْقِعَهُ ، وَكَانَ لِلْمُوَكِّلِ اسْتِرْجَاعُهُ ، وَلِلْبَائِعِ رَدُّهُ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ رِضَاهُ بِهِ عَزَلَ الْوَكِيلَ عَنْ الرَّدِّ ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ عَلِمَهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ الرَّدُّ ، إلَّا أَنْ نَقُولَ : إنَّ الْوَكِيلَ لَا يَنْعَزِلُ حَتَّى يَعْلَمَ الْعَزْلَ .\rوَإِنْ رَضِيَ الْوَكِيلُ الْمَعِيبَ ، أَوْ أَمْسَكَهُ إمْسَاكًا يَنْقَطِعُ بِهِ الرَّدُّ ، فَحَضَرَ الْمُوَكِّلُ ، فَأَرَادَ الرَّدَّ ، فَلَهُ ذَلِكَ إنْ صَدَّقَهُ الْبَائِعُ أَنَّ الشِّرَاءَ لَهُ ، أَوْ قَامَتْ بِهِ بَيِّنَةٌ .\rوَإِنْ كَذَّبَهُ وَلَمْ تَكُنْ بِهِ بَيِّنَةٌ ، فَحَلَّفَهُ الْبَائِعُ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ أَنَّ الشِّرَاءَ لَهُ ، فَلَيْسَ لَهُ رَدُّهُ ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ مَنْ اشْتَرَى شَيْئًا فَهُوَ لَهُ ، وَيَلْزَمُ الْوَكِيلَ ، وَعَلَيْهِ غَرَامَةُ الثَّمَنِ .\rوَهَذَا كُلُّهُ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لِلْوَكِيلِ شِرَاءُ الْمَعِيبِ ؛ لِأَنَّ التَّوْكِيلَ فِي الْبَيْعِ مُطْلَقًا يَدْخُلُ الْمَعِيبُ فِي إطْلَاقِهِ ، وَلِأَنَّهُ أَمِينُهُ فِي الشِّرَاءِ ، فَجَازَ لَهُ شِرَاءُ الْمَعِيبِ ، كَالْمُضَارِبِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الْبَيْعَ بِإِطْلَاقِهِ يَقْتَضِي الصَّحِيحَ دُونَ الْمَعِيبِ ، فَكَذَلِكَ الْوَكَالَةُ فِيهِ ، وَيُفَارِقُ الْمُضَارَبَةَ مِنْ حَيْثُ إنَّ الْمَقْصُودَ فِيهَا الرِّبْحُ ، وَالرِّبْحُ يَحْصُلُ مِنْ الْمَعِيبِ كَحُصُولِهِ مِنْ الصَّحِيحِ ، وَالْمَقْصُودُ مِنْ الْوَكَالَةِ شِرَاءُ مَا يَقْتَنِي أَوْ يَدْفَعُ بِهِ حَاجَتَهُ ، وَقَدْ يَكُونُ الْعَيْبُ مَانِعًا مِنْ قَضَاءِ الْحَاجَةِ بِهِ وَمِنْ قِنْيَتِهِ ، فَلَا يَحْصُلُ الْمَقْصُودُ .\rوَقَدْ نَاقَضَ أَبُو حَنِيفَةَ أَصْلَهُ ؛ فَإِنَّهُ قَالَ فِي قَوْله تَعَالَى : { فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ } : لَا تَجُوزُ الْعَمْيَاءُ وَلَا مَعِيبَةٌ عَيْبًا يَضُرُّ بِالْعَمَلِ .\rوَقَالَ هَاهُنَا : يَجُوزُ لِلْوَكِيلِ شِرَاءُ الْأَعْمَى وَالْمُقْعَدِ وَمَقْطُوعِ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ .","part":10,"page":348},{"id":4848,"text":"( 3802 ) فَصْلٌ : وَإِنْ أَمَرَهُ بِشِرَاءِ سِلْعَةٍ بِعَيْنِهَا ، فَاشْتَرَاهَا ، فَوَجَدَهَا مَعِيبَةً ، احْتَمَلَ أَنَّ لَهُ الرَّدَّ ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ يَقْتَضِي السَّلَامَةَ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ وَكَّلَهُ فِي شِرَاءِ مَوْصُوفَةٍ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَمْلِكَ الرَّدَّ ؛ لِأَنَّ الْمُوَكِّلَ قَطَعَ نَظَرَهُ بِالتَّعْيِينِ ، فَرُبَّمَا رَضِيَهُ عَلَى جَمِيعِ صِفَاتِهِ .\rوَإِنْ عَلِمَ عَيْبَهُ قَبْلَ شِرَائِهِ ، فَهَلْ لَهُ شِرَاؤُهُ ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ أَيْضًا ، مَبْنِيَّيْنِ عَلَى رَدِّهِ إذَا عَلِمَ عَيْبَهُ بَعْدَ شِرَائِهِ .\rوَإِنْ قُلْنَا : يَمْلِكُ رَدَّهُ .\rفَلَيْسَ لَهُ شِرَاؤُهُ ؛ لِأَنَّ الْعَيْبَ إذَا جَازَ بِهِ الرَّدُّ بَعْدَ الْعَقْدِ فَلَأَنْ يَمْنَعَ مِنْ الشِّرَاءِ أَوْلَى .\rوَإِنْ قُلْنَا : لَا يَمْلِكُ الرَّدَّ ثَمَّ .\rفَلَهُ الشِّرَاءُ هَاهُنَا ؛ لِأَنَّ تَعْيِينَ الْمُوَكِّلِ قَطَعَ نَظَرَهُ وَاجْتِهَادَهُ فِي جَوَازِ الرَّدِّ ، فَكَذَلِكَ فِي الشِّرَاءِ .","part":10,"page":349},{"id":4849,"text":"( 3803 ) فَصْلٌ : وَإِذَا اشْتَرَى الْوَكِيلُ لِمُوَكِّلِهِ شَيْئًا بِإِذْنِهِ ، انْتَقَلَ الْمِلْكُ مِنْ الْبَائِعِ إلَى الْمُوَكِّلِ ، وَلَمْ يَدْخُلْ فِي مِلْكِ الْوَكِيلِ ، وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَدْخُلُ فِي مِلْكِ الْوَكِيلِ ، ثُمَّ يَنْتَقِلُ إلَى الْمُوَكِّلِ ؛ لِأَنَّ حُقُوقَ الْعَقْدِ تَتَعَلَّقُ بِالْوَكِيلِ ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ اشْتَرَاهُ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِهِ دَخَلَ فِي مِلْكِهِ ، وَلَمْ يَنْتَقِلْ إلَى الْمُوَكِّلِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ قَبِلَ عَقْدًا لَغَيْرِهِ صَحَّ لَهُ ، فَوَجَبَ أَنْ يَنْتَقِلَ الْمِلْكُ إلَيْهِ ، كَالْأَبِ وَالْوَصِيِّ ، وَكَمَا لَوْ تَزَوَّجَ لَهُ .\rوَقَوْلُهُمْ : إنَّ حُقُوقَ الْعَقْدِ تَتَعَلَّقُ بِهِ .\rغَيْرُ مُسَلَّمٍ وَيَتَفَرَّعُ عَنْ هَذَا أَنَّ الْمُسْلِمَ لَوْ وَكَّلَ ذِمِّيًّا فِي شِرَاءِ خَمْرٍ أَوْ خِنْزِيرٍ ، فَاشْتَرَاهُ لَهُ ، لَمْ يَصِحَّ الشِّرَاءُ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَصِحُّ ، وَيَقَعُ لِلذِّمِّيِّ ؛ لِأَنَّ الْخَمْرَ مَالٌ لَهُمْ ، لِأَنَّهُمْ يَتَمَوَّلُونَهَا وَيَتَبَايَعُونَهَا ، فَصَحَّ تَوْكِيلُهُمْ فِيهَا كَسَائِرِ أَمْوَالِهِمْ .\rوَلَنَا ، أَنَّ كُلَّ مَا لَا يَجُوزُ لِلْمُسْلِمِ الْعَقْدُ عَلَيْهِ ، لَا يَجُوزُ أَنْ يُوَكِّلَ فِيهِ ، كَتَزْوِيجِ الْمَجُوسِيَّةِ .\rوَبِهَذَا خَالَفَ سَائِرَ أَمْوَالِهِمْ .\rوَإِذَا بَاعَ الْوَكِيلُ بِثَمَنٍ مُعَيَّنٍ ، ثَبَتَ الْمِلْكُ لِلْمُوَكِّلِ فِي الثَّمَنِ ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْمَبِيعِ .\rوَإِنْ كَانَ الثَّمَنُ فِي الذِّمَّةِ ، فَلِلْوَكِيلِ وَالْمُوَكِّلِ الْمُطَالَبَةُ بِهِ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَيْسَ لِلْمُوَكِّلِ الْمُطَالَبَةُ ؛ لِأَنَّ حُقُوقَ الْعَقْدِ تَتَعَلَّقُ بِالْوَكِيلِ دُونَهُ ، وَلِهَذَا يَتَعَلَّقُ مَجْلِسُ الصَّرْفِ وَالْخِيَارِ بِهِ دُونَ مُوَكِّلِهِ ، فَكَذَلِكَ الْقَبْضُ .\rوَلَنَا ، أَنَّ هَذَا دَيْنٌ لِلْمُوَكِّلِ يَصِحُّ قَبْضُهُ لَهُ ، فَمَلَكَ الْمُطَالَبَةَ بِهِ ، كَسَائِرِ دُيُونِهِ الَّتِي وَكَّلَ فِيهَا ، وَيُفَارِقُ مَجْلِسَ الْعَقْدِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ شُرُوطِ الْعَقْدِ ، فَتَعَلَّقَ بِالْعَاقِدِ ، كَالْإِيجَابِ ، وَالْقَبُولِ .\rوَأَمَّا","part":10,"page":350},{"id":4850,"text":"الثَّمَنُ فَهُوَ حَقٌّ لِلْمُوَكِّلِ وَمَالٌ مِنْ أَمْوَالِهِ ، فَكَانَتْ لَهُ الْمُطَالَبَةُ بِهِ .\rوَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ حُقُوقَ الْعَقْدِ تَتَعَلَّقُ بِهِ ، وَإِنَّمَا تَتَعَلَّقُ بِالْمُوَكِّلِ ، وَهِيَ تَسْلِيمُ الثَّمَنِ ، وَقَبْضُ الْمَبِيعِ ، وَالرَّدُّ بِالْعَيْبِ ، وَضَمَانُ الدَّرْك .\rفَأَمَّا ثَمَنُ مَا اشْتَرَاهُ إذَا كَانَ فِي الذِّمَّةِ فَإِنَّهُ يَثْبُتُ فِي ذِمَّةِ الْمُوَكِّلِ أَصْلًا ، وَفِي ذِمَّةِ الْوَكِيلِ تَبَعًا ، كَالضَّامِنِ ، وَلِلْبَائِعِ مُطَالَبَةُ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا ، فَإِنْ أَبْرَأَ الْوَكِيلَ لَمْ يَبْرَأْ الْمُوَكِّلُ ، وَإِنْ أَبْرَأَ الْمُوَكِّلَ بَرِئَ الْوَكِيلُ أَيْضًا ، كَالضَّامِنِ وَالْمَضْمُونِ عَنْهُ سَوَاءٌ .\rوَإِنْ دَفَعَ الثَّمَنَ إلَى الْبَائِعِ ، فَوَجَدَ بِهِ عَيْبًا ، فَرَدَّهُ عَلَى الْوَكِيلِ ، كَانَ أَمَانَةً فِي يَدِهِ .\rإنْ تَلِفَ فَهُوَ مِنْ ضَمَانِ الْمُوَكِّلِ .\rوَلَوْ وَكَّلَ رَجُلًا يَتَسَلَّفُ لَهُ أَلْفًا فِي كُرِّ حِنْطَةٍ ، فَفَعَلَ ، مَلَكَ الْمُوَكِّلُ ثَمَنَهَا ، وَالْوَكِيلُ ضَامِنٌ عَنْ مُوَكِّلِهِ ، كَمَا تَقَدَّمَ .","part":10,"page":351},{"id":4851,"text":"( 3804 ) فَصْلٌ : قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا : إذَا دَفَعَ إلَى رَجُلٍ ثَوْبًا لِيَبِيعَهُ ، فَفَعَلَ ، فَوَهَبَ لَهُ الْمُشْتَرِي مَنْدِيلًا ، فَالْمِنْدِيلُ لِصَاحِبِ الثَّوْبِ .\rإنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِأَنَّ هِبَةَ الْمِنْدِيلِ سَبَبُهَا الْبَيْعُ ، فَكَانَ الْمِنْدِيلُ زِيَادَةً فِي الثَّمَنِ ، وَالزِّيَادَةُ فِي مَجْلِسِ الْعَقْدِ تَلْحَقُ بِهِ .","part":10,"page":352},{"id":4852,"text":"( 3805 ) فَصْلٌ : فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الْوَكَالَةِ ، إذَا ادَّعَى الْوَكَالَةَ ، وَأَقَامَ شَاهِدًا وَامْرَأَتَيْنِ ، أَوْ حَلَفَ مَعَ شَاهِدِهِ ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا فِيهَا رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، تَثْبُتُ بِذَلِكَ إذَا كَانَتْ الْوَكَالَةُ بِمَالٍ ؛ فَإِنَّ أَحْمَدَ قَالَ فِي الرَّجُلِ يُوَكِّلُ ، وَيُشْهِدُ عَلَى نَفْسِهِ رَجُلًا وَامْرَأَتَيْنِ ، إذَا كَانَتْ الْمُطَالَبَةُ بِدَيْنٍ ، فَأَمَّا غَيْرُ ذَلِكَ فَلَا .\rوَالثَّانِيَةُ ، لَا تَثْبُتُ إلَّا بِشَاهِدَيْنِ عَدْلَيْنِ .\rنَقَلَهَا الْخِرَقِيِّ بِقَوْلِهِ : وَلَا تُقْبَلُ فِيمَا سِوَى الْأَمْوَالِ مِمَّا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ لِأَقَلَّ مِنْ رَجُلَيْنِ .\rوَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ الْوَكَالَةَ إثْبَاتٌ لِلتَّصَرُّفِ .\rوَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُ الْخِرَقِيِّ كَالرِّوَايَةِ الْأُولَى ؛ لِأَنَّ الْوَكَالَةَ فِي الْمَالِ يُقْصَدُ بِهَا الْمَالُ ، فَتُقْبَلُ فِيهَا شَهَادَةُ النِّسَاءِ مَعَ الرِّجَالِ ، كَالْبَيْعِ وَالْقَرْضِ .\rفَإِنْ شَهِدَا بِوَكَالَتِهِ ، ثُمَّ قَالَ أَحَدُهُمَا : قَدْ عَزَلَهُ .\rلَمْ تَثْبُتْ وَكَالَتُهُ بِذَلِكَ ؛ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا لَمْ تَثْبُتْ وَكَالَتُهُ بِذَلِكَ .\rوَإِنْ كَانَ الشَّاهِدُ بِالْعَزْلِ رَجُلًا غَيْرَهُمَا ، لَمْ يَثْبُتْ الْعَزْلُ بِشَهَادَتِهِ وَحْدَهُ ؛ لِأَنَّ الْعَزْلَ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِمَا يَثْبُتُ بِهِ التَّوْكِيلُ .\rوَمَتَى عَادَ أَحَدُ الشَّاهِدَيْنِ بِالتَّوْكِيلِ ، فَقَالَ : قَدْ عَزَلَهُ .\rلَمْ يُحْكَمْ بِشَهَادَتِهِمَا ؛ لِأَنَّهُ رُجُوعٌ عَنْ الشَّهَادَةِ قَبْلَ الْحُكْمِ بِهَا .\rفَلَا يَجُوزُ لِلْحَاكِمِ الْحُكْمُ بِمَا رَجَعَ عَنْهُ الشَّاهِدُ .\rوَإِنْ حَكَمَ الْحَاكِمُ بِشَهَادَتِهِمَا ، ثُمَّ عَادَ أَحَدُهُمَا ، فَقَالَ : قَدْ عَزَلَهُ بَعْدَ مَا وَكَّلَهُ .\rلَمْ يُلْتَفَتْ إلَى قَوْلِهِ ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ قَدْ نَفَذَ بِالشَّهَادَةِ ، وَلَمْ يَثْبُتْ الْعَزْلُ .\rفَإِنْ قَالَا جَمِيعًا : قَدْ كَانَ عَزَلَهُ ؛ ثَبَتَ الْعَزْلُ ؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ تَمَّتْ فِي الْعَزْلِ ، كَتَمَامِهَا فِي التَّوْكِيلِ .","part":10,"page":353},{"id":4853,"text":"( 3806 ) فَصْلٌ : فَإِنْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ وَكَّلَهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ، وَشَهِدَ آخَرُ أَنَّهُ وَكَّلَهُ يَوْمَ السَّبْتِ ، لَمْ تَتِمَّ الشَّهَادَةُ ؛ لِأَنَّ التَّوْكِيلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ غَيْرُ التَّوْكِيلِ يَوْمَ السَّبْتِ ، فَلَمْ تَكْمُلْ شَهَادَتُهُمَا عَلَى فِعْلٍ وَاحِدٍ .\rوَإِنْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ أَقَرَّ بِتَوْكِيلِهِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ، وَشَهِدَ الْآخَرُ أَنَّهُ أَقَرَّ بِهِ يَوْمَ السَّبْتِ ، تَمَّتْ الشَّهَادَةُ ؛ لِأَنَّ الْإِقْرَارَيْنِ إخْبَارٌ عَنْ عَقْدٍ وَاحِدٍ ، وَيَشُقُّ جَمْعَ الشُّهُودِ لِيُقِرَّ عِنْدَهُمْ حَالَةً وَاحِدَةً ، فَجُوِّزَ لَهُ الْإِقْرَارُ عِنْدَ كُلِّ وَاحِدٍ وَحْدَهُ .\rوَكَذَلِكَ لَوْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ أَقَرَّ عِنْدَهُ بِالْوَكَالَةِ بِالْعَرَبِيَّةِ ، وَشَهِدَ الْآخَرُ أَنَّهُ أَقَرَّ بِهَا بِالْعَجَمِيَّةِ ، ثَبَتَتْ .\rوَلَوْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ وَكَّلَهُ بِالْعَرَبِيَّةِ ، وَشَهِدَ الْآخَرُ أَنَّهُ وَكَّلَهُ بِالْعَجَمِيَّةِ ، لَمْ تَكْمُلْ الشَّهَادَةُ ؛ لِأَنَّ التَّوْكِيلَ بِالْعَرَبِيَّةِ غَيْرُ التَّوْكِيلِ بِالْعَجَمِيَّةِ ، فَلَمْ تَكْمُلْ الشَّهَادَةُ عَلَى فِعْلٍ وَاحِدٍ .\rوَكَذَلِكَ لَوْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ قَالَ : وَكَّلْتُك .\rوَشَهِدَ الْآخَرُ ، أَنَّهُ قَالَ : أَذِنْت لَك فِي التَّصَرُّفِ .\rأَوْ أَنَّهُ قَالَ : جَعَلْتُك وَكِيلًا .\rأَوْ شَهِدَ أَنَّهُ قَالَ : جَعَلْتُك جَرْيًا .\rلَمْ تَتِمَّ الشَّهَادَةُ ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ مُخْتَلِفٌ .\rوَالْجَرْيُ : الْوَكِيلُ .\rوَلَوْ قَالَ أَحَدُهُمَا : أَشْهَدُ أَنَّهُ وَكَّلَهُ .\rوَقَالَ الْآخَرُ : أَشْهَدُ أَنَّهُ أَذِنَ لَهُ فِي التَّصَرُّفِ تَمَّتْ الشَّهَادَةُ ؛ لِأَنَّهُمَا لَمْ يَحْكِيَا لَفْظَ الْمُوَكِّلِ ، وَإِنَّمَا عَبَّرَا عَنْهُ بِلَفْظِهِمَا ، وَاخْتِلَافُ لَفْظِهِمَا لَا يُؤَثِّرُ إذَا اتَّفَقَ مَعْنَاهُ .\rوَلَوْ قَالَ أَحَدُهُمَا : أَشْهَدُ أَنَّهُ أَقَرَّ عِنْدِي أَنَّهُ وَكَّلَهُ .\rوَقَالَ الْآخَرُ : أَشْهَدُ أَنَّهُ أَقَرَّ أَنَّهُ جَرْيُهُ .\rأَوْ أَنَّهُ أَوْصَى إلَيْهِ بِالتَّصَرُّفِ فِي حَيَاتِهِ .\rثَبَتَتْ الْوَكَالَةُ بِذَلِكَ .\rوَإِنْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ وَكَّلَهُ فِي بَيْعِ عَبْدِهِ ، وَشَهِدَ","part":10,"page":354},{"id":4854,"text":"الْآخَرُ أَنَّهُ وَكَّلَهُ وَزَيْدًا ، أَوْ شَهِدَ أَنَّهُ وَكَّلَهُ فِي بَيْعِهِ ، وَقَالَ : لَا تَبِعْهُ حَتَّى تَسْتَأْمِرَنِي ، أَوْ تَسْتَأْمِرَ فُلَانًا .\rلَمْ تَتِمَّ الشَّهَادَةُ ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ أَثْبَتَ اسْتِقْلَالَهُ بِالْبَيْعِ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ .\rوَالثَّانِيَ يَنْفِي ذَلِكَ ، فَكَانَا مُخْتَلِفَيْنِ .\rوَإِنْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ وَكَّلَهُ فِي بَيْعِ عَبْدِهِ ، وَشَهِدَ الْآخَرُ أَنَّهُ وَكَّلَهُ فِي بَيْعِ عَبْدِهِ وَجَارِيَتِهِ ، حَكَمَ بِالْوَكَالَةِ فِي الْعَبْدِ ؛ لِاتِّفَاقِهِمَا عَلَيْهِ ، وَزِيَادَةُ الثَّانِي لَا تَقْدَحُ فِي تَصَرُّفِهِ فِي الْأَوَّلِ ، فَلَا تَضُرُّهُ .\rوَهَكَذَا لَوْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ وَكَّلَهُ فِي بَيْعِهِ لِزَيْدٍ ، وَشَهِدَ الْآخَرُ أَنَّهُ وَكَّلَهُ فِي بَيْعِهِ لِزَيْدِ وَإِنْ شَاءَ لِعَمْرٍو .","part":10,"page":355},{"id":4855,"text":"( 3807 ) فَصْلٌ : وَلَا تَثْبُتُ الْوَكَالَةُ وَالْعَزْلُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ تَثْبُتُ الْوَكَالَةُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ .\rوَإِنْ لَمْ يَكُنْ ثِقَةً .\rوَيَجُوزُ التَّصَرُّفُ لِلْمُخْبَرِ بِذَلِكَ ، إذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ صِدْقُ الْمُخْبِرِ ، بِشَرْطِ الضَّمَانِ إنْ أَنْكَرَ الْمُوَكِّلُ .\rوَيَثْبُتُ الْعَزْلُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ إذَا كَانَ رَسُولًا ؛ لِأَنَّ اعْتِبَارَ شَاهِدَيْنِ عَدْلَيْنِ فِي هَذَا يَشُقُّ ، فَسَقَطَ اعْتِبَارُهُ ، وَلِأَنَّهُ أَذِنَ فِي التَّصَرُّفِ وَمَنَعَ مِنْهُ ، فَلَمْ يُعْتَبَرْ فِي هَذَا شُرُوطُ الشَّهَادَةِ ، كَاسْتِخْدَامِ غُلَامِهِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ عَقْدٌ مَالِيٌّ ، فَلَا يَثْبُتُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ ، كَالْبَيْعِ ، وَفَارَقَ الِاسْتِخْدَامَ ؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِعَقْدٍ .\rوَلَوْ شَهِدَ اثْنَانِ أَنَّ فُلَانًا الْغَائِبَ وَكَّلَ فُلَانًا الْحَاضِرَ ، فَقَالَ الْوَكِيلُ : مَا عَلِمْت هَذَا ، وَأَنَا أَتَصَرَّفُ عَنْهُ .\rثَبَتَتْ الْوَكَالَةُ ؛ لِأَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ أَنِّي لَمْ أَعْلَمْ إلَى الْآنَ ، وَقَبُولُ الْوَكَالَةِ يَجُوزُ مُتَرَاخِيًا ، وَلَيْسَ مِنْ شَرْطِ التَّوْكِيلِ حُضُورُ الْوَكِيلِ وَلَا عِلْمُهُ ، فَلَا يَضُرُّ جَهْلُهُ بِهِ .\rوَإِنْ قَالَ : مَا أَعْلَمُ صِدْقَ الشَّاهِدَيْنِ .\rلَمْ تَثْبُتْ وَكَالَتُهُ ؛ لِقَدْحِهِ فِي شَهَادَتِهِمَا .\rوَإِنْ قَالَ : مَا عَلِمْت .\rوَسَكَتَ ، قِيلَ لَهُ : فَسِّرْ .\rفَإِنْ فَسَّرَ بِالْأَوَّلِ ثَبَتَتْ وَكَالَتُهُ ، وَإِنْ فَسَّرَهُ بِالثَّانِي لَمْ تَثْبُتْ .","part":10,"page":356},{"id":4856,"text":"( 3808 ) فَصْلٌ : وَيَصِحُّ سَمَاعُ الْبَيِّنَةِ بِالْوَكَالَةِ عَلَى الْغَائِبِ ، وَهُوَ أَنْ يَدَّعِيَ أَنَّ فُلَانًا الْغَائِبَ وَكَّلَنِي فِي كَذَا .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يَصِحُّ .\rبِنَاءً عَلَى أَنَّ الْحُكْمَ عَلَى الْغَائِبِ لَا يَصِحُّ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ رِضَاهُ فِي سَمَاعِ الْبَيِّنَةِ ، فَلَا يُعْتَبَرُ حُضُورُهُ كَغَيْرِهِ .\rوَإِذَا قَالَ لَهُ مَنْ عَلَيْهِ الْحَقُّ : احْلِفْ أَنَّك تَسْتَحِقُّ مُطَالَبَتِي .\rلَمْ تُسْمَعْ دَعْوَاهُ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ طَعْنٌ فِي الشَّهَادَةِ .\rوَإِنْ قَالَ : قَدْ عَزَلَك الْمُوَكِّلُ ، فَاحْلِفْ أَنَّهُ مَا عَزَلَك .\rلَمْ يُسْتَحْلَفْ ؛ لِأَنَّ الدَّعْوَى عَلَى الْمُوَكِّلِ ، وَالْيَمِينُ لَا تَدْخُلُهَا النِّيَابَةُ .\rوَإِنْ قَالَ : أَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ مُوَكِّلَك قَدْ عَزَلَك .\rسُمِعَتْ دَعْوَاهُ .\rوَإِنْ طَلَبَ الْيَمِينَ مِنْ الْوَكِيلِ ، حَلَفَ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ أَنَّ مُوَكِّلَهُ عَزَلَهُ ؛ لِأَنَّ الدَّعْوَى عَلَيْهِ .\rوَإِنْ أَقَامَ الْخَصْمُ بَيِّنَةً بِالْعَزْلِ ، سُمِعَتْ ، وَانْعَزَلَ الْوَكِيلُ .","part":10,"page":357},{"id":4857,"text":"( 3809 ) فَصْلٌ : وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ الْوَكِيلِ عَلَى مُوَكِّلِهِ ؛ لِعَدَمِ التُّهْمَةِ ، فَإِنَّهُ لَا يَجُرُّ بِهَا نَفْعًا ، وَلَا يَدْفَعُ بِهَا ضَرَرًا .\rوَتُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لَهُ فِيمَا لَمْ يُوَكِّلْهُ فِيهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُرُّ إلَى نَفْسِهِ نَفْعًا .\rوَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لَهُ فِيمَا هُوَ وَكِيلٌ فِيهِ ؛ لِأَنَّهُ يُثْبِتُ لِنَفْسِهِ حَقًّا ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ إذَا وَكَّلَهُ فِي قَبْضِ حَقٍّ ، فَشَهِدَ بِهِ لَهُ ، ثَبَتَ اسْتِحْقَاقُ قَبْضِهِ ، وَلِأَنَّهُ خَصْمٌ فِيهِ ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَمْلِكُ الْمُخَاصَمَةَ فِيهِ .\rفَإِنْ شَهِدَ بِمَا كَانَ وَكِيلًا فِيهِ بَعْدَ عَزْلِهِ ، لَمْ تُقْبَلْ أَيْضًا ، سَوَاءٌ كَانَ خَاصَمَ فِيهِ بِالْوَكَالَةِ أَوْ لَمْ يُخَاصِمْ .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إنْ كَانَ لَمْ يُخَاصِمْ فِيهِ ، قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ ؛ لِأَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ فِيهِ وَلَمْ يُخَاصِمْ فِيهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ يَكُنْ وَكِيلًا فِيهِ .\rوَلِلشَّافِعِي قَوْلَانِ كَالْمَذْهَبَيْنِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ بِعَقْدِ الْوَكَالَةِ صَارَ خَصْمًا فِيهِ ، فَلَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ فِيهِ ، كَمَا لَوْ خَاصَمَ فِيهِ ، وَفَارَقَ مَا لَمْ يَكُنْ وَكِيلًا فِيهِ ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ خَصْمًا فِيهِ .","part":10,"page":358},{"id":4858,"text":"( 3810 ) فَصْلٌ : إذَا كَانَتْ الْأَمَةُ بَيْنَ نَفْسَيْنِ ، فَشَهِدَا أَنَّ زَوْجَهَا وَكَّلَ فِي طَلَاقِهَا ، لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُمَا ؛ لِأَنَّهُمَا يَجُرَّانِ إلَى أَنْفُسِهِمَا نَفْعًا ، وَهُوَ زَوَالُ حَقِّ الزَّوْجِ مِنْ الْبُضْعِ الَّذِي هُوَ مِلْكُهُمَا .\rوَإِنْ شَهِدَا بِعَزْلِ الْوَكِيلِ فِي الطَّلَاقِ ، لَمْ تُقْبَلْ ؛ لِأَنَّهُمَا يَجُرَّانِ إلَى أَنْفُسِهِمَا نَفْعًا ، وَهُوَ إبْقَاءُ النَّفَقَةِ عَلَى الزَّوْجِ .\rوَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ ابْنَيْ الرَّجُلِ لَهُ بِالْوَكَالَةِ ، وَلَا أَبَوَيْهِ ؛ لِأَنَّهُمَا يُثْبِتَانِ لَهُ حَقَّ التَّصَرُّفِ ، وَلَا يَثْبُتُ لِلْإِنْسَانِ حَقٌّ بِشَهَادَةِ ابْنِهِ وَلَا أَبِيهِ .\rوَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ ابْنَيْ الْمُوَكِّلِ ، وَلَا أَبَوَيْهِ بِالْوَكَالَةِ .\rوَقَالَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ : تُقْبَلُ ؛ لِأَنَّ هَذَا حَقٌّ عَلَى الْمُوَكِّلِ يَسْتَحِقُّ بِهِ الْوَكِيلُ الْمُطَالَبَةَ ، فَقُبِلَتْ فِيهِ شَهَادَةُ قَرَابَةِ الْمُوَكِّلِ ، كَالْإِقْرَارِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ هَذِهِ شَهَادَةٌ يَثْبُتُ بِهَا حَقٌّ لِأَبِيهِ أَوْ ابْنِهِ ، فَلَمْ تُقْبَلْ ، كَشَهَادَةِ ابْنَيْ الْوَكِيلِ وَأَبَوَيْهِ ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُمَا يُثْبِتَانِ لِأَبِيهِمَا نَائِبًا مُتَصَرِّفًا لَهُ ، وَفَارَقَ الشَّهَادَةَ عَلَيْهِ بِالْإِقْرَارِ ، فَإِنَّهَا شَهَادَةٌ عَلَيْهِ مُتَمَحِّضَةٌ .\rوَلَوْ ادَّعَى الْوَكِيلُ الْوَكَالَةَ ، فَأَنْكَرَهَا الْمُوَكِّلُ ، فَشَهِدَ عَلَيْهِ ابْنَاهُ أَوْ أَبَوَاهُ ، ثَبَتَتْ الْوَكَالَةُ وَأُمْضِيَ تَصَرُّفُهُ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ شَهَادَةٌ عَلَيْهِ .\rوَإِنْ ادَّعَى الْمُوَكِّلُ أَنَّهُ تَصَرَّفَ بِوَكَالَتِهِ ، وَأَنْكَرَ الْوَكِيلُ ، فَشَهِدَ عَلَيْهِ أَبَوَاهُ أَوْ ابْنَاهُ ، قُبِلَ أَيْضًا ؛ لِذَلِكَ .\rوَإِنْ ادَّعَى وَكِيلٌ لِمُوَكِّلِهِ الْغَائِبِ حَقًّا ، وَطَالَبَ بِهِ ، فَادَّعَى الْخَصْمُ أَنَّ الْمُوَكِّلَ عَزَلَهُ ، وَشَهِدَ لَهُ بِذَلِكَ ابْنَا الْمُوَكِّلِ ، قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمَا ، وَثَبَتَ الْعَزْلُ بِهَا ؛ لِأَنَّهُمَا يَشْهَدَانِ عَلَى أَبِيهِمَا .\rوَإِنْ لَمْ يَدَّعِ الْخَصْمُ عَزْلَهُ ، لَمْ تُسْمَعْ شَهَادَتُهُمَا ؛ لِأَنَّهُمَا يَشْهَدَانِ لِمَنْ لَا يَدَّعِيهَا .\rفَإِنْ قَبَضَ","part":10,"page":359},{"id":4859,"text":"الْوَكِيلُ ، فَحَضَرَ الْمُوَكِّلُ ، وَادَّعَى أَنَّهُ كَانَ قَدْ عَزَلَ الْوَكِيلَ ، وَأَنَّ حَقَّهُ بَاقٍ فِي ذِمَّةِ الْغَرِيمِ ، وَشَهِدَ لَهُ ابْنَاهُ ، لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُمَا ؛ لِأَنَّهُمَا يُثْبِتَانِ حَقًّا لِأَبِيهِمَا .\rوَلَوْ ادَّعَى مُكَاتَبٌ الْوَكَالَةَ ، فَشَهِدَ لَهُ سَيِّدُهُ ، أَوْ ابْنَا سَيِّدِهِ ، أَوْ أَبَوَاهُ ، لَمْ تُقْبَلْ ؛ لِأَنَّ السَّيِّدَ يَشْهَدُ لِعَبْدِهِ ، وَابْنَاهُ يَشْهَدَانِ لِعَبْدِ أَبِيهِمَا ، وَالْأَبَوَانِ يَشْهَدَانِ لِعَبْدِ ابْنِهِمَا .\rفَإِنْ عَتَقَ ، فَأَعَادَ الشَّهَادَةَ ، فَهَلْ تُقْبَلُ ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ .","part":10,"page":360},{"id":4860,"text":"( 3811 ) فَصْلٌ : إذَا حَضَرَ رَجُلَانِ عِنْدَ الْحَاكِمِ ، فَأَقَرَّ أَحَدُهُمَا أَنَّ الْآخَرَ وَكَّلَهُ ، ثُمَّ غَابَ الْمُوَكِّلُ ، وَحَضَرَ الْوَكِيلُ ، فَقَدَّمَ خَصْمًا لِمُوَكِّلِهِ ، وَقَالَ : أَنَا وَكِيلُ فُلَانٍ .\rفَأَنْكَرَ الْخَصْمُ كَوْنَهُ وَكِيلَهُ ، فَإِنْ قُلْنَا : لَا يَحْكُمُ الْحَاكِمُ بِعِلْمِهِ .\rلَمْ تُسْمَعْ دَعْوَاهُ حَتَّى تَقُومَ الْبَيِّنَةُ بِوَكَالَتِهِ .\rوَإِنْ قُلْنَا : يَحْكُمُ بِعِلْمِهِ .\rوَكَانَ الْحَاكِمُ يَعْرِفُ الْمُوَكِّلَ بِعَيْنِهِ وَاسْمِهِ وَنَسَبِهِ ، صَدَّقَهُ ، وَمَكَّنَهُ مِنْ التَّصَرُّفِ ؛ لِأَنَّ مَعْرِفَتَهُ كَالْبَيِّنَةِ .\rوَإِنْ عَرَفَهُ بِعَيْنِهِ دُونَ اسْمِهِ وَنَسَبِهِ ، لَمْ يَقْبَلْ قَوْلَهُ ، حَتَّى تَقُومَ الْبَيِّنَةُ عِنْدَهُ بِالْوَكَالَةِ ؛ لِأَنَّهُ يُرِيدُ تَثْبِيتَ نَسَبِهِ عِنْدَهُ بِقَوْلِهِ ، فَلَمْ يَقْبَلْ .","part":10,"page":361},{"id":4861,"text":"( 3812 ) فَصْلٌ : وَلَوْ حَضَرَ عِنْدَ الْحَاكِمِ رَجُلٌ ، فَادَّعَى أَنَّهُ وَكِيلُ فُلَانٍ الْغَائِبِ ، فِي شَيْءٍ عَيَّنَهُ ، وَأَحْضَرَ بَيِّنَةً تَشْهَدُ لَهُ بِالْوَكَالَةِ ، سَمِعَهَا الْحَاكِمُ .\rوَلَوْ ادَّعَى حَقًّا لِمُوَكِّلِهِ قَبْلَ ثُبُوتِ وَكَالَتِهِ ، لَمْ يَسْمَعْ الْحَاكِمُ دَعْوَاهُ .\rوَبِهِ قَالَ مَالِك وَالشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يَسْمَعُهَا إلَّا أَنْ يُقَدِّمَ خَصْمًا مِنْ خُصَمَاءِ الْمُوَكِّلِ ، فَيَدَّعِيَ عَلَيْهِ حَقًّا ، فَإِذَا أَجَابَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ حِينَئِذٍ يَسْمَعُ الْحَاكِمُ الْبَيِّنَةَ ، فَحَصَلَ الْخِلَافُ بَيْنَنَا فِي حُكْمَيْنِ : أَحَدُهُمَا ، أَنَّ الْحَاكِمَ عِنْدَنَا يَسْمَعُ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْوَكَالَةِ مِنْ غَيْرِ حُضُورِ خَصْمٍ ، وَعِنْدَهُ لَا يَسْمَعُ .\rوَالثَّانِي ، أَنَّهُ لَا تُسْمَعُ دَعْوَاهُ لِمُوَكِّلِهِ قَبْلَ ثُبُوتِ وَكَالَتِهِ ، وَعِنْدَهُ تُسْمَعُ .\rوَبَنَى أَبُو حَنِيفَةَ عَلَى أَصْلِهِ فِي أَنَّ الْقَضَاءَ عَلَى الْغَائِبِ لَا يَجُوزُ ، وَسَمَاعُ الْبَيِّنَةِ بِالْوَكَالَةِ مِنْ غَيْرِ خَصْمٍ قَضَاءٌ عَلَى الْغَائِبِ ، وَأَنَّ الْوَكَالَةَ لَا تُلْزِمُ الْخَصْمَ ، مَا لَمْ يَجِبْ الْوَكِيلُ عَنْ دَعْوَى الْخَصْمِ أَنَّك لَسْت بِوَكِيلِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ إثْبَاتٌ لِلْوَكَالَةِ ، فَلَمْ يَفْتَقِرْ إلَى حُضُورِ الْمُوَكَّلِ عَلَيْهِ ، كَمَا لَوْ كَانَ الْمُوَكَّلُ عَلَيْهِ جَمَاعَةً فَأُحْضِرَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ ، فَإِنَّ الْبَاقِينَ لَا يُفْتَقَرُ إلَى حُضُورِهِمْ ، كَذَلِكَ هَاهُنَا .\rوَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الدَّعْوَى لَا تُسْمَعُ قَبْلَ ثُبُوتِ الْوَكَالَةِ أَنَّهَا لَا تُسْمَعُ إلَّا مِنْ خَصْمٍ يُخَاصِمُ عَنْ نَفْسِهِ أَوْ عَنْ مُوَكِّلِهِ ، وَهَذَا لَا يُخَاصِمُ عَنْ نَفْسِهِ ، وَلَمْ يَثْبُتْ أَنَّهُ وَكِيلٌ لِمَنْ يَدَّعِي لَهُ ، فَلَا تُسْمَعُ دَعْوَاهُ ، كَمَا لَوْ ادَّعَى لِمَنْ لَمْ يَدَّعِ وَكَالَتَهُ ، وَفِي هَذَا الْأَصْلِ جَوَابٌ عَمَّا ذَكَرَهُ .","part":10,"page":362},{"id":4862,"text":"( 3813 ) فَصْلٌ : وَلَوْ حَضَرَ رَجُلٌ ، وَادَّعَى عَلَى غَائِبٍ مَالًا فِي وَجْهِ وَكِيلِهِ ، فَأَنْكَرَهُ فَأَقَامَ بَيِّنَةً بِمَا ادَّعَاهُ ، حَلَّفَهُ الْحَاكِمُ ، وَحَكَمَ لَهُ بِالْمَالِ .\rفَإِذَا حَضَرَ الْمُوَكِّلُ ، وَجَحَدَ الْوَكَالَةَ ، أَوْ ادَّعَى أَنَّهُ كَانَ قَدْ عَزَلَهُ ، لَمْ يُؤَثِّرْ ذَلِكَ فِي الْحُكْمِ ؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ عَلَى الْغَائِبِ لَا يَفْتَقِرُ إلَى حُضُورِ وَكِيلِهِ .","part":10,"page":363},{"id":4863,"text":"( 3814 ) فَصْلٌ : إذَا قَالَ : بِعْ هَذَا الثَّوْبَ بِعَشْرَةٍ ، فَمَا زَادَ عَلَيْهَا فَهُوَ لَك .\rصَحَّ ، وَاسْتَحَقَّ الزِّيَادَةَ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يَصِحُّ .\rوَلَنَا ، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَانَ لَا يَرَى بِذَلِكَ بَأْسًا ، وَلِأَنَّهُ يَتَصَرَّفُ فِي مَالِهِ بِإِذْنِهِ ، فَصَحَّ شَرْطُ الرِّبْحِ لَهُ فِي الثَّانِي ، كَالْمُضَارِبِ وَالْعَامِلِ فِي الْمُسَاقَاةِ .","part":10,"page":364},{"id":4864,"text":"كِتَابُ الْإِقْرَارِ بِالْحُقُوقِ الْإِقْرَارُ : هُوَ الِاعْتِرَافُ .\rوَالْأَصْلُ فِيهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ ؛ أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى : { وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ } إلَى قَوْله تَعَالَى : { قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا } .\rوَقَالَ تَعَالَى : { وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ } وَقَالَ تَعَالَى : { أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى } .\rفِي آيٍ كَثِيرَةٍ مِثْلِ هَذَا .\rوَأَمَّا السُّنَّةُ فَمَا رُوِيَ أَنَّ مَاعِزًا أَقَرَّ بِالزِّنَى ، فَرَجَمَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَذَلِكَ الْغَامِدِيَّةُ ، وَقَالَ : { وَاغْدُ يَا أُنَيْسُ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا ، فَإِنْ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا } .\rوَأَمَّا الْإِجْمَاعُ ، فَإِنَّ الْأُمَّةَ أَجْمَعَتْ عَلَى صِحَّةِ الْإِقْرَارَ .\rوَلِأَنَّ الْإِقْرَارَ إخْبَارٌ عَلَى وَجْهٍ يَنْفِي عَنْهُ التُّهْمَةَ وَالرِّيبَةَ ، فَإِنَّ الْعَاقِلَ لَا يَكْذِبُ عَلَى نَفْسِهِ كَذِبًا يُضِرُّ بِهَا ، وَلِهَذَا كَانَ آكَدَ مِنْ الشَّهَادَةِ ، فَإِنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إذَا اعْتَرَفَ لَا تُسْمَعُ عَلَيْهِ الشَّهَادَةُ ، وَإِنَّمَا تُسْمَعُ إذَا أَنْكَرَ ، وَلَوْ كَذَّبَ الْمُدَّعِي بِبَيِّنَةٍ لَمْ تُسْمَعْ ، وَإِنْ كَذَّبَ الْمُقِرَّ ثُمَّ صَدَّقَهُ سُمِعَ .\r( 3815 ) فَصْلٌ : وَلَا يَصِحُّ الْإِقْرَارُ إلَّا مِنْ عَاقِلٍ مُخْتَارٍ .\rفَأَمَّا الطِّفْلُ ، وَالْمَجْنُونُ ، وَالْمُبَرْسَمُ ، وَالنَّائِمُ ، وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ ، فَلَا يَصِحُّ إقْرَارُهُمْ .\rلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا .\rوَقَدْ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : { رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ ؛ عَنْ الصَّبِيِّ حَتَّى يَبْلُغَ ، وَعَنْ الْمَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ ، وَعَنْ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ } .\rفَنَصَّ عَلَى الثَّلَاثَةِ ، وَالْمُبَرْسَمُ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ فِي مَعْنَى الْمَجْنُونِ وَالنَّائِمِ .\rوَلِأَنَّهُ قَوْلٌ مِنْ غَائِبِ الْعَقْلِ ، فَلَمْ يَثْبُتْ لَهُ حُكْمٌ ، كَالْبَيْعِ وَالطَّلَاقِ .\rوَأَمَّا الصَّبِيُّ الْمُمَيِّزُ ، فَإِنْ كَانَ مَحْجُورًا عَلَيْهِ ، لَمْ يَصِحَّ إقْرَارُهُ ، وَإِنْ كَانَ مَأْذُونًا لَهُ ،","part":10,"page":365},{"id":4865,"text":"صَحَّ إقْرَارُهُ فِي قَدْرِ مَا أُذِنَ لَهُ فِيهِ .\rقَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا ، فِي الْيَتِيمِ : إذَا أُذِنَ لَهُ فِي التِّجَارَةِ وَهُوَ يَعْقِلُ الْبَيْعَ وَالشِّرَاءَ ، فَبَيْعُهُ وَشِرَاؤُهُ جَائِزٌ .\rوَإِنْ أَقَرَّ أَنَّهُ اقْتَضَى شَيْئًا مِنْ مَالِهِ ، جَازَ بِقَدْرِ مَا أَذِنَ لَهُ وَلِيُّهُ فِيهِ .\rوَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ .\rوَقَالَ أَبُو بَكْرٍ وَابْنُ أَبِي مُوسَى : إنَّمَا يَصِحُّ إقْرَارُهُ فِيمَا أُذِنَ لَهُ فِي التِّجَارَةِ فِيهِ ، فِي الشَّيْءِ الْيَسِيرِ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يَصِحُّ إقْرَارُهُ بِحَالٍ ؛ لِعُمُومِ الْخَبَرِ ، وَلِأَنَّهُ غَيْرُ بَالِغٍ ، فَأَشْبَهَ الطِّفْلَ ، وَلِأَنَّهُ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ وَلَا رِوَايَتُهُ ، فَأَشْبَهَ الطِّفْلَ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ عَاقِلٌ مُخْتَارٌ ، يَصِحُّ تَصَرُّفُهُ ، فَصَحَّ إقْرَارُهُ ، كَالْبَالِغِ ، وَقَدْ دَلَّلْنَا عَلَى صِحَّةِ تَصَرُّفِهِ فِيمَا مَضَى ، وَالْخَبَرُ مَحْمُولٌ عَلَى رَفْعِ التَّكْلِيفِ وَالْإِثْمِ .\rفَإِنْ أَقَرَّ مُرَاهِقٌ غَيْرُ مَأْذُونٍ لَهُ ، ثُمَّ اخْتَلَفَ هُوَ وَالْمُقَرُّ لَهُ فِي بُلُوغِهِ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ ، إلَّا أَنْ تَقُومَ بَيِّنَةٌ بِبُلُوغِهِ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ الصِّغَرُ .\rوَلَا يَحْلِفُ الْمُقِرُّ ؛ لِأَنَّنَا حَكَمْنَا بِعَدَمِ بُلُوغِهِ ، إلَّا أَنْ يَخْتَلِفَا بَعْدَ ثُبُوتِ بُلُوغِهِ ، فَعَلَيْهِ الْيَمِينُ أَنَّهُ حِينَ أَقَرَّ لَمْ يَكُنْ بَالِغًا .\rوَمَنْ زَالَ عَقْلُهُ بِسَبَبِ مُبَاحٍ أَوْ مَعْذُورٍ فِيهِ ، فَهُوَ كَالْمَجْنُونِ ، لَا يُسْمَعُ إقْرَارُهُ .\rبِلَا خِلَافٍ .\rوَإِنْ كَانَ بِمَعْصِيَةٍ ، كَالسَّكْرَانِ ، وَمَنْ شَرِبَ مَا يُزِيلُ عَقْلَهُ عَامِدًا لِغَيْرِ حَاجَةٍ ، لَمْ يَصِحَّ إقْرَارُهُ .\rوَيَتَخَرَّجُ أَنْ يَصِحَّ بِنَاءً عَلَى وُقُوعِ طَلَاقِهِ .\rوَهُوَ مَنْصُوصُ الشَّافِعِيِّ لِأَنَّ أَفْعَالَهُ تَجْرِي مَجْرَى الصَّاحِي .\rوَلَنَا أَنَّهُ غَيْرُ عَاقِلٍ ، فَلَمْ يَصِحَّ إقْرَارُهُ ، كَالْمَجْنُونِ الَّذِي سَبَّبَ جُنُونَهُ فِعْلٌ مُحَرَّمٌ ، وَلِأَنَّ السَّكْرَانَ لَا يُوثَقُ بِصِحَّةِ مَا يَقُولُ ، وَلَا تَنْتَفِي عَنْهُ التُّهْمَةُ فِيمَا يُخْبِرُ بِهِ ، فَلَمْ يُوجَدْ مَعْنَى الْإِقْرَارِ الْمُوجِبِ","part":10,"page":366},{"id":4866,"text":"لِقَبُولِ قَوْلِهِ .\rوَأَمَّا الْمُكْرَهُ فَلَا يَصِحُّ إقْرَارُهُ بِمَا أُكْرِهَ عَلَى الْإِقْرَارِ بِهِ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ .\r} وَلِأَنَّهُ قَوْلٌ أُكْرِهَ عَلَيْهِ بِغَيْرِ حَقٍّ ، فَلَمْ يَصِحَّ كَالْبَيْعِ .\rوَإِنْ أَقَرَّ بِغَيْرِ مَا أُكْرِهَ عَلَيْهِ ، مِثْلُ أَنْ يُكْرَهَ عَلَى الْإِقْرَارِ لِرَجُلٍ ، فَأَقَرَّ لِغَيْرِهِ ، أَوْ بِنَوْعٍ مِنْ الْمَالِ ، فَيُقِرَّ بِغَيْرِهِ ، أَوْ عَلَى الْإِقْرَارِ بِطَلَاقِ امْرَأَةٍ ، فَأَقَرَّ بِطَلَاقِ أُخْرَى ، أَوْ أَقَرَّ بِعِتْقِ عَبْدٍ ، صَحَّ ؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِمَا لَمْ يُكْرَهْ عَلَيْهِ ، فَصَحَّ ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِهِ ابْتِدَاءً .\rوَلَوْ أُكْرِهَ عَلَى أَدَاءِ مَالٍ ، فَبَاعَ شَيْئًا مِنْ مَالِهِ لِيُؤَدِّيَ ذَلِكَ ، صَحَّ بَيْعُهُ .\rنَصَّ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُكْرَهْ عَلَى الْبَيْعِ .\rوَمَنْ أَقَرَّ بِحَقٍّ ، ثُمَّ ادَّعَى أَنَّهُ كَانَ مُكْرَهًا ، لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ ، سَوَاءٌ أَقَرَّ عِنْدَ السُّلْطَانِ أَوْ عِنْدَ غَيْرِهِ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْإِكْرَاهِ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ دَلَالَةً عَلَى الْإِكْرَاهِ ، كَالْقَيْدِ وَالْحَبْسِ وَالتَّوْكِيلِ بِهِ ، فَيَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَهُ مَعَ يَمِينِهِ ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْحَالَ تَدُلُّ عَلَى الْإِكْرَاهِ .\rوَلَوْ ادَّعَى أَنَّهُ كَانَ زَائِلَ الْعَقْلِ حَالَ إقْرَارِهِ ، لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ إلَّا بِبَيِّنَةِ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ السَّلَامَةُ حَتَّى يُعْلَمَ غَيْرُهَا .\rوَلَوْ شَهِدَ الشُّهُودُ بِإِقْرَارِهِ ، لَمْ تَفْتَقِرْ صِحَّةُ الشَّهَادَةِ إلَى أَنْ يَقُولُوا طَوْعًا فِي صِحَّةِ عَقْلِهِ ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ سَلَامَةُ الْحَالِ وَصِحَّةُ الشَّهَادَةِ .\rوَقَدْ ذَكَرْنَا حُكْمَ إقْرَارِ السَّفِيهِ وَالْمُفْلِسِ وَالْمَرِيضِ فِي أَبْوَابِهِ .\rوَأَمَّا الْعَبْدُ فَيَصِحُّ إقْرَارُهُ بِالْحَدِّ وَالْقِصَاصِ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُ دُونَ مَوْلَاهُ .\rوَلَا يَصِحُّ إقْرَارُ الْمَوْلَى عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ الْمَوْلَى لَا يَمْلِكُ مِنْ الْعَبْدِ","part":10,"page":367},{"id":4867,"text":"إلَّا الْمَالَ .\rوَيُحْتَمَلُ أَنْ يَصِحَّ إقْرَارُ الْمَوْلَى عَلَيْهِ بِمَا يُوجِبُ الْقِصَاصَ ، وَيَجِبُ الْمَالُ دُونَ الْقِصَاصِ ؛ لِأَنَّ الْمَالَ يَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِهِ ، وَهِيَ مَالُ السَّيِّدِ ، فَصَحَّ إقْرَارُهُ بِهِ ، كَجِنَايَةِ الْخَطَأِ .\rوَأَمَّا إقْرَارُهُ بِمَا يُوجِبُ الْقِصَاصَ فِي النَّفْسِ ، فَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ ، وَيُتْبَعُ بِهِ بَعْدَ الْعِتْقِ .\rوَبِهِ قَالَ زُفَرُ وَالْمُزَنِيُّ وَدَاوُد وَابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ لِأَنَّهُ يُسْقِطُ حَقَّ سَيِّدِهِ بِإِقْرَارِهِ ، فَأَشْبَهَ الْإِقْرَارَ بِقَتْلِ الْخَطَأِ ، وَلِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ فِي أَنَّهُ يُقِرُّ لِرَجُلٍ لِيَعْفُوَ عَنْهُ ، وَيَسْتَحِقَّ أَخْذَهُ ، فَيَتَخَلَّصُ بِذَلِكَ مِنْ سَيِّدِهِ .\rوَاخْتَارَ أَبُو الْخَطَّابِ أَنَّهُ يَصِحُّ إقْرَارُهُ بِهِ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ لِأَنَّهُ أَحَدُ نَوْعَيْ الْقِصَاصِ ، فَصَحَّ إقْرَارُهُ بِهِ ، كَمَا دُونَ النَّفْسِ .\rوَبِهَذَا الْأَصْلِ يَنْتَقِضُ دَلِيلُ الْأَوَّلِ .\rوَيَنْبَغِي عَلَى هَذَا الْقَوْلِ أَنْ لَا يَصِحُّ عَفْوُ وَلِيِّ الْجِنَايَةِ عَلَى مَالٍ إلَّا بِاخْتِيَارِ سَيِّدِهِ ، لِئَلَّا يُفْضِيَ إلَى إيجَابِ الْمَالِ عَلَى سَيِّدِهِ بِإِقْرَارِ غَيْرِهِ ، فَلَا يُقْبَلُ إقْرَارُ الْعَبْدِ بِجِنَايَةِ الْخَطَأِ ، وَلَا شِبْهِ الْعَمْدِ ، وَلَا بِجِنَايَةِ عَمْدٍ مُوجِبُهَا الْمَالُ ، كَالْجَائِفَةِ وَالْمَأْمُومَةِ ، لِأَنَّهُ إيجَابُ حَقٍّ فِي رَقَبَتِهِ ، وَذَلِكَ يَتَعَلَّقُ بِحَقِّ الْمَوْلَى .\rوَيُقْبَلُ إقْرَارُ الْمَوْلَى عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ إيجَابُ حَقٍّ فِي مَالِهِ .\rوَإِنْ أَقَرَّ بِسَرِقَةٍ مُوجِبُهَا الْمَالُ ، لَمْ يُقْبَلْ إقْرَارُهُ ، وَيُقْبَلُ إقْرَارُ الْمَوْلَى عَلَيْهِ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا .\rوَإِنْ كَانَ مُوجِبُهَا الْقَطْعَ وَالْمَالَ ، فَأَقَرَّ بِهَا الْعَبْدُ ، وَجَبَ قَطْعُهُ ، وَلَمْ يَجِبْ الْمَالُ ، سَوَاءٌ كَانَ مَا أَقَرَّ بِسَرِقَتِهِ بَاقِيًا ، أَوْ تَالِفًا فِي يَدِ السَّيِّدِ أَوْ يَدِ الْعَبْدِ .\rقَالَ أَحْمَدُ فِي عَبْدٍ أَقَرَّ بِسَرِقَةِ دَرَاهِمَ فِي يَدِهِ أَنَّهُ سَرَقَهَا مِنْ رَجُلٍ ، وَالرَّجُلُ يَدَّعِي ذَلِكَ ، وَسَيِّدُهُ","part":10,"page":368},{"id":4868,"text":"يُكَذِّبُهُ : فَالدَّرَاهِمُ لِسَيِّدِهِ ، وَيُقْطَعُ الْعَبْدُ ، وَيُتْبَعُ بِذَلِكَ بَعْدَ الْعِتْقِ .\rوَلِلشَّافِعِيِّ فِي وُجُوبِ الْمَالِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ وَجْهَانِ .\rوَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَجِبَ الْقَطْعُ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ شُبْهَةٌ ، فَيُدْرَأُ بِهَا الْقَطْعُ ، لِكَوْنِهِ حَدًّا يُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ .\rوَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْعَيْنَ الَّتِي يُقِرُّ بِسَرِقَتِهَا لَمْ يَثْبُتْ حُكْمُ السَّرِقَةِ فِيهَا ، فَلَا يَثْبُتُ حُكْمُ الْقَطْعِ بِهَا .\rوَإِنْ أَقَرَّ الْعَبْدُ بِسَرِقَةِ لِغَيْرِ مَنْ هُوَ فِي يَدِهِ ، لَمْ يُقْبَلْ إقْرَارُهُ بِالرِّقِّ ؛ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ بِالرِّقِّ إقْرَارٌ بِالْمِلْكِ ، وَالْعَبْدُ لَا يُقْبَلُ إقْرَارُهُ بِحَالٍ ، وَلِأَنَّنَا لَوْ قَبِلْنَا إقْرَارَهُ ، أَضْرَرْنَا بِسَيِّدِهِ ، لِأَنَّهُ إذَا شَاءَ أَقَرَّ لِغَيْرِ سَيِّدِهِ ، فَأَبْطَلَ مِلْكَهُ .\rوَإِنْ أَقَرَّ بِهِ السَّيِّدُ لِرَجُلِ ، وَأَقَرَّ هُوَ لِآخَرَ ، فَهُوَ لِلَّذِي أَقَرَّ لَهُ السَّيِّدُ ؛ لِأَنَّهُ فِي يَدِ السَّيِّدِ ، لَا فِي يَدِ نَفْسِهِ ، وَلِأَنَّ السَّيِّدَ لَوْ أَقَرَّ بِهِ مُنْفَرِدًا قُبِلَ .\rوَلَوْ أَقَرَّ الْعَبْدُ مُنْفَرِدًا لَمْ يُقْبَلْ ، فَإِذَا لَمْ يُقْبَلْ إقْرَارُ الْعَبْدِ مُنْفَرِدًا فَكَيْفَ يُقْبَلُ مَعَ مُعَارَضَتِهِ لِإِقْرَارِ السَّيِّدِ ؟ .\rوَلَوْ قُبِلَ إقْرَارُ الْعَبْدِ ، لَمَا قُبِلَ إقْرَارُ السَّيِّدِ ، كَالْحَدِّ وَجِنَايَةِ الْعَمْدِ .\rوَأَمَّا الْمُكَاتَبُ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْحُرِّ فِي صِحَّةِ إقْرَارِهِ .\rوَلَوْ أَقَرَّ بِجِنَايَةٍ خَطَأً صَحَّ إقْرَارُهُ ، فَإِنْ عَجَزَ بِيعَ فِيهَا إنْ لَمْ يَفْدِهِ سَيِّدُهُ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يُسْتَسْعَى فِي الْكِتَابَةِ ، وَإِنْ عَجَزَ بَطَلَ إقْرَارُهُ بِهَا ، سَوَاءٌ قُضِيَ بِهَا أَوْ لَمْ يُقْضَ .\rوَعَنْ الشَّافِعِيِّ كَقَوْلِنَا .\rوَعَنْهُ أَنَّهُ مُرَاعًى إنْ أَدَّى لَزِمَهُ ، وَإِنْ عَجَزَ بَطَلَ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ إقْرَارٌ لَزِمَهُ فِي كِتَابَتِهِ ، فَلَا يَبْطُلُ بِعَجْزِهِ ، كَالْإِقْرَارِ بِالدَّيْنِ .\rوَعَلَى الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْمُكَاتَبَ فِي يَدِ نَفْسِهِ فَصَحَّ إقْرَارُهُ بِالْجِنَايَةِ ، كَالْحُرِّ .","part":10,"page":369},{"id":4869,"text":"( 3816 ) فَصْلٌ : وَيَصِحُّ الْإِقْرَارُ لِكُلِّ مَنْ يَثْبُتُ لَهُ الْحَقُّ .\rفَإِذَا أَقَرَّ لِعَبْدٍ بِنِكَاحٍ أَوْ قِصَاصٍ أَوْ تَعْزِيرِ الْقَذْفِ ، صَحَّ الْإِقْرَارُ لَهُ ، صَدَّقَهُ الْمَوْلَى أَوْ كَذَّبَهُ ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُ دُونَ سَيِّدِهِ .\rوَلَهُ الْمُطَالَبَةُ بِذَلِكَ ، وَالْعَفْوُ عَنْهُ ، وَلَيْسَ لِسَيِّدِهِ مُطَالَبَةٌ بِهِ وَلَا عَفْوٌ .\rوَإِنْ كَذَّبَهُ الْعَبْدُ ، لَمْ يَقْبَلْ .\rوَإِنْ أُقِرَّ لَهُ بِمَالٍ ، صَحَّ ، وَيَكُونُ لِسَيِّدِهِ ؛ لِأَنَّ يَدَ الْعَبْدِ كَيَدِ سَيِّدِهِ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ : إنْ قُلْنَا : يَمْلِكُ الْمَالَ .\rصَحَّ الْإِقْرَارُ لَهُ .\rوَإِنْ قُلْنَا : لَا يَمْلِكُ .\rكَانَ الْإِقْرَارُ لِمَوْلَاهُ ، يَلْزَمُ بِتَصْدِيقِهِ وَيَبْطُلُ بِرَدِّهِ .\rوَإِنْ أَقَرَّ لِبَهِيمَةٍ أَوْ دَارٍ ، لَمْ يَصِحَّ إقْرَارُهُ لَهَا ، وَكَانَ بَاطِلًا ؛ لِأَنَّهَا لَا تَمْلِكُ الْمَالَ مُطْلَقًا ، وَلَا يَدَ لَهَا .\rوَإِنْ قَالَ : عَلَيَّ بِسَبَبِ هَذِهِ الْبَهِيمَةِ .\rلَمْ يَكُنْ إقْرَارًا لَأَحَدٍ ، وَلِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ لِمَنْ هِيَ ، وَمِنْ شَرْطِ صِحَّةِ الْإِقْرَارِ ذِكْرُ الْمُقَرِّ لَهُ .\rوَإِنْ قَالَ : لِمَالِكِهَا أَوْ لِزَيْدٍ عَلَيَّ بِسَبَبِهَا أَلْفٌ .\rصَحَّ الْإِقْرَارُ .\rوَإِنْ قَالَ : بِسَبَبِ حَمْلِ هَذِهِ الْبَهِيمَةِ .\rلَمْ يَصِحَّ ، إذْ لَا يُمْكِنُ إيجَابُ شَيْءٍ بِسَبَبِ الْحَمْلِ .","part":10,"page":370},{"id":4870,"text":"( 3817 ) فَصْلٌ : وَإِنْ أَقَرَّ لِحَمْلِ امْرَأَةٍ بِمَالٍ ، وَعَزَاهُ إلَى إرْثٍ أَوْ وَصِيَّةٍ ، صَحَّ ، وَكَانَ لِلْحَمْلِ .\rوَإِنْ أَطْلَقَ ، فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ حَامِدٍ يَصِحُّ .\rوَهُوَ أَصَحُّ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَمْلِكَ بِوَجْهٍ صَحِيحٍ ، فَصَحَّ لَهُ الْإِقْرَارُ الْمُطْلَقُ ، كَالطِّفْلِ .\rفَعَلَى هَذَا ، إنْ وَلَدَتْ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى ، كَانَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ .\rوَإِنْ عَزَاهُ إلَى إرْثٍ أَوْ وَصِيَّةٍ ، كَانَ بَيْنَهُمَا عَلَى حَسَبِ اسْتِحْقَاقِهِمَا لِذَلِكَ .\rوَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ التَّمِيمِيُّ : لَا يَصِحُّ الْإِقْرَارُ إلَّا أَنْ يَعْزِيَهُ إلَى إرْثٍ أَوْ وَصِيَّةٍ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ وَالْقَوْلُ الثَّانِي لِلشَّافِعِيِّ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ بِغَيْرِهِمَا .\rفَإِنْ وَلَدَتْ الْوَلَدَ مَيِّتًا ، وَكَانَ قَدْ عَزَا الْإِقْرَارَ إلَى إرْثٍ أَوْ وَصِيَّةٍ ، عَادَتْ إلَى وَرَثَةِ الْمُوصِي وَمَوْرُوثِ الطِّفْلِ ، وَإِنْ أَطْلَقَ الْإِقْرَارَ ، كُلِّفَ ذِكْرَ السَّبَبِ ، فَيُعْمَلُ بِقَوْلِهِ ، فَإِنْ تَعَذَّرَ التَّفْسِيرُ بِمَوْتِهِ أَوْ غَيْرِهِ ، بَطَلَ إقْرَارُهُ ، كَمَنْ أَقَرَّ لِرَجُلٍ لَا يَعْرِفُ مَنْ أَرَادَ بِإِقْرَارِهِ .\rوَإِنْ عَزَا الْإِقْرَارَ إلَى جِهَةٍ غَيْرِ صَحِيحَةٍ ، فَقَالَ : لِهَذَا الْحَمْلُ عَلَيَّ أَلْفٌ أَقْرَضَنِيهَا ، أَوْ وَدِيعَةٌ أَخَذْتهَا مِنْهُ .\rفَعَلَى قَوْلِ التَّمِيمِيِّ ، الْإِقْرَارُ بَاطِلٌ ، وَعَلَى قَوْلِ ابْنِ حَامِدٍ يَنْبَغِي أَنْ يَصِحَّ إقْرَارُهُ ؛ لِأَنَّهُ وَصَلَ إقْرَارَهُ بِمَا يُسْقِطُهُ ، فَيَسْقُطُ مَا وَصَلَهُ بِهِ ، كَمَا لَوْ قَالَ : لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ لَا تَلْزَمُنِي .\rوَإِنْ قَالَ : لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ جَعَلْتهَا لَهُ .\rأَوْ نَحْوَ ذَلِكَ ، فَهِيَ عِدَّةٌ لَا يُؤْخَذُ بِهَا .\rوَلَا يَصِحُّ الْإِقْرَارُ لَحَمْلٍ إلَّا إذَا تَيَقَّنَ أَنَّهُ كَانَ مَوْجُودًا حَالَ الْإِقْرَارِ عَلَى مَا تَبَيَّنَ فِي مَوْضِعِهِ .\rوَإِنْ أَقَرَّ لِمَسْجِدٍ أَوْ مَصْنَعٍ أَوْ طَرِيقٍ ، وَعَزَاهُ إلَى سَبَبٍ صَحِيحٍ ، مِثْلِ أَنْ يَقُولَ : مِنْ غَلَّةِ وَقْفِهِ .\rصَحَّ .\rوَإِنْ أَطْلَقَ ، خُرِّجَ عَلَى الْوَجْهَيْنِ .","part":10,"page":371},{"id":4871,"text":"مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَمَنْ أَقَرَّ بِشَيْءٍ ، وَاسْتَثْنَى مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ ، كَانَ اسْتِثْنَاؤُهُ بَاطِلًا ، إلَّا أَنْ يَسْتَثْنِيَ عَيْنًا مِنْ وَرِقٍ ، أَوْ وَرِقًا مِنْ عَيْنٍ ) فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَصْلَانِ : ( 3819 ) أَوَّلُهُمَا : أَنَّهُ لَا يَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ فِي الْإِقْرَارِ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ ، وَبِهَذَا قَالَ زُفَرُ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إنْ اسْتَثْنَى مَكِيلًا أَوْ مَوْزُونًا ، جَازَ ، وَإِنْ اسْتَثْنَى عَبْدًا أَوْ ثَوْبًا مِنْ مَكِيلٍ أَوْ مَوْزُونٍ ، لَمْ يَجُزْ .\rوَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ يَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ مُطْلَقًا ؛ لِأَنَّهُ وَرَدَ فِي الْكِتَابِ الْعَزِيزِ وَلُغَةِ الْعَرَبِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اُسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إلَّا إبْلِيسَ كَانَ مِنْ الْجِنِّ } .\rوَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا إلَّا قِيلًا سَلَامًا } .\rوَقَالَ الشَّاعِرُ : وَبَلْدَةٍ لَيْسَ بِهَا أَنِيسُ إلَّا الْيَعَافِيرُ وَإِلَّا الْعِيسُ وَقَالَ آخَرُ : عَيَّتْ جَوَابًا وَمَا بِالرَّبْعِ مِنْ أَحَدِ إلَّا أُوَارِي لَأَيًّا مَا أُبَيِّنُهَا وَلَنَا أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ صَرْفُ اللَّفْظِ بِحَرْفِ الِاسْتِثْنَاءِ عَمَّا كَانَ يَقْتَضِيه لَوْلَاهُ .\rوَقِيلَ : هُوَ إخْرَاجُ بَعْضِ مَا تَنَاوَلَهُ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ ، مُشْتَقٌّ مِنْ ثَنَيْت فُلَانًا عَنْ رَأْيِهِ .\rإذَا صَرَفْته عَنْ رَأْيٍ كَانَ عَازِمًا عَلَيْهِ .\rوَثَنَيْت عِنَانَ دَابَّتِي .\rإذَا صَرَفْتهَا بِهِ عَنْ وِجْهَتِهَا الَّتِي كَانَتْ تَذْهَبُ إلَيْهَا .\rوَغَيْرُ الْجِنْسِ الْمَذْكُورِ لَيْسَ بِدَاخِلٍ فِي الْكَلَامِ ، فَإِذَا ذَكَرَهُ ، فَمَا صَرَفَ الْكَلَامَ عَنْ صَوْبِهِ ، وَلَا ثَنَاهُ عَنْ وَجْهِ اسْتِرْسَالِهِ ، فَلَا يَكُونُ اسْتِثْنَاءً ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ اسْتِثْنَاءً تَجَوُّزًا ، وَإِنَّمَا هُوَ فِي الْحَقِيقَةِ اسْتِدْرَاكٌ .\r\" وَإِلَّا \" هَاهُنَا بِمَعْنَى \" لَكِنْ \" .\rهَكَذَا قَالَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ ؛ مِنْهُمْ ابْنُ قُتَيْبَةَ ، وَحَكَاهُ عَنْ سِيبَوَيْهِ .\rوَالِاسْتِدْرَاكُ لَا يَأْتِي إلَّا بَعْدَ الْجَحْدِ ، وَلِذَلِكَ لَمْ","part":10,"page":372},{"id":4872,"text":"يَأْتِ الِاسْتِثْنَاءُ فِي الْكِتَابِ الْعَزِيزِ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ إلَّا بَعْدَ النَّفْيِ ، وَلَا يَأْتِي بَعْدَهُ الْإِثْبَاتُ ، إلَّا أَنْ يُوجَدَ بَعْدَهُ جُمْلَةٌ .\rوَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا ، فَلَا مَدْخَلَ لِلِاسْتِدْرَاكِ فِي الْإِقْرَارِ ؛ لِأَنَّهُ إثْبَاتٌ لِلْمُقِرِّ بِهِ ، فَإِذَا ذَكَرَ الِاسْتِدْرَاكَ بَعْدَهُ كَانَ بَاطِلًا ، وَإِنْ ذَكَرَهُ بَعْدَ جُمْلَةٍ كَأَنْ قَالَ : لَهُ عِنْدِي مِائَةُ دِرْهَمٍ إلَّا ثَوْبًا لِي عَلَيْهِ .\rفَيَكُونُ مُقِرًّا بِشَيْءٍ مُدَّعِيًا لَشَيْءٍ سِوَاهُ ، فَيُقْبَلُ إقْرَارُهُ ، وَتَبْطُلُ دَعْوَاهُ ، كَمَا لَوْ صَرَّحَ بِذَلِكَ بِغَيْرِ لَفْظِ الِاسْتِثْنَاءِ .\rوَأَمَّا قَوْله تَعَالَى : { فَسَجَدُوا إلَّا إبْلِيسَ } فَإِنَّ إبْلِيسَ كَانَ مِنْ الْمَلَائِكَةِ ، بِدَلِيلِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَأْمُرْ بِالسُّجُودِ غَيْرَهُمْ ، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ مِنْهُمْ لَمَا كَانَ مَأْمُورًا بِالسُّجُودِ ، وَلَا عَاصِيًا بِتَرْكِهِ ، وَلَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي حَقِّهِ : { فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ } .\rوَلَا قَالَ : { مَا مَنَعَك أَلَّا تَسْجُدَ إذْ أَمَرْتُكَ .\r} وَإِذَا لَمْ يَكُنْ مَأْمُورًا فَلِمَ أَنْكَسَهُ اللَّهُ وَأَهْبَطَهُ وَدَحَرَهُ ؟ وَلَمْ يَأْمُرْ اللَّهُ تَعَالَى بِالسُّجُودِ إلَّا الْمَلَائِكَةَ .\rفَإِنْ قَالُوا : بَلْ قَدْ تَنَاوَلَ الْأَمْرُ الْمَلَائِكَةَ وَمَنْ كَانَ مَعَهُمْ ، فَدَخَلَ إبْلِيسُ فِي الْأَمْرِ لِكَوْنِهِ مَعَهُمْ .\rقُلْنَا : قَدْ سَقَطَ اسْتِدْلَالُكُمْ ، فَإِنَّهُ مَتَى كَانَ إبْلِيسُ دَاخِلًا فِي الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ ، مَأْمُورًا بِالسُّجُودِ ، فَاسْتِثْنَاؤُهُ مِنْ الْجِنْسِ ، وَهَذَا ظَاهِرٌ لِمَنْ أَنْصَفَ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .\rفَعَلَى هَذَا ، مَتَى قَالَ : لَهُ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ إلَّا ثَوْبًا .\rلَزِمَهُ الْأَلْفُ ، وَسَقَطَ الِاسْتِثْنَاءُ ، بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ قَالَ : لَهُ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ ، لَكِنْ لِي عَلَيْهِ ثَوْبٌ .\r( 3820 ) الْفَصْلُ الثَّانِي : إذَا اسْتَثْنَى عَيْنًا مِنْ وَرِقٍ ، أَوْ وَرِقًا مِنْ عَيْنٍ ، فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي صِحَّتِهِ ؛ فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ إلَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا .\rوَهُوَ","part":10,"page":373},{"id":4873,"text":"قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ .\rوَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى : فِيهِ رِوَايَتَانِ .\rوَاخْتَارَ الْخِرَقِيِّ صِحَّتَهُ ؛ لِأَنَّ قَدْرَ أَحَدِهِمَا مَعْلُومٌ مِنْ الْآخَرِ ، وَيُعَبَّرُ بِأَحَدِهِمَا عَنْ الْآخَرِ ، فَإِنَّ قَوْمًا يُسَمُّونَ تِسْعَةَ دَرَاهِمَ دِينَارًا ، وَآخَرُونَ يُسَمُّونَ ثَمَانِيَةَ دَرَاهِمَ دِينَارًا ، فَإِذَا اسْتَثْنَى أَحَدَهُمَا مِنْ الْآخَرِ ، عُلِمَ أَنَّهُ أَرَادَ التَّعْبِيرَ بِأَحَدِهِمَا عَنْ الْآخَرِ ، فَإِذَا قَالَ : لَهُ عَلَيَّ دِينَارٌ إلَّا ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ ، فِي مَوْضِعٍ يُعَبِّرُ فِيهِ بِالدِّينَارِ عَنْ تِسْعَةٍ ، كَانَ مَعْنَاهُ : لَهُ عَلَيَّ تِسْعَةُ دَرَاهِمَ إلَّا ثَلَاثَةً .\rوَمَتَى أَمْكَنَ حَمْلُ الْكَلَامِ عَلَى وَجْهٍ صَحِيحٍ ، لَمْ يَجُزْ إلْغَاؤُهُ ، وَقَدْ أَمْكَنَ بِهَذَا الطَّرِيقِ ، فَوَجَبَ تَصْحِيحُهُ .\rوَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْعَيْنِ وَالْوَرِقِ وَبَيْنَ غَيْرِهِمَا ، فَيَلْزَمُ مِنْ صِحَّةِ اسْتِثْنَاءِ أَحَدِهِمَا مِنْ الْآخَرِ صِحَّةُ اسْتِثْنَاءِ الثِّيَابِ وَغَيْرِهَا .\rوَقَدْ ذَكَرْنَا الْفَرْقَ .\rوَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ بِحَمْلِ رِوَايَةِ الصِّحَّةِ عَلَى مَا إذَا كَانَ أَحَدُهُمَا يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ الْآخَرِ ، أَوْ يُعْلَمُ قَدْرُهُ مِنْهُ ، وَرِوَايَةِ الْبُطْلَانِ عَلَى مَا إذَا انْتَفَى ذَلِكَ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":10,"page":374},{"id":4874,"text":"( 3821 ) فَصْلٌ : وَلَوْ ذَكَرَ نَوْعًا مِنْ جِنْسٍ وَاسْتَثْنَى نَوْعًا آخَرَ مِنْ ذَلِكَ الْجِنْسِ ، مِثْلُ أَنْ يَقُولَ : لَهُ عَلَيَّ عَشْرَةُ آصُعٍ تَمْرًا بَرْنِيًّا ، إلَّا ثَلَاثَةً تَمْرًا مَعْقِلِيًّا .\rلَمْ يَجُزْ ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ .\rوَيُخَالِفُ الْعَيْنَ وَالْوَرِقَ ؛ لِأَنَّ قِيمَةَ أَحَدِ النَّوْعَيْنِ غَيْرُ مَعْلُومَةٍ مِنْ الْآخَرِ ، وَلَا يُعَبَّرُ بِأَحَدِهِمَا عَنْ الْآخَرِ .\rوَيُحْتَمَلُ عَلَى قَوْلِ الْخِرَقِيِّ جَوَازُهُ ؛ لِتَقَارُبِ الْمَقَاصِدِ مِنْ النَّوْعَيْنِ ، فَهُمَا كَالْعَيْنِ وَالْوَرِقِ .\rوَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ؛ لِأَنَّ الْعِلَّةَ الصَّحِيحَةَ فِي الْعَيْنِ وَالْوَرِقِ غَيْرُ ذَلِكَ .","part":10,"page":375},{"id":4875,"text":"( 3822 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا اسْتِثْنَاءُ بَعْضِ مَا دَخَلَ فِي الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ ، فَجَائِزٌ بِغَيْرِ خِلَافٍ عَلِمْنَاهُ ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ ، وَقَدْ جَاءَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إلَّا خَمْسِينَ عَامًا } .\rوَقَالَ : { فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ إلَّا إبْلِيسَ .\r} وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الشَّهِيدِ : { يُكَفَّرُ عَنْهُ خَطَايَاهُ كُلُّهَا إلَّا الدَّيْنَ .\r} وَهَذَا فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ كَثِيرٌ ، وَفِي سَائِرِ كَلَامِ الْعَرَبِ .\rفَإِذَا أَقَرَّ بِشَيْءٍ ، وَاسْتَثْنَى مِنْهُ ، كَانَ مُقِرًّا بِالْبَاقِي بَعْدَ الِاسْتِثْنَاءِ ، فَإِذَا قَالَ : لَهُ عَلَيَّ مِائَةٌ إلَّا عَشْرَةً .\rكَانَ مُقِرًّا بِتِسْعِينَ ؛ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ يَمْنَعُ أَنْ يَدْخُلَ فِي اللَّفْظِ مَا لَوْلَاهُ لَدَخَلَ ، فَإِنَّهُ لَوْ دَخَلَ لَمَا أَمْكَنَ إخْرَاجُهُ ، وَلَوْ أَقَرَّ بِالْعَشَرَةِ الْمُسْتَثْنَاةِ لَمَا قُبِلَ مِنْهُ إنْكَارُهَا .\rوَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إلَّا خَمْسِينَ عَامًا } .\rإخْبَارٌ بِتِسْعِمِائَةٍ وَخَمْسِينَ ، فَالِاسْتِثْنَاءُ بَيَّنَ أَنَّ الْخَمْسِينَ الْمُسْتَثْنَاةَ غَيْرُ مُرَادَةٍ ، كَمَا أَنَّ التَّخْصِيصَ يُبَيِّنُ أَنَّ الْمَخْصُوصَ غَيْرُ مُرَادٍ بِاللَّفْظِ الْعَامِّ ، وَإِنْ قَالَ : هَذِهِ الدَّارُ لِزَيْدٍ إلَّا هَذَا الْبَيْتَ .\rكَانَ مُقِرًّا بِمَا سِوَى الْبَيْتِ مِنْهَا .\rوَكَذَلِكَ إنْ قَالَ : إلَّا ثُلُثَهَا ، أَوْ رُبُعَهَا .\rصَحَّ ، وَكَانَ مُقِرًّا بِالْبَاقِي بَعْدَ الْمُسْتَثْنَى .\rوَكَذَلِكَ إنْ قَالَ : هَذِهِ الدَّارُ لَهُ ، وَهَذَا الْبَيْتُ لِي .\rصَحَّ أَيْضًا ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الِاسْتِثْنَاءِ ، لِكَوْنِهِ أَخْرَجَ بَعْضَ مَا دَخَلَ فِي اللَّفْظِ الْأَوَّلِ بِكَلَامٍ مُتَّصِلٍ .\rوَإِنْ قَالَ : لَهُ هَؤُلَاءِ الْعَبِيدُ إلَّا هَذَا .\rصَحَّ ، وَكَانَ مُقِرًّا بِمَنْ سِوَاهُ مِنْهُمْ .\rوَإِنْ قَالَ : إلَّا وَاحِدًا .\rصَحَّ ؛ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ يَصِحُّ مَجْهُولًا ، فَكَذَلِكَ الِاسْتِثْنَاءُ مِنْهُ ، وَيُرْجَعُ فِي تَعْيِينِ الْمُسْتَثْنَى إلَيْهِ ،","part":10,"page":376},{"id":4876,"text":"لِأَنَّ الْحُكْمَ يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِمُرَادِهِ بِهِ .\rوَإِنْ عَيَّنَ مَنْ عَدَا الْمُسْتَثْنَى ، صَحَّ ، وَكَانَ الْبَاقِي لَهُ .\rفَإِنْ هَلَكَ الْعَبِيدُ إلَّا وَاحِدًا ، فَذَكَرَ أَنَّهُ الْمُسْتَثْنَى ، قُبِلَ .\rذَكَرَهُ الْقَاضِي .\rوَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ لَا يُقْبَلُ ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ .\rوَهُوَ الْوَجْهُ الثَّانِي لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ يُرْفَعُ بِهِ الْإِقْرَارُ كُلُّهُ .\rوَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يُقْبَلُ ؛ لِأَنَّهُ يُقْبَلُ تَفْسِيرُهُ بِهِ فِي حَيَاتِهِمْ لِمَعْنًى هُوَ مَوْجُودٌ بَعْدَ مَوْتِهِمْ ، فَقُبِلَ كَحَالَةِ حَيَاتِهِمْ ، وَلَيْسَ هَذَا رَفْعًا لِلْإِقْرَارِ ، وَإِنَّمَا تَعَذَّرَ تَسْلِيمُ الْمُقَرّ بِهِ لِتَلَفِهِ ، لَا لِمَعْنًى يَرْجِعُ إلَى التَّفْسِيرِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ عَيَّنَهُ فِي حَيَاتِهِمْ ، فَتَلِفَ بَعْدَ تَعْيِينِهِ .\rوَإِنْ قُتِلَ الْجَمِيعُ إلَّا وَاحِدًا ، قُبِلَ تَفْسِيرُهُ بِالْبَاقِي ، وَجْهًا وَاحِدًا .\rوَإِنْ قُتِلَ الْجَمِيعُ ، فَلَهُ قِيمَةُ أَحَدِهِمْ ، وَيُرْجَعُ فِي التَّفْسِيرِ إلَيْهِ .\rوَإِنْ قَالَ : غَصَبْتُك هَؤُلَاءِ الْعَبِيدَ إلَّا وَاحِدًا .\rفَهَلَكُوا إلَّا وَاحِدًا ؛ قُبِلَ تَفْسِيرُهُ بِهِ ، وَجْهًا وَاحِدًا ؛ لِأَنَّ الْمُقَرَّ لَهُ يَسْتَحِقُّ قِيمَةَ الْهَالِكِينَ ، فَلَا يُفْضِي التَّفْسِيرُ بِالْبَاقِي إلَى سُقُوطِ الْإِقْرَارِ ، بِخِلَافِ الَّتِي قَبْلَهَا فَصْلٌ ( 3823 ) : وَحُكْمُ الِاسْتِثْنَاءِ بِسَائِرِ أَدَوَاتِهِ حُكْمُ الِاسْتِثْنَاءِ بِإِلَّا ، فَإِذَا قَالَ : لَهُ عَلَيَّ عَشَرَةٌ سِوَى دِرْهَمٍ ، أَوْ لَيْسَ دِرْهَمًا ، أَوْ خَلَا دِرْهَمًا ، أَوْ عَدَا دِرْهَمًا ، أَوْ مَا خَلَا أَوْ مَا عَدَا دِرْهَمًا ، أَوْ لَا يَكُونُ دِرْهَمًا أَوْ غَيْرَ دِرْهَمٍ .\rبِفَتْحِ الرَّاءِ ، كَانَ مُقِرًّا بِتِسْعَةٍ .\rوَإِنْ قَالَ : غَيْرُ دِرْهَمٍ ، بِضَمِّ رَائِهَا ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ ، كَانَ مُقِرًّا بِعَشْرَةٍ ، لِأَنَّهَا تَكُونُ صِفَةً لِلْعَشَرَةِ الْمُقَرِّ بِهَا ، وَلَا يَكُونُ اسْتِثْنَاءً .\rفَإِنَّهَا لَوْ كَانَتْ اسْتِثْنَاءً كَانَتْ مَنْصُوبَةً ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ","part":10,"page":377},{"id":4877,"text":"أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ ، لَزِمَهُ تِسْعَةٌ ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ إنَّمَا يُرِيدُ الِاسْتِثْنَاءَ لَكِنَّهُ رَفَعَهَا جَهْلًا مِنْهُ بِالْعَرَبِيَّةِ ، لَا قَصْدًا لِلصِّفَةِ .","part":10,"page":378},{"id":4878,"text":"( 3824 ) فَصْلٌ : وَلَا يَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا بِالْكَلَامِ ، فَإِنْ سَكَتَ سُكُوتًا يُمْكِنُهُ الْكَلَامُ فِيهِ ، أَوْ فَصَلَ بَيْنَ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ وَالْمُسْتَثْنَى بِكَلَامِ أَجْنَبِيٍّ ، لَمْ يَصِحَّ ؛ لِأَنَّهُ إذَا سَكَتَ أَوْ عَدَلَ عَنْ إقْرَارِهِ إلَى شَيْءٍ آخَرَ ، اسْتَقَرَّ حُكْمُ مَا أَقَرَّ بِهِ ، فَلَمْ يَرْتَفِعْ ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ فِي كَلَامِهِ فَإِنَّهُ لَا يَثْبُتُ حُكْمُهُ ، وَيَنْتَظِرُ مَا يَتِمُّ بِهِ كَلَامُهُ ، وَيَتَعَلَّقُ بِهِ حُكْمُ الِاسْتِثْنَاءِ وَالشَّرْطِ وَالْعَطْفِ وَالْبَدَلِ وَنَحْوِهِ .","part":10,"page":379},{"id":4879,"text":"( 3825 ) فَصْلٌ : وَلَا يَصِحُّ اسْتِثْنَاءُ الْكُلِّ بِغَيْرِ خِلَافٍ ؛ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ رَفَعَ بَعْضَ مَا تَنَاوَلَهُ اللَّفْظُ ، وَاسْتِثْنَاءُ الْكُلِّ رَفَعَ الْكُلَّ ، فَلَوْ صَحَّ صَارَ الْكَلَامُ كُلُّهُ لَغْوًا غَيْرَ مُفِيدٍ ، فَإِنْ قَالَ : لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمٌ وَدِرْهَمٌ إلَّا دِرْهَمًا .\rأَوْ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ وَدِرْهَمَانِ إلَّا دِرْهَمَيْنِ .\rأَوْ ثَلَاثَةٌ وَنِصْفٌ إلَّا نِصْفًا ، أَوْ إلَّا دِرْهَمًا .\rأَوْ خَمْسَةٌ وَتِسْعُونَ إلَّا خَمْسَةً .\rلَمْ يَصِحَّ الِاسْتِثْنَاءُ ، وَلَزِمَهُ جَمِيعُ مَا أَقَرَّ بِهِ قَبْلَ الِاسْتِثْنَاءِ .\rوَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ .\rوَهُوَ الَّذِي يَقْتَضِيه مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ ، أَنَّهُ يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ الْوَاوَ الْعَاطِفَةَ تَجْمَعُ بَيْنَ الْعَدَدَيْنِ ، وَتَجْعَلُ الْجُمْلَتَيْنِ كَالْجُمْلَةِ الْوَاحِدَةِ ، وَمِنْ أَصْلِنَا أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ إذَا تَعَقَّبَ جُمَلًا مَعْطُوفًا بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ بِالْوَاوِ ، عَادَ إلَى جَمِيعِهَا ، كَقَوْلِنَا فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ إلَّا الَّذِينَ تَابُوا : } إنَّ الِاسْتِثْنَاءَ عَادَ إلَى الْجُمْلَتَيْنِ ، فَإِذَا تَابَ الْقَاذِفُ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ .\rوَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَا يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِي سُلْطَانِهِ ، وَلَا يَجْلِسُ عَلَى تَكْرِمَتِهِ إلَّا بِإِذْنِهِ } .\rوَالْوَجْهُ الْأَوَّلُ أَوْلَى ؛ لِأَنَّ الْوَاوَ لَمْ تُخْرِجْ الْكَلَامَ مِنْ أَنْ يَكُونَ جُمْلَتَيْنِ ، وَالِاسْتِثْنَاءُ يَرْفَعُ إحْدَاهُمَا جَمِيعًا ، وَلَا نَظِيرَ لِهَذَا فِي كَلَامِهِمْ ، وَلِأَنَّ صِحَّةَ الِاسْتِثْنَاءِ تَجْعَلُ إحْدَى الْجُمْلَتَيْنِ مَعَ الِاسْتِثْنَاءِ لَغْوًا ، لِأَنَّهُ أَثْبَتَ شَيْئًا بِلَفْظٍ مُفْرَدٍ ، ثُمَّ رَفَعَهُ كُلَّهُ ، فَلَا يَصِحُّ ، كَمَا لَوْ اسْتَثْنَى مِنْهَا وَهِيَ غَيْرُ مَعْطُوفَةٍ عَلَى بَعْضِهَا ، فَأَمَّا الْآيَةُ وَالْخَبَرُ ، فَإِنَّ الِاسْتِثْنَاءَ لَمْ يَرْفَعْ إحْدَى الْجُمْلَتَيْنِ ، إنَّمَا أَخْرَجَ مِنْ الْجُمْلَتَيْنِ مَعًا مَنْ اتَّصَفَ بِصِفَةٍ ، فَنَظِيرُهُ مَا","part":10,"page":380},{"id":4880,"text":"لَوْ قَالَ لِلْبَوَّابِ : مَنْ جَاءَ يَسْتَأْذِنُ فَأْذَنْ لَهُ ، وَأَعْطِهِ دِرْهَمًا ، إلَّا فُلَانًا .\rوَنَظِيرُ مَسْأَلَتِنَا مَا لَوْ قَالَ : أَكْرِمْ زَيْدًا وَعَمْرًا إلَّا عَمْرًا .\rوَإِنْ قَالَ : لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمَانِ وَثَلَاثَةٌ إلَّا دِرْهَمَيْنِ .\rلَمْ يَصِحَّ أَيْضًا ؛ لِأَنَّهُ يَرْفَعُ الْجُمْلَةَ الْأُولَى كُلَّهَا ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَالَ : أَكْرِمْ زَيْدًا وَعَمْرًا إلَّا زَيْدًا .\rوَإِنْ قَالَ : لَهُ عَلَيَّ ثَلَاثَةٌ وَثَلَاثَةٌ إلَّا دِرْهَمَيْنِ ، خُرِّجَ فِيهِ وَجْهَانِ ؛ لِأَنَّهُ اسْتَثْنَى أَكْثَرَ الْجُمْلَةِ الَّتِي تَلِيه ، وَاسْتِثْنَاءُ الْأَكْثَرِ فَاسِدٌ ، كَاسْتِثْنَاءِ الْكُلِّ .","part":10,"page":381},{"id":4881,"text":"( 3826 ) فَصْلٌ : وَإِنْ اسْتَثْنَى اسْتِثْنَاءً بَعْدَ اسْتِثْنَاءٍ ، وَعَطَفَ الثَّانِي عَلَى الْأَوَّلِ ، كَانَ مُضَافًا إلَيْهِ .\rفَإِذَا قَالَ : لَهُ عَلَيَّ عَشْرَةٌ إلَّا ثَلَاثَةً ، وَإِلَّا دِرْهَمَيْنِ .\rكَانَ مُسْتَثْنِيًا لِخَمْسَةِ مُبْقِيًا لِخَمْسَةٍ .\rوَإِنْ كَانَ الثَّانِي غَيْرَ مَعْطُوفٍ عَلَى الْأَوَّلِ ، كَانَ اسْتِثْنَاءً مِنْ الِاسْتِثْنَاءِ ، وَهُوَ جَائِزٌ فِي اللُّغَةِ ، قَدْ جَاءَ فِي كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى فِي قَوْلِهِ : { قَالُوا إنَّا أُرْسِلْنَا إلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ إلَّا آلَ لُوطٍ إنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ إلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إنَّهَا لَمِنْ الْغَابِرِينَ } .\rفَإِذَا كَانَ صَدْرُ الْكَلَامِ إثْبَاتًا ، كَانَ الِاسْتِثْنَاءُ الْأَوَّلُ نَفْيًا وَالثَّانِي إثْبَاتًا ، فَإِنْ اسْتَثْنَى اسْتِثْنَاءً ثَالِثًا ، كَانَ نَفْيًا يَعُودُ كُلُّ اسْتِثْنَاءٍ إلَى مَا يَلِيهِ مِنْ الْكَلَامِ ، فَإِذَا قَالَ : لَهُ عَلَيَّ عَشَرَةٌ إلَّا ثَلَاثَةً إلَّا دِرْهَمًا .\rكَانَ مُقِرًّا بِثَمَانِيَةٍ ؛ لِأَنَّهُ أَثْبَتَ عَشْرَةً ، ثُمَّ نَفَى مِنْهَا ثَلَاثَةً وَأَثْبَتَ دِرْهَمًا ، وَبَقِيَ مِنْ الثَّلَاثَةِ الْمَنْفِيَّةِ دِرْهَمَانِ مُسْتَثْنَيَانِ مِنْ الْعَشَرَةِ ، فَيَبْقَى مِنْهَا ثَمَانِيَةٌ ، وَسَنَزِيدُ لِهَذَا الْفَصْلِ فُرُوعًا فِي مَسْأَلَةِ اسْتِثْنَاءِ الْأَكْثَرِ .","part":10,"page":382},{"id":4882,"text":"( 3827 ) فَصْلٌ : إذَا قَالَ : لَهُ هَذِهِ الدَّارُ هِبَةً ، أَوْ سُكْنَى ، أَوْ عَارِيَّةٌ كَانَ إقْرَارًا بِمَا أَبْدَلَ بِهِ كَلَامَهُ ، وَلَمْ يَكُنْ إقْرَارًا بِالدَّارِ ؛ لِأَنَّهُ رَفَعَ بِآخِرِ كَلَامِهِ بَعْضَ مَا دَخَلَ فِي أَوَّلِهِ ، فَصَحَّ ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِجُمْلَةٍ وَاسْتَثْنَى بَعْضَهَا .\rوَذَكَرَ الْقَاضِي فِي هَذَا وَجْهًا ، أَنَّهُ لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّهُ اسْتِثْنَاءٌ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ ، وَلَيْسَ هَذَا اسْتِثْنَاءً ، إنَّمَا هَذَا بَدَلٌ ، وَهُوَ سَائِغٌ فِي اللُّغَةِ .\rوَيُسَمَّى هَذَا النَّوْعُ مِنْ الْبَدَلِ بَدَلَ الِاشْتِمَالِ ، وَهُوَ أَنْ يُبْدِلَ مِنْ الشَّيْءِ بَعْضَ مَا يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ ذَلِكَ الشَّيْءُ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : { يَسْأَلُونَكَ عَنْ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ } .\rفَأَبْدَلَ الْقِتَالَ مِنْ الشَّهْرِ الْمُشْتَمِلِ عَلَيْهِ .\rوَقَالَ تَعَالَى إخْبَارًا عَنْ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ ، أَنَّهُ قَالَ : { وَمَا أَنْسَانِيهُ إلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ } .\rأَيْ أَنْسَانِي ذِكْرَهُ .\rوَإِنْ قَالَ : لَهُ هَذِهِ الدَّارُ ثُلُثُهَا .\rأَوْ قَالَ : رُبْعُهَا .\rصَحَّ ، وَيَكُونُ مُقِرًّا بِالْجُزْءِ الَّذِي أَبْدَلَهُ ، وَهَذَا بَدَلُ الْبَعْضِ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِاسْتِثْنَاءٍ .\rوَمِثْلُهُ قَوْله تَعَالَى : { قُمْ اللَّيْلَ إلَّا قَلِيلًا نِصْفَهُ } .\rوَقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ : { وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إلَيْهِ سَبِيلًا } .\rوَلَكِنَّهُ فِي مَعْنَى الِاسْتِثْنَاءِ ، فِي كَوْنِهِ يُخْرِجُ مِنْ الْكَلَامِ بَعْضَ مَا يَدْخُلُ فِيهِ لَوْلَاهُ ، وَيُفَارِقُهُ فِي أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَخْرُجَ أَكْثَرَ مِنْ النِّصْفِ ، وَأَنَّهُ يَجُوزُ إبْدَالُ الشَّيْءِ مِنْ غَيْرِهِ إذَا كَانَ مُشْتَمِلًا عَلَيْهِ ، أَلَا تَرَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَبْدَلَ الْمُسْتَطِيعَ لِلْحَجِّ مِنْ النَّاسِ ، وَهُوَ أَقَلُّ مِنْ نِصْفِهِمْ ، وَأَبْدَلَ الْقِتَالَ مِنْ الشَّهْرِ الْحَرَامِ ، وَهُوَ غَيْرُهُ ؟ وَمَتَى قَالَ : لَهُ هَذِهِ الدَّارُ سُكْنَى أَوْ عَارِيَّةٌ ثَبَتَ فِيهَا حُكْمُ ذَلِكَ ، وَلَهُ أَنْ لَا يُسْكِنَهُ إيَّاهَا ، وَأَنْ يَعُودَ فِيمَا أَعَارَهُ .","part":10,"page":383},{"id":4883,"text":"( 3828 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَمَنْ اُدُّعِيَ عَلَيْهِ شَيْءٌ ، فَقَالَ : قَدْ كَانَ لَهُ عَلَيَّ وَقَضَيْتُهُ .\rلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ إقْرَارًا ) حَكَى ابْنُ أَبِي مُوسَى فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ رِوَايَتَيْنِ ؛ إحْدَاهُمَا ، أَنَّ هَذَا لَيْسَ بِإِقْرَارٍ .\rاخْتَارَهُ الْقَاضِي ، وَقَالَ : لَمْ أَجِدْ عَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةً بِغَيْرِ هَذَا .\rوَالثَّانِيَةُ ، أَنَّهُ مُقِرٌّ بِالْحَقِّ ، مُدَّعٍ لِقَضَائِهِ ، فَعَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ بِالْقَضَاءِ ؛ وَإِلَّا حَلَفَ غَرِيمُهُ وَأَخَذَ .\rوَاخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِالدَّيْنِ ، وَادَّعَى الْقَضَاءَ ، فَلَمْ تُقْبَلْ دَعْوَاهُ ، كَمَا لَوْ ادَّعَى الْقَضَاءَ بِكَلَامِ مُنْفَصِلٍ ، وَلِأَنَّهُ رَفَعَ جَمِيعَ مَا أَثْبَتَهُ ، فَلَمْ يُقْبَلْ ، كَاسْتِثْنَاءِ الْكُلِّ .\rوَلِلشَّافِعِي قَوْلَانِ كَالْمَذْهَبَيْنِ .\rوَوَجْهُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ أَنَّهُ قَوْلٌ مُتَّصِلٌ ، يُمْكِنُ صِحَّتُهُ ، وَلَا تَنَاقُضَ فِيهِ ، فَوَجَبَ أَنْ يُقْبَلَ كَاسْتِثْنَاءِ الْبَعْضِ ، وَفَارَقَ الْمُنْفَصِلَ ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْأَوَّلِ قَدْ اسْتَقَرَّ بِسُكُوتِهِ عَلَيْهِ ، فَلَا يُمْكِنُ رَفْعُهُ بَعْدَ اسْتِقْرَارِهِ ، وَلِذَلِكَ لَا يَرْتَفِعُ بَعْضُهُ بِاسْتِثْنَاءِ وَلَا غَيْرِهِ ، فَمَا يَأْتِي بَعْدَهُ مِنْ دَعْوَى الْقَضَاءِ يَكُونُ دَعْوَى مُجَرَّدَةً ، لَا تُقْبَلُ إلَّا بِبَيِّنَةِ ، وَأَمَّا اسْتِثْنَاءُ الْكُلِّ فَمُتَنَاقِضٌ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ أَلْفٌ وَلَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ .\r( 3829 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَالَ : لَهُ عَلَيَّ مِائَةٌ ، وَقَضَيْتُهُ مِنْهَا خَمْسِينَ .\rفَالْكَلَامُ فِيهَا كَالْكَلَامِ فِيمَا إذَا قَالَ : وَقَضَيْتهَا .\rوَإِنْ قَالَ لَهُ إنْسَانٌ : لِي عَلَيْك مِائَةٌ .\rفَقَالَ : قَضَيْتُك مِنْهَا خَمْسِينَ .\rفَقَالَ الْقَاضِي : لَا يَكُونُ مُقِرًّا بِشَيْءٍ ؛ لِأَنَّ الْخَمْسِينَ الَّتِي ذَكَرَ أَنَّهُ قَضَاهَا فِي كَلَامِهِ مَا تَمْنَعُ بَقَاءَهَا ، وَهُوَ دَعْوَى الْقَضَاءِ ، وَبَاقِي الْمِائَةِ لَمْ يَذْكُرْهَا ، وَقَوْلُهُ : مِنْهَا .\rيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهَا مِمَّا يَدَّعِيه ، وَيَحْتَمِلُ مِمَّا عَلَيَّ ، فَلَا يَثْبُتُ عَلَيْهِ","part":10,"page":384},{"id":4884,"text":"شَيْءٌ بِكَلَامٍ مُحْتَمِلٍ .\rوَيَجِيءُ عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ بِالرِّوَايَةِ الْأُخْرَى أَنْ يَلْزَمَهُ الْخَمْسُونَ الَّتِي ادَّعَى قَضَاءَهَا ؛ لِأَنَّ فِي ضِمْنِ دَعْوَى الْقَضَاءِ إقْرَارًا بِأَنَّهَا كَانَتْ عَلَيْهِ ، فَلَا تُقْبَلُ دَعْوَى الْقَضَاءِ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ .","part":10,"page":385},{"id":4885,"text":"( 3830 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَالَ : كَانَ لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ .\rوَسَكَتَ ، لَزِمَهُ الْأَلْفُ ، فِي ظَاهِرِ كَلَامِ أَصْحَابِنَا .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ وَقَالَ فِي الْآخَرِ : لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ ، وَلَيْسَ هَذَا بِإِقْرَارٍ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ عَلَيْهِ شَيْئًا فِي الْحَالِ ، إنَّمَا أَخْبَرَ بِذَلِكَ فَجَازَ فِي زَمَنٍ مَاضٍ ، فَلَا يَثْبُتْ فِي الْحَالِ ، وَلِذَلِكَ لَوْ شَهِدَتْ الْبَيِّنَةُ بِهِ لَمْ يَثْبُتْ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ أَقَرَّ بِالْوُجُوبِ ، وَلَمْ يَذْكُرْ مَا يَرْفَعُهُ ، فَبَقِيَ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ ، وَلِهَذَا لَوْ تَنَازَعَا دَارًا ، فَأَقَرَّ أَحَدُهُمَا لِلْآخَرِ أَنَّهَا كَانَتْ مِلْكَهُ ، حُكِمَ بِهَا لَهُ ، إلَّا أَنَّهُ هَاهُنَا إنْ عَادَ فَادَّعَى الْقَضَاءَ أَوْ الْإِبْرَاءَ ، سُمِعَتْ دَعْوَاهُ ؛ لِأَنَّهُ لَا تَنَافِيَ بَيْنَ إقْرَارِهِ وَبَيْنَ مَا يَدَّعِيه .","part":10,"page":386},{"id":4886,"text":"( 3831 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَالَ : لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ ، قَضَيْته إيَّاهَا .\rلَزِمَهُ الْأَلْفُ ، وَلَمْ تُقْبَلْ دَعْوَى الْقَضَاءِ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : تُقْبَلُ ؛ لِأَنَّهُ رَفَعَ مَا أَثْبَتَهُ بِدَعْوَى الْقَضَاءِ مُتَّصِلًا ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَالَ : كَانَ لَهُ عَلَيَّ ، وَقَضَيْته .\rوَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى إنْ قَالَ : قَضَيْت جَمِيعَهُ .\rلَمْ يُقْبَلْ إلَّا بِبَيِّنَةٍ ، وَلَزِمَهُ مَا أَقَرَّ بِهِ ، وَلَهُ الْيَمِينُ عَلَى الْمُقَرِّ لَهُ .\rوَلَوْ قَالَ : قَضَيْت بَعْضَهُ .\rقُبِلَ مِنْهُ ، فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ رَفَعَ بَعْضَ مَا أَقَرَّ بِهِ بِكَلَامٍ مُتَّصِلٍ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ اسْتَثْنَاهُ ، بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ : قَضَيْت جَمِيعَهُ .\rلِكَوْنِهِ رَفَعَ جَمِيعَ مَا هُوَ ثَابِتٌ ، فَأَشْبَهَ اسْتِثْنَاءَ الْكُلِّ .\rوَلَنَا ، أَنَّ هَذَا قَوْلٌ مُتَنَاقِضٌ ، إذْ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ أَلْفٌ قَدْ قَضَاهُ ، فَإِنَّ كَوْنَهُ عَلَيْهِ يَقْتَضِي بَقَاءَهُ فِي ذِمَّتِهِ ، وَاسْتِحْقَاقَ مُطَالَبَتِهِ بِهِ ، وَقَضَاؤُهُ يَقْتَضِي بَرَاءَةَ ذِمَّتِهِ مِنْهُ ، وَتَحْرِيمَ مُطَالَبَتِهِ بِهِ ، وَالْإِقْرَارُ بِهِ يَقْتَضِي ثُبُوتَهُ ، وَالْقَضَاءُ يَقْتَضِي رَفْعَهُ ، وَهَذَانِ ضِدَّانِ لَا يُتَصَوَّرُ اجْتِمَاعُهُمَا فِي زَمَنٍ وَاحِدٍ ، بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ : كَانَ لَهُ عَلَيَّ ، وَقَضَيْته .\rفَإِنَّهُ أَخْبَرَ بِهِمَا فِي زَمَانَيْنِ ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَرْتَفِعَ مَا كَانَ ثَابِتًا ، وَيَقْضِيَ مَا كَانَ دَيْنًا ، وَإِذَا لَمْ يَصِحَّ هَذَا فِي الْجَمِيعِ ، لَمْ يَصِحَّ فِي الْبَعْضِ ؛ لِاسْتِحَالَةِ بَقَاءِ أَلْفٍ عَلَيْهِ وَقَدْ قَضَى بَعْضَهُ ، وَيُفَارِقُ الِاسْتِثْنَاءَ ؛ فَإِنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مَعَ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ عِبَارَةٌ عَنْ الْبَاقِي مِنْ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ ، فَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إلَّا خَمْسِينَ عَامًا } .\rعِبَارَةٌ عَنْ تِسْعِمِائَةٍ وَخَمْسِينَ .\rأَمَّا الْقَضَاءُ فَإِنَّمَا يَرْفَعُ جُزْءًا كَانَ ثَابِتًا ، فَإِذَا ارْتَفَعَ بِالْقَضَاءِ لَا يَجُوزُ التَّعْبِيرُ عَنْهُ بِمَا يَدُلُّ عَلَى الْبَقَاءِ .","part":10,"page":387},{"id":4887,"text":"فَصْلٌ : وَإِنْ وَصَلَ إقْرَارَهُ بِمَا يُسْقِطُهُ ، فَقَالَ : لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ مِنْ ثَمَنِ خَمْرٍ أَوْ خِنْزِيرٍ ، أَوْ مِنْ ثَمَنِ طَعَامٍ اشْتَرَيْته فَهَلَكَ قَبْلَ قَبْضِهِ ، أَوْ ثَمَنِ مَبِيعٍ فَاسِدٍ لَمْ أَقْبِضْهُ ، أَوْ تَكَفَّلْت بِهِ عَلَى أَنِّي بِالْخِيَارِ .\rلَزِمَهُ الْأَلْفُ ، وَلَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ فِي إسْقَاطِهِ .\rذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ .\rوَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّهُ إذَا قَالَ : لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ زُيُوفٌ .\rفَفَسَّرَهُ بِرَصَاصٍ أَوْ نُحَاسٍ ، لَمْ يُقْبَلْ ؛ لِأَنَّهُ رَفَعَ كُلَّ مَا اعْتَرَفَ بِهِ .\rوَقَالَ فِي سَائِرِ الصُّوَرِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا : يُقْبَلُ قَوْلُهُ ؛ لِأَنَّهُ عَزَا إقْرَارَهُ إلَى سَبَبِهِ ، فَقُبِلَ كَمَا لَوْ عَزَاهُ إلَى سَبَبٍ صَحِيحٍ .\rوَلَنَا ، أَنَّ هَذَا يُنَاقِضُ مَا أَقَرَّ بِهِ ، فَلَمْ يُقْبَلْ ، كَالصُّورَةِ الَّتِي سَلَّمَهَا ، وَكَمَا لَوْ قَالَ : لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ لَا يَلْزَمُنِي .\rأَوْ يَقُولُ : دَفَعَ جَمِيعَ مَا أَقَرَّ بِهِ .\rفَلَمْ يُقْبَلْ ، كَاسْتِثْنَاءِ الْكُلِّ .\rوَغَيْرُ خَافٍ تَنَاقُضُ كَلَامِهِ ؛ فَإِنَّ ثُبُوتَ أَلْفٍ عَلَيْهِ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ لَا يُتَصَوَّرُ ، وَإِقْرَارُهُ إخْبَارٌ بِثُبُوتِهِ ، فَيَتَنَافَيَانِ ، وَإِنْ سَلَّمَ ثُبُوتَ الْأَلْفِ عَلَيْهِ فَهُوَ مَا قُلْنَاهُ .","part":10,"page":388},{"id":4888,"text":"( 3832 ) فَصْلٌ : وَلَا يُقْبَلُ رُجُوعُ الْمُقِرِّ عَنْ إقْرَارِهِ ، إلَّا فِيمَا كَانَ حَدًّا لِلَّهِ تَعَالَى ، يُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ ، وَيُحْتَاطُ لِإِسْقَاطِهِ .\rفَأَمَّا حُقُوقُ الْآدَمِيِّينَ ، وَحُقُوقُ اللَّهِ تَعَالَى الَّتِي لَا تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ ، كَالزَّكَاةِ وَالْكَفَّارَاتِ ، فَلَا يُقْبَلُ رُجُوعُهُ عَنْهَا .\rوَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا .\rفَإِذَا قَالَ : هَذِهِ الدَّارُ لِزَيْدٍ ، لَا بَلْ لِعَمْرٍو .\rأَوْ ادَّعَى زَيْدٌ عَلَى مَيِّتٍ شَيْئًا مُعَيَّنًا مِنْ تَرِكَتِهِ ، فَصَدَّقَهُ ابْنُهُ ، ثُمَّ ادَّعَاهُ عَمْرٌو ، فَصَدَّقَهُ ، حُكِمَ بِهِ لِزَيْدٍ وَوَجَبَتْ عَلَيْهِ غَرَامَتُهُ لِعَمْرٍو .\rوَهَذَا ظَاهِرُ أَحَدِ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ فِي الْآخَرِ : لَا يَغْرَمُ لِعَمْرٍو شَيْئًا .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ لَهُ بِمَا عَلَيْهِ الْإِقْرَارُ بِهِ ، وَإِنَّمَا مَنَعَهُ الْحُكْمُ مِنْ قَبُولِهِ ، وَذَلِكَ لَا يُوجِبُ الضَّمَانَ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ حَالَ بَيْنَ عَمْرٍو وَبَيْنَ مِلْكِهِ الَّذِي أَقَرَّ لَهُ بِهِ بِإِقْرَارِهِ لِغَيْرِهِ ، فَلَزِمَهُ غُرْمُهُ ، كَمَا لَوْ شَهِدَ رَجُلَانِ عَلَى آخَرَ بِإِعْتَاقِ عَبْدِهِ ، ثُمَّ رَجَعَا عَنْ الشَّهَادَةِ ، أَوْ كَمَا لَوْ رَمَى بِهِ إلَى الْبَحْرِ ، ثُمَّ أَقَرَّ بِهِ .\rوَإِنْ قَالَ : غَصَبْت هَذِهِ الدَّارَ مِنْ زَيْدٍ ، لَا بَلْ مِنْ عَمْرٍو .\rأَوْ غَصَبْتهَا مِنْ زَيْدٍ ، وَغَصَبَهَا زَيْدٌ مِنْ عَمْرٍو .\rحُكِمَ بِهَا لِزَيْدِ ، وَلَزِمَهُ تَسْلِيمُهَا إلَيْهِ ، وَيَغْرَمُهَا لِعَمْرٍو .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَهُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ فِي الْآخَرِ : لَا يَضْمَنُ ؛ لِمَا تَقَدَّمَ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ أَقَرَّ بِالْغَصْبِ الْمُوجِبِ لِلضَّمَانِ وَالرَّدِّ إلَى الْمَغْصُوبِ مِنْهُ ، ثُمَّ لَمْ يَرُدَّ مَا أَقَرَّ بِغَصْبِهِ ، فَلَزِمَهُ ضَمَانُهُ ، كَمَا لَوْ تَلِفَ بِفِعْلِ اللَّهِ تَعَالَى .\rقَالَ أَحْمَدُ ، فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ ، فِي رَجُلٍ قَالَ لِرَجُلِ : اسْتَوْدَعْتُك هَذَا الثَّوْبَ .\rقَالَ : صَدَقْت ، ثُمَّ قَالَ : اسْتَوْدَعَنِيهِ رَجُلٌ آخَرِ .\rفَالثَّوْبُ لِلْأَوَّلِ ، وَيَغْرَمُ قِيمَتَهُ لِلْآخَرِ .","part":10,"page":389},{"id":4889,"text":"وَلَا فَرْقَ فِي هَذَا الْفَصْلِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ إقْرَارُهُ بِكَلَامِ مُتَّصِلٍ أَوْ مُنْفَصِلٍ .","part":10,"page":390},{"id":4890,"text":"( 3833 ) فَصْلٌ : فَإِنْ قَالَ : غَصَبْت هَذِهِ الدَّارَ مِنْ زَيْدٍ ، وَمِلْكُهَا لِعَمْرٍو .\rلَزِمَهُ دَفْعُهَا إلَى زَيْدٍ ؛ لِإِقْرَارِهِ لَهُ بِأَنَّهَا كَانَتْ فِي يَدِهِ ، وَهَذَا يَقْتَضِي كَوْنَهَا فِي يَدِهِ بِحَقٍّ ، وَمِلْكُهَا لِعَمْرٍو لَا يُنَافِي ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ فِي يَدِ زَيْدٍ بِإِجَارَةٍ أَوْ عَارِيَّةٍ أَوْ وَصِيَّةٍ ، وَلَا يَغْرَمُ لِعَمْرِو شَيْئًا ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْهُ تَفْرِيطٌ .\rوَفَارَقَ هَذَا مَا إذَا قَالَ : هَذِهِ الدَّارُ لِزَيْدٍ ، بَلْ لِعَمْرِو ؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ لِلثَّانِيَّ بِمَا أَقَرَّ بِهِ لِلْأَوَّلِ ، فَكَانَ الثَّانِي رُجُوعًا عَنْ الْأَوَّلِ ؛ لِتَعَارُضِهِمَا ، وَهَا هُنَا لَا تَعَارُضَ بَيْنَ إقْرَارَيْهِ .\rوَإِنْ قَالَ : مِلْكُهَا لِعَمْرٍو ، وَغَصَبْتهَا مِنْ زَيْدٍ .\rفَكَذَلِكَ لَا فَرْقَ بَيْنَ التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ وَالْمُتَّصِلِ وَالْمُنْفَصِلِ .\rذَكَرَهُ الْقَاضِي .\rوَقِيلَ : يَلْزَمُهُ دَفْعُهَا إلَى عَمْرٍو ، وَيَغْرَمُهَا لِزَيْدٍ ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا أَقَرَّ بِهَا لِعَمْرٍو أَوَّلًا ، لَمْ يُقْبَلْ إقْرَارُهُ بِالْيَدِ لِزَيْدِ .\rوَهَذَا وَجْهٌ حَسَنٌ .\rوَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَجْهَانِ كَهَذَيْنِ .\rوَلَوْ قَالَ : هَذَا الْأَلْفُ دَفَعَهُ إلَيَّ زَيْدٌ ، وَهُوَ لِعَمْرٍو .\rأَوْ قَالَ : هُوَ لِعَمْرٍو دَفَعَهُ إلَيَّ زَيْدٌ .\rفَكَذَلِكَ ، عَلَى مَا مَضَى مِنْ الْقَوْلِ فِيهِ .","part":10,"page":391},{"id":4891,"text":"( 3834 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَالَ : غَصَبْتهَا مِنْ أَحَدِهِمَا .\rأَوْ هِيَ لِأَحَدِهِمَا .\rصَحَّ الْإِقْرَارُ ؛ لِأَنَّهُ يَصِحُّ بِالْمَجْهُولِ ، فَيَصِحُّ لِلْمَجْهُولِ ، وَيُطَالَبُ بِالْبَيَانِ ، فَإِنْ عَيَّنَ أَحَدَهُمَا دُفِعَتْ إلَيْهِ ، وَيَحْلِفُ لِلْآخَرِ إنْ ادَّعَاهَا ، وَلَا يَغْرَمُ لَهُ شَيْئًا ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُقِرَّ لَهُ بِشَيْءٍ .\rوَإِنْ قَالَ : لَا أَعْرِفُهُ عَيْنًا .\rفَصَدَّقَاهُ ، نُزِعَتْ مِنْ يَدِهِ ، وَكَانَا خَصْمَيْنِ فِيهَا ، وَإِنْ كَذَّبَاهُ فَعَلَيْهِ الْيَمِينُ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ ، وَتُنْزَعُ مِنْ يَدِهِ .\rفَإِنْ كَانَ لَأَحَدِهِمَا بَيِّنَةٌ ، حُكِمَ لَهُ بِهَا ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ ، أَقْرَعْنَا بَيْنَهُمَا ، فَمَنْ قَرَعَ صَاحِبَهُ حَلَفَ ، وَسُلِّمَتْ إلَيْهِ .\rوَإِنْ بَيَّنَ الْغَاصِبُ بَعْدَ ذَلِكَ مَالِكَهَا ، قُبِلَ مِنْهُ ، كَمَا لَوْ بَيَّنَهُ ابْتِدَاءً .\rوَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ إذَا ادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّهُ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ ، تَوَجَّهَتْ عَلَيْهِ الْيَمِينُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّهُ لَمْ يَغْصِبْهُ ، فَإِنْ حَلَفَ لَأَحَدِهِمَا ، لَزِمَهُ دَفْعُهَا إلَى الْآخَرِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَجْرِي مَجْرَى تَعْيِينِهِ ، وَإِنْ نَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ لَهُمَا جَمِيعًا ، فَسُلِّمَتْ إلَى أَحَدِهِمَا بِقُرْعَةٍ أَوْ غَيْرِهَا ، لَزِمَهُ غُرْمُهَا لِلْآخَرِ ؛ لِأَنَّهُ نَكَلَ عَنْ يَمِينٍ تَوَجَّهَتْ عَلَيْهِ ، فَقُضِيَ عَلَيْهِ ، كَمَا لَوْ ادَّعَاهَا وَحْدَهُ .","part":10,"page":392},{"id":4892,"text":"( 3835 ) فَصْلٌ : فَإِنْ كَانَ فِي يَدِهِ عَبْدَانِ ، فَقَالَ : أَحَدُ هَذَيْنِ لِزَيْدٍ .\rطُولِبَ بِالْبَيَانِ ، فَإِنْ عَيَّنَ أَحَدَهُمَا فَصَدَّقَهُ زَيْدٌ أَخَذَهُ .\rوَإِنْ قَالَ : هَذَا لِي ، وَالْعَبْدُ الْآخَرُ لِزَيْدٍ فَعَلَيْهِ الْيَمِينُ فِي الْعَبْدِ الَّذِي يُنْكِرُهُ .\rوَإِنْ قَالَ زَيْدٌ : إنَّمَا لِي الْعَبْدُ الْآخَرُ .\rفَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُقِرِّ مَعَ يَمِينِهِ فِي الْعَبْدِ الَّذِي يُنْكِرُهُ ، وَلَا يَدْفَعُ إلَى زَيْدٍ الْعَبْدَ الْمُقَرَّ بِهِ وَلَكِنْ يُقَرُّ فِي يَدِ الْمُقِرِّ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَصِحَّ إقْرَارُهُ بِهِ ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ ، وَفِي الْآخَرِ ، يُنْزَعُ مِنْ يَدِهِ ، لِاعْتِرَافِهِ بِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُهُ ، وَيَكُونُ فِي بَيْتِ الْمَالِ ؛ لِأَنَّهُ لَا مَالِكَ لَهُ مَعْرُوفٌ ، فَأَشْبَهَ مِيرَاثَ مَنْ لَا يُعْرَفُ وَارِثُهُ .\rفَإِنْ أَبَى التَّعْيِينَ ، فَعَيَّنَهُ الْمُقَرُّ لَهُ ، وَقَالَ : هَذَا عَبْدِي .\rطُولِبَ بِالْجَوَابِ ، فَإِنْ أَنْكَرَ حَلَفَ ، وَكَانَ بِمَنْزِلَةِ تَعْيِينِهِ لِلْآخَرِ ، وَإِنْ نَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ يُقْضَى عَلَيْهِ ، وَإِنْ أَقَرَّ لَهُ ، فَهُوَ كَتَعْيِينِهِ .","part":10,"page":393},{"id":4893,"text":"( 3836 ) فَصْلٌ : وَلَوْ أَقَرَّ لِرَجُلٍ بِعَبْدٍ ، ثُمَّ جَاءَهُ بِهِ ، فَقَالَ : هَذَا الَّذِي أَقْرَرْت بِهِ .\rفَقَالَ : لَيْسَ هُوَ هَذَا ، إنَّمَا هُوَ آخَرُ .\rفَعَلَى الْمُقِرِّ الْيَمِينُ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ عِنْدَهُ سِوَاهُ ، وَلَا يَلْزَمُهُ تَسْلِيمُ هَذَا إلَى الْمُقَرِّ لَهُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدَّعِيه .\rوَإِنْ قَالَ : هَذَا لِي ، وَلِي عِنْدَك آخَرُ .\rسَلَّمَ إلَيْهِ هَذَا ، وَحَلَفَ لَهُ عَلَى نَفْيِ الْآخَرِ .\rوَكُلُّ مَنْ أَقَرَّ لِرَجُلٍ بِمِلْكٍ ، فَكَذَّبَهُ ، بَطَلَ إقْرَارُهُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَثْبُتُ لِلْإِنْسَانِ مِلْكٌ لَا يَعْتَرِفُ بِهِ .\rوَفِي الْمَالِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، يُتْرَكُ فِي يَدِ الْمُقِرِّ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مَحْكُومًا لَهُ بِهِ ، فَإِذَا بَطَلَ إقْرَارُهُ بَقِيَ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ .\rوَالثَّانِي ، يُؤْخَذُ إلَى بَيْتِ الْمَالِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ لَهُ مَالِكٌ .\rوَقِيلَ : يُؤْخَذُ فَيُحْفَظُ حَتَّى يَظْهَرَ مَالِكُهُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدَّعِيه أَحَدٌ .\rوَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ مِثْلُ هَذَا .\rفَإِنْ عَادَ أَحَدُهُمَا فَكَذَّبَ نَفْسَهُ ، دُفِعَ إلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ يَدَّعِيه ، وَلَا مُنَازِعَ لَهُ فِيهِ ، وَإِنْ كَذَّبَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ، نَفْسَهُ ، فَرَجَعَ الْمُقِرُّ عَنْ إقْرَارِهِ ، وَادَّعَاهُ الْمُقَرُّ لَهُ ، فَإِنْ كَانَ بَاقِيًا فِي يَدِ الْمُقِرِّ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ ، كَمَا لَوْ لَمْ يُقِرَّ بِهِ لِغَيْرِهِ ، وَإِنْ كَانَ مَعْدُومًا بِتَلَفٍ أَوْ إبَاقٍ وَنَحْوِهِ ، بِغَيْرِ تَعَدٍّ مِنْ أَحَدِهِمَا ، فَلَا شَيْءَ فِيهِ مِنْ يَمِينٍ وَلَا غَيْرِهَا ، وَإِنْ كَانَ بِتَعَدٍّ مِنْ أَحَدِهِمَا ، فَالْقَوْلُ فِيهِ قَوْلُ الْمُقِرِّ مَعَ يَمِينِهِ ، كَمَا لَوْ كَانَ بَاقِيًا .\rفَإِذَا حَلَفَ ، سَقَطَ عَنْهُ الضَّمَانُ ، وَإِنْ كَانَ تَلَفُهُ .\rبِتَعَدِّيهِ ، وَوَجَبَ لَهُ الضَّمَانُ عَلَى الْآخَرِ ، إنْ كَانَ تَلَفُهُ بِتَعَدٍّ مِنْهُ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":10,"page":394},{"id":4894,"text":"( 3837 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَمَنْ أَقَرَّ بِعَشَرَةِ ، دَرَاهِمَ ، ثُمَّ سَكَتَ سُكُوتًا يُمْكِنُهُ الْكَلَامُ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ : زُيُوفًا أَوْ صِغَارًا أَوْ إلَى شَهْرٍ .\rكَانَتْ عَشَرَةً جِيَادًا وَافِيَةً حَالَّةً ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ مَنْ أَقَرَّ بِدَرَاهِمَ ، وَأَطْلَقَ ، اقْتَضَى إقْرَارُهُ الدَّرَاهِمَ الْوَافِيَةَ ، وَهِيَ دَرَاهِمُ الْإِسْلَامِ ، كُلُّ عَشَرَةٍ مِنْهَا وَزْنُ سَبْعَةِ مَثَاقِيلَ ، وَكُلُّ دِرْهَمٍ سِتَّةُ دَوَانِقَ ، وَاقْتَضَى أَنْ تَكُونَ جِيَادًا ، حَالَّةً ، كَمَا لَوْ بَاعَهُ بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ ، وَأَطْلَقَ ، فَإِنَّهَا تَلْزَمُهُ كَذَلِكَ .\rفَإِذَا سَكَتَ سُكُوتًا يُمْكِنُهُ الْكَلَامُ فِيهِ ، أَوْ أَخَذَ فِي كَلَامٍ غَيْرِ مَا كَانَ فِيهِ ، اسْتَقَرَّتْ عَلَيْهِ كَذَلِكَ .\rفَإِنْ عَادَ ، فَقَالَ : زُيُوفًا .\rيَعْنِي رَدِيئَةً .\rأَوْ صِغَارًا .\rوَهِيَ الدَّرَاهِمُ النَّاقِصَةُ ، مِثْلُ دَرَاهِمَ طَبَرِيَّةَ ، كَانَ كُلُّ دِرْهَمٍ مِنْهَا أَرْبَعَةَ دَوَانِقَ ، وَذَلِكَ ثُلُثَا دِرْهَمٍ .\rأَوْ إلَى شَهْرٍ .\rيَعْنِي مُؤَجَّلَةً ، لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ ؛ لِأَنَّهُ يَرْجِعُ عَنْ بَعْضِ مَا أَقَرَّ بِهِ ، وَيَرْفَعُهُ بِكَلَامٍ مُنْفَصِلٍ ، فَلَمْ يُقْبَلْ ، كَالِاسْتِثْنَاءِ الْمُنْفَصِلِ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rوَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْإِقْرَارِ بِهَا دَيْنًا ، أَوْ وَدِيعَةً ، أَوْ غَصْبًا .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي الْغَصْبِ الْوَدِيعَةِ ؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِفِعْلٍ فِي عَيْنٍ ، وَذَلِكَ لَا يَقْتَضِي سَلَامَتَهَا ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَقَرَّ بِغَصْبِ عَبْدٍ ، ثُمَّ جَاءَ بِهِ مَعِيبًا .\rوَلَنَا ، أَنَّ إطْلَاقَ الِاسْمِ يَقْتَضِي الْوَازِنَةَ الْجِيَادَ ، فَلَمْ يُقْبَلْ تَفْسِيرُهُ بِمَا يُخَالِفُ ذَلِكَ ، كَالدَّيْنِ ، وَيُفَارِقُ الْعَبْدَ ؛ فَإِنَّ الْعَيْبَ لَا يَمْنَعُ إطْلَاقَ اسْمِ الْعَبْدِ عَلَيْهِ .\rفَأَمَّا إنْ وَصَفَهَا بِذَلِكَ بِكَلَامٍ مُتَّصِلٍ ، أَوْ سَكَتَ لِلتَّنَفُّسِ ، أَوْ اعْتَرَضَتْهُ سَعْلَةٌ ، أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ ، ثُمَّ وَصَفَهَا بِذَلِكَ ، أَوْ شَيْءٍ مِنْهُ ، قُبِلَ مِنْهُ .\rوَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ أَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ لَا يُقْبَلَ مِنْهُ التَّأْجِيلُ .\rوَهُوَ","part":10,"page":395},{"id":4895,"text":"قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَبَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيّ ؛ لِأَنَّ التَّأْجِيلَ يَمْنَعُ اسْتِيفَاءَ الْحَقِّ ، فَلَمْ يُقْبَلْ ، كَمَا لَوْ قَالَ : لَهُ عَلَيَّ دَرَاهِمُ قَضَيْته إيَّاهَا .\rوَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ : لَا يُقْبَلُ تَفْسِيرُهُ بِالنَّاقِصَةِ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : إنْ قَالَ : لَهُ عَلَيَّ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ نَاقِصَةٌ .\rقُبِلَ قَوْلُهُ .\rوَإِنْ قَالَ : صِغَارًا .\rوَلِلنَّاسِ دَرَاهِمُ صِغَارٌ ، قُبِلَ قَوْلُهُ أَيْضًا .\rوَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ دَرَاهِمُ صِغَارٌ لَزِمَهُ وَازِنَةٌ ، كَمَا لَوْ قَالَ : دُرَيْهِمٌ .\rلَزِمَهُ دِرْهَمٌ وَازِنٌ .\rوَهَذَا قَوْلُ ابْنُ الْقَاصِّ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ فَسَّرَ كَلَامَهُ بِمَا يَحْتَمِلُهُ بِكَلَامِ مُتَّصِلٍ ، فَقُبِلَ مِنْهُ ، كَاسْتِثْنَاءِ الْبَعْضِ ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الدَّرَاهِمَ يُعَبَّرُ بِهَا عَنْ الْوَازِنَةِ وَالنَّاقِصَةِ ، وَالزُّيُوفِ وَالْجَيِّدَةِ ، وَكَوْنُهَا عَلَيْهِ يَحْتَمِلُ الْحُلُولَ وَالتَّأْجِيلَ ، فَإِذَا وَصَفَهَا بِذَلِكَ ، تَقَيَّدَتْ بِهِ ، كَمَا لَوْ وَصَفَ الثَّمَنَ بِهِ ، فَقَالَ : بِعْتُك بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ ، مُؤَجَّلَةٍ نَاقِصَةٍ .\rوَثُبُوتُهَا عَلَى غَيْرِ هَذِهِ الصِّفَةِ حَالَةَ الْإِطْلَاقِ ، لَا يَمْنَعُ مِنْ صِحَّةِ تَقْيِيدِهَا بِهِ ، كَالثَّمَنِ .\rوَقَوْلُهُمْ : إنَّ التَّأْجِيلَ يَمْنَعُ اسْتِيفَاءَهَا .\rلَيْسَ بِصَحِيحِ ، وَإِنَّمَا يُؤَخِّرُهُ ، فَأَشْبَهَ الثَّمَنَ الْمُؤَجَّلَ يُحَقِّقُهُ أَنَّ الدَّرَاهِمَ تَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ عَلَى هَذِهِ الصِّفَاتِ ، فَإِذَا كَانَتْ ثَابِتَةً بِهَذِهِ الصِّفَةِ ، لَمْ تَقْتَضِ الشَّرِيعَةُ الْمُطَهَّرَةُ سَدَّ بَابِ الْإِقْرَارِ بِهَا عَلَى صِفَتِهَا .\rوَعَلَى مَا ذَكَرُوهُ ، لَا سَبِيلَ لَهُ إلَى الْإِقْرَارِ بِهَا إلَّا عَلَى وَجْهٍ يُؤَاخَذُ بِغَيْرِ مَا هُوَ وَاجِبٌ عَلَيْهِ ، فَيَفْسُدُ بَابُ الْإِقْرَارِ .\rوَقَوْلُ مَنْ قَالَ : إنَّ قَوْلَهُ \" صِغَارًا \" يَنْصَرِفُ إلَى الْمِقْدَارِ .\rلَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ مِسَاحَةَ الدَّرَاهِمِ لَا تُعْتَبَرُ فِي الشَّرْعِ وَلَا تَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ بِمِسَاحَةٍ مُقَدَّرَةٍ ، وَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ الصِّغَرُ وَالْكِبَرُ فِي الْوَزْنِ ،","part":10,"page":396},{"id":4896,"text":"فَيَرْجِعُ إلَى تَفْسِيرِ الْمُقِرِّ ، فَأَمَّا إنْ قَالَ : زُيُوفًا .\rوَفَسَّرَهَا بِمَغْشُوشَةٍ ، أَوْ مَعِيبَةٍ عَيْبًا يَنْقُصُهَا ، قُبِلَ تَفْسِيرُهُ ، وَإِنْ فَسَّرَهَا بِنُحَاسٍ أَوْ رَصَاصٍ ، أَوْ مَا لَا قِيمَةَ لَهُ ، لَمْ يُقْبَلْ ؛ لِأَنَّ تِلْكَ لَيْسَتْ دَرَاهِمَ عَلَى الْحَقِيقَةِ ، فَيَكُونُ تَفْسِيرُهُ بِهِ رُجُوعًا عَمَّا أَقَرَّ بِهِ ، فَلَمْ يُقْبَلْ ، كَاسْتِثْنَاءِ الْكُلِّ .","part":10,"page":397},{"id":4897,"text":"( 3838 ) فَصْلٌ : وَإِنْ أَقَرَّ بِدَرَاهِمَ وَأَطْلَقَ ، فِي بَلَدٍ أَوْزَانُهُمْ نَاقِصَةٌ ، كَطَبَرِيَّةَ ، كَانَ دِرْهَمُهُمْ أَرْبَعَةَ دَوَانِيقَ ، وَخُوَارِزْمَ كَانَ دِرْهَمُهُمْ أَرْبَعَةَ دَوَانِيقَ وَنِصْفًا ، وَمَكَّةَ دِرْهَمُهُمْ نَاقِصٌ ، وَكَذَلِكَ الْمَغْرِبُ ، أَوْ فِي بَلَدٍ دَرَاهِمُهُمْ مَغْشُوشَةٌ ، كَمِصْرِ وَالْمَوْصِلِ ، أَوْ بِدَنَانِيرَ فِي بَلَدٍ دَنَانِيرُهُمْ مَغْشُوشَةٌ .\rفَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَوَّلُهُمَا ، يَلْزَمُهُ مِنْ دَرَاهِمِ الْبَلَدِ وَدَنَانِيرِهِ ؛ لِأَنَّ مُطْلَقَ كَلَامِهِمْ يُحْمَلُ عَلَى عُرْفِ بَلَدِهِمْ ، كَمَا فِي الْبَيْعِ وَالْأَثْمَانِ .\rوَالثَّانِي ، تَلْزَمُهُ الْوَازِنَةُ الْخَالِصَةُ مِنْ الْغِشِّ ؛ لِأَنَّ إطْلَاقَ الدَّرَاهِمِ فِي الشَّرْعِ يَنْصَرِفُ إلَيْهَا ، بِدَلِيلِ أَنَّ بِهَا تَقْدِيرَ نُصُبِ الزَّكَاةِ وَمَقَادِيرِ الدِّيَاتِ ، فَكَذَلِكَ إطْلَاقُ الشَّخْصِ .\rوَفَارَقَ الْبَيْعَ ؛ فَإِنَّهُ إيجَابٌ فِي الْحَالِ ، فَاخْتَصَّ بِدَرَاهِمِ الْمَوْضِعِ الَّذِي هُمَا فِيهِ ، وَالْإِقْرَارُ إخْبَارٌ عَنْ حَقٍّ سَابِقٍ فَانْصَرَفَ إلَى دَرَاهِمِ الْإِسْلَامِ .","part":10,"page":398},{"id":4898,"text":"( 3839 ) فَصْلٌ : وَإِنْ أَقَرَّ بِدَرَاهِمَ ، وَأَطْلَقَ ، ثُمَّ فَسَّرَهَا بِسِكَّةِ الْبَلَدِ الَّذِي أَقَرَّ بِهَا فِيهِ ، قُبِلَ ؛ لِأَنَّ إطْلَاقَهُ يَنْصَرِفُ إلَيْهِ ، وَإِنْ فَسَّرَهَا بِسِكَّةٍ غَيْرِ سِكَّةِ الْبَلَدِ أَجْوَدَ مِنْهَا ، قُبِلَ ؛ لِأَنَّهُ يُقِرُّ عَلَى نَفْسِهِ بِمَا هُوَ أَغْلَظُ ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَتْ مِثْلَهَا ؛ لِأَنَّهُ لَا يُتَّهَمُ فِي ذَلِكَ ، وَإِنْ كَانَتْ أَدْنَى مِنْ سِكَّةِ الْبَلَدِ ، لَكِنَّهَا مُسَاوِيَةٌ فِي الْوَزْنِ ، احْتَمَلَ أَنْ لَا يُقْبَلَ ؛ لِأَنَّ إطْلَاقَهَا يَقْتَضِي دَرَاهِمَ الْبَلَدِ وَنَقْدَهُ ، فَلَا يُقْبَلُ مِنْهُ دُونَهَا ، كَمَا لَا يُقْبَلُ فِي الْبَيْعِ ، وَلِأَنَّهَا نَاقِصَةُ الْقِيمَةِ ، فَلَمْ يُقْبَلْ تَفْسِيرُهُ بِهَا ، كَالنَّاقِصَةِ وَزْنًا .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ مَا فَسَّرَهُ بِهِ .\rوَفَارَقَ النَّاقِصَةَ ؛ لِأَنَّ إطْلَاقَ الشَّرْعِ الدَّرَاهِمَ ، لَا يَتَنَاوَلُهَا ، بِخِلَافِ هَذِهِ ، وَلِهَذَا يَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ مِقْدَارُ النِّصَابِ فِي الزَّكَاةِ وَغَيْرِهِ ، وَفَارَقَ الثَّمَنَ ؛ فَإِنَّهُ إيجَابٌ فِي الْحَالِ ، وَهَذَا إخْبَارٌ عَنْ حَقٍّ سَابِقٍ .","part":10,"page":399},{"id":4899,"text":"( 3840 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَالَ : لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمٌ كَبِيرٌ .\rلَزِمَهُ دِرْهَمٌ مِنْ دَرَاهِمِ الْإِسْلَامِ ؛ لِأَنَّهُ كَبِيرٌ فِي الْعُرْفِ .\rوَإِنْ قَالَ : لَهُ عَلَيَّ دُرَيْهِمٌ .\rفَهُوَ كَمَا لَوْ قَالَ : دِرْهَمٌ ؛ لِأَنَّ التَّصْغِيرَ قَدْ يَكُونُ لِصِغَرِهِ فِي ذَاتِهِ ، أَوْ لِقِلَّةِ قَدْرِهِ عِنْدَهُ وَتَحْقِيرِهِ ، وَقَدْ يَكُون لِمَحَبَّتِهِ كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ : بِذَيَّالِك الْوَادِي أَهِيمُ وَلَمْ أَقُلْ بِذَيَّالِك الْوَادِي وَذُيَّاكَ مِنْ زُهْدِ وَلَكِنْ إذَا مَا حُبَّ شَيْءٌ تَوَلَّعَتْ بِهِ أَحْرُفُ التَّصْغِيرِ مِنْ شِدَّةِ الْوَجْدِ وَإِنْ قَالَ : لَهُ عَلَيَّ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ عَدَدًا .\rلَزِمَتْهُ عَشْرَةٌ مَعْدُودَةٌ وَازِنَةٌ ؛ لِأَنَّ إطْلَاقَ الدَّرَاهِمِ يَقْتَضِي وَازِنَةً ، وَذِكْرُ الْعَدَدِ لَا يُنَافِيهَا ، فَوَجَبَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا .\rفَإِنْ كَانَ فِي بَلَدٍ يَتَعَامَلُونَ بِهَا عَدَدًا مِنْ غَيْرِ وَزْنٍ ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ مَا لَوْ أَقَرَّ بِهَا فِي بَلَدٍ أَوْزَانُهُمْ نَاقِصَةٌ ، أَوْ دَرَاهِمُهُمْ مَغْشُوشَةٌ ، عَلَى مَا فُصِّلَ فِيهِ .","part":10,"page":400},{"id":4900,"text":"( 3841 ) فَصْلٌ : وَإِذَا أَقَرَّ بِدِرْهَمٍ ، ثُمَّ أَقَرَّ بِدِرْهَمٍ ، لَزِمَهُ دِرْهَمٌ وَاحِدٌ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَلْزَمُهُ دِرْهَمَانِ ، كَمَا لَوْ قَالَ : لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمٌ وَدِرْهَمٌ .\rوَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْإِقْرَارُ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ أَوْ فِي أَوْقَاتٍ ، أَوْ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ أَوْ مَجَالِسَ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَدْ كَرَّرَ الْخَبَرَ عَنْ الْأَوَّلِ ، كَمَا كَرَّرَ اللَّهُ تَعَالَى الْخَبَرَ عَنْ إرْسَالِهِ نُوحًا وَهُودًا وَصَالِحًا وَلُوطًا وَشُعَيْبًا وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ، وَلَمْ يَكُنْ الْمَذْكُورُ فِي قِصَّةٍ غَيْرَ الْمَذْكُورِ فِي أُخْرَى ، كَذَا هَاهُنَا .\rفَإِنْ وَصَفَ أَحَدَهُمَا وَأَطْلَقَ الْآخَرَ ، فَكَذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُطْلَقُ هُوَ الْمَوْصُوفَ ، أَطْلَقَهُ فِي حَالٍ وَوَصَفَهُ فِي حَالٍ .\rوَإِنْ وَصَفَهُ بِصِفَةٍ وَاحِدَةٍ فِي الْمَرَّتَيْنِ ، كَانَ تَأْكِيدًا لِمَا ذَكَرْنَا ، وَإِنْ وَصَفَهُ فِي إحْدَى الْمَرَّتَيْنِ بِغَيْرِ مَا وَصَفَهُ فِي الْأُخْرَى ، فَقَالَ : دِرْهَمٌ مِنْ ثَمَنِ مَبِيعٍ .\rثُمَّ قَالَ : لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمٌ مِنْ قَرْضٍ ، أَوْ دِرْهَمٌ مِنْ ثَمَنِ ثَوْبٍ .\rثُمَّ قَالَ : دِرْهَمٌ مِنْ ثَمَنِ عَبْدٍ .\rأَوْ قَالَ : دِرْهَمٌ أَبْيَضُ ، ثُمَّ قَالَ : دِرْهَمٌ أَسْوَدُ .\rفَهُمَا دِرْهَمَانِ ؛ لِأَنَّهُمَا مُتَغَايِرَانِ .","part":10,"page":401},{"id":4901,"text":"( 3842 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَالَ : لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمٌ وَدِرْهَمٌ أَوْ دِرْهَمٌ ثُمَّ دِرْهَمٌ أَوْ دِرْهَمٌ فَدِرْهَمٌ .\rأَوْ دِرْهَمٌ ثُمَّ دِرْهَمٌ .\rلَزِمَهُ دِرْهَمَانِ .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ .\rوَذَكَرَ الْقَاضِي وَجْهًا ، فِيمَا إذَا قَالَ : دِرْهَمٌ فَدِرْهَمٌ .\rوَقَالَ : أَرَدْت : دِرْهَمٌ فَدِرْهَمٌ لَازِمٌ لِي .\rأَنَّهُ يُقْبَلُ مِنْهُ ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ الصِّفَةَ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الْفَاءَ أَحَدُ حُرُوفِ الْعَطْفِ الثَّلَاثَةِ ، فَأَشْبَهَتْ الْوَاوَ وَثُمَّ ، وَلِأَنَّهُ عَطَفَ شَيْئًا عَلَى شَيْءٍ بِالْفَاءِ ، فَاقْتَضَى ثُبُوتَهُمَا ، كَمَا لَوْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ فَطَالِقٌ .\rوَقَدْ سَلَّمَهُ الشَّافِعِيُّ وَمَا ذَكَرُوهُ مِنْ احْتِمَالِ الصِّفَةِ بَعِيدٌ ، لَا يُفْهَمُ حَالَةَ الْإِطْلَاقِ ، فَلَا يُقْبَلُ تَفْسِيرُهُ بِهِ ، كَمَا لَوْ فَسَّرَ الدَّرَاهِمَ الْمُطْلَقَةَ بِأَنَّهَا زُيُوفٌ أَوْ صِغَارٌ أَوْ مُؤَجَّلَةٌ .\rوَإِنْ قَالَ : لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمٌ وَدِرْهَمَانِ .\rلَزِمَتْهُ ثَلَاثَةٌ .\rوَإِنْ قَالَ : لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمٌ وَدِينَارٌ ، أَوْ فَدِينَارٌ ، أَوْ قَفِيزُ حِنْطَةٍ .\rوَنَحْوُ ذَلِكَ .\rلَزِمَهُ ذَلِكَ كُلُّهُ .\rوَإِنْ قَالَ : لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمٌ وَدِرْهَمٌ وَدِرْهَمٌ .\rلَزِمَتْهُ ثَلَاثَةٌ .\rوَحَكَى ابْنُ أَبِي مُوسَى عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا ، أَنَّهُ إذَا قَالَ : أَرَدْت بِالثَّالِثِ تَأْكِيدَ الثَّانِي وَبَيَانَهُ .\rأَنَّهُ يُقْبَلُ .\rوَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ الثَّالِثَ فِي لَفْظِ الثَّانِي ، وَظَاهِرُ مَذْهَبِهِ أَنَّهُ تَلْزَمُهُ الثَّلَاثَةُ ؛ لِأَنَّ الْوَاوَ لِلْعَطْفِ ، وَالْعَطْفُ يَقْتَضِي الْمُغَايَرَةَ ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الثَّالِثُ غَيْرَ الثَّانِي ، كَمَا كَانَ الثَّانِي غَيْرَ الْأَوَّلِ ، وَالْإِقْرَارُ لَا يَقْتَضِي تَأْكِيدًا ، فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلَى الْعَدَدِ .\rوَكَذَلِكَ الْحُكْمُ إذَا قَالَ : لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمٌ فَدِرْهَمٌ فَدِرْهَمٌ ، أَوْ دِرْهَمٌ ثُمَّ دِرْهَمٌ ثُمَّ دِرْهَمٌ .\rوَإِنْ قَالَ : لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمٌ وَدِرْهَمٌ ثُمَّ دِرْهَمٌ ، أَوْ دِرْهَمٌ فَدِرْهَمٌ ثُمَّ دِرْهَمٌ ، أَوْ دِرْهَمٌ ثُمَّ دِرْهَمٌ","part":10,"page":402},{"id":4902,"text":"فَدِرْهَمٌ .\rلَزِمَتْهُ الثَّلَاثَةُ ، وَجْهًا وَاحِدًا ؛ لِأَنَّ الثَّالِثَ مُغَايِرٌ لِلثَّانِي ، لِاخْتِلَافِ حَرْفَيْ الْعَطْفِ الدَّاخِلَيْنِ عَلَيْهِمَا ، فَلَمْ يَحْتَمِلْ التَّأْكِيدَ .","part":10,"page":403},{"id":4903,"text":"( 3843 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَالَ : لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمٌ بَلْ دِرْهَمَانِ ، أَوْ دِرْهَمٌ لَكِنْ دِرْهَمَانِ .\rلَزِمَهُ دِرْهَمَانِ .\rوَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ زُفَرُ وَدَاوُد تَلْزَمُهُ ثَلَاثَةٌ ؛ لِأَنَّ \" بَلْ \" لِلْإِضْرَابِ ، فَلَمَّا أَقَرَّ بِدِرْهَمِ وَأَضْرَبَ عَنْهُ ، لَزِمَهُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُقْبَلُ رُجُوعُهُ عَمَّا أَقَرَّ بِهِ ، وَلَزِمَهُ الدِّرْهَمَانِ اللَّذَانِ أَقَرَّ بِهِمَا .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ إنَّمَا نَفَى الِاقْتِصَارَ عَلَى وَاحِدٍ ، وَأَثْبَتَ الزِّيَادَةَ عَلَيْهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَالَ : لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمٌ ، بَلْ أَكْثَرُ .\rفَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ أَكْثَرُ مِنْ اثْنَيْنِ .\rوَإِنْ قَالَ : لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمٌ ، بَلْ دِرْهَمٌ ، أَوْ لَكِنْ دِرْهَمٌ .\rفَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، يَلْزَمُهُ دِرْهَمٌ وَاحِدٌ ؛ لِأَنَّ أَحْمَدَ قَالَ فِي مَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ : أَنْتِ طَالِقٌ ، لَا بَلْ أَنْتِ طَالِقٌ : إنَّهَا لَا تَطْلُقُ إلَّا وَاحِدَةً .\rوَهَذَا فِي مَعْنَاهُ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِدِرْهَمٍ مَرَّتَيْنِ ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ أَكْثَرُ مِنْ دِرْهَمٍ ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِدِرْهَمٍ ثُمَّ أَنْكَرَهُ ، ثُمَّ قَالَ : بَلْ عَلَيَّ دِرْهَمٌ .\rوَ \" لَكِنْ \" لِلِاسْتِدْرَاكِ ، فَهِيَ فِي مَعْنَى \" بَلْ \" إلَّا أَنَّ الصَّحِيحَ أَنَّهَا لَا تُسْتَعْمَلُ إلَّا بَعْدَ الْجَحْدِ ، إلَّا أَنْ يُذْكَرَ بَعْدَهَا جُمْلَةٌ .\rوَالْوَجْهُ الثَّانِي ، يَلْزَمُهُ دِرْهَمَانِ .\rذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى وَأَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ .\rوَيَقْتَضِيهِ قَوْلُ زُفَرَ وَدَاوُد ؛ لِأَنَّ مَا بَعْدَ الْإِضْرَابِ يُغَايِرُ مَا قَبْلَهُ ، فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ الدِّرْهَمُ الَّذِي أَضْرَبَ عَنْهُ غَيْرَ الدِّرْهَمِ الَّذِي أَقَرَّ بِهِ بَعْدَهُ ، فَيَجِبُ الِاثْنَانِ ، كَمَا لَوْ قَالَ : لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمٌ ، بَلْ دِينَارٌ .\rوَلِأَنَّ \" بَلْ \" مِنْ حُرُوفِ الْعَطْفِ ، وَالْمَعْطُوفُ غَيْرُ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ ، فَوَجَبَا جَمِيعًا ، كَمَا لَوْ قَالَ : لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمٌ دِرْهَمٌ .\rوَلِأَنَّا لَوْ لَمْ نُوجِبْ عَلَيْهِ إلَّا دِرْهَمًا ، جَعَلْنَا كَلَامَهُ لَغْوًا ، وَإِضْرَابَهُ عَنْهُ غَيْرَ مُفِيدٍ ،","part":10,"page":404},{"id":4904,"text":"وَالْأَصْلُ فِي كَلَامِ الْعَاقِلِ أَنْ يَكُونَ مُفِيدًا .\rوَلَوْ كَانَ الَّذِي أَضْرَبَ عَنْهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْمَذْكُورَ بَعْدَهُ ، وَلَا بَعْضَهُ ، مِثْلُ أَنْ يَقُولَ : لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمٌ ، بَلْ دِينَارٌ أَوْ دِينَارَانِ .\rأَوْ : لَهُ عَلَيَّ قَفِيزُ حِنْطَةٍ ، بَلْ قَفِيزُ شَعِيرٍ .\rأَوْ : هَذَا الدِّرْهَمُ ، بَلْ هَذَانِ .\rلَزِمَهُ الْجَمِيعُ ، بِغَيْرِ خِلَافٍ عَلِمْنَاهُ ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الثَّانِيَ وَلَا بَعْضَهُ ، فَكَانَ مُقِرًّا ، بِهِمَا ، وَلَا يُقْبَلُ رُجُوعُهُ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُمَا .\rوَكَذَلِكَ كُلُّ جُمْلَتَيْنِ أَقَرَّ بِإِحْدَاهُمَا ثُمَّ رَجَعَ إلَى الْأُخْرَى ، لَزِمَاهُ .\rوَإِنْ قَالَ : لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمَانِ ، بَلْ دِرْهَمٌ .\rأَوْ عَشْرَةٌ ، بَلْ تِسْعَةٌ .\rلَزِمَهُ الْأَكْثَرُ ؛ لِأَنَّهُ أَضْرَبَ عَنْ وَاحِدٍ ، وَنَفَاهُ بَعْدَ إقْرَارِهِ بِهِ ، فَلَمْ يُقْبَلْ نَفْيُهُ لَهُ بِخِلَافِ الِاسْتِثْنَاءِ ، فَإِنَّهُ لَا يَنْفِي شَيْئًا أَقَرَّ بِهِ ، وَإِنَّمَا هُوَ عِبَارَةٌ عَنْ الْبَاقِي بَعْدَ الِاسْتِثْنَاءِ ، فَإِذَا قَالَ : عَشْرَةٌ إلَّا دِرْهَمًا .\rكَانَ مَعْنَاهُ تِسْعَةً .","part":10,"page":405},{"id":4905,"text":"( 3844 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَالَ : لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمٌ قَبْلَهُ دِرْهَمٌ ، أَوْ بَعْدَهُ دِرْهَمٌ .\rلَزِمَهُ دِرْهَمَانِ .\rوَإِنْ قَالَ : قَبْلَهُ دِرْهَمٌ وَبَعْدَهُ دِرْهَمٌ .\rلَزِمَهُ ثَلَاثَةٌ ؛ لِأَنَّ \" قَبْلُ \" وَ \" بَعْدُ \" تُسْتَعْمَلُ لِلتَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ فِي الْوُجُوبِ .\rوَإِنْ قَالَ : لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمٌ فَوْقَ دِرْهَمٍ ، أَوْ تَحْتَ دِرْهَمٍ ، أَوْ مَعَهُ دِرْهَمٌ ، أَوْ مَعَ دِرْهَمٍ .\rفَقَالَ الْقَاضِي : يَلْزَمُهُ دِرْهَمٌ .\rوَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ فَوْقَ دِرْهَمٍ فِي الْجَوْدَةِ ، أَوْ فَوْقَ دِرْهَمٍ لِي ، وَكَذَلِكَ تَحْتَ دِرْهَمٍ .\rوَقَوْلُهُ : مَعَهُ دِرْهَمٌ .\rيَحْتَمِلُ مَعَهُ دِرْهَمٌ لِي وَكَذَلِكَ مَعَ دِرْهَمٍ ، فَلَمْ يَجِبْ الزَّائِدُ بِالِاحْتِمَالِ .\rوَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ يَلْزَمُهُ دِرْهَمَانِ .\rوَهُوَ الْقَوْلُ الثَّانِي لِلشَّافِعِيِّ لِأَنَّ هَذَا اللَّفْظَ يَجْرِي مَجْرَى الْعَطْفِ ، لِكَوْنِهِ يَقْتَضِي ضَمَّ دِرْهَمٍ آخَرَ إلَيْهِ ، وَقَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ فِي سِيَاقِ الْإِقْرَارِ ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ إقْرَارٌ ، وَلِأَنَّ قَوْلَهُ : \" عَلَيَّ \" يَقْتَضِي فِي ذِمَّتِي ، وَلَيْسَ لِلْمُقِرِّ فِي ذِمَّةِ نَفْسِهِ دِرْهَمٌ مَعَ دِرْهَمِ الْمُقَرِّ لَهُ ، وَلَا فَوْقَهُ ، وَلَا تَحْتَهُ ، فَإِنَّهُ لَا يَثْبُتُ لِلْإِنْسَانِ فِي ذِمَّةِ نَفْسِهِ شَيْءٌ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ : إنْ قَالَ : فَوْقَ دِرْهَمٍ .\rلَزِمَهُ دِرْهَمَانِ ؛ لِأَنَّ \" فَوْقَ \" تَقْتَضِي فِي الظَّاهِرِ الزِّيَادَةَ .\rوَإِنْ قَالَ : تَحْتَ دِرْهَمٍ .\rلَزِمَهُ دِرْهَمٌ وَاحِدٌ ؛ لِأَنَّ \" تَحْت \" تَقْتَضِي النَّقْصَ .\rوَلَنَا ، إنْ حُمِلَ كَلَامُهُ عَلَى مَعْنَى الْعَطْفِ ، فَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا .\rوَإِنْ حُمِلَ عَلَى الصِّفَةِ لِلدِّرْهَمِ الْمُقَرِّ بِهِ ، وَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْمُقَرُّ بِهِ دِرْهَمًا وَاحِدًا ، سَوَاءٌ ذَكَرَهُ بِمَا يَقْتَضِي زِيَادَةَ الْجَوْدَةِ أَوْ نَقْصَهَا .\rوَإِنْ قَالَ : لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمٌ قَبْلَهُ دِينَارٌ ، أَوْ بَعْدَهُ ، أَوْ قَفِيزُ حِنْطَةٍ ، أَوْ مَعَهُ ، أَوْ فَوْقَهُ ، أَوْ تَحْتَهُ ، أَوْ مَعَ ذَلِكَ .\rفَالْقَوْلُ فِي ذَلِكَ كَالْقَوْلِ فِي الدِّرْهَمِ","part":10,"page":406},{"id":4906,"text":"سَوَاءٌ .","part":10,"page":407},{"id":4907,"text":"( 3845 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَالَ : لَهُ مَا عَلَيَّ مَا بَيْنَ دِرْهَمٍ وَعَشَرَةٍ .\rلَزِمَتْهُ ثَمَانِيَةٌ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مَا بَيْنَهُمَا .\rوَإِنْ قَالَ : مِنْ دِرْهَمٍ إلَى عَشْرَةٍ ، فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ ؛ أَحَدُهَا ، تَلْزَمُهُ تِسْعَةٌ .\rوَهَذَا يُحْكَى عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ لِأَنَّ \" مِنْ \" لِابْتِدَاءِ الْغَايَةِ ، وَأَوَّلُ الْغَايَةِ مِنْهَا ، وَ \" إلَى \" لِانْتِهَائِهَا ، فَلَا يَدْخُلُ فِيهَا ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : { ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إلَى اللَّيْلِ } .\rوَالثَّانِي ، تَلْزَمُهُ ثَمَانِيَةٌ ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ وَالْعَاشِرَ حَدَّانِ ، فَلَا يَدْخُلَانِ فِي الْإِقْرَارِ ، وَلَزِمَهُ مَا بَيْنَهُمَا ، كَاَلَّتِي قَبْلَهَا .\rوَالثَّالِثُ ، تَلْزَمُهُ عَشَرَةٌ ؛ لِأَنَّ الْعَاشِرَ أَحَدُ الطَّرَفَيْنِ ، فَيَدْخُلُ فِيهَا كَالْأَوَّلِ ، وَكَمَا لَوْ قَالَ : قَرَأْت الْقُرْآنَ مِنْ أَوَّلِهِ إلَى آخِرِهِ .\rفَإِنْ قَالَ : أَرَدْت بِقَوْلِيِّ مِنْ وَاحِدٍ إلَى عَشَرَةٍ .\rمَجْمُوعَ الْأَعْدَادِ كُلِّهَا ، أَيْ الْوَاحِدِ وَالِاثْنَيْنِ وَكَذَلِكَ إلَى الْعَشَرَةِ ، لَزِمَهُ خَمْسَةٌ وَخَمْسُونَ دِرْهَمًا .\rوَاخْتِصَارُ حِسَابِهِ أَنْ تَزِيدَ أَوَّلَ الْعَدَدِ وَهُوَ الْوَاحِدُ عَلَى الْعَشَرَةِ ، فَيَصِيرَ أَحَدَ عَشَرَ ، ثُمَّ تَضْرِبَهَا فِي نِصْفِ الْعَشَرَةِ ، فَمَا بَلَغَ فَهُوَ الْجَوَابُ .","part":10,"page":408},{"id":4908,"text":"( 3846 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَالَ : لَهُ عَلَيَّ دَرَاهِمُ .\rلَزِمَهُ ثَلَاثَةٌ .\rلِأَنَّهَا أَقَلُّ الْجَمْعِ .\rوَإِنْ قَالَ : لَهُ عَلَيَّ دَرَاهِمُ كَثِيرَةٌ ، أَوْ وَافِرَةٌ ، أَوْ عَظِيمَةٌ .\rلَزِمَهُ ثَلَاثَةٌ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يُقْبَلُ تَفْسِيرُهُ بِدُونِ الْعَشَرَةِ ؛ لِأَنَّهَا أَقَلُّ جَمْعِ الْكَثْرَةِ .\rوَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ : لَا يُقْبَلُ أَقَلُّ مِنْ مِائَتَيْنِ ؛ لِأَنَّ بِهَا يَحْصُلُ الْغِنَى ، وَتَجِبُ الزَّكَاةُ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الْكَثْرَةَ وَالْعَظَمَةَ لَا حَدَّ لَهَا شَرْعًا وَلَا لُغَةً وَلَا عُرْفًا ، وَتَخْتَلِفُ بِالْإِضَافَاتِ وَأَحْوَالِ النَّاسِ ، فَالثَّلَاثَةُ أَكْثَرُ مِمَّا دُونَهَا وَأَقَلُّ مِمَّا فَوْقَهَا ، وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَسْتَعْظِمُ الْيَسِيرَ ، وَمِنْهُمْ مِنْ لَا يَسْتَعْظِمُ الْكَثِيرَ ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّ الْمُقِرَّ أَرَادَ كَثِيرَةً بِالنِّسْبَةِ إلَى مَا دُونَهَا ، أَوْ كَثِيرَةً فِي نَفْسِهِ ، فَلَا تَجِبُ الزِّيَادَةُ بِالِاحْتِمَالِ .","part":10,"page":409},{"id":4909,"text":"( 3847 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَالَ : لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمَانِ فِي عَشَرَةٍ .\rوَقَالَ : أَرَدْت الْحِسَابَ .\rلَزِمَهُ عِشْرُونَ .\rوَإِنْ قَالَ : أَرَدْت دِرْهَمَيْنِ مَعَ عَشَرَةٍ .\rوَلَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ الْحِسَابَ ، قُبِلَ مِنْهُ ، وَلَزِمَهُ اثْنَا عَشَرَ ؛ لِأَنَّ كَثِيرًا مِنْ الْعَامَّةِ يُرِيدُونَ بِهَذَا اللَّفْظِ هَذَا الْمَعْنَى .\rوَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْحِسَابِ ، احْتَمَلَ أَنْ لَا يُقْبَلَ ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ الْحِسَابِ اسْتِعْمَالُ أَلْفَاظِهِ لِمَعَانِيهَا فِي اصْطِلَاحِهِمْ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقْبَلَ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْنَعُ أَنْ يَسْتَعْمِلَ اصْطِلَاحَ الْعَامَّةِ .\rوَإِنْ قَالَ : أَرَدْت دِرْهَمَيْنِ فِي عَشَرَةٍ لِي .\rلَزِمَهُ دِرْهَمَانِ ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ مَا يَقُولُ .\rوَإِنْ قَالَ : دِرْهَمَانِ فِي دِينَارٍ .\rلَمْ يَحْتَمِلْ الْحِسَابَ ، وَسُئِلَ عَنْ مُرَادِهِ ، فَإِنْ قَالَ : أَرَدْت الْعَطْفَ أَوْ مَعْنَى مَعَ .\rلَزِمَهُ الدِّرْهَمَانِ وَالدِّينَارُ .\rوَإِنْ قَالَ : أَسْلَمْتُهُمَا فِي دِينَارٍ .\rفَصَدَّقَهُ الْمُقَرُّ لَهُ ؛ بَطَلَ إقْرَارُهُ ؛ لِأَنَّ سَلْمَ أَحَدِ النَّقْدَيْنِ فِي الْآخَرِ لَا يَصِحُّ ، وَإِنْ كَذَّبَهُ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُقَرِّ لَهُ ؛ لِأَنَّ الْمُقِرَّ وَصَلَ إقْرَارَهُ بِمَا يُسْقِطُهُ ، فَلَزِمَهُ مَا أَقَرَّ بِهِ ، وَبَطَلَ قَوْلُهُ فِي دِينَارٍ .\rوَكَذَلِكَ إنْ قَالَ : لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمَانِ فِي ثَوْبٍ .\rوَفَسَّرَهُ بِالسَّلْمِ ، أَوْ قَالَ : فِي ثَوْبٍ اشْتَرَيْته مِنْهُ إلَى سَنَةٍ .\rفَصَدَّقَهُ ، بَطَلَ إقْرَارُهُ ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ بَعْدَ التَّفَرُّقِ ، بَطَلَ السَّلْمُ وَسَقَطَ الثَّمَنُ ، وَإِنْ كَانَ قَبْلَ التَّفَرُّقِ فَالْمُقِرُّ بِالْخِيَارِ بَيْنَ الْفَسْخِ وَالْإِمْضَاءِ .\rوَإِنْ كَذَّبَهُ الْمُقَرُّ لَهُ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ ، وَلَهُ الدِّرْهَمَانِ .","part":10,"page":410},{"id":4910,"text":"( 3848 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَالَ : لَهُ عِنْدِي دِرْهَمٌ فِي ثَوْبٍ ، أَوْ فِي كِيسٍ ، أَوْ زَيْتٌ فِي جَرَّةٍ ، أَوْ تِبْنٌ فِي غِرَارَةٍ ، أَوْ تَمْرٌ فِي جِرَابٍ ، أَوْ سِكِّينٌ فِي قِرَابٍ ، أَوْ فَصٌّ فِي خَاتَمٍ ، أَوْ كِيسٌ فِي صُنْدُوقٍ .\rأَوْ قَالَ : غَصَبْت مِنْهُ ثَوْبًا فِي مِنْدِيلٍ ، أَوْ زَيْتًا فِي زِقٍّ .\rفَفِيهِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا ، يَكُونُ مُقِرًّا بِالْمَظْرُوفِ دُون الظَّرْفِ .\rهَذَا اخْتِيَارُ ابْنِ حَامِدٍ وَمَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ لِأَنَّ إقْرَارَهُ لَمْ يَتَنَاوَلْ الظَّرْفَ ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ فِي ظَرْفٍ لِلْمُقِرِّ ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ .\rوَالثَّانِي ، يَلْزَمُهُ الْجَمِيعُ ؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَ ذَلِكَ فِي سِيَاقِ الْإِقْرَارِ ، وَيَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مُقِرًّا بِهِ ، فَلَزِمَهُ ، كَمَا لَوْ قَالَ لَهُ : عِنْدِي عَبْدٌ عَلَيْهِ عِمَامَةٌ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي الْغَصْبِ : يَلْزَمُهُ ، وَلَا يَلْزَمُهُ فِي بَقِيَّةِ الصُّوَرِ ؛ لِأَنَّ الْمِنْدِيلَ يَكُونُ ظَرْفًا لِلثَّوْبِ ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ ظَرْفٌ لَهُ فِي حَالِ الْغَصْبِ ، وَصَارَ كَأَنَّهُ قَالَ : غَصَبْت ثَوْبًا وَمِنْدِيلًا .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمِنْدِيلُ لِلْغَاصِبِ ، وَهُوَ ظَرْفٌ لِلثَّوْبِ ، فَيَقُولُ : غَصَبْت ثَوْبًا فِي مِنْدِيلٍ لِي .\rوَلَوْ قَالَ هَذَا لَمْ يَكُنْ مُقِرًّا بِغَصْبِهِ ، فَإِذَا أَطْلَقَ ، كَانَ مُحْتَمِلًا لَهُ ، فَلَمْ يَكُنْ مُقِرًّا بِغَصْبِهِ ، كَمَا لَوْ قَالَ : غَصَبْت دَابَّةً فِي إصْطَبْلِهَا .\rأَوْ : لَهُ عَلَيَّ ثَوْبٌ فِي مِنْدِيلٍ .\rوَإِنْ قَالَ : لَهُ عِنْدِي جَرَّةٌ فِيهَا زَيْتٌ ، أَوْ جِرَابٌ فِيهِ تَمْرٌ ، أَوْ قِرَابٌ فِيهِ سِكِّينٌ .\rفَعَلَى وَجْهَيْنِ .\rوَإِنْ قَالَ : لَهُ عَلَيَّ خَاتَمٌ فِيهِ فَصُّ .\rفَكَذَلِكَ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مُقِرًّا بِهِ بِفَصِّهِ ، وَجْهًا وَاحِدًا ؛ لِأَنَّ الْفَصَّ جُزْءٌ مِنْ أَجْزَاءِ الْخَاتَمِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَالَ : لَهُ عَلَيَّ ثَوْبٌ فِيهِ عَلَمٌ .\rوَلَوْ قَالَ : لَهُ عِنْدِي خَاتَمٌ .\rوَأَطْلَقَ ، لَزِمَهُ الْخَاتَمُ بِفَصِّهِ ؛ لِأَنَّ اسْمَ الْخَاتَمِ يَجْمَعُهُمَا .\rوَإِنْ قَالَ : لَهُ عَلَيَّ ثَوْبٌ مُطَرَّزٌ .\rلَزِمَهُ الثَّوْبُ","part":10,"page":411},{"id":4911,"text":"بِطِرَازِهِ .","part":10,"page":412},{"id":4912,"text":"( 3849 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَالَ : لَهُ عِنْدِي دَارٌ مَفْرُوشَةٌ ، أَوْ دَابَّةٌ مُسْرَجَةٌ ، أَوْ عَبْدٌ عَلَيْهِ عِمَامَةٌ .\rفَفِيهِ أَيْضًا وَجْهَانِ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ : تَلْزَمُهُ عِمَامَةُ الْعَبْدِ دُونَ الْفَرْشِ أَوْ السَّرْجِ ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ يَدُهُ عَلَى عِمَامَتِهِ ، وَيَدُهُ كَيَدِ سَيِّدِهِ ، وَلَا يَدَ لِلدَّابَّةِ وَالدَّارِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ سَرْجَ الدَّابَّةِ لِصَاحِبِهَا ، وَكَذَلِكَ لَوْ تَنَازَعَ رَجُلَانِ سَرْجًا عَلَى دَابَّةِ أَحَدِهِمَا ، كَانَ لِصَاحِبِهَا ، فَصَارَ كَعِمَامَةِ الْعَبْدِ .\rفَأَمَّا إنْ قَالَ : لَهُ عِنْدِي دَابَّةٌ بِسَرْجِهَا ، أَوْ دَارٌ بِفَرْشِهَا ، أَوْ سَفِينَةٌ بِطَعَامِهَا .\rكَانَ مُقِرًّا بِهِمَا بِغَيْرِ خِلَافٍ ؛ لِأَنَّ الْبَاءَ تُعَلِّقُ الثَّانِيَ بِالْأَوَّلِ .","part":10,"page":413},{"id":4913,"text":"( 3850 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَالَ : لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمٌ ، أَوْ دِينَارٌ .\rأَوْ : إمَّا دِرْهَمٌ وَإِمَّا دِينَارٌ .\rكَانَ مُقِرًّا بِأَحَدِهِمَا ، يُرْجَعُ فِي تَفْسِيرِهِ إلَيْهِ ؛ لِأَنَّ \" أَوْ \" وَ \" إمَّا \" فِي الْخَبَرِ لِلشَّكِّ ، وَتَقْتَضِي أَحَدَ الْمَذْكُورَيْنِ لَا جَمِيعَهُمَا .\rوَإِنْ قَالَ : لَهُ عَلَيَّ إمَّا دِرْهَمٌ وَإِمَّا دِرْهَمَانِ .\rكَانَ مُقِرًّا بِدِرْهَمٍ ، وَالثَّانِي مَشْكُوكٌ فِيهِ ، فَلَا يَلْزَمُهُ بِالشَّكِّ .","part":10,"page":414},{"id":4914,"text":"( 3851 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَمَنْ أَقَرَّ بِشَيْءٍ ، وَاسْتَثْنَى مِنْهُ الْكَثِيرَ ، وَهُوَ أَكْثَرُ مِنْ النِّصْفِ ، أُخِذَ بِالْكُلِّ ، وَكَانَ اسْتِثْنَاؤُهُ بَاطِلًا ) .\rلَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ اسْتِثْنَاءُ مَا زَادَ عَلَى النِّصْفِ .\rوَيُحْكَى ذَلِكَ عَنْ ابْنِ دُرُسْتَوَيْهِ النَّحْوِيِّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُهُمْ : يَصِحُّ مَا لَمْ يَسْتَثْنِ الْكُلَّ ، فَلَوْ قَالَ : لَهُ عَلَيَّ مِائَةٌ إلَّا تِسْعَةً وَتِسْعِينَ .\rلَمْ يَلْزَمْهُ إلَّا وَاحِدٌ ، بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى : { فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمْ الْمُخْلَصِينَ } .\rوقَوْله تَعَالَى { : إنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إلَّا مَنْ اتَّبَعَكَ مِنْ الْغَاوِينَ } .\rفَاسْتَثْنَى فِي مَوْضِعٍ الْغَاوِينَ مِنْ الْعِبَادِ ، وَفِي مَوْضِعٍ الْعِبَادَ مِنْ الْغَاوِينَ ، وَأَيُّهُمَا كَانَ الْأَكْثَرَ فَقَدْ دَلَّ عَلَى اسْتِثْنَاءِ الْأَكْثَرِ .\rوَأَنْشَدُوا : أَدُّوا الَّتِي نَقَصَتْ تِسْعِينَ مِنْ مِائَةٍ ثُمَّ ابْعَثُوا حَكَمًا بِالْحَقِّ قَوَّامًا فَاسْتُثْنِيَ تِسْعِينَ مِنْ مِائَةٍ ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الِاسْتِثْنَاءِ .\rوَمُشَبَّهٌ بِهِ ، وَلِأَنَّهُ اسْتَثْنَى الْبَعْضَ ، فَجَازَ ، كَاسْتِثْنَاءِ الْأَقَلِّ ، وَلِأَنَّهُ رَفَعَ بَعْضَ مَا تَنَاوَلَهُ اللَّفْظُ ، فَجَازَ فِي الْأَكْثَرِ ، كَالتَّخْصِيصِ وَالْبَدَلِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ لَمْ يَرِدْ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ الِاسْتِثْنَاءُ إلَّا فِي الْأَقَلِّ ، وَقَدْ أَنْكَرُوا اسْتِثْنَاءَ الْأَكْثَرِ ، فَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الزَّجَّاجُ : لَمْ يَأْتِ الِاسْتِثْنَاءُ إلَّا فِي الْقَلِيلِ مِنْ الْكَثِيرِ ، وَلَوْ قَالَ قَائِلٌ : مِائَةٌ إلَّا تِسْعَةً وَتِسْعِينَ .\rلَمْ يَكُنْ مُتَكَلِّمًا بِالْعَرَبِيَّةِ ، وَكَانَ عِيًّا مِنْ الْكَلَامِ وَلُكْنَةً .\rوَقَالَ الْقُتَيْبِيُّ : يُقَالُ : صُمْت الشَّهْرَ إلَّا يَوْمًا .\rوَلَا يُقَالُ : صُمْت الشَّهْرَ إلَّا تِسْعَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا .\rوَيُقَالُ : لَقِيت الْقَوْمَ جَمِيعَهُمْ إلَّا وَاحِدًا أَوْ اثْنَيْنِ .\rوَلَا يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ : لَقِيت الْقَوْمَ إلَّا أَكْثَرَهُمْ .","part":10,"page":415},{"id":4915,"text":"وَإِذَا لَمْ يَكُنْ صَحِيحًا فِي الْكَلَامِ ، لَمْ يَرْتَفِعْ بِهِ مَا أَقَرَّ بِهِ ، كَاسْتِثْنَاءِ الْكُلِّ .\rوَكَمَا لَوْ قَالَ : لَهُ عَلَيَّ عَشَرَةٌ ، بَلْ خَمْسَةٌ .\rفَأَمَّا مَا احْتَجُّوا بِهِ مِنْ التَّنْزِيلِ ، فَإِنَّهُ فِي الْآيَةِ الْأُولَى اسْتَثْنَى الْمُخْلَصِينَ مِنْ بَنِي آدَمَ ، وَهُمْ الْأَقَلُّ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى { : إلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ } .\rوَفِي الْأُخْرَى اسْتَثْنَى الْغَاوِينَ مِنْ الْعِبَادِ وَهُمْ الْأَقَلُّ ، فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ مِنْ الْعِبَادِ ، وَهُمْ غَيْرُ غَاوِينَ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى { : بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ } .\rوَقِيلَ : الِاسْتِثْنَاءُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ مُنْقَطِعٌ بِمَعْنَى الِاسْتِدْرَاكِ ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ { : إنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ } مُبْقًى عَلَى عُمُومِهِ ، لَمْ يُسْتَثْنَ مِنْهُ شَيْءٌ ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ { : إلَّا مَنْ اتَّبَعَك مِنْ الْغَاوِينَ } .\rأَيْ لَكِنْ مَنْ اتَّبَعَك مِنْ الْغَاوِينَ فَإِنَّهُمْ غَوَوْا بِاتِّبَاعِك .\rوَقَدْ دَلَّ عَلَى صِحَّةِ هَذَا قَوْلُهُ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى لِأَتْبَاعِهِ { : وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي } .\rوَعَلَى هَذَا لَا يَكُونُ لَهُمْ فِيهَا حُجَّةٌ .\rوَأَمَّا الْبَيْتُ فَقَالَ ابْنُ فَضَالٍ النَّحْوِيُّ : هُوَ بَيْتٌ مَصْنُوعٌ ، لَمْ يَثْبُتْ عَنْ الْعَرَبِ .\rعَلَى أَنَّ هَذَا لَيْسَ بِاسْتِثْنَاءٍ ، فَإِنَّ الِاسْتِثْنَاءَ لَهُ كَلِمَاتٌ مَخْصُوصَةٌ لَيْسَ هَاهُنَا شَيْءٌ مِنْهَا ، وَالْقِيَاسُ لَا يَجُوزُ فِي اللُّغَةِ : ثُمَّ نُعَارِضُهُ بِأَنَّهُ اسْتَثْنَى أَكْثَرَ مِنْ النِّصْفِ ، فَلَمْ يَجُزْ ، كَاسْتِثْنَاءِ الْكُلِّ .\rوَالْفَرْقُ بَيْنَ اسْتِثْنَاءِ الْأَكْثَرِ وَالْأَقَلِّ ، أَنَّ الْعَرَبَ اسْتَعْمَلَتْهُ فِي الْأَقَلِّ وَحَسَّنَتْهُ ، وَنَفَتْهُ فِي الْأَكْثَرِ وَقَبَّحَتْهُ ، فَلَمْ يَجُزْ قِيَاسُ مَا قَبَّحُوهُ عَلَى مَا جَوَّزُوهُ وَحَسَّنُوهُ .","part":10,"page":416},{"id":4916,"text":"( 3852 ) فَصْلٌ : وَفِي اسْتِثْنَاءِ النِّصْفِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، يَجُوزُ .\rوَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ ؛ لِتَخْصِيصِهِ الْإِبْطَالَ بِمَا زَادَ عَلَى النِّصْفِ ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِأَكْثَرَ ، فَجَازَ كَالْأَقَلِّ .\rوَالثَّانِي ، لَا يَجُوزُ ، ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ فِي كَلَامِهِمْ إلَّا الْقَلِيلُ مِنْ الْكَثِيرِ ، وَالنِّصْفُ لَيْسَ بِقَلِيلٍ .\r.","part":10,"page":417},{"id":4917,"text":"( 3853 ) فَصْلٌ : وَإِذَا قَالَ : لَهُ عَلَيَّ عَشَرَةٌ ، إلَّا سَبْعَةً ، إلَّا خَمْسَةً ، إلَّا دِرْهَمَيْنِ .\rصَحَّ ، وَكَانَ مُقِرًّا بِسِتَّةٍ ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ إذَا اسْتَثْنَى الْكُلَّ أَوْ الْأَكْثَرَ سَقَطَ إنْ وَقَفَ عَلَيْهِ ، وَإِنْ وَصَلَهُ بِاسْتِثْنَاءِ آخَر اسْتَعْمَلْنَاهُ ، لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مَعَ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ عِبَارَةٌ عَمَّا بَقِيَ ، فَإِنَّ خَمْسَةً إلَّا دِرْهَمَيْنِ عِبَارَةٌ عَنْ ثَلَاثَةٍ ، اسْتَثْنَاهَا مِنْ سَبْعَةٍ ، بَقِيَ أَرْبَعَةٌ مُسْتَثْنَاةٌ مِنْ عَشَرَةٍ ، بَقِيَ مِنْهَا سِتَّةٌ .\rوَإِنْ قَالَ : لَهُ عَلَيَّ ثَمَانِيَةٌ ، إلَّا أَرْبَعَةً ، إلَّا دِرْهَمَيْنِ ، إلَّا دِرْهَمًا .\rبَطَلَ الِاسْتِثْنَاءُ عَلَى قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ ؛ لِأَنَّهُ اسْتَثْنَى النِّصْفَ .\rوَصَحَّ عَلَى الْوَجْهِ الْآخَرِ ، فَلَزِمَهُ خَمْسَةٌ .\rوَإِنْ قَالَ : عَلَيَّ عَشَرَةٌ ، إلَّا خَمْسَةً ، إلَّا ثَلَاثَةً ، إلَّا دِرْهَمَيْنِ ، إلَّا دِرْهَمًا .\rبَطَلَ الِاسْتِثْنَاءُ كُلُّهُ عَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ ، وَصَحَّ فِي الْآخَرِ ، فَيَكُونُ مُقِرًّا بِسَبْعَةٍ .\rوَلَوْ قَالَ : عَشَرَةٌ ، إلَّا سِتَّةً ، إلَّا أَرْبَعَةً ، إلَّا دِرْهَمَيْنِ .\rفَهُوَ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يَصِحُّ فِيهِ الِاسْتِثْنَاءُ مُقِرٌّ بِسِتَّةٍ .\rوَلَوْ قَالَ : ثَلَاثَةٌ ، إلَّا دِرْهَمَيْنِ .\rإلَّا دِرْهَمًا .\rكَانَ مُقِرًّا بِدِرْهَمَيْنِ .\rفَأَمَّا إنْ قَالَ : لَهُ عَلَيَّ ثَلَاثَةٌ ، إلَّا ثَلَاثَةً ، إلَّا دِرْهَمَيْنِ .\rبَطَلَ الِاسْتِثْنَاءُ كُلُّهُ ؛ لِأَنَّ اسْتِثْنَاءَ دِرْهَمَيْنِ مِنْ ثَلَاثَةٍ اسْتِثْنَاءُ الْأَكْثَرِ ، وَهُوَ مَوْقُوفٌ عَلَيْهِ ، فَبَطَلَ فَإِذَا بَطَلَ الثَّانِي بَطَلَ الْأَوَّلُ ؛ لِأَنَّهُ اسْتِثْنَاءُ الْكُلِّ .\rوَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ فِي هَذَا ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ ؛ أَحَدُهَا يَبْطُلُ الِاسْتِثْنَاءُ ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ بَطَلَ ، لِكَوْنِهِ اسْتِثْنَاءَ الْكُلِّ ، فَبَطَلَ الثَّانِي ؛ لِأَنَّهُ فَرْعُهُ .\rوَالثَّانِي ، يَصِحُّ ، وَيَلْزَمُهُ دِرْهَمٌ ؛ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ الْأَوَّلَ لَمَّا بَطَلَ ، جَعَلْنَا الِاسْتِثْنَاءَ الثَّانِيَ مِنْ الْإِقْرَارِ ؛ لِأَنَّهُ وَلِيَهُ لِبُطْلَانِ مَا بَيْنَهُمَا .\rوَالثَّالِثُ ،","part":10,"page":418},{"id":4918,"text":"يَصِحُّ ، وَيَكُونُ مُقِرًّا بِدِرْهَمَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ اسْتَثْنَى دِرْهَمَيْنِ مِنْ ثَلَاثَةٍ ، فَيَبْقَى مِنْهَا دِرْهَمٌ مُسْتَثْنًى مِنْ الْإِقْرَارِ ، وَاسْتِثْنَاءُ الْأَكْثَرِ عِنْدَهُمْ صَحِيحٌ .\rوَوَافَقَهُمْ الْقَاضِي فِي هَذَا الْوَجْهِ .\rوَإِنْ قَالَ : ثَلَاثَةٌ ، إلَّا دِرْهَمًا .\rبَطَلَ الِاسْتِثْنَاءُ كُلُّهُ .\rوَيَجِيءُ عَلَى قَوْلِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ فِيهِ مِثْلُ مَا فِي الَّتِي قَبْلَهَا .","part":10,"page":419},{"id":4919,"text":"( 3854 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَالَ : لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ إلَّا خَمْسِينَ .\rفَالْمُسْتَثْنَى دَرَاهِمُ ؛ لِأَنَّ الْعَرَبَ لَا تَسْتَثْنِي فِي الْإِثْبَاتِ إلَّا مِنْ الْجِنْسِ .\rوَإِنْ قَالَ : لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ ، إلَّا خَمْسِينَ دِرْهَمًا .\rفَالْجَمِيعُ دَرَاهِمُ كَذَلِكَ .\rوَهَذَا اخْتِيَارُ ابْنِ حَامِدٍ وَالْقَاضِي ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ .\rوَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ التَّمِيمِيُّ ، وَأَبُو الْخَطَّابِ : يَكُونُ الْأَلْفُ مُبْهَمًا ، يُرْجَعُ فِي تَفْسِيرِهِ إلَيْهِ .\rوَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ عِنْدَهُمَا يَصِحُّ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ ، وَلِأَنَّ لَفْظَهُ فِي الْأَلْفِ مُبْهَمٌ وَالدِّرْهَمُ لَمْ يُذْكَرْ تَفْسِيرًا لَهُ ، فَيَبْقَى عَلَى إبْهَامِهِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ لَمْ يَرِدْ عَنْ الْعَرَبِ الِاسْتِثْنَاءُ فِي الْإِثْبَاتِ إلَّا مِنْ الْجِنْسِ ، فَمَتَى عُلِمَ أَحَدُ الطَّرَفَيْنِ عُلِمَ أَنَّ الْآخَرَ مِنْ جِنْسِهِ ، كَمَا لَوْ عُلِمَ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ ، وَقَدْ سَلَّمُوهُ ، وَعِلَّتُهُ تَلَازُمُ الْمُسْتَثْنَى وَالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ فِي الْجِنْسِ ، فَمَا ثَبَتَ فِي أَحَدِهِمَا ثَبَتَ فِي الْآخَرِ ، فَعَلَى قَوْلِ التَّمِيمِيِّ وَأَبِي الْخَطَّابِ يُسْأَلُ عَنْ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ ، فَإِنْ فَسَّرَهُ بِغَيْرِ الْجِنْسِ ، بَطَلَ الِاسْتِثْنَاءُ ، وَعَلَى قَوْلِ غَيْرِهِمَا يُنْظَرُ فِي الْمُسْتَثْنَى ، إنْ كَانَ مِثْلَ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ أَوْ أَكْثَرَ ، بَطَلَ ، وَإِلَّا صَحَّ .\rوَعِنْدَ الْقَاضِي يَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ ، وَيَصِحُّ تَفْسِيرُ الْأَلْفِ بِأَيِّ شَيْءٍ كَانَ ، إذَا كَانَ مِنْ قِيمَةِ ذَلِكَ الشَّيْءِ ، بَعْدَ اسْتِثْنَاءِ الدَّرَاهِمِ مِنْهُ .","part":10,"page":420},{"id":4920,"text":"( 3855 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَالَ : لَهُ عَلَيَّ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ دِرْهَمًا .\rفَالْجَمِيعُ دَرَاهِمُ .\rلَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا .\rوَإِنْ قَالَ : مِائَةٌ وَخَمْسُونَ دِرْهَمًا .\rفَكَذَلِكَ .\rوَخَرَّجَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا وَجْهًا أَنَّهُ لَا يَكُونُ تَفْسِيرًا إلَّا لِمَا يَلِيهِ ، وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ .\rوَكَذَلِكَ إنْ قَالَ : أَلْفٌ وَثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ ، أَوْ خَمْسُونَ دِرْهَمًا وَأَلْفُ دِرْهَمٍ ، أَوْ أَلْفٌ وَمِائَةُ دِرْهَمٍ ، أَوْ مِائَةٌ وَأَلْفُ دِرْهَمٍ .\rوَالصَّحِيحُ مَا ذَكَرْنَا ؛ فَإِنَّ الدِّرْهَمَ الْمُفَسَّرَ يَكُونُ تَفْسِيرًا لِجَمِيعِ مَا قَبْلَهُ مِنْ الْجُمَلِ الْمُبْهَمَةِ وَجِنْسِ الْعَدَدِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ أَحَدِ الْخَصْمَيْنِ أَنَّهُ قَالَ { : إنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً } .\rوَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تُوُفِّيَ وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ سَنَةً ، وَتُوُفِّيَ أَبُو بَكْرٍ وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ سَنَةً ، وَتُوُفِّيَ عُمَرُ وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ سَنَةً .\rوَقَالَ عَنْتَرَةُ : فِيهَا اثْنَتَانِ وَأَرْبَعُونَ حَلُوبَةً سُودًا كَخَافِيَةِ الْغُرَابِ الْأَسْحَمِ وَلِأَنَّ الدِّرْهَمَ ذُكِرَ تَفْسِيرًا ، وَلِهَذَا لَا تَجِبُ بِهِ زِيَادَةٌ عَلَى الْعَدَدِ الْمَذْكُورِ ، فَكَانَ تَفْسِيرًا لِجَمِيعِ مَا قَبْلَهُ ، لِأَنَّهَا تَحْتَاجُ إلَى تَفْسِيرٍ ، وَهُوَ صَالِحٌ لِتَفْسِيرِهَا ، فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلَى ذَلِكَ .\rوَهَذَا الْمَعْنَى مَوْجُودٌ فِي قَوْلِهِ : أَلْفٌ وَثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ .\rوَسَائِر الصُّوَرِ الْمَذْكُورَةِ ، فَعَلَى قَوْلِ مَنْ لَا يَجْعَلُ الْمُجْمَلَ مِنْ جِنْسِ الْمُفَسَّرِ لَوْ قَالَ : بِعْتُك هَذَا بِمِائَةٍ وَخَمْسِينَ دِرْهَمًا ، أَوْ بِخَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ دِرْهَمًا .\rلَا يَصِحُّ وَهُوَ قَوْلٌ شَاذٌّ ضَعِيفٌ لَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ .","part":10,"page":421},{"id":4921,"text":"( 3856 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَالَ لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ وَدِرْهَمٌ ، أَوْ أَلْفٌ وَثَوْبٌ ، أَوْ قَفِيزُ حِنْطَةٍ .\rفَالْمُجْمَلُ مِنْ جِنْسِ الْمُفَسَّرِ أَيْضًا .\rوَكَذَلِكَ إنْ قَالَ : أَلْفُ دِرْهَمٍ وَعَشْرَةٌ ، أَوْ أَلْفُ ثَوْبٍ وَعِشْرُونَ .\rوَهَذَا قَوْلُ الْقَاضِي ، وَابْنِ حَامِدٍ ، وَأَبِي ثَوْرٍ .\rوَقَالَ التَّمِيمِيُّ ، وَأَبُو الْخَطَّابِ : يُرْجَعُ فِي تَفْسِيرِ الْمُجْمَلِ إلَيْهِ ، لِأَنَّ الشَّيْءَ يُعْطَفُ عَلَى جِنْسِهِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا } .\rوَلِأَنَّ الْأَلْفَ مُبْهَمٌ فَرُجِعَ فِي تَفْسِيرِهِ إلَى الْمُقِرِّ ، كَمَا لَوْ لَمْ يَعْطِفْ عَلَيْهَا .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إنْ عَطَفَ عَلَى الْمُبْهَمِ مَكِيلًا أَوْ مَوْزُونًا ، كَانَ تَفْسِيرًا لَهُ ، وَإِنْ عَطَفَ مَذْرُوعًا أَوْ مَعْدُودًا ، لَمْ يَكُنْ تَفْسِيرًا ؛ لِأَنَّ عَلَيَّ لِلْإِيجَابِ فِي الذِّمَّةِ ، فَإِنْ عَطَفَ عَلَيْهِ مَا يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ بِنَفْسِهِ ، كَانَ تَفْسِيرًا لَهُ كَقَوْلِهِ : مِائَةٌ وَخَمْسُونَ دِرْهَمًا .\rوَلَنَا ، أَنَّ الْعَرَبَ تَكْتَفِي بِتَفْسِيرِ إحْدَى الْجُمْلَتَيْنِ عَنْ الْجُمْلَةِ الْأُخْرَى ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى { : وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَمِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا } .\rوَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { عَنْ الْيَمِينِ وَعَنْ الشِّمَالِ قَعِيدٌ } .\rوَلِأَنَّهُ ذُكِرَ مُبْهَمًا مَعَ مُفَسَّرٍ لَمْ يَقُمْ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ ، فَكَانَ الْمُبْهَمُ مِنْ جِنْسِ الْمُفَسَّرِ ، كَمَا لَوْ قَالَ : مِائَةٌ وَخَمْسُونَ دِرْهَمًا ، أَوْ ثَلَاثُمِائَةٍ وَثَلَاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا .\rيُحَقِّقُهُ أَنَّ الْمُبْهَمَ يَحْتَاجُ إلَى التَّفْسِيرِ ، وَذِكْرُ التَّفْسِيرِ فِي الْجُمْلَةِ الْمُقَارِنَةِ لَهُ يَصْلُحُ أَنْ يُفَسِّرَهُ ، فَوَجَبَ حَمْلُ الْأَمْرِ عَلَى ذَلِكَ ، أَمَّا قَوْلُهُ : { أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا } .\rفَإِنَّهُ امْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ الْعَشْرُ أَشْهُرًا لِوَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا ، أَنَّ الْعَشْرَ بِغَيْرِ هَاءٍ عَدَدٌ لِلْمُؤَنَّثِ ، وَالْأَشْهَرُ مُذَكَّرَةً فَلَا يَجُوزُ أَنْ تُعَدَّ بِغَيْرِهَا .\rالثَّانِي ، أَنَّهَا لَوْ كَانَتْ","part":10,"page":422},{"id":4922,"text":"أَشْهُرًا لَقَالَ : أَرْبَعَةَ عَشَرَ شَهْرًا .\rبِالتَّرْكِيبِ ، لَا بِالْعَطْفِ ، كَمَا قَالَ : { عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ } .\rوَقَوْلُهُمْ : إنَّ الْأَلْفَ مُبْهَمٌ .\rقُلْنَا قَدْ قَرَنَ بِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى تَفْسِيرِهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَالَ : مِائَةٌ وَخَمْسُونَ دِرْهَمًا ، أَوْ مِائَةٌ وَدِرْهَمٌ .\rعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ .\rفَإِنْ قِيلَ : إذَا قَالَ : مِائَةٌ وَخَمْسُونَ دِرْهَمًا .\rفَالدِّرْهَمُ ذُكِرَ لِلتَّفْسِيرِ ، وَلِهَذَا لَا يَزْدَادُ بِهِ الْعَدَدُ ، فَصَلَحَ تَفْسِيرُ الْجَمِيعِ مَا قَبْلَهُ ، بِخِلَافِ قَوْلِهِ : مِائَةُ دِرْهَمٍ .\rفَإِنَّهُ ذَكَرَ الدِّرْهَمَ لِلْإِيجَابِ ، لَا لِلتَّفْسِيرِ ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ زَادَ بِهِ الْعَدَدَ .\rقُلْنَا : هُوَ صَالِحٌ لِلْإِيجَابِ وَالتَّفْسِيرِ مَعًا ، وَالْحَاجَةُ دَاعِيَةٌ إلَى التَّفْسِيرِ ، فَوَجَبَ حَمْلُ الْأَمْرِ عَلَى ذَلِكَ ، صِيَانَةً لِكَلَامِ الْمُقِرِّ عَنْ الْإِلْبَاسِ وَالْإِبْهَامِ ، وَصَرْفًا لَهُ إلَى الْبَيَانِ وَالْإِفْهَامِ .\rوَقَوْلُ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ : إنَّ \" عَلَيَّ \" لِلْإِيجَابِ .\rقُلْنَا : فَمَتَى عُطِفَ مَا يَجِبُ بِهَا عَلَى مَا يَجِبُ ، وَكَانَ أَحَدُهُمَا مُبْهَمًا وَالْآخَرُ مُفَسَّرًا ، وَأَمْكَنَ تَفْسِيرُهُ بِهِ ، وَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْمُبْهَمُ مِنْ جِنْسِ الْمُفَسَّرِ ، فَأَمَّا إنْ لَمْ يُمْكِنْ ، مِثْلُ أَنْ يُعْطَفَ عَدَدُ الْمُذَكَّرِ عَلَى الْمُؤَنَّثِ ، أَوْ بِالْعَكْسِ ، وَنَحْوُ ذَلِكَ ، فَلَا يَكُونُ أَحَدُهُمَا مِنْ جِنْسِ الْآخَرِ ، وَيَبْقَى الْمُبْهَمُ عَلَى إبْهَامِهِ ، كَمَا لَوْ قَالَ : لَهُ عَلَيَّ أَرْبَعَةُ دَرَاهِمَ وَعَشْرٌ .","part":10,"page":423},{"id":4923,"text":"( 3857 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِذَا قَالَ : لَهُ عِنْدِي عَشَرَةُ دَرَاهِمَ .\rثُمَّ قَالَ : وَدِيعَةٌ .\rكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ مَنْ أَقَرَّ بِهَذَا اللَّفْظِ ، فَقَالَ : لَهُ عِنْدِي دَرَاهِمُ .\rفُسِّرَ إقْرَارُهُ بِأَنَّهَا وَدِيعَةٌ ، قُبِلَ تَفْسِيرُهُ .\rلَا نَعْلَمُ فِيهِ اخْتِلَافًا بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ ، سَوَاءٌ فَسَّرَهُ بِكَلَامٍ مُتَّصِلٍ أَوْ مُنْفَصِلٍ ؛ لِأَنَّهُ فَسَّرَ لَفْظَهُ بِمَا يَقْتَضِيه ، فَقُبِلَ ، كَمَا لَوْ قَالَ : لَهُ عَلَيَّ دَرَاهِمُ .\rوَفَسَّرَهَا بِدَيْنٍ عَلَيْهِ ، فَعِنْدَ ذَلِكَ تَثْبُتُ فِيهَا أَحْكَامُ الْوَدِيعَةِ ، بِحَيْثُ لَوْ ادَّعَى تَلَفَهَا بَعْدَ ذَلِكَ أَوْ رَدَّهَا كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ .\rوَإِنْ فَسَّرَهَا بِدَيْنٍ عَلَيْهِ ، قُبِلَ أَيْضًا ؛ لِأَنَّهُ يُقِرُّ عَلَى نَفْسِهِ بِمَا هُوَ أَغْلَظُ .\rوَإِنْ قَالَ : لَهُ عِنْدِي وَدِيعَةٌ رَدَدْتهَا إلَيْهِ .\rأَوْ تَلِفَتْ .\rلَزِمَهُ ضَمَانُهَا ، وَلَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ مُنَاقَضَةِ الْإِقْرَارِ ، وَالرُّجُوعِ عَمَّا أَقَرَّ بِهِ ، فَإِنَّ الْأَلْفَ الْمَرْدُودَ وَالتَّالِفَ لَيْسَتْ عِنْدَهُ أَصْلًا ، وَلَا هِيَ وَدِيعَةٌ ، وَكُلُّ كَلَامٍ يُنَاقِضُ الْإِقْرَارَ وَيُحِيلُهُ ، يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَرْدُودًا .\rوَقَالَ الْقَاضِي : يُقْبَلُ قَوْلُهُ ؛ لِأَنَّ أَحْمَدَ قَالَ ، فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ : إذَا قَالَ : لَك عِنْدِي وَدِيعَةٌ دَفَعْتهَا إلَيْك .\rصُدِّقَ ؛ لِأَنَّهُ ادَّعَى تَلَفَ الْوَدِيعَةِ ، أَوْ رَدَّهَا ، فَقُبِلَ ، كَمَا لَوْ ادَّعَى ذَلِكَ بِكَلَامٍ مُنْفَصِلٍ .\rوَإِنْ قَالَ كَانَتْ عِنْدِي ، وَظَنَنْت أَنَّهَا بَاقِيَةٌ ، ثُمَّ عَرَفْت أَنَّهَا كَانَتْ قَدْ هَلَكَتْ .\rفَالْحُكْمُ فِيهَا كَاَلَّتِي قَبْلَهَا .","part":10,"page":424},{"id":4924,"text":"( 3858 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَلَوْ قَالَ : لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ .\rثُمَّ قَالَ : وَدِيعَةً .\rلَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا أَقَرَّ بِدَرَاهِمَ بِقَوْلِهِ : عَلَيَّ كَذَا .\rثُمَّ فَسَّرَهُ الْوَدِيعَةِ ، لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ ، فَلَوْ ادَّعَى بَعْدَ هَذَا تَلَفَهَا ، لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ .\rوَقِيلَ عَنْ الشَّافِعِيِّ : يُقْبَلُ قَوْلُهُ أَنَّهَا وَدِيعَةٌ ، وَإِذَا ادَّعَى بَعْدَ ذَلِكَ تَلَفِهَا ، قُبِلَ مِنْهُ .\rوَقَالَ الْقَاضِي مَا يَدُلُّ عَلَى هَذَا أَيْضًا ؛ لِأَنَّ الْوَدِيعَةَ عَلَيْهِ حِفْظُهَا وَرَدُّهَا ، فَإِذَا قَالَ : عَلَيَّ .\rوَفَسَّرَهَا بِذَلِكَ ، احْتَمَلَ صِدْقَهُ ، فَقُبِلَ مِنْهُ ، كَمَا لَوْ وَصَلَهُ بِكَلَامِهِ ، فَقَالَ : لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ وَدِيعَةً .\rوَلِأَنَّ حُرُوفَ الصِّلَاتِ يَخْلُفُ بَعْضُهَا بَعْضًا ، فَيَجُوزُ أَنْ يَسْتَعْمِلَ \" عَلَيَّ \" بِمَعْنَى \" عِنْدِي \" كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى إخْبَارًا عَنْ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ ، أَنَّهُ قَالَ { : وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ } .\rأَيْ عِنْدِي .\rوَلَنَا ، أَنَّ \" عَلَيَّ \" لِلْإِيجَابِ ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي كَوْنَهَا فِي ذِمَّتِهِ ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ : مَا عَلَى فُلَانٍ عَلَيَّ .\rكَانَ ضَامِنًا لَهُ ، الْوَدِيعَةُ لَيْسَتْ فِي ذِمَّتِهِ ، وَلَا هِيَ عَلَيْهِ ، إنَّمَا هِيَ عِنْدَهُ .\rوَمَا ذَكَرُوهُ مَجَازٌ ، طَرِيقُهُ حَذْفُ الْمُضَافِ وَإِقَامَةُ الْمُضَافِ إلَيْهِ مَقَامَهُ ، أَوْ إقَامَةُ حَرْفٍ مَقَامَ حَرْفٍ ، وَالْإِقْرَارُ يُؤْخَذُ فِيهِ بِظَاهِرِ اللَّفْظِ ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ قَالَ : لَهُ عَلَيَّ دَرَاهِمُ .\rلَزِمَتْهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ ، وَإِنْ جَازَ التَّعْبِيرُ بِلَفْظِ الْجَمْعِ عَنْ اثْنَيْنِ ، وَعَنْ وَاحِدٍ ، كَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { فَإِنْ كَانَ لَهُ إخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ } .\rوَمَوَاضِعُ كَثِيرَةٌ فِي الْقُرْآنِ .\rوَلَوْ قَالَ : لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمٌ .\rوَقَالَ : أَرَدْت نِصْفَ دِرْهَمٍ ، فَحَذَفْت الْمُضَافَ وَأَقَمْت الْمُضَافَ إلَيْهِ مَقَامَهُ .\rلَمْ يُقْبَلُ مِنْهُ .\rوَلَوْ قَالَ : لَك مِنْ مَالِي أَلْفٌ .\rقَالَ : صَدَقْت ، ثُمَّ قَالَ : أَرَدْت أَنَّ عَلَيْك","part":10,"page":425},{"id":4925,"text":"مِنْ مَالِي أَلْفًا ، وَأَقَمْت اللَّامَ مَقَامَ \" عَلَيَّ \" كَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا } .\rلَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ .\rوَلَوْ قُبِلَ فِي الْإِقْرَارِ مُطْلَقُ الِاحْتِمَالِ ، لَسَقَطَ ، وَلَقُبِلَ فِي تَفْسِيرِ الدَّرَاهِمِ بِالنَّاقِصَةِ وَالزَّائِفَةِ وَالْمُؤَجَّلَةِ .\rوَأَمَّا إذَا قَالَ : لَك عَلَيَّ أَلْفٌ .\rثُمَّ قَالَ : كَانَ وَدِيعَةً فَتَلِفَ .\rلَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ ؛ لِأَنَّهُ مُتَنَاقِضٌ .\rوَقَدْ سَبَقَ نَحْوٌ مِنْ هَذَا .","part":10,"page":426},{"id":4926,"text":"( 3859 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَالَ : لَك عَلَيَّ مِائَةُ دِرْهَمٍ .\rثُمَّ أَحْضَرَهَا ، وَقَالَ : هَذِهِ الَّتِي أَقْرَرْت بِهَا ، وَهِيَ وَدِيعَةٌ كَانَتْ لَك عِنْدِي .\rفَقَالَ الْمُقَرُّ لَهُ : هَذِهِ وَدِيعَةٌ ، وَاَلَّتِي أَقْرَرْت بِهَا غَيْرُهَا ، وَهِيَ دَيْنٌ عَلَيْك .\rفَقَوْلُ الْخِرَقِيِّ يَقْتَضِي أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْمُقَرِّ لَهُ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُقِرِّ مَعَ يَمِينِهِ .\rوَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ ، كَالْوَجْهَيْنِ ، وَتَعْلِيلُهُمَا مَا تَقَدَّمَ .\rوَإِنْ كَانَ قَالَ فِي إقْرَارِهِ : لَك عَلَيَّ مِائَةٌ فِي ذِمَّتِي .\rفَإِنَّ الْقَاضِيَ وَافَقَ هَاهُنَا فِي أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ قَوْلُ الْمُقِرِّ ؛ لِأَنَّ الْوَدِيعَةَ عَيْنٌ لَا تَكُونُ فِي الذِّمَّةِ .\rقَالَ : وَقَدْ يُقْبَلُ ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ : فِي ذِمَّتِي أَدَاؤُهَا .\rوَلِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُ وَدِيعَةٌ تَعَدَّى فِيهَا ، فَكَانَ ضَمَانُهَا عَلَيْهِ فِي ذِمَّتِهِ .\rوَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ فِي هَذِهِ وَجْهَانِ .\rفَأَمَّا إنْ وَصَلَ ذَلِكَ بِكَلَامِهِ ، فَقَالَ : لَك عَلَيَّ مِائَةٌ وَدِيعَةً .\rقُبِلَ ؛ لِأَنَّهُ وَصَلَ كَلَامَهُ بِمَا يَحْتَمِلُهُ ، فَصَحَّ .\rكَمَا لَوْ قَالَ : لَهُ عَلَيَّ دَرَاهِمُ نَاقِصَةٌ .\rوَإِنْ قَالَ : لَهُ عَلَيَّ مِائَةٌ وَدِيعَةً دَيْنًا ، أَوْ مُضَارَبَةً دَيْنًا .\rصَحَّ ، وَلَزِمَهُ ضَمَانُهَا ؛ لِأَنَّهَا قَدْ يَتَعَدَّى فِيهَا ، فَتَكُونُ دَيْنًا .\rوَإِنْ قَالَ : أَرَدْت أَنَّهُ شَرَطَ عَلَيَّ ضَمَانَهَا .\rلَمْ يُقْبَلْ ؛ لِأَنَّهَا لَا تَصِيرُ بِذَلِكَ دَيْنًا .\rوَإِنْ قَالَ : عِنْدَهُ مِائَةٌ وَدِيعَةً ، شَرَطَ عَلَيَّ ضَمَانَهَا .\rلَمْ يَلْزَمْهُ ضَمَانُهَا ؛ لِأَنَّ الْوَدِيعَةَ لَا تَصِيرُ بِالشَّرْطِ مَضْمُونَةً .\rوَإِنْ قَالَ : عَلَيَّ أَوْ عِنْدِي مِائَةُ دِرْهَمٍ عَارِيَّةً .\rلَزِمَتْهُ ، وَكَانَتْ مَضْمُونَةً عَلَيْهِ ، سَوَاءٌ حَكَمْنَا بِصِحَّةِ الْعَارِيَّةِ فِي الدَّرَاهِمِ أَوْ بِفَسَادِهَا ؛ لِأَنَّ مَا ضُمِنَ فِي الْعَقْدِ الصَّحِيحِ ضُمِنَ فِي الْفَاسِدِ .\rوَإِنْ قَالَ : أَوْدَعَنِي مِائَةً ، فَلَمْ أَقْبِضْهَا .\rأَوْ أَقْرَضَنِي مِائَةً ، فَلَمْ آخُذْهَا .\rقُبِلَ","part":10,"page":427},{"id":4927,"text":"قَوْلُهُ مُتَّصِلًا ، وَلَمْ يُقْبَلْ إذَا كَانَ مُنْفَصِلًا .\rوَهَكَذَا إذَا قَالَ : نَقَدَنِي مِائَةً ، فَلَمْ أَقْبِضْهَا .\rوَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ .","part":10,"page":428},{"id":4928,"text":"( 3860 ) فَصْلٌ : فَإِنْ قَالَ : لَهُ فِي هَذَا الْعَبْدِ أَلْفٌ .\rأَوْ : لَهُ مِنْ هَذَا الْعَبْدِ أَلْفٌ .\rطُولِبَ بِالْبَيَانِ ، فَإِنْ قَالَ : نَقَدَ عَنِّي أَلْفًا فِي ثَمَنِهِ .\rكَانَ قَرْضًا ، وَإِنْ قَالَ : نَقَدَ فِي ثَمَنِهِ أَلْفًا .\rقُلْنَا : بَيِّنْ كَمْ ثَمَنُ الْعَبْدِ ، وَكَيْفَ كَانَ الشِّرَاءُ ؟ فَإِنْ قَالَ : إيجَابٌ وَاحِدٌ ، وَزَنَ أَلْفًا وَوَزَنْت أَلْفًا .\rكَانَ مُقِرًّا بِنِصْفِ الْعَبْدِ ، وَإِنْ قَالَ : وَزَنْت أَنَا أَلْفَيْنِ .\rكَانَ مُقِرًّا بِثُلُثِهِ ، وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ ، سَوَاءٌ كَانَتْ الْقِيمَةُ قَدْرَ مَا ذَكَرَهُ ، أَوْ أَقَلَّ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَغْبِنُ وَقَدْ يُغْبَنُ .\rوَإِنْ قَالَ : اشْتَرَيْنَاهُ بِإِيجَابَيْنِ .\rقِيلَ : فَكَمْ اشْتَرَى مِنْهُ ؟ فَإِنْ قَالَ : نِصْفًا ، أَوْ ثُلُثًا ، أَوْ أَقَلَّ ، أَوْ أَكْثَرَ .\rقُبِلَ مِنْهُ مَعَ يَمِينِهِ ، وَافَقَ الْقِيمَةَ أَوْ خَالَفَهَا .\rوَإِنْ قَالَ : وَصَّى لَهُ بِأَلْفٍ مِنْ ثَمَنِهِ .\rوَصُرِفَ إلَيْهِ مِنْ ثَمَنِهِ أَلْفٌ .\rوَإِنْ أَرَادَ أَنْ يُعْطِيَهُ أَلْفًا مِنْ مَالِهِ ، مِنْ غَيْرِ ثَمَنِ الْعَبْدِ ، لَمْ يَلْزَمْهُ قَبُولُهُ ؛ لِأَنَّ الْمُوصَى لَهُ يَتَعَيَّنُ حَقُّهُ فِي ثَمَنِهِ .\rوَإِنْ فَسَّرَ ذَلِكَ بِأَلْفٍ مِنْ جِنَايَةٍ جَنَاهَا الْعَبْدُ فَتَعَلَّقَتْ بِرَقَبَتِهِ ، قُبِلَ ذَلِكَ ، وَلَهُ بَيْعُ الْعَبْدِ ، وَدَفْعُ الْأَلْفِ مِنْ ثَمَنِهِ .\rوَإِنْ قَالَ : أَرَدْت أَنَّهُ رَهْنٌ عِنْدَهُ بِأَلْفٍ .\rفَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، لَا يُقْبَلُ ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْمُرْتَهِنِ فِي الذِّمَّةِ .\rوَالثَّانِي ، يُقْبَلُ ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ يَتَعَلَّقُ بِالرَّهْنِ ، فَصَحَّ تَفْسِيرُهُ بِهِ ، كَالْجِنَايَةِ .\rوَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ كَمَا ذَكَرْنَا فِي الْفَصْلِ جَمِيعِهِ .","part":10,"page":429},{"id":4929,"text":"( 3861 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَالَ : لَهُ فِي مَالِي هَذَا أَلْفٌ ، أَوْ مِنْ مَالِي أَلْفٌ .\rوَفَسَّرَهُ بِدَيْنٍ أَوْ وَدِيعَةٍ أَوْ وَصِيَّةٍ فِيهِ ، قُبِلَ .\rوَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ : لَا يُقْبَلُ إقْرَارُهُ ؛ لِأَنَّ مَالَهُ لَيْسَ هُوَ لِغَيْرِهِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ أَقَرَّ بِأَلْفٍ ، فَقُبِلَ ، كَمَا لَوْ قَالَ : فِي مَالِي .\rوَيَجُوزُ أَنْ يُضِيفَ إلَيْهِ مَالًا بَعْضُهُ لِغَيْرِهِ .\rوَيَجُوزُ أَنْ يُضِيفَ مَالَ غَيْرِهِ إلَيْهِ ، لِاخْتِصَاصٍ لَهُ بِهِ ، أَوْ يَدٍ لَهُ عَلَيْهِ ، أَوْ وِلَايَةٍ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمْ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا } وَقَالَ سُبْحَانَهُ فِي النِّسَاءِ : { لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ } .\rوَقَالَ لِأَزْوَاجِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ } فَلَا يَبْطُلُ إقْرَارُهُ مَعَ احْتِمَالِ صِحَّتِهِ .\rوَإِنْ قَالَ : أَرَدْت هِبَةً .\rقُبِلَ مِنْهُ ؛ لِأَنَّهُ مُحْتَمِلٌ .\rوَإِنْ امْتَنَعَ مِنْ تَقْبِيضِهَا ، لَمْ يُجْبَرْ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ الْهِبَةَ فِيهَا لَا تَلْزَمُ قَبْلَ الْقَبْضِ .\rوَكَذَلِكَ يُخَرَّجُ فِيمَا إذَا قَالَ : لِفُلَانٍ فِي دَارِي هَذِهِ نِصْفُهَا ، أَوْ مِنْ دَارِي بَعْضُهَا ، وَقَدْ نُقِلَ عَنْ أَحْمَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى رِوَايَتَيْنِ ، قَالَ فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا فِي مَنْ قَالَ : نِصْفُ عَبْدِي هَذَا لِفُلَانٍ .\rلَمْ يَجُزْ إلَّا أَنْ يَقُولَ وَهَبْتُهُ .\rوَإِنْ قَالَ : نِصْفُ مَالِي هَذَا لِفُلَانٍ .\rلَا أَعْرِفُ هَذَا .\rوَنَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ : إذَا قَالَ : فَرَسِي هَذِهِ لِفُلَانٍ فَإِقْرَارُهُ جَائِزٌ .\rفَظَاهِرُ هَذَا صِحَّةُ الْإِقْرَارِ .\rفَإِنْ قَالَ : لَهُ فِي هَذَا الْمَالِ نِصْفُهُ ، أَوْ لَهُ نِصْفُ هَذِهِ الدَّارِ .\rفَهُوَ إقْرَارٌ صَحِيحٌ .\rوَإِنْ قَالَ : لَهُ فِي هَذَا الْمَالِ أَلْفٌ .\rصَحَّ .\rوَإِنْ قَالَ : لَهُ فِي مِيرَاثِ أَبِي أَلْفٌ .\rفَهُوَ إقْرَارٌ بِدَيْنٍ عَلَى التَّرِكَةِ .\rوَإِنْ قَالَ : فِي مِيرَاثِي مِنْ أَبِي .\rوَقَالَ : أَرَدْت هِبَةً .\rقُبِلَ مِنْهُ ، وَلِأَنَّهُ إذَا أَضَافَ","part":10,"page":430},{"id":4930,"text":"الْمِيرَاثَ إلَى أَبِيهِ ، فَمُقْتَضَاهُ مَا خَلَّفَهُ ، فَيَقْتَضِي وُجُوبَ الْمُقَرِّ بِهِ فِيهِ ، وَإِذَا أَضَافَ الْمِيرَاثَ إلَى نَفْسِهِ ، فَمَعْنَاهُ مَا وَرِثْته وَانْتَقَلَ إلَيَّ ، فَلَا يُحْمَلُ عَلَى الْوُجُوبِ ، وَإِذَا أَضَافَ إلَيْهِ مِنْهُ جُزْءًا ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ جَعَلَ لَهُ جُزْءًا مِنْ مَالِهِ .","part":10,"page":431},{"id":4931,"text":"( 3862 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَالَ : لَهُ فِي هَذَا الْعَبْدِ شَرِكَةٌ .\rصَحَّ إقْرَارُهُ ، وَلَهُ تَفْسِيرُهُ بِأَيِّ قَدْرٍ كَانَ مِنْهُ .\rوَقَالَ أَبُو يُوسُفَ : يَكُونُ مُقِرًّا بِنِصْفِهِ ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ } .\rفَاقْتَضَى ذَلِكَ التَّسْوِيَةَ بَيْنَهُمْ ، كَذَا هَاهُنَا .\rوَلَنَا ، أَنَّ أَيَّ جُزْءٍ كَانَ لَهُ مِنْهُ ، فَلَهُ فِيهِ شَرِكَةٌ ، فَكَانَ لَهُ تَفْسِيرُهُ بِمَا شَاءَ ، كَالنِّصْفِ ، وَلَيْسَ إطْلَاقُ لَفْظِ الشَّرِكَةِ عَلَى مَا دُونَ النِّصْفِ مَجَازًا ، وَلَا مُخَالِفًا لِلظَّاهِرِ ، وَالْآيَةُ تُثْبِتُ التَّسْوِيَةَ فِيهَا بِدَلِيلٍ ، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ إذَا قَالَ : هَذَا الْعَبْدُ شَرِكَةٌ بَيْنَنَا .","part":10,"page":432},{"id":4932,"text":"( 3863 ) فَصْلٌ فِي الْإِقْرَارِ بِالْمَجْهُولِ : وَإِذَا قَالَ : لِفُلَانٍ عَلَيَّ شَيْءٌ .\rأَوْ كَذَا .\rصَحَّ إقْرَارُهُ ، وَلَزِمَهُ تَفْسِيرُهُ .\rوَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ ، وَيُفَارِقُ الدَّعْوَى ، حَيْثُ لَا تَصِحُّ مَجْهُولَةً ؛ لِكَوْنِ الدَّعْوَى لَهُ وَالْإِقْرَارُ عَلَيْهِ ، فَلَزِمَهُ مَا عَلَيْهِ مَعَ الْجَهَالَةِ دُونَ مَالِهِ ، وَلِأَنَّ الْمُدَّعِيَ إذَا لَمْ يُصَحِّحْ دَعْوَاهُ ، فَلَهُ دَاعٍ إلَى تَحْرِيرِهَا ، وَالْمُقِرُّ لَا دَاعِيَ لَهُ إلَّا التَّحْرِيرُ ، وَلَا يُؤْمَنُ رُجُوعُهُ عَنْ إقْرَارِهِ ، فَيَضِيعُ حَقُّ الْمُقَرِّ لَهُ ، فَأَلْزَمْنَاهُ إيَّاهُ مَعَ الْجَهَالَةِ ، فَإِنْ امْتَنَعَ مِنْ تَفْسِيرِهِ ، حُبِسَ حَتَّى يُفَسِّرَ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : يُجْعَلُ نَاكِلًا ، وَيُؤْمَرُ الْمُقَرُّ لَهُ بِالْبَيَانِ ، فَإِنْ بَيَّنَ شَيْئًا ، فَصَدَّقَهُ الْمُقِرُّ ، ثَبَتَ ، وَإِنْ كَذَّبَهُ ، وَامْتَنَعَ مِنْ الْبَيَانِ ، قِيلَ لَهُ : إنْ بَيَّنْت ، وَإِلَّا جَعَلْنَاك نَاكِلًا ، وَقَضَيْنَا عَلَيْك .\rوَهَذَا قَوْلُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ، إلَّا أَنَّهُمْ قَالُوا : إنْ بَيَّنْت وَإِلَّا حَلَّفْنَا الْمُقَرَّ لَهُ عَلَى مَا يَدَّعِيه ، وَأَوْجَبْنَاهُ عَلَيْك .\rفَإِنْ فَعَلَ ، وَإِلَّا أَحَلَفْنَا الْمُقَرَّ لَهُ ، وَأَوْجَبْنَاهُ عَلَى الْمُقِرِّ .\rوَوَجْهُ الْأَوَّلِ ، أَنَّهُ مُمْتَنِعٌ مِنْ حَقٍّ عَلَيْهِ ، فَيُحْبَسُ بِهِ ، كَمَا لَوْ عَيَّنَهُ وَامْتَنَعَ مِنْ أَدَائِهِ .\rوَمَعَ ذَلِكَ مَتَى عَيَّنَهُ الْمُدَّعِي وَادَّعَاهُ ، فَنَكَلَ الْمُقِرُّ ، فَهُوَ عَلَى مَا ذَكَرُوهُ .\rوَإِنْ مَاتَ مَنْ عَلَيْهِ الْحَقُّ ، أُخِذَ وَرَثَتُهُ بِمِثْلِ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ ثَبَتَ عَلَى مَوْرُوثِهِمْ ، فَيَتَعَلَّقُ بِتَرِكَتِهِ وَقَدْ صَارَتْ إلَى الْوَرَثَةِ ، فَيَلْزَمُهُمْ مَا لَزِمَ مَوْرُوثَهُمْ ، كَمَا لَوْ كَانَ الْحَقُّ مُعَيَّنًا .\rوَإِنْ لَمْ يَخْلُفْ الْمَيِّتُ تَرِكَةً ، فَلَا شَيْءَ عَلَى الْوَرَثَةِ .\rوَمَتَى فَسَّرَ إقْرَارَهُ بِمَا يَتَمَوَّلُ فِي الْعَادَةِ ، قُبِلَ تَفْسِيرُهُ وَثَبَتَ ، إلَّا أَنْ يُكَذِّبَهُ الْمُقَرُّ لَهُ ، وَيَدَّعِيَ جِنْسًا آخَرَ ، أَوْ لَا يَدَّعِيَ شَيْئًا ، فَيَبْطُلَ إقْرَارُهُ .\rوَإِنْ فَسَّرَهُ","part":10,"page":433},{"id":4933,"text":"بِمَا لَا يَتَمَوَّلُ عَادَةً ، كَقِشْرَةِ جَوْزَةٍ ، أَوْ قِشْرَةِ بَاذِنْجَانَةٍ ، لَمْ يُقْبَلْ إقْرَارُهُ ؛ لِأَنَّ إقْرَارَهُ اعْتِرَافٌ بِحَقٍّ عَلَيْهِ ثَابِتٍ فِي ذِمَّتِهِ ، وَهَذَا لَا يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ .\rوَكَذَلِكَ إنْ فَسَّرَهُ بِمَا لَيْسَ بِمَالٍ فِي الشَّرْعِ ، كَالْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ وَالْمَيْتَةِ ، لَمْ يُقْبَلْ .\rوَإِنْ فَسَّرَهُ بِكَلْبٍ لَا يَجُوزُ اقْتِنَاؤُهُ ، فَكَذَلِكَ .\rوَإِنْ فَسَّرَهُ بِكَلْبٍ يَجُوزُ اقْتِنَاؤُهُ ، أَوْ جِلْدِ مَيْتَةٍ غَيْرِ مَدْبُوغٍ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، يُقْبَلُ ؛ لِأَنَّهُ شَيْءٌ يَجِبُ رَدُّهُ عَلَيْهِ ، وَتَسْلِيمُهُ إلَيْهِ ، فَالْإِيجَابُ يَتَنَاوَلُهُ .\rوَالثَّانِي ، لَا يُقْبَلْ ؛ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ إخْبَارٌ عَمَّا يَجِبُ ضَمَانُهُ ، وَهَذَا لَا يَجِبُ ضَمَانُهُ .\rوَإِنْ فَسَّرَهُ بِحَبَّةِ حِنْطَةٍ أَوْ شَعِيرٍ وَنَحْوِهَا ، لَمْ يُقْبَلْ ؛ لِأَنَّ هَذَا لَا يَتَمَوَّلُ عَادَةً عَلَى انْفِرَادِهِ .\rوَإِنْ فَسَّرَهُ بِحَدِّ قَذْفٍ ، قُبِلَ ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ يَجِبُ عَلَيْهِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يُقْبَلْ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَئُولُ إلَى مَالٍ .\rوَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ؛ لِأَنَّ مَا ثَبَتَ فِي الذِّمَّةِ صَحَّ أَنْ يُقَالَ : هُوَ عَلَيَّ .\rوَإِنْ فَسَّرَهُ بِحَقِّ شُفْعَةٍ ، قُبِلَ ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ وَاجِبٌ ، وَيَئُولُ إلَى الْمَالِ .\rوَإِنْ فَسَّرَهُ بِرَدِّ السَّلَامِ ، أَوْ تَشْمِيتِ الْعَاطِسِ وَنَحْوِهِ ، لَمْ يُقْبَلْ ؛ لِأَنَّهُ يَسْقُطُ بِفَوَاتِهِ ، فَلَا يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ .\rوَهَذَا الْإِقْرَارُ يَدُلُّ عَلَى ثُبُوتِ الْحَقِّ فِي الذِّمَّةِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقْبَلَ تَفْسِيرُهُ بِهِ ، إذَا أَرَادَ أَنَّ حَقًّا عَلَيَّ رَدُّ سَلَامِهِ إذَا سَلَّمَ ، وَتَشْمِيتُهُ إذَا عَطَسَ ؛ لِمَا رُوِيَ فِي الْخَبَرِ : { لِلْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ ثَلَاثُونَ حَقًّا : يَرُدُّ سَلَامَهُ ، وَيُشَمِّتُ عَطْسَتَهُ ، وَيُجِيبُ دَعْوَتَهُ .\rوَذَكَرَ الْحَدِيثَ } .\rوَإِنْ قَالَ : غَصَبْته شَيْئًا .\rوَفَسَّرَهُ بِمَا لَيْسَ بِمَالٍ ، قُبِلَ ؛ لِأَنَّ اسْمَ الْغَصْبِ يَقَعُ عَلَيْهِ .\rوَإِنْ قَالَ : غَصَبْته نَفْسَهُ .\rلَمْ يُقْبَلْ ؛ لِأَنَّ الْغَصْبَ لَا يَثْبُتُ عَلَيْهِ .\rوَهَذَا الْفَصْلُ","part":10,"page":434},{"id":4934,"text":"أَكْثَرُهُ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rوَحُكِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ، أَنَّهُ لَا يُقْبَلْ تَفْسِيرُ إقْرَارِهِ بِغَيْرِ الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ ؛ لِأَنَّ غَيْرَهُمَا لَا يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ بِنَفْسِهِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ مَمْلُوكٌ يَدْخُلُ تَحْتَ الْعَقْدِ ، فَجَازَ أَنْ يُفَسَّرَ بِهِ الشَّيْءُ فِي الْإِقْرَارِ ، كَالْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ ، وَلِأَنَّهُ يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ فِي الْجُمْلَةِ ، فَصَحَّ التَّفْسِيرُ كَالْمَكِيلِ ، وَلَا عِبْرَةَ بِسَبَبِ ثُبُوتِهِ فِي الْإِقْرَارِ بِهِ ، وَالْإِخْبَارِ عَنْهُ .","part":10,"page":435},{"id":4935,"text":"( 3864 ) فَصْلٌ : وَإِنْ أَقَرَّ بِمَالٍ ، قُبِلَ تَفْسِيرُهُ بِقَلِيلِ الْمَالِ وَكَثِيرِهِ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يُقْبَلُ تَفْسِيرُهُ بِغَيْرِ الْمَالِ الزَّكَوِيِّ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ } .\rوَقَوْلِهِ : { وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ } .\rوَحَكَى بَعْضُ أَصْحَابِ مَالِكٍ عَنْهُ ثَلَاثَةَ أَوْجُهٍ ؛ أَحَدُهَا ، كَقَوْلِنَا .\rوَالثَّانِي ؛ لَا يُقْبَلُ إلَّا أَوَّلُ نِصَابٍ مِنْ نُصُبِ الزَّكَاةِ ، مِنْ نَوْعِ أَمْوَالِهِمْ .\rوَالثَّالِثُ ، مَا يُقْطَعُ بِهِ السَّارِقُ ، وَيَصِحُّ مَهْرًا ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ } .\rوَلَنَا ، أَنَّ غَيْرَ مَا ذَكَرُوهُ يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الْمَالِ حَقِيقَةً وَعُرْفًا ، وَيَتَمَوَّلُ عَادَةً ، فَيُقْبَلُ تَفْسِيرُهُ بِهِ ، كَاَلَّذِي وَافَقُوا عَلَيْهِ .\rوَأَمَّا آيَةُ الزَّكَاةِ فَهِيَ عَامَّةٌ دَخَلَهَا التَّخْصِيصُ ، وقَوْله تَعَالَى : { وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ } .\rلَمْ يُرِدْ بِهِ الزَّكَاةَ ، بِدَلِيلِ أَنَّهَا نَزَلَتْ بِمَكَّةَ قَبْلَ فَرْضِ الزَّكَاةِ ، فَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهَا ، ثُمَّ يَرُدُّ قَوْلَهُمْ قَوْله تَعَالَى : { أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ } .\rوَالتَّزْوِيجُ جَائِزٌ بِأَيِّ نَوْعٍ كَانَ مِنْ الْمَالِ ، وَبِمَا دُونَ النِّصَابِ .\rوَإِنْ قَالَ : لَهُ عَلَيَّ مَالٌ عَظِيمٌ ، أَوْ كَثِيرٌ ، أَوْ جَلِيلٌ ، أَوْ خَطِيرٌ .\rجَازَ تَفْسِيرُهُ بِالْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ ، كَمَا لَوْ قَالَ : مَالٌ .\rلَمْ يَزِدْ عَلَيْهِ .\rوَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ .\rوَحُكِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ : لَا يُقْبَلُ تَفْسِيرُهُ بِأَقَلَّ مِنْ عَشْرَةِ دَرَاهِمَ ؛ لِأَنَّهُ يُقْطَعُ بِهِ السَّارِقُ ، وَيَكُونُ صَدَاقًا عِنْدَهُ .\rوَعَنْهُ : لَا يُقْبَلُ بِأَقَلَّ مِنْ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ .\rوَبِهِ قَالَ صَاحِبَاهُ ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ .\rوَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ مَالِكٍ كَقَوْلِهِمْ فِي الْمَالِ .\rوَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : يَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ أَقَلَّ زِيَادَةٍ .\rوَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : قَدْرَ الدِّيَةِ .\rوَقَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ : اثْنَانِ وَسَبْعُونَ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى","part":10,"page":436},{"id":4936,"text":"قَالَ : { لَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ } .\rوَكَانَتْ غَزَوَاتُهُ وَسَرَايَاهُ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ .\rقَالُوا : وَلِأَنَّ الْحَبَّةَ لَا تُسَمَّى مَالًا عَظِيمًا وَلَا كَثِيرًا .\rوَلَنَا ، أَنَّ مَا فُسِّرَ بِهِ الْمَالُ فُسِّرَ بِهِ الْعَظِيمُ ، كَاَلَّذِي سَلَّمُوهُ ، وَلِأَنَّ الْعَظِيمَ وَالْكَثِيرَ لَا حَدَّ لَهُ فِي الشَّرْعِ ، وَلَا فِي اللُّغَةِ ، وَلَا الْعُرْفِ ، وَيَخْتَلِفُ النَّاسُ فِيهِ ؛ فَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَعْظِمُ الْقَلِيلَ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَعْظِمُ الْكَثِيرَ ، وَمِنْهُمْ مِنْ يَحْتَقِرُ الْكَثِيرَ ، فَلَمْ يَثْبُتْ فِي ذَلِكَ حَدٌّ يُرْجَعُ إلَى تَفْسِيرِهِ بِهِ ، وَلِأَنَّهُ مَا مِنْ مَالٍ إلَّا وَهُوَ عَظِيمٌ كَثِيرٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَا دُونَهُ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ عَظِيمًا عِنْدَهُ ؛ لِفَقْرِ نَفْسِهِ وَدَنَاءَتِهَا ، وَمَا ذَكَرُوهُ فَلَيْسَ فِيهِ تَحْدِيدٌ لِلْكَثِيرِ ، وَكَوْنُ مَا ذَكَرُوهُ كَثِيرًا لَا يَمْنَعُ الْكَثْرَةَ فِيمَا دُونَهُ ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا } .\rفَلَمْ يَنْصَرِفْ إلَى ذَلِكَ ، وَقَالَ : { كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً } .\rفَلَمْ يُحْمَلْ عَلَى ذَلِكَ .\rوَالْحُكْمُ فِيمَا إذَا قَالَ : عَظِيمٌ جِدًّا ، أَوْ عَظِيمٌ عَظِيمٌ .\rكَمَا لَوْ لَمْ يَقُلْهُ ؛ لِمَا قَرَّرْنَاهُ .","part":10,"page":437},{"id":4937,"text":"( 3865 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَالَ : لَهُ عَلَيَّ أَكْثَرُ مِنْ مَالِ فُلَانٍ .\rفَفَسَّرَهُ بِأَكْثَرَ مِنْهُ عَدَدًا أَوْ قَدْرًا ، لَزِمَهُ أَكْثَرُ مِنْهُ ، وَتُفَسَّرُ الزِّيَادَةُ بِأَيِّ شَيْءٍ أَرَادَ ، وَلَوْ حَبَّةً أَوْ أَقَلَّ .\rوَإِنْ قَالَ مَا عَلِمْت لِفُلَانٍ أَكْثَرَ مِنْ كَذَا وَكَذَا .\rوَقَامَتْ الْبَيِّنَةُ بِأَكْثَر مِنْهُ ، لَمْ يَلْزَمْهُ أَكْثَرُ مِمَّا اعْتَرَفَ بِهِ ؛ لِأَنَّ مَبْلَغَ الْمَالِ حَقِيقَةً لَا يُعْرَفُ فِي الْأَكْثَرِ ، وَقَدْ يَكُونُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا ، فَيَمْلِكُ مَا لَا يَعْرِفُهُ الْمُقِرُّ ، فَكَانَ الْمَرْجِعُ إلَى مَا اعْتَقَدَهُ الْمُقِرُّ مَعَ يَمِينِهِ ، إذَا ادَّعَى عَلَيْهِ أَكْثَرَ مِنْهُ .\rوَإِنْ فَسَّرَهُ بِأَقَلَّ مِنْ مَالِهِ ، مَعَ عِلْمِهِ بِمَالِهِ ، لَمْ يَقْبَلْ .\rوَقَالَ أَصْحَابُنَا : يُقْبَلُ تَفْسِيرُهُ بِالْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ، سَوَاءٌ عَلِمَ مَالَ فُلَانٍ أَوْ جَهِلَهُ ، أَوْ ذَكَرَ قَدْرَهُ أَوْ لَمْ يَذْكُرُهُ ، أَوْ قَالَهُ عَقِيبَ الشَّهَادَةِ بِقَدْرِهِ أَوَّلًا ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَكْثَرُ مِنْهُ بَقَاءً أَوْ مَنْفَعَةً أَوْ بَرَكَةً ، لِكَوْنِهِ مِنْ الْحَلَالِ ، أَوْ لِأَنَّهُ فِي الذِّمَّةِ .\rقَالَ الْقَاضِي : وَلَوْ قَالَ : لِي عَلَيْك أَلْفُ دِينَارٍ .\rفَقَالَ : لَك عَلَيَّ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ .\rلَمْ يَلْزَمْهُ أَكْثَرُ مِنْهَا ؛ لِأَنَّ لَفْظَةَ أَكْثَرُ مُبْهَمَةٌ ، لِاحْتِمَالِهَا مَا ذَكَرْنَا ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ أَكْثَرَ مِنْهُ فُلُوسًا ، أَوْ حَبَّ حِنْطَةٍ أَوْ شَعِيرٍ أَوْ دَخَنٍ ، فَرَجَعَ فِي تَفْسِيرِهَا إلَيْهِ .\rوَهَذَا بَعِيدٌ ؛ فَإِنَّ لَفْظَةَ أَكْثَرُ إنَّمَا تُسْتَعْمَلُ حَقِيقَةً فِي الْعَدَدِ ، أَوْ فِي الْقَدْرِ ، وَتَنْصَرِفُ إلَى جِنْسِ مَا أُضِيفَ أَكْثَرُ إلَيْهِ ، لَا يُفْهَمُ فِي الْإِطْلَاقِ غَيْرُ ذَلِكَ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ } .\rوَأَخْبَرَ عَنْ الَّذِي قَالَ : { أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا } { .\rوَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا } .\rوَالْإِقْرَارُ يُؤْخَذُ فِيهِ بِالظَّاهِرِ دُونَ مُطْلَقِ الِاحْتِمَالِ ، وَلِهَذَا لَوْ أَقَرَّ بِدَرَاهِمَ ، لَزِمَهُ","part":10,"page":438},{"id":4938,"text":"أَقَلُّ الْجَمْعِ جِيَادًا صِحَاحًا وَازِنَةً حَالَّةً .\rوَلَوْ قَالَ : لَهُ عَلَيَّ دَرَاهِمُ .\rلَمْ يُقْبَلْ تَفْسِيرُهَا الْوَدِيعَةِ .\rوَلَوْ رَجَعَ إلَى مُطْلَقِ الِاحْتِمَالِ لَسَقَطَ الْإِقْرَارُ .\rوَاحْتِمَالُ مَا ذَكَرُوهُ أَبْعَدُ مِنْ هَذِهِ الِاحْتِمَالَاتِ الَّتِي لَمْ يَقْبَلُوا تَفْسِيرَهُ بِهَا ، فَلَا يُعَوَّلُ عَلَى هَذَا .","part":10,"page":439},{"id":4939,"text":"( 3866 ) فَصْلٌ : وَلَوْ قَالَ : لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ ، إلَّا شَيْئًا .\rقُبِلَ تَفْسِيرُهُ بِأَكْثَرَ مِنْ خَمْسِمِائَةٍ ، لِأَنَّ الشَّيْءَ يَحْتَمِلُ الْقَلِيلَ وَالْكَثِيرَ ، لَكِنْ لَا يَجُوزُ اسْتِثْنَاءُ الْأَكْثَرِ .\rفَتَعَيَّنَ حَمْلُهُ عَلَى مَا دُونَ النِّصْفِ .\rوَكَذَلِكَ إنْ قَالَ : إلَّا قَلِيلًا ؛ لِأَنَّهُ مُبْهَمٌ ، فَأَشْبَهَ قَوْلَهُ : إلَّا شَيْئًا .\rوَإِنْ قَالَ : لَهُ عَلَيَّ مُعْظَمُ أَلْفٍ ، أَوْ جُلُّ أَلْفٍ ، أَوْ قَرِيبٌ مِنْ أَلْفٍ .\rلَزِمَهُ أَكْثَرُ مِنْ نِصْفِ الْأَلْفِ ، وَيَحْلِفُ عَلَى الزِّيَادَةِ إنْ اُدُّعِيَتْ عَلَيْهِ .","part":10,"page":440},{"id":4940,"text":"( 3867 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَالَ : لَهُ عَلَيَّ كَذَا .\rفَفِيهِ ثَلَاثُ مَسَائِلَ : ( 3868 ) أَحَدُهَا ، أَنْ يَقُولَ : كَذَا .\rبِغَيْرِ تَكْرِيرٍ وَلَا عَطْفٍ .\rالثَّانِيَةُ ، أَنْ يُكَرِّرَ بِغَيْرِ عَطْفٍ .\rالثَّالِثَةُ ، أَنْ يَعْطِفَ ، فَيَقُولَ : كَذَا وَكَذَا .\rفَأَمَّا الْأُولَى ، فَإِذَا قَالَ : لَهُ عَلَيَّ كَذَا دِرْهَمٌ .\rلَمْ يَخْلُ مِنْ أَرْبَعَةِ أَحْوَالٍ : أَحَدُهَا ، أَنْ يَقُولَ : لَهُ عَلَيَّ كَذَا دِرْهَمٌ .\rبِالرَّفْعِ ، فَيَلْزَمُهُ دِرْهَمٌ .\rوَتَقْدِيرُهُ شَيْءٌ هُوَ دِرْهَمٌ ، فَجَعَلَ الدِّرْهَمَ بَدَلًا مِنْ كَذَا .\rالثَّانِي ، أَنْ يَقُولَ : دِرْهَمٍ .\rبِالْجَرِّ ، فَيَلْزَمُهُ جُزْءُ دِرْهَمٍ ، يُرْجَعُ فِي تَفْسِيرِهِ إلَيْهِ ، وَالتَّقْدِيرُ جُزْءُ دِرْهَمٍ ، أَوْ بَعْضُ دِرْهَمٍ .\rوَيَكُونُ كَذَا كِنَايَةً عَنْهُ .\rالثَّالِثُ ، أَنْ يَقُولَ : دِرْهَمًا .\rبِالنَّصْبِ ، فَيَلْزَمُهُ دِرْهَمٌ ، وَيَكُونُ مَنْصُوبًا عَلَى التَّفْسِيرِ ، وَهُوَ التَّمْيِيزُ .\rوَقَالَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ : هُوَ مَنْصُوبٌ عَلَى الْقَطْعِ ، كَأَنَّهُ قَطَعَ مَا ابْتَدَأَ بِهِ ، وَأَقَرَّ بِدِرْهَمٍ .\rوَهَذَا عَلَى قَوْلِ نُحَاةِ الْكُوفَةِ .\rالرَّابِعُ ، أَنْ يَذْكُرَهُ بِالْوَقْفِ ، فَيُقْبَلُ تَفْسِيرُهُ بِجُزْءِ دِرْهَمٍ أَيْضًا ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَسْقَطَ حَرَكَةَ الْجَرِّ لِلْوَقْفِ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : يَلْزَمُهُ دِرْهَمٌ فِي الْحَالَاتِ كُلِّهَا .\rوَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ .\rوَلَنَا ، أَنَّ \" كَذَا \" اسْمٌ مُبْهَمٌ فَصَحَّ تَفْسِيرُهُ بِجُزْءِ دِرْهَمٍ فِي حَالِ الْجَرِّ وَالْوَقْفِ .\r( 3869 ) الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ ، إذَا قَالَ : كَذَا كَذَا .\rبِغَيْرِ عَطْفٍ ، فَالْحُكْمُ فِيهَا كَالْحُكْمِ فِي \" كَذَا \" بِغَيْرِ تَكْرَارٍ سَوَاءٌ ، لَا يَتَغَيَّرُ الْحُكْمُ .\rوَلَا يَقْتَضِي تَكْرِيرُهُ الزِّيَادَةَ ، كَأَنَّهُ قَالَ : شَيْءٌ شَيْءٌ .\rوَلِأَنَّهُ إذَا قَالَهُ بِالْجَرِّ ، احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ قَدْ أَضَافَ جُزْءًا إلَى جُزْءٍ ، ثُمَّ أَضَافَ الْجُزْءَ الْآخَرَ إلَى الدِّرْهَمِ ، فَقَالَ : نِصْفَ تُسْعِ دِرْهَمٍ .\rوَهَكَذَا لَوْ قَالَ : كَذَا كَذَا كَذَا .\rلِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ","part":10,"page":441},{"id":4941,"text":"أَنْ يُرِيدَ ثُلُثَ خُمْسِ سُبْعِ دِرْهَمٍ ، وَنَحْوَهُ .\r( 3870 ) الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ ، إذَا عَطَفَ ، فَقَالَ : كَذَا وَكَذَا دِرْهَمٌ .\rبِالرَّفْعِ ، لَزِمَهُ دِرْهَمٌ وَاحِدٌ ؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَ شَيْئَيْنِ ، ثُمَّ أَبْدَلَ مِنْهُمَا دِرْهَمًا ، فَصَارَ كَأَنَّهُ قَالَ : هُمَا دِرْهَمٌ .\rوَإِنْ قَالَ : دِرْهَمًا .\rبِالنَّصْبِ ، فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ ؛ أَحَدُهَا ، يَلْزَمُهُ دِرْهَمٌ وَاحِدٌ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَامِدٍ ، وَالْقَاضِي ؛ لِأَنَّ \" كَذَا \" يَحْتَمِلُ أَقَلَّ مِنْ دِرْهَمٍ ، فَإِذَا عَطَفَ عَلَيْهِ مِثْلَهُ ، ثُمَّ فَسَّرَهُمَا بِدِرْهَمٍ وَاحِدٍ ، جَازَ ، وَكَانَ كَلَامًا صَحِيحًا .\rوَهَذَا يُحْكَى قَوْلًا لِلشَّافِعِيِّ .\rوَالْوَجْهُ الثَّانِي ، يَلْزَمُهُ دِرْهَمَانِ .\rوَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي الْحَسَنِ التَّمِيمِيِّ ؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَ جُمْلَتَيْنِ ، فَإِذَا فَسَّرَ ذَلِكَ بِدِرْهَمٍ عَادَ التَّفْسِيرُ إلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا ، كَقَوْلِهِ : عِشْرُونَ دِرْهَمًا .\rيَعُودُ التَّفْسِيرُ إلَى الْعِشْرِينَ ، وَكَذَا هَاهُنَا .\rوَهَذَا يُحْكَى قَوْلًا ثَانِيًا لِلشَّافِعِيِّ .\rوَالْوَجْهُ الثَّالِثُ ، يَلْزَمُهُ أَكْثَرُ مِنْ دِرْهَمٍ .\rوَلَعَلَّهُ ذَهَبَ إلَى أَنَّ الدِّرْهَمَ تَفْسِيرٌ لِلْجُمْلَةِ الَّتِي تَلِيه ، فَيَلْزَمُهُ بِهَا دِرْهَمٌ ، وَالْأُولَى بَاقِيَةٌ عَلَى إبْهَامِهَا ، فَيُرْجَعُ فِي تَفْسِيرِهَا إلَيْهِ .\rوَهَذَا يُشْبِهُ مَذْهَبَ التَّمِيمِيِّ .\rوَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ : إذَا قَالَ : كَذَا دِرْهَمًا .\rلَزِمَهُ عِشْرُونَ دِرْهَمًا ؛ لِأَنَّهُ أَقَلُّ عَدَدٍ يُفَسَّرُ بِالْوَاحِدِ الْمَنْصُوبِ .\rوَإِنْ قَالَ كَذَا كَذَا دِرْهَمًا .\rلَزِمَهُ أَحَدَ عَشَرَ دِرْهَمًا ؛ لِأَنَّهُ أَقَلُّ عَدَدٍ مُرَكَّبٍ يُفَسَّرُ بِالْوَاحِدِ الْمَنْصُوبِ .\rوَإِنْ قَالَ : كَذَا وَكَذَا دِرْهَمًا .\rلَزِمَهُ أَحَدٌ وَعِشْرُونَ دِرْهَمًا ؛ لِأَنَّهُ أَقَلُّ عَدَدٍ عُطِفَ بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ يُفَسَّرُ بِذَلِكَ ، وَإِنْ قَالَ : كَذَا دِرْهَمٍ .\rبِالْجَرِّ لَزِمَهُ مِائَةُ دِرْهَمٍ ؛ لِأَنَّهُ أَقَلُّ عَدَدٍ يُضَافُ إلَى الْوَاحِدِ .\rوَحُكِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ ، أَنَّهُ إذَا قَالَ : كَذَا كَذَا ، أَوْ كَذَا","part":10,"page":442},{"id":4942,"text":"وَكَذَا .\rيَلْزَمُهُ بِهِمَا أَحَدَ عَشَرَ دِرْهَمًا .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ يَحْتَمِلُ مَا قُلْنَا ، وَيَحْتَمِلُ مَا قَالُوهُ ، فَوَجَبَ الْمَصِيرُ إلَى مَا قُلْنَا ؛ لِأَنَّهُ الْيَقِينُ ، وَمَا زَادَ مَشْكُوكٌ فِيهِ ، فَلَا يَجِبُ بِالشَّكِّ ، كَمَا لَوْ قَالَ : عَلَيَّ دَرَاهِمُ .\rلَمْ يَلْزَمْهُ إلَّا أَقَلُّ الْجَمْعِ ، وَلَا يَلْزَمُ كَثْرَةُ الِاسْتِعْمَالِ ، فَإِنَّ اللَّفْظَ إذَا كَانَ حَقِيقَةً فِي الْأَمْرَيْنِ ، جَازَ التَّفْسِيرُ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا .\rوَعَلَى مَا ذَكَرَهُ مُحَمَّدٌ يَكُونُ اللَّفْظُ الْمُفْرَدُ مُوجِبًا لِأَكْثَرَ مِنْ الْمُكَرَّرِ ، فَإِنَّهُ يَجِبُ بِالْمُفْرَدِ عِشْرُونَ ، وَبِالْمُكَرَّرِ أَحَدَ عَشَرَ ، وَلَا نَعْرِفُ لَفْظًا مُفْرَدًا مُتَنَاوِلًا لِعَدَدٍ صَحِيحٍ يَلْزَمُ بِهِ أَكْثَرُ مِمَّا يَلْزَمُ بِمُكَرَّرِهِ .","part":10,"page":443},{"id":4943,"text":"( 3871 ) فَصْلٌ : وَلَوْ قَالَ : غَصَبْتُك ، أَوْ غَبَنْتُك .\rلَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَغْصِبُهُ نَفْسَهُ ، وَيَغِبْنَهُ فِي غَيْرِ الْمَالِ .\rوَإِنْ قَالَ : غَصَبْتُك شَيْئًا .\rوَفَسَّرَهُ بِغَصْبِ نَفْسِهِ ، لَمْ يُقْبَلْ ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ لَهُ مَفْعُولَيْنِ ، فَجَعَلَهُ الْمَفْعُولَ الْأَوَّلَ وَشَيْئًا الْمَفْعُولَ الثَّانِيَ ، وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ الثَّانِي غَيْرَ الْأَوَّلِ .\rوَإِنْ فَسَّرَهُ بِمَالٍ ، قُبِلَ وَإِنْ قَلَّ ، وَإِنْ فَسَّرَهُ بِكَلْبٍ ، أَوْ جِلْدِ مَيْتَةٍ ، أَوْ سِرْجِينٍ يُنْتَفَعُ بِهِ ، قُبِلَ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَقْهَرُهُ فَيَأْخُذُهُ مِنْهُ .\rوَإِنْ فَسَّرَهُ بِمَا لَا نَفْعَ فِيهِ ، أَوْ بِمَا لَا يُبَاحُ الِانْتِفَاعُ بِهِ ، لَمْ يُقْبَلْ ؛ لِأَنَّ أَخْذَ ذَلِكَ لَيْسَ بِغَصْبٍ .","part":10,"page":444},{"id":4944,"text":"( 3872 ) فَصْلٌ : وَتُقْبَلُ الشَّهَادَةُ عَلَى الْإِقْرَارِ بِالْمَجْهُولِ ؛ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ بِهِ صَحِيحٌ ، وَمَا كَانَ صَحِيحًا فِي نَفْسِهِ ، صَحَّتْ الشَّهَادَةُ بِهِ ، كَالْمَعْلُومِ .","part":10,"page":445},{"id":4945,"text":"( 3873 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَلَوْ قَالَ : لَهُ عِنْدِي رَهْنٌ .\rفَقَالَ الْمَالِكُ : وَدِيعَةٌ .\rكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمَالِكِ ) .\rإنَّمَا قَدَّمَ قَوْلَ الْمَالِكِ ؛ لِأَنَّ الْعَيْنَ ثَبَتَتْ لَهُ بِالْإِقْرَارِ ، وَادَّعَى الْمُقَرُّ دَيْنًا لَا يَعْتَرِفُ لَهُ بِهِ ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ .\rوَلِأَنَّهُ أَقَرَّ بِمَالٍ لِغَيْرِهِ ، وَادَّعَى أَنَّ لَهُ بِهِ تَعَلُّقًا ، فَلَمْ يُقْبَلْ ، كَمَا لَوْ ادَّعَاهُ بِكَلَامٍ مُنْفَصِلٍ .\rوَكَذَلِكَ لَوْ أَقَرَّ لَهُ بِدَارٍ ، وَقَالَ : اسْتَأْجَرْتهَا .\rأَوْ بِثَوْبٍ وَادَّعَى أَنَّهُ قَصَّرَهُ ، أَوْ خَاطَهُ بِأَجْرٍ يَلْزَمُ الْمُقَرَّ لَهُ ، لَمْ يُقْبَلْ ؛ لِأَنَّهُ مُدَّعٍ عَلَى غَيْرِهِ حَقًّا ، فَلَا يُقْبَلْ قَوْلُهُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ .\rوَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ : هَذِهِ الدَّارُ لَهُ ، وَلِي سُكْنَاهَا سَنَةً .","part":10,"page":446},{"id":4946,"text":"( 3874 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَالَ : لَك عَلَيَّ أَلْفٌ مِنْ ثَمَنِ مَبِيعٍ لَمْ أَقْبِضْهُ .\rفَقَالَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ : بَلْ لِي عَلَيْك أَلْفٌ ، وَلَا شَيْءَ لَك عِنْدِي .\rفَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : فِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُقَرِّ لَهُ ؛ لِأَنَّهُ اعْتَرَفَ لَهُ بِالْأَلْفِ ، وَادَّعَى عَلَيْهِ مَبِيعًا ، فَأَشْبَهَ مَا إذَا قَالَ : هَذَا رَهْنٌ .\rفَقَالَ الْمَالِكُ : وَدِيعَةٌ .\rأَوْ لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ وَلِي عِنْدَهُ مَبِيعٌ لَمْ أَقْبِضْهُ .\rوَالثَّانِي ، الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُقِرِّ .\rقَالَ الْقَاضِي : هُوَ قِيَاسُ الْمَذْهَبِ .\rوَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي يُوسُفَ ؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِحَقٍّ فِي مُقَابَلَةِ حَقٍّ لَهُ ، وَلَا يَنْفَكُّ أَحَدُهُمَا عَنْ الْآخَرِ ، فَإِذَا لَمْ يُسَلِّمْ لَهُ مَالَهُ ، لَمْ يُسَلِّمْ لِلْمُقَرِّ لَهُ مَا عَلَيْهِ ، كَمَا لَوْ قَالَ لِرَجُلٍ : بِعْتُك هَذَا الْعَبْدَ بِأَلْفٍ .\rقَالَ : بَلْ مَلَّكْتنِيهِ بِغَيْرِ شَيْءٍ .\rوَفَارَقَ مَا لَوْ قَالَ لَهُ : عِنْدِي رَهْنٌ .\rفَقَالَ الْمَالِكُ : بَلْ وَدِيعَةٌ ؛ لِأَنَّ الدَّيْنُ يَنْفَكُّ عَنْ الرَّهْنِ .\rوَلَوْ قَالَ السَّيِّدُ لِعَبْدِهِ : بِعْتُك نَفْسَك بِأَلْفٍ .\rفَأَنْكَرَ الْعَبْدُ .\rعَتَقَ ، وَلَا شَيْءَ لِلْمُقِرِّ ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ يَنْفَكُّ عَنْ الثَّمَنِ .\rوَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَقُولَ : لَمْ أَقْبِضْهُ مُنْفَصِلًا أَوْ مُتَّصِلًا .\rفَلَوْ قَالَ : لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ مِنْ ثَمَنِ مَبِيعٍ .\rثُمَّ سَكَتَ ، ثُمَّ قَالَ : لَمْ أَقْبِضْهُ .\rفَيُقْبَلُ قَوْلُهُ ، كَمَا لَوْ كَانَ مُتَّصِلًا ؛ لِأَنَّ إقْرَارَهُ تَعَلَّقَ بِالْمَبِيعِ ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ الْقَبْضِ ، فَقُبِلَ قَوْلُهُ فِيهِ .\rفَأَمَّا إنْ قَالَ : عَلَيَّ أَلْفٌ .\rثُمَّ سَكَتَ ، ثُمَّ قَالَ : مِنْ ثَمَنِ مَبِيعٍ .\rلَمْ يُقْبَلْ ؛ لِأَنَّهُ فَسَّرَ إقْرَارَهُ بِمَا يُسْقِطُ وُجُوبَ تَسْلِيمِهِ بِكَلَامٍ مُنْفَصِلٍ ، فَلَمْ يُقْبَلْ ، كَمَا لَمْ يُقْبَلْ لَوْ قَالَ : لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ .\rثُمَّ سَكَتَ ، ثُمَّ قَالَ : مُؤَجَّلٌ .","part":10,"page":447},{"id":4947,"text":"( 3875 ) فَصْلٌ : وَإِذَا قَالَ : بِعْتُك جَارِيَتِي هَذِهِ .\rقَالَ : بَلْ زَوَّجْتنِيهَا .\rفَلَا يَخْلُو ؛ إمَّا أَنْ يَكُونَ اخْتِلَافُهُمَا قَبْلَ نَقْدِ الثَّمَنِ أَوْ بَعْدَهُ ، وَقَبْلَ الِاسْتِيلَادِ أَوْ بَعْدَهُ ، فَإِنْ كَانَ بَعْدَ اعْتِرَافِ الْبَائِعِ بِقَبْضِ الثَّمَنِ ، فَهُوَ مُقِرٌّ بِهَا لِمُدَّعِي الزَّوْجِيَّةِ ؛ لِأَنَّهُ يَدَّعِي عَلَيْهِ شَيْئًا ، وَالزَّوْجُ يُنْكِرُ أَنَّهَا مِلْكُهُ ، وَيَدَّعِي حِلَّهَا لَهُ بِالزَّوْجِيَّةِ ، فَيَثْبُتُ الْحِلُّ ؛ لِاتِّفَاقِهِمَا عَلَيْهِ ، وَلَا تُرَدُّ إلَى الْبَائِعِ لِاتِّفَاقِهِمَا عَلَى أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ أَخْذَهَا .\rوَإِنْ كَانَ قَبْلَ قَبْضِ الثَّمَنِ وَبَعْدَ الِاسْتِيلَادِ ، فَالْبَائِعُ يُقِرُّ أَنَّهَا صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ ، وَوَلَدُهَا حُرٌّ ، وَأَنَّهُ لَا مَهْرَ لَهُ ، وَيَدَّعِي الثَّمَنَ ، وَالْمُشْتَرِي يُنْكِرُ ذَلِكَ كُلَّهُ ، فَيُحْكَمُ بِحُرِّيَّةِ الْوَلَدِ ؛ لِإِقْرَارِ مَنْ يُنْسَبُ إلَيْهِ مِلْكُهُ بِحُرِّيَّتِهِ ، وَلَا وَلَاءَ عَلَيْهِ ؛ لِاعْتِرَافِهِ بِأَنَّهُ حُرُّ الْأَصْلِ ، وَلَا تُرَدُّ الْأَمَةُ إلَى الْبَائِعِ ؛ لِإِقْرَارِهِ بِأَنَّهَا أُمُّ وَلَدٍ ، وَلَا يَجُوزُ نَقْلُ الْمِلْكِ فِيهَا ، وَيَحْلِفُ الْمُشْتَرِي أَنَّهُ مَا اشْتَرَاهَا ، وَيَسْقُطُ عَنْهُ ثَمَنُهَا إلَّا قَدْرَ الْمَهْرِ ؛ فَإِنَّهُ يَجِبُ لِاتِّفَاقِهِمَا عَلَى وُجُوبِهِ ، وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي سَبَبِهِ .\rوَهَذَا قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ بَعْضُهُمْ : يَتَحَالَفَانِ ، وَلَا يَجِبُ مَهْرٌ وَلَا ثَمَنٌ .\rوَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي ، إلَّا أَنَّهُ لَا يَجْعَلُ عَلَى الْبَائِعِ يَمِينًا ؛ لِأَنَّهُ لَا يَرَى الْيَمِينَ فِي إنْكَارِ النِّكَاحِ ، وَنَفَقَةُ الْوَلَدِ عَلَى أَبِيهِ ؛ لِأَنَّهُ حُرٌّ ، وَنَفَقَةُ الْأَمَةِ عَلَى زَوْجِهَا ؛ لِأَنَّهُ إمَّا زَوْجٌ وَإِمَّا سَيِّدٌ ، وَكِلَاهُمَا سَبَبٌ لِوُجُوبِ النَّفَقَةِ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : نَفَقَتُهَا فِي كَسْبِهَا ، فَإِنْ كَانَ فِيهِ فَضْلٌ فَهِيَ مَوْقُوفَةٌ ؛ لِأَنَّنَا أَزَلْنَا عَنْهَا مِلْكَ السَّيِّدِ ، وَأَثْبَتْنَا لَهَا حُكْمَ الِاسْتِيلَادِ .\rفَإِنْ مَاتَتْ وَتَرَكَتْ مَالًا ، فَلِلْبَائِعِ قَدْرُ ثَمَنِهَا ؛","part":10,"page":448},{"id":4948,"text":"لِأَنَّهُ إمَّا أَنْ يَكُونَ صَادِقًا فَهُوَ يَسْتَحِقُّ عَلَى الْمُشْتَرِي ثَمَنَهَا ، وَتَرِكَتُهَا لِلْمُشْتَرِي ، وَالْمُشْتَرِي مُقِرٌّ لِلْبَائِعِ بِهَا ، فَيَأْخُذُ مِنْهَا قَدْرَ مَا يَدَّعِيهِ .\rوَإِنْ كَانَ كَاذِبًا ، فَهِيَ مِلْكُهُ ، وَتَرِكَتُهَا كُلَّهَا لَهُ ، فَيَأْخُذُ مِنْهَا قَدْرَ مَا يَدَّعِيه ، وَبَقِيَّتُهُ مَوْقُوفَةٌ .\rوَإِنْ مَاتَتْ بَعْدَ الْوَطْءِ ، فَقَدْ مَاتَتْ حُرَّةً ، فَمِيرَاثُهَا لِوَلَدِهَا وَوَرَثَتِهَا ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَارِثٌ ، فَمِيرَاثُهَا مَوْقُوفٌ ؛ لِأَنَّ أَحَدًا لَا يَدَّعِيه ، وَلَيْسَ لِلسَّيِّدِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ قَدْرَ الثَّمَنِ ؛ لِأَنَّهُ يَدَّعِي الثَّمَنَ عَلَى الْوَاطِئِ ، وَلَيْسَ مِيرَاثُهَا لَهُ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ مَاتَ قَبْلَهَا .\rوَإِنْ كَانَ اخْتِلَافُهُمَا قَبْلَ الِاسْتِيلَادِ ، فَعِنْدِي أَنَّهَا تُقَرُّ فِي يَدِ الزَّوْجِ ؛ لِاتِّفَاقِهِمَا عَلَى حِلِّهَا لَهُ ، وَاسْتِحْقَاقِهِ إمْسَاكَهَا ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفَا فِي السَّبَبِ .\rوَلَا تُرَدُّ إلَى السَّيِّدِ ؛ لِاتِّفَاقِهِمَا عَلَى تَحْرِيمِهَا عَلَيْهِ .\rوَلِلْبَائِعِ أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ الثَّمَنِ أَوْ الْمَهْرِ ؛ لِاتِّفَاقِهِمَا عَلَى اسْتِحْقَاقِهِ لِذَلِكَ .\rوَالْأَمْرُ فِي الْبَاطِنِ عَلَى ذَلِكَ ؛ فَإِنَّ السَّيِّدَ إنْ كَانَ صَادِقًا ، فَالْأُمَّةُ حَلَالٌ لِزَوْجِهَا بِالْبَيْعِ .\rوَإِنْ كَانَ كَاذِبًا ، فَهِيَ حَلَالٌ لَهُ بِالزَّوْجِيَّةِ .\rوَالْقَدْرُ الَّذِي اتَّفَقَا عَلَيْهِ ، إنْ كَانَ السَّيِّدُ صَادِقًا ، فَهُوَ يَسْتَحِقُّهُ ثَمَنًا ، وَإِنْ كَانَ كَاذِبًا ، فَهُوَ يَسْتَحِقُّهُ مَهْرًا .\rوَقَالَ الْقَاضِي : يَحْلِفُ الزَّوْجُ أَنَّهُ مَا اشْتَرَاهَا ؛ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ ، وَيَسْقُطُ عَنْهُ الثَّمَنُ ، وَلَا يَحْتَاجُ السَّيِّدُ إلَى الْيَمِينِ عَلَى نَفْيِ الزَّوْجِيَّةِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَحْلِفُ فِيهِ .\rوَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ : يَتَحَالَفَانِ مَعًا ، وَيَسْقُطُ الثَّمَنُ عَنْ الزَّوْجِ ؛ لِأَنَّ عَقْدَ الْبَيْعِ مَا ثَبَتَ ، وَلَا يَجِبُ الْمَهْرُ ؛ لِأَنَّ السَّيِّدَ لَا يَدَّعِيهِ ، وَتُرَدُّ الْجَارِيَةُ إلَى سَيِّدِهَا ، وَفِي كَيْفِيَّةِ رُجُوعِهَا وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، تَرْجِعُ إلَيْهِ ،","part":10,"page":449},{"id":4949,"text":"فَيَمْلِكُهَا ظَاهِرًا وَبَاطِنًا ، كَمَا يَرْجِعُ الْبَائِعُ فِي السِّلْعَةِ عِنْدَ فَلْسِ الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ ؛ لِأَنَّ الثَّمَنَ هَاهُنَا قَدْ تَعَذَّرَ ، فَيَحْتَاجُ السَّيِّدُ أَنْ يَقُولَ : فَسَخْت الْبَيْعَ .\rوَتَعُودُ إلَيْهِ مِلْكًا .\rوَالثَّانِي ، تَرْجِعُ إلَيْهِ فِي الظَّاهِرِ دُونَ الْبَاطِنِ ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ امْتَنَعَ مِنْ أَدَاءِ الثَّمَنِ مَعَ إمْكَانِهِ .\rفَعَلَى هَذَا يَبِيعُهَا الْحَاكِمُ وَيُوَفِّيه ثَمَنَهَا ، فَإِنْ كَانَ وَفْقَ حَقِّهِ ، فَحَسَنٌ .\rوَإِنْ كَانَ دُونَهُ ، أَخَذَهُ ، وَإِنْ زَادَ ، فَالزِّيَادَةُ لَا يَدَّعِيهَا أَحَدٌ ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ يُقِرُّ بِهَا لِلْبَائِعِ ، وَالْبَائِعُ لَا يَدَّعِي أَكْثَرَ مِنْ الثَّمَنِ الْأَوَّلِ ، فَهَلْ تُقَرُّ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي ، أَوْ تَرْجِعُ إلَى بَيْتِ الْمَالِ ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ .\rفَإِنْ رَجَعَ الْبَائِعُ ، وَقَالَ : صَدَقَ خَصْمِي ، مَا بِعْته إيَّاهَا ، بَلْ زَوَّجْته .\rلَمْ يُقْبَلْ فِي إسْقَاطِ حُرِّيَّةِ الْوَلَدِ ، وَلَا فِي اسْتِرْجَاعِهَا إنْ صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ ، وَقُبِلَ فِي إسْقَاطِ الثَّمَنِ ، وَاسْتِحْقَاقِ الْمَهْرِ ، وَأَخْذِ زِيَادَةِ الثَّمَنِ ، وَاسْتِحْقَاقِ مِيرَاثِهَا وَمِيرَاثِ وَلَدِهَا .\rوَإِنْ رَجَعَ الزَّوْجُ ، ثَبَتَتْ الْحُرِّيَّةُ ، وَوَجَبَ عَلَيْهِ الثَّمَنُ .","part":10,"page":450},{"id":4950,"text":"( 3876 ) فَصْلٌ : وَلَوْ أَقَرَّ رَجُلٌ بِحُرِّيَّةِ عَبْدٍ ثُمَّ اشْتَرَاهُ ، أَوْ شَهِدَ رَجُلَانِ بِحُرِّيَّةِ عَبْدٍ لِغَيْرِهِمَا فَرُدَّتْ شَهَادَتُهُمَا ، ثُمَّ اشْتَرَاهُ أَحَدُهُمَا مِنْ سَيِّدِهِ ، عَتَقَ فِي الْحَالِ ؛ لِاعْتِرَافِهِ بِأَنَّ الَّذِي اشْتَرَاهُ حُرٌّ ، وَيَكُونُ الْبَيْعُ صَحِيحًا بِالنِّسْبَةِ إلَى الْبَائِعِ ؛ لِأَنَّهُ مَحْكُومٌ لَهُ بِرِقِّهِ ، وَفِي حَقِّ الْمُشْتَرِي اسْتِنْقَاذًا وَاسْتِخْلَاصًا ، فَإِذَا صَارَ فِي يَدِهِ ، حُكِمَ بِحُرِّيَّتِهِ ؛ لِإِقْرَارِهِ السَّابِقِ ، وَيَصِيرُ كَمَا لَوْ شَهِدَ رَجُلَانِ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا ، فَرَدَّ الْحَاكِمُ شَهَادَتَهُمَا ، فَدَفَعَا إلَى الزَّوْجِ عِوَضًا لِيَخْلَعَهَا ، صَحَّ ، وَكَانَ فِي حَقِّهِ خُلْعًا صَحِيحًا ، وَفِي حَقِّهِمَا اسْتِخْلَاصًا ، وَيَكُونُ وَلَاؤُهُ مَوْقُوفًا ؛ لِأَنَّ أَحَدًا لَا يَدَّعِيه ، فَإِنَّ الْبَائِعَ يَقُولُ : مَا أَعْتَقْته .\rوَالْمُشْتَرِي يَقُولُ : مَا أَعْتَقْته .\rوَالْمُشْتَرِي يَقُولُ : مَا أَعْتَقَهُ إلَّا الْبَائِعُ وَأَنَا اسْتَخْلَصْته .\rفَإِنْ مَاتَ وَخَلَّفَ مَالًا ، فَرَجَعَ أَحَدُهُمَا عَنْ قَوْلِهِ ، فَالْمَالُ لَهُ ؛ لِأَنَّ أَحَدًا لَا يَدَّعِيه سِوَاهُ ، لِأَنَّ الرَّاجِعَ إنْ كَانَ الْبَائِعَ ، فَقَالَ : صَدَقَ الْمُشْتَرِي ، كُنْت أَعْتَقْته .\rفَالْوَلَاءُ لَهُ ، وَيَلْزَمُهُ رَدُّ الثَّمَنِ إلَى الْمُشْتَرِي ؛ لِإِقْرَارِهِ بِبُطْلَانِ الْبَيْعِ ، وَإِنْ كَانَ الرَّاجِعُ الْمُشْتَرِيَ ، قُبِلَ فِي الْمَالِ ؛ لِأَنَّ أَحَدًا لَا يَدَّعِيه سِوَاهُ ، وَلَا يُقْبَلْ قَوْلُهُ فِي نَفْيِ الْحُرِّيَّةِ ؛ لِأَنَّهَا حَقٌّ لِغَيْرِهِ .\rوَإِنْ رَجَعَا مَعًا ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يُوقَفَ حَتَّى يَصْطَلِحَا عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ لَأَحَدِهِمَا ، وَلَا يَعْرِفُ عَيْنَهُ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنَّ مَنْ هُوَ فِي يَدِهِ يَحْلِفُ وَيَأْخُذُهُ ؛ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ .\rوَإِنْ لَمْ يَرْجِعْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، يُقَرُّ فِي يَدِ مَنْ هُوَ فِي يَدِهِ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا ، فَهُوَ لِبَيْتِ الْمَالِ ؛ لِأَنَّ أَحَدًا لَا يَدَّعِيه .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لِبَيْتِ الْمَالِ عَلَى كُلِّ","part":10,"page":451},{"id":4951,"text":"حَالٍ ؛ لِذَلِكَ .","part":10,"page":452},{"id":4952,"text":"( 3877 ) فَصْلٌ : وَلَوْ أَقَرَّ لِرَجُلٍ بِعَبْدٍ أَوْ غَيْرِهِ ، ثُمَّ جَاءَ بِهِ ، وَقَالَ : هَذَا الَّذِي أَقْرَرْت لَك بِهِ .\rقَالَ : بَلْ هُوَ غَيْرُهُ .\rلَمْ يَلْزَمْهُ تَسْلِيمُهُ إلَى الْمُقَرِّ لَهُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدَّعِيه ، وَيَحْلِفُ الْمُقِرُّ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ عِنْدَهُ عَبْدٌ سِوَاهُ .\rفَإِنْ رَجَعَ الْمُقَرُّ لَهُ ، فَادَّعَاهُ ، لَزِمَهُ دَفْعُهُ إلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا مُنَازِعَ لَهُ فِيهِ .\rوَإِنْ قَالَ الْمُقَرُّ لَهُ : صَدَقْت ، هَذَا لِي الَّذِي أَقْرَرْت بِهِ آخَرُ لِي عِنْدَك .\rلَزِمَهُ تَسْلِيمُ هَذَا ، وَيَحْلِفُ عَلَى نَفْيِ الْآخَرِ .","part":10,"page":453},{"id":4953,"text":"( 3878 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَلَوْ مَاتَ ، فَخَلَّفَ وَلَدَيْنِ ، فَأَقَرَّ أَحَدُهُمَا بِأَخٍ أَوْ أُخْتٍ ، لَزِمَهُ أَنْ يُعْطِيَ الْفَضْلَ الَّذِي فِي يَدِهِ لِمَنْ أَقَرَّ لَهُ بِهِ ) .\rوَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ أَحَدَ الْوَارِثَيْنِ إذَا أَقَرَّ بِوَارِثٍ ثَالِثٍ ، مُشَارِكٍ لَهُمَا فِي الْمِيرَاثِ ، لَمْ يَثْبُتْ النَّسَبُ بِالْإِجْمَاعِ ؛ لِأَنَّ النَّسَبَ لَا يَتَبَعَّضُ ، فَلَا يُمْكِنُ إثْبَاتُهُ فِي حَقِّ الْمُقِرِّ دُونَ الْمُنْكِرِ ، وَلَا يُمْكِنُ إثْبَاتُهُ فِي حَقِّهِمَا ؛ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا مُنْكِرٌ ، وَلَمْ تُوجَدْ شَهَادَةٌ يَثْبُتُ بِهَا النَّسَبُ ، وَلَكِنَّهُ يُشَارِكُ الْمُقِرَّ فِي الْمِيرَاثِ ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يُشَارِكُهُ .\rوَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ .\rوَقَالَ إبْرَاهِيمُ : لَيْسَ بِشَيْءٍ حَتَّى يُقِرُّوا جَمِيعًا ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ نَسَبُهُ ، فَلَا يَرِثُ ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِنَسَبٍ مَعْرُوفِ النَّسَبِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ أَقَرَّ بِسَبَبِ مَالٍ لَمْ يُحْكَمْ بِبُطْلَانِهِ ، فَلَزِمَهُ الْمَالُ ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِبَيْعٍ أَوْ أَقَرَّ بِدَيْنٍ ، فَأَنْكَرَ الْآخَرُ .\rوَفَارَقَ مَا إذَا أَقَرَّ بِنَسَبٍ مَعْرُوفِ النَّسَبِ ؛ فَإِنَّهُ مَحْكُومٌ بِبُطْلَانِهِ .\rوَلِأَنَّهُ يُقِرُّ لَهُ بِمَالٍ يَدَّعِيه الْمُقَرُّ لَهُ ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لَهُ ، فَوَجَبَ الْحُكْمُ لَهُ بِهِ ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِدَيْنٍ عَلَى أَبِيهِ ، أَوْ أَقَرَّ لَهُ وَصِيَّةً ، فَأَنْكَرَ سَائِرُ الْوَرَثَةِ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّ الْوَاجِبَ لَهُ فَضْلُ مَا فِي يَدِ الْمُقِرِّ عَنْ مِيرَاثِهِ .\rوَبِهَذَا قَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى ، وَمَالِكٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ ، وَشَرِيكٌ ، وَيَحْيَى بْنُ آدَمَ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إذَا كَانَ اثْنَانِ ، فَأَقَرَّ أَحَدُهُمَا بِأَخٍ ، لَزِمَهُ دَفْعُ نِصْفِ مَا فِي يَدِهِ ، وَإِنْ أَقَرَّ بِأُخْتٍ ، لَزِمَهُ ثُلُثُ مَا فِي يَدِهِ ؛ لِأَنَّهُ أَخَذَ مَا لَا يَسْتَحِقُّهُ مِنْ التَّرِكَةِ ، فَصَارَ كَالْغَاصِبِ ، فَيَكُونُ الْبَاقِي بَيْنَهُمَا ، كَمَا لَوْ غَصَبَ بَعْضَ","part":10,"page":454},{"id":4954,"text":"التَّرِكَةِ أَجْنَبِيٌّ .\rوَلِأَنَّ الْمِيرَاثَ يَتَعَلَّقُ بِبَعْضِ التَّرِكَةِ ، كَمَا يَتَعَلَّقُ بِجَمِيعِهَا ، فَإِذَا هَلَكَ بَعْضُهَا ، أَوْ غُصِبَ ، تَعَلَّقَ الْحَقُّ بِبَاقِيهَا ، وَاَلَّذِي فِي يَدِ الْمُنْكِرِ كَالْمَغْصُوبِ ، فَيَقْتَسِمَانِ الْبَاقِيَ بِالسَّوِيَّةِ ، كَمَا لَوْ غَصَبَهُ أَجْنَبِيٌّ .\rوَلَنَا ، أَنَّ التَّرِكَةَ بَيْنَهُمْ أَثْلَاثًا ، فَلَا يَسْتَحِقُّ مِمَّا فِي يَدِهِ إلَّا الثُّلُثَ ، كَمَا لَوْ ثَبَتَ نَسَبُهُ بِبَيِّنَةٍ .\rوَلِأَنَّهُ إقْرَارٌ بِحَقٍّ يَتَعَلَّقُ بِحِصَّتِهِ وَحِصَّةِ أَخِيهِ ، فَلَا يَلْزَمُهُ أَكْثَرُ مِمَّا يَخُصُّهُ ، كَالْإِقْرَارِ بِالْوَصِيَّةِ ، وَكَإِقْرَارِ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ عَلَى مَالِ الشَّرِكَةِ بِدَيْنٍ .\rوَلِأَنَّهُ لَوْ شَهِدَ مَعَهُ بِالنَّسَبِ أَجْنَبِيٌّ ثَبَتَ ، وَلَوْ لَزِمَهُ أَكْثَرُ مِنْ حِصَّتِهِ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ ؛ لِكَوْنِهِ يَجُرُّ بِهَا نَفْعًا ، لِكَوْنِهِ يُسْقِطُ عَنْ نَفْسِهِ بَعْضَ مَا يَسْتَحِقُّهُ عَلَيْهِ ، وَلِأَنَّهُ حَقٌّ لَوْ ثَبَتَ بِبَيِّنَةٍ لَمْ يَلْزَمْهُ إلَّا قَدْرُ حِصَّتِهِ ، فَإِذَا ثَبَتَ بِالْإِقْرَارِ لَمْ يَلْزَمْهُ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ ، كَالْوَصِيَّةِ .\rوَفَارَقَ مَا إذَا غَصَبَ بَعْضَ التَّرِكَةِ وَهُمَا اثْنَانِ ، لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَسْتَحِقُّ النِّصْفَ مِنْ كُلِّ جُزْءٍ مِنْ التَّرِكَةِ ، وَهَا هُنَا يَسْتَحِقُّ الثُّلُثَ مِنْ كُلّ جُزْءٍ مِنْ التَّرِكَةِ .\rوَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ فِيمَا إذَا كَانَ الْمُقِرُّ صَادِقًا فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى ، هَلْ يَلْزَمُهُ أَنْ يَدْفَعَ إلَى الْمُقَرِّ لَهُ نَصِيبَهُ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، يَلْزَمُهُ .\rوَهُوَ الْأَصَحُّ ، وَهَلْ يَلْزَمُهُ أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ نِصْفَ مَا فِي يَدِهِ أَوْ ثُلُثَهُ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ .","part":10,"page":455},{"id":4955,"text":"( 3879 ) فَصْلٌ : وَإِنْ أَقَرَّ جَمِيعُ الْوَرَثَةِ بِنَسَبِ مَنْ يُشَارِكُهُمْ فِي الْمِيرَاثِ ، ثَبَتَ نَسَبُهُ ، سَوَاءٌ كَانَ الْوَرَثَةُ وَاحِدًا أَوْ جَمَاعَةً ، ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو يُوسُفَ ، وَحَكَاهُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّ الْوَارِثَ يَقُومُ مَقَامَ الْمَيِّتِ فِي مِيرَاثِهِ ، وَدُيُونِهِ ، وَالدُّيُونِ الَّتِي عَلَيْهِ ، وَبَيِّنَاتِهِ ، وَدَعَاوِيهِ ، وَالْأَيْمَانِ الَّتِي لَهُ وَعَلَيْهِ ، وَكَذَلِكَ فِي النَّسَبِ .\rوَقَدْ رَوَتْ عَائِشَةُ ، { أَنَّ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ اخْتَصَمَ هُوَ وَعَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ ، فِي ابْنِ أَمَةِ زَمْعَةَ ، فَقَالَ سَعْدٌ : أَوْصَانِي أَخِي عُتْبَةُ إذَا قَدِمْت مَكَّةَ أَنْ أَنْظُرَ إلَى ابْنِ أَمَةِ زَمْعَةَ ، وَأَقْبِضَهُ ، فَإِنَّهُ ابْنُهُ .\rفَقَالَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ : هُوَ أَخِي ، وَابْنُ وَلِيدَةِ أَبِي ، وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ .\rفَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هُوَ لَك يَا عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ ، وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ } .\rفَقَضَى بِهِ لِعَبْدِ بْنِ زَمْعَةَ .\rوَقَالَ \" احْتَجِبِي مِنْهُ يَا سَوْدَةُ \" .\rوَالْمَشْهُورُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِإِقْرَارِ رَجُلَيْنِ ، أَوْ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : لَا يَثْبُتُ إلَّا بِإِقْرَارِ اثْنَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ يَحْمِلُ النَّسَبَ عَلَى غَيْرِهِ ، فَاعْتُبِرَ فِيهِ الْعَدَدُ ، كَالشَّهَادَةِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ حَقٌّ يَثْبُتُ بِالْإِقْرَارِ ، فَلَمْ يُعْتَبَرْ فِيهِ الْعَدَدُ ، كَالدَّيْنِ .\rوَلِأَنَّهُ قَوْلٌ لَا تُعْتَبَرُ فِيهِ الْعَدَالَةُ ، فَلَمْ يُعْتَبَرْ الْعَدَدُ فِيهِ ، كَإِقْرَارِ الْمَوْرُوثِ ، وَاعْتِبَارِهِ بِالشَّهَادَةِ لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ فِيهِ اللَّفْظُ وَلَا الْعَدَالَةُ ، وَيَبْطُلُ بِالْإِقْرَارِ بِالدَّيْنِ .","part":10,"page":456},{"id":4956,"text":"( 3880 ) فَصْلٌ فِي شُرُوطِ الْإِقْرَارِ بِالنَّسَبِ : لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يُقِرَّ عَلَى نَفْسِهِ خَاصَّةً ، أَوْ عَلَيْهِ وَعَلَى غَيْرِهِ ، فَإِنْ أَقَرَّ عَلَى نَفْسِهِ ، مِثْلُ أَنْ يُقِرَّ بِوَلَدٍ ، اُعْتُبِرَ فِي ثُبُوتِ نَسَبِهِ أَرْبَعَةُ شُرُوطٍ ؛ أَحَدُهَا ، أَنْ يَكُونَ الْمُقَرُّ بِهِ مَجْهُولَ النَّسَبِ ، فَإِنْ كَانَ مَعْرُوفَ النَّسَبِ ، لَمْ يَصِحَّ ؛ لِأَنَّهُ يَقْطَعُ نَسَبَهُ الثَّابِتَ مِنْ غَيْرِهِ ، وَقَدْ لَعَنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ انْتَسَبَ إلَى غَيْرِ أَبِيهِ ، أَوْ تَوَلَّى غَيْرَ مَوَالِيه .\rالثَّانِي ، أَنْ لَا يُنَازِعَهُ فِيهِ مُنَازِعٌ ؛ لِأَنَّهُ إذَا نَازَعَهُ فِيهِ غَيْرُهُ تَعَارَضَا ، فَلَمْ يَكُنْ إلْحَاقُهُ بِأَحَدِهِمَا أَوْلَى مِنْ الْآخَرِ .\rالثَّالِثُ ، أَنْ يُمْكِنَ صِدْقُهُ ، بِأَنْ يَكُونَ الْمُقَرُّ بِهِ يَحْتَمِلُ أَنْ يُولَدَ لِمِثْلِهِ .\rالرَّابِعُ ، أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ لَا قَوْلَ لَهُ ، كَالصَّغِيرِ وَالْمَجْنُونِ ، أَوْ يُصَدِّقَ الْمُقِرَّ إنْ كَانَ ذَا قَوْلٍ ، وَهُوَ الْمُكَلَّفُ ، فَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُكَلَّفٍ ، لَمْ يُعْتَبَرْ تَصْدِيقُهُ .\rفَإِنْ كَبِرَ وَعَقَلَ ، فَأَنْكَرَ ، لَمْ يُسْمَعْ إنْكَارُهُ ؛ لِأَنَّ نَسَبَهُ ثَابِتٌ ، وَجَرَى ذَلِكَ مَجْرَى مَنْ ادَّعَى مِلْكَ عَبْدٍ صَغِيرٍ فِي يَدِهِ ، وَثَبَتَ بِذَلِكَ مِلْكُهُ ، فَلَمَّا كَبِرَ جَحَدَ ذَلِكَ .\rوَلَوْ طَلَبَ إحْلَافَهُ عَلَى ذَلِكَ ، لَمْ يُسْتَحْلَفْ ؛ لِأَنَّ الْأَبَ لَوْ عَادَ فَجَحَدَ النَّسَبَ ، لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ .\rوَإِنْ اعْتَرَفَ إنْسَانٌ بِأَنَّ هَذَا أَبُوهُ ، فَهُوَ كَاعْتِرَافِهِ بِأَنَّهُ ابْنُهُ .\rفَأَمَّا إنْ كَانَ إقْرَارًا عَلَيْهِ وَعَلَى غَيْرِهِ ، كَإِقْرَارٍ بِأَخٍ ، اُعْتُبِرَ فِيهِ الشُّرُوطُ الْأَرْبَعَةُ ، وَشَرْطٌ خَامِسٌ ، وَهُوَ كَوْنُ الْمُقِرِّ جَمِيعَ الْوَرَثَةِ ، فَإِنْ كَانَ الْمُقِرُّ زَوْجًا أَوْ زَوْجَةً لَا وَارِثَ مَعَهُمَا ، لَمْ يَثْبُتْ النَّسَبُ بِإِقْرَارِهِمَا ؛ لِأَنَّ الْمُقِرَّ لَا يَرِثُ الْمَالَ كُلَّهُ ، وَإِنْ اعْتَرَفَ بِهِ الْإِمَامُ مَعَهُ ، ثَبَتَ النَّسَبُ ؛ لِأَنَّهُ قَائِمٌ مَقَامَ الْمُسْلِمِينَ ، فِي مُشَارَكَةِ الْوَارِثِ وَأَخْذِ الْبَاقِي .","part":10,"page":457},{"id":4957,"text":"وَإِنْ كَانَ الْوَارِثُ بِنْتًا أَوْ أُخْتًا أَوْ أُمًّا أَوْ ذَا فَرْضٍ يَرِثُ جَمِيعَ الْمَالِ بِالْفَرْضِ وَالرَّدِّ ، ثَبَتَ النَّسَبُ بِقَوْلِهِ ، كَالِابْنِ ؛ لِأَنَّهُ يَرِثُ الْمَالَ كُلَّهُ .\rوَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ : لَا يَثْبُتُ بِقَوْلِهِ النَّسَبُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَرَى الرَّدَّ ، وَيَجْعَلُ الْبَاقِيَ لِبَيْتِ الْمَالِ .\rوَلَهُمْ فِيمَا إذَا وَافَقَهُ الْإِمَامُ فِي الْإِقْرَارِ وَجْهَانِ .\rوَهَذَا مِنْ فُرُوعِ الرَّدِّ ، وَيُذْكَرُ فِي مَوْضِعِهِ .\rوَإِنْ كَانَتْ بِنْتٌ وَأُخْتٌ ، أَوْ أُخْتٌ وَزَوْجٌ ، ثَبَتَ النَّسَبُ بِقَوْلِهِمَا ؛ لِأَنَّهُمَا يَأْخُذَانِ الْمَالَ كُلَّهُ .\rوَإِذَا أَقَرَّ بِابْنِ ابْنِهِ ، وَابْنُهُ مَيِّتٌ ، اُعْتُبِرَتْ فِيهِ الشُّرُوطُ الَّتِي تُعْتَبَرُ فِي الْإِقْرَارِ بِالْأَخِ ، وَكَذَلِكَ إنْ أَقَرَّ بِعَمٍّ وَهُوَ ابْنُ جَدِّهِ ، فَعَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ .\r( 3881 ) فَصْلٌ : وَإِنْ كَانَ أَحَدُ الْوَلَدَيْنِ غَيْرَ وَارِثٍ ، لِكَوْنِهِ رَقِيقًا ، أَوْ مُخَالِفًا لِدِينِ مَوْرُوثِهِ ، أَوْ قَاتِلًا ، فَلَا عِبْرَةَ بِهِ ، وَثَبَتَ النَّسَبُ بِقَوْلِ الْآخَرِ وَحْدَهُ ؛ لِأَنَّهُ يَحُوزُ جَمِيعَ الْمِيرَاثِ .\rثُمَّ إنْ كَانَ الْمُقَرُّ بِهِ يَرِثُ ، شَارَكَ الْمُقِرَّ فِي الْمِيرَاثِ ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ وَارِثٍ ، لِوُجُودِ أَحَدِ الْمَوَانِعِ فِيهِ ، ثَبَتَ نَسَبُهُ وَلَمْ يَرِثْ ؛ وَسَوَاءٌ كَانَ الْمُقِرُّ مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا .","part":10,"page":458},{"id":4958,"text":"( 3882 ) فَصْلٌ : وَإِنْ كَانَ أَحَدُ الْوَارِثَيْنِ غَيْرَ مُكَلَّفٍ ، كَالصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ ، فَأَقَرَّ الْمُكَلَّفُ بِأَخٍ ثَالِثٍ ، لَمْ يَثْبُتْ النَّسَبُ بِإِقْرَارِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحُوزُ الْمِيرَاثَ كُلَّهُ .\rفَإِنْ بَلَغَ الصَّبِيُّ ، أَوْ أَفَاقَ الْمَجْنُونُ ، فَأَقَرَّا بِهِ أَيْضًا ، ثَبَتَ نَسَبُهُ ؛ لِاتِّفَاقِ جَمِيعِ الْوَرَثَةِ عَلَيْهِ .\rوَإِنْ أَنْكَرَ ، لَمْ يَثْبُتْ النَّسَبُ .\rوَإِنْ مَاتَا قَبْلَ أَنْ يَصِيرَا مُكَلَّفَيْنِ ، ثَبَتَ نَسَبُ الْمُقَرِّ بِهِ ؛ لِأَنَّهُ وُجِدَ الْإِقْرَارُ مِنْ جَمِيعِ الْوَرَثَةِ ، فَإِنَّ الْمُقَرَّ بِهِ صَارَ جَمِيعَ الْوَرَثَةِ .\rوَلَوْ كَانَ الْوَارِثَانِ بَالِغَيْنِ عَاقِلَيْنِ ، فَأَقَرَّ بِهِ أَحَدُهُمَا وَأَنْكَرَ الْآخَرُ ، ثُمَّ مَاتَ الْمُنْكِرُ وَوَرِثَهُ الْمُقِرُّ ، ثَبَتَ نَسَبُ الْمُقَرِّ بِهِ ؛ لِأَنَّ الْمُقَرَّ بِهِ صَارَ جَمِيعَ الْوَرَثَةِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَقَرَّ بِهِ ابْتِدَاءً بَعْدَ مَوْتِ أَخِيهِ ، وَكَمَا لَوْ كَانَ شَرِيكُهُ فِي الْمِيرَاثِ غَيْرَ مُكَلَّفٍ .\rوَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ النَّسَبُ ؛ لِأَنَّهُ أَنْكَرَهُ بَعْضُ الْوَرَثَةِ ، فَلَمْ يَثْبُتْ نَسَبُهُ ، كَمَا لَوْ لَمْ يَمُتْ ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ شَرِيكُهُ غَيْرَ مُكَلَّفٍ ، فَإِنَّهُ لَمْ يُنْكِرْهُ وَارِثٌ .\rوَهَذَا فِيمَا إذَا كَانَ الْمُقِرُّ يَحُوزُ جَمِيعَ الْمِيرَاثِ بَعْدَ الْمَيِّتِ ، فَإِنْ كَانَ لِلْمَيِّتِ وَارِثٌ سِوَاهُ ، أَوْ مَنْ يُشَارِكُهُ فِي الْمِيرَاثِ ، لَمْ يَثْبُت النَّسَبُ بِقَوْلِ الْبَاقِي مِنْهُمَا ، وَجْهًا وَاحِدًا ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ كُلَّ الْوَرَثَةِ ، وَيَقُومُ وَارِثُ الْمَيِّتِ الثَّانِي مَقَامَهُ ، فَإِذَا وَافَقَ الْمُقِرَّ فِي إقْرَارِهِ ثَبَتَ النَّسَبُ ، وَإِنْ خَالَفَهُ لَمْ يَثْبُتْ كَالْمَوْرُوثِ .\rوَإِنْ خَلَّفَ وَلَدَيْنِ ، فَأَقَرَّ أَحَدُهُمَا بِأَخٍ ، وَأَنْكَرَهُ الْآخَرُ ، ثُمَّ مَاتَ الْمُنْكِرُ ، وَخَلَّفَ ابْنًا ، فَأَقَرَّ بِاَلَّذِي أَنْكَرَهُ أَبُوهُ ، ثَبَتَ نَسَبُهُ ؛ لِإِقْرَارِ جَمِيعِ الْوَرَثَةِ بِهِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَثْبُتَ ؛ لِإِنْكَارِ الْمَيِّتِ لَهُ .","part":10,"page":459},{"id":4959,"text":"( 3883 ) فَصْلٌ : وَإِذَا أَقَرَّ الْوَارِثُ بِمَنْ يَحْجُبُهُ ، كَأَخٍ أَقَرَّ بِابْنٍ لِلْمَيِّتِ ، وَأَخٍ مِنْ أَبٍ أَقَرَّ بِأَخٍ مِنْ أَبَوَيْنِ ، وَابْنِ ابْنٍ أَقَرَّ بِابْنٍ لِلْمَيِّتِ ، ثَبَتَ نَسَبُ الْمُقَرِّ بِهِ ، وَوَرِثَ وَسَقَطَ الْمُقِرُّ .\rوَهَذَا اخْتِيَارُ ابْنِ حَامِدٍ وَالْقَاضِي ، وَقَوْلُ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ سُرَيْجٍ .\rوَقَالَ أَكْثَرُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ : يَثْبُتُ نَسَبُ الْمُقَرِّ بِهِ ، وَلَا يَرِثُ ؛ لِأَنَّ تَوْرِيثَهُ يُفْضِي إلَى إسْقَاطِ تَوْرِيثِهِ .\rفَسَقَطَ ، بَيَانُهُ أَنَّهُ لَوْ وَرِثَ لَخَرَجَ الْمُقَرُّ بِهِ عَنْ كَوْنِهِ وَارِثًا ، فَيَبْطُلُ إقْرَارُهُ ، وَيَسْقُطُ نَسَبُ الْمُقَرِّ بِهِ وَتَوْرِيثُهُ ، فَيُؤَدِّي تَوْرِيثُهُ إلَى إسْقَاطِ نَسَبِهِ وَتَوْرِيثِهِ ، فَأَثْبَتْنَا النَّسَبَ دُونَ الْمِيرَاثِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ ابْنٌ ثَابِتُ النَّسَبِ ، لَمْ يُوجَدْ فِي حَقِّهِ أَحَدُ مَوَانِعِ الْإِرْثِ ، فَيَدْخُلُ فِي عُمُومِ قَوْله تَعَالَى : { يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ } .\rأَيْ فَيَرِثُ ، كَمَا لَوْ ثَبَتَ نَسَبُهُ بِبَيِّنَةٍ ، وَلِأَنَّ ثُبُوتَ النَّسَبِ سَبَبٌ لِلْمِيرَاثِ ، فَلَا يَجُوزُ قَطْعُ حُكْمِهِ عَنْهُ ، وَلَا يُوَرَّثُ مَحْجُوبٌ بِهِ مَعَ وُجُودِهِ وَسَلَامَتِهِ مِنْ الْمَوَانِعِ .\rوَمَا احْتَجُّوا بِهِ لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّنَا إنَّمَا نَعْتَبِرُ كَوْنِ الْمُقِرِّ وَارِثًا عَلَى تَقْدِيرِ عَدَمِ الْمُقَرِّ بِهِ ، وَخُرُوجُهُ بِالْإِقْرَارِ عَنْ الْإِرْثِ لَا يَمْنَعُ صِحَّتَهُ ، بِدَلِيلِ أَنَّ الِابْنَ إذَا أَقَرَّ بِأَخٍ فَإِنَّهُ يَرِثُ ، مَعَ كَوْنِهِ يَخْرُجُ بِإِقْرَارِهِ عَنْ أَنْ يَكُونَ جَمِيعَ الْوَرَثَةِ .\rفَإِنْ قِيلَ : إنَّمَا يُقْبَلُ إقْرَارُهُ إذَا صَدَّقَهُ الْمُقَرُّ بِهِ ، فَصَارَ إقْرَارًا مِنْ جَمِيعِ الْوَرَثَةِ ، وَإِنْ كَانَ الْمُقَرُّ بِهِ طِفْلًا أَوْ مَجْنُونًا ، لَمْ يُعْتَبَرْ قَوْلُهُ ، فَقَدْ أَقَرَّ كُلُّ مَنْ يُعْتَبَرُ قَوْلُهُ .\rقُلْنَا : وَمِثْلُهُ هَاهُنَا ، فَإِنَّهُ إنْ كَانَ الْمُقَرُّ بِهِ كَبِيرًا ، فَلَا بُدَّ مِنْ تَصْدِيقِهِ ، فَقَدْ أَقَرَّ بِهِ كُلُّ مَنْ يُعْتَبَرُ إقْرَارُهُ ، وَإِنْ كَانَ صَغِيرًا","part":10,"page":460},{"id":4960,"text":"غَيْرَ مُعْتَبَرِ الْقَوْلِ ، لَمْ يَثْبُتْ النَّسَبُ بِقَوْلِ الْآخَرِ كَمَا لَوْ كَانَا اثْنَيْنِ أَحَدُهُمَا صَغِيرٌ فَأَقَرَّ الْبَالِغُ بِأَخٍ آخَر ، لَمْ يُقْبَلْ ، وَلَمْ يَقُولُوا : أَنَّهُ لَا تُعْتَبَرُ مُوَافَقَتُهُ ، كَذَا هَاهُنَا .\rوَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ فِي يَدِ إنْسَانٍ عَبْدٌ مَحْكُومٌ لَهُ بِمِلْكِهِ ، فَأَقَرَّ بِهِ لِغَيْرِهِ ، ثَبَتَ لِلْمُقَرِّ لَهُ ، وَإِنْ كَانَ الْمُقِرُّ يَخْرُجُ بِالْإِقْرَارِ عَنْ كَوْنِهِ مَالِكًا ، كَذَا هَاهُنَا .","part":10,"page":461},{"id":4961,"text":"( 3884 ) فَصْلٌ : فَإِنْ خَلَّفَ ابْنًا ، فَأَقَرَّ بِأَخٍ ، ثَبَتَ نَسَبُهُ ، ثُمَّ إنْ أَقَرَّ بِثَالِثٍ ، ثَبَتَ نَسَبُهُ أَيْضًا ؛ لِأَنَّهُ إقْرَارٌ مِنْ جَمِيعِ الْوَرَثَةِ .\rفَإِنْ قَالَ الثَّالِثُ : الثَّانِي لَيْسَ بِأَخٍ لَنَا .\rفَقَالَ الْقَاضِي : يَسْقُطُ نَسَبُ الثَّانِي ؛ لِأَنَّ الثَّالِثَ وَارِثٌ مُنْكِرٌ لِنَسَبِ الثَّانِي ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَ نَسَبُهُ ثَابِتًا قَبْلَ الثَّانِي .\rوَفِيهِ وَجْهٌ آخَرِ : لَا يَسْقُطُ نَسَبُهُ وَلَا مِيرَاثُهُ ؛ لِأَنَّ نَسَبَهُ ثَبَتَ بِقَوْلِ الْأَوَّلِ ، وَثَبَتَ مِيرَاثُهُ ، فَلَا يَسْقُطُ بَعْدَ ثُبُوتِهِ ، وَلِأَنَّهُ أَقَرَّ بِهِ مَنْ هُوَ كُلُّ الْوَرَثَةِ حِينَ الْإِقْرَارِ ، وَثَبَتَ مِيرَاثُهُ فَلَا يَسْقُطُ بَعْدَ ثُبُوتِهِ ، وَلِأَنَّ الثَّانِيَ لَوْ أَنْكَرَ الثَّالِثَ ، لَمْ يَثْبُتْ نَسَبُهُ ، وَإِنَّمَا ثَبَتَ نَسَبُهُ بِإِقْرَارِهِ ، فَلَا يَجُوزُ لَهُ إسْقَاطُ نَسَبِ مَنْ يَثْبُتُ نَسَبُهُ بِقَوْلِهِ ، كَالْأَوَّلِ ، وَلِأَنَّ ذَلِكَ يُؤَدِّي إلَى إسْقَاطِ الْأَصْلِ بِالْفَرْعِ الَّذِي يَثْبُتُ بِهِ .","part":10,"page":462},{"id":4962,"text":"( 3885 ) فَصْلٌ : وَإِنْ أَقَرَّ الِابْنُ بِأَخَوَيْهِ دَفْعَةً وَاحِدَةً ، فَصَدَّقَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ ، ثَبَتَ نَسَبُهُمَا .\rوَإِنْ تَكَاذَبَا ، فَفِيهِمَا وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، لَا يَثْبُتُ نَسَبُهُمَا .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَمْ يُقِرَّ بِهِ كُلُّ الْوَرَثَةِ .\rوَالثَّانِي ، يَثْبُتُ نَسَبُهُمَا ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وُجِدَ الْإِقْرَارُ بِهِ مِنْ ثَابِتِ النَّسَبِ ، هُوَ كُلَّ الْوَرَثَةِ حِينَ الْإِقْرَارِ ، فَلَمْ تُعْتَبَرْ مُوَافَقَةُ غَيْرِهِ ، كَمَا لَوْ كَانَا صَغِيرَيْنِ .\rفَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا يُصَدِّقُ صَاحِبَهُ دُونَ الْآخَرِ ، ثَبَتَ نَسَبُ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ مِنْهُمَا ، وَفِي الْآخَرِ وَجْهَانِ .\rوَإِنْ كَانَا تَوْأَمَيْنِ ، ثَبَتَ نَسَبُهُمَا ، وَلَمْ يَلْتَفِت إلَى إنْكَارِ الْمُنْكِرِ مِنْهُمَا ، سَوَاءٌ تَجَاحَدَا مَعًا ، أَوْ جَحَدَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ ؛ لِأَنَّنَا نَعْلَمُ كَذِبَهُمَا ، فَإِنَّهُمَا لَا يَفْتَرِقَانِ .\rوَلَوْ أَقَرَّ الْوَارِثُ بِنَسَبِ أَحَدِهِمَا ، ثَبَتَ نَسَبُ الْآخَرِ ؛ لِأَنَّهُمَا لَا يَفْتَرِقَانِ فِي النَّسَبِ .\rوَإِنْ أَقَرَّ بِنَسَبِ صَغِيرَيْنِ ، دَفْعَةً وَاحِدَةً ، ثَبَتَ نَسَبُهُمَا ، عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يَثْبُتُ فِيهِ نَسَبُ الْكَبِيرَيْنِ الْمُتَجَاحِدَيْنِ .\rوَهَلْ يَثْبُتُ عَلَى الْوَجْهِ الْآخَرِ ؟ يَحْتَمِلُ أَنْ يَثْبُتَ ؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِهِ كُلُّ الْوَرَثَةِ حِينَ الْإِقْرَارِ ، وَلَمْ يَجْحَدْهُ أَحَدٌ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ انْفَرَدَ .\rوَيَحْتَمِلُ أَلَّا يَثْبُتَ ؛ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا وَارِثٌ ، وَلَمْ يُقِرَّ بِصَاحِبِهِ ، فَلَمْ يَجْتَمِعْ كُلُّ الْوَرَثَةِ عَلَى الْإِقْرَارِ بِهِ ، وَيَدْفَعُ الْمُقِرُّ إلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ثُلُثَ الْمِيرَاثِ ، سَوَاءٌ قُلْنَا بِثُبُوتِ النَّسَبِ أَوْ لَمْ نَقُلْ ؛ لِأَنَّهُ مُقَرٌّ بِهِ .","part":10,"page":463},{"id":4963,"text":"( 3886 ) فَصْلٌ : إذَا خَلَّفَ امْرَأَةً وَأَخًا ، فَأَقَرَّتْ الْمَرْأَةُ بِابْنٍ لِلْمَيِّتِ .\rوَأَنْكَرَ الْأَخُ ، لَمْ يَثْبُتْ نَسَبُهُ ، وَدَفَعَتْ إلَيْهِ ثُمْنَ الْمِيرَاثِ ، وَهُوَ الْفَضْلَةُ الَّتِي فِي يَدِ الزَّوْجَةِ عَنْ مِيرَاثِهَا .\rوَإِنْ أَقَرَّ بِهِ الْأَخُ وَحْدَهُ ، لَمْ يَثْبُتْ نَسَبُهُ وَدَفَعَ إلَيْهِ جَمِيعَ مَا فِي يَدِهِ ، وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعٍ الْمَالِ .\rفَإِنْ خَلَّفَ اثْنَيْنِ ، فَأَقَرَّ أَحَدُهُمَا بِامْرَأَةٍ لِأَبِيهِ ، وَأَنْكَرَ الْآخَرُ ، لَمْ تَثْبُتْ الزَّوْجِيَّةُ ، وَيَدْفَعُ إلَيْهَا نِصْفَ الْمِيرَاثِ .\rوَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ كَقَوْلِنَا ؛ لِأَنَّ الزَّوْجِيَّةَ زَالَتْ بِالْمَوْتِ ، وَإِنَّمَا الْمُقَرُّ بِهِ حَقُّهَا مِنْ الْمِيرَاثِ .\rوَلَهُمْ وَجْهٌ آخَرُ : لَا شَيْءَ لَهَا ، وَإِنْ كَانَ لِلْمَيِّتِ امْرَأَةٌ أُخْرَى ، فَلَا شَيْءَ لِلْمُقَرِّ لَهَا ؛ لِأَنَّ الْفَضْلَ الَّذِي تَسْتَحِقُّهُ فِي يَدِ غَيْرِ الْمُقِرِّ .\rوَكَذَلِكَ مَا كَانَ مِثْلَ هَذَا ، مِثْلُ أَنْ يُخَلِّفَ أَخًا مِنْ أَبٍ وَأَخًا مِنْ أُمٍّ ، فَيُقِرَّ الْأَخُ مِنْ الْأُمِّ بِأَخٍ لِلْمَيِّتِ ، فَلَا شَيْءَ لِلْمُقَرِّ بِهِ ، سَوَاءٌ أَقَرَّ بِأَخٍ مِنْ أَبَوَيْنِ ، أَوْ مِنْ أَبٍ ، أَوْ مِنْ أُمٍّ ؛ لِأَنَّ مِيرَاثَهُ فِي يَدِ غَيْرِ الْمُقِرِّ .\rوَإِنْ أَقَرَّ بِأَخَوَيْنِ مِنْ أُمٍّ ، دَفَعَ إلَيْهِمَا ثُلُثَ مَا فِي يَدِهِ ؛ لِأَنَّهُ يُقِرُّ أَنَّهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ ، لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا تُسْعٌ ، وَفِي يَدِهِ سُدْسٌ ، وَهُوَ تُسْعٌ وَنِصْفُ تُسْعٍ ، فَيَفْضُلُ فِي يَدِهِ نِصْفُ تُسْعٍ ، وَهُوَ ثُلُثُ مَا فِي يَدِهِ .","part":10,"page":464},{"id":4964,"text":"( 3887 ) فَصْل : وَإِذَا شَهِدَ مِنْ الْوَرَثَةِ رَجُلَانِ عَدْلَانِ بِنَسَبٍ مُشَارِكٍ لَهُمْ فِي الْمِيرَاثِ ، ثَبَتَ نَسَبُهُ إذَا لَمْ يَكُونَا مُتَّهَمَيْنِ .\rوَكَذَلِكَ إنْ شَهِدَا عَلَى إقْرَارِ الْمَيِّتِ بِهِ .\rوَإِنْ كَانَا مُتَّهَمَيْنِ ، كَأَخَوَيْنِ مِنْ أُمٍّ يَشْهَدَانِ بِأَخٍ مِنْ أَبَوَيْنِ ، فِي مَسْأَلَةٍ فِيهَا زَوْجٌ وَأُخْتَانِ مِنْ أَبَوَيْنِ ، لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُمَا ؛ لِأَنَّ ثُبُوتَ نَسَبِهِ يُسْقِطُ الْعَوْلَ ، فَيَتَوَفَّرُ عَلَيْهِمَا الثُّلُثُ وَكَذَلِكَ لَوْ شَهِدَا بِأَخٍ مِنْ أَبٍ ، فِي مَسْأَلَةٍ مَعَهُمَا أُمٌّ وَأُخْتٌ مِنْ أَبَوَيْنِ وَأُخْتٌ مِنْ أَبٍ ، لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُمَا ؛ لِأَنَّ ثُبُوتَ نَسَبِهِ يُسْقِطُ أُخْتَهُ ، فَيَذْهَبُ الْعَوْلُ مِنْ الْمَسْأَلَةِ .\rفَإِنْ لَمْ يَكُونَا وَارِثَيْنِ ، أَوْ لَمْ يَكُنْ لِلْمَيِّتِ تَرِكَةٌ ، قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمَا ، وَثَبَتَ النَّسَبُ لِعَدَمِ التُّهْمَةِ .","part":10,"page":465},{"id":4965,"text":"( 3888 ) فَصْلٌ : وَإِنْ أَقَرَّ رَجُلَانِ عَدْلَانِ بِنَسَبٍ مُشَارِكٍ لَهُمَا فِي الْمِيرَاثِ ، وَثَمَّ وَارِثٌ غَيْرُهُمَا ، لَمْ يَثْبُتْ النَّسَبُ ، إلَّا أَنْ يَشْهَدَا بِهِ ، وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَثْبُتُ ؛ لِأَنَّهُمَا بَيِّنَةٌ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ إقْرَارٌ مِنْ بَعْضِ الْوَرَثَةِ ، فَلَمْ يَثْبُتْ بِهِ النَّسَبُ ، كَالْوَاحِدِ .\rوَفَارَقَ الشَّهَادَةَ ؛ لِأَنَّهُ تُعْتَبَرُ فِيهَا الْعَدَالَةُ وَالذُّكُورِيَّةُ ، وَالْإِقْرَارُ بِخِلَافِهِ .","part":10,"page":466},{"id":4966,"text":"( 3889 ) فَصْلٌ : إذَا أَقَرَّ بِنَسَبِ مَيِّتٍ ، صَغِيرٍ أَوْ مَجْنُونٍ ، ثَبَتَ نَسَبُهُ ، وَوَرِثَهُ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يَثْبُتَ نَسَبُهُ دُونَ مِيرَاثِهِ ؛ لِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ فِي قَصْدِ أَخْذِ مِيرَاثِهِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَثْبُتُ نَسَبُهُ وَلَا إرْثُهُ ؛ لِذَلِكَ .\rوَلَنَا ، أَنَّ عِلَّةَ ثُبُوتِ نَسَبِهِ فِي حَيَاتِهِ الْإِقْرَارُ بِهِ ، وَهُوَ مَوْجُودٌ بَعْدَ الْمَوْتِ ، فَيَثْبُتُ بِهِ ، كَحَالَةِ الْحَيَاةِ .\rوَمَا ذَكَرُوهُ يَبْطُلُ بِمَا إذَا كَانَ الْمُقَرُّ بِهِ حَيًّا مُوسِرًا ، أَوْ الْمُقِرُّ فَقِيرًا ، فَإِنَّهُ يَثْبُتُ نَسَبُهُ ، وَيَمْلِكُ الْمُقِرُّ التَّصَرُّفَ فِي مَالِهِ ، وَإِيقَافَهُ مِنْهُ عَلَى نَفْسِهِ .\rوَإِنْ كَانَ الْمُقَرُّ بِهِ كَبِيرًا عَاقِلًا ، فَكَذَلِكَ فِي قَوْلِ الْقَاضِي ، وَظَاهِرِ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ لَا قَوْلَ لَهُ ، أَشْبَهَ الصَّغِيرَ .\rوَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ ، أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ نَسَبُهُ ؛ لِأَنَّ نَسَبَ الْمُكَلَّفِ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِتَصْدِيقِهِ ، وَلَمْ يُوجَدْ .\rوَيُجَابُ عَنْ هَذَا بِأَنَّهُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ ، فَإِنْ ادَّعَى نَسَبَ الْمُكَلَّفِ فِي حَيَاتِهِ ، فَلَمْ يُصَدِّقْهُ حَتَّى مَاتَ الْمُقِرُّ ، ثُمَّ صَدَّقَهُ ، ثَبَتَ نَسَبُهُ ؛ لِأَنَّهُ وُجِدَ الْإِقْرَارُ وَالتَّصْدِيقُ مِنْ الْمُقَرِّ بِهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ صَدَّقَهُ فِي حَيَاتِهِ .\rوَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : وَإِذَا أَقَرَّ رَجُلٌ بِزَوْجِيَّةِ امْرَأَةٍ ، أَوْ أَقَرَّتْ أَنَّ فُلَانًا زَوْجُهَا ، فَلَمْ يُصَدِّقْهُ الْمُقَرَّ بِهِ إلَّا بَعْدَ مَوْتِهِ ، وَرِثَهُ ؛ لِأَنَّهُ وُجِدَ الْإِقْرَارُ وَالتَّصْدِيقُ مَعًا .","part":10,"page":467},{"id":4967,"text":"( 3890 ) فَصْلٌ : وَإِذَا خَلَّفَ رَجُلٌ امْرَأَةً وَابْنًا مِنْ غَيْرِهَا ، فَأَقَرَّ الِابْنُ بِأَخٍ لَهُ ، لَمْ يَثْبُتْ نَسَبُهُ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُقِرَّ بِهِ كُلُّ الْوَرَثَةِ .\rوَهَلْ يَتَوَارَثَانِ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا يَتَوَارَثَانِ ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُقِرُّ أَنَّهُ لَا وَارِثَ لَهُ سِوَى صَاحِبِهِ ، وَلَا مُنَازِعَ لَهُمَا .\rوَالثَّانِي ، لَا يَتَوَارَثَانِ ؛ لِأَنَّ النَّسَبَ بَيْنَهُمَا لَمْ يَثْبُتْ فَإِنْ كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَارِثٌ غَيْرَ صَاحِبِهِ ، لَمْ يَرِثْهُ ؛ لِأَنَّهُ مُنَازَعٌ فِي الْمِيرَاثِ ، وَلَمْ يَثْبُتْ نَسَبُهُ .","part":10,"page":468},{"id":4968,"text":"( 3891 ) فَصْلٌ : وَإِذَا ثَبَتَ النَّسَبُ بِالْإِقْرَارِ ، ثُمَّ أَنْكَرَ الْمُقِرُّ ، لَمْ يُقْبَلْ إنْكَارُهُ ؛ لِأَنَّهُ نَسَبٌ ثَبَتَ بِحُجَّةٍ شَرْعِيَّةٍ ؛ فَلَمْ يَزُلْ بِإِنْكَارِهِ ، كَمَا لَوْ ثَبَتَ بِبَيِّنَةٍ أَوْ بِالْفِرَاشِ ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْمُقَرُّ بِهِ غَيْرَ مُكَلَّفٍ ، أَوْ مُكَلَّفًا ، فَصَدَّقَ الْمُقِرُّ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يَسْقُطَ نَسَبُ الْمُكَلَّفِ بِاتِّفَاقِهِمَا عَلَى الرُّجُوعِ عَنْهُ ؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ بِاتِّفَاقِهِمَا ، فَزَالَ بِرُجُوعِهِمَا ، كَالْمَالِ .\rوَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ؛ لِأَنَّهُ نَسَبٌ ثَبَتَ بِالْإِقْرَارِ ، فَأَشْبَهَ نَسَبَ الصَّغِيرِ وَالْمَجْنُونِ .\rوَفَارَقَ الْمَالَ ؛ لِأَنَّ النَّسَبَ يُحْتَاطُ لِإِثْبَاتِهِ .","part":10,"page":469},{"id":4969,"text":"( 3892 ) فَصْلٌ : وَإِنْ أَقَرَّتْ الْمَرْأَةُ بِوَلَدٍ ، وَلَمْ تَكُنْ ذَاتَ زَوْجٍ وَلَا نَسَبٍ ، قُبِلَ إقْرَارُهَا .\rوَإِنْ كَانَتْ ذَاتَ زَوْجٍ ، فَهَلْ يُقْبَلُ إقْرَارُهَا ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ ؛ إحْدَاهُمَا ، لَا يُقْبَلُ ؛ لِأَنَّ فِيهِ حَمْلًا لِنَسَبِ الْوَلَدِ عَلَى زَوْجِهَا ، وَلَمْ يُقِرَّ بِهِ ، أَوْ إلْحَاقًا لِلْعَارِ بِهِ بِوِلَادَةِ امْرَأَتِهِ مِنْ غَيْرِهِ .\rوَالثَّانِيَةُ : يُقْبَلُ ؛ لِأَنَّهَا شَخْصٌ أَقَرَّ بِوَلَدٍ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مِنْهُ ، فَقُبِلَ كَالرَّجُلِ .\rوَقَالَ أَحْمَدُ ، فِي رِوَايَةِ ابْنُ مَنْصُورٍ ، فِي امْرَأَةٍ ادَّعَتْ وَلَدًا : فَإِنْ كَانَ لَهَا إخْوَةٌ أَوْ نَسَبٌ مَعْرُوفٌ ، فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَثْبُتَ أَنَّهُ ابْنُهَا ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا دَافِعٌ فَمَنْ يَحُولُ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ ، وَهَذَا لِأَنَّهَا مَتَى كَانَتْ ذَاتَ أَهْلٍ ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا تَخْفَى عَلَيْهِمْ وِلَادَتُهَا ، فَمَتَى ادَّعَتْ وَلَدًا لَا يَعْرِفُونَهُ ، فَالظَّاهِرُ كَذِبُهَا .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ تُقْبَلَ دَعْوَاهَا مُطْلَقًا ؛ لِأَنَّ النَّسَبَ يُحْتَاطُ لَهُ ، فَأَشْبَهَتْ الرَّجُلَ .","part":10,"page":470},{"id":4970,"text":"( 3893 ) فَصْلٌ : وَلَوْ قَدِمَتْ امْرَأَةٌ مِنْ بَلَدِ الرُّومِ ، وَمَعَهَا طِفْلٌ ، فَأَقَرَّ بِهِ رَجُلٌ ، لَحِقَهُ ؛ لِوُجُودِ الْإِمْكَانِ ، وَعَدَمِ الْمُنَازِعِ ، لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ دَخَلَ أَرْضَهُمْ ، أَوْ دَخَلَتْ هِيَ دَارَ الْإِسْلَامِ وَوَطِئَهَا ، وَالنَّسَبُ يُحْتَاطُ لِإِثْبَاتِهِ ، وَلِهَذَا لَوْ وَلَدَتْ امْرَأَةُ رَجُلٍ وَهُوَ غَائِبٌ عَنْهَا ، بَعْدَ عِشْرِينَ سَنَةً مِنْ غَيْبَتِهِ ، لَحِقَهُ ، وَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ لَهُ قُدُومٌ إلَيْهَا ، وَلَا عُرِفَ لَهَا خُرُوجٌ مِنْ بَلَدِهَا .","part":10,"page":471},{"id":4971,"text":"( 3894 ) فَصْلٌ : وَإِنْ أَقَرَّ بِنَسَبِ صَغِيرٍ ، لَمْ يَكُنْ مُقِرًّا بِزَوْجِيَّةِ أُمِّهِ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إذَا كَانَتْ مَشْهُورَةً بِالْحُرِّيَّةِ ، كَانَ مُقِرًّا بِزَوْجِيَّتِهَا ؛ لِأَنَّ أَنْسَابَ الْمُسْلِمِينَ وَأَحْوَالَهُمْ يَجِبُ حَمْلُهَا عَلَى الصِّحَّةِ ، وَذَلِكَ أَنْ تَكُونَ وَلَدَتْهُ مِنْهُ فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الزَّوْجِيَّةَ لَيْسَتْ مُقْتَضَى لَفْظِهِ وَلَا مَضْمُونِهِ ، فَلَمْ يَكُنْ مُقِرًّا بِهَا ، كَمَا لَوْ لَمْ تَكُنْ مَعْرُوفَةً بِالْحُرِّيَّةِ .\rوَمَا ذَكَرُوهُ لَا يَصِحُّ ؛ فَإِنَّ النَّسَبَ مَحْمُولٌ عَلَى الصِّحَّةِ ، وَقَدْ يُلْحَقُ بِالْوَطْءِ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ وَالشُّبْهَةِ ، فَلَا يَلْزَمُهُ بِحُكْمِ إقْرَارِهِ ، مَا لَمْ يَتَضَمَّنْهُ لَفْظُهُ ، وَلَمْ يُوجِبْهُ .","part":10,"page":472},{"id":4972,"text":"( 3895 ) فَصْلٌ : وَإِذَا كَانَ لَهُ أَمَةٌ لَهَا ثَلَاثَةُ أَوْلَادٍ ، لَا زَوْجَ لَهَا ، وَلَا أَقَرَّ بِوَطْئِهَا ، فَقَالَ : أَحَدُ هَؤُلَاءِ وَلَدِي .\rفَإِقْرَارُهُ صَحِيحٌ ، وَيُطَالَبُ بِالْبَيَانِ ، فَإِنْ عَيَّنَ أَحَدَهُمْ ثَبَتَ نَسَبُهُ وَحُرِّيَّتُهُ ، ثُمَّ يُسْأَلُ عَنْ كَيْفِيَّةِ الِاسْتِيلَادِ ، فَإِنْ قَالَ : كَانَ بِنِكَاحٍ .\rفَعَلَى الْوَالِدِ الْوَلَاءُ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ مَسَّهُ رِقٌّ ، وَالْأُمُّ وَوَلَدَاهَا الْآخَرَانِ رَقِيقٌ قِنٌّ .\rوَإِنْ قَالَ : اسْتَوْلَدْتهَا فِي مِلْكِي .\rفَالْمُقَرُّ بِهِ حُرُّ الْأَصْلِ ، لَا وَلَاءَ عَلَيْهِ ، وَالْأَمَةُ أُمُّ وَلَدٍ .\rثُمَّ إنْ كَانَ الْمُقَرُّ بِهِ الْأَكْبَرَ ، فَأَخَوَاهُ أَبْنَاءُ أُمِّ وَلَدٍ ، حُكْمُهُمَا حُكْمُهَا فِي الْعِتْقِ بِمَوْتِ سَيِّدِهَا .\rوَإِنْ كَانَ الْأَوْسَطَ ، فَالْأَكْبَرُ قِنٌّ ، وَالْأَصْغَرُ لَهُ حُكْمُ أُمِّهِ ، وَإِنْ عَيَّنَ الْأَصْغَرَ ، فَأَخَوَاهُ رَقِيقٌ قِنٌّ ؛ لِأَنَّهَا وَلَدَتْهُمَا قَبْلَ الْحُكْمِ بِكَوْنِهَا أُمَّ وَلَدٍ ، وَإِنْ قَالَ : هُوَ مِنْ وَطْءِ شُبْهَةٍ .\rفَالْوَلَدُ حُرُّ الْأَصْلِ ، وَأَخَوَاهُ مَمْلُوكَانِ ، وَإِنْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يُبَيِّنَ ، أَخَذَ وَرَثَتُهُ بِالْبَيَانِ ، وَيَقُومُ بَيَانُهُمْ مَقَامَ بَيَانِهِ ، فَإِنْ بَيَّنُوا النَّسَبَ وَلَمْ يُبَيِّنُوا الِاسْتِيلَادَ ، ثَبَتَ النَّسَبُ وَحُرِّيَّةُ الْوَلَدِ ، وَلَمْ يَثْبُتْ لِلْأُمِّ وَلَا لِوَلَدَيْهَا حُكْمُ الِاسْتِيلَادِ ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ نِكَاحٍ أَوْ وَطْءِ شُبْهَةٍ ، وَإِنْ لَمْ يُبَيِّنُوا النَّسَبُ ، وَقَالُوا : لَا نَعْرِفُ ذَلِكَ ، وَلَا الِاسْتِيلَادَ ، فَإِنَّا نُرِيه الْقَافَةَ ، فَإِنْ أَلْحَقُوا بِهِ وَاحِدًا مِنْهُمْ أَلْحَقْنَاهُ ، وَلَا يَثْبُتُ حُكْمُ الِاسْتِيلَادِ لِغَيْرِهِ ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ قَافَةٌ أُقْرِعَ بَيْنَهُمْ ، فَمَنْ وَقَعَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ عَتَقَ وَوَرِثَ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ، إلَّا أَنَّهُ لَا يُوَرِّثُهُ بِالْقُرْعَةِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ حُرٌّ اسْتَنَدَتْ حُرِّيَّتُهُ إلَى إقْرَارِ أَبِيهِ بِهِ ، فَوَرِثَ ، كَمَا لَوْ عَيَّنَهُ فِي إقْرَارِهِ .","part":10,"page":473},{"id":4973,"text":"( 3896 ) فَصْلٌ : وَإِذَا كَانَ لَهُ أَمَتَانِ ، لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا وَلَدٌ ، فَقَالَ : أَحَدُ هَذَيْنِ وَلَدِي مِنْ أَمَتِي .\rنَظَرْت ؛ فَإِنْ كَانَ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا زَوْجٌ يُمْكِنُ إلْحَاقُ الْوَلَدِ بِهِ ، لَمْ يَصِحَّ إقْرَارُهُ ، وَأُلْحِقَ الْوَلَدَانِ بِالزَّوْجَيْنِ .\rوَإِنْ كَانَ لِإِحْدَاهُمَا زَوْجٌ دُونَ الْأُخْرَى ، انْصَرَفَ الْإِقْرَارُ إلَى وَلَدِ الْأُخْرَى ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي يُمْكِنُ إلْحَاقُهُ بِهِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَوَاحِدَةٍ مِنْهُمَا زَوْجٌ ، وَلَكِنْ أَقَرَّ السَّيِّدُ بِوَطْئِهِمَا ، صَارَتَا فِرَاشًا ، وَلَحِقَ وَلَدَاهُمَا بِهِ إذَا أَمْكَنَ أَنْ يُولَدَا بَعْدَ وَطْئِهِ ، وَإِنْ أَمْكَنَ فِي إحْدَاهُمَا دُونَ الْأُخْرَى ، انْصَرَفَ الْإِقْرَارُ إلَى مَنْ أَمْكَنَ ؛ لِأَنَّهُ وَلَدُهُ حُكْمًا .\rوَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَقَرَّ بِوَطْءِ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا ، صَحَّ إقْرَارُهُ وَثَبَتَتْ حُرِّيَّةُ الْمُقَرِّ بِهِ ؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِنَسَبٍ صَغِيرٍ مَجْهُولِ النَّسَبِ مَعَ الْإِمْكَانِ لَا مُنَازِعَ لَهُ فِيهِ ، فَلَحِقَهُ نَسَبُهُ ، ثُمَّ يُكَلَّفُ الْبَيَانَ ، كَمَا لَوْ طَلَّقَ إحْدَى نِسَائِهِ ، فَإِذَا بَيَّنَ قُبِلَ بَيَانُهُ ؛ لِأَنَّ الْمَرْجِعَ فِي ذَلِكَ إلَيْهِ ، ثُمَّ يُطَالَبُ بِبَيَانِ كَيْفِيَّةِ الْوِلَادَةِ ، فَإِنْ قَالَ : اسْتَوْلَدْتهَا فِي مِلْكِي .\rفَالْوَلَدُ حُرُّ الْأَصْلِ ، لَا وَلَاءَ عَلَيْهِ ، وَأُمُّهُ أُمُّ وَلَدٍ .\rوَإِنْ قَالَ : فِي نِكَاحٍ .\rفَعَلَى الْوَلَدِ الْوَلَاءُ ؛ لِأَنَّهُ مَسَّهُ رِقٌّ ، وَالْأَمَةُ قِنٌّ ؛ لِأَنَّهَا عَلِقَتْ بِمَمْلُوكٍ .\rوَإِنْ قَالَ : بِوَطْءِ شُبْهَةٍ .\rفَالْوَلَدُ حُرُّ الْأَصْلِ ، وَالْأَمَةُ قِنٌّ ؛ لِأَنَّهَا عَلِقَتْ بِهِ فِي غَيْرِ مِلْكٍ .\rوَإِنْ ادَّعَتْ الْأُخْرَى أَنَّهَا الَّتِي اسْتَوْلَدَهَا ؛ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الِاسْتِيلَادِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ ادَّعَتْ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ إقْرَارِهِ بِشَيْءٍ ، فَإِذَا حَلَفَ رَقَّتْ وَرَقَّ وَلَدُهَا ، وَإِذَا مَاتَ وَرِثَهُ وَلَدُهُ الْمُقَرُّ بِهِ .\rوَإِنْ كَانَتْ أَمَةً قَدْ صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ عَتَقَتْ أَيْضًا ، وَإِنْ لَمْ تَصِرْ أُمَّ وَلَدٍ عَتَقَتْ عَلَى","part":10,"page":474},{"id":4974,"text":"وَلَدِهَا إنْ كَانَ هُوَ الْوَارِثَ وَحْدَهُ ، وَإِنْ كَانَ مَعَهُ غَيْرُهُ عَتَقَ مِنْهَا بِقَدْرِ مَا مَلَكَ .\rفَإِنْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يُبَيِّنَ ، قَامَ وَارِثُهُ مَقَامَهُ فِي الْبَيَانِ ؛ لِأَنَّهُ يَقُومُ مَقَامَهُ فِي إلْحَاقِ النَّسَبِ وَغَيْرِهِ ، فَإِذَا بَيَّنَ كَانَ كَمَا لَوْ بَيَّنَ الْمَوْرُوثُ ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ الْوَارِثُ كَيْفِيَّةَ الِاسْتِيلَادِ ، فَفِي الْأَمَةِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، يَكُونُ رَقِيقًا ؛ لِأَنَّ الرِّقَّ الْأَصْلُ ، فَلَا يَزُولُ بِالِاحْتِمَالِ .\rوَالثَّانِي يُعْتَقُ ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهَا وَلَدَتْهُ فِي مِلْكِهِ ؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِوَلَدِهَا وَهِيَ فِي مِلْكِهِ .\rوَهَذَا مَنْصُوصُ الشَّافِعِيِّ .\rفَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَارِثٌ ، أَوْ كَانَ وَارِثٌ فَلَمْ يُعَيِّنْ ، عُرِضَ عَلَى الْقَافَةِ ، فَإِنْ أَلْحَقَتْ بِهِ أَحَدَهُمَا ، ثَبَتَ نَسَبُهُ ، وَكَانَ حُكْمُهُ كَمَا لَوْ عَيَّنَ الْوَارِثُ ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ قَافَةٌ ، أَوْ كَانَتْ فَلَمْ تَعْرِفْ ، أُقْرِعَ بَيْنَ الْوَلَدَيْنِ ، فَيَعْتِقُ أَحَدُهُمَا بِالْقُرْعَةِ ؛ لِأَنَّ لِلْقُرْعَةِ مَدْخَلًا فِي إثْبَاتِ الْحُرِّيَّةِ .\rوَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ ثُبُوتُ نَسَبِهِ وَمِيرَاثِهِ ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي الَّتِي قَبْلَهَا .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يَثْبُتُ نَسَبٌ وَلَا مِيرَاثٌ .\rوَاخْتَلَفُوا فِي الْمِيرَاثِ ، فَقَالَ الْمُزَنِيّ : يُوقَفُ نَصِيبُ ابْنٍ ؛ لِأَنَّنَا تَيَقَّنَّا ابْنًا وَارِثًا .\rوَلَهُمْ وَجْهٌ آخَرُ : لَا يُوقَفُ شَيْءٌ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُرْجَى انْكِشَافُهُ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يُعْتَقُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ نِصْفُهُ ، وَيُسْتَسْعَى فِي بَاقِيهِ ، وَلَا يَرِثَانِ .\rوَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى مِثْلَ ذَلِكَ ، إلَّا أَنَّهُ يَجْعَلُ الْمِيرَاثَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ ، وَيَدْفَعَانِهِ فِي سِعَايَتِهِمَا .\rوَالْكَلَامُ عَلَى قِسْمَةِ الْحُرِّيَّةِ وَالسِّعَايَةِ يَأْتِي فِي الْعِتْقِ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .","part":10,"page":475},{"id":4975,"text":"( 3897 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَكَذَلِكَ إنْ أَقَرَّ بِدَيْنٍ عَلَى أَبِيهِ ، لَزِمَهُ مِنْ الدَّيْنِ بِقَدْرِ مِيرَاثِهِ ) .\rوَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْوَارِثَ إذَا أَقَرَّ بِدَيْنٍ عَلَى مَوْرُوثِهِ ، قُبِلَ إقْرَارُهُ ، بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ .\rوَيَتَعَلَّقُ ذَلِكَ بِتَرِكَةِ الْمَيِّتِ ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِهِ الْمَيِّتُ قَبْلَ مَوْتِهِ ، فَإِنْ لَمْ يَخْلُفْ تَرِكَةً ، لَمْ يُلْزَمْ الْوَارِثُ بِشَيْءٍ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ أَدَاءُ دَيْنِهِ إذَا كَانَ حَيًّا مُفْلِسًا ، فَكَذَلِكَ إذَا كَانَ مَيِّتًا .\rوَإِنْ خَلَفَ تَرِكَةً ، تَعَلَّقَ الدَّيْنُ بِهَا ، فَإِنْ أَحَبَّ الْوَارِثُ تَسْلِيمَهَا فِي الدَّيْنِ ، لَمْ يَلْزَمْهُ إلَّا ذَلِكَ ، وَإِنْ أَحَبَّ اسْتِخْلَاصَهَا وَإِيفَاءَ الدَّيْنِ مِنْ مَالِهِ ، فَلَهُ ذَلِكَ ، وَيَلْزَمُهُ أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ قِيمَتِهَا أَوْ قَدْرِ الدَّيْنِ بِمَنْزِلَةِ الْجَانِي .\rوَإِنْ كَانَ الْوَارِثُ وَاحِدًا ، فَحُكْمُهُ مَا ذَكَرْنَا .\rوَإِنْ كَانَا اثْنَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ ، وَثَبَتَ الدَّيْنُ بِإِقْرَارِ الْمَيِّتِ ، أَوْ بَيِّنَةٍ ، أَوْ إقْرَارِ جَمِيعِ الْوَرَثَةِ ، فَكَذَلِكَ .\rوَإِذَا اخْتَارَ الْوَرَثَةُ أَخْذَ التَّرِكَةِ وَقَضَاءَ الدَّيْنِ مِنْ أَمْوَالِهِمْ ، فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مِنْ الدَّيْنِ بِقَدْرِ مِيرَاثِهِ .\rوَإِنْ أَقَرَّ أَحَدُهُمْ ، لَزِمَهُ مِنْ الدَّيْنِ بِقَدْرِ مِيرَاثِهِ ، وَالْخِيرَةُ إلَيْهِ فِي تَسْلِيمِ نَصِيبِهِ فِي الدَّيْنِ أَوْ اسْتِخْلَاصِهِ .\rوَإِذَا قَدَّرَهُ مِنْ الدَّيْنِ ، فَإِنْ كَانَا اثْنَيْنِ ، لَزِمَهُ النِّصْفُ ، وَإِنْ كَانُوا ثَلَاثَةً ، فَعَلَيْهِ الثُّلُثُ .\rوَبِهَذَا قَالَ النَّخَعِيُّ ، وَالْحَسَنُ ، وَالْحَكَمُ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَالشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ : يَلْزَمُهُ جَمِيعُ الدَّيْنِ ، أَوْ جَمِيعُ مِيرَاثِهِ .\rوَهَذَا آخِرُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ رَجَعَ إلَيْهِ بَعْدَ قَوْلِهِ كَقَوْلِنَا ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ يَتَعَلَّقُ بِتَرِكَتِهِ ، فَلَا يَسْتَحِقُّ الْوَارِثُ مِنْهَا إلَّا مَا فَضَلَ مِنْ الدَّيْنِ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى","part":10,"page":476},{"id":4976,"text":"بِهَا أَوْ دَيْنٍ } .\rوَلِأَنَّهُ يَقُولُ : مَا أَخَذَهُ الْمُنْكِرُ أَخَذَهُ بِغَيْرِ اسْتِحْقَاقٍ .\rفَكَانَ غَاصِبًا ، فَتَعَلَّقَ الدَّيْنُ بِمَا بَقِيَ مِنْ التَّرِكَةِ ، كَمَا لَوْ غَصَبَهُ أَجْنَبِيٌّ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ الْمِيرَاثِ ، فَلَا يَلْزَمُهُ أَكْثَرُ مِنْ نِصْفِ الدَّيْنِ ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ أَخُوهُ ، وَلِأَنَّهُ إقْرَارٌ يَتَعَلَّقُ بِحِصَّتِهِ وَحِصَّةِ أَخِيهِ ، فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ إلَّا مَا يَخُصُّهُ ، كَالْإِقْرَارِ بِالْوَصِيَّةِ ، وَإِقْرَارِ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ عَلَى مَالِ الشَّرِكَةِ ، وَلِأَنَّهُ حَقٌّ لَوْ ثَبَتَ بِبَيِّنَةٍ ، أَوْ قَوْلِ الْمَيِّتِ ، أَوْ إقْرَارِ الْوَارِثِينَ ، لَمْ يَلْزَمْهُ إلَّا نِصْفُهُ ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ بِإِقْرَارِهِ أَكْثَرُ مِنْ نِصْفِهِ ، كَالْوَصِيَّةِ ، وَلِأَنَّ شَهَادَتَهُ بِالدَّيْنِ مَعَ غَيْرِهِ تُقْبَلُ ، وَلَوْ لَزِمَهُ أَكْثَرُ مِنْ حِصَّتِهِ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ ؛ لِأَنَّهُ يَجُرُّ بِهَا إلَى نَفْسِهِ نَفْعًا .","part":10,"page":477},{"id":4977,"text":"( 3898 ) فَصْلٌ : إذَا ادَّعَى رَجُلَانِ دَارًا بَيْنَهُمَا ، مَلَكَاهَا بِسَبَبٍ يُوجِبُ الِاشْتِرَاكَ ، مِثْلُ أَنْ يَقُولَا : وَرِثْنَاهَا أَوْ ابْتَعْنَاهَا مَعًا .\rفَأَقَرَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِنِصْفِهَا لَأَحَدِهِمَا ، فَذَلِكَ لَهُمَا جَمِيعًا ؛ لِأَنَّهُمَا اعْتَرَفَا أَنَّ الدَّارَ لَهُمَا مُشَاعَةً ، فَإِذَا غَصَبَ غَاصِبٌ نِصْفَهَا ، كَانَ مِنْهُمَا ، وَالْبَاقِي بَيْنَهُمَا ، وَإِنْ لَمْ يَكُونَا ادَّعَيَا شَيْئًا يَقْتَضِي الِاشْتِرَاكَ ، بَلْ ادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفَهَا ، فَأَقَرَّ لِأَحَدِهِمَا بِمَا ادَّعَاهُ ، لَمْ يُشَارِكْهُ الْآخَرُ ، وَكَانَ عَلَى خُصُومَتِهِ ؛ لِأَنَّهُمَا لَمْ يَعْتَرِفَا بِالِاشْتِرَاكِ ، فَإِنْ أَقَرَّ لَأَحَدِهِمَا بِالْكُلِّ ، وَكَانَ الْمُقَرُّ لَهُ يَعْتَرِفُ لِلْآخَرِ بِالنِّصْفِ ، سَلَّمَهُ إلَيْهِ ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ قَدْ تَقَدَّمَ إقْرَارُهُ بِذَلِكَ ، وَجَبَ تَسْلِيمُ النِّصْفِ ، إلَيْهِ ؛ لِأَنَّ الَّذِي هِيَ فِي يَدِهِ قَدْ اعْتَرَفَ لَهُ بِهَا ، فَصَارَ بِمَنْزِلَتِهِ ، فَيَثْبُتُ لِمَنْ يُقِرُّ لَهُ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ اعْتَرَفَ لِلْآخَرِ ، وَادَّعَى جَمِيعَهَا أَوْ ادَّعَى أَكْثَرَ مِنْ النِّصْفِ ، فَهُوَ لَهُ .\rفَإِنْ قِيلَ : فَكَيْفَ يَمْلِكُ جَمِيعَهَا وَلَمْ يَدَّعِ إلَّا نِصْفَهَا ؟ قُلْنَا : لَيْسَ مِنْ شَرْطِ صِحَّةِ الْإِقْرَارِ تَقَدُّمُ الدَّعْوَى ، بَلْ مَتَى أَقَرَّ الْإِنْسَانُ بِشَيْءٍ فَصَدَّقَهُ الْمُقَرُّ لَهُ ، ثَبَتَ ، وَقَدْ وُجِدَ التَّصْدِيقُ هَاهُنَا فِي النِّصْفِ الَّذِي لَمْ يَسْبِقْ دَعْوَاهُ ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اقْتَصَرَ عَلَى دَعْوَى أَلْفٍ ؛ لِأَنَّ لَهُ حُجَّةً بِهِ ، أَوْ لِأَنَّ النِّصْفَ الْآخَرَ قَدْ اعْتَرَفَ لَهُ بِهِ ، فَادَّعَى النِّصْفَ الَّذِي لَمْ يَعْتَرِفْ بِهِ .\rفَإِنْ لَمْ يُصَدِّقْهُ فِي إقْرَارِهِ بِالنِّصْفِ الَّذِي لَمْ يَدَّعِهِ ، وَلَمْ يَعْتَرِفْ بِهِ لِلْآخَرِ ، فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ ؛ أَحَدُهَا : يَبْطُلُ الْإِقْرَارُ بِهِ ؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِهِ لِمَنْ لَا يَدَّعِيه .\rالثَّانِي ، يَنْزِعُهُ الْحَاكِمُ مِنْ يَدِهِ حَتَّى يَثْبُتَ لِمُدَّعِيهِ ، وَيُؤْجِرُهُ ، وَيَحْفَظُ أُجْرَتَهُ لِمَالِكِهِ .\rوَالثَّالِثُ ، يُدْفَعُ إلَى","part":10,"page":478},{"id":4978,"text":"مُدَّعِيه لِعَدَمِ الْمُنَازِعِ فِيهِ .\rوَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فِي هَذَا الْفَصْلِ كُلِّهِ كَنَحْوِ مَا ذَكَرْنَا .","part":10,"page":479},{"id":4979,"text":"( 3899 ) .\rمَسْأَلَةٌ قَالَ : ( وَكُلُّ مَنْ قُلْت : الْقَوْلُ قَوْلُهُ .\rفَلِخَصْمِهِ عَلَيْهِ الْيَمِينُ ) يَعْنِي فِي هَذَا الْبَابِ وَفِيمَا أَشْبَهَهُ ، مِثْلُ أَنْ يَقُولَ : عِنْدِي أَلْفٌ .\rثُمَّ قَالَ : وَدِيعَةً .\rأَوْ قَالَ : عَلَيَّ .\rثُمَّ قَالَ : وَدِيعَةً .\rأَوْ قَالَ : لَهُ عِنْدِي رَهْنٌ .\rفَقَالَ الْمَالِكُ : وَدِيعَةٌ .\rوَمِثْلُ الشَّرِيكِ وَالْمُضَارِبِ وَالْمُنْكِرِ لِلدَّعْوَى ، وَإِذَا اخْتَلَفَا فِي قِيمَةِ الرَّهْنِ أَوْ قَدْرِهِ ، أَوْ قَدْرِ الدَّيْنِ الَّذِي الرَّهْنُ بِهِ ، وَأَشْبَاهُ هَذَا ، فَكُلُّ مَنْ قُلْنَا الْقَوْلُ قَوْلُهُ .\rفَعَلَيْهِ لِخَصْمِهِ الْيَمِينُ .\rلِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَوْ أُعْطِيَ النَّاسُ بِدَعَاوِيهِمْ لَادَّعَى قَوْمٌ دِمَاءَ قَوْمٍ وَأَمْوَالَهُمْ ، وَلَكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ } .\rرَوَاهُ مُسْلِمٌ .\rوَلِأَنَّ الْيَمِينَ يُشْرَعُ فِي حَقِّ مَنْ ظَهَرَ صِدْقُهُ ، وَقَوِيَ جَانِبُهُ ، تَقْوِيَةً لِقَوْلِهِ وَاسْتِظْهَارًا ، وَاَلَّذِي جُعِلَ الْقَوْلُ قَوْلُهُ كَذَلِكَ ، فَيَجِبُ أَنْ تُشْرَعَ الْيَمِينُ فِي حَقِّهِ .\r( 3900 ) فَصْلٌ : إذَا أَقَرَّ أَنَّهُ وَهَبَ وَأُقْبِضَ الْهِبَةَ ، أَوْ رَهَنَ وَأُقْبِضَ ، أَوْ أَقَرَّ أَنَّهُ قَبَضَ ثَمَنَ الْمَبِيعِ ، أَوْ أَجْرَ الْمُسْتَأْجَرِ ، ثُمَّ أَنْكَرَ ذَلِكَ ، وَسَأَلَ إحْلَافَ خَصْمِهِ ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، لَا يُسْتَحْلَفُ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ لِأَنَّ دَعْوَاهُ تَكْذِيبٌ لِإِقْرَارِهِ ، فَلَا تُسْمَعُ ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ الْمُضَارِبُ أَنَّهُ رَبِحَ أَلْفًا ، ثُمَّ قَالَ : غَلِطْت .\rوَلِأَنَّ الْإِقْرَارَ أَقْوَى مِنْ الْبَيِّنَةِ ، وَلَوْ شَهِدَتْ الْبَيِّنَةُ فَقَالَ : أَحْلِفُوهُ لِي مَعَ بَيِّنَتِهِ .\rلَمْ يُسْتَحْلَفْ ، كَذَا هَاهُنَا .\rوَالثَّانِيَةُ ، يُسْتَحْلَفُ .\rوَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي يُوسُفَ لِأَنَّ الْعَادَةَ جَارِيَةٌ بِالْإِقْرَارِ قَبْلَ الْقَبْضِ ، فَيَحْتَمِلُ صِحَّةَ مَا قَالَهُ ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُسْتَحْلَفَ خَصْمُهُ لِنَفْيِ الِاحْتِمَالِ .\rوَيُفَارِقُ الْإِقْرَارُ الْبَيِّنَةَ لِوَجْهَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، أَنَّ الْعَادَةَ جَارِيَةٌ","part":10,"page":480},{"id":4980,"text":"بِالْإِقْرَارِ بِالْقَبْضِ قَبْلَهُ ، وَلَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِالشَّهَادَةِ عَلَى الْقَبْضِ قَبْلَهُ ؛ لِأَنَّهَا تَكُونُ شَهَادَةَ زُورٍ .\rوَالثَّانِي ، أَنَّ إنْكَارَهُ مَعَ الشَّهَادَةِ طَعْنٌ فِي الْبَيِّنَةِ ، وَتَكْذِيبٌ لَهَا ، وَفِي الْإِقْرَارِ بِخِلَافِهِ .\rوَلَمْ يَذْكُرْ الْقَاضِي فِي \" الْمُجَرَّدِ \" غَيْرَ هَذَا الْوَجْهِ .\rوَكَذَلِكَ لَوْ أَقَرَّ أَنَّهُ اقْتَرَضَ مِنْهُ أَلْفًا وَقَبَضَهَا ، أَوْ قَالَ : لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ .\rثُمَّ قَالَ : مَا كُنْت قَبَضْتهَا ، وَإِنَّمَا أَقْرَرْت لِأَقْبِضَهَا .\rفَالْحُكْمُ كَذَلِكَ .\rوَلِأَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ قَدْ أَقَرَّ بِقَبْضِ ذَلِكَ بِنَاءً عَلَى قَوْلِ وَكِيلِهِ وَظَنِّهِ ، وَالشَّهَادَةُ لَا تَجُوزُ إلَّا عَلَى الْيَقِينِ .\rفَأَمَّا إنْ أَقَرَّ أَنَّهُ وَهَبَهُ طَعَامًا ، ثُمَّ قَالَ : مَا أَقْبَضْتُكَهُ .\rوَقَالَ الْمُتَّهِبُ : بَلْ أَقْبَضْتنِيهِ .\rفَالْقَوْلُ قَوْلُ الْوَاهِبِ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْقَبْضِ .\rوَإِنْ كَانَتْ فِي يَدِ الْمُتَّهِبِ ، فَقَالَ : أَقْبَضْتنِيهَا .\rفَقَالَ : بَلْ أَخَذْتهَا مِنِّي بِغَيْرِ إذْنِي .\rفَالْقَوْلُ قَوْلُ الْوَاهِبِ أَيْضًا ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْإِذْنِ .\rوَإِنْ كَانَتْ حِينَ الْهِبَةِ فِي يَدِ الْمُتَّهِبِ ، لَمْ يُعْتَبَرْ إذْنُ الْوَاهِبِ ، وَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ مُضِيُّ مُدَّةٍ يَتَأَتَّى الْقَبْضُ فِيهَا .\rوَعَلَى مَنْ قُلْنَا : الْقَوْلُ قَوْلُهُ .\rمِنْهُمَا الْيَمِينُ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا .","part":10,"page":481},{"id":4981,"text":"( 3901 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَالْإِقْرَارُ بِدَيْنٍ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ ، كَالْإِقْرَارِ فِي الصِّحَّةِ ، إذَا كَانَ لِغَيْرِ وَارِثٍ ) هَذَا ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ، عَلَى أَنَّ إقْرَارَ الْمَرِيضِ فِي مَرَضِهِ لِغَيْرِ الْوَارِثِ جَائِزٌ .\rوَحَكَى أَصْحَابُنَا رِوَايَةً أُخْرَى ؛ أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ ؛ لِأَنَّهُ إقْرَارٌ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ ، أَشْبَهَ الْإِقْرَارَ لِوَارِثِ .\rوَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ فِيهِ رِوَايَةٌ أُخْرَى أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ إقْرَارُهُ بِزِيَادَةٍ عَلَى الثُّلُثِ ؛ لِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْ عَطِيَّةِ ذَلِكَ لِأَجْنَبِيٍّ ، كَمَا هُوَ مَمْنُوعٌ مِنْ عَطِيَّةِ الْوَارِثِ ، فَلَا يَصِحُّ إقْرَارُهُ بِمَا لَا يَمْلِكُ عَطِيَّتَهُ ، بِخِلَافِ الثُّلُثِ فَمَا دُونَ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ إقْرَارٌ غَيْرُ مُتَّهَمٍ فِيهِ ، فَقُبِلَ ، كَالْإِقْرَارِ فِي الصِّحَّةِ ، يُحَقِّقُهُ أَنَّ حَالَةَ الْمَرَضِ أَقْرَبُ إلَى الِاحْتِيَاطِ لِنَفْسِهِ ، وَإِبْرَاءِ ذِمَّتِهِ ، وَتَحَرِّي الصِّدْقِ ، فَكَانَ أَوْلَى بِالْقَبُولِ .\rوَفَارَقَ الْإِقْرَارَ لِلْوَارِثِ ؛ لِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ فِيهِ ، عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ .\r.","part":10,"page":482},{"id":4982,"text":"( 3902 ) فَصْلٌ : فَإِنْ أَقَرَّ لِأَجْنَبِيٍّ بِدَيْنٍ فِي مَرَضِهِ ، وَعَلَيْهِ دَيْنٌ ثَبَتَ بِبَيِّنَةٍ أَوْ إقْرَارٍ فِي صِحَّتِهِ ، وَفِي الْمَالِ سَعَةٌ لَهُمَا ، فَهُمَا سَوَاءٌ ، وَإِنْ ضَاقَ عَنْ قَضَائِهِمَا ، فَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ أَنَّهُمَا سَوَاءٌ .\rوَهُوَ اخْتِيَارُ التَّمِيمِيِّ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ .\rوَذَكَرَ أَبُو عُبَيْدٍ أَنَّهُ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ؛ لِأَنَّهُمَا حَقَّانِ يَجِبُ قَضَاؤُهُمَا مِنْ رَأْسِ الْمَالِ ، لَمْ يَخْتَصَّ أَحَدُهُمَا بِرَهْنٍ ، فَاسْتَوَيَا ، كَمَا لَوْ ثَبَتَا بِبَيِّنَةٍ .\rوَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ لَا يُحَاصَّ غُرَمَاءُ الصِّحَّةِ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : هُوَ قِيَاسُ الْمَذْهَبِ ؛ لِنَصِّ أَحْمَدَ فِي الْمُفْلِسِ أَنَّهُ إذَا أَقَرَّ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ بِبَيِّنَةٍ ، يَبْدَأُ بِالدَّيْنِ الَّذِي بِالْبَيِّنَةِ .\rوَبِهَذَا قَالَ النَّخَعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَأَصْحَابُ الرَّأْي ؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ بَعْدَ تَعَلُّقِ الْحَقِّ بِتَرِكَتِهِ ، فَوَجَبَ أَنْ لَا يُشَارِكَ الْمُقَرُّ لَهُ مَنْ ثَبَتَ دَيْنُهُ بِبَيِّنَةٍ ، كَغَرِيمِ الْمُفْلِسِ الَّذِي أَقَرَّ لَهُ بَعْدَ الْحَجْرِ عَلَيْهِ ، وَالدَّلِيلُ عَلَى تَعَلُّقِ الْحَقِّ بِمَالِهِ ، مَنْعُهُ مِنْ التَّبَرُّعِ وَمِنْ الْإِقْرَارِ لَوَارِثٍ ؛ وَلِأَنَّهُ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ وَلِهَذَا لَا تَنْفُذُ هِبَاتُهُ وَتَبَرُّعَاتُهُ ، فَلَمْ يُشَارِكْ مَنْ أَقَرَّ لَهُ قَبْلَ الْحَجْرِ ، وَمَنْ ثَبَتَ دَيْنُهُ بِبَيِّنَةٍ ، كَاَلَّذِي أَقَرَّ لَهُ الْمُفْلِسُ .\rوَإِنْ أَقَرَّ لَهُمَا جَمِيعًا فِي الْمَرَضِ ، تَسَاوَيَا ، وَلَمْ يُقَدَّمْ السَّابِقُ مِنْهُمَا ؛ لِأَنَّهُمَا اسْتَوَيَا فِي الْحَالِ ، فَأَشْبَهَا غَرِيمَيْ الصِّحَّةِ .\r\"","part":10,"page":483},{"id":4983,"text":"( 3903 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِنْ أَقَرَّ لِوَارِثٍ ، لَمْ يَلْزَمْ بَاقِي الْوَرَثَةِ قَبُولُهُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ ) وَبِهَذَا قَالَ شُرَيْحٌ ، وَأَبُو هَاشِمٍ ، وَابْنُ أُذَيْنَةَ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَيَحْيَى الْأَنْصَارِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ الْقَاسِمِ ، وَسَالِمٍ وَقَالَ عَطَاءٌ وَالْحَسَنُ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ : يُقْبَلُ ؛ لِأَنَّ مَنْ صَحَّ الْإِقْرَارُ لَهُ فِي الصِّحَّةِ ، صَحَّ فِي الْمَرَضِ ، كَالْأَجْنَبِيِّ .\rوَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ كَالْمَذْهَبَيْنِ .\rوَقَالَ مَالِكٌ يَصِحُّ إذَا لَمْ يُتَّهَمْ ، وَيَبْطُلُ إنْ اُتُّهِمَ ، كَمَنْ لَهُ بِنْتٌ وَابْنُ عَمٍّ ، فَأَقَرَّ لِابْنَتِهِ ، لَمْ يُقْبَلْ ، وَإِنْ أَقَرَّ لِابْنِ عَمِّهِ ، قُبِلَ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُتَّهَمُ فِي أَنَّهُ يَزْوِي ابْنَتَهُ وَيُوصِلُ الْمَالَ إلَى ابْنِ عَمِّهِ ، وَعِلَّةُ مَنْعِ الْإِقْرَارِ التُّهْمَةُ ، فَاخْتَصَّ الْمَنْعُ بِمَوْضِعِهَا .\rوَلَنَا أَنَّهُ إيصَالٌ لِمَالِهِ إلَى وَارِثِهِ بِقَوْلِهِ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ ، فَلَمْ يَصِحَّ بِغَيْرِ رِضَى بَقِيَّةِ وَرَثَتِهِ ، كَهِبَتِهِ ، وَلِأَنَّهُ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ فِي حَقِّهِ ، فَلَمْ يَصِحَّ إقْرَارُهُ لَهُ ، كَالصَّبِيِّ فِي حَقِّ جَمِيعِ النَّاسِ .\rوَفَارَقَ الْأَجْنَبِيَّ ؛ فَإِنَّ هِبَتَهُ لَهُ تَصِحُّ .\rوَمَا ذَكَرَهُ مَالِكٌ لَا يَصِحُّ ؛ فَإِنَّ التُّهْمَةَ لَا يُمْكِنُ اعْتِبَارُهَا بِنَفْسِهَا ، فَوَجَبَ اعْتِبَارُهَا بِمَظِنَّتِهَا وَهُوَ الْإِرْثُ ، وَكَذَلِكَ اُعْتُبِرَ فِي الْوَصِيَّةِ وَالتَّبَرُّعِ وَغَيْرِهِمَا .","part":10,"page":484},{"id":4984,"text":"( 3904 ) فَصْلٌ : وَإِنْ أَقَرَّ لِامْرَأَتِهِ بِمَهْرِ مِثْلِهَا أَوْ دُونَهُ ، صَحَّ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا .\rلَا نَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا إلَّا الشَّعْبِيَّ قَالَ : لَا يَجُوزُ إقْرَارُهُ لَهَا ؛ لِأَنَّهُ إقْرَارٌ لِوَارِثٍ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ إقْرَارٌ بِمَا تَحَقَّقَ سَبَبُهُ ، وَعُلِمَ وُجُودُهُ ، وَلَمْ تُعْلَمْ الْبَرَاءَةُ مِنْهُ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ بِبَيِّنَةٍ ، فَأَقَرَّ بِأَنَّهُ لَمْ يُوَفِّهِ .\rوَكَذَلِكَ إنْ اشْتَرَى مِنْ وَارِثِهِ شَيْئًا ، فَأَقَرَّ لَهُ بِثَمَنِ مِثْلِهِ ؛ لِأَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْمُقَرِّ لَهُ ، فِي أَنَّهُ لَمْ يَقْبِضْ ثَمَنَهُ .\rوَإِنْ أَقَرَّ لِامْرَأَتِهِ بِدَيْنٍ سِوَى الصَّدَاقِ ، لَمْ يُقْبَلْ .\rوَإِنْ أَقَرَّ لَهَا ، ثُمَّ أَبَانَهَا ، ثُمَّ رَجَعَ تَزَوَّجَهَا ، وَمَاتَ فِي مَرَضِهِ ، لَمْ يُقْبَلْ إقْرَارُهُ لَهَا .\rوَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ يُقْبَلُ ؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ إلَى حَالٍ لَا يُتَّهَمُ فِيهَا ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَقَرَّ الْمَرِيضُ ثُمَّ بَرَأَ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ إقْرَارٌ لِوَارِثِ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ ، أَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ يُبِنْهَا ، وَفَارَقَ مَا إذَا صَحَّ مِنْ مَرَضِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ مَرَضَ الْمَوْتِ .","part":10,"page":485},{"id":4985,"text":"( 3905 ) فَصْلٌ : وَإِنْ أَقَرَّ لِوَارِثٍ ، فَصَارَ غَيْرَ وَارِثٍ كَرَجُلٍ أَقَرَّ لِأَخِيهِ وَلَا وَلَدَ لَهُ ، ثُمَّ وُلِدَ لَهُ ابْنٌ ، لَمْ يَصِحَّ إقْرَارُهُ لَهُ .\rوَإِنْ أَقَرَّ لِغَيْرِ وَارِثٍ ، ثُمَّ صَارَ وَارِثًا ، صَحَّ إقْرَارُهُ لَهُ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ : إذَا أَقَرَّ لِامْرَأَةِ بِدَيْنٍ فِي الْمَرَضِ ، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا ، جَازَ إقْرَارُهُ ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَّهَمٍ .\rوَحُكِيَ لَهُ قَوْلُ سُفْيَانَ فِي رَجُلٍ لَهُ ابْنَانِ ، فَأَقَرَّ لِأَحَدِهِمَا بِدَيْنٍ فِي مَرَضِهِ ، ثُمَّ مَاتَ الِابْنُ ، وَتَرَكَ ابْنًا ، وَالْأَبُ حَيٌّ ، ثُمَّ مَاتَ بَعْدَ ذَلِكَ ، جَازَ إقْرَارُهُ .\rفَقَالَ أَحْمَدُ لَا يَجُوزُ .\rوَبِهَذَا قَالَ عُثْمَانُ الْبَتِّيُّ وَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ رِوَايَةً أُخْرَى فِي الصُّورَتَيْنِ مُخَالِفَةً لِمَا قُلْنَا .\rوَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَالشَّافِعِيِّ لِأَنَّهُ مَعْنَى يُعْتَبَرُ فِيهِ عَدَمُ الْمِيرَاثِ ، فَكَانَ الِاعْتِبَارُ فِيهِ بِحَالَةِ الْمَوْتِ ، كَالْوَصِيَّةِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ قَوْلٌ تُعْتَبَرُ فِيهِ التُّهْمَةُ ، فَاعْتُبِرَتْ حَالَ وُجُودِهِ دُونَ غَيْرِهِ ، كَالشَّهَادَةِ ، وَلِأَنَّهُ إذَا أَقَرَّ لِغَيْرِ وَارِثٍ ، ثَبَتَ الْإِقْرَارُ ، وَصَحَّ ؛ لِوُجُودِهِ مِنْ أَهْلِهِ خَالِيًا عَنْ تُهْمَةٍ ، فَيَثْبُتُ الْحَقُّ بِهِ ، وَلَمْ يُوجَدْ مُسْقِطٌ لَهُ ، فَلَا يَسْقُطُ .\rوَإِذَا أَقَرَّ لِوَارِثٍ ، وَقَعَ بَاطِلًا ؛ لِاقْتِرَانِ التُّهْمَةِ بِهِ ، فَلَا يَصِحُّ بَعْدَ ذَلِكَ ، وَلِأَنَّهُ إقْرَارٌ لِوَارِثِ ، فَلَمْ يَصِحَّ ، كَمَا لَوْ اسْتَمَرَّ الْمِيرَاثُ .\rوَإِنْ أَقَرَّ لِغَيْرِ وَارِثٍ ، صَحَّ ، وَاسْتَمَرَّ ، كَمَا لَوْ اسْتَمَرَّ عَدَمُ الْإِرْثِ .\rأَمَّا الْوَصِيَّةُ ، فَإِنَّهَا عَطِيَّةٌ بَعْدَ الْمَوْتِ ، فَاعْتُبِرَتْ فِيهَا حَالَةُ الْمَوْتِ ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا .","part":10,"page":486},{"id":4986,"text":"( 3906 ) فَصْلٌ : وَإِنْ أَقَرَّ لِوَارِثٍ وَأَجْنَبِيٍّ ، بَطَلَ فِي حَقِّ الْوَارِثِ ، وَصَحَّ فِي حَقِّ الْأَجْنَبِيِّ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَصِحَّ فِي حَقِّ الْأَجْنَبِيِّ ، كَمَا لَوْ شَهِدَ بِشَهَادَةٍ يَجُرُّ إلَى نَفْسِهِ بَعْضَهَا ، بَطَلَتْ شَهَادَتُهُ فِي الْكُلِّ ، وَكَمَا لَوْ شَهِدَ لِابْنِهِ وَأَجْنَبِيٍّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إنْ أَقَرَّ لَهُمَا بِدَيْنٍ مِنْ الشَّرِكَةِ ، فَاعْتَرَفَ الْأَجْنَبِيُّ بِالشَّرِكَةِ ، صَحَّ الْإِقْرَارُ لَهُمَا ، وَإِنْ جَحَدَهَا ، صَحَّ لَهُ دُونَ الْوَارِثِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ إقْرَارٌ لِوَارِثِ وَأَجْنَبِيٍّ ، فَيَصِحُّ لِلْأَجْنَبِيِّ دُونَ الْوَارِثِ ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِلَفْظَيْنِ ، أَوْ كَمَا لَوْ جَحَدَ الْأَجْنَبِيُّ الشَّرِكَةَ .\rوَيُفَارِقُ الْإِقْرَارُ الشَّهَادَةَ ؛ لِقُوَّةِ الْإِقْرَارِ ، وَلِذَلِكَ لَا تُعْتَبَرُ فِيهِ الْعَدَالَةُ .\rوَلَوْ أَقَرَّ بِشَيْءٍ لَهُ فِيهِ نَفْعٌ ، كَالْإِقْرَارِ بِنَسَبٍ مُوسِرٍ ، قُبِلَ .\rوَلَوْ أَقَرَّ بِشَيْءٍ يَتَضَمَّنُ دَعْوَى عَلَى غَيْرِهِ ، قُبِلَ فِيمَا عَلَيْهِ دُونَ مَا لَهُ .\rكَمَا لَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ : خَلَعْتُك عَلَى أَلْفٍ .\rبَانَتْ بِإِقْرَارِهِ ، وَالْقَوْلُ قَوْلُهَا فِي نَفْيِ الْعِوَضِ .\rوَإِنْ قَالَ لِعَبْدِهِ : اشْتَرَيْت نَفْسَك مِنِّي بِأَلْفٍ .\rفَكَذَلِكَ .","part":10,"page":487},{"id":4987,"text":"( 3907 ) فَصْلٌ : وَيَصِحُّ إقْرَارُ الْمَرِيضِ بِوَارِثٍ ، فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ .\rوَالْأُخْرَى ، لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّهُ إقْرَارٌ لِوَارِثٍ ، فَأَشْبَهَ الْإِقْرَارَ لَهُ بِمَالٍ .\rوَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ؛ لِأَنَّهُ عِنْدَ الْإِقْرَارِ غَيْرُ وَارِثٍ ، فَصَحَّ .\rكَمَا لَوْ لَمْ يَصِرْ وَارِثًا ، وَيُمْكِنُ بِنَاءُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى مَا إذَا أَقَرَّ لِغَيْرِ وَارِثٍ ، ثُمَّ صَارَ وَارِثًا ، فَمَنْ صَحَّحَ الْإِقْرَارَ ثَمَّ ، صَحَّحَهُ هَاهُنَا ، وَمَنْ أَبْطَلَهُ ، أَبْطَلَهُ .\rوَإِنْ مَلَكَ ابْنَ عَمِّهِ ، فَأَقَرَّ فِي مَرَضِهِ أَنَّهُ كَانَ أَعْتَقَهُ فِي صِحَّتِهِ ، وَهُوَ أَقْرَبُ عُصْبَته ، عَتَقَ ، وَلَمْ يَرِثْهُ ؛ لِأَنَّ تَوْرِيثَهُ يُوجِبُ إبْطَالَ الْإِقْرَارِ بِحُرِّيَّتِهِ ، وَإِذَا بَطَلَتْ الْحُرِّيَّةُ سَقَطَ الْإِرْثُ ، فَصَارَ تَوْرِيثُهُ سَبَبًا إلَى إسْقَاطِ تَوْرِيثِهِ ، فَأَسْقَطْنَا التَّوْرِيثَ وَحْدَهُ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يَرِثَ ؛ لِأَنَّهُ حِينَ الْإِقْرَارِ غَيْرُ وَارِثٍ ، فَصَحَّ إقْرَارُهُ لَهُ ، كَالْمَسْأَلَةِ قَبْلَهَا .","part":10,"page":488},{"id":4988,"text":"( 3908 ) فَصْلٌ : وَيَصِحُّ الْإِقْرَارُ مِنْ الْمَرِيضِ بِإِحْبَالِ الْأَمَةِ ؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ ذَلِكَ ، فَمَلَكَ الْإِقْرَارَ بِهِ .\rوَكَذَلِكَ كُلُّ مَا مَلَكَهُ مَلَكَ الْإِقْرَارَ بِهِ .\rفَإِذَا أَقَرَّ بِذَلِكَ ، ثُمَّ مَاتَ ، فَإِنْ بَيَّنَ أَنَّهُ اسْتَوْلَدَهَا فِي مِلْكِهِ ، فَوَلَدُهُ حُرُّ الْأَصْلِ ، وَأُمُّهُ أُمُّ وَلَدٍ ، تَعْتِقُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ .\rوَإِنْ قَالَ : مِنْ نِكَاحِهِ ، أَوْ وَطْءِ شُبْهَةٍ .\rلَمْ تَصِرْ الْأَمَةُ أُمَّ وَلَدٍ وَعَتَقَ الْوَلَدُ ، فَإِنْ كَانَ مِنْ نِكَاحٍ فَعَلَيْهِ الْوَلَاءُ ؛ لِأَنَّهُ مَسَّهُ رِقٌّ ، وَإِنْ قَالَ : مِنْ وَطْءِ شُبْهَةٍ .\rلَمْ تَصِرْ الْأَمَةُ أُمَّ وَلَدٍ .\rوَإِنْ لَمْ يَتَبَيَّنْ السَّبَبُ ، فَالْأَمَةُ مَمْلُوكَةٌ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ الرِّقُّ ، وَلَمْ يَثْبُتْ سَبَبُ الْحُرِّيَّةِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ تَصِيرَ أُمَّ وَلَدٍ ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ اسْتِيلَادُهَا فِي مِلْكِهِ ، مِنْ قِبَلِ أَنَّهَا مَمْلُوكَتُهُ ، وَالْوِلَادَةُ مَوْجُودَةٌ ، وَلَا وَلَاءَ عَلَى الْوَلَدِ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ ، فَلَا يَثْبُتُ إلَّا بِدَلِيلٍ .","part":10,"page":489},{"id":4989,"text":"( 3909 ) فَصْلٌ : فِي الْأَلْفَاظِ الَّتِي يَثْبُتُ بِهَا الْإِقْرَارُ ، إذَا قَالَ : لَهُ عَلَى أَلْفٌ .\rأَوْ قَالَ لَهُ : لِي عَلَيْك أَلْفٌ ؟ فَقَالَ : نَعَمْ ، أَوْ أَجَلْ ، أَوْ صَدَقْت ، أَوْ لَعَمْرِي ، أَوْ أَنَا مُقِرٌّ بِهِ ، أَوْ بِمَا ادَّعَيْت ، أَوْ بِدَعْوَاك .\rكَانَ مُقِرًّا فِي جَمِيعِ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ وُضِعَتْ لِلتَّصْدِيقِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ } .\rوَإِنْ قَالَ : أَلَيْسَ لِي عِنْدَك أَلْفٌ ؟ قَالَ : بَلَى .\rكَانَ إقْرَارًا صَحِيحًا ؛ لِأَنَّ بَلَى جَوَابٌ لِلسُّؤَالِ بِحَرْفِ النَّفْيِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى } .\rوَإِنْ قَالَ : لَك عَلَيَّ أَلْفٌ فِي عِلْمِي ، أَوْ فِيمَا أَعْلَمُ .\rكَانَ مُقِرًّا بِهِ ، لِأَنَّ مَا فِي عِلْمِهِ لَا يَحْتَمِلُ إلَّا الْوُجُوبَ .\rوَإِنْ قَالَ : اقْضِنِي الْأَلْفَ الَّذِي لِي عَلَيْك .\rقَالَ : نَعَمْ .\rكَانَ مُقِرًّا بِهِ ؛ لِأَنَّهُ تَصْدِيقٌ لِمَا ادَّعَاهُ .\rوَإِنْ قَالَ : اشْتَرِ عَبْدِي هَذَا .\rأَوْ أَعْطِنِي عَبْدِي هَذَا .\rفَقَالَ : نَعَمْ .\rكَانَ إقْرَارًا ؛ لِمَا ذَكَرْنَا .\rوَإِنْ قَالَ : لَك عَلَيَّ أَلْفٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .\rكَانَ مُقِرًّا بِهِ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ : لَيْسَ بِإِقْرَارٍ ؛ لِأَنَّهُ عَلَّقَ إقْرَارَهُ عَلَى شَرْطٍ ، فَلَمْ يَصِحَّ ، كَمَا لَوْ عَلَّقَهُ عَلَى مَشِيئَةِ زَيْدٍ ، وَلِأَنَّ مَا عَلَّقَ عَلَى مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى لَا سَبِيلَ إلَى مَعْرِفَتِهِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ وَصَلَ إقْرَارَهُ بِمَا يَرْفَعُهُ كُلَّهُ ، وَلَا يَصْرِفُهُ إلَى غَيْرِ الْإِقْرَارِ ، فَلَزِمَهُ مَا أَقَرَّ بِهِ ، وَبَطَلَ مَا وَصَلَهُ بِهِ ، كَمَا لَوْ قَالَ : لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ إلَّا أَلْفًا .\rوَلِأَنَّهُ عَقَّبَ الْإِقْرَارَ بِمَا لَا يُفِيدُ حُكْمًا آخَرَ ، وَلَا يَقْتَضِي رَفْعَ الْحُكْمِ ، أَشْبَهَ مَا لَوْ قَالَ : لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ فِي مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى .\rوَإِنْ قَالَ : لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ إلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ .\rصَحَّ الْإِقْرَارُ ؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ ، ثُمَّ عَلَّقَ رَفْعَ الْإِقْرَارِ عَلَى أَمْرٍ لَا","part":10,"page":490},{"id":4990,"text":"يُعْلَمُ ، فَلَمْ يَرْتَفِعْ .\rوَإِنْ قَالَ : لَك عَلَيَّ أَلْفٌ ، إنْ شِئْت ، أَوْ إنْ شَاءَ زَيْدٌ .\rلَمْ يَصِحَّ الْإِقْرَارُ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : يَصِحُّ ؛ لِأَنَّهُ عَقَّبَهُ بِمَا يَرْفَعُهُ ، فَصَحَّ الْإِقْرَارُ دُونَ مَا يَرْفَعُهُ ، كَاسْتِثْنَاءِ الْكُلِّ ، وَكَمَا لَوْ قَالَ : إنْ شَاءَ اللَّهُ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ عَلَّقَهُ عَلَى شَرْطٍ يُمْكِنُ عِلْمُهُ .\rفَلَمْ يَصِحَّ ، كَمَا لَوْ قَالَ : لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ ، إنْ شَهِدَ بِهَا فُلَانٌ .\rوَذَلِكَ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ إخْبَارٌ بِحَقٍّ سَابِقٍ ، فَلَا يَتَعَلَّقُ عَلَى شَرْطٍ مُسْتَقْبَلٍ .\rوَيُفَارِقُ التَّعْلِيقَ عَلَى مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى ، فَإِنَّ مَشِيئَةَ اللَّهِ تَعَالَى تُذْكَرُ فِي الْكَلَامِ تَبَرُّكًا وَصِلَةً وَتَفْوِيضًا إلَى اللَّهِ تَعَالَى ، لَا لِلِاشْتِرَاطِ ، كَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ } .\rوَقَدْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّهُمْ سَيَدْخُلُونَ بِغَيْرِ شَكٍّ .\rوَيَقُولُ النَّاسُ : صَلَّيْنَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .\rمَعَ تَيَقُّنِهِمْ صَلَاتَهُمْ ، بِخِلَافِ مَشِيئَةِ الْآدَمِيِّ .\rالثَّانِي ، أَنَّ مَشِيئَةَ اللَّهِ تَعَالَى لَا تُعْلَمُ إلَّا بِوُقُوعِ الْأَمْرِ ، فَلَا يُمْكِنُ وَقْفُ الْأَمْرِ عَلَى وُجُودِهَا ، وَمَشِيئَةُ الْآدَمِيِّ يُمْكِنُ الْعِلْمُ بِهَا ، فَيُمْكِنُ جَعْلُهَا شَرْطًا .\rيَتَوَقَّفُ الْأَمْرُ عَلَى وُجُودِهَا ، وَالْمَاضِي لَا يُمْكِنُ وَقْفُهُ ، فَيَتَعَيَّنُ حَمْلُ الْأَمْرِ هَاهُنَا عَلَى الْمُسْتَقْبَلِ ، فَيَكُونُ وَعْدًا لَا إقْرَارًا .\rوَإِنْ قَالَ : بِعْتُك إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ، أَوْ زَوَّجْتُك إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .\rفَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ بْنُ شَاقِلَا لَا أَعْلَمُ خِلَافًا عَنْهُ فِي أَنَّهُ إذَا قِيلَ لَهُ : قَبِلْت هَذَا النِّكَاحَ ؟ فَقَالَ : نَعَمْ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .\rأَنَّ النِّكَاحَ وَقَعَ بِهِ .\rقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَلَوْ قَالَ : بِعْتُك بِأَلْفٍ إنْ شِئْت .\rفَقَالَ : قَدْ شِئْت وَقَبِلْت .\rصَحَّ ؛ لِأَنَّ هَذَا الشَّرْطَ مِنْ مُوجِبِ الْعَقْدِ وَمُقْتَضَاهُ ، فَإِنَّ الْإِيجَابَ إذَا وُجِدَ مِنْ الْبَائِعِ كَانَ الْقَبُولُ","part":10,"page":491},{"id":4991,"text":"إلَى مَشِيئَةِ الْمُشْتَرِي وَاخْتِيَارِهِ .\rوَإِنْ قَالَ : لَهُ عَلَيَّ أَلْفَانِ إنْ قَدِمَ فُلَانٌ .\rلَمْ يَلْزَمْهُ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُقِرَّ بِهَا فِي الْحَالِ ، وَمَا لَا يَلْزَمُهُ فِي الْحَالِ ، لَا يَصِيرُ وَاجِبًا عِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ .\rوَإِنْ قَالَ : إنْ شَهِدَ فُلَانٌ عَلَيَّ لَك بِأَلْفٍ صَدَّقْته .\rلَمْ يَكُنْ إقْرَارًا ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُصَدِّقَ الْكَاذِبَ .\rوَإِنْ قَالَ : إنْ شَهِدَ بِهَا فُلَانٌ فَهُوَ صَادِقٌ .\rاحْتَمَلَ أَنْ لَا يَكُونَ إقْرَارًا ؛ لِأَنَّهُ عَلَّقَهُ عَلَى شَرْطٍ ، فَأَشْبَهَتْ الَّتِي قَبْلَهَا .\rوَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ إقْرَارًا فِي الْحَالِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ صِدْقُهُ إذَا شَهِدَ بِهَا ، إلَّا أَنْ تَكُونَ ثَابِتَةً فِي الْحَالِ ، وَقَدْ أَقَرَّ بِصِدْقِهِ .\rوَإِنْ قَالَ : لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ إنْ شَهِدَ بِهَا فُلَانٌ .\rلَمْ يَكُنْ إقْرَارًا ؛ لِأَنَّهُ مُعَلَّقٌ عَلَى شَرْطٍ .\r( 3910 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَالَ : لِي عَلَيْك أَلْفٌ .\rفَقَالَ : أَنَا أُقِرُّ .\rلَمْ يَكُنْ إقْرَارًا ؛ لِأَنَّهُ وَعَدَ بِالْإِقْرَارِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ .\rوَإِنْ قَالَ : لَا أُنْكِرُ .\rلَمْ يَكُنْ إقْرَارًا ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ الْإِنْكَارِ الْإِقْرَارُ ، فَإِنَّ بَيْنَهُمَا قِسْمًا آخَرَ ، وَهُوَ السُّكُوتُ عَنْهُمَا .\rوَإِنْ قَالَ : لَا أُنْكِرُ أَنْ تَكُونَ مُحِقًّا .\rلَمْ يَكُنْ إقْرَارًا ؛ لِذَلِكَ .\rوَإِنْ قَالَ : أَنَا مُقِرٌّ .\rوَلَمْ يَزِدْ ، احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ مُقِرًّا ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ عَقِيبَ الدَّعْوَى ، فَيَنْصَرِفُ إلَيْهَا .\rوَكَذَلِكَ إنْ قَالَ : أَقْرَرْت .\rقَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا } وَلَمْ يَقُولُوا أَقْرَرْنَا بِذَلِكَ وَلَا زَادُوا عَلَيْهِ فَكَانَ مِنْهُمْ إقْرَارًا .\rوَاحْتَمَلَ أَنْ لَا يَكُونَ مُقِرًّا لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ غَيْرَ ذَلِكَ مِثْلُ أَنْ يُرِيدَ : أَنَا مُقِرٌّ بِالشَّهَادَةِ أَوْ بِبُطْلَانِ دَعْوَاك وَإِنْ قَالَ لَعَلَّ أَوْ عَسَى لَمْ يَكُنْ مُقِرًّا لِأَنَّهُمَا لِلتَّرَجِّي ، وَإِنْ قَالَ : أَظُنُّ أَوْ أَحْسَبُ أَوْ أُقَدِّرُ لَمْ يَكُنْ إقْرَارًا لِأَنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ","part":10,"page":492},{"id":4992,"text":"تُسْتَعْمَلُ لِلشَّكِّ ، وَإِنْ قَالَ : خُذْ ، أَوْ اتَّزِنْ لَمْ يَكُنْ إقْرَارًا لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ : خُذْ الْجَوَابَ ، أَوْ اتَّزِنْ شَيْئًا آخَرَ ، وَإِنْ قَالَ : خُذْهَا ، أَوْ اتَّزِنْهَا ، أَوْ هِيَ صِحَاحٌ .\rفَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا لَيْسَ بِإِقْرَارِ ؛ لِأَنَّ الصِّفَةَ تَرْجِعُ إلَى الْمُدَّعِي ، وَلَمْ يُقِرَّ بِوُجُوبِهِ ، وَلِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُعْطِيَهُ مَا يَدَّعِيه مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ وَاجِبًا عَلَيْهِ ، فَأَمْرُهُ بِأَخْذِهَا أَوْلَى أَنْ لَا يَلْزَمَ مِنْهُ الْوُجُوبُ .\rوَالثَّانِي ، يَكُونُ إقْرَارًا ؛ لِأَنَّ الضَّمِيرَ يَعُودُ إلَى مَا تَقَدَّمَ .\rوَإِنْ قَالَ : لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ إذَا جَاءَ رَأْسُ الشَّهْرِ .\rأَوْ إذَا جَاءَ رَأْسُ الشَّهْرِ فَلَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ .\rفَقَالَ أَصْحَابُنَا : الْأَوَّلُ إقْرَارٌ ، وَالثَّانِي لَيْسَ بِإِقْرَارٍ .\rوَهَذَا مَنْصُوصُ الشَّافِعِيِّ لِأَنَّهُ فِي الْأَوَّلِ بَدَأَ بِالْإِقْرَارِ ، ثُمَّ عَقَّبَهُ بِمَا لَا يَقْتَضِي رَفْعَهُ ، لِأَنَّ قَوْلَهُ : إذَا جَاءَ رَأْسُ الشَّهْرِ .\rيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ الْمَحَلَّ ، فَلَا يَبْطُلُ الْإِقْرَارُ بِأَمْرٍ مُحْتَمَلٍ ، وَفِي الثَّانِي بَدَأَ بِالشَّرْطِ فَعَلَّقَ عَلَيْهِ لَفْظًا يَصْلُحُ لِلْإِقْرَارِ وَيَصْلُحُ لِلْوَعْدِ ، فَلَا يَكُونُ إقْرَارًا مَعَ الِاحْتِمَالِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا ؛ لِأَنَّ تَقْدِيمَ الشَّرْطِ وَتَأْخِيرَهُ سَوَاءٌ ، فَيَكُونُ فِيهِمَا جَمِيعًا وَجْهَانِ .\r.","part":10,"page":493},{"id":4993,"text":"كِتَابُ الْعَارِيَّةِ ( 3911 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَالْعَارِيَّةُ مَضْمُونَةٌ ، وَإِنْ لَمْ يَتَعَدَّ فِيهَا الْمُسْتَعِيرُ ) الْعَارِيَّةُ : إبَاحَةُ الِانْتِفَاعِ بِعَيْنٍ مِنْ أَعْيَانِ الْمَالِ .\rمُشْتَقَّةٌ مِنْ عَارَ الشَّيْءُ : إذَا ذَهَبَ وَجَاءَ .\rوَمِنْهُ قِيلَ لِلْبَطَّالِ : عِيَارٌ ؛ لِتَرَدُّدِهِ فِي بَطَالَتِهِ ، وَالْعَرَبُ تَقُولُ : أَعَارَهُ ، وَعَارَهُ .\rمِثْلُ أَطَاعَهُ ، وَطَاعَهُ .\rوَالْأَصْلُ فِيهَا الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ ؛ أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ } .\rرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُمَا قَالَا : الْعَوَارِيُّ .\rوَفَسَّرَهَا ابْنُ مَسْعُودٍ فَقَالَ : الْقِدْرُ وَالْمِيزَانُ وَالدَّلْوُ .\rوَأُمًّا السُّنَّةُ ، فَمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ فِي خُطْبَةِ عَامِ حَجَّةِ الْوَدَاعِ : { الْعَارِيَّةُ مُؤَدَّاةٌ ، وَالدَّيْنُ مَقْضِيٌّ ، وَالْمِنْحَةُ مَرْدُودَةٌ ، وَالزَّعِيمُ غَارِمٌ } .\rأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَقَالَ : حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ .\rوَرَوَى صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَعَارَ مِنْهُ أَدْرُعًا يَوْمَ حُنَيْنٍ ، فَقَالَ : أَغَصْبًا يَا مُحَمَّدُ ؟ قَالَ : بَلْ عَارِيَّةٌ مَضْمُونَةٌ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى جَوَازِ الْعَارِيَّةِ وَاسْتِحْبَابِهَا ، وَلِأَنَّهُ لَمَّا جَازَتْ هِبَةُ الْأَعْيَانِ ، جَازَتْ هِبَةُ الْمَنَافِعِ ، وَلِذَلِكَ صَحَّتْ الْوَصِيَّةُ بِالْأَعْيَانِ وَالْمَنَافِعِ جَمِيعًا .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّ الْعَارِيَّةَ مَنْدُوبٌ إلَيْهَا ، وَلَيْسَتْ وَاجِبَةً ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَقِيلَ : هِيَ وَاجِبَةٌ ؛ لِلْآيَةِ ، وَلَمَّا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { مَا مِنْ صَاحِبِ إبِلٍ لَا يُؤَدِّي حَقَّهَا .\rالْحَدِيثَ .\rقِيلَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ : وَمَا حَقُّهَا ؟ قَالَ : إعَارَةُ دَلْوِهَا ، وَإِطْرَاقُ فَحْلِهَا ، وَمِنْحَةُ لَبَنِهَا يَوْمَ وِرْدِهَا } .\rفَذَمَّ اللَّهُ تَعَالَى مَانِعَ الْعَارِيَّةِ ، وَتَوَعَّدَهُ","part":10,"page":494},{"id":4994,"text":"رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا ذَكَرَ فِي خَبَرِهِ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ النَّبِيِّ : { إذَا أَدَّيْت زَكَاةَ مَالِكَ ، فَقَدْ قَضَيْت مَا عَلَيْك } .\rرَوَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ .\rوَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { لَيْسَ فِي الْمَالِ حَقٌّ سِوَى الزَّكَاةِ } .\rوَفِي حَدِيثِ الْأَعْرَابِيِّ { الَّذِي سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَاذَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنْ الصَّدَقَةِ ؟ قَالَ : الزَّكَاةُ .\rفَقَالَ : هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا ؟ قَالَ : لَا ، إلَّا أَنْ تَطَوَّعَ شَيْئًا .\rأَوْ كَمَا قَالَ } .\rوَالْآيَةُ فَسَّرَهَا ابْنُ عُمَرَ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ بِالزَّكَاةِ ، وَكَذَلِكَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ .\rوَقَالَ عِكْرِمَةُ : إذَا جَمَعَ ثَلَاثَتَهَا فَلَهُ الْوَيْلُ ، إذَا سَهَا عَنْ الصَّلَاةِ ، وَرَاءَى ، وَمَنَعَ الْمَاعُونَ .\rوَيَجِبُ رَدُّ الْعَارِيَّةِ إنْ كَانَتْ بَاقِيَةً .\rبِغَيْرِ خِلَافٍ .\rوَيَجِبُ ضَمَانُهَا إذَا كَانَتْ تَالِفَةً ، تَعَدَّى فِيهَا الْمُسْتَعِيرُ أَوْ لَمْ يَتَعَدَّ .\rرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ عَطَاءٌ وَالشَّافِعِيُّ وَإِسْحَاقُ وَقَالَ الْحَسَنُ وَالنَّخَعِيُّ وَالشَّعْبِيُّ وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَالثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَابْنُ شُبْرُمَةَ : هِيَ أَمَانَةٌ لَا يَجِبُ ضَمَانُهَا إلَّا بِالتَّعَدِّي ؛ لِمَا رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { لَيْسَ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ غَيْرِ الْمُغِلِّ ، ضَمَانٌ } .\rوَلِأَنَّهُ قَبَضَهَا بِإِذْنِ مَالِكِهَا ، فَكَانَتْ أَمَانَةً ، كَالْوَدِيعَةِ .\rقَالُوا : وَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الْعَارِيَّةُ مُؤَدَّاةٌ } .\rيَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا أَمَانَةٌ ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إلَى أَهْلِهَا } .\rوَلَنَا ، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثِ صَفْوَانَ : { بَلْ عَارِيَّةٌ مَضْمُونَةٌ } .\rوَرَوَى الْحَسَنُ ، عَنْ سَمُرَةَ ، عَنْ","part":10,"page":495},{"id":4995,"text":"النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَهُ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَالتِّرْمِذِيُّ .\rوَقَالَ : حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ .\rوَلِأَنَّهُ أَخَذَ مِلْكَ غَيْرِهِ لِنَفْعِ نَفْسِهِ ، مُنْفَرِدًا بِنَفْعِهِ مِنْ غَيْرِ اسْتِحْقَاقٍ ، وَلَا إذْنٍ فِي الْإِتْلَافِ ، فَكَانَ مَضْمُونًا كَالْغَصْبِ ، وَالْمَأْخُوذِ عَلَى وَجْهِ السَّوْمِ .\rوَحَدِيثُهُمْ يَرْوِيه عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ حَسَّانٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، وَعُمَرُ وَعُبَيْدٌ ضَعِيفَانِ .\rقَالَهُ الدَّارَقُطْنِيّ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ ضَمَانَ الْمَنَافِعِ وَالْأَجْزَاءِ ، وَقِيَاسُهُمْ مَنْقُوضٌ بِالْمَقْبُوضِ عَلَى وَجْهِ السَّوْمِ .","part":10,"page":496},{"id":4996,"text":"( 3912 ) فَصْلٌ : وَإِنْ شَرَطَ نَفْيَ الضَّمَانِ ، لَمْ يَسْقُطْ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو حَفْصٍ الْعُكْبَرِيُّ : يَسْقُطُ .\rقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ أَوْمَأَ إلَيْهِ أَحْمَدُ وَهُوَ قَوْلُ قَتَادَةَ وَالْعَنْبَرِيِّ لِأَنَّهُ لَوْ أَذِنَ فِي إتْلَافِهَا لَمْ يَجِبْ ضَمَانُهَا ، فَكَذَلِكَ إذَا أَسْقَطَ عَنْهُ ضَمَانَهَا .\rوَقِيلَ : بَلْ مَذْهَبُ قَتَادَةَ وَالْعَنْبَرِيِّ أَنَّهَا لَا تُضْمَنُ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ ضَمَانَهَا فَيَجِبُ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِصَفْوَانَ : { بَلْ عَارِيَّةٌ مَضْمُونَةٌ } .\rوَلَنَا ، أَنَّ كُلَّ عَقْدٍ اقْتَضَى الضَّمَانَ ، لَمْ يُغَيِّرْهُ الشَّرْطُ ، كَالْمَقْبُوضِ بِبَيْعٍ صَحِيحٍ أَوْ فَاسِدٍ ، وَمَا اقْتَضَى الْأَمَانَةَ ، فَكَذَلِكَ ، كَالْوَدِيعَةِ وَالشَّرِكَةِ وَالْمُضَارَبَةِ ، وَاَلَّذِي كَانَ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إخْبَارٌ بِصِفَةِ الْعَارِيَّةِ وَحُكْمِهَا .\rوَفَارَقَ مَا إذَا أَذِنَ فِي الْإِتْلَافِ ، فَإِنَّ الْإِتْلَافَ فِعْلٌ يَصِحُّ الْإِذْنُ فِيهِ ، وَيَسْقُطُ حُكْمُهُ ، إذْ لَا يَنْعَقِدُ مُوجِبًا لِلضَّمَانِ مَعَ الْإِذْنِ فِيهِ ، وَإِسْقَاطُ الضَّمَانِ هَاهُنَا نَفْيٌ لِلْحُكْمِ مَعَ وُجُودِ سَبَبِهِ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لِلْمَالِكِ ، وَلَا يَمْلِكُ الْإِذْنَ فِيهِ .","part":10,"page":497},{"id":4997,"text":"( 3913 ) فَصْلٌ : وَإِذَا انْتَفَعَ بِهَا ، وَرَدَّهَا عَلَى صِفَتِهَا ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ الْمَنَافِعَ مَأْذُونٌ فِي إتْلَافِهَا ، فَلَا يَجِبُ عِوَضُهَا .\rوَإِنْ تَلِفَ شَيْءٌ مِنْ أَجْزَائِهَا الَّتِي لَا تَذْهَبُ بِالِاسْتِعْمَالِ ، فَعَلَيْهِ ضَمَانُهَا ؛ لِأَنَّ مَا ضَمِنَ جُمْلَتُهُ ضَمِنَتْ أَجْزَاؤُهُ ، كَالْمَغْصُوبِ .\rوَأَمَّا أَجْزَاؤُهَا الَّتِي تَذْهَبُ بِالِاسْتِعْمَالِ ، كَحَمْلِ الْمِنْشَفَةِ وَالْقَطِيفَةِ ، وَخُفِّ الثَّوْبِ يَلْبَسُهُ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، يَجِبُ ضَمَانُهُ ؛ لِأَنَّهَا أَجْزَاءُ عَيْنٍ مَضْمُونَةٌ ، فَكَانَتْ مَضْمُونَةً ، كَمَا لَوْ كَانَتْ مَغْصُوبَةً ، وَلِأَنَّهَا أَجْزَاءٌ يَجِبُ ضَمَانُهَا لَوْ تَلِفَتْ الْعَيْنُ قَبْلَ اسْتِعْمَالِهَا ، فَتُضْمَنُ إذَا تَلِفَتْ وَحْدَهَا ، كَسَائِرِ الْأَجْزَاءِ .\rوَالثَّانِي ، لَا يَضْمَنُهَا .\rوَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ لِأَنَّ الْإِذْنَ فِي الِاسْتِعْمَالِ تَضَمَّنَهُ ، فَلَا يَجِبُ ضَمَانُهُ ، كَالْمَنَافِعِ ، وَكَمَا لَوْ أَذِنَ فِي إتْلَافِهَا صَرِيحًا .\rوَفَارَقَ مَا إذَا تَلِفَتْ الْعَيْنُ قَبْلَ اسْتِعْمَالِهَا ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ تَمْيِيزهَا مِنْ الْعَيْنِ ، وَلِأَنَّهُ إنَّمَا أَذِنَ فِي إتْلَافِهَا عَلَى وَجْهِ الِانْتِفَاعِ ، فَإِذَا تَلِفَتْ قَبْلَ ذَلِكَ فَقَدْ تَلِفَتْ عَلَى غَيْرِ الْوَجْهِ الَّذِي أَذِنَ فِيهِ ، فَضَمِنَهَا ، كَمَا لَوْ أَجَّرَ الْعَيْنَ الْمُسْتَعَارَةَ ، فَإِنَّهُ يَضْمَنُ مَنَافِعَهَا .\rفَإِذَا قُلْنَا : لَا يَضْمَنُ الْأَجْزَاءَ .\rفَتَلِفَتْ الْعَيْنُ بَعْدَ ذَهَابِهَا بِالِاسْتِعْمَالِ ، فَإِنَّهَا تُقَوَّمُ حَالَ التَّلَفِ ؛ لِأَنَّ الْأَجْزَاءَ التَّالِفَةَ تَلِفَتْ غَيْرَ مَضْمُونَةٍ ، لِكَوْنِهَا مَأْذُونًا فِي إتْلَافِهَا ، فَلَا يَجُوزُ تَقْوِيمُهَا عَلَيْهِ .\rوَإِنْ قُلْنَا : يَجِبُ ضَمَانُ الْأَجْزَاءِ .\rقُوِّمَتْ الْعَيْنُ قَبْلَ تَلَفِ أَجْزَائِهَا .\rوَإِنْ تَلِفَتْ الْعَيْنُ قَبْلَ ذَهَابِ أَجْزَائِهَا .\rضَمِنَهَا كُلَّهَا بِأَجْزَائِهَا .\rوَكَذَلِكَ لَوْ تَلِفَتْ الْأَجْزَاءُ بِاسْتِعْمَالِ غَيْرِ مَأْذُونٍ فِيهِ ، مِثْلُ أَنْ يُعِيرَهُ ثَوْبًا لِيَلْبَسهُ ، فَحَمَلَ فِيهِ تُرَابًا ، فَإِنَّهُ يَضْمَنُ","part":10,"page":498},{"id":4998,"text":"نَقْصَهُ وَمَنَافِعَهُ ؛ لِأَنَّهُ تَلِفَ بِتَعَدِّيهِ .\rوَإِنْ تَلِفَ بِغَيْرِ تَعَدٍّ مِنْهُ وَلَا اسْتِعْمَالٍ ، كَتَلَفِهَا لِطُولِ الزَّمَانِ عَلَيْهَا وَوُقُوعِ نَارٍ عَلَيْهَا ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَضْمَنَ مَا تَلِفَ مِنْهَا بِالنَّارِ وَنَحْوِهَا ؛ لِأَنَّهُ تَلَفٌ لَمْ يَتَضَمَّنْهُ الِاسْتِعْمَالُ الْمَأْذُونُ فِيهِ ، فَأَشْبَهَ تَلَفَهَا بِفِعْلِ غَيْرِ مَأْذُونٍ فِيهِ .\rوَمَا تَلِفَ بِمُرُورِ الزَّمَانِ عَلَيْهِ ، يَكُونُ حُكْمُهُ حُكْمَ مَا تَلِفَ بِالِاسْتِعْمَالِ ؛ لِأَنَّهُ تَلِفَ بِالْإِمْسَاكِ الْمَأْذُونِ فِيهِ ، فَأَشْبَهَ تَلَفَهُ بِالْفِعْلِ الْمَأْذُونِ فِيهِ .","part":10,"page":499},{"id":4999,"text":"( 3914 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا وَلَدُ الْعَارِيَّةِ ، فَلَا يَجِبُ ضَمَانُهُ ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ فِي الْإِعَارَةِ ، فَلَمْ يَدْخُلْ فِي الضَّمَانِ ، وَلَا فَائِدَةَ لِلْمُسْتَعِيرِ فِيهِ ، فَأَشْبَهَ الْوَدِيعَةَ ، وَيَضْمَنُهُ فِي الْآخَرَ ؛ لِأَنَّهُ وَلَدُ عَيْنٍ مَضْمُونَةٍ ، فَيَضْمَنُ ، كَوَلَدِ الْمَغْصُوبَةِ .\rوَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ؛ فَإِنَّ وَلَدَ الْمَغْصُوبَةِ لَا يَضْمَنُ إذَا لَمْ يَكُنْ مَغْصُوبًا .\rوَكَذَلِكَ وَلَدُ الْعَارِيَّةِ إذَا لَمْ يُوجَدْ مَعَ أُمِّهِ .\rوَإِنَّمَا يَضْمَنُ وَلَدُ الْمَغْصُوبَةِ إذَا كَانَ مَغْصُوبًا ، فَلَا أَثَرَ لِكَوْنِهِ وَلَدًا لَهَا .\r( 3915 ) فَصْلٌ : وَيَجِبُ ضَمَانُ الْعَيْنِ بِمِثْلِهَا إنْ كَانَتْ مِنْ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ مِثْلِيَّةً ، ضَمِنَهَا بِقِيمَتِهَا يَوْمَ تَلَفِهَا ، إلَّا عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يَجِبُ فِيهِ ضَمَانُ الْأَجْزَاءِ التَّالِفَةِ بِالِانْتِفَاعِ الْمَأْذُونِ فِيهِ ، فَإِنَّهُ يَضْمَنُهَا بِقِيمَتِهَا قَبْلَ تَلَفِ أَجْزَائِهَا ، إنْ كَانَتْ قِيمَتُهَا حِينَئِذٍ أَكْثَرَ ، وَإِنْ كَانَتْ أَقَلَّ ، ضَمِنَهَا بِقِيمَتِهَا يَوْمَ تَلَفِهَا ، عَلَى الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا .","part":10,"page":500},{"id":5000,"text":"( 3916 ) فَصْلٌ : وَإِنْ كَانَتْ الْعَيْنُ بَاقِيَةً ، فَعَلَى الْمُسْتَعِيرِ رَدُّهَا إلَى الْمُعِيرِ أَوْ وَكِيلِهِ فِي قَبْضِهَا ، وَيَبْرَأُ ذَلِكَ مِنْ ضَمَانِهَا .\rوَإِنْ رَدَّهَا إلَى الْمَكَانِ الَّذِي أَخَذَهَا مِنْهُ ، أَوْ إلَى مِلْكِ صَاحِبِهَا ، لَمْ يَبْرَأْ مِنْ ضَمَانِهَا .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَبْرَأُ ؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ كَالْمَقْبُوضَةِ ، فَإِنَّ رَدَّ الْعَوَارِيِّ فِي الْعَادَةِ يَكُونُ إلَى أَمْلَاكِ أَرْبَابِهَا ، فَيَكُونُ مَأْذُونًا فِيهِ مِنْ طَرِيقِ الْعَادَةِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ لَمْ يَرُدَّهَا إلَى مَالِكِهَا ، وَلَا نَائِبِهِ فِيهَا ، فَلَمْ يَبْرَأْ مِنْهَا كَمَا لَوْ دَفَعَهَا إلَى أَجْنَبِيٍّ .\rوَمَا ذَكَرَهُ يَبْطُلُ بِالسَّارِقِ إذَا رَدَّ الْمَسْرُوقَ إلَى الْحِرْزِ ، وَلَا تُعْرَفُ الْعَادَةُ الَّتِي ذَكَرَهَا .\rوَإِنْ رَدَّهَا إلَى مَنْ جَرَتْ عَادَتُهُ بِجَرَيَانِ ذَلِكَ عَلَى يَدَيْهِ ، كَزَوْجَتِهِ الْمُتَصَرِّفَةِ فِي مَالِهِ ، وَرَدِّ الدَّابَّةِ إلَى سَائِسِهَا ، فَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يَبْرَأُ .\rقَالَهُ الْقَاضِي ؛ لِأَنَّ أَحْمَدَ قَالَ فِي الْوَدِيعَةِ : إذَا سَلَّمَهَا الْمُودِعُ إلَى امْرَأَتِهِ ، لَمْ يَضْمَنْهَا .\rوَلِأَنَّهُ مَأْذُونٌ فِي ذَلِكَ عُرْفًا ، أَشْبَهَ مَا لَوْ أُذِنَ فِيهِ نُطْقًا .\rوَمُؤْنَةُ الرَّدِّ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الْعَارِيَّةُ مُؤَدَّاةٌ } .\rوَقَوْلِهِ : { عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَهُ } .\rوَعَلَيْهِ رَدُّهَا إلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي أَخَذَهَا مِنْهُ ؛ إلَّا أَنْ يَتَّفِقَا عَلَى رَدِّهَا إلَى غَيْرِهِ ؛ لِأَنَّ مَا وَجَبَ رَدُّهُ ، لَزِمَ رَدُّهُ إلَى مَوْضِعِهِ ، كَالْمَغْصُوبِ .","part":11,"page":1},{"id":5001,"text":"فَصْلٌ : ( 3917 ) وَلَا تَصِحُّ الْعَارِيَّةِ إلَّا مِنْ جَائِزِ التَّصَرُّفِ ؛ لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ فِي الْمَالِ ، فَأَشْبَهَ التَّصَرُّفَ بِالْبَيْعِ وَتُعْقَدُ بِكُلِّ فِعْلٍ أَوْ لَفْظٍ يَدُلُّ عَلَيْهَا ، مِثْلُ قَوْلِهِ : أَعَرْتُك هَذَا .\rأَوْ يَدْفَعُ إلَيْهِ شَيْئًا ، وَيَقُولُ : أَبَحْتُك الِانْتِفَاعَ بِهِ .\rأَوْ خُذْ هَذَا فَانْتَفِعْ بِهِ .\rأَوْ يَقُولُ : أَعِرْنِي هَذَا .\rأَوْ أَعْطِنِيهِ أَرْكَبْهُ أَوْ أَحْمِلْ عَلَيْهِ .\rوَيُسَلِّمُهُ إلَيْهِ .\rوَأَشْبَاهُ هَذَا ؛ لِأَنَّهُ إبَاحَةٌ لِلتَّصَرُّفِ ، فَصَحَّ بِالْقَوْلِ وَالْفِعْلِ الدَّالِّ عَلَيْهِ ، كَإِبَاحَةِ الطَّعَامِ بِقَوْلِهِ وَتَقْدِيمِهِ إلَى الضَّيْفِ .","part":11,"page":2},{"id":5002,"text":"فَصْلٌ : وَتَجُوزُ إعَارَةُ كُلِّ عَيْنٍ يُنْتَفَعُ بِهَا مَنْفَعَةً مُبَاحَةً مَعَ بَقَائِهَا عَلَى الدَّوَامِ ، كَالدُّورِ ، وَالْعَقَارِ ، وَالْعَبِيدِ ، وَالْجَوَارِي ، وَالدَّوَابِّ ، وَالثِّيَابِ ، وَالْحُلِيِّ لِلُّبْسِ ، وَالْفَحْلِ لِلضِّرَابِ ، وَالْكَلْبِ لِلصَّيْدِ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَعَارَ أَدْرُعًا ، وَذَكَرَ إعَارَةَ دَلْوِهَا وَفَحْلِهَا .\rوَذَكَرَ ابْنُ مَسْعُودٍ عَارِيَّةَ الْقِدْرِ وَالْمِيزَانِ ، فَيَثْبُتُ الْحُكْمُ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ ، وَمَا عَدَاهَا مَقِيسٌ عَلَيْهَا إذَا كَانَ فِي مَعْنَاهَا ، وَلِأَنَّ مَا جَازَ لِلْمَالِكِ اسْتِيفَاؤُهُ مِنْ الْمَنَافِعِ ، مَلَكَ إبَاحَتَهُ إذَا لَمْ يَمْنَعْ مِنْهُ مَانِعٌ كَالثِّيَابِ .\rوَلِأَنَّهَا أَعْيَانٌ تَجُوزُ إجَارَتُهَا ، فَجَازَتْ إعَارَتُهَا ، كَالثِّيَابِ .\rوَيَجُوزُ اسْتِعَارَةُ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ لِيَزِنَ بِهَا ، فَإِنْ اسْتَعَارَهَا لِيُنْفِقَهَا ، فَهَذَا قَرْضٌ .\rوَهَذَا قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ .\rوَقِيلَ : لَيْسَ هَذَا جَائِزًا ، وَلَا تَكُونُ الْعَارِيَّةُ فِي الدَّنَانِيرِ ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ بِهَا شَيْئًا .\rوَلَنَا ، أَنَّ هَذَا مَعْنَى الْقَرْضِ ، فَانْعَقَدَ الْقَرْضُ بِهِ ، كَمَا لَوْ صَرَّحَ بِهِ .","part":11,"page":3},{"id":5003,"text":"( 3919 ) فَصْلٌ : وَلَا تَجُوزُ إعَارَةُ الْعَبْدِ الْمُسْلِمِ لِكَافِرِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَمْكِينُهُ مِنْ اسْتِخْدَامِهِ ، فَلَمْ تَجُزْ إعَارَتُهُ لِذَلِكَ ، وَلَا إعَارَةُ الصَّيْدِ لِمُحْرِمٍ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ إمْسَاكُهُ ، وَلَا إعَارَةُ الْمَرْأَةِ الْجَمِيلَةِ لِرَجُلٍ غَيْرِ مَحْرَمِهَا ، إنْ كَانَ يَخْلُو بِهَا ، أَوْ يَنْظُرُ إلَيْهَا ؛ لِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ عَلَيْهَا .\rوَتَجُوزُ إعَارَتُهَا لِامْرَأَةِ وَلِذِي مَحْرَمِهَا .\rوَلَا تَجُوزُ إعَارَةُ الْعَيْنِ لِنَفْعِ مُحَرَّمٍ ، كَإِعَارَةِ الدَّارِ لِمَنْ يَشْرَبُ فِيهَا الْخَمْرَ ، أَوْ يَبِيعُهُ فِيهَا ، أَوْ يَعْصِي اللَّهَ تَعَالَى فِيهَا ، وَلَا إعَارَةُ عَبْدِهِ لِلزَّمْرِ ، أَوْ لِيَسْقِيَهُ الْخَمْرَ ، أَوْ يَحْمِلَهَا لَهُ ، أَوْ يَعْصِرَهَا ، أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ .\rوَيُكْرَهُ أَنْ يَسْتَعِيرَ وَالِدَيْهِ لِخِدْمَتِهِ ؛ لِأَنَّهُ يُكْرَهُ لَهُ اسْتِخْدَامُهُمَا .\rفَكَرِهَ اسْتِعَارَتُهُمَا لِذَلِكَ .","part":11,"page":4},{"id":5004,"text":"( 3920 ) فَصْلٌ : وَتَجُوزُ الْإِعَارَةُ مُطْلَقًا وَمُقَيَّدًا ؛ لِأَنَّهَا إبَاحَةٌ ، فَجَازَ فِيهَا ذَلِكَ ، كَإِبَاحَةِ الطَّعَامِ .\rوَلِأَنَّ الْجَهَالَةَ إنَّمَا تُؤَثِّرُ فِي الْعُقُودِ اللَّازِمَةِ ، فَإِذَا أَعَارَهُ شَيْئًا مُطْلَقًا ، أُبِيحَ لَهُ الِانْتِفَاعُ بِهِ فِي كُلِّ مَا هُوَ مُسْتَعِدٌّ لَهُ مِنْ الِانْتِفَاعِ .\rفَإِذَا أَعَارَهُ أَرْضًا مُطْلَقًا ، فَلَهُ أَنْ يَزْرَعَ فِيهَا ، وَيَغْرِسَ ، وَيَبْنِيَ ، وَيَفْعَلَ فِيهَا كُلَّ مَا هِيَ مُعَدَّةٌ لَهُ مِنْ الِانْتِفَاعِ ؛ لِأَنَّ الْإِذْنَ مُطْلَقٌ .\rوَإِنْ أَعَارَهُ لِلْغِرَاسِ أَوْ لِلْبِنَاءِ ، فَلَهُ أَنْ يَزْرَعَ فِيهَا مَا شَاءَ ؛ لِأَنَّ ضَرَرَهُ دُونَ ضَرَرِهِمَا ، فَكَأَنَّهُ اسْتَوْفَى بَعْضَ مَا أَذِنَ لَهُ فِيهِ .\rوَإِنْ اسْتَعَارَهَا لِلزَّرْعِ ، لَمْ يَغْرِسْ ، وَلَمْ يَبْنِ ؛ لِأَنَّ ضَرَرَهُمَا أَكْثَرُ ، فَلَمْ يَكُنْ الْإِذْنُ فِي الْقَلِيلِ إذْنًا فِي الْكَثِيرِ .\rوَإِنْ اسْتَعَارَهَا لِلْغِرَاسِ ، أَوْ لِلْبِنَاءِ ، مَلَكَ الْمَأْذُونَ فِيهِ مِنْهُمَا دُونَ الْآخَرِ ؛ لِأَنَّ ضَرَرَهُمَا مُخْتَلِفٌ .\rفَإِنَّ ضَرَرَ الْغِرَاسِ فِي بَاطِنِ الْأَرْضِ لِانْتِشَارِ الْعُرُوقِ فِيهَا ، وَضَرَرَ الْبِنَاءِ فِي ظَاهِرِهَا ، فَلَمْ يَكُنْ الْإِذْنُ فِي أَحَدِهِمَا إذْنًا فِي الْآخَرِ .\rوَإِنْ اسْتَعَارَهَا لِزَرْعِ الْحِنْطَةِ ، فَلَهُ زَرْعُهَا وَزَرْعُ مَا هُوَ أَقَلُّ ضَرَرًا مِنْهَا ، كَالشَّعِيرِ وَالْبَاقِلَّا وَالْعَدَسِ ، وَلَهُ زَرْعُ مَا ضَرَرُهُ كَضَرَرِ الْحِنْطَةِ ؛ لِأَنَّ الرِّضَى بِزِرَاعَةِ شَيْءٍ رِضَى بِضَرَرِهِ ، وَمَا هُوَ دُونَهُ ، وَلَيْسَ لَهُ زَرْعُ مَا هُوَ أَكْثَرُ ضَرَرًا مِنْهُ ، كَالذُّرَةِ وَالدُّخْنِ وَالْقُطْنِ ؛ لِأَنَّ ضَرَرَهُ أَكْثَرُ .\rوَحُكْمُ إبَاحَةِ الِانْتِفَاعِ فِي الْعَارِيَّةِ ، كَحُكْمِ الِانْتِفَاعِ فِي الْإِجَارَةِ فِيمَا لَهُ أَنْ يَسْتَوْفِيَهُ ، وَمَا يُمْنَعُ مِنْهُ .\rوَسَنَذْكُرُ فِي الْإِجَارَةِ تَفْصِيلَ ذَلِكَ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .\rوَإِنْ أَذِنَ لَهُ فِي زَرْعِ مَرَّةٍ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَزْرَعَ أَكْثَرَ مِنْهَا .\rوَإِنْ أَذِنَ لَهُ فِي غَرْسِ شَجَرَةٍ فَانْقَلَعَتْ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ غَرْسُ أُخْرَى ، وَكَذَلِكَ","part":11,"page":5},{"id":5005,"text":"إنْ أَذِنَ لَهُ فِي وَضْعِ خَشَبَةٍ عَلَى حَائِطٍ فَانْكَسَرَتْ ، لَمْ يَمْلِكْ وَضْعَ أُخْرَى ، لِأَنَّ الْإِذْنَ إذَا اخْتَصَّ بِشَيْءِ لَمْ يَتَجَاوَزْهُ .","part":11,"page":6},{"id":5006,"text":"( 3921 ) فَصْلٌ : وَإِنْ اسْتَعَارَ شَيْئًا ، فَلَهُ اسْتِيفَاءُ مَنْفَعَتِهِ بِنَفْسِهِ وَبِوَكِيلِهِ ؛ لِأَنَّ وَكِيلَهُ نَائِبٌ عَنْهُ ، وَيَدُهُ كَيَدِهِ .\rوَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُؤْجِرَهُ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَمْلِكْ الْمَنَافِعَ ، فَلَا يَصِحُّ أَنْ يُمَلِّكَهَا .\rوَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا .\rوَلَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ أَنَّ الْمُسْتَعِيرَ لَا يَمْلِكُ الْعَيْنَ .\rوَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ لِلْمُسْتَعِيرِ اسْتِعْمَالَ الْمُعَارِ فِيمَا أُذِنَ لَهُ فِيهِ ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُعِيرَهُ غَيْرَهُ .\rوَهَذَا أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ .\rوَقَالُوا فِي الْآخَرِ : لَهُ ذَلِكَ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ لِأَنَّهُ يُمَلِّكُهُ عَلَى حَسَبِ مَا مَلَكَهُ ، فَجَازَ كَمَا لِلْمُسْتَأْجِرِ أَنْ يُؤْجَرَ .\rقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ : إذَا اسْتَعَارَ ثَوْبًا لِيَلْبَسهُ هُوَ ، فَأَعْطَاهُ غَيْرَهُ ، فَلَبِسَهُ ، فَهُوَ ضَامِنٌ .\rوَإِنْ لَمْ يُسَمِّ مَنْ يَلْبَسُهُ ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : إذَا لَمْ يَعْمَلْ بِهَا إلَّا الَّذِي كَانَ يَعْمَلُ بِهَا الَّذِي أُعِيرَهَا ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الْعَارِيَّةَ إبَاحَةُ الْمَنْفَعَةِ ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُبِيحَهَا غَيْرَهُ كَإِبَاحَةِ الطَّعَامِ .\rوَفَارَقَ الْإِجَارَةَ ؛ لِأَنَّهُ مَلَكَ الِانْتِفَاعَ عَلَى كُلِّ وَجْهٍ ، فَمَلَكَ أَنْ يُمَلِّكَهَا ، وَفِي الْعَارِيَّةِ لَمْ يَمْلِكْهَا ، إنَّمَا مَلَكَ اسْتِيفَاءَهَا عَلَى وَجْهِ مَا أُذِنَ لَهُ ، فَأَشْبَهَ مِنْ أُبِيحَ لَهُ أَكْلُ الطَّعَامِ .\rفَعَلَى هَذَا ، إنْ أَعَارَ فَلِلْمَالِكِ الرُّجُوعُ بِأَجْرِ الْمِثْلِ ، وَلَهُ أَنْ يُطَالِبَ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ سَلَّطَ غَيْرَهُ عَلَى أَخْذِ مَالِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ ، وَالثَّانِي اسْتَوْفَاهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ ، فَإِنْ ضَمِنَ الْأَوَّلُ رَجَعَ عَلَى الثَّانِي ؛ لِأَنَّ الِاسْتِيفَاءَ حَصَلَ مِنْهُ ، فَاسْتَقَرَّ الضَّمَانُ عَلَيْهِ ، وَإِنْ ضَمِنَ الثَّانِي لَمْ يَرْجِعْ عَلَى الْأَوَّلِ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الثَّانِي لَمْ يَعْلَمْ بِحَقِيقَةِ الْحَالِ ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَسْتَقِرَّ الضَّمَانُ عَلَى الْأَوَّلِ ؛ لِأَنَّهُ غَرَّ الثَّانِيَ ،","part":11,"page":7},{"id":5007,"text":"وَدَفَعَ إلَيْهِ الْعَيْنَ عَلَى أَنَّهُ يَسْتَوْفِي مَنَافِعَهَا بِغَيْرِ عِوَضٍ .\rوَإِنْ تَلِفَتْ الْعَيْنُ فِي يَدِ الثَّانِي ، اسْتَقَرَّ الضَّمَانُ عَلَيْهِ بِكُلِّ حَالٍ ؛ لِأَنَّهُ قَبَضَهَا عَلَى أَنْ تَكُونَ مَضْمُونَةً عَلَيْهِ ، فَإِنْ رَجَعَ عَلَى الْأَوَّلِ ، رَجَعَ الْأَوَّلُ عَلَى الثَّانِي ، وَإِنْ رَجَعَ عَلَى الثَّانِي ، لَمْ يَرْجِعْ عَلَى أَحَدٍ .","part":11,"page":8},{"id":5008,"text":"( 3922 ) فَصْلٌ : وَإِنْ أَعَارَهُ شَيْئًا ، وَأَذِنَ لَهُ فِي إجَارَتِهِ مُدَّةً مَعْلُومَةً ، أَوْ فِي إعَارَتِهِ مُطْلَقًا ، أَوْ مُدَّةً ، جَازَ لِأَنَّ الْحَقَّ لِمَالِكِهِ ، فَجَازَ مَا أَذِنَ فِيهِ .\rوَلَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ بَعْدَ عَقْدِ الْإِجَارَةِ حَتَّى يَنْقَضِيَ ؛ لِأَنَّ عَقْدَ الْإِجَارَةِ لَازِمٌ ، وَتَكُونُ الْعَيْنُ مَضْمُونَةً عَلَى الْمُسْتَعِيرِ ، غَيْرَ مَضْمُونَةٍ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ ؛ لِأَنَّ عَقْدَ الْإِجَارَةِ لَا يُوجِبُ ضَمَانًا .\rوَإِنْ أَجَرَهُ بِغَيْرِ إذْنٍ ، لَمْ تَصِحَّ الْإِجَارَةُ ، وَيَكُونُ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ الضَّمَانُ ، وَلِلْمَالِكِ تَضْمِينُ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا ، عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فِي الْعَارِيَّةِ .\r.","part":11,"page":9},{"id":5009,"text":"( 3923 ) فَصْلٌ : وَيَجُوزُ أَنْ يَسْتَعِيرَ عَبْدًا لِيَرْهَنهُ .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الرَّجُلَ إذَا اسْتَعَارَ مِنْ الرَّجُلِ شَيْئًا يَرْهَنُهُ عِنْدَ رَجُلٍ ، عَلَى شَيْءٍ مَعْلُومٍ ، إلَى وَقْتٍ مَعْلُومٍ ، فَرَهَنَ ذَلِكَ عَلَى مَا أَذِنَ لَهُ فِيهِ ، أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ اسْتَعَارَهُ لِيَقْضِيَ بِهِ حَاجَتَهُ ، فَصَحَّ ، كَسَائِرِ الْعَوَارِيِّ .\rوَلَا يُعْتَبَرُ الْعِلْمُ بِقَدْرِ الدِّينِ وَجِنْسِهِ ؛ لِأَنَّ الْعَارِيَّةَ لَا يُعْتَبَرُ فِيهَا الْعِلْمُ .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يُعْتَبَرُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الضَّرَرَ يَخْتَلِفُ بِذَلِكَ .\rوَلَنَا ، أَنَّهَا عَارِيَّةٌ لِجِنْسٍ مِنْ النَّفْعِ ، فَلَمْ تُعْتَبَرْ مَعْرِفَةُ قَدْرِهِ ، كَعَارِيَّةِ الْأَرْضِ لِلزَّرْعِ .\rوَلَا يَصِيرُ الْمُعِيرُ ضَامِنًا لِلدَّيْنِ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ : يَصِيرُ ضَامِنًا لَهُ فِي رَقَبَةِ عَبْدِهِ ؛ لِأَنَّ الْعَارِيَّةَ مَا يُسْتَحَقُّ بِهِ مَنْفَعَةُ الْعَيْنِ ، وَالْمَنْفَعَةُ هَاهُنَا لِلْمَالِكِ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ ضَمَانٌ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ أَعَارَهُ لِيَقْضِيَ مِنْهُ حَاجَتَهُ ، فَلَمْ يَكُنْ ضَامِنًا ، كَسَائِرِ الْعَوَارِيِّ ، وَإِنَّمَا يَسْتَحِقُّ بِالْعَارِيَّةِ النَّفْعَ الْمَأْذُونَ فِيهِ ، وَمَا عَدَاهُ مِنْ النَّفْعِ فَهُوَ لِمَالِكِ الْعَيْنِ .\rوَإِنْ عَيَّنَ الْمُعِيرُ قَدْرَ الدَّيْنِ الَّذِي يَرْهَنُهُ بِهِ وَجِنْسَهُ ، أَوْ مَحَلًّا ، تَعَيَّنَ ؛ لِأَنَّ الْعَارِيَّةَ تَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ ، فَإِنْ خَالَفَهُ فِي الْجِنْسِ ، لَمْ يَصِحَّ ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ فِيهِ ، أَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ يَأْذَنْ فِي رَهْنِهِ .\rوَكَذَلِكَ إذَا أَذِنَ لَهُ فِي مَحَلٍّ ، فَخَالَفَهُ فِيهِ ؛ لِأَنَّهُ إذَا أَذِنَ لَهُ فِي رَهْنِهِ بِدَيْنٍ مُؤَجَّلٍ ، فَرَهَنَهُ بِحَالِ ، فَقَدْ لَا يَجِدُ مَا يَفُكُّهُ بِهِ فِي الْحَالِ ، وَإِنْ أَذِنَ فِي رَهْنِهِ بِحَالٍ ، فَرَهَنَهُ بِمُؤَجَّلٍ ، فَلَمْ يَرْضَ أَنْ يُحَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَبْدِهِ إلَى أَجَلٍ ، لَمْ يَصِحَّ .\rوَإِنْ رَهَنَهُ بِأَكْثَرَ مِمَّا قَدَّرَهُ لَهُ ، لَمْ","part":11,"page":10},{"id":5010,"text":"يَصِحَّ ؛ لِأَنَّ مَنْ رَضِيَ بِقَدْرٍ مِنْ الدَّيْنِ لَمْ يَلْزَمْ أَنْ يَرْضَى بِأَكْثَرَ مِنْهُ .\rوَإِنْ رَهَنَهُ بِأَنْقَصَ مِنْهُ ، جَازَ ؛ لِأَنَّ مَنْ رَضِيَ بِعَشْرَةٍ ، رَضِيَ بِمَا دُونَهَا عُرْفًا ، فَأَشْبَهَ مَنْ أُمِرَ بِشِرَاءِ شَيْءٍ بِثَمَنِ ، فَاشْتَرَاهُ بِدُونِهِ .\rوَلِلْمُعِيرِ مُطَالَبَةُ الرَّاهِنِ بِفِكَاكِ الرَّهْنِ فِي الْحَالِ ، سَوَاءٌ كَانَ بِدَيْنٍ حَالٍ أَوْ مُؤَجَّلٍ ؛ لِأَنَّ لِلْمُعِيرِ الرُّجُوعَ فِي الْعَارِيَّةِ مَتَى شَاءَ .\rوَإِنْ حَلَّ الدَّيْنُ ، فَلَمْ يَفُكَّهُ الرَّاهِنُ ، جَازَ بَيْعُهُ فِي الدَّيْنِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مُقْتَضَى الرَّهْنِ ، فَإِذَا بِيعَ فِي الدَّيْنِ ، أَوْ تَلِفَ ، رَجَعَ السَّيِّدُ عَلَى الرَّاهِنِ بِقِيمَتِهِ ؛ لِأَنَّ الْعَارِيَّةَ تُضْمَنُ بِقِيمَتِهَا .\rوَإِنْ تَلِفَ بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ ، فَلَا شَيْءَ عَلَى الْمُرْتَهِنِ ؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ لَا يُضْمَنُ مِنْ غَيْرِ تَعَدٍّ .\rوَإِنْ اسْتَعَارَ عَبْدًا مِنْ رَجُلَيْنِ ، فَرَهَنَهُ بِمِائَةٍ ، ثُمَّ قَضَى خَمْسِينَ ، عَلَى أَنْ تَخْرُجَ حِصَّةُ أَحَدِهِمَا ، لَمْ تَخْرُجْ ؛ لِأَنَّهُ رَهَنَهُ بِجَمِيعِ الدَّيْنِ فِي صَفْقَةٍ ، فَلَا يَنْفَكُّ بَعْضُهُ بِقَضَاءِ بَعْضِ الدَّيْنِ ، كَمَا لَوْ كَانَ الْعَبْدُ لِوَاحِدٍ .","part":11,"page":11},{"id":5011,"text":"( 3924 ) فَصْلٌ : وَتَجُوزُ الْعَارِيَّةِ مُطْلَقَةً وَمُؤَقَّتَةً ؛ لِأَنَّهَا إبَاحَةٌ ، فَأَشْبَهَتْ إبَاحَةَ الطَّعَامِ .\rوَلِلْمُعِيرِ الرُّجُوعُ فِي الْعَارِيَّةِ أَيَّ وَقْتٍ شَاءَ ، سَوَاءٌ كَانَتْ مُطْلَقَةً أَوْ مُؤَقَّتَةً ، مَا لَمْ يَأْذَنْ فِي شَغْلِهِ بِشَيْءِ يَتَضَرَّرُ بِالرُّجُوعِ فِيهِ .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ ، وَقَالَ مَالِكٌ إنْ كَانَتْ مُؤَقَّتَةً ، فَلَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ قَبْلَ الْوَقْتِ ، وَإِنْ لَمْ تُؤَقَّتْ لَهُ مُدَّةٌ ، لَزِمَهُ تَرْكُهُ مُدَّةً يُنْتَفَعُ بِهَا فِي مِثْلِهَا ؛ لِأَنَّ الْمُعِيرَ قَدْ مَلَّكَهُ الْمَنْفَعَةَ فِي مُدَّةٍ ، وَصَارَتْ الْعَيْنُ فِي يَدِهِ بِعَقْدٍ مُبَاحٍ ، فَلَمْ يَمْلِكْ الرُّجُوعَ فِيهَا بِغَيْرِ اخْتِيَارِ الْمَالِكِ ، كَالْعَبْدِ الْمُوصَى بِخِدْمَتِهِ وَالْمُسْتَأْجَرِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الْمَنَافِعَ الْمُسْتَقْبَلَةَ لَمْ تَحْصُلْ فِي يَدِهِ ، فَلَمْ يَمْلِكْهَا بِالْإِعَارَةِ ، كَمَا لَوْ لَمْ تَحْصُلْ الْعَيْنُ فِي يَدِهِ ، وَأَمَّا الْعَبْدُ الْمُوصَى بِخِدْمَتِهِ ، فَلِلْمُوصِي الرُّجُوعُ ، وَلَمْ يَمْلِكْ الْوَرَثَةُ الرُّجُوعَ ؛ لِأَنَّ التَّبَرُّعَ مِنْ غَيْرِهِمْ .\rوَأَمَّا الْمُسْتَأْجَرُ ، فَإِنَّهُ مَمْلُوكٌ بِعَقْدِ مُعَاوَضَةٍ ، فَيَلْزَمُ ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا .\rوَيَجُوزُ لِلْمُسْتَعِيرِ الرَّدُّ مَتَى شَاءَ .\rبِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ ؛ لِأَنَّهُ إبَاحَةٌ ، فَكَانَ لِمَنْ أُبِيحَ لَهُ تَرْكُهُ ، كَإِبَاحَةِ الطَّعَامِ .\r( 3925 ) فَصْلٌ : وَإِذَا أَطْلَقَ الْمُدَّةَ فِي الْعَارِيَّةِ ، فَلَهُ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهَا مَا لَمْ يَرْجِعْ .\rوَإِنْ وَقَّتَهَا ، فَلَهُ أَنْ يَنْتَفِعَ مَا لَمْ يَرْجِعْ ، أَوْ يَنْقَضِيَ الْوَقْتُ ؛ لِأَنَّهُ اسْتَبَاحَ ذَلِكَ بِالْإِذْنِ ، فَفِيمَا عَدَا مَحَلِّ الْإِذْنِ يَبْقَى عَلَى أَصْلِ التَّحْرِيمِ .\rفَإِنْ كَانَ الْمُعَارُ أَرْضًا ، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَغْرِسَ ، وَلَا يَبْنِيَ ، وَلَا يَزْرَعَ بَعْدَ الْوَقْتِ أَوْ الرُّجُوعِ ، فَإِنْ فَعَلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ ، لَزِمَهُ قَلْعُ غَرْسِهِ وَبِنَائِهِ ، وَحُكْمُهُ حُكْمُ الْغَاصِبِ فِي ذَلِكَ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَيْسَ لِعِرْقِ","part":11,"page":12},{"id":5012,"text":"ظَالِمٍ حَقٌّ } .\rوَعَلَيْهِ أَجْرُ مَا اسْتَوْفَاهُ مِنْ نَفْعِ الْأَرْضِ عَلَى وَجْهِ الْعُدْوَانِ ، وَيَلْزَمُهُ الْقَلْعُ ، وَتَسْوِيَةُ الْحَفْرِ ، وَنَقْضُ الْأَرْضِ ، وَسَائِرُ أَحْكَامِ الْغَصْبِ ؛ لِأَنَّهُ عُدْوَانٌ .","part":11,"page":13},{"id":5013,"text":"( 3926 ) فَصْلٌ : فَإِنْ أَعَارَهُ شَيْئًا لِيَنْتَفِعَ بِهِ انْتِفَاعًا يَلْزَمُ مِنْ الرُّجُوعِ فِي الْعَارِيَّةِ فِي أَثْنَائِهِ ضَرَرٌ بِالْمُسْتَعِيرِ ، لَمْ يَجُزْ لَهُ الرُّجُوعُ ؛ لِأَنَّ الرُّجُوعَ يَضُرُّ بِالْمُسْتَعِيرِ ، فَلَمْ يَجُزْ لَهُ الْإِضْرَارُ بِهِ ، مِثْلُ أَنْ يُعِيرَهُ لَوْحًا يَرْقَعُ بِهِ سَفِينَتَهُ ، فَرَقَعَهَا بِهِ ، وَلَجَّجَ بِهَا فِي الْبَحْرِ ، لَمْ يَجُزْ الرُّجُوعُ مَا دَامَتْ فِي الْبَحْرِ ، وَلَهُ الرُّجُوعُ قَبْلَ دُخُولِهَا فِي الْبَحْرِ ، وَبَعْدَ الْخُرُوجِ مِنْهُ ؛ لِعَدَمِ الضَّرَرِ فِيهِ .\rوَإِنْ أَعَارَهُ أَرْضًا لِيَدْفِنَ فِيهَا ، فَلَهُ الرُّجُوعُ مَا لَمْ يَدْفِنْ فِيهَا .\rفَإِذَا دَفَنَ لَمْ يَكُنْ لَهُ الرُّجُوعُ ، مَا لَمْ يَبْلَ الْمَيِّتُ .\rوَإِنْ أَعَارَهُ حَائِطًا لِيَضَعَ عَلَيْهِ أَطْرَافَ خَشَبِهِ ، جَازَ ، كَمَا تَجُوزُ إعَارَةُ الْأَرْضِ لِلْبِنَاءِ وَالْغِرَاسِ ، وَلَهُ الرُّجُوعُ مَا لَمْ يَضَعْهُ ، وَبَعْدَ وَضْعِهِ مَا لَمْ يَبْنِ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا ضَرَرَ فِيهِ ، فَإِنْ بَنَى عَلَيْهِ ، لَمْ يَجُزْ الرُّجُوعُ ؛ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ هَدْمِ الْبِنَاءِ .\rوَإِنْ قَالَ : أَنَا أَدْفَعُ إلَيْك أَرْشَ مَا نَقَصَ بِالْقَلْعِ .\rلَمْ يَلْزَمْ الْمُسْتَعِيرَ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ إذَا قَلَعَهُ انْقَلَعَ مَا فِي مِلْكِ الْمُسْتَعِيرِ مِنْهُ .\rوَلَا يَجِبُ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ قَلْعُ شَيْءٍ مِنْ مِلْكِهِ بِضَمَانِ الْقِيمَةِ .\rوَإِنْ انْهَدَمَ الْحَائِطُ وَزَالَ الْخَشَبُ عَنْهُ ، أَوْ أَزَالَهُ الْمُسْتَعِيرُ بِاخْتِيَارِهِ ، لَمْ يَمْلِكْ إعَادَتَهُ ، سَوَاءٌ بَنَى الْحَائِطَ بِآلَتِهِ أَوْ بِغَيْرِهَا ؛ لِأَنَّ الْعَارِيَّةَ لَا تَلْزَمُ ، وَإِنَّمَا امْتَنَعَ الرُّجُوعُ قَبْلَ انْهِدَامِهِ ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ الضَّرَرِ بِالْمُسْتَعِيرِ ، بِإِزَالَةِ الْمَأْذُونِ فِي وَضْعِهِ ، وَقَدْ زَالَ ذَلِكَ .\rوَكَذَلِكَ إذَا سَقَطَ الْخَشَبُ وَالْحَائِطُ بِحَالِهِ .\rوَإِنْ أَعَارَهُ أَرْضًا لِزِرَاعَةِ شَيْءٍ ، فَلَهُ الرُّجُوعُ مَا لَمْ يَزْرَعْ ، فَإِذَا زَرَعَ لَمْ يَمْلِكْ الرُّجُوعَ فِيهَا إلَى أَنْ يَنْتَهِيَ الزَّرْعُ .\rفَإِنْ بَذَلَ لَهُ قِيمَةَ الزَّرْعِ لِيَمْلِكَهُ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ .\rنَصَّ","part":11,"page":14},{"id":5014,"text":"عَلَيْهِ أَحْمَدُ لِأَنَّ لَهُ وَقْتًا يَنْتَهِي إلَيْهِ .\rفَإِنْ كَانَ مِمَّا يُحْصَدُ قَصِيلًا ، فَلَهُ الرُّجُوعُ فِي وَقْتِ إمْكَانِ حَصَادِهِ ؛ لِعَدَمِ الضَّرَرِ فِيهِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ الرُّجُوعُ حَتَّى يَنْتَهِيَ .\rوَإِنْ أَذِنَ لَهُ فِي الْبِنَاءِ وَالْغِرَاسِ فِيهَا ، فَلَهُ الرُّجُوعُ قَبْلَ قَلْعِهِ .\rفَإِذَا غَرَسَ وَبَنَى ، فَلِلْمَالِكِ الرُّجُوعُ فِيمَا بَيْنَ الْغِرَاسِ وَالْبِنَاءِ ؛ وَلِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ مِلْكُ الْمُسْتَعِيرِ ، وَلَا ضَرَرَ عَلَيْهِ فِي الرُّجُوعِ فِيهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ يَبْنِ فِي الْأَرْضِ شَيْئًا ، وَلَمْ يَغْرِسْ فِيهَا .\rثُمَّ إنْ اخْتَارَ الْمُسْتَعِيرُ أَخْذَ بِنَائِهِ وَغِرَاسِهِ ، فَلَهُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ مِلْكُهُ فَمَلَكَ نَقْلَهُ .\rوَلَا يَلْزَمُهُ تَسْوِيَةُ الْحَفْرِ .\rذَكَرَهُ الْقَاضِي ؛ لِأَنَّ الْمُعِيرَ رَضِيَ بِذَلِكَ حَيْثُ أَعَارَهُ ، مَعَ عِلْمِهِ بِأَنَّ لَهُ قَلْعَ غَرْسِهِ .\rوَيُحْتَمَلُ أَنَّ عَلَيْهِ تَسْوِيَةَ الْحَفْرِ ؛ لِأَنَّ الْقَلْعَ بِاخْتِيَارِهِ ، فَإِنَّهُ لَوْ امْتَنَعَ مِنْهُ لَمْ يُجْبَرْ عَلَيْهِ ، فَلَزِمَهُ تَسْوِيَةُ الْأَرْضِ ، كَمَا لَوْ خَرَّبَ أَرْضَهُ الَّتِي لَمْ يَسْتَعِرْهَا .\rوَإِنْ أَبَى الْقَلْعَ ، فَبَذَلَ لَهُ الْمُعِيرُ مَا يَنْقُصُ بِالْقَلْعِ ، أَوْ قِيمَةَ غِرَاسِهِ وَبِنَائِهِ قَائِمًا ، لِيَأْخُذَهُ الْمُعِيرُ ، أُجْبِرَ الْمُسْتَعِيرُ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ رُجُوعٌ فِي الْعَارِيَّةِ مِنْ غَيْرِ إضْرَارٍ .\rوَإِنْ قَالَ الْمُسْتَعِيرُ : أَنَا أَدْفَعُ قِيمَةَ الْأَرْضِ لِتَصِيرَ لِي .\rلَمْ يَكُنْ لَهُ ؛ لِأَنَّ الْغِرَاسَ تَابِعٌ ، وَالْأَرْضَ أَصْلٌ ، وَلِذَلِكَ يَتْبَعُهَا الْغِرَاسُ وَالْبِنَاءُ فِي الْبَيْعِ ، وَلَا تَتْبَعُهُمَا ، وَبِهَذَا كُلِّهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ يُطَالِبُ الْمُسْتَعِيرَ بِالْقَلْعِ مِنْ غَيْرِ ضَمَانٍ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ أَعَارَهُ مُدَّةً مَعْلُومَةً ، فَرَجَعَ فِيهَا قَبْلَ انْقِضَائِهَا ؛ لِأَنَّ الْمُعِيرَ لَمْ يَغُرَّهُ ، فَكَانَ عَلَيْهِ الْقَلْعُ ، كَمَا لَوْ شَرَطَ عَلَيْهِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ بَنَى وَغَرَسَ بِإِذْنِ الْمُعِيرِ ، مِنْ غَيْرِ شَرْطِ","part":11,"page":15},{"id":5015,"text":"الْقَلْعِ ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ الْقَلْعُ مِنْ غَيْرِ ضَمَانٍ ، كَمَا لَوْ طَالَبَهُ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْوَقْتِ .\rوَقَوْلُهُمْ : لَمْ يَغُرَّهُ .\rمَمْنُوعٌ ؛ فَإِنَّ الْغِرَاسَ وَالْبِنَاءَ يُرَادُ لِلتَّبْقِيَةِ ، وَتَقْدِيرُ الْمُدَّةِ يَنْصَرِفُ إلَى ابْتِدَائِهِ ، كَأَنَّهُ قَالَ لَهُ : لَا تَغْرِسْ بَعْدَ هَذِهِ الْمُدَّةِ .\rفَإِنْ امْتَنَعَ الْمُعِيرُ مِنْ دَفْعِ الْقِيمَةِ وَأَرْشِ النَّقْصِ ، وَامْتَنَعَ الْمُسْتَعِيرُ مِنْ الْقَلْعِ وَدَفْعِ الْأَجْرِ ، لَمْ يُقْلَعْ ؛ لِأَنَّ الْإِعَارَةَ تَقْتَضِي الِانْتِفَاعَ مِنْ غَيْرِ ضَمَانٍ ، وَالْإِذْنُ فِيمَا يَبْقَى عَلَى الدَّوَامِ وَتَضُرُّ إزَالَتُهُ رِضًى بِالْإِبْقَاءِ ، وَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَيْسَ لِعِرْقِ ظَالِمٍ حَقٌّ } .\rيَدُلُّ بِمَفْهُومِهِ عَلَى أَنَّ الْعِرْقَ الَّذِي لَيْسَ بِظَالِمٍ لَهُ حَقٌّ ، فَعِنْدَ ذَلِكَ ، إنْ اتَّفَقَا عَلَى الْبَيْعِ ، بِيعَتْ الْأَرْضُ بِغِرَاسِهَا ، وَدُفِعَ إلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَدْرُ حَقِّهِ ، فَيُقَالُ : كَمْ قِيمَةُ الْأَرْضِ غَيْرَ مَغْرُوسَةٍ وَلَا مَبْنِيَّةٍ ؟ فَإِذَا قِيلَ عَشَرَةٌ .\rقُلْنَا : وَكَمْ تُسَاوِي مَغْرُوسَةً وَمَبْنِيَّةً ؟ فَإِنْ قَالُوا : خَمْسَةَ عَشَرَ .\rقُلْنَا : فَلِلْمُعِيرِ ثُلُثَا الثَّمَنِ ، وَلِلْمُسْتَعِيرِ ثُلُثُهُ .\rوَإِنْ امْتَنَعَا مِنْ الْبَيْعِ ، بَقِيَا عَلَى حَالِهِمَا ، وَلِلْمُعِيرِ دُخُولُ أَرْضِهِ كَيْفَ شَاءَ ، وَالِانْتِفَاعُ بِهَا بِمَا لَا يَضُرُّ الْغِرَاسَ وَالْبِنَاءَ ، وَلَا يَنْتَفِعُ بِهِمَا ، وَلَيْسَ لِصَاحِبِ الْغِرَاسِ وَالْبِنَاءِ الدُّخُولُ إلَّا لِحَاجَةٍ ، مِثْلِ السَّقْيِ وَإِصْلَاحِ الثَّمَرَةِ ؛ لِأَنَّ الْإِذْنَ فِي الْغِرَاسِ إذْنٌ فِيمَا يَعُودُ بِصَلَاحِهِ ، وَأَخْذِ ثِمَارِهِ ، وَسَقْيِهِ .\rوَلَيْسَ لَهُ دُخُولُهَا لِلتَّفَرُّجِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ رَجَعَ فِي الْإِذْنِ لَهُ .\rوَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيْعُ مَا يَخْتَصُّ بِهِ مِنْ الْمِلْكِ مُنْفَرِدًا ، فَيَكُونُ لِلْمُشْتَرِي مِثْلُ مَا كَانَ لِبَائِعِهِ .\rوَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ : لَيْسَ لِلْمُسْتَعِيرِ بَيْعُ الشَّجَرِ ؛ لِأَنَّ مِلْكَهُ فِيهِ غَيْرُ مُسْتَقِرٍّ ، بِدَلِيلِ أَنَّ","part":11,"page":16},{"id":5016,"text":"لِلْمُعِيرِ أَخْذَهُ مَتَى شَاءَ بِقِيمَتِهِ .\rقُلْنَا : عَدَمُ اسْتِقْرَارِهِ لَا يَمْنَعُ بَيْعَهُ ، بِدَلِيلِ الشِّقْصِ الْمَشْفُوعِ وَالصَّدَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ .\rوَفِي جَمِيعِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ ، مَتَى كَانَ الْمُعِيرُ شَرَطَ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ الْقَلْعَ عِنْدَ رُجُوعِهِ ، وَرَدَّ الْعَارِيَّةِ غَيْرِ مَشْغُولَةٍ ، لَزِمَهُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ عَلَى شُرُوطِهِمْ ، وَلِأَنَّ الْعَارِيَّةَ مُقَيَّدَةٌ غَيْرُ مُطْلَقَةٍ ، فَلَمْ تَتَنَاوَلْ مَا عَدَا الْمُقَيَّدِ ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَعِيرَ دَخَلَ فِي الْعَارِيَّةِ رَاضِيًا بِالْتِزَامِ الضَّرَرِ الدَّاخِلِ عَلَيْهِ بِالْقَلْعِ ، وَلَيْسَ عَلَى صَاحِبِ الْأَرْضِ ضَمَانُ نَقْصِهِ .\rوَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا .\rوَأَمَّا تَسْوِيَةُ الْحَفْرِ الْحَاصِلَةِ بِالْقَلْعِ فَإِذَا كَانَتْ مَشْرُوطَةً عَلَيْهِ ، لَزِمَهُ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا ، وَإِلَّا لَمْ يَلْزَمْ ؛ لِأَنَّهُ رَضِيَ بِضَرَرِ الْقَلْعِ مِنْ الْحَفْرِ وَنَحْوِهِ ، حَيْثُ اشْتَرَطَ الْقَلْعَ .\rوَلَمْ يَذْكُرْ أَصْحَابُنَا عَلَى الْمُسْتَعِيرِ أَجْرًا فِي شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْمَسَائِلِ ، إلَّا فِيمَا إذَا اسْتَعَارَ أَرْضًا لِلزَّرْعِ ، فَزَرَعَهَا ، ثُمَّ رَجَعَ الْمُعِيرُ فِيهَا قَبْلَ كَمَالِ الزَّرْعِ ، فَإِنَّ عَلَيْهِ أَجْرَ مِثْلِهِ ، مِنْ حِينَ رَجَعَ الْمُعِيرُ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ جَوَازُ الرُّجُوعِ ، وَإِنَّمَا مُنِعَ مِنْ الْقَلْعِ لِمَا فِيهِ مِنْ الضَّرَرِ ، فَفِي دَفْعِ الْأَجْرِ جَمْعٌ بَيْنَ الْحَقَّيْنِ ، فَيُخَرَّجُ فِي سَائِرِ الْمَسَائِلِ مِثْلُ هَذَا ، لِوُجُودِ هَذَا الْمَعْنَى فِيهِ .\rوَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَجِبَ الْأَجْرُ فِي شَيْءٍ مِنْ الْمَوَاضِعِ ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْعَارِيَّةِ بَاقٍ فِيهِ ، لِكَوْنِهَا صَارَتْ لَازِمَةً لِلضَّرَرِ اللَّاحِقِ بِفَسْخِهَا ، وَالْإِعَارَةُ تَقْتَضِي الِانْتِفَاعَ بِغَيْرِ عِوَضٍ .","part":11,"page":17},{"id":5017,"text":"( 3927 ) فَصْلٌ : وَإِذَا اسْتَعَارَ دَابَّةً لِيَرْكَبَهَا ، جَازَ ؛ لِأَنَّ إجَارَتَهَا لِذَلِكَ جَائِزَةٌ ، وَالْإِعَارَةُ أَوْسَعُ ، لِجَوَازِهَا فِيمَا لَا تَجُوزُ إجَارَتُهُ ، مِثْلُ إعَارَةِ الْكَلْبِ لِلصَّيْدِ .\rفَإِنْ اسْتَعَارَهَا إلَى مَوْضِعٍ ، فَجَاوَزَهُ ، فَقَدْ تَعَدَّى ، وَعَلَيْهِ الْأُجْرَةُ لِلزِّيَادَةِ خَاصَّةً .\rفَإِذَا اسْتَعَارَهَا إلَى طَبَرِيَّةَ ، فَتَجَاوَزَ إلَى الْقُدْسِ ، فَعَلَيْهِ أَجْرُ مَا بَيْنَ طَبَرِيَّةَ وَالْقُدْسِ خَاصَّةً .\rوَإِنْ اخْتَلَفَا ، فَقَالَ الْمَالِكُ : أَعَرْتُكَهَا إلَى طَبَرِيَّةَ .\rوَقَالَ الْمُسْتَعِيرُ : أَعَرْتنِيهَا إلَى الْقُدْسِ .\rفَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَالِكِ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُ الرَّأْي .\rوَقَالَ مَالِكٌ إنْ كَانَ يُشْبِهُ مَا قَالَ الْمُسْتَعِيرُ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ ، وَعَلَيْهِ الضَّمَانُ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الْمَالِكَ مُدَّعًى عَلَيْهِ ، فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ } .\r.","part":11,"page":18},{"id":5018,"text":"( 3928 ) فَصْلٌ : وَمَنْ اسْتَعَارَ شَيْئًا ، فَانْتَفَعَ بِهِ ، ثُمَّ ظَهَرَ مُسْتَحَقًّا فَلِمَالِكِهِ أَجْرُ مِثْلِهِ ، يُطَالِبُ بِهِ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا ، فَإِنْ ضَمِنَ الْمُسْتَعِيرُ ، رَجَعَ عَلَى الْمُعِيرِ بِمَا غَرِمَ ؛ لِأَنَّهُ غَرَّهُ بِذَلِكَ وَغَرَّمَهُ ، لِأَنَّهُ دَخَلَ عَلَى أَنْ لَا أَجْرَ عَلَيْهِ .\rوَإِنْ رَجَعَ عَلَى الْمُعِيرِ ، لَمْ يَرْجِعْ عَلَى أَحَدٍ ، فَإِنَّ الضَّمَانَ اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ .\rقَالَ أَحْمَدُ فِي قَصَّارٍ دَفَعَ ثَوْبًا إلَى غَيْرِ صَاحِبِهِ ، فَلَبِسَهُ ، فَالضَّمَانُ عَلَى الْقَصَّارِ دُونَ اللَّابِسِ .\rوَإِنْ تَلِفَ فَالْقِيمَةُ تَسْتَقِرُّ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ ؛ لِأَنَّهُ دَخَلَ عَلَى الْعَيْنِ مَضْمُونَةً عَلَيْهِ .\rفَإِنْ ضَمِنَ الْمُعِيرُ ، رَجَعَ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ ، وَإِنْ ضَمِنَ الْمُسْتَعِيرُ ، لَمْ يَرْجِعْ عَلَى أَحَدٍ ؛ لِأَنَّ الضَّمَانَ اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ .\rوَإِنْ نَقَصَتْ الْعَيْنُ بِالِاسْتِعْمَالِ ، انْبَنَى عَلَى ضَمَانِ النَّقْصِ ، فَإِنْ قُلْنَا : هُوَ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ .\rفَحُكْمُهُ حُكْمُ الْقِيمَةِ .\rوَإِنْ قُلْنَا : هُوَ عَلَى الْمُعِيرِ .\rفَهُوَ كَالْأَجْرِ .\rعَلَى مَا بَيَّنَّاهُ .","part":11,"page":19},{"id":5019,"text":"فَصْلٌ : وَإِذَا حَمَلَ السَّيْلُ بَذْرَ رَجُلِ مِنْ أَرْضِهِ إلَى أَرْضٍ غَيْرِهِ ، فَنَبَتَ فِيهَا ، لَمْ يُجْبَرْ عَلَى قَلْعِهِ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ : يُجْبَرُ عَلَى ذَلِكَ ، إذَا طَالَبَهُ رَبُّ الْأَرْضِ بِهِ ؛ لِأَنَّ مِلْكَهُ حَصَلَ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ انْتَشَرَتْ أَغْصَانُ شَجَرَتِهِ فِي هَوَاءِ مِلْكِ جَارِهِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ قَلْعَهُ إتْلَافٌ لِلْمَالِ عَلَى مَالِكِهِ ، وَلَمْ يُوجَدْ مِنْهُ تَفْرِيطٌ ، وَلَا يَدُومُ ضَرَرُهُ ، فَلَا يُجْبَرُ عَلَى ذَلِكَ ، كَمَا لَوْ حَصَلَتْ دَابَّتُهُ فِي دَارِ غَيْرِهِ عَلَى وَجْهٍ لَا يُمْكِنُ خُرُوجُهَا إلَّا بِقَلْعِ الْبَابِ أَوْ قَتْلِهَا ، فَإِنَّنَا لَا نُجْبِرُهُ عَلَى قَتْلِهَا .\rوَيُفَارِقُ أَغْصَانَ الشَّجَرَةِ ، فَإِنَّهُ يَدُومُ ضَرَرُهُ ، وَلَا يُعْرَفُ قَدْرُ مَا يَشْغَلُ مِنْ الْهَوَاءِ فَيُؤَدِّي أَجْرَهُ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّهُ يُقَرُّ فِي الْأَرْضِ إلَى حِينِ حَصَادِهِ بِأَجْرِ مِثْلِهِ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : لَيْسَ عَلَيْهِ أَجْرٌ ؛ لِأَنَّهُ حَصَلَ فِي أَرْضِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ تَفْرِيطِهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ بَاتَتْ دَابَّتُهُ فِي أَرْضِ إنْسَانٍ بِغَيْرِ تَفْرِيطِهِ .\rوَهَذَا بَعِيدٌ ؛ لِأَنَّ إلْزَامَهُ تَبْقِيَةَ زَرْعٍ مَا أَذِنَ فِيهِ ، فِي أَرْضِهِ ، بِغَيْرِ أَجْرٍ وَلَا انْتِفَاعٍ ، إضْرَارٌ بِهِ ، وَشَغْلٌ لِمِلْكِهِ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ ، مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ ، فَلَمْ يَجُزْ ، كَمَا لَوْ أَرَادَ إبْقَاءَ بَهِيمَتِهِ فِي دَارِ غَيْرِهِ عَامًا .\rوَيُفَارِقُ مَبِيتَهَا ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُجْبَرُ الْمَالِكُ عَلَيْهِ ، وَلَا يُمْنَعُ مِنْ إخْرَاجِهَا ، فَإِذَا تَرَكَهَا اخْتِيَارًا مِنْهُ ، كَانَ رَاضِيًا بِهِ ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا .\rوَيَكُونُ الزَّرْعُ لِمَالِكِ الْبَذْرِ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ عَيْنِ مَالِهِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ حُكْمُ هَذَا الزَّرْعِ حُكْمَ زَرْعِ الْغَاصِبِ ، عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ ؛ لِأَنَّهُ حَصَلَ فِي أَرْضِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ زَرَعَهُ مَالِكُهُ .\rوَالْأَوَّلُ أَوْلَى ؛ لِأَنَّ هَذَا بِغَيْرِ عُدْوَانٍ ، وَقَدْ أَمْكَنَ جَبْرُ حَقِّ مَالِكِ الْأَرْضِ ،","part":11,"page":20},{"id":5020,"text":"بِدَفْعِ الْأَجْرِ إلَيْهِ .\rوَإِنْ أَحَبَّ مَالِكُهُ قَلْعَهُ ، فَلَهُ ذَلِكَ ، وَعَلَيْهِ تَسْوِيَةُ الْحَفْرِ ، وَمَا نَقَصَتْ الْأَرْضُ ؛ لِأَنَّهُ أَدْخَلَ النَّقْصَ عَلَى مِلْكِ غَيْرِهِ ، لِاسْتِصْلَاحِ مِلْكِهِ ، فَأَشْبَهَ الْمُسْتَعِيرَ .\rوَأَمَّا إنْ كَانَ السَّيْلُ حَمَلَ نَوًى ، فَنَبَتَ شَجَرًا فِي أَرْضِ غَيْرِهِ ، كَالزَّيْتُونِ وَالنَّخِيلِ وَنَحْوِهِ ، فَهُوَ لِمَالِكِ النَّوَى ؛ لِأَنَّهُ مِنْ نَمَاءِ مِلْكِهِ ، فَهُوَ كَالزَّرْعِ ، وَيُجْبَرُ عَلَى قَلْعِهِ هَاهُنَا ؛ لِأَنَّ ضَرَرَهُ يَدُومُ ، فَأُجْبِرَ عَلَى إزَالَتِهِ ، كَأَغْصَانِ الشَّجَرَةِ الْمُنْتَشِرَةِ فِي هَوَاءِ مِلْكِ غَيْرِ مَالِكِهَا .\rوَإِنْ حَمَلَ السَّيْلُ أَرْضًا بِشَجَرِهَا ، فَنَبَتَتْ فِي أَرْضِ آخَرَ كَمَا كَانَتْ ، فَهِيَ لِمَالِكِهَا ، يُجْبَرُ عَلَى إزَالَتِهَا ، كَمَا ذَكَرْنَا .\rوَفِي كُلِّ ذَلِكَ ، إذَا تَرَكَ صَاحِبُ الْأَرْضِ الْمُنْتَقِلَةِ أَوْ الشَّجَرِ أَوْ الزَّرْعِ ذَلِكَ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ الَّتِي انْتَقَلَ إلَيْهَا ، لَمْ يَلْزَمْهُ نَقْلُهُ وَلَا أَجْرٌ ، وَلَا غَيْرُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ حَصَلَ بِغَيْرِ تَفْرِيطِهِ وَلَا عُدْوَانِهِ ، وَكَانَتْ الْخِيرَةُ إلَى صَاحِبِ الْأَرْضِ الْمَشْغُولَةِ بِهِ ، إنْ شَاءَ أَخَذَهُ لِنَفْسِهِ ، وَإِنْ شَاءَ قَلَعَهُ .","part":11,"page":21},{"id":5021,"text":"( 3930 ) فَصْلٌ : وَإِذَا اخْتَلَفَ رَبُّ الدَّابَّةِ وَرَاكِبُهَا ، فَقَالَ الرَّاكِبُ : هِيَ عَارِيَّةٌ .\rوَقَالَ الْمَالِكُ : بَلْ اكْتَرَيْتهَا .\rفَإِنْ كَانَتْ الدَّابَّةُ بَاقِيَةً لَمْ تَنْقُصْ ، لَمْ يَخْلُ مِنْ أَنْ يَكُونَ الِاخْتِلَافُ عَقِيبَ الْعَقْدِ ، أَوْ بَعْدَ مُضِيِّ مُدَّةٍ لِمِثْلِهَا أَجْرٌ ، فَإِنْ كَانَ عَقِيبَ الْعَقْدِ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الرَّاكِبِ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ عَقْدِ الْإِجَارَةِ ، وَبَرَاءَةُ ذِمَّةِ الرَّاكِبِ مِنْهَا ، فَيَحْلِفُ ، وَيَرُدُّ الدَّابَّةَ إلَى مَالِكِهَا ؛ لِأَنَّهَا عَارِيَّةٌ .\rوَكَذَلِكَ إنْ ادَّعَى الْمَالِكُ أَنَّهَا عَارِيَّةٌ .\rوَقَالَ الرَّاكِبُ : بَلْ اكْتَرَيْتهَا ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَالِكِ مَعَ يَمِينِهِ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا .\rوَإِنْ كَانَ الِاخْتِلَافُ بَعْدَ مُضِيِّ مُدَّةٍ لِمِثْلِهَا أَجْرٌ ، فَادَّعَى الْمَالِكُ الْإِجَارَةَ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ .\rوَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ مَالِكٍ وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ : الْقَوْلُ قَوْلُ الرَّاكِبِ .\rوَهُوَ مَنْصُوصُ الشَّافِعِيِّ لِأَنَّهُمَا اتَّفَقَا عَلَى تَلَفِ الْمَنَافِعِ عَلَى مِلْكِ الرَّاكِبِ ، وَادَّعَى الْمَالِكُ عِوَضًا لَهَا ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ وُجُوبِهِ .\rوَبَرَاءَةُ ذِمَّةِ الرَّاكِبِ مِنْهُ ، فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُمَا اخْتَلَفَا فِي كَيْفِيَّةِ انْتِقَالِ الْمَنَافِعِ إلَى مِلْكِ الرَّاكِبِ ، فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمَالِكِ ، كَمَا لَوْ اخْتَلَفَا فِي عَيْنٍ ، فَقَالَ الْمَالِكُ : بِعْتُكَهَا .\rوَقَالَ الْآخَرُ : وَهَبْتنِيهَا .\rوَلِأَنَّ الْمَنَافِعَ تَجْرِي مَجْرَى الْأَعْيَانِ ، فِي الْمِلْكِ وَالْعَقْدِ عَلَيْهَا ، وَلَوْ اخْتَلَفَا فِي الْأَعْيَانِ ، كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمَالِكِ ، كَذَا هَاهُنَا .\rوَمَا ذَكَرُوهُ يَبْطُلُ بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ .\rوَلِأَنَّهُمَا اتَّفَقَا عَلَى أَنَّ الْمَنَافِعَ لَا تَنْتَقِلُ إلَى الرَّاكِبِ إلَّا بِنَقْلِ الْمَالِكِ لَهَا ، فَيَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَهُ فِي كَيْفِيَّةِ الِانْتِقَالِ ، كَالْأَعْيَانِ ، فَيَحْلِفُ الْمَالِكُ ، وَيَسْتَحِقُّ الْأَجْرَ .\rوَفِي قَدْرِهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا : أَجْرُ الْمِثْلِ ؛ لِأَنَّهُمَا لَوْ اتَّفَقَا عَلَى","part":11,"page":22},{"id":5022,"text":"وُجُوبِهِ ، وَاخْتَلَفَا فِي قَدْرِهِ ، وَجَبَ أَجْرُ الْمِثْلِ ، فَمَعَ الِاخْتِلَافِ فِي أَصْلِهِ أَوْلَى .\rوَالثَّانِي : الْمُسَمَّى ؛ لِأَنَّهُ وَجَبَ بِقَوْلِ الْمَالِكِ وَيَمِينِهِ ، فَوَجَبَ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ ، كَالْأَصْلِ .\rوَإِنْ كَانَ اخْتِلَافُهُمَا فِي أَثْنَاءِ الْمُدَّةِ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الرَّاكِبِ فِيمَا مَضَى مِنْهَا ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُسْتَعِيرِ فِيمَا بَقِيَ ؛ لِأَنَّ مَا بَقِيَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ اخْتَلَفَا عَقِيبَ الْعَقْدِ .\rوَإِنْ ادَّعَى الْمَالِكُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ أَنَّهَا عَارِيَّةٌ .\rوَادَّعَى الرَّاكِبُ أَنَّهَا بِأَجْرِ ، فَالرَّاكِبُ يَدَّعِي اسْتِحْقَاقَ الْمَنَافِعِ ، وَيَعْتَرِفُ بِالْأَجْرِ لِلْمَالِكِ ، وَالْمَالِكُ يُنْكِرُ ذَلِكَ كُلَّهُ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ ، فَيَحْلِفُ ، وَيَأْخُذُ بَهِيمَتَهُ .\rوَإِنْ اخْتَلَفَا فِي ذَلِكَ بَعْدَ تَلَفِ الْبَهِيمَةِ قَبْلَ مُضِيِّ مُدَّةٍ لِمِثْلِهَا أَجْرٌ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَالِكِ ، سَوَاءٌ ادَّعَى الْإِجَارَةَ أَوْ الْإِعَارَةَ ؛ لِأَنَّهُ إنْ ادَّعَى الْإِجَارَةَ ، فَهُوَ مُعْتَرِفٌ لِلرَّاكِبِ بِبَرَاءَةِ ذِمَّتِهِ مِنْ ضَمَانِهَا ، فَيُقْبَلُ إقْرَارُهُ عَلَى نَفْسِهِ ، وَإِنْ ادَّعَى الْإِعَارَةَ ، فَهُوَ يَدَّعِي قِيمَتَهَا ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ ؛ لِأَنَّهُمَا اخْتَلَفَا فِي صِفَةِ الْقَبْضِ ، وَالْأَصْلُ فِيمَا يَقْبِضُهُ الْإِنْسَانُ مِنْ مَالِ غَيْرِهِ الضَّمَانُ ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَهُ } .\rفَإِذَا حَلَفَ الْمَالِكُ ، اسْتَحَقَّ الْقِيمَةَ ، وَالْقَوْلُ فِي قَدْرِهَا قَوْلُ الرَّاكِبِ مَعَ يَمِينِهِ ؛ لِأَنَّهُ يُنْكِرُ الزِّيَادَةَ الْمُخْتَلَفَ فِيهَا ، وَالْأَصْلُ عَدَمُهَا .\rوَإِنْ اخْتَلَفَا فِي ذَلِكَ بَعْدَ مُضِيِّ مُدَّةٍ لِمِثْلِهَا أَجْرٌ ، وَتَلَفِ الْبَهِيمَةِ ، وَكَانَ الْأَجْرُ بِقَدْرِ قِيمَتِهَا ، أَوْ كَانَ مَا يَدَّعِيه الْمَالِكُ مِنْهُمَا أَقَلَّ مِمَّا يَعْتَرِفُ بِهِ الرَّاكِبُ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَالِكِ بِغَيْرِ يَمِينٍ ، سَوَاءٌ ادَّعَى الْإِجَارَةَ أَوْ الْإِعَارَةَ ، إذْ لَا فَائِدَةَ فِي الْيَمِينِ عَلَى شَيْءٍ يَعْتَرِفُ لَهُ","part":11,"page":23},{"id":5023,"text":"بِهِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَأْخُذَهُ إلَّا بِيَمِينٍ ؛ لِأَنَّهُ يَدَّعِي شَيْئًا لَا يُصَدَّقُ فِيهِ ، وَيَعْتَرِفُ لَهُ الرَّاكِبُ بِمَا لَا يَدَّعِيه ، فَيَحْلِفُ عَلَى مَا يَدَّعِيه .\rوَإِنْ كَانَ مَا يَدَّعِيه الْمَالِكُ أَكْثَرَ ، مِثْلُ إنْ كَانَتْ قِيمَةُ الْبَهِيمَةِ أَكْثَرَ مِنْ أَجْرِهَا ، فَادَّعَى الْمَالِكُ أَنَّهَا عَارِيَّةٌ ، لِتَجِبَ لَهُ الْقِيمَةُ ، وَأَنْكَرَ اسْتِحْقَاقَ الْأُجْرَةِ ، وَادَّعَى الرَّاكِبُ أَنَّهَا مُكْتَرَاةٌ ، أَوْ كَانَ الْكِرَاءُ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهَا فَادَّعَى الْمَالِكُ أَنَّهُ أَجَرَهَا ، لِيَجِبَ لَهُ الْكِرَاءُ ، وَادَّعَى الرَّاكِبُ أَنَّهَا عَارِيَّةٌ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَالِكِ فِي الصُّورَتَيْنِ ؛ لِمَا قَدَّمْنَا ، فَإِذَا حَلَفَ ، اسْتَحَقَّ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ .\rوَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فِي هَذَا كُلِّهِ نَحْوُ مَا ذَكَرْنَا .","part":11,"page":24},{"id":5024,"text":"( 3931 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَالَ الْمَالِكُ : غَصَبْتهَا .\rوَقَالَ الرَّاكِبُ : بَلْ أَعَرْتنِيهَا .\rفَإِنْ كَانَ الِاخْتِلَافُ عَقِيبَ الْعَقْدِ ، وَالدَّابَّةُ قَائِمَةٌ لَمْ يَتْلَفْ مِنْهَا شَيْءٌ ، فَلَا مَعْنَى لِلِاخْتِلَافِ ، وَيَأْخُذُ الْمَالِكُ بَهِيمَتَهُ ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَتْ الدَّابَّةُ تَالِفَةً ؛ لِأَنَّ الْقِيمَةَ تَجِبُ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ ، كَوُجُوبِهَا عَلَى الْغَاصِبِ .\rوَإِنْ كَانَ الِاخْتِلَافُ بَعْدَ مُضِيِّ مُدَّةٍ لِمِثْلِهَا أَجْرٌ ، فَالِاخْتِلَافُ فِي وُجُوبِهِ ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَالِكِ .\rوَهَذَا ظَاهِرُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ وَنَقَلَ الْمُزَنِيّ عَنْهُ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الرَّاكِبِ ؛ لِأَنَّ الْمَالِكَ يَدَّعِي عَلَيْهِ عِوَضًا ، الْأَصْلُ بَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ مِنْهُ ، وَلِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ الْيَدِ أَنَّهَا بِحَقٍّ ، فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ صَاحِبِهَا .\rوَلَنَا ، مَا قَدَّمْنَا فِي الْفَصْلِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا ، بَلْ هَذَا أَوْلَى ، لِأَنَّهُمَا ثَمَّ اتَّفَقَا عَلَى أَنَّ الْمَنَافِعَ مِلْكٌ لِلرَّاكِبِ ، وَهَا هُنَا لَمْ يَتَّفِقَا عَلَى ذَلِكَ ، فَإِنَّ الْمَالِكَ يُنْكِرُ انْتِقَالَ الْمِلْكِ فِيهَا إلَى الرَّاكِبِ ، وَالرَّاكِبُ يَدَّعِيهِ ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الِانْتِقَالِ ، فَيَحْلِفُ ، وَيَسْتَحِقُّ الْأَجْرَ .\rوَإِنْ قَالَ الْمَالِكُ : غَصَبْتهَا .\rوَقَالَ الرَّاكِبُ : أَجَرْتنِيهَا .\rفَالِاخْتِلَافُ هَاهُنَا فِي وُجُوبِ الْقِيمَةِ ؛ لِأَنَّ الْأَجْرَ يَجِبُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ ، إلَّا أَنْ يَخْتَلِفَ الْمُسَمَّى وَأَجْرُ الْمِثْلِ ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَالِكِ مَعَ يَمِينِهِ ، فَإِنْ كَانَتْ الدَّابَّةُ تَالِفَةً عَقِيبَ أَخْذِهَا ، حَلَفَ وَأَخَذَ قِيمَتَهَا ، وَإِنْ كَانَتْ قَدْ بَقِيَتْ مُدَّةً لِمِثْلِهَا أَجْرٌ ، وَالْمُسَمَّى بِقَدْرِ أَجْرِ الْمِثْلِ ، أَخَذَهُ الْمَالِكُ ؛ لِاتِّفَاقِهِمَا عَلَى اسْتِحْقَاقِهِ ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ أَجْرُ الْمِثْلِ دُونَ الْمُسَمَّى .\rوَفِي الْيَمِينِ وَجْهَانِ .\rوَإِنْ كَانَ زَائِدًا عَلَى الْمُسَمَّى ، لَمْ يَسْتَحِقَّهُ إلَّا بِيَمِينٍ ، وَجْهًا وَاحِدًا .","part":11,"page":25},{"id":5025,"text":"كِتَاب الْغَصْب الْغَصْبُ : هُوَ الِاسْتِيلَاءُ عَلَى مَالِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ حَقٍّ .\rوَهُوَ مُحَرَّمٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ .\rأَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ } .\rوقَوْله تَعَالَى : { وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ } .\rوقَوْله تَعَالَى : { وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا } .\rوَالسَّرِقَةُ نَوْعٌ مِنْ الْغَصْبِ .\rوَأَمَّا السُّنَّةُ ، فَرَوَى جَابِرٌ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي خُطْبَتِهِ يَوْمَ النَّحْرِ : { إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالُكُمْ حَرَامٌ ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا ، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا } .\rرَوَاهُ مُسْلِمٌ ، وَغَيْرُهُ .\rوَعَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ : سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : { مَنْ أَخَذَ شِبْرًا مِنْ الْأَرْضِ ظُلْمًا ، طُوِّقَهُ مِنْ سَبْعِ أَرْضِينَ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَرَوَى أَبُو حَرَّةَ الرَّقَاشِيُّ ، عَنْ عَمِّهِ وَعَمْرِو بْنِ يَثْرِبِيٍّ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئِ مُسْلِمٍ ، إلَّا بِطِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ } .\rرَوَاهُ أَبُو إِسْحَاقَ الْجُوزَجَانِيُّ .\rوَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى تَحْرِيمِ الْغَصْبِ فِي الْجُمْلَةِ ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي فُرُوعٍ مِنْهُ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَمَنْ غَصَبَ شَيْئًا لَزِمَهُ رَدُّهُ ، مَا كَانَ بَاقِيًا ، بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ .\rلِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَهُ } .\rوَلِأَنَّ حَقَّ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ مُتَعَلِّقٌ بِعَيْنِ مَالِهِ وَمَالِيَّتِهِ ، وَلَا يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ إلَّا بِرَدِّهِ .\rفَإِنْ تَلِفَ فِي يَدِهِ ، لَزِمَهُ بَدَلُهُ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { فَمَنْ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا","part":11,"page":26},{"id":5026,"text":"عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ } .\rوَلِأَنَّهُ لَمَّا تَعَذَّرَ رَدُّ الْعَيْنِ ، وَجَبَ رَدُّ مَا يَقُومُ مَقَامَهَا فِي الْمَالِيَّةِ .\rثُمَّ يُنْظَرُ ؛ فَإِنْ كَانَ مِمَّا تَتَمَاثَلُ أَجْزَاؤُهُ ، وَتَتَفَاوَتُ صِفَاتُهُ ، كَالْحُبُوبِ وَالْأَدْهَانِ ، وَجَبَ مِثْلُهُ ، لِأَنَّ الْمِثْلَ أَقْرَبُ إلَيْهِ مِنْ الْقِيمَةِ ، وَهُوَ مُمَاثِلٌ لَهُ مِنْ طَرِيقِ الصُّورَةِ وَالْمُشَاهَدَةِ وَالْمَعْنَى ، وَالْقِيمَةُ مُمَاثِلَةٌ مِنْ طَرِيقِ الظَّنِّ وَالِاجْتِهَادِ ، فَكَانَ مَا طَرِيقُهُ الْمُشَاهَدَةُ مُقَدَّمًا ، كَمَا يُقَدَّمُ النَّصُّ عَلَى الْقِيَاسِ ، لِكَوْنِ النَّصِّ طَرِيقُهُ الْإِدْرَاكُ بِالسَّمَاعِ ، وَالْقِيَاسُ طَرِيقُهُ الظَّنُّ وَالِاجْتِهَادُ .\rوَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُتَقَارِبِ الصِّفَاتِ ، وَهُوَ مَا عَدَا الْمَكِيلَ وَالْمَوْزُونَ ، وَجَبَتْ قِيمَتُهُ ، فِي قَوْلِ الْجَمَاعَةِ .\rوَحُكِيَ عَنْ الْعَنْبَرِيِّ يَجِبُ فِي كُلِّ شَيْءٍ مِثْلُهُ ؛ لِمَا رَوَتْ جَسْرَةُ بِنْتُ دَجَاجَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا { ، أَنَّهَا قَالَتْ : مَا رَأَيْت صَانِعًا مِثْلَ حَفْصَةَ ، صَنَعَتْ طَعَامًا ، فَبَعَثَتْ بِهِ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخَذَنِي الْأَكْلُ فَكَسَرْت الْإِنَاءَ ، فَقُلْت : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَا كَفَّارَةُ مَا صَنَعْت ؟ فَقَالَ : إنَاءٌ مِثْلُ الْإِنَاءِ ، وَطَعَامٌ مِثْلُ الطَّعَامِ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَعَنْ أَنَسٌ ، { أَنَّ إحْدَى نِسَاءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَسَرَتْ قَصْعَةَ الْأُخْرَى ، فَدَفَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَصْعَةَ الْكَاسِرَةِ إلَى رَسُولِ صَاحِبَةِ الْمَكْسُورَةِ ، وَحَبَسَ الْمَكْسُورَةَ فِي بَيْتِهِ .\r} رَوَاهُ أَبُو دَاوُد مُطَوَّلًا ، وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ نَحْوَهُ ، وَقَالَ : حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ .\rوَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَسْلَفَ بَعِيرًا ، وَرَدَّ مِثْلَهُ .\rوَلَنَا ؛ مَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ ، قُوِّمَ عَلَيْهِ قِيمَةَ الْعَدْلِ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .","part":11,"page":27},{"id":5027,"text":"فَأَمَرَ بِالتَّقْوِيمِ فِي حِصَّةِ الشَّرِيكِ ؛ لِأَنَّهَا مُتْلَفَةٌ بِالْعِتْقِ ، وَلَمْ يَأْمُرْ بِالْمِثْلِ .\rوَلِأَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ لَا تَتَسَاوَى أَجْزَاؤُهَا ، وَتَتَبَايَنُ صِفَاتُهَا ، فَالْقِيمَةُ فِيهَا أَعْدَلُ وَأَقْرَبُ إلَيْهَا ، فَكَانَتْ أَوْلَى .\rوَأَمَّا الْخَبَرُ فَمَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ جَوَّزَ ذَلِكَ بِالتَّرَاضِي ، وَقَدْ عَلِمَ أَنَّهَا تَرْضَى بِذَلِكَ .\r( 3932 ) فَصْلٌ : وَمَا تَتَمَاثَلُ أَجْزَاؤُهُ ، وَتَتَقَارَبُ صِفَاتُهُ ، كَالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ وَالْحُبُوبِ وَالْأَدْهَانِ ، ضَمِنَ بِمِثْلِهِ .\rبِغَيْرِ خِلَافٍ .\rقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبِرِّ : كُلُّ مَطْعُومٍ ، مِنْ مَأْكُولٍ أَوْ مَشْرُوبٍ ، فَمُجْمَعٌ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى مُسْتَهْلِكِهِ مِثْلُهُ لَا قِيمَتُهُ .\rوَأَمَّا سَائِرُ الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ ، فَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ يَضْمَنُ بِمِثْلِهِ أَيْضًا ؛ فَإِنَّهُ قَالَ : فِي رِوَايَةِ حَرْبٍ ، وَإِبْرَاهِيمَ بْنِ هَانِئٍ : مَا كَانَ مِنْ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ ، وَمَا يُكَالُ وَيُوزَنُ ، فَعَلَيْهِ مِثْلُهُ دُونَ الْقِيمَةِ .\rفَظَاهِرُ هَذَا وُجُوبُ الْمِثْلِ فِي كُلِّ مَكِيلٍ وَمَوْزُونٍ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّا فِيهِ صِنَاعَةٌ ، كَمَعْمُولِ الْحَدِيدِ وَالنُّحَاسِ وَالرَّصَاصِ مِنْ الْأَوَانِي وَالْآلَاتِ وَنَحْوِهَا .\rوَالْحُلِيِّ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَشِبْهِهِ ، وَالْمَنْسُوجِ مِنْ الْحَرِيرِ وَالْكَتَّانِ وَالْقُطْنِ وَالصُّوفِ وَالشَّعْرِ ، وَالْمَغْزُولِ مِنْ ذَلِكَ ، فَإِنَّهُ يَضْمَنُ بِقِيمَتِهِ ؛ لِأَنَّ الصِّنَاعَةَ تُؤَثِّرُ فِي قِيمَتِهِ ، وَهِيَ مُخْتَلِفَةٌ ، فَالْقِيمَةُ فِيهِ أَحْصَرُ ، فَأَشْبَهَ غَيْرَ الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ .\rوَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّ النُّقْرَةَ وَالسَّبِيكَةَ مِنْ الْأَثْمَانِ ، وَالْعِنَبَ وَالرُّطَبَ وَالْكُمَّثْرَى إنَّمَا يَضْمَنُهُ بِقِيمَتِهِ .\rوَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ يَدُلُّ عَلَى مَا قُلْنَا .\rوَإِنَّمَا خَرَجَ مِنْهُ مَا فِيهِ الصِّنَاعَةُ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يَضْمَنَ النَّقْرَةَ بِقِيمَتِهَا ، لِتَعَذُّرِ وُجُودِ مِثْلِهَا إلَّا بِتَكْسِيرِ الدَّرَاهِمِ الْمَضْرُوبَةِ وَسَبْكِهَا ، وَفِيهِ إتْلَافٌ .","part":11,"page":28},{"id":5028,"text":"فَعَلَى هَذَا ، إنْ كَانَ الْمَضْمُونُ بِقِيمَتِهِ مِنْ جِنْسِ الْأَثْمَانِ ، وَجَبَتْ قِيمَتُهُ مِنْ غَالِبِ نَقْدِ الْبَلَدِ ، فَإِنْ كَانَتْ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ ، وَجَبَتْ بِكُلِّ حَالٍ ، وَإِنْ كَانَتْ مِنْ جِنْسِهِ ، فَكَانَتْ مَوْزُونَةً وَجَبَتْ .\rوَإِنْ كَانَتْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ ، قُوِّمَ بِغَيْرِ جِنْسِهِ ، لِئَلَّا يُؤَدِّيَ إلَى الرِّبَا .\rوَقَالَ الْقَاضِي : إنْ كَانَتْ فِيهِ صِنَاعَةٌ مُبَاحَةٌ ، فَزَادَتْ قِيمَتُهُ مِنْ أَجْلِهَا ، جَازَ تَقْوِيمُهُ بِجِنْسِهِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ قِيمَتُهُ ، وَالصِّنَاعَةُ لَهَا قِيمَةٌ ، وَكَذَلِكَ لَوْ كُسِرَ الْحُلِيُّ ، وَجَبَ أَرْشُ كَسْرِهِ ، وَيُخَالِفُ الْبَيْعَ ، لِأَنَّ الصِّنَاعَةَ لَا يُقَابِلُهَا الْعِوَضُ فِي الْعُقُودِ ، وَيُقَابِلُهَا فِي الْإِتْلَافِ ، أَلَا تَرَى أَنَّهَا لَا تَنْفَرِدُ بِالْعَقْدِ ، وَتَنْفَرِدُ بِضَمَانِهَا بِالْإِتْلَافِ .\rقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ : هَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ مِثْلَ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ ، وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ لِأَنَّ الْقِيمَةَ مَأْخُوذَةٌ عَلَى سَبِيلِ الْعِوَضِ ، فَالزِّيَادَةُ فِيهِ رِبًا ، كَالْبَيْعِ وَكَالنَّقْصِ .\rوَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ : إذَا كَسَرَ الْحُلِيَّ ، يُصْلِحُهُ أَحَبُّ إلَيَّ .\rقَالَ الْقَاضِي : وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُمَا تَرَاضَيَا بِذَلِكَ ، لَا أَنَّهُ عَلَى طَرِيقِ الْوُجُوبِ .\rوَهَذَا فِيمَا إذَا كَانَتْ الصِّنَاعَةُ مُبَاحَةً ، فَإِنْ كَانَتْ مُحَرَّمَةً كَالْأَوَانِي وَحُلِيِّ الرِّجَالِ ، لَمْ يَجُزْ ضَمَانُهُ بِأَكْثَرَ مِنْ وَزْنِهِ ، وَجْهًا وَاحِدًا ؛ لِأَنَّ الصِّنَاعَةَ لَا قِيمَةَ لَهَا شَرْعًا ، فَهِيَ كَالْمَعْدُومَةِ .","part":11,"page":29},{"id":5029,"text":"( 3933 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَمَنْ غَصَبَ أَرْضًا ، فَغَرَسَهَا ، أُخِذَ بِقَلْعِ غَرْسِهِ وَأُجْرَتِهَا إلَى وَقْتِ تَسْلِيمِهَا ، وَمِقْدَارِ نُقْصَانِهَا ، إنْ كَانَ نَقَصَهَا الْغَرْسُ ) .\rالْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي فُصُولٍ : ( 3934 ) أَحَدُهَا ، أَنَّهُ يُتَصَوَّرُ غَصْبُ الْعَقَارِ مِنْ الْأَرَاضِي وَالدُّورِ ، وَيَجِبُ ضَمَانُهَا عَلَى غَاصِبَهَا .\rهَذَا ظَاهِرُ مَذْهَبِ أَحْمَدَ وَهُوَ الْمَنْصُوصُ عَنْ أَصْحَابِهِ ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ .\rوَرَوَى ابْنُ مَنْصُورٍ ، عَنْ أَحْمَدَ فِي مَنْ غَصَبَ أَرْضًا فَزَرَعَهَا ، ثُمَّ أَصَابَهَا غَرَقٌ مِنْ الْغَاصِبِ ، غَرِمَ قِيمَةَ الْأَرْضِ ، وَإِنْ كَانَ شَيْئًا مِنْ السَّمَاءِ ، لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ .\rوَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهَا لَا تُضْمَنُ بِالْغَصْبِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ لَا يُتَصَوَّرُ غَصْبُهَا ، وَلَا تُضْمَنُ بِالْغَصْبِ ، وَإِنْ أَتْلَفَهَا ، ضَمِنَهَا بِالْإِتْلَافِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُوجَدُ فِيهَا النَّقْلُ وَالتَّحْوِيلُ ، فَلَمْ يَضْمَنْهَا ، كَمَا لَوْ حَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَتَاعِهِ ، فَتَلِفَ الْمَتَاعُ ؛ لِأَنَّ الْغَصْبَ إثْبَاتُ الْيَدِ عَلَى الْمَالِ عُدْوَانًا عَلَى وَجْهٍ تَزُولُ بِهِ يَدُ الْمَالِكِ ، وَلَا يُمْكِنُ ذَلِكَ فِي الْعَقَارِ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ ظَلَمَ قِيدَ شِبْرٍ مِنْ الْأَرْضِ ، طُوِّقَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرْضِينَ } .\rرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ عَائِشَةَ .\rوَفِي لَفْظٍ : { مَنْ غَصَبَ شِبْرًا مِنْ الْأَرْضِ } .\rفَأَخْبَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ يُغْصَبُ وَيُظْلَمُ فِيهِ .\rوَلِأَنَّ مَا ضَمِنَ فِي الْبَيْعِ ، وَجَبَ ضَمَانُهُ فِي الْغَصْبِ ، كَالْمَنْقُولِ ، وَلِأَنَّهُ يُمْكِنُ الِاسْتِيلَاءُ عَلَيْهِ عَلَى وَجْهٍ يَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَالِكِهِ ، مِثْلُ أَنْ يَسْكُنَ الدَّارَ وَيَمْنَعَ مَالِكَهَا مِنْ دُخُولِهَا ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَخَذَ الدَّابَّةَ وَالْمَتَاعَ .\rوَأَمَّا إذَا حَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَتَاعِهِ ، فَمَا اسْتَوْلَى عَلَى مَالِهِ ، فَنَظِيرُهُ هَاهُنَا أَنْ يَحْبِسَ","part":11,"page":30},{"id":5030,"text":"الْمَالِكَ ، وَلَا يَسْتَوْلِيَ عَلَى دَارِهِ .\rوَأَمَّا مَا تَلِفَ مِنْ الْأَرْضِ بِفِعْلِهِ ، أَوْ سَبَبِ فِعْلِهِ ، كَهَدْمِ حِيطَانِهَا ، وَتَغْرِيقِهَا ، وَكَشْطِ تُرَابِهَا ، وَإِلْقَاءِ الْحِجَارَةِ فِيهَا ، أَوْ نَقْصٍ يَحْصُلُ بِغَرْسِهِ أَوْ بِنَائِهِ ، فَيَضْمَنُهُ بِغَيْرِ اخْتِلَافٍ فِي الْمَذْهَبِ ، وَلَا بَيْنَ الْعُلَمَاءِ ؛ لِأَنَّ هَذَا إتْلَافٌ ، وَالْعَقَارُ يَضْمَنُ بِالْإِتْلَافِ مِنْ غَيْرِ اخْتِلَافٍ .\rوَلَا يَحْصُلُ الْغَصْبُ مِنْ غَيْرِ اسْتِيلَاءٍ ، فَلَوْ دَخَلَ أَرْضِ إنْسَانٍ أَوْ دَارِهِ ، لَمْ يَضْمَنْهَا بِدُخُولِهِ ، سَوَاءٌ دَخَلَهَا بِإِذْنِهِ أَوْ غَيْرِ إذْنِهِ ، وَسَوَاءٌ كَانَ صَاحِبُهَا فِيهَا أَوْ لَمْ يَكُنْ .\rوَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ : إنْ دَخَلَهَا بِغَيْرِ إذْنِهِ ، وَلَمْ يَكُنْ صَاحِبُهَا فِيهَا ، ضَمِنَهَا ، سَوَاءٌ قَصَدَ ذَلِكَ ، أَوْ ظَنَّ أَنَّهَا دَارُهُ ، أَوْ دَارٌ أُذِنَ لَهُ فِي دُخُولِهَا ؛ لِأَنَّ يَدَ الدَّاخِلِ ثَبَتَتْ عَلَيْهَا بِذَلِكَ ، فَيَصِيرُ غَاصِبًا ، فَإِنَّ الْغَصْبَ إثْبَاتُ الْيَدِ الْعَادِيَةِ ، وَهَذَا قَدْ ثَبَتَتْ يَدُهُ ، بِدَلِيلِ أَنَّهُمَا لَوْ تَنَازَعَا فِي الدَّارِ وَلَا بَيِّنَةَ لَهُمَا ، حُكِمَ بِهَا لِمَنْ هُوَ فِيهَا ، دُونَ الْخَارِجِ مِنْهَا .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ غَيْرُ مُسْتَوْلٍ عَلَيْهَا ، فَلَمْ يَضْمَنْهَا ، كَمَا لَوْ دَخَلَهَا بِإِذْنِهِ ، أَوْ دَخَلَ صَحْرَاءَهُ ، وَلِأَنَّهُ إنَّمَا يَضْمَنُ بِالْغَصْبِ مَا يَضْمَنُهُ فِي الْعَارِيَّة ، وَهَذَا لَا تَثْبُتُ بِهِ الْعَارِيَّةُ ، وَلَا يَجِبُ بِهِ الضَّمَانُ فِيهَا ، فَكَذَلِكَ لَا يَثْبُتُ بِهِ الْغَصْبُ ، إذَا كَانَ بِغَيْرِ إذْنٍ .","part":11,"page":31},{"id":5031,"text":"( 3935 ) الْفَصْلُ الثَّانِي : أَنَّهُ إذَا غَرَسَ فِي أَرْضِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ ، أَوْ بَنَى فِيهَا ، فَطَلَبَ صَاحِبُ الْأَرْضِ قَلْعَ غِرَاسِهِ أَوْ بِنَائِهِ ، لَزِمَ الْغَاصِبَ ذَلِكَ .\rوَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا ؛ لِمَا رَوَى سَعِيدُ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { لَيْسَ لِعِرْقِ ظَالِمٍ حَقٌّ } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَقَالَ : حَدِيثٌ حَسَنٌ .\rوَرَوَى أَبُو دَاوُد ، وَأَبُو عُبَيْدٍ فِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ قَالَ : فَلَقَدْ أَخْبَرَنِي الَّذِي حَدَّثَنِي هَذَا الْحَدِيثَ ، { أَنَّ رَجُلًا غَرَسَ فِي أَرْضِ رَجُلٍ مِنْ الْأَنْصَارِ ، مِنْ بَنِي بَيَاضَةَ ، فَاخْتَصَمَا إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَضَى لِلرَّجُلِ بِأَرْضِهِ ، وَقَضَى لِلْآخَرِ أَنْ يَنْزِعَ نَخْلَهُ .\rقَالَ : فَلَقَدْ رَأَيْتهَا تُضْرَبُ فِي أُصُولِهَا بِالْفُؤُوسِ ، وَإِنَّهَا لَنَخْلٌ عُمٌّ } .\r.\rوَلِأَنَّهُ شَغَلَ مِلْكَ غَيْرِهِ ، بِمِلْكِهِ الَّذِي لَا حُرْمَةَ لَهُ فِي نَفْسِهِ ، بِغَيْرِ إذْنِهِ ، فَلَزِمَهُ تَفْرِيغُهُ ، كَمَا لَوْ جَعَلَ فِيهِ قُمَاشًا .\rوَإِذْ قَلَعَهَا لَزِمَهُ تَسْوِيَةُ الْحَفْرِ ، وَرَدُّ الْأَرْضِ إلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ ضَرَرٌ حَصَلَ بِفِعْلِهِ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ ، فَلَزِمَتْهُ إزَالَتُهُ .\rوَإِنْ أَرَادَ صَاحِبُ الْأَرْضِ أَخْذَ الشَّجَرِ وَالْبِنَاءِ بِغَيْرِ عِوَضٍ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ عَيْنُ مَالِ الْغَاصِبِ ، فَلَمْ يَمْلِكْ صَاحِبُ الْأَرْضِ أَخْذَهُ ، كَمَا لَوْ وَضَعَ فِيهَا أَثَاثًا أَوْ حَيَوَانًا .\rوَإِنْ طَلَبَ أَخْذَهُ بِقِيمَتِهِ ، وَأَبِي مَالِكُهُ إلَّا الْقَلْعَ ، فَلَهُ الْقَلْعُ ؛ لِأَنَّهُ مِلْكُهُ ، فَمَلَكَ نَقْلَهُ .\rوَلَا يُجْبَرُ عَلَى أَخْذِ الْقِيمَةِ ؛ لِأَنَّهَا مُعَاوَضَةٌ ، فَلَمْ يُجْبَرْ عَلَيْهَا .\rوَإِنْ اتَّفَقَ عَلَى تَعْوِيضِهِ عَنْهُ بِالْقِيمَةِ أَوْ غَيْرِهَا ، جَازَ ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمَا ، فَجَازَ مَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ .\rوَإِنْ وَهَبَ الْغَاصِبُ الْغِرَاسَ وَالْبِنَاءَ لِمَالِكِ الْأَرْضِ ، لِيَتَخَلَّصَ مِنْ قَلْعِهِ ، وَقَبِلَهُ الْمَالِكُ ، جَازَ .\rوَإِنْ","part":11,"page":32},{"id":5032,"text":"أَبَى قَبُولَهُ ، وَكَانَ فِي قَلْعِهِ غَرَضٌ صَحِيحٌ لَمْ يُجْبَرْ عَلَى قَبُولِهِ ؛ لِمَا تَقَدَّمَ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ غَرَضٌ صَحِيحٌ احْتَمَلَ أَنْ يُجْبَرَ عَلَى قَبُولِهِ ؛ لِأَنَّ فِيهِ رَفْعَ الْخُصُومَةِ مِنْ غَيْرِ غَرَضٍ يَفُوتُ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يُجْبَرَ ؛ لِأَنَّ فِيهِ إجْبَارًا عَلَى عَقْدٍ يُعْتَبَرُ الرِّضَى فِيهِ .\rوَإِنْ غَصَبَ أَرْضًا وَغِرَاسًا مِنْ رَجُلٍ وَاحِدٍ ، فَغَرَسَهُ فِيهَا فَالْكُلُّ لِمَالِكِ الْأَرْضِ .\rفَإِنْ طَالَبَهُ الْمَالِكُ بِقَلْعِهِ ، وَفِي قَلْعِهِ غَرَضٌ ، أُجْبِرَ عَلَى قَلْعِهِ ؛ لِأَنَّهُ فَوَّتَ عَلَيْهِ غَرَضًا مَقْصُودًا بِالْأَرْضِ ، فَأُخِذَ بِإِعَادَتِهَا إلَى مَا كَانَتْ ، وَعَلَيْهِ تَسْوِيَةُ الْأَرْضِ ، وَنَقْصِهَا ، وَنَقْصِ الْغِرَاسِ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا .\rوَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي قَلْعِهِ غَرَضٌ ، لَمْ يُجْبَرْ عَلَى قَلْعِهِ ؛ لِأَنَّهُ سَفَهٌ ، فَلَا يُجْبَرُ عَلَى السَّفَهِ .\rوَقِيلَ : يُجْبَرُ ؛ لِأَنَّ الْمَالِكَ مُحَكَّمٌ فِي مِلْكِهِ ، وَالْغَاصِبُ غَيْرُ مُحَكَّمٍ ، فَإِنْ أَرَادَ الْغَاصِبُ قَلْعَهُ ، وَمَنَعَهُ الْمَالِكُ لَمْ يَمْلِكْ قَلْعَهُ ؛ لِأَنَّ الْجَمِيعَ مِلْكٌ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ ، فَلَمْ يَمْلِكْ غَيْرُهُ التَّصَرُّفَ فِيهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ .","part":11,"page":33},{"id":5033,"text":"( 3936 ) فَصْلٌ : وَالْحُكْمُ فِيمَا إذَا بَنَى فِي الْأَرْضِ ، كَالْحُكْمِ فِيمَا إذَا غَرَسَ فِيهَا فِي هَذَا التَّفْصِيلِ جَمِيعِهِ ، إلَّا أَنَّهُ يَتَخَرَّجُ أَنَّهُ إذَا بَذَلَ مَالِكُ الْأَرْضِ الْقِيمَةَ لِصَاحِبِ الْبِنَاءِ أُجْبِرَ عَلَى قَبُولِهَا ، إذَا لَمْ يَكُنْ فِي النَّقْضِ غَرَضٌ صَحِيحٌ ؛ لِأَنَّ النَّقْضَ سَفَهٌ .\rوَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ؛ لِمَا رَوَى الْخَلَّالُ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ ، قَالَتْ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ بَنَى فِي رِبَاعِ قَوْمٍ بِإِذْنِهِمْ فَلَهُ الْقِيمَةُ ، وَمَنْ بَنَى بِغَيْرِ إذْنِهِمْ فَلَهُ النَّقْضُ } .\rوَلِأَنَّ ذَلِكَ مُعَاوَضَةٌ ، فَلَا يُجْبَرُ عَلَيْهَا .\rوَإِذَا كَانَتْ الْآلَةُ مِنْ تُرَابِ الْأَرْضِ وَأَحْجَارِهَا ، فَلَيْسَ لِلْغَاصِبِ النَّقْضُ ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي الْغَرْسِ .","part":11,"page":34},{"id":5034,"text":"( 3937 ) فَصْلٌ : وَإِنْ غَصَبَ دَارًا ، فَجَصَّصَهَا وَزَوَّقَهَا وَطَالَبَهُ رَبُّهَا بِإِزَالَتِهِ ، وَفِي إزَالَتِهِ غَرَضٌ ، لَزِمَهُ إزَالَتُهُ ، وَأَرْشُ نَقْصِهَا إنْ نَقَصَتْ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ غَرَضٌ ، فَوَهَبَهُ الْغَاصِبُ لِمَالِكِهَا ، أُجْبِرَ عَلَى قَبُولِهِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ صِفَةٌ فِي الدَّارِ ، فَأَشْبَهَ قَصَارَةَ الثَّوْبِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يُجْبَرَ ؛ لِأَنَّهَا أَعْيَانُ مُتَمَيِّزَةٌ ، فَصَارَتْ بِمَنْزِلَةِ الْقُمَاشِ .\rوَإِنْ طَلَبَ الْغَاصِبُ قَلْعَهُ ، وَمَنَعَهُ الْمَالِكُ ، وَكَانَ لَهُ قِيمَةٌ بَعْدَ الْكَشْطِ ، فَلِلْغَاصِبِ قَلْعُهُ ، كَمَا يَمْلِكُ قَلْعَ غِرَاسِهِ ، سَوَاءٌ بَذَلَ لَهُ الْمَالِكُ قِيمَتَهُ ، أَوْ لَمْ يَبْذُلْ .\rوَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ قِيمَةٌ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، يَمْلِكُ قَلْعَهُ ؛ لِأَنَّهُ عَيْنُ مَالِهِ .\rوَالثَّانِي ، لَا يَمْلِكُ ؛ لِأَنَّهُ سَفَهٌ يَضُرُّ وَلَا يَنْفَعُ ، فَلَمْ يُجْبَرْ عَلَيْهِ .","part":11,"page":35},{"id":5035,"text":"( 3938 ) فَصْلٌ : وَإِنْ غَصَبَ أَرْضًا ، فَكَشَطَ تُرَابَهَا ، لَزِمَهُ رَدُّهُ وَفَرْشُهُ عَلَى مَا كَانَ ، إنْ طَلَبَهُ الْمَالِكُ ، وَكَانَ فِيهِ غَرَضٌ صَحِيحٌ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ غَرَضٌ ، فَهَلْ يُجْبَرُ عَلَى فَرْشِهِ ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ .\rوَإِنْ مَنَعَهُ الْمَالِكُ فَرْشَهُ ، أَوْ رَدَّهُ وَطَلَبَ الْغَاصِبُ ذَلِكَ ، وَكَانَ فِي رَدِّهِ غَرَضٌ مِنْ إزَالَةِ ضَرَرٍ ، أَوْ ضَمَانٍ ، فَلَهُ فَرْشُهُ وَرَدُّهُ ، وَعَلَيْهِ أَجْرُ مِثْلِهَا مُدَّةَ شَغْلِهَا وَأَجْرُ نَقْصِهَا .\rوَإِنْ أَخَذَ تُرَابَ أَرْضٍ ، فَضَرَبَهُ لِبِنَاءٍ ، رَدَّ ، وَلَا شَيْءَ لَهُ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ جَعَلَ فِيهِ تِبْنًا لَهُ ، فَيَكُونَ لَهُ أَنْ يَحُلَّهُ وَيَأْخُذَ تِبْنَهُ .\rوَإِنْ كَانَ لَا يَحْصُلُ مِنْهُ شَيْءٌ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ، بِنَاءً عَلَى كَشْطِ التَّزْوِيقِ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ قِيمَةٌ .\rوَإِنْ طَالَبَهُ الْمَالِكُ بِحَلِّهِ ، لَزِمَهُ ذَلِكَ إذَا كَانَ فِيهِ غَرَضٌ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ غَرَضٌ ، فَعَلَى وَجْهَيْنِ .\rوَإِنْ جَعَلَهُ آجُرًّا أَوْ فَخَّارًا ، لَزِمَهُ رَدُّهُ ، وَلَا أَجْرَ لَهُ لِعَمَلِهِ ، وَلَيْسَ لَهُ كَسْرُهُ ، وَلَا لِلْمَالِكِ إجْبَارُهُ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ سَفَهُ لَا يُفِيدُ ، وَإِتْلَافٌ لِلْمَالِ ، وَإِضَاعَةٌ لَهُ ، وَقَدْ { نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ إضَاعَةِ الْمَالِ .\r}","part":11,"page":36},{"id":5036,"text":"( 3939 ) فَصْلٌ : وَإِنْ غَصَبَ أَرْضًا ، فَحَفَرَ فِيهَا بِئْرًا فَطَالَبَهُ الْمَالِكُ بِطَمِّهَا ، لَزِمَهُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ يَضُرُّ بِالْأَرْضِ ، وَلِأَنَّ التُّرَابَ مِلْكُهُ ، نَقَلَهُ مِنْ مَوْضِعِهِ ، فَلَزِمَهُ رَدُّهُ ، كَتُرَابِ الْأَرْضِ .\rوَكَذَلِكَ إنْ حَفَرَ فِيهَا نَهْرًا ، أَوْ حَفَرَ بِئْرًا فِي مِلْكِ رَجُلٍ بِغَيْرِ إذْنِهِ .\rوَإِنْ أَرَادَ الْغَاصِبُ طَمَّهَا ، فَمَنَعَهُ الْمَالِكُ ، نَظَرْنَا ؛ فَإِنْ كَانَ لَهُ غَرَضٌ فِي طَمِّهَا ، بِأَنْ يَسْقُطَ عَنْهُ ضَمَانُ مَا يَقَعُ فِيهَا ، أَوْ يَكُونَ قَدْ نَقَلَ تُرَابَهَا إلَى مِلْكِ نَفْسِهِ ، أَوْ مِلْكِ غَيْرِهِ ، أَوْ طَرِيقٌ يَحْتَاجُ إلَى تَفْرِيغِهِ ، فَلَهُ الرَّدُّ ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ الْغَرَضِ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ غَرَضٌ فِي طَمِّ الْبِئْرِ ، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ قَدْ وَضَعَ التُّرَابَ فِي مِلْكِ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ ، وَأَبْرَأَهُ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ مِمَّا حَفَرَ ، وَأَذِنَ فِيهِ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ طَمُّهَا ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ إتْلَافٌ لَا نَفْعَ فِيهِ ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ فِعْلُهُ ، كَمَا لَوْ غَصَبَ نُقْرَةً ، فَطَبَعَهَا دَرَاهِمَ ، ثُمَّ أَرَادَ جَعْلَهَا نُقْرَةً .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالْمُزَنِيُّ وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ .\rوَقَالَ بَعْضُهُمْ : لَهُ طَمُّهَا .\rوَهُوَ الْوَجْهُ الثَّانِي لَنَا ؛ لِأَنَّهُ لَا يَبْرَأُ مِنْ الضَّمَانِ بِإِبْرَاءِ الْمَالِكِ ، لِأَنَّهُ إبْرَاءٌ مِمَّا لَمْ يَجِبْ بَعْدُ ، وَهُوَ أَيْضًا إبْرَاءٌ مِنْ حَقِّ غَيْرِهِ وَهُوَ الْوَاقِعُ فِيهَا .\rوَلَنَا ، أَنَّ الضَّمَانَ إنَّمَا لَزِمَهُ لِوُجُودِ التَّعَدِّي ، فَإِذَا رَضِيَ صَاحِبُ الْأَرْضِ ، زَالَ التَّعَدِّي ، فَزَالَ الضَّمَانُ ، وَلَيْسَ هَذَا إبْرَاءً مِمَّا لَمْ يَجِبْ ، وَإِنَّمَا هُوَ إسْقَاطُ التَّعَدِّي بِرِضَائِهِ بِهِ .\rوَهَكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ إذَا لَمْ يَتَلَفَّظْ بِالْإِبْرَاءِ ، وَلَكِنْ مَنَعَهُ مِنْ طَمِّهَا ؛ لِأَنَّهُ يَتَضَمَّنُ رِضَاهُ بِذَلِكَ .","part":11,"page":37},{"id":5037,"text":"( 3940 ) الْفَصْلُ الثَّالِثُ : أَنَّ عَلَى الْغَاصِبِ أَجْرَ الْأَرْضِ مُنْذُ غَصْبِهَا إلَى وَقْتِ تَسْلِيمِهَا .\rوَهَكَذَا كُلُّ مَا لَهُ أَجْرٌ ، فَعَلَى الْغَاصِبِ أَجْرُ مِثْلِهِ ، سَوَاءٌ اسْتَوْفَى الْمَنَافِعَ أَوْ تَرَكَهَا حَتَّى ذَهَبَتْ ؛ لِأَنَّهَا تَلِفَتْ فِي يَدِهِ الْعَادِيَةِ ، فَكَانَ عَلَيْهِ عِوَضُهَا ، كَالْأَعْيَانِ .\rوَإِنْ غَصَبَ أَرْضًا ، فَبَنَاهَا دَارًا ، فَإِنْ كَانَتْ آلَاتُ بِنَائِهَا مِنْ مَالِ الْغَاصِبِ ، فَعَلَيْهِ أَجْرُ الْأَرْضِ دُونَ بِنَائِهَا ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا غَصَبَ الْأَرْضَ وَالْبِنَاءُ لَهُ ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ أَجْرُ مَالِهِ .\rوَإِنْ بَنَاهَا بِتُرَابٍ مِنْهَا ، وَآلَاتٍ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ ، فَعَلَيْهِ أَجْرُهَا مَبْنِيَّةً ؛ لِأَنَّ الدَّارَ كُلَّهَا مِلْكٌ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ ، وَإِنَّمَا لِلْغَاصِبِ فِيهَا أَثَرُ الْفِعْلِ ، فَلَا يَكُونُ فِي مُقَابَلَتِهِ أَجْرٌ ؛ لِأَنَّهُ وَقَعَ عُدْوَانًا .\rوَإِنْ غَصَبَ دَارًا ، فَنَقَضَهَا ، وَلَمْ يَبْنِهَا ، فَعَلَيْهِ أَجْرُ دَارٍ إلَى حِينِ نَقْضِهَا ، وَأَجْرُهَا مَهْدُومَةً مِنْ حِينِ نَقْضِهَا إلَى حِينِ رَدِّهَا ؛ لِأَنَّ الْبِنَاءَ انْهَدَمَ وَتَلِفَ ، فَلَمْ يَجِبْ أَجْرُهُ مَعَ تَلَفِهَا .\rوَإِنْ نَقَضَهَا ، ثُمَّ بَنَاهَا بِآلَةٍ مِنْ عِنْدِهِ ، فَالْحُكْمُ فِيهَا كَذَلِكَ .\rوَإِنْ بَنَاهَا بِآلَتِهَا ، أَوْ آلَةٍ مِنْ تُرَابِهَا ، أَوْ مِلْكِ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ ، فَعَلَيْهِ أَجْرُهَا عَرْصَةً ، مُنْذُ نَقَضَهَا إلَى أَنْ بَنَاهَا ، وَأَجَّرَهَا دَارًا فِيمَا قَبْلَ ذَلِكَ وَبَعْدَهُ ؛ لِأَنَّ الْبِنَاءَ لِلْمَالِكِ .\rوَحُكْمُهَا فِي نَقْضِ بِنَائِهَا الَّذِي بَنَاهُ الْغَاصِبُ ، حُكْمُ مَا لَوْ غَصَبَهَا عَرْصَةً فَبَنَاهَا .\rوَإِنْ كَانَ الْغَاصِبُ بَاعَهَا ، فَبَنَاهَا الْمُشْتَرِي ، أَوْ نَقَضَهَا ثُمَّ بَنَاهَا ، فَالْحُكْمُ لَا يَخْتَلِفُ ، لَكِنَّ لِلْمَالِكِ مُطَالَبَةَ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا ، وَالرُّجُوعَ عَلَيْهِ ، فَإِنْ رَجَعَ عَلَى الْغَاصِبِ ، رَجَعَ الْغَاصِبُ عَلَى الْمُشْتَرِي بِقِيمَةِ مَا تَلِفَ مِنْ الْأَعْيَانِ ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ دَخَلَ عَلَى أَنَّهُ مَضْمُونٌ عَلَيْهِ بِالْعِوَضِ ، فَاسْتَقَرَّ ضَمَانُهُ عَلَيْهِ .\rوَإِنْ رَجَعَ","part":11,"page":38},{"id":5038,"text":"الْمَالِكُ عَلَى الْمُشْتَرِي ، رَجَعَ الْمُشْتَرِي عَلَى الْغَاصِبِ بِنَقْصِ التَّالِفِ ، وَلَمْ يَرْجِعْ بِقِيمَةِ مَا تَلِفَ .\rوَهَلْ يَرْجِعُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ بِالْأَجْرِ ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ .\rوَلَيْسَ لَهُ مُطَالَبَةُ الْمُشْتَرِي مِنْ الْأَجْرِ إلَّا بِأَجْرِ مُدَّةِ مُقَامِهَا فِي يَدَيْهِ ؛ لِأَنَّ يَدَهُ إنَّمَا ثَبَتَتْ عَلَيْهَا حِينَئِذٍ .","part":11,"page":39},{"id":5039,"text":"( 3941 ) الْفَصْلُ الرَّابِعُ : إنَّ عَلَى الْغَاصِبِ ضَمَانَ نَقْصِ الْأَرْضِ ، إنْ كَانَ نَقَصَهَا الْغَرْسُ ، أَوْ نَقَصَتْ بِغَيْرِهِ .\rوَهَكَذَا كُلُّ عَيْنٍ مَغْصُوبَةٍ ، عَلَى الْغَاصِبِ ضَمَانُ نَقْصِهَا إذَا كَانَ نَقْصًا مُسْتَقِرًّا ، كَثَوْبٍ تَخَرَّقَ ، وَإِنَاءٍ تَكَسَّرَ ، وَطَعَامٍ سَوَّسَ ، وَبِنَاءٍ خَرِبَ ، وَنَحْوِهِ ، فَإِنَّهُ يَرُدُّهَا وَأَرْشَ النَّقْصِ ؛ لِأَنَّهُ نَقْصٌ حَصَلَ فِي يَدِ الْغَاصِبِ ، فَوَجَبَ ضَمَانُهُ ، كَالْقَفِيزِ مِنْ الطَّعَامِ ، وَالذِّرَاعِ مِنْ الثَّوْبِ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إذَا شَقَّ رَجُلٌ لِرَجُلِ ثَوْبًا شَقًّا قَلِيلًا ، أَخَذَ أَرْشَهُ .\rوَإِنْ كَانَ كَثِيرًا ، فَصَاحِبُهُ بِالْخِيَارِ بَيْنَ تَسْلِيمِهِ وَأَخْذِ قِيمَتِهِ ، وَبَيْنَ إمْسَاكِهِ وَأَخْذِ أَرْشِهِ .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ كَلَامٌ يَحْتَمِلُ هَذَا ؛ فَإِنَّهُ قَالَ ، فِي رِوَايَةِ مُوسَى بْنِ سَعِيدٍ ، فِي الثَّوْبِ : إنْ شَاءَ شَقَّ الثَّوْبَ ، وَإِنْ شَاءَ مِثْلَهُ .\rيَعْنِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ إنْ شَاءَ أَخَذَ أَرْشَ الشَّقِّ .\rوَوَجْهُهُ أَنَّ هَذِهِ جِنَايَةٌ أَتْلَفَتْ مُعْظَمَ مَنْفَعَتِهِ ، فَكَانَتْ لَهُ الْمُطَالَبَةُ بِقِيمَتِهِ ، كَمَا لَوْ قَتَلَ شَاةً لَهُ .\rوَحَكَى أَصْحَابُ مَالِكٍ عَنْهُ ، أَنَّهُ إذَا جَنَى عَلَى عَيْنٍ ، فَأَتْلَفَ غَرَضَ صَاحِبِهَا فِيهَا ، كَانَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ بِالْخِيَارِ ، إنْ شَاءَ رَجَعَ بِمَا نَقَصَتْ ، وَإِنْ شَاءَ سَلَّمَهَا وَأَخَذَ قِيمَتَهَا .\rوَلَعَلَّ مَا يُحْكَى عَنْهُ مِنْ قَطْعِ ذَنَبِ حِمَارِ الْقَاضِي ، يَنْبَنِي عَلَى ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ أَتْلَفَ غَرَضَهُ بِهِ ، فَإِنَّهُ لَا يَرْكَبُهُ فِي الْعَادَةِ .\rوَحُجَّتُهُمْ أَنَّهُ أَتْلَفَ الْمَنْفَعَةَ الْمَقْصُودَةَ مِنْ السِّلْعَةِ ، فَلَزِمَتْهُ قِيمَتُهَا ، كَمَا لَوْ أَتْلَفَ جَمِيعَهَا .\rوَلَنَا ، أَنَّهَا جِنَايَةٌ عَلَى مَالٍ أَرْشُهَا دُونَ قِيمَتِهِ ، فَلَمْ يَمْلِكْ الْمُطَالَبَةَ بِجَمِيعِ قِيمَتِهِ ، كَمَا لَوْ كَانَ الشَّقُّ يَسِيرًا ، وَلِأَنَّهَا جِنَايَةٌ تَنْقُصُ بِهَا الْقِيمَةُ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ يَتْلَفْ غَرَضُ صَاحِبِهَا ، وَفِي الشَّاةِ تَلِفَ جَمِيعُهَا ؛ لِأَنَّ","part":11,"page":40},{"id":5040,"text":"الِاعْتِبَارَ فِي الْإِتْلَافِ بِالْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ ، لَا بِغَرَضِ صَاحِبِهِ ؛ لِأَنَّ هَذَا إنْ لَمْ يَصْلُحْ لِهَذَا صَلَحَ لِغَيْرِهِ .","part":11,"page":41},{"id":5041,"text":"( 3942 ) فَصْلٌ : وَقَدْرُ الْأَرْشِ قَدْرُ نَقْصِ الْقِيمَةِ فِي جَمِيعِ الْأَعْيَانِ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى ، أَنَّ عَيْنَ الدَّابَّةِ تُضْمَنُ بِرُبْعِ قِيمَتِهَا .\rفَإِنَّهُ قَالَ ، فِي رِوَايَةِ أَبِي الْحَارِثِ ، فِي رَجُلٍ فَقَأَ عَيْنَ دَابَّةٍ لِرَجُلٍ : عَلَيْهِ رُبْعُ قِيمَتِهَا .\rقِيلَ لَهُ : فَقَأَ الْعَيْنَيْنِ ؟ فَقَالَ : إذَا كَانَتْ وَاحِدَةً ، فَقَالَ عُمَرُ رُبْعُ الْقِيمَةِ ، وَأَمَّا الْعَيْنَانِ فَمَا سَمِعْت فِيهِمَا شَيْئًا .\rقِيلَ لَهُ : فَإِنْ كَانَ بَعِيرًا أَوْ بَقَرَةً أَوْ شَاةً ؟ فَقَالَ : هَذَا غَيْرُ الدَّابَّةِ ، هَذَا يُنْتَفَعُ بِلَحْمِهِ ، يُنْظَرُ مَا نَقَصَهَا .\rوَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَحْمَدَ إنَّمَا أَوْجَبَ مِقْدَارًا فِي الْعَيْنِ الْوَاحِدَةِ مِنْ الدَّابَّةِ ، وَهِيَ الْفَرَسُ وَالْبَغْلُ وَالْحِمَارُ خَاصَّةً لِلْأَثَرِ الْوَارِدِ فِيهِ ، وَمَا عَدَا هَذَا يُرْجَعُ إلَى الْقِيَاسِ .\rوَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا لِهَذِهِ الرِّوَايَةِ ، بِمَا رَوَى زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى فِي عَيْنِ الدَّابَّةِ بِرُبْعِ قِيمَتِهَا } .\rوَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ كَتَبَ إلَى شُرَيْحٍ لَمَّا كَتَبَ إلَيْهِ يَسْأَلُهُ عَنْ عَيْنِ الدَّابَّةِ : إنَّا كُنَّا نُنْزِلُهَا مَنْزِلَةَ الْآدَمِيِّ ، إلَّا أَنَّهُ أَجْمَعَ رَأْيُنَا أَنَّ قِيمَتَهَا رُبْعُ الثَّمَنِ .\rوَهَذَا إجْمَاعٌ يُقَدَّمُ عَلَى الْقِيَاسِ .\rذَكَرَ هَذَيْنِ أَبُو الْخَطَّابِ فِي \" رُءُوسِ الْمَسَائِلِ \" .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إذَا قَلَعَ عَيْنَ بَهِيمَةٍ يُنْتَفَعُ بِهَا مِنْ وِجْهَتَيْنِ ، كَالدَّابَّةِ وَالْبَعِيرِ وَالْبَقَرَةِ ، وَجَبَ نِصْفُ قِيمَتِهَا ، وَفِي إحْدَاهُمَا رُبْعُ قِيمَتِهَا ؛ لِقَوْلِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَجْمَعَ رَأْيُنَا عَلَى أَنَّ قِيمَتَهَا رُبْعُ الثَّمَنِ .\rوَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ فِي الْعَبْدِ ، أَنَّهُ يَضْمَنُ فِي الْغَصْبِ بِمَا يَضْمَنُ بِهِ فِي الْجِنَايَةِ ؛ فَفِي يَدِهِ نِصْفُ قِيمَتِهِ ، وَفِي مُوضِحَتِهِ نِصْفُ عُشْرِ قِيمَتِهِ ، وَهَذَا قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ ضَمَانٌ لِأَبْعَاضِ","part":11,"page":42},{"id":5042,"text":"الْعَبْدِ ، فَكَانَ مُقَدَّرًا مِنْ قِيمَتِهِ ، كَأَرْشِ الْجِنَايَةِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ ضَمَانُ مَالٍ مِنْ غَيْرِ جِنَايَةٍ ، فَكَانَ الْوَاجِبُ مَا نَقَصَ ، كَالثَّوْبِ ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْقَصْدَ بِالضَّمَانِ جَبْرُ حَقِّ الْمَالِكِ بِإِيجَابِ قَدْرِ الْمُفَوِّتِ عَلَيْهِ ، وَقَدْرُ النَّقْصِ هُوَ الْجَابِرُ ، وَلِأَنَّهُ لَوْ فَاتَ الْجَمِيعُ لَوَجَبَتْ قِيمَتُهُ ، فَإِذَا فَاتَ مِنْهُ شَيْءُ وَجَبَ قَدْرُهُ مِنْ الْقِيمَةِ ، كَغَيْرِ الْحَيَوَانِ .\rوَأَمَّا حَدِيثُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، فَلَا أَصْلَ لَهُ ، وَلَوْ كَانَ صَحِيحًا لَمَا احْتَجَّ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ بِحَدِيثِ عُمَرَ وَتَرَكُوهُ ، فَإِنَّ قَوْلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَقُّ أَنْ يُحْتَجّ بِهِ ، وَأَمَّا قَوْلُ عُمَرَ فَمَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَدْرَ نَقْصِهَا ، كَمَا رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَضَى فِي الْعَيْنِ الْقَائِمَةِ بِخَمْسِينَ دِينَارًا ، وَلَوْ كَانَ تَقْدِيرًا ، لَوَجَبَ فِي الْعَيْنِ نِصْفُ الْقِيمَةِ ، كَعَيْنِ الْآدَمِيِّ .\rوَأَمَّا ضَمَانُ الْجِنَايَةِ عَلَى أَطْرَافِ الْعَبْدِ ، فَمَعْدُولٌ بِهِ عَنْ الْقِيَاسِ ، لِلْإِلْحَاقِ بِالْجِنَايَةِ عَلَى الْحُرِّ ، وَالْوَاجِبُ هَاهُنَا ضَمَانُ الْيَدِ ، وَلَا تَثْبُتُ الْيَدُ عَلَى الْحُرِّ ، فَوَجَبَ الْبَقَاءُ فِيهِ عَلَى مُوجِبِ الْأَصْلِ ، وَإِلْحَاقُهُ بِسَائِرِ الْأَمْوَالِ الْمَغْصُوبَةِ .\rوَقَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ إنَّ هَذَا فِي بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ وَالدَّابَّةِ .\rلَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ هَذَا الْقَوْلَ مَبْنِيٌّ عَلَى قَوْلِ عُمَرَ وَقَوْلُ عُمَرَ إنَّمَا هُوَ فِي الدَّابَّةُ ، وَالدَّابَّةُ فِي الْعُرْفِ مَا يُعَدُّ لِلرُّكُوبِ دُونَ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ .","part":11,"page":43},{"id":5043,"text":"( 3943 ) فَصْلٌ : وَإِنْ غَصَبَ عَبْدًا ، فَجَنَى عَلَيْهِ جِنَايَةً مُقَدَّرَةَ الدِّيَةِ ، فَعَلَى قَوْلِنَا : ضَمَانُ الْغَصْبِ ضَمَانُ الْجِنَايَةِ .\rالْوَاجِبُ أَرْشُ الْجِنَايَةِ ، كَمَا لَوْ جَنَى عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ غَصْبٍ ، فَنَقَصَتْهُ الْجِنَايَةُ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ أَوْ أَكْثَرَ .\rوَإِنْ قُلْنَا : ضَمَانُ الْغَصْبِ غَيْرُ ضَمَانِ الْجِنَايَةِ وَهُوَ الصَّحِيحُ ، فَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَمْرَيْنِ ، مِنْ أَرْشِ النَّقْصِ أَوْ دِيَةِ ذَلِكَ الْعُضْوِ ، لِأَنَّ سَبَبَ ضَمَانِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وُجِدَ ، فَوَجَبَ أَكْثَرُهُمَا ، وَدَخَلَ الْآخَرُ فِيهِ ، فَإِنَّ الْجِنَايَةَ وَالْيَدَ وُجِدَا جَمِيعًا .\rفَإِنْ غَصَبَ عَبْدًا يُسَاوِي أَلْفًا ؛ فَزَادَتْ قِيمَتُهُ ، فَصَارَ يُسَاوِي أَلْفَيْنِ ، ثُمَّ قَطَعَ يَدَهُ ، فَنَقَصَ أَلْفًا ، لَزِمَهُ أَلْفٌ ، وَرَدَّ الْعَبْدَ ؛ لِأَنَّ سَبَبَ زِيَادَةِ السُّوقِ مَعَ تَلَفِ الْعَيْنِ مَضْمُونَةٌ ، وَيَدُ الْعَبْدِ كَنِصْفِهِ ، فَكَأَنَّهُ بِقَطْعِ يَدِهِ فَوَّتَ نِصْفَهُ .\rوَإِنْ نَقَصَ أَلْفًا وَخَمْسَمِائَةٍ ، وَقُلْنَا : الْوَاجِبُ مَا نَقَصَ .\rفَعَلَيْهِ أَلْفٌ وَخَمْسُمِائَةٍ ، وَيَرُدُّ الْعَبْدَ .\rوَإِنْ قُلْنَا : ضَمَانُ الْجِنَايَةِ .\rفَعَلَيْهِ أَلْفٌ ، وَرَدُّ الْعَبْدِ فَحَسْبُ .\rوَإِنْ نَقَصَ خَمْسَمِائَةٍ ، فَعَلَيْهِ رَدُّ الْعَبْدِ ، وَهَلْ يَلْزَمُهُ أَلْفٌ أَوْ خَمْسُمِائَةٍ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ .","part":11,"page":44},{"id":5044,"text":"( 3944 ) فَصْلٌ : وَإِنْ غَصَبَ عَبْدًا ، فَقَطَعَ آخَرُ يَدَهُ ، فَلِلْمَالِكِ تَضْمِينُ أَيِّهِمَا شَاءَ ؛ لِأَنَّ الْجَانِيَ قَطَعَ يَدَهُ ، وَالْغَاصِبُ حَصَلَ النَّقْصُ فِي يَدِهِ ، إنْ ضَمَّنَ الْجَانِيَ ، فَلَهُ تَضْمِينُهُ نِصْفَ قِيمَتِهِ لَا غَيْرُ ، وَلَا يَرْجِعُ عَلَى أَحَدٍ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُضَمِّنْهُ أَكْثَرَ مِمَّا وَجَبَ عَلَيْهِ .\rوَيَضْمَنُ الْغَاصِبُ مَا زَادَ عَلَى نِصْفِ الْقِيمَةِ إنْ نَقَصَ أَكْثَرُ مِنْ النِّصْفِ ، وَلَا يَرْجِعُ عَلَى أَحَدٍ .\rوَإِنْ قُلْنَا : إنَّ ضَمَانَ الْغَصْبِ ضَمَانُ الْجِنَايَةِ ، أَوْ لَمْ يَنْقُصْ أَكْثَرُ مِنْ نِصْفِ قِيمَتِهِ .\rلَمْ يَضْمَنْ الْغَاصِبُ هَاهُنَا شَيْئًا .\rوَإِنْ اخْتَارَ تَضْمِينَ الْغَاصِبِ ، وَقُلْنَا : إنَّ ضَمَانَ الْغَصْبِ كَضَمَانِ الْجِنَايَةِ .\rضَمَّنَهُ نِصْفَ الْقِيمَةِ ، وَرَجَعَ بِهَا الْغَاصِبُ عَلَى الْجَانِي ؛ لِأَنَّ التَّلَفَ حَصَلَ بِفِعْلِهِ فَاسْتَقَرَّ الضَّمَانُ عَلَيْهِ .\rوَإِنْ قُلْنَا : إنَّ ضَمَانَ الْغَصْبِ بِمَا نَقَصَ .\rفَلِرَبِّ الْعَبْدِ تَضْمِينُهُ بِأَكْثَرِ الْأَمْرَيْنِ ؛ لِأَنَّ مَا وُجِدَ فِي يَدِهِ فَهُوَ فِي حُكْمِ الْمَوْجُودِ مِنْهُ ، ثُمَّ يَرْجِعُ الْغَاصِبُ عَلَى الْجَانِي بِنِصْفِ الْقِيمَةِ ؛ لِأَنَّهَا أَرْشُ جِنَايَتِهِ ، فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَكْثَرُ مِنْهَا .","part":11,"page":45},{"id":5045,"text":"فَصْلٌ : وَإِنْ غَصَبَ عَبْدًا فَقَطَعَ أُذُنَيْهِ ، أَوْ يَدَيْهِ ، أَوْ ذَكَرَهُ ، أَوْ أَنْفَهُ ، أَوْ لِسَانَهُ أَوْ خُصْيَتَيْهِ ، لَزِمَتْهُ قِيمَتُهُ كُلُّهَا ، وَرَدُّ الْعَبْدِ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ يُخَيَّرُ الْمَالِكُ بَيْنَ أَنْ يَصْبِرَ وَلَا شَيْءَ لَهُ ، وَبَيْنَ أَخْذِ قِيمَتِهِ وَيَمْلِكُهُ الْجَانِي ؛ لِأَنَّهُ ضَمَانُ مَالٍ ، فَلَا يَبْقَى مِلْكُ صَاحِبِهِ عَلَيْهِ مَعَ ضَمَانِهِ لَهُ ، كَسَائِرِ الْأَمْوَالِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الْمُتْلَفَ الْبَعْضُ ، فَلَا يَقِفُ ضَمَانُهُ عَلَى زَوَالِ الْمِلْكِ عَنْ جُمْلَتِهِ ، كَقَطْعِ ذَكَرِ الْمُدَبَّرِ ، وَكَقَطْعِ إحْدَى يَدَيْهِ أَوْ أُذُنَيْهِ ، وَلِأَنَّ الْمَضْمُونَ هُوَ الْمُفَوِّتُ ، فَلَا يَزُولُ الْمِلْكُ عَنْ غَيْرِهِ بِضَمَانِهِ ، كَمَا لَوْ قَطَعَ تِسْعَ أَصَابِعَ .\rوَبِهَذَا يَنْفَصِلُ عَمَّا ذَكَرُوهُ ، فَإِنَّ الضَّمَانَ فِي مُقَابَلَةِ الْمُتْلَفِ ، لَا فِي مُقَابَلَةِ الْجُمْلَةِ .\rفَأَمَّا إنْ ذَهَبَتْ هَذِهِ الْأَعْضَاءُ بِغَيْرِ جِنَايَةٍ ، فَهَلْ يَضْمَنُهَا ضَمَانَ الْإِتْلَافِ ، أَوْ بِمَا نَقَصَ ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ ، سَبَقَ ذِكْرُهُمَا .","part":11,"page":46},{"id":5046,"text":"( 3946 ) فَصْلٌ : وَإِنْ جَنَى الْعَبْدُ الْمَغْصُوبُ ، فَجِنَايَتُهُ مَضْمُونَةٌ عَلَى الْغَاصِبِ ؛ لِأَنَّهُ نَقْصٌ فِي الْعَبْدِ الْجَانِي ، لِكَوْنِ أَرْشِ الْجِنَايَةِ يَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِهِ ، فَكَانَ مَضْمُونًا عَلَى الْغَاصِبِ ، كَسَائِرِ نَقْصِهِ .\rوَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ مَا يُوجِبُ الْقِصَاصَ أَوْ الْمَالَ .\rوَلَا يَلْزَمُهُ أَكْثَرُ مِنْ النَّقْصِ الَّذِي لَحِقَ الْعَبْدَ .\rوَإِنْ جَنَى عَلَى سَيِّدِهِ ، فَجِنَايَتُهُ مَضْمُونَةٌ عَلَى الْغَاصِبِ أَيْضًا ؛ لِأَنَّهَا مِنْ جُمْلَةِ جِنَايَاتِهِ ، فَكَانَ مَضْمُونًا عَلَى الْغَاصِبِ ، كَالْجِنَايَةِ عَلَى الْأَجْنَبِيِّ .","part":11,"page":47},{"id":5047,"text":"( 3947 ) فَصْلٌ : إذَا نَقَصَتْ عَيْنُ الْمَغْصُوبِ دُونَ قِيمَتِهِ ، فَذَلِكَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ ؛ أَحَدُهَا ، أَنْ يَكُونَ الذَّاهِبُ جُزْءًا مُقَدَّرَ الْبَدَلِ ، كَعَبْدٍ خَصَاهُ ، وَزَيْتٍ أَغْلَاهُ ، وَنُقْرَةٍ ضَرَبَهَا دَرَاهِمَ فَنَقَصَتْ عَيْنُهَا دُونَ قِيمَتِهَا ، فَإِنَّهُ يَجِبُ ضَمَانُ النَّقْصِ ، فَيَضْمَنُ نَقْصَ الْعَبْدِ بِقِيمَتِهِ ، وَنَقْصَ الزَّيْتِ وَالنُّقْرَةِ بِمِثْلِهِمَا مَعَ رَدِّ الْبَاقِي مِنْهُمَا ؛ لِأَنَّ النَّاقِصَ مِنْ الْعَيْنِ لَهُ بَدَلٌ مُقَدَّرٌ ، فَلَزِمَهُ مَا تُقُدِّرَ بِهِ ، كَمَا لَوْ أَذْهَبَ الْجَمِيعَ .\rالثَّانِي ، أَنْ لَا يَكُونَ مُقَدَّرًا ، مِثْلَ إنْ غَصَبَ عَبْدًا ذَا سِمَنٍ مُفْرِطٍ ، فَخَفَّ جِسْمُهُ ، وَلَمْ تَنْقُصْ قِيمَتُهُ ، فَلَا شَيْءَ فِيهِ سِوَى رَدِّهِ ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ إنَّمَا أَوْجَبَ فِي هَذَا مَا نَقَصَ مِنْ الْقِيمَةِ ، وَلَمْ يُقَدِّرْ بَدَلَهُ ، وَلَمْ تَنْقُصْ الْقِيمَةُ ، فَلَمْ يَجِبْ شَيْءٌ ، بِخِلَافِ الصُّورَةِ الْأُولَى ؛ فَإِنَّ الذَّاهِبَ مُقَدَّرُ الْبَدَلِ ، فَلَمْ يَسْقُطْ بَدَلُهُ .\rالثَّالِثُ ، أَنْ يَكُونَ النَّقْصُ فِي مُقَدَّرِ الْبَدَلِ ، لَكِنَّ الذَّاهِبَ مِنْهُ أَجْزَاءٌ غَيْرُ مَقْصُودَةٍ ، كَعَصِيرٍ أَغْلَاهُ فَذَهَبَتْ مَائِيَّتُهُ ، وَانْعَقَدَتْ أَجْزَاؤُهُ ، فَنَقَصَتْ عَيْنُهُ دُونَ قِيمَتِهِ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، لَا شَيْءَ فِيهِ سِوَى رَدِّهِ ؛ لِأَنَّ النَّارَ إنَّمَا أَذْهَبَتْ مَائِيَّتَهُ الَّتِي يَقْصِدُ ذَهَابَهَا ، وَلِهَذَا تَزْدَادُ حَلَاوَتُهُ ، وَتَكْثُرُ قِيمَتُهُ ، فَلَمْ يَجِبْ ضَمَانُهَا ، كَسِمَنِ الْعَبْدِ الَّذِي يَنْقُصُ قِيمَتَهُ .\rوَالثَّانِي ، يَجِبُ ضَمَانُهُ ؛ لِأَنَّهُ مُقَدَّرُ الْبَدَلِ ، فَأَشْبَهَ الزَّيْتَ إذَا أَغْلَاهُ .\rوَإِنْ نَقَصَتْ الْعَيْنُ وَالْقِيمَةُ جَمِيعًا ، وَجَبَ فِي الزَّيْتِ وَشِبْهِهِ ضَمَانُ النَّقْصَيْنِ جَمِيعًا ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَضْمُونٌ مُنْفَرِدًا ، فَكَذَلِكَ إذَا اجْتَمَعَا ، وَذَلِكَ مِثْلُ أَنْ يَكُونَ رِطْلُ زَيْتٍ قِيمَتُهُ دِرْهَمٌ ، فَأَغْلَاهُ ، فَنَقَصَ ثُلُثُهُ ، فَصَارَ قِيمَةُ الْبَاقِي نِصْفَ دِرْهَمٍ ، فَعَلَيْهِ ثُلُثُ رِطْلٍ وَسُدُسُ دِرْهَمٍ .\rوَإِنْ","part":11,"page":48},{"id":5048,"text":"كَانَتْ قِيمَةُ الْبَاقِي ثُلُثَيْ دِرْهَمٍ ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ أَكْثَرُ مِنْ ثُلُثِ رِطْلٍ ؛ لِأَنَّ قِيمَةَ الْبَاقِي لَمْ تَنْقُصْ .\rوَإِنْ خَصَى الْعَبْدَ ، فَنَقَصَتْ قِيمَتُهُ ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ أَكْثَرُ مِنْ ضَمَانِ خُصْيَتَيْهِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ فَقَأَ عَيْنَيْهِ .\rوَهَلْ يَجِبُ فِي الْعَصِيرِ مَا نَقَصَ مِنْ الْقِيمَةِ ، أَوْ يَكُونُ كَالزَّيْتِ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ .","part":11,"page":49},{"id":5049,"text":"( 3948 ) فَصْلٌ : وَإِنْ غَصَبَ عَبْدًا فَسَمِنَ سِمَنًا نَقَصَتْ بِهِ قِيمَتُهُ ، أَوْ كَانَ شَابًّا فَصَارَ شَيْخًا ، أَوْ كَانَتْ الْجَارِيَةُ نَاهِدًا فَسَقَطَ ثَدْيَاهَا .\rوَجَبَ أَرْشُ النَّقْصِ .\rلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا .\rفَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ أَمْرَدَ ، فَنَبَتَتْ لِحْيَتُهُ فَنَقَصَتْ قِيمَتُهُ ، وَجَبَ ضَمَانُ نَقْصِهِ .\rوَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يَجِبُ ضَمَانُهُ ؛ لِأَنَّ الْفَائِتَ لَا يُقْصَدُ قَصْدًا صَحِيحًا ، فَأَشْبَهَ الصِّنَاعَةَ الْمُحَرَّمَةَ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ نَقَصَ فِي الْقِيمَةِ بِتَغَيُّرِ صِفَتِهِ ، فَيَضْمَنُهُ ، كَبَقِيَّةِ الصُّوَرِ .","part":11,"page":50},{"id":5050,"text":"( 3949 ) فَصْلٌ : وَإِنْ نَقَصَ الْمَغْصُوبُ نَقْصًا غَيْرَ مُسْتَقِرٍّ ، كَطَعَامٍ ابْتَلَّ .\rوَخِيفَ فَسَادُهُ ، أَوْ عَفِنَ وَخُشِيَ تَلَفُهُ .\rفَعَلَيْهِ ضَمَانُ نَقْصِهِ .\rوَهَذَا مَنْصُوصُ الشَّافِعِيِّ .\rوَلَهُ قَوْلٌ آخَرُ ؛ أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ نَقْصَهُ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : يَلْزَمُهُ بَدَلُهُ ، لِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ قَدْرُ نَقْصِهِ ، وَكُلَّمَا نَقَصَ شَيْئًا ضَمِنَهُ ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَنِدُ إلَى السَّبَبِ الْمَوْجُودِ فِي يَدِ الْغَاصِبِ ، فَكَانَ كَالْمَوْجُودِ فِي يَدِهِ ، وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ يَتَخَيَّرُ صَاحِبُهُ بَيْنَ أَخْذِ بَدَلِهِ ، وَبَيْنِ تَرْكِهِ حَتَّى يَسْتَقِرَّ فَسَادُهُ ، وَيَأْخُذَ أَرْشَ نَقْصِهِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَتَخَيَّرُ بَيْنَ إمْسَاكِهِ وَلَا شَيْءَ لَهُ ، أَوْ تَسْلِيمِهِ إلَى الْغَاصِب وَيَأْخُذُ مِنْهُ قِيمَتَهُ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ ضَمِنَ النَّقْصَ لَحَصَلَ لَهُ مِثْلُ كَيْلِهِ وَزِيَادَةٌ ، وَهَذَا لَا يَجُوزُ ، كَمَا لَوْ بَاعَ قَفِيزًا جَيِّدًا بِقَفِيزٍ رَدِيءٍ وَدِرْهَمٍ .\rوَلَنَا ، أَنَّ عَيْنَ مَالِهِ بَاقِيَةٌ ، وَإِنَّمَا حَدَثَ فِيهِ نَقْصٌ ، فَوَجَبَ فِيهِ مَا نَقَصَ ، كَمَا لَوْ كَانَ عَبْدًا فَمَرِضَ .\rوَقَدْ وَافَقَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ عَلَى هَذَا فِي الْعَفَنِ .\rوَقَالَ : يَضْمَنُ مَا نَقَصَ ، قَوْلًا وَاحِدًا ، وَلَا يَضْمَنُ مَا تَوَلَّدَ مِنْهُ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ فِعْلِهِ .\rوَهَذَا الْفَرْقُ لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ الْبَلَلَ قَدْ يَكُونُ مِنْ غَيْرِ فِعْلِهِ أَيْضًا ، وَقَدْ يَكُونُ الْعَفَنُ بِسَبَبٍ مِنْهُ .\rثُمَّ إنَّ مَا وُجِدَ فِي يَدِ الْغَاصِبِ ، فَهُوَ مَضْمُونٌ عَلَيْهِ ، لِوُجُودِهِ فِي يَدِهِ ، فَلَا فَرْقَ .\rوَقَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ هَذَا الطَّعَامَ عَيْنُ مَالِهِ ، وَلَيْسَ بِبَدَلٍ عَنْهُ .\rوَقَوْلُ أَبِي الْخَطَّابِ لَا بَأْسَ بِهِ .","part":11,"page":51},{"id":5051,"text":"( 3950 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِنْ كَانَ زَرَعَهَا ، فَأَدْرَكَهَا رَبُّهَا وَالزَّرْعُ قَائِمٌ ، كَانَ الزَّرْعُ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ ، وَعَلَيْهِ النَّفَقَةُ ، وَإِنْ اُسْتُحِقَّتْ بَعْدَ أَخْذِ الْغَاصِبِ الزَّرْعَ ، فَعَلَيْهِ أُجْرَةُ الْأَرْضِ ) قَوْلُهُ : \" فَأَدْرَكَهَا رَبُّهَا \" يَعْنِي اسْتَرْجَعَهَا مِنْ الْغَاصِبِ ، أَوْ قَدَرَ عَلَى أَخْذِهَا مِنْهُ .\rوَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ : \" اُسْتُحِقَّتْ \" .\rيَعْنِي أَخَذَهَا مُسْتَحِقُّهَا .\rفَمَتَى كَانَ هَذَا بَعْدَ حَصَادِ الْغَاصِبِ الزَّرْعَ ، فَإِنَّهُ لِلْغَاصِبِ .\rلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ نَمَاءُ مَالِهِ ، وَعَلَيْهِ الْأُجْرَةُ إلَى وَقْتِ التَّسْلِيمِ وَضَمَانُ النَّقْصِ .\rوَلَوْ لَمْ يَزْرَعْهَا ، فَنَقَصَتْ لِتَرْكِ الزِّرَاعَةِ ، كَأَرَاضِي الْبَصْرَةِ ، أَوْ نَقَصَتْ لِغَيْرِ ذَلِكَ ، ضَمِنَ نَقْصَهَا أَيْضًا ؛ لِمَا قَدَّمْنَا فِي الْمَسْأَلَةِ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ .\rفَأَمَّا إنْ أَخَذَهَا صَاحِبُهَا وَالزَّرْعُ قَائِمٌ فِيهَا ، لَمْ يَمْلِكْ إجْبَارَ الْغَاصِبِ عَلَى قَلْعِهِ ، وَخُيِّرَ الْمَالِكُ بَيْنَ أَنْ يُقِرُّ الزَّرْع فِي الْأَرْضِ إلَى الْحَصَادِ ، وَيَأْخُذَ مِنْ الْغَاصِبِ أَجْرَ الْأَرْضِ وَأَرْشَ نَقْصِهَا ، وَبَيْنَ أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ نَفَقَتَهُ وَيَكُونَ الزَّرْعُ لَهُ .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ وَقَالَ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ : يَمْلِكُ إجْبَارَ الْغَاصِبِ عَلَى قَلْعِهِ ، وَالْحُكْمُ فِيهِ كَالْغَرْسِ سَوَاءٌ ، لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ { : لَيْسَ لِعِرْقِ ظَالِمٍ حَقٌّ } .\rوَلِأَنَّهُ زَرَعَ فِي أَرْضِ غَيْرِهِ ظُلْمًا ، أَشْبَهَ الْغِرَاسَ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { مَنْ زَرَعَ فِي أَرْضِ قَوْمٍ بِغَيْرِ إذْنِهِمْ ، فَلَيْسَ لَهُ مِنْ الزَّرْعِ شَيْءٌ ، وَعَلَيْهِ نَفَقَتُهُ .\r} رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَقَالَ : حَدِيثٌ حَسَنٌ .\rفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْغَاصِبَ لَا يُجْبَرُ عَلَى قَلْعِهِ ؛ لِأَنَّهُ مِلْكٌ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ .\rوَرُوِيَ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى زَرْعًا فِي أَرْضِ ظُهَيْرٍ ،","part":11,"page":52},{"id":5052,"text":"فَأَعْجَبَهُ ، فَقَالَ : مَا أَحْسَنَ زَرْعَ ظُهَيْرٍ .\rفَقَالَ : إنَّهُ لَيْسَ لِظُهَيْرٍ ، وَلَكِنَّهُ لِفُلَانٍ .\rقَالَ : فَخُذُوا زَرْعَكُمْ ، وَرُدُّوا عَلَيْهِ نَفَقَتَهُ .\rقَالَ رَافِعٌ : فَأَخَذْنَا زَرْعَنَا ، وَرَدَدْنَا عَلَيْهِ نَفَقَتَهُ } .\rوَلِأَنَّهُ أَمْكَنَ رَدُّ الْمَغْصُوبِ إلَى مَالِكِهِ مِنْ غَيْرِ إتْلَافِ مَالِ الْغَاصِبِ ، عَلَى قُرْبٍ مِنْ الزَّمَانِ ، فَلَمْ يَجُزْ إتْلَافُهُ ، كَمَا لَوْ غَصَبَ سَفِينَةً ، فَحَمَلَ فِيهَا مَالَهُ .\rوَأَدْخَلَهَا الْبَحْرَ ، أَوْ غَصَبَ لَوْحًا .\rفَرَقَّعَ بِهِ سَفِينَةً ، فَإِنَّهُ لَا يُجْبَرُ عَلَى رَدِّ الْمَغْصُوبِ فِي اللُّجَّةِ ، وَيُنْتَظَرُ حَتَّى تُرْسَى ، صِيَانَةً لِلْمَالِ عَنْ التَّلَفِ .\rكَذَا هَاهُنَا .\rوَلِأَنَّهُ زَرْعٌ حَصَلَ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ ، فَلَمْ يُجْبَرْ عَلَى قَلْعِهِ عَلَى وَجْهٍ يَضُرُّ بِهِ .\rكَمَا لَوْ كَانَتْ الْأَرْضُ مُسْتَعَارَةً أَوْ مَشْفُوعَةً .\rوَفَارَقَ الشَّجَرَ وَالنَّخْلَ ؛ لِأَنَّ مُدَّتَهُ تَتَطَاوَلُ ، وَلَا يُعْلَمُ مَتَى يَنْقَطِعُ مِنْ الْأَرْضِ ، فَانْتِظَارُهُ يُؤَدِّي إلَى تَرْكِ رَدِّ الْأَصْلِ بِالْكُلِّيَّةِ .\rوَحَدِيثُهُمْ وَرَدَ فِي الْغَرْسِ ، وَحَدِيثُنَا فِي الزَّرْعِ ، فَيُجْمَعُ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ ، وَيُعْمَلُ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي مَوْضِعِهِ .\rوَذَلِكَ أَوْلَى مِنْ إبْطَالِ أَحَدِهِمَا .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَمَتَى رَضِيَ الْمَالِكُ بِتَرْكِ الزَّرْعِ لِلْغَاصِبِ .\rوَيَأْخُذُ مِنْهُ أَجْرَ الْأَرْضِ .\rفَلَهُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ شَغَلَ الْمَغْصُوبَ بِمَالِهِ ، فَمَلَكَ صَاحِبُهُ أَخْذَ أَجْرِهِ ، كَمَا لَوْ تَرَكَ فِي الدَّارِ طَعَامًا أَوْ أَحْجَارًا يَحْتَاجُ فِي نَقْلِهِ إلَى مُدَّةٍ .\rوَإِنْ أَحَبَّ أَخْذَ الزَّرْعِ ، فَلَهُ ذَلِكَ ، كَمَا يَسْتَحِقُّ الشَّفِيعُ أَخْذَ شَجَرِ الْمُشْتَرِي بِقِيمَتِهِ .\rوَفِيمَا يُرَدُّ عَلَى الْغَاصِبِ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، قِيمَةُ الزَّرْعِ ؛ لِأَنَّهُ بَدَلٌ عَنْ الزَّرْعِ .\rفَيُقَدَّرُ بِقِيمَتِهِ ، كَمَا لَوْ أَتْلَفَهُ .\rوَلِأَنَّ الزَّرْعَ لِلْغَاصِبِ إلَى حِينِ انْتِزَاعِ الْمَالِكِ لَهُ مِنْهُ ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ أَخَذَهُ قَبْلَ انْتِزَاعِ الْمَالِكِ لَهُ ، كَانَ مِلْكًا","part":11,"page":53},{"id":5053,"text":"لَهُ .\rوَلَوْ لَمْ يَكُنْ مِلْكًا لَهُ لَمَا مَلَكَهُ بِأَخْذِهِ .\rفَيَكُونُ أَخْذُ الْمَالِكِ لَهُ تَمَلُّكًا لَهُ ، إلَّا أَنْ يُعَوِّضَهُ ، فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ بِقِيمَتِهِ ، كَمَا لَوْ أَخَذَ الشِّقْصَ الْمَشْفُوعَ .\rوَيَجِبُ عَلَى الْغَاصِبِ أَجْرُ الْأَرْضِ إلَى حِينِ تَسْلِيمِ الزَّرْعِ ؛ لِأَنَّ الزَّرْعَ كَانَ مَحْكُومًا لَهُ بِهِ ، وَقَدْ شَغَلَ بِهِ أَرْضَ غَيْرِهِ .\rوَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ ، أَنَّهُ يَرُدُّ عَلَى الْغَاصِبِ مَا أَنْفَقَ مِنْ الْبَذْرِ ، وَمُؤْنَةِ الزَّرْعِ فِي الْحَرْثِ وَالسَّقْيِ ، وَغَيْرِهِ .\rوَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الْقَاضِي .\rوَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ وَظَاهِرُ الْحَدِيثُ ، لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ \" عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ \" .\rوَقِيمَةُ الشَّيْءِ لَا تُسَمَّى نَفَقَةً لَهُ .\rوَالْحَدِيثُ ، مَبْنِيٌّ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ؛ فَإِنَّ أَحْمَدَ إنَّمَا ذَهَبَ إلَى هَذَا الْحُكْمِ اسْتِحْسَانًا ، عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ ، فَإِنَّ الْقِيَاسَ أَنَّ الزَّرْعَ لِصَاحِبِ الْبَذْرِ ؛ لِأَنَّهُ نَمَاءُ عَيْنِ مَالِهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ غَصَبَ دَجَاجَةً فَحَضَنَتْ بَيْضًا لَهُ .\rأَوْ طَعَامًا فَعَلَفَهُ دَوَابَّ لَهُ ، كَانَ النَّمَاءُ لَهُ .\rوَقَدْ صَرَّحَ بِهِ أَحْمَدُ فَقَالَ : هَذَا شَيْءٌ لَا يُوَافِقُ الْقِيَاسَ ، أَسْتَحْسِنُ أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ نَفَقَتَهُ ؛ لِلْأَثَرِ .\rوَلِذَلِكَ جَعَلْنَاهُ لِلْغَاصِبِ إذَا اسْتَحَقَّتْ الْأَرْضُ بَعْدَ أَخْذِ الْغَاصِبِ لَهُ ، وَإِذَا كَانَ الْعَمَلُ بِالْحَدِيثِ ، فَيَجِبُ أَنْ يُتَّبَعَ مَدْلُولُهُ .\r( 3951 ) فَصْلٌ : فَإِنْ كَانَ الزَّرْعُ مِمَّا يَبْقَى أُصُولُهُ فِي الْأَرْضِ ، وَيُجَزُّ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى كَالرَّطْبَةِ وَالنَّعْنَاعِ ، احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ حُكْمُهُ مَا ذَكَرْنَا ؛ لِدُخُولِهِ فِي عُمُومِ الزَّرْعِ ، لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ فَرْعٌ قَوِيٌّ ، فَأَشْبَهَ الْحِنْطَةَ وَالشَّعِيرَ .\rوَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ حُكْمُهُ حُكْمَ الْغَرْسِ ؛ لِبَقَاءِ أَصْلِهِ وَتَكَرُّرِ أَخْذِهِ ، وَلِأَنَّ الْقِيَاسَ يَقْتَضِي أَنْ يَثْبُتَ لِكُلِّ زَرْعٍ مِثْلُ حُكْمِ الْغَرْسِ ، وَإِنَّمَا تُرِكَ فِيمَا تَقِلُّ مُدَّتُهُ لِلْأَثَرِ ، فَفِيمَا عَدَاهُ يَبْقَى عَلَى","part":11,"page":54},{"id":5054,"text":"قَضِيَّةِ الْقِيَاسِ .","part":11,"page":55},{"id":5055,"text":"( 3952 ) فَصْلٌ : وَإِنْ غَصَبَ أَرْضًا فَغَرَسَهَا فَأَثْمَرَتْ ، فَأَدْرَكَهَا رَبُّهَا بَعْدَ أَخْذِ الْغَاصِبِ ثَمَرَتَهَا ، فَهِيَ لَهُ .\rوَإِنْ أَدْرَكَهَا وَالثَّمَرَةُ فِيهَا ، فَكَذَلِكَ ؛ لِأَنَّهَا ثَمَرَةُ شَجَرِهِ ، فَكَانَتْ لَهُ ، كَمَا لَوْ كَانَتْ فِي أَرْضِهِ ، وَلِأَنَّهَا نَمَاءُ أَصْلٍ مَحْكُومٍ بِهِ لِلْغَاصِبِ ، فَكَانَ لَهُ ، كَأَغْصَانِهَا وَوَرَقِهَا .\rوَلَبَنِ الشَّاةِ وَوَلَدِهَا .\rوَقَالَ الْقَاضِي : هِيَ لِمَالِكِ الْأَرْضِ إنْ أَدْرَكَهَا فِي الْغِرَاسِ ؛ لِأَنَّ أَحْمَدَ قَالَ ، فِي رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ سَعِيدٍ : إذَا غَصَبَ أَرْضًا فَغَرَسَهَا ، فَالنَّمَاءُ لِمَالِكِ الْأَرْضِ .\rقَالَ الْقَاضِي : وَعَلَيْهِ مِنْ النَّفَقَةِ مَا أَنْفَقَهُ الْغَارِسُ مِنْ مُؤْنَةِ الثَّمَرَةِ ؛ لِأَنَّ الثَّمَرَةَ فِي مَعْنَى الزَّرْعِ فَكَانَتْ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ إذَا أَدْرَكَهُ قَائِمًا فِيهَا ، كَالزَّرْعِ .\rوَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ؛ لِأَنَّ أَحْمَدَ قَدْ صَرَّحَ بِأَنَّ أَخْذَ رَبِّ الْأَرْضِ الزَّرْعَ شَيْءٌ لَا يُوَافِقُ الْقِيَاسَ ، وَإِنَّمَا صَارَ إلَيْهِ لِلْأَثَرِ ، فَيَخْتَصُّ الْحُكْمُ بِهِ ، وَلَا يُعَدَّى إلَى غَيْرِهِ ، وَلِأَنَّ الثَّمَرَةَ تُفَارِقُ الزَّرْعَ مِنْ وَجْهَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، أَنَّ الزَّرْعَ نَمَاءُ الْأَرْضِ ، فَكَانَ لِصَاحِبِهَا ، وَالثَّمَرَةُ نَمَاءُ الشَّجَرِ .\rفَكَانَ لِصَاحِبِهِ .\rالثَّانِي ، أَنَّهُ يَرُدُّ عِوَضَ الزَّرْعِ الَّذِي أَخَذَهُ ، مِثْلُ الْبَذْرِ الَّذِي نَبَتَ مِنْهُ الزَّرْعُ ، مَعَ مَا أَنْفَقَ عَلَيْهِ ، وَلَا يُمْكِنُهُ مِثْلُ ذَلِكَ فِي الثَّمَرِ .","part":11,"page":56},{"id":5056,"text":"( 3953 ) فَصْلٌ : وَإِنْ غَصَبَ شَجَرًا فَأَثْمَرَ ، فَالثَّمَرُ لِصَاحِبِ الشَّجَرِ .\rبِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ ؛ لِأَنَّهُ نَمَاءُ مِلْكِهِ ، وَلِأَنَّ الشَّجَرَ عَيْنُ مِلْكِهِ نَمَا وَزَادَ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ طَالَتْ أَغْصَانُهُ .\rوَعَلَيْهِ رَدُّ الثَّمَرِ إنْ كَانَ بَاقِيًا ، وَإِنْ كَانَ تَالِفًا فَعَلَيْهِ بَدَلُهُ .\rوَإِنْ كَانَ رُطَبًا فَصَارَ تَمْرًا ، أَوْ عِنَبًا فَصَارَ زَبِيبًا ، فَعَلَيْهِ رَدُّهُ وَأَرْشُ نَقْصِهِ إنْ نَقَصَ ، وَلَيْسَ لَهُ شَيْءٌ بِعَمَلِهِ فِيهِ ، وَلَيْسَ لِلشَّجَرِ أُجْرَةٌ ؛ لِأَنَّ أُجْرَتَهَا لَا تَجُوزُ فِي الْعُقُودِ ، فَكَذَلِكَ فِي الْغَصْبِ ، وَلِأَنَّ نَفْعَ الشَّجَرِ تَرْبِيَةُ الثَّمَرِ وَإِخْرَاجُهُ ، وَقَدْ عَادَتْ هَذِهِ الْمَنَافِعُ إلَى الْمَالِكِ .\rوَلَوْ كَانَتْ مَاشِيَةً ، فَعَلَيْهِ ضَمَانُ وَلَدِهَا إنْ وَلَدَتْ عِنْدَهُ ، وَيَضْمَنُ لَبَنَهَا بِمِثْلِهِ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ ، وَيَضْمَنُ أَوْبَارَهَا وَأَشْعَارَهَا بِمِثْلِهِ ، كَالْقُطْنِ .","part":11,"page":57},{"id":5057,"text":"( 3954 ) فَصْلٌ : وَإِذَا غَصَبَ أَرْضًا ، فَحُكْمُهَا فِي جَوَازِ دُخُولِ غَيْرِهِ إلَيْهَا حُكْمُهَا قَبْلَ الْغَصْبِ .\rفَإِنْ كَانَتْ مُحَوَّطَةً ، كَالدَّارِ وَالْبُسْتَانِ الْمُحَوَّطِ ، لَمْ يَجُزْ لِغَيْرِ مَالِكِهَا دُخُولُهَا ؛ لِأَنَّ مِلْكَ مَالِكِهَا لَمْ يَزُلْ عَنْهَا ، فَلَمْ يَجُزْ دُخُولُهَا بِغَيْرِ إذْنِهِ ، كَمَا لَوْ كَانَتْ فِي يَدِهِ .\rقَالَ أَحْمَدُ ، فِي الضَّيْعَةِ تَصِيرُ غَيْضَةً فِيهَا سَمَكٌ : لَا يَصِيدُ فِيهَا أَحَدٌ إلَّا بِإِذْنِهِمْ .\rوَإِنْ كَانَتْ صَحْرَاءَ ، جَازَ الدُّخُولُ فِيهَا وَرَعْيُ حَشِيشِهَا .\rقَالَ أَحْمَدُ لَا بَأْسَ بِرَعْيِ الْكَلَأِ فِي الْأَرْضِ الْمَغْصُوبَةِ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْكَلَأَ لَا يُمْلَكُ بِمِلْكِ الْأَرْضِ .\rوَيَتَخَرَّجُ فِي كُلّ وَاحِدَةٍ مِنْ الصُّورَتَيْنِ مِثْلُ حُكْمِ الْأُخْرَى .\rقِيَاسًا لَهَا عَلَيْهَا .\rوَنَقَلَ عَنْهُ الْمَرُّوذِيُّ ، فِي رَجُلٍ وَالِدَاهُ فِي دَارٍ طَوَابِيقُهَا غَصْبٌ .\rلَا يَدْخُلُ عَلَى وَالِدَيْهِ ، وَذَلِكَ لِأَنَّ دُخُولَهُ عَلَيْهِمَا تَصَرُّفٌ فِي الطَّوَابِيقِ الْمَغْصُوبَةِ .\rوَنَقَلَ عَنْهُ الْفَضْلُ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ ، فِي رَجُلٍ لَهُ إخْوَةٌ فِي أَرْضِ غَصْبٍ : يَزُورُهُمْ وَيُرَاوِدُهُمْ عَلَى الْخُرُوجِ ، فَإِنْ أَجَابُوهُ ، وَإِلَّا لَمْ يُقِمْ مَعَهُمْ ، وَلَا يَدَعُ زِيَارَتَهُمْ .\rيَعْنِي يَزُورُهُمْ بِحَيْثُ يَأْتِي بَابَ دَارِهِمْ ، وَيَتَعَرَّفُ أَخْبَارَهُمْ ، وَيُسَلِّمُ عَلَيْهِمْ ، وَيُكَلِّمُهُمْ ، وَلَا يَدْخُلُ إلَيْهِمْ .\rوَنَقَلَ الْمَرُّوذِيُّ عَنْهُ : أَكْرَهُ الْمَشْيَ عَلَى الْعَبَّارَةِ الَّتِي يَجْرِي فِيهَا الْمَاءُ .\rوَذَلِكَ لِأَنَّ الْعَبَّارَةَ وُضِعَتْ لِعُبُورِ الْمَاءِ ، لَا لِلْمَشْيِ عَلَيْهَا ، وَرُبَّمَا كَانَ الْمَشْيُ عَلَيْهَا يَضُرُّ بِهَا .\rوَقَالَ أَحْمَدُ : لَا يَدْفِنُ فِي الْأَرْضِ الْمَغْصُوبَةِ ؛ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ التَّصَرُّفِ فِي أَرْضِهِمْ بِغَيْرِ إذْنِهِمْ .\rوَقَالَ أَحْمَدُ ، فِي مَنْ ابْتَاعَ طَعَامًا مِنْ مَوْضِعِ غَصْبٍ ، ثُمَّ عَلِمَ : رَجَعَ إلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي أَخَذَهُ مِنْهُ ، فَرَدَّهُ .\rوَرُوِيَ عَنْهُ ، أَنَّهُ قَالَ : يَطْرَحُهُ .\rيَعْنِي عَلَى مَنْ ابْتَاعَهُ مِنْهُ ؛ وَذَلِكَ","part":11,"page":58},{"id":5058,"text":"لِأَنَّ قُعُودَهُ فِيهِ حَرَامٌ ، مَنْهِيٌّ عَنْهُ ، فَكَانَ الْبَيْعُ فِيهِ مُحَرَّمًا ، وَلِأَنَّ الشِّرَاءَ مِمَّنْ يَقْعُدُ فِي الْمَوْضِعِ الْمُحَرَّمِ يَحْمِلُهُمْ عَلَى الْقُعُودِ وَالْبَيْعِ فِيهِ ، وَتَرْكُ الشِّرَاءِ مِنْهُمْ يَمْنَعُهُمْ مِنْ الْقُعُودِ .\rوَقَالَ : لَا يَبْتَاعُ مِنْ الْخَانَاتِ الَّتِي فِي الطُّرُقِ ، إلَّا أَنْ لَا يَجِدَ غَيْرَهُ .\rكَأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْمُضْطَرِّ .\rوَقَالَ فِي السُّلْطَانِ إذَا بَنَى دَارًا ، وَجَمَعَ النَّاسَ إلَيْهَا : أَكْرَهُ الشِّرَاءَ مِنْهَا .\rوَهَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى سَبِيلِ الْوَرَعِ ، لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِعَانَةِ عَلَى الْفِعْلِ الْمُحَرَّمِ ، وَالظَّاهِرُ صِحَّةُ الْبَيْعِ ؛ لِأَنَّهُ إذَا صَحَّتْ الصَّلَاةُ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ ، فِي رِوَايَةٍ ، وَهِيَ عِبَادَةٌ ، فَمَا لَيْسَ بِعِبَادَةِ أَوْلَى .\rوَقَالَ فِي مَنْ غَصَبَ ضَيْعَةً ، وَغُصِبَتْ مِنْ الْغَاصِبِ ، فَأَرَادَ الثَّانِي رَدَّهَا : جَمَعَ بَيْنَهُمَا .\rيَعْنِي بَيْنَ مَالِكِهَا وَالْغَاصِبِ الْأَوَّلِ .\rوَإِنْ مَاتَ بَعْضُهُمْ ، جَمَعَ وَرَثَتَهُ .\rإنَّمَا قَالَ هَذَا احْتِيَاطًا ، خَوْفَ التَّبِعَةِ مِنْ الْغَاصِبِ الْأَوَّلِ ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا طَالَبَ بِهَا ، وَادَّعَاهَا مِلْكًا بِالْيَدِ ، وَإِلَّا فَالْوَاجِبُ رَدُّهَا عَلَى مَالِكِهَا .\rوَقَدْ صَرَّحَ بِهَذَا فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ ، فِي رَجُلٍ اسْتَوْدَعَ رَجُلًا أَلْفًا ، فَجَاءَ رَجُلٌ إلَى الْمُسْتَوْدَعِ ، فَقَالَ : إنَّ فُلَانًا غَصَبَنِي الْأَلْفَ الَّذِي اسْتَوْدَعَكَهُ .\rوَصَحَّ ذَلِكَ عِنْدَ الْمُسْتَوْدَعِ ، فَإِنْ لَمْ يَخَفْ التَّبِعَةَ ، وَهُوَ أَنْ يَرْجِعُوا بِهِ عَلَيْهِ ، دَفَعَهُ إلَيْهِ .\r\"","part":11,"page":59},{"id":5059,"text":"( 3955 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَمَنْ غَصَبَ عَبْدًا ، أَوْ أَمَةً ، وَقِيمَتُهُ مِائَةٌ ، فَزَادَ فِي بَدَنِهِ ، أَوْ بِتَعَلُّمٍ ، حَتَّى صَارَتْ قِيمَتُهُ مِائَتَيْنِ ، ثُمَّ نَقَصَ بِنُقْصَانِ بَدَنِهِ ، أَوْ نِسْيَانِ مَا عُلِّمَ ، حَتَّى صَارَتْ قِيمَتُهُ مِائَةً ، أَخَذَهُ السَّيِّدُ ، وَأَخَذَ مِنْ الْغَاصِبِ مِائَةً ) وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٌ : لَا يَجِبُ عَلَيْهِ عِوَضُ الزِّيَادَةِ ، إلَّا أَنْ يُطَالِبَ بِرَدِّهَا زَائِدَةً ، فَلَا يَرُدُّهَا ؛ لِأَنَّهُ رَدَّ الْعَيْنَ كَمَا أَخَذَهَا ، فَلَمْ يَضْمَنْ نَقْصَ قِيمَتِهَا ، كَنَقْصِ سِعْرِهَا ، وَلَنَا ، أَنَّهَا زِيَادَةٌ فِي نَفْسِ الْمَغْصُوبِ ، فَلَزِمَ الْغَاصِبَ ضَمَانُهَا ، كَمَا لَوْ طَالَبَهُ بِرَدِّهَا فَلَمْ يَفْعَلْ .\rوَفَارَقَ زِيَادَةَ السِّعْرِ ، فَإِنَّهَا لَوْ كَانَتْ مَوْجُودَةً حَالَ الْغَصْبِ ، لَمْ يَضْمَنْهَا ، وَالصِّنَاعَةُ إنْ لَمْ تَكُنْ مِنْ عَيْنِ الْمَغْصُوبِ ، فَهِيَ صِفَةٌ فِيهِ ، وَلِذَلِكَ يَضْمَنُهَا إذَا طُولِبَ بِرَدِّ الْعَيْنِ وَهِيَ مَوْجُودَةٌ فَلَمْ يَرُدَّهَا ، وَأَجْرَيْنَاهَا هِيَ وَالتَّعَلُّمَ مَجْرَى السِّمَنِ الَّذِي هُوَ عَيْنٌ ؛ لِأَنَّهَا صِفَةٌ تَتْبَعُ الْعَيْنَ ، وَأَجْرَيْنَا الزِّيَادَةَ الْحَادِثَةَ فِي يَدِ الْغَاصِبِ مَجْرَى الزِّيَادَةِ الْمَوْجُودَةِ حَالَ الْغَصْبِ ؛ لِأَنَّهَا زِيَادَةٌ فِي الْعَيْنِ الْمَمْلُوكَةِ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ ، فَتَكُونُ مَمْلُوكَةً لَهُ أَيْضًا ؛ لِأَنَّهَا تَابِعَةٌ لِلْعَيْنِ .\rفَأَمَّا إنْ غَصَبَ الْعَيْنَ سَمِينَةً ، أَوْ ذَاتَ صِنَاعَةٍ ، أَوْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَنَحْوَهُ ، فَهَزَلَتْ وَنَسِيَتْ فَنَقَصَتْ قِيمَتُهَا ، فَعَلَيْهِ ضَمَانُ نَقْصِهَا .\rلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا ؛ لِأَنَّهَا نَقَصَتْ عَنْ حَالِ غَصْبِهَا نَقْصًا أَثَّرَ فِي قِيمَتِهَا ، فَوَجَبَ ضَمَانُهُ ، كَمَا لَوْ أَذْهَبَ عُضْوًا مِنْ أَعْضَائِهَا .\r( 3956 ) فَصْلٌ : إذَا غَصَبَهَا وَقِيمَتُهَا مِائَةٌ فَسَمِنَتْ ، فَبَلَغَتْ قِيمَتُهَا أَلْفًا ، ثُمَّ تَعَلَّمَتْ صِنَاعَةً ، فَبَلَغَتْ أَلْفَيْنِ ، ثُمَّ هَزَلَتْ وَنَسِيَتْ ، فَعَادَتْ قِيمَتُهَا إلَى مِائَةٍ ، رَدَّهَا وَرَدَّ أَلْفًا","part":11,"page":60},{"id":5060,"text":"وَتِسْعَمِائَةٍ .\rوَإِنْ بَلَغَتْ بِالسِّمَنِ أَلْفًا ، ثُمَّ هَزَلَتْ فَبَلَغَتْ مِائَةً ، ثُمَّ تَعَلَّمَتْ فَبَلَغَتْ أَلْفًا ، ثُمَّ نَسِيَتْ فَعَادَتْ إلَى مِائَةٍ ، رَدَّهَا وَرَدَّ أَلْفًا وَثَمَانِمِائَةٍ ؛ لِأَنَّهَا نَقَصَتْ بِالْهُزَالِ تِسْعَمِائَةٍ ، وَبِالنِّسْيَانِ تِسْعَمِائَةٍ .\rوَإِنْ سَمِنَتْ فَبَلَغَتْ أَلْفًا ، ثُمَّ هَزَلَتْ فَعَادَتْ إلَى مِائَةٍ ، ثُمَّ تَعَلَّمَتْ فَعَادَتْ إلَى أَلْفٍ ، رَدَّهَا وَتِسْعَمِائَةٍ ؛ لِأَنَّ زَوَالَ الزِّيَادَةِ الْأُولَى أَوْجَبَ الضَّمَانَ ، ثُمَّ حَدَثَتْ زِيَادَةٌ أُخْرَى مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَلَى مِلْكِ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ ، فَلَا يَنْجَبِرُ مِلْكُ الْإِنْسَانِ بِمُلْكِهِ ، وَأَمَّا إذَا بَلَغَتْ بِالسِّمَنِ أَلْفًا ، ثُمَّ هَزَلَتْ فَعَادَتْ إلَى مِائَةٍ ، ثُمَّ سَمِنَتْ فَعَادَتْ إلَى أَلْفٍ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، يَرُدُّهَا زَائِدَةً ، وَيَضْمَنُ نَقْصَ الزِّيَادَةِ الْأُولَى ، كَمَا لَوْ كَانَا مِنْ جِنْسَيْنِ ، فَإِنَّ مِلْكَ الْإِنْسَانِ لَا يَنْجَبِرُ بِمِلْكِهِ ؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ الثَّانِيَةَ غَيْرُ الْأُولَى .\rفَعَلَى هَذَا إنْ هَزَلَتْ مَرَّةً ثَانِيَةً ، فَعَادَتْ إلَى مِائَةٍ ، ضَمِنَ النَّقْصَيْنِ بِأَلْفٍ وَثَمَانِمِائَةٍ .\rوَالْوَجْهُ الثَّانِي ، أَنَّهُ إذَا رَدَّهَا سَمِينَةً ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ عَادَ مَا ذَهَبَ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ مَرِضَتْ فَنَقَصَتْ ، ثُمَّ عُوفِيَتْ ، أَوْ نَسِيَتْ صِنَاعَةً ثُمَّ تَعَلَّمَتْهَا ، أَوْ أَبَقَ الْعَبْدُ ثُمَّ عَادَ .\rوَفَارَقَ مَا إذَا زَادَتْ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَعُدْ مَا ذَهَبَ .\rوَهَذَا الْوَجْهُ ، أَقْيَسُ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ شَوَاهِدِهِ .\rفَعَلَى هَذَا لَوْ سَمِنَتْ بَعْدَ الْهُزَالِ ، وَلَمْ تَبْلُغْ قِيمَتُهَا إلَى مَا بَلَغَتْ فِي السِّمَنِ الْأَوَّلِ ، أَوْ زَادَتْ عَلَيْهِ ، ضَمِنَ أَكْثَرَ الزِّيَادَتَيْنِ ، وَتَدْخُلُ الْأُخْرَى فِيهَا .\rوَعَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ يَضْمَنُهُمَا جَمِيعًا .\rفَأَمَّا إنْ زَادَتْ بِالتَّعْلِيمِ أَوْ الصِّنَاعَةِ ، ثُمَّ نَسِيَتْ ، ثُمَّ تَعَلَّمَتْ مَا نَسِيَتْهُ ، فَعَادَتْ الْقِيمَةُ الْأُولَى ، لَمْ يَضْمَنْ النَّقْصَ الْأَوَّلَ ؛ لِأَنَّ الْعِلْمَ","part":11,"page":61},{"id":5061,"text":"الثَّانِيَ هُوَ الْأَوَّلُ ، فَقَدْ عَادَ مَا ذَهَبَ .\rوَإِنْ تَعَلَّمَتْ عِلْمًا آخَرَ ، أَوْ صِنَاعَةً أُخْرَى ، فَهُوَ كَعَوْدِ السِّمَنِ ، فِيهِ وَجْهَانِ .\rذَكَرَ هَذَا الْقَاضِي ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : مَتَى زَادَتْ ، ثُمَّ نَقَصَتْ ، ثُمَّ زَادَتْ مِثْلَ الزِّيَادَةِ الْأُولَى ، فَفِي ذَلِكَ وَجْهَانِ ، سَوَاءٌ كَانَا مِنْ جِنْسٍ كَالسِّمَنِ مَرَّتَيْنِ ، أَوْ مِنْ جِنْسَيْنِ كَالسِّمَنِ وَالتَّعْلِيمِ .\rوَالْأَوَّلُ أَوْلَى .","part":11,"page":62},{"id":5062,"text":"( 3957 ) فَصْلٌ : وَإِنْ مَرِضَ الْمَغْصُوبُ ثُمَّ بَرَأَ ، أَوْ ابْيَضَّتْ عَيْنُهُ ثُمَّ ذَهَبَ بَيَاضُهَا ، أَوْ غَصَبَ جَارِيَةً حَسْنَاءَ فَسَمِنَتْ سِمَنًا نَقَصَهَا ، ثُمَّ خَفَّ سِمَنُهَا فَعَادَ حُسْنُهَا وَقِيمَتُهَا رَدَّهَا وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَذْهَبْ مَا لَهُ قِيمَةٌ ، وَالْعَيْبُ الَّذِي أَوْجَبَ الضَّمَانَ زَالَ فِي يَدَيْهِ .\rوَكَذَلِكَ لَوْ حَمَلَتْ فَنَقَصَتْ ، ثُمَّ وَضَعَتْ فَزَالَ نَقْصُهَا ، لَمْ يَضْمَنْ شَيْئًا .\rفَإِنْ رَدَّ الْمَغْصُوبَ نَاقِصًا بِمَرَضٍ ، أَوْ عَيْبٍ ، أَوْ سِمَنٍ مُفْرِطٍ ، أَوْ حَمْلٍ ، فَعَلَيْهِ أَرْشُ نَقْصِهِ ، فَإِنْ زَالَ عَيْبُهُ فِي يَدَيْ مَالِكِهِ ، لَمْ يَلْزَمْهُ رَدُّ مَا أَخَذَ مِنْ أَرْشِهِ ؛ لِأَنَّهُ اسْتَقَرَّ ضَمَانُهُ بِرَدِّ الْمَغْصُوبِ .\rوَكَذَلِكَ إنْ أَخَذَ الْمَغْصُوبَ دُونَ أَرْشِهِ ، ثُمَّ زَالَ الْعَيْبُ قَبْلَ أَخْذِ أَرْشِهِ ، لَمْ يَسْقُطْ ضَمَانُهُ ؛ لِذَلِكَ .","part":11,"page":63},{"id":5063,"text":"( 3958 ) فَصْلٌ : زَوَائِدُ الْغَصْبِ فِي يَدِ الْغَاصِبِ مَضْمُونَةٌ ضَمَانَ الْغَصْبِ ، مِثْلُ السِّمَنِ ، وَتَعَلُّمِ الصِّنَاعَةِ ، وَغَيْرِهَا ، وَثَمَرَةِ الشَّجَرَةِ ، وَوَلَدِ الْحَيَوَانِ ، مَتَى تَلِفَ شَيْءٌ مِنْهُ فِي يَدِ الْغَاصِبِ ضَمِنَهُ ، سَوَاءٌ تَلِفَ مُنْفَرِدًا ، أَوْ تَلِفَ مَعَ أَصْلِهِ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٌ : لَا يَجِبُ ضَمَانُ زَوَائِدِ الْغَصْبِ ، إلَّا أَنْ يُطَالَبَ بِهَا فَيَمْتَنِعُ مِنْ أَدَائِهَا ؛ لِأَنَّهَا غَيْرُ مَغْصُوبَةٍ ، فَلَا يَجِبُ ضَمَانُهَا ، كَالْوَدِيعَةِ ، وَدَلِيلُ عَدَمِ الْغَصْبِ أَنَّهُ فِعْلٌ مُحَرَّمٌ ، وَثُبُوتُ يَدِهِ عَلَى هَذِهِ الزَّوَائِدِ لَيْسَ مِنْ فِعْلِهِ ؛ لِأَنَّهُ انْبَنَى عَلَى وُجُودِ الزَّوَائِدِ فِي يَدِهِ ، وَوُجُودُهَا لَيْسَ بِفِعْلٍ مُحَرَّمٍ مِنْهُ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ مَالُ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ ، حَصَلَ فِي يَدِ الْغَاصِبِ بِالْغَصْبِ ، فَيَضْمَنُهُ بِالتَّلَفِ ، كَالْأَصْلِ .\rوَقَوْلُهُمْ : إنَّ إثْبَاتَ يَدِهِ لَيْسَ مِنْ فِعْلِهِ .\rلَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّهُ بِإِمْسَاكِ الْأُمِّ تَسَبَّبَ إلَى إثْبَاتِ يَدِهِ عَلَى هَذِهِ الزَّوَائِدِ ، وَإِثْبَاتُ يَدِهِ عَلَى الْأُمِّ مَحْظُورٌ .","part":11,"page":64},{"id":5064,"text":"( 3959 ) فَصْلٌ : وَلَيْسَ عَلَى الْغَاصِبِ ضَمَانُ نَقْصِ الْقِيمَةِ الْحَاصِلِ بِتَغَيُّرِ الْأَسْعَارِ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ .\rوَحُكِيَ عَنْ أَبِي ثَوْرٍ أَنَّهُ يَضْمَنُهُ ؛ لِأَنَّهُ يَضْمَنُهُ إذَا تَلِفَتْ الْعَيْنُ ، فَيَلْزَمُهُ إذَا رَدَّهَا ، كَالسِّمَنِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ رَدَّ الْعَيْنَ بِحَالِهَا ، لَمْ يَنْقُصْ مِنْهَا عَيْنٌ وَلَا صِفَةٌ ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ ، كَمَا لَوْ لَمْ تَنْقُصْ ، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ يَضْمَنُهَا مَعَ تَلَفِ الْعَيْنِ ، وَإِنْ سَلَّمْنَا فَلِأَنَّهُ وَجَبَتْ قِيمَةُ الْعَيْنِ أَكْثَرَ مَا كَانَتْ قِيمَتُهَا ، فَدَخَلَتْ فِي التَّقْوِيمِ ، بِخِلَافِ مَا إذَا رَدَّهَا ؛ فَإِنَّ الْقِيمَةَ لَا تَجِبُ ، وَيُخَالِفُ السِّمَنَ ، فَإِنَّهُ مِنْ عَيْنِ الْمَغْصُوبِ ، وَالْعِلْمُ بِالصِّنَاعَةِ صِفَةٌ فِيهَا ، وَهَا هُنَا لَمْ تَذْهَبْ عَيْنٌ وَلَا صِفَةٌ ؛ وَلِأَنَّهُ لَا حَقَّ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ فِي الْقِيمَةِ مَعَ بَقَاءِ الْعَيْنِ ، وَإِنَّمَا حَقُّهُ فِي الْعَيْنِ ، وَهِيَ بَاقِيَةٌ كُلُّهَا كَمَا كَانَتْ ، وَلِأَنَّ الْغَاصِبَ يَضْمَنُ مَا غَصَبَ ، وَالْقِيمَةُ لَا تَدْخُلُ فِي الْغَصْبِ ، بِخِلَافِ زِيَادَةِ الْعَيْنِ ، فَإِنَّهَا مَغْصُوبَةٌ وَقَدْ ذَهَبَتْ .","part":11,"page":65},{"id":5065,"text":"( 3960 ) فَصْلٌ : وَلَوْ غَصَبَ شَيْئًا فَشَقَّهُ نِصْفَيْنِ ، وَكَانَ ثَوْبًا يَنْقُصُهُ الْقَطْعُ ، رَدَّهُ وَأَرْشُ نَقْصِهِ ، فَإِنْ تَلِفَ أَحَدُ النِّصْفَيْنِ ، رَدَّ الْبَاقِي وَقِيمَةَ التَّالِفِ ، وَأَرْشَ النَّقْصِ ، وَإِنْ لَمْ يَنْقُصْهُ الْقَطْعُ ، رَدَّ الْبَاقِيَ وَقِيمَةَ التَّالِفِ لَا غَيْرُ .\rوَإِنْ كَانَا بَاقِيَيْنِ ، رَدَّهُمَا وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ سِوَى ذَلِكَ .\rوَإِنْ غَصَبَ شَيْئَيْنِ يَنْقُصُهُمَا التَّفْرِيقُ ، كَزَوْجَيْ خُفٍّ ، وَمِصْرَاعَيْ بَابٍ ، فَتَلِفَ أَحَدُهُمَا ، رَدَّ الْبَاقِيَ ، وَقِيمَةَ التَّالِفِ وَأَرْشَ نَقْصِهِمَا .\rفَإِذَا كَانَتْ قِيمَتُهُمَا سِتَّةَ دَرَاهِمَ ، فَتَلِفَ أَحَدُهُمَا ، فَصَارَتْ قِيمَةُ الْبَاقِي دِرْهَمَيْنِ ، رَدَّ الْبَاقِيَ وَأَرْبَعَةَ دَرَاهِمَ .\rوَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ ، أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ إلَّا قِيمَةُ التَّالِفِ مَعَ رَدِّ الْبَاقِي .\rوَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتْلَفْ غَيْرُهُ ، وَلِأَنَّ نَقْصَ الْبَاقِي نَقْصُ قِيمَةٍ ، فَلَا يَضْمَنُهُ ، كَالنَّقْصِ بِتَغَيُّرِ الْأَسْعَارِ .\rوَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ ؛ لِأَنَّهُ نَقْصٌ حَصَلَ بِجِنَايَتِهِ ، فَلَزِمَهُ ضَمَانُهُ ، كَشَقِّ الثَّوْبِ الَّذِي يَنْقُصُهُ الشَّقُّ إذَا أَتْلَفَ أَحَدَ شِقَّيْهِ ، بِخِلَافِ نَقْصِ السِّعْرِ ، فَإِنَّهُ لَمْ يَذْهَبْ مِنْ الْمَغْصُوبِ عَيْنٌ وَلَا مَعْنَى ، وَهَا هُنَا فَوَّتَ مَعْنَى ، وَهُوَ إمْكَانُ الِانْتِفَاعِ بِهِ ، وَهَذَا هُوَ الْمُوجِبُ لِنَقْصِ قِيمَتِهِ ، وَهُوَ حَاصِلٌ مِنْ جِهَةِ الْغَاصِبِ ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَضْمَنَهُ ، كَمَا لَوْ فَوَّتَ بَصَرَهُ أَوْ سَمْعَهُ أَوْ عَقْلَهُ ، أَوْ فَكَّ تَرْكِيبَ بَابٍ وَنَحْوِهِ .","part":11,"page":66},{"id":5066,"text":"( 3961 ) فَصْلٌ : وَإِنْ غَصَبَ ثَوْبًا فَلَبِسَهُ فَأَبْلَاهُ ، فَنَقَصَ نِصْفُ قِيمَتِهِ ، ثُمَّ غَلَتْ الثِّيَابُ ، فَعَادَتْ لِذَلِكَ قِيمَتُهُ ، كَمَا كَانَتْ ، لَزِمَهُ رَدُّهُ وَأَرْشُ نَقْصِهِ ، فَلَوْ غَصَبَ ثَوْبًا قِيمَتُهُ عَشْرَةٌ ، فَنَقَصَهُ لُبْسُهُ حَتَّى صَارَتْ قِيمَتُهُ خَمْسَةً ، ثُمَّ زَادَتْ قِيمَتُهُ فَصَارَتْ عَشَرَةً ، رَدَّهُ وَرَدَّ خَمْسَةً ؛ لِأَنَّ مَا تَلِفَ قَبْلَ غَلَاءِ الثَّوْبِ ثَبَتَتْ قِيمَتُهُ فِي الذِّمَّةِ خَمْسَةٌ ، فَلَا يُعْتَبَرُ ذَلِكَ بِغَلَاءِ الثَّوْبِ وَلَا رُخْصِهِ ، وَكَذَلِكَ لَوْ رَخَّصَتْ الثِّيَابُ ، فَصَارَتْ قِيمَتُهَا ثَلَاثَةً ، لَمْ يَلْزَمْ الْغَاصِبَ إلَّا خَمْسَةٌ ، مَعَ رَدِّ الثَّوْبِ .\rوَلَوْ تَلِفَ الثَّوْبُ كُلُّهُ ، وَقِيمَتُهُ عَشَرَةٌ ، ثُمَّ غَلَتْ الثِّيَابُ ، فَصَارَتْ قِيمَةُ الثَّوْبِ عِشْرِينَ ، لَمْ يَضْمَنْ إلَّا عَشَرَةً ؛ لِأَنَّهَا ثَبَتَتْ فِي الذِّمَّةِ عَشَرَةً ، فَلَا تَزْدَادُ بِغَلَاءِ الثِّيَابِ ، وَلَا تَنْقُصُ بِرُخْصِهَا .","part":11,"page":67},{"id":5067,"text":"( 3962 ) فَصْلٌ : وَإِنْ غَصَبَ ثَوْبًا أَوْ زوليا ، فَذَهَبَ بَعْضُ أَجْزَائِهِ ، كَخَمْلِ الْمِنْشَفَةِ ، وزئبرة الثَّوْبِ ، فَعَلَيْهِ أَرْشُ نَقْصِهِ .\rوَإِنْ أَقَامَ عِنْدَهُ مُدَّةً لِمِثْلِهَا أُجْرَةٌ ، لَزِمَهُ أَجْرُهُ ، سَوَاءٌ اسْتَعْمَلَهُ أَوْ تَرَكَهُ .\rوَإِنْ اجْتَمَعَا ، مِثْلُ أَنْ أَقَامَ عِنْدَهُ مُدَّةً ، فَذَهَبَ بَعْضُ أَجْزَائِهِ ، فَعَلَيْهِ ضَمَانُهُمَا مَعًا ، الْأَجْرُ وَأَرْشُ النَّقْصِ ، سَوَاءٌ كَانَ ذَهَابُ الْأَجْزَاءِ بِالِاسْتِعْمَالِ أَوْ بِغَيْرِهِ .\rوَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ : إنْ نَقَصَ بِغَيْرِ الِاسْتِعْمَالِ ، كَثَوْبِ يَنْقُصُهُ النَّشْرُ ، فَنَقَصَ بِنَشْرِهِ ، وَبَقِيَ عِنْدَهُ مُدَّةً ، ضَمِنَ الْأَجْرَ وَالنَّقْصَ ، وَإِنْ كَانَ النَّقْصُ مِنْ جِهَةِ الِاسْتِعْمَالِ ، كَثَوْبٍ لَبِسَهُ وَأَبْلَاهُ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، يَضْمَنُهُمَا مَعًا .\rوَالثَّانِي ، يَجِبُ أَكْثَرُ الْأَمْرَيْنِ مِنْ الْأَجْرِ وَأَرْشُ النَّقْصِ ؛ لِأَنَّ مَا نَقَصَ مِنْ الْأَجْزَاءِ فِي مُقَابَلَةِ الْأَجْرِ ، وَلِذَلِكَ لَا يَضْمَنُ الْمُسْتَأْجِرُ تِلْكَ الْأَجْزَاءَ ، وَيَتَخَرَّجُ لَنَا مِثْلُ ذَلِكَ .\rوَلَنَا ، أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَنْفَرِدُ بِالْإِيجَابِ عَنْ صَاحِبِهِ ، فَإِذَا اجْتَمَعَا وَجَبَا ، كَمَا لَوْ أَقَامَ فِي يَدِهِ مُدَّةً ثُمَّ تَلِفَ ، وَالْأُجْرَةُ تَجِبُ فِي مُقَابَلَةِ مَا يَفُوتُ مِنْ الْمَنَافِعِ ، لَا فِي مُقَابَلَةِ الْأَجْزَاءِ ، وَلِذَلِكَ يَجِبُ الْأَجْرُ وَإِنْ لَمْ تَفُتْ الْأَجْزَاءُ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمَغْصُوبِ أَجْرٌ ، كَثَوْبٍ غَيْرِ مَخِيطٍ ، فَلَا أَجْرَ عَلَى الْغَاصِبِ ، وَعَلَيْهِ ضَمَانُ نَقْصِهِ لَا غَيْرُ .","part":11,"page":68},{"id":5068,"text":"فَصْلٌ : وَإِذَا نَقَصَ الْمَغْصُوبُ عِنْدَ الْغَاصِبِ ، ثُمَّ بَاعَهُ فَتَلِفَ عِنْدَ الْمُشْتَرِي ، فَلَهُ أَنْ يُضَمِّنَ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا ، فَإِنْ ضَمَّنَ الْغَاصِبَ ضَمَّنَهُ قِيمَتَهُ أَكْثَرَ مَا كَانَتْ مِنْ حِينِ الْغَصْبِ إلَى حِينِ التَّلَفِ ؛ لِأَنَّهُ فِي ضَمَانِهِ مِنْ حِينِ غَصْبِهِ إلَى يَوْمِ تَلِفَ ، وَإِنْ ضَمَّنَ الْمُشْتَرِيَ ضَمَّنَهُ قِيمَتَهُ أَكْثَرَ مَا كَانَتْ مِنْ حِينِ قَبْضِهِ إلَى حِينِ تَلَفِهِ ؛ لِأَنَّ مَا قَبْلَ الْقَبْضِ لَمْ يَدْخُلْ فِي ضَمَانِهِ .\rوَإِنْ كَانَ لَهُ أُجْرَةٌ ، فَلَهُ الرُّجُوعُ عَلَى الْغَاصِبِ بِجَمِيعِهَا ، وَإِنْ شَاءَ رَجَعَ عَلَى الْمُشْتَرِي بِأَجْرِ مُقَامِهِ فِي يَدِهِ ، وَالْبَاقِي عَلَى الْغَاصِبِ .\rوَالْكَلَامُ فِي رُجُوعِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ نَذْكُرُهُ فِيمَا بَعْدُ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .","part":11,"page":69},{"id":5069,"text":"( 3964 ) فَصْلٌ : وَإِذَا غَصَبَ حِنْطَةً فَطَحَنَهَا ، أَوْ شَاةً فَذَبَحَهَا وَشَوَاهَا ، أَوْ حَدِيدًا فَعَمِلَهُ سَكَاكِينَ أَوْ أَوَانِيَ ، أَوْ خَشَبَةً فَنَجَرَهَا بَابًا أَوْ تَابُوتًا ، أَوْ ثَوْبًا فَقَطَعَهُ وَخَاطَهُ ، لَمْ يَزُلْ مِلْكُ صَاحِبِهِ عَنْهُ ، وَيَأْخُذُهُ وَأَرْشَ نَقْصِهِ إنْ نَقَصَ ، وَلَا شَيْءَ لِلْغَاصِبِ فِي زِيَادَتِهِ ، فِي الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ .\rوَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ كُلِّهَا : يَنْقَطِعُ حَقُّ صَاحِبِهَا عَنْهَا ، إلَّا أَنَّ الْغَاصِبَ لَا يَجُوزُ لَهُ التَّصَرُّفُ فِيهَا إلَّا بِالصَّدَقَةِ ، إلَّا أَنْ يَدْفَعَ قِيمَتَهَا فَيَمْلِكَهَا وَيَتَصَرَّفَ فِيهَا كَيْفَ شَاءَ .\rوَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ الْحَكَمِ ، عَنْ أَحْمَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْغَاصِبَ يَمْلِكُهَا بِالْقِيمَةِ ، إلَّا أَنَّهُ قَوْلٌ قَدِيمٌ رَجَعَ عَنْهُ ، فَإِنَّ مُحَمَّدًا مَاتَ قَبْلَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بِنَحْوٍ مِنْ عِشْرِينَ سَنَةً .\rوَاحْتَجُّوا بِمَا رُوِيَ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَارَ قَوْمًا مِنْ الْأَنْصَارِ فِي دَارِهِمْ ، فَقَدَّمُوا إلَيْهِ شَاةً مَشْوِيَّةً فَتَنَاوَلَ مِنْهَا لُقْمَةً ، فَجَعَلَ يَلُوكُهَا وَلَا يُسِيغُهَا ، فَقَالَ : إنَّ هَذِهِ الشَّاةَ لَتُخْبِرُنِي أَنَّهَا أُخِذَتْ بِغَيْرِ وَجْهِ حَقٍّ .\rفَقَالُوا : نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، طَلَبْنَا فِي السُّوقِ فَلَمْ نَجِدْ ، فَأَخَذْنَا شَاةً لِبَعْضِ جِيرَانِنَا ، وَنَحْنُ نُرْضِيهِمْ مِنْ ثَمَنِهَا .\rفَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَطْعِمُوهَا الْأَسْرَى .\r} رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِنَحْوٍ مِنْ هَذَا .\rوَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ حَقَّ أَصْحَابِهَا انْقَطَعَ عَنْهَا ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَأَمَرَ بِرَدِّهَا عَلَيْهِمْ .\rوَلَنَا ، أَنَّ عَيْنَ مَالِ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ قَائِمَةٌ ، فَلَزِمَ رَدُّهَا إلَيْهِ ، كَمَا لَوْ ذَبَحَ الشَّاةَ وَلَمْ يَشْوِهَا ، وَلِأَنَّهُ لَوْ فَعَلَهُ بِمُلْكِهِ لَمْ يَزُلْ عَنْهُ ، فَإِذَا فَعَلَهُ بِمِلْكِ غَيْرِهِ لَمْ يَزُلْ عَنْهُ ، كَمَا لَوْ ذَبَحَ الشَّاةَ ، أَوْ ضَرَبَ النُّقْرَةَ دَرَاهِمَ ، وَلِأَنَّهُ لَا يُزِيلُ الْمِلْكَ إذَا","part":11,"page":70},{"id":5070,"text":"كَانَ بِغَيْرِ فِعْلِ آدَمِيٍّ ، فَلَمْ يُزِلْهُ إذَا فَعَلَهُ آدَمِيٌّ ، كَاَلَّذِي ذَكَرْنَاهُ ، فَأَمَّا الْخَبَرُ فَلَيْسَ بِمَعْرُوفٍ كَمَا رَوَوْهُ ، وَلَيْسَ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد : \" وَنَحْنُ نُرْضِيهِمْ مِنْ ثَمَنِهَا \" .\rفَإِذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّهُ لَا شَيْءَ لِلْغَاصِبِ بِعَمَلِهِ ، سَوَاءٌ زَادَتْ الْعَيْنُ أَوْ لَمْ تَزِدْ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ أَنَّ الْغَاصِبَ يُشَارِكُ الْمَالِكَ بِالزِّيَادَةِ ؛ لِأَنَّهَا حَصَلَتْ بِمَنَافِعِهِ ، وَمَنَافِعُهُ أُجْرِيَتْ مَجْرَى الْأَعْيَانِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ غَصَبَ ثَوْبًا فَصَبَغَهُ .\rوَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ .\rذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ وَالْقَاضِي ؛ لِأَنَّ الْغَاصِبَ عَمِلَ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ ، فَلَمْ يَسْتَحِقَّ لِذَلِكَ عِوَضًا ، كَمَا لَوْ أَغْلَى زَيْتًا فَزَادَتْ قِيمَتُهُ ، أَوْ بَنَى حَائِطًا لِغَيْرِهِ ، أَوْ زَرَعَ حِنْطَةَ إنْسَانٍ فِي أَرْضِهِ ، وَسَائِرِ عَمَلِ الْغَاصِبِ .\rفَأَمَّا صَبْغُ الثَّوْبِ ، فَإِنَّ الصَّبْغَ عَيْنُ مَالٍ ، لَا يَزُولُ مِلْكُ صَاحِبِهِ عَنْهُ بِجَعْلِهِ مَعَ مِلْكِ غَيْرِهِ ، وَهَذَا حُجَّةٌ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَزُلْ مِلْكُهُ عَنْ صَبْغِهِ بِجَعْلِهِ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ ، وَجَعْلِهِ كَالصِّفَةِ ، فَلَأَنْ لَا يَزُولَ مِلْكُ غَيْرِهِ بِعَمَلِهِ فِيهِ أَوْلَى ، فَإِنْ احْتَجَّ بِأَنَّ مَنْ زَرَعَ فِي أَرْضِ غَيْرِهِ يَرُدُّ عَلَيْهِ نَفَقَتَهُ ، قُلْنَا : الزَّرْعُ مِلْكٌ لِلْغَاصِبِ ؛ لِأَنَّهُ عَيْنُ مَالِهِ ، وَنَفَقَتُهُ عَلَيْهِ تَزْدَادُ بِهِ قِيمَتُهُ ، فَإِذَا أَخَذَهُ مَالِكُ الْأَرْضِ ، احْتَسَبَ لَهُ بِمَا أَنْفَقَ عَلَى مِلْكِهِ ، وَفِي مَسْأَلَتِنَا عَمَلُهُ فِي مِلْكِ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ ، فَكَانَ لَاغِيًا ، عَلَى أَنَّنَا نَقُولُ : إنَّمَا تَجِبُ قِيمَةُ الزَّرْعِ عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ .\rفَأَمَّا إنْ نَقَصَتْ الْعَيْنُ دُونَ الْقِيمَةِ ، رَدَّ الْمَوْجُودَ وَقِيمَةَ النَّقْصِ ، وَإِنْ نَقَصَتْ الْعَيْنُ وَالْقِيمَةُ ، ضَمِنَهُمَا مَعًا ، كَالزَّيْتِ إذَا غَلَاهُ .\rوَهَكَذَا الْقَوْلُ فِي كُلٍّ مَا تَصَرَّفَ فِيهِ ، مِثْلُ نُقْرَةٍ ضَرَبَهَا دَرَاهِمَ أَوْ","part":11,"page":71},{"id":5071,"text":"حُلِيًّا ، أَوْ طِينًا جَعَلَهُ لَبَنًا ، أَوْ غَزْلًا نَسَجَهُ ، أَوْ ثَوْبًا قَصَرَهُ .\rوَإِنْ جَعَلَ فِيهِ شَيْئًا مِنْ عَيْنِ مَالِهِ ، مِثْلُ أَنْ سَمَّرَ الرُّفُوفَ بِمَسَامِيرَ مِنْ عِنْدِهِ ، فَلَهُ قَلْعُهَا وَيَضْمَنُ مَا نَقَصَتْ الرُّفُوفُ ، وَإِنْ كَانَتْ الْمَسَامِيرُ مِنْ الْخَشَبِ الْمَغْصُوبَةِ ، أَوْ مَالِ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ فَلَا شَيْءَ لِلْغَاصِبِ ، وَلَيْسَ لَهُ قَلْعُهَا ، إلَّا أَنْ يَأْمُرَهُ الْمَالِكُ ، بِذَلِكَ ، فَيَلْزَمُهُ .\rوَإِنْ كَانَتْ الْمَسَامِيرُ لِلْغَاصِبِ ، فَوَهَبَهَا لِلْمَالِكِ ، فَهَلْ يُجْبَرُ عَلَى قَبُولِ الْهِبَةِ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ .\rوَإِنْ اسْتَأْجَرَ الْغَاصِبُ عَلَى عَمَلِ شَيْءٍ مِنْ هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ ، فَالْأَجْرُ عَلَيْهِ .\rوَالْحُكْمُ فِي زِيَادَتِهِ وَنَقْصِهِ ، كَمَا لَوْ وَلِي ذَلِكَ بِنَفْسِهِ ، إلَّا أَنْ يُضَمِّنَ النَّقْصَ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا ، فَلَوْ اسْتَأْجَرَ قَصَّابًا فَذَبَحَ شَاةً ، فَلِلْمَالِكِ أَخْذُهَا وَأَرْشُ نَقْصِهَا ، وَيُغَرِّمُ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا ، فَإِنْ غَرَّمَ الْغَاصِبَ ، لَمْ يَرْجِعْ عَلَى أَحَدٍ إذَا لَمْ يَعْلَمْ الْقَصَّابُ الْحَالَ ، وَإِنْ ضَمَّنَ الْقَصَّابَ رَجَعَ عَلَى الْغَاصِبِ ، لِأَنَّهُ غَرَّهُ ، وَإِنْ عَلِمَ الْقَصَّابُ أَنَّهَا مَغْصُوبَةٌ فَغَرَّمَهُ ، لَمْ يَرْجِعْ عَلَى أَحَدٍ ؛ لِأَنَّهُ أَتْلَفَ مَالَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ عَالِمًا بِالْحَالِ ، وَإِنْ ضَمَّنَ الْغَاصِبَ ، رَجَعَ عَلَى الْقَصَّابِ ؛ لِأَنَّ التَّلَفَ حَصَلَ مِنْهُ فَاسْتَقَرَّ الضَّمَانُ عَلَيْهِ ، وَإِنْ اسْتَعَانَ بِمَنْ ذَبَحَ لَهُ ، فَهُوَ كَمَا لَوْ اسْتَأْجَرَهُ .","part":11,"page":72},{"id":5072,"text":"( 3965 ) فَصْلٌ : وَإِنْ غَصَبَ حَبًّا فَزَرَعَهُ فَصَارَ زَرْعًا ، أَوْ نَوًى فَصَارَ شَجَرًا ، أَوْ بَيْضًا فَحَضَنَهُ فَصَارَ فَرْخًا ، فَهُوَ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ ؛ لِأَنَّهُ عَيْنُ مَالِهِ نَمَا ، فَأَشْبَهَ مَا تَقَدَّمَ .\rوَيَتَخَرَّجُ أَنْ يَمْلِكَهُ الْغَاصِبُ ، بِنَاءً عَلَى الرِّوَايَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْفَصْلِ السَّابِقِ .\rوَإِنْ غَصَبَ دَجَاجَةً فَبَاضَتْ عِنْدَهُ ، ثُمَّ حَضَنَتْ بَيْضَهَا فَصَارَ فِرَاخًا ، فَهُمَا لِمَالِكِهَا ، وَلَا شَيْءَ لِلْغَاصِبِ فِي عَلَفِهَا .\rقَالَ أَحْمَدُ فِي طَيْرَةٍ جَاءَتْ إلَى دَارِ قَوْمٍ فَأَفْرَخَتْ عِنْدَهُمْ : يَرُدُّ فُرُوخَهَا إلَى أَصْحَابِ الطَّيْرَةِ ، وَلَا شَيْءَ لِلْغَاصِبِ فِيمَا عَمِلَ .\rوَإِنْ غَصَبَ شَاةً ، فَأَنْزَى عَلَيْهَا فَحْلًا ، فَالْوَلَدُ لِصَاحِبِ الشَّاةِ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ نَمَائِهَا .\rوَإِنْ غَصَبَ فَحْلًا ، فَأَنْزَاهُ عَلَى شَاتِه ، فَالْوَلَدُ لِصَاحِبِ الشَّاةِ ؛ لِأَنَّهُ يَتْبَعُ الْأُمَّ ، وَلَا أُجْرَةَ لَهُ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ عَسْبِ الْفَحْلِ .\rوَإِنْ نَقَصَهُ الضِّرَابُ ضَمِنَ نَقْصَهُ .","part":11,"page":73},{"id":5073,"text":"( 3966 ) فَصْلٌ : وَإِنْ غَصَبَ دَنَانِيرَ أَوْ دَرَاهِمَ مِنْ رَجُلٍ ، وَخَلَطَهَا بِمِثْلِهَا لِآخَرَ ، فَلَمْ يَتَمَيَّزَا ، صَارَا شَرِيكَيْنِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَمْلِكُهَا الْغَاصِبُ ، وَعَلَيْهِ غَرَامَةُ مِثْلِهَا لَهُمَا ، وَإِنْ خَلَطَهَا بِمِثْلِهَا مِنْ مَالِهِ ، مَلَكَهَا ؛ لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ تَسْلِيمُهَا بِعَيْنِهَا ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ تَلِفَتْ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ فِعْلٌ فِي الْمَغْصُوبِ عَلَى وَجْهِ التَّعَدِّي ، لَمْ يَذْهَبْ بِمَالِيَّتِهِ ، فَلَمْ يَزُلْ مِلْكُ صَاحِبِهِ عَنْهُ ، كَذَبْحِ الشَّاةِ .","part":11,"page":74},{"id":5074,"text":"( 3967 ) فَصْلٌ : وَإِنْ غَصَبَ عَبْدًا ، فَصَادَ صَيْدًا ، أَوْ كَسَبَ شَيْئًا ، فَهُوَ لِسَيِّدِهِ ، وَإِنْ غَصَبَ جَارِحًا كَالْفَهْدِ وَالْبَازِي ، فَصَادَ بِهِ ، فَالصَّيْدُ لِمَالِكِهِ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ كَسْبِ مَالِهِ ، فَأَشْبَهَ صَيْدَ الْعَبْدِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ لِلْغَاصِبِ ؛ لِأَنَّهُ الصَّائِدُ ، وَالْجَارِحَةُ آلَةٌ لَهُ ، وَلِهَذَا يَكْتَفِي بِتَسْمِيَتِهِ عِنْدَ إرْسَالِهِ الْجَارِحَ .\rوَإِنْ غَصَبَ قَوْسًا أَوْ سَهْمًا أَوْ شَبَكَةً ، فَصَادَ بِهِ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، أَنَّهُ لِصَاحِبِ الْقَوْسِ وَالسَّهْمِ وَالشَّبَكَةِ ؛ لِأَنَّهُ حَاصِلٌ بِهِ ، فَأَشْبَهَ نَمَاءَ مِلْكِهِ وَكَسْبَ عَبْدِهِ .\rوَالثَّانِي ، لِلْغَاصِبِ ؛ لِأَنَّ الصَّيْدَ حَصَلَ بِفِعْلِهِ ، وَهَذِهِ آلَاتٌ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ ذَبَحَ بِسِكِّينِ غَيْرِهِ ، فَإِنْ قُلْنَا : هُوَ لِلْغَاصِبِ .\rفَعَلَيْهِ أَجْرُ ذَلِكَ كُلُّهُ مُدَّةَ مُقَامِهِ فِي يَدَيْهِ إنْ كَانَ لَهُ أَجْرٌ .\rوَإِنْ قُلْنَا : هُوَ لِلْمَالِكِ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَجْرٌ فِي مُدَّةِ اصْطِيَادِهِ ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ ؛ لِأَنَّ الْأَجْرَ فِي مُقَابَلَةِ مَنَافِعِهِ ، وَمَنَافِعُهُ فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ عَائِدَةٌ إلَى مَالِكِهِ ، فَلَمْ يَسْتَحِقَّ عِوَضَهَا عَلَى غَيْرِهِ ، كَمَا لَوْ زَرَعَ أَرْضَ إنْسَانِ ، فَأَخَذَ الْمَالِكُ الزَّرْعَ بِنَفَقَتِهِ ، وَالثَّانِي عَلَيْهِ أَجْرُ مِثْلِهِ ؛ لِأَنَّهُ اسْتَوْفَى مَنَافِعَهُ ، أَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ يَصِدْ شَيْئًا .","part":11,"page":75},{"id":5075,"text":"( 3968 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَمَنْ غَصَبَ جَارِيَةً ، فَوَطِئَهَا ، وَأَوْلَدَهَا ، لَزِمَهُ الْحَدُّ ، وَأَخَذَهَا سَيِّدُهَا وَأَوْلَادَهَا وَمَهْرَ مِثْلِهَا ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ ، أَنَّ الْغَاصِبَ إذَا وَطِئَ الْجَارِيَةَ الْمَغْصُوبَةَ ، فَهُوَ زَانٍ ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ زَوْجَةً لَهُ وَلَا مِلْكَ يَمِينٍ ، فَإِنْ كَانَ عَالِمًا بِالتَّحْرِيمِ ، فَعَلَيْهِ حَدُّ الزِّنَى ؛ لِأَنَّهُ لَا مِلْكَ لَهُ ، وَلَا شُبْهَةَ مِلْكٍ ، وَعَلَيْهِ مَهْرُ مِثْلِهَا ، سَوَاءٌ كَانَتْ مُكْرَهَةً أَوْ مُطَاوِعَةً .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا مَهْرَ لِلْمُطَاوِعَةِ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ مَهْرِ الْبَغِيِّ .\rوَلَنَا ، أَنَّ هَذَا حَقٌّ لِلسَّيِّدِ ، فَلَا يَسْقُطُ بِمُطَاوَعَتِهَا ، كَمَا لَوْ أَذِنَتْ فِي قَطْعِ يَدِهَا ، وَلِأَنَّهُ حَقٌّ يَجِبُ لِلسَّيِّدِ مَعَ إكْرَاهِهَا ، فَيَجِبُ مَعَ مُطَاوَعَتِهَا ، كَأَجْرِ مَنَافِعِهَا ، وَالْخَبَرُ مَحْمُولٌ عَلَى الْحُرَّةِ ، وَيَجِبُ أَرْشُ بَكَارَتِهَا ؛ لِأَنَّهُ بَدَلُ جُزْءٍ مِنْهَا .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَجِبَ ؛ لِأَنَّ مَهْرَ الْبِكْرِ يَدْخُلُ فِيهِ أَرْشُ الْبَكَارَةِ ؛ وَلِهَذَا يَزِيدُ عَلَى مَهْرِ الثَّيِّبِ عَادَةً ، لِأَجْلِ مَا يَتَضَمَّنُهُ مِنْ تَفْوِيتِ الْبَكَارَةِ .\rوَإِنْ حَمَلَتْ ، فَالْوَلَدُ مَمْلُوكٌ لِسَيِّدِهَا ؛ لِأَنَّهُ مِنْ نَمَائِهَا وَأَجْزَائِهَا ، وَلَا يَلْحَقُ نَسَبُهُ بِالْوَاطِئِ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ زِنًى .\rفَإِنْ وَضَعَتْهُ حَيًّا ، وَجَبَ رَدُّهُ مَعَهَا ، وَإِنْ أَسْقَطَتْهُ مَيِّتًا ، لَمْ يَضْمَنْ ؛ لِأَنَّنَا لَا نَعْلَمُ حَيَاتَهُ قَبْلَ هَذَا .\rهَذَا قَوْلُ الْقَاضِي ، وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ عِنْدَ أَصْحَابِهِ .\rوَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الْحُسَيْنِ : يَجِبُ ضَمَانُهُ بِقِيمَتِهِ لَوْ كَانَ حَيًّا .\rنَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ ؛ لِأَنَّهُ يَضْمَنُهُ لَوْ سَقَطَ بِضَرْبَتِهِ ، وَمَا ضُمِنَ بِالْإِتْلَافِ ضَمِنَهُ الْغَاصِبُ بِالتَّلَفِ فِي يَدِهِ ، كَأَجْرِ الْعَيْنِ .\rوَالْأَوْلَى ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ، أَنْ يَضْمَنَهُ بِعُشْرِ قِيمَةِ أُمِّهِ ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي يَضْمَنُهُ بِهِ بِالْجِنَايَةِ ، فَيَضْمَنُهُ بِهِ","part":11,"page":76},{"id":5076,"text":"فِي التَّلَفِ ، كَالْأَجْزَاءِ .\rوَإِنْ وَضَعَتْهُ حَيًّا ، حَصَلَ مَضْمُونًا فِي يَدِ الْغَاصِبِ ، كَالْأُمِّ .\rفَإِنْ مَاتَ بَعْدَ ذَلِكَ ، ضَمِنَهُ بِقِيمَتِهِ .\rوَإِنْ نَقَصَتْ الْأُمُّ بِالْوِلَادَةِ ، ضَمِنَ نَقْصَهَا ، وَلَمْ يَنْجَبِرْ بِالْوَلَدِ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَنْجَبِرُ نَقْصُهَا بِوَلَدِهَا .\rوَلَنَا ، أَنَّ وَلَدَهَا مِلْكُ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ ، فَلَا يَنْجَبِرُ بِهِ نَقْصٌ حَصَلَ بِجِنَايَةِ الْغَاصِبِ ، كَالنَّقْصِ الْحَاصِلِ بِغَيْرِ الْوِلَادَةِ .\rوَإِنْ ضَرَبَ الْغَاصِبُ بَطْنَهَا فَأَلْقَتْ الْجَنِينَ مَيِّتًا ، فَعَلَيْهِ عُشْرُ قِيمَةِ أُمِّهِ .\rوَإِنْ ضَرَبَ بَطْنَهَا أَجْنَبِيٌّ ، فَفِيهِ مِثْلُ ذَلِكَ ، وَلِلْمَالِكِ تَضْمِينُ أَيِّهِمَا شَاءَ ، فَإِنْ ضَمَّنَ الْغَاصِبَ ، رَجَعَ عَلَى الضَّارِبِ ، وَإِنْ ضَمَّنَ الضَّارِبَ ، لَمْ يَرْجِعْ عَلَى أَحَدٍ ؛ لِأَنَّ الْإِتْلَافَ وُجِدَ مِنْهُ ، فَاسْتَقَرَّ الضَّمَانُ عَلَيْهِ .\rوَإِنْ مَاتَتْ الْجَارِيَةُ ، فَعَلَيْهِ قِيمَتُهَا أَكْثَرَ مَا كَانَتْ .\rوَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ أَرْشُ بَكَارَتِهَا ، وَنَقْصِ وِلَادَتِهَا ، وَلَا يَدْخُلُ فِيهِ ضَمَانُ وَلَدِهَا ، وَلَا مَهْرُ مِثْلِهَا ، وَسَوَاءٌ فِي هَذِهِ الْأَحْكَامِ كُلِّهَا حَالَةُ الْإِكْرَاهِ أَوْ الْمُطَاوَعَةِ ؛ لِأَنَّهَا حُقُوقٌ لِسَيِّدِهَا ، فَلَا تَسْقُطُ بِمُطَاوَعَتِهَا .\rوَأَمَّا حُقُوقُ اللَّهِ تَعَالَى ، كَالْحَدِّ عَلَيْهَا ، وَالْإِثْمِ ، وَالتَّعْزِيرِ فِي مَوْضِعٍ يَجِبُ ، فَإِنْ كَانَتْ مُطَاوِعَةً عَلَى الْوَطْءِ ، عَالِمَةً بِالتَّحْرِيمِ ، فَعَلَيْهَا الْحَدُّ إذَا كَانَتْ مِنْ أَهْلِهِ ، وَالْإِثْمُ ، وَإِلَّا فَلَا .\r( 3969 ) فَصْلٌ : وَإِنْ كَانَ الْغَاصِبُ جَاهِلًا بِتَحْرِيمِ ذَلِكَ ؛ لِقُرْبِ عَهْدِهِ بِالْإِسْلَامِ ، أَوْ نَاشِئًا بِبَادِيَةٍ بَعِيدَةٍ يَخْفَى عَلَيْهِ مِثْلُ هَذَا ، فَاعْتَقَدَ حِلَّ وَطْئِهَا ، أَوْ اعْتَقَدَ أَنَّهَا جَارِيَتُهُ فَأَخَذَهَا ، ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهَا غَيْرُهَا ، فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ الْحَدَّ يُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ ، وَعَلَيْهِ الْمَهْرُ ، وَأَرْشُ الْبَكَارَةِ .\rوَإِنْ حَمَلَتْ فَالْوَلَدُ حُرٌّ ، لِاعْتِقَادِهِ أَنَّهَا","part":11,"page":77},{"id":5077,"text":"مِلْكُهُ ، وَيَلْحَقُهُ النَّسَبُ لِمَوْضِعِ الشُّبْهَةِ .\rوَإِنْ وَضَعَتْهُ مَيِّتًا ، لَمْ يَضْمَنْهُ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ حَيَاتَهُ ، وَلِأَنَّهُ لَمْ يَحُلْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ ، وَإِنَّمَا وَجَبَ تَقْوِيمُهُ لِأَجْلِ الْحَيْلُولَةِ .\rوَإِنْ وَضَعَتْهُ حَيًّا ، فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ يَوْمَ انْفِصَالِهِ ؛ لِأَنَّهُ فَوَّتَ عَلَيْهِ رِقَّهُ بِاعْتِقَادِهِ ، وَلَا يُمْكِنُ تَقْوِيمُهُ حَمْلًا ، فَقُوِّمَ عَلَيْهِ أَوَّلَ حَالِ انْفِصَالِهِ ؛ لِأَنَّهُ أَوَّلُ حَالِ إمْكَانِ تَقْوِيمِهِ ، وَلِأَنَّ ذَلِكَ وَقْتُ الْحَيْلُولَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَيِّدِهِ .\rوَإِنْ ضَرَبَ الْغَاصِبُ بَطْنَهَا ، فَأَلْقَتْ جَنِينًا مَيِّتًا ، فَعَلَيْهِ غُرَّةٌ عَبْدٌ أَوْ أَمَةٌ ، قِيمَتُهَا خَمْسٌ مِنْ الْإِبِلِ ، مَوْرُوثَةً عَنْهُ ، لَا يَرِثُ الضَّارِبُ مِنْهَا شَيْئًا ؛ لِأَنَّهُ أَتْلَفَ جَنِينًا حُرًّا ، وَعَلَيْهِ لِلسَّيِّدِ عُشْرُ قِيمَةِ أُمِّهِ ؛ لِأَنَّ الْإِسْقَاطَ لَمَّا اعْتَقَبَ الضَّرْبَ ، فَالظَّاهِرُ حُصُولُهُ بِهِ ، وَضَمَانُهُ لِلسَّيِّدِ ضَمَانُ الْمَمَالِيكِ ، وَلِهَذَا لَوْ وَضَعَتْهُ حَيًّا قَوَّمْنَاهُ مَمْلُوكًا .\rوَإِنْ كَانَ الضَّارِبُ أَجْنَبِيًّا ، فَعَلَيْهِ غُرَّةٌ دِيَةُ الْجَنِينِ الْحُرِّ ؛ لِأَنَّهُ مَحْكُومٌ بِحُرِّيَّتِهِ ، وَتَكُونُ مَوْرُوثَةً عَنْهُ ، وَعَلَى الْغَاصِبِ لِلسَّيِّدِ عُشْرُ قِيمَةِ أُمِّهِ ؛ لِأَنَّهُ يَضْمَنُهُ ضَمَانَ الْمَمَالِيكِ ، وَقَدْ فَوَّتَ رِقَّهُ عَلَى السَّيِّدِ ، وَحَصَلَ التَّلَفُ فِي يَدَيْهِ .\rوَالْحُكْمُ فِي الْمَهْرِ ، وَالْأَرْشِ ، وَالْأَجْرِ ، وَنَقْصِ الْوِلَادَةِ ، وَقِيمَتِهَا إنْ تَلِفَتْ ، مَا مَضَى إذَا كَانَا عَالِمَيْنِ ؛ لِأَنَّ هَذِهِ حُقُوقُ الْآدَمِيِّينَ ، فَلَا تَسْقُطُ بِالْجَهْلِ وَالْخَطَأِ ، كَالدِّيَةِ .","part":11,"page":78},{"id":5078,"text":"( 3970 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : ( وَإِنْ كَانَ الْغَاصِبُ بَاعَهَا ، فَوَطِئَهَا الْمُشْتَرِي ، وَأَوْلَدَهَا ، وَهُوَ لَا يَعْلَمُ ، رُدَّتْ الْجَارِيَةُ إلَى سَيِّدِهَا ، وَمَهْرُ مِثْلِهَا ، وَفَدَى أَوْلَادَهُ بِمِثْلِهِمْ ، وَهُمْ أَحْرَارٌ ، وَرَجَعَ بِذَلِكَ كُلِّهِ عَلَى الْغَاصِبِ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ ، أَنَّ الْغَاصِبَ إذَا بَاعَ الْجَارِيَةَ ، فَبَيْعُهُ فَاسِدٌ ؛ لِأَنَّهُ يَبِيعُ مَالَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ .\rوَفِيهِ رِوَايَةٌ أُخْرَى ، أَنَّهُ يَصِحُّ ، وَيَقِفُ عَلَى إجَازَةِ الْمَالِكِ .\rوَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ فِي الْبَيْعِ .\rوَفِيهِ رِوَايَةٌ ثَالِثَةٌ ، أَنَّ الْبَيْعَ يَصِحُّ ، وَيَنْفُذُ ، لِأَنَّ الْغَصْبِ فِي الظَّاهِرِ تَتَطَاوَلُ مُدَّتُهُ ، فَلَوْ لَمْ يَصِحَّ تَصَرُّفُ الْغَاصِبِ ، أَفْضَى إلَى الضَّرَرِ بِالْمَالِكِ وَالْمُشْتَرِي ؛ لِأَنَّ الْمَالِكَ لَا يَمْلِكُ ثَمَنَهَا ، وَالْمُشْتَرِي لَا يَمْلِكُهَا .\rوَالتَّفْرِيعُ عَلَى الرِّوَايَةِ الْأُولَى ، وَالْحُكْمُ فِي وَطْءِ الْمُشْتَرِي كَالْحُكْمِ فِي وَطْءِ الْغَاصِبِ ، إلَّا أَنَّ الْمُشْتَرِيَ إذَا ادَّعَى الْجَهَالَةَ ، قُبِلَ مِنْهُ ، بِخِلَافِ الْغَاصِبِ ، فَإِنَّهُ لَا يُقْبَلُ مِنْهُ إلَّا بِشَرْطٍ ذَكَرْنَاهُ .\rوَيَجِبُ رَدُّ الْجَارِيَةِ إلَى سَيِّدِهَا ، وَلِلْمَالِكِ مُطَالَبَةُ أَيِّهِمَا شَاءَ بِرَدِّهَا ؛ لِأَنَّ الْغَاصِبَ أَخَذَهَا بِغَيْرِ حَقٍّ ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تَرُدَّهُ } .\rوَالْمُشْتَرِي أَخَذَ مَالَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ حَقٍّ أَيْضًا ، فَيَدْخُلُ فِي عُمُومِ الْخَبَرِ ، وَلِأَنَّ مَالَ غَيْرِهِ فِي يَدِهِ .\rوَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ بِحَمْدِ اللَّهِ تَعَالَى .\rوَيَلْزَمُ الْمُشْتَرِيَ الْمَهْرُ ؛ لِأَنَّهُ وَطِئَ جَارِيَةَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ نِكَاحٍ ، وَعَلَيْهِ أَرْشُ الْبَكَارَةِ ، وَنَقْصِ الْوِلَادَةِ .\rوَإِنْ وَلَدَتْ مِنْهُ ، فَالْوَلَدُ حُرٌّ ؛ لِاعْتِقَادِهِ أَنَّهُ يَطَأُ مَمْلُوكَتَهُ ، فَمَنَعَ ذَلِكَ انْخِلَاقَ الْوَلَدِ رَقِيقًا ، وَيَلْحَقُهُ نَسَبُهُ ، وَعَلَيْهِ فِدَاؤُهُمْ ؛ لِأَنَّهُ فَوَّتَ رِقَّهُمْ عَلَى سَيِّدِهِمْ بِاعْتِقَادِهِ حِلَّ الْوَطْءِ .\rوَهَذَا الصَّحِيحُ","part":11,"page":79},{"id":5079,"text":"فِي الْمَذْهَبِ ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ .\rوَقَدْ نَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ ، عَنْ أَحْمَدَ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ لَا يَلْزَمُهُ فِدَاءُ أَوْلَادِهِ ، وَلَيْسَ لِلسَّيِّدِ بَدَلُهُمْ ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا فِي حَالِ الْعُلُوقِ أَحْرَارًا ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ قِيمَةٌ حِينَئِذٍ .\rقَالَ الْخَلَّالُ أَحْسَبُهُ قَوْلًا لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ أَوَّلَ ، وَاَلَّذِي أَذْهَبُ إلَيْهِ أَنَّهُ يَفْدِيهِمْ .\rوَقَدْ نَقَلَهُ ابْنُ مَنْصُورٍ أَيْضًا ، وَجَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَيَفْدِيهِمْ بِبَدَلِهِمْ يَوْمَ الْوَضْعِ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَجِبُ يَوْمَ الْمُطَالَبَةِ ؛ لِأَنَّ وَلَدَ الْمَغْصُوبَةِ لَا يَضْمَنُهُ عِنْدَهُ إلَّا بِالْمَنْعِ ، وَقَبْلَ الْمُطَالَبَةِ لَمْ يَحْصُلْ مَنْعٌ فَلَمْ يَجِبْ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا فِيمَا مَضَى ، أَنَّهُ يَحْدُثُ مَضْمُونًا ، فَيُقَوَّمُ يَوْمَ وَضْعِهِ ؛ لِأَنَّهُ أَوَّلُ حَالٍ أَمْكَنَ تَقْوِيمُهُ .\rوَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيمَا يَفْدِيهِمْ بِهِ ، فَنَقَلَ الْخِرَقِيِّ هَاهُنَا أَنَّهُ يَفْدِيهِمْ بِمِثْلِهِمْ .\rوَالظَّاهِرُ أَنَّهُ أَرَادَ بِمِثْلِهِمْ فِي السِّنِّ ، وَالصِّفَاتِ ، وَالْجِنْسِ ، وَالذُّكُورِيَّةِ وَالْأُنُوثِيَّةِ ، وَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ : يَفْدِيهِمْ بِمِثْلِهِمْ فِي الْقِيمَةِ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ ثَالِثَةٌ ، أَنَّهُ يَفْدِيهِمْ بِقِيمَتِهِمْ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَهُوَ أَصَحُّ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ؛ لِأَنَّ الْحَيَوَانَ لَيْسَ بِمِثْلِيٍّ ، فَيُضْمَنُ بِقِيمَتِهِ كَسَائِرِ الْمُتَقَوِّمَاتِ ، وَلِأَنَّهُ لَوْ أَتْلَفَهُ ضَمِنَهُ بِقِيمَتِهِ .\rوَقَدْ ذَكَرْنَا وَجْهَ هَذِهِ الْأَقْوَالِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ .\rوَقَوْلُ الْخِرَقِيِّ : \" رَجَعَ بِذَلِكَ كُلِّهِ عَلَى الْغَاصِبِ \" .\rيَعْنِي بِالْمَهْرِ ، وَمَا فَدَى بِهِ الْأَوْلَادَ ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ دَخَلَ عَلَى أَنْ يُسَلِّمَ لَهُ الْأَوْلَادَ ، وَأَنْ يَتَمَكَّنَ مِنْ الْوَطْءِ بِغَيْرِ عِوَضٍ ، فَإِذَا لَمْ يُسَلِّمْ لَهُ ذَلِكَ ، فَقَدْ غَرَّهُ الْبَائِعُ ، فَرَجَعَ بِهِ عَلَيْهِ .","part":11,"page":80},{"id":5080,"text":"فَأَمَّا الْجَارِيَةُ إذَا رَدَّهَا لَمْ يَرْجِعْ بِبَدَلِهَا ؛ لِأَنَّهَا مِلْكُ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ رَجَعَتْ إلَيْهِ ، لَكِنَّهُ يَرْجِعُ عَلَى الْغَاصِبِ بِالثَّمَنِ الَّذِي أَخَذَهُ مِنْهُ .\rوَإِنْ كَانَتْ قَدْ أَقَامَتْ عِنْدَهُ مُدَّةً لِمِثْلِهَا أَجْرٌ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ ، فَعَلَيْهِ أَجْرُهَا .\rوَإِنْ اغْتَصَبَهَا بِكْرًا ، فَعَلَيْهِ أَرْشُ بَكَارَتِهَا .\rوَإِنْ نَقَصَتْهَا الْوِلَادَةُ أَوْ غَيْرُهَا ، فَعَلَيْهِ أَرْشُ نَقْصِهَا .\rوَإِنْ تَلِفَتْ فِي يَدِهِ ، فَعَلَيْهِ قِيمَتُهَا .\rوَكُلُّ ضَمَانٍ يَجِبُ عَلَى الْمُشْتَرِي ، فَلِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ أَنْ يَرْجِعَ بِهِ عَلَى مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا ؛ لِأَنَّ يَدَ الْغَاصِبِ سَبَبُ يَدِ الْمُشْتَرِي .\rوَمَا وَجَبَ عَلَى الْغَاصِبِ ، مِنْ أَجْرِ الْمُدَّةِ الَّتِي كَانَتْ فِي يَدِهِ ، أَوْ نَقْصٍ حَدَثَ عِنْدَهُ ، فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِهِ عَلَى الْغَاصِبِ وَحْدَهُ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْلَ يَدِ الْمُشْتَرِي .\rفَإِذَا طَالَبَ الْمَالِكُ الْمُشْتَرِيَ بِمَا وَجَبَ فِي يَدِهِ ، وَأَخَذَهُ مِنْهُ ، فَأَرَادَ الْمُشْتَرِي الرُّجُوعَ بِهِ عَلَى الْغَاصِبِ ، نَظَرْت ؛ فَإِنْ كَانَ الْمُشْتَرِي حِينَ الشِّرَاءِ عَلِمَ أَنَّهَا مَغْصُوبَةٌ ، لَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ ؛ لِأَنَّ مُوجِبَ الضَّمَانِ وُجِدَ فِي يَدِهِ مِنْ غَيْرِ تَغْرِيرٍ ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ ، فَذَلِكَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ ؛ ضَرْبٌ لَا يَرْجِعُ بِهِ ، وَهُوَ قِيمَتُهَا إنْ تَلِفَتْ فِي يَدِهِ ، وَأَرْشُ بَكَارَتِهَا ، وَبَدَلُ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَائِهَا ؛ لِأَنَّهُ دَخَلَ مَعَ الْبَائِعِ عَلَى أَنَّهُ يَكُونُ ضَامِنًا لِذَلِكَ بِالثَّمَنِ ، فَإِذَا ضَمِنَهُ لَمْ يَرْجِعْ بِهِ .\rوَضَرْبٌ يَرْجِعُ بِهِ ، وَهُوَ بَدَلُ الْوَلَدِ إذَا وَلَدَتْ مِنْهُ ؛ لِأَنَّهُ دَخَلَ مَعَهُ فِي الْعَقْدِ عَلَى أَنْ لَا يَكُونَ الْوَلَدُ مَضْمُونًا عَلَيْهِ ، وَلَمْ يَحْصُلْ مِنْ جِهَتِهِ إتْلَافٌ ، وَإِنَّمَا الشَّرْعُ أَتْلَفَهُ بِحُكْمِ بَيْعِ الْغَاصِبِ مِنْهُ ، وَكَذَلِكَ نَقْصُ الْوِلَادَةِ .\rوَضَرْبٌ اُخْتُلِفَ فِيهِ ، وَهُوَ مَهْرُ مِثْلِهَا وَأَجْرُ نَفْعِهَا ، فَهَلْ يَرْجِعُ بِهِ عَلَى الْغَاصِبِ ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، يَرْجِعُ بِهِ .\rوَهُوَ","part":11,"page":81},{"id":5081,"text":"قَوْلُ الْخِرَقِيِّ لِأَنَّهُ دَخَلَ فِي الْعَقْدِ عَلَى أَنْ يُتْلِفَهُ بِغَيْرِ عِوَضٍ ، فَإِذَا غَرِمَ عِوَضَهُ رَجَعَ بِهِ ، كَبَدَلِ الْوَلَدِ ، وَنَقْصِ الْوِلَادَةِ .\rوَهَذَا أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ .\rوَالثَّانِيَةُ ، لَا يَرْجِعُ بِهِ ، وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ وَقَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ لِأَنَّهُ غَرِمَ مَا اسْتَوْفَى بَدَلَهُ ، فَلَا يَرْجِعُ بِهِ ، كَقِيمَةِ الْجَارِيَةِ ، وَبَدَلِ أَجْزَائِهَا .\rوَهَذَا الْقَوْلُ الثَّانِي لِلشَّافِعِيِّ وَإِنْ رَجَعَ بِذَلِكَ كُلِّهِ عَلَى الْغَاصِبِ فَكُلُّ مَا لَوْ رَجَعَ بِهِ عَلَى الْمُشْتَرِي لَا يَرْجِعُ بِهِ عَلَى الْغَاصِبِ ، إذَا رَجَعَ بِهِ عَلَى الْغَاصِبِ رَجَعَ بِهِ الْغَاصِبُ عَلَى الْمُشْتَرِي .\rوَكُلُّ مَا لَوْ رَجَعَ بِهِ عَلَى الْمُشْتَرِي رَجَعَ بِهِ الْمُشْتَرِي عَلَى الْغَاصِبِ إذَا غَرِمَهُ الْغَاصِبُ ، لَمْ يَرْجِعْ بِهِ عَلَى الْمُشْتَرِي .\rوَمَتَى رَدَّهَا حَامِلًا فَمَاتَتْ مِنْ الْوَضْعِ ، فَإِنَّهَا مَضْمُونَةٌ عَلَى الْوَاطِئِ ؛ لِأَنَّ التَّلَفَ بِسَبَبٍ مِنْ جِهَتِهِ .","part":11,"page":82},{"id":5082,"text":"( 3971 ) فَصْلٌ : وَمَنْ اسْتَكْرَهَ امْرَأَةً عَلَى الزِّنَى ، فَعَلَيْهِ الْحَدُّ دُونَهَا ؛ لِأَنَّهَا مَعْذُورَةٌ ، وَعَلَيْهِ مَهْرُهَا حُرَّةً كَانَتْ أَوْ أَمَةً ، فَإِنْ كَانَتْ حُرَّةً كَانَ الْمَهْرُ لَهَا ، وَإِنْ كَانَتْ أَمَةً كَانَ لِسَيِّدِهَا .\rوَبِهِ قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يَجِبُ الْمَهْرُ ؛ لِأَنَّهُ وَطْءٌ يَتَعَلَّقُ بِهِ وُجُوبُ الْحَدِّ ، فَلَمْ يَجِبْ بِهِ الْمَهْرُ ، كَمَا لَوْ طَاوَعَتْهُ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ وَطْءٌ فِي غَيْرِ مِلْكٍ ، سَقَطَ فِيهِ الْحَدَّ مِنْ الْمَوْطُوءَةِ .\rفَإِذَا كَانَ الْوَاطِئُ مِنْ أَهْلِ الضَّمَانِ فِي حَقِّهَا ، وَجَبَ عَلَيْهِ مَهْرُهَا كَمَا لَوْ وَطِئَهَا بِشُبْهَةٍ ، وَأَمَّا الْمُطَاوِعَةُ ، فَإِنْ كَانَتْ أَمَةً وَجَبَ عَلَيْهِ مَهْرُهَا ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ لِسَيِّدِهَا ، فَلَا يَسْقُطُ بِرِضَاهَا ، وَإِنْ كَانَتْ حُرَّةً ، لَمْ يَجِبْ لَهَا الْمَهْرُ ؛ لِأَنَّ رِضَاهَا اقْتَرَنَ بِالسَّبَبِ الْمُوجِبِ ، فَلَمْ يُوجِبْ ، كَمَا لَوْ أَذِنَتْهُ فِي قَطْعِ يَدِهَا ، أَوْ إتْلَافِ جُزْءٍ مِنْهَا .\rوَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى ، أَنَّ الثَّيِّبَ لَا مَهْرَ لَهَا وَإِنْ أُكْرِهَتْ .\rنَقَلَهَا ابْنُ مَنْصُورٍ ، وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ .\rوَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ ؛ لِأَنَّهَا مُكْرَهَةٌ عَلَى الْوَطْءِ الْحَرَامِ ، فَوَجَبَ لَهَا الْمَهْرُ ، كَالْبِكْرِ ، وَيَجِبُ أَرْشُ الْبَكَارَةِ مَعَ الْمَهْرِ ، كَمَا قَدَّمْنَا .","part":11,"page":83},{"id":5083,"text":"( 3972 ) فَصْلٌ : إذَا أَجَرَ الْغَاصِبُ الْمَغْصُوبَ ، فَالْإِجَارَةُ بَاطِلَةٌ ، عَلَى إحْدَى الرِّوَايَاتِ ، كَالْبَيْعِ ، وَلِمَالِكِهِ تَضْمِينُ أَيِّهِمَا شَاءَ أَجْرَ مِثْلِهَا ، فَإِنْ ضَمَّنَ الْمُسْتَأْجِرَ ، لَمْ يَرْجِعْ بِذَلِكَ ، لِأَنَّهُ دَخَلَ فِي الْعَقْدِ عَلَى أَنَّهُ يَضْمَنُ الْمَنْفَعَةَ ، إلَّا أَنْ يَزِيدَ أَجْرُ الْمِثْلِ عَلَى الْمُسَمَّى فِي الْعَقْدِ ، فَيَرْجِعَ بِالزِّيَادَةِ وَيَسْقُطَ عَنْهُ الْمُسَمَّى فِي الْعَقْدِ .\rوَإِنْ كَانَ دَفَعَهُ إلَى الْغَاصِبِ ، رَجَعَ بِهِ .\rوَإِنْ تَلِفَتْ الْعَيْنُ فِي يَدِ الْمُسْتَأْجِرِ ، فَلِمَالِكِهَا تَغْرِيمُ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا قِيمَتَهَا ، فَإِنْ غَرَّمَ الْمُسْتَأْجِرَ فَلَهُ الرُّجُوعُ بِذَلِكَ عَلَى الْغَاصِبِ ؛ لِأَنَّهُ دَخَلَ مَعَهُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ الْعَيْنَ ، وَلَمْ يَحْصُلْ لَهُ بَدَلٌ فِي مُقَابَلَةِ مَا غَرِمَ ، هَذَا إذَا لَمْ يَعْلَمْ بِالْغَصْبِ ، وَإِنْ عَلِمَ لَمْ يَرْجِعْ عَلَى أَحَدٍ ؛ لِأَنَّهُ دَخَلَ عَلَى بَصِيرَةٍ ، وَحَصَلَ التَّلَفُ فِي يَدِهِ ، فَاسْتَقَرَّ الضَّمَانُ عَلَيْهِ .\rوَإِنْ غَرَّمَ الْغَاصِبَ الْأَجْرَ وَالْقِيمَةَ ، رَجَعَ بِالْأَجْرِ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ عَلَى كُلِّ حَالٍ ، وَيَرْجِعُ بِالْقِيمَةِ إنْ كَانَ الْمُسْتَأْجِرُ عَالِمًا بِالْغَصْبِ ، وَإِلَّا فَلَا .\rوَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ فِي الْفَصْلِ كُلِّهِ .\rوَحُكِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْأَجْرَ لِلْغَاصِبِ دُونَ صَاحِبِ الدَّارِ .\rوَهَذَا فَاسِدٌ ؛ لِأَنَّ الْأَجْرَ عِوَضُ الْمَنَافِعِ الْمَمْلُوكَةِ لِرَبِّ الدَّارِ ، فَلَمْ يَمْلِكْهَا الْغَاصِبُ ، كَعِوَضِ الْأَجْزَاءِ .","part":11,"page":84},{"id":5084,"text":"( 3973 ) فَصْلٌ : وَإِنْ أَوْدَعَ الْمَغْصُوبَ ، أَوْ وَكَّلَ رَجُلًا فِي بَيْعِهِ ، وَدَفَعَهُ إلَيْهِ ، فَتَلِفَ فِي يَدِهِ ، فَلِلْمَالِكِ تَضْمِينُ أَيِّهِمَا شَاءَ ؛ أَمَّا الْغَاصِبُ فَلِأَنَّهُ حَالَ بَيْنَ الْمَالِكِ وَبَيْنَ مِلْكِهِ ، وَأَثْبَتَ الْيَدَ الْعَادِيَةَ عَلَيْهِ ، وَالْمُسْتَوْدَعُ وَالْوَكِيلُ لِإِثْبَاتِهِمَا أَيْدِيهِمَا عَلَى مِلْكٍ مَعْصُومٍ بِغَيْرِ حَقٍّ .\rفَإِنْ غَرَّمَ الْغَاصِبَ ، وَكَانَا غَيْرَ عَالِمَيْنِ بِالْغَصْبِ ، اسْتَقَرَّ الضَّمَانُ عَلَيْهِ ، وَلَمْ يَرْجِعْ عَلَى أَحَدٍ ، وَإِنْ غَرَّمَهُمَا رَجَعَا عَلَى الْغَاصِبِ بِمَا غَرِمَا مِنْ الْقِيمَةِ وَالْأَجْرِ ؛ لِأَنَّهُمَا دَخَلَا عَلَى أَنْ لَا يَضْمَنَا شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ ، وَلَمْ يَحْصُلْ لَهُمَا بَدَلٌ عَمَّا ضَمِنَا .\rوَإِنْ عَلِمَا أَنَّهَا مَغْصُوبَةٌ اسْتَقَرَّ الضَّمَانُ عَلَيْهِمَا ؛ لِأَنَّ التَّلَفَ حَصَلَ تَحْتَ أَيْدِيهِمَا مِنْ غَيْرِ تَغْرِيرٍ بِهِمَا ، فَاسْتَقَرَّ الضَّمَانُ عَلَيْهِمَا ، فَإِنْ غَرِمَا شَيْئًا ، لَمْ يَرْجِعَا بِهِ .\rوَإِنْ غَرَّمَ الْغَاصِبَ ، رَجَعَ عَلَيْهِمَا ؛ لِأَنَّ التَّلَفَ حَصَلَ فِي أَيْدِيهِمَا .\rوَإِنْ جَرَحَهَا الْغَاصِبُ ، ثُمَّ أَوْدَعَهَا ، أَوْ رَدَّهَا إلَى مَالِكِهَا ، فَتَلِفَتْ بِالْجَرْحِ ، اسْتَقَرَّ الضَّمَانُ عَلَى الْغَاصِبِ بِكُلِّ حَالٍ ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْمُتْلِفُ ، فَكَانَ الضَّمَانُ عَلَيْهِ ، كَمَا لَوْ بَاشَرَهَا بِالْإِتْلَافِ فِي يَدِهِ .","part":11,"page":85},{"id":5085,"text":"فَصْلٌ : وَإِنْ أَعَارَ الْعَيْنَ الْمَغْصُوبَةَ ، فَتَلِفَتْ عِنْدَ الْمُسْتَعِيرِ ، فَلِلْمَالِكِ تَضْمِينُ أَيِّهِمَا شَاءَ أَجْرَهَا وَقِيمَتَهَا ، فَإِنْ غَرَّمَ الْمُسْتَعِيرَ مَعَ عِلْمِهِ بِالْغَصْبِ ، لَمْ يَرْجِعْ عَلَى أَحَدٍ ، وَإِنْ غَرَّمَ الْغَاصِبَ رَجَعَ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ .\rوَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلِمَ بِالْغَصْبِ ، فَغَرَّمَهُ ، لَمْ يَرْجِعْ بِقِيمَةِ الْعَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ قَبَضَهَا عَلَى أَنْ تَكُونَ مَضْمُونَةً عَلَيْهِ .\rوَهَلْ يَرْجِعُ بِمَا غَرِمَ مِنْ الْأَجْرِ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، يَرْجِعُ ؛ لِأَنَّهُ دَخَلَ عَلَى أَنَّ الْمَنَافِعَ لَهُ غَيْرَ مَضْمُونَةٍ عَلَيْهِ .\rوَالثَّانِي ، لَا يَرْجِعُ ؛ لِأَنَّهُ انْتَفَعَ بِهَا ، فَقَدْ اسْتَوْفَى بَدَلَ مَا غَرِمَ ، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِيمَا تَلِفَ مِنْ الْأَجْزَاءِ بِالِاسْتِعْمَالِ .\rوَإِذَا كَانَتْ الْعَيْنُ وَقْتَ الْقَبْضِ أَكْثَرَ قِيمَةً مِنْ يَوْمِ التَّلَفِ ، فَضَمِنَ الْأَكْثَرَ ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَرْجِعَ بِمَا بَيْنَ الْقِيمَتَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ دَخَلَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَضْمَنُهُ ، وَلَمْ يَسْتَوْفِ بَدَلَهُ .\rفَإِنْ رَدَّهَا الْمُسْتَعِيرُ عَلَى الْغَاصِبِ ، فَلِلْمَالِكِ أَنْ يُضَمِّنَهُ أَيْضًا ؛ لِأَنَّهُ فَوَّتَ الْمِلْكَ عَلَى مَالِكِهِ بِتَسْلِيمِهِ إلَى غَيْرِ مُسْتَحِقِّهِ .\rوَيَسْتَقِرُّ الضَّمَانُ عَلَى الْغَاصِبِ إنْ حَصَلَ التَّلَفُ فِي يَدَيْهِ ، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي الْمُودَعِ وَغَيْرِهِ .","part":11,"page":86},{"id":5086,"text":"( 3975 ) فَصْلٌ : وَإِنْ وَهَبَ الْمَغْصُوبَ لِعَالَمٍ بِالْغَصْبِ ، اسْتَقَرَّ الضَّمَانُ عَلَى الْمُتَّهِبِ ، فَمَهْمَا غَرِمَ مِنْ قِيمَةِ الْعَيْنِ أَوْ أَجْزَائِهَا ، لَمْ يَرْجِعْ بِهِ عَلَى أَحَدٍ ؛ لِأَنَّ التَّلَفَ حَصَلَ فِي يَدَيْهِ ، وَلَمْ يَغُرَّهُ أَحَدٌ ، وَكَذَلِكَ أَجْرُ مُدَّةِ مُقَامِهِ فِي يَدَيْهِ ، وَأَرْشُ نَقْصِهِ إنْ حَصَلَ .\rوَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ ، فَلِصَاحِبِهَا تَضْمِينُ أَيِّهِمَا شَاءَ ، فَإِنْ ضَمَّنَ الْمُتَّهِبَ ، رَجَعَ عَلَى الْوَاهِبِ بِقِيمَةِ الْعَيْنِ وَالْأَجْزَاءِ ؛ لِأَنَّهُ غَرَّهُ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ أَيُّهُمَا ضُمِّنَ لَمْ يَرْجِعْ عَلَى الْآخَرِ .\rوَلَنَا أَنَّ الْمُتَّهِبَ دَخَلَ عَلَى أَنْ تُسَلَّمَ لَهُ الْعَيْنُ ، فَيَجِبُ أَنْ يَرْجِعَ بِمَا غَرِمَ مِنْ قِيمَتِهَا ، كَقِيمَةِ الْأَوْلَادِ فَإِنَّهُ وَافَقَنَا عَلَى الرُّجُوعِ بِضَمَانِهِ .\rفَأَمَّا الْأُجْرَةُ وَالْمَهْرُ وَأَرْشُ الْبَكَارَةِ ، فَهَلْ يَرْجِعُ بِهِ الْمُتَّهِبُ عَلَى الْوَاهِبِ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ .\rوَإِنْ ضَمَّنَهُ الْوَاهِبَ ، فَهَلْ يَرْجِعُ بِهِ عَلَى الْمُتَّهِبِ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ .","part":11,"page":87},{"id":5087,"text":"( 3976 ) فَصْلٌ : وَتَصَرُّفَاتُ الْغَاصِبِ كَتَصَرُّفَاتِ الْفُضُولِيِّ ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ الرِّوَايَتَيْنِ ؛ إحْدَاهُمَا ، بُطْلَانُهَا .\rوَالثَّانِيَةُ ، صِحَّتُهَا وَوُقُوفُهَا عَلَى إجَازَةِ الْمَالِكِ .\rوَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ أَنَّ فِي تَصَرُّفَاتِ الْغَاصِبِ الْحُكْمِيَّةِ رِوَايَةً ، أَنَّهَا تَقَعُ صَحِيحَةً ، وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الْعِبَادَاتُ ، كَالطَّهَارَةِ وَالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالْحَجِّ ، أَوْ الْعُقُودُ كَالْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ وَالنِّكَاحِ .\rوَهَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَتَقَيَّدَ فِي الْعُقُودِ بِمَا لَمْ يُبْطِلْهُ الْمَالِكُ ، فَأَمَّا مَا اخْتَارَ الْمَالِكُ إبْطَالَهُ وَأَخْذَ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ ، فَلَمْ نَعْلَمْ فِيهِ خِلَافًا ، وَأَمَّا مَا لَمْ يُدْرِكْهُ الْمَالِكُ ، فَوَجْهُ التَّصْحِيحِ فِيهِ أَنَّ الْغَاصِبَ تَطُولُ مُدَّتُهُ ، وَتَكْثُرُ تَصَرُّفَاتُهُ ، فَفِي الْقَضَاءِ بِبُطْلَانِهَا ضَرَرٌ كَثِيرٌ ، وَرُبَّمَا عَادَ الضَّرَرُ عَلَى الْمَالِكِ ، فَإِنَّ الْحُكْمَ بِصِحَّتِهَا يَقْتَضِي كَوْنَ الرِّبْحِ لِلْمَالِكِ ، وَالْعِوَضِ بِنَمَائِهِ وَزِيَادَتِهِ لَهُ ، وَالْحُكْمُ بِبُطْلَانِهِ يَمْنَعُ ذَلِكَ .","part":11,"page":88},{"id":5088,"text":"( 3977 ) فَصْلٌ : وَإِذَا غَصَبَ أَثْمَانًا فَاتَّجَرَ بِهَا ، أَوْ عُرُوضًا فَبَاعَهَا وَاتَّجَرَ بِثَمَنِهَا ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا : الرِّبْحُ لِلْمَالِكِ ، وَالسِّلَعُ الْمُشْتَرَاةُ لَهُ .\rوَقَالَ الشَّرِيفُ أَبُو جَعْفَرٍ وَأَبُو الْخَطَّابِ إنْ كَانَ الشِّرَاءُ بِعَيْنِ الْمَالِ فَالرِّبْحُ لِلْمَالِكِ .\rقَالَ الشَّرِيفُ : وَعَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ يَتَصَدَّقُ بِهِ .\rوَإِنْ اشْتَرَاهُ فِي ذِمَّتِهِ ، ثُمَّ نَقَدَ الْأَثْمَانَ ، فَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الرِّبْحُ لِلْغَاصِبِ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ اشْتَرَى لِنَفْسِهِ فِي ذِمَّتِهِ ، فَكَانَ الشِّرَاءُ لَهُ ، وَالرِّبْحُ لَهُ ، وَعَلَيْهِ بَدَلُ الْمَغْصُوبِ .\rوَهَذَا قِيَاسُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الرِّبْحُ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ ؛ لِأَنَّهُ نَمَاءُ مِلْكِهِ ، فَكَانَ لَهُ .\rكَمَا لَوْ اشْتَرَى لَهُ بِعَيْنِ الْمَالِ .\rوَهَذَا ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ .\rوَإِنْ حَصَلَ خُسْرَانٌ ، فَهُوَ عَلَى الْغَاصِبِ ؛ لِأَنَّهُ نَقْصٌ حَصَلَ فِي الْمَغْصُوبِ .\rوَإِنْ دَفَعَ الْمَالَ إلَى مَنْ يُضَارِبُ بِهِ ، فَالْحُكْمُ فِي الرِّبْحِ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ .\rوَلَيْسَ عَلَى الْمَالِكِ مِنْ أَجْرِ الْعَامِلِ شَيْءٌ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ فِي الْعَمَلِ فِي مَالِهِ ، وَأَمَّا الْغَاصِبُ ، فَإِنْ كَانَ الْمُضَارِبُ عَالِمًا بِالْغَصْبِ ، فَلَا أَجْرَ لَهُ ؛ لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ بِالْعَمَلِ ، وَلَمْ يَغُرَّهُ أَحَدٌ ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِالْغَصْبِ ، فَعَلَى الْغَاصِبِ أَجْرُ مِثْلِهِ ؛ لِأَنَّهُ اسْتَعْمَلَهُ عَمَلًا بِعِوَضٍ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ ، فَلَزِمَهُ أَجْرُهُ ، كَالْعَقْدِ الْفَاسِدِ .","part":11,"page":89},{"id":5089,"text":"( 3978 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَمَنْ غَصَبَ شَيْئًا ، وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى رَدِّهِ ، لَزِمَتْ الْغَاصِبَ الْقِيمَةُ ، فَإِنْ قَدَرَ عَلَيْهِ ، رَدَّهُ وَأَخَذَ الْقِيمَةَ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ مَنْ غَصَبَ شَيْئًا فَعَجَزَ عَنْ رَدِّهِ ، كَعَبْدٍ أَبَقَ ، أَوْ دَابَّةٍ شَرَدَتْ ، فَلِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ الْمُطَالَبَةُ بِبَدَلِهِ ، فَإِذَا أَخَذَهُ مَلَكَهُ ، وَلَمْ يَمْلِكْ الْغَاصِبُ الْعَيْنَ الْمَغْصُوبَةَ ، بَلْ مَتَى قَدَرَ عَلَيْهَا لَزِمَهُ رَدُّهَا ، وَيَسْتَرِدُّ قِيمَتَهَا الَّتِي أَدَّاهَا .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٌ : يُخَيَّرُ الْمَالِكُ بَيْنَ الصَّبْرِ إلَى إمْكَانِ رَدِّهَا فَيَسْتَرِدُّهَا ، وَبَيْنَ تَضْمِينِهِ إيَّاهَا فَيَزُولُ مِلْكُهُ عَنْهَا ، وَتَصِيرُ مِلْكًا لِلْغَاصِبِ ، لَا يَلْزَمُهُ رَدُّهَا ، إلَّا أَنْ يَكُونَ دَفَعَ دُونَ قِيمَتِهَا بِقَوْلِهِ مَعَ يَمِينِهِ ؛ لِأَنَّ الْمَالِكَ مَلَكَ الْبَدَلَ ، فَلَا يَبْقَى مِلْكُهُ عَلَى الْمُبْدَلِ ، كَالْبَيْعِ ، وَلِأَنَّهُ تَضْمِينٌ فِيمَا يَنْتَقِلُ الْمِلْكُ فِيهِ ، فَنَقَلَهُ ، كَمَا لَوْ خَلَطَ زَيْتَهُ .\rبِزَيْتِهِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الْمَغْصُوبَ لَا يَصِحُّ تَمَلُّكُهُ بِالْبَيْعِ ، فَلَا يَصِحُّ بِالتَّضْمِينِ كَالتَّالِفِ ، وَلِأَنَّهُ غَرِمَ مَا تَعَذَّرَ عَلَيْهِ رَدُّهُ بِخُرُوجِهِ عَنْ يَدِهِ ، فَلَا يَمْلِكُهُ بِذَلِكَ ، كَمَا لَوْ كَانَ الْمَغْصُوبُ مُدَبَّرًا ، وَلَيْسَ هَذَا جَمْعًا بَيْنَ الْبَدَلِ وَالْمُبْدَلِ ؛ لِأَنَّهُ مَلَكَ الْقِيمَةَ لِأَجْلِ الْحَيْلُولَةِ ، لَا عَلَى سَبِيلِ الْعِوَضِ ، وَلِهَذَا إذَا رَدَّ الْمَغْصُوبَ إلَيْهِ ، رَدَّ الْقِيمَةَ عَلَيْهِ ، وَلَا يُشْبِهُ الزَّيْتَ ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُهُ ، وَلِأَنَّ حَقَّ صَاحِبِهِ انْقَطَعَ عَنْهُ ، لِتَعَذُّرِ رَدِّهِ أَبَدًا .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّهُ مَتَى قَدَرَ عَلَى الْمَغْصُوبِ رَدَّهُ ، وَنَمَاءَهُ الْمُنْفَصِلَ وَالْمُتَّصِلَ ، وَأَجْرَ مِثْلِهِ إلَى حِينِ دَفْعِ بَدَلِهِ .\rوَهَلْ يَلْزَمُهُ أَجْرُهُ مِنْ حِينِ دَفْعِ بَدَلِهِ إلَى رَدِّهِ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَصَحُّهُمَا لَا يَلْزَمُهُ ؛ لِأَنَّهُ اسْتَحَقَّ الِانْتِفَاعَ بِبَدَلِهِ الَّذِي أُقِيمَ","part":11,"page":90},{"id":5090,"text":"مَقَامَهُ ، فَلَمْ يَسْتَحِقَّ الِانْتِفَاعَ بِهِ ، وَبِمَا قَامَ مَقَامَهُ ، كَسَائِرِ مَا عَدَاهُ .\rوَالثَّانِي ، لَهُ الْأَجْرُ ؛ لِأَنَّ الْعَيْنَ بَاقِيَةٌ عَلَى مِلْكِهِ ، وَالْمَنْفَعَةُ لَهُ ، وَيَجِبُ عَلَى الْمَالِكِ رَدُّ مَا أَخَذَهُ بَدَلًا عَنْهُ إلَى الْغَاصِبِ ؛ لِأَنَّهُ أَخَذَهُ بِالْحَيْلُولَةِ ، وَقَدْ زَالَتْ ، فَيَجِبُ رَدُّ مَا أَخَذَ مِنْ أَجْلِهَا إنْ كَانَ بَاقِيًا بِعَيْنِهِ ، وَرَدُّ زِيَادَتِهِ الْمُتَّصِلَةِ ، كَالسِّمَنِ وَنَحْوِهِ ؛ لِأَنَّهَا تَتْبَعُ فِي الْفُسُوخِ ، وَهَذَا فَسْخٌ ، وَلَا يَلْزَمُ رَدُّ زِيَادَتِهِ الْمُنْفَصِلَةِ ؛ لِأَنَّهَا وُجِدَتْ فِي مِلْكِهِ ، وَلَا تَتْبَعُ فِي الْفُسُوخِ ، فَأَشْبَهَتْ زِيَادَةَ الْمَبِيعِ الْمَرْدُودِ بِعَيْبٍ ، وَإِنْ كَانَ الْبَدَلُ تَالِفًا ، رَدَّ مِثْلَهُ أَوْ قِيمَتَهُ إنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ .","part":11,"page":91},{"id":5091,"text":"( 3979 ) فَصْلٌ : وَإِنْ غَصَبَ عَصِيرًا فَصَارَ خَمْرًا ، فَعَلَيْهِ مِثْلُ الْعَصِيرِ ؛ لِأَنَّهُ تَلِفَ فِي يَدَيْهِ ، فَإِنْ صَارَ خَلًّا ، وَجَبَ رَدُّهُ ، وَمَا نَقَصَ مِنْ قِيمَةِ الْعَصِيرِ ، وَيَسْتَرْجِعُ مَا أَدَّاهُ مِنْ بَدَلِهِ .\rوَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ : يَرُدُّ الْخَلَّ ، وَلَا يَسْتَرْجِعُ الْقِيمَةَ ؛ لِأَنَّ الْعَصِيرَ تَلِفَ بِتَخَمُّرِهِ ، فَوَجَبَ ضَمَانُهُ وَإِنْ عَادَ خَلًّا ، كَمَا لَوْ هَزَلَتْ الْجَارِيَةُ السَّمِينَةُ ثُمَّ عَادَ سِمَنُهَا ، فَإِنَّهُ يَرُدُّهَا وَأَرْشَ نَقْصِهَا .\rوَلَنَا ، أَنَّ الْخَلَّ عَيْنُ الْعَصِيرِ ، تَغَيَّرَتْ صِفَتُهُ ، وَقَدْ رَدَّهُ ، فَكَانَ لَهُ اسْتِرْجَاعُ مَا أَدَّاهُ بَدَلًا عَنْهُ ، كَمَا لَوْ غَصَبَهُ فَغَصَبَهُ مِنْهُ غَاصِبٌ ثُمَّ رَدَّهُ عَلَيْهِ ، وَكَمَا لَوْ غَصَبَ حَمَلًا فَصَارَ كَبْشًا .\rأَمَّا السِّمَنُ الْأَوَّلُ فَلَنَا فِيهِ مَنْعٌ ، وَإِنْ سَلَّمْنَاهُ فَالثَّانِي غَيْرُ الْأَوَّلِ ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا .","part":11,"page":92},{"id":5092,"text":"( 3980 ) فَصْلٌ : وَإِذَا غَصَبَ شَيْئًا بِبَلَدٍ ، فَلَقِيَهُ بِبَلَدٍ آخَرَ ، فَطَالَبَهُ بِهِ ، نَظَرْت ؛ فَإِنْ كَانَ أَثْمَانًا ، لَزِمَهُ دَفْعُهَا إلَيْهِ ؛ لِأَنَّ الْأَثْمَانَ قِيَمُ الْأَشْيَاءِ ، فَلَا يَضُرُّ اخْتِلَافُ قِيمَتِهَا ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَهَا وَكَانَ مِنْ الْمِثْلِيَّاتِ وَقِيمَتُهُ فِي الْبَلَدَيْنِ وَاحِدَةٌ ، أَوْ كَانَتْ قِيمَتُهُ فِي بَلَدِ الْغَصْبِ أَكْثَرَ ، لَزِمَهُ أَدَاءُ مِثْلِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا ضَرَرَ عَلَيْهِ .\rوَكَذَلِكَ إنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ مُخْتَلِفَةً إلَّا أَنَّهُ لَا مُؤْنَةَ لِحَمْلِهِ ، فَلَهُ الْمُطَالَبَةُ بِمِثْلِهِ ؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنَهُ رَدُّ الْمِثْلِ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ يَلْحَقُهُ .\rوَإِنْ كَانَ لِحَمْلِهِ مُؤْنَةٌ ، وَقِيمَتُهُ فِي الْبَلَدِ الَّذِي غَصَبَهُ فِيهِ أَقَلَّ ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ رَدُّهُ وَلَا رَدُّ مِثْلِهِ ؛ لِأَنَّنَا لَا نُكَلِّفُهُ مُؤْنَةَ النَّقْلِ إلَى بَلَدٍ لَا يَسْتَحِقُّ تَسْلِيمَهُ فِيهِ ، وَلِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ الْخِيرَةُ بَيْنَ الصَّبْرِ إلَى أَنْ يَسْتَوْفِيَهُ فِي بَلَدِهِ ، وَبَيْنَ الْمُطَالَبَةِ فِي الْحَالِ بِقِيمَتِهِ فِي الْبَلَدِ الَّذِي غَصَبَهُ فِيهِ ؛ لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ رَدُّهُ وَرَدُّ مِثْلِهِ .\rوَإِنْ كَانَ مِنْ الْمُتَقَوِّمَاتِ ، فَلَهُ الْمُطَالَبَةُ بِقِيمَتِهِ فِي الْبَلَدِ الَّذِي غَصَبَهُ فِيهِ ، وَمَتَى قَدَرَ عَلَى رَدِّ الْعَيْنِ الْمَغْصُوبَةِ ، رَدَّهَا ، وَاسْتَرْجَعَ بَدَلَهَا ، عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فِي الْمَسْأَلَةِ قَبْلَ هَذَا .","part":11,"page":93},{"id":5093,"text":"( 3981 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَلَوْ غَصَبَهَا حَامِلًا ، فَوَلَدَتْ فِي يَدِهِ ، ثُمَّ مَاتَ الْوَلَدُ ، أَخَذَهَا سَيِّدُهَا وَقِيمَةَ وَلَدِهَا ، أَكْثَرَ مَا كَانَتْ قِيمَتُهُ ) الْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي أَمْرَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، أَنَّهُ إذَا غَصَبَ حَامِلًا مِنْ الْحَيَوَانِ ، أَمَةً أَوْ غَيْرَهَا ، فَالْوَلَدُ مَضْمُونٌ ، كَذَلِكَ لَوْ غَصَبَ حَائِلًا ، فَحَمَلَتْ عِنْدَهُ ، وَوَلَدَتْ ، ضَمِنَ وَلَدَهَا .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ لَا يَجِبُ ضَمَانُ الْوَلَدِ فِي الصُّورَتَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَغْصُوبٍ ، إذْ الْغَصْبُ فِعْلٌ مَحْظُورٌ ، وَلَمْ يُوجَدْ ، فَإِنَّ الْمَوْجُودَ ثُبُوتُ الْيَدِ عَلَيْهِ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِهِ ؛ لِأَنَّهُ انْبَنَى عَلَى وُجُودِ الْوَلَدِ ، وَلَا صُنْعَ لَهُ فِيهِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ مَنْ ضَمِنَ خَارِجَ الْوِعَاءِ ضَمِنَ مَا فِيهِ ، كَالدُّرَّةِ فِي الصَّدَفَةِ ، وَالْجَوْزِ ، وَاللَّوْزِ ؛ وَلِأَنَّهُ مَغْصُوبٌ فَيَضْمَنُ ، كَالْأُمِّ ، فَإِنَّ الْوَلَدَ إمَّا أَنْ يَكُونَ مَوْدُوعًا فِي الْأُمِّ ، كَالدُّرَّةِ فِي الْحُقَّةِ ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ كَأَجْزَائِهَا ، وَفِي كِلَا الْمَوْضِعَيْنِ ، الِاسْتِيلَاءُ عَلَى الظَّرْفِ ، وَالِاسْتِيلَاءُ عَلَى الْجُمْلَةِ اسْتِيلَاءٌ عَلَى الْجُزْءِ الْمَطْرُوقِ ، فَإِنْ أَسْقَطَتْهُ مَيِّتًا ، لَمْ يَضْمَنْهُ ؛ لِأَنَّهُ لَا تُعْلَمُ حَيَاتُهُ ، وَلَكِنْ يَجِبُ مَا نَقَصَتْ الْأُمُّ عَنْ كَوْنِهَا حَامِلًا ، وَأَمَّا إذَا حَدَثَ الْحَمْلُ ، فَقَدْ سَبَقَ الْكَلَامُ فِيهِ .\rالْأَمْرُ الثَّانِي ، أَنَّهُ يَلْزَمُهُ رَدُّ الْمَوْجُودِ مِنْ الْمَغْصُوبِ وَقِيمَةُ التَّالِفِ ، فَإِنْ كَانَتْ قِيمَةُ التَّالِفِ لَا تَخْتَلِفُ مِنْ حِينِ الْغَصْبِ إلَى حِينِ الرَّدِّ ، رَدَّهَا ، وَإِنْ كَانَتْ تَخْتَلِفُ ، نَظَرْنَا ؛ فَإِنْ كَانَ اخْتِلَافُهُمَا لِمَعْنًى فِيهِ ، مِنْ كِبَرٍ وَصِغَرٍ ، وَسِمَنٍ وَهُزَالٍ وَتَعَلُّمٍ وَنِسْيَانٍ ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ الْمَعَانِي الَّتِي تَزِيدُ بِهَا الْقِيمَةُ وَتَنْقُصُ ، فَالْوَاجِبُ الْقِيمَةُ أَكْثَرُ مَا كَانَتْ ، لِأَنَّهَا مَغْصُوبَةٌ فِي الْحَالِ الَّتِي زَادَتْ فِيهَا ،","part":11,"page":94},{"id":5094,"text":"وَالزِّيَادَةُ لِمَالِكِهَا مَضْمُونَةٌ عَلَى الْغَاصِبِ ، عَلَى مَا قَرَّرْنَاهُ فِيمَا مَضَى ، فَإِنْ كَانَتْ زَائِدَةً حِينَ تَلَفِهَا ، لَزِمَتْهُ قِيمَتُهَا حِينَئِذٍ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يَلْزَمُهُ رَدُّهَا زَائِدَةً ، فَلَزِمَتْهُ قِيمَتُهَا كَذَلِكَ ، وَإِنْ كَانَتْ زَائِدَةً قَبْلَ تَلَفِهَا ، ثُمَّ نَقَصَتْ عِنْدَ تَلَفِهَا ، لَزِمَهُ قِيمَتُهَا حِينَ كَانَتْ زَائِدَةً ؛ لِأَنَّهُ لَوْ رَدَّهَا نَاقِصَةً لَلَزِمَهُ أَرْشُ نَقْصِهَا ، وَهُوَ بَدَلَ الزِّيَادَةِ ، فَإِذَا ضَمِنَ الزِّيَادَةَ مَعَ رَدِّهَا ، ضَمِنَهَا عِنْدَ تَلَفِهَا ، فَإِنْ كَانَ اخْتِلَافُهَا لِتَغَيُّرِ الْأَسْعَارِ ، لَمْ يَضْمَنْ الزِّيَادَةَ ؛ لِأَنَّ نُقْصَانَ الْقِيمَةِ لِذَلِكَ لَا يُضْمَنُ مَعَ رَدِّ الْعَيْنِ ، فَلَا يُضْمَنُ عِنْدَ تَلَفِهَا .\rوَحَمَلَ الْقَاضِي قَوْلَ الْخِرَقِيِّ عَلَى مَا إذَا اخْتَلَفَتْ الْقِيمَةُ لِتَغَيُّرِ الْأَسْعَارِ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ لِأَنَّ أَكْثَرَ الْقِيمَتَيْنِ فِيهِ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ ، فَإِذَا تَعَذَّرَ رَدُّهَا ضَمِنَهَا ، كَقِيمَتِهِ يَوْمَ التَّلَفِ ، وَإِنَّمَا سَقَطَتْ الْقِيمَةُ مَعَ رَدِّ الْعَيْنِ .\rوَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا ، وَتُفَارِقُ هَذِهِ الزِّيَادَةُ زِيَادَةَ الْمَعَانِي ؛ لِأَنَّ تِلْكَ تُضْمَنُ مَعَ رَدِّ الْعَيْنِ ، فَكَذَلِكَ مَعَ تَلَفِهَا ، وَهَذِهِ لَا تُضْمَنُ مَعَ رَدِّ الْعَيْنِ ، فَكَذَلِكَ مَعَ تَلَفِهَا .\rوَقَوْلُهُمْ : إنَّهَا سَقَطَتْ بِرَدِّ الْعَيْنِ .\rلَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّهَا لَوْ وَجَبَتْ لَمَا سَقَطَتْ بِالرَّدِّ ، كَزِيَادَةِ السِّمَنِ وَالتَّعَلُّمِ .\rقَالَ الْقَاضِي : وَلَمْ أَجِدْ عَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةً بِأَنَّهَا تُضْمَنُ بِأَكْثَرِ الْقِيمَتَيْنِ ؛ لِتَغَيُّرِ الْأَسْعَارِ .\rفَعَلَى هَذَا تُضْمَنُ بِقِيمَتِهَا يَوْمَ التَّلَفِ .\rرَوَاهُ الْجَمَاعَةُ عَنْ أَحْمَدَ وَعَنْهُ أَنَّهَا تُضْمَنُ بِقِيمَتِهَا يَوْمَ الْغَصْبِ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ ، لِأَنَّهُ الْوَقْتُ الَّذِي أَزَالَ يَدَهُ عَنْهُ فِيهِ فَيَلْزَمُهُ الْقِيمَةُ حِينَئِذٍ ، كَمَا لَوْ أَتْلَفَهُ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الْقِيمَةَ إنَّمَا تَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ حِينَ التَّلَفِ ؛ لِأَنَّ قَبْلَ","part":11,"page":95},{"id":5095,"text":"ذَلِكَ كَانَ الْوَاجِبُ رَدَّ الْعَيْنِ دُونَ قِيمَتِهَا ، فَاعْتُبِرَتْ تِلْكَ الْحَالَةُ ، كَمَا لَوْ لَمْ تَخْتَلِفْ قِيمَتُهُ .\rوَمَا ذَكَرُوهُ لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ إمْسَاكَ الْمَغْصُوبِ غَصْبٌ ، فَإِنَّهُ فِعْلٌ يَحْرُمُ عَلَيْهِ تَرْكُهُ فِي كُلِّ حَالٍ ، وَمَا رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ مِنْ اعْتِبَارِ الْقِيمَةِ بِيَوْمِ الْغَصْبِ ، فَقَالَ الْخَلَّالُ : جَبُنَ أَحْمَدُ عَنْهُ .\rكَأَنَّهُ رَجَعَ إلَى قَوْلِهِ الْأَوَّلِ .","part":11,"page":96},{"id":5096,"text":"( 3982 ) فَصْلٌ : وَإِنْ كَانَ الْمَغْصُوبُ مِنْ الْمِثْلِيَّاتِ فَتَلِفَ ، وَجَبَ رَدُّ مِثْلِهِ فَإِنْ فُقِدَ الْمِثْلُ ، وَجَبَتْ قِيمَتُهُ يَوْمَ انْقِطَاعِ الْمِثْلِ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : تَجِبُ قِيمَتُهُ يَوْمَ قَبْضِ الْبَدَلِ ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ الْمِثْلُ إلَى حِينِ قَبْضِ الْبَدَلِ ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ وُجِدَ الْمِثْلُ بَعْدَ فَقْدِهِ ، لَكَانَ الْوَاجِبُ هُوَ دُونَ الْقِيمَةِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٌ وَأَكْثَرُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيَّ : تَجِبُ قِيمَتُهُ يَوْمَ الْمُحَاكَمَةِ ؛ لِأَنَّ الْقِيمَةَ لَمْ تَنْتَقِلْ إلَى ذِمَّتِهِ إلَّا حِينَ حَكَمَ بِهَا الْحَاكِمُ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الْقِيمَةَ وَجَبَتْ فِي الذِّمَّةِ حِينَ انْقِطَاعِ الْمِثْلِ ، فَاعْتُبِرَتْ الْقِيمَةُ حِينَئِذٍ ، كَتَلَفِ الْمُتَقَوِّمِ ، وَدَلِيلُ وُجُوبِهَا حِينَئِذٍ أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ طَلَبَهَا وَاسْتِيفَاءَهَا ، وَيَجِبُ عَلَى الْغَاصِبِ أَدَاؤُهَا ، وَلَا يَنْفِي وُجُوبَ الْمِثْلِ ؛ لِأَنَّهُ مَعْجُوزٌ عَنْهُ ، وَالتَّكْلِيفُ يَسْتَدْعِي الْوُسْعَ ، وَلِأَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ طَلَبَ الْمِثْلِ وَلَا اسْتِيفَاءَهُ ، وَلَا يَجِبُ عَلَى الْآخَرِ أَدَاؤُهُ ، فَلَمْ يَكُنْ وَاجِبًا كَحَالَةِ الْمُحَاكَمَةِ .\rوَأَمَّا إذَا قَدَرَ عَلَى الْمِثْلِ بَعْدَ فَقْدِهِ ، فَإِنَّهُ يَعُودُ وُجُوبُهُ ؛ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ قَدَرَ عَلَيْهِ قَبْلَ أَدَاءِ الْبَدَلِ ، فَأَشْبَهَ الْقُدْرَةَ عَلَى الْمَاءِ بَعْدَ التَّيَمُّمِ ، وَلِهَذَا لَوْ قَدَرَ عَلَيْهِ بَعْدَ الْمُحَاكَمَةِ وَقَبْلَ الِاسْتِيفَاءِ ، لَاسْتَحَقَّ الْمَالِكُ طَلَبَهُ وَأَخْذَهُ .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ فِي رَجُلٍ أَخَذَ مِنْ رَجُلٍ أَرْطَالًا مِنْ كَذَا وَكَذَا : أَعْطَاهُ عَلَى السِّعْرِ يَوْمَ أَخَذَهُ ، لَا يَوْمَ يُحَاسِبُهُ .\rوَكَذَلِكَ رُوِيَ عَنْهُ فِي حَوَائِجِ الْبَقَّالِ : عَلَيْهِ الْقِيمَةُ يَوْمَ الْأَخْذِ .\rوَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْقِيمَةَ تُعْتَبَرُ يَوْمَ الْغَصْبِ .\rوَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ فِي الْفَصْلِ قَبْلَ هَذَا .\rوَيُمْكِنُ التَّفْرِيقُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ الْغَصْبِ مِنْ قِبَلِ أَنَّ مَنْ أَخَذَهُ هَاهُنَا بِإِذْنِ مَالِكِهِ ، مَلَكَهُ وَحَلَّ لَهُ التَّصَرُّفُ فِيهِ ، فَتَثْبُتُ","part":11,"page":97},{"id":5097,"text":"قِيمَتُهُ يَوْمَ مَلَكَهُ ، وَلَمْ يَتَغَيَّرْ مَا ثَبَتَ فِي ذِمَّتِهِ بِتَغَيُّرِ قِيمَةِ مَا أَخَذَهُ ؛ لِأَنَّهُ مَلَكَهُ ، وَالْمَغْصُوبُ مِلْكٌ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ ، وَالْوَاجِبُ رَدُّهُ لَا قِيمَتُهُ ، وَإِنَّمَا تَثْبُتُ قِيمَتُهُ فِي الذِّمَّةِ يَوْمَ تَلَفِهِ ، أَوْ انْقِطَاعِ مِثْلِهِ ، فَاعْتُبِرَتْ الْقِيمَةُ حِينَئِذٍ ، وَتَغَيَّرَتْ بِتَغَيُّرِهِ قَبْلَ ذَلِكَ .\rفَأَمَّا إنْ كَانَ الْمَغْصُوبُ بَاقِيًا ، وَتَعَذَّرَ رَدُّهُ ، فَأَوْجَبْنَا رَدَّ قِيمَتِهِ ، فَإِنَّهُ يُطَالِبُهُ بِقِيمَتِهِ يَوْمَ قَبْضِهَا ؛ لِأَنَّ الْقِيمَةَ لَمْ تَثْبُتْ فِي الذِّمَّةِ قَبْلَ ذَلِكَ ، وَلِهَذَا يَتَخَيَّرُ بَيْنَ أَخْذِهَا وَالْمُطَالَبَةِ بِهَا ، وَبَيْنَ الصَّبْرِ إلَى وَقْتِ إمْكَانِ الرَّدِّ وَمُطَالَبَةِ الْغَاصِبِ بِالسَّعْيِ فِي رَدِّهِ ، وَإِنَّمَا يَأْخُذُ الْقِيمَةَ لِأَجْلِ الْحَيْلُولَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ ، فَيُعْتَبَرُ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ ، وَلِأَنَّ مِلْكَهُ لَمْ يَزُلْ عَنْهُ ، بِخِلَافِ غَيْرِهِ .","part":11,"page":98},{"id":5098,"text":"( 3983 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِذَا كَانَتْ لِلْمَغْصُوبِ أُجْرَةٌ ، فَعَلَى الْغَاصِبِ رَدُّهُ ، وَأَجْرُ مِثْلِهِ مُدَّةَ مُقَامِهِ فِي يَدَيْهِ ) هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تَشْتَمِلُ عَلَى حُكْمَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، وُجُوبُ رَدِّ الْمَغْصُوبِ .\rوَالثَّانِي ، رَدُّ أُجْرَتِهِ .\rأَمَّا الْأَوَّلُ فَإِنَّ الْمَغْصُوبَ مَتَى كَانَ بَاقِيًا ، وَجَبَ رَدُّهُ ؛ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تَرُدَّهُ .\r} رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَقَالَ : حَدِيثٌ حَسَنٌ .\rوَرَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { لَا يَأْخُذْ أَحَدُكُمْ مَتَاعَ صَاحِبِهِ لَاعِبًا جَادًّا ، وَمَنْ أَخَذَ عَصَا أَخِيهِ فَلْيَرُدَّهَا } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rيَعْنِي أَنَّهُ يَقْصِدُ الْمَزْحَ مَعَ صَاحِبِهِ بِأَخْذِ مَتَاعِهِ ، وَهُوَ جَادٌّ فِي إدْخَالِ الْغَمِّ وَالْغَيْظِ عَلَيْهِ .\rوَلِأَنَّهُ أَزَالَ يَدَ الْمَالِكِ عَنْ مِلْكِهِ بِغَيْرِ حَقٍّ ، فَلَزِمَهُ إعَادَتُهَا .\rوَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى وُجُوبِ رَدِّ الْمَغْصُوبِ إذَا كَانَ بَاقِيًا بِحَالِهِ لَمْ يَتَغَيَّرْ ، وَلَمْ يَشْتَغِلْ بِغَيْرِهِ .\rفَإِنْ غَصَبَ شَيْئًا ، فَبَعَّدَهُ ، لَزِمَهُ رَدُّهُ ، وَإِنْ غَرِمَ عَلَيْهِ أَضْعَافَ قِيمَتِهِ ؛ لِأَنَّهُ جَنَى بِتَبْعِيدِهِ ، فَكَانَ ضَرَرُ ذَلِكَ عَلَيْهِ .\rفَإِنْ قَالَ الْغَاصِبُ : خُذْ مِنِّي أَجْرَ رَدِّهِ ، وَتَسَلَّمْهُ مِنِّي هَاهُنَا .\rأَوْ بَذَلَ لَهُ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ وَلَا يَسْتَرِدُّهُ ، لَمْ يَلْزَمْ الْمَالِكَ قَبُولُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهَا مُعَاوَضَةٌ فَلَا يُجْبَرُ عَلَيْهَا ، كَالْبَيْعِ .\rوَإِنْ قَالَ الْمَالِكُ : دَعْهُ لِي فِي مَكَانِهِ الَّذِي نَقَلْتَهُ إلَيْهِ .\rلَمْ يَمْلِكْ الْغَاصِبُ رَدَّهُ ؛ لِأَنَّهُ أَسْقَطَ عَنْهُ حَقًّا فَسَقَطَ وَإِنْ لَمْ يَقْبَلْهُ ، كَمَا لَوْ أَبْرَأَهُ مِنْ دَيْنِهِ .\rوَإِنْ قَالَ : رُدَّهُ لِي إلَى بَعْضِ الطَّرِيقِ .\rلَزِمَهُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ جَمِيعُ الْمَسَافَةِ ، فَلَزِمَهُ بَعْضُهَا الْمَطْلُوبُ ، وَسَقَطَ","part":11,"page":99},{"id":5099,"text":"عَنْهُ مَا أَسْقَطَهُ .\rوَإِنْ طَلَبَ مِنْهُ حَمْلَهُ إلَى مَكَان آخَرَ فِي غَيْرِ طَرِيقِ الرَّدِّ ، لَمْ يَلْزَمْ الْغَاصِبَ ذَلِكَ ، سَوَاءٌ كَانَ أَقْرَبَ مِنْ الْمَكَانِ الَّذِي يَلْزَمُهُ رَدُّهُ إلَيْهِ أَوْ لَمْ يَكُنْ ؛ لِأَنَّهُ مُعَاوَضَةٌ .\rوَإِنْ قَالَ : دَعْهُ فِي مَكَانِهِ ، وَأَعْطِنِي أَجْرَ رَدِّهِ .\rلَمْ يُجْبَرْ عَلَى إجَابَتِهِ ؛ لِذَلِكَ .\rوَمَهْمَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ جَازَ ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمَا ، لَا يَخْرُجُ عَنْهُمَا .","part":11,"page":100},{"id":5100,"text":"( 3984 ) فَصْلٌ : وَإِنْ غَصَبَ شَيْئًا ، فَشَغَلَهُ بِمِلْكِهِ ، كَخَيْطٍ خَاطَ بِهِ ثَوْبًا ، أَوْ نَحْوَهُ ، أَوْ حَجَرًا بَنَى عَلَيْهِ ، نَظَرْنَا ؛ فَإِنْ بَلِيَ الْخَيْطُ ، أَوْ انْكَسَرَ الْحَجَرُ ، أَوْ كَانَ مَكَانَهُ خَشَبَةٌ فَتَلِفَتْ ، لَمْ يَأْخُذْ بِرَدِّهِ ، وَوَجَبَتْ قِيمَتُهُ ؛ لِأَنَّهُ صَارَ هَالِكًا ، فَوَجَبَتْ قِيمَتُهُ .\rوَإِنْ كَانَ بَاقِيًا بِحَالِهِ ، لَزِمَهُ رَدُّهُ ، وَإِنْ انْتَقَضَ الْبِنَاءُ ، وَتَفَصَّلَ الثَّوْبُ .\rوَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَجِبُ رَدُّ الْخَشَبَةِ وَالْحَجَرِ ؛ لِأَنَّهُ صَارَ تَابِعًا لِمِلْكِهِ يَسْتَضِرُّ بِقَلْعِهِ ، فَلَمْ يَلْزَمْ رَدُّهُ ، كَمَا لَوْ غَصَبَ خَيْطًا فَخَاطَ بِهِ جُرْحَ عَبْدِهِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ مَغْصُوبٌ أَمْكَنَ رَدُّهُ ، وَيَحُوزُ لَهُ فَوَجَبَ ، كَمَا لَوْ بَعَّدَ الْعَيْنَ ، وَلَا يُشْبِهُ الْخَيْطَ الَّذِي يُخَافُ عَلَى الْعَبْدِ مِنْ قَلْعِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ رَدُّهُ ، لِمَا فِي ضِمْنِهِ مِنْ تَلَفِ الْآدَمِيِّ .\rوَلِأَنَّ حَاجَتَهُ إلَى ذَلِكَ تُبِيحُ أَخْذَهُ ابْتِدَاءً ، بِخِلَافِ الْبِنَاءِ ، وَإِنْ خَاطَ بِالْخَيْطِ جُرْحَ حَيَوَانٍ ، فَذَلِكَ عَلَى أَقْسَامٍ ثَلَاثَةٍ ؛ أَحَدُهَا ، أَنْ يَخِيطَ بِهِ جُرْحَ حَيَوَانٍ لَا حُرْمَةَ لَهُ ، كَالْمُرْتَدِّ وَالْخِنْزِيرِ وَالْكَلْبِ الْعَقُورِ ، فَيَجِبُ نَزْعُهُ وَرَدُّهُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَضَمَّنُ تَفْوِيتَ ذِي حُرْمَةٍ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ خَاطَ بِهِ ثَوْبًا .\rوَالثَّانِي ، أَنْ يَخِيطَ بِهِ جُرْحَ حَيَوَانٍ مُحْتَرَمٍ ، لَا يَحِلُّ أَكْلُهُ ، كَالْآدَمِيِّ ، فَإِنْ خِيفَ مِنْ نَزْعِهِ الْهَلَاكُ أَوْ إبْطَاءُ بُرْئِهِ ، فَلَا يَجِبُ نَزْعُهُ ؛ لِأَنَّ الْحَيَوَانَ آكَدُ حُرْمَةً مِنْ عَيْنِ الْمَالِ ، وَلِهَذَا يَجُوزُ لَهُ أَخْذُ مَالِ غَيْرِهِ لِيَحْفَظَ حَيَاتَهُ ، وَإِتْلَافُ الْمَالِ لِتَبْقِيَتِهِ وَهُوَ مَا يَأْكُلُهُ .\rوَكَذَلِكَ الدَّوَابُّ الَّتِي لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهَا ، كَالْبَغْلِ وَالْحِمَارِ الْأَهْلِيِّ .\rالثَّالِثُ ، أَنْ يَخِيطَ بِهِ جُرْحَ حَيَوَانٍ مَأْكُولٍ ، فَإِنْ كَانَ مِلْكًا لِغَيْرِ الْغَاصِبِ ، وَخِيفَ تَلَفُهُ بِقَلْعِهِ ، لَمْ يُقْلَعْ ؛","part":11,"page":101},{"id":5101,"text":"لِأَنَّ فِيهِ إضْرَارًا بِصَاحِبِهِ ، وَلَا يُزَالُ الضَّرَرُ بِالضَّرَرِ ، وَلَا يَجِبُ إتْلَافُ مَالٍ مَنْ لَمْ يَجْنِ صِيَانَةً لَمَالٍ آخَرَ ، وَإِنْ كَانَ الْحَيَوَانُ لِلْغَاصِبِ ، فَقَالَ الْقَاضِي : لَا يَجِبُ رَدُّهُ ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ ذَبْحُ الْحَيَوَانِ وَالِانْتِفَاعُ بِلَحْمِهِ ، وَذَلِكَ جَائِزٌ ، وَإِنْ حَصَلَ فِيهِ نَقْصٌ عَلَى الْغَاصِبِ ، فَلَيْسَ ذَلِكَ بِمَانِعِ مِنْ وُجُوبِ رَدِّ الْمَغْصُوبِ ، كَنَقْصِ الْبِنَاءِ لِرَدِّ الْحَجَرِ الْمَغْصُوبِ .\rوَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : فِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، هَذَا .\rوَالثَّانِي ، لَا يَجِبُ قَلْعُهُ ؛ لِأَنَّ لِلْحَيَوَانِ حُرْمَةً فِي نَفْسِهِ ، وَقَدْ { نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَبْحِ الْحَيَوَانِ لِغَيْرِ مَأْكَلِهِ .\r} وَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَجْهَانِ كَهَذَيْنِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ مَا يُعَدُّ لِلْأَكْلِ مِنْ الْحَيَوَانِ ، كَبَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ وَالدَّجَاجِ وَأَكْثَرِ الطَّيْرِ ، وَبَيْنَ مَا لَا يُعَدُّ لَهُ ، كَالْخَيْلِ وَالطَّيْرِ الْمَقْصُودِ صَوْتُهُ ؛ فَالْأَوَّلُ يَجِبُ ذَبْحُهُ إذَا تَوَقَّفَ رَدُّ الْمَغْصُوبِ عَلَيْهِ .\rوَالثَّانِي ، لَا يَجِبُ ؛ لِأَنَّ ذَبْحَهُ إتْلَافٌ لَهُ ، فَجَرَى مَجْرَى مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ .\rوَمَتَى أَمْكَنَ رَدُّ الْخَيْطِ مِنْ غَيْرِ تَلَفِ الْحَيَوَانِ ، أَوْ تَلَفِ بَعْضِ أَعْضَائِهِ ، أَوْ ضَرَرٍ كَثِيرٍ ، وَجَبَ رَدُّهُ .","part":11,"page":102},{"id":5102,"text":"( 3985 ) فَصْلٌ : وَإِنْ غَصَبَ فَصِيلًا ، فَأَدْخَلَهُ دَارِهِ ، فَكَبِرَ وَلَمْ يَخْرُجْ مِنْ الْبَابِ ، أَوْ خَشَبَةً وَأَدْخَلَهَا دَارِهِ ، ثُمَّ بَنَى الْبَابَ ضَيِّقًا ، لَا يَخْرُجُ مِنْهُ إلَّا بِنَقْضِهِ ، وَجَبَ نَقْضُهُ ، وَرَدُّ الْفَصِيلِ وَالْخَشَبَةِ ، كَمَا يُنْقَضُ الْبِنَاءُ لِرَدِّ السَّاجَةِ ، فَإِنْ كَانَ حُصُولُهُ فِي الدَّارِ بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ مِنْ صَاحِبِ الدَّارِ ، نَقَضَ الْبَابَ ، وَضَمَانُهُ عَلَى صَاحِبِ الْفَصِيلِ ؛ لِأَنَّهُ لِتَخْلِيصِ مَالِهِ مِنْ غَيْرِ تَفْرِيطٍ مِنْ صَاحِبِ الدَّارِ .\rوَأَمَّا الْخَشَبَةُ فَإِنْ كَانَ كَسْرُهَا أَكْثَرَ ضَرَرًا مِنْ نَقْضِ الْبَابِ ، فَهِيَ كَالْفَصِيلِ ، وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ ، كُسِرَتْ .\rوَيَحْتَمِلُ فِي الْفَصِيلِ مِثْلَ هَذَا ، فَإِنَّهُ مَتَى كَانَ ذَبْحُهُ أَقَلَّ ضَرَرًا ، ذُبِحَ وَأُخْرِجَ لَحْمُهُ ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْخَشَبَةِ ، وَإِنْ كَانَ حُصُولُهُ فِي الدَّارِ بِعِدْوَانٍ مِنْ صَاحِبِهِ ، كَرَجُلٍ غَصَبَ دَارًا فَأَدْخَلَهَا فَصِيلًا ، أَوْ خَشَبَةً ، أَوْ تَعَدَّى عَلَى إنْسَانٍ ، فَأَدْخَلَ دَارِهِ فَرَسًا وَنَحْوَهَا ، كَسَرَتْ الْخَشَبَةُ ، وَذُبِحَ الْحَيَوَانُ ، وَإِنْ زَادَ ضَرَرُهُ عَلَى نَقْضِ الْبِنَاءِ ؛ لِأَنَّ سَبَبَ هَذَا الضَّرَرِ عُدْوَانُهُ ، فَيُجْعَلُ عَلَيْهِ دُونَ غَيْرِهِ .\rوَلَوْ بَاعَ دَارًا فِيهَا خَوَابِي لَا تَخْرُجُ إلَّا بِنَقْضِ الْبَابِ ، أَوْ خَزَائِنُ أَوْ حَيَوَانٌ ، وَكَانَ نَقْضُ الْبَابِ أَقَلَّ ضَرَرًا مِنْ بَقَاءِ ذَلِكَ فِي الدَّارِ ، أَوْ تَفْصِيلِهِ ، أَوْ ذَبْحِ الْحَيَوَانِ نُقِضَ ، وَكَانَ إصْلَاحُهُ عَلَى الْبَائِعِ ؛ لِأَنَّهُ لِتَخْلِيصِ مَالِهِ ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ ضَرَرًا ، لَمْ يُنْقَضْ ؛ لِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِيهِ ، وَيَصْطَلِحَانِ عَلَى ذَلِكَ ، إمَّا بِأَنْ يَشْتَرِيَهُ مُشْتَرِي الدَّارِ ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ .","part":11,"page":103},{"id":5103,"text":"( 3986 ) فَصْلٌ : ( وَإِنْ غَصَبَ جَوْهَرَةً ، فَابْتَلَعَتْهَا بَهِيمَةٌ ، ) فَقَالَ أَصْحَابُنَا : حُكْمُهَا حُكْمُ الْخَيْطِ الَّذِي خَاطَ بِهِ جُرْحَهَا .\rوَيَحْتَمِلُ أَنَّ الْجَوْهَرَةَ مَتَى كَانَتْ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَةِ الْحَيَوَانِ ، ذُبِحَ الْحَيَوَانُ ، وَرُدَّتْ إلَى مَالِكِهَا ، وَضَمَانُ الْحَيَوَانِ عَلَى الْغَاصِبِ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْحَيَوَانُ آدَمِيًّا .\rوَفَارَقَ الْخَيْطَ ؛ لِأَنَّهُ فِي الْغَالِبِ أَقَلُّ قِيمَةً مِنْ الْحَيَوَانِ ، وَالْجَوْهَرَةُ أَكْثَرُ قِيمَةً ، فَفِي ذَبْحِ الْحَيَوَانِ رِعَايَةُ حَقِّ الْمَالِكِ بِرَدِّ عَيْنِ مَالِهِ إلَيْهِ ، وَرِعَايَةُ حَقِّ الْغَاصِبِ بِتَقْلِيلِ الضَّمَانِ عَلَيْهِ .\rوَإِنْ ابْتَلَعَتْ شَاةُ رَجُلٍ جَوْهَرَةَ آخَرَ غَيْرَ مَغْصُوبَةٍ ، وَلَمْ يُمْكِنْ إخْرَاجُهَا إلَّا بِذَبْحِ الشَّاةِ ، ذُبِحَتْ إذَا كَانَ ضَرَرُ ذَبْحِهَا أَقَلَّ ، وَكَانَ ضَمَانُ نَقْصِهَا عَلَى صَاحِبِ الْجَوْهَرَةِ ؛ لِأَنَّهُ لِتَخْلِيصِ مَالِهِ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ التَّفْرِيطُ مِنْ صَاحِبِ الشَّاةِ ، بِكَوْنِ يَدِهِ عَلَيْهَا ، فَلَا شَيْءَ عَلَى صَاحِبِ الْجَوْهَرَةِ ؛ لِأَنَّ التَّفْرِيطَ مِنْ صَاحِبِ الشَّاةِ ، فَالضَّرَرُ عَلَيْهِ .\rوَإِنْ أَدْخَلَتْ رَأْسَهَا فِي قُمْقُمٍ ، فَلَمْ يُمْكِنْ إخْرَاجُهُ إلَّا بِذَبْحِهَا ، وَكَانَ الضَّرَرُ فِي ذَبْحِهَا أَقَلَّ ، ذُبِحَتْ .\rوَإِنْ كَانَ الضَّرَرُ فِي كَسْرِ الْقُمْقُمِ أَقَلَّ ، كُسِرَ الْقُمْقُمُ ، وَإِنْ كَانَ التَّفْرِيطُ مِنْ صَاحِبِ الشَّاةِ ، فَالضَّمَانُ عَلَيْهِ ، وَإِنْ كَانَ التَّفْرِيطُ مِنْ صَاحِبِ الْقُمْقُمِ ، بِأَنْ وَضَعَهُ فِي الطَّرِيقِ ، فَالضَّمَانُ عَلَيْهِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْهُمَا تَفْرِيطٌ ، فَالضَّمَانُ عَلَى صَاحِبِ الشَّاةِ إنْ كُسِرَ الْقُمْقُمُ ؛ لِأَنَّهُ كُسِرَ لِتَخْلِيصِ شَاتِهِ ، وَإِنْ ذَبَحَتْ الشَّاةُ ، فَالضَّمَانُ عَلَى صَاحِبِ الْقُمْقُمِ ؛ لِأَنَّهُ لِتَخْلِيصِ قُمْقُمِهِ ، فَإِنْ قَالَ مَنْ عَلَيْهِ الضَّمَانُ مِنْهُمَا : أَنَا أُتْلِفُ مَالِي ، وَلَا أَغْرَمُ شَيْئًا لِلْآخَرِ .\rفَلَهُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ إتْلَافَ مَالِ الْآخَرِ إنَّمَا كَانَ لِحَقِّهِ ، وَسَلَامَةِ مَالِهِ وَتَخْلِيصِهِ ، فَإِذَا رَضِيَ بِتَلَفِهِ ، لَمْ","part":11,"page":104},{"id":5104,"text":"يَجُزْ إتْلَافُ غَيْرِهِ .\rوَإِنْ قَالَ : لَا أُتْلِفُ مَالِي ، وَلَا أَغْرَمُ شَيْئًا ، لَمْ نُمَكِّنْهُ مِنْ إتْلَافِ مَالِ صَاحِبِهِ ، لَكِنَّ صَاحِبَ الْقُمْقُمِ لَا يُجْبَرُ عَلَى شَيْءٍ ؛ لِأَنَّ الْقُمْقُمَ لَا حُرْمَةَ لَهُ ، فَلَا يُجْبَرُ صَاحِبُهُ عَلَى تَخْلِيصِهِ ، وَأَمَّا صَاحِبُ الشَّاةِ فَلَا يَحِلُّ لَهُ تَرْكُهَا ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ تَعْذِيبِ الْحَيَوَانِ ، فَيُقَالُ لَهُ : إمَّا أَنْ تَذْبَحَ الشَّاةَ لِتُرِيحَهَا مِنْ الْعَذَابِ ، وَإِمَّا أَنْ تَغْرَمَ الْقُمْقُمَ لِصَاحِبِهِ ، إذَا كَانَ كَسْرُهُ أَقَلَّ ضَرَرًا ، وَيُخَلِّصُهَا ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ ضَرُورَةِ إبْقَائِهَا أَوْ تَخْلِيصِهَا مِنْ الْعَذَابِ ، فَلَزِمَهُ كَعَلَفِهَا .\rوَإِنْ كَانَ الْحَيَوَانُ غَيْرَ مَأْكُولٍ ، احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ حُكْمُهُ حُكْمَ الْمَأْكُولِ فِيمَا ذَكَرْنَا .\rوَاحْتَمَلَ أَنْ يُكْسَرَ الْقُمْقُمُ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِنَا ؛ لِأَنَّهُ لَا نَفْعَ فِي ذَبْحِهِ ، وَلَا هُوَ مَشْرُوعٌ ، وَقَدْ { نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَبْحِ الْحَيَوَانِ لِغَيْرِ مَأْكَلِهِ .\r} وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَجْرِيَ مَجْرَى الْمَأْكُولِ فِي أَنَّهُ مَتَى كَانَ قَتْلُهُ أَقَلَّ ضَرَرًا ، وَكَانَتْ الْجِنَايَةُ مِنْ صَاحِبِهِ ، قُتِلَ ؛ لِأَنَّ حُرْمَتَهُ مُعَارِضَةٌ لِحُرْمَةِ الْآدَمِيِّ الَّذِي يُتْلِفُ مَالَهُ ، وَالنَّهْيُ عَنْ ذَبْحِهِ مُعَارَضٌ بِالنَّهْيِ عَنْ إضَاعَةِ الْمَالِ ، وَفِي كَسْرِ الْقُمْقُمِ مَعَ كَثْرَةِ قِيمَتِهِ إضَاعَةٌ لِلْمَالِ .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":11,"page":105},{"id":5105,"text":"( 3987 ) فَصْلٌ : وَإِنْ غَصَبَ دِينَارًا ، فَوَقَعَ فِي مِحْبَرَتِهِ ، أَوْ أَخَذَ دِينَارَ غَيْرِهِ ، فَسَهَا فَوَقَعَ فِي مِحْبَرَتِهِ ، كُسِرَتْ ، وَرُدَّ الدِّينَارُ ، كَمَا يُنْقَضُ الْبِنَاءُ لِرَدِّ السَّاجَةِ ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ دِرْهَمًا أَوْ أَقَلَّ مِنْهُ ، وَإِنْ وَقَعَ مِنْ غَيْرِ فِعْلِهِ ، كُسِرَتْ لِرَدِّ الدِّينَارِ إنْ أَحَبَّ صَاحِبُهُ ، وَالضَّمَانُ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ لِتَخْلِيصِ مَالِهِ .\rوَإِنْ غَصَبَ دِينَارًا ، فَوَقَعَ فِي مِحْبَرَةِ آخَرَ بِفِعْلِ الْغَاصِبِ أَوْ بِغَيْرِ فِعْلِهِ ، كُسِرَتْ لِرَدِّهِ ، وَعَلَى الْغَاصِبِ ضَمَانُ الْمِحْبَرَةِ ؛ لِأَنَّهُ السَّبَبُ فِي كَسْرِهَا .\rوَإِنْ كَانَ كَسْرُهَا أَكْثَرَ ضَرَرًا مِنْ تَبْقِيَةِ الْوَاقِعِ فِيهَا ، ضَمِنَهُ الْغَاصِبُ ، وَلَمْ تُكْسَرْ .\rوَإِنْ رَمَى إنْسَانٌ دِينَارَهُ فِي مِحْبَرَةِ غَيْرِهِ عُدْوَانًا ، فَأَبَى صَاحِبُ الْمِحْبَرَةِ كَسْرَهَا ، لَمْ يُجْبَرْ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ صَاحِبَهُ تَعَدَّى بِرَمْيِهِ فِيهَا ، فَلَمْ يُجْبَرْ صَاحِبُهَا عَلَى إتْلَافِ مَالِهِ لِإِزَالَةِ ضَرَرِ عُدْوَانِهِ عَنْ نَفْسِهِ ، وَعَلَى الْغَاصِبِ نَقْصِ الْمِحْبَرَةِ بِوُقُوعِ الدِّينَارِ فِيهَا ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُجْبَرَ عَلَى كَسْرِهَا لِرَدِّ عَيْنِ مَالِ الْغَاصِبِ ، وَيَضْمَنَ الْغَاصِبُ قِيمَتَهَا ، كَمَا لَوْ غَرَسَ فِي أَرْضِ غَيْرِهِ ، مَلَكَ حَفْرَ الْأَرْضِ بِغَيْرِ إذْنِ الْمَالِكِ لِأَخْذِ غَرْسِهِ ، وَيَضْمَنُ نَقْصَهَا بِالْحَفْرِ .\rوَعَلَى كِلَا الْوَجْهَيْنِ ، لَوْ كَسَرَهَا الْغَاصِبُ قَهْرًا ، لَمْ يَلْزَمْهُ أَكْثَرُ مِنْ قِيمَتِهَا .","part":11,"page":106},{"id":5106,"text":"( 3988 ) فَصْلٌ : وَإِنْ غَصَبَ لَوْحًا ، فَرَقَعَ بِهِ سَفِينَةً ، فَإِنْ كَانَتْ عَلَى السَّاحِلِ ، لَزِمَ قَلْعُهُ وَرَدُّهُ ، وَإِنْ كَانَتْ فِي لُجَّةِ الْبَحْرِ ، وَاللَّوْحُ فِي أَعْلَاهَا ، بِحَيْثُ لَا تَغْرَقُ بِقَلْعِهِ ، لَزِمَ قَلْعُهُ ، وَإِنْ خِيفَ غَرَقُهَا بِقَلْعِهِ ، لَمْ يُقْلَعْ حَتَّى تَخْرُجَ إلَى السَّاحِلِ ، وَلِصَاحِبِ اللَّوْحِ طَلَبُ قِيمَتِهِ ، فَإِذَا أَمْكَنَ رَدُّ اللَّوْحِ ، اسْتَرْجَعَهُ وَرَدَّ الْقِيمَةَ ، كَمَا لَوْ غَصَبَ عَبْدًا فَأَبَقَ .\rوَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : إنْ كَانَ فِيهَا حَيَوَانٌ لَهُ حُرْمَةٌ ، أَوْ مَالٌ لِغَيْرِ الْغَاصِبِ ، لَمْ يُقْلَعْ ، كَالْخَيْطِ .\rوَإِنْ كَانَ فِيهَا مَالٌ لِلْغَاصِبِ ، أَوْ لَا مَالَ فِيهَا ، فَفِيهَا وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، لَا يُقْلَعُ .\rوَالثَّانِي : يُقْلَعُ فِي الْحَالِ ؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنَ رَدُّ الْمَغْصُوبِ ، فَلَزِمَ وَإِنْ أَدَّى إلَى تَلَفِ الْمَالِ ، كَرَدِّ السَّاجَةِ الْمَبْنِيِّ عَلَيْهَا .\rوَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَجْهَانِ كَهَذَيْنِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ أَمْكَنَ رَدُّ الْمَغْصُوبِ مِنْ غَيْرِ إتْلَافٍ ، فَلَمْ يَجُزْ الْإِتْلَافُ ، كَمَا لَوْ كَانَ فِيهَا مَالُ غَيْرِهِ .\rوَفَارَقَ السَّاجَةَ فِي الْبِنَاءِ ، فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُ رَدُّهَا مِنْ غَيْرِ إتْلَافٍ .","part":11,"page":107},{"id":5107,"text":"( 3989 ) فَصْلٌ : وَإِذَا غَصَبَ شَيْئًا ، فَخَلَطَهُ بِمَا يُمْكِنُ تَمْيِيزُهُ مِنْهُ ، كَحِنْطَةِ بِشَعِيرٍ أَوْ سِمْسِمٍ ، أَوْ صِغَارِ الْحَبِّ بِكِبَارِهِ ، أَوْ زَبِيبٍ أَسْوَدَ بِأَحْمَرَ ، لَزِمَهُ تَمْيِيزُهُ ، وَرَدُّهُ ، وَأَجْرُ الْمُمَيِّزِ عَلَيْهِ ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ تَمْيِيزُ جَمِيعِهِ ، وَجَبَ تَمْيِيزُهُ مَا أَمْكَنَ ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ تَمْيِيزُهُ ، فَهُوَ عَلَى خَمْسَةِ أَضْرُبٍ ؛ أَحَدُهَا ، أَنْ يَخْلِطَهُ بِمِثْلِهِ مِنْ جِنْسِهِ ، كَزَيْتٍ بِزَيْتٍ ، أَوْ حِنْطَةٍ بِمِثْلِهَا ، أَوْ دَقِيقٍ بِمِثْلِهِ ، أَوْ دَنَانِيرَ أَوْ دَرَاهِمَ بِمِثْلِهَا ، فَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ : يَلْزَمُهُ مِثْلُ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ .\rوَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ ؛ لِأَنَّهُ نَصَّ عَلَى أَنَّهُ يَكُونُ شَرِيكًا بِهِ إذَا خَلَطَهُ بِغَيْرِ الْجِنْسِ ، فَيَكُونُ تَنْبِيهًا عَلَى مَا إذَا خَلَطَهُ بِجِنْسِهِ .\rوَهَذَا قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ، إلَّا فِي الدَّقِيقِ ، فَإِنَّهُ تَجِبُ قِيمَتُهُ ؛ لِأَنَّهُ عِنْدَهُمْ لَيْسَ بِمِثْلِي .\rوَقَالَ الْقَاضِي : قِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ مِثْلُهُ ، إنْ شَاءَ مِنْهُ ، وَإِنْ شَاءَ مِنْ غَيْرِهِ ؛ لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ رَدُّ عَيْنِ مَالِهِ بِالْخَلْطِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ تَلِفَ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَمَيَّزُ لَهُ شَيْءٌ مِنْ مَالِهِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ قَدَرَ عَلَى دَفْعِ بَعْضِ مَالِهِ إلَيْهِ ، مَعَ رَدِّ الْمِثْلِ فِي الْبَاقِي ، فَلَمْ يَنْتَقِلْ إلَى الْمِثْلِ فِي الْجَمِيعِ ، كَمَا لَوْ غَصَبَ صَانِعًا ، فَتَلِفَ نِصْفُهُ ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ إذَا دَفَعَ إلَيْهِ مِنْهُ ، فَقَدْ دَفَعَ إلَيْهِ بَعْضَ مَالِهِ وَبَدَلَ الْبَاقِي ، فَكَانَ أَوْلَى مِنْ دَفْعِهِ مِنْ غَيْرِهِ .\rالضَّرْبُ الثَّانِي وَالثَّالِثُ وَالرَّابِعُ ، أَنْ يَخْلِطَهُ بِخَيْرٍ مِنْهُ ، أَوْ دُونَهُ ، أَوْ بِغَيْرِ جِنْسِهِ ، فَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُمَا شَرِيكَانِ ، يُبَاعُ الْجَمِيعُ ، وَيُدْفَعُ إلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَدْرُ حَقِّهِ ؛ لِأَنَّهُ قَالَ فِي رِوَايَةِ أَبِي الْحَارِثِ ، فِي رَجُلٍ لَهُ رِطْلُ زَيْتٍ ، وَآخَرَ لَهُ رِطْلُ شَيْرَجٍ اخْتَلَطَا : يُبَاعُ الدُّهْنُ كُلُّهُ ، وَيُعْطَى","part":11,"page":108},{"id":5108,"text":"كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَدْرَ حِصَّتِهِ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّنَا إذَا فَعَلْنَا ذَلِكَ ، أَوْصَلْنَا إلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَيْنَ مَالِهِ ، وَإِذَا أَمْكَنَ الرُّجُوعُ إلَى عَيْنِ الْمَالِ ، لَمْ يُرْجَعْ إلَى الْبَدَلِ .\rوَإِنْ نَقَصَ الْمَغْصُوبُ عَنْ قِيمَتِهِ مُنْفَرِدًا ، فَعَلَى الْغَاصِبِ ضَمَانُ النَّقْصِ ؛ لِأَنَّهُ حَصَلَ بِفِعْلِهِ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : قِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يَلْزَمُ الْغَاصِبَ مِثْلُهُ ؛ لِأَنَّهُ صَارَ بِالْخَلْطِ مُسْتَهْلَكًا ، وَكَذَلِكَ لَوْ اشْتَرَى زَيْتًا فَخَلَطَهُ بِزَيْتِهِ ، ثُمَّ أَفْلَسَ ، صَارَ الْبَائِعُ كَبَعْضِ الْغُرَمَاءِ ، وَلِأَنَّهُ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ الْوُصُولُ إلَى عَيْنِ مَالِهِ ، فَكَانَ لَهُ بَدَلُهُ ، كَمَا لَوْ كَانَ تَالِفًا .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يُحْمَلَ كَلَامُ أَحْمَدَ عَلَى مَا إذَا اخْتَلَطَا مِنْ غَيْرِ غَصْبٍ ، فَأَمَّا الْمَغْصُوبُ ، فَقَدْ وُجِدَ مِنْ الْغَاصِبِ مَا مَنَعَ الْمَالِكَ مِنْ أَخْذِ حَقِّهِ مِنْ الْمِثْلِيَّاتِ مُمَيَّزًا ، فَلَزِمَهُ مِثْلُهُ ، كَمَا لَوْ أَتْلَفَهُ ، إلَّا بِأَنْ خَلَطَهُ بِخَيْرٍ مِنْهُ ، وَبَذَلَ لِصَاحِبِهِ مِثْلَ حَقِّهِ مِنْهُ ، لَزِمَهُ قَبُولُهُ ؛ لِأَنَّهُ أَوْصَلَ إلَيْهِ بَعْضَ حَقِّهِ بِعَيْنِهِ وَتَبَرَّعَ بِالزِّيَادَةِ فِي مِثْلِ الْبَاقِي .\rوَإِنْ خَلَطَهُ بِأَدْوَنَ مِنْهُ ، فَرَضِيَ الْمَالِكُ بِأَخْذِ قَدْرِ حَقِّهِ مِنْهُ ، لَزِمَ الْغَاصِبَ بَذْلُهُ ؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنَهُ رَدُّ بَعْضِ الْمَغْصُوبِ وَرَدُّ مِثْلِ الْبَاقِي مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ .\rوَقِيلَ : لَا يَلْزَمُ الْغَاصِبَ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ حَقَّهُ انْتَقَلَ إلَى الذِّمَّةِ ، فَلَمْ يُجْبَرْ عَلَى غَيْرِ مَالٍ ، وَإِنْ بَذَلَهُ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ فَأَبَاهُ ، لَمْ يُجْبَرْ عَلَى قَبُولِهِ ؛ لِأَنَّهُ دُونَ حَقِّهِ .\rوَإِنْ تَرَاضَيَا بِذَلِكَ ، جَازَ ، وَكَانَ الْمَالِكُ مُتَبَرِّعًا بِتَرْكِ بَعْضِ حَقِّهِ .\rوَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى أَنْ يَأْخُذَ أَكْثَرَ مِنْ حَقِّهِ مِنْ الرَّدِيءِ ، أَوْ دُونَ حَقِّهِ مِنْ الْجَيِّدِ ، لَمْ يَجُزْ ؛ لِأَنَّهُ رِبًا ؛ لِأَنَّهُ يَأْخُذُ الزَّائِدَ فِي الْقَدْرِ عِوَضًا عَنْ الْجَوْدَةِ .\rوَإِنْ كَانَ بِالْعَكْسِ ، فَرَضِيَ بِأَخْذِ دُونَ حَقِّهِ","part":11,"page":109},{"id":5109,"text":"مِنْ الرَّدِيءِ ، أَوْ سَمَحَ الْغَاصِبُ فَدَفَعَ أَكْثَرَ مِنْ حَقِّهِ مِنْ الْجَيِّدِ ، جَازَ ؛ لِأَنَّهُ لَا مُقَابِلَ لِلزِّيَادَةِ ، وَإِنَّمَا هِيَ تَبَرُّعٌ مُجَرَّدٌ .\rوَإِنْ خَلَطَهُ بِغَيْرِ جِنْسِهِ ، فَتَرَاضَيَا عَلَى أَنْ يَأْخُذَ أَكْثَرَ مِنْ قَدْرِ حَقِّهِ أَوْ أَقَلَّ ، جَازَ ؛ لِأَنَّهُ بَدَلُهُ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ ، فَلَا تَحْرُمُ الزِّيَادَةُ بَيْنَهُمَا .\rالضَّرْبُ الْخَامِسُ ، أَنْ يَخْلِطَهُ بِمَا لَا قِيمَةَ لَهُ ، كَزَيْتٍ خَلَطَهُ بِمَاءٍ ، أَوْ لَبَنٍ شَابَهُ بِمَاءٍ ، فَإِنْ أَمْكَنَ تَخْلِيصُهُ خَلَّصَهُ وَرَدَّ نَقْصَهُ ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ تَخْلِيصُهُ ، أَوْ كَانَ ذَلِكَ يُفْسِدُهُ .\rرَجَعَ عَلَيْهِ بِمِثْلِهِ ؛ لِأَنَّهُ صَارَ كَالْهَالِكِ ، وَإِنْ لَمْ يُفْسِدْهُ .\rرَدَّهُ وَرَدَّ نَقْصَهُ .\rوَإِنْ اُحْتِيجَ فِي تَخْلِيصِهِ إلَى غَرَامَةٍ ، لَزِمَ الْغَاصِبَ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ بِسَبَبِهِ .\rوَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ فِي هَذَا الْفَصْلِ نَحْوُ مَا ذَكَرْنَا .","part":11,"page":110},{"id":5110,"text":"( 3990 ) فَصْلٌ : وَإِنْ غَصَبَ ثَوْبًا فَصَبَغَهُ ، لَمْ يَخْلُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ : أَحَدُهَا ، أَنْ يَصْبُغَهُ بِصَبْغٍ لَهُ .\rوَالثَّانِي ، أَنْ يَصْبُغَهُ بِصَبْغٍ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ .\rالثَّالِثُ ، أَنْ يَصْبُغَهُ بِصَبْغٍ لِغَيْرِهِمَا .\rوَالْأَوَّلُ لَا يَخْلُو مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ ؛ أَحَدُهَا ، أَنْ يَكُونَ الثَّوْبُ وَالصِّبْغُ بِحَالِهِمَا ، لَمْ تَزِدْ قِيمَتُهُمَا وَلَمْ تَنْقُصْ ، مِثْلُ إنْ كَانَتْ قِيمَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا خَمْسَةً ، فَصَارَتْ قِيمَتُهُمَا بَعْدَ الصِّبْغِ عَشَرَةً ، فَهُمَا شَرِيكَانِ ؛ لِأَنَّ الصِّبْغَ عَيْنُ مَالٍ لَهُ قِيمَةٌ ، فَإِنْ تَرَاضَيَا بِتَرْكِهِ لَهُمَا ، جَازَ ، وَإِنْ بَاعَاهُ ، فَثَمَنُهُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ .\rالْحَالُ الثَّانِي ، إذَا زَادَتْ قِيمَتُهُمَا ، فَصَارَا يُسَاوِيَانِ عِشْرِينَ ، نَظَرْت ؛ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ لِزِيَادَةِ الثِّيَابِ فِي السُّوقِ ، كَانَتْ الزِّيَادَةُ لِصَاحِبِ الثَّوْبِ ، وَإِنْ كَانَتْ لِزِيَادَةِ الصِّبْغِ فِي السُّوقِ ، فَالزِّيَادَةُ لِصَاحِبِهِ ، وَإِنْ كَانَتْ لِزِيَادَتِهِمَا مَعًا ، فَهِيَ بَيْنَهُمَا عَلَى حَسَبِ زِيَادَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ، فَإِنْ تَسَاوَيَا فِي الزِّيَادَةِ فِي السُّوقِ ، تَسَاوَى صَاحِبَاهُمَا فِيهِمَا ، وَإِنْ زَادَ أَحَدُهُمَا ثَمَانِيَةً وَالْآخَرُ اثْنَيْنِ ، فَهِيَ بَيْنَهُمَا كَذَلِكَ ، وَإِنْ زَادَ بِالْعَمَلِ ، فَالزِّيَادَةُ بَيْنَهُمَا ؛ لِأَنَّ عَمَلَ الْغَاصِبِ زَادَ بِهِ فِي الثَّوْبِ وَالصِّبْغِ ، وَمَا عَمِلَهُ فِي الْمَغْصُوبِ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ إذَا كَانَ أَثَرًا ، وَزِيَادَةُ مَالِ الْغَاصِبِ لَهُ .\rوَإِنْ نَقَصَتْ الْقِيمَةُ لِتَغَيُّرِ الْأَسْعَارِ ، لَمْ يَضْمَنْهُ الْغَاصِبُ ؛ لِمَا تَقَدَّمَ .\rوَإِنْ نَقَصَ لِأَجْلِ الْعَمَلِ ، فَهُوَ عَلَى الْغَاصِبِ ؛ لِأَنَّهُ بِتَعَدِّيهِ ، فَإِذَا صَارَ قِيمَةُ الثَّوْبِ مَصْبُوغًا خَمْسَةً ، فَهُوَ كُلُّهُ لِمَالِكِهِ ، وَلَا شَيْءَ لِلْغَاصِبِ ؛ لِأَنَّ النَّقْصَ حَصَلَ بِعُدْوَانِهِ ، فَكَانَ عَلَيْهِ وَإِنْ صَارَتْ قِيمَتُهُ سَبْعَةً ، صَارَ الثَّوْبُ بَيْنَهُمَا ، لِصَاحِبِهِ خَمْسَةُ أَسْبَاعِهِ ، وَلِصَاحِبِ الصِّبْغِ سُبْعَاهُ .\rوَإِنْ زَادَتْ قِيمَةُ","part":11,"page":111},{"id":5111,"text":"الثَّوْبِ فِي السُّوقِ ، فَصَارَ يُسَاوِي سَبْعَةً ، وَنَقَصَ الصِّبْغُ ، فَصَارَ يُسَاوِي ثَلَاثَةً ، وَكَانَتْ قِيمَةُ الثَّوْبِ مَصْبُوغًا عَشَرَةً ، فَهُوَ بَيْنَهُمَا ، لِصَاحِبِ الثَّوْبِ سَبْعَةً ، وَلِصَاحِبِ الصِّبْغِ ثَلَاثَةٌ .\rوَإِنْ سَاوَى اثْنَيْ عَشَرَ ، قُسِمَتْ بَيْنَهُمَا ، لِصَاحِبِ الثَّوْبِ نِصْفُهَا وَخُمْسُهَا ، وَلِلْغَاصِبِ خُمْسُهَا وَعُشْرُهَا ، وَإِنْ انْعَكَسَ الْحَالُ ، فَصَارَ الثَّوْبُ يُسَاوِي فِي السُّوقِ ثَلَاثَةً ، وَالصِّبْغُ سَبْعَةً انْعَكَسَتْ الْقِسْمَةُ ، فَصَارَ لِصَاحِبِ الصِّبْغَ هَاهُنَا مَا كَانَ لِصَاحِبِ الثَّوْبِ فِي الَّتِي قَبْلَهَا وَلِصَاحِبِ الثَّوْبِ مِثْلُ مَا كَانَ لِصَاحِبِ الصِّبْغِ ؛ لِأَنَّ زِيَادَةَ السِّعْرِ لَا تُضْمَنُ ، فَإِنْ أَرَادَ الْغَاصِبُ قَلْعَ الصِّبْغِ ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا : لَهُ ذَلِكَ ، سَوَاءٌ أَضَرَّ بِالثَّوْبِ أَوْ لَمْ يَضُرَّ بِهِ ، وَيَضْمَنُ نَقْصَ الثَّوْبِ إنْ نَقَصَ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ؛ لِأَنَّهُ عَيْنُ مَالِهِ ، فَمَلَكَ أَخْذَهُ ، كَمَا لَوْ غَرَسَ فِي أَرْضِ غَيْرِهِ .\rوَلَمْ يُفَرِّقْ أَصْحَابُنَا بَيْنَ مَا يَهْلَكُ صِبْغُهُ بِالْقَلْعِ ، وَبَيْنَ مَا لَا يَهْلَكُ .\rوَيَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ : مَا يَهْلَكُ بِالْقَلْعِ لَا يَمْلِكُ قَلْعَهُ ؛ لِأَنَّهُ سَفَهٌ .\rوَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ أَنَّهُ لَا يُمَكَّنُ مِنْ قَلْعِهِ إذَا تَضَرَّرَ الثَّوْبُ بِقَلْعِهِ ؛ لِأَنَّهُ قَالَ فِي الْمُشْتَرِي إذَا بَنَى أَوْ غَرَسَ فِي الْأَرْضِ الْمَشْفُوعَةِ : فَلَهُ أَخْذُهُ ، إذَا لَمْ يَكُنْ فِي أَخْذِهِ ضَرَرٌ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَيْسَ لَهُ أَخْذُهُ ؛ لِأَنَّ فِيهِ ضَرَرًا بِالثَّوْبِ الْمَغْصُوبِ ، فَلَمْ يُمَكَّنْ مِنْهُ ، كَقَطْعِ خِرْقَةٍ مِنْهُ ، وَفَارَقَ قَلْعَ الْغَرْسِ ؛ لِأَنَّ الضَّرَرَ قَلِيلٌ يَحْصُلُ بِهِ نَفْعُ قَلْعِ الْعُرُوقِ مِنْ الْأَرْضِ .\rوَإِنْ اخْتَارَ الْمَغْصُوبَ مِنْهُ قَلْعَ الصِّبْغِ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، يَمْلِكُ إجْبَارَ الْغَاصِبِ عَلَيْهِ ، كَمَا يَمْلِكُ إجْبَارَهُ عَلَى قَلْعِ شَجَرِهِ مِنْ أَرْضِهِ ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ شَغَلَ مِلْكَهُ بِمِلْكِهِ عَلَى وَجْهٍ أَمْكَنَ تَخْلِيصُهُ ، فَلَزِمَهُ تَخْلِيصُهُ ،","part":11,"page":112},{"id":5112,"text":"وَإِنْ اسْتَضَرَّ الْغَاصِبُ ، كَقَلْعِ الشَّجَرِ ، وَعَلَى الْغَاصِبِ ضَمَانُ نَقْصِ الثَّوْبِ ، وَأَجْرُ الْقَلْعِ ، كَمَا يَضْمَنُ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ .\rوَالثَّانِي ، لَا يَمْلِكُ إجْبَارَهُ عَلَيْهِ ، وَلَا يُمَكَّنُ مِنْ قَلْعِهِ ؛ لِأَنَّ الصِّبْغَ يَهْلَكُ بِالِاسْتِخْرَاجِ ، وَقَدْ أَمْكَنَ وُصُولُ الْحَقِّ إلَى مُسْتَحِقِّهِ بِدُونِهِ بِالْبَيْعِ ، فَلَمْ يُجْبَرْ عَلَى قَلْعِهِ ، كَقَلْعِ الزَّرْعِ مِنْ الْأَرْضِ ، وَفَارَقَ الشَّجَرَ ، فَإِنَّهُ لَا يَتْلَفُ بِالْقَلْعِ .\rقَالَ الْقَاضِي : هَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ ، وَلَعَلَّهُ أَخَذَ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِ أَحْمَدَ فِي الزَّرْعِ ، وَهَذَا مُخَالِفٌ لِلزَّرْعِ ؛ لِأَنَّ لَهُ غَايَةً يَنْتَهِي إلَيْهَا ، وَلِصَاحِبِ الْأَرْضِ أَخْذُهُ بِنَفَقَتِهِ ، فَلَا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ اسْتِرْجَاعُ أَرْضِهِ فِي الْحَالِ ، بِخِلَافِ الصِّبْغِ ، فَإِنَّهُ لَا نِهَايَةَ لَهُ إلَّا تَلَفُ الثَّوْبِ ، فَهُوَ أَشْبَهُ بِالشَّجَرِ فِي الْأَرْضِ .\rوَلَا يَخْتَصُّ وُجُوبُ الْقَلْعِ فِي الشَّجَرِ بِمَا لَا يَتْلَفُ ، فَإِنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى قَلْعِ مَا يَتْلَفُ وَمَا لَا يَتْلَفُ .\rوَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَجْهَانِ كَهَذَيْنِ .\rوَإِنْ بَذَلَ رَبُّ الثَّوْبِ قِيمَةَ الصِّبْغِ لِلْغَاصِبِ لِيَمْلِكَهُ ، لَمْ يُجْبَرْ عَلَى قَبُولِهِ ؛ لِأَنَّهُ إجْبَارٌ عَلَى بَيْعِ مَالِهِ ، فَلَمْ يُجْبَرْ عَلَيْهِ ، كَمَا لَوْ بَذَلَ لَهُ قِيمَةَ الْغِرَاسِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يُجْبَرَ عَلَى ذَلِكَ إذَا لَمْ يَقْلَعْهُ ، قِيَاسًا عَلَى الشَّجَرِ ، وَالْبِنَاءِ فِي الْأَرْضِ الْمَشْفُوعَةِ ، وَالْعَارِيَّةِ ، وَفِي الْأَرْضِ الْمَغْصُوبَةِ إذَا لَمْ يَقْلَعْهُ الْغَاصِبُ ، وَلِأَنَّهُ أَمْرٌ يَرْتَفِعُ بِهِ النِّزَاعُ ، وَيَتَخَلَّصُ بِهِ أَحَدُهُمَا مِنْ صَاحِبِهِ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ ، فَأُجْبِرَ عَلَيْهِ ، كَمَا ذَكَرْنَا .\rوَإِنْ بَذَلَ الْغَاصِبُ قِيمَةَ الثَّوْبِ لِصَاحِبِهِ لِيَمْلِكَهُ ، لَمْ يُجْبَرْ عَلَى ذَلِكَ ، كَمَا لَوْ بَذَلَ صَاحِبُ الْغِرَاسِ قِيمَةَ الْأَرْضِ لِمَالِكِهَا فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ .\rوَإِنْ وَهَبَ الْغَاصِبُ الصِّبْغَ لِمَالِكِ الثَّوْبِ ، فَهَلْ يَلْزَمُهُ قَبُولُهُ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا ،","part":11,"page":113},{"id":5113,"text":"يَلْزَمُهُ ؛ لِأَنَّ الصِّبْغَ صَارَ مِنْ صِفَاتِ الْعَيْنِ ، فَهُوَ كَزِيَادَةِ الصِّفَةِ فِي الْمُسْلَمِ فِيهِ .\rالثَّانِي ، لَا يُجْبَرُ ؛ لِأَنَّ الصِّبْغَ عَيْنٌ يُمْكِنُ إفْرَادُهَا ، فَلَمْ يُجْبَرْ عَلَى قَبُولِهَا .\rوَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ أَنَّهُ يُجْبَرُ ؛ لِأَنَّهُ قَالَ فِي الصَّدَاقِ : إذَا كَانَ ثَوْبًا فَصَبَغَهُ ، فَبَذَلْت لَهُ نِصْفَهُ مَصْبُوغًا ، لَزِمَهُ قَبُولُهُ .\rوَإِنْ أَرَادَ الْمَالِكُ بَيْعَ الثَّوْبِ ، وَأَبَى الْغَاصِبُ ، فَلَهُ بَيْعُهُ ؛ لِأَنَّهُ مِلْكُهُ ، فَلَا يَمْلِكُ الْغَاصِبُ مَنْعَهُ مِنْ بَيْعِ مِلْكِهِ بِعُدْوَانِهِ .\rوَإِنْ أَرَادَ الْغَاصِبُ بَيْعَهُ ، لَمْ يُجْبَرْ الْمَالِكُ عَلَى بَيْعِهِ ؛ لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ ، فَلَمْ يَسْتَحِقُّ إزَالَةَ مِلْكِ صَاحِبِ الثَّوْبِ عَنْهُ بِعُدْوَانِهِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يُجْبَرَ لِيَصِلَ الْغَاصِبُ إلَى ثَمَنِ صِبْغِهِ .\rالْقَسَمُ الثَّانِي ، أَنْ يَغْصِبَ ثَوْبًا وَصِبْغًا مِنْ وَاحِدٍ ، فَيَصْبُغَهُ بِهِ ، فَإِنْ لَمْ تَزِدْ قِيمَتُهُمَا وَلَمْ تَنْقُصْ ، رَدَّهُمَا وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ .\rوَإِنْ زَادَتْ الْقِيمَةُ فَهِيَ لِلْمَالِكِ ، وَلَا شَيْءَ لِلْغَاصِبِ ؛ وَلِأَنَّهُ إنَّمَا لَهُ فِي الصِّبْغِ أَثَرٌ لَا عَيْنٌ .\rوَإِنْ نَقَصَتْ بِالصَّبْغِ ، فَعَلَى الْغَاصِبِ ضَمَانُ النَّقْصِ ؛ لِأَنَّهُ بِتَعَدِّيهِ .\rوَإِنْ نَقَصَ لِتَغَيُّرِ الْأَسْعَارِ لَمْ يَضْمَنْهُ .\rالْقَسَمُ الثَّالِثُ ، أَنْ يَغْصِبَ ثَوْبَ رَجُلٍ وَصِبْغَ آخَرَ ، فَيَصْبُغَهُ بِهِ ، فَإِنْ كَانَتْ الْقِيمَتَانِ بِحَالِهِمَا ، فَهُمَا شَرِيكَانِ بِقَدْرِ مَالِهِمَا ، وَإِنْ زَادَتْ ، فَالزِّيَادَةُ لَهُمَا ، وَإِنْ نَقَصَتْ بِالصَّبْغِ ، فَالضَّمَانُ عَلَى الْغَاصِبِ ، وَيَكُونُ النَّقْصُ مِنْ صَاحِبِ الصَّبْغِ ؛ لِأَنَّهُ تَبَدَّدَ فِي الثَّوْبِ ، وَيَرْجِعُ بِهِ عَلَى الْغَاصِبِ ، وَإِنْ نَقَصَ لِنَقْصِ سِعْرِ الثِّيَابِ ، أَوْ سِعْرِ الصِّبْغِ ، أَوْ لِنَقْصِ سِعْرِهِمَا ، لَمْ يَضْمَنْهُ الْغَاصِبُ ، وَكَانَ نَقْصُ مَالِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ صَاحِبِهِ .\rوَإِنْ أَرَادَ صَاحِبُ الصِّبْغِ قَلْعَهُ ، أَوْ أَرَادَ ذَلِكَ صَاحِبُ الثَّوْبِ ، فَحُكْمُهُمَا حُكْمُ مَا لَوْ صَبَغَهُ الْغَاصِبُ","part":11,"page":114},{"id":5114,"text":"بِصَبْغٍ مِنْ عِنْدِهِ ، عَلَى مَا مَرَّ بَيَانُهُ .\rوَإِنْ غَصَبَ عَسَلًا وَنَشَاءً ، وَعَقَدَهُ حَلْوَاءَ ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ مَا لَوْ غَصَبَ ثَوْبًا فَصَبَغَهُ ، عَلَى مَا ذُكِرَ فِيهِ .\rالْحُكْمُ الثَّانِي ، أَنَّهُ مَتَى كَانَ لِلْمَغْصُوبِ أَجْرٌ ، فَعَلَى الْغَاصِبِ أَجْرُ مِثْلِهِ مُدَّةَ مُقَامِهِ فِي يَدَيْهِ ، سَوَاءٌ اسْتَوْفَى الْمَنَافِعَ أَوْ تَرَكَهَا تَذْهَبُ .\rهَذَا هُوَ الْمَعْرُوفُ فِي الْمَذْهَبِ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ .\rوَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَضْمَنُ الْمَنَافِعَ .\rوَهُوَ الَّذِي نَصَرَهُ أَصْحَابُ مَالِكٍ .\rوَقَدْ رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ الْحَكَمِ ، عَنْ أَحْمَدَ ، فِي مَنْ غَصَبَ دَارًا فَسَكَنَهَا عِشْرِينَ سَنَةً : لَا أَجْتَرِئُ أَنْ أَقُولَ عَلَيْهِ سُكْنَى مَا سَكَنَ .\rوَهَذَا يَدُلُّ عَلَى تَوَقُّفِهِ عَنْ إيجَابِ الْأَجْرِ ، إلَّا أَنَّ أَبَا بَكْرٍ قَالَ : هَذَا قَوْلٌ قَدِيمٌ ؛ لِأَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ الْحَكَمِ مَاتَ قَبْلَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بِعِشْرِينَ سَنَةً .\rوَاحْتَجَّ مَنْ لَمْ يُوجِبْ الْأَجْرَ ، بِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ } .\rوَضَمَانُهَا عَلَى الْغَاصِبِ ، وَلِأَنَّهُ اسْتَوْفَى مَنْفَعَةً بِغَيْرِ عَقْدٍ وَلَا شُبْهَةِ مِلْكٍ ، فَلَمْ يَضْمَنْهَا ، كَمَا لَوْ زَنَى بِامْرَأَةٍ مُطَاوِعَةٍ .\rوَلَنَا ، أَنَّ كُلَّ مَا ضَمِنَهُ بِالْإِتْلَافِ فِي الْعَقْدِ الْفَاسِدِ ، جَازَ أَنْ يَضْمَنَهُ بِمُجَرَّدِ الْإِتْلَافِ ، كَالْأَعْيَانِ ، وَلِأَنَّهُ أَتْلَفَ مُتَقَوِّمًا ، فَوَجَبَ ضَمَانُهُ ، كَالْأَعْيَانِ .\rأَوْ نَقُولُ : مَالٌ مُتَقَوِّمٌ مَغْصُوبٌ ، فَوَجَبَ ضَمَانُهُ ، كَالْعَيْنِ .\rفَأَمَّا الْخَبَرُ ، فَوَارِدٌ فِي الْبَيْعِ وَلَا يَدْخُلُ فِيهِ الْغَاصِبُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ الِانْتِفَاعُ بِالْمَغْصُوبِ بِالْإِجْمَاعِ ، وَلَا يُشْبِهُ الزِّنَى ؛ لِأَنَّهَا رَضِيَتْ بِإِتْلَافِ مَنَافِعِهَا بِغَيْرِ عِوَضٍ ، وَلَا عَقْدٍ يَقْتَضِي الْعِوَضَ ، فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ أَعَارَهُ دَارِهِ .\rوَلَوْ أَكْرَهَهَا عَلَيْهِ ، لَزِمَهُ مَهْرُهَا .\rوَالْخِلَافُ فِي مَا لَهُ مَنَافِعُ تُسْتَبَاحُ بِعَقْدِ","part":11,"page":115},{"id":5115,"text":"الْإِجَارَةِ ، كَالْعَقَارِ وَالثِّيَابِ وَالدَّوَابِّ وَنَحْوِهَا ، فَأَمَّا الْغَنَمُ وَالشَّجَرُ وَالطَّيْرُ وَنَحْوُهَا ، فَلَا شَيْءَ فِيهَا ؛ لِأَنَّهُ لَا مَنَافِعَ لَهَا يُسْتَحَقُّ بِهَا عِوَضٌ .\rوَلَوْ غَصَبَ جَارِيَةً وَلَمْ يَطَأْهَا ، وَمَضَتْ عَلَيْهَا مُدَّةٌ تُمْكِنُ الْوَطْءَ فِيهَا ، لَمْ يَضْمَنْ مَهْرَهَا ؛ لِأَنَّ مَنَافِعَ الْبُضْعِ لَا تَتْلَفُ إلَّا بِالِاسْتِيفَاءِ ، بِخِلَافِ غَيْرِهَا ، وَلِأَنَّهَا لَا تُقَدَّرُ بِزَمَنٍ ، فَيَكُونُ مُضِيُّ الزَّمَانِ بِتَلَفِهَا ، بِخِلَافِ الْمَنْفَعَةِ .","part":11,"page":116},{"id":5116,"text":"( 3991 ) فَصْلٌ : إذَا غَصَبَ طَعَامًا ، فَأَطْعَمَهُ غَيْرَهُ ، فَلِلْمَالِكِ تَضْمِينُ أَيِّهِمَا شَاءَ ؛ لِأَنَّ الْغَاصِبَ حَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَالِهِ ، وَالْآكِلُ أَتْلَفَ مَالَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ ، وَقَبَضَهُ عَنْ يَدِ ضَامِنِهِ بِغَيْرِ إذْنِ مَالِكِهِ ، فَإِنْ كَانَ الْآكِلُ عَالِمًا بِالْغَصْبِ ، اسْتَقَرَّ الضَّمَانُ عَلَيْهِ ؛ لِكَوْنِهِ أَتْلَفَ مَالَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنٍ عَالِمًا مِنْ غَيْرِ تَغْرِيرٍ ، فَإِذَا ضَمَّنَ الْغَاصِبَ ، رَجَعَ عَلَيْهِ ، وَإِنْ ضَمَّنَ الْآكِلَ ، لَمْ يَرْجِعْ عَلَى أَحَدٍ .\rوَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ الْآكِلُ بِالْغَصْبِ نَظَرْنَا ؛ فَإِنْ كَانَ الْغَاصِبُ قَالَ لَهُ : كُلْهُ ، فَإِنَّهُ طَعَامِي .\rاسْتَقَرَّ الضَّمَانُ عَلَيْهِ ؛ لِاعْتِرَافِهِ بِأَنَّ الضَّمَانَ بَاقٍ عَلَيْهِ ، وَأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ الْآكِلَ شَيْءٌ .\rوَإِنْ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، يَسْتَقِرُّ الضَّمَانُ عَلَى الْآكِلِ .\rوَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ فِي الْجَدِيدِ ؛ لِأَنَّهُ ضَمِنَ مَا أَتْلَفَ ، فَلَمْ يَرْجِعْ بِهِ عَلَى أَحَدٍ .\rوَالثَّانِيَةُ ، يَسْتَقِرُّ الضَّمَانُ عَلَى الْغَاصِبِ ؛ لِأَنَّهُ غَرَّ الْآكِلَ ، وَأَطْعَمَهُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَضْمَنُهُ .\rوَهَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ ؛ لِقَوْلِهِ فِي الْمُشْتَرِي لِلْأَمَةِ : يَرْجِعُ بِالْمَهْرِ وَكُلُّ مَا غَرِمَ عَلَى الْغَاصِبِ .\rوَأَيُّهُمَا اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ الضَّمَانُ فَغَرِمَهُ ، لَمْ يَرْجِعْ عَلَى أَحَدٍ ، فَإِنْ غَرِمَهُ صَاحِبُهُ ، رَجَعَ عَلَيْهِ .\rوَإِنْ أَطْعَمَ الْمَغْصُوبَ لِمَالِكِهِ ، فَأَكَلَهُ عَالِمًا أَنَّهُ طَعَامُهُ ، بَرِئَ الْغَاصِبُ .\rوَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ ، وَقَالَ لَهُ الْغَاصِبُ : كُلْهُ ، فَإِنَّهُ طَعَامِي .\rاسْتَقَرَّ الضَّمَانُ عَلَى الْغَاصِبِ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا ، وَإِنْ كَانَتْ لَهُ بَيِّنَةٌ بِأَنَّهُ طَعَامُ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ .\rوَإِنْ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ ، بَلْ قَدَّمَهُ إلَيْهِ ، وَقَالَ : كُلْهُ ، أَوْ قَالَ : قَدْ وَهَبْتُك إيَّاهُ .\rأَوْ سَكَتَ ، فَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ لَا يَبْرَأُ ؛ لِأَنَّهُ قَالَ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ ، فِي رَجُلٍ ، لَهُ قِبَلَ رَجُلٍ تَبِعَةٌ ،","part":11,"page":117},{"id":5117,"text":"فَأَوْصَلَهَا إلَيْهِ عَلَى سَبِيلِ صَدَقَةٍ أَوْ هَدِيَّةٍ ، فَلَمْ يَعْلَمْ ، فَقَالَ : كَيْفَ هَذَا ؟ هَذَا يَرَى أَنَّهُ هَدِيَّةٌ .\rيَقُولُ لَهُ : هَذَا لَك عِنْدِي .\rوَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَبْرَأُ هَاهُنَا بِأَكْلِ الْمَالِكِ طَعَامَهُ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى ؛ لِأَنَّهُ ثَمَّ رَدَّ إلَيْهِ يَدَهُ وَسُلْطَانَهُ ، وَهَا هُنَا بِالتَّقْدِيمِ إلَيْهِ لَمْ تَعُدْ إلَيْهِ الْيَدُ وَالسُّلْطَانُ ، فَإِنَّهُ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ التَّصَرُّفِ فِيهِ بِكُلِّ مَا يُرِيدُ ، مِنْ أَخْذِهِ وَبَيْعِهِ وَالصَّدَقَةِ بِهِ ، فَلَمْ يَبْرَأْ الْغَاصِبُ ، كَمَا لَوْ عَلَفَهُ لِدَوَابِّهِ ، وَيَتَخَرَّجُ أَنْ يَبْرَأَ بِنَاءً عَلَى مَا مَضَى إذَا أَطْعَمَهُ لِغَيْرِ مَالِكِهِ ، فَإِنَّهُ يَسْتَقِرُّ الضَّمَانُ عَلَى الْآكِلِ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ ، فَيَبْرَأُ هَاهُنَا بِطَرِيقِ الْأَوْلَى .\rوَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ .\r.\rوَإِنْ وَهَبَ الْمَغْصُوبَ لِمَالِكِهِ ، أَوْ أَهْدَاهُ إلَيْهِ ، فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَبْرَأُ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ سَلَّمَهُ إلَيْهِ تَسْلِيمًا صَحِيحًا تَامًّا ، وَزَالَتْ يَدُ الْغَاصِبِ ، وَكَلَامُ أَحْمَدَ ، فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ ، وَارِدٌ فِيمَا إذَا أَعْطَاهُ عِوَضَ حَقِّهِ عَلَى سَبِيلِ الْهَدِيَّةِ ، فَأَخَذَهُ الْمَالِكُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ ، لَا عَلَى سَبِيلِ الْعِوَضِ ، فَلَمْ تَثْبُتْ الْمُعَاوَضَةُ ، وَمَسْأَلَتُنَا فِيمَا إذَا رَدَّ إلَيْهِ عَيْنَ مَالِهِ ، وَأَعَادَ يَدَهُ الَّتِي أَزَالَهَا .\rوَإِنْ بَاعَهُ إيَّاهُ ، وَسَلَّمَهُ إلَيْهِ ، بَرِئَ مِنْ الضَّمَانِ ؛ لِأَنَّهُ قَبَضَهُ بِالِابْتِيَاعِ ، وَالِابْتِيَاعُ يُوجِبُ الضَّمَانَ وَإِنْ أَقْرَضَهُ إيَّاهُ ، بَرِئَ أَيْضًا ؛ لِذَلِكَ .\rوَإِنْ أَعَارَهُ إيَّاهُ ، بَرِئَ أَيْضًا ؛ لِأَنَّ الْعَارِيَّةَ تُوجِبُ الضَّمَانَ .\rوَإِنْ أَوْدَعَهُ إيَّاهُ ، أَوْ آجَرَهُ إيَّاهُ ، أَوْ رَهَنَهُ ، أَوْ أَسْلَمَهُ عِنْدَهُ لِيَقْصِرهُ أَوْ يُعْلِمَهُ ، لَمْ يَبْرَأْ مِنْ الضَّمَانِ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِالْحَالِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَعُدْ إلَيْهِ سُلْطَانُهُ ، إنَّمَا قَبَضَهُ عَلَى أَنَّهُ أَمَانَةٌ .\rوَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا : يَبْرَأُ ؛ لِأَنَّهُ عَادَ إلَى يَدِهِ","part":11,"page":118},{"id":5118,"text":"وَسُلْطَانِهِ .\rوَهَذَا أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ .\rوَالْأَوَّلُ أَوْلَى ؛ فَإِنَّهُ لَوْ أَبَاحَهُ إيَّاهُ فَأَكَلَهُ ، لَمْ يَبْرَأْ ، فَهَاهُنَا أَوْلَى .","part":11,"page":119},{"id":5119,"text":"( 3992 ) فَصْلٌ : إذَا اخْتَلَفَ الْمَالِكُ وَالْغَاصِبُ فِي قِيمَةِ الْمَغْصُوبِ ، وَلَا بَيِّنَةَ لَأَحَدِهِمَا ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْغَاصِبِ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ ، فَلَا يُلْزِمُهُ ، مَا لَمْ يُقِمْ عَلَيْهِ بِهِ حُجَّةً ، كَمَا لَوْ ادَّعَى عَلَيْهِ دَيْنًا ، فَأَقَرَّ بِبَعْضِهِ .\rوَكَذَلِكَ إنْ قَالَ الْمَالِكُ : كَانَ كَاتِبًا أَوْ لَهُ صِنَاعَةٌ .\rفَأَنْكَرَ الْغَاصِبُ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ كَذَلِكَ ، فَإِنْ شَهِدَتْ لَهُ الْبَيِّنَةُ بِالصِّفَةِ ثَبَتَتْ .\rوَإِنْ قَالَ الْغَاصِبُ : كَانَتْ فِيهِ سِلْعَةٌ ، أَوْ أُصْبُعٌ زَائِدَةٌ ، أَوْ عَيْبٌ .\rفَأَنْكَرَ الْمَالِكُ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ ذَلِكَ ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْغَاصِبِ فِي قِيمَتِهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ .\rوَإِنْ اخْتَلَفَا بَعْدَ زِيَادَةِ قِيمَةِ الْمَغْصُوبِ فِي وَقْتِ زِيَادَتِهِ ، فَقَالَ الْمَالِكُ : زَادَتْ قَبْلَ تَلَفِهِ .\rوَقَالَ الْغَاصِبُ : إنَّمَا زَادَتْ قِيمَةُ الْمَتَاعِ بَعْدَ تَلَفِهِ .\rفَالْقَوْلُ قَوْلُ الْغَاصِبِ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ .\rوَإِنْ شَاهَدْنَا الْعَبْدَ مَعِيبًا ، فَقَالَ الْغَاصِبُ : كَانَ مَعِيبًا قَبْلَ غَصْبِهِ .\rوَقَالَ الْمَالِكُ : تَعَيَّبَ عِنْدَك .\rفَالْقَوْلُ قَوْلُ الْغَاصِبِ ؛ لِأَنَّهُ غَارِمٌ ، وَلِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ صِفَةَ الْعَبْدِ لَمْ تَتَغَيَّرْ .\rوَإِنْ غَصَبَهُ خَمْرًا ، ثُمَّ قَالَ صَاحِبُهُ : تَخَلَّلَ عِنْدَكَ .\rوَأَنْكَرَ الْغَاصِبُ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاؤُهُ عَلَى مَا كَانَ ، وَبَرَاءَةُ الذِّمَّةِ .\rوَإِنْ اخْتَلَفَا فِي رَدِّ الْمَغْصُوبِ ، أَوْ رَدِّ مِثْلِهِ أَوْ قِيمَتَهُ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَالِكِ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ ذَلِكَ ، وَاشْتِغَالُ الذِّمَّةِ بِهِ .\rوَإِنْ اخْتَلَفَا فِي تَلَفِهِ ، فَادَّعَاهُ الْغَاصِبُ ، وَأَنْكَرَهُ الْمَالِكُ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْغَاصِبِ ؛ لِأَنَّهُ أَعْلَمُ بِذَلِكَ ، وَتَتَعَذَّرُ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ ، فَإِذَا حَلَفَ فَلِلْمَالِكِ الْمُطَالَبَةُ بِبَدَلِهِ ؛ لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ رَدُّ الْعَيْنِ ، فَلَزِمَ بَدَلُهَا ، كَمَا لَوْ غَصَبَ عَبْدًا فَأَبَقَ .\rوَقِيلَ : لَيْسَ لَهُ الْمُطَالَبَةُ","part":11,"page":120},{"id":5120,"text":"بِالْبَدَلِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدَّعِيه .\rوَإِنْ قَالَ : غَصَبْت مِنِّي حَدِيثًا .\rفَقَالَ : بَلْ عَتِيقًا .\rفَالْقَوْلُ قَوْلُ الْغَاصِبِ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ وُجُوبِ الْحَدِيثِ ، وَلِلْمَالِكِ الْمُطَالَبَةُ بِالْعَتِيقِ ؛ لِأَنَّهُ دُونَ حَقِّهِ .","part":11,"page":121},{"id":5121,"text":"( 3993 ) فَصْلٌ : وَإِذَا بَاعَ عَبْدًا ، فَادَّعَى إنْسَانٌ عَلَى الْبَائِعِ أَنَّهُ غَصَبَهُ الْعَبْدَ ، وَأَقَامَ بِذَلِكَ بَيِّنَةً ، انْتَقَضَ الْبَيْعُ ، وَرَجَعَ الْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ بِثَمَنِهِ ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ ، فَأَقَرَّ الْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِي بِذَلِكَ ، فَهُوَ كَمَا لَوْ قَامَتْ بِهِ بَيِّنَةٌ .\rوَإِنْ أَقَرَّ الْبَائِعُ وَحْدَهُ ، لَمْ يُقْبَلْ فِي حَقِّ الْمُشْتَرِي ؛ لِأَنَّهُ لَا يُقْبَلُ إقْرَارُهُ فِي حَقِّ غَيْرِهِ ، وَلَزِمَتْ الْبَائِعَ قِيمَتُهُ ؛ لِأَنَّهُ حَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مِلْكِهِ ، وَيُقَرُّ الْعَبْدُ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي ؛ لِأَنَّهُ مِلْكُهُ فِي الظَّاهِرِ ، وَلِلْبَائِعِ إحْلَافُهُ ، ثُمَّ إنْ كَانَ الْبَائِعُ لَمْ يَقْبِضْ الثَّمَنَ ، فَلَيْسَ لَهُ مُطَالَبَةُ الْمُشْتَرِي بِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدَّعِيهِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يَمْلِكَ مُطَالَبَتَهُ بِأَقَلِّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ الثَّمَنِ أَوْ قِيمَةِ الْعَبْدِ ؛ لِأَنَّهُ يَدَّعِي الْقِيمَةَ عَلَى الْمُشْتَرِي ، وَالْمُشْتَرِي يُقِرُّ لَهُ بِالثَّمَنِ ، فَقَدْ اتَّفَقَا عَلَى اسْتِحْقَاقِ أَقَلِّ الْأَمْرَيْنِ ، فَوَجَبَ وَلَا يَضُرُّ اخْتِلَافُهُمَا فِي السَّبَب بَعْدَ اتِّفَاقِهِمَا عَلَى حُكْمِهِ ، كَمَا لَوْ قَالَ : عَلَيْك أَلْفٌ مِنْ ثَمَنِ الْبَيْعِ .\rفَقَالَ : بَلْ أَلْفٌ مِنْ قَرْضٍ .\rوَإِنْ كَانَ قَدْ قَبَضَ الثَّمَنَ ، فَلَيْسَ لِلْمُشْتَرِي اسْتِرْجَاعُهُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدَّعِيه .\rوَمَتَى عَادَ الْعَبْدُ إلَى الْبَائِعِ بِفَسْخٍ أَوْ غَيْرِهِ ، وَجَبَ عَلَيْهِ رَدُّهُ عَلَى مُدَّعِيه ، وَلَهُ اسْتِرْجَاعُ مَا أَخَذَ مِنْهُ .\rوَإِنْ كَانَ إقْرَارُ الْبَائِعِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ لَهُ ، انْفَسَخَ الْبَيْعُ ؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ فَسْخَهُ ، فَقُبِلَ إقْرَارُهُ بِمَا يَفْسَخُهُ .\rوَإِنْ أَقَرَّ الْمُشْتَرِي وَحْدَهُ ، لَزِمَهُ رَدُّ الْعَبْدِ وَلَمْ يُقْبَلْ إقْرَارُهُ عَلَى الْبَائِعِ ، وَلَا يَمْلِكُ الرُّجُوعَ عَلَيْهِ بِالثَّمَنِ ، إنْ كَانَ قَبَضَهُ ، وَيَلْزَمُهُ دَفْعُهُ إلَيْهِ إنْ كَانَ لَمْ يَقْبِضْهُ .\rوَإِنْ أَقَامَ الْمُشْتَرِي بَيِّنَةً بِمَا أَقَرَّ بِهِ ، قُبِلَتْ ، وَلَهُ الرُّجُوعُ بِالثَّمَنِ .\rوَإِنْ أَقَامَ الْبَائِعُ بَيِّنَةً","part":11,"page":122},{"id":5122,"text":"، إذَا كَانَ هُوَ الْمُقِرَّ نَظَرْنَا ؛ فَإِنْ كَانَ فِي حَالِ الْبَيْعِ قَالَ : بِعْتُك عَبْدِي هَذَا أَوْ مِلْكِي هَذَا .\rلَمْ تُقْبَلْ بَيِّنَتُهُ ؛ لِأَنَّهُ يُكَذِّبُهَا وَتُكَذِّبُهُ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَالَ ذَلِكَ ، قُبِلَتْ ؛ لِأَنَّهُ يَبِيعُ مِلْكَهُ وَغَيْرَ مِلْكِهِ .\rوَإِنْ أَقَامَ الْمُدَّعِي الْبَيِّنَةَ ، سُمِعَتْ ، وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْبَائِعِ لَهُ ؛ لِأَنَّهُ يُجَرِّبُهَا إلَى نَفْسِهِ نَفْعًا .\rوَإِنْ أَنْكَرَاهُ جَمِيعًا ، فَلَهُ إحْلَافُهُمَا إنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ .\rقَالَ أَحْمَدُ ، فِي رَجُلٍ يَجِدُ سَرِقَتَهُ بِعَيْنِهَا عِنْدَ إنْسَانٍ ، قَالَ : هُوَ مِلْكُهُ ، يَأْخُذُهُ ، أَذْهَبُ إلَى حَدِيثِ سَمُرَةَ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ وَجَدَ مَتَاعَهُ عِنْدَ رَجُلٍ ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ ، وَيَتْبَعُ الْمُبْتَاعُ مَنْ بَاعَهُ } .\rرَوَاهُ هُشَيْمٌ ، عَنْ مُوسَى بْنِ السَّائِبِ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ الْحَسَنِ ، عَنْ سَمُرَةَ ، وَمُوسَى بْنِ السَّائِبِ ثِقَةٌ .","part":11,"page":123},{"id":5123,"text":"( 3994 ) فَصْلٌ : وَإِنْ كَانَ الْمُشْتَرِي أَعْتَقَ الْعَبْدَ ، فَأَقَرَّا جَمِيعًا ، لَمْ يُقْبَلْ ذَلِكَ ، وَكَانَ الْعَبْدُ حُرًّا ؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَعَلَّقَ بِهِ حَقٌّ لِغَيْرِهِمَا ، فَإِنْ وَافَقَهُمَا .\rالْعَبْدُ ، فَقَالَ الْقَاضِي : لَا يُقْبَلُ أَيْضًا ؛ لِأَنَّ الْحُرِّيَّةَ يَتَعَلَّقُ بِهَا حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى ، وَلِهَذَا لَوْ شَهِدَ شَاهِدَانِ بِالْعِتْقِ ، مَعَ اتِّفَاقِ السَّيِّدَ وَالْعَبْدِ عَلَى الرِّقِّ ، سُمِعَتْ شَهَادَتُهُمَا ، وَلَوْ قَالَ رَجُلٌ : أَنَا حُرٌّ .\rثُمَّ أَقَرَّ بِالرِّقِّ ، لَمْ يُقْبَلْ إقْرَارُهُ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يَبْطُلَ الْعِتْقُ إذَا اتَّفَقُوا كُلُّهُمْ ، وَيَعُودُ الْعَبْدُ إلَى الْمُدَّعِي ؛ لِأَنَّهُ مَجْهُولُ النَّسَبِ ، أَقَرَّ بِالرِّقِّ لِمَنْ يَدَّعِيه ، فَصَحَّ ، كَمَا لَوْ لَمْ يَعْتِقْهُ الْمُشْتَرِي .\rوَمَتَى حَكَمْنَا بِالْحُرِّيَّةِ ، فَلِلْمَالِكِ تَضْمِينُ أَيِّهِمَا شَاءَ قِيمَتَهُ يَوْمَ عِتْقِهِ ، ثُمَّ إنْ ضَمَّنَ الْبَائِعَ ، رَجَعَ عَلَى الْمُشْتَرِي ؛ لِأَنَّهُ أَتْلَفَهُ ، وَإِنْ رَجَعَ عَلَى الْمُشْتَرِي ، لَمْ يَرْجِعْ عَلَى الْبَائِعِ إلَّا بِالثَّمَنِ ؛ لِأَنَّ التَّلَفَ حَصَلَ مِنْهُ ، فَاسْتَقَرَّ الضَّمَانُ عَلَيْهِ .\rوَإِنْ مَاتَ الْعَبْدُ وَخَلَّفَ مَالًا ، فَهُوَ لِلْمُدَّعِي ؛ لِاتِّفَاقِهِمْ عَلَى أَنَّهُ لَهُ .\rوَإِنَّمَا مَنَعْنَا رَدَّ الْعَبْدِ إلَيْهِ ، لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْحُرِّيَّةِ بِهِ ، إلَّا أَنْ يَخْلُفَ وَارِثًا فَيَأْخُذَهُ ، وَلَا يَثْبُتُ الْوَلَاءُ عَلَيْهِ لَأَحَدٍ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدَّعِيه أَحَدٌ .\rوَإِنْ صَدَّقَ الْمُشْتَرِي الْبَائِعَ وَحْدَهُ ، رَجَعَ عَلَيْهِ بِقِيمَتِهِ ، وَلَمْ يَرْجِعْ الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ .\rوَبَقِيَّةُ الْأَقْسَامِ عَلَى مَا مَضَى .","part":11,"page":124},{"id":5124,"text":"( 3995 ) فَصْلٌ : وَإِذَا بَاعَ عَبْدًا أَوْ وَهَبَهُ ، ثُمَّ ادَّعَى أَنِّي فَعَلْت ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ أَمْلِكَهُ ، وَقَدْ مَلَكْته الْآنَ بِمِيرَاثٍ أَوْ هِبَةٍ مِنْ مَالِكِهِ ، فَيَلْزَمُك رَدُّهُ عَلَيَّ ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ الْأَوَّلَ وَالْهِبَةَ بَاطِلَانِ .\rوَإِنْ أَقَامَ بِذَلِكَ بَيِّنَةً نَظَرْت ؛ فَإِنْ كَانَ قَالَ حِينَ الْبَيْعِ وَالْهِبَةِ : هَذَا مِلْكِي .\rأَوْ بِعْتُك مِلْكِي هَذَا .\rأَوْ كَانَ فِي ضِمْنِهِ إقْرَارٌ بِأَنَّهُ مِلْكُهُ ، نَحْوُ أَنْ يَقُولَ : قَبَضْت ثَمَنَ مِلْكِي أَوْ قَبَضْته .\rوَنَحْوَ ذَلِكَ ، لَمْ تُقْبَلْ الْبَيِّنَةُ ؛ لِأَنَّهُ مُكَذِّبٌ لَهَا ، وَهِيَ تُكَذِّبُهُ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ ، قُبِلَتْ الشَّهَادَةُ ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ يَبِيعُ وَيَهَبُ مِلْكَهُ وَغَيْرَ مِلْكِهِ .","part":11,"page":125},{"id":5125,"text":"( 3996 ) فَصْلٌ : إذَا جَنَى الْعَبْدُ الْمَغْصُوبُ جِنَايَةً أَوْجَبَتْ الْقِصَاصَ ، فَاقْتُصَّ مِنْهُ ، فَضَمَانُهُ عَلَى الْغَاصِبِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَلِفَ فِي يَدَيْهِ ، فَإِنْ عُفِيَ عَنْهُ عَلَى مَالٍ ، تَعَلَّقَ ذَلِكَ بِرَقَبَتِهِ ، وَضَمَانُ ذَلِكَ عَلَى الْغَاصِبِ ؛ لِأَنَّهُ نَقْصٌ حَدَثَ فِي يَدِهِ ، فَلَزِمَهُ ضَمَانُهُ ؛ لِأَنَّ ضَمَانَ الْعَبْدِ وَنَقْصَهُ عَلَى سَيِّدِهِ ، وَيَضْمَنُهُ بِأَقَلِّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ قِيمَتِهِ أَوْ أَرْشِ جِنَايَتِهِ ، كَمَا يَفْدِيهِ سَيِّدُهُ .\rوَإِنْ جَنَى عَلَى مَا دُونَ النَّفْسِ ، مِثْلُ أَنْ قَطَعَ يَدًا فَقُطِعَتْ يَدُهُ قِصَاصًا ، فَعَلَى الْغَاصِبِ مَا نَقَصَ الْعَبْدُ بِذَلِكَ دُونَ أَرْشِ الْيَدِ ؛ لِأَنَّ الْيَدَ ذَهَبَتْ بِسَبَبٍ غَيْرِ مَضْمُونٍ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ سَقَطَتْ .\rوَإِنْ عُفِيَ عَنْهُ عَلَى مَالٍ ، تَعَلَّقَ أَرْشُ الْيَدِ بِرَقَبَتِهِ ، وَعَلَى الْغَاصِبِ أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ قِيمَتِهِ أَوْ أَرْشِ الْيَدِ ، فَإِنْ زَادَتْ جِنَايَةُ الْعَبْدِ عَلَى قِيمَتِهِ ، ثُمَّ إنَّهُ مَاتَ ، فَعَلَى الْغَاصِبِ قِيمَتُهُ ، يَدْفَعُهَا إلَى سَيِّدِهِ ، فَإِذَا أَخَذَهَا تَعَلَّقَ أَرْشُ الْجِنَايَةِ بِهَا ؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ مُتَعَلِّقَةً بِالْعَبْدِ ، فَتَعَلَّقَتْ بِبَدَلِهِ ، كَمَا أَنَّ الرَّهْنَ إذَا أَتْلَفَهُ مُتْلِفٌ ، وَجَبَتْ قِيمَتُهُ ، وَتَعَلَّقَ الدَّيْنُ بِهَا ، فَإِذَا أَخَذَ وَلِيُّ الْجِنَايَةِ الْقِيمَةَ مِنْ الْمَالِكِ ، رَجَعَ الْمَالِكُ عَلَى الْغَاصِبِ بِقِيمَةِ أُخْرَى ، لِأَنَّ الْقِيمَةَ الَّتِي أَخَذَهَا اُسْتُحِقَّتْ بِسَبَبٍ كَانَ فِي يَدِ الْغَاصِبِ ، فَكَانَتْ مِنْ ضَمَانِهِ .\rوَلَوْ كَانَ الْعَبْدُ وَدِيعَةً ، فَجَنَى جِنَايَةً اسْتَغْرَقَتْ قِيمَتَهُ ، ثُمَّ إنَّ الْمُودِعَ قَتَلَهُ بَعْدَ ذَلِكَ ، وَجَبَتْ عَلَيْهِ قِيمَتُهُ ، وَتَعَلَّقَ بِهَا أَرْشُ الْجِنَايَةِ ، فَإِذَا أَخَذَهَا وَلِيُّ الْجِنَايَةِ ، لَمْ يَرْجِعْ عَلَى الْمُودِعِ ؛ لِأَنَّهُ جَنَى ، وَهُوَ غَيْرُ مَضْمُونٍ عَلَيْهِ .\rوَلَوْ أَنَّ الْعَبْدَ جَنَى فِي يَدِ سَيِّدِهِ جِنَايَةً تَسْتَغْرِقُ قِيمَتَهُ ، ثُمَّ غَصَبَهُ غَاصِبٌ ، فَجَنَى فِي يَدِهِ جِنَايَةً تَسْتَغْرِقُ قِيمَتَهُ ، بِيعَ فِي","part":11,"page":126},{"id":5126,"text":"الْجِنَايَتَيْنِ ، وَقُسِمَ ثَمَنُهُ بَيْنَهُمَا ، وَرَجَعَ صَاحِبُ الْعَبْدِ عَلَى الْغَاصِبِ بِمَا أَخَذَهُ الثَّانِي مِنْهُمَا ؛ لِأَنَّ الْجِنَايَةَ كَانَتْ فِي يَدِهِ ، وَكَانَ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ أَوَّلًا أَنْ يَأْخُذَهُ دُونَ الثَّانِي ؛ لِأَنَّ الَّذِي يَأْخُذُهُ الْمَالِكُ مِنْ الْغَاصِبِ هُوَ عِوَضُ مَا أَخَذَهُ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ ثَانِيًا ، فَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّهُ ، وَيَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّ الْأَوَّلِ ؛ لِأَنَّهُ بَدَلٌ عَنْ قِيمَةِ الْجَانِي لَا يُزَاحِمُ فِيهِ ، فَإِنْ مَاتَ هَذَا الْعَبْدُ فِي يَدِ الْغَاصِبِ ، فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ تُقْسَمُ بَيْنَهُمَا ، وَيَرْجِعُ الْمَالِكُ عَلَى الْغَاصِبِ بِنِصْفِ الْقِيمَةِ ؛ لِأَنَّهُ ضَامِنٌ لِلْجِنَايَةِ الثَّانِيَةِ ، وَيَكُونُ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ أَوَّلًا أَنْ يَأْخُذَهُ ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ .","part":11,"page":127},{"id":5127,"text":"( 3997 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( مَنْ أَتْلَفَ لِذِمِّيٍّ خَمْرًا أَوْ خِنْزِيرًا ، فَلَا غُرْمَ عَلَيْهِ ، وَيُنْهَى عَنْ التَّعَرُّضِ لَهُمْ فِيمَا لَا يُظْهِرُونَهُ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَجِبُ ضَمَانُ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ ، سَوَاءٌ كَانَ مُتْلِفُهُ مُسْلِمًا أَوْ ذِمِّيًّا لِمُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، فِي رِوَايَةِ أَبِي الْحَارِثِ ، فِي الرَّجُلِ يُهْرِيقُ مُسْكِرًا لِمُسْلِمٍ ، أَوْ لِذِمِّيٍّ خَمْرًا ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٌ : يَجِبُ ضَمَانُهُمَا إذَا أَتْلَفَهُمَا عَلَى ذِمِّيٍّ .\rقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إنْ كَانَ مُسْلِمًا بِالْقِيمَةِ ، وَإِنْ كَانَ ذِمِّيًّا بِالْمِثْلِ ؛ لِأَنَّ عَقْدَ الذِّمَّةِ إذَا عَصَمَ عَيْنًا قَوَّمَهَا ، كَنَفْسِ الْآدَمِيِّ ، وَقَدْ عَصَمَ خَمْرَ الذِّمِّيِّ ، بِدَلِيلِ أَنَّ الْمُسْلِمَ يُمْنَعُ مِنْ إتْلَافِهَا ، فَيَجِبُ أَنْ يُقَوِّمَهَا ، وَلِأَنَّهَا مَالٌ لَهُمْ يَتَمَوَّلُونَهَا ، بِدَلِيلِ مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ عَامِلَهُ كَتَبَ إلَيْهِ : إنَّ أَهْلَ الذِّمَّةِ يَمُرُّونَ بِالْعَاشِرِ ، وَمَعَهُمْ الْخُمُورُ .\rفَكَتَبَ إلَيْهِ عُمَرُ : وَلُّوهُمْ بَيْعَهَا ، وَخُذُوا مِنْهُمْ عُشْرَ ثَمَنِهَا .\rوَإِذَا كَانَتْ مَالًا لَهُمْ وَجَبَ ضَمَانُهَا ، كَسَائِرِ أَمْوَالِهِمْ .\rوَلَنَا ، أَنَّ جَابِرًا ، النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : رَوَى { أَلَا إنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَا بَيْعَ الْخَمْرِ وَالْمَيْتَةِ وَالْخِنْزِيرِ وَالْأَصْنَامِ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ .\rوَمَا حَرُمَ بَيْعُهُ لَا لِحُرْمَتِهِ ، لَمْ تَجِبْ قِيمَتُهُ ، كَالْمَيْتَةِ ، وَلِأَنَّ مَا لَمْ يَكُنْ مَضْمُونًا فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ ، لَمْ يَكُنْ مَضْمُونًا فِي حَقِّ الذِّمِّيِّ ، كَالْمُرْتَدِّ ، وَلِأَنَّهَا غَيْرُ مُتَقَوِّمَةٍ ، فَلَا تُضْمَنُ ، كَالْمَيْتَةِ ، وَدَلِيلُ أَنَّهَا غَيْرُ مُتَقَوِّمَةٍ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ ، فَكَذَلِكَ فِي حَقِّ الذِّمِّيِّ ، فَإِنَّ تَحْرِيمَهَا ثَبَتَ فِي حَقِّهِمَا ، وَخِطَابُ النَّوَاهِي يَتَوَجَّهُ إلَيْهِمَا ، فَمَا ثَبَتَ فِي حَقِّ أَحَدِهِمَا ، ثَبَتَ","part":11,"page":128},{"id":5128,"text":"فِي حَقِّ الْآخَرِ .\rوَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهَا مَعْصُومَةٌ ، بَلْ مَتَى أُظْهِرَتْ حَلَّتْ إرَاقَتُهَا ، ثُمَّ لَوْ عَصَمَهَا مَا لَزِمَ تَقْوِيمُهَا ؛ فَإِنَّ نِسَاءَ أَهْلِ الْحَرْبِ وَصِبْيَانَهُمْ مَعْصُومُونَ غَيْرُ مُتَقَوِّمَيْنِ .\rوَقَوْلُهُمْ : إنَّهَا مَالٌ عِنْدَهُمْ .\rيَنْتَقِضُ بِالْعَبْدِ الْمُرْتَدِّ ، فَإِنَّهُ مَالٌ عِنْدَهُمْ .\rوَأَمَّا حَدِيثُ عُمَرَ ، فَمَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ تَرْكَ التَّعَرُّضِ لَهُمْ ، وَإِنَّمَا أَمَرَ بِأَخْذِ عُشْرِ أَثْمَانِهَا ، لِأَنَّهُمْ إذَا تَبَايَعُوا وَتَقَابَضُوا حَكَمْنَا لَهُمْ بِالْمِلْكِ وَلَمْ نَنْقُضْهُ ، وَتَسْمِيَتُهَا أَثْمَانًا مَجَازٌ ، كَمَا سَمَّى اللَّهُ تَعَالَى ثَمَنَ يُوسُفَ ثَمَنًا ، فَقَالَ : { وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ } .\rوَأَمَّا قَوْلُ الْخِرَقِيِّ : وَيُنْهَى عَنْ التَّعَرُّضِ لَهُمْ فِيمَا لَا يُظْهِرُونَهُ ، فَلِأَنَّ كُلَّ مَا اعْتَقَدُوا حِلَّهُ فِي دِينِهِمْ ، مِمَّا لَا أَذَى لِلْمُسْلِمِينَ فِيهِ ، مِنْ الْكُفْرِ ، وَشُرْبِ الْخَمْرِ وَاِتِّخَاذِهِ ، وَنِكَاحِ ذَوَاتِ الْمَحَارِمِ ، لَا يَجُوزُ لَنَا التَّعَرُّضُ لَهُمْ فِيهِ ، إذَا لَمْ يُظْهِرُوهُ ، لِأَنَّنَا الْتَزَمْنَا إقْرَارَهُمْ عَلَيْهِ فِي دَارِنَا ، فَلَا نَعْرِضُ لَهُمْ فِيمَا الْتَزَمْنَا تَرْكَهُ ، وَمَا أَظْهَرُوهُ مِنْ ذَلِكَ ، تَعَيَّنَ إنْكَارُهُ عَلَيْهِمْ ، فَإِنْ كَانَ خَمْرًا جَازَتْ إرَاقَتُهُ ، وَإِنْ أَظْهَرُوا صَلِيبًا أَوْ طُنْبُورًا جَازَ كَسْرُهُ ، وَإِنْ أَظْهَرُوا كُفْرَهُمْ أُدِّبُوا عَلَى ذَلِكَ ، وَيُمْنَعُونَ مِنْ إظْهَارِ مَا يُحَرَّمُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ .","part":11,"page":129},{"id":5129,"text":"فَصْلٌ : وَإِنْ غَصَبَ مِنْ ذِمِّيٍّ خَمْرًا ، لَزِمَهُ رَدُّهَا ؛ لِأَنَّهُ يُقَرُّ عَلَى شُرْبِهَا .\rوَإِنْ غَصَبَهَا مِنْ مُسْلِمٍ ، لَمْ يَلْزَمْ رَدُّهَا ، وَوَجَبَتْ إرَاقَتُهَا ؛ { لِأَنَّ أَبَا طَلْحَةَ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَيْتَامٍ وَرِثُوا خَمْرًا ، فَأَمَرَهُ بِإِرَاقَتِهَا .\r} وَإِنْ أَتْلَفَهَا أَوْ تَلِفَتْ عِنْدَهُ ، لَمْ يَلْزَمْهُ ضَمَانُهَا ؛ لِأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ رَوَى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { إنَّ اللَّهَ إذَا حَرَّمَ شَيْئًا حَرَّمَ ثَمَنَهُ } .\rوَلِأَنَّ مَا حُرِّمَ الِانْتِفَاعُ بِهِ ، لَمْ يَجِبْ ضَمَانُهُ ، كَالْمَيْتَةِ وَالدَّمِ ، فَإِنْ أَمْسَكَهَا فِي يَدِهِ حَتَّى صَارَتْ خَلًّا ، لَزِمَ رَدُّهَا عَلَى صَاحِبِهَا ؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ خَلًّا ، عَلَى حُكْمِ مِلْكِهِ ، فَلَزِمَ رَدُّهَا إلَيْهِ ، فَإِنْ تَلِفَتْ ، ضَمِنَهَا لَهُ ؛ لِأَنَّهَا مَالٌ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ تَلِفَ فِي يَدِ الْغَاصِبِ ، وَإِنْ أَرَاقَهَا فَجَمَعَهَا إنْسَانٌ ، فَتَخَلَّلَتْ عِنْدَهُ ، لَمْ يَلْزَمْهُ رَدُّ الْخَلِّ ؛ لِأَنَّهُ أَخَذَهَا بَعْدَ إتْلَافِهَا ، وَزَوَالِ الْيَدِ عَنْهَا .","part":11,"page":130},{"id":5130,"text":"( 3999 ) فَصْلٌ : وَإِنْ غَصَبَ كَلْبًا يَجُوزُ اقْتِنَاؤُهُ ، وَجَبَ رَدُّهُ ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِهِ وَاقْتِنَاؤُهُ ، فَأَشْبَهَ الْمَالَ .\rوَإِنْ أَتْلَفَهُ ، لَمْ يَغْرَمْهُ .\rوَإِنْ حَبَسَهُ مُدَّةً ، لَمْ يَلْزَمْهُ أَجْرٌ ؛ لِأَنَّهُ لَا تَجُوزُ إجَارَتُهُ .","part":11,"page":131},{"id":5131,"text":"وَإِنْ غَصَبَ جِلْدَ مَيْتَةٍ ، فَهَلْ يَلْزَمُهُ رَدُّهُ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ ، بِنَاءً عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي طَهَارَتِهِ بِالدَّبْغِ ، فَمِنْ قَالَ بِطَهَارَتِهِ ، أَوْجَبَ رَدَّهُ ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ إصْلَاحُهُ ، فَهُوَ كَالثَّوْبِ النَّجِسِ .\rوَمِنْ قَالَ : لَا يَطْهُرُ .\rلَمْ يُوجِبْ رَدَّهُ ؛ لِأَنَّهُ لَا سَبِيلَ إلَى إصْلَاحِهِ .\rفَإِنْ أَتْلَفَهُ ، أَوْ أَتْلَفَ مَيْتَةً بِجِلْدِهَا ، لَمْ يَضْمَنْهُ ؛ لِأَنَّهُ لَا قِيمَةَ لَهُ ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ بَيْعُهُ .\rوَإِنْ دَبَغَهُ الْغَاصِبُ ، لَزِمَ رَدُّهُ إنْ قُلْنَا بِطَهَارَتِهِ ؛ لِأَنَّهُ كَالْخَمْرِ إذَا تَخَلَّلَتْ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَجِبَ رَدُّهُ ؛ لِأَنَّهُ صَارَ مَالًا بِفِعْلِهِ ، بِخِلَافِ الْخَمْرِ ، وَإِنْ قُلْنَا : لَا يَطْهُرُ .\rلَمْ يَجِبْ رَدُّهُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُبَاحُ الِانْتِفَاعُ بِهِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يَجِبَ رَدُّهُ ، إذَا قُلْنَا : يُبَاحُ الِانْتِفَاعُ بِهِ فِي الْيَابِسَاتِ .\rلِأَنَّهُ نَجِسٌ يُبَاحُ الِانْتِفَاعُ بِهِ ، أَشْبَهَ الْكَلْبَ ، وَكَذَلِكَ قَبْلَ الدَّبْغِ .","part":11,"page":132},{"id":5132,"text":"( 4000 ) فَصْلٌ : وَإِنْ كَسَرَ صَلِيبًا ، أَوْ مِزْمَارًا ، أَوْ طُنْبُورًا ، أَوْ صَنَمًا ، لَمْ يَضْمَنْهُ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : إنْ كَانَ ذَلِكَ إذَا فُصِلَ يَصْلُحُ لِنَفْعٍ مُبَاحٍ وَإِذَا كُسِرَ لَمْ يَصْلُحْ لِنَفْعٍ مُبَاحٍ ، لَزِمَهُ مَا بَيْنَ قِيمَتِهِ مُفَصَّلًا وَمَكْسُورًا ؛ لِأَنَّهُ أَتْلَفَ بِالْكَسْرِ مَا لَهُ قِيمَةٌ ، وَإِنْ كَانَ لَا يَصْلُحُ لِمَنْفَعَةٍ مُبَاحَةٍ ، لَمْ يَلْزَمْهُ ضَمَانُهُ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَضْمَنُ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ لَا يَحِلُّ بَيْعُهُ ، فَلَمْ يَضْمَنْهُ ، كَالْمَيْتَةِ ، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَحِلُّ بَيْعُهُ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إنَّ اللَّهَ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ وَالْمَيْتَةِ وَالْخِنْزِيرِ وَالْأَصْنَامِ } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { بُعِثْت بِمَحْقِ الْقَيْنَاتِ وَالْمَعَازِفِ .\r}","part":11,"page":133},{"id":5133,"text":"( 4001 ) فَصْلٌ : وَإِنْ كَسَرَ آنِيَةَ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ ، لَمْ يَضْمَنْهَا ؛ لِأَنَّ اتِّخَاذَهَا مُحَرَّمٌ .\rوَحَكَى أَبُو الْخَطَّابِ رِوَايَةً أُخْرَى عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّهُ يَضْمَنُ ، فَإِنَّ مُهَنَّا نَقَلَ عَنْهُ فِي مَنْ هَشَّمَ عَلَى غَيْرِهِ إبْرِيقًا فِضَّةً : عَلَيْهِ قِيمَتُهُ ، يَصُوغُهُ كَمَا كَانَ .\rقِيلَ لَهُ : أَلَيْسَ قَدْ { نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ اتِّخَاذِهَا ؟ } فَسَكَتَ .\rوَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ .\rنَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيِّ فِيمَنْ كَسَرَ إبْرِيقَ فِضَّةٍ : لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ أَتْلَفَ مَا لَيْسَ بِمُبَاحٍ ، فَلَمْ يَضْمَنْهُ ، كَالْمَيْتَةِ .\rوَرِوَايَةُ مُهَنَّا تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ رَجَعَ عَنْ قَوْلِهِ ذَلِكَ ؛ لِكَوْنِهِ سَكَتَ حِينَ ذَكَرَ السَّائِلُ تَحْرِيمَهُ ، وَلِأَنَّ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّهُ قَالَ : يَصُوغُهُ ، وَلَا يَحِلُّ لَهُ صِيَاغَتُهُ .\rفَكَيْفَ يَجِبُ ذَلِكَ ، .","part":11,"page":134},{"id":5134,"text":"( 4002 ) فَصْلٌ : وَإِنْ كَسَرَ آنِيَةَ الْخَمْرِ ، فَفِيهَا رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، يَضْمَنُهَا ؛ لِأَنَّهَا مَالٌ يُمْكِنُ الِانْتِفَاعُ بِهِ ، وَيَحِلُّ بَيْعُهُ ، فَيَضْمَنُهَا ، كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا خَمْرٌ ، وَلِأَنَّ جَعْلَ الْخَمْرِ فِيهَا لَا يَقْتَضِي سُقُوطَ ضَمَانِهَا ، كَالْبَيْتِ الَّذِي جُعِلَ مَخْزَنًا لِلْخَمْرِ .\rوَالثَّانِيَةُ ، لَا تُضْمَنُ ؛ لِمَا رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ ، فِي \" مُسْنَدِهِ \" : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ ، عَنْ ضَمْرَةَ بْنِ حَبِيبٍ ، قَالَ : قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ : { أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ آتِيَهُ بِمُدْيَةٍ ، وَهِيَ الشَّفْرَةُ ، فَأَتَيْته بِهَا ، فَأَرْسَلَ بِهَا فَأُرْهِفَتْ ، ثُمَّ أَعْطَانِيهَا ، وَقَالَ : اُغْدُ عَلَيَّ بِهَا فَفَعَلْت ، فَخَرَجَ بِأَصْحَابِهِ إلَى أَسْوَاقِ الْمَدِينَةِ ، وَفِيهَا زِقَاقُ الْخَمْرِ قَدْ جُلِبَتْ مِنْ الشَّامِ ، فَأَخَذَ الْمُدْيَةَ مِنِّي ، فَشَقَّ مَا كَانَ مِنْ تِلْكَ الزِّقَاقِ بِحَضْرَتِهِ كُلِّهَا ، وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ الَّذِينَ كَانُوا مَعَهُ أَنْ يَمْضُوا مَعِي ، وَيُعَاوِنُونِي ، وَأَمَرَنِي أَنْ آتِيَ الْأَسْوَاقَ كُلَّهَا ، فَلَا أَجِدُ فِيهَا زِقَّ خَمْرٍ إلَّا شَقَقْته ، فَفَعَلْت ، فَلَمْ أَتْرُكْ فِي أَسْوَاقِهَا زِقًّا إلَّا شَقَقْته } .\rوَرُوِيَ عَنْ أَنَسٍ ، قَالَ : كُنْت أَسْقِي أَبَا طَلْحَةَ ، وَأُبَيُّ بْنَ كَعْبٍ ، وَأَبَا عُبَيْدَةَ ، شَرَابًا مِنْ فَضِيخٍ ، فَأَتَانَا آتٍ ، فَقَالَ : إنَّ الْخَمْرَ قَدْ حُرِّمَتْ .\rفَقَالَ : أَبُو طَلْحَةَ : قُمْ يَا أَنَسُ إلَى هَذِهِ الدِّنَانِ فَاكْسِرْهَا .\rوَهَذَا يَدُلُّ عَلَى سُقُوطِ حُرْمَتِهَا ، وَإِبَاحَةِ إتْلَافِهَا ، فَلَا يَضْمَنُهَا ، كَسَائِرِ الْمُبَاحَاتِ .","part":11,"page":135},{"id":5135,"text":"( 4003 ) فَصْلٌ : وَلَا يَثْبُتُ الْغَصْبُ فِيمَا لَيْسَ بِمَالٍ ، كَالْحُرِّ ؛ فَإِنَّهُ لَا يَضْمَنُ بِالْغَصْبِ ، إنَّمَا يَضْمَنُ بِالْإِتْلَافِ .\rوَإِنْ أَخَذَ حُرًّا ، فَحَبَسَهُ فَمَاتَ عِنْدَهُ ، لَمْ يَضْمَنْهُ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَالٍ .\rوَإِنْ اسْتَعْمَلَهُ مُكْرَهًا ، لَزِمَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ ؛ لِأَنَّهُ اسْتَوْفَى مَنَافِعَهُ ، وَهِيَ مُتَقَوِّمَةٌ ، فَلَزِمَهُ ضَمَانُهَا كَمَنَافِعِ الْعَبْدِ .\rوَإِنْ حَبَسَهُ مُدَّةً لِمِثْلِهَا أَجْرٌ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، يَلْزَمُهُ أَجْرُ تِلْكَ الْمُدَّةِ ؛ لِأَنَّهُ فَوَّتَ مَنْفَعَتَهُ ، وَهِيَ مَالٌ يَجُوزُ أَخْذُ الْعِوَضِ عَنْهَا ، فَضَمِنَتْ بِالْغَصْبِ ، كَمَنَافِعِ الْعَبْدِ .\rوَالثَّانِي ، لَا يَلْزَمُهُ ؛ لِأَنَّهَا تَابِعَةٌ لِمَا لَا يَصِحُّ غَصْبُهُ ، فَأَشْبَهَتْ ثِيَابَهُ إذَا بَلِيَتْ عَلَيْهِ وَأَطْرَافَهُ ، وَلِأَنَّهَا تَلِفَتْ تَحْتَ يَدَيْهِ ، فَلَمْ يَجِبْ ضَمَانُهَا كَمَا ذَكَرْنَا .\rوَلَوْ مَنَعَهُ الْعَمَلَ مِنْ غَيْرِ حَبْسٍ ، لَمْ يَضْمَنْ مَنَافِعَهُ ، وَجْهًا وَاحِدًا ؛ لِأَنَّهُ لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ بِالْعَبْدِ لَمْ يَضْمَنْ مَنَافِعَهُ ، فَالْحُرُّ أَوْلَى .\rوَلَوْ حَبَسَ الْحُرَّ وَعَلَيْهِ ثِيَابٌ ، لَمْ يَلْزَمْهُ ضَمَانُهَا ؛ لِأَنَّهَا تَابِعَةٌ لِمَا لَمْ تَثْبُتْ الْيَدُ عَلَيْهِ فِي الْغَصْبِ ، وَسَوَاءٌ كَانَ كَبِيرًا أَوْ صَغِيرًا .\rوَهَذَا كُلُّهُ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ .","part":11,"page":136},{"id":5136,"text":"( 4004 ) فَصْلٌ : وَأُمُّ الْوَلَدِ مَضْمُونَةٌ بِالْغَصْبِ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا تُضْمَنُ ؛ لِأَنَّ أُمَّ الْوَلَدِ لَا تَجْرِي مَجْرَى الْمَالِ ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يَتَعَلَّقُ بِهَا حَقُّ الْغُرَمَاءِ ، فَأَشْبَهَتْ الْحُرَّ .\rوَلَنَا ، أَنَّ مَا يُضْمَنُ بِالْقِيمَةِ ، يُضْمَنُ بِالْغَصْبِ ، كَالْقِنِّ ، وَلِأَنَّهَا مَمْلُوكَةٌ ، فَأَشْبَهَتْ الْمُدَبَّرَةَ ، وَفَارَقَتْ الْحُرَّةَ ؛ فَإِنَّهَا لَيْسَتْ مَمْلُوكَةً ، وَلَا تُضْمَنُ بِالْقِيمَةِ .","part":11,"page":137},{"id":5137,"text":"( 4005 ) فَصْلٌ : وَإِذَا فَتَحَ قَفَصًا عَنْ طَائِرٍ فَطَارَ ، أَوْ حَلَّ دَابَّةً فَذَهَبَتْ ، ضَمِنَهَا .\rوَبِهِ قَالَ مَالِكٌ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ : لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ أَهَاجَهُمَا حَتَّى ذَهَبَا .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ : إنْ وَقَفَا بَعْدَ الْفَتْحِ وَالْحَلِّ ، ثُمَّ ذَهَبَا ، لَمْ يَضْمَنْهُمَا ، وَإِنْ ذَهَبَا عَقِيبَ ذَلِكَ ، فَفِيهِ قَوْلَانِ .\rوَاحْتَجَّا بِأَنَّ لَهُمَا اخْتِيَارًا ، وَقَدْ وُجِدَتْ مِنْهُمَا الْمُبَاشَرَةُ ، وَمِنْ الْفَاتِحِ سَبَبٌ غَيْرُ مُلْجِئٍ .\rفَإِذَا اجْتَمَعَا ، لَمْ يَتَعَلَّقْ الضَّمَانُ بِالسَّبَبِ ، كَمَا لَوْ حَفَرَ بِئْرًا فَجَاءَ عَبْدٌ لَإِنْسَانٍ ، فَرَمَى نَفْسَهُ فِيهَا .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ ذَهَبَ بِسَبَبِ فِعْلِهِ ، فَلَزِمَهُ الضَّمَانُ ، كَمَا لَوْ نَفَّرَهُ ، أَوْ ذَهَبَ عَقِيبَ فَتْحِهِ وَحَلِّهِ ، وَالْمُبَاشَرَةُ إنَّمَا حَصَلَتْ مِمَّنْ لَا يُمْكِنُ إحَالَةُ الْحُكْمِ عَلَيْهِ ، فَيَسْقُطُ ، كَمَا لَوْ نَفَّرَ الطَّائِرَ ، وَأَهَاجَ الدَّابَّةَ ، أَوْ أَشْلَى كَلْبًا عَلَى صَبِيٍّ فَقَتَلَهُ ، أَوْ أَطْلَقَ نَارًا فِي مَتَاعِ إنْسَانٍ ، فَإِنَّ لِلنَّارِ فِعْلًا ، لَكِنْ لَمَّا لَمْ يُمْكِنْ إحَالَةُ الْحُكْمِ عَلَيْهَا ، كَانَ وُجُودُهُ كَعَدَمِهِ ، وَلِأَنَّ الطَّائِرَ وَسَائِرَ الصَّيْدِ مِنْ طَبْعِهِ النُّفُورُ ، وَإِنَّمَا يَبْقَى بِالْمَانِعِ ، فَإِذَا أُزِيلَ الْمَانِعُ ذَهَبَ بِطَبْعِهِ ، فَكَانَ ضَمَانُهُ عَلَى مَنْ أَزَالَ الْمَانِعَ ، كَمَنْ قَطَعَ عَلَاقَةَ قِنْدِيلٍ ، فَوَقَعَ فَانْكَسَرَ .\rوَهَكَذَا لَوْ حَلَّ قَيْدَ عَبْدٍ فَذَهَبَ ، أَوْ أَسِرْ فَأَفْلَتَ .\rوَإِنْ فَتَحَ الْقَفَصَ ، وَحَلَّ الْفَرَسَ ، فَبَقِيَا وَاقِفَيْنِ ، فَجَاءَ إنْسَانٌ فَنَفَّرَهُمَا فَذَهَبَا ، فَالضَّمَانُ عَلَى مُنَفِّرِهِمَا ؛ لِأَنَّ سَبَبَهُ أَخَصُّ ، فَاخْتَصَّ الضَّمَانُ بِهِ ، كَالدَّافِعِ مَعَ الْحَافِرِ .\rوَإِنْ وَقَعَ طَائِرٌ إنْسَانٍ عَلَى جِدَارٍ ، فَنَفَّرَهُ إنْسَانٌ ، فَطَارَ ، لَمْ يَضْمَنْهُ ؛ لِأَنَّ تَنْفِيرَهُ لَمْ يَكُنْ سَبَبَ فَوَاتِهِ ، فَإِنَّهُ كَانَ مُمْتَنِعًا قَبْلَ ذَلِكَ .\rوَإِنْ رَمَاهُ فَقَتَلَهُ ، ضَمِنَهُ .\rوَإِنْ كَانَ فِي","part":11,"page":138},{"id":5138,"text":"دَارِهِ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يُمْكِنُهُ تَنْفِيرُهُ بِغَيْرِ قَتْلِهِ .\rوَكَذَلِكَ لَوْ مَرَّ الطَّائِرُ فِي هَوَاءِ دَارِهِ ، فَرَمَاهُ فَقَتَلَهُ ، ضَمِنَهُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ مَنْعَ الطَّائِرِ مِنْ هَوَاءِ دَارِهِ ، فَهُوَ كَمَا لَوْ رَمَاهُ فِي هَوَاءِ دَارِ غَيْرِهِ .","part":11,"page":139},{"id":5139,"text":"( 4006 ) فَصْلٌ : وَلَوْ حَلَّ زِقًّا فِيهِ مَائِعٌ ، فَانْدَفَقَ ، ضَمِنَهُ ، سَوَاءٌ خَرَجَ فِي الْحَالِ ، أَوْ خَرَجَ قَلِيلًا قَلِيلًا ، أَوْ خَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ بَلَّ أَسْفَلَهُ فَسَقَطَ ، أَوْ ثَقُلَ أَحَدُ جَانِبَيْهِ فَلَمْ يَزُلْ يَمِيلُ قَلِيلًا قَلِيلًا حَتَّى سَقَطَ ، أَوْ سَقَطَ بِرِيحٍ ، أَوْ بِزَلْزَلَةِ الْأَرْضِ ، أَوْ كَانَ جَامِدًا فَذَابَ بِشَمْسٍ ؛ لِأَنَّهُ تَلِفَ بِسَبَبِ فِعْلِهِ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : لَا يَضْمَنُ إذَا سَقَطَ بِرِيحٍ أَوْ زَلْزَلَةٍ ، وَيَضْمَنُ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ .\rوَلَهُمْ فِيمَا إذَا ذَابَ بِالشَّمْسِ وَجْهَانِ ، وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ فِعْلَهُ غَيْرُ مُلْجِئٍ ، وَالْمَعْنَى الْحَادِثُ مُبَاشَرَةٌ ، فَلَمْ يَتَعَلَّقْ الضَّمَانُ بِفِعْلِهِ .\rكَمَا لَوْ دَفَعَهُ إنْسَانٌ .\rوَلَنَا ، أَنَّ فِعْلَهُ سَبَبُ تَلَفِهِ ، وَلَمْ يَتَخَلَّلْ بَيْنَهُمَا مَا يُمْكِنُ إحَالَةُ الْحُكْمِ عَلَيْهِ ، فَوَجَبَ عَلَيْهِ الضَّمَانُ ، كَمَا لَوْ خَرَجَ عَقِيبَ فِعْلِهِ ، أَوْ مَالَ قَلِيلًا قَلِيلًا ، وَكَمَا لَوْ جَرَحَ إنْسَانًا ، فَأَصَابَهُ الْحَرُّ أَوْ الْبَرْدُ ، فَسَرَتْ الْجِنَايَةُ فَإِنَّهُ يَضْمَنُ .\rوَأَمَّا إنْ دَفَعَهُ إنْسَانٌ ، فَإِنَّ الْمُتَخَلِّلَ بَيْنَهُمَا مُبَاشَرَةً يُمْكِنُ الْإِحَالَةُ عَلَيْهَا ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا .\rوَلَوْ كَانَ جَامِدًا ، فَأَدْنَى مِنْهُ آخَرُ نَارًا ، فَأَذَابَهُ فَسَالَ ، فَالضَّمَانُ عَلَى مَنْ أَذَابَهُ ؛ لِأَنَّ سَبَبَهُ أَخَصُّ ، لِكَوْنِ التَّلَفِ يَعْقُبُهُ ، فَأَشْبَهَ الْمُنَفِّرَ مَعَ فَاتِحِ الْقَفَصِ .\rوَقَالَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ : لَا ضَمَانَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا ، كَسَارِقَيْنِ نَقَّبَ أَحَدُهُمَا ، وَأَخْرَجَ الْآخَرُ الْمَتَاعَ .\rوَهَذَا فَاسِدٌ ؛ لِأَنَّ مُدْنِيَ النَّارِ أَلْجَأَهُ إلَى الْخُرُوجِ فَضَمِنَهُ ، كَمَا لَوْ كَانَ وَاقِفًا فَدَفَعَهُ .\rوَالْمَسْأَلَةُ حُجَّةٌ عَلَيْهِ ؛ فَإِنَّ الضَّمَانَ عَلَى مُخْرِجِ الْمَتَاعِ مِنْ الْحِرْزِ ، وَالْقَطْعُ حَدٌّ لَا يَجِبُ إلَّا بِهَتْكِ الْحِرْزِ وَأَخْذِ الْمَالِ جَمِيعًا ، ثُمَّ إنَّ الْحَدَّ يُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ ، بِخِلَافِ الضَّمَانِ .\rوَلَوْ أَذَابَهُ أَحَدُهُمَا","part":11,"page":140},{"id":5140,"text":"أَوَّلًا ، ثُمَّ فَتَحَ الثَّانِي رَأْسَهُ ، فَانْدَفَقَ ، فَالضَّمَانُ عَلَى الثَّانِي ؛ لِأَنَّ التَّلَفَ تَعَقَّبَهُ .\rوَإِنْ فَتَحَ زِقًّا مُسْتَعْلِيَ الرَّأْسِ ، فَخَرَجَ بَعْضُ مَا فِيهِ ، وَاسْتَمَرَّ خُرُوجُهُ قَلِيلًا قَلِيلًا ، فَجَاءَ آخَرُ فَنَكَّسَهُ ، فَانْدَفَقَ ، فَضَمَانُ مَا خَرَجَ بَعْدَ التَّنْكِيسِ عَلَى الْمُنَكِّسِ ، وَمَا قَبْلَهُ عَلَى الْفَاتِحِ ؛ لِأَنَّ فِعْلَ الثَّانِي أَخَصُّ ، كَالْجَارِحِ وَالذَّابِحِ .","part":11,"page":141},{"id":5141,"text":"( 4007 ) فَصْلٌ : وَإِنْ حَلَّ رِبَاطَ سَفِينَةٍ فَذَهَبَتْ أَوْ غَرِقَتْ ، فَعَلَيْهِ قِيمَتُهَا ، سَوَاءٌ تَعَقَّبَ فِعْلَهُ أَوْ تَرَاخَى .\rوَالْخِلَافُ فِيهَا كَالْخِلَافِ فِي الطَّائِرِ فِي الْقَفَصِ .","part":11,"page":142},{"id":5142,"text":"( 4008 ) فَصْلٌ : وَإِذَا أَوْقَدَ فِي مِلْكِهِ نَارًا ، أَوْ فِي مَوَاتٍ ، فَطَارَتْ شَرَارَةٌ إلَى دَارِ جَارِهِ فَأَحْرَقَتْهَا ، أَوْ سَقَى أَرْضَهُ فَنَزَلَ الْمَاءُ إلَى أَرْضِ جَارِهِ فَغَرَّقَهَا ، لَمْ يَضْمَنْ إذَا كَانَ فَعَلَ مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ مِنْ غَيْرِ تَفْرِيطٍ ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَعَدٍّ ، وَلِأَنَّهَا سِرَايَةُ فِعْلٍ مُبَاحٍ ، فَلَمْ يَضْمَنْ ، كَسِرَايَةِ الْقَوَدِ ، وَفَارَقَ مَنْ حَلَّ زِقًّا فَانْدَفَقَ ؛ لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ بِحَلِّهِ ، وَلِأَنَّ الْغَالِبَ خُرُوجُ الْمَائِعِ مِنْ الزِّقِّ الْمَفْتُوحِ ، وَلَيْسَ الْغَالِبُ سِرَايَةَ هَذَا الْفِعْلِ الْمُعْتَادِ إلَى تَلَفِ مَالِ غَيْرِهِ .\rوَإِنْ كَانَ ذَلِكَ بِتَفْرِيطٍ مِنْهُ ، بِأَنْ أَجَّجَ نَارًا تَسْرِي فِي الْعَادَةِ لِكَثْرَتِهَا ، أَوْ فِي رِيحٍ شَدِيدَةٍ تَحْمِلُهَا ، أَوْ فَتَحَ مَاءً كَثِيرًا يَتَعَدَّى ، أَوْ فَتَحَ الْمَاءَ فِي أَرْضِ غَيْرِهِ ، أَوْ أَوْقَدَ فِي دَارِ غَيْرِهِ ، ضَمِنَ مَا تَلِفَ بِهِ .\rوَإِنْ سَرَى إلَى غَيْرِ الدَّارِ الَّتِي أَوْقَدَ فِيهَا ، وَالْأَرْضِ الَّتِي فَتَحَ الْمَاءَ فِيهَا ؛ لِأَنَّهَا سِرَايَةُ عُدْوَانٍ ، أَشْبَهَتْ سِرَايَةُ الْجُرْحِ الَّذِي تَعَدَّى بِهِ .\rوَإِنْ أَوْقَدَ نَارًا فَأَيْبَسَتْ أَغْصَانَ شَجَرَةِ غَيْرِهِ ، ضَمِنَهَا ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَكُونُ إلَّا مِنْ نَارٍ كَثِيرَةٍ ، إلَّا أَنْ تَكُونَ الْأَغْصَانُ فِي هَوَائِهِ ، فَلَا يَضْمَنُهَا ؛ لِأَنَّ دُخُولَهَا عَلَيْهِ غَيْرُ مُسْتَحَقٍّ ، فَلَا يُمْنَعُ مِنْ التَّصَرُّفِ فِي دَارِهِ ؛ لِحُرْمَتِهَا .\rوَهَذَا الْفَصْلُ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فِيهِ كَمَا ذَكَرْنَا سَوَاءٌ .","part":11,"page":143},{"id":5143,"text":"( 4009 ) فَصْلٌ : وَإِنْ أَلْقَتْ الرِّيحُ إلَى دَارِهِ ثَوْبَ غَيْرِهِ ، لَزِمَهُ حِفْظُهُ ؛ لِأَنَّهُ أَمَانَةٌ حَصَلَتْ تَحْتَ يَدِهِ ، فَلَزِمَهُ حِفْظُهُ ، كَاللُّقَطَةِ .\rوَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ صَاحِبَهُ ، فَهُوَ لُقَطَةٌ تَثْبُتُ فِيهِ أَحْكَامُهَا وَإِنْ عَرَفَ صَاحِبَهُ ، لَزِمَهُ إعْلَامُهُ ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ ضَمِنَهُ ؛ لِأَنَّهُ أَمْسَكَ مَالَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ مِنْ غَيْرِ تَعْرِيفٍ ، فَصَارَ كَالْغَاصِبِ .\rوَإِنْ سَقَطَ طَائِرٌ فِي دَارِهِ ، لَمْ يَلْزَمْهُ حِفْظُهُ ، وَلَا إعْلَامُ صَاحِبِهِ ؛ لِأَنَّهُ مَحْفُوظٌ بِنَفْسِهِ .\rوَإِنْ دَخَلَ بُرْجَهُ ، فَأَغْلَقَ عَلَيْهِ الْبَابَ نَاوِيًا إمْسَاكَهُ لِنَفْسِهِ ، ضَمِنَهُ ؛ لِأَنَّهُ أَمْسَكَ مَالَ غَيْرِهِ لِنَفْسِهِ ، فَهُوَ كَالْغَاصِبِ ، وَإِلَّا فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ يَتَصَرَّفُ فِي بُرْجِهِ كَيْفَ شَاءَ ، فَلَا يَضْمَنُ مَالَ غَيْرِهِ بِتَلَفِهِ ضِمْنًا ، لِتَصَرُّفِهِ الَّذِي لَمْ يَتَعَدَّ فِيهِ .","part":11,"page":144},{"id":5144,"text":"( 4010 ) فَصْلٌ : إذَا أَكَلَتْ بَهِيمَةٌ حَشِيشَ قَوْمٍ ، وَيَدُ صَاحِبِهَا عَلَيْهَا ، لِكَوْنِهِ مَعَهَا ، ضَمِنَ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهَا ، لَمْ يَضْمَنْ مَا أَكَلَتْهُ .\rوَإِذَا اسْتَعَارَ مِنْ رَجُلٍ بَهِيمَتَهُ ، فَأَتْلَفَتْ شَيْئًا وَهِيَ فِي يَدِ الْمُسْتَعِيرِ ، فَضَمَانُهُ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ ، سَوَاءٌ أَتْلَفَتْ شَيْئًا لِمَالِكِهَا أَوْ لِغَيْرِهِ ؛ لِأَنَّ ضَمَانَهُ يَجِبُ بِالْيَدِ ، وَالْيَدُ لِلْمُسْتَعِيرِ .\rوَإِنْ كَانَتْ الْبَهِيمَةُ فِي يَدِ الرَّاعِي ، فَأَتْلَفَتْ زَرْعًا ، فَالضَّمَانُ عَلَى الرَّاعِي دُونَ صَاحِبِهَا ؛ لِأَنَّ إتْلَافَهَا لِلزَّرْعِ فِي النَّهَارِ لَا يَضْمَنُ إلَّا بِثُبُوتِ الْيَدِ عَلَيْهَا ، وَالْيَدُ لِلرَّاعِي دُونَ الْمَالِكِ ، فَكَانَ الضَّمَانُ عَلَيْهِ ، كَالْمُسْتَعِيرِ .\rوَإِنْ كَانَ الزَّرْعُ لِلْمَالِكِ ، فَإِنْ كَانَ لَيْلًا ضَمِنَ أَيْضًا ؛ لِأَنَّ ضَمَانَ الْيَدِ أَقْوَى ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَضْمَنُ بِهِ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ جَمِيعًا .","part":11,"page":145},{"id":5145,"text":"( 4011 ) فَصْلٌ : إذَا شَهِدَ بِالْغَصْبِ شَاهِدَانِ ، فَشَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ غَصَبَهُ يَوْمَ الْخَمِيسِ ، وَشَهِدَ آخَرُ أَنَّهُ غَصَبَهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ، لَمْ تَتِمَّ الْبَيِّنَةُ ، وَلَهُ أَنْ يَحْلِفَ مَعَ أَحَدِهِمَا .\rوَإِنْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ أَقَرَّ بِالْغَصْبِ يَوْمَ الْخَمِيسِ ، وَشَهِدَ الْآخَرُ أَنَّهُ أَقَرَّ بِغَصْبِهِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ، ثَبَتَتْ الْبَيِّنَةُ ؛ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ وَإِنْ اخْتَلَفَ رَجَعَ إلَى أَمْرٍ وَاحِدٍ .\rوَإِنْ شَهِدَ أَنَّهُ أَقَرَّ أَنَّهُ غَصَبَهُ يَوْمَ الْخَمِيسِ وَشَهِدَ الْآخَرُ أَنَّهُ غَصَبَهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ، لَمْ تَثْبُتْ الْبَيِّنَةُ أَيْضًا .\rوَإِنْ شَهِدَ لَهُ وَاحِدٌ ، وَحَلَفَ مَعَهُ ، ثَبَتَ الْغَصْبُ ، فَلَوْ كَانَ الْغَاصِبُ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ أَنَّهُ لَمْ يَغْصِبْهُ لَمْ نُوقِعْ طَلَاقَهُ ؛ لِأَنَّ الشَّاهِدَ وَالْيَمِينَ بَيِّنَةٌ فِي الْمَالِ ، لَا فِي الطَّلَاقِ .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":11,"page":146},{"id":5146,"text":"كِتَابُ الشُّفْعَةِ وَهِيَ اسْتِحْقَاقُ الشَّرِيكِ انْتِزَاعَ حِصَّةِ شَرِيكِهِ الْمُنْتَقِلَةِ عَنْهُ مِنْ يَدِ مَنْ انْتَقَلَتْ إلَيْهِ .\rوَهِيَ ثَابِتَةٌ بِالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ ؛ أَمَّا السُّنَّةُ ، فَمَا رَوَى جَابِرٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : { قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالشُّفْعَةِ فِيمَا لَمْ يُقْسَمْ ، فَإِذَا وَقَعَتْ الْحُدُودُ ، وَصُرِفَتْ الطُّرُقُ ، فَلَا شُفْعَةَ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَلِمُسْلِمِ قَالَ : { قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالشُّفْعَةِ فِي كُلِّ شِرْكٍ لَمْ يُقْسَمْ ؛ رَبْعَةٍ ، أَوْ حَائِطٍ ، لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَبِيعَ حَتَّى يَسْتَأْذِنَ شَرِيكَهُ .\rفَإِنْ شَاءَ أَخَذَ ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ ، فَإِنْ بَاعَ وَلَمْ يَسْتَأْذِنْهُ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ } .\rوَلِلْبُخَارِيِّ : { إنَّمَا جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الشُّفْعَةَ فِيمَا لَمْ يُقْسَمْ ، فَإِذَا وَقَعَتْ الْحُدُودُ ، وَصَرَفَتْ الطُّرُقُ ، فَلَا شُفْعَةَ .\r} وَأَمَّا الْإِجْمَاعُ ، فَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى إثْبَاتِ الشُّفْعَةِ لِلشَّرِيكِ الَّذِي لَمْ يُقَاسِمْ ، فِيمَا بِيعَ مِنْ أَرْضِ أَوْ دَارٍ أَوْ حَائِطٍ .\rوَالْمَعْنَى فِي ذَلِكَ أَنَّ أَحَدَ الشَّرِيكَيْنِ إذَا أَرَادَ أَنْ يَبِيعَ نَصِيبَهُ ، وَتَمَكَّنَ مِنْ بَيْعِهِ لِشَرِيكِهِ ، وَتَخْلِيصِهِ مِمَّا كَانَ بِصَدَدِهِ مِنْ تَوَقُّعِ الْخَلَاصِ وَالِاسْتِخْلَاصِ ، فَاَلَّذِي يَقْتَضِيه حُسْنُ الْعِشْرَةِ ، أَنْ يَبِيعَهُ مِنْهُ ، لِيَصِلَ إلَى غَرَضِهِ مِنْ بَيْعِ نَصِيبِهِ ، وَتَخْلِيصِ شَرِيكِهِ مِنْ الضَّرَرِ ، فَإِذَا لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ، وَبَاعَهُ لِأَجْنَبِيٍّ ، سَلَّطَ الشَّرْعُ الشَّرِيكَ عَلَى صَرْفِ ذَلِكَ إلَى نَفْسِهِ .\rوَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا خَالَفَ هَذَا إلَّا الْأَصَمَّ ، فَإِنَّهُ قَالَ : لَا تَثْبُتُ الشُّفْعَةُ ؛ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ إضْرَارًا بِأَرْبَابِ الْأَمْلَاكِ ، فَإِنَّ الْمُشْتَرِيَ إذَا عَلِمَ أَنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْهُ إذَا ابْتَاعَهُ ، لَمْ يَبْتَعْهُ ، وَيَتَقَاعَدُ الشَّرِيكُ عَنْ الشِّرَاءِ ، فَيَسْتَضِرُّ الْمَالِكُ .\rوَهَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ لِمُخَالَفَتِهِ","part":11,"page":147},{"id":5147,"text":"الْآثَارَ الثَّابِتَةَ وَالْإِجْمَاعَ الْمُنْعَقِدَ قَبْلَهُ .\rوَالْجَوَابُ عَمَّا ذَكَرَهُ مِنْ وَجْهَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، أَنَّا نُشَاهِدُ الشُّرَكَاءَ يَبِيعُونَ ، وَلَا يُعْدَمُ مَنْ يَشْتَرِي مِنْهُمْ غَيْرَ شُرَكَائِهِمْ ، وَلَمْ يَمْنَعْهُمْ اسْتِحْقَاقُ الشُّفْعَةِ مِنْ الشِّرَاءِ .\rالثَّانِي ، أَنَّهُ يُمْكِنُهُ إذَا لَحِقَتْهُ بِذَلِكَ مَشَقَّةٌ أَنْ يُقَاسِمَ ، فَيَسْقُطَ اسْتِحْقَاقُ الشُّفْعَةِ ، وَاشْتِقَاقُ الشُّفْعَةِ مِنْ الشَّفْعِ ، وَهُوَ الزَّوْجُ ، فَإِنَّ الشَّفِيعَ كَانَ نَصِيبُهُ مُنْفَرِدًا فِي مِلْكِهِ ، فَبِالشُّفْعَةِ يَضُمُّ الْمَبِيعَ إلَى مِلْكِهِ فَيَشْفَعُهُ بِهِ .\rوَقِيلَ : اشْتِقَاقُهَا مِنْ الزِّيَادَةِ ؛ لِأَنَّ الشَّفِيعَ يَزِيدُ الْمَبِيعَ فِي مِلْكِهِ .","part":11,"page":148},{"id":5148,"text":"( 4012 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ ( وَلَا يَجِبُ الشُّفْعَةُ إلَّا لِلشَّرِيكِ الْمُقَاسِمِ ، فَإِذَا وَقَعَتْ الْحُدُودُ ، وَصَرَفَتْ الطُّرُقُ ، فَلَا شُفْعَةَ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الشُّفْعَةَ تَثْبُتُ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ ، إذْ هِيَ انْتِزَاعُ مِلْكِ الْمُشْتَرِي بِغَيْرِ رِضَاءٍ مِنْهُ ، وَإِجْبَارٌ لَهُ عَلَى الْمُعَاوَضَةِ ، مَعَ مَا ذَكَرَهُ الْأَصَمُّ ، لَكِنْ أَثْبَتَهَا الشَّرْعُ لِمَصْلَحَةٍ رَاجِحَةٍ ، فَلَا تَثْبُتُ إلَّا بِشُرُوطٍ أَرْبَعَةٍ : أَحَدُهَا ، أَنْ يَكُونَ الْمِلْكُ مُشَاعًا غَيْرَ مَقْسُومٍ .\rفَأَمَّا الْجَارُ فَلَا شُفْعَةَ لَهُ ، وَبِهِ قَالَ عُمَرُ ، وَعُثْمَانُ ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَيَحْيَى الْأَنْصَارِيُّ ، وَأَبُو الزِّنَادِ ، وَرَبِيعَةُ ، وَالْمُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَمَالِكٌ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ ، وَقَالَ ابْنُ شُبْرُمَةَ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ : الشُّفْعَةُ بِالشَّرِكَةِ ، ثُمَّ بِالشَّرِكَةِ فِي الطَّرِيقِ ، ثُمَّ بِالْجِوَارِ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يُقَدَّمُ الشَّرِيكُ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ ، وَكَانَ الطَّرِيقُ مُشْتَرَكًا ، كَدَرْبٍ لَا يَنْفُذُ ، تَثْبُتُ الشُّفْعَةُ لِجَمِيعِ أَهْلِ الدَّرْبِ ، الْأَقْرَبِ فَالْأَقْرَبِ ، فَإِنْ لَمْ يَأْخُذُوا ، ثَبَتَتْ لِلْمُلَاصِقِ مِنْ دَرْبٍ آخَرَ خَاصَّةً .\rوَقَالَ الْعَنْبَرِيُّ ، وَسَوَّارٌ : تَثْبُتُ بِالشَّرِكَةِ فِي الْمَالِ ، وَبِالشَّرِكَةِ فِي الطَّرِيقِ .\rوَاحْتَجُّوا بِمَا رَوَى أَبُو رَافِعٍ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الْجَارُ أَحَقُّ بِصَقَبِهِ } .\rرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُد .\rوَرَوَى الْحَسَنُ ، عَنْ سَمُرَةَ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { جَارُ الدَّارِ أَحَقُّ بِالدَّارِ } .\rرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ .\rوَقَالَ : حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ .\rوَرَوَى التِّرْمِذِيُّ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ : { الْجَارُ أَحَقُّ بِدَارِهِ بِشُفْعَتِهِ يُنْتَظَرُ بِهِ إذَا كَانَ","part":11,"page":149},{"id":5149,"text":"غَائِبًا ، إذَا كَانَ طَرِيقُهُمَا وَاحِدًا } .\rوَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ .\rوَلِأَنَّهُ اتِّصَالُ مِلْكٍ يَدُومُ وَيَتَأَبَّدُ ، فَتَثْبُتُ الشُّفْعَةُ بِهِ ، كَالشَّرِكَةِ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : الشُّفْعَةُ فِيمَا لَمْ يُقْسَمْ ، فَإِذَا وَقَعَتْ الْحُدُودُ ، وَصُرِّفَتْ الطُّرُقُ ، فَلَا شُفْعَةَ } .\rوَرَوَى ابْنُ جُرَيْجٍ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، أَوْ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، أَوْ عَنْهُمَا ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إذَا قُسِّمَتْ الْأَرْضُ ، وَحُدَّتْ ، فَلَا شُفْعَةَ فِيهَا } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَلِأَنَّ الشُّفْعَةَ ثَبَتَتْ فِي مَوْضِعِ الْوِفَاقِ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ ، لِمَعْنًى مَعْدُومٍ فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ ، فَلَا تَثْبُتُ فِيهِ ، وَبَيَانُ انْتِفَاءِ الْمَعْنَى ، هُوَ أَنَّ الشَّرِيكَ رُبَّمَا دَخَلَ عَلَيْهِ شَرِيكٌ ، فَيَتَأَذَّى بِهِ ، فَتَدْعُوهُ الْحَاجَةُ إلَى مُقَاسَمَتِهِ أَوْ يَطْلُبُ الدَّاخِلُ الْمُقَاسَمَةَ ، فَيَدْخُلُ الضَّرَرُ عَلَى الشَّرِيكِ بِنَقْصِ قِيمَةِ مِلْكِهِ ، وَمَا يَحْتَاجُ إلَى إحْدَاثِهِ مِنْ الْمَرَافِقِ ، وَهَذَا لَا يُوجَدُ فِي الْمَقْسُومِ .\rفَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي رَافِعٍ ، فَلَيْسَ بِصَرِيحٍ فِي الشُّفْعَةِ ، فَإِنَّ الصَّقَبَ الْقُرْبُ .\rيُقَالُ بِالسِّينِ وَالصَّادِ .\rقَالَ الشَّاعِرُ : كُوفِيَّةٌ نَازِحٌ مَحَلَّتَهَا لَا أُمَمٌ دَارُهَا وَلَا صَقَبُ فَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ بِإِحْسَانِ جَارِهِ وَصِلَتِهِ وَعِيَادَتِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ .\rوَخَبَرُنَا صَرِيحٌ صَحِيحٌ ، فَيُقَدَّمُ ، وَبَقِيَّةُ الْأَحَادِيثِ فِي أَسَانِيدِهَا مَقَالٌ .\rفَحَدِيثُ سَمُرَةَ يَرْوِيه عَنْهُ الْحَسَنُ ، وَلَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ إلَّا حَدِيثَ الْعَقِيقَةِ .\rقَالَهُ أَصْحَابُ الْحَدِيثِ .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : الثَّابِتُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدِيثُ جَابِرٍ ، الَّذِي رَوَيْنَاهُ ، وَمَا عَدَاهُ مِنْ الْأَحَادِيثِ فِيهَا مَقَالٌ .\rعَلَى أَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ بِالْجَارِ الشَّرِيكَ ؛ فَإِنَّهُ جَارٌ أَيْضًا ، وَيُسَمَّى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الزَّوْجَيْنِ جَارًا ، قَالَ","part":11,"page":150},{"id":5150,"text":"الشَّاعِرُ : أَجَارَتَنَا بِينِي فَإِنَّك طَالِقَهْ كَذَاك أُمُورُ النَّاسِ غَادٍ وَطَارِقَهْ قَالَهُ الْأَعْشَى .\rوَتُسَمَّى الضَّرَّتَانِ جَارَتَيْنِ ؛ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي الزَّوْجِ .\rقَالَ حَمَلُ بْنُ مَالِكٍ : كُنْت بَيْنَ جَارَتَيْنِ لِي ، فَضَرَبَتْ إحْدَاهُمَا الْأُخْرَى بِمِسْطَحٍ ، فَقَتَلَتْهَا وَجَنِينَهَا .\rوَهَذَا يُمْكِنُ فِي تَأْوِيلِ حَدِيثِ أَبِي رَافِعٍ أَيْضًا .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ الطَّرِيقِ مُفْرَدَةً أَوْ مُشْتَرَكَةً .\rقَالَ أَحْمَدُ ، فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ ، فِي رَجُلٍ لَهُ أَرْضٌ تَشْرَبُ هِيَ وَأَرْضُ غَيْرِهِ مِنْ نَهْرٍ وَاحِدٍ : وَلَا شُفْعَةَ لَهُ مِنْ أَجْلِ الشُّرْبِ ، إذَا وَقَعَتْ الْحُدُودُ فَلَا شُفْعَةَ .\rوَقَالَ ، فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ ، وَعَبْدِ اللَّهِ ، وَمُثَنَّى ، فِي مَنْ لَا يَرَى الشُّفْعَةَ بِالْجِوَارِ ، وَقُدِّمَ إلَى الْحَاكِمِ فَأَنْكَرَ : لَمْ يَحْلِفْ إنَّمَا هُوَ اخْتِيَارٌ ، وَقَدْ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهِ ، قَالَ الْقَاضِي : إنَّمَا هَذَا لِأَنَّ يَمِينَ الْمُنْكِرِ هَاهُنَا عَلَى الْقَطْعِ وَالْبَتِّ ، وَمَسَائِلُ الِاجْتِهَادِ مَظْنُونَةٌ ، فَلَا يُقْطَعُ بِبُطْلَانِ مَذْهَبِ الْمُخَالِفِ ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُحْمَلَ كَلَامُ أَحْمَدَ هَاهُنَا عَلَى الْوَرَعِ ، لَا عَلَى التَّحْرِيمِ ؛ لِأَنَّهُ يَحْكُمُ بِبُطْلَانِ مَذْهَبِ الْمُخَالِفِ .\rوَيَجُوزُ لِلْمُشْتَرِي الِامْتِنَاعُ بِهِ مِنْ تَسْلِيمِ الْمَبِيعِ ، فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى .","part":11,"page":151},{"id":5151,"text":"( 4013 ) فَصْلٌ : الشَّرْطُ الثَّانِي ، أَنْ يَكُونَ الْمَبِيعُ أَرْضًا ؛ لِأَنَّهَا الَّتِي تَبْقَى عَلَى الدَّوَامِ ، وَيُدَوِّهِ ضَرَرُهَا ، وَأَمَّا غَيْرُهَا فَيَنْقَسِمُ قِسْمَيْنِ ؛ أَحَدَهُمَا ، تَثْبُتُ فِيهِ الشُّفْعَةُ تَبَعًا لِلْأَرْضِ ، وَهُوَ الْبِنَاءُ وَالْغِرَاسُ يُبَاعُ مَعَ الْأَرْضِ ، فَإِنَّهُ يُؤْخَذُ بِالشُّفْعَةِ تَبَعًا لِلْأَرْضِ ، بِغَيْرِ خِلَافٍ فِي الْمَذْهَبِ ، وَلَا نَعْرِفُ فِيهِ بَيْنَ مَنْ أَثْبَتَ الشُّفْعَةَ خِلَافًا .\rوَقَدْ دَلَّ عَلَيْهِ { قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَضَاؤُهُ بِالشُّفْعَةِ فِي كُلِّ شِرْكٍ لَمْ يُقْسَمْ ، رَبْعَةٍ أَوْ حَائِطٍ } .\rوَهَذَا يَدْخُلُ فِيهِ الْبِنَاءُ وَالْأَشْجَارُ .\rالْقِسْمُ الثَّانِي ، مَا لَا تَثْبُتُ فِيهِ الشُّفْعَةُ تَبَعًا وَلَا مُفْرَدًا ، وَهُوَ الزَّرْعُ وَالثَّمَرَةُ الظَّاهِرَةُ تُبَاعُ مَعَ الْأَرْضِ ؛ فَإِنَّهُ لَا يُؤْخَذُ بِالشُّفْعَةِ مَعَ الْأَصْلِ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٌ : يُؤْخَذُ ذَلِكَ بِالشُّفْعَةِ مَعَ أُصُولِهِ ؛ لِأَنَّهُ مُتَّصِلٌ بِمَا فِيهِ الشُّفْعَةُ ، فَيَثْبُتُ فِيهِ الشُّفْعَةُ تَبَعًا ، كَالْبِنَاءِ وَالْغِرَاسِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ فِي الْبَيْعِ تَبَعًا .\rفَلَا يُؤْخَذُ بِالشُّفْعَةِ ، كَقُمَاشِ الدَّارِ ، وَعَكْسُهُ الْبِنَاءُ وَالْغِرَاسُ ، وَتَحْقِيقُهُ أَنَّ الشُّفْعَةَ بَيْعٌ فِي الْحَقِيقَةِ ، لَكِنَّ الشَّارِعَ جَعَلَ لَهُ سُلْطَانَ الْأَخْذِ بِغَيْرِ رِضَى الْمُشْتَرِي ، فَإِنْ بِيعَ الشَّجَرُ وَفِيهِ ثَمَرَةٌ غَيْرُ ظَاهِرَةٍ ، كَالطَّلْعِ غَيْرِ الْمُؤَبَّرِ ، دَخَلَ فِي الشُّفْعَةِ ؛ لِأَنَّهَا تَتْبَعُ فِي الْبَيْعِ ، فَأَشْبَهَتْ الْغِرَاسَ فِي الْأَرْضِ .\rوَأَمَّا مَا بِيعَ مُفْرَدًا مِنْ الْأَرْضِ ، فَلَا شُفْعَةَ فِيهِ ، سَوَاءٌ كَانَ مِمَّا يُنْقَلُ ، كَالْحَيَوَانِ وَالثِّيَابِ وَالسُّفُنِ وَالْحِجَارَةِ وَالزَّرْعِ وَالثِّمَارِ ، أَوْ لَا يُنْقَلُ ، كَالْبِنَاءِ وَالْغِرَاسِ إذَا بِيعَ مُفْرَدًا ، وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْي .\rوَرُوِيَ عَنْ الْحَسَنِ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَالْعَنْبَرِيِّ ، وَقَتَادَةَ ،","part":11,"page":152},{"id":5152,"text":"وَرَبِيعَةَ ، وَإِسْحَاقَ : لَا شُفْعَةَ فِي الْمَنْقُولَاتِ .\rوَاخْتَلَفَ عَنْ مَالِكٍ وَعَطَاءٍ ، فَقَالَا مَرَّةً كَذَلِكَ ، وَمَرَّةً قَالَا : الشُّفْعَةُ فِي كُلِّ شَيْءٍ ، حَتَّى فِي الثَّوْبِ .\rقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى : وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ رِوَايَةٌ أُخْرَى ، أَنَّ الشُّفْعَةَ وَاجِبَةٌ فِيمَا لَا يَنْقَسِمُ كَالْحِجَارَةِ وَالسَّيْفِ وَالْحَيَوَانِ ، وَمَا فِي مَعْنَى ذَلِكَ .\rقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى ، أَنَّ الشُّفْعَةَ تَجِبُ فِي الْبِنَاءِ وَالْغِرَاسِ ، وَإِنْ بِيعَ مُفْرَدًا .\rوَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ؛ لِعُمُومِ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { الشُّفْعَةُ فِيمَا لَمْ يُقْسَمْ } .\rوَلِأَنَّ الشُّفْعَةَ وُضِعَتْ لِدَفْعِ الضَّرَرِ ، وَحُصُولُ الضَّرَرِ بِالشَّرِكَةِ فِيمَا لَا يَنْقَسِمُ أَبْلَغُ مِنْهُ فِيمَا يَنْقَسِمُ ، وَلِأَنَّ ابْنَ أَبِي مُلَيْكَةَ رَوَى أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { الشُّفْعَةُ فِي كُلِّ شَيْءٍ } .\rوَلَنَا أَنَّ قَوْلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الشُّفْعَةُ فِيمَا لَمْ يُقْسَمْ ، فَإِذَا وَقَعَتْ الْحُدُودُ ، وَصُرِّفَتْ الطُّرُقُ ، فَلَا شُفْعَةَ } .\rلَا يَتَنَاوَلُ إلَّا مَا ذَكَرْنَاهُ ، وَإِنَّمَا أَرَادَ مَا لَا يَنْقَسِمُ مِنْ الْأَرْضِ ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ : \" فَإِذَا وَقَعَتْ الْحُدُودُ ، وَصُرِّفَتْ الطُّرُقُ \" .\rوَلِأَنَّ هَذَا مِمَّا لَا يَتَبَاقَى عَلَى الدَّوَامِ ، فَلَا تَجِبُ فِيهِ الشُّفْعَةُ ، كَصُبْرَةِ الطَّعَامِ وَحَدِيثُ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ مُرْسَلٌ ، لَمْ يَرِدْ فِي الْكُتُبِ الْمَوْثُوقِ بِهَا ، وَالْحُكْمُ فِي الْغِرَافِ وَالدُّولَابِ وَالنَّاعُورَةِ ، كَالْحُكْمِ فِي الْبِنَاءِ .\rفَأَمَّا إنْ بِيعَتْ الشَّجَرَةُ مَعَ قَرَارِهَا مِنْ الْأَرْضِ ، مُفْرَدَةً عَمَّا يَتَخَلَّلُهَا مِنْ الْأَرْضِ ، فَحُكْمُهَا حُكْمُ مَا لَا يَنْقَسِمُ مِنْ الْعَقَارِ ، وَلِأَنَّ هَذَا مِمَّا لَا يَنْقَسِمُ ، عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا تَجِبَ الشُّفْعَةُ فِيهَا بِحَالٍ ؛ لِأَنَّ الْقَرَارَ تَابِعٌ لَهَا ، فَإِذَا لَمْ تَجِبْ الشُّفْعَةُ فِيهَا مُفْرَدَةً ، لَمْ تَجِبَ فِي تَبَعِهَا .\rوَإِنْ","part":11,"page":153},{"id":5153,"text":"بِيعَتْ حِصَّةٌ مِنْ عُلْوِ دَارٍ مُشْتَرَكٍ نَظَرْت ؛ فَإِنْ كَانَ السَّقْفُ الَّذِي تَحْتَهُ لِصَاحِبِ السُّفْلِ ، فَلَا شُفْعَةَ فِي الْعُلْوِ ؛ لِأَنَّهُ بِنَاءٌ مُفْرَدٌ ، وَإِنْ كَانَ لِصَاحِبِ الْعُلْوِ ، فَكَذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ بِنَاءٌ مُنْفَرِدٌ لِكَوْنِهِ لَا أَرْضَ لَهُ ، فَهُوَ كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ السَّقْفُ لَهُ .\rوَيَحْتَمِلُ ثُبُوتُ الشُّفْعَةِ ؛ لِأَنَّ لَهُ قَرَارًا ، فَهُوَ كَالسُّفْلِ .","part":11,"page":154},{"id":5154,"text":"فَصْلٌ : الشَّرْطُ الثَّالِثُ ، أَنْ يَكُونَ الْمَبِيعُ مِمَّا يُمْكِنُ قِسْمَتُهُ ، فَأَمَّا مَا لَا يُمْكِنُ قِسْمَتُهُ مِنْ الْعَقَارِ ، كَالْحَمَّامِ الصَّغِيرِ ، وَالرَّحَى الصَّغِيرَةِ ، وَالْعِضَادَةِ ، وَالطَّرِيقِ الضَّيِّقَةِ ، وَالْعِرَاصِ الضَّيِّقَةِ ، فَعَنْ أَحْمَدَ فِيهَا رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، لَا شُفْعَةَ فِيهِ .\rوَبِهِ قَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، وَرَبِيعَةُ ، وَالشَّافِعِيُّ .\rوَالثَّانِيَةُ ، فِيهَا الشُّفْعَةُ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَابْنِ سُرَيْجٍ .\rوَعَنْ مَالِكٍ كَالرِّوَايَتَيْنِ .\rوَوَجْهُ هَذَا عُمُومُ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ { الشُّفْعَةُ فِيمَا لَمْ يُقْسَمْ } .\rوَسَائِرُ الْأَلْفَاظِ الْعَامَّةِ ، وَلِأَنَّ الشُّفْعَةَ ثَبَتَتْ لِإِزَالَةِ ضَرَرِ الْمُشَارَكَةِ وَالضَّرَرُ فِي هَذَا النَّوْعِ أَكْثَرُ ؛ لِأَنَّهُ يَتَأَبَّدُ ضَرَرُهُ .\rوَالْأَوَّلُ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ لِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { لَا شُفْعَةَ فِي فِنَاءٍ ، وَلَا طَرِيقٍ ، وَلَا مُنَقِّبَةٍ } .\rوَالْمُنَقِّبَةُ : الطَّرِيقُ الضَّيِّقُ .\rرَوَاهُ أَبُو الْخَطَّابِ فِي \" رُءُوسِ الْمَسَائِلِ \" .\rوَرُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : لَا شُفْعَةَ فِي بِئْرٍ وَلَا فَحْلٍ .\rوَلِأَنَّ إثْبَاتَ الشُّفْعَةِ فِي هَذَا يَضُرُّ بِالْبَائِعِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَتَخَلَّصَ مِنْ إثْبَاتِ الشُّفْعَةِ فِي نَصِيبِهِ بِالْقِسْمَةِ ، وَقَدْ يَمْتَنِعُ الْمُشْتَرِي لِأَجْلِ الشَّفِيعِ ، فَيَتَضَرَّرُ الْبَائِعُ ، وَقَدْ يَمْتَنِعُ الْبَيْعُ ، فَتَسْقُطُ الشُّفْعَةُ فَيُؤَدِّي إثْبَاتُهَا إلَى نَفْيِهَا .\rوَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ : إنَّ الشُّفْعَةَ إنَّمَا تَثْبُتُ لِدَفْعِ الضَّرَرِ الَّذِي يَلْحَقُهُ بِالْمُقَاسَمَةِ ، لِمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ إحْدَاثِ الْمَرَافِقِ الْخَاصَّةِ ، وَلَا يُوجَدُ هَذَا فِيمَا لَا يَنْقَسِمُ .\rوَقَوْلُهُمْ : إنَّ الضَّرَرَ هَاهُنَا أَكْثَرُ لِتَأَبُّدِهِ .\rقُلْنَا : إلَّا أَنَّ الضَّرَرَ فِي مَحَلِّ الْوِفَاقِ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ هَذَا الضَّرَرِ ، وَهُوَ ضَرَرُ الْحَاجَةِ إلَى إحْدَاثِ الْمَرَافِقِ الْخَاصَّةِ ، فَلَا يُمْكِنُ","part":11,"page":155},{"id":5155,"text":"التَّعْدِيَةُ ، وَفِي الشُّفْعَةِ هَاهُنَا ضَرَرٌ غَيْرُ مَوْجُودٍ فِي مَحَلِّ الْوِفَاقِ ، وَهُوَ مَا ذَكَرْنَاهُ فَتَعَذَّرَ الْإِلْحَاقُ ، فَأَمَّا مَا أَمْكَنَ قِسْمَتُهُ مِمَّا ذَكَرْنَا ، كَالْحَمَّامِ الْكَبِيرِ الْوَاسِعِ الْبُيُوتِ ، بِحَيْثُ إذَا قُسِّمَ لَمْ يُسْتَضْرَ بِالْقِسْمَةِ ، وَأَمْكَنَ الِانْتِفَاعُ بِهِ حَمَّامًا ، فَإِنَّ الشُّفْعَةَ تَجِبُ فِيهِ وَكَذَلِكَ الْبِئْرُ وَالدُّورُ وَالْعَضَائِدُ ، مَتَى أَمْكَنَ أَنْ يَحْصُلَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئَانِ ، كَالْبِئْرِ يَنْقَسِمُ بِئْرَيْنِ يَرْتَقِي الْمَاءُ مِنْهُمَا ، وَجَبَتْ الشُّفْعَةُ .\rوَكَذَلِكَ إنْ كَانَ مَعَ الْبِئْرِ بَيَاضُ أَرْضٍ ، بِحَيْثُ يَحْصُلُ الْبِئْرُ فِي أَحَدِ النَّصِيبَيْنِ ، وَجَبَتْ الشُّفْعَةُ أَيْضًا ؛ لِأَنَّهُ تُمْكِنُ الْقِسْمَةُ .\rوَهَكَذَا الرَّحَى إنْ كَانَ لَهَا حِصْنٌ يُمْكِنُ قِسْمَتُهُ ، بِحَيْثُ يَحْصُلُ الْحَجَرَانِ فِي أَحَدِ الْقِسْمَيْنِ ، أَوْ كَانَ فِيهَا أَرْبَعَةُ أَحْجَارٍ دَائِرَةٌ ، يُمْكِنُ أَنْ يَنْفَرِدَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِحَجَرَيْنِ ، وَجَبَتْ الشُّفْعَةُ ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ إلَّا أَنْ يَحْصُلَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ إبْقَائِهَا رَحَى ، لَمْ تَجِبْ الشُّفْعَةُ .\rفَأَمَّا الطَّرِيقُ ، فَإِنَّ الدَّارَ إذَا بِيعَتْ وَلَهَا طَرِيقٌ فِي شَارِعٍ أَوْ دَرْبٍ نَافِذٍ ، فَلَا شُفْعَةَ فِي تِلْكَ الدَّارِ وَلَا فِي الطَّرِيقِ ؛ لِأَنَّهُ لَا شَرِكَةَ لَأَحَدٍ فِي ذَلِكَ .\rوَإِنْ كَانَ الطَّرِيقُ فِي دَرْبٍ غَيْرِ نَافِذٍ ، وَلَا طَرِيقَ لِلدَّارِ سِوَى تِلْكَ الطَّرِيقِ ، فَلَا شُفْعَةَ أَيْضًا ؛ لِأَنَّ إثْبَاتَ ذَلِكَ يَضُرُّ بِالْمُشْتَرِي ، لِأَنَّ الدَّارَ تَبْقَى لَا طَرِيقَ لَهَا .\rوَإِنْ كَانَ لِلدَّارِ بَابٌ آخَرُ ، يُسْتَطْرَقُ مِنْهُ ، أَوْ كَانَ لَهَا مَوْضِعٌ يُفْتَحُ مِنْهُ بَابٌ لَهَا إلَى طَرِيقٍ نَافِذٍ ، نَظَرْنَا فِي طَرِيقِ الْمَبِيعِ مِنْ الدَّارِ ، فَإِنْ كَانَ مَمَرًّا لَا تُمْكِنُ قِسْمَتُهُ ، فَلَا شُفْعَةَ فِيهِ ، وَإِنْ كَانَ تُمْكِنُ قِسْمَتُهُ ، وَجَبَتْ الشُّفْعَةُ فِيهِ ؛ لِأَنَّهُ أَرْضٌ مُشْتَرَكَةٌ تَحْتَمِلُ الْقِسْمَةَ فَوَجَبَتْ فِيهِ الشُّفْعَةُ ، كَغَيْرِ الطَّرِيقِ ، وَيَحْتَمِلُ","part":11,"page":156},{"id":5156,"text":"أَنْ لَا تَجِبَ الشُّفْعَةُ فِيهَا بِحَالٍ ؛ لِأَنَّ الضَّرَرَ يَلْحَقُ الْمُشْتَرِيَ بِتَحْوِيلِ الطَّرِيقِ إلَى مَكَان آخَرَ ، مَعَ مَا فِي الْأَخْذِ بِالشُّفْعَةِ مِنْ تَفْرِيقِ صَفْقَةِ الْمُشْتَرِي ، وَأَخْذِ بَعْضِ الْمَبِيعِ مِنْ الْعَقَارِ دُونَ بَعْضٍ ، فَلَمْ يَجُزْ .\rكَمَا لَوْ كَانَ الشَّرِيكُ فِي الطَّرِيقِ شَرِيكًا فِي الدَّارِ ، فَأَرَادَ أَخْذَ الطَّرِيقِ وَحْدَهَا .\rوَالْقَوْلُ فِي دِهْلِيزِ الْجَارِ وَصَحْنِهِ ، كَالْقَوْلِ فِي الطَّرِيقِ الْمَمْلُوكِ .\rوَإِنْ كَانَ نَصِيبُ الْمُشْتَرِي مِنْ الطَّرِيقِ أَكْثَرَ مِنْ حَاجَتِهِ ، فَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّ الشُّفْعَةَ تَجِبُ فِي الزَّائِدِ بِكُلِّ حَالٍ ؛ لِوُجُودِ الْمُقْتَضِي ، وَعَدَمِ الْمَانِعِ .\rوَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا شُفْعَةَ فِيهِ ؛ لِأَنَّ فِي ثُبُوتِهَا تَبْعِيضَ صَفْقَةِ الْمُشْتَرِي ، وَلَا يَخْلُو مِنْ الضَّرَرِ .","part":11,"page":157},{"id":5157,"text":"( 4015 ) فَصْلٌ : الشَّرْطُ الرَّابِعُ ، أَنْ يَكُونَ الشِّقْصُ مُنْتَقِلًا بِعِوَضٍ ، وَأَمَّا الْمُنْتَقِلُ بِغَيْرِ عِوَضٍ ، كَالْهِبَةِ بِغَيْرِ ثَوَابٍ ، وَالصَّدَقَةِ ، وَالْوَصِيَّةِ ، وَالْإِرْثِ ، فَلَا شُفْعَةَ فِيهِ ، فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ ؛ مِنْهُمْ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ رِوَايَةٌ أُخْرَى فِي الْمُنْتَقِلِ بِهِبَةٍ أَوْ صَدَقَةٍ ، أَنَّ فِيهِ الشُّفْعَةَ ، وَيَأْخُذُهُ الشَّفِيعُ بِقِيمَتِهِ .\rوَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ أَبِي لَيْلَى ؛ لِأَنَّ الشُّفْعَةَ ثَبَتَتْ لِإِزَالَةِ ضَرَرِ الشَّرِكَةِ ، وَهَذَا مَوْجُودٌ فِي الشَّرِكَةِ كَيْفَمَا كَانَ ، وَالضَّرَرُ اللَّاحِقُ بِالْمُتَّهَبِ دُونَ ضَرَرِ الْمُشْتَرِي ؛ لِأَنَّ إقْدَامَ الْمُشْتَرِي عَلَى شِرَاءِ الشِّقْصِ ، وَبَذْلَهُ مَالَهُ فِيهِ ، دَلِيلُ حَاجَتِهِ إلَيْهِ ، فَانْتِزَاعُهُ مِنْهُ أَعْظَمُ ضَرَرًا مِنْ أَخْذِهِ مِمَّنْ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ دَلِيلُ الْحَاجَةِ إلَيْهِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ انْتَقَلَ بِغَيْرِ عِوَضٍ ، أَشْبَهَ الْمِيرَاثَ ، وَلِأَنَّ مَحَلَّ الْوِفَاقِ هُوَ الْبَيْعُ ، وَالْخَبَرُ وَرَدَ فِيهِ ، وَلَيْسَ غَيْرُهُ فِي مَعْنَاهُ ؛ لِأَنَّ الشَّفِيعَ يَأْخُذُهُ مِنْ الْمُشْتَرِي بِمِثْلِ السَّبَبِ الَّذِي انْتَقَلَ بِهِ إلَيْهِ ، وَلَا يُمْكِنُ هَذَا فِي غَيْرِهِ ، وَلِأَنَّ الشَّفِيعَ يَأْخُذُ الشِّقْصَ بِثَمَنِهِ ، لَا بِقِيمَتِهِ ، وَفِي غَيْرِهِ يَأْخُذُهُ بِقِيمَتِهِ ، فَافْتَرَقَا .\rفَأَمَّا الْمُنْتَقِلُ بِعِوَضٍ فَيَنْقَسِمُ قِسْمَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، مَا عِوَضُهُ الْمَالُ ، كَالْبَيْعِ ، فَهَذَا فِيهِ الشُّفْعَةُ بِغَيْرِ خِلَافٍ ، وَهُوَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ ، فَإِنْ بَاعَ وَلَمْ يُؤْذِنْهُ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ .\rوَكَذَلِكَ كُلُّ عَقْدٍ جَرَى مَجْرَى الْبَيْعِ ، كَالصُّلْحِ بِمَعْنَى الْبَيْعِ ، وَالصُّلْحِ عَنْ الْجِنَايَاتِ الْمُوجِبَةِ لِلْمَالِ ، وَالْهِبَةِ الْمَشْرُوطِ فِيهَا ثَوَابٌ مَعْلُومٌ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ بَيْعٌ ثَبَتَتْ فِيهِ أَحْكَامُ الْبَيْعِ ، وَهَذَا مِنْهَا .\rوَبِهِ يَقُولُ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ، إلَّا أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ وَأَصْحَابَهُ قَالُوا : لَا تَثْبُتُ","part":11,"page":158},{"id":5158,"text":"الشُّفْعَةُ فِي الْهِبَةِ الْمَشْرُوطِ فِيهَا ثَوَابٌ حَتَّى يَتَقَابَضَا ؛ لِأَنَّ الْهِبَةَ لَا تَثْبُتُ إلَّا بِالْقَبْضِ ، فَأَشْبَهَتْ الْبَيْعَ بِشَرْطِ الْخِيَارِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ يَمْلِكُهَا بِعِوَضٍ هُوَ مَالٌ ، فَلَمْ يَفْتَقِرْ إلَى الْقَبْضِ فِي اسْتِحْقَاقِ الشُّفْعَةِ ، كَالْبَيْعِ ، وَلَا يَصِحُّ مَا قَالُوهُ مِنْ اعْتِبَارِ لَفْظِ الْهِبَةِ ؛ لِأَنَّ الْعِوَضَ صَرَفَ اللَّفْظَ عَنْ مُقْتَضَاهُ ، وَجَعَلَهُ عِبَارَةً عَنْ الْبَيْعِ ، خَاصَّةً عِنْدَهُمْ ، فَإِنَّهُ يَنْعَقِدُ بِهَا النِّكَاحُ الَّذِي لَا تَصِحُّ الْهِبَةُ فِيهِ بِالِاتِّفَاقِ .\rالْقِسْمُ الثَّانِي ، مَا انْتَقَلَ بِعِوَضٍ غَيْرِ الْمَالِ ، نَحْوُ أَنْ يَجْعَلَ الشِّقْصَ مَهْرًا ، أَوْ عِوَضًا فِي الْخُلْعِ ، أَوْ فِي الصُّلْحِ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ ، فَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ أَنَّهُ لَا شُفْعَةَ فِيهِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَرَّضْ فِي جَمِيعِ مَسَائِلِهِ لِغَيْرِ الْبَيْعِ .\rوَهَذَا قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ .\rوَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ، حَكَاهُ عَنْهُمْ ابْنُ الْمُنْذِرِ ، وَاخْتَارَهُ .\rوَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ : تَجِبُ فِيهِ الشُّفْعَةُ .\rوَبِهِ قَالَ ابْنُ شُبْرُمَةَ ، وَالْحَارِثُ الْعُكْلِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى ، وَالشَّافِعِيُّ .\rثُمَّ اخْتَلَفُوا بِمَ يَأْخُذُهُ ؟ فَقَالَ ابْنُ شُبْرُمَةَ ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى : يَأْخُذُ الشِّقْصَ بِقِيمَتِهِ .\rقَالَ الْقَاضِي : هُوَ قِيَاسُ قَوْلِ ابْنِ حَامِدٍ ؛ لِأَنَّنَا لَوْ أَوْجَبْنَا مَهْرَ الْمِثْلِ ، لَقَوَّمْنَا الْبُضْعَ عَلَى الْأَجَانِبِ ، وَأَضْرَرْنَا بِالشَّفِيعِ ؛ لِأَنَّ مَهْرَ الْمِثْلِ يَتَفَاوَتُ مَعَ الْمُسَمَّى ، لِتَسَامُحِ النَّاسِ فِيهِ فِي الْعَادَةِ ، بِخِلَافِ الْبَيْعِ .\rوَقَالَ الشَّرِيفُ أَبُو جَعْفَرٍ ، قَالَ ابْنُ حَامِدٍ : إنْ كَانَ الشِّقْصُ صَدَاقًا ، أَوْ عِوَضًا فِي خَلَعَ ، أَوْ مُتْعَةً فِي طَلَاقٍ ، أَخَذَهُ الشَّفِيعُ بِمَهْرِ الْمَرْأَةِ ، وَهُوَ قَوْلُ الْعُكْلِيِّ ، وَالشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ مَلَكَ الشِّقْصَ بِبَدَلٍ لَيْسَ لَهُ مِثْلٌ ، فَيَجِبُ الرُّجُوعُ إلَى قِيمَةِ الْبَدَلِ فِي الْأَخْذِ بِالشُّفْعَةِ ، كَمَا لَوْ","part":11,"page":159},{"id":5159,"text":"بَاعَهُ بِعِوَضٍ ، وَاحْتَجُّوا عَلَى أَخْذِهِ بِالشُّفْعَةِ بِأَنَّهُ عَقَارٌ مَمْلُوكٌ بِعَقْدِ مُعَاوَضَةٍ ، فَأَشْبَهَ الْبَيْعَ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ مَمْلُوكٌ بِغَيْرِ مَالٍ ، أَشْبَهَ الْمَوْهُوبَ وَالْمَوْرُوثَ ، وَلِأَنَّهُ يَمْتَنِعُ أَخْذُهُ بِمَهْرِ الْمِثْلِ ؛ لِمَا ذَكَرَهُ مَالِكٌ ، وَبِالْقِيمَةِ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ عِوَضَ الشِّقْصِ ، فَلَا يَجُوزُ الْأَخْذُ بِهَا ، كَالْمَوْرُوثِ ، فَيَتَعَذَّرُ أَخْذُهُ ، وَلِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ عِوَضٌ يُمْكِنُ الْأَخْذُ بِهِ ، فَأَشْبَهَ الْمَوْهُوبَ وَالْمَوْرُوثَ ، وَفَارَقَ الْبَيْعَ ، فَإِنَّهُ أَمْكَنَ الْأَخْذُ بِعِوَضِهِ .\rفَإِنْ قُلْنَا : إنَّهُ يُؤْخَذُ بِالشُّفْعَةِ .\rفَطَلَّقَ الزَّوْجُ قَبْلَ الدُّخُولِ ، بَعْدَ عَفْوِ الشَّفِيعِ ، رَجَعَ بِنِصْفِ مَا أَصْدَقَهَا ؛ لِأَنَّهُ مَوْجُودٌ فِي يَدِهَا بِصِفَتِهِ ، وَإِنْ طَلَّقَهَا بَعْدَ أَخْذِ الشَّفِيعِ ، رَجَعَ بِنِصْفِ قِيمَتِهِ ؛ لِأَنَّ مِلْكَهَا زَالَ عَنْهُ ، فَهُوَ كَمَا لَوْ بَاعَتْهُ ، وَإِنْ طَلَّقَ قَبْلَ عِلْمِ الشَّفِيعِ ، ثُمَّ عَلِمَ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، حَقُّ الشَّفِيعِ مُقَدَّمٌ ؛ لِأَنَّ حَقَّهُ أَسْبَقُ ، لِأَنَّهُ يَثْبُتُ بِالنِّكَاحِ ، وَحَقُّ الزَّوْجِ بِالطَّلَاقِ .\rوَالثَّانِي ، حَقُّ الزَّوْجِ أَوْلَى ؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ ، وَالشُّفْعَةُ هَاهُنَا لَا نَصَّ فِيهَا وَلَا إجْمَاعَ .\rفَأَمَّا إنْ عَفَا الشَّفِيعُ ، ثُمَّ طَلَّقَ الزَّوْجُ ، فَرَجَعَ فِي نِصْفِ الشِّقْصِ ، لَمْ يَسْتَحِقَّ الشَّفِيعُ الْأَخْذَ مِنْهُ .\rوَكَذَلِكَ إنْ جَاءَ الْفَسْخُ مِنْ قِبَلِ الْمَرْأَةِ ، فَرَجَعَ الشِّقْصُ كُلُّهُ إلَى الزَّوْجِ ، لَمْ يَسْتَحِقَّ الشَّفِيعُ أَخْذَهُ ؛ لِأَنَّهُ عَادَ إلَى الْمَالِكِ لِزَوَالِ الْعَقْدِ ، فَلَمْ يَسْتَحِقَّ بِهِ الشَّفِيعُ ، كَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ .\rوَكَذَلِكَ كُلُّ فَسْخٍ يَرْجِعُ بِهِ الشِّقْصُ إلَى الْعَاقِدِ ، كَرَدِّهِ بِعَيْبٍ ، أَوْ مُقَايَلَةٍ ، أَوْ اخْتِلَافِ الْمُتَبَايِعَيْنِ ، أَوْ رَدِّهِ لِغَبْنٍ .\rوَقَدْ ذَكَرْنَا فِي الْإِقَالَةِ رِوَايَةً أُخْرَى ، أَنَّهَا بَيْعٌ ، فَتَثْبُتُ فِيهَا الشُّفْعَةُ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ .\rفَعَلَى هَذَا لَوْ لَمْ","part":11,"page":160},{"id":5160,"text":"يَعْلَمْ الشَّفِيعُ حَتَّى تَقَايَلَا ، فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ أَيِّهِمَا شَاءَ .\rوَإِنْ عَفَا عَنْ الشُّفْعَةِ فِي الْبَيْعِ ، ثُمَّ تَقَايَلَا ، فَلَهُ الْأَخْذُ بِهَا .","part":11,"page":161},{"id":5161,"text":"( 4016 ) فَصْلٌ : وَإِذَا جَنَى جِنَايَتَيْنِ ، عَمْدًا وَخَطَأً ، فَصَالَحَهُ مِنْهُمَا عَلَى شِقْصٍ ، فَالشُّفْعَةُ فِي نِصْفِ الشِّقْصِ دُونَ بَاقِيهِ .\rوَبِهِ قَالَ أَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ .\rوَهَذَا عَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي نَقُولُ فِيهَا : إنَّ مُوجِبَ الْعَمْدِ الْقِصَاصُ عَيْنًا .\rوَإِنْ قُلْنَا : مُوجِبُهُ أَحَدُ شَيْئَيْنِ .\rوَجَبَتْ الشُّفْعَةُ فِي الْجَمِيعِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا شُفْعَةَ فِي الْجَمِيعِ ؛ لِأَنَّ فِي الْأَخْذِ بِهَا تَبْعِيضَ الصَّفْقَةِ عَلَى الْمُشْتَرِي .\rوَلَنَا ، أَنَّ مَا قَابَلَ الْخَطَأَ عِوَضٌ عَنْ مَالٍ ، فَوَجَبَتْ فِيهِ الشُّفْعَةُ ، كَمَا لَوْ انْفَرَدَ ، وَلِأَنَّ الصَّفْقَةَ جَمَعَتْ مَا تَجِبُ فِيهِ الشُّفْعَةُ وَمَا لَا تَجِبُ فِيهِ ، فَوَجَبَتْ فِيمَا تَجِبُ فِيهِ دُونَ الْآخَرِ ، كَمَا لَوْ اشْتَرَى شِقْصًا وَسَيْفًا .\rوَبِهَذَا الْأَصْلِ يَبْطُلُ مَا ذَكَرَهُ .\rوَقَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ أَقَيْسُ ؛ لِأَنَّ فِي الشُّفْعَةِ تَبْعِيضَ الشِّقْصِ عَلَى الْمُشْتَرِي ، وَرُبَّمَا لَا يَبْقَى مِنْهُ إلَّا مَا لَا نَفْعَ فِيهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَرَادَ أَحَدُ الشَّفِيعَيْنِ أَخْذَ بَعْضِهِ مَعَ عَفْوِ صَاحِبِهِ ، بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ الشِّقْصِ وَالسَّيْفِ .\rوَأَمَّا إذَا قُلْنَا : إنَّ الْوَاجِبَ أَحَدُ شَيْئَيْنِ .\rفَبِاخْتِيَارِهِ الصُّلْحَ سَقَطَ الْقِصَاصُ ، وَتَعَيَّنَتْ الدِّيَةُ ، فَكَانَ الْجَمِيعُ عِوَضًا عَنْ الْمَالِ .","part":11,"page":162},{"id":5162,"text":"( 4017 ) فَصْلٌ : وَلَا تَثْبُتُ الشُّفْعَةُ فِي بَيْعِ الْخِيَارِ قَبْلَ انْقِضَائِهِ ، سَوَاءٌ كَانَ الْخِيَارُ لَهُمَا أَوْ لِأَحَدِهِمَا وَحْدَهُ ، أَيُّهُمَا كَانَ .\rوَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : يَتَخَرَّجُ أَنْ تَثْبُتَ الشُّفْعَةُ ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ انْتَقَلَ ، فَتَثْبُتُ الشُّفْعَةُ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ ، كَمَا بَعْدَ انْقِضَائِهِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إنْ كَانَ الْخِيَارُ لِلْبَائِعِ ، أَوْ لَهُمَا ، لَمْ تَثْبُتْ الشُّفْعَةُ حَتَّى يَنْقَضِيَ ؛ لِأَنَّ فِي الْأَخْذِ بِهَا إسْقَاطَ حَقِّ الْبَائِعِ مِنْ الْفَسْخِ ، وَإِلْزَامَ الْبَيْعِ فِي حَقِّهِ بِغَيْرِ رِضَاهُ ، وَلِأَنَّ الشَّفِيعَ إنَّمَا يَأْخُذُ مِنْ الْمُشْتَرِي ، وَلَمْ يَنْتَقِلْ الْمِلْكُ إلَيْهِ .\rوَإِنْ كَانَ الْخِيَارُ لِلْمُشْتَرِي ، فَقَدْ انْتَقَلَ الْمِلْكُ إلَيْهِ ، وَلَا حَقَّ لِغَيْرِهِ فِيهِ ، وَالشَّفِيعُ يَمْلِكُ أَخْذَهُ بَعْدَ لُزُومِ الْبَيْعِ وَاسْتِقْرَارِ الْمِلْكِ ، فَلَأَنْ يَمْلِكَ ذَلِكَ قَبْلَ لُزُومِهِ أَوْلَى ، وَعَامَّةُ مَا يُقَدَّرُ ثُبُوتُ الْخِيَارِ لَهُ ، وَذَلِكَ لَا يَمْنَعُ الْأَخْذَ بِالشُّفْعَةِ ، كَمَا لَوْ وَجَدَ بِهِ عَيْبًا .\rوَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ ، كَالْمَذْهَبَيْنِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ مَبِيعٌ فِيهِ الْخِيَارُ ، فَلَمْ تَثْبُتْ فِيهِ الشُّفْعَةُ ، كَمَا لَوْ كَانَ لِلْبَائِعِ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْأَخْذَ بِالشُّفْعَةِ يُلْزِمُ الْمُشْتَرِي بِالْعَقْدِ بِغَيْرِ رِضَاهُ ، وَيُوجِبُ الْعُهْدَةَ عَلَيْهِ ، وَيُفَوِّتُ حَقَّهُ مِنْ الرُّجُوعِ فِي عَيْنِ الثَّمَنِ ، فَلَمْ يَجُزْ ، كَمَا لَوْ كَانَ الْخِيَارُ لِلْبَائِعِ ، فَإِنَّنَا إنَّمَا مَنَعْنَا مِنْ الشُّفْعَةِ لِمَا فِيهِ مِنْ إبْطَالِ خِيَارِ الْبَائِعِ ، وَتَفْوِيتِ حَقِّ الرُّجُوعِ عَلَيْهِ فِي عَيْنِ مَالِهِمَا ، وَهُمَا فِي نَظَرِ الشَّرْعِ عَلَى السَّوَاءِ .\rوَفَارَقَ الرَّدَّ بِالْعَيْبِ ؛ فَإِنَّهُ إنَّمَا ثَبَتَ لِاسْتِدْرَاكِ الظَّلَّامَةِ ، وَذَلِكَ يَزُولُ بِأَخْذِ الشَّفِيعِ ، فَإِنْ بَاعَ الشَّفِيعُ حِصَّتَهُ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ ، عَالِمًا بِبَيْعِ الْأَوَّلِ ، سَقَطَتْ شُفْعَتُهُ ، وَثَبَتَتْ الشُّفْعَةُ فِيمَا بَاعَهُ لِلْمُشْتَرِي الْأَوَّلِ ، فِي الصَّحِيحِ مِنْ","part":11,"page":163},{"id":5163,"text":"الْمَذْهَبِ .\rوَفِي وَجْهٍ آخَرَ ، أَنَّهُ يَثْبُتُ لِلْبَائِعِ ، بِنَاءً عَلَى الْمِلْكِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ لِمَنْ هُوَ مِنْهُمَا .\rوَإِنْ بَاعَهُ قَبْلَ عِلْمِهِ بِالْبَيْعِ ، فَكَذَلِكَ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ مِلْكَهُ زَالَ قَبْلَ ثُبُوتِ الشُّفْعَةِ .\rوَيَتَوَجَّهُ عَلَى تَخْرِيجِ أَبِي الْخَطَّابِ أَنْ لَا تَسْقُطَ شُفْعَتُهُ ، فَيَكُونُ لَهُ عَلَى هَذَا أَخْذُ الشِّقْصِ مِنْ الْمُشْتَرِي الْأَوَّلِ ، وَلِلْمُشْتَرِي الْأَوَّلِ أَنْ يَأْخُذَ الشِّقْصَ الَّذِي بَاعَهُ الشَّفِيعُ مِنْ مُشْتَرِيهِ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ شَرِيكًا لِلشَّفِيعِ حِينَ بَيْعِهِ .","part":11,"page":164},{"id":5164,"text":"( 4018 ) فَصْلٌ : وَبَيْعُ الْمَرِيضِ كَبَيْعِ الصَّحِيحِ ، فِي الصِّحَّةِ ، وَثُبُوتِ الشُّفْعَةِ ، وَسَائِرِ الْأَحْكَامِ ، إذَا بَاعَ بِثَمَنِ الْمِثْلِ ، سَوَاءٌ كَانَ لِوَارِثٍ أَوْ غَيْرِ وَارِثٍ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَصِحُّ بَيْعُ الْمَرِيضِ مَرَضَ الْمَوْتِ لِوَارِثِهِ ؛ لِأَنَّهُ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ فِي حَقِّهِ ، فَلَمْ يَصِحَّ بَيْعُهُ ، كَالصَّبِيِّ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ إنَّمَا حُجِرَ عَلَيْهِ فِي التَّبَرُّعِ فِي حَقِّهِ ، فَلَمْ يَمْنَعْ الصِّحَّةَ فِيمَا سِوَاهُ ، كَالْأَجْنَبِيِّ إذَا لَمْ يَزِدْ عَلَى التَّبَرُّعِ بِالثُّلُثِ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْحَجْرَ فِي شَيْءٍ لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ غَيْرِهِ ، كَمَا أَنَّ الْحَجْرَ عَلَى الْمُرْتَهِنِ فِي الرَّهْنِ لَا يَمْنَعُ التَّصَرُّفَ فِي غَيْرِهِ ، وَالْحَجْرَ عَلَى الْمُفْلِسِ فِي مَالِهِ لَا يَمْنَعُ التَّصَرُّفَ فِي ذِمَّتِهِ .\rفَأَمَّا بَيْعُهُ بِالْمُحَابَاةِ ، فَلَا يَخْلُو ؛ إمَّا أَنْ يَكُونَ لِوَارِثٍ أَوْ لِغَيْرِهِ ، فَإِنْ كَانَ لِوَارِثٍ ، بَطَلَتْ الْمُحَابَاةُ ؛ لِأَنَّهَا فِي الْمَرَضِ بِمَنْزِلَةِ الْوَصِيَّةِ ، وَالْوَصِيَّةُ لِوَارِثٍ لَا تَجُوزُ ، وَيَبْطُلُ الْبَيْعُ فِي قَدْرِ الْمُحَابَاةِ مِنْ الْمَبِيعِ .\rوَهَلْ يَصِحُّ فِيمَا عَدَاهُ ؟ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ ؛ أَحَدُهَا ، لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ بَذَلَ الثَّمَنَ فِي كُلِّ الْمَبِيعِ ، فَلَمْ يَصِحَّ فِي بَعْضِهِ ، كَمَا لَوْ قَالَ : بِعْتُك هَذَا الثَّوْبَ بِعَشْرَةٍ .\rفَقَالَ : قَبِلْت الْبَيْعَ فِي نِصْفِهِ .\rأَوْ قَالَ : قَبِلْته بِخَمْسَةٍ .\rأَوْ قَالَ : قَبِلْت نِصْفَهُ بِخَمْسَةٍ .\rوَلِأَنَّهُ لَمْ يُمْكِنْ تَصْحِيحُ الْبَيْعِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي تَوَاجَبَا عَلَيْهِ ، فَلَمْ يَصِحَّ ، كَتَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ .\rالثَّانِي ، أَنَّهُ يَبْطُلُ الْبَيْعُ فِي قَدْرِ الْمُحَابَاةِ وَيَصِحُّ فِيمَا يُقَابِلُ الثَّمَنَ الْمُسَمَّى ، وَلِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ بَيْنَ الْأَخْذِ وَالْفَسْخِ ؛ لِأَنَّ الصَّفْقَةَ تَفَرَّقَتْ عَلَيْهِ ، وَلِلشَّفِيعِ أَخْذُ مَا صَحَّ الْبَيْعُ فِيهِ .\rوَإِنَّمَا قُلْنَا بِالصِّحَّةِ ؛ لِأَنَّ الْبُطْلَانَ إنَّمَا","part":11,"page":165},{"id":5165,"text":"جَاءَ مِنْ الْمُحَابَاةِ ، فَاخْتَصَّ بِمَا قَابِلَهَا .\rالْوَجْهُ الثَّالِثُ ، أَنَّهُ يَصِحُّ فِي الْجَمِيعِ ، وَيَقِفُ عَلَى إجَازَةِ الْوَرَثَةِ ، لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ لِلْوَارِثِ صَحِيحَةٌ ، فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ ، وَتَقِفُ عَلَى إجَازَةِ الْوَرَثَةِ ، فَكَذَلِكَ الْمُحَابَاةُ لَهُ ، فَإِنْ أَجَازُوا الْمُحَابَاةَ ، صَحَّ الْبَيْعُ فِي الْجَمِيعِ ، وَلَا خِيَارَ لِلْمُشْتَرِي ، وَيَمْلِكُ الشَّفِيعُ الْأَخْذَ بِهِ ؛ لِأَنَّهُ يَأْخُذُ بِالثَّمَنِ ، وَإِنْ رَدُّوا ، بَطَلَ الْبَيْعُ فِي قَدْرِ الْمُحَابَاةِ ، وَصَحَّ فِيمَا بَقِيَ .\rوَلَا يَمْلِكُ الشَّفِيعُ الْأَخْذَ قَبْلَ إجَازَةِ الْوَرَثَةِ أَوْ رَدِّهِمْ ؛ لِأَنَّ حَقَّهُمْ مُتَعَلِّقٌ بِالْمَبِيعِ ، فَلَمْ يَمْلِكْ إبْطَالَهُ ، وَلَهُ أَخْذُ مَا صَحَّ الْبَيْعُ فِيهِ .\rوَإِنْ اخْتَارَ الْمُشْتَرِي الرَّدَّ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ ، وَفِي الَّتِي قَبْلَهَا ، وَاخْتَارَ الشَّفِيعُ الْأَخْذَ بِالشُّفْعَةِ ، قُدِّمَ الشَّفِيعُ ؛ لِأَنَّهُ لَا ضَرَرَ عَلَى الْمُشْتَرِي ، وَيَجْرِي مَجْرَى الْمَعِيبِ إذَا رَضِيَهُ الشَّفِيعُ بِعَيْبِهِ .\rالْقِسْمُ الثَّانِي ، إذَا كَانَ الْمُشْتَرِي أَجْنَبِيًّا ، وَالشَّفِيعُ أَجْنَبِيٌّ ، فَإِنْ لَمْ تَزِدْ الْمُحَابَاةُ عَلَى الثُّلُثِ ، صَحَّ الْبَيْعُ ، وَلِلشَّفِيعِ الْأَخْذُ بِهَا بِذَلِكَ الثَّمَنِ ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ حَصَلَ بِهِ ، فَلَا يَمْنَعُ مِنْهَا كَوْنُ الْمَبِيعِ مُسْتَرْخِصًا ، وَإِنْ زَادَتْ عَلَى الثُّلُثِ ، فَالْحُكْمُ فِيهِ حُكْمُ أَصْلِ الْمُحَابَاةِ فِي حَقِّ الْوَارِثِ .\rوَإِنْ كَانَ الشَّفِيعُ وَارِثًا ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، لَهُ الْأَخْذُ بِالشُّفْعَةِ ؛ لِأَنَّ الْمُحَابَاةَ وَقَعَتْ لِغَيْرِهِ ، فَلَمْ يَمْنَعْ مِنْهَا تَمَكُّنُ الْوَارِثِ مِنْ أَخْذِهَا ، كَمَا لَوْ وَهَبَ غَرِيمَ وَارِثِهِ مَالًا ، فَأَخَذَهُ الْوَارِثُ .\rوَالثَّانِي ، يَصِحُّ الْبَيْعُ ، وَلَا تَجِبُ الشُّفْعَةُ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّنَا لَوْ أَثْبَتْنَاهَا جَعَلْنَا لِلْمَوْرُوثِ سَبِيلًا إلَى إثْبَاتِ حَقٍّ لِوَارِثِهِ فِي الْمُحَابَاةِ ، وَيُفَارِقُ الْهِبَةَ لِغَرِيمِ الْوَارِثِ ؛ لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَ الْوَارِثِ الْأَخْذَ","part":11,"page":166},{"id":5166,"text":"بِدَيْنِهِ لَا مِنْ جِهَةِ الْهِبَةِ ، وَهَذَا اسْتِحْقَاقُهُ بِالْبَيْعِ الْحَاصِلِ مِنْ مَوْرُوثِهِ ، فَافْتَرَقَا .\rوَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ فِي هَذَا خَمْسَةُ أَوْجُهٍ ، وَجْهَانِ كَهَذَيْنِ .\rوَالثَّالِثُ ، أَنَّ الْبَيْعَ بَاطِلٌ مِنْ أَصْلِهِ ؛ لِإِفْضَائِهِ إلَى إيصَالِ الْمُحَابَاةِ إلَى الْوَارِثِ .\rوَهَذَا فَاسِدٌ ؛ لِأَنَّ الشُّفْعَةَ فَرْعٌ لِلْبَيْعِ .\rوَلَا يَبْطُلُ الْأَصْلُ بِبُطْلَانِ فَرْعٍ لَهُ وَعَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ ، مَا حَصَلَتْ لِلْوَارِثِ بِالْمُحَابَاةِ ، إنَّمَا حَصَلَتْ لِغَيْرِهِ ، وَوَصَلَتْ إلَيْهِ بِجِهَةِ الْأَخْذِ مِنْ الْمُشْتَرِي ، فَأَشْبَهَ هِبَةَ غَرِيمِ الْوَارِثِ .\rالْوَجْهُ الرَّابِعُ ، أَنَّ لِلشَّفِيعِ أَنْ يَأْخُذَ بِقَدْرٍ مَا عَدَا الْمُحَابَاةَ بِقَدْرِهِ مِنْ الثَّمَنِ ، بِمَنْزِلَةِ هِبَةِ الْمُقَابِلِ لِلْمُحَابَاةِ ؛ لِأَنَّ الْمُحَابَاةَ بِالنِّصْفِ مَثَلًا هِبَةٌ لِلنِّصْفِ .\rوَهَذَا لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ بِمَنْزِلَةِ هِبَةِ النِّصْفِ ، مَا كَانَ لِلشَّفِيعِ الْأَجْنَبِيِّ أَخْذُ الْكُلِّ ، لِأَنَّ الْمَوْهُوبَ لَا شُفْعَةَ فِيهِ .\rالْخَامِسُ ، أَنَّ الْبَيْعَ يَبْطُلُ فِي قَدْرِ الْمُحَابَاةِ ، وَهَذَا فَاسِدٌ ؛ لِأَنَّهَا مُحَابَاةٌ لِأَجْنَبِيٍّ بِمَا دُونَ الثُّلُثِ ، فَلَا تَبْطُلُ ، كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ الشِّقْصُ مَشْفُوعًا .","part":11,"page":167},{"id":5167,"text":"( 4019 ) فَصْلٌ : وَيَمْلِكُ الشَّفِيعُ الشِّقْصَ بِأَخْذِهِ بِكُلِّ لَفْظٍ يَدُلُّ عَلَى أَخْذِهِ ، بِأَنْ يَقُولَ : قَدْ أَخَذْته بِالثَّمَنِ .\rأَوْ تَمَلَّكْتُهُ بِالثَّمَنِ .\rأَوْ نَحْوَ ذَلِكَ ، إذَا كَانَ الثَّمَنُ وَالشِّقْصُ مَعْلُومَيْنِ ، وَلَا يَفْتَقِرُ إلَى حُكْمِ حَاكِمٍ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ الْقَاضِي ، وَأَبُو الْخَطَّابِ : يَمْلِكُهُ بِالْمُطَالَبَةِ ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ السَّابِقَ سَبَبٌ ، فَإِذَا انْضَمَّتْ إلَيْهِ الْمُطَالَبَةُ ، كَانَ كَالْإِيجَابِ فِي الْبَيْعِ انْضَمَّ إلَيْهِ الْقَبُولُ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَحْصُلُ بِحُكْمِ الْحَاكِمِ ؛ لِأَنَّهُ نَقْلٌ لِلْمِلْكِ عَنْ مَالِكِهِ إلَى غَيْرِهِ قَهْرًا فَافْتَقَرَ إلَى حُكْمِ الْحَاكِمِ ، كَأَخْذِ دَيْنِهِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ حَقٌّ ثَبَتَ بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ ، فَلَمْ يَفْتَقِرْ إلَى حَاكِمٍ ، كَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ .\rوَمَا ذَكَرُوهُ يَنْتَقِضُ بِهَذَا الْأَصْلِ ، وَبِأَخْذِ الزَّوْجِ نِصْفَ الصَّدَاقِ بِالطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ ، وَلِأَنَّهُ مَالٌ يَتَمَلَّكُهُ قَهْرًا ، فَمَلَكَهُ بِالْأَخْذِ ، كَالْغَنَائِمِ وَالْمُبَاحَاتِ ، وَمَلَكَهُ بِاللَّفْظِ الدَّالِ عَلَى الْأَخْذِ ؛ لِأَنَّهُ بَيْعٌ فِي الْحَقِيقَةِ ، لَكِنَّ الشَّفِيعَ يَسْتَقِلُّ بِهِ ، فَانْتَقَلَ بِاللَّفْظِ الدَّالِّ عَلَيْهِ .\rوَقَوْلُهُمْ : يَمْلِكُ بِالْمُطَالَبَةِ بِمُجَرَّدِهَا .\rلَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ مَلَكَ بِهَا لَمَا سَقَطَتْ الشُّفْعَةُ بِالْعَفْوِ بَعْدَ الْمُطَالَبَةِ ، وَلَوَجَبَ أَنَّهُ إذَا كَانَ لَهُ شَفِيعَانِ .\rفَطَلَبَا الشُّفْعَةَ ، ثُمَّ تَرَكَ أَحَدُهُمَا ، أَنْ يَكُونَ لِلْآخَرِ أَخْذُ قَدْرِ نَصِيبِهِ ، وَلَا يَمْلِكُ أَخْذَ نَصِيبِ صَاحِبِهِ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّهُ إذَا قَالَ : قَدْ أَخَذْت الشِّقْصَ بِالثَّمَنِ الَّذِي تَمَّ عَلَيْهِ الْعَقْدُ .\rوَهُوَ عَالِمٌ بِقَدْرِهِ ، وَبِالْمَبِيعِ ، صَحَّ الْأَخْذُ ، وَمَلْكُ الشِّقْصَ ، وَلَا خِيَارَ لَهُ ، وَلَا لِلْمُشْتَرِي ؛ لِأَنَّ الشِّقْصَ يُؤْخَذُ قَهْرًا ، وَالْمَقْهُورُ لَا خِيَارَ لَهُ ، وَالْآخِذُ قَهْرًا ، لَا خِيَارَ لَهُ أَيْضًا كَمُسْتَرْجِعِ الْمَبِيعِ لِعَيْبِ فِي ثَمَنِهِ ، أَوْ الثَّمَنِ","part":11,"page":168},{"id":5168,"text":"لِعَيْبٍ فِي الْمَبِيعَ .\rوَإِنْ كَانَ الثَّمَنُ مَجْهُولًا أَوْ الشِّقْصُ ، لَمْ يَمْلِكْهُ بِذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ بَيْعٌ فِي الْحَقِيقَةِ ، فَيُعْتَبَرُ الْعِلْمُ بِالْعِوَضَيْنِ ، كَسَائِرِ الْبُيُوعِ .\rوَلَهُ الْمُطَالَبَةُ بِالشُّفْعَةِ ، ثُمَّ يَتَعَرَّفُ مِقْدَارَ الثَّمَنِ مِنْ الْمُشْتَرِي ، أَوْ مِنْ غَيْرِهِ ، وَالْمَبِيعَ ، فَيَأْخُذُهُ بِثَمَنِهِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنَّ لَهُ الْأَخْذَ مَعَ جَهَالَةِ الشِّقْصِ ، بِنَاءً عَلَى بَيْعِ الْغَائِبِ .","part":11,"page":169},{"id":5169,"text":"( 4020 ) فَصْلٌ : وَإِذَا أَرَادَ الشَّفِيعُ أَخْذَ الشِّقْصِ ، وَكَانَ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي ، أَخَذَهُ مِنْهُ ، وَإِنْ كَانَ فِي يَدِ الْبَائِعِ ، أَخَذَهُ مِنْهُ وَكَانَ كَأَخْذِهِ مِنْ الْمُشْتَرِي .\rهَذَا قِيَاسُ الْمَذْهَبِ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ يَلْزَمُ فِي بَيْعِ الْعَقَارِ قَبْلَ قَبْضِهِ ، وَيَدْخُلُ الْمَبِيعُ فِي مِلْكِ الْمُشْتَرِي وَضَمَانِهِ ، وَيَجُوزُ لَهُ التَّصَرُّفُ فِيهِ بِنَفْسِ الْعَقْدِ ، فَصَارَ كَمَا لَوْ قَبَضَهُ الْمُشْتَرِي .\rوَقَالَ الْقَاضِي : لَيْسَ لَهُ أَخْذُهُ مِنْ الْبَائِعِ ، وَيُجْبِرُ الْحَاكِمُ الْمُشْتَرِيَ عَلَى قَبْضِهِ ، ثُمَّ يَأْخُذُهُ الشَّفِيعُ مِنْهُ .\rوَهَذَا أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ الشَّفِيعَ يَشْتَرِي الشِّقْصَ مِنْ الْمُشْتَرِي ، فَلَا يَأْخُذُهُ مِنْ غَيْرِهِ .\rوَبَنَوْا ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْمَبِيعَ لَا يَتِمُّ إلَّا بِالْقَبْضِ ، فَإِذَا فَاتَ الْقَبْضُ بَطَلَ الْعَقْدُ ، وَسَقَطَتْ الشُّفْعَةُ .","part":11,"page":170},{"id":5170,"text":"( 4021 ) فَصْلٌ : وَإِذَا أَقَرَّ الْبَائِعُ بِالْبَيْعِ ، وَأَنْكَرَ الْمُشْتَرِي ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، لِلشَّفِيعِ الْأَخْذُ بِالشُّفْعَةِ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَالْمُزَنِيِّ .\rوَالثَّانِي ، لَيْسَ لَهُ الْأَخْذُ بِهَا .\rوَنَصَرَهُ الشَّرِيفُ أَبُو جَعْفَرٍ فِي \" مَسَائِلِهِ \" .\rوَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَابْنِ شُرَيْحٍ ؛ لِأَنَّ الشُّفْعَةَ فَرْعٌ لِلْبَيْعِ ، وَلَمْ يَثْبُتْ فَلَا يَثْبُتُ فَرْعُهُ ، وَلِأَنَّ الشَّفِيعَ إنَّمَا يَأْخُذُ الشِّقْصَ مِنْ الْمُشْتَرِي ، وَإِذَا أَنْكَرَ الْبَيْعَ لَمْ يُمْكِنْ الْأَخْذُ مِنْهُ .\rوَوَجْهُ الْأَوَّلِ ، أَنَّ الْبَائِعَ أَقَرَّ بِحَقَّيْنِ ؛ حَقٍّ لِلشَّفِيعِ ، وَحَقٍّ لِلْمُشْتَرِي ، فَإِذَا سَقَطَ حَقُّ الْمُشْتَرِي بِإِنْكَارِهِ ، ثَبَتَ حَقُّ الشَّفِيعِ ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِدَارٍ لِرَجُلَيْنِ ، فَأَنْكَرَ أَحَدُهُمَا ، وَلِأَنَّهُ أَقَرَّ لِلشَّفِيعِ أَنَّهُ مُسْتَحِقٌّ لِأَخْذِ هَذِهِ الدَّارِ ، وَالشَّفِيعَ يَدَّعِي ذَلِكَ ، فَوَجَبَ قَبُولَهُ ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ أَنَّهَا مِلْكُهُ .\rفَعَلَى هَذَا يَقْبِضُ الشَّفِيعُ مِنْ الْبَائِعِ ، وَيُسَلِّمُ إلَيْهِ الثَّمَنَ ، وَيَكُونُ دَرْكُ الشَّفِيعِ عَلَى الْبَائِعِ ، لِأَنَّ الْقَبْضَ مِنْهُ ، وَلَمْ يَثْبُتْ الشِّرَاءُ فِي حَقِّ الْمُشْتَرِي .\rوَلَيْسَ لِلشَّفِيعِ وَلَا لِلْبَائِعِ مُحَاكَمَةُ الْمُشْتَرِي ؛ لِيَثْبُتَ الْبَيْعُ فِي حَقِّهِ ، وَتَكُونَ الْعُهْدَةُ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ مَقْصُودَ الْبَائِعِ الثَّمَنُ ، وَقَدْ حَصَلَ مِنْ الشَّفِيعِ ، وَمَقْصُودَ الشَّفِيعِ أَخْذُ الشِّقْصِ وَضَمَانُ الْعُهْدَةِ ، وَقَدْ حَصَلَ مِنْ الْبَائِعِ ، فَلَا فَائِدَةَ فِي الْمُحَاكَمَةِ .\rفَإِنْ قِيلَ : أَلَيْسَ لَوْ ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ دَيْنًا ، فَقَالَ آخَرُ : أَنَا أَدْفَعُ إلَيْك الدَّيْنَ الَّذِي تَدَّعِيهِ ، وَلَا تُخَاصِمْهُ .\rلَا يَلْزَمُهُ قَبُولُهُ ، فَهَلْ لَا قُلْتُمْ هَاهُنَا كَذَلِكَ ؟ قُلْنَا : فِي الدَّيْنِ عَلَيْهِ مِنَّةٌ فِي قَبُولِهِ مِنْ غَيْرِ غَرِيمِهِ ، وَهَا هُنَا بِخِلَافِهِ ، وَلِأَنَّ الْبَائِعَ يَدَّعِي أَنَّ الثَّمَنَ الَّذِي يَدْفَعُهُ الشَّفِيعُ حَقٌّ لِلْمُشْتَرِي عِوَضًا عَنْ هَذَا الْمَبِيعِ ، فَصَارَ كَالنَّائِبِ","part":11,"page":171},{"id":5171,"text":"عَنْ الْمُشْتَرِي فِي دَفْعِ الثَّمَنِ ، وَالْبَائِعُ كَالنَّائِبِ عَنْهُ فِي دَفْعِ الشِّقْصِ ، بِخِلَافِ الدَّيْنِ ، فَإِنْ كَانَ الْبَائِعُ مُقِرًّا بِقَبْضِ الثَّمَنِ مِنْ الْمُشْتَرِي ، بَقِيَ الثَّمَنُ الَّذِي عَلَى الشَّفِيعِ لَا يَدَّعِيهِ أَحَدٌ ؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ يَقُولُ : هُوَ لِلْمُشْتَرِي .\rوَالْمُشْتَرِي يَقُولُ : لَا أَسْتَحِقُّهُ .\rفَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ ؛ أَحَدُهَا ، أَنْ يُقَالَ لِلْمُشْتَرِي : إمَّا أَنْ تَقْبِضَهُ ، وَإِمَّا أَنْ تُبْرِئَ مِنْهُ .\rوَالثَّانِي ، يَأْخُذُهُ الْحَاكِمُ عِنْدَهُ .\rوَالثَّالِثُ ، يَبْقَى فِي ذِمَّةِ الشَّفِيعِ .\rوَفِي جَمِيعِ ذَلِكَ مَتَى ادَّعَاهُ الْبَائِعُ أَوْ الْمُشْتَرِي ، دُفِعَ إلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ لَأَحَدِهِمَا .\rوَإِنْ تَدَاعَيَاهُ جَمِيعًا ، فَأَقَرَّ الْمُشْتَرِي بِالْبَيْعِ ، وَأَنْكَرَ الْبَائِعُ قَبْضَ الثَّمَنِ ، فَهُوَ لِلْمُشْتَرِي ؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ قَدْ أَقَرَّ لَهُ بِهِ ، وَلِأَنَّ الْبَائِعَ إذَا أَنْكَرَ الْقَبْضَ ، لَمْ يَكُنْ مُدَّعِيًا لِهَذَا الثَّمَنِ ؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ لَا يَسْتَحِقُّ عَلَى الشَّفِيعِ ثَمَنًا ، إنَّمَا يَسْتَحِقُّهُ عَلَى الْمُشْتَرِي ، وَقَدْ أَقَرَّ بِالْقَبْضِ مِنْهُ ، وَأَمَّا الْمُشْتَرِي فَإِنَّهُ يَدَّعِيهِ ، وَقَدْ أَقَرَّ لَهُ بِاسْتِحْقَاقِهِ ، فَوَجَبَ دَفْعُهُ إلَيْهِ .","part":11,"page":172},{"id":5172,"text":"( 4022 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَمَنْ لَمْ يُطَالِبْ بِالشُّفْعَةِ فِي وَقْتِ عِلْمِهِ بِالْبَيْعِ ، فَلَا شُفْعَةَ لَهُ ) الصَّحِيحُ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّ حَقَّ الشُّفْعَةِ عَلَى الْفَوْرِ ، إنْ طَالَبَ بِهَا سَاعَةَ يَعْلَمُ بِالْبَيْعِ ، وَإِلَّا بَطَلَتْ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ ، فَقَالَ : الشُّفْعَةُ بِالْمُوَاثَبَةِ سَاعَةَ يَعْلَمُ .\rوَهَذَا قَوْلُ ابْنِ شُبْرُمَةَ ، وَالْبَتِّيِّ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَالْعَنْبَرِيِّ ، وَالشَّافِعِيِّ فِي أَحَدِ قُولِيهِ .\rوَحُكِيَ عَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ ثَانِيَةٌ ، أَنَّ الشُّفْعَةَ عَلَى التَّرَاخِي لَا تَسْقُطُ ، مَا لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى الرِّضَى ، مِنْ عَفْوٍ ، أَوْ مُطَالَبَةٍ بِقِسْمَةٍ ، وَنَحْوُ ذَلِكَ .\rوَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ ، وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، إلَّا أَنَّ مَالِكًا قَالَ : تَنْقَطِعُ بِمُضِيِّ سَنَةٍ .\rوَعَنْهُ : بِمُضِيِّ مُدَّةٍ يُعْلَمُ أَنَّهُ تَارِكٌ لَهَا ؛ لِأَنَّ هَذَا الْخِيَارَ لَا ضَرَرَ فِي تَرَاخِيهِ ، فَلَمْ يَسْقُطْ بِالتَّأْخِيرِ ، كَحَقِّ الْقِصَاصِ .\rوَبَيَانُ عَدَمِ الضَّرَرِ أَنَّ النَّفْعَ لِلْمُشْتَرِي بِاسْتِغْلَالِ الْمَبِيعِ وَإِنْ أَحْدَثَ فِيهِ عِمَارَةً ، مِنْ غِرَاسٍ أَوْ بِنَاءٍ ، فَلَهُ قِيمَتُهُ .\rوَحُكِيَ عَنْ ابْنِ أَبِي لَيْلَى ، وَالثَّوْرِيِّ ، أَنَّ الْخِيَارَ مُقَدَّرٌ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ .\rوَهُوَ قَوْلٌ لِلشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ الثَّلَاثَ حُدَّ بِهَا خِيَارُ الشَّرْطِ ، فَصَلَحَتْ حَدًّا لِهَذَا الْخِيَارِ .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَلَنَا ، مَا رَوَى ابْنُ الْبَيْلَمَانِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عُمَرَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الشُّفْعَةُ كَحَلِّ الْعِقَالِ } .\rوَفِي لَفْظٍ أَنَّهُ قَالَ : { الشُّفْعَةُ كَنَشِطَةِ الْعِقَالِ ، إنْ قُيِّدَتْ ثَبَتَتْ ، وَإِنْ تُرِكَتْ فَاللَّوْمُ عَلَى مَنْ تَرَكَهَا } .\rوَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { ، أَنَّهُ قَالَ : الشُّفْعَةُ لِمَنْ وَاثَبَهَا } .\rرَوَاهُ الْفُقَهَاءُ فِي كُتُبِهِمْ ، وَلِأَنَّهُ خِيَارٌ لِدَفْعِ الضَّرَرِ عَنْ الْمَالِ ، فَكَانَ عَلَى الْفَوْرِ ، كَخِيَارِ الرَّدِّ","part":11,"page":173},{"id":5173,"text":"بِالْعَيْبِ ، وَلِأَنَّ إثْبَاتَهُ عَلَى التَّرَاخِي يَضُرُّ الْمُشْتَرِيَ لِكَوْنِهِ لَا يَسْتَقِرُّ مِلْكُهُ عَلَى الْمَبِيعِ ، وَيَمْنَعُهُ مِنْ التَّصَرُّفِ بِعِمَارَةٍ خَشْيَةَ أَخْذِهِ مِنْهُ ، وَلَا يَنْدَفِعُ عَنْهُ الضَّرَرُ بِدَفْعِ قِيمَتِهِ ؛ لِأَنَّ خَسَارَتَهَا فِي الْغَالِبِ أَكْثَرُ مِنْ قِيمَتِهَا ، مَعَ تَعَبِ قَلْبِهِ وَبَدَنِهِ فِيهَا .\rوَالتَّحْدِيدُ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ تَحَكُّمٌ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ ، وَالْأَصْلُ الْمَقِيسُ عَلَيْهِ مَمْنُوعٌ ، ثُمَّ هُوَ بَاطِلٌ بِخِيَارِ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ .\rوَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا ، فَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ : يَتَقَدَّرُ الْخِيَارُ بِالْمَجْلِسِ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ .\rفَمَتَى طَالَبَ فِي مَجْلِسِ الْعِلْمِ ، ثَبَتَتْ الشُّفْعَةُ وَإِنْ طَالَ ؛ لِأَنَّ الْمَجْلِسَ كُلَّهُ فِي حُكْمِ حَالَةِ الْعَقْدِ ، بِدَلِيلِ أَنَّ الْقَبْضَ فِيهِ لِمَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْقَبْضُ ، كَالْقَبْضِ حَالَةَ الْعَقْدِ .\rوَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ أَنَّهُ لَا يَتَقَدَّرُ بِالْمَجْلِسِ ، بَلْ مَتَى بَادَرَ فَطَالَبَ عَقِيبَ عِلْمِهِ ، وَإِلَّا بَطَلَتْ شُفْعَتُهُ .\rوَهَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ ، وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْخَبَرِ وَالْمَعْنَى .\rوَمَا ذَكَرُوهُ يَبْطُلُ بِخِيَارِ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ .\rفَعَلَى هَذَا مَتَى أَخَّرَ الْمُطَالَبَةَ عَنْ وَقْتِ الْعِلْمِ لِغَيْرِ عُذْرٍ ، بَطَلَتْ شُفْعَتُهُ ، وَإِنْ أَخَّرَهَا لِعُذْرٍ ، مِثْلِ أَنْ يَعْلَمَ لَيْلًا فَيُؤَخِّرَهُ إلَى الصُّبْحِ ، أَوْ لِشِدَّةِ جُوعٍ أَوْ عَطَشٍ حَتَّى يَأْكُلَ وَيَشْرَبَ ، أَوْ لِطَهَارَةٍ أَوْ إغْلَاقِ بَابٍ ، أَوْ لِيَخْرُجَ مِنْ الْحَمَّامِ ، أَوْ لِيُؤَذِّنَ وَيُقِيمَ وَيَأْتِيَ بِالصَّلَاةِ وَسُنَنِهَا ، أَوْ لِيَشْهَدَهَا فِي جَمَاعَةٍ يَخَافُ فَوْتَهَا ، لَمْ تَبْطُلْ شُفْعَتُهُ ؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ تَقْدِيمُ هَذِهِ الْحَوَائِجِ عَلَى غَيْرِهَا ، فَلَا يَكُونُ الِاشْتِغَالُ بِهَا رِضًى بِتَرْكِ الشُّفْعَةِ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُشْتَرِي حَاضِرًا عِنْدَهُ فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ ، فَيُمْكِنُهُ أَنْ يُطَالِبَهُ مِنْ غَيْرِ اشْتِغَالِهِ عَنْ أَشْغَالِهِ ، فَإِنَّ شُفْعَتَهُ تَبْطُلُ بِتَرْكِهِ","part":11,"page":174},{"id":5174,"text":"الْمُطَالَبَةَ ؛ لِأَنَّ هَذَا لَا يَشْغَلُهُ عَنْهَا ، وَلَا تَشْغَلُهُ الْمُطَالَبَةُ عَنْهُ .\rفَأَمَّا مَعَ غَيْبَتِهِ فَلَا ؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ تَقْدِيمُ هَذِهِ الْحَوَائِجِ ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ تَأْخِيرُهَا ، كَمَا لَوْ أَمْكَنَهُ أَنْ يُسْرِعَ فِي مَشْيِهِ ، أَوْ يُحَرِّكَ دَابَّتَهُ ، فَلَمْ يَفْعَلْ ، وَمَضَى عَلَى حَسَبِ عَادَتِهِ ، لَمْ تَسْقُطْ شُفْعَتُهُ ؛ لِأَنَّهُ طَلَبَ بِحُكْمِ الْعَادَةِ .\rوَإِذَا فَرَغَ مِنْ حَوَائِجِهِ ، مَضَى عَلَى حَسَبِ عَادَتِهِ إلَى الْمُشْتَرِي ، فَإِذَا لَقِيَهُ بَدَأَهُ بِالسَّلَامِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ السُّنَّةُ ، وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ : { مَنْ بَدَأَ بِالْكَلَامِ قَبْلَ السَّلَامِ ، فَلَا تُجِيبُوهُ } .\rثُمَّ يُطَالِبُ .\rوَإِنْ قَالَ بَعْدَ السَّلَامِ : بَارَكَ اللَّهُ لَك فِي صَفْقَةِ يَمِينِك .\rأَوْ دَعَا لَهُ بِالْمَغْفِرَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ ، لَمْ تَبْطُلْ شُفْعَتُهُ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَتَّصِلُ بِالسَّلَامِ ، فَيَكُونُ مِنْ جُمْلَتِهِ ، وَالدُّعَاءُ لَهُ بِالْبَرَكَةِ فِي الصَّفْقَةِ دُعَاءٌ لِنَفْسِهِ ؛ لِأَنَّ الشِّقْصَ يَرْجِعُ إلَيْهِ ، فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ رِضًى .\rوَإِنْ اشْتَغَلَ بِكَلَامٍ آخَرَ ، أَوْ سَكَتَ لِغَيْرِ حَاجَةٍ ، بَطَلَتْ شُفْعَتُهُ ؛ لِمَا قَدَّمْنَا .","part":11,"page":175},{"id":5175,"text":"فَصْلٌ : فَإِنْ أَخْبَرَهُ بِالْبَيْعِ مُخْبِرٌ ، فَصَدَّقَهُ ، وَلَمْ يُطَالِبْ بِالشُّفْعَةِ ، بَطَلَتْ شُفْعَتُهُ ، سَوَاءٌ كَانَ الْمُخْبِرُ مِمَّنْ يُقْبَلُ خَبَرُهُ أَوْ لَا يُقْبَلُ ؛ لِأَنَّ الْعِلْمَ قَدْ يَحْصُلُ بِخَبَرِ مَنْ لَا يُقْبَلُ خَبَرُهُ ، لِقَرَائِنَ دَالَّةٍ عَلَى صِدْقِهِ .\rوَإِنْ قَالَ : لَمْ أُصَدِّقْهُ .\rوَكَانَ الْمُخْبِرُ مِمَّنْ يُحْكَمُ بِشَهَادَتِهِ ، كَرَجُلَيْنِ عَدْلَيْنِ ، بَطَلَتْ شُفْعَتُهُ ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُمَا حُجَّةٌ تَثْبُتُ بِهَا الْحُقُوقُ .\rوَإِنْ كَانَ مِمَّنْ لَا يُعْمَلُ بِقَوْلِهِ ، كَالْفَاسِقِ وَالصَّبِيِّ ، لَمْ تَبْطُلْ شُفْعَتُهُ .\rوَحُكِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهَا تَسْقُطُ ؛ لِأَنَّهُ خَبَرٌ يُعْمَلُ بِهِ فِي الشَّرْعِ ، فِي الْإِذْنِ فِي دُخُولِ الدَّارِ وَشِبْهِهِ ، فَسَقَطَتْ بِهِ الشُّفْعَةُ ، كَخَبَرِ الْعَدْلِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ خَبَرٌ لَا يُقْبَلُ فِي الشَّرْعِ ، فَأَشْبَهَ قَوْلَ الطِّفْلِ وَالْمَجْنُونِ .\rوَإِنْ أَخْبَرَهُ رَجُلٌ عَدْلٌ ، أَوْ مَسْتُورُ الْحَالِ ، سَقَطَتْ شُفْعَتُهُ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا تَسْقُطَ .\rوَيُرْوَى هَذَا عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَزُفَرَ ؛ لِأَنَّ الْوَاحِدَ لَا تَقُومُ بِهِ الْبَيِّنَةُ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ خَبَرٌ لَا تُعْتَبَرُ فِيهِ الشَّهَادَةُ ، فَقُبِلَ مِنْ الْعَدْلِ ، كَالرِّوَايَةِ وَالْفُتْيَا وَسَائِرِ الْأَخْبَارِ الدِّينِيَّةِ .\rوَفَارَقَ الشَّهَادَةَ فَإِنَّهُ يُحْتَاطُ لَهَا بِاللَّفْظِ ، وَالْمَجْلِسِ ، وَحُضُورِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ، وَإِنْكَارِهِ ، وَلِأَنَّ الشَّهَادَةَ يُعَارِضُهَا إنْكَارُ الْمُنْكِرِ ، وَتُوجِبُ الْحَقَّ عَلَيْهِ ، بِخِلَافِ هَذَا الْخَبَرِ .\rوَالْمَرْأَةُ فِي ذَلِكَ كَالرَّجُلِ ، وَالْعَبْدُ كَالْحُرِّ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : هُمَا كَالْفَاسِقِ وَالصَّبِيِّ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُمَا لَا يَثْبُتُ بِهِ حَقٌّ .\rوَلَنَا ، أَنَّ هَذَا خَبَرٌ وَلَيْسَ بِشَهَادَةٍ ، فَاسْتَوَى فِيهِ الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ ، وَالْعَبْدُ وَالْحُرُّ ، كَالرِّوَايَةِ وَالْأَخْبَارِ الدِّينِيَّةِ .\rوَالْعَبْدُ مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ فِيمَا عَدَا الْحُدُودَ وَالْقِصَاصَ ، وَهَذَا مِمَّا عَدَاهَا ، فَأَشْبَهَ الْحُرَّ .","part":11,"page":176},{"id":5176,"text":"( 4024 ) فَصْلٌ : إذَا أَظْهَرَ الْمُشْتَرِي أَنَّ الثَّمَنَ أَكْثَرُ مِمَّا وَقَعَ الْعَقْدُ بِهِ ، فَتَرَكَ الشَّفِيعُ الشُّفْعَةَ ، لَمْ تَسْقُطْ الشُّفْعَةَ بِذَلِكَ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ، وَمَالِكٌ ، إلَّا أَنَّهُ قَالَ بَعْدَ أَنْ يَحْلِفَ : مَا سَلَّمْت الشُّفْعَةَ إلَّا لِمَكَانِ الثَّمَنِ الْكَثِيرِ .\rوَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى : لَا شُفْعَةَ لَهُ ؛ لِأَنَّهُ سَلَّمَ وَرَضِيَ .\rوَلَنَا أَنَّهُ تَرَكَهَا لِلْعُذْرِ ، فَإِنَّهُ لَا يَرْضَاهُ بِالثَّمَنِ الْكَثِيرِ ، وَيَرْضَاهُ بِالْقَلِيلِ ، وَقَدْ لَا يَكُونُ مَعَهُ الْكَثِيرُ ، فَلَمْ تَسْقُطْ بِذَلِكَ ، كَمَا لَوْ تَرَكَهَا لِعَدَمِ الْعِلْمِ .\rوَكَذَلِكَ إنْ أَظْهَرَ أَنَّ الْمَبِيعَ سِهَامٌ قَلِيلَةٌ ، فَبَانَتْ كَثِيرَةً ، أَوْ أَظْهَرَ أَنَّهُمَا تَبَايَعَا بِدَنَانِيرَ ، فَبَانَ أَنَّهَا دَرَاهِمُ ، أَوْ بِدَرَاهِمَ فَبَانَتْ دَنَانِيرُ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَزُفَرُ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَصَاحِبَاهُ : إنْ كَانَتْ قِيمَتُهُمَا سَوَاءً ، سَقَطَتْ الشُّفْعَةُ ؛ لِأَنَّهُمَا كَالْجِنْسِ الْوَاحِدِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُمَا جِنْسَانِ ، فَأَشْبَهَا الثِّيَابَ وَالْحَيَوَانَ ، وَلِأَنَّهُ قَدْ يَمْلِكُ بِالنَّقْدِ الَّذِي وَقَعَ بِهِ الْبَيْعُ دُونَ مَا أَظْهَرَهُ ، فَيَتْرُكُهُ لِعَدَمِ مِلْكِهِ لَهُ .\rوَكَذَلِكَ إنْ أَظْهَرَ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ بِنَقْدٍ ، فَبَانَ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ بِعَرْضٍ ، أَوْ بِعَرْضٍ فَبَانَ أَنَّهُ بِنَقْدٍ ، أَوْ بِنَوْعٍ مِنْ الْعَرْضِ فَبَانَ أَنَّهُ بِغَيْرِهِ ، أَوْ اشْتَرَاهُ مُشْتَرٍ فَبَانَ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ لِغَيْرِهِ ، أَوْ أَظْهَرَ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ لِغَيْرِهِ فَبَانَ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ لَهُ ، أَوْ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ لَإِنْسَانٍ فَبَانَ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ لِغَيْرِهِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَرْضَى شَرِكَةَ إنْسَانٍ دُونَ غَيْرِهِ ، وَقَدْ يُحَابِي إنْسَانًا أَوْ يَخَافُهُ ، فَيَتْرُكُ لِذَلِكَ .\rوَكَذَلِكَ إنْ أَظْهَرَ أَنَّهُ اشْتَرَى الْكُلَّ بِثَمَنٍ فَبَانَ أَنَّهُ اشْتَرَى نِصْفَهُ بِنِصْفِهِ ، أَوْ أَنَّهُ اشْتَرَى نِصْفَهُ بِثَمَنٍ فَبَانَ أَنَّهُ اشْتَرَى جَمِيعَهُ بِضِعْفِهِ ، أَوْ أَنَّهُ اشْتَرَى الشِّقْصَ","part":11,"page":177},{"id":5177,"text":"وَحْدَهُ فَبَانَ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ هُوَ أَوْ غَيْرِهِ ، أَوْ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ هُوَ وَغَيْرُهُ فَبَانَ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ وَحْدَهُ ، لَمْ تَسْقُطْ الشُّفْعَةُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ .\rلِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ لَهُ غَرَضٌ فِيمَا أَبْطَنَهُ دُونَ مَا أَظْهَرَهُ ، فَيَتْرُكُ لِذَلِكَ ، فَلَمْ تَسْقُطْ شُفْعَتُهُ كَمَا لَوْ أَظْهَرَ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ بِثَمَنٍ فَبَانَ أَقَلُّ مِنْهُ .\rفَأَمَّا إنْ أَظْهَرَ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ بِثَمَنٍ فَبَانَ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ بِأَكْثَرَ ، أَوْ أَنَّهُ اشْتَرَى الْكُلَّ بِثَمَنٍ فَبَانَ أَنَّهُ اشْتَرَى بِهِ بَعْضَهُ ، سَقَطَتْ شُفْعَتُهُ ؛ لِأَنَّ الضَّرَرَ فِيمَا أَبْطَنَهُ أَكْثَرُ ، فَإِذَا لَمْ يَرْضَ بِهِ بِالثَّمَنِ الْقَلِيلِ مَعَ قِلَّةِ ضَرَرِهِ ، فَبِالْكَثِيرِ أَوْلَى .","part":11,"page":178},{"id":5178,"text":"( 4025 ) فَصْلٌ : وَإِنْ لَقِيَهُ الشَّفِيعُ فِي غَيْرِ بَلَدِهِ فَلَمْ يُطَالِبْهُ ، وَقَالَ : إنَّمَا تَرَكْت الْمُطَالَبَةَ لِأُطَالِبَهُ فِي الْبَلَدِ الَّذِي فِيهِ الْبَيْعُ ، أَوْ الْمَبِيعُ ، أَوْ لِآخُذَ الشِّقْصَ فِي مَوْضِعِ الشُّفْعَةِ .\rسَقَطَتْ شُفْعَتُهُ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِعُذْرٍ فِي تَرْكِ الْمُطَالَبَةِ فَإِنَّهَا لَا تَقِفُ عَلَى تَسْلِيمِ الشِّقْصِ ، وَلَا عَلَى حُضُورِ الْبَلَدِ الَّذِي هُوَ فِيهِ .\rوَإِنْ قَالَ : نَسِيت ، فَلَمْ أَذْكُرْ الْمُطَالَبَةَ .\rأَوْ نَسِيت الْبَيْعَ .\rسَقَطَتْ شُفْعَتُهُ ؛ لِأَنَّهَا خِيَارٌ عَلَى الْفَوْرِ ، فَإِذَا أَخَّرَهُ نِسْيَانًا بَطَلَ ، كَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ ، وَكَمَا لَوْ أَمْكَنَتْ الْمُعْتَقَةُ زَوْجَهَا مِنْ وَطْئِهَا نِسْيَانًا .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا تَسْقُطَ الْمُطَالَبَةُ ؛ لِأَنَّهُ تَرَكَهَا لِعُذْرِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ تَرَكَهَا لِعَدَمِ عِلْمِهِ بِهَا .\rوَإِنْ تَرَكَهَا جَهْلًا بِاسْتِحْقَاقِهِ لَهَا ، بَطَلَتْ ، كَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ .","part":11,"page":179},{"id":5179,"text":"( 4026 ) فَصْلٌ : وَإِذَا قَالَ الشَّفِيعُ لِلْمُشْتَرِي : بِعْنِي مَا اشْتَرَيْت .\rأَوْ قَاسِمْنِي .\rبَطَلَتْ شُفْعَتُهُ ؛ لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى رِضَاهُ بِشِرَائِهِ وَتَرْكِهِ لِلشُّفْعَةِ .\rوَإِنْ قَالَ : صَالِحْنِي عَلَى مَالٍ .\rسَقَطَتْ .\rأَيْضًا .\rوَقَالَ الْقَاضِي : لَا تَسْقُطُ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرْضَ بِإِسْقَاطِهَا ، وَإِنَّمَا رَضِيَ بِالْمُعَاوَضَةِ عَنْهَا ، وَلَمْ تَثْبُتْ الْمُعَاوَضَةُ ، فَبَقِيَتْ الشُّفْعَةُ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ رَضِيَ بِتَرْكِهَا ، وَطَلَبَ عِوَضَهَا ، فَثَبَتَ التَّرْكُ الْمَرْضِيُّ بِهِ ، وَلَمْ يَثْبُتْ الْعِوَضُ .\rكَمَا لَوْ قَالَ : بِعْنِي .\rفَلَمْ يَبِعْهُ .\rوَلِأَنَّ تَرْكَ الْمُطَالَبَةِ بِهَا كَافٍ فِي سُقُوطِهَا ، فَمَعَ طَلَبِ عِوَضِهَا أَوْلَى .\rوَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَجْهَانِ كَهَذَيْنِ .\rفَإِنْ صَالَحَهُ عَنْهَا بِعِوَضٍ ، لَمْ يَصِحَّ .\rوَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : يَصِحُّ ؛ لِأَنَّهُ عِوَضٌ عَنْ إزَالَةِ مِلْكٍ ، فَجَازَ أَخْذُ الْعِوَضِ عَنْهُ كَتَمْلِيكِ امْرَأَةٍ أَمْرَهَا .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ خِيَارٌ لَا يَسْقُطُ إلَى مَالٍ ، فَلَمْ يَجُزْ أَخْذُ الْعِوَضِ عَنْهُ ، كَخِيَارِ الشَّرْطِ .\rوَيَبْطُلُ مَا قَالَهُ بِخِيَارِ الشَّرْطِ .\rوَأَمَّا الْخُلْعُ فَهُوَ مُعَاوَضَةٌ عَمَّا مَلَكَهُ بِعِوَضٍ ، وَهَا هُنَا بِخِلَافِهِ .","part":11,"page":180},{"id":5180,"text":"( 4027 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَالَ : آخُذُ نِصْفَ الشِّقْصِ .\rسَقَطَتْ شُفْعَتُهُ .\rوَبِهَذَا قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ ، وَبَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ أَبُو يُوسُفَ : لَا تَسْقُطُ ؛ لِأَنَّ طَلَبَهُ بِبَعْضِهَا طَلَبٌ بِجَمِيعِهَا ، لِكَوْنِهَا لَا تَتَبَعَّضُ ، وَلَا يَجُوزُ أَخْذُ بَعْضِهَا .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ تَارِكٌ لِطَلَبِ بَعْضِهَا ، فَيَسْقُطُ ، وَيَسْقُطُ بَاقِيهَا ؛ لِأَنَّهَا لَا تَتَبَعَّضُ .\rوَلَا يَصِحُّ مَا ذَكَرَهُ ؛ فَإِنَّ طَلَبَ بَعْضِهَا لَيْسَ بِطَلَبٍ لِجَمِيعِهَا ، وَمَا لَا يَتَبَعَّضُ لَا يَثْبُتُ حَتَّى يَثْبُتَ السَّبَبُ فِي جَمِيعِهِ ، كَالنِّكَاحِ .\rوَيُخَالِفُ السُّقُوطَ ؛ فَإِنَّ الْجَمِيعَ يَسْقُطُ بِوُجُودِ السَّبَبِ فِي بَعْضِهِ ، كَالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ .","part":11,"page":181},{"id":5181,"text":"( 4028 ) فَصْلٌ : وَإِنْ أَخَذَ الشِّقْصَ بِثَمَنٍ مَغْصُوبٍ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، لَا تَسْقُطُ شُفْعَتُهُ ؛ لِأَنَّهُ بِالْعَقْدِ اسْتَحَقَّ الشِّقْصَ بِمِثْلِ ثَمَنِهِ فِي الذِّمَّةِ ، فَإِذَا عَيَّنَهُ فِيمَا لَا يَمْلِكُهُ ، سَقَطَ التَّعْيِينُ ، وَبَقِيَ الِاسْتِحْقَاقُ فِي الذِّمَّةِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَخَّرَ الثَّمَنَ ، أَوْ كَمَا لَوْ اشْتَرَى شَيْئًا آخَرَ ، وَنَقَدَ فِيهِ ثَمَنًا مَغْصُوبًا .\rوَالثَّانِي ، تَسْقُطُ شُفْعَتُهُ ؛ لِأَنَّ أَخْذَهُ لِلشِّقْصِ بِمَا لَا يَصِحُّ أَخْذُهُ بِهِ تَرْكٌ لَهُ ، وَإِعْرَاضٌ عَنْهُ ، فَتَسْقُطُ الشُّفْعَةُ ، كَمَا لَوْ تَرَكَ الطَّلَبَ بِهَا .","part":11,"page":182},{"id":5182,"text":"( 4029 ) فَصْلٌ : وَمَنْ وَجَبَتْ لَهُ الشُّفْعَةُ ، فَبَاعَ نَصِيبَهُ عَالِمًا بِذَلِكَ ، سَقَطَتْ شُفْعَتُهُ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ لَهُ مِلْكٌ يَسْتَحِقُّ بِهِ ، وَلِأَنَّ الشُّفْعَةَ ثَبَتَتْ لَهُ لِإِزَالَةِ الضَّرَرِ الْحَاصِلِ بِالشَّرِكَةِ عَنْهُ ، وَقَدْ زَالَ ذَلِكَ بِبَيْعِهِ .\rوَإِنْ بَاعَ بَعْضَهُ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، تَسْقُطُ أَيْضًا ؛ لِأَنَّهَا اُسْتُحِقَّتْ بِجَمِيعِهِ ، فَإِذَا بَاعَ بَعْضَهُ سَقَطَ مَا تَعَلَّقَ بِذَلِكَ مِنْ اسْتِحْقَاقِ الشُّفْعَةِ ، فَيَسْقُطُ بَاقِيهَا ، لِأَنَّهَا لَا تَتَبَعَّضُ ، فَيَسْقُطُ جَمِيعُهَا بِسُقُوطِ بَعْضِهَا ، كَالنِّكَاحِ وَالرِّقِّ ، وَكَمَا لَوْ عَفَا عَنْ بَعْضِهَا .\rوَالثَّانِي ، لَا تَسْقُطُ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ بَقِيَ مِنْ نَصِيبِهِ مَا يَسْتَحِقُّ بِهِ الشُّفْعَةَ فِي جَمِيعِ الْمَبِيعِ لَوْ انْفَرَدَ ، فَكَذَلِكَ إذَا بَقِيَ .\rوَلِلْمُشْتَرِي الْأَوَّلُ الشُّفْعَةُ عَلَى الْمُشْتَرِي الثَّانِي فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى ، وَفِي الثَّانِيَةِ إذَا قُلْنَا بِسُقُوطِ شُفْعَةِ الْبَائِعِ الْأَوَّلِ ؛ لِأَنَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمَبِيعِ ، وَإِنْ قُلْنَا : لَا تَسْقُطُ شُفْعَةُ الْبَائِعِ .\rفَلَهُ أَخْذُ الشِّقْصِ مِنْ الْمُشْتَرِي الْأَوَّلِ .\rوَهَلْ لِلْمُشْتَرِي الْأَوَّلِ شُفْعَةٌ عَلَى الْمُشْتَرِي الثَّانِي ؟ فِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، لَهُ الشُّفْعَةُ ؛ لِأَنَّهُ شَرِيكٌ ، فَإِنَّ الْمِلْكَ ثَابِتٌ لَهُ يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فِيهِ بِجَمِيعِ التَّصَرُّفَاتِ ، وَيَسْتَحِقُّ نَمَاءَهُ وَفَوَائِدَهُ ، وَاسْتِحْقَاقُ الشُّفْعَةِ بِهِ مِنْ فَوَائِدِهِ .\rوَالثَّانِي ، لَا شُفْعَةَ لَهُ ؛ لِأَنَّ مِلْكَهُ يُوجَدُ بِهَا ، فَلَا تُؤْخَذُ الشُّفْعَةُ بِهِ ، وَلِأَنَّ مِلْكَهُ مُتَزَلْزِلٌ ضَعِيفٌ ، فَلَا يَسْتَحِقُّ الشُّفْعَةَ بِهِ لِضَعْفِهِ .\rوَالْأَوَّلُ أَقَيْسُ ؛ فَإِنَّ اسْتِحْقَاقَ أَخْذِهِ مِنْهُ لَا يَمْنَعُ أَنْ يَسْتَحِقَّ بِهِ الشُّفْعَةَ ، كَالصَّدَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ ، وَالشِّقْصِ الْمَوْهُوبِ لِلْوَلَدِ .\rفَعَلَى هَذَا لِلْمُشْتَرِي الْأَوَّلِ الشُّفْعَةُ عَلَى الْمُشْتَرِي الثَّانِي ، سَوَاءٌ أَخَذَ مِنْهُ الْمَبِيعَ بِالشُّفْعَةِ أَوْ لَمْ يَأْخُذْ ، وَلِلْبَائِعِ الثَّانِي","part":11,"page":183},{"id":5183,"text":"إذَا بَاعَ بَعْضَ الشِّقْصِ الْأَخْذُ مِنْ الْمُشْتَرِي الْأَوَّلِ ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ .\rفَأَمَّا إنْ بَاعَ الشَّفِيعُ مِلْكَهُ قَبْلَ عِلْمِهِ بِالْبَيْعِ الْأَوَّلِ ، فَقَالَ الْقَاضِي : تَسْقُطُ شُفْعَتُهُ أَيْضًا ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ ، وَلِأَنَّهُ زَالَ السَّبَبُ الَّذِي يَسْتَحِقُّ بِهِ الشُّفْعَةَ ، وَهُوَ الْمِلْكُ الَّذِي يَخَافُ الضَّرَرَ بِسَبَبِهِ ، فَصَارَ كَمَنْ اشْتَرَى مَعِيبًا ، فَلَمْ يَعْلَمْ عَيْبَهُ حَتَّى زَالَ أَوْ حَتَّى بَاعَهُ .\rفَعَلَى هَذَا ، حُكْمُهُ حُكْمُ مَا لَوْ بَاعَ مَعَ عِلْمِهِ ، سَوَاءٌ فِيمَا إذَا بَاعَ جَمِيعَهُ أَوْ بَعْضَهُ .\rوَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : لَا تَسْقُطُ شُفْعَتُهُ لِأَنَّهَا ثَبَتَتْ لَهُ وَلَمْ يُوجَدْ مِنْهُ رِضًى بِتَرْكِهَا ، وَلَا مَا يَدُلُّ عَلَى إسْقَاطِهَا ، وَالْأَصْلُ بَقَاؤُهَا فَتَبْقَى .\rوَفَارَقَ مَا إذَا عَلِمَ ، فَإِنَّ بَيْعَهُ دَلِيلٌ عَلَى رِضَاهُ بِتَرْكِهَا ، فَعَلَى هَذَا ، لِلْبَائِعِ الثَّانِي أَخْذُ الشِّقْصِ مِنْ الْمُشْتَرِي الْأَوَّلِ ، فَإِنْ عَفَا عَنْهُ ، فَلِلْمُشْتَرِي الْأَوَّلِ أَخْذُ الشِّقْصِ مِنْ الْمُشْتَرِي الثَّانِي ، وَإِنْ أَخَذَ مِنْهُ ، فَهَلْ لِلْمُشْتَرِي الْأَوَّلِ الْأَخْذُ مِنْ الثَّانِي ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ .","part":11,"page":184},{"id":5184,"text":"( 4030 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَمَنْ كَانَ غَائِبًا ، وَعَلِمَ بِالْبَيْعِ فِي وَقْتِ قُدُومِهِ ، فَلَهُ الشُّفْعَةُ ، وَإِنْ طَالَتْ غَيْبَتُهُ ) .\rوَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْغَائِبَ لَهُ شُفْعَةٌ .\rفِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ شُرَيْحٍ ، وَالْحَسَنِ ، وَعَطَاءٍ .\rوَبِهِ قَالَ مَالِكٌ ، وَاللَّيْثُ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَالْعَنْبَرِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَرُوِيَ عَنْ النَّخَعِيِّ : لَيْسَ لِلْغَائِبِ شُفْعَةٌ وَبِهِ قَالَ الْحَارِثُ الْعُكْلِيُّ ، وَالْبَتِّيُّ ، إلَّا لِلْغَائِبِ الْقَرِيبِ ؛ لِأَنَّ إثْبَاتَ الشُّفْعَةِ لَهُ يَضُرُّ بِالْمُشْتَرِي ، وَيَمْنَعُ مِنْ اسْتِقْرَارِ مِلْكِهِ وَتَصَرُّفِهِ عَلَى حَسَبِ اخْتِيَارِهِ ، خَوْفًا مِنْ أَخْذِهِ ، فَلَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ كَثُبُوتِهِ لِلْحَاضِرِ عَلَى التَّرَاخِي .\rوَلَنَا ، عُمُومُ { قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : الشُّفْعَةُ فِيمَا لَمْ يُقْسَمْ } .\rوَسَائِرُ الْأَحَادِيثِ ، وَلِأَنَّ الشُّفْعَةَ حَقٌّ مَالِيٌّ وُجِدَ سَبَبُهُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْغَائِبِ ، فَيَثْبُتُ لَهُ ، كَالْإِرْثِ ، وَلِأَنَّهُ شَرِيكٌ لَمْ يَعْلَمْ بِالْبَيْعِ ، فَتَثْبُتُ لَهُ الشُّفْعَةُ عِنْدَ عِلْمِهِ ، كَالْحَاضِرِ إذَا كُتِمَ عَنْهُ الْبَيْعُ ، وَالْغَائِبِ غَيْبَةً قَرِيبَةً ، وَضَرَرُ الْمُشْتَرِي يَنْدَفِعُ بِإِيجَابِ الْقِيمَةِ لَهُ ، كَمَا فِي الصُّوَرِ الْمَذْكُورَةِ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّهُ إذَا لَمْ يَعْلَمْ بِالْبَيْعِ إلَّا وَقْتَ قُدُومِهِ ، فَلَهُ الْمُطَالَبَةُ وَإِنْ طَالَتْ غَيْبَتُهُ ؛ لِأَنَّ هَذَا الْخِيَارَ يَثْبُتُ لِإِزَالَةِ الضَّرَرِ عَنْ الْمَالِ ، فَتَرَاخِي الزَّمَانِ قَبْلَ الْعِلْمِ بِهِ لَا يُسْقِطُهُ ، كَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ ، وَمَتَى عَلِمَ فَحُكْمُهُ فِي الْمُطَالَبَةِ حُكْمُ الْحَاضِرِ ، فِي أَنَّهُ إنْ طَالَبَ عَلَى الْفَوْرِ اسْتَحَقَّ ، وَإِلَّا بَطَلَتْ شُفْعَتُهُ ، وَحُكْمُ الْمَرِيضِ وَالْمَحْبُوسِ وَسَائِرِ مَنْ لَمْ يَعْلَمْ الْبَيْعَ لِعُذْرٍ حُكْمُ الْغَائِبِ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا .","part":11,"page":185},{"id":5185,"text":"( 4031 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِنْ عَلِمَ وَهُوَ فِي السَّفَرِ ، فَلَمْ يُشْهِدْ عَلَى مُطَالَبَتِهِ ، فَلَا شُفْعَةَ لَهُ ) ظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ مَتَى عَلِمَ الْغَائِبُ بِالْبَيْعِ ، وَقَدَرَ عَلَى الْإِشْهَادِ وَعَلَى الْمُطَالَبَةِ فَلَمْ يَفْعَلْ ، أَنَّ شُفْعَتَهُ تَسْقُطُ ، سَوَاءٌ قَدَرَ عَلَى التَّوْكِيلِ أَوْ عَجَزَ عَنْهُ ، أَوْ سَارَ عَقِيبَ الْعِلْمِ أَوْ أَقَامَ .\rوَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ ، فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ ، فِي الْغَائِبِ : لَهُ الشُّفْعَةُ إذَا بَلَغَهُ أَشْهَدَ ، وَإِلَّا فَلَيْسَ لَهُ شَيْءٌ .\rوَهُوَ وَجْهٌ لِلشَّافِعِيِّ ، وَالْوَجْهُ الْآخَرُ لَا يَحْتَاجُ إلَى الْإِشْهَادِ ؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ عُذْرُهُ ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ تَرَكَ الشُّفْعَةَ لِذَلِكَ .\rفَقُبِلَ قَوْلُهُ فِيهِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ قَدْ يَتْرُكُ الطَّلَبَ لِلْعُذْرِ ، وَقَدْ يَتْرُكُهُ لِغَيْرِهِ ، وَقَدْ يَسِيرُ لِطَلَبِ الشُّفْعَةِ ، وَقَدْ يَسِيرُ لِغَيْرِهِ ، وَقَدْ قَدَرَ أَنْ يُبَيِّنَ ذَلِكَ بِالْإِشْهَادِ ، فَإِذَا لَمْ يَفْعَلْ سَقَطَتْ شُفْعَتُهُ ، كَتَارِكِ الطَّلَبِ مَعَ حُضُورِهِ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : إنْ سَارَ عَقِيبَ عِلْمِهِ إلَى الْبَلَدِ الَّذِي فِيهِ الْمُشْتَرِي مِنْ غَيْرِ إشْهَادٍ ، احْتَمَلَ أَنْ لَا تَبْطُلَ شُفْعَتُهُ ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَ سَيْرِهِ أَنَّهُ لِلطَّلَبِ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ ، وَالْعَنْبَرِيِّ ، وَقَوْلٌ لِلشَّافِعِي .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ : لَهُ مِنْ الْأَجَلِ بَعْدَ الْعِلْمِ قَدْرُ السَّيْرِ ، فَإِنْ مَضَى الْأَجَلُ قَبْلَ أَنْ يَبْعَثَ أَوْ يَطْلُبَ ، بَطَلَتْ شُفْعَتُهُ .\rوَقَالَ الْعَنْبَرِيُّ : لَهُ مَسَافَةُ الطَّرِيقِ ذَاهِبًا وَجَائِيًا ؛ لِأَنَّ عُذْرَهُ فِي تَرْكِ الطَّلَبِ ظَاهِرٌ ، فَلَمْ يَحْتَجْ مَعَهُ إلَى الشَّهَادَةِ .\rوَقَدْ ذَكَرْنَا وَجْهَ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ .\rوَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ إذَا عَجَزَ عَنْ الْإِشْهَادِ فِي سَفَرِهِ ، أَنَّ شُفْعَتَهُ لَا تَسْقُطُ ؛ لِأَنَّهُ مَعْذُورٌ فِي تَرْكِهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ تَرَكَ الطَّلَبَ لِعُذْرٍ أَوْ لِعَدَمِ الْعِلْمِ ، وَمَتَى قَدَرَ عَلَى الْإِشْهَادِ فَأَخَّرَهُ ، كَانَ كَتَأْخِيرِ الطَّلَبِ لِلشُّفْعَةِ ، إنْ كَانَ لِعُذْرٍ لَمْ","part":11,"page":186},{"id":5186,"text":"تَسْقُطْ الشُّفْعَةُ ، وَإِنْ كَانَ لِغَيْرِ عُذْرٍ سَقَطَتْ ؛ لِأَنَّ الْإِشْهَادَ قَائِمٌ مَقَامَ الطَّلَبِ ، وَنَائِبٌ عَنْهُ ، فَيُعْتَبَرُ لَهُ مَا يُعْتَبَرُ لِلطَّلَبِ .\rوَمَنْ لَمْ يَقْدِرْ إلَّا عَلَى إشْهَادِ مَنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ ، كَالصَّبِيِّ وَالْمَرْأَةِ وَالْفَاسِقِ ، فَتَرَكَ الْإِشْهَادَ ، لَمْ تَسْقُطْ شُفْعَتُهُ بِتَرْكِهِ ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُمْ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ ، فَلَمْ يَلْزَمْ إشْهَادُهُمْ كَالْأَطْفَالِ وَالْمَجَانِينِ .\rوَإِنْ لَمْ يَجِدْ مِنْ يُشْهِدُهُ إلَّا مَنْ لَا يَقْدَمُ مَعَهُ إلَى مَوْضِعِ الْمُطَالَبَةِ ، فَلَمْ يُشْهِدْ ، فَالْأَوْلَى أَنَّ شُفْعَتَهُ لَا تَبْطُلُ ؛ لِأَنَّ إشْهَادَهُ لَا يُفِيدُ ، فَأَشْبَهَ إشْهَادَ مَنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ .\rفَإِنْ لَمْ يَجِدْ إلَّا مَسْتُورَيْ الْحَالِ ، فَلَمْ يُشْهِدْهُمَا ، احْتَمَلَ أَنْ تَبْطُلَ شُفْعَتُهُ ؛ لِأَنَّ شَهَادَتَهُمَا يُمْكِنُ إثْبَاتُهَا بِالتَّزْكِيَةِ ، فَأَشْبَهَا الْعَدْلَيْنِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا تَبْطُلَ ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ فِي إثْبَاتِ شَهَادَتِهِمَا إلَى كُلْفَةٍ كَثِيرَةٍ ، وَقَدْ لَا يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ ، فَلَا تَقْبَلُ شَهَادَتُهُمَا ، وَإِنْ أَشْهَدَهُمَا لَمْ تَبْطُلُ شُفْعَتُهُ ، سَوَاءٌ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمَا أَوْ لَمْ تُقْبَلْ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُمْكِنْهُ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ ، فَأَشْبَهَ الْعَاجِزَ عَنْ الْإِشْهَادِ .\rوَكَذَلِكَ إنْ لَمْ يَقْدِرْ إلَّا عَلَى إشْهَادِ وَاحِدٍ ، فَأَشْهَدَهُ ، أَوْ تَرَكَ إشْهَادَهُ .","part":11,"page":187},{"id":5187,"text":"فَصْلٌ : إذَا أَشْهَدَ عَلَى الْمُطَالَبَةِ ، ثُمَّ أَخَّرَ الْقُدُومَ مَعَ إمْكَانِهِ ، فَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ أَنَّ الشُّفْعَةَ بِحَالِهَا .\rوَقَالَ الْقَاضِي : تَبْطُلُ شُفْعَتُهُ وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْمَسِيرِ ، وَقَدَرَ عَلَى التَّوْكِيلِ فِي طَلَبِهَا ، فَلَمْ يَفْعَلْ ، بَطَلَتْ أَيْضًا ؛ لِأَنَّهُ تَارِكٌ لِلطَّلَبِ بِهَا مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَيْهِ ، فَسَقَطَتْ ، كَالْحَاضِرِ ، أَوْ كَمَا لَوْ لَمْ يُشْهِدْ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ، إلَّا أَنَّ لَهُمْ فِيمَا إذَا قَدَرَ عَلَى التَّوْكِيلِ فَلَمْ يَفْعَلْ وَجْهَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، لَا تَسْقُطُ شُفْعَتُهُ ؛ لِأَنَّ لَهُ غَرَضًا بِأَنْ يُطَالِبَ لِنَفْسِهِ ، لِكَوْنِهِ أَقُومَ بِذَلِكَ أَوْ يَخَافُ الضَّرَرَ مِنْ جِهَةِ وَكِيلِهِ ، بِأَنْ يُقِرَّ عَلَيْهِ بِرِشْوَةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ ، فَيَلْزَمُهُ إقْرَارُهُ ، فَكَانَ مَعْذُورًا .\rوَلَنَا ، أَنَّ عَلَيْهِ فِي السَّفَرِ ضَرَرًا ، لِالْتِزَامِهِ كُلْفَتَهُ ، وَقَدْ يَكُونُ لَهُ حَوَائِجُ وَتِجَارَةٌ يَنْقَطِعُ عَنْهَا ، وَتَضِيعُ بِغَيْبَتِهِ ، وَالتَّوْكِيلُ إنْ كَانَ بِجَعْلٍ لَزِمَهُ غُرْمٌ ، وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ جَعْلٍ لَزِمَتْهُ مِنَّةٌ .\rوَيَخَافُ الضَّرَرَ مِنْ جِهَتِهِ ، فَاكْتَفَى بِالْإِشْهَادِ .\rفَأَمَّا إنْ تَرَكَ السَّفَرَ ، لِعَجْزِهِ عَنْهُ ، أَوْ لِضَرَرٍ يَلْحَقُهُ فِيهِ ، لَمْ تَبْطُلْ شُفْعَتُهُ ، وَجْهًا وَاحِدًا ؛ لِأَنَّهُ مَعْذُورٌ ، فَأَشْبَهَ مِنْ لَمْ يَعْلَمْ .\rوَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْإِشْهَادِ ، وَأَمْكَنَهُ السَّفَرُ أَوْ التَّوْكِيلُ ، فَلَمْ يَفْعَلْ ، بَطَلَتْ شُفْعَتُهُ ؛ لِأَنَّهُ تَارِكٌ لِلطَّلَبِ بِهَا مَعَ إمْكَانِهِ ، مِنْ غَيْرِ وُجُودِ مَا يَقُومُ مَقَامَ الطَّلَبِ ، فَسَقَطَتْ ، كَمَا لَوْ كَانَ حَاضِرًا .","part":11,"page":188},{"id":5188,"text":"( 4033 ) فَصْلٌ : وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا مَرَضًا لَا يَمْنَعُ الْمُطَالَبَةَ ، كَالصُّدَاعِ الْيَسِيرِ ، وَالْأَلَمِ الْقَلِيلِ ، فَهُوَ كَالصَّحِيحِ .\rوَإِنْ كَانَ مَرَضًا يَمْنَعُ الْمُطَالَبَةَ ، كَالْحُمَّى وَأَشْبَاهِهَا ، فَهُوَ كَالْغَائِبِ فِي الْإِشْهَادِ وَالتَّوْكِيلِ .\rوَأَمَّا الْمَحْبُوسُ ، فَإِنْ كَانَ مَحْبُوسًا ظُلْمًا أَوْ بِدَيْنٍ لَا يُمْكِنُهُ أَدَاؤُهُ ، فَهُوَ كَالْمَرِيضِ ، وَإِنْ كَانَ مَحْبُوسًا بِحَقٍّ يَلْزَمُهُ أَدَاؤُهُ ، وَهُوَ قَادِرٌ عَلَيْهِ ، فَهُوَ كَالْمُطْلَقِ ، إنْ لَمْ يُبَادِرْ إلَى الْمُطَالَبَةِ ، وَلَمْ يُوَكِّلْ فِيهَا ، بَطَلَتْ شُفْعَتُهُ ؛ لِأَنَّهُ تَرَكَهَا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهَا .","part":11,"page":189},{"id":5189,"text":"( 4034 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ حَتَّى تَبَايَعَ ذَلِكَ ثَلَاثَةٌ أَوْ أَكْثَرُ ، كَانَ لَهُ أَنْ يُطَالِبَ بِالشُّفْعَةِ مَنْ شَاءَ مِنْهُمْ ، فَإِنْ طَالَبَ الْأَوَّلَ ، رَجَعَ الثَّانِي بِالثَّمَنِ الَّذِي أُخِذَ مِنْهُ ، وَالثَّالِثُ عَلَى الثَّانِي ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ ، أَنَّ الْمُشْتَرِيَ إذَا تَصَرَّفَ فِي الْمَبِيعِ قَبْلَ أَخْذِ الشَّفِيعِ ، أَوْ قَبْلَ عِلْمِهِ ، فَتَصَرُّفُهُ صَحِيحٌ ؛ لِأَنَّهُ مَلَكَهُ ، وَصَحَّ قَبْضُهُ لَهُ ، وَلَمْ يَبْقَ إلَّا أَنَّ الشَّفِيعَ مَلَكَ أَنْ يَتَمَلَّكَهُ عَلَيْهِ ، وَذَلِكَ لَا يَمْنَعُ مِنْ تَصَرُّفِهِ ، كَمَا لَوْ كَانَ أَحَدُ الْعِوَضَيْنِ فِي الْبَيْعِ مَعِيبًا ، لَمْ يَمْنَعْ التَّصَرُّفَ فِي الْآخَرِ ، وَالْمَوْهُوبُ لَهُ يَجُوزُ لَهُ التَّصَرُّفُ فِي الْهِبَةِ .\rوَإِنْ كَانَ الْوَاهِبُ مِمَّنْ لَهُ الرُّجُوعُ فِيهِ ، فَمَتَى تَصَرَّفَ فِيهِ تَصَرُّفًا صَحِيحًا تَجِبُ بِهِ الشُّفْعَةُ ، مِثْلُ أَنْ بَاعَهُ ، فَالشَّفِيعُ بِالْخِيَارِ ، إنْ شَاءَ فَسَخَ الْبَيْعَ الثَّانِيَ وَأَخَذَهُ بِالْبَيْعِ الْأَوَّلِ بِثَمَنِهِ ؛ لِأَنَّ الشُّفْعَةَ وَجَبَتْ لَهُ قَبْلَ تَصَرُّفِ الْمُشْتَرِي ، وَإِنْ شَاءَ أَمْضَى تَصَرُّفَهُ وَأَخَذَ بِالشُّفْعَةِ مِنْ الْمُشْتَرِي الثَّانِي ؛ لِأَنَّهُ شَفِيعٌ فِي الْعَقْدَيْنِ ، فَكَانَ لَهُ الْأَخْذُ بِمَا شَاءَ مِنْهُمَا .\rوَإِنْ تَبَايَعَ ذَلِكَ ثَلَاثَةٌ ، فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ الْمَبِيعَ بِالْبَيْعِ الْأَوَّلِ ، وَيَنْفَسِخُ الْعَقْدَانِ الْأَخِيرَانِ ، وَلَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ بِالثَّانِي ، وَيَنْفَسِخُ الثَّالِثُ وَحْدَهُ ، وَلَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ بِالثَّالِثِ ، وَلَا يَنْفَسِخُ شَيْءٌ مِنْ الْعُقُودِ ، فَإِذَا أَخَذَهُ مِنْ الثَّالِثِ ، دَفَعَ إلَيْهِ الثَّمَنَ الَّذِي اشْتَرَى بِهِ ، وَلَمْ يَرْجِعْ عَلَى أَحَدٍ ؛ لِأَنَّهُ وَصَلَ إلَيْهِ الثَّمَنُ الَّذِي اشْتَرَى بِهِ ، وَإِنْ أَخَذَ مِنْ الثَّانِي الثَّمَنَ دَفَعَ إلَيْهِ الَّذِي اشْتَرَى بِهِ ، وَرَجَعَ الثَّالِثُ عَلَيْهِ بِمَا أَعْطَاهُ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ انْفَسَخَ عَقْدُهُ ، وَأُخِذَ الشِّقْصُ مِنْهُ ، فَيَرْجِعُ بِثَمَنِهِ عَلَى الثَّانِي ؛ لِأَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْهُ ، وَإِنْ أَخَذَ بِالْبَيْعِ","part":11,"page":190},{"id":5190,"text":"الْأَوَّلِ ، دَفَعَ إلَى الْمُشْتَرِي الْأَوَّلِ الثَّمَنَ الَّذِي اشْتَرَى بِهِ ، وَانْفَسَخَ عَقْدُ الْآخَرَيْنِ ، وَرَجَعَ الثَّالِثُ عَلَى الثَّانِي بِمَا أَعْطَاهُ ، وَرَجَعَ الثَّانِي عَلَى الْأَوَّلِ بِمَا أَعْطَاهُ ، فَإِذَا كَانَ الْأَوَّلُ اشْتَرَاهُ بِعَشْرَةٍ ، ثُمَّ اشْتَرَاهُ الثَّانِي بِعِشْرِينَ ، ثُمَّ اشْتَرَاهُ الثَّالِثُ بِثَلَاثِينَ ، فَأَخَذَهُ بِالْبَيْعِ الْأَوَّلِ ، دَفَعَ إلَى الْأَوَّلِ عَشَرَةً ، وَأَخَذَ الثَّانِي مِنْ الْأَوَّلِ عِشْرِينَ ، وَأَخَذَ الثَّالِثُ مِنْ الثَّانِي ثَلَاثِينَ ؛ لِأَنَّ الشِّقْصَ إنَّمَا يُؤْخَذُ مِنْ الثَّالِثِ ، لِكَوْنِهِ فِي يَدِهِ وَقَدْ انْفَسَخَ عَقْدُهُ ، فَيَرْجِعُ بِثَمَنِهِ الَّذِي وَرِثَهُ .\rوَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا .\rوَبِهِ يَقُولُ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَالْعَنْبَرِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَمَا كَانَ فِي مَعْنَى الْبَيْعِ مِمَّا تَجِبُ بِهِ الشُّفْعَةَ ، فَهُوَ كَالْبَيْعِ ، فِيمَا ذَكَرْنَا ، وَمَا كَانَ مِمَّا لَا تَجِبُ بِهِ الشُّفْعَةُ ، فَهُوَ كَالْهِبَةِ وَالْوَقْفِ ، عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .","part":11,"page":191},{"id":5191,"text":"( 4035 ) فَصْلٌ : وَإِنْ تَصَرَّفَ الْمُشْتَرِي فِي الشِّقْصِ بِمَا لَا تَجِبُ بِهِ الشُّفْعَةُ ، كَالْوَقْفِ وَالْهِبَةِ وَالرَّهْنِ ، وَجَعْلِهِ مَسْجِدًا ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : لِلشَّفِيعِ فَسْخُ ذَلِكَ التَّصَرُّفِ ، وَيَأْخُذُهُ بِالثَّمَنِ الَّذِي وَقَعَ الْبَيْعُ بِهِ .\rوَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْي ؛ لِأَنَّ الشَّفِيعَ مَلَكَ فَسْخَ الْبَيْعِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ ، مَعَ إمْكَانِ الْأَخْذِ بِهِمَا ، فَلَأَنْ يَمْلِكَ فَسْخَ عَقْدٍ لَا يُمْكِنُهُ الْأَخْذُ بِهِ أَوْلَى ، وَلِأَنَّ حَقَّ الشَّفِيعِ أَسْبَقُ ، وَجَنْبَتُهُ أَقْوَى ، فَلَمْ يَمْلِكْ الْمُشْتَرِي أَنْ يَتَصَرَّفَ تَصَرُّفًا يُبْطِلُ حَقَّهُ .\rوَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَبْطُلَ الْوَقْفُ لِأَجْلِ حَقِّ الْغَيْرِ ، كَمَا لَوْ وَقَفَ الْمَرِيضُ أَمْلَاكَهُ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ ، فَإِنَّهُ إذَا مَاتَ ، رُدَّ الْوَقْفُ إلَى الْغُرَمَاءِ وَالْوَرَثَةِ فِيمَا زَادَ عَلَى ثُلُثِهِ ، بَلْ لَهُمْ إبْطَالُ الْعِتْقِ ، فَالْوَقْفُ أَوْلَى .\rوَقَالَ الْقَاضِي : الْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ ، فِي رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ سَعِيدٍ ، وَبَكْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، إسْقَاطُ الشُّفْعَةِ فِيمَا إذَا تَصَرَّفَ بِالْوَقْفِ وَالْهِبَةِ .\rوَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ الْمَاسَرْجِسِيِّ فِي الْوَقْفِ ؛ لِأَنَّ الشُّفْعَةَ إنَّمَا تَثْبُتُ فِي الْمَمْلُوكِ ، وَقَدْ خَرَجَ هَذَا عَنْ كَوْنِهِ مَمْلُوكًا .\rوَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى : مَنْ اشْتَرَى دَارًا ، فَجَعَلَهَا مَسْجِدًا ، فَقَدْ اسْتَهْلَكَهَا ، وَلَا شُفْعَةَ فِيهَا .\rوَلِأَنَّ فِي الشُّفْعَةِ هَاهُنَا إضْرَارًا بِالْمَوْهُوبِ لَهُ ، وَالْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ مِلْكَهُ يَزُولُ عَنْهُ بِغَيْرِ عِوَضٍ ، وَلَا يُزَالُ الضَّرَرُ بِالضَّرَرِ ، بِخِلَافِ الْبَيْعِ ، فَإِنَّهُ إذَا فَسَخَ الْبَيْعَ الثَّانِيَ ، رَجَعَ الْمُشْتَرِي الثَّانِي بِالثَّمَنِ الَّذِي أُخِذَ مِنْهُ ، فَلَا يَلْحَقُهُ ضَرَرٌ ، وَلِأَنَّ ثُبُوتَ الشُّفْعَةِ هَاهُنَا يُوجِبُ رَدَّ الْعِوَضِ إلَى غَيْرِ الْمَالِكِ ، وَسَلْبَهُ عَنْ الْمَالِكِ ، فَإِذَا قُلْنَا بِسُقُوطِ الشُّفْعَةِ ، فَلَا كَلَامَ ، وَإِنْ قُلْنَا بِثُبُوتِهَا ، فَإِنَّ الشَّفِيعَ يَأْخُذُ الشِّقْصَ مِمَّنْ هُوَ","part":11,"page":192},{"id":5192,"text":"فِي يَدِهِ ، وَيَفْسَخُ عَقْدَهُ ، وَيَدْفَعُ الثَّمَنَ إلَى الْمُشْتَرِي .\rوَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يَكُونُ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ ؛ لِأَنَّهُ يَأْخُذُ مِلْكَهُ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الشَّفِيعَ يُبْطِلُ الْهِبَةَ ، وَيَأْخُذُ الشِّقْصَ بِحُكْمِ الْعَقْدِ الْأَوَّلِ ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ وَهَبَ ، كَانَ الثَّمَنُ لَهُ ، كَذَلِكَ بَعْدَ الْهِبَةِ الْمَفْسُوخَةِ .","part":11,"page":193},{"id":5193,"text":"( 4036 ) فَصْلٌ : فَإِنْ جَعَلَهُ صَدَاقًا ، أَوْ عِوَضًا فِي خُلْعٍ أَوْ صُلْحٍ عَنْ دَمٍ عَمْدٍ ، انْبَنَى ذَلِكَ عَلَى الْوَجْهَيْنِ فِي الْأَخْذِ بِالشُّفْعَةِ : فَإِنْ قَايَلَ الْبَائِعُ الْمُشْتَرِيَ ، أَوْ رَدَّهُ عَلَيْهِ بِعَيْبٍ ، فَلِلشَّفِيعِ فَسْخُ الْإِقَالَةِ وَالرَّدِّ ، وَالْأَخْذُ بِالشُّفْعَةِ ؛ لِأَنَّ حَقَّهُ سَابِقٌ عَلَيْهِمَا ، وَلَا يُمْكِنُهُ الْأَخْذُ مَعَهُمَا .\rوَإِنْ تَحَالَفَا عَلَى الثَّمَنِ ، وَفَسَخَا الْبَيْعَ ، فَلِلشَّفِيعِ أَنْ يَأْخُذَ الشِّقْصَ بِمَا حَلَفَ عَلَيْهِ الْبَائِعُ ؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ مُقِرٌّ بِالْبَيْعِ بِالثَّمَنِ الَّذِي حَلَفَ عَلَيْهِ ، وَمُقِرٌّ لِلشَّفِيعِ بِاسْتِحْقَاقِ الشُّفْعَةِ بِذَلِكَ ، فَإِذَا بَطَلَ حَقُّ الْمُشْتَرِي بِإِنْكَارِهِ ، لَمْ يَبْطُلْ حَقُّ الشَّفِيعِ بِذَلِكَ ، وَلَهُ أَنْ يُبْطِلَ فَسْخَهُمَا وَيَأْخُذَ ؛ لِأَنَّ حَقَّهُ أَسْبَقُ .","part":11,"page":194},{"id":5194,"text":"فَصْلٌ : وَإِنْ اشْتَرَى شِقْصًا بِعَبْدٍ ، ثُمَّ وَجَدَ بَائِعُ الشِّقْصِ بِالْعَبْدِ عَيْبًا ، فَلَهُ رَدُّ الْعَبْدِ وَاسْتِرْجَاعُ الشِّقْصِ ، وَيُقَدَّمُ عَلَى حَقِّ الشَّفِيعِ ؛ لِأَنَّ فِي تَقْدِيمِ حَقِّ الشَّفِيعِ إضْرَارًا بِالْبَائِعِ ، بِإِسْقَاطِ حَقِّهِ فِي الْفَسْخِ الَّذِي اسْتَحَقَّهُ ، وَالشُّفْعَةُ تَثْبُتُ لِإِزَالَةِ الضَّرَرِ ، فَلَا تَثْبُتُ عَلَى وَجْهٍ يَحْصُلُ بِهَا الضَّرَرُ ، فَإِنَّ الضَّرَرَ لَا يُزَالُ بِالضَّرَرِ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ : يُقَدَّمُ حَقُّ الشَّفِيعِ ؛ لِأَنَّ حَقَّهُ أَسْبَقُ ، فَوَجَبَ تَقْدِيمُهُ ، كَمَا لَوْ وَجَدَ الْمُشْتَرِي بِالشِّقْصِ عَيْبًا فَرَدَّهُ .\rوَلَنَا ، أَنَّ فِي الشُّفْعَةِ إبْطَالَ حَقِّ الْبَائِعِ ، وَحَقُّهُ أَسْبَقُ ؛ لِأَنَّهُ اسْتَنَدَ إلَى وُجُودِ الْعَيْبِ ، وَهُوَ مَوْجُودٌ حَالَ الْبَيْعِ ، وَالشُّفْعَةُ ثَبَتَتْ بِالْبَيْعِ ، فَكَانَ حَقُّ الْبَائِعِ سَابِقًا ، وَفِي الشُّفْعَةِ إبْطَالُهُ ، فَلَمْ تَثْبُتْ ، وَيُفَارِقُ مَا إذَا كَانَ الشِّقْصُ مَعِيبًا ، فَإِنَّ حَقَّ الْمُشْتَرِي إنَّمَا هُوَ فِي اسْتِرْجَاعِ الثَّمَنِ ، وَقَدْ حَصَلَ لَهُ مِنْ الشَّفِيعِ ، فَلَا فَائِدَةَ فِي الرَّدِّ ، وَفِي مَسْأَلَتِنَا حَقُّ الْبَائِعُ فِي اسْتِرْجَاعِ الشِّقْصِ ، وَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ مَعَ الْأَخْذِ بِالشُّفْعَةِ ، فَافْتَرَقَا .\rفَإِنْ لَمْ يَرُدَّ الْبَائِعُ الْعَبْدَ الْمَعِيبَ حَتَّى أَخَذَ الشَّفِيعُ ، كَانَ لَهُ رَدُّ الْعَبْدِ ، وَلَمْ يَمْلِكْ اسْتِرْجَاعَ الْمَبِيعِ ؛ لِأَنَّ الشَّفِيعَ مَلَكَهُ بِالْأَخْذِ ، فَلَمْ يَمْلِكْ الْبَائِعُ إبْطَالَ مِلْكِهِ ، كَمَا لَوْ بَاعَهُ الْمُشْتَرِي لِأَجْنَبِيٍّ ، فَإِنَّ الشُّفْعَةَ بَيْعٌ فِي الْحَقِيقَةِ ، وَلَكِنْ يَرْجِعُ بِقِيمَةِ الشِّقْصِ ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ التَّالِفِ ، وَالْمُشْتَرِي قَدْ أَخَذَ مِنْ الشَّفِيعِ قِيمَةَ الْعَبْدِ ، فَهَلْ يَتَرَجَّعَانِ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، لَا يَتَرَاجَعَانِ ؛ لِأَنَّ الشَّفِيعَ أَخَذَ بِالثَّمَنِ الَّذِي وَقَعَ عَلَيْهِ الْعَقْدُ ، وَهُوَ قِيمَةُ الْعَبْدِ صَحِيحًا لَا عَيْبَ فِيهِ ، بِدَلِيلِ أَنَّ الْبَائِعَ إذَا عَلِمَ بِالْعَيْبِ مَلَكَ رَدَّهُ .","part":11,"page":195},{"id":5195,"text":"وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَأْخُذَهُ بِقِيمَتِهِ مَعِيبًا ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا أَعْطَى عَبْدًا مَعِيبًا ، فَلَا يَأْخُذُ قِيمَةَ غَيْرِ مَا أَعْطَى .\rوَالثَّانِي ، يَتَرَاجَعَانِ ؛ لِأَنَّ الشَّفِيعَ إنَّمَا يَأْخُذُ بِالثَّمَنِ الَّذِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ الْعَقْدُ ، وَاَلَّذِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ الْعَقْدُ قِيمَةُ الشِّقْصِ ، فَإِذَا قُلْنَا : يَتَرَاجَعَانِ .\rفَأَيُّهُمَا كَانَ مَا دَفَعَهُ أَكْثَرَ ، رَجَعَ بِالْفَضْلِ عَلَى صَاحِبَهُ ، وَإِنْ لَمْ يَرُدَّ الْبَائِعُ الْعَبْدَ ، وَلَكِنْ أَخَذَ أَرْشَهُ ، لَمْ يَرْجِعْ الْمُشْتَرِي عَلَى الشَّفِيعِ بِشَيْءٍ ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا دَفَعَ إلَيْهِ قِيمَةَ الْعَبْدِ غَيْرَ مَعِيبٍ .\rوَإِنْ أَدَّى قِيمَتَهُ مَعِيبًا رَجَعَ الْمُشْتَرِي عَلَيْهِ ، بِمَا أَدَّى مِنْ أَرْشِهِ .\rوَإِنْ عَفَا عَنْهُ ، وَلَمْ يَأْخُذْ أَرْشًا ، لَمْ يَرْجِعْ الشَّفِيعُ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ لَازِمٌ مِنْ جِهَةِ الْمُشْتَرِي ، لَا يَمْلِكُ فَسْخَهُ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ حَطَّ عَنْهُ بَعْضَ الثَّمَنِ بَعْدَ لُزُومِ الْعَقْدِ .\rوَإِنْ عَادَ الشِّقْصُ إلَى الْمُشْتَرِي ، بِبَيْعٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ إرْثٍ أَوْ غَيْرِهِ ، فَلَيْسَ لِلْبَائِعِ أَخْذُهُ بِالْبَيْعِ الْأَوَّلِ لِأَنَّ مِلْكَ الْمُشْتَرِي زَالَ عَنْهُ ، وَانْقَطَعَ حَقُّهُ مِنْهُ ، وَانْتَقَلَ حَقُّهُ إلَى الْقِيمَةِ ، فَإِذَا أَخَذَهَا لَمْ يَبْقَ لَهُ بِخِلَافِ مَا لَوْ غَصَبَ شَيْئًا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى رَدِّهِ ، فَأَدَّى قِيمَتَهُ ، ثُمَّ قَدَرَ عَلَيْهِ ، فَإِنَّهُ يَرُدُّهُ ؛ لِأَنَّ مِلْكَ الْمَغْصُوبِ لَمْ يَزُلْ عَنْهُ .","part":11,"page":196},{"id":5196,"text":"( 4038 ) فَصْلٌ : وَلَوْ كَانَ ثَمَنُ الشِّقْصِ مَكِيلًا أَوْ مَوْزُونًا ، فَتَلِفَ قَبْلَ قَبْضِهِ ، بَطَلَ الْبَيْعُ ، وَبَطَلَتْ الشُّفْعَةُ ؛ لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ التَّسْلِيمُ ، فَتَعَذَّرَ إمْضَاءُ الْعَقْدِ ، فَلَمْ تَثْبُت الشُّفْعَةُ ، كَمَا لَوْ فَسَخَ الْبَيْعَ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ ، بِخِلَافِ الْإِقَالَةِ وَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ .\rوَإِنْ كَانَ الشَّفِيعُ قَدْ أَخَذَ الشِّقْصَ ، فَهُوَ كَمَا لَوْ أَخَذَهُ فِي الْمَسْأَلَةِ الَّتِي قَبْلَهَا ؛ لِأَنَّ لِمُشْتَرِي الشِّقْصِ التَّصَرُّفَ فِيهِ قَبْلَ تَقْبِيضِ ثَمَنِهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ اشْتَرَاهُ مِنْهُ أَجْنَبِيٌّ .","part":11,"page":197},{"id":5197,"text":"( 4039 ) فَصْلٌ : وَإِنْ اشْتَرَى شِقْصًا بِعَبْدٍ أَوْ ثَمَنٍ مُعَيَّنٍ ، فَخَرَجَ مُسْتَحَقًّا ، فَالْبَيْعُ بَاطِلٌ ، وَلَا شُفْعَةَ فِيهِ لِأَنَّهَا إنَّمَا تَثْبُتُ فِي عَقْدٍ يَنْقُلُ الْمِلْكَ إلَى الْمُشْتَرِي ، وَهُوَ الْعَقْدُ الصَّحِيحُ ، فَأَمَّا الْبَاطِلُ فَوُجُودُهُ كَعَدَمِهِ .\rفَإِنْ كَانَ الشَّفِيعُ قَدْ أَخَذَ بِالشُّفْعَةِ ، لَزِمَهُ رَدُّ مَا أَخَذَ عَلَى الْبَائِعِ ، وَلَا يَثْبُتُ ذَلِكَ إلَّا بِبَيِّنَةٍ أَوْ إقْرَارٍ مِنْ الشَّفِيعِ وَالْمُتَبَايِعِينَ فَإِنْ أَقَرَّ الْمُتَبَايِعَانِ ، وَأَنْكَرَ الشَّفِيعُ ، لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُمَا عَلَيْهِ ، وَلَهُ الْأَخْذُ بِالشُّفْعَةِ ، وَيُرَدُّ الْعَبْدُ عَلَى صَاحِبِهِ ، وَيَرْجِعُ الْبَائِعُ عَلَى الْمُشْتَرِي بِقِيمَةِ الشِّقْصِ .\rوَإِنْ أَقَرَّ الشَّفِيعُ وَالْمُشْتَرِي دُونَ الْبَائِعِ ، لَمْ تَثْبُتَ الشُّفْعَةُ ، وَوَجَبَ عَلَى الْمُشْتَرِي رَدُّ قِيمَةِ الْعَبْدِ عَلَى صَاحِبِهِ ، وَيَبْقَى الشِّقْصُ مَعَهُ يَزْعُمُ أَنَّهُ لِلْبَائِعِ ، وَالْبَائِعُ يُنْكِرُهُ ، وَيَدَّعِي عَلَيْهِ وُجُوبَ رَدِّ الْعَبْدِ ، وَالْبَائِعُ يُنْكِرُهُ ، فَيَشْتَرِي الشِّقْصَ مِنْهُ ، وَيَتَبَارَآنِ .\rوَإِنْ أَقَرَّ الشَّفِيعُ وَالْبَائِعُ وَأَنْكَرَ الْمُشْتَرِي ، وَجَبَ عَلَى الْبَائِعِ رَدُّ الْعَبْدِ عَلَى صَاحِبِهِ ، وَلَمْ تَثْبُتْ الشُّفْعَةُ ، وَلَمْ يَمْلِكْ الْبَائِعُ مُطَالَبَةَ الْمُشْتَرِي بِشَيْءٍ ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ صَحِيحٌ فِي الظَّاهِرِ ، وَقَدْ أَدَّى ثَمَنَهُ الَّذِي هُوَ مِلْكُهُ فِي الظَّاهِرِ .\rوَإِنْ أَقَرَّ الشَّفِيعُ وَحْدَهُ ، لَمْ تَثْبُتْ الشُّفْعَةُ ، وَلَا يَثْبُتُ شَيْءٌ مِنْ أَحْكَامِ الْبُطْلَانِ فِي حَقِّ الْمُتَبَايِعَيْنِ .\rفَأَمَّا إنَّ اشْتَرَى الشِّقْصَ بِثَمَنٍ فِي الذِّمَّةِ ، ثُمَّ نَفِدَ الثَّمَنُ فَبَانَ مُسْتَحَقًّا ، كَانَتْ الشُّفْعَةُ وَاجِبَةً ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ صَحِيحٌ ، فَإِنْ تَعَذَّرَ قَبْضُ الثَّمَنِ مِنْ الْمُشْتَرِي لِإِعْسَارِهِ أَوْ غَيْرِهِ ، فَلِلْبَائِعِ فَسْخُ الْبَيْعِ ، وَيُقَدَّمُ حَقُّ الشَّفِيعِ ؛ لِأَنَّ الْأَخْذَ بِهَا يَحْصُلُ لِلْمُشْتَرِي مَا يُوفِيه ثَمَنًا ، فَتَزُولُ عُسْرَتُهُ ، وَيَحْصُلُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْحَقَّيْنِ ، فَكَانَ","part":11,"page":198},{"id":5198,"text":"أَوْلَى .","part":11,"page":199},{"id":5199,"text":"( 4040 ) فَصْلٌ : وَإِذَا وَجَبَتْ الشُّفْعَةُ ، وَقَضَى الْقَاضِي بِهَا ، وَالشِّقْصُ فِي يَدِ الْبَائِعِ ، وَدَفَعَ الثَّمَنَ إلَى الْمُشْتَرِي ، فَقَالَ الْبَائِعُ لِلشَّفِيعِ : أَقِلْنِي .\rفَأَقَالَهُ ، لَمْ تَصِحَّ الْإِقَالَةُ ؛ لِأَنَّهَا تَصِحُّ بَيْنَ الْمُتَبَايِعَيْنِ ، وَلَيْسَ بَيْنَ الشَّفِيعِ وَالْبَائِعِ بَيْعٌ ، وَإِنَّمَا هُوَ مُشْتَرٍ مِنْ الْمُشْتَرِي .\rفَإِنْ بَاعَهُ إيَّاهُ ، صَحَّ الْبَيْعُ ؛ لِأَنَّ الْعَقَارَ يَجُوزُ التَّصَرُّفُ فِيهِ قَبْلَ قَبْضِهِ .","part":11,"page":200},{"id":5200,"text":"( 4041 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَلِلصَّغِيرِ إذَا كَبِرَ الْمُطَالَبَةُ بِالشُّفْعَةِ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ ، أَنَّهُ إذَا بِيعَ فِي شَرِكَةِ الصَّغِيرِ شِقْصٌ ، ثَبَتَتْ لَهُ الشُّفْعَةُ ، فِي قَوْلِ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ ، مِنْهُمْ الْحَسَنُ ، وَعَطَاءٌ ، وَمَالِكٌ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَسَوَّارٌ ، وَالْعَنْبَرِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى : لَا شُفْعَةَ لَهُ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ النَّخَعِيِّ ، وَالْحَارِثِ الْعُكْلِيِّ لِأَنَّ الصَّبِيَّ لَا يُمْكِنُهُ الْأَخْذُ ، وَلَا يُمْكِنُ انْتِظَارُهُ حَتَّى يَبْلُغَ .\rلِمَا فِيهِ مِنْ الْإِضْرَارِ بِالْمُشْتَرِي ، وَلَيْسَ لِلْوَلِيِّ الْأَخْذُ ؛ لِأَنَّ مَنْ لَا يَمْلِكُ الْعَفْوَ لَا يَمْلِكُ الْأَخْذَ .\rوَلَنَا ، عُمُومُ الْأَحَادِيثِ ، وَلِأَنَّهُ خِيَارٌ جُعِلَ لِإِزَالَةِ الضَّرَرِ عَنْ الْمَالِ ، فَيَثْبُتُ فِي حَقِّ الصَّبِيِّ كَخِيَارِ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ .\rوَقَوْلُهُمْ : لَا يُمْكِنُ الْأَخْذُ .\rغَيْرُ صَحِيحٍ ؛ فَإِنَّ الْوَلِيَّ يَأْخُذُ بِهَا ، كَمَا يَرُدُّ الْمَعِيبَ .\rقَوْلُهُمْ : لَا يُمْكِنُهُ الْعَفْوُ .\rيَبْطُلُ بِالْوَكِيلِ فِيهِ ، وَبِالرَّدِّ بِالْعَيْبِ ، فَإِنَّ وَلِيَّ الصَّبِيِّ لَا يُمْكِنُهُ الْعَفْوُ ، وَيُمْكِنُهُ الرَّدُّ .\rوَلِأَنَّ فِي الْأَخْذِ تَحْصِيلًا لِلْمِلْكِ لِلصَّبِيِّ ، وَنَظَرًا لَهُ ، وَفِي الْعَفْوِ تَضْيِيعٌ وَتَفْرِيطٌ فِي حَقِّهِ ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ مِلْكِ مَا فِيهِ الْحَظُّ مِلْكُ مَا فِيهِ تَضْيِيعٌ ، وَلِأَنَّ الْعَفْوَ إسْقَاطٌ لِحَقِّهِ ، وَالْأَخْذَ اسْتِيفَاءٌ لَهُ ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ مِلْكِ الْوَلِيِّ اسْتِيفَاءَ حَقِّ الْمُوَلَّى عَلَيْهِ ، مِلْكُ إسْقَاطِهِ ، بِدَلِيلِ سَائِرِ حُقُوقِهِ وَدُيُونِهِ .\rوَإِنْ لَمْ يَأْخُذْ الْوَلِيُّ ، اُنْتُظِرَ بُلُوغُ الصَّبِيِّ ، كَمَا يُنْتَظَرُ قُدُومُ الْغَائِبِ .\rوَمَا ذَكَرُوهُ مِنْ الضَّرَرِ فِي الِانْتِظَارِ ، يَبْطُلُ بِالْغَائِبِ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّ ظَاهِرَ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ ، أَنَّ لِلصَّغِيرِ إذَا كَبِرَ الْأَخْذَ بِهَا ، سَوَاءٌ عَفَا عَنْهَا الْوَلِيُّ أَوْ لَمْ يَعْفُ ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْحَظُّ فِي الْأَخْذِ بِهَا ، أَوْ فِي تَرْكِهَا .\rوَهُوَ","part":11,"page":201},{"id":5201,"text":"ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ ، فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ : لَهُ الشُّفْعَةُ إذَا بَلَغَ فَاخْتَارَ .\rوَلَمْ يُفَرِّقْ .\rوَهَذَا قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ ، وَزُفَرَ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ ، وَحَكَاهُ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ عَنْهُ ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَحِقَّ لِلشُّفْعَةِ يَمْلِكُ الْأَخْذَ بِهَا ، سَوَاءٌ كَانَ لَهُ الْحَظُّ فِيهَا أَوْ لَمْ يَكُنْ ، فَلَمْ يَسْقُطْ بِتَرْكِ غَيْرِهِ ، كَالْغَائِبِ إذَا تَرَكَ وَكِيلُهُ الْأَخْذَ بِهَا .\rوَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ حَامِدٍ : إنْ تَرَكَهَا الْوَلِيُّ لِحَظِّ الصَّبِيِّ ، أَوْ لِأَنَّهُ لَيْسَ لِلصَّبِيِّ مَا يَأْخُذُهَا بِهِ ، سَقَطَتْ وَهَذَا ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ الْوَلِيَّ فَعَلَ مَا لَهُ فِعْلُهُ ، فَلَمْ يَجُزْ لِلصَّبِيِّ نَقْضُهُ ، كَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ ، وَلِأَنَّهُ فَعَلَ مَا فِيهِ الْحَظُّ لِلصَّبِيِّ ، فَصَحَّ ، كَالْأَخْذِ مَعَ الْحَظِّ .\rوَإِنْ تَرَكَهَا لِغَيْرِ ذَلِكَ ، لَمْ تَسْقُطْ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : تَسْقُطُ بِعَفْوِ الْوَلِيِّ عَنْهَا فِي الْحَالَيْنِ ؛ لِأَنَّ مَنْ مَلَكَ الْأَخْذَ بِهَا مَلَكَ الْعَفْوَ عَنْهَا ، كَالْمَالِكِ .\rوَخَالَفَهُ صَاحِبَاهُ فِي هَذَا ؛ لِأَنَّهُ أَسْقَطَ حَقًّا لِلْمُوَلَّى عَلَيْهِ ، لَا حَظَّ لَهُ فِي إسْقَاطِهِ ، فَلَمْ يَصِحَّ كَالْإِبْرَاءِ ، وَإِسْقَاطِ خِيَارِ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ .\rوَلَا يَصِحُّ قِيَاسُ الْوَلِيِّ عَلَى الْمَالِكِ ؛ لِأَنَّ لِلْمَالِكِ التَّبَرُّعَ وَالْإِبْرَاءَ وَمَا لَا حَظَّ لَهُ فِيهِ ، بِخِلَافِ الْوَلِيِّ .","part":11,"page":202},{"id":5202,"text":"( 4042 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا الْوَلِيُّ ، فَإِنْ كَانَ لِلصَّبِيِّ حَظٌّ فِي الْأَخْذِ بِهَا ، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ الشِّرَاءُ رَخِيصًا ، أَوْ بِثَمَنِ الْمِثْلِ وَلِلصَّبِيِّ مَالٌ لِشِرَاءِ الْعَقَارِ ، لَزِمَ وَلِيَّهُ الْأَخْذُ بِالشُّفْعَةِ ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ الِاحْتِيَاطَ لَهُ ، وَالْأَخْذَ بِمَا فِيهِ الْحَظُّ ، فَإِذَا أَخَذَ بِهَا ، ثَبَتَ الْمِلْكُ لِلصَّبِيِّ ، وَلَمْ يَمْلِكْ نَقْضَهُ بَعْدَ الْبُلُوغِ ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، مِنْهُمْ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : لَيْسَ لِلْوَلِيِّ الْأَخْذُ بِهَا ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ الْعَفْوَ عَنْهَا ، فَلَا يَمْلِكُ الْأَخْذَ بِهَا ، كَالْأَجْنَبِيِّ ، وَإِنَّمَا يَأْخُذُ بِهَا الصَّبِيُّ إذَا كَبِرَ .\rوَلَا يَصِحُّ هَذَا ؛ لِأَنَّهُ خِيَارٌ جُعِلَ لِإِزَالَةِ الضَّرَرِ عَنْ الْمَالِ ، فَمَلَكَهُ الْوَلِيُّ فِي حَقِّ الصَّبِيِّ ، كَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا فَسَادَ قِيَاسِهِ فِيمَا مَضَى .\rفَإِنْ تَرَكَهَا الْوَلِيُّ مَعَ الْحَظِّ فَلِلصَّبِيِّ الْأَخْذُ بِهَا إذَا كَبِرَ ، وَلَا يَلْزَمُ الْوَلِيَّ لِذَلِكَ غُرْمٌ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُفَوِّتْ شَيْئًا مِنْ مَالِهِ ، وَإِنَّمَا تَرَكَ تَحْصِيلَ مَالَهُ الْحَظُّ فِيهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ تَرَكَ شِرَاءَ الْعَقَارِ لَهُ مَعَ الْحَظِّ فِي شِرَائِهِ ، وَإِنْ كَانَ الْحَظُّ فِي تَرْكِهَا ، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ الْمُشْتَرِي قَدْ غِبْنَ ، أَوْ كَانَ فِي الْأَخْذِ بِهَا يَحْتَاجُ إلَى أَنْ يَسْتَقْرِضَ وَيَرْهَنَ مَالَ الصَّبِيِّ ، فَلَيْسَ لَهُ الْأَخْذُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ فِعْلَ مَا لَا حَظَّ لِلصَّبِيِّ فِيهِ .\rفَإِنْ أَخَذَ ، فَهَلْ يَصِحُّ ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ ؛ إحْدَاهُمَا ، لَا يَصِحُّ ، وَيَكُونُ بَاقِيًا عَلَى مِلْكِ الْمُشْتَرِي ؛ لِأَنَّهُ اشْتَرَى لَهُ مَا لَا يَمْلِكُ شِرَاءَهُ ، فَلَمْ يَصِحَّ ، كَمَا لَوْ اشْتَرَى بِزِيَادَةٍ كَثِيرَةٍ عَلَى ثَمَنِ الْمِثْلِ ، أَوْ اشْتَرَى مَعِيبًا يَعْلَمُ عَيْبَهُ ، وَلَا يَمْلِكُ الْوَلِيُّ الْمَبِيعَ ؛ لِأَنَّ الشُّفْعَةَ تُؤْخَذُ بِحَقِّ الشَّرِكَةِ ، وَلَا شَرِكَةَ لِلْوَلِيِّ ، وَلِذَلِكَ لَوْ أَرَادَ الْأَخْذَ لِنَفْسِهِ ، لَمْ","part":11,"page":203},{"id":5203,"text":"يَصِحَّ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ تَزَوَّجَ لِغَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ ، فَإِنَّهُ يَقَعُ بَاطِلًا ، وَلَا يَصِحُّ لَوَاحِدٍ مِنْهُمَا كَذَا هَاهُنَا .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rوَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ ، يَصِحُّ الْأَخْذُ لِلصَّبِيِّ ؛ لِأَنَّهُ اشْتَرَى لَهُ مَا يَنْدَفِعُ عَنْهُ الضَّرَرُ بِهِ ، فَصَحَّ ، كَمَا لَوْ اشْتَرَى مَعِيبًا لَا يَعْلَمُ عَيْبَهُ ، وَالْحَظُّ يَخْتَلِفُ وَيَخْفَى ، فَقَدْ يَكُونُ لَهُ حَظٌّ فِي الْأَخْذِ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِ الْمِثْلِ ، لِزِيَادَةِ قِيمَةِ مِلْكِهِ وَالشِّقْصِ الَّذِي يَشْتَرِيه بِزَوَالِ الشَّرِكَةِ ، أَوْ لِأَنَّ الضَّرَرَ الَّذِي يَنْدَفِعُ بِأَخْذِهِ كَثِيرٌ ، فَلَا يُمْكِنُ اعْتِبَارُ الْحَظِّ بِنَفْسِهِ لِخَفَائِهِ ، وَلَا بِكَثْرَةِ الثَّمَنِ لِمَا ذَكَرْنَاهُ ، فَسَقَطَ اعْتِبَارُهُ ، وَصَحَّ الْبَيْعُ .","part":11,"page":204},{"id":5204,"text":"( 4043 ) فَصْلٌ : وَإِذَا بَاعَ وَصِيُّ الْأَيْتَامِ ، فَبَاعَ لِأَحَدِهِمْ نَصِيبًا فِي شَرِكَةِ آخَرَ ، كَانَ لَهُ الْأَخْذُ لِلْآخَرِ بِالشُّفْعَةِ ؛ لِأَنَّهُ كَالشِّرَاءِ لَهُ .\rوَإِنْ كَانَ الْوَصِيُّ شَرِيكًا لِمَنْ بَاعَ عَلَيْهِ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ الْأَخْذُ ؛ لِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ فِي بَيْعِهِ ، وَلِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ مَنْ يَشْتَرِي لِنَفْسِهِ مِنْ مَالِ يَتِيمِهِ .\rوَلَوْ بَاعَ الْوَصِيُّ نَصِيبَهُ ، كَانَ لَهُ الْأَخْذُ لِلْيَتِيمِ بِالشُّفْعَةِ ، إذَا كَانَ لَهُ الْحَظُّ فِيهَا ؛ لِأَنَّ التُّهْمَةَ مُنْتَفِيَةٌ ، فَإِنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى الزِّيَادَةِ فِي ثَمَنِهِ ، لِكَوْنِ الْمُشْتَرِي لَا يُوَافِقُهُ ، وَلِأَنَّ الثَّمَنَ حَاصِلٌ لَهُ مِنْ الْمُشْتَرِي ، كَحُصُولِهِ مِنْ الْيَتِيمِ ، بِخِلَافِ بَيْعِهِ مَالَ الْيَتِيمِ ، فَإِنَّهُ يُمْكِنُهُ تَقْلِيلُ الثَّمَنِ لِيَأْخُذَ الشِّقْصَ بِهِ ، فَإِذَا رُفِعَ الْأَمْرُ إلَى الْحَاكِمِ ، فَبَاعَ عَلَيْهِ ، فَلِلْوَصِيِّ الْأَخْذُ حِينَئِذٍ ؛ لِعَدَمِ التُّهْمَةِ ، وَإِنْ كَانَ مَكَانَ الْوَصِيِّ أَبٌ ، فَبَاعَ شِقْصَ الصَّبِيِّ ، فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ بِالشُّفْعَةِ ؛ لِأَنَّ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْ نَفْسِهِ مَالَ وَلَدِهِ ، لِعَدَمِ التُّهْمَةِ .\rوَإِنْ بِيعَ شِقْصٌ فِي شَرِكَةِ حَمْلٍ ، لَمْ يَكُنْ لِوَلِيِّهِ أَنْ يَأْخُذَ لَهُ بِالشُّفْعَةِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ تَمْلِيكُهُ بِغَيْرِ الْوَصِيَّةِ .\rوَإِذَا وُلِدَ الْحَمْلُ ثُمَّ كَبِرَ ، فَلَهُ الْأَخْذُ بِالشُّفْعَةِ ، كَالصَّبِيِّ إذَا كَبِرَ .","part":11,"page":205},{"id":5205,"text":"( 4044 ) فَصْلٌ : وَإِذَا عَفَا وَلِي الصَّبِيِّ عَنْ شُفْعَتِهِ الَّتِي لَهُ فِيهَا حَظٌّ ، ثُمَّ أَرَادَ الْأَخْذَ بِهَا ، فَلَهُ ذَلِكَ ، فِي قِيَاسِ الْمَذْهَبِ ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَسْقُطْ بِإِسْقَاطِهِ ، وَلِذَلِكَ مَلَكَ الصَّبِيُّ الْأَخْذَ بِهَا إذَا كَبِرَ ، وَلَوْ سَقَطَتْ لَمْ يَمْلِكْ الْأَخْذَ بِهَا .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَمْلِكَ الْأَخْذَ بِهَا ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُؤَدِّي إلَى ثُبُوتِ حَقِّ الشُّفْعَةِ عَلَى التَّرَاخِي ، وَذَلِكَ عَلَى خِلَافِ الْخَبَرِ وَالْمَعْنَى .\rوَيُخَالِفُ أَخْذَ الصَّبِيِّ بِهَا إذَا كَبِرَ ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ يَتَجَدَّدُ لَهُ عِنْدَ كِبَرِهِ ، فَلَا يَمْلِكُ تَأْخِيرَهُ حِينَئِذٍ ، وَكَذَلِكَ أَخْذُ الْغَائِبِ بِهَا إذَا قَدِمَ .\rفَأَمَّا إنْ تَرَكَهَا لِعَدَمِ الْحَظِّ فِيهَا ، ثُمَّ أَرَادَ الْأَخْذَ بِهَا ، وَالْأَمْرُ عَلَى مَا كَانَ ، لَمْ يَمْلِكْ ذَلِكَ كَمَا لَمْ يَمْلِكْهُ ابْتِدَاءً .\rوَإِنْ صَارَ فِيهَا حَظٌّ ، أَوْ كَانَ مُعْسِرًا عِنْدَ الْبَيْعِ فَأَيْسَرَ بَعْدَ ذَلِكَ ، انْبَنَى ذَلِكَ عَلَى سُقُوطِهَا بِذَلِكَ ؛ فَإِنْ قُلْنَا : لَا تَسْقُطُ ، وَلِلصَّبِيِّ الْأَخْذُ بِهَا إذَا كَبِرَ .\rفَحُكْمُهَا حُكْمُ مَا فِيهِ الْحَظُّ ، وَإِنْ قُلْنَا : تَسْقُطُ .\rفَلَيْسَ لَهُ الْأَخْذُ بِهَا بِحَالٍ ؛ لِأَنَّهَا قَدْ سَقَطَتْ عَلَى الْإِطْلَاقِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ عَفَا الْكَبِيرُ عَنْ شُفْعَتِهِ .\r( 4045 ) فَصْلٌ : وَالْحُكْمُ فِي الْمَجْنُونِ الْمُطْبَقِ كَالْحُكْمِ فِي الصَّبِيِّ سَوَاءٌ ؛ لِأَنَّهُ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ لِحَظِّهِ ، وَكَذَلِكَ السَّفِيهُ لِذَلِكَ ، وَأَمَّا الْمُغْمَى عَلَيْهِ فَلَا وِلَايَةَ عَلَيْهِ ، وَحُكْمُهُ حُكْمُ الْغَائِبِ وَالْمَجْنُونِ يُنْتَظَرُ إفَاقَتُهُ .\rوَأَمَّا الْمُفْلِسُ ، فَلَهُ الْأَخْذُ بِالشُّفْعَةِ ، وَالْعَفْوُ عَنْهَا ، وَلَيْسَ لِغُرَمَائِهِ الْأَخْذُ بِهَا ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ لَمْ يَثْبُتْ لَهُمْ فِي أَمْلَاكِهِ قَبْلَ قِسْمَتِهَا ، وَلَا إجْبَارُهُ عَلَى الْأَخْذِ بِهَا ؛ لِأَنَّهَا مُعَاوَضَةٌ ، فَلَا يُجْبَرُ عَلَيْهَا ، كَسَائِرِ الْمُعَاوَضَاتِ .\rوَلَيْسَ لَهُمْ إجْبَارُهُ عَلَى الْعَفْوِ ؛ لِأَنَّهُ إسْقَاطُ حَقٍّ ، فَلَا يُجْبَرُ عَلَيْهِ .\rوَسَوَاءٌ كَانَ لَهُ","part":11,"page":206},{"id":5206,"text":"حَظٌّ فِي الْأَخْذِ بِهَا ، أَوْ لَمْ يَكُنْ ؛ لِأَنَّهُ يَأْخُذُ فِي ذِمَّتِهِ ، وَلَيْسَ بِمَحْجُورِ عَلَيْهِ فِي ذِمَّتِهِ ، لَكِنْ لَهُمْ مَنْعُهُ مِنْ دَفْعِ مَالِهِ فِي ثَمَنِهَا ؛ لِتَعَلُّقِ حُقُوقِهِمْ بِمَالِهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ اشْتَرَى فِي ذِمَّتِهِ شِقْصًا غَيْرَ هَذَا .\rوَمَتَى مَلَكَ الشِّقْصَ الْمَأْخُوذَ بِالشُّفْعَةِ ، تَعَلَّقَتْ حُقُوقُ الْغُرَمَاءِ بِهِ ، سَوَاءٌ أَخَذَهُ بِرِضَاهُمْ أَوْ بِغَيْرِهِ ؛ لِأَنَّهُ مَالٌ لَهُ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ اكْتَسَبَهُ .\rوَأَمَّا الْمُكَاتَبُ ، فَلَهُ الْأَخْذُ وَالتَّرْكُ ، وَلَيْسَ لِسَيِّدِهِ الِاعْتِرَاضُ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ التَّصَرُّفَ يَقَعُ لَهُ دُونَ سَيِّدِهِ .\rفَأَمَّا الْمَأْذُونُ لَهُ فِي التِّجَارَةِ مِنْ الْعَبِيدِ ، فَلَهُ الْأَخْذُ بِالشُّفْعَةِ ؛ لِأَنَّهُ مَأْذُونٌ لَهُ فِي الشِّرَاءِ ، وَإِنْ عَفَا عَنْهَا لَمْ يَنْفُذْ عَفْوُهُ ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ لِسَيِّدِهِ ، وَلَمْ يَأْذَنْ لَهُ فِي إبْطَالِ حُقُوقِهِ .\rوَإِنْ أَسْقَطَهَا السَّيِّدُ ، سَقَطَتْ ، وَلَمْ يَكُنْ لِلْعَبْدِ أَنْ يَأْخُذَ ؛ لِأَنَّ لِلسَّيِّدِ الْحَجْرَ عَلَيْهِ ، وَلِأَنَّ الْحَقَّ قَدْ أَسْقَطَهُ مُسْتَحِقُّهُ ، فَيَسْقُطُ بِإِسْقَاطِهِ .","part":11,"page":207},{"id":5207,"text":"( 4046 ) فَصْلٌ : وَإِذَا بِيعَ شِقْصٌ فِي شَرِكَةِ مَالِ الْمُضَارَبَةِ ، فَلِلْعَامِلِ الْأَخْذُ بِهَا إذَا كَانَ الْحَظُّ فِيهَا ، فَإِنْ تَرَكَهَا فَلِرَبِّ الْمَالِ الْأَخْذُ ؛ لِأَنَّ مَالَ الْمُضَارَبَةِ مِلْكُهُ .\rوَلَا يَنْفُذُ عَفْوُ الْعَامِلِ ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ لِغَيْرِهِ فَلَمْ يَنْفُذْ عَفْوُهُ ، كَالْمَأْذُونِ لَهُ .\rوَإِنْ اشْتَرَى الْمُضَارِبُ بِمَالِ الْمُضَارَبَةِ شِقْصًا فِي شَرِكَةِ رَبِّ الْمَالِ ، فَهَلْ لِرَبِّ الْمَالِ فِيهِ شُفْعَةٌ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ ، مَبْنِيَّيْنِ عَلَى شِرَاءِ رَبِّ الْمَالِ مِنْ مَالِ الْمُضَارَبَةِ ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُمَا .\rوَإِنْ كَانَ الْمُضَارِبُ شَفِيعَهُ ، وَلَا رِبْحَ فِي الْمَالِ ، فَلَهُ الْأَخْذُ بِهَا ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ لِغَيْرِهِ .\rوَإِنْ كَانَ فِيهِ رِبْحٌ ، وَقُلْنَا : لَا يَمْلِكُ بِالظُّهُورِ .\rفَكَذَلِكَ ، وَإِنْ قُلْنَا : يَمْلِكُ بِالظُّهُورِ .\rفَفِيهِ وَجْهَانِ كَرَبِّ الْمَالِ .\rوَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فِي هَذَا كُلِّهِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا .\rفَإِنْ بَاعَ الْمُضَارِبُ شِقْصًا فِي شَرِكَتِهِ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَخْذُهُ بِالشُّفْعَةِ ؛ لِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ فَأَشْبَهَ شِرَاءَهُ مِنْ نَفْسِهِ .","part":11,"page":208},{"id":5208,"text":"( 4047 ) فَصْلٌ : وَلَا شُفْعَةَ بِشَرِكَةِ الْوَقْفِ .\rذَكَرَهُ الْقَاضِيَانِ ؛ ابْنُ أَبِي مُوسَى ، وَأَبُو يَعْلَى ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُؤْخَذُ بِالشُّفْعَةِ ، فَلَا تَجِبُ فِيهِ ، كَالْمُجَاوِرِ وَغَيْرِ الْمُنْقَسِمِ ، وَلِأَنَّنَا إنْ قُلْنَا : هُوَ غَيْرُ مَمْلُوكٍ .\rفَالْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ غَيْرُ مَالِكٍ ، وَإِنْ قُلْنَا : هُوَ مَمْلُوكٌ .\rفَمِلْكُهُ غَيْرُ تَامٍّ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُفِيدُ إبَاحَةَ التَّصَرُّفِ فِي الرَّقَبَةِ ، فَلَا يَمْلِكُ بِهِ مِلْكًا تَامًّا .\rوَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : إنَّ قُلْنَا : هُوَ مَمْلُوكٌ .\rوَجَبَتْ بِهِ الشُّفْعَةُ ؛ لِأَنَّهُ مَمْلُوكٌ بِيعَ فِي شَرِكَتِهِ شِقْصٌ ، فَوَجَبَتْ بِهِ الشُّفْعَةُ كَالطَّلْقِ ، وَلِأَنَّ الضَّرَرَ يَنْدَفِعُ عَنْهُ بِالشُّفْعَةِ كَالطَّلْقِ ، فَوَجَبَتْ فِيهِ ، كَوُجُوبِهَا فِي الطَّلْقِ ، وَإِنَّمَا لَمْ يَسْتَحِقَّ بِالشُّفْعَةِ ؛ لِأَنَّ الْأَخْذَ بَيْعٌ ، وَهُوَ مِمَّا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ .","part":11,"page":209},{"id":5209,"text":"( 4048 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِذَا بَنَى الْمُشْتَرِي أَعْطَاهُ الشَّفِيعُ قِيمَةَ بِنَائِهِ ، إلَّا أَنْ يَشَاءَ الْمُشْتَرِي أَنْ يَأْخُذَ بِنَاءَهُ ، فَلَهُ ذَلِكَ ، إذَا لَمْ يَكُنْ فِي أَخْذِهِ ضَرَرٌ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ يُتَصَوَّرُ بِنَاءُ الْمُشْتَرِي وَغَرْسُهُ فِي الشِّقْصِ الْمَشْفُوعِ عَلَى وَجْهٍ مُبَاحٍ فِي مَسَائِلَ : مِنْهَا ، أَنْ يُظْهِرَ الْمُشْتَرِي أَنَّهُ وُهِبَ لَهُ ، أَوْ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِهِ ، أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا يَمْنَعُ الشَّفِيعَ مِنْ الْأَخْذِ بِهَا ، فَيَتْرُكُهَا وَيُقَاسِمُهُ ، ثُمَّ يَبْنِي الْمُشْتَرِي وَيَغْرِسُ فِيهِ .\rوَمِنْهَا ، أَنْ يَكُونَ غَائِبًا فَيُقَاسِمَهُ وَكِيلُهُ ، أَوْ صَغِيرًا فَيُقَاسِمَهُ وَلِيُّهُ ، وَنَحْوُ ذَلِكَ ، ثُمَّ يَقْدَمُ الْغَائِبُ ، أَوْ يَبْلُغُ الصَّغِيرُ ، فَيَأْخُذُ بِالشُّفْعَةِ .\rوَكَذَلِكَ إنْ كَانَ غَائِبًا أَوْ صَغِيرًا ، فَطَالَبَ الْمُشْتَرِي الْحَاكِمَ بِالْقِسْمَةِ ، فَقَاسَمَ ، ثُمَّ قَدِمَ الْغَائِبُ ، وَبَلَغَ الصَّغِيرُ ، فَأَخَذَهُ بِالشُّفْعَةِ بَعْدَ غَرْسِ الْمُشْتَرِي وَبِنَائِهِ ، فَإِنَّ لِلْمُشْتَرِي قَلْعَ غَرْسِهِ وَبِنَائِهِ ، إنْ اخْتَارَ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ مِلْكُهُ ، فَإِذَا قَلَعَهُ فَلَيْسَ عَلَيْهِ تَسْوِيَةُ الْحَفْرِ ، وَلَا نَقْصِ الْأَرْضِ .\rذَكَرَهُ الْقَاضِي .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ غَرَسَ وَبَنَى فِي مِلْكِهِ ، وَمَا حَدَثَ مِنْ النَّقْصِ إنَّمَا حَدَثَ فِي مِلْكِهِ ، وَذَلِكَ مِمَّا لَا يُقَابِلُهُ ثَمَنٌ .\rوَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ أَنَّ عَلَيْهِ ضَمَانَ النَّقْصِ الْحَاصِلِ بِالْقَلْعِ ؛ لِأَنَّهُ اشْتَرَطَ فِي قَلْعِ الْغَرْسِ وَالْبِنَاءِ عَدَمَ الضَّرَرِ ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ نَقْصٌ دَخَلَ عَلَى مِلْكِ غَيْرِهِ لِأَجْلِ تَخْلِيصِ مِلْكِهِ ، فَلَزِمَهُ ضَمَانُهُ ، كَمَا لَوْ كَسَرَ مِحْبَرَةَ غَيْرِهِ لِإِخْرَاجِ دِينَارِهِ مِنْهَا .\rوَقَوْلُهُمْ : إنَّ النَّقْصَ حَصَلَ فِي مِلْكِهِ .\rلَيْسَ كَذَلِكَ ؛ فَإِنَّ النَّقْصَ الْحَاصِلَ بِالْقَلْعِ إنَّمَا هُوَ فِي مِلْكِ الشَّفِيعِ .\rفَأَمَّا نَقْصُ الْأَرْضِ الْحَاصِلُ بِالْغَرْسِ وَالْبِنَاءِ فَلَا يَضْمَنُهُ ؛ لِمَا ذَكَرُوهُ .\rفَإِنْ لَمْ يَخْتَرْ","part":11,"page":210},{"id":5210,"text":"الْمُشْتَرِي الْقَلْعَ ، فَالشَّفِيعُ بِالْخِيَارِ بَيْنَ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ ؛ تَرْكِ الشُّفْعَةِ ، وَبَيْنَ دَفْعِ قِيمَةِ الْغِرَاسِ وَالْبِنَاءِ فَيَمْلِكُهُ مَعَ الْأَرْضِ ، وَبَيْنَ قَلْعِ الْغَرْسِ وَالْبِنَاءِ ، وَيَضْمَنُ لَهُ مَا نَقَصَ بِالْقَلْعِ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّعْبِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى ، وَمَالِكٌ ، وَاللَّيْثُ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَالْبَتِّيُّ ، وَسَوَّارٌ ، وَإِسْحَاقُ .\rوَقَالَ حَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ ، وَالثَّوْرِيُّ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ : يُكَلِّفُ الْمُشْتَرِي الْقَلْعَ ، وَلَا شَيْءَ لَهُ ؛ لِأَنَّهُ بَنَى فِيمَا اسْتَحَقَّ غَيْرُهُ أَخْذَهُ ، فَأَشْبَهَ الْغَاصِبَ ، وَلِأَنَّهُ بَنَى فِي حَقِّ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ بَانَتْ مُسْتَحَقَّةً .\rوَلَنَا ، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ } .\rوَلَا يَزُولُ الضَّرَرُ عَنْهُمَا إلَّا بِذَلِكَ ، وَلِأَنَّهُ بَنَى فِي مِلْكِهِ الَّذِي تَمَلَّكَ بَيْعَهُ ، فَلَمْ يُكَلَّفْ قَلْعَهُ مَعَ الْإِضْرَارِ ، كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ مَشْفُوعًا .\rوَفَارَقَ مَا قَاسُوا عَلَيْهِ ، فَإِنَّهُ بَنَى فِي مِلْكِ غَيْرِهِ ، وَلِأَنَّهُ عِرْقٌ ظَالِمٌ ، وَلَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا ، فَإِنَّهُ غَيْرُ ظَالِمٍ ، فَيَكُونُ لَهُ حَقٌّ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُ إيجَابُ قِيمَتِهِ مُسْتَحِقًّا لِلْبَقَاءِ فِي الْأَرْضِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ ، وَلَا قِيمَتُهُ مَقْلُوعًا ؛ لِأَنَّهُ لَوْ وَجَبَتْ قِيمَتُهُ مَقْلُوعًا لَمَلَكَ قَلْعَهُ ، وَلَمْ يَضْمَنْ شَيْئًا ، وَلِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ مِمَّا لَا قِيمَةَ لَهُ إذَا قَلَعَهُ .\rوَلَمْ يَذْكُرْ أَصْحَابُنَا كَيْفِيَّةَ وُجُوبِ الْقِيمَةِ ، فَالظَّاهِرُ أَنَّ الْأَرْضَ تُقَوَّمُ وَفِيهَا الْغِرَاسُ وَالْبِنَاءُ ، ثُمَّ تُقَوَّمُ خَالِيَةً مِنْهُمَا ، فَيَكُونُ مَا بَيْنَهُمَا قِيمَةَ الْغَرْسِ وَالْبِنَاءِ ، فَيَدْفَعُهُ الشَّفِيعُ إلَى الْمُشْتَرِي إنْ أَحَبَّ ، أَوْ مَا نَقَصَ مِنْهُ إنْ اخْتَارَ الْقَلْعَ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الَّذِي زَادَ بِالْغَرْسِ وَالْبِنَاءِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَوَّمَ الْغَرْسُ","part":11,"page":211},{"id":5211,"text":"وَالْبِنَاءُ مُسْتَحِقًّا لِلتَّرْكِ بِالْأُجْرَةِ أَوْ لِأَخْذِهِ بِالْقِيمَةِ إذَا امْتَنَعَا مِنْ قَلْعِهِ ، فَإِنْ كَانَ لِلْغَرْسِ وَقْتٌ يُقْلَعُ فِيهِ فَيَكُونُ لَهُ قِيمَةٌ ، وَإِنْ قُلِعَ قَبْلَهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ قِيمَةٌ ، أَوْ تَكُونُ قِيمَتُهُ قَلِيلَةً ، فَاخْتَارَ الشَّفِيعُ قَلْعَهُ قَبْلَ وَقْتِهِ ، فَلَهُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ يَضْمَنُ النَّقْصَ فَيَجْبُرُ بِهِ ضَرَرَ الْمُشْتَرِي ، سَوَاءٌ كَثُرَ النَّقْصُ أَوْ قَلَّ ، وَيَعُودُ ضَرَرُ كَثْرَةِ النَّقْصِ عَلَى الشَّفِيعِ ، وَقَدْ رَضِيَ بِاحْتِمَالِهِ .\rوَإِنْ غَرَسَ أَوْ بَنَى مَعَ الشَّفِيعِ أَوْ وَكِيلِهِ فِي الْمُشَاعِ ، ثُمَّ أَخَذَهُ الشَّفِيعُ ، فَالْحُكْمُ فِي أَخْذِ نَصِيبِهِ مِنْ ذَلِكَ كَالْحُكْمِ فِي أَخْذِ جَمِيعِهِ بَعْدَ الْمُقَاسَمَةِ .","part":11,"page":212},{"id":5212,"text":"( 4049 ) فَصْلٌ : وَإِنْ زَرَعَ فِي الْأَرْضِ ، فَلِلشَّفِيعِ الْأَخْذُ بِالشُّفْعَةِ ، وَيَبْقَى زَرْعُ الْمُشْتَرِي إلَى أَوَانِ الْحَصَادِ ؛ لِأَنَّ ضَرَرَهُ لَا يَتَبَاقَى ، وَلَا أُجْرَةَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ زَرَعَهُ فِي مِلْكِهِ ، وَلِأَنَّ الشَّفِيعَ اشْتَرَى الْأَرْضَ وَفِيهَا زَرْعٌ لِلْبَائِعِ ، فَكَانَ لَهُ مُبْقًى إلَى الْحَصَادِ بِلَا أُجْرَةٍ ، كَغَيْرِ الْمَشْفُوعِ .\rوَإِنْ كَانَ فِي الشَّجَرِ ثَمَرٌ ظَاهِرٌ ، أَثْمَرَ فِي مِلْكِ الْمُشْتَرِي ، فَهُوَ لَهُ مُبْقًى إلَى الْجُذَاذِ ، كَالزَّرْعِ .","part":11,"page":213},{"id":5213,"text":"( 4050 ) فَصْلٌ : وَإِذَا نَمَا الْمَبِيعُ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي ، لَمْ يَخْلُ مِنْ حَالَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، أَنْ يَكُونَ نَمَاءً مُتَّصِلًا ، كَالشَّجَرِ إذَا كَثُرَ ، أَوْ ثَمَرَةٍ غَيْرِ ظَاهِرَةٍ ، فَإِنَّ الشَّفِيعَ يَأْخُذُهُ بِزِيَادَتِهِ ؛ لِأَنَّ هَذِهِ زِيَادَةٌ غَيْرُ مُتَمَيِّزَةٍ .\rفَتَبِعَتْ الْأَصْلَ ، كَمَا لَوْ رُدَّ بِعَيْبٍ أَوْ خِيَارٍ أَوْ إقَالَةٍ .\rفَإِنْ قِيلَ : فَلِمَ لَا يَرْجِعُ الزَّوْجُ فِي نِصْفِهِ زَائِدًا إذَا طَلَّقَ قَبْلَ الدُّخُولِ ؟ قُلْنَا : لِأَنَّ الزَّوْجَ يَقْدِرُ عَلَى الرُّجُوعِ بِالْقِيمَةِ ، إذَا فَاتَهُ الرُّجُوعُ بِالْعَيْنِ ، وَفِي مَسْأَلَتِنَا إذَا لَمْ يَرْجِعْ فِي الشِّقْصِ ، سَقَطَ حَقُّهُ مِنْ الشُّفْعَةِ ، فَلَمْ يَسْقُطْ حَقُّهُ مِنْ الْأَصْلِ لِأَجْلِ مَا حَدَثَ مِنْ الْبَائِعِ ، وَإِذَا أَخَذَ الْأَصْلَ تَبِعَهُ نَمَاؤُهُ الْمُتَّصِلُ ، كَمَا ذَكَرْنَا فِي الْفُسُوخِ كُلِّهَا .\rالْحَالُ الثَّانِي ، أَنْ تَكُونَ الزِّيَادَةُ مُنْفَصِلَةً ، كَالْغَلَّةِ ، وَالْأُجْرَةِ ، وَالطَّلْعِ الْمُؤَبَّرِ ، وَالثَّمَرَةِ الظَّاهِرَةِ ، فَهِيَ لِلْمُشْتَرِي ، لَا حَقَّ لِلشَّفِيعِ فِيهَا ؛ لِأَنَّهَا حَدَثَتْ فِي مِلْكِهِ ، وَتَكُونُ لِلْمُشْتَرِي مُبَقَّاةً فِي رُءُوسِ النَّخْلِ إلَى الْجُذَاذِ ؛ لِأَنَّ أَخْذَ الشَّفِيعِ مِنْ الْمُشْتَرِي شِرَاءٌ ثَانٍ ، فَيَكُونُ حُكْمُهُ حُكْمَ مَا لَوْ اشْتَرَى بِرِضَاهُ ، فَإِنْ اشْتَرَاهُ وَفِيهِ طَلْعٌ غَيْرُ مُؤَبَّرٍ ، فَأَبَرَّهُ ، ثُمَّ أَخَذَهُ الشَّفِيعُ ، أَخَذَ الْأَصْلَ دُونَ الثَّمَرَةِ ، وَيَأْخُذُ الْأَرْضَ وَالنَّخِيلَ بِحِصَّتِهِمَا مِنْ الثَّمَنِ ، كَمَا لَوْ كَانَ الْمَبِيعُ شِقْصًا وَسَيْفًا .","part":11,"page":214},{"id":5214,"text":"( 4051 ) فَصْلٌ : وَإِنْ تَلِفَ الشِّقْصُ أَوْ بَعْضُهُ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي ، فَهُوَ مِنْ ضَمَانِهِ ؛ لِأَنَّهُ مِلْكُهُ تَلِفَ فِي يَدِهِ ، ثُمَّ إنْ أَرَادَ الشَّفِيعُ الْأَخْذَ بَعْدَ تَلَفِ بَعْضِهِ ، أَخَذَ الْمَوْجُودَ بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ ، سَوَاءٌ كَانَ التَّلَفُ بِفِعْلِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ بِفِعْلِ آدَمِيٍّ ، وَسَوَاءٌ تَلِفَ بِاخْتِيَارِ الْمُشْتَرِي ، كَنَقْضِهِ لِلْبِنَاءِ ، أَوْ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ ، مِثْلُ أَنْ انْهَدَمَ .\rثُمَّ إنْ كَانَتْ الْأَنْقَاضُ مَوْجُودَةً أَخَذَهَا مَعَ الْعَرْصَةِ بِالْحِصَّةِ .\rوَإِنْ كَانَتْ مَعْدُومَةً أَخَذَ الْعَرْصَةَ وَمَا بَقِيَ مِنْ الْبِنَاءِ .\rوَهَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ ، فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ .\rوَهَذَا قَوْلُ الثَّوْرِيِّ ، وَالْعَنْبَرِيِّ ، وَأَبِي يُوسُفَ ، وَقَوْلٌ لِلشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ حَامِدٍ : إنْ كَانَ التَّلَفُ بِفِعْلِ آدَمِيٍّ ، كَمَا ذَكَرْنَا ، وَإِنْ كَانَ بِفِعْلِ اللَّهِ تَعَالَى ، كَانْهِدَامِ الْبِنَاءِ بِنَفْسِهِ ، أَوْ حَرِيقٍ ، أَوْ غَرَقٍ ، فَلَيْسَ لِلشَّفِيعِ أَخْذُ الْبَاقِي إلَّا بِكُلِّ الثَّمَنِ ، أَوْ يَتْرُكُ .\rوَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَقَوْلٌ لِلشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ مَتَى كَانَ النَّقْصُ بِفِعْلِ آدَمِيٍّ ، رَجَعَ بَدَلُهُ إلَى الْمُشْتَرِي ، فَلَا يَتَضَرَّرُ ، وَمَتَى كَانَ بِغَيْرِ ذَلِكَ ، لَمْ يَرْجِعْ إلَيْهِ شَيْءٌ فَيَكُونُ الْأَخْذُ مِنْهُ إضْرَارًا بِهِ ، وَالضَّرَرُ لَا يُزَالُ بِالضَّرَرِ .\rوَلَنَا ؛ أَنَّهُ تَعَذَّرَ عَلَى الشَّفِيعِ أَخْذُ الْجَمِيعِ ، وَقَدَرَ عَلَى أَخْذِ الْبَعْضِ ، فَكَانَ لَهُ بِالْحِصَّةِ مِنْ الثَّمَنِ ، كَمَا لَوْ تَلِفَ بِفِعْلِ آدَمِيٍّ سِوَاهُ ، أَوْ كَمَا لَوْ كَانَ لَهُ شَفِيعٌ آخَرُ ، أَوْ نَقُولُ : أَخَذَ بَعْضَ مَا دَخَلَ مَعَهُ فِي الْعَقْدِ ، فَأَخَذَهُ بِالْحِصَّةِ ، كَمَا لَوْ كَانَ مَعَهُ سَيْفٌ .\rوَأَمَّا الضَّرَرُ فَإِنَّمَا حَصَلَ بِالتَّلَفِ ، وَلَا صُنْعَ لِلشَّفِيعِ فِيهِ ، وَاَلَّذِي يَأْخُذُهُ الشَّفِيعُ يُؤَدِّي ثَمَنَهُ ، فَلَا يَتَضَرَّرُ الْمُشْتَرِي بِأَخْذِهِ .\rوَإِنَّمَا قُلْنَا : يَأْخُذُ الْأَنْقَاضَ وَإِنْ كَانَتْ مُنْفَصِلَةً ؛ لِأَنَّ","part":11,"page":215},{"id":5215,"text":"اسْتِحْقَاقَهُ لِلشُّفْعَةِ كَانَ حَالَ عَقْدِ الْبَيْعِ ، وَفِي تِلْكَ الْحَالِ كَانَ مُتَّصِلًا اتِّصَالًا لَيْسَ مَآلُهُ إلَى الِانْفِصَالِ ، وَانْفِصَالُهُ بَعْدَ ذَلِكَ لَا يُسْقِطُ حَقَّ الشُّفْعَةِ .\rوَيُفَارِقُ الثَّمَرَةَ غَيْرَ الْمُؤَبَّرَةِ إذَا تَأَبَّرَتْ ، فَإِنَّ مَآ لَهَا إلَى الِانْفِصَالِ وَالظُّهُورِ ، فَإِذَا ظَهَرَتْ فَقَدْ انْفَصَلَتْ ، فَلَمْ تَدْخُلْ فِي الشُّفْعَةِ .\rوَإِنْ نَقَصَتْ الْقِيمَةُ مَعَ بَقَاءِ صُورَةِ الْمَبِيعِ ، مِثْلُ أَنْ انْشَقَّ الْحَائِطُ ، وَاسْتَهْدَمَ الْبِنَاءَ ، وَشَعِثَ الشَّجَرُ ، وَبَارَتْ الْأَرْضُ ، فَلَيْسَ لَهُ إلَّا الْأَخْذُ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ أَوْ التَّرْكُ ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْمَعَانِي لَا يُقَابِلُهَا الثَّمَنُ ، بِخِلَافِ الْأَعْيَانِ ، وَلِهَذَا قُلْنَا : لَوْ بَنَى الْمُشْتَرِي أَعْطَاهُ الشَّفِيعُ قِيمَةَ بِنَائِهِ ، وَلَوْ زَادَ الْمَبِيعُ زِيَادَةً مُتَّصِلَةً ، دَخَلَتْ فِي الشُّفْعَةِ .","part":11,"page":216},{"id":5216,"text":"( 4052 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِنْ كَانَ الشِّرَاءُ وَقَعَ بِعَيْنٍ ، أَوْ وَرِقٍ ، أَعْطَاهُ الشَّفِيعُ مِثْلَ ذَلِكَ ، وَإِنْ كَانَ عَرْضًا ، أَعْطَاهُ قِيمَتَهُ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الشَّفِيعَ يَأْخُذُ الشِّقْصَ مِنْ الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ الَّذِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ الْعَقْدُ ؛ لِمَا رُوِيَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : هُوَ أَحَقُّ بِالثَّمَنِ } .\rرَوَاهُ أَبُو إِسْحَاقَ الْجُوزَجَانِيُّ فِي \" كِتَابِهِ \" .\rوَلِأَنَّ الشَّفِيعَ إنَّمَا اسْتَحَقَّ الشِّقْصَ بِالْبَيْعِ ، فَكَانَ مُسْتَحِقًّا لَهُ بِالثَّمَنِ ، كَالْمُشْتَرِي .\rفَإِنْ قِيلَ : إنَّ الشَّفِيعَ اسْتَحَقَّ أَخْذَهُ بِغَيْرِ رِضَى مَالِكِهِ ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَأْخُذَهُ بِقِيمَتِهِ ، كَالْمُضْطَرِّ يَأْخُذُ طَعَامَ غَيْرِهِ .\rقُلْنَا : الْمُضْطَرُّ اسْتَحَقَّ أَخْذَهُ بِسَبَبِ حَاجَةٍ خَاصَّةٍ ، فَكَانَ الْمَرْجِعُ فِي بَدَلِهِ إلَى قِيمَتِهِ ، وَالشَّفِيعُ اسْتَحَقَّهُ لِأَجْلِ الْبَيْعِ ، وَلِهَذَا لَوْ انْتَقَلَ بِهِبَةٍ أَوْ مِيرَاثٍ لَمْ يَسْتَحِقَّ الشُّفْعَةَ ، وَإِذَا اسْتَحَقَّ ذَلِكَ بِالْبَيْعِ ، وَجَبَ أَنْ يَكُونَ بِالْعِوَضِ الثَّابِتِ بِالْبَيْعِ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّا نَنْظُرُ فِي الثَّمَنِ ، فَإِنْ كَانَ دَنَانِيرَ أَوْ دَرَاهِمَ ، أَعْطَاهُ الشَّفِيعُ مِثْلَهُ ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا مِثْلَ لَهُ كَالثِّيَابِ وَالْحَيَوَانِ ، فَإِنَّ الشَّفِيعَ يَسْتَحِقُّ الشِّقْصَ بِقِيمَةِ الثَّمَنِ .\rوَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rوَبِهِ يَقُولُ أَصْحَابُ الرَّأْي ، وَالشَّافِعِيُّ .\rوَحُكِيَ عَنْ الْحَسَنِ ، وَسَوَّارٍ ، أَنَّ الشُّفْعَةَ لَا تَجِبُ هَاهُنَا ؛ لِأَنَّهَا تَجِبُ بِمِثْلِ الثَّمَنِ ، وَهَذَا لَا مِثْلَ لَهُ فَتَعَذَّرَ الْأَخْذُ ، فَلَمْ يَجِبْ ، كَمَا لَوْ جَهِلَ الثَّمَنَ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ أَحَدُ نَوْعَيْ الثَّمَنِ ، فَجَازَ أَنْ تَثْبُتَ بِهِ الشُّفْعَةُ فِي الْمَبِيعِ ، كَالْمِثْلِيِّ ، وَمَا ذَكَرُوهُ لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ الْمِثْلَ يَكُونُ مِنْ طَرِيقِ الصُّورَةِ ، وَمِنْ طَرِيقِ الْقِيمَةِ .\rكَبَدَلِ الْمُتْلِفِ ، فَإِمَّا إنْ كَانَ الثَّمَنُ مِنْ الْمِثْلِيَّاتِ غَيْرِ الْأَثْمَانِ ،","part":11,"page":217},{"id":5217,"text":"كَالْحُبُوبِ وَالْأَدْهَانِ ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا : يَأْخُذُهُ الشَّفِيعُ بِمِثْلِهِ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ ، فَهُوَ كَالْأَثْمَانِ .\rوَبِهِ يَقُولُ أَصْحَابُ الرَّأْي ، وَأَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ ؛ وَلِأَنَّ هَذَا مِثْلٌ مِنْ طَرِيقِ الصُّورَةِ وَالْقِيمَةِ ، فَكَانَ أَوْلَى مِنْ الْمُمَاثِلِ فِي إحْدَاهُمَا ، وَلِأَنَّ الْوَاجِبَ بَدَلُ الثَّمَنِ ، فَكَانَ مِثْلَهُ ، كَبَدَلِ الْقَرْضِ وَالْمُتْلَفِ .","part":11,"page":218},{"id":5218,"text":"( 4053 ) فَصْلٌ : وَيَسْتَحِقُّ الشَّفِيعُ الشِّقْصَ بِالثَّمَنِ الَّذِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ الْعَقْدُ ، فَلَوْ تَبَايَعَا بِقَدْرٍ ، ثُمَّ غَيَّرَاهُ فِي زَمَنِ الْخِيَارِ بِزِيَادَةٍ أَوْ نَقْصٍ ، ثَبَتَ ذَلِكَ التَّغْيِيرُ فِي حَقِّ الشَّفِيعِ ؛ لِأَنَّ حَقَّ الشَّفِيعِ إنَّمَا يَثْبُتُ إذَا تَمَّ الْعَقْدُ ، وَإِنَّمَا يُسْتَحَقُّ بِالثَّمَنِ الَّذِي هُوَ ثَابِتٌ حَالَ اسْتِحْقَاقِهِ ، وَلِأَنَّ زَمَنَ الْخِيَارِ بِمَنْزِلَةِ حَالَةِ الْعَقْدِ ، وَالتَّغْيِيرُ يَلْحَقُ بِالْعَقْدِ فِيهِ ؛ لِأَنَّهُمَا عَلَى اخْتِيَارِهِمَا فِيهِ ، كَمَا لَوْ كَانَ فِي حَالِ الْعَقْدِ .\rفَأَمَّا إذَا انْقَضَى الْخِيَارُ ، وَانْبَرَمَ الْعَقْدُ ، فَزَادَا أَوْ نَقَصَا ، لَمْ يَلْحَقْ بِالْعَقْدِ ؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ بَعْدَهُ هِبَةٌ يُعْتَبَرُ لَهَا شُرُوطُ الْهِبَةِ ، وَالنَّقْصُ إبْرَاءٌ مُبْتَدَأٌ ، وَلَا يَثْبُتُ ذَلِكَ فِي حَقِّ الشَّفِيعِ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَثْبُتُ النَّقْصُ فِي حَقِّ الشَّفِيعِ دُونَ الزِّيَادَةِ ، وَإِنْ كَانَا عِنْدَهُ مُلْحَقَانِ بِالْعَقْدِ ؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ تَضُرُّ الشَّفِيعَ ، فَلَمْ يَمْلِكْهَا ، بِخِلَافِ النَّقْصِ ، وَقَالَ مَالِكٌ : إنْ بَقِيَ مَا يَكُونُ ثَمَنًا أَخَذَ بِهِ ، وَإِنْ حَطَّ الْأَكْثَرَ أَخَذَهُ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ الْأَوَّلِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ ذَلِكَ يُعْتَبَرُ بَعْدَ اسْتِقْرَارِ الْعَقْدِ ، فَلَمْ يَثْبُتْ فِي حَقِّ الشَّفِيعِ ، كَالزِّيَادَةِ ، وَلِأَنَّ الشَّفِيعَ اسْتَحَقَّ الْأَخْذَ بِالثَّمَنِ الْأَوَّلِ قَبْلَ التَّغْيِيرِ ، فَلَمْ يُؤَثِّرْ التَّغْيِيرُ بَعْدَ ذَلِكَ فِيهِ ، كَالزِّيَادَةِ .\rوَمَا ذَكَرُوهُ مِنْ الْعُذْرِ غَيْرُ صَحِيحٍ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَوْ لَحِقَ الْعَقْدَ لَزِمَ الشَّفِيعَ ، وَإِنْ أَضَرَّ بِهِ ، كَالزِّيَادَةِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ ، وَلِأَنَّهُ حَطٌّ بَعْدَ لُزُومِ الْعَقْدِ ، فَأَشْبَهَ حَطَّ الْجَمِيعِ أَوْ الْأَكْثَرِ عِنْدَ مَالِكٍ .","part":11,"page":219},{"id":5219,"text":"( 4054 ) فَصْلٌ : وَإِنْ كَانَ الثَّمَنُ مِمَّا تَجِبُ قِيمَتُهُ ، فَإِنَّهَا تُعْتَبَرُ وَقْتَ الْبَيْعِ ؛ لِأَنَّهُ وَقْتُ الِاسْتِحْقَاقِ ، وَلَا اعْتِبَارَ بَعْدَ ذَلِكَ بِالزِّيَادَةِ وَالنَّقْصِ .\rوَإِنْ كَانَ فِيهِ خِيَارٌ ، اُعْتُبِرَتْ الْقِيمَةُ حِينَ انْقِضَاءِ الْخِيَارِ وَاسْتِقْرَارِ الْعَقْدِ ؛ لِأَنَّهُ حِينَ اسْتِحْقَاقِ الشُّفْعَةِ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يَأْخُذُهُ بِقِيمَتِهِ يَوْمَ الْمُحَاكَمَةِ .\rوَلَيْسَ بِصَحِيحِ ؛ لِأَنَّ وَقْتَ الِاسْتِحْقَاقِ وَقْتُ الْعَقْدِ ، وَمَا زَادَ بَعْدَ ذَلِكَ حَصَلَ فِي مِلْكِ الْبَائِعِ ، فَلَا يَقُومُ لِلْمُشْتَرِي ، وَمَا نَقَصَ فَمِنْ مَالِ الْبَائِعِ ، فَلَا يَنْقُصُ بِهِ حَقُّ الْمُشْتَرِي .","part":11,"page":220},{"id":5220,"text":"فَصْلٌ : وَإِذَا كَانَ الثَّمَنُ مُؤَجَّلًا ، أَخَذَهُ الشَّفِيعُ بِذَلِكَ الْأَجَلِ ، إنْ كَانَ مَلِيئًا ، وَإِلَّا أَقَامَ ضَمِينًا مَلِيئًا وَأَخَذَ .\rوَبِهِ قَالَ مَالِكٌ ، وَعَبْدُ الْمَلِكِ ، وَإِسْحَاقُ .\rوَقَالَ الثَّوْرِيُّ : لَا يَأْخُذُهَا إلَّا بِالنَّقْدِ حَالًّا .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَأْخُذُهَا إلَّا بِثَمَنِ حَالٍ ، أَوْ يَنْتَظِرُ مُضِيَّ الْأَجَلِ ثُمَّ يَأْخُذُ .\rوَعَنْ الشَّافِعِيِّ كَمَذْهَبِنَا وَمَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ الْأَخْذُ بِالْمُؤَجَّلِ ؛ لِأَنَّهُ يُفْضِي إلَى أَنْ يُلْزِمَ الْمُشْتَرِي قَبُولَ ذِمَّةِ الشَّفِيعِ ، وَالذِّمَمُ لَا تَتَمَاثَلُ ، وَإِنَّمَا يَأْخُذُ بِمِثْلِهِ ، وَلَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَأْخُذَ بِمِثْلِهِ حَالًّا ، لِئَلَّا يَلْزَمُهُ أَكْثَرُ مِمَّا يَلْزَمُ الْمُشْتَرِي ، وَلَا بِسِلَعِهِ بِمِثْلِ الثَّمَنِ إلَى الْأَجَلِ ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَأْخُذُهُ بِمِثْلِ الثَّمَنِ أَوْ الْقِيمَةِ ، وَالسِّلْعَةُ لَيْسَتْ وَاحِدَةً مِنْهُمَا ، فَلَمْ يَبْقَ إلَّا التَّخْيِيرُ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الشَّفِيعَ تَابِعٌ لِلْمُشْتَرِي فِي قَدْرِ الثَّمَنِ وَصِفَتِهِ ، وَالتَّأْجِيلُ مِنْ صِفَاتِهِ ، وَلِأَنَّ فِي الْحُلُولِ زِيَادَةً عَلَى التَّأْجِيلِ ، فَلَمْ يَلْزَمْ الشَّفِيعَ ، كَزِيَادَةِ الْقَدْرِ .\rوَمَا ذَكَرُوهُ مِنْ اخْتِلَافِ الذِّمَمِ ، فَإِنَّنَا لَا نُوجِبُهَا حَتَّى تُوجَدَ الْمُلَاءَةُ فِي الشَّفِيعِ ، أَوْ فِي ضَمِينِهِ ، بِحَيْثُ يَنْحَفِظُ الْمَالُ ، فَلَا يَضُرُّ اخْتِلَافُهُمَا فِيمَا وَرَاءَ ذَلِكَ ، كَمَا لَوْ اشْتَرَى الشِّقْصَ بِسِلْعَةٍ وَجَبَتْ قِيمَتُهَا ، وَلَا يَضُرُّ اخْتِلَافُهُمَا .\rوَمَتَى أَخَذَهُ الشَّفِيعُ بِالْأَجَلِ ، فَمَاتَ الشَّفِيعُ أَوْ الْمُشْتَرِي ، وَقُلْنَا : يَحِلُّ الدَّيْنُ بِالْمَوْتِ .\rحَلَّ الدَّيْنُ عَلَى الْمَيِّتِ مِنْهُمَا دُونَ صَاحِبِهِ ؛ لِأَنَّ سَبَبَ حُلُولِهِ الْمَوْتُ ، فَاخْتَصَّ بِمَنْ وُجِدَ فِي حَقِّهِ .","part":11,"page":221},{"id":5221,"text":"( 4056 ) فَصْلٌ : وَإِذَا بَاعَ شِقْصًا مَشْفُوعًا ، وَمَعَهُ مَا لَا شُفْعَةَ فِيهِ ، كَالسَّيْفِ وَالثَّوْبِ فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ ، ثَبَتَتْ الشُّفْعَةُ فِي الشِّقْصِ بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ دُونَ مَا مَعَهُ ، فَيُقَوَّمُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ، وَيُقَسَّمُ الثَّمَنُ عَلَى قَدْرِ قِيمَتِهِمَا ، فَمَا يَخُصُّ الشِّقْصَ يَأْخُذُهُ الشَّفِيعُ .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا تَجِبَ الشُّفْعَةُ ، لِئَلَّا تَتَبَعَّضَ صَفْقَةُ الْمُشْتَرِي ، وَفِي ذَلِكَ إضْرَارٌ بِهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَرَادَ الشَّفِيعُ أَخْذَ بَعْضِ الشِّقْصِ .\rوَقَالَ مَالِكٌ تَثْبُتُ الشُّفْعَةُ فِيهِمَا ؛ لِذَلِكَ .\rوَلَنَا ، أَنَّ السَّيْفَ لَا شُفْعَةَ فِيهِ ، وَلَا هُوَ تَابِعٌ لِمَا فِيهِ الشُّفْعَةُ ، فَلَمْ يُؤْخَذْ بِالشُّفْعَةِ ، كَمَا لَوْ أَفْرَدَهُ ، وَمَا يَلْحَقُ الْمُشْتَرِي مِنْ الضَّرَرِ فَهُوَ أَلْحَقَهُ بِنَفْسِهِ ، بِجَمْعِهِ فِي الْعَقْدِ بَيْنَ مَا تَثْبُتُ فِيهِ الشُّفْعَةُ وَمَا لَا تَثْبُتُ ، وَلِأَنَّ فِي أَخْذِ الْكُلِّ ضَرَرًا بِالْمُشْتَرِي أَيْضًا ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا كَانَ غَرَضُهُ فِي إبْقَاءِ السَّيْفِ لَهُ ، فَفِي أَخْذِهِ مِنْهُ إضْرَارٌ بِهِ مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ يَقْتَضِيهِ .","part":11,"page":222},{"id":5222,"text":"( 4057 ) فَصْلٌ : وَإِذَا بَاعَ شِقْصَيْنِ مِنْ أَرْضَيْنِ ، صَفْقَةً وَاحِدَةً ، لِرَجُلٍ وَاحِدٍ ، وَالشَّرِيكُ فِي أَحَدِهِمَا غَيْرُ الشَّرِيكِ فِي الْآخَرِ فَلَهُمَا أَنْ يَأْخُذَا وَيَقْتَسِمَا الثَّمَنَ عَلَى قَدْرِ الْقِيمَتَيْنِ .\rوَإِنْ أَخَذَ أَحَدُهُمَا دُونَ الْآخَرِ ، جَازَ ، وَيَأْخُذُ الشِّقْصَ الَّذِي فِي شَرِكَتِهِ بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ .\rوَيَتَخَرَّجُ أَنَّهُ لَا شُفْعَةَ لَهُ ، كَالْمَسْأَلَةِ الَّتِي قَبْلَهَا .\rوَلَيْسَ لَهُ أَخْذُهُمَا مَعًا ؛ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا لَا شَرِكَةَ لَهُ فِيهِ ، وَلَا هُوَ تَابِعٌ لِمَا فِيهِ الشُّفْعَةُ ، فَجَرَى مَجْرَى الشِّقْصِ وَالسَّيْفِ .\rوَإِنْ كَانَ الشَّرِيكُ فِيهِمَا وَاحِدًا ، فَلَهُ أَخْذُهُمَا وَتَرْكُهُمَا ؛ لِأَنَّهُ شَرِيكٌ فِيهِمَا .\rوَإِنْ أَحَبَّ أَخْذَ أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ ، فَلَهُ ذَلِكَ .\rوَهَذَا مَنْصُوصُ الشَّافِعِيِّ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ لَا يَمْلِكْ ذَلِكَ ، وَمَتَى اخْتَارَهُ سَقَطَتْ الشُّفْعَة فِيهِمَا ؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنَهُ أَخْذُ الْمَبِيعِ كُلِّهِ ، فَلَمْ يَمْلِكْ أَخْذَ بَعْضِهِ ، كَمَا لَوْ كَانَ شِقْصًا وَاحِدًا .\rذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ ، وَبَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهَا بِسَبَبِ غَيْرِ الْآخَرِ ، فَجَرَى مَجْرَى الشَّرِيكَيْنِ ، وَلِأَنَّهُ لَوْ جَرَى مَجْرَى الشِّقْصِ الْوَاحِدِ لَوَجَبَ إذَا كَانَا شَرِيكَيْنِ فَتَرَك أَحَدُهُمَا شُفْعَتَهُ أَنْ يَكُونَ لِلْآخَرِ أَخْذُ الْكُلِّ ، وَالْأَمْرُ بِخِلَافِهِ .","part":11,"page":223},{"id":5223,"text":"( 4058 ) فَصْلٌ : وَلَا يَأْخُذُ بِالشُّفْعَةِ مَنْ لَا يَقْدِرُ عَلَى الثَّمَنِ ؛ لِأَنَّ فِي أَخْذِهِ بِدُونِ دَفْعِ الثَّمَنِ إضْرَارًا بِالْمُشْتَرِي ، وَلَا يُزَالُ الضَّرَرُ بِالضَّرَرِ .\rفَإِنْ أَحْضَرَ رَهْنًا أَوْ ضَمِينًا ، لَمْ يَلْزَمْ الْمُشْتَرِيَ قَبُولُهُ ؛ لِأَنَّ فِي تَأْخِيرِ الثَّمَنِ ضَرَرًا ، فَلَمْ يَلْزَمْ الْمُشْتَرِيَ ذَلِكَ ، كَمَا لَوْ أَرَادَ تَأْخِيرَ ثَمَنٍ حَالٍ .\rفَإِنْ بَذَلَ عِوَضًا عَنْ الثَّمَنِ لَمْ يَلْزَمْهُ قَبُولُهُ ؛ لِأَنَّهَا مُعَاوَضَةٌ ؛ وَلَمْ يُجْبَرْ عَلَيْهَا .\rوَإِذَا أَخَذَ بِالشُّفْعَةِ ، لَمْ يَلْزَمْ الْمُشْتَرِيَ تَسْلِيمُ الشِّقْصِ حَتَّى يَقْبِضَ الثَّمَنَ ، فَإِنْ كَانَ مَوْجُودًا سَلَّمَهُ ، وَإِنْ تَعَذَّرَ فِي الْحَالِ ، قَالَ أَحْمَدُ ، فِي رِوَايَةِ حَرْبٍ : يُنْظَرُ الشَّفِيعُ يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ ، بِقَدْرِ مَا يَرَى الْحَاكِمُ ، وَإِذَا كَانَ أَكْثَرَ فَلَا .\rوَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ وَقَالَ ابْنُ شُبْرُمَةَ ، وَأَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ : يُنْظَرُ ثَلَاثًا ؛ لِأَنَّهَا آخِرُ حَدِّ الْقِلَّةِ ، فَإِنْ أَحْضَرَ الثَّمَنَ ، وَإِلَّا فَسَخَ عَلَيْهِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ : لَا يَأْخُذُ بِالشُّفْعَةِ ، وَلَا يَقْضِي الْقَاضِي بِهَا حَتَّى يُحْضِرَ الثَّمَنَ ؛ لِأَنَّ الشَّفِيعَ يَأْخُذُ الشِّقْصَ بِغَيْرِ اخْتِيَارِ الْمُشْتَرِي ، فَلَا يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ إلَّا بِإِحْضَارِ عِوَضِهِ ، كَتَسْلِيمِ الْمَبِيعِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ تَمَلُّكٌ لِلْمَبِيعِ بِعِوَضٍ ، فَلَا يَقِفُ عَلَى إحْضَارِ الْعِوَضِ ، كَالْبَيْعِ ، وَأَمَّا التَّسْلِيمُ فِي الْبَيْعِ ، فَالتَّسْلِيمُ فِي الشُّفْعَةِ مِثْلُهُ ، وَكَوْنُ الْأَخْذِ بِغَيْرِ اخْتِيَارِ الْمُشْتَرِي يَدُلُّ عَلَى قُوَّتِهِ ، فَلَا يَمْنَعُ مِنْ اعْتِبَارِهِ فِي الصِّحَّةِ ، فَإِذَا أَجَّلْنَاهُ مُدَّةً ، فَأَحْضَرَ الثَّمَنَ فِيهَا ، وَإِلَّا فَسَخَ الْحَاكِمُ الْأَخْذَ وَرَدَّهُ إلَى الْمُشْتَرِي .\rوَهَكَذَا لَوْ هَرَبَ الشَّفِيعُ بَعْدَ الْأَخْذِ .\rوَالْأَوْلَى أَنَّ لِلْمُشْتَرِي الْفَسْخَ مِنْ غَيْرِ حَاكِمٍ ؛ لِأَنَّهُ فَاتَ شَرْطُ الْأَخْذِ ، وَلِأَنَّهُ تَعَذَّرَ عَلَى الْبَائِعِ الْوُصُولُ إلَى الثَّمَنِ ، فَمَلَكَ الْفَسْخَ ،","part":11,"page":224},{"id":5224,"text":"كَغَيْرِ مَنْ أُخِذَتْ الشُّفْعَةُ مِنْهُ ، وَكَمَا لَوْ أَفْلَسَ الشَّفِيعُ ، وَلِأَنَّ الْأَخْذَ بِالشُّفْعَةِ لَا يَقِفُ عَلَى حُكْمِ الْحَاكِمِ ، فَلَا يَقِفُ فَسْخُ الْأَخْذِ بِهَا عَلَى الْحَاكِمِ ، كَفَسْخِ غَيْرِهَا مِنْ الْبُيُوعِ ، وَكَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ ، وَلِأَنَّ وَقْفَ ذَلِكَ عَلَى الْحَاكِمِ يُفْضِي إلَى الضَّرَرِ بِالْمُشْتَرِي ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ إثْبَاتُ مَا يَدَّعِيهِ ، وَقَدْ يَصْعُبُ عَلَيْهِ حُضُورُ مَجْلِسِ الْحَاكِمِ لِبُعْدِهِ ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ ، فَلَا يُشْرَعُ فِيهَا مَا يُفْضِي إلَى الضَّرَرِ ، وَلِأَنَّهُ لَوْ وَقَفَ الْأَمْرُ عَلَى الْحَاكِمِ ، لَمْ يَمْلِكْ الْأَخْذَ إلَّا بَعْدَ إحْضَارِ الثَّمَنِ ، لِئَلَّا يُفْضِيَ إلَى هَذَا الضَّرَرِ .\rوَإِنْ أَفْلَسَ الشَّفِيعُ ، خُيِّرَ الْمُشْتَرِي بَيْنَ الْفَسْخِ وَبَيْنَ أَنْ يَضْرِبَ مَعَ الْغُرَمَاءِ بِالثَّمَنِ ، كَالْبَائِعِ إذَا أَفْلَسَ الْمُشْتَرِي .","part":11,"page":225},{"id":5225,"text":"( 4059 ) فَصْلٌ : لَا يَحِلُّ الِاحْتِيَالُ لِإِسْقَاطِ الشُّفْعَةِ ، وَإِنْ فَعَلَ لَمْ تَسْقُطْ .\rقَالَ أَحْمَدُ ، فِي رِوَايَةِ إسْمَاعِيلَ بْنِ سَعِيدٍ ، وَقَدْ سَأَلَهُ عَنْ الْحِيلَةِ فِي إبْطَالِ الشُّفْعَةِ ، فَقَالَ : لَا يَجُوزُ شَيْءٌ مِنْ الْحِيَلِ فِي ذَلِكَ ، وَلَا فِي إبْطَالِ حَقِّ مُسْلِمٍ .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو أَيُّوبَ ، وَأَبُو خَيْثَمَةَ ، وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، وَأَبُو إِسْحَاقَ الْجُوزَجَانِيُّ .\rوَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ : مَنْ يَخْدَعْ اللَّهَ يَخْدَعْهُ .\rوَقَالَ أَيُّوبُ السِّخْتِيَانِيُّ : أَنَّهُمْ لَيُخَادِعُونَ اللَّهَ كَمَا يُخَادِعُونَ صَبِيًّا ، لَوْ كَانُوا يَأْتُونَ الْأَمْرَ عَلَى وَجْهِهِ ، كَانَ أَسْهَلَ عَلَيَّ .\rوَمَعْنَى الْحِيلَةِ أَنْ يُظْهِرُوا فِي الْبَيْعِ شَيْئًا لَا يُؤْخَذُ بِالشُّفْعَةِ مَعَهُ ، وَيَتَوَاطَئُونَ فِي الْبَاطِنِ عَلَى خِلَافِهِ ، مِثْلُ أَنْ يَشْتَرِيَ شِقْصًا يُسَاوِي عَشَرَةَ دَنَانِيرَ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ ، ثُمَّ يَقْضِيَهُ عَنْهَا عَشْرَةَ دَنَانِيرَ ، أَوْ يَشْتَرِيَهُ بِمِائَةِ دِينَارٍ ، وَيَقْضِيَهُ عَنْهَا مِائَةَ دِرْهَمٍ ، أَوْ يَشْتَرِيَ الْبَائِعُ مِنْ الْمُشْتَرِي عَبْدًا قِيمَتُهُ مِائَةٌ بِأَلْفٍ فِي ذِمَّتِهِ ، ثُمَّ يَبِيعَهُ الشِّقْصَ بِالْأَلْفِ ، أَوْ يَشْتَرِيَ شِقْصًا بِأَلْفٍ ، ثُمَّ يُبْرِئَهُ الْبَائِعُ مِنْ تِسْعِمِائَةٍ ، أَوْ يَشْتَرِيَ جُزْءًا مِنْ الشِّقْصِ بِمِائَةٍ ، ثُمَّ يَهَبَ لَهُ الْبَائِعُ بَاقِيَهُ ، أَوْ يَهَبَ الشِّقْصَ لِلْمُشْتَرِي ، وَيَهَبَ الْمُشْتَرِي لَهُ الثَّمَنَ ، أَوْ يُعْقَدَ الْبَيْعُ بِثَمَنٍ مَجْهُولِ الْمِقْدَارِ ، كَحَفْنَةِ قُرَاضَةٍ ، أَوْ جَوْهَرَةٍ مُعَيَّنَةٍ ، أَوْ سِلْعَةٍ مُعَيَّنَةٍ غَيْرِ مَوْصُوفَةٍ ، أَوْ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ وَلُؤْلُؤَةٍ ، وَأَشْبَاهِ هَذَا .\rفَهَذَا كُلُّهُ إذَا وَقَعَ مِنْ غَيْرِ تَحَيُّلٍ سَقَطَتْ الشُّفْعَةُ .\rوَإِنْ تَحَيَّلَا بِهِ عَلَى إسْقَاطِ الشُّفْعَةِ ، لَمْ تَسْقُطْ ، وَيَأْخُذُ الشَّفِيعُ الشِّقْصَ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى بِعَشْرَةِ دَنَانِيرَ أَوْ قِيمَتِهَا مِنْ الدَّرَاهِمِ .\rوَفِي الثَّانِيَةِ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ أَوْ قِيمَتِهَا ذَهَبًا .\rوَفِي الثَّالِثَةِ بِقِيمَةِ الْعَبْدِ الْمَبِيعِ","part":11,"page":226},{"id":5226,"text":".\rوَفِي الرَّابِعَةِ بِالْبَاقِي بَعْدَ الْإِبْرَاءِ ، وَهُوَ الْمِائَةُ الْمَقْبُوضَةُ .\rوَفِي الْخَامِسَةِ يَأْخُذُ الْجُزْءَ الْمَبِيعَ مِنْ الشِّقْصِ بِقِسْطِهِ مِنْ الثَّمَنِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَأْخُذَ الشِّقْصَ كُلَّهُ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا وَهَبَهُ بَقِيَّةَ الشِّقْصِ عِوَضًا عَنْ الثَّمَنِ الَّذِي اشْتَرَى بِهِ جُزْءًا مِنْ الشِّقْصِ .\rوَفِي السَّادِسَةِ يَأْخُذُ بِالثَّمَنِ الْمَوْهُوبِ .\rوَفِي سَائِرِ الصُّوَرِ الْمَجْهُولِ ثَمَنُهَا يَأْخُذُهُ بِمِثْلِ الثَّمَنِ ، أَوْ بِقِيمَتِهِ إنْ لَمْ يَكُنْ مِثْلِيًّا ، إذَا كَانَ الثَّمَنُ مَوْجُودًا ، وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ عَيْنُهُ ، دَفَعَ إلَيْهِ قِيمَةَ الشِّقْصِ ؛ لِأَنَّ الْأَغْلَبَ وُقُوعُ الْعَقْدِ عَلَى الْأَشْيَاءِ بِقِيمَتِهَا .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ ، وَالشَّافِعِيُّ ، يَجُوزُ ذَلِكَ كُلُّهُ ، وَتَسْقُطُ بِهِ الشُّفْعَةُ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْخُذْ بِمَا وَقَعَ الْبَيْعَ بِهِ ، فَلَمْ يَجُزْ ، كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ حِيلَةٌ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : مَنْ أَدْخَلَ فَرَسًا بَيْنَ فَرَسَيْنِ ، وَلَمْ يَأْمَنْ أَنْ يَسْبِقَ ، فَلَيْسَ بِقِمَارٍ ، وَإِنْ أَمِنَ أَنْ يَسْبِقَ ، فَهُوَ قِمَارٌ .\r} رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ ، فَجَعَلَ إدْخَالَ الْفَرَسِ الْمُحَلَّلِ قِمَارًا ، فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي يَقْصِدُ بِهِ إبَاحَةَ إخْرَاجِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُتَسَابِقَيْنِ جَعْلًا ، مَعَ عَدَمِ مَعْنَى الْمُحَلَّلِ فِيهِ ، وَهُوَ كَوْنُهُ بِحَالٍ يَحْتَمِلُ أَنْ يَأْخُذَ سَبَقَيْهِمَا ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى إبْطَالِ كُلِّ حِيلَةٍ لَمْ يُقْصَدْ بِهَا إلَّا إبَاحَةَ الْمُحَرَّمِ .\rمَعَ عَدَمِ الْمَعْنَى فِيهَا .\rوَاسْتَدَلَّ أَصْحَابُنَا بِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { لَا تَرْكَبُوا مَا ارْتَكَبَتْ الْيَهُودُ ، فَتَسْتَحِلُّوا مَحَارِمَ اللَّهِ بِأَدْنَى الْحِيَلِ .\r} وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ ، إنَّ اللَّهَ لَمَّا حَرَّمَ عَلَيْهِمْ شُحُومَهَا جَمَّلُوهُ ، ثُمَّ بَاعُوهُ ، وَأَكَلُوا ثَمَنَهُ } .","part":11,"page":227},{"id":5227,"text":"مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذَمَّ الْمُخَادِعِينَ لَهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى { : يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَاَلَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ } .\rوَالْحِيلَةُ مُخَادَعَةٌ ، وَقَدْ مَسَخَ اللَّهُ تَعَالَى الَّذِينَ اعْتَدَوْا فِي السَّبْتِ قِرَدَةً بِحِيلَتِهِمْ ، فَإِنَّهُ رُوِيَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَنْصِبُونَ شِبَاكَهُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ، وَمِنْهُمْ مِنْ يَحْفِرُ جِبَابًا ، وَيُرْسِلُ الْمَاءَ إلَيْهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ ، فَإِذَا جَاءَتْ الْحِيتَانُ يَوْمَ السَّبْتِ ، وَقَعَتْ فِي الشِّبَاكِ وَالْجِبَابِ ، فَيَدَعُونَهَا إلَى لَيْلَةِ الْأَحَدِ ، فَيَأْخُذُونَهَا ، وَيَقُولُونَ : مَا اصْطَدْنَا يَوْمَ السَّبْتِ شَيْئًا ، فَمَسَخَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى بِحِيَلِهِمْ .\rوَقَالَ تَعَالَى : { فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدْيَهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ .\r} قِيلَ : يَعْنِي بِهِ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rأَيْ لِتَتَّعِظَ بِذَلِكَ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَجْتَنِبُوا مِثْلَ مَا فَعَلَ الْمُعْتَدُونَ .\rوَلِأَنَّ الْحِيلَةَ خَدِيعَةٌ ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا تَحِلُّ الْخَدِيعَةُ لِمُسْلِمٍ } .\rوَلِأَنَّ الشُّفْعَةَ وُضِعَتْ لِدَفْعِ الضَّرَرِ ، فَلَوْ سَقَطَتْ بِالتَّحَيُّلِ ، لَلَحِقَ الضَّرَرُ ، فَلَمْ تَسْقُطْ ، كَمَا لَوْ أَسْقَطَهَا الْمُشْتَرِي بِالْبَيْعِ وَالْوَقْفِ .\rوَفَارَقَ مَا لَمْ يُقْصَدْ بِهِ التَّحَيُّلُ ، لِأَنَّهُ لَا خِدَاعَ فِيهِ ، وَلَا قُصِدَ بِهِ إبْطَالُ حَقٍّ ، وَالْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ .\rفَإِنْ اخْتَلَفَا هَلْ وَقَعَ شَيْءٌ مِنْ هَذَا حِيلَةً ، أَوْ لَا ؟ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي مَعَ يَمِينِهِ ؛ لِأَنَّهُ أَعْلَمُ بِنِيَّتِهِ وَحَالِهِ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّ الْغَرَرَ فِي الصُّورَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ عَلَى الْمُشْتَرِي ؛ لِشِرَائِهِ مَا يُسَاوِي عَشْرَةً بِمِائَةٍ ، وَمَا يُسَاوِي مِائَةَ دِرْهَمٍ بِمِائَةِ دِينَارٍ ، وَأَشْهَدَ عَلَى نَفْسِهِ أَنَّ عَلَيْهِ أَلْفًا ، فَرُبَّمَا طَالَبَهُ بِذَلِكَ ، فَلَزِمَهُ ، فِي ظَاهِرِ الْحُكْمِ .\rوَفِي","part":11,"page":228},{"id":5228,"text":"الثَّالِثَةِ الْغَرَرُ عَلَى الْبَائِعِ ؛ لِأَنَّهُ اشْتَرَى عَبْدًا يُسَاوِي مِائَةً بِأَلْفٍ .\rوَفِي الرَّابِعَةِ عَلَى الْمُشْتَرِي ؛ لِأَنَّهُ اشْتَرَى شِقْصًا قِيمَتُهُ مِائَةٌ بِأَلْفٍ .\rوَكَذَلِكَ فِي الْخَامِسَةِ ؛ لِأَنَّهُ اشْتَرَى بَعْضَ الشِّقْصِ بِثَمَنِ جَمِيعِهِ .\rوَفِي السَّادِسَةِ عَلَى الْبَادِئِ مِنْهُمَا بِالْهِبَةِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ لَا يَهَبُ لَهُ الْآخَرُ شَيْئًا ، فَإِنْ خَالَفَ أَحَدُهُمَا مَا تَوَاطَآ عَلَيْهِ ، فَطَالَبَ صَاحِبَهُ بِمَا أَظْهَرَاهُ ، لَزِمَهُ ، فِي ظَاهِرِ الْحُكْمِ ؛ لِأَنَّهُ عَقَدَ الْبَيْعَ مَعَ صَاحِبِهِ بِذَلِكَ مُخْتَارًا ، فَأَمَّا فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى ، فَلَا يَحِلُّ لِمَنْ غَرَّ صَاحِبَهُ الْأَخْذُ بِخِلَافِ مَا تَوَاطَآ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ صَاحِبَهُ إنَّمَا رَضِيَ بِالْعَقْدِ لِلتَّوَاطُؤِ ، فَمَعَ فَوَاتِهِ لَا يَتَحَقَّقُ الرِّضَى بِهِ .","part":11,"page":229},{"id":5229,"text":"( 4060 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي الثَّمَنِ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي مَعَ يَمِينِهِ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ لِلشَّفِيعِ بَيِّنَةٌ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الشَّفِيعَ وَالْمُشْتَرِيَ إذَا اخْتَلَفَا فِي الثَّمَنِ ، فَقَالَ الْمُشْتَرِي : اشْتَرَيْته بِمِائَةٍ .\rفَقَالَ الشَّفِيعُ : بَلْ بِخَمْسِينَ .\rفَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي ؛ لِأَنَّهُ الْعَاقِدُ ، فَهُوَ أُعْرَفُ بِالثَّمَنِ ، وَلِأَنَّ الشِّقْصَ مِلْكُهُ ، فَلَا يُنْزَعُ مِنْ يَدِهِ بِالدَّعْوَى بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rفَإِنْ قِيلَ : فَهَلَّا قُلْتُمْ : الْقَوْلُ قَوْلُ الشَّفِيعِ ؛ لِأَنَّهُ غَارِمٌ وَمُنْكِرٌ لِلزِّيَادَةِ ، فَهُوَ كَالْغَاصِبِ وَالْمُتْلِفِ وَالضَّامِنِ لِنَصِيبِ شَرِيكِهِ إذَا أَعْتَقَ ؟ قُلْنَا : الشَّفِيعُ لَيْسَ بِغَارِمٍ ؛ لِأَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ ، وَإِنَّمَا يُرِيدُ أَنْ يَمْلِكَ الشِّقْصَ بِثَمَنِهِ ، بِخِلَافِ الْغَاصِبِ وَالْمُتْلِفِ وَالْمُعْتِقِ .\rفَأَمَّا إنْ كَانَ لِلشَّفِيعِ بَيِّنَةٌ ، حُكِمَ بِهَا ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ لِلْمُشْتَرِي بَيِّنَةٌ ، حُكِمَ بِهَا ، وَاسْتُغْنِيَ عَنْ يَمِينِهِ ، وَيَثْبُتُ ذَلِكَ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ ، وَشَهَادَةِ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ ، وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْبَائِعِ ؛ لِأَنَّهُ إذَا شَهِدَ لِلشَّفِيعِ كَانَ مُتَّهَمًا ، لِأَنَّهُ يَطْلُبُ تَقْلِيلَ الثَّمَنِ خَوْفًا مِنْ الدَّرْكِ عَلَيْهِ .\rوَإِنْ أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةً ، احْتَمَلَ تَعَارُضَهُمَا ؛ لِأَنَّهُمَا يَتَنَازَعَانِ فِيمَا وَقَعَ عَلَيْهِ الْعَقْدُ ، فَيَصِيرَانِ كَمَنْ لَا بَيِّنَةَ لَهُمَا .\rوَذَكَرَ الشَّرِيفُ أَنَّ الْبَيِّنَةَ بَيِّنَةُ الشَّفِيعِ .\rوَيَقْتَضِيه مَذْهَبُ الْخِرَقِيِّ ؛ لِأَنَّ بَيِّنَةَ الْخَارِجِ عِنْدَهُ مُقَدَّمَةٌ عَلَى بَيِّنَةِ الدَّاخِلِ ، وَالشَّفِيعُ هُوَ الْخَارِجُ .\rوَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ .\rوَقَالَ صَاحِبَاهُ : الْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ الْمُشْتَرِي ؛ لِأَنَّهَا تَتَرَجَّحُ بِقَوْلِ الْمُشْتَرِي ، فَإِنَّهُ مُقَدَّمٌ عَلَى قَوْلِ الشَّفِيعِ ، وَيُخَالِفُ الْخَارِجَ وَالدَّاخِلَ ؛ لِأَنَّ بَيِّنَةَ الدَّاخِلِ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مُسْتَنِدَةً إلَى يَدِهِ ، وَفِي","part":11,"page":230},{"id":5230,"text":"مَسْأَلَتِنَا الْبَيِّنَةُ تَشْهَدُ عَلَى نَفْسِ الْعَقْدِ ، كَشَهَادَةِ بَيِّنَةِ الشَّفِيعِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُمَا بَيِّنَتَانِ تَعَارَضَتَا ، فَقُدِّمَتْ بَيِّنَةُ مَنْ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ عِنْدَ عَدَمِهَا ، كَالدَّاخِلِ وَالْخَارِجِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقْرَعَ بَيْنَهُمَا ؛ لِأَنَّهُمَا يَتَنَازَعَانِ فِي الْعَقْدِ ، وَلَا يَدَ لَهُمَا عَلَيْهِ ، فَصَارَا كَالْمُتَنَازِعِينَ عَيْنًا فِي يَدِ غَيْرِهِمَا .","part":11,"page":231},{"id":5231,"text":"فَصْلٌ : وَإِنْ قَالَ الْمُشْتَرِي : لَا أَعْلَمُ مَبْلَغَ الثَّمَنِ .\rفَالْقَوْلُ قَوْلُهُ ؛ لِأَنَّ مَا يَدَّعِيهِ مُمْكِنٌ ، لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ اشْتَرَاهُ جُزَافًا ، أَوْ بِثَمَنٍ نَسِيَ مَبْلَغَهُ ، وَيَحْلِفُ ، فَإِذَا حَلَفَ سَقَطَتْ الشُّفْعَةُ ؛ لِأَنَّهَا لَا تُسْتَحَقُّ بِغَيْرِ بَذْلٍ ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ مَا لَا يَدَّعِيهِ .\rفَإِنْ ادَّعَى أَنَّك فَعَلْت ذَلِكَ تَحَيُّلًا عَلَى إسْقَاطِ الشُّفْعَةِ ، فَعَلَيْهِ الْيَمِينُ عَلَى نَفْيِ ذَلِكَ .","part":11,"page":232},{"id":5232,"text":"( 4062 ) فَصْلٌ : وَإِنْ اشْتَرَى شِقْصًا بِعَرْضٍ ، وَاخْتَلَفَا فِي قِيمَتِهِ ، فَإِنْ كَانَ مَوْجُودًا عَرَضَاهُ عَلَى الْمُقَوِّمِينَ ، وَإِنْ تَعَذَّرَ إحْضَارُهُ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي ، كَمَا لَوْ اخْتَلَفَا فِي قَدْرِ الثَّمَنِ .\rوَإِنْ ادَّعَى جَهْلَ قِيمَتِهِ ، فَهُوَ عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِيمَا إذَا ادَّعَى جَهْلَ ثَمَنِهِ .\rوَإِنْ اخْتَلَفَا فِي الْغِرَاسِ وَالْبِنَاءِ فِي الشِّقْصِ ، فَقَالَ الْمُشْتَرِي : أَنَا أَحْدَثْته .\rوَأَنْكَرَ الشَّفِيعُ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي ، لِأَنَّهُ مِلْكُهُ ، وَالشَّفِيعُ يُرِيدُ تَمَلُّكَهُ عَلَيْهِ ، فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمَالِكِ .","part":11,"page":233},{"id":5233,"text":"( 4063 ) فَصْلٌ : إذَا ادَّعَى الشَّفِيعُ عَلَى بَعْضِ الشُّرَكَاءِ أَنَّك اشْتَرَيْت نَصِيبَك ، فَلِي أَخْذُهُ بِالشُّفْعَةِ ، فَإِنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى تَحْرِيرِ دَعْوَاهُ ، فَيُحَدِّدُ الْمَكَانَ الَّذِي فِيهِ الشِّقْصُ ، وَيَذْكُرُ قَدْرَ الشِّقْصِ وَالثَّمَنَ ، وَيَدَّعِي الشُّفْعَةَ فِيهِ ، فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ ، سُئِلَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ، فَإِنْ أَقَرَّ ، لَزِمَهُ ، وَإِنْ أَنْكَرَ ، وَقَالَ : إنَّمَا اتَّهَبْته أَوْ وَرِثْته ، فَلَا شُفْعَةَ لَك فِيهِ .\rفَالْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ يَنْفِيه ، كَمَا لَوْ ادَّعَى عَلَيْهِ نَصِيبَهُ مِنْ غَيْرِ شُفْعَةٍ ، فَإِنْ حَلَفَ بَرِئَ ، وَإِنْ نَكَلَ قُضِيَ عَلَيْهِ .\rوَإِنْ قَالَ لَا تَسْتَحِقُّ عَلَى شُفْعَةٍ .\rفَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ ، وَيَكُونُ يَمِينُهُ عَلَى حَسَبِ قَوْلِهِ فِي الْإِنْكَارِ .\rوَإِذَا نَكَلَ ، وَقُضِيَ عَلَيْهِ بِالشُّفْعَةِ ، عَرَضَ عَلَيْهِ الثَّمَنَ .\rفَإِنْ أَخَذَهُ دَفَعَ إلَيْهِ ، وَإِنْ قَالَ : لَا أَسْتَحِقُّهُ .\rفَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ ؛ أَحَدُهَا ، يُقَرُّ فِي يَدِ الشَّفِيعِ إلَى أَنْ يَدَّعِيَهُ الْمُشْتَرِي ، فَيَدْفَعَ إلَيْهِ ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ لَهُ بِدَارٍ فَأَنْكَرَهَا .\rوَالثَّانِي : أَنْ يَأْخُذَهُ الْحَاكِمُ ، فَيَحْفَظَهُ لِصَاحِبِهِ إلَى أَنْ يَدَّعِيَهُ الْمُشْتَرِي ، وَمَتَى ادَّعَاهُ دُفِعَ إلَيْهِ .\rوَالثَّالِثُ ، يُقَالُ لَهُ : إمَّا أَنْ تَقْبِضَهُ ، وَإِمَّا أَنْ تُبْرِئَ مِنْهُ ، كَسَيِّدِ الْمُكَاتَبِ إذَا جَاءَهُ الْمُكَاتَبُ بِمَالِ الْمُكَاتَبَةِ ، فَادَّعَى أَنَّهُ حَرَامٌ .\rاخْتَارَ هَذَا الْقَاضِي .\rوَهَذَا مُفَارِقٌ لِلْمُكَاتَبِ ؛ لِأَنَّ سَيِّدَهُ يُطَالِبُهُ بِالْوَفَاءِ مِنْ غَيْرِ هَذَا الَّذِي أَتَاهُ بِهِ ، فَلَا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ بِمُجَرَّدِ دَعْوَى سَيِّدِهِ تَحْرِيمَ مَا أَتَاهُ بِهِ ، وَهَذَا لَا يَطْلُبُ الشَّفِيعَ بِشَيْءٍ ، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُكَلَّفَ إبْرَاءَ مِمَّا لَا يَدَّعِيه .\rوَالْوَجْهُ الْأَوَّلُ أَوْلَى ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .","part":11,"page":234},{"id":5234,"text":"( 4064 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَالَ اشْتَرَيْته لِفُلَانٍ .\rوَكَانَ حَاضِرًا ، اسْتَدْعَاهُ الْحَاكِمُ ، وَسَأَلَهُ ، فَإِنْ صَدَّقَهُ ، كَانَ الشِّرَاءُ لَهُ ، وَالشُّفْعَةُ عَلَيْهِ ، وَإِنْ قَالَ : هَذَا مِلْكِي ، وَلَمْ أَشْتَرِهِ .\rانْتَقَلَتْ الْخُصُومَةُ إلَيْهِ ، وَإِنْ كَذَّبَهُ ، حَكَمَ بِالشِّرَاءِ لِمَنْ اشْتَرَاهُ ، وَأَخَذَ مِنْهُ بِالشُّفْعَةِ .\rوَإِنْ كَانَ الْمُقَرُّ لَهُ غَائِبًا ، أَخَذَهُ الْحَاكِمُ ، وَدَفَعَهُ إلَى الشَّفِيعِ ، وَكَانَ الْغَائِبُ عَلَى حُجَّتِهِ إذَا قَدِمَ ؛ لِأَنَّنَا لَوْ وَقَفْنَا الْأَمْرَ فِي الشُّفْعَةِ إلَى حُضُورِ الْمُقَرِّ لَهُ ، لَكَانَ فِي ذَلِكَ إسْقَاطُ الشُّفْعَةِ ، لِأَنَّ كُلَّ مُشْتَرٍ يَدَّعِي أَنَّهُ لَغَائِبٍ .\rوَإِنْ قَالَ : اشْتَرَيْته لِابْنِي الطِّفْلِ .\rأَوْ لِهَذَا الطِّفْلِ .\rوَلَهُ عَلَيْهِ وِلَايَةٌ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، لَا تَثْبُتُ الشُّفْعَةُ ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ ثَبَتَ لِلطِّفْلِ ، وَلَا تَجِبُ الشُّفْعَةُ بِإِقْرَارِ الْوَلِيِّ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ إيجَابُ حَقٍّ فِي مَالٍ صَغِيرٍ ، بِإِقْرَارِ وَلِيِّهِ .\rوَالثَّانِي ، تَثْبُتُ ؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ الشِّرَاءَ لَهُ ، فَصَحَّ إقْرَارُهُ فِيهِ ، كَمَا يَصِحُّ إقْرَارُهُ بِعَيْبٍ فِي مَبِيعِهِ .\rفَأَمَّا إنْ ادَّعَى عَلَيْهِ شُفْعَةً فِي شِقْصٍ ، فَقَالَ : هَذَا لِفُلَانٍ الْغَائِبِ .\rأَوْ لِفُلَانٍ الطِّفْلِ .\rثُمَّ أَقَرَّ بِشِرَائِهِ لَهُ ، لَمْ تَثْبُتْ فِيهِ الشُّفْعَةُ ، إلَّا أَنْ تَثْبُتَ بِبَيِّنَةٍ ، أَوْ يَقْدَمَ الْغَائِبُ وَيَبْلُغَ الطِّفْلُ ، فَيُطَالِبَهُمَا بِهَا ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ يَثْبُتُ لَهُمَا بِإِقْرَارِهِ بِهِ ، فَإِقْرَارُهُ بِالشِّرَاءِ بَعْدَ ذَلِكَ إقْرَارٌ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ ، فَلَا يُقْبَلُ ، بِخِلَافِ مَا إذَا أَقَرَّ بِالشِّرَاءِ ابْتِدَاءً : لِأَنَّ الْمِلْكَ ثَبَتَ لَهُمَا بِذَلِكَ الْإِقْرَارِ الْمُثْبِتِ لِلشُّفْعَةِ ، فَثَبَتَا جَمِيعًا .\rوَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ سَبَبَ الْمِلْكِ ، لَمْ يَسْأَلْهُ الْحَاكِمُ عَنْهُ ، وَلَمْ يُطَالِبْ بِبَيَانِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ صَرَّحَ بِالشِّرَاءِ لَمْ تَثْبُتْ بِهِ شُفْعَةٌ ، فَلَا فَائِدَةَ فِي الْكَشْفِ عَنْهُ .\rوَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فِي هَذَا الْفَصْلِ كُلِّهِ","part":11,"page":235},{"id":5235,"text":"كَمَذْهَبِنَا .","part":11,"page":236},{"id":5236,"text":"( 4065 ) فَصْلٌ : وَإِذَا كَانَتْ دَارٌ بَيْنَ حَاضِرٍ وَغَائِبٍ ، فَادَّعَى الْحَاضِرُ عَلَى مَنْ فِي يَدِهِ نَصِيبُ الْغَائِبِ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ مِنْهُ ، وَأَنَّهُ يَسْتَحِقّهُ بِالشُّفْعَةِ ، فَصَدَّقَهُ ، فَلِلشَّفِيعِ أَخْذُهُ بِالشُّفْعَةِ ؛ لِأَنَّ مَنْ فِي يَدِهِ الْعَيْنُ يُصَدَّقُ فِي تَصَرُّفِهِ فِيمَا فِي يَدَيْهِ .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ .\rوَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ فِي ذَلِكَ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، لَيْسَ لَهُ أَخْذُهُ ؛ لِأَنَّ هَذَا إقْرَارٌ عَلَى غَيْرِهِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ أَقَرَّ بِمَا فِي يَدِهِ ، فَقُبِلَ إقْرَارُهُ ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِأَصْلِ مِلْكِهِ ، وَهَكَذَا لَوْ ادَّعَى عَلَيْهِ أَنَّك بِعْت نَصِيبَ الْغَائِبِ بِإِذْنِهِ ، وَأَقَرَّ لَهُ الْوَكِيلُ ، كَانَ كَإِقْرَارِ الْبَائِعِ بِالْبَيْعِ .\rفَإِذَا قَدِمَ الْغَائِبُ فَأَنْكَرَ الْبَيْعَ .\rأَوْ الْإِذْنَ فِي الْبَيْعِ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ ، وَيَنْتَزِعُ الشِّقْصَ ، وَيُطَالِبُ بِأَجْرِهِ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا ، وَيَسْتَقِرُّ الضَّمَانُ عَلَى الشَّفِيعِ ؛ لِأَنَّ الْمَنَافِعَ تَلِفَتْ تَحْتَ يَدِهِ ، فَإِنْ طَالَبَ الْوَكِيلَ ، رَجَعَ عَلَى الشَّفِيعِ ، وَإِنْ طَالَبَ الشَّفِيعَ ، لَمْ يَرْجِعْ عَلَى أَحَدٍ .\rوَإِنْ ادَّعَى عَلَى الْوَكِيلِ ، أَنَّك اشْتَرَيْت الشِّقْصَ الَّذِي فِي يَدِكَ .\rفَأَنْكَرَ ، وَقَالَ : إنَّمَا أَنَا وَكِيلٌ فِيهِ ، أَوْ مُسْتَوْدَعٌ لَهُ .\rفَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ ، فَإِنْ كَانَ لِلْمُدَّعِي بَيِّنَةٌ ، حُكِمَ بِهَا .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ ، مَعَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ لَا يَرَى الْقَضَاءَ عَلَى الْغَائِبِ ؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ هَاهُنَا عَلَى الْحَاضِرِ بِوُجُوبِ الشُّفْعَةِ عَلَيْهِ ، وَاسْتِحْقَاقِ انْتِزَاعِ الشِّقْصِ مِنْ يَدِهِ ، وَحَصَلَ الْقَضَاءُ عَلَى الْغَائِبِ ضِمْنًا .\rفَإِنْ لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ ، وَطَالَبَ الشَّفِيعُ بِيَمِينِهِ ، فَنَكَلَ عَنْهَا ، احْتَمَلَ أَنْ يَقْضِيَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَقَرَّ لَقُضِيَ عَلَيْهِ ، فَكَذَلِكَ إذَا نَكَلَ .\rوَاحْتَمَلَ أَنْ لَا يَقْضِيَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ قَضَاءٌ عَلَى الْغَائِبِ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ ، وَلَا إقْرَارِ","part":11,"page":237},{"id":5237,"text":"مَنْ الشِّقْصُ فِي يَدِهِ .","part":11,"page":238},{"id":5238,"text":"( 4066 ) فَصْلٌ : وَإِذَا ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ شُفْعَةً فِي شِقْصٍ اشْتَرَاهُ ، فَقَالَ : لَيْسَ لَهُ مِلْكٌ فِي شَرِكَتِي .\rفَعَلَى الشَّفِيعِ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ أَنَّهُ شَرِيكٌ .\rوَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَمُحَمَّدٌ ، وَالشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو يُوسُفَ : إذَا كَانَ فِي يَدِهِ ، اسْتَحَقَّ بِهِ الشُّفْعَةَ لِذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ الْيَدِ الْمِلْكُ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الْمِلْكَ لَا يَثْبُتُ بِمُجَرَّدِ الْيَدِ ، وَإِذَا لَمْ يَثْبُتْ الْمِلْكُ الَّذِي يَسْتَحِقُّ بِهِ الشُّفْعَةَ ، لَمْ تَثْبُتْ ، وَمُجَرَّدُ الظَّاهِرِ لَا يَكْفِي ، كَمَا لَوْ ادَّعَى وَلَدَ أَمَةٍ فِي يَدِهِ .\rفَإِنْ ادَّعَى أَنَّ الْمُشْتَرِيَ يَعْلَمُ أَنَّهُ شَرِيكٌ ، فَعَلَى الْمُشْتَرِي الْيَمِينُ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهَا يَمِينٌ عَلَى نَفْيِ فِعْلِ الْغَيْرِ ، فَكَانَ عَلَى الْعِلْمِ ، كَالْيَمِينِ عَلَى نَفْيِ دَيْنِ الْمَيِّتِ .\rفَإِذَا حَلَفَ ، سَقَطَتْ دَعْوَاهُ ، وَإِنْ نَكَلَ ، قُضِيَ عَلَيْهِ .","part":11,"page":239},{"id":5239,"text":"( 4067 ) فَصْلٌ : إذَا ادَّعَى عَلَى شَرِيكِهِ ، أَنَّك اشْتَرَيْت نَصِيبَك مِنْ عَمْرٍو ، فَلِي شُفْعَتُهُ .\rفَصَدَّقَهُ عَمْرٌو ، فَأَنْكَرَ الشَّرِيكُ ، وَقَالَ : بَلْ وَرِثْته مِنْ أَبِي .\rفَأَقَامَ الْمُدَّعِي بَيِّنَةً أَنَّهُ كَانَ مِلْكَ عَمْرٍو ، لَمْ تَثْبُتْ الشُّفْعَةُ بِذَلِكَ .\rوَقَالَ مُحَمَّدٌ : تَثْبُتُ ، وَيُقَالُ لَهُ : إمَّا أَنْ تَدْفَعَهُ وَتَأْخُذَ الثَّمَنَ ، وَإِمَّا أَنْ تَرُدَّهُ إلَى الْبَائِعِ ، فَيَأْخُذَهُ الشَّفِيعُ مِنْهُمَا ؛ لِأَنَّهُمَا شَهِدَا بِالْمِلْكِ لِعَمْرٍو ، فَكَأَنَّهُمَا شَهِدَا بِالْبَيْعِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُمَا لَمْ يَشْهَدَا بِالْبَيْعِ ، وَإِقْرَارُ عَمْرٍو عَلَى الْمُنْكِرِ بِالْبَيْعِ لَا يُقْبَلُ ؛ لِأَنَّهُ إقْرَارٌ عَلَى غَيْرِهِ ، فَلَا يُقْبَلُ فِي حَقِّهِ ، وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ عَلَيْهِ وَلَيْسَتْ الشُّفْعَةُ مِنْ حُقُوقِ الْعَقْدِ ، فَيُقْبَلُ فِيهَا قَوْلُ الْبَائِعِ ، فَصَارَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ حَلَفَ أَنِّي مَا اشْتَرَيْت الدَّارَ ، فَقَالَ مَنْ كَانَتْ الدَّارُ مِلْكًا لَهُ : أَنَا بِعْته إيَّاهَا .\rلَمْ يُقْبَلْ عَلَيْهِ فِي الْحِنْثِ ، وَلَا يَلْزَمُ إذَا أَقَرَّ الْبَائِعُ بِالْبَيْعِ ، وَالشِّقْصُ فِي يَدِهِ فَأَنْكَرَ الْمُشْتَرِي الشِّرَاءَ ؛ لِأَنَّ الَّذِي فِي يَدِهِ الدَّارُ مُقِرٌّ بِهَا لِلشَّفِيعِ ، وَلَا مُنَازَعَ لَهُ فِيهَا سِوَاهُ ، وَهَا هُنَا مَنْ الدَّارُ فِي يَدِهِ يَدَّعِيهَا لِنَفْسِهِ ، وَالْمُقِرُّ بِالْبَيْعِ لَا شَيْءَ فِي يَدِهِ ، وَلَا يَقْدِرُ عَلَى تَسْلِيمِ الشِّقْصِ ، فَافْتَرَقَا .","part":11,"page":240},{"id":5240,"text":"( 4068 ) فَصْلٌ : وَإِذَا كَانَتْ دَارٌ بَيْنَ رَجُلَيْنِ ، فَادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ مَا فِي يَدَيْهِ بِالشُّفْعَةِ ، سَأَلْنَاهُمَا : مَتَى مَلَكْتُمَاهَا ؟ فَإِنْ قَالَا : مَلَكْنَاهَا دَفْعَةً وَاحِدَةً .\rفَلَا شُفْعَةَ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ ؛ لِأَنَّ الشُّفْعَةَ إنَّمَا تَثْبُتُ بِمِلْكٍ سَابِقٍ فِي مِلْكٍ مُتَجَدِّدٍ بَعْدَهُ ، وَإِنْ قَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا : مِلْكِي سَابِقٌ .\rوَلِأَحَدِهِمَا بَيِّنَةٌ بِمَا ادَّعَاهُ ، قُضِيَ لَهُ ، وَإِنْ كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ ، قَدَّمْنَا أَسْبَقَهُمَا تَارِيخًا ، وَإِنْ شَهِدَتْ بَيِّنَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِسَبْقِ مِلْكِهِ ، وَتَجَدُّدِ مِلْكِ صَاحِبِهِ ، تَعَارَضَتَا .\rوَإِنْ لَمْ تَكُنْ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ نَظَرْنَا إلَى السَّابِقِ بِالدَّعْوَى ، فَقَدَّمْنَا دَعْوَاهُ ، وَسَأَلْنَا خَصْمَهُ ، فَإِنْ أَنْكَرَ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ ؛ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ ، فَإِنْ حَلَفَ ، سَقَطَتْ دَعْوَى الْأَوَّلِ ، ثُمَّ تُسْمَعُ دَعْوَى الثَّانِي عَلَى الْأَوَّلِ ، فَإِنْ أَنْكَرَ وَحَلَفَ ، سَقَطَتْ دَعْوَاهُمَا جَمِيعًا .\rوَإِنْ ادَّعَى الْأَوَّلُ ، فَنَكَلَ الثَّانِي عَنْ الْيَمِينِ ، قَضَيْنَا عَلَيْهِ ، وَلَمْ تُسْمَعْ دَعْوَاهُ ؛ لِأَنَّ خَصْمَهُ قَدْ اسْتَحَقَّ مِلْكَهُ .\rوَإِنْ حَلَفَ الثَّانِي ، وَنَكَلَ الْأَوَّلُ ، قَضَيْنَا عَلَيْهِ .","part":11,"page":241},{"id":5241,"text":"( 4069 ) فَصْلٌ : إذَا اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ فِي الثَّمَنِ ، فَادَّعَى الْبَائِعُ أَنَّ الثَّمَنَ أَلْفَانِ ، وَقَالَ الْمُشْتَرِي : هُوَ أَلْفٌ .\rفَأَقَامَ الْبَائِعُ بَيِّنَةً أَنَّ الثَّمَنَ أَلْفَانِ ، أَخَذَهُمَا مِنْ الْمُشْتَرِي .\rوَلِلشَّفِيعِ أَخْذُهُ بِالْأَلْفِ ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ مُقَرٌّ لَهُ بِاسْتِحْقَاقِهِ بِأَلْفٍ ، وَيَدَّعِي أَنَّ الْبَائِعَ ظَلَمَهُ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إنْ حَكَمَ الْحَاكِمُ عَلَيْهِ بِأَلْفَيْنِ ، أَخَذَهُ الشَّفِيعُ بِهِمَا ؛ لِأَنَّ الْحَاكِمَ إذَا حَكَمَ عَلَيْهِ بِالْبَيِّنَةِ بَطَلَ قَوْلُهُ ، وَثَبَتَ مَا حَكَمَ بِهِ الْحَاكِمُ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الْمُشْتَرِيَ مُقِرٌّ بِأَنَّ هَذِهِ الْبَيِّنَةَ كَاذِبَةٌ ، وَأَنَّهُ ظَلَمَهُ بِأَلْفٍ ، فَلَمْ يُحْكَمْ لَهُ بِهِ ، وَإِنَّمَا حُكِمَ بِهَا لِلْبَائِعِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُكَذِّبُهَا .\rفَإِنْ قَالَ الْمُشْتَرِي : صَدَقَتْ الْبَيِّنَةُ ، وَكُنْتُ أَنَا كَاذِبًا أَوْ نَاسِيًا .\rفَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، لَا يُقْبَلُ رُجُوعُهُ ؛ لِأَنَّهُ رُجُوعٌ عَنْ إقْرَارٍ تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ آدَمِيٍّ غَيْرِهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَقَرَّ لَهُ بِدَيْنٍ .\rوَالثَّانِي ، يُقْبَلُ قَوْلُهُ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : هُوَ قِيَاسُ الْمَذْهَبِ عِنْدِي ، كَمَا لَوْ أَخْبَرَ فِي الْمُرَابَحَةِ بِثَمَنٍ ، ثُمَّ قَالَ : غَلِطْت .\rوَالثَّمَنُ أَكْثَرُ ، قُبِلَ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ ، بَلْ هَاهُنَا أَوْلَى ؛ لِأَنَّهُ قَدْ قَامَتْ الْبَيِّنَةُ بِكَذِبِهِ ، وَحَكَمَ الْحَاكِمُ بِخِلَافِ قَوْلِهِ ، فَقُبِلَ رُجُوعُهُ عَنْ الْكَذِبِ .\rوَإِنْ لَمْ تَكُنْ لِلْبَائِعِ بَيِّنَةٌ ، فَتَحَالَفَا ، فَلِلشَّفِيعِ أَخْذُهُ بِمَا حَلَفَ عَلَيْهِ الْبَائِعُ ، وَإِنْ أَرَادَ أَخْذَهُ بِمَا حَلَفَ عَلَيْهِ الْمُشْتَرِي ، لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ لِلْبَائِعِ فَسْخَ الْبَيْعِ ، وَأَخْذِهِ بِمَا قَالَ الْمُشْتَرِي يَمْنَعُ ذَلِكَ ، وَلِأَنَّهُ يَقْضِي إلَى إلْزَامِ الْعَقْدِ بِمَا حَلَفَ عَلَيْهِ الْمُشْتَرِي ، وَلَا يَمْلِكُ ذَلِكَ .\rفَإِنْ رَضِيَ الْمُشْتَرِي بِأَخْذِهِ بِمَا قَالَ الْبَائِعُ ، جَازَ ، وَمَلَكَ الشَّفِيعُ أَخْذَهُ بِالثَّمَنِ الَّذِي حَلَفَ","part":11,"page":242},{"id":5242,"text":"عَلَيْهِ الْمُشْتَرِي لِأَنَّ حَقَّ الْبَائِعِ مِنْ الْفَسْخِ قَدْ زَالَ .\rفَإِنْ عَادَ الْمُشْتَرِي فَصَدَّقَ الْبَائِعَ ، وَقَالَ : الثَّمَنُ أَلْفَانِ ، وَكُنْت غَالِطًا .\rفَهَلْ لِلشَّفِيعِ أَخْذُهُ بِالثَّمَنِ الَّذِي حَلَفَ عَلَيْهِ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ ، كَمَا لَوْ قَامَتْ بِهِ بَيِّنَةٌ .","part":11,"page":243},{"id":5243,"text":"( 4070 ) فَصْلٌ : وَلَوْ اشْتَرَى شِقْصًا لَهُ شَفِيعَانِ ، فَادَّعَى عَلَى أَحَدِ الشَّفِيعَيْنِ أَنَّهُ عَفَا عَنْ الشُّفْعَةِ ، وَشَهِدَ لَهُ بِذَلِكَ الشَّفِيعُ الْآخَرُ ، قَبْلَ عَفْوِهِ عَنْ شُفْعَتِهِ ، لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ ؛ لِأَنَّهُ يَجُرُّ إلَى نَفْسِهِ نَفْعًا ، وَهُوَ تَوَفُّرُ الشُّفْعَةِ عَلَيْهِ .\rفَإِذَا رُدَّتْ شَهَادَتُهُ ، ثُمَّ عَفَا عَنْ الشُّفْعَةِ ، ثُمَّ أَعَادَ تِلْكَ الشَّهَادَةِ ، لَمْ تُقْبَلْ ؛ لِأَنَّهَا رُدَّتْ لِلتُّهْمَةِ ، فَلَمْ تُقْبَلْ بَعْدَ زَوَالِهَا ، كَشَهَادَةِ الْفَاسِقِ إذَا رُدَّتْ ثُمَّ تَابَ وَأَعَادَهَا ، لَمْ تُقْبَلْ .\rوَلَوْ لَمْ يَشْهَدْ حَتَّى عَفَا ، قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ ؛ لِعَدَمِ التُّهْمَةِ ، وَيَحْلِفُ الْمُشْتَرِي مَعَ شَهَادَتِهِ .\rوَلَوْ لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ مَعَ يَمِينِهِ .\rوَإِنْ كَانَتْ الدَّعْوَى عَلَى الشَّفِيعَيْنِ مَعًا ، فَحَلَفَا ، ثَبَتَتْ الشُّفْعَةُ ، وَإِنْ حَلَفَ أَحَدُهُمَا ، وَنَكَلَ الْآخَرُ ، نَظَرْنَا فِي الْحَالِفِ ؛ فَإِنْ صَدَّقَ شَرِيكَهُ فِي الشُّفْعَةِ فِي أَنَّهُ لَمْ يَعْفُ ، لَمْ يَحْتَجْ إلَى يَمِينٍ ، وَكَانَتْ الشُّفْعَةُ بَيْنَهُمَا ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُ ، فَإِنَّ الشُّفْعَةَ تَتَوَفَّرُ عَلَيْهِ إذَا سَقَطَتْ شُفْعَةُ شَرِيكِهِ .\rوَإِنْ ادَّعَى أَنَّهُ عَفَا ، فَنَكَلَ ، قُضِيَ لَهُ بِالشُّفْعَةِ كُلِّهَا .\rوَسَوَاءٌ وَرِثَا الشُّفْعَةَ أَوْ كَانَا شَرِيكَيْنِ .\rوَإِنْ شَهِدَ أَجْنَبِيٌّ بِعَفْوِ أَحَدِ الشَّفِيعَيْنِ ، وَاحْتِيجَ إلَى يَمِينٍ مَعَهُ قَبْلَ عَفْوِ الْآخَرِ ، حَلَفَ ، وَأَخَذَ الْكُلَّ بِالشُّفْعَةِ .\rوَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ ، حَلَفَ الْمُشْتَرِي ، وَسَقَطَتْ الشُّفْعَةُ .\rوَإِنْ كَانُوا ثَلَاثَةَ شُفَعَاءَ ، فَشَهِدَ اثْنَانِ مِنْهُمْ عَلَى الثَّالِثِ بِالْعَفْوِ بَعْدَ عَفْوِهِمَا ، قُبِلَتْ ، وَإِنْ شَهِدَا ، قَبْلَهُ ، رُدَّتْ .\rوَإِنْ شَهِدَا بَعْدَ عَفْوِ أَحَدِهِمَا وَقَبْلَ عَفْوِ الْآخَرِ ، رُدَّتْ شَهَادَةُ غَيْرِ الْعَافِي ، وَقُبِلَتْ شَهَادَةُ الْعَافِي .\rوَإِنْ شَهِدَ الْبَائِعُ بِعَفْوِ الشَّفِيعِ بَعْدَ قَبْضِ الثَّمَنِ ، قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ ، وَإِنْ كَانَ قَبْلَهُ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ،","part":11,"page":244},{"id":5244,"text":"تُقْبَلُ ؛ لِأَنَّهُمَا سَوَاءٌ عِنْدَهُ .\rوَالثَّانِي ، لَا تُقْبَلُ ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَصَدَ ذَلِكَ لِيُسَهِّلَ اسْتِيفَاءَ الثَّمَنِ ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ يَأْخُذُهُ مِنْ الشَّفِيعِ ، فَيَسْهُلُ عَلَيْهِ وَفَاؤُهُ ، أَوْ يَتَعَذَّرُ عَلَى الْمُشْتَرِي الْوَفَاءُ لِفَلْسِهِ ، فَيَسْتَحِقُّ اسْتِرْجَاعَ الْمَبِيعِ .\rوَإِنْ شَهِدَ لِمُكَاتَبِهِ بِعَفْوِ شَفِيعِهِ ، أَوْ شَهِدَ بِشِرَاءِ شَيْءٍ لِمُكَاتَبِهِ فِيهِ شُفْعَةٌ ، لَمْ تُقْبَلْ ؛ لِأَنَّ الْمُكَاتَبَ عَبْدُهُ ، فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لَهُ ، كَمُدَبَّرِهِ ، وَلِأَنَّ مَا يَحْصُلُ لِلْمُكَاتَبِ يَنْتَفِعُ بِهِ السَّيِّدُ ؛ لِأَنَّهُ إنْ عَجَزَ صَارَ لَهُ ، وَإِنْ لَمْ يَعْجِزْ سَهُلَ عَلَيْهِ الْوَفَاءُ لَهُ .\rوَإِنْ شَهِدَ عَلَى مُكَاتَبِهِ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ ، قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَّهَمٍ ، فَأَشْبَهَ الشَّهَادَةَ عَلَى وَلَدِهِ .","part":11,"page":245},{"id":5245,"text":"( 4071 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِنْ كَانَتْ دَارٌ بَيْنَ ثَلَاثَةٍ لِأَحَدِهِمْ نِصْفُهَا ، وَلِلْآخَرِ ثُلُثُهَا ، وَلِلْآخَرِ سُدُسُهَا ، فَبَاعَ أَحَدُهُمْ ، كَانَتْ الشُّفْعَةُ بَيْنَ النَّفْسَيْنِ عَلَى قَدْرِ سِهَامِهِمَا ) الصَّحِيحُ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّ الشِّقْصَ الْمَشْفُوعَ إذَا أَخَذَهُ الشُّفَعَاءُ ، قُسِمَ بَيْنَهُمْ عَلَى قَدْرِ أَمْلَاكِهِمْ .\rاخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ الْحَسَنِ ، وَابْنِ سِيرِينَ ، وَعَطَاءٍ .\rوَبِهِ قَالَ مَالِكٌ ، وَسَوَّارٌ ، وَالْعَنْبَرِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ .\rوَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ ، رِوَايَةٌ ثَانِيَةٌ ، أَنَّهُ يُقْسَمُ بَيْنَهُمْ عَلَى عَدَدِ رُءُوسِهِمْ .\rاخْتَارَهَا ابْنُ عَقِيلٍ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ النَّخَعِيِّ ، وَالشَّعْبِيِّ .\rوَبِهِ قَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى ، وَابْنُ شُبْرُمَةَ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْي ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ لَوْ انْفَرَدَ لَاسْتَحَقَّ الْجَمِيعَ ، فَإِذَا اجْتَمَعُوا تَسَاوَوْا ، كَالْبَنِينَ فِي الْمِيرَاثِ ، وَكَالْمُعْتَقِينَ فِي سِرَايَةِ الْعِتْقِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ حَقٌّ يُسْتَفَادُ بِسَبَبِ الْمِلْكِ ، فَكَانَ عَلَى قَدْرِ الْأَمْلَاكِ ، كَالْغَلَّةِ ، وَدَلِيلُهُمْ يَنْتَقِضُ بِالِابْنِ وَالْأَبِ أَوْ الْجَدِّ ، وَبِالْجَدِّ مَعَ الْإِخْوَةِ وَبِالْفُرْسَانِ مَعَ الرَّجَّالَةِ فِي الْغَنِيمَةِ ، وَأَصْحَابِ الدُّيُونِ وَالْوَصَايَا ، إذَا نَقَصَ مَالُهُ عَنْ دَيْنِ أَحَدِهِمْ ، أَوْ الثُّلُث عَنْ وَصِيَّةِ أَحَدِهِمْ .\rوَفَارَقَ الْأَعْيَانَ ؛ لِأَنَّهُ إتْلَافٌ ، وَالْإِتْلَافُ يَسْتَوِي فِيهِ الْقَلِيلُ وَالْكَثِيرُ ، كَالنَّجَاسَةِ تُلْقَى فِي مَائِعٍ .\rوَأَمَّا الْبَنُونَ ، فَإِنَّهُمْ تَسَاوَوْا فِي التَّسَبُّبِ ، وَهُوَ الْبُنُوَّةُ ، فَتَسَاوَوْا فِي الْإِرْثِ بِهَا ، فَنَظِيرُهُ فِي مَسْأَلَتِنَا تَسَاوِي الشُّفَعَاءِ فِي سِهَامِهِمْ ، فَعَلَى هَذَا نَنْظُرُ مَخْرَجَ سِهَامِ الشُّرَكَاءِ كُلِّهِمْ ، فَنَأْخُذُ مِنْهَا سِهَامَ الشُّفَعَاءِ ، فَإِذَا عَلِمْت عِدَّتَهَا ، قَسَّمْت السَّهْمَ الْمَشْفُوعَ عَلَيْهَا ، وَيَصِيرُ الْعَقَارُ بَيْنَ الشُّفَعَاءِ عَلَى تِلْكَ الْعِدَّةِ ، كَمَا","part":11,"page":246},{"id":5246,"text":"يُفْعَلُ فِي مَسَائِلِ الرَّدِّ سَوَاءً ، فَفِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الَّتِي ذَكَرَ الْخِرَقِيِّ ، مَخْرَجُ سِهَامِ الشُّرَكَاءِ سِتَّةٌ ، فَإِنْ بَاعَ صَاحِبُ النِّصْفِ ، فَسِهَامُ الشُّفَعَاءِ ثَلَاثَةٌ ، لِصَاحِبِ الثُّلُثِ سَهْمَانِ ، وَلِلْآخَرِ سَهْمٌ فَالشُّفْعَةُ بَيْنَهُمْ عَلَى ثَلَاثَةٍ ، وَيَصِيرُ الْعَقَارُ بَيْنَهُمْ أَثْلَاثًا ، لِصَاحِبِ الثُّلُثِ ثُلُثَاهُ ، وَلِلْآخَرِ ثُلُثُهُ ، وَإِنْ بَاعَ صَاحِبُ الثُّلُثِ ، كَانَتْ بَيْنَ الْآخَرَيْنِ أَرْبَاعًا ، لِصَاحِبِ النِّصْفِ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهِ ، وَلِلْآخَرِ رُبْعُهُ ، وَإِنْ بَاعَ صَاحِبُ السُّدُسِ ، كَانَتْ بَيْنَ الْآخَرَيْنِ أَخْمَاسًا ، لِصَاحِبِ النِّصْفِ ثَلَاثَةُ أَخْمَاسِهِ ، وَلِلْآخَرِ خُمُسَاهُ .\rوَعَلَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى ، يُقَسَّمُ الشِّقْصُ الْمَشْفُوعُ بَيْنَ الْآخَرَيْنِ نِصْفَيْنِ عَلَى كُلِّ حَالٍ ، فَإِنْ بَاعَ صَاحِبُ النِّصْفِ ، قُسِّمَ النِّصْفُ بَيْنَ شَرِيكَيْهِ ، لِكُلِّ وَاحِدٍ الرُّبْعُ ، فَيَصِيرُ لِصَاحِبِ الثُّلُثِ ثُلُثٌ وَرُبْعٌ ، وَلِلْآخَرِ رُبْعٌ وَسُدُسٌ ، وَإِنْ بَاعَ صَاحِبُ الثُّلُثِ ، صَارَ لِصَاحِبِ النِّصْفِ الثُّلُثَانِ ، وَلِلْآخَرِ الثُّلُثُ ، وَإِنْ بَاعَ صَاحِبُ السُّدُسِ ، فَلِصَاحِبِ النِّصْفِ ثُلُثٌ وَرُبْعٌ ، وَلِصَاحِبِ الثُّلُثِ رُبْعٌ وَسُدُسٌ .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":11,"page":247},{"id":5247,"text":"( 4072 ) فَصْلٌ : وَلَوْ وَرِثَ أَخَوَانِ دَارًا ، أَوْ اشْتَرَيَاهَا بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ ، أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ ، فَمَاتَ أَحَدُهُمَا عَنْ ابْنَيْنِ ، فَبَاعَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ ، فَالشُّفْعَةُ بَيْنَ أَخِيهِ وَعَمِّهِ .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالْمُزَنِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ فِي الْجَدِيدِ .\rوَقَالَ فِي الْقَدِيمِ : إنَّ أَخَاهُ أَحَقُّ بِالشُّفْعَةِ .\rوَبِهِ قَالَ مَالِكٌ ؛ لِأَنَّ أَخَاهُ أَخَصُّ بِشَرِكَتِهِ مِنْ الْعَمِّ ، لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي سَبَبِ الْمِلْكِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُمَا شَرِيكَانِ حَالَ ثُبُوتِ الشُّفْعَةِ ، فَكَانَتْ بَيْنَهُمَا ، كَمَا لَوْ مَلَكُوا كُلُّهُمْ بِسَبَبٍ وَاحِدٍ ، وَلِأَنَّ الشُّفْعَةَ تَثْبُتُ لِدَفْعِ ضَرَرِ الشَّرِيكِ الدَّاخِلِ عَلَى شُرَكَائِهِ بِسَبَبِ شَرِكَتِهِ ، وَهَذَا يُوجَدُ فِي حَقِّ الْكُلِّ .\rوَمَا ذَكَرُوهُ لَا أَصْلَ لَهُ ، وَلَمْ يَثْبُتْ اعْتِبَارُ الشَّرْعِ لَهُ فِي مَوْضِعٍ ، وَالِاعْتِبَارُ بِالشَّرِكَةِ لَا بِسَبَبِهَا .\rوَهَلْ تُقْسَمُ بَيْنَ الْعَمِّ وَابْنِ أَخِيهِ نِصْفَيْنِ ، أَوْ عَلَى قَدْرِ مِلْكَيْهِمَا ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ .\rوَهَكَذَا لَوْ اشْتَرَى رَجُلٌ نِصْفَ دَارٍ ، ثُمَّ اشْتَرَى ابْنَاهُ نِصْفَهَا الْآخَرَ ، أَوْ وَرِثَاهُ ، أَوْ اتَّهَبَاهُ ، أَوْ وَصَلَ إلَيْهِمَا بِسَبَبٍ مِنْ أَسْبَابِ الْمِلْكِ ، فَبَاعَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ .\rأَوْ لَوْ وَرِثَ ثَلَاثَةٌ دَارًا ، فَبَاعَ أَحَدُهُمْ نَصِيبَهُ مِنْ اثْنَيْنِ ، ثُمَّ بَاعَ أَحَدُ الْمُشْتَرِيَيْنِ نَصِيبَهُ ، فَالشُّفْعَةُ بَيْنَ جَمِيعِ الشُّرَكَاءِ .\rوَكَذَلِكَ لَوْ مَاتَ رَجُلٌ ، وَخَلَّفَ ابْنَتَيْنِ وَأُخْتَيْنِ ، فَبَاعَتْ إحْدَى الْأُخْتَيْنِ نَصِيبَهَا ، أَوْ إحْدَى الِابْنَتَيْنِ ، فَالشُّفْعَةُ بَيْنَ جَمِيعِ الشُّرَكَاءِ .\rوَلَوْ مَاتَ رَجُلٌ ، وَخَلَفَ ثَلَاثَةَ بَنِينَ وَأَرْضًا ، فَمَاتَ أَحَدُهُمْ عَنْ ابْنَيْنِ ، فَبَاعَ أَحَدُ الْعَمَّيْنِ نَصِيبَهُ ، فَالشُّفْعَةُ بَيْنَ أَخِيهِ وَابْنَيْ أَخِيهِ .\rوَلَوْ خَلَّفَ ابْنَيْنِ ، وَأَوْصَى بِثُلُثِهِ لِاثْنَيْنِ ، فَبَاعَ أَحَدُ الْوَصِيَّيْنِ ، أَوْ أَحَدُ الِابْنَيْنِ ، فَالشُّفْعَةُ بَيْنَ شُرَكَائِهِ كُلِّهِمْ .\rوَلِمُخَالِفِينَا فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ","part":11,"page":248},{"id":5248,"text":"اخْتِلَافٌ يَطُولُ ذِكْرُهُ .","part":11,"page":249},{"id":5249,"text":"( 4073 ) فَصْلٌ : وَإِنْ كَانَ الْمُشْتَرِي شَرِيكًا ، فَلِلشَّفِيعِ الْآخَرِ أَنْ يَأْخُذَ بِقَدْرِ نَصِيبِهِ .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ .\rوَحُكِيَ عَنْ الْحَسَنِ ، وَالشَّعْبِيِّ ، وَالْبَتِّيِّ : لَا شُفْعَةَ لِلْآخَرِ ؛ لِأَنَّهَا تَثْبُتُ لِدَفْعِ ضَرَرِ الشَّرِيكِ الدَّاخِلِ ، وَهَذَا شَرِكَتُهُ مُتَقَدِّمَةٌ ، فَلَا ضَرَرَ فِي شِرَائِهِ .\rوَحَكَى ابْنُ الصَّبَّاغِ عَنْ هَؤُلَاءِ ، أَنَّ الشُّفْعَةَ كُلَّهَا لِغَيْرِ الْمُشْتَرِي .\rوَلَا شَيْءَ لِلْمُشْتَرِي فِيهَا ؛ لِأَنَّهَا تُسْتَحَقُّ عَلَيْهِ ، فَلَا يَسْتَحِقُّهَا عَلَى نَفْسِهِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُمَا تَسَاوَيَا فِي الشَّرِكَةِ ، فَتَسَاوَيَا فِي الشُّفْعَةِ ، كَمَا لَوْ اشْتَرَى أَجْنَبِيٌّ ، بَلْ الْمُشْتَرِي أَوْلَى ؛ لِأَنَّهُ قَدْ مَلَكَ الشِّقْصَ الْمَشْفُوعَ .\rوَمَا ذَكَرْنَاهُ لِلْقَوْلِ الْأَوَّلِ لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ الضَّرَرَ يَحْصُلُ بِشِرَاءِ هَذَا السَّهْمِ الْمَشْفُوعِ ، مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إلَى الْمُشْتَرِي ، وَقَدْ حَصَلَ شِرَاؤُهُ .\rوَالثَّانِي لَا يَصِحُّ أَيْضًا ؛ لِأَنَّنَا لَا نَقُولُ إنَّهُ يَأْخُذُ مِنْ نَفْسِهِ بِالشُّفْعَةِ ، وَإِنَّمَا يَمْنَعُ الشَّرِيكَ أَنْ يَأْخُذَ قَدْرَ حَقِّهِ بِالشُّفْعَةِ ، فَيَبْقَى عَلَى مِلْكِهِ ، ثُمَّ لَا يَمْنَعُ أَنْ يَسْتَحِقَّ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ ، لِأَجْلِ تَعَلُّقِ حَقِّ الْغَيْرِ بِهِ ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْعَبْدَ الْمَرْهُونَ إذَا جَنَى عَلَى عَبْدٍ آخَرَ لِسَيِّدِهِ ، ثَبَتَ لِلسَّيِّدِ عَلَى عَبْدِهِ أَرْشُ الْجِنَايَةِ ؛ لِأَجْلِ تَعَلُّقِ حَقِّ الْمُرْتَهِنِ بِهِ ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ رَهْنًا مَا تَعَلَّقَ بِهِ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنْ لِلشَّرِيكِ الْمُشْتَرِي أَخْذَ قَدْرِ نَصِيبِهِ لَا غَيْرُ أَوْ الْعَفْوَ .\rوَإِنْ قَالَ لَهُ الْمُشْتَرِي : قَدْ أَسْقَطْت شُفْعَتِي ، فَخُذْ الْكُلَّ ، أَوْ اُتْرُكْ .\rلَمْ يَلْزَمْهُ ذَلِكَ وَلَمْ يَصِحَّ إسْقَاطُ الْمُشْتَرِي ؛ لِأَنَّ مِلْكَهُ اسْتَقَرَّ عَلَى قَدْرِ حَقِّهِ ، فَجَرَى مَجْرَى الشَّفِيعَيْنِ إذَا أَخَذَا بِالشُّفْعَةِ ثُمَّ عَفَا أَحَدُهُمَا عَنْ حَقِّهِ .\rوَكَذَلِكَ إذَا حَضَرَ أَحَدُ الشَّفِيعَيْنِ ، فَأَخَذَ جَمِيعَ الشِّقْصِ بِالشُّفْعَةِ ،","part":11,"page":250},{"id":5250,"text":"ثُمَّ حَضَرَ الْآخَرُ ، فَلَهُ أَخْذُ النِّصْفِ مِنْ ذَلِكَ ، فَإِنْ قَالَ الْأَوَّلُ : خُذْ الْكُلَّ أَوْ دَعْ ، فَإِنِّي قَدْ أَسْقَطْت شُفْعَتِي .\rلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ .\rفَإِنْ قِيلَ : هَذَا تَبْعِيضٌ لِلصَّفْقَةِ عَلَى الْمُشْتَرِي .\rقُلْنَا : هَذَا التَّبْعِيضُ اقْتَضَاهُ دُخُولُهُ فِي الْعَقْدِ ، فَصَارَ كَالرِّضَى مِنْهُ بِهِ ، كَمَا قُلْنَا فِي الشَّفِيعِ الْحَاضِرِ إذَا أَخَذَ جَمِيعَ الشِّقْصِ ، وَكَمَا لَوْ اشْتَرَى شِقْصًا وَسَيْفًا .","part":11,"page":251},{"id":5251,"text":"( 4074 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( فَإِنْ تَرَكَ أَحَدُهُمَا شُفْعَتَهُ ، لَمْ يَكُنْ لِلْآخَرِ أَنْ يَأْخُذَ إلَّا الْكُلَّ أَوْ يَتْرُكَ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ إذَا كَانَ الشِّقْصُ بَيْنَ شُفَعَاءَ ، فَتَرَكَ بَعْضُهُمْ ، فَلَيْسَ لِلْبَاقِينَ إلَّا أَخْذُ الْجَمِيعِ أَوْ تَرْكُ الْجَمِيعِ ، وَلَيْسَ لَهُمْ أَخْذُ الْبَعْضِ .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ أَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى هَذَا .\rوَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ .\rوَلِأَنَّ فِي أَخْذِ الْبَعْضِ إضْرَارًا بِالْمُشْتَرِي ، بِتَبْعِيضِ الصَّفْقَةِ عَلَيْهِ ، وَالضَّرَرُ لَا يُزَالُ بِالضَّرَرِ ، لِأَنَّ الشُّفْعَةَ إنَّمَا تَثْبُتُ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ دَفْعًا لِضَرَرِ الشَّرِيكِ الدَّاخِلِ ، خَوْفًا مِنْ سُوءِ الْمُشَارَكَةِ وَمُؤْنَةِ الْقِسْمَةِ ، فَإِذَا أَخَذَ بَعْضَ الشِّقْصِ ، لَمْ يَنْدَفِعْ عَنْهُ الضَّرَرُ ، فَلَمْ يَتَحَقَّقْ الْمَعْنَى الْمُجَوِّزُ لِمُخَالَفَةِ الْأَصْلِ ، فَلَا تَثْبُتُ .\rوَلَوْ كَانَ الشَّفِيعُ وَاحِدًا ، لَمْ يَجُزْ لَهُ أَخْذُ بَعْضِ الْمَبِيعِ ؛ لِذَلِكَ ، فَإِنْ فَعَلَ ، سَقَطَتْ شُفْعَتُهُ ؛ لِأَنَّهَا لَا تَتَبَعَّضُ ، فَإِذَا سَقَطَ بَعْضُهَا ، سَقَطَ جَمِيعُهَا ، كَالْقِصَاصِ .\rوَإِنْ وَهَبَ بَعْضُ الشُّرَكَاءِ نَصِيبَهُ مِنْ الشُّفْعَةِ بَعْضَ شُرَكَائِهِ أَوْ غَيْرَهُ ، لَمْ يَصِحَّ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ عَفْوٌ ، وَلَيْسَ بِهِبَةٍ ، فَلَمْ يَصِحَّ لِغَيْرِ مَنْ هُوَ عَلَيْهِ ، كَالْعَفْوِ عَنْ الْقِصَاصِ .","part":11,"page":252},{"id":5252,"text":"( 4075 ) فَصْلٌ : فَإِنْ كَانَ الشُّفَعَاءُ غَائِبِينَ ، لَمْ تَسْقُطْ الشُّفْعَةُ ؛ لِمَوْضِعِ الْعُذْرِ .\rفَإِذَا قَدِمَ أَحَدُهُمْ ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ إلَّا الْكُلَّ ، أَوْ يَتْرُكَ ؛ لِأَنَّا لَا نَعْلَمُ الْيَوْمَ مُطَالِبًا سِوَاهُ ، وَلِأَنَّ فِي أَخْذِهِ الْبَعْضَ تَبْعِيضًا لِصَفْقَةِ الْمُشْتَرِي ، فَلَمْ يَجُزْ ذَلِكَ ، كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ غَيْرُهُ ، وَلَا يُمْكِنُ تَأْخِيرُ حَقِّهِ إلَى أَنْ يَقْدَمَ شُرَكَاؤُهُ ؛ لِأَنَّ فِي التَّأْخِيرِ إضْرَارًا بِالْمُشْتَرِي .\rفَإِذَا أَخَذَ الْجَمِيعَ ، ثُمَّ حَضَرَ آخَرُ ، قَاسَمَهُ ، إنْ شَاءَ أَوْ عَفَا فَيَبْقَى لِلْأَوَّلِ ؛ لِأَنَّ الْمُطَالَبَةَ إنَّمَا وُجِدَتْ مِنْهُمَا .\rفَإِنْ قَاسَمَهُ ، ثُمَّ حَضَرَ الثَّالِثُ ، قَاسَمَهُمَا إنْ أَحَبَّ أَوْ عَفَا فَيَبْقَى لِلْأَوَّلَيْنِ ، فَإِنْ نَمَا الشِّقْصُ فِي يَدِ الْأَوَّلِ نَمَاءً مُنْفَصِلًا ، لَمْ يُشَارِكْهُ فِيهِ وَاحِدٌ مِنْهُمَا ؛ لِأَنَّهُ انْفَصَلَ فِي مِلْكِهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ انْفَصَلَ فِي يَدَ الْمُشْتَرِي قَبْلَ الْأَخْذِ بِالشُّفْعَةِ .\rوَكَذَلِكَ إذَا أَخَذَ الثَّانِي ، فَنَمَا فِي يَدِهِ نَمَاءً مُنْفَصِلًا ، لَمْ يُشَارِكْهُ الثَّالِثُ فِيهِ .\rوَإِنْ خَرَجَ الشِّقْصُ مُسْتَحَقًّا ، فَالْعُهْدَةُ عَلَى الْمُشْتَرِي ، يَرْجِعُ الثَّلَاثَةُ عَلَيْهِ ، وَلَا يَرْجِعُ أَحَدُهُمْ عَلَى الْآخَرِ ؛ فَإِنَّ الْأَخْذَ وَإِنْ كَانَ مِنْ الْأَوَّلِ ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ النَّائِبِ عَنْ الْمُشْتَرِي فِي الدَّفْعِ إلَيْهِمَا وَالنَّائِبِ عَنْهُمَا فِي دَفْعِ الثَّمَنِ إلَيْهِ ، لِأَنَّ الشُّفْعَةَ مُسْتَحَقَّةٌ عَلَيْهِ لَهُمْ .\rوَهَذَا ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ .\rوَإِنْ امْتَنَعَ الْأَوَّلُ مِنْ الْمُطَالَبَةِ حَتَّى يَحْضُرَ صَاحِبَاهُ ، أَوْ قَالَ : آخُذُ قَدْرَ حَقِّي .\rفَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، يَبْطُلُ حَقُّهُ ؛ لِأَنَّهُ قَدَرَ عَلَى أَخْذِ الْكُلِّ وَتَرَكَهُ ، فَأَشْبَهَ الْمُنْفَرِدَ .\rوَالثَّانِي ، لَا يَبْطُلُ ؛ لِأَنَّهُ تَرَكَهُ لِعُذْرٍ ، وَهُوَ خَوْفُ قُدُومِ الْغَائِبِ ، فَيَنْتَزِعُهُ مِنْهُ ، وَالتَّرْكُ لِعُذْرٍ لَا يُسْقِطُ الشُّفْعَةَ ، بِدَلِيلِ مَا لَوْ أَظْهَرَ الْمُشْتَرِي ثَمَنًا كَثِيرًا ،","part":11,"page":253},{"id":5253,"text":"فَتَرَكَ لِذَلِكَ ، ثُمَّ بَانَ خِلَافُهُ .\rفَإِنْ تَرَكَ الْأَوَّلُ شُفْعَته تَوَفَّرَتْ الشُّفْعَةُ عَلَى صَاحِبَيْهِ ، فَإِذَا قَدِمَ الْأَوَّلُ مِنْهُمَا ، فَلَهُ أَخْذُ الْجَمِيعِ ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي الْأَوَّلِ .\rفَإِنْ أَخَذَ الْأَوَّلُ بِهَا ، ثُمَّ رَدَّ مَا أَخَذَهُ بِعَيْبِ ، فَكَذَلِكَ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَحُكِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ أَنَّهَا لَا تَتَوَفَّرُ عَلَيْهِمَا ، وَلَيْسَ لَهُمَا أَخْذُ نَصِيبِ الْأَوَّلِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَعْفُ ، وَإِنَّمَا رَدَّ نَصِيبَهُ لِأَجْلِ الْعَيْبِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ رَجَعَ إلَى الْمُشْتَرِي بِبَيْعٍ أَوْ هِبَةٍ .\rوَلَنَا أَنَّ الشَّفِيعَ فَسَخَ مِلْكَهُ ، وَرَجَعَ إلَى الْمُشْتَرِي بِالسَّبَبِ الْأَوَّلِ ، فَكَانَ لِشَرِيكِهِ أَخْذُهُ ، كَمَا لَوْ عَفَا .\rوَيُفَارِقُ عَوْدَهُ بِسَبَبٍ آخَرَ ؛ لِأَنَّهُ عَادَ غَيْرَ الْمِلْكِ الْأَوَّلِ الَّذِي تَعَلَّقَتْ بِهِ الشُّفْعَةُ .","part":11,"page":254},{"id":5254,"text":"( 4076 ) فَصْلٌ : وَإِذَا حَضَرَ الثَّانِي بَعْدَ أَخْذِ الْأَوَّلِ ، فَأَخَذَ نِصْفَ الشِّقْصِ مِنْهُ ، وَاقْتَسَمَا ، ثُمَّ قَدِمَ الثَّالِثُ ، فَطَالَبَ بِالشُّفْعَةِ ، وَأَخَذَ بِهَا ، بَطَلَتْ الْقِسْمَةُ ؛ لِأَنَّ هَذَا الثَّالِثَ إذَا أَخَذَ بِالشُّفْعَةِ ، كَانَ كَأَنَّهُ مُشَارِكٌ فِي حَالِ الْقِسْمَةِ ، لِثُبُوتِ حَقِّهِ ، وَلِهَذَا لَوْ بَاعَ الْمُشْتَرِي ، ثُمَّ قَدِمَ الشَّفِيعُ ، كَانَ لَهُ إبْطَالُ الْبَيْعِ .\rفَإِنْ قِيلَ : فَكَيْفَ تَصِحُّ الْقِسْمَةُ ، وَشَرِيكُهُمَا الثَّالِثُ غَائِبٌ ؟ قُلْنَا : يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ وَكَّلَ فِي الْقِسْمَةِ قَبْلَ الْبَيْعِ ، أَوْ قَبْلَ عِلْمِهِ بِهِ ، أَوْ يَكُونَ الشَّرِيكَانِ رَفَعَا ذَلِكَ إلَى الْحَاكِمِ ، وَطَالَبَاهُ بِالْقِسْمَةِ عَنْ الْغَائِبِ ، فَقَاسَمَهُمَا ، وَبَقِيَ الْغَائِبُ عَلَى شُفْعَتِهِ .\rفَإِنْ قِيلَ : فَكَيْفَ تَصِحُّ مُقَاسَمَتُهُمَا لِلشِّقْصِ ، وَحَقُّ الثَّالِثِ ثَابِتٌ فِيهِ ؟ قُلْنَا : ثُبُوتُ حَقِّ الشُّفْعَةِ لَا يَمْنَعُ التَّصَرُّفَ ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَصِحُّ بَيْعُهُ وَهِبَتُهُ وَغَيْرُهُمَا ، وَيَمْلِكُ الشَّفِيعُ إبْطَالَهُ ، كَذَا هَاهُنَا .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّ الثَّالِثَ إذَا قَدِمَ فَوَجَدَ أَحَدَ شَرِيكَيْهِ غَائِبًا ، أَخَذَ مِنْ الْحَاضِرِ ثُلُثَ مَا فِي يَدِهِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْرُ مَا يَسْتَحِقُّهُ ، ثُمَّ إنْ قَضَى لَهُ الْقَاضِي عَلَى الْغَائِبِ ، أَخَذَ ثُلُثَ مَا فِي يَدِهِ أَيْضًا ، وَإِنْ لَمْ يَقْضِ لَهُ ، انْتَظَرَ الْغَائِبَ حَتَّى يَقْدَمَ ؛ لِأَنَّهُ مَوْضِعُ عُذْرٍ .","part":11,"page":255},{"id":5255,"text":"( 4077 ) فَصْلٌ : إذَا أَخَذَ الْأَوَّلُ الشِّقْصَ كُلَّهُ بِالشُّفْعَةِ ، فَقَدِمَ الثَّانِي ، فَقَالَ : لَا آخُذُ مِنْك نِصْفَهُ ، بَلْ أَقْتَصِرُ عَلَى قَدْرِ نَصِيبِي وَهُوَ الثُّلُثُ .\rفَلَهُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ اقْتَصَرَ عَلَى بَعْضِ حَقِّهِ ، وَلَيْسَ فِيهِ تَبْعِيضُ الصَّفْقَةِ عَلَى الْمُشْتَرِي ، فَجَازَ ، كَتَرْكِ الْكُلِّ فَإِذَا قَدِمَ الثَّالِثُ ، فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ الثَّانِي ثُلُثَ مَا فِي يَدِهِ ، فَيُضِيفَهُ إلَى مَا فِي يَدِ الْأَوَّلِ ، وَيَقْتَسِمَانِهِ نِصْفَيْنِ ، فَتَصِحُّ قِسْمَةُ الشِّقْصِ مِنْ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ سَهْمًا ؛ لِأَنَّ الثَّالِثَ أَخَذَ حَقَّهُ مِنْ الثَّانِي ثُلُثَ الثُّلُثِ ، وَمَخْرَجُهُ تِسْعَةٌ ، فَضَمَّهُ إلَى الثُّلُثَيْنِ وَهِيَ سِتَّةٌ ، صَارَتْ تِسْعَةً ثُمَّ قَسَمَا التِّسْعَةَ نِصْفَيْنِ ، لَا تَنْقَسِمُ ، فَاضْرِبْ اثْنَيْنِ فِي تِسْعَةٍ ، تَكُنْ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ ، لِلثَّانِي أَرْبَعَةُ أَسْهُمٍ ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ شَرِيكَيْهِ سَبْعَةٌ .\rوَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الثَّانِيَ تَرَكَ سُدُسًا كَانَ لَهُ أَخْذُهُ ، وَحَقُّهُ مِنْهُ ثُلُثَاهُ ، وَهُوَ التِّسْعُ ، فَتَوَفَّرَ ذَلِكَ عَلَى شَرِيكَيْهِ فِي الشُّفْعَةِ ، فَلِلْأَوَّلِ وَالثَّالِثِ أَنْ يَقُولَا : نَحْنُ سَوَاءٌ فِي الِاسْتِحْقَاقِ ، وَلَمْ يَتْرُكْ وَاحِدٌ مِنَّا شَيْئًا مِنْ حَقِّهِ ، فَنَجْمَعُ مَا مَعَنَا فَنَقْسِمُهُ ، فَيَكُونُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا .\rوَإِنْ قَالَ الثَّانِي : أَنَا آخُذُ الرُّبْعَ .\rفَلَهُ ذَلِكَ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا فِي الَّتِي قَبْلَهَا ، فَإِذَا قَدِمَ الثَّالِثُ ، أَخَذَ مِنْهُ نِصْفَ سُدُسٍ ، وَهُوَ ثُلُثُ مَا فِي يَدِهِ ، فَضَمَّهُ إلَى ثَلَاثَةِ الْأَرْبَاعِ ، وَهِيَ تِسْعَةٌ ، يَصِيرُ الْجَمِيعُ عَشْرَةً فَيَقْتَسِمَانِهَا لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا خَمْسَةٌ ، وَلِلثَّانِي سَهْمَانِ ، وَتَصِحُّ مِنْ اثْنَيْ عَشَرَ .","part":11,"page":256},{"id":5256,"text":"( 4078 ) فَصْلٌ : إذَا اشْتَرَى رَجُلٌ مِنْ رَجُلَيْنِ شِقْصًا ، فَلِلشَّفِيعِ أَخْذُ نَصِيبِ أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَحُكِيَ عَنْ الْقَاضِي ، أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ ذَلِكَ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٌ ، لِئَلَّا تَتَبَعَّضَ صَفْقَةُ الْمُشْتَرِي .\rوَلَنَا ، أَنَّ عَقْدَ الِاثْنَيْنِ مَعَ وَاحِدٍ عَقْدَانِ ؛ لِأَنَّهُ مُشْتَرٍ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِلْكَهُ بِثَمَنٍ مُفْرَدٍ ، فَكَانَ لِلشَّفِيعِ أَخْذُهُ ، كَمَا لَوْ أَفْرَدَهُ بِعَقْدٍ ، وَبِهَذَا يَنْفَصِلُ عَمَّا ذَكَرُوهُ .\rوَإِنْ اشْتَرَى اثْنَانِ نَصِيبَ وَاحِدٍ ، فَلِلشَّفِيعِ أَخْذُ نَصِيبِ أَحَدِ الْمُشْتَرِيَيْنِ .\rوَبِهِ قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ .\rوَقَالَ فِي الْأُخْرَى : يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ بَعْدَ الْقَبْضِ ، وَلَا يَجُوزُ قَبْلَهُ ؛ لِأَنَّهُ قَبْلَ الْقَبْضِ تَتَبَعَّضُ صَفْقَةُ الْبَائِعِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُمَا مُشْتَرِيَانِ ، فَجَازَ لِلشَّفِيعِ أَخْذُ نَصِيبِ أَحَدِهِمَا ، كَمَا بَعْدَ الْقَبْضِ .\rوَمَا ذَكَرُوهُ لَا نُسَلِّمُهُ ، عَلَى أَنَّ الْمُشْتَرِيَ الْآخَرَ أَخَذَ نَصِيبَهُ ، فَلَا يَكُونُ تَبْعِيضًا .\rفَإِنْ بَاعَ اثْنَانِ مِنْ اثْنَيْنِ ، فَهِيَ أَرْبَعَةُ عُقُودٍ ، وَلِلشَّفِيعِ أَخْذُ الْكُلِّ ، أَوْ مَا شَاءَ مِنْهُمَا .","part":11,"page":257},{"id":5257,"text":"( 4079 ) فَصْلٌ : وَإِذَا بَاعَ شِقْصًا لِثَلَاثَةٍ ، دَفْعَةً وَاحِدَةً ، فَلِشَرِيكِهِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ الثَّلَاثَةِ .\rوَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ أَحَدِهِمْ ، وَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ اثْنَيْنِ دُونَ الثَّالِثِ ؛ لِأَنَّ عَقْدَ كُلِّ مِنْهُمَا مُنْفَرِدٌ ، فَلَا يَتَوَقَّفُ الْأَخْذُ بِهِ عَلَى الْأَخْذِ بِمَا فِي الْعَقْدِ الْآخَرِ ، كَمَا لَوْ كَانَتْ مُتَفَرِّقَةً .\rفَإِذَا أَخَذَ نَصِيبَ وَاحِدٍ ، لَمْ يَكُنْ لِلْآخَرَيْنِ مُشَارَكَتُهُ فِي الشُّفْعَةِ ؛ لِأَنَّ مِلْكَهُمَا لَمْ يَسْبِقْ مِلْكَ مَنْ أَخَذَ نَصِيبَهُ ، وَلَا يَسْتَحِقُّ الشُّفْعَةَ إلَّا بِمِلْكٍ سَابِقٍ .\rفَأَمَّا إنْ بَاعَ نَصِيبَهُ لِثَلَاثَةٍ ، فِي ثَلَاثَةِ عُقُودٍ مُتَفَرِّقَةٍ ، ثُمَّ عَلِمَ الشَّفِيعُ ، فَلَهُ أَيْضًا أَنْ يَأْخُذَ الثَّلَاثَةَ ، وَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ مَا شَاءَ مِنْهَا ؛ فَإِنْ أَخَذَ نَصِيبَ الْأَوَّلِ ، لَمْ يَكُنْ لِلْآخَرَيْنِ مُشَارَكَتُهُ فِي شُفْعَتِهِ ؛ لِأَنَّهُمَا لَمْ يَكُنْ لَهُمَا مِلْكٌ حِينَ بَيْعِهِ ، وَإِنْ أَخَذَ نَصِيبَ الثَّانِي وَحْدَهُ ، لَمْ يَمْلِكْ الثَّالِثُ مُشَارَكَتَهُ لِذَلِكَ ، وَيُشَارِكُهُ الْأَوَّلُ فِي شُفْعَتِهِ ؛ لِأَنَّ مِلْكَهُ سَابِقٌ لِشِرَاءِ الثَّانِي ، فَهُوَ شَرِيكٌ حَالَ شِرَائِهِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يُشَارِكَهُ ؛ لِأَنَّ مِلْكَهُ حَالَ شِرَاءِ الثَّانِي يَسْتَحِقُّ أَخْذَهُ بِالشُّفْعَةِ ، فَلَا يَكُونُ سَبَبًا فِي اسْتِحْقَاقِهَا .\rوَإِنْ أَخَذَ مِنْ الثَّالِثِ وَعَفَا عَنْ الْأَوَّلَيْنِ ، فَفِي مُشَارَكَتِهِمَا لَهُ وَجْهَانِ .\rوَإِنْ أَخَذَ مِنْ الثَّلَاثَةِ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدِهِمَا ، أَنَّهُ لَا يُشَارِكُهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ ؛ لِأَنَّ أَمْلَاكَهُمْ قَدْ اسْتَحَقَّهَا بِالشُّفْعَةِ ، فَلَا يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ بِهَا شُفْعَةً .\rوَالثَّانِي ، يُشَارِكُهُ الثَّانِي فِي شُفْعَةِ الثَّالِثِ .\rوَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَبَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مَالِكًا مِلْكًا صَحِيحًا حَالَ شِرَاءِ الثَّالِثِ ، وَلِذَلِكَ اسْتَحَقَّ مُشَارَكَتَهُ إذَا عَفَا عَنْ شُفْعَتِهِ ، فَكَذَلِكَ إذَا لَمْ يَعْفُ ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا اسْتَحَقَّ الشُّفْعَةَ بِالْمِلْكِ الَّذِي صَارَ بِهِ شَرِيكًا ، لَا","part":11,"page":258},{"id":5258,"text":"بِالْعَفْوِ عَنْهُ ، وَلِذَلِكَ قُلْنَا فِي الشَّفِيعِ إذَا لَمْ يَعْلَمْ بِالشُّفْعَةِ حَتَّى بَاعَ نَصِيبَهُ : فَلَهُ أَخْذُ نَصِيبِ الْمُشْتَرِي الْأَوَّلِ ، وَلِلْمُشْتَرِي الْأَوَّلِ أَخْذُ نَصِيبِ الْمُشْتَرِي الثَّانِي .\rوَعَلَى هَذَا يُشَارِكُهُ الْأَوَّلُ فِي شُفْعَةِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ جَمِيعًا .\rفَعَلَى هَذَا إذَا كَانَتْ دَارٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ نِصْفَيْنِ ، فَبَاعَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ لِثَلَاثَةٍ ، فِي ثَلَاثَةِ عُقُودٍ ، فِي كُلِّ عَقْدٍ سُدُسًا ، فَلِلشَّفِيعِ السُّدُسُ الْأَوَّلُ وَثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الثَّانِي وَثَلَاثَةُ أَخْمَاسِ الثَّالِثِ ، وَلِلْمُشْتَرِي الْأَوَّلِ رُبْعُ السُّدُسِ الثَّانِي وَخُمْسُ الثَّالِثِ ، وَلِلْمُشْتَرِي الثَّانِي خُمْسُ الثَّالِثِ فَتَصِحُّ الْمَسْأَلَةُ مِنْ مِائَةٍ وَعِشْرِينَ سَهْمًا ، لِلشَّفِيعِ الْأَوَّلِ مِائَةٌ وَسَبْعَةُ أَسْهُمٍ ، وَلِلثَّانِي تِسْعَةٌ ، وَلِلثَّالِثِ أَرْبَعَةٌ .\rوَإِنْ قُلْنَا : إنَّ الشُّفْعَةَ عَلَى عَدَدِ الرُّءُوسِ .\rفَلِلْمُشْتَرِي الْأَوَّلِ نِصْفُ السُّدُسِ الثَّانِي وَثُلُثُ الثَّالِثِ ، وَلِلثَّانِي ثُلُثُ الثَّالِثِ وَهُوَ نِصْفُ التُّسْعِ ، فَتَصِحُّ مِنْ سِتَّةٍ وَثَلَاثِينَ ، لِلشَّفِيعِ تِسْعَةٌ وَعِشْرُونَ ، وَلِلثَّانِي خَمْسَةٌ ، وَلِلثَّالِثِ سَهْمَانِ .","part":11,"page":259},{"id":5259,"text":"( 4080 ) فَصْلٌ : دَارٌ بَيْنَ أَرْبَعَةٍ أَرْبَاعًا ، بَاعَ ثَلَاثَةٌ مِنْهُمْ فِي عُقُودٍ مُتَفَرِّقَةٍ ، وَلَمْ يَعْلَمْ شَرِيكُهُمْ ، وَلَا بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ ، فَلِلَّذِي لَمْ يَبِعْ الشُّفْعَةُ فِي الْجَمِيعِ .\rوَهَلْ يَسْتَحِقُّ الْبَائِعُ الثَّانِي وَالثَّالِثُ الشُّفْعَةَ فِيمَا بَاعَهُ الْبَائِعُ الْأَوَّلُ وَالثَّانِي ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ .\rوَكَذَلِكَ هَلْ يَسْتَحِقُّ الثَّالِثُ الشُّفْعَةَ فِيمَا بَاعَهُ الْأَوَّلُ وَالثَّانِي ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ .\rوَهَلْ يَسْتَحِقُّ مُشْتَرِي الرُّبْعِ الْأَوَّلِ الشُّفْعَةَ فِيمَا بَاعَهُ الثَّانِي وَالثَّالِثُ ؟ وَهَلْ يَسْتَحِقُّ الثَّانِي شُفْعَةَ الثَّالِثِ ؟ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ ؛ أَحَدُهَا ، يَسْتَحِقَّانِ ؛ لِأَنَّهُمَا مَالِكَانِ حَالَ الْبَيْعِ .\rوَالثَّانِي ، لَا حَقَّ لَهُمَا ؛ لِأَنَّ مِلْكَهُمَا مُتَزَلْزِلٌ يَسْتَحِقُّ أَخْذَهُ بِالشُّفْعَةِ ، فَلَا تَثْبُتُ بِهِ .\rوَالثَّالِثُ إنْ عَفَا عَنْهُمَا أَخَذَا ، وَإِلَّا فَلَا .\rفَإِذَا قُلْنَا : يَشْتَرِكُ الْجَمِيعُ .\rفَلِلَّذِي لَمْ يَبِعْ ثُلُثُ كُلِّ رُبْعٍ ؛ لِأَنَّ لَهُ شَرِيكَيْنِ ، فَصَارَ لَهُ الرُّبْعُ مَضْمُومًا إلَى مِلْكِهِ ، فَكَمُلَ لَهُ النِّصْفُ ، وَلِلْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي الْأَوَّلِ الثُّلُثُ ، لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ ؛ لِأَنَّهُ شَرِيكٌ فِي شُفْعَةٍ .\rوَلِلْبَائِعِ الثَّانِي وَالْمُشْتَرِي الثَّانِي السُّدُسُ ، لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفُهُ ؛ لِأَنَّهُ شَرِيكٌ فِي شُفْعَةِ بَيْعٍ وَاحِدٍ ، وَتَصِحُّ مِنْ اثْنَيْ عَشَرَ .","part":11,"page":260},{"id":5260,"text":"( 4081 ) فَصْلٌ : وَإِنْ بَاعَ الشَّرِيكُ نِصْفَ الشِّقْصِ لِرَجُلٍ ، ثُمَّ بَاعَهُ بَقِيَّتَهُ فِي صَفْقَةٍ أُخْرَى ، ثُمَّ عَلِمَ الشَّفِيعُ فَلَهُ أَخْذُ الْمَبِيعِ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي ، وَلَهُ أَخْذُ أَحَدِهِمَا دُونَ الثَّانِي ؛ لِأَنَّ لِكُلِّ عَقْدٍ حُكْمَ نَفْسِهِ ، فَإِنْ أَخَذَ الْأَوَّلَ ، لَمْ يُشَارِكْهُ فِي شُفْعَتِهِ أَحَدٌ ، وَإِنْ أَخَذَ الثَّانِي ، فَهَلْ يُشَارِكُهُ الْمُشْتَرِي فِي شُفْعَتِهِ بِنَصِيبِهِ الْأَوَّلِ ؟ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ ؛ أَحَدُهَا ، يُشَارِكُهُ فِيهَا .\rوَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَبَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ شَرِيكٌ وَقْتَ الْبَيْعِ الثَّانِي ، يَمْلِكُهُ الَّذِي اشْتَرَاهُ أَوَّلًا .\rوَالثَّانِي ، لَا يُشَارِكُهُ ؛ لِأَنَّ مِلْكَهُ عَلَى الْأَوَّلِ لَمْ يَسْتَقِرَّ ، لِكَوْنِ الشَّفِيعِ يَمْلِكُ أَخْذَهُ .\rوَالثَّالِثُ ، إنْ عَفَا الشَّفِيعُ عَنْ الْأَوَّلِ شَارَكَهُ فِي الثَّانِي ، وَإِنْ أَخَذَ بِهِمَا جَمِيعًا لَمْ يُشَارِكْهُ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ إذَا عَفَا عَنْهُ ، اسْتَقَرَّ مِلْكُهُ ، فَشَارَكَ بِهِ ، بِخِلَافِ مَا إذَا أَخَذَ .\rفَإِنْ قُلْنَا : يُشَارِكُ فِي الشُّفْعَةِ .\rفَفِي قَدْرِ مَا يَسْتَحِقُّ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، ثُلُثَهُ .\rوَالثَّانِي ، نِصْفَهُ .\rبِنَاءً عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي قِسْمَةِ الشُّفْعَةِ عَلَى قَدْرِ الْأَمْلَاكِ أَوْ عَدَدِ الرُّءُوسِ .\rفَإِذَا قُلْنَا : يُشَارِكُهُ .\rفَعَفَا لَهُ عَنْ الْأَوَّلِ ، صَارَ لَهُ ثُلُثُ الْعَقَارِ ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ ، وَفِي الْآخَرِ ثَلَاثَةُ أَثْمَانِهِ ، وَبَاقِيه لِشَرِيكِهِ .\rوَإِنْ لَمْ يَعْفُ عَنْ الْأَوَّلِ ، فَلَهُ نِصْفُ سُدُسِهِ ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ ، وَفِي الْآخَرِ ثُمْنُهُ ، وَالْبَاقِي لِشَرِيكِهِ .\rوَإِنْ بَاعَهُ الشَّرِيكُ الشِّقْصَ فِي ثَلَاثِ صَفَقَاتٍ مُتَسَاوِيَةٍ ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ مَا لَوْ بَاعَهُ لِثَلَاثَةِ أَنْفُسٍ ، عَلَى مَا شَرَحْنَاهُ .\rوَيَسْتَحِقُّ مَا يَسْتَحِقُّونَ .\rوَلِلشَّفِيعِ هَاهُنَا مِثْلُ مَا لَهُ مَعَ الثَّلَاثَةِ .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":11,"page":261},{"id":5261,"text":"( 4082 ) فَصْلٌ : وَإِذَا كَانَتْ دَارٌ بَيْنَ ثَلَاثَةٍ ، فَوَكَّلَ أَحَدُهُمْ شَرِيكَهُ فِي بَيْعِ نَصِيبِهِ مَعَ نَصِيبِهِ ، فَبَاعِهِمَا لِرَجُلٍ وَاحِدٍ ، فَلِشَرِيكِهِمَا الشُّفْعَةُ فِيهِمَا .\rوَهَلْ لَهُ أَخْذُ أَحَدِ النَّصِيبَيْنِ دُونَ الْآخَرِ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، لَهُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الْمَالِكَ اثْنَانِ ، فَهُمَا بَيْعَانِ ، فَكَانَ لَهُ أَخْذُ نَصِيبِ أَحَدِهِمَا ، كَمَا لَوْ تَوَلَّيَا الْعَقْدَ .\rوَالثَّانِي ، لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الصَّفْقَةَ وَاحِدَةٌ ، وَفِي أَخْذِ أَحَدِهِمَا تَبْعِيضُ الصَّفْقَةِ عَلَى الْمُشْتَرِي ، فَلَمْ يَجُزْ ، كَمَا لَوْ كَانَا لِرَجُلِ وَاحِدٍ .\rوَإِنْ وَكَّلَ رَجُلٌ رَجُلًا فِي شِرَاءِ نِصْفِ نَصِيبِ أَحَدِ الشُّرَكَاءِ ، فَاشْتَرَى الشِّقْصَ كُلَّهُ لِنَفْسِهِ وَلِمُوَكِّلِهِ ، فَلِشَرِيكِهِ أَخْذُ نَصِيبِ أَحَدِهِمَا ؛ لِأَنَّهُمَا مُشْتَرِيَانِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ وَلِيَا الْعَقْدَ .\rوَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ الصُّورَةِ وَاَلَّتِي قَبْلَهَا ، أَنَّ أَخْذَ أَحَدِ النَّصِيبَيْنِ لَا يُفْضِي إلَى تَبْعِيضِ صَفْقَةِ الْمُشْتَرِي ، وَلِأَنَّهُ قَدْ يَرْضَى شَرِكَةَ أَحَدِ الْمُشْتَرِيَيْنِ دُونَ الْآخَرِ ، بِخِلَافِ الَّتِي قَبْلَهَا ؛ فَإِنَّ الْمُشْتَرِيَ وَاحِدٌ .","part":11,"page":262},{"id":5262,"text":"( 4083 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَعُهْدَةُ الشَّفِيعِ عَلَى الْمُشْتَرِي ، وَعُهْدَةُ الْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ ) يَعْنِي أَنَّ الشَّفِيعَ إذَا أَخَذَ الشِّقْصَ ، فَظَهَرَ مُسْتَحَقًّا ، فَرُجُوعُهُ بِالثَّمَنِ عَلَى الْمُشْتَرِي ، وَيَرْجِعُ الْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ .\rوَإِنْ وَجَدَهُ مَعِيبًا فَلَهُ رَدُّهُ عَلَى الْمُشْتَرِي ، أَوْ أَخْذُ أَرْشِهِ مِنْهُ ، وَالْمُشْتَرِي يَرُدُّ عَلَى الْبَائِعِ ، أَوْ يَأْخُذُ الْأَرْشَ مِنْهُ ، سَوَاءٌ قَبَضَ الشِّقْصَ مِنْ الْمُشْتَرِي أَوْ مِنْ الْبَائِعِ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى ، وَعُثْمَانُ الْبَتِّيُّ : عُهْدَةُ الشَّفِيعِ عَلَى الْبَائِعِ ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ ثَبَتَ لَهُ بِإِيجَابِ الْبَائِعِ ، فَكَانَ رُجُوعُهُ عَلَيْهِ ، كَالْمُشْتَرِي .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إنْ أَخَذَهُ مِنْ الْمُشْتَرِي ، فَالْعُهْدَةُ عَلَيْهِ ، وَإِنْ أَخَذَهُ مِنْ الْبَائِعِ فَالْعُهْدَةُ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ الشَّفِيعَ إذَا أَخَذَهُ مِنْ الْبَائِعِ تَعَذَّرَ قَبْضُ الْمُشْتَرِي ، فَيَنْفَسِخُ الْبَيْعُ بَيْنَ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي ، فَكَانَ الشَّفِيعُ آخِذًا مِنْ الْبَائِعِ مَالِكًا مِنْ جِهَتِهِ ، فَكَانَتْ عُهْدَتُهُ عَلَيْهِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الشُّفْعَةَ مُسْتَحَقَّةٌ بَعْدَ الشِّرَاءِ وَحُصُولِ الْمِلْكِ لِلْمُشْتَرِي ، ثُمَّ يَزُولُ الْمِلْكُ مِنْ الْمُشْتَرِي إلَى الشَّفِيعِ بِالثَّمَنِ .\rفَكَانَتْ الْعُهْدَةُ عَلَيْهِ ، كَمَا لَوْ أَخَذَهُ مِنْهُ بِبَيْعٍ ، وَلِأَنَّهُ مَلَكَهُ مِنْ جِهَةِ الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ ، فَمَلَكَ رَدَّهُ عَلَيْهِ بِالْعَيْبِ ، كَالْمُشْتَرِي فِي الْبَيْعِ الْأَوَّلِ .\rوَقِيَاسُهُ عَلَى الْمُشْتَرِي ، فِي جَعْلِ عُهْدَتِهِ عَلَى الْبَائِعِ ، لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ مَلَكَهُ مِنْ الْبَائِعِ ، بِخِلَافِ الشَّفِيعِ .\rوَأَمَّا إذَا أَخَذَهُ مِنْ الْبَائِعِ ، فَالْبَائِعُ نَائِبٌ عَنْ الْمُشْتَرِي فِي التَّسْلِيمِ الْمُسْتَحَقِّ عَلَيْهِ .\rوَلَوْ انْفَسَخَ الْعَقْدُ بَيْنَ الْمُشْتَرِي وَالْبَائِعِ ، بَطَلَتْ الشُّفْعَةُ ؛ لِأَنَّهَا اُسْتُحِقَّتْ بِهِ .","part":11,"page":263},{"id":5263,"text":"( 4084 ) فَصْلٌ : وَحُكْمُ الشَّفِيعِ فِي الرَّدِّ بِالْعَيْبِ ، حُكْمُ الْمُشْتَرِي مِنْ الْمُشْتَرِي ، وَإِنْ عَلَمَ الْمُشْتَرِي بِالْعَيْبِ ، وَلَمْ يَعْلَمْ الشَّفِيعُ ، فَلِلشَّفِيعِ رَدُّهُ عَلَى الْمُشْتَرِي .\rأَوْ أَخْذُ أَرْشِهِ مِنْهُ ، وَلَيْسَ لِلْمُشْتَرِي شَيْءٌ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَمْلِكَ الشَّفِيعُ أَخْذَ الْأَرْشِ ؛ لِأَنَّ الشَّفِيعَ يَأْخُذُ بِالثَّمَنِ الَّذِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ الْعَقْدُ ، فَإِذَا أَخَذَ الْأَرْشَ ، فَمَا أَخَذَهُ بِالثَّمَنِ الَّذِي اسْتَقَرَّ عَلَى الْمُشْتَرِي .\rوَإِنْ عَلِمَ الشَّفِيعُ دُونَ الْمُشْتَرِي ، فَلَيْسَ لَوَاحِدٍ مِنْهُمَا رَدٌّ وَلَا أَرْشٌ ؛ لِأَنَّ الشَّفِيعَ أَخَذَهُ عَالِمًا بِعَيْبِهِ ، فَلَمْ يَثْبُتْ لَهُ رَدٌّ وَلَا أَرْشٌ ، كَالْمُشْتَرِي إذَا عَلِمَ الْعَيْبَ ، وَالْمُشْتَرِي قَدْ اسْتَغْنَى عَنْ الرَّدِّ ، لِزَوَالِ مِلْكِهِ عَنْ الْمَبِيعِ ، وَحُصُولِ الثَّمَنِ لَهُ مِنْ الشَّفِيعِ ، وَلَمْ يَمْلِكْ الْأَرْشَ ؛ لِأَنَّهُ اسْتَدْرَكَ ظَلَّامَتَهُ ، وَرَجَعَ إلَيْهِ جَمِيعُ ثَمَنِهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ رَدَّهُ عَلَى الْبَائِعِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يَمْلِكَ أَخْذَ الْأَرْشِ ؛ لِأَنَّهُ عِوَضٌ عَنْ الْجُزْءِ الْفَائِتِ مِنْ الْمَبِيعِ ، فَلَمْ يَسْقُطْ بِزَوَالِ مِلْكِهِ عَنْ الْمَبِيعِ ، كَمَا لَوْ اشْتَرَى قَفِيزَيْنِ ، فَتَلِفَ أَحَدُهُمَا ، وَأَخَذَ الْآخَرَ .\rفَعَلَى هَذَا ، مَا يَأْخُذُهُ مِنْ الْأَرْشِ يَسْقُطُ عَنْ الشَّفِيعِ مِنْ الثَّمَنِ بِقَدْرِهِ ؛ لِأَنَّ الشِّقْصَ يَجِبُ عَلَيْهِ بِالثَّمَنِ الَّذِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ الْعَقْدُ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَخَذَ الْأَرْشَ قَبْلَ أَخْذِ الشَّفِيعِ مِنْهُ .\rوَإِنْ عَلِمَا جَمِيعًا ، فَلَيْسَ لَوَاحِدٍ مِنْهُمَا رَدٌّ وَلَا أَرْشٌ ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا دَخَلَ عَلَى بَصِيرَةٍ ، وَرَضِيَ بِبَذْلِ الثَّمَنِ فِيهِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ .\rوَإِنْ لَمْ يَعْلَمَا ، فَلِلشَّفِيعِ رَدُّهُ عَلَى الْمُشْتَرِي ، وَلِلْمُشْتَرِي رَدُّهُ عَلَى الْبَائِعِ ، فَإِنْ لَمْ يَرُدَّهُ الشَّفِيعُ ، فَلَا يَرُدُّهُ لِلْمُشْتَرِي ؛ لِمَا ذَكَرْنَا أَوَّلًا .\rوَإِنْ أَخَذَ الشَّفِيعُ أَرْشَهُ مِنْ الْمُشْتَرِي ، فَلِلْمُشْتَرِي أَخْذُهُ مِنْ الْبَائِعِ .","part":11,"page":264},{"id":5264,"text":"وَإِنْ لَمْ يَأْخُذْ مِنْهُ شَيْئًا ، فَلَا شَيْءَ لِلْمُشْتَرِي .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يَمْلِكَ أَخْذَهُ ، عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ .\rفَإِذَا أَخَذَهُ ، فَإِنْ كَانَ الشَّفِيعُ لَمْ يُسْقِطْهُ عَنْ الْمُشْتَرِي ، سَقَطَ عَنْهُ مِنْ الثَّمَنِ بِقَدْرِهِ ؛ لِأَنَّهُ الثَّمَنُ الَّذِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ الْبَيْعُ ، وَسُكُوتُهُ لَا يُسْقِطُ حَقَّهُ ، وَإِنْ أَسْقَطَهُ عَنْ الْمُشْتَرِي ، تَوَفَّرَ عَلَيْهِ ، كَمَا لَوْ زَادَهُ عَلَى الثَّمَنِ بِاخْتِيَارِهِ .\rفَأَمَّا إنْ اشْتَرَاهُ بِالْبَرَاءَةِ مِنْ كُلِّ عَيْبٍ ، فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا يَبْرَأُ ، فَيَكُونُ كَأَنَّهُ لَمْ يَبْرَأْ إلَيْهِ مِنْ شَيْءٍ .\rوَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى ، أَنَّهُ يَبْرَأُ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْبَائِعُ عَلِمَ بِالْعَيْبِ ، فَدَلَّسَهُ ، وَاشْتَرَطَ الْبَرَاءَةَ .\rفَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ ، إنْ عَلِمَ الشَّفِيعُ بِاشْتِرَاطِ الْبَرَاءَةِ ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْمُشْتَرِي ؛ لِأَنَّهُ دَخَلَ عَلَى شِرَائِهِ ، فَصَارَ كَمُشْتَرٍ ثَانٍ اشْتَرَطَ الْبَرَاءَةَ .\rوَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ ذَلِكَ ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ مَا لَوْ عَلِمَهُ الْمُشْتَرِي دُونَ الشَّفِيعِ .","part":11,"page":265},{"id":5265,"text":"( 4085 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَالشُّفْعَةُ لَا تُورَثُ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمَيِّتُ طَالَبَ بِهَا ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ ، أَنَّ الشَّفِيعَ إذَا مَاتَ قَبْلَ الْأَخْذِ بِهَا ، لَمْ يَخْلُ مِنْ حَالَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، أَنْ يَمُوتَ قَبْلَ الطَّلَبِ بِهَا ، فَتَسْقُطُ ، وَلَا تَنْتَقِلُ إلَى الْوَرَثَةِ .\rقَالَ أَحْمَدُ : الْمَوْتُ يَبْطُلُ بِهِ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ ؛ الشُّفْعَةُ ، وَالْحَدُّ إذَا مَاتَ الْمَقْذُوفُ ، وَالْخِيَارُ إذَا مَاتَ الَّذِي اشْتَرَطَ الْخِيَارَ لَمْ يَكُنْ لِلْوَرَثَةِ .\rهَذِهِ الثَّلَاثَةُ الْأَشْيَاءِ إنَّمَا هِيَ بِالطَّلَبِ ، فَإِذَا لَمْ يَطْلُبْ ، فَلَيْسَ تَجِبُ ، إلَّا أَنْ يُشْهِدَ أَنِّي عَلَى حَقِّي مِنْ كَذَا وَكَذَا ، وَأَنِّي قَدْ طَلَبْته ، فَإِنْ مَاتَ بَعْدَهُ ، كَانَ لِوَارِثِهِ الطَّلَبُ بِهِ .\rوَرُوِيَ سُقُوطُهُ بِالْمَوْتِ عَنْ الْحَسَنِ ، وَابْنِ سِيرِينَ ، وَالشَّعْبِيِّ ، وَالنَّخَعِيِّ .\rوَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَقَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَالْعَنْبَرِيُّ : يُورَثُ .\rقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ وَيَتَخَرَّجُ لَنَا مِثْلُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ خِيَارٌ ثَابِتٌ لِدَفْعِ الضَّرَرِ عَنْ الْمَالِ ، فَيُورَثُ ، كَخِيَارِ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ حَقُّ فَسْخٍ ثَبَتَ لَا لِفَوَاتِ جُزْءٍ ، فَلَمْ يُورَثْ ، كَالرُّجُوعِ فِي الْهِبَةِ ، وَلِأَنَّهُ نَوْعُ خِيَارٍ جُعِلَ لِلتَّمْلِيكِ ، أَشْبَهَ خِيَارَ الْقَبُولِ .\rفَأَمَّا خِيَارُ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ ، فَإِنَّهُ لِاسْتِدْرَاكِ جُزْءٍ فَاتَ مِنْ الْمَبِيعِ .\rالْحَالُ الثَّانِي ، إذَا طَالَبَ بِالشُّفْعَةِ ثُمَّ مَاتَ .\rفَإِنَّ حَقَّ الشُّفْعَةِ يَنْتَقِلُ إلَى الْوَرَثَةِ ، قَوْلًا وَاحِدًا .\rذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ .\rوَقَدْ ذَكَرْنَا نَصَّ أَحْمَدَ عَلَيْهِ .\rلِأَنَّ الْحَقَّ يَتَقَرَّرُ بِالطَّلَبِ ، وَلِذَلِكَ لَا يَسْقُطُ بِتَأْخِيرِ الْأَخْذِ بَعْدَهُ ، وَقَبْلَهُ يَسْقُطُ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : يَصِيرُ الشِّقْصُ مِلْكًا لِلشَّفِيعِ بِنَفْسِ الْمُطَالَبَةِ .\rوَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الصَّحِيحَ غَيْرُ هَذَا ، فَإِنَّهُ لَوْ صَارَ مِلْكًا لِلشَّفِيعِ ، لَمْ يَصِحَّ الْعَفْوُ عَنْ الشُّفْعَةِ بَعْدَ طَلَبِهَا ،","part":11,"page":266},{"id":5266,"text":"كَمَا لَا يَصِحُّ الْعَفْوُ عَنْهَا بَعْدَ الْأَخْذِ بِهَا .\rفَإِذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّ الْحَقَّ يَنْتَقِلُ إلَى جَمِيعِ الْوَرَثَةِ عَلَى حَسَبِ مَوَارِيثِهِمْ ، لِأَنَّهُ حَقٌّ مَالِيٌّ مَوْرُوثٌ ، فَيَنْتَقِلُ إلَى جَمِيعِهِمْ ، كَسَائِرِ الْحُقُوقِ الْمَالِيَّةِ ، وَسَوَاءٌ قُلْنَا : الشُّفْعَةُ عَلَى قَدْرِ الْأَمْلَاكِ ، أَوْ عَلَى عَدَدِ الرُّءُوسِ ؛ لِأَنَّ هَذَا يَنْتَقِلُ إلَيْهِمْ مِنْ مَوْرُوثِهِمْ .\rفَإِنْ تَرَكَ بَعْضُ الْوَرَثَةِ حَقَّهُ ، تَوَفَّرَ الْحَقُّ عَلَى سَائِرِ الْوَرَثَةِ ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ أَنْ يَأْخُذُوا إلَّا الْكُلَّ ، أَوْ يَتْرُكُوا ، كَالشُّفَعَاءِ إذَا عَفَا بَعْضُهُمْ عَنْ شُفْعَتِهِ ؛ لِأَنَّا لَوْ جَوَّزْنَا أَخْذَ بَعْضِ الشِّقْصِ الْمَبِيعِ ، تَبَعَّضَتْ الصَّفْقَةُ عَلَى الْمُشْتَرِي ، وَهَذَا ضَرَرٌ فِي حَقِّهِ .","part":11,"page":267},{"id":5267,"text":"( 4086 ) فَصْلٌ : وَإِنْ أَشْهَدَ الشَّفِيعُ عَلَى مُطَالَبَتِهِ بِهَا لِلْعُذْرِ ، ثُمَّ مَاتَ ، لَمْ تَبْطُلْ ، وَكَانَ لِلْوَرَثَةِ الْمُطَالَبَةُ بِهَا .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ؛ لِأَنَّ الْإِشْهَادَ عَلَى الطَّلَبِ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْهُ ، يَقُومُ مَقَامَهُ ، فَلَمْ تَسْقُطْ الشُّفْعَةُ بِالْمَوْتِ بَعْدَهُ ، كَنَفْسِ الطَّلَبِ .","part":11,"page":268},{"id":5268,"text":"( 4087 ) فَصْلٌ : وَإِذَا بِيعَ شِقْصٌ لَهُ شَفِيعَانِ ، فَعَفَا أَحَدُهُمَا عَنْهَا ، وَطَالَبَ الْآخَرُ بِهَا ، ثُمَّ مَاتَ الْمُطَالِبُ ، فَوَرِثَهُ الْعَافِي ، فَلَهُ أَخْذُ الشِّقْصِ بِهَا ؛ لِأَنَّهُ وَارِثٌ لِشَفِيعٍ مُطَالِبٍ بِالشُّفْعَةِ ، فَمَلَكَ الْأَخْذَ بِهَا ، كَالْأَجْنَبِيِّ .\rوَكَذَلِكَ لَوْ قَذَفَ رَجُلٌ أُمَّهُمَا وَهِيَ مَيِّتَةٌ ، فَعَفَا أَحَدُهُمَا ، فَطَالَبَ الْآخَرُ ، ثُمَّ مَاتَ الطَّالِبُ ، فَوَرِثَهُ الْعَافِي ، ثَبَتَ لَهُ اسْتِيفَاؤُهُ بِالنِّيَابَةِ عَنْ أَخِيهِ الْمَيِّت ، إذَا قُلْنَا بِوُجُوبِ الْحَدِّ بِقَذْفِهَا .","part":11,"page":269},{"id":5269,"text":"( 4088 ) فَصْلٌ : وَإِنْ مَاتَ مُفْلِسٌ ، وَلَهُ شِقْصٌ ، فَبَاعَ شَرِيكُهُ ، كَانَ لِوَرَثَتِهِ الشُّفْعَةُ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا شُفْعَةَ لَهُمْ ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ انْتَقَلَ إلَى الْغُرَمَاءِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ بَيْعٌ فِي شَرِكَةِ مَا خَلَّفَهُ مَوْرُوثُهُمْ مِنْ شِقْصٍ ، فَكَانَ لَهُمْ الْمُطَالَبَةُ بِشُفْعَتِهِ كَغَيْرِ الْمُفْلِسِ .\rوَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ التَّرِكَةَ انْتَقَلَتْ إلَى الْغُرَمَاءِ ، بَلْ هِيَ لِلْوَرَثَةِ ، بِدَلِيلِ أَنَّهَا لَوْ تَمَّتْ أَوْ زَادَ ثَمَنُهَا ، لَحُسِبَ عَلَى الْغُرَمَاءِ فِي قَضَاءِ دُيُونِهِمْ ، وَإِنَّمَا تَعَلَّقَ حَقُّهُمْ بِهِ ، فَلَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ مِنْ الشُّفْعَةِ ، كَمَا لَوْ كَانَ لَرَجُلٍ شِقْصٌ مَرْهُونٌ ، فَبَاعَ شَرِيكُهُ ، فَإِنَّهُ يَسْتَحِقُّ الشُّفْعَةَ بِهِ .\rوَلَوْ كَانَ لِلْمَيِّتِ دَارٌ ، فَبِيعَ بَعْضُهَا فِي قَضَاءِ دَيْنِهِ ، لَمْ يَكُنْ لِلْوَرَثَةِ شُفْعَةٌ ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ يَقَعُ لَهُمْ ، فَلَا يَسْتَحِقُّونَ الشُّفْعَةَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ .\rوَلَوْ كَانَ الْوَارِثُ شَرِيكًا لِلْمَوْرُوثِ ، فَبِيعَ نَصِيبُ الْمَوْرُوثِ فِي دَيْنِهِ ، فَلَا شُفْعَةَ أَيْضًا ؛ لِأَنَّ نَصِيبَ الْمَوْرُوثِ انْتَقَلَ بِمَوْتِهِ إلَى الْوَارِثِ ، فَإِذَا بِيعَ فَقَدْ بِيعَ مِلْكُهُ ، فَلَا يَسْتَحِقُّ الشُّفْعَةَ عَلَى نَفْسِهِ .","part":11,"page":270},{"id":5270,"text":"( 4089 ) فَصْلٌ : وَلَوْ اشْتَرَى شِقْصًا مَشْفُوعًا ، وَوَصَى بِهِ ، ثُمَّ مَاتَ ، فَلِلشَّفِيعِ أَخْذُهُ بِالشُّفْعَةِ ؛ لِأَنَّ حَقَّهُ أَسْبَقُ مِنْ حَقِّ الْمُوصِيَ لَهُ ، فَإِذَا أَخَذَهُ ، دَفَعَ الثَّمَنَ إلَى الْوَرَثَةِ ، وَبَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ ؛ لِأَنَّ الْمُوصَى بِهِ ذَهَبَ ، فَبَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ ، لَهُ كَمَا لَوْ تَلِفَ ، وَلَا يَسْتَحِقُّ الْمُوصَى لَهُ بَدَلَهُ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوصَ لَهُ إلَّا بِالشِّقْصِ ، وَقَدْ فَاتَ بِأَخْذِهِ .\rوَلَوْ وَصَّى رَجُلٌ لَإِنْسَانٍ بِشِقْصٍ ثُمَّ مَاتَ ، فَبِيعَ فِي تَرِكَتِهِ شِقْصٌ قَبْلَ قَبُولِ الْمُوصَى لَهُ ، فَالشُّفْعَةُ لِلْوَرَثَةِ فِي الصَّحِيحِ ؛ لِأَنَّ الْمُوصَى بِهِ لَا يَصِيرُ لِلْوَصِيِّ إلَّا بَعْدَ الْقَبُولِ ، وَلَمْ يُوجَدْ ، فَيَكُونُ بَاقِيًا عَلَى مِلْكِ الْوَرَثَةِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لِلْمُوصَى إذَا قُلْنَا : إنَّ الْمِلْكَ يَنْتَقِلُ إلَيْهِ بِمُجَرَّدِ الْمَوْتِ .\rفَإِذَا قَبِلَ الْوَصِيَّةَ ، اسْتَحَقَّ الْمُطَالَبَةَ ؛ لِأَنَّنَا تَبَيَّنَّا أَنَّ الْمِلْكَ كَانَ لَهُ ، فَكَانَ الْمَبِيعُ فِي شَرِكَتِهِ .\rوَلَا يَسْتَحِقُّ الْمُطَالَبَةَ قَبْلَ الْقَبُولِ ؛ لِأَنَّا لَا نَعْلَمُ أَنَّ الْمِلْكَ لَهُ قَبْلَ الْقَبُولِ ، وَإِنَّمَا يَتَبَيَّنُ ذَلِكَ بِقَبُولِهِ ، فَإِنْ قَبِلَ تَبَيَّنَّا أَنَّهُ كَانَ لَهُ .\rوَإِنْ رَدَّ ، تَبَيَّنَّا أَنَّهُ كَانَ لِلْوَرَثَةِ .\rوَلَا تَسْتَحِقُّ الْوَرَثَةُ الْمُطَالَبَةَ أَيْضًا ؛ لِذَلِكَ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنَّ لَهُمْ الْمُطَالَبَةَ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْقَبُولِ ، وَبَقَاءُ الْحَقِّ لَهُمْ .\rوَيُفَارِقُ الْمُوصَى لَهُ مِنْ وَجْهَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، أَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْقَبُولِ مِنْهُ .\rوَالثَّانِي ، أَنَّهُ يُمْكِنُهُ أَنْ يَقْبَلَ ثُمَّ يُطَالِبَ ، بِخِلَافِ الْوَارِثِ ؛ فَإِنَّهُ لَا سَبِيلَ لَهُ إلَى فِعْلِ مَا يَعْلَمُ بِهِ ثُبُوتَ الْمِلْكِ لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ .\rفَإِذَا طَالَبُوا ، ثُمَّ قَبِلَ الْوَصِيُّ الْوَصِيَّةَ ، كَانَتْ الشُّفْعَةُ لَهُ ، وَيَفْتَقِرُ إلَى الطَّلَبِ مِنْهُ ؛ لِأَنَّ الطَّلَبَ الْأَوَّلَ تَبَيَّنَ أَنَّهُ مِنْ غَيْرِ الْمُسْتَحِقِّ .\rوَإِنْ قُلْنَا بِالرِّوَايَةِ الْأُولَى ، فَطَالَبَ الْوَرَثَةُ","part":11,"page":271},{"id":5271,"text":"بِالشُّفْعَةِ ، فَلَهُمْ الْأَخْذُ بِهَا .\rوَإِنْ قَبِلَ الْوَصِيُّ أَخَذَ الشِّقْصَ الْمُوصَى بِهِ ، دُونَ الشِّقْصِ الْمَشْفُوعِ ؛ لِأَنَّ الشِّقْصَ الْمُوصَى بِهِ إنَّمَا انْتَقَلَ إلَيْهِ بَعْدَ الْأَخْذَ بِشُفْعَتِهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَخَذَ بِهَا الْمُوصِي فِي حَيَاتِهِ .\rوَإِنْ لَمْ يُطَالِبُوا بِالشُّفْعَةِ حَتَّى قَبِلَ الْمُوصِي لَهُ ، فَلَا شُفْعَةَ لِلْمُوصَى لَهُ ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ وَقَعَ قَبْلَ ثُبُوتِ الْمِلْكِ لَهُ ، وَحُصُولِ شَرِكَتِهِ .\rوَفِي ثُبُوتِهَا لِلْوَرَثَةِ وَجْهَانِ ، بِنَاءً عَلَى مَا لَوْ بَاعَ الشَّفِيعُ نَصِيبَهُ قَبْلَ عِلْمِهِ بِبَيْعِ شَرِيكِهِ .","part":11,"page":272},{"id":5272,"text":"( 4090 ) فَصْلٌ : وَلَوْ اشْتَرَى رَجُلٌ شِقْصًا ، ثُمَّ ارْتَدَّ فَقُتِلَ أَوْ مَاتَ ، فَلِلشَّفِيعِ أَخْذُهُ بِالشُّفْعَةِ ؛ لِأَنَّهَا وَجَبَتْ بِالشِّرَاءِ ، وَانْتِقَالُهُ إلَى الْمُسْلِمِينَ بِقَتْلِهِ أَوْ مَوْتِهِ لَا يَمْنَعُ الشُّفْعَةَ ، كَمَا لَوْ مَاتَ عَلَى الْإِسْلَامِ ، فَوَرِثَهُ وَرَثَتُهُ ، أَوْ صَارَ مَالُهُ لِبَيْتِ الْمَالِ ، لِعَدَمِ وَرَثَتِهِ ، وَالْمُطَالِبُ بِالشُّفْعَةِ وَكِيلُ بَيْتِ الْمَالِ .","part":11,"page":273},{"id":5273,"text":"( 4091 ) فَصْلٌ : وَإِذَا اشْتَرَى الْمُرْتَدُّ شِقْصًا ، فَتَصَرُّفُهُ مَوْقُوفٌ ، فَإِنْ قُتِلَ عَلَى رِدَّتِهِ أَوْ مَاتَ عَلَيْهَا ، تَبَيَّنَّا أَنَّ شِرَاءَهُ بَاطِلٌ ، وَلَا شُفْعَةَ فِيهِ ، وَإِنْ أَسْلَمَ ، تَبَيَّنَّا صِحَّتَهُ ، وَثُبُوتَ الشُّفْعَةِ فِيهِ .\rوَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : تَصَرُّفُهُ غَيْرُ صَحِيحٍ فِي الْحَالَيْنِ ؛ لِأَنَّ مِلْكَهُ يَزُولُ بِرِدَّتِهِ ، فَإِذَا أَسْلَمَ عَادَ إلَيْهِ تَمْلِيكًا مُسْتَأْنَفًا .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو يُوسُفَ : تَصَرُّفُهُ صَحِيحٌ فِي الْحَالَيْنِ ، وَتَجِبُ الشُّفْعَةُ فِيهِ .\rوَمَبْنَى الشُّفْعَةِ هَاهُنَا عَلَى صِحَّةِ تَصَرُّفِ الْمُرْتَدِّ ، وَيُذْكَرُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ .\rوَإِنْ بِيعَ شِقْصٌ فِي شَرِكَةِ الْمُرْتَدِّ ، وَكَانَ الْمُشْتَرِي كَافِرًا ، فَأَخَذَ بِالشُّفْعَةِ ، انْبَنَى عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا ؛ لِأَنَّ أَخْذَهُ بِالشُّفْعَةِ شِرَاءٌ لِلشِّقْصِ مِنْ الْمُشْتَرِي ، فَأَشْبَهَ شِرَاءَهُ لِغَيْرِهِ .\rوَإِنْ ارْتَدَّ الشَّفِيعُ الْمُسْلِمُ ، وَقُتِلَ بِالرِّدَّةِ أَوْ مَاتَ عَلَيْهَا ، انْتَقَلَ مَالُهُ إلَى الْمُسْلِمِينَ ، فَإِنْ كَانَ طَالَبَ بِالشُّفْعَةِ ، انْتَقَلَتْ أَيْضًا إلَى الْمُسْلِمِينَ ، يَنْظُرُ فِيهَا الْإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ .\rوَإِنْ قُتِلَ أَوْ مَاتَ قَبْلَ طَلَبِهَا ، بَطَلَتْ شُفْعَتُهُ ، كَمَا لَوْ مَاتَ عَلَى إسْلَامِهِ .\rوَلَوْ مَاتَ الشَّفِيعُ الْمُسْلِمُ ، وَلَمْ يَخْلُفْ وَارِثًا سِوَى بَيْتِ الْمَالِ ، انْتَقَلَ نَصِيبُهُ إلَى الْمُسْلِمِينَ إنْ مَاتَ بَعْدَ الطَّلَبِ ، وَإِلَّا فَلَا .","part":11,"page":274},{"id":5274,"text":"( 4092 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِنْ أَذِنَ الشَّرِيكُ فِي الْبَيْعِ ، ثُمَّ طَالَبَ بِالشُّفْعَةِ بَعْدَ وُقُوعِ الْبَيْعِ ، فَلَهُ ذَلِكَ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الشَّفِيعَ إذَا عَفَا عَنْ الشُّفْعَةِ قَبْلَ الْبَيْعِ ، فَقَالَ : قَدْ أَذِنْت فِي الْبَيْعِ ، أَوْ قَدْ أَسْقَطْت شُفْعَتِي .\rأَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ ، لَمْ تَسْقُطْ ، وَلَهُ الْمُطَالَبَةُ بِهَا مَتَى وُجِدَ الْبَيْعُ .\rهَذَا ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَالْبَتِّيِّ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ .\rوَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الشُّفْعَةَ تَسْقُطُ بِذَلِكَ ؛ فَإِنَّ إسْمَاعِيلَ بْنَ سَعِيدٍ ، قَالَ : قُلْت لِأَحْمَدَ مَا مَعْنَى قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ رَبْعَةٌ ، فَأَرَادَ بَيْعَهَا ، فَلْيَعْرِضْهَا عَلَيْهِ } .\rوَقَدْ جَاءَ فِي بَعْضِ الْحَدِيثِ : \" وَلَا يَحِلُّ لَهُ إلَّا أَنْ يَعْرِضَهَا عَلَيْهِ \" .\rإذَا كَانَتْ الشُّفْعَةُ ثَابِتَةً لَهُ ؟ فَقَالَ : مَا هُوَ بِبَعِيدٍ مِنْ أَنْ يَكُونَ عَلَى ذَلِكَ ، وَأَنْ لَا تَكُونَ لَهُ الشُّفْعَةُ .\rوَهَذَا قَوْلُ الْحَكَمِ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَأَبِي عُبَيْدٍ ، وَأَبِي خَيْثَمَةَ ، وَطَائِفَةٍ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : وَقَدْ اخْتَلَفَ فِيهِ عَنْ أَحْمَدَ ، فَقَالَ مَرَّةً : تَبْطُلُ شُفْعَتُهُ .\rوَقَالَ مَرَّةً : لَا تَبْطُلُ .\rوَاحْتَجُّوا بِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ كَانَ لَهُ شَرِكَةٌ فِي أَرْضٍ ؛ رَبْعَةٍ ، أَوْ حَائِطٍ ، فَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَبِيعَ حَتَّى يَسْتَأْذِنَ شَرِيكَهُ ، فَإِنْ شَاءَ أَخَذَ ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ } .\rوَمُحَالٌ أَنْ يَقُولَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : \" وَمَنْ شَاءَ تَرَكَ \" .\rفَلَا يَكُونُ لِتَرْكِهِ مَعْنَى .\rوَمَفْهُومِ قَوْلِهِ : \" فَإِنْ بَاعَ ، وَلَمْ يُؤْذِنْهُ ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ \" أَنَّهُ إذَا بَاعَهُ بِإِذْنِهِ لَا حَقَّ لَهُ .\rوَلِأَنَّ الشُّفْعَةَ تَثْبُتُ فِي مَوْضِعِ الِاتِّفَاقِ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ لِكَوْنِهِ يَأْخُذُ مِلْكَ الْمُشْتَرِي مِنْ غَيْرِ رِضَائِهِ ، وَيُجْبِرُهُ عَلَى الْمُعَاوَضَةِ بِهِ ،","part":11,"page":275},{"id":5275,"text":"لِدُخُولِهِ مَعَ الْبَائِعِ فِي الْعَقْدِ ، الَّذِي أَسَاءَ فِيهِ بِإِدْخَالِهِ الضَّرَرَ عَلَى شَرِيكِهِ ، وَتَرْكِهِ الْإِحْسَانَ إلَيْهِ فِي عَرْضِهِ عَلَيْهِ .\rوَهَذَا الْمَعْنَى مَعْدُومٌ هَاهُنَا ، فَإِنَّهُ قَدْ عَرَضَهُ عَلَيْهِ ، وَامْتِنَاعُهُ مِنْ أَخْذِهِ دَلِيلٌ عَلَى عَدَمِ الضَّرَرِ فِي حَقِّهِ بِبَيْعِهِ ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ ضَرَرٌ فَهُوَ أَدْخَلَهُ عَلَى نَفْسِهِ ، فَلَا يَسْتَحِقُّ الشُّفْعَةَ ، كَمَا لَوْ أَخَّرَ الْمُطَالَبَةَ بَعْدَ الْبَيْعِ .\rوَوَجْهُ الْأَوَّلِ ، أَنَّهُ إسْقَاطُ حَقٍّ قَبْلَ وُجُوبِهِ ، فَلَمْ يَصِحَّ ، كَمَا لَوْ أَبْرَأْهُ مِمَّا يَجِبُ لَهُ ، أَوْ أَسْقَطَتْ الْمَرْأَةُ صَدَاقَهَا قَبْلَ التَّزْوِيجِ .\rوَأَمَّا الْخَبَرُ ، فَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ الْعَرْضَ عَلَيْهِ ، لِيَبْتَاعَ ذَلِكَ إنْ أَرَادَ ، فَتَخِفُّ عَلَيْهِ الْمُؤْنَةُ ، وَيَكْتَفِيَ بِأَخْذِ الْمُشْتَرِي الشِّقْصَ ، لَا إسْقَاطِ حَقِّهِ مِنْ شُفْعَتِهِ .","part":11,"page":276},{"id":5276,"text":"( 4093 ) فَصْلٌ : إذَا تَوَكَّلَ الشَّفِيعُ فِي الْبَيْعِ ، لَمْ تَسْقُطْ شُفْعَتُهُ بِذَلِكَ ، سَوَاءٌ كَانَ وَكِيلَ الْبَائِعِ أَوْ الْمُشْتَرِي .\rذَكَرَهُ الشَّرِيفُ ، وَأَبُو الْخَطَّابِ .\rوَهُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ الْقَاضِي ، وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ : إنْ كَانَ وَكِيلَ الْبَائِعِ ، فَلَا شُفْعَةَ لَهُ ؛ لِأَنَّهُ تَلْحَقُهُ التُّهْمَةُ فِي الْبَيْعِ ، لِكَوْنِهِ يَقْصِدُ تَقْلِيلَ الثَّمَنِ لِيَأْخُذَ بِهِ ، بِخِلَافِ وَكِيلِ الْمُشْتَرِي .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ : لَا شُفْعَةَ لِوَكِيلِ الْمُشْتَرِي ، بِنَاءً عَلَى أَصْلِهِمْ أَنَّ الْمِلْكَ يَنْتَقِلُ إلَى الْوَكِيلِ ، فَلَا يَسْتَحِقُّ عَلَى نَفْسِهِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ وَكِيلٌ ، فَلَا تَسْقُطُ شُفْعَتُهُ ، كَالْآخَرِ ، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْمِلْكَ يَنْتَقِلُ إلَى الْوَكِيلِ .\rإنَّمَا يَنْتَقِلُ إلَى الْمُوَكَّلِ ، ثُمَّ لَوْ انْتَقَلَ إلَى الْوَكِيلِ لِمَا ثَبَتَتْ فِي مِلْكِهِ ، إنَّمَا يَنْتَقِلُ فِي الْحَالِ إلَى الْمُوَكَّلِ ، فَلَا يَكُونُ الْأَخْذُ مِنْ نَفْسِهِ ، وَلَا الِاسْتِحْقَاقُ عَلَيْهَا .\rوَأَمَّا التُّهْمَةُ فَلَا تُؤَثِّرُ ؛ لِأَنَّ الْمُوَكِّلَ وَكَّلَهُ مَعَ عِلْمِهِ بِثُبُوتِ شُفْعَتِهِ ، رَاضِيًا بِتَصَرُّفِهِ مَعَ ذَلِكَ ، فَلَا يُؤَثِّرُ ، كَمَا لَوْ أَذِنَ لِوَكِيلِهِ فِي الشِّرَاءِ مِنْ نَفْسِهِ .\rفَعَلَى هَذَا ، لَوْ قَالَ لِشَرِيكِهِ : بِعْ نِصْفَ نَصِيبِي مَعَ نِصْفِ نَصِيبِك .\rفَفَعَلَ ، ثَبَتَتْ الشُّفْعَةُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي الْمَبِيعِ مِنْ نَصِيبِ صَاحِبِهِ .\rوَعِنْدَ الْقَاضِي تَثْبُتُ فِي نَصِيبِ الْوَكِيلِ ، دُونَ نَصِيبِ الْمُوَكَّلِ .","part":11,"page":277},{"id":5277,"text":"( 4094 ) فَصْلٌ : وَإِنْ ضَمِنَ الشَّفِيعُ الْعُهْدَةَ لِلْمُشْتَرِي ، أَوْ شَرَطَ لَهُ الْخِيَارَ فَاخْتَارَ إمْضَاءَ الْعَقْدِ ، لَمْ تَسْقُطْ شُفْعَتُهُ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ : تَسْقُطُ ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ تَمَّ بِهِ ، فَأَشْبَهَ الْبَائِعَ إذَا بَاعَ بَعْضَ نَصِيبِ نَفْسِهِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ هَذَا سَبَبُ سَبْقِ وُجُوبِ الشُّفْعَةِ ، فَلَمْ تَسْقُطْ بِهِ الشُّفْعَةُ ، كَالْإِذْنِ فِي الْبَيْعِ ، وَالْعَفْوِ عَنْ الشُّفْعَةِ قَبْلَ تَمَامِ الْبَيْعِ .\rوَمَا ذَكَرُوهُ لَا يَصِحُّ ؛ فَإِنَّ الْبَيْعَ لَا يَقِفُ عَلَى الضَّمَانِ ، وَيَبْطُلُ بِمَا إذَا كَانَ الْمُشْتَرِي شَرِيكًا ، فَإِنَّ الْبَيْعَ قَدْ تَمَّ بِهِ ، وَتَثْبُتُ لَهُ الشُّفْعَةُ بِقَدْرِ نَصِيبِهِ .","part":11,"page":278},{"id":5278,"text":"( 4095 ) فَصْلٌ : وَإِذَا كَانَتْ دَارٌ بَيْنَ ثَلَاثَةٍ ، فَقَارَضَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ أَحَدَ شَرِيكَيْهِ بِأَلْفٍ ، فَاشْتَرَى بِهِ نِصْفَ نَصِيبِ الثَّالِثِ ، لَمْ تَثْبُتْ فِيهِ شُفْعَةٌ ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ ؛ لِأَنَّ أَحَدَ الشَّرِيكَيْنِ رَبُّ الْمَالِ ، وَالْآخَرَ الْعَامِلُ ، فَهُمَا كَالشَّرِيكَيْنِ فِي الْمَتَاعِ ، فَلَا يَسْتَحِقُّ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ شُفْعَةً .\rوَإِنْ بَاعَ الثَّالِثُ بَاقِي نَصِيبِهِ لِأَجْنَبِيٍّ ، كَانَتْ الشُّفْعَةُ مُسْتَحَقَّةً بَيْنَهُمْ أَخْمَاسًا ، لِرَبِّ الْمَالِ خُمْسَاهَا ، وَلِلْعَامِلِ خُمْسَاهَا ، وَلِمَالِ الْمُضَارَبَةِ خُمْسُهَا بِالسُّدُسِ الَّذِي لَهُ ، فَيُجْعَلُ مَالُ الْمُضَارَبَةِ كَشَرِيكٍ آخَرَ ؛ لِأَنَّ حُكْمَهُ مُتَمَيِّزٌ عَنْ مَالِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا .","part":11,"page":279},{"id":5279,"text":"( 4096 ) فَصْلٌ : فَإِنْ كَانَتْ الدَّارُ بَيْنَ ثَلَاثَةٍ أَثْلَاثًا ، فَاشْتَرَى أَجْنَبِيٌّ نَصِيبَ أَحَدِهِمْ ، فَطَالَبَهُ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ بِالشُّفْعَةِ ، فَقَالَ : إنَّمَا اشْتَرَيْته لِشَرِيكِك .\rلَمْ تُؤَثِّرْ هَذِهِ الدَّعْوَى فِي قَدْرَ مَا يَسْتَحِقُّ مِنْ الشُّفْعَةِ ، فَإِنَّ الشُّفْعَةَ بَيْنَ الشَّرِيكَيْنِ نِصْفَيْنِ ، سَوَاءٌ اشْتَرَاهَا الْأَجْنَبِيُّ لِنَفْسِهِ ، أَوْ لِلشَّرِيكِ الْآخَرِ .\rوَإِنْ تَرَكَ الْمُطَالِبُ بِالشُّفْعَةِ حَقَّهُ مِنْهَا ، بِنَاءً عَلَى هَذَا الْقَوْلِ ، ثُمَّ تَبَيَّنَ كَذِبُهُ ، لَمْ تَسْقُطْ شُفْعَتُهُ .\rوَإِنْ أَخَذَ نِصْفَ الْمَبِيعِ لِذَلِكَ ، ثُمَّ تَبَيَّنَ كَذِبُ الْمُشْتَرِي ، وَعَفَا الشَّرِيكُ عَنْ شُفْعَتِهِ ، فَلَهُ أَخْذُ نَصِيبِهِ مِنْ الشُّفْعَةِ ؛ لِأَنَّ اقْتِصَارَهُ عَلَى أَخْذِ النِّصْفِ بُنِيَ عَلَى خَبَرِ الْمُشْتَرِي ، فَلَمْ يُؤَثِّرْ فِي إسْقَاطِ الشُّفْعَةِ ، وَاسْتَحَقَّ أَخْذَ الْبَاقِي لِعَفْوِ شَرِيكِهِ عَنْهُ .\rوَإِنْ امْتَنَعَ مِنْ أَخْذِ الْبَاقِي ، سَقَطَتْ شُفْعَتُهُ كُلُّهَا ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ تَبْعِيضَ صَفْقَةِ الْمُشْتَرِي .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَسْقُطَ حَقُّهُ مِنْ النِّصْفِ الَّذِي أَخَذَهُ ، وَلَا يَبْطُلَ أَخْذُهُ لَهُ ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِي أَقَرَّ بِمَا تَضَمَّنَ اسْتِحْقَاقَهُ لِذَلِكَ ، فَلَا يَبْطُلُ بِرُجُوعِهِ عَنْ إقْرَارِهِ .\rوَإِنْ أَنْكَرَ الشَّرِيكُ كَوْنِ الشِّرَاءِ لَهُ وَعَفَا عَنْ شُفْعَتِهِ ، وَأَصَرَّ الْمُشْتَرِي عَلَى الْإِقْرَارِ لِلشَّرِيكِ بِهِ ، فَلِلشَّفِيعِ أَخْذُ الْكُلِّ ؛ لِأَنَّهُ لَا مُنَازِعَ لَهُ فِي اسْتِحْقَاقِهِ ، وَلَهُ الِاقْتِصَارُ عَلَى النِّصْفِ ؛ لِإِقْرَارِ الْمُشْتَرِي لَهُ بِاسْتِحْقَاقِ ذَلِكَ .","part":11,"page":280},{"id":5280,"text":"( 4097 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَالَ أَحَدُ الشَّفِيعَيْنِ لِلْمُشْتَرِي : شِرَاؤُك بَاطِلٌ .\rوَقَالَ الْآخَرُ : هُوَ صَحِيحٌ .\rفَالشُّفْعَةُ كُلُّهَا لِلْمُعْتَرِفِ بِالصِّحَّةِ .\rوَكَذَلِكَ إنْ قَالَ : مَا اشْتَرَيْته ، إنَّمَا اتَّهَبْته .\rوَصَدَّقَهُ الْآخَرُ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ ، فَالشُّفْعَةُ لِلْمُصَدِّقِ بِالشِّرَاءِ ؛ لِأَنَّ شَرِيكَهُ مُسْقِطُ لِحَقِّهِ بِاعْتِرَافِهِ أَنَّهُ لَا بَيْعَ صَحِيحٌ .\rوَلَوْ احْتَالَ الْمُشْتَرِي عَلَى إسْقَاطِ الشُّفْعَةِ بِحِيلَةٍ لَا تُسْقِطُهَا ، فَقَالَ أَحَدُ الشَّفِيعَيْنِ : قَدْ أَسْقَطْت الشُّفْعَةُ .\rتَوَفَّرَتْ عَلَى الْآخَرِ ، لِاعْتِرَافِ صَاحِبِهِ بِسُقُوطِهَا .\rوَلَوْ تَوَكَّلَ أَحَدُ الشَّفِيعَيْنِ فِي الْبَيْعِ أَوْ الشِّرَاءِ ، أَوْ ضَمِنَ عُهْدَةَ الْمَبِيعِ ، أَوْ عَفَا عَنْ الشُّفْعَةِ قَبْلَ الْبَيْعِ ، وَقَالَ : لَا شُفْعَةَ لِي .\rكَذَلِكَ تَوَفَّرَتْ عَلَى الْآخَرِ .\rوَإِنْ اعْتَقَدَ أَنَّ لَهُ شُفْعَةً ، وَطَالَبَ بِهَا ، فَارْتَفَعَا إلَى حَاكِمٍ فَحَكَمَ بِأَنَّهُ لَا شُفْعَةَ لَهُ تَوَفَّرَتْ عَلَى الْآخَرِ ؛ لِأَنَّهَا سَقَطَتْ بِحُكْمِ الْحَاكِمِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ سَقَطَتْ بِإِسْقَاطِ الْمُسْتَحِقِّ .","part":11,"page":281},{"id":5281,"text":"( 4098 ) فَصْلٌ : إذَا ادَّعَى رَجُلٌ عَلَى آخَرَ ثُلُثَ دَارِهِ ، فَأَنْكَرَهُ ، ثُمَّ صَالَحَهُ عَنْ دَعْوَاهُ بِثُلُثِ دَارٍ أُخْرَى ، صَحَّ ، وَوَجَبَتْ الشُّفْعَةُ فِي الثُّلُثِ الْمُصَالَحِ بِهِ ؛ لِأَنَّ الْمُدَّعِيَ يَزْعُمُ أَنَّهُ مُحِقٌّ فِي دَعْوَاهُ ، وَأَنَّ مَا أَخَذَهُ عِوَضٌ عَنْ الثُّلُثِ الَّذِي ادَّعَاهُ ، فَلَزِمَهُ حُكْمُ دَعْوَاهُ وَوَجَبَتْ الشُّفْعَةُ ، وَلَا شُفْعَةَ عَلَى الْمُنْكِرِ فِي الثُّلُثِ الْمُصَالَحِ عَنْهُ ؛ لِأَنَّهُ يَزْعُمُ أَنَّهُ عَلَى مِلْكِهِ لَمْ يَزُلْ ، وَإِنَّمَا دَفَعَ ثُلُثَ دَارِهِ إلَى الْمُدَّعِي اكْتِفَاءً لِشَرِّهِ ، وَدَفْعًا لِضَرَرِ الْخُصُومَةِ وَالْيَمِينِ عَلَى نَفْسِهِ ، فَلَمْ تَلْزَمْهُ فِيهِ شُفْعَةٌ .\rوَإِنْ قَالَ الْمُنْكِرُ لِلْمُدَّعِي : خُذْ الثُّلُثَ الَّذِي تَدَّعِيه بِثُلُثِ دَارِكَ .\rفَفَعَلَ ، فَلَا شُفْعَةَ عَلَى الْمُدَّعِي فِيمَا أَخَذَهُ ، وَعَلَى الْمُنْكِرِ الشُّفْعَةُ فِي الثُّلُثِ الَّذِي أَخَذَهُ ؛ لِأَنَّهُ يَزْعُمُ أَنَّهُ أَخَذَهُ عِوَضًا عَنْ مِلْكِهِ الثَّابِتِ لَهُ .\rوَقَالَ أَصْحَابَ الشَّافِعِيِّ : تَجِبُ الشُّفْعَةُ فِي الثُّلُثِ الَّذِي أَخَذَهُ الْمُدَّعِي أَيْضًا ؛ لِأَنَّهُمَا مُعَاوَضَةٌ مِنْ الْجَانِبَيْنِ بِشِقْصَيْنِ ، فَوَجَبَتْ الشُّفْعَةُ فِيهِمَا ، كَمَا لَوْ كَانَتْ بَيْنَ مُقِرَّيْنِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الْمُدَّعِيَ يَزْعُمُ أَنَّ مَا أَخَذَهُ كَانَ مِلْكًا لَهُ قَبْلَ الصُّلْحِ ، وَلَمْ يَتَجَدَّدْ لَهُ عَلَيْهِ مِلْكٌ ، وَإِنَّمَا اسْتَنْقَذَهُ بِصُلْحِهِ ، فَلَمْ تَجِبْ فِيهِ شُفْعَةٌ كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِهِ .","part":11,"page":282},{"id":5282,"text":"( 4099 ) فَصْلٌ : إذَا كَانَتْ دَارٌ بَيْنَ ثَلَاثَةٍ أَثْلَاثًا ، فَاشْتَرَى أَحَدُهُمْ نَصِيبَ أَحَدِ شَرِيكَيْهِ ، ثُمَّ بَاعَهُ لِأَجْنَبِيٍّ ، ثُمَّ عَلِمَ شَرِيكُهُ ، فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ بِالْعَقْدَيْنِ ، وَلَهُ الْأَخْذُ بِأَحَدِهِمَا ؛ لِأَنَّهُ شَرِيكٌ فِيهِمَا .\rفَإِنْ أَخَذَ بِالْعَقْدِ الثَّانِي ، أَخَذَ جَمِيعَ مَا فِي يَدِ مُشْتَرِيه ؛ لِأَنَّهُ لَا شَرِيكَ لَهُ فِي شُفْعَتِهِ .\rوَإِنْ أَخَذَ بِالْعَقْدِ الْأَوَّلِ ، وَلَمْ يَأْخُذْ بِالثَّانِي ، أَخَذَ نِصْفَ الْمَبِيعِ ، وَهُوَ السُّدُسُ ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ شَرِيكُهُ فِي شُفْعَتِهِ ، وَيَأْخُذُ نِصْفَهُ مِنْ الْمُشْتَرِي الْأَوَّلِ ، وَنِصْفَهُ مِنْ الْمُشْتَرِي الثَّانِي ؛ لِأَنَّ شَرِيكَهُ لَمَّا اشْتَرَى الثُّلُثَ ، كَانَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ ، لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ ، فَإِذَا بَاعَ الثُّلُثَ مِنْ جَمِيعِ مَا فِي يَدِهِ ، وَفِي يَدِهِ ثُلُثَانِ ، فَقَدْ بَاعَ نِصْفَ مَا فِي يَدِهِ ، وَالشَّفِيعُ يَسْتَحِقُّ رُبْعَ مَا فِي يَدِهِ ، وَهُوَ السُّدُسُ ، فَصَارَ مُنْقَسِمًا فِي يَدَيْهِمَا نِصْفَيْنِ ، فَيَأْخُذُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفَهُ ، وَهُوَ نِصْفُ السُّدُسِ ، وَيَدْفَعُ ثَمَنَهُ إلَى الْأَوَّلِ ، وَيَرْجِعُ الْمُشْتَرِي الثَّانِي عَلَى الْأَوَّلِ بِرُبْعِ الثَّمَنِ الَّذِي اشْتَرَى بِهِ ، وَتَكُونُ الْمَسْأَلَةُ مِنْ اثْنَيْ عَشَرَ ، ثُمَّ تَرْجِعُ إلَى أَرْبَعَةٍ ، لِلشَّفِيعِ نِصْفُ الدَّارِ ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْآخَرَيْنِ الرُّبْعُ .\rوَإِنْ أَخَذَ بِالْعَقْدَيْنِ ، أَخَذَ جَمِيعَ مَا فِي يَدِ الثَّانِي ، وَرُبْعَ مَا فِي يَدِ الْأَوَّلِ ، فَصَارَ لَهُ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الدَّارِ ، وَلِشَرِيكِهِ الرُّبْعُ ، وَيَدْفَعُ إلَى الْأَوَّلِ نِصْفَ الثَّمَنِ الْأَوَّلِ ، وَيَدْفَعُ إلَى الثَّانِي ثَلَاثَةَ أَرْبَاعِ الثَّانِي ، وَيَرْجِعُ الثَّانِي عَلَى الْأَوَّلِ بِرُبْعِ الثَّمَنِ الثَّانِي ؛ لِأَنَّهُ يَأْخُذُ نِصْفَ مَا اشْتَرَاهُ الْأَوَّلُ ، وَهُوَ السُّدُسُ ، فَيَدْفَعُ إلَيْهِ نِصْفَ الثَّمَنِ لِذَلِكَ ، وَقَدْ صَارَ نِصْفُ هَذَا النِّصْفِ فِي يَدِ الثَّانِي ، وَهُوَ رُبْعُ مَا فِي يَدِهِ ، فَيَأْخُذُهُ مِنْهُ ، وَيَرْجِعُ الثَّانِي عَلَى الْأَوَّلِ","part":11,"page":283},{"id":5283,"text":"بِثَمَنِهِ ، وَبَقِيَ الْمَأْخُوذُ مِنْ الثَّانِي ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ مَا اشْتَرَاهُ ، فَأَخَذَهَا مِنْهُ ، وَدَفَعَ إلَيْهِ ثَلَاثَةَ أَرْبَاعِ الثَّمَنِ .\rوَإِنْ كَانَ الْمُشْتَرِي الثَّانِي هُوَ الْبَائِعَ الْأَوَّلَ ، فَالْحُكْمُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا ، لَا يَخْتَلِفُ .\rوَإِنْ كَانَتْ الدَّارُ بَيْنَ الثَّلَاثَةِ أَرْبَاعًا لِأَحَدِهِمْ نِصْفُهَا ، وَلِلْآخَرَيْنِ نِصْفُهَا بَيْنَهُمَا ، فَاشْتَرَى صَاحِبُ النِّصْفِ مِنْ أَحَدِ شَرِيكَيْهِ رُبْعَهُ ، ثُمَّ بَاعَ رُبْعًا مِمَّا فِي يَدِهِ لِأَجْنَبِيٍّ ، ثُمَّ عَلِمَ شَرِيكُهُ فَأَخَذَ بِالْبَيْعِ الثَّانِي ، أَخَذَ جَمِيعَهُ ، وَدَفَعَ إلَى الْمُشْتَرِي ثَمَنَهُ .\rوَإِنْ أَخَذَ بِالْبَيْعِ الْأَوَّلِ وَحْدَهُ ، أَخَذَ ثُلُثَ الْمَبِيعِ ، وَهُوَ نِصْفُ سُدُسٍ ؛ لِأَنَّ الْمَبِيعَ كُلَّهُ رُبْعٌ ، فَثُلُثُهُ نِصْفُ سُدُسٍ ، يَأْخُذُ ثُلُثَهُ مِنْ الْمُشْتَرِي الْأَوَّلِ ، وَثُلُثَهُ مِنْ الثَّانِي ، وَمَخْرَجُ ذَلِكَ مِنْ سِتَّةٍ وَثَلَاثِينَ ، النِّصْفُ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا تِسْعَةٌ ، فَلَمَّا اشْتَرَى صَاحِبُ النِّصْفِ تِسْعَةً ، كَانَتْ شُفْعَتُهَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ شَرِيكِهِ الَّذِي لَمْ يَبِعْ أَثْلَاثًا ، لِشَرِيكِهِ ثُلُثُهَا ثَلَاثَةٌ ، فَلَمَّا بَاعَ صَاحِبُ النِّصْفِ ثُلُثَ مَا فِي يَدِهِ ، حَصَلَ فِي الْمَبِيعِ مِنْ الثَّلَاثَةِ ثُلُثُهَا ، وَهُوَ سَهْمٌ بَقِيَ فِي يَدِ الْبَائِعِ مِنْهَا سَهْمَانِ ، فَتُرَدُّ الثَّلَاثَةُ إلَى الشَّرِيكِ ، وَيَصِيرُ فِي يَدِهِ اثْنَا عَشَرَ ، وَهِيَ الثُّلُثُ ، وَيَبْقَى فِي يَدِ الْمُشْتَرِي الثَّانِي ثَمَانِيَةٌ ، وَهِيَ تُسْعَانِ ، وَفِي يَدِ صَاحِبِ النِّصْفِ سِتَّةَ عَشَرَ ، وَهِيَ أَرْبَعَةُ أَتْسَاعٍ ، وَيَدْفَعُ الشَّرِيكُ الثَّمَنَ إلَى الْمُشْتَرِي الْأَوَّلِ ، وَيَرْجِعُ الْمُشْتَرِي الثَّانِي عَلَيْهِ بِتُسْعِ الثَّمَنِ الَّذِي اشْتَرَى بِهِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَخَذَ مِنْهُ تُسْعَ مَبِيعِهِ .\rوَإِنْ أَخَذَ بِالْعَقْدَيْنِ ، أَخَذَ مِنْ الثَّانِي جَمِيعَ مَا فِي يَدِهِ ، وَأَخَذَ مِنْ الْأَوَّلِ نِصْفَ التُّسْعِ ، وَهُوَ سَهْمَانِ ، مِنْ سِتَّةٍ وَثَلَاثِينَ ، فَيَصِيرُ فِي يَدِهِ عِشْرُونَ سَهْمًا ، وَهِيَ خَمْسَةُ أَتْسَاعٍ ،","part":11,"page":284},{"id":5284,"text":"وَيَبْقَى فِي يَدِ الْأَوَّلِ سِتَّةَ عَشَرَ سَهْمًا ، وَهِيَ أَرْبَعَةُ أَتْسَاعٍ ، وَيَدْفَعُ إلَيْهِ ثُلُثَ الثَّمَنِ الْأَوَّلِ ، وَيَدْفَعُ إلَى الثَّانِي ثَمَانِيَةَ أَتْسَاعِ الثَّمَنِ الثَّانِي ، وَيَرْجِعُ الثَّانِي عَلَى الْأَوَّلِ بِتُسْعِ الثَّمَنِ الثَّانِي .","part":11,"page":285},{"id":5285,"text":"( 4100 ) فَصْلٌ : إذَا كَانَتْ دَارٌ بَيْنَ ثَلَاثَةٍ لِزَيْدٍ نِصْفُهَا ، وَلِعَمْرٍو ثُلُثُهَا ، وَلِبَكْرٍ سُدُسُهَا ، فَاشْتَرَى بَكْرٌ مِنْ زَيْدٍ ثُلُثَ الدَّارِ ، ثُمَّ بَاعَ عَمْرًا سُدُسَهَا ، وَلَمْ يَعْلَمْ عَمْرٌو بِشِرَاهُ لِلثُّلُثِ ، ثُمَّ عَلِمَ ، فَلَهُ الْمُطَالَبَةُ بِحَقِّهِ مِنْ شُفْعَةِ الثُّلُثِ ، وَهُوَ ثُلُثَاهُ ، وَذَلِكَ تُسْعَا الدَّارِ ، فَيَأْخُذُ مِنْ بَكْرٍ ثُلُثَيْ ذَلِكَ ، وَقَدْ حَصَلَ ثُلُثُهُ الْبَاقِي فِي يَدِهِ بِشِرَائِهِ لِلسُّدُسِ ، فَيَفْسَخُ بَيْعَهُ فِيهِ ، وَيَأْخُذُهُ بِشُفْعَةِ الْبَيْعِ الْأَوَّلِ ، وَيَبْقَى مِنْ مَبِيعِهِ خَمْسَةُ أَتْسَاعِهِ ، لِزَيْدٍ ثُلُثُ شُفْعَتِهِ ، فَيُقْسَمُ بَيْنَهُمَا أَثْلَاثًا .\rوَتَصِحُّ الْمَسْأَلَةُ مِنْ مِائَةٍ وَاثْنَيْنِ وَسِتِّينَ سَهْمًا ، الثُّلُثُ الْمَبِيعُ أَرْبَعَةٌ وَخَمْسُونَ سَهْمًا ، لِعَمْرٍو ثُلُثَاهَا بِشُفْعَتِهِ سِتَّةٌ وَثَلَاثُونَ سَهْمًا ، يَأْخُذُ ثُلُثَيْهَا مِنْ بَكْرٍ ، وَهِيَ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ سَهْمًا ، وَثُلُثُهَا فِي يَدِهِ اثْنَا عَشَرَ سَهْمًا ، وَالسُّدُسُ الَّذِي اشْتَرَاهُ سَبْعَةٌ وَعِشْرُونَ سَهْمًا ، قَدْ أَخَذَ مِنْهَا اثْنَيْ عَشَرَ بِالشُّفْعَةِ ، بَقِيَ مِنْهَا خَمْسَةَ عَشَرَ ، لَهُ ثُلُثَاهَا عَشَرَةٌ ، وَيَأْخُذُ مِنْهَا زَيْدٌ خَمْسَةً ، فَحَصَلَ لِزَيْدٍ اثْنَانِ وَثَلَاثُونَ سَهْمًا ، وَلِبَكْرٍ ثَلَاثُونَ سَهْمًا ، وَلِعَمْرٍو مِائَةُ سَهْمٍ ، وَذَلِكَ نِصْفُ الدَّارِ وَتُسْعُهَا وَنِصْفُ تُسْعِ تُسْعِهَا ، وَيَدْفَعُ عَمْرٌو إلَى بَكْرٍ ثُلُثَيْ الثَّمَنِ فِي الْبَيْعِ الْأَوَّلِ ، وَعَلَيْهِ وَعَلَى زَيْدٍ خَمْسَةُ أَتْسَاعِ الثَّمَنِ الْبَاقِي بَيْنَهُمَا أَثْلَاثًا .\rوَإِنْ عَفَا عَمْرٌو عَنْ شُفْعَةِ الثُّلُثِ ، فَشُفْعَةُ السُّدُسِ الَّذِي اشْتَرَاهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ زَيْدٍ أَثْلَاثًا ، وَيَحْصُلُ لِعَمْرٍو أَرْبَعَةُ أَتْسَاعِ الدَّارِ ، وَلَزَيْدً تُسْعَاهَا ، وَلِبَكْرٍ ثُلُثُهَا ، وَتَصِحُّ مِنْ تِسْعَةٍ ، وَإِنْ بَاعَ بَكْرٌ السُّدُسَ لِأَجْنَبِيٍّ ، فَهُوَ كَبَيْعِهِ إيَّاهُ لِعَمْرٍو ، إلَّا أَنَّ لِعَمْرٍو الْعَفْوَ عَنْ شُفْعَتِهِ فِي السُّدُسِ ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ هُوَ الْمُشْتَرِي ، فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ","part":11,"page":286},{"id":5286,"text":"عَفْوُهُ عَنْ نَصِيبِهِ مِنْهَا .\rوَإِنْ بَاعَ بَكْرٌ الثُّلُثَ لِأَجْنَبِيٍّ ، فَلِعَمْرٍو ثُلُثَا شُفْعَةِ الْمَبِيعِ الْأَوَّلِ ، وَهُوَ التُّسْعَانِ ، يَأْخُذُ ثُلُثَهُمَا مِنْ بَكْرٍ ، وَثُلُثَهُمَا مِنْ الْمُشْتَرِي الثَّانِي ، وَذَلِكَ تُسْعٌ ثُلُثُ تُسْعٍ ، يَبْقَى فِي يَدِ الثَّانِي سُدُسٌ وَسُدُسُ تُسْعٍ ، وَهُوَ عَشَرَةٌ مِنْ أَرْبَعَةٍ وَخَمْسِينَ بَيْنَ عَمْرٍو وَزَيْدٍ أَثْلَاثًا .\rوَتَصِحُّ أَيْضًا مِنْ مِائَةٍ وَاثْنَيْنِ وَسِتِّينَ ، وَيَدْفَعُ عَمْرٌو إلَى بَكْرٍ ثُلُثَيْ ثَمَنِ مَبِيعِهِ ، وَيَدْفَعُ هُوَ وَزَيْدٌ إلَى الْمُشْتَرِي الثَّانِي ثَمَنَ خَمْسَةِ أَسْبَاعِ مَبِيعِهِ بَيْنَهُمَا أَثْلَاثًا ، وَيَرْجِعُ الْمُشْتَرِي الثَّانِي عَلَى بَكْرٍ بِثَمَنِ أَرْبَعَةِ أَتْسَاعِ مَبِيعِهِ .\rوَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ عَمْرٌو حَتَّى بَاعَ مِمَّا فِي يَدِهِ سُدْسًا ، لَمْ تَبْطُلْ شُفْعَتُهُ ، فِي أَحَدِ الْوُجُوهِ وَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ بِهَا كَمَا لَوْ لَمْ يَبِعْ شَيْئًا .\rالثَّانِي تَبْطُلُ شُفْعَتُهُ كُلُّهَا .\rوَالثَّالِثُ ، تَبْطُلُ فِي قَدْرِ مَا بَاعَ ، وَتَبْقَى فِيمَا لَمْ يَبِعْ .\rوَقَدْ ذَكَرْنَا تَوْجِيهَ هَذِهِ الْوُجُوهِ .\rفَأَمَّا شُفْعَةُ مَا بَاعَهُ فَفِيهَا ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ ؛ أَحَدُهُمَا ، أَنَّهَا بَيْنَ الْمُشْتَرِي الثَّانِي وَزَيْدٍ وَبَكْرٍ أَرْبَاعًا ، لِلْمُشْتَرِي نِصْفُهَا ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا رُبْعُهَا ، عَلَى قَدْرِ أَمْلَاكِهِمْ حِينَ بَيْعِهِ .\rوَالثَّانِي ، أَنَّهَا بَيْنَ زَيْدٍ وَبَكْرٍ ، عَلَى أَرْبَعَةَ عَشَرَ سَهْمًا ، لِزَيْدِ تِسْعَةٌ ، وَلِبَكْرٍ خَمْسَةٌ ؛ لِأَنَّ لِزَيْدٍ السُّدُسَ ، وَلِبَكْرٍ سُدُسٌ يَسْتَحِقُّ مِنْهُ أَرْبَعَةَ أَتْسَاعِهِ بِالشُّفْعَةِ ، فَيَبْقَى مَعَهُ خَمْسَةُ أَتْسَاعِ السُّدُسِ ، مِلْكُهُ مُسْتَقِرٌّ عَلَيْهَا ، فَأَضَفْنَاهُ إلَى سُدُسِ زَيْدٍ ، وَقَسَمْنَا الشُّفْعَةَ عَلَى ذَلِكَ ، وَلَمْ نُعْطِ الْمُشْتَرِيَ الثَّانِيَ وَلَا بَكْرًا بِالسِّهَامِ الْمُسْتَحَقَّةِ بِالشُّفْعَةِ شَيْئًا ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ عَلَيْهَا غَيْرُ مُسْتَقِرٍّ .\rوَالثَّالِثُ ، إنْ عَفَا لَهُمْ عَنْ الشُّفْعَةِ ، اسْتَحَقُّوا بِهَا .\rوَإِنْ أُخِذَتْ بِالشُّفْعَةِ لَمْ يَسْتَحِقُّوا بِهَا شَيْئًا .","part":11,"page":287},{"id":5287,"text":"وَإِنْ عَفَا عَنْ بَعْضِهِمْ دُونَ بَعْضٍ ، اسْتَحَقَّ الْمَعْفُوُّ عَنْهُ بِسِهَامِهِ دُونَ غَيْرِ الْمَعْفُوِّ عَنْهُ .\rوَمَا بَطَلَتْ الشُّفْعَةُ فِيهِ بِبَيْعِ عَمْرٍو ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْمَعْفُوِّ عَنْهُ ، فَيُخَرَّجُ فِي قَدْرِهِ وَجْهَانِ .\rوَلَوْ اسْتَقْصَيْنَا فُرُوعَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى سَبِيلِ الْبَسْطِ ، لَطَالَ ، وَخَرَجَ إلَى الْإِمْلَالِ .","part":11,"page":288},{"id":5288,"text":"( 4101 ) فَصْلٌ : وَإِذَا كَانَتْ دَارٌ بَيْنَ أَرْبَعَةٍ أَرْبَاعًا ، فَاشْتَرَى اثْنَانِ مِنْهُمْ نَصِيبَ أَحَدِهِمْ ، اسْتَحَقَّ الرَّابِعُ الشُّفْعَةَ عَلَيْهِمَا ، وَاسْتَحَقَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُشْتَرِيَيْنِ الشُّفْعَةَ عَلَى صَاحِبِهِ .\rفَإِنْ طَالَبَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِشُفْعَتِهِ ، قُسِّمَ الْمَبِيعُ بَيْنَهُمْ أَثْلَاثًا ، وَصَارَتْ الدَّارُ بَيْنَهُمْ كَذَلِكَ .\rوَإِنْ عَفَا الرَّابِعُ وَحْدَهُ ، قُسِّمَ الْمَبِيعُ بَيْنَ الْمُشْتَرِيَيْنِ نِصْفَيْنِ .\rوَكَذَلِكَ إنْ عَفَا الْجَمِيعُ عَنْ شُفْعَتِهِمْ ، فَيَصِيرُ لَهُمَا ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الدَّارِ ، وَلِلرَّابِعِ الرُّبْعُ بِحَالِهِ وَإِنْ طَالَبَ الرَّابِعُ وَحْدَهُ ، أَخَذَ مِنْهُمَا نِصْفَ الْمَبِيعِ ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَهُ مِنْ الْمِلْكِ مِثْلُ مَا لِلْمُطَالِبِ ، فَشُفْعَةُ مَبِيعِهِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ شَفِيعِهِ نِصْفَيْنِ ، فَيَحْصُلُ لِلرَّابِعِ ثَلَاثَةُ أَثْمَانِ الدَّارِ ، وَبَاقِيهَا بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ ، وَتَصِحُّ مِنْ سِتَّةَ عَشَرَ .\rوَإِنْ طَالَبَ الرَّابِعُ وَحْدَهُ أَحَدَهُمَا دُونَ الْآخَرِ ، قَاسَمَهُ الثَّمَنَ نِصْفَيْنِ ، فَيَحْصُلُ لِلْمَعْفُوِّ عَنْهُ ثَلَاثَةُ أَثْمَانٍ ، وَالْبَاقِي بَيْنَ الرَّابِعِ وَالْآخَرِ نِصْفَيْنِ ، وَتَصِحُّ مِنْ سِتَّةَ عَشَرَ وَإِنْ عَفَا أَحَدُ الْمُشْتَرِيَيْنِ ، وَلَمْ يَعْفُ الْآخَرُ وَلَا الرَّابِعُ ، قُسِّمَ مَبِيعُ الْمَعْفُوِّ عَنْهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الرَّابِعِ نِصْفَيْنِ ، وَمَبِيعُ الْآخَرِ بَيْنَهُمْ أَثْلَاثًا ، فَيَحْصُلُ لِلَّذِي لَمْ يَعْفُ عَنْهُ رُبْعُ وَثُلُثُ ثُمُنٍ ، وَذَلِكَ سُدُسٌ وَثُمُنٌ ، وَالْبَاقِي بَيْنَ الْآخَرَيْنِ نِصْفَيْنِ ، وَتَصِحُّ مِنْ ثَمَانِيَةٍ وَأَرْبَعِينَ .\rوَإِنْ عَفَا الرَّابِعُ عَنْ أَحَدِهِمَا ، وَلَمْ يَعْفُ أَحَدُهُمَا عَنْ صَاحِبِهِ ، أَخَذَ مِمَّنْ لَمْ يَعْفُ عَنْهُ ثُلُثَ الثَّمَنِ ، وَالْبَاقِي بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ ، وَيَكُونُ الرَّابِعُ كَالْعَافِي فِي الَّتِي قَبْلَهَا وَتَصِحُّ أَيْضًا مِنْ ثَمَانِيَةٍ وَأَرْبَعِينَ .\rوَإِنْ عَفَا الرَّابِعُ ، أَوْ أَحَدُهُمَا عَنْ الْآخَرِ ، وَلَمْ يَعْفُ الْآخَرُ ، فَلِغَيْرِ الْعَافِي رُبْعٌ وَسُدُسٌ ، وَالْبَاقِي بَيْن","part":11,"page":289},{"id":5289,"text":"الْعَافِيَيْنِ نِصْفَيْنِ ، لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا سُدُسٌ وَثُمُنٌ ، وَتَصِحُّ مِنْ أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ .\rوَمَا يُفَرَّعُ مِنْ الْمَسَائِلِ فَهُوَ عَلَى مَسَاقِ مَا ذَكَرْنَا .","part":11,"page":290},{"id":5290,"text":"( 4102 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَلَا شُفْعَةَ لِكَافِرٍ عَلَى مُسْلِمٍ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الذِّمِّيَّ إذَا بَاعَ شَرِيكُهُ شِقْصًا لِمُسْلِمِ ، فَلَا شُفْعَةَ لَهُ عَلَيْهِ .\rرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ الْحَسَنِ ، وَالشَّعْبِيِّ .\rوَرُوِيَ عَنْ شُرَيْحٍ ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، أَنَّ لَهُ الشُّفْعَةَ .\rوَبِهِ قَالَ النَّخَعِيُّ ، وَإِيَاسُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ، وَحَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَالْعَنْبَرِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ؛ لِعُمُومِ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ { : لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَبِيعَ حَتَّى يَسْتَأْذِنَ شَرِيكَهُ ، وَإِنْ بَاعَهُ ، وَلَمْ يُؤْذِنْهُ ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ } وَلِأَنَّهُ خِيَارٌ ثَابِتٌ لِدَفْعِ الضَّرَرِ بِالشِّرَاءِ ، فَاسْتَوَى فِيهِ الْمُسْلِمُ وَالْكَافِرُ ، كَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ .\rوَلَنَا مَا رَوَى الدَّارَقُطْنِيّ ، فِي كِتَابِ \" الْعِلَلِ \" ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَنَسٍ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { : لَا شُفْعَةَ لِنَصْرَانِيٍّ } .\rوَهَذَا يَخُصُّ عُمُومَ مَا احْتَجُّوا بِهِ .\rوَلِأَنَّهُ مَعْنًى يُمْلَكُ بِهِ ، يَتَرَتَّبُ عَلَى وُجُودِ مِلْكٍ مَخْصُوصٍ ، فَلَمْ يَجِبْ لِلذِّمِّيِّ عَلَى الْمُسْلِمِ ، كَالزَّكَاةِ .\rوَلِأَنَّهُ مَعْنًى يَخْتَصُّ الْعَقَارَ ، فَأَشْبَهَ الِاسْتِعْلَاءَ فِي الْبُنْيَانِ ، يُحَقِّقُهُ أَنَّ الشُّفْعَةَ إنَّمَا ثَبَتَتْ لِلْمُسْلِمِ دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْ مِلْكِهِ ، فَقُدِّمَ دَفْعُ ضَرَرِهِ عَلَى دَفْعِ ضَرَرِ الْمُشْتَرِي ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ تَقْدِيمِ دَفْعِ ضَرَرِ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ تَقْدِيمُ دَفْعِ ضَرَرِ الذِّمِّيِّ ، فَإِنَّ حَقَّ الْمُسْلِمِ أَرْجَحُ ، وَرِعَايَتَهُ أَوْلَى ، وَلِأَنَّ ثُبُوتَ الشُّفْعَةِ فِي مَحِلِّ الْإِجْمَاعِ ، عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ ، رِعَايَةٌ لِحَقِّ الشَّرِيكِ الْمُسْلِمِ ، وَلَيْسَ الذِّمِّيُّ فِي مَعْنَى الْمُسْلِمِ ، فَيَبْقَى فِيهِ عَلَى مُقْتَضَى الْأَصْلِ وَتَثْبُتُ الشُّفْعَةُ لِلْمُسْلِمِ عَلَى الذِّمِّيِّ ؛ لِعُمُومِ الْأَدِلَّةِ الْمُوجِبَةِ ، وَلِأَنَّهَا إذَا ثَبَتَتْ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ مَعَ عِظَمِ حُرْمَتِهِ ، وَرِعَايَةِ","part":11,"page":291},{"id":5291,"text":"حَقِّهِ ، فَلَأَنْ تَثْبُتَ عَلَى الذِّمِّيِّ مَعَ دَنَاءَتِهِ ، أَوْلَى وَأَحْرَى .","part":11,"page":292},{"id":5292,"text":"( 4103 ) فَصْلٌ : وَتَثْبُتُ لِلذِّمِّيِّ عَلَى الذِّمِّيِّ ؛ لِعُمُومِ الْأَخْبَارِ ، وَلِأَنَّهُمَا تَسَاوَيَا فِي الدِّينِ وَالْحُرْمَةِ ، فَتَثْبُتُ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ ، كَالْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ .\rوَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا .\rوَإِنْ تَبَايَعُوا بِخَمْرٍ أَوْ خِنْزِيرٍ ، وَأَخَذَ الشَّفِيعُ بِذَلِكَ ، لَمْ يُنْقَضْ مَا فَعَلُوهُ .\rوَإِنْ كَانَ التَّقَابُضُ جَرَى بَيْنَ الْمُتَبَايِعَيْنِ دُونَ الشَّفِيعِ ، وَتَرَافَعُوا إلَيْنَا ، لَمْ نَحْكُمْ لَهُ بِالشُّفْعَةِ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : إنْ تَبَايَعُوا بِخَمْرٍ ، وَقُلْنَا : هِيَ مَالٌ لَهُمْ .\rحَكَمْنَا لَهُمْ بِالشُّفْعَةِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : تَثْبُتُ الشُّفْعَةُ إذَا كَانَ الثَّمَنُ خَمْرًا ؛ لِأَنَّهَا مَالٌ لَهُمْ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ تَبَايَعُوا بِدَرَاهِمَ ، لَكِنْ إنْ كَانَ الشَّفِيعُ ذِمِّيًّا أَخَذَهُ بِمِثْلِهِ ، وَإِنْ كَانَ مُسْلِمًا أَخَذَهُ بِقِيمَةِ الْخَمْرِ .\rوَلَنَا أَنَّهُ بَيْعٌ عُقِدَ بِخَمْرٍ ، فَلَمْ تَثْبُتْ فِيهِ الشُّفْعَةُ ، كَمَا لَوْ كَانَ بَيْنَ مُسْلِمَيْنِ ، وَلِأَنَّهُ عَقْدٌ بِثَمَنٍ مُحَرَّمٍ ، أَشْبَهَ الْبَيْعَ بِالْخِنْزِيرِ وَالْمَيْتَةِ ، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْخَمْرَ مَالٌ لَهُمْ ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَرَّمَهُ ، كَمَا حَرَّمَ الْخِنْزِيرَ ، وَاعْتِقَادُهُمْ حِلَّهُ لَا يَجْعَلُهُ مَالًا كَالْخِنْزِيرِ ، وَإِنَّمَا لَمْ يُنْقَضْ عَقْدُهُمْ إذَا تَقَابَضُوا ، لِأَنَّنَا لَا نَتَعَرَّضُ لِمَا فَعَلُوهُ مِمَّا يَعْتَقِدُونَهُ فِي دِينِهِمْ ، مَا لَمْ يَتَحَاكَمُوا إلَيْنَا قَبْلَ تَمَامِهِ ، وَلَوْ تَحَاكَمُوا إلَيْنَا قَبْلَ التَّقَابُضِ لَفَسَخْنَاهُ .","part":11,"page":293},{"id":5293,"text":"( 4104 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا أَهْلُ الْبِدَعِ ، فَمَنْ حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ فَلَهُ الشُّفْعَةُ ؛ لِأَنَّهُ مُسْلِمٌ ، فَتَثْبُتُ لَهُ الشُّفْعَةُ ، كَالْفَاسِقِ بِالْأَفْعَالِ ؛ وَلِأَنَّ عُمُومَ الْأَدِلَّةِ يَقْتَضِي ثُبُوتَهَا لِكُلِّ شَرِيكٍ ، فَيَدْخُلُ فِيهَا .\rوَقَدْ رَوَى حَرْبٌ أَنَّ أَحْمَدَ سُئِلَ عَنْ أَصْحَابِ الْبِدَعِ ، هَلْ لَهُمْ شُفْعَةٌ ، وَيُرْوَى عَنْ إدْرِيسَ ، أَنَّهُ قَالَ : لَيْسَ لِلرَّافِضَةِ شُفْعَةٌ فَضَحِكَ ، وَقَالَ : أَرَادَ أَنْ يُخْرِجَهُمْ مِنْ الْإِسْلَامِ .\rفَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ أَثْبَتَ لَهُمْ الشُّفْعَةَ .\rوَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى غَيْرِ الْغُلَاةِ مِنْهُمْ ، وَأَمَّا مَنْ غَلَا ، كَالْمُعْتَقِدِ أَنَّ جِبْرِيلَ غَلِطَ فِي الرِّسَالَةِ فَجَاءَ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِنَّمَا أُرْسِلَ إلَى عَلِيٍّ وَنَحْوِهِ ، وَمَنْ حُكِمَ بِكُفْرِهِ مِنْ الدُّعَاةِ إلَى الْقَوْلِ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ ، فَلَا شُفْعَةَ لَهُ ؛ لِأَنَّ الشُّفْعَةَ إذَا لَمْ تَثْبُتْ لِلذِّمِّيِّ الَّذِي يُقَرُّ عَلَى كُفْرِهِ ، فَغَيْرُهُ أَوْلَى .","part":11,"page":294},{"id":5294,"text":"( 4105 ) فَصْلٌ : وَتَثْبُتُ الشُّفْعَةُ لِلْبَدَوِيِّ عَلَى الْقَرَوِيِّ ، وَلِلْقَرَوِيِّ عَلَى الْبَدَوِيِّ .\rفِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rوَقَالَ الشَّعْبِيُّ وَالْبَتِّيُّ : لَا شُفْعَةَ لِمَنْ لَمْ يَسْكُنْ الْمِصْرَ .\rوَلَنَا عُمُومُ الْأَدِلَّةِ ، وَاشْتِرَاكُهُمَا فِي الْمَعْنَى الْمُقْتَضِي لِوُجُوبِ الشُّفْعَةِ .","part":11,"page":295},{"id":5295,"text":"( 4106 ) فَصْلٌ : قَالَ أَحْمَدُ ، فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ : لَا نَرَى فِي أَرْضِ السَّوَادِ شُفْعَةً ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ أَرْضَ السَّوَادِ مَوْقُوفَةٌ ، وَقَفَهَا عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ ، وَلَا يَصِحُّ بَيْعُهَا ، وَالشُّفْعَةُ إنَّمَا تَكُونُ فِي الْبَيْعِ .\rوَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي سَائِرِ الْأَرْضِ الَّتِي وَقَفَهَا عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَهِيَ الَّتِي فُتِحَتْ عَنْوَةً ، فِي زَمَنِهِ ، وَلَمْ يُقَسِّمْهَا ، كَأَرْضِ الشَّامِ ، وَأَرْضِ مِصْرَ .\rوَكَذَلِكَ كُلُّ أَرْضٍ فُتِحَتْ عَنْوَةً ، وَلَمْ تُقَسَّمْ بَيْنَ الْغَانِمِينَ ، إلَّا أَنْ يَحْكُمَ بِبَيْعِ ذَلِكَ حَاكِمٌ ، أَوْ يَفْعَلَهُ الْإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ ، فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ ، ثَبَتَتْ فِيهِ الشُّفْعَةُ ؛ لِأَنَّهُ فَصْلٌ مُخْتَلَفٌ فِيهِ ، وَمَتَى حَكَمَ الْحَاكِمُ فِي الْمُخْتَلَفِ فِيهِ بِشَيْءِ ، نَفَذَ حُكْمُهُ .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":11,"page":296},{"id":5296,"text":"كِتَابُ الْمُسَاقَاةِ الْمُسَاقَاةُ : أَنْ يَدْفَعَ الرَّجُلُ شَجَرَهُ إلَى آخَرَ ، لِيَقُومَ بِسَقْيِهِ ، وَعَمَلِ سَائِرِ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ ، بِجُزْءٍ مَعْلُومٍ لَهُ مِنْ ثَمَرِهِ .\rوَإِنَّمَا سُمِّيَتْ مُسَاقَاةً لِأَنَّهَا مُفَاعَلَةٌ مِنْ السَّقْيِ ؛ لِأَنَّ أَهْلَ الْحِجَازِ أَكْثَرُ حَاجَةِ شَجَرِهِمْ إلَى السَّقْيِ ، لِأَنَّهُمْ يَسْتَقُونَ مِنْ الْآبَارِ ، فَسُمِّيَتْ بِذَلِكَ .\rوَالْأَصْلُ فِي جَوَازِهَا السُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ ؛ أَمَّا السُّنَّةُ ، فَمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ .\rرَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : { عَامَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَهْلَ خَيْبَرَ بِشَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا ، مِنْ ثَمَرٍ أَوْ زَرْعٍ .\rحَدِيثٌ صَحِيحٌ } ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَأَمَّا الْإِجْمَاعُ ، فَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَعَنْ آبَائِهِ : { عَامَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَهْلَ خَيْبَرَ بِالشَّطْرِ ، ثُمَّ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ ، ثُمَّ أَهْلُوهُمْ إلَى الْيَوْمِ يُعْطُونَ الثُّلُثَ وَالرُّبْعَ .\rوَهَذَا عَمِلَ بِهِ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ فِي مُدَّةِ خِلَافَتِهِمْ } ، وَاشْتَهَرَ ذَلِكَ ، فَلَمْ يُنْكِرْهُ مُنْكِرٌ ، فَكَانَ إجْمَاعًا .\rفَإِنْ قِيلَ : لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ لَمْ يُنْكِرْهُ مُنْكِرٌ ، فَإِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ رَاوِيَ حَدِيثِ مُعَامَلَةِ أَهْلِ خَيْبَرَ ، قَدْ رَجَعَ عَنْهُ ، وَقَالَ : كُنَّا نُخَابِرُ أَرْبَعِينَ سَنَةً ، حَتَّى حَدَّثَنَا رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ ، { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ الْمُخَابَرَةِ } وَهَذَا يَمْنَعُ انْعِقَادَ الْإِجْمَاعِ ، وَيَدُلُّ عَلَى نَسْخِ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ، لِرُجُوعِهِ عَنْ الْعَمَلِ بِهِ إلَى حَدِيثِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ .\rقُلْنَا : لَا يَجُوزُ حَمْلُ حَدِيثِ رَافِعٍ عَلَى مَا يُخَالِفُ الْإِجْمَاعَ ، وَلَا حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَزَلْ يُعَامِلُ أَهْلَ خَيْبَرَ حَتَّى مَاتَ ، ثُمَّ عَمِلَ بِهِ الْخُلَفَاءُ بَعْدَهُ ، ثُمَّ مَنْ","part":11,"page":297},{"id":5297,"text":"بَعْدَهُمْ ، فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ نَهْيُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ شَيْءٍ يُخَالِفُهُ ؟ أَمْ كَيْفَ يُعْمَلُ بِذَلِكَ فِي عَصْرِ الْخُلَفَاءِ وَلَمْ يُخْبِرْهُمْ مَنْ سَمِعَ النَّهْيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ حَاضِرٌ مَعَهُمْ ، وَعَالِمٌ بِفِعْلِهِمْ ، فَلَمْ يُخْبِرْهُمْ ، فَلَوْ صَحَّ خَبَرُ رَافِعٍ لَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلَى مَا يُوَافِقُ السُّنَّةَ وَالْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّهُ قَدْ رُوِيَ فِي تَفْسِيرِ خَبَرِ رَافِعٍ عَنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ قَوْلِنَا ، فَرَوَى الْبُخَارِيُّ ، بِإِسْنَادِهِ قَالَ : كُنَّا نُكْرِي الْأَرْضَ بِالنَّاحِيَةِ مِنْهَا تُسَمَّى لِسَيِّدِ الْأَرْضِ ، فَرُبَّمَا يُصَابُ ذَلِكَ وَتَسْلَمُ الْأَرْضُ ، وَرُبَّمَا تُصَابُ الْأَرْضُ وَيَسْلَمُ ذَلِكَ ، فَنُهِينَا ، فَأَمَّا الذَّهَبُ وَالْوَرِقُ فَلَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ .\rوَرُوِيَ تَفْسِيرُهُ أَيْضًا بِشَيْءٍ غَيْرِ هَذَا مِنْ أَنْوَاعِ الْفَسَادِ ، وَهُوَ مُضْطَرِبٌ جِدًّا .\rقَالَ الْأَثْرَمُ : سَمِعْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يُسْأَلُ عَنْ حَدِيثِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ، نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْمُزَارَعَةِ فَقَالَ : رَافِعٌ رُوِيَ عَنْهُ فِي هَذَا ضُرُوبٌ .\rكَأَنَّهُ يُرِيدُ أَنَّ اخْتِلَافَ الرِّوَايَاتِ عَنْهُ يُوهِنُ حَدِيثَهُ .\rوَقَالَ طَاوُسٌ : إنَّ أَعْلَمَهُمْ يَعْنِي ابْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَنِي ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَنْهَ عَنْهُ ، وَلَكِنْ قَالَ { : لَأَنْ يَمْنَحَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ أَرْضَهُ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَأْخُذَ عَلَيْهَا خَرَاجًا مَعْلُومًا } .\rرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ .\rوَأَنْكَرَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ حَدِيثَ رَافِعٍ عَلَيْهِ .\rفَكَيْفَ يَجُوزُ نَسْخُ أَمْرٍ فَعَلَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى مَاتَ وَهُوَ يَفْعَلُهُ ، ثُمَّ أَجْمَعَ عَلَيْهِ خُلَفَاؤُهُ وَأَصْحَابُهُ بَعْدَهُ ، بِخَبَرٍ لَا يَجُوزُ الْعَمَلُ بِهِ ، وَلَوْ لَمْ يُخَالِفْهُ غَيْرُهُ ، وَرُجُوعُ ابْنِ عُمَرَ إلَيْهِ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ رَجَعَ عَنْ شَيْءٍ مِنْ الْمُعَامَلَاتِ الْفَاسِدَةِ الَّتِي فَسَّرَهَا رَافِعٌ فِي حَدِيثِهِ وَأَمَّا غَيْرُ","part":11,"page":298},{"id":5298,"text":"ابْنِ عُمَرَ فَقَدْ أَنْكَرَ عَلَى رَافِعٍ ، وَلَمْ يَقْبَلْ حَدِيثَهُ ، وَحَمَلَهُ عَلَى أَنَّهُ غَلِطَ فِي رِوَايَتِهِ .\rوَالْمَعْنَى يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ ؛ فَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ أَهْلِ النَّخِيلِ وَالشَّجَرِ يَعْجِزُونَ عَنْ عِمَارَتِهِ وَسَقْيِهِ ، وَلَا يُمْكِنُهُمْ الِاسْتِئْجَارُ عَلَيْهِ ، وَكَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ لَا شَجَرَ لَهُمْ ، وَيَحْتَاجُونَ إلَى الثَّمَرِ ، فَفِي تَجْوِيزِ الْمُسَاقَاةِ دَفْعٌ لِلْحَاجَتَيْنِ ، وَتَحْصِيلٌ لِمَصْلَحَةِ الْفِئَتَيْنِ ، فَجَازَ ذَلِكَ ، كَالْمُضَارَبَةِ بِالْأَثْمَانِ .","part":11,"page":299},{"id":5299,"text":"مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ : ( وَتَجُوزُ الْمُسَاقَاةُ فِي النَّخْلِ وَالشَّجَرِ وَالْكَرْمِ بِجُزْءٍ مَعْلُومٍ ، يُجْعَلُ لِلْعَامِلِ مِنْ الثَّمَرِ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْمُسَاقَاةَ جَائِزَةٌ فِي جَمِيعِ الشَّجَرِ الْمُثْمِرِ .\rهَذَا قَوْلُ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ .\rوَبِهِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ، وَسَالِمٌ ، وَمَالِكٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَأَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ .\rوَقَالَ دَاوُد : لَا يَجُوزُ إلَّا فِي النَّخِيلِ ؛ لِأَنَّ الْخَبَرَ إنَّمَا وَرَدَ بِهَا فِيهِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يَجُوزُ إلَّا فِي النَّخِيلِ وَالْكَرْمِ ؛ لِأَنَّ الزَّكَاةَ تَجِبُ فِي ثَمَرَتِهِمَا ، وَفِي سَائِرِ الشَّجَرِ قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا لَا يَجُوزُ فِيهِ ؛ لِأَنَّ الزَّكَاةَ لَا تَجِبُ فِي نَمَائِهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَا ثَمَرَةَ لَهُ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَزُفَرُ : لَا تَجُوزُ بِحَالٍ ؛ لِأَنَّهَا إجَارَةٌ بِثَمَرَةٍ لَمْ تُخْلَقْ ، أَوْ إجَارَةٌ بِثَمَرَةٍ مَجْهُولَةٍ ، أَشْبَهَ إجَارَةَ نَفْسِهِ بِثَمَرَةٍ غَيْرِ الشَّجَرِ الَّذِي يَسْقِيه .\rوَلَنَا السُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ ، وَلَا يَجُوزُ التَّعْوِيلُ عَلَى مَا خَالَفَهُمَا .\rوَقَوْلُهُمْ : إنَّهَا إجَارَةٌ .\rغَيْرُ صَحِيحٍ ، إنَّمَا هُوَ عَقْدٌ عَلَى الْعَمَلِ فِي الْمَالِ بِبَعْضِ نَمَائِهِ ، فَهِيَ كَالْمُضَارَبَةِ ، وَيَنْكَسِرُ مَا ذَكَرُوهُ بِالْمُضَارَبَةِ ؛ فَإِنَّهُ يُعْمَلُ فِي الْمَالِ بِنَمَائِهِ ، وَهُوَ مَعْدُومٌ مَجْهُولٌ ، وَقَدْ جَازَ بِالْإِجْمَاعِ ، وَهَذَا فِي مَعْنَاهُ ثُمَّ قَدْ جَوَّزَ الشَّارِعُ الْعَقْدَ فِي الْإِجَارَةِ عَلَى الْمَنَافِعِ الْمَعْدُومَةِ لِلْحَاجَةِ ، فَلِمَ لَا يَجُوزُ عَلَى الثَّمَرَةِ الْمَعْدُومَةِ لِلْحَاجَةِ ، مَعَ أَنَّ الْقِيَاسَ إنَّمَا يَكُونُ فِي إلْحَاقِ الْمَسْكُوتِ عَنْهُ بِالْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ ، أَوْ الْمُجْمَعِ عَلَيْهِ ، فَأَمَّا فِي إبْطَالِ نَصٍّ ، وَخَرْقِ إجْمَاعٍ بِقِيَاسِ نَصٍّ آخَرَ ، فَلَا سَبِيلَ إلَيْهِ .\rوَأَمَّا تَخْصِيصُ ذَلِكَ بِالنَّخِيلِ ، أَوْ بِهِ وَبِالْكَرْمِ ، فَيُخَالِفُ عُمُومَ قَوْلِهِ : { عَامَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ","part":11,"page":300},{"id":5300,"text":"عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَهْلَ خَيْبَرَ بِشَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا مِنْ زَرْعٍ أَوْ ثَمَرٍ } .\rوَهَذَا عَامٌّ فِي كُلِّ ثَمَرٍ ، وَلَا تَكَادُ بَلْدَةٌ ذَاتُ أَشْجَارٍ تَخْلُو مِنْ شَجَرٍ غَيْرِ النَّخِيلِ ، وَقَدْ جَاءَ فِي لَفْظِ بَعْضِ الْأَخْبَارِ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { عَامَلَ أَهْلَ خَيْبَرَ بِشَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْ النَّخْلِ وَالشَّجَرِ } ، وَلِأَنَّهُ شَجَرٌ يُثْمِرُ كُلَّ حَوْلٍ ، فَأَشْبَهَ النَّخِيلَ وَالْكَرْمَ ، وَلِأَنَّ الْحَاجَةَ تَدْعُو إلَى الْمُسَاقَاةِ عَلَيْهِ ، كَالنَّخْلِ وَأَكْثَرِ ؛ لِكَثْرَتِهِ ، فَجَازَتْ الْمُسَاقَاةُ عَلَيْهِ كَالنَّخْلِ ، وَوُجُوبُ الزَّكَاةِ لَيْسَ مِنْ الْعِلَّةِ الْمُجَوِّزَةِ لِلْمُسَاقَاةِ ، وَلَا أَثَرَ لَهُ فِيهَا ، وَإِنَّمَا الْعِلَّةُ فِي مَا ذَكَرْنَاهُ .","part":11,"page":301},{"id":5301,"text":"( 4108 ) فَصْلٌ : وَأَمَّا مَا لَا ثَمَرَ لَهُ مِنْ الشَّجَرِ ، كَالصَّفْصَافِ وَالْجَوْزِ وَنَحْوِهِمَا ، أَوْ لَهُ ثَمَرٌ غَيْرُ مَقْصُودٍ ، كَالصَّنَوْبَرِ وَالْأَرْزِ ، فَلَا تَجُوزُ الْمُسَاقَاةُ عَلَيْهِ .\rوَبِهِ قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ .\rوَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَنْصُوصٍ عَلَيْهِ ، وَلَا فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ ، ، وَلِأَنَّ الْمُسَاقَاةَ إنَّمَا تَكُونُ بِجُزْءٍ مِنْ الثَّمَرَةِ ، وَهَذَا لَا ثَمَرَةَ لَهُ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّا يُقْصَدُ وَرَقُهُ أَوْ زَهْرُهُ كَالتُّوتِ وَالْوَرْدِ ، فَالْقِيَاسُ يَقْتَضِي جَوَازَ الْمُسَاقَاةِ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الثَّمَرِ ، لِأَنَّهُ نَمَاءٌ يَتَكَرَّرُ كُلَّ عَامٍ ، وَيُمْكِنُ أَخْذُهُ وَالْمُسَاقَاةُ عَلَيْهِ بِجُزْءِ مِنْهُ ، فَيَثْبُتُ لَهُ مِثْلُ حُكْمِهِ .","part":11,"page":302},{"id":5302,"text":"( 4109 ) فَصْلٌ : وَإِنْ سَاقَاهُ عَلَى ثَمَرَةٍ مَوْجُودَةٍ ، فَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ فِيهَا رِوَايَتَيْنِ ؛ إحْدَاهُمَا ، تَجُوزُ .\rوَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ ، وَقَوْلُ مَالِكٍ ، وَأَبِي يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٍ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَأَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهَا إذَا جَازَتْ فِي الْمَعْدُومَةِ مَعَ كَثْرَةِ الْغَرَرِ فِيهَا ، فَمَعَ وُجُودِهَا وَقِلَّةِ الْغَرَرِ فِيهَا أَوْلَى .\rوَإِنَّمَا تَصِحُّ إذَا بَقِيَ مِنْ الْعَمَلِ مَا يُسْتَزَادُ بِهِ الثَّمَرَةُ ، كَالتَّأْبِيرِ وَالسَّقْيِ ، وَإِصْلَاحِ الثَّمَرَةِ ، فَإِنْ بَقِيَ مَا لَا تَزِيدُ بِهِ الثَّمَرَةُ ، كَالْجُذَاذِ وَنَحْوِهِ ، لَمْ يَجُزْ ، بِغَيْرِ خِلَافٍ .\rوَالثَّانِيَةُ لَا تَجُوزُ .\rوَهُوَ الْقَوْلُ الثَّانِي لِلشَّافِعِي ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَنْصُوصٍ عَلَيْهِ ، وَلَا فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ ، فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامَلَ أَهْلَ خَيْبَرَ عَلَى الشَّطْرِ مِمَّا يَخْرُجُ مِنْ ثَمَرٍ أَوْ زَرْعٍ ، وَلِأَنَّ هَذَا يُفْضِي إلَى أَنْ يَسْتَحِقَّ بِالْعَقْدِ عِوَضًا مَوْجُودًا يَنْتَقِلُ الْمِلْكُ فِيهِ عَنْ رَبِّ الْمَالِ إلَى الْمُسَاقِي .\rفَلَمْ يَصِحَّ ، كَمَا لَوْ بَدَا صَلَاحُ الثَّمَرَةِ ، وَلِأَنَّهُ عَقْدٌ عَلَى الْعَمَلِ فِي الْمَالِ بِبَعْضِ نَمَائِهِ ، فَلَمْ يَجُزْ بَعْدَ ظُهُورِ النَّمَاءِ ، كَالْمُضَارَبَةِ ، وَلِأَنَّ هَذَا يَجْعَلُ الْعَقْدَ إجَارَةً بِمَعْلُومٍ وَمَجْهُولٍ ، فَلَمْ يَصِحَّ ، كَمَا لَوْ اسْتَأْجَرَهُ عَلَى الْعَمَلِ بِذَلِكَ .\rوَقَوْلُهُمْ : إنَّهُ أَقَلُّ غَرَّرَا قُلْنَا : قِلَّةُ الْغَرَرِ لَيْسَتْ مِنْ الْمُقْتَضِي لِلْجَوَازِ ، وَلَا كَثْرَتُهُ الْمَوْجُودَةُ فِي مَحِلِّ النَّصِّ مَانِعَةً ، فَلَا تُؤَثِّرُ قِلَّتُهُ شَيْئًا ، وَالشَّرْعُ وَرَدَ بِهِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَسْتَحِقُّ الْعَامِلُ فِيهِ عِوَضًا مَوْجُودًا .\rوَلَا يَنْتَقِلُ إلَيْهِ مِنْ مِلْكِ رَبِّ الْمَالِ شَيْءٌ ، وَإِنَّمَا يَحْدُثُ النَّمَاءُ الْمَوْجُودُ عَلَى مِلْكِهِمَا عَلَى مَا شَرَطَاهُ ، فَلَمْ تَجُزْ مُخَالَفَةُ هَذَا الْمَوْضُوعِ ، وَلَا إثْبَاتُ عَقْدٍ لَيْسَ فِي مَعْنَاهُ إلْحَاقًا بِهِ ، كَمَا لَوْ بَدَا صَلَاحُ الثَّمَرَةِ ،","part":11,"page":303},{"id":5303,"text":"كَالْمُضَارَبَةِ بَعْدَ ظُهُورِ الرِّبْحِ .","part":11,"page":304},{"id":5304,"text":"( 4110 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا قَوْلُ الْخِرَقِيِّ : \" بِجُزْءٍ مَعْلُومٍ يُجْعَلُ لِلْعَامِلِ مِنْ الثَّمَرِ \" .\rفَيَدُلُّ عَلَى شَيْئَيْنِ : أَحَدُهُمَا أَنَّ الْمُسَاقَاةَ لَا تَصِحُّ إلَّا عَلَى جُزْءٍ مَعْلُومٍ مِنْ الثَّمَرَةِ مُشَاعٍ ، كَالنِّصْفِ وَالثُّلُثِ ، لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ : عَامَلَ أَهْلَ ، خَيْبَرَ بِشَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا .\rوَسَوَاءٌ قَلَّ الْجُزْءُ أَوْ كَثُرَ ، فَلَوْ شَرَطَ لِلْعَامِلِ جُزْءًا مِنْ مِائَةِ جُزْءٍ ، وَجَعَلَ جُزْءًا مِنْهَا لِنَفْسِهِ وَالْبَاقِيَ لِلْعَامِلِ ، جَازَ مَا لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ حِيلَةً ، وَكَذَلِكَ إنْ عَقَدَهُ عَلَى أَجْزَاءٍ مَعْلُومَةٍ ، كَالْخَمْسِينَ وَثَلَاثَةِ أَثْمَانٍ ، أَوْ سُدُسٍ وَنِصْفِ سُبْعٍ ، وَنَحْوِ ذَلِكَ جَازَ .\rوَإِنْ عَقَدَ عَلَى جُزْءٍ مُبْهَمٍ ، كَالسَّهْمِ وَالْجُزْءِ وَالنَّصِيبِ وَالْحَظِّ وَنَحْوِهِ لَمْ تَجُزْ ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ مَعْلُومًا لَمْ تُمْكِنْ الْقِسْمَةُ بَيْنَهُمَا .\rوَلَوْ سَاقَاهُ عَلَى آصُعٍ مَعْلُومَةٍ ، أَوْ جَعَلَ مَعَ الْجُزْءِ الْمَعْلُومِ آصُعًا ، لَمْ تَجُزْ ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا لَمْ يَحْصُلْ ذَلِكَ ، أَوْ لَمْ يَحْصُلْ غَيْرُهُ ، فَيَسْتَضِرُّ رَبُّ الشَّجَرِ أَوْ رُبَّمَا كَثُرَ الْحَاصِلُ فَيَسْتَضِرُّ الْعَامِلُ .\rوَإِنْ شَرَطَ لَهُ ثَمَرَ نَخَلَاتٍ بِعَيْنِهَا ، لَمْ يَجُزْ ؛ لِأَنَّهَا قَدْ لَا تَحْمِلُ ، فَتَكُونُ الثَّمَرَةُ كُلُّهَا لِرَبِّ الْمَالِ ، وَقَدْ لَا تَحْمِلُ غَيْرُهَا ، فَتَكُونُ الثَّمَرَةُ كُلُّهَا لِلْعَامِلِ ، وَلِهَذِهِ الْعِلَّةِ { نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْمُزَارَعَةِ الَّتِي يَجْعَلُ فِيهَا لِرَبِّ الْأَرْضِ مَكَانًا مُعَيَّنًا ، وَلِلْعَامِلِ مَكَانًا مُعَيَّنًا } .\r{ قَالَ رَافِعٌ : كُنَّا نُكْرِي الْأَرْضَ ، عَلَى أَنَّ لَنَا هَذِهِ ، وَلَهُمْ هَذِهِ .\rفَرُبَّمَا أَخْرَجَتْ هَذِهِ وَلَمْ تُخْرِجْ هَذِهِ ، فَنَهَانَا عَنْ ذَلِكَ ، فَأَمَّا الذَّهَبُ وَالْوَرِقُ فَلَمْ يَنْهَنَا } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rفَمَتَى شَرَطَ شَيْئًا مِنْ هَذِهِ الشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ ، فَسَدَتْ الْمُسَاقَاةُ ، وَالثَّمَرَةُ كُلُّهَا لِرَبِّ الْمَالِ ؛ لِأَنَّهَا نَمَاءُ مِلْكِهِ .\rوَلِلْعَامِلِ أَجْرُ مِثْلِهِ","part":11,"page":305},{"id":5305,"text":"، كَالْمُضَارَبَةِ الْفَاسِدَةِ .\rالثَّانِي أَنَّ الشَّرْطَ لِلْعَامِلِ ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَأْخُذُ بِالشَّرْطِ ، فَالشَّرْطُ يُرَادُ لِأَجْلِهِ ، وَرَبُّ الْمَالِ يَأْخُذُ بِمَالِهِ لَا بِالشَّرْطِ ، فَإِذَا قَالَ : سَاقِيَّتك ، عَلَى أَنَّ لَك ثُلُثَ الثَّمَرَةِ صَحَّ ، وَكَانَ الْبَاقِي لِرَبِّ الْمَالِ .\rوَإِنْ قَالَ : عَلَى أَنَّ لِي ثُلُثَ الثَّمَرَةِ .\rفَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ : يَصِحُّ ، وَالْبَاقِي لِلْعَامِلِ .\rوَقِيلَ : لَا يَصِحُّ .\rوَقَدْ ذَكَرْنَا تَعْلِيلَ ذَلِكَ فِي الْمُضَارَبَةِ .\rوَإِنْ اخْتَلَفَا فِي الْجُزْءِ الْمَشْرُوطِ لِمَنْ هُوَ مِنْهُمَا فَهُوَ لِلْعَامِلِ ، لِأَنَّ الشَّرْطَ يُرَادُ لِأَجْلِهِ ، كَمَا ذَكَرْنَا .","part":11,"page":306},{"id":5306,"text":"فَصْلٌ : وَإِذَا كَانَ فِي الْبُسْتَانِ شَجَرٌ مِنْ أَجْنَاسٍ ، كَالتِّينِ ، وَالزَّيْتُونِ ، وَالْكَرْمِ ، وَالرُّمَّانِ ، فَشَرَطَ لِلْعَامِلِ مِنْ كُلِّ جِنْسٍ قَدْرًا ، كَنِصْفِ ثَمَرِ التِّينِ ، وَثُلُثِ الزَّيْتُونِ ، وَرُبْعِ الْكَرْمِ ، وَخُمْسِ الرُّمَّانِ ، أَوْ كَانَ فِيهِ أَنْوَاعٌ مِنْ جِنْسٍ ، فَشَرَطَ مِنْ كُلِّ نَوْعٍ قَدْرًا ، وَهُمَا يَعْلَمَانِ قَدْرَ كُلِّ نَوْعٍ ، صَحَّ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ كَأَرْبَعَةِ بَسَاتِينَ ، سَاقَاهُ عَلَى كُلِّ بُسْتَانٍ بِقَدْرٍ مُخَالِفٍ لِلْقَدْرِ الْمَشْرُوطِ مِنْ الْآخَرِ .\rوَإِنْ لَمْ يَعْلَمَا قَدْرَهُ ، أَوْ لَمْ يَعْلَمْ أَحَدُهُمَا ، لَمْ يَجُزْ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ أَكْثَرُ مَا فِي الْبُسْتَانِ مِنْ النَّوْعِ الَّذِي شُرِطَ فِيهِ الْقَلِيلُ .\rأَوْ أَكْثَرُهُ مِمَّا شُرِطَ فِيهِ الْكَثِيرُ وَلَوْ قَالَ سَاقَيْتُك عَلَى هَذَيْنِ الْبُسْتَانَيْنِ بِالنِّصْفِ مِنْ هَذَا ، وَالثُّلُثِ مِنْ هَذَا صَحَّ ؛ لِأَنَّهَا صَفْقَةٌ وَاحِدَةٌ ، جَمَعَتْ عِوَضَيْنِ ، فَصَارَ كَأَنَّهُ قَالَ : بِعْتُك دَارَيَّ هَاتَيْنِ ، هَذِهِ بِأَلْفٍ ، وَهَذِهِ بِمِائَةٍ .\rوَإِنْ قَالَ : بِالنِّصْفِ مِنْ أَحَدِهِمَا ، وَالثُّلُثِ مِنْ الْآخَرِ .\rلَمْ يَصِحَّ ؛ لِأَنَّهُ مَجْهُولٌ ، لَا يَدْرِي أَيَّهُمَا الَّذِي يَسْتَحِقُّ نِصْفَهُ ، وَلَا الَّذِي يَسْتَحِقُّ ثُلُثَهُ .\rوَلَوْ سَاقَاهُ عَلَى بُسْتَانٍ وَاحِدٍ ، نِصْفُهُ هَذَا بِالنِّصْفِ ، وَنِصْفُهُ هَذَا بِالثُّلُثِ .\rوَهُمَا مُتَمَيِّزَانِ صَحَّ ؛ لِأَنَّهُمَا كَبُسْتَانَيْنِ .","part":11,"page":307},{"id":5307,"text":"( 4112 ) فَصْلٌ : وَإِنْ كَانَ الْبُسْتَانُ لِاثْنَيْنِ ، فَسَاقَيَا عَامِلًا وَاحِدًا ، عَلَى أَنَّ لَهُ نِصْفَ نَصِيبِ أَحَدِهِمَا ، وَثُلُثَ نَصِيبِ الْآخَرِ ، وَالْعَامِلُ عَالِمٌ بِنَصِيبِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ، جَازَ ؛ لِأَنَّ عَقْدَ الْوَاحِدِ مَعَ الِاثْنَيْنِ عَقْدَانِ .\rوَلَوْ أَفْرَدَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِعَقْدِ كَانَ لَهُ أَنْ يَشْرِطَ مَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ .\rوَإِنْ جَهِلَ نَصِيبَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ، لَمْ يَجُزْ ؛ لِأَنَّهُ غَرَّرَ ، فَإِنَّهُ قَدْ يَقِلُّ نَصِيبُ مَنْ شَرَطَ النِّصْفَ ، فَيَقِلُّ حَظُّهُ ، وَقَدْ يَكْثُرُ ، فَيَتَوَفَّرُ حَظُّهُ فَأَمَّا إنْ شَرَطَا قَدْرًا وَاحِدًا مِنْ مَالِهِمَا جَازَ ، وَإِنْ لَمْ يُعْلَمَ قَدْرُ مَا لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ؛ لِأَنَّهَا جَهَالَةٌ لَا غَرَرَ فِيهَا وَلَا ضَرَرَ ، فَصَارَ كَمَا لَوْ قَالَا : بِعْنَاك دَارَنَا هَذِهِ بِأَلْفٍ .\rوَلَمْ يَعْلَمْ نَصِيبَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ، جَازَ لِأَنَّهُ أَيَّ نَصِيبٍ كَانَ فَقَدْ عَلِمَ عِوَضَهُ ، وَعَلِمَ جُمْلَةَ الْمَبِيعِ ، فَصَحَّ .\rكَذَلِكَ هَا هُنَا .\rوَلَوْ سَاقَى وَاحِدٌ اثْنَيْنِ ، جَازَ ، وَيَجُوزُ أَنْ يَشْرُطَ لَهُمَا التَّسَاوِيَ فِي النَّصِيبِ ، وَيَجُوزُ أَنْ يَشْرُطَ لِأَحَدِهِمَا أَكْثَرَ مِنْ الْآخَرِ .","part":11,"page":308},{"id":5308,"text":"( 4113 ) فَصْلٌ : وَلَوْ سَاقَاهُ ثَلَاثَ سِنِينَ ، عَلَى أَنَّ لَهُ فِي الْأُولَى النِّصْفَ ، وَفِي الثَّانِيَةِ الثُّلُثَ ، وَفِي الثَّالِثَةِ الرُّبْعَ جَازَ ؛ لِأَنَّ قَدْرَ مَا لَهُ فِي كُلِّ سَنَةٍ مَعْلُومٌ ، فَصَحَّ ، كَمَا لَوْ شَرَطَ لَهُ مِنْ كُلِّ نَوْعٍ قَدْرًا .","part":11,"page":309},{"id":5309,"text":"( 4114 ) فَصْلٌ : وَلَوْ دَفَعَ إلَى رَجُلٍ بُسْتَانًا ، فَقَالَ : مَا زَرَعْت فِيهِ مِنْ حِنْطَةٍ فَلِي رُبْعُهُ ، وَمَا زَرَعْت مِنْ شَعِيرٍ فَلِي ثُلُثُهُ وَمَا زَرَعْت مِنْ بَاقِلَّا فَلِي نِصْفُهُ لَمْ يَصِحَّ ؛ لِأَنَّ مَا يَزْرَعُهُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْأَصْنَافِ مَجْهُولُ الْقَدْرِ ، فَجَرَى مَجْرَى مَا لَوْ شَرَطَ لَهُ فِي الْمُسَاقَاةِ ثُلُثَ هَذَا النَّوْعِ ، وَنِصْفَ هَذَا النَّوْعِ الْآخَرِ ، وَهُوَ جَاهِلٌ بِمَا فِيهِ مِنْهُمَا وَإِنْ قَالَ : إنْ زَرَعْتهَا حِنْطَةً فَلِي رُبْعُهَا ، وَإِنْ زَرَعْتهَا شَعِيرًا فَلِي ثُلُثُهُ ، وَإِنْ زَرَعْتهَا بَاقِلَّا فَلِي نِصْفُهُ .\rلَمْ يَصِحَّ أَيْضًا ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي مَا يَزْرَعُهُ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَالَ : بِعْتُك بِعَشَرَةٍ صِحَاحٍ ، أَوْ أَحَدَ عَشْرَةَ مُكَسَّرَةٍ .\rوَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ ، أَنَّهُ يَصِحُّ ، بِنَاءً عَلَى قَوْلِهِ فِي الْإِجَارَةِ : إنْ خِطْتَهُ رُومِيًّا فَلَكَ دِرْهَمٌ ، وَإِنْ خِطْته فَارِسِيًّا فَلَكَ نِصْفُ دِرْهَمٍ فَإِنَّهُ يَصِحُّ فِي الْمَنْصُوصِ عَنْهُ ، فَيَخْرُجُ هَا هُنَا مِثْلَهُ .\rوَإِنْ قَالَ : مَا زَرَعْتهَا مِنْ شَيْءٍ فَلِي نِصْفُهُ .\rصَحَّ ؛ { لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَاقَى أَهْلَ خَيْبَرَ بِشَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا ، مِنْ ثَمَرٍ أَوْ زَرْعٍ } .\rوَلَوْ جَعَلَ لَهُ فِي الْمُزَارَعَةِ ثُلُثَ الْحِنْطَةِ ، وَنِصْفَ الشَّعِيرِ ، وَثُلُثَيْ الْبَاقِلَّا ، وَبَيَّنَا قَدْرَ مَا يُزْرَعُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْأَنْوَاعِ ، إمَّا بِتَقْدِيرِ الْبَذْرِ ، وَإِمَّا بِتَقْدِيرِ الْمَكَانِ وَتَعْيِينِهِ ، أَوْ بِمِسَاحَتِهِ ، مِثْلَ أَنْ قَالَ : تَزْرَعُ هَذَا الْمَكَانَ حِنْطَةً ، وَهَذَا شَعِيرًا ، أَوْ تَزْرَعُ مُدَّيْنِ حِنْطَةً ، وَمُدَّيْنِ شَعِيرًا ، أَوْ تَزْرَعُ قَفِيزًا حِنْطَةً وَقَفِيزَيْنِ شَعِيرًا .\rجَازَ ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ طَرِيقٌ إلَى الْعِلْمِ ، فَاكْتُفِيَ بِهِ .","part":11,"page":310},{"id":5310,"text":"( 4115 ) فَصْلٌ : وَإِنْ سَاقَاهُ عَلَى أَنَّهُ إنْ سَقَى سَيْحًا فَلَهُ الثُّلُثُ ، وَإِنْ سَقَى بِكُلْفَةٍ فَلَهُ النِّصْفُ ، لَمْ يَصِحَّ ؛ لِأَنَّ الْعَمَلَ مَجْهُولٌ ، وَالنَّصِيبَ مَجْهُولٌ ، وَهُوَ فِي مَعْنَى بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ .\rوَيَتَخَرَّجُ أَنْ يَصِحَّ ، قِيَاسًا عَلَى مَسْأَلَةِ الْإِجَارَةِ .\rوَلَوْ قَالَ : لَك الْخُمُسَانِ ، إنْ كَانَتْ عَلَيْك خَسَارَةٌ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْك خَسَارَةٌ فَلَكَ الرُّبْعُ .\rلَمْ يَصِحَّ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، وَقَالَ : هَذَا شَرْطَانِ فِي شَرْطٍ .\rوَكَرِهَهُ .\rوَهَذَا فِي مَعْنَى الْمَسْأَلَةِ الَّتِي قَبْلَهَا ، وَيُخَرَّجُ فِيهَا مِثْلُ مَا خُرِّجَ فِيهَا وَلَوْ سَاقَاهُ فِي هَذَا الْحَائِطِ بِالثُّلُثِ ، عَلَى أَنْ يُسَاقِيَهُ فِي الْحَائِطِ الْآخَرِ بِجُزْءٍ مَعْلُومٍ ، لَمْ يَصِحَّ ؛ لِأَنَّهُ شَرَطَ عَقْدًا فِي عَقْدٍ ، فَصَارَ فِي مَعْنَى بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ ، كَقَوْلِهِ : بِعْتُك ثَوْبِي ، عَلَى أَنْ تَبِيعَنِي ثَوْبَك .\rوَإِنَّمَا فَسَدَ لِمَعْنَيَيْنِ : أَحَدُهُمَا أَنَّهُ شَرَطَ فِي الْعَقْدِ عَقْدًا آخَرَ ، وَالنَّفْعُ الْحَاصِلُ بِذَلِكَ مَجْهُولٌ ، فَكَأَنَّهُ شَرَطَ الْعِوَضَ فِي مُقَابَلَةِ مَعْلُومٍ وَمَجْهُولٍ .\rالثَّانِي أَنَّ الْعَقْدَ الْآخَرَ لَا يَلْزَمُهُ بِالشَّرْطِ ، فَيَسْقُطُ الشَّرْطُ ، وَإِذَا سَقَطَ وَجَبَ رَدُّ الْجُزْءِ الَّذِي تَرَكَهُ مِنْ الْعِوَضِ لِأَجْلِهِ ، وَذَلِكَ مَجْهُولٌ ، فَيَصِيرُ الْكُلُّ مَجْهُولًا .","part":11,"page":311},{"id":5311,"text":"( 4116 ) فَصْلٌ : وَإِنْ سَاقَى أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ شَرِيكَهُ ، وَجَعَلَ لَهُ مِنْ الثَّمَرِ أَكْثَرَ مِنْ نَصِيبِهِ ، مِثْلَ أَنْ يَكُونَ الْأَصْلُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ ، فَجَعَلَ لَهُ الثُّلُثَيْنِ مِنْ الثَّمَرَةِ ، صَحَّ ، وَكَانَ السُّدُسُ حِصَّتَهُ مِنْ الْمُسَاقَاةِ ، فَصَارَ كَأَنَّهُ قَالَ : سَاقَيْتُك عَلَى نَصِيبِي بِالثُّلُثِ .\rوَإِنْ سَاقَاهُ عَلَى أَنْ تَكُونَ الثَّمَرَةُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ ، أَوْ عَلَى أَنْ يَكُونَ لِلْعَامِلِ الثُّلُثُ ، فَهِيَ مُسَاقَاةٌ فَاسِدَةٌ ؛ لِأَنَّ الْعَامِلَ يَسْتَحِقُّ نِصْفَهَا بِمِلْكِهِ ، فَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ فِي مُقَابَلَةِ عَمَلِهِ شَيْئًا .\rوَإِذَا شَرَطَ لَهُ الثُّلُثَ ، فَقَدْ شَرَطَ أَنَّ غَيْرَ الْعَامِلِ يَأْخُذُ مِنْ نَصِيبِ الْعَامِلِ ثُلُثَهُ ، وَيَسْتَعْمِلُهُ بِلَا عِوَضٍ .\rفَلَا يَصِحُّ فَإِذَا عَمِلَ فِي الشَّجَرِ بِنَاءً عَلَى هَذَا ، كَانَتْ الثَّمَرَةُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ ، بِحُكْمِ الْمِلْكِ ، وَلَا يَسْتَحِقُّ الْعَامِلُ بِعَمَلِهِ شَيْئًا ؛ لِأَنَّهُ تَبَرَّعَ بِهِ بِرِضَاهُ بِالْعَمَلِ بِغَيْرِ عِوَضٍ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَالَ لَهُ : أَنَا أَعْمَلُ فِيهِ بِغَيْرِ شَيْءٍ .\rوَذَكَرَ أَصْحَابُنَا وَجْهًا آخَرَ ، أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ أَجْرَ مِثْلِهِ ؛ لِأَنَّ الْمُسَاقَاةَ تَقْتَضِي عِوَضًا ، فَلَا تَسْقُطُ بِرِضَاهُ بِإِسْقَاطِهِ ، كَالنِّكَاحِ ، وَلَمْ يُسَلَّمْ لَهُ الْعِوَضُ ، فَيَكُونُ لَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ .\rوَلَنَا أَنَّهُ عَمِلَ فِي مَالِ غَيْرِهِ مُتَبَرِّعًا ، فَلَمْ يَسْتَحِقَّ عِوَضًا ، كَمَا لَوْ لَمْ يَعْقِدْ الْمُسَاقَاةَ .\rوَيُفَارِقُ النِّكَاحَ لِوَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا أَنَّ عَقْدَ النِّكَاحِ صَحِيحٌ فَوَجَبَ بِهِ الْعِوَضُ لِصِحَّتِهِ ، وَهَذَا فَاسِدٌ ، لَا يُوجِبُ شَيْئًا .\rوَالثَّانِي أَنَّ الْأَبْضَاعَ لَا تُسْتَبَاحُ بِالْبَذْلِ وَالْإِبَاحَةِ ، وَالْعَمَلُ هَا هُنَا يُسْتَبَاحُ بِذَلِكَ ، وَلِأَنَّ الْمَهْرَ فِي النِّكَاحِ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ وَاجِبًا بِالْعَقْدِ ، أَوْ بِالْإِصَابَةِ ، أَوْ بِهِمَا ، فَإِنْ وَجَبَ بِالْعَقْدِ ، لَمْ يَصِحَّ قِيَاسُ هَذَا عَلَيْهِ ، لِوَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا أَنَّ النِّكَاحَ صَحِيحٌ ، وَهَذَا فَاسِدٌ .\rوَالثَّانِي أَنَّ","part":11,"page":312},{"id":5312,"text":"الْعَقْدَ هَا هُنَا لَا يُوجِبُ ، وَلَوْ أَوْجَبَ لَأَوْجَبَ قَبْلَ الْعَمَلِ .\rوَلَا خِلَافَ أَنَّ هَذَا لَا يُوجِبُ قَبْلَ الْعَمَلِ شَيْئًا ، وَإِنْ أَوْجَبَ بِالْإِصَابَةِ ، لَمْ يَصِحَّ الْقِيَاسُ عَلَيْهَا لِوَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا ، أَنَّ الْإِصَابَةَ لَا تُسْتَبَاحُ بِالْإِبَاحَةِ وَالْبَذْلِ ، بِخِلَافِ الْعَمَلِ وَالثَّانِي أَنَّ الْإِصَابَةَ لَوْ خَلَتْ عَنْ الْعَقْدِ لَأَوْجَبَتْ ، وَهَذَا بِخِلَافِهِ .\rوَإِنْ وَجَبَ بِهِمَا امْتَنَعَ الْقِيَاسُ لِهَذِهِ الْوُجُوهِ كُلِّهَا .\rفَأَمَّا إنْ سَاقَى أَحَدُهُمَا شَرِيكَهُ عَلَى أَنْ يَعْمَلَا مَعًا ، فَالْمُسَاقَاةُ فَاسِدَةٌ ، وَالثَّمَرَةُ بَيْنَهُمَا عَلَى قَدْرِ مِلْكَيْهِمَا ، وَيَتَقَاصَّانِ الْعَمَلَ إنْ تَسَاوَيَا فِيهِ ، وَإِنْ كَانَ لِأَحَدِهِمَا فَضْلٌ نَظَرْت فَإِنْ كَانَ قَدْ شُرِطَ لَهُ فَضْلُ مَا فِي مُقَابَلَةِ عَمَلِهِ ، اسْتَحَقَّ مَا فَضَلَ لَهُ مِنْ أَجْرِ الْمِثْلِ ، وَإِنْ لَمْ يُشْرَطْ لَهُ شَيْءٌ ، فَلَا شَيْءَ لَهُ إلَّا عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرَهُ أَصْحَابُنَا ، وَتَكَلَّمْنَا عَلَيْهِ .","part":11,"page":313},{"id":5313,"text":"( 4117 ) فَصْلٌ : وَتَصِحُّ الْمُسَاقَاةُ عَلَى الْبَعْلِ مِنْ الشَّجَرِ ، كَمَا تَجُوزُ فِيمَا يَحْتَاجُ إلَى سَقْيٍ .\rوَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ .\rوَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا عِنْدَ مِنْ يُجَوِّزُ الْمُسَاقَاةَ ؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ تَدْعُو إلَى الْمُعَامَلَةِ فِي ذَلِكَ ، كَدُعَائِهَا إلَى الْمُعَامَلَةِ فِي غَيْرِهِ ، فَيُقَاسُ عَلَيْهِ ، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي الْمُزَارَعَةِ .","part":11,"page":314},{"id":5314,"text":"( 4118 ) فَصْلٌ : وَلَا تَصِحُّ الْمُسَاقَاةُ إلَّا عَلَى شَجَرٍ مَعْلُومٍ بِالرُّؤْيَةِ ، أَوْ بِالصِّفَةِ الَّتِي لَا يُخْتَلَفُ مَعَهَا ، كَالْبَيْعِ .\rفَإِنْ سَاقَاهُ عَلَى بُسْتَانٍ بِغَيْرِ رُؤْيَةٍ وَلَا صِفَةٍ ، لَمْ يَصِحَّ ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ عَلَى مَجْهُولٍ فَلَمْ يَصِحَّ ، كَالْبَيْعِ .\rوَإِنْ سَاقَاهُ عَلَى أَحَدِ هَذَيْنِ الْحَائِطَيْنِ ، لَمْ يَصِحَّ ؛ لِأَنَّهَا مُعَاوَضَةٌ يَخْتَلِفُ الْغَرَضُ فِيهَا بِاخْتِلَافِ الْأَعْيَانِ ، فَلَمْ يَجُزْ عَلَى غَيْرِ مُعَيَّنٍ ، كَالْبَيْعِ .","part":11,"page":315},{"id":5315,"text":"( 4119 ) فَصْلٌ : وَتَصِحُّ الْمُسَاقَاةُ بِلَفْظِ الْمُسَاقَاةِ ، وَمَا يُؤَدِّي مَعْنَاهَا مِنْ الْأَلْفَاظِ ، نَحْوِ : عَامَلْتُك ، وَفَالَحْتك ، وَاعْمَلْ فِي بُسْتَانِي هَذَا حَتَّى تَكْمُلَ ثَمَرَتُهُ ، وَمَا أَشْبَهَ هَذَا ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ الْمَعْنَى ، فَإِذَا أَتَى بِهِ بِأَيِّ لَفْظٍ دَلَّ عَلَيْهِ صَحَّ ، كَالْبَيْعِ وَإِنْ قَالَ : اسْتَأْجَرْتُك لِتَعْمَلَ لِي فِي هَذَا الْحَائِطِ ، حَتَّى تَكْمُلَ ثَمَرَتُهُ ، بِنِصْفِ ثَمَرَتِهِ .\rفَفِيهِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا لَا يَصِحُّ .\rذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ ؛ لِأَنَّ الْإِجَارَةَ يُشْتَرَطُ لَهَا كَوْنُ الْعِوَضِ مَعْلُومًا ، وَالْعَمَلِ مَعْلُومًا ، وَتَكُونُ لَازِمَةً ، وَالْمُسَاقَاةُ بِخِلَافِهِ .\rوَالثَّانِي يَصِحُّ .\rوَهُوَ أَقِيسُ ؛ لِأَنَّهُ مُؤَدٍّ لِلْمَعْنَى ، فَصَحَّ بِهِ الْعَقْدُ ، كَسَائِرِ الْأَلْفَاظِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا .\rوَقَدْ ذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِ أَحْمَدَ : تَجُوزُ إجَارَةُ الْأَرْضِ بِبَعْضِ الْخَارِجِ مِنْهَا الْمُزَارَعَةُ ، عَلَى أَنَّ الْبَذْرَ وَالْعَمَلَ مِنْ الْعَامِلِ .\rوَمَا ذُكِرَ مِنْ شُرُوطِ الْإِجَارَةِ ، إنَّمَا يُعْتَبَرُ فِي الْإِجَارَةِ الْحَقِيقِيَّةِ ، أَمَّا إذَا أُرِيدَ بِالْإِجَارَةِ الْمُزَارَعَةُ ، فَلَا يُشْتَرَطُ لَهَا غَيْرُ شَرْطِ الْمُزَارَعَةِ .","part":11,"page":316},{"id":5316,"text":"( 4120 ) فَصْلٌ : وَيَلْزَمُ الْعَامِلَ بِإِطْلَاقِ عَقْدِ الْمُسَاقَاةِ مَا فِيهِ صَلَاحُ الثَّمَرَةِ وَزِيَادَتُهَا ، مِثْلُ حَرْثِ الْأَرْضِ تَحْتَ الشَّجَرِ ، وَالْبَقَرِ الَّتِي تَحْرُثُ ، وَآلَةِ الْحَرْثِ ، وَسَقْيِ الشَّجَرِ ، وَاسْتِقَاءِ الْمَاءِ ، وَإِصْلَاحِ طُرُقِ الْمَاءِ وَتَنْقِيَتِهَا ، وَقَطْعِ الْحَشِيشِ الْمُضِرِّ وَالشَّوْكِ ، وَقَطْعِ الشَّجَرِ الْيَابِسِ ، وَزِبَارِ الْكَرْمِ ، وَقَطْعِ مَا يُحْتَاجُ إلَى قَطْعِهِ ، وَتَسْوِيَةِ الثَّمَرَةِ ، وَإِصْلَاحِ الْأَجَاجِينَ ، وَهِيَ الْحُفَرُ الَّتِي يَجْتَمِعُ فِيهَا الْمَاءُ عَلَى أُصُولِ النَّخْلِ ، وَإِدَارَةِ الدُّولَابِ ، وَالْحِفْظِ لِلثَّمَرِ فِي الشَّجَرِ وَبَعْدَهُ حَتَّى يُقَسَّمَ ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا يُشَمَّسُ فَعَلَيْهِ تَشْمِيسُهُ ، وَعَلَى رَبِّ الْمَالِ مَا فِيهِ حِفْظُ الْأَصْلِ ، كَسَدِّ الْحِيطَانِ ، وَإِنْشَاءِ الْأَنْهَارِ ، وَعَمَلِ الدُّولَابِ ، وَحَفْرِ بِئْرِهِ ، وَشِرَاءِ مَا يُلَقَّحُ بِهِ وَعَبَّرَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَنْ هَذَا بِعِبَارَةٍ أُخْرَى ، فَقَالَ : كُلُّ مَا يَتَكَرَّرُ كُلَّ عَامٍ فَهُوَ عَلَى الْعَامِلِ ، وَمَا لَا يَتَكَرَّرُ فَهُوَ عَلَى رَبِّ الْمَالِ .\rوَهَذَا صَحِيحٌ فِي الْعَمَلِ .\rفَأَمَّا شِرَاءُ مَا يُلَقَّحُ بِهِ ، فَهُوَ عَلَى رَبِّ الْمَالِ ، وَإِنْ تَكَرَّرَ ؛ لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ مِنْ الْعَمَلِ .\rفَأَمَّا الْبَقَرَةُ الَّتِي تُدِيرُ الدُّولَابَ فَقَالَ أَصْحَابُنَا : هِيَ عَلَى رَبِّ الْمَالِ ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ الْعَمَلِ ، فَأَشْبَهَتْ مَا يُلَقَّحُ بِهِ .\rوَالْأَوْلَى أَنَّهَا عَلَى الْعَامِلِ ؛ لِأَنَّهَا تُرَادُ لِلْعَمَلِ ، فَأَشْبَهَتْ بَقَرَ الْحَرْثِ ، وَلِأَنَّ اسْتِقَاءَ الْمَاءِ عَلَى الْعَامِلِ إذَا لَمْ يَحْتَجْ إلَى بَهِيمَةٍ فَكَانَ عَلَيْهِ ، وَإِنْ احْتَاجَ إلَى بَهِيمَةٍ كَغَيْرِهِ مِنْ الْأَعْمَالِ .\rوَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ : مَا يَتَعَلَّقُ بِصَلَاحِ الْأُصُولِ وَالثَّمَرَةِ مَعًا ، كَالْكَسْحِ لِلنَّهْرِ ، وَالثَّوْرِ هُوَ عَلَى مَنْ شُرِطَ عَلَيْهِ مِنْهُمَا ، وَإِنْ أُهْمِلَ شَرْطُ ذَلِكَ عَلَى أَحَدِهِمَا ، لَمْ تَصِحَّ الْمُسَاقَاةُ وَقَدْ ذَكَرْنَا مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ عَلَى الْعَامِلِ","part":11,"page":317},{"id":5317,"text":".\rفَأَمَّا تَسْمِيدُ الْأَرْضِ بِالزِّبْلِ إنَّ احْتَاجَتْ إلَيْهِ ، فَشِرَاءُ ذَلِكَ عَلَى رَبِّ الْمَالِ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْعَمَلِ ، فَجَرَى مَجْرَى مَا يُلَقَّحُ بِهِ ، وَتَفْرِيقُ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ عَلَى الْعَامِلِ ، كَالتَّلْقِيحِ .\rوَإِنْ أَطْلَقَا الْعَقْدَ ، وَلَمْ يُبَيِّنَا مَا عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ، فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا ذَكَرْنَا أَنَّهُ عَلَيْهِ .\rوَإِنْ شَرَطَا ذَلِكَ ، كَانَ تَأْكِيدًا وَإِنْ شَرَطَا عَلَى أَحَدِهِمَا شَيْئًا مِمَّا يَلْزَمُ الْآخَرَ ، فَقَالَ الْقَاضِي وَأَبُو الْخَطَّابِ : لَا يَجُوزُ ذَلِكَ .\rفَعَلَى هَذَا تَفْسُدُ الْمُسَاقَاةُ ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ شَرْطٌ يُخَالِفُ مُقْتَضَى الْعَقْدِ ، فَأَفْسَدَهُ ، كَالْمُضَارَبَةِ إذَا شُرِطَ الْعَمَلُ فِيهَا عَلَى رَبِّ الْمَالِ .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ ذَلِكَ ؛ فَإِنَّهُ ذَكَرَ أَنَّ الْجُذَاذَ عَلَيْهِمَا ، فَإِنْ شَرَطَهُ عَلَى الْعَامِلِ ، جَازَ .\rوَهَذَا مُقْتَضَى كَلَامِ الْخِرَقِيِّ فِي الْمُضَارَبَةِ ؛ لِأَنَّهُ شَرْطٌ لَا يُخِلُّ بِمَصْلَحَةِ الْعَقْدِ ، وَلَا مَفْسَدَةَ فِيهِ ، فَصَحَّ ، كَتَأْجِيلِ الثَّمَنِ فِي الْمَبِيعِ ، وَشَرْطِ الرَّهْنِ وَالضَّمِينِ وَالْخِيَارِ فِيهِ ، لَكِنْ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ مَا يَلْزَمُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْعَمَلِ مَعْلُومًا ، لِئَلَّا يُفْضِيَ إلَى التَّنَازُعِ وَالتَّوَاكُلِ ، فَيَخْتَلَّ الْعَمَلُ ، وَأَنْ لَا يَكُونَ مَا عَلَى رَبِّ الْمَالِ أَكْثَرَ الْعَمَلِ ؛ لِأَنَّ الْعَامِلَ يَسْتَحِقُّ بِعَمَلِهِ ، فَإِذَا لَمْ يَعْمَلْ أَكْثَرَ الْعَمَلِ ، كَانَ وُجُودُ عَمَلِهِ كَعَدَمِهِ ، فَلَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا .","part":11,"page":318},{"id":5318,"text":"( 4121 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا الْجُذَاذُ وَالْحَصَادُ وَاللِّقَاطُ ، فَهُوَ عَلَى الْعَامِلِ .\rنَصَّ أَحْمَدُ عَلَيْهِ فِي الْحَصَادِ ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْعَمَلِ ، فَكَانَ عَلَى الْعَامِلِ ، كَالتَّشْمِيسِ .\rوَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ فِي الْجُذَاذِ أَنَّهُ إذَا شُرِطَ عَلَى الْعَامِلِ فَجَائِزٌ ؛ لِأَنَّ الْعَمَلَ عَلَيْهِ ، وَإِنْ لَمْ يَشْرُطْهُ ، فَعَلَى رَبِّ الْمَالِ بِحِصَّتِهِ مَا يَصِيرُ إلَيْهِ .\rفَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ جَعَلَ الْجُذَاذَ عَلَيْهِمَا ، وَأَجَازَ اشْتِرَاطَهُ عَلَى الْعَامِلِ .\rوَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ : تَفْسُدُ الْمُسَاقَاةُ بِشَرْطِهِ عَلَى الْعَامِلِ ؛ لِأَنَّهُ شَرْطٌ يُنَافِي مُقْتَضَى الْعَقْدِ .\rوَاحْتَجَّ مَنْ جَعَلَهُ عَلَيْهِمَا بِأَنَّهُ يَكُونُ بَعْدَ تَكَامُلِ الثَّمَرَةِ ، وَانْقِضَاءِ الْمُعَامَلَةِ ، فَأَشْبَهَ نَقْلَهُ إلَى مَنْزِلِهِ .\rوَلَنَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَفَعَ خَيْبَرَ إلَى يَهُودَ ، عَلَى أَنْ يَعْمَلُوهَا مِنْ أَمْوَالِهِمْ ، وَلِأَنَّ هَذَا مِنْ الْعَمَلِ ، فَيَكُونُ عَلَيْهِ ، كَالتَّشْمِيسِ ، وَمَا ذَكَرُوهُ يَبْطُلُ بِالتَّشْمِيسِ ، وَيُفَارِقُ النَّقْلَ إلَى الْمَنْزِلِ ، فَإِنَّهُ يَكُونُ بَعْدَ الْقِسْمَةِ ، وَزَوَالِ الْعَقْدِ ، فَأَشْبَهَ الْمَخْزَنَ .","part":11,"page":319},{"id":5319,"text":"( 4122 ) فَصْلٌ : وَإِنْ شَرَطَ أَنْ يَعْمَلَ مَعَهُ غِلْمَانُ رَبِّ الْمَالِ ، فَهُوَ كَشَرْطِ عَمَلِ رَبِّ الْمَالِ ؛ لِأَنَّ عَمَلَهُمْ كَعَمَلِهِ ، فَإِنَّ يَدَ الْغُلَامِ كَيَدِ مَوْلَاهُ .\rوَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : فِيهِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا كَمَا ذَكَرْنَا .\rوَالثَّانِي يَجُوزُ ؛ لِأَنَّ غِلْمَانَهُ مَالُهُ ، فَجَازَ أَنْ تَعْمَلَ تَبَعًا لِمَالِهِ ، كَثَوْرِ الدُّولَابِ ، وَكَمَا يَجُوزُ فِي الْقِرَاضِ أَنْ يَدْفَعَ إلَى الْعَامِلِ بَهِيمَةً يَحْمِلُ عَلَيْهَا وَأَمَّا رَبُّ الْمَالِ لَا يَجُوزُ جَعْلُهُ تَبَعًا .\rوَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ .\rفَإِذَا شَرَطَ غِلْمَانًا يَعْمَلُونَ مَعَهُ ، فَنَفَقَتُهُمْ عَلَى مَا يَشْتَرِطَانِ عَلَيْهِ .\rفَإِنْ أَطْلَقَا ، وَلَمْ يَذْكُرَا نَفَقَتَهُمْ ، فَهِيَ عَلَى رَبِّ الْمَالِ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : نَفَقَتُهُمْ عَلَى الْمُسَاقِي ، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَشْرُطَهَا عَلَى رَبِّ الْمَالِ ؛ لِأَنَّ الْعَمَلَ عَلَى الْمُسَاقِي ، فَمُؤْنَةُ مَنْ يَعْمَلُهُ عَلَيْهِ ، كَمُؤْنَةِ غِلْمَانِهِ .\rوَلَنَا أَنَّهُ مَمْلُوكُ رَبِّ الْمَالِ ، فَكَانَتْ نَفَقَتُهُ عَلَيْهِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ ، كَمَا لَوْ أَجَّرَهُ فَإِنْ شَرَطَهَا عَلَى الْعَامِلِ ، جَازَ ، وَلَا يُشْتَرَطُ تَقْدِيرُهَا .\rوَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ : يُشْتَرَطُ تَقْدِيرُهَا ؛ لِأَنَّهُ اشْتَرَطَ عَلَيْهِ مَا لَا يَلْزَمُهُ ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا ، كَسَائِرِ الشُّرُوطِ .\rوَلَنَا أَنَّهُ لَوْ وَجَبَ تَقْدِيرُهَا لَوَجَبَ ذِكْرُ صِفَاتِهَا ، وَلَا يَجِبُ ذِكْرُ صِفَاتِهَا .\rفَلَمْ يَجِبْ تَقْدِيرُهَا .\rوَلَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَةِ الْغِلْمَانِ الْمُشْتَرَطِ عَمَلُهُمْ ، بِرُؤْيَةٍ أَوْ صِفَةٍ تَحْصُلُ بِهَا مَعْرِفَتُهُمْ كَمَا فِي عَقْدِ الْإِجَارَةِ .","part":11,"page":320},{"id":5320,"text":"( 4123 ) فَصْلٌ : وَإِنْ شَرَطَ الْعَامِلُ أَنَّ أَجْرَ الْأُجَرَاءِ الَّذِينَ يَحْتَاجُ إلَى الِاسْتِعَانَةِ بِهِمْ مِنْ الثَّمَرَةِ ، وَقَدَّرَ الْأُجْرَةَ ، لَمْ يَصِحَّ ؛ لِأَنَّ الْعَمَلَ عَلَيْهِ ، فَإِذَا شَرَطَ أَجْرَهُ مِنْ الْمَالِ ، لَمْ يَصِحَّ ، كَمَا لَوْ شَرَطَ لِنَفْسِهِ أَجْرَ عَمَلِهِ .\rوَإِنْ لَمْ يُقَدِّرْهُ فَسَدَ لِذَلِكَ ، وَلِأَنَّهُ مَجْهُولٌ .\rوَيُفَارِقُ هَذَا مَا إذَا شَرَطَ الْمُضَارِبُ أَجْرَ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِمْ مِنْ الْحَمَّالِينَ وَنَحْوِهِمْ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَلْزَمُ الْعَامِلَ فَكَانَ عَلَى الْمَالِ ، وَلَوْ شَرَطَ أَجْرَ مَا يَلْزَمُهُ عَمَلُهُ بِنَفْسِهِ ، لَمْ يَصِحَّ كَمَسْأَلَتِنَا .","part":11,"page":321},{"id":5321,"text":"( 4124 ) فَصْلٌ : ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ ، أَنَّ الْمُسَاقَاةَ وَالْمُزَارَعَةَ مِنْ الْعُقُودِ الْجَائِزَةِ ، أَوْمَأَ إلَيْهِ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ ، وَسُئِلَ عَنْ الْأَكَّارِ يُخْرِجُ نَفْسَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُخْرِجَهُ صَاحِبُ الضَّيْعَةِ ، فَلَمْ يَمْنَعْهُ مِنْ ذَلِكَ .\rذَكَرَهُ الشَّيْخُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَامِدٍ ، وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ .\rوَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا : هُوَ عَقْدٌ لَازِمٌ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ ؛ لِأَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ ، فَكَانَ لَازِمًا ، كَالْإِجَارَةِ ، وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ جَائِزًا ، جَازَ لِرَبِّ الْمَالِ فَسْخُهُ إذَا أَدْرَكَتْ الثَّمَرَةُ ، فَيَسْقُطُ حَقُّ الْعَامِلِ ، فَيَسْتَضِرُّ .\rوَلَنَا مَا رَوَى مُسْلِمٌ بِإِسْنَادِهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، { أَنَّ الْيَهُودَ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُقِرَّهُمْ بِخَيْبَرَ ، عَلَى أَنْ يَعْمَلُوهَا ، وَيَكُونَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَطْرُ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا مِنْ ثَمَرٍ أَوْ زَرْعٍ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : نُقِرُّكُمْ عَلَى ذَلِكَ مَا شِئْنَا } وَلَوْ كَانَ لَازِمًا لَمْ يَجُزْ بِغَيْرِ تَقْدِيرِ مُدَّةٍ ، وَلَا أَنْ يَجْعَلَ الْخِيَرَةَ إلَيْهِ فِي مُدَّةِ إقْرَارِهِمْ ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ أَنَّهُ قَدَّرَ لَهُمْ ذَلِكَ بِمُدَّةٍ ، وَلَوْ قَدَّرَ لَمْ يُتْرَكْ نَقْلُهُ ، لِأَنَّ هَذَا مِمَّا يُحْتَاجُ إلَيْهِ ، فَلَا يَجُوزُ الْإِخْلَالُ بِنَقْلِهِ ، وَعُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَجْلَاهُمْ مِنْ الْأَرْضِ وَأَخْرَجَهُمْ مِنْ خَيْبَرَ ، وَلَوْ كَانَتْ لَهُمْ مُدَّةٌ مُقَدَّرَةٌ ، لَمْ يَجُزْ إخْرَاجُهُمْ مِنْهَا .\rوَلِأَنَّهُ عَقْدٌ عَلَى جُزْءٍ مِنْ نَمَاءِ الْمَالِ ، فَكَانَ جَائِزًا ، كَالْمُضَارَبَةِ ، أَوْ عَقْدٌ عَلَى الْمَالِ بِجُزْءٍ مِنْ نَمَائِهِ ، أَشْبَهَ الْمُضَارَبَةَ ، وَفَارَقَ الْإِجَارَةَ ؛ لِأَنَّهَا بَيْعٌ ، فَكَانَتْ لَازِمَةً ، كَبَيْعِ الْأَعْيَانِ ، وَلِأَنَّ عِوَضَهَا مُقَدَّرٌ مَعْلُومٌ ، فَأَشْبَهَتْ الْبَيْعَ .\rوَقِيَاسُهُمْ يَنْتَقِضُ","part":11,"page":322},{"id":5322,"text":"بِالْمُضَارَبَةِ ، وَهِيَ أَشْبَهُ بِالْمُسَاقَاةِ مِنْ الْإِجَارَةِ ، فَقِيَاسُهَا عَلَيْهَا أَوْلَى وَقَوْلُهُمْ : إنَّهُ يُفْضِي إلَى أَنَّ رَبَّ الْمَالِ يَفْسَخُ بَعْدَ إدْرَاكِ الثَّمَرَةِ .\rقُلْنَا : إذَا ظَهَرَتْ الثَّمَرَةُ ، فَهِيَ تَظْهَرُ عَلَى مِلْكِهِمَا ، فَلَا يَسْقُطُ حَقُّ الْعَامِلِ مِنْهَا بِفَسْخٍ وَلَا غَيْرِهِ ، كَمَا لَوْ فَسَخَ الْمُضَارَبَةَ بَعْدَ ظُهُورِ الرِّبْحِ .\rفَعَلَى هَذَا لَا يَفْتَقِرُ إلَى ضَرْبِ مُدَّةٍ ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَضْرِبْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا خُلَفَاؤُهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، لِأَهْلِ خَيْبَرَ مُدَّةً مَعْلُومَةً حِينَ عَامَلُوهُمْ .\rوَلِأَنَّهُ عَقْدٌ جَائِزٌ ، فَلَمْ يَفْتَقِرْ إلَى ضَرْبِ مُدَّةٍ كَالْمُضَارَبَةِ ، وَسَائِرِ الْعُقُودِ الْجَائِزَةِ .\rوَمَتَى فَسَخَ أَحَدُهُمَا بَعْدَ ظُهُورِ الثَّمَرَةِ ، فَهِيَ بَيْنَهُمَا عَلَى مَا شَرَطَاهُ ، وَعَلَى الْعَامِلِ تَمَامُ الْعَمَلِ ، كَمَا يَلْزَمُ الْمُضَارِبَ بَيْعُ الْعُرُوضِ إذَا فُسِخَتْ الْمُضَارَبَةُ بَعْدَ ظُهُورِ الرِّبْحِ ، وَإِنْ فَسَخَ الْعَامِلُ قَبْلَ ذَلِكَ فَلَا شَيْءَ لَهُ ؛ لِأَنَّهُ رَضِيَ بِإِسْقَاطِ حَقِّهِ ، فَصَارَ كَعَامِلِ الْمُضَارَبَةِ إذَا فَسَخَ قَبْلَ ظُهُورِ الرِّبْحِ ، وَعَامِلِ الْجَعَالَةِ إذَا فَسَخَ قَبْلَ إتْمَامِ عَمَلِهِ وَإِنْ فَسَخَ رَبُّ الْمَالِ قَبْلَ ظُهُورِ الثَّمَرَةِ ، فَعَلَيْهِ أَجْرُ الْمِثْلِ لِلْعَامِلِ ؛ لِأَنَّهُ مَنَعَهُ إتْمَامَ عَمَلِهِ الَّذِي يَسْتَحِقُّ بِهِ الْعِوَضَ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ فَسَخَ الْجَاعِلُ قَبْلَ إتْمَامِ عَمَلِ الْجَعَالَةِ .\rوَفَارَقَ رَبَّ الْمَالِ فِي الْمُضَارَبَةِ إذَا فَسَخَهَا قَبْلَ ظُهُورِ الرِّبْحِ ؛ لِأَنَّ عَمَلَ هَذَا مُفْضٍ إلَى ظُهُورِ الثَّمَرَةِ غَالِبًا ، فَلَوْلَا الْفَسْخُ لَظَهَرَتْ الثَّمَرَةُ ، فَمَلَكَ نَصِيبَهُ مِنْهَا ، وَقَدْ قَطَعَ ذَلِكَ بِفَسْخِهِ ، فَأَشْبَهَ فَسْخَ الْجَعَالَة ، بِخِلَافِ الْمُضَارَبَةِ ، فَإِنَّهُ لَا يُعْلَمُ إفْضَاؤُهَا إلَى الرِّبْحِ ، وَلِأَنَّ الثَّمَرَةَ إذَا ظَهَرَتْ فِي الشَّجَرِ ، كَانَ الْعَمَلُ عَلَيْهَا فِي الِابْتِدَاءِ مِنْ أَسْبَابِ ظُهُورِهَا ، وَالرِّبْحُ إذَا ظَهَرَ فِي الْمُضَارَبَةِ","part":11,"page":323},{"id":5323,"text":"قَدْ لَا يَكُونُ لِلْعَمَلِ الْأَوَّلِ فِيهِ أَثَرٌ أَصْلًا .\rفَأَمَّا إنْ قُلْنَا : إنَّهُ عَقْدٌ لَازِمٌ .\rفَلَا يَصِحُّ إلَّا عَلَى مُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ : تَصِحُّ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ مُدَّةٍ ، وَيَقَعُ عَلَى سَنَةٍ وَاحِدَةٍ .\rوَأَجَازَهُ بَعْضُ أَهْلِ الْكُوفَةِ اسْتِحْسَانًا ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا شَرَطَ لَهُ جُزْءًا مِنْ الثَّمَرَةِ ، كَانَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ مُدَّةً تَحْصُلُ الثَّمَرَةُ فِيهَا .\rوَلَنَا أَنَّهُ عَقْدٌ لَازِمٌ ، فَوَجَبَ تَقْدِيرُهُ بِمُدَّةٍ ، كَالْإِجَارَةِ ، وَلِأَنَّ الْمُسَاقَاةَ أَشْبَهُ بِالْإِجَارَةِ ، لِأَنَّهَا تَقْتَضِي الْعَمَلَ عَلَى الْعَيْنِ مَعَ بَقَائِهَا ، وَلِأَنَّهَا إذَا وَقَعَتْ مُطْلَقَةً ، لَمْ يُمْكِنْ حَمْلُهَا عَلَى إطْلَاقِهَا مَعَ لُزُومِهَا ؛ لِأَنَّهُ يُفْضِي إلَى أَنَّ الْعَامِلَ يَسْتَبِدُّ بِالشَّجَرِ كُلَّ مُدَّتِهِ ، فَيَصِيرُ كَالْمَالِكِ ، وَلَا يُمْكِنُ تَقْدِيرُهُ بِالسَّنَةِ ؛ لِأَنَّهُ تَحَكُّمٌ ، وَقَدْ تَكْمُلُ الثَّمَرَةُ فِي أَقَلَّ مِنْ السَّنَةِ ، فَعَلَى هَذَا لَا تَتَقَدَّرُ أَكْثَرُ الْمُدَّةِ ، بَلْ يَجُوزُ مَا يَتَّفِقَانِ عَلَيْهِ مِنْ الْمُدَّةِ الَّتِي يَبْقَى الشَّجَرُ فِيهَا وَإِنْ طَالَتْ وَقَدْ قِيلَ : لَا يَجُوزُ أَكْثَرُ مِنْ ثَلَاثِينَ سَنَةً .\rوَهَذَا تَحَكُّمٌ ، وَتَوْقِيتٌ لَا يُصَارُ إلَيْهِ إلَّا بِنَصٍّ أَوْ إجْمَاعٍ .\rفَأَمَّا أَقَلُّ الْمُدَّةِ ، فَيَتَقَدَّرُ بِمُدَّةٍ تَكْمُلُ الثَّمَرَةُ فِيهَا ، فَلَا يَجُوزُ عَلَى أَقَلَّ مِنْهَا ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ أَنْ يَشْتَرِكَا فِي الثَّمَرَةِ ، وَلَا يُوجَدُ فِي أَقَلَّ مِنْ هَذِهِ الْمُدَّةِ .","part":11,"page":324},{"id":5324,"text":"فَإِنْ سَاقَاهُ عَلَى مُدَّةٍ لَا تَكْمُلُ فِيهَا الثَّمَرَةُ ، فَالْمُسَاقَاةُ فَاسِدَةٌ .\rفَإِذَا عَمِلَ فِيهَا ، فَظَهَرَتْ الثَّمَرَةُ وَلَمْ تَكْمُلْ ، فَلَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ ، وَفِي الْآخَرِ ، لَا شَيْءَ لَهُ ؛ لِأَنَّهُ رَضِيَ بِالْعَمَلِ بِغَيْرِ عِوَضٍ ، فَهُوَ كَالْمُتَبَرِّعِ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ؛ لِأَنَّ هَذَا لَمْ يَرْضَ إلَّا بِعِوَضٍ ، وَهُوَ جُزْءٌ مِنْ الثَّمَرَةِ ، وَذَلِكَ الْجُزْءُ مَوْجُودٌ ، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ تَسْلِيمُهُ إلَيْهِ ، فَلَمَّا تَعَذَّرَ دَفْعُ الْعِوَضِ الَّذِي اتَّفَقَا عَلَيْهِ إلَيْهِ ، كَانَ لَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ ، كَمَا فِي الْإِجَارَةِ الْفَاسِدَةِ .\rوَفَارَقَ الْمُتَبَرِّعَ ؛ فَإِنَّهُ رَضِيَ بِغَيْرِ شَيْءٍ .\rوَإِنْ لَمْ تَظْهَرْ الثَّمَرَةُ فَلَا شَيْءَ لَهُ ، فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ رَضِيَ بِالْعَمَلِ بِغَيْرِ عِوَضٍ .\rوَإِنْ سَاقَاهُ إلَى مُدَّةٍ تَكْمُلُ فِيهَا الثَّمَرَةُ غَالِبًا ، فَلَمْ يَحْمِلْ تِلْكَ السَّنَةَ ، فَلَا شَيْءَ لِلْعَامِلِ ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ صَحِيحٌ ، لَمْ يَظْهَرْ فِيهِ النَّمَاءُ الَّذِي اُشْتُرِطَ جُزْؤُهُ ، فَأَشْبَهَ الْمُضَارَبَةَ إذَا لَمْ يَرْبَحْ فِيهَا وَإِنْ ظَهَرَتْ الثَّمَرَةُ ، وَلَمْ تَكْمُلْ ، فَلَهُ نَصِيبُهُ مِنْهَا ، وَعَلَيْهِ إتْمَامُ الْعَمَلِ فِيهَا ، كَمَا لَوْ انْفَسَخَتْ قَبْلَ كَمَالِهَا .\rوَإِنْ سَاقَاهُ إلَى مُدَّةٍ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِلشَّجَرِ ثَمَرَةٌ .\rوَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَكُونَ ، فَفِي صِحَّةِ الْمُسَاقَاةِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا تَصِحُّ ؛ لِأَنَّ الشَّجَرَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَحْمِلَ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَحْمِلَ ، وَالْمُسَاقَاةُ جَائِزَةٌ فِيهِ .\rوَالثَّانِي لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ عَلَى مَعْدُومٍ ، لَيْسَ الْغَالِبُ وُجُودَهُ ، فَلَمْ تَصِحَّ ، كَالسَّلَمِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ ، وَلِأَنَّ ذَلِكَ غَرَرٌ أَمْكَنَ التَّحَرُّزُ عَنْهُ ، فَلَمْ يَجُزْ الْعَقْدُ مَعَهُ ، كَمَا لَوْ شَرَطَ ثَمَرَ نَخْلَةٍ بِعَيْنِهَا .\rوَفَارَقَ مَا إذَا شَرَطَ مُدَّةً تَكْمُلُ فِيهَا الثَّمَرَةُ ، فَإِنَّ الْغَالِبَ أَنَّ الشَّجَرَ يَحْمِلُ ، وَاحْتِمَالُ أَنْ لَا يَحْمِلَ نَادِرٌ ، لَمْ يُمْكِنْ التَّحَرُّزُ عَنْهُ","part":11,"page":325},{"id":5325,"text":"فَإِنْ قُلْنَا : الْعَقْدُ صَحِيحٌ .\rفَلَهُ حِصَّتُهُ مِنْ الثَّمَرِ .\rفَإِنْ لَمْ يَحْمِلْ ، فَلَا شَيْءَ لَهُ .\rوَإِنْ قُلْنَا : هُوَ فَاسِدٌ .\rاسْتَحَقَّ أَجْرَ الْمِثْلِ ، سَوَاءٌ حَمَلَ أَوْ لَمْ يَحْمِلْ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرْضَ بِغَيْرِ عِوَضٍ ، وَلَمْ يُسَلَّمْ لَهُ الْعِوَضُ ، فَكَانَ لَهُ الْعِوَضُ ، وَجْهًا وَاحِدًا ، بِخِلَافِ مَا لَوْ جَعَلَ الْأَجَلَ إلَى مُدَّةٍ لَا يُحْمَلُ فِي مِثْلِهَا غَالِبًا .\rوَمَتَى خَرَجَتْ الثَّمَرَةُ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْأَجَلِ ، فَلَهُ حَقُّهُ مِنْهَا إذَا قُلْنَا بِصِحَّةِ الْعَقْدِ ، وَإِنْ خَرَجَتْ بَعْدَهُ ، فَلَا حَقَّ لَهُ فِيهَا .\rوَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فِي هَذَا قَرِيبٌ مِمَّا ذَكَرْنَا .","part":11,"page":326},{"id":5326,"text":"( 4125 ) فَصْلٌ : وَلَا يَثْبُتُ فِي الْمُسَاقَاةِ خِيَارُ الشَّرْطِ ؛ لِأَنَّهَا إنْ كَانَتْ جَائِزَةً .\rفَالْجَائِزُ مُسْتَغْنٍ بِنَفْسِهِ عَنْ الْخِيَارِ فِيهِ ، وَإِنْ كَانَتْ لَازِمَةً ، فَإِذَا فَسَخَ لَمْ يُمْكِنْ رَدُّ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ ، وَهُوَ الْعَمَلُ فِيهَا .\rوَأَمَّا خِيَارُ الْمَجْلِسِ فَلَا يَثْبُتُ إنْ كَانَتْ جَائِزَةً ؛ لِمَا تَقَدَّمَ .\rوَإِنْ كَانَتْ لَازِمَةً ، فَعَلَى وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا لَا يَثْبُتُ ؛ لِأَنَّهَا عَقْدٌ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ قَبْضُ الْعِوَضِ ، وَلَا يَثْبُتُ فِيهِ خِيَارُ الشَّرْطِ ، فَلَا يَثْبُتُ فِيهِ خِيَارُ الْمَجْلِسِ ، كَالنِّكَاحِ .\rوَالثَّانِي يَثْبُتُ ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ لَازِمٌ يُقْصَدُ بِهِ الْمَالُ ، أَشْبَهَ الْبَيْعَ .","part":11,"page":327},{"id":5327,"text":"( 4126 ) فَصْلٌ : وَمَتَى قُلْنَا بِجَوَازِهَا ، لَمْ يُفْتَقَرْ إلَى ضَرْبِ مُدَّةٍ ؛ لِأَنَّ إبْقَاءَهَا إلَيْهِمَا ، وَفَسْخَهَا جَائِزٌ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَتَى شَاءَ ، فَلَمْ تَحْتَجْ إلَى مُدَّةٍ ، كَالْمُضَارَبَةِ .\rوَإِنْ قَدَّرَهَا بِمُدَّةٍ جَازَ ؛ لِأَنَّهُ لَا ضَرَرَ فِي التَّقْدِيرِ ، وَقَدْ بَيَّنَّا جَوَازَ ذَلِكَ فِي الْمُضَارَبَةِ ، وَالْمُسَاقَاةُ مِثْلُهَا .\rوَتَنْفَسِخُ بِمَوْتِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَجُنُونِهِ وَالْحَجْرِ عَلَيْهِ لِسَفَهٍ ، كَقَوْلِنَا فِي الْمُضَارَبَةِ فَإِذَا مَاتَ الْعَامِلُ أَوْ رَبُّ الْمَالِ ، انْفَسَخَتْ الْمُسَاقَاةُ فَكَانَ الْحُكْمُ فِيهَا كَمَا لَوْ فَسَخَهَا أَحَدُهُمَا ، عَلَى مَا أَسْلَفْنَاهُ .\rوَإِنْ قُلْنَا بِلُزُومِهَا ، لَمْ يَنْفَسِخْ الْعَقْدُ ، وَيَقُومُ الْوَارِثُ مَقَامَ الْمَيِّتِ مِنْهُمَا ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ لَازِمٌ ، فَأَشْبَهَ الْإِجَارَةَ .\rوَلَكِنْ إنْ كَانَ الْمَيِّتُ الْعَامِلَ ، فَأَبَى وَارِثُهُ الْقِيَامَ مَقَامَهُ ، لَمْ يُجْبَرْ ؛ لِأَنَّ الْوَارِثَ لَا يَلْزَمُهُ مِنْ الْحُقُوقِ الَّتِي عَلَى مَوْرُوثِهِ إلَّا مَا أَمْكَنَ دَفْعُهُ مِنْ تَرِكَتِهِ ، وَالْعَمَلُ لَيْسَ مِمَّا يُمْكِنُ ذَلِكَ فِيهِ فَعَلَى هَذَا يَسْتَأْجِرُ الْحَاكِمُ مِنْ التَّرِكَةِ مَنْ يَعْمَلُ الْعَمَلَ ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ تَرِكَةٌ ، أَوْ تَعَذَّرَ الِاسْتِئْجَارُ مِنْهَا ، فَلِرَبِّ الْمَالِ الْفَسْخُ ؛ لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ اسْتِيفَاءُ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ ، فَيَثْبُتُ الْفَسْخُ ، كَمَا لَوْ تَعَذَّرَ ثَمَنُ الْمَبِيعِ قَبْلَ قَبْضِهِ ، ثُمَّ إنْ كَانَتْ الثَّمَرَةُ قَدْ ظَهَرَتْ ، بِيعَ مِنْ نَصِيبِ الْعَامِلِ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ لِأَجْرِ مَا بَقِيَ مِنْ الْعَمَلِ ، وَاسْتُؤْجِرَ مِنْ يَعْمَلُ ذَلِكَ .\rوَإِنْ اُحْتِيجَ إلَى بَيْعِ الْجَمِيعِ ، بِيعَ ثُمَّ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ تَكُونَ الثَّمَرَةُ قَدْ بَدَا صَلَاحُهَا أَوْ لَمْ يَبْدُ ، فَإِنْ كَانَتْ قَدْ بَدَا صَلَاحُهَا ، خُيِّرَ الْمَالِكُ بَيْنَ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ ، فَإِنْ اشْتَرَى نَصِيبَ الْعَامِلِ جَازَ ، وَإِنْ اخْتَارَ بَيْعَ نَصِيبِهِ أَيْضًا بَاعَهُ ، وَبَاعَ الْحَاكِمُ نَصِيبَ الْعَامِلِ ، وَإِنْ أَبَى الْبَيْعَ وَالشِّرَاءَ ،","part":11,"page":328},{"id":5328,"text":"بَاعَ الْحَاكِمُ نَصِيبَ الْعَامِلِ وَحْدَهُ ، وَمَا بَقِيَ عَلَى الْعَامِلِ مِنْ الْعَمَلِ يَكْتَرِي عَلَيْهِ مَنْ يَعْمَلُهُ ، وَمَا فَضَلَ لِوَرَثَتِهِ ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهَا خُيِّرَ الْمَالِكُ أَيْضًا ، فَإِنْ بِيعَ لِأَجْنَبِيٍّ لَمْ يَجُزْ إلَّا بِشَرْطِ الْقَطْعِ ، وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ نَصِيبِ الْعَامِلِ وَحْدَهُ ، لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ قَطْعُهُ إلَّا بِقَطْعِ نَصِيبِ الْمَالِكِ ، فَيَقِفُ إمْكَانُ قَطْعِهِ عَلَى قَطْعِ مِلْكِ غَيْرِهِ وَهَلْ يَجُوزُ شِرَاءُ الْمَالِكِ لَهَا ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ ، وَهَكَذَا الْحُكْمُ إذَا انْفَسَخَتْ الْمُسَاقَاةُ بِمَوْتِ الْعَامِلِ ، لِقَوْلِنَا بِجَوَازِهَا وَأَبَى الْوَارِثُ الْعَمَلَ .\rوَإِنْ اخْتَارَ رَبُّ الْمَالِ الْبَقَاءَ عَلَى الْمُسَاقَاةِ ، لَمْ تَنْفَسِخْ إذَا قُلْنَا بِلُزُومِهَا ، وَيَسْتَأْذِنُ الْحَاكِمَ فِي الْإِنْفَاقِ عَلَى الثَّمَرَةِ ، وَيَرْجِعُ بِمَا أَنْفَقَ ، فَإِنْ عَجَزَ عَنْ اسْتِئْذَانِ الْحَاكِمِ ، فَأَنْفَقَ مُحْتَسِبًا بِالرُّجُوعِ ، وَأَشْهَدَ عَلَى الْإِنْفَاقِ بِشَرْطِ الرُّجُوعِ ، رَجَعَ بِمَا أَنْفَقَ .\rوَهَذَا أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ مُضْطَرٌّ .\rوَإِنْ أَمْكَنَهُ اسْتِئْذَانُ الْحَاكِمِ ، فَأَنْفَقَ بِنِيَّةِ الرُّجُوعِ مِنْ غَيْرِ اسْتِئْذَانِهِ ، فَهَلْ يَرْجِعُ بِذَلِكَ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ ، بِنَاءً عَلَى مَا إذَا قُضِيَ دَيْنَهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ وَإِنْ تَبَرَّعَ بِالْإِنْفَاقِ ، لَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءِ ، كَمَا لَوْ تَبَرَّعَ بِالصَّدَقَةِ .\rوَالْحُكْمُ فِيمَا إذَا أَنْفَقَ عَلَى الثَّمَرَةِ بَعْدَ فَسْخِ الْعَقْدِ إذَا تَعَذَّرَ بَيْعُهَا ، كَالْحُكْمِ هَا هُنَا سَوَاءً .","part":11,"page":329},{"id":5329,"text":"( 4127 ) فَصْل : وَإِنْ هَرَبَ الْعَامِلُ ، فَلِرَبِّ الْمَالِ الْفَسْخُ ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ جَائِزٌ .\rوَإِنْ قُلْنَا بِلُزُومِهِ فَحُكْمُهُ حُكْمُ مَا لَوْ مَاتَ وَأَبَى وَارِثُهُ أَنْ يَقُومَ مَقَامَهُ ، إلَّا أَنَّهُ إنْ لَمْ يَجِدْ الْحَاكِمُ لَهُ مَالًا ، وَأَمْكَنَهُ الِاقْتِرَاضُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ أَوْ غَيْرِهِ فَعَلَ ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ ، وَوَجَدَ مَنْ يَعْمَلُ بِأُجْرَةٍ مُؤَجَّلَةٍ إلَى وَقْتِ إدْرَاكِ الثَّمَرَةِ ، فَعَلَ ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ ، فَلِرَبِّ الْمَالِ الْفَسْخُ .\rأَمَّا الْمَيِّتُ فَلَا يَقْتَرِضُ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا ذِمَّةَ لَهُ .","part":11,"page":330},{"id":5330,"text":"( 4128 ) فَصْلٌ : وَالْعَامِلُ أَمِينٌ ، وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِيمَا يَدَّعِيه مِنْ هَلَاكٍ ، وَمَا يُدَّعَى عَلَيْهِ مِنْ خِيَانَةٍ ؛ لِأَنَّ رَبَّ الْمَالِ ائْتَمَنَهُ بِدَفْعِ مَالِهِ إلَيْهِ ، فَهُوَ كَالْمُضَارِبِ ، فَإِنْ اُتُّهِمَ حَلَفَ ، فَإِنْ ثَبَتَتْ خِيَانَتُهُ بِإِقْرَارٍ أَوْ بِبَيِّنَةٍ أَوْ نُكُولِهِ ، ضُمَّ إلَيْهِ مَنْ يُشْرِفُ عَلَيْهِ ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ حِفْظُهُ ، اُسْتُؤْجِرَ مِنْ مَالِهِ مَنْ يَعْمَلُ عَمَلَهُ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ مَالِكٍ : لَا يُقَامُ غَيْرُهُ مَقَامَهُ ، بَلْ يُحْفَظُ مِنْهُ ؛ لِأَنَّ فِسْقَهُ لَا يَمْنَعُ اسْتِيفَاءَ الْمَنَافِعِ الْمَقْصُودَةِ مِنْهُ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ فَسَقَ بِغَيْرِ الْخِيَانَةِ وَلَنَا أَنَّهُ تَعَذَّرَ اسْتِيفَاءُ الْمَنَافِعِ الْمَقْصُودَةِ مِنْهُ ، فَاسْتُوْفِيَتْ بِغَيْرِهِ ، كَمَا لَوْ هَرَبَ .\rوَلَا نُسَلِّمُ إمْكَانَ اسْتِيفَاءِ الْمَنَافِعِ مِنْهُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ مِنْهُ تَرْكُهَا ، وَلَا يُوثَقُ مِنْهُ بِفِعْلِهَا ، وَلَا نَقُولُ إنَّ لَهُ فَسْخَ الْمُسَاقَاةِ ، وَإِنَّمَا لَمْ يُمْكِنْ حِفْظُهَا مِنْ خِيَانَتِك ، أَقِمْ غَيْرَك يَعْمَلْ ذَلِكَ ، وَارْفَعْ يَدَك عَنْهَا ؛ لِأَنَّ الْأَمَانَةَ قَدْ تَعَذَّرَتْ فِي حَقِّك ، فَلَا يَلْزَمُ رَبَّ الْمَالِ ائْتِمَانُك .\rوَفَارَقَ فَسْخَهُ بِغَيْرِ الْخِيَانَةِ ؛ فَإِنَّهُ لَا ضَرَرَ عَلَى رَبِّ الْمَالِ ، وَهَا هُنَا يَفُوتُ مَالُهُ .","part":11,"page":331},{"id":5331,"text":"( 4129 ) فَصْلٌ : فَإِنْ عَجَزَ عَنْ الْعَمَلِ ، لِضَعْفِهِ مَعَ أَمَانَتِهِ ، ضُمَّ إلَيْهِ غَيْرُهُ ، وَلَا يُنْزَعُ مِنْ يَدِهِ ؛ لِأَنَّ الْعَمَلَ مُسْتَحَقٌّ عَلَيْهِ ، وَلَا ضَرَرَ فِي بَقَاءِ يَدِهِ عَلَيْهِ .\rوَإِنْ عَجَزَ بِالْكُلِّيَّةِ ، أَقَامَ مُقَامَهُ مَنْ يَعْمَلُ ، وَالْأُجْرَةُ عَلَيْهِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ تَوْفِيَةَ الْعَمَلِ ، وَهَذَا مِنْ تَوْفِيَتِهِ .","part":11,"page":332},{"id":5332,"text":"( 4130 ) فَصْلٌ : وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي الْجُزْءِ الْمَشْرُوطِ لِلْعَامِلِ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ رَبِّ الْمَالِ .\rذَكَرَهُ ابْنُ حَامِدٍ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : الْقَوْلُ قَوْلُ الْعَامِلِ ، إذَا ادَّعَى مَا يُشْبِهُ ؛ لِأَنَّهُ أَقْوَى سَبَبًا ، لِتَسَلُّمِهِ لِلْحَائِطِ وَالْعَمَلِ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يَتَحَالَفَانِ ، وَكَذَلِكَ إنْ اخْتَلَفَا فِيمَا تَنَاوَلَتْهُ الْمُسَاقَاةُ مِنْ الشَّجَرِ وَلَنَا أَنَّ رَبَّ الْمَالِ مُنْكِرٌ لِلزِّيَادَةِ الَّتِي ادَّعَاهَا الْعَامِلُ ، فَيَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَهُ ؛ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ { : الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي ، وَالْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ } .\rفَإِنْ كَانَ مَعَ أَحَدِهِمَا بَيِّنَةٌ ، حُكِمَ بِهَا ، وَإِنْ كَانَ مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ ، فَفِي أَيِّهِمَا تُقَدَّمُ بَيِّنَتُهُ ؟ وَجْهَانِ ، بِنَاءً عَلَى بَيِّنَةِ الدَّاخِلِ وَالْخَارِجِ .\rفَإِنْ كَانَ الشَّجَرُ لِاثْنَيْنِ ، فَصَدَّقَ أَحَدُهُمَا الْعَامِلَ ، وَكَذَّبَهُ الْآخَرُ ، أَخَذَ نَصِيبَهُ مِنْ مَالِ الْمُصَدِّقِ فَإِنْ شَهِدَ عَلَى الْمُنْكِرِ ، قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ إذَا كَانَ عَدْلًا ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُرُّ إلَى نَفْسِهِ نَفْعًا ، وَلَا يَدْفَعُ ضَرَرًا ، وَيَحْلِفُ مَعَ شَاهِدِهِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَدْلًا ، كَانَتْ شَهَادَتُهُ كَعَدَمِهَا .\rوَلَوْ كَانَ الْعَامِلُ اثْنَيْنِ ، وَرَبُّ الْمَالِ وَاحِدًا ، فَشَهِدَ أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ ، قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ أَيْضًا ؛ لِمَا ذَكَرْنَا .","part":11,"page":333},{"id":5333,"text":"( 4131 ) فَصْلٌ : وَيَمْلِكُ الْعَامِلُ حِصَّتَهُ مِنْ الثَّمَرَةِ بِظُهُورِهَا ، فَلَوْ تَلِفَتْ كُلُّهَا إلَّا وَاحِدَةً ، كَانَتْ بَيْنَهُمَا .\rوَهَذَا أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ .\rوَالثَّانِي يَمْلِكُهُ بِالْمُقَاسَمَةِ ، كَالْقِرَاضِ .\rوَلَنَا أَنَّ الشَّرْطَ صَحِيحٌ ، فَيَثْبُتُ مُقْتَضَاهُ ، كَسَائِرِ الشُّرُوطِ الصَّحِيحَةِ ، وَمُقْتَضَاهُ كَوْنُ الثَّمَرَةِ بَيْنَهُمَا عَلَى كُلِّ حَالٍ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَمْلِكْهَا قَبْلَ الْقِسْمَةِ ، لَمَا وَجَبَتْ الْقِسْمَةُ ، وَلَا مَلَكَهَا ، كَالْأُصُولِ .\rوَأَمَّا الْقِرَاضُ ، فَإِنَّهُ يَمْلِكُ الرِّبْحَ فِيهِ بِالظُّهُورِ كَمَسْأَلَتِنَا ، ثُمَّ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الرِّبْحَ وِقَايَةٌ لِرَأْسِ الْمَالِ ، فَلَمْ يَمْلِكْ حَتَّى يُسَلِّمَ رَأْسَ الْمَالِ لِرَبِّهِ ، وَهَذَا لَيْسَ بِوِقَايَةٍ لِشَيْءٍ ، وَلِذَلِكَ لَوْ تَلْفِت الْأُصُولُ كُلُّهَا كَانَتْ الثَّمَرَةُ بَيْنَهُمَا فَإِذْ ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا زَكَاةُ نَصِيبِهِ ، إذَا بَلَغَتْ حِصَّتُهُ نِصَابًا .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي الْمُزَارَعَةِ .\rوَإِنْ لَمْ تَبْلُغْ النِّصَابَ إلَّا بِجَمْعِهِمَا ، لَمْ تَجِبْ ؛ لِأَنَّ الْخَلْطَة لَا تُؤَثِّرُ فِي غَيْرِ الْمَوَاشِي فِي الصَّحِيحِ .\rوَعَنْهُ أَنَّهَا تُؤَثِّرُ ، فَتُؤَثِّرُ هَا هُنَا ، فَيُبْدَأُ بِإِخْرَاجِ الزَّكَاةِ ثُمَّ يَقْسِمَانِ مَا بَقِيَ .\rوَإِنْ كَانَتْ حِصَّةُ أَحَدِهِمَا تَبْلُغُ نِصَابًا دُونَ الْآخَرِ ، فَعَلَى مَنْ بَلَغَتْ حِصَّتُهُ نِصَابًا الزَّكَاةُ دُونَ الْآخَرِ ، يُخْرِجُهَا بَعْدَ الْمُقَاسَمَةِ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ لِمَنْ لَمْ تَبْلُغْ حِصَّتُهُ نِصَابًا مَا يَتِمُّ بِهِ النِّصَابُ مِنْ مَوَاضِعَ أُخَرَ ، فَتَجِبُ عَلَيْهِمَا جَمِيعًا الزَّكَاةُ وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ لِأَحَدِهِمَا ثَمَرٌ مِنْ جِنْسِ حِصَّتِهِ ، يَبْلُغَانِ بِمَجْمُوعِهِمَا نِصَابًا ، فَعَلَيْهِ الزَّكَاةُ فِي حِصَّتِهِ .\rوَإِنْ كَانَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ مِمَّنْ لَا زَكَاةَ عَلَيْهِ ، كَالْمُكَاتَبِ ، وَالذِّمِّيِّ ، فَعَلَى الْآخَرِ زَكَاةُ حِصَّتِهِ إنْ بَلَغَتْ نِصَابًا .\rوَبِهَذَا كُلِّهِ قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ اللَّيْثُ : إنْ كَانَ","part":11,"page":334},{"id":5334,"text":"شَرِيكُهُ نَصْرَانِيًّا ، أَعْلَمَهُ أَنَّ الزَّكَاةَ مُؤَدَّاةٌ فِي الْحَائِطِ ، ثُمَّ يُقَاسِمُهُ بَعْدَ الزَّكَاةِ مَا بَقِيَ وَلَنَا أَنَّ النَّصْرَانِيَّ لَا زَكَاةَ عَلَيْهِ ، فَلَا يَخْرُجُ مِنْ حِصَّتِهِ شَيْءٌ ، كَمَا لَوْ انْفَرَدَ بِهَا ، وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد ، فِي \" السُّنَنِ \" ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ : { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَبْعَثُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ ، فَيَخْرُصُ النَّخْلَ حِين يَطِيبُ ، قَبْلَ أَنْ يُؤْكَلَ مِنْهُ ، ثُمَّ يُخَيِّرُ يَهُودَ خَيْبَرَ ، أَيَأْخُذُونَهُ بِذَلِكَ الْخَرْصِ ، أَمْ يَدْفَعُونَهُ إلَيْهِمْ بِذَلِكَ الْخَرْصِ ، لِكَيْ تُحْصَى الزَّكَاةُ قَبْلَ أَنْ تُؤْكَلَ الثِّمَارُ وَتُفَرَّقَ .\rقَالَ جَابِرٌ : خَرَصَهَا ابْنُ رَوَاحَةَ أَرْبَعِينَ أَلْفَ وَسْقٍ ، وَزَعَمَ أَنَّ الْيَهُودَ لَمَّا خَيَّرَهُمْ ابْنُ رَوَاحَةَ أَخَذُوا التَّمْرَ وَعَلَيْهِمْ عِشْرُونَ أَلْفَ وَسْقٍ .\r}","part":11,"page":335},{"id":5335,"text":"( 4132 ) فَصْلٌ : وَإِنْ سَاقَاهُ عَلَى أَرْضٍ خَرَاجِيَّةٌ ، فَالْخَرَاجُ عَلَى رَبِّ الْمَالِ ؛ لِأَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الرَّقَبَةِ ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَجِبُ سَوَاءٌ أَثْمَرَتْ الشَّجَرَةُ أَوْ لَمْ تُثْمِرْ .\rوَلِأَنَّ الْخَرَاجَ يَجِبُ أُجْرَةً لِلْأَرْضِ ، فَكَانَ عَلَى رَبِّ الْأَرْضِ ، كَمَا لَوْ اسْتَأْجَرَ أَرْضًا وَزَارَعَ غَيْرَهُ فِيهَا .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَدْ نُقِلَ عَنْ أَحْمَدَ ، فِي الَّذِي يَتَقَبَّلُ الْأَرْضَ الْبَيْضَاءَ لِيَعْمَل عَلَيْهَا ، وَهِيَ مِنْ أَرْضِ السَّوَادِ يَتَقَبَّلُهَا مِنْ السُّلْطَانِ ، فَعَلَى مَنْ يَقْبَلُهَا أَنْ يُؤَدِّيَ وَظِيفَةَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَيُؤَدِّيَ الْعُشْرَ بَعْدَ وَظِيفَةِ عُمَرَ وَهَذَا مَعْنَاهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ إذَا دَفَعَ السُّلْطَانُ أَرْضَ الْخَرَاجِ إلَى رَجُلٍ يَعْمَلُهَا وَيُؤَدِّي خَرَاجَهَا ، فَإِنَّهُ يَبْدَأُ فَيُؤَدِّي خَرَاجَهَا ، ثُمَّ يُزَكِّي مَا بَقِيَ .\rكَمَا ذَكَرَهُ الْخِرَقِيِّ فِي بَابِ الزَّكَاةِ .\rوَلَا تَنَافِيَ بَيْنَ ذَلِكَ وَبَيْنَ مَا ذَكَرْنَا هَا هُنَا ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .","part":11,"page":336},{"id":5336,"text":"( 4133 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : ( وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَجْعَلَ لَهُ فَضْلَ دَرَاهِمَ ) يَعْنِي إذَا شَرَطَ جُزْءًا مَعْلُومًا مِنْ الثَّمَرَةِ ، وَدَرَاهِمَ مَعْلُومَةً ، كَعَشَرَةٍ وَنَحْوِهَا ، لَمْ يَجُزْ بِغَيْرِ خِلَافٍ ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا لَمْ يَحْدُثْ مِنْ النَّمَاءِ مَا يُسَاوِي تِلْكَ الدَّرَاهِمَ ، فَيَتَضَرَّرُ رَبُّ الْمَالِ ، وَلِذَلِكَ مَنَعْنَا مِنْ اشْتِرَاطِ أَقْفِزَةٍ مَعْلُومَةٍ .\rوَلَوْ شَرَطَ لَهُ دَرَاهِمَ مُنْفَرِدَةً عَنْ الْجُزْءِ ، لَمْ يَجُزْ لِذَلِكَ .\rوَلَوْ جَعَلَ لَهُ ثَمَرَةَ سَنَةٍ غَيْرِ السَّنَةِ الَّتِي سَاقَاهُ فِيهَا ، أَوْ ثَمَرَ شَجَرٍ غَيْرِ الشَّجَرِ الَّذِي سَاقَاهُ عَلَيْهِ ، أَوْ شَرَطَ عَلَيْهِ عَمَلًا فِي غَيْرِ الشَّجَرِ الَّذِي سَاقَاهُ عَلَيْهِ ، أَوْ عَمَلًا فِي غَيْرِ السَّنَةِ ، فَسَدَ الْعَقْدُ ، سَوَاءٌ جَعَلَ ذَلِكَ كُلَّ حَقِّهِ أَوْ بَعْضَهُ أَوْ جَمِيعَ الْعَمَلِ ، أَوْ بَعْضَهُ ؛ لِأَنَّهُ يُخَالِفُ مَوْضُوعَ الْمُسَاقَاةِ ، إذْ مَوْضُوعُهَا أَنْ يَعْمَلَ فِي شَجَرٍ مُعَيَّنٍ بِجُزْءٍ مُشَاعٍ مِنْ ثَمَرَتِهِ ، فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ الَّذِي يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ فِيهِ الْعَمَلَ .","part":11,"page":337},{"id":5337,"text":"( 4134 ) فَصْلٌ : وَإِذَا سَاقَى رَجُلًا ، أَوْ زَارَعَهُ ، فَعَامَلَ الْعَامِلُ غَيْرَهُ عَلَى الْأَرْضِ وَالشَّجَرِ ، لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو يُوسُفَ ، وَأَبُو ثَوْرٍ .\rوَأَجَازَهُ مَالِكٌ ، إذَا جَاءَ بِرَجُلٍ أَمِينٍ .\rوَلَنَا أَنَّهُ عَامِلٌ فِي الْمَالِ بِجُزْءٍ مِنْ نَمَائِهِ ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُعَامِلَ غَيْرَهُ فِيهِ ، كَالْمُضَارِبِ ، وَلِأَنَّهُ إنَّمَا أَذِنَ لَهُ فِي الْعَمَلِ فِيهِ ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَأْذَنَ لِغَيْرِهِ ، كَالْوَكِيلِ .\rفَأَمَّا إنْ اسْتَأْجَرَ أَرْضًا ، فَلَهُ أَنْ يُزَارِعَ غَيْرَهُ فِيهَا ؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ مَنَافِعُهَا مُسْتَحَقَّةً لَهُ ، فَمَلَكَ الْمُزَارَعَةَ فِيهَا ، كَالْمَالِكِ ، وَالْأُجْرَةُ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ دُونَ الْمُزَارِعِ ، كَمَا ذَكَرْنَا فِي الْخَرَاجِ وَكَذَلِكَ يَجُوزُ لِمَنْ فِي يَدِهِ أَرْضٌ خَرَاجِيَّةٌ أَنْ يُزَارِعَ فِيهَا ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْمُسْتَأْجِرِ لَهَا .\rوَلِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ أَنْ يُزَارِعَ فِي الْوَقْفِ ، وَيُسَاقِيَ عَلَى شَجَرِهِ ؛ لِأَنَّهُ إمَّا مَالِكٌ لِرَقَبَةِ ذَلِكَ ، أَوْ بِمَنْزِلَةِ الْمَالِكِ .\rوَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا عِنْدَ مَنْ أَجَازَ الْمُسَاقَاةَ وَالْمُزَارَعَةَ .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":11,"page":338},{"id":5338,"text":"( 4135 ) فَصْلٌ : وَإِذَا سَاقَاهُ عَلَى وَدِيِّ النَّخْلِ ، أَوْ صِغَارِ الشَّجَرِ ، إلَى مُدَّةٍ يَحْمِلُ فِيهَا غَالِبًا ، وَيَكُونُ لَهُ فِيهَا جُزْءٌ مِنْ الثَّمَرَةِ مَعْلُومٌ ، صَحَّ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ أَكْثَرُ مِنْ أَنَّ عَمَلَ الْعَامِلِ يَكْثُرُ ، وَنَصِيبَهُ يَقِلُّ ، وَهَذَا لَا يَمْنَعُ صِحَّتَهَا ، كَمَا لَوْ جَعَلَ لَهُ سَهْمًا مِنْ أَلْفِ سَهْمٍ .\rوَفِيهِ الْأَقْسَامُ الَّتِي ذَكَرْنَا فِي كِبَارِ النَّخْلِ وَالشَّجَرِ ، وَهِيَ أَنَّنَا إنْ قُلْنَا : الْمُسَاقَاةُ عَقْدٌ جَائِزٌ .\rلَمْ نَحْتَجْ إلَى ذِكْرِ مُدَّةٍ .\rوَإِنْ قُلْنَا : هُوَ لَازِمٌ .\rفَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ : أَحَدُهَا أَنْ يَجْعَلَ الْمُدَّةَ زَمَنًا يَحْمِلُ فِيهِ غَالِبًا ، فَيَصِحُّ ، فَإِنْ حَمَلَ فِيهَا فَلَهُ مَا شَرَطَ لَهُ ، وَإِنْ لَمْ يَحْمِلْ فِيهَا فَلَا شَيْءَ لَهُ .\rوَالثَّانِي أَنْ يَجْعَلَهَا إلَى زَمَنٍ لَا يَحْمِلُ فِيهِ غَالِبًا ، فَلَا يَصِحُّ ، وَإِنْ عَمِلَ فِيهَا فَهَلْ يَسْتَحِقُّ الْأَجْرَ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ .\rوَإِنْ حَمَلَ فِي الْمُدَّةِ ، لَمْ يَسْتَحِقّ مَا جَعَلَ لَهُ ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ وَقَعَ فَاسِدًا .\rفَلَمْ يَسْتَحِقَّ مَا شُرِطَ فِيهِ .\rوَالثَّالِثُ أَنْ يَجْعَلَ الْمُدَّةَ زَمَنًا يُحْتَمَلُ أَنْ يَحْمِلَ فِيهَا ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَحْمِلَ ، فَهَلْ يَصِحُّ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ .\rفَإِنْ قُلْنَا : لَا يَصِحُّ .\rاسْتَحَقَّ الْأَجْرَ وَإِنْ قُلْنَا : يَصِحُّ .\rفَحَمَلَ فِي الْمُدَّةِ ، اسْتَحَقَّ مَا شُرِطَ لَهُ ، وَإِنْ لَمْ يَحْمِلْ فِيهَا ، لَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا .\rوَإِنْ شَرَطَ نِصْفَ الثَّمَرَةِ وَنِصْفَ الْأَصْلِ ، لَمْ يَصِحَّ ؛ لِأَنَّ مَوْضُوعَ الْمُسَاقَاةِ أَنْ يَشْتَرِكَا فِي النَّمَاءِ وَالْفَائِدَةِ ، فَإِذَا شَرَطَ اشْتِرَاكَهُمَا فِي الْأَصْلِ ، لَمْ يَجُزْ ، كَمَا لَوْ شَرَطَ فِي الْمُضَارَبَةِ اشْتِرَاكَهُمَا فِي رَأْسِ الْمَالِ .\rفَعَلَى هَذَا يَكُونُ لَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ .\rوَكَذَلِكَ لَوْ جَعَلَ لَهُ جُزْءًا مِنْ ثَمَرَتِهَا ، مُدَّةَ بَقَائِهَا ، لَمْ يَجُزْ وَإِنْ جَعَلَ لَهُ ثَمَرَةَ عَامٍ بَعْدَ مُدَّةِ الْمُسَاقَاةِ ، لَمْ يَجُزْ ؛ لِأَنَّهُ يُخَالِفُ مَوْضُوعَ الْمُسَاقَاةِ .","part":11,"page":339},{"id":5339,"text":"( 4136 ) فَصْل : وَإِنْ سَاقَاهُ عَلَى شَجَرٍ يَغْرِسُهُ ، وَيَعْمَلُ فِيهِ حَتَّى يَحْمِلَ ، وَيَكُونُ لَهُ جُزْءٌ مِنْ الثَّمَرَةِ مَعْلُومٌ ، صَحَّ أَيْضًا .\rوَالْحُكْمُ فِيهِ كَمَا لَوْ سَاقَاهُ عَلَى صِغَارِ الشَّجَرِ ، عَلَى مَا بَيَّنَاهُ .\rوَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ ، فِي رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيِّ ، فِي رَجُلٍ قَالَ لِرَجُلِ : اغْرِسْ فِي أَرْضِي هَذِهِ شَجَرًا أَوْ نَخْلًا ، فَمَا كَانَ مِنْ غَلَّةٍ فَلَكَ بِعَمَلِ كَذَا وَكَذَا سَهْمًا مِنْ كَذَا وَكَذَا .\rفَأَجَازَهُ ، وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ خَيْبَرَ فِي الزَّرْعِ وَالنَّخِيلِ ، لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ الْغَرْسُ مِنْ رَبِّ الْأَرْضِ ، كَمَا يُشْتَرَطُ فِي الْمُزَارَعَةِ كَوْنُ الْبَذْرِ مِنْ رَبِّ الْأَرْضِ ، فَإِنْ كَانَ مِنْ الْعَامِلِ ، خُرِّجَ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ ، فِيمَا إذَا اشْتَرَطَ الْبَذْرَ فِي الْمُزَارَعَةِ مِنْ الْعَامِلِ وَقَالَ الْقَاضِي : الْمُعَامَلَةُ بَاطِلَةٌ ، وَصَاحِبُ الْأَرْضِ بِالْخِيَارِ بَيْنَ تَكْلِيفِهِ قَلْعَهَا ، وَيَضْمَنُ لَهُ أَرْشَ نَقْصِهَا ، وَبَيْنَ إقْرَارِهَا فِي أَرْضِهِ ، وَيَدْفَعُ إلَيْهِ قِيمَتَهَا ، كَالْمُشْتَرِي إذَا غَرَسَ فِي الْأَرْضِ الَّتِي اشْتَرَاهَا ، ثُمَّ جَاءَ الشَّفِيعُ فَأَخَذَهَا .\rوَإِنْ اخْتَارَ الْعَامِلُ قَلْعَ شَجَرِهِ ، فَلَهُ ذَلِكَ ، سَوَاءٌ بَذَلَ لَهُ الْقِيمَةَ أَوْ لَمْ يَبْذُلْهَا ؛ لِأَنَّهُ مِلْكُهُ ، فَلَمْ يُمْنَعْ تَحْوِيلَهُ .\rوَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى إبْقَاءِ الْغِرَاسِ ، وَدَفْعِ أَجْرِ الْأَرْضِ ، جَازَ .\rوَلَوْ دَفَعَ أَرْضَهُ إلَى رَجُلٍ يَغْرِسُهَا ، عَلَى أَنَّ الشَّجَرَ بَيْنَهُمَا ، لَمْ يَجُزْ ، عَلَى مَا سَبَقَ وَيُحْتَمَلُ الْجَوَازُ ، بِنَاءً عَلَى الْمُزَارَعَةِ ، فَإِنَّ الْمُزَارِعَ يَبْذُرُ فِي الْأَرْضِ ، فَيَكُونُ الزَّرْعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ صَاحِبِ الْأَرْضِ ، وَهَذَا نَظِيرُهُ .\rوَإِنْ دَفَعَهَا عَلَى أَنَّ الْأَرْضَ وَالشَّجَرَ بَيْنَهُمَا ، فَالْمُعَامَلَةُ فَاسِدَةٌ ، وَجْهًا وَاحِدًا .\rوَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ .\rوَلَا نَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا ؛ لِأَنَّهُ شَرَطَ اشْتِرَاكُهُمَا فِي الْأَصْلِ ، فَفَسَدَ ، كَمَا لَوْ دَفَعَ إلَيْهِ الشَّجَرَ وَالنَّخِيلَ","part":11,"page":340},{"id":5340,"text":"لِيَكُونَ الْأَصْلُ وَالثَّمَرَةُ بَيْنَهُمَا ، أَوْ شَرَطَ فِي الْمُزَارَعَةِ كَوْنَ الْأَرْضِ وَالزَّرْعِ بَيْنَهُمَا .","part":11,"page":341},{"id":5341,"text":"( 4137 ) فَصْلٌ : وَإِذَا سَاقَاهُ عَلَى شَجَرٍ ، فَبَانَ مُسْتَحَقًّا بَعْدَ الْعَمَلِ ، أَخَذَهُ رَبُّهُ وَثَمَرَتَهُ ؛ لِأَنَّهُ عَيْنُ مَالِهِ ، وَلَا حَقَّ لِلْعَامِلِ فِي ثَمَرَتِهِ ؛ لِأَنَّهُ عَمِلَ فِيهَا بِغَيْرِ إذْنِ مَالِكِهَا ، وَلَا أَجْرَ لَهُ عَلَيْهِ لِذَلِكَ ، وَلَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ عَلَى الْغَاصِبِ ؛ لِأَنَّهُ غَرَّهُ وَاسْتَعْمَلَهُ ، فَلَزِمَهُ الْأَجْرُ ، كَمَا لَوْ غَصَبَ نُقْرَةً فَاسْتَأْجَرَ مَنْ ضَرَبَهَا دَرَاهِمَ .\rوَإِنْ شَمَّسَ الثَّمَرَةَ فَلَمْ تَنْقُصْ ، أَخَذَهَا رَبُّهَا ، وَإِنْ نَقَصَتْ ، فَلِرَبِّهَا أَرْشُ نَقْصِهَا ، وَيَرْجِعُ بِهِ عَلَى مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا ، وَيَسْتَقِرُّ ذَلِكَ عَلَى الْغَاصِبِ وَإِنْ اُسْتُحِقَّتْ بَعْدَ أَنْ اقْتَسَمَاهَا ، وَأَكَلَاهَا ، فَلِرَبِّهَا تَضْمِينُ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا ، فَإِنْ ضَمَّنَ الْغَاصِبَ ، فَلَهُ تَضْمِينُهُ الْكُلَّ ، وَلَهُ تَضْمِينُهُ قَدْرَ نَصِيبِهِ ، وَيُضَمِّنُ الْعَامِلَ قَدْرَ نَصِيبِهِ ؛ لِأَنَّ الْغَاصِبَ سَبَبُ يَدِ الْعَامِلِ ، فَلَزِمَهُ ضَمَانُ الْجَمِيعِ .\rفَإِنْ ضَمَّنَهُ الْكُلَّ ، رَجَعَ عَلَى الْعَامِلِ بِقَدْرِ نَصِيبِهِ ؛ لِأَنَّ التَّلَفَ وُجِدَ فِي يَدِهِ ، فَاسْتَقَرَّ الضَّمَانُ عَلَيْهِ ، وَيَرْجِعُ الْعَامِلُ عَلَى الْغَاصِبِ بِأَجْرِ مِثْلِهِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَرْجِعَ الْغَاصِبُ عَلَى الْعَامِلِ بِشَيْءِ ؛ لِأَنَّهُ غَرَّهُ ، فَلَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهِ ، كَمَا لَوْ أَطْعَمَ إنْسَانًا شَيْئًا ، وَقَالَ لَهُ : كُلْهُ ، فَإِنَّهُ طَعَامِي ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ مَغْصُوبٌ .\rوَإِنْ ضَمَّنَ الْعَامِلَ ، احْتَمَلَ أَنَّهُ لَا يُضَمِّنُهُ إلَّا نَصِيبَهُ خَاصَّةً ؛ لِأَنَّهُ مَا قَبَضَ الثَّمَرَةَ كُلَّهَا ، وَإِنَّمَا كَانَ مُرَاعِيًا لَهَا وَحَافِظًا ، فَلَا يَلْزَمُهُ ضَمَانُهَا مَا لَمْ يَقْبِضْهَا .\rوَيُحْتَمَلُ أَنْ يُضَمِّنَهُ الْكُلِّ ؛ لِأَنَّ يَدَهُ ثَبَتَتْ عَلَى الْكُلِّ مُشَاهَدَةً بِغَيْرِ حَقٍّ .\rفَإِنْ ضَمَّنَهُ الْكُلَّ ، رَجَعَ الْعَامِلُ عَلَى الْغَاصِبِ بِبَدَلِ نَصِيبِهِ مِنْهَا ، وَأَجْرِ مِثْلِهِ .\rوَإِنْ ضَمَّنَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا صَارَ إلَيْهِ ، رَجَعَ الْعَامِلُ عَلَى الْغَاصِبِ بِأَجْرِ مِثْلِهِ لَا غَيْرُ وَإِنْ","part":11,"page":342},{"id":5342,"text":"تَلْفِت الثَّمَرَةُ فِي شَجَرِهَا ، أَوْ بَعْدَ الْجُذَاذِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ ، فَمَنْ جَعَلَ الْعَامِلَ قَابِضًا لَهَا بِثُبُوتِ يَدِهِ عَلَى حَائِطِهَا قَالَ : يَلْزَمُهُ ضَمَانُهَا .\rوَمَنْ لَا يَكُونُ قَابِضًا إلَّا بِأَخْذِ نَصِيبِهِ مِنْهَا قَالَ : لَا يَلْزَمُهُ الضَّمَانُ ، وَيَكُونُ عَلَى الْغَاصِبِ .","part":11,"page":343},{"id":5343,"text":"بَابُ الْمُزَارَعَةِ ( 4138 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَتَجُوزُ الْمُزَارَعَةُ بِبَعْضِ مَا يَخْرُجُ مِنْ الْأَرْضِ ) مَعْنَى الْمُزَارَعَةِ : دَفْعُ الْأَرْضِ إلَى مَنْ يَزْرَعُهَا وَيَعْمَلُ عَلَيْهَا ، وَالزَّرْعُ بَيْنَهُمَا .\rوَهِيَ جَائِزَةٌ فِي قَوْلِ كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ، قَالَ الْبُخَارِيُّ : قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : مَا بِالْمَدِينَةِ أَهْلُ بَيْتٍ إلَّا وَيَزْرَعُونَ عَلَى الثُّلُثِ وَالرُّبْعِ ، وَزَارَعَ عَلِيٌّ وَسَعْدٌ ، وَابْنُ مَسْعُودٍ ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَالْقَاسِمُ ، وَعُرْوَةُ ، وَآلُ أَبِي بَكْرٍ ، وَآلُ عَلِيٍّ ، وَابْنُ سِيرِينَ وَمِمَّنْ رَأَى ذَلِكَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ، وَطَاوُسٌ ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْأَسْوَدِ ، وَمُوسَى بْنِ طَلْحَةَ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى ، وَابْنُهُ ، وَأَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مُعَاذٍ ، وَالْحَسَنِ ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْن يَزِيدَ .\rقَالَ الْبُخَارِيُّ : وَعَامَلَ عُمَرُ النَّاسَ عَلَى أَنَّهُ إنْ جَاءَ عُمَرُ بِالْبَذْرِ مِنْ عِنْدِهِ ، فَلَهُ الشَّطْرُ ، وَإِنْ جَاءُوا بِالْبَذْرِ ، فَلَهُمْ كَذَا .\rوَكَرِهَهَا عِكْرِمَةُ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ الْأَمْرَانِ جَمِيعًا .\rوَأَجَازَهَا الشَّافِعِيُّ فِي الْأَرْضِ بَيْنَ النَّخِيلِ ، إذَا كَانَ بَيَاضُ الْأَرْضِ أَقَلَّ ، فَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ فَعَلَى وَجْهَيْنِ .\rوَمَنَعَهَا فِي الْأَرْضِ الْبَيْضَاءِ ؛ لِمَا رَوَى { رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ قَالَ : كُنَّا نُخَابِرُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rفَذَكَرَ أَنَّ بَعْضَ عُمُومَتِهِ أَتَاهُ ، فَقَالَ : نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَمْرٍ كَانَ لَنَا نَافِعًا ، وَطَوَاعِيَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْفَعُ .\rقَالَ قُلْنَا : مَا ذَاكَ ؟ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ فَلْيَزْرَعْهَا ، وَلَا يُكْرِيهَا بِثُلُثٍ وَلَا بِرُبْعٍ ، وَلَا بِطَعَامٍ مُسَمًّى } وَعَنْ { ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ : مَا كُنَّا نَرَى بِالْمُزَارَعَةِ","part":11,"page":344},{"id":5344,"text":"بَأْسًا حَتَّى سَمِعْت رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ يَقُولُ : نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْهَا } .\rوَقَالَ جَابِرٌ : { نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْمُخَابَرَةِ } .\rوَهَذِهِ كُلّهَا أَحَادِيثُ صِحَاحٌ ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا .\rوَالْمُخَابَرَةُ : الْمُزَارَعَةُ .\rوَاشْتِقَاقُهَا مِنْ الْخَبَارِ ، وَهِيَ الْأَرْضُ اللَّيِّنَةُ ، وَالْخَبِيرُ : الْأَكَّارُ .\rوَقِيلَ : الْمُخَابَرَةُ مُعَامَلَةُ أَهْلِ خَيْبَرَ .\rوَقَدْ جَاءَ حَدِيثُ جَابِرٍ مُفَسِّرًا ، فَرَوَى الْبُخَارِيُّ ، عَنْ جَابِرٍ ، قَالَ : كَانُوا يَزْرَعُونَهَا بِالثُّلُثِ وَالرُّبْعِ وَالنِّصْفِ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : مَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ فَلْيَزْرَعْهَا ، أَوْ لِيَمْنَحْهَا ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ ، فَلْيُمْسِكْ أَرْضَهُ .\r} وَرُوِيَ تَفْسِيرُهَا عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، فَرَوَى أَبُو دَاوُد ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ زَيْدٍ قَالَ : { نَهَى رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْمُخَابَرَةِ .\rقُلْت : وَمَا الْمُخَابَرَةُ ؟ قَالَ : أَنْ يَأْخُذَ الْأَرْضَ بِنِصْفٍ أَوْ ثُلُثٍ أَوْ رُبْعٍ } .\rوَلَنَا مَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ ، قَالَ : { إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامَلَ أَهْلَ خَيْبَرَ بِشَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا ، مِنْ زَرْعٍ أَوْ ثَمَرٍ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَقَدْ رَوَى ذَلِكَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَجَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : { عَامَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَهْلَ خَيْبَرَ بِالشَّطْرِ ، ثُمَّ أَبُو بَكْرٍ ، ثُمَّ عُمَرُ ، وَعُثْمَانُ ، وَعَلِيٌّ ، ثُمَّ أَهْلُوهُمْ إلَى الْيَوْمِ يُعْطُونَ الثُّلُثَ وَالرُّبْعَ .\r} وَهَذَا أَمْرٌ صَحِيحٌ مَشْهُورٌ عَمِلَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى مَاتَ ، ثُمَّ خُلَفَاؤُهُ الرَّاشِدُونَ حَتَّى مَاتُوا ، ثُمَّ أَهْلُوهُمْ مِنْ بَعْدِهِمْ ، وَلَمْ يَبْقَ بِالْمَدِينَةِ أَهْلُ بَيْتٍ إلَّا وَعَمِلَ بِهِ ، وَعَمِلَ بِهِ أَزْوَاجُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ بَعْدِهِ ، فَرَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ","part":11,"page":345},{"id":5345,"text":"ابْنِ عُمَرَ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { عَامَلَ أَهْلَ خَيْبَرَ بِشَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا ، مِنْ زَرْعٍ أَوْ ثَمَرٍ ، فَكَانَ يُعْطِي أَزْوَاجَهُ مِائَةَ وَسْقٍ ، ثَمَانُونَ وَسْقًا تَمْرًا ، وَعِشْرُونَ وَسْقًا شَعِيرًا ، فَقَسَّمَ عُمَرُ خَيْبَرَ ، فَخَيَّرَ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَقْطَعَ لَهُنَّ مِنْ الْأَرْضِ وَالْمَاءِ ، أَوْ يُمْضِيَ لَهُنَّ الْأَوْسُقَ ، فَمِنْهُنَّ مَنْ اخْتَارَ الْأَرْضَ ، وَمِنْهُنَّ مَنْ اخْتَارَ الْأَوْسُقَ ، فَكَانَتْ عَائِشَةُ اخْتَارَتْ الْأَرْضَ .\r} وَمِثْلُ هَذَا لَا يَجُوزُ أَنْ يُنْسَخَ ؛ لِأَنَّ النَّسْخَ إنَّمَا يَكُونُ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَمَّا شَيْءٌ عَمِلَ بِهِ إلَى أَنْ مَاتَ ، ثُمَّ عَمِلَ بِهِ خُلَفَاؤُهُ بَعْدَهُ ، وَأَجْمَعَتْ الصَّحَابَةُ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ عَلَيْهِ ، وَعَمِلُوا بِهِ ، وَلَمْ يُخَالِفْ فِيهِ مِنْهُمْ أَحَدٌ ، فَكَيْفَ يَجُوزُ نَسْخُهُ ، وَمَتَى كَانَ نَسْخُهُ ؟ فَإِنْ كَانَ نُسِخَ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَيْفَ عُمِلَ بِهِ بَعْدَ نَسْخِهِ ، وَكَيْفَ خَفِيَ نَسْخُهُ ، فَلَمْ يَبْلُغْ خُلَفَاءَهُ ، مَعَ اشْتِهَارِ قِصَّةِ خَيْبَرَ ، وَعَمَلِهِمْ فِيهَا ؟ فَأَيْنَ كَانَ رَاوِي النَّسْخِ ، حَتَّى لَمْ يَذْكُرْهُ ، وَلَمْ يُخْبِرْهُمْ بِهِ ؟ فَأَمَّا مَا احْتَجُّوا بِهِ فَالْجَوَابُ عَنْ حَدِيثِ رَافِعٍ ، مِنْ أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ : أَحَدُهَا أَنَّهُ قَدْ فَسَّرَ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ فِي حَدِيثِهِ بِمَا لَا يُخْتَلَفُ فِي فَسَادِهِ ، فَإِنَّهُ قَالَ : كُنَّا مِنْ أَكْثَرِ الْأَنْصَارِ حَقْلًا ، فَكُنَّا نُكْرِي الْأَرْضَ عَلَى أَنَّ لَنَا هَذِهِ ، وَلَهُمْ هَذِهِ ، فَرُبَّمَا أَخْرَجَتْ هَذِهِ وَلَمْ تُخْرِجْ هَذِهِ ، فَنَهَانَا عَنْ ذَلِكَ ، فَأَمَّا بِالذَّهَبِ وَالْوَرِقِ ، فَلَمْ يَنْهَنَا ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَفِي لَفْظٍ : فَأَمَّا بِشَيْءٍ مَعْلُومٍ مَضْمُونٍ ، فَلَا بَأْسَ .\rوَهَذَا خَارِجٌ عَنْ مَحَلِّ الْخِلَافِ ، فَلَا دَلِيلَ فِيهِ عَلَيْهِ ، وَلَا تَعَارُضَ بَيْن الْحَدِيثَيْنِ .\rالثَّانِي أَنَّ خَبَرَهُ وَرَدَ فِي الْكِرَاءِ","part":11,"page":346},{"id":5346,"text":"بِثُلُثٍ أَوْ رُبْعٍ ، وَالنِّزَاعُ فِي الْمُزَارَعَةِ ، وَلَمْ يَدُلَّ حَدِيثُهُ عَلَيْهَا أَصْلًا ، وَحَدِيثُهُ الَّذِي فِيهِ الْمُزَارَعَةُ يُحْمَلُ عَلَى الْكِرَاءِ أَيْضًا ؛ لِأَنَّ الْقِصَّةَ وَاحِدَةٌ ، رُوِيَتْ بِأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَةٍ ، فَيَجِبُ تَفْسِيرُ أَحَدِ اللَّفْظَيْنِ بِمَا يُوَافِقُ الْآخَرَ .\rالثَّالِثُ أَنَّ أَحَادِيثَ رَافِعٍ مُضْطَرِبَةٌ جِدًّا ، مُخْتَلِفَةٌ اخْتِلَافًا كَثِيرًا .\rيُوجِبُ تَرْكَ الْعَمَلِ بِهَا لَوْ انْفَرَدَتْ ، فَكَيْفَ يُقَدَّمُ عَلَى مِثْلِ حَدِيثِنَا ؟ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدِيثُ رَافِعٍ أَلْوَانٌ .\rوَقَالَ أَيْضًا : حَدِيثُ رَافِعٍ ضُرُوبٌ .\rوَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : قَدْ جَاءَتْ الْأَخْبَارُ عَنْ رَافِعٍ بِعِلَلٍ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ النَّهْيَ كَانَ لِذَلِكَ ، مِنْهَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ ، وَمِنْهَا خَمْسٌ أُخْرَى .\rوَقَدْ أَنْكَرَهُ فَقِيهَانِ مِنْ فُقَهَاءِ الصَّحَابَةِ ؛ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ : أَنَا أَعْلَمُ بِذَلِكَ مِنْهُ ، وَإِنَّمَا سَمِعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلَيْنِ قَدْ اقْتَتَلَا ، فَقَالَ : \" إنْ كَانَ هَذَا شَأْنَكُمْ ، فَلَا تُكْرُوا الْمَزَارِعَ \" رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالْأَثْرَمُ .\rوَرَوَى الْبُخَارِيُّ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، قَالَ : قُلْت لِطَاوُسٍ : لَوْ تَرَكْت الْمُخَابَرَةَ ، فَإِنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْهَا .\rقَالَ : إنَّ أَعْلَمَهُمْ يَعْنِي ابْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَنِي أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَنْهَ عَنْهَا ، وَلَكِنْ قَالَ : \" أَنْ يَمْنَحَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَأْخُذَ عَلَيْهَا خَرَاجًا مَعْلُومًا \" ثُمَّ إنَّ أَحَادِيثَ رَافِعٍ مِنْهَا مَا يُخَالِفُ الْإِجْمَاعَ ، وَهُوَ النَّهْيُ عَنْ كِرَاءِ الْمَزَارِعِ عَلَى الْإِطْلَاقِ ، وَمِنْهَا مَا لَا يُخْتَلَفُ فِي فَسَادِهِ ، كَمَا قَدْ بَيَّنَّا ، وَتَارَةً يُحَدِّثُ عَنْ بَعْضِ عُمُومَتِهِ ، وَتَارَةً عَنْ سَمَاعِهِ ، وَتَارَةً عَنْ ظُهَيْرِ بْنِ رَافِعٍ ، وَإِذَا كَانَتْ أَخْبَارُ رَافِعٍ هَكَذَا ، وَجَبَ إخْرَاجُهَا وَاسْتِعْمَالُ الْأَخْبَارِ","part":11,"page":347},{"id":5347,"text":"الْوَارِدَةِ فِي شَأْنِ خَيْبَرَ ، الْجَارِيَةِ مَجْرَى التَّوَاتُرِ ، الَّتِي لَا اخْتِلَافَ فِيهَا ، وَبِهَا عَمِلَ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ وَغَيْرُهُمْ ، فَلَا مَعْنَى لِتَرْكِهَا بِمِثْلِ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ الْوَاهِيَةِ .\rالْجَوَابُ الرَّابِعُ أَنَّهُ لَوْ قُدِّرَ صِحَّةُ خَبَرِ رَافِعٍ ، وَامْتَنَعَ تَأْوِيلُهُ ، وَتَعَذَّرَ الْجَمْعُ ، لَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلَى أَنَّهُ مَنْسُوخٌ ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ نَسْخِ أَحَدِ الْخَبَرَيْنِ ، وَيَسْتَحِيلُ الْقَوْلُ بِنَسْخِ حَدِيثِ خَيْبَرَ ؛ لِكَوْنِهِ مَعْمُولًا بِهِ مِنْ جِهَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى حِينِ مَوْتِهِ ، ثُمَّ مِنْ بَعِدَهُ إلَى عَصْرِ التَّابِعِينَ ، فَمَتَى كَانَ نَسْخُهُ ؟ وَأَمَّا حَدِيثُ جَابِرٍ فِي النَّهْيِ عَنْ الْمُخَابَرَة ، فَيَجِبُ حَمْلُهُ عَلَى أَحَدِ الْوُجُوهِ الَّتِي حُمِلَ عَلَيْهَا خَبَرُ رَافِعٍ ؛ فَإِنَّهُ قَدْ رَوَى حَدِيثَ خَيْبَرَ أَيْضًا ، فَيَجِبُ الْجَمْعُ بَيْنَ حَدِيثَيْهِ ، مَهْمَا أَمْكَنَ ، ثُمَّ لَوْ حُمِلَ عَلَى الْمُزَارَعَةِ ، لَكَانَ مَنْسُوخًا بِقِصَّةِ خَيْبَرَ ؛ لِاسْتِحَالَةِ نَسْخِهَا كَمَا ذَكَرْنَا ، وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ فَإِنْ قَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ : تُحْمَلُ أَحَادِيثُكُمْ عَلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَيْنَ النَّخِيلِ ، وَأَحَادِيثُ النَّهْيِ عَنْ الْأَرْضِ الْبَيْضَاء جَمْعًا بَيْنَهُمَا .\rقُلْنَا : هَذَا بَعِيدٌ لِوُجُوهٍ خَمْسَةٍ : أَحَدُهَا أَنَّهُ يَبْعُدُ أَنْ تَكُونَ بَلْدَةٌ كَبِيرَةٌ يَأْتِي مِنْهَا أَرْبَعُونَ أَلْفَ وَسْقٍ ، لَيْسَ فِيهَا أَرْضٌ بَيْضَاءُ ، وَيَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ قَدْ عَامَلَهُمْ عَلَى بَعْضِ الْأَرْضِ دُونَ بَعْضٍ ، فَيَنْقُلُ الرُّوَاةُ كُلُّهُمْ الْقِصَّةَ عَلَى الْعُمُومِ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ ، مَعَ الْحَاجَةِ إلَيْهِ .\rالثَّانِي أَنَّ مَا يَذْكُرُونَهُ مِنْ التَّأْوِيلِ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ ، وَمَا ذَكَرْنَاهُ دَلَّتْ عَلَيْهِ بَعْضُ الرِّوَايَاتِ ، وَفَسَّرَهُ الرَّاوِي لَهُ بِمَا ذَكَرْنَاهُ ، وَلَيْسَ مَعَهُمْ سِوَى الْجَمْعِ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ ، وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا بِحَمْلِ بَعْضِهَا عَلَى مَا فَسَّرَهُ رِوَايَةً بِهِ أَوْلَى مِنْ التَّحَكُّمِ","part":11,"page":348},{"id":5348,"text":"بِمَا لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ .\rالثَّالِثُ أَنَّ قَوْلَهُمْ يُفْضِي إلَى تَقْيِيدِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْحَدِيثَيْنِ ، وَمَا ذَكَرْنَاهُ حَمْلٌ لِأَحَدِهِمَا وَحْدَهُ .\rالرَّابِعُ أَنَّ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ مُوَافَقَةَ عَمَلِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ ، وَأَهْلَيْهِمْ ، وَفُقَهَاءِ الصَّحَابَةِ ، وَهُمْ أَعْلَمُ بِحَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسُنَّتِهِ وَمَعَانِيهَا ، وَهُوَ أَوْلَى مِنْ قَوْلِ مَنْ خَالَفَهُمْ .\rالْخَامِسُ ، أَنَّ مَا ذَهَبْنَا إلَيْهِ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ ، فَإِنَّ أَبَا جَعْفَرٍ رَوَى ذَلِكَ عَنْ كُلِّ أَهْلِ بَيْتٍ بِالْمَدِينَةِ ، وَعَنْ الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ وَأَهْلَيْهِمْ ، وَفُقَهَاءِ الصَّحَابَةِ وَاسْتِمْرَارُ ذَلِكَ ، وَهَذَا مِمَّا لَا يَجُوزُ خَفَاؤُهُ ، وَلَمْ يُنْكِرْهُ مِنْ الصَّحَابَةِ مُنْكِرٌ ، فَكَانَ إجْمَاعًا وَمَا رُوِيَ فِي مُخَالَفَتِهِ ، فَقَدْ بَيَّنَّا فَسَادَهُ ، فَيَكُونُ هَذَا إجْمَاعًا مِنْ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، لَا يُسَوَّغُ لَأَحَدٍ خِلَافُهُ .\rوَالْقِيَاسُ يَقْتَضِيه ، فَإِنَّ الْأَرْضَ عَيْنٌ تُنَمَّى بِالْعَمَلِ فِيهَا ، فَجَازَتْ الْمُعَامَلَةُ عَلَيْهَا بِبَعْضِ نَمَائِهَا ، كَالْأَثْمَانِ فِي الْمُضَارَبَةِ ، وَالنَّخْلِ فِي الْمُسَاقَاةِ ، أَوْ نَقُولُ : أَرْضٌ ، فَجَازَتْ الْمُزَارَعَةُ عَلَيْهَا ، كَالْأَرْضِ بَيْنَ النَّخِيلِ .\rوَلِأَنَّ الْحَاجَةَ دَاعِيَةٌ إلَى الْمُزَارَعَةِ ؛ لِأَنَّ أَصْحَابَ الْأَرْضِ قَدْ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى زَرْعِهَا ، وَالْعَمَلِ عَلَيْهَا ، وَالْأَكَرَةُ يَحْتَاجُونَ إلَى الزَّرْعِ .\rوَلَا أَرْضَ لَهُمْ ، فَاقْتَضَتْ حِكْمَةُ الشَّرْعِ جَوَازَ الْمُزَارَعَةِ ، كَمَا قُلْنَا فِي الْمُضَارَبَةِ وَالْمُسَاقَاةِ بَلْ الْحَاجَةُ هَا هُنَا آكَدُ ؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ إلَى الزَّرْعِ آكَدُ مِنْهَا إلَى غَيْرِهِ ، لِكَوْنِهِ مُقْتَاتًا ، وَلِكَوْنِ الْأَرْضِ لَا يُنْتَفَعُ بِهَا إلَّا بِالْعَمَلِ عَلَيْهَا ، بِخِلَافِ الْمَالِ ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُ رَاوِي حَدِيثِهِمْ : نَهَانَا رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَمْرٍ كَانَ لَنَا نَافِعًا .\rوَالشَّارِعُ لَا يَنْهَى عَنْ الْمَنَافِعِ ، وَإِنَّمَا يَنْهَى عَنْ","part":11,"page":349},{"id":5349,"text":"الْمَضَارِّ وَالْمَفَاسِدِ ، فَيَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى غَلَطِ الرَّاوِي فِي النَّهْيِ عَنْهُ ، وَحُصُولِ الْمَنْفَعَةِ فِيمَا ظَنَّهُ مَنْهِيًّا عَنْهُ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّ حُكْمَ الْمُزَارَعَةِ حُكْمُ الْمُسَاقَاةِ ، فِي أَنَّهَا إنَّمَا تَجُوزُ بِجُزْءٍ لِلْعَامِلِ مِنْ الزَّرْعِ ، وَفِي جَوَازِهَا ، وَلُزُومِهَا ، وَمَا يَلْزَمُ الْعَامِلَ وَرَبَّ الْأَرْضِ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَحْكَامِهَا .","part":11,"page":350},{"id":5350,"text":"( 4139 ) فَصْلٌ : وَإِذَا كَانَ فِي الْأَرْضِ شَجَرٌ ، وَبَيْنَهُ بَيَاضُ أَرْضٍ ، فَسَاقَاهُ عَلَى الشَّجَرِ ، وَزَارَعَهُ الْأَرْضَ الَّتِي بَيْنَ الشَّجَرِ جَازَ ، سَوَاءٌ قَلَّ بَيَاضُ الْأَرْضِ أَوْ كَثُرَ ، نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، وَقَالَ : قَدْ دَفَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَيْبَرَ عَلَى هَذَا .\rوَبِهَذَا قَالَ كُلُّ مَنْ أَجَازَ الْمُزَارَعَةَ فِي الْأَرْضِ الْمُفْرَدَةِ .\rفَإِذَا قَالَ : سَاقَيْتُك عَلَى الشَّجَرِ ، وَزَارَعْتُك عَلَى الْأَرْضِ بِالنِّصْفِ .\rجَازَ .\rوَإِنْ قَالَ : عَامَلْتُك عَلَى الْأَرْضِ وَالشَّجَرِ عَلَى النِّصْفِ ، جَازَ ؛ لِأَنَّ الْمُعَامَلَةَ تَشْمَلُهُمَا .\rوَإِنْ قَالَ : زَارَعْتُك : الْأَرْضَ بِالنِّصْفِ ، وَسَاقَيْتُك عَلَى الشَّجَرِ بِالرُّبْعِ .\rجَازَ كَمَا يَجُوزُ أَنْ يُسَاقِيَهُ عَلَى أَنْوَاعٍ مِنْ الشَّجَرِ ، وَيَجْعَلَ لَهُ فِي كُلِّ نَوْعٍ قَدْرًا .\rوَإِنْ قَالَ : سَاقَيْتُك عَلَى الْأَرْضِ وَالشَّجَرِ بِالنِّصْفِ .\rجَازَ ؛ لِأَنَّ الْمُزَارَعَةَ مُسَاقَاةٌ مِنْ حَيْثُ إنَّهَا تَحْتَاجُ إلَى السَّقْيِ فِيهَا ، لِحَاجَةِ الشَّجَرِ إلَيْهِ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ : لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ الْمُسَاقَاةَ لَا تَتَنَاوَلُ الْأَرْضَ ، وَتَصِحُّ فِي النَّخْلِ وَحْدَهُ .\rوَقِيلَ : يَنْبَنِي عَلَى تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ .\rوَلَنَا أَنَّهُ عَبَّرَ عَنْ عَقْدٍ بِلَفْظِ عَقْدٍ يُشَارِكُهُ فِي الْمَعْنَى الْمَشْهُورِ بِهِ فِي الِاشْتِقَاقِ ، فَصَحَّ ، كَمَا لَوْ عَبَّرَ بِلَفْظِ الْبَيْعِ فِي السَّلَمِ ، وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ الْمَعْنَى ، وَقَدْ عُلِمَ بِقَرَائِنِ أَحْوَالِهِ وَهَكَذَا إنْ قَالَ فِي الْأَرْضِ الْبَيْضَاءِ : سَاقَيْتُك عَلَى هَذِهِ الْأَرْضِ بِنِصْفِ مَا يُزْرَعُ فِيهَا .\rفَأَمَّا إنْ قَالَ : سَاقَيْتُك عَلَى الشَّجَرِ بِالنِّصْفِ .\rوَلَمْ يَذْكُرْ الْأَرْضَ ، لَمْ تَدْخُلْ فِي الْعَقْدِ ، وَلَيْسَ لِلْعَامِلِ أَنْ يَزْرَعَ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ مَالِكٌ ، وَأَبُو يُوسُفَ : لِلدَّاخِلِ زَرْعُ الْبَيَاضِ ، فَإِنْ تَشَارَطَا أَنَّ ذَلِكَ بَيْنَهُمَا ، فَهُوَ جَائِزٌ ، وَإِنْ اشْتَرَطَ صَاحِبُ الْأَرْضِ أَنَّهُ يَزْرَعُ الْبَيَاضَ ، لَمْ يَصِحَّ لِأَنَّ الدَّاخِلَ","part":11,"page":351},{"id":5351,"text":"يَسْقِي لِرَبِّ الْأَرْضِ ، فَتِلْكَ زِيَادَةٌ ازْدَادَهَا عَلَيْهِ .\rوَلَنَا أَنَّ هَذَا لَمْ يَتَنَاوَلْهُ الْعَقْدُ فَلَمْ يَدْخُلْ فِيهِ ، كَمَا لَوْ كَانَتْ أَرْضًا مُنْفَرِدَةً .","part":11,"page":352},{"id":5352,"text":"( 4140 ) فَصْلٌ : وَإِنْ زَارَعَهُ أَرْضًا فِيهَا شَجَرَاتٌ يَسِيرَةٌ ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يَشْتَرِطَ الْعَامِلُ ثَمَرَتَهَا ، وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ ، وَأَجَازَهُ مَالِكٌ إذَا كَانَ الشَّجَرُ بِقَدْرِ الثُّلُثِ أَوْ أَقَلَّ ؛ لِأَنَّهُ يَسِيرٌ ، فَيَدْخُلُ تَبَعًا .\rوَلَنَا أَنَّهُ اشْتَرَطَ الثَّمَرَةَ كُلَّهَا ، فَلَمْ يَجُزْ ، كَمَا لَوْ كَانَ الشَّجَرُ أَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ .","part":11,"page":353},{"id":5353,"text":"( 4141 ) فَصْلٌ : وَإِنْ آجَرَهُ بَيَاضَ أَرْضٍ ، وَسَاقَاهُ عَلَى الشَّجَرِ الَّذِي فِيهَا جَازَ ؛ لِأَنَّهُمَا عَقْدَانِ يَجُوزُ إفْرَادُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ، فَجَازَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا ، كَالْبَيْعِ ، وَالْإِجَارَةِ .\rوَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَجُوزَ ، بِنَاءً عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي لَا يَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا فِي الْأَصْلِ .\rوَالْأَوَّلُ أَوْلَى ، إلَّا أَنْ يَفْعَلَا ذَلِكَ حِيلَةً عَلَى شِرَاءِ الثَّمَرَةِ قَبْلَ وُجُودِهَا ، أَوْ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا ، فَلَا يَجُوزُ ، سَوَاءٌ جَمَعَا بَيْنَ الْعَقْدَيْنِ ، أَوْ عَقَدَا أَحَدَهُمَا بَعْدَ الْآخَرِ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا فِي إبْطَالِ الْحِيَلِ .","part":11,"page":354},{"id":5354,"text":"( 4143 ) فَصْلٌ : فَإِنْ كَانَ الْبَذْرُ مِنْهُمَا نِصْفَيْنِ ، وَشَرَطَا أَنَّ الزَّرْعَ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ ، فَهُوَ بَيْنَهُمَا ، سَوَاءٌ قُلْنَا بِصِحَّةِ الْمُزَارَعَةِ أَوْ فَسَادِهَا ؛ لِأَنَّهَا إنْ كَانَتْ صَحِيحَةً ، فَالزَّرْعُ بَيْنَهُمَا عَلَى مَا شَرَطَاهُ ، وَإِنْ كَانَتْ فَاسِدَةً فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِقَدْرِ بَذْرِهِ ، لَكِنْ إنْ حَكَمْنَا بِصِحَّتِهَا ، لَمْ يَرْجِعْ أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ بِشَيْءِ .\rوَإِنْ قُلْنَا : مِنْ شَرْطِ صِحَّتِهَا إخْرَاجُ رَبِّ الْمَالِ الْبَذْرَ .\rفَهِيَ فَاسِدَةٌ ، فَعَلَى الْعَامِلِ نِصْفُ أَجْرِ الْأَرْضِ ، وَلَهُ عَلَى رَبِّ الْأَرْضِ نِصْفُ أَجْرِ عَمَلِهِ ، فَيَتَقَاصَّانِ بِقَدْرِ الْأَقَلِّ مِنْهُمَا ، وَيَرْجِعُ أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ بِالْفَضْلِ وَإِنْ شَرَطَا التَّفَاضُلَ فِي الزَّرْعِ ، وَقُلْنَا بِصِحَّتِهَا ، فَالزَّرْعُ بَيْنَهُمَا عَلَى مَا شَرَطَاهُ ، وَلَا تَرَاجُعَ بَيْنَهُمَا .\rوَإِنْ قُلْنَا بِفَسَادِهَا ، فَالزَّرْعُ بَيْنَهُمَا عَلَى قَدْرِ بَذْرِهِمَا ، وَيَتَرَاجَعَانِ ، كَمَا ذَكَرْنَا .\rوَكَذَلِكَ إنْ تَفَاضَلَا فِي الْبَذْرِ ، وَشَرَطَا التَّسَاوِيَ فِي الزَّرْعِ ، أَوْ شَرَطَا لِأَحَدِهِمَا أَكْثَرَ مِنْ قَدْرِ بَذْرِهِ أَوْ أَقَلَّ .","part":11,"page":355},{"id":5355,"text":"فَصْلٌ : فَإِنْ قَالَ صَاحِبُ الْأَرْضِ : أَجَّرْتُك نِصْفَ أَرْضِي هَذِهِ بِنِصْفِ بَذْرِك وَنِصْفِ مَنْفَعَتِك وَمَنْفَعَةِ بَقَرِك ، وَآلَتِك .\rوَأَخْرَجَ الْمُزَارِعُ الْبَذْرَ كُلَّهُ ، لَمْ يَصِحَّ ؛ لِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ غَيْرُ مَعْلُومَةٍ .\rوَكَذَلِكَ لَوْ جَعَلَهَا أُجْرَةً لِأَرْضٍ أُخْرَى ، أَوْ دَارٍ ، لَمْ يَجُزْ ، وَيَكُونُ الزَّرْعُ كُلُّهُ لِلْمُزَارِعِ ، وَعَلَيْهِ أَجْرُ مِثْلِ الْأَرْضِ .\rوَإِنْ أَمْكَنَ عِلْمُ الْمَنْفَعَةِ وَضَبْطُهَا بِمَا لَا تَخْتَلِفُ مَعَهُ ، وَمَعْرِفَةُ الْبَذْرِ ، جَازَ ، وَكَانَ الزَّرْعُ بَيْنَهُمَا .\rوَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَصِحَّ ؛ لِأَنَّ الْبَذْرَ عِوَضٌ ، فَيُشْتَرَطُ قَبْضُهُ ، كَمَا لَوْ كَانَ مَبِيعًا ، وَمَا حَصَلَ فِيهِ قَبْضٌ .\rوَإِنْ قَالَ : أَجَرْتُك نِصْفَ أَرْضِي ، بِنِصْفِ مَنْفَعَتِك ، وَمَنْفَعَةِ بَقَرِك ، وَآلَتِك ، وَأَخْرَجَا الْبَذْرَ ، فَهِيَ كَاَلَّتِي قَبْلَهَا ، إلَّا أَنَّ الزَّرْعَ يَكُونُ بَيْنَهُمَا عَلَى كُلِّ حَالٍ .","part":11,"page":356},{"id":5356,"text":"( 4145 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : ( فَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى أَنْ يَأْخُذَ رَبُّ الْأَرْضِ مِثْلَ بَذْرِهِ ، وَيَقْتَسِمَا مَا بَقِيَ ، لَمْ يَجُزْ ) وَكَانَتْ لِلْمُزَارِعِ أُجْرَةُ مِثْلِهِ .\rوَكَذَلِكَ يَبْطُلُ إنْ أَخْرَجَ الْمُزَارِعُ الْبَذْرَ ، وَيَصِيرُ الزَّرْعُ لِلْمَزَارِعِ ، وَعَلَيْهِ أُجْرَةُ الْأَرْضِ .\rأَمَّا إذَا اتَّفَقَا عَلَى أَنْ يَأْخُذَ رَبُّ الْأَرْضِ مِثْلَ بَذْرِهِ ، فَلَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّهُ كَأَنَّهُ اشْتَرَطَ لِنَفْسِهِ قُفْزَانًا مَعْلُومَةً ، وَذَلِكَ شَرْطٌ فَاسِدٌ ، تَفْسُدُ بِهِ الْمُزَارَعَةُ ، لِأَنَّ الْأَرْضَ رُبَّمَا لَا يَخْرُجُ مِنْهَا إلَّا تِلْكَ الْقُفْزَانُ ، فَيَخْتَصُّ رَبُّ الْمَالِ بِهَا ، وَرُبَّمَا لَا تُخْرِجُهَا الْأَرْضُ وَأَمَّا إذَا أَخْرَجَ الْمُزَارِعُ الْبَذْرَ ، فَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي صِحَّةِ هَذَا الشَّرْطِ .\rوَقَدْ ذَكَرَ الْخِرَقِيِّ ، أَنَّهُ فَاسِدٌ .\rفَإِذَا أَخْرَجَ الْمُزَارِعُ الْبَذْرَ فَسَدَتْ ، كَمَا لَوْ أَخْرَجَ الْعَامِلُ فِي الْمُضَارَبَةِ رَأْسَ الْمَالِ مِنْ عِنْدِهِ .\rوَمَتَى فَسَدَتْ الْمُزَارَعَةُ ، فَالزَّرْعُ لِصَاحِبِ الْبَذْرِ ؛ لِأَنَّهُ عَيْنُ مَا لَهُ ، يَنْقَلِبُ مِنْ حَالٍ إلَى حَالٍ ، وَيَنْمُو ، فَصَارَ كَصِغَارِ الشَّجَرِ إذَا غُرِسَ فَطَالَ ، وَالْبَيْضَةِ إذَا حُضِنَتْ فَصَارَتْ فَرْخًا ، وَالْبَذْرُ هَا هُنَا مِنْ الْمُزَارِعِ ، فَكَانَ الزَّرْعُ لَهُ ، وَعَلَيْهِ أَجْرُ الْأَرْضِ ؛ لِأَنَّ رَبَّهَا إنَّمَا بَذَلَهَا لَهُ بِعِوَضٍ لَمْ يُسَلَّمْ لَهُ ، فَرَجَعَ إلَى عِوَضِ مَنَافِعِهَا النَّابِتَةِ بِزَرْعِهَا عَلَى صَاحِبِ الزَّرْعِ وَلَوْ فَسَدَتْ ، وَالْبَذْرُ مِنْ رَبِّ الْأَرْضِ ، كَانَ الزَّرْعُ لَهُ ، وَعَلَيْهِ أَجْرُ مِثْلِ الْعَامِلِ لِذَلِكَ ، وَإِنْ كَانَ الْبَذْرُ مِنْهُمَا فَالزَّرْعُ بَيْنَهُمَا ، وَيَتَرَاجَعَانِ بِمَا يَفْضُلُ لِأَحَدِهِمَا عَلَى صَاحِبِهِ ، مِنْ أَجْرِ مِثْلِ الْأَرْضِ الَّتِي فِيهَا نَصِيبُ الْعَامِلِ ، وَأَجْرِ الْعَامِلِ بِقَدْرِ عَمَلِهِ فِي نَصِيبِ صَاحِبِ الْأَرْضِ .","part":11,"page":357},{"id":5357,"text":"( 4146 ) فَصْلٌ : وَإِنْ زَارَعَهُ عَلَى أَنَّ لِرَبِّ الْأَرْضِ زَرْعًا بِعَيْنِهِ ، وَلِلْعَامِلِ زَرْعًا بِعَيْنِهِ ، مِثْلَ أَنْ يَشْتَرِطَ لِأَحَدِهِمَا زَرْعَ نَاحِيَةٍ ، وَلِلْآخَرِ زَرْعَ أُخْرَى ، أَوْ يَشْتَرِطَ أَحَدُهُمَا مَا عَلَى السَّوَاقِي وَالْجَدَاوِلِ ، إمَّا مُنْفَرِدًا ، أَوْ مَعَ نَصِيبِهِ ، فَهُوَ فَاسِدٌ بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاء ؛ لِأَنَّ الْخَبَرَ صَحِيحٌ فِي النَّهْيِ عَنْهُ ، غَيْرُ مُعَارَضٍ وَلَا مَنْسُوخٍ ، وَلِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى تَلَفِ مَا عُيِّنَ لِأَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ ، فَيَنْفَرِدُ أَحَدُهُمَا بِالْغَلَّةِ دُونَ صَاحِبِهِ .","part":11,"page":358},{"id":5358,"text":"( 4147 ) فَصْلٌ : وَالشُّرُوطُ الْفَاسِدَةُ فِي الْمُسَاقَاةِ وَالْمُزَارَعَةِ تَنْقَسِمُ قِسْمَيْنِ أَحَدُهُمَا مَا يَعُودُ بِجَهَالَةِ نَصِيبِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ، مِثْلُ مَا ذَكَرْنَا هَا هُنَا ، أَوْ أَنْ يَشْتَرِطَ أَحَدُهُمَا نَصِيبًا مَجْهُولًا ، أَوْ دَرَاهِمَ مَعْلُومَةً ، أَوْ أَقْفِزَةً مُعَيَّنَةً ، أَوْ أَنَّهُ إنْ سَقَى سَيْحًا فَلَهُ كَذَا ، وَإِنْ سَقَى بِكُلْفَةٍ فَلَهُ كَذَا .\rفَهَذَا يُفْسِدُهَا ؛ لِأَنَّهُ يَعُودُ إلَى جَهَالَةِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ ، فَأَشْبَهَ الْبَيْعَ بِثَمَنٍ مَجْهُولٍ ، وَالْمُضَارَبَةَ مَعَ جَهَالَةِ نَصِيبِ أَحَدِهِمَا .\rوَإِنْ شَرَطَ الْبَذْرَ مِنْ الْعَامِلِ ، فَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ فَسَادُ الْعَقْدِ ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ إذَا فَسَدَ ، لَزِمَ كَوْنُ الزَّرْعِ لِرَبِّ الْبَذْرِ ، لِكَوْنِهِ نَمَاءَ مَالِهِ ، فَلَا يَحْصُلُ لِرَبِّ الْأَرْضِ شَيْءٌ مِنْهُ ، وَيَسْتَحِقُّ الْأَجْرَ ، وَهَذَا مَعْنَى الْفَسَادِ .\rفَأَمَّا إنْ شَرَطَ مَا لَا يُفْضِي إلَى جَهَالَةِ الرِّبْحِ ، كَعَمَلِ رَبِّ الْمَالِ مَعَهُ ، أَوْ عَمَلِ الْعَامِلِ فِي شَيْءٍ آخَرَ ، فَهَلْ تَفْسُدُ الْمُسَاقَاةُ وَالْمُزَارَعَةُ ؟ يُخَرَّجُ عَلَى رِوَايَتَيْنِ ، بِنَاءً عَلَى الشَّرْطِ الْفَاسِدِ فِي الْبَيْعِ وَالْمُضَارَبَةِ .","part":11,"page":359},{"id":5359,"text":"( 4148 ) فَصْلٌ : وَإِنْ دَفَعَ رَجُلٌ بَذْرَهُ إلَى صَاحِبِ الْأَرْضِ ، لِيَزْرَعَهُ فِي أَرْضِهِ ، وَيَكُونُ مَا يَخْرُجُ بَيْنَهُمَا ، فَهُوَ فَاسِدٌ أَيْضًا ؛ لِأَنَّ الْبَذْرَ لَيْسَ مِنْ رَبِّ الْأَرْضِ ، وَلَا مِنْ الْعَامِلِ ، وَيَكُونُ الزَّرْعُ لِصَاحِبِ الْبَذْرِ ، وَعَلَيْهِ أَجْرُ الْأَرْضِ وَالْعَمَلِ .\rوَإِنْ قَالَ صَاحِبُ الْأَرْضِ لِرَجُلٍ : أَنَا أَزْرَعُ الْأَرْضَ بِبَذْرِي وَعَوَامِلِي ، وَيَكُونُ سَقْيُهَا مِنْ مَائِك ، وَالزَّرْعُ بَيْنَنَا .\rفَفِيهَا رِوَايَتَانِ : إحْدَاهُمَا لَا يَصِحُّ .\rاخْتَارَهَا الْقَاضِي ؛ لِأَنَّ مَوْضُوعَ الْمُزَارَعَةِ عَلَى أَنْ يَكُونَ مِنْ أَحَدِهِمَا الْأَرْضُ ، وَمِنْ الْآخَرِ الْعَمَلُ ، وَلَيْسَ مِنْ صَاحِبِ الْمَاءِ أَرْضٌ وَلَا عَمَلٌ وَلَا بَذْرٌ ، لِأَنَّ الْمَاءَ لَا يُبَاعُ وَلَا يُسْتَأْجَرُ ، فَكَيْفَ تَصِحُّ الْمُزَارَعَةُ بِهِ ؟ وَالثَّانِيَةُ ، يَصِحُّ اخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ ، وَنَقَلَهَا عَنْ أَحْمَدَ يَعْقُوبُ بْنُ بُخْتَانَ ، وَحَرْبٌ ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ أَحَدُ مَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ فِي الزَّرْعِ ، فَجَازَ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَحَدِهِمَا ، كَالْأَرْضِ وَالْعَمَلِ .\rوَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ؛ لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ بِمَنْصُوصٍ عَلَيْهِ ، وَلَا فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ .","part":11,"page":360},{"id":5360,"text":"( 4149 ) فَصْلٌ : وَإِنْ اشْتَرَكَ ثَلَاثَةٌ ، مِنْ أَحَدِهِمْ الْأَرْضُ ، وَمِنْ الْآخَرِ الْبَذْرُ ، وَمِنْ الْآخَرِ الْبَقَرُ وَالْعَمَلُ ، عَلَى أَنَّ مَا رَزَقَ اللَّهُ بَيْنَهُمْ فَعَمِلُوا ، فَهَذَا عَقْدٌ فَاسِدٌ ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد ، وَمُهَنَّا ، وَأَحْمَدَ بْنِ الْقَاسِمِ ، وَذَكَر حَدِيثَ مُجَاهِدٍ { ، فِي أَرْبَعَةٍ اشْتَرَكُوا فِي زَرْعٍ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ أَحَدُهُمْ : عَلَيَّ الْفَدَّانُ .\rوَقَالَ الْآخَرُ : قِبَلِي الْأَرْضُ .\rوَقَالَ الْآخَرُ : قِبَلِي الْبَذْرُ .\rوَقَالَ الْآخَرُ : قِبَلِي الْعَمَلُ .\rفَجَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الزَّرْعَ لِصَاحِبِ الْبَذْرِ ، وَأَلْغَى صَاحِبَ الْأَرْضِ ، وَجَعَلَ لِصَاحِبِ الْعَمَلِ كُلَّ يَوْمٍ دِرْهَمًا ، وَلِصَاحِبِ الْفَدَّانِ شَيْئًا مَعْلُومًا } .\rفَقَالَ أَحْمَدُ : لَا يَصِحُّ ، وَالْعَمَلُ عَلَى غَيْرِهِ .\rوَذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ ، عَنْ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ ، عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ ، وَعَنْ وَاصِلِ بْنِ أَبِي جَمِيلٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، وَقَالَ فِي آخِرِهِ : فَحَدَّثْت بِهِ مَكْحُولًا ، فَقَالَ : مَا يَسُرُّنِي بِهَذَا الْحَدِيثِ وَصِيفًا .\rوَحُكْمُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا فِي صَدْرِ الْفَصْلِ ، وَهُمَا فَاسِدَانِ ؛ لِأَنَّ مَوْضُوعَ الْمُزَارَعَةِ عَلَى أَنَّ الْبَذْرَ مِنْ رَبِّ الْأَرْضِ ، أَوْ مِنْ الْعَامِلِ ، وَلَيْسَ هُوَ هَا هُنَا مِنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَلَيْسَتْ شَرِكَةً ؛ لِأَنَّ الشَّرِكَةَ تَكُونُ بِالْأَثْمَانِ ، وَإِنْ كَانَتْ بِالْعُرُوضِ ، اُعْتُبِرَ كَوْنُهَا مَعْلُومَةً ، وَلَمْ يُوجَدْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ هَا هُنَا .\rوَلَيْسَتْ إجَارَةً ؛ لِأَنَّ الْإِجَارَةَ تَفْتَقِرُ إلَى مُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ ، وَعِوَضٍ مَعْلُومٍ .\rوَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rفَعَلَى هَذَا يَكُونُ الزَّرْعُ لِصَاحِبِ الْبَذْرِ ؛ لِأَنَّهُ نَمَاءُ مَالِهِ ، وَلِصَاحِبَيْهِ عَلَيْهِ أَجْرُ مِثْلِهِمَا ؛ لِأَنَّهُمَا دَخَلَا عَلَى أَنْ يُسَلِّمَ لَهُمَا الْمُسَمَّى ، فَإِذَا لَمْ يُسَلِّمْ ، عَادَ إلَى بَدَلِهِ .","part":11,"page":361},{"id":5361,"text":"وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ : يَتَصَدَّقُ بِالْفَضْلِ .\rوَالصَّحِيحُ أَنَّ النَّمَاءَ لِصَاحِبِ الْبَذْرِ ، وَلَا تَلْزَمُهُ الصَّدَقَةُ بِهِ ، كَسَائِرِ مَالِهِ وَلَوْ كَانَتْ الْأَرْضُ لِثَلَاثَةٍ ، فَاشْتَرَكُوا عَلَى أَنْ يَزْرَعُوهَا بِبَذْرِهِمْ وَدَوَابِّهِمْ وَأَعْوَانِهِمْ ، عَلَى أَنَّ مَا أَخْرَجَ اللَّهُ بَيْنَهُمْ عَلَى قَدْرِ مَالِهِمْ ، فَهُوَ جَائِزٌ .\rوَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ .\rوَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا ؛ لِأَنَّ أَحَدَهُمْ لَا يَفْضُلُ صَاحِبَيْهِ بِشَيْءٍ .","part":11,"page":362},{"id":5362,"text":"فَصْلٌ : وَإِذَا زَارَعَ رَجُلًا ، وَآجَرَهُ أَرْضَهُ فَزَرَعَهَا ، وَسَقَطَ مِنْ الْحَبِّ شَيْءٌ ، فَنَبَتَ فِي تِلْكَ الْأَرْضِ عَامًا آخَرَ ، فَهُوَ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد ، وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَارِثِ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : هُوَ لِصَاحِبِ الْحَبِّ ؛ لِأَنَّهُ عَيْنُ مَا لَهُ ، فَهُوَ كَمَا لَوْ بَذَرَهُ قَصْدًا .\rوَلَنَا أَنَّ صَاحِبَ الْحَبِّ أَسْقَطَ حَقَّهُ مِنْهُ بِحُكْمِ الْعُرْفِ ، وَزَالَ مِلْكُهُ عَنْهُ ؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ تَرْكُ ذَلِكَ لِمَنْ يَأْخُذُهُ ، وَلِهَذَا أُبِيحَ الْتِقَاطُهُ وَرَعْيُهُ .\rوَلَا نَعْلَمُ خِلَافًا فِي إبَاحَةِ الْتِقَاطِ مَا خَلَّفَهُ الْحَصَّادُونَ مِنْ سُنْبُلٍ وَحَبٍّ وَغَيْرِهِمَا ، فَجَرَى ذَلِكَ مَجْرَى نَبْذِهِ عَلَى سَبِيلِ التَّرْكِ لَهُ ، وَصَارَ كَالشَّيْءِ التَّافِهِ يَسْقُطُ مِنْهُ ، كَالثَّمَرَةِ وَاللُّقْمَةِ وَنَحْوِهِمَا .\rوَالنَّوَى لَوْ الْتَقَطَهُ إنْسَانٌ ، فَغَرَسَهُ ، كَانَ لَهُ دُونَ مَنْ سَقَطَ مِنْهُ ، كَذَا هَا هُنَا .","part":11,"page":363},{"id":5363,"text":"( 4151 ) فَصْلٌ : فِي إجَارَةِ الْأَرْضِ ، تَجُوزُ إجَارَتُهَا بِالْوَرِقِ ، وَالذَّهَبِ ، وَسَائِرِ الْعُرُوضِ ، سِوَى الْمَطْعُومِ ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ الْعِلْمِ .\rقَالَ أَحْمَدُ : فَلَمَّا اخْتَلَفُوا فِي الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ .\rوَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعَ عَوَامُّ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ اكْتِرَاءَ الْأَرْضِ وَقْتًا مَعْلُومًا جَائِزٌ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ .\rرَوَيْنَا هَذَا الْقَوْلَ عَنْ سَعْدٍ ، وَرَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ، وَابْنِ عُمَرَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ .\rوَبِهِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ، وَعُرْوَةُ ، وَالْقَاسِمُ ، وَسَالِمٌ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ ، وَمَالِكٌ ، وَاللَّيْثُ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَرُوِيَ عَنْ طَاوُسٍ ، وَالْحَسَنِ كَرَاهَةُ ذَلِكَ ؛ لِمَا رَوَى رَافِعٌ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { نَهَى عَنْ كِرَاءِ الْمَزَارِعِ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلَنَا { أَنَّ رَافِعًا قَالَ : أَمَّا بِالذَّهَبِ وَالْوَرِقِ ، فَلَمْ يَنْهَنَا } .\rيَعْنِي النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَلِمُسْلِمٍ { أَمَّا بِشَيْءٍ مَعْلُومٍ مَضْمُونٍ فَلَا بَأْسَ } .\rوَعَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ قَيْسٍ ، أَنَّهُ { سَأَلَ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ عَنْ كِرَاءِ الْأَرْضِ ، فَقَالَ : نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ كِرَاءِ الْأَرْضِ .\rقَالَ فَقُلْت : بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ ؟ قَالَ : إنَّمَا نَهَى عَنْهَا بِبَعْضِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا ، أَمَّا بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ فَلَا بَأْسَ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ، وَعَنْ سَعْدٍ قَالَ : { كُنَّا نُكْرِي الْأَرْضَ بِمَا عَلَى السَّوَاقِي وَمَا صَعِدَ بِالْمَاءِ مِنْهَا ، فَنَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ ، وَأَمَرَنَا أَنْ نُكْرِيَهَا بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ } ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَلِأَنَّهَا عَيْنٌ يُمْكِنُ اسْتِيفَاءُ الْمَنْفَعَةِ الْمُبَاحَةِ مِنْهَا مَعَ بَقَائِهَا ، فَجَازَتْ إجَارَتُهَا بِالْأَثْمَانِ وَنَحْوِهَا ، كَالدُّورِ وَالْحُكْمُ فِي الْعُرُوضِ كَالْحُكْمِ فِي الْأَثْمَانِ .\rوَأَمَّا حَدِيثُهُمْ ، فَقَدْ فَسَّرَهُ الرَّاوِي","part":11,"page":364},{"id":5364,"text":"بِمَا ذَكَرْنَاهُ عَنْهُ ، فَلَا يَجُوزُ الِاحْتِجَاجُ بِهِ عَلَى غَيْرِهِ .\rوَحَدِيثُنَا مُفَسِّرٌ لِحَدِيثِهِمْ ، فَإِنَّ رَاوِيهِمَا وَاحِدٌ ، وَقَدْ رَوَاهُ عَامًّا وَخَاصًّا ، فَيُحْمَلُ الْعَامُّ عَلَى الْخَاصِّ ، مَعَ مُوَافَقَةِ الْخَاصِّ لِسَائِرِ الْأَحَادِيثِ وَالْقِيَاسِ وَقَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ .","part":11,"page":365},{"id":5365,"text":"فَأَمَّا إجَارَتُهَا بِطَعَامٍ ، فَتَنْقَسِمُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ أَحَدُهَا ، أَنْ يُؤَجِّرَهَا بِمَطْعُومٍ غَيْرِ الْخَارِجِ مِنْهَا مَعْلُومٍ ، فَيَجُوزُ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، فِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ بْنِ ثَوَابٍ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ؛ مِنْهُمْ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَعِكْرِمَةُ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَمَنَعَ مِنْهُ مَالِكٌ ، حَتَّى مَنَعَ إجَارَتَهَا بِاللَّبَنِ وَالْعَسَلِ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّهُ قَالَ : رُبَّمَا تَهَيَّبْتُهُ .\rقَالَ الْقَاضِي : هَذَا مِنْ أَحْمَدَ عَلَى سَبِيلِ الْوَرَعِ ، وَمَذْهَبُهُ الْجَوَازُ .\rوَالْحُجَّةُ لِمَالِكٍ ، مَا رَوَى رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ ، عَنْ بَعْضِ عُمُومَتِهِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : مَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ فَلَا يُكْرِيهَا بِطَعَامٍ مُسَمًّى } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ .\rوَرَوَى ظُهَيْرُ بْنُ رَافِعٍ قَالَ : { دَعَانِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : مَا تَصْنَعُونَ بِمَحَاقِلِكُمْ ؟ قُلْت : نُؤَاجِرُهَا عَلَى الرُّبُعِ ، أَوْ عَلَى الْأَوْسُقِ مِنْ التَّمْرِ أَوْ الشَّعِيرِ .\rقَالَ : لَا تَفْعَلُوا ازْرَعُوهَا أَوْ أَمْسِكُوهَا } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَرَوَى أَبُو سَعِيدٍ قَالَ { : نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْمُحَاقَلَةِ } وَالْمُحَاقَلَةُ : اسْتِكْرَاءُ الْأَرْضِ بِالْحِنْطَةِ .\rوَلَنَا قَوْلُ رَافِعٍ : فَأَمَّا بِشَيْءٍ مَعْلُومٍ مَضْمُونٍ فَلَا بَأْسَ بِهِ .\rوَلِأَنَّهُ عِوَضٌ مَعْلُومٌ مَضْمُونٌ ، لَا يُتَّخَذُ وَسِيلَةً إلَى الرِّبَا ، فَجَازَتْ إجَارَتُهَا بِهِ ، كَالْأَثْمَانِ .\rوَحَدِيثُ ظُهَيْرِ بْنِ رَافِعٍ قَدْ سَبَقَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي الْمُزَارَعَةِ ، عَلَى أَنَّهُ يَحْتَمِلُ النَّهْيَ عَنْ إجَارَتِهَا بِذَلِكَ إذَا كَانَ خَارِجًا مِنْهَا ، وَيَحْتَمِلُ النَّهْيَ عَنْهُ إذَا آجَرَهَا بِالرُّبْعِ وَالْأَوْسُقِ .\rوَحَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ يَحْتَمِلُ الْمَنْعَ مِنْ كِرَائِهَا بِالْحِنْطَةِ ، إذَا اكْتَرَاهَا لِزَرْعِ الْحِنْطَة .","part":11,"page":366},{"id":5366,"text":"الْقِسْمُ الثَّانِي ، إجَارَتُهَا بِطَعَامِ مَعْلُومٍ ، مِنْ جِنْسِ مَا يُزْرَعُ فِيهَا ، كَإِجَارَتِهَا بِقُفْزَانِ حِنْطَةٍ لِزَرْعِهَا ، فَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : فِيهَا رِوَايَتَانِ إحْدَاهُمَا الْمَنْعُ .\rوَهِيَ الَّتِي ذَكَرَهَا الْقَاضِي مَذْهَبًا ، وَهِيَ قَوْلُ مَالِكٍ ؛ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ الْأَحَادِيثِ ، وَلِأَنَّهَا ذَرِيعَةٌ إلَى الْمُزَارَعَةِ عَلَيْهَا بِشَيْءٍ مَعْلُومٍ مِنْ الْخَارِجِ مِنْهَا ، لِأَنَّهُ يَجْعَلُ مَكَانَ قَوْلِهِ زَارَعْتُك ، آجَرْتُك ، فَتَصِيرُ مُزَارَعَةً بِلَفْظِ الْإِجَارَةِ ، وَالذَّرَائِعُ مُعْتَبَرَةٌ .\rوَالثَّانِيَة جَوَازُ ذَلِكَ .\rاخْتَارَهَا أَبُو الْخَطَّابِ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيِّ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ ، وَلِأَنَّ مَا جَازَتْ إجَارَتُهُ بِغَيْرِ الْمَطْعُومِ ، جَازَتْ بِهِ ، كَالدُّورِ .","part":11,"page":367},{"id":5367,"text":"الْقِسْمُ الثَّالِثُ ، إجَارَتُهَا بِجُزْءٍ مُشَاعٍ مِمَّا يَخْرُجُ مِنْهَا ، كَنِصْفٍ ، وَثُلُثٍ ، وَرُبْعٍ ، فَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ جَوَازُهُ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ ، وَاخْتَارَ أَبُو الْخَطَّابِ أَنَّهَا لَا تَصِحُّ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيِّ .\rوَهُوَ الصَّحِيحُ إنْ شَاءَ اللَّهُ ؛ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ الْأَحَادِيثِ فِي النَّهْيِ ، مِنْ غَيْرِ مُعَارِضٍ لَهَا ، وَلِأَنَّهَا إجَارَةٌ بِعِوَضٍ مَجْهُولٍ ، فَلَمْ تَصِحَّ كَإِجَارَتِهَا بِثُلُثِ مَا يَخْرُجُ مِنْ أَرْضٍ أُخْرَى ، وَلِأَنَّهَا إجَارَةٌ لِعَيْنٍ بِبَعْضِ نَمَائِهَا ، فَلَمْ تَجُزْ ، كَسَائِرِ الْأَعْيَانِ ، وَلِأَنَّهُ لَا نَصَّ فِي جَوَازِهَا وَلَا يُمْكِنُ قِيَاسُهَا عَلَى الْمَنْصُوصِ ، فَإِنَّ النُّصُوصُ إنَّمَا وَرَدَتْ بِالنَّهْيِ عَنْ إجَارَتِهَا بِذَلِكَ ، وَلَا نَعْلَمُ فِي تَجْوِيزِهَا نَصًّا ، وَالْمَنْصُوصُ عَلَى جَوَازِهِ إجَارَتُهَا بِذَهَبِ ، أَوْ فِضَّةٍ ، أَوْ شَيْءٍ مَضْمُونٍ مَعْلُومٍ وَلَيْسَتْ هَذِهِ كَذَلِكَ .\rفَأَمَّا نَصُّ أَحْمَدَ فِي الْجَوَازِ ، فَيَتَعَيَّنُ حَمْلُهُ عَلَى الْمُزَارَعَةِ بِلَفْظِ الْإِجَارَةِ ، فَيَكُونُ حُكْمُهَا حُكْمَ الْمُزَارَعَةِ فِي جَوَازِهَا ، وَلُزُومِهَا ، وَفِيمَا يَلْزَمُ الْعَامِلَ وَرَبَّ الْأَرْضِ ، وَسَائِرِ أَحْكَامِهَا .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":11,"page":368},{"id":5368,"text":"كِتَابُ الْإِجَارَاتِ الْأَصْلُ فِي جَوَازِ الْإِجَارَةِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ ، وَالْإِجْمَاعُ .\rأَمَّا الْكِتَابُ .\rفَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ } .\rوَقَالَ تَعَالَى : { قَالَتْ إحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إنَّ خَيْرَ مَنْ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ قَالَ إنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ } .\rوَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ فِي \" سُنَنِهِ \" عَنْ عُتْبَةَ بْنِ النُّدَّرِ ، قَالَ : { كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَرَأَ : طس حَتَّى إذَا بَلَغَ قِصَّةَ مُوسَى ، قَالَ : إنَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ آجَرَ نَفَسَهُ ثَمَانِيَ حِجَجٍ ، أَوْ عَشْرًا ، عَلَى عِفَّةِ فَرْجِهِ ، وَطَعَامِ بَطْنِهِ } .\rوَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْت لَاِتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا } .\rوَهَذَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ أَخْذِ الْأَجْرِ عَلَى إقَامَتِهِ .\rوَأَمَّا السُّنَّةُ ، فَثَبَتَ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبَا بَكْرٍ ، اسْتَأْجَرَا رَجُلًا مِنْ بَنِي الدِّيلِ هَادِيًا خِرِّيتًا .\r} وَرَوَى الْبُخَارِيُّ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : ثَلَاثَةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ؛ رَجُلٌ أَعْطَى بِي ثُمَّ غَدَرَ ، وَرَجُلٌ بَاعَ حُرًّا فَأَكَلَ ثَمَنَهُ ، وَرَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَاسْتَوْفَى مِنْهُ وَلَمْ يُوَفِّهِ أَجْرَهُ } .\rوَالْأَخْبَارُ فِي هَذَا كَثِيرَةٌ .\rوَأَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي كُلِّ عَصْرٍ وَكُلِّ مِصْرٍ عَلَى جَوَازِ الْإِجَارَةِ ، إلَّا مَا يُحْكَى عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَصَمِّ أَنَّهُ قَالَ : لَا يَجُوزُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ غَرَرٌ .\rيَعْنِي أَنَّهُ يَعْقِدُ عَلَى مَنَافِعَ لَمْ تُخْلَقْ وَهَذَا غَلَطٌ لَا يَمْنَعُ انْعِقَادَ الْإِجْمَاعِ الَّذِي سَبَقَ فِي الْأَعْصَارِ ، وَسَارَ فِي الْأَمْصَارِ ، وَالْعِبْرَةُ أَيْضًا دَالَّةٌ","part":11,"page":369},{"id":5369,"text":"عَلَيْهَا ؛ فَإِنَّ الْحَاجَةَ إلَى الْمَنَافِعِ كَالْحَاجَةِ إلَى الْأَعْيَانِ ، فَلَمَّا جَازَ الْعَقْدُ عَلَى الْأَعْيَانِ ، وَجَبَ أَنْ تَجُوزَ الْإِجَارَةُ عَلَى الْمَنَافِعِ ، وَلَا يَخْفَى مَا بِالنَّاسِ مِنْ الْحَاجَةِ إلَى ذَلِكَ ، فَإِنَّهُ لَيْسَ لِكُلِّ أَحَدٍ دَارٌ يَمْلِكُهَا ، وَلَا يَقْدِرُ كُلُّ مُسَافِرٍ عَلَى بَعِيرٍ أَوْ دَابَّةٍ يَمْلِكُهَا ، وَلَا يَلْزَمُ أَصْحَابَ الْأَمْلَاكِ إسْكَانُهُمْ وَحَمْلُهُمْ تَطَوُّعًا ، وَكَذَلِكَ أَصْحَابُ الصَّنَائِعِ يَعْمَلُونَ بِأَجْرٍ ، وَلَا يُمْكِنُ كُلَّ أَحَدٍ عَمَلُ ذَلِكَ ، وَلَا يَجِدُ مُتَطَوِّعًا بِهِ ، فَلَا بُدَّ مِنْ الْإِجَارَةِ لِذَلِكَ ، بَلْ ذَلِكَ مِمَّا جَعَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى طَرِيقًا لِلرِّزْقِ ، حَتَّى إنَّ أَكْثَرَ الْمَكَاسِبِ بِالصَّنَائِعِ .\rوَمَا ذَكَرَهُ مِنْ الْغَرَرِ ، لَا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ ، مَعَ مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْحَاجَةِ ، فَإِنَّ الْعَقْدَ عَلَى الْمَنَافِعِ لَا يُمْكِنُ بَعْدَ وُجُودِهَا ، لِأَنَّهَا تَتْلَفُ بِمُضِيِّ السَّاعَاتِ ، فَلَا بُدَّ مِنْ الْعَقْدِ عَلَيْهَا قَبْلَ وُجُودِهَا ، كَالسَّلَمِ فِي الْأَعْيَانِ .","part":11,"page":370},{"id":5370,"text":"( 4152 ) فَصْلٌ : وَاشْتِقَاقُ الْإِجَارَةِ مِنْ الْأَجْرِ ، وَهُوَ الْعِوَضُ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { لَوْ شِئْتَ لَاِتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا } .\rوَمِنْهُ سُمِّيَ الثَّوَابُ أَجْرًا ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُعَوِّضُ الْعَبْدَ بِهِ عَلَى طَاعَتِهِ ، أَوْ صَبْرِهِ عَلَى مُصِيبَتِهِ .\r( 4153 ) فَصْلٌ : وَهِيَ نَوْعٌ مِنْ الْبَيْعِ ، لِأَنَّهَا تَمْلِيكٌ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ ، فَهِيَ بَيْعُ الْمَنَافِعِ وَالْمَنَافِعُ بِمَنْزِلَةِ الْأَعْيَانِ ، لِأَنَّهُ يَصِحُّ تَمْلِيكُهَا فِي حَالِ الْحَيَاةِ ، وَبَعْدَ الْمَوْتِ ، وَتُضْمَنُ بِالْيَدِ وَالْإِتْلَافِ ، وَيَكُونُ عِوَضُهَا عَيْنًا وَدَيْنًا وَإِنَّمَا اخْتَصَّتْ بِاسْمٍ كَمَا اخْتَصَّ بَعْضُ الْبُيُوعِ بِاسْمٍ ، كَالصَّرْفِ ، وَالسَّلَمِ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِنَّهَا تَنْعَقِدُ بِلَفْظِ الْإِجَارَةِ وَالْكِرَاءِ ؛ لِأَنَّهُمَا مَوْضُوعَانِ لَهَا .\rوَهَلْ تَنْعَقِدُ بِلَفْظِ الْبَيْعِ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا ، تَنْعَقِدُ بِهِ ؛ لِأَنَّهَا بَيْعٌ فَانْعَقَدَتْ بِلَفْظِهِ ، كَالصَّرْفِ .\rوَالثَّانِي لَا تَنْعَقِدُ بِهِ ؛ لِأَنَّ فِيهَا مَعْنًى خَاصًّا ، فَافْتَقَرَتْ إلَى لَفْظٍ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ الْمَعْنَى ، وَلِأَنَّ الْإِجَارَةَ تُضَافُ إلَى الْعَيْنِ الَّتِي يُضَافُ إلَيْهَا الْبَيْعُ إضَافَةً وَاحِدَةً ، فَاحْتِيجَ إلَى لَفْظٍ يُعْرَفُ وَيُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا ، كَالْعُقُودِ الْمُتَبَايِنَةِ ، وَلِأَنَّهُ عَقْدٌ يُخَالِفُ الْبَيْعَ فِي الْحُكْمِ وَالِاسْمِ ، فَأَشْبَهَ النِّكَاحَ .\r( 4154 ) فَصْلٌ : وَلَا تَصِحُّ إلَّا مِنْ جَائِزِ التَّصَرُّفِ ؛ لِأَنَّهُ عَقْدُ تَمْلِيكٍ فِي الْحَيَاةِ ، فَأَشْبَهَ الْبَيْعَ .","part":11,"page":371},{"id":5371,"text":"( 4155 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : ( وَإِذَا وَقَعَتْ الْإِجَارَةُ عَلَى مُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ ، بِأُجْرَةٍ مَعْلُومَةٍ ، فَقَدْ مَلَكَ الْمُسْتَأْجِرُ الْمَنَافِعَ ، وَمُلِّكَتْ عَلَيْهِ الْأُجْرَةُ كَامِلَةً ، فِي وَقْتِ الْعَقْدِ ، إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَا أَجَلًا ) هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تَدُلُّ عَلَى أَحْكَامٍ سِتَّةٍ أَحَدُهَا أَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ الْمَنَافِعُ .\rوَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْهُمْ : مَالِكٌ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَكْثَرُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ .\rوَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ الْعَيْنُ ؛ لِأَنَّهَا الْمَوْجُودَةُ ، وَالْعَقْدُ يُضَافُ إلَيْهَا ، فَيَقُولُ : أَجَرْتُك دَارِي كَمَا يَقُولُ : بِعْتُكَهَا وَلَنَا أَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ هُوَ الْمُسْتَوْفَى بِالْعَقْدِ ، وَذَلِكَ هُوَ الْمَنَافِعُ دُونَ الْأَعْيَانِ ، وَلِأَنَّ الْأَجْرَ فِي مُقَابَلَةِ الْمَنْفَعَةِ ، وَلِهَذَا تُضْمَنُ دُونَ الْعَيْنِ ، وَمَا كَانَ الْعِوَضُ فِي مُقَابَلَتِهِ ، فَهُوَ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ ، وَإِنَّمَا أُضِيفَ الْعَقْدُ إلَى الْعَيْنِ لِأَنَّهَا مَحَلُّ الْمَنْفَعَةِ وَمَنْشَؤُهَا ، كَمَا يُضَافُ عَقْدُ الْمُسَاقَاةِ إلَى الْبُسْتَانِ وَالْمَعْقُودُ عَلَيْهِ الثَّمَرَةُ .\rوَلَوْ قَالَ : أَجَرْتُك مَنْفَعَةَ دَارِي .\rجَازَ .","part":11,"page":372},{"id":5372,"text":"الثَّانِي أَنَّ الْإِجَارَةِ إذَا وَقَعَتْ عَلَى مُدَّةٍ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ مَعْلُومَةً كَشَهْرٍ وَسَنَةٍ .\rوَلَا خِلَافَ فِي هَذَا نَعْلَمُهُ ، لِأَنَّ الْمُدَّةَ هِيَ الضَّابِطَةُ لِلْمَعْقُودِ عَلَيْهِ ، الْمُعَرِّفَةُ لَهُ ، فَوَجَبَ أَنْ تَكُونَ مَعْلُومَةً ، كَعَدَدِ الْمَكِيلَاتِ فِيمَا بِيعَ بِالْكَيْلِ .\rفَإِنْ قَدَّرَ الْمُدَّةَ بِسَنَةٍ مُطْلَقَةٍ ، حُمِلَ عَلَى سَنَةِ الْأَهِلَّةِ ؛ لِأَنَّهَا الْمَعْهُودَةُ فِي الشَّرْعِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { يَسْأَلُونَكَ عَنْ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ } فَوَجَبَ أَنْ يُحْمَلَ الْعَقْدُ عَلَيْهِ فَإِنْ شَرَطَ هِلَالِيَّةً كَانَ تَأْكِيدًا ، وَإِنْ قَالَ : عَدَدِيَّةً ، أَوْ سَنَةً بِالْأَيَّامِ كَانَ لَهُ ثَلَاثُمِائَةٍ وَسِتُّونَ يَوْمًا ؛ لِأَنَّ الشَّهْرَ الْعَدَدِيَّ يَكُونُ ثَلَاثِينَ يَوْمًا .\rوَإِنْ اسْتَأْجَرَ سَنَةً هِلَالِيَّةً أَوَّلَ الْهِلَالِ ، عَدَّ اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا بِالْأَهِلَّةِ ، سَوَاءٌ كَانَ الشَّهْرُ تَامًّا أَوْ نَاقِصًا ؛ لِأَنَّ الشَّهْرَ الْهِلَالِيَّ مَا بَيْنَ الْهِلَالَيْنِ ، يَنْقُصُ مَرَّةً وَيَزِيدُ أُخْرَى .\rوَإِنْ كَانَ الْعَقْدُ فِي أَثْنَاء شَهْرٍ ، عَدَّ مَا بَقِيَ مِنْ الشَّهْرِ ، وَعَدَّ بَعْدَهُ أَحَدَ عَشَرَ شَهْرًا بِالْهِلَالِ ، ثُمَّ كَمَّلَ الشَّهْرَ الْأَوَّلَ بِالْعَدَدِ ثَلَاثِينَ يَوْمًا ؛ لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ إتْمَامُهُ بِالْهِلَالِ ، فَتَمَّمْنَاهُ بِالْعَدَدِ ، وَأَمْكَنَ اسْتِيفَاءُ مَا عَدَاهُ بِالْهِلَالِ ، فَوَجَبَ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ وَحُكِيَ عَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى ، أَنَّهُ يَسْتَوْفِي الْجَمِيعَ بِالْعَدَدِ ؛ لِأَنَّهَا مُدَّةٌ يُسْتَوْفَى بَعْضُهَا بِالْعَدَدِ ، فَوَجَبَ اسْتِيفَاءُ جَمِيعِهَا بِهِ ، كَمَا لَوْ كَانَتْ الْمُدَّةُ شَهْرًا وَاحِدًا ، وَلِأَنَّ الشَّهْرَ الْأَوَّلَ يَنْبَغِي أَنْ يُكَمَّلَ مِنْ الشَّهْرِ الَّذِي يَلِيهِ ، فَيَحْصُلُ ابْتِدَاءُ الشَّهْرِ الثَّانِي فِي أَثْنَائِهِ ، فَكَذَلِكَ كُلُّ شَهْرٍ يَأْتِي بَعْدَهُ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ كَالرِّوَايَتَيْنِ .\rوَهَكَذَا إنْ كَانَ الْعَقْدُ عَلَى أَشْهُرٍ دُونَ السَّنَةِ وَإِنْ جَعَلَا الْمُدَّةَ سَنَةً رُومِيَّةً أَوْ","part":11,"page":373},{"id":5373,"text":"شَمْسِيَّةً أَوْ فَارِسِيَّةً أَوْ قِبْطِيَّةً ، وَكَانَا يَعْلَمَانِ ذَلِكَ ، جَازَ ، وَكَانَ لَهُ ثَلَاثُمِائَةٍ وَخَمْسَةٌ وَسِتُّونَ يَوْمًا ، فَإِنَّ الشُّهُورَ الرُّومِيَّةَ مِنْهَا سَبْعَةٌ أَحَدَ وَثَلَاثُونَ يَوْمًا ، وَأَرْبَعَةٌ ثَلَاثُونَ يَوْمًا ، وَشَهْرٌ وَاحِدٌ ثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ يَوْمًا ، وَشُهُورُ الْقِبْطِ كُلُّهَا ثَلَاثُونَ ثَلَاثُونَ ، وَزَادُوهَا خَمْسَةَ أَيَّامٍ لِتُسَاوِيَ سَنَتُهُمْ السَّنَةَ الرُّومِيَّةَ .\rوَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا يَجْهَلُ ذَلِكَ ، لَمْ يَصِحَّ ؛ لِأَنَّ الْمُدَّةَ مَجْهُولَةٌ فِي حَقِّهِ وَإِنْ أَجَرَهُ إلَى الْعِيدِ ، انْصَرَفَ إلَى الَّذِي يَلِيهِ ، وَتَعَلَّقَ بِأَوَّلِ جُزْءٍ مِنْهُ ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَهُ غَايَةً ، فَتَنْتَهِي مُدَّةُ الْإِجَارَةِ بِأَوَّلِهِ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : لَا بُدَّ مِنْ تَعْيِينِ الْعِيدِ فِطْرًا أَوْ أَضْحَى ، مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ أَوْ سَنَةِ كَذَا .\rوَكَذَلِكَ الْحُكْمُ إنْ عَلَّقَهُ بِشَهْرٍ يَقَعُ اسْمُهُ عَلَى شَهْرَيْنِ ، كَجُمَادَى وَرَبِيعٍ ، يَجِبُ عَلَى قَوْلِهِ أَنْ يَذْكُرَ الْأَوَّلَ أَوْ الثَّانِيَ ، مِنْ سَنَةِ كَذَا .\rوَإِنْ عَلَّقَهُ بِشَهْرٍ مُفْرَدٍ ، كَرَجَبٍ وَشَعْبَانَ ، فَلَا بُدَّ أَنْ يُبَيِّنَهُ مِنْ أَيِّ سَنَةٍ .\rوَإِنْ عَلَّقَهُ بِيَوْمٍ ، فَلَا بُدَّ عَلَى قَوْلِهِ أَنْ يُبَيِّنَهُ مِنْ أَيِّ أُسْبُوعٍ وَإِنْ عَلَّقَهُ بَعِيدٍ مِنْ أَعْيَادِ الْكُفَّارِ ، صَحَّ إذَا عَلِمَاهُ ، وَإِلَّا لَمْ يَصِحَّ ، وَقَدْ مَضَى نَحْوٌ مِنْ هَذَا .","part":11,"page":374},{"id":5374,"text":"( 4156 ) فَصْلٌ : وَلَا يُشْتَرَطُ فِي مُدَّةِ الْإِجَارَةِ أَنْ تَلِي الْعَقْدَ ، بَلْ لَوْ أَجَرَهُ سَنَةَ خَمْسٍ ، وَهُمَا فِي سَنَةِ ثَلَاثٍ ، أَوْ شَهْرَ رَجَبٍ فِي الْمُحَرَّمِ .\rصَحَّ ، وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يَصِحُّ إلَّا أَنْ يَسْتَأْجِرَهَا مَنْ هِيَ فِي إجَارَتِهِ ، فَفِيهِ قَوْلَانِ ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ عَلَى مَا لَا يُمْكِنُ تَسْلِيمُهُ فِي الْحَالِ ، فَأَشْبَهَ إجَارَةَ الْعَيْنِ الْمَغْصُوبَةِ .\rقَالَ : وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكْتَرِيَ بَعِيرًا بِعَيْنِهِ إلَّا عِنْدَ خُرُوجِهِ ؛ لِذَلِكَ وَلَنَا أَنَّ هَذِهِ مُدَّةٌ يَجُوزُ الْعَقْدُ ، عَلَيْهَا مَعَ غَيْرِهَا ، فَجَازَ الْعَقْدُ عَلَيْهَا مُفْرَدَةً مَعَ عُمُومِ النَّاسِ ، كَاَلَّتِي تَلِي الْعَقْدَ ، وَإِنَّمَا تُشْتَرَطُ الْقُدْرَةُ عَلَى التَّسْلِيمِ عِنْدَ وُجُوبِ التَّسْلِيمِ كَالْمُسْلَمِ فِيهِ ، وَلَا يُشْتَرَطُ وُجُودُهُ وَلَا الْقُدْرَةُ عَلَيْهِ حَالَ الْعَقْدِ ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِهَا مَشْغُولَةً أَوْ غَيْرَ مَشْغُولَةٍ ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ ، وَمَا ذَكَرُوهُ يَبْطُلُ بِمَا إذَا أَجَرَهَا مِنْ الْمُكْتَرِي ، فَإِنَّهُ يَصِحُّ مَعَ مَا ذَكَرُوهُ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِنَّ الْإِجَارَةَ إنْ كَانَتْ عَلَى مُدَّةٍ تَلِي الْعَقْدَ ، لَمْ يَحْتَجْ إلَى ذِكْرِ ابْتِدَائِهَا مِنْ حِينِ الْعَقْدِ ، وَإِنْ كَانَتْ لَا تَلِيه ، فَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ ابْتِدَائِهَا ، لِأَنَّهُ أَحَدُ طَرَفِي الْعَقْدِ ، فَاحْتِيجَ إلَى مَعْرِفَتِهِ ، كَالِانْتِهَاءِ وَإِنْ أَطْلَقَ .\rفَقَالَ : أَجَرْتُك سَنَةً ، أَوْ شَهْرًا .\rصَحَّ وَكَانَ ابْتِدَاؤُهُ مِنْ حِينِ الْعَقْدِ .\rوَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَبَعْضُ أَصْحَابِنَا : لَا يَصِحُّ حَتَّى يُسَمِّيَ الشَّهْرَ ، وَيَذْكُرَ أَيَّ سَنَةٍ هِيَ ؛ فَإِنَّ أَحْمَدَ قَالَ فِي رِوَايَةِ إسْمَاعِيلَ بْنِ سَعِيدٍ : إذَا اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا شَهْرًا ، فَلَا يَجُوزُ حَتَّى يُسَمِّيَ الشَّهْرَ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى إخْبَارًا عَنْ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ { : عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ } .\rوَلَمْ يَذْكُرْ ابْتِدَاءَهَا وَلِأَنَّهُ تَقْدِيرٌ بِمُدَّةٍ لَيْسَ فِيهَا","part":11,"page":375},{"id":5375,"text":"قُرْبَةٌ ، فَإِذَا أَطْلَقَهَا ، وَجَبَ أَنْ تَلِيَ السَّبَبَ الْمُوجِبَ ، كَمُدَّةِ السَّلَمِ وَالْإِيلَاءِ ، وَتُفَارِقُ النَّذْرَ ؛ فَإِنَّهُ قُرْبَةٌ .","part":11,"page":376},{"id":5376,"text":"فَصْلٌ : وَلَا تَتَقَدَّرُ أَكْثَرُ مُدَّةِ الْإِجَارَةِ ، بَلْ تَجُوزُ إجَارَةُ الْعَيْنِ الْمُدَّةَ الَّتِي تَبْقَى فِيهَا وَإِنْ كَثُرَتْ .\rوَهَذَا قَوْلُ كَافَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rإلَّا أَنَّ أَصْحَابَ الشَّافِعِيِّ اخْتَلَفُوا فِي مَذْهَبِهِ ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : لَهُ قَوْلَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، كَقَوْلِ سَائِرِ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rوَهُوَ الصَّحِيحُ .\rالثَّانِي لَا يَجُوزُ أَكْثَرَ مِنْ سَنَةٍ ؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ لَا تَدْعُو إلَى أَكْثَرَ مِنْهَا .\rوَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : لَهُ قَوْلٌ ثَالِثٌ ، أَنَّهَا لَا تَجُوزُ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثِينَ سَنَةً ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّ الْأَعْيَانَ لَا تَبْقَى أَكْثَرَ مِنْهَا ، وَتَتَغَيَّرُ الْأَسْعَارُ وَالْأَجْرُ .\rوَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى إخْبَارًا عَنْ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، أَنَّهُ قَالَ : { عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِك } ، وَشَرْعُ مَنْ قَبْلَنَا شَرْعٌ لَنَا مَا لَمْ يَقُمْ عَلَى نَسْخِهِ دَلِيلٌ .\rوَلِأَنَّ مَا جَازَ الْعَقْدُ عَلَيْهِ سَنَةً ، جَازَ أَكْثَرَ مِنْهَا ، كَالْبَيْعِ وَالنِّكَاحِ وَالْمُسَاقَاةِ ، وَالتَّقْدِيرُ بِسَنَةٍ وَثَلَاثِينَ ، تَحَكُّمٌ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ أَوْلَى مِنْ التَّقْدِيرِ بِزِيَادَةٍ عَلَيْهِ أَوْ نُقْصَانٍ مِنْهُ .\rوَإِذَا اسْتَأْجَرَهُ سِنِينَ ، لَمْ يَحْتَجْ إلَى تَقْسِيطِ الْأَجْرِ عَلَى كُلِّ سَنَةٍ ، فِي ظَاهِرِ كَلَامِ أَحْمَدَ ، كَمَا لَوْ اسْتَأْجَرَ سَنَةً لَمْ يَفْتَقِرْ إلَى تَقْسِيطِ أَجْرِ كُلِّ شَهْرٍ ، بِالِاتِّفَاقِ .\rوَلَوْ اسْتَأْجَرَ شَهْرًا ، لَمْ يَفْتَقِرْ إلَى تَقْسِيطِ أَجْرِ كُلِّ يَوْمٍ وَلِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ كَالْأَعْيَانِ فِي الْبَيْعِ ، وَلَوْ اشْتَمَلَتْ الصَّفْقَةُ عَلَى أَعْيَانٍ ، لَمْ يَلْزَمْهُ تَقْدِيرُ ثَمَنِ كُلِّ عَيْنٍ ، كَذَلِكَ هَا هُنَا .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ كَقَوْلِنَا ، وَفِي الْآخَرِ : يَفْتَقِرُ إلَى تَقْسِيطِ أَجْرِ كُلِّ سَنَةٍ ؛ لِأَنَّ الْمَنَافِعَ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ السِّنِينَ ، فَلَا يَأْمَنُ أَنْ يَنْفَسِخَ الْعَقْدُ ، فَلَا يَعْلَمُ بِمَ يَرْجِعُ .\rوَهَذَا يَبْطُلُ بِالشُّهُورِ ؛ فَإِنَّهُ لَا يَفْتَقِرُ","part":11,"page":377},{"id":5377,"text":"إلَى تَقْسِيطِ الْأَجْرِ عَلَيْهَا ، مَعَ الِاحْتِمَالِ الَّذِي ذَكَرُوهُ .","part":11,"page":378},{"id":5378,"text":"( 4158 ) فَصْلٌ : وَالْإِجَارَةُ عَلَى ضَرْبَيْنِ : أَحَدُهُمَا أَنْ يَعْقِدَهَا عَلَى مُدَّةٍ .\rوَالثَّانِي أَنْ يَعْقِدَهَا عَلَى عَمَلٍ مَعْلُومٍ ، كَبِنَاءِ حَائِطٍ ، وَخِيَاطَةِ قَمِيصٍ ، وَحَمْلٍ إلَى مَوْضِعٍ مُعَيَّنٍ .\rفَإِذَا كَانَ الْمُسْتَأْجَرُ مِمَّا لَهُ عَمَلٌ كَالْحَيَوَانِ ، جَازَ فِيهِ الْوَجْهَانِ ؛ لِأَنَّ لَهُ عَمَلًا تَتَقَدَّرُ مَنَافِعُهُ بِهِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَمَلٌ كَالدَّارِ وَالْأَرْضِ ، لَمْ يَجُزْ إلَّا عَلَى مُدَّةٍ .\rوَمَتَى تَقَدَّرَتْ الْمُدَّةُ ، لَمْ يَجُزْ تَقْدِيرُ الْعَمَلِ .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ ؛ لِأَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا يَزِيدُهَا غَرَرًا ، لِأَنَّهُ قَدْ يَفْرُغُ مِنْ الْعَمَلِ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ ، فَإِنْ اُسْتُعْمِلَ فِي بَقِيَّةِ الْمُدَّةِ ، فَقَدْ زَادَ عَلَى مَا وَقَعَ عَلَيْهِ الْعَقْدُ ، وَإِنْ لَمْ يَعْمَلْ كَانَ تَارِكًا لِلْعَمَلِ فِي بَعْضِ الْمُدَّةِ وَقَدْ لَا يَفْرُغُ مِنْ الْعَمَلِ فِي الْمُدَّةِ ، فَإِنْ أَتَمَّهُ عَمِلَ فِي غَيْرِ الْمُدَّةِ ، وَإِنْ لَمْ يَعْمَلْهُ لَمْ يَأْتِ بِمَا وَقَعَ عَلَيْهِ الْعَقْدُ ، وَهَذَا غَرَرٌ أَمْكَنَ التَّحَرُّزُ عَنْهُ ، وَلَمْ يُوجَدْ مِثْلُهُ فِي مَحَلِّ الْوِفَاقِ ، فَلَمْ يَجُزْ الْعَقْدُ مَعَهُ .\rوَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ ، فِيمَنْ اكْتَرَى دَابَّةً إلَى مَوْضِعٍ ، عَلَى أَنْ يَدْخُلَهُ فِي ثَلَاثٍ ، فَدَخَلَهُ فِي سِتٍّ ، فَقَالَ : قَدْ أَضَرَّ بِهِ .\rفَقِيلَ : يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِالْقِيمَةِ ؟ قَالَ : لَا ، يُصَالِحُهُ .\rوَهَذَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ تَقْدِيرِهِمَا جَمِيعًا .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ ؛ لِأَنَّ الْإِجَارَةَ مَعْقُودَةٌ عَلَى الْعَمَلِ ، وَالْمُدَّةُ مَذْكُورَةٌ لِلتَّعْجِيلِ ، فَلَا يَمْتَنِعُ ذَلِكَ فَعَلَى هَذَا ، إذَا فَرَغَ الْعَمَلُ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ ، لَمْ يَلْزَمْهُ الْعَمَلُ فِي بَقِيَّتِهَا ؛ لِأَنَّهُ وَفَّى مَا عَلَيْهِ قَبْلَ مُدَّتِهِ ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ آخَرُ ، كَمَا لَوْ قَضَى الدَّيْنَ قَبْلَ أَجَلِهِ ، وَإِنْ مَضَتْ الْمُدَّةُ قَبْلَ الْعَمَلِ ، فَلِلْمُسْتَأْجِرِ فَسْخُ الْإِجَارَةِ ؛ لِأَنَّ الْأَجِيرَ لَمْ يَفِ لَهُ بِشَرْطِهِ .","part":11,"page":379},{"id":5379,"text":"وَإِنْ رَضِيَ بِالْبَقَاءِ عَلَيْهِ ، لَمْ يَمْلِكْ الْأَجِيرُ الْفَسْخَ ، لِأَنَّ الْإِخْلَالَ بِالشَّرْطِ مِنْهُ ، فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ وَسِيلَةً لَهُ إلَى الْفَسْخِ ، كَمَا لَوْ تَعَذَّرَ أَدَاءُ الْمُسْلَمِ فِيهِ فِي وَقْتِهِ ، لَمْ يَمْلِكْ الْمُسْلَمُ إلَيْهِ الْفَسْخَ ، وَيَمْلِكُهُ الْمُسْلِمُ فَإِنْ اخْتَارَ إمْضَاءَ الْعَقْدِ طَالَبَهُ بِالْعَمَلِ لَا غَيْرُ ، ، كَالْمُسْلِمِ إذَا صَبَرَ عِنْدَ تَعَذُّرِ الْمُسْلَمِ فِيهِ إلَى حِينِ وُجُودِهِ .\rلَمْ يَكُنْ لَهُ أَكْثَرُ مِنْ الْمُسْلَمِ فِيهِ .\rوَإِنْ فَسَخَ الْعَقْدَ قَبْلَ عَمَلِ شَيْءٍ مِنْ الْعَمَلِ ، سَقَطَ الْأَجْرُ وَالْعَمَلُ .\rوَإِنْ كَانَ بَعْدَ عَمَلِ شَيْءٍ مِنْهُ ، فَلَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ قَدْ انْفَسَخَ ، فَسَقَطَ الْمُسَمَّى ، وَرَجَعَ إلَى أَجْرِ الْمِثْلِ .","part":11,"page":380},{"id":5380,"text":"( 4159 ) فَصْلٌ : وَمَنْ اكْتَرَى دَابَّةً إلَى الْعِشَاءِ ، فَآخِرُ الْمُدَّةِ إلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَبُو ثَوْرٍ : آخِرُهَا زَوَالُ الشَّمْسِ ؛ لِأَنَّ الْعِشَاءَ آخِرُ النَّهَارِ ، وَآخِرُ النَّهَارِ النِّصْفُ الْآخَرُ مِنْ الزَّوَالِ ، وَلِذَلِكَ جَاءَ فِي حَدِيثِ ذِي الْيَدَيْنِ ، عَنْ { أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : صَلَّى بِنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إحْدَى صَلَاتَيْ الْعَشِيِّ يَعْنِي الظُّهْرَ أَوْ الْعَصْرَ } .\rهَكَذَا تَفْسِيرُهُ .\rوَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { مِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ } يَعْنِي الْعَتَمَةَ .\rوَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَخَّرْت الْعِشَاءَ إلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ } وَإِنَّمَا تَعَلَّقَ الْحُكْمُ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ ، لِأَنَّ هَذِهِ الصَّلَاة تُسَمَّى الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْأُولَى الْمَغْرِبُ ، وَهُوَ فِي الْعُرْفِ كَذَلِكَ ، فَوَجَبَ أَنْ يَتَعَلَّقَ الْحُكْمُ بِهِ ؛ لِأَنَّ الْمُدَّةَ إذَا جُعِلَتْ إلَى وَقْتٍ تَعَلَّقَتْ بِأَوَّلِهِ ، كَمَا لَوْ جَعَلَهَا إلَى اللَّيْلِ .\rوَمَا ذَكَرُوهُ لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ لَفْظَ الْعَشِيِّ غَيْرُ لَفْظِ الْعِشَاءِ ، فَلَا يَجُوزُ الِاحْتِجَاجُ بِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ ، حَتَّى يَقُومَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَعْنَى اللَّفْظَيْنِ وَاحِدٌ .\rثُمَّ لَوْ ثَبَتَ أَنَّ مَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ ، غَيْرَ أَنَّ أَهْلَ الْعُرْفِ لَا يَعْرِفُونَهُ ، فَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حُكْمٌ .\rوَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِيمَا إذَا اكْتَرَاهَا إلَى الْعَشِيِّ ؛ لِأَنَّ أَهْلَ الْعُرْفِ لَا يَعْرِفُونَ غَيْرَ مَا ذَكَرْنَاهُ وَإِنْ اكْتَرَاهَا إلَى اللَّيْلِ ، فَهُوَ إلَى أَوَّلِهِ ، وَكَذَلِكَ إنْ اكْتَرَاهَا إلَى النَّهَارِ ، فَهُوَ إلَى أَوَّلِهِ .\rوَيَتَخَرَّجُ أَنْ يَدْخُلَ اللَّيْلُ فِي الْمُدَّةِ الْأُولَى ، وَالنَّهَارُ فِي الثَّانِيَةِ ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ .\rوَإِنْ اكْتَرَاهَا نَهَارًا فَهُوَ إلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ .\rوَإِنْ اكْتَرَاهَا لَيْلَةً ، فَهِيَ","part":11,"page":381},{"id":5381,"text":"إلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ ، فِي قَوْلِ الْجَمِيعِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ : { سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ } .\rوَقَالَ تَعَالَى : { أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إلَى نِسَائِكُمْ } ثُمَّ قَالَ : { فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنْ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إلَى اللَّيْلِ } .","part":11,"page":382},{"id":5382,"text":"( 4160 ) فَصْلٌ : وَإِنْ اكْتَرَى فُسْطَاطًا إلَى مَكَّةَ ، وَلَمْ يَقُلْ مَتَى أَخْرُجُ ، فَالْكِرَاءُ فَاسِدٌ .\rوَبِهِ قَالَ أَبُو ثَوْرٍ وَهُوَ قِيَاسُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ : يَجُوزُ اسْتِحْسَانًا ، بِخِلَافِ الْقِيَاسِ .\rوَلَنَا أَنَّهَا مُدَّةٌ غَيْرُ مَعْلُومَةِ الِابْتِدَاءِ ، فَلَمْ يَجُزْ ، كَمَا لَوْ قَالَ : أَجَرْتُك دَارِي مِنْ حِينِ يَخْرُجُ الْحَاجُّ إلَى آخِرِ السَّنَةِ .\rوَقَدْ اعْتَرَفُوا بِمُخَالَفَتِهِ لِلدَّلِيلِ ، وَمَا ادَّعَوْهُ دَلِيلًا لَا نُسَلِّمُ كَوْنَهُ دَلِيلًا .","part":11,"page":383},{"id":5383,"text":"( 4161 ) فَصْلٌ : الْحُكْمُ الثَّالِثُ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي عِوَضِ الْإِجَارَةِ كَوْنُهُ مَعْلُومًا .\rلَا نَعْلَمُ فِي ذَلِكَ خِلَافًا ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ عِوَضٌ فِي عَقْدِ مُعَاوَضَةٍ ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا ، كَالثَّمَنِ فِي الْبَيْعِ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ { : مَنْ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا ، فَلْيُعْلِمْهُ أَجْرَهُ } .\rوَيُعْتَبَرُ الْعِلْمُ بِالرُّؤْيَةِ أَوْ بِالصِّفَةِ كَالْبَيْعِ سَوَاءً .\rفَإِنْ كَانَ الْعِوَضُ مَعْلُومًا بِالْمُشَاهَدَةِ دُونَ الْقَدْرِ ، كَالصُّبْرَةِ ، احْتَمَلَ وَجْهَيْنِ ، أَشْبَهَهُمَا الْجَوَازُ ؛ لِأَنَّهُ عِوَضٌ مَعْلُومٌ يَجُوزُ بِهِ الْبَيْعُ ، فَجَازَتْ بِهِ الْإِجَارَةُ ، كَمَا لَوْ عَلِمَ قَدْرَهُ وَالثَّانِي : لَا يَجُوزُ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَنْفَسِخُ الْعَقْدُ بَعْدَ تَلَفِ الصُّبْرَةِ ، فَلَا يَدْرِي بِكَمْ يَرْجِعُ ، فَاشْتُرِطَ مَعْرِفَةُ قَدْرِهِ كَعِوَضِ الْمُسْلَمِ فِيهِ .\rوَالْأَوَّلُ أَوْلَى .\rوَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ أَنَّ الْعِلْمَ بِالْقَدْرِ فِي عِوَضِ السَّلَمِ لَيْسَ بِشَرْطٍ ، ثُمَّ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْمَنْفَعَةَ هَا هُنَا أُجْرِيَتْ مَجْرَى الْأَعْيَانِ ؛ لِأَنَّهَا مُتَعَلِّقَةٌ بِعَيْنٍ حَاضِرَةٍ ، وَالسَّلَمُ يَتَعَلَّقُ بِمَعْدُومٍ ، فَافْتَرَقَا ، وَلِلشَّافِعِيِّ نَحْوٌ مِمَّا ذَكَرْنَا فِي هَذَا الْفَصْلِ .","part":11,"page":384},{"id":5384,"text":"( 4162 ) فَصْلٌ : وَكُلُّ مَا جَازَ ثَمَنًا فِي الْبَيْعِ ، جَازَ عِوَضًا فِي الْإِجَارَةِ ؛ لِأَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ أَشْبَهَ الْبَيْعَ .\rفَعَلَى هَذَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْعِوَضُ عَيْنًا وَمَنْفَعَةً أُخْرَى ، سَوَاءٌ كَانَ الْجِنْسُ وَاحِدًا ، كَمَنْفَعَةِ دَارٍ بِمَنْفَعَةِ أُخْرَى ، أَوْ مُخْتَلِفًا ، كَمَنْفَعَةِ دَارٍ بِمَنْفَعَةِ عَبْدٍ ، قَالَ أَحْمَدُ : لَا بَأْسَ أَنْ يَكْتَرِيَ بِطَعَامٍ مَوْصُوفٍ مَعْلُومٍ .\rوَبِهَذَا كُلِّهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى إخْبَارًا عَنْ شُعَيْبٍ أَنَّهُ قَالَ : { إنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ } فَجَعَلَ النِّكَاحَ عِوَضَ الْإِجَارَةِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ؛ فِيمَا حُكِيَ عَنْهُ : لَا تَجُوزُ إجَارَةُ دَارٍ بِسُكْنَى أُخْرَى ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَخْتَلِفَ جِنْسُ الْمَنْفَعَةِ ، كَسُكْنَى دَارٍ بِمَنْفَعَةِ بَهِيمَةٍ ؛ لِأَنَّ الْجِنْسَ الْوَاحِدَ عِنْدِهِ يُحَرِّمُ النَّسَاءَ .\rوَكَرِهَ الثَّوْرِيُّ الْإِجَارَةَ بِطَعَامٍ مَوْصُوفٍ .\rوَالصَّحِيحُ جَوَازُهُ ، وَهُوَ قَوْلُ إِسْحَاقَ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ ، وَقِيَاسُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ عِوَضٌ يَجُوزُ فِي الْبَيْعِ ، فَجَازَ فِي الْإِجَارَةِ ، كَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ .\rوَمَا قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ الْمَنَافِعَ فِي الْإِجَارَةِ لَيْسَتْ فِي تَقْدِيرِ النَّسِيئَةِ ، وَلَوْ كَانَتْ نَسِيئَةً مَا جَازَ فِي جِنْسَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ بَيْعَ دَيْنٍ بِدِينٍ .","part":11,"page":385},{"id":5385,"text":"( 4163 ) فَصْلٌ : وَلَوْ اسْتَأْجَرَ رَجُلًا لِيَسْلُخَ لَهُ بَهِيمَةً بِجِلْدِهَا ، لَمْ يَجُزْ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَعْلَمُ هَلْ يَخْرُجُ الْجِلْدُ سَلِيمًا أَوْ لَا ، وَهَلْ هُوَ ثَخِينٌ أَوْ رَقِيقٌ ، وَلِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ثَمَنًا فِي الْبَيْعِ ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عِوَضًا فِي الْإِجَارَةِ ، كَسَائِرِ الْمَجْهُولَاتِ .\rفَإِنْ سَلَخَهُ بِذَلِكَ ، فَلَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ .\rوَإِنْ اسْتَأْجَرَهُ لِطَرْحِ مَيْتَةٍ بِجِلْدِهَا ، فَهُوَ أَبْلَغُ فِي الْفَسَادِ ؛ لِأَنَّ جِلْدَ الْمَيْتَةِ نَجِسٌ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ ، وَقَدْ خَرَجَ بِمَوْتِهِ عَنْ كَوْنِهِ مِلْكًا .\rوَإِنْ فَعَلَ ، فَلَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ أَيْضًا .","part":11,"page":386},{"id":5386,"text":"( 4164 ) فَصْلٌ : وَلَوْ اسْتَأْجَرَ رَاعِيًا لِغَنَمٍ بِثُلُثِ دَرِّهَا وَنَسْلِهَا وَصُوفِهَا وَشَعْرِهَا ، أَوْ نِصْفِهِ ، أَوْ جَمِيعِهِ ، لَمْ يَجُزْ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، فِي رِوَايَةِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ النَّسَائِيّ ؛ لِأَنَّ الْأَجْرَ غَيْرُ مَعْلُومٍ ، وَلَا يَصْلُحُ عِوَضًا فِي الْبَيْعِ .\rوَقَالَ إسْمَاعِيلُ بْنِ سَعِيدٍ : سَأَلْت أَحْمَدَ عَنْ الرَّجُلِ يَدْفَعُ الْبَقَرَةَ إلَى الرَّجُلِ ، عَلَى أَنْ يَعْلِفَهَا وَيَتَحَفَّظَهَا ، وَمَا وَلَدَتْ مِنْ وَلَدٍ بَيْنَهُمَا .\rفَقَالَ : أَكْرَهُ ذَلِكَ وَبِهِ قَالَ أَبُو أَيُّوبَ ، وَأَبُو خَيْثَمَةَ .\rوَلَا أَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْعِوَضَ مَجْهُولٌ مَعْدُومٌ ، وَلَا يُدْرَى أَيُوجَدُ أَمْ لَا ، وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ ، وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ ثَمَنًا .\rفَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ جَوَّزْتُمْ دَفْعَ الدَّابَّةِ إلَى مَنْ يَعْمَلُ عَلَيْهَا بِنِصْفِ رِبْحِهَا .\rقُلْنَا : إنَّمَا جَازَ ثَمَّ تَشْبِيهًا بِالْمُضَارَبَةِ ؛ لِأَنَّهَا عَيْنٌ تُنَمَّى بِالْعَمَلِ ، فَجَازَ اشْتِرَاطُ جُزْءٍ مِنْ النَّمَاءِ ، وَالْمُسَاقَاةُ كَالْمُضَارَبَةِ ، وَفِي مَسْأَلَتِنَا لَا يُمْكِنُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ النَّمَاءَ الْحَاصِلَ فِي الْغَنَمِ لَا يَقِفُ حُصُولُهُ عَلَى عَمَلِهِ فِيهَا ، فَلَمْ يُمْكِنْ إلْحَاقُهُ بِذَلِكَ وَإِنْ اسْتَأْجَرَهُ عَلَى رِعَايَتهَا مُدَّةً مَعْلُومَةً ، بِنِصْفِهَا ، أَوْ جُزْءٍ مَعْلُومٍ مِنْهَا ، صَحَّ ؛ لِأَنَّ الْعَمَلَ وَالْأَجْرَ وَالْمُدَّةَ مَعْلُومٌ ، فَصَحَّ ، كَمَا لَوْ جَعَلَ الْأَجْرَ دَرَاهِمَ ، وَيَكُونُ النَّمَاءُ الْحَاصِلُ بَيْنَهُمَا بِحُكْمِ الْمِلْكِ ، لِأَنَّهُ مَلَكَ الْجُزْءَ الْمَجْعُولَ لَهُ مِنْهَا فِي الْحَالِ ، فَيَكُونُ لَهُ نَمَاؤُهُ ، كَمَا لَوْ اشْتَرَاهُ .","part":11,"page":387},{"id":5387,"text":"( 4165 ) فَصْلٌ : الْحُكْمُ الرَّابِعُ أَنَّ الْإِجَارَةِ إذَا تَمَّتْ ، وَكَانَتْ عَلَى مُدَّةٍ ، مَلَكَ الْمُسْتَأْجِرُ الْمَنَافِعَ الْمَعْقُودَ عَلَيْهَا إلَى الْمُدَّةِ ، وَيَكُونُ حُدُوثُهَا عَلَى مِلْكِهِ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : تَحْدُثُ عَلَى مِلْكِ الْمُؤَجِّرِ ، وَلَا يَمْلِكُهَا الْمُسْتَأْجِرُ بِالْعَقْدِ ؛ لِأَنَّهَا مَعْدُومَةٌ ، فَلَا تَكُونُ مَمْلُوكَةً ، كَالثَّمَرَةِ وَالْوَلَدِ .\rوَلَنَا أَنَّ الْمِلْكَ عِبَارَةٌ عَنْ حُكْمٍ يَحْصُلُ بِهِ تَصَرُّفٌ مَخْصُوصٌ ، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ هَذِهِ الْمَنْفَعَةَ الْمُسْتَقْبَلَةَ كَانَ مَالِكُ الْعَيْنِ يَتَصَرَّفُ فِيهَا كَتَصَرُّفِهِ فِي الْعَيْنِ ، فَلَمَّا أَجَرَهَا صَارَ الْمُسْتَأْجِرُ مَالِكًا لِلتَّصَرُّفِ فِيهَا ، كَمَا كَانَ يَمْلِكُهُ الْمُؤَجِّرُ ، فَثَبَتَ أَنَّهَا كَانَتْ مَمْلُوكَةً لِمَالِكِ الْعَيْنِ ، ثُمَّ انْتَقَلَتْ إلَى الْمُسْتَأْجِرِ ، بِخِلَافِ الْوَلَدِ وَالثَّمَرَةِ ، فَإِنَّ الْمُسْتَأْجِرَ لَا يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فِيهَا .\rوَقَوْلُهُمْ : إنَّ الْمَنَافِعَ مَعْدُومَةٌ قُلْنَا : هِيَ مُقَدَّرَةُ الْوُجُودِ ؛ لِأَنَّهَا جُعِلَتْ مَوْرِدًا لِلْعَقْدِ ، وَالْعَقْدُ لَا يَرِدُ إلَّا عَلَى مَوْجُودٍ .","part":11,"page":388},{"id":5388,"text":"( 4166 ) فَصْلٌ : الْحُكْمُ الْخَامِسُ ، أَنَّ الْمُؤَجِّرَ يَمْلِكُ الْأُجْرَةَ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ ، إذَا أَطْلَقَ وَلَمْ يَشْتَرِطْ الْمُسْتَأْجِرُ أَجَلًا ، كَمَا يَمْلِكُ الْبَائِعُ الثَّمَنَ بِالْبَيْعِ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ مَالِكٌ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَمْلِكُهَا بِالْعَقْدِ ، فَلَا يَسْتَحِقُّ الْمُطَالَبَةَ بِهَا إلَّا يَوْمًا بِيَوْمٍ ، إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ تَعْجِيلَهَا .\rقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إلَّا أَنْ تَكُون مُعَيَّنَةً ، كَالثَّوْبِ وَالْعَبْدِ وَالدَّارِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : { فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ } فَأَمَرَ بِإِيتَائِهِنَّ بَعْدَ الْإِرْضَاعِ ، وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : ثَلَاثَةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، رَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَاسْتَوْفَى مِنْهُ وَلَمْ يُوَفِّهِ أَجْرَهُ } .\rفَتَوَعَّدَ عَلَى الِامْتِنَاعِ مِنْ دَفْعِ الْأَجْرِ بَعْدَ الْعَمَلِ .\rفَدَلَّ عَلَى أَنَّهَا حَالَّةُ الْوُجُوبِ .\rوَرُوِيَ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ { : أَعْطُوا الْأَجِيرَ أَجْرَهُ قَبْلَ أَنْ يَجِفّ عَرَقُهُ } .\rرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ ، وَلِأَنَّهُ عِوَضٌ لَمْ يَمْلِكْ مُعَوَّضَهُ ، فَلَمْ يَجِبْ تَسْلِيمُهُ ، كَالْعِوَضِ فِي الْعَقْدِ الْفَاسِدِ ، فَإِنَّ الْمَنَافِعَ مَعْدُومَةٌ لَمْ تُمْلَكْ ، وَلَوْ مُلِكَتْ فَلَمْ يَتَسَلَّمْهَا ، لِأَنَّهُ يَتَسَلَّمُهَا شَيْئًا فَشَيْئًا فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْعِوَضُ مَعَ تَعَذُّرِ التَّسْلِيمِ فِي الْعَقْدِ .\rوَلَنَا أَنَّهُ عِوَضٌ أُطْلِقَ ذِكْرُهُ فِي عَقْدِ مُعَاوَضَةٍ ، فَيُسْتَحَقُّ بِمُطْلَقِ الْعَقْدِ ، كَالثَّمَنِ وَالصَّدَاقِ .\rأَوْ نَقُولُ عِوَضٌ فِي عَقْدٍ يَتَعَجَّلُ بِالشَّرْطِ ، فَوَجَبَ أَنْ يَتَعَجَّلَ بِمُطْلَقِ الْعَقْدِ ، كَاَلَّذِي ذَكَرْنَا .\rفَأَمَّا الْآيَةَ فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ الْإِيتَاءَ عِنْدَ الشُّرُوعِ فِي الْإِرْضَاعِ ، أَوْ تَسْلِيمِ نَفْسِهَا ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : { فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاَللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ } .\rأَيْ إذَا أَرَدْت الْقِرَاءَةَ .\rوَلِأَنَّ هَذَا تَمَسُّكٌ بِدَلِيلِ الْخِطَابِ ، وَلَا يَقُولُونَ بِهِ","part":11,"page":389},{"id":5389,"text":"، وَكَذَلِكَ الْحَدِيثُ ، يُحَقِّقُهُ أَنَّ الْأَمْرَ بِالْإِيتَاءِ فِي وَقْتٍ لَا يَمْنَعُ وُجُوبَهُ قَبْلَهُ ، كَقَوْلِهِ : { فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ } وَالصَّدَاقُ يَجِبُ قَبْلَ الِاسْتِمْتَاعِ ، وَهَذَا هُوَ الْجَوَابُ عَنْ الْحَدِيثِ ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّهُ إنَّمَا تَوَعَّدَ عَلَى تَرْكِ الْإِيفَاءِ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الْعَمَلِ ، وَقَدْ قُلْتُمْ : تَجِبُ الْأُجْرَةُ شَيْئًا فَشَيْئًا .\rوَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ تَوَعَّدَهُ عَلَى تَرْكِ الْإِيفَاءِ فِي الْوَقْتِ الَّذِي تَتَوَجَّهُ الْمُطَالَبَةُ فِيهِ عَادَةً .\rجَوَابٌ آخَرُ ، أَنَّ الْآيَةَ وَالْأَخْبَارَ إنَّمَا وَرَدَتْ فِي مَنْ اُسْتُؤْجِرَ عَلَى عَمَلٍ ، فَأَمَّا مَا وَقَعَتْ الْإِجَارَةُ فِيهِ عَلَى مُدَّةٍ ، فَلَا تَعَرُّضَ لَهَا بِهِ ، وَأَمَّا إذَا كَانَتْ الْإِجَارَةُ عَلَى عَمَلٍ ، فَإِنَّ الْأَجْرَ يُمْلَكُ بِالْعَقْدِ أَيْضًا ، لَكِنْ لَا يُسْتَحَقُّ تَسْلِيمُهُ إلَّا عِنْدَ تَسْلِيمِ الْعَمَلِ .\rقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى : مَنْ اُسْتُؤْجِرَ لِعَمَلٍ مَعْلُومٍ ، اسْتَحَقَّ الْأَجْرَ عِنْدَ إيفَاءِ الْعَمَلِ ، وَإِنْ اُسْتُؤْجِرَ فِي كُلّ يَوْمٍ بِأَجْرٍ مَعْلُومٍ ، فَلَهُ أَجْرُ كُلِّ يَوْمٍ عِنْدَ تَمَامِهِ .\rوَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : الْأَجْرُ يُمْلَكُ بِالْعَقْدِ ، وَيُسْتَحَقُّ بِالتَّسْلِيمِ ، وَيَسْتَقِرُّ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ ، وَإِنَّمَا تَوَقَّفَ اسْتِحْقَاقُ تَسْلِيمِهِ عَلَى الْعَمَلِ ؛ لِأَنَّهُ عِوَضٌ ، فَلَا يُسْتَحَقُّ تَسْلِيمُهُ إلَّا مَعَ تَسْلِيمِ الْمُعَوَّضِ ، كَالصَّدَاقِ وَالثَّمَنِ فِي الْمَبِيعِ ، وَفَارَقَ الْإِجَارَةَ عَلَى الْأَعْيَانِ ؛ لِأَنَّ تَسْلِيمَهَا جَرَى مَجْرَى تَسْلِيمِ نَفْعِهَا ، وَمَتَى كَانَ عَلَى مَنْفَعَةٍ فِي الذِّمَّةِ ، لَمْ يَحْصُلْ تَسْلِيمُ الْمَنْفَعَةِ ، وَلَا مَا يَقُومُ مَقَامَهَا ، فَتَوَقَّفَ اسْتِحْقَاقُ تَسْلِيمِ الْأَجْرِ عَلَى تَسْلِيمِ الْعَمَلِ وَقَوْلُهُمْ : لَمْ يَمْلِكْ الْمَنَافِعَ .\rقَدْ سَبَقَ الْجَوَابُ عَنْهُ .\rفَإِنْ قِيلِ : فَإِنَّ الْمُؤَجِّرَ إذَا قَبَضَ الْأَجْرَ ، انْتَفَعَ بِهِ كُلِّهِ ، بِخِلَافِ الْمُسْتَأْجِرِ ، فَإِنَّهُ لَا يَحْصُلُ لَهُ اسْتِيفَاءُ الْمَنْفَعَةِ كُلِّهَا","part":11,"page":390},{"id":5390,"text":".\rقُلْنَا : لَا يَمْتَنِعُ هَذَا ، كَمَا لَوْ شَرَطَا التَّعْجِيلَ ، أَوْ كَانَ الثَّمَنُ عَيْنًا .","part":11,"page":391},{"id":5391,"text":"( 4167 ) فَصْلٌ : الْحُكْمُ السَّادِسُ ، أَنَّهُ إذَا شَرَطَ تَأْجِيلَ الْأَجْرِ ، فَهُوَ إلَى أَجَلِهِ ، وَإِنْ شَرَطَهُ مُنَجَّمًا يَوْمًا يَوْمًا ، أَوْ شَهْرًا شَهْرًا ، أَوْ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ أَوْ أَكْثَرَ ، فَهُوَ عَلَى مَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ إجَارَةَ الْعَيْنِ كَبَيْعِهَا ، وَبَيْعُهَا يَصِحُّ بِثَمَنٍ حَالٍّ أَوْ مُؤَجَّلٍ ، فَكَذَلِكَ إجَارَتُهَا .","part":11,"page":392},{"id":5392,"text":"( 4168 ) فَصْلٌ : وَإِذَا اسْتَوْفَى الْمُسْتَأْجِرُ الْمَنَافِعَ ، اسْتَقَرَّ الْأَجْرُ ؛ لِأَنَّهُ قَبَضَ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ ، فَاسْتَقَرَّ عَلَيْهِ الْبَدَلُ ، كَمَا لَوْ قَبَضَ الْمَبِيعَ .\rوَإِنْ سُلِّمَتْ إلَيْهِ الْعَيْنُ الَّتِي وَقَعَتْ الْإِجَارَةُ عَلَيْهَا ، وَمَضَتْ الْمُدَّةُ ، وَلَا حَاجِزَ لَهُ عَنْ الِانْتِفَاعِ ، اسْتَقَرَّ الْأَجْرُ وَإِنْ لَمْ يَنْتَفِعْ ؛ لِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ تَلِفَ تَحْتَ يَدِهِ ، وَهِيَ حَقُّهُ ، فَاسْتَقَرَّ عَلَيْهِ بَدَلُهَا ، كَثَمَنِ الْمَبِيعِ إذَا تَلِفَ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي .\rوَإِنْ كَانَتْ الْإِجَارَةُ عَلَى عَمَلٍ ، فَتَسَلَّمَ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ ، وَمَضَتْ مُدَّةٌ يُمْكِنُ اسْتِيفَاءُ الْمَنْفَعَةِ فِيهَا ، مِثْلُ أَنْ يَكْتَرِيَ دَابَّةً لِيَرْكَبَهَا إلَى حِمْصَ ، فَقَبَضَهَا ، وَمَضَتْ مُدَّةٌ يُمْكِنُ رُكُوبُهَا فِيهَا ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا : يَسْتَقِرُّ عَلَيْهِ الْأَجْرُ وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ الْمَنَافِعَ تَلِفَتْ تَحْتَ يَدِهِ بِاخْتِيَارِهِ ، فَاسْتَقَرَّ الضَّمَانُ عَلَيْهِ ، كَمَا لَوْ تَلِفَتْ الْعَيْنُ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي ، وَكَمَا لَوْ كَانَتْ الْإِجَارَةُ عَلَى مُدَّةٍ فَمَضَتْ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَسْتَقِرُّ الْأَجْرُ عَلَيْهِ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ الْمَنْفَعَةَ ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ عَلَى مَنْفَعَةٍ غَيْرِ مُؤَقَّتَةٍ بِزَمَنٍ ، فَلَمْ يَسْتَقِرَّ بَدَلُهَا قَبْلَ اسْتِيفَائِهَا ، كَالْأَجْرِ لِلْأَجِيرِ الْمُشْتَرَكِ .\rفَإِنْ بَذَلَ تَسْلِيمَ الْعَيْنِ ، فَلَمْ يَأْخُذْهَا الْمُسْتَأْجِرُ حَتَّى انْقَضَتْ الْمُدَّةُ اسْتَقَرَّ الْأَجْرُ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ الْمَنَافِعَ تَلِفَتْ بِاخْتِيَارِهِ فِي مُدَّةِ الْإِجَارَةِ ، فَاسْتَقَرَّ عَلَيْهِ الْأَجْرُ ، كَمَا لَوْ كَانَتْ فِي يَدِهِ وَإِنْ بَذَلَ تَسْلِيمَ الْعَيْنِ ، وَكَانَتْ الْإِجَارَةُ عَلَى عَمَلٍ ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا : إذَا مَضَتْ مُدَّةٌ يُمْكِنُ الِاسْتِيفَاءُ فِيهَا ، اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ الْأَجْرُ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ؛ لِأَنَّ الْمَنَافِعَ تَلِفَتْ بِاخْتِيَارِهِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا أَجْرَ عَلَيْهِ .\rوَهُوَ أَصَحُّ عِنْدِيّ ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ عَلَى مَا فِي الذِّمَّةِ ،","part":11,"page":393},{"id":5393,"text":"فَلَمْ يَسْتَقِرَّ عِوَضُهُ بِبَذْلِ التَّسْلِيمِ ، كَالْمُسْلَمِ فِيهِ ، وَلِأَنَّهُ عَقْدٌ عَلَى مَنْفَعَةٍ غَيْرِ مُؤَقَّتَةٍ بِزَمَنٍ ، فَلَمْ يَسْتَقِرَّ عِوَضُهَا بِالْبَذْلِ ، كَالصَّدَاقِ إذَا بَذَلَتْ تَسْلِيمَ نَفْسِهَا وَامْتَنَعَ الزَّوْجُ مِنْ أَخْذِهَا وَإِنْ كَانَ هَذَا فِي إجَارَةٍ فَاسِدَةٍ ، فَفِيمَا إذَا عَرَضَهَا عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ فَلَمْ يَأْخُذْهَا لَا أَجْرَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَتْلَفْ تَحْتَ يَدِهِ ، وَلَا فِي مِلْكِهِ .\rوَإِنْ قَبَضَهَا ، وَمَضَتْ الْمُدَّةُ أَوْ مُدَّةٌ يُمْكِنُ اسْتِيفَاءُ الْمَنْفَعَةِ فِيهَا أَوْ لَا يُمْكِنُ ، فَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَتَانِ إحْدَاهُمَا عَلَيْهِ أَجْرُ الْمِثْلِ لِمُدَّةِ بَقَائِهَا فِي يَدِهِ ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ الْمَنَافِعَ تَلِفَتْ تَحْتَ يَدِهِ بِعِوَضٍ لَمْ يُسَلَّمْ لَهُ ، فَرَجَعَ إلَى قِيمَتِهَا ، كَمَا لَوْ اسْتَوْفَاهَا .\rوَالثَّانِيَةُ ، لَا شَيْءَ لَهُ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ فَاسِدٌ عَلَى مَنَافِعَ لَمْ يَسْتَوْفِهَا ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ عِوَضُهَا ، كَالنِّكَاحِ الْفَاسِدِ ، وَإِنْ اسْتَوْفَى الْمَنْفَعَةَ فِي الْعَقْدِ الْفَاسِدِ ، فَعَلَيْهِ أَجْرُ الْمِثْلِ .\rوَبِهِ قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَجِبُ أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ ، مِنْ الْمُسَمَّى أَوْ أَجْرِ الْمِثْلِ ، بِنَاءً مِنْهُ عَلَى أَنَّ الْمَنَافِعَ لَا تُضْمَنُ إلَّا بِالْعَقْدِ .\rوَلَنَا أَنَّ مَا ضُمِنَ بِالْمُسَمَّى فِي الْعَقْدِ الصَّحِيحِ وَجَبَ ضَمَانُهُ بِجَمِيعِ الْقِيمَةِ فِي الْفَاسِدِ ، كَالْأَعْيَانِ .\rوَمَا ذَكَرَهُ لَا نُسَلِّمُهُ .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":11,"page":394},{"id":5394,"text":"( 4169 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : ( وَإِذَا وَقَعَتْ الْإِجَارَةِ عَلَى كُلِّ شَهْرٍ بِشَيْءٍ مَعْلُومٍ ، لَمْ يَكُنْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا الْفَسْخُ ، إلَّا عِنْدَ تَقَضِّي كُلِّ شَهْرٍ ) .\rوَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا قَالَ : أَجَرْتُك هَذَا كُلَّ شَهْرٍ بِدِرْهَمٍ .\rفَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا ، فَذَهَبَ الْقَاضِي إلَى أَنَّ الْإِجَارَةَ صَحِيحَةٌ .\rوَهُوَ الْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ ، فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ ، وَاخْتِيَارُ الْخِرَقِيِّ ، إلَّا أَنَّ الشَّهْرَ الْأَوَّلَ تَلْزَمُ الْإِجَارَةُ فِيهِ بِإِطْلَاقِ الْعَقْدِ ؛ لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ يَلِي الْعَقْدَ ، وَلَهُ أَجْرٌ مَعْلُومٌ ، وَمَا بَعْدَهُ مِنْ الشُّهُورِ يَلْزَمُ الْعَقْدُ فِيهِ بِالتَّلَبُّسِ بِهِ ، وَهُوَ السُّكْنَى فِي الدَّارِ إنْ كَانَتْ الْإِجَارَةُ عَلَى دَارٍ ؛ لِأَنَّهُ مَجْهُولٌ حَالَ الْعَقْدِ .\rفَإِذَا تَلَبَّسَ بِهِ ، تَعَيَّنَ بِالدُّخُولِ فِيهِ ، فَصَحَّ بِالْعَقْدِ الْأَوَّلِ ، وَإِنْ لَمْ يَتَلَبَّسْ بِهِ ، أَوْ فَسَخَ الْعَقْدَ عِنْدَ انْقِضَاءِ الْأَوَّلِ انْفَسَخَ .\rوَكَذَلِكَ حُكْمُ كُلِّ شَهْرٍ يَأْتِي .\rوَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ .\rوَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ نَحْوُ هَذَا ، إلَّا أَنَّ الْإِجَارَةَ لَا تَكُونُ لَازِمَةً عِنْدَهُ ؛ لِأَنَّ الْمَنَافِعَ مُتَقَدِّرَةٌ بِتَقْدِيرِ الْأَجْرِ ، فَلَا يُحْتَاجُ إلَى ذِكْرِ الْمُدَّةِ إلَّا فِي اللُّزُومِ .\rوَاخْتَارَ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنِ جَعْفَرٍ ، وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَامِدٍ ، أَنَّ الْعَقْدَ بَاطِلٌ .\rوَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ ، وَالصَّحِيحُ مِنْ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ كُلَّ اسْمٍ لِلْعَدَدِ ، فَإِذَا لَمْ يُقَدِّرْهُ كَانَ مُبْهَمًا مَجْهُولًا ، فَيَكُونُ فَاسِدًا ، كَمَا لَوْ قَالَ : أَجَرْتُك مُدَّةً أَوْ شَهْرًا وَحَمَلَ أَبُو بَكْرٍ وَابْنُ حَامِدٍ كَلَامَ أَحْمَدَ فِي هَذَا عَلَى أَنَّ الْإِجَارَة وَقَعَتْ عَلَى أَشْهُرٍ مُعَيَّنَةٍ .\rوَوَجْهُ الْأَوَّلِ { ، أَنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ اسْتَقَى لِرَجُلٍ مِنْ الْيَهُودِ كُلَّ دَلْوٍ بِتَمْرَةٍ ، وَجَاءَ بِهِ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْكُلُ مِنْهُ قَالَ عَلِيٌّ : كُنْت أَدْلُو الدَّلْوَ","part":11,"page":395},{"id":5395,"text":"بِتَمْرَةٍ وَأَشْتَرِطُهَا جَلْدَةً } .\rوَعَنْ { رَجُلٍ مِنْ الْأَنْصَارِ أَنَّهُ قَالَ لِيَهُودِيٍّ : أَسْقِي نَخْلَك ؟ قَالَ : نَعَمْ ، كُلُّ دَلْوٍ بِتَمْرَةٍ .\rوَاشْتَرَطَ الْأَنْصَارِيُّ أَنْ لَا يَأْخُذَهَا خَدِرَةً وَلَا تَارِزَةً وَلَا حَشَفَةً ، وَلَا يَأْخُذَ إلَّا جَلْدَةً .\rفَاسْتَقَى بِنَحْوٍ مِنْ صَاعَيْنِ ، فَجَاءَ بِهِ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ } .\rرَوَاهُمَا ابْنُ مَاجَهْ فِي \" سُنَنِهِ \" .\rوَهُوَ نَظِيرُ مَسْأَلَتِنَا وَلِأَنَّ شُرُوعَهُ فِي كُلِّ شَهْرٍ مَعَ مَا تَقَدَّمَ فِي الْعَقْدِ مِنْ الِاتِّفَاقِ عَلَى تَقْدِيرِ أَجْرِهِ وَالرِّضَى بِبَذْلِهِ بِهِ جَرَى مَجْرَى ابْتِدَاءِ الْعَقْدِ عَلَيْهِ ، وَصَارَ كَالْبَيْعِ بِالْمُعَاطَاةِ ، إذَا جَرَى مِنْ الْمُسَاوَمَةِ مَا دَلَّ عَلَى التَّرَاضِي بِهَا .\rفَعَلَى هَذَا ، مَتِّي تُرِكَ التَّلَبُّسُ بِهِ فِي شَهْرٍ ، لَمْ تَثْبُتْ الْإِجَارَةُ فِيهِ ؛ لِعَدَمِ الْعَقْدِ .\rوَإِنْ فُسِخَ ، فَكَذَلِكَ ، وَلَيْسَ بِفَسْخٍ فِي الْحَقِيقَةِ ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ فِي الشَّهْرِ الثَّانِي مَا ثَبَتَ .\rفَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ ، فَذَهَبَ إلَى أَنَّهُمَا إذَا تَلَبَّسَا بِالشَّهْرِ الثَّانِي فَقَدْ اتَّصَلَ الْقَبْضُ بِالْعَقْدِ الْفَاسِدِ .\rوَهُوَ عُذْرٌ غَيْرُ صَحِيحٍ ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ الْفَاسِدَ فِي الْأَعْيَانِ لَا يَلْزَمُ بِالْقَبْضِ ، وَلَا يُضْمَنُ بِالْمُسَمَّى ، ثُمَّ لَمْ يَحْصُلْ الْقَبْضُ هَا هُنَا إلَّا فِيمَا اسْتَوْفَاهُ وَقَوْلُ مَالِكٍ لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ الْإِجَارَةَ مِنْ الْعُقُودِ اللَّازِمَةِ ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ جَائِزَةً .","part":11,"page":396},{"id":5396,"text":"( 4170 ) فَصْلٌ : إذَا قَالَ : أَجَّرْتُك دَارِي عِشْرِينَ شَهْرًا ، كُلَّ شَهْرٍ بِدِرْهَمٍ جَازَ ، بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ ؛ لِأَنَّ الْمُدَّةَ مَعْلُومَةٌ ، وَأَجْرَهَا مَعْلُومٌ ، وَلَيْسَ لَوَاحِدٍ مِنْهُمَا فَسْخٌ بِحَالِ ؛ لِأَنَّهَا مُدَّةٌ وَاحِدَةٌ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَالَ : آجَرْتُك عِشْرِينَ شَهْرًا ، بِعِشْرِينَ دِرْهَمًا .\rوَإِنْ قَالَ : أَجَرْتُكهَا شَهْرًا بِدِرْهَمٍ ، وَمَا زَادَ فَبِحِسَابِ ذَلِكَ صَحَّ فِي الشَّهْرِ الْأَوَّلِ ، لِأَنَّهُ أَفْرَدَهُ بِالْعَقْدِ ، وَبَطَلَ فِي الزَّائِدِ ؛ لِأَنَّهُ مَجْهُولٌ .\rوَيُحْتَمَلُ أَنْ يَصِحَّ فِي كُلِّ شَهْرٍ تَلَبَّسَ بِهِ ، كَمَا لَوْ قَالَ : أَجَرْتُكهَا كُلَّ شَهْرٍ بِدِرْهَمٍ .\rلِأَنَّ مَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ وَلَوْ قَالَ : أَجَرْتُكهَا هَذَا الشَّهْرَ بِدِرْهَمٍ .\rوَكُلُّ شَهْرٍ بَعْدَ ذَلِكَ بِدِرْهَمٍ .\rأَوْ قَالَ : بِدِرْهَمَيْنِ .\rصَحَّ فِي الْأَوَّلِ ، وَفِيمَا بَعْدَهُ وَجْهَانِ .","part":11,"page":397},{"id":5397,"text":"( 4171 ) فَصْلٌ : وَالْإِجَارَةُ عَقْدٌ لَازِمٌ مِنْ الطَّرَفَيْنِ ، لَيْسَ لَوَاحِدٍ مِنْهُمَا فَسْخُهَا .\rوَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْي ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهَا عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ ، فَكَانَ لَازِمًا ، كَالْبَيْعِ ، وَلِأَنَّهَا نَوْعٌ مِنْ الْبَيْعِ ، وَإِنَّمَا اخْتَصَّتْ بِاسْمٍ كَمَا اخْتَصَّ الصَّرْفُ وَالسَّلَمُ بِاسْمٍ ، وَسَوَاءٌ كَانَ لَهُ عُذْرٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ .\rوَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ : يَجُوزُ لِلْمُكْتَرِي فَسْخُهَا لِعُذْرٍ فِي نَفْسِهِ ، مِثْلَ أَنْ يَكْتَرِيَ جَمَلًا لِيَحُجَّ عَلَيْهِ ، فَيَمْرَضَ ، فَلَا يَتَمَكَّنُ مِنْ الْخُرُوجِ ، أَوْ تَضِيعَ نَفَقَتُهُ ، أَوْ يَكْتَرِيَ دُكَّانًا لِلْبَزِّ ، فَيَحْتَرِقَ مَتَاعُهُ ، وَمَا أَشْبَهَ هَذَا ؛ لِأَنَّ الْعُذْرَ يَتَعَذَّرُ مَعَهُ اسْتِيفَاءُ الْمَنْفَعَةِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهَا ، فَمَلَكَ بِهِ الْفَسْخَ كَمَا لَوْ اسْتَأْجَرَ عَبْدًا فَأَبَقَ وَلَنَا أَنَّهُ عَقْدٌ لَا يَجُوزُ فَسْخُهُ مَعَ اسْتِيفَاءِ الْمَنْفَعَةِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهَا لِغَيْرِ عُذْرٍ ، فَلَمْ يَجُزْ لِعُذْرٍ فِي غَيْرِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ ، كَالْبَيْعِ ، وَلِأَنَّهُ لَوْ جَازَ فَسْخُهُ لِعُذْرِ الْمُكْتَرِي ، لَجَازَ لِعُذْرِ الْمُكْرِي ، تَسْوِيَةً بَيْنَ الْمُتَعَاقِدَيْنِ .\rوَدَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْعَاقِدَيْنِ ، وَلَمْ يَجُزْ ثَمَّ ، فَلَا يَجُوزُ هَا هُنَا ، وَيُفَارِقُ الْإِبَاقَ ، فَإِنَّهُ عُذْرٌ فِي الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ .","part":11,"page":398},{"id":5398,"text":"( 4172 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : ( وَمَنْ اسْتَأْجَرَ عَقَارًا مُدَّةً بِعَيْنِهَا ، فَبَادَلَهُ قَبْلَ تَقَضِّيهَا ، فَقَدْ لَزِمَتْهُ الْأُجْرَةُ كَامِلَةً ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْإِجَارَةِ عَقْدٌ لَازِمٌ يَقْتَضِي تَمْلِيكَ الْمُؤَجِّرِ الْأَجْرَ ، وَالْمُسْتَأْجِرِ الْمَنَافِعَ ، فَإِذَا فَسَخَ الْمُسْتَأْجِرُ الْإِجَارَةَ قَبْلَ انْقِضَاءِ مُدَّتِهَا ، وَتَرَكَ الِانْتِفَاعَ اخْتِيَارًا مِنْهُ ، لَمْ تَنْفَسِخْ الْإِجَارَةُ ، وَالْأَجْرُ لَازِمٌ لَهُ ، وَلَمْ يَزُلْ مِلْكُهُ عَنْ الْمَنَافِعِ ، كَمَا لَوْ اشْتَرَى شَيْئًا وَقَبَضَهُ ثُمَّ تَرَكَهُ .\rقَالَ الْأَثْرَمُ : قُلْت لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ : رَجُلٌ اكْتَرَى بَعِيرًا ، فَلَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ ، قَالَ لَهُ : فَاسِخْنِي .\rقَالَ : لَيْسَ ذَلِكَ لَهُ ، قَدْ لَزِمَهُ الْكِرَاءُ .\rقُلْت : فَإِنْ مَرِضَ الْمُسْتَكْرِي بِالْمَدِينَةِ ؟ فَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ فَسْخًا ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ عَقْدٌ لَازِمٌ بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ ، فَلَمْ يَمْلِكْ أَحَدُ الْمُتَعَاقِدَيْنِ فَسْخَهُ .\rوَإِنْ فَسَخَهُ ، لَمْ يَسْقُطْ الْعِوَضُ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ ، كَالْبَيْعِ .","part":11,"page":399},{"id":5399,"text":"( 4173 ) فَصْلٌ : وَلَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي إبَاحَةِ إجَارَةِ الْعَقَارِ ، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ، عَلَى أَنَّ اسْتِئْجَارَ الْمَنَازِلِ وَالدَّوَابِّ جَائِزٌ .\rوَلَا تَجُوزُ إجَارَتُهَا إلَّا فِي مُدَّةٍ مُعَيَّنَةٍ مَعْلُومَةٍ ، وَلَا بُدَّ مِنْ مُشَاهَدَتِهِ وَتَحْدِيدِهِ ، فَإِنَّهُ لَا يَصِيرُ مَعْلُومًا إلَّا بِذَلِكَ ، وَلَا يَجُوزُ إطْلَاقُهُ ، وَلَا وَصْفُهُ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ : إذَا ضُبِطَ بِالصِّفَةِ ، أَجْزَأَ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْي : لَهُ خِيَارُ الرُّؤْيَةِ ، كَقَوْلِهِمْ فِي الْبَيْعِ وَيَتَخَرَّجُ لَنَا مِثْلُ ذَلِكَ بِنَاءً عَلَى الْبَيْعِ ، وَالْخِلَافُ هَا هُنَا مَبْنِيٌّ عَلَى الْخِلَافُ فِي الْبَيْعِ ، وَلَمْ يَكْتَفِ بِالصِّفَةِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِيرُ مَعْلُومًا إلَّا بِالرُّؤْيَةِ ، كَمَا لَا يُعْلَمُ فِي الْبَيْعِ إلَّا بِذَلِكَ .\rفَإِنْ كَانَ دَارًا أَوْ حَمَّامًا ، احْتَاجَ إلَى مُشَاهَدَةِ الْبُيُوتِ ؛ لِأَنَّ الْغَرَضَ يَخْتَلِفُ بِصِغَرِهَا وَكِبَرِهَا وَمَرَافِقِهَا ، وَمُشَاهَدَةِ قَدْرِ الْحَمَّامِ لِيَعْلَمَ كِبَرَهَا مِنْ صِغَرِهَا ، وَمَعْرِفَةِ مَاءِ الْحَمَّامِ إمَّا مِنْ قَنَاةٍ أَوْ بِئْرٍ ، فَإِنْ كَانَ مِنْ بِئْرٍ احْتَاجَ إلَى مُشَاهَدَتِهَا ؛ لِيَعْلَمَ عُمْقَهَا وَمُؤْنَةَ اسْتِسْقَاءِ الْمَاءِ مِنْهَا ، وَمُشَاهَدَةِ الْأَتُونِ ، وَمَطْرَحِ الرَّمَادِ ، وَمَوْضِعِ الزِّبْلِ ، وَمَصْرِفِ مَاءِ الْحَمَّامِ ، فَمَتَى أَخَلَّ بِهَذَا أَوْ بَعْضِهِ ، لَمْ تَصِحَّ ؛ لِلْجَهَالَةِ بِمَا يَخْتَلِفُ الْغَرَضُ بِهِ .","part":11,"page":400},{"id":5400,"text":"( 4174 ) فَصْلٌ : وَكَرِهَ أَحْمَدُ كِرَاءَ الْحَمَّامِ .\rوَسُئِلَ عَنْ كِرَائِهِ ، فَقَالَ : أَخْشَى .\rفَقِيلَ لَهُ : إذَا شُرِطَ عَلَى الْمُكْتَرِي أَنْ لَا يَدْخُلَهُ أَحَدٌ بِغَيْرِ إزَارٍ .\rفَقَالَ : وَمَنْ يَضْبِطُ هَذَا ؟ وَكَأَنَّهُ لَمْ يُعْجِبْهُ .\rقَالَ ابْنُ حَامِدٍ : هَذَا عَلَى طَرِيقِ الْكَرَاهَةِ تَنْزِيهًا لَا تَحْرِيمًا ؛ لِأَنَّهُ تَبْدُو فِيهِ عَوْرَاتُ النَّاسِ ، فَتَحْصُلُ الْإِجَارَةُ عَلَى فِعْلٍ مَحْظُورٍ ، فَكَرِهَهُ لِذَلِكَ ، فَأَمَّا الْعَقْدُ فَصَحِيحٌ .\rوَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ، أَنَّ كِرَاءَ الْحَمَّامِ جَائِزٌ ، إذَا حَدَّدَهُ ، وَذَكَرَ جَمِيعَ آلَتِهِ شُهُورًا مُسَمَّاةً وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْي ؛ لِأَنَّ الْمُكْتَرِيَ إنَّمَا يَأْخُذُ الْأَجْرَ عِوَضًا عَنْ دُخُولِ الْحَمَّامِ وَالِاغْتِسَالِ بِمَائِهِ ، وَأَحْوَالُ الْمُسْلِمِينَ مَحْمُولَةٌ عَلَى السَّلَامَة ، وَإِنْ وَقَعَ مِنْ بَعْضِهِمْ فِعْلُ مَا لَا يَجُوزُ ، لَمْ يَحْرُمْ الْأَجْرُ الْمَأْخُوذُ مِنْهُ ، كَمَا لَوْ اكْتَرَى دَارًا لِيَسْكُنَهَا ، فَشَرِبَ فِيهَا خَمْرًا .","part":11,"page":401},{"id":5401,"text":"( 4175 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : ( وَلَا يَتَصَرَّفُ مَالِكُ الْعَقَارِ فِيهِ إلَّا عِنْدَ تَقَضِّي الْمُدَّةِ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْمُسْتَأْجِرَ يَمْلِكُ الْمَنَافِعَ بِالْعَقْدِ ، كَمَا يَمْلِكُ الْمُشْتَرِي الْمَبِيعَ بِالْبَيْعِ ، وَيَزُولُ مِلْكُ الْمُؤَجِّرِ عَنْهَا ، كَمَا يَزُولُ مِلْكُ الْبَائِعِ عَنْ الْمَبِيعِ ، فَلَا يَجُوزُ لَهُ التَّصَرُّفُ فِيهَا ؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ مَمْلُوكَةً لِغَيْرِهِ ، كَمَا لَا يَمْلِكُ الْبَائِعُ التَّصَرُّفَ فِي الْمَبِيعِ ، فَإِنْ تَصَرَّفَ فِيهَا نَظَرْنَا ؛ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ فِي حَالٍ بَدَا لِلْمُسْتَأْجِرِ قَبْلَ تَقَضِّي الْمُدَّةِ مِثْلِ أَنْ يَكْتَرِيَ دَارًا سَنَةً فَيَسْكُنَهَا شَهْرًا وَيَتْرُكَهَا ، فَيَسْكُنَهَا الْمَالِكُ بَقِيَّةَ السَّنَةِ ، أَوْ يُؤَجِّرَهَا لِغَيْرِهِ ، احْتَمَلَ أَنْ يَنْفَسِخَ الْعَقْدُ فِيمَا اسْتَوْفَاهُ الْمَالِكُ ؛ لِأَنَّهُ يَتَصَرَّفُ فِيهِ قَبْلَ قَبْضِ الْمُكْتَرِي لَهُ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ تَلِفَ الْمَكِيلُ قَبْلَ تَسْلِيمِهِ ، وَسَلَّمَ بَاقِيَهُ فَعَلَى هَذَا ، إنْ تَصَرَّفَ الْمَالِكُ فِي بَعْضِ الْمُدَّةِ دُونَ بَعْضٍ ، انْفَسَخَ الْعَقْدُ فِي قَدْرِ مَا تَصَرَّفَ فِيهِ دُونَ مَا لَمْ يَتَصَرَّفْ فِيهِ ، وَيَكُونُ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ مَا بَقِيَ ، فَلَوْ سَكَنَ الْمُسْتَأْجِرُ شَهْرًا ، وَتَرَكَهَا شَهْرًا ، وَسَكَنَ الْمَالِكُ عَشَرَةَ أَشْهُرٍ ، لَزِمَ الْمُسْتَأْجِرَ أَجْرُ شَهْرَيْنِ .\rوَإِنْ سَكَنَهَا شَهْرًا ، وَسَكَنَ الْمَالِكُ شَهْرَيْنِ ، ثُمَّ تَرَكَهَا ، فَعَلَى الْمُسْتَأْجِرِ أَجْرُ عَشَرَةِ أَشْهُرٍ .\rوَيُحْتَمَلُ أَنْ يَلْزَمَ الْمُسْتَأْجِرَ أَجْرُ جَمِيعِ الْمُدَّةِ ، وَلَهُ عَلَى الْمَالِكِ أَجْرُ الْمِثْلِ لِمَا سَكَنَ أَوْ تَصَرَّفَ فِيهِ بِقِسْطِ ذَلِكَ مِمَّا عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ مِنْ الْأَجْرِ ، وَيَلْزَمُهُ الْبَاقِي ؛ لِأَنَّهُ تَصَرَّفَ فِيمَا مَلَكَهُ الْمُسْتَأْجِرُ عَلَيْهِ غَيْرِ إذْنِهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ تَصَرَّفَ فِي الْمَبِيعِ بَعْدَ قَبْضِ الْمُشْتَرِي لَهُ ، وَقَبْضُ الدَّارِ هَا هُنَا قَامَ مَقَامَ قَبْضِ الْمَنَافِعِ ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فِي الْمَنَافِعِ بِالسُّكْنَى وَالْإِجَارَةِ وَغَيْرِهَا فَعَلَى هَذَا ،","part":11,"page":402},{"id":5402,"text":"لَوْ كَانَ أَجْرُ الْمِثْلِ الْوَاجِبِ عَلَى الْمَالِكِ بِقَدْرِ الْمُسَمَّى فِي الْعَقْدِ ، لَمْ يَجِبْ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ شَيْءٌ ، وَإِنْ فَضَلَتْ مِنْهُ فَضْلَةٌ ، لَزِمَ الْمَالِكَ أَدَاؤُهَا إلَى الْمُسْتَأْجِرِ ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ ، وَإِنْ تَصَرَّفَ الْمَالِكُ قَبْلَ تَسْلِيمِ الْعَيْنِ ، أَوْ امْتَنَعَ مِنْ تَسْلِيمِهَا حَتَّى انْقَضَتْ مُدَّةُ الْإِجَارَةِ ، انْفَسَخَتْ الْإِجَارَةُ ، وَجْهًا وَاحِدًا ؛ لِأَنَّ الْعَاقِدَ قَدْ أَتْلَفَ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ قَبْلَ تَسْلِيمِهِ ، فَانْفَسَخَ الْعَقْدُ ، كَمَا لَوْ بَاعَهُ طَعَامًا فَأَتْلَفَهُ قَبْلَ تَسْلِيمِهِ .\rوَإِنْ سَلَّمَهَا إلَيْهِ فِي أَثْنَاء الْمُدَّةِ انْفَسَخَتْ فِيمَا مَضَى ، وَيَجِبُ أَجْرُ الْبَاقِي بِالْحِصَّةِ ، كَالْمَبِيعِ إذَا سَلَّمَ بَعْضَهُ وَأَتْلَفَ بَعْضًا .","part":11,"page":403},{"id":5403,"text":"( 4176 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : ( فَإِنْ حَوَّلَهُ الْمَالِكُ قَبْلَ تَقَضِّي الْمُدَّةِ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَجْرٌ لِمَا سَكَنَ ) يَعْنِي إذَا اسْتَأْجَرَ عَقَارًا مُدَّةً ، فَسَكَنَهُ بَعْضَ الْمُدَّةِ ، ثُمَّ أَخْرَجَهُ الْمَالِكُ ، وَمَنَعَهُ تَمَامَ السُّكْنَى ، فَلَا شَيْءَ لَهُ مِنْ الْأُجْرَةِ .\rوَقَالَ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ : لَهُ أَجْرُ مَا سَكَنَ ؛ لِأَنَّهُ اسْتَوْفَى مِلْكَ غَيْرِهِ عَلَى سَبِيلِ الْمُعَاوَضَةِ ، فَلَزِمَهُ عِوَضُهُ كَالْمَبِيعِ إذَا اسْتَوْفَى بَعْضَهُ ، وَمَنَعَهُ الْمَالِكُ بَقِيَّتَهُ ، كَمَا لَوْ تَعَذَّرَ اسْتِيفَاءُ الْبَاقِي لِأَمْرٍ غَالِبٍ .\rوَلَنَا أَنَّهُ لَمْ يُسَلِّمْ إلَيْهِ مَا عَقَدَ الْإِجَارَةَ عَلَيْهِ ، فَلَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا ، كَمَا لَوْ اسْتَأْجَرَهُ لِيَحْمِلَ لَهُ كِتَابًا إلَى مَوْضِعٍ ، فَحَمَلَهُ بَعْضَ الطَّرِيقِ ، أَوْ اسْتَأْجَرَهُ لِيَحْفِرَ لَهُ عِشْرِينَ ذِرَاعًا فَحَفَرَ لَهُ عَشْرًا ، وَامْتَنَعَ مِنْ حَفْرِ الْبَاقِي .\rوَقِيَاسُ الْإِجَارَةِ عَلَى الْإِجَارَةِ أَوْلَى مِنْ قِيَاسِهَا عَلَى الْبَيْعِ .\rوَيُفَارِقُ مَا إذَا امْتَنَعَ لَأَمْرٍ غَالِبٍ ؛ لِأَنَّ لَهُ عُذْرًا .\rوَالْحُكْمُ فِي مَنْ اكْتَرَى دَابَّةً ، فَامْتَنَعَ الْمُكْرِي مِنْ تَسْلِيمِهَا فِي بَعْضِ الْمُدَّةِ ، أَوْ أَجَرَ نَفْسَهُ أَوْ عَبْدَهُ لِلْخِدْمَةِ مُدَّةً ، وَامْتَنَعَ مِنْ إتْمَامِهَا ، أَوْ أَجَرَ نَفْسَهُ لِبِنَاءِ حَائِطٍ ، أَوْ خِيَاطَةٍ ، أَوْ حَفَرِ بِئْرٍ ، أَوْ حَمْلِ شَيْءٍ إلَى مَكَان ، وَامْتَنَعَ مِنْ إتْمَامِ الْعَمَلِ ، كَالْحُكْمِ فِي الْعَقَارِ يَمْتَنِعُ مِنْ تَسْلِيمِهِ ، وَأَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا ؛ لِمَا ذَكَرْنَا .","part":11,"page":404},{"id":5404,"text":"( 4177 ) فَصْلٌ : إذَا هَرَبَ الْأَجِيرُ ، أَوْ شَرَدَتْ الدَّابَّةُ ، أَوْ أَخَذَ الْمُؤَجِّرُ الْعَيْنَ وَهَرَبَ بِهَا ، أَوْ مَنَعَهُ اسْتِيفَاءَ الْمَنْفَعَةِ مِنْهَا مِنْ غَيْرِ هَرَبٍ ، لَمْ تَنْفَسِخْ الْإِجَارَةُ ، لَكِنْ يَثْبُتُ لِلْمُسْتَأْجِرِ خِيَارُ الْفَسْخِ ؛ فَإِنْ فَسَخَ ، فَلَا كَلَامَ ، وَإِنْ لَمْ يَفْسَخْ ، انْفَسَخَتْ الْإِجَارَةُ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ يَوْمًا فَيَوْمًا .\rفَإِنْ عَادَتْ الْعَيْنُ فِي أَثْنَاءِ الْمُدَّةِ ، اسْتَوْفَى مَا بَقِيَ مِنْهَا .\rفَإِنْ انْقَضَتْ الْمُدَّةُ ، انْفَسَخَتْ الْإِجَارَةُ ؛ لِفَوَاتِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ .\rوَإِنْ كَانَتْ الْإِجَارَةُ عَلَى مَوْصُوفٍ فِي الذِّمَّةِ ، كَخِيَاطَةِ ثَوْبٍ ، أَوْ بِنَاءِ حَائِطٍ ، أَوْ حَمْلٍ إلَى مَوْضِعٍ مُعَيَّنٍ ، اُسْتُؤْجِرَ مِنْ مَالِهِ مَنْ يَعْمَلُهُ ، كَمَا لَوْ أَسْلَمَ إلَيْهِ فِي شَيْءٍ فَهَرَبَ ، اُبْتِيعَ مِنْ مَالِهِ فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ ، ثَبَتَ لِلْمُسْتَأْجِرِ الْفَسْخُ .\rفَإِنْ فَسَخَ ، فَلَا كَلَامَ ، وَإِنْ لَمْ يَفْسَخَ ، وَصَبَرَ إلَى أَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ ، فَلَهُ مُطَالَبَتُهُ بِالْعَمَلِ ؛ لِأَنَّ مَا فِي الذِّمَّةِ لَا يَفُوتُ بِهَرَبِهِ .\rوَكُلُّ مَوْضِعٍ امْتَنَعَ الْأَجِيرُ مِنْ الْعَمَلِ فِيهِ ، أَوْ مَنَعَ الْمُؤَجِّرُ الْمُسْتَأْجِرَ مِنْ الِانْتِفَاعِ إذَا كَانَ بَعْدَ عَمَلِ الْبَعْضِ فَلَا أَجْرَ لَهُ فِيهِ ، عَلَى مَا سَبَقَ ، إلَّا أَنْ يَرُدَّ الْعَيْنَ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ ، أَوْ يُتِمَّ الْعَمَلَ إنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى مُدَّةٍ قَبْلَ فَسْخِ الْمُسْتَأْجِرِ ، فَيَكُونَ لَهُ أَجْرُ مَا عَمِلَ .\rفَأَمَّا إنَّ شَرَدَتْ الدَّابَّةُ ، أَوْ تَعَذَّرَ اسْتِيفَاءُ الْمَنْفَعَةِ بِغَيْرِ فِعْلِ الْمُؤَجِّرِ ، فَلَهُ مِنْ الْأَجْرِ بِقَدْرِ مَا اسْتَوْفَى بِكُلِّ حَالٍ .","part":11,"page":405},{"id":5405,"text":"( 4178 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : ( فَإِنْ جَاءَ أَمْرٌ غَالِبٌ ، يَحْجِزُ الْمُسْتَأْجِرَ عَنْ مَنْفَعَةِ مَا وَقَعَ عَلَيْهِ الْعَقْدُ ، لَزِمَهُ مِنْ الْأَجْرِ بِمِقْدَارِ مُدَّةِ انْتِفَاعِهِ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ مَنْ اسْتَأْجَرَ عَيْنًا مُدَّةً ، فَحِيلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الِانْتِفَاعِ بِهَا ، لَمْ يَخْلُ مِنْ أَقْسَامٍ ثَلَاثَةٍ : أَحَدُهَا أَنْ تَتْلَفَ الْعَيْنُ ، كَدَابَّةٍ تَنْفُقُ ، أَوْ عَبْدٍ يَمُوتُ ، فَذَلِكَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ : أَحَدُهَا أَنْ تَتْلَفَ قَبْلَ قَبْضِهَا ، فَإِنَّ الْإِجَارَةَ تَنْفَسِخُ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ ؛ لِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ تَلِفَ قَبْلَ قَبْضِهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ تَلِفَ الطَّعَامُ الْمَبِيعُ قَبْلَ قَبْضِهِ .\rوَالثَّانِي أَنْ تَتْلَفَ عَقِيبَ قَبْضِهَا ، فَإِنَّ الْإِجَارَةَ تَنْفَسِخُ أَيْضًا ، وَيَسْقُطُ الْأَجْرُ فِي قَوْلِ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ ، إلَّا أَبَا ثَوْرٍ حُكِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : يَسْتَقِرُّ الْأَجْرُ ؛ لِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ تَلِفَ قَبْلَ قَبْضِهِ ، أَشْبَهَ الْمَبِيعَ وَهَذَا غَلَطٌ ؛ لِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ الْمَنَافِعُ ، وَقَبْضُهَا بِاسْتِيفَائِهَا ، أَوْ التَّمَكُّنِ مِنْ اسْتِيفَائِهَا ، وَلَمْ يَحْصُلْ ذَلِكَ ، فَأَشْبَهَ تَلَفَهَا قَبْلَ قَبْضِ الْعَيْنِ .\rالثَّالِثُ أَنْ تَتْلَفَ بَعْدَ مُضِيِّ شَيْءٍ مِنْ الْمُدَّةِ ، فَإِنَّ الْإِجَارَةَ تَنْفَسِخُ فِيمَا بَقِيَ مِنْ الْمُدَّةِ دُونَ مَا مَضَى ، وَيَكُونُ لِلْمُؤَجِّرِ مِنْ الْأَجْرِ بِقَدْرِ مَا اسْتَوْفَى مِنْ الْمَنْفَعَةِ .\rقَالَ أَحْمَدُ ، فِي رِوَايَةِ إبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ : إذَا اكْتَرَى بَعِيرًا بِعَيْنِهِ ، فَنَفَقَ الْبَعِيرُ ، يُعْطِيه بِحِسَابِ مَا رَكِبَ .\rوَذَلِكَ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ الْمَنَافِعُ ، وَقَدْ تَلِفَ بَعْضُهَا قَبْلَ قَبْضِهِ ، فَبَطَلَ الْعَقْدُ فِيمَا تَلِفَ دُونَ مَا قَبَضَ ، كَمَا لَوْ اشْتَرَى صُبْرَتَيْنِ ، فَقَبَضَ إحْدَاهُمَا ، وَتَلِفَتْ الْأُخْرَى قَبْلَ قَبْضِهَا ، ثُمَّ نَنْظُرُ ؛ فَإِنْ كَانَ أَجْرُ الْمُدَّةِ مُتَسَاوِيًا ، فَعَلَيْهِ بِقَدْرِ مَا مَضَى إنْ كَانَ قَدْ مَضَى النِّصْفُ ، فَعَلَيْهِ نِصْفُ الْأَجْرِ ، وَإِنْ كَانَ قَدْ مَضَى","part":11,"page":406},{"id":5406,"text":"الثُّلُثُ ، فَعَلَيْهِ الثُّلُثُ ، كَمَا يُقَسَّمُ الثَّمَنُ عَلَى الْمَبِيعِ الْمُتَسَاوِي .\rوَإِنْ كَانَ مُخْتَلِفًا ، كَدَارٍ أَجْرُهَا فِي الشِّتَاءِ أَكْثَرُ مِنْ أَجْرِهَا فِي الصَّيْفِ ، وَأَرْضٍ أَجْرُهَا فِي الصَّيْفِ أَكْثَرُ مِنْ الشِّتَاءِ ، أَوْ دَارٍ لَهَا مَوْسِمٌ ، كَدُورِ مَكَّةَ ، رُجِعَ فِي تَقْوِيمِهِ إلَى أَهْلِ الْخِبْرَةِ ، وَيُقَسَّطُ الْأَجْرُ الْمُسَمَّى عَلَى حَسَبِ قِيمَةِ الْمَنْفَعَةِ ، كَقِسْمَةِ الثَّمَنِ عَلَى الْأَعْيَانِ الْمُخْتَلِفَةِ فِي الْبَيْعِ .\rوَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الْأَجْرُ عَلَى قَطْعِ مَسَافَةٍ ، كَبَعِيرٍ اسْتَأْجَرَهُ عَلَى حَمْلِ شَيْءٍ إلَى مَكَان مُعَيَّنٍ ، وَكَانَتْ مُتَسَاوِيَةَ الْأَجْزَاءِ أَوْ مُخْتَلِفَةً .\rوَهَذَا ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ .","part":11,"page":407},{"id":5407,"text":"( 4179 ) فَصْلٌ : الْقِسْمُ الثَّانِي أَنْ يَحْدُثَ عَلَى الْعَيْنِ مَا يَمْنَعُ نَفْعَهَا ، كَدَارٍ انْهَدَمَتْ ، وَأَرْضٍ غَرِقَتْ ، أَوْ انْقَطَعَ مَاؤُهَا ، فَهَذِهِ يُنْظَرُ فِيهَا ؛ فَإِنْ لَمْ يَبْقَ فِيهَا نَفْعٌ أَصْلًا ، فَهِيَ كَالتَّالِفَةِ سَوَاءً ، وَإِنْ بَقِيَ فِيهَا نَفْعٌ غَيْرُ مَا اسْتَأْجَرَهَا لَهُ ، مِثْلُ أَنْ يُمْكِنَ الِانْتِفَاعُ بِعَرْصَةِ الدَّارِ وَالْأَرْضِ لِوَضْعِ حَطَبٍ فِيهَا ، أَوْ نَصْبِ خَيْمَةٍ فِي الْأَرْضِ الَّتِي اسْتَأْجَرَهَا لِلزَّرْعِ ، أَوْ صَيْدِ السَّمَكِ مِنْ الْأَرْضِ الَّتِي غَرِقَتْ ، انْفَسَخَتْ الْإِجَارَةُ أَيْضًا ؛ لِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ الَّتِي وَقَعَ عَلَيْهَا الْعَقْدُ تَلِفَتْ ، فَانْفَسَخَتْ الْإِجَارَةُ ، كَمَا لَوْ اسْتَأْجَرَ دَابَّةً لِيَرْكَبَهَا ، فَزَمِنَتْ بِحَيْثُ لَا تَصْلُحُ إلَّا لِتَدُورَ فِي الرَّحَى .\rوَقَالَ الْقَاضِي ، فِي الْأَرْضِ الَّتِي يَنْقَطِعُ مَاؤُهَا : لَا تَنْفَسِخُ الْإِجَارَةُ فِيهَا وَهُوَ مَنْصُوصُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ لَمْ تَبْطُلْ جُمْلَةً ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ الِانْتِفَاعُ بِعَرْصَةِ الْأَرْضِ بِنَصْبِ خَيْمَةٍ ، أَوْ جَمْعِ حَطَبٍ فِيهَا ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ نَقَصَ نَفْعُهَا مَعَ بَقَائِهِ .\rفَعَلَى هَذَا يُخَيَّرُ الْمُسْتَأْجِرُ بَيْنَ الْفَسْخِ وَالْإِمْضَاءِ ؛ فَإِنْ فَسَخَ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْعَبْدِ إذَا مَاتَ ، وَإِنْ اخْتَارَ إمْضَاءَ الْعَقْدِ ، فَعَلَيْهِ جَمِيعُ الْأَجْرِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ عَيْبٌ ، فَإِذَا رَضِيَ بِهِ ، سَقَطَ حُكْمُهُ .\rفَإِنْ لَمْ يَخْتَرْ الْفَسْخَ وَلَا الْإِمْضَاءَ ، إمَّا لِجَهْلِهِ بِأَنَّ لَهُ الْفَسْخَ ، أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ ، فَلَهُ الْفَسْخُ بَعْدَ ذَلِكَ .\rوَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ، لِأَنَّ بَقَاءَ غَيْرِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ لَا يَمْنَعُ انْفِسَاخَ الْعَقْدِ بِتَلَفِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ ، كَمَا فِي الْبَيْعِ وَلَوْ كَانَ النَّفْعُ الْبَاقِي فِي الْأَعْيَانِ مِمَّا لَا يُبَاحُ اسْتِيفَاؤُهُ بِالْعَقْدِ ، كَدَابَّةٍ اسْتَأْجَرَهَا لِلرُّكُوبِ فَصَارَتْ لَا تَصْلُحُ إلَّا لِلْحَمْلِ ، أَوْ بِالْعَكْسِ ، انْفَسَخَ الْعَقْدُ .\rوَجْهًا وَاحِدًا ؛ لِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ الْبَاقِيَةَ لَا يُمْلَكُ اسْتِيفَاؤُهَا مَعَ","part":11,"page":408},{"id":5408,"text":"سَلَامَتِهَا ، فَلَا يَمْلِكُهَا مَعَ تَعَيُّبِهَا كَبَيْعِهَا .\rوَأَمَّا إنْ أَمْكَنَ الِانْتِفَاعُ بِالْعَيْنِ فِيمَا اكْتَرَاهَا لَهُ ، عَلَى نَعْتٍ مِنْ الْقُصُورِ ، مِثْلِ أَنْ يُمْكِنَهُ زَرْعُ الْأَرْضِ بِغَيْرِ مَاءٍ ، أَوْ كَانَ الْمَاءُ يَنْحَسِرُ عَنْ الْأَرْضِ الَّتِي غَرِقَتْ عَلَى وَجْهٍ يَمْنَعُ بَعْضَ الزِّرَاعَةِ أَوْ يَسُوءُ الزَّرْعَ ، أَوْ كَانَ يُمْكِنُهُ سُكْنَى سَاحَةِ الدَّارِ ، إمَّا فِي خَيْمَةٍ أَوْ غَيْرِهَا ، لَمْ تَنْفَسِخْ الْإِجَارَةُ ؛ لِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ الْمَعْقُودَ عَلَيْهَا لَمْ تَزُلْ بِالْكُلِّيَّةِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ تَعَيَّبَتْ ، وَلِلْمُسْتَأْجِرِ خِيَارُ الْفَسْخِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا ، إلَّا فِي الدَّارِ إذَا انْهَدَمَتْ ، فَإِنَّ فِيهَا وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا لَا تَنْفَسِخُ الْإِجَارَةُ ، وَالثَّانِي تَنْفَسِخُ ؛ لِأَنَّهُ زَالَ اسْمُهَا بِهَدْمِهَا ، وَذَهَبَتْ الْمَنْفَعَةُ الَّتِي تُقْصَدُ مِنْهَا ، وَلِذَلِكَ لَا يَسْتَأْجِرُ أَحَدٌ عَرْصَةَ دَارٍ لِيَسْكُنَهَا .\rفَأَمَّا إنْ كَانَ الْحَادِثُ فِي الْعَيْنِ لَا يَضُرُّهَا ، كَغَرَقِ الْأَرْضِ بِمَاءٍ يَنْحَسِرُ فِي قُرْبٍ مِنْ الزَّمَانِ لَا يَمْنَعُ الزَّرْعَ وَلَا يَضُرُّهُ ، وَانْقِطَاعِ الْمَاءِ عَنْهَا إذَا سَاقَ الْمُؤَجِّرُ إلَيْهَا مَاءً مِنْ مَكَان آخَرَ ، أَوْ كَانَ انْقِطَاعُهُ فِي زَمَنٍ لَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ فِيهِ ، فَلَيْسَ لِلْمُسْتَأْجِرِ الْفَسْخُ لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ بِعَيْبٍ .\rوَإِنْ حَدَثَ الْغَرَقُ الْمُضِرُّ ، أَوْ انْقِطَاعُ الْمَاءِ ، أَوْ انْهَدَمَ بَعْضُ الْعَيْنِ الْمُسْتَأْجَرَةِ فَلِذَلِكَ الْبَعْضِ حُكْمُ نَفْسِهِ فِي الْفَسْخِ أَوْ ثُبُوتِ الْخِيَارِ ، وَلِلْمُكْتَرِي الْخِيَارُ فِي تَبْقِيَةِ الْعَيْنِ ؛ لِأَنَّ الصَّفْقَةَ تَبَعَّضَتْ عَلَيْهِ فَإِنْ اخْتَارَ الْإِمْسَاكَ ، أَمْسَكَ بِالْحِصَّةِ مِنْ الْأَجْرِ ، كَمَا إذَا تَلِفَ أَحَدُ الْقَفِيزَيْنِ مِنْ الطَّعَامِ فِي يَدِ الْبَائِعِ .","part":11,"page":409},{"id":5409,"text":"( 4180 ) فَصْلٌ : الْقِسْمُ الثَّالِثُ أَنْ تُغْصَبَ الْعَيْنُ الْمُسْتَأْجَرَةُ ، فَلِلْمُسْتَأْجِرِ الْفَسْخُ ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَأْخِيرَ حَقِّهِ ، فَإِنْ فَسَخَ ، فَالْحُكْمُ فِيهِ كَمَا لَوْ انْفَسَخَ الْعَقْدُ بِتَلَفِ الْعَيْنِ سَوَاءً ، وَإِنْ لَمْ يَفْسَخْ حَتَّى انْقَضَتْ مُدَّةُ الْإِجَارَةِ ، فَلَهُ الْخِيَارُ بَيْنَ الْفَسْخِ وَالرُّجُوعِ بِالْمُسَمَّى ، وَبَيْنَ الْبَقَاءِ عَلَى الْعَقْدِ وَمُطَالَبَةِ الْغَاصِبِ بِأَجْرِ الْمِثْلِ ؛ لِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ لَمْ يَفُتْ مُطْلَقًا ، بَلْ إلَى بَدَلٍ ، وَهُوَ الْقِيمَةُ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَتْلَفَ الثَّمَرَةَ الْمَبِيعَةَ آدَمِيٌّ قَبْلَ قَطْعِهَا ، وَيَتَخَرَّجُ انْفِسَاخُ الْعَقْدِ بِكُلِّ حَالٍ ، عَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي تَقُولُ : إنَّ مَنَافِعَ الْغَصْبِ لَا تُضْمَنُ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ وَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ فِي ذَلِكَ اخْتِلَافٌ .\rوَإِنْ رُدَّتْ الْعَيْنُ فِي أَثْنَاءِ الْمُدَّةِ ، وَلَمْ يَكُنْ فَسْخٌ اسْتَوْفَى مَا بَقِيَ مِنْهَا ، وَيَكُونُ فِيمَا مَضَى مِنْ الْمُدَّةِ مُخَيَّرًا ، كَمَا ذَكَرْنَا .\rوَإِنْ كَانَتْ الْإِجَارَةُ عَلَى عَمَلٍ كَخِيَاطَةِ ثَوْبٍ ، أَوْ حَمْلِ شَيْءٍ إلَى مَوْضِعٍ مُعَيَّنٍ ، فَغُصِبَ جَمَلُهُ الَّذِي يَحْمِلُ عَلَيْهِ ، وَعَبْدُهُ الَّذِي يَخِيطُ لَهُ ، لَمْ يَنْفَسِخْ الْعَقْدُ ، وَلِلْمُسْتَأْجِرِ مُطَالَبَةُ الْأَجِيرِ بِعِوَضِ الْمَغْصُوبِ ، وَإِقَامَةِ مِنْ يَعْمَلُ الْعَمَلَ ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ عَلَى مَا فِي الذِّمَّةِ ، كَمَا لَوْ وَجَدَ بِالْمُسْلَمِ فِيهِ عَيْبًا ، فَرَدَّهُ ، فَإِنْ تَعَذَّرَ الْبَدَلُ ، ثَبَتَ لِلْمُسْتَأْجِرِ الْخِيَارُ بَيْنَ الْفَسْخِ أَوْ الصَّبْرِ إلَى أَنْ يَقْدِرَ عَلَى الْعَيْنِ الْمَغْصُوبَةِ ، فَيَسْتَوْفِيَ مِنْهَا ( 4181 ) فَصْلٌ : الْقِسْمُ الرَّابِعُ ، أَنْ يَتَعَذَّرَ اسْتِيفَاءُ الْمَنْفَعَةِ مِنْ الْعَيْنِ بِفِعْلٍ صَدَرَ مِنْهَا ، مِثْلِ أَنْ يَأْبَقَ الْعَبْدُ ، أَوْ تَشْرُدَ الدَّابَّةُ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا حُكْمَ ذَلِكَ فِيمَا قَبْلَ هَذَا .","part":11,"page":410},{"id":5410,"text":"( 4182 ) فَصْلٌ : الْقِسْمُ الْخَامِسُ أَنْ يَحْدُثَ خَوْفٌ عَامٌّ ، يَمْنَعُ مِنْ سُكْنَى ذَلِكَ الْمَكَانِ الَّذِي فِيهِ الْعَيْنُ الْمُسْتَأْجَرَةُ ، أَوْ تُحْصَرَ الْبَلَدُ ، فَيَمْتَنِعَ الْخُرُوجُ إلَى الْأَرْضِ الْمُسْتَأْجَرَةِ لِلزَّرْعِ ، وَنَحْوُ ذَلِكَ ، فَهَذَا يُثْبِتُ لِلْمُسْتَأْجِرِ خِيَارَ الْفَسْخِ ؛ لِأَنَّهُ أَمْرٌ غَالِبٌ يَمْنَعُ الْمُسْتَأْجِرَ اسْتِيفَاءَ الْمَنْفَعَةِ ، فَأَثْبَتَ الْخِيَارَ ، كَغَصْبِ الْعَيْنِ .\rوَلَوْ اسْتَأْجَرَ دَابَّةً لِيَرْكَبَهَا ، أَوْ يَحْمِلَ عَلَيْهَا إلَى مَكَان مُعَيَّنٍ ، فَانْقَطَعَتْ الطَّرِيقُ إلَيْهِ لِخَوْفِ حَادِثٍ ، أَوْ اكْتَرَى إلَى مَكَّةَ ، فَلَمْ يَحُجَّ النَّاسُ ذَلِكَ الْعَامَ مِنْ تِلْكَ الطَّرِيقِ ، فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَسْخُ الْإِجَارَةِ .\rوَإِنْ أَحَبَّ إبْقَاءَهَا إلَى حِينِ إمْكَانِ اسْتِيفَاءِ الْمَنْفَعَةِ جَازَ ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمَا ، لَا يَعْدُوهُمَا فَأَمَّا إنْ كَانَ الْخَوْفُ خَاصًّا بِالْمُسْتَأْجِرِ ، مِثْلُ أَنْ يَخَافَ وَحْدَهُ لِقُرْبِ أَعْدَائِهِ مِنْ الْمَوْضِعِ الْمُسْتَأْجَرِ ، أَوْ حُلُولِهِمْ فِي طَرِيقِهِ ، لَمْ يَمْلِكْ الْفَسْخَ ؛ لِأَنَّهُ عُذْرٌ يَخْتَصُّ بِهِ ، لَا يَمْنَعُ اسْتِيفَاءَ الْمَنْفَعَةِ بِالْكُلِّيَّةِ ، فَأَشْبَهَ مَرَضَهُ .\rوَكَذَلِكَ لَوْ حُبِسَ ، أَوْ مَرِضَ ، أَوْ ضَاعَتْ نَفَقَتُهُ ، أَوْ تَلِفَ مَتَاعُهُ ، لَمْ يَمْلِكْ فَسْخَ الْإِجَارَةِ لِذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ اسْتِيفَاءَ الْمَنَافِعِ لِمَعْنًى مِنْ جِهَتِهِ ، فَلَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ وُجُوبَ أَجْرِهَا عَلَيْهِ ، كَمَا لَوْ تَرَكَهَا اخْتِيَارًا .","part":11,"page":411},{"id":5411,"text":"( 4183 ) فَصْلٌ : وَإِذَا اكْتَرَى عَيْنًا ، فَوَجَدَ بِهَا عَيْبًا لَمْ يَكُنْ عَلِمَ بِهِ ، فَلَهُ فَسْخُ الْعَقْدِ ، بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : إذَا اكْتَرَى دَابَّةً بِعَيْنِهَا ، فَوَجَدَهَا جَمُوحًا ، أَوْ عَضُوضًا ، أَوْ نُفُورًا ، أَوْ بِهَا عَيْبٌ غَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا يُفْسِدُ رُكُوبَهَا ، فَلِلْمُكْتَرِي الْخِيَارُ ، إنْ شَاءَ رَدَّهَا وَفَسَخَ الْإِجَارَةَ ، وَإِنْ شَاءَ أَخَذَهَا .\rوَهَذَا قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ ، وَلِأَنَّهُ عَيْبٌ فِي الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ ، فَأَثْبَتَ الْخِيَارَ ، كَالْعَيْبِ فِي بُيُوعِ الْأَعْيَانِ .\rوَالْعَيْبُ الَّذِي يُرَدُّ بِهِ مَا تَنْقُصُ بِهِ قِيمَةُ الْمَنْفَعَةِ كَتَعَثُّرِ الظَّهْرِ فِي الْمَشْيِ ، وَالْعَرَجِ الَّذِي يَتَأَخَّرُ بِهِ عَنْ الْقَافِلَةِ ، وَرَبْضِ الْبَهِيمَةِ بِالْحِمْلِ ، وَكَوْنِهَا جَمُوحَةً أَوْ عَضُوضَةً ، وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ وَفِي الْمُكْتَرَى لِلْخِدْمَةِ ؛ ضَعْفُ الْبَصَرِ ، وَالْجُنُونُ ، وَالْجُذَامُ ، وَالْبَرَصُ ، وَفِي الدَّارِ انْهِدَامُ الْحَائِطِ ، وَالْخَوْفُ مِنْ سُقُوطِهَا ، وَانْقِطَاعُ الْمَاءِ مِنْ بِئْرِهَا ، أَوْ تَغَيُّرُهُ بِحَيْثُ يَمْتَنِعُ الشُّرْبُ وَالْوُضُوءُ ، وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ مِنْ النَّقَائِصِ ، وَمَتَى حَدَثَ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ الْعُيُوبِ بَعْدَ الْعَقْدِ ، ثَبَتَ لِلْمُكْتَرِي خِيَارُ الْفَسْخِ ؛ لِأَنَّ الْمَنَافِعَ لَا يَحْصُلُ قَبْضُهَا إلَّا شَيْئًا فَشَيْئًا ، فَإِذَا حَدَثَ الْعَيْبُ ، فَقَدْ وُجِدَ قَبْلَ قَبْضِ الْبَاقِي مِنْ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ ، فَأَثْبَتَ الْفَسْخَ فِيمَا بَقِيَ مِنْهَا ، وَمَتَى فَسَخَ ، فَالْحُكْمُ فِيهِ كَمَا لَوْ انْفَسَخَ الْعَقْدُ بِتَلَفِ الْعَيْنِ .\rوَإِنْ رَضِيَ الْمُقَامَ وَلَمْ يَفْسَخْ ، لَزِمَهُ جَمِيعُ الْعِوَضِ ؛ لِأَنَّهُ رَضِيَ بِهِ نَاقِصًا ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ رَضِيَ بِالْمَبِيعِ مَعِيبًا .\rوَإِنْ اخْتَلَفَا فِي الْمَوْجُودِ ، هَلْ هُوَ عَيْبٌ أَوْ لَا رُجِعَ فِيهِ إلَى أَهْلِ الْخِبْرَةِ ، فَإِنْ قَالُوا : لَيْسَ بِعَيْبٍ مِثْلَ أَنْ تَكُونَ الدَّابَّةُ خَشِنَةَ الْمَشْيِ ، أَوْ أَنَّهَا تُتْعِبُ رَاكِبَهَا لِكَوْنِهَا لَا تُرْكَبُ كَثِيرًا ، فَلَيْسَ لَهُ فَسْخٌ .","part":11,"page":412},{"id":5412,"text":"وَإِنْ قَالُوا : هُوَ عَيْبٌ .\rفَلَهُ الْفَسْخُ .\rهَذَا إذَا كَانَ الْعَقْدُ يَتَعَلَّقُ بِعَيْنِهَا ، فَأَمَّا إنْ كَانَتْ مَوْصُوفَةً فِي الذِّمَّةِ ، لَمْ يَنْفَسِخْ الْعَقْدُ ، وَعَلَى الْمُكْرِي إبْدَالُهَا ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِعَيْنِهَا ، أَشْبَهَ الْمُسْلَمَ فِيهِ إذَا سَلَّمَهُ عَلَى غَيْرِ صِفَتِهِ .\rفَإِنْ عَجَزَ عَنْ إبْدَالِهَا ، أَوْ امْتَنَعَ مِنْهُ ، وَلَمْ يُمْكِنْ إجْبَارُهُ عَلَيْهِ ، فَلِلْمُكْتَرِي الْفَسْخُ أَيْضًا .","part":11,"page":413},{"id":5413,"text":"( 4184 ) فَصْلٌ : وَعَلَى الْمُكْرِي مَا يَتَمَكَّنُ بِهِ مِنْ الِانْتِفَاعِ ، كَتَسْلِيمِ مَفَاتِيحِ الدَّارِ وَالْحَمَّامِ ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ التَّمْكِينَ مِنْ الِانْتِفَاعِ ، وَتَسْلِيمُ مَفَاتِيحِهَا تَمْكِينٌ مِنْ الِانْتِفَاعِ ، فَوَجَبَ عَلَيْهِ .\rفَإِنْ ضَاعَتْ بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ مِنْ الْمُكْتَرِي ، فَعَلَى الْمُكْرِي بَدَلُهَا ؛ لِأَنَّهَا أَمَانَةٌ فِي يَدِ الْمُكْتَرِي ، فَأَشْبَهَ ذَلِكَ حِيطَانَ الدَّارِ وَأَبْوَابَهَا .\rوَعَلَيْهِ بِنَاءُ حَائِطٍ إنْ سَقَطَ ، وَإِبْدَالُ خَشَبِهِ إنْ انْكَسَرَ .\rوَعَلَيْهِ تَبْلِيطُ الْحَمَّامِ ، وَعَمَلُ الْأَبْوَابِ وَالْبَزْلِ وَمَجْرَى الْمَاءِ ؛ لِأَنَّهُ بِذَلِكَ يَتَمَكَّنُ مِنْ الِانْتِفَاعِ ، وَمَا كَانَ لِاسْتِيفَاءِ الْمَنَافِعِ ، كَالْحَبْلِ وَالدَّلْوِ وَالْبَكْرَةِ ، فَعَلَى الْمُكْتَرِي وَأَمَّا التَّحْسِينُ وَالتَّزْوِيقُ ، فَلَا يَلْزَمُ وَاحِدًا مِنْهُمَا ؛ لِأَنَّ الِانْتِفَاعَ مُمْكِنٌ بِدُونِهِ .\rوَأَمَّا تَنْقِيَةُ الْبَالُوعَةِ وَالْكُنُفِ ، فَإِنْ اُحْتِيجَ إلَى ذَلِكَ عِنْدَ الْكِرَاءِ ، فَعَلَى الْمُكْرِي ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا يَتَمَكَّنُ بِهِ مِنْ الِانْتِفَاعِ ، وَإِنْ امْتَلَأَتْ بِفِعْلِ الْمُكْتَرِي فَعَلَيْهِ تَفْرِيغُهَا .\rوَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ : هُوَ عَلَى رَبِّ الدَّارِ ؛ لِأَنَّ بِهِ يَتَمَكَّنُ مِنْ الِانْتِفَاعِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ اكْتَرَى وَهِيَ مَلْأَى .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : الْقِيَاسُ أَنَّهُ عَلَى الْمُكْتَرِي ، وَالِاسْتِحْسَانُ أَنَّهُ عَلَى رَبِّ الدَّارِ ؛ لِأَنَّ عَادَةَ النَّاسِ ذَلِكَ .\rوَلَنَا أَنَّ ذَلِكَ حَصَلَ بِفِعْلِ الْمُكْتَرِي ، فَكَانَ عَلَيْهِ تَنْظِيفُهُ كَمَا لَوْ طَرَحَ فِيهَا قُمَاشًا .\rوَالْقَوْلُ فِي تَفْرِيغِ جية الْحَمَّامِ الَّتِي هِيَ مَصْرِفُ مَائِهِ ، كَالْقَوْلِ فِي بَالُوعَةِ الدَّارِ وَإِنْ انْقَضَتْ الْإِجَارَةُ ، وَفِي الدَّارِ زِبْلٌ أَوْ قُمَامَةٌ مِنْ فِعْلِ السَّاكِنِ ، فَعَلَيْهِ نَقْلُهُ .\rوَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ .","part":11,"page":414},{"id":5414,"text":"( 4185 ) فَصْلٌ : وَإِنْ شَرَطَ عَلَى مُكْتَرِي الْحَمَّامِ ، أَوْ غَيْرِهِ أَنَّ مُدَّةَ تَعْطِيلِهِ عَلَيْهِ لَمْ يَجُزْ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُؤْجَرَ مُدَّةً لَا يُمْكِنُ الِانْتِفَاعُ فِي بَعْضِهَا ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِطَ أَنَّهُ يَسْتَوْفِي بِقَدْرِهَا بَعْدَ انْقِضَاءِ مُدَّتِهِ ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى أَنْ يَكُونَ انْتِهَاءُ مُدَّةِ الْإِجَارَةِ مَجْهُولًا .\rفَإِنْ أَطْلَقَ ، وَتَعَطَّلَ ، فَهُوَ عَيْبٌ حَادِثٌ ، وَالْمُكْتَرِي بِالْخِيَارِ بَيْنَ الْإِمْسَاكِ بِكُلِّ الْأَجْرِ وَبَيْنَ الْفَسْخِ .\rوَيَتَخَرَّجُ أَنَّ لَهُ أَرْشَ الْعَيْبِ ، قِيَاسًا عَلَى الْمَبِيعِ الْمَعِيبِ .\rوَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِالْعَيْبِ حَتَّى انْقَضَتْ مُدَّةُ الْإِجَارَةِ ، فَعَلَيْهِ الْأَجْرُ كُلُّهُ ؛ لِأَنَّهُ اسْتَوْفَى الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ عَلِمَ الْعَيْبَ بَعْدَ الْعَقْدِ فَرَضِيَهُ ، وَيَتَخَرَّجُ أَنَّ لَهُ أَرْشَ الْعَيْبِ ، كَمَا لَوْ اشْتَرَى مَعِيبًا ، فَلَمْ يَعْلَمْ عَيْبَهُ حَتَّى أَكَلَهُ ، أَوْ تَلِفَ فِي يَدِهِ .","part":11,"page":415},{"id":5415,"text":"( 4186 ) فَصْلٌ : وَإِنْ شَرَطَ الْإِنْفَاقَ عَلَى الْعَيْنِ النَّفَقَةَ الْوَاجِبَةَ عَلَى الْمُكْرِي ، كَعِمَارَةِ الْحَمَّامِ ، إذَا شَرَطَهَا عَلَى الْمُكْتَرِي ، فَالشَّرْطُ فَاسِدٌ ؛ لِأَنَّ الْعَيْنَ مِلْكٌ لِلْمُؤَجِّرِ فَنَفَقَتُهَا عَلَيْهِ .\rوَإِذَا أَنْفَقَ بِنَاءً عَلَى هَذَا ، احْتَسَبَ بِهِ عَلَى الْمُكْرِي ؛ لِأَنَّهُ أَنْفَقَهُ عَلَى مِلْكِهِ بِشَرْطِ الْعِوَضِ .\rفَإِنْ اخْتَلَفَا فِي قَدْرِ مَا أَنْفَقَ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُكْرِي ؛ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ .\rفَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ ، لَكِنْ أَذِنَ لَهُ فِي الْإِنْفَاقِ ، لِيَحْتَسِبَ لَهُ مِنْ الْأَجْرِ ، فَفَعَلَ ، ثُمَّ اخْتَلَفَا فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُكْرِي أَيْضًا وَإِنْ أَنْفَقَ مِنْ غَيْرِ إذْنِهِ ، لَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ ؛ لِأَنَّهُ أَنْفَقَ عَلَى مَالِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ نَفَقَةً غَيْرَ وَاجِبَةٍ عَلَى الْمَالِكِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ عَمَرَ دَارًا لَهُ أُخْرَى .","part":11,"page":416},{"id":5416,"text":"( 4187 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : ( وَمَنْ اُسْتُؤْجِرَ لِعَمَلِ شَيْءٍ بِعَيْنِهِ ، فَمَرِضَ ، أُقِيمَ مَقَامَهُ مَنْ يَعْمَلُهُ ، وَالْأُجْرَةُ عَلَى الْمَرِيضِ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ ، أَنَّهُ يَجُوزُ اسْتِئْجَارُ الْآدَمِيِّ ، بِغَيْرِ خِلَافٍ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَقَدْ آجَرَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ نَفْسَهُ لِرِعَايَةِ الْغَنَمِ .\rوَاسْتَأْجَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو بَكْرٍ رَجُلًا لِيَدُلَّهُمَا عَلَى الطَّرِيقِ { .\rوَذَكَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا اسْتَأْجَرَ أُجَرَاءَ ، كُلُّ أَجِيرٍ بِفَرَقٍ مِنْ ذُرَةٍ ، وَقَالَ : إنَّمَا مَثَلُكُمْ وَمَثَلُ أَهْلِ الْكِتَابِ ، كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَأْجَرَ أُجَرَاءَ ، فَقَالَ : مَنْ يَعْمَلُ لِي مِنْ غَدْوَةٍ إلَى نِصْفِ النَّهَارِ عَلَى قِيرَاطٍ قِيرَاطٍ ؟ فَعَمِلَتْ الْيَهُودُ .\rثُمَّ قَالَ : مَنْ يَعْمَلُ لِي مِنْ نِصْفِ النَّهَارِ إلَى الْعَصْرِ عَلَى قِيرَاطٍ قِيرَاطٍ ؟ فَعَمِلَتْ النَّصَارَى .\rثُمَّ قَالَ : مَنْ يَعْمَلُ لِي مِنْ الْعَصْرِ إلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ عَلَى قِيرَاطَيْنِ قِيرَاطَيْنِ ؟ فَعَمِلْتُمْ أَنْتُمْ .\rفَغَضِبَتْ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى ، وَقَالُوا : نَحْنُ أَكْثَرُ عَمَلًا وَأَقَلُّ أَجْرًا فَقَالَ : هَلْ ظَلَمْتُكُمْ مِنْ أَجْرِكُمْ شَيْئًا ؟ قَالُوا : لَا .\rقَالَ : فَإِنَّمَا هُوَ فَضْلِي أُوتِيهِ مَنْ أَشَاءُ } .\rوَلِأَنَّهُ يَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِهِ مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهِ ، فَجَازَتْ إجَارَتُهُ ، كَالدُّورِ .\rثُمَّ إجَارَتُهُ تَقَعُ عَلَى ضَرْبَيْنِ أَحَدُهُمَا اسْتِئْجَارُهُ مُدَّةً بِعَيْنِهَا ، لِعَمَلٍ بِعَيْنِهِ ، كَإِجَارَةِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ نَفْسَهُ ثَمَانِيَ حِجَجٍ ، وَاسْتِئْجَارِ الْأُجَرَاءِ الْمَذْكُورِينَ فِي الْخَبَرِ وَالثَّانِي ، اسْتِئْجَارُهُ عَلَى عَمَلٍ مُعَيَّنٍ فِي الذِّمَّةِ ، كَاسْتِئْجَارِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبِي بَكْرٍ دَلِيلًا يَدُلُّهُمَا عَلَى الطَّرِيقِ ، وَاسْتِئْجَارِ رَجُلٍ لِخِيَاطَةِ قَمِيصٍ أَوْ بِنَاءِ حَائِطٍ ، وَيَتَنَوَّعُ ذَلِكَ نَوْعَيْنِ : أَحَدُهُمَا أَنْ تَقَعَ الْإِجَارَةُ عَلَى عَيْنٍ ، كَإِجَارَةِ عَبْدِهِ لِرِعَايَةِ غَنَمِهِ ، أَوْ وَلَدِهِ لِعَمَلٍ","part":11,"page":417},{"id":5417,"text":"مُعَيَّنٍ .\rوَالثَّانِي أَنْ تَقَعَ عَلَى عَمَلٍ فِي الذِّمَّةِ كَخِيَاطَةِ قَمِيصٍ وَبِنَاءِ حَائِطٍ ، فَمَتَى كَانَتْ عَلَى عَمَلٍ فِي ذِمَّتِهِ فَمَرِضَ ، وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يُقِيمَ مَقَامَهُ مَنْ يَعْمَلُهُ ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ وَجَبَ فِي ذِمَّتِهِ ، فَوَجَبَ عَلَيْهِ إيفَاؤُهُ ، كَالْمُسْلَمِ فِيهِ ، وَلَا يَجِبُ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ إنْظَارُهُ ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ بِإِطْلَاقِهِ يَقْتَضِي التَّعْجِيلَ ، وَفِي التَّأْخِيرِ إضْرَارٌ بِهِ فَأَمَّا إنْ كَانَتْ الْإِجَارَةُ عَلَى عَبْدِهِ فِي مُدَّةٍ أَوْ غَيْرِهَا ، فَمَرِضَ لَمْ يُقِمْ غَيْرَهُ مَقَامَهُ ؛ لِأَنَّ الْإِجَارَةَ وَقَعَتْ عَلَى عَمَلِهِ بِعَيْنِهِ ، لَا عَلَى شَيْءٍ فِي ذِمَّتِهِ ، وَعَمَلُ غَيْرِهِ لَيْسَ مَعْقُودًا عَلَيْهِ ، وَإِنَّمَا وَقَعَ الْعَقْدُ عَلَى مُعَيَّنٍ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ اشْتَرَى مُعَيَّنًا ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ غَيْرَهُ ، وَلَا يُبَدِّلْهُ ، بِخِلَافِ مَا لَوْ وَقَعَ فِي الذِّمَّةِ ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ إبْدَالُ الْمَعِيبِ ، وَلَا يَنْفَسِخُ الْعَقْدُ بِتَلَفِ مَا تَسَلَّمَهُ ، وَالْمَبِيعُ الْمُعَيَّنُ بِخِلَافِهِ ، فَكَذَلِكَ الْإِجَارَةُ .\rوَإِنْ كَانَتْ الْإِجَارَةُ عَلَى عَمَلٍ فِي الذِّمَّةِ ، لَكِنَّهُ لَا يَقُومُ غَيْرُ الْأَجِيرِ مَقَامَهُ ، كَالنَّسْخِ ، فَإِنَّهُ يَخْتَلِفُ الْقَصْدُ فِيهِ بِاخْتِلَافِ الْخُطُوطِ ، لَمْ يُكَلَّفْ إقَامَةَ غَيْرِهِ مَقَامَهُ ، وَلَا يَلْزَمُ الْمُسْتَأْجِرَ قَبُولُ ذَلِكَ إنْ بَذَلَهُ الْأَجِيرُ ؛ لِأَنَّ الْغَرَضَ لَا يَحْصُلُ مِنْ غَيْرِ النَّاسِخِ ، كَحُصُولِهِ مِنْهُ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَسْلَمَ إلَيْهِ فِي نَوْعٍ ، فَسَلَّمَ إلَيْهِ غَيْرَهُ وَهَكَذَا كُلُّ مَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَعْيَانِ .","part":11,"page":418},{"id":5418,"text":"( 4188 ) فَصْلٌ : يَجُوزُ الِاسْتِئْجَارُ لِحَفْرِ الْآبَارِ وَالْأَنْهَارِ وَالْقُنِيِّ ؛ لِأَنَّهَا مَنْفَعَةٌ مَعْلُومَةٌ ، يَجُوزُ أَنْ يَتَطَوَّعَ بِهَا الرَّجُلُ عَلَى غَيْرِهِ ، فَجَازَ عَقْدُ الْإِجَارَةِ عَلَيْهِ ، كَالْخِدْمَةِ .\rوَلَا بُدَّ مِنْ تَقْدِيرِ الْعَمَلِ بِمُدَّةٍ ، أَوْ عَمَلٍ مُعَيَّنٍ ، فَإِنْ قَيَّدَهُ بِمُدَّةٍ نَحْوِ أَنْ يَقُولَ : اسْتَأْجَرْتُك شَهْرًا ، لِتَحْفِرَ لِي بِئْرًا أَوْ نَهْرًا .\rلَمْ يَحْتَجْ إلَى مَعْرِفَةِ الْقَدْرِ وَعَلَيْهِ أَنْ يَحْفِرَ ذَلِكَ الشَّهْرَ ، قَلِيلًا حَفَرَ أَوْ كَثِيرًا .\rوَيَحْتَاجُ إلَى مَعْرِفَةِ الْأَرْضِ الَّتِي يَحْفِرُ فِيهَا .\rوَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا : لَا يَحْتَاجُ إلَى مَعْرِفَتِهَا ؛ لِأَنَّ الْغَرَضَ لَا يَخْتَلِفُ بِذَلِكَ .\rوَالْأَوَّلُ أَوْلَى إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ؛ لِأَنَّ الْأَرْضَ قَدْ تَكُونُ صُلْبَةً فَيَكُونُ الْحَفْرُ عَلَيْهِ شَاقًّا ، وَقَدْ تَكُونُ سَهْلَةً ، فَيَسْهُلُ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَإِنْ قَدَّرَهُ بِالْعَمَلِ ، فَلَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَةِ الْمَوْضِعِ بِالْمُشَاهَدَةِ ؛ لِأَنَّ الْمَوَاضِعَ تَخْتَلِفُ بِالسُّهُولَةِ وَالصَّلَابَةِ ، وَلَا يَنْضَبِطُ ذَلِكَ بِالصِّفَةِ .\rوَيَعْرِفُ دَوْرَ الْبِئْرِ ، وَعُمْقَهَا ، وَطُولَ النَّهْرِ ، وَعُمْقَهُ ، وَعَرْضَهُ ؛ لِأَنَّ الْعَمَلَ يَخْتَلِفُ بِذَلِكَ .\rفَإِذَا حَفَرَ بِئْرًا ، فَعَلَيْهِ شَيْلُ التُّرَابِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ الْحَفْرُ إلَّا بِذَلِكَ ، فَقَدْ تَضَمَّنَهُ الْعَقْدُ .\rفَإِنْ تَهَوَّرَ تُرَابٌ مِنْ جَانِبَيْهَا ، أَوْ سَقَطَتْ فِيهِ بَهِيمَةٌ أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ ، لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْلُهُ ، وَكَانَ عَلَى صَاحِبِ الْبِئْرِ ؛ لِأَنَّهُ سَقَطَ فِيهَا مِنْ مِلْكِهِ ، وَلَمْ يَتَضَمَّنْ عَقْدُ الْإِجَارَةِ رَفْعَهُ .\rوَإِنْ وَصَلَ إلَى صَخْرَةٍ أَوْ جَمَادٍ يَمْنَعُ الْحَفْرَ ، لَمْ يَلْزَمْهُ حَفْرُهُ لِأَنَّ ذَلِكَ مُخَالِفٌ لِمَا شَاهَدَهُ مِنْ الْأَرْضِ ، وَإِنَّمَا اُعْتُبِرَتْ مُشَاهَدَةُ الْأَرْضِ لِأَنَّهَا تَخْتَلِفُ ، فَإِذَا ظَهَرَ فِيهَا مَا يُخَالِفُ الْمُشَاهَدَةَ ، كَانَ لَهُ الْخِيَارُ فِي الْفَسْخِ ، فَإِذَا فَسَخَ ، كَانَ لَهُ مِنْ الْأَجْرِ بِحِصَّةِ مَا عَمِلَ فَيُقَسَّطُ الْأَجْرُ","part":11,"page":419},{"id":5419,"text":"عَلَى مَا بَقِيَ وَمَا عَمِلَ ، فَيُقَالُ : كَمْ أَجْرُ مَا عَمِلَ ؟ وَكَمْ أَجْرُ مَا بَقِيَ ؟ ، وَيُقَسَّطُ الْأَجْرُ الْمُسَمَّى عَلَيْهِمَا .\rوَلَا يَجُوزُ تَقْسِيطُهُ عَلَى عَدَدِ الْأَذْرُعِ ؛ لِأَنَّ أَعْلَى الْبِئْرِ يَسْهُلُ نَقْلُ التُّرَابِ مِنْهُ ، وَأَسْفَلَهُ يَشُقُّ ذَلِكَ فِيهِ .\rوَإِنْ نَبَعَ مَا يَمْنَعُهُ مِنْ الْحَفْرِ ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الصَّخْرَةِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا .","part":11,"page":420},{"id":5420,"text":"( 4189 ) فَصْلٌ : وَيَجُوزُ الِاسْتِئْجَارُ لِضَرْبِ اللَّبِنِ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا ، وَيَكُونُ عَلَى مُدَّةٍ أَوْ عَمَلٍ ، فَإِنْ قَدَّرَهُ بِالْعَمَلِ ، احْتَاجَ إلَى تَبْيِينِ عَدَدِهِ ، وَذِكْرِ قَالَبِهِ ، وَمَوْضِعِ الضَّرْبِ ؛ لِأَنَّ الْأَجْرَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِهِ ؛ لِكَوْنِ التُّرَابِ فِي بَعْضِ الْأَمَاكِنِ أَسْهَلَ ، وَالْمَاءِ أَقْرَبَ .\rفَإِنْ كَانَ هُنَاكَ قَالَبٌ مَعْرُوفٌ لَا يَخْتَلِفُ جَازَ ، كَمَا إذَا كَانَ الْمِكْيَالُ مَعْرُوفًا .\rوَإِنْ قَدَّرَهُ بِالطُّولِ وَالْعَرْضِ وَالسُّمْكِ جَازَ .\rوَلَا يَكْتَفِي بِمُشَاهَدَةِ قَالَبِ الضَّرْبِ إذَا لَمْ يَكُنْ مَعْرُوفًا ؛ لِأَنَّ فِيهِ غَرَرًا .\rوَقَدْ يَتْلَفُ الْقَالَبُ ، فَلَا يَصِحُّ ، كَمَا لَوْ أَسْلَمَ فِي مِكْيَالٍ بِعَيْنِهِ .","part":11,"page":421},{"id":5421,"text":"( 4190 ) فَصْلٌ : وَيَجُوزُ الِاسْتِئْجَارُ لِلْبِنَاءِ ، وَتَقْدِيرُهُ بِالزَّمَانِ أَوْ الْعَمَلِ ، فَإِنْ قَدَّرَهُ بِالْعَمَلِ ، فَلَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَةِ مَوْضِعِهِ ؛ لِأَنَّهُ يَخْتَلِفُ أَيْضًا بِقُرْبِ الْمَاءِ ، وَسُهُولَةِ التُّرَابِ .\rوَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ طُولِهِ ، وَعَرْضِهِ ، وَسُمْكِهِ ، وَآلَةِ الْبِنَاءِ مِنْ لَبِنٍ وَطِينٍ ، أَوْ حَجَرٍ وَطِينٍ ، أَوْ شِيدٍ وَآجُرٍّ ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ .\rقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى : وَإِذَا اسْتَأْجَرَهُ لِبِنَاءِ أَلْفِ لَبِنَةٍ فِي حَائِطِهِ ، أَوْ اسْتَأْجَرَهُ يَبْنِي لَهُ فِيهِ يَوْمًا ، فَعَمِلَ مَا اسْتَأْجَرَهُ عَلَيْهِ ، ثُمَّ سَقَطَ الْحَائِطُ ، فَلَهُ أَجْرُهُ ؛ لِأَنَّهُ وَفَّى الْعَمَلَ وَإِنْ قَالَ : ارْفَعْ لِي هَذَا الْحَائِطَ عَشَرَةَ أَذْرُعٍ ، فَرَفَعَ بَعْضَهُ ، ثُمَّ سَقَطَ ، فَعَلَيْهِ إعَادَةُ مَا سَقَطَ وَإِتْمَامُ مَا وَقَعَتْ عَلَيْهِ الْإِجَارَةُ مِنْ الذَّرْعِ .\rوَهَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ سُقُوطُهُ فِي الْأَوَّلِ لِأَمْرٍ مِنْ جِهَةِ الْعَامِلِ ، فَأَمَّا إنْ فَرَّطَ ، أَوْ بَنَاهُ مَحْلُولًا ، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ ، فَسَقَطَ ، فَعَلَيْهِ إعَادَتُهُ ، وَغَرَامَةُ مَا تَلِفَ مِنْهُ .","part":11,"page":422},{"id":5422,"text":"( 4191 ) فَصْلٌ : وَيَجُوزُ الِاسْتِئْجَارُ لِتَطْيِينِ السُّطُوحِ وَالْحِيطَانِ وَتَجْصِيصِهَا .\rوَلَا يَجُوزُ عَلَى عَمَلٍ مُعَيَّنٍ ؛ لِأَنَّ الطِّينَ يَخْتَلِفُ ، فَمِنْهُ رَقِيقٌ وَثَخِينٌ ، وَأَرْضُ السَّطْحِ تَخْتَلِفُ ، فَمِنْهَا الْعَالِي وَمِنْهَا النَّازِلُ ، وَكَذَلِكَ الْحِيطَانُ ؛ فَلِذَلِكَ لَمْ يَجُزْ إلَّا عَلَى مُدَّةٍ .","part":11,"page":423},{"id":5423,"text":"( 4192 ) فَصْلٌ : وَيَجُوزُ اسْتِئْجَارُ نَاسِخٍ لِيَنْسَخَ لَهُ كُتُبَ فِقْهٍ أَوْ حَدِيثٍ ، أَوْ شِعْرًا مُبَاحًا ، أَوْ سِجِلَّاتٍ ، نَصَّ عَلَيْهِ ، فِي رِوَايَةِ مُثَنَّى بْنِ جَامِعٍ ، وَسَأَلَهُ عَنْ كِتَابَةِ الْحَدِيثِ بِالْأَجْرِ ، فَلَمْ يَرَ بِهِ بَأْسًا وَلَا بُدَّ مِنْ التَّقْدِيرِ بِالْمُدَّةِ أَوْ الْعَمَلِ ، فَإِنْ قَدَّرَهُ بِالْعَمَلِ ، ذَكَرَ عَدَدَ الْأَوْرَاقِ ، وَقَدْرَهَا ، وَعَدَدَ السُّطُورِ فِي كُلِّ وَرَقَةٍ ، وَقَدْرَ الْحَوَاشِي ، وَدِقَّةَ الْقَلَمِ وَغِلَظَهُ .\rفَإِنْ عَرَفَ الْخَطَّ بِالْمُشَاهَدَةِ ، جَازَ ، وَإِنْ أَمْكَنَ ضَبْطُهُ بِالصِّفَةِ ضَبَطَهُ ، وَإِلَّا فَلَا بُدَّ مِنْ مُشَاهَدَتِهِ ؛ لِأَنَّ الْأَجْرَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِهِ .\rوَيَجُوزُ تَقْدِيرُ الْأَجْرِ بِأَجْزَاءِ الْفَرْعِ ، وَيَجُوزُ بِأَجْزَاءِ الْأَصْلِ الْمَنْسُوخِ مِنْهُ .\rوَإِنْ قَاطَعَهُ عَلَى نَسْخِ الْأَصْلِ بِأَجْرٍ وَاحِدٍ ، جَازَ .\rوَإِذَا أَخْطَأَ بِالشَّيْءِ الْيَسِيرِ ، الَّذِي جَرَتْ الْعَادَةُ بِهِ ، عُفِيَ عَنْهُ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ وَإِنْ أَسْرَفَ فِي الْغَلَطِ ، بِحَيْثُ يَخْرُجُ عَنْ الْعَادَةِ ، فَهُوَ عَيْبٌ يَرُدُّ بِهِ .\rقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ : وَلَيْسَ لَهُ مُحَادَثَةُ غَيْرِهِ حَالَةَ النَّسْخِ ، وَلَا التَّشَاغُلُ بِمَا يَشْغَلُ سِرَّهُ وَيُوجِبُ غَلَطَهُ ، وَلَا لِغَيْرِهِ تَحْدِيثُهُ وَشَغْلُهُ .\rوَكَذَلِكَ كُلُّ الْأَعْمَالِ الَّتِي تَخْتَلُّ بِشَغْلِ السِّرِّ وَالْقَلْبِ ، كَالْقِصَارَةِ وَالنِّسَاجَةِ ، وَنَحْوِهِمَا .","part":11,"page":424},{"id":5424,"text":"( 4193 ) فَصْلٌ : وَيَجُوزُ أَنْ يَسْتَأْجِرَ مَنْ يَكْتُبُ لَهُ مُصْحَفًا ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ ، وَمَالِكِ بْنِ دِينَارٍ .\rوَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ .\rوَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ : لَا بَأْسَ أَنْ يَسْتَأْجِرَ الرَّجُلَ شَهْرًا ، ثُمَّ يَسْتَكْتِبَهُ مُصْحَفًا .\rوَكَرِهَ عَلْقَمَةُ كِتَابَةَ الْمُصْحَفِ بِالْأَجْرِ .\rوَلَعَلَّهُ يَرَى أَنَّ ذَلِكَ مِمَّا يَخْتَصُّ فَاعِلُهُ بِكَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرْبَةِ ، فَكَرِهَ الْأَجْرَ عَلَيْهِ ، كَالصَّلَاةِ وَلَنَا أَنَّهُ فِعْلٌ مُبَاحٌ يَجُوزُ أَنْ يَنُوبَ فِيهِ الْغَيْرُ عَنْ الْغَيْرِ فَجَازَ أَخْذُ الْأَجْرِ عَلَيْهِ ، كَكِتَابَةِ الْحَدِيثِ ، وَقَدْ جَاءَ فِي الْخَبَرِ { : أَحَقُّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا كِتَابُ اللَّهِ } .","part":11,"page":425},{"id":5425,"text":"( 4194 ) فَصْلٌ : وَيَجُوزُ أَنْ يَسْتَأْجِرَ لِحَصَادِ زَرْعِهِ .\rوَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rوَكَانَ إبْرَاهِيمُ بْنُ أَدْهَمَ يُؤْجِرُ نَفْسَهُ لِحَصَادِ الزَّرْعِ .\rوَيَجُوزُ أَنْ يُقَدِّرَهُ بِمُدَّةٍ ، وَبِعَمَلٍ مُعَيَّنٍ ، مِثْلِ أَنْ يُقَاطِعَهُ عَلَى حَصَادِ زَرْعٍ مُعَيَّنٍ .\rوَيَجُوزُ أَنْ يَسْتَأْجِرَ رَجُلًا لِسَقْيِ زَرْعِهِ ، وَتَنْقِيَتِهِ ، وَدِيَاسِهِ ، وَنَقْلِهِ إلَى مَوْضِعٍ مُعَيَّنٍ وَيَجُوزُ أَنْ يَسْتَأْجِرَ رَجُلًا لِيَحْتَطِبَ لَهُ ؛ لِأَنَّهُ عَمَلٌ مُبَاحٌ تَدْخُلُهُ النِّيَابَةُ ، أَشْبَهَ حَصَادَ الزَّرْعِ .\rقَالَ أَحْمَدُ ، فِي رَجُلٍ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا عَلَى أَنْ يَحْتَطِبَ لَهُ عَلَى حِمَارَيْنِ كُلَّ يَوْمٍ ، فَكَانَ الرَّجُلُ يَنْقُلُ عَلَيْهِمَا وَعَلَى حَمِيرٍ لِرَجُلٍ آخَرَ ، وَيَأْخُذُ مِنْهُ الْأُجْرَةَ .\rفَإِنْ كَانَ يَدْخُلُ عَلَيْهِ ضَرَرٌ ، يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِالْقِيمَةِ .\rفَظَاهِرُ هَذَا أَنَّ الْمُسْتَأْجِرَ يَرْجِعُ عَلَى الْأَجِيرِ بِقِيمَةِ مَا اسْتَضَرَّ بِاشْتِغَالِهِ عَنْ عَمَلِهِ ؛ لِأَنَّهُ قَالَ : إنْ كَانَ يَدْخُلُ عَلَيْهِ ضَرَرٌ يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِالْقِيمَةِ .\rفَاعْتَبَرَ الضَّرَرَ ، وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ إذَا لَمْ يَسْتَضِرَّ ، لَا يَرْجِعُ بِشَيْءٍ ؛ لِأَنَّهُ اكْتَرَاهُ لِعَمَلٍ ، فَوَفَّاهُ عَلَى التَّمَامِ ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ ، كَمَا لَوْ اسْتَأْجَرَهُ لِعَمَلٍ ، فَكَانَ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ فِي حَالِ عَمَلِهِ ، فَإِنْ ضَرَّ الْمُسْتَأْجِرَ ، يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِقِيمَةِ مَا فَوَّتَ عَلَيْهِ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ أَنَّهُ يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِقِيمَةِ مَا عَمِلَهُ لِغَيْرِهِ ؛ لِأَنَّهُ صَرَفَ مَنَافِعَهُ الْمَعْقُودَ عَلَيْهَا إلَى عَمَلِ غَيْرِ الْمُسْتَأْجِرِ ، فَكَانَ عَلَيْهِ قِيمَتُهَا ، كَمَا لَوْ عَمِلَ لِنَفْسِهِ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : مَعْنَاهُ أَنَّهُ يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِالْأَجْرِ الَّذِي أَخَذَهُ مِنْ الْآخَرِ ، لِأَنَّ مَنَافِعَهُ فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ مَمْلُوكَةٌ لِغَيْرِهِ ، فَمَا حَصَلَ فِي مُقَابَلَتِهَا يَكُونُ لِلَّذِي اسْتَأْجَرَهُ .","part":11,"page":426},{"id":5426,"text":"( 4195 ) فَصْلٌ : وَيَجُوزُ الِاسْتِئْجَارُ لِاسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ ، فِي النَّفْسِ فَمَا دُونَهَا .\rوَبِهِ قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَجُوزُ فِي النَّفْسِ ؛ لِأَنَّ عَدَدَ الضَّرَبَاتِ تَخْتَلِفُ ، وَمَوْضِعَ الضَّرَبَاتِ غَيْرُ مُتَعَيِّنٍ ، إذْ يُمْكِنُ أَنْ يَضْرِبَ مِمَّا يَلِي الرَّأْسَ وَمِمَّا يَلِي الْكَتِفَ ، فَكَانَ مَجْهُولًا .\rوَلَنَا أَنَّهُ حَقٌّ يَجُوزُ التَّوْكِيلُ فِي اسْتِيفَائِهِ ، لَا يَخْتَصُّ فَاعِلُهُ بِكَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرْبَةِ ، فَجَازَ الِاسْتِئْجَارُ عَلَيْهِ ، كَالْقِصَاصِ فِي الطَّرَفِ .\rوَقَوْلُهُ : إنَّ عَدَدَ الضَّرَبَاتِ يَخْتَلِفُ ، وَهُوَ مَجْهُولٌ .\rيَبْطُلُ بِخِيَاطَةِ الثَّوْبِ ، فَإِنَّ عَدَدَ الْغُرُزَاتِ مَجْهُولٌ .\rوَقَوْلُهُ : إنَّ مَحَلَّهُ غَيْرُ مُتَعَيِّنٍ قُلْنَا : هُوَ مُتَقَارِبٌ ، فَلَا يَمْنَعُ ذَلِكَ صِحَّتَهُ ، كَمَوْضِعِ الْخِيَاطَةِ مِنْ حَاشِيَةِ الثَّوْبِ .\rوَالْأَجْرُ عَلَى الْمُقْتَصِّ مِنْهُ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٌ : هُوَ عَلَى الْمُسْتَوْفِي ، لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَعَيِّنٍ ، فَلَيْسَ عَلَى الْمُقْتَصِّ مِنْهُ إلَّا التَّمْكِينُ ، كَمَا لَوْ اشْتَرَى ثَمَرَةَ نَخْلِهِ .\rوَلَنَا أَنَّهُ أَجْرٌ يَجِبُ لِإِيفَاءِ حَقٍّ ، فَكَانَ عَلَى الْمُوَفِّي ، كَأَجْرِ الْكَيَّالِ وَالْوَزَّانِ .\rوَمَا ذَكَرُوهُ غَيْرُ صَحِيحٍ ؛ فَإِنَّ الْقَطْعَ مُسْتَحَقٌّ عَلَيْهِ ، بِخِلَافِ الثَّمَرَةِ ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ مَكَّنَهُ مِنْ الْقَطْعِ فَلَمْ يَقْطَعْ ، وَقَطَعَهُ آخَرُ ، لَمْ يَسْقُطْ حَقُّ صَاحِبِ الْقِصَاصِ ، وَلَوْ كَانَ التَّمْكِينُ تَسْلِيمًا ، لَسَقَطَ حَقُّهُ كَالثَّمَرَةِ .","part":11,"page":427},{"id":5427,"text":"( 4196 ) فَصْلٌ : وَيَجُوزُ اسْتِئْجَارُ رَجُلٍ لِيَدُلَّهُ عَلَى طَرِيقٍ { ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبَا بَكْرٍ ، اسْتَأْجَرَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُرَيْقِطٍ هَادِيًا خِرِّيتًا ، وَهُوَ الْمَاهِرُ بِالْهِدَايَةِ ، لِيَدُلَّهُمَا عَلَى طَرِيقِ الْمَدِينَةِ } .\rوَيَجُوزُ اسْتِئْجَارُ كَيَّالٍ ، وَوَزَّانٍ ، لِعَمَلٍ مَعْلُومٍ ، أَوْ فِي مُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ .\rوَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ .\rوَالثَّوْرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ، وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا وَقَدْ رُوِيَ فِي حَدِيثِ سُوَيْد بْنِ قَيْسٍ : { أَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاشْتَرَى مِنَّا رَجُلٌ سَرَاوِيلَ ، وَثَمَّ رَجُلٌ يَزِنُ بِأَجْرٍ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : زِنْ وَأَرْجِحْ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَيَجُوزُ اسْتِئْجَارُ رَجُلٍ لِيُلَازِمَ غَرِيمًا يَسْتَحِقُّ مُلَازَمَتَهُ .\rوَسُئِلَ أَحْمَدُ عَنْ ذَلِكَ ، فَقَالَ : لَا بَأْسَ قَدْ شَغَلَهُ .\rوَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ : غَيْرُ هَذَا أَعْجَبُ إلَيَّ .\rكَرِهَهُ ؛ لِأَنَّهُ يَئُولُ إلَى الْخُصُومَةِ ، وَفِيهِ تَضْيِيقٌ عَلَى مُسْلِمٍ ، وَلَا يَأْمَنُ أَنْ يَكُونَ ظَالِمًا ، فَيُسَاعِدَهُ عَلَى ظُلْمِهِ ، لَكِنَّهُ جَائِزٌ فِي الْجُمْلَةِ ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ مُحِقٌّ ، فَإِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْحَاكِمَ لَا يَحْكُمُ إلَّا بِحَقٍّ ، وَلِهَذَا أَجَزْنَا لِلْمُوَكِّلِ فِعْلَهُ .","part":11,"page":428},{"id":5428,"text":"( 4197 ) فَصْل : وَيَجُوزُ أَنْ يَسْتَأْجِرَ سِمْسَارًا ، يَشْتَرِي لَهُ ثِيَابًا ، وَرَخَّصَ فِيهِ ابْنُ سِيرِينَ ، وَعَطَاءٌ ، وَالنَّخَعِيُّ .\rوَكَرِهَهُ الثَّوْرِيُّ ، وَحَمَّادٌ .\rوَلَنَا أَنَّهَا مَنْفَعَةٌ مُبَاحَةٌ ، تَجُوزُ النِّيَابَةُ فِيهَا ، فَجَازَ الِاسْتِئْجَارُ عَلَيْهَا ، كَالْبِنَاءِ .\rوَيَجُوزُ عَلَى مُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ ، مِثْلِ أَنْ يَسْتَأْجِرَهُ عَشَرَةَ أَيَّامٍ يَشْتَرِي لَهُ فِيهَا ؛ لِأَنَّ الْمُدَّةَ مَعْلُومَةٌ ، وَالْعَمَلَ مَعْلُومٌ ، أَشْبَهَ الْخَيَّاطَ وَالْقَصَّارَ .\rفَإِنْ عَيَّنَ الْعَمَلَ دُونَ الزَّمَانِ ، فَجَعَلَ لَهُ مِنْ كُلِّ أَلْفِ دِرْهَمٍ شَيْئًا مَعْلُومًا ، صَحَّ أَيْضًا وَإِنْ قَالَ : كُلَّمَا اشْتَرَيْت ثَوْبًا ، فَلَكَ دِرْهَمٌ أَجْرًا .\rوَكَانَتْ الثِّيَابُ مَعْلُومَةً بِصِفَةٍ ، أَوْ مُقَدَّرَةً بِثَمَنٍ ، جَازَ .\rوَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ ، فَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ ، أَنَّهُ لَا يَجُوزُ ؛ لِأَنَّ الثِّيَابَ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ أَثْمَانِهَا ، وَالْأَجْرُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِهَا ، فَإِنْ اشْتَرَى ، فَلَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ .\rوَهَذَا قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ ؛ لِأَنَّهُ عَمِلَ عَمَلًا بِعِوَضٍ لَمْ يُسَلَّمْ لَهُ ، فَكَانَ لَهُ أَجْرُ الْمِثْلِ ، كَسَائِرِ الْإِجَارَاتِ الْفَاسِدَةِ .","part":11,"page":429},{"id":5429,"text":"( 4198 ) فَصْلٌ : وَإِنْ اسْتَأْجَرَهُ لِيَبِيعَ لَهُ ثِيَابًا بِعَيْنِهَا ، صَحَّ .\rوَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ ، فَأَشْبَهَ ضِرَابَ الْفَحْلِ ، وَحَمْلَ الْحَجَرِ الْكَبِيرِ .\rوَلَنَا أَنَّهُ عَمَلٌ مُبَاحٌ ، تَجُوزُ النِّيَابَةُ فِيهِ ، وَهُوَ مَعْلُومٌ ، فَجَازَ الِاسْتِئْجَارُ عَلَيْهِ كَشِرَاءِ الثِّيَابِ ، وَلِأَنَّهُ يَجُوزُ عَقْدُ الْإِجَارَةِ عَلَيْهِ مُقَدَّرًا بِزَمَنٍ ، فَجَازَ مُقَدَّرًا بِعَمَلٍ ، كَالْخِيَاطَةِ وَقَوْلُهُمْ : إنَّهُ غَيْرُ مُمْكِنٍ .\rلَا يَصِحُّ ؛ فَإِنَّ الثِّيَابَ لَا تَنْفَكُّ عَنْ رَاغِبٍ فِيهَا ، وَلِذَلِكَ صَحَّتْ الْمُضَارَبَةُ ، وَلَا تَكُونُ إلَّا بِالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ ، بِخِلَافِ مَا قَاسُوا عَلَيْهِ ، فَإِنَّهُ مُتَعَذِّرٌ .\rوَإِنْ اسْتَأْجَرَهُ عَلَى شِرَاءِ ثِيَابٍ مُعَيَّنَةٍ ، احْتَمَلَ أَنْ لَا يَصِحَّ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَكُونُ إلَّا مِنْ وَاحِدٍ ، وَقَدْ لَا يَبِيعُ ، فَيَتَعَذَّرُ تَحْصِيلُ الْعَمَلِ بِحُكْمِ الظَّاهِرِ ، بِخِلَافِ الْبَيْعِ .\rوَإِنْ اسْتَأْجَرَهُ فِي الْبَيْعِ لِرَجُلٍ بِعَيْنِهِ ، فَهُوَ كَمَا لَوْ اسْتَأْجَرَهُ لِشِرَاءِ ثِيَابٍ بِعَيْنِهَا .\rوَيُحْتَمَلُ أَنْ يَصِحَّ ؛ لِأَنَّهُ مُمْكِنٌ فِي الْجُمْلَةِ فَإِنْ حَصَلَ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ اسْتَحَقَّ الْأَجْرَ ، وَإِلَّا بَطَلَتْ الْإِجَارَةُ ، كَمَا لَوْ لَمْ يُعَيَّنْ الْبَائِعُ وَلَا الْمُشْتَرِي .","part":11,"page":430},{"id":5430,"text":"( 4199 ) فَصْلٌ : وَيَجُوزُ أَنْ يَسْتَأْجِرَ لِخِدْمَتِهِ مَنْ يَخْدِمُهُ كُلَّ شَهْرٍ ، بِشَيْءٍ مَعْلُومٍ ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْأَجِيرُ رَجُلًا أَوْ امْرَأَةً ، حُرًّا أَوْ عَبْدًا .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ؛ لِأَنَّهُ تَجُوزُ النِّيَابَةُ فِيهِ ، وَلَا يَخْتَصُّ عَامِلُهُ بِكَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرْبَةِ .\rقَالَ أَحْمَدُ : أَجِيرُ الْمُشَاهَرَةِ يَشْهَدُ الْأَعْيَادَ وَالْجُمُعَةَ ، وَلَا يُشْتَرَطُ ذَلِكَ .\rقِيلَ لَهُ : فَيَتَطَوَّعُ بِالرَّكْعَتَيْنِ ؟ قَالَ : مَا لَمْ يَضُرّ بِصَاحِبِهِ .\rإنَّمَا أَبَاحَ لَهُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ أَوْقَاتَ الصَّلَاةِ مُسْتَثْنَاةٌ مِنْ الْخِدْمَةِ ، وَلِهَذَا وَقَعَتْ مُسْتَثْنَاةً فِي حَقِّ الْمُعْتَكِفِ بِتَرْكِ مُعْتَكَفِهِ لَهَا .\rوَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ : لَا بَأْسَ أَنْ يُصَلِّيَ الْأَجِيرُ رَكَعَاتِ السُّنَّةِ وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ : لَيْسَ لَهُ مَنْعُهُ مِنْهَا .\rوَقَالَ أَحْمَدُ : يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَسْتَأْجِرَ الْأَمَةَ وَالْحُرَّةَ لِلْخِدْمَةِ وَلَكِنْ يَصْرِفُ وَجْهَهُ عَنْ النَّظَرِ ، لَيْسَتْ الْأَمَةُ مِثْلَ الْحُرَّةِ ، وَلَا يَخْلُو مَعَهَا فِي بَيْتٍ ، وَلَا يَنْظُرُ إلَيْهَا مُتَجَرِّدَةً ، وَلَا إلَى شَعْرِهَا .\rإنَّمَا قَالَ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ حُكْمَ النَّظَرِ بَعْدَ الْإِجَارَةِ كَحُكْمِهِ قَبْلَهَا ، وَفَرَّقَ بَيْنَ الْأَمَةِ وَالْحُرَّةِ ؛ لِأَنَّهُمَا يَخْتَلِفَانِ قَبْلَ الْإِجَارَةِ ، فَكَذَلِكَ بَعْدَهَا .","part":11,"page":431},{"id":5431,"text":"( 4200 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : ( وَإِذَا مَاتَ الْمُكْرِي وَالْمُكْتَرِي ، أَوْ أَحَدُهُمَا ، فَالْإِجَارَةُ بِحَالِهَا ) هَذَا قَوْلُ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَإِسْحَاقَ ، وَالْبَتِّيِّ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ .\rوَقَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ، وَاللَّيْثُ : تَنْفَسِخُ الْإِجَارَةُ بِمَوْتِ أَحَدِهِمَا ؛ لِأَنَّ اسْتِيفَاءَ الْمَنْفَعَةِ يَتَعَذَّرُ بِالْمَوْتِ ، لِأَنَّهُ اسْتَحَقَّ بِالْعَقْدِ اسْتِيفَاءَهَا عَلَى مِلْكِ الْمُؤَجِّرِ ، فَإِذَا مَاتَ زَالَ مِلْكُهُ عَنْ الْعَيْنِ ، فَانْتَقَلَتْ إلَى وَرَثَتِهِ ، فَالْمَنَافِعُ تَحْدُثُ عَلَى مِلْكِ الْوَارِثِ ، فَلَا يَسْتَحِقُّ الْمُسْتَأْجِرُ اسْتِيفَاءَهَا ؛ لِأَنَّهُ مَا عَقَدَ مَعَ الْوَارِثِ ، وَإِذَا مَاتَ الْمُسْتَأْجِرُ ، لَمْ يُمْكِنْ إيجَابُ الْأَجْرِ فِي تَرِكَتِهِ وَلَنَا أَنَّهُ عَقْدٌ لَازِمٌ ، فَلَا يَنْفَسِخُ بِمَوْتِ الْعَاقِدِ ، مَعَ سَلَامَةِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ ، كَمَا لَوْ زَوَّجَ أَمَتَهُ ثُمَّ مَاتَ .\rوَمَا ذَكَرُوهُ لَا يَصِحُّ ؛ فَإِنَّا قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْمُسْتَأْجِرَ قَدْ مَلَكَ الْمَنَافِعَ ، وَمُلِكَتْ عَلَيْهِ الْأُجْرَةُ كَامِلَةً فِي وَقْتِ الْعَقْدِ .\rثُمَّ يَلْزَمُهُمْ مَا لَوْ زَوَّجَ أَمَتَهُ ثُمَّ مَاتَ .\rوَلَوْ صَحَّ مَا ذَكَرُوهُ لَكَانَ وُجُوبُ الْأَجْرِ هَاهُنَا بِسَبَبٍ مِنْ الْمُسْتَأْجِرِ ، فَوَجَبَ فِي تَرِكَتِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ ، كَمَا لَوْ حَفَرَ بِئْرًا ، فَوَقَعَ فِيهَا شَيْءٌ بَعْدَ مَوْتِهِ ، ضَمِنَهُ فِي مَالِهِ ؛ لِأَنَّ سَبَبَ ذَلِكَ كَانَ مِنْهُ فِي حَالِ الْحَيَاةِ ، كَذَا هَاهُنَا .","part":11,"page":432},{"id":5432,"text":"( 4201 ) فَصْلٌ : وَإِنْ مَاتَ الْمُكْتَرِي ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ يَقُومُ مَقَامَهُ فِي اسْتِيفَاءِ الْمَنْفَعَةِ ، أَوْ كَانَ غَائِبًا ، كَمَنْ يَمُوتُ فِي طَرِيقِ مَكَّةَ ، وَيَخْلُفُ جَمَلَهُ الَّذِي اكْتَرَاهُ ، وَلَيْسَ لَهُ عَلَيْهِ شَيْءٌ يَحْمِلُهُ ، وَلَا وَارِثَ لَهُ حَاضِرٌ يَقُومُ مَقَامَهُ ، فَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ أَنَّ الْإِجَارَةَ تَنْفَسِخُ فِيمَا بَقِيَ مِنْ الْمُدَّةِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرٌ غَالِبٌ ، يَمْنَعُ الْمُسْتَأْجِرَ عَنْ مَنْفَعَةِ الْعَيْنِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ غُصِبَتْ ، وَلِأَنَّ بَقَاءَ الْعَقْدِ ضَرَرٌ فِي حَقِّ الْمُكْتَرِي وَالْمُكْرِي ؛ لِأَنَّ الْمُكْتَرِيَ يَجِبُ عَلَيْهِ الْكِرَاءُ مِنْ غَيْرِ نَفْعٍ ، وَالْمُكْرِيَ يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ التَّصَرُّفُ فِي مَالِهِ ، مَعَ ظُهُورِ امْتِنَاعِ الْكِرَاءِ عَلَيْهِ .\rوَقَدْ نُقِلَ عَنْ أَحْمَدَ ، فِي رَجُلٍ اكْتَرَى بَعِيرًا ، فَمَاتَ الْمُكْتَرِي فِي بَعْضِ الطَّرِيقِ ، فَإِنْ رَجَعَ الْبَعِيرُ خَالِيًا ، فَعَلَيْهِ بِقَدْرِ مَا وَجَبَ لَهُ ، وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ ثِقَلُهُ وَوِطَاؤُهُ ، فَلَهُ الْكِرَاءُ إلَى الْمَوْضِعِ وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ حَكَمَ بِفَسْخِ الْعَقْدِ فِيمَا بَقِيَ مِنْ الْمُدَّةِ ، إذَا مَاتَ الْمُسْتَأْجِرُ ، وَلَمْ يَبْقَ بِهِ انْتِفَاعٌ ؛ لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ اسْتِيفَاءُ الْمَنْفَعَةِ بِأَمْرٍ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ اكْتَرَى مِنْ يَقْلَعُ لَهُ ضِرْسَهُ ، فَبَرَأَ ، أَوْ انْقَلَعَ قَبْلَ قَلْعِهِ ، أَوْ اكْتَرَى كَحَّالًا لِيُكَحِّلَ عَيْنَهُ ، فَبَرَأَتْ ، أَوْ ذَهَبَتْ .\rوَيَجِبُ أَنْ يُقَدَّرَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ مِنْ وَرَثَتِهِ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ فِي الِانْتِفَاعِ ؛ لِأَنَّ الْوَارِثَ يَقُومُ مَقَامَ الْمَوْرُوثِ .\rوَتَأَوَّلَهَا الْقَاضِي عَلَى أَنَّ الْمُكْرِيَ قَبَضَ الْبَعِيرَ ، وَمَنَعَ الْوَرَثَةَ الِانْتِفَاعَ ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمَا انْفَسَخَ الْعَقْدُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَنْفَسِخُ بِعُذْرٍ فِي الْمُسْتَأْجِرِ مَعَ سَلَامَةِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ ، كَمَا لَوْ حُبِسَ مُسْتَأْجِرُ الدَّارِ ، وَمُنِعَ مِنْ سُكْنَاهَا وَلَا يَصِحُّ هَذَا ؛ لِأَنَّهُ لَوْ مَنَعَ الْوَارِثَ الِانْتِفَاعَ ، لَمَا اسْتَحَقَّ","part":11,"page":433},{"id":5433,"text":"شَيْئًا مِنْ الْأَجْرِ .\rوَيُفَارِقُ هَذَا مَا لَوْ حُبِسَ الْمُسْتَأْجِرُ ؛ لِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ انْتِفَاعُهُ ، وَهَذَا لَا يُؤْيَسُ مِنْهُ بِالْحَبْسِ ، فَإِنَّهُ فِي كُلِّ وَقْتٍ يُمْكِنُ خُرُوجُهُ مِنْ الْحَبْسِ وَانْتِفَاعُهُ ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَسْتَنِيبَ مَنْ يَسْتَوْفِي الْمَنْفَعَةَ إمَّا بِأَجْرٍ أَوْ غَيْرِهِ ، بِخِلَافِ الْمَيِّتِ ، فَإِنَّهُ قَدْ فَاتَ انْتِفَاعُهُ بِنَفْسِهِ وَنَائِبِهِ ، فَأَشْبَهَ مَا ذَكَرْنَا مِنْ الصُّوَرِ .","part":11,"page":434},{"id":5434,"text":"( 4202 ) فَصْلٌ : إذَا أَجَرَ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ الْوَقْفَ مُدَّةً ، فَمَاتَ فِي أَثْنَائِهَا ، وَانْتَقَلَ إلَى مَنْ بَعْدَهُ فَفِيهِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا لَا تَنْفَسِخُ الْإِجَارَةُ ؛ لِأَنَّهُ أَجَّرَ مِلْكَهُ فِي زَمَنِ وِلَايَتِهِ ، فَلَمْ يَبْطُلْ بِمَوْتِهِ ، كَمَا لَوْ أَجَرَ مِلْكَهُ الطَّلْقَ .\rوَالثَّانِي تَنْفَسِخُ الْإِجَارَةُ فِيمَا بَقِيَ مِنْ الْمُدَّةِ ، لِأَنَّا تَبَيَّنَّا أَنَّهُ أَجَرَ مِلْكَهُ وَمِلْكَ غَيْرِهِ ، فَصَحَّ فِي مِلْكِهِ دُونَ مِلْكِ غَيْرِهِ ، كَمَا لَوْ أَجَرَ دَارَيْنِ أَحَدُهُمَا لَهُ ، وَالْأُخْرَى لِغَيْرِهِ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَنَافِعَ بَعْد الْمَوْتِ حَقٌّ لِغَيْرِهِ ، فَلَا يَنْفُذُ عَقْدُهُ عَلَيْهَا مِنْ غَيْرِ مِلْكٍ وَلَا وِلَايَةٍ ، بِخِلَافِ الطَّلْقِ ، فَإِنَّ الْوَارِثَ يَمْلِكُهُ مِنْ جِهَةِ الْمَوْرُوثِ ، فَلَا يَمْلِكُ إلَّا مَا خَلَفَهُ ، وَمَا تَصَرَّفَ فِيهِ فِي حَيَاتِهِ لَا يَنْتَقِلُ إلَى الْوَارِثِ ، وَالْمَنَافِعُ الَّتِي أَجَرَهَا قَدْ خَرَجَتْ عَنْ مِلْكِهِ بِالْإِجَارَةِ ، فَلَا تَنْتَقِلُ إلَى الْوَارِثِ وَالْبَطْنُ الثَّانِي فِي الْوَقْفِ يَمْلِكُونَ مِنْ جِهَةِ الْوَاقِفِ ، فَمَا حَدَثَ فِيهَا بَعْدَ الْبَطْنِ الْأَوَّلِ كَانَ مِلْكًا لَهُمْ ، فَقَدْ صَادَفَ تَصَرُّفَ الْمُؤَجِّرِ فِي مِلْكِهِمْ مِنْ غَيْرِ إذْنِهِمْ ، وَلَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَيْهِمْ ، فَلَمْ يَصِحَّ .\rوَيَتَخَرَّجُ أَنْ تَبْطُلَ الْإِجَارَةُ كُلُّهَا بِنَاءً عَلَى تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ .\rوَهَذَا التَّفْصِيلُ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rفَعَلَى هَذَا إنْ كَانَ الْمُؤَجِّرُ قَبَضَ الْأَجْرَ كُلَّهُ ، وَقُلْنَا : تَنْفَسِخُ الْإِجَارَةُ .\rفَلِمَنْ انْتَقَلَ إلَيْهِ الْوَقْفُ أَخْذُهُ ، وَيَرْجِعُ الْمُسْتَأْجِرُ عَلَى وَرَثَةِ الْمُؤَجِّرِ بِحِصَّةِ الْبَاقِي مِنْ الْأَجْرِ .\rوَإِنْ قُلْنَا : لَا تَنْفَسِخُ رَجَعَ مِنْ انْتَقَلَ إلَيْهِ الْوَقْفُ عَلَى التَّرِكَةِ بِحِصَّتِهِ .","part":11,"page":435},{"id":5435,"text":"( 4203 ) فَصْلٌ : وَإِنْ أَجَرَ الْوَلِيُّ الصَّبِيَّ ، أَوْ مَالِهِ مُدَّةً ، فَبَلَغَ فِي أَثْنَائِهَا ، فَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : لَيْسَ لَهُ فَسْخُ الْإِجَارَةِ ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ لَازِمٌ ، عَقَدَهُ بِحَقِّ الْوِلَايَةِ ، فَلَمْ يَبْطُلْ بِالْبُلُوغِ ، كَمَا لَوْ بَاعَ دَارِهِ أَوْ زَوَّجَهُ .\rوَيُحْتَمَلُ أَنْ تَبْطُلَ الْإِجَارَةُ فِيمَا بَعْدَ زَوَالِ الْوِلَايَةِ ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي إجَارَةِ الْوَقْفِ .\rوَيُحْتَمَلُ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ مَا إذَا أَجَرَهُ مُدَّةً يَتَحَقَّقُ بُلُوغُهُ فِي أَثْنَائِهَا ، مِثْلَ إنْ أَجَرَهُ عَامَيْنِ وَهُوَ ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ ، فَتَبْطُلُ فِي السَّادِسَ عَشَرَ ؛ لِأَنَّنَا نَتَيَقَّنُ أَنَّهُ أَجَرَهُ فِيهَا بَعْدَ بُلُوغِهِ .\rوَهَلْ تَصِحُّ فِي الْخَامِسَ عَشَرَ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ ، بِنَاءً عَلَى تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ وَبَيْنَ مَا إذَا لَمْ يَتَحَقَّقْ بُلُوغُهُ فِي أَثْنَائِهَا ، كَاَلَّذِي أَجَرَهُ فِي الْخَامِسَ عَشَرَ وَحْدَهُ ، فَبَلَغَ فِي أَثْنَائِهِ ، فَيَكُونُ فِيهِ مَا قَدْ ذَكَرْنَا فِي صَدْرِ الْفَصْلِ ؛ لِأَنَّنَا لَوْ قُلْنَا : يُلْزَمُ الصَّبِيُّ بَعْدَ الْبُلُوغِ بِعَقْدِ الْوَلِيِّ مُدَّةً يَتَحَقَّقُ بُلُوغُهُ فِيهَا ، أَفْضَى إلَى أَنْ يَعْقِدَ عَلَى جَمِيعِ مَنَافِعِهِ طُولَ عُمْرِهِ ، وَإِلَى أَنْ يَتَصَرَّفَ فِيهِ فِي غَيْرِ زَمَنِ وِلَايَتِهِ عَلَيْهِ ، وَلَا يُشْبِه النِّكَاحَ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ تَقْدِيرُ مُدَّتِهِ ، فَإِنَّهُ إنَّمَا يُعْقَدُ لِلْأَبَدِ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إذَا بَلَغَ الصَّبِيُّ ، فَلَهُ الْخِيَارُ ؛ لِأَنَّهُ عَقَدَ عَلَى مَنَافِعِهِ فِي حَالٍ لَا يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فِي نَفْسِهِ ، فَإِذَا مَلَكَ ، ثَبَتَ لَهُ الْخِيَارُ ، كَالْأَمَةِ إذَا أُعْتِقَتْ تَحْتَ زَوْجٍ وَلَنَا أَنَّهُ عَقْدٌ لَازِمٌ ، عُقِدَ عَلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يَمْلِكَ التَّصَرُّفَ ، فَإِذَا مَلَكَهُ لَمْ يَثْبُتْ لَهُ الْخِيَارُ ، كَالْأَبِ إذَا زَوَّجَ وَلَدَهُ .\rوَمَا قَاسُوا عَلَيْهِ إنَّمَا يَثْبُتُ لَهَا الْخِيَارُ إذَا عَتَقَتْ تَحْتَ عَبْدٍ ، لِأَجْلِ الْعَيْبِ ، لَا لِمَا ذَكَرَهُ ، وَلِهَذَا لَوْ عَتَقَتْ تَحْتَ حُرٍّ ، لَمْ يَثْبُتْ لَهَا","part":11,"page":436},{"id":5436,"text":"الْخِيَارُ .\rوَإِنْ مَاتَ الْوَلِيُّ الْمُؤَجِّرُ لِلصَّبِيِّ أَوْ مَالِهِ ، أَوْ عُزِلَ ، وَانْتَقَلَتْ الْوِلَايَةُ إلَى غَيْرِهِ ، لَمْ يَبْطُلْ عَقْدُهُ ؛ لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ التَّصَرُّفِ ، فِي مَحَلِّ وِلَايَتِهِ ، فَلَمْ يَبْطُلْ تَصَرُّفُهُ بِمَوْتِهِ أَوْ عَزْلِهِ ، كَمَا لَوْ مَاتَ نَاظِرُ الْوَقْفِ أَوْ عُزِلَ ، أَوْ مَاتَ الْحَاكِمُ بَعْدَ تَصَرُّفِهِ فِيمَا لَهُ النَّظَرُ فِيهِ .\rوَيُفَارِقُ مَا لَوْ أَجَرَ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ الْوَقْفَ مُدَّةً ، ثُمَّ مَاتَ فِي أَثْنَائِهَا لِأَنَّهُ أَجَرَ مِلْكَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ ، فِي مُدَّةٍ لَا وِلَايَةَ لَهُ فِيهَا ، وَهَا هُنَا إنَّمَا يَثْبُتُ لِلْوَلِيِّ الثَّانِي الْوِلَايَةُ فِي التَّصَرُّفِ فِيمَا لَمْ يَتَصَرَّفْ فِيهِ الْأُوَلُ ، وَهَذَا الْعَقْدُ قَدْ تَصَرَّفَ فِيهِ الْأُوَلُ ، فَلَمْ تَثْبُتْ لِلثَّانِي وِلَايَةٌ عَلَى مَا تَنَاوَلَهُ .","part":11,"page":437},{"id":5437,"text":"( 4204 ) فَصْلٌ : وَإِنْ أَجَرَ عَبْدَهُ مُدَّةً ، ثُمَّ أَعْتَقَهُ فِي أَثْنَائِهَا ، صَحَّ الْعِتْقُ ، وَلَمْ يَبْطُلْ عَقْدُ الْإِجَارَةِ ، فِي قِيَاسِ الْمَذْهَبِ ، وَلَا يَرْجِعُ الْعَبْدُ عَلَى مَوْلَاهُ بِشَيْءٍ .\rوَهَذَا جَدِيدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ فِي الْقَدِيمِ : يَرْجِعُ عَلَى مَوْلَاهُ بِأَجْرِ الْمِثْلِ ؛ لِأَنَّ الْمَنَافِعَ تُسْتَوْفَى مِنْهُ بِسَبَبٍ كَانَ مِنْ جِهَةِ السَّيِّدِ ، فَرَجَعَ بِهِ عَلَيْهِ ، كَمَا لَوْ أَكْرَهَهُ بَعْدَ عِتْقِهِ عَلَى ذَلِكَ الْعَمَلِ وَلَنَا أَنَّهَا مَنْفَعَةٌ اُسْتُحِقَّتْ بِالْعَقْدِ قَبْلَ الْعِتْقِ ، فَلَمْ يَرْجِعْ بِبَدَلِهَا .\rكَمَا لَوْ زَوَّجَ أَمَتَهُ ، ثُمَّ أَعْتَقَهَا بَعْدَ دُخُولِ الزَّوْجِ بِهَا ، فَإِنَّ مَا يَسْتَوْفِيه السَّيِّدُ لَا يَرْجِعُ بِهِ عَلَيْهِ .\rوَيُخَالِفُ الْمُكْرَهَ ؛ فَإِنَّهُ تَعَدَّى بِذَلِكَ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لِلْعَبْدِ الْخِيَارُ فِي الْفَسْخِ أَوْ الْإِمْضَاءِ ، كَالصَّبِيِّ إذَا بَلَغَ ، لِلْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرَهُ ثَمَّ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ عَقْدٌ لَازِمٌ عَقَدَهُ عَلَى مَا يَمْلِكُهُ ، فَلَا يَنْفَسِخُ بِالْعِتْقِ ، وَلَا يَزُولُ مِلْكُهُ عَنْهُ ، كَمَا لَوْ زَوَّجَ أَمَتَهُ ثُمَّ بَاعَهَا .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِنَّ نَفَقَةَ الْعَبْدِ إنْ كَانَتْ مَشْرُوطَةً عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ ، فَهِيَ عَلَيْهِ كَمَا كَانَتْ ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مَشْرُوطَةً عَلَيْهِ ، فَهِيَ عَلَى مُعْتِقِهِ ؛ لِأَنَّهُ كَالْبَاقِي عَلَى مِلْكِهِ ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَمْلِكُ عِوَضَ نَفْعِهِ وَلِأَنَّ الْعَبْدَ لَا يَقْدِرُ عَلَى نَفَقَةِ نَفْسِهِ ؛ لِأَنَّهُ مَشْغُولٌ بِالْإِجَارَةِ ، وَلَا عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ ؛ لِأَنَّهُ اسْتَحَقَّ مَنْفَعَتَهُ بِعِوَضٍ غَيْرِ نَفَقَتِهِ ، لَمْ يَبْقَ إلَّا أَنَّهَا عَلَى الْمَوْلَى .","part":11,"page":438},{"id":5438,"text":"( 4205 ) فَصْلٌ : إذَا أَجَرَ عَيْنًا ، ثُمَّ بَاعَهَا ، صَحَّ الْبَيْعُ ، نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، سَوَاءٌ بَاعَهَا لِلْمُسْتَأْجِرِ أَوْ لِغَيْرِهِ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ ، وَقَالَ فِي الْآخَرِ : إنْ بَاعَهَا لِغَيْرِ الْمُسْتَأْجِرِ ، لَمْ يَصِحَّ الْبَيْعُ ؛ لِأَنَّ يَدَ الْمُسْتَأْجِرِ حَائِلَةٌ تَمْنَعُ التَّسْلِيمَ إلَى الْمُشْتَرِي ، فَمَنَعَتْ الصِّحَّةَ ، كَمَا فِي بَيْعِ الْمَغْصُوبِ .\rوَلَنَا أَنَّ الْإِجَارَةَ عَقْدٌ عَلَى الْمَنَافِعِ ، فَلَمْ تَمْنَعْ الصِّحَّةَ ، كَمَا لَوْ زَوَّجَ أَمَتَهُ ، ثُمَّ بَاعَهَا .\rوَقَوْلُهُمْ : يَدُ الْمُسْتَأْجِرِ حَائِلَةٌ دُونَ التَّسْلِيمِ .\rلَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ يَدَ الْمُسْتَأْجِرِ إنَّمَا هِيَ عَلَى الْمَنَافِعِ ، وَالْبَيْعَ عَلَى الرَّقَبَةِ ، فَلَا يَمْنَعُ ثُبُوتُ الْيَدِ عَلَى أَحَدِهِمَا تَسْلِيمَ الْآخَرِ كَمَا لَوْ بَاعَ الْأَمَةَ الْمُزَوَّجَةَ ، وَلَئِنْ مَنَعْتَ التَّسْلِيمَ فِي الْحَالِ ، فَلَا تَمْنَعْ فِي الْوَقْتِ الَّذِي يَجِبُ التَّسْلِيمُ فِيهِ ، وَهُوَ عِنْدَ انْقِضَاءِ الْإِجَارَةِ ، وَيَكْفِي الْقُدْرَةُ عَلَى التَّسْلِيمِ حِينَئِذٍ ، كَالْمُسْلَمِ فِيهِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : الْبَيْعُ مَوْقُوفٌ عَلَى إجَازَةِ الْمُسْتَأْجِرِ فَإِنْ أَجَازَهُ جَازَ ، وَبَطَلَتْ الْإِجَارَةُ ، وَإِنْ رَدَّهُ بَطَلَ .\rوَلَنَا أَنَّ الْبَيْعَ عَلَى غَيْرِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ فِي الْإِجَارَةِ ، فَلَمْ تُعْتَبَرْ إجَازَتُهُ ، كَبَيْعِ الْأَمَةِ الْمُزَوَّجَةِ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّ الْمُشْتَرِيَ يَمْلِكُ الْمَبِيعَ مَسْلُوبَ الْمَنْفَعَةِ إلَى حِينِ انْقِضَاءِ الْإِجَارَةِ ، وَلَا يَسْتَحِقُّ تَسْلِيمَ الْعَيْنِ إلَّا حِينَئِذٍ ؛ لِأَنَّ تَسْلِيمَ الْعَيْنِ إنَّمَا يُرَادُ لِاسْتِيفَاءِ نَفْعِهَا ، وَنَفْعُهَا إنَّمَا يَسْتَحِقُّهُ إذَا انْقَضَتْ الْإِجَارَةُ ، فَيَصِيرُ هَذَا بِمَنْزِلَةِ مَنْ اشْتَرَى عَيْنًا فِي مَكَان بَعِيدٍ ، فَإِنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ تَسْلِيمَهَا إلَّا بَعْدَ مُضِيِّ مُدَّةٍ يُمْكِنُ إحْضَارُهَا فِيهَا كَالْمُسْلِمِ إلَى وَقْتٍ لَا يَسْتَحِقُّ تَسَلُّمَ الْمُسْلَمِ فِيهِ إلَّا فِي وَقْتِهِ ، فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ الْمُشْتَرِي بِالْإِجَارَةِ ،","part":11,"page":439},{"id":5439,"text":"فَلَهُ الْخِيَارُ بَيْنَ الْفَسْخِ وَإِمْضَاءِ الْبَيْعِ بِكُلِّ الثَّمَنِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ عَيْبٌ وَنَقْصٌ .","part":11,"page":440},{"id":5440,"text":"( 4206 ) فَصْلٌ : فَإِنْ اشْتَرَاهَا الْمُسْتَأْجِرُ ، صَحَّ الْبَيْعُ أَيْضًا ؛ لِأَنَّهُ يَصِحُّ بَيْعُهَا لِغَيْرِهِ ، فَلَهُ أَوْلَى ، لِأَنَّ الْعَيْنَ فِي يَدِهِ .\rوَهَلْ تَبْطُلُ الْإِجَارَةُ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، لَا تَبْطُلُ ؛ لِأَنَّهُ مَلَكَ الْمَنْفَعَةَ بِعَقْدٍ ، ثُمَّ مَلَكَ الرَّقَبَةَ الْمَسْلُوبَةَ بِعَقْدٍ آخَرَ ، فَلَمْ يَتَنَافَيَا ، كَمَا يَمْلِكُ الثَّمَرَةَ بِعَقْدٍ ، ثُمَّ يَمْلِكُ الْأَصْلَ بِعَقْدٍ آخَرَ .\rوَلَوْ أَجَّرَ الْمُوصَى لَهُ بِالْمَنْفَعَةِ مَالِكَ الرَّقَبَةِ ، صَحَّتْ الْإِجَارَةُ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ مِلْكَ الْمَنْفَعَةِ لَا يُنَافِي الْعَقْدَ عَلَى الرَّقَبَةِ وَكَذَلِكَ لَوْ اسْتَأْجَرَ الْمَالِكُ الْعَيْنَ الْمُسْتَأْجَرَةَ مِنْ مُسْتَأْجِرِهَا ، جَازَ .\rفَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْأَجْرُ بَاقِيًا عَلَى الْمُشْتَرِي ، وَعَلَيْهِ الثَّمَنُ ، وَيَجْتَمِعَانِ لِلْبَائِعِ ، كَمَا لَوْ كَانَ الْمُشْتَرِي غَيْرَهُ .\rوَالثَّانِي تَبْطُلُ الْإِجَارَةُ فِيمَا بَقِيَ مِنْ الْمُدَّةِ ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ عَلَى مَنْفَعَةِ الْعَيْنِ ، فَبَطَلَ مِلْكُ الْعَاقِدِ لِلْعَيْنِ ، كَالنِّكَاحِ ، فَإِنَّهُ لَوْ تَزَوَّجَ أَمَةً ، ثُمَّ اشْتَرَاهَا ، بَطَلَ نِكَاحُهُ ، وَلِأَنَّ مِلْكَ الرَّقَبَةِ يَمْنَعُ ابْتِدَاءَ الْإِجَارَةِ ، فَمَنَعَ اسْتَدَامَتْهَا ، كَالنِّكَاحِ .\rفَعَلَى هَذَا ، يَسْقُطُ عَنْ الْمُشْتَرِي الْأَجْرُ فِيمَا بَقِيَ مِنْ مُدَّةِ الْإِجَارَةِ ، كَمَا لَوْ بَطَلَتْ الْإِجَارَةُ بِتَلَفِ الْعَيْنِ .\rوَإِنْ كَانَ الْمُؤَجِّرُ قَدْ قَبَضَ الْأَجْرَ كُلَّهُ ، حَسَبَ عَلَيْهِ بَاقِيَ الْأَجْرِ مِنْ الثَّمَنِ .","part":11,"page":441},{"id":5441,"text":"( 4207 ) فَصْلٌ : وَإِنْ وَرِثَ الْمُسْتَأْجِرُ الْعَيْنَ الْمُسْتَأْجَرَةَ ، فَالْحُكْمُ فِيهِ كَمَا لَوْ اشْتَرَاهَا ، فِي بُطْلَانِ الْإِجَارَةِ أَوْ بَقَائِهَا ، إلَّا أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي الْحُكْمِ بَيْنَ فَسْخِ الْإِجَارَةِ وَبَقَائِهَا ، فَلَوْ اسْتَأْجَرَ إنْسَانٌ مِنْ أَبِيهِ دَارًا ، ثُمَّ مَاتَ أَبُوهُ ، وَخَلَفَ ابْنَيْنِ ، أَحَدُهُمَا هُوَ الْمُسْتَأْجِرُ ، فَإِنَّ الدَّارَ تَكُونُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ ، وَالْمُسْتَأْجِرُ أَحَقُّ بِهَا ؛ لِأَنَّ النِّصْفَ الَّذِي لِأَخِيهِ الْإِجَارَةُ بَاقِيَةٌ فِيهِ ، وَالنِّصْفَ الَّذِي وَرِثَهُ يَسْتَحِقُّهُ ، إمَّا بِحُكْمِ الْمِلْكِ ، وَإِمَّا بِحُكْمِ الْإِجَارَةِ ، وَمَا عَلَيْهِ مِنْ الْأَجْرِ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ وَإِنْ كَانَ أَبُوهُ قَدْ قَبَضَ الْأَجْرَ لَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ مِنْهُ عَلَى أَخِيهِ وَلَا تَرِكَةِ أَبِيهِ ، وَيَكُونُ مَا خَلَّفَهُ أَبُوهُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ رَجَعَ بِشَيْءٍ أَفْضَى إلَى أَنْ يَكُونَ قَدْ وَرِثَ النِّصْفَ بِمَنْفَعَتِهِ ، وَوَرِثَ أَخُوهُ نِصْفًا مَسْلُوبَ الْمَنْفَعَةِ ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ قَدْ سَوَّى بَيْنَهُمَا فِي الْمِيرَاثِ .\rوَلِأَنَّهُ لَوْ رَجَعَ بِنِصْفِ أَجْرِ النِّصْفِ الَّذِي انْتَقَضَتْ الْإِجَارَةُ فِيهِ ، لَوَجَبَ أَنْ يَرْجِعَ أَخُوهُ بِنِصْفِ الْمَنْفَعَةِ الَّتِي انْتَقَضَتْ الْإِجَارَةُ فِيهَا إذْ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُجْمَعَ لَهُ بَيْنَ الْمَنْفَعَةِ وَأَخْذِ عِوَضِهَا مِنْ غَيْرِهِ .","part":11,"page":442},{"id":5442,"text":"( 4208 ) فَصْلٌ : وَإِنْ اشْتَرَى الْمُسْتَأْجِرُ الْعَيْنَ ، ثُمَّ وَجَدَهَا مَعِيبَةً ، فَرَدَّهَا ، فَإِنْ قُلْنَا : لَا تَنْفَسِخُ الْإِجَارَةُ بِالْبَيْعِ .\rفَهِيَ بَاقِيَةٌ بَعْدَ رَدِّ الْعَيْنِ كَمَا كَانَتْ قَبْلَ الْبَيْعِ .\rوَإِنْ قُلْنَا : قَدْ انْفَسَخَتْ .\rفَالْحُكْمُ فِيهَا كَمَا لَوْ انْفَسَخَتْ بِتَلَفِ الْعَيْنِ .\rوَإِنْ كَانَ الْمُشْتَرِي أَجْنَبِيًّا ، فَرْد الْمُسْتَأْجِرُ الْإِجَارَةَ لِعَيْبٍ ، فَيَنْبَغِي أَنْ تَعُودَ الْمَنْفَعَةُ إلَى الْبَائِعِ ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَحِقُّ عِوَضَهَا عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ ، فَإِذَا سَقَطَ الْعِوَضُ ، عَادَ إلَيْهِ الْمُعَوَّضُ وَلِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ مَلَكَ الْعَيْنَ مَسْلُوبَةَ الْمَنْفَعَةِ ، مُدَّةَ الْإِجَارَةِ ، فَلَا يَرْجِعُ إلَيْهِ ، مَا لَمْ يَمْلِكْهُ .\rوَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ : يَرْجِعُ إلَى الْمُشْتَرِي ؛ لِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ تَابِعَةٌ لِلرَّقَبَةِ ، وَإِنَّمَا اُسْتُحِقَّتْ بِعَقْدِ الْإِجَارَةِ ، فَإِذَا زَالَتْ عَادَتْ إلَيْهِ ، كَمَا لَوْ اشْتَرَى أَمَةً مُزَوَّجَةً ، فَطَلَّقَهَا الزَّوْجُ .\rوَلَا يَصِحُّ هَذَا الْقِيَاسُ ؛ فَإِنَّ مَنْفَعَةَ الْبُضْعِ قَدْ اسْتَقَرَّ عِوَضُهَا لِلْبَائِعِ بِمُجَرَّدِ دُخُولِ الزَّوْجِ بِهَا ، وَلَا يَنْقَسِمُ الْعِوَضُ عَلَى الْمُدَّةِ ، وَلِهَذَا لَا يَرْجِعُ الزَّوْجُ بِشَيْءٍ مِنْ الصَّدَاقِ فِيمَا إذَا انْفَسَخَ النِّكَاحُ أَوْ وَقَعَ الطَّلَاقُ ، بِخِلَافِ الْأَجْرِ فِي الْإِجَارَةِ ؛ فَإِنَّ الْمُؤَجِّرَ يَسْتَحِقُّ الْأَجْرَ فِي مُقَابَلَةِ الْمَنْفَعَةِ مَقْسُومًا عَلَى مُدَّتِهَا ، فَإِذَا كَانَ لَهُ عِوَضُ الْمَنْفَعَةِ الْمُسْتَقْبَلَةِ ، فَزَالَ بِالْفَسْخِ ، رَجَعَ إلَيْهِ مُعَوَّضُهَا ، وَهُوَ الْمَنْفَعَةُ .\rوَلِأَنَّ مَنْفَعَةَ الْبُضْعِ لَا يَجُوزُ أَنْ تُمْلَكَ بِغَيْرِ مِلْكِ الرَّقَبَةِ أَوْ النِّكَاحِ ، فَلَوْ رَجَعَتْ إلَى الْبَائِعِ ، لَمُلِكَتْ بِغَيْرِهِمَا .\rوَلِأَنَّهَا مِمَّا لَا يَجُوزُ لِلزَّوْجِ نَقْلُهَا إلَى غَيْرِهِ ، وَلَا الْمُعَاوَضَةُ عَنْهَا ، وَمَنْفَعَةُ الْبَدَنِ بِخِلَافِهَا .","part":11,"page":443},{"id":5443,"text":"( 4209 ) فَصْلٌ : وَإِذَا وَقَعَتْ الْإِجَارَةِ عَلَى عَيْنٍ ، مِثْلِ أَنْ يَسْتَأْجِرَ عَبْدًا لِلْخِدْمَةِ ، أَوْ لِرِعَايَةِ الْغَنَمِ ، أَوْ جَمَلًا لِلْحَمْلِ أَوْ لِلرُّكُوبِ ، فَتَلِفَتْ ، انْفَسَخَ الْعَقْدُ بِتَلَفِهَا .\rوَإِنْ خَرَجَتْ مُسْتَحَقَّةً ، تَبَيَّنَّا أَنَّ الْعَقْدَ بَاطِلٌ .\rوَإِنْ وَجَدَ بِهَا عَيْبًا فَرَدَّهَا ، انْفَسَخَ الْعَقْدُ ، وَلَمْ يَمْلِكْ إبْدَالَهَا ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ عَلَى مُعَيَّنٍ ، فَثَبَتَتْ هَذِهِ الْأَحْكَامُ ، كَمَا لَوْ اشْتَرَى عَيْنًا .\rوَإِنْ وَقَعَتْ عَلَى عَيْنٍ مَوْصُوفَةٍ فِي الذِّمَّةِ ، انْعَكَسَتْ هَذِهِ الْأَحْكَامُ ، فَمَتَى سَلَّمَ إلَيْهِ عَيْنًا فَتَلِفَتْ ، لَمْ تَنْفَسِخْ الْإِجَارَةُ ، وَلَزِمَ الْمُؤَجِّرَ إبْدَالُهَا وَإِنْ خَرَجَتْ مَغْصُوبَةً ، لَمْ يَبْطُلْ الْعَقْدُ ، وَلَزِمَهُ بَدَلُهَا .\rوَإِنْ وَجَدَ بِهَا عَيْبًا فَرَدَّهَا ، فَكَذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ غَيْرُ هَذِهِ الْعَيْنِ ، وَهَذِهِ بَدَلٌ عَنْهُ ، فَلَمْ يُؤَثِّرْ تَلَفُهَا ، وَلَا غَصْبُهَا ، وَلَا رَدُّهَا بِعَيْبٍ فِي إبْطَالِ الْعَقْدِ ، كَمَا لَوْ اشْتَرَى بِثَمَنٍ فِي الذِّمَّةِ ، عَلَى مَا قُرِّرَ فِي مَوْضِعِهِ .\rفَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ قُلْتُمْ فِي مَنْ اكْتَرَى جَمَلًا لِيَرْكَبَهُ جَازَ أَنْ يَرْكَبَهُ مَنْ هُوَ مِثْلُهُ .\rوَلَوْ اكْتَرَى أَرْضًا لِزَرْعِ شَيْءٍ بِعَيْنِهِ ، جَازَ لَهُ زَرْعُ مَا هُوَ مِثْلُهُ أَوْ دُونَهُ فِي الضَّرَرِ ، فَلِمَ قُلْتُمْ : إذَا اكْتَرَى جَمَلًا بِعَيْنِهِ لَا يَجُوزُ أَنْ يُبْدِلَهُ ؟ قُلْنَا : لِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ مَنْفَعَةُ الْعَيْنِ ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ غَيْرَ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ ، كَمَا لَوْ اشْتَرَى عَيْنًا ، لَا يَجُوزُ أَنْ يَأْخُذَ غَيْرَهَا وَالرَّاكِبُ غَيْرُ مَعْقُودٍ عَلَيْهِ إنَّمَا هُوَ مُسْتَوْفٍ لِلْمَنْفَعَةِ ، وَإِنَّمَا تُشْتَرَطُ مَعْرِفَتُهُ لِتُقَدَّرَ بِهِ الْمَنْفَعَةُ ، لَا لِكَوْنِهِ مَعْقُودًا عَلَيْهِ .\rوَكَذَلِكَ الزَّرْعُ فِي الْأَرْضِ ، فَإِنَّمَا يُعَيَّنُ لِيُعْرَفَ بِهِ قَدْرُ الْمَنْفَعَةِ الْمُسْتَوْفَاةِ ، فَيَجُوزُ الِاسْتِيفَاءُ بِغَيْرِهَا ، كَمَا لَوْ وَكَّلَ الْمُشْتَرِي غَيْرَهُ فِي اسْتِيفَاءِ الْمَبِيعِ","part":11,"page":444},{"id":5444,"text":"، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ تَلِفَ الْبَعِيرُ أَوْ الْأَرْضُ ، انْفَسَخَتْ الْإِجَارَةُ ، وَلَوْ مَاتَ الرَّاكِبُ ، أَوْ تَلِفَ الْبَذْرُ ، لَمْ تَنْفَسِخْ الْإِجَارَةُ ، وَجَازَ أَنْ يَقُومَ غَيْرُهُ مَقَامَهُ ، فَافْتَرَقَا .","part":11,"page":445},{"id":5445,"text":"مَسْأَلَةٌ قَالَ : ( وَمَنْ اسْتَأْجَرَ عَقَارًا ، فَلَهُ أَنْ يُسْكِنَهُ غَيْرَهُ إذَا كَانَ يَقُومُ مَقَامَهُ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ مَنْ اسْتَأْجَرَ عَقَارًا لِلسُّكْنَى ، فَلَهُ أَنْ يَسْكُنَهُ ، وَيُسْكِنَ فِيهِ مَنْ شَاءَ مِمَّنْ يَقُومُ مَقَامَهُ فِي الضَّرَرِ ، أَوْ دُونَهُ ، وَيَضَعُ فِيهِ مَا جَرَتْ عَادَةُ السَّاكِنِ بِهِ ، مِنْ الرِّحَالِ وَالطَّعَامِ ، وَيَخْزُنُ فِيهَا الثِّيَابَ وَغَيْرَهَا مِمَّا لَا يَضُرُّ بِهَا ، وَلَا يُسْكِنُهَا مَا يَضُرُّ بِهَا ، مِثْلَ الْقَصَّارِينَ وَالْحَدَّادِينَ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَضُرُّ بِهَا .\rوَلَا يَجْعَلُ فِيهَا الدَّوَابَّ ؛ لِأَنَّهَا تَرُوثُ فِيهَا وَتُفْسِدُهَا وَلَا يَجْعَلُ فِيهَا السِّرْجِينَ ، وَلَا رَحًى وَلَا شَيْئًا يَضُرُّ بِهَا .\rوَلَا يَجُوزُ أَنْ يَجْعَلَ فِيهَا شَيْئًا ثَقِيلًا فَوْقَ سَقْفٍ ؛ لِأَنَّهُ يُثْقِلُهُ وَيَكْسِرُ خَشَبَهُ .\rوَلَا يَجْعَلُ فِيهَا شَيْئًا يَضُرُّ بِهَا ، إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ ذَلِكَ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَلَا نَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا .\rوَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ لِأَنَّ لَهُ اسْتِيفَاءَ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ بِنَفْسِهِ وَنَائِبِهِ ، وَاَلَّذِي يَسْكُنُهُ نَائِبٌ عَنْهُ فِي اسْتِيفَاءِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ ، فَجَازَ ، كَمَا لَوْ وَكَّلَ وَكِيلًا فِي قَبْضِ الْمَبِيعِ ، أَوْ دَيْنٍ لَهُ وَلَمْ يَمْلِكْ فِعْلَ مَا يَضُرُّ بِهَا ؛ لِأَنَّهُ فَوْقَ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ فِعْلُهُ ، كَمَا لَوْ اشْتَرَى شَيْئًا لَمْ يَمْلِكْ أَخْذَ أَكْثَرَ مِنْهُ .\rفَأَمَّا أَنْ يَجْعَلَ الدَّارَ مَخْزَنًا لِلطَّعَامِ ، فَقَدْ قَالَ أَصْحَابُنَا : يَجُوزُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَجْعَلَهَا مَخْزَنًا لِغَيْرِهِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَجُوزَ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُفْضِي إلَى تَحْرِيقِ النَّارِ أَرْضَهَا وَحِيطَانَهَا ، وَذَلِكَ ضَرَرٌ لَا يَرْضَى بِهِ صَاحِبُ الدَّارِ .","part":11,"page":446},{"id":5446,"text":"( 4211 ) فَصْلٌ : وَإِذَا اكْتَرَى دَارًا ، جَازَ إطْلَاقُ الْعَقْدِ ، وَلَمْ يَحْتَجْ إلَى ذِكْرِ السُّكْنَى ، وَلَا صِفَتِهَا .\rوَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْي .\rوَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ : لَا يَجُوزُ ، حَتَّى يَقُولَ : أَبِيتُ تَحْتَهَا أَنَا وَعِيَالِي ؛ لِأَنَّ السُّكْنَى تَخْتَلِفُ ، وَلَوْ اكْتَرَاهَا لِيَسْكُنَهَا ، فَتَزَوَّجَ امْرَأَةً ، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُسْكِنَهَا مَعَهُ .\rوَلَنَا أَنَّ الدَّارَ لَا تُكْتَرَى إلَّا لِلسُّكْنَى ، فَاسْتُغْنِيَ عَنْ ذِكْرِهِ ، كَإِطْلَاقِ الثَّمَنِ فِي بَلَدٍ فِيهِ نَقْدٌ مَعْرُوفٌ بِهِ ، وَالتَّفَاوُتُ فِي السُّكْنَى يَسِيرٌ ، فَلَمْ يَحْتَجْ إلَى ضَبْطِهِ ، وَمَا ذَكَرَهُ لَا يَصِحُّ فَإِنَّ الضَّرَرَ لَا يَكَادُ يَخْتَلِفُ بِكَثْرَةِ مَنْ يَسْكُنُ وَقِلَّتِهِمْ ، وَلَا يُمْكِنُ ضَبْطُ ذَلِكَ ، فَاجْتُزِئَ فِيهِ بِالْعُرْفِ ، كَمَا فِي دُخُولِ الْحَمَّامِ وَشِبْهِهِ .\rوَلَوْ اشْتَرَطَ مَا ذَكَرَهُ ، لَوَجَبَ أَنْ يَذْكُرَ عَدَدَ السُّكَّانِ ، وَأَنْ لَا يَبِيتَ عِنْدَهُ ضَيْفٌ ، وَلَا زَائِرٌ ، وَلَا غَيْرُ مَنْ ذَكَرَهُ .\rوَلَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَعْلَمَ صِفَةَ السَّاكِنِ ، كَمَا يَعْلَمُ ذَلِكَ فِيمَا إذَا اكْتَرَى لِلرُّكُوبِ .","part":11,"page":447},{"id":5447,"text":"( 4212 ) فَصْلٌ : وَإِذَا اكْتَرَى ظَهْرًا لِيَرْكَبَهُ ، فَلَهُ أَنْ يُرْكِبَهُ مِثْلَهُ ، وَمَنْ هُوَ أَخَفُّ مِنْهُ ، وَلَا يُرْكِبُهُ مَنْ هُوَ أَثْقَلُ مِنْهُ ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ اقْتَضَى اسْتِيفَاءَ مَنْفَعَةٍ مُقَدَّرَةٍ بِذَلِكَ الرَّاكِبِ ، فَلَهُ أَنْ يَسْتَوْفِيَ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ وَنَائِبِهِ ، وَلَهُ أَنْ يَسْتَوْفِيَ أَقَلَّ مِنْهُ ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَوْفِي بَعْضَ مَا يَسْتَحِقُّهُ ، وَلَيْسَ لَهُ اسْتِيفَاءُ أَكْثَرَ مِنْهُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ أَكْثَرَ مِمَّا عَقَدَ عَلَيْهِ .\rوَلَا يُشْتَرَطُ التَّسَاوِي فِي الطُّولِ وَالْقِصَرِ ، وَلَا الْمَعْرِفَةُ بِالرُّكُوبِ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ مِثْلَهُ فِي هَذِهِ الْأَوْصَافِ كُلِّهَا ؛ لِأَنَّ قِلَّةَ الْمَعْرِفَةِ بِالرُّكُوبِ تُثْقِلُ عَلَى الْمَرْكُوبِ ، وَتَضُرُّ بِهِ قَالَ الشَّاعِرُ : لَمْ يَرْكَبُوا الْخَيْلَ إلَّا بَعْدَ مَا كَبِرُوا فَهُمْ ثِقَالٌ عَلَى أَعْجَازِهَا عُنُفُ وَلَنَا أَنَّ التَّفَاوُتَ فِي هَذِهِ الْأُمُورِ بَعْدَ التَّسَاوِي فِي الثِّقَلِ يَسِيرٌ ، فَعُفِيَ عَنْهُ ، وَلِهَذَا لَا يُشْتَرَطُ ذِكْرُهُ فِي الْإِجَارَةِ ، وَلَوْ اُعْتُبِرَ ذَلِكَ لَاشْتُرِطَتْ مَعْرِفَتُهُ فِي الْإِجَارَةِ ، كَالثِّقَلِ وَالْخِفَّةِ .","part":11,"page":448},{"id":5448,"text":"فَصْلٌ : فَإِنْ شَرَطَ أَنْ لَا يَسْتَوْفِيَ فِي الْمَنْفَعَةِ بِمِثْلِهِ ، وَلَا بِمَنْ هُوَ دُونَهُ ، فَقِيَاسُ قَوْلِ أَصْحَابِنَا صِحَّةُ الْعَقْدِ ، وَبُطْلَانُ الشَّرْطِ ، فَإِنَّ الْقَاضِيَ قَالَ فِيمَنْ شَرَطَ أَنْ يَزْرَعَ فِي الْأَرْضِ حِنْطَةً ، وَلَا يَزْرَعَ غَيْرَهَا : يَبْطُلُ الشَّرْطُ ، وَيَصِحُّ الْعَقْدُ .\rوَيُحْتَمَلُ أَنْ يَصِحَّ الشَّرْطُ .\rوَهَذَا أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَأْجِرَ يَمْلِكُ الْمَنَافِعَ مِنْ جِهَةِ الْمُؤَجِّرِ ، فَلَا يَمْلِكُ مَا لَمْ يَرْضَ بِهِ ، وَلِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ لَهُ غَرَضٌ فِي تَخْصِيصِهِ بِاسْتِيفَاءِ هَذِهِ الْمَنْفَعَةِ ، وَقَالُوا فِي الْوَجْهِ الْآخَرِ : يَبْطُلُ الشَّرْطُ لِأَنَّهُ يُنَافِي مُوجَبَ الْعَقْدِ ، إذْ مُوجَبُهُ مِلْكُ الْمَنْفَعَةِ ، وَالتَّسَلُّطُ عَلَى اسْتِيفَائِهَا بِنَفْسِهِ وَبِنَائِبِهِ ، وَاسْتِيفَاءُ بَعْضِهَا بِنَفْسِهِ ، وَبَعْضِهَا بِنَائِبِهِ ، وَالشَّرْطُ يُنَافِي ذَلِكَ ، فَكَانَ بَاطِلًا .\rوَهَلْ يَبْطُلُ بِهِ الْعَقْدُ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا ، لَا يُبْطِلُهُ ، لِأَنَّهُ لَا يُؤَثِّرُ فِي حَقِّ الْمُؤَجِّرِ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا ، فَأُلْغِيَ ، وَبَقِيَ الْعَقْدُ عَلَى مُقْتَضَاهُ .\rوَالْآخَرُ يُبْطِلُهُ ؛ لِأَنَّهُ يُنَافِي مُقْتَضَاهُ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ شَرَطَ أَنْ لَا يَسْتَوْفِيَ الْمَنَافِعَ .","part":11,"page":449},{"id":5449,"text":"( 4214 ) فَصْلٌ : وَيَجُوزُ لِلْمُسْتَأْجِرِ أَنْ يُؤَجِّرَ الْعَيْنَ الْمُسْتَأْجَرَةَ إذَا قَبَضَهَا .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .\rوَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، وَابْنِ سِيرِينَ ، وَمُجَاهِدٍ ، وَعِكْرِمَةَ ، وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَالنَّخَعِيِّ ، وَالشَّعْبِيِّ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَالشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِ الرَّأْي .\rوَذَكَرَ الْقَاضِي فِيهِ رِوَايَةً أُخْرَى ، أَنَّهُ لَا يَجُوزُ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ رِبْحِ مَا لَمْ يُضْمَنْ وَالْمَنَافِعُ لَمْ تَدْخُلْ فِي ضَمَانِهِ .\rوَلِأَنَّهُ عَقَدَ عَلَى مَا لَمْ يَدْخُلْ فِي ضَمَانِهِ ، فَلَمْ يَجُزْ ، كَبَيْعِ الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ قَبْلَ قَبْضِهِ .\rوَالْأُوَلُ أَصَحُّ ؛ لِأَنَّ قَبْضَ الْعَيْنِ قَامَ مَقَامَ قَبْضِ الْمَنَافِعِ ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَجُوزُ التَّصَرُّفُ فِيهَا ، فَجَازَ الْعَقْدُ عَلَيْهَا ، كَبَيْعِ الثَّمَرَةِ عَلَى الشَّجَرَةِ .\rوَيَبْطُلُ قِيَاسُ الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى لِهَذَا الْأَصْلِ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِنَّهُ لَا تَجُوزُ إجَارَتُهُ إلَّا لِمَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ ، أَوْ دُونَهُ فِي الضَّرَرِ ؛ لِمَا تَقَدَّمَ .\rفَأَمَّا إجَارَتُهَا قَبْلَ قَبْضِهَا فَلَا تَجُوزُ مِنْ غَيْرِ الْمُؤَجِّرِ ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَالْمَشْهُورُ مِنْ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ الْمَنَافِعَ مَمْلُوكَةٌ بِعَقْدِ مُعَاوَضَةٍ ، فَاعْتُبِرَ فِي جَوَازِ الْعَقْدِ عَلَيْهَا الْقَبْضُ ، كَالْأَعْيَانِ .\rوَالْآخَرُ ، يَجُوزُ ، وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ ؛ لِأَنَّ قَبْضَ الْعَيْنِ لَا يَنْتَقِلُ بِهِ الضَّمَانُ إلَيْهِ ، فَلَمْ يَقِفْ جَوَازُ التَّصَرُّفِ عَلَيْهِ .\rفَأَمَّا إجَارَتُهَا قَبْلَ الْقَبْضِ مِنْ الْمُؤَجِّرِ ، فَإِذَا قُلْنَا : لَا يَجُوزُ مِنْ غَيْرِ الْمُؤَجِّرِ كَانَ فِيهَا هَاهُنَا وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا لَا يَجُوزُ ؛ لِأَنَّهُ عَقَدَ عَلَيْهَا قَبْلَ قَبْضِهَا وَالثَّانِي يَجُوزُ ؛ لِأَنَّ الْقَبْضَ لَا يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ ، بِخِلَافِ الْأَجْنَبِيِّ .\rوَأَصْلُهُمَا بَيْعُ الطَّعَامِ قَبْلَ قَبْضِهِ لَا يَصِحُّ مِنْ غَيْرِ بَائِعِهِ ، رِوَايَةً وَاحِدَةً وَهَلْ يَصِحُّ مِنْ","part":11,"page":450},{"id":5450,"text":"بَائِعِهِ ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ .\rفَأَمَّا إجَارَتُهَا بَعْدَ قَبْضِهَا مِنْ الْمُؤَجِّرِ ، فَجَائِزَةٌ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَجُوزُ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُؤَدِّي إلَى تَنَاقُضِ الْأَحْكَامِ ، لِأَنَّ التَّسْلِيمَ مُسْتَحَقٌّ عَلَى الْكِرَاءِ ، فَإِذَا اكْتَرَاهَا صَارَ مُسْتَحِقًّا لَهُ ، فَيَصِيرُ مُسْتَحِقًّا لِمَا يُسْتَحَقُّ عَلَيْهِ ، وَهَذَا تَنَاقُضٌ .\rوَلَنَا أَنَّ كُلَّ عَقْدٍ جَازَ مَعَ غَيْرِ الْعَاقِدِ جَازَ مَعَ الْعَاقِدِ ، كَالْبَيْعِ ، وَمَا ذَكَرُوهُ لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ التَّسْلِيمَ قَدْ حَصَلَ ، وَهَذَا الْمُسْتَحَقُّ لَهُ تَسْلِيمٌ آخَرُ ثُمَّ يَبْطُلُ بِالْبَيْعِ ، فَإِنَّهُ يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ تَسْلِيمُ الْعَيْنِ ، فَإِذَا اشْتَرَاهَا اسْتَحَقَّ تَسْلِيمَهَا .\rفَإِنْ قِيلَ : التَّسْلِيمُ هَاهُنَا مُسْتَحَقٌّ فِي جَمِيعِ الْمُدَّةِ ، بِخِلَافِ الْبَيْعِ .\rقُلْنَا الْمُسْتَحَقُّ تَسْلِيمُ الْعَيْنِ ، وَقَدْ حَصَلَ وَلَيْسَ عَلَيْهِ تَسْلِيمٌ آخَرُ ، غَيْرَ أَنَّ الْعَيْنَ مِنْ ضَمَانِ الْمُؤَجِّرِ ، فَإِذَا تَعَذَّرَتْ الْمَنَافِعُ بِتَلَفِ الدَّارِ أَوْ غَصْبِهَا ، رُجِعَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهَا تَعَذَّرَتْ بِسَبَبٍ كَانَ فِي ضَمَانِهِ .","part":11,"page":451},{"id":5451,"text":"( 4215 ) فَصْلٌ : وَيَجُوزُ لِلْمُسْتَأْجِرِ إجَارَةُ الْعَيْنِ ، بِمِثْلِ الْأَجْرِ وَزِيَادَةٍ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَطَاءٍ ، وَالْحَسَنِ ، وَالزُّهْرِيِّ .\rوَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّهُ إنْ أَحْدَثَ فِي الْعَيْنِ زِيَادَةً ، جَازَ لَهُ أَنْ يُكْرِيَهَا بِزِيَادَةٍ ، وَإِلَّا لَمْ تَجُزْ الزِّيَادَةُ ، فَإِنْ فَعَلَ ، تَصَدَّقَ بِالزِّيَادَةِ رَوَى هَذَا الشَّعْبِيُّ .\rوَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّهُ يَرْبَحُ بِذَلِكَ فِيمَا لَمْ يَضْمَنْ ، وَقَدْ نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ رِبْحِ مَا لَمْ يُضْمَنْ ، وَلِأَنَّهُ يَرْبَحُ فِيمَا لَمْ يَضْمَنْ فَلَمْ يَجُزْ ، كَمَا لَوْ رَبِحَ فِي الطَّعَامِ قَبْلَ قَبْضِهِ .\rوَيُخَالِفُ مَا إذَا عَمِلَ عَمَلًا فِيهَا ؛ لِأَنَّ الرِّبْحَ فِي مُقَابَلَةِ الْعَمَلِ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ ، رِوَايَةٌ ثَالِثَةٌ ، إنْ أَذِنَ لَهُ الْمَالِكُ فِي الزِّيَادَةِ جَازَ ، وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ .\rوَكَرِهَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ ، وَأَبُو سَلَمَةَ ، وَابْنُ سِيرِينَ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَعِكْرِمَةُ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَالنَّخَعِيُّ ، الزِّيَادَةَ مُطْلَقًا ؛ لِدُخُولِهَا فِي رِبْحِ مَا لَمْ يُضْمَنْ وَلَنَا أَنَّهُ عَقْدٌ يَجُوزُ بِرَأْسِ الْمَالِ ، فَجَازَ بِزِيَادَةٍ ، كَبَيْعِ الْمَبِيعِ بَعْدَ قَبْضِهِ ، وَكَمَا لَوْ أَحْدَثَ عِمَارَةً لَا يُقَابِلُهَا جُزْءٌ مِنْ الْأَجْرِ ، وَأَمَّا الْخَبَرُ ، فَإِنَّ الْمَنَافِعَ قَدْ دَخَلَتْ فِي ضَمَانِهِ مِنْ وَجْهٍ ، فَإِنَّهَا لَوْ فَاتَتْ مِنْ غَيْرِ اسْتِيفَائِهِ ، كَانَتْ مِنْ ضَمَانِهِ .\rوَلَا يَصِحُّ الْقِيَاسُ عَلَى بَيْعِ الطَّعَامِ قَبْلَ قَبْضِهِ ؛ فَإِنَّ الْبَيْعَ مَمْنُوعٌ مِنْهُ بِالْكُلِّيَّةِ ، سَوَاءٌ رَبِحَ أَوْ لَمْ يَرْبَحْ ، وَهَا هُنَا جَائِزٌ فِي الْجُمْلَةِ ، وَتَعْلِيلُهُمْ بِأَنَّ الرِّبْحَ فِي مُقَابَلَةِ عَمَلِهِ مُلْغًى بِمَا إذَا كَنَسَ الدَّارَ وَنَظَّفَهَا ، فَإِنَّ ذَلِكَ يَزِيدُ فِي أَجْرِهَا فِي الْعَادَةِ .","part":11,"page":452},{"id":5452,"text":"( 4216 ) فَصْلٌ : وَنَقَلَ الْأَثْرَمُ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ سَأَلَهُ عَنْ الرَّجُلِ يَتَقَبَّلُ الْعَمَلَ مِنْ الْأَعْمَالِ ، فَيَقْبَلُهُ بِأَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ ، أَيَجُوزُ لَهُ الْفَضْلُ ؟ قَالَ : مَا أَدْرِي ، هِيَ مَسْأَلَةٌ فِيهَا بَعْضُ الشَّيْءِ .\rقُلْت : أَلَيْسَ كَانَ الْخَيَّاطُ أَسْهَلَ عِنْدَك ، إذَا قَطَعَ الثَّوْبَ ، أَوْ غَيْرَهُ إذَا عَمِلَ فِي الْعَمَلِ شَيْئًا ؟ قَالَ : إذَا عَمِلَ عَمَلًا فَهُوَ أَسْهَلُ .\rقَالَ النَّخَعِيُّ : لَا بَأْسَ أَنْ يَتَقَبَّلَ الْخَيَّاطُ الثِّيَابَ بِأَجْرٍ مَعْلُومٍ ، ثُمَّ يَقْبَلَهَا بَعْدَ ذَلِكَ بَعْدَ أَنْ يُعِينَ فِيهَا ، أَوْ يَقْطَعَ ، أَوْ يُعْطِيَهُ سُلُوكًا أَوْ إبَرًا ، أَوْ يَخِيطَ فِيهَا شَيْئًا ، فَإِنْ لَمْ يُعِنْ فِيهَا بِشَيْءٍ فَلَا يَأْخُذَنَّ فَضْلًا وَهَذَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ النَّخَعِيُّ قَالَهُ مَبْنِيًّا عَلَى مَذْهَبِهِ ، فِي أَنَّ مَنْ اسْتَأْجَرَ شَيْئًا لَا يُؤَجِّرُهُ بِزِيَادَةٍ .\rوَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ جَوَازُ ذَلِكَ ، سَوَاءٌ أَعَانَ فِيهَا بِشَيْءٍ أَوْ لَمْ يُعِنْ ؛ لِأَنَّهُ إذَا جَازَ أَنْ يَقْبَلَهُ بِمِثْلِ الْأَجْرِ الْأَوَّلِ أَوْ دُونَهُ ، جَازَ بِزِيَادَةٍ عَلَيْهِ ، كَالْبَيْعِ ، وَكَإِجَارَةِ الْعَيْنِ .","part":11,"page":453},{"id":5453,"text":"( 4217 ) فَصْلٌ : وَكُلُّ عَيْنٍ اسْتَأْجَرَهَا لِمَنْفَعَةٍ ، فَلَهُ أَنْ يَسْتَوْفِيَ مِثْلَ تِلْكَ الْمَنْفَعَةِ وَمَا دُونَهَا فِي الضَّرَرِ .\rوَقَالَ أَحْمَدُ : إذَا اسْتَأْجَرَ دَابَّةً ، لِيَحْمِلَ عَلَيْهَا تَمْرًا .\rفَحَمَلَ عَلَيْهَا حِنْطَةً ، أَرْجُو أَنْ لَا يَكُونَ بِهِ بَأْسٌ ، إذَا كَانَ الْوَزْنُ وَاحِدًا .\rفَإِنْ كَانَتْ الْمَنْفَعَةُ الَّتِي يَسْتَوْفِيهَا أَكْثَرَ ضَرَرًا ، أَوْ مُخَالِفَةً لِلْمَعْقُودِ عَلَيْهَا فِي الضَّرَرِ ، لَمْ يَجُزْ ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَوْفِي أَكْثَرَ مِنْ حَقِّهِ ، أَوْ غَيْرَ مَا يَسْتَحِقُّهُ ، فَإِذَا اكْتَرَى دَابَّةً ، لِيَحْمِلَ عَلَيْهَا حَدِيدًا ، لَمْ يَحْمِلْ عَلَيْهَا قُطْنًا ، لِأَنَّهُ يَتَجَافَى ، وَتَهُبُّ فِيهِ الرِّيحُ ، فَيُتْعِبُ الظَّهْرَ وَإِنْ اكْتَرَاهَا لِحَمْلِ الْقُطْنِ ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يَحْمِلَ الْحَدِيدَ ؛ لِأَنَّهُ يَجْتَمِعُ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ ، فَيَثْقُلُ عَلَيْهِ ، وَالْقُطْنِ يَتَفَرَّقُ ، فَيَقِلُّ ضَرَرُهُ .\rوَإِنْ اكْتَرَاهُ لِيَرْكَبَهُ ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ الرَّاكِبَ يُعِينُ الظَّهْرَ بِحَرَكَتِهِ .\rوَإِنْ اكْتَرَاهُ لِيَحْمِلَ عَلَيْهِ ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يَرْكَبَهُ ؛ لِأَنَّ الرَّاكِبَ يَقْعُدُ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ ، فَيَشْتَدُّ عَلَى الظَّهْرِ ، وَالْمَتَاعُ يَتَفَرَّقُ عَلَى جَنْبَيْهِ وَإِنْ اكْتَرَاهُ لِيَرْكَبَهُ عُرْيًا ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يَرْكَبَهُ بِسَرْجٍ ؛ لِأَنَّهُ يَحْمِلُ عَلَيْهِ أَكْثَرَ مِمَّا عَقَدَ عَلَيْهِ .\rوَإِنْ اكْتَرَاهُ لِيَرْكَبَهُ بِسَرْجٍ ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يَرْكَبَهُ عُرْيًا ؛ لِأَنَّهُ إذَا رَكِبَ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ سَرْجٍ حَمِيَ ظَهْرُهُ ، فَرُبَّمَا عَقَرَهُ .\rوَإِنْ اكْتَرَاهُ لِيَرْكَبَهُ بِسَرْجٍ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَرْكَبَهُ بِأَكْثَرَ مِنْهُ .\rفَلَوْ اكْتَرَى حِمَارًا بِسَرْجٍ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَرْكَبَهُ بِسَرْجِ الْبِرْذَوْنِ ، إذَا كَانَ أَثْقَلَ مِنْ سَرْجِهِ .\rوَإِنْ اكْتَرَى دَابَّةً بِسَرْجٍ ، فَرَكِبَهَا بِإِكَافٍ أَثْقَلَ مِنْهُ ، أَوْ أَضَرَّ ، لَمْ يَجُزْ ، وَإِنْ كَانَ أَخَفَّ ، وَأَقَلَّ ضَرَرًا ، فَلَا بَأْسَ وَمَتَى فَعَلَ مَا لَيْسَ لَهُ فِعْلُهُ ، كَانَ ضَامِنًا ، وَعَلَيْهِ الْأَجْرُ .\rوَهَذَا كُلُّهُ","part":11,"page":454},{"id":5454,"text":"مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي ثَوْرٍ .","part":11,"page":455},{"id":5455,"text":"( 4218 ) فَصْلٌ : وَإِنْ اكْتَرَى دَابَّةً لِيَرْكَبَهَا فِي مَسَافَةٍ مَعْلُومَةٍ ، أَوْ يَحْمِلَ عَلَيْهَا فِيهَا ، فَأَرَادَ الْعُدُولَ بِهَا إلَى نَاحِيَةٍ أُخْرَى مِثْلِهَا فِي الْقَدْرِ أَضَرَّ مِنْهَا ، أَوْ تُخَالِفُ ضَرَرَهَا ، بِأَنْ تَكُونَ إحْدَاهُمَا أَحْسَنَ وَالْأُخْرَى أَخْوَفَ ، لَمْ يَجُزْ .\rوَإِنْ كَانَ مِثْلَهَا فِي السُّهُولَةِ وَالْحُزُونَةِ وَالْأَمْنِ ، أَوْ الَّتِي يَعْدِلُ إلَيْهَا أَقَلَّ ضَرَرًا ، فَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّهُ يَجُوزُ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ الْمَسَافَةَ عُيِّنَتْ لِيَسْتَوْفِيَ بِهَا الْمَنْفَعَةَ ، وَيَعْلَمَ قَدْرَهَا بِهَا ، فَلَمْ تَتَعَيَّنْ ، كَنَوْعِ الْمَحْمُولِ وَالرَّاكِبِ وَيَقْوَى عِنْدِي ، أَنَّهُ مَتَى كَانَ لِلْمُكْرِي غَرَضٌ فِي تِلْكَ الْجِهَةِ الْمُعَيَّنَةِ ، لَمْ يَجُزْ الْعُدُولُ إلَى غَيْرِهَا ، مِثْلُ مِنْ يُكْرِي جِمَالَهُ إلَى مَكَّةَ فَيَحُجُّ مَعَهَا ، فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَذْهَبَ بِهَا إلَى غَيْرِهَا .\rوَلَوْ أَكْرَاهَا إلَى بَغْدَادَ ، لِكَوْنِ أَهْلِهِ بِهَا ، أَوْ بِبَلَدِ الْعِرَاقِ لَمْ يَجُزْ الذَّهَابُ بِهَا إلَى مِصْرَ .\rوَلَوْ أَكْرَى جِمَالَهُ جُمْلَةً إلَى بَلَدٍ ، لَمْ يَجُزْ لِلْمُسْتَأْجِرِ التَّفْرِيقُ بَيْنَهَا ، بِالسَّفَرِ بِبَعْضِهَا إلَى جِهَةٍ ، وَبِبَاقِيهَا إلَى جِهَةٍ أُخْرَى ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ عَيَّنَ الْمَسَافَةَ لِغَرَضٍ فِي فَوَاتِهِ ضَرَرٌ ، فَلَمْ يَجُزْ تَفْوِيتُهُ ، كَمَا فِي حَقِّ الْمُكْتَرِي فَإِنَّهُ لَوْ أَرَادَ حَمْلَهُ إلَى غَيْرِ الْمَكَانِ الَّذِي اكْتَرَى إلَيْهِ لَمْ يَجُزْ ، وَكَمَا لَوْ عَيَّنَ طَرِيقًا سَهْلًا أَوْ آمِنًا ، فَأَرَادَ سُلُوكَ مَا يُخَالِفُهُ فِي ذَلِكَ .","part":11,"page":456},{"id":5456,"text":"( 4219 ) فَصْلٌ : وَيَجُوزُ أَنْ يَكْتَرِيَ قَمِيصًا لِيَلْبَسَهُ ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنْ الِانْتِفَاعُ بِهِ مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهِ ، وَيَجُوزُ بَيْعُهُ ، فَجَازَتْ إجَارَتُهُ ، كَالْعَقَارِ .\rوَلَا بُدَّ مِنْ تَقْدِيرِ الْمَنْفَعَةِ بِالْمُدَّةِ .\rوَإِنْ كَانَتْ عَادَةُ أَهْلِ بَلَدِهِ نَزْعَ ثِيَابِهِمْ عِنْدَ النَّوْمِ فِي اللَّيْلِ ، فَعَلَيْهِ نَزْعُهُ فِي ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الْإِطْلَاقَ يُحْمَلُ عَلَى الْمُعْتَادِ ، وَلَهُ لُبْسُهُ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ .\rوَإِنْ نَامَ نَهَارًا ، لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ نَزْعُهُ ؛ لِأَنَّهُ الْعُرْفُ .\rوَيَلْبَسُ الْقَمِيصَ عَلَى مَا جَرَتْ الْعَادَةُ بِهِ .\rوَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَّزِرَ بِهِ ؛ لِأَنَّهُ يَعْتَمِدُ عَلَيْهِ فَيَشُقُّهُ ، وَفِي اللُّبْسِ لَا يَعْتَمِدُ وَيَجُوزُ أَنْ يَرْتَدِيَ بِهِ ؛ لِأَنَّهُ أَخَفُّ .\rوَمِنْ مَلَكَ شَيْئًا ، مَلَكَ مَا هُوَ أَخَفُّ مِنْهُ .\rوَقِيلَ فِيهِ وَجْهٌ آخَرُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ ؛ لِأَنَّهُ اسْتِعْمَالٌ لَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِهِ فِي الْقَمِيصِ ، أَشْبَهَ الِاتِّزَارَ بِهِ .","part":11,"page":457},{"id":5457,"text":"( 4220 ) فَصْل : وَإِنْ اسْتَأْجَرَ أَرْضًا ، صَحَّ ؛ لِمَا تَقَدَّمَ ، وَلَا يَصِحُّ حَتَّى يَرَى الْأَرْضَ ؛ لِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِهَا ، وَلَا تُعْرَفُ إلَّا بِالرُّؤْيَةِ ؛ لِأَنَّهَا لَا تَنْضَبِطُ بِالصِّفَةِ ، وَلَا يَصِحُّ حَتَّى يَذْكُرَ مَا يَكْتَرِي لَهُ مِنْ زَرْعٍ أَوْ غَرْسٍ أَوْ بِنَاءٍ ؛ لِأَنَّ الْأَرْضَ تَصْلُحُ لِهَذَا كُلِّهِ ، وَتَأْثِيرُهُ فِي الْأَرْضِ يَخْتَلِفُ ، فَوَجَبَ بَيَانُهُ .\rفَإِنْ قَالَ : أَجَرْتُكهَا لِتَزْرَعَهَا أَوْ تَغْرِسَهَا .\rلَمْ يَصِحَّ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُعَيِّنْ أَحَدَهُمَا ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَالَ : بِعْتُك أَحَدَ هَذَيْنِ الْعَبْدَيْنِ ، وَإِنْ قَالَ : لِتَزْرَعَهَا مَا شِئْت ، أَوْ تَغْرِسَهَا مَا شِئْت صَحَّ .\rوَهَذَا مَنْصُوصُ الشَّافِعِيِّ .\rوَخَالَفَهُ أَكْثَرُ أَصْحَابِهِ ، فَقَالُوا : لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي كَمْ يَزْرَعُ وَيَغْرِسُ .\rوَقَالَ بَعْضُهُمْ : يَصِحُّ ، وَيَزْرَعُ نِصْفَهَا ، وَيَغْرِسُ نِصْفَهَا .\rوَلَنَا أَنَّ الْعَقْدَ اقْتَضَى إبَاحَةَ هَذَيْنِ الشَّيْئَيْنِ ، فَصَحَّ ، كَمَا لَوْ قَالَ : لِتَزْرَعَهَا مَا شِئْت .\rوَلِأَنَّ اخْتِلَافَ الْجِنْسَيْنِ كَاخْتِلَافِ النَّوْعَيْنِ ، وَقَوْلُهُ : لِتَزْرَعَهَا مَا شِئْت .\rإذْنٌ فِي نَوْعَيْنِ وَأَنْوَاعٍ ، وَقَدْ صَحَّ ، فَكَذَلِكَ فِي الْجِنْسَيْنِ ، وَلَهُ أَنْ يَغْرِسَهَا كُلَّهَا ، وَإِنْ أَحَبَّ زَرَعَهَا ، كُلَّهَا ، كَمَا لَوْ أَذِنَ لَهُ فِي أَنْوَاعِ الزَّرْعِ كُلِّهِ ، كَانَ لَهُ زَرْعُ جَمِيعِهَا نَوْعًا وَاحِدًا ، وَلَهُ زَرْعُهَا مِنْ نَوْعَيْنِ ، كَذَلِكَ هَاهُنَا وَإِنْ أَكْرَاهَا لِلزَّرْعِ وَحْدَهُ ، فَفِيهِ أَرْبَعُ مَسَائِلَ : ( 4221 ) إحْدَاهُنَّ ، أَكْرَاهَا لِلزَّرْعِ مُطْلَقًا ، أَوْ قَالَ : لِتَزْرَعَهَا مَا شِئْت .\rفَإِنَّهُ يَصِحُّ ، وَلَهُ زَرْعُ مَا شَاءَ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rوَحُكِيَ عَنْ ابْنِ سُرَيْجٍ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ حَتَّى يَتَبَيَّنَ الزَّرْعَ ؛ لِأَنَّ ضَرَرَهُ يَخْتَلِفُ ، فَلَمْ يَصِحَّ بِدُونِ الْبَيَانِ ، كَمَا لَوْ لَمْ يَذْكُرْ مَا يَكْتَرِي لَهُ مِنْ زَرْعٍ أَوْ غَرْسٍ أَوْ بِنَاءٍ .\rوَلَنَا أَنَّهُ يَجُوزُ اسْتِئْجَارُهَا لِأَكْثَرِ الزَّرْعِ ضَرَرًا ،","part":11,"page":458},{"id":5458,"text":"وَيُبَاحُ لَهُ جَمِيعُ الْأَنْوَاعِ ؛ لِأَنَّهَا دُونَهُ ، فَإِذَا عَمَّمَ أَوْ أَطْلَقَ ، تَنَاوَلَ الْأَكْثَرَ ، وَكَانَ لَهُ مَا دُونَهُ ، وَيُخَالِفُ الْأَجْنَاسَ الْمُخْتَلِفَةَ ؛ فَإِنَّهُ لَا يَدْخُلُ بَعْضُهَا فِي بَعْضٍ فَإِنْ قِيلَ : فَلَوْ اكْتَرَى دَابَّةً لِلرُّكُوبِ ، لَوَجَبَ تَعْيِينُ الرَّاكِبِ .\rقُلْنَا : لِأَنَّ إجَارَةَ الْمَرْكُوبِ لِأَكْثَرِ الرُّكَّابِ ضَرَرًا لَا تَجُوزُ ، بِخِلَافِ الْمَزْرُوعِ ، وَلِأَنَّ لِلْحَيَوَانِ حُرْمَةً فِي نَفْسِهِ ، فَلَمْ يَجُزْ إطْلَاقُ ذَلِكَ فِيهِ ، بِخِلَافِ الْأَرْضِ .\rفَإِنْ قِيلَ : فَلَوْ اسْتَأْجَرَ دَارًا لِلسُّكْنَى مُطْلَقًا ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يُسْكِنَهَا مَنْ يَضُرُّ بِهَا ، كَالْقَصَّارِ وَالْحَدَّادِ ، فَلِمَ قُلْتُمْ إنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَزْرَعَهَا مَا يَضُرُّ بِهَا ؟ قُلْنَا السُّكْنَى لَا تَقْتَضِي ضَرَرًا ، فَلِذَلِكَ مُنِعَ مِنْ إسْكَانِ مَنْ يَضُرُّ بِهَا ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ لَمْ يَقْتَضِهِ ، وَالزَّرْعُ يَقْتَضِي الضَّرَرَ ، فَإِذَا أَطْلَقَ كَانَ رَاضِيًا بِأَكْثَرِهِ ، فَلِهَذَا جَازَ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَغْرِسَ فِي هَذِهِ الْأَرْضِ ، وَلَا يَبْنِيَ ؛ لِأَنَّ ضَرَرَهُ أَكْثَرُ مِنْ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ .\r( 4222 ) الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ ، أَكْرَاهَا لِزَرْعِ حِنْطَةٍ ، أَوْ نَوْعٍ بِعَيْنِهِ ، فَإِنَّ لَهُ زَرْعَ مَا يُعَيِّنُهُ وَمَا ضَرَرُهُ كَضَرَرِهِ أَوْ دُونَهُ .\rوَلَا يَتَعَيَّنُ مَا عَيَّنَهُ فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، إلَّا دَاوُد وَأَهْلَ الظَّاهِرِ ، فَإِنَّهُمْ قَالُوا : لَا يَجُوزُ لَهُ زَرْعُ غَيْرِ مَا عَيَّنَهُ ، حَتَّى لَوْ وَصَفَ الْحِنْطَةَ بِأَنَّهَا سَمْرَاءُ ، لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَزْرَعَ بَيْضَاءَ ؛ لِأَنَّهُ عَيَّنَهُ بِالْعَقْدِ ، فَلَمْ يَجُزْ الْعُدُولُ عَنْهُ .\rكَمَا لَوْ عَيَّنَ الْمَرْكُوبَ ، أَوْ عَيَّنَ الدَّرَاهِمَ فِي الثَّمَنِ وَلَنَا أَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ مَنْفَعَةُ الْأَرْضِ دُونَ الْقَمْحِ ، وَلِهَذَا يَسْتَقِرُّ عَلَيْهِ الْعِوَضُ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ ، إذَا تَسَلَّمَ الْأَرْضَ .\rوَإِنْ لَمْ يَزْرَعْهَا ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ الْقَمْحَ لِتُقَدَّرَ بِهِ الْمَنْفَعَةُ ، فَلَمْ يَتَعَيَّنْ ، كَمَا لَوْ اسْتَأْجَرَ دَارًا","part":11,"page":459},{"id":5459,"text":"لِيَسْكُنَهَا ، كَانَ لَهُ أَنْ يُسْكِنَهَا غَيْرَهُ .\rوَفَارَقَ الْمَرْكُوبَ وَالدَّرَاهِمَ فِي الثَّمَنِ ، فَإِنَّهُمَا مَعْقُودٌ عَلَيْهِمَا ، فَتَعَيَّنَا وَالْمَعْقُودُ عَلَيْهِ هَاهُنَا مَنْفَعَةٌ مُقَدَّرَةٌ ، وَقَدْ تَعَيَّنَتْ أَيْضًا ، وَلَمْ يَتَعَيَّنْ مَا قُدِّرَتْ بِهِ ، كَمَا لَا يَتَعَيَّنُ الْمِكْيَالُ وَالْمِيزَانُ فِي الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ .\r( 4223 ) الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ ، قَالَ : لِيَزْرَعَهَا حِنْطَةً ، وَمَا ضَرَرُهُ كَضَرَرِهَا ، أَوْ دُونَهُ فَهَذِهِ كَاَلَّتِي قَبْلَهَا ، إلَّا أَنَّهُ لَا مُخَالِفَ فِيهَا ؛ لِأَنَّهُ شَرَطَ مَا اقْتَضَاهُ الْإِطْلَاقُ ، وَبَيَّنَ ذَلِكَ تَصْرِيحُ نَصِّهِ ، فَزَالَ الْإِشْكَالُ .\rالْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ ، قَالَ : لِيَزْرَعَهَا حِنْطَةً ، وَلَا يَزْرَعَ غَيْرَهَا .\rفَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّ الشَّرْطَ بَاطِلٌ ؛ لِأَنَّهُ يُنَافِي مُقْتَضَى الْعَقْدِ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي اسْتِيفَاءَ الْمَنْفَعَةِ كَيْفَ شَاءَ ، فَلَمْ يَصِحَّ الشَّرْطُ ، كَمَا لَوْ شَرَطَ عَلَيْهِ اسْتِيفَاءَ الْمَبِيعِ بِنَفْسِهِ ، وَالْعَقْدُ صَحِيحٌ ؛ لِأَنَّهُ لَا ضَرَرَ فِيهِ ، وَلَا غَرَضَ لِأَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ ، لِأَنَّ مَا ضَرَرُهُ مِثْلُهُ ، لَا يَخْتَلِفُ فِي غَرَضِ الْمُؤَجِّرِ ، فَلَمْ يُؤَثِّرْ فِي الْعَقْدِ ، فَأَشْبَهَ شَرْطَ اسْتِيفَاءِ الْمَبِيعِ أَوْ الثَّمَنِ بِنَفْسِهِ وَقَدْ ذَكَرْنَا فِيمَا إذَا شَرَطَ مُكْتَرِي الدَّارِ أَنَّهُ لَا يُسْكِنُهَا غَيْرَهُ ، وَجْهًا فِي صِحَّةِ الشَّرْطِ ، وَوَجْهًا آخَرَ فِي فَسَادِ الْعَقْدِ ، فَيَخْرُجُ هَاهُنَا مِثْلُهُ .","part":11,"page":460},{"id":5460,"text":"( 4225 ) فَصْلٌ : وَإِنْ أَكْرَاهَا لِلْغِرَاسِ ؛ فَفِيهِ مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْمَسَائِلِ ، إلَّا أَنَّ لَهُ أَنْ يَزْرَعَهَا ؛ لِأَنَّ ضَرَرَ الزَّرْعِ أَقَلُّ مِنْ ضَرَرِ الْغِرَاسِ ، وَهُوَ مِنْ جِنْسِهِ ، لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَضُرُّ بِبَاطِنِ الْأَرْضِ .\rوَلَيْسَ لَهُ الْبِنَاءُ ؛ لِأَنَّ ضَرَرَهُ مُخَالِفٌ لِضَرَرِهِ ، فَإِنَّهُ يَضُرُّ بِظَاهِرِ الْأَرْضِ .\rوَإِنْ أَكْرَاهَا لِلزَّرْعِ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ الْغَرْسُ وَلَا الْبِنَاءُ ؛ لِأَنَّ ضَرَرَ الْغَرْسِ أَكْثَرُ ، وَضَرَرَ الْبِنَاءِ مُخَالِفٌ لِضَرَرِهِ .\rوَإِنْ أَكْرَاهَا لِلْبِنَاءِ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ الْغَرْسُ وَلَا الزَّرْعُ ؛ لِأَنَّ ضَرَرَهُمَا يُخَالِفُ ضَرَرَهُ .","part":11,"page":461},{"id":5461,"text":"( 4226 ) فَصْلٌ : وَلَا تَخْلُو الْأَرْضُ مِنْ قِسْمَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ لَهُ مَاءٌ دَائِمٌ ، إمَّا مِنْ نَهْرٍ لَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِانْقِطَاعِهِ ، أَوْ لَا يَنْقَطِعُ إلَّا مُدَّةً لَا يُؤَثِّرُ فِي الزَّرْعِ ، أَوْ مِنْ عَيْنٍ نَابِعَةٍ ، أَوْ بِرْكَةٍ مِنْ مِيَاهِ الْأَمْطَارِ يَجْتَمِعُ فِيهَا ثُمَّ يَسْقِي بِهِ ، أَوْ مِنْ بِئْرٍ يَقُومُ بِكِفَايَتِهَا ، أَوْ مَا يَشْرَبُ بِعُرُوقِهِ لِنَدَاوَةِ الْأَرْضِ ، وَقُرْبِ الْمَاءِ الَّذِي تَحْتَ الْأَرْضِ ، فَهَذَا كُلُّهُ دَائِمٌ .\rوَيَصِحُّ اسْتِئْجَارُهَا لِلْغَرْسِ وَالزَّرْعِ بِغَيْرِ خِلَافٍ عَلِمْنَاهُ وَكَذَلِكَ الْأَرْضُ الَّتِي تَشْرَبُ مِنْ مِيَاهِ الْأَمْطَارِ ، وَيُكْتَفَى بِالْمُعْتَادِ مِنْهُ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ بِحُكْمِ الْعَادَةِ ، وَلَا يَنْقَطِعُ إلَّا نَادِرًا ، فَهُوَ كَسَائِرِ الصُّوَرِ الْمَذْكُورَةِ .\rالثَّانِي أَنْ لَا يَكُونَ لَهَا مَاءٌ دَائِمٌ ، وَهِيَ نَوْعَانِ أَحَدُهُمَا مَا يَشْرَبُ مِنْ زِيَادَةٍ مُعْتَادَةِ تَأْتِي فِي وَقْتِ الْحَاجَةِ ، كَأَرْضِ مِصْرَ الشَّارِبَةِ مِنْ زِيَادَةِ النِّيلِ ، وَمَا يَشْرَبُ مِنْ زِيَادَةِ الْفُرَاتِ وَأَشْبَاهِهِ ، وَأَرْضِ الْبَصْرَةِ الشَّارِبَةِ مِنْ الْمَدِّ وَالْجَزْرِ ، وَأَرْضِ دِمَشْقَ الشَّارِبَةِ مِنْ زِيَادَةِ بَرَدَى أَوْ مَا يَشْرَبُ مِنْ الْأَوْدِيَةِ الْجَارِيَةِ مِنْ مَاءِ الْمَطَرِ ، فَهَذِهِ تَصِحُّ إجَارَتُهَا قَبْلَ وُجُودِ الْمَاءِ الَّذِي تُسْقَى بِهِ وَبَعْدَهُ .\rوَحَكَى ابْنُ الصَّبَّاغِ ذَلِكَ مَذْهَبًا لِلشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ أَصْحَابُهُ : إنْ أَكْرَاهَا بَعْدَ الزِّيَادَةِ ، صَحَّ ، وَلَا يَصِحُّ قَبْلَهَا ؛ لِأَنَّهَا مَعْدُومَةٌ ، لَا نَعْلَمُ هَلْ يَقْدِرُ عَلَيْهَا أَمْ لَا .\rوَلَنَا أَنَّ هَذَا مُعْتَادٌ ، الظَّاهِرُ وُجُودُهُ ، فَجَازَتْ إجَارَةُ الْأَرْضِ الشَّارِبَةِ بِهِ ، كَالشَّارِبَةِ مِنْ مِيَاهِ الْأَمْطَارِ ، وَلِأَنَّ ظَنَّ الْقُدْرَةِ عَلَى التَّسْلِيمِ فِي وَقْتِهِ يَكْفِي فِي صِحَّةِ الْعَقْدِ ، كَالسَّلَمِ فِي الْفَاكِهَةِ إلَى أَوَانِهَا .\rالنَّوْعُ الثَّانِي ، أَنْ يَكُونَ مَجِيءُ الْمَاءِ نَادِرًا ، أَوْ غَيْرَ ظَاهِرٍ كَالْأَرْضِ الَّتِي لَا يَكْفِيهَا إلَّا الْمَطَرُ الشَّدِيدُ","part":11,"page":462},{"id":5462,"text":"الْكَثِيرُ ، الَّذِي يَنْدُرُ وُجُودُهُ .\rأَوْ يَكُونُ شُرْبُهَا مِنْ فَيْضِ وَادٍ مَجِيئُهُ نَادِرٌ ، أَوْ مِنْ زِيَادَةٍ نَادِرَةٍ فِي نَهْرٍ أَوْ عَيْنٍ غَالِبَةٍ ، فَهَذِهِ إنْ أَجَرَهَا بَعْدَ وُجُودِ مَاءٍ يَسْقِيَهَا بِهِ ، صَحَّ أَيْضًا ؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنَ الِانْتِفَاعُ بِهَا وَزَرْعُهَا ، فَجَازَتْ إجَارَتُهَا ، كَذَاتِ الْمَاءِ الدَّائِمِ .\rوَإِنْ أَجَرَهَا قَبْلَهُ لِلْغَرْسِ أَوْ الزَّرْعِ ، لَمْ يَصِحَّ ، لِأَنَّهُ يَتَعَذَّرُ الزَّرْعُ غَالِبًا ، وَيَتَعَذَّرُ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ فِي الظَّاهِرِ ، فَلَمْ تَصِحّ إجَارَتُهَا ، كَالْآبِقِ وَالْمَغْصُوبِ .\rوَإِنْ اكْتَرَاهَا عَلَى أَنَّهَا لَا مَاءَ لَهَا ، جَازَ ؛ لِأَنَّهُ تَمَكَّنَ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِهَا بِالنُّزُولِ فِيهَا ، وَوَضْعِ رَحْلِهِ ، وَجَمْعِ الْحَطَبِ فِيهَا ، وَلَهُ أَنْ يَزْرَعَهَا رَجَاءَ الْمَاءِ وَإِنْ حَصَلَ لَهُ مَاءٌ قَبْلَ زَرْعِهَا ، فَلَهُ زَرْعُهَا ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ مَنَافِعِهَا الْمُمْكِنِ اسْتِيفَاؤُهَا .\rوَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَبْنِيَ ، وَلَا يَغْرِسَ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُرَادُ لِلتَّأْبِيدِ .\rوَتَقْدِيرُ الْإِجَارَةِ بِمُدَّةٍ تَقْتَضِي تَفْرِيغَهَا عِنْدَ انْقِضَائِهَا .\rفَإِنْ قِيلَ : فَلَوْ اسْتَأْجَرَهَا لِلْغِرَاسِ وَالْبِنَاءِ صَحَّ مَعَ تَقْدِيرِ الْمُدَّةِ .\rقُلْنَا : التَّصْرِيحُ بِالْبِنَاءِ وَالْغِرَاسِ صَرَفَ التَّقْدِيرَ عَنْ مُقْتَضَاهُ ، بِظَاهِرِهِ فِي التَّفْرِيغِ عِنْدَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ ، إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ قَلْعَ ذَلِكَ عِنْدَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ ، فَيُصْرَفُ الْغِرَاسُ وَالْبِنَاءُ عَمَّا يُرَادُ لَهُ بِظَاهِرِهِ ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا وَإِنْ أَطْلَقَ إجَارَةَ هَذِهِ الْأَرْضِ ، مَعَ الْعِلْمِ بِحَالِهَا ، وَعَدَمِ مَائِهَا ، صَحَّ ؛ لِأَنَّهُمَا دَخَلَا فِي الْعَقْدِ عَلَى أَنَّهَا لَا مَاءَ لَهَا ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ شَرَطَاهُ .\rوَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ عَدَمَ مَائِهَا ، أَوْ ظَنَّ الْمُكْتَرِي أَنَّهُ يُمْكِنُ تَحْصِيلُ مَاءٍ لَهَا بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ ، لَمْ يَصِحَّ الْعَقْدُ ، وَلِأَنَّهُ رُبَّمَا دَخَلَ فِي الْعَقْدِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمَالِكَ لَهَا يُحَصِّلُ لَهَا مَاءً ، وَأَنَّهُ يَكْتَرِيهَا لِلزِّرَاعَةِ مَعَ تَعَذُّرِهَا","part":11,"page":463},{"id":5463,"text":".\rوَقِيلَ : لَا يَصِحُّ الْعَقْدُ مَعَ الْإِطْلَاقِ وَإِنْ عَلِمَ حَالَهَا ؛ لِأَنَّ إطْلَاقَ كِرَاءِ الْأَرْضِ يَقْتَضِي الزِّرَاعَةَ .\rوَالْأَوْلَى صِحَّتُهُ ؛ لِأَنَّ الْعِلْمَ بِالْحَالِ يَقُومُ مَقَامَ الِاشْتِرَاطِ ، كَالْعِلْمِ بِالْعَيْبِ يَقُومُ مَقَامَ شَرْطِهِ ، وَمَتَى كَانَ لَهَا مَاءٌ غَيْرُ دَائِمٍ أَوْ الظَّاهِرُ انْقِطَاعُهُ قَبْلَ الزَّرْعِ ، أَوْ لَا يَكْفِي الزَّرْعَ ، فَهِيَ كَاَلَّتِي لَا مَاءَ لَهَا ، وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فِي هَذَا كُلِّهِ كَمَا ذَكَرْنَا .","part":11,"page":464},{"id":5464,"text":"( 4227 ) فَصْلٌ : وَإِنْ اكْتَرَى أَرْضًا غَارِقَةً بِالْمَاءِ ، لَا يُمْكِنُ زَرْعُهَا قَبْلَ انْحِسَارِهِ عَنْهَا ، وَقَدْ يَنْحَسِرُ وَلَا يَنْحَسِرُ ، فَالْعَقْدُ بَاطِلٌ ؛ لِأَنَّ الِانْتِفَاعَ بِهَا فِي الْحَالِ غَيْرُ مُمْكِنٍ ، وَلَا يَزُولُ الْمَانِعُ غَالِبًا .\rوَإِنْ كَانَ يَنْحَسِرُ عَنْهَا وَقْتَ الْحَاجَةِ إلَى الزِّرَاعَةِ ، كَأَرْضِ مِصْرَ فِي وَقْتِ مَدِّ النِّيلِ ، صَحَّ الْعَقْدُ ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مُتَحَقِّقٌ بِحُكْمِ الْعَادَةِ الْمُسْتَمِرَّةِ .\rوَإِنْ كَانَتْ الزِّرَاعَةُ فِيهَا مُمْكِنَةً ، وَيُخَافُ غَرَقُهَا ، وَالْعَادَةُ غَرَقُهَا ، لَمْ يَجُزْ إجَارَتُهَا ؛ لِأَنَّهَا فِي حُكْمِ الْغَارِقَةِ بِحُكْمِ الْعَادَةِ الْمُسْتَمِرَّةِ .","part":11,"page":465},{"id":5465,"text":"( 4228 ) فَصْلٌ : وَمَتَى غَرِقَ الزَّرْعُ أَوْ هَلَكَ ، بِحَرِيقٍ أَوْ جَرَادٍ أَوْ بَرْدٍ ، أَوْ غَيْرِهِ ، فَلَا ضَمَانَ عَلَى الْمُؤَجِّرِ ، وَلَا خِيَارَ لِلْمُكْتَرِي .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .\rوَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ التَّالِفَ غَيْرُ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ ، وَإِنَّمَا تَلِفَ مَالُ الْمُكْتَرِي فِيهِ ، فَأَشْبَهَ مَنْ اشْتَرَى دُكَّانًا فَاحْتَرَقَ مَتَاعُهُ فِيهِ .\rثُمَّ إنْ أَمْكَنَ الْمُكْتَرِي الِانْتِفَاعَ بِالْأَرْضِ بِغَيْرِ الزَّرْعِ ، أَوْ بِالزَّرْعِ فِي بَقِيَّةِ الْمُدَّةِ ، فَلَهُ ذَلِكَ ، وَإِنْ تَعَذَّرَ ذَلِكَ ، فَالْأَجْرُ لَازِمٌ لَهُ ؛ لِأَنَّ تَعَذُّرَهُ لِفَوَاتِ وَقْتِ الزِّرَاعَةِ بِسَبَبٍ غَيْرِ مَضْمُونٍ عَلَى الْمُؤَجِّرِ ، لَا لِمَعْنًى فِي الْعَيْنِ وَإِنْ تَعَذَّرَ الزَّرْعُ بِسَبَبِ غَرَقِ الْأَرْضِ ، أَوْ انْقِطَاعِ مَائِهَا ، فَلِلْمُسْتَأْجِرِ الْخِيَارُ ؛ لِأَنَّهُ لِمَعْنًى فِي الْعَيْنِ .\rوَإِنْ تَلِفَ الزَّرْعُ بِذَلِكَ ، فَلَيْسَ عَلَى الْمُؤَجِّرِ ضَمَانُهُ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُتْلِفْهُ بِمُبَاشَرَةٍ وَلَا بِسَبَبٍ .\rوَإِنْ قَلَّ الْمَاءُ بِحَيْثُ لَا يَكْفِي الزَّرْعَ ، فَلَهُ الْفَسْخُ ؛ لِأَنَّهُ عَيْبٌ .\rفَإِنْ كَانَ ذَلِكَ بَعْدَ الزَّرْعِ ، فَلَهُ الْفَسْخُ أَيْضًا ، وَيَبْقَى الزَّرْعُ فِي الْأَرْضِ إلَى أَنْ يَسْتَحْصِدَ ، وَعَلَيْهِ مِنْ الْمُسَمَّى بِحِصَّتِهِ إلَى حِينِ الْفَسْخِ ، وَأَجْرِ الْمِثْلِ لِمَا بَقِيَ مِنْ الْمُدَّةِ لَأَرْضٍ لَهَا مِثْلُ ذَلِكَ الْمَاءِ وَكَذَلِكَ إنْ انْقَطَعَ الْمَاءُ بِالْكُلِّيَّةِ ، أَوْ حَدَثَ بِهَا عَيْبٌ مِنْ غَرَقٍ يُهْلِكُ بَعْضَ الزَّرْعِ ، أَوْ يَسُوءُ حَالُهُ بِهِ .","part":11,"page":466},{"id":5466,"text":"( 4229 ) فَصْلٌ : وَإِذَا اسْتَأْجَرَ أَرْضًا لِلزِّرَاعَةِ مُدَّةً ، فَانْقَضَتْ ، وَفِيهَا زَرْعٌ لَمْ يَبْلُغْ حَصَادُهُ ، لَمْ يَخْلُ مِنْ حَالَيْنِ : أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ لِتَفْرِيطٍ مِنْ الْمُسْتَأْجِرِ ، مِثْلَ أَنْ يَزْرَعَ زَرْعًا لَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِكَمَالِهِ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ زَرْعِ الْغَاصِبِ ، يُخَيَّرُ الْمَالِكُ بَعْدَ الْمُدَّةِ بَيْنَ أَخْذِهِ بِالْقِيمَةِ ، أَوْ تَرْكِهِ بِالْأَجْرِ لِمَا زَادَ عَلَى الْمُدَّةِ ؛ لِأَنَّهُ أَبْقَى زَرْعَهُ فِي أَرْضِ غَيْرِهِ بِعُدْوَانِهِ وَإِنْ اخْتَارَ الْمُسْتَأْجِرُ قَطْعَ زَرْعِهِ فِي الْحَالِ ، وَتَفْرِيغَ الْأَرْضِ ، فَلَهُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ يُزِيلُ الضَّرَرَ ، وَيُسَلِّمُ الْأَرْضَ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي اقْتَضَاهُ الْعَقْدُ .\rوَذَكَرَ الْقَاضِي ، أَنَّ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ نَقْلَ الزَّرْعِ وَتَفْرِيغَ الْأَرْضِ ، وَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى تَرْكِهِ بِعِوَضٍ أَوْ غَيْرِهِ ، جَازَ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ، بِنَاءً عَلَى قَوْلِهِ فِي الْغَاصِبِ .\rوَقِيَاسُ مَذْهَبِنَا مَا ذَكَرْنَاهُ .\rالْحَالُ الثَّانِي أَنْ يَكُونَ بَقَاؤُهُ بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ ، مِثْلِ أَنْ يَزْرَعَ زَرْعًا يَنْتَهِي فِي الْمُدَّةِ عَادَةً ، فَأَبْطَأَ لِبَرْدٍ أَوْ غَيْرِهِ ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُ الْمُؤَجِّرَ تَرْكُهُ إلَى أَنْ يَنْتَهِيَ ، وَلَهُ الْمُسَمَّى وَأَجْرُ الْمِثْلِ لِمَا زَادَ ، وَهَذَا أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَالْوَجْهُ الثَّانِي ، قَالُوا : يَلْزَمُهُ نَقْلُهُ ؛ لِأَنَّ الْمُدَّةَ ضُرِبَتْ لِنَقْلِ الزَّرْعِ ، فَيَلْزَمُ الْعَمَلُ بِمُوجَبِهِ ، وَقَدْ وُجِدَ مِنْهُ تَفْرِيطٌ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يُمْكِنُهُ أَنْ يَسْتَظْهِرَ فِي الْمُدَّةِ ، فَلَمْ يَفْعَلْ .\rوَلَنَا أَنَّهُ حَصَلَ الزَّرْعُ فِي أَرْضِ غَيْرِهِ بِإِذْنِهِ ، مِنْ غَيْرِ تَفْرِيطٍ ، فَلَزِمَ تَرْكُهُ ، كَمَا لَوْ أَعَارَهُ أَرْضًا فَزَرَعَهَا ، ثُمَّ رَجَعَ الْمَالِكُ قَبْلَ كَمَالِ الزَّرْعِ .\rوَقَوْلُهُمْ : إنَّهُ مُفَرِّطٌ .\rغَيْرُ صَحِيحٍ ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْمُدَّةُ الَّتِي جَرَتْ الْعَادَةُ بِكَمَالِ الزَّرْعِ فِيهَا ، وَفِي زِيَادَةِ الْمُدَّةِ تَفْوِيتُ زِيَادَةِ الْأَجْرِ بِغَيْرِ","part":11,"page":467},{"id":5467,"text":"فَائِدَةٍ ، وَتَضْيِيعُ زِيَادَةٍ مُتَيَقَّنَةٍ لِتَحْصِيلِ شَيْءٍ مُتَوَهَّمٍ عَلَى خِلَافِ الْعَادَةِ هُوَ التَّفْرِيطُ ، فَلَمْ يَكُنْ تَرْكُهُ تَفْرِيطًا وَمَتَى أَرَادَ الْمُسْتَأْجِرُ زَرْعَ شَيْءٍ لَا يُدْرِكُ مِثْلُهُ فِي مُدَّةِ الْإِجَارَةِ ، فَلِلْمَالِكِ مَنْعُهُ ؛ لِأَنَّهُ سَبَبٌ لِوُجُودِ زَرْعِهِ فِي أَرْضِهِ بِغَيْرِ حَقٍّ ، فَمَلَكَ مَنْعَهُ مِنْهُ .\rفَإِنْ زَرَعَ ، لَمْ يَمْلِكْ مُطَالَبَتَهُ بِقَلْعِهِ قَبْلَ الْمُدَّةِ ؛ لِأَنَّهُ فِي أَرْضٍ يَمْلِكُ نَفْعَهَا ، وَلِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ ذَلِكَ بَعْدَ الْمُدَّةِ ، فَقَبْلَهَا أَوْلَى .\rوَمَنْ أَوْجَبَ عَلَيْهِ قَطْعَهُ بَعْدَ الْمُدَّةِ قَالَ : إذَا لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ الْمُطَالَبَةِ بِالنَّقْلِ ، فَلْيَكُنْ عِنْدَ الْمُدَّةِ الَّتِي يَسْتَحِقُّ تَسْلِيمَهَا إلَى الْمُؤَجِّرِ فَارِغَةً .","part":11,"page":468},{"id":5468,"text":"( 4230 ) فَصْلٌ : وَإِذَا اكْتَرَى الْأَرْضَ لِزَرْعٍ مُدَّةً لَا يَكْمُلُ فِيهَا ، مِثْلَ أَنْ يَكْتَرِيَ خَمْسَةَ أَشْهُرٍ لِزَرْعٍ لَا يَكْمُلُ إلَّا فِي سَنَةٍ ، نَظَرْنَا فَإِنْ شَرَطَ تَفْرِيغَهَا عِنْدَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ وَنَقْلَهُ عَنْهَا ، صَحَّ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُفْضِي إلَى الزِّيَادَةِ عَلَى مُدَّتِهِ ، وَقَدْ يَكُونُ لَهُ غَرَضٌ فِي ذَلِكَ ، لِأَخْذِهِ إيَّاهُ قَصِيلًا أَوْ غَيْرَهُ ، وَيَلْزَمُهُ مَا الْتَزَمَ ، وَإِنْ أَطْلَقَ الْعَقْدَ ، وَلَمْ يَشْتَرِطْ شَيْئًا ، احْتَمَلَ أَنْ يَصِحَّ ؛ لِأَنَّ الِانْتِفَاعَ بِالزَّرْعِ فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ مُمْكِنٌ ، وَاحْتَمَلَ أَنَّهُ إنْ أَمْكَنَ أَنْ يَنْتَفِعَ بِالْأَرْضِ ، فِي زَرْعٍ ضَرَرُهُ كَضَرَرِ الزَّرْعِ الْمَشْرُوطِ أَوْ دُونَهُ ، مِثْلَ أَنْ يَزْرَعَهَا شَعِيرًا يَأْخُذُهُ قَصِيلًا ، صَحَّ الْعَقْدُ ؛ لِأَنَّ الِانْتِفَاعَ بِهَا فِي بَعْضِ مَا اقْتَضَاهُ الْعَقْدُ مُمْكِنٌ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ ، لَمْ يَصِحَّ ؛ لِأَنَّهُ اكْتَرَى لِلزَّرْعِ مَا لَا يُنْتَفَعُ بِالزَّرْعِ فِيهِ ، أَشْبَهَ إجَارَةَ السَّبْخَةِ لَهُ .\rفَإِنْ قُلْنَا : يَصِحُّ .\rفَإِنْ انْقَضَتْ الْمُدَّةُ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا حُكْمُهُ حُكْمُ زَرْعِ الْمُسْتَأْجِرِ لَمَّا لَا يَكْمُلُ فِي مُدَّتِهِ ؛ لِأَنَّهُ هَاهُنَا مُفَرِّطٌ .\rوَاحْتَمَلَ أَنْ يَلْزَمَ الْمُكْرِيَ تَرْكُهُ بِالْأَجْرِ ؛ لِأَنَّ التَّفْرِيطَ مِنْهُ حَيْثُ أَكْرَاهُ مُدَّةً لِزَرْعٍ لَا يَكْمُلُ فِيهَا .\rوَإِنْ شَرَطَ تَبْقِيَتَهُ حَتَّى يَكْمُلَ ، فَالْعَقْدُ فَاسِدٌ ؛ لِأَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ مُتَضَادَّيْنِ فَإِنَّ تَقْدِيرَ الْمُدَّةِ يَقْتَضِي النَّقْلَ فِيهَا ، وَشَرْطَ التَّبْقِيَةِ يُخَالِفُهُ ، وَلِأَنَّ مُدَّةَ التَّبْقِيَةِ مَجْهُولَةٌ ، فَإِنْ زَرَعَ لَمْ يُطَالَبْ بِنَقْلِهِ ، كَاَلَّتِي تَقَدَّمَتْ .","part":11,"page":469},{"id":5469,"text":"( 4231 ) فَصْلٌ : إذَا أَجَرَهُ لِلْغِرَاسِ سَنَةً ، صَحَّ ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ تَسْلِيمُ مَنْفَعَتِهَا الْمُبَاحَةِ الْمَقْصُودَةِ ، فَأَشْبَهَتْ سَائِرَ الْمَنَافِعِ ، وَسَوَاءٌ شَرَطَ قَلْعَ الْغِرَاسِ عِنْدَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ ، أَوْ أَطْلَقَ .\rوَلَهُ أَنْ يَغْرِسَ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ ، فَإِذَا انْقَضَتْ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَغْرِسَ ؛ لِزَوَالِ عَقْدِهِ .\rفَإِذَا انْقَضَتْ السَّنَةُ ، وَكَانَ قَدْ شَرَطَ الْقَلْعَ عِنْدَ انْقِضَائِهَا ، لَزِمَهُ ذَلِكَ وَفَاءً بِمُوجَبِ شَرْطِهِ ، وَلَيْسَ عَلَى صَاحِبِ الْأَرْضِ غَرَامَةُ نَقْصِهِ ، وَلَا عَلَى الْمُكْتَرِي تَسْوِيَةُ الْحَفْرِ وَإِصْلَاحُ الْأَرْضِ ؛ لِأَنَّهُمَا دَخَلَا عَلَى هَذَا ، لِرِضَاهُمَا بِالْقَلْعِ ، وَاشْتِرَاطِهِمَا عَلَيْهِ وَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى إبْقَائِهِ بِأَجْرٍ أَوْ غَيْرِهِ ، جَازَ إذَا شَرَطَا مُدَّةً مَعْلُومَةً .\rوَكَذَلِكَ لَوْ اكْتَرَى الْأَرْضَ سَنَةً بَعْدَ سَنَةٍ ، كُلَّمَا انْقَضَى عَقْدٌ جَدَّدَ آخَرَ ، جَازَ .\rوَإِنْ أَطْلَقَ الْعَقْدَ ، فَلِلْمُكْتَرِي الْقَلْعُ ؛ لِأَنَّ الْغَرْسَ مِلْكُهُ ، فَلَهُ أَخْذُهُ ، كَطَعَامِهِ مِنْ الدَّارِ الَّتِي بَاعَهَا .\rوَإِذَا قَلَعَ ، فَعَلَيْهِ تَسْوِيَةُ الْحَفْرِ ؛ لِأَنَّهُ نَقْصٌ دَخَلَ عَلَى مِلْكِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ .\rوَهَكَذَا إنْ قَلَعَهُ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ هَاهُنَا ، وَفِي الَّتِي قَبْلَهَا ؛ لِأَنَّ الْقَلْعَ قَبْلَ الْوَقْتِ لَمْ يَأْذَنْ فِيهِ الْمَالِكُ ، وَلِأَنَّهُ تَصَرَّفَ فِي الْأَرْضِ تَصَرُّفًا نَقَصَهَا ، لَمْ يَقْتَضِهِ عَقْدُ الْإِجَارَةِ وَإِنْ أَبَى الْقَلْعَ ، لَمْ يُجْبَرْ عَلَيْهِ ، إلَّا أَنْ يَضْمَنَ لَهُ الْمَالِكُ نَقْصَ غَرْسِهِ ، فَيُجْبَرُ حِينَئِذٍ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٌ : عَلَيْهِ الْقَلْعُ مِنْ غَيْرِ ضَمَانِ النَّقْصِ لَهُ ؛ لِأَنَّ تَقْدِيرَ الْمُدَّةِ فِي الْإِجَارَةِ يَقْتَضِي التَّفْرِيغَ عِنْدَ انْقِضَائِهَا ، كَمَا لَوْ اسْتَأْجَرَهَا لِلزَّرْعِ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ } .\rمَفْهُومُهُ أَنَّ مَا لَيْسَ بِظَالِمٍ لَهُ حَقٌّ .\rوَهَذَا لَيْسَ","part":11,"page":470},{"id":5470,"text":"بِظَالِمٍ ، وَلِأَنَّهُ غَرَسَ بِإِذْنِ الْمَالِكِ ، وَلَمْ يَشْرُطْ قَلْعَهُ ، فَلَمْ يُجْبَرْ عَلَى الْقَلْعِ مِنْ غَيْرِ ضَمَانِ النَّقْصِ كَمَا لَوْ اسْتَعَارَ مِنْهُ أَرْضًا لِلْغَرْسِ مُدَّةً ، فَرَجَعَ قَبْلَ انْقِضَائِهَا ، وَيُخَالِفُ الزَّرْعَ ؛ فَإِنَّهُ لَا يَقْتَضِي التَّأْبِيدَ .\rفَإِنْ قِيلَ : فَإِنْ كَانَ إطْلَاقُ الْعَقْدِ فِي الْغِرَاسِ يَقْتَضِي التَّأْبِيدَ ، فَشَرْطُ الْقَلْعِ يُنَافِي مُقْتَضَى الْعَقْدِ ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُفْسِدَهُ .\rقُلْنَا : إنَّمَا اقْتَضَى التَّأْبِيدَ مِنْ حَيْثُ إنَّ الْعَادَةَ فِي الْغِرَاسِ التَّبْقِيَةُ ، فَإِذَا أَطْلَقَهُ حُمِلَ عَلَى الْعَادَةِ ، وَإِذَا شَرَطَ خِلَافَهُ ، جَازَ ، كَمَا إذَا بَاعَ بِغَيْرِ نَقْدِ الْبَلَدِ ، أَوْ شَرَطَ فِي الْإِجَارَةِ شَرْطًا يُخَالِفُ الْعَادَةَ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّ رَبَّ الْأَرْضِ يُخَيِّرُ بَيْنَ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ أَحَدُهَا أَنْ يَدْفَعَ قِيمَةَ الْغِرَاسِ وَالْبِنَاءِ ، فَيَمْلِكَهُ مَعَ أَرْضِهِ وَالثَّانِي أَنْ يَقْلَعَ الْغِرَاسَ وَالْبِنَاءَ ، وَيَضْمَنَ أَرْشَ نَقْصِهِ .\rوَالثَّالِثُ ، أَنْ يُقِرَّ الْغِرَاسَ وَالْبِنَاءَ ، وَيَأْخُذَ مِنْهُ أَجْرَ الْمِثْلِ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : يُخَيَّرُ بَيْنَ دَفْعِ قِيمَتِهِ فَيَمْلِكُهُ ، وَبَيْنَ مُطَالَبَتِهِ بِالْقَلْعِ مِنْ غَيْرِ ضَمَانٍ ، وَبَيْنَ تَرْكِهِ ، فَيَكُونَانِ شَرِيكَيْنِ .\rوَلَيْسَ بِصَحِيحِ ؛ لِأَنَّ الْغِرَاسَ مِلْكٌ لِغَارِسِهِ ، لَمْ يُدْفَعْ إلَيْهِ عَنْهُ عِوَضٌ ، وَلَا رَضِيَ بِزَوَالِ مِلْكِهِ عَنْهُ فَلَا يَزُولُ عَنْهُ ، كَسَائِرِ الْغَرْسِ وَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى بَيْعِ الْغِرَاسِ وَالْبِنَاءِ لِلْمَالِكِ ، جَازَ .\rوَإِنْ بَاعَهُمَا صَاحِبُهُمَا لِغَيْرِ مَالِكِ الْأَرْضِ ، جَازَ ، وَمُشْتَرِيهِمَا يَقُومُ فِيهِمَا مَقَامَ الْبَائِعِ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ : لَيْسَ لَهُ بَيْعُهُمَا لِغَيْرِ مَالِكِ الْأَرْضِ ؛ لِأَنَّ مِلْكَهُ ضَعِيفٌ ، بِدَلِيلِ أَنَّ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ تَمَلُّكَهُ عَلَيْهِ بِالْقِيمَةِ مِنْ غَيْرِ إذْنِهِ وَلَنَا أَنَّهُ مَمْلُوكٌ لَهُ ، يَجُوزُ بَيْعُهُ لِمَالِكِ الْأَرْضِ ، فَجَازَ لِغَيْرِهِ ،","part":11,"page":471},{"id":5471,"text":"كَشِقْصٍ مَشْفُوعٍ ، وَبِهَذَا يَبْطُلُ مَا ذَكَرُوهُ ؛ فَإِنَّ لِلشَّفِيعِ تَمَلُّكَ الشِّقْصِ وَشِرَاءَهُ ، وَيَجُوزُ بَيْعُهُ لِغَيْرِهِ .\rفَأَمَّا إنْ شَرَطَ فِي الْعَقْدِ تَبْقِيَةَ الْغِرَاسِ ، فَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّهُ صَحِيحٌ ، وَحُكْمُهُ حُكْمُ مَا لَوْ أَطْلَقَ الْعَقْدَ سَوَاءً .\rوَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ .\rوَيُحْتَمَلُ أَنْ يَبْطُلَ الْعَقْدُ ؛ لِأَنَّهُ شَرَطَ مَا يُنَافِي مُقْتَضَى الْعَقْدِ ، فَلَمْ يَصِحَّ ، كَمَا لَوْ شَرَطَ ذَلِكَ فِي الزَّرْعِ الَّذِي لَا يَكْمُلُ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ ، وَلِأَنَّ الشَّرْطَ بَاطِلٌ ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْوَفَاءُ بِهِ ، وَهُوَ مُؤَثِّرٌ ، فَأَبْطَلَهُ ، كَشَرْطِ تَبْقِيَةِ الزَّرْعِ بَعْدَ مُدَّةِ الْإِجَارَةِ .","part":11,"page":472},{"id":5472,"text":"( 4232 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : ( وَيَجُوزُ أَنْ يَسْتَأْجِرَ الْأَجِيرَ بِطَعَامِهِ وَكِسْوَتِهِ ) اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ ، فِي مَنْ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا بِطَعَامِهِ وَكِسْوَتِهِ ، أَوْ جَعَلَ لَهُ أَجْرًا ، وَشَرَطَ طَعَامَهُ وَكِسْوَتَهُ ، فَرُوِيَ عَنْهُ جَوَازُ ذَلِكَ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ ، وَإِسْحَاقَ .\rوَرُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ ، وَعُمَرَ ، وَأَبِي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ اسْتَأْجَرُوا الْأُجَرَاءَ بِطَعَامِهِمْ وَكِسْوَتِهِمْ .\rوَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ فِي الظِّئْرِ دُونَ غَيْرِهَا .\rاخْتَارَهَا الْقَاضِي وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مَجْهُولٌ ؛ وَإِنَّمَا جَازَ فِي الظِّئْرِ ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ } .\rفَأَوْجَبَ لَهُنَّ النَّفَقَةَ وَالْكِسْوَةَ عَلَى الرَّضَاعِ ، وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الْمُطَلَّقَةِ وَغَيْرِهَا ، بَلْ فِي الْآيَةِ قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلَى طَلَاقِهَا ؛ لِأَنَّ الزَّوْجَةَ تَجِبُ نَفَقَتُهَا وَكِسْوَتُهَا بِالزَّوْجِيَّةِ وَإِنْ لَمْ تُرْضِعْ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : { وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ } .\rوَالْوَارِثُ لَيْسَ بِزَوْجٍ ، وَلِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ فِي الْحَضَانَةِ وَالرَّضَاعِ غَيْرُ مَعْلُومَةٍ ، فَجَازَ أَنْ يَكُونَ عِوَضُهَا كَذَلِكَ .\rوَرُوِيَ عَنْهُ رِوَايَةٌ ثَالِثَةٌ : لَا يَجُوزُ ذَلِكَ بِحَالٍ ، لَا فِي الظِّئْرِ وَلَا فِي غَيْرِهَا وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ اخْتِلَافًا كَثِيرًا مُتَبَايِنًا ، فَيَكُونُ مَجْهُولًا ، وَالْأَجْرُ مِنْ شَرْطِهِ أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا .\rوَلَنَا : مَا رَوَى ابْنُ مَاجَهْ ، عَنْ عُتْبَةَ بْنِ النُّدَّرِ ، قَالَ : { كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَرَأَ طس حَتَّى بَلَغَ قِصَّةَ مُوسَى ، قَالَ : إنَّ مُوسَى آجَرَ نَفْسَهُ ثَمَانِيَ سِنِينَ أَوْ عَشْرًا ، عَلَى عِفَّةِ فَرْجِهِ ، وَطَعَامِ بَطْنِهِ } .\rوَشَرْعُ مَنْ قَبْلَنَا شَرْعٌ لَنَا ، مَا لَمْ يَثْبُتُ نَسْخُهُ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ","part":11,"page":473},{"id":5473,"text":"عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : كُنْت أَجِيرًا لِابْنَةِ غَزْوَانَ بِطَعَامِ بَطْنِي ، وَعُقْبَةِ رِجْلِي ، أَحْطِبُ لَهُمْ إذَا نَزَلُوا ، وَأَحْدُو بِهِمْ إذَا رَكِبُوا .\rوَلِأَنَّ مَنْ ذَكَرْنَا مِنْ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ فَعَلُوهُ ، فَلَمْ يَظْهَرْ لَهُ نَكِيرٌ ، فَكَانَ إجْمَاعًا ، وَلِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ فِي الظِّئْرِ بِالْآيَةِ ، فَيَثْبُتُ فِي غَيْرِهَا بِالْقِيَاسِ عَلَيْهَا ، وَلِأَنَّهُ عِوَضُ مَنْفَعَةٍ ، فَقَامَ الْعُرْفُ فِيهِ مَقَامَ التَّسْمِيَةِ ، كَنَفَقَةِ الزَّوْجَةِ ، وَلِأَنَّ لِلْكِسْوَةِ عُرْفًا ، وَهِيَ كِسْوَةُ الزَّوْجَاتِ ، وَلِلْإِطْعَامِ عُرْفٌ ، وَهُوَ الْإِطْعَامُ فِي الْكَفَّارَاتِ ، فَجَازَ إطْلَاقُهُ ، كَنَقْدِ الْبَلَدِ .\rوَنَخُصُّ أَبَا حَنِيفَةَ بِأَنَّ مَا كَانَ عِوَضًا فِي الرَّضَاعِ جَازَ فِي الْخِدْمَةِ كَالْأَثْمَانِ إذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّهُمَا إنْ تَشَاحَّا فِي مِقْدَارِ الطَّعَامِ وَالْكِسْوَةِ ، رُجِعَ فِي الْقُوتِ إلَى الْإِطْعَامِ فِي الْكَفَّارَةِ ، وَفِي الْكِسْوَةِ إلَى أَقَلِّ مَلْبُوسِ مِثْلِهِ .\rقَالَ أَحْمَدُ : إذَا تَشَاحَّا فِي الطَّعَامِ ، يُحْكَمُ لَهُ بِمُدٍّ كُلَّ يَوْمٍ .\rذَهَبَ إلَى ظَاهِرِ مَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ إطْعَامِ الْمَسَاكِينِ ، فَفَسَّرَتْ ذَلِكَ السُّنَّةُ بِأَنَّهُ مُدٌّ لِكُلِّ مِسْكِينٍ .\rوَلِأَنَّ الْإِطْعَامَ مُطْلَقٌ فِي الْمَوْضِعَيْنِ ، فَمَا فُسِّرَ بِهِ أَحَدُهُمَا يُفَسَّرُ بِهِ الْآخَرُ .\rوَلَيْسَ لَهُ إطْعَامُ الْأَجِيرِ إلَّا مَا يُوَافِقُهُ مِنْ الْأَغْذِيَةِ ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ ضَرَرًا ، وَلَا يُمْكِنُهُ اسْتِيفَاءُ الْوَاجِبِ لَهُ مِنْهُ .","part":11,"page":474},{"id":5474,"text":"( 4233 ) فَصْلٌ : وَإِنْ شَرَطَ الْأَجِيرُ كِسْوَةً وَنَفَقَةً مَعْلُومَةً مَوْصُوفَةً ، كَمَا يُوصَفُ فِي السَّلَمِ ، جَازَ ذَلِكَ عِنْدَ الْجَمِيعِ .\rوَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ طَعَامًا وَلَا كِسْوَةً ، فَنَفَقَتُهُ وَكِسْوَتُهُ عَلَى نَفْسِهِ .\rوَكَذَلِكَ الظِّئْرُ .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : لَا أَعْلَمُ عَنْ أَحَدٍ خِلَافًا فِيمَا ذَكَرْت .\rوَإِنْ شَرَطَ لِلْأَجِيرِ طَعَامَ غَيْرِهِ وَكِسْوَتَهُ مَوْصُوفًا ، جَازَ ؛ لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ أَشْبَهَ مَا لَوْ شَرَطَ دَرَاهِمَ مَعْلُومَةً ، وَيَكُونُ ذَلِكَ لِلْأَجِيرِ ، إنْ شَاءَ أَطْعَمَهُ ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَهُ .\rوَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَوْصُوفًا ، لَمْ يَجُزْ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مَجْهُولٌ ، اُحْتُمِلَ فِيمَا إذَا شَرَطَهُ لِلْأَجِيرِ لِلْحَاجَةِ إلَيْهِ ، وَجَرَتْ الْعَادَةُ بِهِ ، فَلَا يَلْزَمُهُ احْتِمَالُهَا مَعَ عَدَمِ ذَلِكَ .","part":11,"page":475},{"id":5475,"text":"وَلَوْ اسْتَأْجَرَ دَابَّةً بِعَلَفِهَا ، أَوْ بِأَجْرٍ مُسَمًّى وَعَلَفَهَا ، لَمْ يَجُزْ ؛ لِأَنَّهُ مَجْهُولٌ ، وَلَا عُرْفَ لَهُ يَرْجِعُ إلَيْهِ ، وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا قَالَ بِجَوَازِهِ ، إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ مَوْصُوفًا ، فَيَجُوزُ .","part":11,"page":476},{"id":5476,"text":"( 4234 ) فَصْلٌ : وَإِنْ اسْتَغْنَى الْأَجِيرُ عَنْ طَعَامِ الْمُؤَجِّرِ بِطَعَامِ نَفْسِهِ ، أَوْ غَيْرِهِ ، أَوْ عَجَزَ عَنْ الْأَكْلِ لِمَرَضٍ أَوْ غَيْرِهِ ، لَمْ تَسْقُطْ نَفَقَتُهُ ، وَكَانَ لَهُ الْمُطَالَبَةُ بِهَا ؛ لِأَنَّهَا عِوَضٌ ، فَلَا تَسْقُطُ بِالْغِنَى عَنْهُ ، كَالدِّرْهَمِ .\rوَإِنْ احْتَاجَ لِدَوَاءٍ لِمَرَضِهِ ، لَمْ يَلْزَمْ الْمُسْتَأْجِرَ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَشْرُطْ لَهُ الْإِطْعَامَ إلَّا صَحِيحًا ، لَكِنْ يَلْزَمُهُ لَهُ بِقَدْرِ طَعَامِ الصَّحِيحِ يَشْتَرِي لَهُ الْأَجِيرُ مَا يَصْلُحُ لَهُ ؛ لِأَنَّ مَا زَادَ عَلَى طَعَامِ الصَّحِيحِ لَمْ يَقَعْ الْعَقْدُ عَلَيْهِ ، فَلَا يُلْزَمُ بِهِ ، كَالزَّائِدِ فِي الْقَدْرِ .","part":11,"page":477},{"id":5477,"text":"( 4235 ) فَصْلٌ : إذَا دَفَعَ إلَيْهِ طَعَامَهُ ، فَأَحَبَّ الْأَجِيرُ أَنْ يَسْتَفْضِلَ بَعْضَهُ لِنَفْسِهِ ، نَظَرْت فَإِنْ كَانَ الْمُؤَجِّرُ دَفَعَ إلَيْهِ أَكْثَرَ مِنْ الْوَاجِبِ ، لِيَأْكُلَ قَدْرَ حَاجَتِهِ ، وَيَفْضُلَ الْبَاقِي ، أَوْ كَانَ فِي تَرْكِهِ لِأَكْلِهِ كُلِّهِ ضَرَرٌ عَلَى الْمُؤَجِّرِ ، بِأَنْ يَضْعُفَ عَنْ الْعَمَلِ ، أَوْ يَقِلَّ لَبَنُ الظِّئْرِ ، مُنِعَ مِنْهُ ؛ لِأَنَّهُ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى لَمْ يُمَلِّكْهُ إيَّاهُ ، وَإِنَّمَا أَبَاحَهُ أَكْلَ قَدْرِ حَاجَتِهِ ، وَفِي الثَّانِيَةِ عَلَى الْمُؤَجِّرِ ضَرَرٌ بِتَفْوِيتِ بَعْضِ مَالِهِ مِنْ مَنْفَعَتِهِ ، فَمُنِعَ مِنْهُ ، كَالْجَمَّالِ إذَا امْتَنَعَ مِنْ عَلْفِ الْجِمَالِ .\rوَإِنْ دَفَعَ إلَيْهِ قَدْرَ الْوَاجِبِ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ ، أَوْ دَفَعَ إلَيْهِ أَكْثَرَ ، وَمَلَّكَهُ إيَّاهُ ، وَلَمْ يَكُنْ فِي تَفْضِيلِهِ لِبَعْضِهِ ضَرَرٌ بِالْمُؤَجَّرِ ، جَازَ ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ لَا ضَرَرَ عَلَى الْمُؤَجَّرِ فِيهِ ، فَأَشْبَهَ الدَّرَاهِمَ .","part":11,"page":478},{"id":5478,"text":"( 4236 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَدَّمَ إلَيْهِ طَعَامًا ، فَنُهِبَ أَوْ تَلِفَ قَبْلَ أَكْلِهِ ، نَظَرْت ؛ فَإِنْ كَانَ عَلَى مَائِدَةٍ لَا يَخُصُّهُ فِيهَا بِطَعَامِهِ ، فَهُوَ مِنْ ضَمَانِ الْمُسْتَأْجِرِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُسَلِّمْهُ إلَيْهِ ، فَكَانَ تَلَفُهُ مِنْ مَالِهِ ، وَإِنْ خَصَّهُ بِذَلِكَ ، وَسَلَّمَهُ إلَيْهِ ، فَهُوَ مِنْ ضَمَانِ الْأَجِيرِ ؛ لِأَنَّهُ تَسْلِيمُ عِوَضٍ عَلَى وَجْهِ التَّمْلِيكِ ، أَشْبَهَ الْبَيْعَ .","part":11,"page":479},{"id":5479,"text":"فَصْلٌ : إذَا دَفَعَ إلَى رَجُلٍ ثَوْبًا ، وَقَالَ : بِعْهُ بِكَذَا ، فَمَا ازْدَدْت فَهُوَ لَك .\rصَحَّ ، نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ بْنِ سَعِيدٍ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ .\rوَبِهِ قَالَ ابْنُ سِيرِينَ ، وَإِسْحَاقُ .\rوَكَرِهَهُ النَّخَعِيُّ ، وَحَمَّادٌ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ ؛ لِأَنَّهُ أَجْرٌ مَجْهُولٌ ، يَحْتَمِلُ الْوُجُودَ وَالْعَدَمَ .\rوَلَنَا مَا رَوَى عَطَاءٌ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى بَأْسًا أَنْ يُعْطِيَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ الثَّوْبَ أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ ، فَيَقُولَ : بِعْهُ بِكَذَا وَكَذَا ، فَمَا ازْدَدْت فَهُوَ لَك وَلَا يُعْرَفُ لَهُ فِي عَصْرِهِ مُخَالِفٌ .\rوَلِأَنَّهَا عَيْنٌ تُنَمَّى بِالْعَمَلِ فِيهَا ، أَشْبَهَ دَفْعَ مَالِ الْمُضَارَبَةِ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنْ بَاعَهُ بِزِيَادَةٍ ، فَهِيَ لَهُ ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَهَا أُجْرَةً ، وَإِنْ بَاعَهُ بِالْقَدْرِ الْمُسَمَّى مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ ، فَلَا شَيْءَ لَهُ ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ لَهُ الزِّيَادَةَ ، وَلَا زِيَادَةَ هَاهُنَا ، فَهُوَ كَالْمُضَارِبِ إذَا لَمْ يَرْبَحْ .\rوَإِنْ بَاعَهُ بِنَقْصٍ عَنْهُ ، لَمْ يَصِحَّ الْبَيْعُ ؛ لِأَنَّهُ وَكِيلٌ مُخَالِفٌ .\rوَإِنْ تَعَذَّرَ رَدُّهُ ، ضَمِنَ النَّقْصَ .\rوَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ : يَضْمَنُ النُّقْصَانَ مُطْلَقًا .\rوَهَذَا قَدْ مَضَى مِثْلُهُ فِي الْوَكَالَةِ وَإِنْ بَاعَهُ نَسِيئَةً ، لَمْ يَصِحَّ الْبَيْعُ ؛ لِأَنَّ إطْلَاقَ الْبَيْعِ يَقْتَضِي النَّقْدَ ، لِمَا فِي النَّسِيئَةِ مِنْ ضَرَرِ التَّأْخِيرِ وَالْخَطَرِ بِالْمَالِ ، لِيَحْصُلَ لَهُ نَفْعُ الرِّبْحِ .\rوَيُفَارِقُ الْمُضَارِبَ عَلَى رِوَايَةٍ ، حَيْثُ يَجُوزُ لَهُ الْبَيْعُ نَسَاءً ؛ لِأَنَّهُ يَحْصُلُ لِرَبِّ الْمَالِ نَفْعٌ بِمَا يَحْصُلُ مِنْ الرِّبْحِ فِي مُقَابَلَةِ ضَرَرِهِ بِالنَّسِيئَةِ ، وَهَا هُنَا لَا فَائِدَةَ لِرَبِّ الْمَالِ فِي الرِّبْحِ بِحَالٍ ، وَلِأَنَّ مَقْصُودَ الْمُضَارَبَةِ تَحْصِيلُ الرِّبْحِ ، وَهُوَ فِي النَّسِيئَةِ أَكْثَرُ ، وَهَا هُنَا لَيْسَ مَقْصُودُ رَبِّ الْمَالِ الرِّبْحَ ، وَلَا حَظَّ لَهُ فِيهِ ، فَلَا فَائِدَةَ لَهُ فِي النَّسِيئَةِ وَقَالَ أَحْمَدُ","part":11,"page":480},{"id":5480,"text":"، فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ : لَيْسَ لَهُ شَيْءٌ .\rيَعْنِي إذَا زَادَ عَلَى الْعَشَرَةِ ؛ لِأَنَّ الْإِطْلَاقَ إنَّمَا اقْتَضَى بَيْعَهَا حَالًا ، فَإِذَا بَاعَ نَسِيئَةً ، فَلَمْ يَمْتَثِلْ الْأَمْرَ ، فَلَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا .","part":11,"page":481},{"id":5481,"text":"( 4238 ) فَصْلٌ : قَالَ أَحْمَدُ ، فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا : لَا بَأْسَ أَنْ يَحْصُدَ الزَّرْعَ ، وَيَصْرِمَ النَّخْلَ ، بِسُدُسِ مَا يَخْرُجُ مِنْهُ ، وَهُوَ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ الْمُقَاطَعَةِ .\rإنَّمَا جَازَ هَاهُنَا ؛ لِأَنَّهُ إذَا شَاهَدَهُ فَقَدْ عَلِمَهُ بِالرُّؤْيَةِ ، وَهِيَ أَعْلَى طُرُقِ الْعِلْمِ ، وَمَنْ عَلِمَ شَيْئًا عَلِمَ جُزْأَهُ الْمُشَاعَ ، فَيَكُونُ أَجْرًا مَعْلُومًا وَاخْتَارَهُ أَحْمَدُ عَلَى الْمُقَاطَعَةِ مَعَ أَنَّهَا جَائِزَةٌ ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا لَمْ يَخْرُجْ مِنْ الزَّرْعِ مِثْلُ الَّذِي قَاطَعَهُ عَلَيْهِ ، وَهَا هُنَا يَكُونُ أَقَلَّ مِنْهُ ضَرُورَةً .","part":11,"page":482},{"id":5482,"text":"( 4239 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : ( وَكَذَلِكَ الظِّئْرُ ) يَعْنِي أَنَّهُ يَجُوزُ اسْتِئْجَارُهَا بِطَعَامِهَا وَكِسْوَتِهَا .\rوَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ ، وَالْخِلَافُ فِيهِ .\rوَأَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى جَوَازِ اسْتِئْجَارِ الظِّئْرِ ، وَهِيَ : الْمُرْضِعَةُ .\rوَهُوَ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى ، فِي قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى : { فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أَجُورَهُنَّ } .\rوَاسْتَرْضَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِوَلَدِهِ إبْرَاهِيمَ .\rوَلِأَنَّ الْحَاجَةَ تَدْعُو إلَيْهِ فَوْقَ دُعَائِهَا إلَى غَيْرِهِ ، فَإِنَّ الطِّفْلَ فِي الْعَادَةِ إنَّمَا يَعِيشُ بِالرَّضَاعِ ، وَقَدْ يَتَعَذَّرُ رَضَاعُهُ مِنْ أُمِّهِ ، فَجَازَ ذَلِكَ كَالْإِجَارَةِ فِي سَائِرِ الْمَنَافِعِ ، ثُمَّ نَنْظُرُ ؛ فَإِنْ اسْتَأْجَرَهَا لِلرَّضَاعِ دُونَ الْحَضَانَةِ ، أَوْ لِلْحَضَانَةِ دُونَ الرَّضَاعِ ، أَوْ لَهُمَا ، جَازَ .\rوَإِنْ أَطْلَقَ الْعَقْدَ عَلَى الرَّضَاعِ ، فَهَلْ تَدْخُلُ فِيهِ الْحَضَانَةُ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا لَا تَدْخُلُ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ مَا تَنَاوَلَهَا .\rوَالثَّانِي : تَدْخُلُ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْي ؛ لِأَنَّ الْعُرْفَ جَارٍ بِأَنَّ الْمُرْضِعَةَ تَحْضُنُ الصَّبِيَّ ، فَحُمِلَ الْإِطْلَاقُ عَلَى مَا جَرَى بِهِ الْعُرْفُ وَالْعَادَةُ وَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَجْهَانِ ، كَهَذَيْنِ .\rوَالْحَضَانَةُ : تَرْبِيَةُ الصَّبِيِّ ، وَحِفْظُهُ ، وَجَعْلُهُ فِي سَرِيرِهِ ، وَرَبْطُهُ ، وَدَهْنُهُ ، وَكَحْلُهُ ، وَتَنْظِيفُهُ ، وَغَسْلُ خِرَقِهِ ، وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ ، وَاشْتِقَاقُهُ مِنْ الْحِضْنِ ، وَهُوَ مَا تَحْتَ الْإِبْطِ وَمَا يَلِيهِ .\rوَسُمِّيَتْ التَّرْبِيَةُ حَضَانَةً تَجَوُّزًا ، مِنْ حَضَانَةِ الظِّئْرِ لِبَيْضِهِ وَفِرَاخِهِ ؛ لِأَنَّهُ يَجْعَلُهَا تَحْتَ جَنَاحَيْهِ ، فَسُمِّيَتْ تَرْبِيَةُ الصَّبِيِّ بِذَلِكَ أَخْذًا مِنْ فِعْلِ الطَّائِرِ .\r( 4240 ) فَصْلٌ : وَيُشْتَرَطُ لِهَذَا الْعَقْدِ أَرْبَعَةُ شُرُوطٍ أَحَدُهَا أَنْ تَكُونَ مُدَّةُ الرَّضَاعِ مَعْلُومَةً ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ تَقْدِيرُهُ إلَّا بِهَا ، فَإِنَّ السَّقْيَ وَالْعَمَلَ فِيهَا يَخْتَلِفُ","part":11,"page":483},{"id":5483,"text":"الثَّانِي مَعْرِفَةُ الصَّبِيِّ بِالْمُشَاهَدَةِ ؛ لِأَنَّ الرَّضَاعَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الصَّبِيِّ ، فِي كِبَرِهِ وَصِغَرِهِ ، وَنَهْمَتِهِ وَقَنَاعَتِهِ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : يُعْرَفُ بِالصِّفَةِ ، كَالرَّاكِبِ .\rالثَّالِثُ ، مَوْضِعُ الرَّضَاعِ ؛ لِأَنَّهُ يَخْتَلِفُ ، فَيَشُقُّ عَلَيْهَا فِي بَيْتِهِ ، وَيَسْهُلُ عَلَيْهَا فِي بَيْتِهَا .\rالرَّابِعُ ، مَعْرِفَةُ الْعِوَضِ ، وَكَوْنُهُ مَعْلُومًا ، كَمَا سَبَقَ .","part":11,"page":484},{"id":5484,"text":"( 4241 ) فَصْلٌ : وَاخْتُلِفَ فِي الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ فِي الرَّضَاعِ ، فَقِيلَ : هُوَ خِدْمَةُ الصَّبِيِّ وَحَمْلُهُ وَوَضْعُ الثَّدْيِ فِي فَمِهِ وَاللَّبَنُ تَبَعٌ ، كَالصِّبْغِ فِي إجَارَةِ الصَّبَّاغِ ، وَمَاءِ الْبِئْرِ فِي الدَّارِ ؛ لِأَنَّ اللَّبَنَ عَيْنٌ مِنْ الْأَعْيَانِ ، فَلَا يُعْقَدُ عَلَيْهِ فِي الْإِجَارَةِ ، كَلَبَنِ غَيْرِ الْآدَمِيِّ وَقِيلَ : هُوَ اللَّبَنُ .\rقَالَ الْقَاضِي : هُوَ أَشْبَهُ ؛ لِأَنَّهُ الْمَقْصُودُ دُونَ الْخِدْمَةِ ، وَلِهَذَا لَوْ أَرْضَعَتْهُ دُونَ أَنْ تَخْدُمَهُ ، اسْتَحَقَّتْ الْأُجْرَةَ ، وَلَوْ خَدَمَتْهُ بِدُونِ الرَّضَاعِ ، لَمْ تَسْتَحِقّ شَيْئًا ، وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : { فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ } فَجَعَلَ الْأَجْرَ مُرَتَّبًا عَلَى الْإِرْضَاعِ ، فَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ .\rوَلِأَنَّ الْعَقْدَ لَوْ كَانَ عَلَى الْخِدْمَةِ ، لَمَا لَزِمَهَا سَقْيُهُ لَبَنَهَا .\rوَأَمَّا كَوْنُهُ عَيْنًا ، فَإِنَّمَا جَازَ الْعَقْدُ عَلَيْهِ فِي الْإِجَارَةِ رُخْصَةً ؛ لِأَنَّ غَيْرَهُ لَا يَقُومُ مَقَامَهُ ، وَالضَّرُورَةُ تَدْعُو إلَى اسْتِيفَائِهِ ، وَإِنَّمَا جَازَ هَذَا فِي الْآدَمِيِّينَ دُونَ سَائِرِ الْحَيَوَانِ ، لِلضَّرُورَةِ إلَى حِفْظِ الْآدَمِيِّ ، وَالْحَاجَةِ إلَى إبْقَائِهِ .","part":11,"page":485},{"id":5485,"text":"( 4242 ) فَصْلٌ : وَعَلَى الْمُرْضِعَةِ أَنْ تَأْكُلَ وَتَشْرَبَ مَا يُدَرُّ بِهِ لَبَنُهَا ، وَيَصْلُحُ بِهِ ، وَلِلْمُكْتَرِي مُطَالَبَتُهَا بِذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ تَمَامِ التَّمْكِينِ مِنْ الرَّضَاعِ ، وَفِي تَرْكِهِ إضْرَارٌ بِالصَّبِيِّ .\rوَمَتَى لَمْ تُرْضِعْهُ ، وَإِنَّمَا أَسْقَتْهُ لَبَنَ الْغَنَمِ ، أَوْ أَطْعَمَتْهُ ، فَلَا أَجْرَ لَهَا ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تُوَفِّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ اكْتَرَاهَا لِخِيَاطَةِ ثَوْبٍ ، فَلَمْ تَخِطْهُ وَإِنْ دَفَعَتْهُ إلَى خَادِمَتِهَا فَأَرْضَعَتْهُ ، فَكَذَلِكَ .\rوَبِهِ قَالَ أَبُو ثَوْرٍ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْي : لَهَا أَجْرُهَا ؛ لِأَنَّ رَضَاعَهُ حَصَلَ بِفِعْلِهَا .\rوَلَنَا أَنَّهَا لَمْ تُرْضِعْهُ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ سَقَتْهُ لَبَنَ الْغَنَمِ وَإِنْ اخْتَلَفَا ، فَقَالَتْ : أَرْضَعْته .\rفَأَنْكَرَ الْمُسْتَرْضِعُ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا ؛ لِأَنَّهَا مُؤْتَمَنَةٌ .","part":11,"page":486},{"id":5486,"text":"( 4243 ) فَصْلٌ : وَيَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يُؤَجِّرَ أَمَتَهُ ، وَمُدَبَّرَتَهُ ، وَأُمَّ وَلَدِهِ ، وَمَنْ عَلَّقَ عِتْقَهَا بِصِفَةٍ ، وَالْمَأْذُونَ لَهَا فِي التِّجَارَةِ ، لِلْإِرْضَاعِ ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ عَلَى مَنْفَعَتِهَا ، أَشْبَهَ إجَارَتَهَا لِلْخِدْمَةِ .\rوَلَيْسَ لَوَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ إجَارَةُ نَفْسِهَا ؛ لِأَنَّ نَفْعَهَا لِسَيِّدِهَا .\rوَإِنْ كَانَ لَهَا وَلَدٌ ، لَمْ تَجُزْ إجَارَتُهَا لِلْإِرْضَاعِ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ لَبَنُهَا فَضَلَ عَنْ رَيِّهِ ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لِوَلَدِهَا ، وَلَيْسَ لِسَيِّدِهَا إلَّا مَا فَضَلَ عَنْهُ .\rوَإِنْ كَانَتْ مُزَوَّجَةً ، لَمْ تَجُزْ إجَارَتُهَا لِذَلِكَ إلَّا بِإِذْنِهِ ؛ لِأَنَّهُ يُفَوِّتُ حَقَّ الزَّوْجِ ، لِاشْتِغَالِهَا عَنْهُ بِإِرْضَاعِ الصَّبِيِّ وَحَضَانَتِهِ فَإِنْ أَجَرَهَا لِلرَّضَاعِ ، ثُمَّ زَوَّجَهَا ، صَحَّ النِّكَاحُ ، وَلَا يَنْفَسِخُ عَقْدُ الْإِجَارَةِ ، وَيَكُونُ لِلزَّوْجِ أَنْ يَسْتَمْتِعَ بِهَا فِي حَالِ فَرَاغِهَا مِنْ الرَّضَاعِ وَالْحَضَانَةِ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : لَيْسَ لِزَوْجِهَا وَطْؤُهَا إلَّا بِرِضَى الْمُسْتَأْجِرِ ؛ لِأَنَّهُ يُنْقِصُ اللَّبَنَ ، وَقَدْ يَقْطَعُهُ .\rوَلَنَا أَنَّ وَطْءَ الزَّوْجِ مُسْتَحَقٌّ ، فَلَا يَسْقُطُ لِأَمْرٍ مَشْكُوكٍ فِيهِ .\rوَلَيْسَ لِلسَّيِّدِ إجَارَةُ مُكَاتَبَتِهِ ؛ لِأَنَّ مَنَافِعَهَا إلَيْهَا ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَمْلِكْ سَيِّدُهَا تَزْوِيجَهَا ، وَلَا وَطْأَهَا ، وَلَا إجَارَتَهَا فِي غَيْرِ الرَّضَاعِ وَلَهَا أَنْ تُؤَجِّرَ نَفْسَهَا ؛ لِأَنَّهُ مِنْ جِهَاتِ الِاكْتِسَابِ .","part":11,"page":487},{"id":5487,"text":"( 4244 ) فَصْلٌ : وَيَجُوزُ لِلرَّجُلِ اسْتِئْجَارُ أُمِّهِ ، وَأُخْتِهِ ، وَابْنَتِهِ ، لِرَضَاعِ وَلَدِهِ ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ أَقَارِبِهِ ، بِغَيْرِ خِلَافٍ .\rوَإِنْ اسْتَأْجَرَ امْرَأَتَهُ لِرَضَاعِ وَلَدِهِ مِنْهَا ، جَازَ .\rهَذَا الصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِ أَحْمَدَ ، وَذَكَرَهُ الْخِرَقِيِّ فَقَالَ : وَإِنْ أَرَادَتْ الْأُمُّ أَنْ تُرْضِعَهُ بِأَجْرِ مِثْلِهَا ، فَهِيَ أَحَقُّ بِهِ مِنْ غَيْرِهَا ، سَوَاءٌ كَانَتْ فِي حِبَالِ الزَّوْجِ أَوْ مُطَلَّقَتَهُ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : لَيْسَ لَهَا ذَلِكَ وَتَأَوَّلَ كَلَامُ الْخِرَقِيِّ عَلَى أَنَّهَا فِي حِبَالِ زَوْجٍ آخَرَ .\rوَهَذَا قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْي .\rوَحُكِيَ عَنْ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ اسْتَحَقَّ حَبْسَهَا وَالِاسْتِمْتَاعَ بِهَا بِعِوَضٍ ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَلْزَمَهُ عِوَضٌ آخَرُ لِذَلِكَ .\rوَلَنَا أَنَّ كُلَّ عَقْدٍ يَصِحُّ أَنْ تَعْقِدَهُ مَعَ غَيْرِ الزَّوْجِ ، يَصِحُّ أَنْ تَعْقِدَهُ مَعَهُ ، كَالْبَيْعِ ، وَلِأَنَّ مَنَافِعَهَا فِي الرَّضَاعِ وَالْحَضَانَةِ غَيْرُ مُسْتَحَقَّةٍ لِلزَّوْجِ ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ إجْبَارَهَا عَلَى حَضَانَةِ وَلَدِهَا ، وَيَجُوزُ لَهَا أَنْ تَأْخُذَ عَلَيْهَا الْعِوَضَ مِنْ غَيْرِهِ ، فَجَازَ لَهَا أَخْذُهُ مِنْهُ ، كَثَمَنِ مَالِهَا وَقَوْلُهُمْ : إنَّهَا اسْتَحَقَّتْ عِوَضَ الْحَبْسِ وَالِاسْتِمْتَاعِ .\rقُلْنَا : هَذَا غَيْرُ الْحَضَانَةِ ، وَاسْتِحْقَاقُ مَنْفَعَةٍ مِنْ وَجْهٍ ، لَا يَمْنَعُ اسْتِحْقَاقَ مَنْفَعَةٍ سِوَاهَا بِعِوَضٍ آخَرَ ، كَمَا لَوْ اسْتَأْجَرَهَا أَوَّلًا ثُمَّ تَزَوَّجَهَا .\rوَتَأْوِيلُ الْقَاضِي كَلَامَ الْخِرَقِيِّ ، يُخَالِفُ الظَّاهِرَ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ الْأَلِفَ وَاللَّامَ فِي الزَّوْجِ لِلْمَعْهُودِ ، وَهُوَ زَوْجُهَا أَبُو الطِّفْلِ .\rوَالثَّانِي أَنَّهَا إذَا كَانَتْ فِي حِبَالِ زَوْجٍ آخَرَ ، لَا تَكُونُ أَحَقَّ بِهِ ، بَلْ يَسْقُطُ حَقُّهَا مِنْ الْحَضَانَةِ ، ثُمَّ لَيْسَ لَهَا أَنْ تُرْضِعَ إلَّا بِإِذْنِ زَوْجِهَا ، فَفَسَدَ التَّأْوِيلُ .","part":11,"page":488},{"id":5488,"text":"( 4245 ) فَصْلٌ : وَتَنْفَسِخُ الْإِجَارَةِ بِمَوْتِ الْمُرْضِعَةِ ؛ لِفَوَاتِ الْمَنْفَعَةِ بِهَلَاكِ مَحَلِّهَا .\rوَحُكِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ : أَنَّهَا لَا تَنْفَسِخُ ، وَيَجِبُ فِي مَالِهَا أَجْرُ مَنْ تُرْضِعُهُ تَمَامَ الْوَقْتِ ؛ لِأَنَّهُ كَالدَّيْنِ .\rوَلَنَا أَنَّهُ هَلَكَ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ ، أَشْبَهَ مَا لَوْ هَلَكَتْ الْبَهِيمَةُ الْمُسْتَأْجَرَةُ .\rوَإِنْ مَاتَ الطِّفْلُ انْفَسَخَ الْعَقْدُ ؛ لِأَنَّهُ يَتَعَذَّرُ اسْتِيفَاءُ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ ، لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ إقَامَةُ غَيْرِهِ مَقَامَهُ ، لِاخْتِلَافِ الصِّبْيَانِ فِي الرَّضَاعِ ، وَاخْتِلَافِ اللَّبَنِ بِاخْتِلَافِهِمْ ، فَإِنَّهُ قَدْ يَدِرُّ عَلَى أَحَدِ الْوَلَدَيْنِ دُونَ الْآخَرِ .\rوَهَذَا مَنْصُوصُ الشَّافِعِيِّ وَإِذَا انْفَسَخَ الْعَقْدُ عَقِيبَهُ ، بَطَلَتْ الْإِجَارَةُ مِنْ أَصْلِهَا ، وَرَجَعَ الْمُسْتَأْجِرُ بِالْأَجْرِ كُلِّهِ ، وَإِنْ كَانَ فِي أَثْنَاءِ الْمُدَّةِ ، رَجَعَ بِحِصَّةِ مَا بَقِيَ .","part":11,"page":489},{"id":5489,"text":"( 4246 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : ( وَيُسْتَحَبُّ أَنْ تُعْطَى عِنْدَ الْفِطَامِ عَبْدًا أَوْ أَمَةً ، كَمَا جَاءَ فِي الْخَبَرِ ، إذَا كَانَ الْمُسْتَرْضِعُ مُوسِرًا ) يَعْنِي بِالْخَبَرِ ، مَا رَوَى أَبُو دَاوُد ، بِإِسْنَادِهِ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ حَجَّاجِ بْنِ حَجَّاجٍ الْأَسْلَمِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : { قُلْت : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَا يُذْهِبُ عَنِّي مَذَمَّةَ الرَّضَاعِ ؟ قَالَ : الْغُرَّةُ الْعَبْدُ أَوْ الْأَمَةُ } .\rقَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ .\rقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ : الْمَذَمَّةُ ، بِكَسْرِ الذَّالِ ، مِنْ الذِّمَامِ ، وَبِفَتْحِهَا مِنْ الذَّمِّ قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ : إنَّمَا خَصَّ الرَّقَبَةَ بِالْمُجَازَاةِ بِهَا دُونَ غَيْرِهَا ؛ لِأَنَّ فِعْلَهَا فِي إرْضَاعِهِ وَحَضَانَتِهِ ، سَبَبُ حَيَاتِهِ وَبَقَائِهِ وَحِفْظِ رَقَبَتِهِ ، فَاسْتُحِبَّ جَعْلُ الْجَزَاءِ هِبَتَهَا رَقَبَةً ، لِيُنَاسِبَ مَا بَيْنَ النِّعْمَةِ وَالشُّكْرِ ، وَلِهَذَا جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى الْمُرْضِعَةَ أُمًّا ، فَقَالَ تَعَالَى : { وَأُمَّهَاتُكُمْ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ } .\rوَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا يَجْزِي وَلَدٌ وَالِدَهُ ، إلَّا أَنْ يَجِدَهُ مَمْلُوكًا فَيُعْتِقَهُ } .\rوَإِنْ كَانَتْ الْمُرْضِعَةُ مَمْلُوكَةً ، اُسْتُحِبَّ إعْتَاقُهَا ؛ لِأَنَّهُ يُحَصِّلُ أَخَصَّ الرِّقَابِ بِهَا ، وَتَحْصُلُ بِهِ الْمُجَازَاةُ الَّتِي جَعَلَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُجَازَاةً لِلْوَالِدِ مِنْ النَّسَبِ .","part":11,"page":490},{"id":5490,"text":"( 4247 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَمَنْ اكْتَرَى دَابَّةً إلَى مَوْضِعٍ ، فَجَاوَزَهُ ، فَعَلَيْهِ الْأُجْرَةُ الْمَذْكُورَةُ ، وَأُجْرَةُ الْمِثْلِ لِمَا جَاوَزَهُ ، وَإِنْ تَلِفَتْ فَعَلَيْهِ أَيْضًا قِيمَتُهَا ) ( 4248 ) الْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي فَصْلَيْنِ : أَحَدُهُمَا : فِي الْأَجْرِ الْوَاجِبِ ، وَهُوَ الْمُسَمَّى ، وَأَجْرِ الْمِثْلِ لِلزَّائِدِ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ وَلَا خِلَافِ فِيهِ بَيْنَ أَصْحَابِنَا ، ذَكَرَ الْقَاضِي ذَلِكَ .\rوَرَوَى الْأَثْرَمُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، أَنَّهُ ذَكَرَ فُقَهَاءَ الْمَدِينَةِ السَّبْعَةِ ، وَقَالَ : رُبَّمَا اخْتَلَفُوا فِي الشَّيْءِ ، فَأَخَذْنَا بِقَوْلِ أَكْثَرِهِمْ وَأَفْضَلِهِمْ رَأْيًا ، فَكَانَ الَّذِي وَعَيْت عَنْهُمْ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ ، أَنَّ مَنْ اكْتَرَى دَابَّةً إلَى بَلَدٍ ، ثُمَّ جَاوَزَ ذَلِكَ إلَى بَلَدٍ سِوَاهُ ، فَإِنَّ الدَّابَّةَ إنْ سَلِمَتْ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ ، أَدَّى كِرَاءَهَا وَكِرَاءَ مَا بَعْدَهَا ، وَإِنْ تَلِفَتْ فِي تَعَدِّيهِ بِهَا ضَمِنَهَا ، وَأَدَّى كِرَاءَهَا الَّذِي تَكَارَاهَا بِهِ .\rوَهَذَا قَوْلُ الْحَكَمِ ، وَابْنِ شُبْرُمَةَ ، وَالشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ : لَا أَجْرَ عَلَيْهِ لِمَا زَادَ ؛ لِأَنَّ الْمَنَافِعَ عِنْدَهُمَا لَا تُضْمَنُ فِي الْغَصْبِ وَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ إذَا تَجَاوَزَ بِهَا إلَى مَسَافَةٍ بَعِيدَةٍ ، يُخَيَّرُ صَاحِبُهَا بَيْنَ أَجْرِ الْمِثْلِ وَبَيْنَ الْمُطَالَبَةِ بِقِيمَتِهَا يَوْمَ التَّعَدِّي ؛ لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ بِإِمْسَاكِهَا ، حَابِسٌ لَهَا عَنْ أَسْوَاقِهَا ، فَكَانَ لِصَاحِبِهَا تَضْمِينُهَا إيَّاهُ .\rوَلَنَا أَنَّ الْعَيْنَ بَاقِيَةٌ بِحَالِهَا ، يُمْكِنُ أَخْذُهَا ، فَلَمْ تَجِبْ قِيمَتُهَا ، كَمَا لَوْ كَانَتْ الْمَسَافَةُ قَرِيبَةً .\rوَمَا ذَكَرَهُ تَحَكُّمٌ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ ، وَلَا نَظِيرَ لَهُ ، فَلَا يَجُوزُ الْمَصِيرُ إلَيْهِ .\rوَقَدْ مَضَى الْكَلَامُ مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ فِي الْغَصْبِ ( 4249 ) الْفَصْلُ الثَّانِي : فِي الضَّمَانِ ، ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ وُجُوبُ قِيمَتِهَا إذَا تَلِفَتْ بِهِ ، سَوَاءٌ تَلِفَتْ فِي الزِّيَادَةِ ، أَوْ بَعْدَ رَدِّهَا إلَى","part":11,"page":491},{"id":5491,"text":"الْمَسَافَةِ ، وَسَوَاءٌ كَانَ صَاحِبُهَا مَعَ الْمُكْتَرِي ، أَوْ لَمْ يَكُنْ .\rوَهَذَا ظَاهِرُ مَذْهَبِ الْفُقَهَاءِ السَّبْعَةِ ، إذَا تَلِفَتْ حَالَ التَّعَدِّي ؛ لِمَا حَكَيْنَا عَنْهُمْ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : إنْ كَانَ الْمُكْتَرِي نَزَلَ عَنْهَا وَسَلَّمَهَا إلَى صَاحِبِهَا ، لِيُمْسِكهَا أَوْ يَسْقِيَهَا ، فَتَلِفَتْ ، فَلَا ضَمَانَ عَلَى الْمُكْتَرِي ، وَإِنْ هَلَكَتْ وَالْمُكْتَرِي رَاكِبٌ عَلَيْهَا ، أَوْ حِمْلُهُ عَلَيْهَا ، فَعَلَيْهِ ضَمَانُهَا .\rوَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : إنْ كَانَتْ يَدُ صَاحِبِهَا عَلَيْهَا ، اُحْتُمِلَ أَنْ يَلْزَمَ الْمُكْتَرِيَ جَمِيعُ قِيمَتِهَا ، وَاحْتُمِلَ أَنْ يَلْزَمَهُ نِصْفُ قِيمَتِهَا وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ : إنْ لَمْ يَكُنْ صَاحِبُهَا مَعَهَا ، لَزِمَ الْمُكْتَرِيَ قِيمَتُهَا كُلُّهَا .\rوَإِنْ كَانَ مَعَهَا فَتَلِفَتْ فِي يَدِ صَاحِبِهَا ، لَمْ يَضْمَنْهَا الْمُكْتَرِي ؛ لِأَنَّهَا تَلِفَتْ فِي يَدِ صَاحِبِهَا ، أَشْبَهَ مَا لَوْ تَلِفَتْ بَعْدَ مُدَّةِ التَّعَدِّي .\rوَإِنْ تَلِفَتْ تَحْتَ الرَّاكِبِ فَفِيهِ قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا يَلْزَمُهُ نِصْفُ قِيمَتِهَا ؛ لِأَنَّهَا تَلِفَتْ بِفِعْلٍ مَضْمُونٍ وَغَيْرِ مَضْمُونٍ ، أَشْبَهَ مَا لَوْ تَلِفَتْ بِجِرَاحَتِهِ وَجِرَاحَةِ مَالِكِهَا .\rوَالثَّانِي تُقَسَّطُ الْقِيمَةُ عَلَى الْمَسَافَتَيْنِ ، فَمَا قَابَلَ مَسَافَةَ الْإِجَارَةِ سَقَطَ ، وَوَجَبَ الْبَاقِي .\rوَنَحْوُ هَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، فَإِنَّهُ قَالَ : مَنْ اكْتَرَى جَمَلًا لِحَمْلِ تِسْعَةٍ ، فَحَمَلَ عَشَرَةً ، فَتَلِفَ ، فَعَلَى الْمُكْتَرِي عُشْرُ قِيمَتِهِ .\rوَمَوْضِعُ الْخِلَافِ فِي لُزُومِ كَمَالِ الْقِيمَةِ إذَا كَانَ صَاحِبُهَا مَعَ رَاكِبِهَا ، أَوْ تَلِفَتْ فِي يَدِ صَاحِبِهَا .\rفَأَمَّا إذَا تَلِفَتْ حَالَ التَّعَدِّي ، وَلَمْ يَكُنْ صَاحِبُهَا مَعَ رَاكِبِهَا ، فَلَا خِلَافَ فِي ضَمَانِهَا بِكَمَالِ قِيمَتِهَا ؛ لِأَنَّهَا تَلِفَتْ فِي يَدٍ عَادِيَةٍ ، فَوَجَبَ ضَمَانُهَا كَالْمَغْصُوبَةِ .\rوَكَذَلِكَ إذَا تَلِفَتْ تَحْتَ الرَّاكِبِ ، أَوْ تَحْتَ حِمْلِهِ ، وَصَاحِبُهَا مَعَهَا ؛ لِأَنَّ الْيَدَ لِلرَّاكِبِ وَصَاحِبِ الْحِمْلِ ، بِدَلِيلِ أَنَّهُمَا لَوْ تَنَازَعَا دَابَّةً أَحَدُهُمَا","part":11,"page":492},{"id":5492,"text":"رَاكِبُهَا ، أَوْ لَهُ عَلَيْهَا حِمْلٌ ، وَالْآخَرُ آخِذٌ بِزِمَامِهَا ، لَكَانَتْ لِلرَّاكِبِ وَلِصَاحِبِ الْحِمْلِ وَلِأَنَّ الرَّاكِبَ مُتَعَدٍّ بِالزِّيَادَةِ ، وَسُكُوتُ صَاحِبِهَا لَا يُسْقِطُ الضَّمَانَ ، كَمَنْ جَلَسَ إلَى إنْسَانٍ فَحَرَقَ ثِيَابَهُ وَهُوَ سَاكِتٌ .\rوَلِأَنَّهَا إنْ تَلِفَتْ بِسَبَبِ تَعَبِهَا ، فَالضَّمَانُ عَلَى الْمُتَعَدِّي ، كَمَنْ أَلْقَى حَجَرًا فِي سَفِينَةٍ مُوَقَّرَةٍ فَغَرَّقَهَا .\rفَأَمَّا إنْ تَلِفَتْ فِي يَدِ صَاحِبِهَا بَعْدَ نُزُولِ الرَّاكِبِ عَنْهَا ، فَيُنْظَرُ فَإِنْ كَانَ تَلَفُهَا بِسَبَبِ تَعَبِهَا بِالْحِمْلِ وَالسَّيْرِ ، فَهُوَ كَمَا لَوْ تَلِفَتْ تَحْتَ الْحِمْلِ وَالرَّاكِبِ ، وَإِنْ تَلِفَتْ بِسَبَبٍ آخَرَ مِنْ افْتِرَاسِ سَبُعٍ أَوْ سُقُوطٍ فِي هُوَّةٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ ، فَلَا ضَمَانَ فِيهَا ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَتْلَفْ فِي يَدٍ عَادِيَةٍ ، وَلَا بِسَبَبِ عُدْوَانٍ وَقَوْلُهُمْ : تَلِفَتْ بِفِعْلٍ مَضْمُونٍ وَغَيْرِ مَضْمُونٍ ، أَشْبَهَ مَا لَوْ تَلِفَتْ بِجِرَاحَتَيْنِ يَبْطُلُ بِمَا إذَا قُطِعَ السَّارِقُ ، ثُمَّ قَطَعَ آخَرُ يَدَهُ عُدْوَانًا ، فَمَاتَ مِنْهُمَا ، وَفَارَقَ مَا إذَا جَرَحَ نَفْسَهُ وَجَرَحَهُ غَيْرُهُ ؛ لِأَنَّ الْفِعْلَيْنِ عُدْوَانٌ ، فَقُسِّمَ الضَّمَانُ عَلَيْهِمَا .\r( 4250 ) فَصْلٌ : وَلَا يَسْقُطُ الضَّمَانُ بِرَدِّهَا إلَى الْمَسَافَةِ .\rوَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَبُو يُوسُفَ ، وَالشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ مُحَمَّدٌ : يَسْقُطُ ، كَمَا لَوْ تَعَدَّى فِي الْوَدِيعَةِ ، ثُمَّ رَدَّهَا وَلَنَا أَنَّهَا يَدٌ ضَامِنَةٌ ، فَلَا يَزُولُ الضَّمَانُ عَنْهَا إلَّا بِإِذْنٍ جَدِيدٍ ، وَلَمْ يُوجَدْ .\rوَمَا ذَكَرُوهُ فِي الْوَدِيعَةِ لَا نُسَلِّمُهُ إلَّا أَنْ يَرُدَّهَا إلَى مَالِكِهَا ، أَوْ يُجَدِّدَ لَهُ إذْنًا .","part":11,"page":493},{"id":5493,"text":"( 4251 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : ( وَكَذَلِكَ إنْ اكْتَرَى لِحُمُولَةِ شَيْءٍ ، فَزَادَ عَلَيْهِ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ مَنْ اكْتَرَى لِحَمْلِ شَيْءٍ ، فَزَادَ عَلَيْهِ ، مِثْلَ أَنْ يَكْتَرِيَهَا لِحَمْلِ قَفِيزَيْنِ ، فَحَمَلَ ثَلَاثَةً ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ مَنْ اكْتَرَى إلَى مَوْضِعٍ فَجَاوَزَهُ ، فِي وُجُوبِ الْأَجْرِ ، وَأَجْرِ الْمِثْلِ لِمَا زَادَ ، وَلُزُومِ الضَّمَانِ إنْ تَلِفَتْ .\rهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ .\rوَحَكَى الْقَاضِي أَنَّ قَوْلَ أَبِي بَكْرٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وُجُوبُ أَجْرِ الْمِثْلِ فِي الْجَمِيعِ ، وَأَخَذَهُ مِنْ قَوْلِهِ فِي مَنْ اسْتَأْجَرَ أَرْضًا لِيَزْرَعَهَا شَعِيرًا ، فَزَرْعَهَا حِنْطَةً ، قَالَ عَلَيْهِ أَجْرُ الْمِثْلِ لِلْجَمِيعِ ؛ لِأَنَّهُ عَدَلَ عَنْ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ إلَى غَيْرِهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ اسْتَأْجَرَ أَرْضًا ، فَزَرَعَ أُخْرَى فَجَمَعَ الْقَاضِي بَيْنَ مَسْأَلَةِ الْخِرَقِيِّ وَمَسْأَلَةِ أَبِي بَكْرٍ ، وَقَالَ : يُنْقَلُ قَوْلُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ إحْدَى الْمَسْأَلَتَيْنِ إلَى الْأُخْرَى ، لِتَسَاوِيهِمَا فِي أَنَّ الزِّيَادَةَ لَا تَتَمَيَّزُ ، فَيَكُونُ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ وَجْهَانِ .\rوَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ ، فَإِنَّ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ فَرْقًا ظَاهِرًا ، فَإِنَّ الَّذِي حَصَلَ التَّعَدِّي فِيهِ فِي الْحَمْلِ مُتَمَيِّزٌ عَنْ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ ، وَهُوَ الْقَفِيزُ الزَّائِدُ ، بِخِلَافِ الزَّرْعِ ، وَلِأَنَّهُ فِي مَسْأَلَةِ الْحَمْلِ اسْتَوْفَى الْمَنْفَعَةَ الْمَعْقُودَ عَلَيْهَا وَزَادَ ، وَفِي الزَّرْعِ لَمْ يَزْرَعْ مَا وَقَعَ الْعَقْدُ عَلَيْهِ ، وَلِهَذَا عَلَّلَهُ أَبُو بَكْرٍ بِأَنَّهُ عَدَلَ عَنْ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ ، وَلَا يَصِحُّ هَذَا الْقَوْلُ فِي مَسْأَلَةِ الْحَمْلِ ، فَإِنَّهُ قَدْ حَمَلَ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ وَزَادَ عَلَيْهِ ، بَلْ إلْحَاقُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِمَا إذَا اكْتَرَى مَسَافَةً فَزَادَ عَلَيْهَا أَشَدُّ ، وَشَبَهُهَا بِهَا أَشَدُّ ، وَلِأَنَّهُ فِي مَسْأَلَةِ الْحَمْلِ مُتَعَدٍّ بِالزِّيَادَةِ وَحْدَهَا ، وَفِي مَسْأَلَةِ الزَّرْعِ مُتَعَدٍّ بِالزَّرْعِ كُلِّهِ ، فَأَشْبَهَ الْغَاصِبَ .\rفَأَمَّا مَسْأَلَةُ الزَّرْعِ فِيمَا إذَا اكْتَرَى أَرْضًا","part":11,"page":494},{"id":5494,"text":"لِيَزْرَعَ الشَّعِيرَ ، فَزَرَعَ حِنْطَةً ، فَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ ، فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ ، فَقَالَ : يَنْظُرُ مَا يَدْخُلُ عَلَى الْأَرْضِ مِنْ النُّقْصَانِ مَا بَيْنَ الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ ، فَيُعْطِي رَبَّ الْأَرْضِ .\rفَجَعَلَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ كَمَسْأَلَتَيْ الْخِرَقِيِّ ، فِي إيجَابِ الْمُسَمَّى وَأَجْرِ الْمِثْلِ لِلزَّائِدِ .\rوَوَجْهُهُ أَنَّهُ لَمَّا عَيَّنَ الشَّعِيرَ ، لَمْ يَتَعَيَّنْ ، وَلَمْ يَتَعَلَّقْ الْعَقْدُ بِعَيْنِهِ ، كَمَا سَبَقَ ذِكْرُهُ ، وَلِهَذَا قُلْنَا : لَهُ زَرْعُ مِثْلِهِ ، وَمَا هُوَ دُونَهُ فِي الضَّرَرِ .\rفَإِذَا زَرَعَ حِنْطَةً ، فَقَدْ اسْتَوْفَى حَقَّهُ وَزِيَادَةً ، أَشْبَهَ مَا لَوْ اكْتَرَاهَا إلَى مَوْضِعٍ فَجَاوَزَهُ وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : لَهُ أَجْرُ الْمِثْلِ .\rوَعَلَّلَهُ بِأَنَّهُ عَدَلَ عَنْ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ ، فَإِنَّ الْحِنْطَةَ لَيْسَتْ شَعِيرًا وَزِيَادَةً .\rوَإِنْ قُلْنَا : إنَّهُ قَدْ اسْتَوْفَى الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ وَزِيَادَةً ، غَيْرَ أَنَّ الزِّيَادَةَ لَيْسَتْ مُتَمَيِّزَةً عَنْ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ .\rبِخِلَافِ مَسْأَلَتَيْ الْخِرَقِيِّ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : الْمُكْتَرِي يُخَيَّرُ بَيْنَ أَخْذِ الْكِرَاءِ وَمَا نَقَصَتْ الْأَرْضُ عَمَّا يَنْقُصُهَا الشَّعِيرُ ، وَبَيْنَ أَخْذِ كِرَاءِ مِثْلِهَا لِلْجَمِيعِ ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ أَخَذَتْ شَبَهًا مِنْ أَصْلَيْنِ : أَحَدُهُمَا إذَا رَكِبَ دَابَّةً فَجَازَ بِهَا الْمَسَافَةَ الْمَشْرُوطَةَ ؛ لِكَوْنِهِ اسْتَوْفَى الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ وَزِيَادَةً وَالثَّانِي إذَا اسْتَأْجَرَ أَرْضًا فَزَرَعَ غَيْرَهَا ؛ لِأَنَّهُ زَرَعَ مُتَعَدِّيًا ، فَلِهَذَا خَيَّرَهُ بَيْنَهُمَا ، وَلِأَنَّهُ وُجِدَ سَبَبٌ يَقْتَضِي كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْحُكْمَيْنِ ، وَتَعَذَّرَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا ، فَكَانَ لَهُ أَوْفَرُهُمَا وَفُوِّضَ اخْتِيَارُهُ إلَى الْمُسْتَحِقِّ ، كَقَتْلِ الْعَمْدِ .\rوَمَنْ نَصَرَ أَبَا بَكْرٍ ، قَالَ : هَذَا مُتَعَدٍّ بِالزَّرْعِ كُلِّهِ ، فَكَانَ عَلَيْهِ أَجْرُ الْمِثْلِ ، كَالْغَاصِبِ ، وَلِهَذَا يَمْلِكُ رَبُّ الْأَرْضِ مَنْعَهُ مِنْ زَرْعِهِ ، وَيَمْلِكُ أَخْذَهُ بِنَفَقَتِهِ إذَا زَرَعَهُ .\rوَيُفَارِقُ مَنْ زَادَ عَلَى حَقِّهِ","part":11,"page":495},{"id":5495,"text":"زِيَادَةً مُتَمَيِّزَةً ، فَإِنَّهُ غَيْرُ مُتَعَدٍّ بِالْجَمِيعِ ، إنَّمَا تَعَدَّى بِالزِّيَادَةِ وَحْدَهَا ، وَلِهَذَا لَا يَمْلِكُ الْمُكْرِي مَنْعَهُ مِنْ الْجَمِيعِ وَنَظِيرُ هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ ، مَنْ اكْتَرَى غُرْفَةً لِيَجْعَلَ فِيهَا أَقْفِزَةَ حِنْطَةٍ ، فَتَرَكَ فِيهَا أَكْثَرَ مِنْهَا ، وَمَنْ اكْتَرَاهَا لِيَجْعَلَ فِيهَا قِنْطَارًا مِنْ الْقُطْنِ ، فَجَعَلَ فِيهَا قِنْطَارًا مِنْ حَدِيدٍ ، فَفِي الْأُولَى ، لَهُ الْمُسَمَّى وَأَجْرُ الزِّيَادَةِ ، وَفِي الثَّانِيَةِ يُخَرَّجُ فِيهَا مِنْ الْخِلَافِ مِثْلُ مَا قُلْنَا فِي مَسْأَلَةِ الزَّرْعِ .\rوَحُكْمُ الْمُسْتَأْجِرِ الَّذِي يَزْرَعُ أَضَرَّ مِمَّا اكْتَرَى لَهُ حُكْمُ الْغَاصِبِ ، لِرَبِّ الْأَرْضِ مَنْعُهُ فِي الِابْتِدَاءِ ، لِمَا يَلْحَقُهُ مِنْ الضَّرَرِ ، فَإِنْ زَرَعَ فَرَبُّ الْأَرْضِ مُخَيَّرٌ بَيْنَ تَرْكِ الزَّرْعِ بِالْأَجْرِ ، وَبَيْنَ أَخْذِهِ وَدَفْعِ النَّفَقَةِ ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ حَتَّى أَخَذَ الْمُسْتَأْجِرُ زَرْعَهُ ، فَلَهُ الْأُجْرَةُ لَا غَيْرُ ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي بَابِ الْغَصْبِ .","part":11,"page":496},{"id":5496,"text":"( 4252 ) فَصْلٌ : وَإِنْ اكْتَرَى دَابَّةً إلَى مَسَافَةٍ ، فَسَلَكَ أَشَقَّ مِنْهَا ، فَهِيَ مِثْلُ مَسْأَلَةِ الزَّرْعِ ، يُخَرَّجُ فِيهَا وَجْهَانِ ، قِيَاسُ الْمَنْصُوصِ عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّ لَهُ الْأَجْرَ الْمُسَمَّى وَزِيَادَةً ، لِكَوْنِ الْمَسَافَةِ لَا تَتَعَيَّنُ عَلَى قَوْلِ أَصْحَابِنَا ، وَقِيَاسُ قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ ، أَنَّ لَهُ أَجْرَ الْمِثْلِ ؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ غَيْرُ مُتَمَيِّزَةٍ ، وَلِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ بِالْجَمِيعِ ، بِدَلِيلِ أَنَّ لِرَبِّ الدَّابَّةِ مَنْعَهُ مِنْ سُلُوكِ تِلْكَ الطَّرِيقِ كُلِّهَا ، بِخِلَافِ مِنْ سَلَكَ تِلْكَ الطَّرِيقَ وَجَاوَزَ ، فَإِنَّهُ إنَّمَا يَمْنَعُهُ الزِّيَادَةَ لَا غَيْرُ .\rوَإِنْ اكْتَرَى لِحَمْلِ قُطْنٍ فَحَمَلَ بِوَزْنِهِ حَدِيدًا ، أَوْ لِحَمْلِ حَدِيدٍ فَحَمَلَ قُطْنًا ، فَالصَّحِيحُ أَنَّ عَلَيْهِ أَجْرَ الْمِثْلِ هَاهُنَا ؛ لِأَنَّ ضَرَرَ أَحَدِهِمَا مُخَالِفٌ لِضَرَرِ الْآخَرِ ، فَلَمْ يَتَحَقَّقْ كَوْنُ الْمَحْمُولِ مُشْتَمِلًا عَلَى الْمُسْتَحَقِّ بِعَقْدِ الْإِجَارَةِ وَزِيَادَةٍ عَلَيْهِ ، بِخِلَافِ مَا قَبْلَهَا مِنْ الْمَسَائِلِ .\rوَسَائِرُ مَسَائِلِ الْعُدْوَانِ فِي الْإِجَارَةِ يُقَاسُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْمَسَائِلِ مَا كَانَ مُتَمَيِّزًا ، وَمَا لَمْ يَكُنْ مُتَمَيِّزًا فَتُلْحَقُ كُلُّ مَسْأَلَةٍ بِنَظِيرَتِهَا .","part":11,"page":497},{"id":5497,"text":"( 4253 ) فَصْلٌ : إذَا أَكْرَاهُ لِحَمْلِ قَفِيزَيْنِ ، فَحَمَلَهُمَا ، فَوَجَدَهُمَا ثَلَاثَةً ، فَإِنْ كَانَ الْمُكْتَرِي تَوَلَّى الْكَيْلَ وَلَمْ يَعْلَمْ الْمُكْرِي بِذَلِكَ ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ مِنْ اكْتَرَى لِحُمُولَةِ شَيْءٍ فَزَادَ عَلَيْهِ ، وَإِنْ كَانَ الْمُكْرِي تَوَلَّى كَيْلَهُ وَتَعْبِئَتَهُ وَلَمْ يَعْلَم الْمُكْتَرِي ، فَهُوَ غَاصِبٌ لَا أَجْرَ لَهُ فِي حَمْلِ الزَّائِدِ .\rوَإِنْ تَلِفَتْ دَابَّتُهُ ، فَلَا ضَمَانَ لَهَا ؛ لِأَنَّهَا تَلِفَتْ بِعُدْوَانِ صَاحِبِهَا ، وَحُكْمُهُ فِي ضَمَانِ الطَّعَامِ ، حُكْمُ مِنْ غَصَبَ طَعَامَ غَيْرِهِ وَإِنْ تَوَلَّى ذَلِكَ أَجْنَبِيٌّ ، وَلَمْ يَعْلَمْ الْمُكْرِي وَالْمُكْتَرِي ، فَهُوَ مُتَعَدٍّ عَلَيْهِمَا ، يَلْزَمُهُ لِصَاحِبِ الدَّابَّةِ الْأَجْرُ ، وَيَتَعَلَّقُ بِهِ الضَّمَانُ ، وَيَلْزَمُهُ لِصَاحِبِ الطَّعَامِ ضَمَانُ طَعَامِهِ ، وَسَوَاءٌ كَالَهُ أَحَدُهُمَا وَوَضَعَهُ الْآخَرُ عَلَى ظَهْرِ الدَّابَّةِ ، أَوْ كَانَ الَّذِي كَالَهُ وَعَبَّأَهُ وَضَعَهُ عَلَى ظَهْرِهَا .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ : إذَا كَالَهُ الْمُكْتَرِي وَوَضَعَهُ الْمُكْرِي عَلَى ظَهْرِ الْبَهِيمَةِ ، لَا ضَمَانَ عَلَى الْمُكْتَرِي ؛ لِأَنَّ الْمُكْرِيَ مُفَرِّطٌ فِي حَمْلِهِ .\rوَلَنَا أَنَّ التَّدْلِيسَ مِنْ الْمُكْتَرِي ، إذْ أَخْبَرَهُ بِكَيْلِهَا عَلَى خِلَافِ مَا هُوَ بِهِ ، فَلَزِمَهُ الضَّمَانُ ، كَمَا لَوْ أَمَرَ أَجْنَبِيًّا بِتَحْمِيلِهَا فَأَمَّا إنْ كَالَهَا الْمُكْتَرِي ، وَرَفَعَهَا الْمُكْرِي عَلَى الدَّابَّةِ .\rعَالِمًا بِكَيْلِهَا ، لَمْ يَضْمَنْ الْمُكْتَرِي دَابَّتَهُ إذَا تَلِفَتْ ؛ لِأَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ تَدْلِيسٍ وَلَا تَغْرِيرٍ .\rوَهَلْ لَهُ أَجْرُ الْقَفِيزِ الزَّائِدِ ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا لَا أَجْرَ لَهُ ؛ لِأَنَّ الْمُكْتَرِيَ لَمْ يَجْعَلْ لَهُ عَلَى ذَلِكَ أَجْرًا .\rوَالثَّانِي لَهُ أَجْرُ الزَّائِدِ ، لِأَنَّهُمَا اتَّفَقَا عَلَى حَمْلِهِ عَلَى سَبِيلِ الْإِجَارَةِ ، فَجَرَى مَجْرَى الْمُعَاطَاةِ فِي الْبَيْعِ وَدُخُولِ الْحَمَّامَ مِنْ غَيْرِ تَقْدِيرِ أَجْرِهِ .\rوَإِنْ كَالَهُ الْمُكْرِي ، وَحَمَلَهُ الْمُكْتَرِي عَلَى الدَّابَّةِ عَالِمًا","part":11,"page":498},{"id":5498,"text":"بِذَلِكَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَأْمُرَهُ بِحَمْلِهِ عَلَيْهَا ، فَعَلَيْهِ أَجْرُ الْقَفِيزِ الزَّائِدِ وَإِنْ أَمَرَهُ بِحَمْلِهِ عَلَيْهَا ، فَفِي وُجُوبِ الْأَجْرِ وَجْهَانِ ، كَمَا لَوْ حَمَلَهُ الْمُكْرِي عَلَيْهَا ؛ لِأَنَّهُ إذَا أَمَرَ بِهِ كَانَ ذَلِكَ كَفِعْلِهِ ، وَإِنْ كَالَهُ أَحَدُهُمَا وَحَمَلَهُ أَجْنَبِيٌّ بِأَمْرِهِ ، فَهُوَ كَمَا لَوْ حَمَلَهُ الَّذِي كَالَهُ ، وَإِنْ كَانَ بِأَمْرِ الْآخَرِ ، فَهُوَ كَمَا لَوْ حَمَلَهُ الْآخَرُ ، وَإِنْ حَمَلَهُ بِغَيْرِ أَمْرِهِمَا ، فَهُوَ كَمَا لَوْ كَالَهُ ثُمَّ حَمَلَهُ .","part":11,"page":499},{"id":5499,"text":"( 4254 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : ( وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكْتَرِيَ مُدَّةَ غَزَاتِهِ ) هَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، مِنْهُمْ الْأَوْزَاعِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْي .\rوَقَالَ مَالِكٌ : قَدْ عُرِفَ وَجْهُ ذَلِكَ ، وَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ حَقِيقًا .\rوَلَنَا أَنَّ هَذِهِ إجَارَةٌ ، فِي مُدَّةٍ مَجْهُولَةٍ ، وَعَمَلٍ مَجْهُولٍ ، فَلَمْ يَجُزْ ، كَمَا لَوْ اكْتَرَاهَا لِمُدَّةِ سَفَرِهِ فِي تِجَارَتِهِ ، وَلِأَنَّ مُدَّةَ الْغَزَاةِ تَطُولُ وَتَقْصُرُ ، وَلَا حَدَّ لَهَا تُعْرَفُ بِهِ ، وَالْعَمَلُ فِيهَا يَقِلُّ وَيَكْثُرُ ، وَنِهَايَةُ سَفَرِهِمْ تَقْرُبُ وَتَبْعُدُ ، فَلَمْ يَجُزْ التَّقْدِيرُ بِهَا ، كَغَيْرِهَا مِنْ الْأَسْفَارِ الْمَجْهُولَةِ فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ ، فَلَهُ أَجْرُ الْمِثْلِ ؛ لِأَنَّهُ عَقَدَ عَلَى عِوَضٍ لَمْ يُسَلَّمْ لَهُ ، لِفَسَادِ الْعَقْدِ ، فَوَجَبَ أَجْرُ الْمِثْلِ ، كَسَائِرِ الْإِجَارَات الْفَاسِدَةِ .","part":11,"page":500},{"id":5500,"text":"( 4255 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : ( فَإِنْ سَمَّى لِكُلِّ يَوْمٍ شَيْئًا مَعْلُومًا ، فَجَائِزٌ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ مَنْ اكْتَرَى فَرَسًا مُدَّةَ غَزْوِهِ ، كُلَّ يَوْمٍ بِدِرْهَمِ ، فَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ صِحَّتُهُ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : هَذَا فَاسِدٌ ؛ لِأَنَّ مُدَّةَ الْإِجَارَةِ مَجْهُولَةٌ .\rوَلَنَا ، أَنَّ عَلِيًّا ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَجَرَ نَفْسَهُ كُلُّ دَلْوٍ بِتَمْرَةٍ ، وَكَذَلِكَ الْأَنْصَارِيُّ ، وَلَمْ يُنْكِرْهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلِأَنَّ كُلَّ يَوْمٍ مَعْلُومٌ مُدَّتُهُ وَأُجْرَتُهُ ، فَصَحَّ ، كَمَا لَوْ قَالَ : أَجَرْتُكهَا شَهْرًا ، كُلُّ يَوْمٍ بِدِرْهَمٍ .\rأَوْ قَالَ : اسْتَأْجَرْتُك لِنَقْلِ هَذِهِ الصُّبْرَةِ ، كُلُّ قَفِيزٍ بِدِرْهَمِ وَلَا بُدَّ مِنْ تَعْيِينِ مَا يَسْتَأْجِرُ لَهُ ، إمَّا لِرُكُوبٍ ، أَوْ حَمْلٍ مَعْلُومٍ .\rوَيَسْتَحِقُّ الْأَجْرَ الْمُسَمَّى لِكُلِّ يَوْمٍ ، سَوَاءٌ كَانَتْ مُقِيمَةً أَوْ سَائِرَةً ؛ لِأَنَّ الْمَنَافِعَ ذَهَبَتْ فِي مُدَّتِهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ اكْتَرَى دَارًا ، فَأَغْلَقَهَا وَلَمْ يَسْكُنْهَا .","part":12,"page":1},{"id":5501,"text":"وَإِنْ أَجَرَ نَفْسَهُ لِسَقْيِ نَخْلٍ ، كُلُّ دَلْوٍ بِتَمْرَةٍ ، أَوْ بِفَلْسٍ ، أَوْ أَجْرٍ مَعْلُومٍ ، جَازَ ؛ لِلْأَثَرِ الْوَارِدِ فِيهِ .\rوَلِأَنَّ كُلَّ عَمَلٍ مَعْلُومٍ لَهُ عِوَضٌ مَعْلُومٌ ، فَجَازَ ، كَمَا لَوْ سَمَّى دِلَاءً مَعْرُوفَةً وَلَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَةِ الدَّلْوِ وَالْبِئْرِ وَمَا يُسْتَسْقَى بِهِ ؛ لِأَنَّ الْعَمَلَ يَخْتَلِفُ بِهِ .","part":12,"page":2},{"id":5502,"text":"( 4256 ) فَصْلٌ : وَنَقَلَ أَبُو الْحَارِثِ ، عَنْ أَحْمَدَ فِي رَجُلٍ اسْتَأْجَرَ دَابَّةً ، فِي عَشَرَةِ أَيَّامٍ ، بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ ، فَإِنْ حَبَسَهَا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ ، فَلَهُ بِكُلِّ يَوْمٍ دِرْهَمٌ ، فَهُوَ جَائِزٌ .\rوَنَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ عَنْهُ ، فِي مَنْ اكْتَرَى دَابَّةً مِنْ مَكَّةَ إلَى جَدَّةَ بِكَذَا ، فَإِنْ ذَهَبَ إلَى عَرَفَاتٍ بِكَذَا ، فَلَا بَأْسَ .\rوَنَقَلَ عَبْدُ اللَّهِ عَنْهُ لَوْ قَالَ : أَكْرَيْتُكَهَا بِعَشَرَةٍ .\rفَمَا حَبَسَهَا فَعَلَيْهِ كُلَّ يَوْمٍ عَشَرَةٌ .\rوَهَذِهِ الرِّوَايَاتُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَذْهَبَهُ أَنَّهُ مَتَى قَدَّرَ لِكُلِّ عَمَلٍ مَعْلُومٍ أَجْرًا مَعْلُومًا ، صَحَّ وَتَأَوَّلَ الْقَاضِي هَذَا كُلَّهُ ، عَلَى أَنَّهُ يَصِحُّ فِي الْأَوَّلِ وَيَفْسُدُ فِي الثَّانِي ؛ لِأَنَّ مُدَّتَهُ غَيْرُ مَعْلُومَةٍ ، فَلَمْ يَصِحَّ الْعَقْدُ فِيهِ ، كَمَا لَوْ قَالَ : اسْتَأْجَرْتُك لِتَحْمِلَ لِي هَذِهِ الصُّبْرَةَ ، وَهِيَ عَشَرَةُ .\rأَقْفِزَةٍ ، بِدِرْهَمٍ ، وَمَا زَادَ فَبِحُسْبَانِ ذَلِكَ .\rوَالظَّاهِرُ خِلَافُ هَذَا ؛ فَإِنَّ قَوْلَهُ : فَهُوَ جَائِزٌ .\rعَادَ إلَى جَمِيعِ مَا ذَكَرَ قَبْلَهُ ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ : لَا بَأْسَ .\rوَلِأَنَّ لِكُلِّ عَمَلٍ عِوَضًا مَعْلُومًا ، فَصَحَّ ، كَمَا لَوْ اسْتَقَى لَهُ كُلَّ دَلْوٍ بِتَمْرَةٍ ، وَقَدْ ثَبَتَ الْأَصْلُ بِالْخَبَرِ الْوَارِدِ فِيهِ ، وَمَسْأَلَةُ الصُّبْرَةِ لَا نَصَّ فِيهَا عَنْ الْإِمَامِ وَقِيَاسُ نُصُوصِهِ صِحَّةُ الْإِجَارَةِ ، وَإِنْ سُلِّمَ فَسَادُهَا ، فَلِأَنَّ الْقُفْزَانَ الَّتِي شُرِطَ حَمْلُهَا غَيْرُ مَعْلُومَةٍ بِتَعْيِينٍ وَلَا صِفَةٍ ، وَهِيَ مُخْتَلِفَةٌ ، فَلَمْ يَصِحَّ الْعَقْدُ لِجَهَالَتِهَا ، بِخِلَافِ الْأَيَّامِ ، فَإِنَّهَا مَعْلُومَةٌ .","part":12,"page":3},{"id":5503,"text":"( 4257 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَالَ : إنْ خِطْت هَذَا الثَّوْبَ الْيَوْمَ فَلَكَ دِرْهَمٌ ، وَإِنْ خِطْته غَدًا فَلَكَ نِصْفُ دِرْهَمٍ .\rفَعَنْ أَحْمَدَ فِيهِ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، لَا يَصِحُّ ، وَلَهُ أَجْرُ الْمِثْلِ .\rنَقَلَهَا أَبُو الْحَارِثِ ، عَنْ أَحْمَدَ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَإِسْحَاقَ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ وَاحِدٌ ، اخْتَلَفَ فِيهِ الْعِوَضُ بِالتَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ ، فَلَمْ يَصِحَّ ، كَمَا لَوْ قَالَ : بِعْتُك نَقْدًا بِدِرْهَمٍ أَوْ بِدِرْهَمَيْنِ نَسِيئَةً .\rوَالثَّانِيَةُ يَصِحُّ وَهُوَ قَوْلُ الْحَارِثِ الْعُكْلِيِّ ، وَأَبِي يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٍ ؛ لِأَنَّهُ سَمَّى لِكُلِّ عَمَلٍ عِوَضًا مَعْلُومًا ، فَصَحَّ ، كَمَا لَوْ قَالَ : كُلُّ دَلْوٍ بِتَمْرَةِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إنْ خَاطَهُ الْيَوْمَ فَلَهُ دِرْهَمٌ ، وَإِنْ خَاطَهُ غَدًا لَا يُزَادُ عَلَى دِرْهَمٍ ، وَلَا يَنْقُصُ عَنْ نِصْفِ دِرْهَمٍ ؛ لِأَنَّ الْمُؤَجِّرَ قَدْ جَعَلَ لَهُ نِصْفَ دِرْهَمٍ ، فَلَا يَنْقُصُ مِنْهُ ، وَهُوَ قَدْ رَضِيَ فِي أَكْثَرِ الْعَمَلَيْنِ بِدِرْهَمِ ، فَلَا يُزَادُ عَنْهُ .\rوَهَذَا لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّهُ إنْ صَحَّ الْعَقْدُ فَلَهُ الْمُسَمَّى ، وَإِنْ فَسَدَ فَوُجُودُهُ كَالْعَدَمِ ، وَيَجِبُ أَجْرُ الْمِثْلِ ، كَسَائِرِ الْعُقُودِ الْفَاسِدَةِ .","part":12,"page":4},{"id":5504,"text":"( 4258 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَالَ : إنْ خِطْته رُومِيًّا فَلَكَ دِرْهَمٌ ، وَإِنْ خِطْته فَارِسِيًّا فَلَكَ نَصْفُ دِرْهَمٍ .\rفَفِيهَا وَجْهَانِ ، بِنَاءً عَلَى الَّتِي قَبْلَهَا .\rوَالْخِلَافُ فِيهَا كَاَلَّتِي قَبْلَهَا ؛ إلَّا أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ وَافَقَ صَاحِبَيْهِ فِي الصِّحَّةِ هَاهُنَا .\rوَلَنَا أَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ لَمْ يَتَعَيَّنْ فِيهِ الْعِوَضُ وَلَا الْمُعَوَّضُ ، فَلَمْ يَصِحَّ .\rكَمَا لَوْ قَالَ : بِعْتُك هَذَا بِدِرْهَمٍ ، أَوْ هَذَا بِدِرْهَمَيْنِ .\rوَفَارَقَ هَذَا \" كُلُّ دَلْوٍ بِتَمْرَةٍ \" مِنْ وَجْهَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، أَنَّ الْعَمَلَ الثَّانِيَ يَنْضَمُّ إلَى الْعَمَلِ الْأَوَّلِ ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عِوَضٌ مُقَدَّرٌ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَالَ : بِعْتُك هَذِهِ الصُّبْرَةَ ، كُلُّ قَفِيزٍ بِدِرْهَمٍ وَهَا هُنَا الْخِيَاطَةُ وَاحِدَةٌ شَرَطَ فِيهَا عِوَضًا إنْ وُجِدَتْ عَلَى صِفَةٍ ، وَعِوَضًا آخَرَ إنْ وُجِدَتْ عَلَى أُخْرَى ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ بَاعَهُ بِعَشَرَةٍ صِحَاحٍ ، أَوْ أَحَدَ عَشْرَ مُكَسَّرَةٍ .\rوَالثَّانِي أَنَّهُ وَقَفَ الْإِجَارَةَ عَلَى شَرْطٍ ، بِقَوْلِهِ : إنْ خِطْته كَذَا فَلَكَ كَذَا ، وَإِنْ خِطْته كَذَا فَلَكَ كَذَا .\rبِخِلَافِ قَوْلِهِ : كُلُّ دَلْوٍ بِتَمْرَةِ .","part":12,"page":5},{"id":5505,"text":"( 4259 ) فَصْلٌ : وَنَقَلَ مُهَنَّا ، عَنْ أَحْمَدَ فِي مَنْ اسْتَأْجَرَ مِنْ حَمَّالٍ إلَى مِصْرَ بِأَرْبَعِينَ دِينَارًا ، فَإِنْ نَزَلَ دِمَشْقَ فَكِرَاؤُهُ ثَلَاثُونَ ، فَإِنْ نَزَلَ الرَّقَّةَ فَكِرَاؤُهُ عِشْرُونَ .\rفَقَالَ إذَا اكْتَرَى إلَى الرَّقَّةِ بِعِشْرِينَ ، وَاكْتَرَى إلَى دِمَشْقَ بِعَشَرَةٍ ، وَاكْتَرَى إلَى مِصْرَ بِعَشَرَةٍ ، جَازَ ، وَلَمْ يَكُنْ لِلْحَمَّالِ أَنْ يَرْجِعَ .\rفَظَاهِرُ هَذَا ، أَنَّهُ لَمْ يَحْكُمْ بِصِحَّةِ الْعَقْدِ الْأَوَّلِ ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ ، لِكَوْنِهِ خَيَّرَهُ بَيْنَ ثَلَاثَةِ عُقُودٍ .\rوَيُخَرَّجُ فِيهِ أَنْ يَصِحَّ بِنَاءً عَلَى الْمَسْأَلَتَيْنِ قَبْلَ هَذَا وَنَقَلَ الْبَرْزَاطِيُّ ، عَنْ أَحْمَدَ ، فِي رَجُلٍ اسْتَأْجَرَ رَجُلًا يَحْمِلُ لَهُ كِتَابًا إلَى الْكُوفَةِ ، وَقَالَ : إنْ وَصَّلْت الْكِتَابَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا فَلَكَ عِشْرُونَ ، وَإِنْ تَأَخَّرْت بَعْدَ ذَلِكَ بِيَوْمٍ فَلَكَ عَشَرَةٌ .\rفَالْإِجَارَةُ فَاسِدَةُ ، وَلَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ .\rوَهَذَا مِثْلُ الَّذِي قَبْلَهُ .\rوَنَقَلَ عَبْدُ اللَّهِ ، فِي مَنْ اكْتَرَى دَابَّةً ، وَقَالَ : إنْ رَدَدْتهَا غَدًا فَكِرَاؤُهَا عَشَرَةٌ ، وَإِنْ رَدَدْتهَا الْيَوْمَ فَكِرَاؤُهَا خَمْسَةٌ .\rفَلَا بَأْسَ .\rوَهَذِهِ الرِّوَايَةُ تَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ الْإِجَارَةِ ، وَالظَّاهِرُ عَنْ أَحْمَدَ ، فِي رِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ ، فِيمَا ذَكَرْنَا ، فَسَادُ الْعَقْدِ ، وَهُوَ قِيَاسُ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":12,"page":6},{"id":5506,"text":"( 4260 ) فَصْلٌ : فِي مَسَائِلِ الصُّبْرَةِ ، وَفِيهَا عَشْرُ مَسَائِلَ ، أَحَدُهَا ، قَالَ اسْتَأْجَرْتُك لِتَحْمِلَ لِي هَذِهِ الصُّبْرَةَ إلَى مِصْرَ بِعَشَرَةٍ .\rفَالْإِجَارَةُ صَحِيحَةٌ ، بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ ؛ لِأَنَّ الصُّبْرَةَ مَعْلُومَةٌ بِالْمُشَاهَدَةِ الَّتِي يَجُوزُ بَيْعُهَا بِهَا ، فَجَازَ الِاسْتِئْجَارُ عَلَيْهَا ، كَمَا لَوْ عَلِمَ كَيْلَهَا .\rالثَّانِيَةُ ، قَالَ : اسْتَأْجَرْتُك لِتَحْمِلهَا لِي كُلُّ قَفِيزٍ بِدِرْهَمِ .\rفَيَصِحُّ أَيْضًا .\rوَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَصِحُّ فِي قَفِيزٍ ، وَيَبْطُلُ فِيمَا زَادَ .\rوَمَبْنَى الْخِلَافِ عَلَى الْخِلَافِ فِي بَيْعِهَا ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ .\rالثَّالِثَةُ ، قَالَ : لِتَحْمِلْهَا لِي قَفِيزًا بِدِرْهَمٍ ، وَمَا زَادَ فَبِحِسَابِ ذَلِكَ .\rفَيَجُوزُ ، كَمَا لَوْ قَالَ : كُلُّ قَفِيزٍ بِدِرْهَمٍ .\rوَكَذَلِكَ كُلُّ لَفْظٍ يَدُلُّ عَلَى إرَادَةِ حَمْلِ جَمِيعِهَا ، كَقَوْلِهِ : لِتَحْمِلْ مِنْهَا قَفِيزًا بِدِرْهَمٍ ، وَسَائِرَهَا أَوْ بَاقِيَهَا بِحِسَابِ ذَلِكَ .\rأَوْ قَالَ : وَمَا زَادَ بِحِسَابِ ذَلِكَ .\rيُرِيدُ بِهِ بَاقِيَهَا كُلَّهُ ، إذَا فَهِمَا ذَلِكَ مِنْ اللَّفْظِ ، لِدَلَالَتِهِ عِنْدَهُمَا عَلَيْهِ ، أَوْ لِقَرِينَةٍ صَرَفَتْ إلَيْهِ الرَّابِعَةُ ، قَالَ : لِتَحْمِلْ مِنْهَا قَفِيزًا بِدِرْهَمٍ ، وَمَا زَادَ فَبِحِسَابِ ذَلِكَ .\rيُرِيدُ مَهْمَا حَمَلْت مِنْ بَاقِيهَا .\rفَلَا يَصِحُّ .\rذَكَرَهُ الْقَاضِي ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ بَعْضُهَا ، وَهُوَ مَجْهُولٌ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يَصِحَّ ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى كُلُّ دَلْوٍ بِتَمْرَةٍ .\rالْخَامِسَةُ ، قَالَ : لِتَنْقُلْ لِي مِنْهَا كُلَّ قَفِيزٍ بِدِرْهَمٍ .\rفَهِيَ كَالرَّابِعَةِ سَوَاءً السَّادِسَةُ ، قَالَ : لِتَحْمِلْ مِنْهَا قَفِيزًا بِدِرْهَمٍ ، عَلَى أَنْ تَحْمِلَ الْبَاقِيَ بِحِسَابِ ذَلِكَ .\rفَلَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ .\rوَيُحْتَمَلُ أَنْ يَصِحَّ ؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُ لِتَحْمِلْ لِي كُلَّ قَفِيزٍ مِنْهَا بِدِرْهَمٍ .\rالسَّابِعَةُ قَالَ : لِتَحْمِلْ لِي هَذِهِ الصُّبْرَةَ كُلَّ قَفِيزٍ بِدِرْهَمٍ ، وَتَنْقُلَ لِي صُبْرَةً أُخْرَى فِي","part":12,"page":7},{"id":5507,"text":"الْبَيْتِ بِحِسَابِ ذَلِكَ .\rفَإِنْ كَانَا يَعْلَمَانِ الصُّبْرَةَ الَّتِي فِي الْبَيْتِ بِالْمُشَاهَدَةِ ، صَحَّ فِيهِمَا ؛ لِأَنَّهُمَا كَالصُّبْرَةِ الْوَاحِدَةِ ، وَإِنْ جَهِلَهَا أَحَدُهُمَا ، صَحَّ فِي الْأُولَى وَبَطَلَ فِي الثَّانِيَةِ ؛ لِأَنَّهُمَا عَقْدَانِ أَحَدُهُمَا عَلَى مَعْلُومٍ ، وَالثَّانِي عَلَى مَجْهُولٍ ، فَصَحَّ فِي الْمَعْلُومِ ، وَبَطَلَ فِي الْمَجْهُولِ .\rكَمَا لَوْ قَالَ : بِعْتُك عَبْدِي هَذَا بِعَشَرَةٍ ، وَعَبْدِي الَّذِي فِي الْبَيْتِ بِعَشَرَةٍ الثَّامِنَةُ ، قَالَ : لِتَحْمِلْ لِي هَذِهِ الصُّبْرَةَ وَاَلَّتِي فِي الْبَيْتِ بِعَشَرَةٍ .\rفَإِنْ كَانَا يَعْلَمَانِ الَّتِي فِي الْبَيْتِ ، صَحَّ فِيهِمَا ، وَإِنْ جَهِلَاهَا ، بَطَلَ فِيهِمَا ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ وَاحِدٌ ، بِعِوَضٍ وَاحِدٍ ، عَلَى مَعْلُومٍ وَمَجْهُولٍ ، بِخِلَافِ الَّتِي قَبْلَهَا .\rفَإِنْ كَانَا يَعْلَمَانِ الَّتِي فِي الْبَيْتِ ، لَكِنَّهَا مَغْصُوبَةٌ ، أَوْ امْتَنَعَ تَصْحِيحُ الْعَقْدِ فِيهَا لِمَانِعٍ اخْتَصَّ بِهَا ، بَطَلَ الْعَقْدُ فِيهَا .\rوَفِي صِحَّتِهِ فِي الْأُخْرَى وَجْهَانِ ، بِنَاءً عَلَى تَفْرِيق الصَّفْقَةِ ، إلَّا أَنَّهُمَا إنْ كَانَتْ قُفْزَانُهُمَا مَعْلُومَةً ، أَوْ قَدْرُ أَحَدِهِمَا مَعْلُومًا مِنْ الْأُخْرَى ، فَالْأَوْلَى صِحَّتُهُ ؛ لِأَنَّ قِسْطَ الْأَجْرِ فِيهَا مَعْلُومٌ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ ، فَالْأَوْلَى بُطْلَانُهُ ؛ لِجَهَالَةِ الْعِوَضِ فِيهَا التَّاسِعَةُ ، قَالَ : لِتَحْمِلْ لِي هَذِهِ الصُّبْرَةَ ، وَهِيَ عَشَرَةُ أَقْفِزَةٍ ، بِدِرْهَمٍ ، فَإِنْ زَادَتْ عَلَى ذَلِكَ ، فَالزَّائِدُ بِحِسَابِ ذَلِكَ .\rصَحَّ فِي الْعَشَرَةِ ؛ لِأَنَّهَا مَعْلُومَةٌ ، وَلَمْ يَصِحَّ فِي الزِّيَادَةِ ؛ لِأَنَّهَا مَشْكُوكٌ فِيهَا ، وَلَا يَجُوزُ الْعَقْدُ عَلَى مَا يُشَكُّ فِيهِ .\rالْعَاشِرَةُ ، قَالَ : لِتَحْمِلَ لِي هَذِهِ الصُّبْرَةَ ، كُلُّ قَفِيزٍ بِدِرْهَمٍ ، فَإِنْ قَدِمَ لِي طَعَامٌ فَحَمَلْته ، فَبِحِسَابِ ذَلِكَ .\rصَحَّ أَيْضًا فِي الصُّبْرَةِ ، وَفَسَدَ فِي الزِّيَادَةِ ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ .","part":12,"page":8},{"id":5508,"text":"( 4261 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : ( وَمَنْ اكْتَرَى إلَى مَكَّةَ ، فَلَمْ يَرَ الْجَمَّالُ الرَّاكِبِينَ ، وَالْمَحَامِلَ ، وَالْأَغْطِيَةَ ، وَالْأَوْطِئَةَ ، لَمْ يَجُزْ الْكِرَاءُ ) أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى إجَازَةِ كِرَاءِ الْإِبِلِ إلَى مَكَّةَ وَغَيْرِهَا ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا } .\rوَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الْمَمْلُوكَةِ وَالْمُكْتَرَاةِ .\rوَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، فِي قَوْله تَعَالَى : { لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ } : أَنْ تَحُجَّ وَتُكْرِيَ .\rوَنَحْوُهُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، وَلِأَنَّ بِالنَّاسِ حَاجَةً إلَى السَّفَرِ ، وَقَدْ فَرَضَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ الْحَجَّ ، وَأَخْبَرَ أَنَّهُمْ يَأْتُونَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ .\rوَلَيْسَ لِكُلِّ أَحَدٍ بَهِيمَةٌ يَمْلِكُهَا ، وَلَا يَقْدِرُ عَلَى مُعَانَاتِهَا ، وَالْقِيَامِ بِهَا ، وَالشَّدِّ عَلَيْهَا ، فَدَعَتْ الْحَاجَةُ إلَى اسْتِئْجَارِهَا ، فَجَازَ ، دَفْعًا لِلْحَاجَةِ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَمِنْ شَرْطِ صِحَّةِ الْعَقْدِ مَعْرِفَةُ الْمُتَعَاقِدَيْنِ مَا عَقَدَا عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ مَحْضَةٍ ، فَكَانَ مِنْ شَرْطِهِ الْمَعْرِفَةُ لِلْمَعْقُودِ عَلَيْهِ ، كَالْبَيْعِ فَأَمَّا الْجَمَّالُ فَيَحْتَاجُ إلَى مَعْرِفَةِ الرَّاكِبِينَ ، وَالْآلَةِ الَّتِي يَرْكَبُونَ فِيهَا ، مِنْ مَحْمِلٍ أَوْ مَحَارَةٍ وَغَيْرِهَا ، وَإِنْ كَانَ مُقَتَّبًا ذَكَرَهُ ، وَهَلْ يَكُونُ مُغَطًّى أَوْ مَكْشُوفًا ، فَإِنْ كَانَ مُغَطًّى اُحْتِيجَ إلَى مَعْرِفَةِ الْغِطَاءِ ، وَيَحْتَاجُ إلَى مَعْرِفَةِ الْوِطَاءِ الَّذِي يُوطَأُ بِهِ الْمَحْمِلُ ، وَالْمَعَالِيقِ الَّتِي مَعَهُ مِنْ قِرْبَةٍ وَسَطِيحَةٍ وَسُفْرَةٍ وَنَحْوِهَا ، وَذِكْرِ سَائِرِ مَا يَحْمِلُ مَعَهُ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ ، إلَّا أَنَّ الشَّافِعِيَّ قَالَ : يَجُوزُ إطْلَاقُ غِطَاءِ الْمَحْمِلِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْتَلِفُ اخْتِلَافًا مُتَبَايِنًا وَحُكِيَ عَنْهُ فِي الْمَعَالِيقِ قَوْلٌ ، أَنَّهُ يَجُوزُ إطْلَاقُهَا ، وَتُحْمَلُ عَلَى الْعُرْفِ .","part":12,"page":9},{"id":5509,"text":"وَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ ، أَنَّهُ يَجُوزُ إطْلَاقُ الرَّاكِبِينَ ؛ لِأَنَّ أَجْسَامَ النَّاسِ مُتَقَارِبَةٌ فِي الْغَالِبِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إذَا قَالَ : فِي الْمَحْمِلِ رَجُلَانِ ، وَمَا يُصْلِحُهُمَا مِنْ الْوِطَاءِ وَالدُّثُرِ .\rجَازَ اسْتِحْسَانًا ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَتَقَارَبُ فِي الْعَادَةِ ، فَحُمِلَ عَلَى الْعَادَةِ ، كَالْمَعَالِيقِ وَقَالَ الْقَاضِي فِي غِطَاءِ الْمَحْمِلِ كَقَوْلِ الشَّافِعِيِّ .\rوَلَنَا ، أَنَّ هَذَا يَخْتَلِفُ وَيَتَبَايَنُ كَثِيرًا ، فَاشْتُرِطَتْ مَعْرِفَتُهُ ، كَالطَّعَامِ الَّذِي يَحْمِلُ مَعَهُ .\rوَقَوْلُهُمْ : إنَّ أَجْسَامَ النَّاسِ مُتَقَارِبَةٌ .\rلَا يَصِحُّ ؛ فَإِنَّ مِنْهُمْ الْكَبِيرَ وَالصَّغِيرَ ، وَالطَّوِيلَ وَالْقَصِيرَ ، وَالسَّمِينَ وَالْهَزِيلَ ، وَالذَّكَرَ وَالْأُنْثَى ، وَيَخْتَلِفُونَ بِذَلِكَ ، وَيَتَبَايَنُونَ كَثِيرًا ، وَيَتَفَاوَتُونَ أَيْضًا فِي الْمَعَالِيقِ ، فَمِنْهُمْ مِنْ يُكْثِرُ الزَّادَ وَالْحَوَائِجَ ، وَمِنْهُمْ مِنْ يَقْنَعُ بِالْيَسِيرِ ، وَلَا عُرْفَ لَهُ يُرْجَعُ إلَيْهِ ، فَاشْتُرِطَتْ مَعْرِفَتُهُ ، كَالْمَحْمِلِ وَالْأَوْطِئَةِ وَكَذَلِكَ غِطَاءُ الْمَحْمِلِ ، مِنْ النَّاسِ مَنْ يَخْتَارُ الْوَاسِعَ الثَّقِيلَ الَّذِي يَشْتَدُّ عَلَى الْحَمْلِ فِي الْهَوَاءِ ، وَمِنْهُمْ مِنْ يَقْنَعُ بِالضَّيِّقِ الْخَفِيفِ ، فَتَجِبُ مَعْرِفَتُهُ ، كَسَائِرِ مَا ذَكَرْنَا وَأَمَّا الْمُسْتَأْجِرُ ، فَيَحْتَاجُ إلَى مَعْرِفَةِ الدَّابَّةِ الَّتِي يَرْكَبُ عَلَيْهَا ؛ لِأَنَّ الْغَرَضَ يَخْتَلِفُ بِذَلِكَ ، وَتَحْصُلُ بِأَحَدِ أَمْرَيْنِ إمَّا بِالرُّؤْيَةِ ، فَيُكْتَفَى بِهَا ؛ لِأَنَّهَا أَعْلَى طُرُقِ الْعِلْمِ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّا يَحْتَاجُ إلَى مَعْرِفَةِ صِفَةِ الْمُسَمَّى فِيهِ ، كَالرَّاهُولِ وَغَيْرِهِ ، فَإِمَّا أَنْ يُجَرِّبَهُ فَيَعْلَمَ ذَلِكَ بِرُؤْيَتِهِ ، وَإِمَّا أَنْ يَصِفَهُ ، وَإِمَّا بِالصِّفَةِ ، فَإِذَا وُجِدَتْ اكْتَفِي بِهَا ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ ضَبْطُهُ بِالصِّفَةِ ، فَجَازَ الْعَقْدُ عَلَيْهِ ، كَالْبَيْعِ .","part":12,"page":10},{"id":5510,"text":"وَإِذَا اسْتَأْجَرَ بِالصِّفَةِ لِلرُّكُوبِ ، احْتَاجَ إلَى ذِكْرِ الْجِنْسِ ، فَيَقُول : إبِلٌ ، أَوْ خَيْلٌ ، أَوْ بِغَالٌ ، أَوْ حَمِيرٌ .\rوَالنَّوْعِ فَيَقُولُ : بَخْتِيٌّ ، أَوْ عَرَبِيٌّ .\rوَفِي الْخَيْلِ : عَرَبِيٌّ أَوْ بِرْذَوْنٌ .\rوَفِي الْحَمِيرِ : مِصْرِيٌّ أَوْ شَامِيٌّ .\rوَإِنْ كَانَ فِي النَّوْعِ مَا يَخْتَلِفُ ، كَالْمُهَمْلَجِ مِنْ الْخَيْلِ ، وَالْقُطُوفِ ، اُحْتِيجَ إلَى ذِكْرِهِ .\rوَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى مَعْرِفَةِ الذُّكُورِيَّةِ وَالْأُنُوثِيَّةِ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ الْغَرَضَ يَخْتَلِفُ بِذَلِكَ ، فَإِنَّ الْأُنْثَى أَسْهَلُ وَالذَّكَرَ أَقْوَى وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى مَعْرِفَةِ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ التَّفَاوُتَ فِيهِ يَسِيرٌ ، وَمَتَى كَانَ الْكِرَاءُ إلَى مَكَّةَ ، فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى ذِكْرِ الْجِنْسِ وَلَا النَّوْعِ ؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ أَنَّ الَّذِي يُحْمَلُ عَلَيْهِ فِي طَرِيقِ مَكَّةَ إنَّمَا هُوَ الْجِمَالُ الْعِرَابُ ، دُون الْبَخَاتِيِّ .","part":12,"page":11},{"id":5511,"text":"( 4262 ) فَصْلٌ : وَإِذَا كَانَ الْكِرَاءُ إلَى مَكَّةَ ، أَوْ طَرِيقٍ لَا يَكُونُ السَّيْرُ فِيهِ إلَى اخْتِيَارِ الْمُتَكَارِيَيْنِ ، فَلَا وَجْهَ لِذِكْرِ تَقْدِيرِ السَّيْرِ فِيهِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ إلَيْهِمَا ، وَلَا مَقْدُورًا عَلَيْهِ لَهُمَا .\rوَإِنْ كَانَ فِي طَرِيقٍ السَّيْرُ فِيهِ إلَيْهِمَا ، اُسْتُحِبَّ ذِكْرُ قَدْرِ السَّيْرِ فِي كُلِّ يَوْمٍ .\rفَإِنْ أَطْلَقَ وَلِلطَّرِيقِ مَنَازِلُ مَعْرُوفَةٌ ، جَازَ الْعَقْدُ عَلَيْهِ مُطْلَقًا ؛ لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ بِالْعُرْفِ .\rوَمَتَى اخْتَلَفَا فِي ذَلِكَ ، وَفِي مِيقَاتِ السَّيْرِ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا ، أَوْ فِي مَوْضِعِ الْمَنْزِلِ ، إمَّا فِي دَاخِلِ الْبَلَدِ أَوْ خَارِجٍ مِنْهُ ، حَمْلًا عَلَى الْعُرْفِ ، كَمَا لَوْ أَطْلَقَا الثَّمَنَ فِي بَلَدٍ فِيهِ نَقْدٌ مَعْرُوفٌ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلطَّرِيقِ عُرْفٌ ، وَأَطْلَقَا الْعَقْدَ ، فَقَالَ الْقَاضِي : لَا يَصِحُّ ، كَمَا لَوْ أَطْلَقَا الثَّمَنَ فِي بَلَدٍ لَا عُرْفَ فِيهِ .\rوَالْأَوْلَى أَنَّ هَذَا لَيْسَ بِشَرْطٍ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ شَرْطًا لَمَا صَحَّ الْعَقْدُ بِدُونِهِ فِي الطَّرِيقِ الْمَخُوفِ ، وَلِأَنَّهُ لَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِتَقْدِيرِ السَّيْرِ فِي طَرِيقٍ ، وَمَتَى اخْتَلَفَا ، رُجِعَ إلَى الْعُرْفِ فِي غَيْرِ تِلْكَ الطَّرِيقِ .","part":12,"page":12},{"id":5512,"text":"( 4263 ) فَصْلٌ : وَإِنْ اشْتَرَطَ حَمْلَ زَادٍ مُقَدَّرٍ ، كَمِائَةِ رِطْلٍ ، نَظَرْنَا ؛ فَإِنْ شَرَطَ أَنَّهُ يُبْدِلُ مِنْهَا مَا نَقَصَ بِالْأَكْلِ أَوْ غَيْرِهِ ، فَلَهُ ذَلِكَ ، وَإِنْ شَرَطَ أَنَّ مَا نَقَصَ بِالْأَكْلِ لَا يُبْدِلُهُ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ إبْدَالُهُ .\rفَإِنْ ذَهَبَ بِغَيْرِ الْأَكْلِ ، كَسَرِقَةٍ أَوْ سُقُوطٍ ، فَلَهُ إبْدَالُهُ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَدْخُلْ فِي شَرْطِهِ .\rوَإِنْ أَطْلَقَ الْعَقْدَ ، فَلَهُ إبْدَالُ مَا ذَهَبَ بِسَرِقَةِ أَوْ سُقُوطٍ أَوْ أَكْلٍ غَيْرِ مُعْتَادٍ ، بِغَيْرِ خِلَافٍ .\rوَإِنْ نَقَصَ بِالْأَكْلِ الْمُعْتَادِ ، فَلَهُ إبْدَالُهُ أَيْضًا ؛ لِأَنَّهُ اسْتَحَقَّ حَمْلَ مِقْدَارٍ مَعْلُومٍ ، فَمَلَكَ إبْدَالَ مَا نَقَصَ مِنْهُ ، كَمَا لَوْ نَقَصَ بِسَرِقَةٍ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ إبْدَالَهُ ؛ لِأَنَّ الْعُرْفَ جَارٍ بِأَنَّ الزَّادَ يَنْقُصُ ، فَلَا يُبْدَلُ ، فَحُمِلَ الْعَقْدُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ عَلَى الْعُرْفِ ، وَصَارَ كَالْمُصَرَّحِ بِهِ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : الْقِيَاسُ أَنَّ لَهُ إبْدَالَهُ .\rوَلَوْ قِيلَ : لَيْسَ لَهُ إبْدَالُهُ .\rكَانَ مَذْهَبًا ؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ أَنَّ الزَّادَ لَا يَبْقَى جَمِيعَ الْمَسَافَةِ ، وَلِذَلِكَ يَقِلُّ أَجْرُهُ عَنْ أَجْرِ الْمَتَاعِ .","part":12,"page":13},{"id":5513,"text":"( 4264 ) فَصْلٌ : وَإِذَا اكْتَرَى جَمَلًا لِيَحُجَّ عَلَيْهِ ، فَلَهُ الرُّكُوبُ عَلَيْهِ إلَى مَكَّةَ ، وَمِنْ مَكَّةَ إلَى عَرَفَةَ ، وَالْخُرُوجُ عَلَيْهِ إلَى مِنَى ؛ لِأَنَّهُ مِنْ تَمَامِ الْحَجِّ .\rوَقِيلَ : لَيْسَ لَهُ الرُّكُوبُ إلَى مِنَى ؛ لِأَنَّهُ بَعْدَ التَّحَلُّلِ مِنْ الْحَجِّ .\rوَالْأَوْلَى أَنَّ لَهُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ تَمَامِ الْحَجِّ وَتَوَابِعِهِ ، وَلِذَلِكَ وَجَبَ عَلَى مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ دُونَ غَيْرِهِ ، فَدَخَلَ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إلَيْهِ سَبِيلًا } وَمَنْ اكْتَرَى إلَى مَكَّةَ فَقَطْ ، فَلَيْسَ لَهُ الرُّكُوبُ إلَى الْحَجِّ ؛ لِأَنَّهَا زِيَادَةٌ .\rوَيُحْتَمَلُ أَنَّ لَهُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الْكِرَاءَ إلَى مَكَّةَ عِبَارَةٌ عَنْ الْكِرَاءِ لِلْحَجِّ ، لِكَوْنِهَا لَا يُكْتَرَى إلَيْهَا إلَّا لِلْحَجِّ غَالِبًا ، فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ الْمُكْتَرِي لِلْحَجِّ .","part":12,"page":14},{"id":5514,"text":"( 4265 ) فَصْلٌ : فِيمَا يَلْزَمُ الْمُكْرِيَ وَالْمُكْتَرِيَ لِلرُّكُوبِ ، يَلْزَمُ الْمُكْرِيَ كُلُّ مَا جَرَتْ الْعَادَةُ أَنْ يُوطَأَ بِهِ الْمَرْكُوبُ لِلرَّاكِبِ ، مِنْ الْحِدَاجَةِ لِلْجَمَلِ ، وَالْقَتَبِ ، وَالزِّمَامِ الَّذِي يُقَادُ بِهِ الْبَعِيرُ ، وَالْبَرَّةِ الَّتِي فِي أَنْفِ الْبَعِيرِ ، إنْ كَانَتْ الْعَادَةُ جَارِيَةً بَيْنَهُمْ بِهَا .\rوَإِنْ كَانَ فَرَسًا ، فَاللِّجَامُ وَالسَّرْجُ .\rوَإِنْ كَانَ بَغْلًا أَوْ حِمَارًا فَالْبَرْذَعَةُ وَالْإِكَافُ ؛ لِأَنَّ هَذَا هُوَ الْعُرْفُ ، فَحُمِلَ الْإِطْلَاقُ عَلَيْهِ .\rوَعَلَى الْمُكْتَرِي مَا يَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ ، كَالْمَحْمِلِ ، وَالْمَحَارَةِ ، وَالْحَبْلِ الَّذِي يُشَدُّ بِهِ بَيْنَ الْمَحْمِلَيْنِ أَوْ الْمَحَارَتَيْنِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ مَصْلَحَةِ الْمَحْمِلِ ، وَالْوِطَاءِ الَّذِي يُشَدُّ فَوْقَ الْحِدَاجَةِ تَحْتَ الْمَحْمِلِ وَعَلَى الْمُكْرِي رَفْعُ الْمَحْمِلِ ، وَحَطُّهُ ، وَشَدُّهُ عَلَى الْجَمَلِ ، وَرَفْعُ الْأَحْمَالِ وَشَدُّهَا وَحَطُّهَا ؛ لِأَنَّ هَذَا هُوَ الْعُرْفُ ، وَبِهِ يَتَمَكَّنُ مِنْ الرُّكُوبِ .\rوَيَلْزَمُهُ الْقَائِدُ وَالسَّائِقُ ، هَذَا إذَا كَانَ الْكِرَاءُ عَلَى أَنْ يَذْهَبَ مَعَ الْمُكْتَرِي ، وَإِنْ كَانَ عَلَى أَنْ يَتَسَلَّمَ الرَّاكِبُ الْبَهِيمَةَ يَرْكَبُهَا لِنَفْسِهِ ، فَكُلُّ ذَلِكَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ الَّذِي عَلَى الْمُكْرِي تَسْلِيمُ الْبَهِيمَةِ ، وَقَدْ سَلَّمَهَا إلَيْهِ .\rفَأَمَّا الدَّلِيلُ فَهُوَ عَلَى الْمُكْتَرِي ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ خَارِجٌ عَنْ الْبَهِيمَةِ الْمُكْتَرَاةِ وَآلَتِهَا ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ ، كَالزَّادِ .\rوَقِيلَ : إنْ كَانَ اكْتَرَى مِنْهُ بَهِيمَةً بِعَيْنِهَا ، فَأُجْرَةُ الدَّلِيلِ عَلَى الْمُكْتَرِي ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي عَلَيْهِ أَنْ يُسَلِّمَ الظَّهْرَ ، وَقَدْ سَلَّمَهُ ، وَإِنْ كَانَتْ عَلَى حَمْلِهِ إلَى مَكَان مُعَيَّنٍ فِي الذِّمَّةِ ، فَهُوَ عَلَى الْمُكْرِي ؛ لِأَنَّهُ مِنْ مُؤْنَةِ إيصَالِهِ إلَيْهِ ، وَتَحْصِيلِهِ فِيهِ .","part":12,"page":15},{"id":5515,"text":"فَصْلٌ : وَإِذَا كَانَ الرَّاكِبُ مِمَّنْ لَا يَقْدِرُ عَلَى الرُّكُوبِ وَالْبَعِيرُ قَائِمٌ ، كَالْمَرْأَةِ وَالشَّيْخِ وَالضَّعِيفِ وَالسَّمِينِ وَشِبْهِهِمْ ، فَعَلَى الْجَمَّالِ أَنْ يُبْرِكَ الْجَمَلَ لِرُكُوبِهِ وَنُزُولِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ الرُّكُوبِ وَالنُّزُولِ إلَّا بِهِ .\rوَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يُمْكِنُهُ الرُّكُوبُ وَالنُّزُولُ وَالْبَعِيرُ قَائِمٌ ، لَمْ يَلْزَم الْجَمَّالَ أَنْ يُبْرِكَ لَهُ الْجَمَلَ ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ اسْتِيفَاءُ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ بِدُونِ هَذِهِ الْكُلْفَةِ .\rوَإِنْ كَانَ قَوِيًّا حَالَ الْعَقْدِ ، فَضَعُفَ فِي أَثْنَائِهِ ، أَوْ ضَعِيفًا فَقَوِيَ ، فَالِاعْتِبَارُ بِحَالِ الرُّكُوبِ ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ اقْتَضَى رُكُوبَهُ بِحَسَبِ الْعَادَةِ .\rوَيَلْزَمُ الْجَمَّالَ أَنْ يُوقِفَ الْبَعِيرَ لِيَنْزِلَ لِصَلَاةِ الْفَرِيضَةِ .\rوَقَضَاءِ حَاجَةِ الْإِنْسَانِ ، وَطَهَارَتِهِ ، وَيَدَعُ الْبَعِيرَ وَاقِفًا حَتَّى يَفْعَلَ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ فِعْلُ شَيْءٍ مِنْ هَذَا عَلَى ظَهْرِ الْبَعِيرِ ، وَمَا أَمْكَنَهُ فِعْلُهُ عَلَيْهِ مِنْ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَصَلَاةِ النَّافِلَةِ مِنْ السُّنَنِ وَغَيْرِهَا ، لَمْ يَلْزَمْهُ أَنْ يُبْرِكَهُ لَهُ ، وَلَا يَقِفَ عَلَيْهِ مِنْ أَجْلِهِ وَإِنْ أَرَادَ الْمُكْتَرِي إتْمَامَ الصَّلَاةِ ، وَطَالَبَهُ الْجَمَّالُ بِقَصْرِهَا ، لَمْ يَلْزَمْهُ ذَلِكَ ؛ بَلْ تَكُونُ خَفِيفَةً فِي تَمَامٍ .","part":12,"page":16},{"id":5516,"text":"وَمِنْ اكْتَرَى بَعِيرًا لَإِنْسَانٍ يَرْكَبُهُ لِنَفْسِهِ ، وَسَلَّمَهُ إلَيْهِ لَمْ يَلْزَمْهُ سِوَى ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ وَفَّى لَهُ بِمَا عَقَدَ عَلَيْهِ ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ سِوَاهُ .","part":12,"page":17},{"id":5517,"text":"( 4267 ) فَصْلٌ : وَإِذَا اكْتَرَى ظَهْرًا فِي طَرِيقٍ الْعَادَةُ فِيهِ النُّزُولُ وَالْمَشْيُ عِنْدَ اقْتِرَابِ الْمَنْزِلِ ، وَالْمُكْتَرِي امْرَأَةٌ أَوْ ضَعِيفٌ ، لَمْ يَلْزَمْهُ النُّزُولُ ؛ لِأَنَّهُ اكْتَرَاهُ جَمِيعَ الطَّرِيقِ ، وَلَمْ تَجْرِ لَهُ عَادَةٌ بِالْمَشْيِ ، فَلَزِمَ حَمْلُهُ فِي جَمِيعِ الطَّرِيقِ ، كَالْمَتَاعِ .\rوَإِنْ كَانَ جَلْدًا قَوِيًّا ، فَفِيهِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا ، لَا يَلْزَمُهُ النُّزُولُ أَيْضًا ؛ لِأَنَّهُ عَقَدَ عَلَى جَمِيعِ الطَّرِيقِ ، فَلَا يَلْزَمُهُ تَرْكُهُ فِي بَعْضِهَا كَالضَّعِيفِ .\rوَالثَّانِي يَلْزَمُهُ ؛ لِأَنَّهُ مُتَعَارَفٌ ، وَالْمُتَعَارَفُ كَالْمَشْرُوطِ .","part":12,"page":18},{"id":5518,"text":"( 4268 ) فَصْلٌ : وَإِنْ هَرَبَ الْجَمَّالُ فِي بَعْضِ الطَّرِيقِ ، أَوْ قَبْلَ الدُّخُولِ فِيهَا ، لَمْ يَخْلُ مِنْ حَالَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، أَنْ يَهْرُبَ بِجِمَالِهِ ، فَيُنْظَرُ ؛ فَإِنْ لَمْ يَجِد الْمُسْتَأْجِرُ حَاكِمًا ، أَوْ وَجَدَ حَاكِمًا وَلَمْ يُمْكِنْ إثْبَاتُ الْحَالِ عِنْدَهُ ، أَوْ أَمْكَنَ الْإِثْبَاتُ عِنْدَهُ وَلَا يَحْصُلُ لَهُ مَا يَكْتَرِي بِهِ مَا يَسْتَوْفِي حَقَّهُ مِنْهُ ، فَلِلْمُسْتَأْجِرِ فَسْخُ الْإِجَارَةِ ؛ لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ قَبْضُ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَفْلَسَ الْمُشْتَرِي ، أَوْ انْقَطَعَ الْمُسْلَمُ فِيهِ عِنْدَ مَحَلِّهِ .\rفَإِنْ فَسَخَ الْعَقْدَ ، وَكَانَ الْجَمَّالُ قَدْ قَبَضَ الْأَجْرَ ، كَانَ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِ ، وَإِنْ اخْتَارَ الْمُقَامَ عَلَى الْعَقْدِ ، وَكَانَتْ الْإِجَارَةُ عَلَى عَمَلٍ فِي الذِّمَّةِ ، فَلَهُ ذَلِكَ ، وَمَتَى قَدَرَ عَلَى الْجَمَّالِ طَالَبَهُ بِهِ ، وَإِنْ كَانَ الْعَقْدُ عَلَى مُدَّةٍ انْقَضَتْ فِي هَرَبِهِ ، انْفَسَخَ الْعَقْدُ بِذَلِكَ وَإِنْ أَمْكَنَهُ إثْبَاتُ الْحَالِ عِنْدَ الْحَاكِمِ ، وَكَانَ الْعَقْدُ عَلَى مَوْصُوفٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ ، لَمْ يَنْفَسِخْ الْعَقْدُ ، وَيَرْفَعُ الْأَمْرَ إلَى الْحَاكِمِ ، وَيُثْبِتُ عِنْدَهُ ، فَيَنْظُرُ الْحَاكِمُ ، فَإِنْ وَجَدَ لِلْجَمَّالِ مَالًا اكْتَرَى بِهِ لَهُ ، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ لَهُ مَالًا ، وَأَمْكَنَهُ أَنْ يَقْتَرِضَ عَلَى الْجَمَّالِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ ، أَوْ مِنْ غَيْرِهِ مَا يَكْتَرِي لَهُ بِهِ ، فَعَلَ ، فَإِنْ دَفَعَ الْحَاكِمُ الْمَالَ إلَى الْمُكْتَرِي لِيَكْتَرِيَ لِنَفْسِهِ بِهِ ، جَازَ فِي ظَاهِرِ كَلَامِ أَحْمَدَ .\rوَإِنْ اقْتَرَضَ عَلَيْهِ مِنْ الْمُكْتَرِي مَا يُكْرِي بِهِ ، جَازَ ، وَصَارَ دَيْنًا فِي ذِمَّةِ الْجَمَّالِ .\rوَإِنْ كَانَ الْعَقْدُ عَلَى مُعَيَّنٍ ، لَمْ يَجُزْ إبْدَالُهُ ، وَلَا اكْتِرَاءُ غَيْرِهِ ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ تَعَلَّقَ بِعَيْنِهِ ، فَيَتَخَيَّرُ الْمُكْتَرِي بَيْنَ الْفَسْخِ أَوْ الْبَقَاءِ إلَى أَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ ، فَيُطَالِبَهُ بِالْعَمَلِ .\rالْحَالُ الثَّانِي إذَا هَرَبَ الْجَمَّالُ ، وَتَرَكَ جِمَالَهُ ، فَإِنَّ الْمُكْتَرِيَ يَرْفَعُ الْأَمْرَ إلَى الْحَاكِمِ ،","part":12,"page":19},{"id":5519,"text":"فَإِنْ وَجَدَ لِلْجَمَّالِ مَالًا ، اسْتَأْجَرَ بِهِ مَنْ يَقُومُ مَقَامَ الْجَمَّالِ فِي الْإِنْفَاقِ عَلَى الْجِمَالِ ، وَالشَّدِّ عَلَيْهَا ، وَحِفْظِهَا وَفِعْلِ مَا يَلْزَمُ الْجَمَّالَ فِعْلُهُ ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ لَهُ غَيْرَ الْجِمَالِ ، وَكَانَ فِيهَا فَضْلَةٌ عَنْ الْكِرَاءِ ، بَاعَ بِقَدْرِ ذَلِكَ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا فَضْلٌ ، أَوْ لَمْ يُمْكِنْ بَيْعُهُ ، اقْتَرَضَ عَلَيْهِ الْحَاكِمُ ، كَمَا قُلْنَا .\rوَإِنْ ادَّانَ مِنْ الْمُكْتَرِي وَأَنْفَقَ ، جَازَ وَإِنْ أَذِنَ لِلْمُكْتَرِي فِي الْإِنْفَاقِ مِنْ مَالِهِ بِالْمَعْرُوفِ ، لِيَكُونَ دَيْنًا عَلَى الْجَمَّالِ ، جَازَ ؛ لِأَنَّهُ فِي مَوْضِعِ حَاجَةٍ .\rوَإِذَا رَجَعَ الْجَمَّالُ ، وَاخْتَلَفَا فِيمَا أَنْفَقَ ، نَظَرْنَا ؛ فَإِنْ كَانَ الْحَاكِمُ قَدَّرَ لَهُ مَا يُنْفِقُ ، قُبِلَ قَوْلُهُ فِي قَدْرِ ذَلِكَ ، وَمَا زَادَ لَا يُحْتَسَبُ لَهُ ، وَإِنْ لَمْ يُقَدِّرْ لَهُ ، قُبِلَ قَوْلُهُ فِي قَدْرِ النَّفَقَةِ بِالْمَعْرُوفِ ؛ لِأَنَّهُ أَمِينٌ ، وَمَا زَادَ لَا يَرْجِعُ بِهِ ؛ لِأَنَّهُ مُتَطَوِّعٌ بِهِ .\rوَإِذَا وَصَلَ الْمُكْتَرِي ، رَفَعَ الْأَمْرَ إلَى الْحَاكِمِ ، فَفَعَلَ مَا يَرَى الْحَظَّ فِيهِ ، مِنْ بَيْعِ الْجِمَالِ ، فَيُوَفِّي عَنْ الْجَمَّالِ مَا لَزِمَهُ مِنْ الدِّينِ لِلْمُكْتَرِي أَوْ لِغَيْرِهِ ، وَيَحْفَظُ بَاقِيَ الثَّمَنِ لَهُ وَإِنْ رَأَى بَيْعَ بَعْضِهَا ، وَحِفْظَ بَاقِيهَا ، وَالْإِنْفَاقَ عَلَى الْبَاقِي مِنْ ثَمَنِ مَا بَاعَ ، جَازَ .\rوَإِنْ لَمْ يَجِدْ حَاكِمًا ، أَوْ عَجَزَ عَنْ اسْتِدَانَةٍ ، فَلَهُ أَنْ يُنْفِقَ عَلَيْهَا ، وَيُقِيمَ مُقَامَ الْجَمَّالِ فِيمَا يَلْزَمُهُ ، فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ مُتَبَرِّعًا ، لَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءِ .\rوَإِنْ نَوَى الرُّجُوعَ ، وَأَشْهَدَ عَلَى ذَلِكَ ، رَجَعَ بِهِ ؛ لِأَنَّهُ حَالُ ضَرُورَةٍ .\rوَهَذَا أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِلشَّافِعِي .\rوَإِنْ لَمْ يُشْهِدْ ، وَنَوَى الرُّجُوعَ ، فَفِي الرُّجُوعِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، يَرْجِعُ بِهِ ؛ لِأَنَّ تَرْكَ الْجِمَالِ مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّهَا لَا بُدَّ لَهَا مِنْ نَفَقَةٍ إذْنٌ فِي الْإِنْفَاقِ .\rوَالثَّانِي لَا يَرْجِعُ بِهِ ؛ لِأَنَّهُ يُثْبِتُ لِنَفْسِهِ حَقًّا عَلَى غَيْرِهِ","part":12,"page":20},{"id":5520,"text":"وَكَذَلِكَ إنْ لَمْ يَجِدْ مِنْ يُشْهِدُهُ فَأَنْفَقَ مُحْتَسِبًا بِالرُّجُوعِ .\rوَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنَّ لَهُ الرُّجُوعَ ؛ لِقَوْلِنَا : يَرْجِعُ بِمَا أَنْفَقَ عَلَى الْآبِقِ ، وَعَلَى عِيَالِ الْغَائِبِ وَزَوْجَاتِهِ ، وَالدَّابَّةِ الْمَرْهُونَةِ .\rوَلَوْ قَدَرَ عَلَى اسْتِئْذَانِ الْحَاكِمِ ، فَأَنْفَقَ مِنْ غَيْرِ اسْتِئْذَانِهِ ، وَأَشْهَدَ عَلَى ذَلِكَ ، فَفِي رُجُوعِهِ وَجْهَانِ أَيْضًا .\rوَحُكْمُ مَوْتِ الْجَمَّالِ ، حُكْمُ هَرَبِهِ .\rوَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : مَذْهَبُ أَحْمَدَ ، أَنَّ الْمَوْتَ لَا يَفْسَخُ الْإِجَارَةَ ، وَلَهُ أَنْ يَرْكَبَهَا ، وَلَا يُسْرِفُ فِي عَلْفِهَا ، وَلَا يُقَصِّرُ ، وَيَرْجِعُ بِذَلِكَ فِي مَالِ الْمُتَوَفَّى ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي يَدِ الْمُسْتَأْجِرِ مَا يُنْفِقُهُ ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يَبِيعَ مِنْهَا شَيْئًا ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ إنَّمَا يَجُوزُ مِنْ الْمَالِكِ ، أَوْ مِنْ نَائِبِهِ ، أَوْ مِمَّنْ لَهُ وِلَايَةٌ عَلَيْهِ .","part":12,"page":21},{"id":5521,"text":"( 4269 ) فَصْلٌ : قَالَ أَصْحَابُنَا : يَصِحُّ كِرَاءُ الْعَقَبَةِ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ، وَمَعْنَاهَا : الرُّكُوبُ فِي بَعْضِ الطَّرِيقِ ، يَرْكَبُ شَيْئًا وَيَمْشِي شَيْئًا ؛ لِأَنَّهُ إذَا جَازَ اكْتِرَاؤُهَا فِي الْجَمِيعِ ، جَازَ اكْتِرَاؤُهَا فِي الْبَعْضِ .\rوَلَا بُدَّ مِنْ كَوْنِهَا مَعْلُومَةً ، إمَّا أَنْ يُقَدِّرَهَا بِفَرَاسِخَ مَعْلُومَةٍ ، وَإِمَّا بِالزَّمَانِ ، مِثْلَ أَنْ يَرْكَبَ لَيْلًا وَيَمْشِيَ نَهَارًا ، وَيُعْتَبَرُ فِي هَذَا زَمَانُ السَّيْرِ دُونَ زَمَانِ النُّزُولِ .\rوَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى أَنْ يَرْكَبَ يَوْمًا وَيَمْشِيَ يَوْمًا ، جَازَ .\rفَإِنْ اكْتَرَى عُقْبَةً ، وَأَطْلَقَ ، احْتَمَلَ أَنْ يَجُوزَ ، وَيُحْمَلُ عَلَى الْعُرْفِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَصِحَّ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ ، وَلَيْسَ لَهُ ضَابِطٌ ، فَيَكُونُ مَجْهُولًا .\rوَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى أَنْ يَرْكَبَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ، وَيَمْشِيَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ، أَوْ مَا زَادَ وَنَقَصَ ، جَازَ .\rوَإِنْ اخْتَلَفَا ، لَمْ يُجْبَرْ الْمُمْتَنِعُ مِنْهُمَا ؛ لِأَنَّ فِيهِ ضَرَرًا عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ؛ الْمَاشِي لِدَوَامِ الْمَشْيِ عَلَيْهِ ، وَعَلَى الْجَمَلِ لِدَوَامِ الرُّكُوبِ عَلَيْهِ ، وَلِأَنَّهُ إذَا رَكِبَ بَعْدَ شِدَّةِ تَعَبِهِ كَانَ أَثْقَلَ عَلَى الْبَعِيرِ .","part":12,"page":22},{"id":5522,"text":"وَإِنْ اكْتَرَى اثْنَانِ جَمَلًا يَرْكَبَانِهِ عُقْبَةً وَعُقْبَةً ، جَازَ ، وَيَكُونُ كِرَاؤُهُمَا طُولَ الطَّرِيقِ ، وَالِاسْتِيفَاءُ بَيْنَهُمَا عَلَى مَا يَتَّفِقَانِ عَلَيْهِ .\rوَإِنْ تَشَاحَّا ، قُسِمَ بَيْنَهُمَا لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَرَاسِخُ مَعْلُومَةٌ ، أَوْ لِأَحَدِهِمَا اللَّيْلُ وَلِلْآخَرِ النَّهَارُ .\rوَإِنْ كَانَ لِذَلِكَ عُرْفٌ ، رُجِعَ إلَيْهِ .\rوَإِنْ اخْتَلَفَا فِي الْبَادِئ مِنْهُمَا ، أُقْرِعَ بَيْنَهُمَا .\rوَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَصِحَّ كِرَاؤُهُمَا ، إلَّا أَنْ يَتَّفِقَا عَلَى رُكُوبِ مَعْلُومٍ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ عَلَى مَجْهُولٍ بِالنِّسْبَةِ إلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ، فَلَمْ يَصِحَّ ، كَمَا لَوْ اشْتَرَيَا عَبْدَيْنِ عَلَى أَنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَبْدًا مُعَيَّنًا مِنْهُمَا .","part":12,"page":23},{"id":5523,"text":"( 4270 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : ( فَإِنْ رَأَى الرَّاكِبَيْنِ ، أَوْ وُصِفَا لَهُ ، وَذَكَرَ الْبَاقِيَ بِأَرْطَالٍ مَعْلُومَةٍ ، فَجَائِزٌ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْمَعْرِفَةَ بِالْوَصْفِ تَقُومُ مَقَامَ الرُّؤْيَةِ فِي الرَّاكِبَيْنِ ، إذَا وَصَفَهُمَا بِمَا يَخْتَلِفَانِ بِهِ ، فِي الطُّولِ وَالْقِصَرِ ، وَالْهُزَالِ وَالسِّمَنِ ، وَالصِّحَّةِ وَالْمَرَضِ ، وَالصِّغَرِ وَالْكِبَرِ ، وَالذُّكُورِيَّةِ وَالْأُنُوثِيَّةِ ، وَالْبَاقِي يَكْفِي فِيهِ ذِكْرُ الْوَزْنِ .\rوَقَالَ الشَّرِيفُ أَبُو جَعْفَرٍ ، وَأَبُو الْخَطَّابِ : لَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَةِ الرَّاكِبَيْنِ بِالرُّؤْيَةِ ؛ لِأَنَّهُ يَخْتَلِفُ بِثِقْلِهِ وَخِفَّتِهِ ، وَسُكُونِهِ وَحَرَكَتِهِ ، وَلَا يَنْضَبِطُ بِالْوَصْفِ ، فَيَجِبُ تَعْيِينُهُ وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rوَلَهُمْ فِي الْمَحْمِلِ وَجْهٌ ، أَنَّهُ لَا تَكْفِي فِيهِ الصِّفَةُ ، وَيَجِبُ تَعْيِينُهُ وَلَنَا أَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ مُضَافٌ إلَى حَيَوَانٍ ، فَاكْتُفِيَ فِيهِ بِالصِّفَةِ ، كَالْبَيْعِ ، وَكَالْمَرْكُوبِ فِي الْإِجَارَةِ ، وَلِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يُكْتَفَ فِيهِ بِالصِّفَةِ ، لَمَا جَازَ لِلرَّاكِبِ أَنْ يُقِيمَ غَيْرَهُ مُقَامَهُ ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُعْلَمُ كَوْنُهُ مِثْلَهُ لِتَسَاوِيهِمَا فِي الصِّفَاتِ ، فَمَا لَا تَأْتِي عَلَيْهِ الصِّفَاتُ لَا يُعْلَمُ التَّسَاوِي فِيهِ ، وَلِأَنَّ الْوَصْفَ يُكْتَفَى بِهِ فِي الْبَيْعِ ، فَاكْتُفِيَ بِهِ فِي الْإِجَارَةِ ، كَالرُّؤْيَةِ ، وَالتَّفَاوُتُ بَعْدَ ذِكْرِ الصِّفَاتِ الظَّاهِرَةِ يَسِيرٌ تَجْرِي الْمُسَامَحَةُ فِيهِ ، كَالْمُسْلَمِ فِيهِ .","part":12,"page":24},{"id":5524,"text":"( 4271 ) فَصْلٌ : وَيَجُوزُ اكْتِرَاءُ الْإِبِلِ وَالدَّوَابِّ لِلْحُمُولَةِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ } .\rوَالْحُمُولَةُ بِالضَّمِّ : الْأَحْمَالُ .\rوَالْحَمُولَةُ بِالْفَتْحِ : الَّتِي يُحْمَلُ عَلَيْهَا .\rقَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَمِنْ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا } الْحَمُولَةُ : الْكِبَارُ .\rوَالْفَرْشُ : الصِّغَارُ .\rوَقِيلَ الْحَمُولَةُ : الْإِبِلُ .\rوَالْفَرْشُ : الْغَنَمُ ؛ لِأَنَّهَا لَا تَحْمِلُ ، وَلَا يُحْتَاجُ إلَى مَعْرِفَةِ الْحُمُولَةِ ؛ لِأَنَّ الْغَرَضَ حَمْلُ الْمَتَاعِ ، دُونَ مَا يَحْمِلُهُ ، بِخِلَافِ الرُّكُوبِ ، فَإِنَّ لِلرَّاكِبِ غَرَضًا فِي الْمَرْكُوبِ ، مِنْ سُهُولَتِهِ وَحَالِهِ وَسُرْعَتِهِ .\rوَإِنْ اتَّفَقَ وُجُودُ غَرَضٍ فِي الْحُمُولَةِ ، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ الْمَحْمُولُ شَيْئًا يَضُرُّهُ كَثْرَةُ الْحَرَكَةِ ، كَالْفَاكِهَةِ وَالزُّجَاجِ ، أَوْ كَوْنِ الطَّرِيقِ مِمَّا يَعْسُرُ عَلَى بَعْضِهَا دُونَ بَعْضٍ ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُذْكَرَ فِي الْإِجَارَةِ .\rوَأَمَّا الْأَحْمَالُ ، فَلَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَتِهَا ، فَإِنْ لَمْ يَعْرِفْهَا ، لَمْ يَجُزْ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَتَفَاوَتُ كَثِيرًا ، وَيَخْتَلِفُ الْغَرَضُ بِهِ فَإِنْ شَرَطَ أَنْ تَحْمِلَ مَا شَاءَ ، بَطَلَ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُمْكِنُ الْوَفَاءُ بِهِ ، وَيَدْخُلُ فِيهِ مَا يَقْتُلُ الْبَهِيمَةَ .\rوَإِنْ قَالَ : احْتَمِلْ عَلَيْهَا طَاقَتَهَا .\rلَمْ يَجُزْ أَيْضًا ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا ضَابِطَ لَهُ .\rوَتَحْصُلُ الْمَعْرِفَةُ بِطَرِيقَيْنِ : الْمُشَاهَدَةُ ؛ لِأَنَّهَا مِنْ أَعْلَى طُرُقِ الْعِلْمِ ، وَالصِّفَةُ .\rوَيُشْتَرَطُ فِي الصِّفَةِ مَعْرِفَةُ شَيْئَيْنِ : الْقَدْرُ وَالْجِنْسُ ؛ لِأَنَّ الْجِنْسَ يَخْتَلِفُ تَعَبُ الْبَهِيمَةِ بِاخْتِلَافِهِ ، مَعَ التَّسَاوِي فِي الْقَدْرِ ، فَإِنَّ الْقُطْنَ يَضُرُّ بِهَا مِنْ وَجْهٍ ، وَهُوَ أَنَّهُ يَنْتَفِخُ عَلَى الْبَهِيمَةِ .\rفَيَدْخُلُ فِيهِ الرِّيحُ فَيَثْقُلُ ، وَمِثْلُهُ مِنْ الْحَدِيدِ يُؤْذِي مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى ، وَهُوَ أَنَّهُ يَجْتَمِعُ عَلَى مَوْضِعٍ مِنْ الْبَهِيمَةِ ، فَرُبَّمَا عَقَرَهَا ، فَلَا بُدَّ مِنْ بَيَانِهِ .","part":12,"page":25},{"id":5525,"text":"وَأَمَّا الظُّرُوفُ ، فَإِنْ دَخَلَتْ فِي الْوَزْنِ ، لَمْ يَحْتَجْ إلَى ذِكْرِهَا ، وَإِنْ لَمْ تُوزَنْ ، فَإِنْ كَانَتْ ظُرُوفًا مَعْرُوفَةً ، لَا تَخْتَلِفُ ، كَغَرَائِر الصُّوفِ وَالشَّعْرِ وَنَحْوِهَا ، جَازَ الْعَقْدُ عَلَيْهَا مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ ؛ لِأَنَّهَا قَلَّمَا تَتَفَاوَتُ تَفَاوُتًا كَثِيرًا فَتَسْمِيَتُهَا تَكْفِي ، وَإِنْ كَانَتْ تَخْتَلِفُ ، فَلَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَتِهَا بِالتَّعْيِينِ أَوْ الصِّفَةِ .\rوَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ ، أَنَّهُ إذَا قَالَ : أَكْرَيْتُكَهَا لِتَحْمِلَ عَلَيْهَا ثَلَاثَمِائَةِ رِطْلٍ مِمَّا شِئْت جَازَ ، وَمَلَكَ ذَلِكَ ، لَكِنْ لَا يُحَمِّلُهُ حِمْلًا يَضُرُّ بِالْحَيَوَانِ ، مِثْلَ مَا لَوْ أَرَادَ حَمْلَ حَدِيدٍ أَوْ زِئْبَقٍ ، يَنْبَغِي أَنْ يُفَرِّقَهُ عَلَى ظَهْرِ الْحَيَوَانِ ، فَلَا يَجْتَمِعُ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ مِنْ ظَهْرِهِ ، وَلَا يَجْعَلُهُ فِي وِعَاءٍ يَتَمَوَّجُ فِيهِ ، فَيَكُدُّ الْبَهِيمَةَ وَيُتْعِبُهَا .\rوَإِنْ اكْتَرَى ظَهْرًا لِلْحَمْلِ مَوْصُوفًا بِجِنْسٍ ، فَأَرَادَ حَمْلَهُ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ الْجِنْسِ ، وَكَانَ الطَّالِبُ لِذَلِكَ الْمُسْتَأْجِرَ ، لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ الْمُطَالَبَةَ بِمَا لَمْ يَعْقِدْ عَلَيْهِ ، وَإِنْ طَلَبَهُ الْمُؤَجِّرُ ، وَكَانَ يَفُوتُ بِهِ غَرَضٌ لِلْمُسْتَأْجِرِ ، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ غَرَضُهُ الِاسْتِعْجَالَ فِي السَّيْرِ ، أَوْ أَنْ لَا يَنْقَطِعَ عَنْ الْقَافِلَةِ ، فَيَتَعَيَّنُ الْخَيْلُ أَوْ الْبِغَالُ ، أَوْ يَكُونَ غَرَضُهُ سُكُونَ الْحُمُولَةِ لِكَوْنِ الْحُمُولَةِ مِمَّا يَضُرُّهَا الْهَزُّ ، أَوْ قُوَّتَهَا وَصَبْرَهَا لِطُولِ الطَّرِيقِ وَثِقْلِ الْحُمُولَةِ فَيُعَيِّنُ الْإِبِلَ ، لَمْ يَجُزْ الْعُدُولُ عَنْهُ ؛ لِأَنَّهُ يُفَوِّتُ غَرَضَ الْمُسْتَأْجِرِ ، فَلَمْ يَجُزْ ذَلِكَ ، كَمَا فِي الْمَرْكُوبِ وَإِنْ لَمْ يُفَوِّتْ غَرَضًا ، جَازَ ، كَمَا يَجُوزُ لِمَنْ اكْتَرَى عَلَى حَمْلِ شَيْءٍ حَمْلَ مِثْلِهِ ، أَوْ أَقَلَّ ضَرَرًا مِنْهُ .","part":12,"page":26},{"id":5526,"text":"( 4272 ) فَصْلٌ : وَيَجُوزُ كِرَاءُ الدَّابَّةِ لِلْعَمَلِ ؛ لِأَنَّهَا مَنْفَعَةٌ مُبَاحَةٌ ، خُلِقَتْ الدَّابَّةُ لَهَا ، فَجَازَ الْكِرَاءُ لَهَا ، كَالرُّكُوبِ .","part":12,"page":27},{"id":5527,"text":"وَإِنْ اكْتَرَى بَقَرًا لِلْحَرْثِ ، جَازَ ؛ لِأَنَّ الْبَقَرَ خُلِقَتْ لِلْحَرْثِ ، وَلِذَلِكَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { بَيْنَمَا رَجُلٌ يَسُوقُ بَقَرَةً ، أَرَادَ أَنْ يَرْكَبَهَا ، فَقَالَتْ : إنِّي لَمْ أُخْلَقْ لِهَذَا ، إنَّمَا خُلِقْت لِلْحَرْثِ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَيَحْتَاجُ إلَى شَرْطَيْنِ : مَعْرِفَةِ الْأَرْضِ ، وَتَقْدِيرِ الْعَمَلِ ، فَأَمَّا الْأَرْضُ فَلَا تُعْرَفُ إلَّا بِالْمُشَاهَدَةِ ؛ لِأَنَّهَا تَخْتَلِفُ ، فَتَكُونُ صُلْبَةً تُتْعِبُ الْبَقَرَ وَالْحَرَّاثَ ، وَقَدْ يَكُونُ فِيهَا حِجَارَةٌ تَتَعَلَّقُ بِالسِّكَّةِ ، وَتَكُونُ رَخْوَةً سَهْلَةً يَسْهُلُ حَرْثُهَا ، وَلَا تَأْتِي الصِّفَةُ عَلَيْهَا ، فَيُحْتَاجُ إلَى رُؤْيَتِهَا .\rوَأَمَّا تَقْدِيرُ الْعَمَلِ ، فَيَجُوزُ بِأَحَدِ شَيْئَيْنِ ؛ إمَّا بِالْمُدَّةِ ، كَيَوْمٍ وَيَوْمَيْنِ ، وَإِمَّا الْأَرْضِ ، كَهَذِهِ الْقِطْعَةِ ، أَوْ مِنْ هَذَا الْمَكَانِ إلَى هَذَا الْمَكَانِ ، أَوْ بِالْمِسَاحَةِ ، كَمَدًى أَوْ مَدَيَيْنِ ، وَنَحْوِ ذَلِكَ ، كُلُّ ذَلِكَ جَائِزٌ ؛ لِأَنَّ الْعِلْمَ يَحْصُلُ بِهِ .\rفَإِنْ قَدَّرَهُ بِالْمُدَّةِ ، فَلَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَةِ الْبَقَرِ الَّتِي يَعْمَلُ عَلَيْهَا ؛ لِأَنَّ الْغَرَضَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِهَا فِي الْقُوَّةِ وَالضَّعْفِ .\rوَيَجُوزُ أَنْ يَسْتَأْجِرَ الْبَقَرَ مُفْرَدَةً لِيَتَوَلَّى رَبُّ الْأَرْضِ الْحَرْثَ بِهَا .\rوَيَجُوزُ أَنْ يَسْتَأْجِرَهَا مَعَ صَاحِبِهَا لِيَتَوَلَّى الْحَرْثَ بِهَا .\rوَيَجُوزُ اسْتِئْجَارُهَا بِآلَتِهَا مِنْ الْفَدَّانِ وَالنَّيِّرِ ، وَاسْتِئْجَارُهَا بِدُونِ آلَتِهَا ، وَتَكُونُ الْآلَةُ مِنْ عِنْدِ صَاحِبِ الْأَرْضِ .","part":12,"page":28},{"id":5528,"text":"وَيَجُوزُ اسْتِئْجَارُ الْبَقَرِ وَغَيْرِهَا لِدِرَاسِ الزَّرْعِ ؛ لِأَنَّهَا مَنْفَعَةٌ مُبَاحَةٌ مَقْصُودَةٌ ، فَأَشْبَهَتْ الْحَرْثَ .\rوَيَجُوزُ عَلَى مُدَّةٍ أَوْ زَرْعٍ مُعَيَّنٍ ، أَوْ مَوْصُوفٍ ، كَمَا ذَكَرْنَاهُ فِي الْحَرْثِ .\rوَمَتَى كَانَ عَلَى مُدَّةٍ ، اُحْتِيجَ إلَى مَعْرِفَةِ الْحَيَوَانِ الَّذِي يَعْمَلُ عَلَيْهِ لِيَعْرِفَ قُوَّتَهُ أَوْ ضَعْفَهُ ، وَإِنْ كَانَ عَلَى عَمَلٍ غَيْرِ مُقَدَّرٍ بِالْمُدَّةِ احْتَاجَ إلَى مَعْرِفَةِ جِنْسِ الْحَيَوَانِ ؛ لِأَنَّ الْغَرَضَ يَخْتَلِفُ بِهِ ، فَمِنْهُ مَا رَوْثُهُ طَاهِرٌ ، وَمِنْهُ مَا رَوْثُهُ نَجِسٌ ، وَلَا يَحْتَاجُ إلَى مَعْرِفَةِ عَيْنِ الْحَيَوَانِ وَيَجُوزُ أَنْ يَسْتَأْجِرَ الْحَيَوَانَ بِآلَتِهِ ، وَبِغَيْرِ آلَتِهِ ، مَعَ صَاحِبِهِ ، وَمُنْفَرِدًا عَنْهُ .\rكَمَا ذَكَرْنَا فِي الْحَرْثِ .","part":12,"page":29},{"id":5529,"text":"( 4273 ) فَصْلٌ : وَيَجُوزُ اسْتِئْجَارُ بَهِيمَةٍ لِإِدَارَةِ الرَّحَى ، وَيَفْتَقِرُ إلَى شَيْئَيْنِ ؛ مَعْرِفَةِ الْحَجَرِ ، إمَّا بِمُشَاهَدَةٍ ، وَإِمَّا بِصِفَةٍ تَحْصُلُ بِهَا مَعْرِفَتُهُ ؛ لِأَنَّ عَمَلَ الْبَهِيمَةِ يُخْتَلَفُ فِيهِ بِثِقْلِهِ وَخِفَّتِهِ ، فَيَحْتَاجُ صَاحِبُهَا إلَى مَعْرِفَتِهِ .\rوَتَقْدِيرِ الْعَمَلِ ، إمَّا بِالزَّمَانِ ، فَيَقُولُ : يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ .\rأَوْ بِالطَّعَامِ فَيَقُولُ : قَفِيزًا أَوْ قَفِيزَيْنِ .\rوَيَذْكُرُ جِنْسَ الْمَطْحُونِ إنْ كَانَ يَخْتَلِفُ ؛ لِأَنَّ مِنْهُ مَا يَسْهُلُ طَحْنُهُ ، وَمِنْهُ مَا يَصْعُبُ .\rوَكَذَلِكَ إنْ اكْتَرَاهَا لِإِدَارَةِ دُولَابٍ ، فَلَا بُدَّ مِنْ مُشَاهَدَتِهِ ، وَمُشَاهَدَةِ دُولَابِهِ ، لِاخْتِلَافِهَا ، وَتَقْدِيرُ ذَلِكَ بِالزَّمَانِ ، أَوْ مَلْءِ هَذَا الْحَوْضِ ، أَوْ هَذِهِ الْبِرْكَةِ وَكَذَلِكَ إنْ اكْتَرَاهَا لِلِاسْتِقَاءِ بِالْغَرْبِ ، فَلَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَتِهِ ؛ لِأَنَّهُ يَخْتَلِفُ بِكِبَرِهِ وَصِغَرِهِ ، وَيُقَدَّرُ بِالزَّمَانِ ، أَوْ بِعَدَدِ الْغُرُوبِ ، أَوْ بِمَلْءِ بِرْكَةٍ أَوْ حَوْضٍ .\rوَلَا يَجُوزُ تَقْدِيرُ ذَلِكَ بِسَقْيِ أَرْضٍ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ ، فَقَدْ تَكُونُ الْأَرْضُ عَطْشَانَةً لَا يَرْوِيهَا الْقَلِيلُ ، وَتَكُونُ قَرِيبَةَ الْعَهْدِ بِالْمَاءِ فَيَكْفِيهَا الْقَلِيلُ ، فَيَكُونُ ذَلِكَ مَجْهُولًا .\rوَإِنْ قَدَّرَهُ بِسَقْيِ مَاشِيَةٍ ، احْتَمَلَ أَنْ لَا يَجُوزَ لِذَلِكَ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يَجُوزَ ؛ لِأَنَّ شُرْبَهَا يَتَقَارَبُ فِي الْغَالِبِ .","part":12,"page":30},{"id":5530,"text":"وَيَجُوزُ اسْتِئْجَارُ دَابَّةٍ لِيَسْتَقِيَ عَلَيْهَا مَاءً ، وَلَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَةِ الْآلَةِ الَّتِي يَسْتَقِي بِهَا ، مِنْ رَاوِيَةٍ ، أَوْ قِرَبٍ أَوْ جِرَارٍ ، وَمَعْرِفَةُ ذَلِكَ إمَّا بِالرُّؤْيَةِ ، وَإِمَّا بِالصِّفَةِ ، وَيُقَدِّرُ الْعَمَلَ إمَّا بِالزَّمَانِ ، وَإِمَّا بِعَدَدِ الْمَرَّاتِ ، وَإِمَّا بِمَلْءِ شَيْءٍ مُعَيَّنٍ ، فَإِنْ قَدَّرَهُ بِعَدَدِ الْمَرَّاتِ ، احْتَاجَ إلَى مَعْرِفَةِ الْمَوْضِعِ الَّذِي يَسْتَقِي مِنْهُ ، وَاَلَّذِي يَذْهَبُ إلَيْهِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِالْقُرْبِ وَالْبُعْدِ وَالسُّهُولَةِ وَالْحُزُونَةِ ، وَإِنْ قَدَّرَهُ بِمَلْءِ شَيْءٍ مُعَيَّنٍ ، احْتَاجَ إلَى مَعْرِفَتِهِ ، وَمَعْرِفَةِ مَا يَسْتَقِي مِنْهُ .\rوَيَجُوزُ أَنْ يَكْتَرِيَ الْبَهِيمَةَ بِآلَتِهَا وَبِدُونِهَا ، مَعَ صَاحِبِهِ وَوَحْدَهَا .\rوَإِنْ اكْتَرَاهَا لِبَلِّ تُرَابٍ مَعْرُوفٍ ، جَازَ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مَعْلُومٌ بِالْعُرْفِ .\rوَكُلُّ مَوْضِعٍ وَقَعَ الْعَقْدُ عَلَى مُدَّةٍ فَلَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَةِ الظَّهْرِ الَّذِي يَعْمَلُ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ الْغَرَضَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِهَا فِي الْقُوَّةِ وَالضَّعْفِ .\rوَإِنْ وَقَعَ عَلَى عَمَلٍ مُعَيَّنٍ ، لَمْ يَحْتَجْ إلَى مَعْرِفَتِهَا ؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْتَلِفُ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يَحْتَاجَ إلَى ذَلِكَ فِي اسْتِيفَاءِ الْمَاءِ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ مِنْهُ مَا رَوْثُهُ طَاهِرٌ وَجِسْمُهُ طَاهِرٌ بِغَيْرِ خِلَافٍ ، كَالْخَيْلِ وَالْبَقَرِ وَمِنْهُ مَا رَوْثُهُ نَجِسٌ وَيُخْتَلَفُ فِي نَجَاسَةِ جِسْمِهِ ، كَالْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ ، فَرُبَّمَا نَجِسَ بِهِ الْمُسْتَقِي أَوْ دَلْوُهُ ، فَيَتَنَجَّسُ الْمَاءُ بِهِ ، فَيَخْتَلِفُ الْغَرَضُ بِذَلِكَ ، فَتَجِبُ مَعْرِفَتُهُ .","part":12,"page":31},{"id":5531,"text":"( 4274 ) فَصْلٌ : وَإِذَا اكْتَرَى حَيَوَانًا لِعَمَلٍ لَمْ يُخْلَقْ لَهُ ، مِثْلُ أَنْ اكْتَرَى الْبَقَرَ لِلرُّكُوبِ أَوْ الْحَمْلِ عَلَيْهَا ، أَوْ اكْتَرَى الْإِبِلَ وَالْحُمُرَ لِلْحَرْثِ ، جَازَ ؛ لِأَنَّهَا مَنْفَعَةٌ مَقْصُودَةٌ ، أَمْكَنَ اسْتِيفَاؤُهَا مِنْ الْحَيَوَانِ ، لَمْ يَرِدْ الشَّرْعُ بِتَحْرِيمِهَا ، فَجَازَ ، كَاَلَّذِي خُلِقَتْ لَهُ ، وَلِأَنَّ مُقْتَضَى الْمِلْكِ جَوَازُ التَّصَرُّفِ بِكُلِّ مَا تَصْلُحُ لَهُ الْعَيْنُ الْمَمْلُوكَةُ ، وَيُمْكِنُ تَحْصِيلُهُ مِنْهَا ، وَلَا يَمْتَنِعُ ذَلِكَ إلَّا بِمُعَارِضٍ رَاجِحٍ ، إمَّا وُرُودُ نَصٍّ بِتَحْرِيمِهِ ، أَوْ قِيَاسٍ صَحِيحٍ ، أَوْ رُجْحَانِ مَضَرَّتِهِ عَلَى مَنْفَعَتِهِ ، وَلَيْسَ هَاهُنَا وَاحِدٌ مِنْهَا ، وَكَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ مِنْ الْأَكْرَادِ وَغَيْرِهِمْ يَحْمِلُونَ عَلَى الْبَقَرِ وَيَرْكَبُونَهَا وَفِي بَعْض الْبُلْدَانِ يَحْرُثُونَ عَلَى الْإِبِلِ وَالْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ ، فَيَكُونُ مَعْنَى خَلْقِهَا لِلْحَرْثِ إنْ شَاءَ اللَّهُ ، أَنَّ مُعْظَمَ الِانْتِفَاعِ بِهَا فِيهِ ، وَلَا يَمْنَعُ ذَلِكَ الِانْتِفَاعَ بِهَا فِي شَيْءٍ آخَرَ ، كَمَا أَنَّ الْخَيْلَ خُلِقَتْ لِلرُّكُوبِ وَالزِّينَةِ ، وَيُبَاحُ أَكْلُهَا ، وَاللُّؤْلُؤُ خُلِقَ لِلْحِلْيَةِ ، وَيَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ فِي الْأَدْوِيَةِ وَغَيْرِهَا .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":12,"page":32},{"id":5532,"text":"( 4275 ) مَسْأَلَةٌ وَقَالَ : ( وَمَا حَدَثَ فِي السِّلْعَةِ مِنْ يَدِ الصَّانِعِ ، ضُمِنَ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْأَجِيرَ عَلَى ضَرْبَيْنِ خَاصٌّ ، وَمُشْتَرَكٌ ، فَالْخَاصُّ : هُوَ الَّذِي يَقَعُ الْعَقْدُ عَلَيْهِ فِي مُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ ، يَسْتَحِقُّ الْمُسْتَأْجِرُ نَفْعَهُ فِي جَمِيعِهَا ، كَرَجُلٍ اُسْتُؤْجِرَ لَخِدْمَةٍ ، أَوْ عَمَلٍ فِي بِنَاءٍ أَوْ خِيَاطَةٍ ، أَوْ رِعَايَةٍ ، يَوْمًا أَوْ شَهْرًا ، سُمِّيَ خَاصًّا لِاخْتِصَاصِ الْمُسْتَأْجِرِ بِنَفْعِهِ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ دُونَ سَائِرِ النَّاسِ .\rوَالْمُشْتَرَكُ : الَّذِي يَقَعُ الْعَقْدُ مَعَهُ عَلَى عَمَلٍ مُعَيَّنٍ ، كَخِيَاطَةِ ثَوْبٍ ، وَبِنَاءِ حَائِطٍ ، وَحَمْلِ شَيْءٍ إلَى مَكَان مُعَيَّنٍ ، أَوْ عَلَى عَمَلٍ فِي مُدَّةٍ لَا يَسْتَحِقُّ جَمِيعَ نَفْعِهِ فِيهَا ، كَالْكَحَّالِ ، وَالطَّبِيبِ ، سُمِّيَ مُشْتَرَكًا لِأَنَّهُ يَتَقَبَّلُ أَعْمَالًا لِاثْنَيْنِ وَثَلَاثَةٍ وَأَكْثَرَ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ وَيَعْمَلُ لَهُمْ ، فَيَشْتَرِكُونَ فِي مَنْفَعَتِهِ وَاسْتِحْقَاقِهَا ، فَسُمِّيَ مُشْتَرَكًا لِاشْتِرَاكِهِمْ فِي مَنْفَعَتِهِ .\rفَالْأَجِيرُ الْمُشْتَرَكُ هُوَ الصَّانِعُ الَّذِي ذَكَرَهُ الْخِرَقِيِّ ، وَهُوَ ضَامِنٌ لِمَا جَنَتْ يَدُهُ ، فَالْحَائِكُ إذَا أَفْسَدَ حِيَاكَتَهُ ضَامِنٌ لِمَا أَفْسَدَ .\rنَصَّ أَحْمَدُ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ، فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ .\rوَالْقَصَّارُ ضَامِنٌ لِمَا يَتَخَرَّقُ مِنْ دَقِّهِ أَوْ مَدِّهِ أَوْ عَصْرِهِ أَوْ بَسْطِهِ .\rوَالطَّبَّاخُ ضَامِنٌ لِمَا أَفْسَدَ مِنْ طَبِيخِهِ .\rوَالْخَبَّازُ ضَامِنٌ لِمَا أَفْسَدَ مِنْ خُبْزِهِ ، وَالْحَمَّالُ يَضْمَنُ مَا يَسْقُطُ مِنْ حِمْلِهِ عَنْ رَأْسِهِ ، أَوْ تَلِفَ مِنْ عَثْرَتِهِ .\rوَالْجَمَّالُ يَضْمَنُ مَا تَلِفَ بِقَوْدِهِ ، وَسَوْقِهِ ، وَانْقِطَاعِ حَبْلِهِ الَّذِي يَشُدُّ بِهِ حِمْلَهُ وَالْمَلَّاحُ يَضْمَنُ مَا تَلِفَ مِنْ يَدِهِ ، أَوْ جَذْفِهِ ، أَوْ مَا يُعَالِجُ بِهِ السَّفِينَةَ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ ، وَعَلِيٍّ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ ، وَشُرَيْحٍ ، وَالْحَسَنِ ، وَالْحَكَمِ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٍ ، وَأَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ ، وَقَالَ فِي الْآخَرِ : لَا","part":12,"page":33},{"id":5533,"text":"يَضْمَنُ ، مَا لَمْ يَتَعَدَّ .\rقَالَ الرَّبِيعُ : هَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ، وَإِنْ لَمْ يَبُحْ بِهِ وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَطَاءٍ ، وَطَاوُسٍ ، وَزُفَرَ ؛ لِأَنَّهَا عَيْنٌ مَقْبُوضَةٌ بِعَقْدِ الْإِجَارَةِ ، فَلَمْ تَصِرْ مَضْمُونَةً ، كَالْعَيْنِ الْمُسْتَأْجَرَةِ .\rوَلَنَا مَا رَوَى جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ كَانَ يُضَمِّنُ الصَّبَّاغَ وَالصَّوَّاغَ ، وَقَالَ : لَا يُصْلِحُ النَّاسَ إلَّا ذَلِكَ .\rوَرَوَى الشَّافِعِيُّ ، فِي \" مُسْنَدِهِ \" ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَلِيٍّ ، أَنَّهُ كَانَ يُضَمِّنُ الْأُجَرَاءَ ، وَيَقُولُ : لَا يُصْلِحُ النَّاسَ إلَّا هَذَا .\rوَلِأَنَّ عَمَلَ الْأَجِيرِ الْمُشْتَرَكِ مَضْمُونٌ عَلَيْهِ ، فَمَا تَوَلَّدَ مِنْهُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَضْمُونًا ، كَالْعُدْوَانِ بِقَطْعِ عُضْوٍ ، بِخِلَافِ الْأَجِيرِ الْخَاصِّ وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ عَمَلَهُ مَضْمُونٌ عَلَيْهِ ، أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ الْعِوَضَ إلَّا بِالْعَمَلِ ، وَأَنَّ الثَّوْبَ لَوْ تَلِفَ فِي حِرْزِهِ بَعْدَ عَمَلِهِ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَجْرٌ فِيمَا عَمِلَ فِيهِ ، وَكَانَ ذَهَابُ عَمَلِهِ مِنْ ضَمَانِهِ ، بِخِلَافِ الْخَاصِّ ، فَإِنَّهُ إذَا أَمْكَنَ الْمُسْتَأْجِرَ مِنْ اسْتِعْمَالِهِ ، اسْتَحَقَّ الْعِوَضَ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ وَإِنْ لَمْ يَعْمَلْ ، وَمَا عَمِلَ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَتَلِفَ مِنْ حِرْزِهِ ، لَمْ يَسْقُطْ أَجْرُهُ بِتَلَفِهِ .","part":12,"page":34},{"id":5534,"text":"( 4276 ) فَصْلٌ : ذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّ الْأَجِيرَ الْمُشْتَرَكَ إنَّمَا يَضْمَنُ إذَا كَانَ يَعْمَلُ فِي مِلْكِ نَفْسِهِ ، مِثْلُ الْخَبَّازِ يَخْبِزُ فِي تَنُّورِهِ وَمِلْكِهِ ، وَالْقَصَّارِ وَالْخَيَّاطِ فِي دُكَّانَيْهِمَا ، قَالَ : وَلَوْ دَعَا الرَّجُلُ خَبَّازًا ، فَخَبَزَ لَهُ فِي دَارِهِ ، أَوْ خَيَّاطًا أَوْ قَصَّارًا لِيَقْصِرَ وَيَخِيطَ عِنْدَهُ ، لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِيمَا أَتْلَفَ ، مَا لَمْ يُفَرِّطْ ؛ لِأَنَّهُ سَلَّمَ نَفْسَهُ إلَى الْمُسْتَأْجِرِ ، فَيَصِيرُ كَالْأَجِيرِ الْخَاصِّ .\rقَالَ : وَلَوْ كَانَ صَاحِبُ الْمَتَاعِ مَعَ الْمَلَّاحِ فِي السَّفِينَةِ ، أَوْ رَاكِبًا عَلَى الدَّابَّةِ فَوْقَ حِمْلِهِ ، فَعَطِبَ الْحِمْلُ ، لَا ضَمَانَ عَلَى الْمَلَّاحِ وَالْمُكَارِي ؛ لِأَنَّ يَدَ صَاحِبِ الْمَتَاعِ لَمْ تَزُلْ وَلَوْ كَانَ رَبُّ الْمَتَاعِ وَالْجَمَّالُ رَاكِبَيْنِ عَلَى الْحِمْلِ ، فَتَلِفَ حِمْلُهُ ، لَمْ يَضْمَنْهُ الْجَمَّالُ ؛ لِأَنَّ رَبَّ الْمَتَاعِ لَمْ يُسَلِّمْهُ إلَيْهِ .\rوَمَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ نَحْوُ هَذَا .\rقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ : لَوْ كَانَ الْعَمَلُ فِي دُكَّانِ الْأَجِيرِ ، وَالْمُسْتَأْجِرُ حَاضِرٌ ، أَوْ اكْتَرَاهُ لِيَعْمَلَ لَهُ شَيْئًا ، وَهُوَ مَعَهُ لَمْ يَضْمَنْ ؛ لِأَنَّ يَدَهُ عَلَيْهِ ، فَلَمْ يَضْمَنْ مِنْ غَيْرِ جِنَايَةٍ ، وَيَجِبُ لَهُ أَجْرُ عَمَلِهِ ؛ لِأَنَّ يَدَهُ عَلَيْهِ ، فَكُلَّمَا عَمِلَ شَيْئًا صَارَ مُسَلَّمًا إلَيْهِ .\rفَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ ، أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِهِ فِي مِلْكِ نَفْسِهِ أَوْ مِلْكِ مُسْتَأْجِرِهِ ، أَوْ كَانَ صَاحِبُ الْعَمَلِ حَاضِرًا عِنْدَهُ أَوْ غَائِبًا عَنْهُ ، أَوْ كَوْنِهِ مَعَ الْمَلَّاحِ أَوْ الْجَمَّالِ أَوْ لَا وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ : مَا تَلِفَ بِجِنَايَةِ الْمَلَّاحِ بِجَذْفِهِ ، أَوْ بِجِنَايَةِ الْمُكَارِي بِشَدِّهِ الْمَتَاعَ ، وَنَحْوِهِ ، فَهُوَ مَضْمُونٌ عَلَيْهِ ، سَوَاءٌ كَانَ صَاحِبُ الْمَتَاعِ مَعَهُ ، أَوْ لَمْ يَكُنْ ؛ لِأَنَّ وُجُوبَ الضَّمَانِ عَلَيْهِ لِجِنَايَةِ يَدِهِ ، فَلَا فَرْقَ بَيْنَ حُضُورِ الْمَالِكِ وَغَيْبَتِهِ ، كَالْعُدْوَانِ ، وَلِأَنَّ جِنَايَةَ الْجَمَّالِ وَالْمَلَّاحِ ، إذَا كَانَ","part":12,"page":35},{"id":5535,"text":"صَاحِبُ الْمَتَاعِ رَاكِبًا مَعَهُ ، يَعُمُّ الْمَتَاعَ وَصَاحِبَهُ ، وَتَفْرِيطَهُ يَعُمُّهُمَا ، فَلَمْ يُسْقِطْ ذَلِكَ الضَّمَانَ ، كَمَا لَوْ رَمَى إنْسَانًا مُتَتَرِّسًا ، فَكَسَرَ تُرْسَهُ وَقَتَلَهُ ، وَلِأَنَّ الطَّبِيبَ وَالْخَتَّانَ إذَا جَنَتْ يَدَاهُمَا ضَمِنَا مَعَ حُضُورِ الْمُطَبَّبِ وَالْمَخْتُونِ .\rوَقَدْ ذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّهُ لَوْ كَانَ جَمَّالٌ يَحْمِلُ عَلَى رَأْسِهِ وَرَبُّ الْمَتَاعِ مَعَهُ ، فَعَثَرَ ، فَسَقَطَ الْمَتَاعُ ، فَتَلِفَ ، ضَمِنَ ، وَإِنْ سُرِقَ ، لَمْ يَضْمَنْ ؛ لِأَنَّهُ فِي الْعِثَارِ تَلِفَ بِجِنَايَتِهِ ، وَالسَّرِقَةُ لَيْسَتْ مِنْ جِنَايَتِهِ .\rوَرَبُّ الْمَالِ لَمْ يَحُلْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ .\rوَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ تَلَفَهُ بِجِنَايَتِهِ مَضْمُونٌ عَلَيْهِ ، سَوَاءٌ حَضَرَ رَبُّ الْمَالِ أَوْ غَابَ ، بَلْ وُجُوبُ الضَّمَانِ فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ أَوْلَى ؛ لِأَنَّ الْفِعْلَ فِي ذَلِكَ إلَى الْمَوْضِعِ مَقْصُودٌ لِفَاعِلِهِ ، وَالسَّقْطَةُ مِنْ الْحَمَّالِ غَيْرُ مَقْصُودَةٍ لَهُ ، فَإِذَا وَجَبَ الضَّمَانُ هَاهُنَا ، فَثَمَّ أَوْلَى .","part":12,"page":36},{"id":5536,"text":"( 4277 ) فَصْلٌ : وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّهُ إذَا كَانَ الْمُسْتَأْجَرُ عَلَى حَمْلِهِ عَبِيدًا صِغَارًا أَوْ كِبَارًا ، فَلَا ضَمَانَ عَلَى الْمُكَارِي فِيمَا تَلِفَ مِنْ سَوْقِهِ وَقَوْدِهِ ، إذْ لَا يَضْمَنُ بَنِي آدَمَ مِنْ جِهَةِ الْإِجَارَةِ ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ عَلَى مَنْفَعَةٍ وَالْأَوْلَى وُجُوبُ الضَّمَانِ ؛ لِأَنَّ الضَّمَانَ هَاهُنَا مِنْ جِهَةِ الْجِنَايَةِ ، فَوَجَبَ أَنْ يَعُمَّ بَنِي آدَمَ وَغَيْرَهُمْ ، كَسَائِرِ الْجِنَايَاتِ .\rوَمَا ذَكَرَهُ يَنْتَقِضُ بِجِنَايَةِ الطَّبِيبِ وَالْخَتَّانِ .","part":12,"page":37},{"id":5537,"text":"( 4278 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا الْأَجِيرُ الْخَاصُّ فَهُوَ الَّذِي يُسْتَأْجَرُ مُدَّةً ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ ، مَا لَمْ يَتَعَدَّ .\rقَالَ أَحْمَدُ ، فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا ، فِي رَجُلٍ أَمَرَ غُلَامَهُ يَكِيلُ لِرَجُلٍ بِزْرًا ، فَسَقَطَ الرِّطْلُ مِنْ يَدِهِ ، فَانْكَسَرَ : لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ .\rفَقِيلَ : أَلَيْسَ هُوَ بِمَنْزِلَةِ الْقَصَّارِ ؟ قَالَ : لَا ، الْقَصَّارُ مُشْتَرَكٌ .\rقِيلَ : فَرَجُلٌ اكْتَرَى رَجُلًا يَسْتَقِي مَاءً ، فَكَسَرَ الْجَرَّةَ ؟ فَقَالَ : لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ .\rقِيلَ لَهُ : فَإِنْ اكْتَرَى رَجُلًا يَحْرُثُ لَهُ عَلَى بَقَرَةٍ ، فَكَسَرَ الَّذِي يَحْرُثُ بِهِ قَالَ : فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ .\rوَظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَلَهُ قَوْلٌ آخَرُ : أَنَّ جَمِيعَ الْأُجَرَاءِ يَضْمَنُونَ .\rوَرَوَى فِي مُسْنَدِهِ ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يُضَمِّنُ الْأُجَرَاءَ ، وَيَقُولُ : لَا يُصْلِحُ النَّاسَ إلَّا هَذَا .\rوَلَنَا أَنَّ عَمَلَهُ غَيْرُ مَضْمُونٍ عَلَيْهِ ، فَلَمْ يَضْمَنْ مَا تَلِفَ بِهِ ، كَالْقِصَاصِ وَقَطْعِ يَدِ السَّارِقِ .\rوَخَبَرُ عَلِيٍّ مُرْسَلٌ ، وَالصَّحِيحُ فِيهِ أَنَّهُ كَانَ يُضَمِّنُ الصَّبَّاغَ وَالصَّوَّاغَ ، وَإِنْ رُوِيَ مُطْلَقًا ، حُمِلَ عَلَى هَذَا فَإِنَّ الْمُطْلَقَ يُحْمَلُ عَلَى الْمُقَيَّدِ .\rوَلِأَنَّ الْأَجِيرَ الْخَاصَّ نَائِبٌ عَنْ الْمَالِكِ فِي صَرْفِ مَنَافِعِهِ إلَى مَا أَمَرَهُ بِهِ ، فَلَمْ يَضْمَنْ مِنْ غَيْرِ تَعَدٍّ ، كَالْوَكِيلِ وَالْمُضَارِبِ .\rفَأَمَّا مَا يَتْلَفُ بِتَعَدِّيهِ ، فَيَجِبُ ضَمَانُهُ ، مِثْلُ الْخَبَّازِ الَّذِي يُسْرِفُ فِي الْوَقُودِ ، أَوْ يَلْزَقُهُ قَبْلَ وَقْتِهِ ، أَوْ يَتْرُكُهُ بَعْدَ وَقْتِهِ حَتَّى يَحْتَرِقَ ؛ لِأَنَّهُ تَلِفَ بِتَعَدِّيهِ ، فَضَمِنَهُ ، كَغَيْرِ الْأَجِيرِ .","part":12,"page":38},{"id":5538,"text":"( 4279 ) فَصْلٌ : وَإِذَا اسْتَأْجَرَ الْأَجِيرُ الْمُشْتَرَكُ أَجِيرًا خَاصًّا ، كَالْخَيَّاطِ فِي دُكَّانٍ يَسْتَأْجِرُ أَجِيرًا مُدَّةً ، يَسْتَعْمِلُهُ فِيهَا ، فَتَقَبَّلَ صَاحِبُ الدُّكَّانِ خِيَاطَةَ ثَوْبٍ ، وَدَفَعَهُ إلَى أَجِيرِهِ ، فَخَرَقَهُ أَوْ أَفْسَدَهُ ، لَمْ يَضْمَنْهُ ؛ لِأَنَّهُ أَجِيرٌ خَاصٌّ ، وَيَضْمَنُهُ صَاحِبُ الدُّكَّانِ ؛ لِأَنَّهُ أَجِيرٌ مُشْتَرَكٌ .","part":12,"page":39},{"id":5539,"text":"( 4280 ) فَصْلٌ : إذَا أَتْلَفَ الصَّانِعُ الثَّوْبَ بَعْدَ عَمَلِهِ ، فَصَاحِبُهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ تَضْمِينِهِ إيَّاهُ غَيْرَ مَعْمُولٍ وَلَا أَجْرَ لَهُ ، وَبَيْنَ تَضْمِينِهِ إيَّاهُ مَعْمُولًا وَيَدْفَعُ إلَيْهِ أَجْرَهُ .\rوَلَوْ وَجَبَ عَلَيْهِ ضَمَانُ الْمَتَاعِ الْمَحْمُولِ ، فَصَاحِبُهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ تَضْمِينِهِ قِيمَتَهُ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي سَلَّمَهُ إلَيْهِ وَلَا أَجْرَ لَهُ ، وَبَيْنَ تَضْمِينِهِ إيَّاهُ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي أَفْسَدَهُ وَيُعْطِيه الْأَجْرَ إلَى ذَلِكَ الْمَكَانِ .\rوَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ إذَا أَحَبَّ تَضْمِينَهُ مَعْمُولًا ، أَوْ فِي الْمَكَانِ الَّذِي أَفْسَدَهُ فِيهِ ، فَلَهُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ مَلَكَهُ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ عَلَى تِلْكَ الصِّفَةِ ، فَمَلَكَ الْمُطَالَبَةَ بِعِوَضِهِ حِينَئِذٍ ، وَإِنْ أَحَبَّ تَضْمِينَهُ قَبْلَ ذَلِكَ ، فَلِأَنَّ أَجْرَ الْعَمَلِ لَا يَلْزَمُهُ قَبْلَ تَسْلِيمِهِ إلَيْهِ ، وَمَا سُلِّمَ إلَيْهِ ، فَلَا يَلْزَمُهُ .","part":12,"page":40},{"id":5540,"text":"( 4281 ) فَصْلٌ : إذَا دَفَعَ إلَى حَائِكٍ غَزْلًا ، فَقَالَ : انْسِجْهُ لِي عَشَرَةَ أَذْرُعٍ فِي عَرْضِ ذِرَاعٍ .\rفَنَسَجَهُ زَائِدًا عَلَى مَا قَدَّرَ لَهُ فِي الطُّولِ وَالْعَرْضِ ، فَلَا أَجْرَ لَهُ فِي الزِّيَادَةِ ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَأْمُورٍ بِهَا ، وَعَلَيْهِ ضَمَانُ نَقْصِ الْغَزْلِ الْمَنْسُوجِ فِيهَا ، فَأَمَّا مَا عَدَا الزَّائِدَ فَيُنْظَرُ فِيهِ ؛ فَإِنْ كَانَ جَاءَ بِهِ زَائِدًا فِي الطُّولِ وَحْدَهُ ، وَلَمْ يَنْقُصْ الْأَصْلُ بِالزِّيَادَةِ فَلَهُ مَا سَمَّى لَهُ مِنْ الْأَجْرِ ، كَمَا لَوْ اسْتَأْجَرَهُ عَلَى أَنْ يَضْرِبَ لَهُ مِائَةَ لَبِنَةٍ ، فَضَرَبَ لَهُ مِائَتَيْنِ ، إنْ جَاءَ بِهِ زَائِدًا فِي الْعَرْضِ وَحْدَهُ ، أَوْ فِيهِمَا ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا : لَا أَجْرَ لَهُ ؛ لِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِأَمْرِ الْمُسْتَأْجِرِ ، فَلَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا ، كَمَا لَوْ اسْتَأْجَرَهُ عَلَى بِنَاءِ حَائِطٍ عَرْضَ ذِرَاعٍ ، فَبَنَاهُ عَرْضَ ذِرَاعَيْنِ وَالثَّانِي لَهُ الْمُسَمَّى ؛ لِأَنَّهُ زَادَ عَلَى مَا أَمَرَ بِهِ ، فَأَشْبَهَ زِيَادَةَ الطُّولِ .\rوَمَنْ قَالَ بِالْوَجْهِ الْأَوَّلِ ، فَرَّقَ بَيْنَ الطُّولِ وَالْعَرْضِ ، بِأَنَّهُ يُمْكِنُ قَطْعُ الزَّائِدِ فِي الطُّولِ ، وَيَبْقَى الثَّوْبُ عَلَى مَا أَرَادَ ، وَلَا يُمْكِنُ ذَلِكَ فِي الْعَرْضِ .\rوَأَمَّا إنْ جَاءَ بِهِ نَاقِصًا فِي الطُّولِ وَالْعَرْضِ ، أَوْ فِي أَحَدِهِمَا ، فَفِيهِ أَيْضًا وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، لَا أَجْرَ لَهُ ، وَعَلَيْهِ ضَمَانُ نَقْصِ الْغَزْلِ ؛ لِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِمَا أُمِرَ بِهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ اسْتَأْجَرَهُ عَلَى بِنَاءِ حَائِطٍ عَرْضَ ذِرَاعٍ ، فَبَنَاهُ عَرْضَ نِصْفِ ذِرَاعٍ .\rوَالثَّانِي لَهُ بِحِصَّتِهِ مِنْ الْمُسَمَّى ، كَمَنْ اُسْتُؤْجِرَ عَلَى ضَرْبِ لَبِنٍ فَضَرَبَ بَعْضَهُ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ إنْ جَاءَ بِهِ نَاقِصًا فِي الْعَرْضِ ، فَلَا شَيْءَ لَهُ ، وَإِنْ كَانَ نَاقِصًا فِي الطُّولِ ، فَلَهُ بِحِصَّتِهِ مِنْ الْمُسَمَّى ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْفَرْقِ بَيْنَ الطُّولِ وَالْعَرْضِ .\rوَإِنْ جَاءَ بِهِ زَائِدًا فِي أَحَدِهِمَا ، نَاقِصًا فِي الْآخَرِ ، فَلَا أَجْرَ لَهُ فِي الزَّائِدِ ، وَهُوَ فِي النَّاقِصِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ","part":12,"page":41},{"id":5541,"text":"التَّفْصِيلِ فِيهِ .\rوَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ : يُخَيَّرُ صَاحِبُ الثَّوْبِ بَيْنَ دَفْعِ الثَّوْبِ إلَى النَّسَّاجِ وَمُطَالَبَتِهِ بِثَمَنِ غَزْلِهِ ، وَبَيْنَ أَنْ يَأْخُذَهُ وَيَدْفَعَ إلَيْهِ الْمُسَمَّى فِي الزَّائِدِ ، أَوْ بِحِصَّةِ الْمَنْسُوجِ فِي النَّاقِصِ ؛ لِأَنَّ غَرَضَهُ لَمْ يَسْلَمْ لَهُ ، لِأَنَّهُ يُنْتَفَعُ بِالطَّوِيلِ مَا لَا يُنْتَفَعُ بِالْقَصِيرِ ، وَيُنْتَفَعُ بِالْقَصِيرِ مَا لَا يُنْتَفَعُ بِالطَّوِيلِ ، فَكَأَنَّهُ أَتْلَفَ عَلَيْهِ غَزْلَهُ وَلَنَا أَنَّهُ وَجَدَ عَيْنَ مَالِهِ ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ الْمُطَالَبَةُ بِعِوَضِهِ ، كَمَا لَوْ جَاءَ بِهِ زَائِدًا فِي الطُّولِ وَحْدَهُ .\rفَأَمَّا إنْ أَثَّرَتْ الزِّيَادَةُ أَوْ النَّقْصُ فِي الْأَصْلِ ، مِثْلُ أَنْ يَأْمُرَهُ بِنَسْجِ عَشَرَةِ أَذْرُعٍ لِيَكُونَ الثَّوْبُ خَفِيفًا ، فَنَسَجَهُ خَمْسَةَ عَشَرَ ، فَصَارَ صَفِيقًا ، أَوْ أَمَرَهُ بِنَسْجِهِ خَمْسَةَ عَشَرَ لِيَكُونَ صَفِيقًا ، فَنَسَجَهُ عَشَرَةً ، فَصَارَ خَفِيفًا ، فَلَا أَجْرَ لَهُ بِحَالٍ ، وَعَلَيْهِ ضَمَانُ نَقْصِ الْغَزْلِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِشَيْءٍ مِمَّا أُمِرَ بِهِ .","part":12,"page":42},{"id":5542,"text":"( 4282 ) فَصْلٌ : إذَا دَفَعَ إلَى خَيَّاطٍ ثَوْبًا ، فَقَالَ : إنْ كَانَ يُقْطَعُ قَمِيصًا فَاقْطَعْهُ .\rفَقَالَ : هُوَ يُقْطَعُ .\rوَقَطَعَهُ ، فَلَمْ يَكْفِ ، فَعَلَيْهِ ضَمَانُهُ .\rوَإِنْ قَالَ : اُنْظُرْ هَذَا يَكْفِينِي قَمِيصًا ؟ قَالَ : نَعَمْ .\rقَالَ : اقْطَعْهُ .\rفَقَطَعَهُ ، فَلَمْ يَكْفِهِ ، لَمْ يَضْمَنْ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ : لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ غَرَّهُ فِي الْأُولَى ، لَكَانَ قَدْ غَرَّهُ فِي الثَّانِيَةِ وَلَنَا أَنَّهُ إنَّمَا أَذِنَ لَهُ فِي الْأُولَى بِشَرْطِ كِفَايَتِهِ ، فَقَطَعَهُ بِدُونِ شَرْطِهِ ، وَفِي الثَّانِيَةِ أَذِنَ لَهُ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ ، فَافْتَرَقَا ، وَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الضَّمَانُ فِي الْأُولَى لِتَغْرِيرِهِ ، بَلْ لِعَدَمِ الْإِذْنِ فِي قَطْعِهِ ؛ لِأَنَّ إذْنَهُ مُقَيَّدٌ بِشَرْطِ كِفَايَتِهِ ، فَلَا يَكُونُ إذْنًا فِي غَيْرِ مَا وُجِدَ فِيهِ الشَّرْطُ ، بِخِلَافِ الثَّانِيَةِ .","part":12,"page":43},{"id":5543,"text":"( 4283 ) فَصْلٌ : فَإِنْ أَمَرَهُ أَنْ يَقْطَعَ الثَّوْبَ قَمِيصَ رَجُلٍ ، فَقَطَعَهُ قَمِيصَ امْرَأَةٍ ، فَعَلَيْهِ غُرْمُ مَا بَيْنَ قِيمَتِهِ صَحِيحًا وَمَقْطُوعًا ؛ لِأَنَّ هَذَا قَطْعٌ غَيْرُ مَأْذُونٍ فِيهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَطَعَهُ مِنْ غَيْرِ إذْنٍ .\rوَقِيلَ : يَغْرَمُ مَا بَيْنَ قَمِيصِ امْرَأَةٍ وَقَمِيصِ رَجُلٍ ؛ لِأَنَّهُ مَأْذُونٌ فِي قَمِيصٍ فِي الْجُمْلَةِ .\rوَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ؛ لِأَنَّ الْمَأْذُونَ فِيهِ قَمِيصٌ مَوْصُوفٌ بِصِفَةٍ ، فَإِذَا قَطَعَ قَمِيصًا غَيْرَهُ ، لَمْ يَكُنْ فَاعِلًا لِمَا أُذِنَ فِيهِ ، فَكَانَ مُتَعَدِّيًا بِابْتِدَاءِ الْقَطْعِ ، وَلِذَلِكَ لَا يَسْتَحِقُّ عَلَى الْقَطْعِ أَجْرًا ، وَلَوْ فَعَلَ مَا أُمِرَ بِهِ ، لَاسْتَحَقَّ أَجْرَهُ .\r( 4284 ) فَصْلٌ : وَإِنْ اخْتَلَفَا ، فَقَالَ : أَذِنْت لِي فِي قَطْعِهِ قَمِيصَ امْرَأَةٍ .\rوَقَالَ : بَلْ أَذِنْت لَك فِي قَطْعِهِ قَمِيصَ رَجُلٍ .\rأَوْ قَالَ : أَذِنْت لِي فِي قَطْعِهِ قَمِيصًا .\rقَالَ : بَلْ قَبَاءً .\rأَوْ قَالَ الصَّبَّاغُ : أَمَرْتنِي بِصَبْغِهِ أَحْمَرَ .\rقَالَ : بَلْ أَسْوَدَ .\rفَالْقَوْلُ قَوْلُ الْخَيَّاطِ وَالصَّبَّاغِ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ .\rوَهَذَا قَوْلُ ابْنِ أَبِي لَيْلَى .\rوَقَالَ مَالِكٌ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَبُو ثَوْرٍ : الْقَوْلُ قَوْلُ رَبِّ الثَّوْبِ .\rوَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : لَهُ قَوْلَانِ ، كَالْمَذْهَبَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : لَهُ قَوْلٌ ثَالِثٌ أَنَّهُمَا يَتَحَالَفَانِ ، كَالْمُتَبَايِعِينَ يَخْتَلِفَانِ فِي الثَّمَنِ .\rوَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : الصَّحِيحُ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ رَبِّ الثَّوْبِ ؛ لِأَنَّهُمَا اخْتَلَفَا فِي صِفَةِ إذْنِهِ ، وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِي أَصْلِ الْإِذْنِ ، فَكَذَلِكَ فِي صِفَتِهِ ، وَلِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْإِذْنِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ يَنْفِيه .\rوَلَنَا أَنَّهُمَا اتَّفَقَا عَلَى الْإِذْنِ وَاخْتَلَفَا فِي صِفَتِهِ ، فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمَأْذُونِ لَهُ ، كَالْمُضَارِبِ إذَا قَالَ : أَذِنْت لِي فِي الْبَيْعِ نَسَاءً .\rوَلِأَنَّهُمَا اتَّفَقَا عَلَى مِلْكِ الْخَيَّاطِ الْقَطْعَ ، وَالصَّبَّاغِ الصَّبْغَ","part":12,"page":44},{"id":5544,"text":"وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ فَعَلَ مَا مَلَكَهُ ، وَاخْتَلَفَا فِي لُزُومِ الْغُرْمِ لَهُ ، وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ .\rفَعَلَى هَذَا يَحْلِفُ الْخَيَّاطُ وَالصَّبَّاغُ بِاَللَّهِ لَقَدْ أَذِنْت لِي فِي قَطْعِهِ قَبَاءً ، وَصَبْغِهِ أَحْمَرَ .\rوَيَسْقُطُ عَنْهُ الْغُرْمُ ، وَيَكُونُ لَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ ؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ وُجُودُ فِعْلِهِ الْمَأْذُونِ فِيهِ بِعِوَضٍ ، وَلَا يَسْتَحِقُّ الْمُسَمَّى ؛ لِأَنَّ الْمُسَمَّى ثَبَتَ بِقَوْلِهِ وَدَعْوَاهُ ، فَلَا يَحْنَثُ بِيَمِينِهِ ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ ، لَادَّعَى قَوْمٌ دِمَاءَ قَوْمٍ وَأَمْوَالَهُمْ ، وَلَكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ } .\rأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فَأَمَّا الْمُسَمَّى فِي الْعَقْدِ ، فَإِنَّمَا يَعْتَرِفُ رَبُّ الثَّوْبِ بِتَسْمِيَتِهِ أَجْرًا ، وَقَطْعِهِ قَمِيصًا ، وَصَبْغِهِ أَسْوَدِ .\rفَأَمَّا مَنْ قَالَ : الْقَوْلُ قَوْلُ رَبِّ الثَّوْبِ .\rفَإِنَّهُ يَحْلِفُ بِاَللَّهِ : مَا أَذِنْت فِي قَطْعِهِ قَبَاءً ، وَلَا صَبْغِهِ أَحْمَرَ .\rوَيَسْقُطُ عَنْهُ الْمُسَمَّى .\rوَلَا يَجِبُ لِلْخَيَّاطِ وَالصَّبَّاغِ شَيْءٌ ؛ لِأَنَّهُمَا فَعَلَا غَيْرَ مَا أَذِنَ لَهُمَا فِيهِ .\rوَذَكَرَ ابْنُ أَبِي مُوسَى ، عَنْ أَحْمَدَ ، رِوَايَةً أُخْرَى ، أَنَّ صَاحِبَ الثَّوْبِ إذَا لَمْ يَكُنْ مِمَّنْ يَلْبَسُ الْأَقْبِيَةَ وَالسَّوَادَ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ وَعَلَى الصَّانِعِ غُرْمُ مَا نَقَصَ بِالْقَطْعِ ، وَضَمَانُ مَا أَفْسَدَ ، وَلَا أَجْرَ لَهُ ؛ لِأَنَّ قَرِينَةَ حَالِ رَبِّ الثَّوْبِ تَدُلُّ عَلَى صِدْقِهِ ، فَتَتَرَجَّحُ دَعْوَاهُ بِهِمَا ، كَمَا لَوْ اخْتَلَفَا فِي حَائِطٍ لِأَحَدِهِمَا عَلَيْهِ عِقْدٌ أَوْ أَزَجٌ ، رَجَّحْنَا دَعْوَاهُ بِذَلِكَ .\rوَإِنْ اخْتَلَفَ الزَّوْجَانِ فِي مَتَاعِ الْبَيْتِ ، رَجَّحْنَا دَعْوَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِيمَا يَصْلُحُ لَهُ .\rوَلَوْ اخْتَلَفَ صَانِعَانِ فِي الْآلَةِ الَّتِي فِي دُكَّانِهِمَا ، رَجَّحْنَا قَوْلَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي آلَةِ صِنَاعَتِهِ .\rفَعَلَى هَذَا يَحْلِفُ رَبُّ الثَّوْبِ : مَا أَذِنْت لَك فِي قَطْعِهِ قَبَاءً وَيَكْفِي هَذَا لِأَنَّهُ يَنْتَفِي بِهِ الْإِذْنُ ،","part":12,"page":45},{"id":5545,"text":"فَيَصِيرُ قَاطِعًا لِغَيْرِ مَا أُذِنَ فِيهِ .\rفَإِنْ كَانَ الْقَبَاءُ مَخِيطًا بِخُيُوطٍ لِمَالِكِهِ ، لَمْ يَمْلِكْ الْخَيَّاطُ فَتْقَهُ ، وَكَانَ لِمَالِكِهِ أَخْذُهُ مَخِيطًا بِلَا عِوَضٍ ؛ لِأَنَّهُ عَمِلَ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ عَمَلًا مُجَرَّدًا عَنْ عَيْنٍ مَمْلُوكَةٍ لَهُ ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ إزَالَتُهُ ، كَمَا لَوْ نَقَلَ مِلْكَ غَيْرِهِ مِنْ مَوْضِعٍ إلَى مَوْضِعٍ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ رَدُّهُ إذَا رَضِيَ صَاحِبُهُ بِتَرْكِهِ فِيهِ .\rوَإِنْ كَانَتْ الْخُيُوطُ لِلْخَيَّاطِ ، فَلَهُ نَزْعُهَا ؛ لِأَنَّهَا عَيْنُ مَالِهِ ، وَلَا يَلْزَمُهُ أَخْذُ قِيمَتِهَا ؛ لِأَنَّهَا مِلْكُهُ ، وَلَا يَتْلَفُ بِأَخْذِهَا مَا لَهُ حُرْمَةٌ .\rفَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى تَعْوِيضِهِ عَنْهَا جَازَ ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمَا .\rوَإِنْ قَالَ رَبُّ الثَّوْبِ : أَنَا أَشُدُّ فِي كُلِّ خَيْطٍ خَيْطًا .\rحَتَّى إذَا سَلَّهُ عَادَ خَيْطُ رَبِّ الثَّوْبِ فِي مَكَانِهِ ، لَمْ يَلْزَمْ الْخَيَّاطَ الْإِجَابَةُ إلَى ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ انْتِفَاعٌ بِمِلْكِهِ .\rوَحُكْمُ الصَّبَّاغِ فِي قَلْعِ الصَّبْغِ إنْ أَحَبَّهُ ، وَفِي غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَحْكَامِهِ حُكْمُ صَبْغِ الْغَاصِبِ عَلَى مَا مَضَى فِي بَابِهِ .\rوَاَلَّذِي يَقْوَى عِنْدِي ، أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ رَبِّ الثَّوْبِ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا فِي دَلِيلِهِمْ .","part":12,"page":46},{"id":5546,"text":"( 4285 ) فَصْلٌ : وَكُلُّ مِنْ اُسْتُؤْجِرَ عَلَى عَمَلٍ فِي عَيْنٍ ، فَلَا يَخْلُو ؛ إمَّا أَنْ يُوقِعَهُ وَهِيَ فِي يَدِ الْأَجِيرِ ، كَالصَّبَّاغِ يَصْبُغُ فِي حَانُوتِهِ ، وَالْخَيَّاطِ فِي دُكَّانِهِ ، فَلَا يَبْرَأُ مِنْ الْعَمَلِ حَتَّى يُسَلِّمَهَا إلَى الْمُسْتَأْجِرِ ، وَلَا يَسْتَحِقُّ الْأَجْرَ حَتَّى يُسَلِّمَهُ مَفْرُوغًا مِنْهُ ؛ لِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ فِي مُدَّةٍ ، فَلَا يَبْرَأُ مِنْهُ مَا لَمْ يُسَلِّمْهُ إلَى الْعَاقِدِ ، كَالْمَبِيعِ مِنْ الطَّعَامِ ، لَا يَبْرَأُ مِنْهُ قَبْلَ تَسْلِيمِهِ إلَى الْمُشْتَرِي .\rوَأَمَّا إنْ كَانَ يُوقِعُ الْعَمَلَ فِي مِلْكِ الْمُسْتَأْجِرِ ، مِثْلُ أَنْ يُحْضِرَهُ الْمُسْتَأْجِرُ إلَى دَارِهِ لِيَخِيطَ فِيهَا ، أَوْ يَصْبُغَ فِيهَا ، فَإِنَّهُ يَبْرَأُ مِنْ الْعَمَلِ ، وَيَسْتَحِقُّ أَجْرَهُ بِمُجَرَّدِ عَمَلِهِ ؛ لِأَنَّهُ فِي يَدِ الْمُسْتَأْجِرِ ، فَيَصِيرُ مُسَلِّمًا لِلْعَمَلِ حَالًا فَحَالًا وَلَوْ اسْتَأْجَرَ رَجُلًا يَبْنِي لَهُ حَائِطًا فِي دَارِهِ ، أَوْ يَحْفِرُ فِيهَا بِئْرًا ، لَبَرِئَ مِنْ الْعَمَلِ ، وَاسْتَحَقَّ أَجْرَهُ بِمُجَرَّدِ عَمَلِهِ .\rوَلَوْ كَانَتْ الْبِئْرُ فِي الصَّحْرَاءِ ، أَوْ الْحَائِطُ ، لَمْ يَبْرَأْ بِمُجَرَّدِ الْعَمَلِ .\rوَلَوْ انْهَارَتْ عَقِيبَ الْحَفْرِ ، أَوْ الْحَائِطُ بَعْدَ بِنَائِهِ وَقَبْلَ تَسْلِيمِهِ ، لَمْ يَبْرَأْ مِنْ الْعَمَلِ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ .\rفَإِنَّهُ إذَا قَالَ : اسْتَعْمِلْ أَلْفَ لَبِنَةٍ فِي كَذَا وَكَذَا .\rفَعَمِلَ ، ثُمَّ سَقَطَ ، فَلَهُ الْكِرَاءُ وَأَمَّا الْأَجِيرُ الْخَاصُّ فَيَسْتَحِقُّ أَجْرَهُ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ ، سَوَاءٌ تَلِفَ مَا عَمِلَهُ أَوْ لَمْ يَتْلَفْ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، فَقَالَ : إذَا اسْتَأْجَرَهُ يَوْمًا ، فَعَمِلَ ، وَسَقَطَ عِنْدَ اللَّيْلِ مَا عَمِلَ ، فَلَهُ الْكِرَاءُ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَلْزَمُهُ تَسْلِيمُ نَفْسِهِ ، وَعَمَلُ مَا يُسْتَعْمَلُ فِيهِ ، وَقَدْ وُجِدَ ذَلِكَ مِنْهُ ، بِخِلَافِ الْأَجِيرِ الْمُشْتَرَكِ .\rوَلَوْ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا لِيَبْنِيَ لَهُ حَائِطًا طُولُهُ عَشَرَةُ أَذْرُعٍ ، فَبَنَى بَعْضَهُ ، فَسَقَطَ ، لَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا حَتَّى","part":12,"page":47},{"id":5547,"text":"يُتَمِّمَهُ ، سَوَاءٌ كَانَ فِي مِلْكِ الْمُسْتَأْجِرِ أَوْ فِي غَيْرِهِ ؛ لِأَنَّ الِاسْتِحْقَاقَ مَشْرُوطٌ بِإِتْمَامِهِ ، وَلَمْ يُوجَدْ قَالَ أَحْمَدُ : إذَا قِيلَ لَهُ : ارْفَعْ حَائِطًا كَذَا وَكَذَا ذِرَاعًا .\rفَعَلَيْهِ أَنْ يُوَفِّيَهُ ، فَإِنْ سَقَطَ ، فَعَلَيْهِ التَّمَامُ .\rوَكَذَا لَوْ اسْتَأْجَرَهُ لِيَحْفِرَ لَهُ بِئْرًا عُمْقُهَا عَشَرَةُ أَذْرُعٍ ، فَحَفَرَ مِنْهَا خَمْسَةً ، وَانْهَارَ فِيهَا تُرَابٌ مِنْ جَوَانِبِهَا ، لَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا حَتَّى يُتَمِّمَ حَفْرَهَا .","part":12,"page":48},{"id":5548,"text":"( 4286 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : ( وَإِنْ تَلِفَتْ مِنْ حِرْزٍ ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ ، وَلَا أَجْرَ لَهُ فِيمَا عَمِلَ فِيهَا ) اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ ، فِي الْأَجِيرِ الْمُشْتَرَكِ إذَا تَلْفِت الْعَيْنُ مِنْ حِرْزِهِ ، مِنْ غَيْرِ تَعَدٍّ مِنْهُ وَلَا تَفْرِيطٍ ، فَرُوِيَ عَنْهُ : لَا يَضْمَنُ .\rنَصَّ عَلَيْهِ ، فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ .\rوَهُوَ قَوْلُ طَاوُسٍ ، وَعَطَاءٍ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَزُفَرَ ، وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ .\rوَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ ، إنْ كَانَ هَلَاكُهُ بِمَا اسْتَطَاعَ ، ضَمِنَهُ ، وَإِنْ كَانَ غَرَقًا أَوْ عَدُوًّا غَالِبًا ، فَلَا ضَمَانَ .\rقَالَ أَحْمَدُ ، فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ : إذَا جَنَتْ يَدُهُ ، أَوْ ضَاعَ مِنْ بَيْنِ مَتَاعِهِ ، ضَمِنَهُ ، وَإِنْ كَانَ عَدُوًّا أَوْ غَرَقًا ، فَلَا ضَمَانَ وَنَحْوُ هَذَا قَالَ أَبُو يُوسُفَ .\rوَالصَّحِيحُ فِي الْمَذْهَبِ الْأَوَّلُ .\rوَهَذِهِ الرِّوَايَةُ تَحْتَمِلُ أَنَّهُ إنَّمَا أَوْجَبَ عَلَيْهِ الضَّمَانَ إذَا تَلِفَ مِنْ بَيْنِ مَتَاعِهِ خَاصَّةً ؛ لِأَنَّهُ يُتَّهَمُ .\rوَلِهَذَا قَالَ فِي الْوَدِيعَةِ ، فِي رِوَايَةٍ : إنَّهَا تُضْمَنُ إذَا ذَهَبَتْ مِنْ بَيْنِ مَالِهِ ، فَأَمَّا غَيْرُ ذَلِكَ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ تَخْصِيصَهُ التَّضْمِينَ بِمَا إذَا تَلِفَ مِنْ بَيْنِ مَتَاعِهِ ، يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ إذَا تَلِفَ مَعَ مَتَاعِهِ ، وَلِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ مِنْهُ تَفْرِيطٌ وَلَا عُدْوَانٌ ، فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ الضَّمَانُ ، كَمَا لَوْ تَلِفَتْ بِأَمْرٍ غَالِبٍ وَقَالَ مَالِكٌ ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى : يَضْمَنُ بِكُلِّ حَالٍ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَهُ } .\rوَلِأَنَّهُ قَبَضَ الْعَيْنَ لِمَنْفَعَةِ نَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ اسْتِحْقَاقٍ ، فَلَزِمَهُ ضَمَانُهَا ، كَالْمُسْتَعِيرِ .\rوَلَنَا أَنَّهَا عَيْنٌ مَقْبُوضَةٌ بِعَقْدِ الْإِجَارَةِ ، لَمْ يُتْلِفْهَا بِفِعْلِهِ ، فَلَمْ يَضْمَنْهَا ، كَالْعَيْنِ الْمُسْتَأْجَرَةِ ، وَلِأَنَّهُ قَبَضَهَا بِإِذْنِ مَالِكِهَا لِنَفْعٍ يَعُودُ إلَيْهِمَا ، فَلَمْ يَضْمَنْهَا ، كَالْمُضَارِبِ وَالشَّرِيكِ وَالْمُسْتَأْجِرِ ، وَكَمَا لَوْ","part":12,"page":49},{"id":5549,"text":"تَلِفَتْ بِأَمْرٍ غَالِبٍ .\rوَيُخَالِفُ الْعَارِيَّةُ ، فَإِنَّهُ يَنْفَرِدُ بِنَفْعِهَا .\rوَالْخَبَرُ مَخْصُوصٌ بِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْأُصُولِ ، فَيَخُصُّ مَحَلَّ النِّزَاعِ بِالْقِيَاسِ عَلَيْهَا إذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّهُ لَا أَجْرَ لَهُ فِيمَا عَمِلَ فِيهَا ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُسَلِّمْ عَمَلَهُ إلَى الْمُسْتَأْجِرِ ، فَلَمْ يَسْتَحِقَّ عِوَضَهُ ، كَالْمَبِيعِ مِنْ الطَّعَامِ إذَا تَلِفَ فِي يَدِ الْبَائِعِ قَبْلَ تَسْلِيمِهِ .","part":12,"page":50},{"id":5550,"text":"( 4287 ) فَصْلٌ : وَإِذَا حَبَسَ الصَّانِعُ الثَّوْبَ بَعْدَ عَمَلِهِ ، عَلَى اسْتِيفَاءِ الْأَجْرِ ، فَتَلِفَ ، ضَمِنَهُ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرْهَنْهُ عِنْدَهُ ، وَلَا أَذِنَ لَهُ فِي إمْسَاكِهِ ، فَلَزِمَهُ الضَّمَانُ ، كَالْغَاصِبِ .","part":12,"page":51},{"id":5551,"text":"فَصْلٌ : إذَا أَخْطَأَ الْقَصَّارُ ، فَدَفَعَ الثَّوْبَ إلَى غَيْرِ مَالِكِهِ ، فَعَلَيْهِ ضَمَانُهُ ؛ لِأَنَّهُ فَوَّتَهُ عَلَى مَالِكِهِ .\rقَالَ أَحْمَدُ : يَغْرَمُ الْقَصَّارُ ، وَلَا يَسَعُ الْمَدْفُوعَ إلَيْهِ لُبْسُهُ إذَا عَلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ ثَوْبَهُ ، وَعَلَيْهِ رَدُّهُ إلَى الْقَصَّارِ ، وَيُطَالِبُهُ بِثَوْبِهِ .\rفَإِنْ لَمْ يَعْلَم الْقَابِضُ حَتَّى قَطَعَهُ وَلَبِسَهُ ، ثُمَّ عَلِمَ ، رَدَّهُ مَقْطُوعًا ، وَضَمِنَ أَرْشَ الْقَطْعِ ، وَلَهُ مُطَالَبَتُهُ بِثَوْبِهِ إنْ كَانَ مَوْجُودًا .\rوَإِنْ هَلَكَ عِنْدَ الْقَصَّارِ ، فَهَلْ يَضْمَنُهُ ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، يَضْمَنُهُ ؛ لِأَنَّهُ أَمْسَكَهُ بِغَيْرِ إذْنِ صَاحِبِهِ بَعْدَ طَلَبِهِ ، فَضَمِنَهُ ، كَمَا لَوْ عَلِمَ .\rوَالثَّانِيَةُ لَا يَضْمَنُهُ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُمْكِنْهُ رَدُّهُ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ عَجَزَ عَنْ دَفْعِهِ لِمَرَضٍ .","part":12,"page":52},{"id":5552,"text":"( 4289 ) فَصْلٌ : وَالْعَيْنُ الْمُسْتَأْجَرَةُ أَمَانَةٌ فِي يَدِ الْمُسْتَأْجِرِ ، إنْ تَلِفَتْ بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ ، لَمْ يَضْمَنْهَا .\rقَالَ الْأَثْرَمُ : سَمِعْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يُسْأَلُ عَنْ الَّذِينَ يُكْرُونَ الْمُظِلَّ أَوْ الْخَيْمَةَ إلَى مَكَّةَ ، فَيَذْهَبُ مِنْ الْمُكْتَرِي بِسُرُقٍ أَوْ بِذَهَابٍ ، هَلْ يَضْمَنُ ؟ قَالَ : أَرْجُو أَنْ لَا يَضْمَنَ ، وَكَيْفَ يَضْمَنُ ؟ إذَا ذَهَبَ لَا يَضْمَنُ .\rوَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ قَبَضَ الْعَيْنَ لِاسْتِيفَاءِ مَنْفَعَةٍ يَسْتَحِقُّهَا مِنْهَا ، فَكَانَتْ أَمَانَةً ، كَمَا لَوْ قَبَضَ الْعَبْدَ الْمُوصَى لَهُ بِخِدْمَتِهِ سَنَةً ، أَوْ قَبَضَ الزَّوْجُ امْرَأَتَهُ الْأَمَةَ وَيُخَالِفُ الْعَارِيَّةُ ؛ فَإِنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ مَنْفَعَتَهَا ، وَإِذَا انْقَضَتْ الْمُدَّةُ ، فَعَلَيْهِ رَفْعُ يَدِهِ ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ الرَّدُّ .\rأَوْمَأَ إلَيْهِ ، فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ ، فَقِيلَ لَهُ : إذَا اكْتَرَى دَابَّةً ، أَوْ اسْتَعَارَ ، أَوْ اسْتَوْدَعَ ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَحْمِلَهُ ؟ فَقَالَ أَحْمَدُ : مَنْ اسْتَعَارَ شَيْئًا ، فَعَلَيْهِ رَدُّهُ مِنْ حَيْثُ أَخَذَهُ .\rفَأَوْجَبَ الرَّدَّ فِي الْعَارِيَّةُ ، وَلَمْ يُوجِبْهُ فِي الْإِجَارَةِ الْوَدِيعَةِ .\rوَوَجْهُهُ أَنَّهُ عَقْدٌ لَا يَقْتَضِي الضَّمَانَ ، فَلَا يَقْتَضِي رَدَّهُ وَمُؤْنَتَهُ ، كَالْوَدِيعَةِ .\rوَفَارَقَ الْعَارِيَّةُ ؛ فَإِنَّ ضَمَانَهَا يَجِبُ ، فَكَذَلِكَ رَدُّهَا .\rوَعَلَى هَذَا مَتَى انْقَضَتْ الْمُدَّةُ كَانَتْ الْعَيْنُ فِي يَدِهِ أَمَانَةً ، كَالْوَدِيعَةِ ، إنْ تَلِفَتْ مِنْ غَيْرِ تَفْرِيطٍ ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ ، وَهَذَا قَوْلُ بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ : يَضْمَنُ ؛ لِأَنَّهُ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْإِجَارَةِ غَيْرُ مَأْذُونٍ لَهُ فِي إمْسَاكِهَا ، أَشْبَهَ الْعَارِيَّةُ الْمُؤَقَّتَةَ بَعْدَ وَقْتِهَا .\rوَلَنَا أَنَّهَا أَمَانَةٌ أَشْبَهَتْ الْوَدِيعَةَ ، وَلِأَنَّهُ لَوْ وَجَبَ ضَمَانُهَا لَوَجَبَ رَدُّهَا .\rوَأَمَّا الْعَارِيَّةُ فَإِنَّهَا مَضْمُونَةٌ فِي كُلِّ حَالٍ ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا ، وَلِأَنَّهُ يَجِبُ رَدُّهَا .\rوَعَلَى كُلِّ حَالٍ ، مَتَى طَلَبَهَا صَاحِبُهَا","part":12,"page":53},{"id":5553,"text":"وَجَبَ تَسْلِيمُهَا إلَيْهِ ، فَإِنْ امْتَنَعَ مِنْ رَدِّهَا لِغَيْرِ عُذْرٍ ، صَارَتْ مَضْمُونَةً ، كَالْمَغْصُوبَةِ .","part":12,"page":54},{"id":5554,"text":"( 4290 ) فَصْلٌ : فَإِنْ شَرَطَ الْمُؤْجِرُ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ ضَمَانَ الْعَيْنِ ، فَالشَّرْطُ فَاسِدٌ ؛ لِأَنَّهُ يُنَافِي مُقْتَضَى الْعَقْدِ .\rوَهَلْ تَفْسُدُ الْإِجَارَةُ بِهِ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ ، بِنَاءً عَلَى الشُّرُوطِ الْفَاسِدَة فِي الْبَيْعِ .\rقَالَ أَحْمَدُ ، فِيمَا إذَا شَرَطَ ضَمَانَ الْعَيْنِ : الْكِرَاءُ وَالضَّمَانُ مَكْرُوهٌ .\rوَرَوَى الْأَثْرَمُ ، بِإِسْنَادِهِ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ : لَا يَصْلُحُ الْكِرَاءُ بِالضَّمَانِ .\rوَعَنْ فُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ أَنَّهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ : لَا نَكْتَرِي بِضَمَانٍ ، إلَّا أَنَّهُ مَنْ شَرَطَ عَلَى كَرِيٍّ أَنَّهُ لَا يُنْزِلُ مَتَاعَهُ بَطْنَ وَادٍ ، أَوْ لَا يَسِيرُ بِهِ لَيْلًا ، مَعَ أَشْبَاهِ هَذِهِ الشُّرُوطِ ، فَتَعَدَّى ذَلِكَ ، فَتَلِفَ شَيْءٌ مِمَّا حَمَلَ فِي ذَلِكَ التَّعَدِّي ، فَهُوَ ضَامِنٌ ، فَأَمَّا غَيْرُ ذَلِكَ ، فَلَا يَصِحُّ شَرْطُ الضَّمَانِ فِيهِ ، وَإِنْ شَرَطَهُ لَمْ يَصِحَّ الشَّرْطُ ؛ لِأَنَّ مَا لَا يَجِبُ ضَمَانُهُ لَا يُصَيِّرُهُ الشَّرْطُ مَضْمُونًا ، وَمَا يَجِبُ ضَمَانُهُ لَا يَنْتَفِي ضَمَانُهُ بِشَرْطِ نَفْيِهِ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ ، فَقَالَ : الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ .\rوَهَذَا يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ الضَّمَانِ بِشَرْطِهِ ، وَوُجُوبِهِ بِشَرْطِهِ ؛ { لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ } .\rفَأَمَّا إنْ أَكْرَاهُ عَيْنًا ، وَشَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَسِيرَ بِهَا فِي اللَّيْلِ ، أَوْ وَقْتَ الْقَائِلَةِ ، أَوْ لَا يَتَأَخَّرَ بِهَا عَنْ الْقَافِلَةِ .\rأَوْ لَا يَجْعَلَ سَيْرَهُ فِي آخِرِهَا ، أَوْ لَا يَسْلُكَ بِهَا الطَّرِيقَ الْفُلَانِيَّةَ ، وَأَشْبَاهَ هَذَا مِمَّا لَهُ فِيهِ غَرَضٌ مُخَالِفٌ ، ضَمِنَ ؛ لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ لِشَرْطِ كَرْيِهِ ، فَضَمِنَ مَا تَلِفَ بِهِ ، كَمَا لَوْ شَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَحْمِلَ عَلَيْهَا إلَّا قَفِيزًا ، فَحَمَلَ اثْنَيْنِ .","part":12,"page":55},{"id":5555,"text":"( 4291 ) فَصْلٌ : وَإِنْ كَانَتْ الْإِجَارَةِ فَاسِدَةً ، لَمْ يَضْمَنْ الْعَيْنَ أَيْضًا إذَا تَلِفَتْ بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ وَلَا تَعَدٍّ ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ لَا يَقْتَضِي الضَّمَانَ صَحِيحُهُ ، فَلَا يَقْتَضِيه فَاسِدُهُ ، كَالْوَكَالَةِ وَالْمُضَارَبَةِ .\rوَحُكْمُ كُلِّ عَقْدٍ فَاسِدٍ فِي وُجُوبِ الضَّمَانِ ، حُكْمُ صَحِيحِهِ ، فَمَا وَجَبَ الضَّمَانُ فِي صَحِيحِهِ وَجَبَ فِي فَاسِدِهِ ، وَمَا لَمْ يَجِبْ فِي صَحِيحِهِ لَمْ يَجِبْ فِي فَاسِدِهِ .","part":12,"page":56},{"id":5556,"text":"( 4292 ) فَصْلٌ : وَلِلْمُسْتَأْجِرِ ضَرْبُ الدَّابَّةِ بِقَدْرِ مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ ، وَيَكْبَحُهَا بِاللِّجَامِ لِلِاسْتِصْلَاحِ ، وَيَحُثُّهَا عَلَى السَّيْرِ لِيَلْحَقَ الْقَافِلَةَ ، وَقَدْ صَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَخَسَ بَعِيرَ جَابِرٍ ، وَضَرَبَهُ .\rوَكَانَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَخْرِشُ بَعِيرَهُ بِمِحْجَنِهِ .\rوَلِلرَّائِضِ ضَرْبُ الدَّابَّةِ لِلتَّأْدِيبِ ، وَتَرْتِيبِ الْمَشْيِ ، وَالْعَدْوِ ، وَالسَّيْرِ .\rوَلِلْمُعَلِّمِ ضَرْبُ الصِّبْيَانِ لِلتَّأْدِيبِ .\rقَالَ الْأَثْرَمُ : سُئِلَ أَحْمَدُ ، عَنْ ضَرْبِ الْمُعَلِّمِ الصِّبْيَانَ قَالَ : عَلَى قَدْرِ ذُنُوبِهِمْ ، وَيَتَوَقَّى بِجُهْدِهِ الضَّرْبَ ، وَإِذَا كَانَ صَغِيرًا لَا يَعْقِلُ فَلَا يَضْرِبْهُ .\rوَمَنْ ضَرَبَ مِنْ هَؤُلَاءِ كُلِّهِمْ الضَّرْبَ الْمَأْذُونَ فِيهِ ، لَمْ يَضْمَنْ مَا تَلِفَ .\rوَبِهَذَا فِي الدَّابَّةِ ، قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ .\rوَقَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ : يَضْمَنُ ؛ لِأَنَّهُ تَلِفَ بِجِنَايَتِهِ ، فَضَمِنَهُ ، كَغَيْرِ الْمُسْتَأْجِرِ ، وَكَذَلِكَ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْمُعَلِّمِ يَضْرِبُ الصَّبِيَّ ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ تَأَدَّبِيهِ بِغَيْرِ الضَّرْبِ وَلَنَا أَنَّهُ تَلِفَ مِنْ فِعْلٍ مُسْتَحَقٍّ ، فَلَمْ يَضْمَنْ ، كَمَا لَوْ تَلِفَ تَحْتَ الْحِمْلِ ، وَلِأَنَّ الضَّرْبَ مَعْنًى تَضَمَّنَهُ عَقْدُ الْإِجَارَةِ ، فَإِذَا تَلِفَ مِنْهُ لَمْ يَضْمَنْ ، كَالرُّكُوبِ .\rوَفَارَقَ غَيْرَ الْمُسْتَأْجِرِ ؛ لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ .\rوَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ : يُمْكِنُ التَّأْدِيبُ بِغَيْرِ الضَّرْبِ .\rلَا يَصِحُّ ؛ فَإِنَّ الْعَادَةَ خِلَافُهُ ، وَلَوْ أَمْكَنَ التَّأْدِيبُ بِدُونِ الضَّرْبِ ، لَمَا جَازَ الضَّرْبُ ، إذْ فِيهِ ضَرَرٌ وَإِيلَامٌ مُسْتَغْنًى عَنْهُ .\rوَإِنْ أَسْرَفَ فِي هَذَا كُلِّهِ ، أَوْ زَادَ عَلَى مَا يَحْصُلُ الْغِنَى بِهِ ، أَوْ ضَرَبَ مَنْ لَا عَقْلَ لَهُ مِنْ الصِّبْيَانِ ، فَعَلَيْهِ الضَّمَانُ ؛ لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ حَصَلَ التَّلَفُ بِعُدْوَانِهِ .","part":12,"page":57},{"id":5557,"text":"( 4293 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : ( وَلَا ضَمَانَ عَلَى حَجَّامٍ ، وَلَا خَتَّانٍ ، وَلَا مُتَطَبِّبٍ ، إذَا عُرِفَ مِنْهُمْ حِذْقُ الصَّنْعَةِ ، وَلَمْ تَجْنِ أَيْدِيهمْ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ هَؤُلَاءِ إذَا فَعَلُوا مَا أُمِرُوا بِهِ ، لَمْ يَضْمَنُوا بِشَرْطَيْنِ : أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونُوا ذَوِي حِذْقٍ فِي صِنَاعَتِهِمْ ، وَلَهُمْ بِهَا بِصَارَةٌ وَمَعْرِفَةٌ ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَمْ يَحِلَّ لَهُ مُبَاشَرَةُ الْقَطْعِ ، وَإِذَا قَطَعَ مَعَ هَذَا كَانَ فِعْلًا مُحَرَّمًا ، فَيَضْمَنُ سِرَايَتَهُ ، كَالْقَطْعِ ابْتِدَاءً .\rالثَّانِي أَنْ لَا تَجْنِيَ أَيْدِيهِمْ ، فَيَتَجَاوَزُوا مَا يَنْبَغِي أَنْ يُقْطَعَ فَإِذَا وُجِدَ هَذَانِ الشَّرْطَانِ .\rلَمْ يَضْمَنُوا ؛ لِأَنَّهُمْ قَطَعُوا قَطْعًا مَأْذُونًا فِيهِ ، فَلَمْ يَضْمَنُوا ؛ سِرَايَتَهُ ، كَقَطْعِ الْإِمَامِ يَدَ السَّارِقِ ، أَوْ فَعَلَ فِعْلًا مُبَاحًا مَأْذُونًا فِي فِعْلِهِ ، أَشْبَهَ مَا ذَكَرْنَا .\rفَأَمَّا إنْ كَانَ حَاذِقًا وَجَنَتْ يَدُهُ ، مِثْلُ أَنْ تَجَاوَزَ قَطْعَ الْخِتَانِ إلَى الْحَشَفَةِ ، أَوْ إلَى بَعْضِهَا ، أَوْ قَطَعَ فِي غَيْرِ مَحَلِّ الْقَطْعِ ، أَوْ يَقْطَعُ الطَّبِيبُ سِلْعَةً مِنْ إنْسَانٍ ، فَيَتَجَاوَزُهَا ، أَوْ يَقْطَعُ بِآلَةٍ كَالَّةٍ يَكْثُرُ أَلَمُهَا ، أَوْ فِي وَقْتٍ لَا يَصْلُحُ الْقَطْعُ فِيهِ ، وَأَشْبَاهِ هَذَا ، ضَمِنَ فِيهِ كُلِّهِ ؛ لِأَنَّهُ إتْلَافٌ لَا يَخْتَلِفُ ضَمَانُهُ بِالْعَمْدِ وَالْخَطَأِ ، فَأَشْبَهَ إتْلَافَ الْمَالِ ، وَلِأَنَّ هَذَا فِعْلٌ مُحَرَّمٌ ، فَيَضْمَنُ سِرَايَتَهُ ، كَالْقَطْعِ ابْتِدَاءً وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي النِّزَاعِ ، وَالْقَاطِعِ فِي الْقِصَاصِ ، وَقَاطِعِ يَدِ السَّارِقِ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْي ، وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا .","part":12,"page":58},{"id":5558,"text":"( 4294 ) فَصْلٌ : وَإِنْ خَتَنَ صَبِيًّا بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهِ ، أَوْ قَطَعَ سِلْعَةً مِنْ إنْسَانٍ بِغَيْرِ إذْنِهِ ، أَوْ مِنْ صَبِيٍّ بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهِ ، فَسَرَتْ جِنَايَتُهُ ، ضَمِنَ ؛ لِأَنَّهُ قَطْعٌ غَيْرُ مَأْذُونٍ فِيهِ ، وَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ الْحَاكِمُ ، أَوْ مَنْ لَهُ وِلَايَةٌ عَلَيْهِ ، أَوْ فَعَلَهُ مَنْ أَذِنَا لَهُ ، لَمْ يَضْمَنْ ؛ لِأَنَّهُ مَأْذُونٌ فِيهِ شَرْعًا .","part":12,"page":59},{"id":5559,"text":"( 4295 ) فَصْلٌ : وَيَجُوزُ الِاسْتِئْجَارُ عَلَى الْخِتَانِ ، وَالْمُدَاوَاةِ ، وَقَطْعِ السِّلْعَةِ .\rلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا ؛ وَلِأَنَّهُ فِعْلٌ يُحْتَاجُ إلَيْهِ ، مَأْذُونٌ فِيهِ شَرْعًا ، فَجَازَ الِاسْتِئْجَارُ عَلَيْهِ ، كَسَائِرِ الْأَفْعَالِ الْمُبَاحَةِ .","part":12,"page":60},{"id":5560,"text":"( 4296 ) فَصْلٌ : وَيَجُوزُ أَنْ يَسْتَأْجِرَ حَجَّامًا لِيَحْجُمَهُ ، وَأَجْرُهُ مُبَاحٌ .\rوَهَذَا اخْتِيَارُ أَبِي الْخَطَّابِ .\rوَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : أَنَا آكُلُهُ .\rوَبِهِ قَالَ عِكْرِمَةُ ، وَالْقَاسِمُ ، وَأَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ ، وَرَبِيعَةُ ، وَيَحْيَى الْأَنْصَارِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْي .\rوَقَالَ الْقَاضِي : لَا يُبَاحُ أَجْرُ الْحَجَّامِ .\rوَذَكَرَ أَنَّ أَحْمَدَ نَصَّ عَلَيْهِ فِي مَوَاضِعَ ، وَقَالَ : وَإِنْ أُعْطِيَ شَيْئًا مِنْ غَيْرِ عَقْدٍ وَلَا شَرْطٍ ، فَلَهُ أَخْذُهُ ، وَيَصْرِفُهُ فِي عَلْفِ دَوَابِّهِ ، وَطُعْمَةِ عَبِيدِهِ ، وَمُؤْنَةِ صِنَاعَتِهِ ، وَلَا يَحِلُّ ، لَهُ أَكْلُهُ .\rوَمِمَّنْ كَرِهَ كَسْبَ الْحَجَّامِ عُثْمَانُ ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ ، وَالْحَسَنُ ، وَالنَّخَعِيُّ .\rوَذَلِكَ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { كَسْبُ الْحَجَّامِ خَبِيثٌ } .\rرَوَاهُ مُسْلِمٌ .\rوَقَالَ : أَطْعِمْهُ نَاضِحَك وَرَقِيقَك \" .\rوَلَنَا مَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ ، قَالَ : { احْتَجَمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَعْطَى الْحَجَّامَ أَجْرَهُ ، وَلَوْ عَلِمَهُ حَرَامًا لَمْ يُعْطِهِ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَفِي لَفْظٍ : لَوْ عَلِمَهُ خَبِيثًا لَمْ يُعْطِهِ وَلِأَنَّهَا مَنْفَعَةٌ مُبَاحَةٌ ، لَا يَخْتَصُّ فَاعِلُهَا أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْقُرْبَةِ ، فَجَازَ الِاسْتِئْجَارُ عَلَيْهَا ، كَالْبِنَاءِ وَالْخِيَاطَةِ ، وَلِأَنَّ بِالنَّاسِ حَاجَةً إلَيْهَا ، وَلَا نَجِدُ كُلَّ أَحَدٍ مُتَبَرِّعًا بِهَا ، فَجَازَ الِاسْتِئْجَارُ عَلَيْهَا ، كَالرَّضَاعِ .\rوَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي كَسْبِ الْحَجَّامِ : { أَطْعِمْهُ رَقِيقَك } .\rدَلِيلٌ عَلَى إبَاحَةِ كَسْبِهِ ، إذْ غَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يُطْعِمَ رَقِيقَهُ مَا يَحْرُمُ أَكْلُهُ ، فَإِنَّ الرَّقِيقَ آدَمِيُّونَ ، يَحْرُمُ عَلَيْهِمْ مَا حَرَّمَهُ اللَّهُ تَعَالَى ، كَمَا يَحْرُمُ عَلَى الْأَحْرَارِ ، وَتَخْصِيصُ ذَلِكَ بِمَا أُعْطِيَهُ مِنْ غَيْرِ اسْتِئْجَارٍ تَحَكُّمٌ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ ، وَتَسْمِيَتُهُ كَسْبًا خَبِيثًا لَا يَلْزَمُ مِنْهُ التَّحْرِيمُ","part":12,"page":61},{"id":5561,"text":"، فَقَدْ سَمَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الثُّومَ وَالْبَصَلَ خَبِيثَيْنِ ، مَعَ إبَاحَتِهِمَا وَإِنَّمَا كَرِهَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ لِلْحُرِّ تَنْزِيهًا لَهُ ؛ لِدَنَاءَةِ هَذِهِ الصِّنَاعَةِ .\rوَلَيْسَ عَنْ أَحْمَدَ نَصٌّ فِي تَحْرِيمِ كَسْبِ الْحَجَّامِ ، وَلَا الِاسْتِئْجَارِ عَلَيْهَا ، وَإِنَّمَا قَالَ : نَحْنُ نُعْطِيه كَمَا أَعْطَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَقُولُ لَهُ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا سُئِلَ عَنْ أَكْلِهِ نَهَاهُ ، وَقَالَ : \" اعْلِفْهُ النَّاضِحَ وَالرَّقِيقَ \" .\rوَهَذَا مَعْنَى كَلَامِهِ فِي جَمِيعِ الرِّوَايَاتِ ، وَلَيْسَ هَذَا صَرِيحًا فِي تَحْرِيمِهِ ، بَلْ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى إبَاحَتِهِ ، كَمَا فِي قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِعْلِهِ ، عَلَى مَا بَيَّنَّا ، وَأَنَّ إعْطَاءَهُ لِلْحَجَّامِ دَلِيلٌ عَلَى إبَاحَتِهِ إذْ لَا يُعْطِيه مَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ ، وَهُوَ عَلَيْهِ السَّلَامُ يُعَلِّمُ النَّاسَ وَيَنْهَاهُمْ عَنْ الْمُحَرَّمَاتِ ، فَكَيْفَ يُعْطِيهِمْ إيَّاهَا ، وَيُمَكِّنُهُمْ مِنْهَا ، وَأَمْرُهُ بِإِطْعَامِ الرَّقِيقِ مِنْهَا دَلِيلٌ عَلَى الْإِبَاحَةِ ، فَيَتَعَيَّنُ حَمْلُ نَهْيِهِ عَنْ أَكْلِهَا عَلَى الْكَرَاهَةِ دُونَ التَّحْرِيمِ .\rوَكَذَلِكَ قَوْلُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ، فَإِنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِعْلِهِ ، وَإِنَّمَا قَصَدَ اتِّبَاعَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَذَلِكَ سَائِرُ مِنْ كَرِهَهُ مِنْ الْأَئِمَّةِ ، يَتَعَيَّنُ حَمْلُ كَلَامِهِمْ عَلَى هَذَا ، وَلَا يَكُونُ فِي الْمَسْأَلَةِ قَائِلٌ بِالتَّحْرِيمِ .\rوَإِذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّهُ يُكْرَهُ لِلْحُرِّ أَكْلُ كَسْبِ الْحَجَّامِ ، وَيُكْرَهُ تَعَلُّمُ صِنَاعَةِ الْحِجَامَةِ ، وَإِجَارَةُ نَفْسِهِ لَهَا ؛ لِمَا فِيهَا مِنْ الْأَخْبَارِ ، وَلِأَنَّ فِيهَا دَنَاءَةً ، فَكُرِهَ الدُّخُولُ فِيهَا ، كَالْكَسْحِ وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ قَوْلُ الْأَئِمَّةِ الَّذِينَ ذَكَرْنَا عَنْهُمْ كَرَاهَتَهَا ، جَمْعًا بَيْنَ الْأَخْبَارِ الْوَارِدَةِ فِيهَا ، وَتَوْفِيقًا بَيْنَ","part":12,"page":62},{"id":5562,"text":"الْأَدِلَّةِ الدَّالَّةِ عَلَيْهَا .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":12,"page":63},{"id":5563,"text":"( 4297 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا اسْتِئْجَارُ الْحَجَّامِ لِغَيْرِ الْحِجَامَةِ ، كَالْفَصْدِ ، وَحَلْقِ الشَّعْرِ ، وَتَقْصِيرِهِ ، وَالْخِتَانِ ، وَقَطْعِ شَيْءٍ مِنْ الْجَسَدِ لِلْحَاجَةِ إلَيْهِ ، فَجَائِزٌ ؛ لِأَنَّ قَوْلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { كَسْبُ الْحَجَّامِ خَبِيثٌ } .\rيَعْنِي بِالْحِجَامَةِ ، كَمَا نَهَى عَنْ مَهْرِ الْبَغِيِّ ، أَيْ فِي الْبِغَاءِ .\rوَكَذَلِكَ لَوْ كَسَبَ بِصِنَاعَةٍ أُخْرَى ، لَمْ يَكُنْ خَبِيثًا بِغَيْرِ خِلَافٍ وَهَذَا النَّهْيُ مُخَالِفٌ لِلْقِيَاسِ ، فَيَخْتَصُّ بِالْمَحَلِّ الَّذِي وَرَدَ فِيهِ ، وَلِأَنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ تَدْعُو الْحَاجَةُ إلَيْهَا ، وَلَا تَحْرِيمَ فِيهَا ، فَجَازَتْ الْإِجَارَةُ فِيهَا ، وَأَخْذُ الْأَجْرِ عَلَيْهَا ، كَسَائِرِ الْمَنَافِعِ الْمُبَاحَةِ .","part":12,"page":64},{"id":5564,"text":"( 4298 ) فَصْلٌ : وَيَجُوزُ أَنْ يَسْتَأْجِرَ كَحَّالًا لِيُكَحِّلَ عَيْنَهُ ؛ لِأَنَّهُ عَمَلٌ جَائِزٌ ، وَيُمْكِنُ تَسْلِيمُهُ ، وَيَحْتَاجُ أَنْ يُقَدِّرَ ذَلِكَ بِالْمُدَّةِ ؛ لِأَنَّ الْعَمَلَ غَيْرُ مَضْبُوطٍ ، فَيُقَدَّرُ بِهِ ، وَيَحْتَاجُ إلَى بَيَانِ قَدْرِ مَا يُكَحِّلهُ مَرَّةً فِي كُلِّ يَوْمٍ أَوْ مَرَّتَيْنِ .\rفَأَمَّا إنْ قَدَّرَهَا بِالْبُرْءِ ، فَقَالَ الْقَاضِي : لَا يَجُوزُ ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَعْلُومٍ .\rوَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى : لَا بَأْسَ بِمُشَارَطَةِ الطَّبِيبِ عَلَى الْبُرْءِ ؛ لِأَنَّ أَبَا سَعِيدٍ حِينَ رَقَى الرَّجُلَ ، شَارَطَهُ عَلَى الْبُرْءِ وَالصَّحِيحُ إنْ شَاءَ اللَّهُ أَنَّ هَذَا يَجُوزُ ، لَكِنْ يَكُونُ جَعَالَةً لَا إجَارَةً ، فَإِنَّ الْإِجَارَةَ لَا بُدَّ فِيهَا مِنْ مُدَّةٍ ، أَوْ عَمَلٍ مَعْلُومٍ ، فَأَمَّا الْجَعَالَةُ ، فَتَجُوزُ عَلَى عَمَلٍ مَجْهُولٍ ، كَرَدِّ اللُّقَطَةِ وَالْآبِقِ ، وَحَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ فِي الرُّقْيَةِ إنَّمَا كَانَ جَعَالَةً ، فَيَجُوزُ هَاهُنَا مِثْلُهُ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّ الْكُحْلَ إنْ كَانَ مِنْ الْعَلِيلِ جَازَ ؛ لِأَنَّ آلَاتِ الْعَمَلِ تَكُونُ مِنْ الْمُسْتَأْجِرِ ، كَاللَّبِنِ فِي الْبِنَاءِ وَالطِّينِ وَالْآجُرِّ وَنَحْوهَا .\rوَإِنْ شَارَطَهُ عَلَى الْكُحْلِ ، جَازَ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : يَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَجُوزَ ؛ لِأَنَّ الْأَعْيَانَ لَا تُمْلَكُ بِعَقْدِ الْإِجَارَةِ ، فَلَا يَصِحُّ اشْتِرَاطُهُ عَلَى الْعَامِلِ ، كَلَبِنِ الْحَائِطِ وَلَنَا أَنَّ الْعَادَةَ جَارِيَةٌ بِهِ ، وَيَشُقُّ عَلَى الْعَلِيلِ تَحْصِيلُهُ ، وَقَدْ يَعْجِزُ عَنْهُ بِالْكُلِّيَّةِ ، فَجَازَ ذَلِكَ ، كَالصِّبْغِ مِنْ الصَّبَّاغِ ، وَاللَّبَنِ فِي الرَّضَاعِ ، وَالْحِبْرِ وَالْأَقْلَامِ مِنْ الْوَرَّاقِ .\rوَمَا ذَكَرُوهُ يَنْتَقِضُ بِهَذِهِ الْأُصُولِ .\rوَفَارَقَ لَبِنَ الْحَائِطِ ؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ تَحْصِيلُ الْمُسْتَأْجِرِ لَهُ ، وَلَا يَشُقُّ ذَلِكَ ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا .\rوَقَالَ أَصْحَابُ مَالِكٍ : يَجُوزُ أَنْ يَسْتَأْجِرَهُ لِيَبْنِيَ لَهُ حَائِطًا وَالْآجُرُّ مِنْ عِنْدِهِ ؛ لِأَنَّهُ اشْتَرَطَ مَا تَتِمُّ بِهِ الصَّنْعَةُ الَّتِي عَقَدَ عَلَيْهَا ، فَإِذَا كَانَ مُبَاحًا مَعْرُوفًا ،","part":12,"page":65},{"id":5565,"text":"جَازَ ، كَمَا لَوْ اسْتَأْجَرَهُ لِيَصْبُغ ثَوْبًا ، وَالصِّبْغُ مِنْ عِنْدِهِ وَلَنَا أَنَّ عَقْدَ الْإِجَارَةِ عَقْدٌ عَلَى الْمَنْفَعَةِ ، فَإِذَا شَرَطَ فِيهِ بَيْعَ الْعَيْنِ ، صَارَ كَبَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ .\rوَيُفَارِقُ الصِّبْغَ ، وَمَا ذَكَرْنَا مِنْ الصُّورَةِ الَّتِي جَازَ فِيهَا ذَلِكَ ، مِنْ حَيْثُ إنَّ الْحَاجَةَ دَاعِيَةٌ إلَيْهِ ؛ لِأَنَّ تَحْصِيلَ الصِّبْغِ يَشُقُّ عَلَى صَاحِبِ الثَّوْبِ ، وَقَدْ يَكُونُ الصِّبْغُ لَا يَحْصُلُ إلَّا فِي حَيْثُ يَحْتَاجُ إلَى مُؤْنَةٍ كَثِيرَةٍ ، لَا يُحْتَاجُ إلَيْهَا فِي صَبْغِ هَذَا الثَّوْبِ ، فَجَازَ لِمَسِيسِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا .","part":12,"page":66},{"id":5566,"text":"( 4299 ) فَصْلٌ : وَإِذَا اسْتَأْجَرَهُ مُدَّةً ، فَكَحَلَهُ فِيهَا ، فَلَمْ تَبْرَأْ عَيْنُهُ ، اسْتَحَقَّ الْأَجْرَ .\rوَبِهِ قَالَ الْجَمَاعَةُ .\rوَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ ، أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ أَجْرًا حَتَّى تَبْرَأَ عَيْنُهُ ، وَلَمْ يَحْكِ ذَلِكَ أَصْحَابُهُ ، وَهُوَ فَاسِدٌ ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَأْجِرَ قَدْ وَفَّى الْعَمَلَ الَّذِي وَقَعَ الْعَقْدُ عَلَيْهِ ، فَوَجَبَ لَهُ الْأَجْرُ ، وَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ الْغَرَضُ ، كَمَا لَوْ اسْتَأْجَرَهُ لِبِنَاءِ حَائِطٍ يَوْمًا ، أَوْ لِخِيَاطَةِ قَمِيصٍ ، فَلَمْ يُتِمَّهُ فِيهِ .\rوَإِنْ بَرِئَتْ عَيْنُهُ فِي أَثْنَاءِ الْمُدَّةِ ، انْفَسَخَتْ الْإِجَارَةُ فِيمَا بَقِيَ مِنْ الْمُدَّةِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَعَذَّرَ الْعَمَلُ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ حَجَزَ عَنْهُ أَمْرٌ غَالِبٌ ، وَكَذَلِكَ لَوْ مَاتَ فَإِنْ امْتَنَعَ مِنْ الِاكْتِحَالِ مَعَ بَقَاءِ الْمَرَضِ ، اسْتَحَقَّ الْكَحَّالُ الْأَجْرَ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ ، كَمَا لَوْ اسْتَأْجَرَهُ يَوْمًا لِلْبِنَاءِ فَلَمْ يَسْتَعْمِلْهُ فِيهِ .\rفَأَمَّا إنْ شَارَطَهُ عَلَى الْبُرْءِ ، فَإِنَّهُ يَكُونُ جَعَالَةً ، فَلَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا حَتَّى يُوجَدَ الْبُرْءُ ، سَوَاءٌ وُجِدَ قَرِيبًا أَوْ بَعِيدًا ، فَإِنْ بَرِئَ بِغَيْرِ كَحْلِهِ ، أَوْ تَعَذَّرَ الْكَحْلُ لِمَوْتِهِ ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْمَوَانِعِ الَّتِي مِنْ جِهَةِ الْمُسْتَأْجِرِ ، فَلَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ ، كَمَا لَوْ عَمِلَ الْعَامِلُ فِي الْجَعَالَةِ ، ثُمَّ فَسَخَ الْعَقْدَ .\rوَإِنْ امْتَنَعَ لَأَمْرٍ مِنْ جِهَةِ الْكَحَّالِ أَوْ غَيْرِ الْجَاعِلِ ، فَلَا شَيْءَ لَهُ .\rوَإِنْ فَسَخَ الْجَاعِلُ الْجَعَالَةَ بَعْدَ عَمَلِ الْكَحَّالِ ، فَعَلَيْهِ أَجْرُ عَمَلِهِ ، فَإِنْ فَسَخَ الْكَحَّالُ فَلَا شَيْءَ لَهُ ؛ لِأَنَّهَا جَعَالَةٌ ؛ فَثَبَتَ فِيهَا مَا ذَكَرْنَاهُ .","part":12,"page":67},{"id":5567,"text":"( 4300 ) فَصْلٌ : وَيَجُوزُ أَنْ يَسْتَأْجِرَ طَبِيبًا لِيُدَاوِيَهُ .\rوَالْكَلَامُ فِيهِ كَالْكَلَامِ فِي الْكَحَّالِ ، سَوَاءً ، إلَّا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ اشْتِرَاطُ الدَّوَاءِ عَلَى الطَّبِيبِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا جَازَ فِي الْكَحَّالِ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ ، لِلْحَاجَةِ إلَيْهِ ، وَجَرْيِ الْعَادَةِ بِهِ ، فَلَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ الْمَعْنَى هَاهُنَا ، فَثَبَتَ الْحُكْمُ فِيهِ عَلَى وَفْقِ الْأَصْلِ .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":12,"page":68},{"id":5568,"text":"( 4301 ) فَصْلٌ : وَيَجُوزُ أَنْ يَسْتَأْجِرَ مِنْ يَقْلَعُ ضِرْسَهُ ؛ لِأَنَّهَا مَنْفَعَةٌ مُبَاحَةٌ مَقْصُودَةٌ ، فَجَازَ الِاسْتِئْجَارُ عَلَى فِعْلِهَا ، كَالْخِتَانِ .\rفَإِنْ أَخْطَأَ فَقَلَعَ غَيْرَ مَا أُمِرَ بِقَلْعِهِ ، ضَمِنَهُ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ جِنَايَتِهِ .\rوَإِنْ بَرَأَ الضِّرْسُ قَبْلَ قَلْعِهِ ، انْفَسَخَتْ الْإِجَارَةُ ؛ لِأَنَّ قَلْعَهُ لَا يَجُوزُ .\rوَإِنْ لَمْ يَبْرَأْ ، لَكِنْ امْتَنَعَ الْمُسْتَأْجِرُ مِنْ قَلْعِهِ ، لَمْ يُجْبَرْ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ إتْلَافَ جُزْءٍ مِنْ الْآدَمِيِّ مُحَرَّمٌ فِي الْأَصْلِ ، وَإِنَّمَا أُبِيحَ إذَا صَارَ بَقَاؤُهُ ضَرَرًا ، وَذَلِكَ مُفَوَّضٌ إلَى كُلِّ إنْسَانٍ فِي نَفْسِهِ ، إذَا كَانَ أَهْلًا لِذَلِكَ ، وَصَاحِبُ الضِّرْسِ أَعْلَمُ بِمَضَرَّتِهِ ، وَمَنْفَعَتِهِ ، وَقَدْرِ أَلَمِهِ .","part":12,"page":69},{"id":5569,"text":"( 4302 ) فَصْلٌ : وَمَنْ اُسْتُؤْجِرَ عَلَى عَمَلٍ مَوْصُوفٍ فِي الذِّمَّةِ ، كَخِيَاطَةٍ ، أَوْ بِنَاءٍ أَوْ قَلْعِ ضِرْسٍ ، فَبَذَلَ الْأَجِيرُ نَفْسَهُ لِلْعَمَلِ ، فَلَمْ يُمَكِّنْهُ الْمُسْتَأْجِرُ ، لَمْ تَسْتَقِرَّ الْأُجْرَةُ بِذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ عَقَدَ عَلَى الْمَنْفَعَةِ مِنْ غَيْرِ تَقْدِيرٍ ، فَلَمْ يَسْتَقِرَّ بَدَلُهَا بِالْبَذْلِ ، كَالصَّدَاقِ لَا يَسْتَقِرُّ بِبَذْلِ الْمَرْأَةِ نَفْسَهَا .\rوَيُفَارِقُ حَبْسَ الدَّابَّةِ مُدَّةَ الْإِجَارَةِ ؛ لِأَنَّ الْمَنَافِعَ تَلِفَتْ تَحْتَ يَدِهِ ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا .","part":12,"page":70},{"id":5570,"text":"( 4303 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : ( وَلَا ضَمَانَ عَلَى الرَّاعِي إذَا لَمْ يَتَعَدَّ ) لَا نَعْلَمُ خِلَافًا فِي صِحَّةِ اسْتِئْجَارِ الرَّاعِي ، وَقَدْ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ شُعَيْبٍ ، أَنَّهُ قَالَ : { إنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ } .\rوَقَدْ عُلِمَ أَنَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ ، إنَّمَا آجَرَ نَفْسَهُ لِرِعَايَةِ الْغَنَمِ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّهُ لَا ضَمَانَ عَلَى الرَّاعِي فِيمَا تَلِفَ مِنْ الْمَاشِيَةِ ، مَا لَمْ يَتَعَدَّ ، وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا إلَّا عَنْ الشَّعْبِيِّ ؛ فَإِنَّهُ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ ضَمَّنَ الرَّاعِيَ وَلَنَا أَنَّهُ مُؤْتَمَنٌ عَلَى حِفْظِهَا ، فَلَمْ يَضْمَنْ مِنْ غَيْرِ تَعَدٍّ ، كَالْمُودَعِ ، وَلِأَنَّهَا عَيْنٌ قَبَضَهَا بِحُكْمِ الْإِجَارَةِ ، فَلَمْ يَضْمَنْهَا مِنْ غَيْرِ تَعَدٍّ ، كَالْعَيْنِ الْمُسْتَأْجَرَةِ .\rفَأَمَّا مَا تَلِفَ بِتَعَدِّيهِ ، فَيَضْمَنُهُ بِغَيْرِ خِلَافٍ ، مِثْلُ أَنْ يَنَامَ عَنْ السَّائِمَةِ ، أَوْ يَغْفُلَ عَنْهَا ، أَوْ يَتْرُكَهَا تَتَبَاعَدُ مِنْهُ ، أَوْ تَغِيبُ عَنْ نَظَرِهِ وَحِفْظِهِ ، أَوْ يَضْرِبَهَا ضَرْبًا يُسْرِفُ فِيهِ ، أَوْ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ الضَّرْبِ ، أَوْ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إلَيْهِ ، أَوْ سَلَكَ بِهَا مَوْضِعًا تَتَعَرَّضُ فِيهِ لِلتَّلَفِ ، وَأَشْبَاهِ هَذَا مِمَّا يُعَدُّ تَفْرِيطًا وَتَعَدِّيًا ، فَتَتْلَفُ بِهِ ، فَعَلَيْهِ ضَمَانُهَا ؛ لِأَنَّهَا تَلِفَتْ بِعُدْوَانِهِ ، فَضَمِنَهَا كَالْمُودِعِ إذَا تَعَدَّى ، وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي التَّعَدِّي وَعَدَمِهِ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الرَّاعِي لِأَنَّهُ أَمِينٌ وَإِنْ فَعَلَ فِعْلًا اخْتَلَفَا فِي كَوْنِهِ تَعَدِّيًا ، رُجِعَ إلَى أَهْلِ الْخِبْرَةِ .\rوَلَوْ جَاءَ بِجِلْدِ شَاةٍ ، وَقَالَ : مَاتَتْ .\rقُبِلَ قَوْلُهُ ، وَلَمْ يَضْمَنْ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّهُ يَضْمَنُ ، وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ .\rوَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ ؛ لِأَنَّ الْأُمَنَاءَ تُقْبَلُ أَقْوَالُهُمْ ، كَالْمُودَعِ ، وَلِأَنَّهُ يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ فِي الْغَالِبِ ، فَأَشْبَهَ الْمُودَعَ .\rوَكَذَلِكَ لَوْ ادَّعَى مَوْتَهَا مِنْ غَيْرِ","part":12,"page":71},{"id":5571,"text":"أَنْ يَأْتِيَ بِجِلْدِهَا .","part":12,"page":72},{"id":5572,"text":"( 4304 ) فَصْلٌ : وَلَا يَصِحُّ الْعَقْدُ فِي الرَّعْيِ إلَّا عَلَى مُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ ؛ لِأَنَّ الْعَمَلَ لَا يَنْحَصِرُ .\rوَيَجُوزُ الْعَقْدُ عَلَى رَعْيِ مَاشِيَةٍ مُعَيَّنَةٍ ، وَعَلَى جِنْسٍ فِي الذِّمَّةِ ، فَإِنْ عَقَدَ عَلَى مَاشِيَةٍ مُعَيَّنَةٍ ، فَذَكَرَ أَصْحَابُنَا أَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِأَعْيَانِهَا ، كَمَا لَوْ اسْتَأْجَرَهُ لِخِيَاطَةِ ثَوْبٍ بِعَيْنِهِ ، فَلَا يَجُوزُ إبْدَالُهُ ، وَيَبْطُلُ الْعَقْدُ بِتَلَفِهَا .\rوَإِنْ تَلِفَ بَعْضُهَا ، بَطَلَ عَقْدُ الْإِجَارَةِ فِيهِ ، وَلَهُ أَجْرُ مَا بَقِيَ مِنْهَا بِالْحِصَّةِ .\rوَإِنْ وَلَدَتْ سِخَالًا ، لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ رَعْيُهَا ؛ لِأَنَّهَا زِيَادَةٌ لَمْ يَتَنَاوَلْهَا الْعَقْدُ وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَتَعَلَّقَ بِأَعْيَانِهَا ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ الْمَعْقُودَ عَلَيْهَا ، وَإِنَّمَا يَسْتَوْفِي الْمَنْفَعَةَ بِهَا ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ اسْتَأْجَرَ ظَهْرًا لِيَرْكَبهُ ، جَازَ أَنْ يَرْكَبَ غَيْرَهُ مَكَانَهُ ، وَلَوْ اسْتَأْجَرَ دَارًا لِيَسْكُنهَا ، جَازَ أَنْ يُسْكِنَهَا مِثْلَهُ ، وَلَوْ اسْتَأْجَرَ أَرْضًا لِيَزْرَعَهَا حِنْطَةً ، جَازَ أَنْ يَزْرَعَهَا مَا هُوَ مِثْلُهَا فِي الضَّرَرِ ، أَوْ أَدْنَى مِنْهَا ، وَإِنَّمَا الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ مَنْفَعَةُ الرَّاعِي ، وَلِهَذَا يَجِبُ لَهُ الْأَجْرُ إذَا سَلَّمَ نَفْسَهُ وَإِنْ لَمْ يَرْعَ .\rوَيُفَارِقُ الثَّوْبَ فِي الْخِيَاطَةِ ؛ لِأَنَّ الثِّيَابَ فِي مَظِنَّةِ الِاخْتِلَافِ ، فِي سُهُولَةِ خِيَاطَتِهَا وَمَشَقَّتِهَا ، بِخِلَافِ الرَّعْيِ فَعَلَى هَذَا ، لَهُ إبْدَالُهَا بِمِثْلِهَا .\rوَإِنْ تَلِفَ بَعْضُهَا ، لَمْ يَنْفَسِخْ الْعَقْدُ فِيهِ ، وَكَانَ لَهُ إبْدَالُهُ .\rوَإِنْ وَقَعَ الْعَقْدُ عَلَى مَوْصُوفٍ فِي الذِّمَّة ، فَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ جِنْسِ الْحَيَوَانِ وَنَوْعِهِ ، إبِلًا ، أَوْ بَقَرًا ، أَوْ غَنَمًا ، أَوْ ضَأْنًا ، أَوْ مَعْزًا .\rوَإِنْ أَطْلَقَ ذِكْرَ الْبَقَرِ وَالْإِبِلِ ، لَمْ يَتَنَاوَلْ الْجَوَامِيسَ وَالْبَخَاتِيَّ ؛ لِأَنَّ إطْلَاقَ الِاسْمِ لَا يَتَنَاوَلُهَا عُرْفًا .\rوَإِنْ وَقَعَ الْعَقْدُ فِي مَكَان يَتَنَاوَلُهَا إطْلَاقُ الِاسْمِ ، احْتَاجَ إلَى ذِكْرِ نَوْعِ مَا يَرَاهُ مِنْهَا ، كَالْغَنَمِ ؛ لِأَنَّ كُلَّ","part":12,"page":73},{"id":5573,"text":"نَوْعٍ لَهُ أَثَرٌ فِي إتْعَابِ الرَّاعِي ، وَيَذْكُرُ الْكِبَرَ وَالصِّغَرَ ، فَيَقُولُ : كِبَارًا أَوْ سِخَالًا ، أَوْ عَجَاجِيلَ أَوْ فِصْلَانًا ، إلَّا أَنْ يَكُونَ ثَمَّ قَرِينَةٌ ، أَوْ عُرْفٌ صَارِفٌ إلَى بَعْضِهَا ، فَيُغْنِي عَنْ الذِّكْرِ وَإِذَا عَقَدَ عَلَى عَدَدٍ مَوْصُوفٍ كَالْمِائَةِ ، لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ رَعْيُ زِيَادَةٍ عَلَيْهَا ، لَا مِنْ سِخَالِهَا وَلَا مِنْ غَيْرِهَا .\rوَإِنْ أَطْلَقَ الْعَقْدَ وَلَمْ يَذْكُرْ عَدَدًا ، لَمْ يَجُزْ .\rوَهَذَا ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : يَصِحُّ ، وَيُحْمَلُ عَلَى مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ ، كَالْمِائَةِ مِنْ الْغَنَمِ وَنَحْوِهَا .\rوَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ .\rوَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ فِي ذَلِكَ تَخْتَلِفُ وَتَتَبَايَنُ كَثِيرًا ، إذْ الْعَمَلُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِهِ .","part":12,"page":74},{"id":5574,"text":"( 4305 ) فَصْلٌ : فِيمَا تَجُوزُ إجَارَتُهُ ، تَجُوزُ إجَارَةُ كُلِّ عَيْنٍ يُمْكِنُ أَنْ يُنْتَفَعَ بِهَا مَنْفَعَةً مُبَاحَةً ، مَعَ بَقَائِهَا بِحُكْمِ الْأَصْلِ ، كَالْأَرْضِ ، وَالدَّارِ ، وَالْعَبْدِ ، وَالْبَهِيمَةِ ، وَالثِّيَابِ ، وَالْفَسَاطِيطِ ، وَالْحِبَالِ ، وَالْخِيَامِ ، وَالْمَحَامِلِ ، وَالسَّرْجِ ، وَاللِّجَامِ ، وَالسَّيْفِ ، وَالرُّمْحِ ، وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ .\rوَقَدْ ذَكَرْنَا كَثِيرًا مِمَّا تَجُوزُ إجَارَتُهُ فِي مَوَاضِعِهِ .\rوَتَجُوزُ إجَارَةُ الْحُلِيِّ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، فِي رِوَايَةِ ابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ .\rوَبِهَذَا قَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْي وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّهُ قَالَ فِي إجَارَةِ الْحُلِيِّ : مَا أَدْرِي مَا هُوَ ؟ قَالَ الْقَاضِي : هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى إجَارَتِهِ بِأُجْرَةٍ مِنْ جِنْسِهِ ، فَأَمَّا بِغَيْرِ جِنْسِهِ ، فَلَا بَأْسَ بِهِ ، لِتَصْرِيحِ أَحْمَدَ بِجَوَازِهِ .\rوَقَالَ مَالِكٌ ، فِي إجَارَةِ الْحُلِيِّ وَالثِّيَابِ : هُوَ مِنْ الْمُشْتَبِهَاتِ .\rوَلَعَلَّهُ يَذْهَبُ إلَى أَنَّ الْمَقْصُودَ بِذَلِكَ الزِّينَةُ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ الْمَقَاصِدِ الْأَصْلِيَّةِ .\rوَمَنْ مَنَعَ ذَلِكَ بِأَجْرٍ مِنْ جِنْسِهِ ، فَقَدْ احْتَجَّ لَهُ بِأَنَّهَا تَحْتَكُّ بِالِاسْتِعْمَالِ ، فَيَذْهَبُ مِنْهَا أَجْزَاءٌ وَإِنْ كَانَتْ يَسِيرَةً ، فَيَحْصُلُ الْأَجْرُ فِي مُقَابَلَتِهَا ، وَمُقَابَلَةِ الِانْتِفَاعِ بِهَا ، فَيُفْضِي إلَى بَيْعِ ذَهَبٍ بِذَهَبٍ وَشَيْءٍ آخَرَ .\rوَلَنَا أَنَّهَا عَيْنٌ يُنْتَفَعُ بِهَا مَنْفَعَةً مُبَاحَةً مَقْصُودَةً ، مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهَا ، فَأَشْبَهَتْ سَائِرَ مَا تَجُوزُ إجَارَتُهُ ، وَالزِّينَةُ مِنْ الْمَقَاصِدِ الْأَصْلِيَّةِ ؛ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى امْتَنَّ بِهَا عَلَيْنَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً } وَقَالَ تَعَالَى : { قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ } وَأَبَاحَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ التَّحَلِّي وَاللِّبَاسِ لِلنِّسَاءِ مَا حَرَّمَهُ عَلَى الرِّجَالِ ، لِحَاجَتِهِنَّ إلَى التَّزَيُّن لِلْأَزْوَاجِ ، وَأَسْقَطَ الزَّكَاةَ عَنْ حُلِيِّهِنَّ مَعُونَةً لَهُنَّ عَلَى","part":12,"page":75},{"id":5575,"text":"اقْتِنَائِهِ .\rوَمَا ذَكَرُوهُ مِنْ نَقْصِهَا بِالِاحْتِكَاكِ لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَسِيرٌ ، لَا يُقَابَلُ بِعِوَضٍ ، وَلَا يَكَادُ يَظْهَرُ فِي وَزْنٍ ، وَلَوْ ظَهَرَ فَالْأَجْرُ فِي مُقَابَلَةِ الِانْتِفَاعِ ، لَا فِي مُقَابَلَةِ الْأَجْزَاءِ ؛ لِأَنَّ الْأَجْرَ فِي الْإِجَارَةِ ، إنَّمَا هُوَ عِوَضُ الْمَنْفَعَةِ ، كَمَا فِي سَائِرِ الْمَوَاضِعِ ، وَلَوْ كَانَ فِي مُقَابَلَةِ الْجُزْءِ الذَّاهِبِ ، لَمَا جَازَ إجَارَةُ أَحَدِ النَّقْدَيْنِ بِالْآخَرِ ؛ لِإِفْضَائِهِ إلَى الْفَرْقِ فِي مُعَاوَضَةِ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ قَبْلَ الْقَبْضِ .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":12,"page":76},{"id":5576,"text":"( 4306 ) فَصْلٌ : وَتَجُوزُ إجَارَةُ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ ، لِلْوَزْنِ وَالتَّحَلِّي ، فِي مُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ .\rوَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ .\rوَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ، وَالْوَجْهُ الْآخَرُ ، أَنَّهَا لَا تَجُوزُ إجَارَتُهَا ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْمَنْفَعَةَ لَيْسَتْ الْمَقْصُودَةَ مِنْهَا ، وَلِذَلِكَ لَا تُضْمَنُ مَنْفَعَتُهَا بِغَصْبِهَا ، فَأَشْبَهَتْ الشَّمْعَ .\rوَلَنَا أَنَّهَا عَيْنٌ أَمْكَنَ الِانْتِفَاعُ بِهَا مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهَا مَنْفَعَةً مُبَاحَةً ، فَأَشْبَهَتْ الْحُلِيَّ ، وَفَارَقَتْ الشَّمْعَ ؛ فَإِنَّهُ لَا يُنْتَفَعُ بِهِ إلَّا بِمَا أَتْلَفَ عَيْنَهُ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّهُ إنْ ذَكَرَ مَا يَسْتَأْجِرُهُ لَهُ ، وَعَيَّنَهُ ، فَحَسَنٌ ، وَإِنْ أَطْلَقَ الْإِجَارَةَ ، فَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : تَصِحُّ الْإِجَارَةُ ، وَيَنْتَفِعُ بِهَا فِيمَا شَاءَ مِنْهُمَا ؛ لِأَنَّ مَنْفَعَتَهُمَا فِي الْإِجَارَةِ مُتَعَيِّنَةٌ فِي التَّحَلِّي وَالْوَزْنِ ، وَهُمَا مُتَقَارِبَانِ ، فَوَجَبَ أَنْ تُحْمَلَ الْإِجَارَةُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ عَلَيْهِمَا ، كَاسْتِئْجَارِ الدَّارِ مُطْلَقًا ، فَإِنَّهُ يَتَنَاوَلُ السُّكْنَى ، وَوَضْعَ الْمَتَاعِ فِيهَا .\rوَقَالَ الْقَاضِي : لَا تَصِحُّ الْإِجَارَةُ ، وَتَكُونُ قَرْضًا .\rوَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّ الْإِجَارَةَ تَقْتَضِي الِانْتِفَاعَ ، وَالِانْتِفَاعُ الْمُعْتَادُ بِالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ إنَّمَا هُوَ بِأَعْيَانِهَا ، فَإِذَا أُطْلِقَ الِانْتِفَاعُ ، حُمِلَ عَلَى الِانْتِفَاعِ الْمُعْتَادِ وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ : لَا تَصِحُّ الْإِجَارَةُ ، وَلَا تَكُونُ قَرْضًا ؛ لِأَنَّ التَّحَلِّيَ يَنْقُصُهَا ، وَالْوَزْنَ لَا يَنْقُصُهَا ، فَقَدْ اخْتَلَفَتْ جِهَةُ الِانْتِفَاعِ ، فَلَمْ يَجُزْ إطْلَاقُهَا .\rوَلَا يَجُوزُ أَنْ يُعَبَّرَ بِهَا عَنْ الْقَرْضِ ؛ لِأَنَّ الْقَرْضَ تَمْلِيكٌ لِلْغَيْرِ ، وَالْإِجَارَةُ تَقْتَضِي الِانْتِفَاعَ مَعَ بَقَاءِ الْعَيْنِ ، فَلَمْ يَجُزْ التَّعْبِيرُ بِأَحَدِهِمَا عَنْ الْآخَرِ .\rوَلِأَنَّ التَّسْمِيَةَ وَالْأَلْفَاظَ تُؤْخَذُ نَقْلًا ، وَلَمْ يُعْهَدْ فِي اللِّسَانِ التَّعْبِيرُ بِالْإِجَارَةِ عَنْ الْقَرْضِ .","part":12,"page":77},{"id":5577,"text":"وَقَوْلُ أَبِي الْخَطَّابِ أَصَحُّ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ مَتَى أَمْكَنَ حَمْلُهُ عَلَى الصِّحَّةِ ، كَانَ أَوْلَى مِنْ إفْسَادِهِ ، وَقَدْ أَمْكَنَ حَمْلُهُ عَلَى إجَارَتِهَا لِلْجِهَةِ الَّتِي تَجُوزُ إجَارَتُهَا فِيهَا وَقَوْلُ الْقَاضِي لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ الْإِجَارَةَ إنَّمَا تَقْتَضِي انْتِفَاعًا مَعَ بَقَاءِ الْعَيْنِ ، فَلَا تُحْمَلُ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ .\rوَمَا ذَكَرَ الْآخَرُونَ مِنْ نَقْصِ الْعَيْنِ بِالِاسْتِعْمَالِ فِي التَّحَلِّي فَبَعِيدٌ ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ يَسِيرٌ لَا أَثَرَ لَهُ ، فَوُجُودُهُ كَعَدَمِهِ .","part":12,"page":78},{"id":5578,"text":"( 4307 ) فَصْلٌ : وَيَجُوزُ أَنْ يَسْتَأْجِرَ شَجَرًا وَنَخِيلًا ، لِيُجَفِّفَ عَلَيْهَا الثِّيَابَ ، أَوْ يَبْسُطَهَا عَلَيْهَا لِيَسْتَظِلَّ بِظِلِّهَا ، وَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ فِي ذَلِكَ وَجْهَانِ ؛ لِمَا ذَكَرُوهُ فِي الْأَثْمَانِ .\rوَلَنَا أَنَّهَا لَوْ كَانَتْ مَقْطُوعَةً ، لَجَازَ اسْتِئْجَارُهَا لِذَلِكَ ، فَكَذَلِكَ إذَا كَانَتْ ثَابِتَةً ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الِانْتِفَاعَ يَحْصُلُ بِهِمَا عَلَى السَّوَاءِ فِي الْحَالَتَيْنِ ، فَمَا جَازَ فِي إحْدَاهُمَا يَجُوزُ فِي الْأُخْرَى ، وَلِأَنَّهَا شَجَرَةٌ ، فَجَازَ اسْتِئْجَارُهَا لِذَلِكَ كَالْمَقْطُوعَةِ ، وَلِأَنَّهَا مَنْفَعَةٌ مَقْصُودَةٌ ، يُمْكِنُ اسْتِيفَاؤُهَا مَعَ بَقَاءِ الْعَيْنِ ، فَجَازَ الْعَقْدُ عَلَيْهَا ، كَمَا لَوْ كَانَتْ مَقْطُوعَةً ، وَلِأَنَّهَا عَيْنٌ ، يُمْكِنُ اسْتِيفَاءُ هَذِهِ الْمَنْفَعَةِ مِنْهَا ، فَجَازَ اسْتِئْجَارُهَا لَهَا ، كَالْحِبَالِ وَالْخَشَبِ وَالشَّجَرِ الْمَقْطُوعِ .","part":12,"page":79},{"id":5579,"text":"( 4308 ) فَصْلٌ : وَيَجُوزُ اسْتِئْجَارُ غَنَمٍ لِتَدْرُسَ لَهُ طِينًا أَوْ زَرْعًا .\rوَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ فِيهِ وَجْهَانِ ؛ لِأَنَّهَا مَنْفَعَةٌ غَيْرُ مَقْصُودَةٍ مِنْ هَذَا الْحَيَوَانِ ، فَأَشْبَهَتْ النَّخِيلَ .\rوَلَنَا أَنَّهَا مَنْفَعَةٌ ، مُبَاحَةٌ ، يُمْكِنُ اسْتِيفَاؤُهَا مِنْ الْعَيْنِ مَعَ بَقَائِهَا ، فَأَشْبَهَتْ اسْتِئْجَارَ الْبَقَرِ لِدِيَاسِ الزَّرْعِ .","part":12,"page":80},{"id":5580,"text":"فَصْلٌ : وَيَجُوزُ اسْتِئْجَارُ مَا يَبْقَى مِنْ الطِّيبِ وَالصَّنْدَلِ وَأَقْطَاعِ الْكَافُورِ وَالنِّدّ ، لِتَشُمَّهُ الْمَرْضَى وَغَيْرُهُمْ مُدَّةً ، ثُمَّ يَرُدُّهُ ؛ لِأَنَّهَا مَنْفَعَةٌ مُبَاحَةٌ ، فَأَشْبَهْت الْوَزْنَ وَالتَّحَلِّيَ ، مَعَ أَنَّهُ لَا يَنْفَكُّ مِنْ إخْلَاقٍ وَبِلًى .","part":12,"page":81},{"id":5581,"text":"( 4310 ) فَصْلٌ : وَتَجُوزُ إجَارَةُ الْحَائِطِ ، لِيَضَعَ عَلَيْهَا خَشَبًا مَعْلُومًا ، مُدَّةً مَعْلُومَةً .\rوَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَجُوزُ .\rوَلَنَا أَنَّ هَذِهِ مَنْفَعَةٌ مَقْصُودَةٌ ، مَقْدُورٌ عَلَى تَسْلِيمِهَا وَاسْتِيفَائِهَا ، فَجَازَ عَقْدُ الْإِجَارَةِ عَلَيْهَا ، كَاسْتِئْجَارِ السَّطْحِ لِلنَّوْمِ عَلَيْهِ .","part":12,"page":82},{"id":5582,"text":"( 4311 ) فَصْلٌ : وَيَجُوزُ اسْتِئْجَارُ دَارٍ يَتَّخِذُهَا مَسْجِدًا يُصَلِّي فِيهِ .\rوَبِهِ قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ فِعْلَ الصَّلَاةِ لَا يَجُوزُ اسْتِحْقَاقُهُ بِعَقْدِ إجَارَةٍ بِحَالٍ ، فَلَا تَجُوزُ الْإِجَارَةُ لِذَلِكَ .\rوَلَنَا أَنَّ هَذِهِ مَنْفَعَةٌ مُبَاحَةٌ ، يُمْكِنُ اسْتِيفَاؤُهَا مِنْ الْعَيْنِ مَعَ بَقَائِهَا ، فَجَازَ اسْتِئْجَارُ الْعَيْنِ لَهَا ، كَالسُّكْنَى ، وَيُفَارِقُ الصَّلَاةَ ، فَإِنَّهَا لَا تَدْخُلُهَا النِّيَابَةُ ، بِخِلَافِ بِنَاءِ الْمَسَاجِدِ .","part":12,"page":83},{"id":5583,"text":"( 4312 ) فَصْلٌ : وَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ ، أَنَّهُ يَجُوزُ اسْتِئْجَارُ الْبِئْرِ ، لِيَسْتَقِيَ مِنْهَا أَيَّامًا مَعْلُومَةً ؛ لِأَنَّ هَوَاءَ الْبِئْرِ وَعُمْقَهَا فِيهِ نَوْعُ انْتِفَاعٍ بِمُرُورِ الدَّلْوِ فِيهِ ، وَأَمَّا نَفْسُ الْمَاءِ ، فَيُؤْخَذُ عَلَى أَصْلِ الْإِبَاحَةِ .","part":12,"page":84},{"id":5584,"text":"( 4313 ) فَصْلٌ : وَيَجُوزُ اسْتِئْجَارُ الْفَهْدِ وَالْبَازِي وَالصَّقْرِ لِلصَّيْدِ ، فِي مُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ ؛ لِأَنَّ فِيهِ نَفْعًا مُبَاحًا تَجُوزُ إعَارَتُهُ لَهُ ، فَجَازَتْ إجَارَتُهُ لَهُ ، كَالدَّابَّةِ .\rوَتَجُوزُ إجَارَةُ كُتُبِ الْعِلْمِ ، الَّتِي يَجُوزُ بَيْعُهَا لِلِانْتِفَاعِ بِهَا فِي الْقِرَاءَةِ فِيهَا ، وَالنَّسْخِ مِنْهَا ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ .\rوَتَجُوزُ إجَارَةُ دَرَجٍ فِيهِ خَطٌّ حَسَنٌ ، يُكْتَبُ عَلَيْهِ ، وَيُتَمَثَّلُ مِنْهُ لِذَلِكَ .","part":12,"page":85},{"id":5585,"text":"( 4314 ) فَصْلٌ : وَمَا لَا تَجُوزُ إجَارَتُهُ أَقْسَامٌ : أَحَدُهَا مَا لَا يُمْكِنُ الِانْتِفَاعُ بِهِ مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهِ ، كَالْمَطْعُومِ وَالْمَشْرُوبِ ، وَالشَّمْعِ لِيُشْعِلَهُ ؛ لِأَنَّ الْإِجَارَةَ عَقْدٌ عَلَى الْمَنَافِعِ ، وَهَذِهِ لَا يُنْتَفَعُ بِهَا إلَّا بِإِتْلَافِ عَيْنِهَا ، فَإِنْ اسْتَأْجَرَ شَمْعَةً يُسْرِجُهَا ، وَيَرُدُّ بَقِيَّتَهَا ، وَثَمَنَ مَا ذَهَبَ ، وَأَجَّرَ الْبَاقِي ، كَانَ فَاسِدًا ؛ لِأَنَّهُ يَشْمَلُ بَيْعًا وَإِجَارَةً ، وَمَا وَقَعَ عَلَيْهِ الْبَيْعُ مَجْهُولٌ ، وَإِذَا جُهِلَ الْمَبِيعُ جُهِلَ الْمُسْتَأْجِرُ أَيْضًا ، فَيَفْسُدُ الْعَقْدَانِ ، وَلَوْ اسْتَأْجَرَ شَمْعًا لِيَتَجَمَّلَ بِهِ ، وَيَرُدَّهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُشْعِلَ مِنْهُ شَيْئًا ، لَمْ يَجُزْ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِمَنْفَعَةٍ مَرْعِيَّةٍ فِي الشَّرْعِ ، فَبَذْلُ الْمَالِ فِيهِ سَفَهٌ ، وَأَخْذُهُ أَكْلُ مَالٍ بِالْبَاطِلِ ، فَلَمْ يَجُزْ ، كَمَا لَوْ اسْتَأْجَرَ خُبْزًا لِيَنْظُرَ إلَيْهِ ، وَكَذَلِكَ لَوْ اسْتَأْجَرَ طَعَامًا لِيَتَجَمَّلَ بِهِ عَلَى مَائِدَتِهِ ، ثُمَّ يَرُدَّهُ ، لَمْ يَجُزْ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا وَهَكَذَا سَائِرُ الْأَشْيَاءِ ، وَلَا يَصِحُّ اسْتِئْجَارُ مَا لَا يَبْقَى مِنْ الرَّيَاحِينِ ، كَالْوَرْدِ وَالْبَنَفْسَجِ وَالرِّيحَانِ الْفَارِسِيِّ ، وَأَشْبَاهِهِ ، لِشَمِّهَا ؛ لِأَنَّهَا تَتْلَفُ عَنْ قُرْبٍ ، فَأَشْبَهَتْ الْمَطْعُومَاتِ .\rوَلَا يَجُوزُ اسْتِئْجَارُ الْغَنَمِ ، وَلَا الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ ، لِيَأْخُذَ لَبَنَهَا ، وَلَا لِيَسْتَرْضِعَهَا لِسُخَالَةٍ وَنَحْوِهَا ، وَلَا اسْتِئْجَارُهَا لِيَأْخُذَ صُوفَهَا ، وَلَا شَعْرَهَا ، وَلَا وَبَرَهَا ، وَلَا اسْتِئْجَارُ شَجَرَةٍ ، لِيَأْخُذَ ثَمَرَتَهَا ، أَوْ شَيْئًا مِنْ عَيْنِهَا .","part":12,"page":86},{"id":5586,"text":"( 4315 ) فَصْلٌ : وَلَا تَجُوزُ إجَارَةُ الْفَحْلِ لِلضِّرَابِ .\rوَهَذَا ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْي ، وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ .\rوَخَرَّجَ أَبُو الْخَطَّابِ وَجْهًا فِي جَوَازِهِ ؛ لِأَنَّهُ انْتِفَاعٌ مُبَاحٌ ، وَالْحَاجَةُ تَدْعُو إلَيْهِ ، فَجَازَ ، كَإِجَارَةِ الظِّئْرِ لِلرَّضَاعِ ، وَالْبِئْرِ لِيَسْتَقِيَ مِنْهَا الْمَاءَ ؛ وَلِأَنَّهَا مَنْفَعَةٌ تُسْتَبَاحُ بِالْإِعَارَةِ ، فَتُسْتَبَاحُ بِالْإِجَارَةِ ، كَسَائِرِ الْمَنَافِعِ وَهَذَا مَذْهَبُ الْحَسَنِ ، وَابْنِ سِيرِينَ .\rوَلَنَا { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ عَسْبِ الْفَحْلِ } : مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ، وَفِي لَفْظٍ { : نَهَى عَنْ ضِرَابِ الْجَمَلِ } .\rوَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ الْمَاءُ الَّذِي يُخْلَقُ مِنْهُ الْوَلَدُ ، فَيَكُونُ عَقْدُ الْإِجَارَةِ لِاسْتِيفَاءِ عَيْنٍ غَائِبَةٍ ، فَلَمْ يَجُزْ ، كَإِجَارَةِ الْغَنَمِ لِأَخْذِ لَبَنِهَا ، وَهَذَا أَوْلَى ؛ فَإِنَّ هَذَا الْمَاءَ مُحَرَّمٌ لَا قِيمَةَ لَهُ ، فَلَمْ يَجُزْ أَخْذُ الْعِوَضِ عَنْهُ ، كَالْمَيْتَةِ وَالدَّمِ ، وَهُوَ مَجْهُولٌ ، فَأَشْبَهَ اللَّبَنَ فِي الضَّرْعِ .\rفَأَمَّا مَنْ أَجَازَهُ ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُوقِعَ الْعَقْدَ عَلَى الْعَمَلِ ، وَيُقَدِّرَهُ بِمَرَّةٍ أَوْ مَرَّتَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ وَقِيلَ : يَقَعُ الْعَقْدُ عَلَى مُدَّةٍ .\rوَهَذَا بَعِيدٌ ؛ لِأَنَّ مِنْ أَرَادَ إطْرَاقَ فَرَسِهِ مَرَّةً ، فَقَدَّرَهُ بِمُدَّةٍ تَزِيدُ عَلَى قَدْرِ الْفِعْلِ ، لَمْ يُمْكِنْ اسْتِيعَابُهَا بِهِ ، وَإِنْ اقْتَصَرَ عَلَى مِقْدَارِهِ ، فَرُبَّمَا لَا يَحْصُلُ الْفِعْلُ فِيهِ ، وَيَتَعَذَّرُ أَيْضًا ضَبْطُ مِقْدَارِ الْفِعْلِ ، فَيَتَعَيَّنُ التَّقْدِيرُ بِالْفِعْلِ ، إلَّا أَنْ يَكْتَرِيَ فَحْلًا لِإِطْرَاقِ مَاشِيَةٍ كَثِيرَةٍ ، كَفَحْلٍ يَتْرُكُهُ فِي إبِلِهِ ، أَوْ تَيْسٍ فِي غَنَمِهِ ، فَإِنَّ هَذَا إنَّمَا يَكْتَرِي مُدَّةً مَعْلُومَةً .\rوَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إجَارَتُهُ ، فَإِنْ احْتَاجَ إنْسَانٌ إلَى ذَلِكَ ، وَلَمْ يَجِدْ مَنْ يُطْرِقُ لَهُ ، جَازَ لَهُ أَنْ يَبْذُلَ الْكِرَاءَ ، وَلَيْسَ لِلْمُطْرِقِ أَخْذُهُ قَالَ عَطَاءٌ : لَا يَأْخُذُ عَلَيْهِ شَيْئًا ،","part":12,"page":87},{"id":5587,"text":"وَلَا بَأْسَ أَنْ يُعْطِيَهُ إذَا لَمْ يَجِدْ مَنْ يُطْرِقُ لَهُ .\rوَلِأَنَّ ذَلِكَ بَذْلُ مَالٍ لِتَحْصِيلِ مَنْفَعَةٍ مُبَاحَةٍ تَدْعُو الْحَاجَةُ إلَيْهَا ، فَجَازَ ، كَشِرَاءِ الْأَسِيرِ ، وَرِشْوَةِ الظَّالِمِ لِيَدْفَعَ ظُلْمَهُ .\rوَإِنْ أَطْرَقَ إنْسَانٌ فَحْلَهُ بِغَيْرِ إجَارَةٍ وَلَا شَرْطٍ ، فَأُهْدِيَتْ لَهُ هَدِيَّةٌ ، أَوْ أُكْرِمَ بِكَرَامَةٍ لِذَلِكَ ، فَلَا بَأْسَ بِهِ ؛ لِأَنَّهُ فَعَلَ مَعْرُوفًا ، فَجَازَتْ مُجَازَاتُهُ عَلَيْهِ ، كَمَا لَوْ أُهْدِيَ هَدِيَّةً .","part":12,"page":88},{"id":5588,"text":"( 4316 ) فَصْلٌ : الْقِسْمُ الثَّانِي ، مَا مَنْفَعَتُهُ مُحَرَّمَةٌ ، كَالزِّنَى وَالزَّمْرِ وَالنَّوْحِ وَالْغِنَاءِ ، فَلَا يَجُوزُ الِاسْتِئْجَارُ لِفِعْلِهِ .\rوَبِهِ قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَصَاحِبَاهُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ .\rوَكَرِهَ ذَلِكَ الشَّعْبِيُّ ، وَالنَّخَعِيُّ ؛ لِأَنَّهُ مُحَرَّمٌ ، فَلَمْ يَجُزْ الِاسْتِئْجَارُ عَلَيْهِ ، كَإِجَارَةِ أَمَتِهِ لِلزِّنَى .\rوَلَا يَجُوزُ اسْتِئْجَارُ كَاتِبٍ لِيَكْتُبَ لَهُ غِنَاءً وَنَوْحًا .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَجُوزُ وَلَنَا أَنَّهُ انْتِفَاعٌ بِمُحَرَّمٍ ، فَأَشْبَهَ مَا ذَكَرْنَا .\rوَلَا يَجُوزُ الِاسْتِئْجَارُ عَلَى كِتَابَةِ شِعْرٍ مُحَرَّمٍ ، وَلَا بِدْعَةٍ ، وَلَا شَيْءٍ مُحَرَّمٍ لِذَلِكَ .\rوَلَا يَجُوزُ الِاسْتِئْجَارُ عَلَى حَمْلِ الْخَمْرِ لِمَنْ يَشْرَبُهَا ، وَلَا عَلَى حَمْلِ خِنْزِيرٍ وَلَا مَيْتَةٍ ؛ لِذَلِكَ .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ ، وَالشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَجُوزُ ؛ لِأَنَّ الْعَمَلَ لَا يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ حَمَلَهُ مِثْلُهُ جَازَ ، وَلِأَنَّهُ لَوْ قَصَدَ إرَاقَتَهُ أَوْ طَرْحَ الْمَيْتَةِ ، جَازَ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ ، فِي مَنْ حَمَلَ خِنْزِيرًا أَوْ مَيْتَةً أَوْ خَمْرًا لِنَصْرَانِيٍّ : أَكْرَهُ أَكْلَ كِرَائِهِ ، وَلَكِنْ يُقْضَى لِلْحَمَّالِ بِالْكِرَاءِ ، فَإِذَا كَانَ لِمُسْلِمٍ فَهُوَ أَشَدُّ .\rقَالَ الْقَاضِي : هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ اسْتَأْجَرَهُ لِيُرِيقَهَا ، فَأَمَّا لِلشُّرْبِ فَمَحْظُورٌ ، وَلَا يَحِلُّ أَخْذُ الْأُجْرَةِ عَلَيْهِ .\rوَهَذَا التَّأْوِيلُ بَعِيدٌ ؛ لِقَوْلِهِ : أَكْرَهُ أَكْلَ كِرَائِهِ ، وَإِذَا كَانَ لِمُسْلِمٍ فَهُوَ أَشَدُّ .\rوَلَكِنَّ الْمَذْهَبَ خِلَافُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ ؛ لِأَنَّهُ اسْتِئْجَارٌ لِفِعْلٍ مُحَرَّمٍ ، فَلَمْ يَصِحَّ ، كَالزِّنَى وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَعَنَ حَامِلَهَا وَالْمَحْمُولَةَ إلَيْهِ .\rوَقَوْلُهُ : لَا يَتَعَيَّنُ يَبْطُلُ بِاسْتِئْجَارِ أَرْضٍ لِيَتَّخِذَهَا مَسْجِدًا .\rوَأَمَّا حَمْلُ هَذِهِ لِإِرَاقَتِهَا ، وَالْمَيْتَةِ لِطَرْحِهَا ، وَالِاسْتِئْجَارُ لِلْكَنَفِ ، فَجَائِزٌ ؛ لِأَنَّ","part":12,"page":89},{"id":5589,"text":"ذَلِكَ كُلَّهُ مُبَاحٌ ، وَقَدْ اسْتَأْجَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبَا طَيْبَةَ فَحَجَمَهُ .\rوَقَالَ أَحْمَدُ ، فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ ، فِي الرَّجُلِ يُؤَجِّرُ نَفْسَهُ لِنِظَارَةِ كَرْمِ النَّصْرَانِيِّ : يُكْرَهُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي ذَلِكَ رَاجِعٌ إلَى الْخَمْرِ .","part":12,"page":90},{"id":5590,"text":"( 4317 ) فَصْلٌ : وَيُكْرَهُ أَنْ يُؤْجِرَ الرَّجُلُ نَفْسَهُ لِكَسْحِ الْكَنَفِ ، وَيُكْرَهُ لَهُ أَكْلُ أَجْرِهِ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { كَسْبُ الْحَجَّامِ خَبِيثٌ } .\rوَنَهَى الْحُرَّ عَنْ أَكْلِهِ ، فَهَذَا أَوْلَى .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّ رَجُلًا حَجَّ ، ثُمَّ أَتَاهُ ، فَقَالَ لَهُ : إنِّي رَجُلٌ أَكْنُسُ ، فَمَا تَرَى فِي مَكْسَبِي ؟ قَالَ : أَيَّ شَيْءٍ تَكْنُسُ ؟ قَالَ : الْعَذِرَةَ ، قَالَ : وَمِنْهُ حَجَجْت ، وَمِنْهُ تَزَوَّجْت ؟ قَالَ : نَعَمْ ، قَالَ : أَنْتَ خَبِيثٌ ، وَحَجُّك خَبِيثٌ ، وَمَا تَزَوَّجْت خَبِيثٌ .\rأَوْ نَحْوَ هَذَا ، ذَكَرَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ ، فِي \" سُنَنِهِ \" بِمَعْنَاهُ ، وَلِأَنَّ فِيهِ دَنَاءَةً ، فَكُرِهَ ، كَالْحِجَامَةِ ، فَأَمَّا الْإِجَارَةُ فِي الْجُمْلَةِ ، فَجَائِزَةٌ ؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ دَاعِيَةٌ إلَيْهَا ، فَلَا تَنْدَفِعُ بِدُونِ إبَاحَةِ الْإِجَارَةِ ، فَوَجَبَ إبَاحَتُهَا ، كَالْحِجَامَةِ .","part":12,"page":91},{"id":5591,"text":"( 4318 ) فَصْلٌ : وَلَا يَجُوزُ لِلرَّجُلِ إجَارَةُ دَارِهِ لِمَنْ يَتَّخِذُهَا كَنِيسَةً ، أَوْ بِيعَةً أَوْ يَتَّخِذُهَا لِبَيْعِ الْخَمْرِ ، أَوْ الْقِمَارِ .\rوَبِهِ قَالَ الْجَمَاعَةُ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إنْ كَانَ بَيْتُك فِي السَّوَادِ ، فَلَا بَأْسَ أَنْ تُؤْجِرَهُ لِذَلِكَ .\rوَخَالَفَهُ صَاحِبَاهُ ، وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُهُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ .\rوَلَنَا أَنَّهُ فِعْلٌ مُحَرَّمٌ ، فَلَمْ تَجُزْ الْإِجَارَةُ عَلَيْهِ ، كَإِجَارَةِ عَبْدِهِ لِلْفُجُورِ .\rوَلَوْ اكْتَرَى ذِمِّيٌّ مِنْ مُسْلِمٍ دَارِهِ ، فَأَرَادَ بَيْعَ الْخَمْرِ فِيهَا ، فَلِصَاحِبِ الدَّارِ مَنْعُهُ .\rوَبِذَلِكَ قَالَ الثَّوْرِيُّ وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْي : إنْ كَانَ بَيْتُهُ فِي السَّوَادِ وَالْجَبَلِ ، فَلَهُ أَنْ يَفْعَلَ مَا شَاءَ .\rوَلَنَا أَنَّهُ فِعْلٌ مُحَرَّمٌ ، جَازَ الْمَنْعُ مِنْهُ فِي الْمِصْرِ ، فَجَازَ فِي السَّوَادِ ، كَقَتْلِ النَّفْسِ الْمُحَرَّمَةِ .","part":12,"page":92},{"id":5592,"text":"( 4319 ) فَصْلٌ : الْقِسْمُ الثَّالِثُ ، مَا يَحْرُمُ بَيْعُهُ ، إلَّا الْحُرَّ وَالْوَقْفَ وَأُمَّ الْوَلَدِ وَالْمُدَبَّرَ ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ إجَارَتُهَا ، وَإِنْ حَرُمَ بَيْعُهَا ، وَمَا عَدَا ذَلِكَ فَلَا تَجُوزُ إجَارَتُهُ ، سَوَاءٌ كَانَ مِمَّنْ لَا يَقْدِرُ عَلَى تَسْلِيمِهِ ، كَالْعَبْدِ الْآبِقِ ، وَالْجَمَلِ النَّادِّ ، وَالْبَهِيمَةِ الشَّارِدَةِ ، وَالْمَغْصُوبِ مِنْ غَيْرِ غَاصِبِهِ مِمَّنْ لَا يَقْدِرُ عَلَى انْتِزَاعِهِ مِنْهُ ، فَإِنَّهُ لَا تَجُوزُ إجَارَتُهُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنْ تَسْلِيمُ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ .\rوَإِنْ كَانَ مِمَّا تُجْهَلُ صِفَتُهُ ، فَإِنَّهُ لَا تَجُوزُ إجَارَتُهُ ، فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ .\rأَوْ كَانَ مِمَّنْ لَا نَفْعَ فِيهِ ، كَسِبَاعِ الْبَهَائِمِ ، أَوْ الطَّيْرِ الَّتِي لَا تَصْلُحُ لِلِاصْطِيَادِ وَلَا تَجُوزُ إجَارَةُ الْكَلْبِ ، وَلَا الْخِنْزِيرِ ، بِحَالٍ .\rوَيَتَخَرَّجُ جَوَازُ إجَارَةِ الْكَلْبِ الَّذِي يُبَاحُ اقْتِنَاؤُهُ ؛ لِأَنَّ فِيهِ نَفْعًا مُبَاحًا تَجُوزُ لَهُ إعَارَتُهُ ، فَجَازَتْ إجَارَتُهُ لَهُ كَغَيْرِهِ .\rوَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَجْهَانِ ، كَهَذَيْنِ .\rوَلَا تَجُوزُ إجَارَةُ مَا لَا يَقْدِرُ عَلَى تَسْلِيمِ مَنْفَعَتِهِ ، سَوَاءٌ جَازَ بَيْعُهُ أَوْ لَمْ يَجُزْ ، مِثْلَ أَنْ يَغْصِبَ مَنْفَعَتَهُ ، بِأَنْ يَدَّعِيَ إنْسَانٌ أَنَّ هَذِهِ الدَّارَ فِي إجَارَتِهِ عَامًا ، وَيَغْلِبَ صَاحِبَهَا عَلَيْهَا ، فَإِنَّهُ لَا تَجُوزُ إجَارَتُهَا فِي هَذَا الْعَامِ إلَّا مِنْ غَاصِبِهَا ، أَوْ مِمَّنْ يَقْدِرُ عَلَى أَخْذِهَا مِنْهُ قَالَ أَصْحَابُنَا : وَلَا تَجُوزُ إجَارَةُ الْمُشَاعِ لِغَيْرِ الشَّرِيكِ ، إلَّا أَنْ يُؤْجِرَ الشَّرِيكَانِ مَعًا .\rوَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَزُفَرَ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى تَسْلِيمِهِ ، فَلَمْ تَصِحَّ إجَارَتُهُ كَالْمَغْصُوبِ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى تَسْلِيمِهِ إلَّا بِتَسْلِيمِ نَصِيبِ شَرِيكِهِ ، وَلَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَى مَالِ شَرِيكِهِ .\rوَاخْتَارَ أَبُو حَفْصٍ الْعُكْبَرِيُّ جَوَازَ ذَلِكَ .\rوَقَدْ أَوْمَأَ إلَيْهِ أَحْمَدُ ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٍ ؛ لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ يَجُوزُ","part":12,"page":93},{"id":5593,"text":"بَيْعُهُ ، فَجَازَتْ إجَارَتُهُ كَالْمُفْرَدِ ، وَلِأَنَّهُ عَقْدٌ فِي مِلْكِهِ ، يَجُوزُ مَعَ شَرِيكِهِ ، فَجَازَ مَعَ غَيْرِهِ كَالْبَيْعِ ، وَلِأَنَّهُ يَجُوزُ إذَا فَعَلَهُ الشَّرِيكَانِ مَعًا ، فَجَازَ لِأَحَدِهِمَا فِعْلُهُ فِي نَصِيبِهِ مُفْرَدًا ، كَالْبَيْعِ وَمَنْ نَصَرَ الْأَوَّلَ فَرَّقَ بَيْنَ مَحَلِّ النِّزَاعِ وَبَيْنَ مَا إذَا آجَرَهُ الشَّرِيكَانِ ، أَوْ آجَرَهُ لِشَرِيكِهِ ، بِأَنَّهُ يُمْكِنُ التَّسْلِيمُ إلَى الْمُسْتَأْجِرِ ، فَأَشْبَهَ إجَارَةَ الْمَغْصُوبِ مِنْ غَاصِبِهِ دُونَ غَيْرِهِ .\rوَإِنْ كَانَتْ الدَّارُ لِوَاحِدٍ ، فَآجَرَ نِصْفَهَا ، صَحَّ ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ تَسْلِيمُهُ ، ثُمَّ إنْ آجَرَ نِصْفَهَا الْآخَرَ لِلْمُسْتَأْجِرِ الْأَوَّلِ صَحَّ فَإِنَّهُ يُمْكِنُهُ تَسْلِيمُهُ إلَيْهِ ، وَإِنْ آجَرَهُ لِغَيْرِهِ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ، بِنَاءً عَلَى الْمَسْأَلَةِ الَّتِي قَبْلَهَا ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ تَسْلِيمُ مَا آجَرَهُ إلَيْهِ وَإِنْ آجَرَ الدَّارَ لِاثْنَيْنِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفُهَا ، فَكَذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ تَسْلِيمُ نَصِيبِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إلَيْهِ .","part":12,"page":94},{"id":5594,"text":"( 4320 ) فَصْلٌ : وَفِي إجَارَةِ الْمُصْحَفِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا لَا تَصِحُّ إجَارَتُهُ ، مَبْنِيًّا عَلَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ ، وَعِلَّةُ ذَلِكَ إجْلَالُ كَلَامِ اللَّهِ وَكِتَابِهِ عَنْ الْمُعَاوَضَةِ بِهِ ، وَابْتِذَالِهِ بِالثَّمَنِ فِي الْبَيْعِ ، وَالْأَجْرِ فِي الْإِجَارَةِ .\rوَالثَّانِي ، تَجُوزُ إجَارَتُهُ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ انْتِفَاعٌ مُبَاحٌ ، تَجُوزُ الْإِعَارَةُ مِنْ أَجْلِهِ ، فَجَازَتْ فِيهِ الْإِجَارَةُ ، كَسَائِرِ الْكُتُبِ ، فَأَمَّا سَائِرُ الْكُتُبِ الْجَائِزِ بَيْعُهَا ، فَتَجُوزُ إجَارَتُهَا وَمُقْتَضَى مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهَا لَا تَجُوزُ إجَارَتُهَا ؛ لِأَنَّهُ عَلَّلَ مَنْعَ إجَارَةِ الْمُصْحَفِ بِأَنَّهُ لَيْسَ فِي ذَلِكَ أَكْثَرُ مِنْ النَّظَرِ إلَيْهِ ، وَلَا تَجُوزُ الْإِجَارَةُ لِمِثْلِ ذَلِكَ ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَسْتَأْجِرَ سَقْفًا لِيَنْظُرَ إلَى عَمَلِهِ وَتَصَاوِيرِهِ ، أَوْ شَمْعًا لِيَتَجَمَّلَ بِهِ .\rوَلَنَا أَنَّهُ انْتِفَاعٌ مُبَاحٌ يُحْتَاجُ إلَيْهِ ، وَتَجُوزُ الْإِعَارَةُ لَهُ ، فَجَازَتْ إجَارَتُهُ كَسَائِرِ الْمَنَافِعِ .\rوَفَارَقَ النَّظَرَ إلَى السَّقْفِ ؛ فَإِنَّهُ لَا حَاجَةَ إلَيْهِ ، وَلَا جَرَتْ الْعَادَةُ بِالْإِعَارَةِ مِنْ أَجْلِهِ .\rوَفِي مَسْأَلَتِنَا يُحْتَاجُ إلَى الْقِرَاءَةِ فِي الْكُتُبِ ، وَالتَّحَفُّظِ مِنْهَا ، وَالنَّسْخِ وَالسَّمَاعِ مِنْهَا وَالرِّوَايَةِ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الِانْتِفَاعِ الْمَقْصُودِ الْمُحْتَاجِ إلَيْهِ .","part":12,"page":95},{"id":5595,"text":"( 4321 ) فَصْلٌ : وَلَا تَجُوزُ إجَارَةُ الْمُسْلِمِ لِلذِّمِّيِّ لِخِدْمَتِهِ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ ، فَقَالَ : إنْ آجَرَ نَفْسَهُ مِنْ الذِّمِّيِّ فِي خِدْمَتِهِ ، لَمْ يَجُزْ ، وَإِنْ كَانَ فِي عَمَلِ شَيْءٍ ، جَازَ .\rوَهَذَا أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ ، وَقَالَ فِي الْآخَرِ : تَجُوزُ ؛ لِأَنَّهُ تَجُوزُ لَهُ إجَارَةُ نَفْسِهِ فِي غَيْرِ الْخِدْمَةِ ، فَجَازَ فِيهَا ، كَإِجَارَتِهِ مِنْ الْمُسْلِمِ .\rوَلَنَا أَنَّهُ عَقْدٌ يَتَضَمَّنُ حَبْسَ الْمُسْلِمِ عِنْدَ الْكَافِرِ ، وَإِذْلَالَهُ لَهُ ، وَاسْتِخْدَامَهُ ، أَشْبَهَ الْبَيْعَ ، يُحَقِّقُهُ أَنَّ عَقْدَ الْإِجَارَةِ لِلْخِدْمَةِ يَتَعَيَّنُ فِيهِ حَبْسُهُ مُدَّةَ الْإِجَارَةِ وَاسْتِخْدَامُهُ ، وَالْبَيْعُ لَا يَتَعَيَّنُ فِيهِ ذَلِكَ ، فَإِذَا مُنِعَ مِنْهُ ، فَلَأَنْ يُمْنَعَ مِنْ الْإِجَارَةِ أَوْلَى فَأَمَّا إنْ آجَرَ نَفْسَهُ مِنْهُ فِي عَمَلٍ مُعَيَّنٍ فِي الذِّمَّةِ ، كَخِيَاطَةِ ثَوْبٍ ، وَقِصَارَتِهِ ، جَازَ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ ؛ لِأَنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ آجَرَ نَفْسَهُ مِنْ يَهُودِيٍّ ، يَسْتَقِي لَهُ كُلَّ دَلْوٍ بِتَمْرَةٍ ، وَأَخْبَرَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ ، فَلَمْ يُنْكِرْهُ .\rوَكَذَلِكَ الْأَنْصَارِيُّ .\rوَلِأَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ لَا يَتَضَمَّنُ إذْلَالَ الْمُسْلِمِ ، وَلَا اسْتِخْدَامَهُ ، أَشْبَهَ مُبَايَعَتَهُ .\rوَإِنْ آجَرَ نَفْسَهُ مِنْهُ لِعَمَلِ غَيْرِ الْخِدْمَةِ ، مُدَّةً مَعْلُومَةً ، جَازَ أَيْضًا ، فِي ظَاهِرِ كَلَامِ أَحْمَدَ ؛ لِقَوْلِهِ ، فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ : وَإِنْ كَانَ فِي عَمَلِ شَيْءٍ ، جَازَ وَنَقَلَ عَنْهُ أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ : لَا بَأْسَ أَنْ يُؤْجِرَ نَفْسَهُ مِنْ الذِّمِّيِّ .\rوَهَذَا مُطْلَقٌ فِي نَوْعَيْ الْإِجَارَةِ .\rوَذَكَرَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا ، أَنَّ ظَاهِرَ كَلَامِ أَحْمَدَ مَنْعُ ذَلِكَ ، وَأَشَارَ إلَى مَا رَوَاهُ الْأَثْرَمُ ، وَاحْتَجَّ بِأَنَّهُ عَقْدٌ يَتَضَمَّنُ حَبْسَ الْمُسْلِمِ ، أَشْبَهَ الْبَيْعَ .\rوَالصَّحِيحُ مَا ذَكَرْنَا ، وَكَلَامُ أَحْمَدَ إنَّمَا يَدُلُّ عَلَى خِلَافِ مَا قَالَهُ ، فَإِنَّهُ خَصَّ الْمَنْعَ بِالْإِجَارَةِ لِلْخِدْمَةِ ،","part":12,"page":96},{"id":5596,"text":"وَأَجَازَ إجَارَتَهُ لِلْعَمَلِ .\rوَهَذَا إجَارَةٌ لِلْعَمَلِ .\rوَيُفَارِقُ الْبَيْعَ ، فَإِنَّ فِيهِ إثْبَاتَ الْمِلْكِ عَلَى الْمُسْلِمِ ، وَيُفَارِقُ إجَارَتَهُ لِلْخِدْمَةِ ، لِتَضَمُّنِهَا الْإِذْلَالَ .","part":12,"page":97},{"id":5597,"text":"فَصْلٌ ( 4322 ) : نَقَلَ إبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ ، عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الرَّجُلِ يَكْتَرِي الدِّيكَ يُوقِظُهُ لِوَقْتِ الصَّلَاةِ : لَا يَجُوزُ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ ذَلِكَ يَقِفُ عَلَى فِعْلِ الدِّيكِ ، وَلَا يُمْكِنُ اسْتِخْرَاجُ ذَلِكَ مِنْهُ بِضَرْبٍ وَلَا غَيْرِهِ ، وَقَدْ يَصِيحُ ، وَقَدْ لَا يَصِيحُ ، وَرُبَّمَا صَاحَ بَعْد الْوَقْتِ .","part":12,"page":98},{"id":5598,"text":"( 4323 ) فَصْلٌ : الْقِسْمُ الرَّابِعُ ، الْقُرَبُ الَّتِي يَخْتَصُّ فَاعِلُهَا بِكَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرْبَةِ ، يَعْنِي أَنَّهُ يُشْتَرَطُ كَوْنُهُ مُسْلِمًا ، كَالْإِمَامَةِ ، وَالْأَذَانِ ، وَالْحَجِّ ، وَتَعْلِيمِ الْقُرْآنِ نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .\rوَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ ، وَالضَّحَّاكُ بْنُ قَيْسٍ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَالزُّهْرِيُّ .\rوَكَرِهَ الزُّهْرِيُّ ، وَإِسْحَاقُ تَعْلِيمَ الْقُرْآنِ بِأَجْرٍ .\rوَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَقِيقٍ : هَذِهِ الرُّغُفُ الَّتِي يَأْخُذُهَا الْمُعَلِّمُونَ مِنْ السُّحْتِ .\rوَمِمَّنْ كَرِهَ أُجْرَةَ التَّعْلِيمِ مَعَ الشَّرْطِ : الْحَسَنُ ، وَابْنُ سِيرِينَ ، وَطَاوُسٌ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَالنَّخَعِيُّ وَعَنْ أَحْمَدَ ، رِوَايَةٌ أُخْرَى ، يَجُوزُ ذَلِكَ .\rحَكَاهَا أَبُو الْخَطَّابِ .\rوَنَقَلَ أَبُو طَالِبٍ ، عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّهُ قَالَ : التَّعْلِيمُ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ يَتَوَكَّلَ لِهَؤُلَاءِ السَّلَاطِينِ ، وَمِنْ أَنْ يَتَوَكَّلَ لِرَجُلٍ مِنْ عَامَّةِ النَّاسِ فِي ضَيْعَةٍ ، وَمِنْ أَنْ يَسْتَدِينَ وَيَتَّجِرَ ، لَعَلَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْوَفَاءِ ، فَيَلْقَى اللَّهَ تَعَالَى بِأَمَانَاتِ النَّاسِ ، التَّعْلِيمُ أَحَبُّ إلَيَّ .\rوَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَنْعَهُ مِنْهُ فِي مَوْضِعِ مَنْعِهِ لِلْكَرَاهَةِ ، لَا لِلتَّحْرِيمِ .\rوَمِمَّنْ أَجَازَ ذَلِكَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ .\rوَرَخَّصَ فِي أُجُورِ الْمُعَلِّمِينَ أَبُو قِلَابَةَ وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَوَّجَ رَجُلًا بِمَا مَعَهُ مِنْ الْقُرْآنِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَإِذَا جَازَ تَعْلِيمُ الْقُرْآنِ عِوَضًا فِي بَابِ النِّكَاحِ ، وَقَامَ مَقَامَ الْمَهْرِ ، جَازَ أَخْذُ الْأُجْرَةِ عَلَيْهِ فِي الْإِجَارَةِ ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { أَحَقُّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا كِتَابُ اللَّهِ } .\rحَدِيثٌ صَحِيحٌ .\rوَثَبَتَ { أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ رَقَى رَجُلًا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ عَلَى جُعْلٍ فَبَرَأَ ، وَأَخَذَ أَصْحَابُهُ الْجُعْلَ ، فَأَتَوْا بِهِ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرُوهُ ، وَسَأَلُوهُ ، فَقَالَ :","part":12,"page":99},{"id":5599,"text":"لَعَمْرِي لَمَنْ أَكَلَ بِرُقْيَةِ بَاطِلٍ ، لَقَدْ أَكَلْتَ بِرُقْيَةِ حَقٍّ ، كُلُوا وَاضْرِبُوا لِي مَعَكُمْ بِسَهْمٍ } وَلِذَا جَازَ أَخْذُ الْأَجْرِ ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَاهُ ، وَلِأَنَّهُ يَجُوزُ أَخْذُ الرِّزْقِ عَلَيْهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ ، فَجَازَ أَخْذُ الْأَجْرِ عَلَيْهِ ، كَبِنَاءِ الْمَسَاجِدِ وَالْقَنَاطِرِ ، وَلِأَنَّ الْحَاجَةَ تَدْعُو إلَى ذَلِكَ ، فَإِنَّهُ يُحْتَاجُ إلَى الِاسْتِنَابَةِ فِي الْحَجِّ عَمَّنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَجُّ وَعَجَزَ عَنْ فِعْلِهِ ، وَلَا يَكَادُ يُوجَدُ مُتَبَرِّعٌ بِذَلِكَ ، فَيُحْتَاجُ إلَى بَذْلِ الْأَجْرِ فِيهِ .\rوَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى ، مَا رَوَى عُثْمَانُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ ، قَالَ : { إنَّ آخِرَ مَا عَهِدَ إلَيَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ أَتَّخِذَ مُؤَذِّنًا لَا يَأْخُذُ عَلَى أَذَانِهِ أَجْرًا } قَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ .\rوَرَوَى عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ ، قَالَ : عَلَّمْتُ نَاسًا مِنْ أَهْلِ الصُّفَّةِ الْقُرْآنَ وَالْكِتَابَةَ ، فَأَهْدَى إلَيَّ رَجُلٌ مِنْهُمْ قَوْسًا ، قَالَ : قُلْت : قَوْسٌ وَلَيْسَتْ بِمَالٍ .\rقَالَ : قُلْت أَتَقَلَّدُهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ .\rفَذَكَرْت ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rوَقَصَّ عَلَيْهِ الْقِصَّةَ ، قَالَ : { إنْ سَرَّك أَنْ يُقَلِّدَك اللَّهُ قَوْسًا مِنْ نَارٍ ، فَاقْبَلْهَا } .\rوَعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ، أَنَّهُ { عَلَّمَ رَجُلًا سُورَةً مِنْ الْقُرْآنِ ، فَأَهْدَى إلَيْهِ خَمِيصَةً أَوْ ثَوْبًا ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : لَوْ أَنَّك لَبِسْتهَا ، أَوْ أَخَذَتْهَا ، أَلْبَسَك اللَّهُ مَكَانَهَا ثَوْبًا مِنْ نَارٍ } وَعَنْ أُبَيٍّ ، قَالَ : { كُنْت أَخْتَلِفُ إلَى رَجُلٍ مُسِنٍّ ، قَدْ أَصَابَتْهُ عِلَّةٌ ، قَدْ احْتَبَسَ فِي بَيْتِهِ أُقْرِئُهُ الْقُرْآنَ ، فَكَانَ عِنْدَ فَرَاغِهِ مِمَّا أُقْرِئُهُ يَقُولُ لِجَارِيَةٍ لَهُ : هَلُمِّي بِطَعَامِ أَخِي .\rفَيُؤْتَى بِطَعَامٍ لَا آكُلُ مِثْلَهُ بِالْمَدِينَةِ ، فَحَاكَ فِي نَفْسِي مِنْهُ شَيْءٌ ، فَذَكَرْتُهُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : إنْ كَانَ ذَلِكَ الطَّعَامُ طَعَامَهُ","part":12,"page":100},{"id":5600,"text":"وَطَعَامَ أَهْلِهِ ، فَكُلْ مِنْهُ ، وَإِنْ كَانَ يُتْحِفُك بِهِ ، فَلَا تَأْكُلْهُ } .\rوَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَن بْن شِبْلٍ الْأَنْصَارِيِّ ، قَالَ : سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : { اقْرَءُوا الْقُرْآنَ ، وَلَا تَغْلُوا فِيهِ ، وَلَا تَجْفُوا عَنْهُ ، وَلَا تَأْكُلُوا بِهِ ، وَلَا تَسْتَكْثِرُوا بِهِ } رَوَى هَذِهِ الْأَحَادِيثَ كُلَّهَا الْأَثْرَمُ ، فِي \" سُنَنِهِ \" .\rوَلِأَنَّ مِنْ شَرْطِ صِحَّةِ هَذِهِ الْأَفْعَالِ ، كَوْنَهَا قُرْبَةً إلَى اللَّهِ تَعَالَى ، فَلَمْ يَجُزْ أَخْذُ الْأَجْرِ عَلَيْهَا ، كَمَا لَوْ اسْتَأْجَرَ قَوْمًا يُصَلُّونَ خَلْفَهُ الْجُمُعَةَ أَوْ التَّرَاوِيحَ .\rفَأَمَّا الْأَخْذُ عَلَى الرُّقْيَةِ ، فَإِنَّ أَحْمَدَ اخْتَارَ جَوَازَهُ ، وَقَالَ : لَا بَأْسَ .\rوَذَكَرَ حَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ .\rوَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا اُخْتُلِفَ فِيهِ ، أَنَّ الرُّقْيَةَ نَوْعُ مُدَاوَاةٍ ، وَالْمَأْخُوذُ عَلَيْهَا جُعْلٌ ، وَالْمُدَاوَاةُ يُبَاحُ أَخْذُ الْأَجْرِ عَلَيْهَا ، وَالْجَعَالَةُ أَوْسَعُ مِنْ الْإِجَارَةِ ، وَلِهَذَا تَجُوزُ مَعَ جَهَالَةِ الْعَمَلِ وَالْمُدَّةِ وَقَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { أَحَقُّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا كِتَابُ اللَّهِ } .\rيَعْنِي بِهِ الْجُعْلَ أَيْضًا فِي الرُّقْيَةِ ؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَ ذَلِكَ فِي سِيَاقِ خَبَرِ الرُّقْيَةِ .\rوَأَمَّا جَعْلُ التَّعْلِيمِ صَدَاقًا فَعَنْهُ فِيهِ اخْتِلَافٌ ، وَلَيْسَ فِي الْخَبَرِ تَصْرِيحٌ بِأَنَّ التَّعْلِيمَ صَدَاقٌ ، إنَّمَا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { زَوَّجْتُكَهَا عَلَى مَا مَعَكَ مِنْ الْقُرْآنِ } .\rفَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ زَوَّجَهُ إيَّاهَا بِغَيْرِ صَدَاقٍ ، إكْرَامًا لَهُ ، كَمَا زَوَّجَ أَبَا طَلْحَةَ أُمَّ سُلَيْمٍ عَلَى إسْلَامِهِ ، وَنُقِلَ عَنْهُ جَوَازُهُ وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمَهْرِ وَالْأَجْرِ ، أَنَّ الْمَهْرَ لَيْسَ بِعِوَضٍ مَحْضٍ ، وَإِنَّمَا وَجَبَ نِحْلَةً وَوَصْلَةً ، وَلِهَذَا جَازَ خُلُوُّ الْعَقْدِ عَنْ تَسْمِيَتِهِ ، وَصَحَّ مَعَ فَسَادِهِ ، بِخِلَافِ الْأَجْرِ فِي غَيْرِهِ ، فَأَمَّا الرِّزْقُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ ، فَيَجُوزُ عَلَى مَا يَتَعَدَّى نَفْعُهُ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ ؛ لِأَنَّ","part":12,"page":101},{"id":5601,"text":"بَيْتَ الْمَالِ لِمَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ ، فَإِذَا كَانَ بَذْلُهُ لِمَنْ يَتَعَدَّى نَفْعُهُ إلَى الْمُسْلِمِينَ مُحْتَاجًا إلَيْهِ ، كَانَ مِنْ الْمَصَالِحِ ، وَكَانَ لِلْآخِذِ لَهُ أَخْذُهُ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِهِ ، وَجَرَى مَجْرَى الْوَقْفِ عَلَى مَنْ يَقُومُ بِهَذِهِ الْمَصَالِحِ ، بِخِلَافِ الْأَجْرِ .","part":12,"page":102},{"id":5602,"text":"( 4324 ) فَصْلٌ : فَإِنْ أُعْطِيَ الْمُعَلِّمُ شَيْئًا مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ ، فَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ جَوَازُهُ .\rوَقَالَ ، فِيمَا نَقَلَ عَنْهُ أَيُّوبُ بْنُ سَافِرِي : لَا يَطْلُبُ ، وَلَا يُشَارِطُ ، فَإِنْ أُعْطِيَ شَيْئًا أَخَذَهُ .\rوَقَالَ ، فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ بْنِ سَعِيدٍ : أَكْرَهُ أَجْرَ الْمُعَلِّمِ إذَا شَرَطَ .\rوَقَالَ : إذَا كَانَ الْمُعَلِّمُ لَا يُشَارِطُ ، وَلَا يَطْلُبُ مِنْ أَحَدٍ شَيْئًا ، إنْ أَتَاهُ شَيْءٌ قَبِلَهُ .\rكَأَنَّهُ يَرَاهُ أَهْوَنَ .\rوَكَرِهَهُ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ؛ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ الْقَوْسِ وَالْخَمِيصَةِ اللَّتَيْنِ أُعْطِيَهُمَا أُبَيٌّ وَعُبَادَةُ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ .\rوَلِأَنَّ ذَلِكَ قُرْبَةٌ ، فَلَمْ يَجُزْ أَخْذُ الْعِوَضِ عَنْهَا ، لَا بِشَرْطٍ وَلَا بِغَيْرِهِ ، كَالصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ .\rوَوَجْهُ الْأَوَّلِ ، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَا أَتَاك مِنْ هَذَا الْمَالِ مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ وَلَا إشْرَافِ نَفْسٍ ، فَخُذْهُ ، وَتَمَوَّلْهُ ؛ فَإِنَّهُ رِزْقٌ سَاقَهُ اللَّهُ إلَيْك } .\rوَقَدْ أَرْخَصَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأُبَيٍّ فِي أَكْلِ طَعَامِ الَّذِي كَانَ يُعَلِّمُهُ ، إذَا كَانَ طَعَامَهُ وَطَعَامَ أَهْلِهِ .\rوَلِأَنَّهُ إذَا كَانَ بِغَيْرِ شَرْطٍ ، كَانَ هِبَةً مُجَرَّدَةً ، فَجَازَ ، كَمَا لَوْ لَمْ يُعَلِّمْهُ شَيْئًا .\rفَأَمَّا حَدِيثُ الْقَوْسِ وَالْخَمِيصَةِ ، فَقَضِيَّتَانِ فِي عَيْنٍ ، فَيُحْتَمَلُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلِمَ أَنَّهُمَا فَعَلَا ذَلِكَ لِلَّهِ خَالِصًا ، فَكَرِهَ أَخَذَ الْعِوَضِ عَنْهُ مِنْ غَيْرِ اللَّه تَعَالَى .\rوَيُحْتَمَلُ غَيْرُ ذَلِكَ وَإِنْ أُعْطِيَ الْمُعَلِّمُ أَجْرًا عَلَى تَعْلِيمِ الصَّبِيِّ الْخَطَّ وَحِفْظِهِ ، جَازَ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، فَقَالَ : إنْ كَانَ الْمُعْطِي يَنْوِي أَنْ يُعْطِيَهُ لِحِفْظِ الصَّبِيِّ وَتَعْلِيمِهِ ، فَأَرْجُو إذَا كَانَ كَذَا .\rوَلِأَنَّ هَذَا مِمَّا يَجُوزُ أَخْذُ الْأَجْرِ عَلَيْهِ مُفْرَدًا ، فَجَازَ مَعَ غَيْرِهِ ، كَسَائِرِ مَا يَجُوزُ الِاسْتِئْجَارُ عَلَيْهِ .\rوَهَكَذَا لَوْ كَانَ إمَامُ الْمَسْجِدِ قَيِّمًا لَهُ ، يُسْرِجُ","part":12,"page":103},{"id":5603,"text":"قَنَادِيلَهُ ، وَيَكْنُسُهُ ، وَيُغْلِقُ بَابَهُ وَيَفْتَحُهُ ، فَأَخَذَ أَجْرًا عَلَى خِدْمَتِهِ ، أَوْ كَانَ النَّائِبُ فِي الْحَجِّ يَخْدِمُ الْمُسْتَنِيبَ لَهُ فِي طَرِيقِ الْحَجِّ ، وَيَشُدُّ لَهُ ، وَيَرْفَعُ حِمْلَهُ ، وَيَحُجُّ عَنْ أَبِيهِ ، فَدَفَعَ لَهُ أَجْرًا لِخِدْمَتِهِ ، لَمْ يَمْتَنِعْ ذَلِكَ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .","part":12,"page":104},{"id":5604,"text":"( 4325 ) فَصْلٌ : وَمَا لَا يَخْتَصُّ فَاعِلُهُ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْقُرْبَةِ ، كَتَعْلِيمِ الْخَطِّ وَالْحِسَابِ وَالشِّعْرِ الْمُبَاحِ ، وَأَشْبَاهِهِ ، وَبِنَاءِ الْمَسَاجِدِ وَالْقَنَاطِرِ ، جَازَ أَخْذُ الْأَجْرِ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ يَقَعُ تَارَةً قُرْبَةً ، وَتَارَةً غَيْرَ قُرْبَةٍ ، فَلَمْ يُمْنَعْ مِنْ الِاسْتِئْجَارِ لِفِعْلِهِ ، كَغَرْسِ الْأَشْجَارِ ، وَبِنَاءِ الْبُيُوتِ .\rوَكَذَلِكَ فِي تَعْلِيمِ الْفِقْهِ وَالْحَدِيثِ .\rوَأَمَّا مَا لَا يَتَعَدَّى نَفْعُهُ فَاعِلَهُ مِنْ الْعِبَادَات الْمَحْضَةِ ، كَالصِّيَامِ ، وَصَلَاةِ الْإِنْسَانِ لِنَفْسِهِ ، وَحَجِّهِ عَنْ نَفْسِهِ ، وَأَدَاءِ زَكَاةِ نَفْسِهِ ، فَلَا يَجُوزُ أَخْذُ الْأَجْرِ عَلَيْهَا ، بِغَيْرِ خِلَافٍ ؛ لِأَنَّ الْأَجْرَ عِوَضُ الِانْتِفَاعِ ، وَلَمْ يَحْصُلْ لِغَيْرِهِ هَاهُنَا انْتِفَاعٌ ، فَأَشْبَهَ إجَارَةَ الْأَعْيَانِ الَّتِي لَا نَفْعَ فِيهَا .","part":12,"page":105},{"id":5605,"text":"( 4326 ) فَصْلٌ : إذَا اخْتَلَفَا فِي قَدْرِ الْأَجْرِ ، فَقَالَ : آجَرْتَنِيهَا سَنَةً بِدِينَارٍ .\rقَالَ : بَلْ بِدِينَارَيْنِ .\rتَحَالَفَا ، وَيُبْدَأُ بِيَمِينِ الْآجِرِ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .\rوَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ الْإِجَارَةَ نَوْعٌ مِنْ الْبَيْعِ ، فَإِذَا تَحَالَفَا قَبْلَ مُضِيِّ شَيْءٍ مِنْ الْمُدَّةِ فَسَخَا الْعَقْدَ ، وَرَجَعَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي مَالِهِ .\rوَإِنْ رَضِيَ أَحَدُهُمَا بِمَا حَلَفَ عَلَيْهِ الْآخَرُ ، قَرَّ الْعَقْدُ .\rوَإِنْ فَسَخَا الْعَقْدَ بَعْدَ الْمُدَّةِ أَوْ شَيْءٍ مِنْهَا ، سَقَطَ الْمُسَمَّى وَوَجَبَ أَجْرُ الْمِثْلِ ، كَمَا لَوْ اخْتَلَفَا فِي الْمَبِيعِ بَعْدَ تَلَفِهِ .\rوَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إنْ لَمْ يَكُنْ عَمِلَ الْعَمَلَ ، وَإِنْ كَانَ عَمِلَهُ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُسْتَأْجِرِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَجْرِ مِثْلِهِ .\rوَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ : الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُسْتَأْجِرِ ؛ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ لِلزِّيَادَةِ فِي الْأَجْرِ ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ .\rوَلَنَا أَنَّ الْإِجَارَةَ نَوْعٌ مِنْ الْبَيْعِ ، فَيَتَحَالَفَانِ عِنْدَ اخْتِلَافِهِمَا فِي عِوَضِهَا ، كَالْبَيْعِ ، وَكَمَا قَبِلَ أَنْ يَعْمَلَ الْعَمَلَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ .\rوَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى : الْقَوْلُ قَوْلُ الْمَالِكِ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إذَا اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ } .\rوَهَذَا يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ إذَا اخْتَلَفَا فِي الْمُدَّةِ ، وَأَمَّا إذَا اخْتَلَفَا فِي الْعِوَضِ ، فَالصَّحِيحُ أَنَّهُمَا يَتَحَالَفَانِ ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ .","part":12,"page":106},{"id":5606,"text":"( 4327 ) فَصْلٌ : وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي الْمُدَّةِ ، فَقَالَ : أَجَرْتُكهَا سَنَةً بِدِينَارٍ .\rقَالَ : بَلْ سَنَتَيْنِ بِدِينَارَيْنِ .\rفَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَالِكِ ؛ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ لِلزِّيَادَةِ ، فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ فِيمَا أَنْكَرَهُ ، كَمَا لَوْ قَالَ : بِعْتُك هَذَا الْعَبْدَ بِمِائَةٍ .\rقَالَ : بَلْ هَذَيْنِ الْعَبْدَيْنِ .","part":12,"page":107},{"id":5607,"text":"وَإِنْ قَالَ : أَجَرْتُكهَا سَنَةً بِدِينَارٍ .\rقَالَ : بَلْ سَنَتَيْنِ بِدِينَارٍ .\rفَهَاهُنَا قَدْ اخْتَلَفَا فِي قَدْرِ الْعِوَضِ وَالْمُدَّةِ جَمِيعًا ، فَيَتَحَالَفَانِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ الِاتِّفَاقُ مِنْهُمَا عَلَى مُدَّةٍ بِعِوَضٍ ، فَصَارَ كَمَا لَوْ اخْتَلَفَا فِي الْعِوَضِ مَعَ اتِّفَاقِ الْمُدَّةِ .","part":12,"page":108},{"id":5608,"text":"وَإِنْ قَالَ الْمَالِكُ : أَجَرْتُكَهَا سَنَةً بِدِينَارٍ .\rفَقَالَ السَّاكِنُ : بَلْ اسْتَأْجَرْتَنِي عَلَى حِفْظِهَا بِدِينَارٍ .\rفَقَالَ أَحْمَدُ : الْقَوْلُ قَوْلُ رَبِّ الدَّارِ ، إلَّا أَنْ تَكُونَ لِلسَّاكِنِ بَيِّنَةٌ .\rوَذَلِكَ لِأَنَّ سُكْنَى الدَّارِ قَدْ وُجِدَ مِنْ السَّاكِنِ ، وَاسْتِيفَاءُ مَنْفَعَتِهَا وَهِيَ مِلْكُ صَاحِبِهَا ، وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِي مِلْكِهِ ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ اسْتِئْجَارِ السَّاكِنِ فِي الْحِفْظِ ، فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ مَنْ يَنْفِيه .","part":12,"page":109},{"id":5609,"text":"( 4328 ) فَصْلٌ : وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي التَّعَدِّي فِي الْعَيْنِ الْمُسْتَأْجَرَةِ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُسْتَأْجِرِ ؛ لِأَنَّهُ مُؤْتَمَنٌ عَلَيْهَا ، فَأَشْبَهَ الْمُودَعَ ، وَلِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْعُدْوَانِ ، وَالْبَرَاءَةُ مِنْ الضَّمَانِ .","part":12,"page":110},{"id":5610,"text":"وَإِنْ ادَّعَى أَنَّ الْعَبْدَ أَبَقَ مِنْ يَدِهِ ، وَأَنَّ الدَّابَّةَ شَرَدَتْ أَوْ نَفَقَتْ ، وَأَنْكَرَ الْمُؤْجِرُ ، فَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَتَانِ إحْدَاهُمَا أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْمُسْتَأْجِرِ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا ، وَلَا أَجْرَ عَلَيْهِ إذَا حَلَفَ أَنَّهُ مَا انْتَفَعَ بِهَا ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الِانْتِفَاعِ .\rوَالثَّانِيَةُ الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُؤْجِرِ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ السَّلَامَةُ .\rفَأَمَّا إنْ ادَّعَى أَنَّ الْعَبْدَ مَرِضَ فِي يَدِهِ ، نَظَرْنَا ؛ فَإِنْ جَاءَ بِهِ صَحِيحًا ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَالِكِ ، سَوَاءٌ وَافَقَهُ الْعَبْدُ أَوْ خَالَفَهُ نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .\rوَإِنْ جَاءَ بِهِ مَرِيضًا ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُسْتَأْجِرِ .\rوَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّهُ إذَا جَاءَ بِهِ صَحِيحًا فَقَدْ ادَّعَى مَا يُخَالِفُ الْأَصْلَ ، وَلَيْسَ مَعَهُ دَلِيلٌ عَلَيْهِ ، وَإِنْ جَاءَ بِهِ مَرِيضًا ، فَقَدْ وُجِدَ مَا يُخَالِفُ الْأَصْلَ يَقِينًا ، فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ فِي مُدَّةِ الْمَرَضِ ؛ لِأَنَّهُ أَعْلَمُ بِذَلِكَ ، لِكَوْنِهِ فِي يَدِهِ .\rوَكَذَلِكَ إنْ ادَّعَى إبَاقَهُ فِي حَالِ إبَاقِهِ ، أَوْ جَاءَ بِهِ غَيْرَ آبِقٍ .\rوَنَقَلَ إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ ، عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّهُ يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي إبَاقِ الْعَبْدِ ، دُونَ مَرَضِهِ .\rوَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَإِسْحَاقُ قَالَ أَبُو بَكْرٍ : وَبِالْأَوَّلِ أَقُولُ ؛ لِأَنَّهُمَا سَوَاءٌ فِي تَفْوِيتِ مَنْفَعَتِهِ ، فَكَانَا سَوَاءً فِي دَعْوَى ذَلِكَ .\rوَإِنْ هَلَكَتْ الْعَيْنُ ، فَاخْتَلَفَا فِي وَقْتِ هَلَاكِهَا ، أَوْ أَبَقَ الْعَبْدُ ، أَوْ مَرِضَ فَاخْتَلَفَا فِي وَقْتِ ذَلِكَ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُسْتَأْجِرِ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْعَمَلِ وَلِأَنَّ ذَلِكَ حَصَلَ فِي يَدِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِ .","part":12,"page":111},{"id":5611,"text":"( 4329 ) فَصْلٌ : إذَا دَفَعَ ثَوْبَهُ إلَى خَيَّاطٍ أَوْ قَصَّارٍ ، لِيَخِيطَهُ أَوْ يَقْصُرَهُ ، مِنْ غَيْرِ عَقْدٍ وَلَا شَرْطٍ ، وَلَا تَعْوِيضٍ بِأَجْرٍ ، مِثْلُ أَنْ يَقُولَ : خُذْ هَذَا فَاعْمَلْهُ ، وَأَنَا أَعْلَمُ أَنَّك إنَّمَا تَعْمَلُ بِأَجْرٍ .\rوَكَانَ الْخَيَّاطُ وَالْقَصَّارُ مُنْتَصِبَيْنِ لِذَلِكَ ، فَفَعَلَا ذَلِكَ ، فَلَهُمَا الْأَجْرُ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ : لَا أَجْرَ لَهُمَا ؛ لِأَنَّهُمَا فَعَلَا ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ جُعِلَ لَهُمَا ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ تَبَرَّعَا بِعَمَلِهِ .\rوَلَنَا أَنَّ الْعُرْفَ الْجَارِيَ بِذَلِكَ يَقُومُ مَقَامَ الْقَوْلِ ، فَصَارَ كَنَقْدِ الْبَلَدِ ، وَكَمَا لَوْ دَخَلَ حَمَّامًا ، أَوْ جَلَسَ فِي سَفِينَةٍ مَعَ مَلَّاحٍ ، وَلِأَنَّ شَاهِدَ الْحَالِ يَقْتَضِيه ، فَصَارَ كَالتَّعْوِيضِ فَأَمَّا إنْ لَمْ يَكُونَا مُنْتَصِبَيْنِ لِذَلِكَ ، لَمْ يَسْتَحِقَّا أَجْرًا إلَّا بِعَقْدٍ أَوْ شَرْطِ الْعِوَضِ ، أَوْ تَعْوِيضٍ بِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَجْرِ عُرْفٌ يَقُومُ مَقَامَ الْعَقْدِ ، فَصَارَ كَمَا لَوْ تَبَرَّعَ بِهِ ، أَوْ عَمِلَهُ بِغَيْرِ إذْنِ مَالِكِهِ .\rوَلَوْ دَفَعَ ثَوْبًا إلَى رَجُلٍ لِيَبِيعَهُ ، فَالْحُكْمُ فِيهِ كَالْحُكْمِ فِي الْقَصَّارِ وَالْخَيَّاطِ ، إنْ كَانَ مُنْتَصِبًا يَبِيعُ لِلنَّاسِ بِأَجْرٍ ، فَلَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ ، فَلَا شَيْءَ ؛ لِمَا تَقَدَّمَ .\rوَمَتَى دَفَعَ ثَوْبَهُ إلَى أَحَدِ هَؤُلَاءِ ، وَلَمْ يُقَاطِعْهُ عَلَى أَجْرٍ ، فَلَهُ أَجْرُ الْمِثْلِ ؛ لِأَنَّ الثِّيَابَ تَخْتَلِفُ أُجْرَتُهَا ، وَلَمْ يُعَيِّنْ شَيْئًا ، فَجَرَى مَجْرَى الْإِجَارَةِ الْفَاسِدَةِ فَإِنْ تَلِفَ الثَّوْبُ مِنْ حِرْزِهِ ، أَوْ بِغَيْرِ فِعْلِهِ ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ مَا لَا يُضْمَنُ فِي الْعَقْدِ الصَّحِيحِ ، لَا يُضْمَنُ فِي فَاسِدِهِ .\rوَإِنْ تَلِفَ مِنْ فِعْلِهِ ، بِتَخْرِيقِهِ أَوْ دَقِّهِ ، ضَمِنَهُ ؛ لِأَنَّهُ إذَا ضَمِنَهُ بِذَلِكَ فِي الْعَقْدِ الصَّحِيحِ ، فَفِي الْفَاسِدِ أَوْلَى .\rوَقَالَ أَحْمَدُ ، فِي مَنْ دَفَعَ ثَوْبًا إلَيَّ قَصَّارٍ لِيَقْصُرَهُ ، وَلَمْ يَقْطَعْ لَهُ أَجْرًا ، بَلْ قَالَ : أَنَا أُعْطِيك كَمَا","part":12,"page":112},{"id":5612,"text":"تُعْطَى .\rوَهَلَكَ الثَّوْبُ ، فَإِنْ كَانَ بِخَرَقٍ أَوْ نَحْوِهِ مِمَّا لَا تَجْنِيه يَدُهُ ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ ، بَيَّنَ الْكِرَاءَ أَوْ لَمْ يُبَيِّنْ ، وَالْعِلَّةُ فِي ذَلِكَ مَا ذَكَرْنَاهُ .","part":12,"page":113},{"id":5613,"text":"( 4330 ) فَصْلٌ : إذَا اسْتَأْجَرَ رَجُلًا لِيَحْمِلَ لَهُ كِتَابًا إلَى مَكَّةَ أَوْ غَيْرِهَا ، إلَى صَاحِبٍ لَهُ ، فَحَمَلَهُ ، فَوَجَدَ صَاحِبَهُ غَائِبًا ، فَرَدَّهُ ، اسْتَحَقَّ الْأَجْرَ بِحَمْلِهِ فِي الذَّهَابِ وَالرَّدِّ ؛ لِأَنَّهُ حَمَلَهُ فِي الذَّهَابِ بِإِذْنِ صَاحِبِهِ صَرِيحًا ، وَفِي الرَّدِّ تَضْمِينًا ؛ لِأَنَّ تَقْدِيرَ كَلَامِهِ : وَإِنْ لَمْ تَجِدْ صَاحِبَهُ فَرُدَّهُ .\rإذْ لَيْسَ سِوَى رَدِّهِ إلَّا تَضْيِيعَهُ .\rفَقَدْ عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَرْضَى تَضْيِيعَهُ ، فَتَعَيَّنَ رَدُّهُ .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":12,"page":114},{"id":5614,"text":"كِتَابُ إحْيَاءِ الْمَوَاتِ الْمَوَاتُ : هُوَ الْأَرْضُ الْخَرَابُ الدَّارِسَةُ ، تُسَمَّى مَيْتَةً وَمَوَاتًا وَمَوَتَانًا ، بِفَتْحِ الْمِيم وَالْوَاوِ ، وَالْمَوْتَانُ ، بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْوَاوِ : الْمَوْتُ الذَّرِيعُ .\rوَرَجُلٌ مَوْتَانُ الْقَلْبِ ، بِفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْوَاوِ ، يَعْنِي : أَعْمَى الْقَلْبِ ، لَا يَفْهَمُ .\rوَالْأَصْلُ فِي إحْيَاءِ الْأَرْضِ ، مَا رَوَى جَابِرٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : { قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً فَهِيَ لَهُ } .\rقَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً فَهِيَ لَهُ ، وَلَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ } .\rقَالَ التِّرْمِذِيُّ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ ، وَرَوَى مَالِكٌ ، فِي \" مُوَطَّئِهِ \" ، وَأَبُو دَاوُد ، فِي \" سُنَنِهِ \" عَنْ عَائِشَةَ مِثْلَهُ .\rقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، وَهُوَ مُسْنَدٌ صَحِيحٌ ، مُتَلَقَّى بِالْقَبُولِ عِنْدَ فُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ وَغَيْرِهِمْ .\rوَرَوَى أَبُو عُبَيْدٍ ، فِي \" الْأَمْوَالِ \" عَنْ عَائِشَةَ ، قَالَتْ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ أَحْيَا أَرْضًا لَيْسَتْ لِأَحَدٍ ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا } .\rقَالَ عُرْوَةُ : وَقَضَى بِذَلِكَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي خِلَافَتِهِ وَعَامَّةُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ عَلَى أَنَّ الْمَوَاتَ يُمْلَكُ بِالْإِحْيَاءِ ، وَإِنْ اخْتَلَفُوا فِي شُرُوطِهِ .","part":12,"page":115},{"id":5615,"text":"( 4331 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ : ( وَمَنْ أَحْيَا أَرْضًا لَمْ تُمْلَكْ ، فَهِيَ لَهُ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْمَوَاتَ قِسْمَانِ أَحَدُهُمَا مَا لَمْ يَجْرِ عَلَيْهِ مِلْكٌ لِأَحَدٍ ، وَلَمْ يُوجَدْ فِيهِ أَثَرُ عِمَارَةٍ ، فَهَذَا يُمْلَكُ بِالْإِحْيَاءِ ، بِغَيْرِ خِلَافٍ بَيْنَ الْقَائِلِينَ بِالْإِحْيَاءِ .\rوَالْأَخْبَارُ الَّتِي رَوَيْنَاهَا مُتَنَاوِلَةٌ لَهُ .\rالْقِسْمُ الثَّانِي ، مَا جَرَى عَلَيْهِ مِلْكُ مَالِكٍ ، وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ : أَحَدُهَا مَا لَهُ مَالِكٌ مُعَيَّنٌ ، وَهُوَ ضَرْبَانِ أَحَدُهُمَا ، مَا مُلِكَ بِشِرَاءٍ أَوْ عَطِيَّةٍ ، فَهَذَا لَا يُمْلَكُ بِالْإِحْيَاءِ ، بِغَيْرِ خِلَافٍ .\rقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ مَا عُرِفَ بِمِلْكِ مَالِكٍ غَيْرِ مُنْقَطِعٍ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إحْيَاؤُهُ لِأَحَدٍ غَيْرِ أَرْبَابِهِ .\rالثَّانِي مَا مُلِكَ بِالْإِحْيَاءِ ، ثُمَّ تُرِكَ حَتَّى دَثَرَ وَعَادَ مَوَاتًا ، فَهُوَ كَاَلَّذِي قَبْلَهُ سَوَاءً .\rوَقَالَ مَالِكٌ : يُمْلَكُ هَذَا لِعُمُومِ قَوْلِهِ : { مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً فَهِيَ لَهُ } .\rوَلِأَنَّ أَصْلَ هَذِهِ الْأَرْضِ مُبَاحٌ ، فَإِذَا تُرِكَتْ حَتَّى تَصِيرَ مَوَاتًا عَادَتْ إلَى الْإِبَاحَةِ ، كَمَنْ أَخَذَ مَاءً مِنْ نَهْرٍ ثُمَّ رَدَّهُ فِيهِ .\rوَلَنَا أَنَّ هَذِهِ أَرْضٌ يُعْرَفُ مَالِكُهَا ، فَلَمْ تُمْلَكْ بِالْإِحْيَاءِ ، كَاَلَّتِي مُلِكَتْ بِشِرَاءٍ أَوْ عَطِيَّةٍ ، وَالْخَبَرُ مُقَيَّدٌ بِغَيْرِ الْمَمْلُوكِ ، بِقَوْلِهِ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى : \" مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً لَيْسَتْ لِأَحَدٍ \" .\rوَقَوْلِهِ : \" فِي غَيْرِ حَقِّ مُسْلِمٍ \" وَهَذَا يُوجِبُ تَقْيِيدَ مُطْلَقِ حَدِيثِهِ .\rوَقَالَ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ ، فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { وَلَيْسَ لِعِرْقِ ظَالِمٍ حَقٌّ } : الْعِرْقُ الظَّالِمُ أَنْ يَأْتِيَ الرَّجُلُ الْأَرْضَ الْمَيْتَةَ لِغَيْرِهِ ، فَيَغْرِسَ فِيهَا .\rذَكَرَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ ، فِي \" سُنَنِهِ \" .\rثُمَّ الْحَدِيثُ مَخْصُوصٌ بِمَا مُلِكَ بِشِرَاءٍ أَوْ عَطِيَّةٍ ، فَنَقِيسُ عَلَيْهِ مَحَلَّ النِّزَاعِ .\rوَلِأَنَّ سَائِرَ الْأَمْوَالِ لَا يَزُولُ الْمِلْكُ عَنْهَا","part":12,"page":116},{"id":5616,"text":"بِالتَّرْكِ ، بِدَلِيلِ سَائِرِ الْأَمْلَاكِ إذَا تُرِكَتْ حَتَّى تَشَعَّثَتْ .\rوَمَا ذَكَرُوهُ يَبْطُلُ بِالْمَوَاتِ إذَا أَحْيَاهُ إنْسَانٌ ثُمَّ بَاعَهُ ، فَتَرَكَهُ الْمُشْتَرِي حَتَّى عَادَ مَوَاتًا ، وَبِاللُّقَطَةِ إذَا مَلَكَهَا ثُمَّ ضَاعَتْ مِنْهُ ، وَيُخَالِفُ مَاءَ النَّهْرِ ، فَإِنَّهُ اُسْتُهْلِكَ .\rالنَّوْعُ الثَّانِي مَا يُوجَدُ فِيهِ آثَارُ مِلْكٍ قَدِيمٍ جَاهِلِيٍّ ، كَآثَارِ الرُّومِ ، وَمَسَاكِنِ ثَمُودَ ، وَنَحْوِهَا ، فَهَذَا يُمْلَكُ بِالْإِحْيَاءِ لِأَنَّ ذَلِكَ الْمِلْكَ لَا حُرْمَةَ لَهُ .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ طَاوُسٍ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { عَادِيُّ الْأَرْضِ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ ، ثُمَّ هُوَ بَعْدُ لَكُمْ } .\rرَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ ، فِي \" سُنَنِهِ \" ، وَأَبُو عُبَيْدٍ ، فِي \" الْأَمْوَالِ \" .\rوَقَالَ : عَادِيُّ الْأَرْضِ : الَّتِي كَانَ بِهَا سَاكِنٌ فِي آبَادِ الدَّهْرِ ، فَانْقَرَضُوا ، فَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ أَنِيسٌ ، وَإِنَّمَا نَسَبَهَا إلَى عَادٍ لِأَنَّهُمْ كَانُوا مَعَ تَقَدُّمِهِمْ ذَوِي قُوَّةٍ وَبَطْشٍ وَآثَارٍ كَثِيرَةٍ ، فَنُسِبَ كُلُّ أَثَرٍ قَدِيمٍ إلَيْهِمْ .\rوَيُحْتَمَلُ أَنَّ كُلَّ مَا فِيهِ أَثَرُ الْمِلْكِ ، وَلَمْ يُعْلَمْ زَوَالُهُ قَبْلَ الْإِسْلَامِ ، أَنَّهُ لَا يُمْلَكْ ؛ لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ أَخَذُوهُ عَامِرًا ، فَاسْتَحَقُّوهُ ، فَصَارَ مَوْقُوفًا بِوَقْفِ عُمَرَ لَهُ ، فَلَمْ يُمْلَكْ ، كَمَا لَوْ عُلِمَ مَالِكُهُ .\rالنَّوْعُ الثَّالِثُ ، مَا جَرَى عَلَيْهِ الْمِلْكُ فِي الْإِسْلَامِ لِمُسْلِمٍ ، أَوْ ذِمِّيٍّ غَيْرِ مُعَيَّنٍ ، فَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ أَنَّهَا لَا تُمْلَكُ بِالْإِحْيَاءِ .\rوَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ ، نَقَلَهَا عَنْهُ أَبُو دَاوُد ، وَأَبُو الْحَارِثِ ، وَيُوسُفُ بْنُ مُوسَى ؛ لِمَا رَوَى كَثِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْفٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، قَالَ : سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ { : مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَوَاتًا ، فِي غَيْرِ حَقِّ مُسْلِمٍ ، فَهِيَ لَهُ } .\rفَقَيَّدَهُ بِكَوْنِهِ فِي غَيْرِ حَقِّ مُسْلِمٍ .\rوَلِأَنَّ هَذِهِ الْأَرْضَ لَهَا","part":12,"page":117},{"id":5617,"text":"مَالِكٌ ، فَلَمْ يَجُزْ إحْيَاؤُهَا ، كَمَا لَوْ كَانَ مُعَيَّنًا ، فَإِنَّ مَالِكَهَا إنْ كَانَ لَهُ وَرَثَةٌ فَهِيَ لَهُمْ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَرَثَةٌ ، وَرِثَهَا الْمُسْلِمُونَ .\rوَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ ، أَنَّهَا تُمْلَكُ بِالْإِحْيَاءِ .\rنَقَلَهَا صَالِحٌ وَغَيْرُهُ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٍ ؛ لِعُمُومِ الْأَخْبَارِ ، وَلِأَنَّهَا أَرْضٌ مَوَاتٌ ، لَا حَقَّ فِيهَا لِقَوْمٍ بِأَعْيَانِهِمْ ، أَشْبَهَتْ مَا لَمْ يَجْرِ عَلَيْهِ مِلْكُ مَالِكٍ ، وَلِأَنَّهَا إنْ كَانَتْ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ ، فَهِيَ كَلُقَطَةِ دَارِ الْإِسْلَامِ ، وَإِنْ كَانَتْ فِي دَارِ الْكُفْرِ ، فَهِيَ كَالرِّكَازِ .\r( 4332 ) فَصْلٌ : وَلَا فَرْقَ فِيمَا ذَكَرْنَا بَيْنَ دَارِ الْحَرْبِ وَدَارِ الْإِسْلَامِ ؛ لِعُمُومِ الْأَخْبَارِ ، وَلِأَنَّ عَامِرَ دَارِ الْحَرْبِ إنَّمَا يُمْلَكُ بِالْقَهْرِ وَالْغَلَبَةِ ، كَسَائِرِ أَمْوَالِهِمْ ، فَأَمَّا مَا عُرِفَ أَنَّهُ كَانَ مَمْلُوكًا ، وَلَمْ يُعْلَمْ لَهُ مَالِكٌ مُعَيَّنٌ ، فَهُوَ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ .\rفَإِنْ قِيلَ : فَهَذَا مِلْكُ كَافِرٍ غَيْرُ مُحْتَرَمٍ ، فَأَشْبَهَ دِيَارَ عَادٍ ، وَقَدْ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { عَادِيُّ الْأَرْضِ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ } وَلِأَنَّ الرِّكَازَ مِنْ أَمْوَالِهِمْ ، وَيَمْلِكُهُ وَاجِدُهُ ، فَهَذَا أَوْلَى .\rقُلْنَا : قَوْلُهُ : \" عَادِيُّ الْأَرْضِ \" .\rيَعْنِي مَا تَقَدَّمَ مِلْكُهُ ، وَمَضَتْ عَلَيْهِ الْأَزْمَانُ ، وَمَا كَانَ كَذَلِكَ فَلَا حُكْمَ لِمَالِكِهِ .\rفَأَمَّا مَا قَرُبَ مِلْكُهُ ، فَيُحْتَمَلُ أَنَّ لَهُ مَالِكًا بَاقِيًا ، وَإِنْ لَمْ يَتَعَيَّنْ ، فَلِهَذَا قُلْنَا : لَا يُمْلَكُ .\rعَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ .\rوَأَمَّا الرِّكَازُ ، فَإِنَّهُ يُنْقَلُ وَيُحَوَّلُ ، وَهَذَا بِخِلَافِ الْأَرْضِ ، بِدَلِيلِ أَنَّ لُقَطَةَ دَارِ الْإِسْلَامِ تُمْلَكُ بَعْدَ التَّعْرِيفِ ، بِخِلَافِ الْأَرْضِ .","part":12,"page":118},{"id":5618,"text":"( 4333 ) فَصْلٌ : وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالذِّمِّيِّ فِي الْإِحْيَاءِ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .\rوَبِهِ قَالَ مَالِكٌ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : لَا يَمْلِكُ الذِّمِّيُّ بِالْإِحْيَاءِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ .\rقَالَ الْقَاضِي : وَهُوَ مَذْهَبُ جَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِنَا ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَوَتَانُ الْأَرْضِ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ ، ثُمَّ هِيَ لَكُمْ مِنِّي } .\rفَجَمَعَ الْمَوَتَانَ ، وَجَعَلَهُ لِلْمُسْلِمِينَ .\rوَلِأَنَّ مَوَتَانَ الدَّارِ مِنْ حُقُوقِهَا ، وَالدَّارُ لِلْمُسْلِمِينَ ، فَكَانَ مَوَاتُهَا لَهُمْ ، كَمَرَافِقِ الْمَمْلُوكِ وَلَنَا عُمُومُ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً فَهِيَ لَهُ } .\rوَلِأَنَّ هَذِهِ جِهَةً مِنْ جِهَاتِ التَّمْلِيكِ ، فَاشْتَرَكَ فِيهَا الْمُسْلِمُ وَالذِّمِّيُّ ، كَسَائِرِ جِهَاتِهِ .\rوَحَدِيثُهُمْ لَا نَعْرِفُهُ ، إنَّمَا نَعْرِفُ قَوْلَهُ : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { عَادِيُّ الْأَرْضِ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ ، ثُمَّ هُوَ لَكُمْ بَعْدُ ، وَمَنْ أَحْيَا مَوَاتًا مِنْ الْأَرْضِ ، فَلَهُ دَفِينُهَا } .\rهَكَذَا رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ ، وَهُوَ مُرْسَلٌ ، رَوَاهُ طَاوُسٌ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rثُمَّ لَا يَمْتَنِعُ أَنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ : \" هِيَ لَكُمْ \" .\rأَيْ لِأَهْلِ دَارِ الْإِسْلَامِ ، وَالذِّمِّيُّ مِنْ أَهْلِ الدَّارِ ، تَجْرِي عَلَيْهِ أَحْكَامُهَا وَقَوْلُهُمْ : إنَّهَا مِنْ حُقُوقِ دَارِ الْإِسْلَامِ .\rقُلْنَا : وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الدَّارِ ، فَيَمْلِكُهَا ، كَمَا يَمْلِكُهَا بِالشِّرَاءِ ، وَيَمْلِكُ مُبَاحَاتِهَا ، مِنْ الْحَشِيشِ وَالْحَطَبِ وَالصُّيُودِ وَالرِّكَازِ وَالْمَعْدِنِ وَاللُّقَطَةِ ، وَهِيَ مِنْ مَرَافِقِ دَارِ الْإِسْلَامِ .","part":12,"page":119},{"id":5619,"text":"( 4334 ) فَصْلٌ : وَمَا قَرُبَ مِنْ الْعَامِرِ ، وَتَعَلَّقَ بِمَصَالِحِهِ ، مِنْ طُرُقِهِ ، وَمَسِيلِ مَائِهِ ، وَمَطْرَحِ قُمَامَتِهِ ، وَمُلْقَى تُرَابِهِ وَآلَاتِهِ ، فَلَا يَجُوزُ إحْيَاؤُهُ ، بِغَيْرِ خِلَافٍ فِي الْمَذْهَبِ .\rوَكَذَلِكَ مَا تَعَلَّقَ بِمَصَالِحِ الْقَرْيَةِ ، كَفِنَائِهَا ، وَمَرْعَى مَاشِيَتِهَا ، وَمُحْتَطَبِهَا ، وَطُرُقِهَا ، وَمَسِيلِ مَائِهَا ، لَا يُمْلَكُ بِالْإِحْيَاءِ .\rوَلَا نَعْلَمُ فِيهِ أَيْضًا خِلَافًا بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rوَكَذَلِكَ حَرِيمُ الْبِئْرِ وَالنَّهْرِ وَالْعَيْنِ ، وَكُلُّ مَمْلُوكٍ لَا يَجُوزُ إحْيَاءُ مَا تَعَلَّقَ بِمَصَالِحِهِ ؛ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً فِي غَيْرِ حَقِّ مُسْلِمٍ ، فَهِيَ لَهُ } .\rمَفْهُومُهُ أَنَّ مَا تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ مُسْلِمٍ لَا يُمْلَكُ بِالْإِحْيَاءِ ، وَلِأَنَّهُ تَابِعٌ لِلْمَمْلُوكِ ، وَلَوْ جَوَّزْنَا إحْيَاءَهُ ، لَبَطَلَ الْمِلْكُ فِي الْعَامِرِ عَلَى أَهْلِهِ وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّ هَذِهِ الْمَرَافِقَ لَا يَمْلِكُهَا الْمُحْيِي بِالْإِحْيَاءِ ، لَكِنْ هُوَ أَحَقُّ بِهَا مِنْ غَيْرِهِ ؛ لِأَنَّ الْإِحْيَاءَ الَّذِي هُوَ سَبَبُ الْمِلْكِ لَمْ يُوجَدْ فِيهَا .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يَمْلِكُ بِذَلِكَ .\rوَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ فِي حَرِيمِ الْبِئْرِ ؛ لِأَنَّهُ مَكَانٌ اسْتَحَقَّهُ بِالْإِحْيَاءِ ، فَمَلَكَهُ ، كَالْمُحْيِي ، وَلِأَنَّ مَعْنَى الْمِلْكِ مَوْجُودٌ فِيهِ ، لِأَنَّهُ يَدْخُلُ مَعَ الدَّارِ فِي الْبَيْعِ ، وَيَخْتَصُّ بِهِ صَاحِبُهَا .\rفَأَمَّا مَا قَرُبَ مِنْ الْعَامِرِ ، وَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِمَصَالِحِهِ ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ إحْدَاهُمَا يَجُوزُ إحْيَاؤُهُ .\rقَالَ أَحْمَدُ ، فِي رِوَايَةِ أَبِي الصَّقْرِ ، فِي رَجُلَيْنِ أَحْيِيَا قِطْعَتَيْنِ مِنْ مَوَاتٍ ، وَبَقِيَتْ بَيْنَهُمَا رُقْعَةٌ ، فَجَاءَ رَجُلٌ لِيُحْيِيَهَا ، فَلَيْسَ لَهُمَا مَنْعُهُ وَقَالَ فِي جَبَّانَةٍ بَيْنَ قَرْيَتَيْنِ : مَنْ أَحْيَاهَا ، فَهِيَ لَهُ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِعُمُومِ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً فَهِيَ لَهُ } { .\rوَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقْطَعَ","part":12,"page":120},{"id":5620,"text":"بِلَالَ بْنَ الْحَارِثِ الْمُزَنِيَّ الْعَقِيقَ ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ بَيْنَ عِمَارَةِ الْمَدِينَةِ } .\rوَلِأَنَّهُ مَوَاتٌ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ مَصْلَحَةُ الْعَامِرِ ، فَجَازَ إحْيَاؤُهُ ، كَالْبَعِيدِ .\rوَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ ، لَا يَجُوزُ إحْيَاؤُهُ .\rوَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَاللَّيْثُ ؛ لِأَنَّهُ فِي مَظِنَّةِ تَعَلُّقِ الْمَصْلَحَةِ بِهِ ، فَإِنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَحْتَاجَ إلَى فَتْحِ بَابٍ فِي حَائِطِهِ إلَى فِنَائِهِ ، وَيَجْعَلَهُ طَرِيقًا ، أَوْ يَخْرُبَ حَائِطُهُ ، فَيَضَعَ آلَاتِ الْبِنَاءِ فِي فِنَائِهِ ، وَغَيْرُ ذَلِكَ ، وَلَمْ يَجُزْ تَفْوِيتُ ذَلِكَ عَلَيْهِ ، بِخِلَافِ الْبَعِيدِ إذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّهُ لَا حَدَّ يَفْصِلُ بَيْنَ الْقَرِيبِ وَالْبَعِيدِ سِوَى الْعُرْفِ .\rوَقَالَ اللَّيْثُ : حَدُّهُ غَلْوَةٌ ، وَهِيَ خُمْسُ الْفَرْسَخِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : حَدُّ الْبَعِيدِ هُوَ الَّذِي إذَا وَقَفَ الرَّجُلُ فِي أَدْنَاهُ ، فَصَاحَ بِأَعْلَى صَوْتِهِ ، لَمْ يَسْمَعْ أَدْنَى أَهْلِ الْمِصْرِ إلَيْهِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ التَّحْدِيدَ لَا يُعْرَفُ إلَّا بِالتَّوْقِيفِ ، وَلَا يُعْرَفُ بِالرَّأْيِ وَالتَّحَكُّمِ ، وَلَمْ يَرِدْ مِنْ الشَّرْعِ فِي ذَلِكَ تَحْدِيدٌ ، فَوَجَبَ أَنْ يُرْجَعَ فِي ذَلِكَ إلَى الْعُرْفِ ، كَالْقَبْضِ وَالْإِحْرَازِ .\rوَقَوْلُ مَنْ حَدَّدَ هَذَا تَحَكُّمٌ بِغَيْرِ دَلِيلٍ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ أَوْلَى مِنْ تَحْدِيدِهِ بِشَيْءٍ آخَرَ ، كَمِيلٍ وَنِصْفِ مِيلٍ ، وَنَحْوِ ذَلِكَ .\rوَهَذَا التَّحْدِيدُ الَّذِي ذَكَرَاهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ مُخْتَصٌّ بِمَا قَرُبَ مِنْ الْمِصْرِ أَوْ الْقَرْيَةِ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَدًّا لِكُلِّ مَا قَرُبَ مِنْ عَامِرٍ ، لِأَنَّهُ يُفْضِي إلَى أَنَّ مَنْ أَحْيَا أَرْضًا فِي مَوَاتٍ ، حَرُمَ إحْيَاءُ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ الْمَوَاتِ عَلَى غَيْرِهِ ، مَا لَمْ يَخْرُجْ عَنْ ذَلِكَ الْحَدِّ .\r( 4335 ) فَصْلٌ : وَجَمِيعُ الْبِلَادِ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ سَوَاءٌ ، الْمَفْتُوحُ عَنْوَةً كَأَرْضِ الشَّامِ وَالْعِرَاقِ ، وَمَا أَسْلَمَ أَهْلُهُ عَلَيْهِ كَالْمَدِينَةِ ، وَمَا صُولِحَ أَهْلُهُ عَلَى أَنَّ الْأَرْضَ لِلْمُسْلِمِينَ كَأَرْضِ خَيْبَرَ ، إلَّا الَّذِي صُولِحَ أَهْلُهُ","part":12,"page":121},{"id":5621,"text":"عَلَى أَنَّ الْأَرْضَ لَهُمْ وَلَنَا الْخَرَاجُ عَنْهَا ، فَإِنَّ أَصْحَابَنَا قَالُوا : لَوْ دَخَلَ فِيهَا مُسْلِمٌ ، فَأَحْيَا فِيهَا مَوَاتًا ، لَمْ يَمْلِكْهُ ؛ لِأَنَّهُمْ صُولِحُوا فِي بِلَادِهِمْ ، فَلَا يَجُوزُ التَّعَرُّضُ لَشَيْءٍ مِنْهَا ، عَامِرًا كَانَ أَوْ مَوَاتًا ، لِأَنَّ الْمَوَاتَ تَابِعٌ لِلْبَلَدِ ، فَإِذَا لَمْ يَمْلِكْ عَلَيْهِمْ الْبَلَدَ لَمْ يَمْلِكْ مَوَاتَهُ .\rوَيُفَارِقُ دَارَ الْحَرْبِ ، حَيْثُ يَمْلِكُ مَوَاتَهَا ؛ لِأَنَّ دَارَ الْحَرْبِ عَلَى أَصْلِ الْإِبَاحَةِ ، وَهَذِهِ صَالَحْنَاهُمْ عَلَى تَرْكِهَا لَهُمْ ، فَحُرِّمَتْ عَلَيْنَا وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَمْلِكَهَا مَنْ أَحْيَاهَا ؛ لِعُمُومِ الْخَبَرِ ، وَلِأَنَّهَا مِنْ مُبَاحَاتِ دَارِهِمْ ، فَجَازَ أَنْ يَمْلِكَهَا مَنْ وُجِدَ مِنْهُ سَبَبُ تَمَلُّكِهَا ، كَالْحَشِيشِ وَالْحَطَبِ .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّهُ لَيْسَ فِي السَّوَادِ مَوَاتٌ .\rيَعْنِي سَوَادَ الْعِرَاقِ .\rقَالَ الْقَاضِي : هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى الْعَامِرِ .\rوَيُحْتَمَلُ أَنَّ أَحْمَدَ قَالَ ذَلِكَ لِكَوْنِ السَّوَادِ كَانَ مَعْمُورًا كُلُّهُ فِي زَمَنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، وَحِينَ أَخَذَهُ الْمُسْلِمُونَ مِنْ الْكُفَّارِ ، حَتَّى بَلَغَنَا أَنَّ رَجُلًا مِنْهُمْ سَأَلَ أَنْ يُعْطَى خَرِبَةً ، فَلَمْ يَجِدُوا لَهُ خَرِبَةً .\rفَقَالَ : إنَّمَا أَرَدْت أَنْ أُعْلِمَكُمْ كَيْف أَخَذْتُمُوهَا مِنَّا .\rوَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا مَوَاتٌ حِينَ مَلَكَهَا الْمُسْلِمُونَ ، لَمْ يَصِرْ فِيهَا مَوَاتٌ بَعْدَهُ ، لِأَنَّ مَا دَثَرَ مِنْ أَمْلَاكِ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يَصِرْ مَوَاتًا ، عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ .","part":12,"page":122},{"id":5622,"text":"( 4336 ) فَصْلٌ : وَإِنْ تَحَجَّرَ مَوَاتًا ، وَهُوَ أَنْ يَشْرَعَ فِي إحْيَائِهِ ، مِثْلُ إنْ أَدَارَ حَوْلَ الْأَرْضِ تُرَابًا أَوْ أَحْجَارًا ، أَوْ حَاطَهَا بِحَائِطٍ صَغِيرٍ ، لَمْ يَمْلِكْهَا بِذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ بِالْإِحْيَاءِ ، وَلَيْسَ هَذَا بِإِحْيَاءٍ ، لَكِنْ يَصِيرُ أَحَقَّ النَّاسِ بِهِ ؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { مَنْ سَبَقَ إلَى مَا لَمْ يَسْبِقْ إلَيْهِ مُسْلِمٌ ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rفَإِنْ نَقَلَهُ إلَى غَيْرِهِ ، صَارَ الثَّانِي بِمَنْزِلَتِهِ ؛ لِأَنَّ صَاحِبَهُ أَقَامَهُ مَقَامَهُ .\rوَإِنْ مَاتَ فَوَارِثُهُ أَحَقُّ بِهِ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ تَرَكَ حَقًّا أَوْ مَالًا ، فَهُوَ لِوَرَثَتِهِ } .\rفَإِنْ بَاعَهُ ، لَمْ يَصِحَّ بَيْعُهُ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَمْلِكْهُ ، فَلَمْ يَمْلِكْ بَيْعَهُ كَحَقِّ الشُّفْعَةِ قَبْلَ الْأَخْذِ بِهِ ، وَكَمَنْ سَبَقَ إلَى مَعْدِنٍ أَوْ مُبَاحٍ قَبْلَ أَخْذِهِ قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : وَيُحْتَمَلُ جَوَازُ بَيْعِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَهُ ، فَإِنْ سَبَقَ غَيْرَهُ فَأَحْيَاهُ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ يَمْلِكُهُ ؛ لِأَنَّ الْإِحْيَاءَ يُمْلَكُ بِهِ ، وَالتَّحَجُّرَ لَا يُمْلَكُ بِهِ ، فَثَبَتَ الْمِلْكُ بِمَا يُمْلَكُ بِهِ دُونَ مَا لَمْ يُمْلَكْ بِهِ ، كَمَنْ سَبَقَ إلَى مَعْدِنٍ أَوْ مَشْرَعَةِ مَاءٍ ، فَجَاءَ غَيْرُهُ ، فَأَزَالَهُ وَأَخَذَهُ .\rوَالثَّانِي لَا يَمْلِكُهُ لِأَنَّ مَفْهُومَ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : \" مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً لَيْسَتْ لِأَحَدٍ \" وَقَوْلِهِ : \" فِي حَقِّ غَيْرِ مُسْلِمٍ ، فَهِيَ لَهُ \" .\rأَنَّهَا لَا تَكُونُ لَهُ إذَا كَانَ لِمُسْلِمٍ فِيهَا حَقٌّ .\rوَكَذَلِكَ قَوْلُهُ : { مَنْ سَبَقَ إلَى مَا لَمْ يَسْبِقْ إلَيْهِ مُسْلِمٌ ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ } وَرَوَى سَعِيدٌ ، فِي \" سُنَنِهِ \" أَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : مَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ يَعْنِي مَنْ تَحَجَّرَ أَرْضًا فَعَطَّلَهَا ثَلَاثَ سِنِينَ ، فَجَاءَ قَوْمٌ فَعَمَرُوهَا ، فَهُمْ أَحَقُّ بِهَا .\rوَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَنْ عَمَرَهَا قَبْلَ ثَلَاثِ سِنِينَ لَا","part":12,"page":123},{"id":5623,"text":"يَمْلِكُهَا ؛ وَلِأَنَّ الثَّانِيَ أَحْيَا فِي حَقِّ غَيْرِهِ ، فَلَمْ يَمْلِكْهُ ، كَمَا لَوْ أَحْيَا مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مَصَالِحُ مِلْكِ غَيْره ، وَلِأَنَّ حَقَّ الْمُتَحَجِّرِ أَسْبَقُ ، فَكَانَ أَوْلَى ، كَحَقِّ الشَّفِيعِ يُقَدَّمُ عَلَى شِرَاءِ الْمُشْتَرِي .\rفَإِنْ طَالَتْ الْمُدَّةُ عَلَيْهِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ لَهُ السُّلْطَانُ : إمَّا أَنْ تُحْيِيَهُ ، أَوْ تَتْرُكَهُ لِيُحْيِيَهُ غَيْرُك لِأَنَّهُ ضَيَّقَ عَلَى النَّاسِ فِي حَقٍّ مُشْتَرَكٍ بَيْنَهُمْ ، فَلَمْ يُمَكَّنْ مِنْ ذَلِكَ ، كَمَا لَوْ وَقَفَ فِي طَرِيقٍ ضَيِّقٍ ، أَوْ مَشْرَعَةِ مَاءٍ ، أَوْ مَعْدِنٍ لَا يَنْتَفِعُ بِهِ ، وَلَا يَدَعُ غَيْرَهُ يَنْتَفِعُ فَإِنْ سَأَلَ الْإِمْهَالَ لِعُذْرِ لَهُ ، أُمْهِلَ الشَّهْرَ وَالشَّهْرَيْنِ ، وَنَحْوَ ذَلِكَ .\rفَإِنْ أَحْيَاهُ غَيْرُهُ فِي مُدَّةِ الْمُهْلَةِ ؛ فَفِيهِ الْوَجْهَانِ اللَّذَانِ ذَكَرْنَاهُمَا .\rوَإِنْ تَقَضَّتْ الْمُدَّةُ وَلَمْ يَعْمُرْ ، فَلِغَيْرِهِ أَنْ يَعْمُرَهُ وَيَمْلِكَهُ ؛ لِأَنَّ الْمُدَّةَ ضُرِبَتْ لَهُ لِيَنْقَطِعَ حَقُّهُ بِمُضِيِّهَا ، وَسَوَاءٌ أَذِنَ لَهُ السُّلْطَانُ فِي عِمَارَتِهَا ، أَوْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ .\rوَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمُتَحَجِّرِ عُذْرٌ فِي تَرْكِ الْعِمَارَةِ ، قِيلَ لَهُ : إمَّا أَنْ تَعْمُرَ ، وَإِمَّا أَنْ تَرْفَعَ يَدَك ، فَإِنْ لَمْ يَعْمُرْهَا ، كَانَ لِغَيْرِهِ عِمَارَتُهَا ، فَإِنْ لَمْ يُقَلْ لَهُ شَيْءٌ ، وَاسْتَمَرَّ تَعْطِيلُهَا فَقَدْ ذَكَرْنَا عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ مَنْ تَحَجَّرَ أَرْضًا فَعَطَّلَهَا ثَلَاثَ سِنِينَ ، فَجَاءَ قَوْمٌ فَعَمَرُوهَا ، فَهُمْ أَحَقُّ بِهَا .\rوَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فِي هَذَا كُلِّهِ نَحْوُ مَا ذَكَرْنَا .","part":12,"page":124},{"id":5624,"text":"( 4337 ) فَصْلٌ : وَلِلْإِمَامِ إقْطَاعُ الْمَوَاتِ لِمَنْ يُحْيِيه ، فَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الْمُتَحَجِّرِ الشَّارِعِ فِي الْإِحْيَاءِ ؛ لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَقْطَعَ بِلَالَ بْنَ الْحَارِثِ الْعَقِيقَ أَجْمَعَ } ، فَلَمَّا كَانَ عُمَرُ قَالَ لِبِلَالٍ : إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُقْطِعْكَ لِتَحِيزَهُ عَنْ النَّاسِ ، إنَّمَا أَقْطَعَكَ لِتَعْمُرَ ، فَخُذْ مِنْهَا مَا قَدَرْتَ عَلَى عِمَارَتِهِ ، وَرُدَّ الْبَاقِيَ .\rرَوَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ ، فِي \" الْأَمْوَالِ \" .\rوَذَكَرَ سَعِيدٌ ، فِي \" سُنَنِهِ \" : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، عَنْ رَبِيعَةَ ، قَالَ : سَمِعْت الْحَارِثَ بْنَ بِلَالِ بْنِ الْحَارِثِ ، يَقُولُ : { إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقْطَعَ بِلَالَ بْنَ الْحَارِثِ الْعَقِيقَ ، فَلَمَّا وَلِيَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ، قَالَ : مَا أَقْطَعَك لِتَحْتَجِنَهُ ، فَأَقْطَعَهُ النَّاسَ } وَرَوَى عَلْقَمَةُ بْنُ وَائِلٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقْطَعَهُ أَرْضًا بِحَضْرَمَوْتَ .\rقَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ .\rوَقَالَ سَعِيدٌ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقْطَعَ نَاسًا مِنْ جُهَيْنَةَ أَوْ مُزَيْنَةَ أَرْضًا ، فَعَطَّلُوهَا ، فَجَاءَ قَوْمٌ فَأَحْيَوْهَا ، فَخَاصَمَهُمْ الَّذِينَ أَقْطَعَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، فَقَالَ عُمَرُ : لَوْ كَانَتْ قَطِيعَةً مِنِّي أَوْ مِنْ أَبِي بَكْرٍ ، لَمْ أَرُدَّهَا ، وَلَكِنَّهَا قَطِيعَةٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَنَا أَرُدُّهَا } ، ثُمَّ قَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : مَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ يَعْنِي مَنْ تَحَجَّرَ أَرْضًا فَعَطَّلَهَا ثَلَاثَ سِنِينَ ، فَجَاءَ قَوْمٌ فَعَمَرُوهَا ، فَهُمْ أَحَقُّ بِهَا .","part":12,"page":125},{"id":5625,"text":"( 4338 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : ( إلَّا أَنْ تَكُونَ أَرْضَ مِلْحٍ أَوْ مَاءٍ لِلْمُسْلِمِينَ فِيهِ الْمَنْفَعَةُ ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَنْفَرِدَ بِهَا الْإِنْسَانُ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ ، أَنَّ الْمَعَادِنَ الظَّاهِرَةَ وَهِيَ الَّتِي يُوصَلُ إلَى مَا فِيهَا مِنْ غَيْرِ مُؤْنَةٍ ، يَنْتَابُهَا النَّاسُ ، وَيَنْتَفِعُونَ بِهَا ، كَالْمِلْحِ ، وَالْمَاءِ ، وَالْكِبْرِيتِ ، وَالْقِيرِ ، وَالْمُومْيَاءِ ، وَالنِّفْطِ ، وَالْكُحْلِ ، وَالْبِرَامِ ، وَالْيَاقُوتِ ، وَمَقَاطِعِ الطِّينِ ، وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ ، لَا تُمْلَكُ بِالْإِحْيَاءِ ، وَلَا يَجُوزُ إقْطَاعُهَا لِأَحَدٍ مِنْ النَّاسِ ، وَلَا احْتِجَازُهَا دُونَ الْمُسْلِمِينَ ؛ لِأَنَّ فِيهِ ضَرَرًا بِالْمُسْلِمِينَ ، وَتَضْيِيقًا عَلَيْهِمْ ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَقْطَعَ أَبْيَضَ بْنَ حَمَّالٍ مَعْدِنَ الْمِلْحِ ، فَلَمَّا قِيلَ لَهُ : إنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْمَاءِ الْعِدِّ رَدَّهُ } .\rكَذَا قَالَ أَحْمَدُ .\rوَرَوَى أَبُو عُبَيْدٍ ، وَأَبُو دَاوُد ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، بِإِسْنَادِهِمْ ، عَنْ أَبْيَضَ بْنِ حَمَّالٍ ، { أَنَّهُ اسْتَقْطَعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمِلْحَ الَّذِي بِمَأْرِبَ ، فَلَمَّا وَلَّى ، قِيلَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ : أَتَدْرِي مَا أَقْطَعْت لَهُ ؟ إنَّمَا أَقْطَعْت الْمَاءَ الْعِدَّ .\rفَرَجَعَهُ مِنْهُ .\rقَالَ : قُلْت : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَا يُحْمَى مِنْ الْأَرَاكِ ؟ قَالَ : مَا لَمْ تَنَلْهُ أَخْفَافُ الْإِبِلِ } .\rوَهُوَ حَدِيثٌ غَرِيبٌ .\rوَرُوِيَ فِي لَفْظٍ عَنْهُ ، أَنَّهُ قَالَ : { لَا حِمَى فِي الْأَرَاكِ } وَرَوَاهُ سَعِيدٌ ، فَقَالَ : حَدَّثَنِي إسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ قَيْسٍ الْمَأْرِبِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبْيَضَ بْنِ حَمَّالٍ الْمَأْرِبِيِّ قَالَ : { اسْتَقْطَعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعْدِنَ الْمِلْحِ بِمَأْرِبَ ، فَأَقْطَعَنِيهِ ، فَقِيلَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْمَاءِ الْعِدِّ .\rيَعْنِي أَنَّهُ لَا يَنْقَطِعُ .\rفَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَلَا إذَنْ } .\rوَلِأَنَّ هَذَا تَتَعَلَّقُ بِهِ مَصَالِحُ الْمُسْلِمِينَ","part":12,"page":126},{"id":5626,"text":"الْعَامَّةُ ، فَلَمْ يَجُزْ إحْيَاؤُهُ ، وَلَا إقْطَاعُهُ ، كَمَشَارِعِ الْمَاءِ ، وَطُرُقَاتِ الْمُسْلِمِينَ .\rوَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ : هَذَا مِنْ مَوَادِّ اللَّهِ الْكَرِيمِ ، وَفَيْضِ جُودِهِ الَّذِي لَا غَنَاءَ عَنْهُ ، فَلَوْ مَلَكَهُ أَحَدٌ بِالِاحْتِجَازِ ، مَلَكَ مَنْعَهُ ، فَضَاقَ عَلَى النَّاسِ ، فَإِنْ أَخَذَ الْعِوَضَ عَنْهُ أَغْلَاهُ ، فَخَرَجَ عَنْ الْمَوْضِعِ الَّذِي وَضَعَهُ اللَّهُ مِنْ تَعْمِيمِ ذَوِي الْحَوَائِجِ مِنْ غَيْرِ كُلْفَةٍ وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rوَلَا أَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا .","part":12,"page":127},{"id":5627,"text":"( 4339 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا الْمَعَادِنُ الْبَاطِنَةُ ، وَهِيَ الَّتِي لَا يُوصَلُ إلَيْهَا إلَّا بِالْعَمَلِ وَالْمُؤْنَةِ ، كَمَعَادِنِ الذَّهَبِ ، وَالْفِضَّةِ ، وَالْحَدِيدِ ، وَالنُّحَاسِ ، وَالرَّصَاصِ ، وَالْبِلَّوْرِ ، وَالْفَيْرُوزَجِ ، فَإِذَا كَانَتْ ظَاهِرَةً ، لَمْ تُمْلَكْ أَيْضًا بِالْإِحْيَاءِ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا فِي الَّتِي قَبْلَهَا .\rوَإِنْ لَمْ تَكُنْ ظَاهِرَةً ، فَحَفَرَهَا إنْسَانٌ وَأَظْهَرَهَا ، لَمْ يَمْلِكْهَا بِذَلِكَ ، فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ ، وَظَاهِرِ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَمْلِكَهَا بِذَلِكَ .\rوَهُوَ قَوْلٌ لِلشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ مَوَاتٌ لَا يُنْتَفَعُ بِهِ إلَّا بِالْعَمَلِ وَالْمُؤْنَةِ ، فَمُلِكَ بِالْإِحْيَاءِ ، كَالْأَرْضِ ، وَلِأَنَّهُ بِإِظْهَارِهِ تَهَيَّأَ لِلِانْتِفَاعِ بِهِ ، مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إلَى تَكْرَارِ ذَلِكَ الْعَمَلِ فَأَشْبَهَ الْأَرْضَ إذَا جَاءَهَا بِمَاءٍ أَوْ حَاطَهَا .\rوَوَجْهُ الْأَوَّلِ ، أَنَّ الْإِحْيَاءَ الَّذِي يُمْلَكُ بِهِ هُوَ الْعِمَارَةُ الَّتِي تَهَيَّأَ بِهَا الْمُحْيِي لِلِانْتِفَاعِ مِنْ غَيْرِ تَكْرَارِ عَمَلٍ ، وَهَذَا حَفْرٌ وَتَخْرِيبٌ ، يَحْتَاجُ إلَى تَكْرَارٍ عِنْدَ كُلّ انْتِفَاعٍ .\rفَإِنْ قِيلَ : فَلَوْ احْتَفَرَ بِئْرًا مَلَكَهَا ، وَمَلَكَ حَرِيمَهَا .\rقُلْنَا : الْبِئْرُ تَهَيَّأَتْ لِلِانْتِفَاعِ بِهَا مِنْ غَيْرِ تَجْدِيدِ حَفْرٍ وَلَا عِمَارَةٍ ، وَهَذِهِ الْمَعَادِنُ تَحْتَاجُ عِنْدَ كُلِّ انْتِفَاعٍ إلَى عَمَلٍ وَعِمَارَةٍ ، فَافْتَرَقَا .\rقَالَ أَصْحَابُنَا : وَلَيْسَ لِلْإِمَامِ إقْطَاعُهَا ؛ لِأَنَّهَا لَا تُمْلَكُ بِالْإِحْيَاءِ .\rوَالصَّحِيحُ جَوَازُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَقْطَعَ لِبَلَالِ بْنِ الْحَارِثِ مَعَادِنَ الْقَبَلِيَّةِ ، جَلْسِيَّهَا وَغَوْرِيَّهَا } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَغَيْرُهُ .","part":12,"page":128},{"id":5628,"text":"( 4340 ) فَصْلٌ : وَمَنْ أَحْيَا أَرْضًا ، فَمَلَكَهَا بِذَلِكَ ، فَظَهَرَ فِيهَا مَعْدِنٌ ، مَلَكَهُ ظَاهِرًا كَانَ أَوْ بَاطِنًا ، إذَا كَانَ مِنْ الْمَعَادِنِ الْجَامِدَةِ ؛ لِأَنَّهُ مَلَكَ الْأَرْضَ بِجَمِيعِ أَجْزَائِهَا وَطَبَقَاتِهَا ، وَهَذَا مِنْهَا .\rوَيُفَارِقُ الْكَنْزَ ؛ فَإِنَّهُ مُودَعٌ فِيهَا ، وَلَيْسَ مِنْ أَجْزَائِهَا .\rوَيُفَارِقُ مَا إذَا كَانَ ظَاهِرًا قَبْلَ إحْيَائِهَا ؛ لِأَنَّهُ قَطَعَ عَنْ الْمُسْلِمِينَ نَفْعًا كَانَ وَاصِلًا إلَيْهِمْ ، وَمَنَعَهُمْ انْتِفَاعًا كَانَ لَهُمْ ، وَهَاهُنَا لَمْ يَقْطَعْ عَنْهُمْ شَيْئًا ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا ظَهَرَ بِإِظْهَارِهِ لَهُ .","part":12,"page":129},{"id":5629,"text":"وَلَوْ تَحَجَّرَ الْأَرْضَ ، أَوْ أَقْطَعَهَا ، فَظَهَرَ فِيهَا الْمَعْدِنُ قَبْلَ إحْيَائِهَا ، لَكَانَ لَهُ إحْيَاؤُهَا ، وَيَمْلِكُهَا بِمَا فِيهَا ؛ لِأَنَّهُ صَارَ أَحَقَّ بِهِ بِتَحَجُّرِهِ وَإِقْطَاعِهِ ، فَلَمْ يَمْنَعْ مِنْ إتْمَامِ حَقِّهِ .","part":12,"page":130},{"id":5630,"text":"وَأَمَّا الْمَعَادِنُ الْجَارِيَةُ ، كَالْقَارِ ، وَالنِّفْطِ ، وَالْمَاءِ ، فَهَلْ يَمْلِكُهَا مَنْ ظَهَرَتْ فِي مِلْكِهِ ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ أَظْهَرُهُمَا ، لَا يَمْلِكُهَا ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { النَّاسُ شُرَكَاءُ فِي ثَلَاثٍ : فِي الْمَاءِ ، وَالْكَلَأِ ، وَالنَّارِ } رَوَاهُ الْخَلَّالُ .\rوَلِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ أَجْزَاءِ الْأَرْضِ ، فَلَمْ يَمْلِكْهَا بِمِلْكِ الْأَرْضِ ، كَالْكَنْزِ .\rوَالثَّانِيَةُ يَمْلِكُهَا ؛ لِأَنَّهَا خَارِجَةٌ مِنْ أَرْضِهِ الْمَمْلُوكَةِ لَهُ ، فَأَشْبَهَتْ الزَّرْعَ وَالْمَعَادِنَ الْجَامِدَةَ .","part":12,"page":131},{"id":5631,"text":"( 4341 ) فَصْلٌ : وَلَوْ شَرَعَ إنْسَانٌ فِي حَفْرِ مَعْدِنٍ ، وَلَمْ يَصِلْ إلَى النِّيلِ ، صَارَ أَحَقَّ بِهِ ، كَالْمُتَحَجِّرِ الشَّارِعِ فِي الْإِحْيَاءِ ، فَإِذَا وَصَلَ إلَى النَّيْلِ صَارَ أَحَقَّ بِالْأَخْذِ مِنْهُ ، مَا دَامَ مُقِيمًا عَلَى الْأَخْذِ مِنْهُ ، وَهَلْ يَمْلِكُهُ بِذَلِكَ ؟ فِيهِ مَا قَدْ ذَكَرْنَا مِنْ قَبْلُ .\rوَإِنْ حَفَرَ آخَرُ مِنْ نَاحِيَةٍ أُخْرَى ، لَمْ يَكُنْ لَهُ مَنْعُهُ .\rوَإِذَا وَصَلَ إلَى ذَلِكَ الْعِرْقِ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ مَنْعُهُ سَوَاءٌ قُلْنَا : إنَّ الْمَعْدِنَ يُمْلَكُ بِحَفْرِهِ .\rأَوْ لَمْ نَقُلْ ؛ لِأَنَّهُ إنْ مَلَكَهُ ، فَإِنَّمَا يَمْلِكُ الْمَكَانَ الَّذِي حَفَرَهُ ، وَأَمَّا الْعِرْقُ الَّذِي فِي الْأَرْضِ فَلَا يَمْلِكُهُ بِذَلِكَ .\rوَمَنْ وَصَلَ إلَيْهِ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى ، فَلَهُ أَخْذُهُ .","part":12,"page":132},{"id":5632,"text":"وَلَوْ ظَهَرَ فِي مِلْكِهِ مَعْدِنٌ ، بِحَيْثُ يَخْرُجُ النِّيلُ عَنْ أَرْضِهِ ، فَحَفَرَ إنْسَانٌ مِنْ خَارِجِ أَرْضِهِ ، كَانَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مَا خَرَجَ عَنْ أَرْضِهِ مِنْهُ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَمْلِكْهُ ، إنَّمَا مَلَكَ مَا هُوَ مِنْ أَجْزَاءِ أَرْضِهِ ، وَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَأْخُذَ مَا كَانَ دَاخِلًا فِي أَرْضِهِ مِنْ أَجْزَاءِ الْأَرْضِ الْبَاطِنَةِ ، كَمَا لَا يَمْلِكُ أَخْذَ أَجْزَائِهَا الظَّاهِرَةِ .","part":12,"page":133},{"id":5633,"text":"وَلَوْ حَفَرَ كَافِرٌ فِي دَارِ الْحَرْبِ مَعْدِنًا ، فَوَصَلَ إلَى النِّيلِ ، ثُمَّ فَتَحَهَا الْمُسْلِمُونَ عَنْوَةً ، لَمْ تَصِرْ غَنِيمَةً ، وَكَانَ وُجُودُ عَمَلِهِ وَعَدَمُهُ وَاحِدًا ؛ لِأَنَّ عَامِرَهُ لَمْ يَمْلِكْهُ بِذَلِكَ ، وَلَوْ مَلَكَهُ فَإِنَّ الْأَرْضَ كُلّهَا تَصِيرُ وَقْفًا لِلْمُسْلِمِينَ ، وَهَذَا يَنْصَرِفُ إلَى مَصْلَحَةٍ مِنْ مَصَالِحِهِمْ ، فَتُعَيَّنُ لَهَا ، كَمَا لَوْ ظَهَرَ بِفِعْلِ اللَّهِ تَعَالَى .","part":12,"page":134},{"id":5634,"text":"( 4342 ) فَصْلٌ : وَلَوْ كَانَ فِي الْمَوَاتِ مَوْضِعٌ يُمْكِنُ أَنْ يَحْدُثَ فِيهِ مَعْدِنٌ ظَاهِرٌ ، كَمَوْضِعٍ عَلَى شَاطِئِ الْبَحْرِ ، إذَا صَارَ فِيهِ مَاءُ الْبَحْرِ صَارَ مِلْحَا ، مُلِكَ بِالْإِحْيَاءِ ، وَجَازَ لِلْإِمَامِ إقْطَاعُهُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُضَيِّقُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ بِإِحْدَاثِهِ ، بَلْ يَحْدُثُ نَفْعُهُ بِفِعْلِهِ ، فَلَمْ يُمْنَعْ مِنْهُ ، كَبَقِيَّةِ الْمَوَاتِ ، وَإِحْيَاءُ هَذَا بِتَهْيِئَتِهِ لِمَا يَصْلُحُ لَهُ مِنْ حَفْرِ تُرَابِهِ ، وَتَمْهِيدِهِ ، وَفَتْحِ قَنَاةٍ إلَيْهِ تَصُبُّ الْمَاءَ فِيهِ ؛ لِأَنَّهُ يَتَهَيَّأُ بِهَذَا الِانْتِفَاعُ بِهِ .","part":12,"page":135},{"id":5635,"text":"( 4343 ) فَصْلٌ : وَمَنْ مَلَكَ مَعْدِنًا ، فَعَمِلَ فِيهِ غَيْرُهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ ، فَمَا حَصَلَ مِنْهُ فَهُوَ لِمَالِكِهِ ، وَلَا أَجْرَ لِلْغَاصِبِ عَلَى عَمَلِهِ ؛ لِأَنَّهُ عَمِلَ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ ، أَشْبَهَ مَا لَوْ حَصَدَ زَرْعَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ .\rوَإِنْ قَالَ مَالِكُهُ : اعْمَلْ فِيهِ ، وَلَك مَا يَخْرُجُ مِنْهُ .\rفَلَهُ ذَلِكَ ، وَلَا شَيْءَ لِصَاحِبِ الْمَعْدِنِ فِيهِ ؛ لِأَنَّهُ إبَاحَةٌ مِنْ مَالِكِهِ ، فَمَلَكَ مَا أَخَذَهُ ، كَمَا لَوْ أَبَاحَهُ الْأَخْذَ مِنْ دَارِهِ أَوْ بُسْتَانِهِ .\rوَإِنْ قَالَ : اعْمَلْ فِيهِ ، عَلَى أَنَّ مَا رَزَقَ اللَّهُ مِنْ نَيْلٍ كَانَ بَيْنَنَا نِصْفَيْنِ .\rفَعَمِلَ ، فِيهِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا يَجُوزُ ، وَمَا يَأْخُذُهُ يَكُونُ بَيْنَهُمَا كَمَا لَوْ قَالَ لَهُ : اُحْصُدْ هَذَا الزَّرْعَ بِنِصْفِهِ أَوْ ثُلُثِهِ .\rوَلِأَنَّهَا عَيْنٌ تُنَمَّى بِالْعَمَلِ عَلَيْهَا ، فَصَحَّ الْعَمَلُ فِيهَا بِبَعْضِهِ ، كَالْمُضَارَبَةِ فِي الْأَثْمَانِ .\rوَالثَّانِي لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ مَا يَحْصُلُ مِنْهُ مَجْهُولٌ ، وَلِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ إجَارَةً ؛ لِأَنَّ الْعِوَضَ مَجْهُولٌ ، وَالْعَمَلَ مَجْهُولٌ ، وَلَا جَعَالَةً ؛ لِأَنَّ الْعِوَضَ مَجْهُولٌ ، وَلَا مُضَارَبَةً ؛ لِأَنَّ الْمُضَارَبَةَ إنَّمَا تَصِحُّ بِالْأَثْمَانِ ، عَلَى أَنْ يَرُدّ رَأْسَ الْمَالِ ، وَتَكُونَ لَهُ حِصَّةٌ مِنْ الرِّبْحِ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ هَاهُنَا .\rوَفَارَقَ حَصَادَ الزَّرْعِ بِنِصْفِهِ أَوْ جُزْءٍ مِنْهُ ؛ لِأَنَّ الزَّرْعَ مَعْلُومٌ بِالْمُشَاهَدَةِ ، وَمَا عُلِمَ جَمِيعُهُ عُلِمَ جُزْؤُهُ ، بِخِلَافِ هَذَا .\rوَإِنْ قَالَ : اعْمَلْ فِيهِ كَذَا ، وَلَك مَا يَحْصُلُ مِنْهُ ، بِشَرْطِ أَنْ تُعْطِيَنِي أَلْفًا .\rأَوْ شَيْئًا مَعْلُومًا لَمْ يَصِحَّ ؛ لِأَنَّهُ بَيْعٌ لِمَجْهُولِ ، وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مُعَامَلَةً كَالْمُضَارَبَةِ ، لِمَا ذَكَرْنَا ، وَلِأَنَّ الْمُضَارَبَةَ تَكُونُ بِجُزْءٍ مِنْ النَّمَاءِ ، لَا دَرَاهِمَ مَعْلُومَةٍ .\rقَالَ أَحْمَدُ : إذَا أَخَذَ مَعْدِنًا مِنْ قَوْمٍ ، عَلَى أَنْ يَعْمُرَهُ ، وَيَعْمَلَ فِيهِ ، وَيُعْطِيَهُمْ أَلْفَيْ مَنٍّ أَوْ أَلْفَ مَنٍّ صُفْرًا .\rفَذَلِكَ مَكْرُوهٌ","part":12,"page":136},{"id":5636,"text":"وَلَمْ يُرَخَّصْ فِيهِ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ .","part":12,"page":137},{"id":5637,"text":"( 4344 ) فَصْلٌ : إذَا اسْتَأْجَرَ رَجُلًا لِيَحْفِر لَهُ عَشَرَةَ أَذْرُعٍ ، فِي دُورِ كَذَا ، بِدِينَارٍ صَحَّ ؛ لِأَنَّهَا إجَارَةٌ مَعْلُومَةٌ .\rوَإِنْ ظَهَرَ عِرْقُ ذَهَبٍ ، فَقَالَ : اسْتَأْجَرْتُك لِتُخْرِجَهُ بِدِينَارٍ .\rلَمْ يَصِحَّ ؛ لِأَنَّ الْعَمَلَ مَجْهُولٌ .\rوَإِنْ قَالَ : إنْ اسْتَخْرَجْته فَلَكَ دِينَارٌ .\rصَحَّ ، وَيَكُونُ جَعَالَةً ؛ لِأَنَّ الْجَعَالَةَ تَصِحُّ عَلَى عَمَلٍ مَجْهُولٍ ، إذَا كَانَ الْعِوَضُ مَعْلُومًا .","part":12,"page":138},{"id":5638,"text":"( 4345 ) فَصْلٌ : وَمَنْ سَبَقَ فِي الْمَوَاتِ إلَى مَعْدِنٍ ظَاهِرٍ أَوْ بَاطِنٍ ، فَهُوَ أَحَقُّ بِمَا يَنَالُ مِنْهُ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ سَبَقَ إلَى مَا لَمْ يَسْبِقْ إلَيْهِ مُسْلِمٌ ، فَهُوَ لَهُ } .\rفَإِنْ أَخَذَ قَدْرَ حَاجَتِهِ ، وَأَرَادَ الْإِقَامَةَ فِيهِ بِحَيْثُ يَمْنَعُ غَيْرَهُ ، مُنِعَ مِنْهُ ؛ لِأَنَّهُ يُضَيِّقُ عَلَى النَّاسِ مَا لَا نَفْعَ فِيهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ وَقَفَ فِي مَشْرَعَةِ الْمَاءِ لِغَيْرِ حَاجَةٍ .\rوَإِنْ أَطَالَ الْمُقَامَ وَالْأَخْذَ ، احْتَمَلَ أَنْ يُمْنَعَ ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ كَالْمُتَمَلِّكِ لَهُ .\rوَاحْتَمَلَ أَنْ لَا يُمْنَعَ ؛ لِإِطْلَاقِ الْحَدِيثِ .\rوَإِنْ اسْتَبَقَ إلَيْهِ اثْنَانِ ، وَضَاقَ الْمَكَانُ عَنْهُمَا ، أُقْرِعَ بَيْنَهُمَا ؛ لِأَنَّهُ لَا مَزِيَّةَ لِأَحَدِهِمَا عَلَى صَاحِبِهِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقْسَمَ بَيْنَهُمَا ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ قِسْمَتُهُ ، وَقَدْ تَسَاوَيَا فِيهِ ، فَيُقْسَمُ بَيْنَهُمَا ، كَمَا لَوْ تَدَاعَيَا عَيْنًا فِي أَيْدِيهِمَا وَلَا بَيِّنَةَ لِأَحَدِهِمَا بِهَا وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَدِّمَ الْإِمَامُ مَنْ يَرَى مِنْهُمَا ؛ لِأَنَّ لَهُ نَظَرًا .\rوَذَكَرَ الْقَاضِي وَجْهًا رَابِعًا ، وَهُوَ أَنَّ الْإِمَامَ يَنْصِبُ مَنْ يَأْخُذُ لَهُمَا ، وَيَقْسِمُ بَيْنَهُمَا .\rوَهَذَا التَّفْصِيلُ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .","part":12,"page":139},{"id":5639,"text":"( 4346 ) فَصْلٌ : وَمَا نَضَبَ عَنْهُ الْمَاءُ مِنْ الْجَزَائِرِ ، لَمْ يُمْلَكْ بِالْإِحْيَاءِ .\rقَالَ أَحْمَدُ ، فِي رِوَايَةِ الْعَبَّاسِ بْنِ مُوسَى : إذَا نَضَبَ الْمَاءُ عَنْ جَزِيرَةٍ إلَى فِنَاءِ رَجُلٍ لَمْ يَبْنِ فِيهَا ؛ لِأَنَّ فِيهِ ضَرَرًا ، وَهُوَ أَنَّ الْمَاءَ يَرْجِعُ .\rيَعْنِي أَنَّهُ يَرْجِعُ إلَى ذَلِكَ الْمَكَانِ ، فَإِذَا وَجَدَهُ مَبْنِيًّا ، رَجَعَ إلَى الْجَانِبِ الْآخَرِ ، فَأَضَرَّ بِأَهْلِهِ .\rوَلِأَنَّ الْجَزَائِرَ مَنْبِتُ الْكَلَأِ وَالْحَطَبِ ، فَجَرَتْ مَجْرَى الْمَعَادِنِ الظَّاهِرَةِ ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا حِمَى فِي الْأَرَاكِ } .\rوَقَالَ أَحْمَدُ ، فِي رِوَايَةِ حَرْبٍ : يُرْوَى عَنْ عُمَرَ ، أَنَّهُ أَبَاحَ الْجَزَائِرَ يَعْنِي أَبَاحَ مَا يَنْبُتُ فِي الْجَزَائِرِ مِنْ النَّبَاتِ ، وَقَالَ : إذَا نَضَبَ الْفُرَاتُ عَنْ شَيْءٍ ، ثُمَّ نَبَتَ فِيهِ نَبَاتٌ ، فَجَاءَ رَجُلٌ فَمَنَعَ النَّاسَ مِنْهُ ، فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ .\rفَأَمَّا إنْ غَلَبَ الْمَاءُ عَلَى مِلْكِ إنْسَانٍ ، ثُمَّ عَادَ فَنَضَبَ عَنْهُ ، فَلَهُ أَخْذُهُ ، فَلَا يَزُولُ مِلْكُهُ بِغَلَبَةِ الْمَاءِ عَلَيْهِ .\rوَإِنْ كَانَ مَا نَضَبَ عَنْهُ الْمَاءُ لَا يَنْتَفِعُ بِهِ أَحَدٌ ، فَعَمَرَهُ رَجُلٌ عِمَارَةً لَا تَرُدُّ الْمَاءَ ، مِثْلَ أَنْ يَجْعَلَهُ مَزْرَعَةً ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ ؛ لِأَنَّهُ مُتَحَجِّرٌ لِمَا لَيْسَ لِمُسْلِمِ فِيهِ حَقٌّ ، فَأَشْبَهَ التَّحَجُّرَ فِي الْمَوَاتِ .","part":12,"page":140},{"id":5640,"text":"( 4347 ) فَصْلٌ : وَمَا كَانَ مِنْ الشَّوَارِعِ وَالطُّرُقَاتِ وَالرِّحَابِ بَيْنَ الْعُمْرَانِ ، فَلَيْسَ لِأَحَدٍ إحْيَاؤُهُ ، سَوَاءٌ كَانَ وَاسِعًا أَوْ ضَيِّقًا ، وَسَوَاءٌ ضَيَّقَ عَلَى النَّاسِ بِذَلِكَ أَوْ لَمْ يُضَيِّقْ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَشْتَرِكُ فِيهِ الْمُسْلِمُونَ ، وَتَتَعَلَّقُ بِهِ مَصْلَحَتُهُمْ ، فَأَشْبَهَ مَسَاجِدَهُمْ .\rوَيَجُوزُ الِارْتِفَاقُ بِالْقُعُودِ فِي الْوَاسِعِ مِنْ ذَلِكَ لِلْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ ، عَلَى وَجْهٍ لَا يُضَيِّقُ عَلَى أَحَدٍ ، وَلَا يَضُرُّ بِالْمَارَّةِ ؛ لِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْأَمْصَارِ فِي جَمِيعِ الْأَعْصَارِ عَلَى إقْرَارِ النَّاسِ عَلَى ذَلِكَ ، مِنْ غَيْرِ إنْكَارٍ ، وَلِأَنَّهُ ارْتِفَاقٌ مُبَاحٌ مِنْ غَيْرِ إضْرَارٍ ، فَلَمْ يُمْنَعْ مِنْهُ ، كَالِاجْتِيَازِ ، قَالَ أَحْمَدُ ، فِي السَّابِقِ إلَى دَكَاكِينِ السُّوقِ غَدْوَةً : فَهُوَ لَهُ إلَى اللَّيْلِ .\rوَكَانَ هَذَا فِي سُوقِ الْمَدِينَةِ فِيمَا مَضَى .\rوَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مِنًى مَنَاخُ مَنْ سَبَقَ } .\rوَلَهُ أَنْ يُظَلِّلَ عَلَى نَفْسِهِ ، بِمَا لَا ضَرَرَ فِيهِ ، مِنْ بَارِيَّةٍ ، وَتَابُوتٍ ، وَكِسَاءٍ ، وَنَحْوِهِ ؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ تَدْعُو إلَيْهِ مِنْ غَيْرِ مَضَرَّةٍ فِيهِ .\rوَلَيْسَ لَهُ الْبِنَاءُ لَا دَكَّةً وَلَا غَيْرَهَا ؛ لِأَنَّهُ يُضَيِّقُ عَلَى النَّاسِ ، وَيَعْثُرُ بِهِ الْمَارَّةُ بِاللَّيْلِ ، وَالضَّرِيرُ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ، وَيَبْقَى عَلَى الدَّوَامِ ، فَرُبَّمَا ادَّعَى مِلْكَهُ بِسَبَبِ ذَلِكَ .\rوَالسَّابِقُ أَحَقُّ بِهِ مَا دَامَ فِيهِ ، فَإِنْ قَامَ وَتَرَكَ مَتَاعَهُ فِيهِ ، لَمْ يَجُزْ لِغَيْرِهِ إزَالَتُهُ ؛ لِأَنَّ يَدَ الْأَوَّلِ عَلَيْهِ ، وَإِنْ نَقَلَ مَتَاعَهُ ، كَانَ لِغَيْرِهِ أَنْ يَقْعُدَ فِيهِ ؛ لِأَنَّ يَدَهُ قَدْ زَالَتْ وَإِنْ قَعَدَ وَأَطَالَ ، مُنِعَ مِنْ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ كَالْمُتَمَلِّكِ ، وَيَخْتَصُّ بِنَفْعٍ يُسَاوِيه غَيْرُهُ فِي اسْتِحْقَاقِهِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يُزَالَ ؛ لِأَنَّهُ سَبَقَ إلَى مَا لَمْ يَسْبِقْ إلَيْهِ مُسْلِمٌ .\rوَإِنْ اسْتَبَقَ اثْنَانِ إلَيْهِ ، احْتَمَلَ أَنْ يُقْرَعَ بَيْنَهُمَا ، وَاحْتَمَلَ أَنْ يُقَدِّمَ الْإِمَامُ مَنْ","part":12,"page":141},{"id":5641,"text":"يَرَى مِنْهُمَا .\rوَإِنْ كَانَ الْجَالِسُ يُضَيِّقُ عَلَى الْمَارَّةِ ، لَمْ يَحِلّ لَهُ الْجُلُوسُ فِيهِ ، وَلَا يَحِلُّ لِلْإِمَامِ تَمْكِينُهُ بِعِوَضٍ ، وَلَا غَيْرِهِ .\rقَالَ أَحْمَدُ : مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَشْتَرِيَ مِنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَبِيعُونَ عَلَى الطَّرِيقِ .\rقَالَ الْقَاضِي : هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ الطَّرِيقَ ضَيِّقٌ ، أَوْ يَكُونُ يُؤْذِي الْمَارَّةَ ؛ لِمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُنَا لَهُ وَقَالَ : لَا يُعْجِبُنِي الطَّحْنُ فِي الْعُرُوبِ إذَا كَانَتْ فِي طَرِيقِ النَّاسِ .\rوَهُوَ السُّفُنُ الَّتِي يُطْحَنُ فِيهَا فِي الْمَاءِ الْجَارِي .\rإنَّمَا كَرِهَ ذَلِكَ ، لِتَضْيِيقِهَا طَرِيقَ السُّفُنِ الْمَارَّةِ فِي الْمَاءِ .\rقَالَ أَحْمَدُ : رُبَّمَا غَرِقَتْ السُّفُنُ ، فَأَرَى لِلرَّجُلِ أَنْ يَتَوَقَّى الشِّرَاءَ مِمَّا يُطْحَنُ بِهَا .","part":12,"page":142},{"id":5642,"text":"( 4348 ) فَصْلٌ : فِي الْقَطَائِعِ ، وَهِيَ ضَرْبَانِ أَحَدُهُمَا إقْطَاعُ إرْفَاقٍ ، وَذَلِكَ إقْطَاعُ مَقَاعِدِ السُّوقِ ، وَالطُّرُقِ الْوَاسِعَةِ ، وَرِحَابِ الْمَسَاجِدِ ، الَّتِي ذَكَرْنَا أَنَّ لِلسَّابِقِ إلَيْهَا الْجُلُوسَ فِيهَا ، فَلِلْإِمَامِ إقْطَاعُهَا لِمَنْ يَجْلِسُ فِيهَا ؛ لِأَنَّ لَهُ فِي ذَلِكَ اجْتِهَادًا ، مِنْ حَيْثُ إنَّهُ لَا يَجُوزُ الْجُلُوسُ إلَّا فِيمَا لَا يَضُرُّ بِالْمَارَّةِ ، فَكَانَ لِلْإِمَامِ أَنْ يُجْلِسَ فِيهَا مَنْ لَا يَرَى أَنَّهُ يَتَضَرَّرُ بِجُلُوسِهِ .\rوَلَا يَمْلِكُهَا الْمُقْطَعُ بِذَلِكَ ، بَلْ يَكُونُ أَحَقَّ بِالْجُلُوسِ فِيهَا مِنْ غَيْرِهِ ، بِمَنْزِلَةِ السَّابِقِ إلَيْهَا مِنْ غَيْرِ إقْطَاعٍ سَوَاءً ، إلَّا فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ ، وَهُوَ أَنَّ السَّابِقَ إذَا نَقَلَ مَتَاعَهُ عَنْهَا ، فَلِغَيْرِهِ الْجُلُوسُ فِيهَا ؛ لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَهُ لَهَا بِسَبْقِهِ إلَيْهَا ، وَمُقَامِهِ فِيهَا ، فَإِذَا انْتَقَلَ عَنْهَا ، زَالَ اسْتِحْقَاقُهُ ، لِزَوَالِ الْمَعْنَى الَّذِي اسْتَحَقَّ بِهِ ، وَهَذَا اسْتَحَقَّ بِإِقْطَاعِ الْإِمَامِ ، فَلَا يَزُولُ حَقُّهُ بِنَقْلِ مَتَاعِهِ ، وَلَا لِغَيْرِهِ الْجُلُوسُ فِيهِ ، وَحُكْمُهُ فِي التَّظْلِيلِ عَلَى نَفْسِهِ بِمَا لَيْسَ بِنَاءً ، وَمَنْعِهِ مِنْ الْبِنَاءِ ، وَمَنْعِهِ إذَا طَالَ مُقَامُهُ ، حُكْمُ السَّابِقِ ، عَلَى مَا أَسْلَفْنَاهُ .\rالثَّانِي إقْطَاعُ مَوَاتٍ مِنْ الْأَرْضِ لِمَنْ يُحْيِيهَا ، فَيَجُوزُ ذَلِكَ ؛ لِمَا رَوَى وَائِلُ بْنُ حُجْرٍ ، { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقْطَعَهُ أَرْضًا ، فَأَرْسَلَ مُعَاوِيَةَ أَنْ أَعْطِهِ إيَّاهُ ، أَوْ أَعْلِمْهُ إيَّاهُ .\r} حَدِيثٌ صَحِيحٌ وَأَقْطَعَ بِلَالَ بْنَ الْحَارِثِ الْمُزَنِيّ ، وَأَبْيَضَ بْنَ حَمَّالٍ الْمَأْرِبِيَّ ، وَأَقْطَعَ الزُّبَيْرَ حُضْرَ فَرَسِهِ ، فَأَجْرَى فَرَسَهُ حَتَّى قَامَ وَرَمَى بِسَوْطِهِ ، فَقَالَ : \" أَعْطُوهُ مِنْ حَيْثُ وَقَعَ السَّوْطُ \" .\rرَوَاهُ سَعِيدٌ ، وَأَبُو دَاوُد .\rوَذَكَرَ الْبُخَارِيُّ ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ : { دَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْأَنْصَارَ لِيَقْطَعَ لَهُمْ بِالْبَحْرَيْنِ .\rفَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ : إنْ","part":12,"page":143},{"id":5643,"text":"فَعَلْت ، فَاكْتُبْ لِإِخْوَانِنَا مِنْ قُرَيْشٍ بِمِثْلِهَا } .\rوَرُوِيَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ أَقْطَعَ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ أَرْضًا ، وَأَنَّ عُثْمَانَ أَقْطَعَ خَمْسَةً مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ الزُّبَيْرَ ، وَسَعْدًا ، وَابْنَ مَسْعُودٍ ، وَأُسَامَةَ بْن زَيْدٍ ، وَخَبَّابَ بْنَ الْأَرَتِّ .\rوَيُرْوَى عَنْ نَافِعٍ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ، أَنَّهُ قَالَ لِعُمَرَ : إنَّ قِبَلَنَا أَرْضًا بِالْبَصْرَةِ ، لَيْسَتْ مِنْ أَرْضِ الْخَرَاجِ ، وَلَا تَضُرُّ بِأَحَدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ، فَإِنْ رَأَيْت أَنْ تُقْطِعَنِيهَا أَتَّخِذُ فِيهَا قَصِيلًا لِخَيْلِي ، فَافْعَلْ .\rقَالَ : فَكَتَبَ عُمَرُ إلَى أَبِي مُوسَى : إنْ كَانَتْ كَمَا يَقُولُ ، فَأَقْطِعْهَا إيَّاهُ رَوَى هَذِهِ الْآثَارَ كُلَّهَا أَبُو عُبَيْدٍ ، فِي \" الْأَمْوَالِ \" .\rوَرَوَى سَعِيدٌ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقْطَعَ نَاسًا مِنْ جُهَيْنَةَ أَوْ مُزَيْنَةَ أَرْضًا } .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّ مَنْ أَقْطَعَهُ الْإِمَامُ شَيْئًا مِنْ الْمَوَاتِ ، لَمْ يَمْلِكْهُ بِذَلِكَ ، لَكِنْ يَصِيرُ أَحَقَّ بِهِ ، كَالْمُتَحَجِّرِ لِلشَّارِعِ فِي الْإِحْيَاءِ ، بِدَلِيلِ مَا ذَكَرْنَا مِنْ حَدِيثِ بِلَالِ بْنِ الْحَارِثِ ، حَيْثُ اسْتَرْجَعَ عُمَرُ مِنْهُ مَا عَجَزَ عَنْ إحْيَائِهِ مِنْ الْعَقِيقِ ، الَّذِي أَقْطَعَهُ إيَّاهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَوْ مَلَكَهُ لَمْ يَجُزْ اسْتِرْجَاعُهُ .\rوَرَدَّ عُمَرُ أَيْضًا قَطِيعَةَ أَبِي بَكْرٍ لِعُيَيْنَةَ بْنِ حِصْنٍ ، فَسَأَلَ عُيَيْنَةُ أَبَا بَكْرٍ أَنْ يُجَدِّدَ لَهُ كِتَابًا فَقَالَ : وَاَللَّهِ لَا أُجَدِّدُ شَيْئًا رَدَّهُ عُمَرُ رَوَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ .\rلَكِنَّ الْمُقْطَعَ يَصِيرُ أَحَقَّ بِهِ مِنْ سَائِرِ النَّاسِ ، وَأَوْلَى بِإِحْيَائِهِ ، فَإِنْ أَحْيَاهُ ، وَإِلَّا قَالَ لَهُ السُّلْطَانُ : إنْ أَحْيَيْته ، وَإِلَّا فَارْفَعْ يَدَك عَنْهُ .\rكَمَا قَالَ عُمَرُ لِبِلَالِ بْنِ الْحَارِثِ الْمُزَنِيّ : إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُقْطِعْك لِتَحْجُبَهُ دُونَ النَّاسِ","part":12,"page":144},{"id":5644,"text":"، وَإِنَّمَا أَقْطَعَك لِتَعْمُرَ ، فَخُذْ مِنْهَا مَا قَدَرْت عَلَى عِمَارَتِهِ ، وَرُدَّ الْبَاقِيَ .\rوَإِنْ طَلَبَ الْمُهْلَةَ لِعُذْرٍ ، أُمْهِلَ بِقَدْرِ ذَلِكَ .\rوَإِنْ طَلَبَهَا لِغَيْرِ عُذْرٍ ، لَمْ يُمْهَلْ ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي الْمُتَحَجِّرِ وَإِنْ سَبَقَ غَيْرُهُ فَأَحْيَاهُ قَبْلَ أَنْ يُقَالَ لَهُ شَيْءٌ ، أَوْ فِي مُدَّةِ الْمُهْلَةِ ، فَهَلْ يَمْلِكُهُ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقْطَعَ نَاسًا مِنْ جُهَيْنَةَ أَوْ مُزَيْنَةَ أَرْضًا ، فَعَطَّلُوهَا ، فَجَاءَ قَوْمٌ فَأَحْيَوْهَا ، فَخَاصَمَهُمْ الَّذِينَ أَقْطَعَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَالَ عُمَرُ : لَوْ كَانَتْ قَطِيعَةً مِنِّي ، أَوْ مِنْ أَبِي بَكْرٍ ، لَمْ أَرُدَّهَا ، وَلَكِنَّهَا قَطِيعَةٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَنَا أَرُدُّهَا } ، فَدَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّهَا إذَا كَانَتْ قَطِيعَةً مِنْ غَيْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَهِيَ لِمَنْ أَحْيَاهَا .\rوَالثَّانِي ، لَا يَمْلِكُهُ ؛ لِأَنَّهُ تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ الْمُقْطَعِ ، وَمَفْهُومُ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً فِي غَيْرِ حَقِّ مُسْلِمٍ ، فَهِيَ لَهُ } أَنَّهُ إذَا تَعَلَّقَ بِهَا حَقُّ مُسْلِمٍ ، لَمْ يَجُزْ إحْيَاؤُهَا .\rوَقَدْ ذَكَرْنَا الْوَجْهَيْنِ فِي الْمُتَحَجِّرِ ، وَهَذَا مِثْلُهُ .\rوَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فِي هَذَا الْفَصْلِ كَنَحْوِ مَا ذَكَرْنَا .","part":12,"page":145},{"id":5645,"text":"( 4349 ) فَصْلٌ : وَلَيْسَ لِلْإِمَامِ إقْطَاعُ مَا لَا يَجُوزُ إحْيَاؤُهُ مِنْ الْمَعَادِنِ الظَّاهِرَةِ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَمَّا اسْتَقْطَعَهُ أَبْيَضُ بْنُ حَمَّالٍ الْمِلْحَ الَّذِي بِمَأْرِبَ ، فَقِيلَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ : إنَّمَا أَقْطَعْتَهُ الْمَاءَ الْعِدَّ .\rرَجَعَهُ مِنْهُ } .\rوَلِأَنَّ فِي ذَلِكَ تَضْيِيقًا عَلَى الْمُسْلِمِينَ .\rوَفِي إقْطَاعِ الْمَعَادِنِ الْبَاطِنَةِ وَجْهَانِ ، ذَكَرْنَاهُمَا فِيمَا مَضَى .","part":12,"page":146},{"id":5646,"text":"( 4350 ) فَصْلٌ : وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَقْطَع الْإِمَامُ أَحَدًا مِنْ الْمَوَاتِ ، إلَّا مَا يُمْكِنُهُ إحْيَاؤُهُ ؛ لِأَنَّ فِي إقْطَاعِهِ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ تَضْيِيقًا عَلَى النَّاسِ فِي حَقٍّ مُشْتَرَكٍ بَيْنَهُمْ ، بِمَا لَا فَائِدَةَ فِيهِ .\rفَإِنْ فَعَلَ ، ثُمَّ تَبَيَّنَ عَجْزُهُ عَنْ إحْيَائِهِ ، اسْتَرْجَعَهُ مِنْهُ ، كَمَا اسْتَرْجَعَ عُمَرُ مِنْ بِلَالِ بْنِ الْحَارِثِ مَا عَجَزَ عَنْهُ مِنْ عِمَارَتِهِ مِنْ الْعَقِيقِ ، الَّذِي أَقْطَعَهُ إيَّاهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .","part":12,"page":147},{"id":5647,"text":"( 4351 ) فَصْلٌ : فِي الْحِمَى ، وَمَعْنَاهُ أَنْ يَحْمِيَ أَرْضًا مِنْ الْمَوَاتِ ، يَمْنَعُ النَّاسَ رَعْيَ مَا فِيهَا مِنْ الْكَلَأِ ، لِيَخْتَصّ بِهَا دُونَهُمْ .\rوَكَانَتْ الْعَرَبُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ تَعْرِفُ ذَلِكَ ، فَكَانَ مِنْهُمْ مَنْ إذَا انْتَجَعَ بَلَدًا أَوْفَى بِكَلْبٍ عَلَى نَشَزَ ، ثُمَّ اسْتَعْوَاهُ .\rوَوَقَفَ لَهُ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ مَنْ يَسْمَعُ صَوْتَهُ بِالْعُوَاءِ ، فَحَيْثُمَا انْتَهَى صَوْتُهُ حَمَاهُ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ لِنَفْسِهِ ، وَيَرْعَى مَعَ الْعَامَّةِ فِيمَا سِوَاهُ .\rفَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْهُ ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّضْيِيقِ عَلَى النَّاسِ ، وَمَنْعِهِمْ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِشَيْءٍ لَهُمْ فِيهِ حَقٌّ .\rوَرَوَى الصَّعْبُ بْن جَثَّامَةَ ، قَالَ : سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : { لَا حِمَى إلَّا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَقَالَ : { النَّاسُ شُرَكَاءُ فِي ثَلَاثٍ : الْمَاءِ ، وَالنَّارِ ، وَالْكَلَأِ } رَوَاهُ الْخَلَّالُ .\rوَلَيْسَ لِأَحَدٍ مِنْ النَّاسِ سِوَى الْأَئِمَّةِ أَنْ يَحْمِيَ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْخَبَرِ وَالْمَعْنَى .\rفَأَمَّا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَانَ لَهُ أَنْ يَحْمِيَ لِنَفْسِهِ وَلِلْمُسْلِمِينَ ؛ لِقَوْلِهِ فِي الْخَبَرِ : { لَا حِمَى إلَّا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ } .\rلَكِنَّهُ لَمْ يَحْمِ لِنَفْسِهِ شَيْئًا ، وَإِنَّمَا حَمَى لِلْمُسْلِمِينَ ، فَقَدْ رَوَى ابْنُ عُمَرَ ، قَالَ : { حَمَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّقِيعَ لِخَيْلِ الْمُسْلِمِينَ } .\rرَوَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ .\rوَالنَّقِيعُ ، بِالنُّونِ : مَوْضِعٌ يُنْتَقَعُ فِيهِ الْمَاءُ ، فَيَكْثُرُ فِيهِ الْخِصْبُ ، لِمَكَانِ مَا يَصِيرُ فِيهِ مِنْ الْمَاءِ وَأَمَّا سَائِرُ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ ، فَلَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَحْمُوا لِأَنْفُسِهِمْ شَيْئًا ، وَلَكِنْ لَهُمْ أَنْ يَحْمُوا مَوَاضِعَ لِتَرْعَى فِيهَا خَيْلُ الْمُجَاهِدِينَ ، وَنَعَمُ الْجِزْيَةِ ، وَإِبِلُ الصَّدَقَةِ وَضَوَالُّ النَّاسِ الَّتِي يَقُومُ الْإِمَامُ بِحِفْظِهَا ، وَمَاشِيَةُ الضَّعِيفِ مِنْ النَّاسِ ، عَلَى وَجْهٍ لَا يَسْتَضِرُّ بِهِ مَنْ","part":12,"page":148},{"id":5648,"text":"سِوَاهُ مِنْ النَّاسِ .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ فِي صَحِيحِ قَوْلَيْهِ ، وَقَالَ فِي الْآخَرِ : لَيْسَ لِغَيْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَحْمِيَ ؛ لِقَوْلِهِ : { لَا حِمَى إلَّا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ } .\rوَلَنَا أَنَّ عُمَرَ وَعُثْمَانَ حَمَيَا ، وَاشْتَهَرَ ذَلِكَ فِي الصَّحَابَةِ ، فَلَمْ يُنْكَرْ عَلَيْهِمَا ، فَكَانَ إجْمَاعًا وَرَوَى أَبُو عُبَيْدٍ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ ، أَحْسِبُهُ عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : أَتَى أَعْرَابِيٌّ عُمَرَ ، فَقَالَ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، بِلَادُنَا قَاتَلْنَا عَلَيْهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، وَأَسْلَمْنَا عَلَيْهَا فِي الْإِسْلَامِ ، عَلَامَ تَحْمِيهَا ؟ فَأَطْرَقَ عُمَرُ ، وَجَعَلَ يَنْفُخُ ، وَيَفْتِلُ شَارِبَهُ ، وَكَانَ إذَا كَرَبَهُ أَمْرٌ فَتَلَ شَارِبَهُ ، وَنَفَخَ فَلَمَّا رَأَى الْأَعْرَابِيُّ مَا بِهِ جَعَلَ يُرَدِّدُ ذَلِكَ ، فَقَالَ عُمَرُ : الْمَالُ مَالُ اللَّهِ ، وَالْعِبَادُ عِبَادُ اللَّهِ ، وَاَللَّهِ لَوْلَا مَا أَحْمِلُ عَلَيْهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا حَمَيْت شِبْرًا مِنْ الْأَرْضِ فِي شِبْرٍ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : بَلَغَنِي أَنَّهُ كَانَ يَحْمِلُ فِي كُلِّ عَامٍ عَلَى أَرْبَعِينَ أَلْفًا مِنْ الظَّهْرِ .\rوَعَنْ أَسْلَمَ ، قَالَ : سَمِعْت عُمَرَ يَقُولُ لِهُنَيٍّ حِينَ اسْتَعْمَلَهُ عَلَى حِمَى الرَّبَذَةِ : يَا هُنَيُّ ، اُضْمُمْ جَنَاحَك عَنْ النَّاسِ ، وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ فَإِنَّهَا مُجَابَةٌ .\rوَأَدْخِلْ رَبَّ الصَّرِيمَةِ وَالْغَنِيمَةِ ، وَدَعْنِي مِنْ نَعَمِ ابْن عَوْفٍ وَنَعَمِ ابْن عَفَّانَ ، فَإِنَّهُمَا إنْ هَلَكَتْ مَاشِيَتُهُمَا رَجَعَا إلَى نَخْلٍ وَزَرْعٍ ، وَإِنَّ هَذَا الْمِسْكِينَ إنْ هَلَكَتْ مَاشِيَتُهُ ، جَاءَ يَصْرُخُ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ .\rفَالْكَلَأُ أَهْوَنُ عَلَيَّ أَمْ غُرْمُ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ ، إنَّهَا أَرْضُهُمْ قَاتَلُوا عَلَيْهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، وَأَسْلَمُوا عَلَيْهَا فِي الْإِسْلَامِ ، وَإِنَّهُمْ لَيَرَوْنَ أَنَّا نَظْلِمُهُمْ ، وَلَوْلَا النَّعَمُ الَّتِي يُحْمَلُ عَلَيْهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، مَا حَمَيْت عَلَى النَّاسِ مِنْ بِلَادِهِمْ","part":12,"page":149},{"id":5649,"text":"شَيْئًا أَبَدًا .\rوَهَذَا إجْمَاعٌ مِنْهُمْ .\rوَلِأَنَّ مَا كَانَ لِمَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ ، قَامَتْ الْأَئِمَّةُ فِيهِ مَقَامَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { مَا أَطْعَمَ اللَّهُ لِنَبِيٍّ طُعْمَةً إلَّا جَعَلَهَا طُعْمَةً لِمَنْ بَعْدَهُ } وَأَمَّا الْخَبَرُ فَمَخْصُوصٌ ، وَأَمَّا حِمَاهُ لِنَفْسِهِ ، فَيُفَارِقُ حِمَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِنَفْسِهِ ، لِأَنَّ صَلَاحَهُ يَعُودُ إلَى صَلَاحِ الْمُسْلِمِينَ ، وَمَا لَهُ كَانَ يَرُدُّهُ فِي الْمُسْلِمِينَ ، فَفَارَقَ الْأَئِمَّةَ فِي ذَلِكَ ، وَسَاوَوْهُ فِيمَا كَانَ صَلَاحًا لِلْمُسْلِمِينَ ، وَلَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَحْمُوا إلَّا قَدْرًا لَا يُضَيَّقُ بِهِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَيَضُرُّ بِهِمْ ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا جَازَ لِمَا فِيهِ مِنْ الْمَصْلَحَةِ لِمَا يَحْمَى ، وَلَيْسَ مِنْ الْمَصْلَحَةِ إدْخَالُ الضَّرَرِ عَلَى أَكْثَرِ النَّاسِ .","part":12,"page":150},{"id":5650,"text":"( 4352 ) فَصْلٌ : وَمَا حَمَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَلَيْسَ لِأَحَدٍ نَقْضُهُ ، وَلَا تَغْيِيرُهُ ، مَعَ بَقَاءِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ .\rوَمَنْ أَحْيَا مِنْهُ شَيْئًا لَمْ يَمْلِكْهُ .\rوَإِنْ زَالَتْ الْحَاجَةُ إلَيْهِ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ .\rوَمَا حَمَاهُ غَيْرُهُ مِنْ الْأَئِمَّةِ ، فَغَيَّرَهُ هُوَ أَوْ غَيْرُهُ مِنْ الْأَئِمَّةِ ، جَازَ .\rوَإِنْ أَحْيَاهُ إنْسَانٌ ، مَلَكَهُ ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ ؛ لِأَنَّ حِمَى الْأَئِمَّةِ اجْتِهَادٌ ، وَمِلْكُ الْأَرْضِ بِالْإِحْيَاءِ نَصٌّ ، وَالنَّصُّ يُقَدَّمُ عَلَى الِاجْتِهَادِ .\rوَالْوَجْهُ الْآخَرُ لَا يَمْلِكُهُ ؛ لِأَنَّ اجْتِهَادَ الْإِمَامِ لَا يَجُوزُ نَقْضُهُ ، كَمَا لَا يَجُوزُ نَقْضُ حُكْمِهِ .\rوَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فِي هَذَا عَلَى نَحْوِ مَا قُلْنَا .","part":12,"page":151},{"id":5651,"text":"( 4353 ) فَصْلٌ : فِي أَحْكَامِ الْمِيَاهِ ، قَدْ ذَكَرْنَا فِي الْبَيْعِ حُكْمَ مِلْكِهَا وَبَيْعِهَا ، وَنَذْكُرُ هَاهُنَا حُكْمَ السَّقْيِ بِهَا .\rفَنَقُولُ : لَا يَخْلُو الْمَاءُ مِنْ حَالَيْنِ ؛ إمَّا أَنْ يَكُونَ جَارِيًا ، أَوْ وَاقِفًا ، فَإِنْ كَانَ جَارِيًا فَهُوَ ضَرْبَانِ أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ فِي نَهْرٍ غَيْرِ مَمْلُوكٍ ، وَهُوَ قِسْمَانِ أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ نَهْرًا عَظِيمًا ، كَالنِّيلِ وَالْفُرَاتِ وَدِجْلَةَ ، وَمَا أَشْبَهَهَا مِنْ الْأَنْهَارِ الْعَظِيمَةِ ، الَّتِي لَا يَسْتَضِرُّ أَحَدٌ بِسَقْيِهِ مِنْهَا ، فَهَذَا لَا تَزَاحُمَ فِيهِ ، وَلِكُلِّ أَحَدٍ أَنْ يَسْقِيَ مِنْهَا مَا شَاءَ ، مَتَى شَاءَ ، وَكَيْف شَاءَ .\rالْقِسْمُ الثَّانِي ، أَنْ يَكُونَ نَهْرًا صَغِيرًا يَزْدَحِمُ النَّاسُ فِيهِ ، وَيَتَشَاحُّونَ فِي مَائِهِ ، أَوْ سَيْلًا يَتَشَاحُّ فِيهِ أَهْلُ الْأَرْضِ الشَّارِبَةِ مِنْهُ ، فَإِنَّهُ يَبْدَأُ مَنْ فِي أَوَّلِ النَّهْرِ ، فَيَسْقِي وَيَحْبِسُ الْمَاءَ حَتَّى يَبْلُغَ إلَى الْكَعْبِ ، ثُمَّ يُرْسِلُ إلَى الَّذِي يَلِيهِ فَيَصْنَعُ كَذَلِكَ ، وَعَلَى هَذَا إلَى أَنْ تَنْتَهِيَ الْأَرَاضِي كُلُّهَا فَإِنْ لَمْ يَفْضُلْ عَنْ الْأَوَّلِ شَيْءٌ ، أَوْ عَنْ الثَّانِي ، أَوْ عَمَّنْ يَلِيهِمْ فَلَا شَيْءَ لِلْبَاقِينَ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُمْ إلَّا مَا فَضَلَ ، فَهُمْ كَالْعُصْبَةِ فِي الْمِيرَاثِ .\rوَهَذَا قَوْلُ فُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ ، وَمَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا .\rوَالْأَصْلُ فِي هَذَا مَا رَوَى عَبْدُ اللَّه بْن الزُّبَيْرِ ، { أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ خَاصَمَ الزُّبَيْرَ فِي شِرَاجِ الْحُرَّةِ ، الَّتِي يَسْقُونَ بِهَا ، إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اسْقِ يَا زُبَيْرُ ، ثُمَّ أَرْسِلْ الْمَاءَ إلَى جَارِك .\rفَغَضِبَ الْأَنْصَارِيُّ ، وَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَنْ كَانَ ابْنَ عَمَّتِك ؟ فَتَلَوَّنَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ قَالَ : يَا زُبَيْرُ اسْقِ ، ثُمَّ احْبِسْ الْمَاءَ حَتَّى يَرْجِعَ إلَى الْجَدْرِ .\rقَالَ الزُّبَيْرُ : فَوَاَللَّهِ إنِّي لَأَحْسِبُ هَذِهِ الْآيَةَ","part":12,"page":152},{"id":5652,"text":"نَزَلَتْ فِيهِ : { فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ } } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَرَوَاهُ مَالِكٌ ، فِي \" مُوَطَّئِهِ \" عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّه بْن الزُّبَيْرِ .\rوَذَكَرَ عَنْهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ : نَظَرْنَا فِي قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { ثُمَّ احْبِسْ الْمَاءَ حَتَّى يَبْلُغَ إلَى الْجَدْرِ } .\rفَكَانَ ذَلِكَ إلَى الْكَعْبَيْنِ .\rقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : الشِّرَاجُ : جَمْعُ شَرْجٍ ، وَالشَّرْجُ : نَهْرٌ صَغِيرٌ ، وَالْحَرَّةُ : أَرْضٌ مُلْتَبِسَةٌ بِحِجَارَةٍ سُودٍ ، وَالْجَدْرُ : الْجِدَارُ ، وَإِنَّمَا أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الزُّبَيْرَ أَنْ يَسْقِيَ ثُمَّ يُرْسِلَ الْمَاءَ ، تَسْهِيلًا عَلَى غَيْرِهِ ، فَلَمَّا قَالَ الْأَنْصَارِيُّ مَا قَالَ ، اسْتَوْعَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الزُّبَيْرَ حَقَّهُ .\rوَرَوَى مَالِكٌ ، فِي \" الْمُوَطَّأِ \" أَيْضًا ، عَنْ عَبْدِ اللَّه بْن أَبِي بَكْرِ بْن حَزْمٍ ، أَنَّهُ بَلَغَهُ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي سَيْلِ مَهْزُورٍ وَمُذَيْنِيبٍ : يُمْسِكُ حَتَّى الْكَعْبَيْنِ ، ثُمَّ يُرْسِلُ الْأَعْلَى عَلَى الْأَسْفَلِ } قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : هَذَا حَدِيثٌ مَدَنِيٌّ ، مَشْهُورٌ عِنْدَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ، مَعْمُولٌ بِهِ عِنْدَهُمْ .\rقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ حَبِيبٍ : مَهْزُورٌ وَمُذَيْنِيبٌ : وَادِيَانِ مِنْ أَوْدِيَةِ الْمَدِينَةِ ، يَسِيلَانِ بِالْمَطَرِ ، وَتَتَنَافَسُ أَهْلُ الْحَوَائِطِ فِي سَيْلِهِمَا .\rوَرَوَى أَبُو دَاوُد ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ ثَعْلَبَةَ بْنِ أَبِي مَالِكٍ ، أَنَّهُ { سَمِعَ كُبَرَاءَهُمْ يَذْكُرُونَ ، أَنَّ رَجُلًا مِنْ قُرَيْشٍ كَانَ لَهُ سَهْمٌ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ ، فَخَاصَمَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَيْلِ مَهْزُورٍ وَالسَّيْلِ الَّذِي يَقْتَسِمُونَ مَاءَهُ ، فَقَضَى بَيْنَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ الْمَاءَ إلَى الْكَعْبَيْنِ ، لَا يَحْبِسُ الْأَعْلَى عَلَى الْأَسْفَلِ } وَلِأَنَّ مَنْ أَرْضُهُ","part":12,"page":153},{"id":5653,"text":"قَرِيبَةٌ مِنْ فُوَّهَةِ النَّهْرِ أَسْبَقُ إلَى الْمَاءِ ، فَكَانَ أَوْلَى بِهِ ، كَمَنْ سَبَقَ إلَى الْمُشَرَّعَةِ ، فَإِنْ كَانَتْ أَرْضُ صَاحِبِ الْأَعْلَى مُخْتَلِفَةً ، مِنْهَا مُسْتَعْلِيَةٌ وَمِنْهَا مُسْتَفِلَةٌ ، سَقَى كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عَلَى حِدَتِهَا ، وَإِنْ اسْتَوَى اثْنَانِ فِي الْقُرْبِ مِنْ أَوَّلِ النَّهْرِ ، اقْتَسَمَا الْمَاءَ بَيْنَهُمَا ، إنْ أَمْكَنَ ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ أَقْرَعَ بَيْنَهُمَا ، فَقُدِّمَ مَنْ تَقَعُ لَهُ الْقُرْعَةُ ، فَإِنْ كَانَ الْمَاءُ لَا يَفْضُلُ عَنْ أَحَدِهِمَا ، سَقَى مَنْ تَقَعُ لَهُ الْقُرْعَةُ بِقَدْرِ حَقِّهِ مِنْ الْمَاءِ ، ثُمَّ تَرَكَهُ لِلْآخَرِ ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْقِيَ بِجَمِيعِ الْمَاءِ ؛ لِأَنَّ الْآخَرَ يُسَاوِيه فِي اسْتِحْقَاقِ الْمَاءِ ، وَإِنَّمَا الْقُرْعَةُ لِلتَّقْدِيمِ فِي اسْتِيفَاءِ الْحَقِّ ، لَا فِي أَصْلِ الْحَقِّ ، بِخِلَافِ الْأَعْلَى مَعَ الْأَسْفَلِ ؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ لِلْأَسْفَلِ حَقٌّ إلَّا فِيمَا فَضَلَ عَنْ الْأَعْلَى فَإِنْ كَانَتْ أَرْضُ أَحَدِهِمَا أَكْثَرَ مِنْ أَرْضِ الْآخَرِ ، قُسِمَ الْمَاءُ بَيْنَهُمَا عَلَى قَدْرِ الْأَرْضِ ؛ لِأَنَّ الزَّائِدَ مِنْ أَرْضِ أَحَدِهِمَا مُسَاوٍ فِي الْقُرْبِ ، فَاسْتَحَقَّ جُزْءًا مِنْ الْمَاءِ ، كَمَا لَوْ كَانَ لِشَخْصٍ ثَالِثٍ .\rوَإِنْ كَانَ لِجَمَاعَةٍ رَسْمُ شُرْبٍ ، مِنْ نَهْرٍ غَيْرِ مَمْلُوكٍ ، أَوْ سَيْلٍ ، وَجَاءَ إنْسَانٌ لِيُحْيِيَ مَوَاتًا أَقْرَبَ إلَى رَأْسِ النَّهْرِ مِنْ أَرْضِهِمْ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَسْقِيَ قَبْلَهُمْ ؛ لِأَنَّهُمْ أَسْبَقُ إلَى النَّهْرِ مِنْهُ ، وَلِأَنَّ مَنْ مَلَكَ أَرْضًا مَلَكَهَا بِحُقُوقِهَا وَمَرَافِقِهَا ، وَلَا يَمْلِكُ غَيْرُهُ إبْطَالَ حُقُوقِهَا ، وَهَذَا مِنْ حُقُوقِهَا .\rوَهَلْ لَهُمْ مَنْعُهُ مِنْ إحْيَاءِ ذَلِكَ الْمَوَاتِ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا لَيْسَ لَهُمْ مَنْعُهُ ؛ لِأَنَّ حَقَّهُمْ فِي النَّهْرِ لَا فِي الْمَوَاتِ .\rوَالثَّانِي لَهُمْ مَنْعُهُ ، لِئَلَّا يَصِيرَ ذَلِكَ ذَرِيعَةً إلَى مَنْعِهِمْ حَقَّهُمْ مِنْ السَّقْيِ ، لِتَقْدِيمِهِ عَلَيْهِمْ بِالْقُرْبِ إذَا طَالَ الزَّمَانُ وَجُهِلَ الْحَالُ فَإِذَا قُلْنَا : لَيْسَ لَهُمْ مَنْعُهُ .\rفَسَبَقَ إنْسَانٌ","part":12,"page":154},{"id":5654,"text":"إلَى مَسِيلِ مَاءٍ أَوْ نَهْرٍ غَيْرِ مَمْلُوكٍ ، فَأَحْيَا فِي أَسْفَلِهِ مَوَاتًا ، ثُمَّ أَحْيَا آخَرُ فَوْقَهُ ، ثُمَّ أَحْيَا ثَالِثٌ فَوْقَ الثَّانِي ، كَانَ لِلْأَسْفَلِ السَّقْيُ أَوَّلًا ، ثُمَّ الثَّانِي ، ثُمَّ الثَّالِثِ ، وَيُقَدَّمُ السَّبْقُ إلَى الْإِحْيَاءِ عَلَى السَّبْقِ إلَى أَوَّلِ النَّهْرِ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا .","part":12,"page":155},{"id":5655,"text":"( 4354 ) فَصْلٌ : الضَّرْبُ الثَّانِي الْمَاءُ الْجَارِي فِي نَهْرٍ مَمْلُوكٍ ، وَهُوَ أَيْضًا قِسْمَانِ أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ الْمَاءُ مُبَاحَ الْأَصْلِ ، مِثْلَ أَنْ يَحْفِرَ إنْسَانٌ نَهْرًا صَغِيرًا ، يَتَّصِلُ بِنَهْرٍ كَبِيرٍ مُبَاحٍ ، فَمَا لَمْ يَتَّصِلْ الْحَفْرُ لَا يَمْلِكُهُ ، وَإِنَّمَا هُوَ تَحَجُّرٌ وَشُرُوعٌ فِي الْإِحْيَاءِ ، فَإِذَا اتَّصَلَ الْحَفْرُ ، كَمُلَ الْإِحْيَاءُ وَمَلَكَهُ ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ بِالْإِحْيَاءِ أَنْ تَنْتَهِيَ الْعِمَارَةُ إلَى قَصْدِهَا ، بِحَيْثُ يَتَكَرَّرُ الِانْتِفَاعُ بِهَا عَلَى صُورَتِهَا ، وَهَذَا كَذَلِكَ .\rوَسَوَاءٌ أَجْرَى فِيهِ الْمَاءَ أَوْ لَمْ يُجْرِ ؛ لِأَنَّ الْإِحْيَاءَ يَحْصُلُ بِأَنْ يُهَيِّئَهُ لِلِانْتِفَاعِ بِهِ دُونَ حُصُولِ الْمَنْفَعَةِ ، فَيَصِيرُ مَالِكًا لِقَرَارِ النَّهْرِ وَحَافَّتَيْهِ ، وَهَوَاؤُهُ حَقٌّ لَهُ ، وَكَذَلِكَ حَرِيمُهُ ، وَهُوَ مُلْقَى الطِّينِ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ وَعِنْدَ الْقَاضِي أَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مَمْلُوكٍ لِصَاحِبِ النَّهْرِ ، وَإِنَّمَا هُوَ حَقٌّ مِنْ حُقُوقِ الْمِلْكِ ، وَكَذَلِكَ حَرِيمُ الْبِئْرِ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rوَظَاهِرُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ ، أَنَّهُ مَمْلُوكٌ لِصَاحِبِهِ ؛ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ أَحْيَا أَرْضًا لَمْ تُمْلَكْ ، فَهِيَ لَهُ } .\rوَإِحْيَاؤُهَا أَنْ يُحَوِّطَ عَلَيْهَا حَائِطًا ، أَوْ يَحْفِرَ فِيهَا بِئْرًا ، فَيَكُونَ لَهُ خَمْسٌ وَعِشْرُونَ ذِرَاعًا حَوَالَيْهَا ، وَحَرِيمُ النَّهْرِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ فَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا فَكَانَ النَّهْرُ لِجَمَاعَةِ فَهُوَ بَيْنَهُمْ عَلَى حَسَبِ الْعَمَلِ وَالنَّفَقَةِ ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا مُلِكَ بِالْعِمَارَةِ ، وَالْعِمَارَةُ بِالنَّفَقَةِ ، فَإِنْ كَفَى جَمِيعَهُمْ ، فَلَا كَلَامَ ، وَإِنْ لَمْ يَكْفِهِمْ ، وَتَرَاضَوْا عَلَى قِسْمَتِهِ بِالْمُهَايَأَةِ أَوْ غَيْرِهَا جَازَ ؛ لِأَنَّهُ حَقُّهُمْ ، لَا يَخْرُجُ عَنْهُمْ .\rوَإِنْ تَشَاحُّوا فِي قِسْمَتِهِ ، قَسَمَهُ الْحَاكِمُ بَيْنَهُمْ عَلَى قَدْرِ أَمْلَاكِهِمْ ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَمْلِكُ مِنْ النَّهْرِ بِقَدْرِ ذَلِكَ ، فَتُؤْخَذُ خَشَبَةٌ صُلْبَةٌ ، أَوْ حَجَرٌ","part":12,"page":156},{"id":5656,"text":"مُسْتَوِي الطَّرَفَيْنِ وَالْوَسَطِ ، فَيُوضَعُ عَلَى مَوْضِعٍ مُسْتَوٍ مِنْ الْأَرْضِ ، فِي مُقَدَّمِ الْمَاءِ ، فِيهِ حُزُوزٌ ، أَوْ ثُقُوبٌ مُتَسَاوِيَةٌ فِي السَّعَةِ عَلَى قَدْرِ حُقُوقِهِمْ ، يَخْرُجُ مِنْ كُلِّ جُزْءٍ أَوْ ثُقْبٍ إلَى سَاقِيَةٍ مُفْرَدَةٍ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ، فَإِذَا حَصَلَ الْمَاءُ فِي سَاقِيَتِهِ انْفَرَدَ بِهِ فَإِنْ كَانَتْ أَمْلَاكُهُمْ مُخْتَلِفَةً قُسِّمَ عَلَى قَدْرِ ذَلِكَ ، فَإِذَا كَانَ لِأَحَدِهِمْ نِصْفُهُ ، وَلِلْآخَرِ ثُلُثُهُ ، وَلِلْآخَرِ سُدُسُهُ ، جُعِلَ فِيهِ سِتَّةُ ثُقُوبٍ ، لِصَاحِبِ النِّصْفِ ثَلَاثَةُ نُصُبٍ فِي سَاقِيَتِهِ ، وَلِصَاحِبِ الثُّلُثِ اثْنَانِ ، وَلِصَاحِبِ السُّدُسِ وَاحِدٌ .\rوَإِنْ كَانَ لَوَاحِدٍ الْخُمْسَانِ ، وَالْبَاقِي لِاثْنَيْنِ يَتَسَاوَيَانِ فِيهِ ، جُعِلَ عَشَرَةُ ثُقُوبٍ لِصَاحِبِ الْخُمْسَيْنِ أَرْبَعَةُ نُصُبٍ فِي سَاقِيَتِهِ ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْآخَرَيْنِ ثَلَاثَةُ نُصُبٍ فِي سَاقِيَةٍ لَهُ فَإِنْ كَانَ النَّهْرُ لِعَشَرَةٍ ، لِخَمْسَةٍ مِنْهُمْ أَرَاضٍ قَرِيبَةٌ مِنْ أَوَّلِ النَّهْرِ ، وَلِخَمْسَةٍ أَرَاضٍ بَعِيدَةٌ ، جُعِلَ لِأَصْحَابِ الْقَرِيبَةِ خَمْسَةُ ثُقُوبٍ ، لِكُلِّ وَاحِدٍ ثُقْبٌ ، وَجُعِلَ لِلْبَاقِينَ خَمْسَةٌ ، تَجْرِي فِي النَّهْرِ حَتَّى تَصِلَ إلَى أَرْضِهِمْ ، ثُمَّ تُقَسَّمُ بَيْنَهُمْ قِسْمَةً أُخْرَى .\rوَإِنْ أَرَادَ أَحَدُهُمْ أَنْ يُجْرِيَ مَاءَهُ فِي سَاقِيَةِ غَيْرِهِ ، لِيُقَاسِمَهُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ ، لَمْ يَجُزْ إلَّا بِرِضَاهُ ؛ لِأَنَّهُ يَتَصَرَّفُ فِي سَاقِيَتِهِ ، وَيُخَرِّبُ حَافَّتَهَا بِغَيْرِ إذْنِهِ ، وَيَخْلِطُ حَقَّهُ بِحَقِّ غَيْرِهِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَتَمَيَّزُ ، فَلَمْ يَجُزْ ذَلِكَ .\rوَيَجِيءُ عَلَى قَوْلِنَا \" إنَّ الْمَاءَ لَا يُمْلَكُ \" أَنَّ حُكْمَ الْمَاءِ فِي هَذَا النَّهْرِ حُكْمُهُ فِي نَهْرٍ غَيْرِ مَمْلُوكٍ ، وَأَنَّ الْأَسْبَقَ أَحَقُّ بِالسَّقْيِ مِنْهُ ، ثُمَّ الَّذِي يَلِيهِ ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَمْلُوكٍ ، فَكَانَ الْأَسْبَقُ إلَيْهِ أَحَقَّ بِهِ ، كَمَا لَوْ كَانَ فِي نَهْرٍ غَيْرِ مَمْلُوكٍ وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فِي هَذَا الْفَصْلِ كُلِّهِ عَلَى نَحْوِ مَا ذَكَرْنَا .","part":12,"page":157},{"id":5657,"text":"( 4355 ) فَصْلٌ : وَإِذَا حَصَلَ نَصِيبُ إنْسَانٍ فِي سَاقِيَةٍ ، فَلَهُ أَنْ يَسْقِيَ بِهِ مَا شَاءَ مِنْ الْأَرْضِ ، سَوَاءٌ كَانَ لَهَا رَسْمُ شُرْبٍ مِنْ هَذَا النَّهْرِ ، أَوْ لَمْ يَكُنْ .\rوَلَهُ أَنْ يُعْطِيَهُ مَنْ يَسْقِي بِهِ .\rوَقَالَ الْقَاضِي ، وَأَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ : لَيْسَ لَهُ سَقْيُ أَرْضٍ لَيْسَ لَهَا رَسْمُ شُرْبٍ فِي هَذَا الْمَاءِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ دَالٌ عَلَى أَنَّ لَهَا قِسْمًا مِنْ هَذَا الْمَاءِ ، فَرُبَّمَا جُعِلَ سَقْيُهَا مِنْهُ دَلِيلًا عَلَى اسْتِحْقَاقِهَا لِذَلِكَ ، فَيَسْتَضِرُّ الشُّرَكَاءُ ، وَيَصِيرُ هَذَا كَمَا لَوْ كَانَ لَهُ دَارٌ بَابُهَا فِي دَرْبٍ لَا يَنْفُذُ ، وَدَارٌ بَابُهَا فِي دَرْبٍ آخَرَ ، ظَهْرُهَا مُلَاصِقٌ لِظَهْرِ دَارِهِ الْأُولَى ، فَأَرَادَ تَنْفِيذَ إحْدَاهُمَا إلَى الْأُخْرَى لَمْ يَجُزْ ؛ لِأَنَّهُ يَجْعَلُ لِنَفْسِهِ اسْتِطْرَاقًا مِنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ الدَّارَيْنِ .\rوَلَنَا أَنَّ هَذَا مَاءٌ انْفَرَدَ بِاسْتِحْقَاقِهِ ، فَكَانَ لَهُ أَنْ يَسْقِيَ مِنْهُ مَا شَاءَ ، كَمَا لَوْ انْفَرَدَ بِهِ مِنْ أَصْلِهِ .\rوَلَا نُسَلِّمُ مَا ذَكَرُوهُ فِي الدَّارَيْنِ ، وَإِنْ سَلَّمْنَا فَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ كُلَّ دَارٍ يَخْرُجُ مِنْهَا إلَى دَرْبٍ آخَرَ مُشْتَرَكٍ ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ لِكُلِّ دَارٍ سُكَّانًا ، فَيَجْعَلُ لِسُكَّانِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا اسْتِطْرَاقًا إلَى دَرْبٍ غَيْرِ نَافِذٍ ، لَمْ يَكُنْ لَهُمْ حَقٌّ فِي اسْتِطْرَاقِهِ ، وَهَاهُنَا إنَّمَا يَسْقِي مِنْ سَاقِيَتِهِ الْمُفْرَدَةِ الَّتِي لَا يُشَارِكُهُ غَيْرُهُ فِيهَا ، فَلَوْ صَارَ لِتِلْكَ الْأَرْضِ رَسْمٌ مِنْ الشُّرْبِ مِنْ سَاقِيَتِهِ ، لَمْ يَتَضَرَّرْ بِذَلِكَ أَحَدٌ وَلَوْ كَانَ يَسْقِي مِنْ هَذَا النَّهْرِ بِدُولَابِ ، فَأَحَبَّ أَنْ يَسْقِيَ بِذَلِكَ الْمَاءِ أَرْضًا لَا رَسْمَ لَهَا فِي الشُّرْبِ مِنْ ذَلِكَ النَّهْرِ ، فَالْحُكْمُ فِي ذَلِكَ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْخِلَافِ فِي الَّتِي قَبْلَهَا .\rوَإِنْ كَانَ الدُّولَابُ يَغْرِفُ مِنْ نَهْرٍ غَيْرِ مَمْلُوكٍ ، جَازَ أَنْ يَسْقِيَ بِنَصِيبِهِ مِنْ الْمَاءِ أَرْضًا لَا رَسْمَ لَهَا فِي الشُّرْبِ مِنْهُ ، بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ فَإِنْ ضَاقَ الْمَاءُ ،","part":12,"page":158},{"id":5658,"text":"قُدِّمَ الْأَسْبَقُ فَالْأَسْبَقُ ، عَلَى مَا مَضَى .\r( 4356 ) فَصْلٌ : وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِي سَاقِيَتِهِ الْمُخْتَصَّةِ بِهِ بِمَا أَحَبَّ ، مِنْ إجْرَاءِ غَيْرِ هَذَا الْمَاءِ فِيهَا ، أَوْ عَمَلِ رَحًى عَلَيْهَا ، أَوْ دُولَابٍ ، أَوْ عَبَّارَةٍ ، وَهِيَ خَشَبَةٌ تُمَدُّ عَلَى طَرَفَيْ النَّهْرِ ، أَوْ قَنْطَرَةٍ يَعْبُرُ الْمَاءُ فِيهَا ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ التَّصَرُّفَاتِ ؛ لِأَنَّهَا مِلْكُهُ ، لَا حَقَّ لِغَيْرِهِ فِيهَا .\rفَأَمَّا النَّهْرُ الْمُشْتَرَكُ ، فَلَيْسَ لَوَاحِدٍ مِنْهُمْ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِيهِ بِشَيْءِ مِنْ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ يَتَصَرَّفُ فِي النَّهْرِ الْمُشْتَرَكِ وَفِي حَرِيمِهِ بِغَيْرِ إذْنِ شُرَكَائِهِ .\rوَقَالَ الْقَاضِي فِي الْعَبَّارَةِ : هَذَا يَنْبَنِي عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ ، فِي مَنْ أَرَادَ أَنْ يُجْرِيَ مَاءَهُ فِي أَرْضِ غَيْرِهِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ هَاهُنَا ، وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُ هَذَا عَلَى إجْرَاءِ الْمَاءِ فِي أَرْضِ غَيْرِهِ ؛ لِأَنَّ إجْرَاءَ الْمَاءِ فِي أَرْضِ غَيْرِهِ يَنْفَعُ صَاحِبَهَا ، لِأَنَّهُ يَسْقِي عُرُوقَ شَجَرِهِ ، وَيَشْرَبُهُ أَوَّلًا وَآخِرًا .\rوَهَذَا لَا يَنْفَعُ النَّهْرَ ، بَلْ رُبَّمَا أَفْسَدَ حَافَّتَيْهِ ، وَلَمْ يَسْقِ لَهُ شَيْئًا .\rوَلَوْ أَرَادَ أَحَدُ الشُّرَكَاءِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ مَاءِ النَّهْرِ قَبْلَ قَسْمِهِ شَيْئًا يَسْقِي بِهِ أَرْضًا فِي أَوَّلِ النَّهْرِ أَوْ غَيْرِهِ ، أَوْ أَرَادَ إنْسَانٌ غَيْرُهُمْ ذَلِكَ ، لَمْ يَجُزْ ؛ لِأَنَّهُمْ صَارُوا أَحَقَّ بِالْمَاءِ الْجَارِي فِي نَهْرِهِمْ مِنْ غَيْرِهِمْ ، وَلِأَنَّ الْأَخْذَ مِنْ الْمَاءِ رُبَّمَا احْتَاجَ إلَى تَصَرُّفٍ فِي حَافَّةِ النَّهْرِ الْمَمْلُوكِ لِغَيْرِهِ ، أَوْ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ وَلَوْ فَاضَ مَاءُ هَذَا النَّهْرِ إلَى مِلْكِ إنْسَانٍ ، فَهُوَ مُبَاحٌ ، كَالطَّائِرِ يُعَشِّشُ فِي مِلْكِ إنْسَانٍ .\rوَهَذَا كُلُّهُ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فِيهِ نَحْوٌ مِمَّا ذَكَرْنَا .","part":12,"page":159},{"id":5659,"text":"( 4357 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَسَّمُوا مَاءَ النَّهْرِ الْمُشْتَرَكِ بِالْمُهَايَأَةِ ، جَازَ ، إذَا تَرَاضَوْا بِهِ ، وَكَانَ حَقُّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَعْلُومًا ، مِثْلُ أَنْ يَجْعَلُوا لِكُلِّ حِصَّةٍ يَوْمًا وَلَيْلَةً ، أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ أَوْ أَقَلَّ .\rوَإِنْ قَسَّمُوا النَّهَارَ ، فَجَعَلُوا لِوَاحِدٍ مِنْ طُلُوعِ الشَّمْسِ إلَى وَقْتِ الزَّوَالِ ، وَلِلْآخَرِ مِنْ الزَّوَالِ إلَى الْغُرُوبِ ، وَنَحْوَ ذَلِكَ ، جَازَ .\rوَإِنْ قَسَّمُوهُ سَاعَاتٍ ، وَأَمْكَنَ ضَبْطُ ذَلِكَ بِشَيْءِ مَعْلُومٍ ، كَطَاسَةِ مَثْقُوبَةٍ تُتْرَكُ فِي الْمَاءِ ، وَفِيهَا عَلَامَاتٌ إذَا انْتَهَى الْمَاءُ إلَى عَلَامَةٍ كَانَتْ سَاعَةً ، وَإِذَا انْتَهَى إلَى الْأُخْرَى كَانَتْ سَاعَتَيْنِ ، أَوْ زُجَاجَةٍ فِيهَا رَمْلٌ ، يَنْزِلُ مِنْ أَعْلَاهَا إلَى أَسْفَلِهَا فِي سَاعَةٍ أَوْ سَاعَتَيْنِ ، ثُمَّ يَقْلِبُهَا فَيَعُودُ الرَّمْلُ إلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي كَانَ فِيهِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ الْمِقْدَارِ ، أَوْ بِمِيزَانِ الشَّمْسِ الَّذِي تُعْرَفُ بِهِ سَاعَاتُ النَّهَارِ ، أَوْ بِمَنَازِلِ الْقَمَرِ فِي اللَّيْلِ ، وَنَحْوِ ذَلِكَ ، جَازَ .\rفَإِذَا حَصَلَ الْمَاءُ لِأَحَدِهِمْ فِي نَوْبَتِهِ ، فَأَرَادَ أَنْ يَسْقِيَ بِهِ أَرْضًا لَيْسَ لَهَا رَسْمُ شُرْبٍ مِنْ هَذَا ، أَوْ يُؤْثِرَ بِهِ إنْسَانًا ، أَوْ يُقْرِضَهُ إيَّاهُ ، عَلَى وَجْهٍ لَا يَتَصَرَّفُ فِي حَافَّةِ النَّهْرِ ، جَازَ .\rوَعَلَى قَوْلِ الْقَاضِي ، وَأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ، يَنْبَغِي أَنْ لَا يَجُوزَ ؛ لِمَا تَقَدَّمَ فِي مِثْلِ ذَلِكَ .\rوَإِنْ أَرَادَ صَاحِبُ النَّوْبَةِ أَنْ يُجْرِيَ مَعَ مَائِهِ مَاءً لَهُ آخَرَ ، يَسْقِي بِهِ أَرْضَهُ الَّتِي لَهَا رَسْمُ شُرْبٍ مِنْ هَذَا النَّهْرِ ، أَوْ أَرْضًا لَهُ أُخْرَى .\rأَوْ سَأَلَهُ إنْسَانٌ أَنْ يُجْرِيَ مَاءً لَهُ مَعَ مَائِهِ فِي هَذَا النَّهْرِ ، لِيُقَاسِمهُ إيَّاهُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ ، عَلَى وَجْهٍ لَا يَضُرُّ بِالنَّهْرِ ، وَلَا بِأَحَدٍ ، جَازَ ذَلِكَ ، فِي قِيَاسِ قَوْلِ أَصْحَابِنَا ؛ فَإِنَّهُمْ قَالُوا فِي مَنْ اسْتَأْجَرَ أَرْضًا : جَازَ أَنْ يُجْرِيَ فِيهَا مَاءً فِي نَهْرٍ مَحْفُورٍ ، إذَا كَانَ فِيهَا .\rوَلِأَنَّهُ مُسْتَحِقٌّ لِنَفْعِ النَّهْرِ فِي","part":12,"page":160},{"id":5660,"text":"نَوْبَتِهِ بِإِجْرَاءِ الْمَاءِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ اسْتَأْجَرَهَا لِذَلِكَ .","part":12,"page":161},{"id":5661,"text":"( 4358 ) فَصْلٌ : الْقِسْمُ الثَّانِي ، أَنْ يَكُونَ مَنْبَعُ الْمَاءِ مَمْلُوكًا ، مِثْلَ أَنْ يَشْتَرِكَ جَمَاعَةٌ فِي اسْتِنْبَاطِ عَيْنٍ وَإِجْرَائِهَا ، فَإِنَّهُمْ يَمْلِكُونَهَا أَيْضًا ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ إحْيَاءٌ لَهَا ، وَيَشْتَرِكُونَ فِيهَا ، وَفِي سَاقِيَتِهَا ، عَلَى حَسَبِ مَا أَنْفَقُوا عَلَيْهَا ، وَعَمِلُوا فِيهَا ، كَمَا ذَكَرْنَا ، فِي الْقِسْمِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا ، إلَّا أَنَّ الْمَاءَ غَيْرُ مَمْلُوكٍ ثَمَّ ، لِأَنَّهُ مُبَاحٌ دَخَلَ مِلْكَهُ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ دَخَلَ صَيْدٌ بُسْتَانَه ، وَهَاهُنَا يُخَرَّجُ عَلَى رِوَايَتَيْنِ أَصَحُّهُمَا أَنَّهُ غَيْرُ مَمْلُوكٍ أَيْضًا .\rوَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ وَعَلَى كُلِّ حَالٍ ، فَلِكُلِّ أَحَدٍ أَنْ يَسْتَقِيَ مِنْ الْمَاءِ الْجَارِي لِشُرْبِهِ وَوُضُوئِهِ وَغُسْلِهِ وَغَسْلِ ثِيَابِهِ ، وَيَنْتَفِعَ بِهِ فِي أَشْبَاهِ ذَلِكَ ، مِمَّا لَا يُؤَثِّرُ فِيهِ ، مِنْ غَيْرِ إذْنِهِ ، إذَا لَمْ يَدْخُلْ إلَيْهِ فِي مَكَان مُحَوَّطٍ عَلَيْهِ .\rوَلَا يَحِلُّ لِصَاحِبِهِ الْمَنْعُ مِنْ ذَلِكَ ؛ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { ثَلَاثَةٌ لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إلَيْهِمْ ، وَلَا يُزَكِّيهِمْ ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ رَجُلٌ كَانَ بِفَضْلِ مَاءٍ بِالطَّرِيقِ ، فَمَنَعَهُ ابْنَ السَّبِيلِ } .\rرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ، وَعَنْ بُهَيْسَة ، عَنْ أَبِيهَا ، أَنَّهُ قَالَ : { يَا نَبِيَّ اللَّهِ ، مَا الشَّيْءُ الَّذِي لَا يَحِلُّ مَنْعُهُ ؟ قَالَ : الْمَاءُ .\rقَالَ : يَا نَبِيَّ اللَّهِ ، مَا الشَّيْءُ الَّذِي لَا يَحِلُّ مَنْعُهُ ؟ قَالَ : الْمِلْحُ .\rقَالَ : يَا نَبِيَّ اللَّهِ ، مَا الشَّيْءُ الَّذِي لَا يَحِلُّ مَنْعُهُ ؟ قَالَ : أَنْ تَفْعَلَ الْخَيْرَ خَيْرٌ لَك .\r} رَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَلِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُؤَثِّرُ فِيهِ فِي الْعَادَةِ ، وَهُوَ فَاضِلٌ عَنْ حَاجَةِ صَاحِبِ النَّهْرِ .\rفَأَمَّا مَا يُؤَثِّرُ فِيهِ كَسَقْيِ الْمَاشِيَةِ الْكَثِيرَةِ ، وَنَحْوِ ذَلِكَ ، فَإِنْ فَضَلَ الْمَاءُ عَنْ حَاجَةِ صَاحِبِهِ ، لَزِمَهُ بَذْلُهُ لِذَلِكَ ، وَإِنْ لَمْ يَفْضُلْ ، لَمْ يَلْزَمْهُ وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ .","part":12,"page":162},{"id":5662,"text":"( 4359 ) فَصْلٌ : إذَا كَانَ النَّهْرُ أَوْ السَّاقِيَةُ مُشْتَرَكًا بَيْنَ جَمَاعَةٍ ، فَإِنْ أَرَادُوا إكْرَاءَهُ أَوْ سَدَّ بَثْقٍ فِيهِ ، أَوْ إصْلَاحَ حَائِطِهِ ، أَوْ شَيْءٍ مِنْهُ ، كَانَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ عَلَى حَسَبِ مِلْكِهِمْ فِيهِ ، فَإِنْ كَانَ بَعْضُهُمْ أَدْنَى إلَى أَوَّلِهِ مِنْ بَعْضٍ ، اشْتَرَكَ الْكُلُّ فِي إكْرَائِهِ وَإِصْلَاحِهِ ، إلَى أَنْ يَصِلُوا إلَى الْأَوَّلِ ، ثُمَّ لَا شَيْءَ عَلَى الْأَوَّلِ ، وَيَشْتَرِكُ الْبَاقُونَ حَتَّى يَصِلُوا إلَى الثَّانِي ، ثُمَّ يَشْتَرِكُ مَنْ بَعْدَهُ كَذَلِكَ ، كُلَّمَا انْتَهَى الْعَمَلُ إلَى مَوْضِعِ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ، لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ فِيمَا بَعْدَهُ شَيْءٌ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ : يَشْتَرِكُ جَمِيعُهُمْ فِي إكْرَائِهِ كُلِّهِ ، لِأَنَّهُمْ يَنْتَفِعُونَ بِجَمِيعِهِ ، فَإِنَّ مَا جَاوَزَ الْأَوَّلَ مَصَبٌّ لِمَائِهِ ، وَإِنْ لَمْ يَسْقِ أَرْضَهُ .\rوَلَنَا أَنَّ الْأَوَّلَ إنَّمَا يَنْتَفِعُ بِالْمَاءِ الَّذِي فِي مَوْضِعِ شُرْبِهِ ، وَمَا بَعْدَهُ إنَّمَا يَخْتَصُّ بِالِانْتِفَاعِ بِهِ مَنْ دُونَهُ ، فَلَا يُشَارِكُهُمْ فِي مُؤْنَتِهِ ، كَمَا لَا يُشَارِكُهُمْ فِي نَفْعِهِ ، فَإِنْ كَانَ يَفْضُلُ عَنْ جَمِيعِهِمْ مِنْهُ مَا يَحْتَاجُ إلَى مَصْرِفٍ ، فَمُؤْنَةُ ذَلِكَ الْمَصْرِفِ عَلَى جَمِيعِهِمْ ؛ لِأَنَّهُمْ يَشْتَرِكُونَ فِي الْحَاجَةِ إلَيْهِ ، وَالِانْتِفَاعِ بِهِ ، فَكَانَتْ مُؤْنَتُهُ عَلَيْهِمْ كُلِّهِمْ ، كَأَوَّلِهِ .","part":12,"page":163},{"id":5663,"text":"( 4360 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : ( وَإِحْيَاءُ الْأَرْضِ أَنْ يُحَوِّطَ عَلَيْهَا حَائِطًا ) ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ ، أَنَّ تَحْوِيطَ الْأَرْضِ إحْيَاءٌ لَهَا ، سَوَاءٌ أَرَادَهَا لِلْبِنَاءِ ، أَوْ لِلزَّرْعِ ، أَوْ حَظِيرَةً لِلْغَنَمِ ، أَوْ الْخَشَبِ ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ .\rوَنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، فِي رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ سَعِيدٍ ، فَقَالَ : الْإِحْيَاءُ أَنْ يُحَوِّطَ عَلَيْهَا حَائِطًا ، أَوْ يَحْفِرَ فِيهَا بِئْرًا أَوْ نَهْرًا .\rوَلَا يُعْتَبَرُ فِي ذَلِكَ تَسْقِيفٌ ؛ وَذَلِكَ لِمَا رَوَى الْحَسَنُ ، عَنْ سَمُرَةَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { مَنْ أَحَاطَ حَائِطًا عَلَى أَرْضٍ ، فَهِيَ لَهُ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَالْإِمَامُ أَحْمَدُ ، فِي \" مُسْنَدِهِ \" .\rوَيُرْوَى عَنْ جَابِرٍ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلُهُ .\rوَلِأَنَّ الْحَائِطَ حَاجِزٌ مَنِيعٌ ، فَكَانَ إحْيَاءً ، أَشْبَهَ مَا لَوْ جَعَلَهَا حَظِيرَةً لِلْغَنَمِ .\rوَيُبَيِّنُ هَذَا أَنَّ الْقَصْدَ لَا اعْتِبَارَ بِهِ ، بِدَلِيلِ مَا لَوْ أَرَادَهَا حَظِيرَةً لِلْغَنَمِ ، فَبَنَاهَا بِجِصٍّ وَآجُرٍّ ، وَقَسَمَهَا بُيُوتًا ، فَإِنَّهُ يَمْلِكُهَا ، وَهَذَا لَا يُصْنَعُ لِلْغَنَمِ مِثْلُهُ .\rوَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْحَائِطُ مَنِيعًا يَمْنَعُ مَا وَرَاءَهُ ، وَيَكُونَ مِمَّا جَرَتْ الْعَادَةُ بِمِثْلِهِ وَيَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْبُلْدَانِ ، فَلَوْ كَانَ مِمَّا جَرَتْ عَادَتُهُمْ بِالْحِجَارَةِ وَحْدَهَا ، كَأَهْلِ حَوْرَانَ وَفِلَسْطِينَ ، أَوْ بِالطِّينِ ، كَالْفَطَائِرِ لِأَهْلِ غُوطَةِ دِمَشْقَ ، أَوْ بِالْخَشَبِ أَوْ بِالْقَصَبِ ، كَأَهْلِ الْغَوْرِ ، كَانَ ذَلِكَ إحْيَاءً .\rوَإِنْ بَنَاهُ بِأَرْفَعَ مِمَّا جَرَتْ بِهِ عَادَتُهُ ، كَانَ أَوْلَى .\rوَقَالَ الْقَاضِي : فِي صِفَةِ الْإِحْيَاءِ رِوَايَتَانِ إحْدَاهُمَا مَا ذَكَرْنَا .\rوَالثَّانِيَةُ الْإِحْيَاءُ مَا تَعَارَفَهُ النَّاسُ إحْيَاءً ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ وَرَدَ بِتَعْلِيقِ الْمِلْكِ عَلَى الْإِحْيَاءِ ، وَلَمْ يُبَيِّنْهُ ، وَلَا ذَكَرَ كَيْفِيَّتَهُ ، فَيَجِبُ الرُّجُوعُ فِيهِ إلَى مَا كَانَ إحْيَاءً فِي الْعُرْفِ .\rكَمَا أَنَّهُ لَمَّا وَرَدَ بِاعْتِبَارِ","part":12,"page":164},{"id":5664,"text":"الْقَبْضِ وَالْحِرْزِ ، وَلَمْ يُبَيِّنْ كَيْفِيَّتَهُ ، كَانَ الْمَرْجِعُ فِيهِ إلَى الْعُرْفِ ، وَلِأَنَّ الشَّارِعَ لَوْ عَلَّقَ الْحُكْمَ عَلَى مُسَمًّى بِاسْمِ ، لَتَعَلَّقَ بِمُسَمَّاهُ عِنْدَ أَهْلِ اللِّسَانِ ، فَكَذَلِكَ يَتَعَلَّقُ الْحُكْمُ بِالْمُسَمَّى إحْيَاءً عِنْدَ أَهْلِ الْعُرْفِ ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يُعَلِّقُ حُكْمًا عَلَى مَا لَيْسَ إلَى مَعْرِفَتِهِ طَرِيقٌ ، فَلَمَّا لَمْ يُبَيِّنْهُ ، تَعَيَّنَ الْعُرْفُ طَرِيقًا لِمَعْرِفَتِهِ ، إذْ لَيْسَ لَهُ طَرِيقٌ سِوَاهُ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّ الْأَرْضَ تُحْيِي دَارًا لِلسُّكْنَى ، وَحَظِيرَةً ، وَمَزْرَعَةً ، فَإِحْيَاءُ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ ذَلِكَ بِتَهْيِئَتِهَا لِلِانْتِفَاعِ الَّذِي أُرِيدَتْ لَهُ ، فَأَمَّا الدَّارُ ، فَبِأَنْ يَبْنِيَ حِيطَانَهَا بِمَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ وَيَسْقُفَهَا ، لِأَنَّهَا لَا تَكُونُ لِلسُّكْنَى إلَّا بِذَلِكَ وَأَمَّا الْحَظِيرَةُ فَإِحْيَاؤُهَا بِحَائِطٍ جَرَتْ بِهِ عَادَةُ مِثْلِهَا ، وَلَيْسَ مِنْ شَرْطِهَا التَّسْقِيفُ ؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ تَسْقِيفٍ ؛ وَسَوَاءٌ أَرَادَهَا حَظِيرَةً لِلْمَاشِيَةِ ، أَوْ لِلْخَشَبِ ، أَوْ لِلْحَطَبِ ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ .\rوَلَوْ خَنْدَقَ عَلَيْهَا خَنْدَقًا ، لَمْ يَكُنْ إحْيَاءً ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِحَائِطٍ وَلَا عِمَارَةٍ ، إنَّمَا هُوَ حَفْرٌ وَتَخْرِيبٌ .\rوَإِنْ خَاطَهَا بِشَوْكٍ وَشِبْهِهِ ، لَمْ يَكُنْ إحْيَاءً ، وَكَانَ تَحَجُّرًا ؛ لِأَنَّ الْمُسَافِرَ قَدْ يَنْزِلُ مَنْزِلًا ، وَيُحَوِّطُ عَلَى رَحْلِهِ بِنَحْوٍ مِنْ ذَلِكَ وَلَوْ نَزَلَ مَنْزِلًا ، فَنَصَبَ بِهِ بَيْتَ شَعْرٍ أَوْ خَيْمَةً ، لَمْ يَكُنْ إحْيَاءً .\rوَإِنْ أَرَادَهَا لِلزِّرَاعَةِ ، فَبِأَنْ يُهَيِّئَهَا لِإِمْكَانِ الزَّرْعِ فِيهَا ، فَإِنْ كَانَتْ لَا تُزْرَعُ إلَّا بِالْمَاءِ ، فَبِأَنْ يَسُوقَ إلَيْهَا مَاءً مِنْ نَهْرٍ أَوْ بِئْرٍ ، وَإِنْ كَانَتْ مِمَّا لَا يُمْكِنُ زَرْعُهَا لِكَثْرَةِ أَحْجَارِهَا ، كَأَرْضِ الْحِجَازِ ، فَبِأَنْ يَقْلَعَ أَحْجَارَهَا وَيُنَقِّيَهَا حَتَّى تَصْلُحَ لِلزَّرْعِ ، وَإِنْ كَانَتْ غِيَاضًا وَأَشْجَارًا ، كَأَرْضِ الشِّعْرَى ، فَبِأَنْ يَقْلَعَ","part":12,"page":165},{"id":5665,"text":"أَشْجَارَهَا ، وَيُزِيلَ عُرُوقَهَا الَّتِي تَمْنَعُ الزَّرْعَ وَإِنْ كَانَتْ مِمَّا لَا يُمْكِنُ زَرْعُهُ إلَّا بِحَبْسِ الْمَاءِ عَنْهَا ، كَأَرْضِ الْبَطَائِحِ الَّتِي يُفْسِدُهَا غَرَقُهَا بِالْمَاءِ لِكَثْرَتِهِ ، فَإِحْيَاؤُهَا بِسَدِّ الْمَاءِ عَنْهَا ، وَجَعْلِهَا بِحَالٍ يُمْكِنُ زَرْعُهَا ؛ لِأَنَّ بِذَلِكَ يُمْكِنُ الِانْتِفَاعُ بِهَا فِيمَا أَرَادَهَا مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إلَى تَكْرَارِ ذَلِكَ فِي كُلِّ عَامٍ ، فَكَانَ إحْيَاءً ، كَسَوْقِ الْمَاءِ إلَى الْأَرْضِ الَّتِي لَا مَاءَ لَهَا وَلَا يُعْتَبَرُ فِي إحْيَاءِ الْأَرْضِ حَرْثُهَا وَلَا زَرْعُهَا ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا يَتَكَرَّرُ كُلَّمَا أَرَادَ الِانْتِفَاعَ بِهَا ، فَلَمْ يُعْتَبَرْ فِي الْإِحْيَاءِ ، كَسَقْيِهَا ، وَكَالسُّكْنَى فِي الْبُيُوتِ ، وَلَا يَحْصُلُ بِذَلِكَ إذَا فَعَلَهُ لِمُجَرَّدِهِ ، لِمَا ذَكَرْنَا وَلَا يُعْتَبَرُ فِي إحْيَاءِ الْأَرْضِ لِلسُّكْنَى نَصْبُ الْأَبْوَابِ عَلَى الْبُيُوتِ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ، فِيمَا ذَكَرْنَا فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ ، إلَّا أَنَّ لَهُ وَجْهًا فِي أَنَّ حَرْثَهَا وَزَرْعَهَا إحْيَاءٌ لَهَا ، وَأَنَّ ذَلِكَ مُعْتَبَرٌ فِي إحْيَائِهَا ، وَلَا يَتِمُّ بِدُونِهِ ، وَكَذَلِكَ نَصْبُ الْأَبْوَابِ عَلَى الْبُيُوتِ ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا جَرَتْ الْعَادَةُ بِهِ ، فَأَشْبَهَ التَّسْقِيفَ .\rوَلَا يَصِحُّ هَذَا ؛ لِمَا ذَكَرْنَا ، وَلِأَنَّ السُّكْنَى مُمْكِنَةٌ بِدُونِ نَصْبِ الْأَبْوَابِ ، فَأَشْبَهَ تَطْيِينَ سُطُوحِهَا وَتَبْيِيضَهَا .","part":12,"page":166},{"id":5666,"text":"( 4361 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : ( أَوْ يَحْفِرَ فِيهَا بِئْرًا ، فَيَكُونَ لَهُ خَمْسٌ وَعِشْرُونَ ذِرَاعًا حَوَالَيْهَا ، وَإِنْ سَبَقَ إلَى بِئْرٍ عَادِيَّةٍ ، فَحَرِيمُهَا خَمْسُونَ ذِرَاعًا ) الْبِئْرُ الْعَادِيَّةُ ، بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ : الْقَدِيمَةُ ، مَنْسُوبَةٌ إلَى عَادٍ ، وَلَمْ يُرِدْ عَادًا بِعَيْنِهَا ، لَكِنْ لَمَّا كَانَتْ عَادٌ فِي الزَّمَنِ الْأَوَّلِ ، وَكَانَتْ لَهَا آثَارٌ فِي الْأَرْضِ ، نُسِبَ إلَيْهَا كُلُّ قَدِيمٍ ، فَكُلُّ مَنْ حَفَرَ بِئْرًا فِي مَوَاتٍ لِلتَّمْلِيكِ ، فَلَهُ حَرِيمُهَا خَمْسٌ وَعِشْرُونَ ذِرَاعًا مِنْ كُلِّ جَانِبٍ وَمَنْ سَبَقَ إلَى بِئْرٍ عَادِيَّةٍ ، كَانَ أَحَقَّ بِهَا ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ سَبَقَ إلَى مَا لَمْ يَسْبِقْ إلَيْهِ مُسْلِمٌ ، فَهُوَ لَهُ .\rوَلَهُ حَرِيمُهَا خَمْسُونَ ذِرَاعًا مِنْ كُلِّ جَانِبٍ .\r} نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى هَذَا فِي رِوَايَةِ حَرْبٍ ، وَعَبْدِ اللَّهِ .\rوَاخْتَارَهُ أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا .\rوَقَالَ الْقَاضِي وَأَبُو الْخَطَّابِ : لَيْسَ هَذَا عَلَى طَرِيقِ التَّحْدِيدِ ، بَلْ حَرِيمُهَا عَلَى الْحَقِيقَةِ مَا تَحْتَاجُ إلَيْهِ فِي تَرْقِيَةِ مَائِهَا مِنْهَا ، فَإِنْ كَانَ بِدُولَابٍ فَقَدْرُ مَدَارِ الثَّوْرِ أَوْ غَيْرِهِ .\rوَإِنْ كَانَ بِسَاقِيَةٍ فَبِقَدْرِ طُولِ الْبِئْرِ ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { حَرِيمُ الْبِئْرِ مَدُّ رِشَائِهَا } .\rأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ وَلِأَنَّهُ الْمَكَانُ الَّذِي تَمْشِي إلَيْهِ الْبَهِيمَةُ .\rوَإِنْ كَانَ يَسْتَقِي مِنْهَا بِيَدِهِ ، فَبِقَدْرِ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ الْوَاقِفُ عِنْدَهَا .\rوَإِنْ كَانَ الْمُسْتَخْرَجُ عَيْنًا ، فَحَرِيمُهَا الْقَدْرُ الَّذِي يَحْتَاجُ إلَيْهِ صَاحِبُهَا لِلِانْتِفَاعِ بِهَا ، وَلَا يَسْتَضِرُّ بِأَخْذِهِ مِنْهَا وَلَوْ عَلَى أَلْفِ ذِرَاعٍ .\rوَحَرِيمُ النَّهْرِ مِنْ جَانِبَيْهِ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ لِطَرْحِ كِرَايَتِهِ بِحُكْمِ الْعُرْفِ فِي ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ هَذَا إنَّمَا ثَبَتَ لِلْحَاجَةِ ، فَيَنْبَغِي أَنْ تُرَاعَيْ فِيهِ الْحَاجَةُ دُونَ غَيْرِهَا .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : حَرِيمُ الْبِئْرِ أَرْبَعُونَ ذِرَاعًا ، وَحَرِيمُ","part":12,"page":167},{"id":5667,"text":"الْعَيْنِ خَمْسُمِائَةِ ذِرَاعٍ ؛ لِأَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رَوَى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { حَرِيمُ الْبِئْرِ أَرْبَعُونَ ذِرَاعًا لِأَعْطَانِ الْإِبِلِ وَالْغَنَمِ } وَعَنْ الشَّعْبِيِّ مِثْلُهُ ، رَوَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ .\rوَلَنَا مَا رَوَى الدَّارَقُطْنِيّ وَالْخَلَّالُ ، بِإِسْنَادِهِمَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { حَرِيمُ الْبِئْرِ الْبَدِيِّ خَمْسٌ وَعِشْرُونَ ذِرَاعًا ، وَحَرِيمُ الْبِئْرِ الْعَادِيِّ خَمْسُونَ ذِرَاعًا } وَهَذَا نَصٌّ .\rوَرَوَى أَبُو عُبَيْدٍ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ ، أَنَّهُ قَالَ : السُّنَّةُ فِي حَرِيمِ الْقَلِيبِ الْعَادِيِّ خَمْسُونَ ذِرَاعًا ، وَالْبَدِيِّ خَمْسٌ وَعِشْرُونَ ذِرَاعًا وَبِإِسْنَادِهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، قَالَ : حَرِيمُ الْبِئْرِ الْبَدِيِّ خَمْسٌ وَعِشْرُونَ ذِرَاعًا مِنْ نَوَاحِيهَا كُلِّهَا ، وَحَرِيمُ بِئْرِ الزَّرْعِ ثَلَاثُمِائَةِ ذِرَاعٍ مِنْ نَوَاحِيهَا كُلِّهَا ، وَحَرِيمُ الْبِئْرِ الْعَادِيَّةِ خَمْسُونَ ذِرَاعًا مِنْ نَوَاحِيهَا كُلِّهَا .\rوَلِأَنَّهُ مَعْنًى يُمْلَكُ بِهِ الْمَوَاتُ ، فَلَا يَقِفُ عَلَى قَدْرِ الْحَاجَةِ ، كَالْحَائِطِ .\rوَلِأَنَّ الْحَاجَةَ إلَى الْبِئْرِ لَا تَنْحَصِرُ فِي تَرْقِيَةِ الْمَاءِ ، فَإِنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى مَا حَوْلَهَا عَطَنًا لَإِبِلِهِ ، وَمَوْقِفًا لِدَوَابِّهِ وَغَنَمِهِ ، وَمَوْضِعًا يَجْعَلُ فِيهِ أَحْوَاضًا يَسْقِي مِنْهَا مَاشِيَتَهُ ، وَمَوْقِفًا لِدَابَّتِهِ الَّتِي يَسْتَقِي عَلَيْهَا وَأَشْبَاهَ ذَلِكَ ، فَلَا يَخْتَصُّ الْحَرِيمُ بِمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ لِتَرْقِيَةِ الْمَاءِ ، وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي حَنِيفَةَ ، فَحَدِيثُنَا أَصَحُّ مِنْهُ ، وَرَوَاهُمَا أَبُو هُرَيْرَة ، فَيَدُلُّ عَلَى ضَعْفِهِ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ أَنَّ هَذَا الْحَرِيمَ مَمْلُوكٌ لِصَاحِبِ الْبِئْرِ .\rوَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ ، وَالْقَاضِي ، لَيْسَ بِمَمْلُوكِ .\rوَقَدْ سَبَقَ ذِكْرُ هَذَا .\r( 4362 ) فَصْلٌ : وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْبِئْرُ فِيهَا مَاءٌ ، وَإِنْ لَمْ يَصِلْ إلَى الْمَاءِ ، فَهُوَ كَالْمُتَحَجِّرِ الشَّارِعِ فِي","part":12,"page":168},{"id":5668,"text":"الْإِحْيَاءِ ، عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ وَيَجِبُ أَنْ يُحْمَلَ قَوْلُهُ فِي الْبِئْرِ الْعَادِيَّةِ عَلَى الْبِئْرِ الَّتِي انطمت وَذَهَبَ مَاؤُهَا ، فَجَدَّدَ حَفْرَهَا وَعِمَارَتَهَا ، أَوْ انْقَطَعَ مَاؤُهَا ، فَاسْتَخْرَجَهُ ، لِيَكُونَ ذَلِكَ إحْيَاءً لَهَا .\rوَأَمَّا الْبِئْرُ الَّتِي لَهَا مَاءٌ يَنْتَفِعُ بِهِ الْمُسْلِمُونَ ، فَلَيْسَ لِأَحَدٍ احْتِجَارُهُ وَمَنْعُهُ ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الْمَعَادِنِ الظَّاهِرَةِ ، الَّتِي يَرْتَفِقُ بِهَا النَّاسُ ، وَهَكَذَا الْعُيُونُ النَّابِعَةُ ، لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَخْتَصَّ بِهَا .\rوَلَوْ حَفَرَ رَجُلٌ بِئْرًا لِلْمُسْلِمِينَ يَنْتَفِعُونَ بِهَا ، أَوْ لِيَنْتَفِعَ هُوَ بِهَا مُدَّةَ إقَامَتِهِ عِنْدَهَا ثُمَّ يَتْرُكَهَا ، لَمْ يَمْلِكْهَا ، وَكَانَ لَهُ الِانْتِفَاعُ بِهَا .\rفَإِذَا تَرَكَهَا صَارَتْ لِلْمُسْلِمِينَ كُلِّهِمْ ، كَالْمَعَادِنِ الظَّاهِرَةِ ، وَمَا دَامَ مُقِيمًا عِنْدَهَا فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا ؛ لِأَنَّهُ سَابِقٌ إلَيْهَا ، فَهُوَ كَالْمُتَحَجِّرِ الشَّارِعِ فِي الْإِحْيَاءِ .","part":12,"page":169},{"id":5669,"text":"( 4363 ) فَصْلٌ : وَإِذَا كَانَ لَإِنْسَانٍ شَجَرَةٌ فِي مَوَاتٍ ، فَلَهُ حَرِيمُهَا قَدْرَ مَا تَمُدُّ إلَيْهِ أَغْصَانُهَا حَوَالَيْهَا ، وَفِي النَّخْلَةِ مَدُّ جَرِيدِهَا ؛ لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ، قَالَ : { اُخْتُصِمَ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَرِيمِ نَخْلَةٍ ، فَأَمَرَ بِجَرِيدَةٍ مِنْ جَرَائِدِهَا فَذُرِعَتْ ، فَكَانَتْ سَبْعَةَ أَذْرُعٍ أَوْ خَمْسَةَ أَذْرُعٍ ، فَقَضَى بِذَلِكَ } .\rوَإِنْ غَرَسَ شَجَرَةً فِي مَوَاتٍ ، فَهِيَ لَهُ وَحَرِيمُهَا .\rوَإِنْ سَبَقَ إلَى شَجَرٍ مُبَاحٍ ، كَالزَّيْتُونِ وَالْخَرُّوبِ ، فَسَقَاهُ وَأَصْلَحَهُ ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ ، كَالْمُتَحَجِّرِ الشَّارِعِ فِي الْإِحْيَاءِ ، فَإِنْ طَعِمَهُ مَلَكَهُ بِذَلِكَ وَحَرِيمَهُ ؛ لِأَنَّهُ تَهَيَّأَ لِلِانْتِفَاعِ بِهِ لِمَا يُرَادُ مِنْهُ ، فَهُوَ كَسَوْقِ الْمَاءِ إلَى الْأَرْضِ الْمَوَاتِ .\rوَلِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ سَبَقَ إلَى مَا لَمْ يَسْبِقْ إلَيْهِ مُسْلِمٌ ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ } .","part":12,"page":170},{"id":5670,"text":"( 4364 ) فَصْلٌ : وَمَنْ كَانَتْ لَهُ بِئْرٌ فِيهَا مَاءٌ ، فَحَفَرَ آخَرُ قَرِيبًا مِنْهَا بِئْرًا يَنْسَرِقُ إلَيْهَا مَاءُ الْبِئْرِ الْأُولَى ، فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ ، سَوَاءٌ كَانَ مُحْتَفِرُ الثَّانِيَةِ فِي مِلْكِهِ ، مِثْلُ رَجُلَيْنِ مُتَجَاوِرَيْنِ فِي دَارَيْنِ ، حَفَرَ أَحَدُهُمَا فِي دَارِهِ بِئْرًا ، ثُمَّ حَفَرَ الْآخَرُ بِئْرًا أَعْمَقَ مِنْهَا ، فَسَرَى إلَيْهَا مَاءُ الْأُولَى ، أَوْ كَانَتَا فِي مَوَاتٍ ، فَسَبَقَ أَحَدُهُمَا ، فَحَفَرَ بِئْرًا ، ثُمَّ جَاءَ آخَرُ فَحَفَرَ قَرِيبًا مِنْهَا بِئْرًا تَجْتَذِبُ مَاءَ الْأُولَى .\rوَوَافَقَ الشَّافِعِيُّ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَبْتَدِئَ مِلْكَهُ عَلَى وَجْهٍ يَضُرُّ بِالْمَالِكِ قَبْلَهُ .\rوَقَالَ فِي الْأُولَى : لَهُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ مُبَاحٌ فِي مِلْكِهِ ، فَجَازَ لَهُ فِعْلُهُ ، كَتَعْلِيَةِ دَارِهِ وَهَكَذَا الْخِلَافُ فِي كُلِّ مَا يُحْدِثُهُ الْجَارُ مِمَّا يَضُرُّ بِجَارِهِ ، مِثْلُ أَنْ يَجْعَلَ دَارِهِ مَدْبَغَةً ، أَوْ حَمَّامًا يَضُرُّ بِعَقَارِ جَارِهِ بِحَمْيِ نَارِهِ وَرَمَادِهِ وَدُخَانِهِ ، أَوْ يَحْفِرَ فِي أَصْلِ حَائِطِهِ حَشًّا يَتَأَذَّى جَارُهُ بِرَائِحَتِهِ وَغَيْرِهَا ، أَوْ يَجْعَلَ دَارِهِ مَخْبِزًا فِي وَسَطِ الْعَطَّارِينَ وَنَحْوِهِ ، مِمَّا يُؤْذِي جِيرَانَهُ ، فَلَا يَحِلُّ لَهُ ذَلِكَ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَهُ ذَلِكَ كُلُّهُ ، لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ مُبَاحٌ فِي مِلْكِهِ ، أَشْبَهَ بِنَاءَهُ وَنَقْضَهُ .\rوَلَنَا قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ } .\rوَلِأَنَّهُ إحْدَاثُ ضَرَرٍ بِجَارِهِ ، فَلَمْ يَجُزْ ، كَالدَّقِّ الَّذِي يَهُزُّ الْحِيطَانَ وَيُخَرِّبُهَا ، وَكَإِلْقَاءِ السَّمَادِ وَالتُّرَابِ وَنَحْوِهِ فِي أَصْلِ حَائِطِهِ عَلَى وَجْهٍ يَضُرُّ بِهِ وَلَوْ كَانَ لِرَجُلٍ مَصْنَعُ مَاءٍ ، فَأَرَادَ جَارُهُ غَرْسَ شَجَرَةِ تِينٍ قَرِيبًا مِنْهُ أَوْ نَحْوِهَا مِمَّا تَسْرِي عُرُوقُهُ فَتَشُقُّ حَائِطَ مَصْنَعِ جَارِهِ ، وَيُتْلِفُهُ ، لَمْ يَمْلِكْ ذَلِكَ ، وَكَانَ لِجَارِهِ مَنْعُهُ وَقَلْعُهَا إنْ غَرَسَهَا .\rوَلَوْ كَانَ هَذَا الَّذِي يَحْصُلُ مِنْهُ الضَّرَرُ","part":12,"page":171},{"id":5671,"text":"سَابِقًا ، مِثْلُ مَنْ لَهُ فِي مِلْكِهِ مَدْبَغَةٌ أَوْ مُقَصِّرَة ، فَأَحْيَا إنْسَانٌ إلَى جَانِبِهِ مَوَاتًا ، وَبَنَاهُ دَارًا ، يَتَضَرَّرُ بِذَلِكَ ، لَمْ يَلْزَمْ إزَالَةُ الضَّرَرِ ، بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُحْدِثْ ضَرَرًا .\rوَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .","part":12,"page":172},{"id":5672,"text":"( 4365 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : ( وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ مَا أَحْيَاهُ ، أَوْ سَبَقَ إلَيْهِ بِإِذْنِ الْإِمَامِ ، أَوْ غَيْرِ إذْنِهِ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ ، أَنَّ إحْيَاءَ الْمَوَاتِ لَا يَفْتَقِرُ إلَى إذْنِ الْإِمَامِ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَفْتَقِرُ إلَى إذْنِهِ ؛ لِأَنَّ لِلْإِمَامِ مَدْخَلًا فِي النَّظَرِ فِي ذَلِكَ ، بِدَلِيلِ أَنَّ مَنْ تَحَجَّرَ مَوَاتًا فَلَمْ يُحْيِهِ ، فَإِنَّهُ يُطَالِبُهُ بِالْإِحْيَاءِ أَوْ التَّرْكِ ، فَافْتَقَرَ إلَى إذْنِهِ ، كَمَالِ بَيْتِ الْمَالِ وَلَنَا عُمُومُ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً ، فَهِيَ لَهُ } .\rوَلِأَنَّ هَذَا عَيْنٌ مُبَاحَةٌ ، فَلَا يَفْتَقِرُ تَمَلُّكُهَا إلَى إذْنِ الْإِمَامِ ، كَأَخْذِ الْحَشِيشِ وَالْحَطَبِ ، وَنَظَرُ الْإِمَامِ فِي ذَلِكَ لَا يَدُلُّ عَلَى اعْتِبَارِ إذْنِهِ ، أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ وَقَفَ فِي مُشَرَّعَةٍ ، طَالَبَهُ الْإِمَامُ أَنْ يَأْخُذَ حَاجَتَهُ وَيَنْصَرِفَ ، وَلَا يَفْتَقِرُ ذَلِكَ إلَيَّ إذْنِهِ .\rوَأَمَّا مَالُ بَيْتِ الْمَالِ ، فَإِنَّمَا هُوَ مَمْلُوكٌ لِلْمُسْلِمِينَ ، وَلِلْإِمَامِ تَرْتِيبُ مَصَارِفِهِ فَافْتَقَرَ إلَى إذْنِهِ ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا ، فَإِنَّ هَذَا مُبَاحٌ ، فَمَنْ سَبَقَ إلَيْهِ كَانَ أَحَقَّ النَّاسِ بِهِ ، كَالْحَشِيشِ وَالْحَطَبِ وَالصُّيُودِ وَالثِّمَارِ الْمُبَاحَةِ فِي الْجِبَالِ .","part":12,"page":173},{"id":5673,"text":"( 4366 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا مَا سَبَقَ إلَيْهِ ، فَهُوَ الْمَوَاتُ إذَا سَبَقَ إلَيْهِ فَتَحَجَّرَهُ كَانَ أَحَقَّ ، وَإِنْ سَبَقَ إلَى بِئْرٍ عَادِيَّةٍ ، فَشَرَعَ فِيهَا يُعَمِّرُهَا ، كَانَ أَحَقَّ بِهَا .\rوَمَنْ سَبَقَ إلَى مَقَاعِدِ الْأَسْوَاقِ وَالطُّرُقَاتِ ، أَوْ مَشَارِعِ الْمِيَاهِ وَالْمَعَادِنِ الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ ، وَكُلِّ مُبَاحٍ مِثْلِ الْحَشِيشِ وَالْحَطَبِ وَالثِّمَارِ الْمَأْخُوذَةِ مِنْ الْجِبَالِ ، وَمَا يَنْبِذُهُ النَّاسُ رَغْبَةً عَنْهُ ، أَوْ يَضِيعُ مِنْهُمْ مِمَّا لَا تَتْبَعُهُ النَّفْسُ ، وَاللُّقَطَةِ وَاللَّقِيطِ ، وَمَا يَسْقُطُ مِنْ الثَّلْجِ وَسَائِرِ الْمُبَاحَاتِ ، مَنْ سَبَقَ إلَى شَيْءٍ مِنْ هَذَا ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ ، وَلَا يَحْتَاجُ إلَى إذْنِ الْإِمَامِ ، وَلَا إذْنِ غَيْرِهِ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ سَبَقَ إلَى مَا لَمْ يَسْبِقْ إلَيْهِ مُسْلِمٌ ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ } .","part":12,"page":174},{"id":5674,"text":"كِتَابُ الْوُقُوفِ وَالْعَطَايَا الْوُقُوفُ : جَمْعُ وَقْفٍ ، يُقَالُ مِنْهُ : وَقَفْت وَقْفًا .\rوَلَا يُقَالُ : أَوْقَفْت .\rإلَّا فِي شَاذِّ اللُّغَةِ ، وَيُقَالُ : حَبَسْت وَأَحْبَسْت .\rوَبِهِ جَاءَ الْحَدِيثُ : { إنْ شِئْت حَبَسْتَ أَصْلَهَا وَتَصَدَّقْت بِهَا } .\rوَالْعَطَايَا : جَمْعُ عَطِيَّةٍ ، مِثْلُ خَلِيَّةٍ وَخَلَايَا ، وَبَلِيَّةٍ وَبَلَايَا .\rوَالْوَقْفُ مُسْتَحَبٌّ .\rوَمَعْنَاهُ : تَحْبِيسُ الْأَصْلِ ، وَتَسْبِيلُ الثَّمَرَةِ وَالْأَصْلُ فِيهِ مَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ، قَالَ : { أَصَابَ عُمَرُ أَرْضًا بِخَيْبَرَ فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَأْمِرُهُ فِيهَا فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنِّي أَصَبْت أَرْضًا بِخَيْبَرَ ، لَمْ أُصِبْ قَطُّ مَالًا أَنْفَسَ عِنْدِي مِنْهُ ، فَمَا تَأْمُرُنِي فِيهَا ؟ فَقَالَ : إنْ شِئْت حَبَسْتَ أَصْلَهَا ، وَتَصَدَّقْت بِهَا ، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يُبَاعُ أَصْلُهَا ، وَلَا يُبْتَاعُ ، وَلَا يُوهَبُ ، وَلَا يُورَثُ .\rقَالَ : فَتَصَدَّقَ بِهَا عُمَرُ فِي الْفُقَرَاءِ ، وَذَوِي الْقُرْبَى ، وَالرِّقَابِ ، وَابْنِ السَّبِيلِ ، وَالضَّيْفِ ، لَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَلِيَهَا أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا ، أَوْ يُطْعِمَ صَدِيقًا بِالْمَعْرُوفِ ، غَيْرَ مُتَأَثِّلٍ فِيهِ ، أَوْ غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ فِيهِ } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { إذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ ، انْقَطَعَ عَمَلُهُ إلَّا مِنْ ثَلَاثٍ : صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ مِنْ بَعْدِهِ ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ } .\rقَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ .\rوَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ السَّلَفِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ عَلَى الْقَوْلِ بِصِحَّةِ الْوَقْفِ قَالَ جَابِرٌ : لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذُو مَقْدِرَةٍ إلَّا وَقَفَ .\rوَلَمْ يَرَ شُرَيْحٌ الْوَقْفَ ، وَقَالَ : لَا حَبْسَ عَنْ فَرَائِضِ اللَّهِ .\rقَالَ أَحْمَدُ : وَهَذَا مَذْهَبُ أَهْلِ الْكُوفَةِ .\rوَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إلَى أَنَّ الْوَقْفَ لَا يَلْزَمُ بِمُجَرَّدِهِ ، وَلِلْوَاقِفِ الرُّجُوعُ فِيهِ ، إلَّا أَنْ يُوصِيَ","part":12,"page":175},{"id":5675,"text":"بِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ ، فَيَلْزَمُ ، أَوْ يَحْكُمَ بِلُزُومِهِ حَاكِمٌ وَحَكَاهُ بَعْضُهُمْ عَنْ عَلِيٍّ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ .\rوَخَالَفَهُ صَاحِبَاه ، فَقَالَا كَقَوْلِ سَائِرِ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rوَاحْتَجَّ بَعْضُهُمْ بِمَا رُوِيَ { أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ زَيْدٍ ، صَاحِبَ الْأَذَانِ ، جَعَلَ حَائِطَهُ صَدَقَةً ، وَجَعَلَهُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجَاءَ أَبَوَاهُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، لَمْ يَكُنْ لَنَا عَيْشٌ إلَّا هَذَا الْحَائِطَ .\rفَرَدَّهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ مَاتَا ، فَوَرِثَهُمَا } .\rرَوَاهُ الْمَحَامِلِيُّ فِي \" أَمَالِيهِ \" ، وَلِأَنَّهُ أَخْرَجَ مَالَهُ عَلَى وَجْهِ الْقُرْبَةِ مِنْ مِلْكِهِ ، فَلَمْ يَلْزَمْ بِمُجَرَّدِ الْقَوْلِ ، كَالصَّدَقَةِ وَهَذَا الْقَوْلُ يُخَالِفُ السُّنَّةَ الثَّابِتَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِجْمَاعَ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، { فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِعُمَرَ فِي وَقْفِهِ : لَا يُبَاعُ أَصْلُهَا ، وَلَا يُبْتَاعُ ، وَلَا يُوهَبُ ، وَلَا يُورَثُ } .\rقَالَ التِّرْمِذِيُّ : الْعَمَلُ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ عَنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَغَيْرِهِمْ ، لَا نَعْلَمُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ الْمُتَقَدِّمِينَ مِنْهُمْ فِي ذَلِكَ اخْتِلَافًا .\rقَالَ الْحُمَيْدِيُّ : تَصَدَّقَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِدَارِهِ عَلَى وَلَدِهِ ، وَعُمَرُ بِرَبْعِهِ عِنْدَ الْمَرْوَةِ عَلَى وَلَدِهِ وَعُثْمَانُ بِرُومَةَ ، وَتَصَدَّقَ عَلِيٌّ بِأَرْضِهِ بِيَنْبُعَ ، وَتَصَدَّقَ الزُّبَيْرُ بِدَارِهِ بِمَكَّةَ وَدَارِهِ بِمِصْرَ وَأَمْوَالِهِ بِالْمَدِينَةِ عَلَى وَلَدِهِ ، وَتَصَدَّقَ سَعْدٌ بِدَارِهِ بِالْمَدِينَةِ وَدَارِهِ بِمِصْرَ عَلَى وَلَدِهِ ، وَعَمْرُو بْنُ الْعَاصِ بِالْوَهْطِ وَدَارِهِ بِمَكَّةَ عَلَى وَلَدِهِ ، وَحَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ بِدَارِهِ بِمَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عَلَى وَلَدِهِ ، فَذَلِكَ كُلُّهُ إلَى الْيَوْمِ .\rوَقَالَ جَابِرٌ : لَمْ يَكُنْ","part":12,"page":176},{"id":5676,"text":"أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذُو مَقْدِرَةٍ إلَّا وَقَفَ .\rوَهَذَا إجْمَاعٌ مِنْهُمْ ، فَإِنَّ الَّذِي قَدَرَ مِنْهُمْ عَلَى الْوَقْفِ وَقَفَ ، وَاشْتَهَرَ ذَلِكَ ، فَلَمْ يُنْكِرْهُ أَحَدٌ ، فَكَانَ إجْمَاعًا ، وَلِأَنَّهُ إزَالَةُ مِلْكٍ يَلْزَمُ بِالْوَصِيَّةِ ، فَإِذَا نَجَزَهُ حَالَ الْحَيَاةِ لَزِمَ مِنْ غَيْرِ حُكْمٍ ، كَالْعِتْقِ .\rوَحَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ إنْ ثَبَتَ ، فَلَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ الْوَقْفِ ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ جَعَلَهُ صَدَقَةً غَيْرَ مَوْقُوفٍ ، اسْتَنَابَ فِيهَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَأَى وَالِدَيْهِ أَحَقَّ النَّاسِ بِصَرْفِهَا إلَيْهِمَا ، وَلِهَذَا لَمْ يَرُدَّهَا عَلَيْهِ ، إنَّمَا دَفَعَهَا إلَيْهِمَا .\rوَيَحْتَمِلُ أَنَّ الْحَائِطَ كَانَ لَهُمَا ، وَكَانَ هُوَ يَتَصَرَّفُ فِيهِ بِحُكْمِ النِّيَابَةِ عَنْهُمَا ، فَتَصَرَّفَ بِهَذَا التَّصَرُّفِ بِغَيْرِ إذْنِهِمَا ، فَلَمْ يُنَفِّذَاهُ ، وَأَتَيَا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَدَّهُ إلَيْهِمَا .\rوَالْقِيَاسُ عَلَى الصَّدَقَةِ لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّهَا تَلْزَمُ فِي الْحَيَاةِ بِغَيْرِ حُكْمِ حَاكِمٍ ، وَإِنَّمَا تَفْتَقِرُ إلَى الْقَبْضِ ، وَالْوَقْفُ لَا يَفْتَقِرُ إلَيْهِ ، فَافْتَرَقَا .","part":12,"page":177},{"id":5677,"text":"( 4367 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ ، رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ : ( وَمَنْ وَقَفَ فِي صِحَّةٍ مِنْ عَقْلِهِ وَبَدَنِهِ ، عَلَى قَوْمٍ وَأَوْلَادِهِمْ وَعَقِبِهِمْ ثُمَّ آخِرُهُ لِلْمَسَاكِينِ ، فَقَدْ زَالَ مِلْكُهُ عَنْهُ ) .\r( 4368 ) فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَة فُصُولٌ ثَلَاثَةٌ : أَحَدُهَا : أَنَّ الْوَقْفَ إذَا صَحَّ ، زَالَ بِهِ مِلْكُ الْوَاقِفِ عَنْهُ ، فِي الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ .\rوَهُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ ، وَمَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ : لَا يَزُولُ مِلْكُهُ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَحُكِيَ قَوْلًا لِلشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { احْبِسْ الْأَصْلَ ، وَسَبِّلْ الثَّمَرَةَ } .\rوَلَنَا أَنَّهُ سَبَبٌ يُزِيلُ التَّصَرُّفَ فِي الرَّقَبَةِ وَالْمَنْفَعَةِ ، فَأَزَالَ الْمِلْكَ ، كَالْعِتْقِ ، وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مِلْكَهُ لَرَجَعَتْ إلَيْهِ قِيمَتُهُ ، كَالْمِلْكِ الْمُطْلَقِ ، وَأَمَّا الْخَبَرُ ، فَالْمُرَادُ بِهِ أَنْ يَكُونَ مَحْبُوسًا ، لَا يُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ وَلَا يُورَثُ .\rوَفَائِدَةُ الْخِلَافِ أَنَّا إذَا حَكَمْنَا بِبَقَاءِ مِلْكِهِ ، لَزِمَتْهُ مُرَاعَاتُهُ ، وَالْخُصُومَةُ فِيهِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يَلْزَمَهُ أَرْشُ جِنَايَتِهِ ، كَمَا يَفْدِي أُمَّ الْوَلَدِ سَيِّدُهَا لَمَّا تَعَذَّرَ تَسْلِيمُهُ ، بِخِلَافِ غَيْرِ الْمَالِكِ .","part":12,"page":178},{"id":5678,"text":"( 4369 ) الْفَصْلُ الثَّانِي : أَنَّ ظَاهِرَ هَذَا الْكَلَامِ ، أَنَّهُ يَزُولُ الْمِلْكُ ، وَيَلْزَمُ الْوَقْفُ بِمُجَرَّدِ اللَّفْظِ ؛ لِأَنَّ الْوَقْفَ يَحْصُلُ بِهِ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، رِوَايَةٌ أُخْرَى ، لَا يَلْزَمُ إلَّا بِالْقَبْضِ ، وَإِخْرَاجِ الْوَاقِفِ لَهُ عَنْ يَدِهِ .\rوَقَالَ : الْوَقْفُ الْمَعْرُوفُ أَنْ يُخْرِجَهُ مِنْ يَدِهِ إلَى غَيْرِهِ ، وَيُوَكِّلَ فِيهِ مَنْ يَقُومُ بِهِ .\rاخْتَارَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى ، وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ ؛ لِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ بِمَالٍ لَمْ يُخْرِجْهُ عَنْ الْمَالِيَّةِ ، فَلَمْ يَلْزَمْ بِمُجَرَّدِهِ ، كَالْهِبَةِ وَالْوَصِيَّةِ وَلَنَا مَا رَوَيْنَاهُ مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ ، وَلِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ يَمْنَعُ الْبَيْعَ وَالْهِبَةَ وَالْمِيرَاثَ ، فَلَزِمَ بِمُجَرَّدِهِ ، كَالْعِتْقِ ، وَيُفَارِقُ الْهِبَةَ ؛ فَإِنَّهَا تَمْلِيكٌ مُطْلَقٌ ، وَالْوَقْفُ تَحْبِيسُ الْأَصْلِ وَتَسْبِيلُ الْمَنْفَعَةِ ، فَهُوَ بِالْعِتْقِ أَشْبَهُ ، فَإِلْحَاقُهُ بِهِ أَوْلَى .","part":12,"page":179},{"id":5679,"text":"( 4370 ) الْفَصْلُ الثَّالِثُ : أَنَّهُ لَا يَفْتَقِرُ إلَى الْقَبُولِ مِنْ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ .\rذَكَرَهُ الْقَاضِي .\rوَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : إنْ كَانَ الْوَقْفُ عَلَى غَيْرِ مُعَيَّنٍ ، كَالْمَسَاكِينِ ، أَوْ مَنْ لَا يُتَصَوَّرُ مِنْهُ الْقَبُولُ كَالْمَسَاجِدِ وَالْقَنَاطِرِ ، لَمْ يَفْتَقِرْ إلَى قَبُولٍ ، وَإِنْ كَانَ عَلَى آدَمِيٍّ مُعَيَّنٍ ، فَفِي اشْتِرَاطِ الْقَبُولِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا اشْتِرَاطُهُ ؛ لِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ لِآدَمِي مُعَيَّنٍ ، فَكَانَ مِنْ شَرْطِهِ الْقَبُولُ ، كَالْهِبَةِ وَالْوَصِيَّةِ ، يُحَقِّقُهُ أَنَّ الْوَصِيَّةَ إنْ كَانَتْ لِآدَمِيٍّ مُعَيَّنٍ ، وُقِفَتْ عَلَى قَبُولِهِ ، وَإِذَا كَانَتْ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ أَوْ لِمَسْجِدٍ أَوْ نَحْوِهِ ، لَمْ تَفْتَقِرْ إلَى قَبُولٍ ، كَذَا هَاهُنَا وَالْوَجْهُ الثَّانِي لَا يُشْتَرَطُ الْقَبُولُ ؛ لِأَنَّهُ أَحَدُ نَوْعَيْ الْوَقْفِ ، فَلَمْ يُشْتَرَطْ لَهُ الْقَبُولُ ، كَالنَّوْعِ الْآخَرِ ، وَلِأَنَّهُ إزَالَةُ مِلْكٍ يَمْنَعُ الْبَيْعَ وَالْهِبَةَ وَالْمِيرَاثَ ، فَلَمْ يُعْتَبَرْ فِيهِ الْقَبُولُ ، كَالْعِتْقِ ، وَبِهَذَا فَارَقَ الْهِبَةَ وَالْوَصِيَّةَ .\rوَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْهِبَةِ وَالْوَصِيَّةِ ، أَنَّ الْوَقْفَ لَا يَخْتَصُّ الْمُعَيَّنَ ، بَلْ يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّ مِنْ يَأْتِي مِنْ الْبُطُونِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ ، فَيَكُونُ الْوَقْفُ عَلَى جَمِيعِهِمْ ، إلَّا أَنَّهُ مُرَتَّبٌ ، فَصَارَ بِمَنْزِلَةِ الْوَقْفِ عَلَى الْفُقَرَاءِ الَّذِي لَا يَبْطُلُ بِرَدِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ، وَلَا يَقِفُ عَلَى قَبُولِهِ ، وَالْوَصِيَّةُ لِلْمُعَيَّنِ بِخِلَافِهِ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فَإِذَا قُلْنَا : لَا يَفْتَقِرُ إلَى الْقَبُولِ .\rلَمْ يَبْطُلْ بِرَدِّهِ ، وَكَانَ رَدُّهُ وَقَبُولُهُ وَعَدَمُهُمَا وَاحِدًا ، كَالْعِتْقِ .\rوَإِنْ قُلْنَا : يَفْتَقِرُ إلَى الْقَبُولِ .\rفَرَدَّهُ مَنْ وُقِفَ عَلَيْهِ ، بَطَلَ فِي حَقِّهِ ، وَصَارَ كَالْوَقْفِ الْمُنْقَطِعِ الِابْتِدَاءِ .\rيُخَرَّجُ فِي صِحَّتِهِ فِي حَقِّ مَنْ سِوَاهُ وَبُطْلَانِهِ وَجْهَانِ ، بِنَاءً عَلَى تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ .\rفَإِنْ قُلْنَا بِصِحَّتِهِ ، فَهَلْ يَنْتَقِلُ فِي الْحَالِ إلَى مَنْ بَعْدَهُ ، أَوْ","part":12,"page":180},{"id":5680,"text":"يُصْرَفُ فِي الْحَالِ إلَى مَصْرِفٍ فِي الْوَقْفِ الْمُنْقَطِعِ إلَى أَنْ يَمُوتَ الَّذِي رَدَّهُ ، ثُمَّ يَنْتَقِلُ إلَى مَنْ بَعْدَهُ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ .\rوَسَنَذْكُرُ ذَلِكَ فِي الْوَقْفِ الْمُنْقَطِعِ الِابْتِدَاءِ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .","part":12,"page":181},{"id":5681,"text":"( 4371 ) فَصْلٌ : وَيَنْتَقِلُ الْمِلْكُ فِي الْمَوْقُوفِ إلَى الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ ، فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ .\rقَالَ أَحْمَدُ : إذَا وَقَفَ دَارِهِ عَلَى وَلَدِ أَخِيهِ ، صَارَتْ لَهُمْ .\rوَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ مَلَكُوهُ ، وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّهُ لَا يُمْلَكُ ، فَإِنَّ جَمَاعَةً نَقَلُوا عَنْهُ ، فِي مَنْ وَقَفَ عَلَى وَرَثَتِهِ فِي مَرَضِهِ : يَجُوزُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُبَاعُ وَلَا يُورَثُ ، وَلَا يَصِيرُ مِلْكًا لِلْوَرَثَةِ ، وَإِنَّمَا يَنْتَفِعُونَ بِغَلَّتِهَا .\rوَهَذَا يَدُلُّ بِظَاهِرِهِ عَلَى أَنَّهُمْ لَا يَمْلِكُونَ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ لَا يَمْلِكُونَ ، أَنْ لَا يَمْلِكُونَ التَّصَرُّفَ فِي الرَّقَبَةِ ، فَإِنَّ فَائِدَةَ الْمِلْكِ وَآثَارَهُ ثَابِتَةٌ فِي الْوَقْفِ .\rوَعَنْ الشَّافِعِيِّ مِنْ الِاخْتِلَافِ نَحْوُ مَا حَكَيْنَاهُ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَنْتَقِلُ الْمِلْكُ فِي الْوَقْفِ اللَّازِمِ ، بَلْ يَكُونُ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى ؛ لِأَنَّهُ إزَالَةُ مِلْكٍ عَنْ الْعَيْنِ وَالْمَنْفَعَةِ عَلَى وَجْهِ الْقُرْبَةِ ، بِتَمْلِيكِ الْمَنْفَعَةِ ، فَانْتَقَلَ الْمِلْكُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى ، كَالْعِتْقِ .\rوَلَنَا أَنَّهُ سَبَبٌ يُزِيلُ مِلْكَ الْوَاقِفِ ، وُجِدَ إلَى مَنْ يَصِحُّ تَمْلِيكُهُ عَلَى وَجْهٍ لَمْ يُخْرِجْ الْمَالَ عَنْ مَالِيَّتِهِ ، فَوَجَبَ أَنْ يُنْقَلَ الْمِلْكُ إلَيْهِ ، كَالْهِبَةِ ، وَالْبَيْعِ .\rوَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ تَمْلِيكَ الْمَنْفَعَةِ الْمُجَرَّدَةِ لَمْ يَلْزَمْ كَالْعَارِيَّةِ وَالسُّكْنَى ، وَلَمْ يَزُلْ مِلْكُ الْوَاقِفِ عَنْهُ كَالْعَارِيَّةِ ، وَيُفَارِقُ الْعِتْقَ ، فَإِنَّهُ أَخْرَجَهُ عَنْ الْمَالِيَّةِ ، وَامْتِنَاعُ التَّصَرُّفِ فِي الرَّقَبَةِ لَا يَمْنَعُ الْمِلْكَ ، كَأُمِّ الْوَلَدِ .","part":12,"page":182},{"id":5682,"text":"( 4372 ) فَصْلٌ : وَأَلْفَاظُ الْوَقْفِ سِتَّةٌ ، ثَلَاثَةٌ صَرِيحَةٌ ، وَثَلَاثَةٌ كِنَايَةٌ ، فَالصَّرِيحَةُ : وَقَفْت ، وَحَبَسْت ، وَسَبَّلْت .\rمَتَى أَتَى بِوَاحِدَةٍ مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثِ ، صَارَ وَقْفًا مِنْ غَيْرِ انْضِمَامِ أَمْرٍ زَائِدٍ ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ ثَبَتَ لَهَا عُرْفُ الِاسْتِعْمَالِ بَيْنَ النَّاسِ ، وَانْضَمَّ إلَى ذَلِكَ عُرْفُ الشَّرْعِ ، بِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعُمَرَ : { إنْ شِئْت حَبَسْت أَصْلَهَا ، وَسَبَّلْت ثَمَرَتَهَا } .\rفَصَارَتْ هَذِهِ الْأَلْفَاظُ فِي الْوَقْفِ كَلَفْظِ التَّطْلِيقِ فِي الطَّلَاقِ وَأَمَّا الْكِنَايَةُ فَهِيَ : تَصَدَّقْت ، وَحَرَّمْت ، وَأَبَّدْت .\rفَلَيْسَتْ صَرِيحَةً ؛ لِأَنَّ لَفْظَةَ الصَّدَقَةِ وَالتَّحْرِيمِ مُشْتَرَكَةٌ ، فَإِنَّ الصَّدَقَةَ تُسْتَعْمَلُ فِي الزَّكَاةِ وَالْهِبَاتِ ، وَالتَّحْرِيمَ يُسْتَعْمَلُ فِي الظِّهَارِ وَالْأَيْمَانِ ، وَيَكُونُ تَحْرِيمًا عَلَى نَفْسِهِ وَعَلَى غَيْرِهِ ، وَالتَّأْبِيدُ يَحْتَمِلُ تَأْبِيدَ التَّحْرِيمِ ، وَتَأْبِيدَ الْوَقْفِ ، وَلَمْ يَثْبُتْ لِهَذِهِ الْأَلْفَاظِ عُرْفُ الِاسْتِعْمَالِ ، فَلَا يَحْصُلُ الْوَقْفُ بِمُجَرَّدِهَا ، كَكِنَايَاتِ الطَّلَاقِ فِيهِ .\rفَإِنْ انْضَمَّ إلَيْهَا أَحَدُ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ ، حَصَلَ الْوَقْفُ بِهَا أَحَدُهَا أَنْ يَنْضَمَّ إلَيْهَا لَفْظَةٌ أُخْرَى تُخَلِّصُهَا مِنْ الْأَلْفَاظِ الْخَمْسَةِ ، فَيَقُولُ : صَدَقَةٌ مَوْقُوفَةٌ ، أَوْ مُحَبَّسَةٌ ، أَوْ مُسَبَّلَةٌ ، أَوْ مُحَرَّمَةٌ ، أَوْ مُؤَبَّدَةٌ أَوْ يَقُولُ : هَذِهِ مُحَرَّمَةٌ مَوْقُوفَةٌ ، أَوْ مُحَبَّسَةٌ ، أَوْ مُسَبَّلَةٌ ، أَوْ مُؤَبَّدَةٌ .\rالثَّانِي أَنْ يَصِفَهَا بِصِفَاتِ الْوَقْفِ ، فَيَقُولَ : صَدَقَةٌ لَا تُبَاعُ ، وَلَا تُوهَبُ ، وَلَا تُورَثُ ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْقَرِينَةَ تُزِيلُ الِاشْتِرَاكَ .\rالثَّالِثُ ، أَنْ يَنْوِيَ الْوَقْفَ ، فَيَكُونَ عَلَى مَا نَوَى ، إلَّا أَنَّ النِّيَّةَ تَجْعَلُهُ وَقْفًا فِي الْبَاطِنِ دُونَ الظَّاهِرِ ، لِعَدَمِ الِاطِّلَاعِ عَلَى مَا فِي الضَّمَائِرِ ، فَإِنْ اعْتَرَفَ بِمَا نَوَاهُ ، لَزِمَ فِي الْحُكْمِ ؛ لِظُهُورِهِ ، وَإِنْ قَالَ : مَا أَرَدْت الْوَقْفَ .\rفَالْقَوْلُ قَوْلُهُ","part":12,"page":183},{"id":5683,"text":"، لِأَنَّهُ أَعْلَمُ بِمَا نَوَى .","part":12,"page":184},{"id":5684,"text":"( 4373 ) فَصْلٌ : وَظَاهِرُ مَذْهَبِ أَحْمَدَ أَنَّ الْوَقْفَ يَحْصُلُ بِالْفِعْلِ مَعَ الْقَرَائِنِ الدَّالَّةِ عَلَيْهِ ، مِثْلُ أَنْ يَبْنِيَ مَسْجِدًا ، وَيَأْذَنَ لِلنَّاسِ فِي الصَّلَاةِ فِيهِ ، أَوْ مَقْبَرَةً ، وَيَأْذَنَ فِي الدَّفْنِ فِيهَا ، أَوْ سِقَايَةً ، وَيَأْذَنَ فِي دُخُولِهَا ، فَإِنَّهُ قَالَ : فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد ، وَأَبِي طَالِبٍ ، فِي مَنْ أَدْخَلَ بَيْتًا فِي الْمَسْجِدِ وَأَذِنَ فِيهِ ، لَمْ يَرْجِعْ فِيهِ .\rوَكَذَلِكَ إذَا اتَّخَذَ الْمَقَابِرَ وَأَذِنَ لِلنَّاسِ ، وَالسِّقَايَةَ ، فَلَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ .\rوَذَكَرَ الْقَاضِي فِيهِ رِوَايَةً أُخْرَى ، أَنَّهُ لَا يَصِيرُ وَقْفًا إلَّا بِالْقَوْلِ وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rوَأَخَذَهُ الْقَاضِي مِنْ قَوْلِ أَحْمَدَ ، إذْ سَأَلَهُ الْأَثْرَمُ عَنْ رَجُلٍ أَحَاطَ حَائِطًا عَلَى أَرْضٍ ، لِيَجْعَلَهَا مَقْبَرَةً ، وَنَوَى بِقَلْبِهِ ، ثُمَّ بَدَا لَهُ الْعَوْدُ ؟ فَقَالَ : إنْ كَانَ جَعَلَهَا لِلَّهِ ، فَلَا يَرْجِعْ .\rوَهَذَا لَا يُنَافِي الرِّوَايَةَ الْأُولَى ، فَإِنَّهُ أَرَادَ بِقَوْلِهِ : إنْ كَانَ جَعَلَهَا لِلَّهِ أَيْ نَوَى بِتَحْوِيطِهَا جَعْلَهَا لِلَّهِ .\rفَهَذَا تَأْكِيدٌ لِلرِّوَايَةِ الْأُولَى ، وَزِيَادَةٌ عَلَيْهَا ، إذْ مَنَعَهُ مِنْ الرُّجُوعِ بِمُجَرَّدِ التَّحْوِيطِ مَعَ النِّيَّةِ .\rوَإِنْ أَرَادَ بِقَوْلِهِ : جَعَلَهَا لِلَّهِ أَيْ : اقْتَرَنَتْ بِفِعْلِهِ قَرَائِنُ دَالَّةٌ عَلَى إرَادَةِ ذَلِكَ ، مِنْ إذْنِهِ لِلنَّاسِ فِي الدَّفْنِ فِيهَا ، فَهِيَ الرِّوَايَةُ الْأُولَى بِعَيْنِهَا ، وَإِنْ أَرَادَ وَقْفًا بِلِسَانِهِ ، فَيَدُلُّ بِمَفْهُومِهِ عَلَى أَنَّ الْوَقْفَ لَا يَحْصُلُ بِمُجَرَّدِ التَّحْوِيطِ وَالنِّيَّةِ ، وَهَذَا لَا يُنَافِي الرِّوَايَةَ الْأُولَى ؛ لِأَنَّهُ فِي الْأُولَى انْضَمَّ إلَى فِعْلِهِ إذْنُهُ لِلنَّاسِ فِي الدَّفْنِ ، وَلَمْ يُوجَدْ هَاهُنَا ، فَلَا تَنَافِيَ بَيْنَهُمَا ، ثُمَّ لَمْ يُعْلَمْ مُرَادُهُ مِنْ هَذِهِ الِاحْتِمَالَاتِ ، فَانْتَفَتْ هَذِهِ الرِّوَايَةُ ، وَصَارَ الْمَذْهَبُ رِوَايَةً وَاحِدَةً .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .\rوَاحْتَجُّوا بِأَنَّ هَذَا تَحْبِيسُ أَصْلٍ عَلَى وَجْهِ الْقُرْبَةِ ،","part":12,"page":185},{"id":5685,"text":"فَوَجَبَ أَنْ لَا يَصِحَّ بِدُونِ اللَّفْظِ ، كَالْوَقْفِ عَلَى الْفُقَرَاءِ وَلَنَا أَنَّ الْعُرْفَ جَارٍ بِذَلِكَ ، وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى الْوَقْفِ ، فَجَازَ أَنْ يَثْبُتَ بِهِ ، كَالْقَوْلِ ، وَجَرَى مَجْرَى مَنْ قَدَّمَ إلَى ضَيْفِهِ طَعَامًا ، كَانَ إذْنًا فِي أَكْلِهِ ، وَمَنْ مَلَأَ خَابِيَةَ مَاءٍ عَلَى الطَّرِيقِ ، كَانَ تَسْبِيلًا لَهُ ، وَمَنْ نَثَرَ عَلَى النَّاسِ نِثَارًا ، كَانَ إذْنًا فِي الْتِقَاطِهِ ، وَأُبِيحَ أَخْذُهُ .\rوَكَذَلِكَ دُخُولُ الْحَمَّامِ ، وَاسْتِعْمَالُ مَائِهِ مِنْ غَيْرِ إذْنٍ مُبَاحٌ بِدَلَالَةِ الْحَالِ .\rوَقَدْ قَدَّمْنَا فِي الْبَيْعِ أَنَّهُ يَصِحُّ بِالْمُعَاطَاةِ مِنْ غَيْرِ لَفْظٍ ، وَكَذَلِكَ الْهِبَةُ وَالْهَدِيَّةُ ، لِدَلَالَةِ الْحَالِ ، فَكَذَلِكَ هَاهُنَا .\rوَأَمَّا الْوَقْفُ عَلَى الْمَسَاكِينِ ، فَلَمْ تَجْرِ بِهِ عَادَةٌ بِغَيْرِ لَفْظٍ ، وَلَوْ كَانَ شَيْءٌ جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ ، أَوْ دَلَّتْ الْحَالُ عَلَيْهِ ، كَانَ كَمَسْأَلَتِنَا .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":12,"page":186},{"id":5686,"text":"( 4374 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَرْجِعَ إلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ مَنَافِعِهِ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ مَنْ وَقَفَ شَيْئًا وَقْفًا صَحِيحًا ، فَقَدْ صَارَتْ مَنَافِعُهُ جَمِيعُهَا لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ ، وَزَالَ عَنْ الْوَاقِفِ مِلْكُهُ ، وَمِلْكُ مَنَافِعِهِ ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَنْتَفِعَ بِشَيْءٍ مِنْهَا ، إلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ وَقَفَ شَيْئًا لِلْمُسْلِمِينَ ، فَيَدْخُلُ فِي جُمْلَتِهِمْ ، مِثْلُ أَنْ يَقِفَ مَسْجِدًا ، فَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَ فِيهِ ، أَوْ مَقْبَرَةً فَلَهُ الدَّفْنُ فِيهَا ، أَوْ بِئْرًا لِلْمُسْلِمِينَ ، فَلَهُ أَنْ يَسْتَقِيَ مِنْهَا ، أَوْ سِقَايَةً ، أَوْ شَيْئًا يَعُمُّ الْمُسْلِمِينَ ، فَيَكُونُ كَأَحَدِهِمْ .\rلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا كُلِّهِ خِلَافًا .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ سَبَّلَ بِئْرَ رُومَةَ ، وَكَانَ دَلْوُهُ فِيهَا كَدِلَاءِ الْمُسْلِمِينَ .","part":12,"page":187},{"id":5687,"text":"( 4375 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : ( إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ ، فَيَكُونَ لَهُ مِقْدَارُ مَا يَشْتَرِطُ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْوَاقِفَ إذَا اشْتَرَطَ فِي الْوَقْفِ أَنْ يُنْفِقَ مِنْهُ عَلَى نَفْسِهِ ، صَحَّ الْوَقْفُ وَالشَّرْطُ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .\rقَالَ الْأَثْرَمُ : قِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ : يَشْتَرِطُ فِي الْوَقْفِ أَنِّي أُنْفِقُ عَلَى نَفْسِي وَأَهْلِي مِنْهُ ؟ قَالَ : نَعَمْ .\rوَاحْتَجَّ ، قَالَ : سَمِعْت ابْنَ عُيَيْنَةَ ، عَنْ ابْنِ طَاوُسٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ حُجْرٌ الْمَدَرِيِّ ، أَنَّ { فِي صَدَقَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا أَهْلُهُ بِالْمَعْرُوفِ غَيْرِ الْمُنْكَرِ } وَقَالَ الْقَاضِي : يَصِحُّ الْوَقْفُ ، رِوَايَةً وَاحِدَةً ؛ لِأَنَّ أَحْمَدَ نَصَّ عَلَيْهَا فِي رِوَايَةِ جَمَاعَةٍ .\rوَبِذَلِكَ قَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى ، وَابْنُ شُبْرُمَةَ ، وَأَبُو يُوسُفَ ، وَالزُّبَيْرُ ، وَابْنُ سُرَيْجٍ .\rوَقَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ : لَا يَصِحُّ الْوَقْفُ ؛ لِأَنَّهُ إزَالَةُ الْمِلْكِ ، فَلَمْ يَجُزْ اشْتِرَاطُ نَفْعِهِ لِنَفْسِهِ ، كَالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ ، وَكَمَا لَوْ أَعْتَقَ عَبْدًا بِشَرْطِ أَنْ يَخْدِمَهُ ، وَلِأَنَّ مَا يُنْفِقُهُ عَلَى نَفْسِهِ مَجْهُولٌ ، فَلَمْ يَصِحَّ اشْتِرَاطُهُ ، كَمَا لَوْ بَاعَ شَيْئًا وَاشْتَرَطَ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهِ وَلَنَا الْخَبَرُ الَّذِي ذَكَرَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ، وَلِأَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمَّا وَقَفَ قَالَ : وَلَا بَأْسَ عَلَى مَنْ وَلِيَهَا أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا ، أَوْ يُطْعِمَ صَدِيقًا ، غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ فِيهِ .\rوَكَانَ الْوَقْفُ فِي يَدِهِ إلَى أَنْ مَاتَ .\rوَلِأَنَّهُ إذَا وَقَفَ وَقْفًا عَامًّا ، كَالْمَسَاجِدِ ، وَالسِّقَايَاتِ ، وَالرِّبَاطَاتِ ، وَالْمَقَابِرِ ، كَانَ لَهُ الِانْتِفَاعُ بِهِ ، فَكَذَلِكَ هَاهُنَا .\rوَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَشْتَرِطَ لِنَفْسِهِ الِانْتِفَاعَ بِهِ مُدَّةَ حَيَاتِهِ ، أَوْ مُدَّةً مَعْلُومَةً مُعَيَّنَةً ، وَسَوَاءٌ قَدَّرَ مَا يَأْكُلُ مِنْهُ ، أَوْ أَطْلَقَهُ ؛ فَإِنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمْ يُقَدِّرْ مَا يَأْكُلُ الْوَالِي وَيُطْعِمُ","part":12,"page":188},{"id":5688,"text":"إلَّا بِقَوْلِهِ : بِالْمَعْرُوفِ .\rوَفِي حَدِيثِ صَدَقَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ شَرَطَ أَنْ يَأْكُلَ أَهْلُهُ مِنْهَا بِالْمَعْرُوفِ غَيْرِ الْمُنْكَرِ إلَّا أَنَّهُ إذَا شَرَطَ أَنَّ يَنْتَفِعَ بِهِ مُدَّةً مُعَيَّنَةً .\rفَمَاتَ فِيهَا ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِوَرَثَتِهِ ، كَمَا لَوْ بَاعَ دَارًا وَاشْتَرَطَ أَنْ يَسْكُنَهَا سَنَةً ، فَمَاتَ فِي أَثْنَائِهَا .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":12,"page":189},{"id":5689,"text":"( 4376 ) فَصْلٌ : وَإِنْ شَرَطَ أَنْ يَأْكُلَ أَهْلُهُ مِنْهُ ، صَحَّ الْوَقْفُ وَالشَّرْطُ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَرَطَ ذَلِكَ فِي صَدَقَتِهِ .\rوَإِنْ اشْتَرَطَ أَنْ يَأْكُلَ مَنْ وَلِيَهُ مِنْهُ ، وَيُطْعِمَ صَدِيقًا جَازَ ؛ لِأَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ شَرَطَ ذَلِكَ فِي صَدَقَتِهِ ، الَّتِي اسْتَشَارَ فِيهَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنْ وَلِيَهَا الْوَاقِفُ ، كَانَ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ وَيُطْعِمَ صَدِيقًا ؛ لِأَنَّ عُمَرَ وَلِي صَدَقَتَهُ وَإِنْ وَلِيَهَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِهِ ، كَانَ لَهُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ حَفْصَةَ بِنْتَ عُمَرَ كَانَتْ تَلِي صَدَقَتَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ ، ثُمَّ وَلِيَهَا بَعْدَهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ .","part":12,"page":190},{"id":5690,"text":"( 4377 ) فَصْلٌ : وَإِنْ شَرَطَ أَنْ يَبِيعَهُ مَتَى شَاءَ ، أَوْ يَهَبَهُ ، أَوْ يَرْجِعَ فِيهِ ، لَمْ يَصِحَّ الشَّرْطُ ، وَلَا الْوَقْفُ .\rلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا ؛ لِأَنَّهُ يُنَافِي مُقْتَضَى الْوَقْفِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يَفْسُدَ الشَّرْطُ ، وَيَصِحَّ الْوَقْفُ ، بِنَاءً عَلَى الشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ فِي الْبَيْعِ .\rوَإِنْ شَرَطَ الْخِيَارَ فِي الْوَقْفِ ، فَسَدَ نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .\rوَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو يُوسُفَ ، فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ : يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ الْوَقْفَ تَمْلِيكُ الْمَنَافِعِ ، فَجَازَ شَرْطُ الْخِيَارِ فِيهِ ، كَالْإِجَارَةِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ شَرْطٌ يُنَافِي مُقْتَضَى الْعَقْدِ فَلَمْ يَصِحَّ ، كَمَا لَوْ شَرَطَ أَنَّ لَهُ بَيْعَهُ مَتَى شَاءَ ، وَلِأَنَّهُ إزَالَةُ مِلْكٍ لِلَّهِ تَعَالَى ، فَلَمْ يَصِحَّ اشْتِرَاطُ الْخِيَارِ فِيهِ كَالْعِتْقِ ، وَلِأَنَّهُ لَيْسَ بِعَقْدِ مُعَاوَضَةٍ ، فَلَمْ يَصِحَّ اشْتِرَاطُ الْخِيَارِ فِيهِ ، كَالْهِبَةِ .\rوَيُفَارِقُ الْإِجَارَةَ ، فَإِنَّهَا عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ ، وَهِيَ نَوْعٌ مِنْ الْبَيْعِ ، وَلِأَنَّ الْخِيَارَ إذَا دَخَلَ فِي الْعَقْدِ ، مَنَعَ ثُبُوتَ حُكْمِهِ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْخِيَارِ أَوْ التَّصَرُّفِ ، وَهَاهُنَا لَوْ ثَبَتَ الْخِيَارُ ، لَثَبَتَ مَعَ ثُبُوتِ حُكْمِ الْوَقْفِ ، وَلَمْ يَمْنَعْ التَّصَرُّفَ ، فَافْتَرَقَا .","part":12,"page":191},{"id":5691,"text":"( 4378 ) فَصْلٌ : وَإِنْ شَرَطَ فِي الْوَقْفِ أَنْ يُخْرِجَ مَنْ شَاءَ مِنْ أَهْلِ الْوَقْفِ ، وَيُدْخِلَ مَنْ شَاءَ مِنْ غَيْرِهِمْ ، لَمْ يَصِحَّ ؛ لِأَنَّهُ شَرْطٌ يُنَافِي مُقْتَضَى الْوَقْفِ ، فَأَفْسَدَهُ .\rكَمَا لَوْ شَرَطَ أَنْ لَا يَنْتَفِعَ بِهِ .\rوَإِنْ شَرَطَ لِلنَّاظِرِ أَنْ يُعْطِيَ مَنْ يَشَاءُ مِنْ أَهْلِ الْوَقْفِ ، وَيَحْرِمَ مَنْ يَشَاءُ ، جَازَ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِإِخْرَاجٍ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ مِنْ الْوَقْفِ ، وَإِنَّمَا عَلَّقَ اسْتِحْقَاقَ الْوَقْفِ بِصِفَةٍ ، فَكَأَنَّهُ جَعَلَ لَهُ حَقًّا فِي الْوَقْفِ ، إذَا اتَّصَفَ بِإِرَادَةِ الْوَالِي لِعَطِيَّتِهِ ، وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ حَقًّا إذَا انْتَفَتْ تِلْكَ الصِّفَةُ فِيهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ وَقَفَ عَلَى الْمُشْتَغِلِينَ بِالْعِلْمِ مِنْ وَلَدِهِ ، فَإِنَّهُ يَسْتَحِقُّ مِنْهُمْ مَنْ اشْتَغَلَ بِهِ دُونَ مَنْ لَمْ يَشْتَغِلْ ، فَلَوْ تَرَكَ الْمُشْتَغِلُ الِاشْتِغَالَ زَالَ اسْتِحْقَاقُهُ ، وَإِذَا عَادَ إلَيْهِ عَادَ اسْتِحْقَاقُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":12,"page":192},{"id":5692,"text":"( 4379 ) فَصْلٌ : إذَا جَعَلَ عُلْوَ دَارِهِ مَسْجِدًا دُونَ سُفْلِهَا ، أَوْ سُفْلَهَا دُونَ عُلْوِهَا ، صَحَّ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ الْمَسْجِدَ يَتْبَعُهُ هَوَاؤُهُ .\rوَلَنَا أَنَّهُ يَصِحُّ بَيْعُهَا ، كَذَلِكَ يَصِحُّ وَقْفُهُ ، كَالدَّارِ جَمِيعِهَا ، وَلِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ يُزِيلُ الْمِلْكَ إلَى مَنْ يَثْبُتُ لَهُ حَقُّ الِاسْتِقْرَارِ وَالتَّصَرُّفِ ، فَجَازَ فِيمَا ذَكَرْنَا كَالْبَيْعِ .","part":12,"page":193},{"id":5693,"text":"( 4380 ) فَصْلٌ : وَإِنْ جَعَلَ وَسَطَ دَارِهِ مَسْجِدًا ، وَلَمْ يَذْكُرْ الِاسْتِطْرَاقَ ، صَحَّ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَصِحُّ حَتَّى يَذْكُرَ الِاسْتِطْرَاقَ .\rوَلَنَا أَنَّهُ عَقْدٌ يُبِيحُ الِانْتِفَاعَ ، مِنْ ضَرُورَتِهِ الِاسْتِطْرَاقُ ، فَصَحَّ ، وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ الِاسْتِطْرَاقَ ، كَمَا لَوْ أَجَرَ بَيْتًا مِنْ دَارِهِ .","part":12,"page":194},{"id":5694,"text":"( 4381 ) فَصْلٌ : إذَا وَقَفَ عَلَى نَفْسِهِ ، ثُمَّ عَلَى الْمَسَاكِينِ ، أَوْ عَلَى وَلَدِهِ ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ إحْدَاهُمَا ، لَا يَصِحُّ ؛ فَإِنَّهُ قَالَ ، فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ ، وَقَدْ سُئِلَ عَنْ هَذَا ، فَقَالَ : لَا أَعْرِفُ الْوَقْفَ إلَّا مَا أَخْرَجَهُ لِلَّهِ ، وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ ، فَإِذَا وَقَفَهُ عَلَيْهِ حَتَّى يَمُوتَ ، فَلَا أَعْرِفُهُ .\rفَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ يَكُونُ الْوَقْفُ عَلَيْهِ بَاطِلًا .\rوَهَلْ يَبْطُلُ الْوَقْفُ عَلَى مَنْ بَعْدَهُ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ ، بِنَاءً عَلَى الْوَقْفِ الْمُنْقَطِعِ الِابْتِدَاءِ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ الْوَقْفَ تَمْلِيكٌ لِلرَّقَبَةِ وَالْمَنْفَعَةِ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُمَلِّكَ الْإِنْسَانُ نَفْسَهُ مِنْ نَفْسِهِ ، كَمَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَبِيعَ نَفْسَهُ مَالَ نَفْسِهِ ، وَلِأَنَّ الْوَقْفَ عَلَى نَفْسِهِ إنَّمَا حَاصِلُهُ مَنْعُ نَفْسِهِ التَّصَرُّفَ فِي رَقَبَةِ الْمِلْكِ ، فَلَمْ يَصِحَّ ذَلِكَ ، كَمَا لَوْ أَفْرَدَهُ بِأَنْ يَقُولَ : لَا أَبِيعُ هَذَا وَلَا أَهَبُهُ وَلَا أُوَرِّثُهُ وَنَقَلَ جَمَاعَةٌ أَنَّ الْوَقْفَ صَحِيحٌ ، اخْتَارَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى .\rقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ : وَهِيَ أَصَحُّ .\rوَهُوَ قَوْلُ ابْنِ أَبِي لَيْلَى ، وَابْنِ شُبْرُمَةَ ، وَأَبِي يُوسُفَ ، وَابْنِ سُرَيْجٍ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا فِيمَا إذَا اشْتَرَطَ أَنْ يَرْجِعَ إلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ مَنَافِعِهِ ، وَلِأَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يَقِفَ وَقْفًا عَامًّا فَيَنْتَفِعَ بِهِ ، كَذَلِكَ إذَا خَصَّ نَفْسَهُ بِانْتِفَاعِهِ ، وَالْأَوَّلُ أَقْيَسُ .","part":12,"page":195},{"id":5695,"text":"( 4382 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَالْبَاقِي عَلَى مَنْ وَقَفَ عَلَيْهِ وَأَوْلَادُهُ الذُّكُورُ وَالْإِنَاثُ مِنْ أَوْلَادِ الْبَنِينَ بَيْنَهُمْ بِالسَّوِيَّةِ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْوَاقِفُ فَضَّلَ بَعْضَهُمْ ) فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَة فُصُولٌ أَرْبَعَةٌ : ( 4383 ) الْأَوَّلُ : أَنَّهُ إذَا وَقَفَ عَلَى قَوْمٍ وَأَوْلَادِهِمْ وَعَقِبِهِمْ وَنَسْلِهِمْ ، كَانَ الْوَقْفُ بَيْنَ الْقَوْمِ وَأَوْلَادِهِمْ ، وَمَنْ حَدَثَ مِنْ نَسْلِهِمْ ، عَلَى سَبِيلِ الِاشْتِرَاكِ ، إنْ لَمْ تَقْتَرِنْ بِهِ قَرِينَةٌ تَقْتَضِي تَرْتِيبًا ؛ لِأَنَّ الْوَاوَ تَقْتَضِي الِاشْتِرَاكَ ، فَإِذَا اجْتَمَعُوا اشْتَرَكُوا ، وَلَمْ يُقَدَّمْ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ ، وَيُشَارِكُ الْآخَرُ الْأَوَّلَ ، وَإِنْ كَانَ مِنْ الْبَطْنِ الْعَاشِرِ ، وَإِذَا حَدَثَ حَمْلٌ لَمْ يُشَارِكْ حَتَّى يَنْفَصِلَ ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَكُونَ حَمْلًا ، فَلَا يَثْبُتُ لَهُ حُكْمُ الْوَلَدِ قَبْلَ انْفِصَالِهِ .","part":12,"page":196},{"id":5696,"text":"( 4384 ) فَصْلٌ : فَإِنْ قَالَ : وَقَفْت عَلَى أَوْلَادِي ، ثُمَّ عَلَى الْمَسَاكِينِ .\rأَوْ قَالَ : عَلَى وَلَدِي ، ثُمَّ عَلَى الْمَسَاكِينِ .\rأَوْ عَلَى وَلَدِ فُلَانٍ ، ثُمَّ عَلَى الْمَسَاكِينِ .\rفَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَكُونُ وَقْفًا عَلَى أَوْلَادِهِ ، وَأَوْلَادِ أَوْلَادِهِ ، مِنْ الْأَوْلَادِ الْبَنِينَ ، مَا لَمْ تَكُنْ قَرِينَةٌ تَصْرِفُ عَنْ ذَلِكَ .\rقَالَ الْمَرُّوذِيُّ : قُلْت لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ : مَا تَقُولُ فِي رَجُلٍ وَقَفَ ضَيْعَةً عَلَى وَلَدِهِ ، فَمَاتَ الْأَوْلَادُ ، وَتَرَكُوا النُّسْوَةَ حَوَامِلَ ؟ فَقَالَ : كُلُّ مَا كَانَ مِنْ أَوْلَادِ الذُّكُورِ ، بَنَاتٍ كُنَّ أَوْ بَنِينَ ، فَالضَّيْعَةُ مَوْقُوفَةٌ عَلَيْهِمْ ، وَمَا كَانَ مِنْ أَوْلَادِ الْبَنَاتِ ، فَلَيْسَ لَهُمْ فِيهِ شَيْءٌ ؛ لِأَنَّهُمْ مِنْ رَجُلٍ آخَرَ وَقَالَ أَيْضًا فِي مَنْ وَقَفَ عَلَى وَلَدِ عَلِيِّ بْنِ إسْمَاعِيلَ ، وَلَمْ يَقُلْ : إنْ مَاتَ وَلَدُ عَلِيِّ بْنِ إسْمَاعِيلَ دُفِعَ إلَى وَلَدِ وَلَدِهِ ، فَمَاتَ وَلَدُ عَلِيِّ بْنِ إسْمَاعِيلَ : دُفِعَ إلَى وَلَدِهِ أَيْضًا ؛ لِأَنَّ هَذَا مِنْ وَلَدِ عَلِيِّ بْن إسْمَاعِيلَ .\rوَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ اللَّهِ تَعَالَى قَالَ : { يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ } .\rفَدَخَلَ فِيهِ وَلَدُ الْبَنِينَ وَإِنْ سَفَلُوا .\rوَلَمَّا قَالَ : { وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ } فَتَنَاوَلَ وَلَدَ الْبَنِينَ ، وَكَذَلِكَ كُلُّ مَوْضِعٍ ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى الْوَلَدَ دَخَلَ فِيهِ وَلَدُ الْبَنِينَ ، فَالْمُطْلَقُ مِنْ كَلَامِ الْآدَمِيِّ إذَا خَلَا عَنْ قَرِينَةٍ ، يَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ عَلَى الْمُطْلَقِ مِنْ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَيُفَسَّرُ بِمَا يُفَسَّرُ بِهِ .\rوَلِأَنَّ وَلَدَ وَلَدِهِ وَلَدٌ لَهُ ، بِدَلِيلِ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : يَا بَنِي آدَمَ وَيَا بَنِي إسْرَائِيلَ .\rوَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { ارْمُوا بَنِي إسْمَاعِيلَ ، فَإِنَّ أَبَاكُمْ كَانَ رَامِيًا } .\rوَقَالَ : { نَحْنُ بَنُو النَّضْرِ بْنِ كِنَانَةَ } .\rوَالْقَبَائِلُ كُلّهَا تُنْسَبُ إلَى","part":12,"page":197},{"id":5697,"text":"جُدُودِهَا .\rوَلِأَنَّهُ لَوْ وَقَفَ عَلَى وَلَدِ فُلَانٍ ، وَهُمْ قَبِيلَةٌ ، دَخَلَ فِيهِ وَلَدُ الْبَنِينَ ، فَكَذَلِكَ إذَا لَمْ يَكُونُوا قَبِيلَةً وَقَالَ الْقَاضِي ، وَأَصْحَابُهُ : لَا يَدْخُل فِيهِ وَلَدُ الْوَلَدِ بِحَالٍ ، سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ وَلَدُ الْبَنِينَ وَوَلَدُ الْبَنَاتِ ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ حَقِيقَةً وَعُرْفًا إنَّمَا هُوَ وَلَدُهُ لِصُلْبِهِ ، وَإِنَّمَا يُسَمَّى وَلَدُ الْوَلَدِ وَلَدًا مَجَازًا ، وَلِهَذَا يَصِحُّ نَفْيُهُ ، فَيُقَالُ : مَا هَذَا وَلَدِي ، إنَّمَا هُوَ وَلَدُ وَلَدِي .\rوَإِنْ قَالَ : عَلَى وَلَدِي لِصُلْبِي .\rفَهُوَ آكَدُ .\rوَإِنْ قَالَ : عَلَى وَلَدِي ، وَوَلَدِ وَلَدِي ، ثُمَّ عَلَى الْمَسَاكِينِ .\rدَخَلَ فِيهِ الْبَطْنُ الْأَوَّلُ وَالثَّانِي ، وَلَمْ يَدْخُلْ فِيهِ الْبَطْنُ الثَّالِثُ .\rوَإِنْ قَالَ : عَلَى وَلَدِي ، وَوَلَدِ وَلَدِي ، وَوَلَدِ وَلَدِ وَلَدِي .\rدَخَلَ فِيهِ ثَلَاثَةُ بُطُونٍ دُونَ مَنْ بَعْدَهُمْ وَمَوْضِعُ الْخِلَافِ الْمُطْلَقِ ، فَأَمَّا مَعَ وُجُودِ دَلَالَةٍ تَصْرِفُ إلَى أَحَدِ الْمَحْمَلَيْنِ ، فَإِنَّهُ يُصْرَفُ إلَيْهِ بِغَيْرِ خِلَافٍ ، مِثْلُ أَنْ يَقُولَ : عَلَى وَلَدِ فُلَانٍ .\rوَهُمْ قَبِيلَةٌ لَيْسَ فِيهِمْ وَلَدٌ مِنْ صُلْبِهِ ، فَإِنَّهُ يُصْرَفُ إلَى أَوْلَادِ الْأَوْلَادِ بِغَيْرِ خِلَافٍ .\rوَكَذَلِكَ إنْ قَالَ : عَلَى أَوْلَادِي ، أَوْ وَلَدِي .\rوَلَيْسَ لَهُ وَلَدٌ مِنْ صُلْبِهِ .\rأَوْ قَالَ : وَيُفَضَّلُ وَلَدُ الْأَكْبَرِ أَوْ الْأَعْلَمِ عَلَى غَيْرِهِمْ .\rأَوْ قَالَ : فَإِذَا خَلَتْ الْأَرْضُ مِنْ عَقِبِي عَادَ إلَى الْمَسَاكِينِ .\rأَوْ قَالَ : عَلَى وَلَدِي غَيْرِ وَلَدِ الْبَنَاتِ .\rأَوْ غَيْرِ وَلَدِ فُلَانٍ .\rأَوْ قَالَ : يُفَضَّلُ الْبَطْنُ الْأَعْلَى عَلَى الثَّانِي أَوْ قَالَ : الْأَعْلَى فَالْأَعْلَى .\rوَأَشْبَاهَ ذَلِكَ ، فَهَذَا يُصْرَفُ لَفْظُهُ إلَى جَمِيعِ نَسْلِهِ وَعَاقِبَته .\rوَإِنْ اقْتَرَنَتْ بِهِ قَرِينَةٌ تَقْضِي تَخْصِيصَ أَوْلَادِهِ لِصُلْبِهِ بِالْوَقْفِ ، مِثْلُ أَنْ يَقُولَ : عَلَى وَلَدِي لِصُلْبِي .\rأَوْ الَّذِينَ يَلُونَنِي .\rوَنَحْوَ هَذَا ، فَإِنَّهُ يَخْتَصُّ بِالْبَطْنِ الْأَوَّلِ دُونَ غَيْرِهِمْ .\rوَإِذَا قُلْنَا بِالتَّعْمِيمِ فِيهِمْ ، إمَّا","part":12,"page":198},{"id":5698,"text":"لِلْقَرِينَةِ ، وَإِمَّا لِقَوْلِنَا بِأَنَّ الْمُطْلَقَ يَقْتَضِي التَّعْمِيمَ وَلَمْ يَكُنْ فِي لَفْظِهِ مَا يَقْتَضِي تَشْرِيكًا وَلَا تَرْتِيبًا ، احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمْ كُلِّهِمْ عَلَى التَّشْرِيكِ ، لِأَنَّهُمْ دَخَلُوا فِي اللَّفْظِ دُخُولًا وَاحِدًا ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمْ مُشْتَرَكًا ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ لَهُمْ بِدَيْنٍ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَلَى التَّرْتِيبِ ، عَلَى حَسَبِ التَّرْتِيبِ فِي الْمِيرَاثِ وَهَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ ؛ لِقَوْلِهِ فِي مَنْ وَقَفَ عَلَى وَلَدِ عَلِيِّ بْنِ إسْمَاعِيلَ ، وَلَمْ يَقُلْ : إنْ مَاتَ وَلَدُ عَلِيِّ بْنِ إسْمَاعِيلَ دُفِعَ إلَى وَلَدِ وَلَدِهِ .\rفَمَاتَ وَلَدُ عَلِيِّ بْنِ إسْمَاعِيلَ ، وَتَرَكَ وَلَدًا ، فَقَالَ : إنْ مَاتَ بَعْضُ وَلَدِ عَلِيِّ بْنِ إسْمَاعِيلَ دُفِعَ إلَى وَلَدِهِ أَيْضًا ؛ لِأَنَّ هَذَا مِنْ وَلَدِ عَلِيِّ بْنِ إسْمَاعِيلَ .\rفَجَعَلَهُ لِوَلَدِ مَنْ مَاتَ مِنْ وَلَدِ عَلِيِّ بْنِ إسْمَاعِيلَ عِنْدَ مَوْتِ أَبِيهِ ، وَذَلِكَ أَنَّ وَلَدَ الْبَنِينَ لَمَّا دَخَلُوا فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ } وَلَمْ يَسْتَحِقَّ وَلَدُ الْبَنِينَ شَيْئًا مَعَ وُجُودِ آبَائِهِمْ ، وَاسْتَحَقُّوا عِنْدَ فَقْدِهِمْ ، كَذَا هَاهُنَا .\rفَأَمَّا إنْ وَصَّى لِوَلَدِ فُلَانٍ ، وَهُمْ قَبِيلَةٌ ، فَلَا تَرْتِيبَ فِيهِ ، وَيَسْتَحِقُّ الْأَعْلَى وَالْأَسْفَلُ عَلَى كُلِّ حَالٍ .","part":12,"page":199},{"id":5699,"text":"( 4385 ) فَصْلٌ : وَإِنْ رَتَّبَ فَقَالَ : وَقَفْت هَذَا عَلَى وَلَدِي ، وَوَلَدِ وَلَدِي ، مَا تَنَاسَلُوا وَتَعَاقَبُوا ، الْأَعْلَى فَالْأَعْلَى ، أَوْ الْأَقْرَبَ فَالْأَقْرَبَ ، أَوْ الْأَوَّلَ فَالْأَوَّلَ ، أَوْ الْبَطْنَ الْأَوَّلَ ثُمَّ الْبَطْنَ الثَّانِيَ ، أَوْ عَلَى أَوْلَادِي ، ثُمَّ عَلَى أَوْلَادِ أَوْلَادِي ، أَوْ عَلَى أَوْلَادِي ، فَإِنْ انْقَرَضُوا فَعَلَى أَوْلَادِ أَوْلَادِي فَكُلُّ هَذَا عَلَى التَّرْتِيبِ ، فَيَكُونُ عَلَى مَا شَرَطَ ، وَلَا يَسْتَحِقُّ الْبَطْنُ الثَّانِي شَيْئًا حَتَّى يَنْقَرِضَ الْبَطْنُ كُلُّهُ .\rوَلَوْ بَقِيَ وَاحِدٌ مِنْ الْبَطْنِ الْأَوَّلِ ، كَانَ الْجَمِيعُ لَهُ ؛ لِأَنَّ الْوَقْفَ ثَبَتَ بِقَوْلِهِ ، فَيَتْبَعُ فِيهِ مُقْتَضَى كَلَامِهِ .\rوَإِنْ قَالَ : عَلَى أَوْلَادِي ، وَأَوْلَادِهِمْ مَا تَعَاقَبُوا وَتَنَاسَلُوا ، عَلَى أَنَّهُ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ عَلَى وَلَدٍ كَانَ مَا كَانَ جَارِيًا عَلَيْهِ جَارِيًا عَلَى وَلَدِهِ كَانَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى التَّرْتِيبِ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ اقْتَضَى التَّشْرِيكَ لَاقْتَضَى التَّسْوِيَةَ ، وَلَوْ جَعَلْنَا لِوَلَدِ الْوَلَدِ سَهْمًا مِثْلَ سَهْمِ أَبِيهِ ، ثُمَّ دَفَعْنَا إلَيْهِ سَهْمَ أَبِيهِ ، صَارَ لَهُ سَهْمَانِ ، وَلِغَيْرِهِ سَهْمٌ ، وَهَذَا يُنَافِي التَّسْوِيَةَ ، وَلِأَنَّهُ يُفْضِي إلَى تَفْضِيلِ وَلَدِ الِابْنِ عَلَى الِابْنِ ، وَالظَّاهِرُ مِنْ إرَادَةِ الْوَاقِفِ خِلَافُ هَذَا فَإِذَا ثَبَتَ التَّرْتِيبُ فَإِنَّهُ يَتَرَتَّبُ بَيْنَ كُلِّ وَالِدٍ وَوَلَدِهِ ، فَإِذَا مَاتَ عَنْ وَلَدٍ انْتَقَلَ إلَى وَلَدِهِ سَهْمُهُ ، سَوَاءٌ بَقِيَ مِنْ الْبَطْنِ الْأَوَّلِ أَحَدٌ أَوْ لَمْ يَبْقَ .\r( 4386 ) فَصْلٌ : وَإِنْ رَتَّبَ بَعْضَهُمْ دُونِ بَعْضٍ ، فَقَالَ : وَقَفْت عَلَى وَلَدِي ، وَوَلَدِ وَلَدِي ، ثُمَّ عَلَى أَوْلَادِهِمْ .\rأَوْ عَلَى أَوْلَادِي ، ثُمَّ عَلَى أَوْلَادِ أَوْلَادِي وَأَوْلَادِهِمْ ، مَا تَنَاسَلُوا وَتَعَاقَبُوا .\rأَوْ قَالَ : عَلَى أَوْلَادِي وَأَوْلَادِ أَوْلَادِي ، ثُمَّ عَلَى أَوْلَادِهِمْ وَأَوْلَادِ أَوْلَادِهِمْ ، مَا تَنَاسَلُوا .\rفَهُوَ عَلَى مَا قَالَ ، يَشْتَرِكُ مَنْ شَرَّكَ بَيْنَهُمْ بِالْوَاوِ الْمُقْتَضِيَةِ لِلْجَمْعِ وَالتَّشْرِيكِ","part":12,"page":200},{"id":5700,"text":"وَتَرْتِيبِ مَنْ رَتَّبَهُ بِحَرْفِ التَّرْتِيبِ .\rفَفِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى يَشْتَرِكُ الْوَلَدُ وَوَلَدُ الْوَلَدِ ، ثُمَّ إذَا انْقَرَضُوا صَارَ لِمَنْ بَعْدَهُمْ .\rوَفِي الثَّانِيَةِ يَخْتَصُّ بِهِ الْوَلَدُ ، فَإِذَا انْقَرَضُوا صَارَ مُشْتَرَكًا بَيْنَ مَنْ بَعْدَهُمْ .\rوَفِي الثَّالِثَةِ يَشْتَرِكُ فِيهِ الْبَطْنَانِ الْأَوَّلَانِ دُونَ غَيْرِهِمْ ، فَإِذَا انْقَرَضُوا اشْتَرَكَ فِيهِ مَنْ بَعْدَهُمْ .","part":12,"page":201},{"id":5701,"text":"( 4387 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَالَ : وَقَفْت عَلَى أَوْلَادِي ، ثُمَّ عَلَى أَوْلَادِ أَوْلَادِي ، عَلَى أَنَّهُ مَنْ مَاتَ مِنْ أَوْلَادِي عَنْ وَلَدٍ ، فَنَصِيبُهُ لِوَلَدِهِ ، أَوْ فَنَصِيبُهُ لِإِخْوَتِهِ ، أَوْ لِوَلَدِ وَلَدِهِ ، أَوْ لِوَلَدِ أَخِيهِ ، أَوْ لِأَخَوَاتِهِ ، أَوْ لِوَلَدِ أَخَوَاتِهِ .\rفَهُوَ عَلَى مَا شَرَطَهُ .\rوَإِنْ قَالَ : مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ عَنْ وَلَدٍ ، فَنَصِيبُهُ لِوَلَدِهِ ، وَمَنْ مَاتَ مِنْهُمْ عَنْ غَيْرِ وَلَدٍ ، فَنَصِيبُهُ لِأَهْلِ الْوَقْفِ .\rوَكَانَ لَهُ ثَلَاثَةُ بَنِينَ ، فَمَاتَ أَحَدُهُمْ عَنْ ابْنَيْنِ ، انْتَقَلَ نَصِيبُهُ إلَيْهِمَا ، ثُمَّ مَاتَ الثَّانِي عَنْ غَيْرِ وَلَدٍ ، فَنَصِيبُهُ لِأَخِيهِ وَابْنَيْ أَخِيهِ بِالسَّوِيَّةِ ؛ لِأَنَّهُمْ أَهْلُ الْوَقْفِ ثُمَّ إنْ مَاتَ أَحَدُ ابْنَيْ الِابْنِ عَنْ غَيْرِ وَلَدٍ ، انْتَقَلَ نَصِيبُهُ إلَى أَخِيهِ وَعَمِّهِ ؛ لِأَنَّهُمَا أَهْلُ الْوَقْفِ .\rوَلَوْ مَاتَ أَحَدُ الْبَنِينَ الثَّلَاثَةِ عَنْ غَيْرِ وَلَدٍ ، وَخَلَّفَ أَخَوَيْهِ وَابْنَيْ أَخٍ لَهُ ، فَنَصِيبُهُ لِأَخَوَيْهِ دُونَ ابْنَيْ أَخِيهِ ؛ لِأَنَّهُمَا لَيْسَا مِنْ أَهْلِ الْوَقْفِ مَا دَامَ أَبُوهُمَا حَيًّا ، فَإِذَا مَاتَ أَبُوهُمَا ، صَارَ نَصِيبُهُ لَهُمَا .\rفَإِذَا مَاتَ الثَّالِثُ ، كَانَ نَصِيبُهُ لِابْنَيْ أَخِيهِ بِالسَّوِيَّةِ ، إنْ لَمْ يُخَلِّفْ وَلَدًا ، وَإِنْ خَلَّفَ ابْنًا وَاحِدًا ، فَلَهُ نَصِيبُ أَبِيهِ ، وَهُوَ النِّصْفُ ، وَلِابْنَيْ عَمِّهِ النِّصْفُ لِكُلِّ وَاحِدٍ الرُّبْعُ وَإِنْ قَالَ : مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ عَنْ غَيْرِ وَلَدٍ ، كَانَ مَا كَانَ جَارِيًا عَلَيْهِ جَارِيًا عَلَى مَنْ هُوَ فِي دَرَجَتِهِ ، فَإِنْ كَانَ الْوَقْفُ مُرَتَّبًا بَطْنًا بَعْدَ بَطْنٍ ، كَانَ نَصِيبُ الْمَيِّتِ عَنْ غَيْرِ وَلَدٍ لِأَهْلِ الْبَطْنِ الَّذِي هُوَ مِنْهُ ، وَإِنْ كَانَ مُشْتَرَكًا بَيْنَ الْبُطُونِ كُلِّهَا ، احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ نَصِيبُهُ بَيْنَ أَهْلِ الْوَقْفِ كُلِّهِمْ ؛ لِأَنَّهُمْ فِي اسْتِحْقَاقِ الْوَقْفِ سَوَاءٌ ، فَكَانُوا فِي دَرَجَتِهِ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ ، وَلِأَنَّنَا لَوْ صَرَفْنَا نَصِيبَهُ إلَى بَعْضِهِمْ ، أَفْضَى إلَى تَفْضِيلِ بَعْضِهِمْ ، وَالتَّشْرِيكُ يَقْتَضِي","part":12,"page":202},{"id":5702,"text":"التَّسْوِيَةَ .\rفَعَلَى هَذَا يَكُونُ وُجُودُ هَذَا الشَّرْطِ كَعَدَمِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ سَكَتَ عَنْهُ ، كَانَ الْحُكْمُ فِيهِ كَذَلِكَ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَعُودَ نَصِيبُهُ إلَى سَائِرِ أَهْلِ الْبَطْنِ الَّذِي هُوَ مِنْهُ ؛ لِأَنَّهُمْ فِي دَرَجَتِهِ فِي الْقُرْبِ إلَى الْجَدِّ الَّذِي يَجْمَعُهُمْ ، وَيَسْتَوِي فِي ذَلِكَ إخْوَتُهُ وَبَنُو عَمِّهِ وَبَنُو بَنِي عَمِّ أَبِيهِ ؛ لِأَنَّهُمْ سَوَاءٌ فِي الْقُرْبِ ، وَلِأَنَّنَا لَوْ شَرَّكْنَا بَيْنَ أَهْلِ الْوَقْفِ كُلِّهِمْ فِي نَصِيبِهِ ، لَمْ يَكُنْ فِي هَذَا الشَّرْطِ فَائِدَةٌ ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ قَصَدَ شَيْئًا يُفِيدُ .\rفَعَلَى هَذَا إنْ لَمْ يَكُنْ فِي دَرَجَتِهِ أَحَدٌ ، بَطَلَ هَذَا الشَّرْطُ ، وَكَانَ الْحُكْمُ فِيهِ كَمَا لَوْ لَمْ يَذْكُرْهُ .\rوَإِنْ كَانَ الْوَقْفُ عَلَى الْبَطْنِ الْأَوَّلِ ، عَلَى أَنَّهُ مِنْ مَاتَ مِنْهُمْ عَنْ وَلَدٍ انْتَقَلَ نَصِيبُهُ إلَى وَلَدِهِ ، وَمَنْ مَاتَ عَنْ غَيْرِ وَلَدٍ انْتَقَلَ نَصِيبُهُ إلَى مَنْ فِي دَرَجَتِهِ .\rفَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ : أَحَدُهَا أَنْ يَكُونَ نَصِيبُهُ بَيْنَ أَهْلِ الْوَقْفِ كُلِّهِمْ ، يَتَسَاوُونَ فِيهِ ، سَوَاءٌ كَانَ مِنْ بَطْنٍ وَاحِدٍ أَوْ مِنْ بُطُونٍ ، وَسَوَاءٌ تَسَاوَتْ أَنْصِبَاؤُهُمْ فِي الْوَقْفِ ، أَوْ اخْتَلَفَتْ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ قَبْلُ .\rوَالثَّانِي أَنْ يَكُونَ لِأَهْلِ بَطْنٍ ، سَوَاءٌ كَانُوا مِنْ أَهْلِ الْوَقْفِ أَوْ لَمْ يَكُونُوا ، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ الْبَطْنُ الْأُوَلُ ثَلَاثَةً ، فَمَاتَ أَحَدُهُمْ عَنْ ابْنٍ ، ثُمَّ مَاتَ الثَّانِي عَنْ ابْنَيْنِ ، فَمَاتَ أَحَدُ الِابْنَيْنِ ، وَتَرَكَ أَخَاهُ وَعَمَّهُ وَابْنَ عَمِّهِ وَابْنًا لِعَمِّهِ الْحَيِّ ، فَيَكُونَ نَصِيبُهُ بَيْنَ أَخِيهِ وَابْنَيْ عَمِّهِ .\rوَالثَّالِثُ أَنْ يَكُونَ لِأَهْلِ بَطْنِهِ مِنْ أَهْلِ الْوَقْفِ ، فَيَكُونَ نَصِيبُهُ عَلَى هَذَا لِأَخِيهِ وَابْنِ عَمِّهِ الَّذِي مَاتَ أَبُوهُ .\rفَإِنْ كَانَ فِي دَرَجَتِهِ فِي النَّسَبِ مَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الِاسْتِحْقَاقِ بِحَالٍ ، كَرَجُلِ لَهُ أَرْبَعَةُ بَنِينَ ، وَقَفَ عَلَى ثَلَاثَةٍ مِنْهُمْ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ ، وَتَرَكَ الرَّابِعَ ، فَمَاتَ أَحَدُ الثَّلَاثَةِ عَنْ غَيْرِ","part":12,"page":203},{"id":5703,"text":"وَلَدٍ ، لَمْ يَكُنْ لِلرَّابِعِ فِيهِ شَيْءٌ ، لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الِاسْتِحْقَاقِ ، فَأَشْبَهَ ابْنَ عَمِّهِمْ .","part":12,"page":204},{"id":5704,"text":"( 4388 ) فَصْلٌ : وَإِنْ وَقَفَ عَلَى بَنِيهِ وَهُمْ ثَلَاثَةٌ ، عَلَى أَنَّ مَنْ مَاتَ مِنْ فُلَانٍ وَفُلَانٍ وَأَوْلَادِهِمْ عَنْ وَلَدٍ فَنَصِيبُهُ لِوَلَدِهِ ، وَإِنْ مَاتَ فُلَانٌ فَنَصِيبُهُ لِأَهْلِ الْوَقْفِ .\rفَهُوَ عَلَى مَا شَرَطَ .\rوَكَذَلِكَ إنْ كَانَ لَهُ بَنُونَ وَبَنَاتٌ ، فَقَالَ : مَنْ مَاتَ مِنْ الذُّكُورِ فَنَصِيبُهُ لِوَلَدِهِ ، وَمَنْ مَاتَ مِنْ الْبَنَاتِ فَنَصِيبُهَا لِأَهْلِ الْوَقْفِ .\rفَهُوَ عَلَى مَا قَالَ .\rوَإِنْ قَالَ : عَلَى أَوْلَادِي ، عَلَى أَنْ يُصْرَفَ إلَى الْبَنَاتِ مِنْهُ أَلْفٌ ، وَالْبَاقِي لِلْبَنِينَ لَمْ يَسْتَحِقَّ الْبَنُونَ شَيْئًا حَتَّى تَسْتَوْفِيَ الْبَنَاتُ الْأَلْفَ ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ لِلْبَنَاتِ مُسَمًّى ، وَجَعَلَ لِلْبَنِينَ الْفَاضِلَ عَنْهُ ، فَكَانَ الْحُكْمُ فِيهِ عَلَى مَا قَالَ ، فَجَعَلَ الْبَنَاتِ كَذَوِي الْفُرُوضِ الَّذِينَ سَمَّى اللَّهُ لَهُمْ فَرْضًا ، وَجَعَلَ الْبَنِينَ كَالْعَصَبَاتِ الَّذِينَ لَا يَسْتَحِقُّونَ إلَّا مَا فَضَلَ عَنْ ذَوِي الْفُرُوضِ .","part":12,"page":205},{"id":5705,"text":"( 4389 ) فَصْلٌ : فَإِنْ كَانَ لَهُ ثَلَاثَةُ بَنِينَ فَقَالَ : وَقَفْت عَلَى وَلَدِي فُلَانٍ وَفُلَانٍ ، وَعَلَى وَلَدِ وَلَدِي .\rكَانَ الْوَقْفُ عَلَى الِابْنَيْنِ الْمُسَمَّيَيْنِ ، وَعَلَى أَوْلَادِهِمَا ، وَأَوْلَادِ الثَّالِثِ ، وَلَيْسَ لِلثَّالِثِ شَيْءٌ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : يَدْخُلُ الثَّالِثُ فِي الْوَقْفِ .\rوَذَكَرَ أَنَّ أَحْمَدَ قَالَ فِي رَجُلٍ قَالَ : وَقَفْت هَذِهِ الضَّيْعَةَ ، عَلَى وَلَدِي فُلَانٍ وَفُلَانٍ ، وَعَلَى وَلَدِ وَلَدِي .\rوَلَهُ وَلَدٌ غَيْرُ هَؤُلَاءِ ، قَالَ : يَشْتَرِكُونَ فِي الْوَقْفِ .\rوَاحْتَجَّ الْقَاضِي بِأَنَّ قَوْلَهُ : وَلَدِي .\rيَسْتَغْرِقُ الْجِنْسَ ، فَيَعُمُّ الْجَمِيعَ ، وَقَوْلَهُ : فُلَانٍ وَفُلَانٍ .\rتَأْكِيدٌ لِبَعْضِهِمْ ، فَلَا يُوجِبُ إخْرَاجَ بَقِيَّتِهِمْ ، كَالْعَطْفِ فِي قَوْله تَعَالَى : { مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ } .\rوَلَنَا أَنَّهُ أَبْدَلَ بَعْضَ الْوَلَدِ مِنْ اللَّفْظِ الْمُتَنَاوِلِ لِلْجَمِيعِ ، فَاخْتَصَّ بِالْبَعْضِ الْمُبْدَلِ ، كَمَا لَوْ قَالَ : عَلَى وَلَدِي فُلَانٍ .\rوَذَلِكَ لِأَنَّ بَدَلَ الْبَعْضِ يُوجِبُ اخْتِصَاصَ الْحُكْمِ بِهِ ، كَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إلَيْهِ سَبِيلًا } لَمَّا خَصَّ الْمُسْتَطِيعَ بِالذِّكْرِ ، اخْتَصَّ الْوُجُوبُ بِهِ .\rوَلَوْ قَالَ : ضَرَبْت زَيْدًا رَأْسَهُ .\rوَرَأَيْت زَيْدًا وَجْهَهُ .\rاخْتَصَّ الضَّرْبُ بِالرَّأْسِ ، وَالرُّؤْيَةُ بِالْوَجْهِ .\rوَمِنْهُ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ } .\rوَقَوْلُ الْقَائِلِ : طَرَحْت الثِّيَابَ بَعْضَهَا فَوْقَ بَعْضٍ .\rفَإِنَّ الْفَوْقِيَّةَ تَخْتَصُّ بِالْبَعْضِ مَعَ عُمُومِ اللَّفْظِ الْأَوَّلِ كَذَا هَاهُنَا .\rوَفَارَقَ الْعَطْفَ ، فَإِنَّ عَطْفَ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِ يَقْتَضِي تَأْكِيدَهُ ، لَا تَخْصِيصَهُ .\rوَقَوْلُ أَحْمَدَ : هُمْ شُرَكَاءُ .\rيَحْتَمِلُ أَنْ يَعُودَ إلَى أَوْلَادِ أَوْلَادِهِ ، أَيْ يَشْتَرِكُ أَوْلَادُ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمَا وَأَوْلَادُ غَيْرِهِمْ ؛ لِعُمُومِ لَفْظِ الْوَاقِفِ فِيهِمْ ، وَيَتَعَيَّنُ حَمْلُ كَلَامِهِ عَلَيْهِ ، لِقِيَامِ","part":12,"page":206},{"id":5706,"text":"الدَّلِيلِ عَلَيْهِ .\rوَلَوْ قَالَ : عَلَى وَلَدِي فُلَانٍ وَفُلَانٍ ، ثُمَّ عَلَى الْمَسَاكِينِ .\rخَرَجَ فِيهِ مِنْ الْخِلَافِ مِثْلُ مَا ذَكَرْنَا .\rوَيَحْتَمِلُ عَلَى قَوْلِ الْقَاضِي أَنْ يَدْخُلَ فِي الْوَقْفِ وَلَدُ وَلَدِهِ ؛ لِأَنَّنَا قَدْ ذَكَرْنَا مِنْ قَبْلُ أَنَّ ظَاهِرَ كَلَامِ أَحْمَدَ أَنَّ قَوْلَهُ : وَقَفْت عَلَى وَلَدِي .\rيَتَنَاوَلُ نَسْلَهُ وَعَاقِبَتَهُ كُلَّهَا .","part":12,"page":207},{"id":5707,"text":"( 4390 ) فَصْلٌ : وَمَنْ وَقَفَ عَلَى أَوْلَادِهِ أَوْ أَوْلَادِ غَيْرِهِ ، وَفِيهِمْ حَمْلٌ ، لَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا قَبْلَ انْفِصَالِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ تَثْبُتْ لَهُ أَحْكَامُ الدُّنْيَا قَبْلَ انْفِصَالِهِ .\rقَالَ أَحْمَدُ ، فِي رِوَايَةِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، فِي مَنْ وَقَفَ نَخْلًا عَلَى قَوْمٍ ، وَمَا تَوَالَدُوا ، ثُمَّ وُلِدَ مَوْلُودٌ : فَإِنْ كَانَتْ النَّخْلُ قَدْ أُبِّرَتْ ، فَلَيْسَ لَهُ فِيهِ شَيْءٌ ، وَهُوَ لِلْأَوَّلِ ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ قَدْ أُبِّرَتْ ، فَهُوَ مَعَهُمْ .\rوَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِأَنَّهَا قَبْلَ التَّأْبِيرِ تَتْبَعُ الْأَصْلَ فِي الْبَيْعِ ، وَهَذَا الْمَوْلُودُ يَسْتَحِقُّ نَصِيبَهُ مِنْ الْأَصْلِ فَيَتْبَعُهُ حِصَّتُهُ مِنْ الثَّمَرَةِ ، كَمَا لَوْ اشْتَرَى ذَلِكَ النَّصِيبَ مِنْ الْأَصْلِ .\rوَبَعْدَ التَّأْبِيرِ لَا تَتْبَعُ الْأَصْلَ ، وَيَسْتَحِقُّهَا مَنْ كَانَ لَهُ الْأَصْلُ ، فَكَانَتْ لِلْأَوَّلِ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ كَانَ كُلُّهُ لَهُ ، فَاسْتَحَقَّ ثَمَرَتَهُ ، كَمَا لَوْ بَاعَ هَذَا النَّصِيبَ مِنْهَا ، وَلَمْ يَسْتَحِقَّ الْمَوْلُودُ مِنْهَا شَيْئًا كَالْمُشْتَرِي .\rوَهَكَذَا الْحُكْمُ فِي سَائِرِ ثَمَرِ الشَّجَرِ الظَّاهِرِ ، فَإِنَّ الْمَوْلُودَ لَا يَسْتَحِقُّ مِنْهُ شَيْئًا ، وَيَسْتَحِقُّ مِمَّا ظَهَرَ بَعْدَ وِلَادَتِهِ .\rوَإِنْ كَانَ الْوَقْفُ أَرْضًا فِيهَا زَرْعٌ يَسْتَحِقُّهُ الْبَائِعُ ، فَهُوَ لِلْأَوَّلِ وَإِنْ كَانَ مِمَّا يَسْتَحِقُّهُ الْمُشْتَرِي ، فَلِلْمَوْلُودِ حِصَّتُهُ مِنْهُ ، لِأَنَّ الْمَوْلُودَ يَتَجَدَّدُ اسْتِحْقَاقُهُ لِلْأَصْلِ ، كَتَجَدُّدِ مِلْكِ الْمُشْتَرِي فِيهِ .","part":12,"page":208},{"id":5708,"text":"( 4391 ) الْفَصْلُ الثَّانِي : إذَا وَقَفَ عَلَى قَوْمٍ ، وَأَوْلَادِهِمْ ، وَعَاقِبَتِهِمْ ، وَنَسْلِهِمْ .\rدَخَلَ فِي الْوَقْفِ وَلَدُ الْبَنِينَ ، بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ فَأَمَّا وَلَدُ الْبَنَاتِ ، فَقَالَ الْخِرَقِيِّ : لَا يَدْخُلُونَ فِيهِ .\rوَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ ، فِي مَنْ وَقَفَ عَلَى وَلَدِهِ : مَا كَانَ مِنْ وَلَدِ الْبَنَاتِ فَلَيْسَ لَهُمْ فِيهِ شَيْءٌ فَهَذَا النَّصُّ يَحْتَمِلُ أَنْ يُعَدَّى إلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَقْصُورًا عَلَى مَنْ وَقَفَ عَلَى وَلَدِهِ وَلَمْ يَذْكُرْ وَلَدَ وَلَدِهِ .\rوَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ فِيمَا تَقَدَّمَ .\rوَمِمَّنْ قَالَ إنَّهُ لَا يَدْخُلُ وَلَدُ الْبَنَاتِ فِي الْوَقْفِ الَّذِي عَلَى أَوْلَادِهِ وَأَوْلَادِ أَوْلَادِهِ مَالِكٌ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ .\rوَهَكَذَا إذَا قَالَ : عَلَى ذُرِّيَّتِهِمْ وَنَسْلِهِمْ وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَامِدٍ : يَدْخُلُ فِيهِ وَلَدُ الْبَنَاتِ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي يُوسُفَ ؛ لِأَنَّ الْبَنَاتِ أَوْلَادُهُ ، فَأَوْلَادُهُنَّ أَوْلَادُ الْأَوْلَادِ حَقِيقَةً ، فَيَجِبُ أَنْ يَدْخُلُوا فِي الْوَقْفِ ، لِتَنَاوُلِ اللَّفْظِ لَهُمْ ، وَقَدْ دَلَّ عَلَى صِحَّةِ هَذَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُد وَسُلَيْمَانَ } إلَى قَوْلِهِ : { وَعِيسَى } .\rوَهُوَ مِنْ وَلَدِ بِنْتِهِ ، فَجَعَلَهُ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ ، وَكَذَلِكَ ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى قِصَّةَ عِيسَى وَإِبْرَاهِيم وَمُوسَى وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ ، ثُمَّ قَالَ : { أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ } وَعِيسَى مَعَهُمْ .\rوَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لِلْحَسَنِ : إنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ } .\rوَهُوَ وَلَدُ بِنْتِهِ .\rوَلَمَّا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمْ } .\rدَخَلَ فِي التَّحْرِيمِ حَلَائِلُ أَبْنَاءِ الْبَنَاتِ ، وَلَمَّا حَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى الْبَنَاتِ ، دَخَلَ فِي التَّحْرِيمِ بَنَاتُهُنَّ .\rوَوَجْهُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ ،","part":12,"page":209},{"id":5709,"text":"أَنَّ اللَّهِ تَعَالَى قَالَ : { يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ } .\rفَدَخَلَ فِيهِ وَلَدُ الْبَنِينَ دُونَ وَلَدِ الْبَنَاتِ ، وَهَكَذَا كُلُّ مَوْضِعٍ ذُكِرَ فِيهِ الْوَلَدُ فِي الْإِرْثِ وَالْحَجْبِ ، دَخَلَ فِيهِ وَلَدُ الْبَنِينَ دُونَ وَلَدِ الْبَنَاتِ وَلِأَنَّهُ لَوْ وَقَفَ عَلَى وَلَدِ رَجُلٍ ، وَقَدْ صَارُوا قَبِيلَةً ، دَخَلَ فِيهِ وَلَدُ الْبَنِينَ دُونَ وَلَدِ الْبَنَاتِ بِالِاتِّفَاقِ ، وَكَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَصِيرُوا قَبِيلَةً .\rوَلِأَنَّهُ لَوْ وَقَفَ عَلَى وَلَدِ الْعَبَّاسِ فِي عَصْرِنَا ، لَمْ يَدْخُلْ فِيهِ وَلَدُ بَنَاتِهِ ، فَكَذَلِكَ إذَا وَقَفَ عَلَيْهِمْ فِي حَيَاتِهِ ، وَلِأَنَّ وَلَدَ الْبَنَاتِ مَنْسُوبُونَ إلَى آبَائِهِمْ دُونَ أُمَّهَاتِهِمْ ، قَالَ الشَّاعِرُ : بَنُونَا بَنُو أَبْنَائِنَا وَبَنَاتُنَا بَنُوهُنَّ أَبْنَاءُ الرِّجَالِ الْأَبَاعِدِ وَقَوْلُهُمْ : إنَّهُمْ أَوْلَادُ أَوْلَادٍ حَقِيقَةً .\rقُلْنَا : إلَّا أَنَّهُمْ لَا يُنْسَبُونَ إلَى الْوَاقِفِ عُرْفًا ، وَلِذَلِكَ لَوْ قَالَ : أَوْلَادُ أَوْلَادِي الْمُنْتَسِبِينَ إلَيَّ .\rلَمْ يَدْخُلْ هَؤُلَاءِ فِي الْوَقْفِ وَلِأَنَّ وَلَدَ الْهَاشِمِيَّةِ مِنْ غَيْرِ الْهَاشِمِيِّ لَيْسَ بِهَاشِمِيٍّ ، وَلَا يُنْسَبُ إلَى أَبِيهَا .\rوَأَمَّا عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَبٌ يُنْسَبُ إلَيْهِ ، فَنُسِبَ إلَى أُمِّهِ لِعَدَمِ أَبِيهِ ، وَلِذَلِكَ يُقَالُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ، وَغَيْرُهُ إنَّمَا يُنْسَبُ إلَى أَبِيهِ ، كَيَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّا .\rوَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ } .\rتَجَوُّزٌ بِغَيْرِ خِلَافٍ ، بِدَلِيلِ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ } .\rوَهَذَا الْخِلَافُ فِيمَا إذَا لَمْ يُوجَدْ مَا يَدُلُّ عَلَى تَعْيِينِ أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ ، فَأَمَّا إنْ وُجِدَ مَا يَصْرِفُ اللَّفْظَ إلَى أَحَدِهِمَا ، انْصَرَفَ إلَيْهِ وَلَوْ قَالَ : عَلَى أَوْلَادِي ، وَأَوْلَادِ أَوْلَادِي ، عَلَى أَنَّ لِوَلَدِ الْبَنَاتِ سَهْمًا ، وَلِوَلَدِ الْبَنِينَ سَهْمَيْنِ .\rأَوْ : فَإِذَا خَلَتْ الْأَرْضُ مِمَّنْ يَرْجِعُ نَسَبُهُ إلَيَّ","part":12,"page":210},{"id":5710,"text":"مِنْ قِبَلِ أَبٍ أَوْ أُمٍّ ، كَانَ لِلْمَسَاكِينِ .\rأَوْ كَانَ الْبَطْنُ الْأَوَّلُ مِنْ أَوْلَادِهِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ كُلِّهِمْ بَنَاتٍ ، وَأَشْبَاهُ هَذَا مِمَّا يَدُلُّ عَلَى إرَادَةِ وَلَدِ الْبَنَاتِ بِالْوَقْفِ ، دَخَلُوا فِي الْوَقْفِ .\rوَإِنْ قَالَ : عَلَى أَوْلَادِي ، وَأَوْلَادِ أَوْلَادِي الْمُنْتَسِبِينَ إلَيَّ ، أَوْ غَيْرِ ذَوِي الْأَرْحَامِ ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ .\rلَمْ يَدْخُلْ فِيهِ وَلَدُ الْبَنَاتِ .\rوَإِنْ قَالَ : عَلَى وَلَدِي فُلَانٍ وَفُلَانَةَ وَفُلَانَةَ ، وَأَوْلَادِهِمْ ، دَخَلَ فِيهِ وَلَدُ الْبَنَاتِ وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ : عَلَى أَنَّهُ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ عَنْ وَلَدِهِ فَنَصِيبُهُ لِوَلَدِهِ .\rوَإِنْ قَالَ الْهَاشِمِيُّ : وَقَفْت عَلَى أَوْلَادِي ، وَأَوْلَادِ أَوْلَادِي الْهَاشِمِيِّينَ .\rلَمْ يَدْخُلْ فِي الْوَقْفِ مِنْ أَوْلَادِ بَنَاتِهِ مَنْ كَانَ غَيْرَ هَاشِمِيٍّ .\rفَأَمَّا مَنْ كَانَ هَاشِمِيًّا مِنْ غَيْرِ أَوْلَادِ بَنِيهِ ، فَهَلْ يَدْخُلُونَ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ ؛ أُولَاهُمَا ، أَنَّهُمْ يَدْخُلُونَ ؛ لِأَنَّهُمْ اجْتَمَعَ فِيهِمْ الصِّفَتَانِ جَمِيعًا ، كَوْنُهُمْ مِنْ أَوْلَادِ أَوْلَادِهِ ، وَكَوْنُهُمْ هَاشِمِيِّينَ .\rوَالثَّانِي ، لَا يَدْخُلُونَ ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَدْخُلُوا فِي مُطْلَقِ أَوْلَادِ أَوْلَادِهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ يَقُلْ الْهَاشِمِيِّينَ .\rوَإِنْ قَالَ : عَلَى أَوْلَادِي ، وَأَوْلَادِ أَوْلَادِي ، مِمَّا يُنْسَبُ إلَى قَبِيلَتِي .\rفَكَذَلِكَ .","part":12,"page":211},{"id":5711,"text":"( 4392 ) الْفَصْل الثَّالِثُ : أَنَّهُ إذَا وَقَفَ عَلَى أَوْلَادِ رَجُلٍ ، وَأَوْلَادِ أَوْلَادِهِ ، اسْتَوَى فِيهِ الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى ؛ لِأَنَّهُ تَشْرِيكٌ بَيْنَهُمْ ، وَإِطْلَاقُ التَّشْرِيكِ يَقْتَضِي التَّسْوِيَةَ ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ لَهُمْ بِشَيْءٍ ، وَكَوَلَدِ الْأُمِّ فِي الْمِيرَاثِ حِينَ شَرَّكَ اللَّهُ تَعَالَى بَيْنَهُمْ فِيهِ ، فَقَالَ : { فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ } .\rتَسَاوَوْا فِيهِ ، وَلَمْ يُفَضِّلْ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ .\rوَلَيْسَ كَذَلِكَ فِي مِيرَاثِ وَلَدِ الْأَبَوَيْنِ وَوَلَدِ الْأَبِ ، فَإِنَّ اللَّهِ تَعَالَى قَالَ : { وَإِنْ كَانُوا إخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ } .\rوَلَا أَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا .","part":12,"page":212},{"id":5712,"text":"( 4393 ) الْفَصْلُ الرَّابِعُ : أَنَّهُ إذَا فَضَّلَ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ ، فَهُوَ عَلَى مَا قَالَ ، فَلَوْ قَالَ : وَقَفْت عَلَى أَوْلَادِي ، وَأَوْلَادِ أَوْلَادِي ، عَلَى أَنَّ لِلذَّكَرِ سَهْمَيْنِ ، وَلِلْأُنْثَى سَهْمًا ، أَوْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ، أَوْ عَلَى حَسَبِ مِيرَاثِهِمْ ، أَوْ عَلَى حَسَبِ فَرَائِضِهِمْ ، أَوْ بِالْعَكْسِ مِنْ هَذَا ، أَوْ عَلَى أَنَّ لِلْكَبِيرِ ضِعْفَ مَا لِلصَّغِيرِ ، أَوْ لِلْعَالِمِ ضِعْفَ مَا لِلْجَاهِلِ ، أَوْ لِلْعَائِلِ ضِعْفَ مَا لِلْغَنِيِّ ، أَوْ عَكْسَ ذَلِكَ ، أَوْ عَيَّنَ بِالتَّفْضِيلِ وَاحِدًا مُعَيَّنًا ، أَوْ وَلَدَهُ ، أَوْ مَا أَشْبَهَ هَذَا ، فَهُوَ عَلَى مَا قَالَ ؛ لِأَنَّ ابْتِدَاءَ الْوَقْفِ مُفَوَّضٌ إلَيْهِ ، فَكَذَلِكَ تَفْضِيلُهُ وَتَرْتِيبُهُ وَكَذَلِكَ إنْ شَرَطَ إخْرَاجَ بَعْضِهِمْ بِصِفَةٍ وَرَدَّهُ بِصِفَةٍ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ : مَنْ تَزَوَّجَ مِنْهُمْ فَلَهُ ، وَمَنْ فَارَقَ فَلَا شَيْءَ لَهُ ، أَوْ عَكْسَ ذَلِكَ ، أَوْ مَنْ حَفِظَ الْقُرْآنَ فَلَهُ ، وَمَنْ نَسِيَهُ فَلَا شَيْءَ لَهُ ، وَمَنْ اشْتَغَلَ بِالْعِلْمِ فَلَهُ ، وَمَنْ تَرَكَ فَلَا شَيْءَ لَهُ ، أَوْ مَنْ كَانَ عَلَى مَذْهَبِ كَذَا فَلَهُ ، وَمَنْ خَرَجَ مِنْهُ فَلَا شَيْءَ لَهُ .\rفَكُلُّ هَذَا صَحِيحٌ عَلَى مَا شَرَطَ .\rوَقَدْ رَوَى هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ ، أَنَّ الزُّبَيْرَ جَعَلَ دُورَهُ صَدَقَةً عَلَى بَنِيهِ لَا تُبَاعُ وَلَا تُوهَبُ ، وَأَنَّ لِلْمَرْدُودَةِ مِنْ بَنَاتِهِ أَنْ تَسْكُنَ غَيْرَ مُضِرَّةٍ وَلَا مُضَرٍّ بِهَا ، فَإِنْ اسْتَغْنَتْ بِزَوْجٍ فَلَا حَقَّ لَهَا فِي الْوَقْفِ .\rوَلَيْسَ هَذَا تَعْلِيقًا لِلْوَقْفِ بِصِفَةٍ ، بَلْ الْوَقْفُ مُطْلَقٌ وَالِاسْتِحْقَاقُ لَهُ بِصِفَةٍ .\rوَكُلُّ هَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rوَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا .","part":12,"page":213},{"id":5713,"text":"( 4394 ) فَصْلٌ : وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يُقَسِّمَ الْوَقْفَ عَلَى أَوْلَادِهِ ، عَلَى حَسَبِ قِسْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى الْمِيرَاثَ بَيْنَهُمْ ، لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : الْمُسْتَحَبُّ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ الْقُرْبَةُ عَلَى وَجْهِ الدَّوَامِ ، وَقَدْ اسْتَوَوْا فِي الْقَرَابَةِ .\rوَلَنَا أَنَّهُ إيصَالٌ لِلْمَالِ إلَيْهِمْ ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمْ عَلَى حَسَبِ الْمِيرَاثِ ، كَالْعَطِيَّةِ ، وَلِأَنَّ الذَّكَرَ فِي مَظِنَّةِ الْحَاجَةِ أَكْثَرُ مِنْ الْأُنْثَى ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي الْعَادَةِ يَتَزَوَّجُ ، وَيَكُونُ لَهُ الْوَلَدُ ، فَالذَّكَرُ تَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَةُ امْرَأَتِهِ وَأَوْلَادِهِ ، وَالْمَرْأَةُ يُنْفِقُ عَلَيْهَا زَوْجُهَا وَلَا يَلْزَمُهَا نَفَقَةُ أَوْلَادِهَا ، وَقَدْ فَضَّلَ اللَّهُ الذَّكَرَ عَلَى الْأُنْثَى فِي الْمِيرَاثِ عَلَى وَفْقِ هَذَا الْمَعْنَى ، فَيَصِحُّ تَعْلِيلُهُ بِهِ وَيَتَعَدَّى إلَى الْوَقْفِ وَإِلَى غَيْرِهِ مِنْ الْعَطَايَا وَالصِّلَاتِ .\rوَمَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي لَا أَصْلَ لَهُ ، وَهُوَ مُلْغًى بِالْمِيرَاثِ وَالْعَطِيَّةِ .\rفَإِنْ خَالَفَ فَسَوَّى بَيْنَ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى ، أَوْ فَضَّلَهَا عَلَيْهِ ، أَوْ فَضَّلَ بَعْضَ الْبَنِينَ أَوْ بَعْضَ الْبَنَاتِ عَلَى بَعْضٍ ، أَوْ خَصَّ بَعْضَهُمْ بِالْوَقْفِ دُونَ بَعْضٍ ، فَقَالَ أَحْمَدُ ، فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَكَمِ : إِنْ كَانَ عَلَى طَرِيقِ الْأَثَرَةِ ، فَأَكْرَهُهُ ، وَإِنْ كَانَ عَلَى أَنَّ بَعْضَهُمْ لَهُ عِيَالٌ وَبِهِ حَاجَةٌ .\rيَعْنِي فَلَا بَأْسَ بِهِ .\rوَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الزُّبَيْرَ خَصَّ الْمَرْدُودَةَ مِنْ بَنَاتِهِ دُونَ الْمُسْتَغْنِيَةِ مِنْهُنَّ بِصَدَقَتِهِ .\rوَعَلَى قِيَاسِ قَوْلِ أَحْمَدَ ، لَوْ خَصَّ الْمُشْتَغِلِينَ بِالْعِلْمِ مِنْ أَوْلَادِهِ بِوَقْفِهِ ، تَحْرِيضًا لَهُمْ عَلَى طَلَبِ الْعِلْمِ ، أَوْ ذَا الدِّينِ دُونَ الْفُسَّاقِ ، أَوْ الْمَرِيضَ أَوْ مَنْ لَهُ فَضْلٌ مِنْ أَجْلِ فَضِيلَتِهِ ، فَلَا بَأْسَ وَقَدْ دَلَّ عَلَى صِحَّةِ هَذَا أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ نَحَلَ عَائِشَةَ جُذَاذَ عِشْرِينَ","part":12,"page":214},{"id":5714,"text":"وَسْقًا دُونَ سَائِرِ وَلَدِهِ ، وَحَدِيثُ عُمَرَ ، أَنَّهُ كَتَبَ : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، هَذَا مَا أَوْصَى بِهِ عَبْدُ اللَّهِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ، إنْ حَدَثَ بِهِ حَدَثٌ ، أَنَّ ثَمْغًا وَصِرْمَةَ بْنَ الْأَكْوَعِ ، وَالْعَبْدَ الَّذِي فِيهِ ، وَالْمِائَةَ سَهْمٍ الَّتِي بِخَيْبَرَ ، وَرَقِيقَهُ الَّذِي فِيهِ ، الَّذِي أَطْعَمَهُ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْوَادِي ، تَلِيه حَفْصَةُ مَا عَاشَتْ ، ثُمَّ يَلِيهِ ذُو الرَّأْيِ مِنْ أَهْلِهَا ، أَنْ لَا يُبَاعَ وَلَا يُشْتَرَى ، يُنْفِقُهُ حَيْثُ رَأَى مِنْ السَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ وَذَوِي الْقُرْبَى ، لَا حَرَجَ عَلَى مَنْ وَلِيَهُ إنْ أَكَلَ أَوْ آكَلَ أَوْ اشْتَرَى رَقِيقًا مِنْهُ .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى تَخْصِيصِ حَفْصَةَ دُونَ إخْوَتِهَا وَأَخَوَاتهَا .","part":12,"page":215},{"id":5715,"text":"( 4395 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : ( فَإِذَا لَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ أَحَدٌ ، رَجَعَ إلَى الْمَسَاكِينِ ) يَعْنِي إذَا وَقَفَ عَلَى قَوْمٍ وَنَسْلِهِمْ ، ثُمَّ عَلَى الْمَسَاكِينِ ، فَانْقَرَضَ الْقَوْمُ وَنَسْلُهُمْ ، فَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ أَحَدٌ ، رَجَعَ إلَى الْمَسَاكِينِ ، وَلَمْ يَنْتَقِلُ إلَيْهِمْ مَا دَامَ أَحَدٌ مِنْ الْقَوْمِ أَوْ مِنْ نَسْلِهِمْ بَاقِيًا ؛ لِأَنَّهُ رَتَّبَهُ لِلْمَسَاكِينِ بَعْدَهُمْ .\rوَالْمَسَاكِينُ الَّذِينَ يَسْتَحِقُّونَ السَّهْمَ مِنْ الزَّكَاةِ ، وَالْفُقَرَاءُ يَدْخُلُونَ فِيهِمْ ، وَكَذَلِكَ لَفْظُ الْفُقَرَاءِ يَدْخُلُ فِيهِ الْمَسَاكِينُ ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ اللَّفْظَيْنِ يُطْلَقُ عَلَيْهِمَا .\rوَالْمَعْنَى الَّذِي يُسَمَّيَانِ بِهِ شَامِلٌ لَهُمَا ، وَهُوَ الْحَاجَةُ وَالْفَاقَةُ ، وَلِهَذَا لَمَّا سَمَّى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الْمَسَاكِينَ ، فِي مَصْرِفِ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ ، وَكَفَّارَةِ الظِّهَارِ ، وَفِدْيَةِ الْأَذَى ، تَنَاوَلَهُمَا جَمِيعًا ، وَجَازَ الصَّرْفُ إلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ، وَلَمَّا ذَكَرَ الْفُقَرَاءَ فِي قَوْلِهِ : { لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أَحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ } .\rوَفِي قَوْلِهِ : { وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ } .\rتَنَاوَلَ الْقِسْمَيْنِ ، وَكُلُّ مَوْضِعٍ ذُكِرَ فِيهِ أَحَدُ اللَّفْظَيْنِ تَنَاوَلَ الْقِسْمَيْنِ ، إلَّا فِي الصَّدَقَاتِ ، لِأَنَّ اللَّهِ تَعَالَى جَمَعَ بَيْنَ الِاسْمَيْنِ ، وَمَيَّزَ بَيْنَ الْمُسَمَّيَيْنِ ، فَاحْتَجْنَا إلَى التَّمْيِيزِ بَيْنَهُمَا ، وَفِي غَيْرِ الصَّدَقَاتِ يُسَمَّى الْكُلُّ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الِاسْمَيْنِ ، فَإِنْ جَمَعَ بَيْنَ الِاسْمَيْنِ بِالْوَقْفِ أَيْضًا ، فَقَالَ : وَقَفْت هَذَا عَلَى الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ ، نِصْفَيْنِ ، أَوْ ثَلَاثًا وَجَبَ التَّمْيِيزُ بَيْنَهُمَا أَيْضًا ، فَنَزَّلْنَاهُمَا مَنْزِلَتَهُمَا مِنْ سِهَامِ الصَّدَقَاتِ .\rوَإِنْ قَالَ : عَلَى الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ فَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ جَوَازُ الِاقْتِصَارِ عَلَى أَحَدِ الصِّنْفَيْنِ ، وَإِبَاحَةُ الدَّفْعِ إلَى وَاحِدٍ ، كَمَا قُلْنَا فِي الزَّكَاةِ .\rوَيَتَخَرَّجُ أَنْ لَا يَجُوزَ الدَّفْعُ إلَى أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةٍ مِنْ كُلِّ صِنْفٍ ،","part":12,"page":216},{"id":5716,"text":"بِنَاءً عَلَى الْقَوْلِ فِي الزَّكَاةِ أَيْضًا .\rوَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ لَا يَجِبُ تَعْمِيمُهُمْ بِالْعَطِيَّةِ ، كَمَا لَا يَجِبُ اسْتِيعَابُهُمْ بِالزَّكَاةِ ، وَلَا فِي أَنَّهُ يَجُوزُ التَّفْضِيلُ بَيْنَ مِنْ يُعْطِيه مِنْهُمْ ، سَوَاءٌ كَانُوا ذُكُورًا أَوْ إنَاثًا ، أَوْ كَانَ الْوَقْفُ ابْتِدَاءً ، أَوْ انْتَقَلَ إلَيْهِمْ عَنْ غَيْرِهِمْ وَضَابِطُ هَذَا أَنَّهُ مَتَى كَانَ الْوَقْفُ عَلَى مَنْ يُمْكِنُ حَصْرُهُمْ وَاسْتِيعَابُهُمْ ، وَالتَّسْوِيَةُ بَيْنَهُمْ ، وَجَبَ اسْتِيعَابُهُمْ وَالتَّسْوِيَةُ بَيْنَهُمْ ، إذَا لَمْ يُفَضِّلْ الْوَاقِفُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ ، فَإِنْ وَقَفَ عَلَى مَنْ لَا يُمْكِنُ حَصْرُهُمْ ، كَالْمَسَاكِينِ ، أَوْ قَبِيلَةٍ كَبِيرَةٍ كَبَنِي تَمِيمٍ وَبَنِي هَاشِمٍ ، جَازَ الدَّفْعُ إلَى وَاحِدٍ وَإِلَى أَكْثَرَ مِنْهُ ، وَجَازَ التَّفْضِيلُ وَالتَّسْوِيَةُ ؛ لِأَنَّ وَقْفَهُ عَلَيْهِمْ ، مَعَ عِلْمِهِ بِتَعَذُّرِ اسْتِيعَابِهِمْ ، دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُرِدْهُ ، وَمَنْ جَازَ حِرْمَانُهُ ، جَازَ تَفْضِيلُ غَيْرِهِ عَلَيْهِ .\rفَإِنْ كَانَ الْوَقْفُ فِي ابْتِدَائِهِ عَلَى مَنْ يُمْكِنُ اسْتِيعَابُهُ ، فَصَارَ مِمَّنْ لَا يُمْكِنُ اسْتِيعَابُهُ ، كَرَجُلٍ وَقَفَ عَلَى وَلَدِهِ وَوَلَدِ وَلَدِهِ ، فَصَارُوا قَبِيلَةً كَبِيرَةً تَخْرُجُ عَنْ الْحَصْرِ ، مِثْلُ أَنْ يَقِفَ عَلِيٌّ عَلَى وَلَدِهِ وَنَسْلِهِ ، فَإِنَّهُ يَجِبُ تَعْمِيمُ مَنْ أَمْكَنَ مِنْهُمْ ، وَالتَّسْوِيَةُ بَيْنَهُمْ .\rلِأَنَّ التَّعْمِيمَ كَانَ وَاجِبًا ، وَكَذَلِكَ التَّسْوِيَةُ ، فَإِذَا تَعَذَّرَ ، وَجَبَ مِنْهُ مَا أَمْكَنَ ، كَالْوَاجِبِ الَّذِي يَعْجِزُ عَنْ بَعْضِهِ ؛ وَلِأَنَّ الْوَاقِفَ أَرَادَ التَّعْمِيمَ وَالتَّسْوِيَةَ ، لِإِمْكَانِهِ وَصَلَاحِ لَفْظِهِ لِذَلِكَ ، فَيَجِبُ الْعَمَلُ بِمَا أَمْكَنَ مِنْهُ ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانُوا حَالَ الْوَقْفِ مِمَّا لَا يُمْكِنُ ذَلِكَ فِيهِمْ .","part":12,"page":217},{"id":5717,"text":"( 4396 ) فَصْلٌ : وَإِنْ وَقَفَ عَلَى سَبِيلِ اللَّهِ ، أَوْ ابْنِ السَّبِيلِ ، أَوْ الرِّقَابِ أَوْ الْغَارِمِينَ ، فَهُمْ الَّذِينَ يَسْتَحِقُّونَ السَّهْمَ مِنْ الصَّدَقَاتِ ، لَا يَعْدُوهُمْ إلَى غَيْرِهِمْ ؛ لِأَنَّ الْمُطْلَقَ مِنْ كَلَامِ الْآدَمِيِّينَ مَحْمُولٌ عَلَى الْمَعْهُودِ فِي الشَّرْعِ ، فَيُنْظَرُ ؛ مَنْ كَانَ يَسْتَحِقُّ السَّهْمَ مِنْ الصَّدَقَاتِ ، فَالْوَقْفُ مَصْرُوفٌ إلَيْهِ ، وَشَرْحُهُمْ يَأْتِي فِي مَوْضِعِهِ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .\rوَإِنْ وَقَفَ عَلَى الْأَصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ الَّذِينَ يَأْخُذُونَ الصَّدَقَاتِ ، صُرِفَ إلَيْهِمْ ، وَيُعْطَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مِنْ الْوَقْفِ مِثْلَ الْقَدْرِ الَّذِي يُعْطَى مِنْ الزَّكَاةِ ، لَا يُزَادُ عَلَى ذَلِكَ ، فَيُعْطَى الْفَقِيرُ وَالْمِسْكِينُ مَا يَتِمُّ بِهِ غَنَاؤُهُ ، وَالْغَارِمُ قَدْرَ مَا يَقْضِي غُرْمَهُ ، وَالْمُكَاتَبُ قَدْرَ مَا يُؤَدِّي بِهِ كِتَابَتَهُ وَابْنُ السَّبِيلِ مَا يُبَلِّغُهُ ، وَالْغَازِي مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ لِغَزْوِهِ وَإِنْ كَانَ غَنِيًّا .\rوَاخْتُلِفَ فِي قَدْرِ مَا يَحْصُلُ بِهِ الْغِنَى ، فَقَالَ أَحْمَدُ ، فِي رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ سَعِيدٍ ، فِي الرَّجُلِ يُعْطَى مِنْ الْوَقْفِ خَمْسِينَ دِرْهَمًا ، فَقَالَ : إنْ كَانَ الْوَاقِفُ ذَكَرَ فِي كِتَابِهِ الْمَسَاكِينَ ، فَهُوَ مِثْلُ الزَّكَاةِ .\rوَإِنْ كَانَ مُتَطَوِّعًا أَعْطَى مَا شَاءَ وَكَيْفَ شَاءَ .\rفَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى إلْحَاقِهِ بِالزَّكَاةِ ، فَيَكُونُ الْخِلَافُ فِيهِ كَالْخِلَافِ فِي الزَّكَاةِ .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .\rوَإِنْ وَقَفَ عَلَى جَمِيعِ الْأَصْنَافِ ، أَوْ عَلَى صِنْفَيْنِ ، أَوْ أَكْثَرَ ، فَهَلْ يَجُوزُ الِاقْتِصَارُ عَلَى صِنْفٍ وَاحِدٍ ، أَوْ يَجِبُ إعْطَاءُ بَعْضِ كُلِّ صِنْفٍ مِنْ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ ، بِنَاءً عَلَى الزَّكَاةِ .","part":12,"page":218},{"id":5718,"text":"( 4397 ) فَصْلٌ : وَإِذَا وَقَفَ عَلَى سَبِيلِ اللَّهِ ، وَسَبِيلِ الثَّوَابِ ، وَسَبِيلِ الْخَيْرِ ، فَسَبِيلُ اللَّهِ هُوَ الْغَزْوُ وَالْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، فَيُصْرَفُ ثُلُثُ الْوَقْفِ إلَى مِنْ يُصْرَفُ إلَيْهِمْ السَّهْمُ مِنْ الزَّكَاةِ ، وَهُمْ الْغُزَاةُ الَّذِينَ لَا حَقَّ لَهُمْ فِي الدِّيوَانِ ، وَإِنْ كَانُوا أَغْنِيَاءَ ، وَسَائِرُ الْوَقْفِ يُصْرَفُ إلَى كُلِّ مَا فِيهِ أَجْرٌ وَمَثُوبَةٌ وَخَيْرٌ ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ عَامٌ فِي ذَلِكَ .\rوَقَالَ أَصْحَابُنَا : يُجَزَّأُ الْوَقْفُ ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ ، فَجُزْءٌ يُصْرَفُ إلَى الْغُزَاةِ ، وَجُزْءٌ يُصْرَفُ إلَى أَقْرَبِ النَّاسِ إلَيْهِ مِنْ الْفُقَرَاءِ ، لِأَنَّهُمْ أَكْثَرُ الْجِهَاتِ ثَوَابًا ، فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { صَدَقَتُك عَلَى ذِي الْقَرَابَةِ صَدَقَةٌ وَصِلَةٌ } .\rوَالثَّالِثُ يُصْرَفُ إلَى مَنْ يَأْخُذُ الزَّكَاةَ لِحَاجَتِهِ ، وَهُمْ خَمْسَةُ أَصْنَافٍ ؛ الْفُقَرَاءُ ، وَالْمَسَاكِينُ ، وَالرِّقَابُ وَالْغَارِمُونَ لِمَصْلَحَتِهِمْ ، وَابْنُ السَّبِيلِ ؛ لِأَنَّ هَؤُلَاءِ أَهْلُ حَاجَةٍ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِمْ فِي الْقُرْآنِ ، فَكَانَ مَنْ نَصَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ فِي كِتَابِهِ أَوْلَى مِنْ غَيْرِهِ ، وَإِنْ سَاوَاهُ فِي الْحَاجَةِ ، وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَلَنَا أَنَّ لَفْظَهُ عَامٌ ، فَلَا يَجِبُ التَّخْصِيصُ بِالْبَعْضِ لِكَوْنِهِ أَوْلَى ، كَالْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ فِي الزَّكَاةِ ، لَا يَجِبُ تَخْصِيصُ أَقَارِبِهِ مِنْهُمْ بِهَا ، وَإِنْ كَانُوا أَوْلَى ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْأَلْفَاظِ الْعَامَّةِ .\rوَإِنْ أَوْصَى فِي أَبْوَابِ الْبِرِّ ، صُرِفَ فِي كُلِّ مَا فِيهِ بِرٌّ وَقُرْبَةٌ .\rوَقَالَ أَصْحَابُنَا : يُصْرَفُ فِي أَرْبَعِ جِهَاتٍ ؛ أَقَارِبِهِ غَيْرِ الْوَارِثِينَ ، وَالْمَسَاكِينِ ، وَالْجِهَادِ ، وَالْحَجِّ .\rقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : وَعَنْهُ فِدَاءُ الْأَسْرَى مَكَانَ الْحَجِّ .\rوَوَجْهُ الْقَوْلَيْنِ مَا تَقَدَّمَ فِي الَّتِي قَبْلَهَا .\r( 4398 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : ( فَإِنْ لَمْ يَجْعَلْ آخِرَهُ لِلْمَسَاكِينِ ، وَلَمْ يَبْقَ مِمَّنْ وَقَفَ عَلَيْهِ أَحَدٌ ، رَجَعَ إلَى وَرَثَةِ الْوَاقِفِ .\rفِي إحْدَى","part":12,"page":219},{"id":5719,"text":"الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، وَالرِّوَايَةُ الْأُخْرَى يَكُونُ وَقْفًا عَلَى أَقْرَبِ عَصَبَةٍ الْوَاقِفِ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْوَقْفَ الَّذِي لَا اخْتِلَافَ فِي صِحَّتِهِ ، مَا كَانَ مَعْلُومَ الِابْتِدَاءِ وَالِانْتِهَاءِ ، غَيْرَ مُنْقَطِعٍ ، مِثْلَ أَنْ يُجْعَلَ عَلَى الْمَسَاكِينِ ، أَوْ طَائِفَةٍ لَا يَجُوزُ بِحُكْمِ الْعَادَةِ انْقِرَاضُهُمْ .\rوَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَعْلُومِ الِانْتِهَاءِ ، مِثْلَ أَنْ يَقِفَ عَلَى قَوْمٍ يَجُوزُ انْقِرَاضُهُمْ بِحُكْمِ الْعَادَةِ ، وَلَمْ يَجْعَلْ آخِرَهُ لِلْمَسَاكِينِ ، وَلَا لِجِهَةٍ غَيْرِ مُنْقَطِعَةٍ ، فَإِنَّ الْوَقْفَ يَصِحُّ .\rوَبِهِ قَالَ مَالِكٌ ، وَأَبُو يُوسُفَ ، وَالشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ .\rوَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ : لَا يَصِحُّ .\rوَهُوَ الْقَوْلُ الثَّانِي لِلشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ الْوَقْفَ مُقْتَضَاهُ التَّأْبِيدُ .\rفَإِذَا كَانَ مُنْقَطِعًا صَارَ وَقْفًا عَلَى مَجْهُولٍ ، فَلَمْ يَصِحَّ ، كَمَا لَوْ وَقَفَ عَلَى مَجْهُولٍ فِي الِابْتِدَاءِ .\rوَلَنَا أَنَّهُ تَصَرُّفٌ مَعْلُومُ الْمَصْرِفِ ، فَصَحَّ ، كَمَا لَوْ صَرَّحَ بِمَصْرِفِهِ الْمُتَّصِلِ ، وَلِأَنَّ الْإِطْلَاقَ إذَا كَانَ لَهُ عُرْفٌ ، حُمِلَ عَلَيْهِ ، كَنَقْدِ الْبَلَدِ وَعُرْفِ الْمَصْرِفِ ، وَهَاهُنَا هُمْ أَوْلَى الْجِهَاتِ بِهِ ، فَكَأَنَّهُ عَيَّنَهُمْ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِنَّهُ يَنْصَرِفُ عِنْدَ انْقِرَاضِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ إلَى أَقَارِبِ الْوَاقِفِ .\rوَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى ، أَنَّهُ يَنْصَرِفُ إلَى الْمَسَاكِينِ وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي ، وَالشَّرِيفُ أَبُو جَعْفَرٍ ؛ لِأَنَّهُ مَصْرِفُ الصَّدَقَاتِ وَحُقُوقُ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ الْكَفَّارَاتِ وَنَحْوِهَا ، فَإِذَا وُجِدَتْ صَدَقَةٌ غَيْرُ مُعَيَّنَةِ الْمَصْرِفِ ، انْصَرَفَتْ إلَيْهِمْ ، كَمَا لَوْ نَذَرَ صَدَقَةً مُطْلَقَةً .\rوَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ ثَالِثَةٌ ، أَنَّهُ يُجْعَلُ فِي بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ ؛ لِأَنَّهُ مَالٌ لَا مُسْتَحِقَّ لَهُ ، فَأَشْبَهَ مَالَ مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ .\rوَقَالَ أَبُو يُوسُفَ : يَرْجِعُ إلَى الْوَاقِفِ وَإِلَى وَرَثَتِهِ ، إلَّا أَنْ يَقُولَ :","part":12,"page":220},{"id":5720,"text":"صَدَقَةٌ مَوْقُوفَةٌ ، يُنْفَقُ مِنْهَا عَلَى فُلَانٍ وَعَلَى فُلَانٍ .\rفَإِذَا انْقَرَضَ الْمُسَمَّى كَانَتْ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ .\rلِأَنَّهُ جَعَلَهَا صَدَقَةً عَلَى مُسَمًّى ، فَلَا تَكُونُ عَلَى غَيْرِهِ ، وَيُفَارِقُ مَا إذَا قَالَ : يُنْفَقُ مِنْهَا عَلَى فُلَانٍ وَفُلَانٍ .\rفَإِنَّهُ جَعَلَ الصَّدَقَةَ مُطْلَقَةً .\rوَلَنَا أَنَّهُ أَزَالَ مِلْكَهُ لِلَّهِ تَعَالَى ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَرْجِعَ إلَيْهِ ، كَمَا لَوْ أَعْتَقَ عَبْدًا ، وَالدَّلِيلُ عَلَى صَرْفِهِ إلَى أَقَارِبِ الْوَاقِفِ ، أَنَّهُمْ أَوْلَى النَّاسِ بِصَدَقَتِهِ ، بِدَلِيلِ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { صَدَقَتُك عَلَى غَيْرِ رَحِمِك صَدَقَةٌ ، وَصَدَقَتُك عَلَى رَحِمِك صَدَقَةٌ وَصِلَةٌ } وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إنَّك أَنْ تَدَعَ وَرَثَتَك أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَدَعَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ } .\rوَلِأَنَّ فِيهِ إغْنَاءَهُمْ وَصِلَةَ أَرْحَامِهِمْ ، لِأَنَّهُمْ أَوْلَى النَّاسِ بِصَدَقَاتِهِ النَّوَافِلِ وَالْمَفْرُوضَاتِ ، كَذَلِكَ صَدَقَتُهُ الْمَنْقُولَةُ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّهُ فِي ظَاهِرِ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ ، وَظَاهِرِ كَلَامِ أَحْمَدَ ، يَكُونُ لِلْفُقَرَاءِ مِنْهُمْ وَالْأَغْنِيَاءِ ؛ لِأَنَّ الْوَقْفَ لَا يَخْتَصُّ الْفُقَرَاءَ ، وَلَوْ وَقَفَ عَلَى أَوْلَادِهِ ، تَنَاوَلَ الْفُقَرَاءَ وَالْأَغْنِيَاءَ ، كَذَا هَاهُنَا .\rوَفِيهِ وَجْهٌ آخَرِ ، أَنَّهُ يَخْتَصُّ الْفُقَرَاءَ مِنْهُمْ ، لِأَنَّهُمْ أَهْلُ الصَّدَقَاتِ دُونَ الْأَغْنِيَاءِ ، وَلِأَنَّا خَصَصْنَاهُمْ بِالْوَقْفِ لِكَوْنِهِمْ أَوْلَى النَّاسِ بِالصَّدَقَةِ ، وَأَوْلَى النَّاسِ بِالصَّدَقَةِ الْفُقَرَاءُ دُونَ الْأَغْنِيَاءِ وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ فِي مَنْ يَسْتَحِقُّ الْوَقْفَ مِنْ أَقْرِبَاءِ الْوَاقِفِ ، فَفِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ ، يَرْجِعُ إلَى الْوَرَثَةِ مِنْهُمْ ؛ لِأَنَّهُمْ الَّذِينَ صَرَفَ اللَّهُ تَعَالَى إلَيْهِمْ مَالَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ وَاسْتِغْنَائِهِ عَنْهُ ، فَكَذَلِكَ يُصْرَفُ إلَيْهِمْ مِنْ صَدَقَتِهِ مَا لَمْ يَذْكُرْ لَهُ مَصْرِفًا ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { إنَّك أَنْ","part":12,"page":221},{"id":5721,"text":"تَتْرُكَ وَرَثَتَك أَغْنِيَاءَ ، خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَدَعَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ } .\rفَعَلَى هَذَا يَكُونُ بَيْنَهُمْ عَلَى حَسَبِ مِيرَاثِهِمْ ، وَيَكُونُ وَقْفًا عَلَيْهِمْ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، وَذَكَرَهُ الْقَاضِي ، لِأَنَّ الْوَقْفَ يَقْتَضِي التَّأْبِيدَ ، وَإِنَّمَا صَرَفْنَاهُ إلَى هَؤُلَاءِ لِأَنَّهُمْ أَحَقُّ النَّاسِ بِصَدَقَتِهِ ، فَصُرِفَ إلَيْهِمْ مَعَ بَقَائِهِ صَدَقَةً .\rوَيَحْتَمِلُ كَلَامُ الْخِرَقِيِّ أَنْ يُصْرَفَ إلَيْهِمْ عَلَى سَبِيلِ الْإِرْثِ ، وَيَبْطُلَ الْوَقْفُ فِيهِ .\rفَعَلَى هَذَا يَكُونُ كَقَوْلِ أَبِي يُوسُفَ .\rوَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَة يَكُونُ وَقْفًا عَلَى أَقْرَبِ عَصَبَةِ الْوَاقِفِ ، دُونَ بَقِيَّةِ الْوَرَثَةِ مِنْ أَصْحَابِ الْفُرُوضِ ، وَدُونَ الْبَعِيدِ مِنْ الْعَصَبَاتِ ، فَيُقَدَّمُ الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ ، عَلَى حَسَبِ اسْتِحْقَاقِهِمْ لِوَلَاءِ الْمَوَالِي ، لِأَنَّهُمْ خُصُّوا بِالْعَقْلِ عَنْهُ ، وَبِمِيرَاثِ مَوَالِيه ، فَخُصُّوا بِهَذَا أَيْضًا .\rوَهَذَا لَا يَقْوَى عِنْدِي ، فَإِنَّ اسْتِحْقَاقَهُمْ لِهَذَا دُونَ غَيْرِهِمْ مِنْ النَّاسِ لَا يَكُونُ إلَّا بِدَلِيلٍ مِنْ نَصٍّ أَوْ إجْمَاعٍ أَوْ قِيَاسٍ ، وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ نَصًّا ، وَلَا إجْمَاعًا ، وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُهُ عَلَى مِيرَاثِ وَلَاءِ الْمَوَالِي ؛ لِأَنَّ عِلَّتَهُ لَا تَتَحَقَّقُ هَاهُنَا وَأَقْرَبُ الْأَقْوَالِ فِيهِ صَرْفُهُ إلَى الْمَسَاكِينِ ؛ لِأَنَّهُمْ مَصَارِفُ مَالِ اللَّهِ تَعَالَى وَحُقُوقُهُ ، فَإِنْ كَانَ فِي أَقَارِبِ الْوَاقِفِ مَسَاكِينُ ، كَانُوا أُولَى بِهِ ، لَا عَلَى سَبِيلِ الْوُجُوبِ ، كَمَا أَنَّهُمْ أَوْلَى بِزَكَاتِهِ وَصَلَاتِهِ مَعَ جَوَازِ الصَّرْفِ إلَى غَيْرِهِمْ ، وَلِأَنَّنَا إذَا صَرَفْنَاهُ إلَى أَقَارِبِهِ عَلَى سَبِيلِ التَّعْيِينِ ، فَهِيَ أَيْضًا جِهَةٌ مُنْقَطِعَةٌ ، فَلَا يَتَحَقَّقُ اتِّصَالُهُ إلَّا بِصَرْفِهِ إلَى الْمَسَاكِينِ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يَكُونُ وَقْفًا عَلَى أَقْرَبِ النَّاسِ إلَى الْوَاقِفِ ، الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى فِيهِ سَوَاءٌ .\r( 4399 ) فَصْلٌ : فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْوَاقِفِ أَقَارِبُ ، أَوْ كَانَ لَهُ أَقَارِبُ فَانْقَرَضُوا ، صُرِفَ إلَى الْفُقَرَاءِ","part":12,"page":222},{"id":5722,"text":"وَالْمَسَاكِينِ وَقْفًا عَلَيْهِمْ لِأَنَّ الْقَصْدَ بِهِ الثَّوَابُ الْجَارِي عَلَيْهِ عَلَى وَجْهِ الدَّوَامِ ، وَإِنَّمَا قَدَّمْنَا الْأَقَارِبَ عَلَى الْمَسَاكِينِ ، لِكَوْنِهِمْ أُولَى ، فَإِذَا لَمْ يَكُونُوا ، فَالْمَسَاكِينُ أَهْلٌ لِذَلِكَ ، فَصُرِفَ إلَيْهِمْ ، إلَّا عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ : إنَّهُ يُصْرَفُ إلَى وَرَثَةِ الْوَاقِفِ مِلْكًا لَهُمْ .\rفَإِنَّهُ يُصْرَفُ عِنْدَ عَدَمِهِمْ إلَى بَيْتِ الْمَالِ ؛ لِأَنَّهُ بَطَلَ الْوَقْفُ فِيهِ بِانْقِطَاعِهِ ، وَصَارَ مِيرَاثًا لَا وَارِثَ لَهُ ، فَكَانَ بَيْتُ الْمَالِ بِهِ أَوْلَى .","part":12,"page":223},{"id":5723,"text":"( 4400 ) فَصْلٌ : فَإِنْ قَالَ : وَقَفْت هَذَا .\rوَسَكَتَ ، أَوْ قَالَ : صَدَقَةٌ مَوْقُوفَةٌ .\rوَلَمْ يَذْكُرْ سَبِيلَهُ .\rفَلَا نَصَّ فِيهِ .\rوَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ : يَصِحُّ الْوَقْفُ .\rقَالَ الْقَاضِي : هُوَ قِيَاسُ قَوْلِ أَحْمَدَ ؛ فَإِنَّهُ قَالَ فِي النَّذْرِ الْمُطْلَقِ : يَنْعَقِدُ مُوجِبًا لِكَفَّارَةِ يَمِينٍ .\rوَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ إزَالَةُ مِلْكٍ عَلَى وَجْهِ الْقُرْبَةِ ، فَوَجَبَ أَنْ يَصِحَّ مُطْلَقُهُ ، كَالْأُضْحِيَّةِ وَالْوَصِيَّةِ .\rوَلَوْ قَالَ : وَصَّيْت بِثُلُثِ مَالِي .\rصَحَّ ، وَإِذَا صَحَّ صُرِفَ إلَى مَصَارِفِ الْوَقْفِ الْمُنْقَطِعِ بَعْدَ انْقِرَاضِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ .","part":12,"page":224},{"id":5724,"text":"( 4401 ) فَصْلٌ : وَإِنْ وَقَفَ عَلَى مَنْ يَجُوزُ الْوَقْفُ عَلَيْهِ ، ثُمَّ عَلَى مَنْ لَا يَجُوزُ الْوَقْفُ عَلَيْهِ ، مِثْلُ أَنْ يَقِفَ عَلَى أَوْلَادِهِ ، ثُمَّ عَلَى الْبِيَعِ .\rصَحَّ الْوَقْفُ أَيْضًا ، وَيُصْرَفُ بَعْدَ انْقِرَاضِ مَنْ يَصِحُّ الْوَقْفُ عَلَيْهِ إلَى مَنْ يُصْرَفُ إلَيْهِ الْوَقْفُ الْمُنْقَطِعُ ؛ لِأَنَّ ذِكْرَهُ لِمَنْ لَا يَجُوزُ الْوَقْفُ عَلَيْهِ وَعَدَمَهُ وَاحِدٌ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَصِحَّ الْوَقْفُ ؛ لِأَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ مَا يَجُوزُ وَمَا لَا يَجُوزُ ، فَأَشْبَهَ تَفْرِيقَ الصَّفْقَةِ .","part":12,"page":225},{"id":5725,"text":"فَصْلٌ : وَإِنْ كَانَ الْوَقْفُ مُنْقَطِعَ الِابْتِدَاءِ ، مِثْلَ أَنْ يَقِفَهُ عَلَى مَنْ لَا يَجُوزُ الْوَقْفُ عَلَيْهِ ، كَنَفْسِهِ ، أَوْ أُمِّ وَلَدِهِ ، أَوْ عَبْدِهِ ، أَوْ كَنِيسَةٍ ، أَوْ مَجْهُولٍ ، فَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ لَهُ مَالًا يَجُوزُ الْوَقْفُ عَلَيْهِ ، فَالْوَقْفُ بَاطِلٌ .\rوَكَذَلِكَ إنْ جَعَلَ مَالَهُ مِمَّا لَا يَجُوزُ الْوَقْفُ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ أَخَلَّ بِأَحَدِ شَرْطَيْ الْوَقْفِ فَبَطَلَ ، كَمَا لَوْ وَقَفَ مَا لَا يَجُوزُ وَقْفُهُ .\rوَإِنْ جَعَلَ لَهُ مَالًا يَجُوزُ الْوَقْفُ عَلَيْهِ ، مِثْلُ أَنْ يَقِفَهُ عَلَى عَبْدِهِ ، ثُمَّ عَلَى الْمَسَاكِينِ ، فَفِي صِحَّتِهِ وَجْهَانِ ، بِنَاءً عَلَى تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ وَلِلشَّافِعِيِّ فِيهِ قَوْلَانِ ، كَالْوَجْهَيْنِ ، فَإِذَا قُلْنَا : يَصِحُّ .\rوَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي ، وَكَانَ مَنْ لَا يَجُوزُ الْوَقْفُ عَلَيْهِ مِمَّنْ لَا يُمْكِنُ اعْتِبَارُ انْقِرَاضِهِ ، كَالْمَيِّتِ وَالْمَجْهُولِ وَالْكَنَائِسِ ، صُرِفَ فِي الْحَالِ إلَى مَنْ يَجُوزُ الْوَقْفُ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّنَا لَمَّا صَحَّحْنَا الْوَقْفَ مَعَ ذِكْرِ مَا لَا يَجُوزُ الْوَقْفُ عَلَيْهِ ، فَقَدْ أَلْغَيْنَاهُ ؛ فَإِنَّهُ يَتَعَذَّرُ التَّصْحِيحُ مَعَ اعْتِبَارِهِ ، وَإِنْ كَانَ مَنْ لَا يَجُوزُ الْوَقْفُ عَلَيْهِ يُمْكِنُ اعْتِبَارُ انْقِرَاضِهِ ، كَأُمِّ وَلَدِهِ ، وَعَبْدٍ مُعَيَّنٍ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا ، أَنَّهُ يُصْرَفُ فِي الْحَالِ إلَى مَنْ يَجُوزُ الْوَقْفُ عَلَيْهِ ، كَالَّتِي قَبْلَهَا .\rذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ وَالثَّانِي أَنَّهُ يُصْرَفُ فِي الْحَالِ إلَى مَصْرِفِ الْوَقْفِ الْمُنْقَطِعِ ، إلَى أَنْ يَنْقَرِضَ مَنْ لَا يَجُوزُ الْوَقْفُ عَلَيْهِ ، فَإِذَا انْقَرَضَ صُرِفَ إلَى مَنْ يَجُوزُ .\rوَهَذَا الْوَجْهُ الَّذِي ذَكَرَهُ الْقَاضِي ، وَابْنُ عَقِيلٍ ؛ لِأَنَّ الْوَاقِفَ إنَّمَا جَعَلَهُ وَقْفًا عَلَى مَنْ يَجُوزُ بِشَرْطِ انْقِرَاضِ هَذَا ، فَلَا يَثْبُتُ بِدُونِهِ .\rوَفَارَقَ مَا لَا يُمْكِنُ اعْتِبَارُ انْقِرَاضِهِ ، فَإِنَّهُ تَعَذَّرَ اعْتِبَارُهُ .\rوَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَجْهَانِ ، كَهَذَيْنِ .","part":12,"page":226},{"id":5726,"text":"( 4403 ) فَصْلٌ : وَإِنْ كَانَ الْوَقْفُ صَحِيحَ الطَّرَفَيْنِ ، مُنْقَطِعَ الْوَسَطِ ، مِثْلَ أَنْ يَقِفَ عَلَى وَلَدِهِ ، ثُمَّ عَلَى عَبِيدِهِ ، ثُمَّ عَلَى الْمَسَاكِينِ .\rخُرِّجَ فِي صِحَّةِ الْوَقْفِ وَجْهَانِ ، كَمُنْقَطِعِ الِانْتِهَاءِ ، ثُمَّ يُنْظَرُ فِيمَا لَا يَجُوزُ الْوَقْفُ عَلَيْهِ ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ اعْتِبَارُ انْقِرَاضِهِ أَلْغَيْنَاهُ إذَا قُلْنَا بِالصِّحَّةِ ، وَإِنْ أَمْكَنَ اعْتِبَارُ انْقِرَاضِهِ فَهَلْ يُعْتَبَرُ أَوْ يُلْغَى ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ ، كَمَا تَقَدَّمَ ، وَإِنْ كَانَ مُنْقَطِعَ الطَّرَفَيْنِ ، صَحِيحَ الْوَسَطِ كَرَجُلٍ وَقَفَ عَلَى عَبِيدِهِ ، ثُمَّ عَلَى أَوْلَادِهِ ، ثُمَّ عَلَى الْكَنِيسَةِ ، خُرِّجَ فِي صِحَّتِهِ أَيْضًا وَجْهَانِ ، وَمَصْرِفُهُ بَعْدَ مَنْ يَجُوزُ إلَى مَصْرِفِ الْوَقْفِ الْمُنْقَطِعِ .","part":12,"page":227},{"id":5727,"text":"( 4404 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : ( وَمَنْ وَقَفَ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ ، أَوْ قَالَ : هُوَ وَقْفٌ بَعْدَ مَوْتِي .\rوَلَمْ يَخْرُجْ مِنْ الثُّلُثِ ، وُقِفَ مِنْهُ بِقَدْرِ الثُّلُثِ ، إلَّا أَنْ تُجِيزَ الْوَرَثَةُ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْوَقْفَ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ ، بِمَنْزِلَةِ الْوَصِيَّةِ ، فِي اعْتِبَارِهِ مِنْ ثُلُثِ الْمَالِ ؛ لِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ ، فَاعْتُبِرَ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ مِنْ الثُّلُثِ ، كَالْعِتْقِ وَالْهِبَةِ وَإِذَا خَرَجَ مِنْ الثُّلُثِ ، جَازَ مِنْ غَيْرِ رِضَا الْوَرَثَةِ وَلَزِمَ ، وَمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ ، لَزِمَ الْوَقْفُ مِنْهُ فِي قَدْرِ الثُّلُثِ ، وَوَقَفَ الزَّائِدُ عَلَى إجَازَةِ الْوَرَثَةِ .\rلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِلُزُومِ الْوَقْفِ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ حَقَّ الْوَرَثَةِ تَعَلَّقَ بِالْمَالِ بِوُجُودِ الْمَرَضِ ، فَمَنَعَ التَّبَرُّعَ بِزِيَادَةٍ عَلَى الثُّلُثِ ، كَالْعَطَايَا وَالْعِتْقِ .\rفَأَمَّا إذَا قَالَ : هُوَ وَقْفٌ بَعْدَ مَوْتِي .\rفَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ أَنَّهُ يَصِحُّ ، وَيُعْتَبَرُ مِنْ الثُّلُثِ كَسَائِرِ الْوَصَايَا وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : لَا يَصِحُّ هَذَا ؛ لِأَنَّهُ تَعْلِيقٌ لِلْوَقْفِ عَلَى شَرْطٍ ، وَتَعْلِيقُ الْوَقْفِ عَلَى شَرْطٍ غَيْرُ جَائِزٍ ، بِدَلِيلِ مَا لَوْ عَلَّقَهُ عَلَى شَرْطٍ فِي حَيَاتِهِ ، وَحُمِلَ كَلَامُ الْخِرَقِيِّ عَلَى أَنَّهُ قَالَ : قِفُوا بَعْدَ مَوْتِي .\rفَيَكُونُ وَصِيَّةً بِالْوَقْفِ لَا إيقَافًا .\rوَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : قَوْلُ الْخِرَقِيِّ هَذَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ تَعْلِيقِ الْوَقْفِ عَلَى شَرْطٍ .\rوَلَنَا عَلَى صِحَّةِ الْوَقْفِ بِالْمُعَلَّقِ بِالْمَوْتِ ، مَا احْتَجَّ بِهِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ عُمَرَ وَصَّى ، فَكَانَ فِي وَصِيَّتِهِ : هَذَا مَا أَوْصَى بِهِ عَبْدُ اللَّهِ عُمَرُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ إنْ حَدَثَ بِهِ حَدَثٌ ، أَنَّ ثَمْغًا صَدَقَةٌ .\rوَذَكَرَ بَقِيَّةَ الْخَبَرِ وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِنَحْوٍ مِنْ هَذَا ، وَهَذَا نَصٌّ فِي مَسْأَلَتِنَا ، وَوَقْفُهُ هَذَا كَانَ بِأَمْرِ النَّبِيِّ صَلَّى","part":12,"page":228},{"id":5728,"text":"اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلِأَنَّهُ اشْتَهَرَ فِي الصَّحَابَةِ ، فَلَمْ يُنْكَرْ ، فَكَانَ إجْمَاعًا ، وَلِأَنَّ هَذَا تَبَرُّعٌ مُعَلَّقٌ بِالْمَوْتِ ، فَصَحَّ كَالْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ الْمُطْلَقَةِ ، أَوْ نَقُولُ : صَدَقَةٌ مُعَلَّقَةٌ بِالْمَوْتِ ، فَأَشْبَهَتْ غَيْرَ الْوَقْفِ .\rوَيُفَارِقُ هَذَا التَّعْلِيقَ عَلَى شَرْطٍ فِي الْحَيَاةِ ، بِدَلِيلِ الْهِبَةِ الْمُطْلَقَةِ ، وَالصَّدَقَةِ ، وَغَيْرِهِمَا ، وَذَلِكَ لِأَنَّ هَذَا وَصِيَّةٌ ، وَالْوَصِيَّةُ أَوْسَعُ مِنْ التَّصَرُّفِ فِي الْحَيَاةِ ، بِدَلِيلِ جَوَازِهَا بِالْمَجْهُولِ وَالْمَعْدُومِ ، وَلِلْمَجْهُولِ ، وَلِلْحَمْلِ وَغَيْرِ ذَلِكَ ، وَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ فَسَادُ قِيَاسِ مَنْ قَاسَ عَلَى هَذَا الشَّرْطِ بَقِيَّةَ الشُّرُوطِ .","part":12,"page":229},{"id":5729,"text":"( 4405 ) فَصْلٌ : وَلَا يَجُوزُ تَعْلِيقُ ابْتِدَاءِ الْوَقْفِ عَلَى شَرْطٍ فِي الْحَيَاةِ ، مِثْلُ أَنْ يَقُولَ : إذَا جَاءَ رَأْسُ الشَّهْرِ فَدَارِي وَقْفٌ ، أَوْ فَرَسِي حَبِيسٌ ، أَوْ إذَا وُلِدَ لِي وَلَدٌ ، أَوْ إذَا قَدِمَ لِي غَائِبِي .\rوَنَحْوَ ذَلِكَ .\rوَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا ؛ لِأَنَّهُ نَقْلٌ لِلْمِلْكِ فِيمَا لَمْ يُبْنَ عَلَى التَّغْلِيبِ وَالسِّرَايَةِ ، فَلَمْ يَجُزْ تَعْلِيقُهُ عَلَى شَرْطٍ كَالْهِبَةِ وَسَوَّى الْمُتَأَخِّرُونَ مِنْ أَصْحَابِنَا بَيْنَ تَعْلِيقِهِ بِالْمَوْتِ ، وَتَعْلِيقِهِ بِشَرْطٍ فِي الْحَيَاةِ .\rوَلَا يَصِحُّ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا فِيمَا قَبْلَ هَذَا .\r( 4406 ) فَصْلٌ : وَإِنْ عَلَّقَ انْتِهَاءَهُ عَلَى شَرْطٍ ، نَحْوَ قَوْلِهِ : دَارِي وَقْفٌ إلَى سَنَةٍ ، أَوْ إلَى أَنْ يَقْدَمَ الْحَاجُّ .\rلَمْ يَصِحَّ ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ يُنَافِي مُقْتَضَى الْوَقْفِ ، فَإِنَّ مُقْتَضَاهُ التَّأْبِيدُ .\rوَفِي الْآخَرِ يَصِحُّ ؛ لِأَنَّهُ مُنْقَطِعُ الِانْتِهَاءِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ وَقَفَهُ عَلَى مُنْقَطِعِ الِانْتِهَاءِ ، فَإِنْ حَكَمْنَا بِصِحَّتِهِ هَاهُنَا ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ مُنْقَطِعِ الِانْتِهَاءِ .\r( 4407 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَالَ : هَذَا وَقْفٌ عَلَى وَلَدِي سَنَةً ، ثُمَّ عَلَى الْمَسَاكِينِ .\rصَحَّ .\rوَكَذَلِكَ إنْ قَالَ : هَذَا وَقْفٌ عَلَى وَلَدِي مُدَّةَ حَيَاتِي ، ثُمَّ هُوَ بَعْدَ مَوْتِي لِلْمَسَاكِينِ .\rصَحَّ ؛ لِأَنَّهُ وَقْفٌ مُتَّصِلُ الِابْتِدَاءِ وَالِانْتِهَاءِ .\rوَإِنْ قَالَ : وَقْفٌ عَلَى الْمَسَاكِينِ ، ثُمَّ عَلَى أَوْلَادِي صَحَّ ، وَيَكُونُ وَقْفًا عَلَى الْمَسَاكِينِ ، وَيُلْغَى قَوْلُهُ : عَلَى أَوْلَادِي .\rلِأَنَّ الْمَسَاكِينَ لَا انْقِرَاضَ لَهُمْ .","part":12,"page":230},{"id":5730,"text":"( 4408 ) فَصْلٌ : وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ فِي الْوَقْفِ فِي مَرَضِهِ عَلَى بَعْضِ وَرَثَتِهِ ، فَعَنْهُ : لَا يَجُوزُ ذَلِكَ ، فَإِنْ فَعَلَ وَقَفَ عَلَى إجَازَةِ سَائِرِ الْوَرَثَةِ ، قَالَ أَحْمَدَ ، فِي رِوَايَةِ إِسْحَاقَ بْنِ إبْرَاهِيمَ ، فِي مَنْ أَوْصَى ، لِأَوْلَادِ بَنِيهِ بِأَرْضٍ تُوقَفُ عَلَيْهِمْ ، فَقَالَ : إنْ لَمْ يَرِثُوهُ فَجَائِزٌ .\rفَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْوَقْفُ عَلَيْهِمْ فِي الْمَرَضِ .\rاخْتَارَهُ أَبُو حَفْصٍ الْعُكْبَرِيُّ ، وَابْنُ عَقِيلٍ ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ ، يَجُوزُ أَنْ يَقِفَ عَلَيْهِمْ ثُلُثَهُ ، كَالْأَجَانِبِ ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي رِوَايَةِ جَمَاعَةٍ مِنْهُمْ الْمَيْمُونِيُّ : يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَقِفَ فِي مَرَضِهِ عَلَى وَرَثَتِهِ .\rفَقِيلَ لَهُ : أَلَيْسَ تَذْهَبُ أَنَّهُ لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ ؟ فَقَالَ : نَعَمْ ، وَالْوَقْفُ غَيْرُ الْوَصِيَّةِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُبَاعُ وَلَا يُورَثُ ، وَلَا يَصِيرُ مِلْكًا لِلْوَرَثَةِ يَنْتَفِعُونَ بِغَلَّتِهِ .\rوَقَالَ فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ ، فَإِنَّهُ صَرَّحَ فِي مَسْأَلَتِهِ بِوَقْفِ ثُلُثِهِ عَلَى بَعْضِ وَرَثَتِهِ دُونَ بَعْضٍ ، فَقَالَ : جَائِزٌ قَالَ الْخَبَرِيُّ : وَأَجَازَ هَذَا الْأَكْثَرُونَ .\rوَاحْتَجَّ أَحْمَدُ ، بِحَدِيثِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : هَذَا مَا أَوْصَى بِهِ عَبْدُ اللَّهِ عُمَرُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ، إنْ حَدَثَ بِهِ حَدَثٌ أَنَّ ثَمْغًا صَدَقَةٌ ، وَالْعَبْدَ الَّذِي فِيهِ ، وَالسَّهْمَ الَّذِي بِخَيْبَرَ ، وَرَقِيقَهُ الَّذِي فِيهِ ، وَالْمِائَةَ وَسْقٍ الَّذِي أَطْعَمَنِي مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَلِيه حَفْصَةُ مَا عَاشَتْ ، ثُمَّ يَلِيهِ ذَوُو الرَّأْيِ مِنْ أَهْلِهِ ، لَا يُبَاعُ وَلَا يُشْتَرَى ، يُنْفِقُهُ حَيْثُ يَرَى مِنْ السَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ وَذَوِي الْقُرْبَى ، وَلَا حَرَجَ عَلَى مَنْ وَلِيَهُ إنْ أَكَلَ أَوْ اشْتَرَى رَقِيقًا .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِنَحْوٍ مِنْ هَذَا فَالْحُجَّةُ أَنَّهُ جَعَلَ لِحَفْصَةَ أَنْ تَلِيَ وَقْفَهُ ، وَتَأْكُلَ مِنْهُ ، وَتَشْتَرِيَ رَقِيقًا .\rقَالَ الْمَيْمُونِيُّ : قُلْت لِأَحْمَدْ :","part":12,"page":231},{"id":5731,"text":"إنَّمَا أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عُمَرَ بِالْإِيقَافِ ، وَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ الْوَارِثُ .\rقَالَ : فَإِذَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَهُ وَهُوَ ذَا قَدْ وَقَفَهَا عَلَى وَرَثَتِهِ ، وَحَبَسَ الْأَصْلَ عَلَيْهِمْ جَمِيعًا ، وَلِأَنَّ الْوَقْفَ لَيْسَ فِي مَعْنَى الْمِلْكِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّصَرُّفُ فِيهِ ، فَهُوَ كَعِتْقِ الْوَارِثِ .\rوَلَنَا أَنَّهُ تَخْصِيصٌ لِبَعْضِ الْوَرَثَةِ بِمَالِهِ فِي مَرَضِهِ ، فَمُنِعَ مِنْهُ ، كَالْهِبَاتِ وَلِأَنَّ كُلَّ مَنْ لَا تَجُوزُ لَهُ الْوَصِيَّةُ بِالْعَيْنِ ، لَا تَجُوزُ بِالْمَنْفَعَةِ ، كَالْأَجْنَبِيِّ فِيمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ وَأَمَّا خَبَرُ عُمَرَ ، فَإِنَّهُ لَمْ يَخُصَّ بَعْضَ الْوَرَثَةِ بِوَقْفِهِ ، وَالنِّزَاعُ إنَّمَا هُوَ فِي تَخْصِيصِ بَعْضِهِمْ .\rوَأَمَّا جَعْلُ الْوِلَايَةِ لِحَفْصَةَ ، فَلَيْسَ ذَلِكَ وَقْفًا عَلَيْهَا ، فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ وَارِدًا فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ ، وَكَوْنُهُ انْتِفَاعًا بِالْغَلَّةِ لَا يَقْتَضِي جَوَازَ التَّخْصِيصِ ، بِدَلِيلِ مَا لَوْ أَوْصَى لِوَرَثَتِهِ بِمَنْفَعَةِ عَبْدٍ ، لَمْ يَجُزْ .\rوَيُحْتَمَلُ أَنْ يُحْمَلَ كَلَامُ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ ، عَلَى أَنَّهُ وَقَفَ عَلَى جَمِيعِ الْوَرَثَةِ ، لِيَكُونَ عَلَى وَفْقِ حَدِيثِ عُمَرَ ، وَعَلَى وَفْقِ الدَّلِيلِ الَّذِي ذَكَرْنَا .","part":12,"page":232},{"id":5732,"text":"( 4409 ) فَصْلٌ : فَإِنْ وَقَفَ دَارِهِ ، وَهِيَ تَخْرُجُ مِنْ الثُّلُثِ ، بَيْنَ ابْنِهِ وَبِنْتِهِ نِصْفَيْنِ ، فِي مَرَضِ مَوْتِهِ ، فَعَلَى رِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ يَصِحُّ الْوَقْفُ ، وَيَلْزَمُ ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ يَجُوزُ لَهُ تَخْصِيصُ الْبِنْتِ بِوَقْفِ الدَّارِ كُلِّهَا ، فَبِنِصْفِهَا أَوْلَى .\rوَعَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي نَصَرْنَاهَا ، إنْ أَجَازَ الِابْنُ ذَلِكَ جَازَ ، وَإِنْ لَمْ يُجِزْهُ بَطَلَ الْوَقْفُ فِيمَا زَادَ عَلَى نَصِيبِ الْبِنْتِ ، وَهُوَ السُّدُسُ ، وَيَرْجِعُ إلَى الِابْنِ مِلْكًا ، فَيَكُونُ لَهُ النِّصْفُ وَقْفًا ، وَالسُّدُسُ مِلْكًا مُطْلَقًا ، وَالثُّلُثُ لِلْبِنْتِ جَمِيعُهُ وَقْفًا وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَبْطُلَ الْوَقْفُ فِي نِصْفِ مَا وَقَفَ عَلَى الْبِنْتِ ، وَهُوَ الرُّبْعُ ، وَيَبْقَى ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الدَّارِ وَقْفًا ، نِصْفُهَا لِلِابْنِ ، وَرُبْعُهَا لِلْبِنْتِ ، وَالرُّبْعُ الَّذِي بَطَلَ الْوَقْفُ فِيهِ بَيْنَهُمَا أَثْلَاثًا ، لِلِابْنِ ثُلُثَاهُ ، وَلِلْبِنْتِ ثُلُثُهُ ، وَتَصِحُّ الْمَسْأَلَةُ مِنْ اثْنَيْ عَشَرَ ؛ لِلِابْنِ سِتَّةُ أَسْهُمٍ وَقْفًا وَسَهْمَانِ مِلْكًا ، وَلِلْبِنْتِ ثَلَاثَةُ أَسْهُمٍ وَقْفًا وَسَهْمٌ مِلْكًا .\rوَلَوْ وَقَفَهَا عَلَى ابْنِهِ وَزَوْجَتِهِ نِصْفَيْنِ ، وَهِيَ تَخْرُجُ مِنْ الثُّلُثِ ، فَرَدَّ الِابْنُ ، صَحَّ الْوَقْفُ عَلَى الِابْنِ فِي نِصْفِهَا ، وَعَلَى الْمَرْأَةِ فِي ثُمْنِهَا ، وَلِلِابْنِ إبْطَالُ الْوَقْفِ فِي ثَلَاثَةِ أَثْمَانِهَا ، فَتَرْجِعُ إلَيْهِ مِلْكًا عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ .\rوَعَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي ، يَصِحُّ الْوَقْفُ عَلَى الِابْنِ فِي نِصْفِهَا ، وَهُوَ أَرْبَعَةُ أَسْبَاعِ نَصِيبِهِ ، وَيَرْجِعُ إلَيْهِ بَاقِي نَصِيبِهِ مِلْكًا ، وَيَصِحُّ الْوَقْفُ فِي أَرْبَعَةِ أَسْبَاعِ الثُّمْنِ الَّذِي لِلْمَرْأَةِ ، وَبَاقِيه يَكُونُ لَهَا مِلْكًا ، فَاضْرِبْ سَبْعَةً فِي ثَمَانِيَةٍ ، تَكُونُ سِتَّةً وَخَمْسِينَ ، لِلِابْنِ ثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ وَقْفًا ، وَأَحَدٌ وَعِشْرُونَ مِلْكًا ، وَلِلْمَرْأَةِ أَرْبَعَةُ أَسْهُمٍ وَقْفًا ، وَثَلَاثَةٌ مِلْكًا .\rوَهَكَذَا ذَكَرَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ .\rفَأَمَّا إنْ كَانَتْ الدَّارُ جَمِيعَ مِلْكِهِ ، فَوَقَفَهَا","part":12,"page":233},{"id":5733,"text":"كُلَّهَا ، فَعَلَى مَا اخْتَرْنَاهُ .\rالْحُكْمُ فِيهَا كَمَا لَوْ كَانَتْ تَخْرُجُ مِنْ الثُّلُثِ ، فَإِنَّ الْوَارِثَ فِي جَمِيعِ الْمَالِ كَالْأَجْنَبِيِّ فِي الزَّائِدِ عَنْ الثُّلُثِ ، وَأَمَّا عَلَى مَا رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ ، فَإِنَّ الْوَقْفَ يَلْزَمُ فِي الثُّلُثِ مِنْ غَيْرِ اخْتِيَارِ الْوَرَثَةِ ، وَفِيمَا زَادَ فَلَهُمَا إبْطَالُ الْوَقْفِ فِيهِ ، وَلِلِابْنِ إبْطَالُ التَّسْوِيَةِ ، فَإِنْ اخْتَارَ إبْطَالَ التَّسْوِيَةِ دُونَ إبْطَالِ الْوَقْفِ ، خُرِّجَ فِيهِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا ، أَنَّهُ يَبْطُلُ الْوَقْفُ فِي التُّسْعِ ، وَيَرْجِعُ إلَيْهِ مِلْكًا ، فَيَصِيرُ لَهُ النِّصْفُ وَقْفًا ، وَالتُّسْعُ مِلْكًا ، وَيَكُونُ لِلْبِنْتِ السُّدُسُ وَالتُّسْعَانِ وَقْفًا ؛ لِأَنَّ الِابْنَ إنَّمَا يَمْلِكُ إبْطَالَ الْوَقْفِ فِي مَا لَهُ دُونَ مَا لِغَيْرِهِ وَالْوَجْهُ الثَّانِي أَنَّ لَهُ إبْطَالَ الْوَقْفِ فِي السُّدُسِ ، وَيَصِيرُ لَهُ النِّصْفُ وَقْفًا ، وَالتُّسْعُ مِلْكًا ، وَلِلْبِنْتِ الثُّلُثُ وَقْفًا ، وَنِصْفُ التُّسْعِ مِلْكًا ؛ لِئَلَّا تَزْدَادَ الْبِنْتُ عَلَى الِابْنِ فِي الْوَقْفِ .\rوَتَصِحُّ الْمَسْأَلَةُ فِي هَذَا الْوَجْه مِنْ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ ، لِلِابْنِ تِسْعَةٌ وَقْفًا وَسَهْمَانِ مِلْكًا ، وَلِلْبِنْتِ سِتَّةُ أَسْهُمٍ وَقْفًا وَسَهْمٌ مِلْكًا .\rوَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : لَهُ إبْطَالُ الْوَقْفِ فِي الرُّبْعِ كُلِّهِ ، وَيَصِيرُ لَهُ النِّصْفُ وَقْفًا وَالسُّدُسُ مِلْكًا ، وَيَكُونُ لِلْبِنْتِ الرُّبْعُ وَقْفًا وَنِصْفُ السُّدُسِ مِلْكًا ، كَمَا لَوْ كَانَتْ الدَّارُ تَخْرُجُ مِنْ الثُّلُثِ ، وَتَصِحُّ مِنْ اثْنَيْ عَشَرَ .","part":12,"page":234},{"id":5734,"text":"( 4410 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : ( وَإِذَا خَرِبَ الْوَقْفُ ، وَلَمْ يَرُدَّ شَيْئًا ، بِيعَ ، وَاشْتُرِيَ بِثَمَنِهِ مَا يُرَدُّ عَلَى أَهْلِ الْوَقْفِ ، وَجُعِلَ وَقْفًا كَالْأَوَّلِ ، وَكَذَلِكَ الْفَرَسُ الْحَبِيسُ إذَا لَمْ يَصْلُحْ لِلْغَزْوِ ، بِيعَ ، وَاشْتُرِيَ بِثَمَنِهِ مَا يَصْلُحُ لِلْجِهَادِ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْوَقْفَ إذَا خَرِبَ ، وَتَعَطَّلَتْ مَنَافِعُهُ ، كَدَارٍ انْهَدَمَتْ ، أَوْ أَرْضٍ خَرِبَتْ ، وَعَادَتْ مَوَاتًا ، وَلَمْ تُمْكِنْ عِمَارَتُهَا ، أَوْ مَسْجِدٍ انْتَقَلَ أَهْلُ الْقَرْيَةِ عَنْهُ ، وَصَارَ فِي مَوْضِعٍ لَا يُصَلَّى فِيهِ ، أَوْ ضَاقَ بِأَهْلِهِ وَلَمْ يُمْكِنْ تَوْسِيعُهُ فِي مَوْضِعِهِ .\rأَوْ تَشَعَّبَ جَمِيعُهُ فَلَمْ تُمْكِنْ عِمَارَتُهُ وَلَا عِمَارَةُ بَعْضِهِ إلَّا بِبَيْعِ بَعْضِهِ ، جَازَ بَيْعُ بَعْضِهِ لِتُعَمَّرَ بِهِ بَقِيَّتُهُ .\rوَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ الِانْتِفَاعُ بِشَيْءٍ مِنْهُ ، بِيعَ جَمِيعُهُ .\rقَالَ أَحْمَدُ ، فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد : إذَا كَانَ فِي الْمَسْجِدِ خَشَبَتَانِ ، لَهُمَا قِيمَةٌ ، جَازَ بَيْعُهُمَا وَصَرْفُ ثَمَنِهِمَا عَلَيْهِ .\rوَقَالَ فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ : يُحَوَّلُ الْمَسْجِدُ خَوْفًا مِنْ اللُّصُوصِ ، وَإِذَا كَانَ مَوْضِعُهُ قَذِرًا .\rقَالَ الْقَاضِي : يَعْنِي إذَا كَانَ ذَلِكَ يَمْنَعُ مِنْ الصَّلَاةِ فِيهِ .\rوَنَصَّ عَلَى جَوَازِ بَيْعِ عَرْصَتِهِ ، فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ ، وَتَكُونُ الشَّهَادَةُ فِي ذَلِكَ عَلَى الْإِمَامِ قَالَ أَبُو بَكْرٍ : وَقَدْ رَوَى عَلِيُّ بْنُ سَعِيدٍ ، أَنَّ الْمَسَاجِدَ لَا تُبَاعُ ، وَإِنَّمَا تُنْقَلُ آلَتُهَا .\rقَالَ : وَبِالْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَقُولُ ؛ لِإِجْمَاعِهِمْ عَلَى جَوَازِ بَيْعِ الْفَرَسِ الْحَبِيسِ يَعْنِي الْمَوْقُوفَةَ عَلَى الْغَزْوِ إذَا كَبِرَتْ ، فَلَمْ تَصْلُحْ لِلْغَزْوِ ، وَأَمْكَنَ الِانْتِفَاعُ بِهَا فِي شَيْءٍ آخَرَ ، مِثْلُ أَنْ تَدُورَ فِي الرَّحَى ، أَوْ يُحْمَلَ عَلَيْهَا تُرَابٌ ، أَوْ تَكُونَ الرَّغْبَةُ فِي نِتَاجِهَا ، أَوْ حِصَانًا يُتَّخَذُ لِلطِّرَاقِ ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُهَا ، وَيُشْتَرَى بِثَمَنِهَا مَا يَصْلُحُ لِلْغَزْوِ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .\rوَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ : إذَا خَرِبَ","part":12,"page":235},{"id":5735,"text":"الْمَسْجِدُ أَوْ الْوَقْفُ ، عَادَ إلَى مِلْكِ وَاقِفِهِ ؛ لِأَنَّ الْوَقْفَ إنَّمَا هُوَ تَسْبِيلُ الْمَنْفَعَةِ ، فَإِذَا زَالَتْ مَنْفَعَتُهُ ، زَالَ حَقُّ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ مِنْهُ ، فَزَالَ مِلْكُهُ عَنْهُ .\rوَقَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ : لَا يَجُوزُ بَيْعُ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ ؛ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : \" لَا يُبَاعُ أَصْلُهَا ، وَلَا تُبْتَاعُ ، وَلَا تُوهَبُ ، وَلَا تُورَثُ \" .\rوَلِأَنَّ مَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ مَعَ بَقَاءِ مَنَافِعِهِ ، لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ مَعَ تَعَطُّلِهَا ، كَالْمُعْتَقِ ، وَالْمَسْجِدُ أَشْبَهُ الْأَشْيَاءِ بِالْمُعْتَقِ وَلَنَا مَا رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَتَبَ إلَى سَعْدٍ ، لَمَّا بَلَغَهُ أَنَّهُ قَدْ نَقَّبَ بَيْتَ الْمَالِ الَّذِي بِالْكُوفَةِ ، أَنْ اُنْقُلْ الْمَسْجِدَ الَّذِي بِالتَّمَارِينِ ، وَاجْعَلْ بَيْتَ الْمَالِ فِي قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ ، فَإِنَّهُ لَنْ يَزَالَ فِي الْمَسْجِدِ مُصَلٍّ .\rوَكَانَ هَذَا بِمَشْهَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ ، وَلَمْ يَظْهَرْ خِلَافُهُ ، فَكَانَ إجْمَاعًا .\rوَلِأَنَّ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ اسْتِبْقَاءَ الْوَقْفِ بِمَعْنَاهُ عِنْدَ تَعَذُّرِ إبْقَائِهِ ، بِصُورَتِهِ ، فَوَجَبَ ذَلِكَ ، كَمَا لَوْ اسْتَوْلَدَ الْجَارِيَةَ الْمَوْقُوفَةَ ، أَوْ قَبَّلَهَا غَيْرُهُ قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ : الْوَقْفُ مُؤَبَّدٌ ، فَإِذَا لَمْ يُمْكِنْ تَأْبِيدُهُ عَلَى وَجْهٍ ، يُخَصِّصُهُ اسْتِبْقَاءُ الْغَرَضِ ، وَهُوَ الِانْتِفَاعُ عَلَى الدَّوَامِ فِي عَيْنٍ أُخْرَى ، وَإِيصَالُ الْأَبْدَالِ جَرَى مَجْرَى الْأَعْيَانِ ، وَجُمُودُنَا عَلَى الْعَيْنِ مَعَ تَعَطُّلِهَا تَضْيِيعٌ لِلْغَرَضِ .\rوَيَقْرُبُ هَذَا مِنْ الْهَدْيِ إذَا عَطِبَ فِي السَّفَرِ ، فَإِنَّهُ يُذْبَحُ فِي الْحَالِ ، وَإِنْ كَانَ يَخْتَصُّ بِمَوْضِعٍ ، فَلَمَّا تَعَذَّرَ تَحْصِيلُ الْغَرَضِ بِالْكُلِّيَّةِ ، اُسْتُوْفِيَ مِنْهُ مَا أَمْكَنَ ، وَتُرِكَ مُرَاعَاةُ الْمَحَلِّ الْخَاصِّ عِنْدَ تَعَذُّرِهِ ؛ لِأَنَّ مُرَاعَاتَهُ مَعَ تَعَذُّرِهِ تُفْضِي إلَى فَوَاتِ الِانْتِفَاعِ بِالْكُلِّيَّةِ ، وَهَكَذَا الْوَقْفُ الْمُعَطَّلُ الْمَنَافِعِ وَلَنَا عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ ، أَنَّهُ إزَالَةُ","part":12,"page":236},{"id":5736,"text":"مِلْكٍ عَلَى وَجْهِ الْقُرْبَةِ ، فَلَا يَعُودُ إلَى مَالِكِهِ بِاخْتِلَالِهِ ، وَذَهَابِ مَنَافِعِهِ كَالْعِتْقِ .","part":12,"page":237},{"id":5737,"text":"( 4411 ) فَصْلٌ : وَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ ، أَنَّ الْوَقْفَ إذَا بِيعَ ، فَأَيُّ شَيْءٍ اُشْتُرِيَ بِثَمَنِهِ مِمَّا يُرَدُّ عَلَى أَهْلِ الْوَقْفِ جَازَ ، سَوَاءٌ كَانَ مِنْ جِنْسِهِ ؛ أَوْ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ الْمَنْفَعَةُ ، لَا الْجِنْسُ ، لَكِنْ تَكُونُ الْمَنْفَعَةُ مَصْرُوفَةً إلَى الْمَصْلَحَةِ الَّتِي كَانَتْ الْأُولَى تُصْرَفُ فِيهَا ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَغْيِيرُ الْمَصْرِفِ مَعَ إمْكَانِ الْمُحَافَظَةِ عَلَيْهِ ، كَمَا لَا يَجُوزُ تَغْيِيرُ الْوَقْفِ بِالْبَيْعِ مَعَ إمْكَانِ الِانْتِفَاعِ بِهِ .\r( 4412 ) فَصْلٌ : وَإِذَا لَمْ يَفِ ثَمَنُ الْفَرَسِ الْحَبِيسِ لِشِرَاءِ فَرَسٍ أُخْرَى ، أُعِينَ بِهِ فِي شِرَاءِ فَرَسٍ حَبِيسٍ يَكُونُ بَعْضَ الثَّمَنِ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .\rلِأَنَّ الْمَقْصُودَ اسْتِبْقَاءُ مَنْفَعَةِ الْوَقْفِ الْمُمْكِنِ اسْتِبْقَاؤُهَا ، وَصِيَانَتُهَا عَنْ الضَّيَاعِ ، وَلَا سَبِيلَ إلَى ذَلِكَ إلَّا بِهَذِهِ الطَّرِيقِ .\r( 4413 ) فَصْلٌ : وَإِنْ لَمْ تَتَعَطَّلْ مَنْفَعَةُ الْوَقْفِ بِالْكُلِّيَّةِ ، لَكِنْ قَلَّتْ ، وَكَانَ غَيْرُهُ أَنْفَعَ مِنْهُ وَأَكْثَرَ رُدَّ عَلَى أَهْلِ الْوَقْفِ ، وَلَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ تَحْرِيمُ ، الْبَيْعِ ، وَإِنَّمَا أُبِيحَ لِلضَّرُورَةِ صِيَانَةً لِمَقْصُودِ الْوَقْفِ عَنْ الضَّيَاعِ ، مَعَ إمْكَانِ تَحْصِيلِهِ ، وَمَعَ الِانْتِفَاعِ ، وَإِنْ قَلَّ مَا يَضِيعُ الْمَقْصُودُ ، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَبْلُغَ فِي قِلَّةِ النَّفْعِ إلَى حَدٍّ لَا يُعَدُّ نَفْعًا ، فَيَكُونُ وُجُودُ ذَلِكَ كَالْعَدَمِ .","part":12,"page":238},{"id":5738,"text":"( 4414 ) فَصْلٌ : قَالَ أَحْمَدُ ، فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد ، فِي مَسْجِدٍ أَرَادَ أَهْلُهُ رَفْعَهُ مِنْ الْأَرْضِ ، وَيُجْعَلُ تَحْتَهُ سِقَايَةٌ وَحَوَانِيتُ ، فَامْتَنَعَ بَعْضُهُمْ مِنْ ذَلِكَ : فَيُنْظَرُ إلَى قَوْلِ أَكْثَرِهِمْ .\rوَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي تَأْوِيلِ كَلَامِ أَحْمَدَ ، فَذَهَبَ ابْنُ حَامِدٍ إلَى أَنَّ هَذَا فِي مَسْجِدٍ أَرَادَ أَهْلُهُ إنْشَاءَهُ ابْتِدَاءً ، وَاخْتَلَفُوا كَيْفَ يُعْمَلُ ؟ وَسَمَّاهُ مَسْجِدًا قَبْلَ بِنَائِهِ تَجَوُّزًا ؛ لِأَنَّ مَآلَهُ إلَيْهِ ، أَمَّا بَعْدَ كَوْنِهِ مَسْجِدًا لَا يَجُوزُ جَعْلُهُ سِقَايَةً وَلَا حَوَانِيتَ وَذَهَبَ الْقَاضِي إلَى ظَاهِر اللَّفْظِ ، وَهُوَ أَنَّهُ كَانَ مَسْجِدًا ، فَأَرَادَ أَهْلُهُ رَفْعَهُ ، وَجَعْلَ مَا تَحْتَهُ سِقَايَةً لِحَاجَتِهِمْ إلَى ذَلِكَ .\rوَالْأَوَّلُ أَصَحُّ وَأَوْلَى ، وَإِنْ خَالَفَ الظَّاهِرَ ؛ فَإِنَّ الْمَسْجِدَ لَا يَجُوزُ نَقْلُهُ ، وَإِبْدَالُهُ ، وَبَيْعُ سَاحَتِهِ ، وَجَعْلُهَا سِقَايَةً وَحَوَانِيتَ ، إلَّا عِنْدَ تَعَذُّرِ الِانْتِفَاعِ بِهِ وَالْحَاجَةُ إلَى سِقَايَةٍ وَحَوَانِيتَ لَا تُعَطِّلُ نَفْعَ الْمَسْجِدِ ، فَلَا يَجُوزُ صَرْفُهُ فِي ذَلِكَ ، وَلَوْ جَازَ جَعْلُ أَسْفَلِ الْمَسْجِدِ سِقَايَةً وَحَوَانِيتَ لِهَذِهِ الْحَاجَةِ ، لَجَازَ تَخْرِيبُ الْمَسْجِدِ وَجَعْلُهُ سِقَايَةً وَحَوَانِيتَ وَيُجْعَلُ بَدَلَهُ مَسْجِدًا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ قَالَ أَحْمَدُ ، فِي رِوَايَةِ بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، فِي مَسْجِدٍ لَيْسَ بِحَصِينٍ مِنْ الْكِلَابِ ، وَلَهُ مَنَارَةٌ ، فَرَخَّصَ فِي نَقْضِهَا ، وَبِنَاءِ حَائِطِ الْمَسْجِدِ بِهَا لِلْمَصْلَحَةِ .","part":12,"page":239},{"id":5739,"text":"( 4415 ) فَصْلٌ : وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُغْرَسَ فِي الْمَسْجِدِ شَجَرَةٌ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، وَقَالَ : إنْ كَانَتْ غُرِسَتْ النَّخْلَةُ بَعْدَ أَنْ صَارَ مَسْجِدًا ، فَهَذِهِ غُرِسَتْ بِغَيْرِ حَقٍّ ، فَلَا أُحِبُّ الْأَكْلَ مِنْهَا ، وَلَوْ قَلَعَهَا الْإِمَامُ لَجَازَ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَسْجِدَ لَمْ يُبْنَ لِهَذَا ، وَإِنَّمَا بُنِيَ لِذَكَرِ اللَّهِ وَالصَّلَاةِ وَقِرَاءَةِ الْقِرَانِ ، وَلِأَنَّ الشَّجَرَةَ تُؤْذِي الْمَسْجِدَ وَتَمْنَعُ الْمُصَلَّيْنَ مِنْ الصَّلَاةِ فِي مَوْضِعِهَا ، وَيَسْقُطُ وَرَقُهَا فِي الْمَسْجِدِ وَثَمَرُهَا ، وَتَسْقُطُ عَلَيْهَا الْعَصَافِيرُ وَالطَّيْرُ فَتَبُولُ فِي الْمَسْجِدِ ، وَرُبَّمَا اجْتَمَعَ الصِّبْيَانُ فِي الْمَسْجِدِ مِنْ أَجْلِهَا ، وَرَمَوْهَا بِالْحِجَارَةِ لِيَسْقُطَ ثَمَرُهَا فَأَمَّا إنْ كَانَتْ النَّخْلَةُ فِي أَرْضٍ ، فَجَعَلَهَا صَاحِبُهَا مَسْجِدًا وَالنَّخْلَةُ فِيهَا فَلَا بَأْسَ .\rقَالَ أَحْمَدُ فِي مَوْضِعٍ : لَا بَأْسَ .\rيَعْنِي أَنْ يَبِيعَهَا مِنْ الْجِيرَانِ .\rوَقَالَ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ ، فِي النَّبْقَةِ : لَا تُبَاعُ ، وَتُجْعَلُ لِلْمُسْلِمِينَ وَأَهْلِ الدَّرْبِ يَأْكُلُونَهَا .\rوَذَلِكَ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - ، لِأَنَّ صَاحِبَ الْأَرْضِ لَمَّا جَعَلَهَا مَسْجِدًا وَالنَّخْلَةُ فِيهَا ، فَقَدْ وَقَفَ الْأَرْضَ وَالنَّخْلَةَ مَعَهَا ، وَلَمْ يُعَيِّنْ مَصْرِفَهَا ، فَصَارَتْ كَالْوَقْفِ الْمُطْلَقِ الَّذِي لَمْ يُعَيَّنْ لَهُ مَصْرِفٌ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا فِيهِ فِي إحْدَى الرِّوَايَاتِ ، أَنَّهُ لِلْمَسَاكِينِ .\rفَأَمَّا إنْ قَالَ صَاحِبُهَا : هَذِهِ وَقْفٌ عَلَى الْمَسْجِدِ فَيَنْبَغِي أَنْ يُبَاعَ ثَمَرُهَا ، وَيُصْرَفَ إلَيْهِ ، كَمَا لَوْ وَقَفَهَا عَلَى الْمَسْجِدِ وَهِيَ فِي غَيْرِهِ .\rقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : عِنْدِي أَنَّ الْمَسْجِدَ إذَا احْتَاجَ إلَى ثَمَنِ ثَمَرَةِ الشَّجَرَةِ ، بِيعَتْ ، وَصُرِفَ ثَمَنُهَا فِي عِمَارَتِهِ .\rقَالَ : وَقَوْلُ أَحْمَدَ يَأْكُلُهَا الْجِيرَانُ .\rمَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُمْ يُعَمِّرُونَهُ .","part":12,"page":240},{"id":5740,"text":"( 4416 ) فَصْلٌ : وَمَا فَضَلَ مِنْ حُصِرَ الْمَسْجِدِ وَزَيْتِهِ ، وَلَمْ يُحْتَجْ إلَيْهِ ، جَازَ أَنْ يُجْعَلَ فِي مَسْجِدٍ آخَرَ ، أَوْ يُتَصَدَّقَ مِنْ ذَلِكَ عَلَى فُقَرَاءِ جِيرَانِهِ وَغَيْرِهِمْ ، وَكَذَلِكَ إنْ فَضَلَ مِنْ قَصَبِهِ أَوْ شَيْءٍ مِنْ نَقْضِهِ .\rقَالَ أَحْمَدُ ، فِي مَسْجِدٍ بُنِيَ ، فَبَقِيَ مِنْ خَشَبِهِ أَوْ قَصَبِهِ أَوْ شَيْءٍ مِنْ نَقْضِهِ ، فَقَالَ : يُعَانُ فِي مَسْجِدٍ آخَرَ .\rأَوْ كَمَا قَالَ .\rوَقَالَ الْمَرُّوذِيُّ : سَأَلْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَنْ بَوَارِي الْمَسْجِدِ ، إذَا فَضَلَ مِنْهُ الشَّيْءُ ، أَوْ الْخَشَبَةُ .\rقَالَ : يُتَصَدَّقُ بِهِ وَأَرَى أَنَّهُ قَدْ احْتَجَّ بِكُسْوَةِ الْبَيْتِ إذَا تَحَرَّقَتْ تُصُدِّقَ بِهَا .\rوَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ : قَدْ كَانَ شَيْبَةُ يَتَصَدَّقُ بِخُلْقَانِ الْكَعْبَةِ .\rوَرَوَى الْخَلَّالُ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَلْقَمَةَ ، عَنْ أُمِّهِ .\rأَنَّ شَيْبَةَ بْنَ عُثْمَانَ الْحَجَبِيَّ ، جَاءَ إلَى عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ، فَقَالَ : يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ ، إنَّ ثِيَابَ الْكَعْبَةِ تَكْثُرُ عَلَيْهَا ، فَنَنْزِعُهَا ، فَنَحْفِرُ لَهَا آبَارًا فَنَدْفِنُهَا فِيهَا ، حَتَّى لَا تَلْبَسَهَا الْحَائِضُ وَالْجُنُبُ .\rقَالَتْ عَائِشَةُ : بِئْسَ مَا صَنَعْت ، وَلَمْ تُصِبْ ، إنَّ ثِيَابَ الْكَعْبَةِ إذَا نُزِعَتْ لَمْ يَضُرَّهَا مَنْ لَبِسَهَا مِنْ حَائِضٍ أَوْ جُنُبٍ ، وَلَكِنْ لَوْ بِعْتَهَا ، وَجَعَلْت ثَمَنَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسَاكِينِ .\rفَكَانَ شَيْبَةُ يَبْعَثُ بِهَا إلَى الْيَمَنِ ، فَتُبَاعُ ، فَيَضَعُ ثَمَنَهَا حَيْثُ أَمَرَتْهُ عَائِشَةُ وَهَذِهِ قِصَّةٌ مِثْلُهَا يَنْتَشِرُ ، وَلَمْ يُنْكَرْ ، فَيَكُونُ إجْمَاعًا ، وَلِأَنَّهُ مَالُ اللَّهِ تَعَالَى ، لَمْ يَبْقَ لَهُ مَصْرِفٌ ، فَصُرِفَ إلَى الْمَسَاكِينِ ، كَالْوَقْفِ الْمُنْقَطِعِ .","part":12,"page":241},{"id":5741,"text":"( 4417 ) فَصْلٌ : إذَا جَنَى الْوَقْفُ جِنَايَةً تُوجِبُ الْقِصَاصَ ، وَجَبَ سَوَاءٌ كَانَتْ الْجِنَايَةُ عَلَى الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ أَوْ عَلَى غَيْرِهِ .\rفَإِنْ قُتِلَ بَطَلَ الْوَقْفُ فِيهِ ، وَإِنْ قُطِعَ كَانَ بَاقِيه وَقْفًا ، كَمَا لَوْ تَلِفَ بِفِعْلِ اللَّهِ تَعَالَى .\rوَإِنْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ مُوجِبَةً لِلْمَالِ ، لَمْ يُمْكِنْ تَعَلُّقُهَا بِرَقَبَتِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ بَيْعُهَا ، وَيَجِبُ أَرْشُهَا عَلَى الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ مِلْكُهُ تَعَلَّقَ أَرْشُهُ بِرَقَبَتِهِ ، فَكَانَ عَلَى مَالِكِهِ ، كَأُمِّ الْوَلَدِ وَلَا يَلْزَمُهُ أَكْثَرُ مِنْ قِيمَتِهِ كَأُمِّ الْوَلَدِ .\rوَإِنْ قُلْنَا : الْوَقْفُ لَا يُمْلَكُ .\rفَالْأَرْشُ فِي كَسْبِهِ ؛ لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ تَعَلُّقُهُ بِرَقَبَتِهِ لِكَوْنِهَا لَا تُبَاعُ ، وَبِالْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُهُ ، فَكَانَ فِي كَسْبِهِ ، كَالْحُرِّ يَكُونُ فِي مَالِهِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ فِي بَيْتِ الْمَالِ كَأَرْشِ جِنَايَةِ الْحُرِّ الْمُعْسِرِ .\rوَهَذَا احْتِمَالٌ ضَعِيفٌ جِدًّا ؛ فَإِنَّ الْجِنَايَةَ إنَّمَا تَكُونُ فِي بَيْتِ الْمَالِ ، فِي صُورَةٍ تَحْمِلُهَا الْعَاقِلَةُ عِنْدَ عَدَمِهَا ، وَجِنَايَةُ الْعَبْدِ لَا تَحْمِلُهَا الْعَاقِلَةُ وَإِنْ كَانَ الْوَقْفُ عَلَى الْمَسَاكِينِ ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْأَرْشُ فِي كَسْبِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ مُسْتَحِقٌّ مُعَيَّنٌ يُمْكِنُ إيجَابُ الْأَرْشِ عَلَيْهِ ، وَلَا يُمْكِنُ تَعَلُّقُهُ بِرَقَبَتِهِ ، لِتَعَذُّرِ بَيْعِهَا فَتَعَيَّنَ فِي كَسْبِهِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يَجِبَ فِي بَيْتِ الْمَالِ .\r( 4418 ) فَصْلٌ : وَإِنْ جُنِيَ عَلَى الْوَقْفِ جِنَايَةٌ مُوجِبَةٌ لِلْمَالِ ، وَجَبَ ؛ لِأَنَّ مَالِيَّتَهُ لَمْ تَبْطُلْ ، وَلَوْ بَطَلَتْ مَالِيَّتُهُ لَمْ يَبْطُلْ أَرْشُ الْجِنَايَةِ عَلَيْهِ فَإِنَّ الْحُرَّ يَجِبُ أَرْشُ الْجِنَايَةِ عَلَيْهِ ، فَإِنْ قُتِلَ وَجَبَتْ قِيمَتُهُ ، وَلَيْسَ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ الْعَفْوُ عَنْهَا ؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْتَصُّ بِهَا وَيُشْتَرَى بِهَا مِثْلُ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ يَكُونُ وَقْفًا وَقَالَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ : يَخْتَصُّ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ بِالْقِيمَةِ إنْ قُلْنَا :","part":12,"page":242},{"id":5742,"text":"إنَّهُ يَمْلِكُ الْمَوْقُوفَ ، لِأَنَّهُ بَدَلُ مِلْكِهِ .\rوَلَنَا أَنَّهُ مِلْكُ لَا يَخْتَصُّ بِهِ ، فَلَمْ يَخْتَصَّ بِبَدَلِهِ ، كَالْعَبْدِ الْمُشْتَرَكِ وَالْمَرْهُونِ ، وَبَيَانُ عَدَمِ الِاخْتِصَاصِ ظَاهِرٌ ، فَإِنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّ الْبَطْنِ الثَّانِي ، فَلَمْ يَجُزْ إبْطَالُهُ .\rوَلَا نَعْلَمُ قَدْرَ مَا يَسْتَحِقُّ هَذَا مِنْهُ فَنَعْفُوَ عَنْهُ فَلَمْ يَصِحَّ الْعَفْوُ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ ، كَمَا لَوْ أَتْلَفَ رَجُلُ رَهْنًا ، أُخِذَتْ مِنْهُ قِيمَتُهُ فَجُعِلَتْ رَهْنًا ، وَلَمْ يَصِحَّ عَفْوُ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنْهُ وَإِنْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ عَمْدًا مَحْضًا مِنْ مُكَافِئٍ لَهُ ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْقِصَاصُ ؛ لِأَنَّهُ مَحَلٌّ لَا يَخْتَصُّ بِهِ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَقْتَصَّ مِنْ قَاتِلِهِ ، كَالْعَبْدِ الْمُشْتَرَك .\rوَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ : يَكُونُ ذَلِكَ إلَى الْإِمَامِ ، فَإِنْ قُطِعَتْ يَدُ الْعَبْدِ أَوْ طَرَفٌ مِنْ أَطْرَافِهِ ، فَالْقِصَاصُ لَهُ ، وَلَهُ اسْتِيفَاؤُهُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُشَارِكُهُ فِيهِ غَيْرُهُ ، وَإِنْ كَانَ الْقَطْعُ لَا يُوجِبُ الْقِصَاصَ ، أَوْ يُوجِبُهُ فَعُفِيَ عَنْهُ ، وَجَبَ نِصْفُ قِيمَتِهِ ، فَإِنْ أَمْكَنَ أَنْ يُشْتَرَى بِهَا عَبْدٌ كَامِلٌ ، وَإِلَّا اُشْتُرِيَ بِهَا شِقْصٌ مِنْ عَبْدٍ .","part":12,"page":243},{"id":5743,"text":"( 4419 ) فَصْلٌ : وَيَجُوزُ تَزْوِيجُ الْأَمَةِ الْمَوْقُوفَةِ ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ عَلَى مَنْفَعَتِهَا ، أَشْبَهَ الْإِجَارَةَ ، وَلِأَنَّ الْمَوْقُوفَ عَلَيْهِ لَا يَمْلِكُ اسْتِيفَاءَ هَذِهِ الْمَنْفَعَةِ ، فَلَا يَتَضَرَّرُ بِتَمْلِيكِ غَيْرِهِ إيَّاهَا ، وَوَلِيُّهَا الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهَا مِلْكُهُ ، وَالْمَهْرُ لَهُ ؛ لِأَنَّهُ بَدَلُ نَفْعِهَا ، أَشْبَهَ الْأَجْرَ فِي الْإِجَارَةِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَجُوزَ تَزْوِيجُهَا ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ عَلَى نَفْعِهَا فِي الْعُمُرِ ، فَيُفْضِي إلَى تَفْوِيتِ نَفْعِهَا فِي حَقِّ الْبَطْنِ الثَّانِي .\rوَلِأَنَّ النِّكَاحَ يَتَعَلَّقُ بِهِ حُقُوقٌ ؛ مِنْ وُجُوبِ تَمْكِينِ الزَّوْجِ مِنْ اسْتِمْتَاعِهَا ، وَمَبِيتِهَا عِنْدَهُ ، فَتَفُوتُ خِدْمَتُهَا فِي اللَّيْلِ عَلَى الْبَطْنِ الثَّانِي ، إلَّا أَنْ تَطْلُبَ التَّزْوِيجَ ، فَيَتَعَيَّنَ تَزْوِيجُهَا ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ لَهَا طَلَبَتْهُ ، فَتَتَعَيَّنُ الْإِجَابَةُ إلَيْهِ ، وَمَا فَاتَ مِنْ الْحَقِّ بِهِ ، فَاتَ تَبَعًا لِإِيفَائِهَا حَقَّهَا ، فَوَجَبَ ذَلِكَ ، كَمَا يَجِبُ تَزْوِيجُ الْأَمَةِ غَيْرِ الْمَوْقُوفَةِ وَإِذَا طَلَبَتْ ذَلِكَ .\rوَإِذَا زَوَّجَهَا فَوَلَدَتْ مِنْ الزَّوْجِ ، فَوَلَدُهَا وَقْفٌ مَعَهَا ؛ لِأَنَّ وَلَدَ كُلِّ ذَاتِ رَحِمٍ تَثْبُتُ لَهَا حُرْمَةٌ حُكْمُهُ حُكْمُهَا ، كَأُمِّ الْوَلَدِ وَالْمُكَاتَبَةِ وَإِنْ أَكْرَهَهَا أَجْنَبِيُّ ، فَوَطِئَهَا ، أَوْ طَاوَعَتْهُ ، فَعَلَيْهِ الْحَدُّ إذَا انْتَفَتْ الشُّبْهَةُ ، وَعَلَيْهِ الْمَهْرُ لِأَهْلِ الْوَقْفِ ؛ لِأَنَّهُ وَطِئَ جَارِيَةَ غَيْرِهِ ، أَشْبَهَ الْأَمَةَ الْمُطَلَّقَةَ ، وَوَلَدُهَا يَكُونُ وَقْفًا مَعَهَا .\rوَإِنْ وَطِئَهَا بِشُبْهَةِ يَعْتَقِدُهَا حُرَّةً ، فَالْوَلَدُ حُرٌّ ، وَلَوْ كَانَ الْوَاطِئُ عَبْدًا ، وَتَجِبُ قِيمَتُهُ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مِنْ سَبِيلِهِ أَنْ يَكُونَ مَمْلُوكًا ، فَمَنَعَهُ اعْتِقَادُ الْحُرِّيَّةِ مِنْ الرِّقِّ ، فَوَجَبَتْ قِيمَتُهُ يُشْتَرَى بِهَا عَبْدٌ يَكُونُ وَقْفًا ، وَتُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ يَوْمَ تَضَعُهُ حَيًّا ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنْ تَقْوِيمُهُ قَبْلَ ذَلِكَ .","part":12,"page":244},{"id":5744,"text":"( 4420 ) فَصْلٌ : وَلَيْسَ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ وَطْءُ الْأَمَةِ الْمَوْقُوفَةِ ؛ لِأَنَّا لَا نَأْمَنُ حَبَلَهَا ، فَتَنْقُصُ أَوْ تَتْلَفُ أَوْ تَخْرُجُ مِنْ الْوَقْفِ بِكَوْنِهَا أُمَّ وَلَدٍ ؛ لِأَنَّ مِلْكَهُ نَاقِصٌ ، فَإِنْ وَطِئَ ، فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ ؛ لِلشُّبْهَةِ ، وَلَا مَهْرَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ وَجَبَ لَوَجَبَ لَهُ ، وَلَا يَجِبُ لِلْإِنْسَانِ شَيْءٌ عَلَى نَفْسِهِ ، وَالْوَلَدُ حُرٌّ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ وَطْءِ شُبْهَةٍ .\rوَعَلَيْهِ قِيمَةُ الْوَلَدِ ، يُشْتَرَى بِهَا عَبْدٌ مَكَانَهُ وَتَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ ؛ لِأَنَّهُ أَحْبَلَهَا بِحُرٍّ فِي مِلْكِهِ .\rفَإِذَا مَاتَ عَتَقَتْ ، وَوَجَبَتْ قِيمَتُهَا فِي تَرِكَتِهِ ؛ لِأَنَّهُ أَتْلَفَهَا عَلَى مَنْ بَعْدَهُ مِنْ الْبُطُونِ ، فَيُشْتَرَى بِهَا جَارِيَةٌ تَكُونُ وَقْفًا مَكَانَهَا وَإِنْ قُلْنَا : إنَّ الْمَوْقُوفَ عَلَيْهِ لَا يَمْلِكُهَا .\rلَمْ تَصِرْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ ؛ لِأَنَّهَا غَيْرُ مَمْلُوكَةٍ لَهُ .","part":12,"page":245},{"id":5745,"text":"( 4421 ) فَصْلٌ : وَإِنْ أُعْتِقَ الْعَبْدُ الْمَوْقُوفُ ، لَمْ يَنْفُذْ عِتْقُهُ ؛ لِأَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّ غَيْرِهِ ، وَلِأَنَّ الْوَقْفَ لَازِمٌ ، فَلَا يُمْكِنُ إبْطَالُهُ .\rوَإِنْ كَانَ نِصْفُ الْعَبْدِ وَقْفًا ، وَنِصْفُهُ طَلْقًا ، فَأَعْتَقَ صَاحِبُ الطَّلْقِ ، لَمْ يَسْرِ عِتْقُهُ إلَى الْوَقْفِ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَعْتِقْ بِالْمُبَاشَرَةِ فَبِالسَّرَايَةِ أَوْلَى .","part":12,"page":246},{"id":5746,"text":"( 4422 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : ( وَإِذَا حَصَلَ فِي يَدِ بَعْضِ أَهْلِ الْوَقْفِ خَمْسَةُ أَوْسُقٍ ، فَفِيهِ الزَّكَاةُ .\rوَإِذَا صَارَ الْوَقْفُ لِلْمَسَاكِينِ ، فَلَا زَكَاةَ فِيهِ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْوَقْفَ إذَا كَانَ شَجَرًا فَأَثْمَرَ ، أَوْ أَرْضًا فَزُرِعَتْ ، وَكَانَ الْوَقْفُ عَلَى قَوْمٍ بِأَعْيَانِهِمْ ، فَحَصَلَ لِبَعْضِهِمْ مِنْ الثَّمَرَةِ أَوْ الْحَبِّ نِصَابٌ فَفِيهِ الزَّكَاةُ .\rوَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ وَرُوِيَ عَنْ طَاوُسٍ وَمَكْحُولٍ لَا زَكَاةَ فِيهِ ، لِأَنَّ الْأَرْضَ لَيْسَتْ مَمْلُوكَةً لَهُمْ ، فَلَمْ تَجِبْ عَلَيْهِمْ زَكَاةٌ فِي الْخَارِجِ مِنْهَا كَالْمَسَاكِينِ .\rوَلَنَا أَنَّهُ اسْتَغَلَّ مِنْ أَرْضِهِ أَوْ شَجَرِهِ نِصَابًا ، فَلَزِمَتْهُ زَكَاتُهُ ، كَغَيْرِ الْوَقْفِ .\rيُحَقِّقُهُ أَنَّ الْوَقْفَ الْأَصْلُ ، وَالثَّمَرَةَ طَلْقٌ ، وَالْمِلْكُ فِيهَا تَامٌّ ، لَهُ التَّصَرُّفُ فِيهَا بِجَمِيعِ التَّصَرُّفَاتِ ، وَتُورَثُ عَنْهُ فَتَجِبُ فِيهَا الزَّكَاةُ ، كَالْحَاصِلَةِ مِنْ أَرْضٍ مُسْتَأْجَرَةٍ لَهُ وَقَوْلُهُمْ : إنَّ الْأَرْضَ غَيْرُ مَمْلُوكَةٍ لَهُ .\rمَمْنُوعٌ .\rوَإِنْ سَلَّمْنَا ذَلِكَ ، فَهُوَ مَالِكٌ لِمَنْفَعَتِهَا ؛ وَيَكْفِي ذَلِكَ فِي وُجُوبِ الزَّكَاةِ ، بِدَلِيلِ الْأَرْضِ الْمُسْتَأْجَرَةِ .\rأَمَّا الْمَسَاكِينُ فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِمْ فِيمَا يَحْصُلُ فِي أَيْدِيهِمْ ، سَوَاءٌ حَصَلَ فِي يَدِ بَعْضِهِمْ نِصَابٌ مِنْ الْحُبُوبِ وَالثِّمَارِ ، أَوْ لَمْ يَحْصُلْ ، وَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِمْ قَبْلَ تَفْرِيقِهَا ، وَإِنْ بَلَغَتْ نُصُبًا ؛ لِأَنَّ الْوَقْفَ عَلَى الْمَسَاكِينِ لَا يَتَعَيَّنُ لَوَاحِدٍ مِنْهُمْ ، بِدَلِيلِ ، أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَجُوزُ حِرْمَانُهُ وَالدَّفْعُ إلَى غَيْرِهِ ، وَإِنَّمَا ثَبَتَ الْمِلْكُ فِيهِ بِالدَّفْعِ وَالْقَبْضِ ، لِمَا أُعْطِيَهُ مِنْ غَلَّتِهِ مِلْكًا مُسْتَأْنَفًا ، فَلَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ فِيهِ زَكَاةٌ ، كَاَلَّذِي يُدْفَعُ إلَيْهِ مِنْ الزَّكَاةِ ، وَكَمَا لَوْ وَهَبَهُ أَوْ اشْتَرَاهُ وَفَارَقَ الْوَقْفَ عَلَى قَوْمٍ بِأَعْيَانِهِمْ .\rفَإِنَّهُ يُعَيَّنُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ حَقٌّ فِي نَفْعِ الْأَرْضِ وَغَلَّتِهَا ، وَلِهَذَا يَجِبُ إعْطَاؤُهُ","part":12,"page":247},{"id":5747,"text":"، وَلَا يَجُوزُ حِرْمَانُهُ .","part":12,"page":248},{"id":5748,"text":"( 4423 ) فَصْلٌ : وَيَصِحُّ الْوَقْفُ عَلَى الْقَبِيلَةِ الْعَظِيمَةِ ، كَقُرَيْشٍ ، وَبَنَى هَاشِمٍ ، وَبَنِي تَمِيمٍ ، وَبَنِي وَائِلٍ .\rوَنَحْوِهِمْ .\rوَيَجُوزُ الْوَقْفُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ كُلِّهِمْ ، وَعَلَى أَهْلِ إقْلِيمٍ وَمَدِينَةٍ ، كَالشَّامِ وَدِمَشْقَ وَنَحْوِهِمْ .\rوَيَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَقِفَ عَلَى عَشِيرَتِهِ ، وَأَهْلِ مَدِينَتِهِ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ : لَا يَصِحُّ الْوَقْفُ عَلَى مَنْ لَا يُمْكِنُ اسْتِيعَابُهُمْ وَحَصْرُهُمْ ، فِي غَيْرِ الْمَسَاكِينِ وَأَشْبَاهِهِمْ ؛ لِأَنَّ هَذَا تَصَرُّفٌ فِي حَقِّ الْآدَمِيِّ ، فَلَمْ يَصِحَّ مَعَ الْجَهَالَةِ ، كَمَا لَوْ قَالَ : وَقَفْت عَلَى قَوْمٍ وَلَنَا أَنَّ مَنْ صَحَّ الْوَقْفُ عَلَيْهِ ، إذَا كَانَ عَدَدُهُ مَحْصِيًّا صَحَّ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَحْصِيًّا ، كَالْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ ، وَمَا ذَكَرَهُ يَبْطُلُ بِالْوَقْفِ عَلَى الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ .\rوَمَتَى كَانَ الْوَقْفُ عَلَى مَنْ لَا يُمْكِنُ حَصْرُهُمْ ، فَلَا زَكَاةَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِيمَا يَصِحُّ لَهُ لِمَا ذَكَرْنَاهُ فِي الْمَسَاكِينِ ، وَلَا فِي جُمْلَةِ الْوَقْفِ ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ قَبْلُ .","part":12,"page":249},{"id":5749,"text":"( 4424 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : ( وَمَا لَا يُنْتَفَعُ بِهِ إلَّا بِالْإِتْلَافِ ، مِثْلُ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ وَالْمَأْكُولِ وَالْمَشْرُوبِ ، فَوَقْفُهُ غَيْرُ جَائِزٍ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ مَا لَا يُمْكِنُ الِانْتِفَاعُ بِهِ مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهِ ، كَالدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ ، وَالْمَطْعُومِ وَالْمَشْرُوبِ ، وَالشَّمْعِ ، وَأَشْبَاهِهِ ، لَا يَصِحُّ وَقْفُهُ ، فِي قَوْلِ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ وَأَهْلِ الْعِلْمِ ، إلَّا شَيْئًا يُحْكَى عَنْ مَالِكٍ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، فِي وَقْفِ الطَّعَامِ ، أَنَّهُ يَجُوزُ .\rوَلَمْ يَحْكِهِ أَصْحَابُ مَالِكٍ وَلَيْسَ بِصَحِيحِ ؛ لِأَنَّ الْوَقْفَ تَحْبِيسُ الْأَصْلِ وَتَسْبِيلُ الثَّمَرَةِ ، وَمَا لَا يُنْتَفَعُ بِهِ إلَّا بِالْإِتْلَافِ لَا يَصِحُّ فِيهِ ذَلِكَ .\rوَقِيلَ فِي الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ : يَصِحُّ وَقْفُهَا ، عَلَى قَوْلِ مَنْ أَجَازَ إجَارَتَهُمَا .\rوَلَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ تِلْكَ الْمَنْفَعَةِ لَيْسَتْ الْمَقْصُودَ الَّذِي خُلِقَتْ لَهُ الْأَثْمَانُ ، وَلِهَذَا لَا تُضْمَنُ فِي الْغَصْبِ ، فَلَمْ يَجُزْ الْوَقْفُ لَهُ ، كَوَقْفِ الشَّجَرِ عَلَى نَشْرِ الثِّيَابِ وَالْغَنَمِ عَلَى دَوْسِ الطِّينِ ، وَالشَّمْعِ لِيَتَجَمَّلَ بِهِ .\r( 4425 ) فَصْلٌ : وَالْمُرَادُ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ هَاهُنَا الدَّرَاهِمُ وَالدَّنَانِيرُ ، وَمَا لَيْسَ بِحُلِيٍّ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الَّذِي يَتْلَفُ بِالِانْتِفَاعِ بِهِ أَمَّا الْحُلِيُّ ، فَيَصِحُّ وَقْفُهُ لِلُّبْسِ وَالْعَارِيَّةُ ؛ لِمَا رَوَى نَافِعٌ ، قَالَ : ابْتَاعَتْ حَفْصَةُ حُلِيًّا بِعِشْرِينَ أَلْفًا ، فَحَبَسَتْهُ عَلَى نِسَاءِ آلِ الْخَطَّابِ ، فَكَانَتْ لَا تُخْرِجُ زَكَاتَهُ .\rرَوَاهُ الْخَلَّالُ بِإِسْنَادِهِ .\rوَلِأَنَّهُ عَيْنٌ يُمْكِنُ الِانْتِفَاعُ بِهَا ، مَعَ بَقَائِهَا دَائِمًا ، فَصَحَّ وَقْفُهَا ، كَالْعَقَارِ ، وَلِأَنَّهُ يَصِحُّ تَحْبِيسُ أَصْلِهَا وَتَسْبِيلُ الثَّمَرَةِ ، فَصَحَّ وَقْفُهَا ، كَالْعَقَارِ وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّهُ لَا يَصِحُّ وَقْفُهَا .\rوَأَنْكَرَ الْحَدِيثَ عَنْ حَفْصَةَ فِي وَقْفِهِ .\rوَذَكَرِهِ ابْنُ أَبِي مُوسَى ، إلَّا أَنَّ الْقَاضِيَ تَأَوَّلَهُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ","part":12,"page":250},{"id":5750,"text":"الْحَدِيثُ فِيهِ .\rوَوَجْهُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّ التَّحَلِّيَ لَيْسَ هُوَ الْمَقْصُودَ الْأَصْلِيَّ مِنْ الْأَثْمَانِ ، فَلَمْ يَصِحَّ وَقْفُهَا عَلَيْهِ ، كَمَا لَوْ وَقَفَ الدَّنَانِيرَ وَالدَّرَاهِمَ .\rوَالْأُوَلُ هُوَ الْمَذْهَبُ ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ وَالتَّحَلِّي مِنْ الْمَقَاصِدِ الْمُهِمَّةِ ، وَالْعَادَةُ جَارِيَةٌ بِهِ ، وَقَدْ اعْتَبَرَهُ الشَّرْعُ فِي إسْقَاطِ الزَّكَاةِ عَنْ مُتَّخِذِهِ ، وَجَوَّزَ إجَارَتَهُ لِذَلِكَ وَيُفَارِقُ الدَّرَاهِمَ وَالدَّنَانِيرَ ، فَإِنْ الْعَادَةَ لَمْ تَجْرِ بِالتَّحَلِّي بِهِ ، وَلَا اعْتَبَرَهُ الشَّرْعُ فِي إسْقَاطِ زَكَاتِهِ ، وَلَا ضَمَانِ مَنْفَعَتِهِ فِي الْغَصْبِ ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا .","part":12,"page":251},{"id":5751,"text":"( 4426 ) فَصْلٌ : وَلَا يَصِحُّ وَقْفُ الشَّمْعِ ؛ لِأَنَّهُ يَتْلَفُ بِالِانْتِفَاعِ بِهِ ، فَهُوَ كَالْمَأْكُولِ وَالْمَشْرُوبِ ، وَلَا مَا يُسْرِعُ إلَيْهِ الْفَسَادُ ، مِنْ الْمَشْمُومَاتِ وَالرَّيَاحِينِ وَأَشْبَاهِهَا ؛ لِأَنَّهَا تَتْلَفُ عَلَى قُرْبٍ مِنْ الزَّمَانِ ، فَأَشْبَهَتْ الْمَطْعُومَ ، وَلَا وَقْفُ مَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ ، كَأُمِّ الْوَلَدِ ، وَالْمَرْهُونِ ، وَالْكَلْبِ ، وَالْخِنْزِيرِ ، وَسَائِرِ سِبَاعِ الْبَهَائِمِ الَّتِي لَا تَصْلُحُ لِلصَّيْدِ ، وَجَوَارِحِ الطَّيْرِ الَّتِي لَا يُصَادُ بِهَا ؛ لِأَنَّهُ نَقْلٌ لِلْمِلْكِ فِيهَا فِي الْحَيَاةِ ، فَأَشْبَهَ الْبَيْعَ ، وَلِأَنَّ الْوَقْفَ تَحْبِيسُ الْأَصْلِ وَتَسْبِيلُ الْمَنْفَعَةِ ، وَمَا لَا مَنْفَعَةَ فِيهِ لَا يَحْصُلُ فِيهِ تَسْبِيلُ الْمَنْفَعَةِ ، وَالْكَلْبُ أُبِيحَ الِانْتِفَاعُ بِهِ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ لِلضَّرُورَةِ .\rفَلَمْ يَجُزْ التَّوَسُّعُ فِيهَا ، وَالْمَرْهُونُ فِي وَقْفِهِ إبْطَالُ حَقِّ الْمُرْتَهِنِ مِنْهُ فَلَمْ يَجُزْ إبْطَالُهُ .\rوَلَا يَصِحُّ الْوَقْفُ فِيمَا لَيْسَ بِمُعَيَّنٍ ، كَعَبْدٍ فِي الذِّمَّةِ ، وَدَارٍ ، وَسِلَاحٍ ؛ لِأَنَّ الْوَقْفَ إبْطَالٌ لِمَعْنَى الْمِلْكِ فِيهِ ، فَلَمْ يَصِحَّ فِي عَبْدٍ مُطْلَقٍ ، كَالْعِتْقِ .","part":12,"page":252},{"id":5752,"text":"( 4427 ) فَصْلٌ : قَالَ أَحْمَدُ ، فِي مَنْ وَصَّى بِفَرَسٍ وَسَرْجٍ وَلِجَامٍ مُفَضَّضٍ ، يُوقَفُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ : فَهُوَ عَلَى مَا وَقَفَ وَوَصَّى ، وَإِنْ بِيعَ الْفِضَّةُ مِنْ السَّرْجِ ، وَاللِّجَامِ ، وَجُعِلَ فِي وَقْفِ مِثْلِهِ ، فَهُوَ أَحَبُّ ؛ لِأَنَّ الْفِضَّةَ لَا يُنْتَفَعُ بِهَا ، وَلَعَلَّهُ يَشْتَرِي بِتِلْكَ الْفِضَّةِ سَرْجًا وَلِجَامًا ، فَيَكُونُ أَنْفَعَ لِلْمُسْلِمِينَ فَقِيلَ لَهُ : تُبَاعُ الْفِضَّةُ ، وَتُجْعَلُ فِي نَفَقَتِهِ ؟ قَالَ : لَا .\rفَأَبَاحَ أَنْ يَشْتَرِيَ بِفِضَّةِ السَّرْجِ وَاللِّجَامِ سَرْجًا وَلِجَامًا ؛ لِأَنَّهُ صَرْفٌ لَهُمَا فِي جِنْسِ مَا كَانَتْ عَلَيْهِ ، حِينَ لَمْ يُنْتَفَعْ بِهِمَا فِيهِ .\rفَأَشْبَهَ الْفَرَسَ الْحَبِيسَ إذَا عَطِبَ فَلَمْ يُنْتَفَعْ بِهِ فِي الْجِهَادِ ، جَازَ بَيْعُهُ ، وَصَرْفُ ثَمَنِهِ فِي مِثْلِهِ ، وَلَمْ يَجُزْ إيقَافُهَا عَلَى الْفَرَسِ ؛ لِأَنَّهُ صَرْفٌ لَهَا إلَى غَيْرِ جِهَتِهَا .","part":12,"page":253},{"id":5753,"text":"( 4428 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَيَصِحُّ الْوَقْفُ فِيمَا عَدَا ذَلِكَ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الَّذِي يَجُوزُ وَقْفُهُ ، مَا جَازَ بَيْعُهُ ، وَجَازَ الِانْتِفَاعُ بِهِ مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهِ ، وَكَانَ أَصْلًا يَبْقَى بَقَاءً مُتَّصِلًا ، كَالْعَقَارِ ، وَالْحَيَوَانَاتِ ، وَالسِّلَاحِ ، وَالْأَثَاثِ ، وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ .\rقَالَ أَحْمَدُ ، فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ : إنَّمَا الْوَقْفُ فِي الدُّورِ وَالْأَرْضِينَ ، عَلَى مَا وَقَفَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rوَقَالَ فِي مَنْ وَقَفَ خَمْسَ نَخَلَاتٍ عَلَى مَسْجِدٍ : لَا بَأْسَ بِهِ .\rوَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ : لَا يَجُوزُ وَقْفُ الْحَيَوَانِ ، وَلَا الرَّقِيقِ ، وَلَا الْكُرَاعِ ، وَلَا الْعُرُوضِ ، وَلَا السِّلَاحِ ، وَالْغِلْمَانِ ، وَالْبَقَرِ ، وَالْآلَةِ فِي الْأَرْضِ الْمَوْقُوفَةِ تَبَعًا لَهَا ؛ لِأَنَّ الْحَيَوَانَ لَا يُقَاتَلُ عَلَيْهِ ، فَلَمْ يَجُزْ وَقْفُهُ ، كَمَا لَوْ كَانَ الْوَقْفُ إلَى مُدَّةٍ .\rوَعَنْ مَالِكٍ فِي الْكُرَاعِ وَالسِّلَاحِ رِوَايَتَانِ .\rوَلَنَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { أَمَّا خَالِدٌ فَقَدْ احْتَبَسَ أَدْرَاعَهُ وَأَعْتَادَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ .\r} مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَفِي رِوَايَةٍ : وَأَعْتُدَهُ .\rأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ .\rقَالَ الْخَطَّابِيُّ : الْأَعْتَادُ مَا يُعِدُّهُ الرَّجُلُ مِنْ الْمَرْكُوبِ وَالسِّلَاحِ وَأْلَةِ الْجِهَادِ .\rوَرُوِيَ أَنَّ أُمَّ مَعْقِلٍ ، { جَاءَتْ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنَّ أَبَا مَعْقِلٍ جَعَلَ نَاضِحَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَإِنِّي أُرِيدُ الْحَجَّ ، أَفَأَرْكَبُهُ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ارْكَبِيهِ ، فَإِنَّ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ مِنْ سَبِيلِ اللَّهِ } وَلِأَنَّهُ يَحْصُلُ فِيهِ تَحْبِيسُ الْأَصْلِ وَتَسْبِيلُ الْمَنْفَعَةِ ، فَصَحَّ وَقْفُهُ ، كَالْعَقَارِ وَالْفَرَسِ الْحَبِيسِ ، وَلِأَنَّهُ يَصِحُّ وَقْفُهُ مَعَ غَيْرِهِ ، فَصَحَّ وَقْفُهُ وَحْدَهُ ، كَالْعَقَارِ .\r( 4429 ) فَصْلٌ : قَالَ أَحْمَدُ رَحِمَهُ اللَّهُ ، فِي رَجُلٍ لَهُ دَارٌ فِي","part":12,"page":254},{"id":5754,"text":"الرَّبَضِ ، أَوْ قَطِيعَةٌ ، فَأَرَادَ التَّنَزُّهَ مِنْهَا .\rقَالَ : يَقِفُهَا .\rقَالَ : الْقَطَائِعُ تَرْجِعُ إلَى الْأَصْلِ إذَا جَعَلَهَا لِلْمَسَاكِينِ .\rفَظَاهِرُ هَذَا إبَاحَةُ وَقْفِ السَّوَادِ ، وَهُوَ فِي الْأَصْلِ وَقْفٌ وَمَعْنَاهُ أَنَّ وَقْفَهَا يُطَابِقُ الْأَصْلَ لَا أَنَّهَا تَصِيرُ بِهَذَا الْقَوْلِ وَقْفًا .","part":12,"page":255},{"id":5755,"text":"( 4430 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : ( وَيَصِحُّ وَقْفُ الْمَشَاعِ ) وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو يُوسُفَ .\rوَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ : لَا يَصِحُّ وَبَنَاهُ عَلَى أَصْلِهِ فِي أَنَّ الْقَبْضَ شَرْطٌ ، وَأَنَّ الْقَبْضَ لَا يَصِحُّ فِي الْمَشَاعِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ فِي حَدِيثِ عُمَرَ { أَنَّهُ أَصَابَ مِائَةَ سَهْمٍ مِنْ خَيْبَرَ ، وَاسْتَأْذَنَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهَا ، فَأَمَرَهُ بِوَقْفِهَا .\r} وَهَذَا صِفَةُ الْمَشَاعِ ، وَلِأَنَّهُ عَقْدٌ يَجُوزُ عَلَى بَعْضِ الْجُمْلَةِ مُفْرَزًا فَجَازَ عَلَيْهِ مَشَاعًا ، كَالْبَيْعِ ، أَوْ عَرْصَةٍ يَجُوزُ بَيْعُهَا ، فَجَازَ وَقْفُهَا ، كَالْمُفْرَزَةِ ، وَلِأَنَّ الْوَقْفَ تَحْبِيسُ الْأَصْلِ وَتَسْبِيلُ الْمَنْفَعَةِ ، وَهَذَا يَحْصُلُ فِي الْمَشَاعِ ، كَحُصُولِهِ فِي الْمُفْرَزِ ، وَلَا نُسَلِّمُ اعْتِبَارَ الْقَبْضِ ، وَإِنْ سَلَّمْنَا فَإِذَا صَحَّ فِي الْبَيْعِ صَحَّ فِي الْوَقْفِ .","part":12,"page":256},{"id":5756,"text":"( 4431 ) فَصْلٌ : وَإِنْ وَقَفَ دَارِهِ عَلَى جِهَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ ، مِثْلُ أَنْ يَقِفَهَا عَلَى أَوْلَادِهِ وَعَلَى الْمَسَاكِينِ ، نِصْفَيْنِ ، أَوْ أَثْلَاثًا ، أَوْ كَيْفَمَا كَانَ جَازَ .\rوَسَوَاءٌ جَعَلَ مَآلَ الْمَوْقُوفِ عَلَى أَوْلَادِهِ وَعَلَى الْمَسَاكِينِ ، أَوْ عَلَى جِهَةٍ أُخْرَى سِوَاهُمْ ؛ لِأَنَّهُ إذَا جَازَ وَقْفُ الْجُزْءِ مُفْرَدًا ، جَازَ وَقْفُ الْجُزْأَيْنِ .\rوَإِنْ أَطْلَقَ الْوَقْفَ ، فَقَالَ : أَوْقَفْت دَارِي هَذِهِ عَلَى أَوْلَادِي ، وَعَلَى الْمَسَاكِينِ .\rفَهِيَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ ؛ لِأَنَّ إطْلَاقَ الْإِضَافَةِ إلَيْهِمَا تَقْتَضِي التَّسْوِيَةَ بَيْنَ الْجِهَتَيْنِ ، وَلَا تَتَحَقَّقُ التَّسْوِيَةُ إلَّا بِالتَّنْصِيفِ وَإِنْ قَالَ : وَقَفْتُهَا عَلَى زَيْدٍ وَعُمَرَ وَالْمَسَاكِينِ .\rفَهِيَ بَيْنَهُمْ أَثْلَاثًا .\r( 4432 ) فَصْلٌ : فَإِنْ أُرِيدَ تَمْيِيزُ الْوَقْفِ عَنْ الطَّلْقِ بِالْقِسْمَةِ ، فَذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلَى الْقِسْمَةِ ، هَلْ هِيَ بَيْعٌ أَوْ إفْرَازُ حَقٍّ ؟ وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا إفْرَازُ حَقٍّ ، فَيُنْظَرُ ؛ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا رَدٌّ جَازَتْ الْقِسْمَةُ .\rوَإِنْ كَانَ فِيهَا رَدٌّ مِنْ جَانِبِ أَصْحَابِ الْوَقْفِ ، جَازَتْ أَيْضًا ؛ لِأَنَّهُ شِرَاءٌ لِشَيْءٍ مِنْ الطَّلْق .\rوَإِنْ كَانَ مِنْ صَاحِبِ الطَّلْقِ ، لَمْ يَجُزْ ؛ لِأَنَّهُ شِرَاءُ بَعْضِ الْوَقْفِ ، وَبَيْعُهُ غَيْرُ جَائِزٍ .\rوَإِنْ كَانَ الْمَشَاعُ وَقْفًا عَلَى جِهَتَيْنِ ، فَأَرَادَ أَهْلُهُ قِسْمَتَهُ ، انْبَنِي عَلَى مَا ذَكَرْنَا .\rوَلَمْ يَجُزْ فِيمَا إذَا كَانَ فِيهَا رَدٌّ بِحَالٍ .\rوَمَتَى جَازَتْ الْقِسْمَةُ فِي الْوَقْفِ ، وَطَلَبَهَا أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ ، أَوْ وَلِيُّ الْوَقْفِ ، أُجْبِرَ الْآخَرُ ؛ لِأَنَّ كُلَّ قِسْمَةٍ جَازَتْ مِنْ غَيْرِ رَدٍّ وَلَا ضَرَرٍ ، فَهِيَ وَاجِبَةُ .","part":12,"page":257},{"id":5757,"text":"( 4433 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : ( وَإِذَا لَمْ يَكُنْ الْوَقْفُ عَلَى مَعْرُوفٍ أَوْ بِرٍّ فَهُوَ بَاطِلٌ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْوَقْفَ لَا يَصِحُّ إلَّا عَلَى مَنْ يُعْرَفُ ، كَوَلَدِهِ ، وَأَقَارِبِهِ ، وَرَجُلٍ مُعَيَّنٍ ، أَوْ عَلَى بِرٍّ ، كَبِنَاءِ الْمَسَاجِدِ وَالْقَنَاطِرِ ، وَكُتُبِ الْفِقْهِ وَالْعِلْمِ وَالْقُرْآنِ ، وَالْمَقَابِرِ ، وَالسِّقَايَاتِ وَسَبِيلِ اللَّهِ ، وَلَا يَصْلُحُ عَلَى غَيْرِ مُعَيَّنٍ ، كَرَجُلِ وَامْرَأَةٍ ؛ لِأَنَّ الْوَقْفَ تَمْلِيكٌ لِلْعَيْنِ أَوْ لِلْمَنْفَعَةِ ، فَلَا يَصِحُّ عَلَى غَيْرِ مُعَيَّنٍ ، كَالْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ ، وَلَا عَلَى مَعْصِيَةٍ كَبَيْتِ النَّارِ ، وَالْبِيَعِ وَالْكَنَائِسِ ، وَكُتُبِ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مَعْصِيَةٌ ، فَإِنَّ هَذِهِ الْمَوَاضِعَ بُنِيَتْ لِلْكُفْرِ .\rوَهَذِهِ الْكُتُبُ مُبَدَّلَةٌ مَنْسُوخَةٌ ، وَلِذَلِكَ غَضِبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ رَأَى مَعَ عُمَرَ صَحِيفَةً فِيهَا شَيْءٌ مِنْ التَّوْرَاةِ ، وَقَالَ : { أَفِي شَكٍّ أَنْتَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ ؟ أَلَمِ آتِ بِهَا بَيْضَاءَ نَقِيَّةً ؟ لَوْ كَانَ مُوسَى أَخِي حَيًّا مَا وَسِعَهُ إلَّا اتِّبَاعِي } .\rوَلَوْلَا أَنَّ ذَلِكَ مَعْصِيَةٌ مَا غَضِبَ مِنْهُ .\rوَالْوَقْفُ عَلَى قَنَادِيلِ الْبِيعَةِ وَفَرْشِهَا وَمَنْ يَخْدِمُهَا وَيُعَمِّرُهَا ، كَالْوَقْفِ عَلَيْهَا ؛ لِأَنَّهُ يُرَادُ لِتَعْظِيمِهَا .\rوَسَوَاءٌ كَانَ الْوَاقِفُ مُسْلِمًا أَوْ ذِمِّيًّا قَالَ أَحْمَدُ فِي نَصَارَى وَقَفُوا عَلَى الْبِيعَةِ ضِيَاعًا كَثِيرَةً ، وَمَاتُوا وَلَهُمْ أَبْنَاءُ نَصَارَى ، فَأَسْلَمُوا وَالضَّيَاعُ بِيَدِ النَّصَارَى : فَلَهُمْ أَخْذُهَا ، وَلِلْمُسْلِمِينَ عَوْنُهُمْ حَتَّى يَسْتَخْرِجُوهَا مِنْ أَيْدِيهِمْ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rوَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ مَا لَا يَصِحُّ مِنْ الْمُسْلِمِ الْوَقْفُ عَلَيْهِ ، لَا يَصِحُّ مِنْ الذِّمِّيِّ ، كَالْوَقْفِ عَلَى غَيْرِ مُعَيَّنٍ .\rفَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ قُلْتُمْ إنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ إذَا عَقَدُوا عُقُودًا فَاسِدَةً ، وَتَقَابَضُوا ، ثُمَّ أَسْلَمُوا وَتَرَافَعُوا إلَيْنَا ، لَمْ نَنْقُضْ مَا فَعَلُوهُ ، فَكَيْفَ","part":12,"page":258},{"id":5758,"text":"أَجَزْتُمْ الرُّجُوعَ فِيمَا وَقَفُوهُ عَلَى كَنَائِسِهِمْ ؟ قُلْنَا : الْوَقْفُ لَيْسَ بِعَقْدِ مُعَاوَضَةٍ ، وَإِنَّمَا هُوَ إزَالَةٌ لِلْمِلْكِ فِي الْمَوْقُوفِ عَلَى وَجْهِ الْقُرْبَةِ ، فَإِذَا لَمْ يَقَعْ صَحِيحًا ، لَمْ يَزُلْ الْمِلْكُ ، فَيَبْقَى بِحَالِهِ كَالْعِتْقِ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ ، فِي نَصْرَانِيٍّ أَشْهَدَ فِي وَصِيَّتِهِ ، أَنَّ غُلَامَهُ فُلَانًا يَخْدِمُ الْبِيعَةَ خَمْسَ سِنِينَ ، ثُمَّ هُوَ حُرٌّ .\rثُمَّ مَاتَ مَوْلَاهُ ، وَخَدَمَ سَنَةً ، ثُمَّ أَسْلَمَ ، مَا عَلَيْهِ ؟ قَالَ : هُوَ حُرٌّ .\rوَيَرْجِعُ عَلَى الْغُلَامِ بِأُجْرَةِ خِدْمَةِ مَبْلَغِ أَرْبَعِ سِنِينَ .\rوَرُوِيَ عَنْهُ ، قَالَ : هُوَ حُرٌّ سَاعَةَ مَاتَ مَوْلَاهُ ؛ لِأَنَّ هَذِهِ مَعْصِيَةٌ .\rوَهَذِهِ الرِّوَايَةُ أَصَحُّ وَأَوْفَقُ لِأُصُولِهِ وَيَحْتَمِلُ أَنَّ قَوْلَهُ : يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِخِدْمَتِهِ أَرْبَعَ سِنِينَ .\rلَمْ يَكُنْ لِصِحَّةِ الْوَصِيَّةِ ، بَلْ لِأَنَّهُ إنَّمَا أَعْتَقَهُ بِعِوَضٍ يَعْتَقِدَانِ صِحَّتَهُ ، فَإِذَا تَعَذَّرَ الْعِوَضُ بِإِسْلَامِهِ ، كَانَ عَلَيْهِ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ ، كَمَا لَوْ تَزَوَّجَ الذِّمِّيُّ ذِمِّيَّةً عَلَى ذَلِكَ ثُمَّ أَسْلَمَ ؛ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْمَهْرُ ، كَذَا هَاهُنَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْعِوَضُ .\rوَالْأَوَّلُ أَوْلَى .","part":12,"page":259},{"id":5759,"text":"( 4434 ) فَصْلٌ : وَلَا يَصِحُّ الْوَقْفُ عَلَى مَنْ لَا يَمْلِكُ ، كَالْعَبْدِ الْقِنِّ ، وَأُمِّ الْوَلَدِ ، وَالْمُدَبَّرِ ، وَالْمَيِّتِ ، وَالْحَمْلِ ، وَالْمَلَكِ وَالْجِنِّ وَالشَّيَاطِينِ .\rقَالَ أَحْمَدُ فِي مَنْ وَقَفَ عَلَى مَمَالِيكِهِ : لَا يَصِحُّ الْوَقْفُ حَتَّى يَعْتِقَهُمْ .\rوَذَلِكَ لِأَنَّ الْوَقْفَ تَمْلِيكٌ ، فَلَا يَصِحُّ عَلَى مَنْ لَا يَمْلِكُ .\rفَإِنْ قِيلَ : قَدْ جَوَّزْتُمْ الْوَقْفَ عَلَى الْمَسَاجِدِ وَالسِّقَايَات وَأَشْبَاهِهَا ، وَهِيَ لَا تُمْلَكُ قُلْنَا : الْوَقْفُ هُنَاكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ ، إلَّا أَنَّهُ عُيِّنَ فِي نَفْعٍ خَاصٍّ لَهُمْ .\rفَإِنْ قِيلَ : فَيَنْبَغِي أَنْ يَصِحَّ الْوَقْفُ عَلَى الْكَنَائِسِ ، وَيَكُونُ الْوَقْفُ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ .\rقُلْنَا : الْجِهَةُ الَّتِي عُيِّنَ صَرْفُ الْوَقْفِ فِيهَا لَيْسَتْ نَفْعًا ، بَلْ هِيَ مَعْصِيَةٌ مُحَرَّمَةٌ ، يُزَادُونَ بِهَا عِقَابًا وَإِثْمًا ، بِخِلَافِ الْمَسَاجِد .\rوَلَا يَصِحُّ الْوَقْفُ عَلَى الْعَبْدِ ، وَإِنْ قُلْنَا : إنَّهُ يَمْلِكُ بِالتَّمْلِيكِ ؛ لِأَنَّ الْوَقْفَ يَقْتَضِي تَحْبِيسَ الْأَصْلِ ، وَالْعَبْدُ لَا يَمْلِكُ مِلْكًا لَازِمًا وَلَا يَصِحُّ الْوَقْفُ عَلَى الْمُكَاتَبِ ، وَإِنْ كَانَ يَمْلِكُ ؛ لِأَنَّ مِلْكَهُ غَيْرُ مُسْتَقِرٍّ .\rوَلَا عَلَى مُرْتَدٍّ ، وَلَا عَلَى حَرْبِيٍّ ؛ لِأَنَّ أَمْوَالَهُمْ مُبَاحَةُ فِي الْأَصْلِ ، وَيَجُوزُ أَخْذُهَا مِنْهُمْ بِالْقَهْرِ وَالْغَلَبَةِ ، فَمَا يَتَجَدَّدُ لَهُمْ أَوْلَى ، وَالْوَقْفُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُبَاحَ الْأَخْذِ ؛ لِأَنَّهُ تَحْبِيسُ الْأَصْلِ .","part":12,"page":260},{"id":5760,"text":"( 4435 ) فَصْلٌ : وَيَصِحُّ الْوَقْفُ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ ؛ لِأَنَّهُمْ يَمْلِكُونَ مِلْكًا مُحْتَرَمًا ، وَيَجُوزُ أَنْ يَتَصَدَّقَ عَلَيْهِمْ ، فَجَازَ الْوَقْفُ عَلَيْهِمْ ، كَالْمُسْلِمِينَ .\rوَيَجُوزُ أَنْ يَقِفَ الْمُسْلِمُ عَلَيْهِ ، لِمَا رُوِيَ أَنَّ صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيِّ زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَفَتْ عَلَى أَخٍ لَهَا يَهُودِيٍّ ، وَلِأَنَّ مَنْ جَازَ أَنْ يَقِفَ الذِّمِّيُّ عَلَيْهِ جَازَ أَنْ يَقِفَ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُ كَالْمُسْلِمِ .\rوَلَوْ وَقَفَ عَلَى مِنْ يَنْزِلُ كَنَائِسَهُمْ وَبِيعَهُمْ مِنْ الْمَارَّةِ وَالْمُجْتَازِينَ ، صَحَّ أَيْضًا ؛ لِأَنَّ الْوَقْفَ عَلَيْهِمْ لَا عَلَى الْمَوْضِعِ .","part":12,"page":261},{"id":5761,"text":"( 4436 ) فَصْلٌ : وَيَنْظُرُ فِي الْوَقْفِ مَنْ شَرَطَهُ الْوَاقِفُ ؛ لِأَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ جَعَلَ وَقْفَهُ إلَى حَفْصَةَ تَلِيه مَا عَاشَتْ ، ثُمَّ إلَى ذَوِي الرَّأْيِ مِنْ أَهْلِهَا .\rوَلِأَنَّ مَصْرِفَ الْوَقْفِ يُتْبَعُ فِيهِ شَرْطُ الْوَاقِفِ ، فَكَذَلِكَ النَّاظِرُ فِيهِ .\rفَإِنْ جَعَلَ النَّظَرَ لِنَفْسِهِ جَازَ ، وَإِنْ جَعَلَهُ إلَى غَيْرِهِ فَهُوَ لَهُ ، فَإِنْ لَمْ يَجْعَلْهُ لِأَحَدٍ ، أَوْ جَعَلَهُ لِإِنْسَانٍ فَمَاتَ نَظَرَ فِيهِ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ مِلْكُهُ وَنَفْعُهُ لَهُ ، فَكَانَ نَظَرَهُ إلَيْهِ كَمِلْكِهِ الْمُطْلَقِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَنْظُرَ فِيهِ الْحَاكِمُ .\rاخْتَارَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْوَجْهَانِ مَبْنِيَّيْنِ عَلَى أَنَّ الْمِلْكَ هَلْ يَنْتَقِلُ فِيهِ إلَى الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ ، أَوْ إلَى اللَّهِ تَعَالَى ؟ فَإِنْ قُلْنَا : هُوَ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ .\rفَالنَّظَرُ فِيهِ إلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ مِلْكُهُ ، عَيْنُهُ وَنَفْعُهُ .\rوَإِنْ قُلْنَا : هُوَ لِلَّهِ .\rفَالْحَاكِمُ يَنُوبُ فِيهِ ، وَيَصْرِفُهُ إلَى مَصَارِفِهِ ؛ لِأَنَّهُ مَالُ اللَّهِ ، فَكَانَ النَّظَرُ فِيهِ إلَى حَاكِمِ الْمُسْلِمِينَ ، كَالْوَقْفِ عَلَى الْمَسَاكِينِ وَأَمَّا الْوَقْفُ عَلَى الْمَسَاكِينِ وَالْمَسَاجِدِ وَنَحْوِهَا ، أَوْ عَلَى مَنْ لَا يُمْكِنُ حَصْرُهُمْ وَاسْتِيعَابُهُمْ ، فَالنَّظَرُ فِيهِ إلَى الْحَاكِمِ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ مَالِكٌ مُتَعَيِّنٌ يَنْظُرُ فِيهِ .\rوَلَهُ أَنْ يَسْتَنِيبَ فِيهِ ؛ لِأَنَّ الْحَاكِمَ لَا يُمْكِنُهُ تَوَلِّي النَّظَرَ بِنَفْسِهِ .\rوَمَتَى كَانَ النَّظَرُ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ ، إمَّا بِجَعْلِ الْوَاقِفِ ذَلِكَ لَهُ ، أَوْ لِكَوْنِهِ أَحَقَّ بِذَلِكَ عِنْدَ عَدَمِ نَاظِرٍ سِوَاهُ ، وَكَانَ وَاحِدًا مُكَلَّفًا رَشِيدًا ، فَهُوَ أَحَقُّ بِذَلِكَ ، رَجُلًا كَانَ أَوْ امْرَأَةً ، عَدْلًا كَانَ أَوْ فَاسِقًا ؛ لِأَنَّهُ يَنْظُرُ لِنَفْسِهِ ، فَكَانَ لَهُ ذَلِكَ فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ ، كَالطَّلْقِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُضَمَّ إلَى الْفَاسِقِ أَمِينٌ ، حِفْظًا لِأَصْلِ الْوَقْفِ عَنْ الْبَيْعِ أَوْ التَّضْيِيعِ .\rوَإِنْ كَانَ الْوَقْفُ لِجَمَاعَةٍ رَشِيدِينَ ، فَالنَّظَرُ","part":12,"page":262},{"id":5762,"text":"لِلْجَمِيعِ ، لِكُلِّ إنْسَانٍ فِي نَصِيبِهِ .\rوَإِنْ كَانَ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ غَيْرَ رَشِيدٍ ، إمَّا لِصِغَرٍ ، أَوْ سَفَهٍ ، أَوْ جُنُونٍ ، قَامَ وَلِيُّهُ فِي النَّظَرِ مَقَامَهُ ، كَمَا يَقُومُ مَقَامَهُ فِي مَالِهِ الْمُطْلَقِ .\rوَإِنْ كَانَ النَّظَرُ لِغَيْرِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ ، أَوْ لِبَعْضِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ ، بِتَوْلِيَةِ الْوَاقِفِ أَوْ الْحَاكِمِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ إلَّا أَمِينًا ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَمِينًا ، وَكَانَتْ تَوْلِيَتُهُ مِنْ الْحَاكِمِ ، لَمْ تَصِحَّ .\rوَأُزِيلَتْ يَدُهُ .\rوَإِنْ وَلَّاهُ الْوَاقِفُ وَهُوَ فَاسِقٌ ، أَوْ وَلَّاهُ وَهُوَ عَدْلٌ وَصَارَ فَاسِقًا ، ضُمَّ إلَيْهِ أَمِينٌ يَنْحَفِظُ بِهِ الْوَقْفُ ، وَلَمْ تَزُلْ يَدُهُ ؛ وَلِأَنَّهُ أَمْكَنَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْحَقَّيْنِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا تَصِحَّ تَوْلِيَتُهُ ، وَأَنَّهُ يَنْعَزِلُ إذَا فَسَقَ فِي أَثْنَاء وِلَايَتِهِ ؛ لِأَنَّهَا وِلَايَةٌ عَلَى حَقِّ غَيْرِهِ ، فَنَافَاهَا الْفِسْقُ ، كَمَا لَوْ وَلَّاهُ الْحَاكِمُ ، وَكَمَا لَوْ لَمْ يُمْكِنْ حِفْظُ الْوَقْفِ مِنْهُ مَعَ بَقَاءِ وِلَايَتِهِ عَلَى حَقِّ غَيْرِهِ ، فَإِنَّهُ مَتَى لَمْ يُمْكِنْ حِفْظُهُ مِنْهُ أُزِيلَتْ وِلَايَتُهُ ، فَإِنَّ مُرَاعَاةَ حِفْظِ الْوَقْفِ أَهَمُّ مِنْ إبْقَاءِ وِلَايَةِ الْفَاسِقِ عَلَيْهِ .","part":12,"page":263},{"id":5763,"text":"( 4437 ) فَصْلٌ : وَنَفَقَةُ الْوَقْفِ مِنْ حَيْثُ شَرَطَ الْوَاقِفُ ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا اُتُّبِعَ شَرْطُهُ فِي تَسْبِيلِهِ ، وَجَبَ اتِّبَاعُ شَرْطِهِ فِي نَفَقَتِهِ .\rفَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ فَمِنْ غَلَّتِهِ ؛ لِأَنَّ الْوَقْفَ اقْتَضَى تَحْبِيسَ أَصْلِهِ وَتَسْبِيلَ نَفْعِهِ ، وَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ إلَّا بِالْإِنْفَاقِ عَلَيْهِ ، فَكَانَ ذَلِكَ مِنْ ضَرُورَتِهِ .\rوَإِنْ تَعَطَّلَتْ مَنَافِعُ الْحَيَوَانِ الْمَوْقُوفِ ، فَنَفَقَتُهُ عَلَى الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ مِلْكُهُ وَيَحْتَمِلُ وُجُوبَهَا فِي بَيْتِ الْمَالِ .\rوَيَجُوزُ بَيْعُهُ ، عَلَى مَا سَلَفَ بَيَانُهُ .","part":12,"page":264},{"id":5764,"text":"مَسْأَلَةٌ قَالَ : ( وَلَا تَصِحُّ الْهِبَةُ وَالصَّدَقَةُ فِيمَا يُكَالُ أَوْ يُوزَنُ إلَّا بِقَبْضِهِ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْهِبَةَ وَالصَّدَقَةَ وَالْهَدِيَّةَ وَالْعَطِيَّةَ مَعَانِيهَا مُتَقَارِبَةٌ ، وَكُلُّهَا تَمْلِيكٌ فِي الْحَيَاةِ بِغَيْرِ عِوَضٍ ، وَاسْمُ الْعَطِيَّةِ شَامِلٌ لِجَمِيعِهَا ، وَكَذَلِكَ الْهِبَةُ .\rوَالصَّدَقَةُ وَالْهَدِيَّةُ مُتَغَايِرَانِ ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَأْكُلُ الْهَدِيَّةَ ، وَلَا يَأْكُلُ الصَّدَقَةَ .\rوَقَالَ فِي اللَّحْمِ الَّذِي تُصُدِّقَ بِهِ عَلَى بَرِيرَةَ : { هُوَ عَلَيْهَا صَدَقَةٌ ، وَلَنَا هَدِيَّةٌ } فَالظَّاهِرُ أَنَّ مَنْ أَعْطَى شَيْئًا يَنْوِي بِهِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى لِلْمُحْتَاجِ ، فَهُوَ صَدَقَةٌ .\rوَمَنْ دَفَعَ إلَى إنْسَانٍ شَيْئًا لِلتَّقَرُّبِ إلَيْهِ ، وَالْمَحَبَّةِ لَهُ ، فَهُوَ هَدِيَّةٌ .\rوَجَمِيعُ ذَلِكَ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ ، وَمَحْثُوثٌ عَلَيْهِ ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { تَهَادَوْا تَحَابُّوا } .\rوَأَمَّا الصَّدَقَةُ ، فَمَا وَرَدَ فِي فَضْلِهَا أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يُمْكِنَنَا حَصْرُهُ ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { إنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرُ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ } إذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّ الْمَكِيلَ وَالْمَوْزُونَ لَا تَلْزَمُ فِيهِ الصَّدَقَةُ وَالْهِبَةُ إلَّا بِالْقَبْضِ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ مِنْهُمْ ؛ النَّخَعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَقَالَ مَالِكٌ ، وَأَبُو ثَوْرٍ : يَلْزَمُ ذَلِكَ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ ؛ لِعُمُومِ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ ، كَالْعَائِدِ فِي قَيْئِهِ } .\rوَلِأَنَّهُ إزَالَةُ مِلْكٍ بِغَيْرِ عِوَضٍ ، فَلَزِمَ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ ، كَالْوَقْفِ وَالْعِتْقِ وَرُبَّمَا قَالُوا : تَبَرُّعٌ ، فَلَا يُعْتَبَرُ فِيهِ الْقَبْضُ ، كَالْوَصِيَّةِ وَالْوَقْفِ .\rوَلِأَنَّهُ عَقْدٌ لَازِمٌ يَنْقُلُ الْمِلْكَ ، فَلَمْ يَقِفْ لُزُومُهُ عَلَى الْقَبْضِ كَالْبَيْعِ .\rوَلَنَا إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ","part":12,"page":265},{"id":5765,"text":"رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ فَإِنَّ مَا قُلْنَاهُ مَرْوِيٌّ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُمَا فِي الصَّحَابَةِ مُخَالِفٌ ، فَرَوَى عُرْوَةُ ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ، أَنْ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، نَحَلَهَا جُذَاذَ عِشْرِينَ وَسْقًا مِنْ مَالِهِ بِالْعَالِيَةِ فَلَمَّا مَرِضَ ، قَالَ : يَا بُنَيَّةُ ، مَا أَحَدٌ أَحَبُّ إلَيَّ غِنًى بَعْدِي مِنْك ، وَلَا أَحَدٌ أَعَزُّ عَلَيَّ فَقْرًا مِنْك وَكُنْت نَحَلْتُك جُذَاذَ عِشْرِينَ وَسْقًا ، وَوَدِدْت أَنَّك حُزْتِيهِ أَوْ قَبْضَتَيْهِ ، وَهُوَ الْيَوْمَ مَالُ الْوَارِثِ أَخَوَاك وَأُخْتَاك ، فَاقْتَسِمُوا عَلَى كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ .\rوَرَوَى ابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدٍ الْقَارِي أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ، قَالَ : مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَنْحَلُونَ أَوْلَادَهُمْ ، فَإِذَا مَاتَ أَحَدُهُمْ ، قَالَ : مَالِي وَفِي يَدِي .\rوَإِذَا مَاتَ هُوَ ، قَالَ : كُنْت نَحَلْتُهُ وَلَدِي ؟ لَا نِحْلَةَ إلَّا نِحْلَةٌ يَحُوزُهَا الْوَلَدُ دُونَ الْوَالِدِ ، فَإِنْ مَاتَ وَرِثَهُ وَرَوَى عُثْمَانُ أَنَّ الْوَالِدَ يَحُوزُ لِوَلَدِهِ إذَا كَانُوا صِغَارًا .\rقَالَ الْمَرُّوذِيُّ : اتَّفَقَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ ، أَنَّ الْهِبَةَ لَا تَجُوزُ إلَّا مَقْبُوضَةً .\rوَلِأَنَّهَا هِبَةٌ غَيْرُ مَقْبُوضَةٍ ، فَلَمْ تَلْزَمْ ، كَمَا لَوْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَ ، فَإِنَّ مَالِكًا يَقُولُ : لَا يَلْزَمُ الْوَرَثَةَ التَّسْلِيمُ ، وَالْخَبَرُ مَحْمُولٌ عَلَى الْمَقْبُوضِ ، وَلَا يَصِحُّ الْقِيَاسُ عَلَى الْوَقْفِ وَالْوَصِيَّةِ وَالْعِتْقِ .\rلِأَنَّ الْوَقْفَ إخْرَاجُ مِلْكٍ إلَى اللَّهِ تَعَالَى ، فَخَالَفَ التَّمْلِيكَاتِ ، وَالْوَصِيَّةُ تَلْزَمُ فِي حَقِّ الْوَارِثِ ، وَالْعِتْقُ إسْقَاطُ حَقٍّ وَلَيْسَ بِتَمْلِيكٍ ، وَلِأَنَّ الْوَقْفَ وَالْعِتْقَ لَا يَكُونُ فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ فِي الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ .\r( 4439 ) فَصْلٌ : وَقَوْلُ الْخِرَقِيِّ ( لَا يَصِحُّ ) .\rيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ لَا يَلْزَمُ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ لَا يَثْبُتُ بِهَا الْمِلْكُ قَبْلَ الْقَبْضِ ،","part":12,"page":266},{"id":5766,"text":"فَإِنَّ حُكْمَ الْمِلْكِ حُكْمُ الْهِبَةِ ، وَالصِّحَّةُ اعْتِبَارُ الشَّيْءِ فِي حَقِّ حُكْمِهِ .\rوَأَمَّا الصِّحَّةُ بِمَعْنَى انْعِقَادِ اللَّفْظِ بِحَيْثُ إذَا انْضَمَّ إلَيْهِ الْقَبْضُ اُعْتُبِرَ وَثَبَتَ حُكْمُهُ ، فَلَا يَصِحُّ حَمْلُ لَفْظِهِ عَلَى نَفْيِهِ ، لِعَدَمِ الْخِلَافِ فِيهِ ، وَلِأَنَّهُ قَالَ فِي سِيَاقِ الْمَسْأَلَةِ : \" كَمَا يَصِحُّ فِي الْبَيْعِ \" وَقَدْ تَقَرَّرَ فِي الْبَيْعِ أَنَّ بَيْعَ الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ صَحِيحٌ قَبْلَ الْقَبْضِ ، وَإِنَّمَا يَنْتَفِي الضَّمَانُ وَإِطْلَاقُهُ فِي التَّصَرُّفَاتِ .\rوَقَوْلُهُ : \" مَا يُكَالُ وَمَا يُوزَنُ \" ظَاهِرُهُ الْعُمُومُ فِي كُلِّ مَوْزُونٍ وَمَكِيلٍ ، وَخَصَّهُ أَصْحَابُنَا الْمُتَأَخِّرُونَ بِمَا لَيْسَ بِمُتَعَيِّنٍ فِيهِ ، كَالْقَفِيزِ مِنْ صُبْرَةٍ ، وَالرِّطْلِ مِنْ زُبْدَةٍ .\rوَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ فِي الْبَيْعِ ، وَرَجَّحْنَا الْعُمُومَ .","part":12,"page":267},{"id":5767,"text":"( 4440 ) فَصْلٌ : وَالْوَاهِبُ بِالْخِيَارِ قَبْلَ الْقَبْضِ ، إنْ شَاءَ أَقْبَضَهَا وَأَمْضَاهَا ، وَإِنْ شَاءَ رَجَعَ فِيهَا وَمَنَعَهَا .\rوَلَا يَصِحُّ قَبْضُهَا إلَّا بِإِذْنِهِ ، فَإِنْ قَبَضَهَا الْمَوْهُوبُ لَهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ لَمْ تَتِمَّ الْهِبَةُ ، وَلَمْ يَصِحَّ الْقَبْضُ .\rوَحُكِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ إذَا قَبَضَهَا فِي الْمَجْلِسِ صَحَّ ، وَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ ؛ لِأَنَّ الْهِبَةَ قَامَتْ مَقَامَ الْإِذْنِ فِي الْقَبْضِ ، لِكَوْنِهَا دَالَّةً عَلَى رِضَاهُ بِالتَّمْلِيكِ الَّذِي لَا يَتِمُّ إلَّا بِالْقَبْضِ .\rوَلَنَا أَنَّهُ قَبَضَ الْهِبَةَ بِغَيْرِ إذْنِ الْوَاهِبِ ، فَلَمْ يَصِحَّ ، كَمَا بَعْدَ الْمَجْلِسِ ، أَوْ كَمَا لَوْ نَهَاهُ عَنْ قَبْضِهَا ، وَلِأَنَّ التَّسْلِيمَ غَيْرُ مُسْتَحَقٍّ عَلَى الْوَاهِبِ .\rفَلَا يَصِحُّ التَّسْلِيمُ إلَّا بِإِذْنِهِ ، كَمَا لَوْ أَخَذَ الْمُشْتَرِي الْمَبِيعَ مِنْ الْبَائِعِ قَبْلَ تَسْلِيمِ ثَمَنِهِ .\rوَلَا يَصِحُّ جَعْلُ الْهِبَةِ إذْنًا فِي الْقَبْضِ ، بِدَلِيلِ مَا بَعْدَ الْمَجْلِسِ .\rوَلَوْ أَذِنَ الْوَاهِبُ فِي الْقَبْضِ ، ثُمَّ رَجَعَ عَنْ الْإِذْنِ ، أَوْ رَجَعَ فِي الْهِبَةِ ، صَحَّ رُجُوعُهُ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِقَبْضٍ وَإِنْ رَجَعَ بَعْدَ الْقَبْضِ ، لَمْ يَنْفَعْ رُجُوعُهُ ؛ لِأَنَّ الْهِبَةَ تَمَّتْ .","part":12,"page":268},{"id":5768,"text":"( 4441 ) فَصْلٌ : وَإِذَا مَاتَ الْوَاهِبُ أَوْ الْمَوْهُوبُ لَهُ قَبْلَ الْقَبْضِ ، بَطَلَتْ الْهِبَةُ ، سَوَاءٌ كَانَ قَبْلَ الْإِذْنِ فِي الْقَبْضِ أَوْ بَعْدَهُ .\rذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي مَوْتِ الْوَاهِبِ ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ جَائِزٌ فَبَطَلَ بِمَوْتِ أَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ ، كَالْوَكَالَةِ وَالشَّرِكَةِ .\rوَقَالَ أَحْمَدُ ، فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ ، وَأَبِي الْحَارِثِ ، فِي رَجُلٍ أَهْدَى هَدِيَّةً فَلَمْ تَصِلْ إلَى الْمُهْدَيْ إلَيْهِ ، حَتَّى مَاتَ ؛ فَإِنَّهَا تَعُودُ إلَى صَاحِبِهَا مَا لَمْ يَقْبِضْهَا .\rوَرُوِيَ بِإِسْنَادِهِ عَنْ أُمِّ كُلْثُومِ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ ، قَالَتْ : { لَمَّا تَزَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُمَّ سَلَمَةَ ، قَالَ لَهَا : إنِّي قَدْ أَهْدَيْت إلَى النَّجَاشِيِّ حُلَّةً وَأَوَاقِيَّ مِسْكٍ ، وَلَا أَرَى النَّجَاشِيَّ إلَّا قَدْ مَاتَ وَلَا أَرَى هَدِيَّتِي إلَّا مَرْدُودَةً عَلَيَّ ، فَإِنْ رُدَّتْ فَهِيَ لَك .\rقَالَتْ : فَكَانَ مَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرُدَّتْ عَلَيْهِ هَدِيَّتُهُ ، فَأَعْطَى كُلَّ امْرَأَةٍ مِنْ نِسَائِهِ أُوقِيَّةً مِنْ مِسْكٍ ، وَأَعْطَى أُمَّ سَلَمَةَ بَقِيَّةَ الْمِسْكِ وَالْحُلَّةَ .\r} وَإِنْ مَاتَ صَاحِبُ الْهَدِيَّةِ قَبْلَ أَنْ تَصِلَ إلَى الْمُهْدَى إلَيْهِ ، رَجَعَتْ إلَى وَرَثَةِ الْمُهْدِي ، وَلَيْسَ لِلرَّسُولِ حَمْلُهَا إلَى الْمُهْدَى إلَيْهِ ، إلَّا أَنْ يَأْذَنَ لَهُ الْوَارِثُ وَلَوْ رَجَعَ الْمُهْدِي فِي هَدِيَّتِهِ قَبْلَ وُصُولِهَا إلَى الْمُهْدَى إلَيْهِ ، صَحَّ رُجُوعُهُ فِيهَا ، وَالْهِبَةُ كَالْهَدِيَّةِ .\rوَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ إذَا مَاتَ الْوَاهِبُ ، قَامَ وَارِثُهُ مَقَامَهُ فِي الْإِذْنِ فِي الْقَبْضِ وَالْفَسْخِ .\rوَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْهِبَةَ لَا تَنْفَسِخُ بِمَوْتِهِ .\rوَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ مَآلُهُ إلَى اللُّزُومِ ، فَلَمْ يَنْفَسِخْ بِالْمَوْتِ كَالْبَيْعِ الْمَشْرُوطِ فِيهِ الْخِيَارُ .\rوَكَذَلِكَ يُخَرَّجُ فِيمَا إذَا مَاتَ الْمَوْهُوبُ لَهُ بَعْدَ قَبُولِهِ وَإِنْ مَاتَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ الْقَبُولِ ، أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ ، بَطَلَتْ ، وَجْهًا","part":12,"page":269},{"id":5769,"text":"وَاحِدًا ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ لَمْ يَتِمَّ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَوْجَبَ الْبَيْعَ ، فَمَاتَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ الْقَبُولِ مِنْ الْمُشْتَرِي .\rوَإِذَا قُلْنَا : إنَّ الْهِبَةَ لَا تَبْطُلُ فَمَاتَ أَحَدُهُمَا بَعْدَ الْإِذْنِ فِي الْقَبْضِ ، بَطَلَ الْإِذْنُ ، وَجْهًا وَاحِدًا ؛ لِأَنَّ الْمَيِّتَ إنْ كَانَ هُوَ الْوَاهِبَ فَقَدْ انْتَقَلَ حَقُّهُ فِي الرُّجُوعِ فِي الْهِبَةِ إلَى وَارِثِهِ ، فَلَمْ يَلْزَمْ بِغَيْرِ إذْنِهِ .\rوَإِنْ كَانَ الْمَوْهُوبَ لَهُ ، فَلَمْ يُوجَدْ الْإِذْنُ ، لِوَارِثِهِ ، فَلَمْ يَمْلِكْ الْقَبْضَ بِغَيْرِ إذْنٍ .","part":12,"page":270},{"id":5770,"text":"( 4442 ) فَصْلٌ : وَإِنْ وَهَبَهُ شَيْئًا فِي يَدِ الْمُتَّهِبِ ، كَوَدِيعَةٍ ، أَوْ مَغْصُوبٍ ، فَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ أَنَّ الْهِبَةَ تَلْزَمُ مِنْ غَيْرِ قَبْضٍ ، وَلَا مُضِيِّ مُدَّةٍ يَتَأَتَّى الْقَبْضُ فِيهَا ؛ فَإِنَّهُ قَالَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ : إذَا وَهَبَ لِامْرَأَتِهِ شَيْئًا وَلَمْ تَقْبِضْهُ ، فَلَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا خِيَارٌ ، هِيَ مَعَهُ فِي الْبَيْتِ .\rفَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ لَمْ يَعْتَبِرْ قَبْضًا ، وَلَا مُضِيَّ مُدَّةٍ يَتَأَتَّى فِيهَا ، لِكَوْنِهَا مَعَهُ فِي الْبَيْتِ ، فَيَدُهَا عَلَى مَا فِيهِ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : لَا بُدَّ مِنْ مُضِيِّ مُدَّةٍ يَتَأَتَّى فِيهَا الْقَبْضُ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى ، أَنَّهُ يَفْتَقِرُ إلَى إذْنٍ فِي الْقَبْضِ .\rوَقَدْ مَضَى تَعْلِيلُ ذَلِكَ وَتَفْصِيلُهُ فِي الرَّهْنِ .\rوَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ كَمَذْهَبِنَا ، فِي الِاخْتِلَافِ فِي اعْتِبَارِ الْإِذْنِ ، وَاعْتِبَارِ مُضِيِّ مُدَّةٍ يَتَأَتَّى الْقَبْضُ فِيهَا .","part":12,"page":271},{"id":5771,"text":"( 4443 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : ( وَيَصِحُّ فِي غَيْرِ ذَلِكَ بِغَيْرِ قَبْضٍ إذَا قَبِلَ ، كَمَا يَصِحُّ فِي الْبَيْعِ ) يَعْنِي أَنَّ غَيْرَ الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ تَلْزَمُ الْهِبَةُ فِيهِ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ ، وَيَثْبُتُ الْمِلْكُ فِي الْمَوْهُوبِ قَبْلَ قَبْضِهِ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فَإِنَّهُ يُرْوَى عَنْهُمَا أَنَّهُمَا قَالَا : الْهِبَةُ جَائِزَةٌ إذَا كَانَتْ مَعْلُومَةً قُبِضَتْ أَوْ لَمْ تُقْبَضْ .\rوَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَبِي ثَوْرٍ وَعَنْ أَحْمَدَ ، رِوَايَةٌ أُخْرَى : لَا تَلْزَمُ الْهِبَةُ فِي الْجَمِيعِ إلَّا بِالْقَبْضِ وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rقَالَ الْمَرُّوذِيُّ : اتَّفَقَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيُّ عَلَى أَنَّ الْهِبَةَ لَا تَجُوزُ إلَّا مَقْبُوضَةً .\rوَيُرْوَى ذَلِكَ عَنْ النَّخَعِيِّ وَالثَّوْرِيِّ ، وَالْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ ، وَالْعَنْبَرِيِّ ، وَالشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ ، لِمَا ذَكَرْنَا فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى .\rوَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى أَنَّ الْهِبَةَ أَحَدُ نَوْعَيْ التَّمْلِيكِ ، فَكَانَ مِنْهَا مَا لَا يَلْزَمُ قَبْلَ الْقَبْضِ ، وَمِنْهَا مَا يَلْزَمُ قَبْلَهُ ، كَالْبَيْعِ ، فَإِنَّ فِيهِ مَا لَا يَلْزَمُ قَبْلَ الْقَبْضِ ، وَهُوَ الصَّرْفُ ، وَبَيْعُ الرِّبَوِيَّاتِ ، وَمِنْهُ مَا يَلْزَمُ قَبْلَهُ ، وَهُوَ مَا عَدَا ذَلِكَ فَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي بَكْرٍ ، فَلَا يَلْزَمُ ، فَإِنَّ جُذَاذَ عِشْرِينَ وَسْقًا ، يُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ عِشْرِينَ وَسْقًا مَجْذُوذَةً ، فَيَكُون مَكِيلًا ، غَيْرَ مُعَيَّنٍ ، وَهَذَا لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ الْقَبْضِ .\rوَإِنْ أَرَادَ نَخْلًا يَجُذُّ عِشْرِينَ وَسْقًا ، فَهُوَ أَيْضًا غَيْرُ مُعَيَّنٍ وَلَا تَصِحُّ الْهِبَةُ فِيهِ قَبْلَ تَعْيِينِهِ ، فَيَكُونُ مَعْنَاهُ : وَعَدْتُك بِالنِّحْلَةِ .\rوَقَوْلُ عُمَرَ أَرَادَ بِهِ النَّهْيَ عَنْ التَّحَيُّلِ بِنِحْلَةِ الْوَالِدِ وَلَدَهُ نِحْلَةً مَوْقُوفَةً عَلَى الْمَوْتِ ، فَيُظْهِرُ : إنِّي نَحَلْت وَلَدِي شَيْئًا وَيُمْسِكُهُ فِي يَدِهِ وَيَسْتَغِلُّهُ ، فَإِذَا مَاتَ أَخَذَهُ وَلَدُهُ بِحُكْمِ النِّحْلَةِ الَّتِي أَظْهَرَهَا ، وَإِنْ مَاتَ","part":12,"page":272},{"id":5772,"text":"وَلَدُهُ أَمْسَكَهُ ، وَلَمْ يُعْطِ وَرَثَةَ وَلَدِهِ شَيْئًا .\rوَهَذَا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ مُحَرَّمٌ ، فَنَهَاهُمْ عَنْ هَذَا حَتَّى يَحُوزَهَا الْوَلَدُ دُونَ وَالِدِهِ ، فَإِنْ مَاتَ وَرِثَهَا وَرَثَتُهُ ، كَسَائِرِ مَالِهِ .\rوَإِذَا كَانَ الْمَقْصُودُ هَذَا اخْتَصَّ بِهِبَةِ الْوَلَدِ دُونَ وَالِدِهِ ، وَشِبْهِهِ ، عَلَى أَنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ خِلَافُ ذَلِكَ ، فَتَعَارَضَتْ أَقْوَالُهُمْ .","part":12,"page":273},{"id":5773,"text":"( 4444 ) فَصْلٌ : قَوْلُ الْخِرَقِيِّ : ( إذَا قَبِلَ ) يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ إنَّمَا يُسْتَغْنَى عَنْ الْقَبْضِ فِي مَوْضِعٍ وُجِدَ فِيهِ الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ .\rوَالْإِيجَابُ أَنْ يَقُولَ : وَهَبْتُك ، أَوْ أَهْدَيْت إلَيْك ، أَوْ أَعْطَيْتُك ، أَوْ هَذَا لَك .\rوَنَحْوَهُ مِنْ الْأَلْفَاظِ الدَّالَّةِ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى .\rوَالْقَبُولُ أَنْ يَقُولَ : قَبِلْت ، أَوْ رَضِيت ، أَوْ نَحْوَ هَذَا .\rوَذَكَرَ الْقَاضِي ، وَأَبُو الْخَطَّابِ ، أَنَّ الْهِبَةَ وَالْعَطِيَّةَ لَا تَصِحُّ كُلُّهَا إلَّا بِإِيجَابٍ وَقَبُولٍ ، وَلَا بُدَّ مِنْهُمَا ، سَوَاءٌ وُجِدَ الْقَبْضُ أَوْ لَمْ يُوجَدْ وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ عَقْدُ تَمْلِيكٍ ، فَافْتَقَرَ إلَى الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ ، كَالنِّكَاحِ .\rوَالصَّحِيحُ أَنَّ الْمُعَاطَاةَ وَالْأَفْعَالَ الدَّالَّةَ عَلَى الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ كَافِيَةٌ ، وَلَا يُحْتَاجُ إلَى لَفْظٍ .\rوَهَذَا اخْتِيَارُ ابْنِ عَقِيلٍ ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُهْدِي وَيُهْدَى إلَيْهِ ، وَيُعْطِي وَيُعْطَى ، وَيُفَرِّقُ الصَّدَقَاتِ ، وَيَأْمُرُ سُعَاتَهُ بِتَفْرِيقِهَا وَأَخْذِهَا ، وَكَانَ أَصْحَابُهُ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ \" وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْهُمْ فِي ذَلِكَ إيجَابٌ وَلَا قَبُولٌ ، وَلَا أَمْرٌ بِهِ وَلَا تَعْلِيمُهُ لِأَحَدٍ ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ شَرْطًا لَنُقِلَ عَنْهُمْ نَقْلًا مَشْهُورًا ، { وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ عَلَى بَعِيرٍ لِعُمَرَ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعُمَرَ : بِعْنِيهِ .\rفَقَالَ : هُوَ لَك يَا رَسُولَ اللَّهِ .\rفَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هُوَ لَك يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ، فَاصْنَعْ بِهِ مَا شِئْت } .\rوَلَمْ يُنْقَلْ قَبُولُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ عُمَرَ ، وَلَا قَبُولُ ابْنِ عُمَرَ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَوْ كَانَ شَرْطًا لَفَعَلَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلِمَهُ ابْنُ عُمَرَ ، وَلَمْ يَكُنْ لِيَأْمُرَهُ أَنْ يَصْنَعَ بِهِ مَا شَاءَ قَبْلَ أَنْ يَقْبَلَهُ وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ","part":12,"page":274},{"id":5774,"text":"عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إذَا أُتِيَ بِطَعَامٍ سَأَلَ عَنْهُ ، فَإِنْ قَالُوا : صَدَقَةً .\rقَالَ لِأَصْحَابِهِ : كُلُوا .\rوَلَمْ يَأْكُلْ ، وَإِنْ قَالُوا : هَدِيَّةً .\rضَرَبَ بِيَدِهِ ، فَأَكَلَ مَعَهُمْ } .\rوَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ ، فِيمَا عَلِمْنَاهُ ، فِي أَنَّ تَقْدِيمَ الطَّعَامِ بَيْنَ يَدَيْ الضَّيْفَانِ إذْنٌ فِي الْأَكْلِ ، وَأَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى قَبُولٍ بِقَوْلِهِ .\rوَلِأَنَّهُ وُجِدَ مَا يَدُلُّ عَلَى التَّرَاضِي بِنَقْلِ الْمِلْكِ ، فَاكْتُفِيَ بِهِ ، كَمَا لَوْ وُجِدَ الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ إنَّمَا يُشْتَرَطُ الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ مَعَ الْإِطْلَاقِ ، وَعَدَمِ الْعُرْفِ الْقَائِمِ بَيْنَ الْمُعْطِي وَالْمُعْطَى ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ عُرْفٌ يَدُلُّ عَلَى الرِّضَا ، فَلَا بُدَّ مِنْ قَوْلٍ دَالٍ عَلَيْهِ ، أَمَّا مَعَ قَرَائِنِ الْأَحْوَالِ وَالدَّلَائِلِ ، فَلَا وَجْهَ لِتَوْقِيفِهِ عَلَى اللَّفْظِ ، أَلَا تَرَى أَنَّا اكْتَفَيْنَا بِالْمُعَاطَاةِ فِي الْبَيْعِ ، وَاكْتَفَيْنَا بِدَلَالَةِ الْحَالِ فِي دُخُولِ الْحَمَّامِ ، وَهُوَ إجَارَةٌ وَبَيْعُ أَعْيَانٍ ، فَإِذَا اكْتَفَيْنَا فِي الْمُعَاوَضَاتِ مَعَ تَأَكُّدِهَا بِدَلَالَةِ الْحَالِ ، وَأَنَّهَا تَنْقُلُ الْمِلْكَ مِنْ الْجَانِبَيْنِ ، فَلَأَنْ نَكْتَفِيَ بِهِ فِي الْهِبَةِ أَوْلَى .","part":12,"page":275},{"id":5775,"text":"( 4445 ) فَصْلٌ : وَالْقَبْضُ فِيمَا لَا يُنْقَلُ بِالتَّخْلِيَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ ، لَا حَائِلَ دُونَهُ ، وَفِيمَا يُنْقَلُ بِالنَّقْلِ ، وَفِي الْمَشَاعِ بِتَسْلِيمِ الْكُلِّ إلَيْهِ .\rفَإِنْ أَبَى الشَّرِيكُ أَنْ يُسَلِّمَ نَصِيبَهُ ، قِيلَ لِلْمُتَّهِبِ : وَكِّلْ الشَّرِيكَ فِي قَبْضِهِ لَك وَنَقْلِهِ .\rفَإِنْ أَبَى ، نَصَّبَ الْحَاكِمُ مَنْ يَكُونُ فِي يَدِهِ لَهُمَا ، فَيَنْقُلُهُ ، لِيَحْصُلَ الْقَبْضُ ؛ لِأَنَّهُ لَا ضَرَرَ عَلَى الشَّرِيكِ فِي ذَلِكَ وَيَتِمُّ بِهِ عَقْدُ شَرِيكِهِ .","part":12,"page":276},{"id":5776,"text":"( 4446 ) فَصْلٌ : وَتَصِحُّ هِبَةُ الْمَشَاعِ .\rوَبِهِ قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ .\rقَالَ الشَّافِعِيُّ : سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ مَا أَمْكَنَ قِسْمَتُهُ ؛ أَوْ لَمْ يُمْكِنْ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ : لَا تَصِحُّ هِبَةُ الْمَشَاعِ الَّذِي يُمْكِنُ قِسْمَتُهُ ؛ لِأَنَّ الْقَبْضَ شَرْطٌ فِي الْهِبَةِ ، وَوُجُوبُ الْقِسْمَةِ يَمْنَعُ صِحَّةَ الْقَبْضِ وَتَمَامَهُ .\rفَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يُمْكِنُ قِسْمَتُهُ ، صَحَّتْ هِبَتُهُ ؛ لِعَدَمِ ذَلِكَ فِيهِ .\rوَإِنْ وَهَبَ وَاحِدٌ اثْنَيْنِ شَيْئًا مِمَّا يَنْقَسِمُ ، لَمْ يَجُزْ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَجَازَ عِنْدَ صَاحِبَيْهِ .\rوَإِنْ وَهَبَ اثْنَانِ اثْنَيْنِ شَيْئًا مِمَّا يَنْقَسِمُ ، لَمْ يَصِحَّ فِي قِيَاسِ قَوْلِهِمْ ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُتَّهَبَيْنِ قَدْ وُهِبَ لَهُ جُزْءٌ مَشَاعٌ .\rوَلَنَا أَنَّ وَفْدَ هَوَازِنَ لَمَّا جَاءُوا يَطْلُبُونَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ مَا غَنِمَهُ مِنْهُمْ ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَا كَانَ لِي وَلِبَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ، فَهُوَ لَكُمْ } .\rرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ .\rوَهَذَا هِبَةُ مَشَاعٍ وَرَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، قَالَ : سَمِعْت { النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ جَاءَهُ رَجُلٌ وَمَعَهُ كُبَّةٌ مِنْ شَعْرٍ ، فَقَالَ : أَخَذْت هَذِهِ مِنْ الْمَغْنَمِ لِأُصْلِحَ بَرْدَعَةً لِي ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا كَانَ لِي وَلِبَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَهُوَ لَك } .\rوَرَوَى عُمَيْرُ بْنُ سَلَمَةَ الضَّمْرِيُّ ، قَالَ { : خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى أَتَيْنَا الرَّوْحَاءَ ، فَرَأَيْنَا حِمَارَ وَحْشٍ مَعْقُورًا ، فَأَرَدْنَا أَخْذَهُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : دَعُوهُ ، فَإِنَّهُ يُوشِكُ أَنْ يَجِيءَ صَاحِبُهُ .\rفَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ بَهْزٍ ، وَهُوَ الَّذِي عَقَرَهُ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ : شَأْنَكُمْ الْحِمَارُ .\rفَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبَا بَكْرٍ أَنْ يُقَسِّمَهُ بَيْنَ النَّاسِ","part":12,"page":277},{"id":5777,"text":".\r} رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ، وَالنَّسَائِيُّ .\rوَلِأَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُهُ ، فَجَازَتْ هِبَتُهُ ، كَاَلَّذِي لَا يَنْقَسِمُ ، وَلِأَنَّهُ مَشَاعٌ ، فَأَشْبَهَ مَا لَا يَنْقَسِمُ .\rوَقَوْلُهُمْ : إنَّ وُجُوبَ الْقِسْمَةِ يَمْنَعُ صِحَّةَ الْقَبْضِ .\rلَا يَصِحُّ ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَمْنَعْ صِحَّتَهُ فِي الْبَيْعِ ، فَكَذَا هَاهُنَا .\rوَمَتَى كَانَتْ الْهِبَةُ لِاثْنَيْنِ ، فَقَبَضَاهُ بِإِذْنِهِ ، ثَبَتَ مِلْكُهُمَا فِيهِ ، وَإِنْ قَبَضَهُ أَحَدُهُمَا ، ثَبَتَ الْمِلْكُ فِي نَصِيبِهِ دُونَ نَصِيبِ صَاحِبِهِ .","part":12,"page":278},{"id":5778,"text":"( 4447 ) فَصْلٌ : وَمَتَى قُلْنَا : إنَّ الْقَبْضَ شَرْطٌ فِي الْهِبَةِ .\rلَمْ تَصِحَّ الْهِبَةُ فِيمَا لَا يُمْكِنُ تَسْلِيمُهُ .\rكَالْعَبْدِ الْآبِقِ ، وَالْجَمَلِ الشَّارِدِ ، وَالْمَغْصُوبِ لِغَيْرِ غَاصِبِهِ مِمَّنْ لَا يَقْدِرُ عَلَى أَخْذِهِ مِنْ غَاصِبِهِ .\rوَبِهَذَا يَقُولُ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ يَفْتَقِرُ إلَى الْقَبْضِ ، فَلَمْ يَصِحَّ فِي ذَلِكَ ، كَالْبَيْعِ .\rوَإِنْ وَهَبَ الْمَغْصُوبَ لِغَاصِبِهِ ، أَوْ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ أَخْذِهِ مِنْهُ صَحَّ ؛ لِأَنَّهُ مُمْكِنٌ قَبْضُهُ ، وَلَيْسَ لِغَيْرِ الْغَاصِبِ الْقَبْضُ إلَّا بِإِذْنِ الْوَاهِبِ فَإِنْ وَكَّلَ الْمَالِكُ الْغَاصِبَ فِي تَقْبِيضِهِ ، صَحَّ .\rوَإِنْ وَكَّلَ الْمُتَّهِبُ الْغَاصِبَ فِي الْقَبْضِ لَهُ ، فَقَبِلَ ، وَمَضَى زَمَنٌ يُمْكِنُ قَبْضُهُ فِيهِ ، صَارَ مَقْبُوضًا ، وَمَلَكَهُ الْمُتَّهِبُ ، وَبَرِئَ الْغَاصِبُ مِنْ ضَمَانِهِ .\rوَإِنْ قُلْنَا : الْقَبْضُ لَيْسَ بِشَرْطٍ فِي الْهِبَةِ .\rفَمَا لَا يُعْتَبَرُ فِيهِ الْقَبْضُ مِنْ ذَلِكَ احْتَمَلَ أَنْ لَا يُعْتَبَرَ فِي صِحَّةِ هِبَتِهِ الْقُدْرَةُ عَلَى التَّسْلِيمِ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ ؛ لِأَنَّهُ تَمْلِيكٌ بِغَيْرِ عِوَضٍ ، أَشْبَهَ الْوَصِيَّةَ وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا تَصِحَّ هِبَتُهُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ ، فَلَمْ تَصِحَّ هِبَتُهُ ، كَالْحَمْلِ فِي الْبَطْنِ .\rوَكَذَلِكَ يَخْرُجُ فِي هِبَةِ الطَّيْرِ فِي الْهَوَاءِ ، وَالسَّمَكِ فِي الْمَاءِ ، إذَا كَانَ مَمْلُوكًا .","part":12,"page":279},{"id":5779,"text":"( 4448 ) فَصْلٌ : وَلَا تَصِحُّ هِبَةُ الْحَمْلِ فِي الْبَطْنِ ، وَاللَّبَنِ فِي الضَّرْعِ .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ؛ لِأَنَّهُ مَجْهُولٌ مَعْجُوزٌ عَنْ تَسْلِيمِهِ .\rوَفِي الصُّوفِ عَلَى الظَّهْرِ وَجْهَانِ ، بِنَاءً عَلَى صِحَّة بَيْعِهِ .\rوَمَتَى أَذِنَ لَهُ فِي جَزِّ الصُّوفِ ، وَحَلْبِ الشَّاةِ ، كَانَ إبَاحَةً وَإِنْ وَهَبَ دُهْنَ سِمْسِمِهِ قَبْلَ عَصْرِهِ ، أَوْ زَيْتَ زَيْتُونِهِ ، أَوْ جفته ، لَمْ يَصِحَّ .\rوَبِهَذَا قَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْي وَلَا نَعْلَمُ لَهُمْ مُخَالِفًا .\rوَلَا تَصِحُّ هِبَةُ الْمَعْدُومِ ، كَاَلَّذِي تُثْمِرُ شَجَرَتُهُ ، أَوْ تَحْمِلُ أَمَتُهُ ؛ لِأَنَّ الْهِبَةَ عَقْدُ تَمْلِيكٍ فِي الْحَيَاةِ ، فَلَمْ تَصِحَّ فِي هَذَا كُلِّهِ ، كَالْبَيْعِ .","part":12,"page":280},{"id":5780,"text":"( 4449 ) فَصْلٌ : قَالَ أَحْمَدُ ، فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد ، وَحَرْبٍ : لَا تَصِحُّ هِبَةُ الْمَجْهُولِ .\rوَقَالَ فِي رِوَايَةِ حَرْبٍ : إذَا قَالَ : شَاةً مِنْ غَنَمِي .\rيَعْنِي : وَهَبْتهَا لَك .\rلَمْ يَجُزْ .\rوَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنَّ الْجَهْلَ إذَا كَانَ فِي حَقِّ الْوَاهِبِ ، مَنَعَ الصِّحَّةَ ؛ لِأَنَّهُ غَرَرٌ فِي حَقِّهِ وَإِنْ كَانَ مِنْ الْمَوْهُوبِ لَهُ ، لَمْ يَمْنَعْهَا ؛ لِأَنَّهُ لَا غَرَرَ فِي حَقِّهِ ، فَلَمْ يُعْتَبَرْ فِي حَقِّهِ الْعِلْمُ بِمَا يُوهَبُ لَهُ ، كَالْمُوصَى لَهُ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : تَصِحُّ هِبَةُ الْمَجْهُولِ ؛ لِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ ، فَصَحَّ فِي الْمَجْهُولِ ، كَالنَّذْرِ وَالْوَصِيَّةِ .\rوَوَجْهُ الْأَوَّلِ ، أَنَّهُ عَقْدُ تَمْلِيكٍ لَا يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ بِالشُّرُوطِ ، فَلَمْ يَصِحَّ فِي الْمَجْهُولِ ، كَالْبَيْعِ ، بِخِلَافِ النَّذْرِ وَالْوَصِيَّةِ .","part":12,"page":281},{"id":5781,"text":"( 4450 ) فَصْلٌ : وَلَا يَصِحُّ تَعْلِيقُ الْهِبَةِ بِشَرْطٍ ؛ لِأَنَّهَا تَمْلِيكٌ لِمُعَيَّنٍ فِي الْحَيَاةِ ، فَلَمْ يَجُزْ تَعْلِيقُهَا عَلَى شَرْطٍ ، كَالْبَيْعِ .\rفَإِنْ عَلَّقَهَا عَلَى شَرْطٍ ، كَقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأُمِّ سَلَمَةَ : { إنْ رَجَعَتْ هَدِيَّتُنَا إلَى النَّجَاشِيِّ فَهِيَ لَك } .\rكَانَ وَعْدًا .\rوَإِنْ شَرَطَ فِي الْهِبَةِ شُرُوطًا تُنَافِي مُقْتَضَاهَا ، نَحْوَ أَنْ يَقُولَ : وَهَبْتُك هَذَا ، بِشَرْطِ أَنْ لَا تَهَبَهُ ، أَوْ لَا تَبِيعَهُ ، أَوْ بِشَرْطِ أَنْ تَهَبَهُ أَوْ تَبِيعَهُ ، أَوْ بِشَرْطِ أَنْ تَهَبَ فُلَانًا شَيْئًا يَصِحُّ .\rالشَّرْطُ وَفِي صِحَّةِ الْهِبَةِ وَجْهَانِ ، بِنَاءً عَلَى الشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ فِي الْبَيْعِ .\rوَإِنْ وَقَّتَ الْهِبَةَ ، فَقَالَ : وَهَبْتُك هَذَا سَنَةً ، ثُمَّ يَعُودُ إلَيَّ .\rلَمْ يَصِحَّ ؛ لِأَنَّهُ عَقْدُ تَمْلِيكٍ لِعَيْنٍ ، فَلَمْ يَصِحَّ مُؤَقَّتًا ، كَالْبَيْعِ .","part":12,"page":282},{"id":5782,"text":"( 4451 ) فَصْلٌ : وَإِنْ وَهَبَ أَمَةً وَاسْتَثْنَى مَا فِي بَطْنِهَا ، صَحَّ فِي قِيَاسِ قَوْلِ أَحْمَدَ ، فِي مَنْ أَعْتَقَ أَمَةً وَاسْتَثْنَى مَا فِي بَطْنِهَا ؛ لِأَنَّهُ تَبَرَّعَ بِالْأُمِّ دُونَ مَا فِي بَطْنِهَا ، فَأَشْبَهَ الْعِتْقَ .\rوَبِهِ يَقُولُ فِي الْعِتْقِ النَّخَعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ : تَصِحُّ الْهِبَةُ ، وَيَبْطُلُ الِاسْتِثْنَاءُ .\rوَلَنَا أَنَّهُ لَمْ يَهَبْ الْوَلَدَ ، فَلَمْ يَمْلِكْ الْمَوْهُوبَ لَهُ ، كَالْمُنْفَصِلِ ، وَكَالْمُوصَى بِهِ .","part":12,"page":283},{"id":5783,"text":"( 4452 ) فَصْلٌ : وَإِذَا كَانَ لَهُ فِي ذِمَّةِ إنْسَانٍ دَيْنٌ ، فَوَهَبَهُ لَهُ ، أَوْ أَبْرَأْهُ مِنْهُ ، أَوْ أَحَلَّهُ مِنْهُ ، صَحَّ ، وَبَرِئَتْ ذِمَّةُ الْغَرِيمِ مِنْهُ ، وَإِنْ رَدَّ ذَلِكَ ، وَلَمْ يَقْبَلْهُ ؛ لِأَنَّهُ إسْقَاطٌ ، فَلَمْ يَفْتَقِرْ إلَى الْقَبُولِ ، كَإِسْقَاطِ الْقِصَاصِ وَالشُّفْعَةِ وَحَدِّ الْقَذْفِ ، وَكَالْعِتْقِ وَالطَّلَاقِ .\rوَإِنْ قَالَ : تَصَدَّقْت بِهِ عَلَيْك .\rصَحَّ ، فَإِنَّ الْقُرْآنَ وَرَدَ فِي الْإِبْرَاءِ بِلَفْظِ الصَّدَقَةِ ، بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلَى أَهْلِهِ إلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا } .\rوَإِنْ قَالَ : عَفَوْت لَك عَنْهُ .\rصَحَّ ؛ لِأَنَّ اللَّهِ تَعَالَى قَالَ : { إلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ } .\rيَعْنِي بِهِ الْإِبْرَاءَ مِنْ الصَّدَاقِ وَإِنْ قَالَ : أَسْقَطْتُهُ عَنْك .\rصَحَّ ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِحَقِيقَةِ اللَّفْظِ الْمَوْضُوعِ لَهُ .\rوَإِنْ قَالَ : مَلَّكْتُك إيَّاهُ .\rصَحَّ ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ هِبَتِهِ إيَّاهُ .","part":12,"page":284},{"id":5784,"text":"( 4453 ) فَصْلٌ : وَإِنْ وَهَبَ الدَّيْنَ لِغَيْرِ مَنْ هُوَ فِي ذِمَّتِهِ ، أَوْ بَاعَهُ إيَّاهُ ، لَمْ يَصِحَّ .\rوَبِهِ قَالَ فِي الْبَيْعِ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَإِسْحَاقُ .\rقَالَ أَحْمَدُ : إذَا كَانَ لَك عَلَى رَجُلٍ طَعَامٌ قَرْضًا ، فَبِعْهُ مِنْ الَّذِي هُوَ عَلَيْهِ بِنَقْدٍ ، وَلَا تَبِعْهُ مِنْ غَيْرِهِ بِنَقْدٍ وَلَا نَسِيئَةٍ ، وَإِذَا أَقْرَضْت رَجُلًا دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ ، فَلَا تَأْخُذْ مِنْ غَيْرِهِ عَرْضًا بِمَا لَك عَلَيْهِ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : إنْ كَانَ الدَّيْنُ عَلَى مُعْسِرٍ ، أَوْ مُمَاطِلٍ ، أَوْ جَاحِدٍ لَهُ ، لَمْ يَصِحَّ الْبَيْعُ ؛ لِأَنَّهُ مَعْجُوزٌ عَنْ تَسْلِيمِهِ ، وَإِنْ كَانَ عَلَى مَلِيءٍ بَاذِلٍ لَهُ .\rفَفِيهِ قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّهُ ابْتَاعَ بِمَالٍ ثَابِتٍ فِي الذِّمَّةِ ، فَصَحَّ ، كَمَا لَوْ اشْتَرَى فِي ذِمَّتِهِ ، وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَشْتَرِيَهُ بِعَيْنٍ ، أَوْ يَتَقَابَضَانِ فِي الْمَجْلِسِ ، لِئَلَّا يَكُونَ بَيْعَ دَيْنٍ بِدَيْنٍ .\rوَلَنَا أَنَّهُ غَيْرُ قَادِرٍ عَلَى تَسْلِيمِهِ ، فَلَمْ يَصِحَّ ، كَبَيْعِ الْآبِقِ .\rفَأَمَّا هِبَتُهُ ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا تَصِحَّ ، كَالْبَيْعِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَصِحَّ ؛ لِأَنَّهُ لَا غَرَرَ فِيهَا عَلَى الْمُتَّهَبِ ، وَلَا الْوَاهِبِ ، فَتَصِحُّ ، كَهِبَةِ الْأَعْيَانِ .","part":12,"page":285},{"id":5785,"text":"( 4454 ) فَصْلٌ : تَصِحُّ الْبَرَاءَةُ مِنْ الْمَجْهُولِ ، إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُمَا سَبِيلٌ إلَى مَعْرِفَتِهِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : تَصِحُّ مُطْلَقًا .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا تَصِحُّ ، إلَّا أَنَّهُ إذَا أَرَادَ ذَلِكَ قَالَ : أَبْرَأْتُك مِنْ دِرْهَمٍ إلَى أَلْفٍ .\rلِأَنَّ الْجَهَالَةَ إنَّمَا مُنِعَتْ لِأَجْلِ الْغَرَرِ ، فَإِذَا رَضِيَ بِالْجُمْلَةِ ، فَقَدْ زَالَ الْغَرَرُ ، وَصَحَّتْ الْبَرَاءَةُ .\rوَلَنَا ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِرَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا إلَيْهِ فِي مَوَارِيثَ دَرَسَتْ : { اقْتَسِمَا ، وَتَوَخَّيَا الْحَقَّ ، ثُمَّ اسْتِهِمَا ، ثُمَّ تَحَالَّا } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَلِأَنَّهُ إسْقَاطٌ ، فَصَحَّ فِي الْمَجْهُولِ ، كَالْعَتَاقِ وَالطَّلَاقِ ، وَكَمَا لَوْ قَالَ : مِنْ دِرْهَمٍ إلَى أَلْفٍ .\rوَلِأَنَّ الْحَاجَةَ دَاعِيَةٌ إلَى تَبْرِئَةِ الذِّمَّةِ ، وَلَا سَبِيلَ إلَى الْعِلْمِ بِمَا فِيهَا ، فَلَوْ وَقَفَ صِحَّةَ الْبَرَاءَةِ عَلَى الْعِلْمِ ، لَكَانَ سَدًّا لِبَابِ عَفْوِ الْإِنْسَانِ عَنْ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ ، وَتَبْرِئَةِ ذِمَّتِهِ ، فَلَمْ يَجُزْ ذَلِكَ ، كَالْمَنْعِ مِنْ الْعِتْقِ .\rوَأَمَّا إنْ كَانَ مَنْ عَلَيْهِ الْحَقُّ يَعْلَمُهُ ، وَيَكْتُمُهُ الْمُسْتَحِقَّ ، خَوْفًا مِنْ أَنَّهُ إذَا عَلِمَهُ لَمْ يَسْمَحْ بِإِبْرَائِهِ مِنْهُ ، فَيَنْبَغِي أَنْ لَا تَصِحَّ الْبَرَاءَةُ فِيهِ ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَغْرِيرًا بِالْمُشْتَرِي ، وَقَدْ أَمْكَنَ التَّحَرُّزُ مِنْهُ وَقَالَ أَصْحَابُنَا : لَوْ أَبْرَأهُ مِنْ مِائَةٍ ، وَهُوَ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ لَا شَيْءَ لَهُ عَلَيْهِ ، وَكَانَ لَهُ عَلَيْهِ مِائَةٌ ، فَفِي صِحَّةِ الْبَرَاءَةِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، صِحَّتُهَا ؛ لِأَنَّهَا صَادَفَتْ مِلْكَهُ ، فَأَسْقَطَتْهُ ، كَمَا لَوْ عَلِمَهَا .\rوَالثَّانِي ، لَا تَصِحُّ ؛ لِأَنَّهُ أَبْرَأْهُ مِمَّا لَا يَعْتَقِدُ أَنَّهُ عَلَيْهِ ، فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ إبْرَاءً فِي الْحَقِيقَةِ .\rوَأَصْلُ الْوَجْهَيْنِ مَا لَوْ بَاعَ مَالًا كَانَ لِمَوْرُوثِهِ ، يَعْتَقِدُ أَنَّهُ بَاقٍ لِمُوَرِّثِهِ ، وَكَانَ مُوَرِّثُهُ قَدْ مَاتَ ، وَانْتَقَلَ مِلْكُهُ إلَيْهِ ، فَهَلْ يَصِحُّ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ .\rوَلِلشَّافِعِيِّ","part":12,"page":286},{"id":5786,"text":"قَوْلَانِ فِي الْبَيْعِ ، وَفِي صِحَّةِ الْإِبْرَاءِ وَجْهَانِ .","part":12,"page":287},{"id":5787,"text":"( 4455 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : ( وَيَقْبِضُ لِلطِّفْلِ أَبُوهُ ، أَوْ وَصِيُّهُ ، أَوْ الْحَاكِمُ ، أَوْ أَمِينُهُ بِأَمْرِهِ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الطِّفْلَ لَا يَصِحُّ قَبْضُهُ لِنَفْسِهِ ، وَلَا قَبُولُهُ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ التَّصَرُّفِ ، وَوَلِيُّهُ يَقُومُ مَقَامَهُ فِي ذَلِكَ ؛ فَإِنْ كَانَ لَهُ أَبٌ أَمِينٌ ، فَهُوَ وَلِيُّهُ ؛ لِأَنَّهُ أَشْفَقُ عَلَيْهِ ، وَأَقْرَبُ إلَيْهِ ، وَإِنْ مَاتَ أَبُوهُ الْأَمِينُ ، وَلَهُ وَصِيٌّ ، فَوَلِيُّهُ وَصِيُّهُ ؛ لِأَنَّ الْأَبَ أَقَامَهُ مُقَامَ نَفْسِهِ ، فَجَرَى مَجْرَى وَكِيلِهِ .\rوَإِنْ كَانَ الْأَبُ غَيْرَ مَأْمُونٍ ، لِفِسْقِ أَوْ جُنُونٍ ، أَوْ مَاتَ عَنْ غَيْرِ وَصِيٍّ ، فَأَمِينُهُ الْحَاكِمُ .\rوَلَا يَلِي مَالَهُ غَيْرُ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ ، وَأَمِينُ الْحَاكِمِ يَقُومُ مَقَامَهُ ، وَكَذَلِكَ وَكِيلُ الْأَبِ وَالْوَصِيُّ ، فَيَقُومُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَقَامَ الصَّبِيِّ فِي الْقَبُولِ وَالْقَبْضِ إنْ اُحْتِيجَ إلَيْهِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ قَبُولٌ لِمَا لِلصَّبِيِّ فِيهِ حَظٌّ ، فَكَانَ إلَى الْوَلِيِّ ، كَالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ .\rوَلَا يَصِحُّ الْقَبْضُ وَالْقَبُولُ مِنْ غَيْرِ هَؤُلَاءِ .\rقَالَ أَحْمَدَ ، فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ ، فِي صَبِيٍّ وُهِبَتْ لَهُ هِبَةٌ ، أَوْ تُصُدِّقَ عَلَيْهِ بِصَدَقَةٍ ، فَقَبَضَتْ الْأُمُّ ذَلِكَ وَأَبُوهُ حَاضِرٌ ، فَقَالَ : لَا أَعْرِفُ لِلْأُمِّ قَبْضًا ، وَلَا يَكُونُ إلَّا لِلْأَبِ .\rوَقَالَ عُثْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : أَحَقُّ مَنْ يَحُوزُ عَلَى الصَّبِيِّ أَبُوهُ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ، وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا ؛ لِأَنَّ الْقَبْضَ إنَّمَا يَكُونُ مِنْ الْمُتَّهَبِ أَوْ نَائِبِهِ ، وَالْوَالِي نَائِبٌ بِالشَّرْعِ ، فَصَحَّ قَبْضُهُ لَهُ ، أَمَّا غَيْرُهُ فَلَا نِيَابَةَ لَهُ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يَصِحَّ الْقَبْضُ وَالْقَبُولُ مِنْ غَيْرِهِمْ عِنْدَ عَدَمِهِمْ ؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ دَاعِيَةٌ إلَى ذَلِكَ فَإِنَّ الصَّبِيَّ قَدْ يَكُونُ فِي مَكَان لَا حَاكِمَ فِيهِ ، وَلَيْسَ لَهُ أَبٌ وَلَا وَصِيٌّ ، وَيَكُونُ فَقِيرًا لَا غِنَى بِهِ عَنْ الصَّدَقَاتِ ، فَإِنْ لَمْ يَصِحَّ قَبْضُ غَيْرِهِمْ لَهُ ، انْسَدَّ بَابُ وُصُولِهَا إلَيْهِ ،","part":12,"page":288},{"id":5788,"text":"فَيَضِيعُ وَيَهْلَكُ ، وَمُرَاعَاةُ حِفْظِهِ عَنْ الْهَلَاكِ أَوْلَى مِنْ مُرَاعَاةِ الْوِلَايَةِ .\rفَعَلَى هَذَا ، لِلْأُمِّ الْقَبْضُ لَهُ ، وَكُلِّ مَنْ يَلِيهِ مِنْ أَقَارِبِهِ وَغَيْرِهِمْ .\rوَإِنْ كَانَ الصَّبِيُّ مُمَيَّزًا ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ الطِّفْلِ ، فِي قِيَامِ وَلِيِّهِ مَقَامَهُ ، لِأَنَّ الْوِلَايَةَ لَا تَزُولُ عَنْهُ قَبْلَ الْبُلُوغِ ، إلَّا أَنَّهُ إذَا قَبِلَ لِنَفْسِهِ ، وَقَبَضَ لَهَا صَحَّ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ التَّصَرُّفِ ، فَإِنَّهُ يَصِحُّ بَيْعُهُ وَشِرَاؤُهُ بِإِذْنِ الْوَلِيِّ ، فَهَاهُنَا أَوْلَى .\rوَلَا يَحْتَاجُ إلَى إذْنِ الْوَلِيِّ هَاهُنَا ؛ لِأَنَّهُ مَحْضُ مَصْلَحَةٍ ، وَلَا ضَرَرَ فِيهِ ، فَصَحَّ مِنْ غَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهِ ، كَوَصِيَّتِهِ ، وَكَسْبِ الْمُبَاحَاتِ .\rوَيُحْتَمَلُ أَنْ يَقِفَ صِحَّةُ الْقَبْضِ مِنْهُ عَلَى إذْنِ وَلِيِّهِ ، دُونَ الْقَبُولِ ؛ لِأَنَّ الْقَبْضَ يَحْصُلُ بِهِ مُسْتَوْلِيًا عَلَى الْمَالِ ، فَلَا يُؤْمَنُ تَضْيِيعُهُ لَهُ وَتَفْرِيطُهُ فِيهِ ، فَيَتَعَيَّنُ حِفْظُهُ عَنْ ذَلِكَ بِوَقْفِهِ عَلَى إذْنِ وَلِيِّهِ ، كَقَبْضِهِ لِوَدِيعَتِهِ .\rوَأَمَّا الْقَبُولُ ، فَيَحْصُلُ لَهُ بِهِ الْمِلْكُ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ ، فَجَازَ مِنْ غَيْرِ إذْنٍ ، كَاحْتِشَاشِهِ وَاصْطِيَادِهِ .","part":12,"page":289},{"id":5789,"text":"( 4456 ) فَصْلٌ : فَإِنْ وَهَبَ الْأَبُ لِابْنِهِ شَيْئًا ، قَامَ مَقَامَهُ فِي الْقَبْضِ وَالْقَبُولِ ، إنْ اُحْتِيجَ إلَيْهِ .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الرَّجُلَ إذَا وَهَبَ لِوَلَدِهِ الطِّفْلِ دَارًا بِعَيْنِهَا ، أَوْ عَبْدًا بِعَيْنِهِ ، وَقَبَضَهُ لَهُ مِنْ نَفْسِهِ ، وَأَشْهَدَ عَلَيْهِ ، أَنَّ الْهِبَةَ تَامَّةٌ .\rهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ .\rوَرَوَيْنَا مَعْنَى ذَلِكَ عَنْ شُرَيْحٍ ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ .\rثُمَّ إنْ كَانَ الْمَوْهُوبُ مِمَّا يَفْتَقِرُ إلَى قَبْضٍ ، اُكْتُفِيَ بِقَوْلِهِ : قَدْ وَهَبْت هَذَا لِابْنِي ، وَقَبَضْته لَهُ لِأَنَّهُ يُغْنِي عَنْ الْقَبُولِ كَمَا ذَكَرْنَا .\rوَلَا يُغْنِي قَوْلُهُ : قَدْ قَبِلْته .\rلِأَنَّ الْقَبُولَ لَا يُغْنِي عَنْ الْقَبْضِ .\rوَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يَفْتَقِرُ اُكْتُفِيَ بِقَوْلِهِ : قَدْ وَهَبْت هَذَا لِابْنِي .\rوَلَا يَحْتَاجُ إلَى ذِكْرِ قَبْضٍ وَلَا قَبُولٍ .\rقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : أَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ هِبَةَ الْأَبِ لِابْنِهِ الصَّغِيرِ فِي حِجْرِهِ لَا يَحْتَاجُ إلَى قَبْضٍ ، وَأَنَّ الْإِشْهَادَ فِيهَا يُغْنِي عَنْ الْقَبْضِ ، وَإِنْ وَلِيَهَا أَبُوهُ ؛ لِمَا رَوَاهُ مَالِكٌ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ ابْنِ الْمُسَيِّبِ ، أَنَّ عُثْمَانَ قَالَ : مَنْ نَحَلَ وَلَدًا لَهُ صَغِيرًا ، لَمْ يَبْلُغْ أَنْ يَحُوزَ نِحْلَةً ، فَأَعْلَنَ ذَلِكَ ، وَأَشْهَدَ عَلَى نَفْسِهِ ، فَهِيَ جَائِزَةٌ ، وَإِنْ وَلِيَهَا أَبُوهُ وَقَالَ الْقَاضِي : لَا بُدَّ فِي هِبَةِ الْوَلَدِ مِنْ أَنْ يَقُولَ : قَدْ قَبِلْته .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ الْهِبَةَ عِنْدَهُمْ لَا تَصِحُّ إلَّا بِإِيجَابٍ وَقَبُولٍ .\rوَقَدْ ذَكَرْنَا مِنْ قَبْلُ أَنَّ قَرَائِنَ الْأَحْوَالِ وَدَلَالَتَهَا تُغْنِي عَنْ لَفْظِ الْقَبُولِ ، وَلَا أَدَلَّ عَلَى الْقَبُولِ مِنْ كَوْنِ الْقَابِلِ هُوَ الْوَاهِبُ ، فَاعْتِبَارُ لَفْظٍ لَا يُفِيدُ مَعْنًى مِنْ غَيْرِ وُرُودِ الشَّرْعِ بِهِ تَحَكُّمٌ لَا مَعْنَى لَهُ ، مَعَ مُخَالَفَتِهِ لِظَاهِرِ حَالِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ","part":12,"page":290},{"id":5790,"text":"وَصَحَابَتِهِ .\rوَلَيْسَ هَذَا مَذْهَبًا لِأَحْمَدْ ، فَقَدْ قَالَ فِي رِوَايَةِ حَرْبٍ ، فِي رَجُلٍ أَشْهَدَ بِسَهْمٍ مِنْ ضَيْعَتِهِ وَهِيَ مَعْرُوفَةٌ لِابْنِهِ ، وَلَيْسَ لَهُ وَلَدٌ غَيْرُهُ ، فَقَالَ : أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَقُولَ عِنْدَ الْإِشْهَادِ : قَدْ قَبَضْته لَهُ قِيلَ لَهُ : فَإِنْ سَهَا ؟ قَالَ : إذَا كَانَ مُفْرَزًا رَجَوْت .\rفَقَدْ ذَكَرَ أَحْمَدُ أَنَّهُ يُكْتَفَى بِقَوْلِهِ : قَدْ قَبَضْته .\rوَأَنَّهُ يَرْجُو أَنْ يُكْتَفَى مَعَ التَّمْيِيزِ بِالْإِشْهَادِ فَحَسْبُ .\rوَهَذَا مُوَافِقٌ لِلْإِجْمَاعِ الْمَذْكُورِ عَنْ سَائِرِ الْعُلَمَاءِ .\rوَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا : يُكْتَفَى بِأَحَدِ لَفْظَيْنِ ، إمَّا أَنْ يَقُولَ : قَدْ قَبِلْته ، أَوْ قَبَضْته .\rلِأَنَّ الْقَبُولَ يُغْنِي عَنْ الْقَبْضِ .\rوَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ مَا ذَكَرْنَاهُ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْأَثْمَانِ وَغَيْرِهَا فِيمَا ذَكَرْنَا ، وَبِهِ يَقُولُ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : إنْ وَهَبَ لَهُ مَا يُعْرَفُ بِعَيْنِهِ كَالْأَثْمَانِ ، لَمْ يَجُزْ ، إلَّا أَنْ يَضَعَهَا عَلَى يَدِ غَيْرِهِ ؛ لِأَنَّ الْأَبَ قَدْ يُتْلِفُ ذَلِكَ ، وَيَتْلَفُ بِغَيْرِ سَبَبِهِ ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُشْهِدَ عَلَى شَيْءٍ بِعَيْنِهِ ، فَلَا يَنْفَعُ الْقَبْضُ شَيْئًا .\rوَلَنَا أَنَّ ذَلِكَ مِمَّا لَا تَصِحُّ هِبَتُهُ ، فَإِذَا وَهَبَهُ لِابْنِهِ الصَّغِيرِ ، وَقَبَضَهُ لَهُ ، وَجَبَ أَنْ تَصِحَّ كَالْعُرُوضِ .","part":12,"page":291},{"id":5791,"text":"( 4457 ) فَصْلٌ : وَإِنْ كَانَ الْوَاهِبُ لِلصَّبِيِّ غَيْرَ الْأَبِ مِنْ أَوْلِيَائِهِ ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا : لَا بُدَّ مِنْ أَنْ يُوَكِّلَ مَنْ يَقْبَلُ لِلصَّبِيِّ ، وَيَقْبِضُ لَهُ ، لِيَكُونَ الْإِيجَابُ مِنْهُ ، وَالْقَبُولُ ، وَالْقَبْضُ مِنْ غَيْرِهِ ، كَمَا فِي الْبَيْعِ .\rبِخِلَافِ الْأَبِ ؛ فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُوجِبَ وَيَقْبَلَ وَيَقْبِضَ ، لِكَوْنِهِ يَجُوزُ أَنْ يَبِيعَ لِنَفْسِهِ .\rوَالصَّحِيحُ عِنْدِي أَنَّ الْأَبَ وَغَيْرَهُ فِي هَذَا سَوَاءٌ ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ يَجُوزُ أَنْ يَصْدُرَ مِنْهُ وَمِنْ وَكِيلِهِ ، فَجَازَ لَهُ أَنْ يَتَوَلَّى طَرَفَيْهِ ، كَالْأَبِ وَفَارَقَ الْبَيْعَ ؛ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُوَكِّلَ مَنْ يَشْتَرِي لَهُ ، وَلِأَنَّ الْبَيْعَ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ وَمُرَابَحَةٍ ، فَيُتَّهَمُ فِي عَقْدِهِ لِنَفْسِهِ ، وَالْهِبَةُ مَحْضُ مَصْلَحَةٍ لَا تُهْمَةَ فِيهَا ، وَهُوَ وَلِيٌّ فِيهِ ، فَجَازَ أَنْ يَتَوَلَّى طَرَفَيْ الْعَقْدِ ، كَالْأَبِ ، وَلِأَنَّ الْبَيْعَ إنَّمَا مُنِعَ مِنْهُ لِمَا يَأْخُذُهُ مِنْ الْعِوَضِ لِنَفْسِهِ مِنْ مَالِ الصَّبِيِّ ، وَهُوَ هَاهُنَا يُعْطِي وَلَا يَأْخُذُ ، فَلَا وَجْهَ لِمَنْعِهِ مِنْ ذَلِكَ ، وَتَوْقِيفِهِ عَلَى تَوْكِيلِ غَيْرِهِ ، وَلِأَنَّنَا قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهُ يُسْتَغْنَى بِالْإِيجَابِ وَالْإِشْهَادِ عَنْ الْقَبْضِ وَالْقَبُولِ ، فَلَا حَاجَةَ إلَى التَّوْكِيلِ فِيهِمَا مَعَ غِنَاهُ عَنْهُمَا .","part":12,"page":292},{"id":5792,"text":"( 4458 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا الْهِبَةُ مِنْ الصَّبِيِّ لِغَيْرِهِ ، فَلَا تَصِحُّ ، سَوَاءٌ أَذِنَ فِيهَا الْوَلِيُّ أَوْ لَمْ يَأْذَنْ ؛ لِأَنَّهُ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ لِحَظِّ نَفْسِهِ ، فَلَمْ يَصِحَّ تَبَرُّعُهُ ، كَالسَّفِيهِ .\rوَأَمَّا الْعَبْدُ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَهَبَ إلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ ؛ لِأَنَّهُ مَالٌ لِسَيِّدِهِ ، وَمَالُهُ مَالٌ لِسَيِّدِهِ ، فَلَا يَجُوزُ لَهُ إزَالَةُ مِلْكِ سَيِّدِهِ عَنْهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ ، كَالْأَجْنَبِيِّ .\rوَلَهُ أَنْ يَقْبَلَ الْهِبَةَ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ؛ لِأَنَّهُ تَحْصِيلٌ لِلْمَالِ لِسَيِّدِهِ ، فَلَمْ يُعْتَبَرْ إذْنُهُ فِيهِ ، كَالِالْتِقَاطِ ، وَمَا وُهِبَهُ لِسَيِّدِهِ ، لِأَنَّهُ مِنْ اكْتِسَابِهِ ، فَأَشْبَهَ اصْطِيَادَهُ .","part":12,"page":293},{"id":5793,"text":"( 4459 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : ( وَإِذَا فَاضَلَ بَيْنَ وَلَدِهِ فِي الْعَطِيَّةِ ، أُمِرَ بِرَدِّهِ ، كَأَمْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْإِنْسَانِ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ أَوْلَادِهِ فِي الْعَطِيَّةِ ، وَإِذَا لَمْ يَخْتَصَّ أَحَدُهُمْ بِمَعْنًى يُبِيحُ التَّفْضِيلَ ، فَإِنْ خَصَّ بَعْضَهُمْ بِعَطِيَّتِهِ ، أَوْ فَاضَلَ بَيْنَهُمْ فِيهَا أَثِمَ ، وَوَجَبَتْ عَلَيْهِ التَّسْوِيَةُ بِأَحَدِ أَمْرَيْنِ ؛ إمَّا رَدُّ مَا فَضَّلَ بِهِ الْبَعْضَ ، وَإِمَّا إتْمَامُ نَصِيبِ الْآخَرِ .\rقَالَ طَاوُسٌ : لَا يَجُوزُ ذَلِكَ ، وَلَا رَغِيفٌ مُحْتَرِقٌ .\rوَبِهِ قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ وَرُوِيَ مَعْنَاهُ عَنْ مُجَاهِدٍ ، وَعُرْوَةَ .\rوَكَانَ الْحَسَنُ يَكْرَهُهُ ، وَيُجِيزُهُ فِي الْقَضَاءِ .\rوَقَالَ مَالِكٌ ، وَاللَّيْثُ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ : ذَلِكَ جَائِزٌ .\rوَرُوِيَ مَعْنَى ذَلِكَ عَنْ شُرَيْحٍ ، وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ ، وَالْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ ؛ لِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ نَحَلَ عَائِشَةَ ابْنَتَهُ جُذَاذَ عِشْرِينَ وَسْقًا ، دُونَ سَائِرِ وَلَدِهِ .\rوَاحْتَجَّ الشَّافِعِيُّ بُقُولِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ : { أَشْهِدْ عَلَى هَذَا غَيْرِي } فَأَمَرَهُ بِتَأْكِيدِهَا دُونَ الرُّجُوعِ فِيهَا ، وَلِأَنَّهَا عَطِيَّةٌ تَلْزَمُ بِمَوْتِ الْأَبِ ، فَكَانَتْ جَائِزَةً ، كَمَا لَوْ سَوَّى بَيْنَهُمْ .\rوَلَنَا مَا رَوَى النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ قَالَ { : تَصَدَّقَ عَلَيَّ أَبِي بِبَعْضِ مَالِهِ ، فَقَالَتْ أُمِّي عَمْرَةُ بِنْتُ رَوَاحَةَ : لَا أَرْضَى حَتَّى تُشْهِدَ عَلَيْهَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rفَجَاءَ أَبِي إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيُشْهِدَهُ عَلَى صَدَقَتِهِ ، فَقَالَ : أَكُلَّ وَلَدِك أَعْطَيْت مِثْلَهُ ؟ قَالَ : لَا .\rقَالَ : فَاتَّقُوا اللَّهَ ، وَاعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ .\rقَالَ : فَرَجَعَ أَبِي ، فَرَدَّ تِلْكَ الصَّدَقَةَ } .\rوَفِي لَفْظٍ قَالَ : \" فَارْدُدْهُ \" .\rوَفِي لَفْظٍ قَالَ : \" فَأَرْجِعْهُ \" .\rوَفِي لَفْظٍ : \" لَا","part":12,"page":294},{"id":5794,"text":"تُشْهِدْنِي عَلَى جَوْرٍ \" وَفِي لَفْظٍ : \" فَأَشْهِدْ عَلَى هَذَا غَيْرِي \" .\rوَفِي لَفْظٍ : \" سَوِّ بَيْنَهُمْ \" .\rوَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى التَّحْرِيمِ ؛ لِأَنَّهُ سَمَّاهُ جَوْرًا ، وَأَمَرَ بِرَدِّهِ ، وَامْتَنَعَ مِنْ الشَّهَادَةِ عَلَيْهِ ، وَالْجَوْرُ حَرَامٌ ، وَالْأَمْرُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ ، وَلِأَنَّ تَفْضِيلَ بَعْضِهِمْ يُورِثُ بَيْنَهُمْ الْعَدَاوَة وَالْبَغْضَاءَ وَقَطِيعَةَ الرَّحِمِ ، فَمُنِعَ مِنْهُ ، كَتَزْوِيجِ الْمَرْأَةِ عَلَى عَمَّتِهَا أَوْ خَالَتِهَا .\rوَقَوْلُ أَبِي بَكْرٍ لَا يُعَارِضُ قَوْلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا يُحْتَجُّ بِهِ مَعَهُ .\rوَيُحْتَمَلُ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ خَصَّهَا بِعَطِيَّتِهِ لِحَاجَتِهَا وَعَجْزِهَا عَنْ الْكَسْبِ وَالتَّسَبُّبِ فِيهِ ، مَعَ اخْتِصَاصِهَا بِفَضْلِهَا ، وَكَوْنِهَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ زَوْجَ رَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ فَضَائِلِهَا وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَدْ نَحَلَهَا وَنَحَلَ غَيْرَهَا مِنْ وَلَدِهِ ، أَوْ نَحَلَهَا وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَنْحَلَ غَيْرَهَا ، فَأَدْرَكَهُ الْمَوْتُ قَبْلَ ذَلِكَ .\rوَيَتَعَيَّنُ حَمْلُ حَدِيثِهِ عَلَى أَحَدِ هَذِهِ الْوُجُوهِ ؛ لِأَنَّ حَمْلَهُ عَلَى مِثْلِ مَحَلِّ النِّزَاعِ مَنْهِيٌّ عَنْهُ ، وَأَقَلُّ أَحْوَالِهِ الْكَرَاهَةُ ، وَالظَّاهِرُ مِنْ حَالِ أَبِي بَكْرٍ اجْتِنَابُ الْمَكْرُوهَاتِ .\rوَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : فَأَشْهِدْ عَلَى هَذَا غَيْرِي } .\rلَيْسَ بِأَمْرٍ ؛ لِأَنَّ أَدْنَى أَحْوَالِ الْأَمْرِ الِاسْتِحْبَابُ وَالنَّدْبُ ، وَلَا خِلَافَ فِي كَرَاهَةِ هَذَا .\rوَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يَأْمُرَهُ بِتَأْكِيدِهِ ، مَعَ أَمْرِهِ بِرَدِّهِ ، وَتَسْمِيَتِهِ إيَّاهُ جَوْرًا ، وَحَمْلُ الْحَدِيثِ عَلَى هَذَا حَمْلٌ لِحَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى التَّنَاقُضِ وَالتَّضَادِّ .\rوَلَوْ أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِإِشْهَادِ غَيْرِهِ ، لَامْتَثَلَ بَشِيرٌ أَمْرَهُ ، وَلَمْ يَرُدَّ ، وَإِنَّمَا هَذَا تَهْدِيدٌ لَهُ عَلَى هَذَا ، فَيُفِيدُ مَا أَفَادَهُ","part":12,"page":295},{"id":5795,"text":"النَّهْيُ عَنْ إتْمَامِهِ .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":12,"page":296},{"id":5796,"text":"( 4460 ) فَصْلٌ : فَإِنْ خَصَّ بَعْضَهُمْ لِمَعْنًى يَقْتَضِي تَخْصِيصَهُ ، مِثْلَ اخْتِصَاصِهِ بِحَاجَةٍ ، أَوْ زَمَانَةٍ ، أَوْ عَمَى ، أَوْ كَثْرَةِ عَائِلَةٍ ، أَوْ اشْتِغَالِهِ بِالْعِلْمِ أَوْ نَحْوِهِ مِنْ الْفَضَائِلِ ، أَوْ صَرَفَ عَطِيَّتَهُ عَنْ بَعْضِ وَلَدِهِ لِفِسْقِهِ ، أَوْ بِدْعَتِهِ ، أَوْ لِكَوْنِهِ يَسْتَعِينُ بِمَا يَأْخُذُهُ عَلَى مَعْصِيَةِ اللَّهِ ، أَوْ يُنْفِقُهُ فِيهَا ، فَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ ذَلِكَ ؛ لِقَوْلِهِ فِي تَخْصِيصِ بَعْضِهِمْ بِالْوَقْفِ : لَا بَأْسَ بِهِ إذَا كَانَ لَحَاجَةٍ ، وَأَكْرَهُهُ إذَا كَانَ عَلَى سَبِيلِ الْأَثَرَةِ .\rوَالْعَطِيَّةُ فِي مَعْنَاهُ .\rوَيَحْتَمِلُ ظَاهِرُ لَفْظِهِ الْمَنْعَ مِنْ التَّفْضِيلِ أَوْ التَّخْصِيصِ عَلَى كُلِّ حَالٍ ؛ لِكَوْنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَسْتَفْصِلْ بَشِيرًا فِي عَطِيَّتِهِ وَالْأَوَّلُ أَوْلَى إنْ شَاءَ اللَّهُ ؛ لِحَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ ، وَلِأَنَّ بَعْضَهُمْ اخْتَصَّ بِمَعْنًى يَقْتَضِي الْعَطِيَّةَ ، فَجَازَ أَنْ يَخْتَصَّ بِهَا ، كَمَا لَوْ اخْتَصَّ بِالْقَرَابَةِ .\rوَحَدِيثُ بَشِيرٍ قَضِيَّةٌ فِي عَيْنٍ لَا عُمُومَ لَهَا ، وَتَرْكُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الِاسْتِفْصَالَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِعِلْمِهِ بِالْحَالِ .\rفَإِنْ قِيلَ : لَوْ عَلِمَ بِالْحَالِ لَمَا قَالَ : \" أَلَك وَلَدٌ غَيْرُهُ ؟ \" .\rقُلْنَا : يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ السُّؤَالُ هَاهُنَا لِبَيَانِ الْعِلَّةِ ، كَمَا قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِلَّذِي سَأَلَهُ عَنْ بَيْعِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ { : أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ إذَا يَبِسَ ؟ قَالَ : نَعَمْ : قَالَ : فَلَا إذًا } وَقَدْ عَلِمَ أَنَّ الرُّطَبَ يَنْقُضُ ، لَكِنْ نَبَّهَ السَّائِلَ بِهَذَا عَلَى عِلَّةِ الْمَنْعِ مِنْ الْبَيْعِ ، كَذَا هَاهُنَا .","part":12,"page":297},{"id":5797,"text":"( 4461 ) فَصْلٌ : وَلَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي اسْتِحْبَابِ التَّسْوِيَةِ ، وَكَرَاهَةِ التَّفْضِيلِ .\rقَالَ إبْرَاهِيمُ : كَانُوا يَسْتَحِبُّونَ أَنْ يُسَوُّوا بَيْنَهُمْ حَتَّى فِي الْقُبَلِ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَالتَّسْوِيَةُ الْمُسْتَحَبَّةُ أَنْ يُقَسِّمَ بَيْنَهُمْ عَلَى حَسَبِ قِسْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى الْمِيرَاثَ ، فَيَجْعَلَ لِلذَّكَرِ مِثْلَ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ وَبِهَذَا قَالَ عَطَاءٌ ، وَشُرَيْحٌ ، وَإِسْحَاقُ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ .\rقَالَ شُرَيْحٌ لِرَجُلٍ قَسَّمَ مَالَهُ بَيْنَ وَلَدِهِ : اُرْدُدْهُمْ إلَى سِهَامِ اللَّهِ تَعَالَى وَفَرَائِضِهِ .\rوَقَالَ عَطَاءٌ : مَا كَانُوا يُقَسِّمُونَ إلَّا عَلَى كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَابْنُ الْمُبَارَكِ : تُعْطَى الْأُنْثَى مِثْلُ مَا يُعْطَى الذَّكَرُ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِبَشِيرِ بْنِ سَعْدٍ : \" سَوِّ بَيْنَهُمْ \" .\rوَعَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ { : أَيَسُرُّك أَنْ يَسْتَوُوا فِي بِرِّك ؟ .\rقَالَ : نَعَمْ .\rقَالَ : فَسَوِّ بَيْنَهُمْ } .\rوَالْبِنْتُ كَالِابْنِ فِي اسْتِحْقَاقِ بِرِّهَا ، وَكَذَلِكَ فِي عَطِيَّتِهَا .\rوَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : سَوُّوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ فِي الْعَطِيَّةِ ، وَلَوْ كُنْت مُؤْثِرًا لِأَحَدٍ لَآثَرْتُ النِّسَاءَ عَلَى الرِّجَالِ } .\rرَوَاهُ سَعِيدٌ فِي \" سُنَنِهِ \" .\rوَلِأَنَّهَا عَطِيَّةٌ فِي الْحَيَاةِ ، فَاسْتَوَى فِيهَا الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى ، كَالنَّفَقَةِ وَالْكُسْوَةِ .\rوَلَنَا أَنَّ اللَّهِ تَعَالَى قَسَّمَ بَيْنَهُمْ ، فَجَعَلَ لِلذَّكَرِ مِثْلَ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ، وَأَوْلَى مَا اقْتَدَى بِقِسْمَةِ اللَّهِ ، وَلِأَنَّ الْعَطِيَّةَ فِي الْحَيَاةِ أَحَدُ حَالَيْ الْعَطِيَّةِ ، فَيُجْعَلُ لِلذَّكَرِ مِنْهَا مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ، كَحَالَةِ الْمَوْتِ .\rيَعْنِي الْمِيرَاثَ يُحَقِّقُهُ أَنَّ الْعَطِيَّةَ اسْتِعْجَالٌ لِمَا يَكُونُ بَعْدَ الْمَوْتِ ، فَيَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ عَلَى حَسَبِهِ ، كَمَا أَنَّ مُعَجِّلَ الزَّكَاةِ قَبْلَ وُجُوبِهَا يُؤَدِّيهَا عَلَى صِفَةِ أَدَائِهَا","part":12,"page":298},{"id":5798,"text":"بَعْدَ وُجُوبِهَا ، وَكَذَلِكَ الْكَفَّارَاتُ الْمُعَجَّلَةُ ، وَلِأَنَّ الذَّكَرَ أَحْوَجُ مِنْ الْأُنْثَى ، مِنْ قِبَلِ أَنَّهُمَا إذَا تَزَوَّجَا جَمِيعًا فَالصَّدَاقُ وَالنَّفَقَةُ وَنَفَقَةُ الْأَوْلَادِ عَلَى الذَّكَرِ ، وَالْأُنْثَى لَهَا ذَلِكَ ، فَكَانَ أَوْلَى بِالتَّفْضِيلِ ؛ لِزِيَادَةِ حَاجَتِهِ ، وَقَدْ قَسَّمَ اللَّهُ تَعَالَى الْمِيرَاثَ ، فَفَضَّلَ الذَّكَرَ مَقْرُونًا بِهَذَا الْمَعْنَى فَتُعَلَّلُ بِهِ ، وَيَتَعَدَّى ذَلِكَ إلَى الْعَطِيَّةِ فِي الْحَيَاةِ .\rوَحَدِيثُ بَشِيرٍ قَضِيَّةٌ فِي عَيْنٍ ، وَحِكَايَةُ حَالٍ لَا عُمُومَ لَهَا ، وَإِنَّمَا ثَبَتَ حُكْمُهَا فِيمَا مَاثَلَهَا ، وَلَا نَعْلَمُ حَالَ أَوْلَادِ بَشِيرٍ ، هَلْ كَانَ فِيهِمْ أُنْثَى أَوْ لَا ؟ وَلَعَلَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ عَلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ إلَّا وَلَدٌ ذَكَرٌ .\rثُمَّ تُحْمَلُ التَّسْوِيَةُ عَلَى الْقِسْمَةِ عَلَى كِتَابِ اللَّه تَعَالَى .\rوَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ التَّسْوِيَةَ فِي أَصْلِ الْعَطَاءِ ، لَا فِي صِفَتِهِ ، فَإِنَّ الْقِسْمَةَ لَا تَقْتَضِي التَّسْوِيَةَ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَكَذَلِكَ الْحَدِيثُ الْآخَرُ ، وَدَلِيلُ ذَلِكَ قَوْلُ عَطَاءٍ : مَا كَانُوا يُقَسِّمُونَ إلَّا عَلَى كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى .\rوَهَذَا خَبَرٌ عَنْ جَمِيعِهِمْ ، عَلَى أَنَّ الصَّحِيحَ مِنْ خَبَرِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ مُرْسَلٌ .","part":12,"page":299},{"id":5799,"text":"( 4462 ) فَصْلٌ : وَلَيْسَ عَلَيْهِ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ سَائِرِ أَقَارِبِهِ ، وَلَا إعْطَاؤُهُمْ عَلَى قَدْرِ مَوَارِيثِهِمْ سَوَاءٌ كَانُوا مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ ، كَإِخْوَةٍ وَأَخَوَاتٍ ، وَأَعْمَامٍ وَبَنِي عَمٍّ ، أَوْ مِنْ جِهَاتٍ ، كَبَنَاتٍ وَأَخَوَاتٍ وَغَيْرِهِمْ .\rوَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ الْمَشْرُوعُ فِي عَطِيَّةِ الْأَوْلَادِ وَسَائِرِ الْأَقَارِبِ ، أَنْ يُعْطِيَهُمْ عَلَى قَدْرِ مِيرَاثِهِمْ ، فَإِنْ خَالَفَ وَفَعَلَ ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَرْجِعَ وَيَعُمَّهُمْ بِالنِّحْلَةِ ؛ لِأَنَّهُمْ فِي مَعْنَى الْأَوْلَادِ ، فَثَبَتَ فِيهِمْ مِثْلُ حُكْمِهِمْ .\rوَلَنَا أَنَّهَا عَطِيَّةٌ لِغَيْرِ الْأَوْلَادِ فِي صِحَّتِهِ ، فَلَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ التَّسْوِيَةُ ، كَمَا لَوْ كَانُوا غَيْرَ وَارِثِينَ .\rوَلِأَنَّ الْأَصْلَ إبَاحَةُ تَصَرُّفِ الْإِنْسَانِ فِي مَالِهِ كَيْفَ شَاءَ ، وَإِنَّمَا وَجَبَتْ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الْأَوْلَادِ بِالْخَبَرِ ، وَلَيْسَ غَيْرُهُمْ فِي مَعْنَاهُمْ ؛ لِأَنَّهُمْ اسْتَوَوْا فِي وُجُوبِ بِرِّ وَالِدِهِمْ ، فَاسْتَوَوْا فِي عَطِيَّتِهِ .\rوَبِهَذَا عَلَّلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ قَالَ { : أَيَسُرُّك أَنْ يَسْتَوُوا فِي بِرِّك ؟ قَالَ : نَعَمْ .\rقَالَ : فَسَوِّ بَيْنَهُمْ } .\rوَلَمْ يُوجَدْ هَذَا فِي غَيْرِهِمْ ، وَلِأَنَّ لِلْوَالِدِ الرُّجُوعَ فِيمَا أَعْطَى وَلَدَهُ ، فَيُمْكِنُهُ أَنْ يُسَوِّيَ بَيْنَهُمْ بِاسْتِرْجَاعِ مَا أَعْطَاهُ لِبَعْضِهِمْ ، وَلَا يُمْكِنُ ذَلِكَ فِي غَيْرِهِمْ ، وَلِأَنَّ الْأَوْلَادَ لِشِدَّةِ مَحَبَّةِ الْوَالِدِ لَهُمْ ، وَصَرْفِ مَالِهِ إلَيْهِمْ عَادَةً .\rيَتَنَافَسُونَ فِي ذَلِكَ ، وَيَشْتَدُّ عَلَيْهِمْ تَفْضِيلُ بَعْضِهِمْ ، وَلَا يُبَارِيهِمْ فِي ذَلِكَ غَيْرُهُمْ ، فَلَا يَصِحُّ قِيَاسُهُ عَلَيْهِمْ ، وَلَا نَصَّ فِي غَيْرِهِمْ ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ عَلِمَ لِبَشِيرٍ زَوْجَةً ، وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِإِعْطَائِهَا شَيْئًا حِينَ أَمَرَهُ بِالتَّسْوِيَةِ بَيْنَ أَوْلَادِهِ ، وَلَمْ يَسْأَلْهُ هَلْ لَك وَارِثٌ غَيْرُ وَلَدِك ؟ .","part":12,"page":300},{"id":5800,"text":"( 4463 ) فَصْلٌ : وَالْأُمُّ فِي الْمَنْعِ مِنْ الْمُفَاضَلَةِ بَيْنَ الْأَوْلَادِ كَالْأَبِ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : اتَّقُوا اللَّهِ ، وَاعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ } .\rوَلِأَنَّهَا أَحَدُ الْوَالِدَيْنِ ، فَمُنِعَتْ التَّفْضِيلَ كَالْأَبِ ، وَلِأَنَّ مَا يَحْصُلُ بِتَخْصِيصِ الْأَبِ بَعْضَ وَلَدِهِ مِنْ الْحَسَدِ وَالْعَدَاوَةِ ، يُوجَدُ مِثْلُهُ فِي تَخْصِيصِ الْأُمِّ بَعْضَ وَلَدِهَا ، فَثَبَتَ لَهَا مِثْلُ حُكْمِهِ فِي ذَلِكَ .","part":12,"page":301},{"id":5801,"text":"( 4464 ) فَصْلٌ : وَقَوْلُ الْخِرَقِيِّ : \" أُمِرَ بِرَدِّهِ \" .\rيَدُلُّ عَلَى أَنَّ لِلْأَبِ الرُّجُوعَ فِيمَا وَهَبَ لِوَلَدِهِ .\rوَهُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ أَحْمَدَ ، سَوَاءٌ قَصَدَ بِرُجُوعِهِ التَّسْوِيَةَ بَيْنَ الْأَوْلَادِ أَوْ لَمْ يُرِدْ ، وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَإِسْحَاقَ ، وَأَبِي ثَوْرٍ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ ، رِوَايَةٌ أُخْرَى : لَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ فِيهَا .\rوَبِهَا قَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالْعَنْبَرِيُّ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ ، كَالْعَائِدِ فِي قَيْئِهِ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : مَنْ وَهَبَ هِبَةً يَرَى أَنَّهُ أَرَادَ بِهَا صِلَةَ رَحِمٍ ، أَوْ عَلَى وَجْهِ صَدَقَةٍ ، فَإِنَّهُ لَا يَرْجِعُ فِيهَا ، وَمَنْ وَهَبَ هِبَةً أَرَادَ بِهَا الثَّوَابَ ، فَهُوَ عَلَى هِبَتِهِ ، يَرْجِعُ فِيهَا إذَا لَمْ يَرْضَ مِنْهَا .\rرَوَاهُ مَالِكٌ ، فِي \" الْمُوَطَّأِ \" .\rوَلِأَنَّهَا هِبَةٌ يَحْصُلُ بِهَا الْأَجْرُ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى ، فَلَمْ يَجُزْ الرُّجُوعُ فِيهَا ، كَصَدَقَةِ التَّطَوُّعِ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِبَشِيرِ بْنِ سَعْدٍ : \" فَارْدُدْهُ \" .\rوَرُوِيَ : \" فَأَرْجِعْهُ \" .\rرَوَاهُ كَذَلِكَ مَالِكٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ حُمَيْدٍ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ النُّعْمَانِ فَأَمَرَهُ بِالرُّجُوعِ فِي هِبَتِهِ ، وَأَقَلُّ أَحْوَالِ الْأَمْرِ الْجَوَازُ وَقَدْ امْتَثَلَ بَشِيرُ بْنُ سَعْدٍ فِي ذَلِكَ ، فَرَجَعَ فِي هِبَتِهِ لِوَلَدِهِ ، أَلَّا تَرَاهُ قَالَ فِي الْحَدِيثِ : فَرَجَعَ أَبِي ، فَرَدَّ تِلْكَ الصَّدَقَةَ .\rوَحَمْلُ الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ أَعْطَاهُ شَيْئًا ، يُخَالِفُ ظَاهِرَ الْحَدِيثِ ؛ لِقَوْلِهِ : تَصَدَّقَ عَلَيَّ أَبِي بِصَدَقَةٍ .\rوَقَوْلُ بَشِيرٍ : إنِّي نَحَلْت ابْنِي غُلَامًا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ قَدْ أَعْطَاهُ .\rوَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : \" فَارْدُدْهُ \" .\rوَقَوْلُهُ : \" فَأَرْجِعْهُ \" .\rوَرَوَى طَاوُسٌ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، يَرْفَعَانِ","part":12,"page":302},{"id":5802,"text":"الْحَدِيثَ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ { : لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يُعْطِيَ عَطِيَّةً ، فَيَرْجِعَ فِيهَا ، إلَّا الْوَالِدَ فِيمَا يُعْطِي وَلَدَهُ } رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ .\rوَقَالَ : حَدِيثٌ حَسَنٌ .\rوَهَذَا يَخُصُّ عُمُومَ مَا رَوَوْهُ وَيُفَسِّرُهُ .\rوَقِيَاسُهُمْ مَنْقُوضٌ بِهِبَةِ الْأَجْنَبِيِّ ؛ فَإِنَّ فِيهَا أَجْرًا وَثَوَابًا ، فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَدَبَ إلَيْهَا .\rوَعِنْدَهُمْ لَهُ الرُّجُوعُ فِيهَا ، وَالصَّدَقَةُ عَلَى الْوَلَدِ كَمَسْأَلَتِنَا ، وَقَدْ دَلَّ حَدِيثُ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ عَلَى الرُّجُوعِ فِي الصَّدَقَةِ ؛ لِقَوْلِهِ : تَصَدَّقَ عَلَيَّ أَبِي بِصَدَقَةٍ .","part":12,"page":303},{"id":5803,"text":"( 4465 ) فَصْلٌ : وَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ ، أَنَّ الْأُمَّ كَالْأَبِ ، فِي الرُّجُوعَ فِي الْهِبَةِ ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ : \" وَإِذَا فَاضَلَ بَيْنَ أَوْلَادِهِ \" يَتَنَاوَلُ كُلَّ وَالِدٍ ، ثُمَّ قَالَ فِي سِيَاقِهِ : \" أُمِرَ بِرَدِّهِ \" .\rفَيَدْخُلُ فِيهِ الْأُمُّ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهَا دَاخِلَةٌ فِي قَوْلِهِ : \" إلَّا الْوَالِدَ فِيمَا يُعْطِي وَلَدَهُ \" .\rوَلِأَنَّهَا لَمَّا دَخَلَتْ فِي قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : سَوُّوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ } .\rيَنْبَغِي أَنْ يَتَمَكَّنَ مِنْ التَّسْوِيَةِ ، وَالرُّجُوعُ فِي الْهِبَةِ طَرِيقٌ فِي التَّسْوِيَةِ ، وَرُبَّمَا تَعَيَّنَ طَرِيقًا فِيهَا إذَا لَمْ يُمْكِنْ إعْطَاءُ الْآخَرِ مِثْلَ عَطِيَّةِ الْأَوَّلِ .\rوَلِأَنَّهَا لَمَّا دَخَلَتْ فِي الْمَعْنَى فِي حَدِيثِ بَشِيرِ بْنِ سَعْدِ ، فَيَنْبَغِي أَنْ تَدْخُلَ فِي جَمِيعِ مَدْلُولِهِ ؛ لِقَوْلِهِ : \" فَارْدُدْهُ \" .\rوَقَوْلِهِ : \" فَأَرْجِعْهُ \" .\rوَلِأَنَّهَا لَمَّا سَاوَتْ الْأَبَ فِي تَحْرِيمِ تَفْضِيلِ بَعْضِ وَلَدِهَا ، يَنْبَغِي أَنْ تُسَاوِيَهُ فِي التَّمَكُّنِ مِنْ الرُّجُوعِ فِيمَا فَضَّلَهُ بِهِ ، تَخْلِيصًا لَهَا مِنْ الْإِثْمِ ، وَإِزَالَةً لِلتَّفْضِيلِ الْمُحَرَّمِ ، كَالْأَبِ .\rوَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ لَيْسَ لَهَا الرُّجُوعُ .\rقَالَ الْأَثْرَمُ : قُلْت لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ : الرُّجُوعُ لِلْمَرْأَةِ فِيمَا أَعْطَتْهُ وَلَدَهَا كَالرَّجُلِ ؟ قَالَ : لَيْسَ هِيَ عِنْدِي فِي هَذَا كَالرَّجُلِ ؛ لِأَنَّ لِلْأَبِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ مَالِ وَلَدِهِ ، وَالْأُمُّ لَا تَأْخُذُ وَذَكَرَ حَدِيثَ عَائِشَةَ { : أَطْيَبُ مَا أَكَلَ الرَّجُلُ مِنْ كَسْبِهِ ، وَإِنَّ وَلَدَهُ مِنْ كَسْبِهِ } .\rأَيْ كَأَنَّهُ الرَّجُلُ .\rقَالَ أَصْحَابُنَا : وَالْحَدِيثُ حُجَّةٌ لَنَا ، فَإِنَّهُ خَصَّ الْوَالِدَ ، وَهُوَ بِإِطْلَاقِهِ إنَّمَا يَتَنَاوَلُ الْأَبَ دُونَ الْأُمِّ ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ لِلْأَبِ وِلَايَةً عَلَى وَلَدِهِ ، وَيَحُوزُ جَمِيعَ الْمَالِ فِي الْمِيرَاثِ ، وَالْأُمُّ بِخِلَافِهِ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : لِلْأُمِّ الرُّجُوعُ فِي هِبَةِ وَلَدِهَا مَا كَانَ أَبُوهُ حَيًّا ، فَإِنْ كَانَ مَيِّتًا","part":12,"page":304},{"id":5804,"text":"، فَلَا رُجُوعَ لَهَا ؛ لِأَنَّهَا هِبَةٌ لِيَتِيمٍ وَهِبَةُ الْيَتِيمِ ، لَازِمَةٌ ، كَصَدَقَةِ التَّطَوُّعِ ، وَمِنْ مَذْهَبِهِ أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ فِي صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ .","part":12,"page":305},{"id":5805,"text":"( 4466 ) فَصْلٌ : وَلَا فَرْقَ فِيمَا ذَكَرْنَا بَيْنَ الْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ .\rوَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ .\rوَفَرَّقَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ بَيْنَهُمَا ، فَلَمْ يُجِيزُوا الرُّجُوعَ فِي الصَّدَقَةِ بِحَالٍ ، وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ عُمَرَ : مَنْ وَهَبَ هِبَةً ، وَأَرَادَ بِهَا صِلَةَ رَحِمٍ ، أَوْ عَلَى وَجْهِ صَدَقَةٍ فَإِنَّهُ لَا يَرْجِعُ .\rوَلَنَا ، حَدِيثُ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ، فَإِنَّهُ قَالَ : تَصَدَّقَ عَلَيَّ أَبِي بِصَدَقَةٍ .\rوَقَالَ : فَرَجَعَ أَبِي ، فَرَدَّ تِلْكَ الصَّدَقَةَ وَأَيْضًا عُمُومُ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إلَّا الْوَالِدَ فِيمَا يُعْطِي وَلَدَهُ } .\rوَهَذَا يُقَدَّمُ عَلَى قَوْلِ عُمَرَ ، ثُمَّ هُوَ خَاصٌّ فِي الْوَالِدِ ، وَحَدِيثُ عُمَرَ عَامٌّ ، فَيَجِبُ تَقْدِيمُ الْخَاصِّ .","part":12,"page":306},{"id":5806,"text":"( 4467 ) فَصْلٌ : وَلِلرُّجُوعِ فِي هِبَةِ الْوَلَدِ شُرُوطٌ أَرْبَعَةٌ : أَحَدُهَا أَنْ تَكُونَ بَاقِيَةً فِي مِلْكِ الِابْنِ ، فَإِنْ خَرَجَتْ عَنْ مِلْكِهِ ، بِبَيْعٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ وَقْفٍ أَوْ إرْثٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ الرُّجُوعُ فِيهَا ؛ لِأَنَّهُ إبْطَالٌ لِمِلْكِ غَيْرِ الْوَالِدِ .\rوَإِنْ عَادَتْ إلَيْهِ بِسَبَبٍ جَدِيدٍ ، كَبَيْعٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ وَصِيَّةٍ أَوْ إرْثٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ ، لَمْ يَمْلِكْ الرُّجُوعَ فِيهَا ؛ لِأَنَّهَا عَادَتْ بِمِلْكٍ جَدِيدٍ لَمْ يَسْتَفِدْهُ مِنْ قِبَلِ أَبِيهِ ، فَلَا يَمْلِكُ فَسْخَهُ وَإِزَالَتَهُ ، كَاَلَّذِي لَمْ يَكُنْ مَوْهُوبًا لَهُ وَإِنْ عَادَتْ إلَيْهِ بِفَسْخِ الْبَيْعِ ، لِعَيْبٍ ، أَوْ إقَالَةٍ أَوْ فَلَسِ الْمُشْتَرِي ، فَفِيهِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا ، يَمْلِكُ الرُّجُوعَ ؛ لِأَنَّ السَّبَبَ الْمُزِيلَ ارْتَفَعَ ، وَعَادَ الْمِلْكُ بِالسَّبَبِ الْأَوَّلِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ فَسَخَ الْبَيْعَ بِخِيَارِ الْمَجْلِسِ أَوْ خِيَارِ الشَّرْطِ .\rوَالثَّانِي لَا يَمْلِكُ الرُّجُوعَ ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ عَادَ إلَيْهِ بَعْدَ اسْتِقْرَارِ مِلْكِ مَنْ انْتَقَلَ إلَيْهِ عَلَيْهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ عَادَ إلَيْهِ بِهِبَةٍ .\rفَأَمَّا إنْ عَادَ إلَيْهِ لِلْفَسْخِ بِخِيَارِ الشَّرْطِ ، أَوْ خِيَارِ الْمَجْلِسِ ، فَلَهُ الرُّجُوعُ ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ لَمْ يَسْتَقِرَّ عَلَيْهِ .\r( 4468 ) فَصْلٌ : الثَّانِي أَنْ تَكُونَ الْعَيْنُ بَاقِيَةً فِي تَصَرُّفِ الْوَلَدِ ، بِحَيْثُ يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فِي رَقَبَتِهَا ، فَإِنْ اسْتَوْلَدَ الْأَمَةَ ، لَمْ يَمْلِكْ الْأَبُ الرُّجُوعَ فِيهَا ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ فِيهَا لَا يَجُوزُ نَقْلُهُ إلَى غَيْرِ سَيِّدِهَا .\rوَإِنْ رَهَنَ الْعَيْنَ ، أَوْ أَفْلَسَ وَحُجِرَ عَلَيْهِ ، لَمْ يَمْلِكْ الْأَبُ الرُّجُوعَ فِيهَا ؛ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ إبْطَالًا لِحَقِّ غَيْرِ الْوَلَدِ فَإِنْ زَالَ الْمَانِعُ مِنْ التَّصَرُّفِ ، فَلَهُ الرُّجُوعُ ؛ لِأَنَّ مِلْكَ الِابْنِ لَمْ يَزُلْ ، وَإِنَّمَا طَرَأَ مَعْنًى قَطَعَ التَّصَرُّفَ مَعَ بَقَاءِ الْمِلْكِ ، فَمَنَعَ الرُّجُوعَ ، فَإِذَا زَالَ زَالَ الْمَنْعُ ، وَالْكِتَابَةُ كَذَلِكَ عِنْدَ مَنْ لَا يَرَى بَيْعَ الْمُكَاتَبِ .\rوَهُوَ","part":12,"page":307},{"id":5807,"text":"مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَجَمَاعَةٍ سِوَاهُ .\rفَأَمَّا مَنْ أَجَازَ بَيْعَ الْمُكَاتَبِ ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْمُسْتَأْجِرِ وَالْمُزَوِّجِ .\rوَأَمَّا التَّدْبِيرُ ، فَالصَّحِيحَ أَنَّهُ لَا يَمْنَعُ الْبَيْعَ ، فَلَا يَمْنَعُ الرُّجُوعَ .\rوَإِنْ قُلْنَا : يَمْنَعُ الْبَيْعَ .\rمَنَعَ الرُّجُوعَ .\rوَكُلُّ تَصَرُّفٍ لَا يَمْنَعُ الِابْنَ التَّصَرُّفَ فِي الرَّقَبَةِ ، كَالْوَصِيَّةِ وَالْهِبَةِ قَبْلَ الْقَبْضِ فِيمَا يَفْتَقِرُ إلَيْهِ ، وَالْوَطْءِ وَالتَّزْوِيجِ وَالْإِجَارَةِ وَالْكِتَابَةِ وَالتَّدْبِيرِ ، إنْ قُلْنَا : لَا يَمْنَعُ الْبَيْعَ ، وَالْمُزَارَعَةَ عَلَيْهَا ، وَجَعْلَهَا مُضَارَبَةً ، أَوْ فِي عَقْدِ شَرِكَةٍ ، فَكُلُّ ذَلِكَ لَا يَمْنَعُ الرُّجُوعَ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْنَعُ تَصَرُّفَ الِابْنِ فِي رَقَبَتِهَا ، وَكَذَلِكَ الْعِتْقُ الْمُعَلَّقُ عَلَى صِفَةٍ .\rوَإِذَا رَجَعَ وَكَانَ التَّصَرُّفُ لَازِمًا ، كَالْإِجَارَةِ وَالتَّزْوِيجِ وَالْكِتَابَةِ ، فَهُوَ بَاقٍ بِحَالِهِ ؛ لِأَنَّ الِابْنِ لَا يَمْلِكُ إبْطَالَهُ ، فَكَذَلِكَ مَنْ انْتَقَلَ إلَيْهِ وَإِنْ كَانَ جَائِزًا ، كَالْوَصِيَّةِ وَالْهِبَةِ قَبْلَ الْقَبْضِ ، بَطَلَ ؛ لِأَنَّ الِابْنَ يَمْلِكُ إبْطَالَهُ .\rوَأَمَّا التَّدْبِيرُ وَالْعِتْقُ الْمُعَلَّقُ بِصِفَةٍ ، فَلَا يَبْقَى حُكْمُهُمَا فِي حَقِّ الْأَبِ ، وَمَتَى عَادَ إلَى الِابْنِ ، عَادَ حُكْمُهُمَا .\rفَأَمَّا الْبَيْعُ الَّذِي لِلِابْنِ فِيهِ خِيَارٌ ، إمَّا لِشَرْطٍ ، أَوْ عَيْبٍ فِي الثَّمَنِ ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ ، فَيَمْنَعُ الرُّجُوعَ ؛ لِأَنَّ الرُّجُوعَ يَتَضَمَّنُ فَسْخَ مِلْكِ الِابْنِ فِي عِوَضِ الْمَبِيعِ ، وَلَمْ يَثْبُتْ لَهُ ذَلِكَ مِنْ جِهَتِهِ .\rوَإِنْ وَهَبَهُ الِابْنُ لِابْنِهِ ، لَمْ يَمْلِكْ الرُّجُوعَ فِيهِ ؛ لِأَنَّ رُجُوعَهُ إبْطَالٌ لِمُلْكِ غَيْرِ ابْنِهِ .\rفَإِنْ رَجَعَ الِابْنُ فِي هِبَتِهِ ، احْتَمَلَ أَنْ يَمْلِكَ الْأَبُ الرُّجُوعَ فِي هِبَتِهِ حِينَئِذٍ لِأَنَّهُ فَسَخَ هِبَتَهُ بِرُجُوعِهِ ، فَعَادَ إلَيْهِ الْمِلْكُ بِالسَّبَبِ الْأَوَّلِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَمْلِكَ الْأَبُ الرُّجُوعَ ؛ لِأَنَّهُ رَجَعَ إلَى ابْنِهِ بَعْدَ اسْتِقْرَارِ مِلْكِ غَيْرِهِ عَلَيْهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ وَهَبَهُ ابْنُ","part":12,"page":308},{"id":5808,"text":"الِابْنِ لِأَبِيهِ .\rفَصْلٌ : الثَّالِثُ أَنْ لَا يَتَعَلَّقَ بِهَا رَغْبَةٌ لِغَيْرِ الْوَلَدِ ، فَإِنْ تَعَلَّقَتْ بِهَا رَغْبَةٌ لِغَيْرِهِ ، مِثْلُ أَنْ يَهَبَ وَلَدَهُ شَيْئًا فَيَرْغَبَ النَّاسُ فِي مُعَامَلَتِهِ ، وَأَدَانُوهُ دُيُونًا ، أَوْ رَغِبُوا فِي مُنَاكَحَتِهِ ، فَزَوَّجُوهُ إنْ كَانَ ذَكَرًا ، أَوْ تَزَوَّجَتْ الْأُنْثَى لِذَلِكَ ، فَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَتَانِ ؛ أُولَاهُمَا ، لَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ قَالَ أَحْمَدُ ، فِي رِوَايَةِ أَبِي الْحَارِثِ ، فِي الرَّجُلِ يَهَبُ لِابْنِهِ مَالًا : فَلَهُ الرُّجُوعُ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ غَرَّ بِهِ قَوْمًا ، فَإِنْ غَرَّ بِهِ ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِيهَا .\rوَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ ؛ لِأَنَّهُ تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ غَيْرِ الِابْنِ ، فَفِي الرُّجُوعِ إبْطَالُ حَقِّهِ ، وَقَدْ قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ } .\rوَفِي الرُّجُوعِ ضَرَرٌ ، وَلِأَنَّ فِي هَذَا تَحَيُّلًا عَلَى إلْحَاقِ الضَّرَرِ بِالْمُسْلِمِينَ ، وَلَا يَجُوزُ التَّحَيُّلُ عَلَى ذَلِكَ .\rوَالثَّانِيَةُ ، لَهُ الرُّجُوعُ ؛ لِعُمُومِ الْخَبَرِ ، وَلِأَنَّ حَقَّ الْمُتَزَوِّجِ وَالْغَرِيمِ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِعَيْنِ هَذَا الْمَالِ ، فَلَمْ يَمْنَعْ الرُّجُوعَ فِيهِ .\r( 4470 ) فَصْلٌ : الرَّابِعُ أَنْ لَا تَزِيدَ زِيَادَةً مُتَّصِلَةً ، كَالسِّمَنِ وَالْكِبَرِ وَتَعَلُّمِ صَنْعَةٍ .\rفَإِنْ زَادَتْ ، فَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَتَانِ إحْدَاهُمَا لَا تَمْنَعُ الرُّجُوعَ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهَا زِيَادَةٌ فِي الْمَوْهُوبِ ، فَلَمْ تَمْنَعْ الرُّجُوعَ ، كَالزِّيَادَةِ قَبْلَ الْقَبْضِ ، وَالْمُنْفَصِلَةِ .\rوَالثَّانِيَةُ ، تَمْنَعُ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ لِكَوْنِهَا نَمَاءَ مِلْكِهِ ، وَلَمْ تَنْتَقِلْ إلَيْهِ مِنْ جِهَةِ أَبِيهِ ، فَلَمْ يَمْلِكْ الرُّجُوعَ فِيهَا ، كَالْمُنْفَصِلَةِ ، وَإِذَا امْتَنَعَ الرُّجُوعُ فِيهَا ، امْتَنَعَ الرُّجُوعُ فِي الْأَصْلِ .\rلِئَلَّا يُفْضِيَ إلَى سُوءِ الْمُشَارَكَةِ ، وَضَرَرِ التَّشْقِيصِ ، وَلِأَنَّهُ اسْتِرْجَاعٌ لِلْمَالِ بِفَسْخِ عَقْدٍ لِغَيْرِ عَيْبٍ فِي عِوَضِهِ ، فَمَنْعُهُ الزِّيَادَةَ الْمُتَّصِلَةَ ،","part":12,"page":309},{"id":5809,"text":"كَاسْتِرْجَاعِ الصَّدَاقِ بِفَسْخِ النِّكَاحِ ، أَوْ نِصْفِهِ بِالطَّلَاقِ ، أَوْ رُجُوعِ الْبَائِعِ فِي الْمَبِيعِ لِفَلَسِ الْمُشْتَرِي .\rوَيُفَارِقُ الرَّدَّ بِالْعَيْبِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الرَّدَّ مِنْ الْمُشْتَرِي ، وَقَدْ رَضِيَ بِبَدَلِ الزِّيَادَةِ .\rوَإِنْ فَرَضَ الْكَلَامَ فِيمَا إذَا بَاعَ عَرْضًا بِعَرْضِ ، فَزَادَ أَحَدُهُمَا ، وَوَجَدَ الْمُشْتَرِي الْآخَرَ بِهِ عَيْبًا ، قُلْنَا : بَائِعُ الْمَعِيبِ سَلَّطَ مُشْتَرِيَهُ عَلَى الْفَسْخِ ، بِبَيْعِهِ الْمَعِيبَ ، فَكَأَنَّ الْفَسْخَ وُجِدَ مِنْهُ .\rوَلِهَذَا قُلْنَا ، فِيمَا إذَا فَسَخَ الزَّوْجُ النِّكَاحَ لِعَيْبِ الْمَرْأَةِ قَبْلَ الدُّخُولِ : لَا صَدَاقَ لَهَا ، كَمَا لَوْ فَسَخَتْهُ .\rوَعَلَى هَذَا لَا فَرْقَ بَيْنَ الزِّيَادَةِ فِي الْعَيْنِ ، كَالسِّمَنِ وَالطُّولِ وَنَحْوِهِمَا ، أَوْ فِي الْمَعَانِي ، كَتَعَلُّمِ صَنْعَةٍ أَوْ كِتَابَةٍ أَوْ قُرْآنٍ أَوْ عِلْمٍ ، أَوْ إسْلَامٍ ، أَوْ قَضَاءِ دَيْنٍ عَنْهُ .\rوَبِهَذَا قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : الزِّيَادَةُ بِتَعْلِيمِ الْقُرْآنِ وَقَضَاءِ الدَّيْنِ عَنْهُ لَا تَمْنَعُ الرُّجُوعَ .\rوَلَنَا أَنَّهَا زِيَادَةٌ لَهَا مُقَابِلٌ مِنْ الثَّمَنِ ، فَمَنَعَتْ الرُّجُوعَ ، كَالسِّمَنِ وَتَعَلُّمِ الصَّنْعَةِ .\rوَإِنْ زَادَ بِبُرْئِهِ مِنْ مَرَضٍ أَوْ صَمَمٍ ، مَنَعَ الرُّجُوعَ ، كَسَائِرِ الزِّيَادَاتِ ، وَإِنْ كَانَتْ زِيَادَةُ الْعَيْنِ أَوْ التَّعَلُّمِ لَا تَزِيدُ فِي قِيمَتِهِ شَيْئًا ، أَوْ يَنْقُصُ مِنْهَا ، لَمْ يَمْنَعْ الرُّجُوعَ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِزِيَادَةٍ فِي الْمَالِيَّةِ .\rوَأَمَّا الزِّيَادَةُ الْمُنْفَصِلَةُ ، كَوَلَدِ الْبَهِيمَةِ ، وَثَمَرَةِ الشَّجَرَةِ ، وَكَسْبِ الْعَبْدِ ، فَلَا تَمْنَعُ الرُّجُوعَ بِغَيْرِ اخْتِلَافٍ نَعْلَمُهُ وَالزِّيَادَةُ لِلْوَلَدِ ؛ لِأَنَّهَا حَادِثَةٌ فِي مِلْكِهِ ، وَلَا تَتْبَعُ فِي الْفُسُوخِ ، فَلَا تَتْبَعُ هَاهُنَا .\rوَذَكَرَ الْقَاضِي وَجْهًا آخَرَ ، أَنَّهَا لِلْأَبِ .\rوَهُوَ بَعِيدٌ ، فَإِنْ كَانَتْ الزِّيَادَةُ وَلَدَ أَمَةٍ لَا يَجُوزُ التَّفْرِيقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أُمِّهِ ، مُنِعَ الرُّجُوعُ ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ التَّفْرِيقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ","part":12,"page":310},{"id":5810,"text":"أُمِّهِ ، وَذَلِكَ مُحَرَّمٌ ، إلَّا أَنْ نَقُولَ إنَّ الزِّيَادَةَ الْمُنْفَصِلَةَ لِلْأَبِ ، فَلَا يُمْنَعُ الرُّجُوعُ ؛ لِأَنَّهُ يَرْجِعُ فِيهِمَا جَمِيعًا ، أَوْ يَرْجِعُ فِي الْأُمِّ ، وَيَتَمَلَّكُ الْوَالِدُ مِنْ مَالِ وَلَدِهِ .","part":12,"page":311},{"id":5811,"text":"( 4471 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَصَّرَ الْعَيْنَ أَوْ فَصَّلَهَا ، فَلَمْ تَزِدْ قِيمَتُهَا ، لَمْ تَمْنَع الرُّجُوعَ ؛ لِأَنَّ الْعَيْنَ لَمْ تَزِدْ وَلَا الْقِيمَةُ وَإِنْ زَادَتْ قِيمَتُهَا ، فَهِيَ زِيَادَةٌ مُتَّصِلَةٌ ، هَلْ تَمْنَعُ الرُّجُوعَ أَوْ لَا ؟ يُبْنَى عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي السِّمْنَةِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ تَمْنَعَ هَذِهِ الزِّيَادَةُ الرُّجُوعَ بِكُلِّ حَالٍ ؛ لِأَنَّهَا حَاصِلَةٌ بِفِعْلِ الِابْنِ ، فَجَرَتْ مَجْرَى الْعَيْنِ الْحَاصِلَةِ بِفِعْلِهِ ، بِخِلَافِ السِّمَنِ ، فَإِنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لِلْأَبِ ، فَلَا يَمْنَعُ الرُّجُوعَ ، لِأَنَّهُ نَمَاءُ الْعَيْنِ ، فَيَكُونُ تَابِعًا لَهَا وَإِنْ وَهَبَهُ حَامِلًا فَوَلَدَتْ فِي يَدِ الِابْنِ ، فَهِيَ زِيَادَةٌ مُتَّصِلَةٌ فِي الْوَلَدِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْوَلَدُ زِيَادَةً مُنْفَصِلَةً إذَا قُلْنَا : الْحَمْلُ لَا حُكْمَ لَهُ .\rوَإِنْ وَهَبَهُ حَامِلًا ، ثُمَّ رَجَعَ فِيهَا حَامِلًا ، جَازَ إذَا لَمْ تَزِدْ قِيمَتُهَا ، وَإِنْ زَادَتْ قِيمَتُهَا ، فَهِيَ زِيَادَةٌ مُنْفَصِلَةٌ .\rوَإِنْ وَهَبْتَهُ حَائِلًا فَحَمَلَتْ ، فَهِيَ زِيَادَةٌ مُنْفَصِلَةٌ ، وَلَهُ الرُّجُوعُ فِيهَا دُونَ حَمْلِهَا .\rوَإِنْ قُلْنَا : إنَّ الْحَمْلَ لَا حُكْمَ لَهُ ، فَزَادَتْ بِهِ قِيمَتُهَا ، فَهِيَ زِيَادَةٌ مُتَّصِلَةٌ وَإِنْ لَمْ تَزِدْ قِيمَتُهَا ، جَازَ الرُّجُوعُ فِيهَا .\rوَإِنْ وَهَبَهُ نَخْلًا فَحَمَلَتْ ، فَهِيَ قَبْلَ التَّأْبِيرِ زِيَادَةٌ مُتَّصِلَةٌ ، وَبَعْدَهُ زِيَادَةٌ مُنْفَصِلَةٌ .","part":12,"page":312},{"id":5812,"text":"( 4472 ) فَصْلٌ : وَإِنْ تَلِفَ بَعْضُ الْعَيْنِ ، أَوْ نَقَصَتْ قِيمَتُهَا ، لَمْ يَمْنَعْ الرُّجُوعَ فِيهَا ، وَلَا ضَمَانَ عَلَى الِابْنِ فِيمَا تَلِفَ مِنْهَا ؛ لِأَنَّهَا تَتْلَفُ عَلَى مِلْكِهِ .\rوَسَوَاءٌ تَلِفَ بِفِعْلِ الِابْنِ أَوْ بِغَيْرِ فِعْلِهِ .\rوَإِنْ جَنَى الْعَبْدُ جِنَايَةً تَعَلَّقَ أَرْشُهَا بِرَقَبَتِهِ ، فَهُوَ كَنُقْصَانِهِ بِذَهَابِ بَعْضِ أَجْزَائِهِ ، وَلِلْأَبِ الرُّجُوعُ فِيهِ ، فَإِنْ رَجَعَ فِيهِ ، ضَمِنَ أَرْشَ الْجِنَايَةِ .\rوَإِنْ جُنِيَ عَلَى الْعَبْدِ ، فَرَجَعَ الْأَبُ فَيَرْجِعُ الْأَبُ فِيهِ ، فَأَرْشُ الْجِنَايَةِ عَلَيْهِ لِلِابْنِ ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الزِّيَادَةِ الْمُنْفَصِلَةِ فَإِنْ قِيلَ : فَلَوْ أَرَادَ الْأَبُ الرُّجُوعَ فِي الرَّهْنِ ، وَعَلَيْهِ فِكَاكُهُ ، لَمْ يَمْلِكْ ذَلِكَ ، فَكَيْفَ مَلَكَ الرُّجُوعَ فِي الْعَبْدِ الْجَانِي إذَا أَدَّى أَرْشَ جِنَايَتِهِ ؟ قُلْنَا : الرَّهْنُ يَمْنَعُ التَّصَرُّفَ فِي الْعَيْنِ ، بِخِلَافِ الْجِنَايَةِ ، وَلِأَنَّ فَكَّ الرَّهْنِ فَسْخٌ لِعَقْدٍ عَقَدَهُ الْمَوْهُوبُ لَهُ ، وَهَا هُنَا لَمْ يَتَعَلَّقْ الْحَقُّ بِهِ مِنْ جِهَةِ الْعَقْدِ ، فَافْتَرَقَا .","part":12,"page":313},{"id":5813,"text":"( 4473 ) فَصْلٌ : وَالرُّجُوعُ فِي الْهِبَةِ أَنْ يَقُولَ قَدْ رَجَعْت فِيهَا ، أَوْ ارْتَجَعْتهَا ، أَوْ ارْتَدَدْتَهَا .\rأَوْ نَحْوَ ذَلِكَ مِنْ الْأَلْفَاظِ الدَّالَّةِ عَلَى الرُّجُوعِ ، وَلَا يَحْتَاجُ إلَى حُكْمِ حَاكِمٍ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَصِحُّ الرُّجُوعُ إلَّا بِقَضَاءِ قَاضٍ ؛ لِأَنَّ مِلْكَ الْمَوْهُوبِ لَهُ مُسْتَقِرٌّ .\rوَلَنَا أَنَّهُ خِيَارٌ فِي فَسْخِ عَقْدٍ ، فَلَمْ يَفْتَقِرْ إلَى قَضَاءٍ ، كَالْفَسْخِ بِخِيَارِ الشَّرْطِ .\rفَأَمَّا إنْ أَخَذَ مَا وَهَبَهُ لِوَلَدِهِ ، فَإِنْ نَوَى بِهِ الرُّجُوعَ ، كَانَ رُجُوعًا ، وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِي نِيَّتِهِ ، وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ هَلْ نَوَى الرُّجُوعَ أَوْ لَا ، وَكَانَ ذَلِكَ بَعْدَ مَوْتِ الْأَبِ ، فَإِنْ لَمْ تُوجَدْ قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلَى الرُّجُوعِ .\rلَمْ يُحْكَمْ بِكَوْنِهِ رُجُوعًا ؛ لِأَنَّ الْأَخْذَ يَحْتَمِلُ الرُّجُوعَ وَغَيْرَهُ ، فَلَا نُزِيلُ حُكْمًا يَقِينِيًّا بِأَمْرٍ مَشْكُوكٍ فِيهِ .\rوَإِنْ اقْتَرَنَتْ بِهِ قَرَائِنُ دَالَّةٌ عَلَى الرُّجُوعِ فِيهِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا ، يَكُونُ رُجُوعًا .\rاخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ ؛ لِأَنَّنَا اكْتَفَيْنَا فِي الْعَقْدِ بِدَلَالَةِ الْحَالِ ، فَفِي الْفَسْخِ أَوْلَى ، وَلِأَنَّ لَفْظَ الرُّجُوعِ إنَّمَا كَانَ رُجُوعًا لِدَلَالَتِهِ عَلَيْهِ ، فَكَذَلِكَ كُلُّ مَا دَلَّ عَلَيْهِ .\rوَالْآخَرُ ، لَا يَكُونُ رُجُوعًا .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ ثَابِتٌ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ يَقِينًا ، فَلَا يَزُولُ إلَّا بِالصَّرِيحِ وَيُمْكِنُ أَنْ يُبْنَى هَذَا عَلَى نَفْسِ الْعَقْدِ ، فَمَنْ أَوْجَبَ الْإِيجَابَ وَالْقَبُولَ فِيهِ ، لَمْ يَكْتَفِ هَاهُنَا إلَّا بِلَفْظٍ يَقْتَضِي زَوَالَهُ ، وَمَنْ اكْتَفَى فِي الْعَقْدِ بِالْمُعَاطَاةِ الدَّالَّةِ عَلَى الرِّضَا بِهِ ، فَهَاهُنَا أَوْلَى .\rوَإِنْ نَوَى الرُّجُوعَ مِنْ غَيْرِ فِعْلٍ وَلَا قَوْلٍ ، لَمْ يَحْصُلْ الرُّجُوعُ ، وَجْهًا وَاحِدًا ؛ لِأَنَّهُ إثْبَاتُ الْمِلِكِ عَلَى مَالٍ مَمْلُوكٍ لِغَيْرِهِ ، فَلَمْ يَحْصُلْ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ ، كَسَائِرِ الْعُقُودِ .\rوَإِنْ عَلَّقَ الرُّجُوعَ بِشَرْطٍ ، فَقَالَ : إذَا جَاءَ رَأْسُ الشَّهْرِ فَقَدْ","part":12,"page":314},{"id":5814,"text":"رَجَعْت فِي الْهِبَةِ لَمْ يَصِحَّ ؛ لِأَنَّ الْفَسْخَ لِلْعَقْدِ لَا يَقِفُ عَلَى شَرْطٍ ، كَمَا لَا يَقِفُ الْعَقْدُ عَلَيْهِ .","part":12,"page":315},{"id":5815,"text":"( 4474 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : ( فَإِنْ مَاتَ وَلَمْ يَرْدُدْهُ ، فَقَدْ ثَبَتَ لِمَنْ وَهَبَ لَهُ ، إذَا كَانَ ذَلِكَ فِي صِحَّتِهِ ) يَعْنِي إذَا فَاضَلَ بَيْنَ وَلَدِهِ فِي الْعَطَايَا ، أَوْ خَصَّ بَعْضَهُمْ بِعَطِيَّةٍ ، ثُمَّ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَسْتَرِدَّهُ ، ثَبَتَ ذَلِكَ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ ، وَلَزِمَ ، وَلَيْسَ لِبَقِيَّةِ الْوَرَثَةِ الرُّجُوعُ .\rهَذَا الْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ ، فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَكَمِ ، وَالْمَيْمُونِيِّ ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الْخَلَّالِ ، وَصَاحِبِهِ أَبِي بَكْرٍ .\rوَبِهِ قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ، وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَفِيهِ رِوَايَةٌ أُخْرَى عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّ لِسَائِرِ الْوَرَثَةِ أَنْ يَرْتَجِعُوا مَا وَهَبَهُ .\rاخْتَارَهُ ابْنُ بَطَّةَ وَأَبُو حَفْصٍ الْعُكْبَرِيَّانِ .\rوَهُوَ قَوْلُ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ، وَإِسْحَاقَ .\rوَقَالَ أَحْمَدُ : عُرْوَةُ قَدْ رَوَى الْأَحَادِيثَ الثَّلَاثَةَ ؛ حَدِيثَ عَائِشَةَ ، وَحَدِيثَ عُمَرَ ، وَحَدِيثَ عُثْمَانَ ، وَتَرَكَهَا وَذَهَبَ إلَى حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { يَرُدُّ فِي حَيَاةِ الرَّجُلِ وَبَعْدَ مَوْتِهِ } وَهَذَا قَوْلُ إِسْحَاقَ ، إلَّا أَنَّهُ قَالَ : إذَا مَاتَ الرَّجُلُ فَهُوَ مِيرَاثٌ بَيْنَهُمْ ، لَا يَسَعُ أَنْ يَنْتَفِعَ أَحَدٌ مِمَّا أُعْطِيَ دُونَ إخْوَتِهِ وَأَخَوَاتِهِ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَمَّى ذَلِكَ جَوْرًا بِقَوْلِهِ : { لَا تُشْهِدْنِي عَلَى جَوْرٍ } .\rوَالْجَوْرُ حَرَامٌ لَا يَحِلُّ لِلْفَاعِلِ فِعْلُهُ ، وَلَا لِلْمُعْطَى تَنَاوُلُهُ .\rوَالْمَوْتُ لَا يُغَيِّرُهُ عَنْ كَوْنِهِ جَوْرًا حَرَامًا ، فَيَجِبُ رَدَّهُ ، وَلِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ أَمَرَا قَيْسَ بْنَ سَعْدٍ ، أَنْ يَرُدَّ قِسْمَةَ أَبِيهِ حِينَ وُلِدَ لَهُ وَلَدٌ ، وَلَمْ يَكُنْ عَلِمَ بِهِ ، وَلَا أَعْطَاهُ شَيْئًا ، وَكَانَ ذَلِكَ بَعْدَ مَوْتِ سَعْدٍ ، فَرَوَى سَعِيدٌ ، بِإِسْنَادِهِ مِنْ طَرِيقَيْنِ .\rأَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ قَسَّمَ مَالَهُ بَيْنَ أَوْلَادِهِ ، وَخَرَجَ إلَى الشَّامِ ، فَمَاتَ بِهَا ، ثُمَّ وُلِدَ بَعْدَ ذَلِكَ وَلَدٌ فَمَشَى أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ رَضِيَ","part":12,"page":316},{"id":5816,"text":"اللَّهُ عَنْهُمَا ، إلَى قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ ، فَقَالَا : إنَّ سَعْدًا قَسَّمَ مَالَهُ ، وَلَمْ يَدْرِ مَا يَكُونُ ، وَإِنَّا نَرَى أَنْ تَرُدَّ هَذِهِ الْقِسْمَةَ .\rفَقَالَ قَيْسٌ : لَمْ أَكُنْ لِأُغَيِّرَ شَيْئًا صَنَعَهُ سَعْدٌ ، وَلَكِنْ نَصِيبِي لَهُ .\rوَهَذَا مَعْنَى الْخَبَرِ .\rوَوَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، لِعَائِشَةَ ، لَمَّا نَحَلَهَا نِحَلًا : وَدِدْت لَوْ أَنَّك كُنْت حُزْتِيهِ .\rفَدَلَّ عَلَى أَنَّهَا لَوْ كَانَتْ حَازَتْهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ الرُّجُوعُ .\rوَكَذَلِكَ قَوْلُ عُمَرَ : لَا نِحْلَةَ إلَّا نِحْلَةً يَحُوزُهَا الْوَلَدُ دُونَ الْوَالِدِ وَلِأَنَّهَا عَطِيَّةٌ لِوَلَدِهِ فَلَزِمَتْ بِالْمَوْتِ كَمَا لَوْ انْفَرَدَ .\rوَقَوْلُهُ : \" إذَا كَانَ ذَلِكَ فِي صِحَّتِهِ \" يَدُلُّ عَلَى أَنَّ عَطِيَّتَهُ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ لِبَعْضِ وَرَثَتِهِ لَا تَنْفُذُ ؛ لِأَنَّ الْعَطَايَا فِي مَرَضِ الْمَوْتِ بِمَنْزِلَةِ الْوَصِيَّةِ ، فِي أَنَّهَا تُعْتَبَرُ مِنْ الثُّلُثِ إذَا كَانَتْ لِأَجْنَبِيٍّ إجْمَاعًا ، فَكَذَلِكَ لَا تَنْفُذُ فِي حَقِّ الْوَارِثِ .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ أَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ، أَنَّ حُكْمَ الْهِبَاتِ فِي الْمَرَضِ الَّذِي يَمُوتُ فِيهِ الْوَاهِبُ ، حُكْمُ الْوَصَايَا ، هَذَا مَذْهَبُ الْمَدِينِيِّ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَالْكُوفِيِّ فَإِنْ أَعْطَى أَحَدَ بَنِيهِ فِي صِحَّتِهِ ، ثُمَّ أَعْطَى الْآخَرَ فِي مَرَضِهِ ، فَقَدْ تَوَقَّفَ أَحْمَدُ فِيهِ ، فَإِنَّهُ سُئِلَ عَمَّنْ زَوَّجَ ابْنَهُ ، فَأَعْطَى عَنْهُ الصَّدَاقَ ، ثُمَّ مَرِضَ الْأَبُ ، وَلَهُ ابْنٌ آخَرَ ، هَلْ يُعْطِيه فِي مَرَضِهِ كَمَا أَعْطَى الْآخَرَ فِي صِحَّتِهِ ؟ فَقَالَ : لَوْ كَانَ أَعْطَاهُ فِي صِحَّتِهِ ، فَيَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا ، لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ عَطِيَّتَهُ فِي مَرَضِهِ كَوَصِيَّتِهِ ، وَلَوْ وَصَّى لَهُ لَمْ يَصِحَّ ، فَكَذَلِكَ إذَا أَعْطَاهُ .\rوَالثَّانِي يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ التَّسْوِيَةَ بَيْنَهُمَا وَاجِبَةٌ ، وَلَا طَرِيقَ لَهَا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ إلَّا بِعَطِيَّةِ الْآخَرِ ، فَتَكُونُ وَاجِبَةً ، فَتَصِحُّ ، كَقَضَاءِ دَيْنِهِ ( 4475 ) فَصْلٌ : قَالَ أَحْمَدُ :","part":12,"page":317},{"id":5817,"text":"أُحِبُّ أَنْ لَا يُقَسِّمَ مَالَهُ ، وَيَدَعَهُ عَلَى فَرَائِضِ اللَّهِ تَعَالَى ، لَعَلَّهُ أَنْ يُولَدَ لَهُ ، فَإِنْ أَعْطَى وَلَدَهُ مَالَهُ ، ثُمَّ وُلِدَ لَهُ وَلَدٌ ، فَأَعْجَبُ إلَيَّ أَنْ يَرْجِعَ فَيُسَوِّيَ بَيْنَهُمْ .\rيَعْنِي يَرْجِعُ فِي الْجَمِيعِ ، أَوْ يَرْجِعُ فِي بَعْضِ مَا أَعْطَى كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ لِيَدْفَعُوهُ إلَى هَذَا الْوَلَدِ الْحَادِثِ ، لِيُسَاوِيَ إخْوَتَهُ .\rفَإِنْ كَانَ هَذَا الْوَلَدُ الْحَادِثُ بَعْدَ الْمَوْتِ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ الرُّجُوعُ عَلَى إخْوَتِهِ ؛ لِأَنَّ الْعَطِيَّةَ لَزِمَتْ بِمَوْتِ أَبِيهِ ، إلَّا عَلَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى ، الَّتِي ذَهَبَ إلَيْهَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ بَطَّةَ وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِمَنْ أُعْطِيَ أَنْ يُسَاوِيَ أَخَاهُ فِي عَطِيَّتِهِ ، وَلِذَلِكَ أَمَرَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، قَيْسَ بْنَ سَعْدٍ ، بِرَدِّ قِسْمَةِ أَبِيهِ لِيُسَاوُوا الْمَوْلُودَ الْحَادِثَ بَعْدَ مَوْتِ أَبِيهِ .","part":12,"page":318},{"id":5818,"text":"فَصْلٌ : وَلِأَبٍ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ مَالِ وَلَدِهِ مَا شَاءَ ، وَيَتَمَلَّكَهُ ، مَعَ حَاجَةِ الْأَبِ إلَى مَا يَأْخُذُهُ ، وَمَعَ عَدَمِهَا ، صَغِيرًا كَانَ الْوَلَدُ أَوْ كَبِيرًا ، بِشَرْطَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنْ لَا يُجْحِفَ بِالِابْنِ ، وَلَا يَضُرَّ بِهِ ، وَلَا يَأْخُذَ شَيْئًا تَعَلَّقَتْ بِهِ حَاجَتُهُ .\rالثَّانِي أَنْ لَا يَأْخُذَ مِنْ مَالِ وَلَدِهِ فَيُعْطِيَهُ الْآخَرَ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، فِي رِوَايَةِ إسْمَاعِيلَ بْنِ سَعِيدٍ ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْ تَخْصِيصِ بَعْضِ وَلَدِهِ بِالْعَطِيَّةِ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ ، فَلَأَنْ يُمْنَعَ مِنْ تَخْصِيصِهِ بِمَا أَخَذَ مِنْ مَالِ وَلَدِهِ الْآخَرِ أَوْلَى وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ مَسْرُوقًا زَوَّجَ ابْنَتَهُ بِصَدَاقٍ عَشَرَةِ آلَافٍ ، فَأَخَذَهَا ، وَأَنْفَقَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَقَالَ لِلزَّوْجِ : جَهِّزْ امْرَأَتَك .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ : لَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ مَالِ وَلَدِهِ إلَّا بِقَدْرِ حَاجَتِهِ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { : إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا ، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا } ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَرَوَى الْحَسَنُ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { : كُلُّ أَحَدٍ أَحَقُّ بِكَسْبِهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ .\r} رَوَاهُ سَعِيدٌ فِي \" سُنَنِهِ \" .\rوَهَذَا نَصٌّ وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { : لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئِ مُسْلِمٍ إلَّا عَنْ طِيبِ نَفْسِهِ } .\rرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ .\rوَلِأَنَّ مِلْكَ الِابْنِ تَامٌّ عَلَى مَالِ نَفْسِهِ ، فَلَمْ يَجُزْ انْتِزَاعُهُ مِنْهُ ، كَاَلَّذِي تَعَلَّقَتْ بِهِ حَاجَتُهُ .\rوَلَنَا مَا رَوَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ، قَالَتْ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : إنَّ أَطْيَبِ مَا أَكَلْتُمْ مِنْ كَسْبِكُمْ ، وَإِنَّ أَوْلَادَكُمْ مِنْ كَسْبِكُمْ } .\rأَخْرَجَهُ سَعِيدٌ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَقَالَ : حَدِيثٌ حَسَنٌ .\rوَرَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، قَالَ { : جَاءَ رَجُلٌ","part":12,"page":319},{"id":5819,"text":"إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : إنَّ أَبِي احْتَاجَ مَالِي .\rفَقَالَ : أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيك } .\rرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ ، فِي \" مُعْجَمِهِ \" مُطَوَّلًا ، وَرَوَاهُ غَيْرُهُ ، وَزَادَ { : إنَّ أَوْلَادَكُمْ مِنْ أَطْيَبِ كَسْبِكُمْ ، فَكُلُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ } .\rوَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ ، وَالْمُطْلِبُ بْنُ حَنْطَبٍ ، قَالَ { : جَاءَ رَجُلٌ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : إنَّ لِي مَالًا وَعِيَالًا ، وَلِأَبِي مَالٌ وَعِيَالٌ ، وَأَبِي يُرِيدُ أَنْ يَأْخُذَ مَالِيَ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيك } .\rأَخْرُجَهُ سَعِيدٌ ، فِي \" سُنَنِهِ \" وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ الْوَلَدَ مَوْهُوبًا لِأَبِيهِ ، فَقَالَ : { وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ } .\rوَقَالَ : { وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى } .\rوَقَالَ زَكَرِيَّا : { فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيَّا } .\rوَقَالَ إبْرَاهِيمُ : { الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ } .\rوَمَا كَانَ مَوْهُوبًا لَهُ ، كَانَ لَهُ أَخْذُ مَالِهِ ، كَعَبْدِهِ .\rوَقَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، فِي قَوْلِهِ : { وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ } ثُمَّ ذَكَرَ بُيُوتَ سَائِرِ الْقَرَابَاتِ إلَّا الْأَوْلَادَ لَمْ يَذْكُرْهُمْ ؛ لِأَنَّهُمْ دَخَلُوا فِي قَوْلِهِ : { بُيُوتِكُمْ } .\rفَلَمَّا كَانَتْ بُيُوتُ أَوْلَادِهِمْ كَبُيُوتِهِمْ ، لَمْ يَذْكُرْ بُيُوتَ أَوْلَادِهِمْ .\rوَلِأَنَّ الرَّجُلَ يَلِي مَالَ وَلَدِهِ مِنْ غَيْرِ تَوْلِيَةٍ ، فَكَانَ لَهُ التَّصَرُّفُ فِيهِ كَمَالِ نَفْسِهِ .\rوَأَمَّا أَحَادِيثُهُمْ ، فَأَحَادِيثُنَا تَخُصُّهَا وَتُفَسِّرُهَا ، فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَعَلَ مَالَ الِابْنِ مَالًا لِأَبِيهِ ، بِقَوْلِهِ : { أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيك } .\rفَلَا تَنَافِيَ بَيْنَهُمَا وَقَوْلُهُ : { أَحَقُّ بِهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ } مُرْسَلٌ ، ثُمَّ هُوَ يَدُلُّ عَلَى تَرْجِيحِ حَقِّهِ عَلَى حَقِّهِ ، لَا عَلَى نَفْيِ الْحَقِّ بِالْكُلِّيَّةِ ، وَالْوَلَدُ أَحَقُّ مِنْ","part":12,"page":320},{"id":5820,"text":"الْوَالِدِ بِمَا تَعَلَّقَتْ بِهِ حَاجَتُهُ .","part":12,"page":321},{"id":5821,"text":"( 4477 ) فَصْلٌ : وَلَيْسَ لِلْوَلَدِ مُطَالَبَةُ أَبِيهِ بِدَيْنٍ عَلَيْهِ .\rوَبِهِ قَالَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارَ .\rوَهُوَ مُقْتَضَى قَوْلِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ : لَهُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ دَيْنٌ ثَابِتٌ ، فَجَازَتْ الْمُطَالَبَةُ بِهِ ، كَغَيْرِهِ .\rوَلَنَا { أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَبِيهِ يَقْتَضِيهِ دَيْنًا عَلَيْهِ ، فَقَالَ : أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيك } .\rرَوَاهُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْخَلَّالُ بِإِسْنَادِهِ .\rوَرَوَى الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارَ ، فِي كِتَابِ \" الْمُوَفَّقِيَّاتِ \" ، بِإِسْنَادِهِ ، أَنَّ رَجُلًا اسْتَقْرَضَ مِنْ ابْنِهِ مَالًا ، فَحَبَسَهُ ، فَأَطَالَ حَبْسَهُ ، فَاسْتَعْدَى عَلَيْهِ الِابْنُ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَذَكَرَ قِصَّتَهُ فِي شِعْرٍ ، فَأَجَابَهُ أَبُوهُ بِشَعْرٍ أَيْضًا ، فَقَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : قَدْ سَمِعَ الْقَاضِي وَمِنْ رَبِّي الْفَهْم الْمَالُ لِلشَّيْخِ جَزَاءً بِالنِّعَمْ يَأْكُلُهُ بِرَغْمِ أَنْفِ مَنْ رَغَمْ مَنْ قَالَ قَوْلًا غَيْرَ ذَا فَقَدْ ظَلَمْ وَجَارَ فِي الْحُكْمِ وَبِئْسَ مَا جَرَمْ قَالَ الزُّبَيْرُ : إلَى هَذَا نَذْهَبُ .\rوَلِأَنَّ الْمَالَ أَحَدُ نَوْعَيْ الْحُقُوقِ ، فَلَمْ يَمْلِكْ مُطَالَبَةَ أَبِيهِ بِهَا ، كَحُقُوقِ الْأَبْدَانِ .\rوَيُفَارِقُ الْأَبُ غَيْرَهُ ، بِمَا ثَبَتَ لَهُ مِنْ الْحَقِّ عَلَى وَلَدِهِ .\rوَإِنْ مَاتَ الِابْنُ ، فَانْتَقَلَ الدَّيْنُ إلَى وَرَثَتِهِ ، لَمْ يَمْلِكُوا مُطَالَبَةَ الْأَبِ بِهِ ؛ لِأَنَّ مَوْرُوثَهُمْ لَمْ يَكُنْ لَهُ الْمُطَالَبَةُ ، فَهُمْ أَوْلَى .\rوَإِنْ مَاتَ الْأَبُ ، رَجَعَ الِابْنُ فِي تَرِكَتِهِ بِدَيْنِهِ ؛ لِأَنَّ دَيْنَهُ لَمْ يَسْقُطْ عَنْ الْأَبِ ، وَإِنَّمَا تَأَخَّرَتْ الْمُطَالَبَةُ .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّهُ قَالَ : إذَا مَاتَ الْأَبُ ، بَطَلَ دَيْنُ الِابْنِ .\rوَقَالَ فِي مَنْ أَخَذَ مِنْ مَهْرِ ابْنَتِهِ شَيْئًا فَأَنْفَقَهُ : فَلَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ ، وَلَا يُؤْخَذُ مِنْ بَعْدِهِ ، وَمَا أَصَابَتْ مِنْ الْمَهْرِ مِنْ شَيْءٍ بِعَيْنِهِ أَخَذَتْهُ وَتَأَوَّلَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا كَلَامَهُ","part":12,"page":322},{"id":5822,"text":"عَلَى أَنَّ لَهُ مَا أَخَذَهُ عَلَى سَبِيلِ التَّمْلِيكِ .\rوَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَخْذُهُ لَهُ ، وَإِنْفَاقُهُ إيَّاهُ ، دَلِيلًا عَلَى قَصْدِ التَّمَلُّكِ ، فَيَثْبُتُ الْمِلْكُ بِذَلِكَ الْأَخْذِ .\rوَاَللَّهُ أَعْلَم .","part":12,"page":323},{"id":5823,"text":"( 4478 ) فَصْلٌ : وَإِنْ تَصَرَّفَ الْأَبُ فِي مَالِ الِابْنِ قَبْلَ تَمَلُّكِهِ ، لَمْ يَصِحَّ تَصَرُّفُهُ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، فَقَالَ : لَا يَجُوزُ عِتْقُ الْأَبِ لِعَبْدِ ابْنِهِ ، مَا لَمْ يَقْبِضْهُ .\rفَعَلَى هَذَا ، لَا يَصِحُّ إبْرَاؤُهُ مِنْ دَيْنِهِ ، وَلَا هِبَتُهُ لِمَالِهِ ، وَلَا بَيْعُهُ لَهُ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ مِلْكَ الِابْنِ تَامٌّ عَلَى مَالِ نَفْسِهِ ، فَصَحَّ تَصَرُّفُهُ فِيهِ ، وَيَحِلُّ لَهُ وَطْءُ جَوَارِيهِ ، وَلَوْ كَانَ الْمِلْكُ مُشْتَرَكًا ، لَمْ يَحِلَّ لَهُ الْوَطْءُ ، كَمَا لَا يَجُوزُ وَطْءُ الْجَارِيَةِ الْمُشْتَرَكَةِ ، وَإِنَّمَا لِلْأَبِ انْتِزَاعُهُ مِنْهُ ، كَالْعَيْنِ الَّتِي وَهَبَهَا إيَّاهُ ، فَقَبْلَ انْتِزَاعِهَا لَا يَصِحُّ تَصَرُّفُهُ ؛ لِأَنَّهُ يَتَصَرَّفُ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ وِلَايَةٍ وَإِنْ كَانَ الِابْنُ صَغِيرًا ، لَمْ يَصِحَّ أَيْضًا ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ بِمَا لَا حَظَّ لِلصَّغِيرِ فِيهِ ، وَلَيْسَ مِنْ الْحَظِّ إسْقَاطُ دَيْنِهِ ، وَعِتْقُ عَبْدِهِ ، وَهِبَةُ مَالِهِ .\r( 4479 ) فَصْلٌ : قَالَ أَحْمَدُ : بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ وَلَدِهِ رِبًا .\rلِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ أَنَّ مِلْكَ الِابْنِ عَلَى مَالِهِ تَامٌّ .\rوَقَالَ : لَا يَطَأُ جَارِيَةَ الِابْنِ ، إلَّا أَنْ يَقْبِضَهَا .\rيَعْنِي يَتَمَلَّكُهَا .\rوَذَلِكَ لِأَنَّهُ إذَا وَطِئَهَا قَبْلَ تَمَلُّكِهَا ، فَقَدْ وَطِئَهَا وَلَيْسَتْ زَوْجَةً وَلَا مِلْكَ يَمِينٍ ، وَإِنْ تَمَلَّكَهَا ، لَمْ يَحِلَّ لَهُ وَطْؤُهَا حَتَّى يَسْتَبْرِئَهَا ؛ لِأَنَّهُ ابْتِدَاءُ مِلْكٍ فَوَجَبَ الِاسْتِبْرَاءُ فِيهِ ، كَمَا لَوْ اشْتَرَاهَا وَإِنْ كَانَ الِابْنُ قَدْ وَطِئَهَا ، لَمْ تَحِلَّ لَهُ بِحَالٍ وَإِنْ وَطِئَهَا قَبْلَ تَمَلُّكِهَا ، كَانَ مُحَرَّمًا مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا أَنَّهُ وَطِئَهَا قَبْلَ مِلْكِهَا .\rوَالثَّانِي أَنَّهُ وَطِئَهَا قَبْلَ اسْتِبْرَائِهَا .\rوَإِنْ كَانَ الِابْنُ وَطِئَهَا ، حُرِّمَتْ بِوَجْهِ ثَالِثٍ وَهِيَ أَنَّهَا صَارَتْ بِمَنْزِلَةِ حَلِيلَةِ ابْنِهِ ، فَإِنْ فَعَلَ ، فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ ؛ لِشُبْهَةِ الْمِلْكِ ، فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَضَافَ مَالَ الْوَلَدِ إلَى أَبِيهِ ،","part":12,"page":324},{"id":5824,"text":"فَقَالَ { : أَنْتَ وَمَالُك لِأَبِيك } .\rوَإِنْ وَلَدَتْ مِنْهُ ، صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ ، وَوَلَدُهُ حُرٌّ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ وَطْءٍ انْتَفَى عَنْهُ الْحَدُّ لِلشَّبَهِ .\rوَتَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ ، وَلَيْسَ لِلِابْنِ مُطَالَبَتُهُ بِشَيْءٍ مِنْ قِيمَتِهَا ، وَلَا قِيمَةِ وَلَدِهَا وَلَا مَهْرِهَا .\rوَهَلْ يُعَزَّرُ ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا ، يُعَزَّرُ ؛ لِأَنَّهُ وَطِئَ وَطْئًا مُحَرَّمًا ، أَشْبَهَ مَا لَوْ وَطِئَ جَارِيَةً مُشْتَرَكَةً بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ .\rوَالثَّانِي ، لَا يُعَزَّرُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُقْتَصُّ مِنْهُ بِالْجِنَايَةِ عَلَى وَلَدِهِ ، فَلَا يُعَزَّرُ بِالتَّصَرُّفِ فِي مَالِهِ .","part":12,"page":325},{"id":5825,"text":"( 4480 ) فَصْلٌ : وَلَيْسَ لِغَيْرِ الْأَبِ الْأَخْذُ مِنْ مَالِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ ؛ لِأَنَّ الْخَبَرَ وَرَدَ فِي الْأَبِ بِقَوْلِهِ { : أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيك } .\rوَلَا يَصِحُّ قِيَاسُ غَيْرِ الْأَبِ عَلَيْهِ ، لِأَنَّ لِلْأَبِ وِلَايَةً عَلَى وَلَدِهِ وَمَالِهِ إذَا كَانَ صَغِيرًا ، وَلَهُ شَفَقَةٌ تَامَّةٌ ، وَحَقٌّ مُتَأَكِّدٌ ، وَلَا يَسْقُطُ مِيرَاثُهُ بِحَالٍ .\rوَالْأُمُّ لَا تَأْخُذُ ؛ لِأَنَّهَا لَا وِلَايَةَ لَهَا .\rوَالْجَدُّ أَيْضًا لَا يَلِي عَلَى مَالِ وَلَدِ ابْنِهِ ، وَشَفَقَتُهُ قَاصِرَةٌ عَنْ شَفَقَةِ الْأَبِ ، وَيُحْجَبُ بِهِ فِي الْمِيرَاثِ ، وَفِي وِلَايَةِ النِّكَاحِ .\rوَغَيْرُهُمَا مِنْ الْأَقَارِبِ وَالْأَجَانِبِ لَيْسَ لَهُمْ الْأَخْذُ بِطَرِيقِ التَّنْبِيه ؛ لِأَنَّهُ إذَا امْتَنَعَ الْأَخْذُ فِي حَقِّ الْأُمِّ وَالْجَدِّ ، مَعَ مُشَارَكَتِهِمَا لِلْأَبِ فِي بَعْضِ الْمَعَانِي ، فَغَيْرُهُمَا مِمَّنْ لَا يُشَارِكُ الْأَبَ فِي ذَلِكَ أَوْلَى .","part":12,"page":326},{"id":5826,"text":"( 4481 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : ( وَلَا يَحِلُّ لِوَاهِبٍ أَنْ يَرْجِعَ فِي هِبَتِهِ ، وَلَا لِمُهْدٍ أَنْ يَرْجِعَ فِي هَدِيَّتِهِ ، وَإِنْ لَمْ يُثَبْ عَلَيْهَا ) يَعْنِي وَإِنْ لَمْ يُعَوَّضْ عَنْهَا .\rوَأَرَادَ مَنْ عَدَا الْأَبَ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ ذَكَرَ أَنَّ لِلْأَبِ الرُّجُوعَ ، بِقَوْلِهِ : \" أُمِرَ بِرَدِّهِ \" .\rفَأَمَّا غَيْرُهُ فَلَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ فِي هِبَتِهِ وَلَا هَدِيَّتِهِ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ .\rوَقَالَ النَّخَعِيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ : مَنْ وَهَبَ لِغَيْرِ ذِي رَحِمٍ فَلَهُ الرُّجُوعُ ، مَا لَمْ يُثَبْ عَلَيْهَا ، وَمِنْ وَهَبَ لِذِي رَحِمٍ فَلَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَاحْتَجُّوا بِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الرَّجُلُ أَحَقُّ بِهِبَتِهِ ، مَا لَمْ يُثَبْ مِنْهَا } .\rرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ ، فِي \" سُنَنِهِ \" وَبِقَوْلِ عُمَرَ ، وَلِأَنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ عَنْهَا عِوَضٌ ، فَجَازَ لَهُ الرُّجُوعُ فِيهَا ، كَالْعَارِيَّةِ .\rوَلَنَا قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ ، كَالْعَائِدِ فِي قَيْئِهِ .\rوَفِي لَفْظٍ : كَالْكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ .\rوَفِي رِوَايَةٍ إنَّهُ لَيْسَ لَنَا مَثَلُ السَّوْءِ ، الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالْكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ، وَأَيْضًا قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يُعْطِيَ عَطِيَّةً ، فَيَرْجِعَ فِيهَا ، إلَّا الْوَالِدَ فِيمَا يُعْطِي وَلَدَهُ } .\rوَقَدْ ذَكَرْنَاهُ وَرَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ أَنَّ نَبِيَّ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { لَا يَرْجِعُ وَاهِبٌ فِي هِبَتِهِ ، إلَّا الْوَالِدَ فِيمَا يُعْطِي وَلَدَهُ } .\rوَلِأَنَّهُ وَاهِبٌ لَا وِلَايَةَ لَهُ فِي الْمَالِ ، فَلَمْ يَرْجِعْ فِي هِبَتِهِ ، كَذِي الرَّحِمِ الْمَحْرَمِ .\rوَأَحَادِيثُنَا أَصَحُّ مِنْ حَدِيثِهِمْ وَأَوْلَى .\rوَقَوْلُ عُمَرَ ، قَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِهِ وَابْنِ عَبَّاسٍ خِلَافُهُ .","part":12,"page":327},{"id":5827,"text":"وَأَمَّا الْعَارِيَّةُ فَإِنَّمَا هِيَ هِبَةُ الْمَنَافِعِ ، وَلَمْ يَحْصُلْ الْقَبْضُ فِيهَا فَإِنَّ قَبَضَهَا بِاسْتِيفَائِهَا ، فَنَظِيرُ مَسْأَلَتِنَا مَا اسْتَوْفَى مِنْ مَنَافِعِ الْعَارِيَّةُ ، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ الرُّجُوعُ فِيهَا .\r( 4482 ) فَصْلٌ : فَحَصَلَ الِاتِّفَاقُ عَلَى أَنَّ مَا وَهَبَهُ الْإِنْسَانُ لِذَوِي رَحِمِهِ الْمَحْرَمِ غَيْرِ وَلَدِهِ ، لَا رُجُوعَ فِيهِ .\rوَكَذَلِكَ مَا وَهَبَ الزَّوْجُ لِامْرَأَتِهِ .\rوَالْخِلَافُ فِيمَا عَدَا هَؤُلَاءِ ، فَعِنْدنَا لَا يَرْجِعُ إلَّا الْوَالِدُ ، وَعِنْدَهُمْ لَا يَرْجِعُ إلَّا الْأَجْنَبِيُّ .\rفَأَمَّا هِبَةُ الْمَرْأَةِ لِزَوْجِهَا ، فَعَنْ أَحْمَدَ فِيهِ رِوَايَتَانِ إحْدَاهُمَا لَا رُجُوعَ لَهَا فِيهَا .\rوَهَذَا قَوْلُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَالنَّخَعِيِّ ، وَرَبِيعَةَ ، وَمَالِكٍ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْي وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ ، وَقَتَادَةَ .\rوَالثَّانِيَةُ ، لَهَا الرُّجُوعُ .\rقَالَ الْأَثْرَمُ : سَمِعْت أَحْمَدَ يُسْأَلُ عَنْ الْمَرْأَةِ تَهَبُ ، ثُمَّ تَرْجِعُ ، فَرَأَيْته يَجْعَلُ النِّسَاءَ غَيْرَ الرِّجَالِ .\rثُمَّ ذَكَرَ الْحَدِيثَ { : إنَّمَا يَرْجِعُ فِي الْمَوَاهِبِ النِّسَاءُ وَشِرَارُ الْأَقْوَامِ } .\rوَذَكَرَ حَدِيثَ عُمَرَ : إنَّ النِّسَاءَ يُعْطِينَ أَزْوَاجَهُنَّ رَغْبَةً وَرَهْبَةً ، فَأَيُّمَا امْرَأَةٍ أَعْطَتْ زَوْجَهَا شَيْئًا ، ثُمَّ أَرَادَتْ أَنْ تَعْتَصِرَهُ ، فَهِيَ أَحَقُّ بِهِ .\rرَوَاهُ الْأَثْرَمُ بِإِسْنَادِهِ .\rوَهَذَا قَوْلُ شُرَيْحٍ ، وَالشَّعْبِيِّ ، وَحَكَاهُ الزُّهْرِيُّ عَنْ الْقُضَاةِ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى ثَالِثَةٌ ، نَقَلَهَا أَبُو طَالِبٍ ، إذَا وَهَبَتْ لَهُ مَهْرَهَا ، فَإِنْ كَانَ سَأَلَهَا ذَلِكَ ، رَدَّهُ إلَيْهَا ، رَضِيَتْ أَوْ كَرِهَتْ ؛ لِأَنَّهَا لَا تَهَبُ إلَّا مَخَافَةَ غَضَبِهِ ، أَوْ إضْرَارٍ بِهَا بِأَنْ يَتَزَوَّجَ عَلَيْهَا .\rوَإِنْ لَمْ يَكُنْ سَأَلَهَا ، وَتَبَرَّعَتْ بِهِ ، فَهُوَ جَائِزٌ .\rفَظَاهِرُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ ، أَنَّهُ مَتَى كَانَتْ مَعَ الْهِبَةِ قَرِينَةٌ ، مِنْ مَسْأَلَتِهِ لَهَا ، أَوْ غَضَبِهِ عَلَيْهَا ، أَوْ مَا يَدُلُّ عَلَى خَوْفِهَا مِنْهُ ،","part":12,"page":328},{"id":5828,"text":"فَلَهُ الرُّجُوعُ ؛ لِأَنَّ شَاهِدَ الْحَالِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا لَمْ تَطِبْ بِهَا نَفْسُهَا ، وَإِنَّمَا أَبَاحَهُ اللَّهُ تَعَالَى عِنْدَ طِيبِ نَفْسِهَا ، بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا } وَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ الرِّوَايَةُ الْأُولَى ، وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { إلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ } .\rوَقَالَ تَعَالَى : { فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا } .\rوَعُمُومِ الْأَحَادِيثِ الَّتِي قَدَّمْنَاهَا .\r( 4483 ) فَصْلٌ : وَلَا يَجُوزُ لِلْمُتَصَدِّقِ الرُّجُوعُ فِي صَدَقَتِهِ ، فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا ؛ لِأَنَّ عُمَرَ قَالَ فِي حَدِيثِهِ : مَنْ وَهَبَ هِبَةً عَلَى وَجْهِ صَدَقَةٍ ، فَإِنَّهُ لَا يَرْجِعُ فِيهَا مَعَ عُمُومِ أَحَادِيثِنَا ، فَاتَّفَقَ دَلِيلُهُمْ وَدَلِيلُنَا ، فَلِذَلِكَ اتَّفَقَ قَوْلُهُمْ وَقَوْلُنَا .","part":12,"page":329},{"id":5829,"text":"( 4484 ) فَصْلٌ : وَالْهِبَةُ الْمُطْلَقَةُ ، لَا تَقْتَضِي ثَوَابًا ، سَوَاءٌ كَانَتْ مِنْ الْإِنْسَانِ لِمِثْلِهِ أَوْ دُونِهِ أَوْ أَعْلَى مِنْهُ .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْهِبَةِ لِمِثْلِهِ أَوْ دُونِهِ كَقَوْلِنَا .\rفَإِنْ كَانَتْ لِأَعْلَى مِنْهُ ، فَفِيهَا قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّهَا تَقْتَضِي الثَّوَابَ .\rوَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، لِقَوْلِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : وَمَنْ وَهَبَ هِبَةً أَرَادَ بِهَا الثَّوَابَ ، فَهُوَ عَلَى هِبَتِهِ ، يَرْجِعُ فِيهَا إذَا لَمْ يَرْضَ مِنْهَا وَلَنَا أَنَّهَا عَطِيَّةٌ عَلَى وَجْهِ التَّبَرُّعِ ، فَلَمْ تَقْتَضِ ثَوَابًا ، كَهِبَةِ الْمِثْلِ وَالْوَصِيَّةِ ، وَحَدِيثُ عُمَرَ قَدْ خَالَفَهُ ابْنُهُ وَابْنُ عَبَّاسٍ ، فَإِنْ عَوَّضَهُ عَنْ الْهِبَةِ ، كَانَتْ هِبَةً مُبْتَدَأَةً لَا عِوَضًا ، أَيُّهُمَا أَصَابَ عَيْبًا لَمْ يَكُنْ لَهُ الرَّدُّ .\rوَإِنْ خَرَجَتْ مُسْتَحَقَّةً ، أَخَذَهَا صَاحِبُهَا ، وَلَمْ يَرْجِعْ الْمَوْهُوبُ لَهُ بِبَدَلِهَا .\rفَإِنْ شَرَطَ فِي الْهِبَةِ ثَوَابًا مَعْلُومًا ، صَحَّ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ؛ لِأَنَّهُ تَمْلِيكٌ بِعِوَضِ مَعْلُومٍ ، فَهُوَ كَالْبَيْعِ ، وَحُكْمُهَا حُكْمُ الْبَيْعِ ، فِي ضَمَانِ الدَّرْكِ ، وَثُبُوتِ الْخِيَارِ وَالشُّفْعَةِ وَبِهَذَا قَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ قَوْلٌ ، أَنَّهُ لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّهُ شَرَطَ فِي الْهِبَةِ مَا يُنَافِي مُقْتَضَاهَا .\rوَلَنَا أَنَّهُ تَمْلِيكٌ بِعِوَضٍ ، فَصَحَّ مَا لَوْ قَالَ : مَلَّكْتُك هَذَا بِدِرْهَمٍ .\rفَإِنَّهُ لَوْ أَطْلَقَ التَّمْلِيكَ كَانَ هِبَةً ، وَإِذَا ذَكَرَ الْعِوَضَ صَارَ بَيْعًا .\rوَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ مَا يَقْتَضِي أَنْ يُغَلَّبَ فِي هَذَا حُكْمُ الْهِبَةِ ، فَلَا تَثْبُتُ فِيهَا أَحْكَامُ الْبَيْعِ الْمُخْتَصَّةُ بِهِ فَأَمَّا إنْ شَرَطَ ثَوَابًا مَجْهُولًا ، لَمْ يَصِحَّ ، وَفَسَدَتْ الْهِبَةُ ، وَحُكْمُهَا حُكْمُ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ ، يَرُدُّهَا الْمَوْهُوبُ لَهُ بِزِيَادَتِهَا الْمُتَّصِلَةِ وَالْمُنْفَصِلَةِ ؛ لِأَنَّهُ نَمَاءُ مِلْكِ الْوَاهِبِ .\rوَإِنْ كَانَتْ تَالِفَةً ، رَدَّ قِيمَتَهَا .\rوَهَذَا قَوْلُ","part":12,"page":330},{"id":5830,"text":"الشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي ثَوْرٍ .\rوَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، أَنَّهَا تَصِحُّ ، فَإِذَا أَعْطَاهُ عَنْهَا عِوَضًا رَضِيَهُ ، لَزِمَ الْعَقْدُ بِذَلِكَ ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَكَمِ : إذَا قَالَ الْوَاهِبُ : هَذَا لَك عَلَى أَنْ تُثِيبَنِي .\rفَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ إذَا لَمْ يُثِبْهُ ، لِأَنَّهُ شَرْطٌ وَقَالَ فِي رِوَايَةِ إسْمَاعِيلَ بْنِ سَعِيدٍ : إذَا وَهَبَ لَهُ عَلَى وَجْهِ الْإِثَابَةِ ، فَلَا يَجُوزُ إلَّا أَنْ يُثِيبَهُ عَنْهَا ، فَعَلَى هَذَا عَلَيْهِ أَنْ يُعْطِيَهُ حَتَّى يُرْضِيَهُ ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَلِلْوَاهِبِ الرُّجُوعُ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يُعْطِيَهُ قَدْرَ قِيمَتِهَا .\rوَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ؛ لِأَنَّ هَذَا بَيْعٌ ، فَيُعْتَبَرُ فِيهِ التَّرَاضِي ، إلَّا أَنَّهُ بَيْعٌ بِالْمُعَاطَاةِ ، فَإِذَا عَوَّضَهُ عِوَضًا رَضِيَهُ ، حَصَلَ الْبَيْعُ بِمَا حَصَلَ مِنْ الْمُعَاطَاةِ مَعَ التَّرَاضِي بِهَا ، وَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ التَّرَاضِي ، لَمْ تَصِحَّ ؛ لِعَدَمِ الْعَقْدِ ، فَإِنَّهُ لَمْ يُوجَدْ الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ وَلَا الْمُعَاطَاةُ مَعَ التَّرَاضِي وَالْأَصْلُ فِي هَذَا قَوْلُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : مَنْ وَهَبَ هِبَةً أَرَادَ بِهَا الثَّوَابَ ، فَهُوَ عَلَى هِبَتِهِ ، يَرْجِعُ فِيهَا إذَا لَمْ يَرْضَ مِنْهَا .\rوَرُوِيَ مَعْنَى ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ ، وَفُضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ ، وَمَالِكٍ بْنِ أَنَسٍ .\rوَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، عَلَى الْقَوْلِ الَّذِي يَرَى أَنَّ الْهِبَةَ الْمُطْلَقَةَ تَقْتَضِي ثَوَابًا .\rوَقَدْ رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ، { أَنَّ أَعْرَابِيًّا وَهَبَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَاقَةً ، فَأَعْطَاهُ ثَلَاثًا فَأَبَى ، فَزَادَهُ ثَلَاثًا ، فَأَبَى ، فَزَادَهُ ثَلَاثًا ، فَلَمَّا كَمُلَتْ تِسْعًا ، قَالَ : رَضِيت : فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَقَدْ هَمَمْت أَنْ لَا أَتَّهِبَ إلَّا مِنْ قُرَشِيٍّ أَوْ أَنْصَارِيٍّ أَوْ ثَقَفِيٍّ أَوْ دَوْسِيٍّ } .\rمِنْ \" الْمُسْنَدِ \" قَالَ أَحْمَدُ : إذَا تَغَيَّرَتْ الْعَيْنُ الْمَوْهُوبَةُ بِزِيَادَةٍ أَوْ نُقْصَانٍ ، وَلَمْ يُثِبْهُ مِنْهَا ، فَلَا أَرَى عَلَيْهِ نُقْصَانَ مَا نَقَصَ عِنْدَهُ","part":12,"page":331},{"id":5831,"text":"إذَا رَدَّهُ إلَى صَاحِبِهِ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ ثَوْبًا لَبِسَهُ ، أَوْ غُلَامًا اسْتَعْمَلَهُ ، أَوْ جَارِيَةً اسْتَخْدَمَهَا ، فَأَمَّا غَيْرُ ذَلِكَ إذَا نَقَصَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ ، فَكَانَ عِنْدِي مِثْلَ الرَّهْنِ ، الزِّيَادَةُ وَالنُّقْصَانُ لِصَاحِبِهِ .","part":12,"page":332},{"id":5832,"text":"( 4485 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : ( وَإِذَا قَالَ : دَارِي لَك عُمُرِي .\rأَوْ هِيَ لَك عُمُرَك .\rفَهِيَ لَهُ وَلِوَرَثَتِهِ مِنْ بَعْدِهِ ) الْعُمْرَى وَالرُّقْبَى : نَوْعَانِ مِنْ الْهِبَةِ ، يَفْتَقِرَانِ إلَى مَا يَفْتَقِرُ إلَيْهِ سَائِرُ الْهِبَاتِ مِنْ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ وَالْقَبْضِ ، أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَ ذَلِكَ عِنْدَ مِنْ اعْتَبَرَهُ .\rوَصُورَةُ الْعُمْرَى أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ : أَعْمَرْتُك دَارِي هَذِهِ ، أَوْ هِيَ لَك عُمُرِي ، أَوْ مَا عَاشَتْ ، أَوْ مُدَّةَ حَيَاتِك ، أَوْ مَا حَيِيت ، أَوْ نَحْوَ هَذَا .\rسُمِّيَتْ عُمْرَى لِتَقْيِيدِهَا بِالْعُمُرِ .\rوَالرُّقْبَى أَنْ يَقُولَ : أَرْقَبْتُك هَذِهِ الدَّارَ ، أَوْ هِيَ لَك حَيَاتَك ، عَلَى أَنَّك إنْ مِتَّ قَبْلِي عَادَتْ إلَيَّ ، وَإِنْ مِتُّ قَبْلَك فَهِيَ لَك وَلِعَقِبِك .\rفَكَأَنَّهُ يَقُولُ : هِيَ لِآخِرِنَا مَوْتًا .\rوَبِذَلِكَ سُمِّيَتْ رُقْبَى ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَرْقُبُ مَوْتَ صَاحِبِهِ .\rوَكِلَاهُمَا جَائِزٌ ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَحُكِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهَا لَا تَصِحُّ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { : لَا تَعْمُرُوا وَلَا تَرْقُبُوا } .\rوَلَنَا مَا رَوَى جَابِرٌ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الْعُمْرَى جَائِزَةٌ لِأَهْلِهَا ، وَالرُّقْبَى جَائِزَةٌ لِأَهْلِهَا } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَالتِّرْمِذِيُّ .\rوَقَالَ : حَدِيثٌ حَسَنٌ .\rفَأَمَّا النَّهْيُ ، فَإِنَّمَا وَرَدَ عَلَى سَبِيلِ الْإِعْلَامِ لَهُمْ إنَّكُمْ إنْ أَعَمَرْتُمْ أَوْ أَرْقَبْتُمْ يَعُدْ لِلْمُعْمِرِ وَالْمُرْقِبِ ، وَلَمْ يَعُدْ إلَيْكُمْ مِنْهُ شَيْءٌ .\rوَسِيَاقُ الْحَدِيثِ يَدُلُّ عَلَيْهِ ، فَإِنَّهُ قَالَ { : فَمَنْ أَعْمَرَ عُمْرَى ، فَهِيَ لِمَنْ أَعْمَرَهَا حَيًّا وَمَيِّتًا وَعَقِبِهِ } .\rوَلَوْ أُرِيدَ بِهِ حَقِيقَةُ النَّهْيِ ، لَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ صِحَّتَهَا ؛ فَإِنَّ النَّهْيَ إنَّمَا يَمْنَعُ صِحَّةَ مَا يُفِيدُ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ فَائِدَةً ، أَمَّا إذَا كَانَ صِحَّةُ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ ضَرَرًا عَلَى مُرْتَكِبَهُ ، لَمْ يَمْنَعْ صِحَّتَهُ ، كَالطَّلَاقِ فِي زَمَنِ الْحَيْضِ .\rوَصِحَّةُ الْعُمْرَى","part":12,"page":333},{"id":5833,"text":"ضَرَرٌ عَلَى الْمُعْمِرِ ، فَإِنَّ مِلْكَهُ يَزُولُ بِغَيْرِ عِوَضٍ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّ الْعُمْرَى تَنْقُلُ الْمِلْكَ إلَى الْمُعْمَرِ .\rوَبِهَذَا قَالَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، وَابْنُ عُمَرَ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ ، وَشُرَيْحٌ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَطَاوُسٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ .\rوَقَالَ مَالِكٌ ، وَاللَّيْثُ : الْعُمْرَى تَمْلِيكُ الْمَنَافِعِ ، لَا تُمْلَكُ بِهَا رَقَبَةُ الْمُعْمَرِ بِحَالٍ ، وَيَكُونُ لِلْمُعْمَرِ السُّكْنَى ، فَإِذَا مَاتَ عَادَتْ إلَى الْمُعْمِرِ .\rوَإِنْ قَالَ : لَهُ وَلِعَقِبِهِ .\rكَانَ سُكْنَاهَا لَهُمْ ، فَإِذَا انْقَرَضُوا عَادَتْ إلَى الْمُعْمِرِ .\rوَاحْتَجَّا بِمَا رَوَى يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ ، قَالَ : سَمِعْت مَكْحُولًا يَسْأَلُ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ عَنْ الْعُمْرَى ، مَا يَقُولُ النَّاسُ فِيهَا ؟ فَقَالَ الْقَاسِمُ : مَا أَدْرَكْت النَّاسَ إلَّا عَلَى شُرُوطِهِمْ فِي أَمْوَالِهِمْ وَمَا أَعْطَوْا .\rوَقَالَ إبْرَاهِيمُ بْنُ إِسْحَاقَ الْحَرْبِيُّ ، عَنْ ابْنِ الْأَعْرَابِيِّ : لَمْ يَخْتَلِفْ الْعَرَبُ فِي الْعُمْرَى ، وَالرُّقْبَى ، وَالْإِفْقَارِ ، وَالْإِخْبَالِ ، وَالْمِنْحَةِ ، وَالْعَرِيَّةِ .\rوَالْعَارِيَّةِ ، وَالسُّكْنَى ، وَالْإِطْرَاقِ ، أَنَّهَا عَلَى مِلْكِ أَرْبَابِهَا ، وَمَنَافِعُهَا لِمَنْ جُعِلَتْ لَهُ .\rوَلِأَنَّ التَّمْلِيكَ لَا يَتَأَقَّت ، كَمَا لَوْ بَاعَهُ إلَى مُدَّةٍ ، فَإِذَا كَانَ لَا يَتَأَقَّت ، حُمِلَ قَوْلُهُ عَلَى تَمْلِيكِ الْمَنَافِعِ ؛ لِأَنَّهُ يَصِحُّ تَوْقِيتُهُ .\rوَلَنَا مَا رَوَى جَابِرٌ قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { أَمْسِكُوا عَلَيْكُمْ أَمْوَالَكُمْ ، وَلَا تُفْسِدُوهَا ، فَإِنَّهُ مَنْ أَعْمَرَ عُمْرَى ، فَهِيَ لِلَّذِي أَعْمَرَهَا حَيًّا وَمَيِّتًا وَلِعَقِبِهِ } .\rرَوَاهُ مُسْلِمٌ .\rوَفِي لَفْظٍ : { قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْعُمْرَى لِمَنْ وُهِبَتْ لَهُ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا رُقْبَى ،","part":12,"page":334},{"id":5834,"text":"فَمَنْ أُرْقِبَ شَيْئًا ، فَهُوَ لَهُ حَيَاتَهُ وَمَوْتَهُ } .\rوَعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَعَلَ الْعُمْرَى لِلْوَارِثِ } .\rوَقَدْ رَوَى مَالِكٌ حَدِيثَ الْعُمْرَى ، فِي \" مُوَطَّئِهِ \" ، وَهُوَ صَحِيحٌ رَوَاهُ جَابِرٌ ، وَابْنُ عُمَرَ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ ، وَمُعَاوِيَةُ ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ .\rوَقَوْلُ الْقَاسِمِ لَا يُقْبَلُ فِي مُخَالَفَةِ مَنْ سَمَّيْنَا مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ ، فَكَيْفَ يُقْبَلُ فِي مُخَالَفَةِ قَوْلِ سَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ ، وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُدَّعَى إجْمَاعُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ، لِكَثْرَةِ مَنْ قَالَ بِهَا مِنْهُمْ ، وَقَضَى بِهَا طَارِقٌ بِالْمَدِينَةِ بِأَمْرِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ .\rوَقَوْلُ ابْنِ الْأَعْرَابِيِّ : إنَّهَا عِنْدَ الْعَرَبِ تَمْلِيكُ الْمَنَافِعِ .\rلَا يَضُرُّ إذَا نَقَلَهَا الشَّرْعُ إلَى تَمْلِيكِ الرَّقَبَةِ ، كَمَا نَقَلَ الصَّلَاةَ مِنْ الدُّعَاءِ إلَى الْأَفْعَالِ الْمَنْظُومَةِ ، وَنَقَلَ الظِّهَارَ وَالْإِيلَاءَ مِنْ الطَّلَاقِ إلَى أَحْكَامٍ مَخْصُوصَةِ .\rقَوْلُهُمْ : إنَّ التَّمْلِيكَ لَا يَتَأَقَّتُ .\rقُلْنَا : فَلِذَلِكَ أَبْطَلَ الشَّرْعُ تَأْقِيتَهَا ، وَجَعَلَهَا تَمْلِيكًا مُطْلَقًا .\r( 4486 ) فَصْلٌ : إذَا شَرَطَ فِي الْعُمْرَى أَنَّهَا لِلْمُعْمَرِ وَعَقِبِهِ ، فَهَذَا تَأْكِيدٌ لِحُكْمِهَا ، وَتَكُونُ لِلْمُعْمَرِ وَوَرَثَتِهِ .\rوَهَذَا قَوْلُ جَمِيعِ الْقَائِلِينَ بِهَا وَإِذَا أَطْلَقَهَا فَهِيَ لِلْمُعْمَرِ وَوَرَثَتِهِ أَيْضًا ؛ لِأَنَّهَا تَمْلِيكٌ لِلرَّقَبَةِ ، فَأَشْبَهَتْ الْهِبَةَ .\rفَإِنْ شَرَطَ أَنَّك إذَا مِتَّ فَهِيَ لِي .\rفَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، صِحَّةُ الْعَقْدِ وَالشَّرْطِ ، وَمَتَى مَاتَ الْمُعْمَرُ رَجَعَتْ إلَى الْمُعْمِرِ .\rوَبِهِ قَالَ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، وَزَيْدُ بْنُ قُسَيْطٍ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَابْنُ أَبِي ذِئْبٍ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَدَاوُد وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ ؛ لِمَا رَوَى جَابِرٌ ، قَالَ : إنَّمَا الْعُمْرَى الَّتِي أَجَازَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ","part":12,"page":335},{"id":5835,"text":"يَقُولَ : هِيَ لَك وَلِعَقِبِك .\rفَأَمَّا إذَا قَالَ : هِيَ لَك مَا عِشْت .\rفَإِنَّهَا تَرْجِعُ إلَى صَاحِبِهَا .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَرَوَى مَالِكٌ ، فِي \" مُوَطَّئِهِ \" ، عَنْ جَابِرٍ ، { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : أَيُّمَا رَجُلٍ أَعْمَرَ عُمْرَى لَهُ ، وَلِعَقِبِهِ ، فَإِنَّهَا لِلَّذِي أُعْطِيَهَا ، لَا تَرْجِعُ إلَى الَّذِي أَعْطَاهَا } .\rلِأَنَّهُ أَعْطَى عَطَاءً وَقَعَتْ فِيهِ الْمَوَارِيثُ .\rوَقَالَ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ : مَا أَدْرَكْت النَّاسَ إلَّا عَلَى شُرُوطِهِمْ فِي أَمْوَالِهِمْ وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ ، أَنَّهَا تَكُونُ لِلْمُعْمَرِ وَلِوَرَثَتِهِ ، وَيَسْقُطُ الشَّرْطُ .\rوَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ الْجَدِيدُ ، وَقَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ .\rوَهُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ ؛ لِلْأَحَادِيثِ الْمُطْلَقَةِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا ، وَقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا رُقْبَى ، فَمَنْ أُرْقِبَ شَيْئًا ، فَهُوَ لَهُ فِي حَيَاتِهِ وَمَوْتِهِ } .\rوَقَالَ مُجَاهِدٌ : الرُّقْبَى أَنْ يَقُولَ هِيَ لِلْآخِرِ مِنِّي وَمِنْك مَوْتًا .\rوَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ ، بِإِسْنَادِهِ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أَنَّهُ قَالَ : { لَا عُمْرَى ، وَلَا رُقْبَى ، فَمَنْ أُعْمِرَ شَيْئًا ، أَوْ أُرْقِبَهُ ، فَهُوَ لَهُ حَيَاتَهُ وَمَوْتَهُ } وَهَذَا صَرِيحٌ فِي إبْطَالِ الشَّرْطِ ؛ لِأَنَّ الرُّقْبَى يُشْتَرَطُ فِيهَا عَوْدُهَا إلَى الْمُرْقِبِ إنْ مَاتَ الْآخَرُ قَبْلَهُ .\rوَأَمَّا حَدِيثُهُمْ الَّذِي احْتَجُّوا بِهِ ، فَمِنْ قَوْلِ جَابِرٍ نَفْسِهِ ، وَأَمَّا نَقْلُ لَفْظِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { أَمْسِكُوا عَلَيْكُمْ أَمْوَالَكُمْ ، وَلَا تُفْسِدُوهَا ، فَإِنَّهُ مَنْ أُعْمِرَ عُمْرَى فَهِيَ لِلَّذِي أُعْمِرَهَا حَيًّا وَمَيِّتًا ، وَلِعَقِبِهِ } .\rوَلِأَنَّا لَوْ أَجَزْنَا هَذَا الشَّرْطَ ، كَانَتْ هِبَةً مُؤَقَّتَةً ، وَالْهِبَةُ لَا يَجُوزُ فِيهَا التَّأْقِيتُ ، وَلَمْ يُفْسِدْهَا الشَّرْطُ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ عَلَى الْمُعْمَرِ ، وَإِنَّمَا شَرْطُ ذَلِكَ عَلَى وَرَثَتِهِ ،","part":12,"page":336},{"id":5836,"text":"وَمَتَى لَمْ يَكُنْ الشَّرْطُ مَعَ الْمَعْقُودِ مَعَهُ ، لَمْ يُؤَثِّرْ فِيهِ وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ : إنَّهُ أَعْطَى عَطَاءً وَقَعَتْ فِيهِ الْمَوَارِيثُ .\rفَهَذِهِ الزِّيَادَةُ مِنْ كَلَامِ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، كَذَلِكَ رَوَاهُ ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ ، وَفَصَّلَ هَذِهِ الزِّيَادَةَ فَقَالَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّهُ قَضَى فِي مَنْ أُعْمِرَ عُمْرَى لَهُ وَلِعَقِبِهِ ، فَهِيَ لَهُ بَتْلَةً ، لَا يَجُوزُ لِلْمُعْطِي فِيهَا شَرْطٌ وَلَا مَثْنَوِيَّةٌ .\rقَالَ أَبُو سَلَمَةَ : لِأَنَّهُ أَعْطَى عَطَاءً وَقَعَتْ فِيهِ الْمَوَارِيثُ .\r( 4487 ) فَصْلٌ : وَالرُّقْبَى هِيَ أَنْ يَقُولَ : هَذَا لَك عُمُرَك ، فَإِنْ مِتَّ قَبْلِي رَجَعَ إلَيَّ ، وَإِنْ مِتَّ قَبْلَك فَهُوَ لَك وَمَعْنَاهُ هِيَ لِآخِرِنَا مَوْتًا .\rوَكَذَلِكَ فَسَّرَهَا مُجَاهِدٌ .\rسُمِّيَتْ رُقْبَى لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَرْقُبُ مَوْتَ صَاحِبِهِ .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ : هِيَ أَنْ يَقُولَ : هِيَ لَك حَيَاتَك ، فَإِذَا مِتَّ فَهِيَ لِفُلَانٍ ، أَوْ هِيَ رَاجِعَةٌ إلَيَّ .\rوَالْحُكْمُ فِيهَا عَلَى مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ ، وَأَنَّهَا كَالْعُمْرَى إذَا شَرَطَ عَوْدَهَا إلَى الْمُعْمَرِ .\rوَقَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : الْعُمْرَى وَالرُّقْبَى سَوَاءٌ .\rوَقَالَ طَاوُسٌ : مَنْ أُرْقِبَ شَيْئًا فَهُوَ عَلَى سَبِيل الْمِيرَاثِ وَقَالَ الزُّهْرِيُّ : الرُّقْبَى وَصِيَّةٌ .\rيَعْنِي أَنَّ مَعْنَاهَا إذَا مِتُّ فَهَذَا لَك .\rوَقَالَ الْحَسَنُ ، وَمَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ : الرُّقْبَى بَاطِلَةٌ ؛ لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجَازَ الْعُمْرَى ، وَأَبْطَلَ الرُّقْبَى .\rوَلِأَنَّ مَعْنَاهَا أَنَّهَا لِلْآخِرِ مِنَّا ، وَهَذَا تَمْلِيكٌ مُعَلَّقٌ بِخَطَرٍ ، وَلَا يَجُوزُ تَعْلِيقُ التَّمْلِيكِ بِالْخَطَرِ .\rوَلَنَا مَا رَوَيْنَاهُ مِنْ الْأَخْبَارِ ، وَحَدِيثُهُمْ لَا نَعْرِفُهُ ، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ مَعْنَاهَا مَا ذَكَرُوهُ ، بَلْ مَعْنَاهَا أَنَّهَا لَك حَيَاتَك ، فَإِنْ مِتَّ رَجَعَتْ إلَيَّ فَتَكُونُ كَالْعُمْرَى سَوَاءً ، إلَّا أَنَّهُ زَادَ شَرْطَهَا لِوَرَثَةِ الْمُرْقَبِ ، إنْ","part":12,"page":337},{"id":5837,"text":"مَاتَ الْمُرْقَبُ قَبْلَهُ ، وَهَذَا يُبَيِّنُ تَأْكِيدَهَا عَلَى الْعُمْرَى .\r( 4488 ) فَصْلٌ : وَتَصِحُّ الْعُمْرَى فِي غَيْرِ الْعَقَارِ ، مِنْ الْحَيَوَانِ ، وَالنَّبَاتِ ؛ لِأَنَّهَا نَوْعُ هِبَةٍ ، فَصَحَّتْ فِي ذَلِكَ ، كَسَائِرِ الْهِبَاتِ .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ فِي الرَّجُلِ يَعْمُرُ الْجَارِيَةَ : فَلَا أَرَى لَهُ وَطْأَهَا .\rقَالَ الْقَاضِي : لَمْ يَتَوَقَّفْ أَحْمَدُ عَنْ وَطْءِ الْجَارِيَةِ لِعَدَمِ الْمِلْكِ فِيهَا ، لَكِنْ عَلَى طَرِيقِ الْوَرَعِ ؛ لِأَنَّ الْوَطْءَ اسْتِبَاحَةُ فَرْجٍ ، وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي صِحَّةِ الْعُمْرَى ، وَجَعَلَهَا بَعْضُهُمْ تَمْلِيكَ الْمَنَافِعِ ، فَلَمْ يَرَ لَهُ وَطْأَهَا لِهَذَا ، وَلَوْ وَطِئَهَا كَانَ جَائِزًا .\r( 4489 ) فَصْلٌ : وَإِنْ وَقَّتَ الْهِبَةَ إلَى غَيْرِ الْعُمْرَى وَالرُّقْبَى ، فَقَالَ : وَهَبْتُك هَذَا لِسَنَةٍ ، أَوْ إلَى أَنْ يَقْدَمَ الْحَاجُّ ، أَوْ إلَى أَنْ يَبْلُغَ وَلَدِي ، أَوْ مُدَّةَ حَيَاةِ فُلَانٍ .\rوَنَحْوَ هَذَا لَمْ يَصِحَّ لِأَنَّهَا تَمْلِيكٌ لِلرَّقَبَةِ ، فَلَمْ تَصِحَّ مُؤَقَّتَةً ، كَالْبَيْعِ ، وَتُفَارِقُ الْعُمْرَى وَالرُّقْبَى ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ إنَّمَا يَمْلِكُ الشَّيْءَ عُمُرَهُ ، فَإِذَا مَلَكَهُ عُمُرَهُ فَقَدْ وَقَّتَهُ بِمَا هُوَ مُؤَقَّتٌ بِهِ فِي الْحَقِيقَةِ ، فَصَارَ ذَلِكَ كَالْمُطْلَقِ .\rوَإِنْ شَرَطَ رُجُوعَهَا إلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ ، كَانَ شَرْطًا عَلَى غَيْرِ الْمَوْهُوبِ لَهُ ، بِخِلَافِ غَيْرِهِ .","part":12,"page":338},{"id":5838,"text":"( 4490 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : ( وَإِنْ قَالَ : سُكْنَاهَا لَك عُمُرَك .\rكَانَ لَهُ أَخْذُهَا أَيَّ وَقْتٍ أَحَبَّ ؛ لِأَنَّ السُّكْنَى لَيْسَتْ كَالْعُمْرَى وَالرُّقْبَى ) أَمَّا إذَا قَالَ : سُكْنَى هَذِهِ الدَّارِ لَك عُمُرَك ، أَوْ اُسْكُنْهَا عُمُرَك .\rأَوْ نَحْوَ ذَلِكَ ، فَلَيْسَ ذَلِكَ بِعَقْدٍ لَازِمٍ ؛ لِأَنَّهُ فِي التَّحْقِيقِ هِبَةُ الْمَنَافِعِ ، وَالْمَنَافِعُ إنَّمَا تُسْتَوْفَى بِمُضِيِّ الزَّمَانِ شَيْئًا فَشَيْئًا ، فَلَا تَلْزَمُ إلَّا فِي قَدْرِ مَا قَبَضَهُ مِنْهَا وَاسْتَوْفَاهُ بِالسُّكْنَى .\rوَلِلْمُسْكِنِ الرُّجُوعُ مَتَى شَاءَ ، وَأَيُّهُمَا مَاتَ بَطَلَتْ الْإِبَاحَةُ وَبِهَذَا قَالَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ ، وَجَمَاعَةُ أَهْلِ الْفَتْوَى ، مِنْهُمْ ؛ الشَّعْبِيُّ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَرُوِيَ مَعْنَى ذَلِكَ عَنْ حَفْصَةَ .\rوَقَالَ الْحَسَنُ ، وَعَطَاءٌ ، وَقَتَادَةُ : هِيَ كَالْعُمْرَى ، تَكُونُ لَهُ وَلِعَقِبِهِ ؛ لِأَنَّهَا فِي مَعْنَى الْعُمْرَى ، فَيَثْبُتُ فِيهَا مِثْلُ حُكْمِهَا .\rوَحُكِيَ عَنْ الشَّعْبِيِّ أَنَّهُ إذَا قَالَ : هِيَ لَك ، اُسْكُنْ حَتَّى تَمُوتَ .\rفَهِيَ لَهُ حَيَاتَهُ وَمَوْتَهُ .\rوَإِنْ قَالَ : دَارِي هَذِهِ اُسْكُنْهَا حَتَّى تَمُوتَ .\rفَإِنَّهَا تَرْجِعُ إلَى صَاحِبِهَا ؛ لِأَنَّهُ إذَا قَالَ : هِيَ لَك .\rفَقَدْ جَعَلَ لَهُ رَقَبَتَهَا ، فَتَكُونُ عُمْرَى .\rفَإِذَا قَالَ : اُسْكُنْ دَارِي هَذِهِ .\rفَإِنَّمَا جَعَلَ لَهُ نَفْعَهَا دُونَ رَقَبَتِهَا ، فَتَكُونُ عَارِيَّةً .\rوَلَنَا أَنَّ هَذَا إبَاحَةُ الْمَنَافِعِ ، فَلَمْ يَقَعْ لَازِمًا كَالْعَارِيَّةِ .\rوَفَارَقَ الْعُمْرَى فَإِنَّهَا هِبَةٌ لِلرَّقَبَةِ .\rفَأَمَّا إذَا قَالَ : هَذِهِ لَك ، اُسْكُنْهَا حَتَّى تَمُوتَ .\rفَإِنَّهُ يَحْتَمِلُ لَك سُكْنَاهَا حَتَّى تَمُوتَ .\rوَتَفْسِيرُهَا بِذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ السُّكْنَى ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَالَ : هَذِهِ لَك سُكْنَاهَا .\rوَإِذَا احْتَمَلَ أَنْ يُرِيدَ بِهِ الرَّقَبَةَ ، وَاحْتَمَلَ أَنْ يُرِيدَ السُّكْنَى ، فَلَا نُزِيلُ مِلْكَهُ بِالِاحْتِمَالِ .","part":12,"page":339},{"id":5839,"text":"( 4491 ) فَصْلٌ : إذَا وَهَبَ هِبَةً فَاسِدَةً ، أَوْ بَاعَ بَيْعًا فَاسِدًا ، ثُمَّ وَهَبَ تِلْكَ الْعَيْنَ ، أَوْ بَاعَهَا بِعَقْدٍ صَحِيحٍ ، مَعَ عِلْمِهِ بِفَسَادِ الْأَوَّلِ ، صَحَّ الْعَقْدُ الثَّانِي ؛ لِأَنَّهُ تَصَرَّفَ فِي مِلْكِهِ ، عَالِمًا بِأَنَّهُ مِلْكُهُ .\rوَإِنْ كَانَ يَعْتَقِدُ صِحَّةَ الْعَقْدِ الْأَوَّلِ ، فَفِي صِحَّةِ الثَّانِي وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا ، صِحَّتُهُ ؛ لِأَنَّ تَصَرُّفَهُ صَادَفَ مِلْكَهُ ، وَتَمَّ بِشُرُوطِهِ ، فَصَحَّ ، كَمَا لَوْ عَلِمَ فَسَادَ الْأَوَّلِ .\rوَالثَّانِي ، لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّهُ تَصَرَّفَ تَصَرُّفًا يَعْتَقِدُ فَسَادَهُ ، فَفَسَدَ ، كَمَا لَوْ صَلَّى يَعْتَقِدُ أَنَّهُ مُحْدِثٌ ، فَبَانَ مُتَطَهِّرًا وَهَكَذَا لَوْ تَصَرَّفَ فِي عَيْنٍ يَعْتَقِدُ أَنَّهَا لِأَبِيهِ ، فَبَانَ أَنَّهُ قَدْ مَاتَ وَمَلَكَهَا بِالْمِيرَاثِ ، أَوْ غَصَبَ عَيْنَهَا فَبَاعَهَا يَعْتَقِدُهَا مَغْصُوبَةً ، فَبَانَ أَنَّهَا مِلْكُهُ ، فَعَلَى الْوَجْهَيْنِ .\rقَالَ الْقَاضِي : أَصْلُ الْوَجْهَيْنِ مَنْ بَاشَرَ امْرَأَةً بِطَلَاقٍ يَعْتَقِدُهَا أَجْنَبِيَّةً ، فَبَانَتْ امْرَأَتَهُ ، أَوْ وَاجَهَ بِالْعِتْقِ مَنْ يَعْتَقِدُهَا حُرَّةً ، فَبَانَتْ أَمَتُهُ ، فَفِي وُقُوعِ الطَّلَاقِ وَالْحُرِّيَّةِ رِوَايَتَانِ .\rوَلِلشَّافِعِيَّةِ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ وَجْهَانِ ، كَمَا حَكَيْنَا .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":12,"page":340},{"id":5840,"text":"كِتَابُ اللُّقَطَةِ وَهِيَ الْمَالُ الضَّائِعُ مِنْ رَبِّهِ ، يَلْتَقِطُهُ غَيْرُهُ قَالَ الْخَلِيلُ بْنُ أَحْمَدَ اللُّقَطَةُ ، بِفَتْحِ الْقَافِ : اسْمٌ لِلْمُلْتَقِطِ ، لِأَنَّ مَا جَاءَ عَلَى فُعَّلَةٌ فَهُوَ اسْمٌ لِلْفَاعِلِ ، كَقَوْلِهِمْ : هُمَزَةٌ وَلُمَزَةٌ وَضُحَكَةٌ وَهُزَأَةٌ ، وَاللُّقْطَةُ ، بِسُكُونِ الْقَافِ : الْمَالُ الْمَلْقُوطُ ، مِثْلُ الضُّحْكَةِ الَّذِي يُضْحَكُ مِنْهُ ، وَالْهُزْأَةُ الَّذِي يُهْزَأُ بِهِ .\rوَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ وَابْنُ الْأَعْرَابِيِّ وَالْفَرَّاءُ : هِيَ بِفَتْحِ الْقَافِ ، اسْمٌ لِلْمَالِ الْمَلْقُوطِ أَيْضًا وَالْأَصْلُ فِي اللُّقَطَةِ مَا رَوَى زَيْدُ بْنُ خَالِدٍ الْجُهَنِيُّ قَالَ { : سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ لُقَطَةِ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ ، فَقَالَ : اعْرِفْ وِكَاءَهَا ، وَعِفَاصَهَا ، ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً ، فَإِنْ لَمْ تُعْرَفْ فَاسْتَنْفِقْهَا وَلْتَكُنْ وَدِيعَةً عِنْدَك ، فَإِنْ جَاءَ طَالِبُهَا يَوْمًا مِنْ الدَّهْرِ ، فَادْفَعْهَا إلَيْهِ .\rوَسَأَلَهُ عَنْ ضَالَّةِ الْإِبِلِ ، فَقَالَ : مَالَك وَلَهَا ، دَعْهَا ، فَإِنَّ مَعَهَا حِذَاءَهَا وَسَقَاهَا ، تَرِدُ الْمَاءَ ، وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ ، حَتَّى يَجِدَهَا رَبُّهَا وَسَأَلَهُ عَنْ الشَّاةِ ، فَقَالَ : خُذْهَا ، فَإِنَّمَا هِيَ لَك ، أَوْ لِأَخِيك ، أَوْ لِلذِّئْبِ } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَالْوِكَاءُ : الْخَيْطُ الَّذِي يُشَدُّ بِهِ الْمَالُ فِي الْخِرْقَةِ وَالْعِفَاصُ : الْوِعَاءَ الَّذِي هِيَ فِيهِ ، مِنْ خِرْقَةٍ أَوْ قِرْطَاسٍ أَوْ غَيْرِهِ قَالَهُ أَبُو عُبَيْدٍ وَالْأَصْلُ فِي الْعِفَاصِ أَنَّهُ الْجِلْدُ الَّذِي يُلْبِسُهُ رَأْسَ الْقَارُورَةِ قَوْلُهُ : ( مَعَهَا حِذَاءَهَا ) يَعْنِي خُفَّهَا ، فَإِنَّهُ لِقُوَّتِهِ وَصَلَابَتِهِ يَجْرِي مَجْرَى الْحِذَاءِ ، وَسِقَاؤُهَا : بَطْنُهَا لِأَنَّهَا تَأْخُذُ فِيهِ مَاءً كَثِيرًا ، فَيَبْقَى مَعَهَا يَمْنَعُهَا الْعَطَشَ .\rوَالضَّالَّةُ : اسْمٌ لِلْحَيَوَانِ خَاصَّةً ، دُونَ سَائِرِ اللُّقَطَةِ ، وَالْجَمْعُ ضَوَالُّ ، وَيُقَالُ لَهَا أَيْضًا : الْهَوَامِي وَالْهَوَافِي وَالْهَوَامِلُ ( 4492 ) فَصْلٌ : قَالَ إمَامُنَا ، رَحِمَهُ اللَّهُ : الْأَفْضَلُ تَرْكُ","part":12,"page":341},{"id":5841,"text":"الِالْتِقَاطِ وَرُوِيَ مَعْنَى ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ وَبِهِ قَالَ جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ وَالرَّبِيعُ بْنُ خَيْثَمٍ وَعَطَاءٌ ، وَمَرَّ شُرَيْحٌ بِدِرْهَمِ ، فَلَمْ يَعْرِضْ لَهُ .\rوَاخْتَارَ أَبُو الْخَطَّابِ أَنَّهُ إذَا وَجَدَهَا بِمَضْيَعَةٍ وَأَمِنَ نَفْسَهُ عَلَيْهَا ، فَالْأَفْضَلُ أَخْذُهَا .\rوَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَحُكِيَ عَنْهُ قَوْلٌ آخَرُ ، أَنَّهُ يَجِبُ أَخْذُهَا لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى { وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ } فَإِذَا كَانَ وَلِيَّهُ ، وَجَبَ عَلَيْهِ حِفْظُ مَالِهِ وَمِمَّنْ رَأَى أَخْذَهَا سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَخَذَهَا أُبَيّ بْنُ كَعْبٍ وَسُوَيْدُ بْنُ غَفَلَةَ وَقَالَ مَالِكٌ إنْ كَانَ شَيْئًا لَهُ بَالٌ يَأْخُذُهُ أَحَبُّ إلَيَّ ، وَيُعَرِّفُهُ ، لِأَنَّ فِيهِ حِفْظَ مَالِ الْمُسْلِمِ عَلَيْهِ ، فَكَانَ أَوْلَى مِنْ تَضْيِيعِهِ ، وَتَخْلِيصِهِ مِنْ الْغَرَقِ .\rوَلَنَا قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَلَا نَعْرِفُ لَهُمَا مُخَالِفًا فِي الصَّحَابَةِ ، وَلِأَنَّهُ تَعْرِيضٌ لِنَفْسِهِ لِأَكْلِ الْحَرَامِ ، وَتَضْيِيعِ الْوَاجِبِ مِنْ تَعْرِيفهَا ، وَأَدَاءِ الْأَمَانَةِ فِيهَا ، فَكَانَ تَرْكُهُ أَوْلَى وَأَسْلَمَ ، كَوِلَايَةِ مَالِ الْيَتِيمِ وَتَخْلِيلِ الْخَمْرِ وَمَا ذَكَرُوهُ يَبْطُلُ بِالضَّوَالِّ ، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ أَخْذُهَا مَعَ مَا ذَكَرُوهُ ، وَكَذَلِكَ وِلَايَةُ مَالِ الْأَيْتَامِ .","part":12,"page":342},{"id":5842,"text":"مَسْأَلَةٌ قَالَ : ( وَمَنْ وَجَدَ لُقَطَةً ، عَرَّفَهَا سَنَةً فِي الْأَسْوَاقِ وَأَبْوَابِ الْمَسَاجِدِ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ فِي التَّعْرِيفِ سِتَّةَ فُصُولٍ فِي وُجُوبِهِ ، وَقَدْرِهِ وَزَمَانِهِ ، وَمَكَانِهِ وَكَيْفِيَّتِهِ ، وَمَنْ يَتَوَلَّاهُ ( 4494 ) أَمَّا وُجُوبُهُ ، فَإِنَّهُ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُلْتَقِطٍ ، سَوَاءٌ أَرَادَ تَمَلُّكَهَا أَوْ حِفْظَهَا لِصَاحِبِهَا .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا تَجِبُ عَلَى مَنْ أَرَادَ حِفْظَهَا لِصَاحِبِهَا وَلَنَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِهِ زَيْدَ بْنَ خَالِدٍ وَأُبَيُّ بْنَ كَعْبٍ ، وَلَمْ يُفَرِّقْ ، وَلِأَنَّ حِفْظَهَا لِصَاحِبِهَا إنَّمَا يُقَيَّدُ بِإِيصَالِهَا إلَيْهِ وَطَرِيقُهُ التَّعْرِيفُ ، أَمَّا بَقَاؤُهَا فِي يَدِ الْمُلْتَقِطِ مِنْ غَيْرِ وُصُولِهَا إلَى صَاحِبِهَا ، فَهُوَ وَهَلَاكُهَا سِيَّانِ ، وَلِأَنَّ إمْسَاكَهَا مِنْ غَيْرِ تَعْرِيفٍ ، تَضْيِيعٌ لَهَا عَنْ صَاحِبِهَا ، فَلَمْ يَجُزْ ، كَرَدِّهَا إلَى مَوْضِعِهَا ، أَوْ إلْقَائِهَا فِي غَيْرِهِ ، وَلِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَجِبْ التَّعْرِيفُ ، لَمَا جَازَ الِالْتِقَاطُ ؛ لِأَنَّ بَقَاءَهَا فِي مَكَانِهَا إذًا أَقْرَبُ إلَى وُصُولِهَا إلَى صَاحِبِهَا ، إمَّا بِأَنْ يَطْلُبَهَا فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي ضَاعَتْ فِيهِ فَيَجِدَهَا ، وَإِمَّا بِأَنْ يَجِدَهَا مَنْ يَعْرِفُهَا ، وَأَخْذُهُ لَهَا يُفَوِّتُ الْأَمْرَيْنِ ، فَيَحْرُمُ ، فَلَمَّا جَازَ الِالْتِقَاطُ وَجَبَ التَّعْرِيفُ ، كَيْ لَا يَحْصُلَ هَذَا الضَّرَرُ وَلِأَنَّ التَّعْرِيفَ وَاجِبٌ عَلَى مَنْ أَرَادَ تَمَلُّكَهَا ، فَكَذَلِكَ عَلَى مَنْ أَرَادَ حِفْظَهَا ، فَإِنَّ التَّمَلُّكَ غَيْرُ وَاجِبٍ ، فَلَا تَجِبُ الْوَسِيلَةُ إلَيْهِ ، فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الْوُجُوبُ فِي الْمَحَلِّ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ ، لِصِيَانَتِهَا عَنْ الضَّيَاعِ عَنْ صَاحِبِهَا ، وَهَذَا مَوْجُودٌ فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ .","part":12,"page":343},{"id":5843,"text":"( 4495 ) الْفَصْلُ الثَّانِي : فِي قَدْرِ التَّعْرِيفِ ، وَذَلِكَ سَنَةٌ .\rرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ ، وَعَلِيٍّ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ .\rوَبِهِ قَالَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ ، رِوَايَةٌ أُخْرَى ، أَنَّهُ يُعَرِّفُهَا ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ .\rوَعَنْهُ ثَلَاثَةَ أَعْوَامٍ ؛ لِأَنَّ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ رَوَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَهُ بِتَعْرِيفِ مِائَةِ الدِّينَارِ ثَلَاثَةَ أَعْوَامٍ وَقَالَ أَبُو أَيُّوبَ الْهَاشِمِيُّ مَا دُونَ الْخَمْسِينَ دِرْهَمًا يُعَرِّفُهَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إلَى سَبْعَةِ أَيَّامٍ .\rوَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ : مَا دُونَ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ يُعَرِّفُهَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ .\rوَقَالَ الثَّوْرِيُّ فِي الدِّرْهَمِ : يُعَرِّفُهُ أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ .\rوَقَالَ إِسْحَاقُ : مَا دُونَ الدِّينَارِ يُعَرِّفُهُ جُمُعَةً أَوْ نَحْوَهَا .\rوَرَوَى أَبُو إِسْحَاقَ الْجُوزَجَانِيُّ ، بِإِسْنَادِهِ ، عَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ الْتَقَطَ دِرْهَمًا ، أَوْ حَبْلًا ، أَوْ شِبْهَ ذَلِكَ ، فَلْيُعَرِّفْهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ، فَإِنْ كَانَ فَوْقَ ذَلِكَ ، فَلْيُعَرِّفْهُ سَبْعَةَ أَيَّامٍ .\r} وَلَنَا : حَدِيثُ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الصَّحِيحُ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَهُ بِعَامٍ وَاحِدٍ ، وَلِأَنَّ السَّنَةَ لَا تَتَأَخَّرُ عَنْهَا الْقَوَافِلُ ، وَيَمْضِي فِيهَا الزَّمَانُ الَّذِي تُقْصَدُ فِيهِ الْبِلَادُ ، مِنْ الْحَرِّ وَالْبَرْدِ وَالِاعْتِدَالِ ، فَصَلُحَتْ قَدْرًا كَمُدَّةِ أَجَلِ الْعَيْنِ .\rوَأَمَّا حَدِيثُ أُبَيٍّ ، فَقَدْ قَالَ الرَّاوِي : لَا أَدْرِي ثَلَاثَةَ أَعْوَام أَوْ عَامًا وَاحِدًا قَالَ أَبُو دَاوُد : شَكَّ الرَّاوِي فِي ذَلِكَ .\rوَحَدِيثُ يَعْلَى لَمْ يَقُلْ بِهِ قَائِلٌ عَلَى وَجْهِهِ ، وَحَدِيثُ زَيْدٍ وَأُبَيُّ أَصَحُّ مِنْهُ وَأَوْلَى .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّهُ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ السَّنَةُ تَلِي الِالْتِقَاطَ ، وَتَكُونَ مُتَوَالِيَةً فِي نَفْسِهَا لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ","part":12,"page":344},{"id":5844,"text":"أَمَرَ بِتَعْرِيفِهَا حِينَ سُئِلَ عَنْهَا ، وَالْأَمْرُ يَقْتَضِي الْفَوْرَ ، وَلِأَنَّ الْقَصْدَ بِالتَّعْرِيفِ وُصُولُ الْخَبَرِ إلَى صَاحِبِهَا ، وَذَلِكَ يَحْصُلُ بِالتَّعْرِيفِ عَقِيبَ ضَيَاعِهَا مُتَوَالِيًا ؛ لِأَنَّ صَاحِبَهَا فِي الْغَالِبِ إنَّمَا يَتَوَقَّعُهَا وَيَطْلُبُهَا عَقِيبَ ضَيَاعِهَا ، فَيَجِبُ تَخْصِيصُ التَّعْرِيفِ بِهِ .","part":12,"page":345},{"id":5845,"text":"الْفَصْلُ الثَّالِثُ : فِي زَمَانِهِ وَهُوَ النَّهَارُ دُونَ اللَّيْلِ ؛ لِأَنَّ النَّهَارَ مَجْمَعُ النَّاسِ وَمُلْتَقَاهُمْ دُونَ اللَّيْلِ ، وَيَكُونُ ذَلِكَ فِي الْيَوْمِ الَّذِي وَجَدَهَا ، وَالْأُسْبُوعُ أَكْثَرُ ؛ لِأَنَّ الطَّلَبَ فِيهِ أَكْثَرُ ، وَلَا يَجِبُ فِيمَا بَعْدَ ذَلِكَ مُتَوَالِيًا .\rوَقَدْ رَوَى الْجُوزَجَانِيُّ بِإِسْنَادِهِ ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ زَيْدٍ الْجُهَنِيِّ ، قَالَ : نَزَلْنَا مُنَاخَ رَكْبٍ ، فَوَجَدْت خِرْقَةً فِيهَا قَرِيبٌ مِنْ مِائَةِ دِينَارٍ ، فَجِئْت بِهَا إلَى عُمَرَ ، فَقَالَ : عَرِّفْهَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ ، ثُمَّ أَمْسِكْهَا حَتَّى قَرْنِ السَّنَةِ ، وَلَا يَفِدُ مِنْ رَكْبٍ إلَّا نَشَدْتهَا ، وَقُلْت : الذَّهَبُ بِطَرِيقِ الشَّامِ ثُمَّ شَأْنَك بِهَا .","part":12,"page":346},{"id":5846,"text":"( 4497 ) الْفَصْلُ الرَّابِعُ : فِي مَكَانِهِ ، وَهُوَ الْأَسْوَاقُ ، وَأَبْوَابُ الْمَسَاجِدِ وَالْجَوَامِعِ ، فِي الْوَقْتِ الَّذِي يَجْتَمِعُونَ فِيهِ ، كَأَدْبَارِ الصَّلَوَاتِ فِي الْمَسَاجِدِ ، وَكَذَلِكَ فِي مَجَامِعِ النَّاسِ ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ إشَاعَةُ ذِكْرِهَا ، وَإِظْهَارُهَا ، لِيَظْهَرَ عَلَيْهَا صَاحِبُهَا ، فَيَجِبُ تَحَرِّي مَجَامِعِ النَّاسِ ، وَلَا يَنْشُدُهَا فِي الْمَسْجِدِ ؛ لِأَنَّ الْمَسْجِدَ لَمْ يُبْنَ لِهَذَا .\rوَقَدْ رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { مَنْ سَمِعَ رَجُلًا يَنْشُدُ ضَالَّةً فِي الْمَسْجِدِ ، فَلْيَقُلْ : لَا رَدَّهَا اللَّهُ إلَيْك ، فَإِنَّ الْمَسَاجِدَ لَمْ تُبْنَ لِهَذَا } .\rوَأَمَرَ عُمَرُ وَاجِدَ اللُّقَطَةِ بِتَعْرِيفِهَا عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ .","part":12,"page":347},{"id":5847,"text":"( 4498 ) الْفَصْلُ الْخَامِسُ : فِيمَنْ يَتَوَلَّاهُ ، وَلِلْمُلْتَقِطِ أَنْ يَتَوَلَّى ذَلِكَ بِنَفْسِهِ ، وَلَهُ أَنْ يَسْتَنِيبَ فِيهِ ، فَإِنْ وَجَدَ مُتَبَرِّعًا بِذَلِكَ ، وَإِلَّا إنْ احْتَاجَ إلَى أَجْرٍ ، فَهُوَ عَلَى الْمُلْتَقِطِ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَاخْتَارَ أَبُو الْخَطَّابِ أَنَّهُ إنْ قَصَدَ الْحِفْظَ لِصَاحِبِهَا دُونَ تَمَلُّكِهَا ، رَجَعَ بِالْأَجْرِ عَلَى مَالِكِهَا .\rوَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ ، فِيمَا لَا يُمْلَكُ بِالتَّعْرِيفِ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ مُؤْنَةِ إيصَالِهَا إلَى صَاحِبِهَا ، فَكَانَ عَلَى مَالِكِهَا ، كَأَجْرِ مَخْزَنِهَا وَرَعْيِهَا وَتَجْفِيفِهَا وَلَنَا أَنَّ هَذَا أَجْرٌ وَاجِبٌ عَلَى الْمُعَرِّفِ ، فَكَانَ عَلَيْهِ ، كَمَا لَوْ قَصَدَ تَمَلُّكَهَا ، وَلِأَنَّهُ لَوْ وَلِيَهُ بِنَفْسِهِ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَجْرٌ عَلَى صَاحِبِهَا ، فَكَذَلِكَ إذَا اسْتَأْجَرَ عَلَيْهِ لَا يَلْزَمُ صَاحِبَهَا شَيْءٌ ، وَلِأَنَّهُ سَبَبٌ لِتَمَلُّكِهَا ، فَكَانَ عَلَى الْمُلْتَقِطِ ، كَمَا لَوْ قَصَدَ تَمَلُّكَهَا .\rوَقَالَ مَالِكٌ : إنْ أَعْطَى مِنْهَا شَيْئًا لِمَنْ عَرَّفَهَا ، فَلَا غُرْمَ عَلَيْهِ ، كَمَا لَوْ دَفَعَ مِنْهَا شَيْئًا لِمَنْ حَفِظَهَا .\rوَقَدْ ذَكَرْنَا الدَّلِيلَ عَلَى ذَلِكَ .","part":12,"page":348},{"id":5848,"text":"( 4499 ) الْفَصْلُ السَّادِسُ : فِي كَيْفِيَّةِ التَّعْرِيفِ ، وَهُوَ أَنْ يَذْكُرَ جِنْسَهَا لَا غَيْرُ ، فَيَقُولَ : مَنْ ضَاعَ مِنْهُ ذَهَبٌ أَوْ فِضَّةٌ أَوْ دَنَانِيرُ أَوْ ثِيَابٌ .\rوَنَحْوُ ذَلِكَ ؛ لِقَوْلِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِوَاجِدِ الذَّهَبِ قُلْ : الذَّهَبُ بِطَرِيقِ الشَّامِ وَلَا تَصِفْهَا لِأَنَّهُ لَوْ وَصَفَهَا لَعَلِمَ صِفَتَهَا مَنْ يَسْمَعُهَا ، فَلَا تَبْقَى صِفَتُهَا دَلِيلًا عَلَى مِلْكِهَا ، لِمُشَارَكَةِ غَيْرِ الْمَالِكِ فِي ذَلِكَ ، وَلِأَنَّهُ لَا يَأْمَنُ أَنْ يَدَّعِيَهَا بَعْضُ مِنْ سَمِعَ صِفَتَهَا ، وَيَذْكُرَ صِفَتَهَا الَّتِي يَجِبُ دَفْعُهَا بِهَا ، فَيَأْخُذَهَا وَهُوَ لَا يَمْلِكُهَا ، فَتَضِيعَ عَلَى مَالِكِهَا .","part":12,"page":349},{"id":5849,"text":"( 4500 ) فَصْلٌ : لَمْ يُفَرِّقْ الْخِرَقِيِّ بَيْنَ يَسِيرِ اللُّقَطَةِ وَكَثِيرِهَا .\rوَهُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ ، إلَّا فِي الْيَسِيرِ الَّذِي لَا تَتْبَعُهُ النَّفْسُ ، كَالتَّمْرَةِ وَالْكِسْرَةِ وَالْخِرْقَةِ ، وَمَا لَا خَطَرَ لَهُ ، فَإِنَّهُ لَا بَأْسَ بِأَخْذِهِ وَالِانْتِفَاعِ بِهِ مِنْ غَيْرِ تَعْرِيفٍ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُنْكِرْ عَلَى وَاجِدِ التَّمْرَةِ حَيْثُ أَكَلَهَا ، بَلْ { قَالَ لَهُ : لَوْ لَمْ تَأْتِهَا لَأَتَتْك } .\r{ وَرَأَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَمْرَةً فَقَالَ : لَوْلَا أَنِّي أَخْشَى أَنْ تَكُونَ مِنْ الصَّدَقَةِ ، لَأَكَلْتُهَا } وَلَا نَعْلَمُ خِلَافًا بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي إبَاحَةِ أَخْذِ الْيَسِيرِ وَالِانْتِفَاعِ بِهِ ، وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ ، وَعَلِيٍّ ، وَابْنِ عُمَرَ ، وَعَائِشَةَ ، وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ ، وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ ، وَطَاوُسٌ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَيَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَلَيْسَ عَنْ أَحْمَدَ وَأَكْثَرَ مَنْ ذَكَرْنَا تَحْدِيدُ الْيَسِيرِ الَّذِي يُبَاحُ .\rوَقَالَ مَالِكٌ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَجِبُ تَعْرِيفُ مَا لَا يُقْطَعُ بِهِ السَّارِقُ ، وَهُوَ رُبْعُ دِينَارٍ عِنْدَ مَالِكٍ ، وَعَشَرَةُ دَرَاهِمَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لِأَنَّ مَا دُونَ ذَلِكَ تَافِهٌ ، فَلَا يَجِبُ تَعْرِيفُهُ ، كَالْكِسْرَةِ وَالتَّمْرَةِ ، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ تَافِهٌ قَوْلُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا : كَانُوا لَا يَقْطَعُونَ فِي الشَّيْءِ التَّافِهِ .\rوَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، أَنَّهُ وَجَدَ دِينَارًا فَتَصَرَّفَ فِيهِ .\rوَرَوَى الْجُوزَجَانِيُّ ، عَنْ سَلْمَى بِنْتِ كَعْبٍ ، قَالَتْ : وَجَدْت خَاتَمًا مِنْ ذَهَبٍ ، فِي طَرِيقِ مَكَّةَ ، فَسَأَلْت عَائِشَةَ عَنْهُ ، فَقَالَتْ : تَمَتَّعِي بِهِ .\rوَرَوَى أَبُو دَاوُد ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ جَابِرٍ ، قَالَ : { رَخَّصَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْعَصَا وَالسَّوْطِ وَالْحَبْلِ وَأَشْبَاهِهِ ، يَلْتَقِطُهُ الرَّجُلُ يَنْتَفِعُ بِهِ } .\rوَالْحَبْلُ قَدْ يَكُونُ قِيمَتُهُ دَرَاهِم وَعَنْ","part":12,"page":350},{"id":5850,"text":"ابْنِ مَاجَهْ بِإِسْنَادِهِ ، عَنْ سُوَيْد بْنِ غَفَلَةَ ، قَالَ : خَرَجْت مَعَ سَلْمَانَ بْنِ رَبِيعَةَ ، وَزَيْدِ بْنِ صُوحَانَ ، حَتَّى إذَا كُنَّا بِالْعُذَيْبِ ، الْتَقَطْت سَوْطًا ، فَقَالَا لِي : أَلْقِهِ .\rفَأَبَيْت ، فَلَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ ، أَتَيْت أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ ، فَذَكَرْت ذَلِكَ لَهُ ، فَقَالَ : أَصَبْت .\rقَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ .\rوَلِلشَّافِعِيَّةِ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ كَالْمَذَاهِبِ الثَّلَاثَةِ .\rوَلَنَا عَلَى إبْطَالِ تَحْدِيدِهِ بِمَا ذَكَرُوهُ ، أَنَّ حَدِيثَ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ عَامٌّ فِي كُلِّ لُقَطَةٍ ، فَيَجِبُ إبْقَاؤُهُ عَلَى عُمُومِهِ ، إلَّا مَا خَرَجَ مِنْهُ بِالدَّلِيلِ ، وَلَمْ يَرِدْ بِمَا ذَكَرُوهُ نَصٌّ ، وَلَا هُوَ فِي مَعْنَى مَا وَرَدَ النَّصُّ بِهِ وَلِأَنَّ التَّحْدِيدَ وَالتَّقْدِيرَ لَا يُعْرَفُ بِالْقِيَاسِ ، وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ مِنْ نَصٍّ أَوْ إجْمَاعٍ ، وَلَيْسَ فِيمَا ذَكَرُوهُ نَصٌّ وَلَا إجْمَاعٌ .\rوَأَمَّا حَدِيثُ عَلِيٍّ ، فَهُوَ ضَعِيفٌ ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَقَالَ : طُرُقُهُ كُلُّهَا مُضْطَرِبَةٌ .\rثُمَّ هُوَ مُخَالِفٌ لِمَذْهَبِهِمْ وَلِسَائِرِ الْمَذَاهِبِ ، فَتَعَيَّنَ حَمْلُهُ عَلَى وَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ غَيْرِ اللُّقَطَةِ ، إمَّا لِكَوْنِهِ مُضْطَرًّا إلَيْهِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ ، وَحَدِيثُ عَائِشَةَ قَضِيَّةٌ فِي عَيْنٍ ، لَا يُدْرَى كَمْ قَدْرُ الْخَاتَمِ ، ثُمَّ هُوَ قَوْلُ صَحَابِيٍّ ، وَكَذَلِكَ حَدِيثُ عَلِيٍّ ، وَهُمْ لَا يَرَوْنَ ذَلِكَ حُجَّةً ، وَسَائِرُ الْأَحَادِيثِ لَيْسَ فِيهَا تَقْدِيرٌ ، لَكِنْ يُبَاحُ أَخْذُ مَا ذَكَرَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَخَصَّ فِي أَخْذِهِ مِنْ السَّوْطِ وَالْعَصَا وَالْحَبْلِ ، وَمَا قِيمَتُهُ كَقِيمَةِ ذَلِكَ وَقَدَّرَهُ الشَّيْخُ أَبُو الْفَرَجِ فِي كِتَابِهِ بِمَا دُونَ الْقِيرَاطِ ، وَلَا يَصِحُّ تَحْدِيدُهُ لِمَا ذَكَرْنَا .","part":12,"page":351},{"id":5851,"text":"( 4501 ) فَصْلٌ : إذَا أَخَّرَ التَّعْرِيفَ عَنْ الْحَوْلِ الْأَوَّلِ ، مَعَ إمْكَانِهِ أَثِمَ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِهِ فِيهِ ، وَالْأَمْرُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ .\rوَقَالَ فِي حَدِيثِ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ : { لَا يَكْتُمُ وَلَا يُغَيِّبُ } .\rوَلِأَنَّ ذَلِكَ وَسِيلَةٌ إلَى أَنْ لَا يَعْرِفَهَا صَاحِبُهَا ، فَإِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ بَعْدَ الْحَوْلِ يَيْأَسُ مِنْهَا ، وَيَسْلُو عَنْهَا ، وَيَتْرُكُ طَلَبِهَا .\rوَيَسْقُطُ التَّعْرِيفُ بِتَأْخِيرِهِ عَنْ الْحَوْلِ الْأَوَّلِ ، فِي الْمَنْصُوصِ عَنْ أَحْمَدَ ؛ لِأَنَّ حِكْمَةَ التَّعْرِيفِ لَا تَحْصُلُ بَعْدَ الْحَوْلِ الْأَوَّلِ وَإِنْ تَرَكَهُ فِي بَعْضِ الْحَوْلِ ، عَرَّفَ بَقِيَّتَهُ .\rوَيَتَخَرَّجُ أَنْ لَا يَسْقُطَ التَّعْرِيفُ بِتَأَخُّرِهِ ؛ لِأَنَّهُ وَاجِبٌ ، فَلَا يَسْقُطُ بِتَأْخِيرِهِ عَنْ وَقْتِهِ ، كَالْعِبَادَاتِ وَسَائِرِ الْوَاجِبَاتِ .\rوَلِأَنَّ التَّعْرِيفَ فِي الْحَوْلِ الثَّانِي يَحْصُلُ بِهِ الْمَقْصُودُ عَلَى نَوْعٍ مِنْ الْقُصُورِ ، فَيَجِبُ الْإِتْيَانُ بِهِ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ } فَعَلَى هَذَا إنْ أَخَّرَ التَّعْرِيفَ بَعْضَ الْحَوْلِ ، أَتَى بِالتَّعْرِيفِ فِي بَقِيَّتِهِ ، وَأَتَمَّهُ مِنْ الْحَوْلِ الثَّانِي .\rوَعَلَى كِلَا الْقَوْلَيْنِ ، لَا يَمْلِكُهَا بِالتَّعْرِيفِ فِيمَا عَدَا الْحَوْلَ الْأَوَّلَ ؛ لِأَنَّ شَرْطَ الْمِلْكِ التَّعْرِيفُ فِي الْحَوْلِ الْأَوَّلِ ، وَلَمْ يُوجَدْ .\rوَهَلْ لَهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهَا أَوْ يَحْبِسَهَا عِنْدَهُ أَبَدًا ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يَلْزَمَهُ دَفْعُهَا إلَى الْحَاكِمِ ، كَقَوْلِنَا فِيمَا إذَا الْتَقَطَ مَا لَا يَجُوزُ الْتِقَاطُهُ .\rوَلَوْ تَرَكَ التَّعْرِيفَ فِي بَعْضِ الْحَوْلِ الْأَوَّلِ ، لَمْ يَمْلِكْهَا أَيْضًا بِالتَّعْرِيفِ فِيمَا بَعْدَهُ ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ لَمْ يَكْمُلْ ، وَعَدَمُ بَعْضِ الشَّرْطِ كَعَدَمِ جَمِيعِهِ ، كَمَا لَوْ أَخَلَّ بِبَعْضِ الطَّهَارَةِ ، أَوْ بِبَعْضِ السُّتْرَةِ فِي الصَّلَاةِ .","part":12,"page":352},{"id":5852,"text":"( 4502 ) فَصْلٌ : وَإِنْ تَرَكَ التَّعْرِيفَ فِي الْحَوْلِ الْأَوَّلِ ؛ لِعَجْزِهِ عَنْهُ ، مِثْلُ أَنْ يَتْرُكَهُ لِمَرَضٍ أَوْ حَبْسٍ أَوْ نِسْيَانٍ وَنَحْوِهِ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، أَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ مَا لَوْ تَرَكَهُ مَعَ إمْكَانِهِ ؛ لِأَنَّ تَعْرِيفَهُ فِي الْحَوْلِ سَبَبُ الْمِلْكِ ، وَالْحُكْمُ يَنْتَفِي لِانْتِفَاءِ سَبَبِهِ ، سَوَاءٌ انْتَفَى لِعُذْرٍ أَوْ غَيْرِ عُذْرٍ .\rوَالثَّانِي ، أَنَّهُ يُعَرِّفُهُ فِي الْحَوْلِ الثَّانِي ، وَيَمْلِكُهُ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُؤَخِّرْ التَّعْرِيفَ عَنْ وَقْتِ إمْكَانِهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ عَرَّفَهُ فِي الْحَوْلِ الْأَوَّلِ .","part":12,"page":353},{"id":5853,"text":"( 4503 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : ( فَإِنْ جَاءَ رَبُّهَا ، وَإِلَّا كَانَتْ كَسَائِرِ مَالِهِ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ إذَا عَرَّفَ اللُّقَطَةَ حَوْلًا ، فَلَمْ تُعْرَفْ ، مَلَكَهَا مُلْتَقِطُهَا ، وَصَارَتْ مِنْ مَالِهِ ، كَسَائِرِ أَمْوَالِهِ ، غَنِيًّا كَانَ الْمُلْتَقِطُ أَوْ فَقِيرًا .\rوَرُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ ، وَعَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ .\rوَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَالشَّعْبِيِّ ، وَالنَّخَعِيِّ ، وَطَاوُسٍ ، وَعِكْرِمَةَ وَقَالَ مَالِكٌ ، وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ : يَتَصَدَّقُ بِهَا ، فَإِذَا جَاءَ صَاحِبُهَا خَيَّرَهُ بَيْنَ الْأَجْرِ وَالْغُرْمِ ؛ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ اللُّقَطَةِ ، فَقَالَ : عَرِّفْهَا حَوْلًا .\rوَرُوِيَ : ثَلَاثَةَ أَحْوَالٍ ، فَإِنْ جَاءَ رَبُّهَا ، وَإِلَّا تَصَدَّقْ بِهَا ، فَإِذَا جَاءَ رَبُّهَا ، فَرَضِيَ بِالْأَجْرِ ، وَإِلَّا غَرِمَهَا } .\rوَلِأَنَّهَا مَالٌ لِمَعْصُومٍ ، لَمْ يَرْضَ بِزَوَالِ مِلْكِهِ عَنْهَا ، وَلَا وُجِدَ مِنْهُ سَبَبٌ يَقْتَضِي ذَلِكَ ، فَلَمْ يَزُلْ مِلْكُهُ عَنْهُ ، كَغَيْرِهَا قَالُوا : وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَمَلَّكَهَا ، إلَّا أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ : لَهُ ذَلِكَ إنْ كَانَ فَقِيرًا مِنْ غَيْرِ ذَوِي الْقُرْبَى ؛ لِمَا رَوَى عِيَاضُ بْنُ حِمَارٍ الْمُجَاشِعِيُّ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { مَنْ وَجَدَ لُقَطَةً فَلْيُشْهِدْ عَلَيْهَا ذَا عَدْلٍ ، وَلَا يَكْتُمْ وَلَا يُغَيِّبْ ، فَإِنْ وَجَدَ صَاحِبَهَا فَلْيَرْدُدْهَا عَلَيْهِ ، وَإِلَّا فَهِيَ مَالُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ } .\rرَوَاهُ النَّسَائِيّ .\rقَالُوا : وَمَا يُضَافُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى ، إنَّمَا يَتَمَلَّكُهُ مَنْ يَسْتَحِقُّ الصَّدَقَةَ .\rوَنَقَلَ حَنْبَلٌ ، عَنْ أَحْمَدَ مِثْلَ هَذَا الْقَوْلِ وَأَنْكَرَهُ الْخَلَّالُ ، وَقَالَ : لَيْسَ هَذَا مَذْهَبًا لِأَحْمَدْ .\rوَلَنَا قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي","part":12,"page":354},{"id":5854,"text":"حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ : { فَإِنْ لَمْ تُعْرَفْ ، فَاسْتَنْفِقْهَا } .\rوَفِي لَفْظٍ : \" وَإِلَّا فَهِيَ كَسَبِيلِ مَالِكَ \" .\rوَفِي لَفْظٍ : \" ثُمَّ كُلْهَا \" .\rوَفِي لَفْظٍ : \" فَانْتَفِعْ بِهَا \" .\rوَفِي لَفْظٍ : \" فَشَأْنَك بِهَا \" .\rوَفِي حَدِيثِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ : \" فَاسْتَنْفِقْهَا \" .\rوَفِي لَفْظٍ : \" فَاسْتَمْتِعْ بِهَا \" .\rوَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ .\rوَلِأَنَّ مَنْ مَلَكَ بِالْقَرْضِ مَلَكَ بِاللُّقَطَةِ كَالْفَقِيرِ ، وَمَنْ جَازَ لَهُ الِالْتِقَاطُ مَلَكَ بِهِ بَعْدَ التَّعْرِيفِ ، كَالْفَقِيرِ .\rوَحَدِيثُهُمْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ لَمْ يَثْبُتْ ، وَلَا نُقِلَ فِي كِتَابٍ يُوثَقُ بِهِ وَدَعْوَاهُمْ فِي حَدِيثِ عِيَاضٍ أَنَّ مَا يُضَافُ إلَى اللَّهِ لَا يَتَمَلَّكُهُ إلَّا مَنْ يَسْتَحِقُّ الصَّدَقَةَ .\rلَا بُرْهَانَ لَهَا ، وَلَا دَلِيلَ عَلَيْهَا ، وَبُطْلَانُهَا ظَاهِرٌ ؛ فَإِنَّ الْأَشْيَاءَ كُلَّهَا تُضَافُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى خَلْقًا وَمِلْكًا ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ } .","part":12,"page":355},{"id":5855,"text":"( 4504 ) فَصْلٌ : وَتَدْخُلُ اللُّقَطَةُ فِي مِلْكِهِ عِنْدَ تَمَامِ التَّعْرِيفِ حُكْمًا ، كَالْمِيرَاثِ .\rهَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ ؛ لِقَوْلِهِ : \" وَإِلَّا كَانَتْ كَسَائِرِ مَالِهِ \" .\rوَكَذَلِكَ قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ : إذَا جَاءَ صَاحِبُهَا ، وَإِلَّا كَانَتْ كَسَائِرِ مَالِهِ .\rوَاخْتَارَ أَبُو الْخَطَّابِ أَنَّهَا لَا تَدْخُلُ فِي مِلْكِهِ حَتَّى يَخْتَارَ .\rوَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ ؛ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ كَقَوْلِنَا ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : يَمْلِكُهَا بِالنِّيَّةِ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : يَمْلِكُهَا بِقَوْلِهِ : اخْتَرْت تَمَلُّكَهَا .\rوَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : لَا يَمْلِكُهَا إلَّا بِقَوْلِهِ ، وَالتَّصَرُّفِ فِيهَا ؛ لِأَنَّ هَذَا تَمَلُّكٌ بِعِوَضِ ؛ فَلَمْ يَحْصُلْ إلَّا بِاخْتِيَارِ الْمُتَمَلِّكِ ، كَالشِّرَاءِ .\rوَلَنَا قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { فَإِذَا جَاءَ صَاحِبُهَا ، وَإِلَّا فَهِيَ كَسَبِيلِ مَالِكَ } .\rوَقَوْلُهُ : \" فَاسْتَنْفِقْهَا \" .\rوَلَوْ وَقَفَ مِلْكُهَا عَلَى تَمَلُّكِهَا لَبَيَّنَهُ لَهُ ، وَلَمْ يُجَوِّزْ لَهُ التَّصَرُّفَ قَبْلَهُ .\rوَفِي لَفْظٍ : \" فَهِيَ لَك \" .\rوَفِي لَفْظٍ : \" كُلْهَا \" .\rوَهَذِهِ الْأَلْفَاظُ كُلّهَا تَدُلُّ عَلَى مَا قُلْنَا وَلِأَنَّ الِالْتِقَاطَ وَالتَّعْرِيفَ سَبَبٌ لِلتَّمَلُّكِ ، فَإِذَا تَمَّ وَجَبَ أَنْ يَثْبُتَ بِهِ الْمِلْكُ حُكْمًا ، كَالْإِحْيَاءِ وَالِاصْطِيَادِ .\rوَلِأَنَّهُ سَبَبٌ يُمْلَكُ بِهِ ، فَلَمْ يَقِفْ الْمِلْكُ بَعْدَهُ عَلَى قَوْلِهِ ، وَلَا اخْتِيَارِهِ ، كَسَائِرِ الْأَسْبَابِ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُكَلَّفَ لَيْسَ إلَيْهِ إلَّا مُبَاشَرَةُ الْأَسْبَابِ ، فَإِذَا أَتَى بِهَا ، ثَبَتَ الْحُكْمُ قَهْرًا وَجَبْرًا مِنْ اللَّهِ تَعَالَى ، غَيْرَ مَوْقُوفٍ عَلَى اخْتِيَارِ الْمُكَلَّفِ .\rوَأَمَّا الِاقْتِرَاضُ فَهُوَ السَّبَبُ فِي نَفْسِهِ ، فَلَمْ يَثْبُت الْمِلْكُ بِدُونِهِ .","part":12,"page":356},{"id":5856,"text":"( 4505 ) فَصْلٌ : فَإِنْ الْتَقَطَهَا اثْنَانِ ، فَعَرَّفَاهَا حَوْلًا ، مَلَكَاهَا جَمِيعًا .\rوَإِنْ قُلْنَا بِوُقُوفِ الْمِلْكِ عَلَى الِاخْتِيَارِ ، فَاخْتَارَ أَحَدُهُمَا دُونَ الْآخَرِ ، مَلَكَ الْمُخْتَارُ نِصْفَهَا دُونَ الْآخَر .\rوَإِنْ رَأَيَاهَا مَعًا ، فَبَادَرَ أَحَدُهُمَا فَأَخَذَهَا ، أَوْ رَآهَا أَحَدُهُمَا ، فَأَعْلَمَ بِهَا صَاحِبَهُ ، فَأَخَذَهَا ، فَهِيَ لِآخِذِهَا ؛ لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَ اللُّقَطَةِ بِالْأَخْذِ لَا بِالرُّؤْيَةِ ، كَالِاصْطِيَادِ .\rوَإِنْ قَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ : هَاتِهَا .\rفَأَخَذَهَا ، نَظَرْت فِي نِيَّتِهِ ؛ فَإِنْ أَخَذَهَا لِنَفْسِهِ ، فَهِيَ لَهُ دُونَ الْآمِرِ ، وَإِنْ أَخَذَهَا لِلْآمِرِ ، فَهِيَ لَهُ ، كَمَا لَوْ وَكَّلَهُ فِي الِاصْطِيَادِ لَهُ .","part":12,"page":357},{"id":5857,"text":"( 4506 ) فَصْلٌ : وَتُمْلَكُ اللُّقَطَةُ مِلْكًا مُرَاعًى ، يَزُولُ بِمَجِيءِ صَاحِبِهَا ، وَيَضْمَنُ لَهُ بَدَلَهَا إنْ تَعَذَّرَ رَدُّهَا .\rوَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَمْلِكُهَا بِغَيْرِ عِوَضٍ يَثْبُتُ فِي ذِمَّتِهِ ، وَإِنَّمَا يَتَجَدَّدُ وُجُوبُ الْعِوَضِ بِمَجِيءِ صَاحِبِهَا ، كَمَا يَتَجَدَّدُ زَوَالُ الْمِلْكِ عَنْهَا بِمَجِيئِهِ ، وَكَمَا يَتَجَدَّدُ وُجُوبُ نِصْفِ الصَّدَاقِ لِلزَّوْجِ ، أَوْ بَدَلِهِ إنْ تَعَذَّرَ ثُبُوتُ الْمِلْكِ فِيهِ بِالطَّلَاقِ .\rوَهَذَا قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ أَكْثَرُهُمْ : لَا يَمْلِكُهَا إلَّا بِعِوَضٍ يَثْبُتُ فِي ذِمَّتِهِ لِصَاحِبِهَا وَهَذَا قَوْلُ الْقَاضِي وَأَصْحَابِهِ ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَمْلِكُ الْمُطَالَبَةَ بِهِ ، فَأَشْبَهَ الْقَرْضَ .\rوَلَنَا قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا ، وَإِلَّا فَهِيَ مَالُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ } .\rفَجَعَلَهَا مِنْ الْمُبَاحَاتِ ، وَلِأَنَّهُ لَوْ مَاتَ لَمْ يُعْزَلْ مِنْ تَرِكَتِهِ بَدَلُهَا ، وَلَا يَسْتَحِقُّ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ الزَّكَاةِ بِسَبَبِ الْغُرْمِ ، وَلَا يَلْزَمُهُ أَنْ يُوصِيَ بِهِ ، وَلَا يَمْتَنِعُ وُجُوبُ الزَّكَاةِ فِي مَالِهِ بِسَبَبِ الدَّيْنِ ، وَلَا يَثْبُتُ شَيْءٌ مِنْ أَحْكَامِ الدَّيْنِ فِي حَقِّهِ ، وَانْتِفَاءُ أَحْكَامِهِ دَلِيلٌ عَلَى انْتِفَائِهِ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : يَمْنَعُ ذَلِكَ وُجُوبَ الزَّكَاةِ ، وَلِأَنَّهُ لَوْ مَلَكَهَا بِعِوَضٍ لَمْ يَزُلْ مِلْكُهُ عَنْهَا بِمَجِيءِ صَاحِبِهَا وَلَوْ وَقَفَ مِلْكُهُ لَهَا عَلَى رِضَاهُ بِالْمُعَاوَضَةِ وَاخْتِيَارِهِ لِأَحَدِهِمَا كَالْقَرْضِ ، وَالْأَمْرُ بِخِلَافِ ذَلِكَ ، وَإِنَّمَا يَسْتَحِقُّ صَاحِبُهَا الْمُطَالَبَةَ بَعْدَ مَجِيئِهِ ، بِشَرْطِ تَلَفِهَا ، فَإِنَّهَا لَوْ كَانَتْ مَوْجُودَةً لَأَخَذَهَا ، وَلَمْ يَسْتَحِقّ لَهَا بَدَلًا .\rوَإِنْ كَانَتْ تَالِفَةً تَجَدَّدَ لَهُ مِلْكُ الْمُطَالَبَةِ بِبَدَلِهَا ، كَمَا يَتَجَدَّدُ لَهُ الْمِلْكُ فِيهَا لَوْ كَانَتْ مَوْجُودَةً ، وَكَمَا يَتَجَدَّدُ لَهُ الْمِلْكُ فِي نِصْفِ الصَّدَاقِ بِالطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ ، وَفِي بَدَلِهِ إنْ كَانَ مَعْدُومًا .\rوَهَذَا أَشْبَهُ","part":12,"page":358},{"id":5858,"text":"بِمَسْأَلَتِنَا ، وَبِهِ يَبْطُلُ مَا ذَكَرُوهُ .\rوَأَمَّا الْقَرْضُ ، فَإِنَّهُ لَمَّا ثَبَتَ بَدَلُهُ فِي الذِّمَّةِ ، لَمْ يَعُدْ الْمِلْكُ لَهُ فِي الْمُقْرِضِ إلَّا بِرِضَاءِ الْمُقْرِضِ وَاخْتِيَارِهِ .","part":12,"page":359},{"id":5859,"text":"( 4507 ) فَصْلٌ : وَكُلُّ مَا جَازَ الْتِقَاطُهُ ، مُلِكَ بِالتَّعْرِيفِ عِنْدَ تَمَامِهِ ، أَثْمَانًا كَانَتْ أَوْ غَيْرَهَا هَذَا كَلَامُ الْخِرَقِيِّ ، فَإِنَّ لَفْظَهُ عَامٌّ فِي كُلِّ لَفْظِهِ .\rوَقَدْ نُقِلَ ذَلِكَ عَنْ أَحْمَدَ ، فَإِنَّ مُحَمَّدَ بْنَ الْحَكَمِ ، رَوَى عَنْهُ فِي الصَّيَّادِ يَقَعُ فِي شِصِّهِ الْكِيسُ أَوْ النُّحَاسُ : يُعَرِّفُهُ سَنَةً ، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهُ ، وَإِلَّا فَهُوَ كَسَائِرِ مَالِهِ .\rوَهَذَا نَصٌّ فِي النُّحَاسِ .\rوَقَالَ الشَّرِيفُ بْنُ أَبِي مُوسَى : هَلْ حُكْمُ الْعُرُوضِ فِي التَّعْرِيفِ ، وَجَوَازِ التَّصَرُّفِ فِيهَا بَعْدَ ذَلِكَ ، حُكْمُ الْأَثْمَانِ ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ ، أَظْهَرُهُمَا أَنَّهَا كَالْأَثْمَانِ ، وَلَا أَعْلَمُ بَيْنَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ فَرْقًا بَيْنَ الْأَثْمَانِ وَالْعُرُوضِ فِي ذَلِكَ وَقَالَ أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا : لَا تُمْلَكُ الْعُرُوض بِالتَّعْرِيفِ .\rقَالَ الْقَاضِي : نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى هَذَا ، فِي رِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ .\rوَاخْتَلَفُوا فِيمَا يَصْنَعُ بِهَا ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ ، وَابْنُ عَقِيلٍ : يُعَرِّفُهَا أَبَدًا .\rوَقَالَ الْقَاضِي : هُوَ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يُقِيمَ عَلَى تَعْرِيفهَا حَتَّى يَجِيءَ صَاحِبُهَا ، وَبَيْنَ دَفْعِهَا إلَى الْحَاكِمِ لِيَرَى رَأْيَهُ فِيهَا .\rوَهَلْ لَهُ بَيْعُهَا بَعْدَ الْحَوْلِ ، وَيَتَصَدَّقُ بِهَا ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ ، وَقَالَ الْخَلَّالُ : كُلُّ مَا رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّهُ يُعَرِّفُهُ سَنَةً ، وَيَتَصَدَّقُ بِهِ ، وَاَلَّذِي نُقِلَ أَنَّهُ يُعَرِّفُ أَبَدًا قَوْلٌ قَدِيمٌ ، رَجَعَ عَنْهُ وَاحْتَجُّوا بِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ ، مِثْلَ قَوْلِهِمْ ، وَلِأَنَّهَا لُقَطَةٌ لَا تُمْلَكُ فِي الْحَرَمِ ، فَلَا تُمْلَكُ فِي غَيْرِهِ كَالْإِبِلِ ، وَلِأَنَّ الْخَبَرَ وَرَدَ فِي الْأَثْمَانِ ، وَغَيْرُهَا لَا يُسَاوِيهَا ؛ لِعَدَمِ الْغَرَضِ الْمُتَعَلِّقِ بِعَيْنِهَا ، فَمِثْلُهَا يَقُومُ مَقَامَهَا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ ، بِخِلَافِ غَيْرِهَا .\rوَلَنَا عُمُومُ الْأَحَادِيثِ فِي اللُّقَطَةِ جَمِيعهَا { ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ عَنْ اللُّقَطَةِ ، فَقَالَ :","part":12,"page":360},{"id":5860,"text":"عَرِّفْهَا سَنَةً ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهِ : فَانْتَفِعْ بِهَا ، أَوْ فَشَأْنَك بِهَا } وَفِي حَدِيثِ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ : \" مَنْ وَجَدَ لُقَطَةً \" وَهُوَ لَفْظٌ عَامٌّ وَرَوَى الْجُوزَجَانِيُّ ، وَالْأَثْرَمُ فِي \" كِتَابَيْهِمَا \" ، قَالَا : حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ ، ثِنَا هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ ، قَالَ حَدَّثَنِي عَمْرو بْنُ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، قَالَ { : أَتَى رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، كَيْفَ تَرَى فِي مَتَاعٍ يُوجَدُ فِي الطَّرِيقِ الْمَيْتَاءِ ، أَوْ فِي قَرْيَةٍ مَسْكُونَةٍ ؟ فَقَالَ : عَرِّفْهُ سَنَةً ، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهُ ، وَإِلَّا فَشَأْنَك بِهِ } .\rوَرَوَيَا أَنَّ سُفْيَانَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ، وَجَدَ عَيْبَةً فَأَتَى بِهَا عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فَقَالَ : عَرِّفْهَا سَنَةً ، فَإِنْ عُرِفَتْ ، وَإِلَّا فَهِيَ لَك .\rزَادَ الْجُوزَجَانِيُّ : فَلَمْ تُعْرَفْ ، فَلَقِيَهُ بِهَا الْعَامَ الْمُقْبِلَ ، فَذَكَرَهَا لَهُ ، فَقَالَ عُمَرُ : هِيَ لَك ، إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَنَا بِذَلِكَ وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ كَذَلِكَ .\rوَهَذَا نَصٌّ فِي غَيْرِ الْأَثْمَانِ .\rوَرَوَى الْجُوزَجَانِيُّ بِإِسْنَادِهِ ، عَنْ الْحُرِّ بْنِ الصَّبَّاحِ قَالَ : كُنْت عِنْدَ ابْنِ عُمَرَ بِمَكَّةَ ، إذْ جَاءَهُ رَجُلٌ .\rفَقَالَ : إنِّي وَجَدْت هَذَا الْبُرْدَ ، وَقَدْ نَشَدْته وَعَرَّفْته فَلَمْ يَعْرِفْهُ أَحَدٌ ، وَهَذَا يَوْمُ التَّرْوِيَةِ ، وَيَوْمُ يَتَفَرَّقُ النَّاسُ .\rفَقَالَ : إنْ شِئْت قَوَّمْته قِيمَةَ عَدْلٍ ، وَلَبِسْته ، وَكُنْت لَهُ ضَامِنًا ، مَتَى جَاءَك صَاحِبُهُ دَفَعْت إلَيْهِ ثَمَنَهُ ، وَإِنْ لَمْ يَجِئْ لَهُ طَالِبٌ فَهُوَ لَك إنْ شِئْت وَلِأَنَّ مَا جَازَ الْتِقَاطُهُ مُلِكَ بِالتَّعْرِيفِ ، كَالْأَثْمَانِ ، وَمَا حَكَوْهُ عَنْ الصَّحَابَةِ إنْ صَحَّ ، فَقَدْ حَكَيْنَا عَنْ عُمَرَ وَابْنِهِ خِلَافَهُ .\rوَقَوْلُهُمْ : إنَّهَا لُقَطَةٌ لَا تُمْلَكُ فِي الْحَرَمِ مَمْنُوعٌ ، ثُمَّ هُوَ مَنْقُوضٌ بِالْأَثْمَانِ ، وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُهَا عَلَى الْإِبِلِ ؛ لِأَنَّ مَعَهَا حِذَاءَهَا وَسِقَاءَهَا ، تَرِدُ الْمَاءَ ، وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ ،","part":12,"page":361},{"id":5861,"text":"حَتَّى يَأْتِيَهَا رَبُّهَا ، وَلَا يُوجَدُ ذَلِكَ فِي غَيْرِهَا ، وَلِأَنَّ الْإِبِلَ لَا يَجُوزُ الْتِقَاطُهَا ، فَلَا تُمْلَكُ بِهِ ، وَهَاهُنَا يَجُوزُ الْتِقَاطُهَا ، فَتُمْلَكُ بِهِ ، كَالْأَثْمَانِ .\rثُمَّ إذَا لَمْ تُمْلَكْ فِي الْحَرَمِ ، لَا تُمْلَكُ فِي الْحِلِّ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْحَرَمَ مُيِّزَ بِكَوْنِ لُقَطَتِهِ لَا يَلْتَقِطُهَا إلَّا مُنْشِدٌ ، وَلِهَذَا لَمْ تُمْلَكْ الْأَثْمَانُ بِالْتِقَاطِهَا فِيهِ ، فَلَا يَلْزَمُ أَنْ لَا تُمْلَكَ فِي مَوْضِعٍ لَمْ يُوجَدْ الْمَانِعُ فِيهِ وَقَوْلُهُمْ : إنَّ النَّصَّ خَاصٌّ فِي الْأَثْمَانِ .\rقُلْنَا : بَلْ هُوَ عَامٌّ فِي كُلِّ لُقَطَةٍ ، فَيَجِبُ الْعَمَلُ بِعُمُومِهِ ، وَإِنْ وَرَدَ فِيهَا نَصٌّ خَاصٌّ ، فَقَدْ رُوِيَ خَبَرٌ عَامٌ ، فَيُعْمَلُ بِهِمَا ، ثُمَّ قَدْ رَوَيْنَا نَصًّا خَاصًّا فِي الْعُرُوضِ ، فَيَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ ، كَمَا وَجَبَ الْعَمَلُ بِالْخَاصِّ فِي الْأَثْمَانِ ، ثُمَّ لَوْ اخْتَصَّ الْخَبَرُ بِالْأَثْمَانِ ، لَوَجَبَ أَنْ يُقَاسَ عَلَيْهَا مَا كَانَ فِي مَعْنَاهَا ، كَسَائِرِ النُّصُوصِ الَّتِي عُقِلَ مَعْنَاهَا وَوُجِدَ فِي غَيْرِهَا ، وَهَاهُنَا قَدْ وُجِدَ الْمَعْنَى ، فَيَجِبُ قِيَاسُهُ عَلَى الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ ، أَوْ نَقُولُ : إنَّ الْمَعْنَى هَاهُنَا آكَدُ ، فَيَثْبُتُ الْحُكْمُ فِيهِ بِطَرِيقِ التَّنْبِيه وَبَيَانُهُ أَنَّ الْأَثْمَانَ لَا تَتْلَفُ بِمُضِيِّ الزَّمَانِ عَلَيْهَا ، وَانْتِظَارِ صَاحِبِهَا بِهَا أَبَدًا ، وَالْعُرُوضُ تَتْلَفُ بِذَلِكَ ، فَفِي النِّدَاءِ عَلَيْهَا دَائِمًا هَلَاكُهَا ، وَضَيَاعُ مَالِيَّتِهَا عَلَى صَاحِبِهَا ، وَمُلْتَقِطِهَا ، وَسَائِرِ النَّاسِ ، فِي إبَاحَةِ الِانْتِفَاعِ بِهَا وَمِلْكِهَا بَعْدَ التَّعْرِيفِ ، حِفْظًا لِمَالِيَّتِهَا عَلَى صَاحِبِهَا بِدَفْعِ قِيمَتِهَا إلَيْهِ ، وَتَقَعُ لِغَيْرِهِ ، فَيَجِبُ ذَلِكَ لِنَهْيِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ إضَاعَةِ الْمَالِ ، وَلِمَا فِيهِ مِنْ الْمَصْلَحَةِ وَالْحِفْظِ لِمَالِ الْمُسْلِمِ عَلَيْهِ وَعَلَى أَخِيهِ ، وَلِأَنَّ فِي إثْبَاتِ الْمِلْكِ فِيهَا حَثًّا عَلَى الْتِقَاطِهَا وَحِفْظِهَا وَتَعْرِيفِهَا ، لِكَوْنِهِ وَسِيلَةً إلَى الْمِلْكِ الْمَقْصُودِ","part":12,"page":362},{"id":5862,"text":"لِلْآدَمِيِّ ، وَفِي نَفْيِ مِلْكِهَا تَضْيِيعٌ لَهَا ، لِمَا فِي الْتِقَاطِهَا مِنْ الْخَطَرِ وَالْمَشَقَّةِ وَالْكُلْفَةِ مِنْ غَيْرِ نَفْعٍ يَصِلُ إلَيْهِ ، فَيُؤَدِّي إلَى أَنْ لَا يَلْتَقِطَهَا أَحَدٌ لِتَعْرِيفِهَا فَتَضِيعَ وَمَا ذَكَرُوهُ فِي الْفَرْقِ مُلْغًى بِالشَّاةِ ، فَقَدْ ثَبَتَ الْمِلْكُ فِيهَا مَعَ هَذَا الْفَرْقِ ، ثُمَّ يُمْكِنُنَا أَنْ نَقِيسَ عَلَى الشَّاةِ ، فَلَا يَحْصُلُ هَذَا الْفَرْقُ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .\rثُمَّ نَقْلِبُ دَلِيلَهُمْ ، فَنَقُولُ : لُقَطَةٌ لَا تُمْلَكُ فِي الْحَرَمِ ، فَمَا أُبِيحَ الْتِقَاطُهُ مِنْهَا مُلِكَ إذَا كَانَ فِي الْحِلِّ ، كَالْإِبِلِ .","part":12,"page":363},{"id":5863,"text":"( 4508 ) فَصْلٌ : وَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ وَالْخِرَقِيِّ ، أَنَّ لُقَطَةَ الْحِلِّ وَالْحَرَمِ سَوَاءٌ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَعَائِشَةَ ، وَابْنِ الْمُسَيِّبِ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ .\rوَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى ، أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْتِقَاطُ لُقَطَةُ الْحَرَمِ لِلتَّمَلُّكِ ، وَإِنَّمَا يَجُوزُ حِفْظُهَا لِصَاحِبِهَا ، فَإِنْ الْتَقَطَهَا عَرَّفَهَا أَبَدًا حَتَّى يَأْتِيَ صَاحِبُهَا .\rوَهُوَ قَوْلُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ ، وَأَبِي عُبَيْدٍ .\rوَعَنْ الشَّافِعِيِّ كَالْمَذْهَبَيْنِ .\rوَالْحُجَّةُ لِهَذَا الْقَوْلِ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَكَّةَ : { لَا تَحِلُّ سَاقِطَتُهَا إلَّا لِمُنْشِدٍ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : الْمُنْشِدُ الْمُعَرِّفُ ، وَالنَّاشِدُ الطَّالِبُ .\rوَيُنْشَدُ : إصَاخَةُ النَّاشِدِ لِلْمُنْشِدِ فَيَكُونُ مَعْنَاهُ لَا تَحِلُّ لُقَطَةُ مَكَّةَ إلَّا لِمَنْ يُعَرِّفُهَا ؛ لِأَنَّهَا خُصَّتْ بِهَذَا مِنْ سَائِرِ الْبُلْدَانِ .\rوَرَوَى يَعْقُوبُ بْنُ شَيْبَةَ ، فِي \" مُسْنَدِهِ \" عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُثْمَانَ التَّيْمِيِّ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { نَهَى عَنْ لُقَطَةِ الْحَاجِّ } .\rقَالَ ابْنُ وَهْبٍ : يَعْنِي يَتْرُكُهَا حَتَّى يَجِدَهَا صَاحِبُهَا .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد أَيْضًا .\rوَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى عُمُومُ الْأَحَادِيثِ ، وَأَنَّهُ أَحَدُ الْحَرَمَيْنِ ، فَأَشْبَهَ حَرَمَ الْمَدِينَةِ ، وَلِأَنَّهَا أَمَانَةٌ فَلَمْ يَخْتَلِفْ حُكْمُهَا بِالْحِلِّ وَالْحَرَمِ ، كَالْوَدِيعَةِ .\rوَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إلَّا لِمُنْشِدٍ } يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ إلَّا لِمَنْ عَرَّفَهَا عَامًا ، وَتَخْصِيصُهَا بِذَلِكَ لِتَأْكِيدِهَا ، لَا لِتَخْصِيصِهَا كَقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { ضَالَّةُ الْمُسْلِمِ حَرْقُ النَّارِ } .\rوَضَالَّةُ الذِّمِّيِّ مَقِيسَةٌ عَلَيْهَا .","part":12,"page":364},{"id":5864,"text":"( 4509 ) فَصْلٌ : إذَا الْتَقَطَ لُقَطَةً ، عَازِمًا عَلَى تَمَلُّكِهَا بِغَيْرِ تَعْرِيفٍ ، فَقَدْ فَعَلَ مُحَرَّمًا ، وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَخْذُهَا بِهَذِهِ النِّيَّةِ ، فَإِذَا أَخَذَهَا لَزِمَهُ ضَمَانُهَا ، سَوَاءٌ تَلِفَتْ بِتَفْرِيطٍ أَوْ بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ ، وَلَا يَمْلِكُهَا وَإِنْ عَرَّفَهَا ؛ لِأَنَّهُ أَخَذَ مَالَ غَيْرِهِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَجُوزُ لَهُ أَخْذُهُ ، فَأَشْبَهَ الْغَاصِبَ .\rنَصَّ عَلَى هَذَا أَحْمَدُ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَمْلِكَهَا ؛ لِأَنَّ مِلْكَهَا بِالتَّعْرِيفِ وَالِالْتِقَاطِ ، وَقَدْ وُجِدَ ، فَيَمْلِكُهَا بِهِ ، كَالِاصْطِيَادِ وَالِاحْتِشَاشِ ، فَإِنَّهُ لَوْ دَخَلَ حَائِطًا لِغَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ ، فَاحْتَشَّ أَوْ اصْطَادَ مِنْهُ صَيْدًا ، مَلَكَهُ ، وَإِنْ كَانَ دُخُولُهُ مُحَرَّمًا ، كَذَا هَاهُنَا وَلِأَنَّ عُمُومَ النَّصِّ يَتَنَاوَلُ هَذَا الْمُلْتَقَطَ ، فَيَثْبُتُ حُكْمُهُ فِيهِ ، وَلِأَنَّنَا لَوْ اعْتَبَرْنَا نِيَّةَ التَّعْرِيفِ وَقْتَ الِالْتِقَاطِ ، لَافْتَرَقَ الْحَالُ بَيْنَ الْعَدْلِ وَالْفَاسِقِ وَالصَّبِيِّ وَالسَّفِيه ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ عَلَى هَؤُلَاءِ الِالْتِقَاطُ لِلتَّمَلُّكِ مِنْ غَيْرِ تَعْرِيفٍ .","part":12,"page":365},{"id":5865,"text":"( 4510 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : ( وَحَفِظَ وِكَاءَهَا وَعِفَاصَهَا ، وَحَفِظَ عَدَدَهَا وَصِفَتَهَا ) الْأَصْلُ فِي هَذَا قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ : { اعْرِفْ وِكَاءَهَا وَعِفَاصَهَا } .\rوَقَالَ فِي حَدِيثِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ : { اعْرِفْ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا وَعَدَدَهَا ، ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً } .\rوَفِي لَفْظٍ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ، أَنَّهُ قَالَ : { وَجَدْت مِائَةَ دِينَارٍ ، فَأَتَيْت بِهَا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ : عَرِّفْهَا حَوْلًا .\rفَعَرَّفْتُهَا حَوْلًا فَلَمْ تُعْرَفْ ، فَرَجَعْت إلَيْهِ ، فَقَالَ : اعْرِفْ عِدَّتَهَا وَوِعَاءَهَا وَوِكَاءَهَا ، وَاخْلِطْهَا بِمَالِك ، فَإِنْ جَاءَ رَبُّهَا فَأَدِّهَا إلَيْهِ } فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ أَمَرَهُ بِمَعْرِفَةِ صِفَاتهَا بَعْدَ التَّعْرِيفِ ، وَفِي غَيْرِهِ أَمَرَهُ بِمَعْرِفَتِهَا حِينَ الْتِقَاطِهَا قَبْلَ تَعْرِيفِهَا وَهُوَ الْأَوْلَى ؛ لِيَحْصُلَ عِنْدَهُ عِلْمُ ذَلِكَ ، فَإِذَا جَاءَ صَاحِبُهَا فَنَعَتَهَا ، غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ صِدْقُهُ فَيَجُوزُ الدَّفْعُ إلَيْهِ حِينَئِذٍ .\rوَإِنْ أَخَّرَ مَعْرِفَةَ ذَلِكَ إلَى حِينِ مَجِيءِ بَاغِيهَا ، جَازَ ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ يَحْصُلُ بِمَعْرِفَتِهَا حِينَئِذٍ .\rوَإِنْ لَمْ يَجِئْ طَالِبُهَا ، فَأَرَادَ التَّصَرُّفَ فِيهَا بَعْدَ الْحَوْلِ ، لَمْ يَجُزْ لَهُ حَتَّى يَعْرِفَ صِفَاتهَا ؛ لِأَنَّ عَيْنَهَا تَنْعَدِمُ بِالتَّصَرُّفِ ، فَلَا يَبْقَى لَهُ سَبِيلٌ إلَى مَعْرِفَةِ صِفَاتهَا إذَا جَاءَ صَاحِبُهَا .\rوَكَذَلِكَ إنْ خَلَطَهَا بِمَالِهِ عَلَى وَجْهٍ لَا تَتَمَيَّزُ مِنْهُ ، فَيَكُونُ أَمْرُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأُبَيٍّ بِمَعْرِفَةِ صِفَاتِهَا عِنْدَ خَلْطِهَا بِمَالِهِ أَمْرَ إيجَابٍ مُضَيِّقٍ ، وَأَمْرُهُ لِزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ بِمَعْرِفَةِ ذَلِكَ حِينَ الِالْتِقَاطِ وَاجِبًا مُوَسِّعًا .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ قَالَ الْقَاضِي : يَنْبَغِي أَنْ يُعَرِّفَ جِنْسَهَا دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ ، وَنَوْعَهَا ، وَإِنْ كَانَتْ ثِيَابًا عَرَّفَ لِفَافَتَهَا وَجِنْسَهَا ، وَيُعَرِّفُ قَدْرَهَا بِالْكَيْلِ ، وَبِالْوَزْنِ أَوْ بِالْعَدَدِ ، أَوْ","part":12,"page":366},{"id":5866,"text":"الذَّرْعِ ، وَيُعَرِّفُ الْعَقْدَ عَلَيْهَا ، هَلْ هُوَ عَقْدٌ وَاحِدٌ أَوْ أَكْثَرُ ، أُنْشُوطَةٌ أَوْ غَيْرُهَا ، وَيُعَرِّفُ صِمَامَ الْقَارُورَةِ الَّذِي تَدْخُلُ رَأْسَهَا ، وَعِفَاصَهَا الَّذِي تَلْبَسُهُ .","part":12,"page":367},{"id":5867,"text":"( 4511 ) فَصْلٌ : وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُشْهِدَ عَلَيْهَا حِينَ يَجِدُهَا .\rقَالَ أَحْمَدُ ، رَحِمَهُ اللَّهُ : لَا أُحِبُّ أَنْ يَمَسّهَا حَتَّى يُشْهِدَ عَلَيْهَا .\rفَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ غَيْرُ وَاجِبٍ ، وَأَنَّهُ إنْ لَمْ يُشْهِدْ عَلَيْهَا لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ .\rوَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إذَا لَمْ يُشْهِدْ عَلَيْهَا ضَمِنَهَا ؛ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ وَجَدَ لُقَطَةً ، فَلْيُشْهِدْ ذَا عَدْلٍ ، أَوْ ذَوِي عَدْلٍ } .\rوَهَذَا أَمْرٌ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ ، وَلِأَنَّهُ إذَا لَمْ يُشْهِدْ كَانَ الظَّاهِرُ أَنَّهُ أَخَذَهَا لِنَفْسِهِ .\rوَلَنَا خَبَرُ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ ، وَأُبَيُّ بْنِ كَعْبٍ ، فَإِنَّهُ أَمَرَهُمَا بِالتَّعْرِيفِ دُونَ الْإِشْهَادِ ، وَلَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ ، فَلَوْ كَانَ وَاجِبًا لَبَيَّنَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سِيَّمَا وَقَدْ سُئِلَ عَنْ حُكْمِ اللُّقَطَةِ فَلَمْ يَكُنْ لِيُخِلَّ بِذَكَرِ الْوَاجِبِ فِيهَا ، فَيَتَعَيَّنُ حَمْلُ الْأَمْرِ فِي حَدِيثِ عِيَاضٍ عَلَى النَّدْبِ وَالِاسْتِحْبَابِ وَلِأَنَّهُ أَخْذُ أَمَانَةٍ ، فَلَمْ يَفْتَقِرْ إلَى الْإِشْهَادِ ، كَالْوَدِيعَةِ وَالْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرُوهُ غَيْرُ صَحِيحٍ ، فَإِنَّهُ إذَا حَفِظَهَا وَعَرَّفَهَا فَلَمْ يَأْخُذْهَا لِنَفْسِهِ ، وَفَائِدَةُ الْإِشْهَادِ صِيَانَةُ نَفْسِهِ عَنْ الطَّمَعِ فِيهَا ، وَكَتْمُهَا وَحِفْظُهَا مِنْ وَرَثَتِهِ إنْ مَاتَ ، وَمِنْ غُرَمَائِهِ إنْ أَفْلَسَ .\rوَإِذَا أَشْهَدَ عَلَيْهَا ، لَمْ يَذْكُرْ لِلشُّهُودِ صِفَاتِهَا ، لِئَلَّا يَنْتَشِرَ ذَلِكَ فَيَدَّعِيَهَا مَنْ لَا يَسْتَحِقُّهَا ، وَيَذْكُرَ صِفَاتِهَا ، كَمَا قُلْنَا فِي التَّعْرِيفِ ، وَلَكِنْ يَذْكُرُ لِلشُّهُودِ مَا يَذْكُرُهُ فِي التَّعْرِيفِ مِنْ الْجِنْسِ وَالنَّوْعِ .\rقَالَ أَحْمَدُ ، فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ ، وَقَدْ سَأَلَهُ : إذَا أَشْهَدَ عَلَيْهَا هَلْ يُبَيِّنُ كَمْ هِيَ ؟ قَالَ : لَا ، وَلَكِنْ يَقُولُ : قَدْ أَصَبْت لُقَطَةً .\rوَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكْتُبَ صِفَاتِهَا ؛ لِيَكُونَ أَثْبَتَ لَهَا مَخَافَةَ أَنْ يَنْسَاهَا إنْ اقْتَصَرَ","part":12,"page":368},{"id":5868,"text":"عَلَى حِفْظِهَا بِقَلْبِهِ ، فَإِنَّ الْإِنْسَانَ عُرْضَةُ النِّسْيَانِ .","part":12,"page":369},{"id":5869,"text":"( 4512 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : ( فَإِنْ جَاءَ رَبُّهَا فَوَصَفَهَا لَهُ ، دُفِعَتْ إلَيْهِ بِلَا بَيِّنَةٍ ) يَعْنِي إذَا وَصَفَهَا بِصِفَاتِهَا الْمَذْكُورَةِ ، دَفَعَهَا إلَيْهِ ، سَوَاءٌ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ صِدْقُهُ أَوْ لَمْ يَغْلِبْ .\rوَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ ، وَدَاوُد ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ : لَا يُجْبَرُ عَلَى ذَلِكَ إلَّا بِبَيِّنَةٍ ، وَيَجُوزُ لَهُ دَفْعُهَا إلَيْهِ إذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ صِدْقُهُ .\rقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ : إنْ شَاءَ دَفَعَهَا إلَيْهِ وَأَخَذَ كَفِيلًا بِذَلِكَ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي } وَلِأَنَّ صِفَةَ الْمُدَّعِي لَا يَسْتَحِقُّ بِهَا كَالْمَغْصُوبِ .\rوَلَنَا قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { فَإِنْ جَاءَك أَحَدٌ يُخْبِرُك بِعَدَدِهَا وَوِعَائِهَا وَوِكَائِهَا ، فَادْفَعْهَا إلَيْهِ } .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : هَذَا الثَّابِتُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبِهِ أَقُولُ .\rوَرَوَاهُ ابْنُ الْقَصَّارِ : \" فَإِنْ جَاءَ بَاغِيَهَا ، وَوَصَفَ عِفَاصَهَا وَعَدَدَهَا ، فَادْفَعْهَا إلَيْهِ \" .\rوَفِي حَدِيثِ زَيْدٍ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ { اعْرِفْ وِكَاءَهَا وَعِفَاصَهَا ، ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً ، فَإِنْ لَمْ تُعْرَفْ ، فَاسْتَنْفِقْهَا ، وَإِنْ جَاءَ طَالِبُهَا يَوْمًا مِنْ الدَّهْرِ ، فَأَدِّهَا إلَيْهِ } .\rيَعْنِي إذَا ذَكَرَ صِفَاتِهَا ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْمَذْكُورُ فِي صَدْرِ الْحَدِيثِ ، وَلَمْ يَذْكُرْ الْبَيِّنَةَ فِي شَيْءٍ مِنْ الْحَدِيثِ ، وَلَوْ كَانَتْ شَرْطًا لِلدَّفْعِ ، لَمْ يَجُزْ الْإِخْلَالُ بِهِ ، وَلَا أَمَرَ بِالدَّفْعِ بِدُونِهِ ، وَلِأَنَّ إقَامَةَ الْبَيِّنَةِ عَلَى اللُّقَطَةِ تَتَعَذَّرُ ؛ لِأَنَّهَا إنَّمَا سَقَطَتْ حَالَ الْغَفْلَةِ وَالسَّهْوِ ، فَتَوْقِيفُ دَفْعِهَا مَنْعٌ لِوُصُولِهَا إلَى صَاحِبِهَا أَبَدًا ، وَهَذَا يُفَوِّتُ مَقْصُودَ الِالْتِقَاطِ ، وَيُفْضِي إلَى تَضْيِيعِ أَمْوَالِ النَّاسِ ، وَمَا هَذَا سَبِيلُهُ يَسْقُطُ اعْتِبَارُ الْبَيِّنَةِ فِيهِ ، كَالْإِنْفَاقِ عَلَى الْيَتِيمِ .\rوَالْجَمْعُ بَيْنَ هَذَا","part":12,"page":370},{"id":5870,"text":"الْقَوْلِ وَبَيْنَ تَفْضِيلِ الِالْتِقَاطِ عَلَى تَرْكِهِ مُتَنَاقِضٌ جِدًّا ؛ لِأَنَّ الِالْتِقَاطَ حِينَئِذٍ يَكُونُ تَضْيِيعًا لِمَالِ الْمُسْلِمِ يَقِينًا ، وَإِتْعَابًا لِنَفْسِهِ بِالتَّعْرِيفِ الَّذِي لَا يُفِيدُ ، وَالْمُخَاطَرَةِ بِدِينِهِ بِتَرْكِهِ الْوَاجِبَ مِنْ تَعْرِيفهَا ، وَمَا هَذَا سَبِيلُهُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ حَرَامًا ، فَكَيْفَ يَكُونُ فَاضِلًا .\rوَعَلَى هَذَا نَقُولُ : لَوْ لَمْ يَجِبْ دَفْعُهَا بِالصِّفَةِ ، لَمْ يَجُزْ الْتِقَاطُهَا ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ ، وَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي } .\rيَعْنِي إذَا كَانَ ثَمَّ مُنْكِرٌ ؛ لِقَوْلِهِ فِي سِيَاقِهِ : { وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ } .\rوَلَا مُنْكِرَ هَاهُنَا ، عَلَى أَنَّ الْبَيِّنَةَ تَخْتَلِفُ ، وَقَدْ جَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيِّنَةَ مُدَّعِي اللُّقَطَةِ وَصْفَهَا ، فَإِذَا وَصَفَهَا فَقَدْ أَقَامَ بَيِّنَتَهُ .\rوَقِيَاسُ اللُّقَطَةِ عَلَى الْمَغْصُوبِ غَيْرُ صَحِيحٍ ؛ فَإِنَّ النِّزَاعَ ثَمَّ فِي كَوْنِهِ مَغْصُوبًا ، وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ ، وَقَوْلُ الْمُنْكِرِ يُعَارِضُ دَعْوَاهُ ، فَاحْتِيجَ إلَى الْبَيِّنَةِ ، وَهَا هُنَا قَدْ ثَبَتَ كَوْنُ هَذَا الْمَالِ لُقَطَةً ، وَأَنَّ لَهُ صَاحِبًا غَيْرَ مَنْ هُوَ فِي يَدِهِ ، وَلَا مُدَّعِيَ لَهُ إلَّا الْوَاصِفُ ، وَقَدْ تَرَجَّحَ صِدْقُهُ ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُدْفَعَ إلَيْهِ .","part":12,"page":371},{"id":5871,"text":"( 4513 ) فَصْلٌ : فَإِنْ وَصَفَهَا اثْنَانِ ، أَقْرَعَ بَيْنَهُمَا ، فَمَنْ وَقَعَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ حَلَفَ أَنَّهَا لَهُ ، وَسُلِّمَتْ إلَيْهِ .\rوَهَكَذَا إنْ أَقَامَا بَيِّنَتَيْنِ ، أَقْرَعَ بَيْنَهُمَا ، فَمَنْ وَقَعَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ حَلَفَ ، وَدُفِعَتْ إلَيْهِ .\rذَكَرَهُ الْقَاضِي ، وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : تُقْسَمُ بَيْنَهُمَا ؛ لِأَنَّهُمَا تَسَاوَيَا فِيمَا يُسْتَحَقُّ بِهِ الدَّفْعُ ، فَتَسَاوَيَا فِيهَا ، كَمَا لَوْ كَانَتْ فِي أَيْدِيهِمَا .\rوَاَلَّذِي قُلْنَاهُ أَصَحُّ وَأَشْبَهُ بِأُصُولِنَا ، فِيمَا إذَا تَدَاعَيَا عَيْنًا فِي يَدِ غَيْرِهِمَا ، وَلِأَنَّهُمَا تَدَاعَيَا عَيْنًا فِي يَدِ غَيْرِهِمَا ، وَتَسَاوَيَا فِي الْبَيِّنَةِ ، أَوْ فِي عَدَمِهَا ، فَتَكُونُ لِمَنْ وَقَعَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ ، كَمَا لَوْ ادَّعَيَا وَدِيعَةً فِي يَدِ إنْسَانٍ ، فَقَالَ : هِيَ لِأَحَدِكُمَا ، لَا أَعْرِفُهُ عَيْنًا .\rوَفَارَقَ مَا إذَا كَانَتْ فِي أَيْدِيهِمَا ؛ لِأَنَّ يَدَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى نِصْفِهِ فَرَجَحَ قَوْلُهُ فِيهِ .\rوَإِنْ وَصَفَهَا إنْسَانٌ ، فَأَقَامَ آخَرُ الْبَيِّنَةَ أَنَّهَا لَهُ ، فَهِيَ لِصَاحِبِ الْبَيِّنَةِ ؛ لِأَنَّهَا أَقْوَى مِنْ الْوَصْفِ ، فَإِنْ كَانَ الْوَاصِفُ قَدْ أَخَذَهَا ، اُنْتُزِعَتْ مِنْهُ ، وَرُدَّتْ إلَى صَاحِبِ الْبَيِّنَةِ ؛ لِأَنَّنَا تَبَيَّنَّا أَنَّهَا لَهُ ، فَإِنْ كَانَتْ قَدْ هَلَكَتْ ، فَلِصَاحِبِهَا تَضْمِينُ مَنْ شَاءَ مِنْ الْوَاصِفِ أَوْ الدَّافِعِ إلَيْهِ .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ .\rوَيَتَخَرَّجُ أَنْ لَا يَلْزَمَ الْمُلْتَقِطَ شَيْءٌ .\rوَهَذَا قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ صَاحِبِ مَالِكٍ ، وَأَبِي عُبَيْدٍ ؛ لِأَنَّهُ فَعَلَ مَا أُمِرَ بِهِ ، لِأَنَّهُ أَمِينٌ غَيْرُ مُفَرِّطٍ وَلَا مُقَصِّرٍ ، فَلَا يَضْمَنُ كَمَا لَوْ دَفَعَهَا بِأَمْرِ الْحَاكِمِ ، وَلِأَنَّ الدَّفْعَ وَاجِبٌ عَلَيْهِ ، فَصَارَ الدَّفْعُ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ ، فَلَمْ يَضْمَنْهَا ، كَمَا لَوْ أَخَذَهَا كَرْهًا .\rوَلَنَا أَنَّهُ دَفَعَ مَالَ غَيْرِهِ إلَى غَيْرِ مُسْتَحِقِّهِ اخْتِيَارًا مِنْهُ ، فَضَمِنَهُ ، كَمَا لَوْ دَفَعَ الْوَدِيعَةَ إلَى غَيْرِ مَالِكِهَا ، إذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ","part":12,"page":372},{"id":5872,"text":"مَالِكُهَا .\rفَأَمَّا إنْ دَفَعَهَا بِحُكْمِ حَاكِمٍ ، لَمْ يَمْلِكْ صَاحِبُهَا مُطَالَبَةَ الدَّافِعِ ؛ لِأَنَّهَا مَأْخُوذَةٌ مِنْهُ عَلَى سَبِيلِ الْقَهْرِ ، فَلَمْ يَضْمَنْهَا ، كَمَا لَوْ غَصَبَهَا غَاصِبٌ .\rوَمَتَى ضَمِنَ الْوَاصِفُ لَمْ يَرْجِعْ عَلَى أَحَدٍ ؛ لِأَنَّ الْعُدْوَانَ مِنْهُ وَالتَّلَفَ عِنْدَهُ .\rفَإِنْ ضَمِنَ الدَّافِعُ ، رَجَعَ عَلَى الْوَاصِفِ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ سَبَبَ تَغْرِيمِهِ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُلْتَقِطُ قَدْ أَقَرَّ لِلْوَاصِفِ أَنَّهُ صَاحِبُهَا وَمَالِكُهَا ، فَإِنَّهُ لَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ ، لِأَنَّهُ اعْتَرَفَ أَنَّهُ صَاحِبُهَا وَمُسْتَحِقُّهَا ، وَأَنَّ صَاحِبَ الْبَيِّنَةِ ظَلَمَهُ بِتَضْمِينِهِ ، فَلَا يَرْجِعُ ، بِهِ عَلَى غَيْرِ مَنْ ظَلَمَهُ .\rوَإِنْ كَانَتْ اللُّقَطَةُ قَدْ تَلِفَتْ عِنْدَ الْمُلْتَقِطِ ، فَضَمَّنَهُ إيَّاهَا ، رَجَعَ عَلَى الْوَاصِفِ بِمَا غَرِمَهُ ، وَلَيْسَ لِمَالِكِهَا تَضْمِينُ الْوَاصِفِ ؛ لِأَنَّ الَّذِي قَبَضَهُ إنَّمَا هُوَ مَالُ الْمُلْتَقِطِ ، لَا مَالُ صَاحِبِ اللُّقَطَةِ ، بِخِلَافِ مَا إذَا سَلَّمَ الْعَيْنَ .\rفَأَمَّا إنْ وَصَفَهَا إنْسَانٌ ، فَأَخَذَهَا ، ثُمَّ جَاءَ آخَرُ فَوَصَفَهَا وَادَّعَاهَا ، لَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ اسْتَحَقَّهَا لِوَصْفِهِ إيَّاهَا ، وَعَدَمِ الْمُنَازِعِ فِيهَا ، وَثَبَتَتْ يَدُهُ عَلَيْهَا ، وَلَمْ يُوجَدْ مَا يَقْتَضِي انْتِزَاعَهَا مِنْهُ ، فَوَجَبَ إبْقَاؤُهَا لَهُ ، كَسَائِرِ مَالِهِ .","part":12,"page":373},{"id":5873,"text":"( 4514 ) فَصْلٌ : وَلَوْ جَاءَ مُدَّعٍ لِلُقَطَةٍ ، فَلَمْ يَصِفْهَا ، وَلَا أَقَامَ بَيِّنَةً أَنَّهَا لَهُ ، لَمْ يَجُزْ دَفْعُهَا إلَيْهِ ، سَوَاءٌ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ صِدْقُهُ أَوْ كَذِبُهُ ؛ لِأَنَّهَا أَمَانَةٌ ، فَلَمْ يَجُزْ دَفْعُهَا إلَى مَنْ لَمْ يُثْبِتْ أَنَّهُ صَاحِبُهَا ، كَالْوَدِيعَةِ ، فَإِنْ دَفَعَهَا ، فَجَاءَ آخَرُ فَوَصَفَهَا ، أَوْ أَقَامَ بَيِّنَةً لَزِمَ الْوَاصِفَ غَرَامَتُهَا لَهُ ؛ لِأَنَّهُ فَوَّتَهَا عَلَى مَالِكِهَا بِتَفْرِيطِهِ ، وَلَهُ الرُّجُوعُ عَلَى مُدَّعِيهَا ؛ لِأَنَّهُ أَخَذَ مَالَ غَيْرِهِ ، وَلِصَاحِبِهَا تَضْمِينُ آخِذِهَا ، فَإِذَا ضَمَّنَهُ لَمْ يَرْجِعْ عَلَى أَحَدٍ .\rوَإِنْ لَمْ يَأْتِ أَحَدٌ يَدَّعِيهَا فَلِلْمُلْتَقِطِ مُطَالَبَةُ آخِذِهَا بِهَا ؛ لِأَنَّهُ لَا يَأْمَنُ مَجِيءَ صَاحِبِهَا ، فَيُغَرِّمُهُ إيَّاهَا ، وَلِأَنَّهَا أَمَانَةٌ فِي يَدِهِ ، فَمَلَكَ أَخْذَهَا مِنْ غَاصِبِهَا ، كَالْوَدِيعَةِ .","part":12,"page":374},{"id":5874,"text":"( 4515 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : ( أَوْ مِثْلُهَا إنْ كَانَتْ قَدْ اُسْتُهْلِكَتْ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ اللُّقَطَةَ فِي الْحَوْلِ أَمَانَةٌ فِي يَدِ الْمُلْتَقِطِ ، إنْ تَلِفَتْ بِغَيْرِ تَفْرِيطِهِ أَوْ نَقَصَتْ ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ ، كَالْوَدِيعَةِ .\rوَمَتَى جَاءَ صَاحِبُهَا ، فَوَجَدَهَا أَخَذَهَا بِزِيَادَتِهَا الْمُتَّصِلَةِ وَالْمُنْفَصِلَةِ ؛ لِأَنَّهَا نَمَاءُ مِلِكِهِ .\rوَإِنْ أَتْلَفَهَا الْمُلْتَقِطُ ، أَوْ تَلِفَتْ بِتَفْرِيطِهِ ، ضَمِنَهَا بِمِثْلِهَا إنْ كَانَتْ مِنْ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ ، وَبِقِيمَتِهَا إنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا مِثْلٌ .\rلَا أَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا وَإِنْ تَلِفَتْ بَعْدَ الْحَوْلِ ، ثَبَتَ فِي ذِمَّتِهِ مِثْلُهَا أَوْ قِيمَتُهَا بِكُلِّ حَالٍ ؛ لِأَنَّهَا دَخَلَتْ فِي مِلِكِهِ ، وَتَلِفَتْ مِنْ مَالِهِ ، وَسَوَاءٌ فَرَّطَ فِي حِفْظِهَا أَوْ لَمْ يُفَرِّطْ .\rوَإِنْ وَجَدَ الْعَيْنَ نَاقِصَةً ، وَكَانَ نَقْصُهَا بَعْدَ الْحَوْلِ ، أَخَذَ الْعَيْنَ وَأَرْشَ نَقْصِهَا ؛ لِأَنَّ جَمِيعَهَا مَضْمُونٌ إذَا تَلِفَتْ ، فَكَذَلِكَ إذَا نَقَصَتْ .\rوَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ الَّذِينَ حَكَمُوا بِمِلْكِهِ لَهَا بِمُضِيِّ حَوْلِ التَّعْرِيفِ ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ : لَا يَمْلِكُهَا حَتَّى يَتَمَلَّكَهَا .\rلَمْ يُضَمِّنْهُ إيَّاهَا حَتَّى يَتَمَلَّكَهَا ، وَحُكْمُهَا قَبْلَ تَمَلُّكِهِ إيَّاهَا حُكْمُهَا قَبْلَ مُضِيِّ حَوْلِ التَّعْرِيفِ .\rوَمَنْ قَالَ : لَا تُمْلَكُ اللُّقَطَةُ بِحَالٍ لَمْ يُضَمِّنْهُ إيَّاهَا .\rوَبِهَذَا قَالَ الْحَسَنُ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَأَبُو مِجْلَزٍ وَالْحَارِثُ الْعُكْلِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَأَبُو يُوسُفَ ، قَالُوا : لَا يَضْمَنُ ، وَإِنْ ضَاعَتْ بَعْدَ الْحَوْلِ .\rوَقَدْ ذَكَرْنَا فِيمَا تَقَدَّمَ دَلِيلَ دُخُولِهَا فِي مِلْكِهِ .\rوَقَالَ دَاوُد : إذَا تَمَلَّكَ الْعَيْنَ وَأَتْلَفَهَا ، لَمْ يَضْمَنْهَا .\rوَحَكَى ابْنُ أَبِي مُوسَى ، عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّهُ لَوَّحَ إلَى مِثْلِ هَذَا الْقَوْلِ ؛ لِحَدِيثِ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { فَإِنْ جَاءَ رَبُّهَا ، وَإِلَّا فَهِيَ مَالُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ } فَجَعَلَهُ مُبَاحًا .\rوَقَوْلِهِ فِي","part":12,"page":375},{"id":5875,"text":"حَدِيثِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ : { فَإِنْ جَاءَ مَنْ يَعْرِفُهَا ، وَإِلَّا فَهِيَ كَسَبِيلِ مَالِك } .\rوَفِي حَدِيثِ زَيْدٍ : { فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا ، وَإِلَّا فَشَأْنَك بِهَا } .\rوَرُوِيَ : \" فَهِيَ لَك \" .\rوَلَمْ يَأْمُرْهُ بِرَدِّ بَدَلَهَا .\rوَلَنَا قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { فَإِنْ لَمْ تُعْرَفْ فَاسْتَنْفِقْهَا ، وَلْتَكُنْ وَدِيعَةً عِنْدَك ، فَإِنْ جَاءَ طَالِبُهَا يَوْمًا مِنْ الدَّهْرِ ، فَادْفَعْهَا إلَيْهِ } .\rوَقَالَ الْأَثْرَمُ : قَالَ أَحْمَدُ : أَذْهَبُ إلَى حَدِيثِ الضَّحَّاكِ بْنِ عُثْمَانَ .\rجَوَّدَهُ ، وَلَمْ يَرْوِهِ أَحَدٌ مِثْلَ مَا رَوَاهُ : { إنْ جَاءَ صَاحِبُهَا بَعْدَ سَنَةٍ ، وَقَدْ أَنْفَقَهَا ، رَدَّهَا إلَيْهِ } لِأَنَّهَا عَيْنٌ يَلْزَمُ رَدُّهَا لَوْ كَانَتْ بَاقِيَةً ، فَيَلْزَمُهُ ضَمَانُهَا إذَا أَتْلَفَهَا ، كَمَا قَبْلَ الْحَوْلِ ، وَلِأَنَّهُ مَالٌ مَعْصُومٌ ، فَلَمْ يَجُزْ إسْقَاطُ حَقِّهِ مِنْهُ مُطْلَقًا ، كَمَا لَوْ اُضْطُرَّ إلَى مَالِ غَيْرِهِ ، وَإِنْ وَجَدَ الْعَيْنَ زَائِدَةً بَعْدَ الْحَوْلِ زِيَادَةً مُتَّصِلَةً ، أَخَذَهَا بِزِيَادَتِهَا ؛ لِأَنَّهَا تَتْبَعُ فِي الرَّدِّ بِالْعَيْبِ وَالْإِقَالَةِ ، فَتَبِعَتْ هَاهُنَا .\rوَإِنْ حَدَثَ بَعْدَ الْحَوْلِ لَهَا نَمَاءٌ مُنْفَصِلٌ ، فَهُوَ لِلْمُلْتَقِطِ ؛ لِأَنَّهُ نَمَاءُ مِلْكِهِ مُتَمَيِّزٌ لَا يَتْبَعُ فِي الْفُسُوخِ ، فَكَانَ لَهُ ، كَنَمَاءِ الْمَبِيعِ إذَا رُدَّ بِعَيْبٍ .\rوَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ فِيهِ وَجْهًا آخَرَ ، بِنَاءً عَلَى الْمُفْلِسِ إذَا اُسْتُرْجِعَتْ مِنْهُ الْعَيْنُ بَعْدَ أَنْ زَادَتْ زِيَادَةً مُتَمَيِّزَةً ، وَالْوَلَدِ إذَا اسْتَرْجَعَ أَبُوهُ مَا وَهَبَهُ لَهُ بَعْدَ زِيَادَتِهِ .\rوَالصَّحِيحُ أَنَّ الزِّيَادَةَ لِلْمُلْتَقِطِ ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ .\rوَكَذَلِكَ الصَّحِيحُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرَهُمَا أَنَّ الزِّيَادَةَ لِمَنْ حَدَثَتْ فِي مِلِكِهِ .\rثُمَّ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّهُ فِي مَسْأَلَتِنَا يَضْمَنُ النَّقْصَ ، فَتَكُونُ لَهُ الزِّيَادَةُ ، لِيَكُونَ الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ ، وَثَمَّ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ ، فَأَمْكَنَ أَنْ لَا يَكُونَ الْخَرَاجُ لَهُ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .\rوَمَتَى","part":12,"page":376},{"id":5876,"text":"اخْتَلَفَا فِي الْقِيمَةِ أَوْ الْمِثْلِ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُلْتَقِطِ مَعَ يَمِينِهِ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ مِمَّا حَلَفَ عَلَيْهِ .","part":12,"page":377},{"id":5877,"text":"( 4516 ) فَصْلٌ : وَإِنْ وَجَدَ الْعَيْنَ بَعْدَ خُرُوجِهَا مِنْ مِلْكِ الْمُلْتَقِطِ بِبَيْعٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ نَحْوِهِمَا ، لَمْ يَكُنْ لَهُ الرُّجُوعُ فِيهَا ، وَلَهُ أَخْذُ بَدَلِهَا ؛ لِأَنَّ تَصَرُّفَ الْمُلْتَقِطِ وَقَعَ صَحِيحًا ؛ لِكَوْنِهَا صَارَتْ فِي مِلْكِهِ .\rوَإِنْ صَادَفَهَا قَدْ رَجَعَتْ إلَى الْمُلْتَقِطِ بِفَسْخٍ أَوْ شِرَاءٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ ، فَلَهُ أَخْذُهَا ؛ لِأَنَّهُ وَجَدَ عَيْنَ مَالِهِ فِي يَدِ مُلْتَقِطِهِ ، فَكَانَ لَهُ أَخْذُهُ كَالزَّوْجِ إذَا طَلَّقَ قَبْلَ الدُّخُولِ فَوَجَدَ الصَّدَاقَ قَدْ رَجَعَ إلَى الْمَرْأَةِ .\rوَسَائِرُ أَحْكَامِ الرُّجُوعِ هَاهُنَا كَحُكْمِ رُجُوعِ الزَّوْجِ ، عَلَى مَا نَذْكُرُهُ فِي مَوْضِعِهِ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .","part":12,"page":378},{"id":5878,"text":"( 4517 ) فَصْلٌ : إذَا أَخَذَ اللُّقَطَةَ ، ثُمَّ رَدَّهَا إلَى مَوْضِعِهَا ، ضَمِنَهَا .\rرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ طَاوُسٍ .\rوَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ ؛ لِمَا رَوَى الْأَثْرَمُ ، عَنْ الْقَعْنَبِيِّ ، عَنْ مَالِكٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ ، عَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ ، عَنْ عُمَرَ ، أَنَّهُ قَالَ لِرَجُلٍ وَجَدَ بَعِيرًا : أَرْسِلْهُ حَيْثُ وَجَدَتْهُ .\rوَلِمَا رُوِيَ عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، أَنَّهُ رَأَى فِي بَقَرِهِ بَقَرَةً قَدْ لَحِقَتْ بِهَا ، فَأَمَرَ بِهَا فَطُرِدَتْ حَتَّى تَوَارَتْ وَلَنَا : أَنَّهَا أَمَانَةٌ حَصَلَتْ فِي يَدِهِ ، فَلَزِمَهُ حِفْظُهَا ، فَإِذَا ضَيَّعَهَا لَزِمَهُ ضَمَانُهَا كَمَا لَوْ ضَيَّعَ الْوَدِيعَةَ .\rوَلِأَنَّهَا لَمَّا حَصَلَتْ فِي يَدِهِ ، لَزِمَهُ حِفْظُهَا ، وَتَرْكُهَا تَضْيِيعُهَا .\rفَأَمَّا حَدِيثُ عُمَرَ فَهُوَ فِي الضَّالَّةِ الَّتِي لَا تَحِلُّ .\rفَأَمَّا مَا لَا يَحِلُّ الْتِقَاطُهُ إذَا أَخَذَهُ ، فَيَحْتَمِلُ أَنَّ لَهُ رَدَّهُ إلَى مَكَانِهِ ، وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ لِهَذِهِ الْآثَارِ ، وَلِأَنَّهُ كَانَ وَاجِبًا عَلَيْهِ تَرْكُهُ فِي مَكَانِهِ ابْتِدَاءٍ ، فَكَانَ لَهُ ذَلِكَ بَعْدَ أَخْذِهِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَبْرَأَ مِنْ ضَمَانِهِ بِرَدِّهِ ، لِأَنَّهُ دَخَلَ فِي ضَمَانِهِ ، فَلَمْ يَبْرَأْ مِنْ ضَمَانِهِ بِرَدِّهِ إلَى مَكَانِهِ ، كَالْمَسْرُوقِ وَمَا يَجُوزُ الْتِقَاطُهُ ، فَعَلَى هَذَا لَا يَبْرَأُ إلَّا بِرَدِّهِ إلَى الْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ .\rوَأَمَّا عُمَرُ فَهُوَ كَانَ الْإِمَامَ ، فَإِذَا أَمَرَ بِرَدِّهِ كَانَ كَأَخْذِهِ مِنْهُ .\rوَحَدِيثُ جَرِيرٍ لَا حُجَّةَ فِيهِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْخُذْ الْبَقَرَةَ ، وَلَا أَخَذَهَا غُلَامُهُ ، إنَّمَا لَحِقَتْ بِالْبَقَرِ مِنْ غَيْرِ فِعْلِهِ وَلَا اخْتِيَارِهِ .","part":12,"page":379},{"id":5879,"text":"( 4518 ) فَصْلٌ : وَإِنْ ضَاعَتْ اللُّقَطَةُ مِنْ مُلْتَقِطِهَا بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهَا أَمَانَةٌ فِي يَدِهِ ، فَأَشْبَهَتْ الْوَدِيعَةَ .\rفَإِنْ الْتَقَطَهَا آخَرُ ، فَعَرَفَ أَنَّهَا ضَاعَتْ مِنْ الْأَوَّلِ ، فَعَلَيْهِ رَدُّهَا إلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ لَهُ حَقُّ التَّمَوُّلِ وَوِلَايَةُ التَّعْرِيفِ وَالْحِفْظِ ، فَلَا يَزُولُ ذَلِكَ بِالضَّيَاعِ .\rفَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ الثَّانِي بِالْحَالِ حَتَّى عَرَّفَهَا حَوْلًا ، مَلَكَهَا ؛ لِأَنَّ سَبَبَ الْمِلْكِ وُجِدَ مِنْهُ مِنْ غَيْرِ عُدْوَانٍ ، فَيَثْبُتُ الْمِلْكُ بِهِ كَالْأَوَّلِ ، وَلَا يَمْلِكُ الْأَوَّلُ انْتِزَاعَهَا ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ مُقَدَّمٌ عَلَى حَقِّ التَّمَلُّكِ ، وَإِذَا جَاءَ صَاحِبُهَا فَلَهُ أَخْذُهَا مِنْ الثَّانِي ، وَلَيْسَ لَهُ مُطَالَبَةُ الْأَوَّلِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُفَرِّطْ ، وَإِنْ عَلِمَ الثَّانِي بِالْأَوَّلِ ، فَرَدَّهَا إلَيْهِ ، فَأَبَى أَخْذَهَا ، وَقَالَ : عَرِّفْهَا أَنْتَ فَعَرَّفَهَا ، مَلَكَهَا أَيْضًا ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ تَرَكَ حَقَّهُ فَسَقَطَ .\rوَإِنْ قَالَ : عَرِّفْهَا ، وَيَكُونُ مِلْكُهَا لِي .\rفَفَعَلَ ، فَهُوَ مُسْتَنِيبٌ لَهُ فِي التَّعْرِيفِ ، وَيَمْلِكُهَا الْأَوَّلُ ؛ لِأَنَّهُ وَكَّلَهُ فِي التَّعْرِيفِ ، فَصَحَّ ، كَمَا لَوْ كَانَتْ فِي يَدِ الْأَوَّلِ .\rوَإِنْ قَالَ : عَرِّفْهَا ، وَتَكُونُ بَيْنَنَا .\rفَفَعَلَ ، صَحَّ أَيْضًا ، وَكَانَتْ بَيْنَهُمَا ؛ لِأَنَّهُ أَسْقَطَ حَقَّهُ مِنْ نِصْفِهَا ، وَوَكَّلَهُ فِي الْبَاقِي .\rوَإِنْ قَصَدَ الثَّانِي بِالتَّعْرِيفِ تَمَلُّكَهَا لِنَفْسِهِ دُونِ الْأَوَّلِ ، احْتَمَلَ وَجْهَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، يَمْلِكُهَا ؛ لِأَنَّ سَبَبَ الْمِلْكِ وُجِدَ مِنْهُ ، فَمَلَكَهَا ، كَمَا لَوْ أَذِنَ لَهُ الْأَوَّلُ فِي تَعْرِيفِهَا لِنَفْسِهِ وَالثَّانِي لَا يَمْلِكُهَا ؛ لِأَنَّ وِلَايَةَ التَّعْرِيفِ لِلْأَوَّلِ ، أَشْبَهَ مَا لَوْ غَصَبَهَا مِنْ الْمُلْتَقِطِ غَاصِبٌ فَعَرَّفَهَا .\rوَكَذَلِكَ الْحُكْمُ إذَا عَلِمَ الثَّانِي بِالْأَوَّلِ فَعَرَّفَهَا ، وَلَمْ يُعْلِمْهُ بِهَا .\rوَيُشْبِهُ هَذَا الْمُتَحَجِّرَ فِي الْمَوَاتِ إذَا سَبَقَهُ غَيْرُهُ إلَى مَا حَجَرَهُ ، فَأَحْيَاهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ","part":12,"page":380},{"id":5880,"text":".\rفَأَمَّا إنْ غَصَبَهَا غَاصِبٌ مِنْ الْمُلْتَقِطِ ، فَعَرَّفَهَا ، لَمْ يَمْلِكْهَا ، وَجْهًا وَاحِدًا ؛ لِأَنَّهُ مُعْتَدٍ بِأَخْذِهَا وَلَمْ يُوجَدْ مِنْهُ سَبَبُ تَمَلُّكِهَا ، فَإِنَّ الِالْتِقَاطَ مِنْ جُمْلَةِ السَّبَبِ ، وَلَمْ يُوجَدْ مِنْهُ .\rوَيُفَارِقُ هَذَا مَا إذَا الْتَقَطَهَا ثَانٍ ، فَإِنَّهُ وُجِدَ مِنْهُ الِالْتِقَاطُ وَالتَّعْرِيفُ .","part":12,"page":381},{"id":5881,"text":"( 4519 ) فَصْلٌ : وَمَنْ اصْطَادَ سَمَكَةً ، فَوَجَدَ فِيهَا دُرَّةً ، فَهِيَ لِلصَّيَّادِ ؛ لِأَنَّ الدُّرَّ يَكُونُ فِي الْبَحْرِ ، بِدَلِيلِ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَتَسْتَخْرِجُونَ مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا } .\rفَتَكُونُ لِآخِذِهَا ، فَإِنْ بَاعَهَا الصَّيَّادُ وَلَمْ يَعْلَمْ ، فَوَجَدَهَا الْمُشْتَرِي فِي بَطْنِهَا ، فَهِيَ لِلصَّيَّادِ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَعْلَمْ مَا فِي بَطْنِهَا فَلَمْ يَبِعْهُ ، وَلَمْ يَرْضَ بِزَوَالِ مِلْكِهِ عَنْهُ ، فَلَمْ يَدْخُلْ فِي الْبَيْعِ ، كَمَنْ بَاعَ دَارًا لَهُ مَالٌ مَدْفُونٌ فِيهَا .\rوَإِنْ وَجَدَ فِي بَطْنِهَا عَنْبَرَةً أَوْ شَيْئًا مِمَّا يَكُونُ فِي الْبَحْرِ ، فَهُوَ لِلصَّيَّادِ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا .\rوَحُكْمُهُ حُكْمُ الْجَوْهَرَةِ وَإِنْ وَجَدَ دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ ، فَهِيَ لُقَطَةٌ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُخْلَقُ فِي الْبَحْرِ ، وَلَا يَكُونُ إلَّا لِآدَمِيٍّ ، فَيَكُونُ لُقَطَةً ، كَمَا لَوْ وَجَدَهُ فِي الْبَحْرِ .\rوَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي الدُّرَّةِ إذَا كَانَ فِيهَا أَثَرٌ لِآدَمِيٍّ ، مِثْلُ أَنْ تَكُونَ مَثْقُوبَةً أَوْ مُتَّصِلَةً بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ أَوْ غَيْرِهِمَا ، فَإِنَّهَا تَكُونُ لُقَطَةً لَا يَمْلِكُهَا الصَّيَّادُ ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَقَعْ فِي الْبَحْرِ حَتَّى تَثْبُتَ الْيَدُ عَلَيْهَا ، فَهِيَ كَالدِّينَارِ .\rوَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي الْعَنْبَرَةِ إذَا كَانَتْ مَوْصُولَةً بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ ، أَوْ مَصْنُوعَةً ، كَالتُّفَّاحَةِ مَثْقُوبَةً ، وَنَحْوَ ذَلِكَ مِمَّا لَا يُخْلَقُ عَلَيْهِ فِي الْبَحْرِ ، فَهِيَ لُقَطَةٌ وَإِنْ وَجَدَهَا الصَّيَّادُ فَعَلَيْهِ تَعْرِيفُهَا ؛ لِأَنَّهُ مُلْتَقِطُهَا ، وَإِنْ وَجَدَهَا الْمُشْتَرِي ، فَالتَّعْرِيفُ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ وَاجِدُهَا ، وَلَا حَاجَةَ إلَى الْبِدَايَةِ بِالْبَائِعِ ، فَإِنَّهُ لَا يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ السَّمَكَةُ ابْتَلَعَتْ ذَلِكَ بَعْدَ اصْطِيَادِهَا وَمِلْكِ الصَّيَّادِ لَهَا ، فَاسْتَوَى هُوَ وَغَيْرُهُ .\rفَأَمَّا إنْ اشْتَرَى شَاةً ، وَوَجَدَ فِي بَطْنِهَا دُرَّةً أَوْ عَنْبَرَةً أَوْ دَنَانِيرَ أَوْ دَرَاهِمَ ، فَهِيَ لُقَطَةٌ يُعَرِّفُهَا ، وَيَبْدَأُ بِالْبَائِعِ ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ","part":12,"page":382},{"id":5882,"text":"أَنْ تَكُونَ ابْتَلَعَتْهَا مِنْ مِلْكِهِ فَيَبْدَأُ بِهِ ، كَقَوْلِنَا فِي مُشْتَرِي الدَّارِ إذَا وَجَدَ فِيهَا مَالًا مَدْفُونًا وَإِنْ اصْطَادَ السَّمَكَةَ مِنْ غَيْرِ الْبَحْرِ ، كَالنَّهْرِ وَالْعَيْنِ ، فَحُكْمُهَا حُكْمُ الشَّاةِ ، فِي أَنَّ مَا وُجِدَ فِي بَطْنِهَا مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ لُقَطَةٌ ، دُرَّةً كَانَتْ أَوْ غَيْرَهَا ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَكُونُ إلَّا فِي الْبَحْرِ بِحُكْمِ الْعَادَةِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ الدُّرَّةُ لِلصَّيَّادِ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا } .","part":12,"page":383},{"id":5883,"text":"( 4520 ) فَصْلٌ : وَإِنْ وَجَدَ عَنْبَرَةً عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ ، فَهِيَ لَهُ ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْبَحْرُ أَلْقَاهَا ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ الْمِلْكِ فِيهَا ، فَكَانَتْ مُبَاحَةً لِآخِذِهَا ، كَالصَّيْدِ .\rوَقَدْ رَوَى سَعِيدٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا إسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ عَمْرٍو الْعَبْدِيِّ ، قَالَ : أَلْقَى بَحْرُ عَدَنَ عَنْبَرَةً مِثْلَ الْبَعِيرِ ، فَأَخَذَهَا نَاسٌ بِعَدَنَ .\rفَكُتِبَ إلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، فَكَتَبَ إلَيْنَا ، أَنْ خُذُوا مِنْهَا الْخُمُسَ ، وَادْفَعُوا إلَيْهِمْ سَائِرَهَا ، وَإِنْ بَاعُوكُمُوهَا فَاشْتَرُوهَا .\rفَأَرَدْنَا أَنْ نَزِنَهَا فَلَمْ نَجِدْ مِيزَانًا يُخْرِجُهَا ، فَقَطَعْنَاهَا اثْنَيْنِ ، وَوَزَنَّاهَا ، فَوَجَدْنَاهَا سِتَّمِائَةِ رِطْلٍ ، فَأَخَذْنَا خُمُسَهَا ، وَدَفَعْنَا سَائِرَهَا إلَيْهِمْ ، ثُمَّ اشْتَرَيْنَاهَا بِخَمْسَةِ آلَافِ دِينَارٍ ، وَبَعَثْنَا بِهَا إلَى عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، فَلَمْ يَلْبَثْ إلَّا قَلِيلًا حَتَّى بَاعَهَا بِثَلَاثَةٍ وَثَلَاثِينَ أَلْفَ دِينَارٍ .","part":12,"page":384},{"id":5884,"text":"( 4521 ) فَصْلٌ : وَإِنْ صَادَ غَزَالًا ، فَوَجَدَهُ مَخْضُوبًا ، أَوْ فِي عُنُقِهِ حِرْزٌ ، أَوْ فِي أُذُنِهِ قُرْطٌ ، وَنَحْوَ ذَلِكَ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى ثُبُوتِ الْيَدِ عَلَيْهِ ، فَهُوَ لُقَطَةٌ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ مَمْلُوكًا .\rوَقَالَ أَحْمَدُ ، فِي مَنْ أَلْقَى شَبَكَةً فِي الْبَحْرِ ، فَوَقَعَتْ فِيهَا سَمَكَةٌ ، فَجَذَبَتْ الشَّبَكَةَ ، فَمَرَّتْ بِهَا فِي الْبَحْرِ ، فَصَادَهَا رَجُلٌ ، فَإِنَّ السَّمَكَةَ لِلَّذِي حَازَهَا ، وَالشَّبَكَةُ يُعَرِّفُهَا وَيَدْفَعُهَا إلَى صَاحِبِهَا .\rفَجَعَلَ الشَّبَكَةَ لُقَطَةً ؛ لِأَنَّهَا مَمْلُوكَةٌ لِآدَمِيٍّ ، وَالسَّمَكَةَ لِمَنْ صَادَهَا ؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ مُبَاحَةً وَلَمْ يَمْلِكْهَا صَاحِبُ الشَّبَكَةِ ، لِكَوْنِ شَبَكَتِهِ لَمْ تُثْبِتْهَا ، فَبَقِيَتْ عَلَى الْإِبَاحَةِ ، وَهَكَذَا لَوْ نَصَبَ فَخًّا أَوْ شَرَكًا ، فَوَقَعَ فِيهِ صَيْدٌ مِنْ صَيُودِ الْبَرِّ ، فَأَخَذَهُ وَذَهَبَ بِهِ ، وَصَادَهُ آخَرُ ، فَهُوَ لِمَنْ صَادَهُ ، وَيَرُدُّ الْآلَةَ إلَى صَاحِبِهَا ، فَهِيَ لُقَطَةٌ يُعَرِّفُهَا وَقَالَ أَحْمَدُ ، فِي رَجُلٍ انْتَهَى إلَى شَرَكٍ فِيهِ حِمَارُ وَحْشٍ ، أَوْ ظَبْيَةٌ ، قَدْ شَارَفَ الْمَوْتَ ، فَخَلَّصَهُ وَذَبَحَهُ : هُوَ لِصَاحِبِ الْأُحْبُولَةِ ، وَمَا كَانَ مِنْ الصَّيْدِ فِي الْأُحْبُولَةِ فَهُوَ لِمَنْ نَصَبَهَا ، وَإِنْ كَانَ بَازِيًا أَوْ صَقْرًا أَوْ عُقَابًا .\rوَسُئِلَ عَنْ بَازِي أَوْ صَقْرٍ أَوْ كَلْبٍ مُعَلَّمٍ أَوْ فَهْدٍ ، ذَهَبَ عَنْ صَاحِبِهِ ، فَدَعَاهُ فَلَمْ يُجِبْهُ ، وَمَرَّ فِي الْأَرْضِ حَتَّى أَتَى لِذَلِكَ أَيَّامٌ ، فَأَتَى قَرْيَةً ، فَسَقَطَ عَلَى حَائِطٍ ، فَدَعَاهُ رَجُلٌ فَأَجَابَهُ ؟ قَالَ : يَرُدُّهُ عَلَى صَاحِبِهِ .\rقِيلَ لَهُ : فَإِنْ دَعَاهُ فَلَمْ يُجِبْهُ فَنَصَبَ لَهُ شَرَكًا فَصَادَهُ بِهِ ؟ قَالَ : يَرُدُّهُ عَلَى صَاحِبِهِ فَجَعَلَ هَذَا لِصَاحِبِهِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ مَلَكَهُ ، فَلَمْ يَزُلْ مِلْكُهُ عَنْهُ بِذَهَابِهِ عَنْهُ ، وَالسَّمَكَةِ فِي الشَّبَكَةِ لَمْ يَكُنْ مَلَكَهَا وَلَا حَازَهَا ، وَكَذَلِكَ جَعَلَ مَا وَقَعَ فِي الْأُحْبُولَةِ مِنْ الْبَازِي وَالصَّقْرِ وَالْعُقَابِ لِصَاحِبِ الْأُحْبُولَةِ .\rوَلَمْ يَجْعَلُهُ","part":12,"page":385},{"id":5885,"text":"هَاهُنَا لِمَنْ وَقَعَ فِي شَرَكِهِ ؛ لِأَنَّ هَذَا فِيمَا عُلِمَ أَنَّهُ قَدْ كَانَ مَمْلُوكًا لَإِنْسَانٍ فَذَهَبَ ، وَإِنَّمَا يُعْلَمُ هَذَا بِالْخَبَرِ ، أَوْ بِوُجُودِ مَا يَدُلُّ عَلَى الْمِلْكِ فِيهِ ، مِثْلَ وُجُودِ السَّيْرِ فِي رِجْلِهِ ، أَوْ آثَارِ التَّعَلُّمِ ، مِثْلَ اسْتِجَابَتِهِ لِلَّذِي يَدْعُوهُ ، وَنَحْوِ ذَلِكَ .\rوَمَتَى لَمْ يُوجَدْ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مَمْلُوكٌ ، فَهُوَ لِمَنْ اصْطَادَهُ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْمِلْكِ فِيهِ وَإِبَاحَتُهُ .","part":12,"page":386},{"id":5886,"text":"( 4522 ) فَصْلٌ : وَمَنْ أُخِذَتْ ثِيَابُهُ مِنْ الْحَمَّامِ ، وَوَجَدَ بَدَلَهَا ، وَأُخِذَ مَدَاسُهُ ، وَتُرِكَ لَهُ بَدَلُهُ ، لَمْ يَمْلِكْهُ بِذَلِكَ .\rقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ، فِي مَنْ سُرِقَتْ ثِيَابُهُ وَوَجَدَ غَيْرَهَا : لَمْ يَأْخُذْهَا ، فَإِنْ أَخَذَهَا عَرَّفَهَا سَنَةً ، ثُمَّ تَصَدَّقَ بِهَا .\rإنَّمَا قَالَ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ سَارِقَ الثِّيَابِ لَمْ تَجْرِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَالِكِهَا مُعَاوَضَةٌ تَقْتَضِي زَوَالَ مِلْكِهِ عَنْ ثِيَابِهِ ، فَإِذَا أَخَذَهَا فَقَدْ أَخَذَ مَالَ غَيْرِهِ ، وَلَمْ يَعْرِفْ صَاحِبَهُ ، فَيُعَرِّفُهُ كَاللُّقَطَةِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يُنْظَرَ فِي هَذَا ، فَإِنْ كَانَتْ ثَمَّ قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلَى السَّرِقَةِ ، بِأَنْ تَكُونَ ثِيَابُهُ أَوْ مَدَاسُهُ خَيْرًا مِنْ الْمَتْرُوكَةِ ، وَكَانَتْ مِمَّا لَا تَشْتَبِهُ عَلَى الْآخِذِ بِثِيَابِهِ وَمَدَاسِهِ ، فَلَا حَاجَةَ إلَى التَّعْرِيفِ لِأَنَّ التَّعْرِيفَ إنَّمَا جُعِلَ فِي الْمَالِ الضَّائِعِ عَنْ رَبِّهِ ، لِيَعْلَمَ بِهِ وَيَأْخُذَهُ ، وَتَارِكُ هَذَا عَالِمٌ بِهِ رَاضٍ بِبَدَلِهِ عِوَضًا عَمَّا أَخَذَهُ ، وَلَا يَعْتَرِفُ أَنَّهُ لَهُ ، فَلَا يَحْصُلُ فِي تَعْرِيفِهِ فَائِدَةٌ ، فَإِذًا لَيْسَ هُوَ بِمَنْصُوصٍ عَلَيْهِ ، وَلَا فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ ، وَفِيمَا يَصْنَعُ بِهَا ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ أَحَدُهَا أَنَّهُ يَتَصَدَّقُ بِهِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا .\rالثَّانِي أَنَّهُ يُبَاحُ لَهُ أَخْذُهَا ؛ لِأَنَّ صَاحِبَهَا فِي الظَّاهِرِ تَرَكَهَا لَهُ بَاذِلًا إيَّاهَا لَهُ عِوَضًا عَمَّا أَخَذَهُ ، فَصَارَ كَالْمُبِيحِ لَهُ أَخْذَهَا بِلِسَانِهِ ، فَصَارَ كَمَنْ قَهَرَ إنْسَانًا عَلَى أَخْذِ ثَوْبِهِ ، وَدَفَعَ إلَيْهِ دِرْهَمًا .\rالثَّالِثُ أَنَّهُ يَرْفَعُهَا إلَى الْحَاكِمِ ، لِيَبِيعَهَا ، وَيَدْفَعَ إلَيْهِ ثَمَنَهَا عِوَضًا عَنْ مَالِهِ .\rوَالْوَجْهُ الثَّانِي أَقْرَبُ إلَى الرِّفْقِ بِالنَّاسِ ؛ لِأَنَّ فِيهِ نَفْعًا لِمَنْ سُرِقَتْ ثِيَابُهُ ، بِحُصُولِ عِوَضٍ عَنْهَا ، وَنَفْعًا لِلسَّارِقِ بِالتَّخْفِيفِ عَنْهُ مِنْ الْإِثْمِ ، وَحِفْظًا لِهَذِهِ الثِّيَابِ الْمَتْرُوكَةِ مِنْ الضَّيَاعِ ، وَقَدْ أَبَاحَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ لِمَنْ لَهُ عَلَى إنْسَانٍ حَقٌّ مِنْ","part":12,"page":387},{"id":5887,"text":"دَيْنٍ أَوْ غَصْبٍ ، أَنْ يَأْخُذَ مِنْ مَالِ مَنْ عَلَيْهِ الْحَقُّ بِقَدْرِ مَا عَلَيْهِ ، إذَا عَجَزَ عَنْ اسْتِيفَائِهِ بِغَيْرِ ذَلِكَ ، فَهُنَا مَعَ رِضَاءِ مَنْ عَلَيْهِ الْحَقُّ بِأَخْذِهِ أَوْلَى .\rوَإِنْ كَانَتْ ثَمَّ قَرِينَةٌ دَالَّةٌ عَلَى أَنَّ الْآخِذَ لِلثِّيَابِ إنَّمَا أَخَذَهَا ظَنًّا مِنْهُ أَنَّهَا ثِيَابُهُ ، مِثْلُ أَنْ تَكُونَ الْمَتْرُوكَةُ خَيْرًا مِنْ الْمَأْخُوذَةِ أَوْ مَثَلَهَا ، وَهِيَ مِمَّا تَشْتَبِهُ بِهَا ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُعَرِّفَهَا هَاهُنَا ؛ لِأَنَّ صَاحِبَهَا لَمْ يَتْرُكْهَا عَمْدًا ، فَهِيَ بِمَنْزِلَةِ الضَّائِعَةِ مِنْهُ .\rوَالظَّاهِرُ أَنَّهُ إذَا عَلِمَ بِهَا ، أَخَذَهَا وَرَدَّ مَا كَانَ أَخَذَهُ فَتَصِيرُ كَاللُّقَطَةِ فِي الْمَعْنَى ، وَبَعْدَ التَّعْرِيفِ إذَا لَمْ تُعْرَفْ ، فَفِيهَا الْأَوْجُهُ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا إلَّا أَنَّنَا إذَا قُلْنَا يَأْخُذُهَا أَوْ يَبِيعُهَا الْحَاكِمُ وَيَدْفَعُ إلَيْهِ ثَمَنَهَا ، فَإِنَّمَا يَأْخُذُ بِقَدْرِ قِيمَةِ ثِيَابِهِ ، لَا يَزِيدُ عَلَيْهَا ؛ لِأَنَّ الزَّائِدَ فَاضِلٌ عَمَّا يَسْتَحِقُّهُ ، وَلَمْ يَرْضَ صَاحِبُهَا بِتَرْكِهَا عِوَضًا عَمَّا أَخَذَهُ ، فَإِنَّهُ لَمْ يَأْخُذْ غَيْرَهَا اخْتِيَارًا مِنْهُ لِتَرْكِهَا ، وَلَا رِضًى بِالْمُعَاوَضَةِ بِهَا .\rوَإِذَا قُلْنَا : إنَّهُ يَدْفَعُهَا إلَى الْحَاكِمِ لِيَبِيعَهَا ، وَيَدْفَعَ إلَيْهِ ثَمَنَهَا .\rفَلَهُ أَنْ يَشْتَرِيَهَا بِثَمَنٍ فِي ذِمَّتِهِ ، وَيُسْقِطَ عَنْهُ مِنْ ثَمَنِهَا مَا قَابَلَ ثِيَابَهُ ، وَيَتَصَدَّقَ بِالْبَاقِي .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":12,"page":388},{"id":5888,"text":"( 4523 ) فَصْلٌ : قَالَ أَحْمَدُ ، فِي مَنْ عِنْدَهُ رُهُونٌ ، قَدْ أَتَى عَلَيْهَا زَمَانٌ لَا يُعْرَفُ صَاحِبُهَا : يَبِيعُهَا ، وَيَتَصَدَّقُ بِثَمَنِهَا ، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا غَرِمَهَا لَهُ .\rوَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ اسْتَوْفَى دُيُونَهُ الَّتِي رَهَنَ الرَّهْنَ بِهَا ، فَأَمَّا مَنْ لَمْ يَسْتَوْفِ دَيْنَهُ ، فَإِنْ كَانَ قَدْ أَذِنَ لَهُ فِي بَيْعِهَا ، بَاعَهَا ، وَاسْتَوْفَى دَيْنَهُ مِنْ ثَمَنِهَا ، وَتَصَدَّقَ بِالْبَاقِي ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَذِنَ لَهُ فِي بَيْعِهَا ، رَفَعَهَا إلَى الْحَاكِمِ لِيَبِيعَهَا ، وَيُقْبِضَهُ حَقَّهُ مِنْ ثَمَنِهَا ، وَيَتَصَدَّقَ بِبَاقِيهِ .","part":12,"page":389},{"id":5889,"text":"( 4524 ) فَصْلٌ : نَقَلَ الْفَضْلُ بْنُ زِيَادٍ ، عَنْ أَحْمَدَ ، إذَا تَنَازَعَ صَاحِبُ الدَّارِ وَالسَّاكِنُ فِي دَفْنٍ فِي الدَّارِ ، فَقَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا : أَنَا دَفَنْته .\rبَيَّنَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا الَّذِي دَفَنَ ، فَكُلُّ مَنْ أَصَابَ الْوَصْفَ فَهُوَ لَهُ ، وَذَلِكَ لِأَنَّ مَا يُوجَد فِي الْأَرْضِ مِنْ الدَّفْنِ مِمَّا عَلَيْهِ عَلَامَةُ الْمُسْلِمِينَ ، فَهُوَ لُقَطَةٌ ، وَاللُّقَطَةُ تُسْتَحَقُّ بِوَصْفِهَا ، وَلِأَنَّ الْمُصِيبَ لِلْوَصْفِ فِي الظَّاهِرِ هُوَ مَنْ كَانَ ذَلِكَ فِي يَدِهِ ، فَكَانَ أَحَقَّ بِهِ ، كَمَا لَوْ تَنَازَعَهُ أَجْنَبِيَّانِ ، فَوَصَفَهُ أَحَدُهُمَا .","part":12,"page":390},{"id":5890,"text":"( 4525 ) فَصْلٌ : وَمَنْ وَجَدَ لُقَطَةً فِي دَارِ الْحَرْبِ ، فَإِنْ كَانَ فِي الْجَيْشِ ، فَقَالَ أَحْمَدُ : يُعَرِّفُهَا سَنَةً فِي دَارِ الْإِسْلَامِ ، ثُمَّ يَطْرَحُهَا فِي الْمَقْسِمِ .\rإنَّمَا عَرَّفَهَا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ ؛ لِأَنَّ أَمْوَالَ أَهْلِ الْحَرْبِ مُبَاحَةٌ ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ لِمُسْلِمٍ ، وَلِأَنَّهُ قَدْ لَا يُمْكِنُهُ الْمُقَامُ فِي دَارِ الْحَرْبِ لِتَعْرِيفِهَا .\rوَمَعْنَاهُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - يُتَمِّمُ التَّعْرِيفَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ ، فَأَمَّا ابْتِدَاءُ التَّعْرِيفِ فَيَكُونُ فِي الْجَيْشِ الَّذِي هُوَ فِيهِ ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ لِأَحَدِهِمْ ، فَإِذَا قَفَلَ أَتَمَّ التَّعْرِيفَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ .\rفَأَمَّا إنْ كَانَ دَخَلَ دَارَهُمْ بِأَمَانٍ ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُعَرِّفَهَا فِي دَارِهِمْ ؛ لِأَنَّ أَمْوَالَهُمْ مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِ ، فَإِذَا لَمْ تُعْرَفْ ، مَلَكَهَا كَمَا يَمْلِكُهَا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ وَإِنْ كَانَ فِي الْجَيْشِ ، طَرَحَهَا فِي الْمَقْسِمِ بَعْدَ التَّعْرِيفِ ؛ لِأَنَّهُ وَصَلَ إلَيْهَا بِقُوَّةِ الْجَيْشِ ، فَأَشْبَهَتْ مُبَاحَاتِ دَارِ الْحَرْبِ إذَا أَخَذَ مِنْهَا شَيْئًا .\rوَإِنْ دَخَلَ إلَيْهِمْ مُتَلَصِّصًا ، فَوَجَدَ لُقَطَةً ، عَرَّفَهَا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ ؛ لِأَنَّ أَمْوَالَهُمْ مُبَاحَةٌ لَهُ ، ثُمَّ يَكُونُ حُكْمُهَا حُكْمَ غَنِيمَتِهِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ غَنِيمَةً لَهُ ، لَا تَحْتَاجُ إلَى تَعْرِيفٍ ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهَا مِنْ أَمْوَالِهِمْ ، وَأَمْوَالُهُمْ غَنِيمَةٌ .","part":12,"page":391},{"id":5891,"text":"( 4526 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : ( وَإِنْ كَانَ الْمُلْتَقِطُ قَدْ مَاتَ ، فَصَاحِبُهَا غَرِيمٌ بِهَا ) .\rوَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْمُلْتَقِطَ إذَا مَاتَ ، وَاللُّقَطَةُ مَوْجُودَةٌ بِعَيْنِهَا ، قَامَ وَارِثُهُ مَقَامَهُ فِي إتْمَامِ تَعْرِيفِهَا إنْ مَاتَ قَبْلَ الْحَوْلِ ، وَيَمْلِكُهَا بَعْدَ إتْمَامِ التَّعْرِيفِ ، فَإِنْ مَاتَ بَعْدَ الْحَوْلِ ، وِرْثَهَا الْوَارِثُ ، كَسَائِرِ أَمْوَالِ الْمَيِّتِ ، وَمَتَى جَاءَ صَاحِبُهَا ، أَخَذَهَا مِنْ الْوَارِثِ ، كَمَا يَأْخُذُهَا مِنْ الْمَوْرُوثِ ، فَإِنْ كَانَتْ مَعْدُومَةَ الْعَيْنِ ، فَصَاحِبُهَا غَرِيمٌ لِلْمَيِّتِ بِمِثْلِهَا إنْ كَانَتْ مِنْ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ ، أَوْ بِقِيمَتِهَا إنْ لَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ ، فَيَأْخُذُ ذَلِكَ مِنْ تَرِكَتِهِ إنْ اتَّسَعَتْ لِذَلِكَ ، وَإِنْ ضَاقَتْ التَّرِكَةُ زَاحَمَ الْغُرَمَاءُ بِبَدَلِهَا ، سَوَاءٌ تَلِفَتْ بَعْدَ الْحُلُولِ بِفِعْلِهِ أَوْ بِغَيْرِ فِعْلِهِ ؛ لِأَنَّهَا قَدْ دَخَلَتْ فِي مِلْكِهِ بِمُضِيِّ الْحَوْلِ وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهَا تَلِفَتْ قَبْلَ الْحَوْلِ بِغَيْرِ تَفْرِيطِهِ ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ ، وَلَا شَيْءَ لِصَاحِبِهَا ؛ لِأَنَّهَا أَمَانَةٌ فِي يَدِهِ تَلِفَتْ بِغَيْرِ تَفْرِيطِهِ ، فَلَمْ يَضْمَنْهَا ، كَالْوَدِيعَةِ ، وَكَذَلِكَ إنْ تَلِفَتْ بَعْدَ الْحَوْلِ قَبْلَ تَمَلُّكِهَا مِنْ غَيْرِ تَفْرِيطٍ ، عَلَى رَأْيِ مِنْ رَأَى أَنَّهَا لَا تَدْخُلُ فِي مِلْكِهِ حَتَّى يَتَمَلَّكَهَا .\rوَقَدْ مَضَى الْكَلَامُ فِي ذَلِكَ .\rفَأَمَّا إنْ لَمْ يَعْلَمْ تَلَفَهَا ، وَلَمْ يَجِدْهَا فِي تَرِكَتِهِ ، فَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ أَنَّ صَاحِبَهَا غَرِيمٌ بِهَا ، سَوَاءٌ كَانَ قَبْلَ الْحَوْلِ أَوْ بَعْدَهُ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاؤُهَا وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَلْزَمَ الْمُلْتَقَطِ شَيْءٌ ، وَيَسْقُطَ حَقُّ صَاحِبِهَا ، لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ ذِمَّةِ الْمُلْتَقِطِ مِنْهَا وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ قَدْ تَلِفَتْ بِغَيْرِ تَفْرِيطِهِ ، فَلَا تُشْغَلُ ذِمَّتُهُ بِالشَّكِّ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ إِنْ كَانَ الْمَوْتُ قَبْلَ الْحَوْلِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ أَمَانَةً عِنْدَهُ ، وَلَمْ تُعْلَمْ جِنَايَتُهُ فِيهَا ، وَالْأَصْلُ بَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ","part":12,"page":392},{"id":5892,"text":"مِنْهَا .\rوَإِنْ مَاتَ بَعْد الْحَوْلِ ، فَهِيَ فِي تَرِكَتِهِ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاؤُهَا إلَى مَا بَعْدَ الْحَوْلِ ، وَدُخُولُهَا فِي مِلْكِهِ ، وَوُجُوبُ بَدَلِهَا عَلَيْهِ .\rفَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ قُلْتُمْ إنَّ صَاحِبَهَا لَوْ جَاءَ بَعْدَ بَيْعِ الْمُلْتَقِطِ لَهَا ، أَوْ هِبَتِهِ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ إلَّا بَدَلُهَا ، فَلِمَ قُلْتُمْ إنَّهَا إذَا انْتَقَلَتْ إلَى الْوَارِثِ يَمْلِكُ صَاحِبُهَا أَخْذَهَا ؟ قُلْنَا : لِأَنَّ الْوَارِثَ خَلِيفَةُ الْمَوْرُوثِ ، وَإِنَّمَا يَثْبُتُ لَهُ الْمِلْكُ فِيهَا عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي كَانَ ثَابِتًا لِمَوْرُوثِهِ ، وَمِلْكُ مَوْرُوثِهِ فِيهَا كَانَ مُرَاعَاةً مَشْرُوطًا بِعَدَمِ مَجِيءِ صَاحِبِهَا ، فَكَذَلِكَ مِلْكُ وَارِثِهِ ، بِخِلَافِ مِلْكِ الْمُشْتَرِي وَالْمُتَّهَبِ ، فَإِنَّهُمَا يَمْلِكَانِ مِلْكًا مُسْتَقِرًّا .","part":12,"page":393},{"id":5893,"text":"( 4527 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : ( وَإِنْ كَانَ صَاحِبُهَا جَعَلَ لِمَنْ وَجَدَهَا شَيْئًا مَعْلُومًا ، فَلَهُ أَخْذُهُ إنْ كَانَ الْتَقَطَهَا بَعْدَ أَنْ بَلَغَهُ الْجُعْلُ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْجَعَالَةَ فِي رَدِّ الضَّالَّةِ وَالْآبِقِ وَغَيْرِهِمَا جَائِزَةٌ .\rوَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ .\rوَلَا نَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا .\rوَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : { وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ } .\rوَرَوَى أَبُو سَعِيدٍ { أَنَّ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَوْا حَيًّا مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ ، فَلَمْ يُقْرُوهُمْ ، فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إذْ لُدِغَ سَيِّدُ أُولَئِكَ ، فَقَالُوا : هَلْ فِيكُمْ رَاقٍ ؟ فَقَالُوا : لَمْ تُقْرُونَا ، فَلَا نَفْعَلُ حَتَّى تَجْعَلُوا لَنَا جُعْلًا فَجَعَلُوا لَهُمْ قَطِيعَ شِيَاهٍ ، فَجَعَلَ رَجُلٌ يَقْرَأُ بِأُمِّ الْقُرْآنِ ، وَيَجْمَعُ بُزَاقَهُ وَيَتْفُلُ ، فَبَرَأَ الرَّجُلُ ، فَأَتَوْهُمْ بِالشَّاءِ ، فَقَالُوا : لَا نَأْخُذُهَا حَتَّى نَسْأَلَ عَنْهَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rفَسَأَلُوا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : وَمَا أَدْرَاكَ أَنَّهَا رُقْيَةٌ ؟ خُذُوهَا ، وَاضْرِبُوا لِي مَعَكُمْ بِسَهْمٍ } .\rرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ .\rوَلِأَنَّ الْحَاجَةَ تَدْعُو إلَى ذَلِكَ ، فَإِنَّ الْعَمَلَ قَدْ يَكُونُ مَجْهُولًا ، كَرَدِّ الْآبِقِ وَالضَّالَّةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ ، وَلَا تَنْعَقِدُ الْإِجَارَةُ فِيهِ ، وَالْحَاجَةُ دَاعِيَةٌ إلَى رَدِّهِمَا ، وَقَدْ لَا يَجِدُ مَنْ يَتَبَرَّعُ بِهِ ، فَدَعَتْ الْحَاجَةُ إلَى إبَاحَةِ بَذْلِ الْجُعْلِ فِيهِ ، مَعَ جَهَالَةِ الْعَمَلِ ؛ لِأَنَّهَا غَيْرُ لَازِمَةٍ ، بِخِلَافِ الْإِجَارَةِ ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْإِجَارَةَ لَمَّا كَانَتْ لَازِمَةً ، افْتَقَرَتْ إلَى تَقْدِيرِ مُدَّةٍ ، وَالْعُقُودُ الْجَائِزَةُ كَالشَّرِكَةِ وَالْوَكَالَةِ لَا يَجِبُ تَقْدِيرُ مُدَّتِهَا ، وَلِأَنَّ الْجَائِزَةَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا تَرْكُهَا ، فَلَا يُؤَدِّي إلَى أَنْ يَلْزَمَهُ مَجْهُولٌ عِنْدَهُ ، بِخِلَافِ اللَّازِمَةِ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ،","part":12,"page":394},{"id":5894,"text":"فَإِذَا قَالَ : مَنْ رَدَّ عَلَيَّ ضَالَّتِي أَوْ عَبْدِي الْآبِقَ ، أَوْ خَاطَ لِي هَذَا الْقَمِيصَ ، أَوْ بَنَى لِي هَذَا الْحَائِطَ ، فَلَهُ كَذَا وَكَذَا .\rصَحَّ ، وَكَانَ عَقْدًا جَائِزًا ، لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الرُّجُوعُ فِيهِ قَبْلَ حُصُولِ الْعَمَلِ .\rلَكِنْ إنْ رَجَعَ الْجَاعِلُ قَبْلَ التَّلَبُّسِ بِالْعَمَلِ ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ ، وَإِنْ رَجَعَ بَعْدَ التَّلَبُّسِ بِهِ ، فَعَلَيْهِ لِلْعَامِلِ أُجْرَةُ مِثْلِهِ ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا عَمِلَ بِعِوَضٍ ، فَلَمْ يُسَلَّمْ لَهُ وَإِنْ فَسَخَ الْعَامِلُ قَبْلَ إتْمَامِ الْعَمَلِ ، فَلَا شَيْءَ لَهُ ؛ لِأَنَّهُ أَسْقَطَ حَقَّ نَفْسِهِ ، حَيْثُ لَمْ يَأْتِ بِمَا شَرَطَ عَلَيْهِ الْعِوَضَ ، وَيَصِيرُ كَعَامِلِ الْمُضَارَبَةِ إذَا فَسَخَ قَبْلَ ظُهُورِ الرِّبْحِ .\rوَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْعِوَضُ مَعْلُومًا .\rوَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعَمَلِ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ الْحَاجَةَ تَدْعُو إلَى كَوْنِ الْعَمَلِ مَجْهُولًا ، بِأَنْ لَا يَعْلَمَ مَوْضِعَ الضَّالَّةِ وَالْآبِقِ ، وَلَا حَاجَةَ تَدْعُو إلَى جَهَالَةِ الْعِوَضِ وَالثَّانِي أَنَّ الْعَمَلَ لَا يَصِيرُ لَازِمًا ، فَلَمْ يَجِبْ كَوْنُهُ مَعْلُومًا ، وَالْعِوَضُ يَصِيرُ لَازِمًا بِإِتْمَامِ الْعَمَلِ ، فَوَجَبَ كَوْنُهُ مَعْلُومًا .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ تَجُوزَ الْجَعَالَةُ مَعَ جَهَالَةِ الْعِوَضِ إذَا كَانَتْ الْجَهَالَةُ لَا تَمْنَعُ التَّسْلِيمَ ، نَحْوَ أَنْ يَقُولَ : مَنْ رَدَّ عَبْدِي الْآبِقَ فَلَهُ نِصْفُهُ ، وَمَنْ رَدَّ ضَالَّتِي فَلَهُ ثُلُثُهَا .\rفَإِنَّ أَحْمَدَ قَالَ : إذَا قَالَ الْأَمِيرُ فِي الْغَزْوِ : مَنْ جَاءَ بِعَشَرَةِ رُءُوسٍ فَلَهُ رَأْسٌ .\rجَازَ وَقَالُوا : إذَا جَعَلَ جُعْلًا لِمَنْ يَدُلُّهُ عَلَى قَلْعَةٍ ، أَوْ طَرِيقٍ سَهْلٍ ، وَكَانَ الْجُعْلُ مِنْ مَالِ الْكُفَّارِ ، جَازَ أَنْ يَكُونَ مَجْهُولًا ، كَجَارِيَةٍ يُعَيِّنُهَا الْعَامِلُ فَيُخَرَّجُ هَاهُنَا مِثْلُهُ .\rفَأَمَّا إنْ كَانَتْ الْجَهَالَةُ تَمْنَعُ التَّسْلِيمَ ، لَمْ تَصِحَّ الْجَعَالَةُ ، وَجْهًا وَاحِدًا .\rوَإِنْ كَانَ الْعَمَلُ مَعْلُومًا ، مِثْلَ أَنْ يَقُولَ : مَنْ رَدَّ عَبْدِي مِنْ الْبَصْرَةِ ، أَوْ بَنَى لِي هَذَا الْحَائِطَ ، أَوْ خَاطَ","part":12,"page":395},{"id":5895,"text":"قَمِيصِي هَذَا ، فَلَهُ كَذَا صَحَّ ؛ لِأَنَّهُ إذَا صَحَّ مَعَ الْجَهَالَةِ فَمَعَ الْعِلْمِ أَوْلَى .\rوَإِنْ عَلَّقَهُ بِمُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ ، فَقَالَ : مَنْ رَدَّ لِي عَبْدِي مِنْ الْعِرَاقِ فِي شَهْرٍ ، فَلَهُ دِينَارٌ .\rأَوْ مَنْ خَاطَ قَمِيصِي هَذَا فِي الْيَوْمِ ، فَلَهُ دِرْهَمٌ .\rصَحَّ ؛ لِأَنَّ الْمُدَّةَ إذَا جَازَتْ مَجْهُولَةً ، فَمَعَ التَّقْدِيرِ أَوْلَى فَإِنْ قِيلَ : الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّ مِثْلَ هَذَا لَا يَجُوزُ فِي الْإِجَارَةِ ، فَكَيْفَ أَجَزْتُمُوهُ فِي الْجَعَالَةِ ؟ قُلْنَا : الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا مِنْ وُجُوهٍ ، أَحَدُهَا أَنَّ الْجَعَالَةَ يُحْتَمَلُ فِيهَا الْغَرَرُ ، وَتَجُوزُ مَعَ جَهَالَةِ الْعَمَلِ وَالْمُدَّةِ ، بِخِلَافِ الْإِجَارَةِ .\rالثَّانِي أَنَّ الْجَعَالَةَ عَقْدٌ جَائِزٌ ، فَلَا يَلْزَمُهُ بِالدُّخُولِ فِيهَا مَعَ الْغَرَرِ ضَرَرٌ ، بِخِلَافِ الْإِجَارَةِ ، فَإِنَّهَا عَقْدٌ لَازِمٌ ، فَإِذَا دَخَلَ فِيهَا مَعَ الْغَرَرِ ، لَزِمَهُ ذَلِكَ .\rالثَّالِثُ أَنَّ الْإِجَارَةَ إذَا قُدِّرَتْ بِمُدَّةٍ ، لَزِمَهُ الْعَمَلُ فِي جَمِيعِهَا ، وَلَا يَلْزَمُهُ الْعَمَلُ بَعْدَهَا ، فَإِذَا جَمَعَ بَيْنَ تَقْدِيرِ الْمُدَّةِ وَالْعَمَلِ ، فَرُبَّمَا عَمِلَهُ قَبْلَ الْمُدَّةِ ، فَإِنْ قُلْنَا : يَلْزَمُهُ الْعَمَلُ فِي بَقِيَّةِ الْمُدَّةِ فَقَدْ لَزِمَهُ مِنْ الْعَمَلِ أَكْثَرُ مِنْ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ ، وَإِنْ قُلْنَا : لَا يَلْزَمُهُ .\rفَقَدْ خَلَا بَعْضُ الْمُدَّةِ مِنْ الْعَمَلِ ، إنْ انْقَضَتْ الْمُدَّةُ قَبْلَ عَمَلِهِ ، فَأَلْزَمْنَاهُ إتْمَامَ الْعَمَلِ ، فَقَدْ لَزِمَهُ الْعَمَلُ فِي غَيْرِ الْمُدَّةِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهَا ، وَإِنْ قُلْنَا : لَا يَلْزَمُهُ الْعَمَلُ .\rفَمَا أَتَى بِالْمَعْقُودِ عَلَيْهِ مِنْ الْعَمَلِ ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا ، فَإِنَّ الْعَمَلَ الَّذِي يَسْتَحِقُّ بِهِ الْجُعْلَ هُوَ عَمَلٌ مُقَيَّدٌ بِمُدَّةٍ ، إنْ أَتَى بِهِ فِيهَا اسْتَحَقَّ الْجُعْلَ ، وَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ آخَرُ ، وَإِنْ لَمْ يَفِ بِهِ فِيهَا ، فَلَا شَيْءَ لَهُ إذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّمَا يَسْتَحِقُّ الْجُعْلَ مَنْ عَمِلَ الْعَمَلَ بَعْدَ أَنْ بَلَغَهُ ذَلِكَ ، لِأَنَّهُ عِوَضٌ يُسْتَحَقُّ بِعَمَلٍ ، فَلَا","part":12,"page":396},{"id":5896,"text":"يَسْتَحِقُّهُ مَنْ لَمْ يَعْمَلْ ، كَالْأَجْرِ فِي الْإِجَارَةِ .","part":12,"page":397},{"id":5897,"text":"( 4528 ) فَصْلٌ : وَيَجُوزُ أَنْ يَجْعَلَ الْجُعْلَ فِي الْجَعَالَةِ لِوَاحِدٍ بِعَيْنِهِ ، فَيَقُولَ لَهُ : إنْ رَدَدْت عَبْدِي فَلَكَ دِينَارٌ .\rفَلَا يَسْتَحِقُّ الْجُعْلَ مَنْ يَرُدُّهُ سِوَاهُ .\rوَيَجُوزُ أَنْ يَجْعَلَهُ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ ، فَيَقُولَ : مَنْ رَدَّ عَبْدِي فَلَهُ دِينَارٌ .\rفَمَنْ رَدَّهُ اسْتَحَقَّ الْجُعْلَ .\rوَيَجُوزُ أَنْ يَجْعَلَ لِوَاحِدٍ فِي رَدِّهِ شَيْئًا مَعْلُومًا ، وَلِآخَرَ أَكْثَرَ مِنْهُ أَوْ أَقَلَّ .\rوَيَجُوزُ أَنْ يَجْعَلَ لِلْمُعَيَّنِ عِوَضًا ، وَلِسَائِرِ النَّاسِ عِوَضًا آخَرَ ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْأَجْرُ فِي الْإِجَارَةِ مُخْتَلِفًا مَعَ التَّسَاوِي فِي الْعَمَلِ ، فَهَاهُنَا أَوْلَى فَإِنْ قَالَ : مَنْ رَدَّ لُقَطَتِي فَلَهُ دِينَارٌ .\rفَرَدَّهَا ثَلَاثَةٌ ، فَلَهُمْ الدِّينَارُ بَيْنَهُمْ أَثْلَاثًا ؛ لِأَنَّهُمْ اشْتَرَكُوا فِي الْعَمَلِ الَّذِي يُسْتَحَقُّ بِهِ الْعِوَضُ ، فَاشْتَرَكُوا فِي الْعِوَضِ ، كَالْأَجْرِ فِي الْإِجَارَةِ .\rفَإِنْ قِيلَ : أَلَيْسَ لَوْ قَالَ : مَنْ دَخَلَ هَذَا النَّقْبَ فَلَهُ دِينَارٌ .\rفَدَخَلَهُ جَمَاعَةٌ ، اسْتَحَقَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ دِينَارًا كَامِلًا ، فَلِمَ لَا يَكُونُ هَاهُنَا كَذَلِكَ ؟ قُلْنَا : لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الدَّاخِلِينَ دَخَلَ دُخُولًا كَامِلًا ، كَدُخُولِ الْمُنْفَرِدِ ، فَاسْتَحَقَّ الْعِوَضَ كَامِلًا ، وَهَا هُنَا لَمْ يَرُدُّهُ وَاحِدٌ مِنْهُمْ كَامِلًا ، إنَّمَا اشْتَرَكُوا فِيهِ ، فَاشْتَرَكُوا فِي عِوَضِهِ .\rفَنَظِيرُ مَسْأَلَةِ الدُّخُولِ مَا لَوْ قَالَ : مَنْ رَدَّ عَبْدًا مِنْ عَبِيدِي فَلَهُ دِينَارٌ فَرَدَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَبْدًا .\rوَنَظِيرُ مَسْأَلَةِ الرَّدِّ مَا لَوْ قَالَ : مَنْ نَقَبَ السُّورَ فَلَهُ دِينَارٌ .\rفَنَقَبَ ثَلَاثَةٌ نَقْبًا وَاحِدًا .\rفَإِنْ جَعَلَ لِوَاحِدٍ فِي رَدِّهَا دِينَارًا ، وَلِآخَرَ دِينَارَيْنِ ، وَلِثَالِثٍ ثَلَاثَةً ، فَرَدَّهُ الثَّلَاثَةُ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ثُلُثُ مَا جَعَلَ لَهُ ؛ لِأَنَّهُ عَمَلَ ثُلُثَ الْعَمَلِ ، فَاسْتَحَقَّ ثُلُثَ الْمُسَمَّى .\rفَإِنْ جَعَلَ لِوَاحِدٍ دِينَارًا ، وَلِآخَرَيْنِ عِوَضًا مَجْهُولًا ، فَرَدُّوهُ مَعًا ، فَلِصَاحِبِ الدِّينَارِ ثَلَاثَةٌ ،","part":12,"page":398},{"id":5898,"text":"وَلِلْآخَرَيْنِ أَجْرُ عَمَلِهِمَا وَإِنْ جَعَلَ لِوَاحِدٍ شَيْئًا فِي رَدِّهَا ، فَرَدَّهَا هُوَ وَآخَرَانِ مَعَهُ ، وَقَالَا : رَدَدْنَا مُعَاوَنَةً لَهُ .\rاسْتَحَقَّ جَمِيعَ الْجُعْلِ ، وَلَا شَيْءَ لَهُمَا ، وَإِنْ قَالَا : رَدَدْنَاهُ لِنَأْخُذَ الْعِوَضَ لِأَنْفُسِنَا .\rفَلَا شَيْءَ لَهُمَا ، وَلَهُ ثُلُثُ الْجُعْلِ ؛ لِأَنَّهُ عَمِلَ ثُلُثَ الْعَمَلِ ، فَاسْتَحَقَّ ثُلُثَ الْجُعْلِ ، وَلَمْ يَسْتَحِقَّ الْآخَرَانِ شَيْئًا ؛ لِأَنَّهُمَا عَمِلَا مِنْ غَيْرِ جُعْلٍ .\rوَهَذَا كُلُّهُ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rوَلَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا .","part":12,"page":399},{"id":5899,"text":"فَصْلٌ : وَإِنْ قَالَ : مَنْ رَدَّ عَبْدِي مِنْ بَلَدِ كَذَا فَلَهُ دِينَارٌ .\rفَرَدَّهُ إنْسَانٌ مِنْ نِصْفِ طَرِيقِ ذَلِكَ الْبَلَدِ ، اسْتَحَقَّ نِصْفَ الْجُعْلِ ؛ لِأَنَّهُ عَمِلَ نِصْفَ الْعَمَلِ .\rوَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ : مَنْ رَدَّ عَبْدَيَّ فَلَهُ دِينَارٌ .\rفَرَدَّ أَحَدَهُمَا ، فَلَهُ نِصْفُ الدِّينَارِ ؛ لِأَنَّهُ رَدَّ نِصْفَ الْعَبْدَيْنِ ، وَإِنْ رَدَّ الْعَبْدَ مِنْ غَيْرِ الْبَلَدِ الْمُسَمَّى ، فَلَا شَيْءَ لَهُ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَجْعَلَ فِي رَدِّهِ مِنْهُ شَيْئًا ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ جَعَلَ فِي رَدِّ أَحَدِ عَبْدَيْهِ شَيْئًا فَرَدَّ الْآخَرَ .\rوَلَوْ قَالَ : مَنْ رَدَّ عَبْدِي فَلَهُ دِينَارٌ .\rفَرَدَّهُ إنْسَانٌ إلَى نِصْفِ الطَّرِيقِ ، فَهَرَبَ مِنْهُ ، لَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا ؛ لِأَنَّهُ شَرَطَ الْجُعْلَ بِرَدِّهِ ، وَلَمْ يَرُدَّهُ وَكَذَلِكَ لَوْ مَاتَ كَمَا لَوْ اسْتَأْجَرَهُ لِخِيَاطَةِ ثَوْبٍ ، فَخَاطَهُ ، وَلَمْ يُسَلِّمْهُ حَتَّى تَلِفَ ، لَمْ يَسْتَحِقَّ أُجْرَةً .\rفَإِنْ قِيلَ : فَإِنْ كَانَ الْجَاعِلُ قَالَ : مَنْ وَجَدَ لُقَطَتِي فَلَهُ دِينَارٌ فَقَدْ وُجِدَ الْوِجْدَانُ ؟ قُلْنَا : قَرِينَةُ الْحَالِ تَدُلُّ عَلَى اشْتِرَاطِ الرَّدِّ ، وَالْمَقْصُودُ هُوَ الرَّدُّ لَا الْوِجْدَانُ الْمُجَرَّدُ ، وَإِنَّمَا اكْتَفَى بِذِكْرِ الْوِجْدَانِ لِأَنَّهُ سَبَبُ الرَّدِّ ، فَصَارَ كَأَنَّهُ قَالَ : مَنْ وَجَدَ لُقَطَتِي فَرَدَّهَا عَلَيَّ .","part":12,"page":400},{"id":5900,"text":"( 4530 ) فَصْلٌ : وَالْجَعَالَةُ تُسَاوِي الْإِجَارَةِ فِي اعْتِبَارِ الْعِلْمِ بِالْعِوَضِ ، وَمَا كَانَ عِوَضًا فِي الْإِجَارَةِ جَازَ أَنْ يَكُونَ عِوَضًا فِي الْجَعَالَةِ ، وَمَا لَا فَلَا ، وَفِي أَنَّ مَا جَازَ أَخْذُ الْعِوَضِ عَلَيْهِ فِي الْإِجَارَةِ مِنْ الْأَعْمَالِ ، جَازَ أَخْذُهُ عَلَيْهِ فِي الْجَعَالَةِ ، وَمَا لَا يَجُوزُ أَخْذُ الْأُجْرَةِ عَلَيْهِ فِي الْإِجَارَةِ ، مِثْلُ الْغِنَاءِ وَالزَّمْرِ وَسَائِرِ الْمُحَرَّمَاتِ ، لَا يَجُوزُ أَخْذُ الْجُعْلِ عَلَيْهِ ، وَمَا يَخْتَصُّ فَاعِلُهُ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْقُرْبَةِ ، مِمَّا لَا يَتَعَدَّى نَفْعُهُ فَاعِلَهُ ، كَالصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ ، لَا يَجُوزُ أَخْذُ الْجُعْلِ عَلَيْهِ ، فَإِنْ كَانَ مِمَّا يَتَعَدَّى نَفْعُهُ ، كَالْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ وَالْحَجِّ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ، كَالرِّوَايَتَيْنِ فِي الْإِجَارَةَ وَيُفَارِقُ الْإِجَارَةَ فِي أَنَّهُ عَقْدٌ جَائِزٌ ، وَهِيَ لَازِمَةٌ ، وَأَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ الْعِلْمُ بِالْمُدَّةِ ، وَلَا بِمِقْدَارِ الْعَمَلِ ، وَلَا يُعْتَبَرُ وُقُوعُ الْعَقْدِ مَعَ وَاحِدٍ مُعَيَّنٍ .\rفَعَلَى هَذَا مَتَى شَرَطَ عِوَضًا مَجْهُولًا ، كَقَوْلِهِ : إنْ رَدَدْت عَبْدِي فَلَكَ ثَوْبٌ ، أَوْ فَلَكَ سَلَبُهُ .\rأَوْ شَرَطَ عِوَضًا مُحَرَّمًا ، كَالْخَمْرِ وَالْحُرِّ ، أَوْ غَيْرَ مَقْدُورٍ عَلَيْهِ ، كَقَوْلِهِ : مَنْ رَدَّ عَبْدِي فَلَهُ ثُلُثُهُ ، أَوْ مَنْ رَدَّ عَبْدَيَّ فَلَهُ أَحَدُهُمَا .\rفَرَدَّهُ إنْسَانٌ اسْتَحَقَّ أَجْرَ الْمِثْلِ ؛ لِأَنَّهُ عَمِلَ عَمَلًا بِعِوَضٍ لَمْ يُسَلَّمْ لَهُ ، فَاسْتَحَقَّ أَجْرَهُ ، كَمَا فِي الْإِجَارَةِ .","part":12,"page":401},{"id":5901,"text":"( 4531 ) فَصْلٌ : وَمَنْ رَدَّ لُقَطَةً أَوْ ضَالَّةً ، أَوْ عَمِلَ لِغَيْرِهِ عَمَلًا غَيْرَ رَدِّ الْآبِقِ ، بِغَيْرِ جُعْلٍ ، لَمْ يَسْتَحِقَّ عِوَضًا .\rلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا ؛ لِأَنَّهُ عَمَلٌ يَسْتَحِقُّ بِهِ الْعِوَضَ مَعَ الْمُعَاوَضَةِ ، فَلَا يَسْتَحِقُّ مَعَ عَدَمِهَا ، كَالْعَمَلِ فِي الْإِجَارَةِ .\rفَإِنْ اخْتَلَفَا فِي الْجُعْلِ ، فَقَالَ : جَعَلْت لِي فِي رَدِّ لُقَطَتِي كَذَا .\rفَأَنْكَرَ الْمَالِكُ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ مَعَهُ وَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى الْعِوَضِ ، وَاخْتَلَفَا فِي قَدْرِهِ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَالِكِ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الزَّائِدِ الْمُخْتَلَفَ فِيهِ ، وَلِأَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُهُ فِي أَصْلِ الْعِوَضِ ، فَكَذَلِكَ فِي قَدْرِهِ ، كَرَبِّ الْمَالِ فِي الْمُضَارَبَةِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يَتَحَالَفَا ، كَالْمُتَبَايِعِينَ إذَا اخْتَلَفَا فِي قَدْرِ الثَّمَنِ ، وَالْأَجِيرُ وَالْمُسْتَأْجِرِ إذَا اخْتَلَفَا فِي قَدْرِ الْأَجْرِ .\rفَعَلَى هَذَا إنْ تَحَالَفَا فُسِخَ الْعَقْدُ ، وَوَجَبَ أَجْرُ الْمِثْلِ .\rوَكَذَلِكَ الْحُكْمُ إنْ اخْتَلَفَا فِي الْمَسَافَةِ ، فَقَالَ : جَعَلْت لَك الْجُعْلَ عَلَى رَدِّهَا مِنْ حَلَبَ فَقَالَ : بَلْ عَلَى رَدِّهَا مِنْ حِمْصَ .\rوَإِنْ اخْتَلَفَا فِي عَيْنِ الْعَبْدِ الَّذِي جُعِلَ الْجُعْلُ فِي رَدِّهِ ، فَقَالَ : رَدَدْت الْعَبْدَ الَّذِي شَرَطْت لِي الْجُعْلَ فِيهِ .\rقَالَ : بَلْ شَرَطْت لَك الْجُعْلَ فِي الْعَبْدِ الَّذِي لَمْ تَرُدَّهُ .\rفَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَالِكِ ؛ لِأَنَّهُ أَعْلَمُ بِشَرْطِهِ ، وَلِأَنَّهُ ادَّعَى عَلَيْهِ شَرْطًا فِي هَذَا الْعَقْدِ فَأَنْكَرَهُ ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ الشَّرْطِ .","part":12,"page":402},{"id":5902,"text":"( 4532 ) فَصْلٌ : أَمَّا رَدُّ الْعَبْدِ الْآبِقِ ، فَإِنَّهُ يَسْتَحِقُّ الْجُعْلَ بِرَدِّهِ وَإِنْ لَمْ يَشْرُطْ لَهُ .\rرُوِيَ هَذَا عَنْ عُمَرَ ، وَعَلِيٍّ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ .\rوَبِهِ قَالَ شُرَيْحٌ ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَمَالِكٌ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُوجِبُ ذَلِكَ .\rقَالَ ابْنُ مَنْصُورٍ : سُئِلَ أَحْمَدُ عَنْ جُعْلِ الْآبِقِ ؟ فَقَالَ : لَا أَدْرِي ، قَدْ تَكَلَّمَ النَّاسُ فِيهِ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ فِيهِ حَدِيثٌ صَحِيحٌ .\rفَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ لَا جُعْلَ لَهُ فِيهِ ، وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ فَإِنَّهُ قَالَ : \" وَإِذَا أَبَقَ الْعَبْدُ فَلِمَنْ جَاءَ بِهِ إلَى سَيِّدِهِ مَا أَنْفَقَ عَلَيْهِ \" .\rوَلَمْ يَذْكُرْ جُعْلًا .\rوَهَذَا قَوْلُ النَّخَعِيِّ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ ؛ لِأَنَّهُ عَمِلَ لِغَيْرِهِ عَمَلًا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَشْرُطَ لَهُ عِوَضًا ، فَلَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا ، كَمَا لَوْ رَدَّ جَمَلَهُ الشَّارِدَ .\rوَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى ، مَا رَوَى عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ ، وَابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَعَلَ فِي جُعْلِ الْآبِقِ ، إذَا جَاءَ بِهِ خَارِجًا مِنْ الْحَرَمِ ، دِينَارًا وَأَيْضًا فَإِنَّهُ قَوْلُ مَنْ سَمَّيْنَا مِنْ الصَّحَابَةِ ، وَلَمْ نَعْرِفْ لَهُمْ فِي زَمَنِهِمْ مُخَالِفًا ، فَكَانَ إجْمَاعًا .\rوَلِأَنَّ فِي شَرْطِ الْجُعْلِ فِي رَدِّهِمْ حَثًّا عَلَى رَدِّ الْإِبَاقِ ، وَصِيَانَةً لَهُمْ عَنْ الرُّجُوعِ إلَى دَارِ الْحَرْبِ ، وَرِدَّتِهِمْ عَنْ دِينِهِمْ ، وَتَقْوِيَةِ أَهْلِ الْحَرْبِ بِهِمْ ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَشْرُوعًا لِهَذِهِ الْمَصْلَحَةِ .\rوَبِهَذَا فَارَقَ رَدَّ الشَّارِدِ ، فَإِنَّهُ لَا يُفْضِي إلَى ذَلِكَ .\rوَالرِّوَايَةُ الْأُخْرَى أَقْرَبُ إلَى الْمَصْلَحَةِ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْوُجُوبِ ، وَالْخَبَرُ الْمَرْوِيُّ فِي هَذَا مُرْسَلٌ ، وَفِيهِ مَقَالٌ ، وَلَمْ يَثْبُتْ الْإِجْمَاعُ فِيهِ وَلَا الْقِيَاسُ ، فَإِنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ اعْتِبَارُ الشَّرْعِ لِهَذِهِ الْمَصْلَحَةِ الْمَذْكُورَةِ فِيهِ ، وَلَا تَحَقَّقَتْ أَيْضًا ، فَإِنَّهُ لَيْسَ الظَّاهِرُ","part":12,"page":403},{"id":5903,"text":"هَرَبَهُمْ إلَى دَارِ الْحَرْبِ إلَّا فِي الْمَجْلُوبِ مِنْهَا ، إذَا كَانَتْ قَرِيبَةً ، وَهَذَا بَعِيدٌ فِيهِمْ فَأَمَّا عَلَى الرِّوَايَةِ الْأُولَى ، فَقَدْ اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ فِي قَدْرِ الْجُعْلِ ، فَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ ، أَوْ دِينَارٌ ، إنْ رَدَّهُ مِنْ الْمِصْرِ ، وَإِنْ رَدَّهُ مِنْ خَارِجِهِ ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ إحْدَاهُمَا يَلْزَمُهُ دِينَارٌ ، أَوْ اثْنَا عَشَرَ دِرْهَمًا ، لِلْخَبَرِ الْمَرْوِيِّ فِيهِ ، وَلِأَنَّ ذَلِكَ يُرْوَى عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا .\rوَالثَّانِيَةُ ، لَهُ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا إنْ رَدَّهُ مِنْ خَارِجِ الْمِصْرِ اخْتَارَهَا الْخَلَّالُ ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَشُرَيْحٍ .\rفَرَوَى أَبُو عَمْرٍو الشَّيْبَانِيُّ قَالَ : قُلْت لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ : إنِّي أَصَبْت عَبِيدًا إبَاقًا .\rفَقَالَ : لَك أَجْرٌ وَغَنِيمَةٌ .\rفَقُلْت : هَذَا الْأَجْرُ ، فَمَا الْغَنِيمَةُ ؟ قَالَ : مِنْ كُلِّ رَأْسٍ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا .\rوَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ : أَعْطَيْت الْجُعْلَ فِي زَمَنِ مُعَاوِيَةَ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا .\rوَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مُسْتَفِيضٌ فِي الْعَصْرِ الْأَوَّلِ .\rقَالَ الْخَلَّالُ : حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ أَصَحُّ إسْنَادًا .\rوَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، أَنَّهُ قَالَ : إذَا وَجَدَهُ عَلَى مَسِيرَةِ ثَلَاثٍ ، فَلَهُ ثَلَاثَةُ دَنَانِيرَ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إنْ رَدَّهُ مِنْ مَسِيرَةِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ، فَلَهُ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا ، وَإِنْ كَانَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ ، يُرْضَخُ لَهُ عَلَى قَدْرِ الْمَكَانِ الَّذِي تَعْنِي إلَيْهِ وَلَا فَرْقَ عِنْدَ إمَامِنَا بَيْنَ أَنْ يَزِيدَ الْجُعْلَ عَلَى قِيمَةِ الْعَبْدِ أَوْ لَا يَزِيدَ .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إنْ كَانَ قَلِيلَ الْقِيمَةِ نَقَصَ الْجُعْلُ مِنْ قِيمَتِهِ دِرْهَمًا ، لِئَلَّا يَفُوتَ عَلَيْهِ الْعَبْدُ جَمِيعُهُ .\rوَلَنَا عُمُومُ الدَّلِيلِ ، وَلِأَنَّهُ جُعْلٌ يُسْتَحَقُّ فِي رَدِّ الْآبِقِ ، فَاسْتَحَقَّهُ وَإِنْ زَادَ عَلَى قِيمَتِهِ ، كَمَا لَوْ جَعَلَهُ لَهُ صَاحِبُهُ ، وَيَسْتَحِقُّهُ إنْ مَاتَ سَيِّدُهُ فِي","part":12,"page":404},{"id":5904,"text":"تَرِكَتِهِ .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ .\rوَقَالَ أَبُو يُوسُفَ : إنْ كَانَ الَّذِي رَدَّهُ مِنْ وَرَثَةِ الْمَوْلَى ، سَقَطَ الْجُعْلُ وَلَنَا أَنَّ هَذَا عِوَضٌ عَنْ عَمَلِهِ ، فَلَا يَسْقُطُ بِالْمَوْتِ ، كَالْأَجْرِ فِي الْإِجَارَةِ ، وَكَمَا لَوْ كَانَ مِنْ غَيْرِ وَرَثَةِ الْمَوْلَى .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ مَنْ رَدَّهُ مَعْرُوفًا بِرَدِّ الْإِبَاقِ أَوْ لَمْ يَكُنْ .\rوَبِهَذَا قَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : إنْ كَانَ مَعْرُوفًا بِذَلِكَ ، اسْتَحَقَّ الْجُعْلَ ، وَإِلَّا فَلَا .\rوَلَنَا الْخَبَرُ ، وَالْأَثَرُ الْمَذْكُورُ مِنْ غَيْرِ تَفْرِيقٍ ، وَلِأَنَّهُ رَدَّ آبِقًا ، فَاسْتَحَقَّ الْجُعْلَ ، كَالْمَعْرُوفِ بِرَدِّهِمْ .","part":12,"page":405},{"id":5905,"text":"( 4533 ) فَصْل : وَيَجُوزُ أَخْذُ الْآبِقِ لِمَنْ وَجَدَهُ .\rوَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْعَبْدَ لَا يُؤْمَنُ لَحَاقُهُ بِدَارِ الْحَرْبِ ، وَارْتِدَادُهُ ، وَاشْتِغَالُهُ بِالْفَسَادِ فِي سَائِر الْبِلَادِ ، بِخِلَافِ الضَّوَالِّ الَّتِي تَحْفَظُ نَفْسَهَا .\rفَإِذَا أَخَذَهُ فَهُوَ أَمَانَةٌ فِي يَدِهِ ، إنْ تَلِفَ بِغَيْرِ تَفْرِيطِهِ ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ ، وَإِنْ وَجَدَ صَاحِبَهُ ، دَفَعَهُ إلَيْهِ إذَا أَقَامَ بِهِ الْبَيِّنَةَ ، أَوْ اعْتَرَفَ الْعَبْدُ أَنَّهُ سَيِّدُهُ .\rوَإِنْ لَمْ يَجِدْ سَيِّدَهُ ، دَفَعَهُ إلَى الْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ ، فَيَحْفَظُهُ لِصَاحِبِهِ ، أَوْ يَبِيعُهُ إنْ رَأَى الْمَصْلَحَةَ فِي بَيْعِهِ ، وَنَحْوَ ذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ، وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا وَلَيْسَ لِمُلْتَقِطِهِ بَيْعُهُ وَلَا تَمَلُّكُهُ بَعْدَ تَعْرِيفِهِ ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ يَنْحَفِظُ بِنَفْسِهِ ، فَهُوَ كَضَوَالِّ الْإِبِلِ .\rفَإِنْ بَاعَهُ ، فَالْبَيْعُ فَاسِدٌ ، فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، مِنْهُمْ ؛ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ .\rوَإِنْ بَاعَهُ الْإِمَامُ لِمَصْلَحَةٍ رَآهَا فِي بَيْعِهِ ، فَجَاءَ سَيِّدُهُ فَاعْتَرَفَ أَنَّهُ كَانَ أَعْتَقَهُ ، قُبِلَ مِنْهُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُرُّ إلَى نَفْسِهِ بِهَذَا نَفْعًا ، وَلَا يَدْفَعُ عَنْهَا ضَرَرًا .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يُقْبَلَ ؛ لِأَنَّهُ مِلْكٌ لِغَيْرِهِ ، فَلَا يُقْبَلُ إقْرَارُهُ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ ، كَمَا لَوْ بَاعَهُ السَّيِّدُ ثُمَّ أَقَرَّ بِعِتْقِهِ .\rفَعَلَى هَذَا لَيْسَ لِسَيِّدِهِ أَخْذُ ثَمَنِهِ ؛ لِأَنَّهُ يُقِرُّ أَنَّهُ حُرٌّ وَلَا يَسْتَحِقُّ ثَمَنَهُ ، وَلَكِنْ يُؤْخَذُ إلَى بَيْتِ الْمَالِ ؛ لِأَنَّهُ لَا مُسْتَحِقَّ لَهُ ، فَهُوَ كَتَرِكَةِ مَنْ مَاتَ وَلَا وَارِثَ لَهُ .\rفَإِنْ عَادَ السَّيِّدُ فَأَنْكَرَ الْعِتْقَ ، وَطَلَبَ الْمَالَ ، دُفِعَ إلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ مَالٌ لَا مُنَازِعَ لَهُ فِيهِ .","part":12,"page":406},{"id":5906,"text":"( 4534 ) فَصْلٌ : وَإِذَا أَبَقَ الْعَبْدُ ، فَحَصَلَ فِي يَدِ حَاكِمٍ ، فَأَقَامَ سَيِّدُهُ بَيِّنَةً عِنْدَ حَاكِمِ بَلَدٍ آخَرَ أَنَّ فُلَانًا الَّذِي صِفَتُهُ كَذَا وَكَذَا ، وَاسْتَقْصَى صِفَاتِهِ ، عَبْدَ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ أَبَقَ مِنْهُ ، فَقَبِلَ الْحَاكِمُ بَيِّنَتَهُ ، وَكَتَبَ الْحَاكِمُ إلَى الْحَاكِمِ الَّذِي عِنْدَهُ الْعَبْدُ : ثَبَتَ عِنْدِي إبَاقُ فُلَانٍ الَّذِي صِفَتُهُ كَذَا وَكَذَا .\rقَبِلَ كِتَابَهُ ، وَسَلَّمَ إلَيْهِ الْعَبْدَ .\rوَهَذَا قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ ، وَأَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ ، إلَّا أَنَّ أَبَا يُوسُفَ قَالَ : يَأْخُذُ بِهِ كَفِيلًا ؛ لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ أَثْبَتَتْهُ بِصِفَاتِهِ ، كَمَا ثَبَتَ فِي الذِّمَّةِ بِوَصْفِهِ فِي السَّلَمِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَمُحَمَّدٌ : لَا يَجِبُ تَسْلِيمُهُ ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَشْهَدُونَ عَلَى عَيْنِهِ ، وَإِنَّمَا يَشْهَدُونَ بِالصِّفَاتِ ، وَقَدْ تَتَّفِقُ الصِّفَاتُ مَعَ اخْتِلَافِ الْأَعْيَانِ ، وَيُفَارِقُ الْمُسْلَمَ فِيهِ ، فَإِنَّ الْوَاجِبَ أَقَلُّ مَا يُوجَدُ مِنْهُ الصِّفَةُ ، وَهُوَ غَيْرُ مُعَيِّنٍ .\rوَلَنَا أَنَّهُ يُقْبَلُ كِتَابُ الْحَاكِمِ إلَى الْحَاكِمِ عَلَى شَخْصٍ غَائِبٍ ، وَيُؤْخَذُ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ بِالْحَقِّ ، وَلَيْسَ ثَمَّ شَهَادَةٌ عَلَى عَيْنٍ ، وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ بِاسْمِهِ وَنَسَبِهِ وَصِفَتِهِ ، فَكَذَا هَاهُنَا ، إذَا ثَبَتَ وُجُوبُ تَسْلِيمِهِ ، فَإِنَّ الْحَاكِمَ الَّذِي يُسَلِّمُهُ يَخْتِمُ فِي عُنُقِهِ خَيْطًا ضَيِّقًا لَا يَخْرُجُ مِنْ رَأْسِهِ ، وَيَدْفَعُهُ إلَى الْمُدَّعِي أَوْ وَكِيلِهِ ، لِيَحْمِلَهُ إلَى الْحَاكِمِ الْكَاتِبِ ، لِيُشْهِدَ الشُّهُودَ عَلَى عَيْنِهِ ، فَإِنْ شَهِدُوا بِعَيْنِهِ ، سُلِّمَ إلَى مُدَّعِيه ، وَإِنْ لَمْ يَشْهَدُوا وَجَبَ رَدُّهُ إلَى الْحَاكِمِ الْأَوَّلِ ، وَيَكُونُ فِي ضَمَانِ الَّذِي أَخَذَهُ ؛ لِأَنَّهُ أَخَذَهُ بِغَيْرِ اسْتِحْقَاقٍ .","part":12,"page":407},{"id":5907,"text":"مَسْأَلَةٌ قَالَ : ( وَإِنْ كَانَ الْتَقَطَهَا قَبْلَ ذَلِكَ ، فَرَدَّهَا لِعِلَّةِ الْجُعْلِ ، لَمْ يَجُزْ لَهُ أَخْذُهُ ) .\rإنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ إذَا الْتَقَطَهَا قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَهُ الْجُعْلُ ، فَقَدْ الْتَقَطَهَا بِغَيْرِ عِوَضٍ ، وَعَمِلَ فِي مَالِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ جُعْلٍ ، فَلَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا ، كَمَا لَوْ الْتَقَطَهَا وَلَمْ يَجْعَلْ رَبُّهَا فِيهَا شَيْئًا .\rوَفَارَقَ الْمُلْتَقِطَ بَعْدَ بُلُوغِهِ الْجُعْلَ ؛ فَإِنَّهُ إنَّمَا بَذَلَ مَنَافِعَهُ بِعِوَضٍ جُعِلَ لَهُ ، فَاسْتَحَقَّهُ ، كَالْأَجِيرِ إذَا عَمِلَ بَعْدَ الْعَقْدِ .\rوَسَوَاءٌ كَانَ الْتِقَاطُهُ لَهَا بَعْدَ الْجُعْلِ أَوْ قَبْلَهُ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا وَلَا يَسْتَحِقُّ أَخْذَ الْجُعْلِ بِرَدِّهَا ؛ لِأَنَّ الرَّدَّ وَاجِبٌ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ ، فَلَمْ يَجُزْ أَخْذُ الْعِوَضِ عَنْ الْوَاجِبِ ، كَسَائِرِ الْوَاجِبَاتِ .\rوَإِنَّمَا يَأْخُذُهُ الْمُلْتَقِطُ ، فِي مَوْضِعٍ يَجُوزُ لَهُ أَخْذُهُ عِوَضًا عَنْ الِالْتِقَاطِ الْمُبَاحِ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِنَّ مُلْتَقِطَهَا قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَهُ الْجُعْلُ لَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا ، سَوَاءٌ رَدَّهَا لِعِلَّةِ الْجُعْلِ أَوْ لِغَيْرِهِ ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَسْتَحِقَّهُ مَعَ قَصْدِهِ إيَّاهُ ، وَعَمَلِهِ مِنْ أَجْلِهِ ، فَلَأَنْ لَا يَسْتَحِقَّهُ مَعَ عَدَمِ ذَلِكَ أَوْلَى .\rوَإِنَّمَا ذَكَرَ الْخِرَقِيِّ رَدَّهَا لِعِلَّةِ الْجُعْلِ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ ، لِيُنَبِّهَ بِهِ عَلَى عَدَمِ اسْتِحْقَاقِهِ فِيمَا إذَا رَدَّهَا لِغَيْرِ عِلَّتِهِ ، وَلِأَنَّ الْحَاجَةَ إنَّمَا تَدْعُو إلَى مَعْرِفَةِ الْحُكْمِ فِي مِنْ يُرِيدُ الْجُعْلَ ، أَمَّا مَنْ تَرَكَهُ وَلَا يُرِيدُهُ ، فَلَا يَقَعُ التَّنَازُعُ فِيهِ غَالِبًا .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":12,"page":408},{"id":5908,"text":"( 4536 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : ( وَإِنْ كَانَ الَّذِي وَجَدَ اللُّقَطَةَ سَفِيهًا أَوْ طِفْلًا ، قَامَ وَلِيُّهُ بِتَعْرِيفِهَا ، فَإِنْ تَمَّتْ السَّنَةُ ، ضَمَّهَا إلَى مَالِ وَاجِدِهَا ) .\rوَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الصَّبِيَّ وَالْمَجْنُونَ وَالسَّفِيهَ ، إذَا الْتَقَطَ أَحَدُهُمْ لُقَطَةً ، ثَبَتَتْ يَدُهُ عَلَيْهَا ؛ لِعُمُومِ الْأَخْبَارِ ، وَلِأَنَّ هَذَا تَكَسُّبٌ ، فَصَحَّ مِنْهُ ، كَالِاصْطِيَادِ وَالِاحْتِطَابِ .\rوَإِنْ تَلِفَتْ فِي يَدِهِ بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ أَخَذَ مَا لَهُ أَخْذُهُ .\rوَإِنْ تَلِفَتْ بِتَفْرِيطِهِ ، ضَمِنَهَا فِي مَالِهِ .\rوَإِذَا عَلِمَ بِهَا وَلِيُّهُ ، لَزِمَهُ أَخْذُهَا ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْحِفْظِ وَالْأَمَانَةِ ، فَإِنْ تَرَكَهَا فِي يَدِهِ ضَمِنَهَا ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ حِفْظُ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّ الصَّبِيِّ .\rوَهَذَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّهُ ، فَإِذَا تَرَكَهَا فِي يَدِهِ كَانَ مُضَيِّعًا لَهَا ، وَإِذَا أَخَذَهَا الْوَلِيُّ ، عَرَّفَهَا ؛ لِأَنَّ وَاجِدَهَا لَيْسَ مِنْ أَهْلِ التَّعْرِيفِ ، فَإِذَا انْقَضَتْ مُدَّةُ التَّعْرِيفِ ، دَخَلَتْ فِي مِلْكِ وَاجِدِهَا ؛ لِأَنَّ سَبَبَ الْمِلْكِ تَمَّ شَرْطُهُ ، فَيَثْبُتُ الْمِلْكُ لَهُ ، كَمَا لَوْ اصْطَادَ صَيْدًا .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ، إلَّا أَنَّ أَصْحَابَهُ قَالُوا : إذَا انْقَضَتْ مُدَّةُ التَّعْرِيفِ ، فَكَأَنَّ الصَّبِيُّ وَالْمَجْنُونُ بِحَيْثُ يُسْتَقْرَضُ لَهُمَا ، يَتَمَلَّكُهُ لَهُمَا ، وَإِلَّا فَلَا .\rوَقَالَ بَعْضُهُمْ : يَتَمَلَّكُهُ لَهُمَا بِكُلِّ حَالٍ ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ عَدَمُ ظُهُورِ صَاحِبِهِ ، فَيَكُونُ تَمَلُّكُهُ مَصْلَحَةً لَهُ وَلَنَا عُمُومُ الْأَخْبَارِ ، وَلَوْ جَرَى هَذَا مَجْرَى الِاقْتِرَاضِ لَمَا صَحَّ الْتِقَاطُ صَبِيٍّ لَا يَجُوزُ الِاقْتِرَاضُ لَهُ ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ تَبَرُّعًا بِحِفْظِ مَالِ غَيْرِهِ مِنْ غَيْرِ فَائِدَةٍ .\r( 4537 ) فَصْلٌ : قَالَ أَحْمَدُ ، فِي رِوَايَةِ الْعَبَّاسِ بْنِ مُوسَى ، فِي غُلَامٍ لَهُ عَشْرُ سِنِينَ ، الْتَقَطَ لُقَطَةً ، ثُمَّ كَبِرَ : فَإِنْ وَجَدَ صَاحِبَهَا دَفَعَهَا إلَيْهِ ، وَإِلَّا تَصَدَّقَ بِهَا .\rقَدْ مَضَى أَجَلُ التَّعْرِيفِ فِيمَا","part":12,"page":409},{"id":5909,"text":"تَقَدَّمَ مِنْ السِّنِينَ ، وَلَمْ يَرَ عَلَيْهِ اسْتِقْبَالَ أَجَلِ التَّعْرِيفِ .\rقَالَ : وَقَدْ كُنْت سَمِعْته قَبْلَ هَذَا أَوْ بَعْدَهُ يَقُولُ فِي انْقِضَاءِ أَجَلِ التَّعْرِيفِ إذَا لَمْ يَجِدْ صَاحِبَهَا : أَيَتَصَدَّقُ بِمَالِ الْغَيْر ؟ ، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ قَدْ مَضَى نَحْوُهَا فِيمَا إذَا لَمْ يُعَرِّفْ الْمُلْتَقِطُ اللُّقَطَةَ فِي حَوْلِهَا ، فَإِنَّهُ لَا يَمْلِكُهَا وَإِنْ عَرَّفَهَا فِيمَا بَعْدَ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ التَّعْرِيفَ بَعْدَهُ لَا يُفِيدُ ظَاهِرًا ، لِكَوْنِ صَاحِبِهَا يَئِسَ مِنْهَا ، وَتَرَكَ طَلَبَهَا .\rوَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ إذَا تَرَكَ التَّعْرِيفَ لِعُذْرٍ ، كَانَ كَتَرْكِهِ لِغَيْرِ عُذْرٍ ؛ لِكَوْنِ الصَّبِيِّ مِنْ أَهْلِ الْعُذْرِ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي هَذَا وَجْهَيْنِ فِيمَا تَقَدَّمَ .\rوَقَالَ أَحْمَدُ ، فِي غُلَامٍ لَمْ يَبْلُغْ ، أَصَابَ عَشَرَةَ دَنَانِيرَ ، فَذَهَبَ بِهَا إلَى مَنْزِلِهِ ، فَضَاعَتْ ، فَلَمَّا بَلَغَ أَرَادَ رَدَّهَا ، فَلَمْ يَعْرِفْ صَاحِبَهَا : تَصَدَّقَ بِهَا ، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ عَشَرَةً ، وَكَانَ يُجْحِفُ بِهِ ، تَصَدَّقَ قَلِيلًا قَلِيلًا قَالَ الْقَاضِي : مَعْنَى هَذَا أَنَّهَا تَلِفَتْ بِتَفْرِيطِ الصَّبِيِّ ، وَهُوَ أَنَّهُ لَمْ يُعْلِمْ وَلِيَّهُ حَتَّى يَقُومَ بِتَعْرِيفِهَا .","part":12,"page":410},{"id":5910,"text":"( 4538 ) فَصْلٌ : وَإِذَا وَجَدَ الْعَبْدُ لُقَطَةً ، فَلَهُ أَخْذُهَا بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ ، وَيَصِحُّ الْتِقَاطُهُ .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ فِي الْآخَرِ : لَا يَصِحُّ الْتِقَاطُهُ ؛ لِأَنَّ اللُّقَطَةَ فِي الْحَوْلِ الْأَوَّلِ أَمَانَةُ وِلَايَةٍ ، فِي الثَّانِي تَمَلُّكٌ ، وَالْعَبْدُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْوِلَايَاتِ وَلَا الْمِلْكِ .\rوَلَنَا عُمُومُ الْخَبَرِ ، وَلِأَنَّ الِالْتِقَاطَ سَبَبٌ يَمْلِكُ بِهِ الصَّبِيُّ وَيَصِحُّ مِنْهُ ، فَصَحَّ مِنْ الْعَبْدِ ، كَالِاحْتِطَابِ وَالِاصْطِيَادِ ، وَلِأَنَّ مَنْ جَازَ لَهُ قَبُولُ الْوَدِيعَةِ ، صَحَّ مِنْهُ الِالْتِقَاطُ ، كَالْحُرِّ وَقَوْلُهُمْ : إنَّ الْعَبْدَ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْوِلَايَاتِ وَالْأَمَانَاتِ .\rيَبْطُلُ بِالصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ ، فَإِنَّهُمَا أَدْنَى حَالًا مِنْهُ فِي هَذَا .\rوَقَوْلُهُمْ : إنَّ الْعَبْدَ لَا يَمْلِكُ مَمْنُوعٌ ، وَإِنْ سَلَّمْنَا ، فَإِنَّهُ يَتَمَلَّكُ لِسَيِّدِهِ ، كَمَا يَحْصُلُ بِسَائِرِ الِاكْتِسَابِ ، وَلِأَنَّ الِالْتِقَاطَ تَخْلِيصُ مَالٍ مِنْ الْهَلَاكِ ، فَجَازَ مِنْ الْعَبْدِ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ ، كَإِنْقَاذِ الْمَالِ الْغَرِيقِ وَالْمَغْصُوبِ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنْ الْتَقَطَ الْعَبْدُ لُقَطَةً كَانَتْ أَمَانَةً فِي يَدِهِ ، إنْ تَلِفَتْ بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ فِي حَوْلِ التَّعْرِيفِ ، لَمْ يَضْمَنْ ، وَإِنْ تَلِفَتْ بِتَفْرِيطٍ أَوْ إتْلَافٍ ، وَجَبَ ضَمَانُهَا فِي رَقَبَتِهِ ، كَسَائِرِ جِنَايَاتِهِ ، وَإِنْ عَرَّفَهَا ، صَحَّ تَعْرِيفُهُ ؛ لِأَنَّ لَهُ قَوْلًا صَحِيحًا ، فَصَحَّ تَعْرِيفُهُ ، كَالْحُرِّ ، فَإِذَا تَمَّ حَوْلُ التَّعْرِيفِ ، مَلَكَهَا سَيِّدُهُ ؛ لِأَنَّ الِالْتِقَاطَ كَسْبُ الْعَبْدِ ، وَكَسْبُهُ لِسَيِّدِهِ وَإِنْ عَلِمَ السَّيِّدُ بِلُقَطَةِ عَبْدِهِ ، كَانَ لَهُ انْتِزَاعُهَا مِنْهُ ؛ لِأَنَّهَا مِنْ كَسْبِ الْعَبْدِ ، وَلِلسَّيِّدِ انْتِزَاعُ كَسْبِهِ مِنْ يَدِهِ ، فَإِذَا انْتَزَعَهَا بَعْدَ أَنْ عَرَّفَهَا الْعَبْدُ مَلَكَهَا ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يُعَرِّفْهَا ، عَرَّفَهَا سَيِّدُهُ حَوْلًا كَامِلًا ، وَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ قَدْ عَرَّفَهَا بَعْضَ الْحَوْلِ ، عَرَّفَهَا","part":12,"page":411},{"id":5911,"text":"السَّيِّدُ تَمَامَهُ .\rفَإِنْ اخْتَارَ السَّيِّدُ إقْرَارَهَا فِي يَدِ عَبْدِهِ ، نَظَرْت ؛ فَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ أَمِينًا جَازَ ، وَكَانَ السَّيِّدُ مُسْتَعِينًا بِعَبْدِهِ فِي حِفْظِهَا ، كَمَا يَسْتَعِينُ بِهِ فِي حِفْظِ مَالِهِ ، وَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ غَيْرَ أَمِينٍ ، كَانَ السَّيِّدُ مُفَرِّطًا بِإِقْرَارِهَا فِي يَدِهِ ، وَلَزِمَهُ ضَمَانُهَا ، كَمَا لَوْ أَخَذَهَا مِنْ يَدِهِ ثُمَّ رَدَّهَا إلَيْهِ ؛ لِأَنَّ يَدَ الْعَبْدِ كَيَدِهِ ، وَمَا يَسْتَحِقُّ بِهَا فَهُوَ لِسَيِّدِهِ وَإِنْ أَعْتَقَ السَّيِّدُ عَبْدَهُ بَعْدَ الِالْتِقَاطِ ، فَلَهُ انْتِزَاعُ اللُّقَطَةِ مِنْ يَدِهِ ؛ لِأَنَّهَا مِنْ كَسْبِهِ ، وَأَكْسَابُهُ لِسَيِّدِهِ .\rوَمَتَى عَلِمَ الْعَبْدُ أَنَّ سَيِّدَهُ غَيْرُ مَأْمُونٍ عَلَيْهَا ، لَزِمَهُ سَتْرُهَا عَنْهُ ، وَتَسْلِيمُهَا إلَى الْحَاكِمِ ، لِيُعَرِّفهَا ، ثُمَّ يَدْفَعَهَا إلَى سَيِّدِهِ بِشَرْطِ الضَّمَانِ .\rفَإِنْ أَعْلَمَ سَيِّدَهُ بِهَا ، فَلَمْ يَأْخُذْهَا مِنْهُ ، أَوْ أَخَذَهَا فَعَرَّفَهَا وَأَدَّى الْأَمَانَةَ فِيهَا فَتَلِفَتْ فِي الْحَوْلِ الْأَوَّلِ بِغَيْرِ تَفْرِيطَهُ ، فَلَا ضَمَانَ فِيهَا ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَتْلَفْ بِتَفْرِيطٍ مِنْ أَحَدِهِمَا ، وَإِنْ لَمْ يُؤَدِّ الْأَمَانَةَ فِيهَا ، وَجَبَ ضَمَانُهَا ، وَيَتَعَلَّقُ الضَّمَانُ بِرَقَبَةِ الْعَبْدِ وَذِمَّةِ السَّيِّدِ جَمِيعًا ؛ لِأَنَّ التَّفْرِيطَ حَصَلَ مِنْهُمَا جَمِيعًا .","part":12,"page":412},{"id":5912,"text":"( 4539 ) فَصْلٌ : وَالْمُكَاتَبُ كَالْحُرِّ فِي اللُّقَطَةِ ؛ لِأَنَّ الْمَالَ لَهُ فِي الْحَالِ ، وَأَكْسَابُهُ لَهُ دُونَ سَيِّدِهِ ، وَاللُّقَطَةُ مِنْ أَكْسَابِهِ ، فَإِنْ عَجَزَ عَادَ عَبْدًا ، وَصَارَ حُكْمُهُ فِي اللُّقَطَةِ حُكْمَ الْعَبْدِ ، عَلَى مَا مَرَّ بَيَانُهُ .\rوَأُمُّ الْوَلَدِ ، وَالْمُعَلَّقُ عِتْقُهُ بِصِفَةٍ ، وَالْمُدَبَّرُ كَالْقِنِّ .\rوَمَنْ نِصْفُهُ حُرٌّ إذَا الْتَقَطَ شَيْئًا ، وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَيِّدِهِ مُهَايَأَةٌ ، فَهُوَ بَيْنَهُمَا بَعْدَ التَّعْرِيفِ نِصْفَيْنِ ، كَسَائِرِ أَكْسَابِهِ ، وَهِيَ بَيْنَهُمَا فِي حَوْلِ التَّعْرِيفِ كَالْحُرَّيْنِ إذَا الْتَقَطَا لُقَطَةً ، وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا مُهَايَأَةٌ ، فَفِيهَا وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا لَا تَدْخُلُ فِي الْمُهَايَأَةِ ؛ لِأَنَّهَا كَسْبٌ نَادِرٌ ، لَا يُعْلَمُ وُجُودُهُ وَلَا يُظَنُّ ، فَلَمْ تَدْخُلْ فِي الْمُهَايَأَةِ ، وَتَكُونُ بَيْنَهُمَا وَالثَّانِي : تَدْخُلُ فِي الْمُهَايَأَةِ ؛ لِأَنَّهَا مِنْ كَسْبِهِ ، فَأَشْبَهَتْ سَائِرَ أَكْسَابِهِ ، فَإِنْ وَجَدَهَا فِي يَوْمِهِ فَهِيَ لَهُ ، وَإِنْ وَجَدَهَا فِي يَوْمِ سَيِّدِهِ فَهِيَ لَهُ ، وَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ مُشْتَرَكًا بَيْنَ اثْنَيْنِ ، فَلُقَطَتُهُ بَيْنَهُمَا ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي مَنْ بَعْضُهُ حُرٌّ وَبَعْضُهُ رَقِيقٌ .","part":12,"page":413},{"id":5913,"text":"( 4540 ) فَصْلٌ : وَالذِّمِّيُّ فِي الِالْتِقَاطِ كَالْمُسْلِمِ .\rوَمِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ مَنْ قَالَ : لَيْسَ لَهُ الِالْتِقَاطُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْأَمَانَةِ .\rوَلَنَا أَنَّهَا نَوْعُ اكْتِسَابٍ ، فَكَانَ مِنْ أَهْلِهَا ، كَالْحَشِّ وَالِاحْتِطَابِ .\rوَمَا ذَكَرُوهُ يَبْطُلُ بِالصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ ، فَإِنَّهُ يَصِحُّ الْتِقَاطُهُمَا ، مَعَ عَدَمِ الْأَمَانَةِ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّهُ إنْ عَرَّفَ اللُّقَطَةَ حَوْلًا كَامِلًا ، مَلَكَهَا كَالْمُسْلِمِ ، وَإِنْ عَلِمَ بِهَا الْحَاكِمُ أَوْ السُّلْطَانُ ، أَقَرَّهَا فِي يَدِهِ .\rوَضَمَّ إلَيْهِ مُشْرِفًا عَدْلًا يُشْرِفُ عَلَيْهِ ، وَيُعَرِّفُهَا ؛ لِأَنَّنَا لَا نَأْمَنُ الْكَافِرَ عَلَى تَعْرِيفِهَا ، وَلَا نَأْمَنُهُ أَنْ يُخِلَّ فِي التَّعْرِيفِ بِشَيْءٍ مِنْ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ فِيهِ ، وَأَجْرُ الْمُشْرِفِ عَلَيْهِ ، فَإِذَا تَمَّ حَوْلُ التَّعْرِيفِ مَلَكَهَا الْمُلْتَقِطُ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ تُنْزَعَ مِنْ يَدِ الذِّمِّيِّ ، وَتُوضَعَ عَلَى يَدِ عَدْلٍ ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَأْمُونٍ عَلَيْهَا .","part":12,"page":414},{"id":5914,"text":"( 4541 ) فَصْلٌ : وَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ لَيْسَ بِأَمِينٍ أَنْ لَا يَأْخُذَ اللُّقَطَةَ ؛ لِأَنَّهُ يُعَرِّضُ نَفْسَهُ لِلْأَمَانَةِ ، وَلَيْسَ هُوَ مِنْ أَهْلِهَا ، فَإِنْ الْتَقَطَ صَحَّ الْتِقَاطُهُ ؛ لِأَنَّهَا جِهَةٌ مِنْ جِهَاتِ الْكَسْبِ ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْكَسْبِ ، وَلِأَنَّهُ إذَا صَحَّ الْتِقَاطُ الْكَافِرِ ، فَالْمُسْلِمُ أَوْلَى ، فَإِذَا الْتَقَطَهَا فَعَرَّفَهَا حَوْلًا ، مَلَكَهَا كَالْعَدْلِ .\rوَإِنْ عَلِمَ الْحَاكِمُ أَوْ السُّلْطَانُ بِهَا ، أَقَرَّهَا فِي يَدِهِ ، وَضَمَّ إلَيْهِ مُشْرِفًا يُشْرِفُ عَلَيْهِ ، وَيَتَوَلَّى تَعْرِيفَهَا كَمَا قُلْنَا فِي الذِّمِّيِّ ؛ لِأَنَّهُ لَا نَأْمَنُهُ عَلَيْهَا .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ ، وَقَالَ فِي الْآخَرِ : يَنْزِعُهَا مِنْ يَدِهِ ، وَيَضَعُهَا فِي يَدِ عَدْلٍ وَلَنَا أَنَّ مَنْ خَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْوَدِيعَةِ ، لَمْ تَزُلْ يَدُهُ عَنْ اللُّقَطَةِ ، كَالْعَدْلِ ، وَالْحِفْظُ يَحْصُلُ بِضَمِّ الْمُشْرِفِ إلَيْهِ ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ الْمُشْرِفَ حِفْظُهَا مِنْهُ ، اُنْتُزِعَتْ مِنْ يَدِهِ ، وَتُرِكَتْ فِي يَدِ عَدْلٍ ، فَإِذَا عَرَّفَهَا وَتَمَّتْ السَّنَةُ ، مَلَكَهَا مُلْتَقِطُهَا ؛ لِأَنَّ سَبَبَ الْمِلْكِ وُجِدَ مِنْهُ .","part":12,"page":415},{"id":5915,"text":"مَسْأَلَةٌ قَالَ : ( وَإِذَا وَجَدَ الشَّاةَ بِمِصْرٍ ، أَوْ بِمَهْلَكَةٍ ، فَهِيَ لُقَطَةٌ ) يَعْنِي أَنَّهُ يُبَاحُ أَخْذُهَا وَالْتِقَاطُهَا ، وَحُكْمُهَا إذَا أَخَذَهَا حُكْمُ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ ، فِي التَّعْرِيفِ وَالْمِلْكِ بَعْدَهُ .\rهَذَا الصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِ أَحْمَدَ ، وَقَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ ضَالَّةَ الْغَنَمِ فِي الْمَوْضِعِ الْمَخُوفِ عَلَيْهَا لَهُ أَكْلُهَا ، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي كُلِّ حَيَوَانٍ لَا يَمْتَنِعُ بِنَفْسِهِ مِنْ صِغَارِ السِّبَاعِ ، وَهِيَ الثَّعْلَبُ ، وَابْنُ آوَى ، وَالذِّئْبُ ، وَوَلَدُ الْأَسَدِ وَنَحْوُهَا فَمَا لَا يَمْتَنِعُ مِنْهَا ، كَفُصْلَانِ الْإِبِلِ ، وَعُجُولِ الْبَقَرِ ، وَأَفْلَاءِ الْخَيْلِ ، وَالدَّجَاجِ ، وَالْإِوَزِّ وَنَحْوِهَا ، يَجُوزُ الْتِقَاطُهُ .\rوَيُرْوَى عَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى ، لَيْسَ لِغَيْرِ الْإِمَامِ الْتِقَاطُهَا .\rوَقَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ : لَا أُحِبُّ أَنْ يَقْرَبَهَا ، إلَّا أَنْ يَحُوزَهَا لِصَاحِبِهَا ؛ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا يُؤْوِي الضَّالَّةَ إلَّا ضَالٌّ } .\rوَلِأَنَّهُ حَيَوَانٌ أَشْبَهَ الْإِبِلَ .\rوَلَنَا قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَمَّا سُئِلَ عَنْ الشَّاةِ : خُذْهَا ، فَإِنَّمَا هِيَ لَك أَوْ لِأَخِيكَ أَوْ لِلذِّئْبِ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلِأَنَّهُ يُخْشَى عَلَيْهِ التَّلَفُ وَالضَّيَاعُ ، فَأَشْبَهَ لُقَطَةَ غَيْرِ الْحَيَوَانِ ، وَحَدِيثُنَا أَخَصُّ مِنْ حَدِيثِهِمْ ، فَنَخُصُّهُ بِهِ ، وَالْقِيَاسُ عَلَى الْإِبِلِ لَا يَصِحُّ ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَّلَ مَنْعَ الْتِقَاطِهَا بِأَنَّ مَعَهَا حِذَاءَهَا وَسِقَاءَهَا ، وَهَذَا مَعْدُومٌ فِي الْغَنَمِ ، ثُمَّ قَدْ فَرَّقَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَهُمَا فِي خَبَرٍ وَاحِدٍ ، فَلَا يَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَ مَا فَرَّقَ الشَّارِعُ بَيْنَهُمَا ، وَلَا قِيَاسُ مَا أَمَرَ بِالْتِقَاطِهِ عَلَى مَا مَنَعَ ذَلِكَ فِيهِ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَجِدَهَا بِمِصْرٍ أَوْ بِمَهْلَكَةٍ .\rوَقَالَ مَالِكٌ ،","part":12,"page":416},{"id":5916,"text":"وَأَبُو عُبَيْدٍ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ ، فِي الشَّاةِ تُوجَدُ فِي الصَّحْرَاءِ : اذْبَحْهَا ، وَكُلْهَا .\rوَفِي الْمِصْرِ : ضُمَّهَا حَتَّى يَجِدَهَا صَاحِبُهَا ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { هِيَ لَك أَوْ لِأَخِيكَ أَوْ لِلذِّئْبِ } .\rوَالذِّئْبُ لَا يَكُونُ فِي الْمِصْرِ وَلَنَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : \" خُذْهَا \" .\rوَلَمْ يُفَرِّقْ ، وَلَمْ يَسْتَفْصِلْ ، وَلَوْ افْتَرَقَ الْحَالُ لَسَأَلَ وَاسْتَفْصَلَ ، وَلِأَنَّهَا لُقَطَةٌ ، فَاسْتَوَى فِيهَا الْمِصْرُ وَالصَّحْرَاءُ ، كَسَائِرِ اللُّقَطَاتِ .\rوَقَوْلُهُمْ : إنَّ الذِّئْبَ لَا يَكُونُ إلَّا فِي الصَّحْرَاءِ .\rقُلْنَا : كَوْنُهَا لِلذِّئْبِ فِي الصَّحْرَاءِ لَا يَمْنَعُ كَوْنَهَا لِغَيْرِهِ فِي الْمِصْرِ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّهُ مَتَى عَرَّفَهَا حَوْلًا كَامِلًا ، مَلَكَهَا .\rوَذَكَرَ الْقَاضِي ، وَأَبُو الْخَطَّابِ ، عَنْ أَحْمَدَ ، رِوَايَةً أُخْرَى ، أَنَّهُ لَا يَمْلِكُهَا .\rوَلَعَلَّهَا الرِّوَايَةُ الَّتِي مَنَعَ مِنْ الْتِقَاطِهَا فِيهَا .\rوَلَنَا قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { هِيَ لَكَ أَوْ لِأَخِيكَ } ، فَأَضَافَهَا إلَيْهِ فَاللَّامُ التَّمْلِيكِ ، وَلِأَنَّهَا يُبَاحُ الْتِقَاطُهَا ، فَمُلِكَتْ بِالتَّعْرِيفِ ، كَالْأَثْمَانِ ، وَلِأَنَّ ذَلِكَ إجْمَاعٌ ، حَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ .","part":12,"page":417},{"id":5917,"text":"( 4543 ) فَصْلٌ : وَيَتَخَيَّرُ مُلْتَقِطُهَا بَيْنَ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ ؛ أَكْلُهَا فِي الْحَالِ .\rوَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَغَيْرُهُمْ .\rقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ ضَالَّةَ الْغَنَمِ ، فِي الْمَوْضِعِ الْمَخُوفِ عَلَيْهَا ، لَهُ أَكْلُهَا .\rوَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { هِيَ لَكَ أَوْ لِأَخِيكَ أَوْ لِلذِّئْبِ } .\rفَجَعَلَهَا لَهُ فِي الْحَالِ ، وَسَوَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ الذِّئْبِ ، وَالذِّئْبُ لَا يَسْتَأْنِي بِأَكْلِهَا ، وَلِأَنَّ فِي أَكْلِهَا فِي الْحَالِ إغْنَاءً عَنْ الْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا ، وَحِرَاسَةً لِمَالِيَّتِهَا عَلَى صَاحِبِهَا إذَا جَاءَ .\rفَإِنَّهُ يَأْخُذُ قِيمَتَهَا بِكَمَالِهَا مِنْ غَيْرِ نَقْصٍ ، وَفِي إبْقَائِهَا تَضْيِيعٌ لِلْمَالِ بِالْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا ، وَالْغَرَامَةِ فِي عَلَفِهَا ، فَكَانَ أَكْلُهَا أَوْلَى .\rوَمَتَى أَرَادَ أَكْلَهَا حَفِظَ صِفَتَهَا ، فَمَتَى جَاءَ صَاحِبُهَا غَرِمَهَا لَهُ ، فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، إلَّا مَالِكًا ، فَإِنَّهُ قَالَ : كُلْهَا ، وَلَا غُرْمَ عَلَيْك لِصَاحِبِهَا وَلَا تَعْرِيفَ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : \" هِيَ لَك \" .\rوَلَمْ يُوجِبْ فِيهَا تَعْرِيفًا وَلَا غُرْمًا ، وَسَوَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ الذِّئْبِ ، وَالذِّئْبُ لَا يُعَرِّفُ وَلَا يَغْرَمُ .\rقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : لَمْ يُوَافِقْ مَالِكًا أَحَدٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ عَلَى قَوْلِهِ .\rوَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو : { رُدَّ عَلَى أَخِيك ضَالَّتَهُ } دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الشَّاةَ عَلَى مِلْكِ صَاحِبِهَا ، وَلِأَنَّهَا لُقَطَةٌ لَهَا قِيمَةٌ ، وَتَتْبَعُهَا النَّفْسُ ، فَتَجِبُ غَرَامَتُهَا لِصَاحِبِهَا إذَا جَاءَ كَغَيْرِهَا ، وَلِأَنَّهَا مِلْكٌ لِصَاحِبِهَا ، فَلَمْ يَجُزْ تَمَلُّكُهَا عَلَيْهِ بِغَيْرِ عِوَضٍ مِنْ غَيْرِ رِضَاهُ ، كَمَا لَوْ كَانَتْ بَيْنَ الْبُنْيَانِ ، وَلِأَنَّهَا عَيْنٌ يَجِبُ رَدُّهَا مَعَ بَقَائِهَا ، فَوَجَبَ غُرْمُهَا إذَا أَتْلَفَهَا ، كَلُقَطَةِ الذَّهَبِ .\rوَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ","part":12,"page":418},{"id":5918,"text":"عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : \" هِيَ لَك \" .\rلَا يَمْنَعُ وُجُوبَ غَرَامَتِهَا ، فَإِنَّهُ قَدْ أَذِنَ فِي لُقَطَةِ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ بَعْدَ تَعْرِيفِهَا ، فِي أَكْلِهَا وَإِنْفَاقِهَا ، وَقَالَ : \" هِيَ كَسَائِرِ مَالِك \" .\rثُمَّ أَجْمَعْنَا عَلَى وُجُوبِ غَرَامَتِهَا ، كَذَلِكَ الشَّاةُ ، وَلَا فَرْقَ فِي إبَاحَةِ أَكْلِهَا بَيْنَ وِجْدَانِهَا فِي الصَّحْرَاءِ أَوْ فِي الْمِصْرِ وَقَالَ مَالِكٌ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ ، وَأَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ : لَيْسَ لَهُ أَكْلُهَا فِي الْمِصْرِ ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ بَيْعُهَا ، بِخِلَافِ الصَّحْرَاءِ .\rوَلَنَا أَنَّ مَا جَازَ أَكْلُهُ فِي الصَّحْرَاءِ ، أُبِيحَ فِي الْمِصْرِ ، كَسَائِرِ الْمَأْكُولَاتِ ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : \" هِيَ لَك \" .\rوَلَمْ يُفَرِّقْ ، وَلِأَنَّ أَكْلَهَا مُعَلَّلٌ بِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الِاسْتِغْنَاءِ عَنْ الْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا ، وَهَذَا فِي الْمِصْرِ أَشَدُّ مِنْهُ فِي الصَّحْرَاءِ .\rالثَّانِي ، أَنْ يُمْسِكَهَا عَلَى صَاحِبِهَا ، وَيُنْفِقَ عَلَيْهَا مِنْ مَالِهِ ، وَلَا يَتَمَلَّكهَا .\rوَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يُنْفِقَ عَلَيْهَا مُحْتَسِبًا بِالنَّفَقَةِ عَلَى مَالِكِهَا ، وَأَشْهَدَ عَلَى ذَلِكَ ، فَهَلْ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ بِالنَّفَقَةِ ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ إحْدَاهُمَا يَرْجِعُ بِهِ نَصَّ عَلَيْهِ ، فِي رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيِّ ، فِي طِيَرَةٍ أَفْرَخَتْ عِنْدَ قَوْمٍ ، فَقَضَى أَنَّ الْفِرَاخَ لِصَاحِبِ الطِّيَرَةِ ، وَيَرْجِعُ بِالْعَلَفِ إذَا لَمْ يَكُنْ مُتَطَوِّعًا .\rوَقَضَى عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي مَنْ وَجَدَ ضَالَّةً ، فَأَنْفَقَ عَلَيْهَا ، وَجَاءَ رَبُّهَا ، بِأَنَّهُ يَغْرَمُ لَهُ مَا أَنْفَقَ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ أَنْفَقَ عَلَى اللُّقَطَةِ لِحِفْظِهَا ، فَكَانَ مِنْ مَالِ صَاحِبِهَا ، كَمُؤْنَةِ الرُّطَبِ وَالْعِنَبِ .\rوَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ ، لَا يَرْجِعُ بِشَيْءٍ .\rوَهُوَ قَوْلُ الشَّعْبِيِّ ، وَالشَّافِعِيِّ .\rوَلَمْ يُعْجِبْ الشَّعْبِيَّ قَضَاءُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ؛ لِأَنَّهُ أَنْفَقَ عَلَى مَالِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ ، فَلَمْ يَرْجِعْ .\rكَمَا لَوْ بَنِي دَارِهِ ، وَيُفَارِقُ الْعِنَبَ وَالرُّطَبَ ،","part":12,"page":419},{"id":5919,"text":"فَإِنَّهُ رُبَّمَا كَانَ تَجْفِيفُهُ وَالْإِنْفَاقُ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ أَحْظَ لِصَاحِبِهِ ؛ لِأَنَّ النَّفَقَةَ لَا تَتَكَرَّرُ ، وَالْحَيَوَانُ يَتَكَرَّرُ الْإِنْفَاقُ عَلَيْهِ ، فَرُبَّمَا اسْتَغْرَقَ قِيمَتَهُ ، فَكَانَ بَيْعُهُ أَوْ أَكْلُهُ أَحْظَ ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَحْتَسِبْ الْمُنْفِقُ عَلَيْهَا بِمَا أَنْفَقَ .\rالثَّالِثُ أَنْ يَبِيعَهَا وَيَحْفَظَ ثَمَنَهَا لِصَاحِبِهَا ، وَلَهُ أَنْ يَتَوَلَّى ذَلِكَ بِنَفْسِهِ .\rوَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ : يَبِيعُهَا بِإِذْنِ الْإِمَامِ .\rوَلَنَا أَنَّهُ إذَا جَازَ لَهُ أَكْلُهَا بِغَيْرِ إذْنٍ ، فَبَيْعُهَا أَوْلَى .\rوَلَمْ يَذْكُرْ أَصْحَابُنَا لَهَا تَعْرِيفًا فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ ؛ لِحَدِيثِ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ ؛ فَإِنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { خُذْهَا ، فَإِنَّمَا هِيَ لَكَ أَوْ لِأَخِيكَ أَوْ لِلذِّئْبِ } .\rوَلَمْ يَأْمُرْ بِتَعْرِيفِهَا ، كَمَا أَمَرَ فِي لُقَطَةِ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ .\rوَلَنَا أَنَّهَا لُقَطَةٌ لَهَا خَطَرٌ ، فَوَجَبَ تَعْرِيفُهَا ، كَالْمَطْعُومِ الْكَثِيرِ ، وَإِنَّمَا تَرَكَ ذِكْرَ تَعْرِيفِهَا لِأَنَّهُ ذَكَرَهَا بَعْدَ بَيَانِهِ التَّعْرِيفَ فِيمَا سِوَاهَا ، فَاسْتُغْنِيَ بِذَلِكَ عَنْ ذِكْرِهِ فِيهَا ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ جَوَازِ التَّصَرُّفِ فِيهَا فِي الْحَوْلِ سُقُوطُ التَّعْرِيفِ ، كَالْمَطْعُومِ .\r( 4544 ) فَصْلٌ : إذَا أَكَلَهَا ثَبَتَتْ قِيمَتُهَا فِي ذِمَّتِهِ ، وَلَا يَلْزَمُهُ عَزْلُهَا ؛ لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ فِي ذَلِكَ ، فَإِنَّهَا لَا تَنْتَقِلُ مِنْ الذِّمَّةِ إلَى الْمَالِ الْمَعْزُولِ .\rوَلَوْ عَزَلَ شَيْئًا ثُمَّ أَفْلَسَ ، كَانَ صَاحِبُ اللَّقَطِ أُسْوَةَ الْغُرَمَاءِ ، وَلَمْ يَخْتَصَّ بِالْمَالِ الْمَعْزُولِ .\rوَإِنْ بَاعَهَا ، وَحَفِظَ ثَمَنَهَا ، وَجَاءَ صَاحِبُهَا ، أَخَذَهُ ، وَلَمْ يُشَارِكْهُ فِيهِ أَحَدٌ مِنْ الْغُرَمَاءِ ؛ لِأَنَّهُ عَيْنُ مَالِهِ ، لَا شَيْءَ لِلْمُفْلِسِ فِيهِ .","part":12,"page":420},{"id":5920,"text":"( 4545 ) فَصْلٌ : وَإِذَا الْتَقَطَ مَا لَا يَبْقَى عَامًا ، فَذَلِكَ نَوْعَانِ ؛ أَحَدُهُمَا مَا لَا يَبْقَى بِعِلَاجٍ وَلَا غَيْرِهِ ، كَالطَّبِيخِ ، وَالْبِطِّيخِ ، وَالْفَاكِهَةِ الَّتِي لَا تُجَفَّفُ ، وَالْخَضْرَاوَاتِ .\rفَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَكْلِهِ ، وَبَيْعِهِ وَحِفْظِ ثَمَنِهِ ، وَلَا يَجُوزُ إبْقَاؤُهُ ؛ لِأَنَّهُ يَتْلَفُ .\rفَإِنْ تَرَكَهُ حَتَّى تَلِفَ ، فَهُوَ مِنْ ضَمَانِهِ ؛ لِأَنَّهُ فَرَّطَ فِي حِفْظِهِ ، فَلَزِمَهُ ضَمَانُهُ ، كَالْوَدِيعَةِ .\rفَإِنْ أَكَلَهُ ثَبَتَتْ الْقِيمَةُ فِي ذِمَّتِهِ ، عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فِي لُقَطَةِ الْغَنَمِ .\rوَإِنْ بَاعَهُ وَحَفِظَ ثَمَنَهُ ، جَازَ وَهَذَا ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ .\rوَلَهُ أَنْ يَتَوَلَّى بَيْعَهُ بِنَفْسِهِ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّ لَهُ بَيْعَ الْيَسِيرِ ، وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا دَفَعَهُ إلَى السُّلْطَانِ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ : لَيْسَ لَهُ بَيْعُهُ إلَّا بِإِذْنِ الْحَاكِمِ ، فَإِنْ عَجَزَ عَنْهُ ، جَازَ الْبَيْعُ بِنَفْسِهِ ؛ لِأَنَّهُ حَالُ ضَرُورَةٍ ، فَأَمَّا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى اسْتِئْذَانِهِ ، فَلَا يَجُوزُ مِنْ غَيْرِ إذْنِهِ ؛ لِأَنَّهُ مَالٌ مَعْصُومٌ ، لَا وِلَايَةَ عَلَيْهِ ، فَلَمْ يَجُزْ لِغَيْرِ الْحَاكِمِ بَيْعُهُ ، كَغَيْرِ اللُّقَطَةِ .\rوَلَنَا أَنَّهُ مَالٌ أُبِيحَ لِلْمُلْتَقِطِ أَكْلُهُ ، فَأُبِيحَ لَهُ بَيْعُهُ ، كَمَالِهِ ، وَلِأَنَّهُ مَالٌ أُبِيحَ لَهُ بَيْعُهُ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْ الْحَاكِمِ ، فَجَازَ عِنْدَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ ، كَمَالِهِ إذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّهُ مَتَى أَرَادَ أَكْلَهُ أَوْ بَيْعَهُ ، حَفِظَ صِفَاتِهِ ، ثُمَّ عَرَّفَهُ عَامًا ، فَإِذَا جَاءَ صَاحِبُهُ ، فَإِنْ كَانَ قَدْ بَاعَهُ وَحَفِظَ ثَمَنَهُ ، دَفَعَهُ إلَيْهِ ، وَإِنْ كَانَ قَدْ أَكَلَهُ أَوْ أَكَلَ ثَمَنَهُ ، غَرِمَهُ لَهُ بِقِيمَتِهِ يَوْمَ أَكَلَهُ .\rوَإِنْ تَلِفَ الثَّمَنُ بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ قَبْلَ تَمَلُّكِهِ ، أَوْ نَقَصَ أَوْ تَلِفَتْ الْعَيْنُ ، أَوْ نَقَصَتْ مِنْ غَيْرِ تَفْرِيطِهِ ، فَلَا ضَمَانَ عَلَى الْمُلْتَقِطِ .\rوَإِنْ تَلِفَتْ أَوْ نَقَصَتْ أَوْ نَقَصَ الثَّمَنُ لِتَفْرِيطِهِ ، فَعَلَى الْمُلْتَقِطِ ضَمَانُهُ ، وَكَذَلِكَ إنْ تَلِفَ الثَّمَنُ بَعْدَ","part":12,"page":421},{"id":5921,"text":"تَمَلُّكِهِ ، أَوْ نَقَصَ ، ضَمِنَهُ .\rالنَّوْعُ الثَّانِي مَا يُمْكِنُ إبْقَاؤُهُ بِالْعِلَاجِ ، كَالْعِنَبِ وَالرُّطَبِ ، فَيَنْظُرُ مَا فِيهِ الْحَظُّ لِصَاحِبِهِ .\rفَإِنْ كَانَ فِي التَّجْفِيفِ جَفَّفَهُ ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ إلَّا ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ مَالُ غَيْرِهِ ، فَلَزِمَهُ مَا فِيهِ الْحَظُّ لِصَاحِبِهِ ، كَوَلِيِّ الْيَتِيمِ ، وَإِنْ احْتَاجَ فِي التَّجْفِيفِ إلَى غَرَامَةٍ ، بَاعَ بَعْضَهُ فِي ذَلِكَ .\rوَإِنْ كَانَ الْحَظُّ فِي بَيْعِهِ ، بَاعَهُ ، وَحَفِظَ ثَمَنَهُ ، كَالطَّعَامِ وَالرُّطَبِ ، فَإِنْ تَعَذَّرَ بَيْعُهُ ، وَلَمْ يُمْكِنْ تَجْفِيفُهُ ، تَعَيَّنَ أَكْلُهُ ، كَالْبِطِّيخِ .\rوَإِنْ كَانَ أَكْلُهُ أَنْفَعَ لِصَاحِبِهِ .\rفَلَهُ أَكْلُهُ أَيْضًا ؛ لِأَنَّ الْحَظَّ فِيهِ .\rوَيَقْتَضِي قَوْلُ أَصْحَابِنَا : إنَّ الْعُرُوضَ لَا تُمْلَكُ بِالتَّعْرِيفِ أَنَّ هَذَا كُلَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَكْلُهُ ، لَكِنْ يُخَيَّرُ بَيْنَ الصَّدَقَةِ بِهِ وَبَيْنَ بَيْعِهِ .\rوَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ فِي مَنْ يَجِدُ فِي مَنْزِلِهِ طَعَامًا لَا يَعْرِفُهُ : يُعَرِّفُهُ مَا لَمْ يَخْشَ فَسَادَهُ ، فَإِنْ خَشِيَ فَسَادَهُ ، تَصَدَّقَ بِهِ ، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهُ غَرِمَهُ .\rوَكَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ .\rوَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ، فِي لُقَطَةِ مَا لَا يَبْقَى سَنَةً : يَتَصَدَّقُ بِهِ .\rوَقَالَ الثَّوْرِيُّ : يَبِيعُهُ ، وَيَتَصَدَّقُ بِثَمَنِهِ .\rوَلَنَا عَلَى جَوَازِ أَكْلِهِ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ضَالَّةِ الْغَنَمِ : { خُذْهَا ، فَإِنَّمَا هِيَ لَكَ ، أَوْ لِأَخِيكَ ، أَوْ لِلذِّئْبِ } وَهَذَا تَجْوِيزٌ لِلْأَكْلِ ، فَإِذَا جَازَ فِيمَا هُوَ مَحْفُوظٌ بِنَفْسِهِ ، فَفِيمَا يَفْسُدُ بِبَقَائِهِ أَوْلَى .","part":12,"page":422},{"id":5922,"text":"( 4546 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : ( وَلَا يَتَعَرَّضُ لِبَعِيرٍ ، وَلَا لِمَا فِيهِ قُوَّةٌ يَمْنَعُ عَنْ نَفْسِهِ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ كُلَّ حَيَوَانٍ يَقْوَى عَلَى الِامْتِنَاعِ مِنْ صِغَارِ السِّبَاعِ ، وَوُرُودِ الْمَاءِ ، لَا يَجُوزُ الْتِقَاطُهُ ، وَلَا التَّعَرُّضُ لَهُ ، سَوَاءٌ كَانَ لِكِبَرِ جُثَّتِهِ ، كَالْإِبِلِ ، وَالْخَيْلِ ، وَالْبَقَرِ ، أَوْ لِطَيَرَانِهِ كَالطُّيُورِ كُلِّهَا ، أَوْ لِسُرْعَتِهِ ، كَالظِّبَاءِ وَالصَّيُودِ ، أَوْ بِنَابِهِ كَالْكِلَابِ وَالْفُهُودِ .\rقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : مَنْ أَخَذَ ضَالَّةً ، فَهُوَ ضَالٌّ .\rأَيْ مُخْطِئٌ وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ .\rوَقَالَ مَالِكٌ ، وَاللَّيْثُ ، فِي ضَالَّةِ الْإِبِلِ : مَنْ وَجَدَهَا فِي الْقُرَى عَرَّفَهَا ، وَمَنْ وَجَدَهَا فِي الصَّحْرَاءِ لَا يَقْرَبُهَا .\rوَرَوَاهُ الْمُزَنِيّ عَنْ الشَّافِعِيِّ .\rوَكَانَ الزُّهْرِيُّ يَقُولُ : مَنْ وَجَدَ بَدَنَةً فَلْيُعَرِّفْهَا ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ صَاحِبَهَا فَلْيَنْحَرْهَا قَبْلَ أَنْ تَنْقَضِيَ الْأَيَّامُ الثَّلَاثَةُ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : فِي لَفْظٍ يُبَاحُ الْتِقَاطُهَا ؛ لِأَنَّهَا لُقَطَةٌ أَشْبَهَتْ الْغَنَمَ .\rوَلَنَا { قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا سُئِلَ عَنْهَا : مَا لَك وَلَهَا ؟ مَعَهَا حِذَاؤُهَا وَسِقَاؤُهَا ، تَرِدُ الْمَاءَ ، وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ ، حَتَّى يَجِدَهَا رَبُّهَا .\rوَسُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقِيلَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنَّا نُصِيبُ هَوَامَّ الْإِبِلِ .\rقَالَ : ضَالَّةُ الْمُسْلِمِ حَرَقُ النَّارِ } .\rوَرُوِيَ عَنْ { جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، أَنَّهُ أَمَرَ بِطَرْدِ بَقَرَةٍ لَحِقَتْ بِبَقَرِهِ حَتَّى تَوَارَتْ ، وَقَالَ : سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : لَا يُؤْوِي الضَّالَّةَ إلَّا ضَالٌّ } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِمَعْنَاهُ .\rوَقِيَاسُهُمْ يُعَارِضُ صَرِيحَ النَّصِّ ، وَكَيْفَ يَجُوزُ تَرْكُ نَصَّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصَرِيحِ قَوْلِهِ بِقِيَاسِ نَصِّهِ فِي مَوْضِعٍ آخَرِ ، عَلَى أَنَّ الْإِبِلَ تُفَارِقُ الْغَنَمَ ،","part":12,"page":423},{"id":5923,"text":"لِضَعْفِهَا ، وَقِلَّةِ صَبْرِهَا عَنْ الْمَاءِ .","part":12,"page":424},{"id":5924,"text":"( 4547 ) فَصْلٌ : فَإِنْ كَانَتْ الصَّيُودُ مُسْتَوْحِشَةً ، إذَا تُرِكَتْ رَجَعَتْ إلَى الصَّحْرَاءِ ، وَعَجَزَ عَنْهَا صَاحِبُهَا ، جَازَ الْتِقَاطُهَا ؛ لِأَنَّ تَرْكَهَا أَضْيَعُ لَهَا مِنْ سَائِرِ الْأَمْوَالِ ، وَالْمَقْصُودُ حِفْظُهَا لِصَاحِبِهَا ، لَا حِفْظُهَا فِي نَفْسِهَا ، وَلَوْ كَانَ الْمَقْصُودُ حِفْظَهَا فِي أَنْفُسِهَا لَمَا جَازَ الْتِقَاطُ الْأَثْمَانِ ، فَإِنَّ الدِّينَارَ دِينَارٌ حَيْثُمَا كَانَ .","part":12,"page":425},{"id":5925,"text":"( 4548 ) فَصْلٌ : وَالْبَقَرَةُ كَالْإِبِلِ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .\rوَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي عُبَيْدٍ .\rوَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ الْبَقَرَةَ كَالشَّاةِ وَلَنَا ، خَبَرُ جَرِيرٍ فَإِنَّهُ طَرَدَ الْبَقَرَةَ وَلَمْ يَأْخُذْهَا ، وَلِأَنَّهَا تَمْتَنِعُ عَنْ صِغَارِ السِّبَاعِ ، وَتُجْزِئُ فِي الْأُضْحِيَّةِ وَالْهَدْيِ عَنْ سَبْعَةٍ ، فَأَشْبَهَتْ الْإِبِلَ .\rوَكَذَا الْحُكْمُ فِي الْخَيْلِ وَالْبِغَالِ .\rفَأَمَّا الْحُمُرُ ، فَجَعَلَهَا أَصْحَابُنَا مِنْ هَذَا الْقِسْمِ الَّذِي لَا يَجُوزُ الْتِقَاطُهُ ؛ لِأَنَّ لَهَا أَجْسَامًا عَظِيمَةً ، فَأَشْبَهَتْ الْبِغَالَ وَالْخَيْلَ ، وَلِأَنَّهَا مِنْ الدَّوَابِّ ، فَأَشْبَهَتْ الْبِغَالَ .\rوَالْأَوْلَى إلْحَاقُهَا بِالشَّاةِ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَّلَ الْإِبِلَ بِأَنَّ مَعَهَا حِذَاءَهَا وَسِقَاءَهَا .\rيُرِيدُ شِدَّةَ صَبْرِهَا عَنْ الْمَاءِ ؛ لِكَثْرَةِ مَا تُوعِي فِي بُطُونِهَا مِنْهُ ، وَقُوَّتِهَا عَلَى وُرُودِهِ .\rوَفِي إبَاحَةِ ضَالَّةِ الْغَنَمِ بِأَنَّهَا مُعَرَّضَةٌ لِأَخْذِ الذِّئْبِ إيَّاهَا ، بِقَوْلِهِ : \" هِيَ لَكَ ، أَوْ لِأَخِيكَ ، أَوْ لِلذِّئْبِ \" .\rوَالْحُمُرُ مُسَاوِيَةٌ لِلشَّاةِ فِي عِلَّتِهَا ، فَإِنَّهَا لَا تَمْتَنِعُ مِنْ الذِّئْبِ ، وَمُفَارِقَةٌ لِلْإِبِلِ فِي عِلَّتِهَا ، فَإِنَّهَا لَا صَبْرَ لَهَا عَنْ الْمَاءِ ، وَلِهَذَا يُضْرَبُ الْمَثَلُ بِقِلَّةِ صَبْرِهَا عَنْهُ ، فَيُقَالُ : مَا بَقِيَ مِنْ مُدَّتِهِ إلَّا ظَمَأُ حِمَارٍ .\rوَإِلْحَاقُ الشَّيْءِ بِمَا سَاوَاهُ فِي عِلَّةِ الْحُكْمِ وَفَارَقَهُ فِي الصُّورَةِ ، أَوْلَى مِنْ إلْحَاقِهِ بِمَا قَارَبَهُ فِي الصُّورَةِ وَفَارَقَهُ فِي الْعِلَّةِ .\rفَأَمَّا غَيْرُ الْحَيَوَانِ ، فَمَا كَانَ مِنْهُ يَنْحَفِظُ بِنَفْسِهِ ، كَأَحْجَارِ الطَّوَاحِينِ ، وَالْكَبِيرِ مِنْ الْخَشَبِ ، وَقُدُورِ النُّحَاسِ ، فَهُوَ كَالْإِبِلِ فِي تَحْرِيمِ أَخْذِهِ ، بَلْ أَوْلَى مِنْهُ ؛ لِأَنَّ الْإِبِلَ تَتَعَرَّضُ فِي الْجُمْلَةِ لِلتَّلَفِ .\rإمَّا بِالْأَسَدِ ، وَإِمَّا بِالْجُوعِ أَوْ الْعَطَشِ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ ، وَهَذِهِ بِخِلَافِ ذَلِكَ ، وَلِأَنَّ هَذِهِ لَا تَكَادُ تَضِيعُ عَنْ صَاحِبِهَا وَلَا","part":12,"page":426},{"id":5926,"text":"تَبْرَحُ مِنْ مَكَانِهَا بِخِلَافِ الْحَيَوَانِ ، فَإِذَا حُرِّمَ أَخْذُ الْحَيَوَانِ ، فَهَذِهِ أَوْلَى .","part":12,"page":427},{"id":5927,"text":"( 4549 ) فَصْلٌ : فَإِنْ أَخَذَ هَذَا الْحَيَوَانَ الَّذِي لَا يَجُوزُ أَخْذُهُ عَلَى سَبِيلِ الِالْتِقَاطِ ، ضَمِنَهُ ، إمَامًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ ؛ لِأَنَّهُ أَخَذَ مِلْكَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ ، وَلَا أَذِنَ الشَّارِعُ لَهُ ، فَهُوَ كَالْغَاصِبِ .\rفَإِنْ رَدَّهُ إلَى مَوْضِعِهِ ، لَمْ يَبْرَأْ مِنْ الضَّمَانِ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : يَبْرَأُ ؛ لِأَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : أَرْسِلْهُ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي أَصَبْته فِيهِ .\rوَجَرِيرٌ طَرَدَ الْبَقَرَةَ الَّتِي لَحِقَتْ بِبَقَرِهِ وَلَنَا أَنَّ مَا لَزِمَهُ ضَمَانُهُ لَا يَزُولُ عَنْهُ إلَّا بِرَدِّهِ إلَى صَاحِبِهِ أَوْ نَائِبِهِ ، كَالْمَسْرُوقِ وَالْمَغْصُوبِ .\rوَأَمَّا حَدِيثُ جَرِيرٍ ، فَإِنَّهُ لَمْ يَأْخُذْ الْبَقَرَةَ ، وَلَا أَخَذَهَا رَاعِيهِ ، إنَّمَا لَحِقَتْ بِالْبَقَرِ ، فَطَرَدَهَا عَنْهَا ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ دَخَلَتْ دَارِهِ فَأَخْرَجَهَا .\rفَعَلَى هَذَا ، مَتَى لَمْ يَأْخُذْهَا بِحَيْثُ ثَبَتَتْ يَدُهُ عَلَيْهَا ، لَا يَلْزَمُهُ ضَمَانُهَا ، سَوَاءٌ طَرَدَهَا أَوْ لَمْ يَطْرُدْهَا .\rوَإِنْ أَخَذَهَا فَلَزِمَهُ ضَمَانُهَا ، فَدَفَعَهَا إلَى الْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ ، زَالَ عَنْهُ الضَّمَانُ ؛ لِأَنَّ لَهُ نَظَرًا فِي ضَوَالِّ النَّاسِ ، بِدَلِيلِ أَنَّ لَهُ أَخْذَهَا ، فَكَانَ نَائِبًا عَنْ أَصْحَابِهَا فِيهَا .","part":12,"page":428},{"id":5928,"text":"( 4550 ) فَصْلٌ : وَلِلْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ أَخْذُ الضَّالَّةِ عَلَى وَجْهِ الْحِفْظِ لِصَاحِبِهَا ؛ لِأَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حَمَى مَوْضِعًا يُقَالُ لَهُ النَّقِيعُ لِخَيْلِ الْمُجَاهِدِينَ وَالضَّوَالِّ ، وَلِأَنَّ لِلْإِمَامِ نَظَرًا فِي حِفْظِ مَالِ الْغَائِبِ ، وَفِي أَخْذِ هَذِهِ حِفْظٌ لَهَا عَنْ الْهَلَاكِ .\rوَلَا يَلْزَمُهُ تَعْرِيفُهَا ؛ لِأَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمْ يَكُنْ يُعَرِّفُ الضَّوَالَّ .\rوَلِأَنَّهُ إذَا عُرِفَ ذَلِكَ ، فَمَنْ كَانَتْ لَهُ ضَالَّةٌ فَإِنَّهُ يَجِيءُ إلَى مَوْضِعِ الضَّوَالِّ ، فَإِذَا عَرَفَ ضَالَّتَهُ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَيْهَا وَأَخَذَهَا ، وَلَا يَكْتَفِي فِيهَا بِالصِّفَةِ ؛ لِأَنَّهَا ظَاهِرَةٌ بَيْنَ النَّاسِ ، فَيَعْرِفُ صِفَاتِهَا مَنْ رَآهَا مِنْ غَيْرِ أَهْلِهَا ، فَلَا تَكُونُ الصِّفَةُ لَهَا دَلِيلًا عَلَى مِلْكِهِ لَهَا وَلِأَنَّ الضَّالَّةَ قَدْ كَانَتْ ظَاهِرَةً بَيْن النَّاسِ حِينَ كَانَتْ فِي يَدِ مَالِكِهَا ، فَلَا يَخْتَصُّ هُوَ بِمَعْرِفَةِ صِفَاتهَا دُونَ غَيْرِهِ ، فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ دَلِيلًا ، وَيُمْكِنُهُ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهَا لِظُهُورِهَا لِلنَّاسِ ، وَمَعْرِفَةِ خُلَطَائِهِ وَجِيرَانِهِ بِمِلْكِهِ إيَّاهَا .","part":12,"page":429},{"id":5929,"text":"( 4551 ) فَصْلٌ : وَإِنْ أَخَذَهَا غَيْرُ الْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ لِيَحْفَظهَا لِصَاحِبِهَا ، لَمْ يَجُزْ لَهُ ذَلِكَ ، وَلَزِمَهُ ضَمَانُهَا ؛ لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَى صَاحِبِهَا .\rوَهَذَا ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَلِأَصْحَابِهِ وَجْهٌ ، أَنَّ لَهُ أَخْذَهَا لِحِفْظِهَا ، قِيَاسًا عَلَى الْإِمَامِ .\rوَلَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنَعَ أَخْذَهَا مِنْ غَيْرِ تَفْرِيقٍ بَيْنَ قَاصِدِ الْحِفْظِ وَقَاصِدِ الِالْتِقَاطِ ، وَلَا يَصِحُّ الْقِيَاسُ عَلَى الْإِمَامِ ؛ لِأَنَّ لَهُ وِلَايَةً ، وَهَذَا لَا وِلَايَةَ لَهُ .\rوَإِنْ وَجَدَهَا فِي مَوْضِعٍ يَخَافُ عَلَيْهَا بِهِ ، مِثْلُ أَنْ يَجِدَهَا بِأَرْضِ مَسْبَعَةٍ ، يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ أَنَّ الْأَسَدَ يَفْتَرِسُهَا إنْ تُرِكَتْ بِهِ ، أَوْ فَرَسًا مِنْ دَارِ الْحَرْبِ ، يَخَافُ عَلَيْهَا مِنْ أَهْلِهَا ، أَوْ بِمَوْضِعٍ يَسْتَحِلُّ أَهْلُهُ أَمْوَالَ الْمُسْلِمِينَ ، كَوَادِي التَّيْمِ ، أَوْ فِي بَرِّيَّةٍ لَا مَاءَ بِهَا وَلَا مَرْعًى ، فَالْأَوْلَى جَوَازُ أَخْذِهَا لِلْحِفْظِ ، وَلَا ضَمَانَ عَلَى آخِذِهَا ؛ لِأَنَّ فِيهِ إنْقَاذَهَا مِنْ الْهَلَاكِ ، فَأَشْبَهَ تَخْلِيصَهَا مِنْ غَرَقٍ أَوْ حَرِيقٍ فَإِذَا حَصَلَتْ فِي يَدِهِ ، سَلَّمَهَا إلَى نَائِبِ الْإِمَامِ ، وَبَرِئَ مِنْ ضَمَانِهَا ، وَلَا يَمْلِكُهَا بِالتَّعْرِيفِ ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ لَمْ يَرِدْ بِذَلِكَ فِيهَا .","part":12,"page":430},{"id":5930,"text":"( 4552 ) فَصْلٌ : وَمَا يَحْصُلُ عِنْدَ الْإِمَامِ مِنْ الضَّوَالِّ ، فَإِنَّهُ يُشْهِدُ عَلَيْهَا ، وَيَسِمُهَا بِأَنَّهَا ضَالَّةٌ ، ثُمَّ إنْ كَانَ لَهُ حِمًى تَرْعَى فِيهِ ، تَرَكَهَا فِيهِ ، إنْ رَأَى ذَلِكَ ، وَإِنْ رَأَى الْمَصْلَحَةَ فِي بَيْعِهَا وَحِفْظِ ثَمَنِهَا ، أَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حِمًى ، بَاعَهَا بَعْدَ أَنْ يُحَلِّيَهَا ، وَيَحْفَظَ صِفَاتِهَا ، وَيَحْفَظَ ثَمَنَهَا لِصَاحِبِهَا ، فَإِنَّ ذَلِكَ أَحْفَظُ لَهَا ؛ لِأَنَّ تَرْكَهَا يُفْضِي إلَى أَنْ تَأْكُلَ جَمِيعَ ثَمَنِهَا .","part":12,"page":431},{"id":5931,"text":"( 4553 ) فَصْلٌ : وَمَنْ تَرَكَ دَابَّةً بِمَهْلَكَةٍ ، فَأَخَذَهَا إنْسَانٌ ، فَأَطْعَمَهَا وَسَقَاهَا وَخَلَّصَهَا ، مَلَكَهَا .\rوَبِهِ قَالَ اللَّيْثُ ، وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ ، وَإِسْحَاقُ .\rإلَّا أَنْ يَكُونَ تَرَكَهَا لِيَرْجِعَ إلَيْهَا ، أَوْ ضَلَّتْ مِنْهُ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : هِيَ لِمَالِكِهَا الْأَوَّلِ ، وَيَغْرَمُ مَا أَنْفَقَ عَلَيْهَا .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ : هِيَ لِمَالِكِهَا ، وَالْآخَرُ مُتَبَرِّعٌ بِالنَّفَقَةِ ، لَا يَرْجِعُ بِشَيْءٍ ؛ لِأَنَّهُ مِلْكُ غَيْرِهِ ، فَلَمْ يَمْلِكْهُ بِغَيْرِ عِوَضٍ مِنْ غَيْرِ رِضَاهُ ، كَمَا لَوْ كَانَتْ فِي غَيْرِ مَهْلَكَةٍ ، وَلَا يَمْلِكُ الرُّجُوعَ ؛ لِأَنَّهُ أَنْفَقَ عَلَى مَالِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ ، فَلَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ ، كَمَا لَوْ بَنَى دَارِهِ وَلَنَا مَا رَوَى الشَّعْبِيُّ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { مَنْ وَجَدَ دَابَّةً قَدْ عَجَزَ عَنْهَا أَهْلُهَا ، فَسَيَّبُوهَا ، فَأَخَذَهَا ، فَأَحْيَاهَا ، فَهِيَ لَهُ } .\rقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُمَيْدٍ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ : فَقُلْت - يَعْنِي لِلشَّعْبِيِّ - : مَنْ حَدَّثَك بِهَذَا ؟ قَالَ : غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادِهِ .\rوَفِي لَفْظٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { مَنْ تَرَكَ دَابَّةً بِمَهْلَكَةٍ ، فَأَحْيَاهَا رَجُلٌ ، فَهِيَ لِمَنْ أَحْيَاهَا } وَلِأَنَّ فِي الْحُكْمِ بِمِلْكِهَا إحْيَاءَهَا وَإِنْقَاذَهَا مِنْ الْهَلَاكِ ، وَحِفْظًا لِلْمَالِ عَنْ الضَّيَاعِ ، وَمُحَافَظَةً عَلَى حُرْمَةِ الْحَيَوَانِ ، وَفِي الْقَوْلِ بِأَنَّهَا لَا تُمْلَكُ تَضْيِيعٌ لِذَلِكَ كُلِّهِ ، مِنْ غَيْرِ مَصْلَحَةٍ تَحْصُلُ ، وَلِأَنَّهُ نُبِذَ رَغْبَةً عَنْهُ وَعَجْزًا عَنْ أَخْذِهِ ، فَمَلَكَهُ آخِذُهُ ، كَالسَّاقِطِ مِنْ السُّنْبُلِ ، وَسَائِرِ مَا يَنْبِذُهُ النَّاسُ رَغْبَةً عَنْهُ .","part":12,"page":432},{"id":5932,"text":"( 4554 ) فَصْلٌ : وَإِنْ تَرَكَ مَتَاعًا ، فَخَلَّصَهُ إنْسَانٌ ، لَمْ يَمْلِكْهُ ؛ لِأَنَّهُ لَا حُرْمَةَ لَهُ فِي نَفْسِهِ ، وَلَا يُخْشَى عَلَيْهِ التَّلَفُ ، كَالْخَشْيَةِ عَلَى الْحَيَوَانِ ، فَإِنَّ الْحَيَوَانَ يَمُوتُ إذَا لَمْ يُطْعَمْ وَيُسْقَى ، وَتَأْكُلُهُ السِّبَاعُ ، وَالْمَتَاعُ يَبْقَى حَتَّى يَرْجِعَ إلَيْهِ صَاحِبُهُ .\rوَإِنْ كَانَ الْمَتْرُوكُ عَبْدًا ، لَمْ يُمْلَكْ بِأَخْذِهِ ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ فِي الْعَادَةِ يُمْكِنُهُ التَّخَلُّصُ إلَى الْأَمَاكِنِ الَّتِي يَعِيشُ فِيهَا ، بِخِلَافِ الْبَهِيمَةِ .\rوَلَهُ أَخْذُ الْعَبْدِ وَالْمَتَاعِ لِيُخَلِّصَهُ لِصَاحِبِهِ ، وَلَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ فِي تَخْلِيصِ الْمَتَاعِ .\rنَصَّ عَلَيْهِ ، وَكَذَلِكَ فِي الْعَبْدِ عَلَى قِيَاسِهِ قَالَ الْقَاضِي : يَجِبُ أَنْ يُحْمَلَ قَوْلُهُ فِي وُجُوبِ الْأَجْرِ ، عَلَى أَنَّهُ جَعَلَ لَهُ ذَلِكَ أَوْ أَمَرَهُ بِهِ ، فَأَمَّا إنْ لَمْ يَجْعَلْ لَهُ شَيْئًا ، فَلَا جُعْلَ لَهُ ؛ لِأَنَّهُ عَمِلَ فِي مَالِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ جُعْلٍ ، فَلَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا ، كَالْمُلْتَقِطِ .\rوَهَذَا خِلَافُ ظَاهِرِ كَلَامِ أَحْمَدَ ؛ فَإِنَّهُ لَوْ جَعَلَ لَهُ جُعْلًا لَاسْتَحَقَّهُ ، وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ أَجْرَ الْمِثْلِ ، وَيُفَارِقُ هَذَا الْمُلْتَقِطَ ، فَإِنَّ الْمُلْتَقِطَ لَمْ يُخَلِّصْ اللُّقَطَةَ مِنْ الْهَلَاكِ ، وَلَوْ تَرَكَهَا أَمْكَنَ أَنْ يَرْجِعَ صَاحِبُهَا فَيَطْلُبَهَا مِنْ مَكَانِهَا فَيَجِدَهَا ، وَهَا هُنَا إنْ لَمْ يُخْرِجْهُ هَذَا ضَاعَ وَهَلَكَ ، وَلَمْ يَرْجِعْ إلَيْهِ صَاحِبُهُ ، فَفِي جَعْلِ الْأَجْرِ فِيهِ حِفْظٌ لِلْأَمْوَالِ مِنْ غَيْرِ مَضَرَّةٍ ، فَجَازَ ذَلِكَ كَالْجُعْلِ فِي الْآبِقِ .\rوَلِأَنَّ اللُّقَطَةَ جَعَلَ فِيهَا الشَّارِعُ مَا يَحُثُّ عَلَى أَخْذِهَا ، وَهُوَ مِلْكُهَا إنْ لَمْ يَجِئْ صَاحِبُهَا ، فَاكْتُفِيَ بِهِ عَنْ الْأَجْرِ ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُشْرَعَ فِي هَذَا مَا يَحُثُّ عَلَى تَخْلِيصِهِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى ، وَلَيْسَ إلَّا الْأَجْرُ .\rفَأَمَّا مَا أَلْقَاهُ رُكَّابُ الْبَحْرِ فِيهِ ، خَوْفًا مِنْ الْغَرَقِ ، فَلَمْ أَعْلَمْ لِأَصْحَابِنَا فِيهِ قَوْلًا ، سِوَى عُمُومِ قَوْلِهِمْ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يَمْلِكَ","part":12,"page":433},{"id":5933,"text":"هَذَا مَنْ أَخَذَهُ .\rوَهُوَ قَوْلُ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ .\rوَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ ، فِي مَنْ أَخْرَجَهُ ، قَالَ : وَمَا نَضَبَ عَنْهُ الْمَاءُ فَهُوَ لِأَهْلِهِ .\rوَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : يَرُدُّهُ عَلَى أَصْحَابِهِ ، وَلَا جُعَلَ لَهُ .\rوَيَقْتَضِيه قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَالْقَاضِي ؛ لِمَا تَقَدَّمَ .\rوَمُقْتَضَى قَوْلِ الْإِمَامِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ، أَنَّ لِمَنْ أَنْقَذَهُ أَجْرَ مِثْلِهِ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا وَوَجْهُ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ الِاحْتِمَالِ أَنَّ هَذَا مَالٌ أَلْقَاهُ صَاحِبُهُ فِيمَا يَتْلَفُ بِتَرْكِهِ فِيهِ اخْتِيَارًا مِنْهُ ، فَمَلَكَهُ مَنْ أَخَذَهُ ، كَاَلَّذِي أَلْقَوْهُ رَغْبَةً عَنْهُ ، وَلِأَنَّ فِيمَا ذَكَرُوهُ تَحْقِيقًا لِإِتْلَافِهِ ، فَلَمْ يَجُزْ ، كَمُبَاشَرَتِهِ بِالْإِتْلَافِ .\rفَأَمَّا إنْ انْكَسَرَتْ السَّفِينَةُ ، فَأَخْرَجَهُ قَوْمٌ ، فَقَالَ مَالِكٌ : يَأْخُذُ أَصْحَابُ الْمَتَاعِ مَتَاعَهُمْ ، وَلَا شَيْءَ لِلَّذِي أَصَابُوهُ .\rوَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ ، وَالْقَاضِي .\rوَعَلَى قِيَاسِ نَصِّ أَحْمَدَ يَكُونُ لِمُسْتَخْرِجِهِ أَجْرُ الْمِثْلِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ وَسِيلَةٌ إلَى تَخْلِيصِهِ ، وَحِفْظِهِ لِصَاحِبِهِ ، وَصِيَانَتِهِ عَنْ الْغَرَقِ .\rفَإِنَّ الْغَوَّاصَ إذَا عَلِمَ أَنَّهُ يُدْفَعُ إلَيْهِ الْأَجْرُ ، بَادَرَ إلَى التَّخْلِيصِ لِيُخَلِّصَهُ ، وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْهُ بِغَيْرِ شَيْءٍ ، لَمْ يُخَاطِرْ بِنَفْسِهِ فِي اسْتِخْرَاجِهِ ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُقْضَى لَهُ بِالْأَجْرِ ، كَجُعْلِ رَدِّ الْآبِقِ .","part":12,"page":434},{"id":5934,"text":"( 4555 ) فَصْلٌ : ذَكَرَ الْقَاضِي فِيمَا إذَا الْتَقَطَ عَبْدًا صَغِيرًا ، أَوْ جَارِيَةً ، أَنَّ قِيَاسَ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا يُمْلَكُ بِالتَّعْرِيفِ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يُمْلَكُ الْعَبْدُ دُونَ الْجَارِيَةِ ، لِأَنَّ التَّمَلُّكَ بِالتَّعْرِيفِ عِنْدَهُ اقْتِرَاضٌ ، وَالْجَارِيَةُ عِنْدَهُ لَا تُمْلَكُ بِالْقَرْضِ .\rوَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِيهَا نَظَرٌ ؛ فَإِنَّ اللَّقِيطَ مَحْكُومٌ بِحُرِّيَّتِهِ ، فَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يُعَبِّرُ عَنْ نَفْسِهِ ، فَأَقَرَّ بِأَنَّهُ مَمْلُوكٌ ، لَمْ يُقْبَلْ إقْرَارُهُ ؛ لِأَنَّ الطِّفْلَ لَا قَوْلَ لَهُ ، وَلَوْ اُعْتُبِرَ قَوْلُهُ فِي ذَلِكَ ، لَاعْتُبِرَ فِي تَعْرِيفِهِ سَيِّدَهُ .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":12,"page":435},{"id":5935,"text":"كِتَابُ اللَّقِيطِ وَهُوَ الطِّفْلُ الْمَنْبُوذُ .\rوَاللَّقِيطُ بِمَعْنَى الْمَلْقُوطِ ، فَعِيلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ ، كَقَوْلِهِمْ : قَتِيلٌ وَجَرِيحٌ وَطَرِيحٌ .\rوَالْتِقَاطُهُ وَاجِبٌ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى } .\rوَلِأَنَّ فِيهِ إحْيَاءَ نَفْسِهِ ، فَكَانَ وَاجِبًا ، كَإِطْعَامِهِ إذَا اُضْطُرَّ ، وَإِنْجَائِهِ مِنْ الْغَرَقِ .\rوَوُجُوبُهُ عَلَى الْكِفَايَةِ ، إذَا قَامَ بِهِ وَاحِدٌ سَقَطَ عَنْ الْبَاقِينَ ، فَإِنْ تَرَكَهُ الْجَمَاعَةُ ، أَثِمُوا كُلُّهُمْ ، إذَا عَلِمُوا فَتَرَكُوهُ مَعَ إمْكَانِ أَخْذِهِ وَرُوِيَ عَنْ سُنَيْنٍ أَبِي جَمِيلَةَ ، قَالَ : وَجَدْت مَلْفُوفًا ، فَأَتَيْت بِهِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَالَ عَرِيفِي : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، إنَّهُ رَجُلٌ صَالِحٌ .\rفَقَالَ عُمَرُ : أَكَذَلِكَ هُوَ ؟ قَالَ : نَعَمْ .\rقَالَ فَاذْهَبْ فَهُوَ حُرٌّ ، وَلَك وَلَاؤُهُ ، وَعَلَيْنَا نَفَقَتُهُ .\rرَوَاهُ سَعِيدٌ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، سَمِعَ سُنَيْنًا أَبَا جَمِيلَةَ بِهَذَا ، وَقَالَ : عَلَيْنَا رَضَاعُهُ .\r( 4556 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : ( وَاللَّقِيطُ حُرٌّ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ اللَّقِيطَ حُرٌّ ، فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، إلَّا النَّخَعِيّ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعَ عَوَامُّ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ اللَّقِيطَ حُرٌّ .\rرُوِينَا هَذَا الْقَوْلَ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا .\rوَبِهِ قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَالشَّعْبِيُّ وَالْحَكَمُ ، وَحَمَّادٌ ، وَمَالِكٌ ، وَالثَّوْرِيُّ وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ .\rوَقَالَ النَّخَعِيُّ : إنْ الْتَقَطَهُ لِلْحِسْبَةِ ، فَهُوَ حُرٌّ ، وَإِنْ كَانَ أَرَادَ أَنْ يَسْتَرِقَّهُ ، فَذَلِكَ لَهُ .\rوَذَلِكَ قَوْلٌ شَذَّ فِيهِ عَنْ الْخُلَفَاءِ وَالْعُلَمَاءِ ، وَلَا يَصِحُّ فِي النَّظَرِ ؛ فَإِنَّ الْأَصْلَ فِي الْآدَمِيِّينَ الْحُرِّيَّةُ ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ آدَمَ وَذُرِّيَّتَهُ أَحْرَارًا ، وَإِنَّمَا الرِّقُّ لِعَارِضٍ ، فَإِذَا لَمْ يُعْلَمْ ذَلِكَ الْعَارِضُ ، فَلَهُ حُكْمُ الْأَصْلِ .","part":12,"page":436},{"id":5936,"text":"( 4557 ) فَصْلٌ : وَلَا يَخْلُو اللَّقِيطُ مِنْ أَنْ يُوجَدَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ ، أَوْ فِي دَارِ الْكُفْرِ ، فَأَمَّا دَارُ الْإِسْلَامِ فَضَرْبَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، دَارٌ اخْتَطَّهَا الْمُسْلِمُونَ ، كَبَغْدَادَ وَالْبَصْرَةِ وَالْكُوفَةِ ، فَلَقِيطُ هَذِهِ مَحْكُومٌ بِإِسْلَامِهِ ، وَإِنْ كَانَ فِيهَا أَهْلُ الذِّمَّةِ تَغْلِيبًا لِلْإِسْلَامِ وَلِظَاهِرِ الدَّارِ ، وَلِأَنَّ الْإِسْلَامَ يَعْلُو وَلَا يُعْلَى عَلَيْهِ .\rالثَّانِي دَارٌ فَتَحَهَا الْمُسْلِمُونَ ، كَمَدَائِنِ الشَّامِ ، فَهَذِهِ إنْ كَانَ فِيهَا مُسْلِمٌ وَاحِدٌ حُكِمَ بِإِسْلَامِ لَقِيطِهَا ؛ لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِذَلِكَ الْمُسْلِمِ ، تَغْلِيبًا لِلْإِسْلَامِ .\rوَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا مُسْلِمٌ ، بَلْ كُلُّ أَهْلِهَا ذِمَّةٌ حُكِمَ بِكُفْرِهِ ؛ لِأَنَّ تَغْلِيبَ حُكْمِ الْإِسْلَامِ إنَّمَا يَكُونُ مَعَ الِاحْتِمَالِ .\rوَأَمَّا بَلَدُ الْكُفَّارِ فَضَرْبَانِ أَيْضًا أَحَدُهُمَا بَلَدٌ كَانَ لِلْمُسْلِمِينَ ، فَغَلَبَ الْكُفَّارُ عَلَيْهِ ، كَالسَّاحِلِ ، فَهَذَا كَالْقِسْمِ الَّذِي قَبْلَهُ ، إنْ كَانَ فِيهِ مُسْلِمٌ وَاحِدٌ حُكِمَ بِإِسْلَامِ لَقِيطِهِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مُسْلِمٌ فَهُوَ كَافِرٌ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ أَيْضًا ؛ لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فِيهِ مُؤْمِنٌ يَكْتُمُ إيمَانَهُ ، بِخِلَافِ الَّذِي قَبْلَهُ ، فَإِنَّهُ لَا حَاجَةَ بِهِ إلَى كَتْمِ إيمَانِهِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ وَإِنْ كَانَ فِي بَلَدٍ كَانَ لِلْمُسْلِمِينَ ، ثُمَّ غَلَبَ عَلَيْهِ الْمُشْرِكُونَ ، ثُمَّ ظَهَرَ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ ، وَأَقَرُّوا فِيهِ أَهْلَهُ بِالْجِزْيَةِ ، فَهَذَا كَالْقِسْمِ الثَّانِي مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ .\rالثَّانِي دَارٌ لَمْ تَكُنْ لِلْمُسْلِمِينَ أَصْلًا .\rكَبِلَادِ الْهِنْدِ وَالرُّومِ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا مُسْلِمٌ ، فَلَقِيطُهَا كَافِرٌ ؛ لِأَنَّ الدَّارَ لَهُمْ وَأَهْلُهَا مِنْهُمْ ، وَإِنْ كَانَ فِيهَا مُسْلِمُونَ كَالتُّجَّارِ وَغَيْرِهِمْ ، احْتَمَلَ أَنْ يُحْكَمَ بِإِسْلَامِهِ ، تَغْلِيبًا لِلْإِسْلَامِ ، وَاحْتَمَلَ أَنْ يُحْكَمَ بِكُفْرِهِ ، تَغْلِيبًا لِلدَّارِ وَالْأَكْثَرِ وَهَذَا التَّفْصِيلُ كُلُّهُ مَذْهَبُ","part":12,"page":437},{"id":5937,"text":"الشَّافِعِيِّ .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعَ عَوَامُّ أَهْلِ الْعِلْمِ ، عَلَى أَنَّ الطِّفْلَ إذَا وُجِدَ فِي بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ ، مَيِّتًا فِي أَيِّ مَكَان وُجِدَ ، أَنَّ غُسْلَهُ وَدَفْنَهُ فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ يَجِبُ ، وَقَدْ مَنَعُوا أَنْ يُدْفَنَ أَطْفَالُ الْمُشْرِكِينَ فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ .\rقَالَ : وَإِذَا وُجِدَ لَقِيطٌ فِي قَرْيَةٍ لَيْسَ فِيهَا إلَّا مُشْرِكٌ ، فَهُوَ عَلَى ظَاهِرِ مَا حَكَمُوا بِهِ أَنَّهُ كَافِرٌ .\rهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ .","part":12,"page":438},{"id":5938,"text":"( 4558 ) فَصْلٌ : وَفِي الْمَوْضِعِ الَّذِي حَكَمْنَا بِإِسْلَامِهِ ، إنَّمَا يَثْبُتُ ذَلِكَ ظَاهِرًا لَا يَقِينًا ؛ لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ وَلَدَ كَافِرٍ ، فَلَوْ أَقَامَ كَافِرٌ بَيِّنَةً أَنَّهُ وَلَدُهُ وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ ، حَكَمْنَا لَهُ بِهِ .\rوَإِذَا بَلَغَ اللَّقِيطُ حَدًّا يَصِحُّ فِيهِ إسْلَامُهُ وَرِدَّتُهُ ، فَوَصَفَ الْإِسْلَامَ فَهُوَ مُسْلِمٌ ، سَوَاءٌ كَانَ مِمَّنْ حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ أَوْ كُفْرِهِ .\rوَإِنْ وَصَفَ الْكُفْرَ ، وَهُوَ مِمَّنْ حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ ، فَهُوَ مُرْتَدٌّ لَا يُقَرُّ عَلَى كُفْرِهِ .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَذَكَرَ الْقَاضِي وَجْهًا ، أَنَّهُ يُقَرُّ عَلَى كُفْرِهِ .\rوَهُوَ مَنْصُوصُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ أَقْوَى مِنْ ظَاهِرِ الدَّارِ .\rوَهَذَا وَجْهٌ مُظْلِمٌ ؛ لِأَنَّ دَلِيلَ الْإِسْلَامِ وُجِدَ عَرِيًّا عَنْ الْمُعَارِضِ ، وَثَبَتَ حُكْمُهُ ، وَاسْتَقَرَّ ، فَلَمْ يَجُزْ إزَالَةُ حُكْمِهِ بِقَوْلِهِ ، كَمَا لَوْ كَانَ ابْنَ مُسْلِمٍ .\rوَقَوْلُهُ لَا دَلَالَةَ فِيهِ أَصْلًا ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْرَفُ فِي الْحَالِ مَنْ كَانَ أَبُوهُ .\rوَلَا مَا كَانَ دِينُهُ ، وَإِنَّمَا يَقُولُ هَذَا مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ ، فَعَلَى هَذَا إذَا بَلَغَ اُسْتُتِيبَ ثَلَاثًا ، فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ .\rفَأَمَّا عَلَى قَوْلِهِمْ .\rفَقَالَ الْقَاضِي : إنْ وَصَفَ كُفْرًا ، يُقَرُّ أَهْلُهُ عَلَيْهِ بِالْجِزْيَةِ ، عُقِدَتْ لَهُ الذِّمَّةُ ، فَإِنْ امْتَنَعَ مِنْ الْتِزَامِهَا ، أَوْ وَصَفَ كُفْرًا لَا يُقَرُّ أَهْلُهُ عَلَيْهِ ، أُلْحِقَ بِمَأْمَنِهِ .\rوَهَذَا بَعِيدٌ جِدًّا ؛ فَإِنَّ هَذَا اللَّقِيطَ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ ابْن وَثَنِيٍّ حَرْبِيٍّ ، فَهُوَ حَاصِلٌ فِي يَدِ الْمُسْلِمِينَ بِغَيْرِ عُهْدَةٍ وَلَا عَقْدٍ ، فَيَكُونُ لِوَاجِدِهِ ، وَيَصِيرُ مُسْلِمًا بِإِسْلَامِ سَابِيه ، أَوْ يَكُونَ ابْنَ ذِمِّيَّيْنِ ، أَوْ أَحَدُهُمَا ذِمِّيٌّ ، فَلَا يُقَرُّ عَلَى الِانْتِقَالِ إلَى غَيْرِ دِينِ أَهْلِ الْكِتَابِ ، أَوْ يَكُونَ ابْنَ مُسْلِمٍ أَوْ ابْنَ مُسْلِمَيْنِ ، فَيَكُونَ مُسْلِمًا .\rقَالَ أَحْمَدُ ، فِي أَمَةٍ نَصْرَانِيَّةٍ ، وَلَدَتْ مِنْ فُجُورٍ : وَلَدُهَا مُسْلِمٌ ؛ لِأَنَّ أَبَوَيْهِ","part":12,"page":439},{"id":5939,"text":"يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ ، وَهَذَا لَيْسَ مَعَهُ إلَّا أُمُّهُ وَإِذَا لَمْ يَكُنْ لِهَذَا الْوَلَدِ حَالٌ يَحْتَمِلُ أَنْ يُقَرَّ فِيهَا عَلَى دِينٍ لَا يُقَرُّ أَهْلُهُ عَلَيْهِ ، فَكَيْفَ يُرَدُّ إلَى دَارِ الْحَرْبِ .","part":12,"page":440},{"id":5940,"text":"( 4559 ) فَصْلٌ : إذَا جَنَى اللَّقِيطُ جِنَايَةً تَحْمِلُهَا الْعَاقِلَةُ ، فَالْعَقْلُ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ ؛ لِأَنَّ مِيرَاثَهُ لَهُ ، وَنَفَقَتَهُ عَلَيْهِ .\rوَإِنْ جَنَى جِنَايَةً لَا تَحْمِلُهَا الْعَاقِلَةُ ، فَحُكْمُهُ فِيهَا غَيْرُ حُكْمِ اللَّقِيطِ ؛ إنْ كَانَتْ تُوجِبُ الْقِصَاصَ وَهُوَ بَالِغٌ عَاقِلٌ ، اُقْتُصَّ مِنْهُ ، وَإِنْ كَانَتْ مُوجِبَةً لِلْمَالِ وَلَهُ مَالٌ ، اُسْتُوْفِيَ مِنْهُ ، وَإِلَّا كَانَ فِي ذِمَّتِهِ حَتَّى يُوسِرَ .\rوَإِنْ جُنِيَ عَلَيْهِ فِي النَّفْسِ جِنَايَةً تُوجِبُ الدِّيَةَ ، فَهِيَ لِبَيْتِ الْمَالِ ؛ لِأَنَّهُ وَارِثُهُ وَإِنْ كَانَ عَمْدًا مَحْضًا ، فَالْإِمَامُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ اسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ إنْ رَآهُ أَحْظَ لِلْمَلَاقِيطِ ، وَالْعَفْوِ عَلَى مَالٍ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، إلَّا أَنَّهُ يُخَيِّرُهُ بَيْنَ الْقِصَاصِ وَالْمُصَالَحَةِ ؛ وَذَلِكَ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { فَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ } .\rوَإِنْ جُنِيَ عَلَيْهِ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ جِنَايَةً تُوجِبُ الْأَرْشَ قَبْلَ بُلُوغِهِ ، فَلِوَلِيِّهِ أَخْذُ الْأَرْشِ .\rوَإِنْ كَانَتْ عَمْدًا مُوجِبَةً لِلْقِصَاصِ ، وَلِلَّقِيطِ مَالٌ يَكْفِيه ، وَقَفَ الْأَمْرُ عَلَى بُلُوغِهِ لِيَقْتَصَّ أَوْ يَعْفُوَ ، سَوَاءٌ كَانَ عَاقِلًا أَوْ مَعْتُوهًا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ ، وَكَانَ عَاقِلًا ، اُنْتُظِرَ بُلُوغُهُ أَيْضًا ، وَإِنْ كَانَ مَعْتُوهًا فَلِلْوَلِيِّ الْعَفْوُ عَلَى مَالٍ يَأْخُذُهُ لَهُ ؛ لِأَنَّ الْمَعْتُوهَ لَيْسَ لَهُ حَالٌ مَعْلُومَةٌ مُنْتَظَرَةٌ ، فَإِنَّ ذَلِكَ قَدْ يَدُومُ بِهِ ، وَالْعَاقِلُ لَهُ حَالٌ مُنْتَظَرَةٌ ، فَافْتَرَقَا .\rوَفِي الْحَالِ الَّتِي يُنْتَظَرُ بُلُوغُهُ ، فَإِنَّ الْجَانِيَ يُحْبَسُ حَتَّى يَبْلُغَ اللَّقِيطُ ، فَيَسْتَوْفِيَ لِنَفْسِهِ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى ، أَنَّ لِلْإِمَامِ اسْتِيفَاءَ الْقِصَاصِ لَهُ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّهُ أَحَدُ نَوْعَيْ الْقِصَاصِ فَكَانَ لِلْإِمَامِ اسْتِيفَاؤُهُ عَنْ اللَّقِيطِ ، كَالْقِصَاصِ فِي النَّفْسِ .","part":12,"page":441},{"id":5941,"text":"وَلَنَا أَنَّهُ قِصَاصٌ لَمْ يَتَحَتَّمْ اسْتِيفَاؤُهُ ، فَوَقَفَ عَلَى قَوْلِهِ ، كَمَا لَوْ كَانَ بَالِغًا غَائِبًا ، وَفَارَقَ الْقِصَاصَ فِي النَّفْسِ ، فَإِنَّ الْقِصَاصَ لَيْسَ هُوَ لَهُ ، إنَّمَا هُوَ لِوَارِثِهِ ، وَالْإِمَامُ الْمُتَوَلِّي لَهُ .","part":12,"page":442},{"id":5942,"text":"( 4560 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَذَفَ اللَّقِيطُ بَعْدَ بُلُوغِهِ مُحْصَنًا ، حُدَّ ثَمَانِينَ ؛ لِأَنَّهُ حُرٌّ .\rوَإِنْ قَذَفَهُ قَاذِفٌ ، وَهُوَ مُحْصَنٌ ، فَعَلَيْهِ الْحَدُّ ؛ لِأَنَّهُ مَحْكُومٌ بِحُرِّيَّتِهِ .\rفَإِنْ ادَّعَى الْقَاذِفُ أَنَّهُ عَبْدٌ ، فَصَدَّقَهُ اللَّقِيطُ ، سَقَطَ الْحَدُّ ؛ لِإِقْرَارِ الْمُسْتَحِقِّ بِسُقُوطِ الْحَدِّ ، وَيَجِبُ التَّعْزِيرُ ؛ لِقَذْفِهِ مَنْ لَيْسَ بِمُحْصَنٍ .\rوَإِنْ كَذَّبَهُ اللَّقِيطُ ، وَقَالَ : إنِّي حُرٌّ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ ؛ لِأَنَّهُ مَحْكُومٌ بِحُرِّيَّتِهِ ، فَقَوْلُهُ مُوَافِقٌ لِلظَّاهِرِ ، وَلِذَلِكَ أَوْجَبْنَا عَلَيْهِ حَدَّ الْحُرِّ إذَا كَانَ قَاذِفًا ، وَأَوْجَبْنَا لَهُ الْقِصَاصَ ، وَإِنْ كَانَ الْجَانِي حُرًّا وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْقَاذِفِ ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ صِحَّةَ مَا قَالَهُ ، بِأَنْ يَكُونَ ابْنَ أَمَةٍ ، فَيَكُونَ ذَلِكَ شُبْهَةً ، وَالْحَدُّ يَنْدَرِئ بِالشُّبُهَاتِ .\rوَفَارَقَ الْقِصَاصَ لَهُ إذَا ادَّعَى الْجَانِي عَلَيْهِ أَنَّهُ عَبْدٌ ؛ لِأَنَّ الْقِصَاصَ لَيْسَ بِحَدٍّ ، وَإِنَّمَا : وَجَبَ حَقًّا لِآدَمِيٍّ ، وَلِذَلِكَ جَازَتْ الْمُصَالَحَةُ عَنْهُ ، وَأَخْذُ بَدَلِهِ ، بِخِلَافِ حَدِّ الْقَذْفِ .\rوَيَتَخَرَّجُ مِنْ هَذَا أَنَّ اللَّقِيطَ إذَا كَانَ قَاذِفًا ، فَادَّعَى أَنَّهُ عَبْدٌ لِيَجِب عَلَيْهِ حَدُّ الْعَبْدِ ، قُبِلَ مِنْهُ ؛ لِذَلِكَ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ؛ لِأَنَّ كُلَّ مِنْ كَانَ مَحْكُومًا بِحُرِّيَّتِهِ ، لَا يَسْقُطُ الْحَدُّ عَنْ قَاذِفِهِ بِاحْتِمَالِ رِقِّهِ ، بِدَلِيلِ مَجْهُولِ النَّسَبِ ، وَلَوْ سَقَطَ الْحَدُّ لِهَذَا الِاحْتِمَالِ ، لَسَقَطَ وَإِنْ لَمْ يَدَّعِ الْقَاذِفُ رِقَّهُ ؛ لِأَنَّهُ مَوْجُودٌ وَإِنْ لَمْ يَدَّعِهِ .","part":12,"page":443},{"id":5943,"text":"( 4561 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : ( وَيُنْفِقُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ إنْ لَمْ يُوجَدْ مَعَهُ شَيْءٌ يُنْفَقُ عَلَيْهِ ) .\rوَجُمْلَتُهُ أَنَّ اللَّقِيطَ إذَا لَمْ يُوجَدْ مَعَهُ شَيْءٌ ، لَمْ يُلْزَمْ الْمُلْتَقِطُ بِالْإِنْفَاقِ عَلَيْهِ ، فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ، عَلَى أَنَّ نَفَقَةَ اللَّقِيطِ غَيْرُ وَاجِبَةٍ عَلَى الْمُلْتَقِطِ ، كَوُجُوبِ نَفَقَةِ الْوَلَدِ وَذَلِكَ لِأَنَّ أَسْبَابَ وُجُوبِ النَّفَقَةِ ، مِنْ الْقَرَابَةِ ، وَالزَّوْجِيَّةِ ، وَالْمِلْكِ ، وَالْوَلَاءِ ، مُنْتَفِيَةٌ ، وَالِالْتِقَاطُ إنَّمَا هُوَ تَخْلِيصٌ لَهُ مِنْ الْهَلَاكِ ، وَتَبَرُّعٌ بِحِفْظِهِ ، فَلَا يُوجِبُ ذَلِكَ النَّفَقَةَ ، كَمَا لَوْ فَعَلَهُ بِغَيْرِ اللَّقِيطِ .\rوَتَجِبُ نَفَقَتُهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ ؛ لِقَوْلِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي حَدِيثِ أَبِي جَمِيلَةَ : اذْهَبْ فَهُوَ حُرٌّ ، وَلَك وَلَاؤُهُ ، وَعَلَيْنَا نَفَقَتُهُ .\rوَفِي رِوَايَةٍ : مِنْ بَيْتِ الْمَالِ ؛ وَلِأَنَّ بَيْتَ الْمَالِ وَارِثُهُ ، وَمَالُهُ مَصْرُوفٌ إلَيْهِ ، فَتَكُونُ نَفَقَتُهُ عَلَيْهِ ، كَقَرَابَتِهِ وَمَوْلَاهُ فَإِنْ تَعَذَّرَ الْإِنْفَاقُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ ، لِكَوْنِهِ لَا مَالَ فِيهِ ، أَوْ كَانَ فِي مَكَان لَا إمَامَ فِيهِ ، أَوْ لَمْ يُعْطَ شَيْئًا ، فَعَلَى مَنْ عَلِمَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ الْإِنْفَاقُ عَلَيْهِ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى } .\rوَلِأَنَّ فِي تَرْكِ الْإِنْفَاقِ عَلَيْهِ هَلَاكَهُ ، وَحِفْظُهُ عَنْ ذَلِكَ وَاجِبٌ ، كَإِنْقَاذِهِ مِنْ الْغَرَقِ .\rوَهَذَا فَرْضُ كِفَايَةٍ ، إذَا قَامَ بِهِ قَوْمٌ سَقَطَ عَنْ الْبَاقِينَ ، فَإِنْ تَرَكَهُ الْكُلُّ أَثِمُوا .\rوَمَنْ أَنْفَقَ عَلَيْهِ مُتَبَرِّعًا ، فَلَا شَيْءَ لَهُ ، سَوَاءٌ كَانَ الْمُلْتَقِطَ أَوْ غَيْرَهُ .\rوَإِنْ لَمْ يَتَبَرَّعْ بِالْإِنْفَاقِ عَلَيْهِ فَأَنْفَقَ عَلَيْهِ الْمُلْتَقِطُ أَوْ غَيْرُهُ مُحْتَسِبًا بِالرُّجُوعِ عَلَيْهِ إذَا أَيْسَرِ ، وَكَانَ ذَلِكَ بِأَمْرِ الْحَاكِمِ ، لَزِمَ اللَّقِيطَ ذَلِكَ إذَا كَانَتْ النَّفَقَةُ قَصْدًا بِالْمَعْرُوفِ .","part":12,"page":444},{"id":5944,"text":"وَبِهَذَا قَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَإِنْ أَنْفَقَ بِغَيْرِ أَمْرِ الْحَاكِمِ ، مُحْتَسِبًا بِالرُّجُوعِ عَلَيْهِ ، فَقَالَ أَحْمَدُ : تُؤَدَّى النَّفَقَةُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ .\rوَقَالَ شُرَيْحٌ ، وَالنَّخَعِيُّ : يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِالنَّفَقَةِ إذَا أَشْهَدَ عَلَيْهِ .\rوَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ : يَحْلِفُ مَا أَنْفَقَ احْتِسَابًا ، فَإِنْ حَلَفَ اُسْتُسْعِيَ وَقَالَ الشَّعْبِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ : هُوَ مُتَبَرِّعٌ بِهِ .\rوَلَنَا أَنَّهُ أَدَّى مَا وَجَبَ عَلَى غَيْرِهِ ، فَكَانَ لَهُ الرُّجُوعُ عَلَى مَنْ كَانَ الْوُجُوبُ عَلَيْهِ ، كَالضَّامِنِ إذَا قَضَى عَنْ الْمَضْمُونِ عَنْهُ .\rوَقَدْ ذَكَرْنَا حُكْمَ هَذَا الْأَصْلِ فِي مَوْضِعِهِ .","part":12,"page":445},{"id":5945,"text":"( 4562 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا إنْ وُجِدَ مَعَ اللَّقِيطِ شَيْءٌ ، فَهُوَ لَهُ ، وَيُنْفَقُ عَلَيْهِ مِنْهُ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الطِّفْلَ يَمْلِكُ ، وَلَهُ يَدٌ صَحِيحَةٌ ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَرِثُ وَيُورَثُ ، وَيَصِحُّ أَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ وَلِيُّهُ وَيَبِيعَ ، وَمَنْ لَهُ مِلْكٌ صَحِيحٌ فَلَهُ يَدٌ صَحِيحَةٌ ، كَالْبَالِغِ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَكُلُّ مَا كَانَ مُتَّصِلًا بِهِ ، أَوْ مُتَعَلِّقًا بِمَنْفَعَتِهِ ، فَهُوَ تَحْتَ يَدِهِ ، وَيَثْبُتُ بِذَلِكَ مِلْكًا لَهُ فِي الظَّاهِرِ ، فَمِنْ ذَلِكَ مَا كَانَ لَابِسًا لَهُ ، أَوْ مَشْدُودًا فِي مَلْبُوسِهِ ، أَوْ فِي يَدَيْهِ ، أَوْ مَجْعُولًا فِيهِ ، كَالسَّرِيرِ وَالسَّفَطِ ، وَمَا فِيهِ مِنْ فَرْشٍ أَوْ دَرَاهِمَ ، وَالثِّيَابُ الَّتِي تَحْتَهُ وَاَلَّتِي عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ مَشْدُودًا عَلَى دَابَّةٍ ، أَوْ كَانَتْ مَشْدُودَةً فِي ثِيَابِهِ ، أَوْ كَانَ فِي خَيْمَةٍ ، أَوْ فِي دَارٍ ، فَهِيَ لَهُ .\rوَأَمَّا الْمُنْفَصِلُ عَنْهُ ، فَإِنْ كَانَ بَعِيدًا مِنْهُ ، فَلَيْسَ فِي يَدِهِ ، وَإِنْ كَانَ قَرِيبًا مِنْهُ ، كَثَوْبٍ مَوْضُوعٍ إلَى جَانِبِهِ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا ، لَيْسَ هُوَ لَهُ ؛ لِأَنَّهُ مُنْفَصِلٌ عَنْهُ ، فَهُوَ كَالْبَعِيدِ .\rوَالثَّانِي ، هُوَ لَهُ .\rوَهُوَ أَصَحُّ ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ تُرِكَ لَهُ ، فَهُوَ لَهُ ، بِمَنْزِلَةِ مَا هُوَ تَحْتَهُ ، وَلِأَنَّ الْقَرِيبَ مِنْ الْبَالِغِ يَكُونُ فِي يَدِهِ ، أَلَا تَرَى أَنَّ الرَّجُلَ يَقْعُدُ فِي السُّوقِ وَمَتَاعُهُ بِقُرْبِهِ ، وَيُحْكَمُ بِأَنَّهُ فِي يَدِهِ ، وَالْحَمَّالُ إذَا جَلَسَ لِلِاسْتِرَاحَةِ ، تَرَكَ حِمْلَهُ قَرِيبًا مِنْهُ فَأَمَّا الْمَدْفُونُ تَحْتَهُ ، فَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ : إنْ كَانَ الْحَفْرُ طَرِيًّا ، فَهُوَ لَهُ ، وَإِلَّا فَلَا ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ إذَا كَانَ طَرِيًّا فَوَاضِعُ اللَّقِيطِ حَفَرَهُ ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ طَرِيًّا ، كَانَ مَدْفُونًا قَبْلَ وَضْعِهِ ، وَقِيلَ : لَيْسَ هُوَ لَهُ بِحَالٍ ؛ لِأَنَّهُ بِمَوْضِعٍ لَا يَسْتَحِقُّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ الْحَفْرُ طَرِيًّا ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ إذَا كَانَ الْحَفْرُ طَرِيًّا ، كَالْبَعِيدِ مِنْهُ ،","part":12,"page":446},{"id":5946,"text":"وَلِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ لَهُ ، لَشَدَّهُ وَاضِعُهُ فِي ثِيَابِهِ ، لِيُعْلَمَ بِهِ ، وَلَمْ يَتْرُكْهُ فِي مَكَان لَا يُطَّلَعُ عَلَيْهِ ، وَكُلُّ مَا حَكَمْنَا بِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ فَحُكْمُهُ حُكْمُ اللُّقَطَةِ ، وَمَا هُوَ لَهُ أُنْفِقَ عَلَيْهِ مِنْهُ ، فَإِنْ كَانَ فِيهِ كِفَايَتُهُ ، لَمْ تَجِبْ نَفَقَتُهُ عَلَى أَحَدٍ ؛ لِأَنَّهُ ذُو مَالٍ ، فَأَشْبَهَ غَيْرَهُ مِنْ النَّاسِ إذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّ لِمُلْتَقِطِهِ الْإِنْفَاقَ عَلَيْهِ مِنْهُ بِغَيْرِ إذْنِ الْحَاكِمِ .\rذَكَرَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ حَامِدٍ ؛ لِأَنَّهُ وَلِيٌّ لَهُ ، فَلَمْ يُعْتَبَرْ فِي الْإِنْفَاقِ عَلَيْهِ فِي حَقِّهِ إذْنُ الْحَاكِمِ ، كَوَصِيِّ الْيَتِيمِ ، وَلِأَنَّ هَذَا مِنْ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ ، فَاسْتَوَى فِيهِ الْإِمَامُ وَغَيْرُهُ ، كَتَبْدِيدِ الْخَمْرِ .\rوَرَوَى أَبُو الْحَارِثِ ، عَنْ أَحْمَدَ ، فِي رَجُلٍ أَوْدَعَ رَجُلًا مَالًا ، وَغَابَ ، وَطَالَتْ غَيْبَتُهُ ، وَلَهُ وَلَدٌ وَلَا نَفَقَةَ لَهُ ، هَلْ يُنْفِقُ عَلَيْهِمْ هَذَا الْمُسْتَوْدَعُ مِنْ مَالِ الْغَائِبِ ؟ فَقَالَ : تَقُومُ امْرَأَتُهُ إلَى الْحَاكِمِ ، حَتَّى يَأْمُرَهُ بِالْإِنْفَاقِ عَلَيْهِمْ فَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ الْإِنْفَاقَ عَلَيْهِمْ مِنْ غَيْرِ إذْنِ الْحَاكِمِ .\rفَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا : هَذَا مِثْلُهُ .\rوَالصَّحِيحُ أَنَّ هَذَا مُخَالِفٌ لَهُ مِنْ وَجْهَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، أَنَّ الْمُلْتَقِطَ لَهُ وِلَايَةٌ عَلَى اللَّقِيطِ ، وَعَلَى مَالِهِ ؛ فَإِنَّ لَهُ وِلَايَةَ أَخْذِهِ وَحِفْظِهِ .\rوَالثَّانِي ، أَنَّهُ يُنْفِقُ عَلَى اللَّقِيطِ مِنْ مَالِهِ ، وَهَذَا بِخِلَافِهِ ، وَلِأَنَّ الْإِنْفَاقَ عَلَى الصَّبِيِّ مِنْ مَالِ أَبِيهِ مَشْرُوطٌ بِكَوْنِ الصَّبِيِّ مُحْتَاجًا إلَى ذَلِكَ ، لِعَدَمِ مَالِهِ ، وَعَدَمِ نَفَقَةٍ تَرَكَهَا أَبُوهُ بِرَسْمِهِ ، وَذَلِكَ لَا يُقْبَلُ فِيهِ قَوْلُ الْمُودَعِ ، فَاحْتِيجَ إلَى إثْبَاتِ ذَلِكَ عِنْدَ الْحَاكِمِ .\rوَلَا كَذَلِكَ فِي مَسْأَلَتِنَا ، فَلَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُوبِ اسْتِئْذَانِ الْحَاكِمِ ثَمَّ وُجُوبُهُ فِي اللَّقِيطِ .\rوَمَتَى لَمْ يَجِدْ حَاكِمًا ، فَلَهُ الْإِنْفَاقُ بِكُلِّ حَالٍ ؛ لِأَنَّهُ حَالُ ضَرُورَةٍ .\rوَقَالَ","part":12,"page":447},{"id":5947,"text":"الشَّافِعِيُّ : لَيْسَ لَهُ أَنْ يُنْفِقَ بِغَيْرِ إذْنِ الْحَاكِمِ فِي مَوْضِعٍ يَجِدُ حَاكِمًا ، وَإِنْ أَنْفَقَ ضَمِنَ ، بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ كَانَ لِأَبِي الصَّغِيرِ وَدَائِعُ عِنْدَ إنْسَانٍ ، فَأَنْفَقَ عَلَيْهِ مِنْهُ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَى مَالِهِ ، وَإِنَّمَا لَهُ حَقُّ الْحَضَانَةِ .\rوَإِنْ لَمْ يَجِدْ حَاكِمًا ، فَفِي جَوَازِ الْإِنْفَاقِ وَجْهَانِ ؛ وَلَنَا مَا ذَكَرْنَاهُ ابْتِدَاءً ، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَى مَالٍ .\rفَإِنَّا قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ لَهُ أَخْذَهُ وَحِفْظَهُ ، وَهُوَ أَوْلَى النَّاسِ بِهِ ، وَذَكَرْنَا الْفَرْقَ بَيْنَ اللَّقِيطِ وَبَيْنَ مَا قَاسُوا عَلَيْهِ .\rفَإِذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَسْتَأْذِنَ الْحَاكِمَ فِي مَوْضِعٍ يَجِدُ حَاكِمًا ؛ لِأَنَّهُ أَبْعَدُ مِنْ التُّهْمَةِ ، وَأَقْطَعُ لِلظِّنَّةِ ، وَفِيهِ خُرُوجٌ بِهِ مِنْ الْخِلَافِ ، وَحِفْظٌ لِمَالِهِ مِنْ أَنْ يَرْجِعَ عَلَيْهِ بِمَا أَنْفَقَ .\rفَإِذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُنْفِقَ عَلَيْهِ بِالْمَعْرُوفِ كَمَا ذَكَرْنَا فِي وَلِيِّ الْيَتِيمِ ، فَإِذَا بَلَغَ اللَّقِيطُ ، وَاخْتَلَفَا فِي قَدْرِ مَا أَنْفَقَ ، وَفِي التَّفْرِيطِ فِي الْإِنْفَاقِ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْفِقِ ؛ لِأَنَّهُ أَمِينٌ ، فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ فِي ذَلِكَ ، كَوَلِيِّ الْيَتِيمِ .","part":12,"page":448},{"id":5948,"text":"( 4563 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : ( وَوَلَاؤُهُ لِسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ ) يَعْنِي مِيرَاثَهُ لَهُمْ ، فَإِنَّ اللَّقِيطَ حُرُّ الْأَصْلِ ، وَلَا وَلَاءَ عَلَيْهِ ، وَإِنَّمَا يَرِثُهُ الْمُسْلِمُونَ ؛ لِأَنَّهُمْ خُوِّلُوا كُلَّ مَالٍ لَا مَالِك لَهُ ، وَلِأَنَّهُمْ يَرِثُونَ مَالَ مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ غَيْرَ اللَّقِيطِ ، فَكَذَلِكَ اللَّقِيطُ .\rوَقَوْلُ الْخِرَقِيِّ : \" وَوَلَاؤُهُ لِسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ \" .\rتَجَوُّزٌ فِي اللَّفْظِ ، لِاشْتِرَاكِ سَائِرِ الْمُسْلِمِينَ وَمَنْ لَهُ الْوَلَاءُ فِي أَخْذِ الْمِيرَاثِ ، وَحِيَازَتِهِ كُلِّهِ عِنْدَ عَدَمِ الْوَارِثِ .\rهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ .\rوَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rوَقَالَ شُرَيْحٌ ، وَإِسْحَاقُ : عَلَيْهِ الْوَلَاءُ لِمُلْتَقِطِهِ ؛ لِمَا رَوَى وَاثِلَةُ بْنُ الْأَسْقَعِ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الْمَرْأَةُ تَحُوزُ ثَلَاثَةَ مَوَارِيثَ ؛ عَتِيقَهَا ، وَلَقِيطَهَا ، وَوَلَدَهَا الَّذِي لَاعَنَتْ عَلَيْهِ } .\rأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد ، وَالتِّرْمِذِيُّ .\rوَقَالَ : حَدِيثٌ حَسَنٌ ، وَقَالَ عُمَرُ لِأَبِي جَمِيلَةَ فِي لُقَطَتِهِ : هُوَ حُرٌّ ، وَلَك وَلَاؤُهُ ، وَعَلَيْنَا نَفَقَتُهُ .\rوَلَنَا : قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ } .\rوَلِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ عَلَيْهِ رِقٌّ ، وَلَا عَلَى آبَائِهِ ، فَلَمْ يَثْبُتْ عَلَيْهِ وَلَاءٌ ، كَالْمَعْرُوفِ نَسَبُهُ ، وَلِأَنَّهُ إنْ كَانَ ابْنَ حُرَّيْنِ ، فَلَا وَلَاءَ عَلَيْهِ ، وَإِنْ كَانَ ابْنَ مُعْتَقَيْنِ ، فَلَا يَكُونُ عَلَيْهِ وَلَاءٌ لِغَيْرِ مُعْتِقِهِمَا .\rوَحَدِيثُ وَاثِلَةَ لَا يَثْبُتُ .\rقَالَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ .\rوَخَبَرُ عُمَرَ ، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَبُو جَمِيلَةَ رَجُلٌ مَجْهُولٌ ، لَا تَقُومُ بِحَدِيثِهِ حُجَّةٌ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنَى بِقَوْلِهِ : وَلَك وَلَاؤُهُ .\rأَيْ لَك وِلَايَتُهُ ، وَالْقِيَامُ بِهِ وَحِفْظُهُ .\rلِذَلِكَ ذَكَرَهُ عَقِيبَ قَوْلِ عَرِيفِهِ : إنَّهُ رَجُلٌ صَالِحٌ .\rوَهَذَا يَقْتَضِي تَفْوِيضَ الْوِلَايَةِ إلَيْهِ ، لِكَوْنِهِ مَأْمُونًا عَلَيْهِ دُونَ","part":12,"page":449},{"id":5949,"text":"الْمِيرَاثِ إذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّ حُكْمَ اللَّقِيطِ فِي الْمِيرَاثِ حُكْمُ مِنْ عُرِفَ نَسَبُهُ ، وَانْقَرَضَ أَهْلُهُ ، يُدْفَعُ إلَى بَيْتِ الْمَالِ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ .\rفَإِنْ كَانَ لَهُ زَوْجَةٌ فَلَهَا الرُّبْعُ ، وَالْبَاقِي لِبَيْتِ الْمَالِ .\rوَإِنْ كَانَتْ امْرَأَةً لَهَا زَوْجٌ ، فَلَهُ النِّصْفُ ، وَالْبَاقِي لِبَيْتِ الْمَالِ .\rوَإِنْ كَانَتْ لَهُ بِنْتٌ ، أَوْ ذُو رَحِمٍ ، كَبِنْتِ بِنْتٍ ، أَخَذَتْ جَمِيعَ الْمَالِ ؛ لِأَنَّ الرَّدَّ وَذَا الرَّحِمِ مُقَدَّمٌ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":12,"page":450},{"id":5950,"text":"مَسْأَلَةٌ قَالَ : ( وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَنْ وَجَدَ اللَّقِيطَ أَمِينًا ، مُنِعَ مِنْ السَّفَرِ بِهِ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْمُلْتَقِطَ إنْ كَانَ أَمِينًا أُقِرَّ اللَّقِيطُ فِي يَدِهِ ؛ لِأَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَقَرَّ اللَّقِيطَ فِي يَدِ أَبِي جَمِيلَةَ ، حِينَ قَالَ لَهُ عَرِيفُهُ : إنَّهُ رَجُلٌ صَالِحٌ .\rوَلِأَنَّهُ سَبَقَ إلَيْهِ ، فَكَانَ أَوْلَى بِهِ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ سَبَقَ إلَى مَا لَمْ يَسْبِقْ إلَيْهِ مُسْلِمٌ ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ } .\rوَهَلْ يَجِبُ الْإِشْهَادُ عَلَيْهِ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا لَا يَجِبُ ، كَمَا لَا يَجِبُ الْإِشْهَادُ فِي اللُّقَطَةِ وَالثَّانِي يَجِبُ لِأَنَّ الْقَصْدَ بِالْإِشْهَادِ حِفْظُ النَّسَبِ وَالْحُرِّيَّةِ ، فَاخْتُصَّ بِوُجُوبِ الشَّهَادَةِ ، كَالنِّكَاحِ ، وَفَارَقَ اللُّقَطَةَ ؛ فَإِنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهَا حِفْظُ الْمَالِ ، فَلَمْ يَجِبْ الْإِشْهَادُ فِيهَا ، كَالْبَيْعِ .\rفَأَمَّا إنْ كَانَ غَيْرَ أَمِينٍ ، فَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ أَنَّهُ يُقَرُّ فِي يَدَيْهِ ، وَيُمْنَعُ مِنْ السَّفَرِ بِهِ ، لِئَلَّا يَدَّعِيَ رِقَّهُ وَيَبِيعَهُ .\rوَيَنْبَغِي أَنْ يَجِبَ الْإِشْهَادُ عَلَيْهِ ، وَيُضَمَّ إلَيْهِ مَنْ يُشْرِفُ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّنَا إذَا ضَمَمْنَا إلَيْهِ فِي اللُّقَطَةِ مَنْ يُشْرِفُ عَلَيْهِ ، فَهَاهُنَا أَوْلَى .\rوَقَالَ الْقَاضِي : الْمَذْهَبُ أَنَّهُ يُنْزَعُ مِنْ يَدَيْهِ .\rوَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي حِفْظِ اللَّقِيطِ إلَّا الْوِلَايَةُ ، وَلَا وِلَايَةَ لِفَاسِقٍ .\rوَفَارَقَ اللُّقَطَةَ مِنْ أَوْجُهٍ أَحَدُهَا أَنَّ فِي اللُّقَطَةِ مَعْنَى الْكَسْبِ ، وَلَيْسَ هَا هُنَا إلَّا الْوِلَايَةُ .\rوَالثَّانِي أَنَّ اللُّقَطَةَ لَوْ انْتَزَعْنَاهَا مِنْهُ رَدَدْنَاهَا إلَيْهِ بَعْدَ الْحَوْلِ ، فَاحْتَطْنَا عَلَيْهَا مَعَ بَقَائِهَا فِي يَدَيْهِ ، وَهَا هُنَا لَا تُرَدُّ إلَيْهِ بَعْدَ الِانْتِزَاعِ مِنْهُ بِحَالٍ ، فَكَانَ الِانْتِزَاعُ أَحْوَطَ .\rوَالثَّالِثُ أَنَّ الْمَقْصُودَ ثَمَّ حِفْظُ الْمَالِ ، وَيُمْكِنُ الِاحْتِيَاطُ عَلَيْهِ بِأَنْ يَسْتَظْهِرَ عَلَيْهِ فِي التَّعْرِيفِ ، أَوْ يَنْصِبَ الْحَاكِمُ مَنْ","part":12,"page":451},{"id":5951,"text":"يُعَرِّفُهَا ، وَهَا هُنَا الْمَقْصُودُ حِفْظُ الْحُرِّيَّةِ وَالنَّسَبِ ، وَلَا سَبِيلَ إلَى الِاسْتِظْهَارِ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَدَّعِي رِقَّهُ فِي بَعْضِ الْبُلْدَانِ ، أَوْ فِي بَعْضِ الزَّمَانِ ، وَلِأَنَّ اللُّقَطَةَ إنَّمَا يُحْتَاجُ إلَى حِفْظِهَا وَالِاحْتِيَاطِ عَلَيْهَا عَامًا وَاحِدًا ، وَهَذَا يُحْتَاجُ إلَى الِاحْتِيَاطِ عَلَيْهِ فِي جَمِيعِ زَمَانِهِ وَأَمَّا عَلَى ظَاهِرِ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ ، فَلَا يُنْزَعُ مِنْهُ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَتْ لَهُ الْوِلَايَةُ بِالْتِقَاطِهِ إيَّاهُ ، وَسَبْقِهِ إلَيْهِ ، وَأَمْكَنَ حِفْظُ اللَّقِيطِ فِي يَدَيْهِ بِالْإِشْهَادِ عَلَيْهِ ، وَضَمِّ أَمِينٍ يُشَارِفُهُ إلَيْهِ ، وَيُشِيعُ أَمْرَهُ ، فَيُعْرَفُ أَنَّهُ لَقِيطٌ ، فَيُحْفَظُ بِذَلِكَ مِنْ غَيْرِ زَوَالِ وِلَايَتِهِ .\rجَمْعًا بَيْنَ الْحَقَّيْنِ ، كَمَا فِي اللُّقَطَةِ ، وَكَمَا لَوْ كَانَ الْوَصِيُّ خَائِنًا .\rوَمَا ذُكِرَ مِنْ التَّرْجِيحِ لِلُّقَطَةِ فَيُمْكِنُ مُعَارَضَتُهُ بِأَنَّ اللَّقِيطَ ظَاهِرٌ مَكْشُوفٌ لَا تَخْفَى الْخِيَانَةُ فِيهِ ، وَاللُّقَطَةُ مَسْتُورَةٌ خَفِيَّةٌ تَتَطَرَّقُ إلَيْهَا الْخِيَانَةُ ، وَلَا يُعْلَمُ بِهَا ، وَلِأَنَّ اللُّقَطَةَ يُمْكِنُ أَخْذُ بَعْضِهَا وَتَنْقِيصُهَا وَإِبْدَالُهَا ، وَلَا يَتَمَكَّنُ مِنْ ذَلِكَ فِي اللَّقِيطِ وَلِأَنَّ الْمَالَ مَحَلُّ الْخِيَانَةِ ، وَالنُّفُوسُ إلَى تَنَاوُلِهِ وَأَخْذِهِ دَاعِيَةٌ ، بِخِلَافِ اللَّقِيطِ .\rفَعَلَى هَذَا ، مَتَى أَرَادَ الْمُلْتَقِطُ السَّفَرَ بِاللَّقِيطِ مُنِعَ مِنْهُ ؛ لِأَنَّهُ يُبْعِدُهُ مِمَّنْ عَرَفَ ؛ فَلَا يُؤْمَنُ أَنْ يَدَّعِيَ رِقَّهُ وَيَبِيعَهُ .","part":12,"page":452},{"id":5952,"text":"( 4565 ) فَصْلٌ : وَإِذَا الْتَقَطَ اللَّقِيطَ مَنْ هُوَ مَسْتُورُ الْحَالِ ، لَمْ تُعْرَفُ مِنْهُ حَقِيقَةُ الْعَدَالَةِ وَلَا الْخِيَانَةِ ، أُقِرَّ اللَّقِيطُ فِي يَدَيْهِ ؛ لِأَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الْعَدْلِ فِي لُقَطَةِ الْمَالِ وَالْوِلَايَةِ فِي النِّكَاحِ وَالشَّهَادَةِ فِيهِ ، وَفِي أَكْثَرِ الْأَحْكَامِ ، وَلِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْمُسْلِمِ الْعَدَالَةُ ؛ وَلِذَلِكَ قَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : الْمُسْلِمُونَ عُدُولٌ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ .\rفَإِنْ أَرَادَ السَّفَرَ بِلُقَطَتِهِ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا لَا يُقَرُّ فِي يَدَيْهِ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَحَقَّقْ أَمَانَتَهُ ، فَلَمْ تُؤْمَنْ الْخِيَانَةُ مِنْهُ وَالثَّانِي يُقَرُّ فِي يَدَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ يُقَرُّ فِي يَدَيْهِ فِي الْحَضَرِ مِنْ غَيْرِ مُشْرِفٍ يُضَمُّ إلَيْهِ ، فَأَشْبَهَ الْعَدْلَ ، وَلِأَنَّ الظَّاهِرَ السَّتْرُ وَالصِّيَانَةُ .\rفَأَمَّا مَنْ عُرِفَتْ عَدَالَتُهُ ، وَظَهَرَتْ أَمَانَتُهُ ، فَيُقَرُّ اللَّقِيطُ فِي يَدِهِ فِي سَفَرِهِ وَحَضَرِهِ ؛ لِأَنَّهُ مَأْمُونٌ عَلَيْهِ إذَا كَانَ سَفَرُهُ لِغَيْرِ النَّقْلَةِ .","part":12,"page":453},{"id":5953,"text":"( 4566 ) فَصْلٌ : فَإِنْ كَانَ سَفَرُ الْأَمِينِ بِاللَّقِيطِ إلَى مَكَان يُقِيمُ بِهِ ، نَظَرْنَا ؛ فَإِنْ كَانَ الْتَقَطَهُ مِنْ الْحَضَرِ ، فَأَرَادَ النَّقْلَةَ بِهِ إلَى الْبَادِيَةِ لَمْ يُقَرَّ فِي يَدِهِ لِوَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا ، أَنَّ مُقَامَهُ فِي الْحَضَرِ أَصْلَحُ لَهُ فِي دِينِهِ وَدُنْيَاهُ ، وَأَرْفَهُ لَهُ .\rوَالثَّانِي أَنَّهُ إذَا وُجِدَ فِي الْحَضَرِ ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ وُلِدَ فِيهِ ، فَبَقَاؤُهُ فِيهِ أَرْجَى لِكَشْفِ نَسَبِهِ وَظُهُورِ أَهْلِهِ ، وَاعْتِرَافِهِمْ بِهِ .\rوَإِنْ أَرَادَ النَّقْلَةَ بِهِ إلَى بَلَدٍ آخَرَ مِنْ الْحَضَرِ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا لَا يُقَرُّ فِي يَدِهِ ؛ لِأَنَّ بَقَاءَهُ فِي بَلَدِهِ أَرْجَى لِكَشْفِ نَسَبِهِ ، فَلَمْ يُقَرَّ فِي يَدِهِ الْمُنْتَقِلُ عَنْهُ ، قِيَاسًا عَلَى الْمُنْتَقِلِ بِهِ إلَى الْبَادِيَةِ .\rوَالثَّانِي ، يُقَرُّ فِي يَدِهِ ؛ لِأَنَّ وِلَايَتَهُ ثَابِتَةٌ ، وَالْبَلَدُ الثَّانِي كَالْأَوَّلِ فِي الرَّفَاهِيَةِ ، فَيُقَرُّ فِي يَدِهِ ، كَمَا لَوْ انْتَقَلَ مِنْ أَحَدِ جَانِبَيْ الْبَلَدِ إلَى الْجَانِبِ الْآخَرِ ، وَفَارَقَ الْمُنْتَقِلَ بِهِ إلَى الْبَادِيَةِ ؛ لِأَنَّهُ يَضُرُّ بِهِ بِتَفْوِيتِ الرَّفَاهِيَةِ عَلَيْهِ .\rوَإِنْ الْتَقَطَهُ مِنْ الْبَادِيَةِ فَلَهُ نَقْلُهُ إلَى الْحَضَرِ ؛ لِأَنَّهُ يَنْقُلُهُ مِنْ أَرْضِ الْبُؤْسِ وَالشَّقَاءِ إلَى الرَّفَاهِيَةِ وَالدَّعَةِ وَالدِّينِ .\rوَإِنْ أَقَامَ بِهِ فِي حِلَّةٍ يَسْتَوْطِنُهَا ، فَلَهُ ذَلِكَ .\rوَإِنْ كَانَ يَنْتَقِلُ بِهِ فِي الْمَوَاضِعِ ، احْتَمَلَ أَنْ يُقَرَّ فِي يَدَيْهِ ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ ابْنُ بَدَوِيَّيْنِ ، وَإِقْرَارُهُ فِي يَدَيْ مُلْتَقِطِهِ أَرْجَى لِكَشْفِ نَسَبِهِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْهُ ، فَيُدْفَعَ إلَى صَاحِبِ قَرْيَةٍ ؛ لِأَنَّهُ أَرْفَهُ لَهُ ، وَأَخَفُّ عَلَيْهِ .\rوَكُلُّ مَوْضِعٍ قُلْنَا : يُنْزَعُ مِنْ مُلْتَقِطِهِ .\rفَإِنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ إذَا وُجِدَ مَنْ يُدْفَعُ إلَيْهِ ، مِمَّنْ هُوَ أَوْلَى بِهِ .\rفَإِنْ لَمْ يُوجَدْ مَنْ يَقُومُ بِهِ ، أُقِرَّ فِي يَدَيْ مُلْتَقِطِهِ ؛ لِأَنَّ إقْرَارَهُ فِي يَدَيْهِ مَعَ قُصُورِهِ ، أَوْلَى مِنْ إهْلَاكِهِ .\rوَإِنْ لَمْ يُوجَدْ إلَّا","part":12,"page":454},{"id":5954,"text":"مِثْلُ مُلْتَقِطِهِ ، فَمُلْتَقِطُهُ أَوْلَى بِهِ ، إذْ لَا فَائِدَةَ فِي نَزْعِهِ مِنْ يَدِهِ ، وَدَفْعِهِ إلَى مِثْلِهِ .","part":12,"page":455},{"id":5955,"text":"( 4567 ) فَصْلٌ : وَلَيْسَ لِلْعَبْدِ الْتِقَاطُ الطِّفْلِ الْمَنْبُوذِ ، إذَا وُجِدَ مَنْ يَلْتَقِطُهُ سِوَاهُ ؛ لِأَنَّ مَنَافِعَهُ لِسَيِّدِهِ ؛ فَلَا يُذْهِبُهَا فِي غَيْرِ نَفْعِهِ إلَّا بِإِذْنِهِ ، وَلِأَنَّهُ لَا يَثْبُتُ عَلَى اللَّقِيطِ إلَّا الْوِلَايَةُ ، وَلَا وِلَايَةَ لِعَبْدٍ .\rفَإِنْ الْتَقَطَهُ لَمْ يُقَرَّ فِي يَدَيْهِ ، إلَّا أَنْ يَأْذَنَ لَهُ السَّيِّدُ ، فَإِنْ أَذِنَ لَهُ ، أُقِرَّ فِي يَدَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ اسْتَعَانَ بِهِ فِي ذَلِكَ ، فَصَارَ كَمَا لَوْ الْتَقَطَهُ بِيَدِهِ وَسَلَّمَهُ إلَيْهِ .\rقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ : إنْ أَذِنَ لَهُ السَّيِّدُ لَمْ يَكُنْ لَهُ الرُّجُوعُ بَعْدَ ذَلِكَ ، وَصَارَ كَمَا لَوْ الْتَقَطَهُ .\rوَالْحُكْمُ فِي الْأَمَةِ كَالْحُكْمِ فِي الْمُكَاتَبِ .\rفَأَمَّا إنْ لَمْ يَجِدْ أَحَدًا يَلْتَقِطُهُ سِوَاهُ ، وَجَبَ الْتِقَاطُهُ ؛ لِأَنَّهُ تَخْلِيصٌ لَهُ مِنْ الْهَلَاكِ ، فَأَشْبَهَ تَخْلِيصَهُ مِنْ الْغَرَقِ وَالْمُدَبَّرُ ، وَأُمُّ الْوَلَدِ ، وَالْمُعَلَّقُ عِتْقُهُ بِصِفَةٍ ، كَالْقِنِّ ، وَكَذَلِكَ الْمُكَاتَبُ ، لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ التَّبَرُّعُ بِمَالِهِ ، وَلَا بِمَنَافِعِهِ ، إلَّا أَنْ يَأْذَنَ لَهُ سَيِّدُهُ فِي ذَلِكَ .","part":12,"page":456},{"id":5956,"text":"( 4568 ) فَصْلٌ : وَلَيْسَ لِلْكَافِرِ الْتِقَاطُ مُسْلِمٍ ؛ لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لَكَافِرٍ عَلَى مُسْلِمٍ ، وَلِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ أَنْ يَفْتِنَهُ وَيُعَلِّمَهُ الْكُفْرَ ، بَلْ الظَّاهِرُ أَنَّهُ يُرَبِّيه عَلَى دِينِهِ ، وَيَنْشَأُ عَلَى ذَلِكَ ، كَوَلَدِهِ .\rفَإِنْ الْتَقَطَهُ لَمْ يُقَرَّ فِي يَدِهِ .\rوَإِنْ كَانَ الطِّفْلُ مَحْكُومًا بِكُفْرِهِ ، فَلَهُ الْتِقَاطُهُ ؛ لِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ .","part":12,"page":457},{"id":5957,"text":"( 4569 ) فَصْلٌ : وَإِنْ الْتَقَطَهُ اثْنَانِ ، وَتَنَاوَلَاهُ تَنَاوُلًا وَاحِدًا ، لَمْ يَخْلُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ : أَحَدُهَا أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ يُقَرُّ فِي يَدَيْهِ ، كَالْمُسْلِمِ الْعَدْلِ الْحُرِّ ، وَالْآخَرُ مِمَّنْ لَا يُقَرُّ فِي يَدَيْهِ ، كَالْكَافِرِ إذَا كَانَ اللَّقِيطُ مُسْلِمًا ، وَالْفَاسِقِ ، وَالْعَبْدِ إذَا لَمْ يَأْذَنْ لَهُ سَيِّدُهُ ، وَالْمُكَاتَبِ ، فَإِنَّهُ يُسَلَّمُ إلَى مَنْ يُقَرُّ فِي يَدِهِ ، وَتَكُونُ مُشَارَكَةُ هَؤُلَاءِ لَهُ كَعَدَمِهَا ؛ لِأَنَّهُ لَوْ الْتَقَطَهُ وَحْدَهُ لَمْ يُقَرَّ فِي يَدِهِ ، فَإِذَا شَارَكَهُ مَنْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الِالْتِقَاطِ أَوْلَى .\rالثَّانِي ، أَنْ يَكُونَا جَمِيعًا مِمَّنْ لَا يُقَرُّ فِي يَدَيْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ، فَإِنَّهُ يُنْزَعُ مِنْهُمَا ، وَيُسَلَّمُ إلَى غَيْرِهِمَا .\rالثَّالِثُ أَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِمَّنْ يُقَرُّ فِي يَدِهِ لَوْ انْفَرَدَ ، إلَّا أَنَّ أَحَدَهُمَا أَحْظُ لِلَّقِيطِ مِنْ الْآخَرِ ، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا مُوسِرًا وَالْآخَرُ مُعْسِرًا ، فَالْمُوسِرُ أَحَقُّ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ أَحْظُ لِلطِّفْلِ ، وَإِنْ الْتَقَطَ مُسْلِمٌ وَكَافِرٌ طِفْلًا مَحْكُومًا بِكُفْرِهِ ، فَالْمُسْلِمُ أَحَقُّ .\rوَقَالَ أَصْحَابُنَا ، وَأَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ : هُمَا سَوَاءٌ ؛ لِأَنَّ لِلْكَافِرِ وِلَايَةً عَلَى الْكَافِرِ ، وَيُقَرُّ فِي يَدِهِ إذَا انْفَرَدَ بِالْتِقَاطِهِ ، فَسَاوَى الْمُسْلِمَ فِي ذَلِكَ وَلَنَا أَنَّ دَفْعَهُ إلَى الْمُسْلِمِ أَحْظُ لَهُ ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ مُسْلِمًا ، فَيَسْعَدُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ، وَيَنْجُو مِنْ النَّارِ ، وَيَتَخَلَّصُ مِنْ الْجِزْيَةِ وَالصَّغَارِ ، فَالتَّرْجِيحُ بِهَذَا أَوْلَى مِنْ التَّرْجِيحِ بِالْيَسَارِ الَّذِي إنَّمَا يُتَعَلَّقُ بِهِ تَوْسِعَةً عَلَيْهِ فِي الْإِنْفَاقِ ، وَقَدْ يَكُونُ الْمُوسِرُ بَخِيلًا ، فَلَا تَحْصُلُ التَّوْسِعَةُ .\rفَإِنْ تَعَارَضَ التَّرْجِيحَانِ ، فَكَانَ الْمُسْلِمُ فَقِيرًا وَالْكَافِرُ مُوسِرًا ، فَالْمُسْلِمُ أَوْلَى ؛ لِأَنَّ النَّفْعَ الْحَاصِلَ لَهُ بِإِسْلَامِهِ أَعْظَمُ مِنْ النَّفْعِ الْحَاصِلِ بِيَسَارِهِ مَعَ كُفْرِهِ .\rوَعَلَى قِيَاسِ قَوْلِهِمْ فِي تَقْدِيمِ","part":12,"page":458},{"id":5958,"text":"الْمُوسِرِ ، يَنْبَغِي أَنْ يُقَدَّمَ الْجَوَادُ عَلَى الْبَخِيلِ ؛ لِأَنَّ حَظَّ الطِّفْلِ عِنْدَهُ أَكْثَرُ مِنْ الْجِهَةِ الَّتِي يَحْصُلُ لَهُ الْحَظُّ فِيهَا بِالْيَسَارِ ، وَرُبَّمَا تَخَلَّقَ بِأَخْلَاقِهِ ، وَتَعَلَّمَ مِنْ جُودِهِ .\rالرَّابِعُ أَنْ يَتَسَاوَيَا فِي كَوْنِهِمَا مُسْلِمَيْنِ عَدْلَيْنِ حُرَّيْنِ مُقِيمَيْنِ ، فَهُمَا سَوَاءٌ فِيهِ ، فَإِنْ رَضِيَ أَحَدُهُمَا بِإِسْقَاطِ حَقِّهِ ، وَتَسْلِيمِهِ إلَى صَاحِبِهِ جَازَ ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُ ، فَلَا يُمْنَعُ مِنْ الْإِيثَارِ بِهِ .\rوَإِنْ تَشَاحَّا ، أُقْرِعَ بَيْنَهُمَا ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ } .\rوَلِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ كَوْنُهُ عِنْدَهُمَا ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُمَا فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ .\rوَإِنْ تَهَايَآهُ ، فَجُعِلَ عِنْدَ كُلِّ وَاحِدٍ يَوْمًا أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ ، أَضَرَّ بِالطِّفْلِ ؛ لِأَنَّهُ تَخْتَلِفُ عَلَيْهِ الْأَغْذِيَةُ وَالْأُنْسُ وَالْإِلْفُ .\rوَلَا يُمْكِنُ دَفْعُهُ إلَى أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ بِغَيْرِ قُرْعَةٍ ؛ لِأَنَّ حَقَّهُمَا مُتَسَاوٍ ، فَتَعْيِينُ أَحَدِهِمَا بِالتَّحَكُّمِ لَا يَجُوزُ ، فَتَعَيَّنَ الْإِقْرَاعُ بَيْنَهُمَا ، كَمَا يُقْرَعُ بَيْنَ الشُّرَكَاءِ فِي تَعْيِينِ السِّهَامِ فِي الْقِسْمَةِ ، وَبَيْنَ النِّسَاءِ فِي الْبِدَايَةِ بِالْقِسْمَةِ ، وَبَيْنَ الْعَبِيدِ فِي الْإِعْتَاقِ .\rوَالرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ سَوَاءٌ ، وَلَا تُرَجَّحُ الْمَرْأَةُ هَا هُنَا ، كَمَا تُرَجَّحُ فِي حَضَانَةِ وَلَدِهَا عَلَى أَبِيهِ ؛ لِأَنَّهَا رُجِّحَتْ ثَمَّ لِشَفَقَتِهَا عَلَى وَلَدِهَا ، وَتَوَلِّيهَا لِحَضَانَتِهِ بِنَفْسِهَا ، وَالْأَبُ يَحْضُنُهُ بِأَجْنَبِيَّةٍ ، فَكَانَتْ أُمُّهُ أَحْظَ لَهُ وَأَرْفَقَ بِهِ ، أَمَّا هَا هُنَا ، فَإِنَّهَا أَجْنَبِيَّةٌ مِنْ اللَّقِيطِ ، وَالرَّجُلُ يَحْضُنُهُ بِأَجْنَبِيَّةٍ فَاسْتَوَيَا .\rوَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فِي هَذَا الْفَصْلِ جَمِيعِهِ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا مَسْتُورَ الْحَالِ ، وَالْآخَرُ ظَاهِرَ الْعَدَالَةِ ، احْتَمَلَ أَنْ يُرَجَّحَ الْعَدْلُ ؛ لِأَنَّ الْمَانِعَ مِنْ الِالْتِقَاطِ","part":12,"page":459},{"id":5959,"text":"مُنْتَفٍ فِي حَقِّهِ بِغَيْرِ شَكٍّ ، وَالْأَمْرُ مَشْكُوكٌ فِيهِ ، فَيَكُونُ الْحَظُّ لِلطِّفْلِ فِي تَسْلِيمِهِ إلَيْهِ أَتَمَّ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يَتَسَاوَيَا ؛ لِأَنَّ احْتِمَالَ وُجُودِ الْمَانِعِ لَا يُؤَثِّرُ فِي الْمَنْعِ ، فَلَا يُؤَثِّرُ التَّرْجِيحُ .","part":12,"page":460},{"id":5960,"text":"( 4570 ) فَصْلٌ : وَإِنْ رَأَيَاهُ جَمِيعًا ، فَسَبَقَ أَحَدُهُمَا فَأَخَذَهُ ، أَوْ وَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ ؛ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { مَنْ سَبَقَ إلَى مَا لَمْ يَسْبِقْ إلَيْهِ مُسْلِمٌ ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ } .\rوَإِنْ رَآهُ أَحَدُهُمَا قَبْلَ صَاحِبِهِ ، فَسَبَقَ إلَى أَخْذِهِ الْآخَرُ ، فَالسَّابِقُ إلَى أَخْذِهِ أَحَقُّ ؛ لِأَنَّ الِالْتِقَاطَ هُوَ الْأَخْذُ لَا الرُّؤْيَةَ .\rوَلَوْ قَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ : نَاوِلْنِيهِ .\rفَأَخَذَهُ الْآخَرُ ، نَظَرْنَا إلَى نِيَّتِهِ ، فَإِنْ نَوَى أَخْذَهُ لِنَفْسِهِ فَهُوَ أَحَقُّ ، كَمَا لَوْ لَمْ يَأْمُرْهُ الْآخَرُ بِمُنَاوَلَتِهِ إيَّاهُ ، وَإِنْ نَوَى مُنَاوَلَتَهُ فَهُوَ لِلْآمِرِ ؛ لِأَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ بِنِيَّةِ النِّيَابَةِ عَنْهُ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ تَوَكَّلَ لَهُ فِي تَحْصِيلِ مُبَاحٍ .","part":12,"page":461},{"id":5961,"text":"( 4571 ) فَصْلٌ : فَإِنْ اخْتَلَفَا ، فَقَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا : أَنَا الْتَقَطْته .\rوَلَا بَيِّنَةَ لِأَحَدِهِمَا ، وَكَانَ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ أَنَّهُ الْتَقَطَهُ .\rذَكَرَ ذَلِكَ أَبُو الْخَطَّابِ .\rوَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : قِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا يَحْلِفُ ، كَمَا فِي الطَّلَاقِ وَالنِّكَاحِ .\rوَلَنَا قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ ، لَادَّعَى قَوْمٌ دِمَاءَ قَوْمٍ وَأَمْوَالَهُمْ ؛ وَلَكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ } .\rرَوَاهُ مُسْلِمٌ .\rفَإِنْ كَانَ فِي أَيْدِيهِمَا أُقْرِعَ بَيْنَهُمَا ، فَمَنْ قَرَعَ صَاحِبَهُ ، حَلَفَ وَسُلِّمَ إلَيْهِ .\rوَعَلَى قَوْلِ الْقَاضِي : لَا تُشْرَعُ الْيَمِينُ هَا هُنَا ، وَيُسَلَّمُ إلَيْهِ بِمُجَرَّدِ وُقُوعِ الْقُرْعَةِ لَهُ .\rوَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي يَدِ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ، فَقَالَ الْقَاضِي ، وَأَبُو الْخَطَّابِ : يُسَلِّمُهُ الْحَاكِمُ إلَى مَنْ يَرَى مِنْهُمَا أَوْ مِنْ غَيْرِهِمَا ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ لَهُمَا .\rوَالْأَوْلَى أَنْ يَقْرَعَ بَيْنَهُمَا ، كَمَا لَوْ كَانَ فِي أَيْدِيهِمَا ؛ لِأَنَّهُمَا تَنَازَعَا حَقًّا فِي يَدِ غَيْرِهِمَا ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ تَنَازَعَا وَدِيعَةً عِنْدَ غَيْرِهِمَا .\rفَإِنْ وَصَفَهُ أَحَدُهُمَا ، مِثْلُ أَنْ يَقُولَ : فِي ظَهْرِهِ شَامَةٌ ، أَوْ بِجَسَدِهِ عَلَامَةٌ .\rوَذَكَرَ شَيْئًا فِي جَسَدِهِ مَسْتُورًا ، فَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : يُقَدَّمُ بِالصِّفَةِ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يُقَدَّمُ بِالصِّفَةِ ، كَمَا لَوْ وَصَفَ الْمُدَّعِي ، فَإِنَّهُ لَا تُقَدَّمُ بِهِ دَعْوَاهُ .\rوَلَنَا أَنَّ هَذَا نَوْعٌ مِنْ اللُّقَطَةِ ، فَقُدِّمَ بِوَصْفِهَا ، كَلُقَطَةِ الْمَالِ ، وَلِأَنَّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى قُوَّةِ يَدِهِ ، فَكَانَ مُقَدَّمًا بِهَا .\rوَقِيَاسُ اللَّقِيطِ عَلَى اللُّقَطَةِ أَوْلَى مِنْ قِيَاسِهِ عَلَى غَيْرِهَا ؛ لِأَنَّ اللَّقِيطَ لُقَطَةٌ أَيْضًا .\rوَإِنْ كَانَ لِأَحَدِهِمَا بَيِّنَةٌ ، قُدِّمَ بِهَا .\rوَإِنْ كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ ، قُدِّمَ أَسْبَقُهُمَا تَارِيخًا ؛ لِأَنَّ","part":12,"page":462},{"id":5962,"text":"الثَّانِيَ إنَّمَا أَخَذَ مِمَّنْ قَدْ ثَبَتَ الْحَقُّ فِيهِ لِغَيْرِهِ .\rوَإِنْ اسْتَوَى تَارِيخُهُمَا ، أَوْ أُطْلِقَتَا مَعًا ، أَوْ أُرِّخَتْ إحْدَاهُمَا وَأُطْلِقَتْ الْأُخْرَى ، فَقَدْ تَعَارَضَتَا .\rوَهَلْ يَسْقُطَانِ أَوْ يُسْتَعْمَلَانِ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، يَسْقُطَانِ ، فَيَصِيرَانِ كَمَنْ لَا بَيِّنَةَ لَهُمَا .\rوَالثَّانِي ، يُسْتَعْمَلَانِ ، وَيُقْرَعُ بَيْنَهُمَا ، فَمَنْ قَرَعَ صَاحِبَهُ كَانَ أَوْلَى .\rوَسَنَذْكُرُ ذَلِكَ فِي بَابِهِ ، إنْ شَاءَ اللَّهِ تَعَالَى .\rوَإِنْ كَانَ اللَّقِيطُ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا ، فَهَلْ تُقَدَّمُ بَيِّنَتُهُ عَلَى بَيِّنَةِ الْآخَرِ ، أَوْ تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ الْخَارِجِ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ ، مَبْنِيَّانِ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي دَعْوَى الْمَالِ .\rوَإِنْ كَانَ أَحَدُ الْمُتَدَاعِيَيْنِ مِمَّنْ لَا تُقَرُّ يَدُهُ عَلَى اللَّقِيطِ ، أُقِرَّ فِي يَدِ الْآخَرِ ، وَلَمْ يُلْتَفَتْ إلَى دَعْوَى مِنْ لَا يُقَرُّ فِي يَدِهِ بِحَالٍ .","part":12,"page":463},{"id":5963,"text":"( 4572 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : ( وَإِذَا ادَّعَاهُ مُسْلِمٌ وَكَافِرٌ ، أُرِيَ الْقَافَةَ ، فَبِأَيِّهِمَا أَلْحَقُوهُ لَحِقَ ) يَعْنِي إذَا اُدُّعِيَ نَسَبُهُ ، فَلَا تَخْلُو دَعْوَى نَسَبِ اللَّقِيطِ مِنْ قِسْمَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنْ يَدَّعِيَهُ وَاحِدٌ يَنْفَرِدُ بِدَعْوَاهُ ، فَيُنْظَرُ ؛ فَإِنْ كَانَ الْمُدَّعِي رَجُلًا مُسْلِمًا حُرًّا ، لَحِقَ نَسَبُهُ بِهِ ، بِغَيْرِ خِلَافٍ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ ، إذَا أَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ مِنْهُ ؛ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ مَحْضُ نَفْعٍ لِلطِّفْلِ لِاتِّصَالِ نَسَبِهِ ، وَلَا مَضَرَّةَ عَلَى غَيْرِهِ فِيهِ ، فَقُبِلَ ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ لَهُ بِمَالٍ .\rثُمَّ إنْ كَانَ الْمُقِرُّ بِهِ مُلْتَقِطَهُ ، أُقِرَّ فِي يَدِهِ .\rوَإِنْ كَانَ غَيْرَهُ ، فَلَهُ أَنْ يَنْتَزِعَهُ مِنْ الْمُلْتَقِطِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ أَبُوهُ ، فَيَكُونُ أَحَقَّ بِوَلَدِهِ ، كَمَا لَوْ قَامَتْ بِهِ بَيِّنَةٌ .\rوَإِنْ كَانَ الْمُدَّعِي لَهُ عَبْدًا ، لَحِقَ بِهِ أَيْضًا ؛ لِأَنَّ لِمَائِهِ حُرْمَةً ، فَلَحِقَ بِهِ نَسَبُهُ كَالْحُرِّ .\rوَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ ، غَيْرَ أَنَّهُ لَا تَثْبُتُ لَهُ حَضَانَةٌ ؛ لِأَنَّهُ مَشْغُولٌ بِخِدْمَةِ سَيِّدِهِ ، وَلَا تَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ ؛ لِأَنَّهُ لَا مَالَ لَهُ ، وَلَا عَلَى سَيِّدِهِ ؛ لِأَنَّ الطِّفْلَ مَحْكُومٌ بِحُرِّيَّتِهِ ، فَتَكُونُ نَفَقَتُهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ .\rوَإِنْ كَانَ الْمُدَّعِي ذِمِّيًّا ، لَحِقَ بِهِ ؛ لِأَنَّهُ أَقْوَى مِنْ الْعَبْدِ فِي ثُبُوتِ الْفِرَاشِ ، فَإِنَّهُ يَثْبُتُ لَهُ بِالنِّكَاحِ وَالْوَطْءِ فِي الْمِلْكِ .\rوَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ : لَا يَلْحَقُ بِهِ ؛ لِأَنَّهُ مَحْكُومٌ بِإِسْلَامِهِ .\rوَلَنَا أَنَّهُ أَقَرَّ بِنَسَبِ مَجْهُولِ النَّسَبِ ، يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مِنْهُ ، وَلَيْسَ فِي إقْرَارِهِ إضْرَارٌ بِغَيْرِهِ ، فَيَثْبُتُ إقْرَارُهُ ، كَالْمُسْلِمِ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّهُ يَلْحَقُ بِهِ مِنْ النَّسَبِ لَا فِي الدِّينِ ، وَلَا حَقَّ لَهُ فِي حَضَانَتِهِ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ : يَتْبَعُهُ فِي دِينِهِ ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَا لَحِقَهُ فِي نَسَبِهِ يَلْحَقُ بِهِ فِي دِينِهِ ، كَالْبَيِّنَةِ ، إلَّا أَنَّهُ يُحَالُ بَيْنَهُ","part":12,"page":464},{"id":5964,"text":"وَبَيْنَهُ ، وَلَنَا أَنَّ هَذَا حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ ، فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُ الذِّمِّيِّ فِي كُفْرِهِ ، كَمَا لَوْ كَانَ مَعْرُوفَ النَّسَبِ ؛ وَلِأَنَّهَا دَعْوَى تُخَالِفُ الظَّاهِرَ ، فَلَمْ تُقْبَلْ بِمُجَرَّدِهَا ، كَدَعْوَى رِقِّهِ ، وَلِأَنَّهُ لَوْ تَبِعَهُ فِي دِينِهِ لَمْ يُقْبَلْ إقْرَارُهُ بِنَسَبِهِ ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ إضْرَارًا بِهِ ، فَلَمْ تُقْبَلْ ، كَدَعْوَى الرِّقِّ .\rأَمَّا مُجَرَّدُ النَّسَبِ بِدُونِ اتِّبَاعِهِ فِي الدِّينِ ، فَمَصْلَحَةٌ عَارِيَّةٌ عَنْ الضَّرَرِ ، فَقُبِلَ قَوْلُهُ فِيهِ .\rوَلَا يَجُوزُ قَبُولُهُ فِيمَا هُوَ أَعْظَمُ الضَّرَرِ وَالْخِزْيِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ .\rوَإِنْ كَانَ الْمُدَّعِي امْرَأَةً ، فَاخْتُلِفَ عَنْ أَحْمَدَ ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، فَرُوِيَ أَنَّ دَعْوَاهَا تُقْبَلُ ، وَيَلْحَقُهَا نَسَبُهُ ؛ لِأَنَّهَا أَحَدُ الْأَبَوَيْنِ ، فَيَثْبُتُ النَّسَبُ بِدَعْوَاهَا ، كَالْأَبِ ، وَلِأَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مِنْهَا ، كَمَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ وَلَدَ الرَّجُلِ ، بَلْ أَكْثَرَ ؛ لِأَنَّهَا تَأْتِي بِهِ مِنْ زَوْجٍ ، وَوَطْءٍ بِشُبْهَةٍ ، وَيَلْحَقُهَا وَلَدُهَا مِنْ الزِّنَى دُونَ الرَّجُلِ ، وَلِأَنَّ فِي قِصَّةِ دَاوُد وَسُلَيْمَانَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ ، حِينَ تَحَاكَمَ إلَيْهِمَا امْرَأَتَانِ كَانَ لَهُمَا ابْنَانِ ، فَذَهَبَ الذِّئْبُ بِأَحَدِهِمَا ، فَادَّعَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا أَنَّ الْبَاقِيَ ابْنُهَا ، وَأَنَّ الَّذِي أَخَذَهُ الذِّئْبُ ابْنُ الْأُخْرَى ، فَحَكَمَ بِهِ دَاوُد لِلْكُبْرَى ، وَحَكَمَ بِهِ سُلَيْمَانُ لِلْأُخْرَى ، بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى مِنْهُمَا .\rوَهَذَا قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ .\rفَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ ، يَلْحَقُ بِهَا دُونَ زَوْجِهَا ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَلْحَقَهُ نَسَبُ وَلَدٍ لَمْ يُقِرَّ بِهِ .\rوَكَذَلِكَ إذَا ادَّعَى الرَّجُلُ نَسَبَهُ ، لَمْ يَلْحَقْ بِزَوْجَتِهِ .\rفَإِنْ قِيلَ : الرَّجُلُ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ مِنْ امْرَأَةٍ أُخْرَى ، أَوْ مِنْ أَمَتِهِ ، وَالْمَرْأَةُ لَا يَحِلُّ لَهَا نِكَاحُ غَيْرِ زَوْجِهَا ، وَلَا يَحِلُّ وَطْؤُهَا لِغَيْرِهِ .\rقُلْنَا : يُمْكِنُ أَنْ تَلِدَ مِنْ وَطْءِ شُبْهَةٍ أَوْ غَيْرِهِ .\rوَإِنْ","part":12,"page":465},{"id":5965,"text":"كَانَ الْوَلَدُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَوْجُودًا قَبْلَ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا هَذَا الزَّوْجُ ، أَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ مِنْ زَوْجٍ آخَرَ .\rفَإِنْ قِيلَ : إنَّمَا قُبِلَ الْإِقْرَارُ بِالنَّسَبِ مِنْ الزَّوْجِ ، لِمَا فِيهِ مِنْ الْمَصْلَحَةِ ، بِدَفْعِ الْعَارِ عَنْ الصَّبِيِّ ، وَصِيَانَتِهِ عَنْ النِّسْبَةِ إلَى كَوْنِهِ وَلَدَ زِنًا ، وَلَا يَحْصُلُ هَذَا بِإِلْحَاقِ نَسَبِهِ بِالْمَرْأَةِ ، بَلْ إلْحَاقُهُ بِهَا دُونَ زَوْجِهَا تَطَرُّقٌ لِلْعَارِ إلَيْهِ وَإِلَيْهَا .\rقُلْنَا : بَلْ قَبِلْنَا دَعْوَاهُ ؛ لِأَنَّهُ يَدَّعِي حَقًّا لَا مُنَازِعَ لَهُ فِيهِ ، وَلَا مَضَرَّةَ عَلَى أَحَدٍ فِيهِ ، فَقُبِلَ قَوْلُهُ فِيهِ ، كَدَعْوَى الْمَالِ ، وَهَذَا مُتَحَقِّقٌ فِي دَعْوَى الْمَرْأَةِ .\rوَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ ، أَنَّهَا إنْ كَانَ لَهَا زَوْجٌ ، لَمْ يَثْبُتْ النَّسَبُ بِدَعْوَاهَا ، لِإِفْضَائِهِ إلَى إلْحَاقِ النَّسَبِ بِزَوْجِهَا بِغَيْرِ إقْرَارِهِ وَلَا رِضَاهُ ، أَوْ إلَى أَنَّ امْرَأَتَهُ وُطِئَتْ بِزِنًا أَوْ شُبْهَةٍ ، وَفِي ذَلِكَ ضَرَرٌ عَلَيْهِ ، فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهَا فِيمَا يُلْحِقُ الضَّرَرَ بِهِ .\rوَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا زَوْجٌ ، قُبِلَتْ دَعْوَاهَا لِعَدَمِ هَذَا الضَّرَرِ .\rوَهَذَا أَيْضًا وَجْهٌ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ .\rوَالرِّوَايَةُ الثَّالِثَةُ ، نَقَلَهَا الْكَوْسَجُ عَنْ أَحْمَدَ ، فِي امْرَأَةٍ ادَّعَتْ وَلَدًا : إنْ كَانَ لَهَا إخْوَةٌ أَوْ نَسَبٌ مَعْرُوفٌ ، لَا تُصَدَّقُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا دَافِعٌ ، لَمْ يُحَلْ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ لَهَا أَهْلٌ وَنَسَبٌ مَعْرُوفٌ ، لَمْ تُخْفِ وِلَادَتَهَا عَلَيْهِمْ ، وَيَتَضَرَّرُونَ بِإِلْحَاقِ النَّسَبِ بِهَا ، لِمَا فِيهِ مِنْ تَعْيِيرِهِمْ بِوِلَادَتِهَا مِنْ غَيْرِ زَوْجِهَا ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا أَهْلٌ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَثْبُتَ النَّسَبُ بِدَعْوَاهَا بِحَالٍ .\rوَهَذَا قَوْلُ الثَّوْرِيِّ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ، عَلَى أَنَّ النَّسَبَ لَا يَثْبُتُ بِدَعْوَى الْمَرْأَةِ ؛ لِأَنَّهَا","part":12,"page":466},{"id":5966,"text":"يُمْكِنُهَا إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَى الْوِلَادَةِ ، فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهَا بِمُجَرَّدِهِ ، كَمَا لَوْ عَلَّقَ زَوْجُهَا طَلَاقَهَا بِوِلَادَتِهَا .\rوَلَنَا أَنَّهَا أَحَدُ الْوَالِدَيْنِ ، فَأَشْبَهَتْ الْأَبَ ، وَإِمْكَانُ الْبَيِّنَةِ لَا يَمْنَعُ قَبُولَ الْقَوْلِ ، كَالرَّجُلِ ، فَإِنَّهُ تُمْكِنُهُ الْبَيِّنَةُ أَنَّ هَذَا وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ .\rوَإِنْ كَانَ الْمُدَّعِي أَمَةً ، فَهِيَ كَالْحُرَّةِ ، إلَّا أَنَّنَا إذَا قَبِلْنَا دَعْوَاهَا فِي نَسَبِهِ ، لَمْ نَقْبَلْ قَوْلَهَا فِي رِقِّهِ ؛ لِأَنَّنَا لَا نَقْبَلُ الدَّعْوَى فِيمَا يَضُرُّهُ ، كَمَا لَمْ نَقْبَلْ الدَّعْوَى فِي كُفْرِهِ إذَا ادَّعَى نَسَبَهُ كَافِرٌ .","part":12,"page":467},{"id":5967,"text":"( 4573 ) الْقِسْمُ الثَّانِي ، أَنْ يَدَّعِيَ نَسَبَهُ اثْنَانِ فَصَاعِدًا ، وَالْكَلَامُ فِي ذَلِكَ فِي فُصُولٍ : أَحَدُهَا أَنَّهُ إذَا ادَّعَاهُ مُسْلِمٌ وَكَافِرٌ ، أَوْ حُرٌّ وَعَبْدٌ ، فَهُمَا سَوَاءٌ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : الْمُسْلِمُ أَوْلَى مِنْ الذِّمِّيِّ ، وَالْحُرُّ أَوْلَى مِنْ الْعَبْدِ ؛ لِأَنَّ عَلَى اللَّقِيطِ ضَرَرًا فِي إلْحَاقِهِ بِالْعَبْدِ وَالذِّمِّيِّ ، فَكَانَ إلْحَاقُهُ بِالْحُرِّ الْمُسْلِمِ أَوْلَى ، كَمَا لَوْ تَنَازَعُوا فِي الْحَضَانَةِ .\rوَلَنَا أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ إذَا انْفَرَدَ صَحَّتْ دَعْوَاهُ ، فَإِذَا تَنَازَعُوا ، تَسَاوَوْا فِي الدَّعْوَى ، كَالْأَحْرَارِ الْمُسْلِمِينَ .\rوَمَا ذَكَرُوهُ مِنْ الضَّرَرِ لَا يَتَحَقَّقُ ، فَإِنَّنَا لَا نَحْكُمُ بِرِقِّهِ وَلَا كُفْرِهِ .\rوَلَا يُشْبِهُ النَّسَبُ الْحَضَانَةَ ، بِدَلِيلِ أَنَّنَا نُقَدِّمُ فِي الْحَضَانَةِ الْمُوسِرَ وَالْحَضَرِيَّ ، وَلَا نُقَدِّمُهُمَا فِي دَعْوَى النَّسَبِ .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ إذَا كَانَ عَبْدٌ ، امْرَأَتُهُ أَمَةٌ ، فِي أَيْدِيهِمَا صَبِيٌّ ، فَادَّعَى رَجُلٌ مِنْ الْعَرَبِ امْرَأَتُهُ عَرَبِيَّةٌ أَنَّهُ ابْنُهُ مِنْ امْرَأَتِهِ ، فَأَقَامَ الْعَبْدُ بَيِّنَةً بِدَعْوَاهُ أَنَّهُ ابْنُهُ ، فَهُوَ ابْنُهُ فِي قَوْلِ أَبِي ثَوْرٍ وَغَيْرِهِ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ : يُقْضَى بِهِ لِلْعَرَبِيِّ ، لِلْعِتْقِ الَّذِي يَدْخُلُ فِيهِ ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الْمُدَّعِي مِنْ الْمَوَالِي عَبْدَهُمْ .\rوَقَوْلُهُمْ هَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ ؛ لِأَنَّ الْعَرَبَ وَغَيْرَهُمْ فِي أَحْكَامِ اللَّهِ وَلُحُوقِ النَّسَبِ بِهِمْ سَوَاءٌ .","part":12,"page":468},{"id":5968,"text":"( 4574 ) الْفَصْلُ الثَّانِي : أَنَّهُ إذَا ادَّعَاهُ اثْنَانِ ، فَكَانَ لِأَحَدِهِمَا بِهِ بَيِّنَةٌ ، فَهُوَ ابْنُهُ .\rوَإِنْ أَقَامَا بَيِّنَتَيْنِ ، تَعَارَضَتَا ، وَسَقَطَتَا ، وَلَا يُمْكِنُ اسْتِعْمَالُهُمَا هَا هُنَا ؛ لِأَنَّ اسْتِعْمَالَهُمَا فِي الْمَالِ إمَّا بِقِسْمَتِهِ بَيْنَ الْمُتَدَاعِيَيْنِ ، وَلَا سَبِيلَ إلَيْهِ هَا هُنَا ، وَإِمَّا بِالْإِقْرَاعِ بَيْنَهُمَا ، وَالْقُرْعَةُ لَا يَثْبُتُ بِهَا النَّسَبُ .\rفَإِنْ قِيلَ : فَإِنَّ ثُبُوتَهُ هَا هُنَا يَكُونُ بِالْبَيِّنَةِ لَا بِالْقُرْعَةِ ، وَإِنَّمَا الْقُرْعَةُ مُرَجَّحَةٌ .\rقُلْنَا : فَيَلْزَمُ أَنَّهُ إذَا اشْتَرَكَ رَجُلَانِ فِي وَطْءِ امْرَأَةٍ ، فَأَتَتْ بِوَلَدٍ ، يُقْرَعَ بَيْنَهُمَا ، وَيَكُونُ لُحُوقُهُ بِالْوَطْءِ لَا بِالْقُرْعَةِ .","part":12,"page":469},{"id":5969,"text":"( 4575 ) الْفَصْلُ الثَّالِثُ : أَنَّهُ إذَا لَمْ تَكُنْ بِهِ بَيِّنَةٌ ، أَوْ تَعَارَضَتْ بِهِ بَيِّنَتَانِ ، وَسَقَطَتَا ، فَإِنَّا نُرِيهِ الْقَافَةَ مَعَهُمَا ، أَوْ مَعَ عَصَبَتِهِمَا عِنْدَ فَقْدِهِمَا ، فَنُلْحِقُهُ بِمَنْ أَلْحَقَتْهُ بِهِ مِنْهُمَا .\rهَذَا قَوْلُ أَنَسٍ ، وَعَطَاءٍ ، وَيَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَاللَّيْثِ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي ثَوْرٍ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ : لَا حُكْمَ لِلْقَافَةِ ، وَيُلْحَقُ بِالْمُدَّعِيَيْنِ جَمِيعًا ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ بِالْقَافَةِ تَعْوِيلٌ عَلَى مُجَرَّدِ الشَّبَهِ وَالظَّنِّ وَالتَّخْمِينِ ، فَإِنَّ الشَّبَهَ يُوجَدُ بَيْنَ الْأَجَانِبِ ، وَيَنْتَفِي بَيْنَ الْأَقَارِبِ ، وَلِهَذَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَنَّ رَجُلًا أَتَاهُ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنَّ امْرَأَتِي وَلَدَتْ غُلَامًا أَسْوَدَ ، فَقَالَ : هَلْ لَك مِنْ إبِلٍ ؟ قَالَ : نَعَمْ .\rقَالَ : فَمَا أَلْوَانُهَا ؟ .\rقَالَ : حُمْرٌ .\rقَالَ : فَهَلْ فِيهَا مِنْ أَوْرَقَ ؟ قَالَ : نَعَمْ .\rقَالَ : أَنَّى أَتَاهَا ذَلِكَ ؟ قَالَ : لَعَلَّ عِرْقًا نَزَعَ .\rقَالَ : وَهَذَا لَعَلَّ عِرْقًا نَزَعَ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rقَالُوا : وَلَوْ كَانَ الشَّبَهُ كَافِيًا لَاكْتُفِيَ بِهِ فِي وَلَدِ الْمُلَاعَنَةِ ، وَفِيمَا إذَا أَقَرَّ أَحَدُ الْوَرَثَةِ بِأَخٍ وَأَنْكَرَهُ الْبَاقُونَ .\rوَلَنَا مَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا { ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ عَلَيْهَا يَوْمًا مَسْرُورًا ، تَبْرُقُ أَسَارِيرُ وَجْهِهِ ، فَقَالَ : أَلَمْ تَرَيْ أَنَّ مُجَزِّزًا الْمُدْلِجِيَّ نَظَرَ آنِفًا إلَى زَيْدٍ وَأُسَامَةَ ، وَقَدْ غَطَّيَا رُءُوسَهُمَا ، وَبَدَتْ أَقْدَامُهُمَا ، فَقَالَ : إنَّ هَذِهِ الْأَقْدَامَ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ ؟ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rفَلَوْلَا جَوَازُ الِاعْتِمَادِ عَلَى الْقَافَةِ لَمَا سُرَّ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا اعْتَمَدَ عَلَيْهِ .\rوَلِأَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَضَى بِهِ بِحَضْرَةِ الصَّحَابَةِ ، فَلَمْ يُنْكِرْهُ مُنْكِرٌ ، فَكَانَ إجْمَاعًا ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُ","part":12,"page":470},{"id":5970,"text":"النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي وَلَدِ الْمُلَاعَنَةِ : { اُنْظُرُوهَا ، فَإِنْ جَاءَتْ بِهِ حَمْشَ السَّاقَيْنِ كَأَنَّهُ وَحَرَةٌ فَلَا أَرَاهُ إلَّا قَدْ كَذَبَ عَلَيْهَا ، وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أَكْحَلَ ، جَعْدًا ، جُمَالِيًّا ، سَابِغَ الْأَلْيَتَيْنِ ، خَدَلَّجَ السَّاقَيْنِ ، فَهُوَ لِلَّذِي رُمِيَتْ بِهِ .\rفَأَتَتْ بِهِ عَلَى النَّعْتِ الْمَكْرُوهِ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَوْلَا الْأَيْمَانُ لَكَانَ لِي وَلَهَا شَأْنٌ } .\rفَقَدْ حَكَمَ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلَّذِي أَشْبَهَهُ مِنْهُمَا .\rوَقَوْلُهُ : { لَوْلَا الْأَيْمَانُ لَكَانَ لِي وَلَهَا شَأْنٌ } .\rيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَمْنَعْهُ مِنْ الْعَمَلِ بِالشَّبَهِ إلَّا الْأَيْمَانُ ، فَإِذَا انْتَفَى الْمَانِعُ يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ لِوُجُودِ مُقْتَضِيه .\rوَكَذَلِكَ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ابْنِ أَمَةِ زَمْعَةَ ، حِينَ رَأَى بِهِ شَبَهًا بَيِّنًا بِعُتْبَةَ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ : { احْتَجِبِي مِنْهُ يَا سَوْدَةُ } .\rفَعَمِلَ بِالشَّبَهِ فِي حَجْبِ سَوْدَةَ عَنْهُ .\rفَإِنْ قِيلَ : فَالْحَدِيثَانِ حُجَّةٌ عَلَيْكُمْ ، إذْ لَمْ يَحْكُمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالشَّبَهِ فِيهِمَا ، بَلْ أَلْحَقَ الْوَلَدَ بِزَمْعَةَ ، { وَقَالَ لِعَبْدِ بْنِ زَمْعَةَ : هُوَ لَك يَا عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ ، الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ ، وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ } .\rوَلَمْ يَعْمَلْ بِشَبَهِ وَلَدِ الْمُلَاعَنَةِ فِي إقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهَا ، لِشَبَهِهِ بِالْمَقْذُوفِ .\rقُلْنَا : إنَّمَا لَمْ يَعْمَلْ بِهِ فِي ابْنِ أَمَةِ زَمَعَةَ ؛ لِأَنَّ الْفِرَاشَ أَقْوَى ، وَتَرْكُ الْعَمَلِ بِالْبَيِّنَةِ لِمُعَارَضَةِ مَا هُوَ أَقْوَى مِنْهَا ، لَا يُوجِبُ الْإِعْرَاضَ عَنْهَا إذَا خَلَتْ عَنْ الْمُعَارِضِ .\rوَكَذَلِكَ تَرْكُ إقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهَا مِنْ أَجْلِ أَيْمَانِهَا ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ : { لَوْلَا الْأَيْمَانُ لَكَانَ لِي وَلَهَا شَأْنٌ .\r} عَلَى أَنَّ ضَعْفَ الشَّبَهِ عَنْ إقَامَةِ الْحَدِّ لَا يُوجِبُ ضَعْفَهُ عَنْ إلْحَاقِ النَّسَبِ ، فَإِنَّ الْحَدَّ فِي الزِّنَى لَا يَثْبُتُ إلَّا بِأَقْوَى","part":12,"page":471},{"id":5971,"text":"الْبَيِّنَاتِ ، وَأَكْثَرِهَا عَدَدًا ، وَأَقْوَى الْإِقْرَارِ ، حَتَّى يُعْتَبَرَ فِيهِ تَكْرَارُهُ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ ، وَيُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ ، وَالنَّسَبُ يَثْبُتُ بِشَهَادَةِ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ عَلَى الْوِلَادَةِ ، وَيَثْبُتُ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى ، وَيَثْبُتُ مَعَ ظُهُورِ انْتِفَائِهِ ، حَتَّى لَوْ أَنَّ امْرَأَةً أَتَتْ بِوَلَدٍ وَزَوْجُهَا غَائِبٌ عَنْهَا مُنْذُ عِشْرِينَ سَنَةً ، لَحِقَهُ وَلَدُهَا ، فَكَيْفَ يُحْتَجُّ عَلَى نَفْيِهِ بِعَدَمِ إقَامَةِ الْحَدِّ ، وَلِأَنَّهُ حُكْمٌ بِظَنٍّ غَالِبٍ ، وَرَأْيٍ رَاجِحٍ ، مِمَّنْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الْخِبْرَةِ ، فَجَازَ ، كَقَوْلِ الْمُقَوِّمِينَ ، وَقَوْلُهُمْ : إنَّ الشَّبَهَ يَجُوزُ وُجُودُهُ وَعَدَمُهُ .\rقُلْنَا : الظَّاهِرُ وُجُودُهُ ، وَلِهَذَا { قَالَ : النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ : أَوَ تَرَى ذَلِكَ الْمَرْأَةُ ؟ قَالَ : فَمِنْ أَيْنَ يَكُونُ الشَّبَهُ ؟ } .\rوَالْحَدِيثُ الَّذِي احْتَجُّوا بِهِ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ ؛ لِأَنَّ إنْكَارَ الرَّجُلِ وَلَدَهُ لِمُخَالَفَةِ لَوْنِهِ ، وَعَزْمِهِ عَلَى نَفْيِهِ لِذَلِكَ ، يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْعَادَةَ خِلَافُهُ ، وَأَنَّ فِي طِبَاعِ النَّاسِ إنْكَارَهُ ، وَأَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا يُوجَدُ نَادِرًا ، وَإِنَّمَا أَلْحَقَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهِ لِوُجُودِ الْفِرَاشِ ، وَتَجُوزُ مُخَالَفَةُ الظَّاهِرِ لِدَلِيلٍ ، وَلَا يَجُوزُ تَرْكُهُ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ ، وَلِأَنَّ ضَعْفَ الشَّبَهِ عَنْ نَفْيِ النَّسَبِ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ ضَعْفُهُ عَنْ إثْبَاتِهِ ، فَإِنَّ النَّسَبَ يُحْتَاطُ لِإِثْبَاتِهِ ، وَيَثْبُتُ بِأَدْنَى دَلِيلٍ ، وَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ التَّشْدِيدُ فِي نَفْيِهِ ، وَأَنَّهُ لَا يَنْتَفِي إلَّا بِأَقْوَى الْأَدِلَّةِ ، كَمَا أَنَّ الْحَدَّ لَمَّا انْتَفَى بِالشَّبَهِ ، لَمْ يَثْبُتْ إلَّا بِأَقْوَى دَلِيلٍ ، فَلَا يَلْزَمُ حِينَئِذٍ مِنْ الْمَنْعِ مِنْ نَفْيِهِ بِالشَّبَهِ فِي الْخَبَرِ الْمَذْكُورِ ، أَنْ لَا يَثْبُتَ بِهِ النَّسَبُ فِي مَسْأَلَتِنَا .\rفَإِنْ قِيلَ : فَهَاهُنَا إنْ عَمِلْتُمْ بِالْقَافَةِ فَقَدْ نَفَيْتُمْ النَّسَبَ عَمَّنْ لَمْ تُلْحِقْهُ الْقَافَةُ بِهِ .\rقُلْنَا :","part":12,"page":472},{"id":5972,"text":"إنَّمَا انْتَفَى النَّسَبُ هَا هُنَا لِعَدَمِ دَلِيلِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ إلَّا مُجَرَّدُ الدَّعْوَى ، وَقَدْ عَارَضَهَا مِثْلُهَا ، فَسَقَطَ حُكْمُهَا ، وَكَانَ الشَّبَهُ مُرَجِّحًا لِأَحَدِهِمَا ، فَانْتَفَتْ دَلَالَةٌ أُخْرَى ، فَلَزِمَ انْتِفَاءُ النَّسَبِ لِانْتِفَاءِ دَلِيلِهِ ، وَتَقْدِيمُ اللِّعَانِ عَلَيْهِ لَا يَمْنَعُ الْعَمَلَ بِهِ عِنْدَ عَدَمِهِ ، كَالْيَدِ تُقَدَّمُ عَلَيْهَا الْبَيِّنَةُ ، وَيُعْمَلُ بِهَا .","part":12,"page":473},{"id":5973,"text":"( 4576 ) فَصْلٌ : وَالْقَافَةُ قَوْمٌ يَعْرِفُونَ الْإِنْسَانَ بِالشَّبَهِ ، وَلَا يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِقَبِيلَةٍ مُعَيَّنَةٍ ، بَلْ مَنْ عُرِفَ مِنْهُ الْمَعْرِفَةُ بِذَلِكَ ، وَتَكَرَّرَتْ مِنْهُ الْإِصَابَةُ ، فَهُوَ قَائِفٌ .\rوَقِيلَ : أَكْثَرُ مَا يَكُونُ فِي بَنِي مُدْلِجٍ رَهْطِ مُجَزِّزٍ الْمُدْلِجِي الَّذِي رَأَى أُسَامَةَ وَأَبَاهُ زَيْدًا قَدْ غَطَّيَا رُءُوسَهُمَا ، وَبَدَتْ أَقْدَامُهُمَا ، فَقَالَ : \" إنَّ هَذِهِ الْأَقْدَامَ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ \" .\rوَكَانَ إيَاسُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْمُزَنِيّ قَائِفًا ، وَكَذَلِكَ قِيلَ فِي شُرَيْحٍ .\rوَلَا يُقْبَلُ قَوْلُ الْقَائِفِ إلَّا أَنْ يَكُونَ ذَكَرًا ، عَدْلًا ، مُجَرَّبًا فِي الْإِصَابَةِ ، حُرًّا ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ حُكْمٌ ، وَالْحَكَمُ تُعْتَبَرُ لَهُ هَذِهِ الشُّرُوطُ .\rقَالَ الْقَاضِي : وَتُعْتَبَرُ مَعْرِفَةُ الْقَائِفِ بِالتَّجْرِبَةِ ، وَهُوَ أَنْ يُتْرَكَ الصَّبِيُّ مَعَ عَشَرَةٍ مِنْ الرِّجَالِ غَيْرِ مَنْ يَدَّعِيه ، وَيُرَى إيَّاهُمْ ، فَإِنْ أَلْحَقَهُ بِوَاحِدٍ مِنْهُمْ سَقَطَ قَوْلُهُ ؛ لِأَنَّا نَتَبَيَّنُ خَطَأَهُ ، وَإِنْ لَمْ يُلْحِقْهُ بِوَاحِدٍ مِنْهُمْ ، أَرَيْنَاهُ إيَّاهُ مَعَ عِشْرِينَ فِيهِمْ مُدَّعِيه ، فَإِنْ أَلْحَقَهُ بِهِ لَحِقَ ، وَلَوْ اُعْتُبِرَ بِأَنْ يَرَى صَبِيًّا مَعْرُوفَ النَّسَبِ مَعَ قَوْمٍ فِيهِمْ أَبُوهُ أَوْ أَخُوهُ ، فَإِذَا أَلْحَقَهُ بِقَرِيبِهِ ، عُلِمَتْ إصَابَتُهُ ، وَإِنْ أَلْحَقَهُ بِغَيْرِهِ سَقَطَ قَوْلُهُ ، جَازَ .\rوَهَذِهِ التَّجْرِبَةُ عِنْدَ عَرْضِهِ عَلَى الْقَائِفِ لِلِاحْتِيَاطِ فِي مَعْرِفَةِ إصَابَتِهِ ، وَإِنْ لَمْ تُجَرِّبْهُ فِي الْحَالِ ، بَعْدَ أَنْ يَكُونَ مَشْهُورًا بِالْإِصَابَةِ وَصِحَّةِ الْمَعْرِفَةِ فِي مَرَّاتٍ كَبِيرَةٍ ، جَازَ .\rوَقَدْ رَوَيْنَا أَنْ رَجُلًا شَرِيفًا شَكَّ فِي وَلَدٍ لَهُ مِنْ جَارِيَتِهِ ، وَأَبَى أَنْ يَسْتَلْحِقَهُ ، فَمَرَّ بِهِ إيَاسُ بْنُ مُعَاوِيَةَ فِي الْمَكْتَبِ ، وَهُوَ لَا يَعْرِفُهُ ، فَقَالَ : اُدْعُ لِي أَبَاك .\rفَقَالَ لَهُ الْمُعَلِّمُ : وَمَنْ أَبُو هَذَا ؟ قَالَ : فُلَانٌ .\rقَالَ : مِنْ أَيْنَ عَلِمْت أَنَّهُ أَبُوهُ ؟ قَالَ : هُوَ أَشْبَهُ بِهِ مِنْ الْغُرَابِ بِالْغُرَابِ .\rفَقَامَ الْمُعَلِّمُ","part":12,"page":474},{"id":5974,"text":"مَسْرُورًا إلَى أَبِيهِ ، فَأَعْلَمَهُ بُقُولِ إيَاسٍ ، فَخَرَجَ الرَّجُلُ وَسَأَلَ إيَاسًا ، فَقَالَ : مِنْ أَيْنَ عَلِمْت أَنَّ هَذَا وَلَدِي ؟ فَقَالَ : سُبْحَانَ اللَّهِ ، وَهَلْ يَخْفَى وَلَدُك عَلَى أَحَدٍ ، إنَّهُ لَأَشْبَهُ بِك مِنْ الْغُرَابِ بِالْغُرَابِ .\rفَسُرَّ الرَّجُلُ ، وَاسْتَلْحَقَ وَلَدَهُ .\rوَهَلْ يُقْبَلُ قَوْلُ وَاحِدٍ ، أَوْ لَا يُقْبَلُ إلَّا قَوْلُ اثْنَيْنِ ؟ فَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ ، أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ إلَّا قَوْلُ اثْنَيْنِ ، فَإِنَّ الْأَثْرَمَ رَوَى عَنْهُ ، أَنَّهُ قِيلَ لَهُ : إذَا قَالَ أَحَدُ الْقَافَةِ : هُوَ لِهَذَا .\rوَقَالَ الْآخَرُ : هُوَ لِهَذَا ؟ قَالَ : لَا يُقْبَلُ وَاحِدٌ حَتَّى يَجْتَمِعَ اثْنَانِ ، فَيَكُونَانِ شَاهِدَيْنِ .\rفَإِذَا شَهِدَ اثْنَانِ مِنْ الْقَافَةِ أَنَّهُ لِهَذَا ، فَهُوَ لِهَذَا ؛ لِأَنَّهُ قَوْلٌ يَثْبُتُ بِهِ النَّسَبُ ، فَأَشْبَهَ الشَّهَادَةَ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : يُقْبَلُ قَوْلُ الْوَاحِدِ ؛ لِأَنَّهُ حُكْمٌ ، وَيُقْبَلُ فِي الْحُكْمِ قَوْلُ وَاحِدٍ .\rوَحُمِلَ كَلَامُ أَحْمَدَ عَلَى مَا إذَا تَعَارَضَ قَوْلُ الْقَائِفِينَ ، فَقَالَ : إذَا خَالَفَ الْقَائِفُ غَيْرَهُ ، تَعَارَضَا وَسَقَطَا .\rوَإِنْ قَالَ اثْنَانِ قَوْلًا ، وَخَالَفَهُمَا وَاحِدٌ ، فَقَوْلُهُمَا أَوْلَى ؛ لِأَنَّهُمَا شَاهِدَانِ ، فَقَوْلُهُمَا أَقْوَى مِنْ قَوْلِ وَاحِدٍ .\rوَإِنْ عَارَضَ قَوْلُ اثْنَيْنِ قَوْلَ اثْنَيْنِ ، سَقَطَ قَوْلُ الْجَمِيعِ .\rوَإِنْ عَارَضَ قَوْلُ الِاثْنَيْنِ ثَلَاثَةً فَأَكْثَرَ ، لَمْ يُرَجَّحْ ، وَسَقَطَ الْجَمِيعُ ، كَمَا لَوْ كَانَتْ إحْدَى الْبَيِّنَتَيْنِ اثْنَيْنِ ، وَالْأُخْرَى ثَلَاثَةً أَوْ أَكْثَرَ .\rفَأَمَّا إنْ أَلْحَقَتْهُ الْقَافَةُ بِوَاحِدٍ ، ثُمَّ جَاءَتْ قَافَةٌ أُخْرَى فَأَلْحَقَتْهُ بِآخَرَ ، كَانَ لَاحِقًا بِالْأَوَّلِ ؛ لِأَنَّ الْقَائِفَ جَرَى مَجْرَى حُكْمِ الْحَاكِمِ ، وَمَتَى حَكَمَ الْحَاكِمُ حُكْمًا لَمْ يَنْتَقِضْ بِمُخَالَفَةِ غَيْرِهِ لَهُ .\rوَكَذَلِكَ إنْ أَلْحَقَتْهُ بِوَاحِدٍ ، ثُمَّ عَادَتْ فَأَلْحَقَتْهُ بِغَيْرِهِ ؛ لِذَلِكَ .\rفَإِنْ أَقَامَ الْآخَرُ بَيِّنَةً أَنَّهُ وَلَدُهُ .\rحُكِمَ لَهُ بِهِ ، وَسَقَطَ قَوْلُ الْقَائِفِ ؛ لِأَنَّهُ بَدَلٌ ، فَيَسْقُطُ","part":12,"page":475},{"id":5975,"text":"بِوُجُودِ الْأَصْلِ ، كَالتَّيَمُّمِ مَعَ الْمَاءِ .","part":12,"page":476},{"id":5976,"text":"( 4577 ) فَصْلٌ : وَإِنْ أَلْحَقَتْهُ الْقَافَةُ بِكَافِرٍ أَوْ رَقِيقٍ ، لَمْ يُحْكَمْ بِكُفْرِهِ وَلَا رِقِّهِ ؛ لِأَنَّ الْحُرِّيَّةَ وَالْإِسْلَامَ ثَبَتَا لَهُ بِظَاهِرِ الدَّارِ ، فَلَا يَزُولُ ذَلِكَ بِمُجَرَّدِ الشَّبَهِ وَالظَّنِّ ، كَمَا لَمْ يَزُلْ ذَلِكَ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى مِنْ الْمُنْفَرِدِ .\rوَإِنَّمَا قَبِلْنَا قَوْلَ الْقَائِفِ فِي النَّسَبِ ، لِلْحَاجَةِ إلَى إثْبَاتِهِ ، وَلِكَوْنِهِ غَيْرَ مُخَالِفٍ لِلظَّاهِرِ ، وَلِهَذَا اكْتَفَيْنَا فِيهِ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى مِنْ الْمُنْفَرِدِ ، وَلَا حَاجَةَ إلَى إثْبَاتِ رِقِّهِ وَكُفْرِهِ ، وَإِثْبَاتُهُمَا يُخَالِفُ الظَّاهِرَ .\rوَلَوْ ادَّعَى نَسَبَ اللَّقِيطِ إنْسَانٌ ، فَأُلْحِقَ نَسَبُهُ بِهِ ، لِانْفِرَادِهِ بِالدَّعْوَى ، ثُمَّ جَاءَ آخَرُ فَادَّعَاهُ ، لَمْ يَزُلْ نَسَبُهُ عَنْ الْأَوَّلِ ؛ لِأَنَّهُ حُكِمَ لَهُ بِهِ ، فَلَا يَزُولُ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى .\rفَإِنْ أَلْحَقَتْهُ بِهِ الْقَافَةُ ، لَحِقَ بِهِ ، وَانْقَطَعَ عَنْ الْأَوَّلِ ؛ لِأَنَّهَا بَيِّنَةٌ فِي إلْحَاقِ النَّسَبِ ، وَيَزُولُ بِهَا الْحُكْمُ الثَّابِتُ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى ، كَالشَّهَادَةِ .","part":12,"page":477},{"id":5977,"text":"( 4578 ) فَصْلٌ : وَإِذَا ادَّعَاهُ اثْنَانِ ، فَأَلْحَقَتْهُ الْقَافَةُ بِهِمَا ، لَحِقَ بِهِمَا ، وَكَانَ ابْنَهُمَا ، يَرِثُهُمَا مِيرَاثَ ابْنٍ ، وَيَرِثَانِهِ جَمِيعًا مِيرَاثَ أَبٍ وَاحِدٍ .\rوَهَذَا يُرْوَى عَنْ عُمَرَ ، وَعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ : يُلْحَقُ بِهِمَا بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يُلْحَقُ بِأَكْثَرَ مِنْ وَالِدٍ ، فَإِذَا أَلْحَقَتْهُ بِهِمَا سَقَطَ قَوْلُهُمَا ، وَلَمْ يُحْكَمْ لَهُمَا .\rوَاحْتَجَّ بِرِوَايَةٍ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ الْقَافَةَ قَالَتْ : قَدْ اشْتَرَكَا فِيهِ .\rفَقَالَ عُمَرُ : وَالِ أَيَّهُمَا شِئْت .\rوَلِأَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ كَوْنُهُ مِنْ رَجُلَيْنِ ، فَإِذَا أَلْحَقَتْهُ الْقَافَةُ بِهِمَا ، تَبَيَّنَّا كَذِبَهُمَا ، فَسَقَطَ قَوْلُهُمَا ، كَمَا لَوْ أَلْحَقَتْهُ بِأُمَّيْنِ ، وَلِأَنَّ الْمُدَّعِيَيْنِ لَوْ اتَّفَقَا عَلَى ذَلِكَ ، لَمْ يَثْبُتْ ، وَلَوْ ادَّعَاهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ، وَأَقَامَ بَيِّنَةً ، سَقَطَتَا ، وَلَوْ جَازَ أَنْ يُلْحَقَ بِهِمَا ، لَثَبَتَ بِاتِّفَاقِهِمَا ، وَأُلْحِقَ بِهِمَا عِنْدَ تَعَارُضِ بَيِّنَتِهِمَا .\rوَلَنَا مَا رَوَى سَعِيدٌ ، فِي \" سُنَنِهِ \" : ثنا سُفْيَانُ ، عَنْ يَحْيَى عَنْ سَعِيدٍ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ عُمَرَ ، فِي امْرَأَةٍ وَطِئَهَا رَجُلَانِ فِي طُهْرٍ ، فَقَالَ الْقَائِفُ : قَدْ اشْتَرَكَا فِيهِ جَمِيعًا .\rفَجَعَلَهُ بَيْنَهُمَا .\rوَبِإِسْنَادِهِ عَنْ الشَّعْبِيِّ قَالَ : وَعَلِيٌّ يَقُولُ : هُوَ ابْنُهُمَا ، وَهُمَا أَبَوَاهُ ، يَرِثُهُمَا وَيَرِثَانِهِ .\rوَرَوَاهُ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارَ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ عُمَرَ .\rوَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ حَدِيثُ قَتَادَةَ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ عُمَرَ ، جَعَلَهُ بَيْنَهُمَا ، وَقَابُوسَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَلِيٍّ ، جَعَلَهُ بَيْنَهُمَا .\rوَرَوَى الْأَثْرَمُ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، فِي رَجُلَيْنِ اشْتَرَكَا فِي طُهْرِ امْرَأَةٍ ، فَحَمَلَتْ فَوَلَدَتْ غُلَامًا يُشْبِهُهُمَا ، فَرُفِعَ ذَلِكَ إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَدَعَا الْقَافَةَ فَنَظَرُوهُ ، فَقَالُوا :","part":12,"page":478},{"id":5978,"text":"نَرَاهُ يُشْبِهُهُمَا .\rفَأَلْحَقَهُ بِهِمَا ، وَجَعَلَهُ يَرِثُهُمَا وَيَرِثَانِهِ .\rقَالَ سَعِيدٌ : عَصَبَتُهُ الْبَاقِي مِنْهُمَا .\rوَمَا ذَكَرُوهُ عَنْ عُمَرَ لَا نَعْلَمُ صِحَّتَهُ ، وَإِنْ صَحَّ فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ تَرَكَ قَوْلَ الْقَافَةِ لَأَمْرٍ آخَرَ ، إمَّا لِعَدَمِ ثِقَتِهِمَا ، وَإِمَّا لِأَنَّهُ ظَهَرَ لَهُ مِنْ قَوْلِهِمَا وَاخْتِلَافِهِمَا مَا يُوجِبُ تَرَكَهُ ، فَلَا يَنْحَصِرُ الْمَانِعُ مِنْ قَبُولِ قَوْلِهِمَا فِي أَنَّهُمَا اشْتَرَكَا فِيهِ .\rقَالَ أَحْمَدُ : إذَا أَلْحَقَتْهُ الْقَافَةُ بِهِمَا ، وَرِثَهُمَا وَوَرِثَاهُ ، فَإِنْ مَاتَ أَحَدُهُمَا ، فَهُوَ لِلْبَاقِي مِنْهُمَا ، وَنَسَبُهُ مِنْ الْأَوَّلِ قَائِمٌ ، لَا يُزِيلُهُ شَيْءٌ .\rوَمَعْنَى قَوْلِهِ : \" هُوَ لِلْبَاقِي مِنْهُمَا \" .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ ، أَنَّهُ يَرِثُهُ مِيرَاثَ أَبٍ كَامِلٍ ، كَمَا أَنَّ الْجَدَّةَ إذَا انْفَرَدَتْ أَخَذَتْ مَا يَأْخُذُهُ الْجَدَّاتُ ، وَالزَّوْجَةُ تَأْخُذُ وَحْدَهَا مَا يَأْخُذُهُ جَمِيعُ الزَّوْجَاتِ .","part":12,"page":479},{"id":5979,"text":"( 4579 ) فَصْلٌ : وَإِنْ ادَّعَاهُ أَكْثَرُ مِنْ اثْنَيْنِ ، فَأَلْحَقَتْهُ بِهِمْ الْقَافَةُ ، فَنَصَّ أَحْمَدُ ، فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا ، أَنَّهُ يُلْحَقُ بِثَلَاثَةٍ .\rوَمُقْتَضَى هَذَا أَنَّهُ يُلْحَقُ بِمَنْ أَلْحَقَتْهُ الْقَافَةُ وَإِنْ كَثُرُوا .\rوَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ حَامِدٍ : لَا يُلْحَقُ بِأَكْثَرَ مِنْ اثْنَيْنِ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ ؛ لِأَنَّا صِرْنَا إلَى ذَلِكَ لِلْأَثَرِ ، فَيُقْتَصَرُ عَلَيْهِ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : لَا يُلْحَقُ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةٍ ، وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَيْضًا .\rوَلَنَا أَنَّ الْمَعْنَى الَّذِي لِأَجْلِهِ لَحِقَ بِاثْنَيْنِ ، مَوْجُودٌ فِيمَا زَادَ عَلَيْهِ ، فَيُقَاسُ عَلَيْهِ ، وَإِذَا جَازَ أَنْ يُلْحَقَ مِنْ اثْنَيْنِ ، جَازَ أَنْ يُلْحَقَ مِنْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ .\rوَقَوْلُهُمْ : إنَّ إلْحَاقَهُ بِالِاثْنَيْنِ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ مَمْنُوعٌ ، وَإِنْ سَلَّمْنَاهُ ، لَكِنَّهُ ثَبَتَ لِمَعْنًى مَوْجُودٍ فِي غَيْرِهِ ، فَيَجِبُ تَعْدِيَةُ الْحُكْمِ بِهِ ، كَمَا أَنَّ إبَاحَةَ أَكْلِ الْمَيْتَةِ عِنْدَ الْمَخْمَصَةِ أُبِيحَ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ ، لَا يَمْنَعُ مِنْ أَنْ يُقَاسَ عَلَى ذَلِكَ مَالُ غَيْرِهِ ، وَالصَّيْدُ الْحَرَمِيُّ ، وَغَيْرُهُمَا مِنْ الْمُحَرَّمَاتِ ، لِوُجُودِ الْمَعْنَى ، وَهُوَ إبْقَاءُ النَّفْسِ ، وَتَخْلِيصُهَا مِنْ الْهَلَاكِ .\rوَأَمَّا قَوْلُ مَنْ قَالَ : إنَّهُ يَجُوزُ إلْحَاقُهُ بِثَلَاثَةِ ، وَلَا يُزَادُ عَلَى ذَلِكَ ، فَتَحَكُّمٌ ، فَإِنَّهُ لَمْ يَقْتَصِرْ عَلَى الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ ، وَلَا عَدَّى الْحُكْمَ إلَى كُلِّ مَا وُجِدَ فِيهِ الْمَعْنَى ، وَلَا نَعْلَمُ فِي الثَّلَاثَةِ مَعْنًى خَاصًّا يَقْتَضِي إلْحَاقَ النَّسَبِ بِهِمْ ، فَلَمْ يَجُزْ الِاقْتِصَارُ عَلَيْهِ بِالتَّحَكُّمِ .","part":12,"page":480},{"id":5980,"text":"( 4580 ) فَصْلٌ : وَإِذَا لَمْ تُوجَدْ قَافَةٌ ، أَوْ أَشْكَلَ الْأَمْرُ عَلَيْهَا ، أَوْ تَعَارَضَتْ أَقْوَالُهَا ، أَوْ وُجِدَ مَنْ لَا يُوثَقُ بِقَوْلِهِ ، لَمْ يُرَجَّحْ أَحَدُهُمَا بِذِكْرِ عَلَامَةٍ فِي جَسَدِهِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُرَجَّحُ بِهِ فِي سَائِرِ الدَّعَاوَى ، سِوَى الِالْتِقَاطِ فِي الْمَالِ وَاللَّقِيطِ ، وَيَضِيعُ نَسَبُهُ .\rهَذَا قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ .\rوَقَدْ أَوْمَأَ أَحْمَدُ ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، فِي رَجُلَيْنِ وَقَعَا عَلَى امْرَأَةٍ فِي طُهْرٍ وَاحِدٍ ، إلَى أَنَّ الِابْنَ يُخَيَّرُ أَيَّهُمَا أَحَبَّ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَامِدٍ ، قَالَ : يُتْرَكُ حَتَّى يَبْلُغَ ، فَيَنْتَسِبُ إلَى مَنْ أَحَبَّ مِنْهُمَا .\rوَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ الْجَدِيدُ ، وَقَالَ فِي الْقَدِيمِ : حَتَّى يُمَيِّزَ ؛ لِقَوْلِ عُمَرَ : وَالِ أَيَّهمَا شِئْت .\rوَلِأَنَّ الْإِنْسَانَ يَمِيلُ بِطَبْعِهِ إلَى قَرِيبِهِ دُونَ غَيْرِهِ ، وَلِأَنَّهُ مَجْهُولٌ نَسَبُهُ ، أَقَرَّ بِهِ مَنْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الْإِقْرَارِ ، وَصَدَّقَهُ الْمُقَرُّ لَهُ ، فَيَثْبُتُ نَسَبُهُ ، كَمَا لَوْ انْفَرَدَ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ : يُلْحَقُ بِالْمُدَّعِيَيْنِ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَوْ انْفَرَدَ سُمِعَتْ دَعْوَاهُ ، فَإِذَا اجْتَمَعَا ، وَأَمْكَنَ الْعَمَلُ بِهِمَا ، وَجَبَ ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ لَهُ بِمَالٍ .\rوَلَنَا أَنَّ دَعْوَاهُمَا تَعَارَضَتَا ، وَلَا حُجَّةَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا ، فَلَمْ تَثْبُتْ ، كَمَا لَوْ ادَّعَيَا رِقَّهُ .\rوَقَوْلُهُمْ : يَمِيلُ بِطَبْعِهِ إلَى قَرَابَتِهِ .\rقُلْنَا : إنَّمَا يَمِيلُ إلَى قَرَابَتِهِ بَعْدَ مَعْرِفَتِهِ بِأَنَّهَا قَرَابَتُهُ ، فَالْمَعْرِفَةُ بِذَلِكَ سَبَبُ الْمَيْلِ ، وَلَا سَبَبَ قَبْلَهُ ، وَلَوْ ثَبَتَ أَنَّهُ يَمِيلُ إلَى قَرَابَتِهِ ، لَكِنَّهُ قَدْ يَمِيلُ إلَى مَنْ أَحْسَنِ إلَيْهِ ، فَإِنْ الْقُلُوبَ جُبِلَتْ عَلَى حُبِّ مَنْ أَحْسَنِ إلَيْهَا ، وَبُغْضِ مَنْ أَسَاءَ إلَيْهَا ، وَقَدْ يَمِيلُ إلَيْهِ لِإِسَاءَةِ الْآخَرِ إلَيْهِ ، وَقَدْ يَمِيلُ إلَى أَحْسَنِهِمَا خُلُقًا أَوْ أَعْظَمِهِمَا قَدْرًا أَوْ جَاهًا أَوْ مَالًا ، فَلَا يَبْقَى لِلْمَيْلِ أَثَرٌ فِي الدَّلَالَةِ","part":12,"page":481},{"id":5981,"text":"عَلَى النَّسَبِ .\rوَقَوْلُهُمْ : إنَّهُ صَدَّقَ الْمُقِرَّ بِنَسَبِهِ .\rقُلْنَا : لَا يَحِلُّ لَهُ تَصْدِيقُهُ ، فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَعَنَ مَنْ ادَّعَى إلَى غَيْرِ أَبِيهِ ، أَوْ تَوَلَّى غَيْرَ مَوَالِيه .\rوَهَذَا لَا يَعْلَمُ أَنَّهُ أَبُوهُ ، فَلَا يَأْمَنُ أَنْ يَكُونَ مَلْعُونًا بِتَصْدِيقِهِ ، وَيُفَارِقُ مَا إذَا انْفَرَدَ ، فَإِنَّ الْمُنْفَرِدَ يَثْبُتُ النَّسَبُ بِقَوْلِهِ مِنْ غَيْرِ تَصْدِيقٍ .\rوَأَمَّا قَوْلُ عُمَرَ : وَالِ مِنْ شِئْت .\rفَلَمْ يَثْبُتْ ، وَلَوْ ثَبَتَ لَمْ يَكُنْ فِيهِ حُجَّةٌ ؛ فَإِنَّهُ إنَّمَا أَمَرَهُ بِالْمُوَلَّاةِ ، لَا بِالِانْتِسَابِ .\rوَعَلَى قَوْلِ مَنْ جَعَلَ لَهُ الِانْتِسَابَ إلَى أَحَدِهِمَا ، لَوْ انْتَسَبَ إلَى أَحَدِهِمَا ، ثُمَّ عَادَ وَانْتَسَبَ إلَى الْآخَرِ ، وَنَفَى نَسَبَهُ مِنْ الْأَوَّلِ ، أَوْ لَمْ يَنْتَسِبْ إلَى وَاحِدٍ ، لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ نَسَبُهُ ، فَلَا يُقْبَلُ رُجُوعُهُ عَنْهُ ، كَمَا لَوْ ادَّعَى مُنْفَرِدٌ نَسَبَهُ ثُمَّ أَنْكَرَهُ ، وَيُفَارِقُ الصَّبِيَّ الَّذِي يُخَيَّرُ بَيْنَ أَبَوَيْهِ ، فَيَخْتَارُ أَحَدَهُمَا ، ثُمَّ يَرُدُّ الْآخَرَ ، إذَا اخْتَارَهُ ، فَإِنَّهُ لَا حُكْمَ لِقَوْلِ الصَّبِيِّ ، وَإِنَّمَا تَبِعَ اخْتِيَارَهُ وَشَهْوَتَهُ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ اشْتَهَى طَعَامًا فِي يَوْمٍ ، ثُمَّ اشْتَهَى غَيْرَهُ فِي يَوْمٍ آخَر .\rوَإِنْ قَامَتْ لِلْآخَرِ بِنَسَبِهِ بَيِّنَةٌ ، عُمِلَ بِهَا ، وَبَطَلَ انْتِسَابُهُ ؛ لِأَنَّهَا تُبْطِلُ قَوْلَ الْقَافَةِ ، الَّذِي هُوَ مُقَدَّمٌ عَلَى الِانْتِسَابِ ، فَلَأَنْ تُبْطِلَ الِانْتِسَابَ أَوْلَى .\rوَإِنْ وُجِدَتْ قَافَةٌ بَعْدَ انْتِسَابِهِ ، فَأَلْحَقَتْهُ بِغَيْرِ مَنْ انْتَسَبَ إلَيْهِ ، بَطَلَ انْتِسَابُهُ أَيْضًا ؛ لِأَنَّهُ أَقْوَى ، فَبَطَلَ بِهِ الِانْتِسَابُ كَالْبَيِّنَةِ مَعَ قَوْلِ الْقَافَةِ .","part":12,"page":482},{"id":5982,"text":"( 4581 ) فَصْلٌ : وَإِنْ ادَّعَتْ امْرَأَتَانِ نَسَبَ وَلَدٍ ، فَذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلَى قَبُولِ دَعْوَاهُمَا ، فَإِنْ كَانَتَا مِمَّنْ لَا تُقْبَلُ دَعْوَاهُمَا ، لَمْ تُسْمَعْ دَعْوَاهُمَا .\rوَإِنْ كَانَتْ إحْدَاهُمَا مِمَّنْ تُسْمَعُ دَعْوَاهَا دُونَ الْأُخْرَى ، فَهُوَ ابْنُهَا ، كَالْمُنْفَرِدَةِ بِهِ .\rوَإِنْ كَانَتَا جَمِيعًا مِمَّنْ تُسْمَعُ دَعْوَتُهُمَا ، فَهُمَا فِي إثْبَاتِهِ بِالْبَيِّنَةِ أَوْ كَوْنِهِ يَرَى الْقَافَةَ مَعَ عَدَمِهَا كَالرَّجُلَيْنِ .\rقَالَ أَحْمَدُ ، فِي رِوَايَةِ بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، فِي يَهُودِيَّةٍ وَمُسْلِمَةٍ وَلَدَتَا ، فَادَّعَتْ الْيَهُودِيَّةُ وَلَدَ الْمُسْلِمَةِ ، فَتَوَقَّفَ ، فَقِيلَ : يُرَى الْقَافَة ؟ فَقَالَ : مَا أَحْسَنَهُ .\rوَلِأَنَّ الشَّبَه يُوجَدُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ ابْنِهَا ، كَوُجُودِهِ بَيْنَ الرَّجُلِ وَابْنِهِ ، بَلْ أَكْثَرَ ، لِاخْتِصَاصِهَا بِحَمْلِهِ وَتَغْذِيَتِهِ ، وَالْكَافِرَةُ وَالْمُسْلِمَةُ ، وَالْحُرَّةُ وَالْأَمَةُ ، فِي الدَّعْوَى وَاحِدَةٌ ، كَمَا قُلْنَا فِي الرَّجُلِ .\rوَهَذَا قَوْلُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ، عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يَقُولُونَ فِيهِ بِقَبُولِ دَعْوَاهَا .\rوَإِنْ أَلْحَقَتْهُ الْقَافَةُ بِأُمَّيْنِ ، لَمْ يُلْحَقْ بِهِمَا ، وَبَطَلَ قَوْلُ الْقَافَةِ ؛ لِأَنَّنَا نَعْلَمُ خَطَأَهُ يَقِينًا .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ : يُلْحَقُ بِهِمَا بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى ؛ لِأَنَّ الْأُمَّ أَحَدُ الْأَبَوَيْنِ ، فَجَازَ أَنْ يُلْحَقَ بِاثْنَيْنِ ، كَالْآبَاءِ .\rوَلَنَا أَنْ كَوْنَهُ مِنْهُمَا مُحَالٌ يَقِينًا .\rفَلَمْ يَجُزْ الْحُكْمُ بِهِ ، كَمَا لَوْ كَانَ أَكْبَرَ مِنْهُمَا أَوْ مِثْلَهُمَا ، وَفَارَقَ الرَّجُلَيْنِ ، فَإِنَّ كَوْنَهُ مِنْهُمَا مُمْكِنٌ ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ اجْتِمَاعُ النُّطْفَتَيْنِ لِرَجُلَيْنِ فِي رَحِمِ امْرَأَةٍ ، فَيُمْكِنُ أَنْ يُخْلَقَ مِنْهُمَا وَلَدٌ ، كَمَا يُخْلَقُ مِنْ نُطْفَةِ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ ؛ وَلِذَلِكَ قَالَ الْقَائِفُ لِعُمَرَ : قَدْ اشْتَرَكَا فِيهِ .\rوَلَا يَلْزَمُ مِنْ إلْحَاقِهِ بِمَنْ يُتَصَوَّرُ كَوْنُهُ مِنْهُ ، إلْحَاقُهُ بِمَنْ يَسْتَحِيلُ كَوْنُهُ مِنْهُ ، كَمَا لَمْ يَلْزَمْ مِنْ إلْحَاقِهِ بِمَنْ يُولَدُ مِثْلُهُ لِمِثْلِهِ","part":12,"page":483},{"id":5983,"text":"إلْحَاقُهُ بِأَصْغَرَ مِنْهُ .","part":12,"page":484},{"id":5984,"text":"فَصْلٌ : فَإِنْ ادَّعَى نَسَبَهُ رَجُلٌ وَامْرَأَةٌ ، فَلَا تَنَافِيَ بَيْنَهُمَا ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مِنْهُمَا بِنِكَاحٍ كَانَ بَيْنَهُمَا ، أَوْ وَطْءِ شُبْهَةٍ ، فَيُلْحَقَ بِهِمَا جَمِيعًا ، وَيَكُونَ ابْنَهُمَا بِمُجَرَّدِ دَعْوَاهُمَا ، كَمَا لَوْ انْفَرَدَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالدَّعْوَى .\rوَإِنْ قَالَ الرَّجُلُ : هَذَا ابْنِي مِنْ زَوْجَتِي .\rوَادَّعَتْ زَوْجَتُهُ ذَلِكَ ، وَادَّعَتْهُ امْرَأَةٌ أُخْرَى ، فَهُوَ ابْنُ الرَّجُلِ ، وَهَلْ تُرَجَّحُ زَوْجَتُهُ عَلَى الْأُخْرَى ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا تُرَجَّحُ ؛ لِأَنَّ زَوْجَهَا أَبُوهُ ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهَا أُمُّهُ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يَتَسَاوَيَا ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا لَوْ انْفَرَدَتْ ، لَأُلْحِقَ بِهَا ، فَإِذَا اجْتَمَعَتَا تَسَاوَتَا .","part":12,"page":485},{"id":5985,"text":"( 4583 ) فَصْلٌ : وَإِنْ وَلَدَتْ امْرَأَتَانِ ابْنًا وَبِنْتًا ، فَادَّعَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا أَنَّ الِابْنَ وَلَدُهَا دُونَ الْبِنْتِ ، احْتَمَلَ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنْ تَرَى الْمَرْأَتَيْنِ الْقَافَةُ مَعَ الْوَلَدَيْنِ ، فَيُلْحَقُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِمَنْ أَلْحَقَتْهُ بِهِ ، كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا وَلَدٌ آخَرُ .\rوَالثَّانِي أَنْ نَعْرِضَ لِبَنِيهِمَا عَلَى أَهْلِ الطِّبِّ وَالْمَعْرِفَةِ ، فَإِنَّ لَبَنَ الذَّكَرِ يُخَالِفُ لَبَنَ الْأُنْثَى فِي طَبْعِهِ وَزِنَتِهِ ، وَقَدْ قِيلَ : لَبَنُ الِابْنِ ثَقِيلٌ ، وَلَبَنُ الْبِنْتِ خَفِيفٌ ، فَيُعْتَبَرَانِ بِطَابَعِهِمَا وَوَزْنِهِمَا ، وَمَا يَخْتَلِفَانِ بِهِ عِنْدَ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ ، فَمَنْ كَانَ لَبَنُهَا لَبَنَ الِابْنِ ، فَهُوَ وَلَدُهَا ، وَالْبِنْتُ لِلْأُخْرَى .\rفَإِنْ لَمْ يُوجَدْ قَافَةٌ ، اعْتَبَرْنَا اللَّبَنَ خَاصَّةً .\rوَإِنْ تَنَازَعَا أَحَدَ الْوَلَدَيْنِ ، وَهُمَا جَمِيعًا ذَكَرَانِ أَوْ أُنْثَيَانِ ، عُرِضُوا عَلَى الْقَافَةِ .\rكَمَا ذَكَرْنَا فِيمَا تَقَدَّمَ .","part":12,"page":486},{"id":5986,"text":"( 4584 ) فَصْلٌ : وَلَوْ ادَّعَى اللَّقِيطَ رَجُلَانِ ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا : هُوَ ابْنِي .\rوَقَالَ الْآخَرُ : هُوَ ابْنَتِي .\rنَظَرْنَا ، فَإِنْ كَانَ ابْنًا فَهُوَ لِمُدَّعِيهِ ، وَإِنْ كَانَتْ بِنْتًا فَهِيَ لِمُدَّعِيهَا ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَا يَسْتَحِقُّ غَيْرَ مَا ادَّعَاهُ .\rوَإِنْ كَانَ خُنْثَى مُشْكِلًا ، أُرِيَ الْقَافَةَ مَعَهُمَا ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ قَوْلُ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَوْلَى مِنْ الْآخَرِ .\rوَإِنْ أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةً بِمَا ادَّعَاهُ ، فَالْحُكْمُ فِيهِمَا كَالْحُكْمِ فِيمَا لَوْ انْفَرَدَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالدَّعْوَى ؛ لِأَنَّ بَيِّنَةَ الْكَاذِبِ مِنْهُمَا كَاذِبَةٌ ، وُجُودُهَا كَعَدَمِهَا ، وَالْأُخْرَى صَادِقَةٌ ، فَيَتَعَيَّنُ الْحُكْمُ بِهَا .","part":12,"page":487},{"id":5987,"text":"( 4585 ) فَصْلٌ : وَإِذَا وَطِئَ رَجُلَانِ امْرَأَةً فِي طُهْرٍ وَاحِدٍ ، وَطْئًا يَلْحَقُ النَّسَبُ بِمِثْلِهِ ، فَأَتَتْ بِوَلَدٍ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مِنْهُمَا ، مِثْلَ أَنْ يَطَآ جَارِيَةً مُشْتَرَكَةً بَيْنَهُمَا فِي طُهْرٍ ، أَوْ يَطَأَ رَجُلٌ امْرَأَةَ آخَرَ أَوْ أَمَتَهُ بِشُبْهَةٍ ، فِي الطُّهْرِ الَّذِي وَطِئَهَا زَوْجُهَا أَوْ سَيِّدُهَا فِيهِ ، بِأَنْ يَجِدَهَا عَلَى فِرَاشِهِ ، فَيَظُنَّهَا زَوْجَتَهُ أَوْ أَمَتَهُ ، أَوْ يَدْعُوَ زَوْجَتَهُ فِي ظُلْمَةٍ ، فَتُجِيبَهُ زَوْجَةُ آخَرَ أَوْ جَارِيَتُهُ ، أَوْ يَتَزَوَّجَهَا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا تَزْوِيجًا فَاسِدًا ، أَوْ يَكُونَ نِكَاحُ أَحَدِهِمَا صَحِيحًا وَالْآخَرُ فَاسِدًا ، مِثْلُ أَنْ يُطَلِّقَ رَجُلٌ امْرَأَتَهُ فَيَنْكِحَهَا آخَرُ فِي عِدَّتِهَا وَوَطِئَهَا ، أَوْ يَبِيعَ جَارِيَةً فَيَطَؤُهَا الْمُشْتَرِي قَبْلَ اسْتِبْرَائِهَا ، وَتَأْتِي بِوَلَدٍ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مِنْهُمَا ، فَإِنَّهُ يُرَى الْقَافَةَ مَعَهُمَا ، فَبِأَيِّهِمَا أَلْحَقُوهُ لَحِقَ .\rوَالْخِلَافُ فِيهِ كَالْخِلَافِ فِي اللَّقِيطِ .","part":12,"page":488},{"id":5988,"text":"( 4586 ) فَصْلٌ : وَإِذَا ادَّعَى رِقَّ اللَّقِيطِ مُدَّعٍ ، سُمِعَتْ دَعْوَاهُ ؛ لِأَنَّهَا مُمْكِنَةٌ ، وَإِنْ كَانَتْ مُخَالِفَةً لِظَاهِرِ الدَّارِ ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ ، فَلَا شَيْءَ لَهُ ؛ لِأَنَّهَا دَعْوَى تُخَالِفُ الظَّاهِرَ ، وَيُفَارِقُ دَعْوَى النَّسَبِ مِنْ وَجْهَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، أَنَّ دَعْوَى النَّسَبِ لَا تُخَالِفُ الظَّاهِرَ ، وَدَعْوَى الرِّقِّ مُخَالِفَةٌ لَهُ .\rوَالثَّانِي ، أَنْ دَعْوَى النَّسَبِ نُثْبِتُ بِهَا حَقًّا لِلَّقِيطِ ، وَدَعْوَى الرِّقِّ تُثْبِتُ حَقًّا عَلَيْهِ ، فَلَمْ تُقْبَلْ بِمُجَرَّدِهَا ، كَمَا لَوْ ادَّعَى رِقَّ غَيْرِ اللَّقِيطِ .\rفَإِذَا لَمْ تَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ ، سَقَطَتْ الدَّعْوَى .\rوَإِنْ كَانَتْ لَهُ بَيِّنَةٌ ، لَمْ تَخْلُ إمَّا أَنْ تَشْهَدَ بِالْيَدِ أَوْ بِالْمِلْكِ أَوْ بِالْوِلَادَةِ ، فَإِنْ شَهِدَتْ بِالْمِلْكِ أَوْ بِالْيَدِ ، لَمْ تُقْبَلْ فِيهِ إلَّا شَهَادَةُ رَجُلَيْنِ ، أَوْ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ ، وَإِنْ شَهِدَتْ بِالْوِلَادَةِ ، قُبِلَ فِيهِ امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ أَوْ رَجُلٌ وَاحِدٌ ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ ، ثُمَّ نَنْظُرُ ؛ فَإِنْ شَهِدَتْ الْبَيِّنَةُ بِالْيَدِ ، فَإِنْ كَانَتْ لِلْمُلْتَقِطِ ، لَمْ يَثْبُتْ بِهَا مِلْكٌ ؛ لِأَنَّنَا عَرَفْنَا سَبَبَ يَدِهِ ، فَإِنْ كَانَتْ لِأَجْنَبِيٍّ ، حُكِمَ لَهُ بِالْيَدِ ، وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ فِي الْمِلْكِ ، وَإِنْ شَهِدَتْ بِالْمِلْكِ ، فَقَالَتْ : نَشْهَدُ أَنَّهُ عَبْدُهُ أَوْ مَمْلُوكُهُ .\rحُكِمَ بِهَا ، وَإِنْ لَمْ تَذْكُرْ سَبَبَ الْمِلْكِ ، كَمَا لَوْ شَهِدَتْ بِمِلْكِ دَارٍ أَوْ ثَوْبٍ .\rفَإِنْ شَهِدَتْ بِأَنَّ أَمَتَهُ وَلَدَتْهُ فِي مِلْكِهِ ، حُكِمَ لَهُ بِهِ ؛ لِأَنَّ أَمَتَهُ لَا تَلِدُ فِي مِلْكِهِ إلَّا مُلْكَهُ .\rوَإِنْ شَهِدَتْ أَنَّهُ ابْنُ أَمَتِهِ ، أَوْ أَنَّ أَمَتَهُ وَلَدَتْهُ ، وَلَمْ تَقُلْ : فِي مِلْكِهِ .\rاحْتَمَلَ أَنْ يَثْبُتَ لَهُ الْمِلْكُ بِذَلِكَ ، كَقَوْلِهَا فِي مِلْكِهِ ؛ لِأَنَّ أَمَتَهُ مِلْكُهُ ، فَنَمَاؤُهَا مِلْكُهُ ، كَسِمَنِهَا .\rوَاحْتَمَلَ أَنْ لَا يَثْبُتَ الْمِلْكُ ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ تَلِدَهُ قَبْلَ مِلْكِهِ لَهَا ، فَلَا تَكُونُ لَهُ وَهُوَ","part":12,"page":489},{"id":5989,"text":"ابْنُ أَمَتِهِ .","part":12,"page":490},{"id":5990,"text":"( 4587 ) فَصْلٌ : وَإِنْ ادَّعَى رِقَّ اللَّقِيطِ بَعْدَ بُلُوغِهِ مُدَّعٍ ، كُلِّفَ إجَابَتَهُ ، فَإِنْ أَنْكَرَ وَلَا بَيِّنَةَ لِلْمُدَّعِي ، لَمْ تُقْبَلْ دَعْوَاهُ ، وَإِنْ كَانَتْ لَهُ بَيِّنَةٌ ، حُكِمَ لَهُ بِهَا ، فَإِنْ كَانَ اللَّقِيطُ قَدْ تَصَرَّفَ قِبَلِ ذَلِكَ بِبَيْعٍ أَوْ شِرَاءٍ ، نُقِضَتْ تَصَرُّفَاتُهُ ؛ لِأَنَّهُ بَانَ أَنَّهُ تَصَرَّفَ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ ، فَأَقَرَّ بِالرِّقِّ ، نَظَرْنَا ؛ فَإِنْ كَانَ اعْتَرَفَ لِنَفْسِهِ بِالْحُرِّيَّةِ قَبْلَ ذَلِكَ ، لَمْ يُقْبَلُ إقْرَارُهُ بِالرِّقِّ ، لِأَنَّهُ اعْتَرَفَ بِالْحُرِّيَّةِ ، وَهِيَ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى ، فَلَا يُقْبَلُ رُجُوعُهُ فِي إبْطَالِهَا ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ اعْتَرَفَ بِالْحُرِّيَّةِ ، احْتَمَلَ وَجْهَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، يُقْبَلُ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ ؛ لِأَنَّهُ مَجْهُولُ الْحَالِ ، أَقَرَّ بِالرِّقِّ ، فَيُقْبَلُ ، كَمَا لَوْ قَدِمَ رَجُلَانِ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ ، فَأَقَرَّ أَحَدُهُمَا لِلْآخَرِ بِالرِّقِّ .\rوَكَمَا لَوْ أَقَرَّ بِقِصَاصٍ أَوْ حَدٍّ ، فَإِنَّهُ يُقْبَلُ وَإِنْ تَضَمَّنَ ذَلِكَ فَوَاتَ نَفْسِهِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يُقْبَلَ ، وَهُوَ الصَّحِيحُ ؛ لِأَنَّهُ يَبْطُلُ بِهِ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْحُرِّيَّةِ الْمَحْكُومِ بِهَا ، فَلَمْ يَصِحَّ ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ قَبْلَ ذَلِكَ بِالْحُرِّيَّةِ ، وَلِأَنَّهُ مَحْكُومٌ بِحُرِّيَّتِهِ ، فَلَمْ يُقْبَلْ إقْرَارُهُ بِالرِّقِّ ، كَمَا ذَكَرْنَا ، وَلِأَنَّ الطِّفْلَ الْمَنْبُوذَ لَا يَعْلَمُ رِقَّ نَفْسِهِ ، وَلَا حُرِّيَّتَهَا ، وَلَمْ يَتَجَدَّدْ لَهُ حَالٌ يَعْرِفُ بِهِ رِقَّ نَفْسِهِ ؛ لِأَنَّهُ فِي تِلْكَ الْحَالِ مِمَّنْ لَا يَعْقِلُ ، وَلَمْ يَتَجَدَّدْ لَهُ رِقٌّ بَعْدَ الْتِقَاطِهِ ، فَكَانَ إقْرَارُهُ بَاطِلًا .\rوَهَذَا قَوْلُ الْقَاسِمِ ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ .\rوَلِلشَّافِعِي وَجْهَانِ كَمَا ذَكَرْنَا .\rفَإِنْ قُلْنَا : يُقْبَلُ إقْرَارُهُ .\rصَارَتْ أَحْكَامُهُ أَحْكَامَ الْعَبِيدِ فِيمَا عَلَيْهِ دُونَ مَالَهُ .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالْمُزَنِيُّ ، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِمَا يُوجِبُ حَقًّا لَهُ","part":12,"page":491},{"id":5991,"text":"وَحَقًّا عَلَيْهِ ، فَوَجَبَ أَنْ يُثْبِتَ مَا عَلَيْهِ دُونَ مَا لَهُ ، كَمَا لَوْ قَالَ : لِفُلَانٍ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ ، وَلِي عِنْدَهُ رَهْنٌ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقْبَلَ إقْرَارُهُ فِي الْجَمِيعِ .\rوَهُوَ الْقَوْلُ الثَّانِي لِلشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ مَا عَلَيْهِ ، فَيَثْبُتُ مَا لَهُ ، كَالْبَيِّنَةِ ، وَلِأَنَّ هَذِهِ الْأَحْكَامَ تَبَعٌ لِلرِّقِّ ، فَإِذَا ثَبَتَ الْأَصْلُ بِقَوْلِهِ ، ثَبَتَ التَّبَعُ ، كَمَا لَوْ شَهِدَتْ امْرَأَةٌ بِالْوِلَادَةِ ، تَثْبُتُ وَيَثْبُتُ النَّسَبُ تَبَعًا لَهَا .\rوَأَمَّا إنْ أَقَرَّ بِالرِّقِّ ابْتِدَاءً لِرَجُلٍ ، فَصَدَّقَهُ ، فَهُوَ كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِهِ جَوَابًا .\rوَإِنْ كَذَّبَهُ ؛ بَطَلَ إقْرَارُهُ .\rثُمَّ إنْ أَقَرَّ بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ لِرَجُلٍ آخَرَ ، جَازَ .\rوَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا : يَتَوَجَّهُ أَنْ لَا يُسْمَعَ إقْرَارُهُ الثَّانِي ؛ لِأَنَّ إقْرَارَهُ الْأَوَّلَ تَضَمَّنَ الِاعْتِرَافَ بِنَفْيِ مَالِكٍ لَهُ سِوَى هَذَا الْمُقِرِّ ، فَإِذَا بَطَلَ إقْرَارُهُ بِرَدِّ الْمُقِرِّ لَهُ ، بَقِيَ الِاعْتِرَافُ بِنَفْيِ مَالِكٍ لَهُ غَيْرِهِ ، فَلَمْ يُقْبَلْ إقْرَارُهُ بِمَا نَفَاهُ ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِالْحُرِّيَّةِ ثُمَّ أَقَرَّ بَعْدَ ذَلِكَ بِالرِّقِّ .\rوَلَنَا أَنَّهُ إقْرَارٌ لَمْ يَقْبَلْهُ الْمُقِرُّ لَهُ ، فَلَمْ يَمْنَعْ إقْرَارَهُ ثَانِيًا ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ لَهُ بِثَوْبٍ ثُمَّ أَقَرَّ بِهِ لِآخَرَ بَعْدَ رَدِّ الْأَوَّلِ .\rوَفَارَقَ الْإِقْرَارَ بِالْحُرِّيَّةِ ، فَإِنَّ إقْرَارَهُ بِهَا لَمْ يَبْطُلْ وَلَمْ يُرَدَّ .","part":12,"page":492},{"id":5992,"text":"( 4588 ) فَصْلٌ : إذَا قَبِلْنَا إقْرَارَهُ بِالرِّقِّ بَعْدَ نِكَاحِهِ ، لَمْ يَخْلُ مِنْ أَنْ يَكُونَ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى ، فَإِنْ كَانَ ذَكَرًا ، فَإِنْ كَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ ، فَسَدَ نِكَاحُهُ فِي حَقِّهِ ؛ لِأَنَّهُ مُقِرٌّ أَنَّهُ عَبْدٌ تَزَوَّجَ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ ، وَلَهَا عَلَيْهِ نِصْفُ الْمَهْرِ ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ عَلَيْهِ ، فَلَمْ يَسْقُطْ بِقَوْلِهِ ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الدُّخُولِ ، فَسَدَ نِكَاحُهُ أَيْضًا ، وَلَهَا عَلَيْهِ الْمَهْرُ جَمِيعُهُ ، لِمَا ذَكَرْنَا ؛ لِأَنَّ الزَّوْجَ يَمْلِكُ الطَّلَاقَ .\rفَإِذَا أَقَرَّ بِمَا يُوجِبُ الْفُرْقَةَ ، لَزِمَتْهُ ، وَوَلَدُهُ حُرٌّ تَابِعٌ لِأُمِّهِ .\rوَإِنْ كَانَ مُتَزَوِّجًا بِأَمَةٍ ، فَوَلَدُهُ لِسَيِّدِهَا ، وَيَتَعَلَّقُ الْمَهْرُ بِرَقَبَتِهِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ جِنَايَاتِهِ ، وَيَفْدِيه سَيِّدُهُ أَوْ يُسَلِّمُهُ .\rوَإِنْ كَانَ فِي يَدِهِ كَسْبٌ ، اسْتَوْفَى الْمَهْرَ مِنْهُ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ إقْرَارُهُ بِهِ لِسَيِّدِهِ بِالنِّسْبَةِ إلَى امْرَأَتِهِ ، فَلَا يَنْقَطِعُ حَقُّهَا مِنْهُ بِإِقْرَارِهِ .\rوَإِنْ قُلْنَا : يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي جَمِيعِ الْأَحْكَامِ ، فَالنِّكَاحُ فَاسِدٌ ؛ لِكَوْنِهِ تَزَوَّجَ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ ، وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا ، وَلَا مَهْرَ لَهَا عَلَيْهِ إنْ لَمْ تَكُنْ مَدْخُولًا بِهَا ، وَإِنْ كَانَ دَخَلَ بِهَا ، فَلَهَا عَلَيْهِ الْمَهْرُ الْمُسَمَّى جَمِيعُهُ ، فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ ، وَالْأُخْرَى خُمُسَاهُ .\rوَإِنْ كَانَ اللَّقِيطُ أُنْثَى ، فَالنِّكَاحُ صَحِيحٌ فِي حَقِّهِ .\rوَإِنْ كَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ ، فَلَا مَهْرَ لَهَا ؛ لِإِقْرَارِهَا بِفَسَادِ نِكَاحِهَا ، وَأَنَّهَا أَمَةٌ تَزَوَّجَتْ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهَا ، وَالنِّكَاحُ الْفَاسِدُ لَا يَجِبُ الْمَهْرُ فِيهِ إلَّا بِالدُّخُولِ .\rوَإِنْ كَانَ دَخَلَ بِهَا ، لَمْ يَسْقُطْ مَهْرُهَا ، وَلِسَيِّدِهَا الْأَقَلُّ مِنْ الْمُسَمَّى أَوْ مَهْرُ الْمِثْلِ ؛ لِأَنَّ الْمُسَمَّى إنْ كَانَ أَقَلَّ ، فَالزَّوْجُ يُنْكِرُ وُجُوبَ الزِّيَادَةِ عَلَيْهِ ، وَقَوْلُهَا غَيْرُ مَقْبُولٍ فِي حَقِّهِ ، وَإِنْ كَانَ الْأَقَلُّ مَهْرَ الْمِثْلِ ، فَهِيَ وَسَيِّدُهَا يُقِرَّانِ بِفَسَادِ النِّكَاحِ","part":12,"page":493},{"id":5993,"text":"، وَأَنَّ الْوَاجِبَ مَهْرُ الْمِثْلِ ، فَلَا يَجِبُ أَكْثَرُ مِنْهُ ، إلَّا عَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي يَجِبُ فِيهَا الْمُسَمَّى فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ ، فَيَجِبُ هَا هُنَا الْمُسَمَّى ، قَلَّ أَوْ كَثُرَ ، لِاعْتِرَافِ الزَّوْجِ بِوُجُوبِهِ .\rوَأَمَّا الْأَوْلَادُ ، فَأَحْرَارٌ ، وَلَا تَجِبُ قِيمَتُهُمْ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ وَجَبَ لَوَجَبَ بِقَوْلِهَا ، وَلَا يَجِبُ بِقَوْلِهَا حَقٌّ عَلَى غَيْرِهَا ، وَلَا يَثْبُتُ الرِّقُّ فِي حَقِّ أَوْلَادِهَا بِإِقْرَارِهَا .\rفَأَمَّا بَقَاءُ النِّكَاحِ ، فَيُقَالُ لِلزَّوْجِ : قَدْ ثَبَتَ أَنَّهَا أَمَةٌ ، وَلَدُهَا رَقِيقٌ لِسَيِّدِهَا ، فَإِنْ اخْتَرْت الْمُقَامَ عَلَى ذَلِكَ فَأَقِمْ ، وَإِنْ شِئْت فَفَارِقْهَا .\rوَسَوَاءٌ كَانَ مِمَّنْ يَجُوزُ لَهُ نِكَاحُ الْإِمَاءِ أَوْ لَمْ يَكُنْ ؛ لِأَنَّنَا لَوْ اعْتَبَرْنَا ذَلِكَ ، وَأَفْسَدْنَا نِكَاحَهُ ، لَكَانَ إفْسَادًا لِلْعَقْدِ جَمِيعِهِ بِقَوْلِهَا ؛ لِأَنَّ شُرُوطَ نِكَاحِ الْأَمَةِ لَا تُعْتَبَرُ فِي اسْتِدَامَةِ الْعَقْدِ ، إنَّمَا تُعْتَبَرُ فِي ابْتِدَائِهِ .\rفَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ قَبِلْتُمْ قَوْلَهَا فِي أَنَّهَا أَمَةٌ فِي الْمُسْتَقْبَلِ ، وَفِيهِ ضَرَرٌ عَلَى الزَّوْجِ .\rقُلْنَا : لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهَا فِي إيجَابِ حَقٍّ لَمْ يَدْخُلْ فِي الْعَقْدِ عَلَيْهِ ، فَأَمَّا الْحُكْمُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ ، فَيُمْكِنُ إيفَاءُ حَقِّهِ وَحَقِّ مَنْ ثَبَتَ لَهُ الرِّقُّ عَلَيْهَا ، بِأَنْ يُطَلِّقَهَا ، فَلَا يَلْزَمُهُ مَا لَمْ يَدْخُلْ عَلَيْهِ ، أَوْ يُقِيمُ عَلَى نِكَاحِهَا ، فَلَا يَسْقُطُ حَقُّ سَيِّدِهَا .\rفَإِنْ طَلَّقَهَا اعْتَدَّتْ عِدَّةَ الْحُرَّةِ ؛ لِأَنَّ عِدَّةَ الطَّلَاقِ حَقٌّ لِلزَّوْجِ ، بِدَلِيلِ أَنَّهَا لَا تَجِبُ إلَّا بِالدُّخُولِ ، وَسَبَبُهَا النِّكَاحُ السَّابِقُ ، فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهَا فِي تَنْقِيصِهَا .\rوَإِنْ مَاتَ ، اعْتَدَّتْ عِدَّةَ الْأَمَةِ ؛ لِأَنَّ الْمُغَلَّبَ فِيهَا حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى ، بِدَلِيلِ وُجُوبِهَا قَبْلَ الدُّخُولِ ، فَقُبِلَ قَوْلُهَا فِيهَا .\rوَمَنْ قَالَ بِقَبُولِ قَوْلِهَا فِي جَمِيعِ الْأَحْكَامِ ، فَهَذِهِ أَمَةٌ قَدْ تَزَوَّجَتْ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهَا ، فَنِكَاحُهَا فَاسِدٌ ، وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا .","part":12,"page":494},{"id":5994,"text":"وَإِنْ كَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ ، فَلَا مَهْرَ لَهَا .\rوَإِنْ كَانَ دَخَلَ بِهَا ، وَجَبَ لَهَا مَهْرُ أَمَةٍ نُكِحَتْ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهَا ، عَلَى مَا ذُكِرَ فِي مَوْضِعِهِ .\rوَهَلْ ذَلِكَ مَهْرُ الْمِثْلِ ، أَوْ الْمُسَمَّى ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ .\rوَتَعْتَدُّ حَيْضَتَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ وَطْءٌ فِي نِكَاحٍ فَاسِدٍ ، وَأَوْلَادُهُ أَحْرَارٌ ؛ لِاعْتِقَادِهِ حُرِّيَّتَهَا ، فَإِنَّهُ مَغْرُورٌ بِحُرِّيَّتِهَا ، وَعَلَيْهِ قِيمَتُهُمْ يَوْمَ الْوَضْعِ .\rوَإِنْ مَاتَ عَنْهَا ، لَمْ تَجِبْ عِدَّةُ الْوَفَاةِ .","part":12,"page":495},{"id":5995,"text":"( 4589 ) فَصْلٌ : وَإِنْ كَانَ قَدْ تَصَرَّفَ بِبَيْعٍ أَوْ شِرَاءٍ ، فَتَصَرُّفُهُ صَحِيحٌ ، وَمَا عَلَيْهِ مِنْ الْحُقُوقِ وَالْأَثْمَانِ يُؤَدَّى مِمَّا فِي يَدَيْهِ ، وَمَا فَضَلَ عَلَيْهِ فَفِي ذِمَّتِهِ ؛ لِأَنَّ مُعَامِلَهُ لَا يَعْتَرِفُ بِرِقِّهِ .\rوَمَنْ قَالَ بِقَبُولِ إقْرَارِهِ فِي جَمِيعِ الْأَحْكَامِ ، قَالَ بِفَسَادِ عُقُودِهِ كُلِّهَا ، وَأَوْجَبَ رَدَّ الْأَعْيَانِ إلَى أَرْبَابِهَا إنْ كَانَتْ بَاقِيَةً ، وَإِنْ كَانَتْ تَالِفَةً ، وَجَبَتْ قِيمَتُهَا فِي رَقَبَتِهِ ، إنْ قُلْنَا : إنَّ مَا اسْتَدَانَ الْعَبْدُ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ فَهُوَ فِي رَقَبَتِهِ .\rوَإِنْ قُلْنَا بِأَنَّ اسْتِدَانَةَ الْعَبْدِ فِي ذِمَّتِهِ ، فَهَذَا كَذَلِكَ ، وَيَتْبَعُ بِهِ بَعْدَ الْعِتْقِ ؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ رِضَى صَاحِبِهِ .","part":12,"page":496},{"id":5996,"text":"( 4590 ) فَصْلٌ : وَإِنْ كَانَ قَدْ جَنَى جِنَايَةً مُوجِبَةً لِلْقِصَاصِ ، فَعَلَيْهِ الْقَوَدُ ، حُرًّا كَانَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ أَوْ عَبْدًا ؛ لِأَنَّ إقْرَارَهُ بِالرِّقِّ يَقْتَضِي وُجُوبَ الْقَوَدِ عَلَيْهِ فِيمَا إذَا كَانَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ عَبْدًا أَوْ حُرًّا ، فَقُبِلَ إقْرَارُهُ فِيهِ .\rوَإِنْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ خَطَأً ، تَعَلَّقَ أَرْشُهَا بِرَقَبَتِهِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مُضِرٌّ بِهِ .\rفَإِنْ كَانَ أَرْشُهَا أَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ ، وَكَانَ فِي يَدِهِ مَالٌ ، اُسْتُوْفِيَ مِنْهُ ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ ، لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ فِي إسْقَاطِ الزِّيَادَةِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَضُرُّ بِالْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ ، فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِيهِ .\rوَقِيلَ : تَجِبُ الزِّيَادَةُ فِي بَيْتِ الْمَالِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ وَاجِبًا لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ ، فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي إسْقَاطِهِ .\rوَإِنْ جُنِيَ عَلَيْهِ جِنَايَةٌ مُوجِبَةٌ لِلْقَوَدِ ، وَكَانَ الْجَانِي حُرًّا ، سَقَطَ ؛ لِأَنَّ الْحُرَّ لَا يُقَادُ مِنْهُ لِلْعَبْدِ ، وَقَدْ أَقَرَّ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ بِمَا يُسْقِطُ الْقِصَاصَ .\rوَإِنْ كَانَتْ مُوجِبَةً لِمَالٍ يَقِلُّ بِالرِّقِّ ، وَجَبَ أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ .\rوَإِنْ كَانَ مُسَاوِيًا لِلْوَاجِبِ قَبْلَ الْإِقْرَارِ ، وَجَبَ ، وَيَدْفَعُ الْوَاجِبَ إلَى سَيِّدِهِ .\rوَإِنْ كَانَ الْوَاجِبُ يَكْثُرُ لِكَوْنِ قِيمَتِهِ عَبْدًا أَكْثَرَ مِنْ دِيَتِهِ حُرًّا ، لَمْ يَجِبْ إلَّا أَرْشُ الْجِنَايَةِ عَلَى الْحُرِّ .\rوَمَنْ قَبِلَ قَوْلَهُ فِي الْأَحْكَامِ كُلِّهَا ، أَوْجَبَ أَرْشَ الْجِنَايَةِ عَلَى الْعَبْدِ .\rوَإِنْ كَانَ الْأَرْشُ تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ إذَا كَانَ حُرًّا ، سَقَطَ عَنْ الْعَاقِلَةِ ، وَلَمْ يَجِبْ عَلَى الْجَانِي ؛ لِأَنَّ إقْرَارَهُ بِالرِّقِّ يَتَضَمَّنُ إقْرَارَهُ بِالسُّقُوطِ عَنْ الْعَاقِلَةِ ، وَلَمْ يُقْبَلْ فِي إيجَابِهِ عَلَى الْجَانِي ، فَسَقَطَ .\rوَقِيلَ : لَا يَتَحَوَّلُ عَنْ الْعَاقِلَةِ .\rوَمَنْ قَالَ : لَا يُقْبَلُ إقْرَارُهُ فِي الْأَحْكَامِ كُلِّهَا .\rأَوْجَبَ الْأَرْشَ عَلَى الْجَانِي .","part":12,"page":497},{"id":5997,"text":"كِتَابُ الْوَصَايَا الْوَصَايَا جَمْعُ وَصِيَّةٍ ، مِثْلُ الْعَطَايَا جَمْعُ عَطِيَّةٍ .\rوَالْوَصِيَّةُ بِالْمَالِ هِيَ التَّبَرُّعُ بِهِ بَعْدَ الْمَوْتِ .\rوَالْأَصْلُ فِيهَا الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ ؛ أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى : { كُتِبَ عَلَيْكُمْ إذَا حَضَرَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ إنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ } .\rوَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى { : مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ } وَأَمَّا السُّنَّةُ فَرَوَى سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ ، قَالَ { : جَاءَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعُودُنِي عَامَ حِجَّةِ الْوَدَاعِ ، مِنْ وَجَعٍ اشْتَدَّ بِي ، فَقُلْت : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَدْ بَلَغَ بِي مِنْ الْوَجَعِ مَا تَرَى ، وَأَنَا ذُو مَالٍ ، وَلَا يَرِثُنِي إلَّا ابْنَةٌ ، أَفَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثَيْ مَالِي ؟ قَالَ : لَا .\rقُلْت : فَبِالشَّطْرِ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : لَا .\rقُلْت : فَبِالثُّلُثِ ؟ قَالَ : الثُّلُثُ ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ ، إنَّك أَنْ تَذَرَ وَرَثَتَك أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَدَعَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ } .\rوَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ إلَّا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا .\rوَرَوَى أَبُو أُمَامَةَ ، قَالَ : سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : { إنَّ اللَّهَ قَدْ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ ، فَلَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ } .\rرَوَاهُ سَعِيدٌ ، وَأَبُو دَاوُد ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَقَالَ : حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ، وَعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : { إنَّكُمْ تَقْرَءُونَ هَذِهِ الْآيَةَ : { مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ } .\rوَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى أَنَّ الدَّيْنَ قَبْلَ الْوَصِيَّةِ } .\rرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ .\rوَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ فِي جَمِيعِ الْأَمْصَارِ وَالْأَعْصَارِ عَلَى جَوَازِ الْوَصِيَّةِ .","part":12,"page":498},{"id":5998,"text":"( 4591 ) فَصْل : وَلَا تَجِبُ الْوَصِيَّةُ إلَّا عَلَى مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ ، أَوْ عِنْدَهُ وَدِيعَةٌ ، أَوْ عَلَيْهِ وَاجِبٌ يُوصِي بِالْخُرُوجِ مِنْهُ ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى فَرَضَ أَدَاءَ الْأَمَانَاتِ ، وَطَرِيقُهُ فِي هَذَا الْبَابِ الْوَصِيَّةُ ، فَتَكُونُ مَفْرُوضَةً عَلَيْهِ ، فَأَمَّا الْوَصِيَّةُ بِجُزْءٍ مِنْ مَالِهِ ، فَلَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ عَلَى أَحَدٍ ، فِي قَوْلِ الْجُمْهُورِ .\rوَبِذَلِكَ قَالَ الشَّعْبِيُّ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ، وَغَيْرُهُمْ .\rوَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْوَصِيَّةَ غَيْرُ وَاجِبَةٍ ، إلَّا عَلَى مَنْ عَلَيْهِ حُقُوقٌ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ ، وَأَمَانَةٌ بِغَيْرِ إشْهَادٍ ، إلَّا طَائِفَةً شَذَّتْ فَأَوْجَبَتْهَا .\rرُوِيَ عَنْ الزُّهْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ : جَعَلَ اللَّهُ الْوَصِيَّةَ حَقًّا مِمَّا قَلَّ أَوْ كَثُرَ وَقِيلَ لِأَبِي مِجْلَزٍ : عَلَى كُلِّ مَيِّتٍ وَصِيَّةٌ ؟ قَالَ : إنْ تَرَكَ خَيْرًا .\rوَقَالَ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ : هِيَ وَاجِبَةٌ لِلْأَقْرَبِينَ الَّذِينَ لَا يَرِثُونَ .\rوَهُوَ قَوْلُ دَاوُد .\rوَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ مَسْرُوقٍ ، وَطَاوُسٍ ، وَإِيَاسٍ ، وَقَتَادَةَ ، وَابْنِ جَرِيرٍ .\rوَاحْتَجُّوا بِالْآيَةِ ، وَخَبَرِ ابْنِ عُمَرَ ، وَقَالُوا : نَسَخَتْ الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ الْوَارِثِينَ ، وَبَقِيَتْ فِيمَنْ لَا يَرِثُ مِنْ الْأَقْرَبِينَ .\rوَلَنَا ، أَنَّ أَكْثَرَ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُنْقَلْ عَنْهُمْ وَصِيَّةٌ ، وَلَمْ يُنْقَلْ لِذَلِكَ نَكِيرٌ ، وَلَوْ كَانَتْ وَاجِبَةً لَمْ يُخِلُّوا بِذَلِكَ ، وَلَنُقِلَ عَنْهُمْ نَقْلًا ظَاهِرًا ، وَلِأَنَّهَا عَطِيَّةٌ لَا تَجِبُ فِي الْحَيَاةِ ، فَلَا تَجِبُ بَعْدَ الْمَوْتِ كَعَطِيَّةِ الْأَجَانِبِ .\rفَأَمَّا الْآيَةُ ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : نَسَخَهَا قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ { : لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ } ( 4 ) وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ : نَسَخَتْهَا آيَةُ الْمِيرَاثِ .\rوَبِهِ قَالَ عِكْرِمَةُ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ .\rوَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ مِمَّنْ","part":12,"page":499},{"id":5999,"text":"يَرَى نَسْخَ الْقُرْآنِ بِالسُّنَّةِ ، إلَى أَنَّهَا نُسِخَتْ بُقُولِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إنَّ اللَّهَ قَدْ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ ، فَلَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ } .\rوَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ عَلَيْهِ وَاجِبٌ ، أَوْ عِنْدَهُ وَدِيعَةٌ .","part":12,"page":500},{"id":6000,"text":"( 4592 ) فَصْلٌ : وَتُسْتَحَبُّ الْوَصِيَّةُ بِجُزْءٍ مِنْ الْمَالِ لِمَنْ تَرَكَ خَيْرًا ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ { : كُتِبَ عَلَيْكُمْ إذَا حَضَرَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ إنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ } .\rفَنُسِخَ الْوُجُوبُ ، وَبَقِيَ الِاسْتِحْبَابُ فِي حَقِّ مَنْ لَا يَرِثُ وَقَدْ رَوَى ابْنُ عُمَرَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : يَا ابْنَ آدَمَ ، جَعَلْت لَكَ نَصِيبًا مِنْ مَالِكِ حِينَ أَخَذْت بِكَظْمِك ، لِأُطَهِّركَ وَأُزَكِّيَكَ } .\rوَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : إنَّ اللَّهَ تَصَدَّقَ عَلَيْكُمْ عِنْدَ وَفَاتِكُمْ بِثُلُثِ أَمْوَالِكُمْ } .\rرَوَاهُمَا ابْنُ مَاجَهْ .\rوَقَالَ الشَّعْبِيُّ : مَنْ أَوْصَى بِوَصِيَّةٍ ، فَلَمْ يَجُرْ ، وَلَمْ يَحُفَّ ، كَانَ لَهُ مِنْ الْأَجْرِ مِثْلُ مَا لَوْ أَعْطَاهَا وَهُوَ صَحِيحٌ .\rوَأَمَّا الْفَقِيرُ الَّذِي لَهُ وَرَثَةٌ مُحْتَاجُونَ ، فَلَا يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يُوصِيَ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ قَالَ فِي الْوَصِيَّةِ { : إنْ تَرَكَ خَيْرًا } { .\rوَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِسَعْدٍ : إنَّك أَنْ تَدَعَ وَرَثَتَك أَغْنِيَاءَ ، خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَدَعَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ } .\rوَقَالَ { : ابْدَأْ بِنَفْسِك ، ثُمَّ بِمَنْ تَعُولُ } .\rوَقَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِرَجُلٍ أَرَادَ أَنْ يُوصِيَ : إنَّك لَنْ تَدَعَ طَائِلًا ، إنَّمَا تَرَكْت شَيْئًا يَسِيرًا ، فَدَعْهُ لِوَرَثَتِكَ .\rوَعَنْهُ : أَرْبَعُمِائَةِ دِينَارٍ لَيْسَ فِيهَا فَضْلٌ عَنْ الْوَرَثَةِ .\rوَرُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ رَجُلًا قَالَ لَهَا : لِي ثَلَاثَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ ، وَأَرْبَعَةُ أَوْلَادٍ ، أَفَأُوصِي ؟ فَقَالَتْ : اجْعَلْ الثَّلَاثَةَ لِلْأَرْبَعَةِ .\rوَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : مَنْ تَرَكَ سَبْعَمِائَةِ دِرْهَمٍ لَيْسَ عَلَيْهِ وَصِيَّةٌ .\rوَقَالَ عُرْوَةُ : دَخَلَ عَلِيٌّ عَلَى صَدِيقٍ لَهُ يَعُودُهُ ، فَقَالَ الرَّجُلُ : إنِّي أُرِيدُ أَنْ أُوصِيَ .\rفَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ : إنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ { : إنْ تَرَكَ خَيْرًا } ، وَإِنَّك إنَّمَا تَدَعُ شَيْئًا يَسِيرًا ،","part":13,"page":1},{"id":6001,"text":"فَدَعْهُ لِوَرَثَتِكَ .\rوَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي الْقَدْرِ الَّذِي لَا تُسْتَحَبُّ لِمَالِكِهِ ، فَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ : إذَا تَرَكَ دُونَ الْأَلْفِ لَا تُسْتَحَبُّ الْوَصِيَّةُ .\rوَعَنْ عَلِيٍّ ، أَرْبَعمِائَةِ دِينَارٍ .\rوَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : إذَا تَرَكَ الْمَيِّتُ سَبْعَمِائَةِ دِرْهَمٍ ، فَلَا يُوصِي .\rوَقَالَ : مَنْ تَرَكَ سِتِّينَ دِينَارًا ، مَا تَرَكَ خَيْرًا .\rوَقَالَ طَاوُسٌ : الْخَيْرُ ثَمَانُونَ دِينَارًا .\rوَقَالَ النَّخَعِيُّ : أَلْفٌ وَخَمْسُمِائَةٍ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : الْقَلِيلُ أَنْ يُصِيبَ أَقَلُّ الْوَرَثَةِ سَهْمًا خَمْسُونَ دِرْهَمًا .\rوَاَلَّذِي يَقْوَى عِنْدِي ، أَنَّهُ مَتَى كَانَ الْمَتْرُوكُ لَا يَفْضُلُ عَنْ غِنَى الْوَرَثَةِ ، فَلَا تُسْتَحَبُّ الْوَصِيَّةُ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَّلَ الْمَنْعَ مِنْ الْوَصِيَّةِ بِقَوْلِهِ { : أَنْ تَتْرُكَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ ، خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَدَعَهُمْ عَالَةً } .\rوَلِأَنَّ إعْطَاءَ الْقَرِيبِ الْمُحْتَاجِ خَيْرٌ مِنْ إعْطَاءِ الْأَجْنَبِيِّ ، فَمَتَى لَمْ يَبْلُغْ الْمِيرَاثُ غِنَاهُمْ ، كَانَ تَرْكُهُ لَهُمْ كَعَطِيَّتِهِمْ إيَّاهُ ، فَيَكُونُ ذَلِكَ أَفْضَلَ مِنْ الْوَصِيَّةِ بِهِ لِغَيْرِهِمْ ، فَعِنْدَ هَذَا يَخْتَلِفُ الْحَالُ بِاخْتِلَافِ الْوَرَثَةِ فِي كَثْرَتِهِمْ وَقِلَّتِهِمْ ، وَغِنَاهُمْ وَحَاجَتِهِمْ ، فَلَا يَتَقَيَّدُ بِقَدْرٍ مِنْ الْمَالِ .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .\rوَقَدْ قَالَ الشَّعْبِيُّ : مَا مِنْ مَالٍ أَعْظَمُ أَجْرًا ، مِنْ مَالٍ يَتْرُكُهُ الرَّجُلُ لِوَلَدِهِ ، يُغْنِيهِمْ بِهِ عَنْ النَّاسِ .","part":13,"page":2},{"id":6002,"text":"( 4593 ) فَصْلٌ : وَالْأَوْلَى أَنْ لَا يَسْتَوْعِبَ الثُّلُثَ بِالْوَصِيَّةِ وَإِنْ كَانَ غَنِيًّا ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ } .\rقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : { لَوْ أَنَّ النَّاسَ غَضُّوا مِنْ الثُّلُثِ ، فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : الثُّلُثُ كَثِيرٌ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَقَالَ الْقَاضِي ، وَأَبُو الْخَطَّابِ : إنْ كَانَ غَنِيًّا اُسْتُحِبَّ الْوَصِيَّةُ بِالثُّلُثِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِسَعْدٍ { : وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ } .\rمَعَ إخْبَارِهِ إيَّاهُ بِكَثْرَةِ مَالِهِ ، وَقِلَّةِ عِيَالِهِ ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي الْحَدِيثِ : \" إنَّ لِي مَالًا كَثِيرًا ، وَلَا يَرِثُنِي إلَّا ابْنَتِي \" .\rوَرَوَى سَعِيدٌ ثنا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، ثنا عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ ، عَنْ سَعْدِ بْنِ مَالِكٍ ، قَالَ : { مَرِضْت مَرَضًا ، فَعَادَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لِي : أَوْصَيْت ؟ .\rفَقُلْت : نَعَمْ .\rأَوْصَيْت بِمَالِي كُلِّهِ لِلْفُقَرَاءِ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ .\rفَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَوْصِ بِالْعُشْرِ .\rفَقُلْت : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنَّ مَالِيَ كَثِيرٌ .\rوَوَرَثَتِي أَغْنِيَاءُ .\rفَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُنَاقِصُنِي وَأُنَاقِصُهُ ، حَتَّى قَالَ : أَوْصِ بِالثُّلُثِ ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ } .\rوَقَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ : لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنَّا يَبْلُغُ فِي وَصِيَّتِهِ الثُّلُثَ حَتَّى يَنْقُصَ مِنْهُ شَيْئًا ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الثُّلُثُ ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ } .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَالْأَفْضَلُ لِلْغَنِيِّ الْوَصِيَّةُ بِالْخُمُسِ .\rوَنَحْوَ هَذَا يُرْوَى عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ، وَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا .\rوَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ السَّلَفِ ، وَعُلَمَاءِ أَهْلِ الْبَصْرَةِ .\rوَيُرْوَى عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ جَاءَهُ شَيْخٌ ، فَقَالَ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، أَنَا شَيْخٌ","part":13,"page":3},{"id":6003,"text":"كَبِيرٌ ، وَمَالِي كَثِيرٌ ، وَيَرِثُنِي أَعْرَابٌ مَوَالِي كَلَالَةً ، مَنْزُوحٌ نَسَبُهُمْ ، أَفَأُوصِي بِمَالِي كُلِّهِ ؟ قَالَ : لَا .\rقَالَ : فَلَمْ يَزَلْ يَحُطُّ حَتَّى بَلَغَ الْعُشْرَ .\rوَقَالَ إِسْحَاقُ : السُّنَّةُ الرُّبُعُ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ رَجُلًا يَعْرِفُ فِي مَالِهِ حُرْمَةَ شُبُهَاتٍ أَوْ غَيْرِهَا ، فَلَهُ اسْتِيعَابُ الثُّلُثِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَوْصَى بِالْخُمُسِ .\rوَقَالَ : رَضِيت بِمَا رَضِيَ اللَّهُ بِهِ لِنَفْسِهِ .\rيَعْنِي قَوْله تَعَالَى { وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ } ، وَرُوِيَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، أَوْصَيَا بِالْخُمُسِ .\rوَعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : لَأَنْ أُوصِيَ بِالْخُمُسِ ، أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ الرُّبُعِ .\rوَعَنْ إبْرَاهِيمَ ، قَالَ : كَانُوا يَقُولُونَ : صَاحِبُ الرُّبُعِ أَفْضَلُ مِنْ صَاحِبِ الثُّلُثِ ، وَصَاحِبُ الْخُمْسِ أَفْضَلُ مِنْ صَاحِبِ الرُّبُعِ .\rوَعَنْ الشَّعْبِيِّ قَالَ : كَانَ الْخُمْسُ أَحَبَّ إلَيْهِمْ مِنْ الثُّلُثِ ، فَهُوَ مُنْتَهَى الْجَامِحِ .\rوَعَنْ الْعَلَاءِ بْنِ زِيَادٍ قَالَ : أَوْصَى أَبِي أَنْ أَسْأَلَ الْعُلَمَاءَ ، أَيُّ الْوَصِيَّةِ أَعْدَلُ ؟ فَمَا تَتَابَعُوا عَلَيْهِ فَهُوَ وَصِيَّتُهُ ، فَتَتَابَعُوا عَلَى الْخُمُسِ .","part":13,"page":4},{"id":6004,"text":"( 4594 ) فَصْلٌ : وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَجْعَلَ وَصِيَّتَهُ لِأَقَارِبِهِ الَّذِينَ لَا يَرِثُونَ ، إذَا كَانُوا فُقَرَاءَ ، فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : لَا خِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ عَلِمْت فِي ذَلِكَ ، إذَا كَانُوا ذَوِي حَاجَةٍ ، وَذَلِكَ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَتَبَ الْوَصِيَّةَ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ ، فَخَرَجَ مِنْهُ الْوَارِثُونَ بِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ } .\rوَبَقِيَ سَائِرُ الْأَقَارِبِ عَلَى الْوَصِيَّةِ لَهُمْ .\rوَأَقَلُّ ذَلِكَ الِاسْتِحْبَابُ ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى { : وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ } .\rوَقَالَ تَعَالَى { : وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى } فَبَدَأَ بِهِمْ وَلِأَنَّ الصَّدَقَةَ عَلَيْهِمْ فِي الْحَيَاةِ أَفْضَلُ ، فَكَذَلِكَ بَعْدَ الْمَوْتِ .\rفَإِنْ أَوْصَى لَغَيْرِهِمْ وَتَرَكَهُمْ ، صَحَّتْ وَصِيَّتُهُ ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، مِنْهُمْ ؛ سَالِمٌ ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ ، وَعَطَاءٌ ، وَمَالِكٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْي .\rوَحُكِيَ عَنْ طَاوُسٍ ، وَالضَّحَّاكِ ، وَعَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ يَعْلَى ، أَنَّهُمْ قَالُوا : يُنْزَعُ عَنْهُمْ ، وَيُرَدُّ إلَى قَرَابَتِهِ .\rوَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، وَالْحَسَنِ ، وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ : لِلَّذِي أَوْصَى لَهُ ثُلُثَ الثُّلُثِ ، وَالْبَاقِي يُرَدُّ إلَى قَرَابَةِ الْمُوصِي ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَوْصَى بِمَالِهِ كُلِّهِ لَجَازَ مِنْهُ الثُّلُثُ ، وَالْبَاقِي رُدَّ عَلَى الْوَرَثَةِ ، وَأَقَارِبُهُ الَّذِينَ لَا يَرِثُونَهُ فِي اسْتِحْقَاقِ الْوَصِيَّةِ كَالْوَرَثَةِ فِي اسْتِحْقَاقِ الْمَالِ كُلِّهِ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ { ، أَنَّ رَجُلًا أَعْتَقَ فِي مَرَضِهِ سِتَّةَ أَعْبُدٍ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرَهُمْ ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَدَعَاهُمْ ، فَجَزَّأَهُمْ ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ ، ثُمَّ أَقْرَعَ بَيْنَهُمْ ، فَأَعْتَقَ اثْنَيْنِ ، وَأَرَقَّ أَرْبَعَةً .\rفَأَجَازَ } الْعِتْقَ فِي ثُلُثِهِ لِغَيْرِ قَرَابَتِهِ ،","part":13,"page":5},{"id":6005,"text":"وَلِأَنَّهَا عَطِيَّةٌ ، فَجَازَتْ لِغَيْرِ قَرَابَتِهِ ، كَالْعَطِيَّةِ فِي الْحَيَاةِ .","part":13,"page":6},{"id":6006,"text":"( 4595 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَلَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ ، إلَّا أَنْ يُجِيزَ الْوَرَثَةُ ذَلِكَ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْإِنْسَانَ إذَا وَصَّى لِوَارِثِهِ بِوَصِيَّةٍ ، فَلَمْ يُجِزْهَا سَائِرُ الْوَرَثَةِ ، لَمْ تَصِحَّ .\rبِغَيْرِ خِلَافٍ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ ، وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى هَذَا .\rوَجَاءَتْ الْأَخْبَارُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ فَرَوَى أَبُو أُمَامَةَ ، قَالَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : { إنَّ اللَّهَ قَدْ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ ، فَلَا وَصِيَّةَ لَوَارِثٍ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَابْنُ مَاجَهْ ، وَالتِّرْمِذِيُّ .\rوَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنَعَ مِنْ عَطِيَّةِ بَعْضِ وَلَدِهِ ، وَتَفْضِيلِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ فِي حَالِ الصِّحَّةِ ، وَقُوَّةِ الْمِلْكِ ، وَإِمْكَانِ تَلَافِي الْعَدْلِ بَيْنَهُمْ بِإِعْطَاءِ الَّذِي لَمْ يُعْطِهِ فِيمَا بَعْدَ ذَلِكَ ، لِمَا فِيهِ مِنْ إيقَاعِ الْعَدَاوَةِ وَالْحَسَدِ بَيْنَهُمْ ، فَفِي حَالِ مَوْتِهِ أَوْ مَرَضِهِ ، وَضَعْفِ مِلْكِهِ ، وَتَعَلُّقِ الْحُقُوقِ بِهِ ، وَتَعَذُّرِ تَلَافِي الْعَدْلِ بَيْنَهُمْ ، أَوْلَى وَأَحْرَى .\rوَإِنْ أَجَازَهَا ، جَازَتْ ، فِي قَوْلِ الْجُمْهُورِ مِنْ الْعُلَمَاءِ .\rوَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا : الْوَصِيَّةُ بَاطِلَةٌ ، وَإِنْ أَجَازَهَا سَائِرُ الْوَرَثَةِ ، إلَّا أَنْ يُعْطُوهُ عَطِيَّةً مُبْتَدَأَةً .\rأَخْذًا مِنْ ظَاهِرِ قَوْلِ أَحْمَدَ ، فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ { : لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ } .\rوَهَذَا قَوْلُ الْمُزَنِيّ ، وَأَهْلِ الظَّاهِرِ .\rوَهُوَ قَوْلٌ لِلشَّافِعِيِّ ، وَاحْتَجُّوا بِظَاهِرِ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : \" لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ \" .\rوَظَاهِرُ مَذْهَبِ أَحْمَدَ وَالشَّافِعِيِّ ، أَنَّ الْوَصِيَّةَ صَحِيحَةٌ فِي نَفْسِهَا .\rوَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ ؛ لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ صَدَرَ مِنْ أَهْلِهِ فِي مَحَلِّهِ ، فَصَحَّ ، كَمَا لَوْ وَصَّى لِأَجْنَبِيٍّ ، وَالْخَبَرُ قَدْ رُوِيَ فِيهِ { إلَّا أَنْ يُجِيزَ الْوَرَثَةُ } .\rوَالِاسْتِثْنَاءُ مِنْ","part":13,"page":7},{"id":6007,"text":"النَّفْيِ إثْبَاتٌ ، فَيَكُونُ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى صِحَّةِ الْوَصِيَّةِ عِنْدَ الْإِجَازَةِ ، وَلَوْ خَلَا مِنْ الِاسْتِثْنَاءِ كَانَ مَعْنَاهُ لَا وَصِيَّةَ نَافِذَةَ أَوْ لَازِمَةَ ، أَوْ مَا أَشْبَهَ هَذَا ، أَوْ يُقَدَّرُ فِيهِ : لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ عِنْدَ عَدَمِ الْإِجَازَةِ مِنْ غَيْرِهِ مِنْ الْوَرَثَةِ .\rوَفَائِدَةُ الْخِلَافِ أَنَّ الْوَصِيَّةَ إذَا كَانَتْ صَحِيحَةً ، فَإِجَازَةُ الْوَرَثَةِ تَنْفِيذٌ وَإِجَازَةٌ مَحْضَةٌ ، يَكْفِي فِيهَا قَوْلُ الْوَارِثِ : أَجَزْت ، أَوْ أَمْضَيْت ، أَوْ نَفَّذْت .\rفَإِذَا قَالَ ذَلِكَ ، لَزِمَتْ الْوَصِيَّةُ .\rوَإِنْ كَانَتْ بَاطِلَةً ، كَانَتْ الْإِجَازَةُ هِبَةً مُبْتَدَأَةً ، تَفْتَقِرُ إلَى شُرُوطِ الْهِبَةِ ، مِنْ اللَّفْظِ وَالْقَبُولِ وَالْقَبْضِ ، كَالْهِبَةِ الْمُبْتَدَأَةِ .\rوَلَوْ رَجَعَ الْمُجِيزُ قَبْلَ الْقَبْضِ فِيمَا يُعْتَبَرُ فِيهِ الْقَبْضُ ، صَحَّ رُجُوعُهُ .","part":13,"page":8},{"id":6008,"text":"( 4596 ) فَصْلٌ : وَإِنْ أَسْقَطَ عَنْ وَارِثِهِ دَيْنًا ، أَوْ أَوْصَى بِقَضَاءِ دَيْنِهِ ، أَوْ أَسْقَطَتْ الْمَرْأَةُ صَدَاقَهَا عَنْ زَوْجِهَا ، أَوْ عَفَا عَنْ جِنَايَةٍ مُوجِبُهَا الْمَالُ ، فَهُوَ كَالْوَصِيَّةِ .\rوَإِنْ عَفَا عَنْ الْقِصَاصِ ، وَقُلْنَا : الْوَاجِبُ الْقِصَاصُ عَيْنًا .\rسَقَطَ إلَى غَيْرِ بَدَلٍ .\rوَإِنْ قُلْنَا : الْوَاجِبُ أَحَدُ شَيْئَيْنِ .\rسَقَطَ الْقِصَاصُ ، وَوَجَبَ الْمَالُ .\rوَإِنْ عَفَا عَنْ حَدِّ الْقَذْفِ ، سَقَطَ مُطْلَقًا .\rوَإِنْ وَصَّى لِغَرِيمِ وَارِثِهِ ، صَحَّتْ الْوَصِيَّةُ .\rوَكَذَلِكَ إنْ وَهَبَ لَهُ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ .\rوَقَالَ أَبُو يُوسُفَ : هُوَ وَصِيَّةٌ لِلْوَارِثِ ؛ لِأَنَّ الْوَارِثَ يَنْتَفِعُ بِهَذِهِ الْوَصِيَّةِ وَتُسْتَوْفَى دُيُونُهُ مِنْهَا .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ وَصَّى لِأَجْنَبِيٍّ ، فَصَحَّ ، كَمَا لَوْ وَصَّى لِمَنْ عَادَتُهُ الْإِحْسَانُ إلَى وَارِثِهِ .\rوَإِنْ وَصَّى لِوَلَدِ وَارِثِهِ ، صَحَّ ، فَإِنْ كَانَ يَقْصِدُ بِذَلِكَ نَفْعَ الْوَارِثِ ، لَمْ يَجُزْ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى .\rقَالَ طَاوُسٌ ، فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ { : فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إثْمًا } قَالَ : أَنْ يُوصِيَ لِوَلَدِ ابْنَتِهِ ، وَهُوَ يُرِيدُ ابْنَتَهُ .\rرَوَاهُ سَعِيدٌ .\rقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : الْجَنَفُ فِي الْوَصِيَّةِ وَالْإِضْرَارُ فِيهَا مِنْ الْكَبَائِرِ .","part":13,"page":9},{"id":6009,"text":"فَصْلٌ ( 4597 ) : وَإِنْ وَصَّى لِكُلِّ وَارِثٍ بِمُعَيَّنٍ مِنْ مَالِهِ بِقَدْرِ نَصِيبِهِ ، كَرَجُلٍ خَلَّفَ ابْنًا وَبِنْتًا ، وَعَبْدًا قِيمَتُهُ مِائَةٌ ، وَجَارِيَةً قِيمَتُهَا خَمْسُونَ ، فَوَصَّى لِابْنِهِ بِعَبْدِهِ ، وَلِابْنَتِهِ بِأَمَتِهِ ، احْتَمَلَ أَنْ تَصِحَّ الْوَصِيَّةُ ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْوَارِثِ فِي الْقَدْرِ لَا فِي الْعَيْنِ ، بِدَلِيلِ مَا لَوْ عَاوَضَ الْمَرِيضُ بَعْضَ وَرَثَتِهِ أَوْ أَجْنَبِيًّا بِجَمِيعِ مَالِهِ ، صَحَّ إذَا كَانَ ذَلِكَ بِثَمَنِ الْمِثْلِ ، وَإِنْ تَضَمَّنَ فَوَاتَ عَيْنِ الْمَالِ .\rوَاحْتَمَلَ أَنْ تَقِفَ عَلَى الْإِجَازَةِ ؛ لِأَنَّ فِي الْأَعْيَانِ غَرَضًا صَحِيحًا ، وَكَمَا لَا يَجُوزُ إبْطَالُ حَقِّ الْوَارِثِ فِي قَدْرِ حَقِّهِ ، لَا يَجُوزُ مِنْ عَيْنِهِ .","part":13,"page":10},{"id":6010,"text":"( 4598 ) فَصْلٌ : وَإِذَا مَلَكَ الْمَرِيضُ مَنْ يَعْتِقُ عَلَيْهِ بِغَيْرِ عِوَضٍ ، عَتَقَ وَوَرِثَ .\rوَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ ، وَبَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ .\rوَحَكَاهُ الْخَبْرِيُّ مَذْهَبًا لِلشَّافِعِيِّ .\rوَلَا خِلَافَ بَيْنَ هَؤُلَاءِ فِي أَنَّهُ إذَا مَلَكَهُ بِالْمِيرَاثِ ، أَنَّهُ يَعْتِقُ وَيَرِثُ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إنْ حَمَّلَهُ الثُّلُثَ ، عَتَقَ وَوَرِثَ ، وَإِلَّا سَعَى فِيمَا بَقِيَ عَلَيْهِ ، وَلَمْ يَرِثْ .\rوَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ أَنْ يَمْلِكَهُ بِعِوَضٍ أَوْ غَيْرِهِ .\rوَقَالَ أَبُو يُوسُف ، وَمُحَمَّدٌ : يُحْتَسَبُ مِيرَاثُهُمْ مِنْ قِيمَتِهِمْ ، فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ أَخَذَهُ ، وَإِنْ فَضَلَ عَلَيْهِمْ شَيْءٌ سَعَوْا فِيهِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الْمَرِيضَ لَمْ يَضَعْ فِيهِمْ شَيْئًا مِنْ مَالِهِ ، وَإِنَّمَا تَعَاطَى سَبَبَ مِلْكِهِمْ عَلَى وَجْهٍ لَمْ يَسْتَقِرَّ ، وَزَالَ بِغَيْرِ إزَالَتِهِ ، فَلَمْ يُحْتَسَبْ عَلَيْهِ مِنْ ثُلُثِهِ ، كَمَا لَوْ اتَّهَبَ شَيْئًا فَرَجَعَ الْوَاهِبُ فِيهِ قَبْلَ قَبْضِهِ ، أَوْ اشْتَرَى شَيْئًا فِيهِ غِبْطَةٌ بِشَرْطِ الْخِيَارِ فَفَسَخَ الْبَائِعُ ، أَوْ وَجَدَ بِالثَّمَنِ عَيْبًا فَفَسَخَ الْبَيْعَ ، أَوْ تَزَوَّجَتْ الْمَرْأَةُ فَطَلُقَتْ قَبْلَ الدُّخُولِ .\rوَإِذَا لَمْ تَكُنْ وَصِيَّةٌ تُحْتَسَبُ عَلَيْهِ مِنْ الثُّلُثِ ، لَمْ يُمْنَعْ الْمِيرَاثُ ، كَمَا لَوْ مَلَكِهِ بِالْمِيرَاثِ عِنْدَ مَنْ سَلَّمَهُ ، أَوْ كَمَا لَوْ كَانَ ذَلِكَ فِي صِحَّتِهِ ، فَإِنْ مَلَكَهُ بِعِوَضٍ ، كَالشِّرَاءِ ، فَحَكَى الْخَبْرِيُّ عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّهُ يَعْتِقُ وَيَرِثُ .\rوَهَذَا قَوْلُ ابْنِ الْمَاجِشُونِ ، وَأَهْلِ الْبَصْرَةِ .\rوَقَالَ الْقَاضِي ، فِي \" الْمُجَرَّدِ \" : إنْ مَلَكَهُ بِعِوَضٍ ، وَخَرَجَ مِنْ الثُّلُثِ ، عَتَقَ وَوَرِثَ ، وَإِلَّا عَتَقَ مِنْهُ بِقَدْرِ الثُّلُثِ .\rوَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ .\rوَقَالَ الْخَبْرِيُّ : وَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ .\rوَحَكَى غَيْرَهُ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ لَا فَرْقَ عِنْدَهُ بَيْنَ أَنْ يَمْلِكَهُ بِعِوَضٍ أَوْ غَيْرِهِ ، وَأَنَّهُ إنْ خَرَجَ مِنْ الثُّلُثِ عَتَقَ ، وَإِلَّا عَتَقَ مِنْهُ بِقَدْرِ الثُّلُثِ ، وَلَا يَرِثُ فِي الْحَالَيْنِ ؛","part":13,"page":11},{"id":6011,"text":"لِأَنَّهُ لَوْ وَرِثَ لَكَانَ إعْتَاقُهُ وَصِيَّةً لِوَارِثٍ ، فَيَبْطُلُ عِتْقُهُ ، وَيَبْطُلُ مِيرَاثُهُ ، لِبُطْلَانِ عِتْقِهِ ، فَيُؤَدِّي تَوْرِيثُهُ إلَى إبْطَالِ تَوْرِيثِهِ ، فَصَحَّحْنَا عِتْقَهُ وَلَمْ نُوَرِّثْهُ ، لِئَلَّا يُفْضِيَ إلَى ذَلِكَ .\rوَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَصَاحِبَيْهِ فِي هَذَا ، كَمَذْهَبِهِمْ فِيمَا إذَا مَلَكَهُ بِغَيْرِ عِوَضٍ .\rوَلَنَا ، عَلَى إعْتَاقِهِ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : مَنْ مَلَكَ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ ، فَهُوَ حُرٌّ } .\rوَلِأَنَّهُ مِلْكٌ وُجِدَ مَعَهُ مَا يُنَافِيهِ ، فَبَطَلَ ، كَمِلْكِ النِّكَاحِ مَعَ مِلْكِ الرَّقَبَةِ ، أَعْنِي فِيمَا إذَا اشْتَرَى أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ صَاحِبَهُ .\rوَإِذَا عَتَقَ وَرِثَ ؛ لِأَنَّهُ وُجِدَ سَبَبُ الْمِيرَاثِ عَرِيًّا عَنْ الْمَوَانِعَ ، فَوَرِثَ ، كَمَا لَوْ وَرِثَهُ .\rوَقَوْلُهُمْ : إنَّ عِتْقَهُ وَصِيَّةٌ .\rلَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ فِعْلُهُ ، وَالْعِتْقُ هَاهُنَا يَحْصُلُ مِنْ غَيْرِ اخْتِيَارِهِ ، وَلَا إرَادَتِهِ ، وَلِأَنَّ رَقَبَةَ الْمُعْتَقِ لَا تَحْصُلُ لَهُ ، وَإِنَّمَا تَتْلَفُ مَالِيَّتُهُ وَتَزُولُ ، فَيَصِيرُ ذَلِكَ كَتَلَفِهِ بِقَتْلِ بَعْضِ رَقِيقِهِ ، أَوْ كَإِتْلَافِ بَعْضِ مَالِهِ فِي بِنَاءِ مَسْجِدٍ ، مِثَالُ ذَلِكَ : مَرِيضٌ وُهِبَ لَهُ ابْنُهُ ، فَقَبِلَهُ وَقِيمَتُهُ مِائَةٌ ، ثُمَّ مَاتَ الْمَرِيضُ ، وَخَلَفَ ابْنًا آخَرِ وَمِائَتَيْنِ ، فَإِنَّهُ يُعْتَقُ ، وَيُقَاسِمُ أَخَاهُ الْمِائَتَيْنِ ، فِي قَوْلِ الْأَكْثَرِينَ .\rوَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ ، فِيمَا حَكَى عَنْهُ غَيْرُ الْخَبْرِيِّ ، يَعْتِقُ وَلَا يَرِثُ شَيْئًا .\rوَعِنْد صَاحِبَيْ أَبِي حَنِيفَةَ ، يُعْتَقُ وَلَهُ نِصْفُ التَّرِكَةِ ، فَيُحْتَسَبُ عَلَيْهِ بِقِيمَتِهِ وَيَبْقَى لَهُ خَمْسُونَ .\rوَإِنْ كَانَ بَاقِي التَّرِكَةِ خَمْسِينَ ، فَعِنْدَنَا يُعْتَقُ ، وَلَهُ نِصْفُ الْخَمْسِينَ .\rوَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ .\rوَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ، يُعْتَقُ نِصْفُهُ ، وَيَسْعَى فِي بَاقِيهِ ، وَالْخَمْسُونَ كُلُّهَا لِأَخِيهِ .\rوَقَالَ صَاحِبَاهُ : يُعْتَقُ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهِ .\rوَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ ، فِي قَوْلِ غَيْرِ الْخَبْرِيِّ ، يُعْتَقُ نِصْفُهُ ، وَيُرَقُّ","part":13,"page":12},{"id":6012,"text":"نِصْفُهُ ، وَنِصْفُهُ الرَّقِيقُ وَالْخَمْسُونَ كُلُّهَا لِأَخِيهِ .\rوَإِنْ كَانَ بَاقِي التَّرِكَةِ ثَلَاثُمِائَةٍ ، فَعِنْدَنَا يُعْتَقُ وَلَهُ مِائَةٌ وَخَمْسُونَ .\rوَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ ، يُعْتَقُ وَلَا يَرِثُ شَيْئًا .\rوَعِنْد صَاحِبَيْ أَبِي حَنِيفَةَ ، يُعْتَقُ وَلَهُ مِائَةٌ .\rفَإِنْ كَانَ اشْتَرَى ابْنَهُ بِمِائَةٍ ، وَمَاتَ ، وَخَلَّفَ ابْنًا آخَرَ وَمِائَةً أُخْرَى ، فَعَلَى الرِّوَايَةِ الْأُولَى ، يُعْتَقُ وَيُقَاسِمُ أَخَاهُ الْمِائَةَ الْبَاقِيَةَ .\rوَعَلَى مَا حَكَاهُ الْقَاضِي ، يُعْتَقُ مِنْهُ ثُلُثَاهُ ، وَيَرِثُ أَرْبَعِينَ ، وَيُعْتَقُ بَاقِيهِ عَلَى أَخِيهِ ، وَلَا يَرِثُ بِذَلِكَ الْجُزْءِ شَيْئًا ؛ لِأَنَّ عِتْقَهُ حَصَلَ بَعْدَ مَوْتِ أَبِيهِ .\rوَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ يُعْتَقُ ثُلُثَاهُ ، وَلَا يَرِثُ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَعْتِقُ ثُلُثَاهُ ، وَيَسْعَى فِي بَاقِيهِ ، وَلَا يَرِثُ .\rوَعِنْد صَاحِبَيْهِ ، يُعْتَقُ كُلُّهُ ، وَلَا يَرِثُ شَيْئًا ، فَإِنْ كَانَ قَدْ تَصَدَّقَ قَبْلَ ذَلِكَ بِثُلُثِهِ ، أَوْ حَابَى بِهِ ، لَمْ يُعْتَقْ ؛ لِأَنَّ الثُّلُثَ قَدْ ذَهَبَ .","part":13,"page":13},{"id":6013,"text":"( 4599 ) فَصْلٌ : وَإِنْ مَلَكَ مِنْ وَرَثَتِهِ مَنْ لَا يُعْتَقُ عَلَيْهِ ، كَبَنِي عَمِّهِ ، فَأَعْتَقَهُمْ فِي مَرَضِهِ ، فَعِتْقُهُمْ وَصِيَّةٌ ؛ لِأَنَّهُ حَصَلَ بِفِعْلِهِ وَاخْتِيَارِهِ ، وَحُكْمُهُمْ فِي الْعِتْقِ حُكْمُ الْأَجَانِبِ ، إنْ خَرَجُوا مِنْ الثُّلُثِ عَتَقُوا ، وَإِلَّا عَتَقَ مِنْهُمْ بِقَدْرِ الثُّلُثِ .\rوَيَنْبَغِي أَنْ يُعْتَقُوا وَلَا يَرِثُوا ؛ لِأَنَّهُمْ لَوْ وَرِثُوا لَكَانَتْ وَصِيَّةً لِوَارِثٍ ، فَيَبْطُلُ عِتْقُهُمْ ، ثُمَّ يَبْطُلُ مِيرَاثُهُمْ .\rوَقَدْ قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ ، فِي رَجُلٍ مَلَكَ ابْنَ عَمِّهِ ، فَأَقَرَّ فِي مَرَضِهِ أَنَّهُ كَانَ أَعْتَقَهُ فِي صِحَّتِهِ : عَتَقَ ، وَلَمْ يَرِثْ .\rوَهَذَا فِي مَعْنَى مَا ذَكَرْنَا ؛ لِأَنَّ إقْرَارَهُ لَوَارِثٍ غَيْرُ مَقْبُولٍ ، فَمَنَعْنَا مِيرَاثَهُ لِيُقْبَلَ إقْرَارُهُ لَهُ بِالْإِعْتَاقِ .","part":13,"page":14},{"id":6014,"text":"( 4600 ) فَصْلٌ : مَرِيضٌ اشْتَرَى أَبَاهُ بِأَلْفٍ ، لَا مَالَ لَهُ سِوَاهُ ، فَعَلَى رِوَايَةِ الْخَبْرِيِّ ، يُعْتَقُ كُلُّهُ .\rوَعَلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ يُعْتَقُ ثُلُثُهُ عَلَى الْمُعْتِقِ ، وَيُعْتَقُ بَاقِيهِ عَلَى ابْنِهِ .\rوَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يُعْتَقُ ثُلُثُهُ ، وَيَسْعَى لِلِابْنِ فِي ثُلُثَيْهِ .\rوَعَلَى قَوْلِ صَاحِبَيْهِ ، يُعْتَقُ سُدُسُهُ ، وَيَسْعَى فِي خَمْسَةِ أَسْدَاسِهِ .\rوَقِيلَ عَلَى قِيَاسِ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ : يُفْسَخُ الشِّرَاءُ ، إلَّا أَنْ يُجِيزَ الِابْنُ عِتْقَهُ .\rوَقِيلَ : يُعْتَقُ ثُلُثُهُ .\rوَيُفْسَخُ الْبَيْعُ فِي ثُلُثَيْهِ .\rوَإِنْ خَلَّفَ أَلْفَيْنِ سِوَاهُ ، عَتَقَ ، وَوَرِثَ سُدُسَهُمَا .\rوَبِهِ قَالَ مَالِكٌ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ .\rوَفِي قَوْلِ صَاحِبَيْهِ ، يُعْتَقُ نِصْفُهُ ، وَيَسْعَى فِي قِيمَةِ نِصْفِهِ .","part":13,"page":15},{"id":6015,"text":"( 4601 ) فَصْل : وَإِذَا وَهَبَ الْإِنْسَانَ أَبُوهُ ، أَوْ وَصَّى لَهُ بِهِ ، اُسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ يَقْبَلَهُ ، وَلَمْ يَجِبْ .\rوَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ .\rوَيُحْتَمَلُ أَنْ يَجِبَ عَلَيْهِ قَبُولُهُ ؛ لِأَنَّ فِيهِ إعْتَاقًا لِأَبِيهِ مِنْ غَيْرِ الْتِزَامِ مَالٍ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ اسْتِجْلَابُ مِلْكٍ عَلَى الْأَبِ ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ ، كَمَا لَوْ بُذِلَ لَهُ بِعِوَضٍ ، أَوْ كَمَا لَوْ بَذَلَ لَهُ ابْنُهُ أَوْ غَيْرُهُ مِنْ أَقَارِبِهِ ، وَلِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ ضَرَرٌ بِلُحُوقِ الْمِنَّةِ بِهِ ، وَتَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ وَكِسْوَتُهُ .","part":13,"page":16},{"id":6016,"text":"( 4602 ) فَصْلٌ : إذَا وَصَّى لِوَارِثِهِ وَأَجْنَبِيٍّ بِثُلُثِهِ ، فَأَجَازَ سَائِرُ الْوَرَثَةِ وَصِيَّةَ الْوَارِثِ ، فَالثُّلُثُ بَيْنَهُمَا .\rوَإِنْ وَصَّى لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِمُعَيَّنٍ قِيمَتُهُمَا الثُّلُثُ ، فَأَجَازَ سَائِرُ الْوَرَثَةِ وَصِيَّةَ الْوَارِثِ ، جَازَتْ الْوَصِيَّةُ لَهُمَا .\rوَإِنْ رَدُّوا بَطَلَتْ وَصِيَّةُ الْوَارِثِ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ ، وَلِلْأَجْنَبِيِّ السُّدُسُ فِي الْأُولَى ، وَالْمُعَيَّنُ الْمُوصَى لَهُ بِهِ فِي الثَّانِيَةِ .\rوَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ ، وَغَيْرِهِمْ .\rوَإِنْ كَانَتْ الْوَصِيَّتَانِ بِثُلُثَيْ مَالِهِ ، فَأَجَازَ الْوَرَثَةُ لَهُمَا .\rجَازَتْ لَهُمَا .\rوَإِنْ عَيَّنُوا نَصِيبَ الْوَارِثِ بِالرَّدِّ وَحْدَهُ ، فَلِلْأَجْنَبِيِّ الثُّلُثُ كَامِلًا ؛ لِأَنَّهُمْ خَصُّوا الْوَارِثَ بِالْإِبْطَالِ ، فَالثُّلُثُ كُلُّهُ لِلْأَجْنَبِيِّ ، وَسَقَطَتْ وَصِيَّةُ الْوَارِثِ ، فَصَارَ كَأَنَّهُ لَمْ يُوصِ لَهُ .\rوَإِنْ أَبْطَلُوا الزَّائِدَ عَنْ الثُّلُثِ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينِ نَصِيبِ أَحَدِهِمَا ، فَالثُّلُثُ الْبَاقِي بَيْنَ الْوَصِيَّيْنِ ، لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ .\rهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الْقَاضِي .\rوَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ .\rوَذَلِكَ لِأَنَّ الْوَارِثَ يُزَاحِمُ الْأَجْنَبِيَّ ، إذَا أَجَازَ الْوَرَثَةُ الْوَصِيَّتَيْنِ ، فَيَكُونُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الثُّلُثُ ، فَإِذَا أَبْطَلُوا نِصْفَهُمَا بِالرَّدِّ ، كَانَ الْبُطْلَانُ رَاجِعًا إلَيْهِمَا ، وَمَا بَقِيَ مِنْهُمَا بَيْنَهُمَا ، كَمَا لَوْ تَلِفَ ذَلِكَ بِغَيْرِ الرَّدِّ .\rوَاخْتَارَ أَبُو الْخَطَّابِ أَنَّ الثُّلُثَ جَمِيعَهُ لِلْأَجْنَبِيِّ .\rوَحُكِيَ نَحْوُ هَذَا عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى إبْطَالِ الثُّلُثِ فَمَا دُونَ إذَا كَانَ لِلْأَجْنَبِيِّ ، وَلَوْ جَعَلْنَا الْوَصِيَّةَ بَيْنَهُمَا لَمَلَكُوا إبْطَالَ مَا زَادَ عَلَى السُّدُسِ ، فَإِنْ صَرَّحَ الْوَرَثَةُ بِذَلِكَ ، فَقَالُوا : أَجَزْنَا الثُّلُثَ لَكُمَا ، وَرَدَدْنَا مَا زَادَ عَلَيْهِ فِي وَصِيَّتِكُمَا .\rأَوْ قَالُوا : رَدَدْنَا مِنْ وَصِيَّةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْكُمَا نِصْفَهَا ، وَبَقِينَا لَهُ","part":13,"page":17},{"id":6017,"text":"نِصْفَهَا .\rكَانَ ذَلِكَ آكَدَ فِي جَعْلِ السُّدُسِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ؛ لِتَصْرِيحِهِمْ بِهِ ، وَإِنْ قَالُوا : أَجَزْنَا وَصِيَّةَ الْوَارِثِ كُلَّهَا ، وَرَدَدْنَا نِصْفَ وَصِيَّةِ الْأَجْنَبِيِّ .\rفَهُوَ عَلَى مَا قَالُوا ؛ لِأَنَّ لَهُمْ أَنْ يُجِيزُوا لَهُمَا وَيَرُدُّوا عَلَيْهِمَا ، فَكَانَ لَهُمْ أَنْ يُجِيزُوا لِأَحَدِهِمَا وَيَرُدُّوا عَلَى الْآخَرِ .\rوَإِنْ أَجَازُوا لِلْأَجْنَبِيِّ جَمِيعَ وَصِيَّتِهِ ، وَرَدُّوا عَلَى الْوَارِثِ نِصْفَ وَصِيَّتِهِ جَازَ ، كَمَا قُلْنَا .\rوَإِنْ أَرَادُوا أَنْ يَنْقُصُوا الْأَجْنَبِيَّ عَنْ نِصْفِ وَصِيَّتِهِ ، لَمْ يَمْلِكُوا ذَلِكَ ، سَوَاءٌ أَجَازُوا لِلْوَارِثِ أَوْ رَدُّوا عَلَيْهِ .\rفَإِنْ رَدُّوا جَمِيعَ وَصِيَّةِ الْوَارِثِ ، وَنِصْفَ وَصِيَّةِ الْأَجْنَبِيِّ ، فَعَلَى قَوْلِ الْقَاضِي ، لَهُمْ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ لَهُمْ أَنْ يُجِيزُوا الثُّلُثَ لَهُمَا ، فَيَشْتَرِكَانِ فِيهِ ، وَيَكُونُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفُهُ ، ثُمَّ إذَا رَجَعُوا فِيمَا لِلْوَارِثِ ، لَمْ يُرَدَّ الْأَجْنَبِيُّ عَلَى مَا كَانَ لَهُ فِي حَالَةِ الْإِجَازَةِ لِلْوَارِثِ .\rوَعَلَى قَوْلِ أَبِي الْخَطَّابِ ، يَتَوَفَّرُ الثُّلُثُ كُلُّهُ لِلْأَجْنَبِيِّ ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُنْتَقَصُ مِنْهُ بِمُزَاحَمَةِ الْوَارِثِ ، فَإِذَا زَالَتْ الْمُزَاحَمَةُ ، وَجَبَ تَوْفِيرُ الثُّلُثِ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَوْصَى لَهُ بِهِ .\rوَلَوْ خَلَّفَ ابْنَيْنِ ، وَوَصَّى لَهُمَا بِثُلُثَيْ مَالِهِ ، وَلِأَجْنَبِيٍّ بِالثُّلُثِ ، فَرَدَّا الْوَصِيَّةَ .\rفَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : عِنْدِي لِلْأَجْنَبِيِّ الثُّلُثُ كَامِلًا .\rوَعِنْدَ الْقَاضِي ، لَهُ التُّسْعُ .\rوَيَجِيءُ فِيهِ مِنْ الْفُرُوعِ مِثْلُ مَا ذَكَرْنَا فِي الَّتِي قَبْلَهَا .","part":13,"page":18},{"id":6018,"text":"( 4603 ) فَصْلٌ : وَإِنْ وَصَّى بِثُلُثِهِ لَوَارِثٍ وَأَجْنَبِيٍّ ، وَقَالَ : إنْ رَدُّوا وَصِيَّةَ الْوَارِثِ فَالثُّلُثُ كُلُّهُ لِلْأَجْنَبِيِّ .\r، كَمَا وَصَّى .\rوَإِنْ أَجَازُوا لِلْوَارِثِ ، فَالثُّلُثُ بَيْنَهُمَا ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ تَتَعَلَّقُ بِالشَّرْطِ .\rوَلَوْ قَالَ : أَوْصَيْت لَفُلَانٍ بِثُلُثِي ، فَإِنْ مَاتَ قَبْلِي فَهُوَ لِفُلَانٍ .\rصَحَّ .\rوَإِنْ قَالَ : وَصَّيْت بِثُلُثِي لَفُلَانٍ ، فَإِنْ قَدِمَ فُلَانٌ الْغَائِبُ فَهُوَ لَهُ .\rصَحَّ ، فَإِنْ قَدِمَ الْغَائِبُ قَبْلَ مَوْتِ الْمُوصِي ، صَارَ هُوَ الْوَصِيَّ ، وَبَطَلَتْ وَصِيَّةُ الْأَوَّلِ ، سَوَاءٌ عَادَ إلَى الْغَيْبَةِ أَوْ لَمْ يَعُدْ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ وُجِدَ شَرْطُ انْتِقَالِ الْوَصِيَّةِ إلَيْهِ ، فَلَمْ يَنْتَقِلْ عَنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ .\rوَإِنْ مَاتَ الْمُوصِي قَبْلَ قُدُومِ الْغَائِبِ ، فَالْوَصِيَّةُ لِلْحَاضِرِ ، سَوَاءٌ قَدِمَ الْغَائِبُ بَعْدَ ذَلِكَ أَوْ لَمْ يَقْدَمْ .\rذَكَرَهُ الْقَاضِي ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ ثَبَتَتْ لِوُجُودِ شَرْطِهَا ، فَلَمْ تُنْقَلْ عَنْهُ ، كَمَا لَوْ لَمْ يَقْدُمْ .\rوَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْغَائِبَ إنْ قَدِمَ بَعْدَ الْمَوْتِ ، كَانَتْ الْوَصِيَّةُ لَهُ ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَهَا لَهُ بِشَرْطِ قُدُومِهِ ، وَقَدْ وُجِدَ ذَلِكَ .","part":13,"page":19},{"id":6019,"text":"( 4604 ) فَصْلٌ : وَإِنْ وَصَّى لَوَارِثٍ ، فَأَجَازَ بَعْضُ بَاقِي الْوَرَثَةِ الْوَصِيَّةَ دُونَ الْبَعْضِ ، نَفَذَ فِي نَصِيبِ مَنْ أَجَازَ ، دُونَ مَنْ لَمْ يُجِزْ .\rوَإِنْ أَجَازُوا بَعْضَ الْوَصِيَّةِ دُونَ بَعْضٍ ، نَفَذَتْ فِيمَا أَجَازُوا دُونَ مَا لَمْ يُجِيزُوا .\rفَإِنْ أَجَازَ بَعْضُهُمْ بَعْضَ الْوَصِيَّةِ ، وَأَجَازَ بَعْضُهُمْ جَمِيعَهَا ، أَوْ رَدَّهَا ، فَهُوَ عَلَى مَا فَعَلُوا مِنْ ذَلِكَ .\rفَلَوْ خَلَّفَ ثَلَاثَةَ بَنِينَ وَعَبْدًا ، لَا يَمْلِكُ غَيْرَهُ ، فَوَصَّى بِهِ لِأَحَدِهِمْ ، أَوْ وَهَبَهُ إيَّاهُ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ ، وَأَجَازَهُ لَهُ أَخَوَاهُ ، فَهُوَ لَهُ ، وَإِنْ أَجَازَ لَهُ أَحَدُهُمَا وَحْدَهُ ، فَلَهُ ثُلُثَاهُ ، وَإِنْ أَجَازَا لَهُ نِصْفَ الْعَبْدِ ، فَلَهُ نِصْفُهُ ، وَلَهُمَا نِصْفُهُ ، وَإِنْ أَجَازَا أَحَدُهُمَا لَهُ نِصْفَ نَصِيبِهِ ، وَرَدَّ الْآخَرُ ، فَلَهُ النِّصْفُ كَامِلًا ؛ الثُّلُثُ نَصِيبُهُ ، وَالسُّدُسُ مِنْ نَصِيبِ الْمُجِيزِ ، وَإِنْ أَجَازَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَهُ نِصْفَ نَصِيبِهِ ، كَمَّلَ لَهُ الثُّلُثَانِ ، وَإِنْ أَجَازَ لَهُ أَحَدُهُمَا نِصْفَ نَصِيبِهِ ، وَالْآخَرُ ثَلَاثَةَ أَرْبَاعِ نَصِيبِهِ ، كَمَّلَ لَهُ ثَلَاثَةَ أَرْبَاعِ الْعَبْدِ .\rوَإِنْ وَصَّى بِالْعَبْدِ لِاثْنَيْنِ مِنْهُمَا ، فَلِلثَّالِثِ أَنْ يُجِيزَ لَهُمَا ، أَوْ يَرُدَّ عَلَيْهِمَا ، أَوْ يُجِيزَ لَهُمَا بَعْضَ وَصِيَّتِهِمَا ، إنْ شَاءَ مُتَسَاوِيًا ، وَإِنْ شَاءَ مُتَفَاضِلًا ، أَوْ يَرُدَّ عَلَى أَحَدِهِمَا ، وَيُجِيزَ لِلْآخَرِ وَصِيَّتَهُ كُلَّهَا أَوْ بَعْضَهَا ، أَوْ يُجِيزَ لِأَحَدِهِمَا جَمِيعَ وَصِيَّتِهِ ، وَلِلْآخَرِ بَعْضَهَا ، فَكُلُّ ذَلِكَ جَائِزٌ ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُ ، فَكَيْفَمَا شَاءَ فَعَلَ فِيهِ .","part":13,"page":20},{"id":6020,"text":"( 4605 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : ( وَمَنْ أَوْصَى لِغَيْرِ وَارِثٍ بِأَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ ، فَأَجَازَ ذَلِكَ الْوَرَثَةُ بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي ، جَازَ ، وَإِنْ لَمْ يُجِيزُوا ، رُدَّ إلَى الثُّلُثِ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْوَصِيَّةَ لِغَيْرِ الْوَارِثِ تَلْزَمُ فِي الثُّلُثِ مِنْ غَيْرِ إجَازَةٍ ، وَمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ يَقِفُ عَلَى إجَازَتِهِمْ ، فَإِنْ أَجَازُوهُ جَازَ ، وَإِنْ رَدُّوهُ بَطَلَ .\rفِي قَوْلِ جَمِيعِ الْعُلَمَاءِ .\rوَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ { قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِسَعْدٍ حِينَ قَالَ : أُوصِي بِمَالِي كُلِّهِ ؟ قَالَ : لَا .\rقَالَ فَبِالثُّلُثَيْنِ ؟ قَالَ : لَا .\rقَالَ : فَبِالنِّصْفِ ؟ قَالَ : لَا .\rقَالَ : فَبِالثُّلُثِ ؟ قَالَ : الثُّلُثُ ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ } .\rوَقَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ { : إنَّ اللَّهَ تَصَدَّقَ عَلَيْكُمْ بِثُلُثِ أَمْوَالِكُمْ عِنْدَ مَمَاتِكُمْ } .\rيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا شَيْءَ لَهُ فِي الزَّائِدِ عَلَيْهِ .\rوَحَدِيثُ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ فِي الْمَمْلُوكِينَ الَّذِينَ أَعْتَقَهُمْ الْمَرِيضُ ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ سِوَاهُمْ ، فَدَعَا بِهِمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجَزَّأَهُمْ ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ ، وَأَقْرَعَ بَيْنَهُمْ ، فَأَعْتَقَ اثْنَيْنِ ، وَأَرَقَّ أَرْبَعَةً ، وَقَالَ لَهُ قَوْلًا شَدِيدًا ، يَدُلُّ أَيْضًا عَلَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ تَصَرُّفُهُ فِيمَا عَدَا الثُّلُثَ ، إذَا لَمْ يُجِزْ الْوَرَثَةُ ، وَيَجُوزُ بِإِجَازَتِهِمْ ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمْ .\rوَالْقَوْلُ فِي بُطْلَانِ الْوَصِيَّةِ بِالزَّائِدِ عَنْ الثُّلُثِ ، كَالْقَوْلِ فِي الْوَصِيَّةِ لِلْوَارِثِ ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا .\rوَهَلْ إجَازَتُهُمْ تَنْفِيذٌ أَوْ عَطِيَّةٌ مُبْتَدَأَةٌ ؟ فِيهِ اخْتِلَافٌ ذَكَرْنَاهُ فِي الْوَصِيَّةِ لِلْوَارِثِ .\rوَالْخِلَافُ فِيهِ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْوَصِيَّةَ بِهِ ، أَوْ الْعَطِيَّةَ لَهُ ، فِي مَرَضِ الْمَوْتِ الْمَخُوفِ ، صَحِيحَةٌ مَوْقُوفَةٌ عَلَى الْإِجَازَةِ ، أَوْ بَاطِلَةٌ ؟ فَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّهَا صَحِيحَةٌ ، وَأَنَّ الْإِجَازَةَ تَنْفِيذٌ مُجَرَّدٌ ، لَا يَكْفِي فِيهِ قَوْلُ الْمُجِيزِ : أَجَزْت ذَلِكَ .\rأَوْ أَنْفَذْتُهُ .\rأَوْ","part":13,"page":21},{"id":6021,"text":"نَحْوَهُ مِنْ الْكَلَامِ ، وَلَا يُفْتَقَرُ إلَى شُرُوطِ الْهِبَةِ .\rوَيَتَفَرَّعُ عَنْ هَذَا الْخِلَافِ أَنَّهُ لَوْ أَعْتَقَ عَبْدًا لَا مَالَ سِوَاهُ فِي مَرَضِهِ ، أَوْ وَصَّى بِإِعْتَاقِهِ ، فَأَعْتَقُوهُ بِوَصِيَّتِهِ ، فَقَدْ نَفَذَ الْعِتْقُ فِي ثُلُثِهِ وَوَقَفَ عِتْقُ بَاقِيهِ عَلَى إجَازَةِ الْوَرَثَةِ ، فَإِنْ أَجَازُوهُ ، عَتَقَ جَمِيعُهُ ، وَاخْتَصَّ عُصُبَاتُ الْمَيِّتِ بِوَلَائِهِ كُلِّهِ ، إذَا قُلْنَا بِصِحَّةِ إعْتَاقِهِ وَوَصِيَّتِهِ .\rوَإِنْ قُلْنَا : هِيَ بَاطِلَةٌ ، وَالْإِجَازَةُ عَطِيَّةٌ مُبْتَدَأَةٌ .\rاخْتَصَّ عُصُبَاتُ الْمَيِّتِ بِثُلُثِ وَلَائِهِ ، وَكَانَ ثُلُثَاهُ لِجَمِيعِ الْوَرَثَةِ بَيْنَهُمْ عَلَى قَدْرِ مِيرَاثِهِمْ ؛ لِأَنَّهُمْ بَاشَرُوهُ بِالْإِعْتَاقِ .\rوَكَذَلِكَ لَوْ تَبَرَّعَ بِثُلُثِ مَالِهِ فِي مَرَضِهِ ، ثُمَّ أَعْتَقَ ، أَوْ وَصَّى بِالْإِعْتَاقِ ، فَالْحُكْمُ فِيهِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا .\rوَلَوْ أَوْصَى لِابْنِ وَارِثِهِ بَعْدَ تَبَرُّعِهِ بِثُلُثِ مَالِهِ ، أَوْ أَعْطَاهُ عَطِيَّةً فِي مَرَضِهِ ، فَأَجَازَ أَبُوهُ وَصِيَّتَهُ وَعَطِيَّتَهُ ، ثُمَّ أَرَادَ الرُّجُوعَ فِيمَا أَجَازَهُ ، فَلَهُ ذَلِكَ إنْ قُلْنَا : هِيَ عَطِيَّةٌ مُبْتَدَأَةٌ .\rوَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهَا إجَازَةٌ مُجَرَّدَةٌ .\rوَلَوْ تَزَوَّجَ رَجُلٌ ابْنَةَ عَمِّهِ ، فَأَوْصَتْ لَهُ بِوَصِيَّةٍ أَوْ عَطِيَّةٍ فِي مَرَضِ مَوْتِهَا ، ثُمَّ مَاتَتْ وَخَلَّفَتْهُ وَأَبَاهُ ، فَأَجَازَ أَبُوهُ وَصِيَّتَهُ وَعَطِيَّتَهُ ، فَالْحُكْمُ فِيهِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا .\rوَلَوْ وَقَفَ فِي مَرَضِهِ عَلَى وَرَثَتِهِ ، فَأَجَازُوا الْوَقْفَ ، صَحَّ إنْ قُلْنَا : إجَازَتُهُمْ تَنْفِيذٌ .\rوَلَمْ يَصِحَّ إنْ قُلْنَا : هِيَ عَطِيَّةٌ مُبْتَدَأَةٌ .\rوَلِأَنَّهُمْ يَكُونُونَ وَاقِفِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ .\rوَلَا فَرْقَ فِي الْوَصِيَّةِ بَيْن الْمَرَضِ وَالصِّحَّةِ ، وَقَدْ رَوَى حَنْبَلٌ ، عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّهُ قَالَ : إنْ أَوْصَى فِي الْمَرَضِ فَهُوَ مِنْ الثُّلُثِ ، وَإِنْ كَانَ صَحِيحًا فَلَهُ أَنْ يُوصِيَ بِمَا شَاءَ .\rيَعْنِي بِهِ الْعَطِيَّةَ .\rقَالَهُ الْقَاضِي .\rأَمَّا الْوَصِيَّةُ فَإِنَّهَا عَطِيَّةٌ بَعْدَ الْمَوْتِ فَلَا يَجُوزُ مِنْهَا","part":13,"page":22},{"id":6022,"text":"إلَّا الثُّلُثُ عَلَى كُلِّ حَالٍ .","part":13,"page":23},{"id":6023,"text":"( 4606 ) فَصْلٌ : وَلَا يُعْتَبَرُ الرَّدُّ وَالْإِجَازَةُ إلَّا بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي ، فَلَوْ أَجَازُوا قَبْلَ ذَلِكَ ، ثُمَّ رَدُّوا ، أَوْ أَذِنُوا لِمَوْرُوثِهِمْ فِي حَيَاتِهِ بِالْوَصِيَّةِ بِجَمِيعِ الْمَالِ ، أَوْ بِالْوَصِيَّةِ لِبَعْضِ وَرَثَتِهِ ، ثُمَّ بَدَا لَهُمْ فَرَدُّوا بَعْدَ وَفَاتِهِ ، فَلَهُمْ الرَّدُّ ، سَوَاءٌ كَانَتْ الْإِجَازَةُ فِي صِحَّةِ الْمُوصِي أَوْ مَرَضِهِ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ .\rوَهُوَ قَوْلُ شُرَيْحٍ ، وَطَاوُسٍ ، وَالْحَكَمِ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَالْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابِهِ .\rوَقَالَ الْحَسَنُ ، وَعَطَاءٌ ، وَحَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ ، وَعَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ يَعْلَى ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَرَبِيعَةُ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى : ذَلِكَ جَائِزٌ عَلَيْهِمْ ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لِلْوَرَثَةِ ، فَإِذَا رَضُوا بِتَرْكِهِ سَقَطَ حَقُّهُمْ ، كَمَا لَوْ رَضِيَ الْمُشْتَرِي بِالْعَيْبِ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : إنْ أَذِنُوا لَهُ فِي صِحَّتِهِ ، فَلَهُمْ أَنْ يَرْجِعُوا ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ فِي مَرَضِهِ ، وَحِينَ يُحْجَبُ عَنْ مَالِهِ ، فَذَلِكَ جَائِزٌ عَلَيْهِمْ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُمْ أَسْقَطُوا حُقُوقَهُمْ فِيمَا لَمْ يَمْلِكُوهُ ، فَلَمْ يَلْزَمْهُمْ ، كَالْمَرْأَةِ إذَا أَسْقَطَتْ صَدَاقَهَا قَبْلَ النِّكَاحِ ، أَوْ أَسْقَطَ الشَّفِيعُ حَقَّهُ مِنْ الشُّفْعَةِ قَبْلَ الْبَيْعِ ، وَلِأَنَّهَا حَالَةٌ لَا يَصِحُّ فِيهَا رَدُّهُمْ لِلْوَصِيَّةِ ، فَلَمْ يَصِحَّ فِيهَا إجَازَتُهُمْ ، كَمَا قَبْلَ الْوَصِيَّةِ .","part":13,"page":24},{"id":6024,"text":"( 4607 ) فَصْلٌ : وَإِذَا أَوْصَى بِأَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ ، فَأَجَازَ الْوَارِثُ الْوَصِيَّةَ ، وَقَالَ : إنَّمَا أَجَزْتهَا ظَنًّا أَنَّ الْمَالَ قَلِيلٌ ، فَبَانَ كَثِيرًا .\rفَإِنْ كَانَتْ لِلْمُوصِي بَيِّنَةٌ تَشْهَدُ بِاعْتِرَافِهِ بِمَعْرِفَةِ قَدْرِ الْمَالِ ، أَوْ كَانَ الْمَالُ ظَاهِرًا لَا يَخْفَى عَلَيْهِ ، لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ ، إلَّا عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ : الْإِجَازَةُ هِبَةٌ مُبْتَدَأَةٌ .\rفَلَهُ الرُّجُوعُ فِيمَا يَجُوزُ الرُّجُوعُ فِي الْهِبَةِ فِي مِثْلِهِ .\rوَإِنْ لَمْ تَشْهَدْ بَيِّنَةٌ بِاعْتِرَافِهِ بِذَلِكَ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ ؛ لِأَنَّ الْإِجَازَةَ تَنَزَّلَتْ مَنْزِلَةَ الْإِبْرَاءِ ، فَلَا يَصِحُّ فِي الْمَجْهُولِ ، وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِي الْجَهْلِ بِهِ مَعَ يَمِينِهِ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْعِلْمِ .\rوَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يُقْبَلَ قَوْلُهُ ؛ لِأَنَّهُ أَجَازَ عَقْدًا لَهُ الْخِيَارُ فِي فَسْخِهِ ، فَبَطَلِ خِيَارُهُ ، كَمَا لَوْ أَجَازَ الْبَيْعَ مَنْ لَهُ الْخِيَارُ فِي فَسْخِهِ بِعَيْبٍ أَوْ خِيَارٍ .\rوَإِنْ أَوْصَى بِمُعَيَّنٍ ، كَعَبْدٍ أَوْ فَرَسٍ يَزِيدُ عَلَى الثُّلُثِ ، فَأَجَازَ الْوَصِيَّةَ بِهَا ، ثُمَّ قَالَ : ظَنَنْت الْمَالَ كَثِيرًا تَخْرُجُ الْوَصِيَّةُ مِنْ ثُلُثِهِ ، فَبَانَ قَلِيلًا ، أَوْ ظَهَرَ عَلَيْهِ دَيْنٌ لَمْ أَعْلَمْهُ .\rلَمْ تَبْطُلْ الْوَصِيَّةُ ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ مَعْلُومٌ لَا جَهَالَةَ فِيهِ .\rوَيُحْتَمَلُ أَنْ يَمْلِكَ الْفَسْخَ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَسْمَحُ بِذَلِكَ ظَنًّا مِنْهُ أَنَّهُ يَبْقَى لَهُ مِنْ الْمَالِ مَا يَكْفِيهِ ، فَإِذَا بَانَ خِلَافُ ذَلِكَ ، لَحِقَهُ الضَّرَرُ فِي الْإِجَازَةِ فَمَلَكَ الرُّجُوعَ كَالْمَسْأَلَةِ الَّتِي قَبْلَهَا .","part":13,"page":25},{"id":6025,"text":"( 4608 ) فَصْلٌ : وَلَا تَصِحُّ الْإِجَازَةُ إلَّا مِنْ جَائِزِ التَّصَرُّفِ .\rفَأَمَّا الصَّبِيُّ وَالْمَجْنُونُ وَالْمَحْجُورُ عَلَيْهِ لَسَفَهٍ ، فَلَا تَصِحُّ الْإِجَازَةُ مِنْهُمْ ؛ لِأَنَّهَا تَبَرُّعٌ بِالْمَالِ ، فَلَمْ تَصِحَّ مِنْهُمْ ، كَالْهِبَةِ .\rوَأَمَّا الْمَحْجُورُ عَلَيْهِ لِفَلْسِ ، فَإِنْ قُلْنَا : الْإِجَازَةُ هِبَةٌ .\rلَمْ تَصِحَّ مِنْهُ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ هِبَةُ مَالِهِ .\rوَإِنْ قُلْنَا : هِيَ تَنْفِيذٌ صَحَّتْ .","part":13,"page":26},{"id":6026,"text":"( 4609 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : ( وَمَنْ أُوصِيَ لَهُ ، وَهُوَ فِي الظَّاهِرِ وَارِثٌ ، فَلَمْ يَمُتْ الْمُوصِي حَتَّى صَارَ الْمُوصَى لَهُ غَيْرَ وَارِثٍ ، فَالْوَصِيَّةُ لَهُ ثَابِتَةٌ ؛ لِأَنَّ اعْتِبَارَ الْوَصِيَّةِ بِالْمَوْتِ ) لَا نَعْلَمُ خِلَافًا بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ ، فِي أَنَّ اعْتِبَارَ الْوَصِيَّةِ بِالْمَوْتِ ، فَلَوْ أَوْصَى لِثَلَاثَةِ إخْوَةٍ لَهُ مُتَفَرِّقِينَ ، وَلَا وَلَدَ لَهُ ، وَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يُولَدَ لَهُ وَلَدٌ ، لَمْ تَصِحَّ الْوَصِيَّةُ لِغَيْرِ الْأَخِ مِنْ الْأَبِ ، إلَّا بِالْإِجَازَةِ مِنْ الْوَرَثَةِ .\rوَإِنْ وُلِدَ لَهُ ابْنٌ ، صَحَّتْ الْوَصِيَّةُ لَهُمْ جَمِيعًا مِنْ غَيْرِ إجَازَةٍ ، إذَا لَمْ تَتَجَاوَزْ الْوَصِيَّةُ الثُّلُثَ .\rوَإِنْ وُلِدَتْ لَهُ بِنْتٌ ، جَازَتْ الْوَصِيَّةُ لِأَخِيهِ مِنْ أَبِيهِ وَأَخِيهِ مِنْ أُمِّهِ ، فَيَكُونُ لَهُمَا ثُلُثَا الْمُوصَى بِهِ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ ، وَلَا يَجُوزُ لِلْأَخِ مِنْ الْأَبَوَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ وَارِثٌ .\rوَبِهَذَا يَقُولُ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْي ، وَغَيْرُهُمْ .\rوَلَا نَعْلَمُ عَنْ غَيْرِهِمْ خِلَافَهُمْ .\rوَلَوْ أَوْصَى لَهُمْ ، وَلَهُ ابْنٌ ، فَمَاتَ ابْنُهُ قَبْلَ مَوْتِهِ ، لَمْ تَجُزْ الْوَصِيَّةُ لِأَخِيهِ مِنْ أَبَوَيْهِ ، وَلَا لِأَخِيهِ مِنْ أُمِّهِ ، وَجَازَتْ لِأَخِيهِ مِنْ أَبِيهِ .\rفَإِنْ مَاتَ الْأَخُ مِنْ الْأَبَوَيْنِ قَبْلَ مَوْتِهِ ، لَمْ تَجُزْ الْوَصِيَّةُ لِلْأَخِ مِنْ الْأَبِ أَيْضًا ؛ لِأَنَّهُ صَارَ وَارِثًا .","part":13,"page":27},{"id":6027,"text":"( 4610 ) فَصْلٌ : وَلَوْ أَوْصَى لِامْرَأَةِ أَجْنَبِيَّةٍ ، أَوْ أَوْصَتْ لَهُ ، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا ، لَمْ تَجُزْ وَصِيَّتُهُمَا إلَّا بِالْإِجَازَةِ مِنْ الْوَرَثَةِ .\rوَإِنْ أَوْصَى أَحَدُهُمَا لِلْآخَرِ ، ثُمَّ طَلَّقَهَا ، جَازَتْ الْوَصِيَّةُ ، لِأَنَّهُ صَارَ غَيْرَ وَارِثٍ ، إلَّا أَنَّهُ إنْ طَلَّقَهَا فِي مَرَضِ مَوْتِهِ ، فَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنَّهَا لَا تُعْطَى أَكْثَرَ مِنْ مِيرَاثِهَا ؛ لِأَنَّهُ يُتَّهَمُ فِي أَنَّهُ طَلَّقَهَا لِيُوصِلَ إلَيْهَا مَالَهُ بِالْوَصِيَّةِ ، فَلَمْ يُنَفَّذْ لَهَا ذَلِكَ ، كَمَا لَوْ طَلَّقَهَا فِي مَرَضِ مَوْتِهِ أَوْ أَوْصَى لَهَا بِأَكْثَرَ مِمَّا كَانَتْ تَرِثُ .","part":13,"page":28},{"id":6028,"text":"( 4611 ) فَصْلٌ : وَإِنْ أَعْتَقَ أَمَتَهُ فِي صِحَّتِهِ ، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا فِي مَرَضِهِ ، صَحَّ ، وَوَرِثَتْهُ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ .\rوَإِنْ أَعْتَقَهَا فِي مَرَضِهِ ، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا ، وَكَانَتْ تَخْرُجُ مِنْ ثُلُثِهِ ، فَنَقَلَ الْمَرُّوذِيُّ عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّهَا تُعْتَقُ وَتَرِثُ .\rوَهَذَا اخْتِيَارُ أَصْحَابِنَا .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّهَا امْرَأَةٌ نِكَاحُهَا صَحِيحٌ ، وَلَمْ يُوجَدْ فِي حَقِّهَا مَانِعٌ مِنْ مَوَانِعِ الْإِرْثِ ، وَهِيَ الرِّقُّ وَالْقَتْلُ وَاخْتِلَافُ الدِّينِ ، فَتَرِثُ ، كَمَا لَوْ كَانَ أَعْتَقَهَا فِي صِحَّتِهِ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : تُعْتَقُ وَلَا تَرِثُ ؛ لِأَنَّهَا لَوْ وَرِثَتْ لَكَانَ إعْتَاقُهَا وَصِيَّةً لِوَارِثٍ ، فَيُؤَدِّي تَوْرِيثُهَا إلَى إسْقَاطِ تَوْرِيثِهَا ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي إبْطَالَ عِتْقِهَا ، فَيَبْطُلُ نِكَاحُهَا ثُمَّ يَبْطُلُ إرْثُهَا ، فَكَانَ إبْطَالُ الْإِرْثِ وَحْدَهُ وَتَصْحِيحُ الْعِتْقِ وَالنِّكَاحِ أَوْلَى .","part":13,"page":29},{"id":6029,"text":"( 4612 ) فَصْلٌ : وَإِنْ أَعْتَقَ أَمَةً لَا يَمْلِكُ غَيْرَهَا ، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا ، فَالنِّكَاحُ صَحِيحٌ فِي الظَّاهِرِ .\rفَإِنْ مَاتَ ، وَلَمْ يَمْلِكْ شَيْئًا آخَرَ ، تَبَيَّنَ أَنَّ نِكَاحَهَا بَاطِلٌ ، وَيَسْقُطُ مَهْرُهَا إنْ كَانَ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا .\rوَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيِّ .\rوَيُعْتَقُ مِنْهَا ثُلُثُهَا ، وَيُرَقُّ ثُلُثَاهَا .\rفَإِنْ كَانَ قَدْ دَخَلَ بِهَا وَمَهْرُهَا نِصْفُ قِيمَتِهَا ، عَتَقَ مِنْهَا ثَلَاثَةُ أَسْبَاعِهَا ، وَيَرِقُّ أَرْبَعَةُ أَسْبَاعِهَا .\rوَحِسَابُ ذَلِكَ أَنْ تَقُولَ : عَتَقَ مِنْهَا شَيْءٌ ، وَلَهَا بِصَدَاقِهَا نِصْفُ شَيْءٍ ، وَلِلْوَرَثَةِ شَيْئَانِ ، فَيُجْمَعُ ذَلِكَ فَيَكُونُ ثَلَاثَةَ أَشْيَاءَ وَنِصْفًا ، نَبْسُطُهَا فَتَكُونُ سَبْعَةً ، لَهَا مِنْهَا ثَلَاثَةٌ ، وَلَهُمْ أَرْبَعَةٌ ، وَلَا شَيْءَ لِلْمَيِّتِ سِوَاهَا ، فَنَجْعَلُ لِنَفْسِهَا مِنْهَا ثَلَاثَةَ أَسْبَاعِهَا يَكُونُ حُرًّا وَالْبَاقِي لِلْوَرَثَةِ .\rوَإِنْ أَحَبَّ الْوَرَثَةُ أَنْ يَدْفَعُوا إلَيْهَا حِصَّتَهَا مِنْ مَهْرِهَا ، وَهُوَ سُبْعَاهُ ، وَيُعْتَقُ مِنْهَا سُبْعَاهَا وَيَسْتَرِقُّوا خَمْسَةَ أَسْبَاعِهَا ، فَلَهُمْ ذَلِكَ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يُحْسَبُ مَهْرُهَا مِنْ قِيمَتِهَا ، وَلَهَا ثُلُثُ الْبَاقِي ، وَتَسْعَى فِيمَا بَقِيَ وَهُوَ ثُلُثُ قِيمَتِهَا .\rفَإِنْ كَانَ يَمْلِكُ مَعَ الْجَارِيَةِ قَدْرَ نِصْفِ قِيمَتِهَا ، وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا ، عَتَقَ مِنْهَا نِصْفُهَا ، وَرَقَّ نِصْفُهَا ؛ لِأَنَّ نِصْفَهَا هُوَ ثُلُثُ الْمَالِ ، وَإِنْ دَخَلَ بِهَا ، عَتَقَ مِنْهَا ثَلَاثَةُ أَسْبَاعِهَا ، وَلَهَا ثَلَاثَةُ أَسْبَاعِ مَهْرِهَا ، وَإِنَّمَا قَلَّ الْعِتْقُ فِيهَا لِأَنَّهَا لَمَّا أَخَذَتْ ثَلَاثَةَ أَسْبَاعِ مَهْرِهَا ، نَقَصَ الْمَالُ بِهِ ، فَيُعْتَقُ مِنْهَا ثُلُثُ الْبَاقِي ، وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَسْبَاعِهَا .\rوَحِسَابُهَا أَنْ تَقُولَ : عَتَقَ مِنْهَا شَيْءٌ ، وَلَهَا بِمَهْرِهَا نِصْفُ شَيْءٍ ، وَلِلْوَرَثَةِ شَيْئَانِ ، يَعْدِلُ ذَلِكَ الْجَارِيَةَ وَنِصْفَ قِيمَتِهَا ، فَالشَّيْءُ سُبْعَاهَا وَسُبْعَا نِصْفِ قِيمَتِهَا وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَسْبَاعِهِ ، فَهُوَ الَّذِي عَتَقَ","part":13,"page":30},{"id":6030,"text":"مِنْهَا ، وَتَأْخُذْ نِصْفَ ذَلِكَ مِنْ الْمَالِ بِمَهْرِهَا ، وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَسْبَاعِهِ .\rفَإِنْ كَانَ يَمْلِكُ مَعَهَا مِثْلَ قِيمَتِهَا ، وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا ، عَتَقَ ثُلُثَاهَا ، وَرَقَّ ثُلُثُهَا ، وَبَطَلَ نِكَاحُهَا .\rوَإِنْ كَانَ دَخَلَ بِهَا عَتَقَ أَرْبَعَةُ أَسْبَاعِهَا ، وَلَهَا أَرْبَعَةُ أَسْبَاعِ مَهْرِهَا ، وَيَبْقَى لِلْوَرَثَةِ ثَلَاثَةُ أَسْبَاعِهَا وَخَمْسَةُ أَسْبَاعِ قِيمَتِهَا ، وَذَلِكَ يَعْدِلُ مِثْلَيْ مَا عَتَقَ مِنْهَا .\rوَحِسَابُهَا أَنْ تَجْعَلَ السَّبْعَةَ الْأَشْيَاءِ مُعَادِلَةً لَهَا وَلِقِيمَتِهَا ، فَيُعْتَقَ مِنْهَا بِقَدْرِ سُبْعَيْ الْجَمِيعِ ، وَهُوَ أَرْبَعَةُ أَسْبَاعِهَا ، وَتَسْتَحِقُّ سُبُعَ الْجَمِيعِ بِمَهْرِهَا ، وَهُوَ أَرْبَعَةُ أَسْبَاعِ مَهْرِهَا .\rوَإِنْ كَانَ يَمْلِكُ مَعَهَا مِثْلَيْ قِيمَتِهَا ، عَتَقَتْ كُلُّهَا ، وَصَحَّ نِكَاحُهَا ؛ لِأَنَّهَا تَخْرُجُ مِنْ الثُّلُثِ إنْ أَسْقَطَتْ مَهْرَهَا ، وَإِنْ أَبَتْ أَنْ تُسْقِطَهُ ، لَمْ يَنْفُذْ عِتْقُهَا ، وَبَطَلَ نِكَاحُهَا ، فَإِنْ كَانَ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُقْضَى بِعِتْقِهَا وَنِكَاحِهَا ، وَلَا مَهْرَ لَهَا ؛ لِأَنَّ إيجَابَهُ يُفْضِي إلَى إسْقَاطِهِ وَإِسْقَاطِ عِتْقِهَا وَنِكَاحِهَا ، فَإِسْقَاطُهُ وَحْدَهُ أَوْلَى .\rوَإِنْ كَانَ قَدْ دَخَلَ بِهَا ، عَمِلْنَا فِيهَا عَلَى مَا تَقَدَّمَ ، فَيُعْتَقُ سِتَّةُ أَسْبَاعِهَا ، وَلَهَا سِتَّةُ أَسْبَاعِ مَهْرِهَا ، وَيَبْطُلُ عِتْقُ سُبُعِهَا وَنِكَاحُهَا .\rوَلَوْ أَعْتَقَهَا ، وَلَمْ يَتَزَوَّجْهَا ، وَوَطِئَهَا ، كَانَ الْعَمَلُ فِيهَا فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ كَمَا لَوْ تَزَوَّجَهَا .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rوَذَكَرَ الْقَاضِي فِي مِثْلِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الَّتِي قَبْلَ الْأَخِيرَةِ ، مَا يَقْتَضِي صِحَّةَ عِتْقِهَا وَنِكَاحِهَا ، مَعَ وُجُوبِ مَهْرِهَا ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي مَنْ أَعْتَقَ فِي مَرَضِهِ أَمَةً قِيمَتُهَا مِائَةٌ ، وَأَصْدَقَهَا مِائَتَيْنِ ، لَا مَالَ لَهُ سِوَاهُمَا ، وَهُمَا مَهْرُ مِثْلِهَا : يَصِحُّ الْعِتْقُ وَالصَّدَاقُ وَالنِّكَاحُ ؛ لِأَنَّ الْمِائَتَيْنِ صَدَاقُ مِثْلِهَا ، وَتَزْوِيجُ الْمَرِيضِ بِمَهْرِ الْمِثْلِ صَحِيحٌ نَافِذٌ .\rوَهَذَا غَيْرُ","part":13,"page":31},{"id":6031,"text":"جَيِّدٍ ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ يُفْضِي إلَى نُفُوذِ الْعِتْقِ فِي الْمَرَضِ مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ ، وَلَا أَعْلَمُ بِهِ قَائِلًا .\rوَلَوْ أَنَّهُ أَتْلَفَ الْمِائَتَيْنِ ، أَوْ أَصْدَقَهُمَا لِامْرَأَةٍ أَجْنَبِيَّةٍ ، وَمَاتَ ، وَلَمْ يَخْلُفْ شَيْئًا ، لَبَطَلَ عِتْقُ ثُلُثَيْ الْأَمَةِ ، فَإِذَا أَخَذَتْهُمَا هِيَ ، كَانَ أَوْلَى فِي بُطْلَانِهِ .\rوَالصَّحِيحُ مَا ذَكَرْنَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فِيمَا إذَا تَرَكَ مِثْلَيْ قِيمَتِهَا ، وَكَانَ مَهْرُهَا نِصْفَ قِيمَتِهَا : تُعْطَى مَهْرَهَا وَثُلُثَ الْبَاقِي ، بِحَسَبِ ذَلِكَ مِنْ قِيمَتِهَا ، وَهُوَ نِصْفُهَا وَثُلُثُهَا ، فَيُعْتَقُ ذَلِكَ ، وَتَسْعَى فِي سُدُسِهَا الْبَاقِي ، وَيَبْطُلُ نِكَاحُهَا .\rفَأَمَّا إنْ خَلَفَ أَرْبَعَةَ أَمْثَالِ قِيمَتِهَا ، صَحَّ عِتْقُهَا وَنِكَاحُهَا وَصَدَاقُهَا ، فِي قَوْلِ الْجَمِيعِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَخْرُجُ مِنْ الثُّلُثِ ، وَتَرِثُ مِنْ الْبَاقِي فِي قَوْلِ أَصْحَابِنَا ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا تَرِثُ .\rوَهُوَ مُقْتَضَى قَوْلِ الْخِرَقِيِّ ؛ لِأَنَّهَا لَوْ وَرِثَتْ لَكَانَ عِتْقُهَا وَصِيَّةً لِوَارِثٍ ، وَاعْتِبَارُ الْوَصِيَّةِ بِالْمَوْتِ .","part":13,"page":32},{"id":6032,"text":"( 4613 ) فَصْلٌ : وَلَوْ أَنَّ امْرَأَةً مَرِيضَةً أَعْتَقَتْ عَبْدًا قِيمَتُهُ عَشْرَةٌ ، وَتَزَوَّجَهَا بِعَشْرَةٍ فِي ذِمَّتِهِ ، ثُمَّ مَاتَتْ ، وَخَلَفَتْ مِائَةً .\rاقْتَضَى قَوْلُ أَصْحَابِنَا أَنْ تُضَمَّ الْعَشَرَةُ الَّتِي فِي ذِمَّتِهِ إلَى الْمِائَةِ ، فَيَكُونَ ذَلِكَ هُوَ التَّرِكَةُ ، وَيَرِثَ نِصْفَ ذَلِكَ وَيَبْقَى لِلْوَرَثَةِ خَمْسَةٌ وَخَمْسُونَ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ .\rوَقَالَ صَاحِبَاهُ : تُحْسَبُ عَلَيْهِ قِيمَتُهُ أَيْضًا ، وَتُضَمُّ إلَى التَّرِكَةِ ، وَيَبْقَى لِلْوَرَثَةِ سِتُّونَ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يَرِثُ شَيْئًا ، وَعَلَيْهِ أَدَاءُ الْعَشَرَةِ الَّتِي فِي ذِمَّتِهِ ؛ لِئَلَّا يَكُونَ إعْتَاقُهُ وَصِيَّةً لِوَارِثٍ .\rوَهَذَا مُقْتَضَى قَوْلِ الْخِرَقِيِّ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .","part":13,"page":33},{"id":6033,"text":"( 4614 ) فَصْلٌ : وَلَوْ تَزَوَّجَ الْمَرِيضُ امْرَأَةً صَدَاقُ مِثْلِهَا خَمْسَةٌ ، فَأَصْدَقَهَا عَشْرَةً لَا يَمْلِكُ غَيْرَهَا ، ثُمَّ مَاتَ ، وَوَرِثَتْهُ ، بَطَلَتْ الْمُحَابَاةُ ؛ لِأَنَّهَا وَصِيَّةٌ لِوَارِثٍ ، وَلَهَا صَدَاقُهَا وَرُبُعُ الْبَاقِي بِالْمِيرَاثِ .\rوَإِنْ مَاتَتْ قَبْلَهُ ، صَحَّتْ الْمُحَابَاةُ ، وَيَدْخُلُهَا الدَّوْرُ ، فَنَقُولُ : لَهَا مَهْرُهَا وَهُوَ خَمْسَةٌ ، وَشَيْءٌ بِالْمُحَابَاةِ يَبْقَى لِوَرَثَةِ الزَّوْجِ خَمْسَةُ الْأَشْيَاءِ ، ثُمَّ رَجَعَ إلَيْهِمْ نِصْفُ مَالِهَا ، وَهُوَ دِينَارَانِ ، وَنِصْفُ شَيْءٍ ، صَارَ لَهُمْ سَبْعَةٌ وَنِصْفٌ إلَّا نِصْفُ شَيْءٍ يَعْدِلُ شَيْئَيْنِ ، اُجْبُرْ وَقَابِلْ ، يَتَبَيَّنْ أَنَّ الشَّيْءَ ثَلَاثَةٌ ، فَيَكُونُ لِوَرَثَتِهَا أَرْبَعَةٌ ، وَلِوَرَثَتِهِ سِتَّةٌ .\rوَإِنْ خَلَفَتْ مَعَ ذَلِكَ دِينَارَيْنِ ، عَادَ إلَى الزَّوْجِ مِنْ مِيرَاثِهَا ثَلَاثَةٌ وَنِصْفُ شَيْءٍ ، صَارَ لَهُ ثَمَانِيَةٌ وَنِصْفٌ إلَّا نِصْفُ شَيْءٍ ، اُجْبُرْ وَقَابِلْ ، يَخْرُجْ الشَّيْءُ ثَلَاثَةً وَخُمُسَيْنِ ، فَصَارَ لِوَرَثَتِهِ سِتَّةٌ وَأَرْبَعَةُ أَخْمَاسٍ ، وَلِوَرَثَتِهَا خَمْسَةٌ وَخُمُسٌ .","part":13,"page":34},{"id":6034,"text":"( 4615 ) فَصْلٌ : وَإِذَا أَوْصَى بِجَارِيَةٍ لِزَوْجِهَا الْحُرِّ ، فَقَبِلَهَا ، انْفَسَخَ النِّكَاحُ ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ لَا يَجْتَمِعُ مَعَ مِلْكِ الْيَمِينِ .\rوَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّ الْمُوصَى لَهُ إنَّمَا يَمْلِكُ بِالْقَبُولِ ، فَحِينَئِذٍ يَنْفَسِخُ النِّكَاحُ .\rوَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ ، أَنَّهُ إذَا قَبِلَ تَبَيَّنَّا أَنَّ الْمِلْكَ كَانَ ثَابِتًا مِنْ حِينِ مَوْتِ الْمُوصِي ، فَتَبَيَّنَ حِينَئِذٍ أَنَّ النِّكَاحَ انْفَسَخَ مِنْ حِينِ مَوْتِ الْمُوصِي ، فَإِنْ أَتَتْ بِوَلَدٍ لَمْ تَخْلُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ : أَحَدُهَا ، أَنْ تَكُونَ حَامِلًا بِهِ حِينَ الْوَصِيَّةِ ، وَيُعْلَمُ ذَلِكَ بِأَنْ تَأْتِيَ بِهِ لِأَقَلِّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مُنْذُ أَوْصَى ، فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَكُونُ مُوصًى بِهِ مَعَهَا ؛ لِأَنَّ لِلْحَمْلِ حُكْمًا ، وَلِهَذَا تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ بِهِ وَلَهُ ، وَإِذَا صَحَّتْ الْوَصِيَّةُ بِهِ مُنْفَرِدًا ، صَحَّتْ الْوَصِيَّةُ بِهِ مَعَ أُمِّهِ ، فَيَصِيرُ كَمَا لَوْ كَانَ مُنْفَصِلًا فَأَوْصَى بِهِمَا جَمِيعًا .\rوَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ ، لَا حُكْمَ لِلْحَمْلِ ، فَلَا يَدْخُلُ فِي الْوَصِيَّةِ ، وَإِنَّمَا يَثْبُتُ لَهُ الْحُكْمُ عِنْدَ انْفِصَالِهِ ، كَأَنَّهُ حَدَثَ حِينَئِذٍ .\rفَعَلَى هَذَا إنْ انْفَصَلَ فِي حَيَاةِ الْمُوصِي ، فَهُوَ لَهُ ، كَسَائِرِ كَسْبِهَا ، وَإِنْ انْفَصَلَ بَعْد مَوْتِهِ وَقَبْلَ الْقَبُولِ ، فَهُوَ لِلْوَرَثَةِ ، عَلَى ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ ، وَإِنْ انْفَصَلَ بَعْدَهُ ، فَهُوَ لِلْمُوصَى لَهُ .\rالْحَالُ الثَّانِي ، أَنْ تَحْمِلَ بِهِ بَعْدَ الْوَصِيَّةِ فِي حَيَاةِ الْمُوصِي ، وَيُعْلَمُ ذَلِكَ بِأَنْ تَضَعَهُ بَعْد سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ حِينِ أَوْصَى ؛ لِأَنَّهَا وَلَدَتْهُ لِمُدَّةِ الْحَمْلِ بَعْدَ الْوَصِيَّةِ ، فَيُحْتَمَلُ أَنَّهَا حَمَلَتْهُ بَعْدَهَا فَلَمْ يَتَنَاوَلْهُ .\rوَالْأَصْلُ عَدَمُ الْحَمْلِ حَالَ الْوَصِيَّةِ ، فَلَا نُثْبِتُهُ بِالشَّكِّ ، فَيَكُونُ مَمْلُوكًا لِلْمُوصِي إنْ وَلَدَتْهُ فِي حَيَاتِهِ .\rوَإِنْ وَلَدَتْهُ بَعْدَهُ ، وَقُلْنَا : لِلْحَمْلِ حُكْمٌ .\rفَكَذَلِكَ .\rوَإِنْ قُلْنَا : لَا حُكْمَ لَهُ .\rفَهُوَ لِلْوَرَثَةِ إنْ وَلَدَتْهُ قَبْلَ الْقَبُولِ ، وَلَا بَيِّنَةَ إنْ","part":13,"page":35},{"id":6035,"text":"وَضَعَتْهُ بَعْدَهُ .\rوَكُلُّ مَوْضِعٍ كَانَ الْوَلَدُ لِلْمُوصَى لَهُ ، فَإِنَّهُ يُعْتَقُ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ ابْنُهُ ، وَعَلَيْهِ وَلَاءٌ لِأَبِيهِ ؛ لِأَنَّهُ عَتَقَ عَلَيْهِ بِالْقَرَابَةِ ، وَأُمُّهُ أَمَةٌ يَنْفَسِخُ نِكَاحُهَا بِالْمِلْكِ ، وَلَا تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَعْلَقْ مِنْهُ بِحُرٍّ فِي مِلْكِهِ .\rالْحَالُ الثَّالِثُ ، أَنْ تَحْمِلَ بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي وَقَبْلَ الْقَبُولِ ، وَيُعْلَمُ ذَلِكَ بِأَنْ تَضَعَهُ لِأَكْثَرِ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ حِينِ الْمَوْتِ ، فَإِنْ وَضَعَتْهُ قَبْلَ الْقَبُولِ أَيْضًا ، فَهُوَ لِلْوَارِثِ ، فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ إنَّمَا ثَبَتَ لِلْمُوصَى لَهُ بَعْدَ الْقَبُولِ .\rوَعَلَى الْوَجْهِ الْآخَرِ ، يَكُونُ لِلْمُوصَى لَهُ .\rوَإِنْ وَضَعَتْهُ بَعْدَ الْقَبُولِ ، فَكَذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ لِلْحَمْلِ حُكْمًا ، فَيَكُونُ حَادِثًا عَنْ مِلْكِ الْوَارِثِ .\rوَعَلَى الْوَجْهِ الْآخَرِ ، يَكُونُ لِلْمُوصَى لَهُ ، فَعَلَى هَذَا يَكُون حُرًّا لَا وَلَاءَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهَا أُمُّ وَلَدٍ ، لِكَوْنِهَا عَلِقَتْ مِنْهُ بِحُرٍّ فِي مِلْكِهِ ، فَيَصِيرُ كَمَا لَوْ حَمَلَتْ بِهِ بَعْدَ الْقَبُولِ .\rوَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فِي هَذَا الْفَصْلِ قَرِيبٌ مِمَّا قُلْنَاهُ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إذَا وَضَعَتْهُ بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي ، دَخَلَ فِي الْوَصِيَّةِ بِكُلِّ حَالٍ ؛ لِأَنَّهَا تَسْتَقِرُّ بِالْمَوْتِ وَتَلْزَمُ ، فَوَجَبَ أَنْ تَسْرِيَ إلَى الْوَلَدِ ، كَالِاسْتِيلَادِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهَا زِيَادَةٌ مُنْفَصِلَةٌ حَادِثَةٌ بَعْدَ عَقْدِ الْوَصِيَّةِ ، فَلَا تَدْخُلُ فِيهَا ، كَالْكَسْبِ ، وَإِذَا أَوْصَى بِعِتْقِ جَارِيَةٍ فَوَلَدَتْ .\rوَتُفَارِقُ الِاسْتِيلَادَ ؛ لِأَنَّ لَهُ تَغْلِيبًا وَسِرَايَةً .\rوَهَذَا التَّفْرِيعُ فِيمَا إذَا خَرَجَتْ الْجَارِيَةُ مِنْ الثُّلُثِ ، وَإِنْ لَمْ تَخْرُجْ مِنْ الثُّلُثِ ، مَلَكَ مِنْهَا بِقَدْرِ الثُّلُثِ ، وَانْفَسَخَ النِّكَاحُ ؛ لِأَنَّ مِلْكَ بَعْضِهَا يَفْسَخُ النِّكَاحَ ، كَمِلْكِ جَمِيعهَا .\rوَكُلُّ مَوْضِعٍ يَكُونُ الْوَلَدُ فِيهِ لِأَبِيهِ ، فَإِنَّهُ يَكُونُ لَهُ مِنْهُ هَا هُنَا بِقَدْرِ مَا مَلَكَ مِنْ أُمِّهِ ،","part":13,"page":36},{"id":6036,"text":"وَيَسْرِي الْعِتْقُ إلَى بَاقِيهِ إنْ كَانَ مُوسِرًا ، وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ مَا مَلَكَ وَحْدَهُ .\rوَكُلُّ مَوْضِعٍ قُلْنَا : تَكُونُ أُمَّ وَلَدٍ .\rفَإِنَّهَا تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ هَا هُنَا .\rسَوَاءٌ كَانَ مُوسِرًا أَوْ مُعْسِرًا ، عَلَى قَوْلِ الْخِرَقِيِّ ، كَمَا إذَا اسْتَوْلَدَ الْأَمَةَ الْمُشْتَرَكَةَ .\rقَالَ الْقَاضِي : تَصِيرُ مِنْهَا أُمُّ وَلَدٍ بِقَدْرِ مَا مَلَكَ مِنْهَا .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .","part":13,"page":37},{"id":6037,"text":"( 4616 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( فَإِنْ مَاتَ الْمُوصَى لَهُ قَبْلَ مَوْتِ الْمُوصِي ، بَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ ) هَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .\rوَبِهِ قَالَ الزُّهْرِيُّ ، وَحَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ ، وَرَبِيعَةُ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَقَالَ الْحَسَنُ : تَكُونُ لِوَلَدِ الْمُوصَى لَهُ .\rوَقَالَ عَطَاءٌ : إذَا عَلِمَ الْمُوصِي بِمَوْتِ الْمُوصَى لَهُ ، وَلَمْ يَحْدُثْ فِيمَا أَوْصَى بِهِ شَيْئًا ، فَهُوَ لِوَارِثِ الْمُوصَى لَهُ ؛ لِأَنَّهُ مَاتَ بَعْدَ عَقْدِ الْوَصِيَّةِ ، فَيَقُومُ الْوَارِثُ مَقَامَهُ ، كَمَا لَوْ مَاتَ بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي وَقَبْلَ الْقَبُولِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهَا عَطِيَّةٌ صَادَفَتْ الْمُعْطِي مَيِّتًا ، فَلَمْ تَصِحَّ ، كَمَا لَوْ وَهَبَ مَيِّتًا ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ عَطِيَّةٌ بَعْدَ الْمَوْتِ ، وَإِذَا مَاتَ قَبْلَ الْقَبُولِ بَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ أَيْضًا .\rوَإِنْ سَلَّمْنَا صِحَّتَهَا ، فَإِنَّ الْعَطِيَّةَ صَادَفَتْ حَيًّا ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا .","part":13,"page":38},{"id":6038,"text":"( 4617 ) فَصْلٌ : وَلَا تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ لِمَيِّتٍ .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : إنْ عَلِمَ أَنَّهُ مَيِّتٌ ، فَهِيَ جَائِزَةٌ ، وَهِيَ لِوَرَثَتِهِ بَعْدَ قَضَاءِ دُيُونِهِ وَتَنْفِيذِ وَصَايَاهُ ؛ لِأَنَّ الْغَرَضَ نَفْعُهُ بِهَا ، وَبِهَذَا يَحْصُلُ لَهُ النَّفْعُ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَ حَيًّا .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ أَوْصَى لِمَنْ لَا تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ لَهُ ، إذَا لَمْ يَعْلَمْ ، فَلَمْ تَصِحَّ إذَا عَلِمَ ، كَالْبَهِيمَةِ .\rوَفَارَقَ الْحَيَّ ؛ فَإِنَّ الْوَصِيَّةَ تَصِحُّ لَهُ فِي الْحَالَيْنِ ، وَلِأَنَّهُ عَقْدٌ يَفْتَقِرُ إلَى الْقَبُولِ ، فَلَمْ يَصِحّ لِلْمَيِّتِ ، كَالْهِبَةِ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِذَا أَوْصَى بِثُلُثِهِ ، أَوْ بِمِائَةٍ لِاثْنَيْنِ حَيٍّ وَمَيِّتٍ ، فَلِلْحَيِّ نِصْفُ الْوَصِيَّةِ ، سَوَاءٌ عَلِمَ مَوْتَ الْمَيِّتِ أَوْ جَهِلَهُ .\rوَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَإِسْحَاقَ ، وَالْبَصْرِيِّينَ .\rوَقَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ : إذَا قَالَ : هَذِهِ الْمِائَةُ لِفُلَانٍ وَفُلَانٍ .\rفَهِيَ لِلْحَيِّ مِنْهُمَا .\rوَإِنْ قَالَ : بَيْنَ فُلَانٍ وَفُلَانٍ .\rفَوَافَقْنَا الثَّوْرِيَّ فِي أَنَّ نِصْفَهَا لِلْحَيِّ .\rوَعَنْ الشَّافِعِيِّ كَالْمَذْهَبَيْنِ .\rوَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : عِنْدِي أَنَّهُ إذَا عَلِمَهُ مَيِّتًا ، فَالْجَمِيعُ لِلْحَيِّ ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْهُ مَيِّتًا ، فَلِلْحَيِّ النِّصْفُ .\rوَقَدْ نُقِلَ عَنْ أَحْمَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ .\rفَإِنَّهُ قَالَ ، فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ : إذَا أَوْصَى لِفُلَانٍ وَفُلَانٍ بِمِائَةٍ ، فَبَانَ أَحَدُهُمَا مَيِّتًا ، فَلِلْحَيِّ خَمْسُونَ .\rفَقِيلَ لَهُ : أَلَيْسَ إذَا قَالَ : ثُلُثِي لِفُلَانٍ وَلِلْحَائِطِ ، أَنَّ الثُّلُثَ كُلَّهُ لِفُلَانٍ ؟ فَقَالَ : وَأَيُّ شَيْءٍ يُشْبِهُ هَذَا ، الْحَائِطَ لَهُ مِلْكٌ ، فَعَلَى هَذَا إذَا شَرَكَ بَيْنَ مَنْ تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ لَهُ وَمَنْ لَا تَصِحُّ ، مِثْل أَنْ يُوصِيَ لِفُلَانٍ وَلِلْمِلْكِ وَلِلْحَائِطِ ، أَوْ لِفُلَانٍ الْمَيِّتِ ، فَالْمُوصَى بِهِ كُلُّهُ لِمَنْ تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ لَهُ ، إذَا كَانَ عَالِمًا بِالْحَالِ ؛ لِأَنَّهُ إذَا شَرَكَ","part":13,"page":39},{"id":6039,"text":"بَيْنَهُمَا فِي هَذِهِ الْحَالِ عُلِمَ أَنَّهُ قَصَدَ بِالْوَصِيَّةِ كُلِّهَا مَنْ تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ لَهُ .\rوَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ الْحَالَ ، فَلِمَنْ تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ لَهُ نِصْفُهَا ؛ لِأَنَّهُ قَصَدَ إيصَالَ نِصْفِهَا إلَيْهِ ، وَإِلَى الْآخَرِ النِّصْفَ الْآخَرَ ، ظَنًّا مِنْهُ أَنَّ الْوَصِيَّةَ لَهُ صَحِيحَةٌ ، فَإِذَا بَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ فِي حَقِّ أَحَدِهِمَا ، صَحَّتْ فِي حَقِّ الْآخَرِ بِقِسْطِهِ ، كَتَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ .\rوَوَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ ، أَنَّهُ جَعَلَ الْوَصِيَّةَ لِاثْنَيْنِ ، فَلَمْ يَسْتَحِقَّ أَحَدُهُمَا جَمِيعَهَا ، كَمَا لَوْ كَانَا مِمَّنْ تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ لَهُمَا فَمَاتَ أَحَدُهُمَا ، أَوْ كَمَا لَوْ لَمْ يَعْلَمْ الْحَالَ .\rفَأَمَّا إنْ وَصَّى لِاثْنَيْنِ حَيَّيْنِ ، فَمَاتَ أَحَدُهُمَا ، فَلِلْآخَرِ نِصْفُ الْوَصِيَّةِ .\rلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا .\rوَكَذَلِكَ لَوْ بَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ فِي حَقِّ أَحَدِهِمَا ؛ لِرَدِّهِ لَهَا .\rأَوْ لِخُرُوجِهِ عَنْ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِهَا .\rوَلَوْ قَالَ : أَوْصَيْت لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ فُلَانٍ وَفُلَانٍ بِنِصْفِ الثُّلُثِ ، أَوْ بِنِصْفِ الْمِائَةِ ، أَوْ بِخَمْسِينَ .\rلَمْ يَسْتَحِقَّ أَحَدُهُمَا أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ الْوَصِيَّةِ ، سَوَاءٌ كَانَ شَرِيكُهُ حَيًّا أَوْ مَيِّتًا ؛ لِأَنَّهُ عَيَّنَ وَصِيَّتَهُ فِي النِّصْفِ ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ حَقٌّ فِيمَا سِوَاهُ .","part":13,"page":40},{"id":6040,"text":"( 4618 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : ( وَإِنْ رَدَّ الْمُوصَى لَهُ الْوَصِيَّةَ ، بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي ، بَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ ) لَا يَخْلُو إذَا رَدَّ الْوَصِيَّةَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَحْوَالٍ ؛ أَحَدُهَا ، أَنْ يَرُدَّهَا قَبْلَ مَوْتِ الْمُوصِي ، فَلَا يَصِحُّ الرَّدُّ هَا هُنَا ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ لَمْ تَقَعْ بَعْدُ ، فَأَشْبَهَ رَدَّ الْمَبِيعِ قَبْلَ إيجَابِ الْبَيْعِ ، وَلِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَحِلٍّ لِلْقَبُولِ ، فَلَا يَكُونُ مَحَلًّا لِلرَّدِّ ، كَمَا قَبْلَ الْوَصِيَّةِ .\rوَالثَّانِيَةُ ، أَنْ يَرُدَّهَا بَعْدَ الْمَوْتِ ، وَقَبْلَ الْقَبُولِ ، فَيَصِحُّ الرَّدُّ ، وَتَبْطُلُ الْوَصِيَّةُ .\rلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا ؛ لِأَنَّهُ أَسْقَطَ حَقَّهُ فِي حَالٍ يَمْلِكُ قَبُولَهُ وَأَخْذَهُ ، فَأَشْبَهَ عَفْوَ الشَّفِيعِ عَنْ الشُّفْعَةِ بَعْدَ الْبَيْعِ .\rوَالثَّالِثَةُ ، أَنْ يَرُدَّ بَعْدَ الْقَبُولِ وَالْقَبْضِ ، فَلَا يَصِحُّ الرَّدُّ ؛ لِأَنَّ مِلْكَهُ قَدْ اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ ، فَأَشْبَهَ رَدَّهُ لِسَائِرِ مِلْكِهِ ، إلَّا أَنْ يَرْضَى الْوَرَثَةُ بِذَلِكَ ، فَتَكُونَ هِبَةً مِنْهُ لَهُمْ تَفْتَقِرُ إلَى شُرُوطِ الْهِبَةِ .\rوَالرَّابِعَةُ ، أَنْ يَرُدَّ بَعْدَ الْقَبُولِ وَقَبْلَ الْقَبْضِ ، فَيُنْظَرُ ؛ فَإِنْ كَانَ الْمُوصَى بِهِ مَكِيلًا أَوْ مَوْزُونًا ، صَحَّ الرَّدُّ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَقِرُّ مِلْكُهُ عَلَيْهِ قَبْلَ قَبْضِهِ ، فَأَشْبَهَ رَدَّهُ قَبْلَ الْقَبُولِ ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ ، لَمْ يَصِحَّ الرَّدُّ ؛ لِأَنَّ مِلْكَهُ قَدْ اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ ، فَهُوَ كَالْمَقْبُوضِ .\rوَيُحْتَمَلُ أَنْ يَصِحَّ الرَّدُّ ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْقَبْضَ مُعْتَبَرٌ فِيهِ .\rوَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ فِي هَذِهِ الْحَالِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، يَصِحُّ الرَّدُّ فِي الْجَمِيعِ ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ وَغَيْرِهِمَا .\rوَهَذَا الْمَنْصُوصُ عَنْ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُمْ لَمَّا مَلَكُوا الرَّدَّ مِنْ غَيْرِ قَبُولٍ ، مَلَكُوا الرَّدَّ مِنْ غَيْرِ قَبْضٍ ، وَلِأَنَّ مِلْكَ الْوَصِيِّ لَمْ يَسْتَقِرَّ عَلَيْهِ قَبْلَ الْقَبْضِ ، فَصَحَّ رَدُّهُ ، كَمَا قَبْلَ الْقَبُولِ .\rوَالثَّانِي ، لَا يَصِحُّ الرَّدُّ ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ يَحْصُلُ","part":13,"page":41},{"id":6041,"text":"بِالْقَبُولِ مِنْ غَيْرِ قَبْضٍ .","part":13,"page":42},{"id":6042,"text":"( 4619 ) فَصْلٌ : وَكُلُّ مَوْضِعٍ صَحَّ الرَّدُّ فِيهِ ، فَإِنْ الْوَصِيَّةَ تَبْطُلُ بِالرَّدِّ ، وَتَرْجِعُ إلَى التَّرِكَةِ ، فَتَكُونُ لِلْوُرَّاثِ جَمِيعِهِمْ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ ثُبُوتُ الْحُكْمِ لَهُمْ ، وَإِنَّمَا خَرَجَ بِالْوَصِيَّةِ ، فَإِذَا بَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ ، رَجَعَ إلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ ، كَأَنَّ الْوَصِيَّةَ لَمْ تُوجَدْ .\rوَلَوْ عَيَّنَ بِالرَّدِّ وَاحِدًا ، وَقَصَدَ تَخْصِيصَهُ بِالْمَرْدُودِ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ ، وَكَانَ لِجَمِيعِهِمْ ؛ لِأَنَّ رَدَّهُ امْتِنَاعٌ مِنْ تَمَلُّكِهِ ، فَيَبْقَى عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ ، وَلِأَنَّهُ لَمْ يَمْلِكْ دَفْعَهُ إلَى أَجْنَبِيٍّ ، فَلَمْ يَمْلِكْ دَفْعَهُ إلَى وَارِثٍ يَخُصُّهُ بِهِ .\rوَكُلُّ مَوْضِعٍ امْتَنَعَ الرَّدُّ لِاسْتِقْرَارِ مِلْكِهِ عَلَيْهِ ، فَلَهُ أَنْ يَخُصَّ بِهِ وَاحِدًا مِنْ الْوَرَثَةِ ؛ لِأَنَّهُ ابْتِدَاءُ هِبَةٍ ، وَيَمْلِكُ أَنْ يَدْفَعَهُ إلَى أَجْنَبِيٍّ ، فَمَلَكَ دَفْعَهُ إلَى وَارِثٍ .\rفَلَوْ قَالَ : رَدَدْت هَذِهِ الْوَصِيَّةَ لِفُلَانٍ .\rقِيلَ لَهُ : مَا أَرَدْت بِقَوْلِكَ لِفُلَانٍ ؟ فَإِنْ قَالَ : أَرَدْت تَمْلِيكَهُ إيَّاهَا ، وَتَخْصِيصَهُ بِهَا .\rفَقَبِلَهَا ، اخْتَصَّ بِهَا ، وَإِنْ قَالَ : أَرَدْت رَدَّهَا إلَى جَمِيعِهِمْ ، لِيَرْضَى فُلَانٌ .\rعَادَتْ إلَى جَمِيعِهِمْ إذَا قَبِلُوهَا ، فَإِنْ قَبِلَهَا بَعْضُهُمْ دُونَ بَعْضٍ ، فَلِمَنْ قَبِلَ حِصَّتُهُ مِنْهَا .","part":13,"page":43},{"id":6043,"text":"( 4620 ) فَصْلٌ : وَيَحْصُلُ الرَّدُّ بِقَوْلِهِ : رَدَدْت الْوَصِيَّةَ .\rوَقَوْلِهِ : لَا أَقْبَلُهَا .\rوَمَا أَدَّى هَذَا الْمَعْنَى .\rقَالَ أَحْمَدُ : إذَا قَالَ أَوْصَيْت لِرَجُلٍ بِأَلْفٍ ، فَقَالَ : لَا أَقْبَلُهَا .\rفَهِيَ لِوَرَثَتِهِ .\rيَعْنِي لِوَرَثَةِ الْمُوصِي .","part":13,"page":44},{"id":6044,"text":"( 4621 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( فَإِنْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَقْبَلَ أَوْ يَرُدَّ ، قَامَ وَارِثُهُ فِي ذَلِكَ مَقَامَهُ ، إذَا كَانَ مَوْتُهُ بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي ) اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيمَا إذَا مَاتَ الْمُوصَى لَهُ قَبْلَ الْقَبُولِ وَالرَّدِّ ، بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي ، فَذَهَبَ الْخِرَقِيِّ إلَى أَنَّ وَارِثَهُ يَقُومُ مَقَامَهُ فِي الْقَبُولِ وَالرَّدِّ ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ ثَبَتَ لِلْمَوْرُوثِ فَثَبَتَ لِلْوَارِثِ بَعْدَ مَوْتِهِ ، لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ { : مَنْ تَرَكَ حَقًّا فَلِوَرَثَتِهِ } .\rوَكَخِيَارِ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ ، وَذَهَبَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ حَامِدٍ إلَى أَنَّ الْوَصِيَّةَ تَبْطُلُ ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ يَفْتَقِرُ إلَى الْقَبُولِ ، فَإِذَا مَاتَ مَنْ لَهُ الْقَبُولُ قَبْلَهُ ، بَطَلَ الْعَقْدُ ، كَالْهِبَةِ .\rقَالَ الْقَاضِي : هُوَ قِيَاسُ الْمَذْهَبِ ؛ لِأَنَّهُ خِيَارٌ لَا يُعْتَاضُ عَنْهُ ، فَبَطَلَ بِالْمَوْتِ ، كَخِيَارِ الْمَجْلِسِ وَالشَّرْطِ وَخِيَارِ الْأَخْذِ بِالشُّفْعَةِ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ : تَلْزَمُ الْوَصِيَّةُ فِي حَقِّ الْوَارِثِ ، وَتَدْخُلُ فِي مِلْكِهِ حُكْمًا بِغَيْرِ قَبُولٍ ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ قَدْ لَزِمَتْ مِنْ جِهَةِ الْمُوصِي ، وَإِنَّمَا الْخِيَارُ لِلْمُوصَى لَهُ ، فَإِذَا مَاتَ ، بَطَلَ خِيَارُهُ ، وَدَخَلَ فِي مِلْكِهِ ، كَمَا لَوْ اشْتَرَى شَيْئًا عَلَى أَنَّ الْخِيَارَ لَهُ ، فَمَاتَ قَبْلَ انْقِضَائِهِ .\rوَلَنَا ، عَلَى أَنَّ الْوَصِيَّةَ لَا تَبْطُلُ بِمَوْتِ الْمُوصَى لَهُ ، أَنَّهَا عَقْدٌ لَازِمٌ مِنْ أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ ، فَلَمْ تَبْطُلْ بِمَوْتِ مَنْ لَهُ الْخِيَارُ ، كَعَقْدِ الرَّهْنِ وَالْبَيْعِ إذَا شُرِطَ فِيهِ الْخِيَارُ لِأَحَدِهِمَا ، وَلِأَنَّهُ عَقْدٌ لَا يَبْطُلُ بِمَوْتِ الْمُوجِبِ لَهُ ، فَلَا يَبْطُلُ بِمَوْتِ الْآخَرِ ، كَاَلَّذِي ذَكَرْنَا .\rوَيُفَارِقُ الْهِبَةَ وَالْبَيْعَ قَبْلَ الْقَبُولِ ، مِنْ الْوَجْهَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرْنَاهُمَا ، وَهُوَ أَنَّهُ جَائِزٌ مِنْ الطَّرَفَيْنِ ، وَيَبْطُلُ بِمَوْتِ الْمُوجِبِ لَهُ ، وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُهُ عَلَى الْخِيَارَاتِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْطُلُ الْخِيَارُ ، وَيَلْزَمُ الْعَقْدُ ، فَنَظِيرُهُ فِي مَسْأَلَتِنَا قَوْلُ","part":13,"page":45},{"id":6045,"text":"أَصْحَابِ الرَّأْيِ .\rوَلَنَا ، عَلَى إبْطَالِ قَوْلِهِمْ أَنَّهُ عَقْدٌ يَفْتَقِرُ إلَى قَبُولِ الْمُتَمَلِّكِ ، فَلَمْ يَلْزَمْ قَبْلَ الْقَبُولِ ، كَالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّ الْوَارِثَ يَقُومُ مَقَامَ الْمُوصَى لَهُ فِي الْقَبُولِ وَالرَّدِّ ؛ لِأَنَّ كُلَّ حَقٍّ مَاتَ عَنْهُ الْمُسْتَحِقُّ فَلَمْ يَبْطُلُ بِالْمَوْتِ ، قَامَ الْوَارِثُ فِيهِ مَقَامَهُ .\rفَعَلَى هَذَا ، إنْ رَدَّ الْوَارِثُ الْوَصِيَّةَ بَطَلَتْ ، وَإِنْ قَبِلَهَا صَحَّتْ ، وَثَبَتَ الْمِلْكُ بِهَا .\rوَإِنْ كَانَ الْوَارِثُ جَمَاعَةً ، اُعْتُبِرَ الْقَبُولُ أَوْ الرَّدُّ مِنْ جَمِيعِهِمْ ، فَإِنْ رَدَّ بَعْضُهُمْ وَقَبِلَ بَعْضٌ ، ثَبَتَ لِلْقَابِلِ حِصَّتُهُ ، وَبَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ فِي حَقِّ مَنْ رَدَّ .\rفَإِنْ كَانَ فِيهِمْ مَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ التَّصَرُّفِ ، قَامَ وَلِيُّهُ مَقَامَهُ فِي الْقَبُولِ وَالرَّدِّ ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَفْعَلَ إلَّا مَا لِلْمُوَلَّى عَلَيْهِ الْحَظُّ فِيهِ ، فَإِنْ فَعَلَ غَيْرَهُ لَمْ يَصِحَّ ، فَإِذَا كَانَ الْحَظُّ فِي قَبُولِهَا فَرَدَّهَا ، لَمْ يَصِحَّ رَدُّهُ ، وَكَانَ لَهُ قَبُولُهَا بَعْدَ ذَلِكَ .\rوَإِنْ كَانَ الْحَظُّ فِي رَدَّهَا فَقَبِلَهَا ، لَمْ يَصِحَّ قَبُولُهُ ؛ لِأَنَّ الْوَلِيَّ لَا يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فِي حَقِّ الْمُوَلَّى عَلَيْهِ بِغَيْرِ مَا لَهُ الْحَظُّ فِيهِ .\rفَلَوْ أَوْصَى لِصَبِيٍّ بِذِي رَحِمٍ لَهُ يُعْتَقُ بِمِلْكِهِ لَهُ ، وَكَانَ عَلَى الصَّبِيِّ ضَرَرٌ فِي ذَلِكَ ، بِأَنْ تَلْزَمَهُ نَفَقَةُ الْمُوصَى بِهِ ، لِكَوْنِهِ فَقِيرًا لَا كَسْبَ لَهُ ، وَالْمُوَلَّى عَلَيْهِ مُوسِرٌ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ قَبُولُ الْوَصِيَّةِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ ضَرَرٌ لِكَوْنِ الْمُوصَى بِهِ ذَا كَسْبٍ ، أَوْ كَوْنِ الْمُوَلَّى عَلَيْهِ فَقِيرًا لَا تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ ، تَعَيَّنَ قَبُولُ الْوَصِيَّةِ ؛ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ نَفْعًا لِلْمُوَلَّى عَلَيْهِ ، لِعِتْقِ قَرَابَتِهِ ، وَتَحْرِيرِهِ ، مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ يَعُودُ عَلَيْهِ ، فَتَعَيَّنَ ذَلِكَ .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":13,"page":46},{"id":6046,"text":"( 4622 ) فَصْلٌ : وَلَا يَمْلِكُ الْمُوصَى لَهُ الْوَصِيَّةَ إلَّا بِالْقَبُولِ ، فِي قَوْلِ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ ، إذَا كَانَتْ لِمُعَيَّنٍ يُمْكِنُ الْقَبُولُ مِنْهُ ؛ لِأَنَّهَا تَمْلِيكُ مَالٍ لِمَنْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الْمِلْكِ مُتَعَيِّنٍ ، فَاعْتُبِرَ قَبُولُهُ ، كَالْهِبَةِ وَالْبَيْعِ .\rقَالَ أَحْمَدُ : الْهِبَةُ وَالْوَصِيَّةُ وَاحِدٌ ، فَأَمَّا إنْ كَانَتْ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ ، كَالْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَمَنْ لَا يُمْكِنُ حَصْرُهُمْ ، كَبَنِي هَاشِمٍ وَتَمِيمٍ ، أَوْ عَلَى مَصْلَحَةٍ كَمَسْجِدٍ أَوْ حَجٍّ ، لَمْ يَفْتَقِرْ إلَى قَبُولٍ ، وَلَزِمَتْ بِمُجَرَّدِ الْمَوْتِ ؛ لِأَنَّ اعْتِبَارَ الْقَبُولِ مِنْ جَمِيعِهِمْ مُتَعَذِّرٌ ، فَيَسْقُطُ اعْتِبَارُهُ ، كَالْوَقْفِ عَلَيْهِمْ ، وَلَا يَتَعَيَّنُ وَاحِدٌ مِنْهُمْ فَيُكْتَفَى بِقَبُولِهِ ، وَلِذَلِكَ لَوْ كَانَ فِيهِمْ ذُو رَحِمٍ مِنْ الْمُوصَى بِهِ ، مِثْلَ أَنْ يُوصِيَ بِعَبْدٍ لِلْفُقَرَاءِ وَأَبُوهُ فَقِيرٌ ، لَمْ يُعْتَقْ عَلَيْهِ .\rوَلِأَنَّ الْمِلْكَ لَا يَثْبُتُ لِلْمُوصَى لَهُمْ ، بِدَلِيلِ مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْمَسْأَلَةِ ، وَإِنَّمَا ثَبَتَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِالْقَبْضِ ، فَيَقُومُ قَبْضُهُ مَقَامَ قَبُولِهِ .\rأَمَّا الْآدَمِيُّ الْمُعَيَّنُ ، فَيَثْبُتُ لَهُ الْمِلْكُ ، فَيُعْتَبَرُ قَبُولُهُ ، لَكِنْ لَا يَتَعَيَّنُ الْقَبُولُ بِاللَّفْظِ ، بَلْ يُجْزِئُ مَا قَامَ مَقَامَهُ مِنْ الْأَخْذِ وَالْفِعْلِ الدَّالِ عَلَى الرِّضَى ، كَقَوْلِنَا فِي الْهِبَةِ وَالْبَيْعِ .\rوَيَجُوزُ الْقَبُولُ عَلَى الْفَوْرِ وَالتَّرَاخِي .\rوَلَا يَكُونُ إلَّا بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي ؛ لِأَنَّهُ قَبْلَ ذَلِكَ لَمْ يَثْبُتْ لَهُ حَقٌّ ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَصِحَّ رَدُّهُ .\rفَإِذَا قَبِلَ ، ثَبَتَ الْمِلْكُ لَهُ مِنْ حِينِ الْقَبُولِ ، فِي الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ .\rوَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَأَهْلِ الْعِرَاقِ .\rوَرُوِيَ عَنْ الشَّافِعِيِّ .\rوَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ فِي الْمَسْأَلَةِ وَجْهًا آخَرَ ، أَنَّهُ إذَا قَبِلَ ، تَبَيَّنَّا أَنَّ الْمِلْكَ ثَبَتَ حِينَ مَوْتِ الْمُوصِي .\rوَهُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ مَا وَجَبَ انْتِقَالُهُ بِالْقَبُولِ ، وَجَبَ انْتِقَالُهُ مِنْ جِهَةِ","part":13,"page":47},{"id":6047,"text":"الْمُوجِبِ عِنْدَ الْإِيجَابِ ، كَالْهِبَةِ وَالْبَيْعِ ، وَلِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَثْبُتَ الْمِلْكُ فِيهِ لِلْوَارِثِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ { : مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ } .\r( 1 ) وَلِأَنَّ الْإِرْثَ بَعْدَ الْوَصِيَّةِ ، وَلَا يَبْقَى لِلْمَيِّتِ ؛ لِأَنَّهُ صَارَ جَمَادًا لَا يَمْلِكُ شَيْئًا .\rوَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلٌ ثَالِثٌ غَيْرُ مَشْهُورٍ ، أَنَّ الْوَصِيَّةَ تُمْلَكُ بِالْمَوْتِ ، وَيُحْكَمُ بِذَلِكَ قَبْلَ الْقَبُولِ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ تَمَلُّكُ عَيْنٍ لِمُعَيَّنٍ يَفْتَقِرُ إلَى الْقَبُولِ ، فَلَمْ يَسْبِقْ الْمِلْكُ الْقَبُولَ ، كَسَائِرِ الْعُقُودِ ، وَلِأَنَّ الْقَبُولَ مِنْ تَمَامِ السَّبَبِ ، وَالْحُكْمُ لَا يَتَقَدَّمُ سَبَبَهُ ، وَلِأَنَّ الْقَبُولَ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ شَرْطًا أَوْ جُزْءًا مِنْ السَّبَبِ ، وَالْحُكْمُ لَا يَتَقَدَّمُ سَبَبَهُ وَلَا شَرْطَهُ ، وَلِأَنَّ الْمِلْكَ فِي الْمَاضِي لَا يَجُوزُ تَعْلِيقُهُ بِشَرْطٍ مُسْتَقْبَلٍ .\rفَإِنْ قِيلَ : فَلَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ : أَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَ مَوْتِي بِشَهْرٍ .\rثُمَّ مَاتَ ، تَبَيَّنَّا وُقُوعَ الطَّلَاقِ قَبْلَ مَوْتِهِ بِشَهْرٍ .\rقُلْنَا : لَيْسَ هَذَا شَرْطًا فِي وُقُوعِ الطَّلَاقِ ، وَإِنَّمَا تَبَيَّنَ بِهِ الْوَقْتُ الَّذِي يَقَع فِيهِ الطَّلَاقُ .\rوَلَوْ قَالَ إذَا مِتُّ فَأَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَهُ بِشَهْرٍ .\rلَمْ يَصِحَّ .\rوَأَمَّا انْتِقَالُهُ مِنْ جِهَةِ الْمُوجِبِ فِي سَائِرِ الْعُقُودِ ، فَإِنَّهُ لَا يَنْتَقِلُ إلَّا بَعْدَ الْقَبُولِ ، فَهُوَ كَمَسْأَلَتِنَا ، غَيْرَ أَنَّ مَا بَيْنَ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ ثَمَّ يَسِيرٌ ، لَا يَظْهَرُ لَهُ أَثَرٌ ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا .\rقَوْلُهُمْ : إنَّ الْمِلْكَ لَا يَثْبُتُ لِلْوَارِثِ .\rمَمْنُوعٌ ؛ فَإِنَّ الْمِلْكَ يَنْتَقِلُ إلَى الْوُرَّاثِ بِحُكْمِ الْأَصْلِ ، إلَّا أَنْ يَمْنَعَ مِنْهُ مَانِعٌ .\rوَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى { : مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ } .\rقُلْنَا : الْمُرَادُ بِهِ وَصِيَّةٌ مَقْبُولَةٌ ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَقْبَلْ لَكَانَ مِلْكًا لِلْوَارِثِ ، وَقَبْلَ قَبُولِهَا فَلَيْسَتْ مَقْبُولَةً .\rوَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ","part":13,"page":48},{"id":6048,"text":"الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ { : فَلَكُمْ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ } .\rأَيْ لَكُمْ ذَلِكَ مُسْتَقِرٌّ .\rفَلَا يَمْنَعُ هَذَا ثُبُوتَ الْمِلْكِ غَيْرَ مُسْتَقِرٍّ ، وَلِهَذَا لَا يَمْنَعُ الدَّيْنُ ثُبُوتَ الْمِلْكِ فِي التَّرِكَةِ ، وَهُوَ آكَدُ مِنْ الْوَصِيَّةِ .\rوَإِنْ سَلَّمْنَا أَنَّ الْمِلْكَ لَا يَثْبُتُ لِلْوَارِثِ ، فَإِنَّهُ يَبْقَى مِلْكًا لِلْمَيِّتِ ، كَمَا إذَا كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ .\rوَقَوْلُهُمْ : لَا يَبْقَى لَهُ مِلْكٌ .\rمَمْنُوعٌ ؛ فَإِنَّهُ يَبْقَى مِلْكُهُ فِيمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ مُؤْنَةِ تَجْهِيزِهِ وَدَفْنِهِ ، وَقَضَاءِ دُيُونِهِ .\rوَيَجُوزُ أَنْ يَتَجَدَّدَ لَهُ مِلْكٌ فِي دَيْنِهِ إذَا قَبِلَ ، وَفِيمَا إذَا نَصَبَ شَبَكَةً فَوَقَعَ فِيهَا صَيْدٌ بَعْدَ مَوْتِهِ ، بِحَيْثُ تُقْضَى دُيُونُهُ ، وَتَنْفُذُ وَصَايَاهُ ، وَيُجَهَّزُ إنْ كَانَ قَبْلَ تَجْهِيزِهِ ، فَهَذَا يَبْقَى عَلَى مِلْكِهِ ، لِتَعَذُّرِ انْتِقَالِهِ إلَى الْوَارِثِ مِنْ أَجْلِ الْوَصِيَّةِ ، وَامْتِنَاعِ انْتِقَالِهِ إلَى الْوَصِيِّ قَبْلَ تَمَامِ السَّبَبِ ، فَإِنْ رَدَّ الْمُوصَى لَهُ ، أَوْ قَبِلَ ، انْتَقَلَ حِينَئِذٍ .\rفَإِنْ قُلْنَا بِالْأَوَّلِ ، وَأَنَّهُ يَنْتَقِلُ إلَى الْوَارِثِ فَإِنَّهُ يَثْبُتُ لَهُ الْمِلْكُ عَلَى وَجْهٍ لَا يُفِيدُ إبَاحَةَ التَّصَرُّفِ ، كَثُبُوتِهِ فِي الْعَيْنِ الْمَرْهُونَةِ ، فَلَوْ بَاعَ الْمُوصَى بِهِ ، أَوْ رَهَنَهُ ، أَوْ أَعْتَقَهُ ، أَوْ تَصَرَّفَ بِغَيْرِ ذَلِكَ ، لَمْ يَنْفُذْ شَيْءٌ مِنْ تَصَرُّفَاتِهِ .\rوَلَوْ كَانَ الْوَارِثُ ابْنًا لِلْمُوصَى بِهِ ، مِثْلَ أَنْ تَمْلِكَ امْرَأَةٌ زَوْجَهَا الَّذِي لَهَا مِنْهُ ابْنٌ ، فَتُوصِي بِهِ لِأَجْنَبِيٍّ ، فَإِذَا مَاتَتْ انْتَقَلَ الْمِلْكُ فِيهِ إلَى ابْنِهِ إلَى حِينِ الْقَبُولِ ، وَلَا يُعْتَقُ عَلَيْهِ .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":13,"page":49},{"id":6049,"text":"( 4623 ) فَصْلٌ : فِيمَا يَخْتَلِفُ مِنْ الْفُرُوعِ بِاخْتِلَافِ الْمَذْهَبَيْنِ ، مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا حَدَثَ لِلْمُوصَى بِهِ نَمَاءٌ مُنْفَصِلٌ بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي ، وَقَبْلَ الْقَبُولِ ، كَالثَّمَرَةِ وَالنِّتَاجِ وَالْكَسْبِ ، فَهُوَ لِلْوَرَثَةِ .\rوَعَلَى الْوَجْهِ الْآخَرِ ، يَكُونُ لِلْمُوصَى لَهُ .\rوَلَوْ أَوْصَى بِأَمَةٍ لِزَوْجِهَا ، فَأَوْلَدَهَا بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي ، وَقَبْلَ الْقَبُولِ ، فَوَلَدُهُ رَقِيقٌ لِلْوَارِثِ .\rوَعَلَى الْوَجْهِ الْآخَرِ ، يَكُونُ حُرَّ الْأَصْلِ ، وَلَا وَلَاءَ عَلَيْهِ ، وَأُمُّهُ أُمُّ وَلَدٍ ؛ لِأَنَّهَا عَلِقَتْ مِنْهُ بِحُرٍّ فِي مِلْكِهِ .\rوَإِنْ مَاتَ الْمُوصَى لَهُ قَبْلَ الْقَبُولِ وَالرَّدِّ ، فَلِوَارِثِهِ قَبُولُهَا ، فَإِنْ قَبِلَهَا ، مَلَكَ الْجَارِيَةَ وَوَلَدَهَا ، وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يَعْتِقُ الْوَلَدُ عَلَيْهِ عَتَقَ ، وَلَمْ يَرِثْ مِنْ ابْنِهِ شَيْئًا .\rوَعَلَى الْوَجْهِ الْآخَرِ ، تَكُونُ الْجَارِيَةُ أُمَّ وَلَدٍ ، وَيَرِثُ الْوَلَدُ أَبَاهُ ، فَإِنْ كَانَ يَحْجُبُ الْوَارِثَ الْقَابِلَ حَجَبَهُ .\rوَقَالَ أَكْثَرُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ : لَا يَرِثُ الْوَلَدُ هَا هُنَا شَيْئًا ؛ لِأَنَّ تَوْرِيثَهُ يَمْنَعُ قَوْلَ الْقَابِلِ وَارِثًا ، فَيَبْطُلُ قَبُولُهُ ، فَيُفْضِي إلَى الدَّوْرِ ، وَإِلَى إبْطَالِ مِيرَاثِهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَقَرَّ الْوَارِثُ بِمَنْ يَحْجُبُهُ عَنْ الْمِيرَاثِ .\rوَقَدْ ذَكَرْنَا فِي الْإِقْرَارِ مَا يَدْفَعُ هَذَا ، وَأَنَّ الْمُقِرَّ بِهِ يَرِثُ ، فَكَذَا هَا هُنَا .\rوَيُعْتَبَرُ قَبُولُ مَنْ هُوَ وَارِثٌ فِي حَالِ اعْتِبَارِ الْقَبُولِ ، كَمَا يُعْتَبَرُ فِي الْإِقْرَارِ إقْرَارُ مَنْ هُوَ وَارِثٌ حَالَ الْإِقْرَارِ .\rوَاَللَّه أَعْلَمُ .\rوَمِنْ ذَلِكَ ، لَوْ أَوْصَى لِرَجُلٍ بِأَبِيهِ ، فَمَاتَ الْمُوصَى لَهُ قَبْلَ الْقَبُولِ ، فَقَبِلَ ابْنُهُ ، صَحَّ ، وَعَتَقَ عَلَيْهِ الْجَدُّ ، وَلَمْ يَرِثْ مِنْ ابْنِهِ شَيْئًا ؛ لِأَنَّ حُرِّيَّتَهُ إنَّمَا حَدَثَتْ حِينَ الْقَبُولِ بَعْدَ أَنْ صَارَ الْمِيرَاثُ لِغَيْرِهِ .\rوَعَلَى الْوَجْهِ الْآخَرِ ، تَثْبُتُ حُرِّيَّتُهُ مِنْ حِينِ مَوْتِ الْمُوصِي ، فَيَرِثُ مِنْ ابْنِهِ السُّدُسَ .\rوَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ","part":13,"page":50},{"id":6050,"text":"الشَّافِعِيِّ : لَا يَرِثُ أَيْضًا ؛ لِأَنَّهُ لَوْ وَرِثَ لَاعْتُبِرَ قَبُولُهُ ، وَلَا يَجُوزُ اعْتِبَارُ قَبُولِهِ قَبْلَ الْحُكْمِ بِحُرِّيَّتِهِ ، وَإِذَا لَمْ يَجُزْ اعْتِبَارُهُ ، لَمْ يُعْتَقْ ، فَيُؤَدِّي تَوْرِيثُهُ إلَى إبْطَالِ تَوْرِيثِهِ .\rوَهَذَا فَاسِدٌ ؛ فَإِنَّهُ لَوْ أَقَرَّ جَمِيعُ الْوَرَثَةِ بِمُشَارِكٍ لَهُمْ فِي الْمِيرَاثِ ، ثَبَتَ نَسَبُهُ وَوَرِثَ ، مَعَ أَنَّهُ يَخْرُجُ الْمُقِرُّونَ بِهِ عَنْ كَوْنِهِمْ جَمِيعَ الْوَرَثَةِ .\rوَمِنْ ذَلِكَ ، أَنَّهُ لَوْ مَاتَ الْمُوصَى لَهُ ، فَقَبِلَ وَارِثُهُ ، لَثَبَتَ الْمِلْكُ لِلْوَارِثِ الْقَابِلِ ابْتِدَاءً مِنْ جِهَةِ الْمُوصِيَةُ ، لَا مِنْ جِهَةِ مَوْرُوثِهِ ، وَلَمْ يَثْبُتْ لِلْمُوصَى لَهُ شَيْءٌ ، فَحِينَئِذٍ لَا تُقْضَى دُيُونُهُ ، وَلَا تَنْفُذُ وَصَايَاهُ ، وَلَا يُعْتَقُ مَنْ يُعْتَقُ عَلَيْهِ ، وَإِنْ كَانَ فِيهِمْ مَنْ يُعْتَقُ عَلَى الْوَارِثِ ، عَتَقَ عَلَيْهِ ، وَكَانَ وَلَاؤُهُ لَهُ دُونَ الْمُوصَى لَهُ .\rوَعَلَى ، الْوَجْهِ الْآخَرِ ، يَتَبَيَّنُ أَنَّ الْمِلْكَ كَانَ ثَابِتًا لِلْمُوصَى لَهُ ، وَأَنَّهُ انْتَقَلَ مِنْهُ إلَى وَارِثِهِ ، فَتَنْعَكِسُ هَذِهِ الْأَحْكَامُ ، فَتُقْضَى دُيُونُهُ ، وَتَنْفُذُ وَصَايَاهُ ، وَيُعْتَقُ مَنْ يُعْتَقُ عَلَيْهِ ، وَلَهُ وَلَاؤُهُ ، يَخْتَصُّ بِهِ الذُّكُورُ مِنْ وَرَثَتِهِ .\rوَمِنْ ذَلِكَ ، أَنَّ الْمُوصَى بِهِ لَوْ كَانَ أَمَةً ، فَوَطِئَهَا الْوَارِثُ ، فَأَوْلَدَهَا ، صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ ، وَوَلَدُهَا حُرٌّ ؛ لِأَنَّهُ وَطِئَهَا فِي مِلْكِهِ ، وَعَلَيْهِ قِيمَتُهَا لِلْمُوصَى لَهُ إذَا قَبِلَهَا .\rفَإِنْ قِيلَ : فَكَيْفَ قَضَيْتُمْ بِعِتْقِهَا هَا هُنَا ، وَهِيَ لَا تُعْتَقُ بِإِعْتَاقِهَا ؟ قُلْنَا : الِاسْتِيلَادُ أَقْوَى ، وَلِذَلِكَ يَصِحُّ مِنْ الْمَجْنُونِ ، وَالرَّاهِنِ ، وَالْأَبِ ، وَالشَّرِيكِ الْمُعْسِرِ ، وَإِنْ لَمْ يَنْفُذْ إعْتَاقُهُمْ .\rوَعَلَى الْوَجْهِ الْآخَرِ ، يَكُونُ وَلَدُهُ رَقِيقًا ، وَالْأَمَةُ بَاقِيَةً عَلَى الرِّقِّ .\rوَإِنْ وَطِئَهَا الْمُوصَى لَهُ قَبْلَ قَبُولِهَا ، كَانَ ذَلِكَ قَبُولًا لَهَا ، وَثَبَتَ الْمِلْكُ لَهُ بِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ إلَّا فِي الْمِلْكِ ، فَإِقْدَامُهُ عَلَيْهِ","part":13,"page":51},{"id":6051,"text":"دَلِيلٌ عَلَى اخْتِيَارِهِ الْمِلِكَ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ وَطِئَ مَنْ لَهُ الرَّجْعَةُ الرَّجْعِيَّةَ ، أَوْ وَطِئَ مَنْ لَهُ الْخِيَارُ فِي الْبَيْعِ الْأَمَةَ الْمَبِيعَةَ ، أَوْ وَطِئَ مَنْ لَهُ خِيَارُ فَسْخِ النِّكَاحِ امْرَأَتَهُ .","part":13,"page":52},{"id":6052,"text":"( 4624 ) فَصْلٌ : وَتَصِحُّ الْوَصِيَّةُ مُطْلَقَةً وَمُقَيَّدَةً ، فَالْمُطْلَقَةُ أَنْ يَقُولَ : إنْ مِتّ فَثُلُثِي لِلْمَسَاكِينِ ، أَوْ لِزَيْدٍ .\rوَالْمُقَيَّدَةُ أَنْ يَقُولَ : إنْ مِتّ مِنْ مَرَضِي هَذَا ، أَوْ فِي هَذِهِ الْبَلْدَةِ ، أَوْ فِي سَفَرِي هَذَا ، فَثُلُثِي لِلْمَسَاكِينِ .\rفَإِنْ بَرَأَ مِنْ مَرَضِهِ ، أَوْ قَدِمَ مِنْ سَفَرِهِ ، أَوْ خَرَجَ مِنْ الْبَلْدَةِ ، ثُمَّ مَاتَ ، بَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ الْمُقَيَّدَةُ ، وَبَقِيَتْ الْمُطْلَقَةُ .\rقَالَ أَحْمَدُ ، فِي مَنْ وَصَّى وَصِيَّةً إنْ مَاتَ مِنْ مَرَضِهِ هَذَا أَوْ مِنْ سَفَرِهِ هَذَا ، وَلَمْ يُغَيِّرْ وَصِيَّتَهُ ، ثُمَّ مَاتَ بَعْدَ ذَلِكَ : فَلَيْسَ لَهُ وَصِيَّةٌ .\rوَبِهَذَا قَالَ الْحَسَنُ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : إنْ قَالَ قَوْلًا ، وَلَمْ يَكْتُبْ كِتَابًا ، فَهُوَ كَذَلِكَ ، وَإِنْ كَتَبَ كِتَابًا ، ثُمَّ صَحَّ مِنْ مَرَضِهِ ، وَأَقَرَّ الْكِتَابَ ، فَوَصِيَّتُهُ بِحَالِهَا ، مَا لَمْ يَنْقُضْهَا .\rوَلَنَا ، أَنَّهَا وَصِيَّةٌ بِشَرْطٍ لَمْ يُوجَدْ شَرْطُهَا ، فَبَطَلَتْ ، كَمَا لَوْ لَمْ يَكْتُبْ كِتَابًا ، أَوْ كَمَا لَوْ وَصَّى لِقَوْمٍ فَمَاتُوا قَبْلَهُ ، وَلِأَنَّهُ قَيَّدَ وَصِيَّتَهُ بِقَيْدٍ ، فَلَا يَتَعَدَّاهُ ، كَمَا ذَكَرْنَا .\rوَإِنْ قَالَ لِأَحَدِ عَبْدَيْهِ : أَنْتَ حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِي .\rوَقَالَ لِلْآخَرِ : أَنْتَ حُرٌّ إنْ مِتّ فِي مَرَضِي هَذَا .\rفَمَاتَ فِي مَرَضِهِ ، فَالْعَبْدَانِ سَوَاءٌ فِي التَّدْبِيرِ .\rوَإِنْ بَرَأَ مِنْ مَرَضِهِ ذَلِكَ ، بَطَلَ تَدْبِيرُ الْمُقَيَّدِ ، وَبَقِيَ تَدْبِيرُ الْمُطْلَقِ بِحَالِهِ .\rوَلَوْ وَصَّى لِرَجُلٍ بِثُلُثِهِ ، وَقَالَ : إنْ مِتّ قَبْلِي فَهُوَ لِعَمْرٍو .\rصَحَّتْ وَصِيَّتُهُ عَلَى حَسَبِ مَا شَرَطَهُ لَهُ .\rوَكَذَلِكَ فِي سَائِرِ الشُّرُوطِ ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { : الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ .\r}","part":13,"page":53},{"id":6053,"text":"( 4625 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَإِذَا أَوْصَى لَهُ بِسَهْمٍ مِنْ مَالِهِ ، أُعْطِيَ السُّدُسَ ، وَعَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ رَحِمَهُ اللَّهُ رِوَايَةٌ أُخْرَى ، يُعْطَى سَهْمًا مِمَّا تَصِحُّ مِنْهُ الْفَرِيضَةُ ) اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ ، فِيمَا لَوْ أَوْصَى بِسَهْمٍ ، فَرُوِيَ عَنْهُ ، أَنَّ لِلْمُوصَى لَهُ السُّدُسَ .\rوَرَوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا .\rوَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ ، وَإِيَاسُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ، وَالثَّوْرِيُّ .\rوَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ ، أَنَّهُ يُعْطَى سَهْمًا مِمَّا تَصِحُّ مِنْهُ الْفَرِيضَةُ ، فَيُنْظَرُ ؛ كَمْ سَهْمًا صَحَّتْ مِنْهُ الْفَرِيضَةُ ، فَيُزَادُ عَلَيْهَا مِثْلُ سَهْمٍ مِنْ سِهَامِهَا لِلْمُوصَى لَهُ .\rوَهَذَا قَوْلُ شُرَيْحٍ قَالَ : تُرْفَعُ السِّهَامُ ، فَيَكُونُ لِلْمُوصَى لَهُ سَهْمٌ .\rقَالَ الْقَاضِي : هَذَا مَا لَمْ يَزِدْ عَلَى السُّدُسِ فَإِنْ زَادَ السَّهْمُ عَلَى السُّدُسِ ، فَلَهُ السُّدُسُ ؛ لِأَنَّهُ مُتَحَقِّقٌ .\rوَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهُ : سَهْمًا .\rيَنْبَغِي أَنْ يَنْصَرِفَ إلَى سِهَامِ فَرِيضَتِهِ ؛ لِأَنَّ وَصِيَّتَهُ مِنْهَا ، فَيَنْصَرِفُ السَّهْمُ إلَيْهَا ، فَكَانَ وَاحِدًا مِنْ سِهَامِهَا ، كَمَا لَوْ قَالَ : فَرِيضَتِي كَذَا وَكَذَا سَهْمًا ، لَك مِنْهَا سَهْمٌ .\rوَقَالَ الْخَلَّالُ وَصَاحِبُهُ : لَهُ أَقَلُّ سَهْمٍ مِنْ سِهَامِ الْوَرَثَةِ ؛ لِأَنَّ أَحْمَدَ قَالَ ، فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ وَالْأَثْرَمِ : إذَا أَوْصَى لَهُ بِسَهْمٍ مِنْ مَالِهِ ، يُعْطَى سَهْمًا مِنْ الْفَرِيضَةِ .\rقِيلَ : لَهُ نَصِيبُ رَجُلٍ ، أَوْ نَصِيبُ امْرَأَةٍ ؟ قَالَ : أَقَلُّ مَا يَكُونُ مِنْ السِّهَامِ .\rقَالَ الْقَاضِي : مَا لَمْ يَزِدْ عَلَى السُّدُسِ .\rوَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ .\rوَقَالَ صَاحِبَاهُ : إلَّا أَنْ يَزِيدَ عَلَى الثُّلُثِ ، فَيَكُونَ لَهُ الثُّلُثُ .\rوَوَجْهُ هَذَا الْقَوْلِ ، أَنَّ سِهَامَ الْوَرَثَةِ أَنْصِبَاؤُهُمْ ، فَيَكُونُ لَهُ أَقَلُّهَا ؛ لِأَنَّهُ الْيَقِينُ ، فَإِنْ زَادَ عَلَى السُّدُسِ دُفِعَ إلَيْهِ السُّدُسُ ؛ لِأَنَّهُ أَقَلُّ سَهْمٍ يَرِثُهُ ذُو قَرَابَةٍ ، وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ : يُعْطَى سَهْمًا مِنْ","part":13,"page":54},{"id":6054,"text":"أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ ؛ لِأَنَّهَا أَكْثَرُ أُصُولِ الْفَرَائِضِ ، فَالسَّهْمُ مِنْهَا أَقَلُّ السِّهَامِ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ : يُعْطِيهِ الْوَرَثَةَ مَا شَاءُوا ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ السَّهْمِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَوْصَى لَهُ بِجُزْءٍ أَوْ حَظٍّ .\rوَقَالَ عَطَاءٌ ، وَعِكْرِمَةُ : لَا شَيْءَ لَهُ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى ابْنُ مَسْعُودٍ { ، أَنَّ رَجُلًا أَوْصَى لِرَجُلٍ بِسَهْمٍ مِنْ الْمَالِ فَأَعْطَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ السُّدُسَ } .\rوَلِأَنَّ السَّهْمَ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ السُّدُسُ ، قَالَ إيَاسُ بْنُ مُعَاوِيَةَ : السَّهْمُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ السُّدُسُ .\rفَتَنْصَرِفُ الْوَصِيَّةُ إلَيْهِ ، كَمَا لَوْ لَفِظَ بِهِ .\rوَلِأَنَّهُ قَوْلُ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ ، وَلَا مُخَالِفَ لَهُمَا فِي الصَّحَابَةِ ، وَلِأَنَّ السُّدُسَ أَقَلُّ سَهْمٍ مَفْرُوضٍ يَرِثُهُ ذُو قَرَابَةٍ ، فَتَنْصَرِفُ الْوَصِيَّةُ إلَيْهِ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّ السُّدُسَ الَّذِي يَسْتَحِقُّهُ الْمُوصَى لَهُ يَكُونُ بِمَنْزِلَةِ سُدُسٍ مَفْرُوضٍ .\rفَإِنْ كَانَتْ الْمَسْأَلَةُ كَامِلَةَ الْفُرُوضِ ، أُعِيلَتْ بِهِ ، وَإِنْ كَانَتْ عَائِلَةً ، زَادَ عَوْلُهَا بِهِ .\rوَإِنْ كَانَ فِيهَا رَدٌّ أَوْ كَانُوا عَصَبَةً ، أُعْطِيَ سُدُسًا كَامِلًا .\rقَالَ أَحْمَدُ ، فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ ، وَحَرْبٍ : إذَا أَوْصَى الرَّجُلُ بِسَهْمٍ مِنْ مَالِهِ ، يُعْطَى السُّدُسَ ، إلَّا أَنْ تَعُولَ الْفَرِيضَةُ ، فَيُعْطَى سَهْمًا مَعَ الْعَوْلِ .\rفَكَأَنَّ مَعْنَى الْوَصِيَّةِ ، أَوْصَيْت لَك بِسَهْمِ مَنْ يَرِثُ السُّدُسَ .\rفَلَوْ أَوْصَى لَهُ بِسَهْمٍ فِي مَسْأَلَةٍ فِيهَا زَوْجٌ وَأُخْتٌ ، كَانَ لَهُ السَّبُعُ ، كَمَا لَوْ كَانَ مَعَهُمَا جَدَّةٌ ، عَلَى الرِّوَايَاتِ الثَّلَاثِ .\rوَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ فِي الْمَسْأَلَةِ أُمٌّ وَثَلَاثُ أَخَوَاتٍ مُتَفَرِّقَاتٍ .\rفَإِنْ كَانَ مَعَهُمْ زَوْجٌ ، فَالْمَسْأَلَةُ مِنْ تِسْعَةٍ ، وَلِلْمُوصَى لَهُ الْعُشْرُ ، عَلَى الرِّوَايَاتِ الثَّلَاثِ .\rوَإِنْ كَانَ الْوَرَثَةُ ثَلَاثَ أَخَوَاتٍ مُتَفَرِّقَاتٍ ، فَلِلْمُوصَى لَهُ السُّدُسُ عَلَى الرِّوَايَاتِ الثَّلَاثِ .\rوَإِنْ كَانُوا","part":13,"page":55},{"id":6055,"text":"زَوْجًا وَأَبَوَيْنِ وَابْنَيْنِ ، فَالْمَسْأَلَةُ مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ ، وَتَعُولُ بِسُدُسٍ آخَرَ ، فَتَصِيرُ مِنْ سَبْعَةَ عَشَرَ .\rوَكَذَلِكَ عَلَى قَوْلِ الْخَلَّالِ ؛ لِأَنَّ أَقَلَّ سِهَامِ الْوَرَثَةِ سُدُسٌ .\rوَعَلَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى ، يَكُونُ لِلْوَصِيِّ سَهْمٌ وَاحِدٌ ، يُزَادُ عَلَى خَمْسَةَ عَشَرَ ، فَتَصِيرُ سِتَّةَ عَشَرَ .\rوَإِنْ كَانُوا زَوْجَةً وَأَبَوَيْنِ وَابْنًا ، فَالْفَرِيضَةُ مِنْ أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ ، وَتَعُولُ بِالسُّدُسِ الْمُوصَى بِهِ إلَى ثَمَانِيَةٍ وَعِشْرِينَ .\rوَعَلَى الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ ، يُزَادُ عَلَيْهَا سَهْمٌ وَاحِدٌ لِلْمُوصَى لَهُ ، فَتَكُونُ مِنْ خَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ .\rوَعَلَى قَوْلِ الْخَلَّالِ : يُزَادُ عَلَيْهَا مِثْلُ سَهْمِ الزَّوْجَةِ ، فَتَكُونُ مِنْ سَبْعَةٍ وَعِشْرِينَ .\rوَإِنْ كَانُوا خَمْسَةَ بَنِينَ فَلِلْوَصِيِّ السُّدُسُ كَامِلًا ، وَتَصِحُّ مِنْ سِتَّةٍ عَلَى الرِّوَايَاتِ الثَّلَاثِ .\rفَإِنْ كَانَ مَعَهُمْ زَوْجَةٌ ، صَحَّتْ الْفَرِيضَةُ مِنْ أَرْبَعِينَ ، فَتَزِيدُ عَلَيْهَا سَهْمًا لِلْوَصِيِّ ، عَلَى إحْدَى الرِّوَايَاتِ ، تَصِيرُ أَحَدًا وَأَرْبَعِينَ .\rوَعَلَى قَوْلِ الْخَلَّالِ ، تَزِيدُ مِثْلَ نَصِيبِ الزَّوْجَةِ ، فَتَصِيرُ خَمْسَةً وَأَرْبَعِينَ .\rوَعَلَى الرِّوَايَةِ الْأُولَى ، نَزِيدُ عَلَيْهَا مِثْلُ سُدُسِهَا ، وَلَا سُدُسَ لَهَا ، فَنَضْرِبُهَا فِي سِتَّةٍ ، ثُمَّ نَزِيدُ عَلَيْهَا سُدُسَهَا ، تَكُونُ مِائَتَيْنِ وَثَمَانِينَ ، لِلْوَصِيِّ أَرْبَعُونَ ، وَلِلزَّوْجَةِ ثَلَاثُونَ ، وَلِكُلِّ ابْنٍ اثْنَانِ وَأَرْبَعُونَ .\rوَلَوْ خَلَّفَ أَبَوَيْنِ وَابْنَيْنِ ، وَأَوْصَى لِرَجُلٍ بِسُدُسِ مَالِهِ ، وَلِآخَرَ بِسَهْمٍ ، جَعَلْت ذَا السَّهْمِ كَالْأُمِّ ، وَأَعْطَيْت صَاحِبَ السُّدُسِ سُدُسًا كَامِلًا ، وَقَسَمْت الْبَاقِيَ بَيْنَ الْوَرَثَةِ وَالْمُوصَى لَهُ عَلَى سَبْعَةٍ فَتَصِحُّ مِنْ اثْنَيْنِ وَأَرْبَعِينَ ، لِصَاحِبِ السُّدُسِ سَبْعَةٌ ، وَلِصَاحِبِ السَّهْمِ خَمْسَةٌ ، عَلَى الرِّوَايَاتِ الثَّلَاثِ .\rوَيُحْتَمَلُ أَنْ يُعْطَى ذُو السَّهْمِ السُّبُعَ كَامِلًا ، كَأَنَّهُ أَوْصَى لَهُ مِنْ غَيْرِ وَصِيَّةٍ أُخْرَى ، فَيَكُونُ لَهُ سِتَّةٌ وَيَبْقَى تِسْعَةٌ وَعِشْرُونَ","part":13,"page":56},{"id":6056,"text":"عَلَى سِتَّةٍ لَا تَنْقَسِمُ ، فَنَضْرِبُهَا فِي اثْنَيْنِ وَأَرْبَعِينَ ، تَكُونُ مِائَتَيْنِ وَاثْنَيْنِ وَخَمْسِينَ .","part":13,"page":57},{"id":6057,"text":"( 4626 ) فَصْلٌ : وَإِنْ أَوْصَى بِجُزْءٍ أَوْ حَظٍّ أَوْ نَصِيبٍ أَوْ شَيْءٍ مِنْ مَالِهِ ، أَعْطَاهُ الْوَرَثَةُ مَا شَاءُوا .\rلَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا .\rوَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ ، وَغَيْرُهُمْ ؛ لِأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ جُزْءٌ وَنَصِيبٌ وَحَظٌّ وَشَيْءٌ .\rوَكَذَلِكَ إنْ قَالَ : أَعْطُوا فُلَانًا مِنْ مَالِي ، أَوْ اُرْزُقُوهُ .\rلِأَنَّ ذَلِكَ لَا حَدَّ لَهُ فِي اللُّغَةِ ، وَلَا فِي الشَّرْعِ ، فَكَانَ عَلَى إطْلَاقِهِ .","part":13,"page":58},{"id":6058,"text":"( 4627 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِذَا أَوْصَى لَهُ بِمِثْلِ نَصِيبِ أَحَدِ وَرَثَتِهِ ، وَلَمْ يُسَمِّهِ ، كَانَ لَهُ مِثْلُ مَا لِأَقَلِّهِمْ نَصِيبًا كَأَنَّهُ أَوْصَى لَهُ بِمِثْلِ نَصِيبِ أَحَدِ وَرَثَتِهِ .\rوَهُمْ ابْنٌ وَأَرْبَعُ زَوْجَاتٍ ، فَتَكُونُ صَحِيحَةً مِنْ اثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ سَهْمًا ، لِلزَّوْجَاتِ الثُّمُنُ ، وَهُوَ أَرْبَعَةٌ ، وَمَا بَقِيَ فَلِلِابْنِ ، فَزِدْ فِي سِهَامِ الْفَرِيضَةِ مِثْلَ حَظِّ امْرَأَةٍ مِنْ نِسَائِهِ ، فَتَصِيرُ الْفَرِيضَةُ مِنْ ثَلَاثَةٍ وَثَلَاثِينَ سَهْمًا ، لِلْمُوصَى لَهُ سَهْمٌ ، وَلِكُلِّ امْرَأَةٍ سَهْمٌ ، وَمَا بَقِيَ فَلِلِابْنِ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا أَوْصَى بِمِثْلِ نَصِيبِ أَحَدِ وَرَثَتِهِ ، غَيْرَ مُسَمًّى ، فَإِنْ كَانَ الْوَرَثَةُ يَتَسَاوَوْنَ فِي الْمِيرَاثِ كَالْبَنِينَ ، فَلَهُ مِثْلُ نَصِيبِ أَحَدِهِمْ ، مُزَادًا عَلَى الْفَرِيضَةِ ، وَيُجْعَلُ كَوَاحِدٍ مِنْهُمْ زَادَ فِيهِمْ .\rوَإِنْ كَانُوا يَتَفَاضَلُونَ ، كَمَسْأَلَةِ الْخِرَقِيِّ ، فَلَهُ مِثْلُ نَصِيبِ أَقَلِّهِمْ مِيرَاثًا ، يُزَادُ عَلَى فَرِيضَتِهِمْ .\rوَإِنْ أَوْصَى بِنَصِيبِ وَارِثٍ مُعَيَّنٍ ، فَلَهُ مِثْلُ نَصِيبِهِ مُزَادًا عَلَى الْفَرِيضَةِ .\rهَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ .\rوَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ مَالِكٌ ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى ، وَزُفَرُ ، وَدَاوُد : يُعْطَى مِثْلَ نَصِيبِ الْمُعَيَّنِ ، وَمِثْلَ نَصِيبِ أَحَدِهِمْ ، إذَا كَانُوا يَتَسَاوَوْنَ مِنْ أَصْلِ الْمَالِ ، غَيْرَ مَزِيدٍ ، وَيُقْسَمُ الْبَاقِي بَيْنَ الْوَرَثَةِ ؛ لِأَنَّ نَصِيبَ الْوَارِثِ قَبْلَ الْوَصِيَّةِ مِنْ أَصْلِ الْمَالِ فَلَوْ أَوْصَى بِمِثْلِ نَصِيبِ ابْنِهِ وَلَهُ ابْنٌ وَاحِدٌ ، فَالْوَصِيَّةُ بِجَمِيعِ الْمَالِ .\rوَإِنْ كَانَ لَهُ ابْنَانِ ، فَالْوَصِيَّةُ بِالنِّصْفِ .\rوَإِنْ كَانُوا ثَلَاثَةً ، فَالْوَصِيَّةُ بِالثُّلُثِ وَقَالَ مَالِكٌ : إنْ كَانُوا يَتَفَاضَلُونَ ، نُظِرَ إلَى عَدَدِ رُءُوسِهِمْ ، فَأُعْطِيَ سَهْمًا مِنْ عَدَدِهِمْ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ اعْتِبَارُ أَنْصِبَائِهِمْ لِتَفَاضُلٍ فَاعْتُبِرَ عَدَدُ رُءُوسِهِمْ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ جَعَلَ وَارِثَهُ أَصْلًا وَقَاعِدَةً حَمَلَ عَلَيْهِ نَصِيبَ","part":13,"page":59},{"id":6059,"text":"الْمُوصَى لَهُ وَجَعَلَهُ مِثْلًا لَهُ .\rوَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ لَا يُزَادَ أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ .\rوَمَتَى أَعْطَى مِنْ أَصْلِ الْمَالِ ، فَمَا أَعْطَى مِثْلَ نَصِيبِهِ وَلَا حَصَلَتْ التَّسْوِيَةُ ، وَالْعِبَارَةُ تَقْتَضِي التَّسْوِيَةَ .\rوَإِنَّمَا جَعَلَ لَهُ مِثْلَ أَقَلِّهِمْ نَصِيبًا ؛ لِأَنَّهُ الْيَقِينُ ، وَمَا زَادَ فَمَشْكُوكٌ فِيهِ ، فَلَا يَثْبُتُ مَعَ الشَّكِّ ، وَقَوْلُهُ : \" يُعْطَى سَهْمًا مِنْ عَدَدِهِمْ \" .\rخِلَافُ مَا يَقْتَضِيهِ لَفْظُ الْمُوصِي ؛ فَإِنَّ هَذَا لَيْسَ بِنَصِيبٍ لِأَحَدِ وَرَثَتِهِ وَلَفْظُهُ إنَّمَا اقْتَضَى نَصِيبَ أَحَدِهِمْ وَتَفَاضُلُهُمْ لَا يَمْنَعُ كَوْنَ نَصِيبِ الْأَقَلِّ نَصِيبَ أَحَدِهِمْ فَيَصْرِفُهُ إلَى الْوَصِيِّ ، لِقَوْلِ الْمُوصِي ، وَعَمَلًا بِمُقْتَضَى وَصِيَّتِهِ .\rوَذَلِكَ أَوْلَى مِنْ اخْتِرَاعِ شَيْءٍ لَا يَقْتَضِيهِ قَوْلُ الْمُوصِي أَصْلًا .\rوَقَوْلُهُ : تَعَذَّرَ الْعَمَلُ بُقُولِ الْمُوصِي .\rغَيْرُ صَحِيحٍ ؛ فَإِنَّهُ أَمْكَنَ الْعَمَلُ بِهِ بِمَا قُلْنَاهُ ، ثُمَّ لَوْ تَعَذَّرَ الْعَمَلُ بِهِ ، لَمَا جَازَ أَنْ يُوجِبَ فِي مَالِهِ حَقًّا لَمْ يَأْذَنْ فِيهِ وَلَمْ يَأْمُرْ بِهِ .\rوَقَدْ مَثَّلَ الْخِرَقِيِّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِمَا أَغْنَى عَنْ تَمْثِيلِهَا .\rوَلَوْ قَالَ : أَوْصَيْت بِمِثْلِ نَصِيبِ أَقَلِّهِمْ مِيرَاثًا .\rكَانَ كَمَا لَوْ أَطْلَقَ ، وَكَانَ ذَلِكَ تَأْكِيدًا وَإِنْ قَالَ : أَوْصَيْت بِمِثْلِ نَصِيبِ أَكْثَرِهِمْ مِيرَاثًا .\rفَلَهُ ذَلِكَ مُضَافًا إلَى الْمَسْأَلَةِ ، فَيَكُونُ لَهُ فِي مَسْأَلَةِ الْخِرَقِيِّ ثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ ، تُضَمُّ إلَى الْفَرِيضَةِ فَيَكُونُ الْجَمِيعُ سِتِّينَ سَهْمًا .\r( 4628 ) فَصْلٌ وَإِنْ أَوْصَى بِنَصِيبِ وَارِثٍ ، فَفِيهَا وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ ، وَيَكُونُ ذَلِكَ كَالْوَصِيَّةِ بِمِثْلِ نَصِيبِهِ .\rوَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ ، وَأَهْلِ الْمَدِينَةِ ، وَاللُّؤْلُؤِيِّ ، وَأَهْلِ الْبَصْرَةِ ، وَابْنِ أَبِي لَيْلَى ، وَزُفَرَ ، وَدَاوُد .\rوَالْوَجْهُ الثَّانِي ، لَا تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ .\rوَهُوَ الَّذِي ذَكَرِهِ الْقَاضِي .\rوَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَصَاحِبَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ","part":13,"page":60},{"id":6060,"text":"أَوْصَى بِمَا هُوَ حَقٌّ لِلِابْنِ ، فَلَمْ يَصِحَّ كَمَا لَوْ قَالَ : بِدَارِ ابْنِي ، أَوْ بِمَا يَأْخُذُهُ ابْنِي .\rوَوَجْهُ الْأَوَّلِ ، أَنَّهُ أَمْكَنَ تَصْحِيحُ وَصِيَّتِهِ يُحْتَمَلُ لَفْظُهُ عَلَى مَجَازِهِ ، فَصَحَّ ، كَمَا لَوْ طَلَّقَ بِلَفْظِ الْكِنَايَةِ ، أَوْ أَعْتَقَ .\rوَبَيَانُ إمْكَانِ التَّصْحِيحِ ، أَنَّهُ أَمْكَنَ تَقْدِيرُ حَذْفِ الْمُضَافِ ، وَإِقَامَةُ الْمُضَافِ إلَيْهِ مُقَامَهُ ، أَيْ بِمِثْلِ نَصِيبِ وَارِثِي .\rوَلِأَنَّهُ لَوْ أَوْصَى بِجَمِيعِ مَالِهِ ، صَحَّ ، وَإِنْ تَضَمَّنَ ذَلِكَ الْوَصِيَّةَ بِنَصِيبِ وُرَّاثِهِ كُلِّهِمْ .","part":13,"page":61},{"id":6061,"text":"( 4629 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَالَ : أَوْصَيْت لَك بِضِعْفِ نَصِيبِ ابْنِي .\rفَلَهُ مِثْلَا نَصِيبِهِ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ : الضِّعْفُ الْمِثْلُ .\rوَاسْتَدَلَّ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ } أَيْ مِثْلَيْنِ ، وَقَوْلِهِ : { فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ } .\rأَيْ مِثْلَيْنِ ، وَإِذَا كَانَ الضِّعْفَانِ مِثْلَيْنِ ، فَالْوَاحِدُ مِثْلٌ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الضِّعْفَ مِثْلَانِ ، بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى : { إذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ } .\rوَقَالَ : { فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا } .\rوَقَالَ : { وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمْ الْمُضْعِفُونَ } .\rوَيُرْوَى عَنْ عُمَرَ ، أَنَّهُ أَضْعَفَ الزَّكَاةَ عَلَى نَصَارَى بَنِي تَغْلِبَ ، فَكَانَ يَأْخُذُ مِنْ الْمِائَتَيْنِ عَشَرَةً .\rوَقَالَ لِحُذَيْفَةَ وَعُثْمَانَ بْنِ حُنَيْفٍ : لَعَلَّكُمَا حَمَّلْتُمَا الْأَرْضَ مَا لَا تُطِيقُ ؟ فَقَالَ عُثْمَانُ : لَوْ أَضْعَفْت عَلَيْهَا لَاحْتَمَلَتْ .\rقَالَ الْأَزْهَرِيُّ : الضِّعْفُ الْمِثْلُ فَمَا فَوْقَهُ .\rوَأَمَّا قَوْلُهُ : إنَّ الضِّعْفَيْنِ الْمِثْلَانِ .\rفَقَدْ رَوَى ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ مُعَاوِيَةَ النَّحْوِيِّ قَالَ : الْعَرَبُ تَتَكَلَّمُ بِالضِّعْفِ مُثَنَّى ، فَتَقُولُ : إنْ أَعْطَيْتنِي دِرْهَمًا فَلَكَ ضِعْفَاهُ .\rأَيْ مِثْلَاهُ .\rوَإِفْرَادُهُ لَا بَأْسَ بِهِ إلَّا أَنَّ التَّثْنِيَةَ أَحْسَنُ .\rيَعْنِي أَنَّ الْمُفْرَدَ وَالْمُثَنَّى فِي هَذَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ ، وَكِلَاهُمَا يُرَادُ بِهِ الْمِثْلَانِ ، وَإِذَا اسْتَعْمَلُوهُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ وَجَبَ اتِّبَاعُهُمْ فِيهِ وَإِنْ خَالَفَ الْقِيَاسَ .\rوَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّيْ : ضِعْفُ الشَّيْءِ هُوَ مِثْلُهُ ، وَضِعْفَاهُ هُوَ مِثْلَاهُ ، وَثَلَاثَةُ أَضْعَافِهِ أَرْبَعَةُ أَمْثَالِهِ ، وَعَلَى هَذَا .","part":13,"page":62},{"id":6062,"text":"( 4630 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَالَ : أَوْصَيْت لَك بِضِعْفَيْ نَصِيبِ ابْنِي .\rفَلَهُ مِثْلَا نَصِيبِهِ .\rوَإِنْ قَالَ ثَلَاثَةِ أَضْعَافِهِ فَلَهُ ثَلَاثَةُ أَمْثَالِهِ .\rهَذَا الصَّحِيحُ عِنْدِي .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدٍ .\rوَقَالَ أَصْحَابُنَا : إنْ أَوْصَى بِضِعْفَيْهِ ، فَلَهُ ثَلَاثَةُ أَمْثَالِهِ .\rوَإِنْ أَوْصَى بِثَلَاثَةِ أَضْعَافِهِ ، فَلَهُ أَرْبَعَةُ أَمْثَالِهِ وَعَلَى هَذَا كُلَّمَا زَادَهُ ضِعْفًا زَادَ مَرَّةً .\rوَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ .\rوَاحْتَجُّوا بُقُولِ أَبِي عُبَيْدَةَ وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ .\rوَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ : ضِعْفَاهُ أَرْبَعَةُ أَمْثَالِهِ ، وَثَلَاثَةُ أَضْعَافِهِ سِتَّةُ أَمْثَالِهِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ أَنَّ ضِعْفَ الشَّيْءِ مِثْلَاهُ ، فَتَثْنِيَتُهُ مِثْلَا مُفْرَدِهِ ، كَسَائِرِ الْأَسْمَاءِ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ } .\rقَالَ عِكْرِمَةُ : تَحْمِلُ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّتَيْنِ وَقَالَ عَطَاءٌ : أَثْمَرَتْ فِي سَنَةٍ مِثْلَ ثَمَرَةِ غَيْرِهَا سَنَتَيْنِ .\rوَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْمُفَسِّرِينَ فِيمَا عَلِمْت فِي تَفْسِيرِ قَوْله تَعَالَى : { يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ } .\rأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ مَرَّتَيْنِ .\rوَقَدْ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى : { نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ } .\rوَمُحَالٌ أَنْ يَجْعَلَ أَجْرَهَا عَلَى الْعَمَلِ الصَّالِحِ مَرَّتَيْنِ وَعَذَابَهَا عَلَى الْفَاحِشَةِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، فَإِنَّ اللَّهِ تَعَالَى إنَّمَا يُرِيدُ تَضْعِيفَ الْحَسَنَاتِ عَلَى السَّيِّئَاتِ ، وَهَذَا الْمَعْهُودُ مِنْ كَرَمِهِ وَفَضْلِهِ ، وَأَمَّا قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ فَقَدْ خَالَفَهُ غَيْرُهُ ، وَأَنْكَرُوا قَوْلَهُ .\rقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ : لَا أُحِبُّ قَوْلَ أَبِي عُبَيْدَةَ فِي : { يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ } .\rلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ فِي آيَةٍ أُخْرَى : { نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ } .\rفَأَعْلَمَ أَنَّ لَهَا مِنْ هَذَا حَظَّيْنِ ، وَمِنْ هَذَا حَظَّيْنِ .\rوَقَدْ نَقَلَ مُعَاوِيَةُ بْنُ هِشَامٍ النَّحْوِيُّ ، عَنْ الْعَرَبِ أَنَّهُمْ يَنْطِقُونَ بِالضِّعْفِ مُثَنًّى وَمُفْرَدًا بِمَعْنًى وَاحِدٍ .\rوَمُوَافَقَةُ الْعَرَبِ عَلَى لِسَانِهِمْ ، مَعَ","part":13,"page":63},{"id":6063,"text":"مَا دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى الْعَزِيزِ وَأَقْوَالُ الْمُفَسِّرِينَ مِنْ التَّابِعِينَ وَغَيْرِهِمْ ، أَوْلَى مِنْ قَوْلِ أَبِي عُبَيْدَةَ الْمُخَالِفِ لِذَلِكَ كُلِّهِ ، مَعَ مُخَالَفَةِ الْقِيَاسِ وَنِسْبَةُ الْخَطَأِ إلَيْهِ أَوْلَى مِنْ تَخْطِئَةِ مَا ذَكَرْنَاهُ .\rوَأَمَّا قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ ، فَظَاهِرُ الْفَسَادِ ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ مُخَالَفَةِ الْكِتَابِ وَالْعَرَبِ وَأَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ ، وَلَا يَجُوزُ التَّمَسُّكُ بِمُجَرَّدِ الْقِيَاسِ الْمُخَالِفِ لِلنَّقْلِ ، فَقَدْ يَشِذُّ مِنْ الْعَرَبِيَّةِ كَلِمَاتٌ تُؤْخَذُ نَقْلًا بِغَيْرِ قِيَاسٍ .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":13,"page":64},{"id":6064,"text":"فَصْلٌ : وَإِنْ وَصَّى بِمِثْلِ نَصِيبِ مَنْ لَا نَصِيبَ لَهُ ، مِثْلُ أَنْ يُوصِيَ بِنَصِيبِ ابْنِهِ ، وَهُوَ مِمَّنْ لَا يَرِثُ لِكَوْنِهِ رَقِيقًا أَوْ مُخَالِفًا لِدِينِهِ ، أَوْ بِنَصِيبِ أَخِيهِ وَهُوَ مَحْجُوبٌ عَنْ مِيرَاثِهِ ، فَلَا شَيْءَ لِلْمُوصَى لَهُ ؛ لِأَنَّهُ لَا نَصِيبَ لَهُ ، فَمِثْلُهُ لَا شَيْءَ لَهُ .","part":13,"page":65},{"id":6065,"text":"( 4632 ) فَصْلٌ : وَإِنْ أَوْصَى لِرَجُلٍ بِثُلُثٍ ، وَلِآخَرَ بِرُبُعٍ ، وَلِآخَرَ بِخُمُسٍ ، وَلِآخَرَ بِمِثْلِ وَصِيَّةِ أَحَدِهِمْ ، فَلَهُ الْخُمُسُ .\rوَإِنْ وَصَّى لِرَجُلٍ بِعَشْرَةٍ وَلِآخَرَ بِسِتَّةٍ وَلِآخَرَ بِأَرْبَعَةٍ ، وَلِآخَرَ بِمِثْلِ وَصِيَّةِ أَحَدِهِمْ ، فَلَهُ أَرْبَعَةٌ ؛ لِأَنَّهَا الْيَقِينُ .\rوَإِنْ قَالَ : فُلَانٌ شَرِيكُهُمْ .\rفَلَهُ خُمُسُ مَا لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ .\rوَإِنْ وَصَّى لِأَحَدِهِمْ بِمِائَةٍ ، وَلِآخَرَ بِدَارٍ ، وَلِآخَرَ بِعَبْدٍ ، ثُمَّ قَالَ : فُلَانٌ شَرِيكُهُمْ .\rفَلَهُ نِصْفُ مَا لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ .\rذَكَرَهَا الْخَبْرِيُّ ؛ لِأَنَّهُ هَا هُنَا يُشَارِكُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مُنْفَرِدًا ، وَالشَّرِكَةُ تَقْتَضِي التَّسْوِيَةَ ، فَلِهَذَا كَانَ لَهُ النِّصْفُ ، بِخِلَافِ الْأُولَيَيْنِ ، فَإِنَّهُمْ كُلَّهُمْ مُشْتَرِكُونَ ، وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : لَهُ الرُّبُعُ فِي الْجَمِيعِ .","part":13,"page":66},{"id":6066,"text":"( 4633 ) فَصْلٌ وَلَوْ أَوْصَى بِمِثْلِ نَصِيبِ وَارِثٍ لَوْ كَانَ ، فَقَدِّرْ الْوَارِثَ مَوْجُودًا ، وَانْظُرْ مَا لِلْمُوصَى لَهُ مَعَ وُجُودِهِ ، فَهُوَ لَهُ مَعَ عَدَمِهِ .\rفَإِنْ خَلَّفَ ابْنَيْنِ ، وَأَوْصَى بِمِثْلِ نَصِيبِ ثَالِثٍ ، فَلِلْمُوصَى لَهُ الرُّبْعُ .\rوَلَوْ وَصَّى بِمِثْلِ نَصِيبِ خَامِسٍ لَوْ كَانَ ، فَلِلْمُوصَى لَهُ السُّدُسُ .\rوَعَلَى هَذَا أَبَدًا .\rوَلَوْ خَلَّفَتْ زَوْجًا وَأُخْتًا ، وَأَوْصَتْ بِمِثْلِ نَصِيبِ أُمٍّ لَوْ كَانَتْ .\rفَلِلْمُوصَى لَهُ الْخُمُسُ ؛ لِأَنَّ لِلْأُمِّ الرُّبُعَ لَوْ كَانَتْ ، فَيَجْعَلُ لَهَا سَهْمًا مُضَافًا إلَى أَرْبَعَةٍ ، يَكُنْ خُمْسًا ، فَقِسْ عَلَى هَذَا .","part":13,"page":67},{"id":6067,"text":"( 4634 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِذَا خَلَّفَ ثَلَاثَةَ بَنِينَ ، وَأَوْصَى لِآخَرَ بِمِثْلِ نَصِيبِ أَحَدِهِمْ ، كَانَ لِلْمُوصَى لَهُ الرُّبُعُ ) هَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، مِنْهُمْ ؛ الشَّعْبِيُّ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَعِنْدَ مَالِكٍ وَمُوَافِقِيهِ ، لِلْمُوصَى لَهُ الثُّلُثُ ، وَالْبَاقِي بَيْنَ الْبَنِينَ .\rوَتَصِحُّ مِنْ تِسْعَةٍ .\rوَقَدْ دَلَّلْنَا عَلَى فَسَادِهِ .\rوَلَوْ خَلَّفَ ابْنًا وَاحِدًا ، وَأَوْصَى بِمِثْلِ نَصِيبِهِ ، فَلِلْمُوصَى لَهُ النِّصْفُ فِي حَالِ الْإِجَازَةِ ، وَالثُّلُثُ فِي حَالِ الرَّدِّ .\rوَعِنْدَ مَالِكٍ ، لِلْمُوصَى لَهُ فِي حَالِ الْإِجَازَةِ جَمِيعُ الْمَالِ .","part":13,"page":68},{"id":6068,"text":"( 4635 ) فَصْلٌ : فَإِنْ خَلَّفَ بِنْتًا ، وَأَوْصَى بِمِثْلِ نَصِيبِهَا ، فَالْحُكْمُ فِيهَا كَالْحُكْمِ فِيمَا لَوْ كَانَ ابْنًا عِنْدَ مَنْ يَرَى الرَّدَّ ؛ لِأَنَّهَا تَأْخُذُ الْمَالَ كُلَّهُ بِالْفَرْضِ وَالرَّدِّ ، وَمَنْ لَا يَرَى الرَّدَّ يَقْتَضِي قَوْلُهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ الثُّلُثُ ، وَلَهَا نِصْفُ الْبَاقِي ، وَمَا بَقِيَ لِبَيْتِ الْمَالِ .\rوَيَقْتَضِي قَوْلُ مَالِكٍ أَنْ يَكُونَ لِلْمُوصَى لَهُ النِّصْفُ فِي حَالِ الْإِجَازَةِ وَلَهَا نِصْفُ الْبَاقِي ، وَمَا بَقِيَ لِبَيْتِ الْمَالِ .\rفَإِنْ خَلَّفَ ابْنَتَيْنِ ، وَأَوْصَى بِمِثْلِ نَصِيبِ إحْدَاهُمَا ، فَهِيَ مِنْ ثَلَاثَةٍ عِنْدَنَا .\rوَيَقْتَضِي قَوْلُ مَنْ لَا يَرَى الرَّدَّ أَنَّهَا مِنْ أَرْبَعَةٍ لِبَيْتِ الْمَالِ الرُّبُعُ ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ رُبُعُهُ .\rوَيَقْتَضِي قَوْلُ مَالِكٍ أَنَّ الثُّلُثَ لِلْمُوصَى لَهُ ، وَلِلْبِنْتَيْنِ ثُلُثَا مَا بَقِيَ ، وَالْبَاقِي لِبَيْتِ الْمَالِ .\rوَتَصِحُّ مِنْ تِسْعَةٍ .\rفَإِنْ خَلَّفَ جَدَّةً وَحْدَهَا ، وَأَوْصَى بِمِثْلِ نَصِيبِهَا ، فَقِيَاسُ قَوْلِنَا أَنَّ الْمَالَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ .\rوَقِيَاسُ قَوْلِ مَنْ لَا يَرَى الرَّدَّ أَنَّهَا مِنْ سَبْعَةٍ ، لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّبُعُ ، وَالْبَاقِي لِبَيْتِ الْمَالِ .\rوَقِيَاسُ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّ لِلْمُوصَى لَهُ السُّدُسَ ، وَلِلْجَدَّةِ سُدُسُ مَا بَقِيَ ، وَالْبَاقِي لِبَيْتِ الْمَالِ .","part":13,"page":69},{"id":6069,"text":"فَصْلٌ وَإِذَا خَلَّفَ ثَلَاثَةَ بَنِينَ ، وَأَوْصَى لِثَلَاثَةٍ بِمِثْلِ أَنْصِبَائِهِمْ ، فَالْمَالُ بَيْنَهُمْ عَلَى سِتَّةٍ إنْ أَجَازُوا ، وَإِنْ رَدُّوا فَمِنْ تِسْعَةٍ ، لِلْمُوصَى لَهُمْ الثُّلُثُ ثَلَاثَةٌ ، وَالْبَاقِي بَيْنَ الْبَنِينَ عَلَى ثَلَاثَةٍ .\rفَإِنْ أَجَازُوا لَوَاحِدٍ وَرَدُّوا عَلَى اثْنَيْنِ ، فَلِلْمَرْدُودِ عَلَيْهِمَا التُّسْعَانِ اللَّذَانِ كَانَا لَهُمَا فِي حَالِ الرَّدِّ عَلَيْهِمْ ، وَفِي الْمُجَازِ لَهُ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، لَهُ السُّدُسُ الَّذِي كَانَ لَهُ فِي حَالِ الْإِجَازَةِ لِلْجَمِيعِ وَهَذَا قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ ، وَابْنِ شُرَيْحٍ ، فَيَأْخُذُ السُّدُسَ وَالتُّسْعَيْنِ مِنْ مَخْرَجِهِمَا ، وَهُوَ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ ، يَبْقَى أَحَدَ عَشَرَ بَيْنَ الْبَنِينَ ، عَلَى ثَلَاثَةٍ لَا يَصِحُّ ، فَيُضْرَبُ عَدَدُهُمْ فِي ثَمَانِيَةَ عَشَرَ ، تَكُنْ أَرْبَعَةً وَخَمْسِينَ ، لِلْمُجَازِ لَهُ السُّدُسُ تِسْعَةٌ ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ صَاحِبَيْهِ سِتَّةٌ ، وَلِكُلِّ ابْنٍ أَحَدَ عَشَرَ .\rوَالْوَجْهُ الثَّانِي ، أَنْ يُضَمَّ الْمُجَازُ لَهُ إلَى الْبَنِينَ ، وَيُقْسَمَ الْبَاقِي بَعْدَ التُّسْعَيْنِ عَلَيْهِمْ ، وَهُمْ أَرْبَعَةٌ ، لَا تَنْقَسِمُ ، فَتَضْرِبُ أَرْبَعَةً فِي تِسْعَةٍ ، تَكُنْ سِتَّةً وَثَلَاثِينَ ، فَإِنْ أَجَازَ الْوَرَثَةُ بَعْدَ ذَلِكَ لِلْآخَرِينَ ، أَتَمُّوا لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ تَمَامَ سُدُسِ الْمَالِ ، فَيَصِيرَ الْمَالُ بَيْنَهُمْ أَسْدَاسًا عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ ، وَعَلَى الْوَجْهِ الْآخَرِ يَضُمُّونَ مَا حَصَلَ لَهُمْ ، وَهُوَ أَحَدٌ وَعِشْرُونَ مِنْ سِتَّةٍ وَثَلَاثِينَ ، إلَى مَا حَصَلَ لَهُمَا وَهُوَ ثَمَانِيَةٌ ، ثُمَّ يَقْتَسِمُونَهُ بَيْنَهُمْ عَلَى خَمْسَةٍ ، وَلَا يَصِحُّ ، فَتَضْرِبُ خَمْسَةً فِي سِتَّةٍ وَثَلَاثِينَ ، تَكُنْ مِائَةً وَثَمَانِينَ ، وَمِنْهَا تَصِحُّ .\rوَإِنْ أَجَازَ أَحَدُ الْبَنِينَ لَهُمْ ، وَرَدَّ الْآخَرَانِ عَلَيْهِمْ ، فَلِلْمُجِيزِ السُّدُسُ ، وَهُوَ ثَلَاثَةٌ مِنْ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ ، وَلِلَّذَيْنِ لَمْ يُجِيزَا أَرْبَعَةُ أَتْسَاعٍ ، ثَمَانِيَةٌ ، تَبْقَى سَبْعَةٌ بَيْنَ الْمُوصَى لَهُمْ عَلَى ثَلَاثَةٍ ، اضْرِبْهَا فِي ثَمَانِيَةَ عَشَرَ ، تَكُنْ أَرْبَعَةً","part":13,"page":70},{"id":6070,"text":"وَخَمْسِينَ .\rوَإِنْ أَجَازَ وَاحِدٌ لَوَاحِدٍ ، دَفَعَ إلَيْهِ ثُلُثَ مَا فِي يَدِهِ مِنْ الْفَضْلِ ، وَهُوَ ثُلُثُ سَهْمٍ مِنْ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ ، فَاضْرِبْهَا فِي ثَلَاثَةٍ ، تَكُنْ أَرْبَعَةً وَخَمْسِينَ .\rوَاَللَّه أَعْلَمُ .","part":13,"page":71},{"id":6071,"text":"( 4637 ) فَصْلٌ وَإِذَا وَصَّى لِرَجُلٍ بِجُزْءٍ مُقَدَّرٍ ، وَلِآخَرَ بِمِثْلِ نَصِيبِ وَارِثٍ مِنْ وَرَثَتِهِ ، فَفِيهَا وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، يُعْطَى الْجُزْءُ لِصَاحِبِهِ ، وَيُقْسَمُ الْبَاقِي بَيْنَ الْوَرَثَةِ وَالْمُوصَى لَهُ ، كَأَنَّهُ ذَلِكَ الْوَارِثَ إنْ أَجَازُوا .\rوَإِنْ رَدُّوا ، قَسَّمْت الثُّلُثَ بَيْنَ الْوَصِيَّيْنِ عَلَى حَسَبِ مَا كَانَ لَهُمَا فِي حَالِ الْإِجَازَةِ ، وَالثُّلُثَانِ بَيْنَ الْوَرَثَةِ .\rوَالْوَجْهُ الثَّانِي ، أَنْ يُعْطَى صَاحِبُ النَّصِيبِ مِثْلَ نَصِيبِ الْوَارِثِ ، كَأَنْ لَا وَصِيَّةَ سِوَاهَا .\rوَهَذَا قَوْلُ يَحْيَى بْنِ آدَمَ مِثَالُهُ : رَجُلٌ أَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ لِرَجُلٍ ، وَلِآخَرَ بِمِثْلِ نَصِيبِ أَحَدِ بَنِيهِ ، وَهُمْ ثَلَاثَةٌ ، فَعَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ ، لِلْمُوصَى لَهُ بِالثُّلُثِ الثُّلُثُ ، وَمَا بَقِيَ بَيْنَ الْبَنِينَ وَالْوَصِيِّ عَلَى أَرْبَعَةٍ ، وَتَصِحُّ مِنْ سِتَّةٍ ، لِصَاحِبِ الثُّلُثِ سَهْمَانِ ، وَلِلْآخَرِ سَهْمٌ ، فَإِنْ رَدُّوا فَالثُّلُثُ بَيْنَ الْوَصِيَّيْنِ عَلَى ثَلَاثَةٍ ، وَالثُّلُثَانِ بَيْنَ الْبَنِينَ عَلَى ثَلَاثَةٍ ، وَتَصِحُّ مِنْ تِسْعَةٍ .\rوَعَلَى الْوَجْهِ الْآخَرِ ، لِصَاحِبِ الثُّلُثِ الثُّلُثُ ، وَلِلْآخَرِ الرُّبْعُ إنْ أُجِيزَ لَهُمَا ، وَإِنْ رُدَّ عَلَيْهِمَا ، قَسَّمْت الثُّلُثَ بَيْنَهُمَا عَلَى سَبْعَةٍ ، وَالثُّلُثَانِ لِلْوَرَثَةِ ، وَتَصِحُّ مِنْ ثَلَاثَةٍ وَسِتِّينَ .\rوَإِنْ كَانَ الْجُزْءُ يَزِيدُ عَلَى الثُّلُثِ ، مِثْلُ إنْ أَوْصَى لِرَجُلٍ بِالنِّصْفِ ، وَلِآخَرَ بِمِثْلِ نَصِيبِ أَحَدِ بَنِيهِ ، فَفِيهَا وَجْهٌ ثَالِثٌ ، وَهُوَ أَنْ يَجْعَلَ لِصَاحِبِ النَّصِيبِ نَصِيبَهُ مِنْ الثُّلُثَيْنِ ، وَهُوَ رُبُعُهَا ؛ لِأَنَّ الثُّلُثَيْنِ حَقُّ الْوَرَثَةِ ، لَا يُؤْخَذُ مِنْهُمَا شَيْءٌ إلَّا بِإِجَازَتِهِمْ وَرِضَاهُمْ ، فَيَكُونُ صَاحِبُ النَّصِيبِ كَوَاحِدٍ مِنْهُمْ ، لَا تَنْقُصُ مِنْ السُّدُسِ شَيْئًا إلَّا بِإِجَازَتِهِ .\rفَعَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ ، لِصَاحِبِ الْجُزْءِ النِّصْفُ ، وَالْبَاقِي بَيْنَ الْآخَرِ وَالْبَنِينَ عَلَى أَرْبَعَةٍ ، وَتَصِحُّ مِنْ ثَمَانِيَةٍ إنْ أَجَازُوا ، وَإِنْ رَدُّوا قَسَّمْت الثُّلُثَ بَيْنَ الْوَصِيَّيْنِ","part":13,"page":72},{"id":6072,"text":"عَلَى خَمْسَةٍ ، وَالثُّلُثَيْنِ بَيْنَ الْبَنِينَ عَلَى ثَلَاثَةٍ ، وَتَصِحُّ مِنْ خَمْسَةٍ وَأَرْبَعِينَ .\rوَعَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي ، لِصَاحِبِ النِّصْفِ النِّصْفُ ، وَلِلْآخَرِ الرُّبُعُ وَيَبْقَى الرُّبُعُ بَيْنَ الْبَنِينَ ، وَتَصِحُّ مِنْ اثْنَيْ عَشَرَ ، وَإِنْ رَدُّوا فَالثُّلُثُ بَيْنَ الْوَصِيَّيْنِ عَلَى ثَلَاثَةٍ ، وَتَصِحُّ مِنْ تِسْعَةٍ .\rوَعَلَى الْوَجْهِ الثَّالِثِ ، لِصَاحِبِ النِّصْفِ النِّصْفُ ، وَلِلْآخَرِ السُّدُسُ ، وَيَبْقَى الثُّلُثُ بَيْنَ الْبَنِينَ عَلَى ثَلَاثَةٍ ، وَتَصِحُّ مِنْ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ ، وَإِنْ رَدُّوا ، فَالثُّلُثُ بَيْنَ الْوَصِيَّيْنِ عَلَى أَرْبَعَةٍ ، وَتَصِحُّ مِنْ سِتَّةٍ وَثَلَاثِينَ .\rوَإِنْ أَوْصَى لِصَاحِبِ الْجُزْءِ بِالثُّلُثَيْنِ ، فَعَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ ، لِصَاحِبِ النِّصْفِ رُبُعُ الثُّلُثِ ، سَهْمٌ مِنْ اثْنَيْ عَشَرِ إنْ أَجَازُوا ، وَإِنْ رَدُّوا قَسَّمْت الثُّلُثَ بَيْنَ الْوَصِيَّيْنِ عَلَى تِسْعَةٍ .\rوَعَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي ، يَكُونُ لَهُ الرُّبُعُ فِي حَالِ الْإِجَازَةِ ، وَفِي حَالِ الرَّدِّ يَكُونُ الثُّلُثُ بَيْنَ الْوَصِيَّيْنِ عَلَى أَحَدَ عَشَرَ .\rوَعَلَى الْوَجْهِ الثَّالِثِ ، يَكُونُ لَهُ السُّدُسُ فِي الْإِجَازَةِ ، وَفِي الرَّدِّ يَكُونُ الثُّلُثُ بَيْنَ الْوَصِيَّيْنِ عَلَى خَمْسَةٍ .\rوَإِنْ أَوْصَى لِرَجُلٍ بِجَمِيعِ مَالِهِ ، وَلِآخَرَ بِمِثْلِ نَصِيبِ أَحَدِ وَرَثَتِهِ ، فَعَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ ، لَا يَصِحُّ لِلْوَصِيِّ الْآخَرِ شَيْءٌ فِي إجَازَةٍ وَلَا رَدٍّ .\rوَعَلَى الثَّانِي ، يَقْسِمُ الْوَصِيَّانِ الْمَالَ بَيْنَهُمَا عَلَى خَمْسَةٍ فِي الْإِجَازَةِ ، وَالثُّلُثَ عَلَى خَمْسَةٍ فِي الرَّدِّ .\rوَعَلَى الثَّالِثِ ، يَقْتَسِمَانِ الْمَالَ عَلَى سَبْعَةٍ فِي الْإِجَازَةِ ، وَالثُّلُثَ عَلَى سَبْعَةٍ فِي الرَّدِّ .","part":13,"page":73},{"id":6073,"text":"( 4638 ) فَصْلٌ : وَإِنْ أَوْصَى لِرَجُلٍ بِمِثْلِ نَصِيبِ وَارِثٍ ، وَلَلْآخَرَ بِجُزْءٍ مِمَّا بَقِيَ مِنْ الْمَالِ فَفِيهَا أَيْضًا ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ ؛ أَحَدُهَا : أَنْ يُعْطَى صَاحِبُ النِّصْفِ مِثْلَ نَصِيبِ الْوَارِثِ إذَا لَمْ يَكُنْ ثَمَّ وَصِيَّةٌ أُخْرَى .\rوَالثَّانِي أَنْ يُعْطَى مِثْلَ نَصِيبِهِ مِنْ ثُلُثَيْ الْمَالِ .\rوَالثَّالِثُ ، أَنْ يُعْطَى مِثْلَ نَصِيبِهِ بَعْدَ أَخْذِ صَاحِبِ الْجُزْءِ وَصِيَّتَهُ .\rوَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ يَدْخُلُهَا الدُّورُ ، وَعَلَيْهِ التَّفْرِيعُ .\rوَمِثَالُهُ ، رَجُلٌ خَلَّفَ ثَلَاثَةَ بَنِينَ ، وَوَصَّى بِمِثْلِ نَصِيبِ أَحَدِهِمْ ، وَلِآخَرَ بِنِصْفِ بَاقِي الْمَالِ ، فَعَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ ، لِصَاحِبِ النِّصْفِ الرُّبُعُ ، وَلِلْآخَرِ نِصْفُ الْبَاقِي ، وَمَا بَقِيَ لِلْبَنِينَ ، وَتَصِحُّ مِنْ ثَمَانِيَةٍ .\rوَعَلَى الثَّانِي لَهُ السُّدُسُ ، وَلِلْآخَرِ نِصْفُ الْبَاقِي ، وَتَصِحُّ مِنْ سِتَّةٍ وَثَلَاثِينَ .\rوَلَا تَفْرِيعَ عَلَى هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ لِوُضُوحِهِمَا .\rوَأَمَّا عَلَى الثَّالِثِ فَيَدْخُلُهَا الدُّورُ ، وَلِعَمَلِهَا طُرُقٌ ؛ أَحَدُهَا ، أَنْ تَأْخُذَ مَخْرَجَ النِّصْفِ ، فَتُسْقِطَ مِنْهُ سَهْمًا ، يَبْقَى سَهْمٌ ، فَهُوَ النَّصِيبُ ، ثُمَّ تَزِيدُ عَلَى عَدَدِ الْبَنِينَ وَاحِدًا ، تَصِيرُ أَرْبَعَةً ، فَتَضْرِبُهَا فِي الْمَخْرَجِ ، تَكُنْ ثَمَانِيَةً ، تَنْقُصُهَا سَهْمًا ، يَبْقَى سَبْعَةٌ ، فَهِيَ الْمَالُ ، لِلْمُوصَى لَهُ بِالنَّصِيبِ سَهْمٌ ، وَلِلْآخَرِ نِصْفُ الْبَاقِي ، وَهُوَ ثَلَاثَةٌ ، وَلِكُلِّ ابْنٍ سَهْمٌ .\rطَرِيقٌ آخَرُ ، أَنْ تَزِيدَ عَلَى سِهَامِ الْبَنِينَ نِصْفَ سَهْمٍ ، وَتَضْرِبَهَا فِي الْمَخْرَجِ ، تَكُنْ سَبْعَةً .\rطَرِيقٌ ثَالِثٌ ، وَيُسَمَّى الْمَنْكُوسَ ، أَنْ تَأْخُذَ سِهَامَ الْبَنِينَ وَهِيَ ثَلَاثَةٌ ، فَتَقُولُ : هَذِهِ بَقِيَّةُ مَالٍ ذَهَبَ نِصْفُهُ ، فَإِذَا أَرَدْت تَكْمِيلَهُ فَزِدْ عَلَيْهِ مِثْلَهُ ، ثُمَّ زِدْ عَلَيْهَا مِثْلَ سَهْمِ ابْنٍ ، تَكُنْ سَبْعَةً .\rطَرِيقٌ رَابِعٌ ، أَنْ تَجْعَلَ الْمَالَ سَهْمَيْنِ وَنَصِيبًا ، وَتَدْفَعَ النَّصِيبَ إلَى صَاحِبِهِ ، وَإِلَى الْآخَرِ سَهْمًا ، يَبْقَى سَهْمٌ لِلْبَنِينَ يَعْدِلُ ثُلُثَهُ ، فَالْمَالُ","part":13,"page":74},{"id":6074,"text":"كُلُّهُ سَبْعَةٌ .\rوَبِالْجَبْرِ تَأْخُذُ مَالًا فَتُلْقِي مِنْهُ نَصِيبًا ، يَبْقَى مَالٌ إلَّا نَصِيبًا ، وَتَدْفَعُ نِصْفَ الْبَاقِي إلَى الْوَصِيِّ الْآخَرِ ، يَبْقَى نِصْفُ مَالٍ إلَّا نِصْفَ نَصِيبٍ ، يَعْدِلُ ثَلَاثَةَ أَنْصِبَاءَ ، فَاجْبُرْهُ بِنِصْفِ نَصِيبٍ ، وَزِدْهُ عَلَى الثَّلَاثَةِ ، يَبْقَى نِصْفًا كَامِلًا ، يَعْدِلُ ثَلَاثَةً وَنِصْفًا ، فَالْمَالُ كُلُّهُ سَبْعَةٌ .","part":13,"page":75},{"id":6075,"text":"( 4639 ) فَصْلٌ : فَإِنْ كَانَتْ الْوَصِيَّةُ الثَّانِيَةُ بِنِصْفِ مَا يَبْقَى مِنْ الثُّلُثِ ، أَخَذْت مَخْرَجَ النِّصْفِ وَالثُّلُثِ ، وَهُوَ سِتَّةٌ ، نَقَصْت مِنْهَا وَاحِدًا ، يَبْقَى خَمْسَةٌ ، فَهِيَ النَّصِيبُ ثُمَّ تَزِيدُ وَاحِدًا عَلَى سِهَامِ الْبَنِينَ ، وَتَضْرِبُهَا فِي الْمَخْرَجِ ، تَكُنْ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ تَنْقُصُهَا ثَلَاثَةً ، يَبْقَى أَحَدٌ وَعِشْرُونَ ، فَهُوَ الْمَالُ فَتَدْفَعُ إلَى صَاحِبِ النَّصِيبِ خَمْسَةً ، يَبْقَى مِنْ الثُّلُثِ اثْنَانِ ، تَدْفَعُ مِنْهُمَا سَهْمًا إلَى الْوَصِيِّ الْآخَرِ ، يَبْقَى خَمْسَةَ عَشَرَ ، لِكُلِّ ابْنٍ خَمْسَةٌ .\rوَبِالطَّرِيقِ الثَّانِي ، تَزِيدُ عَلَى سِهَامِ الْبَنِينَ نِصْفًا ، وَتَضْرِبُهَا فِي الْمَخْرَجِ ، تَكُنْ أَحَدًا وَعِشْرِينَ .\rوَبِالثَّالِثِ ، تَعْمَلُ كَمَا عَمِلْت فِي الْأُولَى ، فَإِذَا بَلَغَتْ سَبْعَةً ضَرَبْتهَا فِي ثَلَاثَةٍ ؛ مِنْ أَجْلِ أَنَّ الْوَصِيَّةَ الثَّانِيَةَ بِنِصْفِ الثُّلُثِ .\rوَبِالرَّابِعِ ، تَجْعَلُ الثُّلُثَ سَهْمَيْنِ وَنَصِيبًا ، تَدْفَعُ النَّصِيبَ إلَى صَاحِبِهِ ، وَإِلَى الْآخَرِ سَهْمًا ، يَبْقَى مِنْ الْمَالِ خَمْسَةُ أَسْهُمٍ وَنَصِيبَانِ ، تَدْفَعُ نَصِيبَيْنِ إلَى ابْنَيْنِ ، يَبْقَى خَمْسَةٌ لِلثَّالِثِ ، فَهِيَ النَّصِيبُ ، فَإِذَا بَسَطْتهَا كَانَتْ أَحَدًا وَعِشْرِينَ ، وَبِالْجَبْرِ ، تَأْخُذُ مَالًا فَتُلْقِي مِنْهُ ثُلُثَهُ نَصِيبًا ، وَتَدْفَعُ إلَى الْآخَرِ نِصْفَ بَاقِي الثُّلُثِ ، يَبْقَى مِنْ الْمَالِ خَمْسَةُ أَسْدَاسِهِ إلَّا نِصْفَ نَصِيبٍ ، اُجْبُرْهُ بِنِصْفِ نَصِيبٍ ، وَزِدْهُ عَلَى سِهَامِ الْبَنِينَ ، يَصِيرُ ثَلَاثَةً وَنِصْفًا ، تَعْدِلُ خَمْسَةَ أَسْدَاسٍ ، أَقْلِبْ وَحَوِّلْ ، يَصِيرُ النَّصِيبُ خَمْسَةً ، وَكُلُّ سَهْمٍ سِتَّةً تَكُنْ أَحَدًا وَعِشْرِينَ .","part":13,"page":76},{"id":6076,"text":"( 4640 ) فَصْلٌ : فَإِنْ أَوْصَى لِثَالِثٍ بِرُبُعِ الْمَالِ ، فَخُذْ الْمَخَارِجَ ، وَهِيَ اثْنَانِ وَثَلَاثَةٌ وَأَرْبَعَةٌ ، وَاضْرِبْ بَعْضَهَا فِي بَعْضٍ ، تَكُنْ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ ، وَزِدْ عَلَى عَدَدِ الْبَنِينَ وَاحِدًا ، تَصِرْ أَرْبَعَةً ، وَاضْرِبْهَا فِي أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ ، تَكُنْ سِتَّةً وَتِسْعِينَ ، اُنْقُصْ مِنْهَا ضَرْبَ نِصْفِ سَهْمٍ فِي أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ ، وَذَلِكَ اثْنَا عَشَرَ ، يَبْقَى أَرْبَعَةٌ وَثَمَانُونَ ، فَهِيَ الْمَالُ ، ثُمَّ اُنْظُرْ الْأَرْبَعَةَ وَعِشْرِينَ ، فَانْقُصْ مِنْهَا سُدُسَهَا لِأَجْلِ الْوَصِيَّةِ الثَّانِيَةِ ، وَرُبُعَهَا لِأَجْلِ الْوَصِيَّةِ الثَّالِثَةِ ، يَبْقَى أَرْبَعَةَ عَشَرَ ، فَهِيَ النَّصِيبُ ، فَادْفَعْهَا إلَى الْمُوصَى لَهُ بِالنَّصِيبِ ، ثُمَّ ادْفَعْ إلَى الثَّانِي نِصْفَ مَا يَبْقَى مِنْ الثُّلُثِ ، وَهُوَ سَبْعَةٌ ، وَإِلَى الثَّالِثِ رُبُعَ الْمَالِ أَحَدًا وَعِشْرِينَ ، يَبْقَى اثْنَانِ وَأَرْبَعُونَ ، لِكُلِّ ابْنٍ أَرْبَعَةَ عَشَرَ .\rوَبِالطَّرِيقِ الثَّانِي ، تَزِيدُ عَلَى عَدَدِ الْبَنِينَ نِصْفَ سَهْمٍ ، وَتَضْرِبُ ثَلَاثَةً وَنِصْفًا فِي أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ ، تَكُنْ أَرْبَعَةً وَثَمَانِينَ .\rوَبِالطَّرِيقِ الثَّالِثِ ، تَعْمَلُ فِي هَذِهِ كَمَا عَمِلْت فِي الَّتِي قَبْلَهَا ، فَإِذَا بَلَغَتْ أَحَدًا وَعِشْرِينَ ، ضَرَبْتهَا فِي أَرْبَعَةٍ مِنْ أَجْلِ الرُّبُعِ ، تَكُنْ أَرْبَعَةً وَثَمَانِينَ .\rوَبِطَرِيقِ النَّصِيبِ تَفْرِضُ الْمَالَ سِتَّةَ أَسْهُمٍ ، وَثَلَاثَةَ أَنْصِبَاءَ ، تَدْفَعُ نَصِيبًا إلَى صَاحِبِ النَّصِيبِ ، وَإِلَى الْآخَرِ سَهْمًا ، وَإِلَى صَاحِبِ الرُّبُعِ سَهْمًا وَنِصْفًا وَثَلَاثَةَ أَرْبَاعِ نَصِيبٍ ، وَيَبْقَى مِنْ الْمَالِيَّةِ نَصِيبٌ وَرُبُعٌ وَثَلَاثَةُ أَسْهُمٍ وَنِصْفٌ لِلْوَرَثَةِ ، يَعْدِلُ ثَلَاثَةَ أَنْصِبَاءَ ، فَأَسْقِطْ نَصِيبًا وَرُبْعًا بِمِثْلِهَا ، يَبْقَى ثَلَاثَةُ أَسْهُمٍ وَنِصْفٌ ، يَعْدِلُ نَصِيبًا وَثَلَاثَةَ أَرْبَاعٍ ، فَالنَّصِيبُ إذًا سَهْمَانِ ، فَابْسُطْ الثَّلَاثَةَ الْأَنْصِبَاءَ ، تَكُنْ سِتَّةً ، فَصَارَ الْمَالُ اثْنَيْ عَشَرَ ، وَمِنْهَا يَصِحُّ ، لِصَاحِبِ النَّصِيبِ سَهْمَانِ ، وَلِلْآخَرِ نِصْفُ بَاقِي الثُّلُثِ","part":13,"page":77},{"id":6077,"text":"سَهْمٌ ، وَلِصَاحِبِ الرُّبُعِ ثَلَاثَةٌ ، تَبْقَى سِتَّةٌ ، لِكُلِّ ابْنٍ سَهْمَانِ .\rوَهَذَا أَخْصَرُ وَأَحْسَنُ .\rوَبِالْجَبْرِ ، تَأْخُذُ مَالًا تَدْفَعُ مِنْهُ نَصِيبًا ، يَبْقَى مَالٌ إلَّا نَصِيبًا ، تَدْفَعُ نِصْفَ بَاقِي ثُلُثِهِ ، وَهُوَ سُدُسٌ إلَّا نِصْفَ نَصِيبٍ ، يَبْقَى مِنْ الْمَالِ خَمْسَةُ أَسْدَاسٍ إلَّا نِصْفَ نَصِيبٍ ، تَدْفَعُ مِنْهَا رُبُعَ الْمَالِ ، يَبْقَى ثُلُثُ الْمَالِ وَرُبُعُهُ إلَّا نِصْفَ نَصِيبٍ ، يَعْدِلُ ثَلَاثَةَ أَنْصِبَاءَ ، اُجْبُرْ وَقَابِلْ وَقَلِّبْ وَحَوِّلْ ، يَكُنْ النَّصِيبُ سَبْعَةً ، وَالْمَالُ اثْنَيْنِ وَأَرْبَعِينَ ، ثُمَّ تَضْرِبُهَا فِي اثْنَيْنِ ، لِيَزُولَ الْكَسْرُ ، يَرْجِعُ إلَى أَرْبَعَةٍ وَثَمَانِينَ .","part":13,"page":78},{"id":6078,"text":"( 4641 ) فَصْلٌ : فَإِنْ كَانَتْ الْوَصِيَّةُ الثَّالِثَةُ بِرُبُعِ مَا بَقِيَ مِنْ الْمَالِ بَعْدَ الْوَصِيَّتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ ، فَاعْمَلْهَا بِطَرِيقِ النَّصِيبِ ، كَمَا ذَكَرْنَا ، يَبْقَى مَعَك ثَلَاثَةُ أَسْهُمٍ وَثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ سَهْمٍ تَعْدِلُ نَصِيبًا وَنِصْفًا ، اُبْسُطْهُمَا أَرْبَاعًا ، تَكُنْ السِّهَامُ خَمْسَةَ عَشَرَ ، وَالْأَنْصِبَاءُ سِتَّةً ، تُوَافِقُهُمَا وَتَرُدُّهُمَا إلَى وَفْقَيْهِمَا ، تَصِيرُ خَمْسَةَ أَسْهُمٍ ، تَعْدِلُ نَصِيبَيْنِ ، اقْلِبْ وَاجْعَلْ النَّصِيبَ خَمْسَةً وَالسَّهْمَ اثْنَيْنِ ، وَابْسُطْ مَا مَعَك ، يَصِرْ سَبْعَةً وَعِشْرِينَ ، فَادْفَعْ خَمْسَةً إلَى صَاحِبِ النَّصِيبِ ، وَإِلَى الْآخَرِ نِصْفَ بَاقِي الثُّلُثِ سَهْمَيْنِ ، وَإِلَى الْآخَرِ رُبُعَ الْبَاقِي خَمْسَةً ، يَبْقَى خَمْسَةَ عَشَرَ ، لِكُلِّ ابْنٍ خَمْسَةٌ .\rوَهَذَا الطَّرِيقُ أَخْصَرُ .\rوَإِنْ عَمِلْت بِالطَّرِيقِ الثَّانِي ، أَخَذَتْ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ ، فَنَقَصْت سُدُسَهَا وَرُبُعَ الْبَاقِي ، يَبْقَى خَمْسَةَ عَشَرَ ، فَهِيَ النَّصِيبُ ، ثُمَّ زِدْت عَلَى عَدَدِ الْبَنِينَ سَهْمًا وَنَقَصْت نِصْفَهُ وَرُبُعَ الْبَاقِي مِنْهُ ، يَبْقَى ثَلَاثَةُ أَثْمَانٍ ، رُدَّهَا عَلَى سِهَامِ الْبَنِينَ ، تَكُنْ ثَلَاثَةً ، وَثَلَاثَةَ أَثْمَانِ ، تَضْرِبُهَا فِي أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ ، تَكُنْ أَحَدًا وَثَمَانِينَ ، وَمِنْهَا تَصِحُّ ، وَبِالْجَبْرِ تُفْضِي إلَى ذَلِكَ أَيْضًا .","part":13,"page":79},{"id":6079,"text":"( 4642 ) فَصْلٌ : وَإِنْ خَلَّفَ أُمًّا وَأُخْتًا وَعَمًّا ، وَأَوْصَى لِرَجُلٍ بِمِثْلِ نَصِيبِ الْعَمِّ ، وَسُدُسِ مَا يَبْقَى ، وَلِآخَرَ بِمِثْلِ نَصِيبِ الْأُمِّ وَرُبْعِ مَا يَبْقَى ، وَلِآخَرَ بِمِثْلِ نَصِيبِ الْأُخْتِ وَثُلُثِ مَا يَبْقَى ، فَاعْمَلْهَا بِالْمَنْكُوسِ ، وَقُلْ : أَصْلُ الْمَسْأَلَةِ سِتَّةٌ ، فَابْدَأْ بِآخِرِ الْوَصَايَا ، فَقُلْ : هَذَا مَالٌ ذَهَبَ ثُلُثُهُ ، فَزِدْ عَلَيْهِ نِصْفَهُ ثَلَاثَةً ، وَمِثْلَ نَصِيبِ الْأُخْتِ ثَلَاثَةً ، صَارَتْ اثْنَيْ عَشَرَ ، ثُمَّ قُلْ : هَذَا بَقِيَّةُ مَالٍ ذَهَبَ رُبُعُهُ ، فَزِدْ عَلَيْهِ ثُلُثَهُ ، وَمِثْلَ نَصِيبِ الْأُمِّ سِتَّةً ، صَارَ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ ، ثُمَّ قُلْ : هَذَا بَقِيَّةُ مَالٍ ذَهَبَ سُبُعُهُ ، فَزِدْ عَلَيْهِ سُدُسَهُ ، وَنَصِيبَ الْعَمِّ ، صَارَ اثْنَيْنِ وَعِشْرِينَ ، وَمِنْهُ تَصِحُّ .","part":13,"page":80},{"id":6080,"text":"( 4643 ) فَصْلٌ : فِي الِاسْتِثْنَاءِ ، إذَا خَلَّفَ ثَلَاثَةَ بَنِينَ ، وَأَوْصَى بِمِثْلِ نَصِيبِ أَحَدِهِمْ إلَّا رُبُعَ الْمَالِ ، فَخُذْ مَخْرَجَ الْكَسْرِ أَرْبَعَةً ، وَزِدْ عَلَيْهَا سَهْمًا ، تَكُنْ خَمْسَةً ، فَهَذَا النَّصِيبُ ، وَزِدْ عَلَى عَدَدِ الْبَنِينَ وَاحِدًا ، وَاضْرِبْهُ فِي مَخْرَجِ الْكَسْرِ ، تَكُنْ سِتَّةَ عَشَرَ ، تَدْفَعُ إلَى الْوَصِيِّ خَمْسَةً ، وَتَسْتَثْنِي مِنْهُ أَرْبَعَةً يَبْقَى لَهُ سَهْمٌ ، وَلِكُلِّ ابْنٍ خَمْسَةٌ .\rوَإِنْ شِئْت خَصَصْت كُلَّ ابْنٍ بِرُبُعٍ ، وَقَسَمْت الرُّبُعَ الْبَاقِيَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ عَلَى أَرْبَعَةٍ .\rفَإِنْ قَالَ : إلَّا رُبُعَ الْبَاقِي بَعْدَ النَّصِيبِ .\rفَزِدْ عَلَى سِهَامِ الْبَنِينَ سَهْمًا وَرُبْعًا ، وَاضْرِبْهُ فِي أَرْبَعَةٍ ، تَكُنْ سَبْعَةَ عَشَرَ ، لِلْوَصِيِّ سَهْمَانِ ، وَلِكُلِّ ابْنٍ خَمْسَةٌ .\rوَبِالْجَبْرِ ، تَأْخُذُ مَالًا ، وَتَدْفَعُ مِنْهُ نَصِيبًا إلَى الْمُوصَى لَهُ ، وَتَسْتَثْنِي مِنْهُ رُبْعَ الْبَاقِي ، وَهُوَ رُبْعُ مَالٍ إلَّا رُبْعَ نَصِيبٍ ، صَارَ مَعَك مَالٌ وَرُبْعٌ إلَّا نَصِيبًا وَرُبْعًا ، يَعْدِلُ أَنْصِبَاءَ الْبَنِينَ ، وَهِيَ ثَلَاثَةٌ ، اُجْبُرْ وَقَابِلْ ، يَخْرُجْ النَّصِيبُ خَمْسَةً ، وَالْمَالُ سَبْعَةَ عَشَرَ .\rفَإِنْ قَالَ : إلَّا رُبُعَ الْبَاقِي بَعْدَ الْوَصِيَّةِ .\rجَعَلْت الْمَخْرَجَ ثَلَاثَةً ، وَزِدْت عَلَيْهِ ثُلُثَهُ ، صَارَ أَرْبَعَةً ، فَهُوَ النَّصِيبُ ، وَتَزِيدُ عَلَى عَدَدِ الْبَنِينَ نَصِيبًا وَثُلُثًا ، وَتَضْرِبُهُ فِي ثَلَاثَةٍ ، تَكُنْ ثَلَاثَةَ عَشَرَ ، فَهُوَ الْمَالُ .\rوَإِنْ شِئْت قُلْت : الْمَالُ كُلُّهُ ثَلَاثَةُ أَنْصِبَاءَ وَوَصِيَّةٌ ، وَالْوَصِيَّةُ هِيَ نَصِيبٌ إلَّا رُبُعَ الْبَاقِي بَعْدَهَا ، وَذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ نَصِيبٍ ، فَيَبْقَى رُبُعُ نَصِيبٍ ، فَهُوَ الْوَصِيَّةُ ، وَتَبَيَّنَ أَنَّ الْمَالَ كُلَّهُ ثَلَاثَةٌ وَرُبُعٌ ، اُبْسُطْهَا ، تَكُنْ ثَلَاثَةَ عَشَرَ .\rوَلِهَذِهِ الْمَسَائِلِ طُرُقٌ سِوَى مَا ذَكَرْنَا .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":13,"page":81},{"id":6081,"text":"( 4644 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَالَ : أَوْصَيْت لَك بِمِثْلِ نَصِيبِ أَحَدِ بَنِيَّ إلَّا ثُلُثَ مَا يَبْقَى مِنْ الثُّلُثِ .\rفَخُذْ مَخْرَجَ الْكَسْرِ ثُلُثَ الثُّلُثِ ، وَهُوَ تِسْعَةٌ وَزِدْ عَلَيْهَا سَهْمًا ، تَكُنْ عَشَرَةً ، فَهِيَ النَّصِيبُ ، وَزِدْ عَلَى أَنْصِبَاءِ الْبَنِينَ سَهْمًا وَثُلُثًا ، وَاضْرِبْ ذَلِكَ فِي تِسْعَةٍ ، تَكُنْ تِسْعَةً وَثَلَاثِينَ ، ادْفَعْ عَشَرَةً إلَى الْوَصِيِّ ، وَاسْتَثْنِ مِنْهُ ثُلُثَ بَقِيَّةِ الثُّلُثِ سَهْمًا ، يَبْقَى لَهُ تِسْعَةٌ ، وَلِكُلِّ ابْنٍ عَشْرَةٌ .\rوَإِنْ قَالَ إلَّا ثُلُثَ مَا يَبْقَى مِنْ الثُّلُثِ بَعْدَ الْوَصِيَّةِ .\rجَعَلْت الْمَالَ سِتَّةً ، وَزِدْت عَلَيْهَا سَهْمًا ، صَارَتْ سَبْعَةً ، فَهَذَا هُوَ النَّصِيبُ ، وَزِدْت عَلَى أَنْصِبَاءِ الْبَنِينَ سَهْمًا وَنِصْفًا ، وَضَرَبْته فِي سِتَّةٍ ، صَارَ سَبْعَةً وَعِشْرِينَ ، وَدَفَعْت إلَى الْوَصِيِّ سَبْعَةً ، وَأَخَذْت مِنْهُ نِصْفَ بَقِيَّةِ الثُّلُثِ ، بَقِيَ مَعَهُ سِتَّةٌ ، وَبَقِيَ أَحَدٌ وَعِشْرُونَ ، لِكُلِّ ابْنٍ سَبْعَةٌ ، وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ ، لِأَنَّ الثُّلُثَ بَعْد الْوَصِيَّةِ هُوَ النِّصْفُ بَعْدَ النَّصِيبِ ، وَمَتَى أَطْلَقَ الِاسْتِثْنَاءَ ، فَلَمْ يَقُلْ : بَعْدَ النَّصِيبِ وَلَا بَعْدَ الْوَصِيَّةِ .\rفَعِنْدَ الْجُمْهُورِ يُحْمَلُ عَلَى مَا بَعْدَ النَّصِيبِ ، وَعِنْدَ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ وَالْبَصْرِيِّينَ يَكُونُ بَعْدَ الْوَصِيَّةِ .","part":13,"page":82},{"id":6082,"text":"( 4645 ) فَصْلٌ : فَإِنْ قَالَ : إلَّا خُمُسَ مَا يَبْقَى مِنْ الْمَالِ بَعْدَ النَّصِيبِ ، وَلِآخَرَ بِثُلُثِ مَا يَبْقَى مِنْ الْمَالِ بَعْدَ وَصِيَّةِ الْأَوَّلِ ، فَخُذْ الْجَمِيعَ خَمْسَةً ، وَزِدْ عَلَيْهَا خُمْسَهَا ، تَكُنْ سِتَّةً ، اُنْقُصْ ثُلُثَهَا مِنْ أَجْلِ الْوَصِيَّةِ بِالثُّلُثِ ، يَبْقَى أَرْبَعَةٌ ، فَهِيَ النَّصِيبُ ، ثُمَّ خُذْ سَهْمًا ، وَزِدْ عَلَيْهِ خَمْسَةً وَانْقُصْ مِنْ ذَلِكَ ثُلُثَهُ ، يَبْقَى أَرْبَعَةُ أَخْمَاسٍ ، زِدْهَا عَلَى أَنْصِبَاءِ الْبَنِينَ ، وَاضْرِبْهَا فِي خَمْسَةٍ ، تَصِرْ تِسْعَةَ عَشَرَ ، فَهِيَ الْمَالُ ، ادْفَعْ إلَى الْأَوَّلِ أَرْبَعَةً ، وَاسْتَثْنِ مِنْهُ خُمُسَ الْبَاقِي ثَلَاثَةٌ ، يَبْقَ مَعَهُ سَهْمٌ ، فَادْفَعْ إلَى الْآخَرِ ثُلُثَ الْبَاقِي سِتَّةً ، يَبْقَ اثْنَا عَشَرَ ، لِكُلِّ ابْنٍ أَرْبَعَةٌ .\rوَبِالْجَبْرِ خُذْ مَالًا ، وَأَلْقِ مِنْهُ نَصِيبًا ، وَاسْتَرْجِعْ مِنْهُ خُمُسَ الْبَاقِي ، يَصِرْ مَعَك مَالٌ وَخُمُسٌ إلَّا نَصِيبًا وَخُمُسًا ، أَلْقِ مِنْهُ ثُلُثَ ذَلِكَ ، يَبْقَ أَرْبَعَةُ أَخْمَاسِ مَالٍ إلَّا أَرْبَعَةَ أَخْمَاسِ نَصِيبٍ ، تَعْدِلُ ثَلَاثَةَ أَنْصِبَاءَ ، اُجْبُرْ وَقَابِلْ وَابْسُطْ ، يَكُنْ الْمَالُ تِسْعَةَ عَشَرَ ، وَالنَّصِيبُ أَرْبَعَةً .\rوَإِنْ شِئْت قُلْت : أَنْصِبَاءُ الْبَنِينَ ثَلَاثَةٌ ، وَهِيَ بَقِيَّةُ مَالٍ ذَهَبَ ثُلُثُهُ ، فَزِدْ عَلَيْهِ نِصْفَهُ ، يَصِرْ أَرْبَعَةَ أَنْصِبَاءَ وَنِصْفًا وَوَصِيَّةً ، وَالْوَصِيَّةُ هِيَ نَصِيبٌ إلَّا خُمُسَ الْبَاقِي ، وَهُوَ نِصْفُ نَصِيبٍ وَخُمُسُ نَصِيبٍ ، وَخُمُسُ وَصِيَّةٍ ، أُسْقِطْهُ مِنْ النَّصِيبِ ، يَبْقَ خُمُسُ نَصِيبٍ وَعُشْرُ نَصِيبٍ إلَّا خُمُسَ وَصِيَّةٍ ، تَعْدِلُ وَصِيَّةً ، اُجْبُرْ وَقَابِلْ وَابْسُطْ ، تَصِرْ ثَلَاثَةً مِنْ النَّصِيبِ ، تَعْدِلُ اثْنَيْ عَشَرَ سَهْمًا مِنْ الْوَصِيَّةِ ، وَهِيَ تَتَّفِقُ بِالْأَثْلَاثِ ، فَرُدَّهَا عَلَى وَفْقِهَا ، تَصِرْ سَهْمًا ، يَعْدِلُ أَرْبَعَةً ، فَالْوَصِيَّةُ سَهْمٌ ، وَالنَّصِيبُ أَرْبَعَةٌ ، فَابْسُطْهَا ، تَكُنْ تِسْعَةَ عَشَرَ .\rفَإِنْ كَانَ الِاسْتِثْنَاءُ بَعْدَ الْوَصِيَّةِ ، قُلْت : الْمَالُ أَرْبَعَةُ أَسْهُمٍ وَنِصْفُ وَصِيَّةٍ ، وَهِيَ نَصِيبٌ إلَّا خُمُسَ","part":13,"page":83},{"id":6083,"text":"الْبَاقِي ، وَهُوَ تِسْعَةُ أَعْشَارِ نَصِيبٍ ، يَبْقَى عُشْرُ نَصِيبٍ ، فَهُوَ الْوَصِيَّةُ .\rفَابْسُطْ الْكُلَّ أَعْشَارًا تَكُنْ الْأَنْصِبَاءُ خَمْسَةً وَأَرْبَعِينَ ، وَالْوَصِيَّةُ سَهْمٌ .\rوَإِنْ كَانَ اسْتَثْنَى خُمُسَ الْمَالِ كُلَّهُ ، فَالْوَصِيَّةُ عُشْرُ نَصِيبٍ إلَّا خُمُسَ وَصِيَّةٍ ، اُجْبُرْ يَصِرْ الْعُشْرُ يَعْدِلُ وَصِيَّةً وَخُمْسًا ، اُبْسُطْ يَصِيرُ النَّصِيبُ سِتِّينَ ، وَالْوَصِيَّةُ خَمْسَةً ، وَالْمَالُ كُلُّهُ مِائَتَانِ وَخَمْسَةٌ وَسَبْعُونَ ، أَلْقِ مِنْهَا سِتِّينَ ، وَاسْتَرْجِعْ مِنْهُ خُمُسَ الْمَالِ ، وَهُوَ خَمْسَةٌ وَخَمْسُونَ ، يَبْقَ لَهُ خَمْسَةٌ ، وَلِلْآخَرِ ثُلُثَا الْبَاقِي تِسْعُونَ ، وَيَبْقَى مِائَةٌ وَثَمَانُونَ ، لِكُلِّ ابْنٍ سِتُّونَ ، وَتَرْجِعُ بِالِاخْتِصَارِ إلَى خُمُسِهَا ، وَذَلِكَ خَمْسَةٌ وَخَمْسُونَ ، لِلْوَصِيِّ الْأَوَّلِ سَهْمٌ ، وَلِلثَّانِي ثَمَانِيَةَ عَشَرَ ، وَلِكُلِّ ابْنٍ اثْنَا عَشَرَ .\rوَبِالْجَبْرِ ، تَأْخُذُ مَالًا تُلْقِي مِنْهُ نَصِيبًا ، وَتَزِيدُ عَلَى الْمَالِ خَمْسَةً ، يَصِرْ مَالًا وَخُمْسًا إلَّا نَصِيبًا ، أَلْقِ ثُلُثَ ذَلِكَ ، يَبْقَ أَرْبَعَةُ أَخْمَاسِ مَالٍ إلَّا ثُلُثَيْ نَصِيبٍ ، يَعْدِلُ ثَلَاثَةً ، اُجْبُرْ وَقَابِلْ وَابْسُطْ ، يَكُنْ الْمَالُ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ وَثُلُثًا ، اضْرِبْهَا فِي ثَلَاثَةٍ ، لِيَزُولَ الْكَسْرُ ، يَصِرْ خَمْسَةً وَخَمْسِينَ .\rوَإِنْ كَانَ اسْتَثْنَى الْخُمُسَ كُلَّهُ ، وَأَوْصَى بِالثُّلُثِ كُلِّهِ ، فَخُذْ مَخْرَجَ الْكَسْرَيْنِ خَمْسَةَ عَشَرَ ، وَزِدْ عَلَيْهَا خُمُسَهَا ، ثُمَّ اُنْقُصْ ثُلُثَ الْمَالِ كُلَّهُ ، يَبْقَ ثَلَاثَةَ عَشَرَ ، فَهِيَ النَّصِيبُ ، وَزِدْ عَلَى أَنْصِبَاءِ الْبَنِينَ سَهْمًا ، وَاضْرِبْهُ فِي الْمَالِ ، يَكُنْ سِتِّينَ ، وَهُوَ الْمَالُ .\rوَإِنْ كَانَ اسْتَثْنَى خُمُسَ الْبَاقِي ، وَأَوْصَى بِثُلُثِ الْمَالِ كُلِّهِ ، فَالْعَمَلُ كَذَلِكَ ، إلَّا أَنَّك تَزِيدُ عَلَى سِهَامِ الْبَنِينَ سَهْمًا وَخُمْسًا ، وَتَضْرِبُهَا ، تَكُنْ ثَلَاثَةً وَسِتِّينَ ، فَإِنْ كَانَ اسْتَثْنَى خُمُسَ مَا بَقِيَ مِنْ الثُّلُثِ ، زِدْت عَلَى الْخَمْسَةَ عَشَرَ سَهْمًا وَاحِدًا ، فَصَارَتْ سِتَّةَ عَشَرَ ، ثُمَّ نَقَصْت ثُلُثَ الْمَالِ","part":13,"page":84},{"id":6084,"text":"كُلَّهُ ، بَقِيَ أَحَدَ عَشَرَ ، فَهِيَ النَّصِيبُ ، ثُمَّ زِدْت عَلَى سِهَامِ الْبَنِينَ سَهْمًا وَخُمْسًا ، وَضَرَبْتهَا فِي خَمْسَةَ عَشَرَ ، تَكُنْ ثَلَاثَةً وَسِتِّينَ ، تَدْفَعُ إلَى الْوَصِيِّ الْأَوَّلِ أَحَدَ عَشَرَ ، وَتَسْتَثْنِي مِنْهُ خُمُسَ بَقِيَّةِ الثُّلُثِ سَهْمَيْنِ ، يَبْقَى مَعَهُ تِسْعَةٌ ، وَتَدْفَعُ إلَى صَاحِبِ الثُّلُثِ إحْدَى وَعِشْرِينَ ، يَبْقَى ثَلَاثَةٌ وَثَلَاثُونَ ، لِكُلِّ ابْنٍ أَحَدَ عَشَرَ ، فَإِنْ كَانَتْ الْوَصِيَّةُ الثَّانِيَةُ بِثُلُثِ بَاقِي الْمَالِ ، زِدْت عَلَى الْخَمْسَةَ عَشَرَ وَاحِدًا ثُمَّ نَقَصْت ثُلُثَ السِّتَّةَ عَشَرَ ، وَلَا ثُلُثَ لَهَا فَاضْرِبْهَا فِي ثَلَاثَةٍ ، تَكُنْ ثَمَانِيَةً وَأَرْبَعِينَ ، اُنْقُصْ ثُلُثَهَا ، يَبْقَى اثْنَانِ وَثَلَاثُونَ ، فَهِيَ النَّصِيبُ ، وَخُذْ سَهْمًا ، وَزِدْ عَلَيْهِ خَمْسَةً ، ثُمَّ اُنْقُصْ ثُلُثَ ذَلِكَ مِنْ أَجْلِ الْوَصِيَّةِ بِثُلُثِ الْبَاقِي ، يَبْقَى أَرْبَعَةُ أَخْمَاسٍ ، زِدْهَا عَلَى سِهَامِ الْوَرَثَةِ ، وَاضْرِبْهَا فِي خَمْسَةٍ وَأَرْبَعِينَ ، تَكُنْ مِائَةً وَإِحْدَى وَسَبْعِينَ .\rوَمِنْهَا تَصِحُّ .","part":13,"page":85},{"id":6085,"text":"( 4646 ) فَصْلٌ : فَإِنْ خَلَّفَ أَرْبَعَةَ بَنِينَ ، وَأَوْصَى لِرَجُلٍ بِثُلُثِ مَالِهِ إلَّا نَصِيبَ أَحَدِهِمْ ، أَوْ أَوْصَى لَهُ بِتَكْمِلَةِ الثُّلُثِ عَلَى نَصِيبِ أَحَدِهِمْ ، فَلَهُ التُّسْعُ .\rوَحِسَابُهَا أَنْ تَدْفَعَ إلَى الْوَصِيِّ وَابْنٍ ثُلُثَ الْمَالِ ، يَبْقَى ثُلُثَاهُ لِثَلَاثَةِ بَنِينَ ، لِكُلِّ وَاحِدٍ تُسْعَانِ ، فَعَلِمْت أَنْ نَصِيبَ الِابْنِ مِنْ الثُّلُثِ تُسْعَانِ ، يَبْقَى تُسْعٌ لِلْوَصِيِّ .\rوَإِنْ وَصَّى لِآخَرَ بِخُمُسِ مَا يَبْقَى مِنْ الْمَالِ بَعْدَ الْوَصِيَّةِ الْأُولَى ، عَزَلْت ثُلُثَ الْمَالِ ، ثُمَّ أَخَذْت مِنْهُ نَصِيبًا ، وَرَدَدْته عَلَى الثُّلُثَيْنِ ، وَدَفَعْت إلَى الْوَصِيِّ الثَّانِي خُمُسَ ذَلِكَ ، يَبْقَى مِنْ الْمَالِ ثُلُثُهُ وَخُمُسُهُ وَأَرْبَعَةُ أَخْمَاسِ نَصِيبٍ لِلْوَرَثَةِ ، فَأَسْقِطْ أَرْبَعَةَ أَخْمَاسِ نَصِيبٍ بِمِثْلِهَا ، يَبْقَى لَهُ ثَلَاثَةٌ وَخُمُسٌ ، تَعْدِلُ ثُلُثًا وَخُمُسًا ، فَنِصْفُ الْمَالِ إذَا يَعْدِلُ ثَلَاثَةَ أَنْصِبَاءَ ، وَالْمَالُ كُلُّهُ سِتَّةٌ لِلْوَصِيَّيْنِ وَالْبَنِينَ لِكُلِّ وَاحِدٍ سَهْمٌ .\r( طَرِيقٌ آخَرُ ) سِهَامُ الْبَنِينَ أَرْبَعَةٌ ، وَهِيَ بَقِيَّةُ مَالٍ ذَهَبَ خُمُسُهُ ، فَزِدْ عَلَيْهِ رُبُعَهُ لِلْوَصِيِّ الثَّانِي ، صَارَتْ خَمْسَةً ، ثُمَّ زِدْ عَلَى سَهْمِ ابْنٍ مَا يَكْمُلُ بِهِ الثُّلُثُ ، وَهُوَ سَهْمٌ آخَرُ فَصَارَتْ سِتَّةً .\rوَإِنْ شِئْت فَرَضْت الْمَالَ خَمْسَةَ أَسْهُمٍ وَتَكْمِلَةً ، وَدَفَعْت التَّكْمِلَةَ إلَى صَاحِبِهَا ، وَخُمُسَ الْبَاقِي إلَى صَاحِبِهِ ، وَيَبْقَى لِكُلِّ ابْنٍ سَهْمٌ .\rوَقَدْ عَلِمْت أَنَّ سَهْمَ ابْنٍ مَعَ التَّكْمِلَةِ ثُلُثُ الْمَالِ ، وَأَنَّ الْبَاقِيَ بَعْدَهُمَا الثُّلُثَانِ ، وَهِيَ أَرْبَعَةُ أَسْهُمٍ ، فَقَابِلْ بِهِمَا نِصْفَ الْأَرْبَعَةِ ، وَهِيَ سَهْمَانِ فَتَبَيَّنَ أَنَّ التَّكْمِلَةَ سَهْمٌ .","part":13,"page":86},{"id":6086,"text":"( 4647 ) فَصْلٌ وَإِنْ أَوْصَى لِرَجُلٍ بِمِثْلِ نَصِيبِ أَحَدِ بَنِيهِ ، وَهُمْ ثَلَاثَةٌ ، وَلِآخَرَ بِثُلُثِ مَا يَبْقَى مِنْ الثُّلُثِ ، وَلِآخَرَ بِدِرْهَمٍ ، فَاجْعَلْ الْمَالَ تِسْعَةَ دَرَاهِمَ وَثَلَاثَةَ أَيْضًا ، فَادْفَعْ إلَى الْوَصِيِّ الْأَوَّلِ نَصِيبًا ، وَإِلَى الثَّانِي وَالثَّالِثِ دِرْهَمَيْنِ ، بَقِيَ سَبْعَةٌ وَنَصِيبَانِ ، ادْفَعْ نَصِيبَيْنِ إلَى ابْنَيْنِ ، يَبْقَى سَبْعَةٌ لِلِابْنِ الثَّالِثِ ، فَالنَّصِيبُ سَبْعَةٌ ، وَالْمَالُ ثَلَاثُونَ ، فَإِنْ كَانَتْ الْوَصِيَّةُ الثَّالِثَةُ بِدِرْهَمَيْنِ ، فَالنَّصِيبُ سِتَّةٌ وَالْمَالُ سَبْعَةٌ وَعِشْرُونَ .","part":13,"page":87},{"id":6087,"text":"( 4648 ) فَصْلٌ : وَإِنْ تَرَكَ سِتَّمِائَةٍ ، وَوَصَّى لِأَجْنَبِيٍّ بِمِائَةٍ ، وَلِآخَرَ بِتَمَامِ الثُّلُثِ ، فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةٌ ، فَإِنْ رَدَّ الْأَوَّلُ وَصِيَّتَهُ فَلِلْآخَرِ مِائَةٌ .\rوَإِنْ وَصَّى لِلْأَوَّلِ بِمِائَتَيْنِ ، وَلِلْآخَرِ بِبَاقِي الثُّلُثِ ، فَلَا شَيْءَ لِلثَّانِي ، سَوَاءٌ رَدَّ الْأَوَّلُ وَصِيَّتَهُ أَوْ أَجَازَهَا .\rوَهَذَا قِيَاسُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ ، وَأَهْلِ الْبَصْرَةِ .\rوَقَالَ أَهْلُ الْعِرَاقِ : إنْ رَدَّ الْأَوَّلُ ، فَلِلثَّانِي مِائَتَانِ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الْمِائَتَيْنِ لَيْسَتْ بَاقِيَ الثُّلُثِ ، وَلَا تَتِمَّتَهُ ، فَلَا يَكُونُ مُوصًى بِهَا لِلثَّانِي ، كَمَا لَوْ قَبِلَ الْأَوَّلُ .\rوَلَوْ وَصَّى لِوَارِثٍ بِثُلُثِهِ ، وَلِآخَرَ بِتَمَامِ الثُّلُثِ ، فَلَا شَيْءَ لِلثَّانِي .\rوَعَلَى قَوْلِ أَهْلِ الْعِرَاقِ ، لَهُ الثُّلُثُ كَامِلًا .","part":13,"page":88},{"id":6088,"text":"( 4649 ) فَصْلٌ : وَإِنْ أَوْصَى لِرَجُلٍ بِثُلُثِ مَالِهِ ، وَلِآخَرَ بِمِائَةٍ ، وَلَثَالِثً بِتَمَامِ الثُّلُثِ عَلَى الْمِائَةِ ، وَلَمْ يَزِدْ الثُّلُثُ عَلَى مِائَةٍ ، بَطَلَتْ وَصِيَّةُ التَّمَامِ .\rوَإِنْ زَادَ عَلَى مِائَةٍ ، وَأَجَازَ الْوَرَثَةُ ، أُمْضِيَتْ وَصَايَاهُمْ عَلَى مَا أَوْصَى لَهُمْ بِهِ .\rوَإِنْ رَدُّوا ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، يُرَدُّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إلَى نِصْفِ وَصِيَّتِهِ ؛ لِأَنَّ الْوَصَايَا رَجَعَتْ إلَى نِصْفِهَا ، فَيَدْخُلُ النَّقْصُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ بِقَدْرِ مَالِهِ فِي الْوَصِيَّةِ ، كَسَائِرِ الْوَصَايَا .\rوَالثَّانِي ، لَا شَيْءَ لِصَاحِبِ التَّمَامِ حَتَّى تَكْمُلَ الْمِائَةُ لِصَاحِبِهَا ، ثُمَّ يَكُونُ الثُّلُثُ بَيْنَ الْوَصِيَّيْنِ الْآخَرَيْنِ نِصْفَيْنِ ، وَيُزَاحِمُ صَاحِبُ الْمِائَةِ صَاحِبَ التَّمَامِ ، وَلَا يُعْطِيهِ شَيْئًا ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَسْتَحِقُّ بَعْدَ تَمَامِ الْمِائَةِ لِصَاحِبِهَا ، وَمَا تَمَّتْ لَهُ .\rوَيَجُوزُ أَنْ يُزَاحِمَ بِهِ وَلَا يُعْطِيهِ ، كَالْأَخِ مِنْ الْأَبَوَيْنِ ، يُزَاحِمُ الْجَدَّ بِالْأَخِ مِنْ الْأَبِ ، وَلَا يُعْطِيهِ شَيْئًا .","part":13,"page":89},{"id":6089,"text":"( 4650 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِذَا أَوْصَى لِزَيْدٍ بِنِصْفِ مَالِهِ ، وَلِعَمْرٍو بِرُبُعِ مَالِهِ ، وَلَمْ يُجِزْ ذَلِكَ الْوَرَثَةُ ، فَالثُّلُثُ بَيْنَهُمَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَسْهُمٍ ؛ لِعَمْرِو سَهْمٌ ؛ وَلِزَيْدٍ سَهْمَانِ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ إذَا أَوْصَى بِأَجْزَاءَ مِنْ الْمَالِ ، أَخَذْتهَا مِنْ مَخْرَجِهَا ، وَقَسَمْت الْبَاقِيَ عَلَى الْوَرَثَةِ .\rوَإِنْ لَمْ يُجِيزُوا ، قَسَمْت الثُّلُثَ بَيْنَ الْأَوْصِيَاءِ عَلَى قَدْرِ سِهَامِهِمْ ، فِي حَالِ الْإِجَازَةِ ، وَقَسَمْت الثُّلُثَيْنِ عَلَى الْوَرَثَةِ ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْمُوصَى لَهُمْ مَنْ تُجَاوِزُ وَصِيَّتُهُ الثُّلُثَ أَوْ لَا .\rهَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ ، مِنْهُمْ ؛ الْحَسَنُ ؛ وَالنَّخَعِيُّ ؛ وَمَالِكٌ ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ : لَا يَضْرِبُ الْمُوصَى لَهُ فِي حَالِ الرَّدِّ بِأَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ ؛ لِأَنَّ مَا جَاوَزَ الثُّلُثَ بَاطِلٌ ، فَكَيْفَ يَضْرِبُ بِهِ ؟ وَلَنَا ، أَنَّهُ فَاضَلَ بَيْنَهُمَا فِي الْوَصِيَّةِ فَلَمْ تَجُزْ التَّسْوِيَةُ ، كَمَا لَوْ وَصَّى بِثُلُثٍ وَرُبُعٍ ، أَوْ بِمِائَةٍ وَمِائَتَيْنِ ، وَمَالُهُ أَرْبَعُمِائَةٍ .\rوَهَذَا يُبْطِلُ مَا ذَكَرُوهُ ، وَلِأَنَّهَا وَصِيَّةٌ صَحِيحَةٌ ، ضَاقَ عَنْهَا الثُّلُثُ ، فَتُقْسَمُ بَيْنَهُمْ عَلَى قَدْرِ الْوَصَايَا ، كَالثُّلُثِ وَالرُّبُعِ .\rوَلَيْسَ الْأَمْرُ عَلَى مَا قَالُوهُ فِي بُطْلَانِ الْوَصِيَّةِ ، فَإِنَّ الْوَصِيَّةَ صَحِيحَةٌ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فِيمَا مَضَى .\rفَعَلَى هَذَا إذَا أَوْصَى لِزَيْدٍ بِنِصْفِ مَالِهِ ، وَلِعَمْرٍو بِرُبُعِهِ ، فَلِلْمُوصَى لَهُمَا ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الْمَالِ ، إنْ أَجَازَ الْوَرَثَةُ ، وَيَبْقَى لَهُمْ الرُّبُعُ .\rوَإِنْ رَدُّوا ، فَالثُّلُثُ بَيْنَ الْوَصِيَّيْنِ عَلَى ثَلَاثَةٍ ، وَالْمَسْأَلَةُ كُلُّهَا مِنْ تِسْعَةٍ .\rوَإِنْ أَجَازُوا لِأَحَدِهِمَا دُونَ صَاحِبِهِ ، ضَرَبْت مَسْأَلَةَ الرَّدِّ فِي مَسْأَلَةِ الْإِجَازَةِ ، وَأَعْطَيْت الْمُجَازَ لَهُ سَهْمَهُ مِنْ مَسْأَلَةِ الْإِجَازَةِ فِي مَسْأَلَةِ الرَّدِّ ،","part":13,"page":90},{"id":6090,"text":"وَالْمَرْدُودَ عَلَيْهِ سَهْمَهُ مِنْ مَسْأَلَةِ الرَّدِّ مَضْرُوبًا فِي مَسْأَلَةِ الْإِجَازَةِ .\rوَإِنْ أَجَازَ بَعْضُ الْوَرَثَةِ لَهُمَا ، وَرَدَّ الْبَاقُونَ عَلَيْهِمَا ، أَعْطَيْت الْمُجِيزَ سَهْمَهُ مِنْ مَسْأَلَةِ الْإِجَازَةِ فِي مَسْأَلَةِ الرَّدِّ ، وَمَنْ لَمْ يُجِزْ سَهْمَهُ مِنْ مَسْأَلَةِ الرَّدِّ مَضْرُوبًا فِي مَسْأَلَةِ الْإِجَازَةِ ، وَقَسَمْت الْبَاقِيَ بَيْنَ الْوَصِيَّيْنِ عَلَى ثَلَاثَةٍ .\rوَإِنْ اتَّفَقَتْ الْمَسْأَلَتَانِ ، ضَرَبْت وَفْقَ إحْدَاهُمَا فِي الْأُخْرَى ، وَمَنْ لَهُ سَهْمٌ مِنْ إحْدَى الْمَسْأَلَتَيْنِ مَضْرُوبٌ فِي وَفْقِ الْأُخْرَى .\rوَإِنْ دَخَلَتْ إحْدَى الْمَسْأَلَتَيْنِ فِي الْأُخْرَى ، اجْتَزَأْت بِأَكْثَرِهِمَا ، فَفِي مَسْأَلَةِ الْخِرَقِيِّ هَذِهِ ، إذَا كَانَ الْوَرَثَةُ أُمًّا وَثَلَاثَ أَخَوَاتٍ مُفْتَرِقَاتٍ ، فَأَجَازُوا ، فَالْمَسْأَلَةُ مِنْ أَرْبَعَةٍ ، لِلْوَصِيَّيْنِ ثَلَاثَةٌ ، يَبْقَى سَهْمٌ عَلَى سِتَّةٍ ، تَضْرِبُهَا فِي أَرْبَعَةٍ ، تَكُنْ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ .\rوَإِنْ رَدُّوا فَلِلْوَصِيَّيْنِ الثُّلُثُ ثَلَاثَةٌ ، وَيَبْقَى ، سِتَّةٌ عَلَى الْمَسْأَلَةِ وَهِيَ سِتَّةٌ ؛ فَتَصِحُّ مِنْ تِسْعَةٍ .\rوَإِنْ أَجَازُوا لِصَاحِبِ النِّصْفِ وَحْدَهُ ، ضَرَبْت وَفْقَ التِّسْعَةِ فِي أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ ، تَكُنْ اثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ ، لِصَاحِبِ النِّصْفِ اثْنَا عَشَرَ فِي ثَلَاثَةٍ سِتَّةٌ وَثَلَاثُونَ ، وَلِلْآخَرِ سَهْمٌ فِي ثَمَانِيَةٍ ، يَبْقَى ثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ لِلْوَرَثَةِ .\rوَإِنْ أَجَازَتْ الْأُمُّ لَهُمَا وَرَدَّ الْبَاقُونَ عَلَيْهِمَا ، أَعْطَيْت الْأُمَّ سَهْمًا فِي ثَلَاثَةٍ ، وَالْبَاقِينَ خَمْسَةَ أَسْهُمٍ فِي ثَمَانِيَةٍ ، صَارَ الْجَمِيعُ ثَلَاثَةً وَأَرْبَعِينَ ، يَبْقَى تِسْعَةٌ وَعِشْرُونَ بَيْنَ الْوَصِيَّيْنِ عَلَى ثَلَاثَةٍ .\rوَإِنْ أَجَازَتْ الْأُخْتُ مِنْ الْأَبَوَيْنِ وَحْدَهَا ، فَلَهَا تِسْعَةٌ وَلِبَاقِي الْوَرَثَةِ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ وَيَبْقَى تِسْعَةٌ وَثَلَاثُونَ لَهُمَا عَلَى ثَلَاثَةٍ ، لِصَاحِبِ النِّصْفِ سِتَّةٌ وَعِشْرُونَ ، وَلِلْآخَرِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ .","part":13,"page":91},{"id":6091,"text":"( 4651 ) فَصْلٌ إذَا جَاوَزَتْ الْوَصَايَا الْمَالَ ، فَاقْسِمْ الْمَالَ بَيْنَهُمْ عَلَى قَدْرِ وَصَايَاهُمْ ، مِثْلُ الْعَوْلِ ، وَاجْعَلْ وَصَايَاهُمْ كَالْفُرُوضِ الَّتِي فَرَضَهَا اللَّهُ تَعَالَى لِلْوَرَثَةِ ، إذَا زَادَتْ عَلَى الْمَالِ .\rوَإِنْ رَدُّوا ، قَسَمْت الثُّلُثَ بَيْنَهُمْ عَلَى تِلْكَ السِّهَامِ .\rوَهَذَا قَوْلُ النَّخَعِيِّ ، وَمَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ .\rقَالَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ : حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ الثَّقَفِيُّ قَالَ : قَالَ لِي إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ : مَا تَقُولُ فِي رَجُلٍ أَوْصَى بِنِصْفِ مَالِهِ ، وَثُلُثِ مَالِهِ ، وَرُبُعِ مَالِهِ ؟ قُلْت : لَا يَجُوزُ .\rقَالَ : فَإِنَّهُمْ قَدْ أَجَازُوا .\rقُلْت : لَا أَدْرِي ؟ قَالَ : أَمْسِكْ اثْنَيْ عَشَرَ فَأَخْرِجْ نِصْفَهَا سِتَّةً ، وَثُلُثَهَا أَرْبَعَةً ، وَرُبُعَهَا ثَلَاثَةً ، فَاقْسِمْ الْمَالَ عَلَى ثَلَاثَةَ عَشَرَ ، فَلِصَاحِبِ النِّصْفِ سِتَّةٌ ، وَلِصَاحِبِ الثُّلُثِ أَرْبَعَةٌ ، وَلِصَاحِبِ الرُّبْعِ ثَلَاثَةٌ .\rوَكَانَ أَبُو حَنِيفَةَ يَقُول : يَأْخُذُ أَكْثَرُهُمْ وَصِيَّةً مِمَّا يَفْضُلُ بِهِ عَلَى مَنْ دُونَهُ ، ثُمَّ يَقْتَسِمُونَ الْبَاقِيَ إنْ أَجَازُوا ، وَفِي الرَّدِّ لَا يُضْرَبُ لَأَحَدِهِمْ بِأَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ ، وَإِنْ نَقَصَ بَعْضُهُمْ عَنْ الثُّلُثِ ، أَخَذَ أَكْثَرُهُمْ مَا يَفْضُلُ بِهِ عَلَى مَنْ دُونَهُ .\rوَمِثَالُ ذَلِكَ ، رَجُلٌ أَوْصَى بِثُلُثَيْ مَالِهِ وَنِصْفِهِ وَثُلُثِهِ ، فَالْمَالُ بَيْنَهُمْ عَلَى تِسْعَةٍ فِي الْإِجَازَةِ ، وَالثُّلُثُ بَيْنَهُمْ كَذَلِكَ فِي الرَّدِّ ، كَمَسْأَلَةٍ فِيهَا زَوْجٌ وَأُخْتَانِ لِأَبٍ وَأُخْتَانِ لِأُمٍّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : صَاحِبُ الثُّلُثَيْنِ يَفْضُلُهُمَا بِسُدُسٍ ، فَيَأْخُذُهُ ، وَهُوَ وَصَاحِبُ النِّصْفِ يَفْضُلَانِ صَاحِبَ الثُّلُثِ بِسُدُسٍ ، فَيَأْخُذَانِهِ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ ، وَيَقْتَسِمُونَ الْبَاقِيَ بَيْنَهُمْ أَثْلَاثًا .\rوَتَصِحُّ مِنْ سِتَّةٍ وَثَلَاثِينَ ، لِصَاحِبِ الثُّلُثَيْنِ سَبْعَةَ عَشَرَ ، وَلِصَاحِبِ النِّصْفِ أَحَدَ عَشَرَ ، وَلِصَاحِبِ الثُّلُثِ ثَمَانِيَةٌ .\rوَإِنْ رَدُّوا قَسَمَ بَيْنَهُمْ عَلَى ثَلَاثَةٍ .\rوَلَوْ أَوْصَى لِرَجُلٍ","part":13,"page":92},{"id":6092,"text":"بِجَمِيعِ مَالِهِ ، وَلِآخَرَ بِثُلُثِهِ ، فَالْمَالُ بَيْنَهُمَا عَلَى أَرْبَعَةٍ إنْ أَجَازُوا ، وَالثُّلُثُ بَيْنَهُمَا كَذَلِكَ فِي حَالِ الرَّدِّ .\rوَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ : إنْ أَجَازُوا فَلِصَاحِبِ الْمَالِ الثُّلُثَانِ ، يَتَفَرَّدُ بِهِمَا ، وَيُقَاسِمُ صَاحِبَ الثُّلُثِ ، فَيَحْصُلُ لَهُ خَمْسَةُ أَسْدَاسٍ ، وَلِصَاحِبِ الثُّلُثِ السُّدُسُ ، وَإِنْ رَدُّوا ، اقْتَسَمَا الثُّلُثَ نِصْفَيْنِ ، فَلَا يَحْصُلُ لِصَاحِبِ الثُّلُثِ إلَّا السُّدُسُ فِي الْإِجَازَةِ وَالرَّدِّ جَمِيعًا .\rوَلَوْ جَعَلَ مَكَانَ الثُّلُثِ سُدُسًا ، لَكَانَ لِصَاحِبِ الْمَالِ خَمْسَةُ أَسْدَاسِهِ فِي الْإِجَازَةِ ، وَيُقَاسِمُ صَاحِبَ السُّدُسِ ، فَيَأْخُذُ نِصْفَهُ ، وَيَبْقَى لِصَاحِبِ السُّدُسِ نِصْفُهُ سَهْمٌ مِنْ اثْنَيْ عَشَرَ .\rوَفِي الرَّدِّ ، يَقْتَسِمَانِ الثُّلُثَ بَيْنَهُمَا أَثْلَاثًا ، فَيَجْعَلُ لِصَاحِبِ السُّدُسِ التُّسْعَ سَهْمٌ مِنْ تِسْعَةٍ ، وَذَلِكَ أَكْثَرُ مِمَّا حَصَلَ لَهُ فِي الْإِجَازَةِ ، وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى فَسَادِ هَذَا الْقَوْلِ ، لِزِيَادَةِ سَهْمِ الْمُوصَى لَهُ فِي الرَّدِّ عَلَى حَالَةِ الْإِجَازَةِ ، وَمَتَى كَانَ لِلْمُوصَى لَهُ حَقٌّ فِي حَالِ الرَّدِّ ، لَا يَنْبَغِي أَنْ يَتَمَكَّنَ الْوَارِثُ مِنْ تَغْيِيرِهِ ، وَلَا تَنْقِيصِهِ ، وَلَا أَخْذِهِ مِنْهُ ، وَلَا صَرْفِهِ إلَى غَيْرِهِ ، مَعَ أَنَّ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْجُمْهُورُ نَظِيرُهُ مَسَائِلُ الْعَوْلِ فِي الْفَرَائِضِ ، وَالدُّيُونِ عَلَى الْمُفْلِسِ ، وَمَا ذَكَرُوهُ لَا نَظِيرَ لَهُ ، مَعَ أَنَّ فَرْضَ اللَّهِ تَعَالَى لِلْوَارِثِ آكَدُ مِنْ فَرْضِ الْمُوصِي وَوَصِيَّتِهِ ، ثُمَّ إنَّ صَاحِبَ الْفَضْلِ فِي الْفَرْضِ الْمَفْرُوضِ ، لَا يَنْفَرِدُ بِفَضْلِهِ ، فَكَذَا فِي الْوَصَايَا .","part":13,"page":93},{"id":6093,"text":"( 4652 ) فَصْلٌ : وَإِذَا خَلَّفَ ابْنَيْنِ ، وَأَوْصَى لِرَجُلٍ بِمَالِهِ كُلِّهِ ، وَلِلْآخَرِ بِنِصْفِهِ ، فَالْمَالُ بَيْنَ الْوَصِيَّيْنِ عَلَى ثَلَاثَةٍ إنْ أَجَازَا ؛ لِأَنَّك إذَا بَسَطْت الْمَالَ مِنْ جِنْسِ الْكَسْرِ ، كَانَ نِصْفَيْنِ ، فَإِذَا ضَمَمْت النِّصْفَ الْآخَرَ ، صَارَتْ ثَلَاثَةً ، فَيُقْسَمُ الْمَالُ عَلَى ثَلَاثَةٍ ، وَيَصِيرُ النِّصْفُ ثُلُثًا ، كَمَسْأَلَةٍ فِيهَا زَوْجٌ وَأُمٌّ وَثَلَاثُ أَخَوَاتٍ مُفْتَرِقَاتٍ ، فَإِنْ رَدُّوا ، فَالثُّلُثُ بَيْنَهُمَا عَلَى ثَلَاثَةٍ ، وَإِنْ أَجَازُوا لِصَاحِبِ النِّصْفِ وَحْدَهُ ، فَلِصَاحِبِ الْمَالِ التُّسْعَانِ ، وَلِصَاحِبِ النِّصْفِ النِّصْفُ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ مُوصًى لَهُ بِهِ ، وَإِنَّمَا مَنَعَهُ أَخْذَهُ فِي حَالِ الْإِجَازَةِ لَهُمَا ، مُزَاحَمَةُ صَاحِبِهِ ، فَإِذَا زَالَتْ مُزَاحَمَتُهُ ، أَخَذَ جَمِيعَ وَصِيَّتِهِ .\rوَالثَّانِي ، لَيْسَ لَهُ إلَّا الثُّلُثُ الَّذِي كَانَ لَهُ فِي حَالِ الْإِجَازَةِ لَهُمَا ؛ لِأَنَّ مَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ إنَّمَا كَانَ حَقًّا لِصَاحِبِ الْمَالِ ، أَخَذَهُ الْوَرَثَةُ مِنْهُ بِالرَّدِّ عَلَيْهِ ، فَأَخَذَهُ الْوَارِثَانِ .\rوَإِنْ أَجَازَا لِصَاحِبِ الْكُلِّ وَحْدَهُ ، فَلَهُ ثَمَانِيَةُ أَتْسَاعٍ عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ وَالتُّسْعُ لِلْآخَرِ ، وَعَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي ، لَيْسَ لَهُ إلَّا الثُّلُثَانِ اللَّذَانِ كَانَا لَهُ فِي حَالِ الْإِجَازَةِ لَهُمَا ، وَالتُّسْعَانِ لِلْوَرَثَةِ .\rفَإِنْ أَجَازَ أَحَدُ الِابْنَيْنِ لَهُمَا دُونَ الْآخَرِ ، فَلَا شَيْءَ لِلْمُجِيزِ وَلِلْآخَرِ الثُّلُثُ ، وَالثُّلُثَانِ بَيْنَ الْوَصِيَّيْنِ عَلَى أَرْبَعَةٍ .\rوَإِنْ أَجَازَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِ الْمَالِ وَحْدَهُ ، فَلِلْآخَرِ التُّسْعُ ، وَلِلِابْنِ الْآخَرِ الثُّلُثُ ، وَالْبَاقِي لِصَاحِبِ الْمَالِ ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ ، وَفِي الْآخَرِ لَهُ أَرْبَعَةُ أَتْسَاعٍ ، وَالتُّسْعُ الْبَاقِي لِلْمُجِيزِ .\rوَإِنْ أَجَازَ لِصَاحِبِ النِّصْفِ وَحْدَهُ ، دَفَعَ إلَيْهِ نِصْفَ مَا يَتِمُّ بِهِ النِّصْفُ ، وَهُوَ تُسْعٌ وَنِصْفُ سُدُسٍ ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ .\rوَفِي أَحَدِ الْوَجْهِيِّينَ .\rوَفِي الْآخَرِ يَدْفَعُ إلَيْهِ التُّسْعَ ، فَيَصِيرُ","part":13,"page":94},{"id":6094,"text":"لَهُ تُسْعَانِ ، وَلِصَاحِبِ الْمَالِ تُسْعَانِ ، وَلِلْمُجِيزِ تُسْعَانِ ، وَالثُّلُثُ لِلَّذِي لَمْ يُجِزْ .\rوَتَصِحُّ مِنْ تِسْعَةٍ .\rوَعَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ تَصِحُّ مِنْ سِتَّةٍ وَثَلَاثِينَ ، لِلَّذِي لَمْ يُجِزْ اثْنَا عَشَرَ ، وَلِلْمُجِيزِ خَمْسَةٌ ، وَلِصَاحِبِ النِّصْفِ أَحَدَ عَشَرَ ، وَلِصَاحِبِ الْمَالِ ثَمَانِيَةٌ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ مَسْأَلَةَ الرَّدِّ مِنْ تِسْعَةٍ ، لِصَاحِبِ النِّصْفِ مِنْهَا سَهْمٌ ، فَلَوْ أَجَازَ لَهُ الِابْنَانِ ، كَانَ لَهُ تَمَامُ النِّصْفِ ثَلَاثَةٌ وَنِصْفٌ .\rفَإِذَا أَجَازَ لَهُ أَحَدُهُمَا ، لَزِمَهُ نِصْفُ ذَلِكَ ، وَهُوَ سَهْمٌ وَثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ سَهْمٍ ، فَيُضْرَبُ مَخْرَجُ الرُّبُعِ فِي تِسْعَةٍ ، يَكُنْ سِتَّةً وَثَلَاثِينَ .","part":13,"page":95},{"id":6095,"text":"( 4653 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِذَا أَوْصَى لِوَلَدِ فُلَانٍ ، فَهُوَ لِلذَّكَرِ وَالْأُنْثَى بِالسَّوِيَّةِ .\rوَإِنْ قَالَ : لِبَنِيهِ .\rفَهُوَ لِلذُّكُورِ دُونَ الْإِنَاثِ ) أَمَّا إذَا أَوْصَى لِوَلَدِهِ أَوْ لِوَلَدِ فُلَانٍ ، فَإِنَّهُ لِلذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ وَالْخَنَاثَى .\rلَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الِاسْمَ يَشْمَلُ الْجَمِيعَ .\rقَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ } .\rوَقَالَ تَعَالَى : { مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ } .\rنَفَى الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى جَمِيعًا ، وَإِنْ قَالَ : لِبَنِيَّ ، أَوْ بَنِي فُلَانٍ .\rفَهُوَ لِلذُّكُورِ دُونَ الْإِنَاثِ وَالْخَنَاثَى .\rهَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ .\rوَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَقَالَ الْحَسَنُ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ : هُوَ لِلذَّكَرِ وَالْأُنْثَى جَمِيعًا ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَوْصَى لِبَنِي فُلَانٍ وَهُمْ قَبِيلَةٌ ، دَخَلَ فِيهِ الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى .\rوَقَالَ الثَّوْرِيُّ : إنْ كَانُوا ذُكُورًا وَإِنَاثًا ، فَهُوَ بَيْنَهُمْ ، وَإِنْ كُنَّ بَنَاتٍ لَا ذَكَرَ مَعَهُنَّ ، فَلَا شَيْءَ لَهُنَّ ؛ لِأَنَّهُ مَتَى اجْتَمَعَ الذُّكُورُ وَالْإِنَاثُ غَلَبَ لَفْظُ التَّذْكِيرِ ، وَدَخَلَ فِيهِ الْإِنَاثُ ، كَلَفْظِ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُشْرِكِينَ .\rوَلَنَا ، أَنَّ لَفْظَ الْبَنِينَ يَخْتَصُّ الذُّكُورَ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ } .\rوَقَالَ تَعَالَى : { أَمْ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ } .\rوَقَالَ : { زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنْ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ } .\rوَقَالَ : { الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا } .\rوَقَدْ أَخْبَرَ أَنَّهُمْ لَا يَشْتَهُونَ الْبَنَاتِ .\rفَقَالَ : { وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى } .\rالْآيَةَ .\rوَإِنَّمَا دَخَلُوا فِي الِاسْمِ إذَا صَارُوا قَبِيلَةً ؛ لِأَنَّ الِاسْمَ نُقِلَ فِيهِمْ عَنْ الْحَقِيقَةِ إلَى الْعُرْفِ ، وَلِهَذَا تَقُولُ الْمَرْأَةُ : أَنَا مِنْ بَنِي فُلَانٍ .\rإذَا انْتَسَبَتْ إلَى الْقَبِيلَةِ ،","part":13,"page":96},{"id":6096,"text":"وَلَا تَقُولُ ذَلِكَ إذَا انْتَسَبَتْ إلَى أَبِيهَا .","part":13,"page":97},{"id":6097,"text":"( 4654 ) فَصْلٌ : وَإِنْ أَوْصَى لِبَنَاتِ فُلَانٍ ، دَخَلَ فِيهِ الْإِنَاثُ دُونَ غَيْرِهِنَّ .\rلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا ، وَلَا يَدْخُلُ فِيهِنَّ الْخُنْثَى الْمُشْكِلُ ؛ لِأَنَّا لَا نَعْلَمُ كَوْنَهُ أُنْثَى .","part":13,"page":98},{"id":6098,"text":"( 4655 ) فَصْلٌ : وَإِنْ أَوْصَى لِوَلَدِ فُلَانٍ ، أَوْ لِبَنِي فُلَانٍ .\rوَلَمْ يَكُونُوا قَبِيلَةً ، فَهُوَ لِوَلَدِهِ لِصُلْبِهِ ، وَأَمَّا أَوْلَادُ أَوْلَادِهِ ، فَإِنْ كَانَتْ قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلَى دُخُولِهِمْ ، مِثْلُ أَنْ يُوصِيَ لِوَلَدِ فُلَانٍ وَلَيْسَ لَهُ إلَّا أَوْلَادُ أَوْلَادِهِ ، أَوْ قَالَ : وَلَا يُعْطَى وَلَدُ الْبَنَاتِ شَيْئًا .\rأَوْ قَالَ : إلَّا وَلَدَ فُلَانٍ .\rأَوْ فَضَّلُوا وَلَدَ فُلَانٍ عَلَى غَيْرِهِمْ .\rوَنَحْوَ ذَلِكَ ، دَخَلُوا ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ يَحْتَمِلُهُمْ ، وَالْقَرِينَةَ صَارِفَةٌ لَهُ إلَيْهِمْ ، فَصَارَ كَالتَّصْرِيحِ بِهِمْ .\rوَإِنْ دَلَّتْ الْقَرِينَةُ عَلَى إخْرَاجِهِمْ ، فَلَا شَيْءَ لَهُمْ .\rوَإِنْ انْتَفَتْ الْقَرَائِنُ ، لَمْ يَدْخُلُوا فِي الْوَصِيَّةِ ؛ لِأَنَّ اسْمَ الْوَلَدِ حَقِيقَةً عِبَارَةٌ عَنْ وَلَدِ الصُّلْبِ .\rفَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ دَخَلُوا فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ } .\rقُلْنَا : إنَّمَا دَخَلُوا فِيهِ إذَا لَمْ يَكُنْ ثَمَّ ابْنٌ مِنْ وَلَدِ الصُّلْبِ ، وَدَخَلُوا مَعَ الْإِنَاثِ عَلَى أَنَّهُمْ إنَّمَا يَرِثُونَ مَا فَضَلَ عَنْ الْبَنَاتِ ، عَلَى مَا ذُكِرَ تَفْصِيلُهُ فِي الْفَرَائِضِ ، وَلَا يُمْكِنُ ذَلِكَ هَا هُنَا ، فَانْتَفَى دُخُولُهُمْ .\rوَيُحْتَمَلُ أَنْ يَدْخُلَ وَلَدُ الْبَنِينَ فِي الْوَصِيَّةِ ، إذَا لَمْ تَكُنْ قَرِينَةٌ تُخْرِجُهُمْ ؛ لِأَنَّهُمْ دَخَلُوا فِي اسْمِ الْوَلَدِ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ الْإِرْثِ وَالْحَجْبِ وَغَيْرِهِ .","part":13,"page":99},{"id":6099,"text":"( 4656 ) فَصْلٌ : وَإِنْ وَصَّى لِوَلَدِ فُلَانٍ ، أَوْ بَنِي فُلَانٍ ، وَهُمْ قَبِيلَةٌ ، كَبَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي تَمِيمٍ ، دَخَلَ فِيهِمْ الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى وَالْخُنْثَى وَيَدْخُلُ وَلَدُ الرَّجُلِ مَعَهُ ، وَلَا يَدْخُلُ فِيهِ وَلَدُ بَنَاتِهِمْ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ اسْمٌ لِلْقَبِيلَةِ ذَكَرِهَا وَأُنْثَاهَا ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { يَا بَنِي آدَمَ } .\r{ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ } .\rيُرِيدُ الْجَمِيعَ .\rوَقَالَ : { وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إسْرَائِيلَ الْكِتَابَ } .\rوَرُوِيَ أَنَّ جَوَارِيَ مِنْ الْأَنْصَارِ قُلْنَ : نَحْنُ جَوَارٍ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ يَا حَبَّذَا مُحَمَّدٌ مِنْ جَارِ وَيُقَال : امْرَأَةٌ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ ، وَلَا يَدْخُلُ وَلَدُ الْبَنَاتِ فِيهِمْ ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَنْتَسِبُونَ إلَى الْقَبِيلَةِ .","part":13,"page":100},{"id":6100,"text":"( 4657 ) فَصْلٌ : وَإِنْ أَوْصَى لِأَخَوَاتِهِ ، فَهُوَ لِلْإِنَاثِ خَاصَّةً ، وَإِنْ أَوْصَى لِإِخْوَتِهِ ، دَخَلَ فِيهِ الذَّكَرُ ، وَالْأُنْثَى جَمِيعًا ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : { وَإِنْ كَانُوا إخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً } .\rوَقَالَ : { فَإِنْ كَانَ لَهُ إخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ } .\rوَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى حَجْبِهَا بِالذَّكَرِ وَالْأُنْثَى .\rوَإِنْ قَالَ لِعُمُومَتِهِ .\rفَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مِثْلُ الْإِخْوَةِ ، يَشْمَلُ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى ؛ لِأَنَّهُمْ إخْوَةُ أَبِيهِ .\rوَإِنْ قَالَ : لِبَنِي إخْوَتِهِ .\rأَوْ لِبَنِي عَمِّهِ .\rفَهُوَ لِلذُّكُورِ دُونَ الْإِنَاثِ ، إذَا لَمْ يَكُونُوا قَبِيلَةً .\rوَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْإِخْوَةَ وَالْعُمُومَةَ لَيْسَ لَهُمَا لَفْظٌ مَوْضُوعٌ يَشْمَلُ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى سِوَى هَذَا اللَّفْظِ ، وَبَنُو الْإِخْوَةِ وَالْعَمِّ لَهُمْ لَفْظٌ يَشْمَلُ الْجَمِيعَ وَهُوَ لَفْظُ الْأَوْلَادِ ، فَإِذَا عَدَلَ عَنْ اللَّفْظِ الْعَامِّ إلَى لَفْظِ الْبَنِينَ ، دَلَّ عَلَى إرَادَةِ الذُّكُورِ ، وَلِأَنَّ لَفْظَ الْعُمُومَةِ أَشْبَهُ بِلَفْظِ الْإِخْوَةِ ، وَلَفْظَ بَنِي الْإِخْوَةِ وَالْعَمِّ يُشْبِهُ بَنِي فُلَانٍ ، وَقَدْ دَلَّلْنَا عَلَيْهِمَا .\rوَالْحُكْمُ فِي تَنَاوُلِ اللَّفْظِ لِلْبَعِيدِ مِنْ الْعُمُومَةِ وَبَنِي الْعَمِّ وَالْإِخْوَةِ ، حُكْمُ مَا ذَكَرْنَا فِي وَلَدِ الْوَلَدِ ، مَعَ الْقَرِينَةِ وَعَدَمِهَا .","part":13,"page":101},{"id":6101,"text":"( 4658 ) فَصْلٌ : وَأَلْفَاظُ الْجُمُوعِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَضْرُبٍ ؛ أَحَدُهَا ، مَا يَشْمَلُ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى بِوَضْعِهِ ، كَالْأَوْلَادِ وَالذُّرِّيَّةِ وَالْعَالَمِينَ وَشِبْهِهِ .\rوَالثَّانِيَةُ ، مَوْضُوعٌ لِلذُّكُورِ وَيَدْخُلُ فِيهِ الْإِنَاثُ إذَا اجْتَمَعُوا ، كَلَفْظِ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالذِّمِّيِّينَ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْفَاسِقِينَ وَنَحْوِهِ ، وَكَذَلِكَ ضَمِيرُ الْمُذَكَّرِ ، كَالْوَاوِ فِي قَامُوا ، وَالتَّاءِ وَالْمِيمِ فِي قُمْتُمْ ، وَهُمْ مُفْرَدَةً وَمَوْصُولَةً ، وَالْكَافِ وَالْمِيمِ فِي لَكُمْ وَعَلَيْكُمْ ، وَنَحْوَهُ .\rفَهَذَا مَتَى اجْتَمَعَ الذُّكُورُ وَالْإِنَاثُ وَغُلِّبَ لَفْظُ التَّذْكِيرِ فِيهِ ، وَدَخَلَ فِيهِ الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى .\rوَالثَّالِثُ ، ضَرْبٌ يَخْتَصُّ الذُّكُورَ كَالْبَنِينَ وَالذُّكُورِ وَالرِّجَالِ وَالْغِلْمَانِ ، فَلَا يَدْخُلُ فِيهِ إلَّا الذُّكُورُ .\rوَالرَّابِعُ ، لَفْظٌ يَخْتَصُّ النِّسَاءَ ، كَالنِّسَاءِ وَالْبَنَاتِ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالصَّادِقَاتِ ، وَالضَّمَائِرِ الْمَوْضُوعَةِ لَهُنَّ ، فَلَا يَتَنَاوَلُ غَيْرَ الْإِنَاثِ .","part":13,"page":102},{"id":6102,"text":"( 4659 ) فَصْلٌ : وَإِنْ وَصَّى لِلْأَرَامِلِ ، فَهُوَ لِلنِّسَاءِ اللَّاتِي فَارَقَهُنَّ أَزْوَاجُهُنَّ بِمَوْتٍ أَوْ غَيْرِهِ .\rقَالَ أَحْمَدُ ، فِي رِوَايَةِ حَرْبٍ ، وَقَدْ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ أَوْصَى لِأَرَامِلَ بَنِي فُلَانٍ .\rفَقَالَ : قَدْ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهَا ، فَقَالَ قَوْمٌ : هُوَ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ .\rوَاَلَّذِي يُعْرَفُ فِي كَلَامِ النَّاسِ أَنَّ الْأَرَامِلَ النِّسَاءُ .\rوَقَالَ الشَّعْبِيُّ ، وَإِسْحَاقُ : هُوَ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ ، وَأَنْشَدَ أَحَدُهُمَا : هَذِي الْأَرَامِلُ قَدْ قَضَّيْت حَاجَتَهَا فَمَنْ لِحَاجَةِ هَذَا الْأَرْمَلِ الذَّكَرِ وَقَالَ الْآخَرُ : أُحِبُّ أَنْ أَصْطَادَ ضَبْيًا سَحْبَلَا رَعَى الرَّبِيعَ وَالشِّتَاءَ أَرْمَلَا وَلَنَا ، أَنَّ الْمَعْرُوفَ فِي كَلَامِ النَّاسِ أَنَّهُ النِّسَاءُ ، فَلَا يُحْمَلُ لَفْظُ الْمُوصِي إلَّا عَلَيْهِ ، وَلِأَنَّ الْأَرَامِلَ جَمْعُ أَرْمَلَةٍ ، فَلَا يَكُونُ جَمْعًا لِلْمُذَكَّرِ ؛ لِأَنَّ مَا يَخْتَلِفُ لَفْظُ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى فِي وَاحِدِهِ يَخْتَلِفُ فِي جَمْعِهِ ، وَقَدْ أَنْكَرَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ عَلَى قَائِلِ الْقَوْلِ الْآخَرِ ، وَخَطَّأَهُ فِيهِ ، وَالشِّعْرُ الَّذِي احْتَجَّ بِهِ حُجَّةٌ عَلَيْهِ ، فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ لَفْظُ الْأَرَامِلِ يَشْمَلُ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى ، لَقَالَ : \" حَاجَتَهُمْ \" إذْ لَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ اللِّسَانِ فِي أَنَّ اللَّفْظَ مَتَى كَانَ لِلذَّكَرِ وَالْأُنْثَى ، ثُمَّ رُدَّ عَلَيْهِ ضَمِيرٌ ، غُلِّبَ فِيهِ لَفْظُ التَّذْكِيرِ وَضَمِيرُهُ ، فَلَمَّا رُدَّ الضَّمِيرُ عَلَى الْإِنَاثِ عُلِمَ أَنَّهُ مَوْضُوعٌ لَهُنَّ عَلَى الِانْفِرَادِ ، وَسَمَّى نَفْسَهُ أَرْمَلَا تَجَوُّزًا تَشْبِيهًا بِهِنَّ ، وَلِذَلِكَ وَصَفَ نَفْسَهُ بِأَنَّهُ ذَكَرٌ ، وَيَدُلُّ عَلَى إرَادَةِ الْمَجَازِ أَنَّ اللَّفْظَ عِنْدَ إطْلَاقِهِ لَا يُفْهَمُ مِنْهُ إلَّا النِّسَاءُ ، وَلَا يُسَمَّى بِهِ فِي الْعُرْفِ غَيْرُهُنَّ ، وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُوضَعْ لِغَيْرِهِنَّ ، ثُمَّ لَوْ ثَبَتَ أَنَّهُ فِي الْحَقِيقَةِ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ لَكَانَ قَدْ خَصَّ بِهِ أَهْلُ الْعُرْفِ النِّسَاءَ ، وَهُجِرَتْ بِهِ الْحَقِيقَةُ حَتَّى صَارَتْ مَغْمُورَةً ،","part":13,"page":103},{"id":6103,"text":"لَا تُفْهَمُ مِنْ لَفْظِ الْمُتَكَلِّمِ وَلَا يَتَعَلَّقُ بِهَا حُكْمٌ كَسَائِرِ الْأَلْفَاظِ الْعُرْفِيَّةِ .","part":13,"page":104},{"id":6104,"text":"( 4660 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا لَفْظُ الْأَيَامَى ، فَهُوَ كَالْأَرَامِلِ ، إلَّا أَنَّهُ لِكُلِّ امْرَأَةٍ لَا زَوْجَ لَهَا ، قَالَ اللَّهِ تَعَالَى : { وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ } .\rوَفِي بَعْضِ الْحَدِيثِ : { أَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ بَوَارِ الْأَيِّمِ } .\rوَقَالَ أَصْحَابُنَا : هُوَ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ الَّذِينَ لَا أَزْوَاجَ لَهُمْ ، لِمَا رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَ : آمَتْ حَفْصَةُ بِنْتُ عُمَرَ مِنْ زَوْجِهَا ، وَأُمُّ عُثْمَانَ مِنْ رُقَيَّةَ .\rوَقَالَ الشَّاعِرُ : فَإِنْ تَنْكِحِي أَنْكِحْ وَإِنْ تَتَأَيَّمِي وَإِنْ كُنْت أَفْتَى مِنْكُمْ أَتَأَيَّمُ وَلَنَا ، أَنَّ الْعُرْفَ يَخُصُّ النِّسَاءَ بِهَذَا الِاسْمِ ، وَالْحُكْمُ لِلِاسْمِ الْعُرْفِيِّ .\rوَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { أَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ بَوَارِ الْأَيِّمِ } .\rإنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْمَرْأَةَ فَإِنَّهَا الَّتِي تُوصَفُ بِهَذَا ، وَيَضُرُّ بَوَارُهَا .","part":13,"page":105},{"id":6105,"text":"( 4661 ) فَصْلٌ : وَالْعُزَّابُ هُمْ الَّذِينَ لَا أَزْوَاجَ لَهُمْ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ ، يُقَالُ : رَجُلٌ عَزَبٌ ، وَامْرَأَةٌ عَزَبَةٌ .\rوَإِنَّمَا سُمِّيَ عَزَبًا لِانْفِرَادِهِ ، وَكُلُّ شَيْءٍ انْفَرَدَ فَهُوَ عَزَبٌ ، قَالَ ذُو الرُّمَّةِ يَصِفُ ثَوْرًا مِنْ الْوَحْشِ انْفَرَدَ : يَجْلُو الْبَوَارِقُ عَنْ مجلمز لَهَقٍ كَأَنَّهُ مُتَقَبِّي يُلْمَقُ عَزَبُ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَخْتَصَّ الْعَزَبُ بِالرِّجَالِ لِأَنَّهُ فِي الْعُرْفِ كَذَلِكَ ، وَالثَّيِّبُ وَالْبِكْرُ يَشْتَرِكُ فِيهِ الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ .\rقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ ، جَلْدُ مِائَةٍ ، وَنَفْيُ سَنَةٍ ، وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ ، الْجَلْدُ وَالرَّجْمُ } .\rوَالْعَانِسُ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ : الَّذِي كَبِرَ وَلَمْ يَتَزَوَّجْ .\rقَالَ قَيْسُ بْنُ رِفَاعَةَ الْوَاقِفِيُّ : فِينَا الَّذِي هُوَ مَا إنْ طَرَّ شَارِبُهُ وَالْعَانِسُونَ وَفِينَا الْمُرْدُ وَالشَّيْبُ وَالْكُهُولُ : الَّذِينَ جَازُوا الثَّلَاثِينَ ، قَالَ اللَّهِ تَعَالَى : { وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا } .\r( 1 ) قَالَ الْمُفَسِّرُونَ : ابْنُ ثَلَاثِينَ .\rمَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِمْ : اكْتَهَلَ النَّبَاتُ ، إذَا تَمَّ وَقَوِيَ .\rثُمَّ لَا يَزَالُ كَهْلًا حَتَّى يَبْلُغَ خَمْسِينَ ، ثُمَّ يَشِيخُ ، ثُمَّ لَا يُزَالُ شَيْخًا حَتَّى يَمُوتَ .","part":13,"page":106},{"id":6106,"text":"( 4662 ) فَصْلٌ وَإِذَا أَوْصَى لَجَمَاعَةٍ لَا يُمْكِنُ حَصْرُهُمْ وَاسْتِيعَابُهُمْ ، كَالْقَبِيلَةِ الْعَظِيمَةِ ، وَالْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ ، صَحَّ ، وَأَجْزَأَ الدَّفْعُ إلَى وَاحِدٍ مِنْهُمْ .\rوَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ ، إلَّا أَنَّهُ قَالَ : يُدْفَعُ إلَى ثَلَاثَةٍ مِنْهُمْ ؛ لِأَنَّهُ أَقَلُّ الْجَمْعِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ لِلْقَبِيلَةِ الَّتِي لَا يُمْكِنُ حَصْرُهَا ؛ لِأَنَّهَا يَدْخُلُ فِيهَا الْأَغْنِيَاءُ وَالْفُقَرَاءُ ، وَإِذَا وَقَعَتْ لِلْأَغْنِيَاءِ لَمْ تَكُنْ قُرْبَةً ، وَإِنَّمَا تَكُونُ حَقًّا لِآدَمِيٍّ ، وَحُقُوقُ الْآدَمِيِّينَ إذَا دَخَلَتْ فِيهَا الْجَهَالَةُ لَمْ تَصِحَّ ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ لِمَجْهُولٍ .\rوَلَنَا ، أَنَّ كُلَّ وَصِيَّةٍ صَحَّتْ لَجَمَاعَةٍ مَحْصُورِينَ ، صَحَّتْ لَهُمْ ، وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا مَحْصُورِينَ كَالْفُقَرَاءِ .\rوَمَا ذَكَرُوهُ غَيْرُ صَحِيحٍ ؛ فَإِنَّ الْوَصِيَّةَ لِلْأَغْنِيَاءِ قُرْبَةٌ ، وَقَدْ نَدَبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى الْهَدِيَّةِ وَإِنْ كَانَتْ لِغَنِيٍّ .\rوَأَمَّا جَوَازُ الدَّفْعِ إلَى وَاحِدٍ ، فَمَبْنِيٌّ عَلَى الدَّفْعِ فِي الزَّكَاةِ ، وَقَدْ مَضَى الْكَلَامُ فِيهِ هُنَاكَ .","part":13,"page":107},{"id":6107,"text":"( 4663 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَالْوَصِيَّةُ بِالْحَمْلِ وَلِلْحَمْلِ جَائِزَةٌ ، إذَا أَتَتْ بِهِ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مُنْذُ تَكَلَّمَ بِالْوَصِيَّةِ ) أَمَّا الْوَصِيَّةُ بِالْحَمْلِ فَتَصِحُّ إذَا كَانَ مَمْلُوكًا ، بِأَنْ يَكُونَ رَقِيقًا ، أَوْ حَمْلَ بَهِيمَةٍ مَمْلُوكَةٍ لَهُ ؛ لِأَنَّ الْغَرَرَ وَالْخَطَرَ لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الْوَصِيَّةِ ، فَجَرَى مَجْرَى إعْتَاقِ الْحَمْلِ ، فَإِنْ انْفَصَلَ مَيِّتًا ، بَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ ، وَإِنْ انْفَصَلَ حَيًّا ، وَعَلِمْنَا وُجُودَهُ حَالَ الْوَصِيَّةِ ، أَوْ حَكَمْنَا بِوُجُودِهِ ، صَحَّتْ الْوَصِيَّةُ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ ، لَمْ تَصِحَّ ؛ لِجَوَازِ حُدُوثِهِ .\rوَلَوْ قَالَ : أَوْصَيْت لَك بِمَا تَحْمِلُ جَارِيَتِي هَذِهِ ، أَوْ نَاقَتِي هَذِهِ ، أَوْ نَخْلَتِي هَذِهِ .\rجَازَ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ صِحَّتِهَا مَعَ الْغَرَرِ .\rوَأَمَّا الْوَصِيَّةُ لِلْحَمْلِ ، فَصَحِيحَةٌ أَيْضًا ، لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا ، وَبِذَلِكَ قَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ جَرَتْ مَجْرَى الْمِيرَاثِ ، مِنْ حَيْثُ كَوْنُهَا انْتِقَالَ الْمَالِ مِنْ الْإِنْسَانِ بَعْدَ مَوْتِهِ ، إلَى الْمُوصَى لَهُ ، بِغَيْرِ عِوَضٍ ، كَانْتِقَالِهِ إلَى وَارِثِهِ ، وَقَدْ سَمَّى اللَّهُ تَعَالَى الْمِيرَاثَ وَصِيَّةً ، بِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ : { يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ } .\rوَقَالَ سُبْحَانَهُ : { فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنْ اللَّهِ } .\rوَالْحَمْلُ يَرِثُ ، فَتَصِحُّ الْوَصِيَّةُ لَهُ ، وَلِأَنَّ الْوَصِيَّةَ أَوْسَعُ مِنْ الْمِيرَاثِ ، فَإِنَّهَا تَصِحُّ لِلْمُخَالِفِ فِي الدِّينِ وَالْعَبْدِ ، بِخِلَافِ الْمِيرَاثِ ، فَإِذَا وَرِثَ الْحَمْلُ ، فَالْوَصِيَّةُ لَهُ أَوْلَى ، وَلِأَنَّ الْوَصِيَّةَ تَتَعَلَّقُ بِخَطَرٍ وَغَرَرٍ ، فَتَصِحُّ لِلْحَمْلِ ، كَالْعِتْقِ .\rفَإِنْ انْفَصَلَ الْحَمْلُ مَيِّتًا ، بَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَرِثُ ، وَلِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ","part":13,"page":108},{"id":6108,"text":"أَنْ لَا يَكُونَ حَيًّا حِينَ الْوَصِيَّةِ ، فَلَا تَثْبُتُ لَهُ الْوَصِيَّةُ وَالْمِيرَاثُ بِالشَّكِّ .\rوَسَوَاءٌ مَاتَ لِعَارِضٍ ، مِنْ ضَرْبِ الْبَطْنِ ، أَوْ ضَرْبِ دَوَاءٍ ، أَوْ غَيْرِهِ ؛ لِمَا بَيَّنَّا مِنْ أَنَّهُ لَا يَرِثُ .\rوَإِنْ وَضَعَتْهُ حَيًّا ، صَحَّتْ الْوَصِيَّةُ ، لَهُ إذَا حَكَمْنَا بِوُجُودِهِ حَالَ الْوَصِيَّةِ .\rنَقَلَ الْخِرَقِيِّ ، إذَا أَتَتْ بِهِ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ .\rوَلَيْسَ ذَلِكَ شَرْطًا فِي كُلِّ حَالٍ ، لَكِنْ إنْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ فِرَاشًا لِزَوْجٍ أَوْ سَيِّدٍ يَطَؤُهَا ، فَأَتَتْ بِهِ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَمَا دُونَ ، عَلِمْنَا وُجُودَهُ حِينَ الْوَصِيَّةِ ، وَإِنْ أَتَتْ بِهِ لِأَكْثَرَ مِنْهَا ، لَمْ تَصِحَّ الْوَصِيَّةُ لَهُ ؛ لِاحْتِمَالِ حُدُوثِهِ بَعْدَ الْوَصِيَّةِ .\rوَإِنْ كَانَتْ بَائِنًا فَأَتَتْ بِهِ لِأَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِ سِنِينَ مِنْ حِينِ الْفُرْقَةِ ، وَأَكْثَرَ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ حِينِ الْوَصِيَّةِ ، لَمْ تَصِحَّ الْوَصِيَّةُ لَهُ ، وَإِنْ أَتَتْ بِهِ لِأَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ ، صَحَّتْ الْوَصِيَّةُ لَهُ ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ يُعْلَمُ وُجُودُهُ إذَا كَانَ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ ، وَيُحْكَمُ بِوُجُودِهِ إذَا أَتَتْ بِهِ لِأَقَلَّ مِنْ أَرْبَعِ سِنِينَ مِنْ حِينِ الْفُرْقَةِ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rوَإِنْ وَصَّى لِحَمْلِ امْرَأَةٍ مِنْ زَوْجِهَا أَوْ سَيِّدِهَا ، صَحَّتْ الْوَصِيَّةُ لَهُ ، مَعَ اشْتِرَاطِ إلْحَاقِهِ بِهِ ، وَإِنْ كَانَ مُنْتَفِيًا بِاللِّعَانِ ، أَوْ دَعْوَى الِاسْتِبْرَاءِ ، لَمْ تَصِحَّ الْوَصِيَّةُ لَهُ ؛ لِعَدَمِ نَسَبِهِ الْمَشْرُوطِ فِي الْوَصِيَّةِ ، فَأَمَّا إنْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ فِرَاشًا لِزَوْجٍ أَوْ سَيِّدٍ ، إلَّا أَنَّهُ لَا يَطَؤُهَا ؛ لِكَوْنِهِ غَائِبًا فِي بَلَدٍ بَعِيدٍ ، أَوْ مَرِيضًا مَرَضًا يَمْنَعُ الْوَطْءَ ، أَوْ كَانَ أَسِيرًا أَوْ مَحْبُوسًا ، أَوْ عَلِمَ الْوَرَثَةُ أَنَّهُ لَمْ يَطَأْهَا وَأَقَرُّوا بِذَلِكَ ، فَإِنَّ أَصْحَابَنَا لَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ هَذِهِ الصُّوَرِ وَبَيْنَ مَا إذَا كَانَ يَطَؤُهَا ؛ لِأَنَّهُمَا لَمْ يَفْتَرِقَا فِي لُحُوقِ النَّسَبِ بِالزَّوْجِ وَالسَّيِّدِ ، فَكَانَتْ فِي حُكْمِ مَنْ يَطَؤُهَا .\rوَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ","part":13,"page":109},{"id":6109,"text":"مَتَى أَتَتْ بِهِ فِي هَذِهِ الْحَالِ ، لِوَقْتٍ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهُ كَانَ مَوْجُودًا حَالَ الْوَصِيَّةِ ، مِثْلُ أَنْ تَضَعَهُ لِأَقَلَّ مِنْ غَالِبِ مُدَّةِ الْحَمْلِ ، أَوْ تَكُونَ أَمَارَاتُ الْحَمْلِ ظَاهِرَةً ، أَوْ أَتَتْ بِهِ عَلَى وَجْهٍ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهُ كَانَ مَوْجُودًا بِأَمَارَاتِ الْحَمْلِ ، بِحَيْثُ يُحْكَمُ لَهَا بِكَوْنِهَا حَامِلًا ، صَحَّتْ الْوَصِيَّةُ لَهُ ؛ لِأَنَّهُ يَثْبُتُ لَهُ أَحْكَامُ الْحَمْلِ مِنْ غَيْرِ هَذَا الْحُكْمِ ، وَقَدْ انْتَفَتْ أَسْبَابُ حُدُوثِهِ ظَاهِرًا ، فَيَنْبَغِي أَنْ نُثْبِتَ لَهُ الْوَصِيَّةَ ، وَالْحُكْمُ بِإِلْحَاقِهِ بِالزَّوْجِ وَالسَّيِّدِ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ إنَّمَا كَانَ احْتِيَاطًا لِلنَّسَبِ ، فَإِنَّهُ يَلْحَقُ بِمُجَرَّدِ الِاحْتِمَالِ وَإِنْ كَانَ بَعِيدًا ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ إثْبَاتِ النَّسَبِ بِمُطْلَقِ الِاحْتِمَالِ ، نَفْيُ اسْتِحْقَاقِ الْوَصِيَّةِ ، فَإِنَّهُ لَا يُحْتَاطُ لِإِبْطَالِ الْوَصِيَّةِ ، كَمَا يُحْتَاطُ لِإِثْبَاتِ النَّسَبِ ، فَلَا يَلْزَمُ إلْحَاقُ مَا لَا يُحْتَاطُ لَهُ بِمَا يُحْتَاطُ لَهُ مَعَ ظُهُورِ مَا يُثْبِتُهُ وَيُصَحِّحُهُ .","part":13,"page":110},{"id":6110,"text":"( 4664 ) فَصْلٌ : وَإِنْ وَصَّى بِأَصْلِ الْمَوْجُودِ ، اُعْتُبِرَ وُجُودُهُ كَمَا فِي حَمْلِ الْأَمَةِ بِمَا يُعْتَبَرُ وُجُودُ الْحَمْلِ الْمُوصَى لَهُ .\rوَإِنْ كَانَ حَمْلَ بَهِيمَةٍ ، اُعْتُبِرَ وُجُودُهُ بِمَا يَثْبُتُ بِهِ وُجُودُهُ فِي سَائِرِ الْأَحْكَامِ .","part":13,"page":111},{"id":6111,"text":"( 4665 ) فَصْلٌ : وَإِذَا أَوْصَى لِمَا تَحْمِلُ هَذِهِ الْمَرْأَةُ ، لَمْ يَصِحَّ .\rوَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ : يَصِحُّ ، كَمَا تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ بِمَا تَحْمِلُ هَذِهِ الْجَارِيَةُ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الْوَصِيَّةَ تَمْلِيكٌ ، فَلَا تَصِحُّ لِلْمَعْدُومِ ، بِخِلَافِ الْمُوصَى بِهِ ، فَإِنَّهُ يُمْلَكُ ، فَلَمْ يُعْتَبَرْ وُجُودُهُ ، وَلِأَنَّ الْوَصِيَّةَ أُجْرِيَتْ مُجْرَى الْمِيرَاثِ ، وَلَوْ مَاتَ إنْسَانٌ لَمْ يَرِثْهُ مِنْ الْحَمْلِ إلَّا مَنْ كَانَ مَوْجُودًا ، كَذَلِكَ الْوَصِيَّةُ .\rوَلَوْ تَجَدَّدَ لِلْمَيِّتِ مَالٌ بَعْد مَوْتِهِ ، بِأَنْ يَسْقُطَ فِي شَبَكَتِهِ صَيْدٌ ، لَوَرِثَهُ وَرَثَتُهُ ، وَلِذَلِكَ قَضَيْنَا بِثُبُوتِ الْإِرْثِ فِي دِيَتِهِ ، وَهِيَ تَتَحَدَّدُ بَعْدَ مَوْتِهِ ، فَجَازَ أَنْ تُمْلَكَ بِالْوَصِيَّةِ .\rفَإِنْ قِيلَ : فَلَوْ وَقَفَ عَلَى مَنْ يَحْدُثُ مِنْ وَلَدِهِ أَوْ وَلَدِ فُلَانٍ صَحَّ ، فَالْوَصِيَّةُ أَوْلَى ؛ لِأَنَّهَا تَصِحُّ بِالْمَعْدُومِ وَالْمَجْهُولِ ، بِخِلَافِ الْوَقْفِ .\rقُلْنَا : الْوَصِيَّةُ أُجْرِيَتْ مُجْرَى الْمِيرَاثِ ، وَلَا يَحْصُلُ الْمِيرَاثُ إلَّا لِمَوْجُودٍ ، فَكَذَا الْوَصِيَّةُ ، وَالْوَقْفُ يُرَادُ لِلدَّوَامِ ، فَمِنْ ضَرُورَتِهِ إثْبَاتُهُ لِلْمَعْدُومِ .","part":13,"page":112},{"id":6112,"text":"( 4666 ) فَصْلٌ : وَإِذَا أَوْصَى لِحَمْلِ امْرَأَةٍ ، فَوَلَدَتْ ذَكَرًا وَأُنْثَى ، فَالْوَصِيَّةُ لَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ عَطِيَّةٌ وَهِبَةٌ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ وَهَبَهُمَا شَيْئًا بَعْدَ وِلَادَتِهِمَا .\rوَإِنْ فَاضَلَ بَيْنَهُمَا ، فَهُوَ عَلَى مَا قَالَ ، كَالْوَقْفِ .\rوَإِنْ قَالَ : إنْ كَانَ فِي بَطْنِهَا غُلَامٌ فَلَهُ دِينَارَانِ ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ جَارِيَةٌ فَلَهَا دِينَارٌ .\rفَوَلَدَتْ غُلَامًا وَجَارِيَةً ، فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا وَصَّى لَهُ بِهِ ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ وُجِدَ فِيهِ .\rوَإِنْ وَلَدَتْ أَحَدَهُمَا مُنْفَرِدًا ، فَلَهُ وَصِيَّتُهُ .\rوَلَوْ قَالَ : إنْ كَانَ حَمْلُهَا ، أَوْ إنْ كَانَ مَا فِي بَطْنِهَا غُلَامًا .\rفَلَهُ دِينَارَانِ ، وَإِنْ كَانَتْ جَارِيَةً فَلَهَا دِينَارٌ .\rفَوَلَدَتْ أَحَدَهُمَا مُنْفَرِدًا ، فَلَهُ وَصِيَّتُهُ .\rوَإِنْ وَلَدَتْ غُلَامًا وَجَارِيَةً ، فَلَا شَيْءَ لَهُمَا ؛ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا لَيْسَ هُوَ جَمِيعَ الْحَمْلِ .\rوَلَا كُلَّ مَا فِي الْبَطْنِ .\rوَبِهَذَا قَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ ، وَأَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ .","part":13,"page":113},{"id":6113,"text":"( 4667 ) فَصْلٌ : وَإِنْ أَوْصَى بِثَمَرَةِ شَجَرَةٍ ، أَوْ بُسْتَانٍ ، أَوْ غَلَّةِ دَارٍ ، أَوْ خِدْمَةِ عَبْدٍ ، صَحَّ ، سَوَاءٌ وَصَّى بِذَلِكَ فِي مُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ ، أَوْ بِجَمِيعِ الثَّمَرَةِ وَالْمَنْفَعَةِ فِي الزَّمَانِ كُلِّهِ .\rهَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ ، مِنْهُمْ ؛ مَالِكٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى : لَا تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ بِالْمَنْفَعَةِ ؛ لِأَنَّهَا مَعْدُومَةٌ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ يَصِحُّ تَمْلِيكُهَا بِعَقْدِ الْمُعَاوَضَةِ ، فَتَصِحُّ الْوَصِيَّةُ بِهَا ، كَالْأَعْيَانِ .\rوَيُعْتَبَرُ خُرُوجُ ذَلِكَ مِنْ ثُلُثِ الْمَالِ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي سُكْنَى الدَّارِ .\rوَهُوَ قَوْلُ كُلِّ مَنْ قَالَ بِصِحَّةِ الْوَصِيَّةِ بِهَا .\rفَإِنْ لَمْ تَخْرُجْ مِنْ الثُّلُثِ ، أُجِيزَ مِنْهَا بِقَدْرِ الثُّلُثِ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : إذَا أَوْصَى بِخِدْمَةِ عَبْدِهِ سَنَةً ، فَلَمْ يَخْرُجْ مِنْ الثُّلُثِ ، فَالْوَرَثَةُ بِالْخِيَارِ بَيْنَ تَسْلِيمِ خِدْمَتِهِ سَنَةً ، وَبَيْنَ تَسْلِيمِ ثُلُثِ الْمَالِ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ ، وَأَبُو ثَوْرٍ : إذَا أَوْصَى بِخِدْمَةِ عَبْدِهِ سَنَةً ، فَإِنَّ الْعَبْدَ يَخْدِمُ الْمُوصَى لَهُ يَوْمًا وَالْوَرَثَةَ يَوْمَيْنِ ، حَتَّى يَسْتَكْمِلَ الْمُوصَى لَهُ سَنَةً فَإِنْ ، أَرَادَ الْوَرَثَةُ بَيْعَ الْعَبْدِ ، بِيعَ عَلَى هَذَا .\rوَلَنَا ، أَنَّهَا وَصِيَّةٌ صَحِيحَةٌ ، فَوَجَبَ تَنْفِيذُهَا عَلَى صِفَتِهَا إنْ خَرَجَتْ مِنْ الثُّلُثِ ، أَوْ بِقَدْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْ الثُّلُثِ مِنْهَا ، كَسَائِرِ الْوَصَايَا ، أَوْ كَالْأَعْيَانِ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَمَتَى أُرِيدَ تَقْوِيمُهَا ، فَإِنْ كَانَتْ الْوَصِيَّةُ مُقَيَّدَةً بِمُدَّةٍ ، قُوِّمَ الْمُوصَى بِمَنْفَعَتِهِ مَسْلُوبَ الْمَنْفَعَةِ تِلْكَ الْمُدَّةِ ، ثُمَّ تُقَوَّمُ الْمَنْفَعَةُ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ فَيُنْظَرُ ؛ كَمْ قِيمَتُهَا .\rوَإِنْ كَانَتْ الْوَصِيَّةُ مُطْلَقَةً فِي الزَّمَانِ كُلِّهِ ، فَقَدْ قِيلَ : تُقَوَّمُ الرَّقَبَةُ بِمَنْفَعَتِهَا جَمِيعًا ، وَيُعْتَبَرُ خُرُوجُهَا مِنْ الثُّلُثِ ؛ لِأَنَّ عَبْدًا لَا مَنْفَعَةَ","part":13,"page":114},{"id":6114,"text":"لَهُ ، وَشَجَرًا لَا ثَمَرَ لَهُ ، لَا قِيمَةَ لَهُ غَالِبًا .\rوَقِيلَ : تُقَوَّمُ الرَّقَبَةُ عَلَى الْوَرَثَةِ ، وَالْمَنْفَعَةُ عَلَى الْمُوصَى لَهُ .\rوَصِفَةُ ذَلِكَ أَنْ يُقَوَّمَ الْعَبْدُ بِمَنْفَعَتِهِ ، فَإِذَا قِيلَ : قِيمَتُهُ مِائَةٌ .\rقِيلَ : كَمْ قِيمَتُهُ لَا مَنْفَعَةَ فِيهِ ؟ فَإِذَا قِيلَ : عَشَرَةٌ .\rعَلِمْنَا أَنَّ قِيمَةَ الْمَنْفَعَةِ تِسْعُونَ .","part":13,"page":115},{"id":6115,"text":"( 4668 ) فَصْلٌ : وَإِنْ أَرَادَ الْمُوصَى لَهُ إجَارَةَ الْعَبْدِ أَوْ الدَّارِ ، فِي الْمُدَّةِ الَّتِي أَوْصَى لَهُ بِنَفْعِهَا ، جَازَ .\rوَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَجُوزُ إجَارَةُ الْمَنْفَعَةِ الْمُسْتَحَقَّةِ بِالْوَصِيَّةِ ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا أَوْصَى لَهُ بِاسْتِيفَائِهِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهَا مَنْفَعَةٌ يَمْلِكُهَا مِلْكًا تَامًّا ، فَمَلَكَ أَخْذَ الْعِوَضِ عَنْهَا بِالْأَعْيَانِ ، كَمَا لَوْ مَلَكَهَا بِالْإِجَارَةِ .\rوَإِنْ أَرَادَ الْمُوصَى لَهُ إخْرَاجَ الْعَبْدِ عَنْ الْبَلَدِ ، فَلَهُ ذَلِكَ .\rوَبِهِ قَالَ أَبُو ثَوْرٍ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ : لَا يُخْرِجُهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ أَهْلُهُ فِي غَيْرِ الْبَلَدِ ، فَيُخْرِجَهُ إلَى أَهْلِهِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ مَالِكٌ لِنَفْعِهِ ، فَمَلَكَ إخْرَاجَهُ ، كَالْمُسْتَأْجِرِ .","part":13,"page":116},{"id":6116,"text":"( 4669 ) فَصْلٌ : وَإِذَا أَوْصَى لَهُ بِثَمَرَةِ شَجَرَةٍ مُدَّةً ، أَوْ بِمَا يُثْمِرُ أَبَدًا ، لَمْ يَمْلِكْ وَاحِدٌ مِنْ الْمُوصَى لَهُ وَالْوَارِثُ إجْبَارَ الْآخَرِ عَلَى سَقْيِهَا ؛ لِأَنَّهُ لَا يُجْبَرُ عَلَى سَقْيِ مِلْكِهِ ، وَلَا سَقْيِ مِلْكِ غَيْرِهِ .\rوَإِنْ أَرَادَ أَحَدُهُمَا سَقْيَهَا عَلَى وَجْهٍ لَا يَضُرُّ بِصَاحِبِهِ ، لَمْ يَمْلِكْ الْآخَرُ مَنْعَهُ .\rوَإِذَا يَبِسَتْ الشَّجَرَةُ ، كَانَ حَطَبُهَا لِلْوَارِثِ .\rوَإِنْ وَصَّى لَهُ بِثَمَرَتِهَا سَنَةً بِعَيْنِهَا ، فَلَمْ تَحْمِلْ تِلْكَ السَّنَةَ ، فَلَا شَيْءَ لِلْمُوصَى لَهُ .\rوَإِنْ قَالَ : لَك ثَمَرَتُهَا أُولَ عَامٍ تُثْمِرُ .\rصَحَّ ، وَلَهُ ثَمَرَتُهَا أُولَ عَامٍ تُثْمِرُ .\rوَكَذَلِكَ إذَا أَوْصَى لَهُ بِمَا تَحْمِلُ جَارِيَتُهُ أَوْ شَاتُهُ .\rوَإِنْ وَصَّى لِرَجُلٍ بِشَجَرَةٍ ، وَلِآخَرَ بِثَمَرَتِهَا ، صَحَّ ، وَكَانَ صَاحِبُ الرَّقَبَةِ قَائِمًا مَقَامَ الْوَارِثِ ، وَلَهُ مَالَهُ .\rوَإِنْ وَصَّى لَهُ بِلَبَنِ شَاةٍ وَصُوفِهَا ، صَحَّ ، كَمَا تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ بِثَمَرَةِ الشَّجَرَةِ .\rوَإِنْ وَصَّى بِلَبَنِهَا خَاصَّةً ، أَوْ صُوفِهَا خَاصَّةً ، صَحَّ ، وَيُقَوَّمُ الْمُوصَى بِهِ دُونَ الْعَيْنِ .","part":13,"page":117},{"id":6117,"text":"( 4670 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا نَفَقَةُ الْعَبْدِ الْمُوصَى بِخِدْمَتِهِ ، وَسَائِرِ الْحَيَوَانَاتِ الْمُوصَى بِنَفْعِهَا ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ تَجِبَ عَلَى صَاحِبِ الرَّقَبَةِ .\rهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الشَّرِيفُ أَبُو جَعْفَرٍ مَذْهَبًا لِأَحْمَدَ ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ ، وَظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ النَّفَقَةَ عَلَى الرَّقَبَةِ ، فَكَانَتْ عَلَى صَاحِبِهَا ، كَالْعَبْدِ الْمُسْتَأْجَرِ ، وَكَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَنْفَعَةٌ .\rقَالَ الشَّرِيفُ : وَلِأَنَّ الْفِطْرَةَ تَلْزَمُهُ ، وَالْفِطْرَةُ تَتْبَعُ النَّفَقَةَ ، وَوُجُوبُ التَّابِعِ عَلَى إنْسَانٍ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ الْمَتْبُوعِ عَلَيْهِ .\rوَيُحْتَمَلُ أَنْ يَجِبَ عَلَى صَاحِبِ الْمَنْفَعَةِ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ ، وَالْإِصْطَخْرِيِّ ، وَهُوَ أَصَحُّ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ نَفْعَهُ عَلَى التَّأْبِيدِ ، فَكَانَتْ النَّفَقَةُ عَلَيْهِ ، كَالزَّوْجِ ، وَلِأَنَّ نَفْعَهُ لَهُ ، فَكَانَ عَلَيْهِ ضُرُّهُ ، كَالْمَالِكِ لَهُمَا جَمِيعًا ، يُحَقِّقُهُ أَنَّ إيجَابَ النَّفَقَةِ عَلَى مَنْ لَا نَفْعَ لَهُ ضَرَرٌ مُجَرَّدٌ ، فَيَصِيرُ مَعْنَى الْوَصِيَّةِ : أَوْصَيْت لَك بِنَفْعِ عَبْدِي ، وَأَبْقَيْت عَلَى وَرَثَتِي ضُرَّهُ .\rوَإِنْ وَصَّى بِنَفْعِهِ لَإِنْسَانٍ ، وَلِآخَرَ بِرَقَبَتِهِ ، كَانَ مَعْنَاهُ : أَوْصَيْت لِهَذَا بِنَفْعِهِ ، وَلِهَذَا بِضُرِّهِ .\rوَالشَّرْعُ يَنْفِي هَذَا بِقَوْلِهِ : { لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ } .\rوَلِذَلِكَ جَعَلَ الْخَرَاجَ بِالضَّمَانِ ، لِيَكُونَ ضُرُّهُ عَلَى مَنْ لَهُ نَفْعُهُ .\rوَفَارَقَ الْمُسْتَأْجَرَ ، فَإِنَّ نَفْعَهُ فِي الْحَقِيقَةِ لِلْمُؤَجَّرِ ؛ لِأَنَّهُ يَأْخُذُ الْأَجْرَ عِوَضًا عَنْ مَنَافِعِهِ .\rوَقِيلَ : تَجِبُ نَفَقَتُهُ فِي كَسْبِهِ .\rوَهَذَا رَاجِعٌ إلَى إيجَابِهَا عَلَى صَاحِبِ الْمَنْفَعَةِ ؛ لِأَنَّ كَسْبَهُ مِنْ مَنَافِعِهِ ، فَإِذَا صُرِفَ فِي نَفَقَتِهِ ، فَقَدْ صُرِفَتْ الْمَنْفَعَةُ الْمُوصَى بِهَا إلَى النَّفَقَةِ ، فَصَارَ كَمَا لَوْ صُرِفَ إلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ مَالِهِ سِوَاهُ .","part":13,"page":118},{"id":6118,"text":"( 4671 ) فَصْلٌ : وَإِذَا أَعْتَقَ الْوَرَثَةُ الْعَبْدَ ، عَتَقَ ، وَمَنْفَعَتُهُ بَاقِيَةٌ لِلْمُوصَى لَهُ بِهَا ، وَلَا يَرْجِعُ عَلَى الْمُعْتِقِ بِشَيْءٍ .\rوَإِنْ أَعْتَقَهُ صَاحِبُ الْمَنْفَعَةِ ، لَمْ يُعْتَقْ ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ لِلرَّقَبَةِ ، وَهُوَ لَا يَمْلِكُهَا .\rوَإِنْ وَهَبَ صَاحِبُ الْمَنْفَعَةِ مَنَافِعَهُ لِلْعَبْدِ ، وَأَسْقَطَهَا عَنْهُ ، فَلِلْوَرَثَةِ الِانْتِفَاعُ بِهِ ؛ لِأَنَّ مَا يُوهَبُ لِلْعَبْدِ يَكُونُ لِسَيِّدِهِ .\rوَإِنْ أَرَادَ صَاحِبُ الرَّقَبَةِ بَيْعَ الْعَبْدِ ، فَلَهُ ذَلِكَ ، وَيُبَاعُ مَسْلُوبَ الْمَنْفَعَةِ ، وَيَقُومُ الْمُشْتَرِي مَقَامَ الْبَائِعِ ، فِيمَا لَهُ وَعَلَيْهِ .\rوَقِيلَ : لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ مِنْ مَالِكِ مَنْفَعَتِهِ دُونَ غَيْرِهِ ؛ لِأَنَّ مَا لَا مَنْفَعَةَ فِيهِ ، لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ ، كَالْحَشَرَاتِ وَالْمَيْتَاتِ .\rوَقِيلَ : يَجُوزُ بَيْعُهُ مِنْ مَالِكِ مَنْفَعَتِهِ دُونَ غَيْرِهِ ؛ لِأَنَّ مَالِكَ مَنْفَعَتِهِ يَجْتَمِعُ لَهُ الرَّقَبَةُ وَالْمَنْفَعَةُ ، فَيَنْتَفِعُ بِذَلِكَ ، بِخِلَافِ غَيْرِهِ ، وَلِذَلِكَ جَازَ بَيْعُ الثَّمَرَةِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا لِصَاحِبِ الشَّجَرَةِ دُونَ غَيْرِهِ ، وَكَذَلِكَ بَيْعُ الزَّرْعِ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ عَبْدٌ مَمْلُوكٌ ، تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ بِهِ ، فَصَحَّ بَيْعُهُ كَغَيْرِهِ ، وَلِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ إعْتَاقُهُ وَتَحْصِيلُ وَلَائِهِ ، وَجَرُّ وَلَاءِ مَنْ يَنْجَرُّ وَلَاؤُهُ بِعِتْقِهِ ، بِخِلَافِ الْحَشَرَاتِ .\rوَإِنْ وَصَّى لِرَجُلٍ بِرَقَبَةِ عَبْدٍ ، وَلِآخَرَ بِنَفْعِهِ ، صَحَّ ، وَقَامَ الْمُوصِيَةُ لَهُ بِالرَّقَبَةِ مَقَامَ الْوَارِثِ فِيمَا ذَكَرْنَا .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .","part":13,"page":119},{"id":6119,"text":"( 4672 ) فَصْلٌ : وَإِذَا أَوْصَى لِرَجُلٍ بِمَنْفَعَةِ أَمَتِهِ ، فَأَتَتْ بِوَلَدٍ مِنْ زَوْجٍ أَوْ زِنًا ، فَهُوَ مَمْلُوكٌ ، حُكْمُهُ حُكْمُ أُمِّهِ ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ يَتْبَعُ الْأُمَّ فِي حُكْمِهَا ، كَوَلَدِ الْمُكَاتَبَةِ وَالْمُدَبَّرَةِ .\rوَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِمَالِكِ الرَّقَبَةِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنْ النَّفْعِ الْمُوصَى بِهِ .\rوَلَا هُوَ مِنْ الرَّقَبَةِ الْمُوصَى بِنَفْعِهَا .\rوَإِنْ وُطِئَتْ بِشُبْهَةٍ ، وَجَبَ الْمَهْرُ عَلَى الْوَاطِئِ لِصَاحِبِ الْمَنْفَعَةِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا ، وَعِنْدِي أَنَّهُ لِصَاحِبِ الرَّقَبَةِ ؛ لِأَنَّ مَنَافِعَ الْبِضْعِ لَا تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ بِهَا مُنْفَرِدَةً ، وَلَا مَعَ غَيْرِهَا ، وَلَا يَجُوزُ نَقْلُهَا مُفْرَدَةً عَنْ الرَّقَبَةِ بِغَيْرِ التَّزْوِيجِ ، وَإِنَّمَا هِيَ تَابِعَةٌ لِلرَّقَبَةِ ، فَتَكُونُ لِصَاحِبِهَا ، وَلَا يَسْتَحِقُّ صَاحِبُ الْمَنْفَعَةِ أَخْذَ بَدَلِهَا ، وَإِنْ أَتَتْ بِوَلَدٍ ، فَهُوَ حُرٌّ ، وَتَجِبُ قِيمَتُهُ يَوْمَ وَضْعِهِ لِصَاحِبِ الرَّقَبَةِ ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ ، وَفِي الْآخَرِ ، يُشْتَرَى بِهَا عَبْدٌ يَقُومُ مَقَامَهُ ، وَلَيْسَ لِلْوَارِثِ وَلَا لِصَاحِبِ الْمَنْفَعَةِ وَطْؤُهَا ؛ لِأَنَّ صَاحِبَ الْمَنْفَعَةِ لَا يَمْلِكُ رَقَبَتَهَا ، وَلَا هُوَ زَوْجٌ لَهَا ، وَلَا يُبَاحُ الْوَطْءُ بِغَيْرِهِمَا ، لِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : { إلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ } .\rوَصَاحِبُ الرَّقَبَةِ لَا يَمْلِكُهَا مِلْكًا تَامًّا .\rوَلَا يَأْمَنُ أَنْ تَحْبَلَ مِنْهُ ، فَرُبَّمَا أَفْضَى إلَى إهْلَاكِهَا ، وَأَيُّهُمَا وَطِئَهَا فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ وَطْءٌ بِشُبْهَةٍ ؛ لِوُجُودِ الْمِلْكِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِيهَا ، وَوَلَدُهُ حُرٌّ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ وَطْءِ شُبْهَةٍ .\rفَإِنْ كَانَ الْوَاطِئُ مَالِكَ الْمَنْفَعَةِ ، لَمْ تَصِرْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُهَا ، وَعَلَيْهِ قِيمَةُ وَلَدِهَا يَوْمَ وَضَعَهُ ، وَحُكْمُهَا عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِيمَا إذَا وَطِئَهَا غَيْرُهُمَا بِشُبْهَةٍ .\rوَإِنْ كَانَ الْوَاطِئُ مَالِكَ الرَّقَبَةِ ، صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ لِأَنَّهَا عَلِقَتْ مِنْهُ بِحُرٍّ فِي مِلْكِهِ ،","part":13,"page":120},{"id":6120,"text":"وَفِي وُجُوبِ قِيمَتِهِ عَلَيْهِ الْوَجْهَانِ ، وَأَمَّا الْمَهْرُ فَعِنْدِي أَنَّهُ إنْ كَانَ الْوَاطِئُ مَالِكًا الرَّقَبَةَ ، فَلَا مَهْرَ عَلَيْهِ ، وَلَهُ الْمَهْرُ عَلَى صَاحِبِ الْمَنْفَعَةِ ، إذَا كَانَ هُوَ الْوَاطِئَ .\rوَعِنْدَ أَصْحَابِنَا وَأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ، بِعَكْسِ ذَلِكَ فِيهِمَا .\rوَقَدْ تَقَدَّمَ تَعْلِيلُ ذَلِكَ .\rوَيُحْتَمَلُ أَنْ يَجِبَ الْحَدُّ عَلَى صَاحِبِ الْمَنْفَعَةِ إذَا وَطِئَ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ إلَّا الْمَنْفَعَةَ ، فَلَزِمَهُ الْحَدُّ ، كَالْمُسْتَأْجِرِ ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ وَلَدُهُ مَمْلُوكًا .\r( 4673 ) فَصْلٌ : وَلَيْسَ لَوَاحِدٍ مِنْهُمَا تَزْوِيجُهَا ؛ لِأَنَّ مَالِكَ الْمَنْفَعَةِ لَا يَمْلِكُ رَقَبَتِهَا ، وَمَالِكَ الرَّقَبَةِ لَا يَمْلِكُ تَزْوِيجَهَا ، لِمَا فِيهِ مِنْ ضَرَرِ صَاحِبِ الْمَنْفَعَةِ بِتَزْوِيجِهَا .\rفَإِنْ طَلَبَتْ ذَلِكَ ، لَزِمَ تَزْوِيجُهَا ؛ لِأَنَّهُ لَحِقَهَا ، وَحَقُّهَا فِي ذَلِكَ مُقَدَّمٌ عَلَيْهَا ، بِدَلِيلِ أَنَّهَا لَوْ طَلَبَتْهُ مِنْ سَيِّدِهَا الَّذِي يَمْلِكُ رَقَبَتَهَا وَنَفْعَهَا ، أُجْبِرَ عَلَيْهِ ، وَقُدِّمَ حَقُّهَا عَلَى حَقِّهِ .\rوَكَذَلِكَ إنْ اتَّفَقَا عَلَى تَزْوِيجِهَا قَبْلَ طَلَبِهَا ، جَازَ ، وَوَلِيُّهَا فِي الْمَوْضِعَيْنِ مَالِكٌ رَقَبَتِهَا ؛ لِأَنَّهُ مَالِكُهَا .\rوَالْكَلَامُ فِي مَهْرِهَا وَوَلَدِهَا ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي الْفَصْلِ الَّذِي قَبْلَهُ .","part":13,"page":121},{"id":6121,"text":"فَصْلٌ : وَإِنْ قُتِلَ الْعَبْدُ الْمُوصَى بِنَفْعِهِ ، وَجَبَتْ قِيمَتُهُ ، يُشْتَرَى بِهَا مَا يَقُومُ مَقَامَ الْمُوصَى بِهِ ؛ لِأَنَّ كُلَّ حَقٍّ تَعَلَّقَ بِالْعَيْنِ تَعَلَّقَ بِبَدَلِهَا ، إذَا لَمْ يَبْطُلْ سَبَبُ اسْتِحْقَاقِهَا .\rوَيُفَارِقُ الزَّوْجَةَ وَالْعَيْنَ الْمُسْتَأْجَرَةَ ؛ لِأَنَّ سَبَبَ الِاسْتِحْقَاقِ يَبْطُلُ بِتَلَفِهِمَا ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَجِبَ الْقِيمَةُ لِلْوَارِثِ ، أَوْ مَالِكِ الرَّقَبَةِ ، وَتَبْطُلُ الْوَصِيَّةُ ؛ لِأَنَّ الْقِيمَةَ بَدَلُ الرَّقَبَةِ ، فَتَكُونُ لِصَاحِبِهَا ، وَتَبْطُلُ الْوَصِيَّةُ بِالْمَنْفَعَةِ ، كَمَا تَبْطُلُ بِالْإِجَارَةِ .","part":13,"page":122},{"id":6122,"text":"( 4675 ) فَصْلٌ : وَإِذَا أَوْصَى لِرَجُلٍ بِحَبِّ زَرْعِهِ ، وَلِآخَرَ بِنَبْتِهِ ، صَحَّ ، وَالنَّفَقَةُ بَيْنَهُمَا ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا تَعَلَّقَ حَقُّهُ بِالزَّرْعِ .\rفَإِنْ امْتَنَعَ أَحَدُهُمَا مِنْ الْإِنْفَاقِ ، فَهُمَا بِمَنْزِلَةِ الشَّرِيكَيْنِ فِي أَصْلِ الزَّرْعِ إذَا امْتَنَعَ أَحَدُهُمَا مِنْ سَقْيِهِ وَالْإِنْفَاقِ عَلَيْهِ ، فَيَخْرُجُ فِي ذَلِكَ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، يُجْبَرُ عَلَى الْإِنْفَاقِ عَلَيْهِ .\rهَذَا قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ ؛ لِأَنَّ فِي تَرْكِ الْإِنْفَاقِ ضَرَرًا عَلَيْهِمَا ، وَإِضَاعَةً الْمَالِ ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ } .\rوَنَهَى عَنْ إضَاعَةِ الْمَالِ .\rوَالْوَجْهُ الْآخَرُ ، لَا يُجْبَرُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُجْبَرُ عَلَى الْإِنْفَاقِ عَلَى مَالِ نَفْسِهِ ، وَلَا مَالِ غَيْرِهِ ، إذَا كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُنْفَرِدًا ، فَكَذَلِكَ إذَا اجْتَمَعَا وَأَصْلُ الْوَجْهَيْنِ إذَا اسْتُهْدِمَ الْحَائِطُ الْمُشْتَرَكُ ، فَدَعَا أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ الْآخَرَ إلَى مُبَانَاتِهِ ، فَامْتَنَعَ .\rيَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ النَّفَقَةُ بَيْنَهُمَا عَلَى قَدْرِ قِيمَةِ حَقِّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ، كَمَا لَوْ كَانَا مُشْتَرِكَيْنِ فِي أَصْلِ الزَّرْعِ .","part":13,"page":123},{"id":6123,"text":"( 4676 ) فَصْلٌ : وَإِنْ أَوْصَى لَرَجُلٍ بِخَاتَمٍ ، وَلِآخَرَ بِفَصِّهِ ، صَحَّ ، وَلَيْسَ لَوَاحِدٍ مِنْهُمَا الِانْتِفَاعُ بِهِ إلَّا بِإِذْنِ صَاحِبِهِ ، وَأَيُّهُمَا طَلَبَ قَلْعَ الْفَصِّ مِنْ الْخَاتَمِ أُجِيبَ إلَيْهِ ، وَأُجْبِرَ الْآخَرُ عَلَيْهِ .\rوَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى بَيْعِهِ ، أَوْ اصْطَلَحَا عَلَى لُبْسِهِ ، جَازَ ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمَا لَا يَعْدُوهُمَا .","part":13,"page":124},{"id":6124,"text":"( 4677 ) فَصْلٌ : وَإِنْ أَوْصَى لِرَجُلٍ بِدِينَارٍ مِنْ غَلَّةِ دَارِهِ ، وَغَلَّتُهَا دِينَارَانِ ، صَحَّ .\rفَإِنْ أَرَادَ الْوَرَثَةُ بَيْعَ نِصْفِهَا وَتَرْكَ النِّصْفِ الَّذِي أَجْرُهُ دِينَارٌ ، فَلَهُ مَنْعُهُمْ مِنْهُ ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَنْقُصَ أَجْرُهُ عَنْ الدِّينَارِ .\rوَإِنْ كَانَتْ الدَّارُ لَا تَخْرُجُ مِنْ الثُّلُثِ ، فَلَهُمْ بَيْعُ مَا زَادَ عَلَيْهِ ، وَعَلَيْهِمْ تَرْكُ الثُّلُثِ .\rفَإِنْ كَانَتْ غَلَّتُهُ دِينَارًا ، أَوْ أَقَلَّ ، فَهُوَ لِلْمُوصَى لَهُ ، وَإِنْ كَانَتْ أَكْثَرِ ، فَلَهُ دِينَارٌ ، وَالْبَاقِي لِلْوَرَثَةِ .","part":13,"page":125},{"id":6125,"text":"( 4678 ) فَصْلٌ : وَتَصِحُّ الْوَصِيَّةُ بِمَا لَا يَقْدِرُ عَلَى تَسْلِيمِهِ ، كَالْعَبْدِ الْآبِقِ ، وَالْجَمَلِ الشَّارِدِ ، وَالطَّيْرِ فِي الْهَوَاءِ ، وَالسَّمَكِ فِي الْمَاءِ ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ إذَا صَحَّتْ بِالْمَعْدُومِ فَبِذَلِكَ أَوْلَى .\rوَلِأَنَّ الْوَصِيَّةَ أُجْرِيَتْ مُجْرَى الْمِيرَاثِ ، وَهَذَا يُورَثُ ، فَيُوصَى بِهِ ؛ فَإِنْ قَدَرَ عَلَيْهِ أَخَذَهُ ، وَسَلَّمَهُ إذَا خَرَجَ مِنْ الثُّلُثِ ، وَلِلْوَصِيِّ السَّعْيُ فِي تَحْصِيلِهِ ، فَإِنْ قَدَرَ عَلَيْهِ أَخَذَهُ إذَا خَرَجَ مِنْ الثُّلُثِ .","part":13,"page":126},{"id":6126,"text":"( 4679 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِذَا أَوْصَى بِجَارِيَةٍ لِبِشْرٍ ، ثُمَّ أَوْصَى بِهَا لِبَكْرٍ ، فَهِيَ بَيْنَهُمَا ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ ، أَنَّهُ إذَا أَوْصَى لِرَجُلٍ بِمُعَيَّنٍ مِنْ مَالِهِ ، ثُمَّ وَصَّى بِهِ لِآخَرَ ، أَوْ وَصَّى لَهُ بِثُلُثِهِ ، ثُمَّ وَصَّى لِآخَرَ بِثُلُثِهِ ، أَوْ وَصَّى بِجَمِيعِ مَالِهِ لِرَجُلٍ ، ثُمَّ وَصَّى بِهِ لِآخَرَ ، فَهُوَ بَيْنَهُمَا .\rوَلَا يَكُونُ ذَلِكَ رُجُوعًا فِي الْوَصِيَّةِ الْأُولَى .\rوَبِهَذَا قَالَ رَبِيعَةُ ، وَمَالِكٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ وَقَالَ جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ ، وَالْحَسَنُ ، وَعَطَاءٌ ، وَطَاوُسٌ ، وَدَاوُد : وَصِيَّتُهُ لِلْآخَرِ مِنْهُمَا ؛ لِأَنَّهُ وَصَّى لِلثَّانِي بِمَا وَصَّى بِهِ لِلْأَوَّلِ ، فَكَانَ رُجُوعًا ، كَمَا لَوْ قَالَ : مَا وَصَّيْت بِهِ لِبِشْرٍ فَهُوَ لِبَكْرٍ .\rوَلِأَنَّ الثَّانِيَةَ تُنَافِي الْأُولَى ، فَإِذَا أَتَى بِهَا كَانَ رُجُوعًا ، كَمَا لَوْ قَالَ : هَذَا لِوَرَثَتِي .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ وَصَّى لَهُمَا بِهَا ، فَاسْتَوَيَا فِيهَا ، كَمَا لَوْ قَالَ لَهُمَا : وَصَّيْت لَكُمَا بِالْجَارِيَةِ .\rوَمَا قَاسُوا عَلَيْهِ صَرَّحَ فِيهِ بِالرُّجُوعِ عَنْ وَصِيَّتِهِ لِبِشْرٍ ، وَفِي مَسْأَلَتِنَا يُحْتَمَلُ أَنَّهُ قَصَدَ التَّشْرِيكَ ، فَلَمْ تَبْطُلْ وَصِيَّةُ الْآخَرِ بِالشَّكِّ .","part":13,"page":127},{"id":6127,"text":"( 4680 ) فَصْلٌ : وَإِنْ وَصَّى بِعَبْدٍ لِرَجُلٍ ، ثُمَّ وَصَّى لِآخَرَ بِثُلُثِهِ ، فَهُوَ بَيْنَهُمَا أَرْبَاعًا .\rوَعَلَى قَوْلِ الْآخَرِينَ ، يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ لِلثَّانِي ثُلُثُهُ كَامِلًا .\rوَإِنْ وَصَّى بِعَبْدِهِ لِاثْنَيْنِ ، فَرَدَّ أَحَدُهُمَا وَصِيَّتَهُ ، فَلِلْآخَرِ نِصْفُهُ .\rوَإِنْ وَصَّى لِاثْنَيْنِ بِثُلُثَيْ مَالِهِ ، فَرَدَّ الْوَرَثَةُ ذَلِكَ ، وَرَدَّ أَحَدُ الْوَصِيَّيْنِ وَصِيَّتَهُ ، فَلِلْآخَرِ الثُّلُثُ كَامِلًا ؛ لِأَنَّهُ وَصَّى لَهُ بِهِ مُنْفَرِدًا ، وَزَالَتْ الْمُزَاحَمَةُ ، فَكَمُلَ لَهُ ، كَمَا لَوْ انْفَرَدَ بِهِ .","part":13,"page":128},{"id":6128,"text":"( 4681 ) فَصْلٌ : إذَا أَقَرَّ الْوَارِثُ أَنَّ أَبَاهُ وَصَّى بِالثُّلُثِ لِبِشْرٍ ، وَأَقَامَ آخَرُ شَاهِدَيْنِ أَنَّهُ وَصَّى لَهُ بِالثُّلُثِ ، فَرَدَّ الْوَارِثُ الْوَصِيَّتَيْنِ ، وَكَانَ الْوَارِثُ رَجُلًا عَاقِلًا عَدْلًا ، وَشَهِدَ بِالْوَصِيَّةِ ، حَلَفَ مَعَهُ الْمُوصَى لَهُ ، وَاشْتَرَكَا فِي الثُّلُثِ .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو ثَوْرٍ .\rوَهُوَ قِيَاسُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ : لَا يُشَارِكُهُ الْمُقَرُّ لَهُ .\rبِنَاءً مِنْهُمْ عَلَى أَنَّ الشَّاهِدَ وَالْيَمِينَ لَيْسَ بِحُجَّةِ شَرْعِيَّةٍ .\rوَقَدْ ثَبَتَ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ } .\rرَوَاهُ مُسْلِمٌ وَإِنْ كَانَ الْمُقِرُّ لَيْسَ بِعَدْلٍ ، أَوْ كَانَ امْرَأَةً ، فَالثُّلُثُ لِمَنْ ثَبَتَتْ لَهُ الْبَيِّنَةُ ؛ لِأَنَّ وَصِيَّتَهُ ثَابِتَةٌ ، وَلَمْ تَثْبُتْ وَصِيَّةُ الْآخَرِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَوَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ ، فَأَقَرَّ الْوَارِثُ أَنَّهُ أَقَرَّ لِفُلَانٍ بِالثُّلُثِ ، أَوْ بِهَذَا الْعَبْدِ ، وَأَقَرَّ لِفُلَانٍ بِهِ بِكَلَامٍ مُتَّصِلٍ ، فَالْمُقَرُّ بِهِ بَيْنَهُمَا .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَلَا نَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا .\rوَإِنْ أَقَرَّ بِهِ لِوَاحِدٍ ، ثُمَّ أَقَرَّ بِهِ لِآخَرَ فِي مَجْلِسٍ آخَرَ ، لَمْ يُقْبَلْ إقْرَارُهُ ؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ لِلْأَوَّلِ بِإِقْرَارِهِ ، فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِيمَا يَنْقُصُ بِهِ حَقُّ الْأَوَّلِ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ عَدْلًا ، فَيَشْهَدَ بِذَلِكَ ، وَيَحْلِفَ مَعَهُ الْمُقَرُّ لَهُ ، فَيُشَارِكَهُ ، كَمَا لَوْ ثَبَتَ لِلْأَوَّلِ بِبَيِّنَةٍ وَإِنْ أَقَرَّ لِلثَّانِي فِي الْمَجْلِسِ بِكَلَامٍ مُتَّصِلٍ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، لَا يُقْبَلُ ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْأَوَّلِ ثَبَتَ فِي الْجَمِيعِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَقَرَّ لَهُ فِي مَجْلِسٍ آخَرَ .\rوَالثَّانِي ، يُقْبَلُ ؛ لِأَنَّ الْمَجْلِسَ الْوَاحِدَ كَالْحَالِ الْوَاحِدَةِ ، فَإِنَّ الْخِرَقِيِّ قَالَ : وَإِذَا خَلَّفَ ابْنًا وَأَلْفَ دِرْهَمٍ ، فَأَقَرَّ بِهَا لِرَجُلٍ ، ثُمَّ أَقَرَّ بِأَلْفٍ لِآخَرَ ، فَإِنْ كَانَ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ ، فَالْأَلْفُ بَيْنَهُمَا ، وَإِنْ","part":13,"page":129},{"id":6129,"text":"كَانَ فِي مَجْلِسَيْنِ ، فَهِيَ لِلْأَوَّلِ ، وَلَا شَيْءَ لِلثَّانِي .\rوَالْأَوَّلُ أَقْيَسُ ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْأَوَّلِ ثَبَتَ فِي الثُّلُثِ كَامِلًا ، لِإِقْرَارِهِ بِهِ مُنْفَرِدًا ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَ فِي مَجْلِسَيْنِ ، وَكَمَا لَوْ أَقَرَّ بِدَرَاهِمَ ، ثُمَّ سَكَتَ ، ثُمَّ قَالَ : زُيُوفًا ، أَوْ صِغَارًا ، أَوْ إلَى شَهْرٍ أَوْ كَمَا لَوْ اسْتَثْنَى مِمَّا أَقَرَّ بِهِ بِكَلَامٍ مُنْفَصِلٍ فِي الْمَجْلِس .","part":13,"page":130},{"id":6130,"text":"( 4682 ) مَسْأَلَةٌ ؛ ( وَإِنْ قَالَ : مَا أَوْصَيْت بِهِ لِبِشْرٍ فَهُوَ لِبَكْرٍ .\rكَانَتْ لِبَكْرٍ ) هَذَا قَوْلُهُمْ جَمِيعًا .\rوَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ .\rوَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَهُوَ أَيْضًا عَلَى مَذْهَبِ الْحَسَنِ ، وَعَطَاءٍ ، وَطَاوُسٍ .\rوَلَا نَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا ؛ لِأَنَّهُ صَرَّحَ ؛ بِالرُّجُوعِ عَنْ الْأَوَّلِ بِذِكْرِهِ أَنَّ مَا أَوْصَى بِهِ مَرْدُودٌ إلَى الثَّانِي ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَالَ : رَجَعْت عَنْ وَصِيَّتِي لِبِشْرٍ وَأَوْصَيْت بِهَا لِبَكْرٍ بِخِلَافِ مَا إذَا وَصَّى بِشَيْءٍ وَاحِدٍ لِرَجُلَيْنِ ، أَحَدِهِمَا بَعْدَ الْآخَرِ فَإِنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ قَصَدَ التَّشْرِيكَ بَيْنَهُمَا ، وَقَدْ ثَبَتَتْ وَصِيَّةُ الْأَوَّلِ يَقِينًا ، فَلَا تَزُولُ بِالشَّكِّ .","part":13,"page":131},{"id":6131,"text":"( 4683 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَالَ : مَا أَوْصَيْت بِهِ لِفُلَانٍ فَنِصْفُهُ لِفُلَانٍ ، أَوْ ثُلُثُهُ .\rكَانَ رُجُوعًا فِي الْقَدْرِ الَّذِي وَصَّى بِهِ لِلثَّانِي خَاصَّةً ، وَبَاقِيهِ لِلْأَوَّلِ .","part":13,"page":132},{"id":6132,"text":"( 4684 ) فَصْلٌ : وَأَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ لِلْمُوصِي أَنْ يَرْجِعَ فِي جَمِيعِ مَا أَوْصَى بِهِ ، وَفِي بَعْضِهِ ، إلَّا الْوَصِيَّةَ بِالْإِعْتَاقِ .\rوَالْأَكْثَرُونَ عَلَى جَوَازِ الرُّجُوعِ فِي الْوَصِيَّةِ بِهِ أَيْضًا .\rرُوِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : يُغَيِّرُ الرَّجُلُ مَا شَاءَ مِنْ وَصِيَّتِهِ .\rوَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ ، وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَقَتَادَةُ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ .\rوَقَالَ الشَّعْبِيُّ ، وَابْنُ سِيرِينَ ، وَابْنُ شُبْرُمَةَ ، وَالنَّخَعِيُّ : يُغَيِّرُ مِنْهَا مَا شَاءَ إلَّا الْعِتْقَ ؛ لِأَنَّهُ إعْتَاقٌ بَعْدَ الْمَوْتِ ، فَلَمْ يَمْلِكْ تَغْيِيرَهُ ، كَالتَّدْبِيرِ وَلَنَا ، أَنَّهَا وَصِيَّةٌ ، فَمَلَكَ الرُّجُوعَ عَنْهَا ، كَغَيْرِ الْعِتْقِ ، وَلِأَنَّهَا عَطِيَّةٌ تُنْجَزُ بِالْمَوْتِ ، فَجَازَ لَهُ الرُّجُوعُ عَنْهَا قَبْلَ تَنْجِيزِهَا ، كَهِبَةِ مَا يَفْتَقِرُ إلَى الْقَبْضِ قَبْلَ قَبْضِهِ ، وَفَارَقَ التَّدْبِيرَ ، فَإِنَّهُ تَعْلِيقٌ عَلَى شَرْطٍ ، فَلَمْ يَمْلِكْ تَغْيِيرَهُ ، كَتَعْلِيقِهِ عَلَى صِفَةٍ فِي الْحَيَاةِ .","part":13,"page":133},{"id":6133,"text":"( 4685 ) فَصْلٌ : وَيَحْصُلُ الرُّجُوعُ بِقَوْلِهِ : رَجَعْت فِي وَصِيَّتِي .\rأَوْ أَبْطَلْتهَا ، أَوْ غَيَّرْتهَا .\rأَوْ مَا أَوْصَيْت بِهِ لِفُلَانٍ فَهُوَ لِفُلَانٍ .\rأَوْ فَهُوَ لِوَرَثَتِي .\rأَوْ فِي مِيرَاثِي .\rوَإِنْ أَكَلَهُ ، أَوْ أَطْعَمَهُ ، أَوْ أَتْلَفَهُ ، أَوْ وَهَبَهُ ، أَوْ تَصَدَّقَ بِهِ ، أَوْ بَاعَهُ ، أَوْ كَانَ ثَوْبًا غَيْرَ مُفَصَّلٍ فَفَصَّلَهُ وَلَبِسَهُ ، أَوْ جَارِيَةً فَأَحْبَلَهَا ، أَوْ مَا أَشْبَهَ هَذَا ، فَهُوَ رُجُوعٌ .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ أَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ، أَنَّهُ إذَا أَوْصَى لِرَجُلٍ بِطَعَامٍ فَأَكَلَهُ ، أَوْ بِشَيْءٍ فَأَتْلَفَهُ ، أَوْ تَصَدَّقَ بِهِ ، أَوْ وَهَبَهُ ، أَوْ بِجَارِيَةٍ فَأَحْبَلَهَا ، أَوْ أَوْلَدَهَا ، أَنَّهُ يَكُونُ رُجُوعًا وَحُكِيَ عَنْ أَصْحَابِ الرَّأْيِ ، أَنَّ بَيْعَهُ لَيْسَ بِرُجُوعٍ ؛ لِأَنَّهُ أَخَذَ بَدَلَهُ ، بِخِلَافِ الْهِبَةِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ أَزَالَ مِلْكَهُ عَنْهُ ، فَكَانَ رُجُوعًا ، كَمَا لَوْ وَهَبَهُ .\rوَإِنْ عَرَضَهُ عَلَى الْبَيْعِ ، أَوْ وَصَّى بِبَيْعِهِ ، أَوْ أَوْجَبَ الْهِبَةَ فَلَمْ يَقْبَلْهَا الْمَوْهُوبُ لَهُ ، أَوْ كَاتَبَهُ ، أَوْ وَصَّى بِإِعْتَاقِهِ ، أَوْ دَبَّرَهُ ، كَانَ رُجُوعًا ؛ لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى اخْتِيَارِهِ لِلرُّجُوعِ بِعَرْضِهِ عَلَى الْبَيْعِ ، وَإِيجَابِهِ لِلْهِبَةِ ، وَوَصِيَّتِهِ بِبَيْعِهِ أَوْ إعْتَاقِهِ ، لِكَوْنِهِ وَصَّى بِمَا يُنَافِي الْوَصِيَّةَ الْأُولَى ، وَالْكِتَابَةُ بَيْعٌ ، وَالتَّدْبِيرُ أَقْوَى مِنْ الْوَصِيَّةِ ؛ لِأَنَّهُ يُنْجَزُ بِالْمَوْتِ ، فَيَسْبِقُ أَخْذَ الْمُوصَى لَهُ وَإِنْ رَهَنَهُ ، كَانَ رُجُوعًا ؛ لِأَنَّهُ عَلَّقَ بِهِ حَقًّا يَجُوزُ بَيْعُهُ ، فَكَانَ أَعْظَمَ مِنْ عَرْضِهِ عَلَى الْبَيْعِ .\rوَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ ، أَنَّهُ لَيْسَ بِرُجُوعٍ .\rوَهُوَ وَجْهٌ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُزِيلُ الْمِلْكَ ، فَأَشْبَهَ إجَارَتَهُ ، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي الْكِتَابَةِ .","part":13,"page":134},{"id":6134,"text":"( 4686 ) فَصْلٌ : وَإِنْ وَصَّى بِحَبٍّ ثُمَّ طَحَنَهُ ، أَوْ بِدَقِيقٍ فَعَجَنَهُ ، أَوْ بِعَجِينٍ فَخَبَزَهُ ، أَوْ بِخُبْزٍ فَفَتَّهُ ، أَوْ جَعَلَهُ فَتِيتًا .\rكَانَ رُجُوعًا ؛ لِأَنَّهُ أَزَالَ اسْمَهُ وَعَرَّضَهُ لِلِاسْتِعْمَالِ ، فَدَلَّ عَلَى رُجُوعِهِ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَإِنْ وَصَّى بِكَتَّانٍ أَوْ قُطْنٍ فَغَزَلَهُ ، أَوْ بِغَزْلٍ فَنَسَجَهُ ، أَوْ بِثَوْبٍ فَقَطَعَهُ ، أَوْ بِنَقْرَةٍ فَضَرَبَهَا ، أَوْ شَاةٍ فَذَبَحَهَا ، كَانَ رُجُوعًا .\rوَبِهَذَا قَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ ، وَالشَّافِعِيُّ فِي ظَاهِرِ مَذْهَبِهِ .\rوَاخْتَارَ أَبُو الْخَطَّابِ أَنَّهُ لَيْسَ بِرُجُوعٍ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُزِيلُ الِاسْمَ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ عَرَّضَهُ لِلِاسْتِعْمَالِ ، فَكَانَ رُجُوعًا ، كَاَلَّتِي قَبْلَهَا .\rوَلَا يَصِحُّ قَوْلُهُ : إنَّهُ لَا يُزِيلُ الِاسْمَ .\rفَإِنَّ الثَّوْبَ لَا يُسَمَّى غَزْلًا ، وَالْغَزْلَ لَا يُسَمَّى كَتَّانًا .","part":13,"page":135},{"id":6135,"text":"( 4687 ) فَصْلٌ : وَإِنْ وَصَّى بِشَيْءٍ مُعَيَّنٍ ، ثُمَّ خَلَطَهُ بِغَيْرِهِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَتَمَيَّزُ مِنْهُ ، كَانَ رُجُوعًا ؛ لِأَنَّهُ يَتَعَذَّرُ بِذَلِكَ تَسْلِيمُهُ ، فَيَدُلُّ عَلَى رُجُوعِهِ .\rفَإِنْ خَلَطَهُ بِمَا يَتَمَيَّزُ مِنْهُ ، لَمْ يَكُنْ رُجُوعًا ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ تَسْلِيمُهُ .\rوَإِنْ وَصَّى بِقَفِيزِ قَمْحٍ مِنْ صُبْرَةٍ ، ثُمَّ خَلَطَهَا بِغَيْرِهَا ، لَمْ يَكُنْ رُجُوعًا ، سَوَاءٌ خَلَطَهَا بِمِثْلِهَا ، أَوْ بِخَيْرٍ مِنْهَا ، أَوْ دُونَهَا ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مُشَاعًا .\rوَبَقِيَ مُشَاعًا .\rوَقِيلَ : إنْ خَلَطَهُ بِخَيْرٍ مِنْهُ ، كَانَ رُجُوعًا ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ تَسْلِيمُ الْمُوصَى بِهِ إلَّا بِتَسْلِيمِ خَيْرٍ مِنْهُ ، وَلَا يَجِبُ عَلَى الْوَارِثِ تَسْلِيمُ خَيْرٍ مِنْهُ ، فَصَارَ مُتَعَذِّرَ التَّسْلِيمِ ، بِخِلَافِ مَا إذَا خَلَطَهُ بِمِثْلِهِ أَوْ دُونَهُ .","part":13,"page":136},{"id":6136,"text":"( 4688 ) فَصْلٌ : وَإِذَا حَدَثَ بِالْمُوصَى بِهِ مَا يُزِيلُ اسْمَهُ ، مِنْ غَيْرِ فِعْلِ الْمُوصِي ، مِثْلُ إنْ سَقَطَ الْحَبُّ فِي الْأَرْضِ فَصَارَ زَرْعًا ، أَوْ انْهَدَمَتْ الدَّارُ فَصَارَتْ فَضَاءً ، فِي حَيَاةِ الْمُوصِي ، بَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ بِهَا ؛ لِأَنَّ الْبَاقِيَ لَا يَتَنَاوَلُهُ الِاسْمُ .\rوَإِنْ كَانَ انْهِدَامُ الدَّارِ لَا يُزِيلُ اسْمَهَا ، سُلِّمَتْ إلَيْهِ دُونَ مَا انْفَصَلَ مِنْهَا ؛ لِأَنَّ الِاسْمَ حِينَ الِاسْتِحْقَاقِ يَقَعُ عَلَى الْمُتَّصِلِ دُونَ الْمُنْفَصِلِ .\rوَيَتْبَعُ الدَّارَ فِي الْوَصِيَّةِ مَا يَتْبَعُهَا فِي الْبَيْعِ .","part":13,"page":137},{"id":6137,"text":"( 4689 ) فَصْلٌ : وَإِنْ جَحَدَ الْوَصِيَّةَ ، لَمْ يَكُنْ رُجُوعًا ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ .\rوَلِأَنَّهُ عَقْدٌ ، فَلَا يَبْطُلُ بِالْجُحُودِ ، كَسَائِرِ الْعُقُودِ .\rوَالثَّانِي ، يَكُونُ رُجُوعًا ؛ لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُرِيدُ إيصَالَهُ إلَى الْمُوصَى لَهُ .\rوَإِنْ غَسَلَ الثَّوْبَ ، أَوْ لَبِسَهُ ، أَوْ جَصَّصَ الدَّارَ ، أَوْ سَكَنَهَا ، أَوْ أَجَّرَ الْأَمَةَ ، أَوْ زَوَّجَهَا ، أَوْ عَلَّمَهَا ، أَوْ وَطِئَهَا ، لَمْ يَكُنْ رُجُوعًا ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُزِيلُ الْمِلْكَ وَلَا الِاسْمَ ، وَلَا يَدُلُّ عَلَى الرُّجُوعِ وَيُحْتَمَلُ أَنَّ وَطْءَ الْأَمَةِ رُجُوعٌ .\rلِأَنَّهُ يُعَرِّضُهَا لِلْخُرُوجِ عَنْ جَوَازِ النَّقْلِ .\rوَالْأَوَّلُ أَوْلَى ؛ لِأَنَّهُ انْتِفَاعٌ لَا يُزِيلُ الْمِلْكَ فِي الْحَالِ ، وَلَا يُفْضِي إلَيْهِ يَقِينًا ، فَأَشْبَهَ لُبْسَ الثَّوْبِ ، فَإِنَّهُ رُبَّمَا أَتْلَفَهُ ، وَلَيْسَ بِرُجُوعٍ .","part":13,"page":138},{"id":6138,"text":"( 4690 ) فَصْلٌ : نَقَلَ الْحَسَنُ بْنُ ثَوَابٍ ، عَنْ أَحْمَدَ ، فِي رَجُلٍ قَالَ : هَذَا ثُلُثِي لِفُلَانٍ ، وَيُعْطَى فُلَانٌ مِنْهُ مِائَةً فِي كُلِّ شَهْرٍ إلَى أَنْ يَمُوتَ .\rفَهُوَ لِلْآخَرِ مِنْهُمَا ، وَيُعْطَى هَذَا مِائَةً فِي كُلِّ شَهْرٍ ، فَإِنْ مَاتَ وَفَضَلَ شَيْءٌ ، رُدَّ إلَى صَاحِبِ الثُّلُثِ .\rفَحُكِمَ بِصِحَّةِ الْوَصِيَّةِ وَإِنْفَاذِهَا ، عَلَى مَا أَمَرَ بِهِ الْمُوصِي .","part":13,"page":139},{"id":6139,"text":"( 4691 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَمَنْ كَتَبَ وَصِيَّةً ، وَلَمْ يُشْهِدْ فِيهَا ، حُكِمَ بِهَا ، مَا لَمْ يُعْلَمْ رُجُوعُهُ عَنْهَا ) نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى هَذَا ، فِي رِوَايَةِ إِسْحَاقَ بْنِ إبْرَاهِيمَ ، فَقَالَ : مَنْ مَاتَ ، فَوُجِدَتْ وَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةً عِنْدَ رَأْسِهِ ، وَلَمْ يُشْهِدْ فِيهَا ، وَعُرِفَ خَطُّهُ ، وَكَانَ مَشْهُورَ الْخَطِّ ، يُقْبَلُ مَا فِيهَا .\rوَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ الْخَطُّ فِي الْوَصِيَّةِ ، وَلَا يُشْهِدُ عَلَى الْوَصِيَّةِ الْمَخْتُومَةِ حَتَّى يَسْمَعَهَا الشُّهُودُ مِنْهُ ، أَوْ تُقْرَأَ عَلَيْهِ ، فَيُقِرَّ بِمَا فِيهَا .\rوَبِهَذَا قَالَ الْحَسَنُ ، وَأَبُو قِلَابَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ لَا يَجُوزُ بِرُؤْيَةِ خَطِّ الشَّاهِدِ بِالشَّهَادَةِ بِالْإِجْمَاعِ ، فَكَذَا هَاهُنَا ، وَأَبْلَغُ مِنْ هَذَا أَنَّ الْحَاكِمَ لَوْ رَأَى حُكْمَهُ بِخَطِّهِ تَحْتَهُ خَتْمُهُ ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُ حَكَمَ بِهِ ، أَوْ رَأَى الشَّاهِدُ شَهَادَتَهُ بِخَطِّهِ ، وَلَمْ يَذْكُرْ الشَّهَادَةَ ، لَمْ يَجُزْ لِلْحَاكِمِ إنْفَاذُ الْحُكْمِ بِمَا وَجَدَهُ ، وَلَا لِلشَّاهِدِ الشَّهَادَةُ بِمَا رَأَى خَطَّهُ بِهِ ، فَهَاهُنَا أَوْلَى .\rوَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى هَذَا فِي الشَّهَادَةِ .\rوَوَجْهُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ ، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَا مِنْ امْرِئٍ مُسْلِمٍ ، لَهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ ، يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ ، إلَّا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ .\r} وَلَمْ يَذْكُرْ شَهَادَتَهُ .\rوَمَا ذَكَرْنَاهُ فِي الْفَصْلِ الَّذِي يَلِي هَذَا ، وَلِأَنَّ الْوَصِيَّةَ يَتَسَامَحُ فِيهَا ، وَلِهَذَا صَحَّ تَعْلِيقُهَا عَلَى الْخَطَرِ وَالْغَرَرِ ، وَصَحَّتْ لِلْحَمْلِ ، بِهِ ، وَبِمَا لَا يُقْدَرُ عَلَى تَسْلِيمِهِ ، وَبِالْمَعْدُومِ وَالْمَجْهُولِ ، فَجَازَ أَنْ يَتَسَامَحَ فِيهَا بِقَبُولِ الْخَطِّ ، كَرِوَايَةِ الْحَدِيثِ .","part":13,"page":140},{"id":6140,"text":"( 4692 ) فَصْلٌ : وَإِنْ كَتَبَ وَصِيَّتَهُ ، وَقَالَ : اشْهَدُوا عَلَيَّ بِمَا فِي هَذِهِ الْوَرَقَةِ .\rأَوْ قَالَ : هَذِهِ وَصِيَّتِي ، فَاشْهَدُوا عَلَيَّ بِهَا .\rفَقَدْ حُكِيَ عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّ الرَّجُلَ إذَا كَتَبَ وَصِيَّتَهُ ، وَخَتَمَ عَلَيْهَا ، وَقَالَ لِلشُّهُودِ : اشْهَدُوا عَلَيَّ بِمَا فِي هَذَا الْكِتَابِ .\rلَا يَجُوزُ حَتَّى يَسْمَعُوا مِنْهُ مَا فِيهِ ، أَوْ يُقْرَأَ عَلَيْهِ فَيُقِرَّ بِمَا فِيهِ .\rوَهُوَ قَوْلُ مَنْ سَمَّيْنَا فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى .\rوَيَحْتَمِلُ كَلَامُ الْخِرَقِيِّ جَوَازَهُ ؛ لِأَنَّهُ إذَا قُبِلَ خَطُّهُ الْمُجَرَّدُ ، فَهَذَا أَوْلَى وَمِمَّنْ قَالَ ذَلِكَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ يَعْلَى ، وَمَكْحُولٌ ، وَنُمَيْرُ بْنُ إبْرَاهِيمَ ، وَمَالِكٌ ، وَاللَّيْثُ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ ، وَإِسْحَاقُ .\rوَاحْتَجَّ أَبُو عُبَيْدٍ بِكُتُبِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى عُمَّالِهِ وَأُمَرَائِهِ ، فِي أَمْرِ وِلَايَتِهِ وَأَحْكَامِهِ وَسُنَنِهِ ، ثُمَّ مَا عَمِلَتْ بِهِ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ الْمَهْدِيُّونَ بَعْدَهُ مِنْ كُتُبِهِمْ إلَى وُلَاتِهِمْ ، بِالْأَحْكَامِ الَّتِي فِيهَا الدِّمَاءُ وَالْفُرُوجُ وَالْأَمْوَالُ ، يَبْعَثُونَ بِهَا مَخْتُومَةً ، لَا يَعْلَمُ حَامِلُهَا مَا فِيهَا ، وَأَمْضُوهَا عَلَى وُجُوهِهَا ، وَذَكَرَ اسْتِخْلَافَ سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، بِكِتَابٍ ، كَتَبَهُ ، وَخَتَمَ عَلَيْهِ ، وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا أَنْكَرَ ذَلِكَ مَعَ شُهْرَتِهِ وَانْتِشَارِهِ فِي عُلَمَاءِ الْعَصْرِ ، فَكَانَ إجْمَاعًا وَوَجْهُ الْأَوَّلِ أَنَّهُ كِتَابٌ لَا يَعْلَمُ الشَّاهِدُ مَا فِيهِ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْهِ ، كَكِتَابِ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي ، فَأَمَّا مَا ثَبَتَ مِنْ الْوَصِيَّةِ ، بِشَهَادَةِ أَوْ إقْرَارِ الْوَرَثَةِ بِهِ ، فَإِنَّهُ يَثْبُتُ حُكْمُهُ وَيُعْمَلُ بِهِ ، مَا لَمْ يُعْلَمْ رُجُوعُهُ عَنْهُ ، وَإِنْ طَالَتْ مُدَّتُهُ ، وَتَغَيَّرَتْ أَحْوَالُ الْمُوصَى بِهِ ، مِثْلُ أَنْ يُوصِيَ فِي مَرَضٍ فَيَبْرَأَ مِنْهُ ، ثُمَّ يَمُوتَ بَعْدُ أَوْ يُقْتَلَ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاؤُهُ ، فَلَا","part":13,"page":141},{"id":6141,"text":"يَزُولُ حُكْمُهُ بِمُجَرَّدِ الِاحْتِمَالِ وَالشَّكِّ ، كَسَائِرِ الْأَحْكَامِ .\r( 4693 ) فَصْلٌ : وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكْتُبَ الْمُوصِي وَصِيَّتَهُ ، وَيُشْهِدَ عَلَيْهَا ؛ لِأَنَّهُ أَحْفَظُ لَهَا وَأَحْوَطُ لِمَا فِيهَا .\rوَقَدْ صَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ ، لَهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ ، يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ ، إلَّا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ } .\rوَرُوِيَ عَنْ أَنَسٍ ، أَنَّهُ قَالَ : كَانُوا يَكْتُبُونَ فِي صُدُورِ وَصَايَاهُمْ : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ .\rهَذَا مَا أَوْصَى بِهِ فُلَانٌ ، أَنَّهُ يَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ، وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا ، وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ ، وَأَوْصَى مَنْ تَرَكَ مِنْ أَهْلِهِ أَنْ يَتَّقُوا اللَّهَ ، وَيُصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِهِمْ ، وَيُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ ، وَأَوْصَاهُمْ بِمَا أَوْصَى بِهِ إبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ : { يَا بَنِيَّ إنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمْ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ } .\rأَخْرَجَهُ سَعِيدٌ ، عَنْ فُضَيْلٍ بْنِ عِيَاضٍ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ ، عَنْ ابْنِ سِيرِينَ ، عَنْ أَنَسٍ .\rوَرُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ، أَنَّهُ كَتَبَ : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ .\rهَذَا ذِكْرُ مَا أَوْصَى بِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ ، إنْ حَدَثَ بِي حَادِثُ الْمَوْتِ مِنْ مَرَضِي هَذَا ، أَنَّ مَرْجِعَ وَصِيَّتِي إلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ ، ثُمَّ إلَى الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ ، وَابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ ، وَأَنَّهُمَا فِي حِلٍّ وَبَلٍّ فِيمَا وَلِيَا وَقَضَيَا ، وَأَنَّهُ لَا تُزَوَّجُ امْرَأَةٌ مِنْ بَنَاتِ عَبْدِ اللَّهِ إلَّا بِإِذْنِهِمَا .\rوَرَوَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ قَالَ : كَانَ فِي وَصِيَّةِ أَبِي الدَّرْدَاءِ : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ .\rهَذَا مَا أَوْصَى بِهِ أَبُو الدَّرْدَاءِ ، أَنَّهُ يَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ، وَأَنَّ","part":13,"page":142},{"id":6142,"text":"الْجَنَّةَ حَقٌّ ، وَأَنَّ النَّارَ حَقٌّ ، وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ ، وَأَنَّهُ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَيَكْفُرُ بِالطَّاغُوتِ ، عَلَى ذَلِكَ يَحْيَا وَيَمُوتُ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ ، وَأَوْصَى فِيمَا رَزَقَهُ اللَّهُ تَعَالَى ، بِكَذَا وَكَذَا ، وَأَنَّ هَذِهِ وَصِيتُهُ إنْ لَمْ يُغَيِّرْهَا .","part":13,"page":143},{"id":6143,"text":"( 4694 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَمَا أَعْطَى فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ ، فَهُوَ مِنْ الثُّلُثِ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ التَّبَرُّعَاتِ الْمُنَجَّزَةَ ، كَالْعِتْقِ ، وَالْمُحَابَاةِ ، وَالْهِبَةِ الْمَقْبُوضَةِ ، وَالصَّدَقَةِ ، وَالْوَقْفِ ، وَالْإِبْرَاءِ مِنْ الدَّيْنِ ، وَالْعَفْوِ عَنْ الْجِنَايَةِ الْمُوجِبَةِ لِلْمَالِ ، إذَا كَانَتْ فِي الصِّحَّةِ فَهِيَ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ .\rلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا .\rوَإِنْ كَانَتْ فِي مَرَضٍ مَخُوفٍ اتَّصَلَ بِهِ الْمَوْتُ ، فَهِيَ مِنْ ثُلُثِ الْمَالِ ، فِي قَوْلِ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ .\rوَحُكِيَ عَنْ أَهْلِ الظَّاهِرِ فِي الْهِبَةِ الْمَقْبُوضَةِ أَنَّهَا مِنْ رَأْسِ الْمَالِ وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ ؛ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : إنَّ اللَّهَ تَصَدَّقَ عَلَيْكُمْ عِنْدَ وَفَاتِكُمْ بِثُلُثِ أَمْوَالِكُمْ ، زِيَادَةً لَكُمْ فِي أَعْمَالِكُمْ } .\rرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ .\rوَهَذَا يَدُلُّ بِمَفْهُومِهِ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَكْثَرُ مِنْ الثُّلُثِ .\rوَرَوَى عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ ، أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ أَعْتَقَ سِتَّةَ أَعْبُدٍ لَهُ فِي مَرَضِهِ ، لَا مَالَ لَهُ غَيْرُهُمْ ، فَاسْتَدْعَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجَزَّأَهُمْ ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ ، وَأَقْرَعَ بَيْنَهُمْ ، فَأَعْتَقَ اثْنَيْنِ ، وَأَرَقَّ أَرْبَعَةً .\rرَوَاهُ مُسْلِمٌ وَإِذَا لَمْ يَنْفُذْ الْعِتْقُ مَعَ سِرَايَتِهِ ، فَغَيْرُهُ أَوْلَى .\rوَلِأَنَّ .\rهَذِهِ الْحَالَ الظَّاهِرُ مِنْهَا الْمَوْتُ ، فَكَانَتْ عَطِيَّةً فِيهَا فِي حَقِّ وَرَثَتِهِ لَا تَتَجَاوَزُ الثُّلُثَ ، كَالْوَصِيَّةِ .","part":13,"page":144},{"id":6144,"text":"( 4695 ) فَصْلٌ : وَحُكْمُ الْعَطَايَا فِي مَرَضِ الْمَوْتِ الْمَخُوفِ ، حُكْمُ الْوَصِيَّةِ فِي خَمْسَةِ أَشْيَاءَ ؛ أَحَدُهَا ، أَنْ يَقِفَ نُفُوذُهَا عَلَى خُرُوجِهَا مِنْ الثُّلُثِ أَوْ إجَازَةِ الْوَرَثَةِ .\rالثَّانِي ، أَنَّهَا لَا تَصِحُّ لِوَارِثٍ إلَّا بِإِجَازَةِ بَقِيَّةِ الْوَرَثَةِ .\rالثَّالِثُ ، أَنَّ فَضِيلَتَهَا نَاقِصَةٌ عَنْ فَضِيلَةِ الصَّدَقَةِ فِي الصِّحَّةِ ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ عَنْ أَفْضَلِ الصَّدَقَةِ قَالَ : { أَنْ تَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ ، تَأْمُلُ الْغِنَى وَتَخْشَى الْفَقْرَ وَلَا تُمْهِلْ حَتَّى إذَا بَلَغَتْ الْحُلْقُومَ قُلْت لِفُلَانٍ كَذَا ، وَلِفُلَانٍ كَذَا ، وَقَدْ كَانَ لِفُلَانٍ } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَلَفْظُهُ : قَالَ رَجُلٌ : يَا رَسُولَ اللَّهِ : أَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ ؟ قَالَ : \" أَنْ تَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ حَرِيصٌ \" .\rالرَّابِعُ ، أَنَّهُ يُزَاحِمُ بِهَا الْوَصَايَا فِي الثُّلُثِ .\rالْخَامِسُ ، أَنَّ خُرُوجَهَا مِنْ الثُّلُثِ مُعْتَبَرٌ حَالَ الْمَوْتِ ، لَا قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ .\rوَيُفَارِقُ الْوَصِيَّةَ فِي سِتَّةِ أَشْيَاءَ ؛ أَحَدُهَا ، أَنَّهَا لَازِمَةٌ فِي حَقِّ الْمُعْطِي لَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ فِيهَا .\rوَإِنْ كَثُرَتْ ، وَلِأَنَّ الْمَنْعَ عَلَى الزِّيَادَةِ مِنْ الثُّلُثِ إنَّمَا كَانَ لِحَقِّ الْوَرَثَةِ ، لَا لِحَقِّهِ ، فَلَمْ يَمْلِكْ إجَازَتَهَا وَلَا رَدَّهَا ، وَإِنَّمَا كَانَ لَهُ الرُّجُوعُ فِي الْوَصِيَّةِ .\rلِأَنَّ التَّبَرُّعَ بِهَا مَشْرُوطٌ بِالْمَوْتِ ، فَفِيمَا قَبْلَ الْمَوْتِ لَمْ يُوجَدْ التَّبَرُّعُ وَلَا الْعَطِيَّةُ ، بِخِلَافِ الْعَطِيَّةِ فِي الْمَرَضِ ، فَإِنَّهُ قَدْ وُجِدَتْ الْعَطِيَّةُ مِنْهُ ، وَالْقَبُولُ مِنْ الْمُعْطِي ، وَالْقَبْضُ ، فَلَزِمَتْ كَالْوَصِيَّةِ إذَا قُبِلَتْ بَعْدَ الْمَوْتِ وَقُبِضَتْ .\rالثَّانِي ، أَنَّ قَبُولَهَا عَلَى الْفَوْرِ فِي حَالِ حَيَاةِ الْمُعْطِي وَكَذَلِكَ رَدُّهَا ، وَالْوَصَايَا لَا حُكْمَ لِقَبُولِهَا وَلَا رَدِّهَا إلَّا بَعْدَ الْمَوْتِ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّ الْعَطِيَّةَ تُصْرَفُ فِي الْحَالِ ، فَتُعْتَبَرُ شُرُوطُهُ وَقْتَ وُجُودِهِ ، وَالْوَصِيَّةُ تَبَرُّعٌ بَعْدَ","part":13,"page":145},{"id":6145,"text":"الْمَوْتِ ، فَاعْتُبِرَ شُرُوطُهُ بَعْدَ الْمَوْتِ الثَّالِثُ ، أَنَّ الْعَطِيَّةَ تَفْتَقِرُ إلَى شُرُوطِهَا الْمَشْرُوطَةِ لَهَا فِي الصِّحَّةِ ؛ مِنْ الْعِلْمِ ، وَكَوْنُهَا لَا يَصِحُّ تَعْلِيقُهَا عَلَى شَرْطٍ وَغَرَّرَ فِي غَيْرِ الْعِتْقِ ، وَالْوَصِيَّةُ بِخِلَافِهِ .\rالرَّابِعُ ، أَنَّهَا تُقَدَّمُ عَلَى الْوَصِيَّةِ ، وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَجُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ .\rوَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَبُو يُوسُفَ ، وَزُفَرُ ، إلَّا فِي الْعِتْقِ ، فَإِنَّهُ حُكِيَ عَنْهُمْ تَقْدِيمُهُ ، لِأَنَّ الْعِتْقَ يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى ، وَيَسْرِي وَقْفُهُ ، وَيَنْفُذُ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ ، فَيَجِبُ تَقْدِيمُهُ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الْعَطِيَّةَ لَازِمَةٌ فِي حَقِّ الْمَرِيضِ ، فَقُدِّمَتْ عَلَى الْوَصِيَّةِ ، كَعَطِيَّةِ الصِّحَّةِ .\rوَلِأَنَّهَا عَطِيَّةٌ بِثَمَرَةٍ ، فَقُدِّمَتْ عَلَى الْعِتْقِ ، كَعَطِيَّةِ الصَّدَقَةِ ، وَكَمَا لَوْ تَسَاوَى الْحَقَّانِ .\rالْخَامِسُ ، أَنَّ الْعَطَايَا إذَا عَجَزَ الثُّلُثُ عَنْ جَمِيعِهَا ، بُدِئَ بِالْأَوَّلِ فَالْأَوَّلِ ، سَوَاءٌ كَانَ الْأَوَّلُ عِتْقًا أَوْ غَيْرَهُ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : الْجَمِيعُ سَوَاءٌ إذَا كَانَتْ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ ، وَإِنْ كَانَتْ مِنْ أَجْنَاسٍ ، وَكَانَتْ الْمُحَابَاةُ مُتَقَدِّمَةً قُدِّمَتْ ، وَإِنْ تَأَخَّرَتْ سُوِّيَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْعِتْقِ ، وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ ، لِأَنَّ الْمُحَابَاةَ حَقٌّ آدَمِيٌّ عَلَى وَجْهِ الْمُعَاوَضَةِ ، فَقُدِّمَتْ ، إذَا تَقَدَّمَتْ ، كَقَضَاءِ الدَّيْنِ ، وَإِذَا تَسَاوَى جِنْسُهَا سُوِّيَ بَيْنَهَا ؛ لِأَنَّهَا عَطَايَا مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ ، تُعْتَبَرُ مِنْ الثُّلُثِ ، فَسُوِّيَ بَيْنَهَا ، كَالْوَصِيَّةِ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ : يُقَدَّمُ الْعِتْقُ ، تَقَدَّمَ أَوْ تَأَخَّرَ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُمَا عَطِيَّتَانِ مُنَجَّزَتَانِ ، فَكَانَتْ أُولَاهُمَا أَوْلَى ، كَمَا لَوْ كَانَتْ الْأُولَى مُحَابَاةً عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ، أَوْ عِتْقًا عِنْدَ صَاحِبَيْهِ .\rوَلِأَنَّ الْعَطِيَّةَ الْمُنَجَّزَةَ لَازِمَةٌ فِي حَقِّ الْمُعْطِي ، فَإِذَا كَانَتْ خَارِجَةً مِنْ الثُّلُثِ ، لَزِمَتْ","part":13,"page":146},{"id":6146,"text":"فِي حَقِّ الْوَرَثَةِ ، فَلَوْ شَارَكَتْهَا الثَّانِيَةُ ، لَمَنَعَ ذَلِكَ لُزُومَهَا فِي حَقِّ الْمُعْطِي ؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ الرُّجُوعَ عَنْ بَعْضِهَا بِعَطِيَّةٍ أُخْرَى ، بِخِلَافِ الْوَصَايَا ، فَإِنَّهَا غَيْرُ لَازِمَةٍ فِي حَقِّهِ ، وَإِنَّمَا تَلْزَمُ بِالْمَوْتِ فِي حَالٍ وَاحِدَةٍ ، فَاسْتَوَيَا لِاسْتِوَائِهِمَا فِي حَالِ لُزُومِهِمَا ، بِخِلَافِ الْمُنَجَّزَتَيْنِ وَمَا قَالَهُ فِي الْمُحَابَاةِ غَيْرُ صَحِيحٍ ، فَإِنَّهَا بِمَنْزِلَةِ الْهِبَةِ ، وَلَوْ كَانَتْ بِمَنْزِلَةِ الْمُعَاوَضَةِ أَوْ الدَّيْنِ لَمَا كَانَتْ مِنْ الثُّلُثِ .\rفَأَمَّا إنْ وَقَعَتْ دَفْعَةً وَاحِدَةً ، كَأَنْ وَكَّلَ جَمَاعَةً فِي هَذِهِ التَّبَرُّعَاتِ ، فَأَوْقَعُوهَا دَفْعَةً وَاحِدَةً ، فَإِنْ كَانَتْ كُلُّهَا عِتْقًا أَقْرَعْنَا بَيْنَهُمَا ، فَكَمَّلْنَا الْعِتْقَ كُلَّهُ فِي بَعْضِهِمْ ، وَإِنْ كَانَتْ كُلُّهَا مِنْ غَيْرِ الْعِتْقِ ، قَسَمْنَا الثُّلُثَ بَيْنَهُمْ عَلَى قَدْرِ عَطَايَاهُمْ ، لِأَنَّهُمْ تَسَاوَوْا فِي الِاسْتِحْقَاقِ ، فَقُسِّمَ بَيْنَهُمْ عَلَى قَدْرِ حُقُوقِهِمْ ، كَغُرَمَاءِ الْمُفْلِسِ وَإِنَّمَا خُولِفَ هَذَا الْأَصْلُ فِي الْعِتْقِ ، لِحَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ، وَلِأَنَّ الْقَصْدَ بِالْعِتْقِ يُكْمِلُ الْأَحْكَامَ ، وَلَا تَكْمُلُ الْأَحْكَامُ إلَّا بِتَكْمِيلِ الْعِتْقِ بِخِلَافِ غَيْرِهِ ، وَلِأَنَّ فِي قِسْمَةِ الْعِتْقِ عَلَيْهِمْ إضْرَارًا بِالْوَرَثَةِ وَالْمَيِّتِ وَالْعَبِيدِ ، عَلَى مَا يُذْكَرُ فِي مَوْضِعِهِ .\rوَإِنْ وَقَعَتْ دَفْعَةً وَاحِدَةً ، وَفِيهَا عِتْقٌ وَغَيْرُهُ ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، يُقَدَّمَ الْعِتْقُ لِتَأْكِيدِهِ .\rوَالثَّانِيَةُ ، يُسَوَّى بَيْنَ الْكُلِّ ؛ لِأَنَّهَا حُقُوقٌ تَسَاوَتْ فِي اسْتِحْقَاقِهَا ، فَتَسَاوَتْ فِي تَنْفِيذِهَا ، كَمَا لَوْ كَانَتْ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ ، وَذَلِكَ لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَهَا حَصَلَ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ السَّادِسُ ، أَنَّ الْوَاهِبَ إذَا مَاتَ قَبْلَ تَقْبِيضِهِ الْهِبَةَ الْمُنَجَّزَةَ ، كَانَتْ الْخِيرَةُ لِلْوَرَثَةِ ، إنْ شَاءُوا قَبَّضُوا ، وَإِنْ شَاءُوا مَنَعُوا ، وَالْوَصِيَّةُ تَلْزَمُ بِالْقَبُولِ بَعْدَ الْمَوْتِ بِغَيْرِ رِضَاهُمْ .","part":13,"page":147},{"id":6147,"text":"( 4696 ) فَصْلٌ : إذَا قَالَ الْمَرِيضُ : إذَا أَعْتَقْت سَعْدًا ، فَسَعِيدٌ حُرٌّ .\rثُمَّ أَعْتَقَ سَعْدًا ، عَتَقَ سَعِيدٌ أَيْضًا إنَّ خَرَجَا مِنْ الثُّلُثِ ، وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ الثُّلُثِ إلَّا أَحَدُهُمَا عَتَقَ سَعْدٌ وَحْدَهُ ، وَلَمْ يُقْرَعْ بَيْنَهُمَا لِوَجْهَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، أَنَّ سَعْدًا سَبَقَ بِالْعِتْقِ .\rوَالثَّانِي ، أَنَّ عِتْقَهُ شَرْطٌ لِعِتْقِ سَعِيدٍ ، فَلَوْ رَقَّ بَعْضُهُ لَفَاتَ إعْتَاقُ سَعِيدٍ أَيْضًا لِفَوَاتِ شَرْطِهِ ، وَإِنْ بَقِيَ مِنْ الثُّلُثِ مَا يُعْتَقُ بِهِ بَعْضُ سَعِيدٍ ، عَتَقَ تَمَامُ الثُّلُثِ مِنْهُ وَإِنْ قَالَ : إنْ أَعْتَقْت سَعْدًا فَسَعِيدٌ وَعَمْرٌو حُرَّانِ .\rثُمَّ أَعْتَقَ سَعْدًا ، وَلَمْ يَخْرُجْ مِنْ الثُّلُثِ إلَّا أَحَدُهُمْ ، عَتَقَ سَعْدٌ وَحْدَهُ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا ، وَإِنْ خَرَجَ مِنْ الثُّلُثِ اثْنَانِ ، أَوْ وَاحِدٌ وَبَعْضُ آخَرَ ، عَتَقَ سَعْدٌ وَأُقْرِعَ بَيْنَ سَعِيدٍ وَعَمْرٍو فِيمَا بَقِيَ مِنْ الثُّلُثِ ؛ لِأَنَّ عِتْقَهُمَا فِي حَالٍ وَاحِدَةٍ ، وَلَيْسَ عِتْقُ أَحَدِهِمَا شَرْطًا فِي عِتْقِ الْآخَرِ .\rوَلَوْ خَرَجَ مِنْ الثُّلُثِ اثْنَانِ وَبَعْضُ الثَّالِثِ ، أَقْرَعْنَا بَيْنَهُمَا ، لِتَكْمِيلِ الْحُرِّيَّةِ فِي أَحَدِهِمَا ، وَحُصُولِ التَّشْقِيصِ فِي الْآخَرِ وَإِنْ قَالَ : إنْ أَعْتَقْت سَعْدًا فَسَعِيدٌ حُرٌّ ، أَوْ فَسَعِيدٌ وَعَمْرٌو حُرَّانِ فِي حَالِ إعْتَاقِي سَعْدًا .\rفَالْحُكْمُ سَوَاءٌ لَا يَخْتَلِفُ ؛ لِأَنَّ عِتْقَ سَعْدٍ شَرْطٌ لِعِتْقِهِمَا ، فَلَوْ رَقَّ بَعْضُهُ لَفَاتَ شَرْطُ عِتْقِهِمَا ، فَوَجَبَ تَقْدِيمُهُ .\rوَإِنْ كَانَ الشَّرْطُ فِي الصِّحَّةِ وَالْإِعْتَاقُ فِي الْمَرَضِ ، فَالْحُكْمُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا .","part":13,"page":148},{"id":6148,"text":"( 4697 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَالَ : إنْ تَزَوَّجْت فَعَبْدِي حُرٌّ .\rفَتَزَوَّجَ فِي مَرَضِهِ بِأَكْثَرَ مِنْ مَهْرِ الْمِثْلِ ، فَالزِّيَادَةُ مُحَابَاةٌ مُعْتَبَرَةٌ مِنْ الثُّلُثِ .\rوَإِنْ لَمْ تَخْرُجْ مِنْ الثُّلُثِ إلَّا الْمُحَابَاةُ أَوْ الْعَبْدُ ، فَالْمُحَابَاةُ أَوْلَى ؛ لِأَنَّهَا وَجَبَتْ قَبْلَ الْعِتْقِ ، لِكَوْنِ التَّزْوِيجِ شَرْطًا فِي عِتْقِهِ ، فَقَدْ سَبَقَتْ عِتْقَهُ .\rوَيُحْتَمَلُ أَنْ يَتَسَاوَيَا ؛ لِأَنَّ التَّزْوِيجَ سَبَبٌ لِثُبُوتِ الْمُحَابَاةِ ، وَشَرْطٌ لِلْعِتْقِ ، فَلَا يَسْبِقُ وُجُودُ أَحَدِهِمَا صَاحِبَهُ ، فَيَكُونَانِ سَوَاءً .\rثُمَّ هَلْ يُقَدَّمُ الْعِتْقُ عَلَى الْمُحَابَاةِ ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ وَهَذَا فِيمَا إذَا ثَبَتَتْ الْمُحَابَاةُ بِأَنْ لَا تَرِثَ الْمَرْأَةُ الزَّوْجَ ؛ إمَّا لِوُجُودِ مَانِعٍ مِنْ الْإِرْثِ ، أَوْ لِمُفَارَقَتِهِ إيَّاهَا فِي حَيَاتِهِ ، إمَّا بِمَوْتِهَا أَوْ طَلَاقِهَا أَوْ نَحْوِهِ .\rفَأَمَّا إنْ وَرَثَتْهُ ، تَبَيَّنَّا أَنَّهَا غَيْرُ ثَابِتَةٍ لَهَا إلَّا بِإِجَازَةِ الْوَرَثَةِ ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُقَدَّمَ الْعِتْقُ عَلَيْهَا ؛ لِأَنَّهُ لَازِمٌ غَيْرُ مَوْقُوفٍ عَلَى الْإِجَازَةِ ، فَيَكُونُ مُتَقَدِّمًا .\rوَإِنْ قَالَ : أَنْتَ حُرٌّ فِي حَالِ تَزْوِيجِي .\rفَتَزَوَّجَ وَأَصْدَقَ أَكْثَرَ مِنْ مَهْرِ الْمِثْلِ ، فَعَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ يَتَسَاوَيَانِ ؛ لِأَنَّ التَّزْوِيجَ جُعِلَ جَعَالَةً لِإِيقَاعِ الْعِتْقِ ، كَمَا فِي عِتْقِ سَعْدٍ وَسَعِيدٍ ، وَبُطْلَانُ الْمُحَابَاةِ لَا يُبْطِلُ التَّزْوِيجَ وَلَا يُؤَثِّرُ فِيهِ وَعَلَى الِاحْتِمَالِ الَّذِي ذَكَرْته ، يَكُونُ الْعِتْقُ سَابِقًا ، لِأَنَّ الْمُحَابَاةَ ، إنَّمَا ثَبَتَتْ بِتَمَامِ التَّزْوِيجِ ، وَالْعِتْقُ قَبْلَ تَمَامِهِ ، فَيَكُونُ سَابِقًا عَلَى الْمُحَابَاةِ ، فَيَتَقَدَّمُ لِهَذَا الْمَعْنَى ، لَا سِيَّمَا إذَا تَأَكَّدَ بِقُوَّتِهِ وَكَوْنِهِ لِغَيْرِ وَارِثٍ .","part":13,"page":149},{"id":6149,"text":"( 4698 ) فَصْلٌ : إذَا أَعْتَقَ الْمَرِيضُ شِقْصًا مِنْ عَبْدٍ ، ثُمَّ أَعْتَقَ شِقْصًا مِنْ آخَرَ ، وَلَمْ يَخْرُجْ مِنْ الثُّلُثِ إلَّا الْعَبْدُ الْأَوَّلُ ، عَتَقَ وَحْدَهُ ؛ لِأَنَّهُ يُعْتَقُ حِينَ يَلْفِظُ بِإِعْتَاقِ شِقْصِهِ وَإِنْ خَرَجَ الْأَوَّلُ وَبَعْضُ الثَّانِي ، عَتَقَ ذَلِكَ .\rوَإِنْ أَعْتَقَ الشِّقْصَيْنِ دَفْعَةً وَاحِدَةً ، فَلَمْ يَخْرُجْ مِنْ الثُّلُثِ إلَّا الشِّقْصَانِ ، عَتَقَا وَرَقَّ بَاقِي الْعَبْدَيْنِ .\rوَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ إلَّا أَحَدُهُمَا أَقْرَعَ بَيْنَهُمَا .\rوَإِنْ عَتَقَ الشِّقْصَانِ وَبَاقِي أَحَدِ الْعَبْدَيْنِ فَفِيهِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا ، يُكْمَلُ الْعِتْقُ مِنْ أَحَدِهِمَا بِالْقُرْعَةِ بَيْنَهُمَا ، كَمَا لَوْ أَعْتَقَ الْعَبْدَيْنِ فَلَمْ يَخْرُجْ مِنْ الثُّلُثِ إلَّا أَحَدُهُمَا وَالثَّانِي ، يُقَسَّمُ مَا بَقِيَ مِنْ الثُّلُثِ بَيْنَهُمَا بِغَيْرِ قُرْعَةٍ ، لِأَنَّهُ أَوْقَعَ عِتْقًا مُشَقَّصًا فَلَمْ يُكْمِلْهُ ، بِخِلَافِ مَا إذَا أَعْتَقَ الْعَبْدَيْنِ ، وَلِهَذَا إذَا لَمْ يَخْرُجْ مِنْ الثُّلُثِ إلَّا الشِّقْصَانِ أَعْتَقْنَاهُمَا ، وَلَمْ يُقْرَعْ بَيْنَهُمَا ، وَلَمْ يُكْمِلْهُ مِنْ أَحَدِهِمَا .\rوَلَوْ أَوْصَى بِإِعْتَاقِ النَّصِيبَيْنِ ، وَأَنْ يُكْمَلَ عِتْقُهُمَا مِنْ ثُلُثِهِ ، وَلَمْ يَخْرُجْ مِنْ الثُّلُثِ إلَّا النَّصِيبَانِ وَقِيمَةُ بَاقِي أَحَدِهِمَا ، أَقْرَعْنَا بَيْنَهُمَا ، فَمَنْ خَرَجَتْ قُرْعَتُهُ كَمُلَ الْعِتْقُ فِيهِ ، لِأَنَّ الْمُوصِيَ أَوْصَى بِتَكْمِيلِ الْعِتْقِ ، فَجَرَى مَجْرَى إعْتَاقِهِمَا ، بِخِلَافِ الَّتِي قَبْلَهَا .","part":13,"page":150},{"id":6150,"text":"( 4699 ) فَصْلٌ : وَإِذَا مَلَكَ الْمَرِيضُ مَنْ يُعْتَقُ عَلَيْهِ بِغَيْرِ عِوَضٍ ، كَالْهِبَةِ وَالْمِيرَاثِ ، عَتَقَ ، وَوَرِثَ الْمَرِيضَ إذَا مَاتَ .\rوَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ ، وَأَكْثَرُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ بَعْضُهُمْ : يُعْتَقُ ، وَلَا يَرِثُ ؛ لِأَنَّ عِتْقَهُ وَصِيَّةٌ ، فَلَا يَجْتَمِعُ مَعَ الْمِيرَاثِ .\rوَهَذَا لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ وَصِيَّةً لَاعْتُبِرَ مِنْ الثُّلُثِ ، كَمَا لَوْ اشْتَرَاهُ .\rوَجَعَلَ أَهْلُ الْعِرَاقِ عِتْقَ الْمَوْهُوبِ وَصِيَّةً ، يُعْتَبَرُ خُرُوجُهُ مِنْ الثُّلُثِ ، فَإِنْ خَرَجَ مِنْ الثُّلُثِ عَتَقَ وَوَرِثَ ، وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ الثُّلُثِ سَعَى فِي قِيمَةِ بَاقِيهِ ، وَلَمْ يَرِثْ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ : يُحْتَسَبُ بِقِيمَتِهِ مِنْ مِيرَاثِهِ ، فَإِنْ فَضَلَ مِنْ قِيمَتِهِ شَيْءٌ سَعَى فِيهِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الْوَصِيَّةَ هِيَ التَّبَرُّعُ بِمَالِهِ بِعَطِيَّةٍ أَوْ إتْلَافٍ ، أَوْ التَّسَبُّبُ إلَى ذَلِكَ ، وَلَمْ يُوجَدْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ لَيْسَ مِنْ فِعْلِهِ ، وَلَا يَقِفُ عَلَى اخْتِيَارِهِ ، وَقَبُولُ الْهِبَةِ لَيْسَ بِعَطِيَّةٍ وَلَا إتْلَافٍ لِمَالِهِ ، وَإِنَّمَا هُوَ تَحْصِيلُ شَيْءٍ يَتْلَفُ بِتَحْصِيلِهِ فَأَشْبَهَ قَبُولَهُ لِشَيْءٍ لَا يُمْكِنُهُ حِفْظُهُ ، أَوْ لِمَا يَتْلَفُ بِبَقَائِهِ .\rفِي وَقْتٍ لَا يُمْكِنُهُ التَّصَرُّفُ فِيهِ ، وَفَارَقَ الشِّرَاءَ ؛ فَإِنَّهُ تَضْيِيعٌ لِمَالِهِ فِي ثَمَنِهِ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ قِيَاسُ قَوْلِ أَحْمَدَ ؛ لِأَنَّهُ قَالَ فِي مَوَاضِعَ : إذَا وَقَفَ فِي مَرَضِهِ عَلَى وَرَثَتِهِ صَحَّ ، وَلَمْ يَكُنْ وَصِيَّةً ؛ لِأَنَّ الْوَقْفَ لَيْسَ بِمَالٍ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُبَاعُ وَلَا يُورَثُ .\rقَالَ الْخَبْرِيُّ : هَذَا قَوْلُ أَحْمَدَ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ وَأَهْلِ الْبَصْرَةِ ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ عَنْ أَحْمَدَ خِلَافًا فَأَمَّا إنْ اشْتَرَى مَنْ يَعْتِقُ عَلَيْهِ ، فَقَالَ الْقَاضِي : إنْ حَمَّلَهُ الثُّلُثَ عَتَقَ وَوَرِثَهُ .\rوَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ .\rوَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ الثُّلُثِ عَتَقَ مِنْهُ بِقَدْرِ الثُّلُثِ ، وَيَرِثُ بِقَدْرِ","part":13,"page":151},{"id":6151,"text":"مَا فِيهِ مِنْ الْحُرِّيَّةِ ، وَبَاقِيهِ عَلَى الرِّقِّ ، فَإِنْ كَانَ الْوَارِثُ مِمَّنْ يُعْتَقُ عَلَيْهِ إذَا مَلَكَهُ ، عَتَقَ عَلَيْهِ إذَا وَرِثَهُ .\rوَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ : لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ ، وَيُحْتَسَبُ بِقِيمَتِهِ مِنْ مِيرَاثِهِ ، فَإِنْ فَضَلَ مِنْ قِيمَتِهِ شَيْءٌ سَعَى فِيهِ .\rوَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ مَالِكٍ : يُعْتَقُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ ، وَيَرِثُ كَالْمَوْهُوبِ وَالْمَوْرُوثِ وَهُوَ قِيَاسُ قَوْلِهِ ، لِكَوْنِهِ لَمْ يَجْعَلْ الْوَقْفَ وَصِيَّةً وَإِجَازَةً لِلْوَارِثِ ، فَهَذَا أَوْلَى ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ لَا يَمْلِكُ رَقَبَتَهُ ، فَيُجْعَلُ ذَلِكَ وَصِيَّةً لَهُ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُجْعَلَ الثَّمَنُ وَصِيَّةً لَهُ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَصِلْ إلَيْهِ ، وَلَا وَصِيَّةَ لِلْبَائِعِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ عَاوَضَ عَنْهُ ، وَإِنَّمَا هُوَ كَبِنَاءِ مَسْجِدٍ وَقَنْطَرَةٍ ، فِي أَنَّهُ لَيْسَ بِوَصِيَّةٍ لِمَنْ يَنْتَفِعُ بِهِ ، فَلَا يَمْنَعُهُ ذَلِكَ الْمِيرَاثَ .\rوَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ فِي قِيَاسِ قَوْلِهِ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : إذَا حَمَّلَهُ الثُّلُثَ عَتَقَ وَوَرِثَ ؛ لِأَنَّ عِتْقَهُ لَيْسَ بِوَصِيَّةٍ لَهُ ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا وَقِيلَ : يُعْتَقُ وَلَا يَرِثُ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ وَرِثَ لَصَارَتْ وَصِيَّةً لِوَارِثٍ ، فَتَبْطُلُ وَصِيَّتُهُ ، وَيَبْطُلُ عِتْقُهُ وَإِرْثُهُ ، فَيُفْضِي تَوْرِيثُهُ إلَى إبْطَالِ تَوْرِيثِهِ ، فَكَانَ إبْطَالُ تَوْرِيثِهِ أَوْلَى .\rوَقِيلَ عَلَى مَذْهَبِهِ : شِرَاؤُهُ بَاطِلٌ ؛ لِأَنَّ ثَمَنَهُ وَصِيَّةٌ ، وَالْوَصِيَّةُ تَقِفُ عَلَى خُرُوجِهَا مِنْ الثُّلُثِ ، أَوْ إجَازَةِ الْوَرَثَةِ ، وَالْبَيْعُ عِنْدَهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَوْقُوفًا .\rوَمِنْ مَسَائِلِ ذَلِكَ : مَرِيضٌ وُهِبَ لَهُ ابْنُهُ ، فَقَبِلَهُ ، وَقِيمَتُهُ مِائَةٌ ، وَخَلَّفَ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ وَابْنًا آخَرَ ، فَإِنَّهُ يُعْتَقُ ، وَلَهُ مِائَةٌ وَلِأَخِيهِ مِائَةٌ وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيِّ .\rوَقِيلَ ، عَلَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ : لَا يَرِثُ ، وَالْمِائَتَانِ كُلُّهَا لِلِابْنِ الْحُرِّ .\rوَقَالَ أَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ : يَرِثُ نِصْفَ نَفْسِهِ ، وَنِصْفَ الْمِائَتَيْنِ ،","part":13,"page":152},{"id":6152,"text":"وَيَحْتَسِبُ بِقِيمَةِ نِصْفِ الْبَاقِي مِنْ مِيرَاثِهِ .\rإنْ كَانَ قِيمَتُهُ مِائَتَيْنِ ، وَبَقِيَّةُ التَّرِكَةِ مِائَةً ، عَتَقَ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ ، وَالْمِائَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ .\rوَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة : يُعْتَقُ مِنْهُ نِصْفُهُ ، لِأَنَّهُ قَدْرُ ثُلُثِ التَّرِكَةِ ، وَيَسْعَى فِي قِيمَةِ بَاقِيهِ ، وَلَا يَرِثُ ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَسْعَى عِنْدَهُ كَالْعَبْدِ لَا يَرِثُ إلَّا فِي أَرْبَعَةِ مَوَاضِعَ : الرَّجُلُ يُعْتِقُ أَمَتَهُ عَلَى أَنْ تَتَزَوَّجَهُ .\rوَالْمَرْأَةُ تُعْتِقُ عَبْدَهَا عَلَى أَنْ يَتَزَوَّجَهَا ، فَيَأْبَيَانِ ذَلِكَ .\rوَالْعَبْدُ الْمَوْهُوبُ يُعْتِقُهُ سَيِّدُهُ .\rوَالْمُشْتَرِي لِلْعَبْدِ يُعْتِقُهُ قَبْلَ قَبْضِهِ وَهُمَا مُعْسِرَانِ .\rفَفِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ يَسْعَى كُلُّ وَاحِدٍ فِي قِيمَتِهِ ، وَهُوَ حُرٌّ يَرِثُ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ : يَرِثُ نِصْفَ التَّرِكَةِ ، وَذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ رَقَبَتِهِ ، وَيَسْعَى فِي رُبْعِ قِيمَتِهِ لِأَخِيهِ .\rوَإِنْ وُهِبَ لَهُ ثَلَاثُ أَخَوَاتٍ مُتَفَرِّقَاتٍ ، لَا مَالَ لَهُ سِوَاهُنَّ ، وَلَا وَارِثَ ، عَتَقْنَ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ .\rوَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ .\rوَإِنْ كَانَ اشْتَرَاهُنَّ فَكَذَلِكَ ، فِيمَا ذَكَرَهُ الْخَبْرِيُّ عَنْ أَحْمَدَ .\rوَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْمَاجِشُونِ ، وَأَهْلِ الْبَصْرَةِ ، وَبَعْضِ أَصْحَابِ مَالِكٍ ، وَعَلَى قَوْلِ الْقَاضِي ، يُعْتَقُ ثُلُثُهُنَّ ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَفِي الْآخَرِ يُعْتَقْنَ كُلُّهُنَّ ؛ لِكَوْنِ وَصِيَّةِ مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ جَائِزَةً فِي جَمِيعِ مَالِهِ ، فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ .\rوَإِنْ تَرَكَ مَالًا يَخْرُجْنَ مِنْ ثُلُثِهِ عَتَقْنَ وَوَرِثْنَ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إذَا اشْتَرَاهُنَّ أَوْ وُهِبْنَ لَهُ ، وَلَا مَالَ لَهُ سِوَاهُنَّ ، وَلَا وَارِثَ ، عَتَقْنَ ، وَتَسْعَى كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْ الْأُخْتِ لِلْأَبِ وَالْأُخْتِ لِلْأُمِّ فِي نِصْفِ قِيمَتِهَا لِلْأُخْتِ مِنْ الْأَبِ وَالْأُمِّ ، وَإِنَّمَا لَمْ يَرِثَا ؛ لِأَنَّهُمَا لَوْ وَرِثَا لَكَانَ لَهُمَا خُمُسَا الرِّقَابِ ، وَذَلِكَ رَقَبَةٌ وَخُمْسٌ ، بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ ،","part":13,"page":153},{"id":6153,"text":"فَكَانَ يَبْقَى عَلَيْهِمَا سِعَايَةٌ ، إذَا بَقِيَتْ عَلَيْهِمَا سِعَايَةٌ لَمْ يَرِثَا ، وَكَانَتْ لَهُمَا الْوَصِيَّةُ ، وَهِيَ رَقَبَةٌ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ وَأَمَّا الْأُخْتُ لِلْأَبَوَيْنِ ، فَإِذَا وَرِثَتْ ، عَتَقَتْ ؛ لِأَنَّ لَهَا ثَلَاثَةَ أَخْمَاسِ الرِّقَابِ ، وَذَلِكَ أَكْثَرُ مِنْ قِيمَتِهَا ، فَوَرِثَتْ وَبَطَلَتْ وَصِيَّتُهَا .\rوَقَالَ أَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ : تُبْغِضُ ، وَتَسْعَى كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْ الْأُخْتِ لِلْأَبِ ، وَالْأُخْتِ مِنْ الْأُمِّ ، لِلْأُخْتِ مِنْ الْأَبَوَيْنِ ، فِي خُمْسَيْ قِيمَتِهَا ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ تَرِثُ ثَلَاثَةَ أَخْمَاسِ رَقَبَةٍ .\rعَلَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ يُعْتَقْنَ .","part":13,"page":154},{"id":6154,"text":"( 4700 ) فَصْلٌ : وَإِنْ اشْتَرَى الْمَرِيضُ أَبَاهُ بِأَلْفٍ ، لَا مَالَ لَهُ سِوَاهُ ، ثُمَّ مَاتَ ، وَخَلَّفَ ابْنًا ، فَعَلَى الْقَوْلِ الَّذِي حَكَاهُ الْخَبْرِيُّ يُعْتَقُ كُلُّهُ عَلَى الْمَرِيضِ ، وَلَهُ وَلَاؤُهُ .\rوَعَلَى قَوْلِ الْقَاضِي يُعْتَقُ ثُلُثُهُ بِالْوَصِيَّةِ ، وَيُعْتَقُ بَاقِيهِ عَلَى الِابْنِ ؛ لِأَنَّهُ جَدُّهُ ، وَيَكُونُ ثُلُثُ وَلَائِهِ لِلْمُشْتَرِي ، وَثُلُثَاهُ لِابْنِهِ .\rوَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ .\rوَقِيلَ : هُوَ مَذْهَبٌ لِلشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يُعْتَقُ ثُلْثُهُ بِالْوَصِيَّةِ ، وَيَسْعَى لِلِابْنِ فِي قِيمَةِ ثُلُثَيْهِ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ : يُعْتَقُ سُدُسُهُ ؛ لِأَنَّهُ وَرِثَهُ ، وَيَسْعَى فِي خَمْسَةِ أَسْدَاسِ قِيمَتِهِ لِلِابْنِ ، وَلَا وَصِيَّةَ لَهُ .\rوَقِيلَ عَلَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ : يُفْسَخُ الْبَيْعُ ، إلَّا أَنْ يُجِيزَ الِابْنُ عِتْقَهُ .\rوَقِيلَ : يُفْسَخُ فِي ثُلُثَيْهِ ، وَيُعْتَقُ فِي ثُلُثِهِ ، وَلِلْبَائِعِ الْخِيَارُ ؛ لِتَفَرُّقِ الصَّفْقَةِ عَلَيْهِ .\rوَقِيلَ : لَا خِيَارَ لَهُ ؛ لِأَنَّهُ مُتْلِفٌ ، فَإِنْ تَرَكَ أَلْفَيْنِ سِوَاهُ ، عَتَقَ كُلُّهُ ، وَوَرِثَ سُدُسَ الْأَلْفَيْنِ ، وَالْبَاقِي لِلِابْنِ .\rوَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ .\rوَقِيلَ نَحْوُهُ عَلَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ وَقِيلَ عَلَى قَوْلِهِ : يُعْتَقُ وَلَا يَرِثُ .\rوَقِيلَ : شِرَاؤُهُ مَفْسُوخٌ .\rوَقَالَ أَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ : يَرِثُ الْأَبُ سُدُسَ التَّرِكَةِ ، وَهُوَ خَمْسُمِائَةٍ ، يَحْتَسِبُ بِهَا مِنْ رَقَبَتِهِ ، وَيَسْعَى فِي نِصْفِ قِيمَتِهِ ، وَلَا وَصِيَّةَ لَهُ .\rوَإِنْ اشْتَرَى ابْنَهُ بِأَلْفٍ ، لَا يَمْلِكُ غَيْرَهُ ، وَمَاتَ ، وَخَلَّفَ أَبَاهُ ، عَتَقَ كُلُّهُ بِالشِّرَاءِ ، فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ .\rوَفِي الثَّانِي ، يُعْتَقُ ثُلُثُهُ بِالْوَصِيَّةِ ، وَثُلُثَاهُ عَلَى جَدِّهِ عِنْدَ الْمَوْتِ ، وَوَلَاؤُهُ بَيْنَهُمَا أَثْلَاثًا .\rوَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِيهِ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فِي مَسْأَلَةِ الْأَبِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يُعْتَقُ ثُلُثُهُ بِالْوَصِيَّةِ ، وَيَسْعَى فِي قِيمَةِ ثُلُثَيْهِ لِلْأَبِ ، وَلَا يَرِثْ .\rوَقَالَ أَبُو يُوسُفَ ،","part":13,"page":155},{"id":6155,"text":"وَمُحَمَّدٌ : يَرِثُ خَمْسَةَ أَسْدَاسِهِ ، وَيَسْعَى فِي قِيمَةِ سُدُسِهِ .\rوَإِنْ تَرَكَ أَلْفَيْنِ سِوَاهُ ، عَتَقَ كُلُّهُ ، وَوَرِثَ خَمْسَةَ أَسْدَاسِ الْأَلْفَيْنِ ، وَلِلْأَبِ السُّدُسُ .\rوَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ .\rوَقَالَ أَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ لِلْأَبِ سُدُسُ التَّرِكَةِ خَمْسُمِائَةٍ ، وَبَاقِيهَا لِلِابْنِ يُعْتَقُ مِنْهَا ، وَيَأْخُذُ أَلْفًا وَخَمْسَمِائَةٍ وَإِنْ خَلَّفَ مَالًا يَخْرُجُ الْمَبِيعُ مِنْ ثُلُثِهِ ، فَعَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ ، يُعْتَقُ كُلُّهُ ، وَيَرِثُ مِنْهُ .\rكَأَنَّهُ حُرُّ الْأَصْلِ .\rوَعَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي .\rيُعْتَقُ مِنْهُ بِقَدْرِ ثُلُثِ التَّرِكَةِ ، وَيَرِثُ بِقَدْرِ مَا فِيهِ مِنْ الْحُرِّيَّةِ ، فَإِنْ لَمْ يُخَلِّفْ الْمُشْتَرِي أَبًا حُرًّا ، وَلَكِنْ خَلَّفَ أَخًا حُرًّا ، وَلَمْ يَتْرُكْ مَالًا ، عَتَقَ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ ، عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ ، وَيُعْتَقُ ثُلُثُهُ عَلَى الثَّانِي ، وَيَرِثُ الْأَخُ ثُلُثَيْهِ ، ثُمَّ يُعْتَقُ عَلَيْهِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يُعْتَقُ ثُلُثُهُ ، وَيَسْعَى لِعَمِّهِ فِي قِيمَةِ ثُلُثَيْهِ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ : يُعْتَقُ كُلُّهُ ، وَلَا سِعَايَةَ .\rوَإِنْ خَلَّفَ أَلْفَيْنِ سِوَاهُ عَتَقَ ، وَوَرِثَ الْأَلْفَيْنِ ، وَلَا شَيْءَ لِلْأَخِ ، فِي الْأَقْوَالِ كُلِّهَا .\rإلَّا مَا قِيلَ عَلَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ ، إنَّهُ يُعْتَقُ وَلَا يَرِثُ .\rوَقِيلَ : شِرَاؤُهُ بَاطِلٌ ، فَإِنْ اشْتَرَى ابْنَهُ بِأَلْفٍ لَا يَمْلِكُ غَيْرَهُ ، وَقِيمَتُهُ ثُلُثَا أَلْفٍ ، وَخَلَّفَ ابْنًا آخَرَ ، فَعَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ ، يُعْتَقُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ ، وَيَسْتَقِرُّ مِلْكُ الْبَائِعِ عَلَى قَدْرِ قِيمَتِهِ مِنْ الثَّمَنِ ، وَلَهُ ثُلُثُ الْبَاقِي ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ حَابَاهُ بِهِ وَلَمْ يَبْقَ مِنْ التَّرِكَةِ سِوَاهُ ، فَيَكُونُ لَهُ ثُلُثُهُ ، وَهُوَ تُسْعُ أَلْفٍ ، وَيَرُدُّ التُّسْعَيْنِ ، فَتَكُونُ بَيْنَ الِابْنَيْنِ وَعَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي ، يُعْتَقُ ثُلُثُهُ ، وَيَرِثُ أَخُوهُ ثُلُثَيْهِ ، فَيُعْتَقُ عَلَيْهِ ، وَلِلْبَائِعِ ثُلُثُ الْمُحَابَاةِ ، وَيَرُدُّ ثُلُثَيْهَا ، فَيَكُونُ مِيرَاثًا .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ :","part":13,"page":156},{"id":6156,"text":"الثُّلُثُ لِلْبَائِعِ ، وَيَسْعَى الْمُشْتَرِي فِي قِيمَتِهِ لِأَخِيهِ .\rوَقَالَ أَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ : يَسْعَى فِي نِصْفِ رَقَبَتِهِ ، وَيَرِثُ نِصْفَهَا .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : الْمُحَابَاةُ مُقَدَّمَةٌ لِتَقْدِيمِهَا ، وَيَرِثُ الِابْنُ الْحُرُّ أَخَاهُ فَيَمْلِكُهُ .\rوَقِيلَ : يُفْسَخُ الْبَيْعُ فِي ثُلُثَيْهِ ، وَيُعْتَقُ ثُلُثُهُ ، وَلَا تُقَدَّمُ الْمُحَابَاةُ ؛ لِأَنَّ فِي تَقْدِيمِهَا تَقْرِيرَ مِلْكِ الْأَبِ عَلَى وَلَدِهِ وَقِيلَ : يُفْسَخُ الْبَيْعُ فِي جَمِيعِهِ ، فَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ ثُلُثَ الْأَلْفِ ، فَعَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ يُعْتَقُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ ، وَتَنْفُذُ الْمُحَابَاةُ فِي ثُلُثِ الْبَاقِي ، وَهُوَ تُسْعَا أَلْفٍ ، وَيَرُدُّ الْبَائِعُ أَرْبَعَةَ أَتْسَاعِ أَلْفٍ ، فَتَكُونُ بَيْنَ الِابْنَيْنِ ، وَعَلَى الْوَجْهِ الْآخَرِ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، تَقْدِيمُ الْعِتْقِ عَلَى الْمُحَابَاةِ ، فَيُعْتَقُ جَمِيعُهُ ، وَيَرُدُّ الْبَائِعُ ثُلُثَيْ الْأَلْفِ ، فَيَكُونُ بَيْنَهُمَا .\rوَالثَّانِي ، أَنْ يُعْتَقَ ثُلُثُهُ ، وَيَكُونُ لِلْبَائِعِ تُسْعَا أَلْفٍ ، وَيَرُدُّ أَرْبَعَةَ أَتْسَاعِهَا ، كَمَا قُلْنَا فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لِلْبَائِعِ بِالْمُحَابَاةِ الثُّلُثُ ، وَيَرُدُّ الثُّلُثَ ، وَيَسْعَى الِابْنُ فِي قِيمَتِهِ لِأَخِيهِ وَفِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٍ : يَرُدُّ الْبَائِعُ ثُلُثَ الْأَلْفِ ، فَيَكُونُ لِلِابْنِ الْحُرِّ ، وَيُعْتَقُ الْآخَرُ بِنَصِيبِهِ مِنْ الْمِيرَاثِ .\rوَقِيلَ عَلَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ : يَرُدُّ الْبَائِعُ ثُلُثَ الْأَلْفِ ، فَيَكُونُ ذَلِكَ مَعَ الِابْنِ الْمُشْتَرِي لِلْحُرِّ .\rوَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ .\rوَإِنْ اشْتَرَاهُ بِأَلْفٍ لَا يَمْلِكُ غَيْرَهُ ، وَقِيمَتُهُ ثَلَاثَةُ آلَافٍ ، فَمَنْ أَعْتَقَهُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ جَعَلَهُ حُرًّا ، وَمِنْ جَعَلَ ذَلِكَ وَصِيَّةً لَهُ ، أَعْتَقَ ثُلُثَهُ بِالشِّرَاءِ ، وَيُعْتَقُ بَاقِيهِ عَلَى أَخِيهِ ، إلَّا فِي قَوْلِ الشَّافِعِيِّ وَمَنْ وَافَقَهُ ، فَإِنَّ الْحُرَّ يَمْلِكُ بَقِيَّةَ أَخِيهِ ، فَيَمْلِكُ مِنْ رَقَبَتِهِ قَدْرَ ثُلُثَيْ الثَّمَنِ ، وَذَلِكَ تُسْعَا رَقَبَةٍ ؛ لِأَنَّهُ يَجْعَلُ","part":13,"page":157},{"id":6157,"text":"ثَمَنَهُ مِنْ الثُّلُثِ دُونَ قِيمَتِهِ وَقِيلَ : يُفْسَخُ الْبَيْعُ فِي ثُلُثَيْهِ .\rوَقِيلَ : فِي جَمِيعِهِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَسْعَى لِأَخِيهِ فِي قِيمَةِ ثُلُثَيْهِ .\rوَقَالَ أَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ : يَسْعَى لَهُ فِي نِصْف قِيمَتِهِ .\rفَإِنْ تَرَكَ أَلْفَيْنِ سِوَاهُ عَتَقَ كُلُّهُ ؛ لِأَنَّ التَّرِكَةَ هِيَ الثَّمَنُ مَعَ الْأَلْفَيْنِ ، وَالثَّمَنُ يَخْرُجُ مِنْ الثُّلُثِ ، فَيُعْتَقُ وَيَرِثُ نِصْفَ الْأَلْفَيْنِ .\rوَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ .\rوَقِيلَ : يُعْتَقُ ، وَلَا يَرِثُ .\rوَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ : التَّرِكَةُ قِيمَتُهُ مَعَ الْأَلْفَيْنِ ، وَذَلِكَ خَمْسَةُ آلَافٍ فَعَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ يُعْتَقُ مِنْهُ قَدْرُ ثُلُثِ ذَلِكَ ، وَهُوَ أَلْفٌ وَثُلُثَا أَلْفٍ ، وَيَسْعَى لِأَخِيهِ فِي أَلْفٍ وَثُلُثِ أَلْفٍ .\rوَفِي قَوْلِ صَاحِبَيْهِ : يُعْتَقُ مِنْهُ نِصْفُ ذَلِكَ ، وَهُوَ خَمْسَةُ أَسْدَاسِهِ ، وَيَسْعَى لِأَخِيهِ فِي خَمْسِمِائَةٍ ، وَالْأَلْفَانِ لِأَخِيهِ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا .","part":13,"page":158},{"id":6158,"text":"وَلَوْ اشْتَرَى الْمَرِيضُ ابْنَيْ عَمٍّ لَهُ بِأَلْفٍ ، لَا يَمْلِكُ غَيْرَهُ وَقِيمَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَلْفٌ ، فَأَعْتَقَ أَحَدَهُمَا ، ثُمَّ وَهَبَهُ أَخَاهُ ، ثُمَّ مَاتَ وَخَلَّفَهُمَا وَخَلَّفَ مَوْلَاهُ ، فَإِنَّ قِيَاسَ قَوْلِ الْقَاضِي ، إنْ شَاءَ اللَّهُ ، أَنْ يُعْتَقَ ثُلُثَا الْمُعْتَقِ ، إلَّا أَنْ يُجِيزَ الْمَوْلَى عِتْقَ جَمِيعِهِ ، ثُمَّ يَرِثُ بِثُلُثَيْهِ ثُلُثَيْ بَقِيَّةِ التَّرِكَةِ ، فَيُعْتَقُ مِنْهُ ثَمَانِيَةُ أَتْسَاعِهِ ، وَيَبْقَى تُسْعُهُ وَثُلُثُ أَخِيهِ لِلْمَوْلَى .\rوَيُحْتَمَلُ أَنْ يُعْتَقَ كُلُّهُ ، وَيَرِثَ أَخَاهُ ، فَيُعْتَقَانِ جَمِيعًا ، لِأَنَّهُ يَصِيرُ بِالْإِعْتَاقِ وَارِثًا لِثُلُثَيْ التَّرِكَةِ ، فَتَنْفُذُ إجَازَتُهُ فِي إعْتَاقِ بَاقِيهِ ، فَتَكْمُلُ لَهُ الْحُرِّيَّةُ ، ثُمَّ يَكْمُلُ الْمِيرَاثُ لَهُ وَفِي قِيَاسِ قَوْلِ أَبِي الْخَطَّابِ : يُعْتَقُ ثُلُثَاهُ ، وَلَا يَرِثُ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ وَرِثَ لَكَانَ إعْتَاقَ وَصِيَّةٍ لَهُ ، فَيَبْطُلُ إعْتَاقُهُ ، ثُمَّ يَبْطُلُ إرْثُهُ ، فَيُؤَدِّي تَوْرِيثُهُ إلَى إبْطَالِ تَوْرِيثِهِ .\rوَهَذَا قَوْلٌ لِلشَّافِعِي ، وَيَبْقَى ثُلُثُهُ وَابْنُ الْعَمِّ الْآخَرُ لِلْمَوْلَى .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يُعْتَقُ ثُلُثَا الْمُعْتَقِ ، وَيَسْعَى فِي قِيمَةِ ثُلُثِهِ ، وَلَا يَرِثُ .\rوَقَالَ أَبُو يُوسُف ، وَمُحَمَّدٌ : يُعْتَقُ كُلُّهُ ، وَيُعْتَقُ عَلَيْهِ أَخُوهُ بِالْهِبَةِ ، وَيَكُونَانِ أَحَقَّ بِالْمِيرَاثِ مِنْ الْمَوْلَى ، فَإِنْ كَانَ لِلْمَيِّتِ مَالٌ سِوَاهُمَا ، أَخَذَ ذَلِكَ الْمَالَ بِالْمِيرَاثِ ، وَيَغْرَمُ الْمُعْتِقُ لِأَخِيهِ الْمَوْهُوبِ نِصْفَ قِيمَةِ نَفْسِهِ وَنِصْفَ قِيمَةِ أَخِيهِ ؛ لِأَنَّ عِتْقَ الْأَوَّلِ وَصِيَّةٌ لَهُ ، وَلَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ .\rوَقَدْ صَارَ وَارِثًا مَعَ أَخِيهِ ، فَوَرِثَ نِصْفَ قِيمَةِ رَقَبَتِهِ ، وَنِصْفَ قِيمَةِ أَخِيهِ ، وَوَرِثَ أَخُوهُ الْبَاقِيَ ، وَكَانَ أَخُوهُ الْمَوْهُوبُ لَهُ هِبَةً مِنْ الْمَرِيضِ لَهُ ، فَعَتَقَ بِقَرَابَتِهِ مِنْهُ ، وَلَمْ يُعْتَقْ مِنْ الْمَرِيضِ ، فَلَمْ يَكُنْ عِتْقُهُ وَصِيَّةً ، بَلْ اسْتَهْلَكَهَا بِالْعِتْقِ الَّذِي جَرَى فِيهَا ، فَيَغْرَمُ الْأَوَّلُ نِصْفَ قِيمَتِهِ وَنِصْفَ","part":13,"page":159},{"id":6159,"text":"قِيمَةِ أَخِيهِ لِأَخِيهِ .\rوَأَمَّا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، فَإِنْ كَانَ الْمَيِّتُ لَمْ يَدَعْ وَارِثًا غَيْرَهُمَا عَتَقَا ، وَغَرِمَ الْأَوَّلُ لِأَخِيهِ نِصْفَ قِيمَةِ أَخِيهِ ، وَلَمْ يَغْرَمْ لَهُ نِصْفَ قِيمَةِ نَفْسِهِ ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَدَعْ وَارِثًا ، جَازَتْ وَصِيَّتُهُ ؛ لِأَنَّهُمَا لَا يَرِثَانِ ، وَلَا يُعْتَقَانِ حَتَّى تَجُوزَ وَصِيَّةُ الْأَوَّلِ ، لِأَنَّهُ مَتَى بَقِيَتْ عَلَيْهِ سِعَايَةٌ ، لَمْ يَرِثْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا ، وَلَمْ يُعْتَقْ ، فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَنْفُذَ لِلْمُعْتَقِ وَصِيَّةً لِيَصِيرَ حُرًّا فَيُعْتَقَ أَخُوهُ بِعِتْقِهِ ، وَقَدْ جَازَتْ لَهُ الْوَصِيَّةُ فِي جَمِيعِ رَقَبَتِهِ ؛ لِأَنَّ الْمَيِّتَ إذَا لَمْ يَدَعْ وَارِثًا ، جَازَتْ وَصِيَّتُهُ بِجَمِيعِ مَالِهِ ، وَيَرِثَانِ جَمِيعًا ، وَيَرْجِعُ الثَّانِي عَلَى الْأَوَّلِ بِنِصْفِ قِيمَتِهِ ؛ لِأَنَّهُ يَقُول : قَدْ صِرْت أَنَا وَأَنْتَ وَارِثَيْنِ ، فَلَا تَأْخُذْ مِنْ الْمِيرَاثِ شَيْئًا دُونِي ، وَقَدْ كَانَتْ رَقَبَتِي لَك وَصِيَّةً وَعَتَقَتْ مِنْ قِبَلِك ، فَاضْمَنْ لِي نِصْفَ رَقَبَتِي .\rفَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا وَهُنَاكَ مَالٌ غَيْرُهُمَا ، أَخَذَ الثَّانِي نِصْفَهُ ، ثُمَّ أَخَذَ مِنْ النِّصْفِ الثَّانِي نِصْفَ قِيمَةِ نَفْسِهِ ، وَكَانَ مَا بَقِيَ مِيرَاثًا لِأَخِيهِ الْأَوَّلِ .","part":13,"page":160},{"id":6160,"text":"( 4701 ) فَصْلٌ : وَإِذَا كَانَ لِلْمَرِيضِ ثَلَاثَةُ آلَافٍ ، فَتَبَرَّعَ بِأَلْفٍ ، ثُمَّ اشْتَرَى أَبَاهُ مِمَّا بَقِيَ وَلَهُ ابْنٌ ، فَعَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ لَيْسَ الشِّرَاءُ وَصِيَّةً : يُعْتَقُ الْأَبُ وَيَنْفُذُ مِنْ التَّبَرُّعِ قَدْرُ ثُلُثِ الْمَالِ حَالَ الْمَوْتِ ، وَمَا بَقِيَ فَلِلْأَبِ سُدُسُهُ ، وَبَاقِيهِ لِلِابْنِ .\rعَلَى قَوْلِ الْقَاضِي وَمَنْ جَعَلَهُ وَصِيَّةً : لَا يُعْتَقُ أَبٌ ؛ لِأَنَّ تَبَرُّعَ الْمَرِيضِ إنَّمَا يَنْفُذُ فِي الثُّلُثِ ، وَيُقَدَّمُ الْأَوَّلُ فَالْأَوَّلُ ، وَإِذَا قُدِّمَ التَّبَرُّعُ لَمْ يَبْقَ مِنْ الثُّلُثِ شَيْءٌ ، وَيَرِثُهُ الِابْنُ ، فَيُعْتَقُ عَلَيْهِ ، وَلَا يَرِثُ ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا عَتَقَ بَعْدَ الْمَوْتِ .\rوَإِنْ وُهِبَ لَهُ أَبُوهُ ، عَتَقَ ، وَوَرِثَ ؛ لِأَنَّ الْهِبَةَ لَيْسَتْ بِوَصِيَّةٍ ، وَكَذَلِكَ إنْ وَرِثَهُ وَإِنْ اشْتَرَى أَبَاهُ ، ثُمَّ أَعْتَقَهُ ، لَمْ يُعْتَقْ عَلَى قَوْلِ الْقَاضِي ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يُعْتَقْ بِالْمِلْكِ ، وَهُوَ أَقْوَى مِنْ الْإِعْتَاقِ بِالْقَوْلِ ، بِدَلِيلِ نُفُوذِهِ فِي حَقِّ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ ، فَأَوْلَى أَنْ لَا يَنْفُذَ بِالْقَوْلِ .","part":13,"page":161},{"id":6161,"text":"( 4702 ) فَصْلٌ : وَإِنْ مَلَكَ الْمَرِيضُ مَنْ يَرِثُهُ مِمَّنْ لَا يُعْتَقُ عَلَيْهِ ، كَابْنِ عَمِّهِ ، فَأَعْتَقَهُ فِي مَرَضِهِ ، كَانَ إعْتَاقُهُ وَصِيَّةً مُعْتَبَرَةً مِنْ الثُّلُثِ ، بِدَلِيلِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقْرَعَ بَيْنَ الْعَبِيدِ الَّذِينَ أَعْتَقَهُمْ مَالِكُهُمْ عِنْدَ مَوْتِهِ ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ سِوَاهُمْ ، فَاعْتُبِرَ عِتْقُهُمْ مِنْ الثُّلُثِ .\rفَعَلَى هَذَا يُعْتَبَرُ خُرُوجُ الْمُعْتَقِ مِنْ الثُّلُثِ ، فَإِنْ خَرَجَ مِنْ الثُّلُثِ عَتَقَ وَلَمْ يَرِثْ .\rذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ فِي مَرِيضٍ مَلَكَ ابْنَ عَمِّهِ فِي مَرَضِهِ ، فَأَقَرَّ بِأَنَّهُ كَانَ أَعْتَقَهُ فِي صِحَّتِهِ ، عَتَقَ وَلَمْ يَرِثْ .\rلِأَنَّهُ لَوْ وَرِثَ لَكَانَ إقْرَارُهُ لِوَارِثٍ ، فَلَا يُقْبَلُ ، فَيُؤَدِّي تَوْرِيثُهُ إلَى إبْطَالِ عِتْقِهِ ، ثُمَّ يَبْطُلُ مِيرَاثُهُ ، فَكَانَ إعْتَاقُهُ مِنْ غَيْرِ تَوْرِيثٍ أَوْلَى .\rوَمُقْتَضَى قَوْلِ الْقَاضِي ، أَنَّهُ يُعْتَقُ وَيَرِثُ ؛ لِأَنَّهُ حُرٌّ حِينَ مَوْتِ مَوْرُوثِهِ ، لَيْسَ بِقَاتِلٍ ، وَلَا مُخَالِفٍ لِدِينِهِ ، وَيَرِثُ ، كَمَا لَوْ وَرِثَهُ .\rوَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ الثُّلُثِ ، عَتَقَ مِنْهُ بِقَدْرِ الثُّلُثِ .\rوَلَا يَرِثُ ، عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ .\rوَعَلَى قَوْلِ الْقَاضِي ، يَنْبَغِي أَنْ يَرِثَ بِقَدْرِ مَا فِيهِ مِنْ الْحُرِّيَّةِ ، عَلَى مَا يُذْكَرُ فِي الْمُعْتَقِ بَعْضُهُ .","part":13,"page":162},{"id":6162,"text":"( 4703 ) فَصْلٌ : وَمَا لَزِمَ الْمَرِيضَ فِي مَرَضِهِ مِنْ حَقٍّ لَا يُمْكِنُهُ دَفْعُهُ وَإِسْقَاطُهُ ، كَأَرْشِ الْجِنَايَةِ ، وَجِنَايَةِ عَبْدِهِ ، وَمَا عَاوَضَ عَلَيْهِ بِثَمَنِ الْمِثْلِ ، وَمَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِمِثْلِهِ ، فَهُوَ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ .\rلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا .\rوَهَذَا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ .\rوَكَذَلِكَ النِّكَاحُ بِمَهْرِ الْمِثْلِ جَائِزٌ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ ؛ لِأَنَّهُ صَرْفٌ لِمَالِهِ فِي حَاجَةِ نَفْسِهِ ، فَيُقَدَّمُ بِذَلِكَ عَلَى وَارِثِهِ .\rوَكَذَلِكَ لَوْ اشْتَرَى جَارِيَةً يَسْتَمْتِعُ بِهَا ، كَثِيرَةَ الثَّمَنِ ، بِثَمَنِ مِثْلِهَا ، أَوْ اشْتَرَى مِنْ الْأَطْعِمَةِ الَّتِي لَا يَأْكُلُ مِثْلُهُ مِنْهَا جَازَ ، وَصَحَّ شِرَاؤُهُ ؛ لِأَنَّهُ صَرْفٌ لِمَالِهِ فِي حَاجَتِهِ ، وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ ، أَوْ مَاتَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ ، قُدِّمَ بِذَلِكَ عَلَى وَارِثِهِ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى { : مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ } .","part":13,"page":163},{"id":6163,"text":"( 4704 ) فَصْلٌ فَأَمَّا إنْ قَضَى الْمَرِيضُ بَعْضَ غُرَمَائِهِ ، وَوَفَّتْ تَرِكَتُهُ بِسَائِرِ الدُّيُونِ صَحَّ قَضَاؤُهُ ، وَلَمْ يَكُنْ لِسَائِرِ الْغُرَمَاءِ الِاعْتِرَاضُ عَلَيْهِ .\rوَإِنْ لَمْ يَفِ بِهَا ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، أَنَّ لِسَائِرِ الْغُرَمَاءِ الرُّجُوعَ عَلَيْهِ ، وَمُشَارَكَتَهُ فِيمَا أَخَذَهُ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّ حُقُوقَهُمْ تَعَلَّقَتْ بِمَالِهِ بِمَرَضِهِ ، فَمَنَعَتْ تَصَرُّفَهُ فِيهِ بِمَا يَنْقُصُ دُيُونَهُمْ ، كَتَبَرُّعِهِ ، وَلِأَنَّهُ لَوْ وَصَّى بِقَضَاءِ بَعْضِ دُيُونِهِ لَمْ يَجُزْ ، فَكَذَلِكَ إذَا قَضَاهَا .\rوَالثَّانِي ، أَنَّهُمْ لَا يَمْلِكُونَ الِاعْتِرَاضَ عَلَيْهِ ، وَلَا مُشَارَكَتَهُ .\rوَهُوَ قِيَاسُ قَوْلِ أَحْمَدَ ، وَمَنْصُوصُ الشَّافِعِيِّ .\rلِأَنَّهُ أَدَّى وَاجِبًا عَلَيْهِ ، فَصَحَّ ، كَمَا لَوْ اشْتَرَى شَيْئًا فَأَدَّى ثَمَنَهُ ، أَوْ بَاعَ بَعْضَ مَالِهِ وَسَلَّمَهُ ، وَيُفَارِقُ الْوَصِيَّةَ ، فَإِنَّهُ لَوْ اشْتَرَى ثِيَابًا مُثَمَّنَةً صَحَّ ، وَلَوْ وَصَّى بِتَكْفِينِهِ فِي ثِيَابٍ مُثَمَّنَةٍ لَمْ يَصِحَّ ، يُحَقِّقُ هَذَا أَنَّ إيفَاءَ ثَمَنِ الْمَبِيعِ قَضَاءٌ لِبَعْضِ غُرَمَائِهِ ، وَقَدْ صَحَّ عَقِيبَ الْبَيْعِ ، فَكَذَلِكَ إذَا تَرَاخَى ، إذْ لَا أَثَرَ لِتَرَاخِيهِ .","part":13,"page":164},{"id":6164,"text":"( 4705 ) فَصْلٌ : وَإِذَا تَبَرَّعَ الْمَرِيضُ ، أَوْ أَعْتَقَ ، ثُمَّ أَقَرَّ بِدَيْنٍ ، لَمْ يَبْطُلْ تَبَرُّعُهُ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، فِي مَنْ أَعْتَقَ عَبْدَهُ فِي مَرَضِهِ ، ثُمَّ أَقَرَّ بِدَيْنٍ .\rعَتَقَ الْعَبْدُ ، وَلَمْ يُرَدَّ إلَى الرِّقِّ .\rوَهَذَا لِأَنَّ الْحَقَّ يَثْبُتُ بِالتَّبَرُّعِ فِي الظَّاهِرِ ، فَلَمْ يُقْبَلْ إقْرَارُهُ فِيمَا يَبْطُلُ بِهِ حَقُّ غَيْرِهِ .","part":13,"page":165},{"id":6165,"text":"( 4706 ) فَصْلٌ : وَيُعْتَبَرُ فِي الْمَرِيضِ الَّذِي هَذِهِ أَحْكَامُهُ شَرْطَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، أَنْ يَتَّصِلَ بِمَرَضِهِ الْمَوْتُ ، وَلَوْ صَحَّ فِي مَرَضِهِ الَّذِي أَعْطَى فِيهِ ، ثُمَّ مَاتَ بَعْدَ ذَلِكَ ، فَحُكْمُ عَطِيَّتِهِ حُكْمُ عَطِيَّةِ الصَّحِيحِ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَرَضِ الْمَوْتِ .\rالثَّانِي ، أَنْ يَكُونَ مَخُوفًا ، وَالْأَمْرَاضُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ ؛ غَيْرُ مَخُوفٍ ، مِثْل وَجَعِ الْعَيْنِ ، وَالضِّرْسِ ، وَالصُّدَاعِ الْيَسِيرِ ، وَحُمَّى سَاعَةٍ ، فَهَذَا حُكْمُ صَاحِبِهِ حُكْمُ الصَّحِيحِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُخَافُ مِنْهُ فِي الْعَادَةِ الضَّرْبُ الثَّانِي ، الْأَمْرَاضُ الْمُمْتَدَّةُ ؛ كَالْجُذَامِ ، وَحُمَّى الرُّبْعِ ، وَالْفَالِجِ فِي انْتِهَائِهِ ، وَالسُّلِّ فِي ابْتِدَائِهِ ، وَالْحُمَّى الْغِبِّ ، فَهَذَا الضَّرْبُ إنْ أُضْنِيَ صَاحِبُهَا عَلَى فِرَاشِهِ ، فَهِيَ مَخُوفَةٌ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ صَاحِبَ فِرَاشٍ ، بَلْ كَانَ يَذْهَبُ وَيَجِيءُ ، فَعَطَايَاهُ مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ .\rقَالَ الْقَاضِي : هَذَا تَحْقِيقُ الْمَذْهَبِ فِيهِ .\rوَقَدْ رَوَى حَرْبٌ ، عَنْ أَحْمَدَ ، فِي وَصِيَّةِ الْمَجْذُومِ وَالْمَفْلُوجِ : مِنْ الثُّلُثِ .\rوَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُمَا صَارَا صَاحِبَيْ فِرَاشٍ .\rوَبِهِ يَقُولُ الْأَوْزَاعِيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ .\rوَذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ وَجْهًا فِي صَاحِبِ الْأَمْرَاضِ الْمُمْتَدَّةِ ، أَنَّ عَطِيَّتَهُ مِنْ صُلْبِ الْمَالِ وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُخَافُ تَعْجِيلُ الْمَوْتِ فِيهِ ، وَإِنْ كَانَ لَا يَبْرَأُ فَهُوَ كَالْهَرِمِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ مَرِيضٌ صَاحِبُ فِرَاشٍ يَخْشَى التَّلَفَ ، فَأَشْبَهَ صَاحِبَ الْحُمَّى الدَّائِمَةِ ، وَأَمَّا الْهَرِمُ فَإِنْ صَارَ صَاحِبَ فِرَاشٍ ، فَهُوَ كَمَسْأَلَتِنَا .\rالضَّرْبُ الثَّالِثُ ، مَنْ تَحَقَّقَ تَعْجِيلُ مَوْتِهِ ، فَيُنْظَرُ فِيهِ ؛ فَإِنْ كَانَ عَقْلُهُ قَدْ اخْتَلَّ ، مِثْلَ مَنْ ذُبِحَ ، أَوْ أُبِينَتْ حَشْوَتُهُ ، فَهَذَا لَا حُكْمَ لِكَلَامِهِ وَلَا لِعَطِيَّتِهِ ، لِأَنَّهُ لَا يَبْقَى لَهُ عَقْلٌ ثَابِتٌ ، وَإِنْ كَانَ ثَابِتَ الْعَقْلِ ، كَمَنْ خُرِقَتْ","part":13,"page":166},{"id":6166,"text":"حَشْوَتُهُ ، أَوْ اشْتَدَّ مَرَضُهُ وَلَمْ يَتَغَيَّرْ عَقْلُهُ ، صَحَّ تَصَرُّفُهُ وَتَبَرُّعُهُ ، وَكَانَ تَبَرُّعُهُ مِنْ الثُّلُثِ ، فَإِنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ خَرَجَتْ حَشْوَتُهُ ، فَقُبِلَتْ وَصِيَّتُهُ ، وَلَمْ يُخْتَلَفْ فِي ذَلِكَ .\rوَعَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بَعْدَ ضَرْبِ ابْنِ مُلْجَمٍ أَوْصَى وَأَمَرَ وَنَهَى ، فَلَمْ يُحْكَمْ بِبُطْلَانِ قَوْلِهِ .\rالضَّرْبُ الرَّابِعُ ، مَرَضٌ مَخُوفٌ ، لَا يَتَعَجَّلُ مَوْتُ صَاحِبِهِ يَقِينًا ، لَكِنَّهُ يَخَافُ ذَلِكَ ، كَالْبِرْسَامِ ، وَهُوَ بُخَارٌ يَرْقَى إلَى الرَّأْسِ ، وَيُؤَثِّرُ فِي الدِّمَاغِ ، فَيَخْتَلُّ الْعَقْلُ ، وَالْحُمَّى الصَّالِبُ ، وَالرُّعَافُ الدَّائِمُ ؛ لِأَنَّهُ يُصَفِّي الدَّمَ ، فَيُذْهِبُ الْقُوَّةَ ، وَذَاتَ الْجَنْبِ وَهُوَ قُرْحٌ بِبَاطِنِ الْجَنْبِ ، وَوَجَعِ الْقَلْبِ وَالرِّئَةِ ؛ فَإِنَّهَا لَا تَسْكُنُ حَرَكَتُهَا ، فَلَا يَنْدَمِلُ جُرْحُهَا ، وَالْقُولَنْجِ ، وَهُوَ أَنْ يَنْعَقِدَ الطَّعَامُ فِي بَعْضِ الْأَمْعَاءِ ، وَلَا يَنْزِلُ عَنْهُ ، فَهَذِهِ كُلُّهَا مَخُوفَةٌ ، سَوَاءٌ كَانَ مَعَهَا حُمَّى أَوْ لَمْ يَكُنْ ، وَهِيَ مَعَ الْحُمَّى أَشَدُّ خَوْفًا .\rفَإِنْ ثَاوَرَهُ الدَّمُ ، وَاجْتَمَعَ فِي عُضْوٍ ، كَانَ مَخُوفًا ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْحَرَارَةِ الْمُفْرِطَةِ .\rوَإِنْ هَاجَتْ بِهِ الصَّفْرَاءُ ، فَهِيَ مَخُوفَةٌ ؛ لِأَنَّهَا تُورِثُ يُبُوسَةً ، وَكَذَلِكَ الْبَلْغَمُ إذَا هَاجَ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ شِدَّةِ الْبُرُودَةِ ، وَقَدْ تَغْلِبُ عَلَى الْحَرَارَةِ الْغَرِيزِيَّةِ فَتُطْفِئُهَا .\rوَالطَّاعُونُ مَخُوفٌ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ شِدَّةِ الْحَرَارَةِ ، إلَّا أَنَّهُ يَكُونُ فِي جَمِيعِ الْبَدَنِ .\rوَأَمَّا الْإِسْهَالُ ، فَإِنْ كَانَ مُنْخَرِقًا لَا يُمْكِنُهُ مَنْعُهُ وَلَا إمْسَاكُهُ ، فَهُوَ مَخُوفٌ ، وَإِنْ كَانَ سَاعَةً ؛ لِأَنَّ مَنْ لَحِقَهُ ذَلِكَ أَسْرَعَ فِي هَلَاكِهِ .\rوَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُنْخَرِقًا ، لَكِنَّهُ يَكُونُ تَارَةً وَيَنْقَطِعُ أُخْرَى ، فَإِنْ كَانَ يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ ، فَلَيْسَ بِمَخُوفٍ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ قَدْ يَكُونُ مِنْ فَضْلَةِ الطَّعَامِ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ مَعَهُ زَحِيرٌ وَتَقْطِيعٌ كَأَنْ يَخْرُجَ مُتَقَطِّعًا ، فَإِنَّهُ","part":13,"page":167},{"id":6167,"text":"يَكُونُ مَخُوفًا ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُضْعِفُ .\rوَإِنْ دَامَ الْإِسْهَالُ ، فَهُوَ مَخُوفٌ ، سَوَاءٌ كَانَ مَعَهُ زَحِيرٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ .\rوَمَا أَشْكَلَ أَمْرُهُ مِنْ الْأَمْرَاضِ ، رُجِعَ فِيهِ إلَى قَوْلِ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ ، وَهُمْ الْأَطِبَّاءُ لِأَنَّهُمْ أَهْلُ الْخِبْرَةِ بِذَلِكَ وَالتَّجْرِبَةِ وَالْمَعْرِفَةِ ، وَلَا يُقْبَلُ إلَّا قَوْلُ طَبِيبَيْنِ مُسْلِمَيْنِ ثِقَتَيْنِ بَالِغَيْنِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّ الْوَارِثِ وَأَهْلُ الْعَطَايَا ، فَلَمْ يُقْبَلْ فِيهِ إلَّا ذَلِكَ .\rوَقِيَاسُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ ، أَنَّهُ يُقْبَلُ قَوْلُ الطَّبِيبِ الْعَدْلِ ، إذَا لَمْ يُقْدَرْ عَلَى طَبِيبَيْنِ ، كَمَا ذَكَرْنَا فِي بَابِ الدَّعَاوَى .\rفَهَذَا الضَّرْبُ وَمَا أَشْبَهِهِ ، عَطَايَاهُ صَحِيحَةٌ ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ قِصَّةِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَإِنَّهُ لَمَّا جُرِحَ سَقَاهُ الطَّبِيبُ لَبَنًا ، فَخَرَجَ مِنْ جُرْحِهِ ، فَقَالَ لَهُ الطَّبِيبُ : اعْهَدْ إلَى النَّاسِ .\rفَعَهِدَ إلَيْهِمْ وَوَصَّى ، فَاتَّفَقَ الصَّحَابَةُ عَلَى قَبُولِ عَهْدِهِ وَوَصِيَّتِهِ .\rوَأَبُو بَكْرٍ لَمَّا اشْتَدَّ مَرَضُهُ ، عَهِدَ إلَى عُمَرَ ، فَنَفَّذَ عَهْدَهُ .","part":13,"page":168},{"id":6168,"text":"( 4707 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَكَذَلِكَ الْحَامِلُ إذَا صَارَ لَهَا سِتَّةُ أَشْهُرٍ ) يَعْنِي عَطِيَّتَهَا مِنْ الثُّلُثِ .\rوَهَذَا قَوْلُ مَالِكٌ .\rوَقَالَ إِسْحَاقُ : إذَا أَثْقَلَتْ لَا يَجُوزُ لَهَا إلَّا الثُّلُثُ .\rوَلَمْ يَحِدْ .\rوَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ أَحْمَدَ .\rوَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ، وَعَطَاءٌ ، وَقَتَادَةُ : عَطِيَّةُ الْحَامِلِ مِنْ الثُّلُثِ .\rوَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : عَطِيَّةُ الْحَامِلِ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ ، مَا لَمْ يَضْرِبْهَا الْمَخَاضُ ، فَإِذَا ضَرَبَهَا الْمَخَاضُ ، فَعَطِيَّتُهَا مِنْ الثُّلُثِ وَبِهَذَا قَالَ النَّخَعِيُّ ، وَمَكْحُولٌ ، وَيَحْيَى الْأَنْصَارِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالْعَنْبَرِيُّ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ .\rوَهُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهَا قَبْلَ ضَرْبِ الْمَخَاضِ لَا تَخَافُ الْمَوْتَ ، وَلِأَنَّهَا إنَّمَا تَخَافُ الْمَوْتَ إذَا ضَرَبَهَا الطَّلْقُ ، فَأَشْبَهَتْ صَاحِبَ الْأَمْرَاضِ الْمُمْتَدَّةِ قَبْلَ أَنْ يَصِيرَ صَاحِبَ فِرَاشٍ .\rوَقَالَ الْحَسَنُ ، وَالزُّهْرِيُّ : عَطِيَّتُهَا كَعَطِيَّةِ الصَّحِيحِ .\rوَهُوَ الْقَوْلُ الثَّانِي لِلشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ سَلَامَتُهَا .\rوَوَجْهُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ أَنَّ سِتَّةَ الْأَشْهُرِ وَقْتٌ يُمْكِنُ الْوِلَادَةُ فِيهِ ، وَهِيَ مِنْ أَسْبَابِ التَّلَفِ وَالصَّحِيحُ إنْ شَاءَ اللَّهُ ، أَنَّهَا إذَا ضَرَبَهَا الطَّلْقُ ، كَانَ مَخُوفًا ؛ لِأَنَّهُ أَلَمٌ شَدِيدٌ يُخَافُ مِنْهُ التَّلَفُ ، فَأَشْبَهَتْ صَاحِبَ سَائِرِ الْأَمْرَاضِ الْمَخُوفَةِ .\rوَأَمَّا قَبْلَ ذَلِكَ ، فَلَا أَلَمَ بِهَا ، وَاحْتِمَالُ وُجُودِهِ خِلَافُ الْعَادَةِ ، فَلَا يَثْبُتُ الْحُكْمُ بِاحْتِمَالِهِ الْبَعِيدِ مَعَ عَدَمِهِ ، كَالصَّحِيحِ ، فَأَمَّا بَعْدَ الْوِلَادَةِ ، فَإِنْ بَقِيَتْ الْمَشِيمَةُ مَعَهَا ، فَهُوَ مَخُوفٌ ، وَإِنْ مَاتَ الْوَلَدُ مَعَهَا ، فَهُوَ مَخُوفٌ ؛ لِأَنَّهُ يَصْعُبُ خُرُوجُهُ ، وَإِنْ وَضَعَتْ الْوَلَدَ ، وَخَرَجَتْ الْمَشِيمَةُ ، وَحَصَلَ ثَمَّ وَرَمٌ أَوْ ضَرْبَانِ شَدِيدٌ ، فَهُوَ مَخُوفٌ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ ، فَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ فِي النُّفَسَاءِ : إنْ كَانَتْ تَرَى الدَّمَ","part":13,"page":169},{"id":6169,"text":"، فَعَطِيَّتُهَا مِنْ الثُّلُثِ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ بِذَلِكَ إذَا كَانَ مَعَهُ أَلَمٌ لِلُزُومِهِ لِذَلِكَ فِي الْغَالِبِ .\rوَيُحْتَمَلُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى ظَاهِرِهِ ، فَإِنَّهَا إذَا كَانَتْ تَرَى الدَّمَ ، كَانَتْ كَالْمَرِيضِ ، وَحُكْمُهَا بَعْدَ السَّقْطِ كَحُكْمِهَا بَعْدَ وَضْعِ الْوَلَدِ التَّامِّ .\rوَإِنْ أَسْقَطَتْ مُضْغَةً أَوْ عَلَقَةً ، فَلَا حُكْمَ لَهُ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ ثَمَّ مَرَضٌ أَوْ أَلَمٌ .\rوَهَذَا كُلُّهُ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ، إلَّا أَنَّ مُجَرَّدَ الدَّمِ عِنْدَهُ لَيْسَ بِمَخُوفٍ .","part":13,"page":170},{"id":6170,"text":"( 4708 ) فَصْلٌ : وَيَحْصُلُ الْخَوْفُ بِغَيْرِ مَا ذَكَرْنَاهُ ، فِي مَوَاضِعَ خَمْسَةٍ ، تَقُومُ مَقَامَ الْمَرَضِ ؛ أَحَدُهَا ، إذَا الْتَحَمَ الْحَرْبُ ، وَاخْتَلَطَتْ الطَّائِفَتَانِ لِلْقِتَالِ ، وَكَانَتْ كُلُّ طَائِفَةٍ مُكَافِئَةً لِلْأُخْرَى أَوْ مَقْهُورَةً .\rفَأَمَّا الْقَاهِرَةُ مِنْهُمَا بَعْدَ ظُهُورِهَا ، فَلَيْسَتْ خَائِفَةً .\rوَكَذَلِكَ إذَا لَمْ يَخْتَلِطُوا ، بَلْ كَانَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مُتَمَيِّزَةً ، سَوَاءٌ كَانَ بَيْنَهُمَا رَمْيٌ بِالسِّهَامِ أَوْ لَمْ يَكُنْ فَلَيْسَتْ حَالَةَ خَوْفٍ .\rوَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ الطَّائِفَتَيْنِ مُتَّفِقَتَيْنِ فِي الدِّينِ أَوْ مُفْتَرِقَتَيْنِ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ .\rوَنَحْوُهُ عَنْ مَكْحُولٍ .\rوَعَنْ الشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، كَقَوْلِ الْجَمَاعَةِ .\rوَالثَّانِي ، لَيْسَ بِمَخُوفٍ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَرِيضٍ .\rوَلَنَا ، أَنَّ تَوَقُّعَ التَّلَفِ هَاهُنَا كَتَوَقُّعِ الْمَرَضِ أَوْ أَكْثَرَ ، فَوَجَبَ أَنْ يُلْحَقَ بِهِ ، وَلِأَنَّ الْمَرَضَ إنَّمَا جُعِلَ مَخُوفًا لِخَوْفِ صَاحِبِهِ التَّلَفَ ، وَهَذَا كَذَلِكَ .\rقَالَ أَحْمَدُ : إذَا حَضَرَ الْقِتَالَ ، كَانَ عِتْقُهُ مِنْ الثُّلُثِ وَعَنْهُ : إذَا الْتَحَمَ الْحَرْبُ ، فَوَصِيَّتُهُ مِنْ الْمَالِ كُلِّهِ .\rفَيُحْتَمَلُ أَنْ يُجْعَلَ هَذَا رِوَايَةً ثَانِيَةً ، وَتُسَمَّى الْعَطِيَّةُ وَصِيَّةً تَجَوُّزًا ؛ لِكَوْنِهَا فِي حُكْمِ الْوَصِيَّةِ ، وَلِكَوْنِهَا عِنْدَ الْمَوْتِ .\rوَيُحْتَمَلُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى حَقِيقَتِهِ فِي صِحَّةِ الْوَصِيَّةِ مِنْ الْمَالِ كُلِّهِ .\rلَكِنْ يَقِفُ الزَّائِدُ عَلَى الثُّلُثِ عَلَى إجَازَةِ الْوَرَثَةِ ، فَإِنَّ حُكْمَ وَصِيَّةِ الصَّحِيحِ وَخَائِفِ التَّلَفِ وَاحِدٌ .\rالثَّانِيَةُ ، إذَا قُدِّمَ لِيُقْتَلَ ، فَهِيَ حَالَةُ خَوْفٍ ، سَوَاءٌ أُرِيدَ قَتْلُهُ لِلْقِصَاصِ ، أَوْ لِغَيْرِهِ .\rوَلِلشَّافِعِيِّ فِيهِ قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ مَخُوفٌ .\rوَالثَّانِي : إنْ جُرِحَ فَهُوَ مَخُوفٌ ، وَإِلَّا فَلَا ؛ لِأَنَّهُ صَحِيحُ الْبَدَنِ ، وَالظَّاهِرُ الْعَفْوُ عَنْهُ وَلَنَا ، أَنَّ التَّهْدِيدَ بِالْقَتْلِ جُعِلَ إكْرَاهًا يَمْنَعُ وُقُوعَ الطَّلَاقِ ،","part":13,"page":171},{"id":6171,"text":"وَصِحَّةَ الْبَيْعِ ، وَيُبِيحُ كَثِيرًا مِنْ الْمُحَرَّمَاتِ ، وَلَوْلَا الْخَوْفُ لَمْ تَثْبُتْ هَذِهِ الْأَحْكَامُ ، وَإِذَا حُكِمَ لِلْمَرِيضِ وَحَاضِرِ الْحَرْبِ بِالْخَوْفِ مَعَ ظُهُورِ السَّلَامَةِ ، وَبَعْدَ وُجُودِ التَّلَفِ ، فَمَعَ ظُهُورِ التَّلَفِ وَقُرْبِهِ أَوْلَى ، وَلَا عِبْرَةَ بِصِحَّةِ الْبَدَنِ فَإِنَّ الْمَرَضَ لَمْ يَكُنْ مُثْبِتًا لِهَذَا الْحُكْمِ لِعَيْنِهِ ، بَلْ لِخَوْفِ إفْضَائِهِ إلَى التَّلَفِ ، فَثَبَتَ الْحُكْمُ هَاهُنَا بِطَرِيقِ التَّنْبِيهِ ، لِظُهُورِ التَّلَفِ .\rالثَّالِثَةُ ، إذَا رَكِبَ الْبَحْرَ ، فَإِنْ كَانَ سَاكِنًا فَلَيْسَ بِمَخُوفٍ ، وَإِنْ تَمَوَّجَ وَاضْطَرَبَ وَهَبَّتْ الرِّيحُ الْعَاصِفُ ، فَهُوَ مَخُوفٌ .\rفَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَصَفَهُمْ بِشِدَّةِ الْخَوْفِ ، بِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ : { هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمْ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَان وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوْا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنْ الشَّاكِرِينَ } .\rالرَّابِعَةُ ، الْأَسِيرُ وَالْمَحْبُوسُ ، إذَا كَانَ مِنْ عَادَتِهِ الْقَتْلُ ، فَهُوَ خَائِفٌ ، عَطِيَّتُهُ مِنْ الثُّلُثِ ، وَإِلَّا فَلَا .\rوَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٍ ، وَابْنِ أَبِي لَيْلَى ، وَأَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ الْحَسَنُ لَمَّا حَبَسَ الْحَجَّاجُ إيَاسَ بْنَ مُعَاوِيَةَ : لَيْسَ لَهُ مِنْ مَالِهِ إلَّا الثُّلُثُ وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : عَطِيَّةُ الْأَسِيرِ مِنْ الثُّلُثِ .\rوَلَمْ يُفَرِّقْ .\rوَبِهِ قَالَ الزُّهْرِيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَإِسْحَاقُ .\rوَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ أَحْمَدَ .\rوَتَأَوَّلَ الْقَاضِي مَا رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ فِي هَذَا عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ التَّفْصِيلِ ابْتِدَاءً .\rوَقَالَ الشَّعْبِيُّ ، وَمَالِكٌ : الْغَازِي عَطِيَّتُهُ مِنْ الثُّلُثِ .\rوَقَالَ مَسْرُوقٌ : إذَا وَضَعَ رِجْلَهُ فِي الْغَرْزِ .\rوَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : الْمَحْصُورُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَالْمَحْبُوسُ يَنْتَظِرُ الْقَتْلَ أَوْ تُفْقَأُ","part":13,"page":172},{"id":6172,"text":"عَيْنَاهُ ، هُوَ فِي ثُلُثِهِ وَالصَّحِيحُ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ ، مَا ذَكَرْنَا مِنْ التَّفْصِيلِ ؛ لِأَنَّ مُجَرَّدَ الْحَبْسِ وَالْأَسْرِ مِنْ غَيْرِ خَوْفِ الْقَتْلِ لَيْسَ بِمَرَضٍ ، وَلَا هُوَ فِي مَعْنَى الْمَرَضِ فِي الْخَوْفِ ، فَلَمْ يَجُزْ إلْحَاقُهُ بِهِ ، وَإِذَا كَانَ الْمَرِيضُ الَّذِي لَا يَخَافُ التَّلَفَ عَطِيَّتُهُ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ ، فَغَيْرُهُ أَوْلَى .\rالْخَامِسَةُ ، إذَا وَقَعَ الطَّاعُونُ بِبَلْدَةٍ ، فَعَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ مَخُوفٌ .\rوَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ لَيْسَ بِمَخُوفٍ ؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِمَرَضٍ ، وَإِنَّمَا يُخَافُ الْمَرَضُ .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":13,"page":173},{"id":6173,"text":"( 4709 ) فَصْلٌ : وَيُعْتَبَرُ خُرُوجُ الْعَطِيَّةِ مِنْ الثُّلُثِ حَالَ الْمَوْتِ ، فَمَهْمَا خَرَجَ مِنْ الثُّلُثِ تَبَيَّنَّا أَنَّ الْعَطِيَّةَ صَحَّتْ فِيهِ حَالَ الْعَطِيَّةِ ، فَإِنْ نَمَا الْمُعْطَى أَوْ كَسَبَ شَيْئًا ، قُسِمَ بَيْنَ الْوَرَثَةِ وَبَيْنَ صَاحِبِهِ ، عَلَى قَدْرِ مَا لَهُمَا فِيهِ ، فَرُبَّمَا أَفْضَى إلَى الدَّوْرِ .\rفَمِنْ ذَلِكَ إذَا أَعْتَقَ عَبْدًا لَا مَالَ لَهُ سِوَاهُ ، فَكَسَبَ مِثْلَ قِيمَتِهِ فِي حَيَاةِ سَيِّدِهِ ، فَلِلْعَبْدِ مِنْ كَسْبِهِ بِقَدْرِ مَا عَتَقَ مِنْهُ ، وَبَاقِيهِ لِسَيِّدِهِ ، فَيَزْدَادُ بِهِ مَالُ السَّيِّدِ ، وَتَزْدَادُ الْحُرِّيَّةُ لِذَلِكَ ، وَيَزْدَادُ حَقُّهُ مِنْ كَسْبِهِ ، فَيَنْقُصُ بِهِ حَقُّ السَّيِّدِ ، مِنْ الْكَسْبِ ، وَيَنْقُصُ بِذَلِكَ قَدْرُ الْمُعْتَقِ مِنْهُ ، فَيُسْتَخْرَجُ ذَلِكَ بِالْجَبْرِ .\rفَيُقَالُ : عَتَقَ مِنْ الْعَبْدِ شَيْءٌ ، وَلَهُ مِنْ كَسْبِهِ شَيْءٌ ؛ لِأَنَّ كَسْبَهُ مِثْلُهُ ، وَلِلْوَرَثَةِ مِنْ الْعَبْدِ وَكَسْبِهِ شَيْئَانِ ، لِأَنَّ لَهُمْ مِثْلَيْ مَا عَتَقَ مِنْهُ ، وَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ شَيْءٌ ، وَلَا يُحْسَبُ عَلَى الْعَبْدِ مَا حَصَلَ لَهُ مِنْ كَسْبِهِ ؛ لِأَنَّهُ اسْتَحَقَّهُ بِجُزْئِهِ الْحُرِّ لَا مِنْ جِهَةِ سَيِّدِهِ ، فَصَارَ لِلْعَبْدِ شَيْئَانِ ، وَلِلْوَرَثَةِ شَيْئَانِ مِنْ الْعَبْدِ وَكَسْبِهِ ، فَيُقْسَمُ الْعَبْدُ وَكَسْبُهُ نِصْفَيْنِ ، يُعْتَقُ مِنْهُ نِصْفُهُ ، وَلَهُ نِصْفُ كَسْبِهِ ، وَلِلْوَرَثَةِ نِصْفُهُمَا .\rوَإِنْ كَسَبَ مِثْلَيْ قِيمَتِهِ ، فَلَهُ مِنْ كَسْبِهِ شَيْئَانِ ، صَارَ لَهُ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ ، وَلَهُمْ شَيْئَانِ ، فَيُقْسَمُ الْعَبْدُ وَكَسْبُهُ أَخْمَاسًا ، يُعْتَقُ مِنْهُ ثَلَاثَةُ أَخْمَاسِهِ ، وَلَهُ ثَلَاثَةُ أَخْمَاسِ كَسْبِهِ ، وَلِلْوَرَثَةِ خُمُسَاهُ وَخُمُسَا كَسْبِهِ .\rوَإِنْ كَسَبَ ثَلَاثَةَ أَمْثَالِ قِيمَتِهِ ، فَلَهُ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ مِنْ كَسْبِهِ مَعَ مَا عَتَقَ مِنْهُ ، وَلَهُمْ شَيْئَانِ ، فَيُعْتَقُ مِنْهُ ثُلُثَاهُ ، وَلَهُ ثُلُثَا كَسْبِهِ ، وَلَهُمْ الثُّلُثُ مِنْهُمَا .\rوَإِنْ كَسَبَ نِصْفَ قِيمَتِهِ ، عَتَقَ مِنْهُ شَيْءٌ ، وَلَهُ نِصْفُ شَيْءٍ ، وَلَهُمْ شَيْئَانِ ، فَالْجَمِيعُ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ","part":13,"page":174},{"id":6174,"text":"وَنِصْفٌ ، إذَا بَسَطْتهَا أَنْصَافًا صَارَتْ سَبْعَةً ، لَهُ ثَلَاثَةُ أَسْبَاعِهَا ، فَيُعْتَقُ ثَلَاثَةُ أَسْبَاعِهِ ، وَلَهُ ثَلَاثَةُ أَسْبَاعِ كَسْبِهِ ، وَالْبَاقِي لَهُمْ .\rإنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ مِائَةً ، فَكَسَبَ تِسْعَةً ، فَاجْعَلْ لَهُ مِنْ كُلِّ دِينَارٍ شَيْئًا ، فَقُلْ : عَتَقَ مِنْهُ مِائَةُ شَيْءٍ ، وَلَهُ مِنْ كَسْبِهِ تِسْعَةُ ، أَشْيَاءَ ، وَلَهُمْ مِائَتَا شَيْءٍ .\rوَيُعْتَقُ مِنْهُ مِائَةُ جُزْءٍ وَتِسْعَةُ أَجْزَاءٍ مِنْ ثَلَاثِمِائَةٍ وَتِسْعَةٍ ، وَلَهُ مِنْ كَسْبِهِ مِثْلُ ذَلِكَ ، وَلَهُمْ مِائَتَا جُزْءٍ مِنْ نَفْسِهِ وَمِائَتَانِ مِنْ كَسْبِهِ وَإِنْ كَانَ عَلَى السَّيِّدِ دَيْنٌ يَسْتَغْرِقُ قِيمَتَهُ وَقِيمَةَ كَسْبِهِ ، صُرِفَا فِي الدَّيْنِ وَلَمْ يُعْتَقْ مِنْهُ شَيْءٌ ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ مُقَدَّمٌ عَلَى التَّبَرُّعِ ، وَإِنْ لَمْ يَسْتَغْرِقْ قِيمَتَهُ وَقِيمَةَ كَسْبِهِ ، صُرِفَ مِنْ الْعَبْدِ وَكَسْبِهِ .\rمَا يَقْضِي بِهِ الدَّيْنَ ، وَمَا بَقِيَ مِنْهُمَا يُقْسَمُ عَلَى مَا يُعْمَلُ فِي الْعَبْدِ الْكَامِلِ وَكَسْبِهِ .\rفَلَوْ كَانَ عَلَى السَّيِّدِ دَيْنٌ كَقِيمَتِهِ ، صُرِفَ فِيهِ نِصْفُ الْعَبْدِ ، وَنِصْفُ كَسْبِهِ ، وَقُسِمَ الْبَاقِي بَيْنَ الْوَرَثَةِ وَالْعِتْقِ نِصْفَيْنِ .\rوَكَذَلِكَ بَقِيَّةُ الْكَسْبِ وَإِنْ كَسَبَ الْعَبْدُ مِثْلَ قِيمَتِهِ ، وَلِلسَّيِّدِ مَالٌ مِثْلُ قِيمَتِهِ ، قَسَمْت الْعَبْدَ وَمِثْلَيْ قِيمَتِهِ عَلَى الْأَشْيَاءِ الْأَرْبَعَةِ ، فَلِكُلِّ شَيْءٍ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعٍ ، فَيُعْتَقُ مِنْ الْعَبْدِ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهِ ، وَلَهُ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ كَسْبِهِ وَلَوْ أَعْتَقَ عَبْدًا قِيمَتُهُ عِشْرُونَ ، ثُمَّ أَعْتَقَ عَبْدًا قِيمَتُهُ عَشَرَةٌ ، فَكَسَبَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِثْلَ قِيمَتِهِ ، لَكَمُلَتْ الْحُرِّيَّةُ فِي الْعَبْدِ الْأَوَّلِ ، فَيُعْتَقُ مِنْهُ شَيْءٌ .\rوَلَهُ مِنْ كَسْبِهِ شَيْءٌ ، وَلِلْوَرَثَةِ شَيْئَانِ ، وَيُقْسَمُ الْعَبْدَانِ وَكَسْبُهُمَا عَلَى الْأَشْيَاءِ الْأَرْبَعَةِ ، فَيَكُونُ لِكُلِّ شَيْءٍ خَمْسَةَ عَشَرَ ، فَيُعْتَقُ مِنْهُ بِقَدْرِ ذَلِكَ ، وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهِ ، وَلَهُ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ كَسْبِهِ ، وَالْبَاقِي لَهُمْ .\rوَإِنْ بَدَأَ بِعِتْقِ","part":13,"page":175},{"id":6175,"text":"الْأَدْنَى عَتَقَ كُلُّهُ ، وَأَخَذَ كَسْبَهُ ، وَيَسْتَحِقُّ الْوَرَثَةُ مِنْ الْعَبْدِ الْآخَرِ وَكَسْبِهِ مِثْلَيْ الْعَبْدِ الَّذِي عَتَقَ ، وَهُوَ نِصْفُهُ وَنِصْفُ كَسْبِهِ ، وَيَبْقَى نِصْفُهُ وَنِصْفُ كَسْبِهِ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ ، فَيُعْتَقُ رُبُعُهُ ، وَلَهُ رُبُعُ كَسْبِهِ ، وَيَرِقُّ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهِ ، وَيَتْبَعُهُ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ كَسْبِهِ .\rوَذَلِكَ مِثْلَا مَا انْعَتَقَ مِنْهُمَا .\rوَإِنْ أَعْتَقَ الْعَبْدَيْنِ دَفْعَةً وَاحِدَةً ، قَرَعْنَا بَيْنَهُمَا ، فَمَنْ خَرَجَتْ لَهُ قُرْعَةُ الْحُرِّيَّةِ ، فَحُكْمُهُ كَمَا لَوْ بَدَأَ بِإِعْتَاقِهِ .","part":13,"page":176},{"id":6176,"text":"فَصْلٌ : وَإِنْ أَعْتَقَ ثَلَاثَةَ أَعْبُدٍ ، قِيمَتُهُمْ سَوَاءٌ ، وَعَلَيْهِ دَيْنٌ بِقَدْرِ قِيمَةِ أَحَدِهِمْ ، وَكَسَبَ أَحَدُهُمْ مِثْلَ قِيمَتِهِ ، أَقْرَعْنَا بَيْنَهُمْ لِإِخْرَاجِ الدَّيْنِ ، فَإِنْ وَقَعَتْ عَلَى غَيْرِ الْمُكْتَسِبِ بِيعَ فِي الدَّيْنِ ، ثُمَّ أَقْرَعْنَا بَيْنَ الْمُكْتَسِبِ وَالْآخَرِ ، لِأَجْلِ ، الْحُرِّيَّةِ فَإِنْ وَقَعَتْ عَلَى غَيْرِ الْمُكْتَسِبِ عَتَقَ كُلُّهُ ، وَالْمُكْتَسِبُ وَمَالُهُ لِلْوَرَثَةِ ، وَإِنْ وَقَعَتْ قُرْعَةُ الْحُرِّيَّةِ عَلَى الْمُكْتَسِبِ عَتَقَ مِنْهُ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهِ ، وَلَهُ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ كَسْبِهِ ، وَبَاقِيهِ وَبَاقِي كَسْبِهِ وَالْعَبْدُ الْآخَرُ لِلْوَرَثَةِ ، كَمَا قُلْنَا فِيمَا إذَا كَانَ لِلسَّيِّدِ مَالٌ بِقَدْرِ قِيمَتِهِ وَلَوْ وَقَعَتْ قُرْعَةُ الدَّيْنِ ابْتِدَاءً عَلَى الْمُكْتَسِبِ ، لَقَضَيْنَا الدَّيْنَ بِنِصْفِهِ وَنِصْفِ كَسْبِهِ ، ثُمَّ أَقْرَعْنَا بَيْنَ بَاقِيهِ وَبَيْنَ الْعَبْدَيْنِ الْآخَرَيْنِ فِي الْحُرِّيَّةِ ، فَإِنْ وَقَعَتْ عَلَى غَيْرِهِ عَتَقَ كُلُّهُ ، وَلِلْوَرَثَةِ مَا بَقِيَ ، وَإِنْ وَقَعَتْ عَلَى الْمُكْتَسِبِ ، عَتَقَ بَاقِيهِ ، وَأَخَذَ بَاقِيَ كَسْبِهِ ، ثُمَّ نَقْرَعُ بَيْنَ الْعَبْدَيْنِ لِإِتْمَامِ الثُّلُثِ ، فَمَنْ وَقَعَتْ عَلَيْهِ الْقُرْعَةُ ، عَتَقَ ثُلُثُهُ ، وَبَقِيَ ثُلُثَاهُ ، وَالْعَبْدُ الْآخَرُ لِلْوَرَثَةِ .\rلَوْ كَانَ الْعَبْدُ مَوْهُوبًا لَإِنْسَانٍ ، كَانَ لَهُ مِنْ الْعَبْدِ وَكَسْبِهِ مِثْلُ مَا لِلْعَبْدِ مِنْ كَسْبِهِ وَنَفْسِهِ ، فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ كُلِّهَا .","part":13,"page":177},{"id":6177,"text":"( 4711 ) فَصْلٌ : وَإِنْ أَعْتَقَ عَبْدَيْنِ مُتَسَاوِيَيْ الْقِيمَةِ ، بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ ، وَلَا مَالَ لَهُ غَيْرُهُمَا ، فَمَاتَ أَحَدُهُمَا ، أَقْرَعَ بَيْنَ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ ، فَإِنْ وَقَعَتْ عَلَى الْمَيِّتِ فَالْحَيُّ رَقِيقٌ ، وَتَبَيَّنَ أَنَّ الْمَيِّتَ نِصْفُهُ حُرٌّ ؛ لِأَنَّ مَعَ الْوَرَثَةِ مِثْلَيْ نِصْفِهِ ، وَإِنْ وَقَعَتْ عَلَى الْحَيِّ عَتَقَ ثُلُثُهُ ، وَلَا يُحْسَبُ الْمَيِّتُ عَلَى الْوَرَثَةِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَصِلْ إلَيْهِمْ .","part":13,"page":178},{"id":6178,"text":"( 4712 ) فَصْلٌ : رَجُلٌ أَعْتَقَ عَبْدًا ، لَا مَالَ لَهُ سِوَاهُ ، قِيمَتُهُ عَشْرَةٌ ، فَمَاتَ قَبْلَ سَيِّدِهِ ، وَخَلَّفَ عِشْرِينَ ، فَهِيَ لِسَيِّدِهِ بِالْوَلَاءِ ، وَتَبَيَّنَ أَنَّهُ مَاتَ حُرًّا ، وَكَذَلِكَ إنْ خَلَّفَ أَرْبَعِينَ وَبِنْتًا .\rوَإِنْ خَلَّفَ عَشْرَةً ، عَتَقَ مِنْهُ شَيْءٌ ، وَلَهُ مِنْ كَسْبِهِ شَيْءٌ ، وَلِسَيِّدِهِ شَيْئَانِ ، وَقَدْ حَصَلَ فِي يَدِ سَيِّدِهِ عَشْرَةٌ تَعْدِلُ شَيْئَيْنِ ، فَتَبَيَّنَ أَنَّ نِصْفَهُ حُرٌّ ، وَبَاقِيَهُ رَقِيقٌ ، وَالْعَشَرَةُ يَسْتَحِقُّهَا السَّيِّدُ ، نِصْفُهَا بِحُكْمِ الرِّقِّ ، وَنِصْفُهَا بِالْوَلَاءِ .\rفَإِنْ خَلَّفَ الْعَبْدُ ابْنًا ، فَلَهُ مِنْ رَقَبَتِهِ شَيْءٌ ، وَمِنْ كَسْبِهِ شَيْءٌ ، يَكُونُ لِأَبِيهِ بِالْمِيرَاثِ ، وَلِسَيِّدِهِ شَيْئَانِ ، فَتُقْسَمُ الْعَشَرَةُ عَلَى ثَلَاثَةٍ ، لِلِابْنِ ثُلُثُهَا ، وَلِلسَّيِّدِ ثُلُثَاهَا ، وَتَبَيَّنَ أَنَّهُ عَتَقَ مِنْ الْعَبْدِ ثُلُثُهُ وَإِنْ خَلَّفَ بِنْتًا ، فَلَهَا نِصْفُ شَيْءٍ ، وَلِلسَّيِّدِ شَيْئَانِ ، فَصَارَتْ الْعَشَرَةُ عَلَى خَمْسَةٍ ، لِلْبِنْتِ خُمُسُهَا ، وَلِلسَّيِّدِ أَرْبَعَةُ أَخْمَاسِهَا ، تَعْدِلُ شَيْئَيْنِ ، فَتَبَيَّنَ أَنَّ خُمُسَيْ الْعَبْدِ مَاتَ حُرًّا .\rوَإِنْ خَلَّفَ الْعَبْدُ عِشْرِينَ وَابْنًا ، فَلَهُ مِنْ كَسْبِهِ شَيْئَانِ ، يَكُونَانِ لِابْنِهِ ، وَلِسَيِّدِهِ شَيْئَانِ ، فَصَارَتْ الْعِشْرُونَ بَيْنَ السَّيِّدِ وَبَيْنَ ابْنِهِ نِصْفَيْنِ ، وَتَبَيَّنَ أَنَّهُ عَتَقَ مِنْهُ نِصْفُهُ .\rفَإِنْ مَاتَ الِابْنُ قَبْلَ مَوْتِ السَّيِّدِ ، وَكَانَ ابْنَ مُعْتَقِهِ ، وَرِثَهُ السَّيِّدُ ؛ لِأَنَّا تَبَيَّنَّا أَنَّ أَبَاهُ مَاتَ حُرًّا ، لِكَوْنِ السَّيِّدِ مَلَكَ عِشْرِينَ ، وَهِيَ مِثْلَا قِيمَتِهِ ، فَعَتَقَ ، وَجَرَّ وَلَاءَ ابْنِهِ إلَى سَيِّدِهِ ، فَوَرِثَهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ابْنَ مُعْتَقِهِ ، لَمْ يَنْجَرَّ وَلَاؤُهُ ، وَلَمْ يَرِثْهُ سَيِّدُ أَبِيهِ .\rوَكَذَلِكَ الْحُكْمُ لَوْ خَلَّفَ هَذَا الِابْنُ عِشْرِينَ ، وَلَمْ يُخَلِّفْ أَبُوهُ شَيْئًا ، أَوْ مَلَكَ السَّيِّدُ عِشْرِينَ مِنْ أَيِّ جِهَةٍ كَانَتْ .\rوَإِنْ لَمْ يَمْلِكْ عِشْرِينَ ، لَمْ يَنْجَرَّ وَلَاءُ الِابْنِ إلَيْهِ ؛ لِأَنَّ أَبَاهُ لَمْ","part":13,"page":179},{"id":6179,"text":"يُعْتَقْ ، وَإِنْ عَتَقَ بَعْضُهُ ، جَرَّ مِنْ وَلَاءِ ابْنِهِ بِقَدْرِهِ ، فَلَوْ خَلَّفَ الِابْنُ عَشَرَةً ، وَمَلَكَ السَّيِّدُ خَمْسَةً ، فَإِنَّك تَقُولُ : عَتَقَ مِنْ الْعَبْدِ شَيْءٌ ، وَيَجُرُّ مِنْ وَلَاءِ أَبِيهِ مِثْلَ ذَلِكَ ، وَيَحْصُلُ لَهُ مِنْ مِيرَاثِهِ شَيْءٌ مَعَ خَمْسَتِهِ ، وَهُمَا يَعْدِلَانِ شَيْئَيْنِ ، وَبَاقِي الْعَشَرَةِ لِمَوْلَى أُمِّهِ .\rفَيُقْسَمُ بَيْنَ السَّيِّدِ وَمَوْلَى الْأُمِّ نِصْفَيْنِ ، وَتَبَيَّنَ أَنَّهُ قَدْ عَتَقَ مِنْ الْعَبْدِ نِصْفُهُ ، وَحَصَلَ لِلسَّيِّدِ خُمُسُهُ مِنْ مِيرَاثِ ابْنِهِ ، وَكَانَتْ لَهُ خَمْسَةٌ ، وَذَلِكَ مِثْلَا مَا عَتَقَ مِنْ الْعَبْدِ .\rفَإِنْ مَاتَ الِابْنُ فِي حَيَاةِ أَبِيهِ قَبْلَ مَوْتِ سَيِّدِهِ ، وَخَلَّفَ مَالًا ، وَحَكَمْنَا بِعِتْقِ الْأَبِ أَوْ عِتْقِ بَعْضِهِ ، وَرِثَ مَالَ ابْنِهِ إنْ كَانَ حُرًّا ، أَوْ بِقَدْرِ مَا فِيهِ مِنْ الْحُرِّيَّةِ إنْ كَانَ بَعْضُهُ حُرًّا ، وَلَمْ يَرِثْ سَيِّدُهُ مِنْهُ شَيْئًا .\rوَفِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ خِلَافٌ تَرَكْت ذِكْرَهُ كَرَاهَةَ التَّطْوِيلِ .","part":13,"page":180},{"id":6180,"text":"( 4713 ) فَصْلٌ : فِي الْمُحَابَاةِ فِي الْمَرَضِ ، وَهِيَ أَنْ يُعَاوِضَ بِمَالِهِ ، وَيَسْمَحَ لِمَنْ عَاوَضَهُ بِبَعْضِ عِوَضِهِ ، وَهِيَ عَلَى أَقْسَامٍ ؛ الْقِسَمُ الْأَوَّلُ الْمُحَابَاةُ فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ .\rوَلَا يَمْنَعُ ذَلِكَ صِحَّةَ الْعَقْدِ ، فِي قَوْلِ الْجُمْهُورِ .\rوَقَالَ أَهْلُ الظَّاهِرِ : الْعَقْدُ بَاطِلٌ .\rوَلَنَا ، عُمُومُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى { : وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ } .\rوَلِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ صَدَرَ مِنْ أَهْلِهِ فِي مَحَلِّهِ ، فَصَحَّ ، كَغَيْرِ الْمَرِيضِ .\rفَلَوْ بَاعَ فِي مَرَضِهِ عَبْدًا لَا يَمْلِكُ غَيْرَهُ ، قِيمَتُهُ ثَلَاثُونَ بِعَشَرَةٍ ، فَقَدْ حَابَى الْمُشْتَرِيَ بِثُلُثَيْ مَالِهِ ، وَلَيْسَ لَهُ الْمُحَابَاةُ بِأَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ ، فَإِنْ أَجَازَ الْوَرَثَةُ ذَلِكَ لَزِمَ الْبَيْعُ .\rوَإِنْ لَمْ يُجِيزُوا فَاخْتَارَ الْمُشْتَرِي فَسْخَ الْبَيْعِ فَلَهُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الصَّفْقَةَ تَبَعَّضَتْ عَلَيْهِ ، وَإِنْ اخْتَارَ إمْضَاءَ الْبَيْعِ ، فَالصَّحِيحُ عِنْدِي أَنَّهُ يَأْخُذُ نِصْفَ الْمَبِيعِ بِنِصْفِ الثَّمَنِ ، وَيُفْسَخُ الْبَيْعُ فِي الْبَاقِي .\rوَهَذَا أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ .\rوَالْوَجْهُ الثَّانِي أَنَّهُ يَأْخُذُ ثُلُثَيْ الْمَبِيعِ بِالثَّمَنِ كُلِّهِ .\rوَإِلَى هَذَا أَشَارَ الْقَاضِي فِي نَحْوِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَحِقُّ ، الثُّلُثَ بِالْمُحَابَاةِ ، وَالثُّلُثَ الْآخَرَ بِالثَّمَنِ .\rوَقَالَ أَهْلُ الْعِرَاقِ : يُقَال لَهُ : إنْ شِئْت أَدَّيْت عَشَرَةً أُخْرَى وَأَخَذْت الْمَبِيعَ ، وَإِنْ شِئْت فَسَخْت وَلَا شَيْءَ لَك وَعِنْدَ مَالِكٍ : لَهُ أَنْ يَفْسَخَ وَيَأْخُذَ ثُلُثَ الْمَبِيعِ بِالْمُحَابَاةِ ، وَيُسَمِّيَهُ أَصْحَابُهُ خَلْعَ الثُّلُثِ .\rوَلَنَا أَنَّ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ مُقَابَلَةَ بَعْضِ الْمَبِيعِ بِقِسْطِهِ مِنْ الثَّمَنِ عِنْدَ تَعَذُّرِ أَخْذِ جَمْعَيْهِ بِجَمِيعِهِ ، فَصَحَّ ذَلِكَ ، كَمَا لَوْ اشْتَرَى سِلْعَتَيْنِ بِثَمَنٍ ، فَانْفَسَخَ الْبَيْعُ فِي إحْدَاهُمَا لِعَيْبٍ أَوْ غَيْرِهِ ، أَوْ كَمَا لَوْ اشْتَرَى شِقْصًا وَسَيْفًا ، فَأَخَذَ الشَّفِيعُ الشِّقْصَ ، أَوْ كَالشُّفَعَاءِ يَأْخُذُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ جُزْءًا مِنْ","part":13,"page":181},{"id":6181,"text":"الْمَبِيعِ بِقِسْطِهِ ، أَوْ كَمَا لَوْ اشْتَرَى قَفِيزًا يُسَاوِي ثَلَاثِينَ ، بِقَفِيزٍ قِيمَتُهُ عَشَرَةٌ وَأَمَّا الْوَجْهُ الَّذِي اخْتَارَهُ الْقَاضِي فَلَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّهُ أَوْجَبَ لَهُ الْمَبِيعَ بِثَمَنٍ ، فَيَأْخُذُ بَعْضَهُ بِالثَّمَنِ كُلِّهِ ، فَلَا يَصِحُّ ، كَمَا لَوْ قَالَ : بِعْتُك هَذَا بِمِائَةٍ .\rفَقَالَ : قَبِلْت نِصْفَهُ بِهَا .\rوَلِأَنَّهُ إذَا فَسَخَ الْبَيْعَ فِي بَعْضِهِ ، وَجَبَ أَنْ يَفْسَخَهُ فِي قَدْرِهِ مِنْ ثَمَنِهِ ، وَلَا يَجُوزُ فَسْخُ الْبَيْعِ فِيهِ مَعَ بَقَاءِ ثَمَنِهِ ، كَمَا لَا يَجُوزُ فَسْخُ الْبَيْعِ فِي الْجَمِيعِ مَعَ بَقَاءِ ثَمَنِهِ .\rوَأَمَّا قَوْلُ أَهْلِ الْعِرَاقِ ، فَإِنَّ فِيهِ إجْبَارَ الْوَرَثَةِ عَلَى الْمُعَاوَضَةِ عَلَى غَيْرِ الْوَجْهِ الَّذِي عَاوَضَ مُوَرِّثُهُمْ ، وَإِذَا فَسَخَ الْبَيْعَ ، لَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ إنَّمَا حَصَلَتْ فِي ضِمْنِ الْبَيْعِ .\rفَإِذَا بَطَلَ الْبَيْعُ زَالَتْ الْوَصِيَّةُ ، كَمَا لَوْ وَصَّى لِرَجُلٍ بِعَيْنِهِ أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ بِمِائَةٍ ، وَأَجْرُ مِثْلِهِ خَمْسُونَ ، فَطَلَبَ الْخَمْسِينَ الْفَاضِلَةَ بِدُونِ الْحَجِّ .\rوَإِنْ اشْتَرَى عَبْدًا يُسَاوِي عَشَرَةً بِثَلَاثِينَ ، فَإِنَّهُ يَأْخُذُ نِصْفَهُ بِنِصْفِ الثَّمَنِ .\rوَإِنْ بَاعَ الْعَبْدَ الَّذِي يُسَاوِي ثَلَاثِينَ بِخَمْسَةَ عَشَرَ ، جَازَ وَالْبَيْعُ فِي ثُلُثَيْهِ بِثُلُثَيْ الثَّمَنِ .\rوَعَلَى قَوْلِ الْقَاضِي ، لِلْمُشْتَرِي خَمْسَةُ أَسْدَاسِهِ بِكُلِّ الثَّمَنِ ، وَطَرِيقُ هَذَا أَنْ تَنْسُبَ الثَّمَنَ وَثُلُثَ الْمَبِيعِ إلَى قِيمَتِهِ ، فَيَصِحَّ الْبَيْعُ فِي مِقْدَارِ تِلْكَ النِّسْبَةِ ، وَهُوَ خَمْسَةُ أَسْدَاسِهِ وَعَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ ، يَسْقُطُ الثَّمَنُ مِنْ قِيمَةِ الْمَبِيعِ ، وَيُنْسَبُ الثُّلُثُ إلَى الْبَاقِي ، فَيَصِحُّ الْبَيْعُ فِي قَدْرِ تِلْكَ النِّسْبَةِ ، وَهُوَ ثُلُثَاهُ بِثُلُثَيْ الثَّمَنِ .\rفَإِنْ خَلَّفَ الْبَائِعُ عَشَرَةً أُخْرَى ، فَعَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ ، يَصِحُّ الْبَيْعُ فِي ثَمَانِيَةِ أَتْسَاعِهِ بِثَمَانِيَةِ أَتْسَاعِ الثَّمَنِ ، وَعَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي ، يَأْخُذُ الْمُشْتَرِي نِصْفَهُ وَأَرْبَعَةَ أَتْسَاعِهِ بِجَمِيعِ","part":13,"page":182},{"id":6182,"text":"الثَّمَنِ ، وَيَرُدُّ نِصْفَ تُسْعِهِ .\rوَإِنْ بَاعَ قَفِيزَ حِنْطَةٍ يُسَاوِي ثَلَاثِينَ ، بِقَفِيزٍ يُسَاوِي عَشَرَةً ، أَوْ بِقَفِيزٍ يُسَاوِي خَمْسَةَ عَشَرَ ، تَعَيَّنَ الْوَجْهُ الَّذِي اخْتَرْنَاهُ فِي قَوْلِ الْقَاضِي وَمَنْ وَافَقَهُ ؛ لِأَنَّ الْمُسَاوَاةَ هَاهُنَا شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الْبَيْعِ ، وَلَا تَحْصُلُ بِغَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ وَطَرِيقُ حِسَابِهَا بِالْجَبْرِ فِيمَا إذَا بَاعَهُ بِمَا يُسَاوِي ثُلُثَ قِيمَتِهِ ، أَنْ نَقُولَ : يَجُوزُ الْبَيْعُ فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَرْفَعِ بِشَيْءٍ مِنْ الْأَدْوَنِ ، وَقِيمَتُهُ ثُلُثُ شَيْءٍ ، فَتَكُونُ الْمُحَابَاةُ بِثُلُثَيْ شَيْءٍ ، أُلْقِهِمَا مِنْ الْأَرْفَعِ ، يَبْقَ قَفِيزٌ إلَّا ثُلُثَيْ شَيْءٍ يَعْدِلُ مِثْلَيْ الْمُحَابَاةِ ، وَذَلِكَ شَيْءٌ ، وَثُلُثُ شَيْءٍ ، فَإِذَا جَبَرَ بِهِ عَدَلَ شَيْئَيْنِ ، فَالشَّيْءُ نِصْفُ الْقَفِيزِ .","part":13,"page":183},{"id":6183,"text":"( 4714 ) فَصْلٌ : الْقِسْمُ الثَّانِي الْمُحَابَاةُ فِي التَّزْوِيجِ .\rإذَا تَزَوَّجَ فِي مَرَضِهِ امْرَأَةً ، صَدَاقُ مِثْلِهَا خَمْسَةٌ ، فَأَصْدَقَهَا عَشْرَةً لَا يَمْلِكُ سِوَاهَا ، ثُمَّ مَاتَ ، فَإِنْ وَرِثَتْهُ بَطَلَتْ الْمُحَابَاةُ ، إلَّا أَنْ يُجِيزَهَا سَائِرُ الْوَرَثَةِ ، وَإِنْ لَمْ تَرِثْهُ لِكَوْنِهَا مُخَالِفَةً لَهُ فِي الدِّينِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ ، فَلَهَا مَهْرُهَا وَثُلُثُ مَا حَابَاهَا بِهِ .\rوَإِنْ مَاتَتْ قَبْلَهُ ، فَوَرِثَهَا وَلَمْ تُخَلِّفْ مَالًا سِوَى مَا أَصْدَقَهَا ، دَخَلَهَا الدَّوْرُ ، فَتَصِحُّ الْمُحَابَاةُ فِي شَيْءٍ ، فَيَكُونُ لَهُ خَمْسَةٌ بِالصَّدَاقِ ، وَشَيْءٌ بِالْمُحَابَاةِ ، وَيَبْقَى لِوَرَثَةِ الزَّوْجِ خَمْسَةُ الْأَشْيَاءِ ، ثُمَّ رَجَعَ إلَيْهِمْ بِالْمِيرَاثِ نِصْفُ مَالِهَا .\rوَهُوَ اثْنَانِ وَنِصْفٌ وَنِصْفُ شَيْءٍ ، صَارَ لَهُمْ سَبْعَةٌ وَنِصْفٌ إلَّا نِصْفَ شَيْءٍ يَعْدِلُ شَيْئَيْنِ ، اُجْبُرْ وَقَابِلْ ، يَخْرُجْ الشَّيْءُ ثَلَاثَةً ، فَكَانَ لَهَا ثَمَانِيَةٌ ، رَجَعَ إلَى وَرَثَةِ الزَّوْجِ نِصْفُهَا أَرْبَعَةٌ ، صَارَ لَهُمْ سِتَّةٌ ، وَلِوَرَثَتِهَا أَرْبَعَةٌ .\rفَإِنْ تَرَكَ الزَّوْجُ خَمْسَةً أُخْرَى ، قُلْت : يَبْقَى مَعَ وَرَثَةِ الزَّوْجِ اثْنَا عَشَرَ وَنِصْفٌ إلَّا نِصْفَ شَيْءٍ يَعْدِلُ شَيْئَيْنِ ، فَالشَّيْءُ خَمْسَةٌ ، فَجَازَتْ لَهَا الْمُحَابَاةُ جَمِيعُهَا ، وَرَجَعَ جَمِيعُ مَا حَابَاهَا بِهِ إلَى وَرَثَةِ الزَّوْجِ ، وَبَقِيَ لِوَرَثَتِهَا صَدَاقُ مِثْلِهَا وَإِنْ كَانَ لِلْمَرْأَةِ خَمْسَةٌ ، وَلَمْ يَكُنْ لِلزَّوْجِ شَيْءٌ ، قُلْت : يَبْقَى مَعَ وَرَثَةِ الزَّوْجِ عَشْرَةٌ إلَّا نِصْفَ شَيْءٍ ، يَعْدِلُ شَيْئَيْنِ ، فَالشَّيْءُ أَرْبَعَةٌ ، فَيَكُونُ لَهَا بِالصَّدَاقِ تِسْعَةٌ مَعَ خُمُسِهَا أَرْبَعَةَ عَشَرَ ، رَجَعَ إلَى وَرَثَةِ الزَّوْجِ نِصْفُهَا مَعَ الدِّينَارِ الَّذِي بَقِيَ لَهُمْ ، صَارَ لَهُمْ ثَمَانِيَةٌ وَلِوَرَثَتِهَا سَبْعَةٌ .\rوَإِنْ كَانَ عَلَيْهَا دَيْنٌ ثَلَاثَةٌ ، قُلْت : يَبْقَى مَعَ وَرَثَةِ الزَّوْجِ سِتَّةٌ إلَّا نِصْفَ شَيْءٍ ، يَعْدِلُ شَيْئَيْنِ ، فَالشَّيْءُ دِينَارَانِ وَخُمُسَانِ .\rوَالْبَابُ فِي هَذَا أَنْ نَنْظُرَ مَا يَبْقَى فِي يَدِ وَرَثَةِ","part":13,"page":184},{"id":6184,"text":"الزَّوْجِ ، فَخُمْسَاهُ هُوَ الشَّيْءُ الَّذِي صَحَّتْ الْمُحَابَاةُ فِيهِ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ بَعْدَ الْجَبْرِ يَعْدِلُ شَيْئَيْنِ وَنِصْفًا ، وَالشَّيْءُ هُوَ خُمُسَا شَيْئَيْنِ وَنِصْفٍ ، وَإِنْ شِئْت أَسْقَطْت خَمْسَةً ، وَأَخَذْت نِصْفَ مَا بَقِيَ .","part":13,"page":185},{"id":6185,"text":"( 4715 ) فَصْلٌ : الْقِسْمُ الثَّالِثُ ، أَنْ يُخَالِعَهَا فِي مَرَضِهَا بِأَكْثَرَ مِنْ مَهْرِهَا ، فَمَذْهَبُ أَحْمَدَ أَنَّ لِوَرَثَتِهَا أَنْ لَا يُعْطُوهُ أَكْثَرَ مِنْ مِيرَاثِهِ مِنْهَا ، يَكُونُ لَهُ الْأَقَلُّ مِنْ الْعِوَضِ أَوْ مِيرَاثُهُ مِنْهَا .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إنْ خَالَعَهَا بَعْدَ دُخُولِهِ بِهَا ، وَمَاتَتْ قَبْلَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا ؛ لِأَنَّهَا مُتَّهَمَةٌ فِي أَنَّهَا قَصَدَتْ إيصَالَ أَكْثَرَ مِنْ مِيرَاثِهِ إلَيْهِ .\rوَعِنْدَ مَالِكٍ : إنْ زَادَ عَلَى مَهْرِ الْمِثْلِ ، فَالزِّيَادَةُ مَرْدُودَةٌ وَعَنْ مَالِكٍ ، أَنَّ خُلْعَ الْمَرِيضَةِ بَاطِلٌ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : الزِّيَادَةُ عَلَى مَهْرِ الْمِثْلِ مُحَابَاةٌ تُعْتَبَرُ مِنْ الثُّلُثِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إنْ خَالَعَهَا قَبْلَ دُخُولِهِ بِهَا ، أَوْ مَاتَ بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا ، فَالْعِوَضُ مِنْ الثُّلُثِ ، وَمِثَالُ ذَلِكَ : امْرَأَةٌ اخْتَلَعَتْ مِنْ زَوْجِهَا بِثَلَاثِينَ ، لَا مَالَ لَهَا سِوَاهَا ، وَصَدَاقُ مِثْلِهَا اثْنَا عَشَرَ ، فَلَهُ خَمْسَةَ عَشَرَ ، سَوَاءٌ قَلَّ صَدَاقُهَا أَوْ كَثُرَ ؛ لِأَنَّهَا قَدْرُ مِيرَاثِهِ .\rوَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ : لَهُ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ ، اثْنَا عَشَرَ لِأَنَّهَا قَدْرُ صَدَاقِهَا ، وَثُلُثُ بَاقِي الْمَالِ بِالْمُحَابَاةِ وَهُوَ سِتَّةٌ .\rوَإِنْ كَانَ صَدَاقُهَا سِتَّةً ، فَلَهُ أَرْبَعَةَ عَشَرَ ؛ لِأَنَّ ثُلُثَ الْبَاقِي ثَمَانِيَةٌ مَرِيضٌ تَزَوَّجَ امْرَأَةً عَلَى مِائَةٍ لَا يَمْلِكُ غَيْرَهَا ، وَمَهْرُ مِثْلِهَا عَشْرَةٌ ، ثُمَّ مَرِضَتْ ، فَاخْتَلَعَتْ مِنْهُ بِالْمِائَةِ ، وَلَا مَالَ لَهَا سِوَاهَا ، فَلَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا ، وَلَهَا شَيْءٌ بِالْمُحَابَاةِ ، وَالْبَاقِي لَهُ ، ثُمَّ رَجَعَ إلَيْهِ نِصْفُ مَالِهَا بِالْمُحَابَاةِ ، وَهُوَ خَمْسَةٌ وَنِصْفُ شَيْءٍ ، فَصَارَ مَعَ وَرَثَتِهِ خَمْسَةٌ وَتِسْعُونَ إلَّا نِصْفَ شَيْءٍ ، يَعْدِلُ شَيْئَيْنِ ، فَبَعْدَ الْجَبْرِ يَخْرُجُ الشَّيْءُ ثَمَانِيَةً وَثَلَاثِينَ ، فَقَدْ صَحَّ لَهَا بِالصَّدَاقِ وَالْمُحَابَاةِ ثَمَانِيَةٌ وَأَرْبَعُونَ ، وَبَقِيَ مَعَ وَرَثَتِهِ اثْنَانِ وَخَمْسُونَ ، وَرَجَعَ إلَيْهِمْ بِالْخُلْعِ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ ،","part":13,"page":186},{"id":6186,"text":"فَصَارَ مَعَهُمْ سِتَّةٌ وَسَبْعُونَ ، وَبَقِيَ لِلْمَرْأَةِ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ يَرْجِعُ إلَيْهِمْ صَدَاقُ الْمِثْلِ وَثُلُثُ شَيْءٍ بِالْمُحَابَاةِ ، فَصَارَ بِأَيْدِيهِمْ مِائَةٌ إلَّا ثُلُثَيْ شَيْءٍ ، يَعْدِلُ شَيْئَيْنِ ، فَالشَّيْءُ ثَلَاثَةُ أَثْمَانِهَا ، وَهُوَ سَبْعَةٌ وَثَلَاثُونَ وَنِصْفٌ ، فَصَارَ لَهَا ذَلِكَ وَمَهْرُ الْمِثْلِ ، رَجَعَ إلَيْهِ مَهْرُ الْمِثْلِ وَثُلُثُ الْبَاقِي اثْنَا عَشَرَ وَنِصْفٌ ، فَيَصِيرُ بِأَيْدِي وَرَثَتِهِ خَمْسَةٌ وَسَبْعُونَ ، وَهُوَ مِثْلَا مُحَابَاتِهَا .\rوَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ، يَرْجِعُ إلَيْهِمْ ثُلُثُ الْعُشْرِ وَثُلُثُ الشَّيْءِ ، فَصَارَ مَعَهُمْ ثَلَاثَةٌ وَتِسْعُونَ وَثُلُثٌ إلَّا ثُلُثَيْ شَيْءٍ ، فَالشَّيْءُ ثَلَاثَةُ أَثْمَانِهَا ، وَهُوَ خَمْسَةٌ وَثَلَاثُونَ مَعَ الْعَشَرَةِ ، صَارَ لَهَا خَمْسَةٌ وَأَرْبَعُونَ ، رَجَعَ إلَى الزَّوْجِ ثُلُثُهَا ، صَارَ لِوَرَثَتِهَا ثَلَاثُونَ وَلِوَرَثَتِهِ سَبْعُونَ ، هَذَا إذَا مَاتَتْ بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا وَإِنْ تَرَكَتْ الْمَرْأَةُ مِائَةً أُخْرَى ، فَعَلَى قَوْلِنَا يَبْقَى مَعَ وَرَثَةِ الزَّوْجِ مِائَةٌ وَخَمْسَةٌ وَأَرْبَعُونَ إلَّا نِصْفَ شَيْءٍ ، يَعْدِلُ شَيْئَيْنِ ، فَالشَّيْءُ خُمُسَا ذَلِكَ ، وَهُوَ ثَمَانِيَةٌ وَخَمْسُونَ ، وَهُوَ الَّذِي صَحَّتْ الْمُحَابَاةُ فِيهِ ، فَلَهَا ذَلِكَ وَعَشَرَةٌ بِالْمِثْلِ ، صَارَ لَهَا مِائَةٌ وَثَمَانِيَةٌ وَسِتُّونَ ، رَجَعَ إلَى الزَّوْجِ نِصْفُهَا أَرْبَعَةٌ وَثَمَانُونَ ، وَكَانَ الْبَاقِي مَعَهُ اثْنَانِ وَثَلَاثُونَ ، صَارَ لَهُ مِائَةٌ وَسِتَّةَ عَشَرَ ، وَلِوَرَثَتِهَا أَرْبَعَةٌ وَثَمَانُونَ .","part":13,"page":187},{"id":6187,"text":"( 4716 ) فَصْلٌ : فِي الْهِبَةِ ؛ رَجُلٌ وَهَبَ أَخَاهُ مِائَةً لَا يَمْلِكُ غَيْرَهَا ، فَقَبَضَهَا ، ثُمَّ مَاتَ ، وَخَلَّفَ بِنْتًا ، فَقَدْ صَحَّتْ الْهِبَةُ فِي شَيْءٍ ، وَالْبَاقِي لِلْوَاهِبِ ، وَرَجَعَ إلَيْهِ بِالْمِيرَاثِ نِصْفُ الشَّيْءِ الَّذِي جَازَتْ الْهِبَةُ فِيهِ ، صَارَ مَعَهُ مِائَةٌ إلَّا نِصْفَ شَيْءٍ ، يَعْدِلُ شَيْئَيْنِ ، فَالشَّيْءُ خُمُسَا ذَلِكَ أَرْبَعُونَ ، رَجَعَ إلَى الْوَاهِبِ نِصْفُهَا عِشْرُونَ ، صَارَ مَعَهُ ثَمَانُونَ ، وَبَقِيَ لِوَرَثَةِ أَخِي الْوَاهِبِ عِشْرُونَ .\rوَطَرِيقُهَا بِالْبَابِ أَنْ تَأْخُذَ عَدَدًا لِثُلُثِهِ نِصْفٌ ، وَهُوَ سِتَّةٌ ، فَتَأْخُذَ ثُلُثَهُ اثْنَيْنِ ، وَتُلْقِيَ نِصْفَهُ سَهْمًا ، يَبْقَى سَهْمٌ ، فَهُوَ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ ، وَيَبْقَى لِلْوَاهِبِ أَرْبَعَةٌ ، فَتَقْسِمَ الْمِائَةَ سَهْمٍ ، عَلَى خَمْسَةٍ ، وَالسَّهْمُ الَّذِي أَسْقَطْته لَا يُذْكَرُ ؛ لِأَنَّهُ يَرْجِعُ عَلَى جَمِيعِ السِّهَامِ الْبَاقِيَةِ بِالسَّوِيَّةِ ، فَيَجِبُ اطِّرَاحُهُ ، كَالسِّهَامِ الْفَاضِلَةِ عَنْ الْفُرُوضِ فِي مَسْأَلَةِ الرَّدِّ .\rوَشَبَهُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مِنْ مَسَائِلِ الرَّدِّ ، أُمٌّ وَأُخْتَانِ ، فَلِلْأُخْتَيْنِ أَرْبَعَةٌ ، وَلِلْأُمِّ سَهْمٌ ، يَسْقُطُ ذِكْرُ السَّهْمِ السَّادِسِ .\rوَلَوْ كَانَ تَرَكَ اثْنَتَيْنِ ، ضَرَبْت ثَلَاثَةً فِي ثَلَاثَةٍ ، صَارَتْ تِسْعَةً ، وَأَسْقَطْت مِنْهَا سَهْمًا يَبْقَى ثَمَانِيَةٌ ، فَهِيَ الْمَالُ ، وَخُذْ الثُّلُثَ ثَلَاثَةً ، أَسْقِطْ مِنْهُمَا سَهْمًا ، يَبْقَى سَهْمَانِ ، فَهِيَ الَّتِي تَبْقَى لِوَرَثَةِ الْمَوْهُوبِ لَهُ ، وَيَبْقَى سِتَّةٌ لِلْوَاهِبِ ، وَهِيَ مِثْلَا مَا جَازَتْ الْهِبَةُ فِيهِ وَإِنْ خَلَّفَ امْرَأَةً وَبِنْتًا ، فَمَسْأَلَتُهَا مِنْ ثَمَانِيَةٍ ، تَضْرِبُهَا فِي ثَلَاثَةٍ تَكُونُ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ تُسْقِطُ مِنْهَا الثَّلَاثَةَ الَّتِي وَرِثَهَا الْوَاهِبُ ، يَبْقَى أَحَدٌ وَعِشْرُونَ ، فَهِيَ الْمَالُ ، وَتَأْخُذُ ثُلُثَ الْأَرْبَعَةِ وَالْعِشْرِينَ ، وَهِيَ ثَمَانِيَةٌ ، تُلْقِي مِنْهَا الثَّلَاثَةَ ، يَبْقَى خَمْسَةٌ ، فَهِيَ الْبَاقِيَةُ لِوَرَثَةِ الْمَوْهُوبِ لَهُ ، وَالْبَاقِي لِلْوَاهِبِ ، فَتَقْسِمُ الْمِائَةَ عَلَى هَذِهِ","part":13,"page":188},{"id":6188,"text":"السِّهَامِ .","part":13,"page":189},{"id":6189,"text":"( 4717 ) فَصْلٌ : فَإِنْ وَهَبَ مَرِيضٌ مَرِيضًا مِائَةً ، لَا يَمْلِكُ سِوَاهَا ، ثُمَّ عَادَ الْمَوْهُوبُ لَهُ فَوَهَبَهَا لِلْأَوَّلِ ، وَلَا يَمْلِكُ سِوَاهَا ، فَبِالْبَابِ نَضْرِبُ ثَلَاثَةً فِي ثَلَاثَةٍ ، وَنُسْقِطُ مِنْهَا سَهْمًا ، يَبْقَى ثَمَانِيَةٌ ، فَاقْسِمْ الْمِائَةَ عَلَيْهَا لِكُلِّ سَهْمَيْنِ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ ، ثُمَّ خُذْ ثُلُثَهَا ثَلَاثَةً ، أَسْقِطْ مِنْهَا سَهْمًا ، يَبْقَى سَهْمَانِ ، فَهُوَ لِلْمَوْهُوبِ الْأَوَّلِ ، وَذَلِكَ هُوَ الرُّبُعُ .\rوَبِالْجَبْرِ قَدْ صَحَّتْ الْهِبَةُ فِي شَيْءٍ ، ثُمَّ صَحَّتْ الْهِبَةُ الثَّانِيَةُ فِي ثُلُثِهِ ، بَقِيَ لِلْمَوْهُوبِ الْأَوَّلِ ثُلُثَا شَيْءٍ وَلِلْوَاهِبِ مِائَةٌ إلَّا ثُلُثَيْ شَيْءٍ ، يَعْدِلُ شَيْئَيْنِ ، اُجْبُرْ وَقَابِلْ ، يَخْرُجْ الشَّيْءُ سَبْعَةً وَثَلَاثِينَ وَنِصْفًا ، رَجَعَ إلَى الْوَاهِبِ ثُلُثُهَا اثْنَا عَشَرَ وَنِصْفٌ ، وَبَقِيَ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ فَإِنْ خَلَّفَ الْوَاهِبُ مِائَةً أُخْرَى ، فَقَدْ بَقِيَ مَعَ الْوَاهِبِ مِائَتَانِ إلَّا ثُلُثَيْ شَيْءٍ ، تَعْدِلُ شَيْئَيْنِ ، الشَّيْءُ ثَلَاثَةُ أَثْمَانِهَا ، وَذَلِكَ خَمْسَةٌ وَسَبْعُونَ ، رَجَعَ إلَى الْوَاهِبِ ثُلُثُهَا ، بَقِيَ مَعَ وَرَثَتِهِ خَمْسُونَ .","part":13,"page":190},{"id":6190,"text":"( 4718 ) فَصْلٌ : فَإِنْ وَهَبَ رَجُلٌ رَجُلًا جَارِيَةً ، فَقَبَضَهَا الْمَوْهُوبُ لَهُ وَوَطِئَهَا ، وَمَهْرُهَا ثُلُثُ قِيمَتِهَا ، ثُمَّ مَاتَ الْوَاهِبُ وَلَا شَيْءَ لَهُ سِوَاهَا ، وَقِيمَتُهَا ثَلَاثُونَ ، وَمَهْرُهَا عَشَرَةٌ ، فَقَدْ صَحَّتْ الْهِبَةُ فِي شَيْءٍ ، وَسَقَطَ عَنْهُ مِنْ مَهْرِهَا ثُلُثُ شَيْءٍ ، وَبَقِيَ لِلْوَاهِبِ أَرْبَعُونَ إلَّا شَيْئًا وَثُلُثًا يَعْدِلُ شَيْئَيْنِ ، اُجْبُرْ وَقَابِلْ ، يَخْرُجْ الشَّيْءُ ، خُمْسَ ذَلِكَ وَعُشْرَهُ ، وَهُوَ اثْنَا عَشَرَ وَذَلِكَ خُمْسَا الْجَارِيَةِ .\rفَقَدْ صَحَّتْ الْهِبَةُ فِيهِ ، وَيَبْقَى لِلْوَاهِبِ ثَلَاثَةُ أَخْمَاسِهَا ، وَلَهُ عَلَى الْمَوْهُوبِ لَهُ ثَلَاثَةُ أَخْمَاسِ مَهْرِهَا سِتَّةٌ وَلَوْ وَطِئَهَا أَجْنَبِيٌّ فَكَذَلِكَ ، وَيَكُونُ عَلَيْهِ مَهْرُهَا ، ثَلَاثَةُ أَخْمَاسِهِ لِلْوَاهِبِ ، وَخُمْسَاهُ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ ، إلَّا أَنَّ نُفُوذَ الْهِبَةِ فِيمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ مِنْهَا مَوْقُوفٌ عَلَى حُصُولِ الْمَهْرِ مِنْ الْوَاطِئِ ، فَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ مِنْهُ شَيْءٌ ، لَمْ تَزِدْ الْهِبَةُ عَلَى ثُلُثِهَا .\rوَكُلَّمَا حَصَلَ مِنْهُ شَيْءٌ نَفَذَتْ الْهِبَةُ فِي الزِّيَادَةِ بِقَدْرِ ثُلُثِهِ .\rوَإِنْ وَطِئَهَا الْوَاهِبُ ، فَعَلَيْهِ مِنْ عُقْرِهَا بِقَدْرِ مَا جَازَتْ الْهِبَةُ فِيهِ ، وَهُوَ ثُلُثُ شَيْءٍ ، يَبْقَى مَعَهُ ثَلَاثُونَ إلَّا شَيْئًا ، يَعْدِلُ شَيْئَيْنِ ، فَالشَّيْءُ تِسْعَةٌ ، وَهُوَ خُمْسُ الْجَارِيَةِ ، وَعُشْرُهَا وَسَبْعَةُ أَعْشَارِهَا لِوَرَثَةِ الْوَاطِئِ ، وَعَلَيْهِمْ عُقْرُ الَّذِي جَازَتْ الْهِبَةُ فِيهِ ، فَإِنْ أَخَذَ مِنْ الْجَارِيَةِ بِقَدْرِهَا ، صَارَ لَهُ خُمْسَاهَا .","part":13,"page":191},{"id":6191,"text":"( 4719 ) فَصْلٌ : وَإِنْ وَهَبَ مَرِيضٌ رَجُلًا عَبْدًا ، لَا يَمْلِكُ غَيْرَهُ ، فَقَتَلَ الْعَبْدُ الْوَاهِبَ ، قِيلَ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ : إمَّا أَنْ تَفْدِيَهُ ، وَإِمَّا أَنْ تُسَلِّمَهُ ، فَإِنْ اخْتَارَ تَسْلِيمَهُ سَلَّمَهُ كُلَّهُ ، نِصْفَهُ بِالْجِنَايَةِ ، وَنِصْفَهُ لِانْتِقَاضِ الْهِبَةِ فِيهِ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْعَبْدَ كُلَّهُ قَدْ صَارَ إلَى وَرَثَةِ الْوَاهِبِ ، وَهُوَ مِثْلَا نِصْفِهِ ، فَتَبَيَّنَ أَنَّ الْهِبَةَ جَازَتْ فِي نِصْفِهِ .\rوَإِنْ اخْتَارَ فِدَاءَهُ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ؛ يَفْدِيهِ بِأَقَلِّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ قِيمَةِ نَصِيبِهِ مِنْهُ أَوْ أَرْشِ جِنَايَتِهِ .\rوَالْأُخْرَى ، يَفْدِيهِ بِقَدْرِ ذَلِكَ مِنْ أَرْشِ جِنَايَتِهِ ، بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ فَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ دِيَةً ، فَإِنَّك تَقُولُ : صَحَّتْ الْهِبَةُ فِي شَيْءٍ ، وَتَدْفَعُ إلَيْهِمْ نِصْفَ الْعَبْدِ وَقِيمَةَ نِصْفِهِ ، وَذَلِكَ يَعْدِلُ شَيْئَيْنِ ، فَتَبَيَّنَ أَنَّ الشَّيْءَ نِصْفُ الْعَبْدِ ، وَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ دِيَتَيْنِ ، وَاخْتَارَ دَفْعَهُ ، فَإِنَّ الْهِبَةَ تَجُوزُ فِي شَيْءٍ ، وَتَدْفَعُ إلَيْهِمْ نِصْفَهُ ، يَبْقَى مَعَهُمْ عَبْدٌ إلَّا نِصْفَ شَيْءٍ ، يَعْدِلُ شَيْئَيْنِ ، فَالشَّيْءُ خُمْسَاهُ ، وَيَرُدُّ إلَيْهِمْ ثَلَاثَةَ أَخْمَاسِهِ ؛ لِانْتِقَاصِ الْهِبَةِ ، وَخُمْسًا مِنْ أَجْلِ جِنَايَتِهِ ، فَيَصِيرُ لَهُمْ أَرْبَعَةُ أَخْمَاسِهِ ، وَذَلِكَ مِثْلَا مَا جَازَتْ الْهِبَةُ فِيهِ .\rوَإِنْ اخْتَارَ فِدَاءَهُ ، فَدَاهُ بِخُمُسَيْ الدِّيَةِ ، وَيَبْقَى لَهُمْ ثَلَاثَةُ أَخْمَاسِهِ وَخُمْسَا الدِّيَةِ ، وَهِيَ بِمَنْزِلَةِ خُمْسٍ مِنْهُ ، وَيَبْقَى لَهُ خُمْسَاهُ وَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ نِصْفَ الدِّيَةِ أَوْ أَقَلَّ ، وَقُلْنَا : نَفْدِيهِ بِأَرْشِ جِنَايَتِهِ .\rنَفَذَتْ الْهِبَةُ فِي جَمِيعِهِ ؛ لِأَنَّ أَرْشُهَا أَكْثَرَ مِنْ مِثْلَيْ قِيمَتِهِ أَوْ مِثْلَيْهَا .\rوَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ ثَلَاثَةَ أَخْمَاسِ الدِّيَةِ ، فَاخْتَارَ فِدَاءَهُ بِالدِّيَةِ ، فَقَدْ صَحَّتْ الْهِبَةُ فِي شَيْءٍ ، وَيَفْدِيهِ بِشَيْءٍ وَثُلُثَيْنِ ، فَصَارَ مَعَ الْوَرَثَةِ عَبْدٌ وَثُلُثَا شَيْءٍ ، يَعْدِلُ شَيْئَيْنِ ، فَالشَّيْءُ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعٍ","part":13,"page":192},{"id":6192,"text":"، فَتَصِحُّ الْهِبَةُ فِي ثَلَاثَةِ أَرْبَاعِ الْعَبْدِ ، وَيَرْجِعُ إلَى الْوَاهِبِ رُبْعُهُ مِائَةٌ وَخَمْسُونَ ، وَثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الدِّيَةِ سَبْعُمِائَةٍ وَخَمْسُونَ ، صَارَ الْجَمِيعُ تِسْعَمِائَةٍ ، وَهُوَ مِثْلَا مَا صَحَّتْ الْهِبَةُ فِيهِ فَإِنْ تَرَكَ الْوَاهِبُ مِائَةَ دِينَارٍ ، فَاضْمُمْهَا إلَى قِيمَةِ الْعَبْدِ ، فَإِنْ اخْتَارَ دَفْعَ الْعَبْدِ ، دَفَعَ ثُلُثَهُ وَرُبْعَهُ ، وَذَلِكَ قَدْرُ نِصْفِ جَمِيعِ الْمَالِ بِالْجِنَايَةِ وَبَاقِيهِ لِانْتِقَاصِ الْهِبَةِ ، فَيَصِيرَ الْعَبْدُ وَالْمِائَةُ ، وَذَلِكَ مِثْلَا مَا جَازَتْ الْهِبَةُ فِيهِ .\rوَإِنْ اخْتَارَ الْفِدَاءَ ، فَقَدْ عَلِمْت أَنَّهُ يَفْدِي ثَلَاثَةَ أَرْبَاعِهِ إذَا لَمْ يَتْرُكْ شَيْئًا ، فَزِدْ عَلَى ذَلِكَ ثَلَاثَةَ أَرْبَاعِ الْمِائَةِ ، يَصِيرُ ذَلِكَ سَبْعَةَ أَثْمَانِ الْعَبْدِ ، فَيَفْدِيهِ بِسَبْعَةِ أَثْمَانِ الدِّيَةِ .","part":13,"page":193},{"id":6193,"text":"( 4720 ) فَصْلٌ : مَرِيضٌ أَعْتَقَ عَبْدًا ، لَا مَالَ لَهُ سِوَاهُ ، قِيمَتُهُ مِائَةٌ ، فَقَطَعَ إصْبَعَ سَيِّدِهِ خَطَأً ، فَإِنَّهُ يُعْتَقُ نِصْفُهُ ، وَعَلَيْهِ نِصْفُ قِيمَتِهِ ، وَيَصِيرُ لِلسَّيِّدِ نِصْفُهُ وَنِصْفُ قِيمَتِهِ ، وَذَلِكَ مِثْلَا مَا عَتَقَ مِنْهُ ، وَأَوْجَبْنَا نِصْفَ قِيمَتِهِ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ مِنْ أَرْشِ جِنَايَتِهِ بِقَدْرِ مَا عَتَقَ مِنْهُ .\rوَحِسَابُهَا أَنْ تَقُولَ : عَتَقَ مِنْهُ ، شَيْءٌ ، وَعَلَيْهِ شَيْءٌ لِلسَّيِّدِ فَصَارَ مَعَ السَّيِّدِ عَبْدٌ إلَّا شَيْئًا ، وَشَيْءٌ يَعْدِلُ شَيْئَيْنِ ، فَأَسْقِطْ شَيْئًا بِشَيْءٍ ، بَقِيَ مَا مَعَهُ مِنْ الْعَبْدِ يَعْدِلُ شَيْئًا مِثْلَ مَا عَتَقَ مِنْهُ .\rوَلَوْ كَانَتْ قِيمَةُ الْعَبْدِ مِائَتَيْنِ ، عَتَقَ خُمْسَاهُ ؛ لِأَنَّهُ يُعْتَقُ مِنْهُ شَيْءٌ .\rوَعَلَيْهِ نِصْفُ شَيْءٍ لِلسَّيِّدِ ، فَصَارَ لِلسَّيِّدِ نِصْفُ شَيْءٍ ، وَبَقِيَّةُ الْعَبْدِ يَعْدِلُ شَيْئَيْنِ ، فَيَكُونُ بَقِيَّةُ الْعَبْدِ يَعْدِلُ شَيْئًا وَنِصْفًا ، وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَخْمَاسِهِ ، وَالشَّيْءُ الَّذِي عَتَقَ خُمْسَاهُ .\rوَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ خَمْسِينَ أَوْ أَقَلَّ ، عَتَقَ كُلُّهُ لِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ مِائَةٌ ، وَهِيَ مِثْلَاهُ أَوْ أَكْثَرُ .\rوَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ سِتِّينَ ، قُلْنَا : عَتَقَ مِنْهُ شَيْءٌ ، وَعَلَيْهِ شَيْءٌ وَثُلُثَا شَيْءٍ لِلسَّيِّدِ ، مَعَ بَقِيَّةِ الْعَبْدِ ، يَعْدِلُ شَيْئَيْنِ ، فَبَقِيَّةُ الْعَبْدِ إذًا ثُلُثُ شَيْءٍ ، فَيُعْتَقُ مِنْهُ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهِ .\rوَعَلَى هَذَا الْقِيَاسُ إلَّا أَنَّ مَا زَادَ فِي الْعِتْقِ عَلَى الثُّلُثِ ، يَنْبَغِي أَنْ يَقِفَ عَلَى أَدَاءِ مَا يُقَابِلُهُ مِنْ الْقِيمَةِ كَمَا إذَا دَبَّرَ عَبْدًا وَلَهُ دَيْنٌ فِي ذِمَّةِ غَرِيمٍ لَهُ ، فَكُلَّمَا اقْتَضَى مِنْ الْقِيمَةِ شَيْئًا ، عَتَقَ مِنْ الْمَوْقُوفِ بِقَدْرِ ثُلُثِهِ .","part":13,"page":194},{"id":6194,"text":"( 4721 ) فَصْلٌ : فَإِنْ أَعْتَقَ عَبْدَيْنِ ، دَفْعَةً وَاحِدَةً ، قِيمَةُ أَحَدِهِمَا مِائَةٌ وَالْآخَرِ مِائَةٌ وَخَمْسُونَ ، فَجَنَى الْأَدْنَى عَلَى الْأَرْفَعِ جِنَايَةً نَقَصَتْهُ ثُلُثَ قِيمَتِهِ ، وَأَرْشُهَا كَذَلِكَ ، فِي حَيَاةِ سَيِّدِهِمَا ، ثُمَّ مَاتَ ، أَقْرَعْنَا بَيْنَ الْعَبْدَيْنِ ، فَإِنْ وَقَعَتْ عَلَى الْجَانِي عَتَقَ مِنْهُ أَرْبَعَةُ أَخْمَاسِهِ ، وَعَلَيْهِ أَرْبَعَةُ أَخْمَاسِ أَرْشِ جِنَايَتِهِ ، وَبَقِيَ لِوَرَثَةِ سَيِّدِهِ خُمْسُهُ وَأَرْشُ جِنَايَتِهِ وَالْعَبْدُ الْآخَرُ ، وَذَلِكَ مِائَةٌ وَسِتُّونَ ، وَهُوَ مِثْلَا مَا عَتَقَ مِنْهُ وَحِسَابُهَا أَنْ تَقُولَ : عَبْدٌ عَتَقَ مِنْهُ شَيْءٌ ، وَعَلَيْهِ نِصْفُ شَيْءٍ ؛ لِأَنَّ جِنَايَتَهُ بِقَدْرِ نِصْفِ قِيمَتِهِ ، بَقِيَ لِلسَّيِّدِ نِصْفُ شَيْءٍ وَبَقِيَّةُ الْعَبْدَيْنِ تَعْدِلُ شَيْئَيْنِ ، فَعَلِمْت أَنَّ بَقِيَّةَ الْعَبْدَيْنِ شَيْءٌ وَنِصْفٌ ، فَإِذَا أَضَفْت إلَى ذَلِكَ الشَّيْءَ الَّذِي عَتَقَ ، صَارَا جَمِيعًا يَعْدِلَانِ شَيْئَيْنِ وَنِصْفًا ، فَالشَّيْءُ الْكَامِلُ خُمْسَاهُمَا ، وَذَلِكَ أَرْبَعَةُ أَخْمَاسِ أَحَدِهِمَا .\rوَإِنْ وَقَعَتْ قُرْعَةُ الْحُرِّيَّةِ عَلَى الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ ، عَتَقَ ثُلُثُهُ ، وَلَهُ ثُلُثُ أَرْشِ جِنَايَتِهِ ، يَتَعَلَّقُ بِرَقَبَةِ الْجَانِي ، وَذَلِكَ تُسْعُ الدِّيَةِ ؛ لِأَنَّ الْجِنَايَةَ عَلَى مَنْ ثُلُثُهُ حُرٌّ تُضْمَنُ بِقَدْرِ مَا فِيهِ مِنْ الْحُرِّيَّةِ وَالرِّقِّ ، وَالْوَاجِبُ لَهُ مِنْ الْأَرْشِ يَسْتَغْرِقُ قِيمَةَ الْجَانِي ، فَيَسْتَحِقُّهُ بِهَا ، وَلَا يَبْقَى لِسَيِّدِهِ مَالٌ سِوَاهُ فَيُعْتَقُ ثُلُثُهُ ، وَيَرِقُّ ثُلُثَاهُ .\rوَإِنْ أَعْتَقَ عَبْدَيْنِ ، قِيمَةُ أَحَدِهِمَا خَمْسُونَ .\rوَقِيمَةُ الْآخَرِ ثَلَاثُونَ ، فَجَنَى الْأَدْنَى عَلَى الْأَرْفَعِ ، فَنَقَصَهُ حَتَّى صَارَتْ قِيمَتُهُ أَرْبَعِينَ ، أَقْرَعْنَا بَيْنَهُمَا ، فَإِنْ خَرَجَتْ الْقُرْعَةُ لِلْأَدْنَى ، عَتَقَ مِنْهُ شَيْءٌ ، وَعَلَيْهِ ثُلُثُ شَيْءٍ ، فَبَعْدَ الْجَبْرِ تَبَيَّنَ أَنَّ الْعَبْدَيْنِ شَيْئَانِ وَثُلُثَانِ ، فَالشَّيْءُ ثَلَاثَةُ أَثْمَانِهِمَا ، وَقِيمَتُهَا سَبْعُونَ ، فَثَلَاثَةُ أَثْمَانِهَا سَبْعَةٌ وَعِشْرُونَ وَرُبْعٌ وَهِيَ","part":13,"page":195},{"id":6195,"text":"مِنْ الْأَدْنَى نِصْفُهُ وَخُمْسَاهُ وَنِصْفُ سُدُسِ عُشْرِهِ .\rوَإِنْ وَقَعَتْ عَلَى الْآخَرِ ، عَتَقَ ثُلُثُهُ ، وَحَقُّهُ مِنْ الْجِنَايَةِ أَكْثَرُ مِنْ قِيمَةِ الْجَانِي ، فَيَأْخُذُهُ بِهَا ، أَوْ يَفْدِيهِ الْمُعْتِقُ وَقَدْ بَقِيَتْ فُرُوعٌ كَثِيرَةٌ ، وَفِيمَا ذَكَرْنَا مَا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى غَيْرِهِ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَكُلُّ مَوْضِعٍ زَادَ الْعِتْقُ عَلَى ثُلُثِ الْعَبْدَيْنِ مِنْ أَجْلِ وُجُوبِ الْأَرْشِ لِلسَّيِّدِ ، تَكُونُ الزِّيَادَةُ مَوْقُوفَةً عَلَى أَدَاءِ الْأَرْشِ ، كَمَا ذَكَرْنَا مِنْ قَبْلُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":13,"page":196},{"id":6196,"text":"( 4722 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَمَنْ جَاوَزَ الْعَشْرَ سِنِينَ ؛ فَوَصِيَّتُهُ جَائِزَةٌ إذَا وَافَقَ الْحَقَّ ) هَذَا الْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ ، فَإِنَّهُ قَالَ ، فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ ، وَحَنْبَلٍ : تَحُوزُ وَصِيتُهُ إذَا بَلَغَ عَشْرَ سِنِينَ .\rقَالَ أَبُو بَكْرٍ : لَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ أَنَّ مَنْ لَهُ عَشْرُ سِنِينَ ، تَصِحُّ وَصِيَّتُهُ ، وَمَنْ لَهُ دُونَ السَّبْعِ لَا تَصِحُّ وَصِيَّتُهُ ، وَمَا بَيْنَ السَّبْعِ وَالْعَشْرِ فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ .\rوَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى : لَا تَصِحُّ وَصِيَّةُ الْغُلَامِ لِدُونِ الْعَشْرِ وَلَا الْجَارِيَةِ ، قَوْلًا وَاحِدًا ، وَمَا زَادَ عَلَى الْعَشْرِ فَتَصِحُّ ، عَلَى الْمَنْصُوصِ وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ ، لَا تَصِحُّ حَتَّى يَبْلُغَ .\rوَقَالَ الْقَاضِي ، وَأَبُو الْخَطَّابِ : تَصِحُّ وَصِيَّةُ الصَّبِيِّ إذَا عَقَلَ .\rوَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ أَجَازَ وَصِيَّةَ الصَّبِيِّ ، وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَشُرَيْحٍ ، وَعَطَاءٍ ، وَالزُّهْرِيِّ ، وَإِيَاسٍ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ ، وَالشَّعْبِيِّ ، وَالنَّخَعِيِّ ، وَمَالِكٍ ، وَإِسْحَاقَ .\rقَالَ إِسْحَاقُ : إذَا بَلَغَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ .\rوَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ أَحْمَدَ وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ : لَا تَصِحُّ وَصِيَّتُهُ حَتَّى يَبْلُغَ .\rوَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ ، كَالْمَذْهَبَيْنِ .\rوَاحْتَجُّوا بِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ بِالْمَالِ ، فَلَا يَصِحُّ مِنْ الصَّبِيِّ ، كَالْهِبَةِ وَالْعِتْقِ ، وَلِأَنَّهُ لَا يُقْبَلُ إقْرَارُهُ ، فَلَا تَصِحُّ وَصِيَّتُهُ ، كَالطِّفْلِ .\rوَلَنَا ، مَا رُوِيَ ، أَنَّ صَبِيًّا مِنْ غَسَّانَ ، لَهُ عَشْرُ سِنِينَ ، أَوْصَى لَأَخْوَالٍ لَهُ ، فَرُفِعَ ذَلِكَ إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَأَجَازَ وَصِيَّتَهُ .\rرَوَاهُ سَعِيدٌ .\rوَرَوَى مَالِكٌ ، فِي \" مُوَطَّئِهِ \" عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، أَنَّ عَمْرَو بْنَ سُلَيْمٍ أَخْبَرَهُ ، أَنَّهُ قِيلَ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ : إنَّ هَاهُنَا غُلَامًا يَفَاعًا لَمْ يَحْتَلِمْ ، وَوَرَثَتُهُ بِالشَّامِ ، وَهُوَ ذُو مَالٍ ،","part":13,"page":197},{"id":6197,"text":"وَلَيْسَ لَهُ هَاهُنَا إلَّا ابْنَةُ عَمٍّ لَهُ ، فَقَالَ عُمَرُ \" : فَلْيُوصِ لَهَا .\rفَأَوْصَى لَهَا بِمَالٍ يُقَالُ لَهُ بِئْرُ جُشَمَ .\rقَالَ عَمْرُو بْنُ سُلَيْمٍ : فَبَعَثَ ذَلِكَ الْمَالَ بِثَلَاثِينَ أَلْفًا .\rوَابْنَةُ عَمِّهِ الَّتِي أَوْصَى لَهَا هِيَ أُمُّ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ .\rقَالَ أَبُو بَكْرٍ : وَكَانَ الْغُلَامُ ابْنَ عَشْرٍ أَوْ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً .\rوَهَذِهِ قِصَّةٌ انْتَشَرَتْ فَلَمْ تُنْكَرْ ، وَلِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ تَمَحَّضَ نَفْعًا لِلصَّبِيِّ ، فَصَحَّ مِنْهُ ، كَالْإِسْلَامِ وَالصَّلَاةِ ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ صَدَقَةٌ يَحْصُلُ ثَوَابُهَا لَهُ بَعْدَ غِنَاهُ عَنْ مِلْكِهِ وَمَالِهِ ، فَلَا يَلْحَقُهُ ضَرَرٌ فِي عَاجِلِ دُنْيَاهُ وَلَا أُخْرَاهُ ، بِخِلَافِ الْهِبَةِ وَالْعِتْقِ الْمُنَجَّزِ ، فَإِنَّهُ يَفُوتُ مِنْ مَالِهِ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ ، وَإِذَا رُدَّتْ رَجَعَتْ إلَيْهِ ، وَهَا هُنَا لَا يَرْجِعُ إلَيْهِ بِالرَّدِّ ، وَالطِّفْلُ لَا عَقْلَ لَهُ ، وَلَا يَصِحُّ إسْلَامُهُ وَلَا عِبَادَاتُهُ .\rوَقَوْله : \" إذَا وَافَقَ الْحَقَّ \" .\rيَعْنِي إذَا وَصَّى بِوَصِيَّةٍ يَصِحُّ مِثْلُهَا مِنْ الْبَالِغِ ، صَحَّتْ مِنْهُ ، وَإِلَّا فَلَا .\rقَالَ شُرَيْحٌ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُتْبَةَ ، وَهُمَا قَاضِيَانِ : مَنْ أَصَابَ الْحَقَّ أَجَزْنَا وَصِيَّتَهُ .","part":13,"page":198},{"id":6198,"text":"( 4723 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا الطِّفْلُ ، وَهُوَ مَنْ لَهُ دُونَ السَّبْعِ ، وَالْمَجْنُونُ ، والمبرسم ، فَلَا وَصِيَّةَ لَهُمْ .\rوَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، مِنْهُمْ ؛ حُمَيْدٍ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَمَالِكٌ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا خَالَفَهُمْ إلَّا إيَاسَ بْنَ مُعَاوِيَةَ ، قَالَ فِي الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ : إذَا وَافَقَتْ وَصِيَّتُهُمْ الْحَقَّ جَازَتْ .\rوَلَيْسَ بِصَحِيحٍ ؛ فَإِنَّهُ لَا حُكْمَ لِكَلَامِهِمَا ، وَلَا تَصِحُّ عِبَادَتُهُمَا ، وَلَا شَيْءٌ مِنْ تَصَرُّفَاتِهِمَا ، فَكَذَا الْوَصِيَّةُ ، بَلْ أَوْلَى ، فَإِنَّهُ إذَا لَمْ يَصِحَّ إسْلَامُهُ وَصَلَاتُهُ الَّتِي هِيَ مَحْضُ نَفْعٍ لَا ضَرَرَ فِيهَا ، فَلَأَنْ لَا يَصِحَّ بَذْلُهُ الْمَالَ يَتَضَرَّرُ بِهِ وَارِثُهُ أَوْلَى ، وَلِأَنَّهَا تَصَرُّفٌ يَفْتَقِرُ إلَى إيجَابٍ وَقَبُولٍ ، فَلَا يَصِحُّ مِنْهُمَا ، كَالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ .","part":13,"page":199},{"id":6199,"text":"( 4724 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا الْمَحْجُورُ عَلَيْهِ لِسَفَهٍ ، فَإِنَّ وَصِيَّتَهُ تَصِحُّ ، فِي قِيَاسِ قَوْلِ أَحْمَدَ .\rقَالَ الْخَبْرِيُّ : وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِينَ .\rوَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : فِي وَصِيَّتِهِ وَجْهَانِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ عَاقِلٌ تَصِحُّ وَصِيَّتُهُ ، كَالصَّبِيِّ الْعَاقِلِ ، وَلِأَنَّ وَصِيَّتَهُ تَمَحَّضَتْ نَفْعًا لَهُ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ ، فَصَحَّتْ كَعِبَادَاتِهِ .\rوَأَمَّا الَّذِي يُجَنُّ أَحْيَانًا ، وَيُفِيقُ أَحْيَانًا ، فَإِنْ وَصَّى حَالِ جُنُونِهِ لَمْ تَصِحَّ ، وَإِنْ وَصَّى فِي حَالِ عَقْلِهِ صَحَّتْ وَصِيَّتُهُ ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْعُقَلَاءِ فِي شَهَادَتِهِ ، وَوُجُوبِ الْعِبَادَةِ عَلَيْهِ ، فَكَذَلِكَ فِي وَصِيَّتِهِ وَتَصَرُّفَاتِهِ وَلَا تَصِحُّ وَصِيَّةُ السَّكْرَانِ .\rوَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : فِيهِ قَوْلَانِ .\rيَعْنِي وَجْهَيْنِ .\rوَلَنَا أَنَّهُ لَيْسَ بِعَاقِلٍ ، فَلَا تَصِحُّ وَصِيَّتُهُ كَالْمَجْنُونِ .\rوَأَمَّا إيقَاعُ طَلَاقِهِ ، فَإِنَّمَا أَوْقَعَهُ مَنْ أَوْقَعَهُ تَغْلِيظًا عَلَيْهِ ، لِارْتِكَابِهِ الْمَعْصِيَةَ ، فَلَا يَتَعَدَّى هَذَا إلَى وَصِيَّتِهِ ؛ فَإِنَّهُ لَا ضَرَرَ عَلَيْهِ فِيهَا ، إنَّمَا الضَّرَرُ عَلَى وَارِثِهِ .\rوَأَمَّا الضَّعِيفُ فِي عَقْلِهِ ، فَإِنْ مَنَعَ ذَلِكَ رُشْدَهُ فِي مَالِهِ ، فَهُوَ كَالسَّفِيهِ ، وَإِلَّا فَهُوَ كَالْعَاقِلِ .","part":13,"page":200},{"id":6200,"text":"( 4725 ) فَصْلٌ : وَتَصِحُّ وَصِيَّةُ الْأَخْرَسِ إذَا فُهِمَتْ إشَارَتُهُ ؛ لِأَنَّهَا أُقِيمَتْ مُقَامَ نُطْقِهِ فِي طَلَاقِهِ وَلِعَانِهِ وَغَيْرِهِمَا ، فَإِنْ لَمْ تُفْهَمْ إشَارَتُهُ ، فَلَا حُكْمَ لَهَا .\rوَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَغَيْرِهِمَا .\rفَأَمَّا النَّاطِقُ إذَا اُعْتُقِلَ لِسَانُهُ ، فَعُرِضَتْ عَلَيْهِ وَصِيَّتَهُ ، فَأَشَارَ بِهَا ، وَفُهِمَتْ إشَارَتُهُ ، لَمْ تَصِحَّ وَصِيتُهُ .\rذَكَرَهُ الْقَاضِي ، وَابْنُ عَقِيلٍ .\rوَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ : تَصِحُّ وَصِيَّتُهُ ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ قَادِرٍ عَلَى الْكَلَامِ ، أَشْبَهَ الْأَخْرَسَ .\rوَاحْتَجَّ ابْنُ الْمُنْذِرِ بِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى وَهُوَ قَاعِدٌ ، فَأَشَارَ إلَيْهِمْ ، فَقَعَدُوا .\rرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ .\rوَخَرَّجَهُ ابْنُ عَقِيلٍ وَجْهًا إذَا اتَّصَلَ بِاعْتِقَالِ لِسَانِهِ الْمَوْتُ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ غَيْرُ مَأْيُوسٍ مِنْ نُطْقِهِ ، فَلَمْ تَصِحَّ وَصِيَّتُهُ بِإِشَارَتِهِ ، كَالْقَادِرِ عَلَى الْكَلَامِ وَالْخَبَرُ لَا يُلْزِمُ ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ قَادِرًا عَلَى الْكَلَامِ ، وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ إشَارَةَ الْقَادِرِ لَا تَصِحُّ بِهَا وَصِيَّةٌ وَلَا إقْرَارٌ ، فَفَارَقَ الْأَخْرَسَ ، لِأَنَّهُ مَأْيُوسٌ مِنْ نُطْقِهِ .","part":13,"page":201},{"id":6201,"text":"( 4726 ) فَصْلٌ : وَإِنْ وَصَّى عَبْدٌ أَوْ مُكَاتَبٌ أَوْ مُدَبَّرٌ أَوْ أُمُّ وَلَدٍ وَصِيَّةً ، ثُمَّ مَاتُوا عَلَى الرِّقِّ ، فَلَا وَصِيَّةَ لَهُمْ ؛ لِأَنَّهُ لَا مَالَ لَهُمْ .\rوَإِنْ أَعْتَقُوهُمْ ثُمَّ مَاتُوا وَلَمْ يُغَيِّرُوا وَصِيَّتَهُمْ ، صَحَّتْ ؛ لِأَنَّ لَهُمْ قَوْلًا صَحِيحًا وَأَهْلِيَّةً تَامَّةً ، وَإِنَّمَا فَارَقُوا الْحُرَّ بِأَنَّهُمْ لَا مَالَ لَهُمْ ، وَالْوَصِيَّةُ تَصِحُّ مَعَ عَدَمِ الْمَالِ ، كَمَا لَوْ وَصَّى الْفَقِيرُ الَّذِي لَا شَيْءَ لَهُ ، ثُمَّ اسْتَغْنَى .\rوَإِنْ قَالَ أَحَدُهُمْ : مَتَى عَتَقْت ثُمَّ مِتّ ، فَثُلُثِي لِفُلَانٍ وَصِيَّةً ، فَعَتَقَ وَمَاتَ ، صَحَّتْ وَصِيَّتُهُ .\rوَبِهِ قَالَ أَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ ، وَأَبُو ثَوْرٍ .\rوَلَا أَعْلَمُ عَنْ غَيْرِهِمْ خِلَافَهُمْ .","part":13,"page":202},{"id":6202,"text":"( 4727 ) فَصْلٌ : وَتَصِحُّ وَصِيَّةُ الْمُسْلِمِ لِلذِّمِّيِّ ، وَالذِّمِّيِّ لِلْمُسْلِمِ ، وَالذِّمِّيِّ لِلذِّمِّيِّ .\rرُوِيَ إجَازَةُ وَصِيَّةِ الْمُسْلِمِ لِلذِّمِّيِّ عَنْ شُرَيْحٍ ، وَالشَّعْبِيِّ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَإِسْحَاقَ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ .\rوَلَا نَعْلَمُ عَنْ غَيْرِهِمْ خِلَافَهُمْ .\rوَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَنَفِيَّةِ ، وَعَطَاءٌ ، وَقَتَادَةُ ، فِي قَوْله تَعَالَى : { إلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا } هُوَ وَصِيَّة الْمُسْلِمِ لِلْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ .\rوَقَالَ سَعِيدٌ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، أَنَّ صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيِّ بَاعَتْ حُجْرَتَهَا مِنْ مُعَاوِيَةَ بِمِائَةِ أَلْفٍ ، وَكَانَ لَهَا أَخٌ يَهُودِيٌّ ، فَعَرَضَتْ عَلَيْهِ أَنْ يُسْلِمَ فَيَرِثَ ، فَأَبَى ، فَأَوْصَتْ لَهُ بِثُلُثِ الْمِائَةِ .\rوَلِأَنَّهُ تَصِحُّ لَهُ الْهِبَةُ ، فَصَحَّتْ الْوَصِيَّةُ لَهُ ، كَالْمُسْلِمِ ، وَإِذَا صَحَّتْ وَصِيَّةُ الْمُسْلِمِ لِلذِّمِّيِّ ، فَوَصِيَّةُ الذِّمِّيِّ لِلْمُسْلِمِ وَالذِّمِّيِّ لِلذِّمِّيِّ أَوْلَى .\rوَلَا تَصِحُّ إلَّا بِمَا تَصِحُّ بِهِ وَصِيَّةُ الْمُسْلِمِ لِلْمُسْلِمِ وَلَوْ أَوْصَى لِوَارِثِهِ ، أَوْ لِأَجْنَبِيٍّ ، بِأَكْثَرَ مِنْ ثُلُثِهِ ، وَقَفَ عَلَى إجَازَةِ الْوَرَثَةِ ، كَالْمُسْلِمِ سَوَاءٌ .","part":13,"page":203},{"id":6203,"text":"( 4728 ) فَصْلٌ : وَتَصِحُّ الْوَصِيَّةُ لِلْحَرْبِيِّ فِي دَارِ الْحَرْبِ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَأَكْثَرِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ بَعْضُهُمْ : لَا تَصِحُّ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : { لَا يَنْهَاكُمْ اللَّهُ عَنْ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إلَيْهِمْ } إلَى قَوْلِهِ : { إنَّمَا يَنْهَاكُمْ اللَّهُ عَنْ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ } الْآيَةَ فَيَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ مَنْ قَاتَلَنَا لَا يَحِلُّ بِرُّهُ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ تَصِحُّ هِبَتُهُ ، فَصَحَّتْ الْوَصِيَّةُ لَهُ ، كَالذِّمِّيِّ .\rوَقَدْ رُوِيَ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْطَى عُمَرَ حُلَّةً مِنْ حَرِيرٍ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ كَسَوْتَنِيهَا ، وَقَدْ قُلْت فِي حُلَّةِ عُطَارِدَ مَا قُلْت ، فَقَالَ : إنِّي لَمْ أُعْطِكَهَا لِتَلْبَسَهَا .\rفَكَسَاهَا عُمَرُ أَخًا مُشْرِكًا لَهُ بِمَكَّةَ .\r} وَعَنْ { أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ ، قَالَتْ : أَتَتْنِي أُمِّي وَهِيَ رَاغِبَةٌ - تَعْنِي الْإِسْلَامَ - فَسَأَلْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْت : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَتَتْنِي أُمِّي وَهِيَ رَاغِبَةٌ ، أَفَأَصِلُهَا ؟ قَالَ : نَعَمْ .\r} وَهَذَانِ فِيهِمَا صِلَةُ أَهْلِ الْحَرْبِ وَبِرُّهُمْ .\rوَالْآيَةُ حُجَّةٌ لَنَا فِي مَنْ لَمْ يُقَاتِلْ ، فَأَمَّا الْمُقَاتِلُ فَإِنَّهُ نُهِيَ عَنْ تَوَلِّيهِ لَا عَنْ بِرِّهِ وَالْوَصِيَّةِ لَهُ ، وَإِنْ احْتَجَّ بِالْمَفْهُومِ ، فَهُوَ لَا يَرَاهُ حُجَّةً .\rثُمَّ قَدْ حَصَلَ الْإِجْمَاعُ عَلَى جَوَازِ الْهِبَةِ ، وَالْوَصِيَّةُ فِي مَعْنَاهَا .\rفَأَمَّا الْمُرْتَدُّ ، فَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ لَهُ ، كَمَا تَصِحُّ هِبَتُهُ .\rوَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى : لَا تَصِحُّ ؛ لِأَنَّ مِلْكَهُ غَيْرُ مُسْتَقِرٍّ ، وَلَا يَرِثُ ، وَلَا يُورَثُ ، فَهُوَ كَالْمَيِّتِ .\rوَلِأَنَّ مِلْكَهُ يَزُولُ عَنْ مَالِهِ بِرِدَّتِهِ فِي قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ وَجَمَاعَةٍ ، فَلَا يَثْبُتُ لَهُ الْمِلْكُ بِالْوَصِيَّةِ .","part":13,"page":204},{"id":6204,"text":"( 4729 ) فَصْلٌ : وَلَا تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ لِكَافِرٍ بِمُصْحَفٍ وَلَا عَبْدٍ مُسْلِمٍ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ هِبَتُهُمَا لَهُ ، وَلَا بَيْعُهُمَا مِنْهُ .\rوَإِنْ أَوْصَى لَهُ بِعَبْدٍ كَافِرٍ ، فَأَسْلَمَ قَبْلَ مَوْتِ الْمُوصِي ، بَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ ، وَإِنْ أَسْلَمَ بَعْدَ الْمَوْتِ وَقَبْلَ الْقَبُولِ ، بَطَلَتْ ، عِنْدَ مَنْ يَرَى أَنَّ الْمِلْكَ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِالْقَبُولِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَبْتَدِئَ الْمِلْكُ عَلَى مُسْلِمٍ ، وَمِنْ قَالَ : يَثْبُتُ الْمِلْكُ بِالْمَوْتِ قَبْلَ الْقَبُولِ .\rقَالَ : الْوَصِيَّةُ صَحِيحَةٌ ؛ لِأَنَّنَا نَتَبَيَّنُ أَنَّ الْمِلْكَ يَثْبُتُ بِالْمَوْتِ ، لِأَنَّهُ أَسْلَمَ بَعْدَ أَنْ مَلَكَهُ .\rوَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَصِحَّ أَيْضًا ؛ لِأَنَّهُ يَأْتِي بِسَبَبٍ لَوْلَاهُ لَمْ يَثْبُتْ الْمِلْكُ ، فَمَنَعَ مِنْهُ ، كَابْتِدَاءِ الْمِلْكِ .","part":13,"page":205},{"id":6205,"text":"( 4730 ) فَصْلٌ : وَلَا تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ بِمَعْصِيَةٍ وَفِعْلٍ مُحَرَّمٍ ، مُسْلِمًا كَانَ الْمُوصِي أَوْ ذِمِّيًّا ، فَلَوْ وَصَّى بِبِنَاءِ كَنِيسَةٍ أَوْ بَيْتِ نَارٍ ، أَوْ عِمَارَتِهِمَا ، أَوْ الْإِنْفَاقِ عَلَيْهِمَا ، كَانَ بَاطِلًا .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ : يَصِحُّ .\rوَأَجَازَ أَبُو حَنِيفَةَ الْوَصِيَّةَ بِأَرْضِهِ تُبْنَى كَنِيسَةً .\rوَخَالَفَهُ صَاحِبَاهُ .\rوَأَجَازَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ أَنْ يُوصِيَ بِشِرَاءِ خَمْرٍ أَوْ خَنَازِيرَ .\rوَيَتَصَدَّقَ بِهَا عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ .\rوَهَذِهِ وَصَايَا بَاطِلَةٌ ، وَأَفْعَالٌ مُحَرَّمَةٌ ؛ لِأَنَّهَا مَعْصِيَةٌ ، فَلَمْ تَصِحَّ الْوَصِيَّةُ بِهَا ، كَمَا لَوْ وَصَّى بِعَبْدِهِ أَوْ أَمَتِهِ لِلْفُجُورِ وَإِنْ وَصَّى لِكُتُبِ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ ، لَمْ تَصِحَّ ؛ لِأَنَّهَا كُتُبٌ مَنْسُوخَةٌ ، وَفِيهَا تَبْدِيلٌ ، وَالِاشْتِغَالُ بِهَا غَيْرُ جَائِزٍ ، وَقَدْ غَضِبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ رَأَى مَعَ عُمَرَ شَيْئًا مَكْتُوبًا مِنْ التَّوْرَاةِ .\rوَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّهُ لَوْ أَوْصَى لَحُصِرَ الْبَيْعُ وَقَنَادِيلُهَا ، وَمَا شَاكَلَ ذَلِكَ ، وَلَمْ يَقْصِدْ إعْظَامَهَا بِذَلِكَ ، صَحَّتْ الْوَصِيَّةُ ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ لِأَهْلِ الذِّمَّةِ ، فَإِنَّ النَّفْعَ يَعُودُ إلَيْهِمْ ، وَالْوَصِيَّةُ لَهُمْ صَحِيحَةٌ .\rوَالصَّحِيحُ أَنَّ هَذَا مِمَّا لَا تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ بِهِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا هُوَ إعَانَةٌ لَهُمْ عَلَى مَعْصِيَتِهِمْ ، وَتَعْظِيمٌ لِكَنَائِسِهِمْ .\rوَنُقِلَ عَنْ أَحْمَدَ كَلَامٌ يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ الْوَصِيَّةِ مِنْ الذِّمِّيِّ بِخِدْمَةِ الْكَنِيسَةِ وَالْأَوَّلُ أَوْلَى وَأَصَحُّ .\rوَإِنْ وَصَّى بِبِنَاءِ بَيْتٍ يَسْكُنُهُ الْمُجْتَازُونَ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَأَهْلِ الْحَرْبِ ، صَحَّ ؛ لِأَنَّ بِنَاءَ مَسَاكِنِهِمْ لَيْسَ بِمَعْصِيَةٍ .","part":13,"page":206},{"id":6206,"text":"( 4731 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَمَنْ أَوْصَى لِأَهْلِ قَرْيَةٍ ، لَمْ يُعْطَ مَنْ فِيهَا مِنْ الْكُفَّارِ ، إلَّا أَنْ يَذْكُرَهُمْ ) يَعْنِي بِهِ الْمُسْلِمَ ، إذَا أَوْصَى لِأَهْلِ قَرْيَتِهِ أَوْ لِقَرَابَتِهِ بِلَفْظٍ عَامٍّ ، يَدْخُلُ فِيهِ مُسْلِمُونَ وَكُفَّارٌ ، فَهِيَ لِلْمُسْلِمِينَ خَاصَّةً ، وَلَا شَيْءَ لِلْكُفَّارِ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يَدْخُلُ فِيهِ الْكُفَّارُ ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ يَتَنَاوَلُهُمْ بِعُمُومِهِ ، وَلِأَنَّ الْكَافِرَ لَوْ أَوْصَى لِأَهْلِ قَرْيَتِهِ أَوْ قَرَابَتِهِ ، دَخَلَ فِيهِ الْمُسْلِمُ وَالْكَافِرُ ، فَكَذَلِكَ الْمُسْلِمُ .\rوَلَنَا ، أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : { يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ } فَلَمْ يَدْخُلْ فِيهِ الْكُفَّارُ إذَا كَانَ الْمَيِّتُ مُسْلِمًا ، وَإِذَا لَمْ يَدْخُلُوا فِي وَصِيَّةِ اللَّهِ تَعَالَى مَعَ عُمُومِ اللَّفْظِ ، فَكَذَلِكَ فِي وَصِيَّةِ الْمُسْلِمِ ، وَلِأَنَّ ظَاهِرَ حَالِهِ أَنَّهُ لَا يُرِيدُ الْكُفَّارَ ، لِمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ مِنْ عَدَاوَةِ الدِّينِ ، وَعَدَمِ الْوَصْلَةِ ، الْمَانِعِ مِنْ الْمِيرَاثِ ، وَوُجُوبِ النَّفَقَةِ عَلَى فَقِيرِهِمْ ، وَلِذَلِكَ خَرَجُوا مِنْ عُمُومِ اللَّفْظِ فِي الْأَوْلَادِ وَالْإِخْوَةِ وَالْأَزْوَاجِ ، وَسَائِرِ الْأَلْفَاظِ الْعَامَّةِ فِي الْمِيرَاثِ ، فَكَذَا هَاهُنَا ، لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ أُجْرِيَتْ مُجْرَى الْمِيرَاثِ .\rوَإِنْ صَرَّحَ بِهِمْ ، دَخَلُوا فِي الْوَصِيَّةِ ؛ لِأَنَّ صَرِيحَ الْمَقَالِ لَا يُعَارَضُ بِقَرِينَةِ الْحَالِ .\rوَإِنْ وَصَّى لَهُمْ وَأَهْلُ الْقَرْيَةِ كُلُّهُمْ كُفَّارٌ ، أَوْ وَصَّى لِقَرَابَتِهِ ، وَكُلُّهُمْ كُفَّارٌ ، دَخَلُوا فِي الْوَصِيَّةِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ تَخْصِيصُهُمْ إذْ فِي إخْرَاجِهِمْ رَفْعُ اللَّفْظِ بِالْكُلِّيَّةِ .\rوَإِنْ كَانَ فِيهَا مُسْلِمٌ وَاحِدٌ ، وَالْبَاقِي كُفَّارٌ ، دَخَلُوا فِي الْوَصِيَّةِ ؛ لِأَنَّ إخْرَاجَهُمْ بِالتَّخْصِيصِ هَاهُنَا بَعِيدٌ ، وَفِيهِ مُخَالَفَةُ الظَّاهِرِ مِنْ وَجْهَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، مُخَالَفَةُ لَفْظِ الْعُمُومِ .\rوَالثَّانِي ، حَمْلُ اللَّفْظِ الدَّالِ عَلَى الْجَمْعِ عَلَى الْمُفْرَدِ .\rوَإِنْ كَانَ أَكْثَرُ","part":13,"page":207},{"id":6207,"text":"أَهْلِهَا كُفَّارًا ، فَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ أَنَّهُ لِلْمُسْلِمِينَ ؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنَ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلَيْهِمْ ، وَصَرْفُهُ إلَيْهِمْ وَالتَّخْصِيصُ يَصِحُّ وَإِنْ كَانَ بِإِخْرَاجِ الْأَكْثَرِ .\rوَيُحْتَمَلُ أَنْ يَدْخُلَ الْكُفَّارُ فِي الْوَصِيَّةِ ؛ لِأَنَّ التَّخْصِيصَ فِي مِثْلِ هَذَا بَعِيدٌ ، فَإِنَّ تَخْصِيصَ الصُّورَةِ النَّادِرَةِ قَرِيبٌ ، وَتَخْصِيصَ الْأَكْثَرِ بَعِيدٌ يُحْتَاجُ فِيهِ إلَى دَلِيلٍ قَوِيٍّ وَالْحُكْمُ فِي سَائِرِ أَلْفَاظِ الْعُمُومِ ، مِثْلَ أَنْ يُوصِيَ لِإِخْوَتِهِ ، أَوْ عُمُومَتِهِ ، أَوْ بَنِي عَمِّهِ ، أَوْ لِلْيَتَامَى ، أَوْ لِلْمَسَاكِينِ ، كَالْحُكْمِ فِيمَا إذَا أَوْصَى لِأَهْلِ قَرْيَتِهِ .\rفَأَمَّا إنْ أَوْصَى بِذَلِكَ كَافِرٌ ، فَإِنَّ وَصِيَّتَهُ تَتَنَاوَلُ أَهْلَ دِينِهِ ؛ لِأَنَّ لَفْظَهُ يَتَنَاوَلُهُمْ ، وَقَرِينَةُ حَالِهِ إرَادَتُهُمْ ، فَأَشْبَهَ وَصِيَّةَ الْمُسْلِمِ الَّتِي يَدْخُلُ فِيهَا أَهْلُ دِينِهِ .\rوَهَلْ يَدْخُلُ فِي وَصِيَّتِهِ الْمُسْلِمُونَ ؟ نَظَرْنَا ، فَإِنْ وُجِدَتْ قَرِينَةٌ دَالَّةٌ عَلَى دُخُولِهِمْ ، مِثْلُ أَنْ لَا يَكُونَ فِي الْقَرْيَةِ إلَّا مُسْلِمُونَ ، دَخَلُوا فِي الْوَصِيَّةِ ، وَكَذَلِكَ إنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا إلَّا كَافِرٌ وَاحِدٌ ، وَسَائِرُ أَهْلِهَا مُسْلِمُونَ ، وَإِنْ انْتَفَتْ الْقَرَائِنُ ، فَفِي دُخُولِهِمْ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، لَا يَدْخُلُونَ ، كَمَا لَمْ يَدْخُلْ الْكُفَّارُ فِي وَصِيَّةِ الْمُسْلِمِ وَالثَّانِي ، يَدْخُلُونَ ؛ لِأَنَّ عُمُومَ اللَّفْظِ يَتَنَاوَلُهُمْ ، هُمْ أَحَقُّ بِوَصِيَّتِهِ مِنْ غَيْرِهِمْ ، فَلَا يُصْرَفُ اللَّفْظُ عَنْ مُقْتَضَاهُ ، وَمَنْ هُوَ أَحَقُّ بِحُكْمِهِ إلَى غَيْرِهِ .\rوَإِنْ كَانَ فِي الْقَرْيَةِ كَافِرٌ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ دِينِ الْمُوصِي ، لَمْ يَدْخُلْ فِي وَصِيَّتِهِ ؛ لِأَنَّ قَرِينَةَ حَالِ الْمُوصِي تُخْرِجُهُ ، وَلَمْ يُوجَدْ فِيهِ مَا وُجِدَ فِي الْمُسْلِمِ مِنْ الْأَوْلَوِيَّةِ ، فَبَقِيَ خَارِجًا بِحَالِهِ .\rوَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَخْرُجَ ، بِنَاءً عَلَى تَوْرِيثِ الْكُفَّارِ بَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ عَلَى اخْتِلَافِ دِينِهِمْ .","part":13,"page":208},{"id":6208,"text":"( 4732 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَمَنْ أَوْصَى بِكُلِّ مَالِهِ ، وَلَا عَصَبَةَ لَهُ ، وَلَا مَوْلَى لَهُ ، فَجَائِزٌ .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ رَحِمَهُ اللَّهُ رِوَايَةٌ أُخْرَى : لَا يَجُوزُ إلَّا الثُّلُثُ ) اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي مَنْ لَمْ يَخْلُفْ مِنْ وُرَّاثِهِ عَصَبَةً ، وَلَا ذَا فَرْضٍ ، فَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّ وَصِيَّتَهُ جَائِزَةٌ بِكُلِّ مَالِهِ .\rثَبَتَ هَذَا عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَبِهِ قَالَ عُبَيْدَةُ السَّلْمَانِيُّ ، وَمَسْرُوقٌ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَهْلُ الْعِرَاقِ .\rوَالرِّوَايَةُ الْأُخْرَى : لَا يَجُوزُ إلَّا الثُّلُثُ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَابْنُ شُبْرُمَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَالْعَنْبَرِيُّ ؛ لِأَنَّ لَهُ مَنْ يَعْقِلُ عَنْهُ ، فَلَمْ تَنْفُذْ وَصِيَّتُهُ فِي أَكْثَرَ مِنْ ثُلُثِهِ ، كَمَا لَوْ تَرَكَ وَارِثًا .\rوَلَنَا ، أَنَّ الْمَنْعَ مِنْ الزِّيَادَةِ عَلَى الثُّلُثِ إنَّمَا كَانَ لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْوَرَثَةِ ، بِدَلِيلِ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إنَّك أَنْ تَدَعَ وَرَثَتَك أَغْنِيَاءَ ، خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَدَعَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ } .\rوَهَا هُنَا لَا وَارِثَ لَهُ يَتَعَلَّقُ حَقٌّ بِمَالِهِ ، فَأَشْبَهَ حَالَ الصِّحَّةِ ، وَلِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِمَالِهِ حَقُّ وَارِثٍ وَلَا غَرِيمٍ ، أَشْبَهَ حَالَ الصِّحَّةِ أَوْ أَشْبَهَ الثُّلُثَ .","part":13,"page":209},{"id":6209,"text":"( 4733 ) فَصْلٌ : وَإِنْ خَلَّفَ ذَا فَرْضٍ ، لَا يَرِثُ الْمَالَ كُلَّهُ ، كَبِنْتٍ ، أَوْ أُمٍّ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ الْوَصِيَّةُ بِأَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ ؛ لِأَنَّ سَعْدًا قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا يَرِثُنِي إلَّا ابْنَتِي .\rفَمَنَعَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الزِّيَادَةِ عَلَى الثُّلُثِ .\rوَلِأَنَّهَا تَسْتَحِقُّ جَمِيعَ الْمَالِ بِالْفَرْضِ وَالرَّدِّ ، فَأَشْبَهَتْ الْعَصَبَةَ .\rوَإِنْ كَانَ لَهَا زَوْجٌ ، أَوْ لِلرَّجُلِ امْرَأَةٌ ، فَكَذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ تَنْقُصُ حَقَّهُ ، لِأَنَّهُ إنَّمَا يَسْتَحِقُّ فَرْضَهُ بَعْدَ الْوَصِيَّةِ ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ } فَأَمَّا ذَوُو الْأَرْحَامِ فَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ أَنَّهُ لَا يَمْنَعُ الْوَصِيَّةَ بِجَمِيعِ الْمَالِ ؛ لِقَوْلِهِ : \" وَلَا عَصَبَةَ لَهُ وَلَا مَوْلَى لَهُ \" .\rوَذَلِكَ لِأَنَّ ذَا الرَّحِمِ إرْثُهُ كَالْفَضْلَةِ وَالصِّلَةِ ، وَلِذَلِكَ لَا يُصْرَفُ إلَيْهِ شَيْءٌ إلَّا عِنْدَ عَدَمِ الرَّدِّ وَالْمَوْلَى ، لَا تَجِبُ نَفَقَتُهُ .\rوَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا تَنْفُذَ وَصِيَّتُهُ بِأَكْثَرَ مِنْ ثُلُثِهِ ؛ لِأَنَّ لَهُ وَارِثًا ، فَيَدْخُلُ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { إنَّك أَنْ تَتْرُكَ وَرَثَتَك أَغْنِيَاءَ ، خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَدَعَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ } وَلِأَنَّهُمْ وَرَثَةٌ يَسْتَحِقُّونَ مَالَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ ، وَصِلَتَهُ لَهُمْ فِي حَيَاتِهِ ، فَأَشْبَهُوا ذَوِي الْفُرُوضِ وَالْعُصُبَاتِ ، وَتَقْدِيمُ غَيْرِهِمْ عَلَيْهِمْ لَا يَمْنَعُ مُسَاوَاتَهُمْ لَهُمْ فِي مَسْأَلَتِنَا ، كَذَوِي الْفُرُوضِ الَّذِينَ يَحْجُبُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا وَالْعُصُبَاتِ .","part":13,"page":210},{"id":6210,"text":"( 4734 ) فَصْلٌ : فَإِنْ خَلَّفَ ذَا فَرْضٍ لَا يَرِثُ الْمَالَ كُلَّهُ ، وَقَالَ : أَوْصَيْت لِفُلَانٍ بِثُلُثَيْ ، عَلَى أَنَّهُ لَا يَنْقُصُ ذَا الْفَرْضِ شَيْئًا مِنْ فَرْضِهِ .\rأَوْ خَلَّفَ امْرَأَةً ، وَقَالَ : أَوْصَيْت لَك بِمَا فَضَلَ مِنْ الْمَالِ عَنْ فَرْضِهَا .\rصَحَّ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى ؛ لِأَنَّ ذَا الْفَرْضِ يَرِثُ الْمَالَ كُلَّهُ ، لَوْلَا الْوَصِيَّةُ ، فَلَا فَرْقَ فِي الْوَصِيَّةِ بَيْنَ أَنْ يَجْعَلَهَا مِنْ رَأْسِ الْمَالِ أَوْ مِنْ الزَّائِدِ عَلَى الْفَرْضِ .\rوَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ ، فَتَنْبَنِي عَلَى الْوَصِيَّةِ بِجَمِيعِ الْمَالِ ، فَإِنْ قُلْنَا : تَصِحُّ ثَمَّ .\rصَحَّتْ هَاهُنَا ؛ لِأَنَّ الْبَاقِيَ عَنْ فَرْضِ الزَّوْجَةِ مَالٌ لَا وَارِثَ لَهُ ، فَصَحَّتْ الْوَصِيَّةُ بِهِ ، كَمَا لَوْ لَمْ تَكُنْ زَوْجَةً .\rوَإِنْ قُلْنَا : لَا تَصِحُّ ثَمَّ .\rفَهَاهُنَا مِثْلُهُ ؛ لِأَنَّ بَيْتَ الْمَالِ جُعِلَ كَالْوَارِثِ ، فَصَارَ كَأَنَّهُ ذُو وَرَثَةٍ يَسْتَغْرِقُونَ الْمَالَ إذَا عَيَّنَ الْوَصِيَّةَ مِنْ نَصِيبِ الْعَصَبَةِ مِنْهُمْ ، فَعَلَى هَذَا يُعْطَى الْمُوصَى لَهُ الثُّلُثَ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ ، وَيَسْقُطُ تَخْصِيصُهُ .","part":13,"page":211},{"id":6211,"text":"( 4735 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَمَنْ أَوْصَى لِعَبْدِهِ بِثُلُثِ مَالِهِ ، فَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ يَخْرُجُ مِنْ الثُّلُثِ عَتَقَ ، وَمَا فَضَلَ مِنْ الثُّلُثِ بَعْدَ عِتْقِهِ ، فَهُوَ لَهُ ، وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ الثُّلُثِ ، عَتَقَ مِنْهُ بِقَدْرِ الثُّلُثِ ، إلَّا أَنْ يُجِيزَ الْوَرَثَةُ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا أَوْصَى لِعَبْدِهِ بِجُزْءٍ شَائِعٍ مِنْ مَالِهِ ، كَثُلُثٍ أَوْ رُبُعٍ أَوْ سُدُسٍ ، صَحَّتْ الْوَصِيَّةُ ، فَإِنْ خَرَجَ الْعَبْدُ مِنْ الْوَصِيَّةِ ، عَتَقَ ، وَاسْتَحَقَّ بَاقِيهَا ، وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ ، عَتَقَ مِنْهُ بِقَدْرِ الْوَصِيَّةِ .\rوَبِهَذَا قَالَ الْحَسَنُ ، وَابْنُ سِيرِينَ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، إلَّا أَنَّهُمْ قَالُوا : إنْ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ الثُّلُثِ ، سَعَى فِي قِيمَةِ بَاقِيهِ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : الْوَصِيَّةُ بَاطِلَةٌ ، إلَّا أَنْ يُوصِيَ بِعِتْقِهِ ؛ لِأَنَّهُ أَوْصَى لَمَالٍ يَصِيرُ لِلْوَرَثَةِ ، فَلَمْ يَصِحَّ ، كَمَا لَوْ أَوْصَى لَهُ بِمُعَيَّنٍ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الْجُزْءَ الشَّائِعَ يَتَنَاوَلُ نَفْسَهُ أَوْ بَعْضَهَا ؛ لِأَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ الثُّلُثِ الشَّائِعِ ، وَالْوَصِيَّةُ لَهُ بِنَفْسِهِ تَصِحُّ وَيُعْتَقُ ، وَمَا فَضَلَ يَسْتَحِقُّهُ ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ حُرًّا ، فَيَمْلِكُ الْوَصِيَّةَ ، فَيَصِيرُ كَأَنَّهُ قَالَ : اعْتِقُوا عَبْدِي مِنْ ثُلُثَيْ ، وَأَعْطُوهُ مَا فَضَلَ مِنْهُ ، وَفَارَقَ مَا إذَا أَوْصَى بِمُعَيَّنٍ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَنَاوَلُ شَيْئًا مِنْهُ .\r( 4736 ) فَصْلٌ : فَإِنْ أَوْصَى لَهُ بِمُعَيَّنٍ مِنْ مَالِهِ ، كَثَوْبٍ أَوْ دَارٍ أَوْ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ ، فَالْوَصِيَّةُ بَاطِلَةٌ ، فِي قَوْلِ الْأَكْثَرِينَ .\rوَبِهِ يَقُولُ الثَّوْرِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَذَكَرَ ابْنُ أَبِي مُوسَى رِوَايَةً أُخْرَى عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّهَا تَصِحُّ .\rوَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَأَبِي ثَوْرٍ .\rوَقَالَ الْحَسَنُ ، وَابْنُ سِيرِينَ : إنْ شَاءَ الْوَرَثَةُ أَجَازُوا ، وَإِنْ شَاءُوا رَدُّوا .\rوَلَنَا ، أَنَّ الْعَبْدَ يَصِيرُ مِلْكًا لِلْوَرَثَةِ ، فَمَا وَصَّى بِهِ لَهُ فَهُوَ لَهُمْ ، فَكَأَنَّهُ أَوْصَى لِوَرَثَتِهِ بِمَا يَرِثُونَهُ ، فَلَا فَائِدَةَ","part":13,"page":212},{"id":6212,"text":"فِيهِ .\rوَفَارَقَ مَا إذَا أَوْصَى لَهُ بِمُشَاعِ ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ .\r( 4737 ) فَصْلٌ : وَإِنْ وَصَّى لَهُ بِرَقَبَتِهِ ، فَهُوَ تَدْبِيرٌ ، يُعْتَقُ إنْ حَمَلَهُ الثُّلُثُ .\rوَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْي .\rوَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ : الْوَصِيَّةُ بَاطِلَةٌ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ رَقَبَتَهُ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ أَوْصَى لَهُ بِمَنْ لَا يَمْلِكُهُ عَلَى الدَّوَامِ ، فَصَحَّ ، كَمَا لَوْ وَصَّى بِأَبِيهِ ، وَلِأَنَّ مَعْنَى الْوَصِيَّةِ لَهُ بِرَقَبَتِهِ عِتْقُهُ ، لِعِلْمِهِ بِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ رَقَبَتَهُ ، فَصَارَتْ الْوَصِيَّةُ بِهِ كِنَايَةً عَنْ إعْتَاقِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ .\rوَإِنْ أَوْصَى لَهُ بِبَعْضِ رَقَبَتِهِ ، فَهُوَ تَدْبِيرٌ لِذَلِكَ الْجُزْءِ ، وَهَلْ يُعْتَقُ جَمِيعُهُ إذَا حَمَلَهُ الثُّلُثُ ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ ، ذَكَرَهُمَا الْخِرَقِيِّ فِيمَا إذَا دَبَّرَ بَعْضَ عَبْدِهِ وَهُوَ مَالِكٌ لِكُلِّهِ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ : يَسْعَى فِي قِيمَةِ بَاقِيهِ .\rوَهَذَا شَيْءٌ يَأْتِي فِي بَابِ الْعِتْقِ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .","part":13,"page":213},{"id":6213,"text":"( 4738 ) فَصْلٌ : وَإِنْ وَصَّى لِمُكَاتَبِهِ ، أَوْ مُكَاتَبِ وَارِثِهِ ، أَوْ مُكَاتَبِ أَجْنَبِيٍّ ، صَحَّ ، سَوَاءٌ أَوْصَى لَهُ بِجُزْءٍ شَائِعٍ أَوْ مُعَيَّنٍ ؛ لِأَنَّ وَرَثَتَهُ لَا يَسْتَحِقُّونَ الْمُكَاتَبَ ، وَلَا يَمْلِكُونَ مَالَهُ .\rوَإِنْ أَوْصَى لِأُمِّ وَلَدِهِ ، صَحَّتْ الْوَصِيَّةُ ؛ لِأَنَّهَا حُرَّةٌ حِينَ لُزُومِ الْوَصِيَّةِ .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ أَوْصَى لِأُمَّهَاتِ أَوْلَادِهِ بِأَرْبَعَةِ آلَافٍ .\rرَوَاهُ سَعِيدٌ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ .\rوَبِهِ قَالَ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَيَحْيَى الْأَنْصَارِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ .\rوَإِنْ وَصَّى لِمُدَبَّرِهِ ، صَحَّ ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ حُرًّا حِينَ لُزُومِ الْوَصِيَّةِ ، فَصَحَّتْ الْوَصِيَّةُ لَهُ ، كَأُمِّ الْوَلَدِ .\rوَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ الثُّلُثِ هُوَ وَالْوَصِيَّةُ جَمِيعًا ، قُدِّمَ عِتْقُهُ عَلَى الْوَصِيَّةِ ؛ لِأَنَّهُ أَنْفَعُ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : يُعْتَقُ بَعْضُهُ ، وَيَمْلِكُ مِنْ الْوَصِيَّةِ بِقَدْرِ مَا عَتَقَ مِنْهُ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ وَصَّى لِعَبْدِهِ وَصِيَّةً صَحِيحَةً ، فَيُقَدَّمُ عِتْقُهُ عَلَى مَا يَحْصُلُ لَهُ مِنْ الْمَالِ ، كَمَا لَوْ وَصَّى لِعَبْدِهِ الْقِنِّ بِمُشَاعٍ مِنْ مَالِهِ .","part":13,"page":214},{"id":6214,"text":"( 4739 ) فَصْلٌ : وَإِنْ أَوْصَى لِعَبْدِ غَيْرِهِ ، صَحَّ ، وَتَكُونُ الْوَصِيَّةُ لِسَيِّدِهِ ، وَالْقَبُولُ فِي ذَلِكَ إلَى الْعَبْدِ ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ مُضَافٌ إلَيْهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ وَهَبَهُ شَيْئًا ، فَإِذَا قَبِلَ ثَبَتَ لِسَيِّدِهِ ، لِأَنَّهُ مِنْ كَسْبِ عَبْدِهِ ، وَكَسْبُ الْعَبْدِ لِسَيِّدِهِ ، وَلَا تَفْتَقِرُ فِي الْقَبُولِ إلَى إذْنِ السَّيِّدِ ؛ لِأَنَّهُ كَسْبٌ ، فَصَحَّ مِنْ غَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ ، كَالِاحْتِطَابِ .\rوَهَذَا قَوْلُ أَهْلِ الْعِرَاقِ ، وَالشَّافِعِيِّ .\rوَلِأَصْحَابِهِ وَجْهٌ أُخَرُ ، أَنَّ الْقَبُولَ يَفْتَقِرُ إلَى إذْنِ السَّيِّدِ ، لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ مِنْ الْعَبْدِ ، فَأَشْبَهَ بَيْعَهُ وَشِرَاءَهُ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ تَحْصِيلُ مَالٍ بِغَيْرِ عِوَضٍ ، فَلَمْ يَفْتَقِرْ إلَى إذْنِهِ ، كَقَبُولِ الْهِبَةِ وَتَحْصِيلِ الْمُبَاحِ .\rوَإِنْ وَصَّى لِعَبْدِ وَارِثِهِ ، فَهِيَ كَالْوَصِيَّةِ لِوَارِثِهِ ، يَقِفُ عَلَى إجَازَةِ الْوَرَثَةِ .\rوَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : إنْ كَانَ يَسِيرًا جَازَ ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ يَمْلِكُ ، وَإِنَّمَا لِسَيِّدِهِ أَخْذُهُ مِنْ يَدِهِ ، فَإِذَا وَصَّى لَهُ بِشَيْءٍ يَسِيرٍ ، عُلِمَ أَنَّهُ قَصَدَ بِذَلِكَ الْعَبْدَ ، دُونَ سَيِّدِهِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهَا وَصِيَّةٌ لِعَبْدِ وَارِثِهِ ، فَأَشْبَهَتْ الْوَصِيَّةَ بِالْكَثِيرِ ، وَمَا ذَكَرُوهُ مِنْ مِلْكِ الْعَبْدِ مَمْنُوعٌ ، وَلَا اعْتِبَارَ بِهِ ، فَإِنَّهُ مَعَ هَذَا الْقَصْدِ يَسْتَحِقُّ سَيِّدُهُ أَخْذَهُ ، فَهُوَ كَالْكَثِيرِ .","part":13,"page":215},{"id":6215,"text":"( 4740 ) فَصْلٌ : وَإِذَا أَوْصَى بِعِتْقِ أَمَتِهِ عَلَى ، أَنْ لَا تَتَزَوَّجَ .\rثُمَّ مَاتَ ، فَقَالَتْ : لَا أَتَزَوَّجُ عَتَقَتْ .\rفَإِنْ تَزَوَّجَتْ بَعْدَ ذَلِكَ ، لَمْ يَبْطُلْ عِتْقُهَا .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الْأَوْزَاعِيِّ ، وَاللَّيْثِ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْعِتْقَ إذَا وَقَعَ لَا يُمْكِنُ رَفْعُهُ .\rوَإِنْ أَوْصَى لِأُمِّ وَلَدِهِ بِأَلْفٍ ، عَلَى أَنْ لَا تَتَزَوَّجَ ، أَوْ عَلَى أَنْ تَثْبُتَ مَعَ وَلَدِهِ ، فَفَعَلَتْ وَأَخَذَتْ الْأَلْفَ ، ثُمَّ تَزَوَّجَتْ وَتَرَكَتْ وَلَدَهُ ، فَفِيهَا وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، تَبْطُلُ وَصِيَّتُهَا ؛ لِأَنَّهُ فَاتَ الشَّرْطُ ، فَفَاتَتْ الْوَصِيَّةُ ، وَفَارَقَ الْعِتْقَ ، فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُ رَفْعُهُ .\rوَالثَّانِي ، لَا تَبْطُلُ وَصِيَّتُهَا .\rوَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ ؛ لِأَنَّ وَصِيَّتَهَا صَحَّتْ ، فَلَمْ تَبْطُلْ بِمُخَالَفَةِ مَا شُرِطَ عَلَيْهَا كَالْأُولَى .","part":13,"page":216},{"id":6216,"text":"( 4741 ) فَصْلٌ : وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي الْوَصِيَّةِ لِلْقَاتِلِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ ؛ فَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ : تَجُوزُ الْوَصِيَّةُ لَهُ .\rوَاحْتَجَّ بِقَوْلِ أَحْمَدَ ، فِي مَنْ جَرَحَ رَجُلًا خَطَأً فَعَفَا الْمَجْرُوحُ .\rفَقَالَ أَحْمَدُ : يُعْتَبَرُ مِنْ ثُلُثِهِ .\rقَالَ : وَهَذِهِ وَصِيَّةٌ لَقَاتِلٍ .\rوَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ ، وَأَظْهَرُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ؛ لِأَنَّ الْهِبَةَ لَهُ تَصِحُّ ، فَصَحَّتْ الْوَصِيَّةُ لَهُ ، كَالذِّمِّيِّ وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : لَا تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ لَهُ ؛ فَإِنَّ أَحْمَدَ قَدْ نَصَّ عَلَى أَنَّ الْمُدَبَّرَ إذَا قَتَلَ سَيِّدَهُ ، بَطَلَ تَدْبِيرُهُ ، وَالتَّدْبِيرُ وَصِيَّةٌ .\rوَهَذَا قَوْلُ الثَّوْرِيِّ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ ؛ لِأَنَّ الْقَتْلَ يَمْنَعُ الْمِيرَاثَ الَّذِي هُوَ آكَدُ مِنْ الْوَصِيَّةِ ، فَالْوَصِيَّةُ أَوْلَى ، وَلِأَنَّ الْوَصِيَّةَ أُجْرِيَتْ مُجْرَى الْمِيرَاثِ ، فَيَمْنَعُهَا مَا يَمْنَعُهُ .\rوَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : إنْ وَصَّى لَهُ بَعْدَ جَرْحِهِ ، صَحَّ ، وَإِنْ وَصَّى لَهُ قَبْلَهُ ، ثُمَّ طَرَأَ الْقَتْلُ عَلَى الْوَصِيَّةِ ، أَبْطَلَهَا جَمْعًا بَيْنَ نَصَّيْ أَحْمَدَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ .\rوَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ .\rوَهَذَا قَوْلٌ حَسَنٌ ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ بَعْدَ الْجَرْحِ صَدَرَتْ مِنْ أَهْلِهَا فِي مَحِلِّهَا ، وَلَمْ يَطْرَأْ عَلَيْهَا مَا يُبْطِلُهَا ، بِخِلَافِ مَا إذَا تَقَدَّمَتْ ، فَإِنَّ الْقَتْلَ طَرَأَ عَلَيْهَا فَأَبْطَلَهَا ، لِأَنَّهُ يُبْطِلُ مَا هُوَ آكَدُ مِنْهَا ، يُحَقِّقُهُ أَنَّ الْقَتْلَ إنَّمَا مَنَعَ الْمِيرَاثَ ، لِكَوْنِهِ بِالْقَتْلِ اسْتَعْجَلَ الْمِيرَاثَ الَّذِي انْعَقَدَ سَبَبُهُ فَعُورِضَ بِنَقِيضِ قَصْدِهِ ، وَهُوَ مَنْعُ الْمِيرَاثِ ، دَفْعًا لِمَفْسَدَةِ قَتْلِ الْمَوْرُوثِينَ ، وَلِذَلِكَ بَطَلَ التَّدْبِيرُ بِالْقَتْلِ الطَّارِئِ عَلَيْهِ أَيْضًا ، وَهَذَا الْمَعْنَى مُتَحَقِّقٌ فِي الْقَتْلِ الطَّارِئِ عَلَى الْوَصِيَّةِ ، فَإِنَّهُ رُبَّمَا اسْتَعْجَلَهَا بِقَتْلِهِ .\rوَفَارَقَ الْقَتْلَ قَبْلَ الْوَصِيَّةِ ، فَإِنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ بِهِ اسْتِعْجَالَ مَالٍ ،","part":13,"page":217},{"id":6217,"text":"لِعَدَمِ انْعِقَادِ سَبَبِهِ ، وَالْمُوصِي رَاضٍ بِالْوَصِيَّةِ لَهُ بَعْدَ صُدُورِ مَا صَدَرَ مِنْهُ فِي حَقِّهِ ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْعَمْدِ وَالْخَطَأِ فِي هَذَا ، كَمَا لَا يَفْتَرِقُ الْحَالُ بِذَلِكَ فِي الْمِيرَاثِ ، وَعَلَى هَذَا مَتَى دَبَّرَ عَبْدَهُ بَعْدَ جَرْحِهِ إيَّاهُ ، صَحَّ تَدْبِيرُهُ .","part":13,"page":218},{"id":6218,"text":"مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِذَا قَالَ : أَحَدُ عَبْدَيَّ حُرٌّ .\rأَقْرَعَ بَيْنَهُمَا ، فَمَنْ تَقَعُ عَلَيْهِ الْقُرْعَةُ ، فَهُوَ حُرٌّ إذَا خَرَجَ مِنْ الثُّلُثِ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا أَعْتَقَ عَبْدًا غَيْرَ مُعَيَّنٍ ، فَإِنَّهُ يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا ، فَيَخْرُجُ الْحُرُّ بِالْقُرْعَةِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ : لَهُ تَعْيِينُ أَحَدِهِمَا بِغَيْرِ قُرْعَةٍ ؛ لِأَنَّهُ عِتْقٌ مُسْتَحَقٌّ فِي غَيْرِ مُعَيَّنٍ ، فَكَانَ التَّعْيِينُ إلَى الْمُعْتِقِ كَالْعِتْقِ فِي الْكَفَّارَةِ ، وَكَمَا لَوْ قَالَ لِوَرَثَتِهِ : أَعْتِقُوا عَنِّي عَبْدًا .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ عِتْقٌ اسْتَحَقَّهُ وَاحِدٌ مِنْ جَمَاعَةٍ مُعَيَّنِينَ ، فَكَانَ إخْرَاجُهُ بِالْقُرْعَةِ ، كَمَا لَوْ أَعْتَقَهُمَا فَلَمْ يَخْرُجْ مِنْ ثُلُثِهِ إلَّا أَحَدُهُمَا ، وَدَلِيلُ الْحُكْمِ فِي الْأَصْلِ ، حَدِيثُ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ .\rفَأَمَّا الْعِتْقُ فِي الْكَفَّارَةِ ، فَإِنَّهُ لَمْ يَسْتَحِقَّهُ أَحَدٌ ، إنَّمَا اُسْتُحِقَّ عَلَى الْمُكَفِّرِ التَّكْفِيرُ .\rوَأَمَّا إذَا قَالَ : أَعْتِقُوا عَنِّي عَبْدًا .\rفَإِنْ لَمْ يُضِفْهُ إلَى عَبِيدِهِ ، وَلَا إلَى جَمَاعَةٍ سِوَاهُمْ ، فَهُوَ كَالْمُعْتَقِ فِي الْكَفَّارَةِ .\rوَإِنْ قَالَ : أَعْتِقُوا أَحَدَ عَبِيدِي .\rاحْتَمَلَ أَنْ نَقُولَ بِإِخْرَاجِهِ بِالْقُرْعَةِ كَمَسْأَلَتِنَا ، وَاحْتَمَلَ أَنْ يُرْجَعَ فِيهِ إلَى اخْتِيَارِ الْوَرَثَةِ .\rوَأَصْلُ الْوَجْهَيْنِ مَا لَوْ وَصَّى لِرَجُلٍ بِعَبْدٍ مِنْ عَبِيدِهِ ، هَلْ يُعْطَى أَحَدَهُمْ بِالْقُرْعَةِ ، أَوْ يُرْجَعُ فِيهِ إلَى اخْتِيَارِ الْوَرَثَةِ ؟ وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهَا .\rوَالْفَرْقُ بَيْنَ مَسْأَلَتِنَا وَبَيْنَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ ، أَنَّهُ جَعَلَ الْأَمْرَ إلَى الْوَرَثَةِ ، حَيْثُ أَمَرَهُمْ بِالْإِعْتَاقِ فَكَانَتْ الْخِيرَةُ إلَيْهِمْ ، وَفِي مَسْأَلَتِنَا لَمْ يَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ الْأَمْرِ شَيْئًا ، فَلَا يَكُونُ لَهُمْ خِيرَةٌ .\r( 4743 ) فَصْلٌ : وَنَقَلَ صَالِحٌ عَنْ أَبِيهِ ، فِي مَنْ لَهُ غُلَامَانِ اسْمُهُمَا وَاحِدٌ ، فَقَالَ : فُلَانٌ حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِي .\rوَلَهُ مِائَتَا دِرْهَمٍ .\rوَلَمْ يُعَيِّنْهُ ، يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا","part":13,"page":219},{"id":6219,"text":"، فَيُعْتَقُ مَنْ خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ الْمِائَتَيْنِ شَيْءٌ .\rوَوَجْهُ ذَلِكَ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّ الْوَصِيَّةَ بِالْمِائَتَيْنِ وَقَعَتْ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ ، وَلَا تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ إلَّا لِمُعَيَّنٍ ، وَقَالَ الْقَاضِي : يَجِبُ أَنْ تَصِحَّ هَذِهِ الْوَصِيَّةُ ؛ لِأَنَّ مُسْتَحِقَّهَا حُرٌّ فِي حَالِ اسْتِحْقَاقِهَا .\rوَنُقِلَ عَنْ أَحْمَدَ ، فِي مَنْ قَالَ : أَعْتِقُوا رَقَبَةً عَنِّي .\rفَلَا يُعْتَقُ عَنْهُ إلَّا مُسْلِمٌ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُطْلَقَ مِنْ كَلَامِ الْآدَمِيِّ يُحْمَلُ عَلَى الْمُطْلَقِ مِنْ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى وَلَمَّا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِتَحْرِيرِ رَقَبَةٍ ، لَمْ يَتَنَاوَلْ إلَّا الْمُسْلِمَ ، فَكَذَلِكَ الْآدَمِيُّ .","part":13,"page":220},{"id":6220,"text":"( 4744 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِذَا أَوْصَى أَنْ يُشْتَرَى عَبْدُ زَيْدٌ بِخَمْسِمِائَةٍ ، فَيُعْتَقُ ، فَلَمْ يَبِعْهُ سَيِّدُهُ ، فَالْخَمْسُمِائَةِ لِلْوَرَثَةِ .\rوَإِنْ اشْتَرَوْهُ بِأَقَلَّ ، فَمَا فَضَلَ فَهُوَ لِلْوَرَثَةِ ) أَمَّا إذَا تَعَذَّرَ شِرَاؤُهُ ، إمَّا لِامْتِنَاعِ سَيِّدِهِ مِنْ بَيْعِهِ ، أَوْ مِنْ بَيْعِهِ بِالْخَمْسِمِائَةِ ، وَإِمَّا لِمَوْتِهِ ، أَوْ لِعَجْزِ الثُّلُثِ عَنْ ثَمَنِهِ ، فَالثَّمَنُ لِلْوَرَثَةِ ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ بَطَلَتْ لِتَعَذُّرِ الْعَمَلِ بِهَا ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ وَصَّى لِرَجُلٍ فَمَاتَ قَبْلَ مَوْتِ الْمُوصِي ، أَوْ بَعْدَهُ وَلَمْ يَدَعْ وَارِثًا .\rوَلَا يَلْزَمُهُمْ شِرَاءُ عَبْدٍ آخَرَ ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ لِمُعَيَّنٍ ، فَلَا تُصْرَفُ إلَى غَيْرِهِ .\rوَأَمَّا إنْ اشْتَرَوْهُ بِأَقَلَّ ، فَالْبَاقِي لِلْوَرَثَةِ ، وَقَالَ الثَّوْرِيُّ : يُدْفَعُ جَمِيعُ الثَّمَنِ إلَى سَيِّدِ الْعَبْدِ ؛ لِأَنَّهُ قَصَدَ إرْفَاقَهُ بِالثَّمَنِ وَمُحَابَاتَهُ بِهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَالَ : بِيعُوهُ عَبْدِي بِخَمْسِمِائَةٍ .\rوَقِيمَتُهُ أَكْثَرُ مِنْهَا ، وَكَمَا لَوْ أَوْصَى أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ فُلَانٌ حِجَّةً بِخَمْسِمِائَةٍ .\rوَقَالَ إِسْحَاقُ : يُجْعَلُ بَقِيَّةُ الثَّمَنِ فِي الْعِتْقِ ، كَمَا لَوْ أَوْصَى أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ بِخَمْسِمِائَةٍ ، رُدَّ مَا فَضَلَ فِي الْحَجِّ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ أَمَرَ بِشِرَائِهِ بِخَمْسِمِائَةٍ ، فَكَانَ مَا فَضَلَ مِنْ الثَّمَنِ رَاجِعًا إلَيْهِ ، كَمَا لَوْ وَكَّلَ فِي شِرَائِهِ فِي حَيَاتِهِ ، وَفَارَقَ مَا إذَا أَوْصَى أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ رَجُلٌ بِخَمْسِمِائَةٍ ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ ثَمَّ إرْفَاقُ الَّذِي يَحُجُّ بِالْفَضْلَةِ ، وَفِي مَسْأَلَتِنَا الْمَقْصُودُ الْعِتْقُ .\rوَيُفَارِقُ مَا إذَا أَوْصَى أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ بِخَمْسِمِائَةٍ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ ثَمَّ لِلْحَجِّ مُطْلَقًا ، فَصُرِفَ جَمِيعُهَا فِيهِ ، وَهَا هُنَا لِمُعَيَّنٍ ، فَلَا تَتَعَدَّاهُ .\rوَقَوْلُهُ : إنَّهُ قَصَدَ إرْفَاقَ زَيْدٍ بِالثَّمَنِ وَمُحَابَاتَهُ بِهِ .\rفَنَقُولُ : الصَّحِيحُ أَنَّهُ إنْ كَانَتْ ثَمَّ قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ ، إمَّا لِكَوْنِ الْبَائِعِ صَدِيقًا لَهُ ، أَوْ","part":13,"page":221},{"id":6221,"text":"ذَا حَاجَةٍ ، أَوْ مِنْ أَهْلِ الْفَضْلِ الَّذِينَ يُقْصَدُونَ بِهَذَا ، أَوْ عَيَّنَ هَذَا الثَّمَنَ وَهُوَ يَعْلَمُ حُصُولَ الْعَبْدِ بِدُونِهِ ؛ لِقِلَّةِ قِيمَتِهِ ، فَإِنَّهُ يُدْفَعُ جَمِيعُ الثَّمَنِ إلَى زَيْدٍ ، كَمَا لَوْ صَرَّحَ بِذَلِكَ ، فَقَالَ : وَادْفَعُوا إلَيْهِ جَمِيعَهَا ، وَإِنْ بَذَلَهُ بِدُونِهَا .\rوَإِنْ انْعَدَمَتْ هَذِهِ الْقَرَائِنُ ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ إنَّمَا قَصَدَ الْعِتْقَ ، وَقَدْ حَصَلَ ، فَكَانَ الْفَاضِلُ عَائِدًا إلَيْهِ ، كَمَا لَوْ أَمَرَهُ بِالشِّرَاءِ فِي حَيَاتِهِ .","part":13,"page":222},{"id":6222,"text":"( 4745 ) فَصْلٌ : وَإِنْ وَصَّى أَنْ يُشْتَرَى عَبْدٌ بِأَلْفٍ ، فَيُعْتَقُ عَنْهُ ، فَلَمْ يَخْرُجْ مِنْ ثُلُثِهِ ، اُشْتُرِيَ عَبْدٌ بِمَا يَخْرُجُ مِنْ الثُّلُثِ .\rوَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : تَبْطُلُ الْوَصِيَّةُ ؛ لِأَنَّهُ أَمَرَ بِشِرَاءِ عَبْدٍ بِأَلْفٍ ، فَلَا يَجُوزُ لِلْمَأْمُورِ الشِّرَاءُ بِدُونِهِ ، كَالْوَكِيلِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهَا وَصِيَّةٌ يَجِبُ تَنْفِيذُهَا إذَا احْتَمَلَهَا الثُّلُثُ ، فَإِذَا لَمْ يَحْتَمِلْهَا وَجَبَ تَنْفِيذُهَا فِيمَا حَمَلَهُ ، كَمَا لَوْ وَصَّى بِعِتْقِ عَبْدِهِ فَلَمْ يَحْمِلْهُ الثُّلُثُ ، وَفَارَقَ الْوَكَالَةَ ، فَإِنَّهُ لَوْ وَكَّلَهُ فِي إعْتَاقِ عَبْدٍ لَمْ يَمْلِكْ إعْتَاقَ بَعْضِهِ ، وَلَوْ أَوْصَى بِإِعْتَاقِ عَبْدٍ ، لَأَعْتَقَ مِنْهُ مَا يَحْتَمِلُهُ الثُّلُثُ .\rفَأَمَّا إنْ حَمَلَهُ الثُّلُثُ ، فَاشْتَرَاهُ وَأَعْتَقَهُ ، ثُمَّ ظَهَرَ عَلَى الْمَيِّتِ دَيْنٌ يَسْتَغْرِقُ الْمَالَ ، فَالْوَصِيَّةُ بَاطِلَةٌ ، وَيُرَدُّ الْعَبْدُ إلَى الرِّقِّ إنْ كَانَ اشْتَرَاهُ بِعَيْنِ الْمَالِ ؛ لِأَنَّنَا تَبَيَّنَّا أَنَّ الشِّرَاءَ بَاطِلٌ بِكَوْنِهِ اشْتَرَى بِمَالٍ مُسْتَحَقٍّ لِلْغُرَمَاءِ بِغَيْرِ إذْنِهِمْ ، وَإِنْ كَانَ الشِّرَاءُ فِي الذِّمَّةِ ، صَحَّ الشِّرَاءُ ، وَنَفَذَ الْعِتْقُ وَعَلَى الْمُشْتَرِي غَرَامَةُ ثَمَنِهِ ، وَلَا يَرْجِعُ بِهِ عَلَى أَحَدٍ ؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ مَا غَرَّهُ ، إنَّمَا غَرَّهُ الْمُوصِي ، وَلَا تَرِكَةَ لَهُ فَيَرْجِعُ عَلَيْهَا .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rوَيُحْتَمَلُ أَنْ يُشَارِكَ الْغُرَمَاءَ فِي التَّرِكَةِ ، وَيَضْرِبَ مَعَهُمْ بِقَدْرِ دَيْنِهِ ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ لَزِمَهُ بِتَغْرِيرِ الْمُوصِي ، فَيَرْجِعَ بِهِ عَلَيْهِ ، فَإِذَا كَانَ مَيِّتًا لَزِمَهُ فِي تَرِكَتِهِ ، كَأَرْشِ جِنَايَتِهِ .","part":13,"page":223},{"id":6223,"text":"( 4746 ) فَصْلٌ : وَإِنْ وَصَّى بِشِرَاءِ عَبْدٍ وَأَطْلَقَ ، أَوْ وَصَّى بِبَيْعِ عَبْدِهِ وَأَطْلَقَ ، فَالْوَصِيَّةُ بَاطِلَةٌ ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ لَا بُدَّ لَهَا مِنْ مُسْتَحِقٍّ ، وَلَا مُسْتَحِقَّ ، هَاهُنَا .\rوَإِنْ وَصَّى بِبَيْعِهِ بِشَرْطِ الْعِتْقِ ، صَحَّتْ الْوَصِيَّةُ ، وَبِيعَ كَذَلِكَ ؛ لِأَنَّ فِي الْبَيْعِ هَاهُنَا نَفْعًا لِلْعَبْدِ بِالْعِتْقِ .\rفَإِنْ لَمْ يُوجَدْ مِنْ يَشْتَرِيهِ كَذَلِكَ ، بَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ ؛ لِتَعَذُّرِهَا ، كَمَا لَوْ وَصَّى بِشِرَاءِ عَبْدٍ لِيُعْتَقْ ، فَلَمْ يَبِعْهُ سَيِّدُهُ .\rوَإِنْ وَصَّى بِبَيْعِهِ لِرَجُلٍ بِعَيْنِهِ بِثَمَنٍ مَعْلُومٍ ، بِيعَ بِهِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ قَصَدَ إرْفَاقَهُ بِذَلِكَ فِي الْغَالِبِ .\rوَإِنْ لَمْ يُسَمِّ ثَمَنًا ، بِيعَ بِقِيمَتِهِ ، وَتَصِحُّ الْوَصِيَّةُ ؛ لِكَوْنِهِ قَصَدَ إيصَالَ الْعَبْدِ بِعَيْنِهِ إلَى رَجُلٍ بِعَيْنِهِ ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَتَعَلَّقَ الْغَرَضُ بِإِرْفَاقِ الْعَبْدِ بِإِيصَالِهِ إلَى مَنْ هُوَ مَعْرُوفٌ بِحُسْنِ الْمَلَكَةِ ، وَإِعْتَاقِ الرِّقَابِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ إرْفَاقَ الْمُشْتَرِي لِمَعْنًى يَحْصُلُ لَهُ مِنْ الْعَبْدِ .\rفَإِنْ تَعَذَّرَ بَيْعُهُ لِذَلِكَ الرَّجُلِ ، أَوْ أَبَى أَنْ يَشْتَرِيَهُ بِالثَّمَنِ ، أَوْ بِقِيمَتِهِ إنْ لَمْ يُعَيِّنْ الثَّمَنَ ، بَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا .","part":13,"page":224},{"id":6224,"text":"( 4747 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِذَا أَوْصَى لِرَجُلٍ بِعَبْدٍ لَا يَمْلِكُ غَيْرَهُ ، وَقِيمَتُهُ مِائَةٌ ، وَلِآخَرَ بِثُلُثِ مَالِهِ ، وَمَلَكَهُ غَيْرُ الْعَبْدِ مِائَتَا دِرْهَمٍ ، فَأَجَازَ الْوَرَثَةُ ذَلِكَ ، فَلِمَنْ أَوْصَى لَهُ بِالثُّلُثِ ثُلُثُ الْمِائَتَيْنِ وَرُبْعُ الْعَبْدِ ، وَلِمَنْ أُوصِيَ لَهُ بِالْعَبْدِ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهِ .\rوَإِنْ لَمْ يُجِزْ الْوَرَثَةُ ذَلِكَ ، فَلِمَنْ أَوْصَى لَهُ بِالثُّلُثِ سُدُسُ الْمِائَتَيْنِ وَسُدُسُ الْعَبْدِ ؛ لِأَنَّ وَصِيَّتَهُ فِي الْجَمِيعِ ، وَلِمَنْ أُوصِيَ لَهُ بِالْعَبْدِ نِصْفُهُ ؛ لِأَنَّ وَصِيَّتَهُ ، فِي الْعَبْدِ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ إذَا أَوْصَى لَرَجُلٍ بِمُعَيَّنٍ مِنْ مَالِهِ ، وَلِآخَرَ بِجُزْءٍ مُشَاعٍ مِنْهُ ، كَثُلُثِ الْمَالِ وَرُبُعِهِ ، فَأُجِيزَ لَهُمَا ، انْفَرَدَ صَاحِبُ الْمُشَاعِ بِوَصِيَّتِهِ مِنْ غَيْرِ الْمُعَيَّنِ ، ثُمَّ شَارَكَ صَاحِبَ الْمُعَيَّنِ فِيهِ ، فَيَقْتَسِمَانِهِ بَيْنَهُمَا عَلَى قَدْرِ حَقَّيْهِمَا فِيهِ ، وَيَدْخُلُ النَّقْصُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِقَدْرِ مَا لَهُ فِي الْوَصِيَّةِ ، كَمَسَائِلِ الْعَوْلِ ، وَكَمَا لَوْ أَوْصَى لِرَجُلٍ بِمَالِهِ ، وَلِآخَرَ بِجُزْءٍ مِنْهُ .\rفَأَمَّا فِي حَالَ الرَّدِّ ، فَإِنْ كَانَتْ وَصِيَّتُهُمَا لَا تُجَاوِزُ الثُّلُثَ ، مِثْلُ أَنْ يُوصِيَ لَرَجُلٍ بِسُدُسِ مَالِهِ ، وَلِآخَرَ بِمُعَيَّنٍ قِيمَتُهُ سُدُسُ الْمَالِ ، فَهِيَ كَحَالِ الْإِجَازَةِ سَوَاءٌ ، إذْ لَا أَثَرَ لِلرَّدِّ .\rوَإِنْ جَاوَزَتْ ثُلُثَهُ ، رَدَدْنَا وَصِيَّتَهُمَا إلَى الثُّلُثِ ، وَقَسَمْنَاهُ بَيْنَهُمَا عَلَى قَدْرِ وَصِيَّتِهِمَا ، إلَّا أَنَّ صَاحِبَ الْمُعَيَّنِ يَأْخُذُ نَصِيبَهُ مِنْ الْمُعَيَّنِ ، وَالْآخَرَ يَأْخُذُ حَقَّهُ مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ .\rهَذَا قَوْلُ الْخِرَقِيِّ ، وَسَائِرِ الْأَصْحَابِ .\rوَيَقْوَى عِنْدِي أَنَّهُمَا فِي حَالِ الرَّدِّ يَقْتَسِمَانِ الثُّلُثَ ، عَلَى حَسَبِ مَا لَهُمَا فِي الْإِجَازَةِ .\rوَهَذَا قَوْلُ ابْنِ أَبِي لَيْلَى .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٌ فِي الرَّدِّ : يَأْخُذُ صَاحِبُ الْمُعَيَّنِ نَصِيبَهُ مِنْهُ ، وَيَضُمُّ الْآخَرُ سِهَامَهُ إلَى سِهَامِ الْوَرَثَةِ ، وَيَقْتَسِمُونَ الْبَاقِيَ","part":13,"page":225},{"id":6225,"text":"عَلَى خَمْسَةٍ ، فِي مِثْل مَسْأَلَةِ الْخِرَقِيِّ ؛ لِأَنَّ لَهُ السُّدُسَ ، وَلِلْوَرَثَةِ أَرْبَعَةَ أَسْدَاسٍ .\rوَهُوَ مِثْلُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ ، إلَّا أَنَّ الْخِرَقِيِّ يُعْطِيهِ السُّدُسَ مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ ، وَعِنْدَهُمَا أَنَّهُ يَأْخُذُ خُمُسَ الْمِائَتَيْنِ وَعُشْرَ الْعَبْدِ .\rوَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْوَصِيَّيْنِ يَرْجِعُ إلَى نِصْفِ وَصِيَّتِهِ ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَدْ أَوْصَى لَهُ بِثُلُثِ الْمَالِ ، وَقَدْ رَجَعَتْ الْوَصِيَّتَانِ إلَى الثُّلُثِ ، وَهُوَ نِصْفُ الْوَصِيَّتَيْنِ ، فَيَرْجِعُ كُلُّ وَاحِدٍ إلَى نِصْفِ وَصِيَّتِهِ ، وَيَدْخُلُ النَّقْصُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِقَدْرِ مَا لَهُ فِي الْوَصِيَّةِ .\rوَفِي قَوْلِ الْخِرَقِيِّ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ : يَأْخُذُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفَ وَصِيَّتِهِ مِنْ الْمَحَلِّ الَّذِي وَصَّى لَهُ مِنْهُ ، وَصَاحِبُ الثُّلُثِ يَأْخُذُ سُدُسَ الْجَمِيعِ ؛ لِأَنَّهُ وَصَّى لَهُ بِثُلُثِ الْجَمِيعِ .\rوَأَمَّا عَلَى قَوْلِنَا ، فَإِنَّ وَصِيَّةَ صَاحِبِ الْعَبْدِ دُونَ وَصِيَّةِ صَاحِبِ الثُّلُثِ ؛ لِأَنَّهُ وَصَّى لَهُ بِشَيْءٍ أَشْرَكَ مَعَهُ غَيْرَهُ فِيهِ كُلِّهِ ، وَصَاحِبُ الثُّلُثِ أَفْرَدَهُ بِشَيْءٍ لَمْ يُشَارِكْهُ فِيهِ غَيْرُهُ ، فَوَجَبَ أَنْ يُقْسَمَ بَيْنَهُمَا الثُّلُثُ حَالَةَ الرَّدَّ عَلَى حَسَبِ مَا لَهُمَا فِي حَالِ الْإِجَازَةِ ، كَمَا فِي سَائِرِ الْوَصَايَا ، فَفِي مَسْأَلَةِ الْخِرَقِيِّ هَذِهِ ، لِصَاحِبِ الثُّلُثِ ثُلُثُ الْمِائَتَيْنِ سِتَّةٌ وَسِتُّونَ وَثُلُثَانِ ، لَا يُزَاحِمُهُ الْآخَرُ فِيهَا ، وَيَشْتَرِكَانِ فِي الْعَبْدِ ، لِهَذَا ثُلُثُهُ ، وَلِلْآخَرِ جَمِيعُهُ ، فَابْسُطْهُ مِنْ جِنْسِ الْكَسْرِ ، وَهُوَ الثُّلُثُ ، يَصِيرُ الْعَبْدُ ثَلَاثَةً ، وَاضْمُمْ إلَيْهَا الثُّلُثَ الَّذِي لِلْآخَرِ ، يَصِيرُ أَرْبَعَةً ، ثُمَّ اقْسِمْ الْعَبْدَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَسْهُمٍ ، يَصِيرُ الثُّلُثُ رُبُعًا ، كَمَا فِي مَسَائِلِ الْعَوْلِ .\rوَفِي حَالِ الرَّدِّ تُرَدُّ وَصِيَّتُهُمَا إلَى ثُلُثِ الْمَالِ ، وَهُوَ نِصْفُ وَصِيَّتِهِمَا ، فَيَرْجِعُ كُلُّ وَاحِدٍ إلَى نِصْفِ وَصِيَّتِهِ ، فَيَرْجِعُ صَاحِبُ الثُّلُثِ إلَى سُدُسِ","part":13,"page":226},{"id":6226,"text":"الْجَمِيعِ ، وَيَرْجِعُ صَاحِبُ الْعَبْدِ إلَى نِصْفِهِ .\rوَفِي قَوْلِنَا يُضْرَبُ مَخْرَجُ الثُّلُثِ فِي مَخْرَجِ الرُّبُعِ ، يَكُنْ اثْنَا عَشَرَ ، ثُمَّ فِي ثَلَاثَةٍ تَكُنْ سِتَّةً وَثَلَاثِينَ ، فَلِصَاحِبِ الثُّلُثِ ثُلُثُ الْمِائَتَيْنِ ، وَهُوَ ثَمَانِيَةٌ مِنْ أَرْبَعِينَ ، وَرُبُعُ الْعَبْدِ ، وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَسْهُمٍ ، صَارَ لَهُ أَحَدَ عَشَرَ ، وَلِصَاحِبِ الْعَبْدِ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهِ ، وَذَلِكَ تِسْعَةُ أَسْهُمٍ ، فَيَضُمُّهَا إلَى سِهَامِ صَاحِبِ الثُّلُثِ ، صَارَ الْجَمِيعُ عِشْرِينَ سَهْمًا ، فَفِي حَالِ الرَّدِّ تَجْعَلُ الثُّلُثَ عِشْرِينَ سَهْمًا ، وَالْمَالُ كُلُّهُ سِتُّونَ ، فَلِصَاحِبِ الْعَبْدِ تِسْعَةٌ مِنْ الْعَبْدِ ، وَهُوَ رُبْعُهُ وَخُمْسُهُ ، وَلِصَاحِبِ الثُّلُثِ ثَمَانِيَةٌ مِنْ الْأَرْبَعِينَ ، وَهِيَ خُمْسُهَا ، وَثَلَاثَةٌ مِنْ الْعَبْدِ ، وَذَلِكَ عُشْرُهُ وَنِصْفُ عُشْرِهِ .\rوَإِنْ كَانَتْ وَصِيَّةُ صَاحِبِ الْمُشَاعِ بِالنِّصْفِ ، فَلَهُ فِي حَالِ الْإِجَازَةِ مِائَةٌ وَثُلُثُ الْعَبْدِ ، وَلِصَاحِبِ الْعَبْدِ ثُلُثَاهُ ، وَفِي الرَّدِّ لِصَاحِبِ الْمُشَاعِ خُمْسُ الْمِائَتَيْنِ وَخُمْسُ الْعَبْدِ ، وَلِصَاحِبِ الْعَبْدِ خُمْسَاهُ ، وَعَلَى الْوَجْهِ الْآخَرِ ، لِصَاحِبِ الْمُشَاعِ رُبْعُ الْمِائَتَيْنِ وَسُدُسُ الْعَبْدِ ، وَلِصَاحِبِ الْعَبْدِ ثُلُثُهُ ، وَطَرِيقُهَا أَنْ تَنْسُبَ الثُّلُثَ إلَى مَا حَصَلَ لَهُمَا فِي الْإِجَازَةِ ، ثُمَّ تُعْطِيَ كُلَّ وَاحِدٍ مِمَّا حَصَلَ لَهُ فِي الْإِجَازَةِ مِثْلَ تِلْكَ النِّسْبَةِ .\rوَعَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ تَنْسُبُ الثُّلُثَ إلَى وَصِيَّتِهِمَا ، ثُمَّ تُعْطِي كُلَّ وَاحِدٍ فِي الرَّدِّ مِثْلَ الْخَارِجِ بِالنِّسْبَةِ ، وَبَيَانُهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ، أَنَّ نِسْبَةَ الثُّلُثِ إلَى وَصِيَّتِهِمَا بِالْخُمْسَيْنِ ؛ لِأَنَّ النِّصْفَ وَالثُّلُثَ خَمْسَةٌ مِنْ سِتَّةٍ ، فَالثُّلُثُ خُمْسَاهَا ، فَلِصَاحِبِ الْعَبْدِ خُمْسَا الْعَبْدِ ؛ لِأَنَّهُ وَصِيَّتُهُ ، وَلِصَاحِبِ النِّصْفِ الْخُمْسُ ؛ لِأَنَّهُ خُمْسَا وَصِيَّتِهِ .\rوَعَلَى الْوَجْهِ الْآخَرِ ، قَدْ حَصَلَ لَهُمَا فِي الْإِجَازَةِ الثُّلُثَانِ ، وَنِسْبَةُ الثُّلُثِ إلَيْهِمَا بِالنِّصْفِ ، فَلِكُلِّ وَاحِدٍ","part":13,"page":227},{"id":6227,"text":"مِنْهُمَا مِمَّا حَصَلَ لَهُ فِي الْإِجَازَةِ نِصْفُهُ ، وَقَدْ كَانَ لِصَاحِبِ الْمُشَاعِ مِنْ الْمِائَتَيْنِ نِصْفُهَا ، فَلَهُ رُبْعُهَا ، وَكَانَ لَهُ مِنْ الْعَبْدِ ثُلُثُهُ ، فَصَارَ لَهُ سُدُسَهُ ، وَكَانَ لِصَاحِبِ الْعَبْدِ ثُلُثَاهُ ، فَصَارَ لَهُ ثُلُثُهُ .\rوَإِنْ كَانَتْ الْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا ، وَمِلْكُهُ غَيْرُ الْعَبْدِ ثَلَاثُمِائَةٍ ، فَفِي الْإِجَازَةِ لِصَاحِبِ الْمُشَاعِ مِائَةٌ وَخَمْسُونَ وَثُلُثُ الْعَبْدِ ، وَلِصَاحِبِ الْعَبْدِ ثُلُثَاهُ .\rوَفِي الرَّدِّ ، لِصَاحِبِ الْمُشَاعِ تُسْعَا الْمَالِ كُلِّهِ ، وَلِصَاحِبِ الْعَبْدِ أَرْبَعَةُ أَتْسَاعِهِ ، عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ .\rوَعَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي ، لِصَاحِبِ الْعَبْدِ رُبُعُهُ وَسُدُسُهُ ، وَلِلْآخَرِ ثُمْنُهُ وَنِصْفُ سُدُسِهِ ، وَمِنْ الْمَالِ ثَمَانُونَ ، وَهِيَ رُبُعُهَا وَسُدُسُ عُشْرِهَا .\rوَإِنْ وَصَّى لِرَجُلٍ بِجَمِيعِ مَالِهِ ، وَلِآخَرَ بِالْعَبْدِ ، فَفِي الْإِجَازَةِ لِصَاحِبِ الْعَبْدِ نِصْفُهُ ، وَالْبَاقِي كُلُّهُ لِلْآخَرِ .\rوَفِي الرَّدِّ يُقَسَّمُ الثُّلُثُ بَيْنَهُمَا عَلَى خَمْسَةٍ لِصَاحِبِ الْعَبْدِ خُمُسُهُ ، وَهُوَ رُبْعُ الْعَبْدِ وَسُدْسُ عُشْرِهِ ، وَلِلْآخَرِ أَرْبَعَةُ أَخْمَاسِهِ ، فَلَهُ مِنْ الْعَبْدِ مِثْلُ مَا حَصَلَ لِصَاحِبِهِ ، وَمِنْ كُلِّ مِائَةٍ مِثْلُ ذَلِكَ ، وَهُوَ ثَمَانُونَ دِينَارًا .\rوَلَوْ خَلَّفَ عَبْدًا قِيمَتُهُ مِائَةٌ وَمِائَتَيْنِ ، وَوَصَّى لِرَجُلٍ بِمِائَةٍ وَبِالْعَبْدِ كُلِّهِ .\rوَوَصَّى بِالْعَبْدِ لِآخَرَ ، فَفِي حَالِ الْإِجَازَةِ يُقَسَّمُ الْعَبْدُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ ، وَيَنْفَرِدُ صَاحِبُ الثُّلُثِ بِثُلُثِ الْبَاقِي .\rوَفِي الرَّدِّ لِلْمُوصَى لَهُ بِالْعَبْدِ ثُلُثُهُ ، وَلِلْآخَرِ ثُلُثُهُ وَثُلُثُ الْمِائَةِ .\rوَعَلَى الْوَجْهِ الْآخَرِ ، لِصَاحِبِ الْعَبْدِ رُبْعُهُ ، وَلِلْآخَرِ رُبْعُهُ وَنِصْفُ الْمِائَةِ ، يَرْجِعُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إلَى نِصْفِ وَصِيَّتِهِ .\rفَإِنْ لَمْ تَزِدْ الْوَصِيَّتَانِ عَلَى الثُّلُثِ ، كَرَجُلٍ خَلَّفَ خَمْسَمِائَةٍ وَعَبْدًا قِيمَتُهُ مِائَةٌ ، وَوَصَّى لِرَجُلٍ بِسُدُسِ مَالِهِ ، وَلِآخَرَ بِالْعَبْدِ ، فَلَا أَثَرَ لِلرَّدِّ هَاهُنَا ، وَيَأْخُذُ صَاحِبُ الْمُشَاعِ","part":13,"page":228},{"id":6228,"text":"سُدُسَ الْمَالِ وَسُبْعَ الْعَبْدِ ، وَالْآخَرُ سِتَّةَ أَسْبَاعِهِ .\rوَإِنْ وَصَّى لِصَاحِبِ الْمُشَاعِ بِخُمْسِ الْمَالِ ، فَلَهُ مِائَةٌ وَسُدُسُ الْعَبْدِ ، وَلِصَاحِبِ الْعَبْدِ خَمْسَةُ أَسْدَاسِهِ .\rوَلَا أَثَرَ لِلرَّدِّ أَيْضًا ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّتَيْنِ لَمْ يَخْرُجْ بِهِمَا مِنْ الْمَالِ أَكْثَرُ مِنْ ثُلُثِهِ .","part":13,"page":229},{"id":6229,"text":"( 4748 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَمَنْ أَوْصَى لِقَرَابَتِهِ ، فَهُوَ لِلذَّكَرِ وَالْأُنْثَى بِالسَّوِيَّةِ ، وَلَا يُجَاوِزُ بِهَا أَرْبَعَةَ آبَاءٍ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُجَاوِزْ بَنِي هَاشِمٍ بِسَهْمِ ذِي الْقُرْبَى ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الرَّجُلَ إذَا أَوْصَى لِقَرَابَتِهِ ، أَوْ لِقَرَابَةِ فُلَانٍ ، كَانَتْ الْوَصِيَّةُ لِأَوْلَادِهِ ، وَلِأَوْلَادِ أَبِيهِ ، وَأَوْلَادِ جَدِّهِ ، وَأَوْلَادِ جَدِّ أَبِيهِ ، وَيَسْتَوِي فِيهِ الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى ، وَلَا يُعْطِي مَنْ هُوَ أَبْعَدُ مِنْهُمْ شَيْئًا ، فَلَوْ وَصَّى لِقَرَابَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أَعْطَى أَوْلَادَهُ وَأَوْلَادَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَأَوْلَادَ هَاشِمٍ ، وَلَمْ يُعْطِ بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ وَلَا بَنِي نَوْفَلٍ شَيْئًا ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا قَالَ : { مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى } .\rيَعْنِي أَقْرِبَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْطَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ ذَكَرْنَاهُمْ ، وَلَمْ يُعْطِ مَنْ هُوَ أَبْعَدُ مِنْهُمْ ، كَبَنِي عَبْدِ شَمْسٍ وَنَوْفَلٍ شَيْئًا ، إلَّا أَنَّهُ أَعْطَى بَنِي الْمُطَّلِبِ ، وَعَلَّلَ عَطِيَّتَهُمْ بِأَنَّهُمْ \" لَمْ يُفَارِقُوا بَنِي هَاشِمٍ ، فِي جَاهِلِيَّةٍ وَلَا إسْلَامٍ \" .\rوَلَمْ يُعْطِ قَرَابَةَ أُمِّهِ ، وَهُمْ بَنُو زُهْرَةَ شَيْئًا ، وَلَمْ يُعْطِ مِنْهُمْ إلَّا مُسْلِمًا ، فَحُمِلَ مُطْلَقُ كَلَامِ الْمُوصِي عَلَى مَا حُمِلَ عَلَيْهِ الْمُطْلَقُ مِنْ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى وَفُسِّرَ بِمَا فُسِّرَ بِهِ .\rوَيُسَوِّي بَيْنَ قَرِيبِهِمْ وَبَعِيدِهِمْ ، وَذَكَرِهِمْ وَأُنْثَاهُمْ ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ لَهُمْ سَوَاءٌ ، وَيَدْخُلُ فِي الْوَصِيَّةِ الْكَبِيرُ وَالصَّغِيرُ ، وَالْغَنِيُّ وَالْفَقِيرُ ، وَلَا يَدْخُلُ الْكُفَّارُ ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَدْخُلُوا فِي الْمُسْتَحَقِّ مِنْ قُرْبَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rوَقَدْ نَقَلَ عَبْدُ اللَّهِ ، وَصَالِحٌ ، عَنْ أَبِيهِمَا رِوَايَةً أُخْرَى ، أَنَّهُ يُصْرَفُ إلَى قَرَابَةِ أُمِّهِ ، إنْ","part":13,"page":230},{"id":6230,"text":"كَانَ يَصِلُهُمْ فِي حَيَاتِهِ ، كَأَخْوَالِهِ ، وَخَالَاتِهِ ، وَإِخْوَتِهِ مِنْ أُمِّهِ ، وَإِنْ كَانَ لَا يَصِلُهُمْ ، لَمْ يُعْطُوا شَيْئًا ؛ لِأَنَّ عَطِيَّتَهُ لَهُمْ فِي حَيَاتِهِ قَرِينَةٌ دَالَّةٌ عَلَى صِلَتِهِ لَهُمْ بَعْدَ مَمَاتِهِ ، وَإِلَّا فَلَا .\rوَعَنْهُ رِوَايَةٌ أُخْرَى ، أَنَّهُ يُجَاوِزُ بِهَا أَرْبَعَةَ آبَاءٍ .\rذَكَرَهَا ابْنُ أَبِي مُوسَى ، فِي \" الْإِرْشَادِ \" .\rوَهَذِهِ الرِّوَايَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ لَفْظَهُ لَا يَتَقَيَّدُ بِالْقَيْدِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ ، فَعَلَى هَذَا يُعْطَى كُلُّ مَنْ يُعْرَفُ بِقَرَابَتِهِ مِنْ قِبَلِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ ، الَّذِينَ يُنْسَبُونَ إلَى الْأَبِ الْأَدْنَى الَّذِي يُنْسَبُ إلَيْهِ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُمْ قَرَابَةٌ ، فَيَتَنَاوَلُهُمْ الِاسْمُ ، وَيَدْخُلُونَ فِي عُمُومِهِ .\rوَإِعْطَاءُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِبَعْضِ قَرَابَتِهِ ، تَخْصِيصٌ لَا يَمْنَعُ مِنْ الْعَمَلِ بِالْعُمُومِ فِي غَيْرِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ .\rقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : قَرَابَتُهُ كُلُّ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ ، فَيُعْطَى مَنْ أَدْنَاهُمْ اثْنَانِ فَصَاعِدًا ، فَإِذَا كَانَ لَهُ عَمَّانِ وَخَالَانِ ، فَالْوَصِيَّةُ لِعَمَّيْهِ ، وَإِنْ كَانَ لَهُ عَمٌّ وَخَالَانِ ، فَلِعَمِّهِ النِّصْفُ وَلِخَالَيْهِ النِّصْفُ .\rوَقَالَ قَتَادَةُ : لِلْأَعْمَامِ الثُّلُثَانِ ، وَلِلْأَخْوَالِ الثُّلُثُ .\rوَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ ، قَالَ : وَيُزَادُ الْأَقْرَبُ بَعْضَ الزِّيَادَةِ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : يُقَسَّمُ عَلَى الْأَقْرَبِ فَالْأَقْرَبِ بِالِاجْتِهَادِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ هَذَا الِاسْمَ لَهُ عُرْفٌ فِي الشَّرْعِ ، وَهُوَ مَا ذَكَرْنَاهُ ، فَيَجِبُ حَمْلُهُ عَلَيْهِ ، وَتَقْدِيمُهُ عَلَى الْعُرْفِ اللُّغَوِيِّ ، كَالْوُضُوءِ وَالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَالْحَجِّ ، وَلَا وَجْهَ لِتَخْصِيصِهِ بِذِي الرَّحِمِ الْمَحْرَمِ ، فَإِنَّ اسْمَ الْقَرَابَةِ يَقَعُ عَلَى غَيْرِهِمْ عُرْفًا وَشَرْعًا ، وَقَدْ تَحْرُمُ عَلَى الرَّجُلِ رَبِيبَتُهُ ، وَأُمَّهَاتُ نِسَائِهِ ، وَحَلَائِلُ آبَائِهِ وَأَبْنَائِهِ ، وَلَا قَرَابَةَ لَهُمْ ، وَتَحِلُّ لَهُ ابْنَةُ عَمِّهِ ، وَعَمَّتِهِ ، وَابْنَةُ خَالِهِ وَخَالَتِهِ ، وَهُنَّ مِنْ","part":13,"page":231},{"id":6231,"text":"أَقَارِبِهِ ، وَمَا ذَكَرُوهُ مِنْ التَّفْصِيلِ لَا يَقْتَضِيه اللَّفْظُ ، وَلَا يَدُلُّ عَلَيْهِ دَلِيلٌ ، فَالْمَصِيرُ إلَيْهِ تَحَكُّمٌ ، فَأَمَّا إنْ كَانَ فِي لَفْظِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى إرَادَةِ قَرَابَةِ أُمِّهِ ، كَقَوْلِهِ : وَتُفَضَّلُ قَرَابَتِي مِنْ جِهَةِ أَبِي عَلَى قَرَابَتِي مِنْ جِهَةِ أُمِّيِّ .\rأَوْ قَوْلُهُ : إلَّا ابْنَ خَالَتِي فُلَانًا .\rأَوْ نَحْوَ ذَلِكَ ، أَوْ قَرِينَةٌ تُخْرِجُ بَعْضَهُمْ ، عُمِلَ بِمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْقَرِينَةُ ؛ لِأَنَّهَا تَصْرِفُ اللَّفْظَ عَنْ ظَاهِرِهِ إلَى غَيْرِهِ .","part":13,"page":232},{"id":6232,"text":"( 4749 ) فَصْلٌ : فَإِنْ وَصَّى لِأَقْرَبِ أَقَارِبِهِ ، أَوْ أَقْرَبِ النَّاسِ إلَيْهِ ، أَوْ أَقْرَبِهِمْ بِهِ رَحِمًا ، لَمْ يُدْفَعْ إلَى الْأَبْعَدِ مَعَ وُجُودِ الْأَقْرَبِ ، فَيُقَدَّمُ الْأَبُ عَلَى كُلِّ مَنْ أَدْلَى بِهِ مِنْ الْأَجْدَادِ وَالْإِخْوَةِ وَالْأَعْمَامِ ، وَالِابْنُ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِمْ وَعَلَى كُلِّ مَنْ أَدْلَى بِهِ .\rوَيَسْتَوِي الْأَبُ وَالِابْنُ ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُدْلِي بِنَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ وَاسِطَةٍ .\rوَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَدَّمَ الِابْنُ ؛ لِأَنَّهُ يُسْقِطُ تَعْصِيبَ الْأَبِ .\rوَالْأَوَّلُ أَوْلَى ؛ لِأَنَّ إسْقَاطَ تَعْصِيبِهِ لَا يَمْنَعُ مُسَاوَاتَهُ فِي الْقُرْبِ ، وَلَا كَوْنَهُ أَقْرَبَ مِنْهُ ، بِدَلِيلِ أَنَّ ابْنَ الِابْنِ يُسْقِطُ تَعْصِيبَهُ مَعَ بُعْدِهِ ، وَيُقَدَّمُ الِابْنُ عَلَى الْجَدِّ ، وَالْأَبُ عَلَى ابْنِ الِابْنِ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : يُقَدَّمُ ابْنُ الِابْنِ عَلَى الْأَبِ ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ يُسْقِطُ تَعْصِيبَهُ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الْأَبَ يُدْلِي بِنَفْسِهِ ، وَيَلِي ابْنَهُ مِنْ غَيْرِ حَاجِزٍ ، وَلَا يَسْقُطُ مِيرَاثُهُ بِحَالٍ ، بِخِلَافِ ابْنِ الِابْنِ .\rوَالْأَبُ وَالْأُمُّ سَوَاءٌ ، وَكَذَلِكَ الِابْنُ ، وَالْبِنْتُ ، وَالْجَدُّ أَبُو الْأَبِ ، وَأَبُو الْأُمِّ ، وَأُمُّ الْأَبِ ، وَأُمُّ الْأُمِّ ، كُلُّهُمْ سَوَاءٌ ، ثُمَّ مِنْ بَعْدِ الْأَوْلَادِ أَوْلَادُ الْبَنِينَ وَإِنْ سَفَلُوا ، الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ ، الذُّكُورُ وَالْإِنَاثُ ، وَفِي أَوْلَادِ الْبَنَاتِ وَجْهَانِ ، بِنَاءً عَلَى دُخُولِهِمْ فِي الْوَقْفِ ، ثُمَّ مِنْ بَعْدِ الْوَلَدِ الْأَجْدَادُ ، الْأَقْرَبُ مِنْهُمْ فَالْأَقْرَبُ ؛ لِأَنَّهُمْ الْعَمُودُ الثَّانِي ، ثُمَّ الْإِخْوَةُ وَالْأَخَوَاتُ ؛ لِأَنَّهُمْ وَلَدُ الْأَبِ ، أَوْ مِنْ وَلَدِ الْأُمِّ ، ثُمَّ وَلَدُهُمْ وَإِنْ سَفَلُوا ، وَلَا شَيْءَ لِوَلَدِ الْأَخَوَاتِ ، إذَا قُلْنَا : لَا يَدْخُلُ وَلَدُ الْبَنَاتِ .\rوَإِذَا تَسَاوَتْ دَرَجَتُهُمْ فَأُولَاهُمْ وَلَدُ الْأَبَوَيْنِ ، وَيُسَوَّى بَيْنَ وَلَدِ الْأَبِ وَوَلَدِ الْأُمِّ ؛ لِأَنَّهُمَا عَلَى دَرَجَةٍ وَاحِدَةٍ وَكَذَلِكَ وَلَدَاهُمَا .\rوَالْأَخُ","part":13,"page":233},{"id":6233,"text":"لِلْأَبِ أَوْلَى مِنْ ابْنِ الْأَخِ مِنْ الْأَبَوَيْنِ ، كَمَا فِي الْمِيرَاثِ ، ثُمَّ بَعْدَهُمْ الْأَعْمَامُ ، ثُمَّ بَنُوهُمْ وَإِنْ سَفَلُوا .\rوَيَسْتَوِي الْعَمُّ مِنْ الْأَبِ وَالْعَمُّ مِنْ الْأُمِّ ، وَكَذَلِكَ أَبْنَاؤُهُمَا ، ثُمَّ عَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ ذَكَرَهُ الْقَاضِي .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إلَّا أَنَّهُ يَرَى دُخُولَ وَلَدِ الْبَنَاتِ وَالْأَخَوَاتِ وَالْأَخْوَالِ وَالْخَالَاتِ ، وَهَذَا الْقَوْلُ إنَّمَا يُخَرَّجُ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ عَلَى الرِّوَايَةِ الثَّالِثَةِ ، الَّتِي تَجْعَلُ الْقَرَابَةَ فِيهَا كُلَّ مَنْ يَقَعُ عَلَيْهِمْ اسْمُ الْقَرَابَةِ ، فَأَمَّا عَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي اخْتَارَهَا الْخِرَقِيِّ ، وَأَنَّ الْقَرَابَةَ اسْمٌ لِمَنْ كَانَ مِنْ أَوْلَادِ الْآبَاءِ ، فَلَا يَدْخُلُ فِيهِ بَنُو الْأُمِّ ، وَلَا أَقَارِبُهَا ؛ لِأَنَّ مَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ الْقَرَابَةِ ، لَمْ يَكُنْ أَقْرَبَ الْقَرَابَةِ ، فَعَلَى هَذَا تَتَنَاوَلُ الْوَصِيَّةُ مَنْ كَانَ أَقْرَبَ مِنْ أَوْلَادِ الْمُوصِي ، وَأَوْلَادِ آبَائِهِ ، إلَى أَرْبَعَةِ آبَاءٍ ، وَلَا يَعْدُوهُمْ ذَلِكَ .\rوَإِنْ وَصَّى لِجَمَاعَةِ مِنْ أَقْرَبِ النَّاسِ إلَيْهِ ، أُعْطِيَ لِثَلَاثَةِ مِنْ أَقْرَبِ النَّاسِ إلَيْهِ .\rوَإِنْ وُجِدَ أَكْثَرُ مِنْ ثَلَاثَةٍ فِي دَرَجَةٍ وَاحِدَةٍ ، كَالْإِخْوَةِ ، فَالْوَصِيَّةُ لِجَمِيعِهِمْ ؛ لِأَنَّ بَعْضَهُمْ لَيْسَ بِأَوْلَى مِنْ بَعْضٍ ، وَالِاسْمُ يَشْمَلُهُمْ .\rوَإِنْ لَمْ يُوجَدْ ثَلَاثَةٌ فِي دَرَجَةٍ وَاحِدَةٍ ، كُمِّلَتْ مِنْ الثَّانِيَةِ .\rوَإِنْ كَانَتْ فِي الدَّرَجَةِ الثَّانِيَةِ جَمَاعَةٌ ، سُوِّيَ بَيْنَهُمْ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا فِي الدَّرَجَةِ الْأُولَى .\rوَإِنْ لَمْ يُكَمِّلْ مِنْ الثَّانِيَةِ ، فَمِنْ الثَّالِثَةِ ، فَإِذَا وُجِدَ ابْنٌ وَأَخٌ وَعَمٌّ ، فَالْوَصِيَّةُ بَيْنَهُمْ أَثْلَاثًا ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ ابْنٌ وَأَخَوَانِ ، وَإِنْ كَانَ ابْنٌ وَثَلَاثَةُ إخْوَةٍ ، دَخَلَ جَمِيعُهُمْ فِي الْوَصِيَّةِ ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ لِلِابْنِ ثُلُثُ الْوَصِيَّةِ وَلَهُمْ ثُلُثَاهَا .\rفَإِنْ كَانَ الِابْنُ وَارِثًا ، سَقَطَ حَقُّهُ مِنْ الْوَصِيَّةِ إنْ لَمْ يُجَزْ لَهُ ، وَالْبَاقِي","part":13,"page":234},{"id":6234,"text":"لِلْإِخْوَةِ .\rوَإِنْ وَصَّى لِعُصْبَتِهِ ، فَهُوَ لِمَنْ يَرِثُهُ بِالتَّعْصِيبِ فِي الْجُمْلَةِ ، سَوَاءٌ كَانُوا مِمَّنْ يَرِثُ فِي الْحَالِ ، أَوْ لَمْ يَكُنْ .\rوَيُسَوَّى بَيْنَ قَرِيبِهِمْ وَبَعِيدِهِمْ ؛ لِشُمُولِ اللَّفْظِ لَهُمْ .\rوَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهُمْ لَا يَكُونُونَ مِنْ جِهَةِ الْأُمِّ بِحَالٍ .","part":13,"page":235},{"id":6235,"text":"( 4750 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِنْ قَالَ : لِأَهْلِ بَيْتِي .\rأُعْطِيَ مِنْ قِبَلِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ ) يَعْنِي تُعْطَى أُمُّهُ وَأَقَارِبُهَا ، الْأَخْوَالُ ، وَالْخَالَاتُ ، وَآبَاءُ أُمِّهِ ، وَأَوْلَادُهُمْ ، وَكُلُّ مَنْ يُعْرَفُ بِقَرَابَتِهِ .\rوَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ ، فِيمَا وَقَفْنَا عَلَيْهِ ، التَّسْوِيَةُ بَيْنَ هَذَا اللَّفْظِ وَلَفْظِ الْقَرَابَةِ ، فَإِنَّهُ قَالَ ، فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ : إذَا أَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ لِأَهْلِ بَيْتِهِ ، هُوَ بِمَثَابَةِ قَوْلِهِ لِقَرَابَتِي .\rوَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ ، عَنْ أَحْمَدَ : وَقَالَ أَحْمَدُ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِي وَلَا لِأَهْلِ بَيْتِي } .\rفَجَعَلَ سَهْمَ ذَوِي الْقُرْبَى لَهُمْ عِوَضًا عَنْ الصَّدَقَةِ الَّتِي حُرِّمَتْ عَلَيْهِمْ ، فَكَانَ ذَوُو الْقُرْبَى الَّذِينَ سَمَّاهُمْ اللَّهُ تَعَالَى هُمْ أَهْلُ بَيْتِهِ الَّذِينَ حُرِّمَتْ عَلَيْهِمْ الصَّدَقَةُ .\rوَذَكَرَ حَدِيثَ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { أُذَكِّرُكُمْ اللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي } .\rقَالَ قُلْنَا : مَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ ، نِسَاؤُهُ ؟ قَالَ : لَا ، أَصْلُهُ وَعَشِيرَتُهُ الَّذِينَ حُرِّمَتْ عَلَيْهِمْ الصَّدَقَةُ ؛ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ عَقِيلٍ ، وَآلُ جَعْفَرٍ ، وَآلُ الْعَبَّاسِ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : قَالَ ثَعْلَبٌ : أَهْلُ الْبَيْتِ عِنْدَ الْعَرَبِ آبَاءُ الرَّجُلِ وَأَوْلَادُهُمْ ، كَالْأَجْدَادِ وَالْأَعْمَامِ وَأَوْلَادِهِمْ ، وَيَسْتَوِي فِيهِ الذُّكُورُ وَالْإِنَاثُ .\rوَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّ أَوْلَادَ الرَّجُلِ لَا يَدْخُلُونَ فِي اسْمِ الْقَرَابَةِ ، وَلَا أَهْلُ بَيْتِهِ .\rوَلَيْسَ هَذَا بِشَيْءٍ ، فَإِنَّ وَلَدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ وَأَقَارِبُهُ الَّذِينَ حُرِمُوا الصَّدَقَةَ ، وَأُعْطُوا مِنْ سَهْمِ ذِي الْقُرْبَى ، وَهُمْ مِنْ أَقْرَبِ أَقَارِبِهِ ، فَكَيْفَ لَا يَكُونُونَ مِنْ أَقَارِبِهِ ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِفَاطِمَةَ وَوَلَدَيْهَا وَزَوْجِهَا : { اللَّهُمَّ هَؤُلَاءِ أَهْلُ بَيْتِي ، فَأَذْهِبْ عَنْهُمْ","part":13,"page":236},{"id":6236,"text":"الرِّجْسَ وَطَهِّرْهُمْ تَطْهِيرًا ؟ } وَلَوْ وَقَفَ عَلَى أَقَارِبِ رَجُلٍ ، أَوْ أَوْصَى لِأَقَارِبِهِ ، دَخَلَ فِيهِ وَلَدُهُ ، بِغَيْرِ خِلَافٍ عَلِمْته .\rوَالْخِرَقِيُّ قَدْ عَدَّهُمْ فِي الْقَرَابَةِ بِقَوْلِهِ : \" لَا يُجَاوِزُ بِهَا أَرْبَعَةَ آبَاءٍ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُجَاوِزْ بَنِي هَاشِمٍ بِسَهْمِ ذِي الْقُرْبَى \" .\rفَجَعَلَ هَاشِمًا الْأَبَ الرَّابِعَ ، وَلَا يَكُونُ رَابِعًا إلَّا أَنْ يَعُدَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبًا ؛ لِأَنَّ هَاشِمًا إنَّمَا هُوَ رَابِعُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .","part":13,"page":237},{"id":6237,"text":"( 4751 ) فَصْلٌ : وَإِنْ وَصَّى لِآلِهِ ، فَهُوَ مِثْلُ قَرَابَتِهِ ، فَإِنَّ فِي بَعْضِ أَلْفَاظِ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ : مِنْ آلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قَالَ : أَصْلُهُ ، وَعَشِيرَتُهُ الَّذِينَ حُرِمُوا الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ ؛ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ الْعَبَّاسِ ، وَآلُ جَعْفَرٍ ، وَآلُ عَقِيلٍ .\r، وَالْأَصْلُ فِي آلِ أَهْلٌ ، فَقُلِبَتْ الْهَاءُ هَمْزَةً ، كَمَا قَالُوا : هَرَقْت الْمَاءَ وَأَرَقْته .\rوَمُدَّتْ لِئَلَّا تَجْتَمِعَ هَمْزَتَانِ .\rوَإِنْ وَصَّى لِعِتْرَتِهِ ، فَقَدْ تَوَقَّفَ أَحْمَدُ فِي ذَلِكَ ، وَهُوَ فِي عُرْفِ النَّاسِ عَشِيرَتُهُ الْأَدْنَوْنَ ، وَوَلَدُهُ الذُّكُورُ وَالْإِنَاثُ وَإِنْ سَفَلُوا فَتُصْرَفُ الْوَصِيَّةُ إلَيْهِمْ ، وَبِذَلِكَ فَسَّرَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ ، قَالَ : وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : نَحْنُ عِتْرَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَيْضَتُهُ الَّتِي تَفَقَّأَتْ عَنْهُ .\rوَقَالَ ثَعْلَبٌ ، وَابْنُ الْأَعْرَابِيِّ : الْعِتْرَةُ الْأَوْلَادُ ، وَأَوْلَادُ الْأَوْلَادِ .\r.\rوَلَمْ يُدْخِلَا فِي ذَلِكَ الْعَشِيرَةَ ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ وَأَشْهَرُ فِي عُرْفِ النَّاسِ ، مَعَ أَنَّهُ قَدْ دَلَّ عَلَى صِحَّتِهِ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي مَحْفِلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يُنْكِرْهُ أَحَدٌ ، وَهُمْ أَهْل اللِّسَانِ ، فَلَا يُعَوَّلُ عَلَى مَا خَالَفَهُ .\rوَإِنْ وَصَّى لِقَوْمِهِ ، أَوْ لِنُسَبَائِهِ ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : هَذَا بِمَثَابَةِ أَهْلِ بَيْتِهِ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : إذَا قَالَ : لِرَحِمِي ، أَوْ لِأَرْحَامِي ، أَوْ لِأَنْسَابِي ، أَوْ لِمُنَاسِبِي .\rصُرِفَ إلَى قَرَابَتِهِ مِنْ قِبَلِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ ، وَيَتَعَدَّى وَلَدَ الْأَبِ الْخَامِسِ .\rفَعَلَى هَذَا يُصْرَفُ إلَى كُلِّ مَنْ يَرِثُ بِفَرْضٍ أَوْ تَعْصِيبٍ أَوْ بِالرَّحِمِ فِي حَالٍ مِنْ الْأَحْوَالِ .\rوَقَوْلُ أَبِي بَكْرٍ فِي الْمُنَاسِبِينَ أَوْلَى مِنْ قَوْلِ الْقَاضِي ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ فِي الْعُرْفِ يُطْلَقُ عَلَى مَنْ كَانَ مِنْ الْعَشِيرَةِ الَّتِي يَنْتَسِبَانِ إلَيْهَا ، وَإِذَا كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا","part":13,"page":238},{"id":6238,"text":"يَنْتَسِبُ إلَى قَبِيلَةٍ غَيْرِ قَبِيلَةِ صَاحِبِهِ ، فَلَيْسَ بِمُنَاسِبٍ لَهُ .","part":13,"page":239},{"id":6239,"text":"( 4752 ) فَصْلٌ : وَإِنْ وَصَّى لِمَوَالِيهِ ، وَلَهُ مَوَالٍ مِنْ فَوْقُ ، وَهُمْ مُعْتِقُوهُ ، فَالْوَصِيَّةُ لَهُمْ ؛ لِأَنَّ الِاسْمَ يَتَنَاوَلُهُمْ ، وَقَدْ تَعَيَّنُوا بِوُجُودِهِمْ دُونَ غَيْرِهِمْ .\rوَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ إلَّا مَوَالٍ مِنْ أَسْفَلَ فَهِيَ لَهُمْ كَذَلِكَ .\rوَإِنْ اجْتَمَعُوا ، فَالْوَصِيَّةُ لَهُمْ جَمِيعًا ، يَسْتَوُونَ فِيهَا ؛ لِأَنَّ الِاسْمَ يَشْمَلُ جَمِيعَهُمْ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ : الْوَصِيَّةُ بَاطِلَةٌ ؛ لِأَنَّهَا لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ .\rوَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ : يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا ؛ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا لَيْسَ بِأَوْلَى مِنْ الْآخَرِ .\rوَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : هِيَ لِلْمَوْلَى مِنْ أَسْفَلُ .\rوَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ ، كَقَوْلِنَا ، وَقَوْلِ أَصْحَابِ الرَّأْيِ ، وَالثَّالِثُ ، هِيَ لِلْمَوَالِي مِنْ فَوْقُ ؛ لِأَنَّهُمْ أَقْوَى ، بِدَلِيلِ أَنَّهُمْ عَصَبَةٌ وَيَرِثُونَهُ ، بِخِلَافِ عُتَقَائِهِ .\rوَالرَّابِعُ ، يَقِفُ الْأَمْرُ حَتَّى يَصْطَلِحُوا .\rوَلَنَا ، أَنَّ الِاسْمَ يَتَنَاوَلُ الْجَمِيعَ حَقِيقَةً وَعُرْفًا ، فَدَخَلُوا فِي الْوَصِيَّةِ ، كَمَا لَوْ وَصَّى لِإِخْوَتِهِ .\rوَقَوْلُهُمْ : غَيْرُ مُعَيَّنٍ .\rغَيْرُ صَحِيحٍ ؛ فَإِنْ مَعَ التَّعْمِيمِ يَحْصُلُ التَّعْيِينُ ، وَلِذَلِكَ لَوْ حَلَفَ : لَا كَلَّمْت مَوَالِي .\rحَنِثَ بِكَلَامِ أَيِّهِمْ كَانَ .\rوَقَوْلُهُمْ : إنَّ الْمَوْلَى مِنْ فَوْقُ أَقْوَى .\rقُلْنَا : مَعَ شُمُولِ الِاسْمِ لَهُمْ يَدْخُلُ فِيهِ الْأَقْوَى وَالْأَضْعَفُ .\rكَإِخْوَتِهِ ، وَلَا شَيْءَ لِابْنِ الْعَمِّ ، وَلَا لِلنَّاصِرِ ، وَلَا لِغَيْرِ مَنْ ذَكَرْنَا ؛ لِأَنَّ الِاسْمَ إنْ لَمْ يَتَنَاوَلْهُمْ حَقِيقَةً ، لَمْ يَتَنَاوَلْهُمْ عُرْفًا ، وَالْأَسْمَاءُ الْعُرْفِيَّةُ تُقَدَّمُ عَلَى الْحَقِيقَةِ .\rوَلَا يَسْتَحِقُّ مَوْلَى ابْنِهِ مَعَ وُجُودِ مَوَالِيهِ .\rوَقَالَ زُفَرُ : يَسْتَحِقُّ .\rوَلَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ مَوْلَى ابْنِهِ لَيْسَ بِمَوْلًى لَهُ حَقِيقَةً ، إذَا كَانَ لَهُ مَوْلًى سِوَاهُ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَوْلًى ، فَقَالَ الشَّرِيفُ أَبُو جَعْفَرٍ : يَكُونُ لِمَوَالِي أَبِيهِ .\rوَقَالَ أَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ : لَا شَيْءَ لَهُ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ","part":13,"page":240},{"id":6240,"text":"بِمَوْلًى لَهُ .\rوَاحْتَجَّ الشَّرِيفُ بِأَنَّ الِاسْمَ يَتَنَاوَلُ مَوَالِيَ أَبِيهِ مَجَازًا ، فَإِذَا تَعَذَّرَتْ الْحَقِيقَةُ ، وَجَبَ صَرْفُ الِاسْمِ إلَى مَجَازِهِ ، وَالْعَمَلُ بِهِ ، تَصْحِيحًا لِكَلَامِ الْمُكَلَّفِ عِنْدَ إمْكَانِ تَصْحِيحِهِ ، وَلِأَنَّ الظَّاهِرَ إرَادَتُهُ الْمَجَازَ ، لِكَوْنِهِ مَحْمَلًا صَحِيحًا ، وَإِرَادَةُ الصَّحِيحِ أُغْلَبُ مِنْ إرَادَةِ الْفَاسِدِ .\rفَإِنْ كَانَ لَهُ مَوَالٍ وَمَوَالِي أَبٍ حِينَ الْوَصِيَّةِ ، ثُمَّ انْقَرَضَ مَوَالِيهِ قَبْلَ الْمَوْتِ ، لَمْ يَكُنْ لِمَوَالِي الْأَبِ شَيْءٌ عَلَى مُقْتَضَى مَا ذَكَرْنَاهُ ، لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ كَانَتْ لِغَيْرِهِمْ ، فَلَا تَعُودُ إلَيْهِمْ إلَّا بِعَقْدٍ ، وَلَمْ يُوجَدْ .\rوَلَا يُشْبِهُ هَذَا قَوْلَهُ : أَوْصَيْت لِأَقْرَبِ النَّاسِ إِلَيَّ .\rوَلَهُ ابْنٌ وَابْنُ ابْنٍ ، فَمَاتَ الِابْنُ ، حَيْثُ يَسْتَحِقُّ ابْنُ الِابْنِ ، وَإِنْ كَانَ لَا يَسْتَحِقُّ مَعَ حَيَاةِ الِابْنِ شَيْئًا ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ هَاهُنَا لِمَوْصُوفٍ بِصِفَةٍ وُجِدَتْ فِي ابْنِ الِابْنِ ، كَوُجُودِهَا فِي الِابْنِ حَقِيقَةً ، وَفِي الْمَوْلَى يَقَعُ الِاسْمُ عَلَى مَوْلَى نَفْسِهِ حَقِيقَةً ، وَعَلَى مَوْلَى أَبِيهِ مَجَازًا ، فَمَعَ وُجُودِهِمْ جَمِيعًا ، لَا يُحْمَلُ اللَّفْظُ إلَّا عَلَى الْحَقِيقَةِ ، وَهَذِهِ الصِّفَةُ لَا تُوجَدُ فِي مَوْلَى أَبِيهِ .\rقَالَ الشَّرِيفُ : وَيَدْخُلُ فِي الْوَصِيَّةِ لِلْمَوَالِي مُدَبَّرُهُ ، وَأُمُّ وَلَدِهِ ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ إنَّمَا تُسْتَحَقُّ بَعْدَ الْمَوْتِ ، وَهُمْ حِينَئِذٍ مَوَالٍ فِي الْحَقِيقَةِ .","part":13,"page":241},{"id":6241,"text":"( 4753 ) فَصْلٌ : وَإِنْ وَصَّى لِجِيرَانِهِ ، فَهُمْ أَهْلُ أَرْبَعِينَ دَارًا مِنْ كُلِّ جَانِبٍ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .\rوَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : الْجَارُ الْمُلَاصِقُ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { الْجَارُ أَحَقُّ بِصَقَبِهِ } .\rيَعْنِي الشُّفْعَةَ ، وَإِنَّمَا تَثْبُتُ لِلْمُلَاصِقِ ، وَلِأَنَّ الْجَارَ مُشْتَقٌّ مِنْ الْمُجَاوَرَةِ .\rوَقَالَ قَتَادَةُ : الْجَارُ الدَّارُ وَالدَّارَانِ .\rوَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا صَلَاةَ لِجَارِ الْمَسْجِدِ إلَّا فِي الْمَسْجِدِ } .\rقَالَ : مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ .\rوَقَالَ سَعِيدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ جَعْدَةَ : مَنْ سَمِعَ الْإِقَامَةَ .\rوَقَالَ أَبُو يُوسُفَ : الْجِيرَانُ أَهْلُ الْمَحَلَّةِ إنْ جَمَعَهُمْ مَسْجِدٌ ، فَإِنْ تَفَرَّقَ أَهْلُ الْمَحَلَّةِ فِي مَسْجِدَيْنِ صَغِيرَيْنِ مُتَقَارِبَيْنِ ، فَالْجَمِيعُ جِيرَانٌ ، وَإِنْ كَانَا عَظِيمَيْنِ ، فَكُلُّ أَهْلِ مَسْجِدٍ جِيرَانٌ ، وَأَمَّا الْأَمْصَارُ الَّتِي فِيهَا الْقَبَائِلُ ، فَالْجِوَارُ عَلَى الْأَفْخَاذِ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { الْجَارُ أَرْبَعُونَ دَارًا ، هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا } .\rوَهَذَا نَصٌّ لَا يَجُوزُ الْعُدُولُ عَنْهُ إنْ صَحَّ ، وَإِنْ لَمْ يَثْبُت الْخَبَرُ ، فَالْجَارُ هُوَ الْمُقَارِبُ ، وَيُرْجَعُ فِي ذَلِكَ إلَى الْعُرْفِ .\r( 4754 ) فَصْلٌ : وَإِنْ وَصَّى لِأَهْلِ دَرْبِهِ أَوْ سِكَّتِهِ ، فَهُمْ أَهْلُ الْمَحَلَّةِ الَّذِينَ طَرِيقُهُمْ فِي دَرْبِهِ .","part":13,"page":242},{"id":6242,"text":"( 4755 ) فَصْلٌ : وَإِنْ وَصَّى لِأَصْنَافِ الزَّكَاةِ الْمَذْكُورِينَ فِي الْقُرْآنِ ، فَهُمْ الَّذِينَ يَسْتَحِقُّونَ مِنْ الزَّكَاةِ ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُجْعَلَ لِكُلِّ صِنْفٍ ثُمُنُ الْوَصِيَّةِ ، كَمَا لَوْ وَصَّى لِثَمَانِ قَبَائِلَ ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ الزَّكَاةِ ، حَيْثُ يَجُوزُ الِاقْتِصَارُ عَلَى صِنْفٍ وَاحِدٍ ، أَنَّ آيَةَ الزَّكَاةِ أُرِيدَ بِهَا بَيَانُ مَنْ يَجُوزُ الدَّفْعُ إلَيْهِ ، وَالْوَصِيَّةُ أُرِيدَ بِهَا بَيَانُ مَنْ يَجِبُ الدَّفْعُ إلَيْهِ .\rوَيَجُوزُ الِاقْتِصَارُ مِنْ كُلِّ صِنْفٍ عَلَى وَاحِدٍ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ اسْتِيعَابُهُمْ .\rوَحُكِيَ هَذَا عَنْ أَصْحَابِ الرَّأْيِ .\rوَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ قَالَ : لَا يَجُوزُ الدَّفْعُ إلَى أَقَلَّ مِنْ اثْنَيْنِ .\rوَحَكَى أَبُو الْخَطَّابِ رِوَايَةً ثَانِيَةً عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الدَّفْعُ إلَى أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةٍ مِنْ كُلِّ صِنْفٍ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rوَأَصْلُ هَذَا الِاخْتِلَافُ فِي الزَّكَاةِ وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ .\rوَلَا يَجُوزُ الصَّرْفُ إلَّا إلَى الْمُسْتَحِقِّ مِنْ أَهْلِ بَلَدِهِ .\rوَإِنْ وَصَّى لِلْفُقَرَاءِ وَحْدَهُمْ ، دَخَلَ فِيهِ الْمَسَاكِينُ .\rوَإِنْ أَوْصَى لِلْمَسَاكِينِ دَخَلَ فِيهِ الْفُقَرَاءُ ؛ لِأَنَّهُمْ صِنْفٌ وَاحِدٌ فِيمَا عَدَا الزَّكَاةِ ، إلَّا أَنْ يَذْكُرَ الصِّنْفَيْنِ جَمِيعًا ، فَيَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ الْمُغَايَرَةَ بَيْنَهُمَا .\rوَيُسْتَحَبُّ تَعْمِيمُ مَنْ أَمْكَنَ مِنْهُمْ ، وَالدَّفْعُ إلَيْهِمْ عَلَى قَدْرِ الْحَاجَةِ ، وَالْبِدَايَةُ بِأَقَارِبِ الْمُوصِي ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي بَابِ الزَّكَاةِ .","part":13,"page":243},{"id":6243,"text":"( 4756 ) فَصْلٌ : وَإِنْ أَوْصَى بِشَيْءٍ لِزَيْدٍ وَلِلْمَسَاكِينِ ، فَلِزَيْدٍ نِصْفُ الْوَصِيَّةِ .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَمُحَمَّدٌ : وَعَنْ مُحَمَّدٍ : لِزَيْدٍ ثُلُثُهُ ، وَلِلْمَسَاكِينِ ثُلُثَاهُ ؛ لِأَنَّ أَقَلَّ الْجَمْعِ اثْنَانِ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يَكُونُ كَأَحَدِهِمْ ، إنْ عَمَّهُمْ أَعْطَاهُ كَوَاحِدٍ مِنْهُمْ ، وَإِنْ قَسَمَ عَلَى ثَلَاثَةٍ مِنْهُمْ جَعَلَهُ كَأَحَدِهِمْ .\rوَحَكَى أَصْحَابُهُ وَجْهَيْنِ آخَرَيْنِ .\rأَحَدُهُمَا كَمَذْهَبِنَا .\rوَالثَّانِي لَهُ رُبُعُ الْوَصِيَّةِ ؛ لِأَنَّ أَقَلَّ الْجَمْعِ ثَلَاثَةٌ ، فَإِذَا انْضَمَّ إلَيْهِمْ صَارُوا أَرْبَعَةً .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ جَعَلَ الْوَصِيَّةَ لِجِهَتَيْنِ ، فَوَجَبَ أَنْ يُقَسَّمَ بَيْنَهُمْ ، كَمَا لَوْ قَالَ : لِزَيْدٍ وَعَمْرٍو .\rوَلِأَنَّهُ لَوْ وَصَّى لِقُرَيْشٍ وَتَمِيمٍ ، لَمْ يُشْرَكْ بَيْنَهُمْ عَلَى قَدْرِ عَدَدِهِمْ ، وَلَا عَلَى قَدْرِ مِنْ يُعْطَى مِنْهُمْ ، بَلْ يُقَسَّمُ بَيْنَهُمْ نِصْفَيْنِ ، كَذَلِكَ هَاهُنَا .\rوَإِنْ كَانَ زَيْدٌ مِسْكِينًا ، لَمْ يُدْفَعْ إلَيْهِ مِنْ سَهْمِ الْمَسَاكِينِ شَيْءٌ ، وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ ، وَإِسْحَاقُ ؛ لِأَنَّ عَطْفَهُمْ عَلَيْهِ يَدُلُّ عَلَى الْمُغَايَرَةِ بَيْنَهُمَا ، إذْ الظَّاهِرُ الْمُغَايَرَةُ بَيْنَ الْمَعْطُوفِ وَالْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ ، وَلِأَنَّ تَجْوِيزَ ذَلِكَ يُفْضِي إلَى تَجْوِيزِ دَفْعِ الْجَمِيعِ إلَيْهِ ، وَلَفْظُهُ يَقْتَضِي خِلَافَ ذَلِكَ .\rفَأَمَّا إنْ كَانَتْ الْوَصِيَّةُ لِقَوْمٍ يُمْكِنُ اسْتِيعَابُهُمْ وَحَصْرُهُمْ ، مِثْلُ أَنْ يَقُولَ : هَذَا لِزَيْدٍ وَإِخْوَتِهِ .\rفَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ يَكُونُ كَأَحَدِهِمْ ؛ لِأَنَّهُ شَرَكَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ عَلَى وَجْهٍ لَا يَجُوزُ الْإِخْلَالُ بِبَعْضِهِمْ ، فَتَسَاوَوْا فِيهِ ، كَمَا لَوْ قَالَ : هَذَا لَكُمْ .\rوَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ كَالَّتِي قَبْلَهَا .","part":13,"page":244},{"id":6244,"text":"( 4757 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَالَ اشْتَرُوا بِثُلُثِي رِقَابًا ، فَأَعْتِقُوهُمْ .\rلَمْ يَجُزْ صَرْفُهُ إلَى الْمُكَاتَبِينَ ؛ لِأَنَّهُ وَصَّى بِالشِّرَاءِ ، لَا بِالدَّفْعِ إلَيْهِمْ .\rفَإِنْ اتَّسَعَ الثُّلُثُ لِثَلَاثَةٍ ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يُشْتَرَى أَقَلُّ مِنْهَا ؛ لِأَنَّهَا أَقَلُّ الْجَمْعِ .\rوَإِنْ قَدَرْت عَلَى أَنْ تَشْتَرِيَ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةٍ بِثَمَنِ ثَلَاثَةٍ غَالِيَةٍ ، كَانَ أَوْلَى وَأَفْضَلَ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { مَنْ أَعْتَقَ امْرَأً مُسْلِمًا ، أَعْتَقَ اللَّهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهُ عُضْوًا مِنْهُ مِنْ النَّارِ } .\rوَلِأَنَّهُ يُفَرِّجُ عَنْ نَفْسٍ زَائِدَةٍ ، فَكَانَ أَفْضَلَ مِنْ عَدَمِ ذَلِكَ .\rوَإِنْ أَمْكَنَ شِرَاءُ ثَلَاثَةٍ رَخِيصَةٍ ، وَحِصَّةٍ مِنْ الرَّابِعَةِ ، بِثَمَنِ ثَلَاثَةٍ غَالِيَةٍ ، فَالثَّلَاثَةُ أَوْلَى ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا سُئِلَ عَنْ أَفْضَلِ الرِّقَابِ ، قَالَ : { أَغْلَاهَا ثَمَنًا ، وَأَنْفَسُهَا عِنْدَ أَهْلِهَا } .\rوَالْقَصْدُ مِنْ الْعِتْقِ تَكْمِيلُ الْأَحْكَامِ ، مِنْ الْوِلَايَةِ ، وَالْجُمُعَةِ ، وَالْحَجِّ ، وَالْجِهَادِ ، وَسَائِرِ الْأَحْكَامِ ، الَّتِي تَخْتَلِفُ بِالرِّقِّ وَالْحُرِّيَّةِ ، وَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ إلَّا بِإِعْتَاقِ جَمِيعِهِ .\rوَهَذَا التَّفْضِيلُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْغَالِيَةِ ، إنَّمَا يَكُون مَعَ التَّسَاوِي فِي الْمَصْلَحَةِ ، فَأَمَّا إنْ تَرَجَّحَ بَعْضُهُمْ بِدِينٍ ، وَعِفَّةٍ ، وَصَلَاحٍ ، وَمَصْلَحَةٍ لَهُ فِي الْعِتْقِ ، بِأَنْ يَكُونَ مَضْرُورًا بِالرِّقِّ ، وَلَهُ صَلَاحٌ فِي الْعِتْقِ ، وَغَيْرُهُ لَهُ مَصْلَحَةٌ فِي الرِّقِّ ، وَلَا مَصْلَحَةَ لَهُ فِي الْعِتْقِ ، وَرُبَّمَا تَضَرَّرَ بِهِ ، مِنْ فَوَاتِ نَفَقَتِهِ ، وَكَفَالَتِهِ ، وَمَصَالِحِهِ ، وَعَجْزِهِ بَعْدَ الْعِتْقِ عَنْ الْكَسْبِ ، وَخُرُوجِهِ عَنْ الصِّيَانَةِ وَالْحِفْظِ ، فَإِنَّ إعْتَاقَ مَنْ كَثُرَتْ الْمَصْلَحَةُ فِي إعْتَاقِهِ أَفْضَلُ وَأَوْلَى ، وَإِنْ قَلَّتْ قِيمَتُهُ ، وَلَا يَسُوغُ إعْتَاقُ مَنْ فِي إعْتَاقِهِ مَفْسَدَةٌ ؛ لِأَنَّ مَقْصُودَ الْمُوصِي تَحْصِيلُ","part":13,"page":245},{"id":6245,"text":"الثَّوَابِ وَالْأَجْرِ ، وَلَا أَجْرَ فِي إعْتَاقِ هَذَا .\rوَلَا يَجُوزُ أَنْ يُعْتَقَ إلَّا رَقَبَةٌ مُسْلِمَةٌ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا قَالَ : { فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ } لَمْ يَتَنَاوَلْ إلَّا الْمُسْلِمَةَ ، وَمُطْلَقُ كَلَامِ الْآدَمِيِّ مَحْمُولٌ عَلَى مُطْلَقِ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى .\rوَلَا يَجُوزُ إعْتَاقُ مَعِيبَةٍ عَيْبًا يَمْنَعُ الْإِجْزَاءَ فِي الْكَفَّارَةِ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":13,"page":246},{"id":6246,"text":"( 4758 ) فَصْلٌ : وَنَقَلَ الْمَرُّوذِيُّ ، عَنْ أَحْمَدَ ، فِي مَنْ أَوْصَى بِثُلُثِهِ فِي أَبْوَابِ الْبِرِّ ، يُجَزَّأُ ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ ؛ جُزْءٌ فِي الْجِهَادِ ، وَجُزْءٌ يَتَصَدَّق بِهِ فِي قَرَابَتِهِ ، وَجُزْءٌ فِي الْحَجِّ .\rوَقَالَ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد : الْغَزْوُ يُبْدَأُ بِهِ .\rوَحُكِيَ عَنْهُ أَنَّهُ جَعَلَ جُزْءًا فِي فِدَاءِ الْأَسْرَى .\rوَهَذَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ لَيْسَ عَلَى سَبِيلِ اللُّزُومِ وَالتَّحْدِيدِ ، بَلْ يَجُوزُ صَرْفُهُ فِي جِهَاتِ الْبِرِّ كُلِّهَا ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ لِلْعُمُومِ ، فَيَجِبُ حَمْلُهُ عَلَى عُمُومِهِ ، وَلَا يَجُوزُ تَخْصِيصُ الْعُمُومِ بِغَيْرِ دَلِيلٍ ، وَرُبَّمَا كَانَ غَيْرُ هَذِهِ الْجِهَاتِ أَحْوَجَ مِنْ بَعْضِهَا وَأَحَقَّ ، وَقَدْ تَدْعُو الْحَاجَةُ إلَى تَكْفِينِ مَيِّتٍ ، وَإِصْلَاحِ طَرِيقٍ ، وَفَكِّ أَسْرٍ ، وَإِعْتَاقِ رَقَبَةٍ وَقَضَاءِ دَيْنٍ ، وَإِغَاثَةِ مَلْهُوفٍ ، أَكْثَرَ مِنْ دُعَائِهَا إلَى حَجِّ مَنْ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَجُّ ، فَيُكَلَّفُ وُجُوبَ مَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ وَاجِبًا وَتَعَبًا كَانَ اللَّهُ قَدْ أَرَاحَهُ مِنْهُ ، مِنْ غَيْرِ مَصْلَحَةٍ تَعُودُ عَلَى أَحَدٍ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ ، فَتَقْدِيمُ هَذَا عَلَى مَا مَصْلَحَتُهُ ظَاهِرَةٌ ، وَالْحَاجَةُ إلَيْهِ دَاعِيَةٌ ، بِغَيْرِ دَلِيلٍ ، تَحَكُّمٌ لَا مَعْنَى لَهُ .\rوَإِذَا قَالَ : ضَعْ ثُلُثِي حَيْثُ يُرِيكَ اللَّهُ .\rفَلَهُ صَرْفُهُ فِي أَيِّ جِهَةٍ مِنْ جِهَات الْقُرَبِ ، رَأَى وَضْعَهُ فِيهَا ، عَمَلًا بِمُقْتَضَى وَصِيَّتِهِ .\rوَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّهُ يَجِبُ صَرْفُهُ إلَى الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ ، وَالْأَفْضَلُ صَرْفُهُ إلَى فُقَرَاءِ أَقَارِبِهِ ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَإِلَى مَحَارِمِهِ مِنْ الرَّضَاعِ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَإِلَى جِيرَانِهِ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ : يَجِبُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ رَدَّهُ إلَى اجْتِهَادِهِ فِيمَا فِيهِ الْحَظُّ ، وَهَذَا أَحَظُّ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ قَدْ يَرَى غَيْرَ هَذَا أَهَمَّ مِنْهُ وَأَصْلَحَ ، فَلَا يَجُوزُ تَقْيِيدُهُ بِالتَّحَكُّمِ .\rوَنَقَلَ أَبُو دَاوُد ، عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ أَوْصَى بِثُلُثِهِ فِي الْمَسَاكِينِ ، وَلَهُ أَقَارِبُ مَحَاوِيجُ لَمْ","part":13,"page":247},{"id":6247,"text":"يُوصِ لَهُمْ بِشَيْءٍ ، وَلَمْ يَرِثُوا ، فَإِنَّهُ يَبْدَأُ بِهِمْ ، فَإِنَّهُمْ أَحَقُّ .\rقَالَ : وَسُئِلَ عَنْ النَّصْرَانِيِّ يُوصِي بِثُلُثِهِ لِلْفُقَرَاءِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ، أَيُعْطَى إخْوَتُهُ وَهُمْ فُقَرَاءُ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، هُمْ أَحَقُّ ، يُعْطَوْنَ خَمْسُونَ دِرْهَمًا لَا يُزَادُونَ عَلَى ذَلِكَ .\rيَعْنِي لَا يُزَادُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَلَى ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ الْقَدْرُ الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ الْغِنَى .","part":13,"page":248},{"id":6248,"text":"( 4759 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِذَا وَصَّى أَنْ يُحَجَّ عَنْهُ بِخَمْسِمِائَةٍ .\rفَمَا فَضَلَ رُدَّ فِي الْحَجِّ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ أَوْصَى أَنْ يُحَجَّ عَنْهُ بِقَدْرٍ مِنْ الْمَالِ ، وَجَبَ صَرْفُ جَمِيعِ ذَلِكَ فِي الْحَجِّ إذَا حَمَلَهُ الثُّلُثُ ؛ لِأَنَّهُ وَصَّى بِجَمِيعِهِ فِي جِهَةِ قُرْبَةٍ ، فَوَجَبَ صَرْفُهُ فِيهَا ، كَمَا لَوْ وَصَّى بِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَلَيْسَ لِلْوَلِيِّ أَنْ يَصْرِفَ إلَى مَنْ يَحُجُّ أَكْثَرَ مِنْ نَفَقَةِ الْمِثْلِ ؛ لِأَنَّهُ أَطْلَقَ التَّصَرُّفَ فِي الْمُعَاوَضَةِ ، فَاقْتَضَى ذَلِكَ عِوَضَ الْمِثْلِ ، كَالتَّوْكِيلِ فِي الْبَيْعِ .\rثُمَّ لَا يَخْلُو ؛ إمَّا أَنْ يَكُونَ بِقَدْرِ نَفَقَةِ الْمِثْلِ لِحَجَّةٍ وَاحِدَةٍ ، فَيُصْرَفَ فِيهَا .\rأَوْ نَاقِصًا عَنْهَا ، فَيُحَجَّ بِهِ مِنْ حَيْثُ يَبْلُغُ ، فِي ظَاهِرِ مَنْصُوصِ أَحْمَدَ ، فَإِنَّهُ قَالَ ، فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ ، فِي رَجُلٍ أَوْصَى أَنْ يُحَجَّ عَنْهُ ، وَلَا تَبْلُغُ النَّفَقَةُ ، فَقَالَ : يُحَجُّ عَنْهُ مِنْ حَيْثُ تَبْلُغُ النَّفَقَةُ لِلرَّاكِبِ مِنْ أَهْلِ مَدِينَتِهِ .\rوَهَذَا قَوْلُ الْعَنْبَرِيِّ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : يُعَنْ بِهِ فِي الْحَجِّ .\rوَهُوَ قَوْلُ سَوَّارٍ الْقَاضِي ، حَكَاهُ عَنْهُ الْعَنْبَرِيُّ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّهُ مُخَيَّرٌ فِي ذَلِكَ .\rقَالَ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد ، فِي امْرَأَةٍ أَوْصَتْ بِحَجٍّ لَا يَجِبُ عَلَيْهَا : أَرَى أَنْ يُؤْخَذَ ثُلُثُ مَالِهَا ، فَيُعَانَ بِهِ فِي الْحَجِّ ، أَوْ يُحَجُّ مِنْ حَيْثُ يَبْلُغُ .\rالْحَالُ الثَّالِثُ ، أَنْ يَفْضُلَ عَنْ الْحَجَّةِ ، فَيُدْفَعَ فِي حِجَّةٍ ثَانِيَةٍ ، ثُمَّ فِي ثَالِثَةٍ ، إلَى أَنْ يَنْفَدَ ، أَوْ يَبْقَى مَا لَا يَبْلُغُ حِجَّةً ، فَيُحَجُّ بِهِ مِنْ حَيْثُ يَبْلُغُ ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْخِلَافِ فِيهِ .\rوَلَا يَسْتَنِيبُ فِي الْحَجِّ مَعَ الْإِمْكَانِ إلَّا مِنْ بَلَدِ الْمَحْجُوجِ عَنْهُ ؛ لِأَنَّهُ نَائِبٌ عَنْ الْمَيِّتِ ، وَقَائِمٌ مَقَامَهُ ، فَيَنُوبُ عَنْهُ مِنْ مَوْضِعٍ لَوْ حَجَّ الْمَنُوبُ عَنْهُ لَحَجَّ .\rمِنْهُ فَإِنْ كَانَ الْمُوصَى بِهِ لَا يَحْمِلُهُ الثُّلُثُ ، لَمْ يَخْلُ مِنْ أَنْ يَكُونَ الْحَجُّ فَرْضًا أَوْ تَطَوُّعًا ، فَإِنْ","part":13,"page":249},{"id":6249,"text":"كَانَ فَرْضًا أُخِذَ أَكْثَرُ الْأَمْرَيْنِ مِنْ الثُّلُثِ أَوْ الْقَدْرِ الْكَافِي لِحَجِّ الْفَرْضِ ، فَإِنْ كَانَ الثُّلُثُ أَكْثَرَ ، أُخِذَ ، ثُمَّ يُصْرَفُ مِنْهُ فِي الْفَرْضِ قَدْرُ مَا يَكْفِيهِ ، ثُمَّ يُحَجُّ بِالْبَاقِي تَطَوُّعًا حَتَّى يَنْفُذَ ، كَمَا ذَكَرْنَا مِنْ قَبْلُ ، وَإِنْ كَانَ الثُّلُثُ أَقَلَّ ، تُمِّمَ قَدْرُ مَا يَكْفِي الْحَجَّ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ .\rوَبِهَذَا قَالَ عَطَاءٌ ، وَطَاوُسٌ ، وَالْحَسَنُ ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ .\rقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ، وَالْحَسَنُ : كُلٌّ وَاجِبٌ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ .\rوَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَحَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَدَاوُد بْنُ أَبِي هِنْدٍ : إنْ وَصَّى بِالْحَجِّ ، فَمِنْ ثُلُثِهِ ، وَإِلَّا فَلَيْسَ عَلَى وَرَثَتِهِ شَيْءٌ .\rفَعَلَى قَوْلِهِمْ ، إنْ لَمْ يَفِ الثُّلُثُ بِالْمُوصَى بِهِ ، وَإِلَّا لَمْ يَزِدْ عَلَى الثُّلُثِ ؛ لِأَنَّ الْحَجَّ عِبَادَةٌ فَلَا تَلْزَمُ الْوَارِثَ ، كَالصَّلَاةِ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَوْ كَانَ عَلَى أَبِيك دَيْنٌ ، أَكُنْت تَقْضِيهِ ؟ قَالَ : نَعَمْ .\rقَالَ : فَدَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى } .\rوَالدَّيْنُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ ، فَمَا هُوَ أَحَقُّ مِنْهُ أَوْلَى ، وَلِأَنَّهُ وَاجِبٌ ، فَكَانَ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ ، كَدَيْنِ الْآدَمِيِّ .\rوَإِنْ كَانَ تَطَوُّعًا ، أُخِذَ الثُّلُثُ لَا غَيْرُ ، إذَا لَمْ يُجِزْ الْوَرَثَةُ ، وَيُحَجَّ بِهِ ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِيمَا مَضَى .","part":13,"page":250},{"id":6250,"text":"( 4760 ) فَصْلٌ : وَإِذَا أَوْصَى بِحَجٍّ وَاجِبٍ ، أَوْ غَيْرِهِ مِنْ الْوَاجِبَاتِ ، كَقَضَاءِ دَيْنٍ ، وَزَكَاةٍ ، وَإِخْرَاجِ كَفَّارَةٍ ، لَمْ يَخْلُ مِنْ أَرْبَعَةِ أَحْوَالٍ ؛ أَحَدُهَا ، أَنْ يُوصِيَ بِذَلِكَ مِنْ صُلْبِ مَالِهِ ، فَهَذَا تَأْكِيدٌ لِمَا وَجَبَ بِالشَّرْعِ ، وَيُحَجُّ عَنْهُ مِنْ بَلَدِهِ ، وَإِنْ لَمْ يَفِ مَالُهُ بِذَلِكَ ، أُخِذَ مَالُهُ كُلُّهُ يُدْفَعُ فِي الْوَاجِبِ ، كَمَا لَوْ لَمْ يُوصِ .\rالثَّانِي ، أَنْ يُوصِيَ بِأَدَاءِ الْوَاجِبِ مِنْ ثُلُثُ مَالِهِ ، فَيَصِحُّ أَيْضًا ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ وَصِيَّةٌ غَيْرَ هَذِهِ ، لَمْ تُفِدْ شَيْئًا ، وَيُؤَدَّى مِنْ الْمَالِ كُلِّهِ ، كَمَا لَوْ لَمْ يُوصِ .\rوَإِنْ كَانَ قَدْ أَوْصَى بِتَبَرُّعٍ لَجِهَةٍ أُخْرَى ، قُدِّمَ الْوَاجِبُ ، وَإِنْ فَضَلَ مِنْ الثُّلُثِ شَيْءٌ فَهُوَ لِلتَّبَرُّعِ ، وَإِنْ لَمْ يَفْضُلْ شَيْءٌ سَقَطَتْ ، وَإِنْ لَمْ يَفِ الثُّلُثُ بِالْوَاجِبِ أُتِمَّ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ .\rهَكَذَا ذَكَرَ الْقَاضِي .\rوَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : يُزَاحَمُ بِالْوَاجِبِ أَصْحَابُ الْوَصَايَا .\rفَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ مِثْلَ مَا ذَكَرَ الْقَاضِي ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ أَنَّ الثُّلُثَ يُقْسَمُ بَيْنَ الْوَصَايَا كُلِّهَا ، الْوَاجِبُ وَالتَّبَرُّعُ بِالْحِصَصِ ، فَمَا حُصِلَ لِلْوَاجِبِ أُتِمَّ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ ، فَيَدْخُلُهُ الدَّوْرُ ، وَتَعْمَلُ بِالْجَبْرِ ، فَتَقُولُ فِي رَجُلٍ أَوْصَى بِحِجَّةٍ وَاجِبَةٍ ، كِفَايَتُهَا عَشْرَةٌ مِنْ ثُلُثِهِ ، وَوَصَّى بِصَدَقَةِ تَطَوُّعٍ عَشْرَةٌ ، وَمَاتَ فَلَمْ يَخْلُفْ إلَّا ثَلَاثِينَ ، فَاعْزِلْ تَتِمَّةَ الْوَاجِبِ مِنْ الْمَالِ ، وَهِيَ شَيْءٌ مَجْهُولٌ ، وَخُذْ ثُلُثَ الْبَاقِي عَشْرَةً إلَّا ثُلُثَ شَيْءٍ ، وَاقْسِمْهُ بَيْنَ الْوَصِيَّيْنِ ، لِكُلِّ وَاحِدٍ خَمْسَةٌ إلَّا سُدُسَ شَيْءٍ ، اُضْمُمْ الشَّيْءَ الَّذِي عَزَلْته إلَى مَا حَصَلَ لِلْحِجَّةِ ، فَصَارَ شَيْئًا وَخَمْسَةً إلَّا سُدُسَ شَيْءٍ ، يَعْدِلُ عَشْرَةً ، وَخُذْ مِنْ الشَّيْءِ سُدُسَهُ ، فَاجْبُرْ بِهِ بَعْضَ الْخَمْسَةِ ، يَبْقَى خَمْسَةُ أَسْدَاسِ شَيْءٍ ، يَعْدِلُ خُمُسَهُ ، فَالشَّيْءُ إذًا سِتَّةٌ ، وَمَتَى أَخَذْت سِتَّةً مِنْ ثَلَاثِينَ ،","part":13,"page":251},{"id":6251,"text":"بَقِيَ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ ، ثُلُثُهَا ثَمَانِيَةٌ ، لِصَاحِبِ الصَّدَقَةِ نِصْفُهَا أَرْبَعَةٌ ، وَلِلْوَاجِبِ أَرْبَعَةٌ مَعَ السِّتَّةَ ، صَارَ الْجَمِيعُ عَشْرَةً ، فَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ أَيْضًا دَيْنٌ خَمْسَةٌ ، عَزَلْت تَتِمَّةَ الْحَجِّ شَيْئًا ، وَتَتِمَّةَ الدَّيْنِ نِصْفَ شَيْءٍ ، بَقِيَ ثُلُثُ الْمَالِ عَشْرَةٌ إلَّا نِصْفَ شَيْءٍ ، وَاقْسِمْهُ بَيْنَ الْوَصَايَا ، فَيَحْصُلُ لِلْحَجِّ أَرْبَعَةٌ إلَّا خُمُسَ شَيْءٍ ، اُضْمُمْ إلَيْهَا تَتِمَّتَهُ ، يَصِيرُ شَيْئًا وَأَرْبَعَةً إلَّا خُمْسَ شَيْءٍ ، يَعْدِلُ عَشْرَةً ، وَبَعْدَ الْجَبْرِ يَصِيرُ أَرْبَعَةَ أَخْمَاسِ شَيْءٍ ، تَعْدِلُ سِتَّةً ، فَرُدَّ عَلَى السِّتَّةِ رُبْعَهَا ، تَصِرْ سَبْعَةً وَنِصْفًا ، يَعْدِلُ شَيْئًا ، فَالشَّيْءُ سَبْعَةٌ وَنِصْفٌ ، وَنِصْفُ الشَّيْءِ ثَلَاثَةٌ وَنِصْفٌ وَرُبْعٌ وَبَقِيَّةُ الْمَالِ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ وَثَلَاثَةُ أَرْبَاعٍ ، ثُلُثُهَا سِتَّةٌ وَرُبْعٌ ، لِلدَّيْنِ خُمُسُهَا وَاحِدٌ وَرُبْعٌ ، إذَا ضَمَمْت إلَيْهِ تَتِمَّتَهُ ، كَمَّلَ خَمْسَةً ، وَلِلْحَجِّ اثْنَانِ وَنِصْفٌ تَكْمُلُ تَتِمَّتُهُ ، وَلِلصَّدَقَةِ اثْنَانِ وَنِصْفٌ .\rوَفِي عَمَلِهَا طَرِيقٌ آخَرُ ، وَهُوَ أَنْ يُقْسَمَ الثُّلُثُ بِكَمَالِهِ بَيْنَ الْوَصَايَا بِالْقِسْطِ ، ثُمَّ مَا بَقِيَ مِنْ الْوَاجِبِ خُذْهُ مِنْ الْوَرَثَةِ وَصَاحِبِ التَّبَرُّعِ بِالْقِسْطِ ، فَفِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى يَحْصُلُ لِلْوَاجِبِ خَمْسَةٌ ، يَبْقَى لَهُ خَمْسَةٌ ، يَأْخُذُ مِنْ صَاحِبِ التَّبَرُّعِ دِينَارًا ، وَمِنْ الْوَرَثَةِ أَرْبَعَةً .\rوَفِي الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ ، حَصَلَ لِلْحَجِّ أَرْبَعَةٌ ، وَبَقِيَ لَهُ سِتَّةٌ ، وَحَصَلَ لِلدَّيْنِ دِينَارَانِ ، وَبَقِيَ لَهُ ثَلَاثَةٌ ، فَيَأْخُذَانِ مَا بَقِيَ لَهُمَا مِنْ الْوَرَثَةِ ثَلَاثَةً ، وَمِنْ صَاحِبِ التَّبَرُّعِ ثَلَاثَةً فَيَأْخُذُ صَاحِبُ الْحِجَّةِ مِنْ الْوَرَثَةِ أَرْبَعَةً ، وَمِنْ صَاحِبِ التَّبَرُّعِ دِينَارَيْنِ ، وَيَأْخُذُ صَاحِبُ الدَّيْنِ دِينَارَيْنِ مِنْ الْوَرَثَةِ ، وَدِينَارًا مِنْ صَاحِبِ التَّبَرُّعِ .\rالثَّالِثُ ، أَنْ يُوصِيَ بِالْوَاجِبِ ، وَيُطْلِقَ ، فَهُوَ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ ، فَيُبْدَأُ بِإِخْرَاجِهِ قَبْلَ","part":13,"page":252},{"id":6252,"text":"التَّبَرُّعَاتِ وَالْمِيرَاثِ ، فَإِنْ كَانَ ثَمَّ وَصِيَّةُ تَبَرُّعٍ ، فَلِصَاحِبِهَا ثُلُثُ الْبَاقِي .\rوَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ .\rوَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى أَنَّ الْوَاجِبَ مِنْ الثُّلُثِ كَالْقِسْمِ الَّذِي قَبْلَهُ ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَمْلِكُ الْوَصِيَّةَ بِالثُّلُثِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الْحَجَّ كَانَ وَاجِبًا مِنْ رَأْسِ الْمَالِ ، وَلَيْسَ فِي وَصِيَّتِهِ مَا يَقْتَضِي تَغْيِيرَهُ ، فَيَبْقَى عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ ، كَمَا لَوْ لَمْ يُوصِ بِهِ .\rوَقَوْلُهُمْ : لَا تُمْلَكُ الْوَصِيَّةُ إلَّا بِالثُّلُثِ .\rقُلْنَا : فِي التَّبَرُّعِ ، فَأَمَّا فِي الْوَاجِبَاتِ فَلَا تَنْحَصِرُ فِي الثُّلُثِ ، وَلَا تَتَقَيَّدُ بِهِ .\rالْقِسْمُ الرَّابِعُ ، أَنْ يُوصِيَ بِالْوَاجِبِ وَيَقْرِنَ الْوَصِيَّةَ بِالتَّبَرُّعِ ، مِثْلُ أَنْ يَقُولَ : حُجُّوا عَنِّي ، وَأَدُّوا دَيْنِي ، وَتَصَدَّقُوا عَنِّي .\rفَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَصَحُّهُمَا ، أَنَّ الْوَاجِبَ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ ؛ لِأَنَّ الِاقْتِرَانَ فِي اللَّفْظِ لَا يَدُلُّ عَلَى الِاقْتِرَانِ فِي الْحُكْمِ ، وَلَا فِي كَيْفِيَّتِهِ ، وَلِذَلِكَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ } .\rوَالْأَكْلُ غَيْرُ وَاجِبٍ ، وَالْإِيتَاءُ وَاجِبٌ ، وَلِأَنَّهُ هَاهُنَا قَدْ عَطَفَ غَيْرَ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ ، فَكَمَا لَمْ يَسْتَوِيَا فِي الْوُجُوبِ لَا يَلْزَمُ اسْتِوَاؤُهُمَا فِي مَحَلِّ الْإِخْرَاجِ .\rوَالثَّانِي ، أَنَّهُ مِنْ الثُّلُثِ ؛ لِأَنَّهُ قَرَنَ بِهِ مَا مَخْرَجُهُ مِنْ الثُّلُثِ .","part":13,"page":253},{"id":6253,"text":"( 4761 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِنْ قَالَ : حِجَّةٌ بِخَمْسِمِائَةٍ .\rفَمَا فَضَلَ فَهُوَ لِمَنْ يَحُجُّ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ إذَا أَوْصَى أَنْ يُحَجَّ عَنْهُ بِقَدْرٍ مِنْ الْمَالِ حِجَّةً وَاحِدَةً ، وَكَانَ فِيهِ فَضْلٌ عَنْ قَدْرِ مَا يُحَجُّ بِهِ ، فَهُوَ لِمَنْ يَحُجُّ ؛ لِأَنَّهُ قَصَدَ إرْفَاقَهُ بِذَلِكَ ، فَكَأَنَّهُ صَرَّحَ ، بِأَنْ قَالَ : حُجُّوا عَنِّي حِجَّةً وَاحِدَةً بِخَمْسِمِائَةٍ ، وَمَا فَضَلَ مِنْهَا فَهُوَ لِمَنْ يَحُجُّ .\rثُمَّ إنْ عَيَّنَ مَنْ يَحُجُّ عَنْهُ ، فَقَالَ : يَحُجُّ عَنِّي فُلَانٌ بِخَمْسِمِائَةٍ .\rصُرِفَ ذَلِكَ إلَيْهِ .\rوَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْ أَحَدًا ، فَلِلْوَصِيِّ صَرْفُهَا إلَى مَنْ شَاءَ ؛ لِأَنَّهُ فَوَّضَ إلَيْهِ الِاجْتِهَادَ ، إلَّا أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ صَرْفَهَا إلَى وَارِثٍ ، إذَا كَانَ فِيهَا فَضْلٌ إلَّا بِإِذْنِ الْوَرَثَةِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا فَضْلٌ ، جَازَ ؛ لِأَنَّهَا لَا مُحَابَاةَ فِيهَا ، ثُمَّ يُنْظَرُ ؛ فَإِنْ كَانَ الْحَجُّ الْمُوصَى بِهِ تَطَوُّعًا ، فَجَمِيعُ الْقَدْرِ الْمُوصَى بِهِ مِنْ الثُّلُثِ ، وَإِنْ كَانَ وَاجِبًا فَالزَّائِدُ عَنْ نَفَقَةِ الْمِثْلِ يُعْتَبَرُ مِنْ الثُّلُثِ .\rوَإِنْ لَمْ يَفِ الْمُوصَى بِهِ بِالْحَجِّ الْوَاجِبِ ، أُتِمَّ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ .\rوَإِنْ كَانَ تَطَوُّعًا ، فَإِنَّهُ يُحَجُّ بِهِ مِنْ حَيْثُ يَبْلُغُ ، عَلَى مَا مَضَى .","part":13,"page":254},{"id":6254,"text":"( 4762 ) فَصْلٌ : وَإِنْ عَيَّنَ رَجُلًا أَنْ يَحُجَّ ، فَأَبَى أَنْ يَحُجَّ ، بَطَلَ التَّعْيِينُ ، وَيَحُجُّ عَنْهُ بِأَقَلِّ مَا يُمْكِنُ إنْسَانٌ ثِقَةٌ سِوَاهُ ، وَيُصْرَفُ الْبَاقِي إلَى الْوَرَثَةِ .\rوَلَوْ قَالَ الْمُعَيَّنُ : اصْرِفُوا الْحِجَّةَ إلَى مَنْ يَحُجُّ ، وَادْفَعُوا الْفَضْلَ إلَيَّ ، لِأَنَّهُ مُوصًى بِهِ لِي .\rلَمْ يُصْرَفْ إلَيْهِ شَيْءٌ ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا أُوصِيَ لَهُ بِالزِّيَادَةِ بِشَرْطِ أَنْ يَحُجَّ ، فَإِذَا لَمْ يَفْعَلْ ، لَمْ يُوجَدْ الشَّرْطُ وَلَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا .","part":13,"page":255},{"id":6255,"text":"( 4763 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِنْ قَالَ : حُجُّوا عَنِّي حِجَّةً .\rفَمَا فَضَلَ رُدَّ إلَى الْوَرَثَةِ ) أَمَّا إذَا أَوْصَى بِحِجَّةٍ ، وَلَمْ يَذْكُرْ قَدْرًا مِنْ الْمَالِ ، فَإِنَّهُ لَا يُدْفَعُ إلَى مَنْ يَحُجُّ إلَّا قَدْرُ نَفَقَةِ الْمِثْلِ ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ ، وَإِنْ فَضَلَ فَضْلٌ عَنْ ذَلِكَ ، فَهُوَ لِلْوَرَثَةِ .\rوَهَذَا يَنْبَنِي عَلَى أَنَّ الْحَجَّ لَا يَجُوزُ الِاسْتِئْجَارُ عَلَيْهِ ، إنَّمَا يَنُوبُ عَنْهُ فِيهِ نَائِبٌ فَمَا يُنْفَقُ عَلَيْهِ فِيمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ ، فَهُوَ مِنْ مَالِ الْمُوصِي ، وَمَا بَقِيَ رَدَّهُ عَلَى وَرَثَتِهِ .\rوَإِنْ تَلِفَ الْمَالُ فِي الطَّرِيقِ ، فَهُوَ مِنْ مَالِ الْمُوصِي ، وَلَيْسَ عَلَى النَّائِبِ إتْمَامُ الْمُضِيِّ إلَى الْحَجِّ عَنْهُ .\rوَعَلَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى ، يَجُوزُ الِاسْتِئْجَارُ عَلَيْهِ ، فَلَا يَسْتَأْجِرُ إلَّا ثِقَةً بِأَقَلِّ مَا يُمْكِنُ ، وَمَا فَضَلَ فَهُوَ لِمَنْ يَحُجُّ ؛ لِأَنَّهُ مَلَكَ مَا أُعْطِيَ بِعَقْدِ الْإِجَارَةِ .\rوَإِنْ تَلِفَ الْمَالُ فِي الطَّرِيقِ بَعْدَ قَبْضِ الْأَجِيرِ لَهُ ، فَهُوَ مِنْ مَالِهِ ، وَيَلْزَمُهُ إتْمَامُ الْحَجِّ .\rوَإِنْ قَالَ : حُجُّوا عَنِّي .\rوَلَمْ يَقُلْ : حِجَّةً وَاحِدَةً .\rلَمْ يُحَجَّ عَنْهُ إلَّا حِجَّةً وَاحِدَةً ؛ لِأَنَّهُ أَقَلُّ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الِاسْمُ .\rفَإِنْ عَيَّنَ مَعَ هَذَا مَنْ يَحُجُّ عَنْهُ ، فَقَالَ : يَحُجُّ عَنِّي فُلَانٌ .\rفَإِنَّهُ يُدْفَعُ إلَيْهِ قَدْرُ نَفَقَتِهِ مِنْ بَلَدِهِ إذَا خَرَجَ مِنْ الثُّلُثِ .\rفَإِنْ أَبَى الْحَجَّ إلَّا بِزِيَادَةٍ تُصْرَفُ إلَيْهِ ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُصْرَفَ إلَيْهِ أَقَلُّ قَدْرٍ يُمْكِنُ أَنْ يَحُجَّ بِهِ غَيْرُهُ .\rوَإِنْ أَبَى الْحَجَّ ، وَكَانَ وَاجِبًا ، اُسْتُنِيبَ غَيْرُهُ بِأَقَلِّ مَا يُمْكِنُ اسْتِنَابَتُهُ بِهِ .\rوَإِنْ كَانَ تَطَوُّعًا احْتَمَلَ بُطْلَانَ الْوَصِيَّةِ ؛ لِأَنَّهُ عَيَّنَ لَهَا جِهَةً ، فَإِذَا لَمْ تَقْبَلْهَا بَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ ، كَمَا لَوْ قَالَ : بِيعُوا عَبْدِي لَفُلَانٍ بِمِائَةٍ .\rفَأَبَى شِرَاءَهُ .\rوَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا تَبْطُلَ ، وَيُسْتَنَابَ غَيْرُهُ ؛ لِأَنَّهُ قَصَدَ الْقُرْبَةَ وَالتَّعْيِينَ ، فَإِذَا بَطَلَ التَّعْيِينُ ، لَمْ","part":13,"page":256},{"id":6256,"text":"تَبْطُلْ الْقُرْبَةُ ، كَمَا لَوْ قَالَ : بِيعُوا عَبْدِي لَفُلَانٍ ، وَتَصَدَّقُوا بِثَمَنِهِ .\rفَلَمْ يَقْبَلْ فُلَانٌ ، فَإِنَّهُ يُبَاعُ لِغَيْرِهِ ، وَيُتَصَدَّقُ بِهِ .","part":13,"page":257},{"id":6257,"text":"( 4764 ) فَصْلٌ : وَإِذَا أَوْصَى لِرَجُلٍ أَنْ يُخْرِجَ عَنْهُ حِجَّةً ، لَمْ يَكُنْ لِلْوَصِيِّ الْحَجُّ بِنَفْسِهِ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .\rكَمَا لَوْ قَالَ : تَصَدَّقْ عَلَيَّ .\rلَمْ يَجُزْ أَنْ يَتَصَدَّقَ عَنْ نَفْسِهِ .\rوَإِنْ قَالَ : حُجَّ عَنِّي بِمَا شِئْت .\rصَحَّ ، وَلَهُ مَا شَاءَ ، إلَّا أَنْ لَا يُجِيزَ الْوَرَثَةُ ، فَلَهُ الثُّلُثُ .","part":13,"page":258},{"id":6258,"text":"( 4765 ) فَصْلٌ : إذَا أَوْصَى أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ زَيْدٌ بِمِائَةٍ ، وَلِعَمْرٍو بِتَمَامِ الثُّلُثِ ، وَلَسَعْدً بِثُلُثِ مَالِهِ .\rفَأَجَازَ الْوَرَثَةُ ، أُمْضِيَتْ عَلَى مَا قَالَ الْمُوصِي .\rوَإِنْ لَمْ يَفْضُلْ عَنْ الْمِائَةِ شَيْءٌ ، فَلَا شَيْءَ لِعَمْرٍو ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا أَوْصَى لَهُ بِالْفَضْلِ ، وَلَا فَضْلَ .\rوَإِنْ رَدَّ الْوَرَثَةُ ، قُسِمَ الثُّلُثُ بَيْنَهُمْ نِصْفَيْنِ ؛ لَسَعْدٍ السُّدُسُ ، وَلِزَيْدٍ مِائَةٌ ، وَمَا فَضَلَ مِنْ الثُّلُثِ فَلِعَمْرٍو ، فَإِنْ لَمْ يَفْضُلْ شَيْءٌ ، فَلَا شَيْءَ لِعَمْرٍو ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا أَوْصَى لَهُ بِالزِّيَادَةِ ، وَلَا زِيَادَةَ .\rوَلَا تُمْنَعُ الْمُزَاحَمَةُ بِهِ ، وَلَا يُعْطَى شَيْئًا ، كَوَلَدِ الْأَبِ مَعَ الْأَخِ مِنْ الْأَبَوَيْنِ ، فِي مُزَاحَمَةِ الْجَدِّ .\rوَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ مَتَى كَانَ فِي الثُّلُثِ فَضْلٌ عَنْ الْمِائَةِ ، أَنْ يُرَدَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ إلَى نِصْفِ وَصِيَّتِهِ ؛ لِأَنَّ زَيْدًا إنَّمَا اسْتَحَقَّ الْمِائَةَ بِالْإِجَازَةِ ، فَمَعَ الرَّدِّ يَجِبُ أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْهِ مِنْ النَّقْصِ بِقَدْرِ وَصِيَّتِهِ ، كَسَائِرِ الْوَصَايَا .\rوَقَدْ ذَكَرْنَا نَظِيرَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِيمَا تَقَدَّمَ .\rفَإِنْ امْتَنَعَ زَيْدٌ مِنْ الْحَجِّ ، وَكَانَتْ الْحِجَّةُ وَاجِبَةً ، اُسْتُنِيبَ ثِقَةٌ غَيْرُهُ فِي الْحَجِّ بِأَقَلَّ مَا يُمْكِنُ ، وَتَمَامُ الْمِائَةِ لِلْوَرَثَةِ ، وَلِعَمْرٍو مَا فَضَلَ .\rوَإِنْ كَانَتْ الْحِجَّةُ تَطَوُّعًا ، فَفِي بُطْلَانِ الْوَصِيَّةِ بِهَا وَجْهَانِ ، ذَكَرْنَاهُمَا فِيمَا مَضَى .","part":13,"page":259},{"id":6259,"text":"فَصْلٌ : وَإِنْ أَوْصَى لِزَيْدٍ بِعَبْدٍ بِعَيْنِهِ ، وَلِعَمْرٍو بِبَقِيَّةِ الثُّلُثِ ، قُوِّمَ الْعَبْدُ يَوْمَ مَوْتِ الْمُوصِي ؛ لِأَنَّهُ حَالُ نُفُوذِ الْوَصِيَّةِ ، وَدُفِعَ إلَى زَيْدٍ ، وَدُفِعَ بَقِيَّةُ الثُّلُثِ إلَى عَمْرٍو .\rفَإِنْ لَمْ يَبْقَ مِنْ الثُّلُثِ شَيْءٌ ، بَطَلَتْ وَصِيَّةُ عَمْرٍو .\rوَإِنْ مَاتَ الْعَبْدُ بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي ، أَوْ رَدَّ زَيْدٌ وَصِيَّتَهُ ، بَطَلَتْ وَلَمْ تَبْطُلْ وَصِيَّةُ عَمْرٍو .\rوَهَكَذَا إنْ مَاتَ زَيْدٌ قَبْلَ مَوْتِ الْمُوصِي أَوْ بَعْدَهُ .\rوَإِنْ مَاتَ الْعَبْدُ قَبْلَ مَوْتِ الْمُوصِي ، قَوَّمْنَا التَّرِكَةَ حَالَ مَوْتِ الْمُوصِي بِدُونِ الْعَبْدِ ، ثُمَّ يُقَوَّمُ الْعَبْدُ لَوْ كَانَ حَيًّا ، فَإِنْ بَقِيَ مِنْ الثُّلُثِ بَعْدَ قِيمَتِهِ شَيْءٌ ، فَهُوَ لِعَمْرٍو ، وَإِلَّا بَطَلَتْ وَصِيَّتُهُ .\rوَلَوْ قَالَ لِأَحَدِ عَبْدَيْهِ : أَنْتَ مُدَبَّرٌ .\rثُمَّ قَالَ لِآخَرَ : أَنْتَ مُدَبَّرٌ فِي زِيَادَةِ الثُّلُثِ عَنْ قِيمَةِ الْأَوَّلِ .\rثُمَّ بَطَلَ تَدْبِيرُ الْأَوَّلِ لِرُجُوعِهِ فِيهِ ، أَوْ خُرُوجِهِ مُسْتَحَقًّا ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ ، فَهِيَ كَاَلَّتِي قَبْلَهَا ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا .","part":13,"page":260},{"id":6260,"text":"( 4767 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَمَنْ أَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ لِرَجُلٍ ، فَقُتِلَ عَمْدًا أَوْ خَطَأً ، وَأُخِذَتْ الدِّيَةُ ، فَلِمَنْ أَوْصَى لَهُ بِالثُّلُثِ ثُلُثُ الدِّيَةِ ، فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ ، وَالْأُخْرَى لَيْسَ لِمَنْ أَوْصَى لَهُ بِالثُّلُثِ مِنْ الدِّيَةِ شَيْءٌ ) اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ ، فِي مَنْ أَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ ، أَوْ جُزْءٍ مِنْهُ مُشَاعٌ ، فَقُتِلَ الْمُوصِي ، وَأُخِذَتْ دِيَتُهُ ، هَلْ لِلْوَصِيِّ مِنْهَا شَيْءٌ أَوْ لَا ؟ فَنَقَلَ مُهَنَّا عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ مِنْهَا .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي دِيَةِ الْخَطَأِ .\rوَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ ، وَمَالِكٍ .\rوَنَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ ، عَنْ أَحْمَدَ ، لَا يُدْخِلُ الدِّيَةَ فِي وَصِيَّتِهِ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مَكْحُولٍ ، وَشَرِيكٍ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَدَاوُد .\rوَهُوَ قَوْلُ إِسْحَاقَ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : فِي دِيَةِ الْعَمْدِ ؛ لِأَنَّ الدِّيَةَ إنَّمَا تَجِبُ لِلْوَرَثَةِ بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي ، بِدَلِيلِ أَنَّ سَبَبَهَا الْمَوْتُ ، فَلَا يَجُوزُ وُجُوبُهَا قَبْلَهُ ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ لَا يَتَقَدَّمُ سَبَبُهُ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ تَجِبَ لِلْمَيِّتِ بَعْدَ مَوْتِهِ ؛ لِأَنَّهُ بِالْمَوْتِ تَزُولُ أَمْلَاكُهُ الثَّابِتَةُ لَهُ ، فَكَيْفَ يَتَجَدَّدُ لَهُ مِلْكٌ ؟ فَلَا يَدْخُلُ فِي الْوَصِيَّةِ ؛ لِأَنَّ الْمَيْتَ إنَّمَا يُوصِي بِجُزْءٍ مِنْ مَالِهِ ، لَا بِمَالِ وَرَثَتِهِ .\rوَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى ، أَنَّ الدِّيَةَ تَجِبُ لِلْمَيِّتِ ؛ لِأَنَّهَا بَدَلُ نَفْسِهِ ، وَنَفْسِهِ لَهُ ، فَكَذَلِكَ بَدَلُهَا ، وَلِأَنَّ بَدَلَ أَطْرَافِهِ فِي حَالَ حَيَاتِهِ لَهُ ، فَكَذَلِكَ بَدَلُهَا بَعْدَ مَوْتِهِ ، وَلِهَذَا نَقْضِي مِنْهَا دُيُونَهُ ، وَيُجَهَّزُ مِنْهَا إنْ كَانَ قَبْلَ تَجْهِيزِهِ ، وَإِنَّمَا يَزُولُ مِنْ أَمْلَاكِهِ مَا اسْتَغْنَى عَنْهُ ، فَأَمَّا مَا تَعَلَّقَتْ بِهِ حَاجَتُهُ فَلَا .\rوَلِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَتَجَدَّدَ لَهُ مِلْكٌ بَعْدَ الْمَوْتِ ، كَمَنْ نَصَبَ شَبَكَةً فَسَقَطَ فِيهَا صَيْدٌ بَعْدَ مَوْتِهِ ، فَإِنَّهُ يُمْلَكُ بِحَيْثُ تُقْضَى دُيُونُهُ مِنْهُ ، وَيُجَهَّزُ ، فَكَذَلِكَ دِينُهُ ؛","part":13,"page":261},{"id":6261,"text":"لِأَنَّ تَنْفِيذَ وَصِيَّتِهِ مِنْ حَاجَتِهِ ، فَأَشْبَهَتْ قَضَاءَ دِينِهِ .\r( 4768 ) فَصْلٌ : وَإِنْ كَانَتْ الْوَصِيَّةُ بِمُعَيَّنٍ ، فَعَلَى الرِّوَايَةِ الْأُولَى ، يُعْتَبَرُ خُرُوجُهُ مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ وَدِيَتِهِ ، وَعَلَى الْأُخْرَى ، يُعْتَبَرُ خُرُوجُهُ مِنْ أَصْلِ مَالِهِ دُونَ دِيَتِهِ ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ مَالِهِ .","part":13,"page":262},{"id":6262,"text":"( 4769 ) فَصْلٌ : وَإِنْ أَوْصَى ، ثُمَّ اسْتَفَادَ مَالًا قَبْلَ الْمَوْتِ ، فَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ يَقُولُونَ : إنَّ الْوَصِيَّةَ تُعْتَبَرُ مِنْ جَمِيعِ مَا يُخْلِفُهُ مِنْ التِّلَادِ وَالْمُسْتَفَادِ وَيُعْتَبَرُ ثُلُثُ الْجَمِيعِ .\rهَذَا قَوْلُ النَّخَعِيِّ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَمَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ .\rوَسَوَاءٌ عَلِمَ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ .\rوَحُكِيَ عَنْ أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَرَبِيعَةَ ، وَمَالِكٍ لَا يَدْخُلُ فِي وَصِيَّتِهِ إلَّا مَا عَلِمَ ، إلَّا الْمُدَبَّرَ فَإِنَّهُ يَدْخُلُ فِي كُلِّ شَيْءٍ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ مِنْ مَالِهِ ، فَدَخَلَ فِي وَصِيَّتِهِ كَالْمَعْلُومِ .","part":13,"page":263},{"id":6263,"text":"مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِذَا أَوْصَى إلَى رَجُلٍ ، ثُمَّ أَوْصَى بَعْدَهُ إلَى آخَرَ ، فَهُمَا وَصِيَّانِ ، إلَّا أَنْ يَقُولَ : قَدْ أَخْرَجْت الْأَوَّلَ ) مَعْنَى أَوْصَى إلَى رَجُلٍ .\rأَيْ جَعَلَ لَهُ التَّصَرُّفَ بَعْدَ مَوْتِهِ ، فِيمَا كَانَ لَهُ التَّصَرُّفُ فِيهِ ، مِنْ قَضَاءِ دُيُونِهِ ، وَاقْتِضَائِهَا ، وَرَدِّ الْوَدَائِعِ ، وَاسْتِرْدَادِهَا ، وَتَفْرِيقِ وَصِيَّتِهِ ، وَالْوِلَايَةِ عَلَى أَوْلَادِهِ الَّذِينَ لَهُ الْوِلَايَةُ عَلَيْهِمْ مِنْ الصِّبْيَانِ وَالْمَجَانِينِ وَمَنْ لَمْ يُؤْنَسْ رُشْدُهُ ، وَالنَّظَرُ لَهُمْ فِي أَمْوَالِهِمْ بِحِفْظِهَا ، وَالتَّصَرُّفِ فِيهَا بِمَا لَهُمْ الْحَظُّ فِيهِ .\rفَأَمَّا مَنْ لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَيْهِمْ ، كَالْعُقَلَاءِ الرَّاشِدِينَ ، وَغَيْرِ أَوْلَادِهِ مِنْ الْإِخْوَةِ وَالْأَعْمَامِ وَسَائِرِ مَنْ عَدَا الْأَوْلَادَ ، فَلَا تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ عَلَيْهِمْ ؛ لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لِلْمُوصِي عَلَيْهِمْ فِي الْحَيَاةِ ، فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ لِنَائِبِهِ بَعْدَ الْمَمَاتِ .\rوَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا كُلِّهِ خِلَافًا .\rوَبِهِ يَقُولُ مَالِكٌ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ ، إلَّا أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيَّ قَالَا : لِلْجَدِّ وِلَايَةٌ عَلَى ابْنِ ابْنِهِ وَإِنْ سَفَلَ ؛ لِأَنَّ لَهُ وِلَادَةً وَتَعْصِيبًا ، فَأَشْبَهَ الْأَبَ .\rوَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ فِي الْأُمِّ عِنْدَ عَدَمِ الْأَبِ وَالْجَدِّ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، أَنَّ لَهَا وِلَايَةً ؛ لِأَنَّهَا أَحَدُ الْأَبَوَيْنِ ، فَأَشْبَهَتْ الْأَبَ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الْجَدَّ يُدْلِي بِوَاسِطَةٍ ، فَأَشْبَهَ الْأَخَ وَالْعَمَّ وَفَارَقَ الْأَبَ ، فَإِنَّهُ يُدْلِي بِنَفْسِهِ ، وَيَحْجُبُ الْجَدَّ ، وَيُخَالِفُهُ فِي مِيرَاثِهِ وَحَجْبِهِ ، فَلَا يَصِحُّ إلْحَاقُهُ بِهِ ، وَلَا قِيَاسُهُ عَلَيْهِ .\rوَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَلَا تَلِي ؛ لِأَنَّهَا قَاصِرَةٌ لَا تَلِي النِّكَاحَ بِحَالٍ ، فَلَا تَلِي مَالَ غَيْرِهَا ، كَالْعَبْدِ ، وَلِأَنَّهَا لَا تَلِي بِوِلَايَةِ الْقَضَاءِ ، فَكَذَلِكَ بِالنَّسَبِ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّهُ إذَا أَوْصَى إلَى رَجُلٍ ، ثُمَّ أَوْصَى إلَى آخَرَ ، فَهُمَا وَصِيَّانِ ، إلَّا أَنْ يَقُولَ : قَدْ","part":13,"page":264},{"id":6264,"text":"أَخْرَجْت الْأَوَّلَ أَوْ قَدْ عَزَلْته ؛ لِمَا ذَكَرْنَا فِيمَا إذَا أَوْصَى بِجَارِيَةٍ لِبِشْرٍ ، ثُمَّ أَوْصَى بِهَا لَبَكْرٍ .\rوَلِأَنَّهُ قَدْ وُجِدَتْ الْوَصِيَّةُ إلَيْهِمَا مِنْ غَيْرِ عَزْلِ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ، فَكَانَا وَصِيَّيْنِ ، كَمَا لَوْ أَوْصَى إلَيْهِمَا دَفْعَةً وَاحِدَةً .\rفَأَمَّا إنْ أَخْرَجَ الْأَوَّلَ انْعَزَلَ ، وَكَانَ الثَّانِي هُوَ الْوَصِيَّ ، كَمَا لَوْ عَزَلَهُ بَعْدَ الْوَصِيَّةِ إلَى الثَّانِي .","part":13,"page":265},{"id":6265,"text":"( 4771 ) فَصْلٌ : وَيَجُوزُ أَنْ يُوصِيَ إلَى رَجُلٍ بِشَيْءٍ دُونَ شَيْءٍ ، مِثْلُ أَنْ يُوصِيَ إلَى إنْسَانٍ بِتَفْرِيقِ وَصِيَّتِهِ دُونَ غَيْرِهَا ، أَوْ بِقَضَاءِ دُيُونِهِ ، أَوْ بِالنَّظَرِ فِي أَمْرِ أَطْفَالِهِ حَسْبُ ، فَلَا يَكُونُ لَهُ غَيْرُ مَا جَعَلَ إلَيْهِ .\rوَيَجُوزُ أَنْ يُوصِيَ إلَى إنْسَانٍ بِتَفْرِيقِ وَصِيَّتِهِ ، وَإِلَى آخَرَ بِقَضَاءِ دُيُونِهِ ، وَإِلَى آخَرَ بِالنَّظَرِ فِي أَمْرِ أَطْفَالِهِ ، فَيَكُونُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَا جَعَلَ إلَيْهِ دُونَ غَيْرِهِ .\rوَمَتَى أَوْصَى إلَيْهِ بِشَيْءٍ ، لَمْ يَصِرْ وَصِيًّا فِي غَيْرِهِ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَصِيرُ وَصِيًّا فِي كُلِّ مَا يَمْلِكُهُ الْوَصِيُّ ؛ لِأَنَّ هَذِهِ وِلَايَةٌ تَنْتَقِلُ مِنْ الْأَبِ بِمَوْتِهِ ، فَلَا تَتَبَعَّضُ ، كَوِلَايَةِ الْجَدِّ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ اسْتَفَادَ التَّصَرُّفَ بِالْإِذْنِ مِنْ جِهَةِ الْآدَمِيِّ ، فَكَانَ مَقْصُورًا عَلَى مَا أُذِنَ فِيهِ ، كَالْوَكِيلِ ، وَوِلَايَةُ الْجَدِّ مَمْنُوعَةٌ .\rثُمَّ تِلْكَ وِلَايَةٌ اسْتَفَادَهَا بِقَرَابَتِهِ ، وَهِيَ لَا تَتَبَعَّضُ ، وَالْإِذْنُ يَتَبَعَّضُ ، فَافْتَرَقَا .","part":13,"page":266},{"id":6266,"text":"( 4772 ) فَصْلٌ : وَيَجُوزُ أَنْ يُوصِيَ إلَى رَجُلَيْنِ مَعًا فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ ، وَيَجْعَلَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا التَّصَرُّفَ مُنْفَرِدًا ، فَيَقُولَ : أَوْصَيْت إلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْكُمَا أَنْ يَنْفَرِدَ بِالتَّصَرُّفِ .\rلِأَنَّهُ جَعَلَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَصِيًّا مُنْفَرِدًا ، وَهَذَا يَقْتَضِي تَصَرُّفَهُ عَلَى الِانْفِرَادِ .\rوَلَهُ أَنْ يُوصِيَ إلَيْهِمَا لِيَتَصَرَّفَا مُجْتَمِعَيْنِ ، وَلَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا الِانْفِرَادُ بِالتَّصَرُّفِ ؛ وَلِأَنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ ذَلِكَ إلَيْهِ ، وَلَمْ يَرْضَ بِنَظَرِهِ وَحْدَهُ .\rوَهَاتَانِ الصُّورَتَانِ لَا أَعْلَمُ فِيهِمَا خِلَافًا .\rوَإِنْ أَطْلَقَ ، فَقَالَ : أَوْصَيْت إلَيْكُمَا فِي كَذَا .\rفَلَيْسَ لَأَحَدِهِمَا الِانْفِرَادُ بِالتَّصَرُّفِ .\rوَبِهِ قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ : أَبُو يُوسُفَ : لَهُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ وَالْوِلَايَةَ لَا تَتَبَعَّضُ ، فَمَلَكَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الِانْفِرَادَ بِهَا كَالْأَخَوَيْنِ فِي تَزْوِيجِ أُخْتِهِمَا .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَمُحَمَّدٌ يُسْتَحْسَنُ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ ، فَيُبِيحُ أَنْ يَنْفَرِدَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِسَبْعَةِ أَشْيَاءَ : كَفَنِ الْمَيِّتِ ، وَقَضَاءِ دَيْنِهِ ، وَإِنْفَاذِ وَصِيَّتِهِ ، وَرَدِّ الْوَدِيعَةِ بِعَيْنِهَا ، وَشِرَاءِ مَا لَا بُدَّ لِلصَّغِيرِ مِنْهُ مِنْ الْكُسْوَةِ وَالطَّعَامِ ، وَقَبُولِ الْهِبَةِ لَهُ ، وَالْخُصُومَةِ عَنْ الْمَيِّتِ فِيمَا يُدَّعَى لَهُ أَوْ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ هَذِهِ يَشُقُّ الِاجْتِمَاعُ عَلَيْهَا وَيَضُرُّ تَأْخِيرُهَا ، فَجَازَ الِانْفِرَادُ بِهَا .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ شَرَكَ بَيْنَهُمَا فِي النَّظَرِ ، فَلَمْ يَكُنْ لَأَحَدِهِمَا الِانْفِرَادُ ، كَالْوَكِيلَيْنِ .\rوَمَا قَالَهُ أَبُو يُوسُفَ نَقُولُ بِهِ ، فَإِنَّهُ جَعَلَ الْوِلَايَةَ إلَيْهِمَا بِاجْتِمَاعِهِمَا ، فَلَيْسَتْ مُتَبَعِّضَةً ، كَمَا لَوْ وَكَّلَ وَكِيلَيْنِ ، أَوْ صَرَّحَ لِلْوَصِيَّيْنِ بِأَنْ لَا يَتَصَرَّفَا إلَّا مُجْتَمِعَيْنِ .\rثُمَّ يَبْطُلُ مَا قَالَهُ بِهَاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ ، وَيَبْطُلُ مَا قَالَهُ أَبُو حَنِيفَة بِهِمَا أَيْضًا ، وَإِذَا تَعَذَّرَ اجْتِمَاعُهُمَا ، أَقَامَ","part":13,"page":267},{"id":6267,"text":"الْحَاكِمُ أَمِينًا مُقَامَ الْغَائِبِ .","part":13,"page":268},{"id":6268,"text":"( 4773 ) فَصْلٌ : فِي مَنْ تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ إلَيْهِ ، وَمَنْ لَا تَصِحُّ ، تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ إلَى الرَّجُلِ الْعَاقِلِ الْمُسْلِمِ الْحُرِّ الْعَدْلِ إجْمَاعًا .\rوَلَا تَصِحُّ إلَى مَجْنُونٍ ، وَلَا طِفْلٍ ، وَلَا وَصِيَّةُ مُسْلِمٍ إلَى كَافِرٍ .\rبِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ ؛ لِأَنَّ الْمَجْنُونَ وَالطِّفْلَ لَيْسَا مِنْ أَهْلِ التَّصَرُّفِ فِي أَمْوَالِهِمَا ، فَلَا يَلِيَانِ عَلَى غَيْرِهِمَا ، وَالْكَافِرَ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْوِلَايَةِ عَلَى مُسْلِمٍ .\rوَتَصِحُّ الْوَصِيَّةُ إلَى الْمَرْأَةِ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ شُرَيْحٍ .\rوَبِهِ قَالَ مَالِكٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ ، وَإِسْحَاقُ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَلَمْ يُجِزْهُ عَطَاءٌ ؛ لِأَنَّهَا لَا تَكُونُ قَاضِيَةً ، فَلَا تَكُونُ وَصِيَّةً ، كَالْمَجْنُونِ .\rوَلَنَا ، مَا رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَوْصَى إلَى حَفْصَةَ .\rوَلِأَنَّهَا مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ ، فَأَشْبَهَتْ الرَّجُلَ ، وَتُخَالِفُ الْقَضَاءَ ، فَإِنَّهُ يُعْتَبَرُ لَهُ الْكَمَالُ فِي الْخِلْقَةِ وَالِاجْتِهَادِ ، بِخِلَافِ الْوَصِيَّةِ .\rوَتَصِحُّ الْوَصِيَّةُ إلَى الْأَعْمَى .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ فِيهِ وَجْهٌ أَنَّهُ لَا تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ إلَيْهِ ، بِنَاءً مِنْهُمْ عَلَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ وَلَا شِرَاؤُهُ ، فَلَا يُوجَدُ فِيهِ مَعْنَى الْوِلَايَةِ .\rوَهَذَا لَا يُسَلَّمُ لَهُمْ ، مَعَ أَنَّهُ يُمْكِنُهُ التَّوْكِيلُ فِي ذَلِكَ ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ وَالْوِلَايَةِ فِي النِّكَاحِ ، وَالْوِلَايَةِ عَلَى أَوْلَادِهِ الصِّغَارِ ، فَصَحَّتْ الْوَصِيَّةُ إلَيْهِ كَالْبَصِيرِ .\rوَأَمَّا الصَّبِيُّ الْعَاقِلُ ، فَلَا أَعْلَمُ فِيهِ نَصًّا عَنْ أَحْمَدَ ، فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ لَا تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ إلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ وَالْإِقْرَارِ ، وَلَا يَصِحُّ تَصَرُّفُهُ إلَّا بِإِذْنٍ ، فَلَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الْوِلَايَةِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى .\rوَلِأَنَّهُ مَوْلًى عَلَيْهِ ، فَلَا يَكُونُ وَالِيًا ، كَالطِّفْلِ وَالْمَجْنُونِ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ","part":13,"page":269},{"id":6269,"text":"الشَّافِعِيِّ .\rوَهُوَ الصَّحِيحُ إنْ شَاءَ اللَّهُ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : قِيَاسُ الْمَذْهَبِ صِحَّةُ الْوَصِيَّةِ إلَيْهِ ؛ لِأَنَّ أَحْمَدَ قَدْ نَصَّ عَلَى صِحَّةِ وَكَالَتِهِ .\rوَعَلَى هَذَا يُعْتَبَرُ أَنْ يَكُونَ قَدْ جَاوَزَ الْعَشْرَ .\rوَأَمَّا الْكَافِرُ ، فَلَا تَصِحُّ وَصِيَّةُ مُسْلِمٍ إلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلِي عَلَى مُسْلِمٍ ، وَلِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ وَلَا الْعَدَالَةِ ، فَلَمْ تَصِحَّ الْوَصِيَّةُ إلَيْهِ ، كَالْمَجْنُونِ وَالْفَاسِقِ .\rوَأَمَّا وَصِيَّةُ الْكَافِرِ إلَيْهِ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَدْلًا فِي دِينِهِ ، لَمْ تَصِحَّ الْوَصِيَّةُ إلَيْهِ ؛ لِأَنَّ عَدَمَ الْعَدَالَةِ فِي الْمُسْلِمِ يَمْنَعُ صِحَّةَ الْوَصِيَّةِ إلَيْهِ .\rفَمَعَ الْكُفْرِ أَوْلَى .\rوَإِنْ كَانَ عَدْلًا فِي دِينِهِ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ إلَيْهِ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ ؛ لِأَنَّهُ يَلِي بِالنَّسَبِ ، فَيَلِي الْوَصِيَّةَ ، كَالْمُسْلِمِ .\rوَالثَّانِي ، لَا تَصِحُّ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ ؛ لِأَنَّهُ فَاسِقٌ ، فَلَمْ تَصِحَّ الْوَصِيَّةُ إلَيْهِ ، كَفَاسِقِ الْمُسْلِمِينَ .\rوَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَجْهَانِ كَهَذَيْنِ .\rوَأَمَّا وَصِيَّةُ الْكَافِرِ إلَى الْمُسْلِمِ ، فَتَصِحُّ إلَّا أَنْ تَكُونَ تَرِكَتُهُ خَمْرًا أَوْ خِنْزِيرًا .\rوَأَمَّا الْعَبْدُ ، فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ حَامِدٍ : تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ إلَيْهِ ، سَوَاءٌ كَانَ عَبْدَ نَفْسِهِ أَوْ عَبْدَ غَيْرِهِ .\rوَبِهِ قَالَ مَالِكٌ .\rوَقَالَ النَّخَعِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَابْنُ شُبْرُمَةَ : تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ إلَى عَبْدِ نَفْسِهِ ، وَلَا تَصِحُّ إلَى عَبْدِ غَيْرِهِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : تَصِحُّ إلَى عَبْدِ نَفْسِهِ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي وَرَثَتِهِ رَشِيدٌ .\rوَقَالَ أَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ ، وَالشَّافِعِيُّ : لَا تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ إلَى عَبْدٍ بِحَالٍ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ وَلِيًّا عَلَى ابْنِهِ بِالنَّسَبِ ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَلِيَ الْوَصِيَّةَ ، كَالْمَجْنُونِ .\rوَلَنَا أَنَّهُ يَصِحُّ اسْتِنَابَتُهُ فِي الْحَيَاةِ ، فَصَحَّ أَنْ يُوصَى إلَيْهِ كَالْحُرِّ .\rوَقِيَاسُهُمْ يَبْطُلُ بِالْمَرْأَةِ .","part":13,"page":270},{"id":6270,"text":"وَالْخِلَافُ فِي الْمَكَاتِبِ وَالْمُدَبَّرِ وَالْمُعْتَقِ بَعْضُهُ كَالْخِلَافِ فِي الْعَبْدِ الْقِنِّ .\rوَقَدْ نَصَّ الْخِرَقِيِّ عَلَى أَنَّ الْوَصِيَّةَ إلَى أُمِّ وَلَدِهِ جَائِزَةٌ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ أَيْضًا ؛ لِأَنَّهَا تَكُونُ حُرَّةً عِنْدَ نُفُوذِ الْوَصِيَّةِ مِنْ أَصْلِ الْمَالِ .\rوَأَمَّا الْفَاسِقُ ، فَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْوَصِيَّةَ إلَيْهِ لَا تَصِحُّ .\rوَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ الْوَصِيَّةِ إلَيْهِ ، فَإِنَّهُ قَالَ ، فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ : إذَا كَانَ مُتَّهَمًا ، لَمْ تَخْرُجْ مِنْ يَدِهِ .\rوَقَالَ الْخِرَقِيِّ : إذَا كَانَ الْوَصِيُّ خَائِنًا ضُمَّ إلَيْهِ أَمِينٌ .\rوَهَذَا يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ الْوَصِيَّةِ إلَيْهِ ، وَيَضُمُّ الْحَاكِمُ إلَيْهِ أَمِينًا .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ إلَيْهِ ، وَيَنْفُذُ تَصَرُّفُهُ ، وَعَلَى الْحَاكِمِ عَزْلُهُ ؛ لِأَنَّهُ بَالِغٌ عَاقِلٌ ، فَصَحَّتْ الْوَصِيَّةُ إلَيْهِ ، كَالْعَدْلِ ، وَوَجْهُ الْأُولَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إفْرَادُهُ بِالْوَصِيَّةِ ، فَلَمْ تَجُزْ الْوَصِيَّةُ إلَيْهِ ، كَالْمَجْنُونِ .\rوَعَلَى أَبِي حَنِيفَةَ ، لَا يَجُوزُ إقْرَارُهُ عَلَى الْوَصِيَّةِ ، فَأَشْبَهَ مَا ذَكَرْنَا .\r( 4774 ) فَصْلٌ : وَيُعْتَبَرُ وُجُودُ هَذِهِ الشُّرُوطِ فِي الْوَصِيِّ حَالَ الْعَقْدِ وَالْمَوْتِ ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ ، وَفِي الْآخَرِ يُعْتَبَرُ حَالَ الْمَوْتِ حَسْبُ ، كَالْوَصِيَّةِ لَهُ .\rوَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ .\rوَلَنَا ، أَنَّهَا شُرُوطٌ لِعَقْدٍ ، فَتُعْتَبَرُ حَالَ وُجُودِهِ ، كَسَائِرِ الْعُقُودِ .\rفَأَمَّا الْوَصِيَّةُ لَهُ ، فَهِيَ صَحِيحَةٌ وَإِنْ كَانَ وَارِثًا ، وَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ عَدَمُ الْإِرْثِ ، وَخُرُوجُهَا مِنْ الثُّلُثِ لِلنُّفُوذِ وَاللُّزُومِ ، فَاعْتُبِرَتْ حَالَةَ اللُّزُومِ ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا ، فَإِنَّهَا شُرُوطٌ لِصِحَّةِ الْعَقْدِ ، فَاعْتُبِرَتْ حَالَةَ الْعَقْدِ ، وَلَا يَنْفَعُ وُجُودُهَا بَعْدَهُ .\rوَعَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي ، لَوْ كَانَتْ الشُّرُوطُ كُلُّهَا مُنْتَفِيَةً ، أَوْ بَعْضُهَا حَالَ الْعَقْدِ ، ثُمَّ","part":13,"page":271},{"id":6271,"text":"وُجِدَتْ حَالَةَ الْمَوْتِ لَصَحَّتْ الْوَصِيَّةُ إلَيْهِ .","part":13,"page":272},{"id":6272,"text":"( 4775 ) فَصْلٌ : وَإِذَا قَالَ : أَوْصَيْت إلَى زَيْدٍ ، فَإِنْ مَاتَ فَقَدْ أَوْصَيْت إلَى عَمْرٍو صَحَّ ذَلِكَ ، رِوَايَةً وَاحِدَةً ، وَيَكُونُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَصِيًّا ، إلَّا أَنَّ عَمْرًا وَصِيٌّ بَعْدَ زَيْدٍ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي جَيْشِ مُؤْتَةَ : { أَمِيرُكُمْ زَيْدٌ ، فَإِنْ قُتِلَ فَأَمِيرُكُمْ جَعْفَرٌ فَإِنْ قُتِلَ فَأَمِيرُكُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ } .\rوَالْوَصِيَّةُ فِي مَعْنَى التَّأْمِيرِ .\rوَإِنْ قَالَ : أَوْصَيْت إلَيْك ، فَإِذَا كَبِرَ ابْنِي كَانَ وَصِيِّي .\rصَحَّ ؛ لِذَلِكَ ، فَإِذَا كَبِرَ ابْنُهُ صَارَ وَصِيَّهُ .\rوَعَلَى هَذَا لَوْ قَالَ : وَصَّيْت لَك فَانٍ تَابَ ابْنِي عَنْ فِسْقِهِ ، أَوْ قَدِمَ مِنْ غَيْبَتِهِ ، أَوْ صَحَّ مِنْ مَرَضِهِ ، أَوْ اشْتَغَلَ بِالْعِلْمِ ، أَوْ صَالَحَ أُمَّهُ ، أَوْ رَشَدَ ، فَهُوَ وَصِيِّي .\rصَحَّتْ الْوَصِيَّةُ إلَيْهِ ، وَيَصِيرُ وَصِيًّا عِنْدَ وُجُودِ هَذِهِ الشُّرُوطِ .","part":13,"page":273},{"id":6273,"text":"( 4776 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِذَا كَانَ الْوَصِيُّ خَائِنًا ، جُعِلَ مَعَهُ أَمِينٌ ) ظَاهِرُ هَذَا صِحَّةُ الْوَصِيَّةِ إلَى الْفَاسِقِ ، وَيُضَمُّ إلَيْهِ أَمِينٌ .\rوَكَذَلِكَ إنْ كَانَ عَدْلًا فَتَغَيَّرَتْ حَالُهُ إلَى الْخِيَانَةِ لَمْ يَخْرُجْ مِنْهَا ، وَيُضَمُّ إلَيْهِ أَمِينٌ .\rوَنَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ عَنْ أَحْمَدَ نَحْوَ ذَلِكَ .\rقَالَ : إذَا كَانَ الْوَصِيُّ مُتَّهَمًا ، لَمْ يَخْرُجْ مِنْ يَدِهِ .\rوَنَقَلَ الْمَرُّوذِيُّ ، عَنْ أَحْمَدَ ، فِي مَنْ أَوْصَى لِرَجُلَيْنِ لَيْسَ أَحَدُهُمَا بِمَوْضِعٍ لِلْوَصِيَّةِ ، فَقَالَ لِلْآخَرِ : أَعْطِنِي .\rلَا يُعْطِيهِ شَيْئًا ، لَيْسَ هَذَا بِمَوْضِعٍ لِلْوَصِيَّةِ .\rفَقِيلَ لَهُ : أَلَيْسَ الْمَرِيضُ قَدْ رَضِيَ بِهِ ؟ فَقَالَ : وَإِنْ رَضِيَ بِهِ .\rفَظَاهِرُ هَذَا إبْطَالُ الْوَصِيَّةِ إلَيْهِ .\rوَحَمَلَ الْقَاضِي كَلَامَ الْخِرَقِيِّ وَكَلَامَ أَحْمَدَ فِي إبْقَائِهِ فِي الْوَصِيَّةِ ، عَلَى أَنَّ خِيَانَتَهُ طَرَأَتْ بَعْدَ الْمَوْتِ ، فَأَمَّا إنْ كَانَتْ خِيَانَتُهُ مَوْجُودَةً حَالَ الْوَصِيَّةِ إلَيْهِ ، لَمْ تَصِحَّ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَوْلِيَةُ الْخَائِنِ عَلَى يَتِيمٍ فِي حَيَاتِهِ ، فَكَذَلِكَ بَعْدَ مَوْتِهِ ، وَلِأَنَّ الْوَصِيَّةَ وِلَايَةٌ وَأَمَانَةٌ ، وَالْفَاسِقُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهِمَا .\rفَعَلَى هَذَا إذَا كَانَ الْوَصِيُّ فَاسِقًا ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ مَنْ لَا وَصِيَّ لَهُ ، وَيَنْظُرُ فِي مَالِهِ الْحَاكِمُ .\rوَإِنْ طَرَأَ فِسْقُهُ بَعْدَ الْوَصِيَّةِ ، زَالَتْ وِلَايَتُهُ وَأَقَامَ الْحَاكِمُ مُقَامَهُ أَمِينًا .\rهَذَا اخْتِيَارُ الْقَاضِي .\rوَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَإِسْحَاقَ .\rوَعَلَى قَوْلِ الْخِرَقِيِّ : لَا تَزُولُ وِلَايَتُهُ وَيُضَمُّ إلَيْهِ أَمِينٌ يَنْظُرُ مَعَهُ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ الْحَسَنِ ، وَابْنِ سِيرِينَ ؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنَ حِفْظُ الْمَالِ بِالْأَمِينِ ، وَتَحْصِيلُ نَظَرِ الْوَصِيِّ بِإِبْقَائِهِ فِي الْوَصِيَّةِ ، فَيَكُونُ جَمْعًا بَيْنَ الْحَقَّيْنِ .\rوَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ حِفْظُ الْمَالِ بِالْأَمِينِ ، تَعَيَّنَ إزَالَةُ يَدِ الْفَاسِقِ الْخَائِنِ وَقَطْعُ تَصَرُّفِهِ ؛ لِأَنَّ حِفْظَ الْمَالِ عَلَى الْيَتِيمِ أَوْلَى مِنْ رِعَايَةِ","part":13,"page":274},{"id":6274,"text":"قَوْلِ الْمُوصِي الْفَاسِدِ .\rوَأَمَّا التَّفْرِيقُ بَيْنَ الْفِسْقِ الطَّارِئِ وَبَيْنَ الْمُقَارِنِ ، فَبَعِيدٌ ؛ فَإِنَّ الشُّرُوطَ تُعْتَبَرُ فِي الدَّوَامِ ، كَاعْتِبَارِهَا فِي الِابْتِدَاءِ ، سِيَّمَا إذَا كَانَتْ لِمَعْنًى يَحْتَاجُ إلَيْهِ فِي الدَّوَامِ ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ التَّفْرِيقِ ، لَكَانَ اعْتِبَارُ الْعَدَالَةِ فِي الدَّوَامِ أَوْلَى ، مِنْ قِبَلِ أَنَّ الْفِسْقَ إذَا كَانَ مَوْجُودًا حَالَ الْوَصِيَّةِ ، فَقَدْ رَضِيَ بِهِ الْمُوصِي ، مَعَ عِلْمِهِ بِحَالِهِ ، وَأَوْصَى إلَيْهِ رَاضِيًا بِتَصَرُّفِهِ مَعَ فِسْقِهِ ، فَيُشْعِرُ ذَلِكَ بِأَنَّهُ عَلِمَ أَنَّ عِنْدَهُ مِنْ الشَّفَقَةِ عَلَى الْيَتِيمِ مَا يَمْنَعُهُ مِنْ التَّفْرِيطِ فِيهِ وَخِيَانَتِهِ فِي مَالِهِ ، بِخِلَافِ مَا إذَا طَرَأَ الْفِسْقُ ، فَإِنَّهُ لَمْ يَرْضَ بِهِ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ ، وَالِاعْتِبَارُ بِرِضَاهُ ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ أَوْصَى إلَى وَاحِدٍ ، جَازَ لَهُ التَّصَرُّفُ وَحْدَهُ ، وَلَوْ وَصَّى إلَى اثْنَيْنِ ، لَمْ يَجُزْ لِلْوَاحِدِ التَّصَرُّفُ .","part":13,"page":275},{"id":6275,"text":"( 4777 ) فَصْلٌ : وَأَمَّا الْعَدْلُ الَّذِي يَعْجِزُ عَنْ النَّظَرِ ، لِعِلَّةٍ أَوْ ضَعْفٍ ، فَإِنْ الْوَصِيَّةَ تَصِحُّ إلَيْهِ ، وَيَضُمُّ إلَيْهِ الْحَاكِمُ أَمِينًا ، وَلَا يُزِيلُ يَدَهُ عَنْ الْمَالِ ، وَلَا نَظَرَهُ ؛ لِأَنَّ الضَّعِيفَ أَهْلٌ لِلْوِلَايَةِ وَالْأَمَانَةِ ، فَصَحَّتْ الْوَصِيَّةُ إلَيْهِ .\rوَهَكَذَا إنْ كَانَ قَوِيًّا ، فَحَدَثَ فِيهِ ضَعْفٌ أَوْ عِلَّةٌ ، ضَمَّ الْحَاكِمُ إلَيْهِ يَدًا أُخْرَى ، وَيَكُون الْأَوَّلُ هُوَ الْوَصِيُّ دُونَ الثَّانِي ، وَهَذَا مُعَاوِنٌ ؛ لِأَنَّ وِلَايَةَ الْحَاكِمِ إنَّمَا تَكُونُ عِنْدَ عَدَمِ الْوَصِيِّ .\rوَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي يُوسُفَ .\rوَلَا أَعْلَمُ لَهُمَا مُخَالِفًا .","part":13,"page":276},{"id":6276,"text":"( 4778 ) فَصْلٌ : وَإِذَا تَغَيَّرَتْ حَالُ الْوَصِيِّ بِجُنُونٍ ، أَوْ كُفْرٍ ، أَوْ سَفَهٍ ، زَالَتْ وِلَايَتُهُ وَصَارَ كَأَنَّهُ لَمْ يُوصَ إلَيْهِ ، وَيَرْجِعُ الْأَمْرُ إلَى الْحَاكِمِ ، فَيُقِيمُ أَمِينًا نَاظِرًا لِلْمَيِّتِ فِي أَمْرِهِ وَأَمَرَ أَوْلَادَهُ مِنْ بَعْدِهِ ، كَمَا لَوْ لَمْ يُخْلِفْ وَصِيًّا .\rوَإِنْ تَغَيَّرَتْ حَالُهُ بَعْدَ الْوَصِيَّةِ وَقَبْلَ الْمَوْتِ ، ثُمَّ عَادَ فَكَانَ عِنْدَ الْمَوْتِ جَامِعًا لِشُرُوطِ الْوَصِيَّةِ ، صَحَّتْ الْوَصِيَّةُ إلَيْهِ ؛ لِأَنَّ الشُّرُوطَ مَوْجُودَةٌ حَالَ الْعَقْدِ وَالْمَوْتِ ، فَصَحَّتْ الْوَصِيَّةُ ، كَمَا لَوْ لَمْ تَتَغَيَّرْ حَالُهُ .\rوَيُحْتَمَلُ أَنْ تَبْطُلَ ؛ لِأَنَّ كُلَّ حَالَةٍ مِنْهَا حَالَةٌ لِلْقَبُولِ وَالرَّدِّ ، فَاعْتُبِرَتْ الشُّرُوطُ فِيهَا .\rفَأَمَّا إنْ زَالَتْ بَعْدَ الْمَوْتِ ، فَانْعَزَلَ ، ثُمَّ عَادَ ، فَكَمَّلَ الشُّرُوطَ ، لَمْ تَعُدْ وَصِيَّتُهُ ؛ لِأَنَّهَا زَالَتْ ، فَلَا تَعُودُ إلَّا بِعَقْدٍ جَدِيدٍ .","part":13,"page":277},{"id":6277,"text":"( 4779 ) فَصْلٌ : وَيَصِحُّ قَبُولُ الْوَصِيَّةِ وَرَدُّهَا فِي حَيَاةِ الْمُوصِي ؛ لِأَنَّهَا إذْنٌ فِي التَّصَرُّفِ ، فَصَحَّ قَبُولُهُ بَعْدَ الْعَقْدِ ، كَالتَّوْكِيلِ ، بِخِلَافِ الْوَصِيَّةِ لَهُ ، فَإِنَّهَا تَمْلِيكٌ فِي وَقْتٍ ، فَلَمْ يَصِحَّ الْقَبُولُ قَبْلَ الْوَقْتِ .\rوَيَجُوزُ تَأْخِيرُ الْقَبُولِ إلَى مَا بَعْدَ الْمَوْتِ ؛ لِأَنَّهَا نَوْعُ وَصِيَّةٍ ، فَصَحَّ قَبُولُهَا بَعْدَ الْمَوْتِ ، كَالْوَصِيَّةِ لَهُ ، وَمَتَى قَبِلَ صَارَ وَصِيًّا ، وَلَهُ عَزْلُ نَفْسِهِ مَتَى شَاءَ ، مَعَ الْقُدْرَة وَالْعَجْزِ ، فِي حَيَاةِ الْمُوصِي وَبَعْدَ مَوْتِهِ ، بِمَشْهَدٍ مِنْهُ وَفِي غَيْبَتِهِ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ بَعْدَ الْمَوْتِ بِحَالٍ ، وَلَا يَجُوزُ فِي حَيَاتِهِ إلَّا بِحَضْرَتِهِ ؛ لِأَنَّهُ غَرَّهُ بِالْتِزَامِ وَصِيَّتِهِ ، وَمَنَعَهُ بِذَلِكَ الْإِيصَاءَ إلَى غَيْرِهِ .\rوَذَكَرَ ابْنُ أَبِي مُوسَى ، فِي \" الْإِرْشَادِ \" رِوَايَةً عَنْ أَحْمَدَ ، لَيْسَ لَهُ عَزْلُ نَفْسِهِ بَعْدَ الْمَوْتِ لِذَلِكَ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ مُتَصَرِّفٌ بِالْإِذْنِ ، فَكَانَ لَهُ عَزْلُ نَفْسِهِ ، كَالْوَكِيلِ .","part":13,"page":278},{"id":6278,"text":"( 4780 ) فَصْلٌ : وَيَجُوزُ أَنْ يَجْعَلَ لِلْوَصِيِّ جُعْلًا ؛ لِأَنَّهَا بِمَنْزِلَةِ الْوَكَالَةِ ، وَالْوَكَالَةُ تَجُوزُ بِجُعْلٍ ، فَكَذَلِكَ الْوَصِيَّةُ .\rوَقَدْ نَقَلَ إِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ ، فِي الرَّجُلِ يُوصِي إلَى الرَّجُلِ ، وَيَجْعَلُ لَهُ دَرَاهِمَ مُسَمَّاةً ، فَلَا بَأْسَ .\rوَمُقَاسَمَةُ الْوَصِيِّ الْمُوصَى لَهُ جَائِزَةٌ عَلَى الْوَرَثَةِ ؛ لِأَنَّهُ نَائِبٌ عَنْهُمْ ، وَمُقَاسَمَتُهُ لِلْوَرَثَةِ عَلَى الْمُوصَى لَهُ لَا تَجُوزُ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِنَائِبٍ عَنْهُ .","part":13,"page":279},{"id":6279,"text":"( 4781 ) فَصْلٌ : وَإِذَا أَوْصَى إلَى رَجُلٍ ، وَأَذِنَ لَهُ أَنْ يُوصِيَ إلَى مَنْ يَشَاءُ ، نَحْوُ أَنْ يَقُولَ : أَذِنْت لَك أَنْ تُوصِيَ إلَى مَنْ شِئْت ، أَوْ كُلُّ مَنْ أَوْصَيْت إلَيْهِ فَقَدْ أَوْصَيْت إلَيْهِ ، أَوْ فَهُوَ وَصِيٌّ صَحَّ ، وَلَهُ أَنْ يُوصِيَ إلَى مَنْ شَاءَ ؛ لِأَنَّهُ رَضِيَ بِاجْتِهَادِهِ وَاجْتِهَادِ مَنْ يَرَاهُ ، فَصَحَّ ، كَمَا لَوْ وَصَّى إلَيْهِمَا مَعًا .\rوَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rوَحُكِيَ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَالَ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ : لَيْسَ لَهُ أَنْ يُوصِيَ ؛ لِأَنَّهُ يَلِي بِتَوْلِيَةٍ ، فَلَا يَصِحُّ أَنْ يُوصِيَ ، كَالْوَكِيلِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ مَأْذُونٌ لَهُ فِي الْإِذْنِ فِي التَّصَرُّفِ ، فَجَازَ لَهُ أَنْ يَأْذَنَ لِغَيْرِهِ ، كَالْوَكِيلِ إذَا أُمِرَ بِالتَّوْكِيلِ ، وَالْوَكِيلُ حُجَّةٌ عَلَيْهِ مِنْ الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ .\rفَأَمَّا إنْ أَوْصَى إلَيْهِ ، وَأَطْلَقَ ، وَلَمْ يَأْذَنْ لَهُ فِي الْإِيصَاءِ وَلَا نَهَاهُ عَنْهُ ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، لَهُ أَنْ يُوصِيَ إلَى غَيْرِهِ .\rوَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَأَبِي يُوسُفَ ؛ لِأَنَّ الْأَبَ أَقَامَهُ مَقَامَ نَفْسِهِ فَكَانَ لَهُ الْوَصِيَّةُ ، كَالْأَبِ .\rوَالثَّانِيَةُ ، لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ .\rوَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ .\rوَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ، وَإِسْحَاقَ .\rوَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِ الْخِرَقِيِّ ؛ لِقَوْلِهِ ذَلِكَ فِي الْوَكِيلِ ؛ لِأَنَّهُ يَتَصَرَّفُ بِتَوْلِيَةٍ ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ التَّفْوِيضُ ، كَالْوَكِيلِ ، وَيُخَالِفُ الْأَبَ ؛ لِأَنَّهُ يَلِي بِغَيْرِ تَوْلِيَةٍ .","part":13,"page":280},{"id":6280,"text":"( 4782 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِنْ كَانَا وَصِيَّيْنِ ، فَمَاتَ أَحَدُهُمَا ، أُقِيمَ مُقَامَ الْمَيِّتِ أَمِينٌ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ ، أَنَّهُ يَجُوزُ لِلرَّجُلِ الْوَصِيَّةُ إلَى اثْنَيْنِ ، فَمَتَى أَوْصَى إلَيْهِمَا مُطْلَقًا ، لَمْ يَجُزْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا الِانْفِرَادُ بِالتَّصَرُّفِ ، فَإِنْ مَاتَ أَحَدُهُمَا ، أَوْ جُنَّ ، أَوْ وُجِدَ مِنْهُ مَا يُوجِبُ عَزْلَهُ ، أَقَامَ الْحَاكِمُ مُقَامَهُ أَمِينًا ؛ لِأَنَّ الْمُوصِيَ لَمْ يَرْضَ بِنَظَرِ هَذَا الْبَاقِي مِنْهُمَا وَحْدَهُ .\rفَإِنْ أَرَادَ الْحَاكِمُ رَدَّ النَّظَرِ إلَى الْبَاقِي مِنْهُمَا ، لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ .\rوَذَكَرَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ وَجْهًا فِي جَوَازِهِ ؛ لِأَنَّ النَّظَرَ لَوْ كَانَ لَهُ لِمَوْتِ الْمُوصِي عَنْ غَيْرِ وَصِيَّةٍ ، كَانَ لَهُ رَدُّهُ إلَى وَاحِدٍ ، كَذَلِكَ هَاهُنَا ، فَيَكُونُ نَاظِرًا بِالْوَصِيَّةِ مِنْ الْمُوصِي ، وَالْأَمَانَةِ مِنْ جِهَةِ الْحَاكِم .\rوَلَنَا ، أَنَّ الْمُوصِيَ لَمْ يَرْضَ بِتَصَرُّفِ هَذَا وَحْدَهُ ، فَوَجَبَ ضَمُّ غَيْرِهِ إلَيْهِ ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ مُقَدَّمَةٌ عَلَى نَظَرِ الْحَاكِمِ وَاجْتِهَادِهِ .\rوَإِنْ تَغَيَّرَتْ حَالُهُمَا جَمِيعًا بِمَوْتٍ أَوْ غَيْرِهِ ، فَلِلْحَاكِمِ أَنْ يَنْصِبَ مَكَانَهُمَا .\rوَهَلْ لَهُ نَصْبُ وَاحِدٍ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، لَهُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمَّا عُدِمَ الْوَصِيَّانِ ، صَارَ الْأَمْرُ إلَى الْحَاكِمِ بِمَنْزِلَةِ مَا لَمْ يُوصِ ، وَلَوْ لَمْ يُوصِ لَاكْتُفِيَ بِوَاحِدٍ ، كَذَا هَاهُنَا .\rوَيُفَارِقُ مَا إذَا كَانَ أَحَدُهُمَا حَيًّا ؛ لِأَنَّ الْمُوصِيَ بَيَّنَ أَنَّهُ لَا يَرْضَى بِهَا وَحْدَهُ ، بِخِلَافِ مَا إذَا مَاتَا مَعًا .\rوَالثَّانِي ، لَا يَجُوزُ أَنْ يَنْصِبَ إلَّا اثْنَيْنِ ؛ لِأَنَّ الْمُوصِيَ لَمْ يَرْضَ بِوَاحِدٍ ، فَلَمْ يَقْتَنِعْ بِهِ ، كَمَا لَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا حَيًّا .\rفَأَمَّا إنْ جَعَلَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا التَّصَرُّفَ مُنْفَرِدًا ، فَمَاتَ أَحَدُهُمَا أَوْ خَرَجَ مِنْ الْوَصِيَّةِ ، لَمْ يَكُنْ لِلْحَاكِمِ أَنْ يُقِيمَ مُقَامَهُ أَمِينًا ؛ لِأَنَّ الْبَاقِيَ مِنْهُمَا لَهُ النَّظَرُ بِالْوَصِيَّةِ ، فَلَا حَاجَةَ إلَى غَيْرِهِ .\rوَإِنْ مَاتَا مَعًا ، أَوْ","part":13,"page":281},{"id":6281,"text":"خَرَجَا عَنْ الْوَصِيَّةِ ، فَلِلْحَاكِمِ أَنْ يُقِيمَ وَاحِدًا يَتَصَرَّفُ .\rوَإِنْ تَغَيَّرَتْ حَالُ أَحَدِ الْوَصِيَّيْنِ تَغْيِيرًا لَا يُزِيلُهُ عَنْ الْوَصِيَّةِ ، كَالْعَجْزِ عَنْهَا لِضَعْفٍ أَوْ عِلَّةٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ ، وَكَانَا مِمَّنْ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا التَّصَرُّفُ مُنْفَرِدًا ، فَلَيْسَ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَضُمَّ إلَيْهِمَا أَمِينًا ؛ لِأَنَّ الْبَاقِيَ مِنْهُمَا يَكْفِي ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْبَاقِي مِنْهُمَا يَعْجِزُ عَنْ التَّصَرُّفِ وَحْدَهُ ؛ لِكَثْرَةِ الْعَمَلِ وَنَحْوِهِ ، فَلَهُ أَنْ يُقِيمَ أَمِينًا .\rوَإِنْ كَانَا مِمَّنْ لَيْسَ لَأَحَدِهِمَا التَّصَرُّفُ عَلَى الِانْفِرَادِ ، فَعَلَى الْحَاكِمِ أَنْ يُقِيمَ مُقَامَ مَنْ ضَعُفَ عَنْهَا أَمِينًا ، يَتَصَرَّفُ مَعَهُ عَلَى كُلِّ حَالٍ ، فَيَصِيرُونَ ثَلَاثَةً ؛ الْوَصِيَّانِ وَالْأَمِينُ مَعَهُمَا ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ التَّصَرُّفُ وَحْدَهُ .","part":13,"page":282},{"id":6282,"text":"( 4783 ) فَصْلٌ : وَإِذَا اخْتَلَفَ الْوَصِيَّانِ عِنْدَ مَنْ يُجْعَلُ الْمَالُ مِنْهُمَا ، لَمْ يُجْعَلْ عِنْدَ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ، وَلَمْ يُقْسَمْ بَيْنَهُمَا ، وَجُعِلَ فِي مَكَان تَحْتَ أَيْدِيهِمَا جَمِيعًا ؛ لِأَنَّ الْمُوصِيَ لَمْ يَأْمَنْ أَحَدَهُمَا عَلَى حِفْظِهِ ، وَلَا التَّصَرُّفِ فِيهِ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : يُجْعَلُ عِنْدَ أَعْدَلِهِمَا .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ : يُقْسَمُ بَيْنَهُمَا .\rوَهُوَ الْمَنْصُوصُ عَنْ الشَّافِعِيِّ ، إلَّا أَنَّ أَصْحَابَهُ اخْتَلَفُوا فِي مُرَادِهِ بِكَلَامِهِ ؛ فَقَالَ بَعْضُهُمْ : إنَّمَا أَرَادَ إذَا كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُوصًى إلَيْهِ عَلَى الِانْفِرَادِ .\rوَقَالَ بَعْضُهُمْ : بَلْ هُوَ عَامٌّ فِيهِمَا .\rوَلَنَا ، أَنَّ حِفْظَ الْمَالِ مِنْ جُمْلَةِ الْمُوصَى بِهِ ، فَلَمْ يَجُزْ لَأَحَدِهِمَا الِانْفِرَادُ بِهِ ، كَالتَّصَرُّفِ .\rوَلِأَنَّهُ لَوْ جَازَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَنْفَرِدَ بِحِفْظِ بَعْضِهِ ، لَجَازَ لَهُ أَنْ يَنْفَرِدَ بِالتَّصَرُّفِ فِي بَعْضِهِ .","part":13,"page":283},{"id":6283,"text":"( 4784 ) فَصْلٌ : لَا بَأْسَ بِالدُّخُولِ فِي الْوَصِيَّةِ ، فَإِنَّ الصَّحَابَةَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، كَانَ بَعْضُهُمْ يُوصِي إلَى بَعْضٍ ، فَيَقْبَلُونَ الْوَصِيَّةَ ، فَرُوِيَ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ ، أَنَّهُ لَمَّا عَبَرَ الْفُرَاتَ أَوْصَى إلَى عُمَرَ .\rوَأَوْصَى إلَى الزُّبَيْرِ سِتَّةٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ عُثْمَانُ ، وَابْنُ مَسْعُودٍ ، وَالْمِقْدَادُ ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ ، وَمُطِيعُ بْنُ الْأَسْوَدِ ، وَآخَرُ .\rوَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ وَصِيًّا لَرَجُلٍ .\rوَفِي وَصِيَّةِ ابْنِ مَسْعُودٍ : إنْ حَدَثَ بِي حَادِثُ الْمَوْتِ مِنْ مَرَضِي هَذَا ، أَنَّ مَرْجِعَ وَصِيَّتِي إلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ ثُمَّ إلَى الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ ، وَابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ .\rوَلِأَنَّهَا وَكَالَةٌ وَأَمَانَةٌ ، فَأَشْبَهَتْ الْوَدِيعَةَ وَالْوَكَالَةَ فِي الْحَيَاةِ .\rوَقِيَاسُ مَذْهَبِ أَحْمَدَ أَنَّ تَرْكَ الدُّخُولِ فِيهَا أَوْلَى ؛ لِمَا فِيهَا مِنْ الْخَطَرِ ، وَهُوَ لَا يَعْدِلُ بِالسَّلَامَةِ شَيْئًا ، وَلِذَلِكَ كَانَ يَرَى تَرْكَ الِالْتِقَاطِ ، وَتَرْكُ الْإِحْرَامِ قَبْلَ الْمِيقَاتِ أَفْضَلُ ، تَحَرِّيًا لِلسَّلَامَةِ ، وَاجْتِنَابًا لِلْخَطَرِ .\rوَقَدْ رُوِيَ حَدِيثٌ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ ، وَهُوَ مَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِأَبِي ذَرٍّ : { إنِّي أَرَاك ضَعِيفًا ، وَإِنِّي أُحِبُّ لَكَ مَا أُحِبُّ لِنَفْسِي ، فَلَا تَأَمَّرَنَّ عَلَى اثْنَيْنِ ، وَلَا تَوَلَّيَنَّ مَالَ يَتِيمٍ .\r} أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ .","part":13,"page":284},{"id":6284,"text":"( 4785 ) فَصْلٌ : فَإِنْ مَاتَ رَجُلٌ لَا وَصِيَّ لَهُ ، وَلَا حَاكِمَ فِي بَلَدِهِ ، فَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ ، رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّهُ يَجُوزُ لَرَجُلٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَتَوَلَّى أَمْرَهُ ، وَيَبِيعَ مَا دَعَتْ الْحَاجَةُ إلَى بَيْعِهِ ، فَإِنَّ صَالِحًا نَقَلَ عَنْهُ ، فِي رَجُلٍ بِأَرْضِ غُرْبَةٍ ، لَا قَاضِيَ بِهَا ، مَاتَ وَخَلَّفَ جَوَارِيَ وَمَالًا أَتَرَى لَرَجُلٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ بَيْعَ ذَلِكَ ؟ فَقَالَ أَمَّا الْمَنَافِعُ وَالْحَيَوَانُ ، فَإِنْ اُضْطُرُّوا إلَى بَيْعِهِ ، وَلَمْ يَكُنْ قَاضٍ ، فَلَا بَأْسَ ، وَأَمَّا الْجَوَارِي فَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَتَوَلَّى بِيعَهُنَّ حَاكِمٌ مِنْ الْحُكَّامِ .\rوَإِنَّمَا تَوَقَّفَ عَنْ بَيْعِ الْإِمَاءِ عَلَى طَرِيقِ الِاخْتِيَارِ احْتِيَاطًا ؛ لِأَنَّ بَيْعَهُنَّ يَتَضَمَّنُ إبَاحَةَ فَرْجٍ ، وَأَجَازَ بَيْعَ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ مَوْضِعُ ضَرُورَة .","part":13,"page":285},{"id":6285,"text":"( 4786 ) فَصْلٌ : وَإِذَا أَوْصَى إلَيْهِ بِتَفْرِيقِ مَالٍ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَخْذُ شَيْءٍ مِنْهُ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، فَقَالَ : إذَا كَانَ فِي يَدِهِ مَالٌ لِلْمَسَاكِينِ ، وَأَبْوَابِ الْبِرِّ ، وَهُوَ يَحْتَاجُ إلَيْهِ ، فَلَا يَأْكُلُ مِنْهُ شَيْئًا ، إنَّمَا أُمِرَ بِتَنْفِيذِهِ .\rوَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ : إذَا قَالَ الْمُوصِي : جَعَلْت لَك أَنْ تَضَعَ ثُلُثِي حَيْثُ شِئْت ، أَوْ حَيْثُ رَأَيْت .\rفَلَهُ أَخْذُهُ لِنَفْسِهِ وَوَلَدِهِ .\rوَيُحْتَمَلُ أَنْ يَجُوزَ ذَلِكَ عِنْدَنَا ؛ لِأَنَّهُ يَتَنَاوَلُهُ لَفْظُ الْمُوصِي .\rوَيُحْتَمَلُ أَنْ يُنْظَرَ إلَى قَرَائِنِ الْأَحْوَالِ ، فَإِنْ دَلَّتْ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ أَخْذَهُ مِنْهُ ، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ جُمْلَةِ الْمُسْتَحِقِّينَ الَّذِينَ يُصْرَفُ إلَيْهِمْ ذَلِكَ ، أَوْ عَادَتُهُ الْأَخْذُ مِنْ مِثْلِهِ ، فَلَهُ الْأَخْذُ مِنْهُ ، وَإِلَّا فَلَا .\rوَيُحْتَمَلُ أَنَّ لَهُ إعْطَاءَ وَلَدِهِ وَسَائِرِ أَقَارِبِهِ إذَا كَانُوا مُسْتَحِقِّينَ دُونَ نَفْسِهِ ؛ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِالتَّفْرِيقِ ، وَقَدْ فَرَّقَ فِي مَنْ يَسْتَحِقُّ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ دَفَعَ إلَى أَجْنَبِيٍّ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ تَمْلِيكٌ مَلَكَهُ بِالْإِذْنِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَابِلًا ، كَمَا لَوْ وَكَّلَهُ فِي بَيْعِ سِلْعَةٍ ، لَمْ يَجُزْ لَهُ بَيْعُهَا مِنْ نَفْسِهِ .","part":13,"page":286},{"id":6286,"text":"( 4787 ) فَصْلٌ : وَإِنْ وَصَّى إلَيْهِ بِتَفْرِيقِ ثُلُثِهِ ، فَأَبَى الْوَرَثَةُ إخْرَاجَ ثُلُثِ مَا فِي أَيْدِيهِمْ ، فَعَنْهُ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، يُخْرِجُ الثُّلُثَ كُلَّهُ مِمَّا فِي يَدِهِ .\rنَقَلَهَا أَبُو طَالِبٍ ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْمُوصَى لَهُ مُتَعَلِّقٌ بِأَجْزَاءِ التَّرِكَةِ ، فَجَازَ أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ مِمَّا فِي يَدِهِ ، كَمَا يَدْفَعُ إلَى بَعْضِ الْوَرَثَةِ .\rوَالْأُخْرَى ، يَدْفَعُ إلَيْهِ ثُلُثَ مَا فِي يَدِهِ ، وَلَا يُعْطِيهِمْ شَيْئًا مِمَّا فِي يَدِهِ حَتَّى يُخْرِجُوا ثُلْثَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ .\rنَقَلَهَا أَبُو الْحَارِثِ ؛ لِأَنَّ صَاحِبَ الدَّيْنِ إذَا كَانَ لِلْمَدِينِ فِي يَدَيْهِ مَالٌ ، لَمْ يَمْلِكْ اسْتِيفَاءَهُ مِمَّا فِي يَدَيْهِ ، كَذَا هَاهُنَا .\rوَيُمْكِنُ حَمْلُ الرِّوَايَتَيْنِ عَلَى اخْتِلَافِ حَالَيْنِ ، فَالرِّوَايَةُ الْأُولَى مَحْمُولَةٌ عَلَى مَا إذَا كَانَ الْمَالُ جِنْسًا وَاحِدًا ، فَلِلْمُوصِي أَنْ يُخْرِجَ الثُّلُثَ كُلَّهُ مِمَّا فِي يَدَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِي انْتِظَارِ إخْرَاجِهِمْ مِمَّا فِي أَيْدِيهِمْ ، مَعَ اتِّحَادِ الْجِنْسِ .\rوَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ مَحْمُولَةٌ عَلَى مَا إذَا كَانَ الْمَالُ أَجْنَاسًا ، فَإِنَّ الْوَصِيَّةَ تَتَعَلَّقُ بِثُلُثِ كُلِّ جِنْسٍ ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُخْرِجَ عِوَضًا عَنْ ثُلُثِ مَا فِي أَيْدِيهِمْ مِمَّا فِي يَدِهِ ؛ لِأَنَّهُ مُعَاوَضَةٌ لَا تَجُوزُ إلَّا بِرِضَاهُمْ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":13,"page":287},{"id":6287,"text":"( 4788 ) فَصْلٌ : إذَا عَلِمَ الْوَصِيُّ أَنَّ عَلَى الْمَيِّتِ دَيْنًا ، إمَّا بِوَصِيَّةِ الْمَيِّتِ أَوْ غَيْرِهَا ، فَقَالَ أَحْمَدُ : لَا يَقْضِيهِ إلَّا بِبَيِّنَةٍ .\rقِيلَ لَهُ : فَإِنْ كَانَ ابْنُ الْمَيِّتِ يُصَدِّقُهُ ؟ قَالَ : يَكُونُ ذَلِكَ فِي حِصَّةِ مَنْ أَقَرَّ بِقَدْرِ حِصَّتِهِ .\rوَقَالَ فِي مَنْ اسْتَوْدَعَ رَجُلًا أَلْفَ دِرْهَمٍ ، وَقَالَ : إنْ أَنَا مِتّ ، فَادْفَعْهَا إلَى ابْنِي الْكَبِيرِ .\rوَلَهُ ابْنَانِ ، أَوْ قَالَ : ادْفَعْهَا إلَى أَجْنَبِيٍّ .\rفَقَالَ : إنْ دَفَعَهَا إلَى أَحَدِ الِابْنَيْنِ ، ضَمِنَ لِلْآخَرِ قَدْرَ حِصَّتِهِ ، وَإِنْ دَفَعَهَا إلَى الْآخَرِ ، ضَمِنَ .\rوَلَعَلَّ هَذَا مِنْ أَحْمَدَ فِيمَا إذَا لَمْ يُصَدِّقْ الْوَرَثَةُ الْوَصِيَّ ، وَلَمْ يُقِرُّوا ، فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ عَلَيْهِمْ ، وَلَيْسَ لَهُ الدَّفْعُ بِغَيْرِ إذْنِهِمْ ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ أَقَرَّ عِنْدِي وَأَذِنَ لِي ، إثْبَاتُ وِلَايَةٍ ، فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِيهِ ، وَلَا شَهَادَتُهُ ؛ لِأَنَّهُ يَشْهَدُ لِنَفْسِهِ بِالْوِلَايَةِ .\rوَقَدْ نَقَلَ أَبُو دَاوُد ، فِي رَجُلٍ أَوْصَى أَنَّ لَفُلَانٍ عَلَيَّ كَذَا ، يَنْبَغِي لِلْوَصِيِّ أَنْ يُنْفِذَهُ ، وَلَا يَحِلُّ لَهُ إنْ لَمْ يُنْفِذْهُ .\rفَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مَحْمُولَةٌ عَلَى أَنَّ الْوَرَثَةَ يُصَدِّقُونَ الْوَصِيَّ أَوْ الْمُدَّعِيَ ، أَوْ لَهُ بَيِّنَةٌ بِذَلِكَ ، جَمْعًا بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ ، وَمُوَافِقَةً لِلدَّلِيلِ .\rقِيلَ لِأَحْمَدَ : فَإِنْ عِلْمَ الْمُوصَى إلَيْهِ لَرَجُلٍ حَقًّا عَلَى الْمَيِّتِ ، فَجَاءَ الْغَرِيمُ يُطَالِبُ الْوَصِيَّ ، وَقَدَّمَهُ إلَى الْقَاضِي لِيَسْتَحْلِفَهُ أَنَّ مَالِي فِي يَدَيْك حَقٌّ .\rفَقَالَ : لَا يَحْلِفُ .\rوَيُعْلِمُ الْقَاضِيَ بِالْقَضِيَّةِ ، فَإِنْ أَعْطَاهُ الْقَاضِي فَهُوَ أَعْلَمُ .\rفَإِنْ ادَّعَى رَجُلٌ دَيْنًا عَلَى الْمَيِّتِ ، وَأَقَامَ بِهِ بَيِّنَةً ، فَهَلْ يَجُوزُ لِلْوَصِيِّ قَبُولُهَا ، وَقَضَاءُ ، الدَّيْنِ بِهَا ، مِنْ غَيْرِ حُضُورِ حَاكِمٍ ؟ فَكَلَامُ أَحْمَدَ يَدُلُّ عَلَى رِوَايَتَيْنِ ؛ إحْدَاهُمَا ، قَالَ : لَا يَجُوزُ الدَّفْعُ إلَيْهِ بِدَعْوَاهُ ، إلَّا أَنْ تَقُومَ الْبَيِّنَةُ .\rفَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ جَوَّزَ الدَّفْعَ","part":13,"page":288},{"id":6288,"text":"بِالْبَيِّنَةِ مِنْ غَيْرِ حُكْمِ حَاكِمٍ ؛ لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ لَهُ حُجَّةٌ ، وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ أُخَرَ : إلَّا أَنْ يُثْبِتَ بَيِّنَةً عِنْدَ الْحَاكِمِ بِذَلِكَ ، فَأَمَّا إنْ صَدَّقَهُمْ الْوَرَثَةُ عَلَى ذَلِكَ .\rقُبِلَ ؛ لِأَنَّهُ إقْرَارٌ مِنْهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ .","part":13,"page":289},{"id":6289,"text":"( 4789 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَمَنْ أَعْتَقَ فِي مَرَضِهِ ، أَوْ بَعْدَ مَوْتِهِ ، عَبْدَيْنِ ، لَا يَمْلِكُ غَيْرَهُمَا ، وَقِيمَةُ أَحَدِهِمَا مِائَتَانِ ، وَالْآخَرِ ثَلَاثُمِائَةٍ ، فَلَمْ يُجِزْ الْوَرَثَةُ ، أَقْرَعَ بَيْنَهُمَا ، فَإِنْ وَقَعَتْ الْقُرْعَةُ عَلَى الَّذِي قِيمَتُهُ مِائَتَانِ ، عَتَقَ مِنْهُ خَمْسَةُ أَسْدَاسِهِ ، وَهُوَ ثُلُثُ الْجَمِيعِ .\rوَإِنْ وَقَعَتْ عَلَى الْآخَرِ ، عَتَقَ مِنْهُ خَمْسَةُ أَتْسَاعِهِ ؛ لِأَنَّ جَمِيعَ مِلْكِ الْمَيِّتِ خَمْسُمِائَةِ دِرْهَمٍ ، وَهُوَ قِيمَةُ الْعَبْدَيْنِ ، فَضُرِبَ فِي ثَلَاثَةٍ ، فَأُخِذَ ثُلُثُهُ خَمْسُمِائَةٍ فَأَمَّا إنْ وَقَعَتْ الْقُرْعَةُ عَلَى الَّذِي قِيمَتُهُ مِائَتَانِ ، ضَرَبْنَاهُ فِي ثَلَاثَةٍ ، فَصَيَّرْنَاهُ سِتَّمِائَةٍ ، فَصَارَ الْعِتْقُ مِنْهُ خَمْسَةَ أَسْدَاسِهِ .\rوَكَذَلِكَ يُفْعَلُ فِي الْآخَرِ إذَا وَقَعَتْ عَلَيْهِ الْقُرْعَةُ .\rوَكُلُّ شَيْءٍ يَأْتِي مِنْ هَذَا الْبَابِ فَسَبِيلُهُ أَنْ يُضْرَبَ فِي ثَلَاثَةٍ ، لِيَخْرُجَ بِلَا كَسْرٍ ) هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ دَالَّةٌ عَلَى أَحْكَامٍ أَرْبَعَةٍ ؛ مِنْهَا أَنَّ حُكْمَ الْعِتْقِ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ حُكْمُ الْوَصِيَّةِ ، لَا يَجُوزُ مِنْهُ إلَّا ثُلُثُ الْمَالِ ، إلَّا أَنْ يُجِيزَهُ الْوَرَثَةُ .\rوَهَذَا قَوْلُ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ .\r، وَحُكِيَ عَنْ مَسْرُوقٍ ، فِي مَنْ أَعْتَقَ عَبْدَهُ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ ، وَلَا مَالَ لَهُ غَيْرُهُ : أُجِيزُهُ بِرُمَّتِهِ ، شَيْءٌ جَعَلَهُ لِلَّهِ لَا أَرُدُّهُ .\rوَهَذَا قَوْلٌ شَاذٌّ يُخَالِفُ الْأَثَرَ وَالنَّظَرَ ، فَإِنَّهُ قَدْ صَحَّ { عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ، أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ أَعْتَقَ سِتَّةَ أَعْبُدٍ عِنْدَ مَوْتِهِ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرَهُمْ ، فَدَعَا بِهِمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَقْرَعَ بَيْنَهُمْ ، فَأَعْتَقَ اثْنَيْنِ ، وَأَرَقَّ أَرْبَعَةً .\rوَقَالَ لَهُ قَوْلًا شَدِيدًا .\r} رَوَاهُ مُسْلِمٌ ، وَأَبُو دَاوُد .\rوَلِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ فَأَشْبَهَ سَائِرَ الْعَطَايَا وَالصَّدَقَاتِ .\rالثَّانِي ، أَنَّ الْعِتْقَ إذَا كَانَ فِي أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ ، وَلَمْ يَحْمِلْهُمْ الثُّلُثُ ، كَمَّلْنَا الثُّلُثَ فِي","part":13,"page":290},{"id":6290,"text":"وَاحِدٍ بِالْقُرْعَةِ ، وَإِنْ كَانُوا جَمَاعَةً كَمَّلْنَا الْعِتْقَ فِي بَعْضِهِمْ بِالْقُرْعَةِ ، بِدَلِيلِ حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ الْمَذْكُورِ .\rالثَّالِثُ ، أَنَّهُ إذَا لَمْ يَخْرُجْ مِنْ الثُّلُثِ إلَّا جُزْءٌ مِنْ عَبْدٍ ، عَتَقَ ذَلِكَ الْجُزْءُ خَاصَّةً ، وَرُقَّ بَاقِيهِ ، عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ فِي الْعِتْقِ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .\rالرَّابِعُ ، إثْبَاتُ الْقُرْعَةِ وَمَشْرُوعِيَّتِهَا ؛ بِدَلِيلِ حَدِيثِ عِمْرَانَ ، وَفِعْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْأَعْبُدِ الَّذِينَ أَقْرَعَ بَيْنَهُمْ .\rفَأَمَّا كَيْفِيَّةُ تَكْمِيلِ الْعِتْقِ ، فَإِنَّ الْعَبِيدَ إنْ تَسَاوَتْ قِيمَتُهُمْ ، وَكَانَ لَهُمْ ثُلْثٌ صَحِيحٌ ، كَسِتَّةِ أَعْبُدٍ ، قِيمَةُ كُلِّ اثْنَيْنِ مِنْهُمْ ثُلُثُ الْمَالِ ، جَعَلْنَا كُلَّ اثْنَيْنِ مِنْهُمْ ثُلُثًا ، وَأَقْرَعْنَا بَيْنَهُمْ بِسَهْمِ حُرِّيَّةٍ ، وَسَهْمَيْ رِقٍّ كَمَا فَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاَللَّذَانِ يَقَعُ لَهُمَا سَهْمُ الْحُرِّيَّةِ يُعْتَقَانِ ، وَيُرَقُّ الْآخَرُونَ .\rوَإِنْ كَانَ فِيهِمْ كَسْرٌ ، كَمَسْأَلَةِ الْخِرَقِيِّ ، أَقْرَعْت بَيْنَ الْعَبْدَيْنِ ، فَأَيُّهُمَا وَقَعَتْ عَلَيْهِ قُرْعَةُ الْحُرِّيَّةِ ، ضَرَبْت قِيمَتَهُ فِي ثَلَاثَةِ أَسْهُمٍ ، فَمَهْمَا بَلَغَ نَسَبْت إلَيْهِ قِيمَةَ الْعَبْدَيْنِ جَمِيعًا ، فَمَهْمَا خَرَجَ بِالنِّسْبَةِ ، فَهُوَ الْقَدْرُ الَّذِي يُعْتَقُ مِنْهُ .\rفَقِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ، إذَا وَقَعَتْ الْقُرْعَةُ عَلَى الَّذِي قِيمَتُهُ مِائَتَانِ ، ضَرَبْتهمَا فِي ثَلَاثَةٍ ، صَارَتْ سِتَّمِائَةٍ ، وَنَسَبْت مِنْهَا قِيمَةَ الْعَبْدَيْنِ مَعًا ، وَهِيَ خَمْسُمِائَةٍ ، تَجِدُهَا خَمْسَةَ أَسْدَاسِهَا ، فَيُعْتَقُ مِنْهُ خَمْسَةُ أَسْدَاسِهِ .\rوَإِنْ وَقَعَتْ عَلَى الْآخَرِ ، عَتَقَ خَمْسَةُ أَتْسَاعِهِ .\rوَتَمَامُ شَرْحِ ذَلِكَ يَأْتِي فِي بَابِ الْعِتْقِ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .","part":13,"page":291},{"id":6291,"text":"( 4790 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِذَا أَوْصَى بِعَبْدٍ مِنْ عَبِيدِهِ لِرَجُلٍ ، وَلَمْ يُسَمِّ الْعَبْدَ ، كَانَ لَهُ أَحَدُهُمْ بِالْقُرْعَةِ ، إذَا كَانَ يَخْرُجُ مِنْ الثُّلُثِ ، وَإِلَّا مَلَكَ مِنْهُ بِقَدْرِ الثُّلُثِ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ ، أَنَّ الْوَصِيَّةَ بِغَيْرِ مُعَيَّنٍ ، كَعَبْدٍ مِنْ عَبِيدِهِ ، وَشَاةٍ مِنْ غَنَمِهِ ، تَصِحُّ .\rوَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْوَصِيَّةَ بِالْمَجْهُولِ تَصِحُّ فِيمَا مَضَى .\rوَبِهِ يَقُولُ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ .\rوَاخْتَلَفْت الرِّوَايَةُ فِيمَا يَسْتَحِقُّهُ الْمُوصَى لَهُ ، فَرُوِيَ أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ أَحَدَهُمْ بِالْقُرْعَةِ ، وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ قَوْلَ إِسْحَاقَ .\rوَنَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ ، أَنَّهُ يُعْطَى أَحْسَنَهُمْ .\rيَعْنِي يُعْطِيهِ الْوَرَثَةُ مَا أَحَبُّوا مِنْ الْعَبِيدِ .\rوَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ مَالِكٌ قَوْلًا يَقْتَضِي أَنَّهُ إذَا أَوْصَى بِعَبْدٍ ، وَلَهُ ثَلَاثَةُ أَعْبُدْ ، فَلَهُ ثُلُثُهُمْ .\rوَإِنْ كَانُوا أَرْبَعَةً فَلَهُ رُبْعُهُمْ ، فَإِنَّهُ قَالَ : إذَا أَوْصَى بِعَشْرٍ مِنْ إبِلِهِ ، وَهِيَ مِائَةٌ ، يُعْطَى عُشْرَهَا ، وَالنَّخْلُ ، وَالرَّقِيقُ ، وَالدَّوَابُّ عَلَى ذَلِكَ .\rوَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يُعْطَى عَشْرَةً بِالْعَدَدِ ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي تَنَاوَلَهُ لَفْظُهُ ، وَلَفْظُهُ هُوَ الْمُقْتَضِي ، فَلَا يَعْدِلُ عَنْهُ ، وَلَكِنْ يُعْطَى وَاحِدًا بِالْقُرْعَةِ ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَحِقُّ وَاحِدًا غَيْرَ مُعَيَّنٍ ، فَلَيْسَ وَاحِدٌ بِأَوْلَى مِنْ وَاحِدٍ ، فَوَجَبَ الْمَصِيرُ إلَى الْقُرْعَةِ ، كَمَا لَوْ أَعْتَقَ وَاحِدًا مِنْهُمْ .\rوَعَلَى مَا نَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ ، يُعْطِيهِ الْوَرَثَةُ مِنْ عَبِيدِهِ مَا شَاءُوا ، مِنْ صَحِيحٍ أَوْ مَعِيبٍ جَيِّدٍ أَوْ رَدِيءٍ ؛ لِأَنَّهُ يَتَنَاوَلُهُ اسْمُ الْعَبْدِ فَأَجْزَأَ ، كَمَا لَوْ وَصَّى لَهُ بِعَبْدٍ وَلَمْ يُضِفْهُ إلَى عَبِيدِهِ .\rوَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ إلَّا عَبْدٌ وَاحِدٌ .\rتَعَيَّنَتْ الْوَصِيَّةُ فِيهِ ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ لَهُ عَبِيدٌ فَمَاتُوا كُلُّهُمْ إلَّا وَاحِدًا ، تَعَيَّنَتْ الْوَصِيَّةُ فِيهِ ، لِتَعَذُّرِ تَسْلِيمِ الْبَاقِي .\rوَإِنْ تَلِفَ رَقِيقُهُ جَمِيعُهُمْ قَبْلَ مَوْتِ الْمُوصِي ،","part":13,"page":292},{"id":6292,"text":"أَوْ قُتِلُوا ، بَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ ؛ لِأَنَّهَا إنَّمَا تَلْزَمُ بِالْمَوْتِ ، وَلَا رَقِيقَ لَهُ حِينَئِذٍ .\rوَإِنْ تَلِفُوا بَعْدَ مَوْتِهِ بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ مِنْ الْوَرَثَةِ ، بَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ ؛ لِأَنَّ التَّرِكَةَ عِنْدَ الْوَرَثَةِ غَيْرُ مَضْمُونَةٍ ؛ لِأَنَّهَا حَصَلَتْ فِي أَيْدِيهِمْ بِغَيْرِ فِعْلِهِمْ .\rوَإِنْ قَتَلَهُمْ قَاتِلٌ ، فَلِلْمُوصَى لَهُ قِيمَةُ أَحَدِهِمْ ، مَبْنِيًّا عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي مَنْ يَسْتَحِقُّهُ مِنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ .\rوَلَوْ قَالَ : أَوْصَيْت لَك بِعَبْدٍ مِنْ عَبِيدِي .\rوَلَا عَبِيدَ لَهُ ، لَمْ تَصِحَّ الْوَصِيَّةُ ؛ لِأَنَّهُ أَوْصَى لَهُ بِلَا شَيْءٍ ، فَهُوَ كَمَا لَوْ قَالَ : أَوْصَيْت لَك بِمَا فِي كِيسِي .\rوَلَا شَيْءَ فِيهِ ، أَوْ بِدَارِي .\rوَلَا دَارَ لَهُ ، فَإِنْ اشْتَرَى قَبْلَ مَوْتِهِ عَبِيدًا ، احْتَمَلَ أَنْ لَا تَصِحَّ الْوَصِيَّةُ ؛ لِأَنَّهَا وَقَعَتْ بَاطِلَةً ، فَلَمْ تَصِحَّ .\rكَمَا لَوْ قَالَ : أَوْصَيْت لَك بِمَا فِي كِيسِي .\rوَلَا شَيْءَ فِيهِ ، ثُمَّ جَعَلَ فِي كِيسِهِ شَيْئًا .\rوَلِأَنَّ الْوَصِيَّةَ تَقْتَضِي عَبْدًا مِنْ الْمَوْجُودِينَ لَهُ حَالَ الْوَصِيَّةِ .\rوَيُحْتَمَلُ أَنْ تَصِحَّ ، كَمَا لَوْ وَصَّى لَهُ بِأَلْفٍ لَا يَمْلِكُهُ ، ثُمَّ مَلَكَهُ ، أَوْ وَصَّى لَهُ بِثُلُثِ عَبِيدِهِ ، ثُمَّ مَلَكَ عَبِيدًا آخَرِينَ .\rوَقَدْ رَوَى ابْنُ مَنْصُورٍ ، عَنْ أَحْمَدَ ، فِي رَجُلٍ قَالَ فِي مَرَضِهِ : اُعْطُوا فُلَانًا مِنْ كِيسِي مِائَةَ دِرْهَمٍ .\rفَلَمْ يُوجَدْ فِي كِيسِهِ شَيْءٌ .\rيُعْطَى مِائَةَ دِرْهَمٍ .\rفَلَمْ تَبْطُلْ الْوَصِيَّةُ ؛ لِأَنَّهُ قَصَدَ إعْطَاءَهُ مِائَةَ دِرْهَمٍ ، وَظَنَّهَا فِي الْكِيسِ ، فَإِذَا لَمْ تَكُنْ فِي الْكِيسِ ، أُعْطِيَ مِنْ غَيْرِهِ .\rفَكَذَلِكَ يُخَرَّجُ فِي الْوَصِيَّةِ بِعَبْدٍ مِنْ عَبِيدِهِ ، إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ عَبِيدٌ ، أَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ مِنْ تَرِكَتِهِ عَبْدٌ ، وَيُعْطَى إيَّاهُ .","part":13,"page":293},{"id":6293,"text":"( 4791 ) فَصْلٌ : وَإِنْ وَصَّى الرَّجُلُ بِعَبْدٍ ، صَحَّتْ الْوَصِيَّةُ ، وَيُشْتَرَى لَهُ عَبْدٌ أَيُّ عَبْدٍ كَانَ .\rوَإِنْ كَانَ لَهُ عَبِيدٌ ، أَعْطَاهُ الْوَرَثَةُ مَا شَاءُوا ، وَلَا قُرْعَةَ هَاهُنَا ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُضِفْ الرَّقِيقَ إلَى نَفْسِهِ ، وَلَا جَعَلَهُ وَاحِدًا مِنْ عَدَدٍ مَحْصُورٍ ، فَلَمْ يَسْتَحِقَّ الْمُوصَى لَهُ أَكْثَرَ مِنْ أَقَلِّ مَنْ يُسَمَّى عَبْدًا ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ لَهُ بِعَبْدٍ .\rقَالَ الْقَاضِي : وَلَهُمْ أَنْ يُعْطُوهُ مَا شَاءُوا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى .\rوَالصَّحِيحُ عِنْدِي أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ إلَّا ذَكَرًا ؛ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى فَرَّقَ بَيْنَ الْعَبِيدِ وَالْإِمَاءِ ، بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ } .\rوَالْمَعْطُوفُ يُغَايِرُ الْمَعْطُوفَ عَلَيْهِ ظَاهِرًا .\rوَلِأَنَّهُ فِي الْعُرْفِ كَذَلِكَ ، فَإِنَّهُ لَا يُفْهَمُ مِنْ إطْلَاقِ اسْمِ الْعَبْدِ إلَّا الذَّكَرُ .\rوَلَوْ وَكَّلَهُ فِي شِرَاءِ عَبْدٍ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ شِرَاءُ أَمَةٍ ، فَلَا تَنْصَرِفُ وَصِيَّتُهُ إلَّا إلَى الذَّكَرِ .\rوَإِنْ وَصَّى لَهُ بِأَمَةٍ أَوْ جَارِيَةٍ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ إلَّا أُنْثَى ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُعْطِيَهُ خُنْثَى مُشْكِلًا ؛ لِأَنَّهُ لَا يَعْلَمُ كَوْنَهُ ذَكَرًا وَلَا أُنْثَى .\rوَإِنْ وَصَّى لَهُ بِوَاحِدٍ مِنْ رَقِيقِهِ ، أَوْ بِرَأْسٍ مِمَّا مَلَكَتْ يَمِينُهُ ، دَخَلَ فِي وَصِيَّتِهِ الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى وَالْخُنْثَى .","part":13,"page":294},{"id":6294,"text":"( 4792 ) فَصْلٌ : وَإِنْ وَصَّى لَهُ بِشَاةٍ مِنْ غَنَمِهِ ، فَالْحُكْمُ فِيهَا كَالْحُكْمِ فِي الْوَصِيَّةِ بِعَبْدٍ مِنْ عَبِيدِهِ ، وَيَقَعُ هَذَا الِاسْمُ عَلَى الضَّأْنِ وَالْمَعْزِ .\rقَالَ أَصْحَابُنَا : يَتَنَاوَلُ الصَّغِيرَةَ وَالْكَبِيرَةَ ، وَالذَّكَرَ وَالْأُنْثَى ؛ لِأَنَّ الشَّاةَ اسْمٌ يَتَنَاوَلُ جَمِيعَ ذَلِكَ ؛ بِدَلِيلِ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { فِي أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةٌ .\r} يُرِيدُ الذُّكُورَ وَالْإِنَاثَ ، وَالصِّغَارَ وَالْكِبَارَ .\rوَعِنْدِي أَنَّهُ لَا يَتَنَاوَلُ إلَّا أُنْثَى كَبِيرَةً ، إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي بَلَدٍ عُرْفُهُمْ يَتَنَاوَلُ ذَلِكَ ، فَأَمَّا مَنْ لَا يَتَنَاوَلُ عُرْفُهُمْ إلَّا الْإِنَاثَ ، فَإِنَّ وَصِيَّتَهُ لَا تَتَنَاوَلُ إلَّا مَا يُسَمَّى فِي عُرْفِهِمْ ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَ حَالِهِ إرَادَةُ مَا يَتَعَارَفُونَهُ .\rوَإِنْ وَصَّى بِكَبْشٍ ، لَمْ يَتَنَاوَلْ إلَّا الذَّكَرَ الْكَبِيرَ مِنْ الضَّأْنِ .\rوَالتَّيْسُ لَا يَقَعُ إلَّا عَلَى الذَّكَرِ الْكَبِيرِ مِنْ الْمَعْزِ .\rوَإِنْ وَصَّى بِعَشْرَةٍ مِنْ الْغَنَمِ ، يَتَنَاوَلُ عَشْرَةً مِنْ الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ ، وَالصِّغَارِ وَالْكِبَارِ .","part":13,"page":295},{"id":6295,"text":"( 4793 ) فَصْلٌ : وَإِنْ وَصَّى بِجَمَلٍ ، لَمْ يَكُنْ إلَّا ذَكَرًا .\rوَإِنْ وَصَّى بِنَاقَةٍ ، لَمْ تَكُنْ إلَّا أُنْثَى .\rوَإِنْ قَالَ : عَشْرَةً مِنْ إبِلٍ ، وَقَعَ عَلَى الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى جَمِيعًا .\rوَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ إنْ قَالَ : عَشْرَةً بِالْهَاءِ ، فَهُوَ لِلذُّكُورِ ، وَإِنْ قَالَ عَشْرٌ ، فَهُوَ لِلْإِنَاثِ ، وَكَذَلِكَ فِي الْغَنَمِ ؛ لِأَنَّ الْعَدَدَ فِي الْعَشَرَةِ إلَى الثَّلَاثَةِ لِلْمُذَكَّرِ بِالْهَاءِ ، وَلِلْمُؤَنَّثِ بِغَيْرِهَا ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { فَسَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ } .\rوَإِنْ قَالَ : أَعْطُوهُ بَعِيرًا .\rفَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، هُوَ لِلذَّكَرِ وَحْدَهُ ؛ لِأَنَّهُ فِي الْعُرْفِ اسْمٌ لَهُ وَحْدَهُ .\rوَالثَّانِي ، هُوَ لِلذَّكَرِ وَالْأُنْثَى ؛ لِأَنَّهُ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ يَتَنَاوَلُهُمَا جَمِيعًا .\rتَقُولُ الْعَرَبُ : حَلَبْت الْبَعِيرَ .\rتُرِيدُ النَّاقَةَ ، فَالْجَمَلُ فِي لِسَانِهِمْ كَالرَّجُلِ مِنْ بَنِي آدَمَ ، وَالنَّاقَةُ كَالْمَرْأَةِ ، وَالْبَكْرَةُ كَالْفَتَاةِ .\rوَكَذَلِكَ الْقَلُوصُ وَالْبَعِيرُ كَالْإِنْسَانِ .","part":13,"page":296},{"id":6296,"text":"( 4794 ) فَصْلٌ : وَإِنْ وَصَّى لَهُ بِثَوْرٍ فَهُوَ ذَكَرٌ .\rوَإِنْ وَصَّى بِبَقَرَةٍ ، فَهِيَ أُنْثَى .\rوَإِنْ وَصَّى بِدَابَّةٍ ، فَهِيَ وَاحِدَةٌ مِنْ الْخَيْلِ وَالْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ ، يَتَنَاوَلُ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى ؛ لِأَنَّ الِاسْمَ فِي الْعُرْفِ يَقَعُ عَلَى جَمِيعِ ذَلِكَ .\rوَإِنْ قَرَنَ بِهِ مَا يَصْرِفُهُ إلَى أَحَدِهِمَا ، مِثْلُ إنْ قَالَ : دَابَّةٌ يُقَاتِلُ عَلَيْهَا ، أَوْ يُسْهَمُ لَهَا .\rانْصَرَفَ إلَى الْخَيْلِ .\rوَإِنْ قَالَ : دَابَّةٌ يَنْتَفِعُ بِظَهْرِهَا وَنَسْلِهَا ، خَرَجَ مِنْهُ الْبِغَالُ ؛ لِأَنَّهُ لَا نَسْلَ لَهَا ، وَخَرَجَ مِنْهُ الذُّكُورُ كَذَلِكَ .\rوَإِنْ وَصَّى لَهُ بِحِمَارٍ ، فَهُوَ ذَكَرٌ .\rوَإِنْ وَصَّى بِأَتَانٍ ، فَهِيَ أُنْثَى .\rوَفِي جَمِيعِ ذَلِكَ ، إذَا كَانَ لَهُ أَعْدَادٌ مِنْ جِنْسِ مَا وَصَّى لَهُ بِهِ ، فَعَلَى قَوْلِ الْخِرَقِيِّ ، يَكُونُ لَهُ ذَلِكَ بِالْقُرْعَةِ ، وَعَلَى رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ ، يُعْطِهِ الْوَرَثَةُ مَا شَاءُوا ، وَلَا يَسْتَحِقُّ ، لِلدَّابَّةِ سَرْجًا ، وَلَا لِلْبَعِيرِ رَحْلًا ، إلَّا أَنْ يَذْكُرَهُ فِي الْوَصِيَّةِ .","part":13,"page":297},{"id":6297,"text":"( 4795 ) فَصْلٌ : وَإِنْ أَوْصَى بِكَلْبٍ يُبَاحُ اقْتِنَاؤُهُ ، صَحَّتْ الْوَصِيَّةُ ؛ لِأَنَّ فِيهِ نَفْعًا مُبَاحًا ، وَتُقَرُّ الْيَدُ عَلَيْهِ ، وَالْوَصِيَّةُ تَبَرُّعٌ ، فَتَصِحُّ فِي الْمَالِ ، وَفِي غَيْرِ الْمَالِ ، مِنْ الْحُقُوقِ ، وَلِأَنَّهُ تَصِحُّ هِبَتُهُ ، فَتَصِحُّ الْوَصِيَّةُ بِهِ ، كَالْمَالِ .\rوَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يُبَاحُ اقْتِنَاؤُهُ ، لَمْ تَصِحَّ الْوَصِيَّةُ بِهِ ، سَوَاءٌ قَالَ : كَلْبًا مِنْ كِلَابِي ، أَوْ قَالَ مِنْ مَالِي ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ ابْتِيَاعُ الْكَلْبِ ؛ لِأَنَّهُ لَا قِيمَةَ لَهُ ، بِخِلَافِ الشَّاةِ .\rفَإِنْ كَانَ لَهُ كَلْبٌ وَلَا مَالَ لَهُ سِوَاهُ ، فَلَهُ ثُلُثُهُ .\rوَإِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ سِوَاهُ ، فَقَدْ قِيلَ : لِلْمُوصَى لَهُ جَمِيعُ الْكَلْبِ وَإِنْ قَلَّ الْمَالُ ؛ لِأَنَّ قَلِيلَ الْمَالِ خَيْرٌ مِنْ الْكَلْبِ ؛ لِكَوْنِهِ لَا قِيمَةَ لَهُ .\rوَقِيلَ : لِلْمُوصَى لَهُ بِهِ ثُلُثُهُ .\rوَإِنْ كَثُرَ الْمَالُ ؛ لِأَنَّ مَوْضُوعَ الْوَصِيَّةِ عَلَى أَنْ يُسَلِّمَ ثُلُثَا التَّرِكَةِ لِلْوَرَثَةِ ، وَلَيْسَ فِي التَّرِكَةِ شَيْءٌ مِنْ جِنْسِ الْمُوصَى بِهِ .\rوَإِنْ وَصَّى لَرَجُلٍ بِكِلَابِهِ ، وَلَآخِرَ بِثُلُثِ مَالِهِ ، فَلِلْمُوصَى لَهُ بِالثُّلُثِ الثُّلُثُ وَلِلْمُوصَى لَهُ بِالْكِلَابِ ثُلُثُهَا ، وَجْهًا وَاحِدًا ؛ لِأَنَّ مَا حَصَلَ لِلْوَرَثَةِ مِنْ ثُلُثَيْ الْمَالِ قَدْ جَازَتْ الْوَصِيَّةُ فِيمَا يُقَابِلُهُ مِنْ حَقِّ الْمُوصَى لَهُ ، وَهُوَ الثُّلُثُ ، فَلَا يُحْسَبُ عَلَيْهِمْ فِي حَقِّ الْكِلَابِ .\rوَلَوْ وَصَّى بِثُلْثِ مَالِهِ ، وَلَمْ يُوصِي بِالْكِلَابِ ، دُفِعَ إلَيْهِ ثُلُثُ الْمَالِ ، وَلَمْ يَحْتَسِبْ بِالْكِلَابِ عَلَى الْوَرَثَةِ ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِمَالٍ .\rوَإِذَا قَسَمَتْ الْكِلَابُ بَيْنَ الْوَارِثِ وَالْمُوصَى لَهُ ، أَوْ بَيْنَ اثْنَيْنِ مُوصًى لَهُمَا بِهَا ، قُسِمَتْ عَلَى عَدَدِهَا ؛ لِأَنَّهَا لَا قِيمَةَ لَهَا ، فَإِنْ تَشَاحُّوا فِي بَعْضِهَا ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُقْرَعَ بَيْنَهُمْ فِيهِ .\rوَإِنْ وَصَّى لَهُ بِكَلْبٍ ، وَلِلْمُوصِي كِلَابٌ يُبَاحُ اتِّخَاذُهَا ، كَكِلَابِ الصَّيْدِ وَالْمَاشِيَةِ وَالْحَرْثِ ، فَلَهُ وَاحِدٌ مِنْهَا بِالْقُرْعَةِ ، أَوْ مَا أَحَبَّ","part":13,"page":298},{"id":6298,"text":"الْوَرَثَةُ ، عَلَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى .\rوَإِنْ كَانَ لَهُ كَلْبٌ يُبَاحُ اتِّخَاذُهُ ، وَكَلْبٌ لِلْهِرَاشِ ، فَلَهُ الْكَلْبُ الْمُبَاحُ .\rوَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فِي هَذَا الْفَصْلِ كُلِّهِ كَنَحْوِ مِمَّا ذَكَرْنَا ، إلَّا أَنَّهُ يَجْعَلُ لِلْمُوصَى لَهُ بِكَلْبٍ مَا أَحَبَّ الْوَرَثَةُ دَفْعَهُ إلَيْهِ .\rوَلَا تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ بِكَلْبِ الْهِرَاشِ ، وَلَا كَلْبٍ غَيْرِ الْكِلَابِ الثَّلَاثَةِ .\rوَفِي الْوَصِيَّةِ بِالْجَرْوِ الصَّغِيرِ وَجْهَانِ ، بِنَاءً عَلَى جَوَازِ تَرْبِيَتِهِ لِلصَّيْدِ أَوْ لِلْمَاشِيَةِ .\rوَقَدْ سَبَقَ ذِكْرُ ذَلِكَ .\rوَلَا تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ بِخِنْزِيرٍ ، وَلَا بِشَيْءٍ مِنْ السِّبَاعِ الَّتِي لَا تَصْلُحُ لِلِاصْطِيَادِ كَالْأَسَدِ ، وَالنَّمِرِ ، وَالذِّئْبِ ؛ لِأَنَّهَا لَا مَنْفَعَةَ فِيهَا ، وَلَا تَصِحُّ بِشَيْءٍ لَا مَنْفَعَةَ فِيهِ مِنْ غَيْرِهَا .","part":13,"page":299},{"id":6299,"text":"( 4796 ) فَصْلٌ : وَإِنْ وَصَّى لَهُ بِطَبْلِ حَرْبٍ ، صَحَّتْ الْوَصِيَّةُ بِهِ ؛ لِأَنَّ فِيهِ مَنْفَعَةً مُبَاحَةً .\rوَإِنْ كَانَ بِطَبْلِ لَهْوٍ ، لَمْ تَصِحَّ ؛ لِعَدَمِ الْمَنْفَعَةِ الْمُبَاحَةِ بِهِ .\rوَإِنْ كَانَ مَعَ ذَلِكَ إذَا فُصِلَ صَلَحَ لِلْحَرْبِ لَمْ تَصِحَّ الْوَصِيَّةُ بِهِ أَيْضًا ؛ لِأَنَّ مَنْفَعَتَهُ فِي الْحَالِ مَعْدُومَةٌ .\rفَإِنْ كَانَ يَصْلُحُ لَهُمَا جَمِيعًا ، صَحَّتْ الْوَصِيَّةُ بِهِ ؛ لِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ قَائِمَةٌ بِهِ .\rوَإِنْ وَصَّى لَهُ بِطَبْلٍ ، وَأَطْلَقَ ، وَلَهُ طَبْلَانِ ، تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ بِأَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ ، انْصَرَفَتْ الْوَصِيَّةُ إلَى مَا تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ بِهِ .\rوَإِنْ كَانَ لَهُ طُبُولٌ تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ بِجَمِيعِهَا ، فَلَهُ أَخْذُهَا بِالْقُرْعَةِ ، أَوْ مَا شَاءَ الْوَرَثَةُ ، عَلَى اخْتِلَافِ الرِّوَايَتَيْنِ .\rوَإِنْ وَصَّى بِدُفٍّ ، صَحَّتْ الْوَصِيَّةُ بِهِ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { أَعْلِنُوا النِّكَاحَ ، وَاضْرِبُوا عَلَيْهِ بِالدُّفِّ .\r} وَلَا تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ بِمِزْمَارٍ ، وَلَا طُنْبُورٍ ، وَلَا عُودٍ مِنْ عِيدَانِ اللَّهْوِ ؛ لِأَنَّهَا مُحَرَّمَةٌ ، سَوَاءٌ كَانَتْ فِيهِ الْأَوْتَارُ أَوْ لَمْ تَكُنْ ؛ لِأَنَّهُ مُهَيَّأٌ لِفِعْلِ الْمَعْصِيَةِ دُونَ غَيْرِهَا ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَتْ فِيهِ الْأَوْتَارُ .","part":13,"page":300},{"id":6300,"text":"( 4797 ) فَصْلٌ : وَلَوْ أَوْصَى لَهُ بِقَوْسٍ ، صَحَّتْ الْوَصِيَّةُ ، فَإِنَّ فِيهِ مَنْفَعَةً مُبَاحَةً ، سَوَاءٌ كَانَ قَوْسَ نَشَّابٍ ، وَهُوَ الْفَارِسِيُّ ، أَوْ نَبْلٍ وَهُوَ الْعَرَبِيُّ ، أَوْ قَوْسٍ يَمَجْرَى ، أَوْ قَوْسَ زُنْبُورٍ ، أَوْ جُوخٍ ، أَوْ نَدْفٍ أَوْ بُنْدُقٍ .\rفَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ إلَّا قَوْسٌ وَاحِدٌ مِنْ هَذِهِ الْقِسِيِّ ، تَعَيَّنَتْ الْوَصِيَّةُ فِيهِ .\rوَإِنْ كَانَتْ لَهُ هَذِهِ جَمِيعُهَا ، وَكَانَ فِي لَفْظِهِ أَوْ حَالِهِ قَرِينَةٌ تُصْرَفُ إلَى أَحَدِهَا ، انْصَرَفَ إلَيْهِ ، مِثْلُ أَنْ يَقُولَ : قَوْسًا يَنْدِفُ بِهِ ، أَوْ يَتَعَيَّشُ بِهِ ، أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ ، فَهَذَا يَصْرِفُهُ إلَى قَوْسِ النَّدْفِ .\rوَإِنْ قَالَ : يَغْزُو بِهِ .\rخَرَجَ مِنْهُ قَوْسُ النَّدْفِ ، وَالْبُنْدُقِ .\rوَإِنْ كَانَ الْمُوصَى لَهُ نَدَّافًا لَا عَادَةَ لَهُ بِالرَّمْيِ ، أَوْ بُنْدُقَانِيًّا لَا عَادَةَ لَهُ بِالرَّمْيِ بِشَيْءٍ سِوَاهُ ، أَوْ يَرْمِي بِقَوْسٍ غَيْرِهِ لَا يَرْمِي بِسِوَاهُ ، انْصَرَفْت الْوَصِيَّةُ إلَى الْقَوْسِ الَّذِي يَسْتَعْمِلُهُ عَادَةً ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَ حَالِ الْمُوصِي أَنَّهُ قَصَدَ نَفْعَهُ بِمَا جَرَتْ عَادَتُهُ بِالِانْتِفَاعِ بِهِ .\rوَإِنْ انْتَفَتْ الْقَرَائِنُ ، فَاخْتَارَ أَبُو الْخَطَّابِ ، أَنَّ لَهُ وَاحِدًا مِنْ جَمِيعِهَا بِالْقُرْعَةِ ، أَوْ مَا يَخْتَارُهُ الْوَرَثَةُ ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ يَتَنَاوَلُ جَمِيعَهَا .\rوَالصَّحِيحُ أَنَّ وَصِيَّتَهُ لَا تَتَنَاوَلُ قَوْسَ النَّدْفِ ، وَلَا الْبُنْدُقِ ، وَلَا الْعَرَبِيَّةَ فِي بَلَدٍ لَا عَادَةَ لَهُمْ بِالرَّمْيِ بِهَا .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ، إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ الْعَرَبِيَّةَ ، وَيَكُونُ لَهُ وَاحِدٌ مِمَّا عَدَا هَذِهِ ؛ لِأَنَّ هَذِهِ لَا يُطْلَقُ عَلَيْهَا اسْمُ الْقَوْسِ فِي الْعَادَةِ بَيْنَ غَيْرِ أَهْلِهَا حَتَّى يَصِفَهَا ، فَيَقُولَ : قَوْسُ الْقُطْنِ ، أَوْ النَّدْفِ ، أَوْ قَوْسُ الْبُنْدُقِ .\rوَأَمَّا الْعَرَبِيَّةُ فَلَا يَتَعَارَفُهَا غَيْرُ طَائِفَةٍ مِنْ الْعَرَبِ ، فَلَا يَخْطُرُ بِبَالِ الْمُوصِي غَالِبًا .\rوَيُعْطَى الْقَوْسَ مَعْمُولَةً ؛ لِأَنَّهَا لَا تُسَمَّى قَوْسًا إلَّا كَذَلِكَ .\rوَلَا يَسْتَحِقُّ وَتَرَهَا","part":13,"page":301},{"id":6301,"text":"؛ لِأَنَّ الِاسْمَ يَقَعُ عَلَيْهَا دُونَهُ .\rوَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ ، أَنَّهُ يُعْطَاهَا بِوَتَرِهَا ؛ لِأَنَّهَا لَا يُنْتَفَعُ بِهَا إلَّا بِهِ ، فَكَانَ كَجُزْءٍ مِنْ أَجْزَائِهَا .","part":13,"page":302},{"id":6302,"text":"( 4798 ) فَصْلٌ : وَإِنْ وَصَّى لَهُ بِعُودٍ ، وَلَهُ عُودُ لَهْوٍ وَغَيْرِهِ ، لَمْ تَصِحَّ الْوَصِيَّةُ ؛ لِأَنَّ إطْلَاقَهَا يَنْصَرِفُ إلَى عُودِ اللَّهْوِ ، وَلَا تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ بِهِ لِعَدَمِ النَّفْعِ الْمُبَاحِ فِيهِ .\rوَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ إلَّا عِيدَانُ قِسِيٍّ ، أَوْ عُودٌ يَتَبَحَّرُ بِهِ ، أَوْ غَيْرُهُ مِنْ الْعِيدَانِ الْمُبَاحَةِ ، صَحَّتْ الْوَصِيَّةُ ، وَانْصَرَفَتْ إلَيْهَا ؛ لِعَدَمِ غَيْرِهَا ، وَتَعَيُّنِهَا مَعَ إبَاحَتِهَا .\rوَإِنْ وَصَّى لَهُ بِجَرَّةِ فِيهَا خَمْرٌ ، صَحَّتْ الْوَصِيَّةُ بِالْجَرَّةِ ، وَبَطَلَتْ فِي الْخَمْرِ ؛ لِأَنَّ فِي الْجَرَّةِ نَفْعًا مُبَاحًا ، وَالْخَمْرُ لَا نَفْعَ فِيهِ مُبَاحٌ ، فَصَحَّتْ الْوَصِيَّةُ بِمَا فِيهِ الْمَنْفَعَةُ الْمُبَاحَةُ ، كَمَا لَوْ وَصَّى لَهُ بِخَمْرٍ وَخَلٍّ .\rوَإِنْ وَصَّى لَهُ بِخَمْرٍ فِي جَرَّةٍ لَمْ تَصِحَّ ؛ لِأَنَّ الَّذِي أَضَافَ الْوَصِيَّةَ إلَيْهِ الْخَمْرُ ، وَلَا تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ بِهِ .","part":13,"page":303},{"id":6303,"text":"( 4799 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِذَا أَوْصَى لَهُ بِشَيْءٍ بِعَيْنِهِ ، فَتَلِفَ بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي ، لَمْ يَكُنْ لِلْمُوصَى لَهُ شَيْءٌ .\rوَإِنْ تَلِفَ الْمَالُ كُلُّهُ إلَّا الْمُوصَى بِهِ ، فَهُوَ لِلْمُوصَى لَهُ ) أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ مِمَّنْ عَلِمْنَا قَوْلَهُ ، عَلَى أَنَّ الْمُوصَى بِهِ إذَا تَلِفَ قَبْلَ مَوْتِ الْمُوصِي أَوْ بَعْدَهُ ، فَلَا شَيْءَ لِلْمُوصَى لَهُ .\rكَذَلِكَ حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ ، فَقَالَ : أَجْمَعَ مَنْ أَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ، عَلَى أَنَّ الرَّجُلَ إذَا أُوصِيَ لَهُ بِشَيْءٍ ، فَهَلَكَ ذَلِكَ الشَّيْءُ ، أَنْ لَا شَيْءَ لَهُ فِي سَائِرِ مَالِ الْمَيِّتِ ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُوصَى لَهُ إنَّمَا يَسْتَحِقُّ بِالْوَصِيَّةِ لَا غَيْرُ ، وَقَدْ تَعَلَّقَتْ بِمُعَيَّنٍ ، وَقَدْ ذَهَبَ ، فَذَهَبَ حَقُّهُ ، كَمَا لَوْ تَلِفَ فِي يَدِهِ ، وَالتَّرِكَةُ فِي يَدِ الْوَرَثَةِ غَيْرُ مَضْمُونَةٍ عَلَيْهِمْ ؛ لِأَنَّهَا حَصَلَتْ فِي أَيْدِيهِمْ بِغَيْرِ فِعْلِهِمْ ، وَلَا تَفْرِيطِهِمْ ، فَلَمْ يَضْمَنُوا شَيْئًا .\rوَإِنْ تَلِفَ الْمَالُ كُلُّهُ سِوَاهُ فَهُوَ لِلْمُوصَى لَهُ ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْوَرَثَةِ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ لِتَعْيِينِهِ لِلْمُوصَى لَهُ ، وَذَلِكَ يَمْلِكُ أَخْذَهُ بِغَيْرِ رِضَاهُمْ وَإِذْنِهِمْ ، فَكَانَ حَقُّهُ فِيهِ دُونَ سَائِرِ الْمَالِ ، وَحُقُوقُهُمْ فِي سَائِرِ الْمَالِ دُونَهُ ، فَأَيُّهُمَا تَلِفَ حَقُّهُ لَمْ يُشَارِكْ الْآخَرَ فِي حَقِّهِ ، كَمَا لَوْ كَانَ التَّلَفُ بَعْدَ أَنْ أَخَذَهُ الْمُوصَى لَهُ وَقَبَضَهُ ، وَكَالْوَرَثَةِ إذَا اقْتَسَمُوا ، ثُمَّ تَلِفَ نَصِيبُ أَحَدِهِمْ .\rقَالَ أَحْمَدُ ، فِي مَنْ خَلَّفَ مِائَتَيْ دِينَارٍ وَعَبْدًا قِيمَتُهُ مِائَةٌ ، وَوَصَّى لَرَجُلٍ بِالْعَبْدِ ، فَسُرِقَتْ الدَّنَانِيرُ بَعْدَ الْمَوْتِ : فَالْعَبْدُ لِلْمُوصَى لَهُ بِهِ .","part":13,"page":304},{"id":6304,"text":"فَصْلٌ : وَإِنْ وَصَّى لَهُ بِمُعَيَّنٍ ، فَاسْتُحِقَّ بَعْضُهُ أَوْ هَلَكَ ، فَلَهُ مَا بَقِيَ مِنْهُ ، إنْ حَمَلَهُ الثُّلُثُ ، وَإِنْ وَصَّى لَهُ بِثُلُثِ عَبْدٍ أَوْ ثُلُثِ دَارٍ ، فَاسْتُحِقَّ الثُّلُثَانِ مِنْهُ ، فَالثُّلُثُ الْبَاقِي لِلْمُوصَى لَهُ .\rوَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ ؛ لِأَنَّ الْبَاقِيَ كُلَّهُ مُوصًى بِهِ ، وَقَدْ خَرَجَ مِنْ الثُّلُثِ ، فَاسْتَحَقَّهُ الْمُوصَى لَهُ ، كَمَا لَوْ كَانَ شَيْئًا مُعَيَّنًا .\rوَإِنْ وَصَّى لَهُ بِثُلُثِ ثَلَاثَةِ أَعْبُدٍ ، فَهَلَكَ عَبْدَانِ ، أَوْ اُسْتُحِقَّا ، فَلَيْسَ لَهُ إلَّا ثُلُثُ الْبَاقِي .\rوَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوصِ لَهُ مِنْ الْبَاقِي بِأَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةٍ ، وَقَدْ شَرَكَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ وَرَثَتِهِ فِي اسْتِحْقَاقِهِ .","part":13,"page":305},{"id":6305,"text":"( 4801 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَمَنْ أَوْصَى لَهُ بِشَيْءٍ فَلَمْ يَأْخُذْهُ زَمَانًا ، قُوِّمَ وَقْتَ الْمَوْتِ ، لَا وَقْتَ الْأَخْذِ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الِاعْتِبَارَ فِي قِيمَةِ الْمُوصَى بِهِ وَخُرُوجِهَا مِنْ الثُّلُثِ ، أَوْ عَدَمِ خُرُوجِهَا ، بِحَالَةِ الْمَوْتِ ؛ لِأَنَّهَا حَالُ لُزُومِ الْوَصِيَّةِ ، فَتُعْتَبَرُ قِيمَةُ الْمَالِ فِيهَا .\rوَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ .\rوَلَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا .\rفَيُنْظَرُ ؛ فَإِنْ كَانَ الْمُوصَى بِهِ وَقْتَ الْمَوْتِ ثُلُثَ التَّرِكَةِ ، أَوْ دُونَهُ ، نَفَذَتْ الْوَصِيَّةُ ، وَاسْتَحَقَّهُ الْمُوصَى لَهُ كُلَّهُ .\rفَإِنْ زَادَتْ قِيمَتُهُ حَتَّى صَارَ مُعَادِلًا لِسَائِرِ الْمَالِ ، أَوْ أَكْثَرَ مِنْهُ ، أَوْ هَلَكَ الْمَالُ كُلُّهُ سِوَاهُ ، فَهُوَ لِلْمُوصَى لَهُ ، لَا شَيْءَ لِلْوَرَثَةِ فِيهِ .\rفَإِنْ كَانَ حِينَ الْمَوْتِ زَائِدًا عَنْ الثُّلُثِ ، فَلِلْمُوصَى لَهُ مِنْهُ قَدْرُ ثُلُثِ الْمَالِ .\rفَإِنْ كَانَ نِصْفَ الْمَالِ ، فَلِلْمُوصَى لَهُ ثُلُثَاهُ .\rوَإِنْ كَانَ ثُلُثَيْهِ ، فَلِلْمُوصَى لَهُ نِصْفُهُ .\rوَإِنْ كَانَ نِصْفَ الْمَالِ وَثُلُثَهُ ، فَلِلْمُوصَى لَهُ خُمُسَاهُ .\rفَإِنْ نَقَصَ بَعْدَ ذَلِكَ أَوْ زَادَ ، أَوْ نَقَصَ سَائِرُ الْمَالِ أَوْ زَادَ ، فَلَيْسَ لِلْمُوصَى لَهُ سِوَى مَا كَانَ لَهُ حِينَ الْمَوْتِ .\rفَلَوْ وَصَّى بِعَبْدٍ قِيمَتُهُ مِائَةٌ ، وَلَهُ مِائَتَانِ ، فَزَادَتْ قِيمَتُهُ بَعْدَ الْمَوْتِ حَتَّى صَارَ يُسَاوِي مِائَتَيْنِ ، فَهُوَ لِلْمُوصَى لَهُ كُلُّهُ .\rوَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ حِينَ الْمَوْتِ مِائَتَيْنِ ، لِلْمُوصَى لَهُ ثُلُثَاهُ ؛ لِأَنَّهُمَا ثُلُثُ الْمَالِ .\rفَإِنْ نَقَصَتْ قِيمَتُهُ بَعْدَ الْمَوْتِ حَتَّى صَارَ يُسَاوِي مِائَةً لَمْ يَزِدْ حَقُّ الْمُوصَى لَهُ عَنْ ثُلُثِهِ شَيْئًا ، إلَّا أَنْ يُجِيزَ الْوَرَثَةُ .\rوَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ أَرْبَعَمِائَةٍ ، فَلِلْمُوصَى لَهُ نِصْفُهُ ، لَا يُزَادُ حَقُّهُ عَنْ ذَلِكَ ، سَوَاءٌ نَقَصَ الْعَبْدُ أَوْ زَادَ .\rأَوْ نَقَصَ الْمَالُ أَوْ زَادَ .","part":13,"page":306},{"id":6306,"text":"( 4802 ) فَصْلٌ : وَالْعَطَايَا فِي مَرَضِهِ يُعْتَبَرُ خُرُوجُهَا مِنْ الثُّلُثِ حِينَ الْمَوْتِ .\rنَقَلَ صَالِحُ بْنُ أَحْمَدَ عَنْ أَبِيهِ ، فِي مَنْ لَهُ أَلْفُ دِرْهَمٍ ، وَعَبْدٌ قِيمَتُهُ أَلْفٌ ، فَأَعْتَقَ الْعَبْدَ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ ، وَأَنْفَقَ الدَّرَاهِمَ : عَتَقَ مِنْ الْعَبْدِ ثُلُثُهُ .\rفَاعْتَبَرَ مَالَهُ حِينَ الْمَوْتِ مِنْ الْعَبْدِ لَا فِيمَا قَبْلَهُ ، فَلَمَّا لَمْ يَكُنْ لَهُ حِينَ الْمَوْتِ إلَّا الْعَبْدُ ، لَمْ يُعْتَقْ مِنْهُ إلَّا ثُلُثُهُ ، وَلَوْ لَمْ يَتْلَفْ الْأَلْفُ ، لَعَتَقَ مِنْهُ ثُلُثَاهُ .\rوَلَوْ زَادَ مَالُهُ قَبْلَ مَوْتِهِ حَتَّى بَلَغَ أَلْفَيْنِ ، لَعَتَقَ الْعَبْدُ كُلُّهُ لِخُرُوجِهِ مِنْ الثُّلُثِ .\rوَإِنْ كَسَبَ الْعَبْدُ شَيْئًا ، كَانَ كَسْبُهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْوَرَثَةِ ، عَلَى قَدْرِ مَا فِيهِ مِنْ الْحُرِّيَّةِ وَالرِّقِّ ، وَيَدْخُلُهُ الدَّوْرُ .\rوَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ فِيمَا مَضَى .\rوَإِنْ تَلَفَ مِنْ التَّرِكَةِ شَيْءٌ بِفِعْلٍ مَضْمُونٍ عَلَى الْوَرَثَةِ ، حُسِبَ عَلَيْهِمْ مِنْ التَّرِكَةِ .","part":13,"page":307},{"id":6307,"text":"( 4803 ) فَصْلٌ : وَإِنْ وَصَّى بِمُعَيَّنٍ حَاضِرٍ ، وَسَائِرِ مَالِهِ دِينٌ أَوْ غَائِبٌ ، فَلَيْسَ لِلْوَصِيِّ أَخْذُ الْمُعَيَّنِ قَبْلَ قُدُومِ الْغَائِبِ أَوْ اسْتِيفَاءِ الدَّيْنِ ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا تَلِفَ ، فَلَا تَنْفُذُ الْوَصِيَّةُ فِي الْمُعَيَّنِ كُلِّهِ .\rوَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ أَنَّ لِلْوَصِيِّ ثُلُثَ الْمُعَيَّنِ .\rذَكَرَهُ فِي الْمُدَبَّرِ .\rوَقِيلَ : لَا يُدْفَعُ إلَيْهِ شَيْءٌ ؛ لِأَنَّ الْوَرَثَةَ شُرَكَاؤُهُ فِي التَّرِكَةِ ، فَلَا يَحْصُلُ لَهُ شَيْءٌ مَا لَمْ يَحْصُلْ لِلْوَرَثَةِ مِثْلُهُ ، وَلَمْ يَحْصُلْ لَهُمْ شَيْءٌ .\rوَهَذَا وَجْهٌ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ .\rوَالصَّحِيحُ أَنَّ لَهُ الثُّلُثَ ؛ لِأَنَّ حَقَّهُ فِيهِ مُسْتَقِرٌّ ، فَوَجَبَ تَسْلِيمُهُ إلَيْهِ ، لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ فِي وَقْفِهِ ، كَمَا لَوْ لَمْ يُخْلِفْ غَيْرَ الْمُعَيَّنِ .\rوَلِأَنَّهُ لَوْ تَلِفَ سَائِرُ الْمَالِ ، لَوَجَبَ تَسْلِيمُ ثُلُثِ الْمُعَيَّنِ إلَى الْوَصِيِّ ، وَلَيْسَ تَلَفُ الْمَالِ سَبَبًا لِاسْتِحْقَاقِ الْوَصِيَّةِ وَتَسْلِيمِهَا ، وَلَا يَمْنَعُ نُفُوذَ الْوَصِيَّةِ فِي الثُّلُثِ الْمُسْتَقِرِّ ، وَإِنْ لَمْ يَنْتَفِعْ الْوَرَثَةُ بِشَيْءٍ ، كَمَا لَوْ أَبْرَأَ مُعْسِرًا مِنْ دَيْنٍ عَلَيْهِ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : يُخَيَّرُ الْوَرَثَةُ بَيْنَ دَفْعِ الْعَيْنِ الْمُوصَى بِهَا ، وَبَيْنَ جَعْلِ وَصِيَّتِهِ بِثُلُثِ الْمَالِ ؛ لِأَنَّ الْمُوصِيَ كَانَ لَهُ أَنْ يُوصِيَ بِثُلُثِ مَالِهِ ، فَعَدَلَ إلَى الْمُعَيَّنِ .\rوَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى أَنْ يَأْخُذَ الْمُوصَى لَهُ الْمُعَيَّنَ ، فَيَنْفَرِدَ بِالتَّرِكَةِ عَلَى تَقْدِيرِ تَلَفِ الْبَاقِي قَبْلَ وُصُولِهِ إلَى الْوَرَثَة ، فَيُقَالُ لِلْوَرَثَةِ : إنْ رَضِيتُمْ بِذَلِكَ ، وَإِلَّا فَعُودُوا إلَى مَا كَانَ لَهُ أَنْ يُوصِيَ بِهِ ، وَهُوَ الثُّلُثُ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ أَوْصَى بِمَا لَا يَزِيدُ عَلَى الثُّلُثِ لِأَجْنَبِيٍّ ، فَوَقَعَ لَازِمًا ، كَمَا لَوْ وَصَّى لَهُ بِمُشَاعٍ .\rوَمَا قَالَهُ لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ جَعْلَ حَقِّهِ فِي قَدْرِ الثُّلُثِ إشَاعَةٌ ، وَإِبْطَالٌ لِمَا عَيَّنَهُ ، فَلَا يَجُوزُ إسْقَاطُ مَا عَيَّنَهُ الْمُوصِي لِلْمُوصَى لَهُ ، وَنَقْلُ حَقِّهِ","part":13,"page":308},{"id":6308,"text":"إلَى مَا لَمْ يُوصِ بِهِ ، كَمَا لَوْ وَصَّى لَهُ بِمُشَاعٍ ، لَمْ يَجُزْ نَقْلُهُ إلَى مُعَيَّنٍ ، وَكَمَا لَوْ كَانَ الْمَالُ كُلُّهُ حَاضِرًا أَوْ غَائِبًا .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّ لِلْمُوصَى لَهُ ثُلُثَ الْمُعَيَّنِ الْحَاضِرِ ، وَكُلَّمَا اُقْتُضِيَ مِنْ دَيْنِهِ شَيْءٌ أَوْ حَضَرَ مِنْ الْغَائِبِ شَيْءٌ فَلِلْمُوصَى لَهُ بِقَدْرِ ثُلُثِهِ مِنْ الْمُوصَى بِهِ ، كَذَلِكَ حَتَّى يَكْمُلَ لِلْمُوصَى لَهُ الثُّلُثُ ، أَوْ يَأْخُذَ الْمُعَيَّنَ كُلَّهُ .\rفَلَوْ خَلَّفَ تِسْعَةً عَيْنًا ، وَعِشْرِينَ دَيْنًا وَابْنًا ، وَوَصَّى بِالتِّسْعَةِ لَرَجُلٍ ، فَلِلْوَصِيِّ ثُلُثُهَا ثَلَاثَةٌ ، وَكُلَّمَا اُقْتُضِيَ مِنْ الدَّيْنِ شَيْءٌ فَلِلْوَصِيِّ ثُلُثُهُ ، فَإِذَا اُقْتُضِيَ ثُلُثُهُ فَلَهُ مِنْ التِّسْعَةِ وَاحِدٌ ، حَتَّى يَقْتَضِيَ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ ، فَيَكْمُلُ لَهُ التِّسْعَةُ .\rوَإِنْ جَحَدَ الْغَرِيمُ ، أَوْ مَاتَ ، أَوْ يَئِسَ مِنْ اسْتِيفَاءِ الدِّينِ ، أَخَذَ الْوَرَثَةُ السِّتَّةَ الْبَاقِيَةَ مِنْ الْعَيْنِ .\rوَلَوْ كَانَ الدَّيْنُ تِسْعَةً ، فَإِنَّ الِابْنَ يَأْخُذُ ثُلُثَ الْعَيْنِ ، وَيَأْخُذُ الْوَصِيُّ ثُلُثَهَا ، وَيَبْقَى ثُلُثُهَا مَوْقُوفًا ، كُلَّمَا اُسْتُوْفِيَ مِنْ الدَّيْنِ شَيْءٌ فَلِلْوَصِيِّ مِنْ الْعَيْنِ قَدْرُ ثُلُثِهِ ، فَإِذَا اُسْتُوْفِيَ الدَّيْنُ كُلُّهُ ، كُمِّلَ لِلْمُوصَى لَهُ سِتَّةٌ ، وَهِيَ ثُلُثُ الْجَمِيعِ .\rوَإِنْ كَانَتْ الْوَصِيَّةُ بِنِصْفِ الْعَيْنِ ، أَخَذَ الْوَصِيُّ ثُلُثَهَا ، وَأَخَذَ الِابْنُ نِصْفَهَا ، وَبَقِيَ سُدُسُهَا مَوْقُوفًا ، فَمَتَى اقْتَضَى مِنْ الدَّيْنِ مِثْلَيْهِ ، كَمُلَتْ الْوَصِيَّةُ .","part":13,"page":309},{"id":6309,"text":"( 4804 ) فَصْلٌ : فَإِنْ كَانَ الدَّيْنُ مِثْلَ الْعَيْنِ ، فَوَصَّى لَرَجُلٍ بِثُلُثِهِ ، فَلَا شَيْءَ لَهُ قَبْلَ اسْتِيفَاءِ الْوَصِيَّةِ ، فَكُلَّمَا اُقْتُضِيَ مِنْهُ شَيْءٌ فَلَهُ ثُلُثُهُ ، وَلِلِابْنِ ثُلُثَاهُ .\rوَهَذَا أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ فِي الْآخَرِ : هُوَ أَحَقُّ بِمَا يَخْرُجُ مِنْ الدَّيْنِ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ وَصِيَّتَهُ .\rوَهَذَا قَوْلُ أَهْلِ الْعِرَاقِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَخْرُجُ مِنْ ثُلُثِ الْمَالِ الْحَاضِرِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الْوَرَثَةَ شُرَكَاؤُهُ فِي الدَّيْنِ ، وَلَيْسَ مَعَهُمْ شَرِكَةٌ فِي الْعَيْنِ ، فَلَا يَخْتَصُّ بِمَا خَرَجَ مِنْهُ دُونَهُمْ ، كَمَا لَوْ كَانَ شَرِيكُهُ فِي الدَّيْنِ وَصِيًّا آخَرَ ، أَوْ كَمَا لَوْ وَصَّى لَرَجُلٍ بِالْعَيْنِ ، وَلَهُ وَلِآخَرَ بِالدَّيْنِ ، فَإِنَّ الْمُنْفَرِدَ بِوَصِيَّةِ الدَّيْنِ لَا يَخْتَصُّ بِمَا خَرَجَ مِنْهُ لَهُ دُونَ صَاحِبِهِ ، كَذَا هَاهُنَا .","part":13,"page":310},{"id":6310,"text":"( 4805 ) فَصْلٌ : وَلَوْ وَصَّى لَرَجُلٍ بِثُلُثِ مَالِهِ ، وَلَهُ مِائَتَانِ دَيْنًا ، وَعَبْدٌ يُسَاوِي مِائَةً ، وَوَصَّى لِآخَرَ بِثُلُثِ الْعَبْدِ ، اقْتَسَمَا ثُلُثَ الْعَبْدِ نِصْفَيْنِ ، وَكُلَّمَا اُقْتُضِيَ مِنْ الدَّيْنِ شَيْءٌ ، فَلِلْمُوصَى لَهُ بِثُلُثِ الْمَالِ رُبْعُهُ ، وَلَهُ وَلِلْآخَرِ مِنْ الْعَبْدِ بِقَدْرِ رُبُعِ مَا اُسْتُوْفِيَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ .\rفَإِذَا اُسْتُوْفِيَ الدَّيْنُ كُلُّهُ كُمِّلَ لِلْوَصِيَّيْنِ نِصْفُ الْعَبْدِ .\rوَلِصَاحِبِ الثُّلُثِ رُبُعُ الْمِائَتَيْنِ وَذَلِكَ هُوَ ثُلُثُ الْمَالِ .\rوَإِنْ اُسْتُوْفِيَ الدَّيْنُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ قُسِمَا بَيْنَهُمَا كَذَلِكَ ، لِلْمُوصَى لَهُ بِالثُّلُثِ رُبُعُ الْمِائَتَيْنِ وَرُبُعُ الْعَبْدِ ، وَلِلْمُوصَى لَهُ بِثُلُثِ الْعَبْدِ ، رُبْعُهُ ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّتَيْنِ أَرْبَعَةُ أَتْسَاعِ الْمَالِ ، وَالْجَائِزُ مِنْهُمَا ثُلُثُ الْمَالِ ، وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَتْسَاعٍ ، وَذَلِكَ ثَلَاثَةٌ أَرْبَاعِ وَصِيَّتِهِمَا ، فَرَدَدْنَا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إلَى ثَلَاثَةِ أَرْبَاعِ وَصِيَّتِهِ ، وَهِيَ رُبُعُ الْمَالِ كُلِّهِ لِصَاحِبِ ثُلُثِهِ ، وَرُبْعُ الْعَبْدِ لِصَاحِبِ ثُلُثِهِ .\rوَفِي الْمَسْأَلَةِ أَقْوَالٌ سِوَى مَا قُلْنَاهُ ، تَرَكْنَاهَا لِطُولِهَا ، وَهَذَا أَسَدُهَا ، إنْ شَاءَ اللَّهُ ؛ أَلَا أَنَّنَا أَدْخَلْنَا النَّقْصَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِقَدْرِ مَا لَهُ فِي الْوَصِيَّةِ ، وَكَمَّلْنَا لَهُمَا الثُّلُثَ ، وَإِنْ أُجِيزَ لَهُمَا أَخْذُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا بَقِيَ مِنْ وَصِيَّتِهِ ، وَهُوَ رُبُعُهَا ، فَيُكَمَّلُ ثُلُثُ الْمَالِ لِصَاحِبِهِ ، وَثُلُثُ الْعَبْدِ لِلْآخِرِ .","part":13,"page":311},{"id":6311,"text":"( 4806 ) فَصْلٌ : وَإِنْ خَلَّفَ ابْنَيْنِ ، وَتَرَكَ عَشْرَةً عَيْنًا ، وَعَشْرَةً دَيْنًا عَلَى أَحَدِ ابْنَيْهِ ، وَهُوَ مُعْسِرٌ ، وَوَصَّى لِأَجْنَبِيٍّ بِثُلُثِ مَالِهِ ، فَإِنَّ الْوَصِيَّ وَالِابْنَ الَّذِي لَا دَيْنَ عَلَيْهِ يَقْتَسِمَانِ الْعَشَرَةَ الْعَيْنَ نِصْفَيْنِ ، وَيَسْقُطُ عَنْ الْمَدِينِ ثُلُثَا دَيْنِهِ ، وَيَبْقَى لَهُمَا عَلَيْهِ ثُلُثُهُ ، فَإِنْ كَانَتْ الْوَصِيَّةُ بِالرُّبُعِ ، قَسَمَتْ الْعَشَرَةُ الْعَيْنُ بَيْنَهُمَا أَخْمَاسًا ، لِلْمُوصِي خُمُسَاهَا أَرْبَعَةٌ ، وَلِلِابْنِ سِتَّةٌ ، وَسَقَطَ عَنْ الْمَدِينِ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ دَيْنِهِ ، وَبَقِيَ عَلَيْهِ رُبُعُهُ ، فَإِذَا اسْتَوْفَى قُسِمَ بَيْنَهُمَا أَخْمَاسًا ، كَمَا قُسِمَ الْعَيْنُ ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ بِالرُّبُعِ ، وَهُوَ ثُمُنَانِ ، وَيَبْقَى سِتَّةُ أَثْمَانٍ ، لِكُلِّ ابْنٍ ثَلَاثَةُ أَثْمَانٍ ، فَصَارَ نَصِيبُ الْوَصِيِّ وَالِابْنِ الَّذِي لَا دَيْنَ عَلَيْهِ خَمْسَةَ أَثْمَانٍ ، لِلِابْنِ ثَلَاثَةٌ ، وَلِلْوَصِيِّ سَهْمَانِ ، فَلِذَلِكَ قَسَمْنَا الْعَيْنَ وَمَا حُصِلَ لَهُمَا مِنْ الدَّيْنِ بَيْنَهُمَا أَخْمَاسًا ، وَسَقَطَ عَنْ الْمَدِينِ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ مَا عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ لَهُ ثَلَاثَةَ أَثْمَانٍ ، وَهِيَ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ النِّصْفِ الَّذِي عَلَيْهِ .","part":13,"page":312},{"id":6312,"text":"( 4807 ) فَصْلٌ : وَنَمَاءُ الْعَيْنِ الْمُوصَى بِهَا إنْ كَانَ مُتَّصِلًا كَالسَّمْنِ ، وَتَعْلِيمِ صَنْعِهِ ، فَهُوَ تَابِعٌ لِلْعَيْنِ ، وَيَكُونُ لِلْمُوصَى لَهُ إذَا احْتَمَلَهُ الثُّلُثُ .\rوَإِنْ كَانَ مُنْفَصِلًا ، كَالْوَلَدِ وَالثَّمَرَةِ فِي حَيَاةِ الْمُوصِي ، فَهُوَ لَهُ ، يَصِيرُ إلَى وَرَثَتِهِ ؛ لِأَنَّهُ مَلَكَهُ .\rوَمَا حَدَثَ بَعْدَ الْمَوْتِ وَقَبْلَ الْقَبُولِ ، فَيَنْبَنِي عَلَى الْمَلِكِ فِي الْمُوصَى لَهُ .\rوَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لِلْوَرَثَةِ .\rوَالْآخَرُ هُوَ لِلْمُوصَى لَهُ ، فَيَكُونُ النَّمَاءُ لِمَنْ الْمِلْكُ لَهُ .","part":13,"page":313},{"id":6313,"text":"( 4808 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِذَا أَوْصَى بِوَصَايَا فِيهَا عَتَاقَةٌ ، فَلَمْ يَفِ الثُّلُثُ بِالْكُلِّ ، تُحَاصُوا فِي الثُّلُثِ ، وَأُدْخِلَ النَّقْصُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِقَدْرِ مَا لَهُ فِي الْوَصِيَّةِ ) أَمَّا إذَا خَلَتْ الْوَصَايَا مِنْ الْعِتْقِ ، وَتَجَاوَزَتْ الثُّلُثَ ، وَرَدَّ الْوَرَثَةُ الزِّيَادَةَ ، فَإِنَّ الثُّلُثَ يُقْسَمُ بَيْنَ الْمُوصَى لَهُمْ عَلَى قَدْرِ وَصَايَاهُمْ ، وَيَدْخُلُ النَّقْصُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ بِقَدْرِ مَا لَهُ مِنْ الْوَصِيَّةِ عَلَى مِثَالِ مَسَائِلِ الْعَوْلِ إذَا زَادَتْ الْفُرُوضُ عَنْ الْمَالِ .\rفَلَوْ وَصَّى لَرَجُلٍ بِثُلُثِ مَالِهِ ، وَلِآخَرَ بِمِائَةٍ ، وَلِآخَرَ بِمُعَيَّنٍ قِيمَتُهُ خَمْسُونَ ، وَوَصَّى بِفِدَاءِ أَسِيرٍ بِثَلَاثِينَ ، وَلِعِمَارَةِ مَسْجِدٍ بِعِشْرِينَ ، وَثُلُثُ مَالِهِ مِائَةٌ ، جَمَعْت الْوَصَايَا كُلَّهَا فَوَجَدْتهَا ثَلَاثَمِائَةٍ ، وَنَسَبْت مِنْهَا الثُّلُثَ ، فَتَجِدُهُ ثُلُثَهَا ، فَتُعْطِي كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ثُلُثَ وَصِيَّتِهِ ، فَلِصَاحِبِ الثُّلُثِ ثُلُثُ الْمِائَةِ ، وَكَذَلِكَ لِصَاحِبِ الْمِائَةِ ، وَيَرْجِعُ صَاحِبُ الْخَمْسِينَ إلَى ثُلُثِهَا ، وَلِفِدَاءِ الْأَسِيرِ عَشْرَةٌ ، وَلِعِمَارَةِ الْمَسْجِدِ سِتَّةٌ ، وَثُلُثَانِ .\rفَأَمَّا إنْ كَانَ فِيهَا عِتْقٌ ، فَعَنْ أَحْمَدَ فِيهَا رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، أَنْ يُقَسَّمَ الثُّلُثُ بَيْنَ جَمِيعِ الْوَصَايَا بِالْعِتْقِ وَغَيْرِهِ سَوَاءٌ ، وَيُقَسَّمُ بَيْنَهُمْ عَلَى مَا ذَكَرْنَا .\rوَهَذَا قَوْلُ ابْنِ سِيرِينَ ، وَالشَّعْبِيِّ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ؛ لِأَنَّهُمْ تَسَاوَوْا فِي سَبَبِ الِاسْتِحْقَاقِ ، فَتُسَاوَوْا فِيهِ كَسَائِرِ الْوَصَايَا .\rوَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ ، يُقَدَّمُ الْعِتْقُ وَيُبْدَأُ بِهِ ، فَإِنْ فَضَلَ مِنْهُ شَيْءٌ ، قُسِّمَ بَيْنَ سَائِرِ أَهْلِ الْوَصَايَا عَلَى قَدْرِ وَصَايَاهُمْ .\rوَرُوِيَ هَذَا عَنْ عُمَرَ ، وَبِهِ قَالَ شُرَيْحٌ ، وَمَسْرُوقٌ ، وَعَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ ، وَقَتَادَةُ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ؛ لِأَنَّ فِيهِ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى وَحَقًّا لِآدَمِيٍّ ، فَكَانَ آكَدَ ، وَلِأَنَّهُ لَا يَلْحَقُهُ فَسْخٌ ، وَيَلْحَقُ","part":13,"page":314},{"id":6314,"text":"غَيْرَهُ ذَلِكَ ، وَلِأَنَّهُ أَقْوَى بِدَلِيلِ سِرَايَتِهِ وَنُفُوذِهِ مِنْ الرَّاهِنِ وَالْمُفْلِسِ .\rوَرُوِيَ عَنْ الْحَسَنِ ، وَالشَّافِعِيِّ كَالرِّوَايَتَيْنِ .","part":13,"page":315},{"id":6315,"text":"( 4809 ) فَصْلٌ : وَالْعَطَايَا الْمُعَلَّقَةُ بِالْمَوْتِ ، كَقَوْلِهِ : إذَا مِتّ فَأَعْطُوا فُلَانًا كَذَا .\rأَوْ أَعْتِقُوا فُلَانًا .\rوَنَحْوَهُ ، وَصَايَا حُكْمُهَا حُكْمُ غَيْرِهَا مِنْ الْوَصَايَا فِي التَّسْوِيَةِ بَيْنَ مُقَدَّمِهَا وَمُؤَخَّرِهَا .\rوَالْخِلَافُ فِي تَقْدِيمِ الْعِتْقِ مِنْهَا ، بِخِلَافِ الْعَطَايَا الْمُنَجَّزَةِ ، فَإِنَّهُ يُقَدَّمُ الْأَوَّلُ مِنْهَا فَالْأَوَّلُ ؛ لِأَنَّهَا تَلْزَمُ بِالْفِعْلِ ، وَالْمُؤَخَّرَةُ تَلْزَمُ بِالْمَوْتِ ، فَتَتَسَاوَى كُلُّهَا .","part":13,"page":316},{"id":6316,"text":"( 4810 ) فَصْلٌ : وَإِذَا أَوْصَى بِعِتْقِ عَبْدِهِ ، لَزِمَ الْوَارِثَ إعْتَاقُهُ ، فَإِنْ أَبَى أَجْبَرَهُ الْحَاكِمُ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ وَاجِبٌ عَلَيْهِ ، فَأُجْبِرَ عَلَيْهِ ، كَتَنْفِيذِ الْوَصِيَّةِ بِالْعَطِيَّةِ ، فَإِنْ أَعْتَقَهُ الْوَارِثُ أَوْ الْحَاكِمُ ، فَهُوَ حُرٌّ مِنْ حِينَ أَعْتَقَهُ ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ عَتَقَ ، وَوَلَاؤُهُ لِلْمُوصِي ؛ لِأَنَّهُ السَّبَبُ ، وَهَؤُلَاءِ نُوَّابٌ عَنْهُ ، وَلِهَذَا لَزِمَهُمْ إعْتَاقُهُ كُرْهًا .\rوَإِنْ كَانَتْ الْوَصِيَّةُ بِعِتْقِهِ إلَى غَيْرِ الْوَارِثِ ، كَانَ الْإِعْتَاقُ ، إلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ نَائِبُ الْمُوصِي فِي إعْتَاقِهِ ، فَلَمْ يَمْلِكْ ذَلِكَ غَيْرُهُ إذَا لَمْ يَمْتَنِعْ مِنْهُ ، كَالْوَكِيلِ فِي الْحَيَاةِ .","part":13,"page":317},{"id":6317,"text":"( 4811 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَمَنْ أَوْصَى بِفَرَسٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَأَلْفِ دِرْهَمٍ تُنْفَقُ عَلَيْهِ ، فَمَاتَ الْفَرَسُ ، كَانَتْ الْأَلْفُ لِلْوَرَثَةِ وَإِنْ أُنْفِقَ بَعْضُهَا ، رُدَّ الْبَاقِي إلَى الْوَرَثَةِ ) إنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ عَيَّنَ لِلْوَصِيَّةِ جِهَةً ، فَإِذَا فَاتَتْ ، عَادَ الْمُوصَى لَهُ إلَى الْوَرَثَةِ ، كَمَا لَوْ أَوْصَى بِشِرَاءِ عَبْدِ زَيْدٍ يُعْتَقُ ، فَمَاتَ الْعَبْدُ ، أَوْ لَمْ يَبِعْهُ سَيِّدُهُ .\rوَإِنْ أُنْفِقَ بَعْضُ الدَّرَاهِمِ ، ثُمَّ مَاتَ الْفَرَسُ ، بَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ فِي الْبَاقِي ، كَمَا لَوْ وَصَّى بِشِرَاءِ عَبْدَيْنِ ، فَمَاتَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ شِرَائِهِ .\rقَالَ الْأَثْرَمُ : سَمِعْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يُسْأَلُ عَنْ رَجُلٍ أَوْصَى بِأَلْفِ دِرْهَمٍ فِي السَّبِيلِ ، أَيُجْعَلُ فِي الْحَجِّ مِنْهَا شَيْءٌ ؟ فَقَالَ : لَا إنَّمَا يَعْرِفُ النَّاسُ السَّبِيلَ الْغَزْوَ .","part":13,"page":318},{"id":6318,"text":"( 4812 ) فَصْلٌ : وَإِذَا قَالَ : يَخْدِمُ عَبْدِي فُلَانًا سَنَةٌ ، ثُمَّ هُوَ حُرٌّ .\rصَحَّتْ الْوَصِيَّةُ ، فَإِنْ قَالَ الْمُوصَى لَهُ بِالْخِدْمَةِ : لَا أَقْبَلُ الْوَصِيَّةَ .\rأَوْ قَالَ : قَدْ وَهَبْت الْخِدْمَةَ لَهُ .\rلَمْ يُعْتَقْ فِي الْحَالِ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : إنْ وَهَبَ الْخِدْمَةَ لِلْعَبْدِ ، عَتَقَ فِي الْحَالِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ أَوْقَعِ الْعِتْقَ بَعْدَ مُضِيِّ السَّنَةِ ، فَلَمْ يَقَعْ قَبْلَهُ ، كَمَا لَوْ رَدَّ الْوَصِيَّةَ .","part":13,"page":319},{"id":6319,"text":"( 4813 ) فَصْلٌ : وَإِذَا أَوْصَى لِعَمِّهِ بِثُلُثِ مَالِهِ ، وَلِخَالِهِ بِعُشْرِهِ ، فَرُدَّتْ وَصِيَّتَهُمَا ، فَتَحَاصَّا فِي الثُّلُثِ ، فَأَصَابَ الْخَالَ سِتَّةٌ ، فَاضْرِبْ الَّذِي أَصَابَهُ فِي وَصِيَّتِهِ ، وَذَلِكَ سِتَّةٌ فِي عَشْرَةٍ ، تَكُنْ سِتِّينَ ، وَاقْسِمْهُ عَلَى الْفَاضِلِ بَيْنَهُمَا ، يَخْرُجْ بِالْقَسْمِ خَمْسَةَ عَشَرَ ، فَهِيَ الثُّلُثُ .\rوَإِنْ شِئْت قُلْت قَدْ أَصَابَ الْخَالَ ثَلَاثَةُ أَخْمَاسِ وَصِيَّتِهِ ، يَبْقَى مِنْ الثُّلُثِ خُمُسَاهُ ، وَهِيَ تَعْدِلُ مَا أَصَابَ الْخَالَ ، فَزِدْ عَلَى مَا أَصَابَ الْخَالَ مِثْلَ نِصْفِهِ ، وَهُوَ ثُلُثُهُ ، يَصِرْ تِسْعَةً ، فَهِيَ لِلَّذِي أَصَابَ الْعَمَّ .\rوَإِنْ قَالَ : أَصَابَ الْعَمَّ الرُّبُعُ ، فَقَدْ أَصَابَهُ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ وَصِيَّتِهِ ، وَبَقِيَ مِنْ الثُّلُثِ نِصْفُ سُدُسٍ ، يَعْدِلُ ثَلَاثَةَ أَرْبَاعِ وَصِيَّةِ الْخَالِ ، وَذَلِكَ سَبْعَةٌ وَنِصْفٌ ، وَلِلْعَمِّ ثَلَاثَةُ أَمْثَالِهَا ، اثْنَانِ وَعِشْرُونَ وَنِصْفٌ ، وَالْمَالُ كُلُّهُ تِسْعُونَ .\rوَإِنْ قَالَ : أَصَابَ الْخَالَ خُمُسُ الْمَالِ ، فَقَدْ بَقِيَ مِنْ الثُّلُثِ خُمُسَاهُ لِلْعَمِّ ، فَيَكُونُ الْحَاصِلُ لِلْخَالِ خُمُسَا وَصِيَّتِهِ أَيْضًا .\rوَذَلِكَ أَرْبَعَةُ دَنَانِيرَ ، وَوَصِيَّةُ الْعَمِّ مِثْلُ ثُلُثَيْهَا ، دِينَارَانِ وَثُلُثَانِ ، وَالثُّلُثُ كُلُّهُ سِتَّةٌ وَثُلُثَانِ ، وَالْمَالُ كُلُّهُ عِشْرُونَ .\rفَإِنْ كَانَ مَعَهُمَا وَصِيَّةٌ بِسُدُسِ الْمَالِ ، وَأَصَابَ الْخَالَ سِتَّةٌ ، فَهِيَ ثَلَاثَةُ أَخْمَاسِ وَصِيَّتِهِ ، فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْآخَرِينَ ثَلَاثَةُ أَخْمَاسِ وَصِيَّتِهِ ، وَذَلِكَ تِسْعَةُ أَعْشَارِ الثُّلُثِ ، يَبْقَى مِنْهُ عُشْرٌ تَعْدِلُ مَا حُصِلَ لِلْعَمِّ وَهُوَ سِتَّةٌ ، وَالثُّلُثُ سِتُّونَ .\rوَإِنْ أَصَابَ صَاحِبَ السُّدُسِ عُشْرُ الْمَالِ ، فَقَدْ أَصَابَ صَاحِبَ الثُّلُثِ خُمْسُهُ ، يَبْقَى مِنْ الثُّلُثِ أَيْضًا عُشْرُهُ ، فَهُوَ وَصِيَّةُ الْخَالِ ، وَذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَخْمَاسِ وَصِيَّتِهِ سِتَّةٌ ، فَيَكُونُ الثُّلُثُ سِتِّينَ كَمَا ذَكَرْنَا .\rنَوْعٌ آخَرُ ، خَلَّفَ ثَلَاثَةَ بَنِينَ ، وَوَصَّى لِعَمِّهِ بِمِثْلِ نَصِيبِ أَحَدِهِمْ إلَّا ثُلُثَ وَصِيَّةِ خَالِهِ","part":13,"page":320},{"id":6320,"text":"، وَلِخَالِهِ بِمِثْلِ نَصِيبِ أَحَدِهِمْ إلَّا رُبْعَ وَصِيَّةِ عَمِّهِ ، فَاضْرِبْ مَخْرَجَ الثُّلُثِ فِي مَخْرَجِ الرُّبُعِ ، يَكُنْ اثْنَيْ عَشَرَ ، اُنْقُصْهَا سَهْمًا ، يَبْقَى أَحَدَ عَشَرَ ، فَهِيَ نَصِيبُ ابْنٍ ، اُنْقُصْهَا سَهْمَيْنِ ، يَبْقَى تِسْعَةٌ ، فَهِيَ وَصِيَّةُ الْخَالِ .\rوَإِنْ نَقَصْتهَا ثَلَاثَةً ، بَقِيَ ثَمَانِيَةٌ ، فَهِيَ وَصِيَّةُ الْعَمِّ .\rوَبِالْجَبْرِ تَحْمِلُ مَعَ الْعَمِّ أَرْبَعَةَ دَرَاهِمَ ، وَمَعَ الْخَالِ ثَلَاثَةَ دَنَانِيرَ ، ثُمَّ تَزِيدُ عَلَى الدَّرَاهِمِ دِينَارًا ، وَعَلَى الدَّنَانِيرِ دِرْهَمًا ، يَبْلُغُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نَصِيبًا ، اُجْبُرْ ، وَقَابِلْ ، وَأَسْقِطْ الْمُشْتَرَكَ ، يَبْقَى مَعَك دِينَارَانِ ، تَعْدِلُ ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ ، فَاقْلِبْ وَحَوِّلْ ، تَصِرْ الدَّرَاهِمُ ثَمَانِيَةً ، وَالدَّنَانِيرُ تِسْعَةً ، كَمَا قُلْنَا .\rوَإِنْ أَوْصَى لِعَمِّهِ بِعَشْرَةٍ إلَّا رُبُعَ وَصِيَّةِ خَالِهِ ، وَلِخَالِهِ بِعَشْرَةٍ إلَّا خُمْسَ وَصِيَّةِ عَمِّهِ ، فَاضْرِبْ مَخْرَجَ الرُّبْعِ فِي مَخْرَجِ الْخُمُسِ ، يَكُنْ عِشْرِينَ ، اُنْقُصْهَا سَهْمًا ، تَكُنْ تِسْعَةَ عَشَرَ ، فَهِيَ الْمَقْسُومُ عَلَيْهِ ، ثُمَّ اجْعَلْ مَعَ الْخَالِ أَرْبَعَةً ، وَانْقُصْهَا سَهْمًا ، يَبْقَى ثَلَاثَةٌ ، اضْرِبْهَا فِي الْعَشَرَةِ ، ثُمَّ فِيمَا مَعَ الْعَمِّ ، وَهُوَ خَمْسَةٌ ، يَكُنْ مِائَةً وَخَمْسِينَ ، اقْسِمْهَا عَلَى تِسْعَةَ عَشَرَ ، يَخْرُجْ سَبْعَةٌ وَسَبْعَةَ عَشَرَ ، جُزْءًا مِنْ تِسْعَةَ عَشَرَ ، فَهِيَ وَصِيَّةُ عَمِّهِ ، وَاجْعَلْ مَعَ الْعَمِّ خَمْسَةً ، وَانْقُصْهَا سَهْمًا ، وَاضْرِبْهَا فِي عَشَرَةٍ ، ثُمَّ فِي أَرْبَعَةٍ ، تَكُنْ مِائَةٍ وَسِتِّينَ ، وَاقْسِمْهَا ، تَكُنْ ثَمَانِيَةً وَثَمَانِيَةَ أَجْزَاءٍ ، فَهِيَ وَصِيَّةُ خَالِهِ .\rطَرِيقٌ آخَرُ ، تَنْقُصُ مِنْ الْعَشَرَةِ رُبْعَهَا ، وَتَضْرِبُ الْبَاقِيَ فِي الْعِشْرِينَ ، ثُمَّ تَقْسِمُهَا عَلَى تِسْعَةَ عَشَرَ ، وَتَنْقُصُ مِنْهَا خُمُسَهَا ، وَتَضْرِبُ الْبَاقِيَ فِي عِشْرِينَ ، وَتَقْسِمُهَا ، وَبِالْجَبْرِ ، تَجْعَلُ ، وَصِيَّةَ الْخَالِ سِتًّا ، وَوَصِيَّةَ الْعَمِّ عَشْرَةً إلَّا رُبْعَ شَيْءٍ ، فَخُذْ خُمُسَهَا ، فَزِدْهُ عَلَى الشَّيْءِ ،","part":13,"page":321},{"id":6321,"text":"وَهُوَ سَهْمَانِ إلَّا نِصْفَ عُشْرِ شَيْءٍ ، يَعْدِلُ عَشْرَةً ، فَأَسْقِطْ الْمُشْتَرَكَ مِنْ الْجَانِبَيْنِ ، تَصِرْ ثَمَانِيَةً وَثَمَانِيَةَ أَجْزَاءٍ ، مِنْ تِسْعَةَ عَشَرَ ، إذَا أَسْقَطْت رُبْعَهَا مِنْ الْعَشَرَةِ ، بَقِيَتْ سَبْعَةٌ وَسَبْعَةَ عَشَرَ جُزْءًا .\rوَإِنْ وَصَّى لِعَمِّهِ بِعَشْرَةٍ إلَّا نِصْفَ وَصِيَّةِ خَالِهِ ، وَلِخَالِهِ بِعَشْرَةٍ إلَّا ثُلُثَ وَصِيَّةِ جَدِّهِ ، وَلِجَدِّهِ بِعَشْرَةٍ إلَّا رُبْعَ وَصِيَّةِ عَمِّهِ ، فَوَصِيَّةُ عَمِّهِ سِتَّةٌ وَخُمُسَانِ ، وَوَصِيَّةُ خَالِهِ سَبْعَةٌ وَخُمُسٌ ، وَوَصِيَّةُ جَدِّهِ ثَمَانِيَةٌ وَخُمُسَانِ ، وَبَابُهَا أَنْ تَضْرِبَ الْمَخَارِجَ بَعْضَهَا فِي بَعْضٍ ، فَتَضْرِبَ اثْنَيْنِ فِي ثَلَاثَةٍ ، فِي أَرْبَعَةٍ ، تَكُنْ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ ، تَزِيدُهَا وَاحِدًا تَكُنْ خَمْسَةً وَعِشْرِينَ ، فَهَذَا هُوَ الْمَقْسُومُ عَلَيْهِ ، ثُمَّ تَنْقُصُ مِنْ الِاثْنَيْنِ وَاحِدًا ، وَتَضْرِبُ وَاحِدًا فِي ثَلَاثَةٍ ، ثُمَّ تَزِيدُهَا وَاحِدًا ، وَتَضْرِبُهَا فِي أَرْبَعَةٍ ، تَكُنْ سِتَّةَ عَشَرَ ، ثُمَّ اضْرِبْهَا فِي عَشْرَةٍ ، تَكُنْ مِائَةً وَسِتِّينَ ، وَاقْسِمْهَا عَلَى خَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ يَخْرُجْ بِالْقَسْمِ سِتَّةٌ وَخُمُسَانِ ، فَهِيَ وَصِيَّةُ الْعَمِّ وَانْقُصْ الثَّلَاثَةَ وَاحِدًا يَبْقَى اثْنَانِ ، وَاضْرِبْهَا فِي الْأَرْبَعَةِ ، تَكُنْ ثَمَانِيَةً ، زِدْهَا وَاحِدًا ، وَاضْرِبْهَا فِي اثْنَيْنِ ، ثُمَّ فِي عَشْرَةٍ تَكُنْ مِائَةً وَثَمَانِينَ ، وَاقْسِمْهَا عَلَى خَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ ، ثُمَّ اُنْقُصْ مِنْ الْأَرْبَعَةِ وَاحِدًا ، وَاضْرِبْ ثَلَاثَةً فِي اثْنَيْنِ ، ثُمَّ زِدْهَا وَاحِدًا تَكُنْ سَبْعَةً ، اضْرِبْهَا فِي ثَلَاثَةٍ ، ثُمَّ فِي عَشْرَةٍ ، تَكُنْ مِائَتَيْنِ وَعَشْرَةً ، مَقْسُومَةً عَلَى خَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ .\rطَرِيقٌ آخَرُ ، تَجْعَلُ مَعَ الْعَمِّ أَرْبَعَةَ أَشْيَاءَ ، وَمَعَ الْخَالِ دِينَارَيْنِ ، وَمَعَ الْجَدِّ ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ ، ثُمَّ تَضُمُّ إلَى مَا مَعَ الْعَمِّ دِينَارًا ، وَإِلَى مَا مَعَ الْخَالِ دِرْهَمًا ، وَتُقَابِلُ مَا مَعَ أَحَدِهِمَا بِمَا مَعَ الْآخَرِ ، وَتُسْقِطُ الْمُشْتَرَكَ ، فَيَصِيرُ أَرْبَعَةَ أَشْيَاءَ ، تَعْدِلُ دِينَارًا وَدِرْهَمًا ،","part":13,"page":322},{"id":6322,"text":"فَأَسْقِطْ لَفْظَةَ الْأَشْيَاءِ ، وَاجْعَلْ مَكَانَهَا دِينَارًا أَوْ دِرْهَمًا ، ثُمَّ قَابِلْ مَا مَعَ الْخَالِ بِمَا مَعَ الْجَدِّ بَعْدَ الزِّيَادَةِ ، وَهُوَ دِينَارَانِ ، وَدِرْهَمٌ مَعَ الْخَالِ ، لِثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ وَرُبْعِ دِرْهَمٍ ، وَرُبْعُ دِينَارٍ مَعَ الْجَدِّ ، فَإِذَا أَسْقَطْت الْمُشْتَرَكَ بَقِيَ دِرْهَمَانِ وَرُبْعٌ مُعَادِلَةٌ لِلدِّينَارِ ؛ وَثَلَاثَةِ أَرْبَاعٍ ، فَابْسُطْ الْكُلَّ أَرْبَاعًا ، تَصِرْ سَبْعَةَ أَرْبَاعٍ مِنْ الدِّينَارِ ، تَعْدِلُ تِسْعَةً مِنْ الدَّرَاهِمِ ، فَاقْلِبْ ، وَاجْعَلْ الدَّرَاهِمَ سَبْعَةً ، وَالدِّينَارَ تِسْعَةً ، ثُمَّ ارْجِعْ إلَى مَا فَرَضْت ، فَتَجِدُ مَعَ الْعَمِّ دِرْهَمًا وَدِينَارًا بِسِتَّةَ عَشَرَ ، وَمَعَ الْخَالِ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ ، وَمَعَ الْجَدِّ أَحَدٌ وَعِشْرُونَ ، وَالْعَشَرَةُ الْكَامِلَةُ خَمْسٌ وَعِشْرُونَ ، وَالسِّتَّةَ عَشَرَ مِنْهَا سِتَّةٌ وَخُمُسَانِ ، وَالثَّمَانِيَةَ عَشَرَ سَبْعَةٌ وَخُمُسٌ ، وَالْأَحَدُ وَعِشْرُونَ ثَمَانِيَةٌ وَخُمُسَانِ ، فَإِنْ كَانَ مَعَهُمْ أَخٌ ، وَوَصِيَّةُ الْجَدِّ عَشَرَةٌ إلَّا رُبْعَ مَا مَعَ الْأَخِ ، وَوَصِيَّةُ الْأَخِ عَشْرَةٌ إلَّا خُمُسَ مَا مَعَ الْعَمِّ ، فَبِهَذِهِ الطَّرِيقِ تَجْعَلُ مَعَ الْعَمِّ خَمْسَةَ أَشْيَاءَ ، وَمَعَ الْخَالِ دِينَارَيْنِ ، وَمَعَ الْجَدِّ ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ ، وَمَعَ الْأَخِ أَرْبَعَةَ أَفْلُسٍ ، ثُمَّ تُقَابِلُ مَا مَعَ الْعَمِّ بِمَا مَعَ الْخَالِ كَمَا ذَكَرْنَا ، وَتَجْعَلُ الْأَشْيَاءَ دِينَارًا وَدِرْهَمًا ، ثُمَّ تُقَابِلُ مَا مَعَ الْخَالِ بِمَا مَعَ الْجَدِّ ، فَتَجْعَلُ الدِّينَارَيْنِ دِرْهَمَيْنِ وَفَلْسًا ، ثُمَّ تُقَابِلُ مَا مَعَ الْجَدِّ بِمَا مَعَ الْأَخِ ، فَتُخْرِجُ الْفَلْسَ سِتَّةً وَعِشْرِينَ ، وَالدَّرَاهِمَ أَحَدًا وَثَلَاثِينَ ، وَالدِّينَارَ أَرْبَعَةً وَأَرْبَعِينَ ، فَتَبَيَّنَ أَنَّ مَا مَعَ الْعَمِّ خَمْسَةً وَسَبْعِينَ ، وَمَعَ الْخَالِ ثَمَانِيَةً وَثَمَانِينَ ، وَمَعَ الْجَدِّ ثَلَاثَةٌ وَتِسْعِينَ ، وَمَعَ الْأَخِ مِائَةً وَأَرْبَعَةً ، إذَا زِدْت عَلَى مَا مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مَا اسْتَثْنَيْته مِنْهُ ، صَارَ مَعَهُ مِائَةٌ وَتِسْعَ عَشْرَةَ ، وَهِيَ الْعَشَرَةُ الْكَامِلَةُ ،","part":13,"page":323},{"id":6323,"text":"فَصَارَتْ وَصِيَّةُ الْعَمِّ سِتَّةً وَسِتَّةً وَثَلَاثِينَ جُزْءًا ، وَوَصِيَّةُ الْخَالِ سَبْعَةً وَسَبْعَةً وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا ، وَوَصِيَّةُ الْجَدِّ سَبْعَةً وَسَبْعَةً وَتِسْعِينَ جُزْءًا .\rوَوَصِيَّةُ الْأَخِ ثَمَانِيَةً وَثَمَانِيَةً وَثَمَانِينَ جُزْءًا ، وَبِطَرِيقِ الْبَابِ ، تَضْرِبُ الْمَخَارِجَ بَعْضَهَا فِي بَعْضٍ ، تَكُنْ مِائَةً وَعِشْرِينَ ، تَنْقُصُهَا وَاحِدًا ، يَبْقَى مِائَةٌ وَتِسْعَةَ عَشَرَ ، فَهَذَا الْمَقْسُومُ عَلَيْهِ ، ثُمَّ تَنْقُصُ الِاثْنَيْنِ وَاحِدًا ، وَتَضْرِبُهُ فِي ثَلَاثَةٍ ، ثُمَّ تَزِيدُهَا وَاحِدًا ، وَتَضْرِبُهَا فِي أَرْبَعَةٍ ، تَكُنْ سِتَّةَ عَشَرَ ، تَنْقُصُهَا وَاحِدًا ، وَتَضْرِبُهَا فِي خَمْسَةٍ ، تَكُنْ خَمْسَةً وَسَبْعِينَ ، فَهَذِهِ وَصِيَّةُ الْعَمِّ تَضْرِبُهَا فِي عَشْرَةٍ ، ثُمَّ تَقْسِمُهَا عَلَى تِسْعَةَ عَشَرَ ، تَكُنْ سِتَّةً وَثَلَاثِينَ جُزْءًا ، ثُمَّ تَنْقُصُ الثَّلَاثَةَ وَاحِدًا ، وَتَضْرِبُهَا فِي أَرْبَعَةٍ ، وَتَزِيدُهَا وَاحِدًا ، وَتَضْرِبُهَا فِي خَمْسَةٍ ، تَكُنْ خَمْسَةً وَأَرْبَعِينَ ، تَنْقُصُهَا وَاحِدًا ، وَتَضْرِبُهَا فِي اثْنَيْنِ ، تَكُنْ ثَمَانِيَةً وَثَمَانِينَ ، فَهَذِهِ وَصِيَّةُ الْخَالِ ، ثُمَّ تَنْقُصُ الْأَرْبَعَةَ وَاحِدًا ، وَتَضْرِبُهَا فِي خَمْسَةٍ ، تَكُنْ خَمْسَةَ عَشَرَ ، وَتَزِيدُهَا وَاحِدًا ، وَتَضْرِبُهَا فِي اثْنَيْنِ ، تَكُنْ اثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ ، تَنْقُصُهَا وَاحِدًا ، وَتَضْرِبُهَا فِي ثَلَاثَةٍ ، تَكُنْ ثَلَاثَةً وَتِسْعِينَ ، فَهَذِهِ وَصِيَّةُ الْجَدِّ ثُمَّ تَنْقُصُ الْخَمْسَةَ وَاحِدًا ، وَتَضْرِبُهَا فِي اثْنَيْنِ ، تَكُنْ ثَمَانِيَةً ، تَزِيدُهَا وَاحِدًا ، وَتَضْرِبُهَا فِي ثَلَاثَةٍ .\rتَكُنْ سَبْعَةً وَعِشْرِينَ ، تَنْقُصُهَا وَاحِدًا ، وَتَضْرِبُهَا فِي أَرْبَعَةٍ تَكُنْ مِائَةً وَأَرْبَعَةً ، فَهِيَ وَصِيَّةُ الْأَخِ .\rوَفِي ذَلِكَ تَضْرِبُ الْعَدَدَ الَّذِي مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ، وَتَقْسِمُهُ عَلَى تِسْعَةَ عَشَرَ ، فَالْخَارِجُ بِالْقَسْمِ هُوَ وَصِيَّتُهُ ، وَلَوْ وَصَّى لِعَمِّهِ بِعَشْرَةٍ وَنِصْفِ وَصِيَّةِ خَالِهِ ، وَلِخَالِهِ بِعَشْرَةٍ وَثُلُثِ وَصِيَّة ، عَمِّهِ ، كَانَتْ وَصِيَّةُ الْعَمِّ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ ، وَوَصِيَّةُ","part":13,"page":324},{"id":6324,"text":"الْخَالِ سِتَّةَ عَشَرَ ، وَبَابُهَا أَنْ تَضْرِبَ أَحَدَ الْمَخْرَجَيْنِ فِي الْآخَرِ ، وَتَنْقُصَهُ وَاحِدًا ، فَهُوَ الْمَقْسُومُ عَلَيْهِ ، ثُمَّ تَزِيدَ مَخْرَجَ النِّصْفِ وَاحِدًا ، وَتَضْرِبَهُ فِي مَخْرَجِ الثُّلُثِ ، ثُمَّ فِي عَشْرَةٍ ، تَكُنْ تِسْعِينَ ، مَقْسُومَةً عَلَى خَمْسَةَ عَشَرَ ، تَكُنْ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ ، ثُمَّ تَزِيدُ مَخْرَجَ الثُّلُثِ وَاحِدًا ، وَتَضْرِبُهُ فِي مَخْرَجِ النِّصْفِ ، ثُمَّ فِي عَشْرَةٍ ، تَكُنْ ثَمَانِينَ ، مَقْسُومَةً عَلَى خَمْسَةٍ .\rفَإِنْ كَانَ مَعَهُمَا آخَرُ ، وَوَصَّى لِلْخَالِ بِعَشْرَةٍ وَرُبْعِ وَصِيَّتِهِ وَوَصَّى لَهُ بِعَشْرَةٍ وَرُبْعِ وَصِيَّةِ الْعَمِّ ، ضَرَبْت الْمَخَارِجَ ، وَنَقَصْتهَا وَاحِدًا ، تَكُنْ ثَلَاثَةً وَعِشْرِينَ ، فَهِيَ الْمَقْسُومُ عَلَيْهِ ، ثُمَّ تَزِيدُ الِاثْنَيْنِ وَاحِدًا ، وَتَضْرِبُهَا فِي ثَلَاثَةٍ تَكُنْ تِسْعَةً ، فَزِدْهَا وَاحِدًا ، وَاضْرِبْهَا فِي أَرْبَعَةٍ ، تَكُنْ أَرْبَعِينَ ، ثُمَّ فِي عَشْرَةٍ ، ثُمَّ اقْسِمْهَا تَخْرُجْ سَبْعَةَ عَشَرَ ، وَتِسْعَةَ أَجْزَاءٍ ، فَهِيَ وَصِيَّةُ الْعَمِّ ، ثُمَّ تَصْنَعُ فِي الْبَاقِينَ كَمَا ذَكَرْنَا ، فَتَكُونُ وَصِيَّةُ الْخَالِ أَرْبَعَةَ عَشَرَ وَثَمَانِيَةَ عَشَرَ جُزْءًا ، وَوَصِيَّةُ الثَّالِثِ أَرْبَعَةَ عَشَرَ وَثَمَانِيَةَ أَجْزَاءٍ ، وَإِنْ شِئْت بَعْدَ مَا عَمِلْت وَصِيَّةَ الْعَمِّ ، فَاضْرِبْ الزَّائِدَ مِنْ وَصِيَّتِهِ فِي اثْنَيْنِ ، فَهُوَ وَصِيَّةُ الْخَالِ ، وَاضْرِبْ الزَّائِدَ عَنْ الْعَشَرَةِ مِنْ وَصِيَّةِ الْخَالِ فِي ثَلَاثَةٍ ، فَهِيَ وَصِيَّةُ الْعَمِّ ، وَمَتَى عَرَفْت مَا مَعَ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ، أَمْكَنَك مَعْرِفَةُ مَا مَعَ الْآخَرِينَ .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .\rوَهَذَا الْقَدْرُ مِنْ هَذَا الْفَنِّ يَكْفِي ، فَإِنَّ الْحَاجَةَ إلَيْهِ ، قَلِيلَةٌ ، وَفُرُوعَهُ كَثِيرَةٌ طَوِيلَةٌ ، وَغَيْرُهَا أَهَمُّ مِنْهَا ، وَاَللَّهُ تَعَالَى يُوَفِّقُنَا لِمَا يُرْضِيهِ ، إنَّهُ عَلَى مَا يَشَاءُ قَدِيرٌ .","part":13,"page":325},{"id":6325,"text":"كِتَابُ الْفَرَائِضِ رَوَى أَبُو دَاوُد ، بِإِسْنَادِهِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { الْعِلْمُ ثَلَاثَةٌ ، وَمَا سِوَى ذَلِكَ فَهُوَ فَضْلٌ ؛ آيَةٌ مُحْكَمَةٌ ، وَسُنَّةٌ قَائِمَةٌ ، وَفَرِيضَةٌ عَادِلَةٌ } .\rوَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { تَعَلَّمُوا الْفَرَائِضَ ، وَعَلِّمُوهُ ، فَإِنَّهُ نِصْفُ الْعِلْمِ ، وَهُوَ يُنْسَى ، وَهُوَ أَوَّلُ شَيْءٍ يُنْتَزَعُ مِنْ أُمَّتِي } .\rأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ .\rوَيُرْوَى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { تَعَلَّمُوا الْفَرَائِضَ ، وَعَلِّمُوهَا النَّاسَ ، فَإِنِّي امْرُؤٌ مَقْبُوضٌ ، وَإِنَّ الْعِلْمَ سَيُقْبَضُ ، حَتَّى يَخْتَلِفَ الرَّجُلَانِ فِي الْفَرِيضَةِ ، فَلَا يَجِدَانِ مَنْ يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا .\r} وَرَوَى سَعِيدٌ ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ إبْرَاهِيمَ قَالَ : قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : تَعَلَّمُوا الْفَرَائِضَ ؛ فَإِنَّهَا مِنْ دِينِكُمْ .\rوَعَنْ جَرِيرٍ ، عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ ، عَنْ مُوَرِّقٍ الْعِجْلِيّ ، قَالَ : قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .\rتَعَلَّمُوا الْفَرَائِضَ ، وَاللَّحْنَ ، وَالسُّنَّةَ ، كَمَا تَعَلَّمُونَ الْقُرْآنَ .\rوَقَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ ، أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ فَلْيَتَعَلَّمْ الْفَرَائِضَ .\rوَرَوَى جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، قَالَ : جَاءَتْ امْرَأَةُ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِابْنَتَيْهَا مِنْ سَعْدٍ ، فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، هَاتَانِ ابْنَتَا سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ ، قُتِلَ أَبُوهُمَا مَعَك فِي أُحُدٍ شَهِيدًا ، وَإِنَّ عَمَّهُمَا أَخَذَ مَالَهُمَا ، وَلَا يُنْكَحَانِ إلَّا وَلَهُمَا مَالٌ .\rقَالَ : فَنَزَلَتْ آيَةُ الْمِيرَاثِ ، فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى عَمِّهِمَا ، فَقَالَ : { أَعْطِ ابْنَتَيْ سَعْدٍ","part":13,"page":326},{"id":6326,"text":"الثُّلُثَيْنِ ، وَأُمَّهُمَا الثُّمُنَ ، وَمَا بَقِيَ فَهُوَ لَك .\r} رَوَاهُ أَحْمَدُ ، فِي \" مُسْنَدِهِ \" ( 4814 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ ، رَحِمَهُ اللَّهُ : ( وَلَا يَرِثُ أَخٌ ، وَلَا أُخْتٌ لِأَبٍ وَأُمٍّ أَوْ لِأَبٍ ، مَعَ ابْنٍ ، وَلَا مَعَ ابْنِ ابْنٍ وَإِنْ سَفَلَ ، وَلَا مَعَ أَبٍ ) أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى هَذَا ، بِحَمْدِ اللَّهِ ، وَذَكَرَ ذَلِكَ ابْنُ الْمُنْذِرِ ، وَغَيْرُهُ .\rوَالْأَصْلُ فِي هَذَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { يَسْتَفْتُونَكَ قُلْ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إنْ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ ، فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ } الْآيَةَ .\rوَالْمُرَادُ بِذَلِكَ الْإِخْوَةُ وَالْأَخَوَاتُ مِنْ الْأَبَوَيْنِ ، أَوْ مِنْ الْأَبِ ، بِلَا خِلَافٍ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ ؛ وَلِأَنَّهُ قَالَ : { وَهُوَ يَرِثُهَا إنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ } .\rوَهَذَا حُكْمُ الْعَصَبَةِ ، فَاقْتَضَتْ الْآيَةُ أَنَّهُمْ لَا يَرِثُونَ مَعَ الْوَلَدِ وَالْوَالِدِ ؛ لِأَنَّ الْكَلَالَةَ مَنْ لَا وَلَدَ لَهُ وَلَا وَالِدَ ، خَرَجَ مِنْ ذَلِكَ الْبَنَاتُ ، وَالْأُمُّ ؛ لِقِيَامِ الدَّلِيلِ عَلَى مِيرَاثِهِمْ مَعَهُمَا ، بَقِيَ مَا عَدَاهُمَا عَلَى ظَاهِرِهِ ، فَيَسْقُطُ وَلَدُ الْأَبَوَيْنِ ، ذَكَرُهُمْ وَأُنْثَاهُمْ بِثَلَاثَةٍ ؛ بِالِابْنِ ، وَابْنِ الِابْنِ وَإِنْ سَفَلَ ، وَبِالْأَبِ .\rوَيَسْقُطُ وَلَدُ الْأَبِ بِهَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ ، وَبِالْأَخِ مِنْ الْأَبَوَيْنِ ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى بِالدَّيْنِ قَبْلَ الْوَصِيَّةِ ، } وَلِأَنَّ أَعْيَانَ بَنِي الْأُمِّ يَتَوَارَثُونَ دُونَ بَنِي الْعَلَّاتِ ، يَرِثُ الرَّجُلُ أَخَاهُ لِأَبِيهِ وَأُمِّهِ دُونَ أَخِيهِ لِأَبِيهِ .\rأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ .","part":13,"page":327},{"id":6327,"text":"( 4815 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَلَا يَرِثُ أَخٌ وَلَا أُخْتٌ لِأُمٍّ ، مَعَ وَلَدٍ ، ذَكَرًا كَانَ الْوَلَدُ أَوْ أُنْثَى ، وَلَا مَعَ وَلَدِ الِابْنِ ، وَلَا مَعَ أَبٍ ، وَلَا مَعَ جَدٍّ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ ، أَنَّ وَلَدَ الْأُمِّ ، ذَكَرَهُمْ وَأُنْثَاهُمْ ، يَسْقُطُونَ بِأَرْبَعَةٍ ؛ بِالْوَلَدِ ، وَوَلَدِ الِابْنِ ، وَالْأَبِ ، وَالْجَدِّ أَبِ الْأَبِ وَإِنْ عَلَا ، أَجْمَعَ عَلَى هَذَا أَهْلُ الْعِلْمِ ، فَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا مِنْهُمْ خَالَفَ هَذَا ، إلَّا رِوَايَةً شَذَّتْ عَنْ ابْنِ عَبَّاسِ ، فِي أَبَوَيْنِ ، وَأَخَوَيْنِ لِأُمٍّ ، لِلْأُمِّ الثُّلُثُ ، وَلِلْأَخَوَيْنِ الثُّلُثُ ، وَقِيلَ عَنْهُ : لَهُمَا ثُلُثُ الْبَاقِي .\rوَهَذَا بَعِيدٌ جِدًّا .\rفَإِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ يُسْقِطُ الْإِخْوَةَ كُلَّهُمْ بِالْجَدِّ ، فَكَيْفَ يُوَرِّثُ وَلَدَ الْأُمِّ مَعَ الْأَبِ ، وَلَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي أَنَّ وَلَدَ الْأُمِّ يَسْقُطُونَ بِالْجَدِّ ، فَكَيْفَ يَرِثُونَ مَعَ الْأَبِ ، وَالْأَصْلُ فِي هَذِهِ الْجُمْلَةِ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوْ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ } .\rوَالْمُرَادُ بِهَذِهِ الْآيَةِ الْأَخُ وَالْأُخْتُ مِنْ الْأُمِّ ، بِإِجْمَاعِ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rوَفِي قِرَاءَةِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ : \" وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ مِنْ أُمٍّ \" ، وَالْكَلَالَةُ فِي قَوْلِ الْجُمْهُورِ : مَنْ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ ، وَلَا وَالِدٌ ، فَشَرَطَ فِي تَوْرِيثِهِمْ عَدَمَ الْوَلَدِ وَالْوَالِدِ ، وَالْوَلَدُ يَشْمَلُ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى ، وَالْوَالِدُ يَشْمَلُ الْأَبَ وَالْجَدَّ .","part":13,"page":328},{"id":6328,"text":"( 4816 ) فَصْلٌ : اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي الْكَلَالَةِ ، فَقِيلَ : الْكَلَالَةُ اسْمٌ لِلْوَرَثَةِ ، مَا عَدَا الْوَالِدَيْنِ ، وَالْمَوْلُودِينَ .\rنَصَّ أَحْمَدُ عَلَى هَذَا ، وَرُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : الْكَلَالَةُ مَنْ عَدَا الْوَلَدَ وَالْوَالِدَ .\rوَاحْتَجَّ مَنْ ذَهَبَ إلَى هَذَا بِقَوْلِ الْفَرَزْدَقِ فِي بَنِي أُمَيَّةَ : وَرِثْتُمْ قَنَاةَ الْمَجْدِ لَا عَنْ كَلَالَةٍ عَنْ ابْنَيْ مَنَافٍ عَبْدِ شَمْسٍ وَهَاشِمِ وَاشْتِقَاقُهُ مِنْ الْإِكْلِيلِ الَّذِي يُحِيطُ بِالرَّأْسِ وَلَا يَعْلُو عَلَيْهِ ، فَكَأَنَّ الْوَرَثَةَ مَا عَدَا الْوَلَدَ وَالْوَالِدَ قَدْ أَحَاطُوا بِالْمَيِّتِ مِنْ حَوْلِهِ ، لَا مِنْ طَرَفَيْهِ أَعْلَاهُ وَأَسْفَلَهُ ، كَإِحَاطَةِ الْإِكْلِيلِ بِالرَّأْسِ .\rفَأَمَّا الْوَالِدُ وَالْوَلَدُ فَهُمَا طَرَفَا الرَّجُلِ ، فَإِذَا ذَهَبَا كَانَ بَقِيَّةُ النَّسَبِ كَلَالَةً .\rقَالَ الشَّاعِرُ : فَكَيْفَ بِأَطْرَافِي إذَا مَا شَتَمْتنِي وَمَا بَعْدَ شَتْمِ الْوَالِدَيْنِ صُلُوحُ وَقَالَتْ طَائِفَةٌ : الْكَلَالَةُ اسْمٌ لِلْمَيِّتِ نَفْسِهِ ، الَّذِي لَا وَلَدَ لَهُ وَلَا وَالِدَ .\rيُرْوَى ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ ، وَعَلِيٍّ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ .\rوَقِيلَ : الْكَلَالَةُ قَرَابَةُ الْأُمِّ .\rوَاحْتَجُّوا بِقَوْلِ الْفَرَزْدَقِ الَّذِي أَنْشَدْنَاهُ ، عَنَى أَنَّكُمْ وَرِثْتُمْ الْمُلْكَ عَنْ آبَائِكُمْ لَا عَنْ أُمَّهَاتِكُمْ .\rوَيُرْوَى عَنْ الزُّهْرِيِّ ، أَنَّهُ قَالَ : الْمَيِّتُ الَّذِي لَا وَلَدَ لَهُ وَلَا وَالِدَ كَلَالَةٌ ، وَيُسَمَّى وَارِثُهُ كَلَالَةً .\rوَالْآيَتَانِ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ ، وَالْمُرَادُ بِالْكَلَالَةِ فِيهِمَا الْمَيِّتُ .\rوَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ اسْمَ الْكَلَالَةِ يَقَعُ عَلَى الْإِخْوَةِ مِنْ الْجِهَاتِ كُلِّهَا .\rوَقَدْ دَلَّ عَلَى صِحَّةِ ذَلِكَ قَوْلُ جَابِرٍ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، كَيْف الْمِيرَاثُ ؟ إنَّمَا يَرِثُنِي كَلَالَةٌ .\rفَجَعَلَ الْوَارِثَ هُوَ الْكَلَالَةَ ، وَلَمْ يَكُنْ لَجَابِرٍ يَوْمَئِذٍ وَلَدٌ وَلَا وَالِدٌ .\rوَمِمَّنْ ذَهَبَ إلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الْكَلَالَةِ عَدَمُ الْوَلَدِ وَالْوَالِدِ زَيْدٌ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ ،","part":13,"page":329},{"id":6329,"text":"وَالْحَسَنُ ، وَقَتَادَةُ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ وَالْبَصْرَةِ وَالْكُوفَةِ .\rوَيُرْوَى عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ : الْكَلَالَةُ مَنْ لَا وَلَدَ لَهُ .\rوَيُرْوَى ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ .\rوَالصَّحِيحُ عَنْهُمَا كَقَوْلِ الْجَمَاعَةَ .","part":13,"page":330},{"id":6330,"text":"( 4817 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَالْأَخَوَاتُ مَعَ الْبَنَاتِ عَصَبَةٌ ، لَهُنًّ مَا فَضَلَ ، وَلَيْسَتْ لَهُنًّ مَعَهُنَّ فَرِيضَةٌ مُسَمَّاةٌ ) الْعَصَبَةَ هُوَ الْوَارِثُ بِغَيْرِ تَقْدِيرٍ ، وَإِذَا كَانَ مَعَهُ ذُو فَرْضٍ أَخَذَ مَا فَضَلَ عَنْهُ ، قَلَّ أَوْ كَثُرَ .\rوَإِنْ انْفَرَدَ أَخَذَ الْكُلَّ .\rوَإِنْ اسْتَغْرَقَتْ الْفُرُوضُ الْمَالَ ، سَقَطَ .\rوَالْمُرَادُ بِالْأَخَوَاتِ هَاهُنَا الْأَخَوَاتُ مِنْ الْأَبَوَيْنِ ، أَوْ مِنْ الْأَبِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ ذَكَرَ أَنَّ وَلَدَ الْأُمِّ لَا مِيرَاثَ لَهُمْ مَعَ الْوَلَدِ ، وَهَذَا قَوْلُ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، يُرْوَى ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ ، وَعَلِيٍّ ، وَزَيْدٍ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ ، وَمُعَاذٍ ، وَعَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ .\rوَإِلَيْهِ ذَهَبَ عَامَّةُ الْفُقَهَاءِ إلَّا ابْنَ عَبَّاسٍ ، وَمَنْ تَابَعَهُ ، فَإِنَّهُ يُرْوَى عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ لَا يَجْعَلُ الْأَخَوَاتِ مَعَ الْبَنَاتِ عَصَبَةً ، فَقَالَ فِي بِنْتٍ وَأُخْتٍ : لِلْبِنْتِ النِّصْفُ ، وَلَا شَيْءَ لِلْأُخْتِ .\rفَقِيلَ لَهُ : إنَّ عُمَرَ قَضَى بِخِلَافِ ذَلِكَ ، جَعَلَ لِلْأُخْتِ النِّصْفَ .\rفَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : أَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمْ اللَّهُ ؟ يُرِيدُ قَوْلَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ : { إنْ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ } .\rفَإِنَّمَا جَعَلَ لَهَا الْمِيرَاثَ بِشَرْطِ عَدَمِ الْوَلَدِ .\rوَالْحَقُّ فِيمَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْجُمْهُورُ ، فَإِنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ قَالَ فِي بِنْتٍ ، وَبِنْتِ ابْنٍ ، وَأُخْتٍ : لَأَقْضِيَنَّ فِيهَا بِقَضَاءِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْبِنْتِ النِّصْفُ ، وَلِبِنْتِ الِابْنِ السُّدُسُ ، وَمَا بَقِيَ فَلِلْأُخْتِ .\rرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ، وَغَيْرُهُ .\rوَاحْتِجَاجُ ابْنِ عَبَّاسٍ لَا يَدُلُّ عَلَى مَا ذَهَبَ إلَيْهِ ، بَلْ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأُخْتَ لَا يُفْرَضُ لَهَا النِّصْفُ مَعَ الْوَلَدِ ، وَنَحْنُ نَقُولُ بِهِ ، فَإِنَّ مَا تَأْخُذُ مَعَ الْبِنْتِ لَيْسَ بِفَرْضٍ ، وَإِنَّمَا هُوَ بِالتَّعْصِيبِ ، كَمِيرَاثِ الْأَخِ .\rوَقَدْ وَافَقَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَلَى ثُبُوتِ مِيرَاثِ الْأَخِ مَعَ الْوَلَدِ مَعَ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَهُوَ","part":13,"page":331},{"id":6331,"text":"يَرِثُهَا إنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ } .\rوَعَلَى قِيَاسِ قَوْلِهِ يَنْبَغِي أَنْ يَسْقُط الْأَخُ ؛ لِاشْتِرَاطِهِ فِي تَوْرِيثِهِ مِنْهَا عَدَمَ وَلَدِهَا ، وَهُوَ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ ، ثُمَّ إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ الْمُبِينُ لِكَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى قَدْ جَعَلَ لِلْأُخْتِ مَعَ الْبِنْتِ ، وَبِنْتِ الِابْنِ الْبَاقِيَ عَنْ فَرْضِهِمَا ، وَهُوَ الثُّلُثُ ، وَلَوْ كَانَتْ ابْنَتَانِ وَبِنْتُ ابْنٍ ، لَسَقَطَتْ بِنْتُ الِابْنِ ، وَكَانَ لِلْأُخْتِ الْبَاقِي ، وَهُوَ الثُّلُثُ .\rفَإِنْ كَانَ مَعَهُمْ أُمٌّ فَلَهَا السُّدُسُ ، وَيَبْقَى لِلْأُخْتِ السُّدُسُ .\rفَإِنْ كَانَ بَدَلُ الْأُمِّ زَوْجٌ ، فَالْمَسْأَلَةُ مِنْ اثْنَيْ عَشَرَ ، لِلزَّوْجِ الرُّبُعُ ، وَلِلِابْنَتَيْنِ الثُّلُثَانِ ، وَبَقِيَ لِلْأُخْتِ نِصْفُ السُّدُسِ .\rفَإِنْ كَانَ مَعَهُمْ أُمٌّ ، عَالَتْ الْمَسْأَلَةُ ، وَسَقَطَتْ الْأُخْتُ .","part":13,"page":332},{"id":6332,"text":"( 4818 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَبَنَاتُ الِابْنِ بِمَنْزِلَةِ الْبَنَاتِ ، إذَا لَمْ يَكُنْ بَنَاتٌ ) أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ بَنَاتِ الِابْنِ بِمَنْزِلَةِ الْبَنَاتِ عِنْدَ عَدَمِهِنَّ فِي إرْثِهِنَّ ، وَحَجْبِهِنَّ لِمَنْ يَحْجُبُهُ الْبَنَاتُ ، وَفِي جَعْلِ الْأَخَوَاتِ مَعَهُنَّ عُصُبَاتٌ ، وَفِي أَنَّهُنَّ إذَا اسْتَكْمَلْنَ الثُّلُثَيْنِ سَقَطَ مِنْ أَسْفَلَ مِنْهُنَّ بَنَاتُ الِابْنِ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ .\rوَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : { يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ } .\rوَوَلَدُ الْبَنِينَ أَوْلَادٌ ؛ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { يَا بَنِي آدَمَ } يُخَاطِبُ بِذَلِكَ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rوَقَالَ : { يَا بَنِي إسْرَائِيلَ } يُخَاطِبُ بِذَلِكَ مَنْ فِي عَصْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهُمْ .\rوَقَالَ الشَّاعِرُ : بَنُونَا بَنُو أَبْنَائِنَا وَبَنَاتُنَا بَنُوهُنَّ أَبْنَاءُ الرِّجَالِ الْأَبَاعِدِ .","part":13,"page":333},{"id":6333,"text":"( 4819 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( فَإِنْ كُنَّ بَنَاتٌ وَبَنَاتُ ابْنٍ ، فَلِلْبَنَاتِ الثُّلُثَانِ ، وَلَيْسَ لِبَنَاتِ الِابْنِ شَيْءٌ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ مَعَهُنَّ ذَكَرٌ فَيَعْصِبهُنَّ فِيمَا بَقِيَ ، لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ) أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ فَرْضَ الِابْنَتَيْنِ الثُّلُثَانِ ، إلَّا رِوَايَةً شَاذَّةً عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّ فَرْضَهُمَا النِّصْفُ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ } .\rفَمَفْهُومُهُ أَنَّ مَا دُونَ الثَّلَاثِ لَيْسَ لَهُمَا الثُّلُثَانِ .\rوَالصَّحِيحُ قَوْلُ الْجَمَاعَةِ ، فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِأَخِي سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ : \" أَعْطِ ابْنَتَيْ سَعْدٍ الثُّلُثَيْنِ \" وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْأَخَوَاتِ : { فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ } .\rوَهَذَا تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ لِلْبِنْتَيْنِ الثُّلُثَيْنِ ؛ لِأَنَّهُمَا أَقْرَبُ ، وَلِأَنَّ كُلَّ مَنْ يَرِثُ الْوَاحِدُ مِنْهُمْ النِّصْفَ فَلِلِاثْنَتَيْنِ مِنْهُمْ الثُّلُثَانِ ، كَالْأَخَوَاتِ مِنْ الْأَبَوَيْنِ ، وَالْأَخَوَاتِ مِنْ الْأَبِ ، وَكُلُّ عَدَدٍ يَخْتَلِفُ فَرْضُ وَاحِدِهِمْ وَجَمَاعَتِهِمْ فَلِلِاثْنَيْنِ مِنْهُمْ مِثْلُ فَرْضِ الْجَمَاعَةِ ، كَوَلَدِ الْأُمِّ ، وَالْأَخَوَاتِ مِنْ الْأَبَوَيْنِ ، أَوْ مِنْ الْأَبِ ، فَأَمَّا الثَّلَاثُ مِنْ الْبَنَاتِ فَمَا زَادَ ، فَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ فَرَضَهُنَّ الثُّلُثَانِ ، وَأَنَّهُ ثَابِتٌ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ } .\rوَاخْتُلِفَ فِيمَا ثَبَتَ بِهِ فَرْضُ الِابْنَتَيْنِ ، فَقِيلَ : ثَبَتَ بِهَذِهِ الْآيَةِ ، وَالتَّقْدِيرُ ، فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً اثْنَتَيْنِ ، وَفَوْقَ صِلَةٌ ، كَقَوْلِهِ : { فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ } .\rأَيْ اضْرِبُوا الْأَعْنَاقَ .\rوَقَدْ دَلَّ عَلَى هَذَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِين نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ، أَرْسَلَ إلَى أَخِي سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ : \" أَعْطِ ابْنَتَيْ سَعْدٍ الثُّلُثَيْنِ \" .\rوَهَذَا مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ","part":13,"page":334},{"id":6334,"text":"عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَفْسِيرٌ لِلْآيَةِ ، وَبَيَانٌ لِمَعْنَاهَا ، وَاللَّفْظُ إذَا فُسِّرَ كَانَ الْحُكْمُ ثَابِتًا بِالْمُفَسَّرِ لَا بِالتَّفْسِيرِ .\rوَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا أَنَّ سَبَبَ نُزُولِ الْآيَةِ قِصَّةُ بِنْتَيْ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ ، وَسُؤَالُ أُمِّهِمَا عَنْ شَأْنِهِمَا فِي مِيرَاثِ أَبِيهِمَا .\rوَقِيلَ : بَلْ ثَبَتَ بِهَذِهِ السُّنَّةِ الثَّابِتَةِ .\rوَقِيلَ : بَلْ ثَبَتَ بِالتَّنْبِيهِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ .\rوَقِيلَ : بَلْ ثَبَتَ بِالْإِجْمَاعِ .\rوَقِيلَ : بِالْقِيَاسِ .\rوَفِي الْجُمْلَةِ فَهَذَا حُكْمٌ قَدْ أُجْمِعَ عَلَيْهِ ، وَتَوَارَدَتْ عَلَيْهِ الْأَدِلَّةُ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا كُلُّهَا ، فَلَا يَضُرُّنَا أَيُّهَا أَثْبَتَهُ .\rوَأَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ بَنَاتِ الصُّلْبِ مَتَى اسْتَكْمَلْنَ الثُّلُثَيْنِ ، سَقَطَ بَنَاتُ الِابْنِ ، مَا لَمْ يَكُنْ بِإِزَائِهِنَّ ، أَوْ أَسْفَلِ مِنْهُنَّ ذَكَرٌ يَعْصِبُهُنَّ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَفْرِضْ لِلْأَوْلَادِ إذَا كَانُوا نِسَاءً إلَّا الثُّلُثَيْنِ ، قَلِيلَاتٍ كُنَّ أَوْ كَثِيرَاتٍ ، وَهَؤُلَاءِ لَمْ يَخْرُجْنَ عَنْ كَوْنِهِنَّ نِسَاءً مِنْ الْأَوْلَادِ ، وَقَدْ ذَهَبَ الثُّلُثَانِ لِوَلَدِ الصُّلْبِ ، فَلَمْ يَبْقَ لَهُنَّ شَيْءٌ ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُشَارِكْنَ بَنَاتِ الصُّلْبِ ؛ لِأَنَّهُنَّ دُونَ دَرَجَتِهِنَّ ، فَإِنْ كَانَ مَعَ بَنَاتِ الِابْنِ ابْنٌ فِي دَرَجَتِهِنَّ ، كَأَخِيهِنَّ ، أَوْ ابْنِ عَمِّهِنَّ ، أَوْ أَنْزَلَ مِنْهُنَّ كَابْنِ أَخِيهِنَّ ، أَوْ ابْنِ ابْنِ عَمِّهِنَّ ، أَوْ ابْنِ ابْنِ ابْنِ عَمِّهِنَّ ، عَصَبَهُنَّ فِي الْبَاقِي ، فَجُعِلَ بَيْنَهُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ .\rوَهَذَا قَوْلُ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ .\rيُرْوَى ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ ، وَزَيْدٍ ، وَعَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ .\rوَبِهِ قَالَ مَالِكٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَإِسْحَاقُ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَبِهِ قَالَ سَائِرُ الْفُقَهَاءِ إلَّا ابْنَ مَسْعُودٍ وَمَنْ تَبِعَهُ ؛ فَإِنَّهُ خَالَفَ الصَّحَابَةَ فِي سِتِّ مَسَائِلَ مِنْ الْفَرَائِضِ ، هَذِهِ إحْدَاهُنَّ ، فَجَعَلَ الْبَاقِيَ لِلذَّكَرِ دُونَ أَخَوَاتِهِ .","part":13,"page":335},{"id":6335,"text":"وَهُوَ قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ ؛ لِأَنَّ النِّسَاءَ مِنْ الْأَوْلَادِ لَا يَرِثْنَ أَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثَيْنِ ؛ بِدَلِيلِ مَا لَوْ انْفَرَدْنَ ، وَتَوْرِيثُهُنَّ هَاهُنَا يُفْضِي إلَى تَوْرِيثِهِنَّ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ } .\rوَهَؤُلَاءِ يَدْخُلُونَ فِي عُمُومِ هَذَا اللَّفْظِ ؛ بِدَلِيلِ تَنَاوُلِهِ لَهُمْ لَوْ لَمْ يَكُنْ بَنَاتٌ .\rوَعَدَمُ الْبَنَاتِ لَا يُوجِبُ لَهُمْ هَذَا الِاسْمَ .\rوَلِأَنَّ كُلَّ ذَكَرٍ وَأُنْثَى يَقْتَسِمُونَ الْمَالَ إذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ ذُو فَرْضٍ ، يَجِبُ أَنْ يَقْتَسِمَا الْفَاضِلَ عَنْهُ ، كَأَوْلَادِ الصُّلْبِ ، وَالْإِخْوَةِ مَعَ الْأَخَوَاتِ وَمَا ذَكَرُوهُ فَهُوَ فِي الِاسْتِحْقَاقِ لِلْفَرْضِ .\rفَأَمَّا فِي مَسْأَلَتِنَا فَإِنَّمَا يَسْتَحِقُّونَ بِالتَّعْصِيبِ ، فَكَانَ مُعْتَبَرًا بِأَوْلَادِ الصُّلْبِ ، وَالْإِخْوَةِ وَالْأَخَوَاتِ ثَمَّ ، وَيَبْطُلُ مَا ذَكَرُوهُ بِمَا إذَا خَلَّفَ ابْنًا وَسِتَّ بَنَاتٍ ، فَإِنَّهُنَّ يَأْخُذْنَ ثَلَاثَةَ أَرْبَاعِ الْمَالِ .\rوَإِنْ كُنَّ ثَمَانِيًا ، أَخَذْنَ أَرْبَعَةَ أَخْمَاسِهِ .\rوَإِنْ كُنَّ عَشْرًا ، أَخَذْنَ خَمْسَةَ أَسْدَاسِهِ .\rوَكُلَّمَا زِدْنَ فِي الْعَدَدِ ، زَادَ اسْتِحْقَاقُهُنَّ .","part":13,"page":336},{"id":6336,"text":"( 4820 ) فَصْلٌ : وَابْنُ ابْنِ الِابْنِ يَعْصِبُ مَنْ فِي دَرَجَتِهِ مِنْ أَخَوَاتِهِ ، وَبَنَاتِ عَمِّهِ ، وَبَنَاتِ ابْنِ عَمِّ أَبِيهِ ، عَلَى كُلِّ حَالٍ .\rوَيَعْصِبُ مَنْ هُوَ أَعْلَى مِنْهُ مِنْ عَمَّاتِهِ ، وَبَنَاتِ عَمِّ أَبِيهِ ، وَمَنْ فَوْقَهُنَّ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَكُنَّ ذَوَاتَ فَرْضٍ ، وَيُسْقِطُ مَنْ هُوَ أُنْزَلُ مِنْهُ ، كَبَنَاتِهِ ، وَبَنَاتِ أَخِيهِ ، وَبَنَاتِ ابْنِ عَمِّهِ .\rفَلَوْ خَلَّفَ الْمَيِّتُ خَمْسَ بَنَاتِ ابْنٍ .\rبَعْضُهُنَّ أَنْزَلُ مِنْ بَعْضٍ ، لَا ذَكَرَ مَعَهُنَّ ، وَعَصَبَةٌ ، كَانَ لِلْعُلْيَا النِّصْفُ ، وَلِلثَّانِيَةِ السُّدُسُ ، وَسَقَطَ سَائِرُهُنَّ ، وَالْبَاقِي لِلْعَصَبَةِ .\rفَإِنْ كَانَ مَعَ الْعُلْيَا أَخُوهَا ، أَوْ ابْنُ عَمِّهَا ، فَالْمَالُ بَيْنَهُمَا عَلَى ثَلَاثَةٍ ، وَسَقَطَ سَائِرُهُنَّ .\rفَإِنْ كَانَ مَعَ الثَّانِيَةِ عَصَبهَا ، وَكَانَ لِلْعُلْيَا النِّصْفُ ، وَالْبَاقِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ الثَّانِيَةِ عَلَى ثَلَاثَةٍ .\rوَإِنْ كَانَ مَعَ الثَّالِثَةِ ، فَلِلْعُلْيَا النِّصْفُ ، وَلِلثَّانِيَةِ السُّدُسُ ، وَالْبَاقِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ الثَّالِثَةِ عَلَى ثَلَاثَةٍ .\rوَإِنْ كَانَ مَعَ الرَّابِعَةِ فَلِلْعُلْيَا النِّصْفُ ، وَلِلثَّانِيَةِ السُّدُسُ ، وَالْبَاقِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ الثَّالِثَةِ وَالرَّابِعَةِ عَلَى أَرْبَعَةٍ .\rوَإِنْ كَانَ مَعَ الْخَامِسَةِ ، فَالْبَاقِي بَعْدَ فَرْضِ الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ ، بَيْنَهُ وَبَيْنَ الثَّالِثَةِ وَالرَّابِعَةِ وَالْخَامِسَةِ عَلَى خَمْسَةٍ وَتَصِحُّ مِنْ ثَلَاثِينَ .\rوَإِنْ كَانَ أَنْزَلَ مِنْ الْخَامِسَةِ ، فَكَذَلِكَ .\rوَلَا أَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا بَيْنَ الْقَائِلِينَ بِتَوْرِيثِ بَنَاتِ الِابْنِ مَعَ بَنِي الِابْنِ بَعْدَ اسْتِكْمَالِ الثُّلُثَيْنِ .","part":13,"page":337},{"id":6337,"text":"( 4821 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( فَإِنْ كَانَتْ ابْنَةٌ وَاحِدَةٌ ، وَبَنَاتُ ابْنٍ ، فَلِابْنَةِ الصُّلْبِ النِّصْفُ ، وَلِبَنَاتِ الِابْنِ وَاحِدَةً كَانَتْ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ السُّدُسِ ، تَكْمِلَةُ الثُّلُثَيْنِ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ مَعَهُنَّ ذَكَرٌ فَيَعْصِبُهُنَّ فِيمَا بَقِيَ ، لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ) فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثَةُ أَحْكَامٍ ؛ أَحَدُهَا ، أَنْ لِلْبِنْتِ الْوَاحِدَةِ النِّصْفَ ، وَلَا خِلَافَ فِي هَذَا بَيْنَ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ } .\rوَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى فِي بِنْتٍ وَبِنْتِ ابْنٍ وَأُخْتٍ ، أَنَّ لِلْبِنْتِ النِّصْفَ ، وَلِبِنْتِ الِابْنِ السُّدُسَ ، وَمَا بَقِيَ فَلِلْأُخْتِ الثَّانِي ، أَنَّهُ إذَا كَانَ مَعَ الْبِنْتِ الْوَاحِدَةِ بِنْتُ ابْنٍ ، أَوْ بَنَاتُ ابْنٍ ، فَلِلْبِنْتِ النِّصْفُ ، وَلِبَنَاتِ الِابْنِ وَاحِدَةً كَانَتْ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ السُّدُسُ ، تَكْمِلَةُ الثُّلُثَيْنِ .\rوَهَذَا أَيْضًا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ .\rوَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى { : فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ } .\rفَفَرَضَ لِلْبَنَاتِ كُلِّهِنَّ الثُّلُثَيْنِ .\rوَبَنَاتُ الصُّلْبِ ، وَبَنَاتُ الِابْنِ كُلُّهُنَّ نِسَاءٌ مِنْ الْأَوْلَادِ ، فَكَانَ لَهُنَّ الثُّلُثَانِ بِفَرْضِ الْكِتَابِ ، لَا يَزِدْنَ عَلَيْهِ .\rوَاخْتُصَّتْ بِنْتُ الصُّلْبِ بِالنِّصْفِ ؛ لِأَنَّهُ مَفْرُوضٌ لَهَا ، وَالِاسْمُ مُتَنَاوِلٌ لَهَا حَقِيقَةً ، فَيَبْقَى لِلْبَقِيَّةِ تَمَامُ الثُّلُثَيْنِ .\rوَلِهَذَا قَالَ الْفُقَهَاءُ : لَهُنَّ السُّدُسُ تَكْمِلَةُ الثُّلُثَيْنِ .\rوَقَدْ رَوَى هُذَيْلُ بْنُ شُرَحْبِيلَ الْأَوْدِيُّ قَالَ : { سُئِلَ أَبُو مُوسَى عَنْ ابْنَةٍ ، وَابْنَةِ ابْنٍ ، وَأُخْتٍ ، فَقَالَ : لِلْبِنْتِ النِّصْفُ ، وَمَا بَقِيَ فَلِلْأُخْتِ .\rفَأَتَى ابْنَ مَسْعُودٍ ، وَأَخْبَرَهُ بِقَوْلِ أَبِي مُوسَى ، فَقَالَ : { لَقَدْ ضَلَلْتُ إذًا وَمَا أَنَا مِنْ الْمُهْتَدِينَ } ، وَلَكِنْ أَقْضِي فِيهَا بِقَضَاءِ رَسُولِ","part":13,"page":338},{"id":6338,"text":"اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ لِابْنِهِ النِّصْفُ ، وَلِابْنَةِ الِابْنِ السُّدُسُ ، تَكْمِلَةُ الثُّلُثَيْنِ ، وَمَا بَقِيَ فَلِلْأُخْتِ .\rفَأَتَيْنَا أَبَا مُوسَى ، فَأَخْبَرْنَاهُ بِقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، فَقَالَ : لَا تَسْأَلُونِي عَنْ شَيْءٍ مَا دَامَ الْحَبْرُ فِيكُمْ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بِنَحْوِ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى .\rالْحُكْمُ الثَّالِثُ ، إذَا كَانَ مَعَ بَنَاتِ الِابْنِ ذَكَرٌ فِي دَرَجَتِهِنَّ فَإِنَّهُ يَعْصِبهُنَّ فِيمَا بَقِيَ ، لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ، فِي قَوْلِ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ ، إلَّا ابْنَ مَسْعُودٍ فِي مَنْ تَابَعَهُ ، فَإِنَّهُ خَالَفَ الصَّحَابَةَ فِيهَا .\rوَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ الَّتِي انْفَرَدَ فِيهَا عَنْ الصَّحَابَةِ ، فَقَالَ : لِبَنَاتِ الِابْنِ الْأَضَرُّ بِهِنَّ مِنْ الْمُقَاسَمَةِ أَوْ السُّدُسُ ، فَإِنْ كَانَ السُّدُسُ أَقَلَّ مِمَّا يَحْصُلُ لَهُنَّ بِالْمُقَاسَمَةِ ، فَرَضَهُ لَهُنَّ ، وَأَعْطَى الْبَاقِيَ لِلذَّكَرِ ، وَإِنْ كَانَ الْحَاصِلُ لَهُنَّ بِالْمُقَاسَمَةِ أَقَلَّ ، قَاسَمَ بِهِنَّ .\rوَبَنَى ذَلِكَ عَلَى أَصْلِهِ فِي أَنَّ بِنْتَ الِابْنِ لَا يَعْصِبُهَا أَخُوهَا إذَا اسْتَكْمَلَ الْبَنَاتُ الثُّلُثَيْنِ ، إلَّا أَنَّهُ نَاقِصٌ فِي الْمُقَاسَمَةِ إذَا كَانَ أَضَرَّ بِهِنَّ ، وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُعْطِيَهُنَّ السُّدُسَ عَلَى كُلِّ حَالٍ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ } .\rوَلِأَنَّهُ يُقَاسِمُهَا لَوْ لَمْ يَكُنْ غَيْرَهُمَا ، فَقَاسَمَهَا مَعَ بِنْتِ الصُّلْبِ ، كَمَا لَوْ كَانَتْ الْمُقَاسَمَةُ أَضَرَّ بِهِنَّ .\rوَأَصِلُهُ الَّذِي بَنَى عَلَيْهِ فَاسِدٌ ، كَمَا قَدَّمْنَا .","part":13,"page":339},{"id":6339,"text":"( 4822 ) فَصْلٌ : وَحُكْمُ بَنَاتِ ابْنِ الِابْنِ مَعَ بَنَاتِ الِابْنِ ، حُكْمُ بَنَاتِ الِابْنِ مَعَ بَنَاتِ الصُّلْبِ ، فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَا فِي هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ ، وَفِي أَنَّهُ مَتَى اسْتَكْمَلَ مَنْ فَوْقَ السُّفْلَى الثُّلُثَيْنِ ، سَقَطَتْ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا مَنْ يَعْصِبُهَا ، سَوَاءٌ كَمَّلَ الثُّلُثَانِ لِمَنْ فِي دَرَجَةٍ وَاحِدَةٍ ، أَوْ لِلْعُلْيَا ، أَوْ الَّتِي تَلِيهَا .\rوَكَذَلِكَ كُلُّ مَنْ نَزَلَتْ دَرَجَتُهُ مَعَ مَنْ هُوَ أَعْلَى مِنْهُ .\rوَقَدْ مَثَّلْنَا ذَلِكَ فِي الْمَسْأَلَةِ الَّتِي ذَكَرْنَا فِي أُخَرِ الْمَسْأَلَةِ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ .","part":13,"page":340},{"id":6340,"text":"( 4823 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَالْأَخَوَاتُ مِنْ الْأَبِ بِمَنْزِلَةِ الْأَخَوَاتِ مِنْ الْأَبِ وَالْأُمِّ ، إذَا لَمْ يَكُنْ أَخَوَاتٌ لِأَبٍ وَأُمٍّ ، فَإِنْ كَانَ أَخَوَاتٌ لِأَبٍ وَأُمٍّ ، وَأَخَوَاتٌ لِأَبٍ ، فَلِلْأَخَوَاتِ مِنْ الْأَبِ وَالْأُمِّ الثُّلُثَانِ ، وَلَيْسَ لِلْأَخَوَاتِ مِنْ الْأَبِ شَيْءٌ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ مَعَهُنَّ ذَكَرٌ فَيَعْصِبُهُنَّ فِيمَا بَقِيَ ، لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ .\rفَإِنْ كَانَتْ أُخْتٌ وَاحِدَةٌ لِأَبٍ وَأُمٍّ ، وَأَخَوَاتٌ لِأَبٍ ، فَلِلْأُخْتِ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ النِّصْفُ ، وَلِلْأَخَوَاتِ مِنْ الْأَبِ وَاحِدَةً كَانَتْ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ السُّدُسُ ، تَكْمِلَةُ الثُّلُثَيْنِ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ مَعَهُنَّ ذَكَرٌ فَيَعْصِبُهُنَّ فِيمَا بَقِيَ ، لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ) وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ كُلُّهَا مُجْمَعٌ عَلَيْهَا بَيْنَ عُلَمَاءِ الْأَمْصَارِ ، إلَّا مَا كَانَ مِنْ خِلَافِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَمَنْ تَبِعَهُ ، لِسَائِرِ الصَّحَابَةِ وَالْفُقَهَاءِ فِي وَلَدِ الْأَبِ إذَا اسْتَكْمَلَ الْأَخَوَاتُ مِنْ الْأَبَوَيْنِ الثُّلُثَيْنِ ، فَإِنَّهُ جَعَلَ الْبَاقِيَ لِلذَّكَرِ مِنْ وَلَدِ الْأَبِ دُونَ الْإِنَاثِ .\rفَإِنْ كَانَتْ أُخْتٌ وَاحِدَةٌ مِنْ أَبَوَيْنِ ، وَإِخْوَةٌ وَأَخَوَاتٌ مِنْ أَبٍ ، جَعَلَ لِلْإِنَاثِ مِنْ وَلَدِ الْأَبِ الْأَضَرَّ بِهِنَّ مِنْ الْمُقَاسَمَةِ أَوْ السُّدُسِ ، وَجَعَلَ الْبَاقِيَ لِلذُّكُورِ .\rكَفِعْلِهِ فِي وَلَدِ الِابْنِ مَعَ الْبَنَاتِ ، عَلَى مَا مَرَّ تَفْصِيلُهُ وَشَرْحُهُ ، وَقَدْ سَبَقَ ذِكْرُ حُجَّتِهِ وَجَوَابِهَا ، بِمَا يُغْنِي عَنْ إعَادَتِهِ .\rفَأَمَّا فَرْضُ الثُّلُثَيْنِ لِلْأُخْتَيْنِ فَصَاعِدًا ، وَالنِّصْفِ لِلْوَاحِدَةِ الْمُفْرَدَةِ ، فَثَابِتٌ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { يَسْتَفْتُونَكَ قُلْ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إنْ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ } .\rوَالْمُرَادُ بِهَذِهِ الْآيَةِ وَلَدُ الْأَبَوَيْنِ ، وَوَلَدُ الْأَبِ بِإِجْمَاعِ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rوَرَوَى جَابِرٌ","part":13,"page":341},{"id":6341,"text":"، قَالَ : قُلْت : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، كَيْفَ أَصْنَعُ فِي مَالِي وَلِي أَخَوَاتٌ ؟ قَالَ : فَنَزَلَتْ آيَةُ الْمِيرَاثِ : { يَسْتَفْتُونَكَ قُلْ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إنْ امْرُؤٌ هَلَكَ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَرُوِيَ أَنَّ جَابِرًا اشْتَكَى وَعِنْدَهُ سَبْعُ أَخَوَاتٍ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ فِي أَخَوَاتِك } .\rفَبَيَّنَ لَهُنَّ الثُّلُثَيْنِ .\rوَمَا زَادَ عَلَى الْأُخْتَيْنِ فِي حُكْمِهِمَا ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ لِلْأُخْتَيْنِ الثُّلُثَانِ ، فَالثَّلَاثُ أُخْتَانِ فَصَاعِدًا .\rوَأَمَّا سُقُوطُ الْأَخَوَاتِ مِنْ الْأَبِ ، بِاسْتِكْمَالِ وَلَدِ الْأَبَوَيْنِ الثُّلُثَيْنِ فَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إنَّمَا فَرَضَ لِلْأَخَوَاتِ الثُّلُثَيْنِ ، فَإِذَا أَخَذَهُ وَلَدُ الْأَبَوَيْنِ ، لَمْ يَبْقَ مِمَّا فَرَضَهُ اللَّهُ تَعَالَى لِلْأَخَوَاتِ شَيْءٌ يَسْتَحِقُّهُ وَلَدُ الْأَبِ ، فَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً مِنْ الْأَبَوَيْنِ ، فَلَهَا النِّصْفُ بِنَصِّ الْكِتَابِ ، وَبَقِيَ مِنْ الثُّلُثَيْنِ الْمَفْرُوضَةِ لِلْأَخَوَاتِ سُدُسٌ ، يُكَمَّلُ بِهِ الثُّلُثَانِ ، فَيَكُونُ لِلْأَخَوَاتِ لِلْأَبِ .\rوَلِذَلِكَ قَالَ الْفُقَهَاءُ : لَهُنَّ السُّدُسُ ، تَكْمِلَةُ الثُّلُثَيْنِ فَإِنْ كَانَ وَلَدُ الْأَبِ ذُكُورًا وَإِنَاثًا ، فَالْبَاقِي بَيْنَهُمْ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَإِنْ كَانُوا إخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ } .\rوَلَا يُفَارِقُ وَلَدُ الْأَبِ مَعَ وَلَدِ الْأَبَوَيْنِ وَلَدَ الِابْنِ مَعَ وَلَدِ الصُّلْبِ ، إلَّا فِي أَنَّ بِنْتَ الِابْنِ يَعْصِبُهَا ابْنُ أَخِيهَا وَمَنْ هُوَ أَنْزَلُ مِنْهَا ، وَالْأُخْتُ مِنْ الْأَبِ لَا يَعْصِبُهَا إلَّا أَخُوهَا ، فَلَوْ اسْتَكْمَلَ الْأَخَوَاتُ مِنْ الْأَبَوَيْنِ الثُّلُثَيْنِ ، وَثَمَّ أَخَوَاتٌ مِنْ أَبٍ وَابْنِ أَخٍ لَهُنَّ ، لَمْ يَكُنْ لِلْأَخَوَاتِ لِلْأَبِ شَيْءٌ ، وَكَانَ الْبَاقِي لِابْنِ الْأَخِ ؛ لِأَنَّ ابْنَ الِابْنِ وَإِنْ نَزَلَ ابْنٌ ، وَابْنَ الْأَخِ لَيْسَ بِأَخٍ .","part":13,"page":342},{"id":6342,"text":"( 4824 ) فَصْلٌ : أَرْبَعَةٌ مِنْ الذُّكُورِ يَعْصِبُونَ أَخَوَاتِهِمْ ، فَيَمْنَعُونَهُنَّ الْفَرْضَ ، وَيَقْتَسِمُونَ مَا وَرِثُوا لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ، وَهُمْ الِابْنُ ، وَابْنُ الِابْنِ وَإِنْ نَزَلَ ، وَالْأَخُ مِنْ الْأَبَوَيْنِ ، وَالْأَخُ مِنْ الْأَبِ .\rوَسَائِرُ الْعُصُبَاتِ يَنْفَرِدُ الذُّكُورُ بِالْمِيرَاثِ دُونَ الْإِنَاثِ ، وَهُمْ بَنُو الْأَخِ وَالْأَعْمَامِ ، وَبَنُوهُمْ ؛ وَذَلِكَ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ } فَهَذِهِ الْآيَةُ تَنَاوَلَتْ الْأَوْلَادَ ، وَأَوْلَادَ الِابْنِ .\rوَقَالَ تَعَالَى { وَإِنْ كَانُوا إخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ } .\rفَتَنَاوَلَتْ وَلَدَ الْأَبَوَيْنِ ، وَوَلَدَ الْأَبِ .\rوَإِنَّمَا اشْتَرَكُوا ؛ لِأَنَّ الرِّجَالَ وَالنِّسَاءَ كُلَّهُمْ وُرَّاثٌ ، فَلَوْ فُرِضَ لِلنِّسَاءِ فَرْضٌ أَفْضَى إلَى تَفْضِيلِ الْأُنْثَى عَلَى الذَّكَرِ ، أَوْ مُسَاوَاتِهَا إيَّاهُ ، أَوْ إسْقَاطِهِ بِالْكُلِّيَّةِ ، فَكَانَتْ الْمُقَاسَمَةُ أَعْدَلَ وَأَوْلَى .\rوَسَائِرُ الْعُصُبَاتِ لَيْسَ أَخَوَاتُهُمْ مِنْ أَهْلِ الْمِيرَاثِ ، فَإِنَّهُنَّ لَسْنَ بِذَوَاتِ فَرْضٍ ، وَلَا يَرِثْنَ مُنْفَرِدَاتٍ ، فَلَا يَرِثْنَ مَعَ إخْوَتِهِنَّ شَيْئًا .\rوَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ ، بِحَمْدِ اللَّهِ وَمِنَّتِهِ .","part":13,"page":343},{"id":6343,"text":"( 4825 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَلِلْأُمِّ الثُّلُثُ ، إذَا لَمْ يَكُنْ إلَّا أَخٌ وَاحِدٌ أَوْ أُخْتٌ وَاحِدَةٌ ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ ، وَلَا وَلَدُ ابْنٍ .\rفَإِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ ، أَوْ أَخَوَانِ ، أَوْ أُخْتَانِ ، فَلَيْسَ لَهَا إلَّا السُّدُسُ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ لِلْأُمِّ ثَلَاثَةَ أَحْوَالٍ : حَالٌ تَرِثُ فِيهَا الثُّلُثَ بِشَرْطَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، عَدَمُ الْوَلَدِ ، وَوَلَدِ الِابْنِ ، مِنْ الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ .\rوَالثَّانِي ، عَدَمُ الِابْنَيْنِ فَصَاعِدًا مِنْ الْإِخْوَةِ وَالْأَخَوَاتِ مِنْ أَيِّ الْجِهَاتِ كَانُوا ، ذُكُورًا وَإِنَاثًا ، أَوْ ذُكُورًا أَوْ إنَاثًا ، فَلَهَا فِي هَذِهِ الْحَالِ الثُّلُثُ .\rبِلَا خِلَافٍ نَعْلَمُهُ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rالْحَالُ الثَّانِي ، لَهَا السُّدُسُ ، إذَا لَمْ يَجْتَمِعْ الشَّرْطَانِ ، بَلْ كَانَ لِلْمَيِّتِ وَلَدٌ ، أَوْ وَلَدُ ابْنٍ ، أَوْ اثْنَانِ مِنْ الْإِخْوَةِ وَالْأَخَوَاتِ .\rفِي قَوْلِ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ .\rوَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : لَا يَحْجُبُ الْأُمَّ عَنْ الثُّلُثِ إلَى السُّدُسِ مِنْ الْإِخْوَةِ وَالْأَخَوَاتِ إلَّا ثَلَاثَةٌ وَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ مُعَاذٍ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : { فَإِنْ كَانَ لَهُ إخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ } .\rوَأَقَلُّ الْجَمْعِ ثَلَاثَةٌ .\rوَرُوِيَ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ لِعُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : لَيْسَ الْأَخَوَانِ إخْوَةً فِي لِسَانِ قَوْمِكَ ، فَلَمْ تَحْجُبُ بِهِمَا الْأُمَّ ؟ فَقَالَ : لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَرُدَّ شَيْئًا كَانَ قَبْلِي ، وَمَضَى فِي الْبُلْدَانِ ، وَتَوَارَثَ النَّاسُ بِهِ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ عُثْمَانَ هَذَا ، فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ إجْمَاعٌ تَمَّ قَبْلَ مُخَالِفَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ .\rوَلِأَنَّ كُلَّ حَجْبٍ تَعَلَّقَ بِعَدَدٍ كَانَ أَوَّلُهُ اثْنَيْنِ ، كَحَجْبِ الْبَنَاتِ بَنَاتِ الِابْنِ ، وَالْأَخَوَاتِ مِنْ الْأَبَوَيْنِ الْأَخَوَاتِ مِنْ الْأَبِ ، وَالْإِخْوَةُ تُسْتَعْمَلُ فِي الِاثْنَيْنِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَإِنْ كَانُوا إخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ } .\rوَهَذَا الْحُكْمُ ثَابِتٌ فِي أَخٍ وَأُخْتٍ .\rوَمِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ مَنْ يَجْعَلُ","part":13,"page":344},{"id":6344,"text":"الِاثْنَيْنِ جَمْعًا حَقِيقَةً ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَعْمِلُهُ مَجَازًا ، فَيَصْرِفُ إلَيْهِ بِالدَّلِيلِ .\rوَلَا فَرْقَ فِي حَجْبِهَا بَيْنَ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { إخْوَةً } .\rوَهَذَا يَقَعُ عَلَى الْجَمِيعِ ؛ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ : { وَإِنْ كَانُوا إخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً } .\rفَفَسَّرَهُمْ بِالرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ .\rالْحَالُ الثَّالِثُ ، إذَا كَانَ زَوْجٌ وَأَبَوَانِ ، أَوْ امْرَأَةٌ وَأَبَوَانِ ، فَلِلْأُمِّ ثُلُثُ الْبَاقِي ، بَعْدَ فَرْضِ الزَّوْجَيْنِ .\rوَهَذِهِ يَأْتِي ذِكْرُهَا ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .","part":13,"page":345},{"id":6345,"text":"( 4826 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : وَلَيْسَ لِلْأَبِ مَعَ الْوَلَدِ الذَّكَرِ ، أَوْ وَلَدِ الِابْنِ ، إلَّا السُّدُسُ ، فَإِنْ كُنَّ بَنَاتٍ كَانَ لَهُ مَا فَضَلَ .\rيَعْنِي ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ، كَانَ لَهُ مَا فَضَلَ بَعْدَ أَنْ يُفْرَضَ لَهُ السُّدُسُ ، فَيَكُونُ لَهُ ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ ؛ حَالٌ يَرِثُ فِيهَا بِالْفَرْضِ ، وَهِيَ مَعَ الِابْنِ أَوْ ابْنِ الِابْنِ وَإِنْ سَفَلَ ، فَلَيْسَ لَهُ إلَّا السُّدُسُ وَالْبَاقِي لِلِابْنِ وَمَنْ مَعَهُ .\rلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا ؛ وَذَلِكَ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ } .\rالْحَالُ الثَّانِيَةُ ، يَرِثُ فِيهَا بِالتَّعْصِيبِ الْمُجَرَّدِ ، وَهِيَ مَعَ غَيْرِ الْوَلَدِ ، فَيَأْخُذُ الْمَالَ إنْ انْفَرَدَ .\rوَإِنْ كَانَ مَعَهُ ذُو فَرْضٍ غَيْرُ الْوَلَدِ ، كَزَوْجٍ ، أَوْ أُمٍّ ، أَوْ جَدَّةٍ ، فَلِذِي الْفَرْضِ فَرْضُهُ ، وَبَاقِي الْمَالِ لَهُ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ } .\rفَأَضَافَ الْمِيرَاثَ إلَيْهِمَا ، ثُمَّ جَعَلَ لِلْأُمِّ الثُّلُثَ ، فَكَانَ الْبَاقِي لِلْأَبِ ، ثُمَّ قَالَ : { فَإِنْ كَانَ لَهُ إخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ } .\rفَجَعَلَ لِلْأُمِّ مَعَ الْإِخْوَةِ السُّدُسَ ، وَلَمْ يَقْطَعْ إضَافَةَ الْمِيرَاثِ إلَى الْأَبَوَيْنِ ، وَلَا ذَكَرَ لِلْإِخْوَةِ مِيرَاثًا ، فَكَانَ الْبَاقِي كُلُّهُ لِلْأَبِ .\rالْحَالُ الثَّالِثَةُ ، يَجْتَمِعُ لَهُ الْأَمْرَانِ ؛ الْفَرْضُ وَالتَّعْصِيبُ ، وَهِيَ مَعَ إنَاثِ الْوَلَدِ ، أَوْ وَلَدِ الِابْنِ ، فَلَهُ السُّدُسُ ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ } .\rوَلِهَذَا كَانَ لِلْأَبِ السُّدُسُ مَعَ الْبِنْتِ بِالْإِجْمَاعِ ، ثُمَّ يَأْخُذُ مَا بَقِيَ بِالتَّعْصِيبِ ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا ، فَمَا بَقِيَ فَهُوَ لِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَالْأَبُ أَوْلَى رَجُلٍ بَعْدَ الِابْنِ وَابْنِهِ .\rوَأَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى","part":13,"page":346},{"id":6346,"text":"هَذَا كُلِّهِ ، فَلَيْسَ فِيهِ بِحَمْدِ اللَّهِ اخْتِلَافٌ نَعْلَمُهُ .","part":13,"page":347},{"id":6347,"text":"( 4827 ) فَصْلٌ : وَالْجَدُّ كَالْأَبِ فِي أَحْوَالِهِ الثَّلَاثِ ، وَلَهُ حَالٌ رَابِعٌ مَعَ الْإِخْوَةِ يُذْكَرُ فِي بَابِهِ ، وَيَسْقُطُ بِالْأَبِ ؛ لِأَنَّهُ يُدْلِي بِهِ ، فَيَسْقُطُ بِهِ ، كَالْإِخْوَةِ ، وَكَذَلِكَ كُلُّ جَدٍّ يَسْقُطُ بِابْنِهِ ؛ لِكَوْنِهِ يُدْلِي بِهِ .\rوَيَنْقُصُ الْجَدُّ عَنْ رُتْبَةِ الْأَبِ فِي زَوْجٍ وَأَبَوَيْنِ ، أَوْ امْرَأَةٍ وَأَبَوَيْنِ ، فَيُفْرَضُ لِلْأُمِّ فِيهِمَا ثُلُثُ جَمِيعِ الْمَالِ ، وَبَاقِيهِ لِلْجَدِّ ، بِخِلَافِ الْأَبِ .","part":13,"page":348},{"id":6348,"text":"( 4828 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : ( وَلِلزَّوْجِ النِّصْفُ ، إذَا لَمْ يَكُنْ وَلَدٌ ، فَإِنْ كَانَ لَهَا وَلَدٌ ، فَلَهُ الرُّبُعُ ، وَلِلْمَرْأَةِ الرُّبُعُ وَاحِدَةً كَانَتْ أَوْ أَرْبَعًا ، إذَا لَمْ يَكُنْ وَلَدٌ ، فَإِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ ) .\rوَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الزَّوْجَ وَالزَّوْجَةَ ذُو فَرْضٍ ، لَا يَرِثَانِ بِغَيْرِهِ .\rوَفَرْضُ الزَّوْجِ النِّصْفُ مَعَ عَدَمِ وَلَدِ الْمَيِّتَةِ وَوَلَدِ ابْنِهَا ، وَالرُّبُعُ مَعَ الْوَلَدِ أَوْ وَلَدِ الِابْنِ .\rوَفَرْضُ الزَّوْجَةِ وَالزَّوْجَاتِ الرُّبُعُ مَعَ عَدَمِ وَلَدِ الزَّوْجِ وَوَلَدِ ابْنِهِ ، وَالثُّمُنُ مَعَ الْوَلَدِ أَوْ وَلَدِ الِابْنِ الْوَاحِدُ وَالْأَرْبَعُ سَوَاءٌ .\rبِإِجْمَاعِ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rوَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمْ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ } .\rوَإِنَّمَا جَعَلَ لِلْجَمَاعَةِ مِثْلَ مَا لِلْوَاحِدَةِ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ جَعَلَ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ الرُّبُعُ ، وَهُنَّ أَرْبَعٌ ، لَأَخَذْنَ جَمِيعَ الْمَالِ ، وَزَادَ فَرْضُهُنَّ عَلَى فَرْضِ الزَّوْجِ .\rوَمِثْلُ هَذَا فِي الْجَدَّاتِ لِلْجَمَاعَةِ مِثْلُ مَا لِلْوَاحِدَةِ ؛ لِأَنَّ الْجَدَّاتِ لَوْ أَخَذَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ السُّدُسَ ، لَأَخَذْنَ النِّصْفَ ، فَزِدْنَ عَلَى مِيرَاثِ الْجَدِّ .\rفَأَمَّا سَائِرُ أَصْحَابِ الْفُرُوضِ ، كَالْبَنَاتِ ، وَبَنَاتِ الِابْنِ ، وَالْأَخَوَاتِ الْمُفْتَرِقَاتِ كُلِّهِنَّ ، فَإِنَّ لِكُلِّ جَمَاعَةٍ مِنْهُنَّ مِثْلَ مَا لِلِاثْنَتَيْنِ ، عَلَى مَا ذُكِرَ فِي مَوْضِعِهِ ، وَزِدْنَ عَلَى فَرْضِ ؛ الْوَاحِدَةِ ؛ لِأَنَّ الذَّكَرَ الَّذِي يَرِثُ فِي دَرَجَتِهِنَّ لَا فَرْضَ لَهُ ، إلَّا وَلَدَ الْأُمِّ ، فَإِنَّ ذَكَرَهُمْ وَأُنْثَاهُمْ سَوَاءٌ ؛ لِأَنَّهُمْ يَرِثُونَ بِالرَّحِمِ ، وَقَرَابَةِ الْأُمِّ الْمُجَرَّدَةِ .","part":13,"page":349},{"id":6349,"text":"( 4829 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : وَابْنُ الْأَخِ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ أَوْلَى مِنْ ابْنِ الْأَخِ لِلْأَبِ .\rوَابْنُ الْأَخِ لِلْأَبِ أَوْلَى مِنْ ابْنِ ابْنِ الْأَخِ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ .\rوَابْنُ الْأَخِ وَإِنْ سَفَلَ إذَا كَانَ لِأَبٍ أَوْلَى مِنْ الْعَمِّ .\rوَابْنُ الْعَمِّ لِلْأَبِ أَوْلَى مِنْ ابْنِ ابْنِ الْعَمِّ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ .\rوَابْنُ الْعَمِّ وَإِنْ سَفَلَ أَوْلَى مِنْ عَمِّ الْأَبِ هَذَا فِي مِيرَاثِ الْعَصَبَةِ ، وَهُمْ الذُّكُورُ مِنْ وَلَدِ الْمَيِّتِ ، وَآبَائِهِ ، وَأَوْلَادِهِمْ ، وَلَيْسَ مِيرَاثُهُمْ مُقَدَّرًا ، بَلْ يَأْخُذُونَ الْمَالَ كُلَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ ذُو فَرْضٍ ، فَإِنْ كَانَ مَعَهُمْ ذُو فَرْضٍ لَا يَسْقُطُ بِهِمْ أَخَذُوا الْفَاضِلَ عَنْ مِيرَاثِهِ كُلِّهِ ، وَأَوْلَاهُمْ بِالْمِيرَاثِ أَقْرَبُهُمْ ، وَيَسْقُطُ بِهِ مَنْ بَعُدَ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا ، فَمَا بَقِيَ فَهُوَ لِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ } .\rوَأَقْرَبُهُمْ الْبَنُونَ ، ثُمَّ بَنُوهُمْ وَإِنْ سَفَلُوا ، يُسْقِطُ قَرِيبُهُمْ بَعِيدَهُمْ ، ثُمَّ الْأَبُ ، ثُمَّ آبَاؤُهُ وَإِنْ عَلَوْا ، الْأَقْرَبُ مِنْهُمْ فَالْأَقْرَبُ ، ثُمَّ بَنُو الْأَبِ وَهُمْ الْإِخْوَةُ لِلْأَبَوَيْنِ أَوْ لِلْأَبِ ، ثُمَّ بَنُوهُمْ وَإِنْ سَفَلُوا ، الْأَقْرَبُ مِنْهُمْ فَالْأَقْرَبُ .\rوَيَسْقُطُ الْبَعِيدُ بِالْقَرِيبِ ، سَوَاءٌ كَانَ الْقَرِيبُ مِنْ وَلَدِ الْأَبَوَيْنِ أَوْ مِنْ وَلَدِ الْأَبِ وَحْدَهُ .\rفَإِنْ اجْتَمَعُوا فِي دَرَجَةٍ وَاحِدَةٍ ، فَوَلَدُ الْأَبَوَيْنِ أَوْلَى ؛ لِقُوَّةِ قَرَابَتِهِ بِالْأُمِّ ، فَلِهَذَا قَالَ : ابْنُ الْأَخِ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ أَوْلَى مِنْ ابْنِ الْأَخِ لِلْأَبِ .\rلِأَنَّهُمَا فِي دَرَجَةٍ وَاحِدَةٍ .\rوَابْنُ الْأَخِ لِلْأَبِ أَوْلَى مِنْ ابْنِ ابْنِ الْأَخِ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ ؛ لِأَنَّ ابْنَ الْأَخِ لِلْأَبِ أَعْلَى دَرَجَةً مِنْ ابْنِ ابْنِ الْأَخِ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ ، وَعَلَى هَذَا أَبَدًا ، وَمَهْمَا بَقِيَ مِنْ بَنِي الْأَخِ أَحَدٌ ، وَإِنْ سَفَلَ ، فَهُوَ أَوْلَى مِنْ الْعَمِّ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ وَلَدِ الْأَبِ ، وَالْعَمُّ مِنْ وَلَدِ الْجَدِّ .\rفَإِذَا انْقَرَضَ الْإِخْوَةُ","part":13,"page":350},{"id":6350,"text":"وَبَنُوهُمْ ، فَالْمِيرَاثُ لِلْأَعْمَامِ ثُمَّ بَنِيهِمْ ، عَلَى هَذَا النَّسَقِ ، إنْ اسْتَوَتْ دَرَجَتُهُمْ قُدِّمَ مَنْ هُوَ لِأَبَوَيْنِ ، فَإِنْ اخْتَلَفَتْ قُدِّمَ الْأَعْلَى ، وَإِنْ كَانَ لِأَبٍ ، وَمَهْمَا بَقِيَ مِنْهُمْ أَحَدٌ وَإِنْ سَفَلَ ، فَهُوَ أَوْلَى مِنْ عَمِّ الْأَبِ ؛ لِأَنَّ الْأَعْمَامَ مِنْ وَلَدِ الْجَدِّ ، وَأَعْمَامَ الْأَبِ مِنْ وَلَدِ أَبِ الْجَدِّ ، فَإِذَا انْقَرَضُوا ، فَالْمِيرَاثُ لِأَعْمَامِ الْأَبِ عَلَى هَذَا النَّسَقِ ، ثُمَّ لِأَعْمَامِ الْجَدِّ ، ثُمَّ بَنِيهِمْ ، وَعَلَى هَذَا أَبَدًا ، لَا يَرِثُ بَنُو أَبٍ أَعْلَى مَعَ بَنِي أَبٍ أَقْرَبَ مِنْهُ ، وَإِنْ نَزَلَتْ دَرَجَتُهُمْ ؛ لِمَا مَرَّ فِي الْحَدِيثِ ، وَهَذَا كُلُّهُ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ ، بِحَمْدِ اللَّهِ وَمَنِّهِ .","part":13,"page":351},{"id":6351,"text":"( 4830 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : وَإِذَا كَانَ زَوْجٌ وَأَبَوَانِ ، أُعْطِيَ الزَّوْجُ النِّصْفَ ، وَالْأُمُّ ثُلُثَ مَا بَقِيَ ، وَمَا بَقِيَ فَلِلْأَبِ .\rوَإِذَا كَانَتْ زَوْجَةٌ وَأَبَوَانِ ، أُعْطِيت الزَّوْجَةُ الرُّبُعَ ، وَالْأُمُّ ثُلُثَ مَا بَقِيَ ، وَمَا بَقِيَ فَلِلْأَبِ .\rهَاتَانِ الْمَسْأَلَتَانِ تُسَمَّيَانِ الْعُمَرِيَّتَيْنِ ؛ لِأَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَضَى فِيهِمَا بِهَذَا الْقَضَاءِ ، فَاتَّبَعَهُ عَلَى ذَلِكَ عُثْمَانُ ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ ، وَابْنُ مَسْعُودٍ ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ ، وَالثَّوْرِيُّ وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَجَعَلَ ابْنُ عَبَّاسٍ ثُلُثَ الْمَالِ كُلَّهُ لِلْأُمِّ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى فَرَضَ لَهَا الثُّلُثَ عِنْدَ عَدَمِ الْوَلَدِ وَالْإِخْوَةِ ، وَلَيْسَ هَاهُنَا وَلَدٌ وَلَا إخْوَةٌ .\rوَيُرْوَى ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ .\rوَيُرْوَى ذَلِكَ عَنْ شُرَيْحٌ فِي زَوْجٍ وَأَبَوَيْنِ .\rوَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ كَقَوْلِ الْجَمَاعَةِ فِي زَوْجٍ وَأَبَوَيْنِ ، وَكَقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي امْرَأَةٍ وَأَبَوَيْنِ .\rوَبِهِ قَالَ أَبُو ثَوْرٍ ؛ لِأَنَّنَا لَوْ فَرَضْنَا لِلْأُمِّ ثُلُثَ الْمَالِ فِي زَوْجٍ وَأَبَوَيْنِ ، لَفَضَّلْنَاهَا عَلَى الْأَبِ ، وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ ، وَفِي مَسْأَلَةِ الْمَرْأَةِ ، لَا يُؤَدِّي إلَى ذَلِكَ .\rوَاحْتَجَّ ابْنُ عَبَّاسٍ بِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى : { فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ } .\rوَبِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا ، فَمَا بَقِيَ فَهُوَ لِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ } .\rوَالْأَبُ هَاهُنَا عَصَبَةٌ ؛ فَيَكُونُ لَهُ مَا فَضَلَ عَنْ ذَوِي الْفُرُوضِ ، كَمَا لَوْ كَانَ مَكَانَهُ جَدٌّ ، وَالْحُجَّةُ مَعَهُ لَوْلَا انْعِقَادُ الْإِجْمَاعِ مِنْ الصَّحَابَةِ عَلَى مُخَالَفَتِهِ ؛ وَلِأَنَّ الْفَرِيضَةَ إذَا جَمَعَتْ أَبَوَيْنِ وَذَا فَرْضٍ ، كَانَ لِلْأُمِّ ثُلُثُ الْبَاقِي ، كَمَا لَوْ كَانَ مَعَهُمْ بِنْتٌ وَيُخَالِفُ الْأَبُ الْجَدَّ ؛ لِأَنَّ الْأَبَ فِي دَرَجَتِهَا ، وَالْجَدَّ أَعْلَى مِنْهَا .\rوَمَا ذَهَبَ","part":13,"page":352},{"id":6352,"text":"إلَيْهِ ابْنُ سِيرِينَ تَفْرِيقٌ فِي مَوْضِعٍ أَجْمَعَ الصَّحَابَةُ عَلَى التَّسْوِيَةِ فِيهِ ، ثُمَّ إنَّهُ مَعَ الزَّوْجِ يَأْخُذُ مِثْلَيْ مَا أَخَذَتْ الْأُمُّ ، كَذَلِكَ مَعَ الْمَرْأَةِ ، قِيَاسًا عَلَيْهِ .","part":13,"page":353},{"id":6353,"text":"قَالَ : ( 4831 ) مَسْأَلَةٌ ( وَإِذَا كَانَ زَوْجٌ وَأُمٌّ وَإِخْوَةٌ مِنْ أُمٍّ وَإِخْوَةٌ لِأَبٍ وَأُمٍّ ، فَلِلزَّوْجِ النِّصْفُ ، وَلِلْأُمِّ السُّدُسُ ، وَلِلْأُخُوَّةِ مِنْ الْأُمِّ الثُّلُثُ ، وَسَقَطَ الْإِخْوَةُ مِنْ الْأَبِ وَالْأُمِّ ) .\rهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تُسَمَّى الْمُشْرَكَةَ ، وَكَذَلِكَ كُلُّ مَسْأَلَةٍ اجْتَمَعَ فِيهَا زَوْجٌ وَأُمٌّ أَوْ جَدَّةٌ وَاثْنَانِ فَصَاعِدًا مِنْ وَلَدِ الْأُمِّ وَعَصَبَةٌ مِنْ وَلَدِ الْأَبَوَيْنِ .\rوَإِنَّمَا سُمِّيَتْ الْمُشْرَكَةَ ؛ لِأَنَّ بَعْضَ أَهْلِ الْعِلْمِ شَرَكَ فِيهَا بَيْنَ وَلَدِ الْأَبَوَيْنِ وَوَلَدِ الْأُمِّ فِي فَرْضِ وَلَدِ الْأُمِّ ، فَقَسَمَهُ بَيْنَهُمْ بِالسَّوِيَّةِ ، وَتُسَمَّى الْحِمَارِيَّةَ ؛ لِأَنَّهُ يُرْوَى أَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَسْقَطَ وَلَدَ الْأَبَوَيْنِ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ هَبْ أَنَّ أَبَانَا كَانَ حِمَارًا أَلَيْسَتْ أُمُّنَا وَاحِدَةً ؟ فَشَرَكَ بَيْنَهُمْ .\rوَيُقَالُ : إنَّ بَعْضَ الصَّحَابَةِ قَالَ ذَلِكَ فَسُمِّيَتْ الْحِمَارِيَّةَ لِذَلِكَ .\rوَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِيهَا قَدِيمًا وَحَدِيثًا ، فَذَهَبَ أَحْمَدُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِيهَا إلَى أَنَّ لِلزَّوْجِ النِّصْفَ ، وَلِلْأُمِّ السُّدُسَ ، وَلِلْإِخْوَةِ مِنْ الْأُمِّ الثُّلُثَ ، وَسَقَطَ الْإِخْوَةُ مِنْ الْأَبَوَيْنِ ؛ لِأَنَّهُمْ عَصَبَةٌ وَقَدْ تَمَّ الْمَالُ بِالْفُرُوضِ .\rوَيُرْوَى هَذَا الْقَوْلُ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ ، وَأُبَيُّ بْنِ كَعْبٍ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَأَبِي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ .\rوَبِهِ قَالَ الشَّعْبِيُّ ، وَالْعَنْبَرِيُّ ، وَشَرِيكٌ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَيَحْيَى بْنُ آدَمَ ، وَنُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ ، وَعُثْمَانَ ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، أَنَّهُمْ شَرَكُوا بَيْنَ وَلَدِ الْأَبَوَيْنِ وَوَلَدِ الْأُمِّ فِي الثُّلُثِ ، فَقَسَّمُوهُ بَيْنَهُمْ بِالسَّوِيَّةِ ، لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ .\rوَبِهِ قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، وَإِسْحَاقُ ؛ لِأَنَّهُمْ سَاوَوْا وَلَدَ","part":13,"page":354},{"id":6354,"text":"الْأُمِّ فِي الْقَرَابَةِ الَّتِي يَرِثُونَ بِهَا ، فَوَجَبَ أَنْ يُسَاوُوهُمْ فِي الْمِيرَاثِ ؛ فَإِنَّهُمْ جَمِيعًا مِنْ وَلَدِ الْأُمِّ ، وَقَرَابَتُهُمْ مِنْ جِهَةِ الْأَبِ إنْ لَمْ تَزِدْهُمْ قُرْبًا وَاسْتِحْقَاقًا فَلَا يَنْبَغِي أَنْ تُسْقِطَهُمْ ؛ وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُ الصَّحَابَةِ وَبَعْضُ وَلَدِ الْأَبَوَيْنِ لِعُمَرَ وَقَدْ أَسْقَطَهُمْ : هَبْ أَنَّ أَبَاهُمْ كَانَ حِمَارًا ، فَمَا زَادَهُمْ ذَلِكَ إلَّا قُرْبًا فَشَرَكَ بَيْنَهُمْ .\rوَحَرَّرَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ فِيهَا قِيَاسًا ، فَقَالَ : فَرِيضَتُهُ جَمَعَتْ وَلَدَ الْأَبِ وَالْأُمِّ وَوَلَدَ الْأُمِّ ، وَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْمِيرَاثِ فَإِذَا وَرِثَ وَلَدُ الْأُمِّ ، وَجَبَ أَنْ يَرِثَ وَلَدُ الْأَبِ وَالْأُمِّ ، كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا زَوْجٌ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوْ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ } .\rوَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ الْمُرَادَ بِهَذِهِ الْآيَةِ وَلَدُ الْأُمِّ عَلَى الْخُصُوصِ ، فَمَنْ شَرَكَ بَيْنَهُمْ فَلَمْ يُعْطِ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسَ ، فَهُوَ مُخَالَفَةٌ لِظَاهِرِ الْقُرْآنِ ، وَيَلْزَمُ مِنْهُ مُخَالَفَةُ ظَاهِرِ الْآيَةِ الْأُخْرَى ، وَهِيَ قَوْلُهُ : { وَإِنْ كَانُوا إخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ } .\rيُرَادُ بِهَذِهِ الْآيَةِ سَائِرُ الْإِخْوَةِ وَالْأَخَوَاتِ ، وَهُمْ يُسَوُّونَ بَيْنَ ذَكَرِهِمْ وَأُنْثَاهُمْ .\rوَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ ، بِأَهْلِهَا ، فَمَا بَقِيَ فَلِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ } .\rوَمَنْ شَرَكَ فَلَمْ يُلْحِقْ الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا ، وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ وَلَدَ الْأَبَوَيْنِ عَصَبَةٌ لَا فَرْضَ لَهُمْ ، وَقَدْ تَمَّ الْمَالُ بِالْفُرُوضِ ، فَوَجَبَ أَنْ يَسْقُطُوا ، كَمَا لَوْ كَانَ مَكَانَ وَلَدِ الْأُمِّ ابْنَتَانِ .\rوَقَدْ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَاحِدٌ مِنْ وَلَدِ الْأُمِّ ، وَمِائَةٌ مِنْ وَلَدِ الْأَبَوَيْنِ ،","part":13,"page":355},{"id":6355,"text":"لَكَانَ لِلْوَاحِدِ السُّدُسُ ، وَلِلْمِائَةِ السُّدُسُ الْبَاقِي ، لِكُلِّ وَاحِدٍ عُشْرُ عُشْرِهِ ، وَإِذَا جَازَ أَنْ يَفْضُلَهُمْ الْوَاحِدُ هَذَا الْفَضْلَ كُلَّهُ ، لِمَ لَا يَجُوزُ لِاثْنَيْنِ إسْقَاطُهُمْ ؟ وَقَوْلُهُمْ : تَسَاوَوْا فِي قَرَابَةِ الْأُمِّ .\rقُلْنَا : فَلِمَ لَمْ يُسَاوُوهُمْ فِي الْمِيرَاثِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ؟ وَعَلَى أَنَّا نَقُولُ : إنْ سَاوَوْهُمْ فِي قَرَابَةِ الْأُمِّ فَقَدْ فَارَقُوهُمْ فِي كَوْنِهِمْ عَصَبَةً مِنْ غَيْرِ ذَوِي الْفُرُوضِ .\rوَهَذَا الَّذِي افْتَرَقُوا فِيهِ هُوَ الْمُقْتَضِي لِتَقْدِيمِ وَلَدِ الْأُمِّ ، وَتَأْخِيرِ وَلَدِ الْأَبَوَيْنِ .\rفَإِنَّ الشَّرْعَ وَرَدَ بِتَقْدِيمِ ذَوِي الْفُرُوضِ ، وَتَأْخِيرِ الْعَصَبَةِ ، وَلِذَلِكَ يُقَدَّمُ وَلَدُ الْأُمِّ عَلَى وَلَدِ الْأَبَوَيْنِ فِي الْقَدْرِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْمَذْكُورَةِ وَشِبْهِهَا ، فَكَذَلِكَ يُقَدَّمُ وَإِنْ سَقَطَ وَلَدُ الْأَبَوَيْنِ كَغَيْرِهِ ، وَيَلْزَمُهُمْ أَنْ يَقُولُوا فِي زَوْجٍ وَأُخْتٍ مِنْ أَبَوَيْنِ وَأُخْتٍ مِنْ أَبٍ مَعَهَا أَخُوهَا ، إنَّ الْأَخَ يَسْقُطُ وَحْدَهُ ، فَتَرِثُ أُخْتُهُ السُّبْعَ ؛ لِأَنَّ قَرَابَتَهَا مَعَ وُجُودِهِ كَقَرَابَتِهَا مَعَ عَدَمِهِ ، وَهُوَ لَمْ يَحْجُبْهَا ، فَهَلَّا عَدُّوهُ حِمَارًا ، وَوَرَّثُوهَا مَعَ وُجُودِهِ كَمِيرَاثِهَا مَعَ عَدَمِهِ ؟ وَمَا ذَكَرُوهُ مِنْ الْقِيَاسِ طَرْدِيٌّ لَا مَعْنَى تَحْتَهُ ، قَالَ الْعَنْبَرِيُّ : الْقِيَاسُ مَا قَالَ عَلِيٌّ ، وَالِاسْتِحْسَانُ مَا قَالَ عُمَرُ .\rقَالَ الْخَبْرِيُّ : وَهَذِهِ وَسَاطَةٌ مَلِيحَةٌ ، وَعِبَارَةٌ صَحِيحَةٌ ، وَهُوَ كَمَا قَالَ ، إلَّا أَنَّ الِاسْتِحْسَانَ الْمُجَرَّدَ لَيْسَ بِحُجَّةٍ فِي الشَّرْعِ ، فَإِنَّهُ وَضْعٌ لِلشَّرْعِ بِالرَّأْيِ مِنْ غَيْرِ دَلِيل ، وَلَا يَجُوزُ الْحُكْمُ بِهِ لَوْ انْفَرَدَ عَنْ الْمُعَارِضِ ، فَكَيْفَ وَهُوَ فِي مَسْأَلَتِنَا يُخَالِفُ ظَاهَرَ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ وَالْقِيَاسِ وَمِنْ الْعَجَبِ ذَهَابُ الشَّافِعِيِّ إلَيْهِ هَاهُنَا ، مَعَ تَخْطِئَتِهِ الذَّاهِبِينَ إلَيْهِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ ، وَقَوْلُهُ : مَنْ اسْتَحْسَنَ فَقَدْ شَرَعَ .\rوَمُوَافَقَتُهُ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ أَوْلَى .","part":13,"page":356},{"id":6356,"text":"( 4832 ) فَصْلٌ : وَلَوْ كَانَ مَكَان وَلَدِ الْأَبَوَيْنِ عَصَبَةٌ مِنْ وَلَدِ الْأَبِ سَقَطَ ، قَوْلًا وَاحِدًا ، وَلَمْ يُوَرِّثْهُمْ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فِيمَا عَلِمْنَا ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يُسَاوُوا وَلَدَ الْأُمِّ فِي قَرَابَةِ الْأُمِّ .\rوَلَوْ كَانَ مَكَانَهُمْ أَخَوَاتٌ مِنْ أَبَوَيْنِ أَوْ مِنْ أَبٍ ، فُرِضَ لَهُنَّ الثُّلُثَانِ ، وَعَالَتْ الْمَسْأَلَةُ إلَى عَشْرَةٍ ، فِي قَوْلِ الْجَمِيعِ ، إلَّا فِي قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمَنْ تَابَعَهُ ، مِمَّنْ لَا يَرَى الْعَوْلَ ، فَإِنَّهُمْ يَرُدُّونَ النَّقْصَ عَلَى الْأَخَوَاتِ غَيْرِ وَلَدِ الْأُمِّ ، فَمُقْتَضَى قَوْلِهِ سُقُوطُ الْأَخَوَاتِ مِنْ وَلَدِ الْأَبَوَيْنِ ، كَمَا لَوْ كَانُوا إخْوَةً ، وَسَنُبَيِّنُ أَنَّ الصَّوَابَ خِلَافُ ذَلِكَ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .","part":13,"page":357},{"id":6357,"text":"( 4833 ) فَصْلٌ : إذَا قِيلَ امْرَأَةٌ خَلَّفَتْ أُمًّا ، وَابْنَيْ عَمٍّ أَحَدُهُمَا زَوْجٌ وَالْآخَرُ أَخٌ مِنْ أُمٍّ وَثَلَاثَةَ إخْوَةٍ مُفْتَرِقِينَ ، فَقُلْ : هَذِهِ الْمُشْرَكَةُ ، لِلزَّوْجِ النِّصْفُ ، وَلِلْأُمِّ السُّدُسُ ، وَلِلْأَخَوَيْنِ مِنْ الْأُمِّ الثُّلُثُ ، وَسَقَطَ الْأَخَوَاتُ مِنْ الْأَبَوَيْنِ وَالْأَبِ .\rوَمَنْ شَرَكَ جَعَلَ لِلْأَخِ مِنْ الْأَبَوَيْنِ التُّسْعَ ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْأَخَوَيْنِ مِنْ الْأُمِّ تُسْعًا .","part":13,"page":358},{"id":6358,"text":"( 4834 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : ( وَإِذَا كَانَ زَوْجٌ وَأُمٌّ وَإِخْوَةٌ وَأَخَوَاتٌ لِأُمٍّ وَأُخْتٌ لِأَبٍ وَأُمٍّ وَأَخَوَاتٌ لِأَبٍ ، فَلِلزَّوْجِ النِّصْفُ ، وَلِلْأُمِّ السُّدُسُ ، وَلِلْإِخْوَةِ وَلِلْأَخَوَاتِ مِنْ الْأُمِّ الثُّلُثُ بَيْنَهُمْ بِالتَّسْوِيَةِ ، وَلِلْأُخْتِ مِنْ الْأَبِ وَالْأُمِّ النِّصْفُ ، وَلِلْأَخَوَاتِ مِنْ الْأَبِ السُّدُسُ ) أَمَّا التَّسْوِيَةُ بَيْنَ وَلَدِ الْأُمِّ ، فَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا ، إلَّا رِوَايَةً شَذَّتْ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّهُ فَضَّلَ الذَّكَرَ عَلَى الْأُنْثَى ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ } .\rوَقَالَ فِي آيَةٍ أُخْرَى : { وَإِنْ كَانُوا إخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ } .\rوَلَنَا ، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ } .\rفَسَوَّى بَيْنَ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى ، وَقَوْلُهُ : { فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ } .\rمِنْ غَيْرِ تَفْضِيلٍ لَبَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ ، يَقْتَضِي التَّسْوِيَةَ بَيْنَهُمْ ، كَمَا لَوْ وَصَّى لَهُمْ بِشَيْءٍ أَوْ أَقَرَّ لَهُمْ بِهِ .\rوَأَمَّا الْآيَةُ الْأُخْرَى ، فَالْمُرَادُ بِهَا وَلَدُ الْأَبَوَيْنِ ، وَوَلَدُ الْأَبِ ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ جَعَلَ لِلْوَاحِدَةِ النِّصْفَ وَلِلِاثْنَتَيْنِ الثُّلُثَيْنِ ، وَجَعَلَ الْأَخَ يَرِثُ أُخْتَهُ الْكَلَّ ثُمَّ هَذَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ فَلَا عِبْرَةَ بِقَوْلٍ شَاذٍّ ، وَتَوْرِيثُ وَلَدِ الْأُمِّ هَاهُنَا الثُّلُثَ وَالْأُمِّ السُّدُسَ وَالزَّوْجِ النِّصْفَ ، تَسْمِيَةٌ لَا خِلَافَ فِيهَا أَيْضًا .\rوَقَدْ اجْتَمَعَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فُرُوضٌ يَضِيقُ الْمَالُ عَنْهَا ، فَإِنَّ النِّصْفَ لِلزَّوْجِ ، وَالنِّصْفَ لِلْأُخْتِ مِنْ الْأَبَوَيْنِ ، يَكْمُلُ الْمَالُ بِهِمَا ، وَيَزِيدُ ثُلُثُ وَلَدِ الْأُمِّ ، وَسُدُسُ الْأُمِّ ، وَسُدُسُ الْأُخْتِ مِنْ الْأَبِ ، فَتَعُولُ الْمَسْأَلَةُ بِثُلُثَيْهَا ، وَأَصْلُهَا مِنْ سِتَّةِ أَسْهُمٍ ، فَتَعُولُ إلَى عَشْرَةٍ ، وَتُسَمَّى أُمَّ الْفُرُوخِ ؛ لِكَثْرَةِ عَوْلِهَا ، شَبَّهُوا أَصْلَهَا بِالْأُمِّ ، وَعَوْلَهَا بِفُرُوخِهَا ، وَلَيْسَ فِي الْفَرَائِضِ مَسْأَلَةٌ تَعُولُ","part":13,"page":359},{"id":6359,"text":"بِثُلُثَيْهَا سِوَى هَذِهِ وَشِبْهِهَا ، وَلَا بُدَّ فِي أَمِّ الْفُرُوخِ مِنْ زَوْجٍ وَاثْنَيْنِ فَصَاعِدًا ، مِنْ وَلَدِ الْأُمِّ ، وَأُمٍّ أَوْ جَدَّةٍ ، وَاثْنَيْنِ مِنْ وَلَدِ الْأَبَوَيْنِ ، أَوْ الْأَبِ ، أَوْ إحْدَاهُمَا مِنْ وَلَدِ الْأَبَوَيْنِ ، وَالْأُخْرَى مِنْ وَلَدِ الْأَبِ ، فَمَتَى اجْتَمَعَ فِيهَا هَذَا ، عَالَتْ إلَى عَشْرَةٍ ، وَمَعْنَى الْعَوْلِ أَنْ تَزْدَحِمَ فُرُوضٌ لَا يَتَّسِعُ الْمَالُ لَهَا ، كَهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ، فَيَدْخُلُ النَّقْصُ عَلَيْهِمْ كُلِّهِمْ ، وَيُقَسَّمُ الْمَالُ بَيْنَهُمْ عَلَى قَدْرِ فُرُوضِهِمْ ، كَمَا يُقَسَّمُ مَالُ الْمُفْلِسِ بَيْنَ غُرَمَائِهِ بِالْحِصَصِ ؛ لِضِيقِ مَالِهِ عَنْ وَفَائِهِمْ ، وَمَالُ الْمَيِّتِ بَيْنَ أَرْبَابِ الدُّيُونِ إذَا لَمْ يَفِ لَهَا ، وَالثُّلُثُ بَيْنَ أَرْبَابِ الْوَصَايَا إذَا عَجَزَ عَنْهَا .\rوَهَذَا قَوْلُ عَامَّةِ الصَّحَابَةِ ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ مِنْ الْعُلَمَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، يُرْوَى ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ ، وَعَلِيٍّ ، وَالْعَبَّاسِ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ ، وَزَيْدٍ .\rوَبِهِ قَالَ مَالِكٌ فِي أَهْلِ الْمَدِينَةِ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَأَهْلُ الْعِرَاقِ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُهُ ، وَإِسْحَاقُ ، وَنُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَسَائِرُ أَهْلِ الْعِلْمِ ، إلَّا ابْنَ عَبَّاسٍ ، وَطَائِفَةً شَذَّتْ يَقِلُّ عَدَدُهَا .\rنُقِلَ ذَلِكَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ ، وَعَطَاءٍ ، وَدَاوُد ، فَإِنَّهُمْ قَالُوا : لَا تَعُولُ الْمَسَائِلُ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّهُ قَالَ ، فِي زَوْجٍ ، وَأُخْتٍ ، وَأُمٍّ : مَنْ شَاءَ بَاهَلْتُهُ أَنَّ الْمَسَائِلَ لَا تَعُولُ ، إنَّ الَّذِي أَحْصَى رَمْلَ عَالِجَ عَدَدًا أَعْدَلُ مِنْ أَنْ يَجْعَلَ فِي مَالٍ نِصْفًا ، وَنِصْفًا ، وَثُلُثًا ، هَذَانِ نِصْفَانِ ذَهَبَا بِالْمَالِ ، فَأَيْنَ مَوْضِعُ الثُّلُثِ ؟ فَسُمِّيَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مَسْأَلَةَ الْمُبَاهَلَةِ لِذَلِكَ ، وَهِيَ أَوَّلُ مَسْأَلَةٍ عَائِلَةٍ حَدَثَتْ فِي زَمَنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَجَمَعَ الصَّحَابَةَ لِلْمَشُورَةِ فِيهَا ، فَقَالَ الْعَبَّاسُ أَرَى أَنْ تَقْسِمَ الْمَالَ بَيْنَهُمْ عَلَى","part":13,"page":360},{"id":6360,"text":"قَدْرِ سِهَامِهِمْ .\rفَأَخَذَ بِهِ عُمَرُ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَاتَّبَعَهُ النَّاسُ عَلَى ذَلِكَ ، حَتَّى خَالَفَهُمْ ابْنُ عَبَّاسٍ ، فَرَوَى الزُّهْرِيُّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ ، قَالَ : لَقِيت زُفَرَ بْنَ أَوْسٍ الْبَصْرِيَّ ، فَقَالَ : نَمْضِي إلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ نَتَحَدَّثُ عِنْدَهُ ، فَأَتَيْنَاهُ ، فَتَحَدَّثْنَا عِنْدَهُ ، فَكَانَ مِنْ حَدِيثِهِ ، أَنَّهُ قَالَ : سُبْحَانَ الَّذِي أَحْصَى رَمْلَ عَالِجَ عَدَدًا ، ثُمَّ يَجْعَلُ فِي مَالٍ نِصْفًا ، وَنِصْفًا ، وَثُلُثًا ، ذَهَبَ النِّصْفَانِ بِالْمَالِ ، فَأَيْنَ مَوْضِعُ الثُّلُثِ ، وَأَيْمُ اللَّهِ ، لَوْ قَدَّمُوا مَنْ قَدَّمَ اللَّهُ ، وَأَخَّرُوا مَنْ أَخَّرَ اللَّهُ ، مَا عَالَتْ فَرِيضَةٌ أَبَدًا ، فَقَالَ زُفَرُ : فَمَنْ الَّذِي قَدَّمَهُ اللَّهُ ، وَمِنْ الَّذِي أَخَّرَهُ اللَّهُ ؟ فَقَالَ : الَّذِي أَهْبَطَهُ مِنْ فَرْضٍ إلَى فَرْضٍ ، فَذَلِكَ الَّذِي قَدَّمَهُ اللَّهُ ، وَاَلَّذِي أَهْبَطَهُ مِنْ فَرْضٍ إلَى مَا بَقِيَ ، فَذَلِكَ الَّذِي أَخَّرَهُ اللَّهُ .\rفَقَالَ زُفَرُ : فَمَنْ أَوَّلُ مَنْ أَعَالَ الْفَرَائِضَ ؟ قَالَ : عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ .\rفَقُلْت : أَلَا أَشَرْت عَلَيْهِ ؟ فَقَالَ : هِبْتُهُ ، وَكَانَ امْرَأً مَهِيبًا .\rقَوْلُهُ : مَنْ أَهْبَطَهُ مِنْ فَرِيضَةٍ إلَى فَرِيضَةٍ ، فَذَلِكَ الَّذِي قَدَّمَهُ اللَّهُ .\rيُرِيدُ أَنَّ الزَّوْجَيْنِ وَالْأُمَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فَرْضٌ ، ثُمَّ يُحْجَبُ إلَى فَرْضٍ آخَرَ لَا يَنْقُصُ مِنْهُ ، وَأَمَّا مَنْ أَهْبَطَهُ مِنْ فَرْضٍ إلَى مَا بَقِيَ ، يُرِيدُ الْبَنَاتِ وَالْأَخَوَاتَ ، فَإِنَّهُنَّ يُفْرَضُ لَهُنَّ ، فَإِذَا كَانَ مَعَهُنَّ إخْوَتُهُنَّ ، وَرِثُوا بِالتَّعْصِيبِ ، فَكَانَ لَهُمْ مَا بَقِيَ ، قَلَّ أَوْ كَثُرَ ، فَكَانَ مَذْهَبُهُ ، أَنَّ الْفُرُوضَ إذَا ازْدَحَمَتْ رُدَّ النَّقْصُ عَلَى الْبَنَاتِ وَالْأَخَوَاتِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ لَوْ انْفَرَدَ أَخَذَ فَرْضَهُ ، فَإِذَا ازْدَحَمُوا وَجَبَ أَنْ يَقْتَسِمُوا عَلَى قَدْرِ الْحُقُوقِ ، كَأَصْحَابِ الدُّيُونِ وَالْوَصَايَا ، وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى فَرَضَ لِلْأُخْتِ النِّصْفَ ، كَمَا فَرَضَ","part":13,"page":361},{"id":6361,"text":"لِلزَّوْجِ النِّصْفَ ، وَفَرَضَ لِلْأُخْتَيْنِ الثُّلُثَيْنِ ، .\rكَمَا فَرَضَ الثُّلُثَ لِلْأُخْتَيْنِ مِنْ الْأُمِّ ، فَلَا يَجُوزُ إسْقَاطُ فَرْضِ بَعْضِهِمْ ، مَعَ نَصِّ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ ، بِالرَّأْيِ وَالتَّحَكُّمِ ، وَلَمْ يُمْكِنْ الْوَفَاءُ بِهَا ، فَوَجَبَ أَنْ يَتَسَاوَوْا فِي النَّقْصِ عَلَى قَدْرِ الْحُقُوقِ ، كَالْوَصَايَا ، وَالدُّيُونِ ، وَقَدْ يَلْزَمُ ابْنَ عَبَّاسٍ عَلَى قَوْلِهِ مَسْأَلَةٌ فِيهَا زَوْجٌ ، وَأُمٌّ ، وَأَخَوَانِ مِنْ أُمٍّ ، فَإِنْ حَجَبَ الْأُمَّ إلَى السُّدُسِ خَالَفَ مَذْهَبَهُ فِي حَجْبِ الْأُمِّ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةٍ مِنْ الْإِخْوَةِ ، وَإِنْ نَقَصَ الْأَخَوَيْنِ مِنْ الْأُمِّ ، رَدَّ النَّقْصَ عَلَى مَنْ لَمْ يُهْبِطْهُ اللَّهُ مِنْ فَرْضٍ إلَى مَا بَقِيَ ، وَإِنْ أَعَالَ الْمَسْأَلَةَ ، رَجَعَ إلَى قَوْلِ الْجَمَاعَةِ .\rوَتَرَكَ مَذْهَبَهُ ، وَلَا نَعْلَمُ الْيَوْمَ قَائِلًا بِمَذْهَبِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَلَا نَعْلَمُ خِلَافًا بَيْنَ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ فِي الْقَوْلِ بِالْعَوْلِ ، بِحَمْدِ اللَّهِ وَمَنِّهِ .","part":13,"page":362},{"id":6362,"text":"( 4835 ) فَصْلٌ : حَصَلَ خِلَافُ ابْنِ عَبَّاسٍ لِلصَّحَابَةِ فِي خَمْسِ مَسَائِلَ ، اشْتَهَرَ قَوْلُهُ فِيهَا ؛ أَحَدُهَا ، زَوْجٌ وَأَبَوَانِ .\rوَالثَّانِيَةُ ، امْرَأَةٌ وَأَبَوَانِ ، لِلْأُمِّ ثُلُثُ الْبَاقِي عِنْدَهُمْ ، وَجَعَلَ هُوَ لَهَا ثُلُثَ الْمَالِ فِيهَا .\rوَالثَّالِثَةُ ، أَنَّهُ لَا يَحْجُبُ الْأُمَّ إلَّا بِثَلَاثَةٍ مِنْ الْإِخْوَةِ .\rوَالرَّابِعَةُ ، لَمْ يَجْعَلْ الْأَخَوَاتِ مَعَ الْبَنَاتِ عَصَبَةً .\rوَالْخَامِسَةُ ، أَنَّهُ لَا يُعِيلُ الْمَسَائِلَ .\rفَهَذِهِ الْخَمْسُ صَحَّتْ الرِّوَايَةُ عَنْهُ فِيهَا ، وَاشْتَهَرَ عَنْهُ الْقَوْلُ بِهَا ، وَشَذَّتْ عَنْهُ رِوَايَاتٌ سِوَى هَذِهِ ، ذَكَرْنَا بَعْضَهَا فِيمَا مَضَى .","part":13,"page":363},{"id":6363,"text":"( 4836 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : وَإِذَا كَانَا ابْنَا عَمٍّ ، أَحَدُهُمَا أَخٌ لِأُمٍّ ، فَلِلْأَخِ لِلْأُمِّ السُّدُسُ ، وَمَا بَقِيَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ .\rهَذَا قَوْلُ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ .\rيُرْوَى عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ ، وَيُرْوَى ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَزَيْدٍ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ .\rوَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ .\rوَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ : الْمَالُ لِلَّذِي هُوَ أَخٌ مِنْ أُمٍّ .\rوَبِهِ قَالَ شُرَيْحٌ ، وَالْحَسَنُ ، وَابْنُ سِيرِينَ ، وَعَطَاءٌ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ؛ لِأَنَّهُمَا اسْتَوَيَا فِي قَرَابَةٍ لِأَبٍ وَفَضَلَهُ هَذَا بِأُمٍّ ، فَصَارَ كَأَخَوَيْنِ أَوْ عَمَّيْنِ ، أَحَدُهُمَا لِأَبَوَيْنِ ، وَالْآخَرُ لِأَبٍ ، وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ ابْنُ عَمٍّ لِأَبَوَيْنِ ، وَابْنُ عَمٍّ لِأَبٍ ، كَانَ ابْنُ الْعَمِّ لِلْأَبَوَيْنِ أَوْلَى ، فَإِذَا كَانَ قُرْبُهُ لِكَوْنِهِ مِنْ وَلَدِ الْجَدَّةِ قَدَّمَهُ ، فَكَوْنُهُ مِنْ وَلَدِ الْأُمِّ أَوْلَى .\rوَلَنَا ، أَنَّ الْإِخْوَةَ مِنْ الْأُمِّ يُفْرَضُ لَهُ بِهَا ، إذَا لَمْ يَرِثْ بِالتَّعْصِيبِ ، وَهُوَ إذَا كَانَ مَعَهُ أَخٌ مِنْ أَبَوَيْنِ ، أَوْ مِنْ أَبٍ أَوْ عَمٍّ ، وَمَا يُفْرَضُ لَهُ بِهِ ، لَا يُرَجَّحُ بِهِ ، كَمَا لَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا زَوْجًا ، وَيُفَارِقُ الْأَخَ مِنْ الْأَبَوَيْنِ وَالْعَمَّ وَابْنِ الْعَمَّ ، إذَا كَانَا مِنْ أَبَوَيْنِ ، فَإِنَّهُ لَا يُفْرَضُ لَهُ بِقَرَابَةِ أُمِّهِ شَيْءٌ ، فَرَجَحَ بِهِ ، وَلَا يَجْتَمِعُ فِي إحْدَى الْقَرَابَتَيْنِ تَرْجِيحٌ وَفَرْضٌ .\r( 4837 ) فَصْلٌ : فَإِنْ كَانَ مَعَهُمَا أَخٌ لِأَبٍ ، فَلِلْأَخِ مِنْ الْأُمِّ السُّدُسُ ، وَالْبَاقِي لِلْأَخِ مِنْ الْأَبِ .\rوَإِنْ كَانَ مَعَهُمَا أَخٌ مِنْ أَبَوَيْنِ فَكَذَلِكَ ، وَإِنْ كَانَ ابْنُ عَمٍّ لِأَبَوَيْنِ ، وَابْنُ عَمٍّ هُوَ أَخٌ لِأُمٍّ ، فَعَلَى قَوْلِ الْجُمْهُورِ ، لِلْأَخِ السُّدُسُ ، وَالْبَاقِي لِلْآخَرِ .\rوَعَلَى قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، الْمَالُ كُلُّهُ لِابْنِ الْعَمِّ الَّذِي هُوَ أَخٌ لِأُمٍّ .","part":13,"page":364},{"id":6364,"text":"( 4838 ) فَصْلٌ : فَإِنْ كَانَ ابْنَا عَمٍّ ، أَحَدُهُمَا أَخٌ مِنْ أُمٍّ ، وَبِنْتٌ أَوْ بِنْتُ ابْنٍ ، فَلِلْبِنْتِ أَوْ بِنْتِ الِابْنِ النِّصْفُ ، وَالْبَاقِي بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ ، وَسَقَطَتْ الْإِخْوَةُ مِنْ الْأُمِّ بِالْبِنْتِ .\rوَلَوْ كَانَ الَّذِي لَيْسَ بِأَخٍ ابْنَ عَمٍّ مِنْ أَبَوَيْنِ ، أَخَذَ الْبَاقِي كُلَّهُ كَذَلِكَ .\rوَعَلَى قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ الْبَاقِي لِلْأَخِ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ ، بِدَلِيلِ أَنَّ الْأَخَ مِنْ الْأَبَوَيْنِ يَتَقَدَّمُ عَلَى الْأَخِ مِنْ الْأَبِ بِقَرَابَةِ الْأُمِّ ، فَإِنْ كَانَ فِي الْفَرِيضَةِ بِنْتٌ تَحْجُبُ قَرَابَةَ الْأُمِّ .\rوَحُكِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، أَنَّ الْبَاقِيَ لِابْنِ الْعَمِّ الَّذِي لَيْسَ بِأَخٍ ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَبٍ ؛ لِأَنَّهُ يَرِثُ بِالْقَرَابَتَيْنِ مِيرَاثًا وَاحِدًا ، فَإِذَا كَانَ فِي الْفَرِيضَةِ مَنْ يَحْجُبُ إحْدَاهُمَا ، سَقَطَ مِيرَاثُهُ .\rكَمَا لَوْ اسْتَغْرَقَتْ الْفُرُوضُ الْمَالَ ، سَقَطَ الْأَخُ مِنْ الْأَبَوَيْنِ ، وَلَمْ يَرِثْ بِقَرَابَةِ الْأُمِّ ، بِدَلِيلِ مَسْأَلَةِ الْمُشْرَكَةِ .\rوَلَنَا ، عَلَى ابْنِ مَسْعُودٍ ، أَنَّ الْبِنْتَ تُسْقِطُ الْمِيرَاثَ بِقَرَابَةِ الْأُمِّ ، فَيَبْقَى التَّعْصِيبُ مُنْفَرِدًا ، فَيَرِثُ بِهِ ، وَفَارَقَ وَلَدَ الْأَبَوَيْنِ ؛ فَإِنَّ قَرَابَةَ الْأُمِّ لَمْ يُرَجَّحْ بِهَا ، وَلَا يُفْرَضُ لَهَا ، فَلَا يُؤَثِّرُ فِيهَا مَا يَحْجُبُهَا .\rوَفِي مَسْأَلَتِنَا يُفْرَضُ لَهُ بِهَا فَإِذَا كَانَ فِي الْفَرِيضَةِ مَنْ يَحْجُبُهَا ، سَقَطَتْ ، وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مَعَ ابْنِ الْعَمِّ الَّذِي هُوَ أَخٌ ، أَخٌ مِنْ أَبٍ ، وَبِنْتٌ ، لَحَجَبَتْ الْبِنْتُ قَرَابَةَ الْأُمِّ ، وَلَمْ تَرِثْ بِهَا شَيْئًا ، فَكَانَ لِلْبِنْتِ النِّصْفُ ، وَالْبَاقِي لِلْأَخِ مِنْ الْأَبِ ، وَلَوْلَا الْبِنْتُ لَوَرِثَ لِكَوْنِهِ أَخًا مِنْ أُمٍّ السُّدُسَ ، فَإِذَا حَجَبَتْهُ الْبِنْتُ مَعَ الْأَخِ مِنْ الْأَبِ ، وَجَبَ أَنْ تَحْجُبَهُ فِي كُلِّ حَالٍ .\rلِأَنَّ الْحَجْبَ بِهَا لَا بِالْأَخِ مِنْ الْأَبِ .\rمَا ذَكَرَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ يُنْتَقَضُ بِالْأَخِ مِنْ الْأَبَوَيْنِ ، مَعَ الْبِنْتِ ، وَبِابْنِ الْعَمِّ إذَا كَانَ زَوْجًا وَمَعَهُ مَنْ يَحْجُبُ","part":13,"page":365},{"id":6365,"text":"بَنِي الْعَمِّ .\rوَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ يَرِثُ مِيرَاثًا وَاحِدًا ، بَلْ يَرِثُ بِقَرَابَتِهِ مِيرَاثَيْنِ كَشَخْصَيْنِ ، فَصَارَ كَابْنِ الْعَمِّ الَّذِي هُوَ زَوْجٌ ، وَفَارَقَ الْأَخَ مِنْ الْأَبَوَيْنِ ، فَإِنَّهُ لَا يَرِثُ إلَّا مِيرَاثًا وَاحِدًا ، فَإِنَّ قَرَابَةَ الْأُمِّ لَا تَرِثُ بِهَا مُفْرَدَةً .\r( 4839 ) فَصْلٌ : فَحَصَلَ خِلَافُ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي مَسَائِلَ سِتٍّ ، هَذِهِ إحْدَاهُنَّ ، وَالثَّانِيَةُ ، فِي بِنْتٍ وَبَنَاتِ ابْنٍ وَابْنِ ابْنٍ ، الْبَاقِي عِنْدَهُ لِلِابْنِ دُونَ أَخَوَاتِهِ .\rالثَّالِثَةُ ، فِي أَخَوَاتٍ لِأَبَوَيْنِ وَأَخَوَاتٍ لِأَبٍ ، الْبَاقِي عِنْدَهُ لِلْأَخِ دُونَ أَخَوَاتِهِ .\rالرَّابِعَةُ ، بِنْتٌ وَابْنُ ابْنٍ وَبَنَاتُ ابْنٍ ، عِنْدَهُ لِبَنَاتِ الِابْنِ الْأَضَرُّ بِهِنَّ مِنْ السُّدُسِ أَوْ الْمُقَاسَمَةِ .\rالْخَامِسَةُ ، أُخْتٌ لِأَبَوَيْنِ وَأَخٌ وَأَخَوَاتٌ لِأَبٍ ، لِلْأَخَوَاتِ عِنْدَهُ الْأَضَرُّ بِهِنَّ مِنْ ذَلِكَ .\rالسَّادِسَةُ ، كَانَ يَحْجُبُ الزَّوْجَيْنِ وَالْأُمَّ بِالْكُفَّارِ وَالْعَبِيدِ وَالْقَاتِلِينَ ، وَلَا يُوَرِّثُهُمْ .","part":13,"page":366},{"id":6366,"text":"( 4840 ) فَصْلٌ : ابْنُ ابْنِ عَمٍّ هُوَ أَخٌ لِأُمٍّ ، وَابْنُ ابْنِ عَمٍّ آخَرُ ، لِلْأَخِ السُّدُسُ وَالْبَاقِي بَيْنَهُمَا .\rوَعِنْدَ ابْنِ مَسْعُودٍ ، الْكُلُّ لِلْأَخِ ، وَسَقَطَ الْآخَرُ ، فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا ابْنَ أَخٍ لِأُمٍّ ، فَلَا شَيْءَ لَهُ بِقَرَابَةِ الْأُخُوَّةِ ؛ لِأَنَّ ابْنَ الْأَخِ لِلْأُمِّ مِنْ ذَوِي الْأَرْحَامِ ، وَإِنْ كَانَ عَمَّانِ ؛ أَحَدُهُمَا خَالٌ لِأُمٍّ ، لَمْ يُرَجَّحْ بِخُؤُولَتِهِ .\rوَقِيلَ عَلَى قِيَاسِ قَوْلِ ابْنِ مَسْعُود وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، لَا يُرَجَّحُ بِهَا .\rوَالثَّانِي ، يُرَجَّحُ بِهَا عَلَى الْعَمِّ الَّذِي هُوَ مِنْ أَبٍ ، فَيَأْخُذُ الْمَالَ ؛ لِأَنَّهُ ابْنُ الْجَدِّ وَالْجَدَّةِ ، وَالْآخَرُ ابْنُ الْجَدِّ لَا غَيْرُ .\rوَإِنْ كَانَ الْعَمُّ الْآخَرُ مِنْ أَبَوَيْنِ ، فَالْمَالُ بَيْنَهُمَا ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُدْلِي بِجَدَّةٍ ، وَهُمَا ابْنَا الْجَدِّ .\rوَهَكَذَا الْقَوْلُ فِي ابْنَيْ عَمٍّ أَحَدُهُمَا خَالٌ أَوْ ابْنَيْ ابْنَيْ عَمٍّ ، أَحَدُهُمَا خَالٌ فَأَمَّا عَلَى قَوْلِ عَامَّةِ الصَّحَابَةِ ، فَلَا أَثَرَ لِهَذَا عِنْدَهُمْ .","part":13,"page":367},{"id":6367,"text":"( 4841 ) فَصْلٌ : ابْنَا عَمٍّ أَحَدُهُمَا زَوْجٌ .\rفَلِلزَّوْجِ النِّصْفُ ، وَالْبَاقِي بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ عِنْدَ الْجَمِيعِ .\rفَإِنْ كَانَ الْآخَرُ أَخًا مِنْ أُمٍّ ، فَلِلزَّوْجِ النِّصْفُ ، وَلِلْأَخِ السُّدُسُ ، وَالْبَاقِي بَيْنَهُمَا ، أَصْلُهَا مِنْ سِتَّةٍ ، لِلزَّوْجِ أَرْبَعَةٌ ، وَلِلْأُمِّ اثْنَانِ ، وَتُرَجَّحُ بِالِاخْتِصَارِ إلَى ثَلَاثَةٍ .\rوَعِنْدَ ابْنِ مَسْعُودٍ ، الْبَاقِي لِلْأَخِ ، فَتَكُونُ مِنْ اثْنَيْنِ ، لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا سَهْمٌ .\rثَلَاثَةُ بَنِي عَمٍّ ، أَحَدُهُمْ زَوْجٌ ، وَالْآخَرُ أَخٌ مِنْ أُمٍّ ، فَلِلزَّوْجِ النِّصْفُ ، وَلِلْأَخِ السُّدُسُ ، وَالْبَاقِي بَيْنَهُمَا عَلَى ثَلَاثَةٍ ، أَصْلُهَا مِنْ سِتَّةٍ ، يُضْرَبُ فِيهَا الثَّلَاثَةُ ، تَكُنْ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ ، لِلزَّوْجِ النِّصْفُ تِسْعَةٌ ، وَلِلْأَخِ ثَلَاثَةٌ يَبْقَى سِتَّةُ بَيْنَهُمْ ، عَلَى ثَلَاثَةٍ فَيَحْصُلُ لِلزَّوْجِ أَحَدَ عَشَرَ ، وَهِيَ النِّصْفُ وَالتُّسْعُ ، وَلِلْأَخِ خَمْسَةٌ ، وَهِيَ السُّدُسُ وَالتُّسْعُ ، وَلِلثَّالِثِ التُّسْعُ سَهْمَانِ ، فَإِنْ كَانَ الزَّوْجُ ابْنَ عَمٍّ لِأَبَوَيْنِ ، فَالْبَاقِي كُلُّهُ لَهُ ، وَإِنْ كَانَ هُوَ وَالثَّالِثُ مِنْ أَبَوَيْنِ ، فَالثُّلُثُ الْبَاقِي بَيْنَهُمَا ، وَتَصِحُّ مِنْ سِتَّةٍ ، لِلزَّوْجِ الثُّلُثَانِ ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْآخَرَيْنِ سُدُسٌ .\rوَابْنُ مَسْعُودٍ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ يَجْعَلُ الْبَاقِيَ بَعْدَ فَرْضِ الزَّوْجِ لِلَّذِي هُوَ أَخٌ مِنْ أُمٍّ .","part":13,"page":368},{"id":6368,"text":"( 4842 ) فَصْلٌ : أَخَوَانِ مِنْ أُمٍّ ، أَحَدُهُمَا ابْنُ عَمٍّ .\rفَالثُّلُثُ بَيْنَهُمَا ، وَالْبَاقِي لِابْنِ الْعَمِّ .\rوَتَصِحُّ مِنْ سِتَّةٍ ، لِابْنِ الْعَمِّ خَمْسَةٌ ، وَلِلْآخَرِ سَهْمٌ .\rوَلَا خِلَافَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ، فَإِنْ كَانُوا ثَلَاثَةَ إخْوَةٍ ، أَحَدُهُمْ ابْنُ عَمٍّ ، فَالثُّلُثُ بَيْنَهُمْ عَلَى ثَلَاثَةٍ ، وَالْبَاقِي لِابْنِ الْعَمِّ ، وَتَصِحُّ مِنْ تِسْعَةٍ .\rوَإِنْ كَانَ اثْنَانِ مِنْهُمْ ابْنَيْ عَمٍّ ، فَالْبَاقِي بَعْدَ الثُّلُثِ بَيْنَهُمَا ، وَتَصِحُّ مِنْ تِسْعَةٍ .","part":13,"page":369},{"id":6369,"text":"( 4843 ) فَصْلٌ : ثَلَاثَةُ إخْوَةٍ لِأُمٍّ ، أَحَدُهُمْ ابْنُ عَمٍّ ، وَثَلَاثَةُ بَنِي عَمٍّ ، أَحَدُهُمْ أَخٌ لِأُمٍّ ، فَاضْمُمْ وَاحِدًا مِنْ كُلِّ عَدَدٍ إلَى الْعَدَدِ الْآخَرِ ، يَصِيرُ مَعَك أَرْبَعَةُ بَنِي عَمٍّ ، وَأَرْبَعَةُ إخْوَةٍ ، فَهُمْ سِتَّةٌ فِي الْعَدَدِ ، وَفِي الْأَحْوَالِ ثَمَانِيَةٌ ، ثُمَّ اجْعَلْ الثُّلُثَ لِلْإِخْوَةِ عَلَى أَرْبَعَةٍ ، وَالثُّلُثَيْنِ عَلَى بَنِي الْعَمِّ عَلَى أَرْبَعَةٍ ، فَتَصِحُّ مِنْ اثْنَيْ عَشَرَ ، لَكُلِّ أَخٍ مُفْرَدٍ سَهْمٌ ، وَلِكُلِّ ابْنِ عَمٍّ مُفْرَدٍ سَهْمَانِ ، وَلِكُلِّ ابْنِ عَمٍّ هُوَ أَخٌ ثَلَاثَةٌ ، فَيَحْصُلُ لَهُمَا النِّصْفُ ، وَلِلْأَرْبَعَةِ الْبَاقِينَ النِّصْفُ وَعَلَى قَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ لِلْإِخْوَةِ الثُّلُثُ ، وَالْبَاقِي لِابْنَيْ الْعَمِّ اللَّذَيْنِ هُمَا أَخَوَانِ .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":13,"page":370},{"id":6370,"text":"بَابُ أُصُولِ سِهَامِ الْفَرَائِضِ الَّتِي تَعُولُ مَعْنَى أُصُولِ الْمَسَائِلِ الْمَخَارِجُ الَّتِي تَخْرُجُ مِنْهَا فُرُوضُهَا ، وَأُصُولُ الْمَسَائِلِ كُلُّهَا سَبْعَةٌ ؛ لِأَنَّ الْفُرُوضَ الْمَحْدُودَةَ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى سِتَّةٌ ؛ النِّصْفُ وَالرُّبُعُ ، وَالثُّمُنُ ، وَالثُّلُثَانِ ، وَالثُّلُثُ ، وَالسُّدُسُ .\rوَمَخَارِجُ هَذِهِ الْفُرُوضِ مُفْرَدَةٌ خَمْسَةٌ ؛ لِأَنَّ الثُّلُثَ وَالثُّلُثَيْنِ مَخْرَجُهُمَا وَاحِدٌ ، وَالنِّصْفُ مِنْ اثْنَيْنِ ، وَالثُّلُثُ وَالثُّلُثَانِ مِنْ ثَلَاثَةٍ ، وَالرُّبُعُ مِنْ أَرْبَعَةٍ ، وَالسُّدُسُ مِنْ سِتَّةٍ ، وَالثُّمُنُ مِنْ ثَمَانِيَةٍ ، وَالرُّبُعُ مَعَ السُّدُسِ أَوْ الثُّلُثِ أَوْ الثُّلُثَيْنِ مِنْ اثْنَيْ عَشَرَ ، وَالثُّمُنُ مَعَ السُّدُسِ أَوْ الثُّلُثَيْنِ مِنْ أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ ، فَصَارَتْ سَبْعَةً .\rوَهَذِهِ الْفُرُوضُ نَوْعَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، النِّصْفُ وَنِصْفُهُ وَنِصْفُ نِصْفِهِ .\rوَالثَّانِي ، الثُّلُثَانِ وَنِصْفُهُمَا وَنِصْفُ نِصْفِهِمَا .\rوَكُلُّ مَسْأَلَةٍ فِيهَا فَرْضٌ مُفْرَدٌ فَأَصْلُهَا مِنْ مَخْرَجِهِ ، وَإِنْ كَانَ فِيهَا فَرْضَانِ يُؤْخَذُ أَحَدُهُمَا مِنْ مَخْرَجِ الْآخَرِ فَأَصْلُهَا مِنْ مَخْرَجِ أَقَلِّهِمَا ، وَإِنْ كَانَ فِيهَا فَرْضَانِ مِنْ نَوْعَيْنِ لَا يُؤْخَذُ أَحَدُهُمَا مِنْ مَخْرَجِ الْآخَرِ ، فَاضْرِبْ أَحَدَ الْمَخْرَجَيْنِ فِي الْآخَرِ ، أَوْ وَفِّقْهُ ، فَمَا بَلَغَ فَهُوَ أَصْلُ الْمَسْأَلَةِ ، وَفِيهَا يَكُونُ الْعَوْلُ ؛ لِأَنَّ الْعَوْلَ إنَّمَا يَكُونُ فِي مَسْأَلَةٍ تَزْدَحِمُ فِيهَا الْفُرُوضُ ، وَلَا يَتَّسِعُ الْمَالُ لَهَا فَكُلُّ مَسْأَلَةٍ فِيهَا نِصْفٌ وَفَرْضٌ مِنْ النَّوْعِ الْآخَرِ فَأَصْلُهَا مِنْ سِتَّةٍ ؛ لِأَنَّ مَخْرَجَ النِّصْفِ اثْنَانِ ، وَمَخْرَجَ الثُّلُثِ وَالثُّلُثَيْنِ ثَلَاثَةٌ ، فَتَضْرِبُ اثْنَيْنِ فِي ثَلَاثَةٍ ، تَكُنْ سِتَّةً ، وَهَكَذَا سَائِرُهَا .\rوَالْمَسَائِلُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ ؛ عَادِلَةٌ ، وَعَائِلَةٍ ، وَرَدٌّ .\rفَالْعَادِلَةُ ، الَّتِي يَسْتَوِي مَالُهَا وَفُرُوضُهَا .\rوَالْعَائِلَةُ الَّتِي تَزِيدُ فُرُوضُهَا عَنْ مَالِهَا .\rوَالرَّدُّ الَّتِي يَفْضُلُ مَالُهَا عَنْ فُرُوضِهَا وَلَا عَصَبَةَ فِيهَا .","part":13,"page":371},{"id":6371,"text":"وَسَنَذْكُرُ أَمْثِلَةَ هَذِهِ الْأَضْرُبِ فِي هَذَا الْبَابِ ، بِعَوْنِ اللَّهِ .","part":13,"page":372},{"id":6372,"text":"( 4844 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : وَمَا فِيهِ نِصْفٌ وَسُدُسٌ ، أَوْ نِصْفٌ وَثُلُثٌ ، أَوْ نِصْفٌ وَثُلُثَانِ ، فَأَصْلُهَا مِنْ سِتَّةٍ ، وَتَعُولُ إلَى سَبْعَةٍ وَإِلَى ثَمَانِيَةٍ وَإِلَى تِسْعَةٍ وَإِلَى عَشْرَةٍ ، وَلَا تَعُولُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ أَمَّا إذَا كَانَ نِصْفٌ وَسُدُسٌ .\rفَإِنَّ مَخْرَجَ النِّصْفِ اثْنَانِ ، وَيُوجَدُ ذَلِكَ فِي مَخْرَجِ السُّدُسِ وَهُوَ السِّتَّةُ ، فَكَانَ أَصْلُهُمَا جَمِيعًا سِتَّةً ، وَهَكَذَا لَوْ كَانَ سُدُسٌ وَثُلُثٌ أَوْ ثُلُثَانِ ، فَأَصْلُهُمَا مِنْ مَخْرَجِ السُّدُسِ ، لَا يَزِيدُ عَلَيْهِ .\rوَإِنْ اجْتَمَعَ النِّصْفُ وَالثُّلُثَانِ أَوْ الثُّلُثُ ، فَإِنَّ مَخْرَجَ النِّصْفِ اثْنَانِ ، وَمَخْرَجَ الثُّلُثِ وَالثُّلُثَيْنِ ثَلَاثَةٌ .\rوَلَا وَفْقَ بَيْنَهُمَا ، فَاضْرِبْ أَحَدَ الْمَخْرَجَيْنِ فِي الْآخَرِ ، تَكُنْ سِتَّةً ، وَيَصِيرُ كُلُّ كَسْرٍ بِعَدَدِ مَخْرَجِ الْآخَرِ وَيَدْخُلُ الْعَوْلُ هَذَا الْأَصْلَ ، لِازْدِحَامِ الْفُرُوضِ فِيهِ ، وَهُوَ أَكْثُرهَا عَوْلًا .\rوَالْعَوْلُ زِيَادَةٌ فِي السِّهَامِ ، وَنُقْصَانٌ فِي أَنْصِبَاءِ الْوَرَثَةِ ، وَأَمْثِلَةُ ذَلِكَ ؛ زَوْجٌ وَأُمٌّ وَأَخٌ مِنْ أُمٍّ ، أَصْلُهَا مِنْ سِتَّةٍ ، وَمِنْهَا تَصِحُّ ، زَوْجٌ وَأُمٌّ وَأَخَوَانِ مِنْ أُمٍّ ، بِنْتٌ وَأُمٌّ وَعَمٌّ ، أَوْ عَصَبَةٌ ثَلَاثُ أَخَوَاتٍ مُتَفَرِّقَاتٍ وَأَخٌ مِنْ أُمٍّ أَوْ أُمٌّ أَوْ جَدَّةٌ ، أَبَوَانِ وَبِنْتَانِ وَبِنْتٌ وَأَبَوَانِ ، بِنْتٌ وَبِنْتُ ابْنٍ وَأَبَوَانِ أَوْ جَدٌّ وَجَدَّةٌ ، الْعَوْلُ زَوْجٌ وَأُخْتَانِ مِنْ أَبَوَيْنِ أَوْ مِنْ أَبٍ أَوْ أَحَدُهُمَا مِنْ أَبَوَيْنِ وَالْأُخْرَى مِنْ أَبٍ أَوْ أُمٍّ ، أَوْ أُخْتٌ مِنْ أَبٍ وَأُخْتٌ مِنْ أُمٍّ ، أَصْلُهَا مِنْ سِتَّةٍ وَتَعُولُ إلَى سَبْعَةٍ ، زَوْجٌ وَأُخْتٌ وَجَدَّةٌ أَوْ أَخٌ لِأُمٍّ ، سِتُّ أَخَوَاتٍ مُفْتَرِقَاتٍ وَأُمُّ وَأُخْتٍ لِأَبٍ وَأُمٍّ ، وَأُخْتٌ لِأَبٍ وَأُمٍّ ، وَأَخَوَانِ لِأُمٍّ .\rعَوْلُ ثَمَانِيَةٍ : زَوْجٌ وَأُخْتٌ وَأُمٌّ ، لِلزَّوْجِ النِّصْفُ وَلِلْأُخْتِ النِّصْفُ وَلِلْأُمِّ الثُّلُثُ سَهْمَانِ ، تَعُولُ إلَى ثَمَانِيَةٍ ، وَهِيَ مَسْأَلَةُ الْمُبَاهَلَةِ .\rفَإِنْ كَانَ مَعَهُمْ أُخْتٌ أُخْرَى مِنْ أَيِّ جِهَةٍ كَانَتْ ،","part":13,"page":373},{"id":6373,"text":"أَوْ أَخٌ مِنْ أُمٍّ فَهِيَ مِنْ ثَمَانِيَةٍ أَيْضًا .\rعَوْلُ تِسْعَةٍ : زَوْجٌ وَسِتُّ أَخَوَاتٍ مُفْتَرِقَاتٍ ، تَعُولُ إلَى تِسْعَةٍ ، وَتُسَمَّى الْغَرَّاءَ ، زَوْجٌ وَأُمٌّ وَثَلَاثُ أَخَوَاتٍ مُفْتَرِقَاتٍ .\rكَذَلِكَ .\rعَوْلُ عَشْرَةٍ : زَوْجٌ وَأُمٌّ وَسِتُّ أَخَوَاتٍ مُفْتَرِقَاتٍ تَعُولُ إلَى عَشَرَةٍ ، وَتُسَمَّى أُمَّ الْفُرُوخِ ، لِكَثْرَةِ عَوْلِهَا ، لِأَنَّهَا عَالَتْ بِثُلُثَيْهَا ، فَشَبَّهُوا الْأَصْلَ بِالْأُمِّ ، وَالْعَوْلَ بِالْفَرْخِ .\rوَيُرْوَى أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إلَى شُرَيْحٍ ، فَقَالَ : إنَّ امْرَأَتِي مَاتَتْ ، وَلَمْ تَتْرُكْ وَلَدًا ، فَكَمْ لِي مِنْ مِيرَاثِهَا ؟ قَالَ : لَكَ النِّصْفُ ، فَمَنْ خَلَّفَتْ ؟ قَالَ : خَلَّفَتْ أُمَّهَا وَأُخْتَيْهَا مِنْ أَبِيهَا وَأُخْتَيْهَا مِنْ أُمِّهَا وَأَبًا .\rقَالَ : لَك ثَلَاثَةُ أَسْهُمٍ مِنْ عَشَرَةٍ .\rفَخَرَجَ الرَّجُلُ فَقَالَ : أَلَا تَعْجَبُونَ مِنْ قَاضِيكُمْ ؟ قَالَ : لِي النِّصْفُ فَوَاَللَّهِ مَا أَعْطَانِي نِصْفًا وَلَا ثُلُثًا .\rفَقَالَ لَهُ شُرَيْحٌ : أَلَا إنَّك تَرَانِي قَاضِيًا ظَالِمًا ، وَأَنَا أَرَاك رَجُلًا فَاجِرًا ، تَكْتُمُ الْقِصَّةَ وَتُذِيعُ الْفَاحِشَةَ .\rوَمَتَى عَالَتْ الْمَسْأَلَةُ إلَى تِسْعَةٍ أَوْ إلَى عَشَرَةٍ ، لَمْ يَكُنْ الْمَيِّتُ إلَّا امْرَأَةً ؛ لِأَنَّهَا لَا بُدَّ فِيهَا مِنْ زَوْجٍ ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ تَعُولَ الْمَسْأَلَةُ إلَى أَكْثَرَ مِنْ هَذَا ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَجْتَمِعَ فُرُوضٌ أَكْثَرُ مِنْ هَذَا .\rوَطَرِيقُ الْعَمَلِ فِي الْعَوْلِ ، أَنْ تَأْخُذَ الْفُرُوضَ مِنْ أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ ، وَتَضُمَّ بَعْضَهَا إلَى بَعْضٍ ، فَمَا بَلَغَتْ السِّهَامُ فَإِلَيْهِ يَنْتَهِي ، فَنَقُولُ فِي زَوْجٍ وَأُمٍّ وَسِتِّ أَخَوَاتٍ مُفْتَرِقَاتٍ : لِلزَّوْجِ النِّصْفُ ثَلَاثَةٌ ، وَلِلْأُمِّ السُّدُسُ سَهْمٌ ، وَلِلْأُخْتَيْنِ الثُّلُثَانِ أَرْبَعَةٌ وَلِلْأُخْتَيْنِ مِنْ الْأُمِّ الثُّلُثُ سَهْمَانِ ، صَارَتْ عَشَرَةً .","part":13,"page":374},{"id":6374,"text":"( 4845 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : وَمَا فِيهِ رُبُعٌ وَسُدُسٌ ، أَوْ رُبُعٌ وَثُلُثٌ ، أَوْ رُبُعٌ وَثُلُثَانِ ، فَأَصْلُهَا مِنْ اثْنَيْ عَشَرَ ، وَتَعُولُ إلَى ثَلَاثَةَ عَشَرَ ، وَإِلَى خَمْسَةَ عَشَرَ ، وَإِلَى سَبْعَةَ عَشَرَ ، وَلَا تَعُولُ إلَى أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ إنَّمَا كَانَ أَصْلُهَا مِنْ اثْنَيْ عَشَرَ ؛ لِأَنَّ مَخْرَجَ الرُّبُعِ أَرْبَعَةٌ ، وَمَخْرَجَ الثُّلُثِ ثَلَاثَةٌ ، وَلَا وَفْقَ بَيْنَهُمَا ، فَإِذَا ضَرَبْت أَحَدَهُمَا فِي الْآخَرِ ، كَانَ اثْنَيْ عَشَرَ ، فَإِنْ كَانَ مَعَ الرُّبُعِ سُدُسٌ فَبَيْنَ السِّتَّةِ وَالْأَرْبَعَةِ مُوَافَقَةٌ ، فَإِذَا ضَرَبْت وَفْقَ أَحَدِهِمَا فِي الْآخَرِ صَارَ اثْنَيْ عَشَرَ ، وَلَا بُدَّ فِي هَذَا الْأَصْلِ مِنْ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ ، لِأَنَّهُ لَا بُدَّ فِيهَا مِنْ رُبُعٍ ، وَلَا يَكُونُ فَرْضًا لَغَيْرِهِمَا .\rوَأَمْثِلَةُ ذَلِكَ ؛ زَوْجٌ وَأَبَوَانِ وَخَمْسَةُ بَنِينَ ، لِلزَّوْجِ الرُّبُعُ ثَلَاثَةٌ وَلِلْأَبَوَيْنِ السُّدُسَانِ ، يَبْقَى خَمْسَةٌ لِكُلِّ ابْنٍ سَهْمٌ .\rزَوْجٌ وَابْنَتَانِ وَأُخْتٌ وَعَصَبَةٌ .\rامْرَأَةٌ وَأُخْتَانِ لِلْأَبَوَيْنِ أَوْ لِأَبٍ أَوْ أُخْتَانِ لِأُمٍّ وَعَصَبَةٌ .\rامْرَأَةٌ وَأَخَوَانِ لِأُمٍّ وَسَبْعَةُ إخْوَةٍ لِأَبٍ .\rالْعَوْلُ زَوْجٌ وَابْنَتَانِ وَأُمٌّ تَعُولُ إلَى ثَلَاثَةَ عَشَرَ .\rامْرَأَةٌ وَثَلَاثُ أَخَوَاتٍ مُفْتَرِقَاتٍ .\rزَوْجٌ وَأَبَوَانِ وَابْنَتَانِ .\rتَعُولُ إلَى خَمْسَةَ عَشَرَ .\rامْرَأَةٌ وَأُخْتَانِ مِنْ أَبٍ وَأُخْتَانِ مِنْ أُمٍّ .\rامْرَأَةٌ وَأُمٌّ وَسِتُّ أَخَوَاتٍ مُفْتَرِقَاتٍ .\rتَعُولُ إلَى سَبْعَةَ عَشَرَ .\rثَلَاثُ نِسْوَةٍ وَجَدَّتَانِ وَأَرْبَعُ أَخَوَاتٍ لِأُمٍّ وَثَمَانٍ لِأَبٍ .\rتَعُولُ إلَى سَبْعَةَ عَشَرَ ، وَيَصِحُّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُنَّ سَهْمٌ ، وَتُسَمَّى أُمَّ الْأَرَامِلِ ، وَيُعَايَلُ بِهَا ، فَيُقَال : سَبْعَ عَشْرَةَ امْرَأَةً مِنْ جِهَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ ، اقْتَسَمْنَ مَالَ مَيِّتٍ بِالسَّوِيَّةِ لِكُلِّ امْرَأَةٍ سَهْمٌ .\rوَهِيَ هَذِهِ ، وَلَا يَعُولُ هَذَا الْأَصْلُ إلَى أَكْثَرَ مِنْ هَذَا ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَكْمُلَ هَذَا الْأَصْلُ بِفُرُوضٍ مِنْ غَيْرِ عُصْبَةٍ وَلَا عَوْلٍ ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ تَعُولَ إلَّا عَلَى","part":13,"page":375},{"id":6375,"text":"الْأَفْرَادِ ؛ لِأَنَّ فِيهَا فَرْضًا يُبَايِنُ سَائِرَ فُرُوضِهَا ، وَهُوَ الرُّبْعُ ، فَإِنَّهُ ثَلَاثَةٌ وَهِيَ فَرْدٌ ، وَسَائِرُ فُرُوضِهَا يَكُونُ زَوْجًا فَالسُّدُسُ اثْنَانِ ، وَالثُّلُثُ أَرْبَعَةٌ وَالثُّلُثَانِ ثَمَانِيَةٌ ، وَالنِّصْفُ سِتَّةٌ .\rوَمَتَى عَالَتْ إلَى سَبْعَةَ عَشَرَ ، لَمْ يَكُنْ الْمَيِّتُ فِيهَا إلَّا رَجُلًا .","part":13,"page":376},{"id":6376,"text":"مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : وَمَا كَانَ فِيهِ ثُمُنٌ وَسُدُسٌ ، أَوْ ثُمُنٌ وَسُدُسَانِ ، أَوْ ثُمُنٌ وَثُلُثَانِ ، فَأَصْلُهَا مِنْ أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ ، وَتَعُولُ إلَى سَبْعَةٍ وَعِشْرِينَ ، وَلَا تَعُولُ إلَى أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ إنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ ؛ لِأَنَّك تَضْرِبُ مَخْرَجَ الثُّمُنِ فِي مَخْرَجِ الثُّلُثَيْنِ ، أَوْ فِي وَفْقِ مَخْرَجِ السُّدُسِ ، فَيَكُونُ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ ، وَلَمْ نَقُلْ : وَثُلُثٌ ؛ لِأَنَّ الثُّلُثَ لَا يَجْتَمِعُ مَعَ الثُّمُنِ ، فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ إلَّا لِلزَّوْجَةِ مَعَ الْوَلَدِ ، وَلَا يَكُونُ الثُّلُثُ فِي مَسْأَلَةٍ فِيهَا وَلَدٌ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ إلَّا لِوَلَدِ الْأُمِّ ، وَالْوَلَدُ يُسْقِطُهُمْ ، أَوْ الْأُمِّ بِشَرْطِ عَدَمِ الْوَلَدِ .\rوَمَسَائِلُ ذَلِكَ : امْرَأَةٌ وَأَبَوَانِ وَابْنٌ أَوْ ابْنَانِ ، أَوْ بَنُونَ وَبَنَاتٌ .\rامْرَأَةٌ وَابْنَتَانِ وَأَمٌّ وَعَصَبَةٌ .\rثَلَاثُ نِسْوَةٍ وَأَرْبَعُ جَدَّاتٍ وَسِتَّةَ عَشَرَ بِنْتًا وَأُخْتٌ .\rامْرَأَةٌ وَبِنْتُ ابْنٍ وَجَدَّةٌ ، وَعَصَبَةٌ .\rالْعَوْلُ : امْرَأَةٌ وَأَبَوَانِ وَابْنَتَانِ .\rتَعُولُ إلَى سَبْعَةٍ وَعِشْرِينَ ، وَتُسَمَّى الْبَخِيلَةَ ؛ لِأَنَّهَا أَقَلُّ الْأُصُولِ عَوْلًا ، لَمْ تَعُلْ إلَّا بِثُمُنِهَا ، وَتُسَمَّى الْمِنْبَرِيَّةَ ، لِأَنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ سُئِلَ عَنْهَا عَلَى الْمِنْبَرِ ، فَقَالَ : صَارَ ثُمُنُهَا تُسْعًا .\rوَمَضَى فِي خُطْبَتِهِ .\rيَعْنِي أَنَّ الْمَرْأَةَ كَانَ لَهَا الثَّمَنُ ، ثَلَاثَةٌ مِنْ أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ ، صَارَ لَهَا بِالْعَوْلِ ثَلَاثَةٌ مِنْ سَبْعَةٍ وَعِشْرِينَ ، وَهِيَ التُّسْعُ .\rوَلَا يَكُونُ الْمَيِّتُ فِي هَذَا الْأَصْلِ إلَّا رَجُلًا ؛ لِأَنَّ فِيهَا ثُمُنًا ، وَلَا يَكُونُ إلَّا لِلْمَرْأَةِ مَعَ الْوَلَدِ ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَعُولَ هَذَا الْأَصْلُ إلَى أَكْثَرَ مِنْ هَذَا ، إلَّا عَلَى قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، فَإِنَّهُ يَحْجُبُ الزَّوْجَيْنِ وَالْأُمَّ بِالْوَلَدِ ، وَالْكَافِرِ ، وَالْقَاتِلِ ، وَالرَّقِيقِ ، وَلَا يُوَرِّثُهُ .\rفَعَلَى قَوْلِهِ ، إذَا كَانَتْ امْرَأَةٌ وَأُمٌّ وَسِتُّ أَخَوَاتٍ مُفْتَرِقَاتٍ وَوَلَدٌ كَافِرٌ ، فَلِلْأَخَوَاتِ الثُّلُثُ ، وَالثُّلُثَانِ أَرْبَعَةٌ","part":13,"page":377},{"id":6377,"text":"وَعِشْرُونَ ، وَلِلْأُمِّ وَالْمَرْأَةِ السُّدُسُ ، وَالثُّمُنُ سَبْعَةٌ ، فَتَعُولُ إلَى أَحَدٍ وَثَلَاثِينَ .","part":13,"page":378},{"id":6378,"text":"( 4847 ) فُصُولٌ : وَإِذَا لَمْ تَنْقَسِمْ سِهَامُ فَرِيقٍ مِنْ الْوَرَثَةِ عَلَيْهِمْ قِسْمَةً صَحِيحَةً ، فَاضْرِبْ عَدَدَهُمْ فِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ وَعَوْلِهَا إنْ كَانَتْ عَائِلَةً ، إلَّا أَنْ يُوَافِقَ عَدَدُهُمْ سِهَامَهُمْ بِنِصْفٍ ، أَوْ ثُلُثٍ ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَجْزَاءِ ، فَيُجْزِئُكَ ضَرْبُ وَفْقِ عَدَدِهِمْ فِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ وَعَوْلِهَا إنْ كَانَتْ عَائِلَةً ، فَمَا بَلَغَ فَمِنْهُ تَصِحُّ ، فَإِذَا أَرَدْت الْقِسْمَةَ فَكُلُّ مَنْ لَهُ شَيْءٌ مَنْ أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ مَضْرُوبٌ فِي الْعَدَدِ الَّذِي ضَرَبْته فِي الْمَسْأَلَةِ ، وَهُوَ الَّذِي يُسَمَّى جُزْءَ السَّهْمِ ، فَمَا بَلَغَ فَهُوَ لَهُ إنْ كَانَ وَاحِدًا ، وَإِنْ كَانُوا جَمَاعَةً قَسَّمْته عَلَيْهِمْ .\rوَإِنْ شِئْت قُلْت : إذَا كَانَ الْكَسْرُ عَلَى فَرِيقٍ وَاحِدٍ فَلِوَاحِدِهِمْ بَعْدَ التَّصْحِيحِ مِثْلُ مَا كَانَ لِجَمَاعَتِهِمْ قَبْلَ التَّصْحِيحِ ، أَوْ وَفْقَهُ إنْ كَانَ وَافَقَ ، مِثَالُ ذَلِكَ ، زَوْجٌ ، وَأُمٌّ ، وَثَلَاثَةُ إخْوَةٍ ، أَصْلُهَا مِنْ سِتَّةٍ ، لِلزَّوْجِ النِّصْفُ ثَلَاثَةٌ ، وَلِلْأُمِّ السُّدُسُ سَهْمٌ ، بَقِيَ لِلْإِخْوَةِ سَهْمَانِ ، لَا تَنْقَسِمُ عَلَيْهِمْ ، وَلَا تُوَافِقُهُمْ ، فَاضْرِبْ عَدَدَهُمْ ، وَهُوَ ثَلَاثَةٌ فِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ ، تَكُنْ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ سَهْمًا ؛ لِلزَّوْجِ ثَلَاثَةٌ فِي ثَلَاثَةٍ تِسْعَةٌ ، وَلِلْأُمِّ سَهْمٌ فِي ثَلَاثَةٍ ثَلَاثَةٌ ، وَلِلْإِخْوَةِ سَهْمَانِ فِي ثَلَاثَةٍ تَكُنْ سِتَّةً ، لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ سَهْمَانِ .\rوَلَوْ كَانَ الْإِخْوَةُ سِتَّةً ، وَافَقَتْهُمْ سِهَامُهُمْ بِالنِّصْفِ ، فَرَدُّهُمْ إلَى نِصْفِهِمْ ثَلَاثَةٌ ، وَتَعْمَلُ فِيهَا كَعَمَلِكِ فِي الْأُولَى سَوَاءً ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْإِخْوَةِ سَهْمٌ ، وَهُوَ وَفْقُ سِهَامِ جَمَاعَتِهِمْ .","part":13,"page":379},{"id":6379,"text":"( 4848 ) فَصْلٌ : وَإِنْ كَانَ الْكَسْرُ عَلَى فَرِيقَيْنِ ، لَمْ تَخْلُ مِنْ أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ ؛ أَحَدُهَا ، أَنْ يَكُونَ الْعَدَدَانِ مُتَمَاثِلَيْنِ ، فَيُجْزِئُكَ ضَرْبُ أَحَدِهِمَا فِي الْمَسْأَلَةِ ، وَمِثَالُ ذَلِكَ ، زَوْجٌ ، وَثَلَاثُ جَدَّاتٍ ، وَثَلَاثَةُ إخْوَةٍ ، أَصْلُهَا مِنْ سِتَّةٍ ، لِلزَّوْجِ ثَلَاثَةٌ ، وَلِلْجَدَّاتِ سَهْمٌ ، وَلِلْإِخْوَةِ سَهْمَانِ ، فَتَضْرِبُ أَحَدَ الْعَدَدَيْنِ فِي الْمَسْأَلَةِ ، تَكُنْ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ ، وَطَرِيقُ الْقِسْمَةِ فِيهَا مِثْلُ طَرِيقِهَا إذَا كَانَ الْكَسْرُ عَلَى فَرِيقٍ وَاحِدٍ سَوَاءً .\rوَلَوْ كَانَ الْإِخْوَةُ سِتَّةً ، وَافَقُوا سَهْمَهُمْ بِالنِّصْفِ ، رَجَعُوا إلَى ثَلَاثَةٍ .\rوَكَانَ الْعَمَلُ فِيهَا كَمَا ذَكَرْنَا سَوَاءً الْقِسْمُ الثَّانِي ، أَنْ يَكُونَ الْعَدَدَانِ مُتَنَاسِبَيْنِ ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا يَنْتَسِبُ إلَى الْآخَرِ بِجُزْءٍ مِنْ أَجْزَائِهِ ، كَنِصْفِهِ وَثُلُثِهِ ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَجْزَاءِ ، فَيُجْزِئُكَ ضَرْبُ الْعَدَدِ الْأَكْثَرِ مِنْهُمَا فِي الْمَسْأَلَةِ ، وَمِثَالُهُ مَا لَوْ كَانَ الْجَدَّاتُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ سِتًّا ، فَإِنَّ عَدَدَ الْأَخَوَاتِ نِصْفُ عَدَدِ الْجَدَّاتِ ، فَاجْتَزِئْ بِعَدَدِهِنَّ ، وَاضْرِبْهُ فِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ ، تَكُنْ سِتَّةً وَثَلَاثِينَ ، وَمِنْهَا تَصِحُّ .\rوَلَوْ كَانَ عَدَدُ الْإِخْوَةِ سِتَّةً ، وَافَقَتْهُمْ سِهَامُهُمْ بِالنِّصْفِ ، وَرَجَعُوا إلَى ثَلَاثَةٍ ، وَعَمِلْت عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ .\rالْقِسْمُ الثَّالِثُ ، أَنْ يَكُونَ الْعَدَدَانِ مُتَبَايِنَيْنِ ، لَا يُمَاثِلُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ ، وَلَا يُنَاسِبُهُ ، وَلَا يُوَافِقُهُ ، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ عَدَدُ الْجَدَّاتِ أَرْبَعًا وَالْإِخْوَةِ ثَلَاثَةً ، فَإِنَّك تَضْرِبُ عَدَدَ أَحَدِهِمَا فِي جَمِيعِ الْأَجْزَاءِ ، فَمَا بَلَغَ ضَرَبْته فِي الْمَسْأَلَةِ ، وَمَتَى ضَرَبْته هَاهُنَا كَانَ اثْنَيْ عَشَرَ ، فَإِذَا ضَرَبْته فِي الْمَسْأَلَةِ كَانَتْ اثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ .\rوَإِنْ وَافَقَ أَحَدُ الْعَدَدَيْنِ سِهَامَهُ دُونَ الْآخَرِ ، أَخَذْت وَفْقَ الْمُوَافِقِ وَضَرَبْته فِيمَا لَمْ يُوَافِقْ ، وَعَمِلْت عَلَى مَا ذَكَرْنَا .\rوَإِنْ وَافَقَا","part":13,"page":380},{"id":6380,"text":"جَمِيعًا سِهَامَهُمَا ، رَدَدْتهمَا إلَى وَفْقِهِمَا ، وَعَمِلْت فِي الْوَقْفَيْنِ عَمَلَك فِي الْعَدَدَيْنِ الْأَصْلِيَّيْنِ .\rالْقِسْمُ الرَّابِعُ ، أَنْ يَكُونَ الْعَدَدَانِ مُتَّفِقَيْنِ بِنِصْفٍ ، أَوْ ثُلُثٍ ، أَوْ رُبُعٍ ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَجْزَاءِ ، فَإِنَّك تَرُدُّ أَحَدَ الْعَدَدَيْنِ إلَى وَفْقِهِ ، ثُمَّ تَضْرِبُهُ فِي جَمِيعِ الْآخَرِ ، فَمَا بَلَغَ ضَرَبْته فِي الْمَسْأَلَةِ ، وَمِثَالُهُ ، أَنْ تَكُونَ الْإِخْوَةُ تِسْعَةً ، وَالْجَدَّاتُ سِتًّا ، فَيَتَّفِقَانِ بِالثُّلُثِ ، فَتَرُدَّ الْجَدَّاتِ إلَى ثُلُثِهِنَّ اثْنَيْنِ ، وَتَضْرِبَهُمَا فِي عَدَدِ الْإِخْوَةِ ، تَكُنْ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ ، ثُمَّ تَضْرِبَ ذَلِكَ فِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ ، تَكُنْ مِائَةً وَثَمَانِيَةً ، وَمِنْهَا تَصِحُّ .","part":13,"page":381},{"id":6381,"text":"( 4849 ) فَصْلٌ : وَإِنْ كَانَ الْكَسْرُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَحْيَازٍ ، نَظَرْت ، فَإِنْ كَانَتْ مُتَمَاثِلَةً كَثَلَاثِ جَدَّاتٍ وَثَلَاثِ بَنَاتٍ وَثَلَاثَةِ أَعْمَامٍ ، ضَرَبْت أَحَدَهَا فِي الْمَسْأَلَةِ ، فَمَا بَلَغَ فَمِنْهُ تَصِحُّ الْمَسْأَلَةُ ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بَعْدَ التَّصْحِيحِ مِثْلُ مَا كَانَ لِجَمَاعَتِهِمْ .\rوَإِنْ كَانَتْ مُتَنَاسِبَةً ، كَجَدَّتَيْنِ وَخَمْسِ بَنَاتٍ وَعَشْرَةِ أَعْمَامٍ ، اجْتَزَأْت بِأَكْثَرِهَا ، وَهِيَ الْعَشَرَةُ ، فَضَرَبْتهَا فِي الْمَسْأَلَةِ ، تَكُنْ سِتِّينَ ، وَمِنْهَا تَصِحُّ .\rوَإِنْ كَانَتْ مُتَبَايِنَةً ، مِثْلَ أَنْ يَكُونَ الْأَعْمَامُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثَةً ، ضَرَبْت بَعْضَهَا فِي بَعْضٍ ، تَكُنْ ثَلَاثِينَ ، ثُمَّ ضَرَبْتهَا فِي الْمَسْأَلَةِ ، تَكُنْ مِائَةً وَثَمَانِينَ .\rوَإِنْ كَانَتْ مُتَوَافِقَةً ، كَسِتِّ جَدَّاتٍ وَتِسْعِ بَنَاتٍ وَخَمْسَةَ عَشَرَ عَمًّا ، ضَرَبْت وَفْقَ عَدَدٍ مِنْهَا فِي جَمِيعِ الْآخَرِ ، فَمَا بَلَغَ وَافَقْت بَيْنَهُ وَبَيْنَ الثَّالِثِ ، وَضَرَبْت وَفْقَهُ فِي جَمِيعِ الثَّالِثِ ثُمَّ اضْرِبْ مَا مَعَك فِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ ، فَمَا بَلَغَ فَمِنْهُ تَصِحُّ .\rوَإِنْ تَمَاثَلَ اثْنَانِ مِنْهَا وَبَايَنَهُمَا الثَّالِثُ ، أَوْ وَافَقَهُمَا ، ضَرَبْت أَحَدَ الْمُتَمَاثِلَيْنِ فِي جَمِيعِ الثَّالِثِ ، أَوْ فِي وَفْقِهِ إنْ كَانَ مُوَافِقًا ، فَمَا بَلَغَ ضَرَبْته فِي الْمَسْأَلَةِ .\rوَإِنْ تَنَاسَبَ اثْنَانِ ، وَبَايَنَهُمَا الثَّالِثُ ، ضَرَبْت أَكْثَرَهُمَا فِي جَمِيعِ الثَّالِثِ ، أَوْ فِي وَفْقِهِ إنْ كَانَ مُوَافِقًا ، ثُمَّ فِي الْمَسْأَلَةِ ، وَإِنْ تَوَافَقَ اثْنَانِ ، وَبَايَنَهُمَا الثَّالِثُ ، ضَرَبْت وَفْقَ أَحَدِهِمَا فِي جَمِيعِ الْآخَرِ ، ثُمَّ فِي الثَّالِثِ ، وَإِنْ تَبَايَنَ اثْنَانِ ، وَوَافَقَهُمَا الثَّالِثُ ، كَأَرْبَعَةِ أَعْمَامٍ ، وَسِتِّ جَدَّاتٍ ، وَتِسْعِ بَنَاتٍ ، أَجْزَأَكَ ضَرْبُ أَحَدِ الْمُتَبَايِنَيْنِ فِي الْآخِرِ ، ثُمَّ تَضْرِبُهُ فِي الْمَسْأَلَةِ ، وَيُسَمَّى هَذَا الْمَوْقُوفَ الْمُقَيَّدَ ؛ لِأَنَّك إذَا أَرَدْت وَقْفَ أَحَدِهِمَا ، لَمْ يَقِفْ إلَّا السِّتَّةُ ، وَلَوْ وَقَفْت غَيْرَهَا ، مِثْلُ أَنْ تَقِفَ التِّسْعَةَ .","part":13,"page":382},{"id":6382,"text":"وَتَرُدَّ السِّتَّةَ إلَى الِاثْنَيْنِ لَدَخَلَا فِي الْأَرْبَعَةِ ، وَأَجْزَأَك ضَرْبُ الْأَرْبَعَةِ فِي التِّسْعَةِ ، وَلَوْ وَقَفْت الْأَرْبَعَةَ ، رَدَدْت السِّتَّةَ إلَى ثَلَاثَةٍ ، وَدَخَلْت فِي التِّسْعَةِ وَأَجْزَأَك ضَرْبُ الْأَرْبَعَةِ فِي التِّسْعَةِ .\rفَأَمَّا إنْ كَانَتْ الْأَعْدَادُ الثَّلَاثَةُ مُتَوَافِقَةً ، فَإِنَّهُ يُسَمَّى الْمَوْقُوفَ الْمُطْلَقَ ، وَفِي عَمَلِهَا طَرِيقَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ قَبْلُ ، وَهُوَ طَرِيقُ الْكُوفِيِّينَ .\rوَالثَّانِي ، طَرِيقُ الْبَصْرِيِّينَ ، وَهُوَ أَنْ تَقِفَ أَحَدَ الثَّلَاثَةِ ، وَتُوَافِقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْآخَرَيْنِ ، وَتَرُدَّهُمَا إلَى وَفْقِهِمَا ، ثُمَّ تَنْظُرَ فِي الْوَقْفَيْنِ ، فَإِنْ كَانَا مُتَمَاثِلَيْنِ ضَرَبْت أَحَدَهُمَا فِي الْمَوْقُوفِ .\rوَإِنْ كَانَا مُتَنَاسِبَيْنِ ، ضَرَبْت أَكْثَرَهُمَا ، وَإِنْ كَانَا مُتَبَايِنَيْنِ ، ضَرَبْت أَحَدَهُمَا فِي الْآخَرِ ، ثُمَّ فِي الْمَوْقُوفِ ، وَإِنْ كَانَا مُتَوَافِقَيْنِ ، ضَرَبْت وَفْقَ أَحَدِهِمَا فِي جَمِيعِ الْآخَرِ ، ثُمَّ فِي الْمَوْقُوفِ ، فَمَا بَلَغَ ضَرَبْته فِي الْمَسْأَلَةِ وَمِثَالُ ذَلِكَ : عَشْرُ جَدَّاتٍ وَاثْنَا عَشَرَ عَمًّا وَخَمْسَ عَشْرَةَ بِنْتًا ، فَقِفْ الْعَشَرَةَ ، تُوَافِقُهَا الِاثْنَا عَشَرَ بِالنِّصْفِ ، فَتَرْجِعُ إلَى سِتَّةٍ ، وَتُوَافِقُهَا الْخَمْسَ عَشْرَةَ بِالْأَخْمَاسِ ، فَتَرْجِعُ إلَى ثَلَاثَةٍ ، وَهِيَ دَاخِلَةٌ فِي السِّتَّةِ ، فَتَضْرِبُ السِّتَّةَ فِي الْعَشَرَةِ ، تَكُنْ سِتِّينَ ، ثُمَّ فِي الْمَسْأَلَةِ ، تَكُنْ ثَلَاثَمِائَةٍ وَسِتِّينَ .\rوَإِنْ وَقَفْت الِاثْنَا عَشَرَ ، رَجَعَتْ الْعَشَرَةُ إلَى نِصْفِهَا خَمْسَةً ، وَالْخَمْسَ عَشْرَةَ إلَى ثُلُثِهَا خَمْسَةً ، وَهُمَا مُتَمَاثِلَانِ ، فَتَضْرِبُ خَمْسَةً فِي اثْنَيْ عَشَرَ تَكُنْ سِتِّينَ ، وَإِنْ وَقَفْت الْخَمْسَ عَشْرَةَ ، رَجَعَتْ الْعَشَرَةُ إلَى اثْنَيْنِ ، وَاَلْاِثْنَا عَشَرَ إلَى أَرْبَعَةٍ ، وَدَخَلَ الِاثْنَانِ فِي الْأَرْبَعَةِ ، فَتَضْرِبُهَا فِي الْخَمْسَ عَشْرَةَ ، تَكُنْ سِتِّينَ فِي الْمَسْأَلَةِ .","part":13,"page":383},{"id":6383,"text":"( 4850 ) فَصْلٌ مَعْرِفَةُ الْمُوَافَقَةِ ، وَالْمُنَاسَبَةِ ، وَالْمُبَايَنَةِ .\rالطَّرِيقُ فِي ذَلِكَ أَنْ تُلْقِيَ أَقَلَّ الْعَدَدَيْنِ مِنْ أَكْثَرِهِمَا مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى ، فَإِنْ فَنِيَ بِهِ فَالْعَدَدَانِ مُتَنَاسِبَانِ ، وَإِنْ لَمْ يَفْنَ بِهِ ، وَلَكِنْ بَقِيَتْ مِنْهُ بَقِيَّةٌ ، أَلْقَيْتهَا مِنْ الْعَدَدِ الْأَقَلِّ ، فَإِنْ بَقِيَتْ مِنْهُ بَقِيَّةٌ أَلْقَيْتهَا مِنْ الْبَقِيَّةِ الْأُولَى ، وَلَا تَزَالُ كَذَلِكَ تُلْقِي كُلَّ بَقِيَّةٍ مِنْ الَّتِي قَبْلَهَا ، حَتَّى يَصِلَ إلَى عَدَدٍ يُفْنِي الْمُلْقَى مِنْهُ ، غَيْرَ الْوَاحِدِ ، فَأَيُّ بَقِيَّةٍ فَنِيَ بِهَا غَيْرُ الْوَاحِدِ ، فَالْمُوَافَقَةُ بَيْنَ الْعَدَدَيْنِ بِجُزْءٍ ، وَتِلْكَ الْبَقِيَّةُ إنْ كَانَتْ اثْنَيْنِ فَبِالْأَنْصَافِ ، وَإِنْ كَانَتْ ثَلَاثَةً فَبِالْأَثْلَاثِ ، فَإِنْ كَانَتْ أَرْبَعَةً فَبِالْأَرْبَاعِ ، فَإِنْ كَانَتْ أَحَدَ عَشَرَ ، أَوْ اثْنَيْ عَشَرَ ، أَوْ ثَلَاثَةَ عَشَرَ ، فَيُجْزِئُ ذَلِكَ ، وَإِنْ بَقِيَ وَاحِدٌ ، فَالْعَدَدَانِ مُتَبَايِنَانِ .\rوَمِمَّا يَدُلُّكَ عَلَى تَنَاسُبِ الْعَدَدَيْنِ ، أَنَّك مَتَى زِدْت عَلَى الْأَقَلِّ مِثْلَهُ أَبَدًا ، سَاوَى الْأَكْثَرَ ، وَمَتَى قَسَمْت الْأَكْثَرَ عَلَى الْأَقَلِّ ، انْقَسَمَ قِسْمَةً صَحِيحَةً ، وَمَتَى نَسَبْت الْأَقَلَّ إلَى الْأَكْثَرِ ، انْتَسَبَ إلَيْهِ بِجُزْءٍ وَاحِدٍ ، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إلَّا فِي النِّصْفِ فَمَا دُونَهُ .","part":13,"page":384},{"id":6384,"text":"( 4851 ) فَصْلٌ : فِي مَسَائِلِ الْمُنَاسَخَاتِ ، وَمَعْنَاهَا أَنْ يَمُوتَ مِنْ وَرَثَةِ الْمَيِّتِ إنْسَانٌ قَبْلَ قَسْمِ تَرِكَةِ الْأَوَّلِ ، فَإِذَا وُجِدَ ذَلِكَ نَظَرْت ؛ فَإِنْ كَانَ وَرَثَةُ الْأَوَّلِ يَرِثُونَ الثَّانِيَ عَلَى حَسَبِ مِيرَاثِهِمْ مِنْ الْأَوَّلِ ، مِثْلُ أَنْ يَكُونُوا عَصَبَةً لَهُمَا جَمِيعًا ، وَقَدْ يَتَّفِقُ ذَلِكَ فِي أَصْحَابِ الْفُرُوضِ ، فِي مَسَائِلَ يَسِيرَةٍ ، كَرَجُلٍ مَاتَ عَنْ امْرَأَةٍ وَثَلَاثَةِ بَنِينَ وَبِنْتٍ ، ثُمَّ مَاتَ أَحَدُ الْبَنِينَ قَبْلَ قِسْمَةِ التَّرِكَةِ ، فَإِنَّ لِلْمَرْأَةِ مِنْ الْأُوَلِ سَهْمًا مِثْلَ سَهْمِ الْبِنْتِ ، وَكَنِصْفِ سَهْمِ ابْنٍ ، وَكَذَلِكَ لَهَا مِنْ الثَّانِيَةِ ، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَاقْسِمْ الْمَسْأَلَةَ عَلَى وَرَثَةِ الثَّانِي ، وَلَا تَنْظُرْ إلَى الْأَوَّلِ ، فَلَوْ ، خَلَّفَ رَجُلٌ خَمْسَةَ بَنِينَ وَخَمْسَ بَنَاتٍ ، فَمَاتَ مِنْهُمْ ابْنٌ ، ثُمَّ بِنْتٌ ، ثُمَّ ابْنٌ ، ثُمَّ بِنْتٌ ، ثُمَّ ابْنٌ ، ثُمَّ بِنْتٌ ، قَسَّمْت الْمِيرَاثَ عَلَى الِابْنَيْنِ الْبَاقِيَيْنِ ، وَالْبِنْتَيْنِ ، لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ، وَلَمْ يُنْظَرْ فِي بَقِيَّةِ الْمَسَائِلِ .\rفَإِنْ كَانَ مَعَهُمْ مَنْ يَرِثُ مِنْ الْأُولَى دُونَ مَا بَقِيَ ، كَمَا لَوْ كَانَ مَعَ هَؤُلَاءِ امْرَأَةٌ لِلْمَيِّتِ لَيْسَتْ أُمًّا لَهُمْ ، فَإِنَّك تَعْزِلُ لَهَا الثُّمُنَ ، وَتَقْسِمُ الْبَاقِيَ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ ، وَإِنْ كَانَتْ أُمًّا لَهُمْ إلَّا أَنَّهَا مَاتَتْ قَبْلَهُمْ ، أَوْ بَعْدَ بَعْضِهِمْ ، وَلَمْ تُخَلِّفْ وَارِثًا غَيْرَهُمْ ، قَسَّمْت الْمِيرَاثَ كُلَّهُ عَلَى الْبَاقِينَ ، لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ .\rوَلَمْ يُنْظَرْ فِي مِيرَاثِهَا ؛ لِأَنَّهُ قَدْ صَارَ إلَيْهِمْ ، فَإِنْ لَمْ يَكُونُوا كَذَلِكَ ، فَإِنَّك تَقْسِمُ مَسْأَلَةَ الْأَوَّلِ ، ثُمَّ تَنْظُرُ مَا صَارَ لِلْمَيِّتِ الثَّانِي مِنْهَا ، فَإِنْ انْقَسَمَ عَلَى مَسْأَلَتِهِ فَقَدْ صَحَّتْ الْمَسْأَلَتَانِ مِمَّا صَحَّتْ مِنْهُ الْأُولَى ، وَمِثَالُ ذَلِكَ ، امْرَأَةٌ وَبِنْتٌ مِنْ غَيْرِهَا وَأَخٌ ، مَاتَتْ الْبِنْتُ وَخَلَّفَتْ زَوْجًا وَبِنْتًا وَعَمًّا .\rفَالْمَسْأَلَةُ الْأُولَى مِنْ ثَمَانِيَةٍ ،","part":13,"page":385},{"id":6385,"text":"لِلْمَرْأَةِ سَهْمٌ ، وَلِلْبِنْتِ أَرْبَعَةٌ ، وَيَبْقَى لِلْأَخِ ثَلَاثَةٌ ، وَمَسْأَلَةُ الْمَيِّتَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ أَرْبَعَةٍ لِزَوْجِهَا سَهْمٌ ، وَلِابْنَتِهَا سَهْمَانِ ، وَيَبْقَى سَهْمٌ لِلْأَخِ الْأَوَّلِ ، فَصَارَ لَهُ مِنْ الْمَسْأَلَتَيْنِ أَرْبَعَةُ أَسْهُمٍ ، وَصَحَّتْ الْمَسْأَلَتَانِ مِنْ ثَمَانِيَةٍ .\rوَإِنْ لَمْ تَنْقَسِمْ سِهَامُ الْمَيِّتِ الثَّانِي عَلَى مَسْأَلَتِهِ ، وَافَقْت بَيْنَ سِهَامِهِ وَمَسْأَلَتِهِ .\rفَإِنْ اتَّفَقَا ، رَدَدْت مَسْأَلَتَهُ إلَى وَفْقِهَا ، ثُمَّ ضَرَبْته فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى ، فَمَا بَلَغَ فَمِنْهُ تَصِحُّ الْمَسْأَلَتَانِ ، ثُمَّ كُلُّ مَنْ لَهُ شَيْءٌ مِنْ الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى مَضْرُوبٌ فِي وَفْقِ الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ ، وَكُلُّ مَنْ لَهُ شَيْءٌ مِنْ الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ مَضْرُوبٌ فِي وَفْقِ سِهَامِ الْمَيِّتِ الثَّانِي .\rمِثَالُ ذَلِكَ ، إذَا خَلَفَتْ الْبِنْتُ زَوْجًا وَابْنَتَيْنِ ، فَمَسْأَلَتُهَا مِنْ اثْنَيْ عَشَرَ ، تُوَافِقُهَا سِهَامُهَا بِالرُّبُعِ ، فَتَرْجِعُ إلَى ثَلَاثَةٍ ، تُضْرَبُ فِي ثَمَانِيَةٍ ، تَكُنْ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ ، لِلْمَرْأَةِ سَهْمٌ مِنْ الْأُولَى فِي ثَلَاثَةٍ بِثَلَاثَةٍ وَلِلْأَخِ ثَلَاثَةٌ فِي ثَلَاثَةٍ بِتِسْعَةٍ ، وَلَهُ مِنْ الثَّانِيَةِ سَهْمٌ فِي سَهْمٍ ، تَكُنْ عَشْرَةً ، وَلِلزَّوْجِ ثَلَاثَةٌ فِي سَهْمٍ ، وَلِلِابْنَتَيْنِ ثَمَانِيَةٌ .\rوَإِنْ لَمْ يُوَافِقْ سِهَامُهُ مَسْأَلَتَهُ ، ضَرَبْت الْمَسْأَلَةَ الثَّانِيَةَ فِي الْأُولَى ، ثُمَّ كُلُّ مَنْ لَهُ شَيْءٌ مِنْ الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى مَضْرُوبٌ فِي الثَّانِيَةِ .\rوَمَنْ لَهُ شَيْءٌ مِنْ الثَّانِيَةِ مَضْرُوبٌ فِي سِهَامِ الْمَيِّتِ الثَّانِي ، فَإِنْ مَاتَ ثَالِثٌ ، عَمِلْت مَسْأَلَتَهُ ، وَنَظَرْت سِهَامَهُ مِمَّا صَحَّتْ مِنْهُ الْمَسْأَلَتَانِ ، فَإِنْ انْقَسَمَ عَلَى مَسْأَلَتِهِ ، صَحَّتْ مِمَّا صَحَّتْ مِنْهُ الْأُولَيَانِ ، وَإِنْ لَمْ تَصِحَّ ، وَافَقْت بَيْنَ مَسْأَلَتِهِ وَسِهَامِهِ ، وَضَرَبْت وَفْقَ سِهَامِ مَسْأَلَتِهِ إنْ وَافَقَتْ ، أَوْ جَمِيعِهَا ، إنْ لَمْ تُوَافِقْ ، فِيمَا صَحَّتْ مِنْهُ الْأُولَيَانِ ، وَعَمِلَتْ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ .\rوَكَذَلِكَ تَصْنَعُ فِي","part":13,"page":386},{"id":6386,"text":"الرَّابِعِ وَالْخَامِسِ وَمَا بَعْدَهُ .","part":13,"page":387},{"id":6387,"text":"( 4852 ) فَصْلٌ : وَإِنْ أَرَدْت قَسَمْت الْمَسْأَلَةَ عَلَى قَرَارِيطِ الدِّينَارِ ، فَإِنَّهَا فِي عُرْفِ أَهْلِ بَلَدِنَا أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ قِيرَاطًا ، فَإِنْ كَانَتْ السِّهَامُ كَثِيرَةً فَلَكَ فِي قَسْمِهَا طَرِيقَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، أَنْ يَنْظُرَ مَا تَرَكَّبَ مِنْهُ الْعَدَدُ ، فَإِنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَتَرَكَّبَ مِنْ ضَرْبِ عَدَدٍ فِي عَدَدٍ ، فَانْسُبْ أَحَدَ الْعَدَدَيْنِ إلَى أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ ، إنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْهَا ، وَخُذْ مِنْ الْعَدَدِ الْآخَرِ مِثْلَ تِلْكَ النِّسْبَةِ ، فَمَا كَانَ فَهُوَ لِكُلِّ قِيرَاطٍ .\rوَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ قَسَمْته عَلَيْهَا ، فَمَا خَرَجَ بِالْقَسْمِ فَاضْرِبْهُ فِي الْعَدَدِ الْآخَرِ ، فَمَا بَلَغَ فَهُوَ نَصِيبُهُ .\rمِثَالُ ذَلِكَ ، سِتُّمِائَةِ أَرَدْت قِسْمَتَهَا ، فَإِنَّك تَعْلَمُ أَنَّهَا مُتَرَكِّبَةٌ مِنْ ضَرْبِ عِشْرِينَ فِي ثَلَاثِينَ ، فَانْسُبْ الْعِشْرِينَ إلَى أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ تَكُنْ نِصْفَهَا ، وَثُلُثَهَا ، فَخُذْ نِصْفَ الثَّلَاثِينَ ، وَثُلُثَهَا ، خَمْسَةً وَعِشْرِينَ ، فَهُوَ سَهْمُ الْقِيرَاطِ .\rوَإِنْ قَسَّمْت الثَّلَاثِينَ عَلَى أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ ، خَرَجَ بِالْقَسَمِ سَهْمٌ وَرُبُعٌ ، فَاضْرِبْهَا تَكُنْ خَمْسَةً وَعِشْرِينَ ، كَمَا قُلْنَا .\rوَالثَّانِي ، أَنْ تَنْظُرَ عَدَدًا إذَا ضَرَبْته فِي الْأَرْبَعَةِ وَالْعِشْرِينَ سَاوَى الْمَقْسُومَ أَوْ قَارَبَهُ ، فَإِذَا بَقِيَتْ مِنْهُ بَقِيَّةٌ ضَرَبْتهَا فِي عَدَدٍ آخَرَ ، حَتَّى يَبْقَى أَقَلُّ مِنْ الْمَقْسُومِ عَلَيْهِ ، ثُمَّ تَجْمَعُ الْعَدَدَ الَّذِي ضَرَبْته إلَيْهِ ، وَتُنْسَبُ تِلْكَ الْبَقِيَّةُ مِنْ الْمَقْسُومِ عَلَيْهِ ، فَتَضُمُّهَا إلَى الْعَدَدِ ، فَيَكُونُ ذَلِكَ سَهْمَ الْقِيرَاطِ .\rمِثَالُهُ فِي مَسْأَلَتِنَا ، أَنْ تَضْرِبَ عِشْرِينَ فِي أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ ، تَكُنْ أَرْبَعَمِائَةٍ وَثَمَانِينَ ، ثُمَّ تَضْرِبَ خَمْسَةً فِي أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ ، تَكُنْ مِائَةً وَعِشْرِينَ ، وَتَضُمَّ الْخَمْسَةَ إلَى الْعِشْرِينَ ، فَيَكُونَ ذَلِكَ سِهَامَ الْقِيرَاطِ .\rفَإِذَا عَرَفْت سِهَامَ الْقِيرَاطِ فَانْظُرْ كُلَّ مَنْ لَهُ سِهَامٌ ، فَأَعْطِهِ بِكُلِّ سَهْمٍ مِنْ سِهَامِ","part":13,"page":388},{"id":6388,"text":"الْقِيرَاطِ قِيرَاطًا ، فَإِنْ بَقِيَ لَهُ مِنْ السِّهَامِ مَا لَا يَبْلُغُ قِيرَاطًا ، فَانْسُبْهُ إلَى سِهَامِ الْقِيرَاطِ ، وَأَعْطِهِ مِنْهُ مِثْلَ تِلْكَ النِّسْبَةِ ، فَإِنْ كَانَ فِي سِهَامِ الْقِيرَاطِ كَسْرٌ ، بَسَطْتهَا مِنْ جِنْسِ الْكَسْرِ ، ثُمَّ كُلُّ مَنْ لَهُ سِهَامٌ بِعَدَدِ مَبْلَغِ السِّهَامِ ، فَلَهُ بِعَدَدِ مَخْرَجِ الْكَسْرِ قَرَارِيطُ ، وَتَضْرِبُ بَقِيَّةَ سِهَامِهِ فِي مَخْرَجِ الْكَسْرِ ، وَتَنْسُبهَا مِنْهَا .\rمِثَالُ ذَلِكَ ، زَوْجٌ وَأَبَوَانِ وَابْنَتَانِ ، مَاتَتْ الْأُمُّ ، وَخَلَّفَتْ أُمًّا ، وَزَوْجًا ، وَأُخْتًا مِنْ أَبَوَيْنِ ، وَأُخْتَيْنِ مِنْ أَبٍ ، وَأُخْتَيْنِ مِنْ أُمٍّ .\rفَالْأُولَى مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ ، وَالثَّانِيَةُ مِنْ عِشْرِينَ ، فَتَضْرِبُ وَفْقَ إحْدَاهُمَا فِي الْأُخْرَى ، تَكُنْ مِائَةً وَخَمْسِينَ ، وَسَهْمُ الْقِيرَاطِ سِتَّةٌ وَرُبْعٌ ، فَابْسُطْهَا أَرْبَاعًا ، تَكُنْ خَمْسَةً وَعِشْرِينَ ، فَهَذِهِ سِهَامُ الْقِيرَاطِ ، فَلِلْبِنْتِ مِنْ الْأُولَى أَرْبَعَةٌ فِي عَشَرَةٍ ، تَكُنْ أَرْبَعِينَ ، فَلَهَا بِخَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ أَرْبَعَةٌ ، تَبْقَى خَمْسَةَ عَشَرَ ، اضْرِبْهَا فِي مَخْرَجِ الْكَسْرِ تَكُنْ سِتِّينَ ، وَاقْسِمْهَا عَلَى خَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ ، تَكُنْ اثْنَيْنِ وَخَمْسِينَ ، فَصَارَ لَهَا سِتَّةٌ وَخُمُسَانِ ، وَلِلْأَبِ مِنْ الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ سِتَّةٌ وَعِشْرُونَ ، فَلَهُ بِخَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ أَرْبَعَةُ قَرَارِيطَ ، وَابْسُطْ السَّهْمَ الْبَاقِيَ أَرْبَاعًا ، تَكُنْ أَرْبَعَةَ أَخْمَاسِ خُمُسٍ ، وَلِزَوْجِ الْأُولَى ثَلَاثُونَ ، فَلَهُ بِخَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ مِنْهَا أَرْبَعَةُ قَرَارِيطَ ، وَابْسُطْ الْخَمْسَةَ الْبَاقِيَةَ .\rتَكُنْ عِشْرِينَ ، وَهِيَ أَرْبَعَةُ أَخْمَاسِ قِيرَاطٍ ، وَلِأُمِّ الثَّانِيَةِ سَهْمَانِ ، اُبْسُطْهُمَا أَرْبَاعًا ، تَكُنْ خُمُسَ قِيرَاطٍ وَثَلَاثَةَ أَخْمَاسِ خُمُسِ قِيرَاطٍ ، وَكَذَلِكَ لِكُلِّ أُخْتٍ مِنْ أُمٍّ ، وَلِلْأُخْتَيْنِ مِنْ الْأَبِ مِثْلُ ذَلِكَ ، وَلِلْأُخْتِ مِنْ الْأَبَوَيْنِ سِتَّةٌ ، اُبْسُطْهَا أَرْبَاعًا ، تَكُنْ أَرْبَعَةَ أَخْمَاسِ قِيرَاطٍ ، وَأَرْبَعَةَ أَخْمَاسِ خُمُسٍ .","part":13,"page":389},{"id":6389,"text":"( 4853 ) فَصْلٌ : فِي قِسْمَةِ التَّرِكَات ، إنْ أَمْكَنَ أَنْ تُنْسَبَ سِهَامُ كُلِّ وَارِثٍ مِنْ الْمَسْأَلَةِ ، ثُمَّ تُعْطِيهِ مِنْ التَّرِكَةِ مِثْلَ تِلْكَ النِّسْبَةِ ، فَحَسَنٌ .\rوَمِثَالُ ذَلِكَ ، زَوْجٌ وَأَبَوَانِ وَابْنَتَانِ ، وَالتَّرِكَةُ أَرْبَعُونَ دِينَارًا ، فَلِلزَّوْجِ ثَلَاثَةٌ ، وَهِيَ خُمُسُ الْمَسْأَلَةِ ، فَلَهُ خُمُسُ التَّرِكَةِ ، وَهِيَ ثَمَانِيَةُ دَنَانِيرَ ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْأَبَوَيْنِ ثُلُثَا خُمُسِ الْمَسْأَلَةِ ، فَلَهُ ثُلُثَا الثَّمَانِيَةِ ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْبِنْتَيْنِ مِثْلُ مَا لِلْأَبَوَيْنِ كِلَيْهِمَا ، وَإِنْ شِئْت ضَرَبْت سِهَامَ كُلِّ وَارِثٍ فِي التَّرِكَةِ ، وَقَسَمْت ذَلِكَ عَلَى الْمَسْأَلَةِ ، فَمَا خَرَجَ فَهُوَ نَصِيبُهُ ، وَإِنْ شِئْت قَسَمْت التَّرِكَةَ عَلَى الْمَسْأَلَةِ ، ثُمَّ ضَرَبْت الْخَارِجَ بِالْقَسْمِ فِي سِهَامِ كُلِّ وَارِثٍ ، فَمَا بَلَغَ فَهُوَ لَهُ .\rوَإِذَا كَانَتْ الْمَسْأَلَةُ عَدَدًا أَصَمَّ ، عَمِلْت بِإِحْدَى هَاتَيْنِ الطَّرِيقَتَيْنِ ، وَإِنْ كَانَ فِي السِّهَامِ كَسْرٌ ، بَسَطْتهَا مِنْ جِنْسِهِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي الْقَسْمِ عَلَى قَرَارِيطِ الدِّينَارِ .\rوَلَك فِي قَسْمِ التَّرِكَةِ فِي مَسَائِلِ الْمُنَاسَخَاتِ ، أَنْ تَقْسِمَ التَّرِكَةَ أَوْ الْقَرَارِيطَ عَلَى الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى ، فَمَا حَصَلَ لِلْمَيِّتِ الثَّانِي ، قَسَمْته عَلَى مَسْأَلَتِهِ ، ثُمَّ تَفْعَلُ بِالثَّالِثِ وَالرَّابِعِ وَمَا بَعْدَهُمَا كَذَلِكَ .\rوَإِذَا كَانَ بَيْنَ الْمَسْأَلَةِ وَالتَّرِكَةِ مُوَافَقَةٌ ، فَخُذْ وَفْقَيْهِمَا ، وَاعْمَلْ بِهِمَا مَا ذَكَرْنَا .","part":13,"page":390},{"id":6390,"text":"( 4854 ) فَصْلٌ : وَإِذَا كَانَتْ التَّرِكَةُ سِهَامًا مِنْ عَقَارٍ ، فَاضْرِبْ أَصْلَ سِهَامِ الْعَقَارِ فِيمَا صَحَّتْ مِنْهُ الْمَسْأَلَةُ ، فَمَا بَلَغَ فَهُوَ سِهَامُ الْعَقَارِ ، وَاضْرِبْ سِهَامَ كُلِّ وَارِثٍ مِنْ أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ فِي السِّهَامِ الْمَوْرُوثَةِ مِنْ الْعَقَارِ ، وَاضْرِبْ سِهَامَ الشُّرَكَاءِ فِي أَصْلِ مَسْأَلَةِ الْوَرَثَةِ .\rوَمِثَالُ ذَلِكَ : زَوْجٌ وَأُمٌّ وَأُخْتٌ ، وَالتَّرِكَةُ رُبُعٌ ، وَسُدُسُ دَارٍ ، الْمَسْأَلَةُ مِنْ ثَمَانِيَةٍ ، وَأَصْلُ سِهَامِ الْعَقَارِ اثْنَا عَشَرَ ، فَاضْرِبْهَا فِي الثَّمَانِيَةِ ، تَكُنْ سِتَّةً وَتِسْعِينَ ، فَلِلزَّوْجِ ثَلَاثَةٌ مِنْ مَسْأَلَةٍ مَضْرُوبَةٌ فِي السِّهَامِ الْمَوْرُوثَةِ ، وَهِيَ خَمْسَةٌ ، تَكُنْ خَمْسَةَ عَشَرَ ، وَلِلْأُخْتِ كَذَلِكَ ، فَانْسُبْهَا مِنْ الدَّارِ .\rتَكُنْ ثُمُنَهَا وَرُبُعَ ثُمُنِهَا ، وَلِلْأُمِّ سَهْمَانِ فِي خَمْسَةٍ ، تَكُنْ عَشَرَةً ، وَهِيَ نِصْفُ سُدُسِ الدَّارِ ، وَثُمُنُ سُدُسِهَا .\rوَإِنْ شِئْت قُلْت : هِيَ نِصْفُ ثُمُنِهَا ، وَثُلُثُ ثُمُنِهَا .\rوَإِنْ شِئْت بَسَطْت الرُّبُعَ وَالسُّدُسَ مِنْ قَرَارِيطِ الدِّينَارِ ، وَهِيَ عَشْرَةٌ ، وَقَسَمْتهَا عَلَى الْمَسْأَلَةِ ، فَلِلْأُمِّ رُبُعُهَا ، وَهُوَ قِيرَاطَانِ وَنِصْفٌ ، وَلِلْأُخْتِ ثَلَاثَةُ أَثْمَانِهَا ، وَهِيَ ثَلَاثَةُ قَرَارِيطَ وَثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ قِيرَاطٍ ، وَكَذَلِكَ الزَّوْجُ .","part":13,"page":391},{"id":6391,"text":"( 4855 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : وَيُرَدُّ عَلَى كُلِّ أَهْلِ الْفَرَائِضِ عَلَى قَدْرِ مِيرَاثِهِمْ ، إلَّا الزَّوْجَ وَالزَّوْجَةَ .\rوَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْمَيِّتَ إذَا لَمْ يُخَلِّفْ وَارِثًا إلَّا ذَوِي فُرُوضٍ ، وَلَا يَسْتَوْعِبُ الْمَالَ ، كَالْبَنَاتِ وَالْأَخَوَاتِ وَالْجَدَّاتِ ، فَإِنَّ الْفَاضِلَ عَنْ ذَوِي الْفُرُوضِ يُرَدُّ عَلَيْهِمْ عَلَى قَدْرِ فُرُوضِهِمْ ، إلَّا الزَّوْجَ وَالزَّوْجَةَ .\rرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ ، وَعَلِيٍّ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ .\rوَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ الْحَسَنِ ، وَابْنِ سِيرِينَ ، وَشُرَيْحٍ ، وَعَطَاءٍ ، وَمُجَاهِدٍ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابِهِ .\rقَالَ ابْنُ سُرَاقَةَ .\rوَعَلَيْهِ الْعَمَلُ الْيَوْمَ فِي الْأَمْصَارِ ، إلَّا أَنَّهُ يُرْوَى عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ كَانَ لَا يَرُدُّ عَلَى بِنْتِ ابْنٍ مَعَ بِنْتٍ ، وَلَا عَلَى أُخْتٍ مِنْ أَبٍ مَعَ أُخْتٍ مِنْ أَبَوَيْنِ ، وَلَا عَلَى جَدَّةٍ مَعَ ذِي سَهْمٍ وَرَوَى ابْنُ مَنْصُورٍ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ لَا يَرُدُّ عَلَى وَلَدٍ مَعَ الْأُمِّ ، وَلَا عَلَى الْجَدِّ مَعَ ذِي سَهْمٍ .\rوَاَلَّذِي ذَكَرَ الْخِرَقِيِّ أَظْهَرُ فِي الْمَذْهَبِ وَأَصَحُّ ، وَهُوَ قَوْلُ عَامَّةِ أَهْلِ الرَّدِّ ؛ لِأَنَّهُمْ تَسَاوَوْا فِي السِّهَامِ ، فَيَجِبُ أَنْ يَتَسَاوَوْا فِيمَا يَتَفَرَّعُ عَلَيْهَا ، وَلِأَنَّ الْفَرِيضَةَ لَوْ عَالَتْ ، لَدَخَلَ النَّقْصُ عَلَى الْجَمِيعِ ، فَالرَّدُّ يَنْبَغِي أَنْ يَنَالَهُمْ أَيْضًا .\rفَأَمَّا الزَّوْجَانِ ، فَلَا يُرَدُّ عَلَيْهِمَا بِاتِّفَاقٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ، إلَّا أَنَّهُ رُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ رَدَّ عَلَى زَوْجٍ .\rوَلَعَلَّهُ كَانَ عَصَبَةً ، أَوْ ذَا رَحِمٍ ، فَأَعْطَاهُ لِذَلِكَ ، أَوْ أَعْطَاهُ مِنْ مَالِ بَيْتِ الْمَالِ ، لَا عَلَى سَبِيلِ الْمِيرَاثِ ، وَسَبَبُ ذَلِكَ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ ، أَنَّ أَهْلَ الرَّدِّ كُلَّهُمْ مِنْ ذَوِي الْأَرْحَامِ ، فَيَدْخُلُونَ فِي عُمُومِ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَأُولُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ } .\rوَالزَّوْجَانِ خَارِجَانِ مِنْ ذَلِكَ .\rوَذَهَبَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ","part":13,"page":392},{"id":6392,"text":"إلَى أَنَّ الْفَاضِلَ عَنْ ذَوِي الْفُرُوضِ لِبَيْتِ الْمَالِ ، وَلَا يُرَدُّ عَلَى أَحَدٍ فَوْقَ فَرْضِهِ .\rوَبِهِ قَالَ مَالِكٌ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ؛ لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى قَالَ فِي الْأُخْتِ : { فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ } .\rوَمَنْ رَدَّ عَلَيْهَا جَعَلَ لَهَا الْكُلَّ ، وَلِأَنَّهَا ذَاتُ فَرْضٍ مُسَمًّى .\rفَلَا يُرَدُّ عَلَيْهَا ، كَالزَّوْجِ .\rوَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { وَأُولُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ } .\rوَهَؤُلَاءِ مِنْ ذَوِي الْأَرْحَامِ ، وَقَدْ تَرَجَّحُوا بِالْقُرْبِ إلَى الْمَيِّتِ ، فَيَكُونُونَ أَوْلَى مِنْ بَيْتِ الْمَالِ .\rلِأَنَّهُ لِسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ ، وَذُو الرَّحِمِ أَحَقُّ مِنْ الْأَجَانِبِ ، عَمَلًا بِالنَّصِّ ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِوَرَثَتِهِ ، وَمَنْ تَرَكَ كَلًّا فَإِلَيَّ } .\rوَفِي لَفْظٍ : { مَنْ تَرَكَ دَيْنًا فَإِلَيَّ ، وَمَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِلْوَارِثِ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَهَذَا عَامٌ فِي جَمِيعِ الْمَالِ ، وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { تُحْرِزُ الْمَرْأَةُ ثَلَاثَةَ مَوَارِيثَ ، لَقِيطَهَا ، وَعَتِيقَهَا ، وَالْوَلَدَ الَّذِي لَاعَنَتْ عَلَيْهِ } .\rأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ .\rفَجَعَلَ لَهَا مِيرَاثَ وَلَدِهَا الْمَنْفِيِّ بِاللِّعَانِ كُلَّهُ ، خَرَجَ مِنْ ذَلِكَ مِيرَاثُ غَيْرِهَا مِنْ ذَوِي الْفُرُوضِ بِالْإِجْمَاعِ ، بَقِيَ الْبَاقِي عَلَى مُقْتَضَى الْعُمُومِ ، وَلِأَنَّهَا مِنْ وُرَّاثِهِ بِالرَّحِمِ ، فَكَانَتْ أَحَقَّ بِالْمَالِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ ، كَعَصَبَاتِهِ .\rفَأَمَّا قَوْله تَعَالَى : { فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ } .\rفَلَا يَنْفِي أَنْ يَكُونَ لَهَا زِيَادَةٌ عَلَيْهِ بِسَبَبٍ آخَرَ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ } .\rلَا يَنْفِي أَنْ يَكُونَ لِلْأَبِ السُّدُسُ ، وَمَا فَضَلَ عَنْ الْبِنْتِ بِجِهَةِ التَّعْصِيبِ ، وَقَوْلُهُ : { وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ } .\rلَمْ يَنْفِ أَنْ يَكُونَ لِلزَّوْجِ مَا فَضَلَ إذَا","part":13,"page":393},{"id":6393,"text":"كَانَ ابْنَ عَمٍّ أَوْ مَوْلًى ، وَكَذَلِكَ الْأَخُ مِنْ الْأُمِّ إذَا كَانَ ابْنَ عَمٍّ ، وَالْبِنْتُ وَغَيْرُهَا مِنْ ذَوِي الْفُرُوضِ إذَا كَانَتْ مُعْتَقَةً ، كَذَا هَاهُنَا تَسْتَحِقُّ النِّصْفَ بِالْفَرْضِ ، وَالْبَاقِيَ بِالرَّدِّ ، وَأَمَّا الزَّوْجَانِ فَلَيْسَا مِنْ ذَوِي الْأَرْحَامِ .","part":13,"page":394},{"id":6394,"text":"( 4856 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : وَإِذَا كَانَتْ أُخْتٌ لِأَبٍ وَأُمٍّ ، وَأُخْتٌ لِأَبٍ ، وَأُخْتٌ لِأُمٍّ فَلِلْأُخْتِ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ النِّصْفُ ، وَلِلْأُخْتِ لِلْأَبِ السُّدُسُ ، وَلِلْأُخْتِ لِلْأُمِّ السُّدُسُ ، وَمَا بَقِيَ يُرَدُّ عَلَيْهِنَّ عَلَى قَدْرِ سِهَامِهِنَّ .\rفَصَارَ الْمَالُ بَيْنَهُنَّ عَلَى خَمْسَةِ أَسْهُمٍ ، لِلْأُخْتِ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ ثَلَاثَةُ أَخْمَاسِ الْمَالِ ، وَلِلْأُخْتِ لِلْأَبِ الْخُمُسُ ، وَلِلْأُخْتِ لِلْأُمِّ الْخُمُسُ .\rطَرِيقُ الْعَمَلِ فِي الرَّدِّ أَنْ تَأْخُذَ سِهَامَ أَهْلِ الرَّدِّ مِنْ أَصْلِ مَسْأَلَتِهِمْ ، وَهِيَ أَبَدًا تَخْرُجُ مِنْ سِتَّةٍ ، إذْ لَيْسَ فِي الْفُرُوضِ كُلِّهَا مَا لَا يُؤْخَذُ فِي السِّتَّةِ إلَّا الرُّبُعُ وَالثُّمُنُ .\rوَلَيْسَ لِغَيْرِ الزَّوْجَيْنِ ، وَلَيْسَا مِنْ أَهْلِ الرَّدِّ ، ثُمَّ تَجْعَلُ عَدَدَ سِهَامِهِمْ أَصْلَ مَسْأَلَتِهِمْ ، كَمَا صَارَتْ السِّهَامُ فِي الْمَسْأَلَةِ الْعَائِلَةِ هِيَ الْمَسْأَلَةُ الَّتِي تَضْرِبُ فِيهَا الْعَدَد الَّذِي انْكَسَرَتْ عَلَيْهِ سِهَامُهُ ، فَكَذَا هَاهُنَا إذَا انْكَسَرَ عَلَى فَرِيقٍ مِنْهُمْ ضَرَبْته فِي عَدَدِ سِهَامِهِمْ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ صَارَ أَصْلَ مَسْأَلَتِهِمْ .\rوَيَنْحَصِرُ ذَلِكَ فِي أَرْبَعَةِ أُصُولٍ ؛ أَوَّلُهَا : أَصْلُ اثْنَيْنِ ؛ كَجَدَّةٍ ، وَأَخٍ مِنْ أُمٍّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ ، أَصْلُهَا اثْنَانِ ، ثُمَّ تُقَسِّمُ الْمَالَ عَلَيْهِمَا ، فَيَصِيرُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفُ الْمَالِ ، فَإِنْ كَانَ الْجَدَّاتُ ثَلَاثًا فَلَهُنَّ سَهْمٌ لَا يَنْقَسِمُ عَلَيْهِنَّ .\rاضْرِبْ عَدَدَهُنَّ فِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ ، وَهُوَ اثْنَانِ ، تَصِيرُ سِتَّةً ؛ لِلْأَخِ مِنْ الْأُمِّ النِّصْفُ ثَلَاثَةٌ ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ سَهْمٌ ، أَصْلُ ثَلَاثَةٍ : أُمٌّ وَأَخٌ مِنْ أُمٍّ ، وَأُمٍّ وَأَخَوَانِ لِأُمٍّ ، فَإِنْ كَانُوا ثَلَاثَةً ضَرَبْت عَدَدَهُمْ فِي أَصْلِ مَسْأَلَتِهِمْ ، وَهُوَ ثَلَاثَةٌ ، صَارَتْ تِسْعَةً ، وَمِنْهَا تَصِحُّ ، ثَلَاثُ جَدَّاتٍ ، وَأَرْبَعَةُ إخْوَةٍ مِنْ أُمٍّ ، لِلْإِخْوَةِ سَهْمَانِ ، يُوَافِقُهُمْ بِالنِّصْفِ ، يَرْجِعُ عَدَدُهُمْ إلَى اثْنَيْنِ ، تَضْرِبُهُمَا فِي عَدَدِ الْجَدَّاتِ ،","part":13,"page":395},{"id":6395,"text":"ثُمَّ فِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ ، صَارَتْ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ ، وَمِنْهَا تَصِحُّ .\rأَصْلُ أَرْبَعَةٍ : أُخْتٌ لِأَبَوَيْنِ وَأُخْتٌ لِأَبٍ أَوْ أُمٍّ ، أَوْ أَخٌ لِأُمٍّ ، أَوْ جَدَّةٌ .\rبِنْتٌ ، وَأُمٌّ أَوْ جَدَّةٌ .\rبِنْتٌ وَبِنْتُ ابْنٍ .\rفَإِنْ كَانَ بَنَاتُ الِابْنِ أَرْبَعًا ضَرَبْتهنَّ فِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ ، وَهِيَ أَرْبَعَةٌ ، صَارَتْ سِتَّةَ عَشَرَ ، وَمِنْهَا تَصِحُّ .\rأَصْلُ خَمْسَةٍ : ثَلَاثُ أَخَوَاتٍ مُفْتَرِقَاتٍ ، لِلْأُخْتِ مِنْ الْأَبِ وَالْأُمِّ النِّصْفُ ، وَلِلْأُخْتِ مِنْ الْأَبِ السُّدُسُ ، وَلِلْأُخْتِ مِنْ الْأُمِّ السُّدُسُ .\rوَهَذِهِ مَسْأَلَةُ الْخِرَقِيِّ .\rأُمٌّ وَأُخْتٌ لِأَبَوَيْنِ أَوْ لِأَبٍ .\rأُمٌّ وَأُخْتٌ لِأَبَوَيْنِ وَأُخْتٌ لِأَبٍ أَوْ لِأُمٍّ .\rوَلَا تَزِيدُ مَسَائِلُ الرَّدِّ أَبَدًا عَلَى هَذَا ؛ لِأَنَّهَا لَوْ زَادَتْ سَهْمًا لَكَمُلَ الْمَالُ ، وَلَمْ يَبْقَ شَيْءٌ مِنْهُ يُرَدُّ .\rثَلَاثُ جَدَّاتٍ وَبِنْتٌ وَأَرْبَعُ بَنَاتِ ابْنٍ .\rأَصْلُهَا مِنْ خَمْسَةٍ ، وَتَصِحُّ مِنْ سِتِّينَ .\rوَمَتَى كَانَ الرَّدُّ عَلَى حَيِّزٍ وَاحِدٍ ، فَلَهُ جَمِيعُ الْمَالِ بِالْفَرْضِ وَالرَّدِّ ، كَأَنَّهُ عَصَبَةٌ ، فَإِنْ كَانَ شَخْصًا وَاحِدًا ، فَالْمَالُ لَهُ ، وَإِنْ كَانَ جَمَاعَةً ، قَسَّمْته عَلَيْهِمْ عَلَى عَدَدِهِمْ ، كَالْبَنِينَ ، وَالْإِخْوَةِ .\r( 4857 ) فَصْلٌ : فَإِنْ كَانَ مَعَهُمْ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ ، أَعْطَيْته فَرْضَهُ مِنْ أَصْلِ مَسْأَلَتِهِ ، وَقَسَّمْت الْبَاقِيَ مِنْ مَسْأَلَتِهِ عَلَى فَرِيضَةِ أَهْلِ الرَّدِّ ، فَإِنْ انْقَسَمَ صَحَّتْ الْمَسْأَلَتَانِ .\rوَلَا يَتَّفِقُ هَذَا إلَّا أَنْ يَكُونَ لِلزَّوْجِ امْرَأَةٌ لَهَا الرُّبُعُ ، وَمَسْأَلَةُ أَهْلِ الرَّدِّ مِنْ ثَلَاثَةٍ ؛ كَامْرَأَةٍ وَأُمٍّ وَأَخٍ لِأُمٍّ .\rأَوْ أَمٍّ وَأَخَوَيْنِ لِأُمٍّ .\rأَوْ جَدَّةٍ وَأَخَوَيْنِ لِأُمٍّ .\rفَلِلْمَرْأَةِ الرُّبُعُ مِنْ أَرْبَعَةٍ ، يَبْقَى ثَلَاثَةٌ عَلَى فَرِيضَةِ أَهْلِ الرَّدِّ ، وَهِيَ ثَلَاثَةٌ ، فَتَصِحُّ عَلَيْهَا ، وَيَصِحُّ الْجَمِيعُ مِنْ أَرْبَعَةٍ ، فَإِنْ انْكَسَرَ عَلَى عَدَدٍ مِنْهُ ، ضَرَبْته فِي أَرْبَعَةٍ كَأَرْبَعِ زَوْجَاتٍ وَأُمٍّ وَأَخٍ لِأُمٍّ ، تَصِحُّ مِنْ سِتَّةَ عَشَرَ ، وَإِنْ لَمْ","part":13,"page":396},{"id":6396,"text":"يَنْقَسِمْ فَأَصْلُ مَسْأَلَةِ الزَّوْجِ عَلَى فَرِيضَةِ أَهْلِ الرَّدِّ لَمْ يُمْكِنْ أَنْ يُوَافِقَهَا أَيْضًا .\rفَاضْرِبْ فَرِيضَةَ الرَّدِّ فِي فَرِيضَةِ الزَّوْجِ ، فَمَا بَلَغَ فَإِلَيْهِ تَنْتَقِلُ الْمَسْأَلَةُ ، فَإِذَا أَرَدْت الْقِسْمَةَ فَلِأَحَدِ الزَّوْجَيْنِ فَرِيضَةُ الرَّدِّ ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الرَّدِّ سِهَامُهُ مِنْ مَسْأَلَتِهِ مَضْرُوبَةٌ فِي فَاضِلِ فَرِيضَةِ الزَّوْجِ ، فَمَا بَلَغَ فَهُوَ لَهُ إنْ كَانَ وَاحِدًا ، وَإِنْ كَانُوا جَمَاعَةً قَسَّمْته عَلَيْهِمْ ، فَإِنْ لَمْ يَنْقَسِمْ ضَرَبْته ، أَوْ وَفْقَهُ فِيمَا انْتَقَلَتْ إلَيْهِ الْمَسْأَلَةُ ، وَتَصِحُّ عَلَى مَا مَضَى فِي بَابِ التَّصْحِيحِ .\rوَهَذَا يَنْحَصِرُ فِي أُصُولٍ خَمْسَةٍ ؛ أَحَدُهَا ، زَوْجٌ وَجَدَّةٌ وَأَخٌ لِأُمٍّ ، لِلزَّوْجِ النِّصْفُ ، وَأَصْلُ مَسْأَلَتِهِ مِنْ اثْنَيْنِ ، لَهُ سَهْمٌ يَبْقَى سَهْمٌ عَلَى مَسْأَلَةِ الرَّدِّ .\rوَهِيَ اثْنَانِ ، فَتَضْرِبُ اثْنَيْنِ فِي اثْنَيْنِ يَكُنْ أَرْبَعَةً ، وَلَا يَقَعُ الْكَسْرُ فِي هَذَا الْأَصْلِ إلَّا عَلَى فَرِيقٍ وَاحِدٍ ، وَهُوَ الْجَدَّاتُ ، فَإِذَا كَانَ أَكْثَرَ مِنْ جَدَّةٍ وَاحِدَةٍ ، فَاضْرِبْ عَدَدَهُنَّ فِي أَرْبَعَةٍ ، فَمَا بَلَغَ فَمِنْهُ تَصِحُّ .\rالْأَصْلُ الثَّانِي ، زَوْجَةٌ وَجَدَّةٌ وَأَخٌ لِأُمٍّ مَسْأَلَةُ الزَّوْجَةِ مِنْ أَرْبَعَةٍ ، ثُمَّ تَنْتَقِلُ إلَى ثَمَانِيَة ، وَلَا يَكُونُ الْكَسْرُ إلَّا عَلَى الْجَدَّاتِ أَيْضًا .\rالْأَصْلُ الثَّالِثُ ، زَوْجٌ وَبِنْتٌ وَبِنْتُ ابْنٍ ، مَسْأَلَةُ الزَّوْجِ مِنْ أَرْبَعَةٍ ، ثُمَّ تَنْتَقِلُ إلَى سِتَّةَ عَشَرَ ، وَكَذَلِكَ زَوْجَةٌ ، وَأُخْتٌ لِأَبَوَيْنِ ، وَأُخْتٌ لِأَبٍ ، أَوْ أُخْتٌ لِأُمٍّ أَوْ جَدَّةٌ أَوْ جَدَّاتٌ ، وَمِثْلُهَا زَوْجَةٌ وَأُخْتٌ لِأَبٍ وَأُخْتٌ لِأُمٍّ ، أَوْ جَدَّةٌ الْأَصْلُ الرَّابِعُ ، زَوْجَةٌ وَبِنْتٌ وَبِنْتُ ابْنٍ ، أَوْ أُمٌّ ، أَوْ جَدَّةٌ مَسْأَلَةُ الزَّوْجَةِ مِنْ ثَمَانِيَةٍ ، ثُمَّ تَنْتَقِلُ إلَى اثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ .\rالْأَصْلُ الْخَامِسُ ، زَوْجَةٌ وَبِنْتَانِ وَأُمٌّ ، مَسْأَلَةُ الزَّوْجَةِ مِنْ ثَمَانِيَةٍ ، ثُمَّ تَنْتَقِلُ إلَى أَرْبَعِينَ ، وَكَذَلِكَ زَوْجَةٌ وَبِنْتٌ وَبِنْتُ ابْنٍ وَأُمٌّ","part":13,"page":397},{"id":6397,"text":"، أَوْ جَدَّةٌ .\rأُخْتٌ مِنْ أَبَوَيْنِ وَأُخْتٌ ، أَوْ أَخَوَاتٌ مِنْ أَبٍ وَأُخْتٌ مِنْ أُمٍّ ، أَوْ أُمٌّ ، أَوْ جَدَّةٌ أُخْتَانِ مِنْ أَبَوَيْنِ ، أَوْ مِنْ أَبٍ وَأُمٍّ ، أَوْ جَدَّةٌ وَأَخٌ مِنْ أُمٍّ ، وَفِي جَمِيعِ ذَلِكَ إذَا انْكَسَرَتْ سِهَامُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ عَلَيْهِمْ ضَرَبْته فِيمَا انْتَقَلَتْ إلَيْهِ الْمَسْأَلَةُ ، وَمِثَالُ ذَلِكَ ، أَرْبَعُ زَوْجَاتٍ وَإِحْدَى وَعِشْرُونَ بِنْتًا وَأَرْبَعُ عَشْرَةَ جَدَّةً ، مَسْأَلَةُ الزَّوْجَاتِ مِنْ ثَمَانِيَةٍ ، فَتَضْرِبُ فِيهَا فَرِيضَةَ الرَّدِّ وَهِيَ خَمْسَةٌ ، تَكُنْ أَرْبَعِينَ ، لِلزَّوْجَاتِ فَرِيضَةُ أَهْلِ الرَّدِّ خَمْسَةٌ ، عَلَى أَرْبَعَةٍ ، لَا تَصِحُّ .\rوَلَا تُوَافِقُ ، وَيَبْقَى خَمْسَةٌ وَثَلَاثُونَ ، لِلْجَدَّاتِ خُمُسُهَا سَبْعَةٌ ، عَلَى أَرْبَعَةَ عَشَرَ ، تُوَافِقُ بِالْأَسْبَاعِ ، فَيَرْجِعْنَ إلَى اثْنَيْنِ ، وَيَبْقَى لِلْبَنَاتِ ثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ ، تُوَافِقُهُنَّ بِالْأَسْبَاعِ ، فَيَرْجِعْنَ إلَى ثَلَاثٍ ، وَالِاثْنَانِ ثُمَّ تَدْخُلَانِ فِي عَدَدِ الزَّوْجَاتِ ، فَتَضْرِبُ ثَلَاثًا فِي أَرْبَعٍ ، تَكُنْ اثْنَيْ عَشَرَ ، ثُمَّ فِي أَرْبَعِينَ ، تَكُنْ أَرْبَعَمِائَةٍ وَثَمَانِينَ ، وَمَتَى كَانَ مَعَ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ وَاحِدٌ مِنْ أَهْلِ الرَّدِّ ، أَخَذَ الْفَاضِلَ كُلَّهُ ، كَأَنَّهُ عَصَبَةٌ ، وَلَا تَنْتَقِلُ الْمَسْأَلَةُ .\rوَإِنْ كَانَ مَعَهُمْ فَرِيقٌ وَاحِدٌ مِنْ أَهْلِ الرَّدِّ ، كَالْبَنَاتِ ، أَوْ الْأَخَوَاتِ ، قَسَّمْت الْفَاضِلَ عَلَيْهِمْ ، كَأَنَّهُمْ عَصَبَةٌ .\rفَإِنْ انْكَسَرَ عَلَيْهِمْ ، ضَرَبْت عَدَدَهُمْ فِي مَسْأَلَةِ الزَّوْجِ .","part":13,"page":398},{"id":6398,"text":"بَابُ الْجَدَّاتِ ( 4858 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ رَحِمَهُ اللَّهُ : وَلِلْجَدَّةِ إذَا لَمْ تَكُنْ أُمٌّ السُّدُسُ قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ لِلْجَدَّةِ السُّدُسَ إذَا لَمْ يَكُنْ لِلْمَيِّتِ أُمٌّ .\rوَحَكَى غَيْرُهُ رِوَايَةً شَاذَّةً عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهَا بِمَنْزِلَةِ الْأُمِّ ؛ لِأَنَّهَا تُدْلِي بِهَا ، فَقَامَتْ مَقَامَهَا ، كَالْجَدِّ يَقُومُ مَقَامَ الْأَبِ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى قَبِيصَةُ بْنُ ذُؤَيْبٍ ، قَالَ : { جَاءَتْ الْجَدَّةُ إلَى أَبِي بَكْرٍ ، تَطْلُبُ مِيرَاثَهَا ، فَقَالَ : مَا لَكِ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ شَيْءٌ ، وَمَا أَعْلَمُ لَكِ فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْئًا ، وَلَكِنْ ارْجِعِي حَتَّى أَسْأَلَ النَّاسَ .\rفَقَالَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ : حَضَرْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْطَاهَا السُّدُسَ .\rفَقَالَ : هَلْ مَعَك غَيْرُك ؟ فَشَهِدَ لَهُ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ ، فَأَمْضَاهُ لَهَا أَبُو بَكْرٍ ، فَلَمَّا كَانَ عُمَرُ ، جَاءَتْ الْجَدَّةُ الْأُخْرَى ، فَقَالَ : مَا لَكِ فِي كِتَابِ اللَّهِ شَيْءٌ ، فَمَا كَانَ الْقَضَاءُ الَّذِي قُضِيَ بِهِ إلَّا فِي غَيْرِك ، وَمَا أَنَا بِزَائِدٍ فِي الْفَرَائِضِ شَيْئًا ، وَلَكِنْ هُوَ ذَاكَ السُّدُسُ ، فَإِنْ اجْتَمَعْتُمَا فَهُوَ لَكُمَا ، وَأَيَّتُكُمَا خَلَتْ بِهِ فَهُوَ لَهَا .\r} رَوَاهُ مَالِكٌ فِي مُوَطَّئِهِ ، وَأَبُو دَاوُد ، وَالتِّرْمِذِيُّ .\rوَقَالَ : حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ .\rوَأَمَّا الْجَدُّ فَلَا يَقُومُ مَقَامَ الْأَبِ فِي جَمِيعِ أَحْوَالِهِ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ .\rوَأَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْأُمَّ تَحْجُبُ الْجَدَّاتِ مِنْ جَمِيعِ الْجِهَاتِ .\rوَقَدْ رَوَى ابْنُ بُرَيْدَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَعَلَ لِلْجَدَّةِ السُّدُسَ إذَا لَمْ يَكُنْ دُونَهَا أُمٌّ .\r} رَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا لَا تَرِثُ مَعَهَا شَيْئًا .\rوَلِأَنَّ الْجَدَّةَ تُدْلِي بِالْأُمِّ ، فَسَقَطَتْ بِهَا ، كَسُقُوطِ الْجَدَّ بِالْأَبِ ، وَابْنُ الِابْنِ بِهِ .\rفَأَمَّا أُمُّ الْأَبِ ،","part":13,"page":399},{"id":6399,"text":"فَإِنَّهَا أَيْضًا إنَّمَا تَرِثُ مِيرَاثَ أُمٍّ ؛ لِأَنَّهَا أُمٌّ ، وَلِذَلِكَ تَرِثُ وَابْنُهَا حَيٌّ ، وَلَوْ كَانَ مِيرَاثُهَا مِنْ جِهَتِهِ مَا وَرِثَتْ مَعَ وُجُودِهِ .","part":13,"page":400},{"id":6400,"text":"( 4859 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : ( وَكَذَلِكَ إنْ كَثُرْنَ ، لَمْ يَزِدْنَ عَلَى السُّدُسِ فَرْضًا ) أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ مِيرَاثَ الْجَدَّاتِ السُّدُسُ ، وَإِنْ كَثُرْنَ ، وَذَلِكَ لِمَا رَوَيْنَا مِنْ الْخَبَرِ ، وَأَنَّ عُمَرَ شَرَكَ بَيْنَهُمَا .\rوَقَدْ رُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَرَوَى سَعِيدٌ ، ثنا سُفْيَانُ ، وَهُشَيْمٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : جَاءَتْ الْجَدَّتَانِ إلَى أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَأَعْطَى أُمَّ الْأُمِّ الْمِيرَاثَ دُونَ أُمِّ الْأَبِ .\rفَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سُهَيْلِ بْنِ حَارِثَةَ وَكَانَ شَهِدَ بَدْرًا : يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ ، أَعْطَيْت الَّتِي إنْ مَاتَتْ لَمْ يَرِثْهَا ، وَمَنَعْت الَّتِي لَوْ مَاتَتْ وَرِثَهَا ، فَجَعَلَ أَبُو بَكْرٍ السُّدُسَ بَيْنَهُمَا .\rوَلِأَنَّهُنَّ ذَوَاتُ عَدَدٍ لَا يُشْرِكُهُنَّ ذَكَرٌ ، فَاسْتَوَى كَثِيرُهُنَّ وَوَاحِدَتُهُنَّ ، كَالزَّوْجَاتِ .\rوَقَوْلُ الْخِرَقِيِّ لَمْ يَزِدْنَ عَلَى السُّدُسِ فَرْضًا .\rيُرِيدُ بِهِ التَّحَرُّزَ مِنْ زِيَادَتِهِنَّ بِالرَّدِّ ، فَإِنَّهُنَّ يَأْخُذْنَ فِي الرَّدِّ زِيَادَةً عَلَى السُّدُسِ ، عَلَى مَا قَدْ مَضَى ذِكْرُهُ .","part":13,"page":401},{"id":6401,"text":"( 4860 ) فَصْلٌ : وَلَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي تَوْرِيثِ جَدَّتَيْنِ ؛ أُمِّ الْأُمِّ ، وَأُمِّ الْأَبِ .\rوَكَذَلِكَ إنْ عَلَتَا وَكَانَتَا فِي الْقُرْبِ سَوَاءً ، كَأُمِّ أُمِّ أُمٍّ وَأُمِّ أُمِّ أَبٍ ، إلَّا مَا حُكِيَ عَنْ دَاوُد أَنَّهُ لَا يُوَرِّثُ أُمَّ أُمِّ الْأَبِ شَيْئًا ؛ لِأَنَّهُ لَا يَرِثُهَا فَلَا تَرِثُهُ ، وَلِأَنَّهَا غَيْرُ مَذْكُورَةٍ فِي الْخَبَرَ .\rوَلَنَا ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْطَى ثَلَاثَ جَدَّاتٍ .\rوَمِنْ ضَرُورَتِهِ أَنْ يَكُونَ فِيهِنَّ أُمُّ أُمِّ الْأَبِ ، أَوْ مَنْ هِيَ أَعْلَى مِنْهَا .\rوَمَا ذَكَرَهُ دَاوُد فَهُوَ قِيَاسٌ ، وَهُوَ لَا يَقُولُ بِالْقِيَاسِ ، ثُمَّ هُوَ بَاطِلٌ بِأُمِّ الْأُمِّ ، فَإِنَّهَا تَرِثُهُ وَلَا يَرِثُهَا .\rوَقَوْلُهُ : لَيْسَتْ مَذْكُورَةً فِي الْخَبَرِ .\rقُلْنَا : وَكَذَلِكَ أُمُّ أُمِّ الْأُمِّ .\rوَاخْتَلَفُوا فِي تَوْرِيثِ مَا زَادَ عَلَيْهِمَا ؛ فَذَهَبَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ إلَى تَوْرِيثِ ثَلَاثِ جَدَّاتٍ ، مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ عَلَيْهِنَّ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ مَسْرُوقٍ وَالْحَسَنِ وَقَتَادَةَ وَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَإِسْحَاقُ وَرُوِيَ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُوَرَّثُ أَكْثَرُ مِنْ جَدَّتَيْنِ .\rوَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ ، وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ ، وَطَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّه بْنِ عَوْفٍ ، وَرَبِيعَةَ وَابْنِ هُرْمُزٍ ، وَمَالِكٍ وَابْنِ أَبِي ذِئْبٍ وَأَبِي ثَوْرٍ وَدَاوُد وَقَالَهُ الشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ ، وَحُكِيَ عَنْ الزُّهْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ : لَا نَعْلَمُ وَرِثَ فِي الْإِسْلَامِ إلَّا جَدَّتَيْنِ .\rوَحُكِيَ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ، أَنَّهُ أَوْتَرَ بِرَكْعَةٍ ، فَعَابَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ فَقَالَ سَعْدٌ أَتَعِيبُنِي وَأَنْتَ تُوَرِّثُ ثَلَاثَ جَدَّاتٍ ؟ وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ وَرَّثَ الْجَدَّاتِ وَإِنْ كَثُرْنَ ، إذَا كُنَّ فِي دَرَجَةٍ وَاحِدَةٍ ، إلَّا مَنْ أَدْلَتْ بِأَبٍ غَيْرِ وَارِثٍ ، كَأُمِّ أَبِ الْأُمِّ .","part":13,"page":402},{"id":6402,"text":"قَالَ ابْنُ سُرَاقَةَ : وَبِهَذَا قَالَ عَامَّةُ الصَّحَابَةِ إلَّا شَاذًّا .\rوَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْحَسَنُ ، وَابْنُ سِيرِينَ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ ، وَهُوَ رِوَايَةُ الْمُزَنِيّ عَنْ الشَّافِعِيِّ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ ، فَإِنَّهُ سَمَّى ثَلَاثَ جَدَّاتٍ مُتَحَاذِيَاتٍ .\rثُمَّ قَالَ : \" وَإِنْ كَثُرْنَ فَعَلَى ذَلِكَ \" .\rوَاحْتَجُّوا بِأَنَّ الزَّائِدَةَ جَدَّةٌ أَدْلَتْ بِوَارِثٍ فَوَجَبَ أَنْ تَرِثَ ، كَإِحْدَى الثَّلَاثِ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى سَعِيدٌ ، عَنْ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ إبْرَاهِيمَ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَّثَ ثَلَاثَ جَدَّاتٍ ، ثِنْتَيْنِ مِنْ قِبَلِ الْأَبِ ، وَوَاحِدَةً مِنْ قِبَلِ الْأُمَّ .\r} وَأَخْرَجَهُ أَبُو عُبَيْدٍ وَالدَّارَقُطْنِيّ .\rوَرَوَى سَعِيدٌ أَيْضًا ، عَنْ إبْرَاهِيمَ أَنَّهُ قَالَ : كَانُوا يُوَرِّثُونَ مِنْ الْجَدَّاتِ ثَلَاثًا ، ثِنْتَيْنِ مِنْ قِبَلِ الْأَبِ ، وَوَاحِدَةً مِنْ قِبَلِ الْأُمِّ .\rوَهَذَا يَدُلُّ عَلَى التَّحْدِيدِ بِثَلَاثٍ ، وَأَنَّهُ لَا يَرِثُ أَكْثَرَ مِنْهُنَّ .\rوَإِذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّ الْوَارِثَاتِ هِيَ أُمُّ الْأُمَّ وَإِنْ عَلَتْ دَرَجَتُهَا ، وَأُمُّ الْأَبِ وَأُمَّهَاتُهَا وَإِنْ عَلَتْ دَرَجَتُهُنَّ ، وَأُمُّ الْجَدِّ وَأُمَّهَاتُهَا .\rوَلَا تَرِثُ أُمُّ أَبِ الْجَدِّ ، وَلَا كُلُّ جَدَّةٍ أَدْلَتْ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةِ آبَاءٍ .\rوَهَؤُلَاءِ الْجَدَّاتُ الْمُخْتَلَفُ فِيهِنَّ .\rوَأَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْجَدَّةَ الْمُدْلِيَةَ بِأَبٍ غَيْرِ وَارِثٍ لَا تَرِثُ ، وَهِيَ كُلُّ جَدَّةٍ أَدْلَتْ بِأَبٍ بَيْنَ أُمَّيْنِ ، كَأُمِّ أَبِي الْأُمِّ ، إلَّا مَا حُكِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ وَمُجَاهِدٍ وَابْنِ سِيرِينَ أَنَّهُمْ قَالُوا : تَرِثُ .\rوَهُوَ قَوْلٌ شَاذٌّ ، لَا نَعْلَمُ الْيَوْمَ بِهِ قَائِلًا ، وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ ؛ فَإِنَّهَا تُدْلِي بِغَيْرِ وَارِثٍ ، فَلَمْ تَرِثْ ، كَالْأَجَانِبِ ، وَأَمْثِلَةُ ذَلِكَ ، أُمُّ أُمٍّ وَأُمُّ أَبٍ ، السُّدُسُ بَيْنَهُمَا إجْمَاعًا ، أُمُّ أُمِّ أُمٍّ ، وَأُمُّ أُمِّ أَبٍ ، وَأُمُّ أَبِي أَبٍ ، وَأُمُّ","part":13,"page":403},{"id":6403,"text":"أَبِي أُمٍّ ، السُّدُسُ لِلثَّلَاثِ الْأُوَلِ ، إلَّا عِنْدَ مَالِكٍ وَمُوَافِقِيهِ ، فَإِنَّهُ لِلْأُولَيَيْنِ .\rوَعِنْدَ دَاوُد هُوَ لِلْأُولَى وَحْدَهَا .\rوَلَا تَرِثُ الرَّابِعَةُ إلَّا فِي قَوْلٍ شَاذٍّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمُوَافِقِيهِ ، أُمُّ أُمِّ أُمِّ أُمٍّ ، وَأُمُّ أُمِّ أُمِّ أَبٍ ، وَأُمُّ أُمِّ أَبِي أَبٍ ، وَأُمُّ أَبِي أَبِي أَبٍ ، وَأُمُّ أُمِّ أَبِي أُمٍّ ، وَأُمُّ أَبِي أُمِّ أُمٍّ ، وَأُمُّ أَبِي أَبِي أُمٍّ ، وَأُمُّ أَبِي أُمِّ أَبٍ .\rالسُّدُسُ لِلْأُولَى عِنْدَ دَاوُد وَلِلْأُولَيَيْنِ عِنْدَ مَالِكٍ وَمُوَافِقِيهِ .\rوَلِلثَّلَاثِ الْأُوَلِ عِنْدَ أَحْمَدَ وَمُوَافِقِيهِ .\rوَلِلْأَرْبَعِ الْأُوَلِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُوَافِقِيهِ .\rوَتَسْقُطُ الْأَرْبَعُ الْبَاقِيَاتُ إلَّا فِي الرِّوَايَةِ الشَّاذَّةِ .\rوَفِي الْجُمْلَةِ لَا يَرِثُ مِنْ قِبَلِ الْأُمِّ إلَّا وَاحِدَةٌ .\rوَلَا مِنْ قِبَلِ الْأَبِ إلَّا اثْنَتَانِ ، وَهُمَا اللَّتَانِ جَاءَ ذِكْرُهُمَا فِي الْخَبَرِ ، إلَّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُوَافِقِيهِ ، فَإِنَّهُ كُلَّمَا عَلَوْنَ دَرَجَةً ، زَادَ فِي عَدَدِهِنَّ مِنْ قِبَلِ الْأَبِ وَاحِدَةً .","part":13,"page":404},{"id":6404,"text":"( 4861 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : ( وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُنَّ أَقْرَبَ مِنْ بَعْضٍ كَانَ الْمِيرَاثُ لِأَقْرَبِهِنَّ ) أَمَّا إذَا كَانَتْ إحْدَى الْجَدَّتَيْنِ أُمَّ الْأُخْرَى ، فَأَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْمِيرَاثَ لِلْقُرْبَى وَتَسْقُطُ الْبُعْدَى بِهَا ، وَإِنْ كَانَتَا مِنْ جِهَتَيْنِ وَالْقُرْبَى مِنْ جِهَةِ الْأُمِّ ، فَالْمِيرَاثُ لَهَا ، وَتَحْجُبُ الْبَعْدِي فِي قَوْلِ عَامَّتِهِمْ ، إلَّا مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَيَحْيَى بْنِ آدَمَ وَشَرِيكٍ أَنَّ الْمِيرَاثَ بَيْنَهُمَا .\rوَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ إنْ كَانَتَا مِنْ جِهَتَيْنِ فَهُمَا سَوَاءٌ ، وَإِنْ كَانَتَا مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ فَهُوَ لِلْقُرْبَى .\rيَعْنِي بِهِ أَنَّ الْجَدَّتَيْنِ مِنْ قِبَلِ الْأَبِ إذَا كَانَتْ إحْدَاهُمَا أُمَّ الْأَبِ وَالْأُخْرَى أُمَّ الْجَدِّ ، سَقَطَتْ أُمُّ الْجَدِّ بِأُمِّ الْأَبِ .\rوَسَائِرُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْقُرْبَى مِنْ جِهَةِ الْأُمِّ تَحْجُبُ الْبُعْدَى مِنْ جِهَةِ الْأَبِ .\rفَأَمَّا الْقُرْبَى مِنْ جِهَةِ الْأَبِ فَهَلْ تَحْجُبُ الْبُعْدَى مِنْ جِهَةِ الْأُمِّ ؟ فَعَنْ أَحْمَدَ فِيهَا رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، أَنَّهَا تَحْجُبُهَا ، وَيَكُونُ الْمِيرَاثُ لِلْقُرْبَى .\rوَهَذَا قَوْلُ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ زَيْدٍ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ ، وَأَهْلُ الْعِرَاقِ ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ عَنْ أَحْمَدَ هُوَ بَيْنَهُمَا .\rوَهِيَ الرِّوَايَةُ الثَّابِتَةُ عَنْ زَيْدٍ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَهُوَ الْقَوْلُ الثَّانِي لِلشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِأَنَّ الْأَبَ الَّذِي تُدْلِي بِهِ الْجَدَّةُ لَا يَحْجُبُ الْجَدَّةَ مِنْ قِبَلِ الْأُمِّ ، فَالَّتِي تُدْلِي بِهِ أَوْلَى أَنْ لَا يَحْجُبَهَا ، وَبِهَذَا فَارَقَتْهَا الْقُرْبَى مِنْ قِبَلِ الْأُمِّ ، فَإِنَّهَا تُدْلِي بِالْأُمِّ .\rوَهِيَ تَحْجُبُ جَمِيعَ الْجَدَّاتِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهَا جَدَّةُ قُرْبَى ، فَتَحْجُبُ الْبُعْدَى ، كَاَلَّتِي مِنْ قِبَلِ الْأُمِّ ، وَلِأَنَّ الْجَدَّاتِ أُمَّهَاتٌ يَرِثْنَ مِيرَاثًا وَاحِدًا مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ ، فَإِذَا اجْتَمَعْنَ فَالْمِيرَاثُ","part":13,"page":405},{"id":6405,"text":"لِأَقْرَبِهِنَّ ، كَالْآبَاءِ وَالْأَبْنَاءِ وَالْإِخْوَةِ وَالْبَنَاتِ .\rوَكُلُّ قَبِيلٍ إذَا اجْتَمَعُوا فَالْمِيرَاثُ لِأَقْرَبِهِمْ .\rوَقَوْلُهُمْ : إنَّ الْأَبَ لَا يُسْقِطُهَا .\rقُلْنَا : لِأَنَّهُنَّ لَا يَرِثْنَ مِيرَاثَهُ ، إنَّمَا يَرِثْنَ مِيرَاثَ الْأُمَّهَاتِ ، لِكَوْنِهِنَّ أُمَّهَاتٍ .\rوَلِذَلِكَ أَسْقَطَتْهُنَّ الْأُمُّ .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .\rمَسَائِلُ : مِنْ ذَلِكَ أُمُّ أُمٍّ وَأُمُّ أُمِّ أَبٍ ، الْمَالُ لِلْأُولَى ، إلَّا فِي قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ هُوَ بَيْنَهُمَا .\rأُمُّ أَبٍ وَأُمُّ أُمِّ أُمٍّ ، الْمَالُ لِلْأُولَى فِي قَوْلِ الْخِرَقِيِّ وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى هُوَ بَيْنَهُمَا .\rأُمُّ أَبٍ وَأُمُّ أُمٍّ وَأُمُّ جَدٍّ ، الْمَالُ لِلْأُولَيَيْنِ فِي قَوْلِ الْجَمِيعِ ، إلَّا فِي قَوْلِ شَرِيكٍ وَمُوَافِقِيهِ هُوَ بَيْنَهُنَّ .\rأُمُّ أَبٍ وَأُمُّ أُمٍّ وَأُمُّ أُمِّ أُمٍّ وَأُمُّ أَبِي أَبٍ ، هُوَ لِلْأُولَيَيْنِ فِي قَوْلِ الْجَمِيعِ .","part":13,"page":406},{"id":6406,"text":"( 4862 ) فَصْلٌ : إذَا اجْتَمَعَتْ جَدَّةٌ ذَاتُ قَرَابَتَيْنِ مَعَ أُخْرَى ، فَقِيَاسُ قَوْلِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ السُّدُسَ بَيْنَهُمَا أَثْلَاثًا ، لِذَاتِ الْقَرَابَتَيْنِ ثُلُثَاهُ ، وَلِلْأُخْرَى ثُلُثُهُ .\rكَذَلِكَ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ التَّمِيمِيُّ ، وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْعُرَنِيُّ ، وَلَعَلَّهُمَا أَخَذَا ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ فِي تَوْرِيثِ الْمَجُوسِ بِجَمِيعِ قَرَابَاتِهِمْ .\rوَهَذَا قَوْلُ يَحْيَى بْنِ آدَمَ ، وَالْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ وَالْحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ ، وَزُفَرَ وَشَرِيكٍ وَقَالَ الثَّوْرِيُّ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو يُوسُفَ : السُّدُسُ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ .\rوَهُوَ قِيَاسُ قَوْلِ مَالِكٍ لِأَنَّ الْقَرَابَتَيْنِ إذَا كَانَتَا مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ ، لَمْ يَرِثْ بِهِمَا جَمِيعًا ، كَالْأَخِ مِنْ الْأَبِ وَالْأُمِّ .\rوَلَنَا ، أَنَّهَا شَخْصٌ ذُو قَرَابَتَيْنِ ، تَرِثُ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مُنْفَرِدَةً ، وَلَا يُرَجَّحُ بِهَا عَلَى غَيْرِهِ .\rفَوَجَبَ أَنْ يَرِثَ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا ، كَابْنِ الْعَمِّ إذَا كَانَ أَخًا أَوْ زَوْجًا ، وَفَارَقَ الْأَخَ مِنْ الْأَبَوَيْنِ ، فَإِنَّهُ رَجَحَ بِقَرَابَتَيْهِ عَلَى الْأَخِ مِنْ الْأَبِ ، وَلَا يُجْمَعُ بَيْنَ التَّرْجِيحِ بِالْقَرَابَةِ الزَّائِدَةِ وَالتَّوْرِيثِ بِهَا ؛ فَإِذَا وُجِدَ أَحَدُهُمَا انْتَفَى الْآخَرُ ، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُخِلَّ بِهِمَا جَمِيعًا ، بَلْ إذَا انْتَفَى أَحَدُهُمَا وُجِدَ الْآخَرُ ، وَهَا هُنَا قَدْ انْتَفَى التَّرْجِيحُ فَيَثْبُتُ التَّوْرِيثُ .\rوَصُورَةُ ذَلِكَ ، أَنْ يَتَزَوَّجَ ابْنُ ابْنِ الْمَرْأَةِ بِنْتَ بِنْتِهَا ، فَيُولَدَ لَهُمَا وَلَدٌ ، فَتَكُونَ الْمَرْأَةُ أُمَّ أُمِّ أُمِّهِ ، وَهِيَ مِنْ أُمِّ أَبِي أَبِيهِ .\rوَإِنْ تَزَوَّجَ ابْنُ بِنْتِهَا بِنْتَ بِنْتِهَا ، فَهِيَ أُمُّ أُمِّ أُمِّهِ وَأُمُّ أُمِّ أَبِيهِ .\rوَإِنْ أَدْلَتْ الْجَدَّةُ بِثَلَاثِ جِهَاتٍ ، تَرِثُ بِهِنَّ ، لَمْ يُمْكِنْ أَنْ يَجْتَمِعَ مَعَهَا جَدَّةٌ أُخْرَى وَارِثَةٌ عِنْدَ مَنْ لَا يُوَرِّثُ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثٍ .","part":13,"page":407},{"id":6407,"text":"( 4863 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : وَالْجَدَّةُ تَرِثُ وَابْنُهَا حَيُّ وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْجَدَّةَ مِنْ قِبَلِ الْأَبِ إذَا كَانَ ابْنُهَا حَيًّا وَارِثًا ، فَإِنَّ عُمَرَ وَابْنَ مَسْعُودٍ وَأَبَا مُوسَى وَعِمْرَانَ بْنَ الْحُصَيْنِ وَأَبَا الطُّفَيْلِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَّثُوهَا مَعَ ابْنِهَا .\rوَبِهِ قَالَ شُرَيْحٌ ، وَالْحَسَنُ ، وَابْنُ سِيرِينَ ، وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ ، وَالْعَنْبَرِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَقَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ : لَا تَرِثُ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُثْمَانَ ، وَعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَسَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَابْنُ جَابِرٍ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ رَوَاهُ عَنْهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ .\rوَلَا خِلَافَ فِي تَوْرِيثِهَا مَعَ ابْنِهَا إذَا كَانَ عَمًّا أَوْ عَمَّ أَبٍ ؛ لِأَنَّهَا لَا تُدْلِي بِهِ .\rوَاحْتَجَّ مَنْ أَسْقَطَهَا بِابْنِهَا بِأَنَّهَا تُدْلِي بِهِ ، فَلَا تَرِثُ مَعَهُ ، كَالْجَدِّ مَعَ الْأَبِ ، وَأُمِّ الْأُمِّ مَعَ الْأُمِّ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ { أَوَّلُ جَدَّةٍ أَطْعَمَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ السُّدُسَ ، أُمُّ أَبٍ مَعَ ابْنِهَا ، وَابْنُهَا حَيٌّ .\r} أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ .\rوَرَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ ، إلَّا أَنَّ لَفْظَهُ : ( أَوَّلُ جَدَّةٍ أُطْعِمَتْ السُّدُسَ أُمُّ أَبٍ مَعَ ابْنِهَا ) وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ أَوَّلُ جَدَّةٍ أَطْعَمَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ السُّدُسَ أُمُّ أَبٍ مَعَ ابْنِهَا .\rوَلِأَنَّ الْجَدَّاتِ أُمَّهَاتٌ يَرِثْنَ مِيرَاثَ الْأُمِّ ، لَا مِيرَاثَ الْأَبِ ، فَلَا يُحْجَبْنَ بِهِ كَأُمَّهَاتِ الْأُمِّ .\rمَسَائِلُ ذَلِكَ : أُمُّ أَبٍ وَأَبٍ ، لَهَا السُّدُسُ وَالْبَاقِي لَهُ .\rوَعَلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ ، الْكُلُّ لَهُ دُونَهَا .\rأُمُّ أُمٍّ وَأُمُّ أَبٍ وَأَبٍ ، السُّدُسُ بَيْنَهُمَا عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ .\rوَعَلَى الثَّانِي السُّدُسُ لِأُمِّ","part":13,"page":408},{"id":6408,"text":"الْأُمِّ ، وَالْبَاقِي لِلْأَبِ .\rوَقِيلَ : لِأُمِّ الْأُمِّ نِصْفُ السُّدُسِ ، وَالْبَاقِي لِلْأَبِ ؛ لِأَنَّ الْأَبَ لَوْ عَدَمَ لَمْ يَكُنْ لِأُمِّ الْأُمِّ إلَّا نِصْفُ السُّدُسِ ، فَلَا يَكُونُ لَهَا مَعَ وُجُودِهِ إلَّا مَا كَانَ لَهَا مَعَ عَدَمِهِ .\rوَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ؛ لِأَنَّ الْإِخْوَةَ مَعَ الْأَبَوَيْنِ يَحْجُبُونَ الْأُمَّ عَنْ نِصْف مِيرَاثِهَا ، وَلَا يَأْخُذُونَ مَا حَجَبُوهَا عَنْهُ ، بَلْ يَتَوَفَّرُ ذَلِكَ عَلَى الْأَبِ ، كَذَا هَاهُنَا .\rثَلَاثُ جَدَّاتٍ مُتَحَاذِيَاتٍ وَأَبٍ ، السُّدُسُ بَيْنَهُنَّ عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ ، وَلِأُمِّ الْأُمِّ عَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي ، وَعَلَى الثَّالِثِ لِأُمِّ الْأُمِّ ثُلُثُ السُّدُسِ ، وَالْبَاقِي لِلْأَبِ .\rوَإِنْ كَانَ مَعَ الْمُتَحَاذِيَاتِ جَدَّاتٌ ، لَمْ يَحْجُب إلَّا أُمَّهُ .\rأَبٌ وَأَمُّ أَبٍ وَأُمُّ أُمِّ أُمٍّ ، عَلَى قَوْلِ الْخِرَقِيِّ السُّدُسُ لِأُمِّ الْأَبِ .\rوَمَنْ حَجَبَ الْجَدَّةَ بِابْنِهَا أَسْقَطَ أُمَّ الْأَبِ .\rثُمَّ اخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِذَلِكَ ، فَقِيلَ : السُّدُسُ كُلُّهُ لِأُمِّ أُمِّ الْأُمِّ ؛ لِأَنَّ الَّتِي تَحْجُبُهَا أَوْ تُزَاحِمُهَا قَدْ سَقَطَ حُكْمُهَا ، فَصَارَتْ كَالْمَعْدُومَةِ .\rوَقِيلَ : بَلْ لَهَا نِصْفُ السُّدُسِ عَلَى قَوْلِ زَيْدٍ لِأَنَّهُ يُوَرِّثُ الْبُعْدَى مِنْ جِهَةِ الْأُمِّ مَعَ الْقُرْبَى مِنْ جِهَةِ الْأَبِ ، فَكَانَ لَهَا نِصْفُ السُّدُسِ .\rوَقِيلَ : لَا شَيْءَ لَهَا ؛ لِأَنَّهَا انْحَجَبَتْ بِأُمِّ الْأَبِ ، ثُمَّ انْحَجَبَتْ أُمُّ الْأَبِ بِالْأَبِ ، فَصَارَ الْمَالُ كُلُّهُ لِلْأَبِ .","part":13,"page":409},{"id":6409,"text":"( 4864 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : ( وَالْجَدَّاتُ الْمُتَحَاذِيَاتُ أَنْ تَكُنَّ أُمَّ أُمِّ أُمٍّ ، وَأُمَّ أُمِّ أَبٍ وَأُمَّ أَبِي أَبٍ ، وَإِنْ كَثُرْنَ فَعَلَى ذَلِكَ ) يَعْنِي بِالْمُتَحَاذِيَاتِ الْمُتَسَاوِيَاتِ فِي الدَّرَجَةِ ، بِحَيْثُ لَا تَكُونُ وَاحِدَةٌ أَعْلَى مِنْ الْأُخْرَى وَلَا أَنْزَلَ مِنْهَا ؛ لِأَنَّ الْجَدَّاتِ إنَّمَا يَرِثْنَ كُلُّهُنَّ إذَا كُنَّ فِي دَرَجَةٍ وَاحِدَةٍ ، وَمَتَى كَانَ بَعْضُهُنَّ أَقْرَبَ مِنْ بَعْضٍ ، فَالْمِيرَاثُ لِأَقْرَبِهِنَّ ، فَإِذَا قِيلَ : تَرَكَ جَدَّتَيْنِ وَارِثَتَيْنِ عَلَى أَقْرَبِ الْمَنَازِلِ .\rفَهُمَا أُمُّ أُمِّهِ وَأُمُّ أَبِيهِ .\rوَإِنْ قِيلَ : تَرَكَ ثَلَاثًا .\rفَهُنَّ كَمَا قَالَ الْخِرَقِيِّ أُمُّ أُمِّ أُمٍّ وَأُمُّ أُمِّ أَبٍ وَأُمُّ أَبِي أَبٍ ، وَاحِدَةٌ مِنْ قِبَلِ الْأُمِّ ، وَاثْنَتَانِ مِنْ قِبَلِ الْأَبِ ، وَهُمَا أُمُّ أُمِّهِ وَأُمُّ أَبِيهِ ، كَمَا جَاءَ الْحَدِيثُ ، وَفِي دَرَجَتِهِنَّ أُخْرَى مِنْ قِبَلِ الْأُمِّ غَيْرِ وَارِثَةٍ ، وَهِيَ أُمُّ أَبِي الْأُمِّ ، وَلَا يَرْتُ أَبَدًا مِنْ قِبَلِ الْأُمِّ إلَّا وَاحِدَةٌ ، وَهِيَ الَّتِي كُلُّ نَسَبِهَا أُمَّهَاتٌ لَا أَبَ فِيهِنَّ .\rفَاحْفَظْ ذَلِكَ .\rفَإِنْ قِيلَ : تَرَكَ أَرْبَعًا .\rفَهُنَّ أُمُّ أُمِّ أُمِّ أُمٍّ ، وَأُمُّ أُمِّ أُمِّ أَبٍ ، وَأُمُّ أُمِّ أَبِي أَبٍ ، وَأُمُّ أَبِي أَبِي أَبٍ .\rوَفِي دَرَجَتِهِنَّ أَرْبَعٌ غَيْرُ وَارِثَاتٍ ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُنَّ فِيمَا تَقَدَّمَ ، إلَّا أَنَّ مَذْهَبَ أَحْمَدَ لَا يُوَرِّثُ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثِ جَدَّاتٍ ، وَهُنَّ الثَّلَاثُ الْأُوَلُ .\rوَيَحْتَمِلُ قَوْلُ الْخِرَقِيِّ تَوْرِيثَهُنَّ وَإِنْ كَثُرْنَ ، فَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ كُلَّمَا زَادَ دَرَجَةً زَادَتْ جَدَّةٌ ، وَيَرِثُ فِي الدَّرَجَةِ الْخَامِسَةِ خَمْسٌ ، وَفِي السَّادِسَةِ سِتٌّ ، وَفِي السَّابِعَةِ سَبْعٌ ، وَعَلَى هَذَا أَبَدًا ، وَقَوْلُ الْخِرَقِيِّ \" وَإِنْ كَثُرْنَ فَعَلَى ذَلِكَ \" .\rيُحْتَمَلُ أَنَّهُ ذَهَبَ إلَى تَوْرِيثِ الْجَدَّاتِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ وَإِنْ كَثُرْنَ .\rوَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ وَإِنْ كَثُرْنَ فَلَا يَرِثُ إلَّا هَؤُلَاءِ الثَّلَاثُ .\rفَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ لَا يَرِثُ أَكْثَرُ مِنْ ثَلَاثٍ ؛","part":13,"page":410},{"id":6410,"text":"وَاحِدَةٌ مِنْ قِبَلِ الْأُمِّ ، وَاثْنَتَانِ مِنْ قِبَلِ الْأَبِ ، وَهُمَا أُمُّ أُمِّهِ وَأُمُّ أَبِيهِ وَأُمَّهَاتُهُمَا .\rوَلَا تَرِثُ جَدَّةٌ فِي نَسَبِهَا أَبٌ بَيْنَ أُمَّيْنِ ، وَلَا ثَلَاثَةُ آبَاءٍ .\rوَإِنْ أَرَدْت تَنْزِيلَ الْجَدَّاتِ الْوَارِثَاتِ وَغَيْرِهِنَّ ، فَاعْلَمْ أَنَّ لِلْمَيِّتِ فِي الدَّرَجَةِ الْأُولَى جَدَّتَيْنِ ، أُمَّ أُمِّهِ وَأُمَّ أَبِيهِ ، وَفِي الثَّانِيَةِ أَرْبَعٌ ؛ لِأَنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ أَبَوَيْهِ جَدَّتَيْنِ فَهُمَا أَرْبَعٌ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ ، وَفِي الثَّالِثَةِ ثَمَانٍ ؛ لِأَنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ أَبَوَيْهِ أَرْبَعًا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ ، فَيَكُونُ لِوَلَدِهِمَا ثَمَانٍ .\rوَعَلَى هَذَا كُلَّمَا عَلَوْنَ دَرَجَةً تَضَاعَفَ عَدَدُهُنَّ ، وَلَا يَرِثُ مِنْهُنَّ إلَّا ثَلَاثٌ .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":13,"page":411},{"id":6411,"text":"مَنْ يَرِثُ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ ( 4865 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : ( وَيَرِثُ مِنْ الرِّجَال الِابْنُ ، ثُمَّ ابْنُ الِابْنِ وَإِنْ سَفَلَ ، وَالْأَبُ ، ثُمَّ الْجَدُّ وَإِنْ عَلَا ، وَالْأَخُ ، ثُمَّ ابْنُ الْأَخِ ، وَالْعَمُّ ، ثُمَّ ابْنُ الْعَمِّ ، وَالزَّوْجُ ، وَمَوْلَى النِّعْمَةِ .\rوَمِنْ النِّسَاءِ الْبِنْتُ ، وَبِنْتُ الِابْنِ ، وَالْأُمُّ ، وَالْجَدَّةُ ، وَالْأُخْتُ ، وَالزَّوْجَةُ ، وَمَوْلَاةُ النِّعْمَةِ ) فَهَؤُلَاءِ مُجْمَعٌ عَلَى تَوْرِيثِهِمْ ، وَأَكْثَرُهُمْ ثَبَتَ تَوْرِيثُهُ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ، فَالِابْنُ ثَبَتَ مِيرَاثُهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ } .\rوَابْنُ الِابْنِ ابْنٌ .\rوَالْأَبَوَانِ ثَبَتَ مِيرَاثُهُمَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ } .\rوَالْجَدُّ يَحْتَمِلُ أَنْ يَتَنَاوَلَهُ قَوْله تَعَالَى : { وَلِأَبَوَيْهِ .\r} كَمَا دَخَلَ ابْنُ الِابْنِ فِي عُمُومِ : ( أَوْلَادِكُمْ ) .\rوَالْأَخُ وَالْأُخْتُ مِنْ الْأُمِّ ثَبَتَ مِيرَاثُهُمَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ } .\rوَوَلَدُ الْأَبَوَيْنِ ، وَالْأَبُ ، ثَبَتَ إرْثُهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَهُوَ يَرِثُهَا إنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ } .\rوَأَمَّا ابْنُ الْأَخِ لِلْأَبَوَيْنِ أَوْ لِلْأَبِ ، وَالْعَمُّ وَابْنُهُ ، وَعَمُّ الْأَبِ وَابْنُهُ ، فَثَبَتَ مِيرَاثُهُمْ بِقَوْلِ النَّبِيِّ : عَلَيْهِ السَّلَامُ { مَا أَبْقَتْ الْفُرُوضُ فَلِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ .\r} وَلَمْ يَدْخُلْ فِيهِمْ وَلَدُ الْأُمِّ ، وَلَا الْعَمُّ لِلْأُمِّ ، وَلَا ابْنُهُ ، وَلَا الْخَالُ ، وَلَا أَبُو الْأُمِّ ؛ لِأَنَّهُمْ لَيْسُوا مِنْ الْعُصُبَاتِ ، وَأَمَّا الْمَوْلَى الْمُعْتِقُ وَالْمَوْلَاةُ ، فَثَبَتَ إرْثُهُمَا بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ { الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ } .\rوَالْجَدَّةُ أَطْعَمَهَا ، النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ السُّدُسَ .\rوَالزَّوْجُ ثَبَتَ إرْثُهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ } .\rوَالزَّوْجَةُ ثَبَتَ إرْثُهَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَلَهُنَّ الرُّبُعُ","part":13,"page":412},{"id":6412,"text":"مِمَّا تَرَكْتُمْ } .\r( 4866 ) فَصْلٌ : وَجَمِيعُهُمْ ضَرْبَانِ ؛ ذُو فَرْضٍ ، وَعَصَبَةٌ .\rفَالذُّكُورُ كُلُّهُمْ عَصَبَاتٌ إلَّا الزَّوْجَ ، وَالْأَخَ مِنْ الْأُمِّ ، وَإِلَّا الْأَبَ ، وَالْجَدَّ مَعَ الِابْنِ .\rوَالْإِنَاثُ كُلُّهُنَّ إذَا انْفَرَدْنَ عَنْ إخْوَتِهِنَّ ذَوَاتُ فَرْضٍ ، إلَّا الْمَوْلَاةَ الْمُعْتِقَةَ ، وَإِلَّا الْأَخَوَاتِ مَعَ الْبَنَاتِ .\rوَعَدَدُ الْعَصَبَاتِ ؛ الِابْنُ ، وَابْنُهُ وَإِنْ نَزَلَ ، وَالْأَبُ ، وَأَبُوهُ وَإِنْ عَلَا ، وَالْأَخُ مِنْ الْأَبَوَيْنِ ، وَالْأَخُ مِنْ الْأَبِ وَابْنَاهُمَا وَإِنْ نَزَلَا ، وَالْعَمَّانِ كَذَلِكَ ، وَابْنَاهُمَا وَإِنْ نَزَلَا ، وَعَمَّا الْأَبِ ، وَابْنَاهُمَا كَذَلِكَ أَبَدًا ، وَمَوْلَى النِّعْمَةِ .\rوَعَدَدُ الْإِنَاثِ ؛ الْبَنَاتُ ، وَبَنَاتُ الِابْنِ ، وَالْأُمُّ ، وَالْجَدَّةُ مِنْ الْجِهَتَيْنِ وَإِنْ عَلَتْ ، وَالْأَخَوَاتُ مِنْ الْجِهَات الثَّلَاثِ .\rوَالْأَخُ مِنْ الْأُمَّ ، وَالزَّوْجُ ، وَالزَّوْجَةُ .\rوَمَنْ لَا يَسْقُطُ بِحَالٍ خَمْسَةٌ ؛ الزَّوْجَانِ ، وَالْأَبَوَانِ ، وَوَلَدُ الصُّلْبِ ؛ لِأَنَّهُمْ يَمُتُّونَ بِأَنْفُسِهِمْ مِنْ غَيْرِ وَاسِطَةٍ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمَيِّتِ يَحْجُبُهُمْ ، وَمَنْ سِوَاهُمْ مِنْ الْوَارِثِ إنَّمَا يَمُتُّ بِوَاسِطَةٍ سِوَاهُ ، فَيَسْقُطُ بِمَنْ هُوَ أَوْلَى بِالْمَيِّتِ مِنْهُ .","part":13,"page":413},{"id":6413,"text":"مِيرَاثِ الْجَدِّ رَوَى أَبُو دَاوُد ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ الْحَسَنِ ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ ، { أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : إنَّ ابْنَ ابْنِ ابْنِي مَاتَ ، فَمَا لِي مِنْ مِيرَاثِهِ ؟ قَالَ : لَك السُّدُسُ .\rفَلَمَّا أَدْبَرَ دَعَاهُ ، فَقَالَ : إنَّ لَك سُدُسًا آخَرَ .\rفَلَمَّا أَدْبَرَ دَعَاهُ ، فَقَالَ : إنَّ لَك السُّدُسَ الْآخَرَ طُعْمَةً .\r} قَالَ قَتَادَةُ : فَلَا نَدْرِي أَيَّ شَيْءٍ وَرَّثَهُ .\rقَالَ قَتَادَةُ أَقَلُّ شَيْءٍ وَرِثَ الْجَدُّ السُّدُسَ .\rوَرُوِيَ عَنْ الْحَسَنِ أَيْضًا ، أَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : { أَيُّكُمْ يَعْلَمُ مَا وَرَّثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْجَدَّ ؟ فَقَالَ مَعْقِلُ بْنُ يَسَارٍ : أَنَا ، وَرَّثَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ السُّدُسَ .\rقَالَ : مَعَ مَنْ ؟ قَالَ : لَا أَدْرِي .\rقَالَ : لَا دَرَيْت .\rقَالَ : فَمَا يُغْنِي إذًا ، } رَوَاهُ سَعِيدٌ ، فِي \" سُنَنِهِ \" .\rقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَنَّ الْجَدَّ أَبَا الْأَبِ ، لَا يَحْجُبُهُ عَنْ الْمِيرَاثِ غَيْرُ الْأَبِ ، وَأَنْزَلُوا الْجَدَّ فِي الْحَجْبِ وَالْمِيرَاثِ مَنْزِلَةَ الْأَبِ فِي جَمِيعِ الْمَوَاضِعِ ، إلَّا فِي ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ .\rأَحَدُهَا ، زَوْجٌ وَأَبَوَانِ .\rوَالثَّانِيَةُ ، زَوْجَةٌ وَأَبَوَانِ ، لِلْأُمِّ ثُلُثُ الْبَاقِي فِيهِمَا مَعَ الْأَبِ ، وَثُلُثُ جَمِيعِ الْمَالِ لَوْ كَانَ مَكَانَ الْأَبِ جَدٌّ .\rوَالثَّالِثَةُ ، اخْتَلَفُوا فِي الْجَدِّ مَعَ الْإِخْوَةِ وَالْأَخَوَاتِ لِلْأَبَوَيْنِ أَوْ لِلْأَبِ .\rوَلَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ فِي إسْقَاطِهِ بَنِي الْإِخْوَةِ وَوَلَدَ الْأُمِّ ، ذَكَرَهُمْ وَأُنْثَاهُمْ .\rوَذَهَبَ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إلَى أَنَّ الْجَدَّ يُسْقِطُ جَمِيعَ الْإِخْوَةِ وَالْأَخَوَاتِ مِنْ جَمِيعِ الْجِهَاتِ ، كَمَا يُسْقِطُهُمْ الْأَبُ .\rوَبِذَلِكَ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُثْمَانَ ، وَعَائِشَةَ ، وَأُبَيُّ","part":13,"page":414},{"id":6414,"text":"بْنِ كَعْبٍ ، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ ، وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ، وَأَبِي مُوسَى ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ .\rوَحُكِيَ أَيْضًا عَنْ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ ، وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، وَأَبِي الطُّفَيْلِ ، وَعُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ، وَعَطَاءٍ وَطَاوُسٍ ، وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ .\rوَبِهِ قَالَ قَتَادَةُ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ وَنُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَالْمُزَنِيُّ ، وَابْنُ شُرَيْحٍ ، وَابْنُ اللَّبَّانِ ، وَدَاوُد ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ .\rوَكَانَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ، وَابْنُ مَسْعُودٍ ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ يُوَرَّثُونَهُمْ مَعَهُ ، وَلَا يَحْجُبُونَهُمْ بِهِ .\rوَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ ؛ لِأَنَّ الْأَخَ ذَكَرٌ يُعَصِّبُ أُخْتَهُ ، فَلَمْ يُسْقِطْهُ الْجَدُّ ، كَالِابْنِ .\rوَلِأَنَّ مِيرَاثَهُمْ ثَبَتَ بِالْكِتَابِ ، فَلَا يُحْجَبُونَ إلَّا بِنَصٍّ أَوْ إجْمَاعٍ أَوْ قِيَاسٍ ، وَمَا وُجِدَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ ، فَلَا يُحْجَبُونَ ؛ وَلِأَنَّهُمْ تَسَاوَوْا فِي سَبَبِ الِاسْتِحْقَاقِ فَيَتَسَاوُونَ فِيهِ ، فَإِنَّ الْأَخَ وَالْجَدَّ يُدْلِيَانِ بِالْأَبِ ، الْجَدُّ أَبُوهُ ، وَالْأَخُ ابْنُهُ ، وَقَرَابَةُ الْبُنُوَّةِ لَا تَنْقُصُ عَنْ قَرَابَةِ الْأُبُوَّةِ ، بَلْ رُبَّمَا كَانَتْ أَقْوَى ؛ فَإِنَّ الِابْنَ يُسْقِطُ تَعْصِيبَ الْأَبِ ، وَلِذَلِكَ مَثَّلَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِشَجَرَةٍ أَنْبَتَتْ غُصْنًا ، فَانْفَرَقَ مِنْهُ غُصْنَانِ ، كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إلَى الْآخَرِ أَقْرَبُ مِنْهُ إلَى أَصْلِ الشَّجَرَةِ ، وَمَثَّلَهُ زَيْدٌ بِوَادٍ خَرَجَ مِنْهُ نَهْرٌ ، انْفَرَقَ مِنْهُ جَدْوَلَانِ ، كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إلَى الْآخَرِ أَقْرَبُ مِنْهُ إلَى الْوَادِي .\rوَاحْتَجَّ مَنْ ذَهَبَ مَذْهَبَ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِقَوْلِ النَّبِيِّ : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا ، وَمَا بَقِيَ فَلِأَوْلَى عَصَبَةٍ ذَكَرٍ } .\rوَالْجَدُّ أَوْلَى مِنْ الْأَخِ ، بِدَلِيلِ الْمَعْنَى وَالْحُكْمِ ؛ أَمَّا الْمَعْنَى فَإِنَّهُ لَهُ قَرَابَةُ إيلَادٍ وَبَعْضِيَّةٍ","part":13,"page":415},{"id":6415,"text":"كَالْأَبِ ، وَأَمَّا الْحُكْمُ فَإِنَّ الْفُرُوضَ إذَا ازْدَحَمَتْ سَقَطَ الْأَخُ دُونَهُ ، وَلَا يُسْقِطُهُ أَحَدٌ إلَّا الْأَبُ ، وَالْإِخْوَةُ وَالْأَخَوَاتُ يَسْقُطُونَ بِثَلَاثَةٍ ، وَيُجْمَعُ لَهُ بَيْنَ الْفَرْضِ وَالتَّعْصِيبِ ، كَالْأَبِ ، وَهُمْ يَنْفَرِدُونَ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا ، وَيُسْقِطُ وَلَدَ الْأُمِّ ، وَوَلَدُ الْأَبِ يَسْقُطُونَ بِهِمْ بِالْإِجْمَاعِ إذَا اسْتَغْرَقَتْ الْفُرُوضُ الْمَالَ ، وَكَانُوا عَصَبَةً .\rوَكَذَلِكَ وَلَدُ الْأَبَوَيْنِ فِي الْمُشْرَكَةِ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ ، وَلِأَنَّهُ لَا يُقْتَلُ بِقَتْلِ ابْنِ ابْنِهِ ، وَلَا يُحَدُّ بِقَذْفِهِ ، وَلَا يُقْطَعُ بِسَرِقَةِ مَالِهِ ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ ، وَيُمْنَعُ مِنْ دَفْعِ زَكَاتِهِ إلَيْهِ ، كَالْأَبِ سَوَاءً ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى قُوَّتِهِ .\rفَإِنْ قِيلَ : فَالْحَدِيثُ حُجَّةٌ فِي تَقْدِيمِ الْأَخَوَاتِ ؛ لِأَنَّ فُرُوضَهُنَّ فِي كِتَابِ اللَّهِ ، فَيَجِبُ أَنْ تَلْحَقَ بِهِنَّ فُرُوضُهُنَّ ، وَيَكُونُ لِلْجَدِّ مَا بَقِيَ .\rفَالْجَوَابُ ، أَنَّ هَذَا الْخَبَرَ حُجَّةُ فِي الذُّكُورِ الْمُنْفَرِدِينَ ، وَفِي الذُّكُورِ مَعَ الْإِنَاثِ .\rأَوْ نَقُولُ : هُوَ حُجَّةٌ فِي الْجَمِيعِ ، وَلَا فَرْضَ لِوَلَدِ الْأَبِ مَعَ الْجَدِّ ؛ لِأَنَّهُمْ كَلَالَةٌ ، وَالْكَلَالَةُ اسْمٌ لِلْوَارِثِ مَعَ عَدَمِ الْوَلَدِ وَالْوَالِدِ ، فَلَا يَكُونُ لَهُمْ مَعَهُ إذًا فَرْضٌ .\rحُجَّةٌ أُخْرَى ، قَالُوا : الْجَدُّ أَبٌ ، فَيَحْجُبُ وَلَدَ الْأَبِ ، كَالْأَبِ الْحَقِيقِيِّ .\rوَدَلِيلُ كَوْنِهِ أَبًا قَوْله تَعَالَى : { مِلَّةَ أَبِيكُمْ إبْرَاهِيمَ } وَقَوْلُ يُوسُفَ : { وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ } .\rوَقَوْلُهُ : { كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ } وَقَالَ النَّبِيُّ : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { ارْمُوا بَنِي إسْمَاعِيلَ ، فَإِنَّ أَبَاكُمْ كَانَ رَامِيًا .\r} وَقَالَ : { سَامُ أَبُو الْعَرَبِ ، وَحَامُ أَبُو الْحَبَشِ } .\rوَقَالَ : { نَحْنُ بَنِي النَّضْرِ بْنِ كِنَانَةَ ، لَا نَقَفُوا أُمَّنَا ، وَلَا نَنْفِي مِنْ أَبِينَا } .\rوَقَالَ الشَّاعِرُ : إنَّا بَنِي نَهْشَلٍ لَا نَدَّعِي لِأَبٍ عَنْهُ وَلَا","part":13,"page":416},{"id":6416,"text":"هُوَ بِالْأَبْنَاءِ يَشْرِينَا فَوَجَبَ أَنْ يَحْجُبَ الْإِخْوَةَ ، كَالْأَبِ الْحَقِيقِيِّ ، يُحَقِّقُ هَذَا أَنَّ ابْنَ الِابْنِ وَإِنْ سَفَلَ يَقُومُ مَقَامَ أَبِيهِ فِي الْحَجْبِ ، وَكَذَلِكَ أَبُو الْأَبِ يَقُومُ مَقَامَ ابْنِهِ ؛ وَلِذَلِكَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَلَا يَتَّقِي اللَّهَ زَيْدٌ يَجْعَلُ ابْنَ الِابْنِ ابْنًا ، وَلَا يَجْعَلُ أَبَا الْأَبِ أَبًا .\rوَلِأَنَّ بَيْنَهُمَا إيلَادًا وَبَعْضِيَّةً وَجُزْئِيَّةً ، وَهُوَ يُسَاوِي الْأَبَ فِي أَكْثَرِ أَحْكَامِهِ ، فَيُسَاوِيهِ فِي هَذَا الْحَجْبِ .\rيُحَقِّقُهُ أَنَّ أَبَا الْأَبِ وَإِنْ عَلَا يُسْقِطُ بَنِي الْإِخْوَةِ ، وَلَوْ كَانَتْ قَرَابَةُ الْجَدِّ وَالْأَخِ وَاحِدَةً ، لَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ أَبُو الْجَدِّ مُسَاوِيًا لِبَنِي الْأَخِ ، لِتَسَاوِي دَرَجَةِ مَنْ أَدْلَيَا بِهِ .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .\rوَلَا تَفْرِيعَ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ لِوُضُوحِهِ .\r( 4867 ) فَصْلٌ : اخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِتَوْرِيثِهِمْ مَعَهُ فِي كَيْفِيَّةِ تَوْرِيثِهِمْ ، فَكَانَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَفْرِضُ لِلْأَخَوَاتِ فُرُوضَهُنَّ ، وَالْبَاقِيَ لِلْجَدِّ ، إلَّا أَنْ يَنْقُصَهُ ذَلِكَ مِنْ السُّدُسِ ، فَيَفْرِضَهُ لَهُ ، فَإِنْ كَانَتْ أُخْتٌ لِأَبَوَيْنِ ، وَإِخْوَةٌ لِأَبٍ ، فَرَضَ لِلْأُخْتِ النِّصْفَ ، وَقَاسَمَ الْجَدُّ الْإِخْوَةَ فِيمَا بَقِيَ ، إلَّا أَنْ تَنْقُصَهُ الْمُقَاسَمَةُ مِنْ السُّدُسِ ، فَنَفْرِضَهُ لَهُ .\rفَإِنْ كَانَ الْإِخْوَةُ كُلُّهُمْ عَصَبَةً ، قَاسَمَهُمْ الْجَدُّ إلَى السُّدُسِ .\rفَإِنْ اجْتَمَعَ وَلَدُ الْأَبِ وَوَلَدُ الْأَبَوَيْنِ مَعَ الْجَدِّ ، سَقَطَ وَلَدُ الْأَبِ ، وَلَمْ يَدْخُلُوا فِي الْمُقَاسَمَةِ ، وَلَا يُعْتَدُّ بِهِمْ .\rوَإِنْ انْفَرَدَ وَلَدُ الْأَبِ ، قَامُوا مَقَامَ وَلَدِ الْأَبَوَيْنِ مَعَ الْجَدِّ .\rوَصَنَعَ ابْنُ مَسْعُودٍ فِي الْجَدِّ مَعَ الْأَخَوَاتِ كَصُنْعِ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَقَاسَمَ بِهِ الْإِخْوَةَ إلَى الثُّلُثِ ، فَإِنْ كَانَ مَعَهُمْ أَصْحَابُ فَرَائِضَ ، أَعْطَى أَصْحَابَ الْفَرَائِضِ فَرَائِضَهُمْ ، ثُمَّ صَنَعَ صَنِيعَ زَيْدٍ فِي إعْطَاءِ الْجَدِّ الْأَحَظَّ مِنْ الْمُقَاسَمَةِ أَوْ ثُلُثَ الْبَاقِي أَوْ سُدُسَ جَمِيعِ الْمَالِ ،","part":13,"page":417},{"id":6417,"text":"وَعَلِيٌّ يُقَاسِمُ بِهِ بَعْدَ أَصْحَابِ الْفَرَائِضِ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ أَصْحَابُ الْفَرَائِضِ بِنْتًا أَوْ بَنَاتٍ فَلَا يَزِيدُ الْجَدُّ عَلَى الثُّلُثِ ، وَلَا يُقَاسِمُ بِهِ .\rوَقَالَ بِقَوْلِ عَلِيٍّ ، الشَّعْبِيُّ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَالْمُغِيرَةُ بْنُ الْمِقْسَمِ ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى ، وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ .\rوَذَهَبَ إلَى قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، مَسْرُوقٌ ، وَعَلْقَمَةُ ، وَشُرَيْحٌ .\rوَأَمَّا مَذْهَبُ زَيْدٍ فَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ الْخِرَقِيِّ ، وَسَنَشْرَحُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ .\rوَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَحْمَدُ .\rوَبِهِ قَالَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ ، وَأَهْلُ الشَّامِ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَالْحَجَّاجُ بْنُ أَرْطَاةَ ، وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ وَأَبُو عُبَيْدٍ ، وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ .","part":13,"page":418},{"id":6418,"text":"( 4868 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ ( وَمَذْهَبُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ رَحِمَهُ اللَّهُ ، فِي الْجَدَّ ، قَوْلُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَإِذَا كَانَ إخْوَةٌ وَأَخَوَاتٌ وَجَدٌّ ، قَاسَمَهُمْ الْجَدُّ بِمَنْزِلَةِ أَخٍ ، حَتَّى يَكُونَ الثُّلُثُ خَيْرًا ، فَإِذَا كَانَ الثُّلُثُ خَيْرًا لَهُ ، أُعْطِيَ ثُلُثَ جَمِيعِ الْمَالِ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ مَذْهَبَ زَيْدٍ فِي الْجَدِّ مَعَ الْإِخْوَةِ ، وَالْأَخَوَاتِ لِلْأَبَوَيْنِ ، أَوْ لِلْأَبِ ، أَنَّهُ يُعْطِيهِ الْأَحَظَّ مِنْ شَيْئَيْنِ ؛ إمَّا الْمُقَاسَمَةُ ، كَأَنَّهُ أَخٌ ، وَإِمَّا ثُلُثُ جَمِيعِ الْمَالِ .\rفَعَلَى هَذَا إذَا كَانَ الْإِخْوَةُ اثْنَيْنِ ، أَوْ أَرْبَعَ أَخَوَاتٍ ، أَوْ أَخًا وَأُخْتَيْنِ ، فَالثُّلُثُ وَالْمُقَاسَمَةُ سَوَاءٌ ، فَأَعْطِهِ مَا شِئْت مِنْهُمَا .\rوَإِنْ نَقَصُوا عَنْ ذَلِكَ ، فَالْمُقَاسَمَةُ أَحَظُّ لَهُ ، فَقَاسِمْ بِهِ لَا غَيْرُ .\rوَإِنْ زَادُوا ، فَالثُّلُثُ خَيْرٌ لَهُ ، فَأَعْطِهِ إيَّاهُ .\rوَسَوَاءٌ كَانُوا مِنْ أَبٍ أَوْ مِنْ أَبَوَيْنِ ، فَإِنْ اجْتَمَعَ وَلَدُ الْأَبَوَيْنِ ، وَوَلَدُ الْأَبِ ، فَإِنَّ وَلَدَ الْأَبَوَيْنِ يُعَادُونَ الْجَدَّ بِوَلَدِ الْأَبِ ، وَيَحْتَسِبُونَ بِهِمْ عَلَيْهِ ، ثُمَّ مَا حَصَلَ لَهُمْ أَخَذَهُ مِنْهُمْ وَلَدُ الْأَبَوَيْنِ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ وَلَدُ الْأَبَوَيْنِ أُخْتًا وَاحِدَةً ، فَتَأْخُذَ مِنْهُمْ تَمَامَ نِصْفِ الْمَالِ ، ثُمَّ مَا فَضَلَ فَهُوَ لَهُمْ .\rوَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَفْضُلَ عَنْهُمْ أَكْثَرُ مِنْ السُّدُسِ ؛ لِأَنَّ أَدْنَى مَا لِلْجَدِّ الثُّلُثُ ، وَلِلْأُخْتِ النِّصْفُ ، وَالْبَاقِي بَعْدَهُمَا هُوَ السُّدُسُ .","part":13,"page":419},{"id":6419,"text":"( 4869 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : ( فَإِنْ كَانَ مَعَ الْجَدِّ وَالْإِخْوَةِ وَالْأَخَوَاتِ أَصْحَابُ فَرَائِضَ ، أُعْطِيَ أَصْحَابُ الْفَرَائِضِ فَرَائِضَهُمْ ، ثُمَّ نُظِرَ فِيمَا بَقِيَ ، فَإِنْ كَانَتْ الْمُقَاسَمَةُ ، خَيْرًا لِلْجَدِّ مِنْ ثُلُثِ مَا بَقِيَ ، وَمِنْ سُدُسِ جَمِيعِ الْمَالِ ، أُعْطِيَ الْمُقَاسَمَةَ ، وَإِنْ كَانَ ثُلُثُ مَا بَقِيَ خَيْرًا لَهُ مِنْ الْمُقَاسَمَةِ ، وَمِنْ سُدُسِ جَمِيعِ الْمَالِ ، أُعْطِيَ ثُلُثَ مَا بَقِيَ ، فَإِنْ كَانَ سُدُسُ جَمِيعِ الْمَالِ أَحَظَّ لَهُ مِنْ الْمُقَاسَمَةِ ، وَمِنْ ثُلُثِ مَا بَقِيَ ، أُعْطِيَ سُدُسَ جَمِيعِ الْمَالِ ) أَمَّا كَوْنُهُ لَا يَنْقُصُ عَنْ سُدُسِ جَمِيعِ الْمَالِ ؛ فَلِأَنَّهُ لَا يَنْقُصُ عَنْ ذَلِكَ مَعَ الْوَلَدِ الَّذِي هُوَ أَقْوَى ، فَمَعَ غَيْرِهِمْ أَوْلَى .\rوَأَمَّا إعْطَاؤُهُ ثُلُثَ الْبَاقِي إذَا كَانَ أَحَظَّ لَهُ ، فَلِأَنَّ لَهُ الثُّلُثَ مَعَ عَدَمِ الْفُرُوضِ ، فَمَا أُخِذَ بِالْفَرْضِ ، فَكَأَنَّهُ ذَهَبَ مِنْ الْمَالِ ، فَصَارَ ثُلُثُ الْبَاقِي بِمَنْزِلَةِ ثُلُثِ جَمِيعِ الْمَالِ .\rوَأَمَّا الْمُقَاسَمَةُ فَهِيَ لَهُ مَعَ عَدَمِ الْفُرُوضِ ، فَكَذَلِكَ مَعَ وُجُودِهَا ، فَعَلَى هَذَا مَتَى زَادَ الْإِخْوَةُ عَنْ اثْنَيْنِ ، أَوْ مَنْ يَعْدِلُهُمْ مِنْ الْإِنَاثِ ، فَلَا حَظَّ لَهُ فِي الْمُقَاسَمَةِ ، وَمَتَى نَقَصُوا عَنْ ذَلِكَ فَلَا حَظَّ لَهُ فِي ثُلُثِ الْبَاقِي ، وَمَتَى زَادَتْ الْفُرُوضُ عَلَى النِّصْفِ فَلَا حَظَّ لَهُ فِي ثُلُثِ مَا بَقِيَ ، وَإِنْ نَقَصَتْ عَنْ النِّصْفِ فَلَا حَظَّ لَهُ فِي السُّدُسِ ، وَإِنْ كَانَ الْفَرْضُ النِّصْفَ فَحَسْبُ اسْتَوَى السُّدُسُ وَثُلُثُ الْبَاقِي ، وَإِنْ كَانَ الْإِخْوَةُ اثْنَيْنِ اسْتَوَى ثُلُثُ الْبَاقِي وَالْمُقَاسَمَةُ .","part":13,"page":420},{"id":6420,"text":"مَسْأَلَةٌ قَالَ : ( وَلَا يَنْقُصُ الْجَدُّ أَبَدًا مِنْ سُدُسِ جَمِيعِ الْمَالِ ، أَوْ تَسْمِيَتُهُ إذَا زَادَتْ السِّهَامُ ) هَذَا قَوْلُ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، إلَّا أَنَّهُ رُوِيَ عَنْ الشَّعْبِيِّ أَنَّهُ قَالَ : إنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَتَبَ إلَى عَلِيٍّ فِي سِتَّةِ إخْوَةٍ وَجَدٍّ .\rفَكَتَبَ إلَيْهِ : اجْعَلْ الْجَدَّ سَابِعَهُمْ ، وَامْحُ كِتَابِي هَذَا .\rوَرُوِيَ عَنْهُ فِي سَبْعَةِ إخْوَةٍ وَجَدٍّ ، أَنَّ الْجَدَّ ثَامِنُهُمْ .\rوَحُكِيَ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ وَالشَّعْبِيِّ الْمُقَاسَمَةُ إلَى نِصْفِ سُدُسِ الْمَالِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الْجَدَّ لَا يَنْقُصُ عَنْ السُّدُسِ مَعَ الْبَنِينَ ، وَهُمْ أَقْوَى مِيرَاثًا مِنْ الْإِخْوَةِ ؛ فَإِنَّهُمْ يُسْقِطُونَهُمْ ، فَلَأَنْ لَا يَنْقُصَ عَنْهُ مَعَ الْإِخْوَةِ أَوْلَى ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَطْعَمَ الْجَدَّ السُّدُسَ ، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَنْقُصَ مِنْهُ .\rوَأَمَّا قَوْلُهُ : \" أَوْ تَسْمِيَتُهُ إذَا زَادَتْ السِّهَام \" .\rفَإِنَّهُ يَعْنِي إذَا عَالَتْ الْمَسْأَلَةُ ، فَإِنَّهُ يُسَمَّى لَهُ السُّدُسُ ، وَهُوَ نَاقِصٌ عَنْ السُّدُسِ ، أَلَا تَرَى أَنَّا نَقُولُ فِي زَوْجٍ وَأُمٍّ وَابْنَتَيْنِ وَجَدٍّ : لَهُ السُّدُسُ .\rوَنُعْطِيهِ سَهْمَيْنِ مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ سَهْمًا وَهُمَا ثُلُثَا الْخُمُسِ .\rوَمَتَى أَفَضْت الْمَسْأَلَةُ إلَى الْعَوْلِ ، سَقَطَ الْإِخْوَةُ وَالْأَخَوَاتُ ، إلَّا فِي الْأَكْدَرِيَّةِ .\rوَلَا يَنْقُصُ الْجَدُّ عَنْ السُّدُسِ الْكَامِلِ فِي مَسْأَلَةٍ يَرِثُ فِيهَا أَحَدٌ مِنْ الْإِخْوَةِ وَالْأَخَوَاتِ .","part":13,"page":421},{"id":6421,"text":"( 4871 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : ( وَإِذَا كَانَ أَخٌ لِأَبٍ وَأُمٍّ ، وَأَخٌ لِأَبٍ ، وَجَدٌّ ، قَاسَمَ الْجَدُّ الْأَخَ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ ، وَالْأَخَ لِلْأَبِ ، عَلَى ثَلَاثَةِ أَسْهُمٍ ، ثُمَّ رَجَعَ الْأَخُ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ عَلَى مَا فِي يَدِ أَخِيهِ لِأَبِيهِ ، فَأَخَذَهُ ) قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْجَدَّ يُقَاسِمُ الْإِخْوَةَ كَأَخٍ ، مَا لَمْ تَنْقُصْهُ الْمُقَاسَمَةُ عَنْ الثُّلُثِ ، وَأَنَّ وَلَدَ الْأَبَوَيْنِ يُعَادُونَ الْجَدَّ بِوَلَدِ الْأَبِ ، ثُمَّ يَأْخُذُونَ مَا حَصَلَ لَهُمْ ، وَأَنَّهُ مَتَى كَانَ اثْنَانِ مِنْ الْإِخْوَةِ وَجَدٌّ ، اسْتَوَى الثُّلُثُ وَالْمُقَاسَمَةُ .\rفَفِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ قَدْ اسْتَوَى الثُّلُثُ وَالْمُقَاسَمَةُ ، وَلِذَلِكَ اقْتَسَمَا عَلَى ثَلَاثَةٍ ، لِكُلِّ وَاحِدٍ سَهْمٌ ، ثُمَّ أَخَذَ الْأَخُ لِلْأَبَوَيْنِ مَا حَصَلَ لِأَخِيهِ مِنْ أَبِيهِ .\rوَإِنْ شِئْت فَرَضْت لِلْجَدِّ الثُّلُثَ ، وَالْبَاقِي لِوَلَدِ الْأَبَوَيْنِ .\rوَإِنْ زَادَ عَدَدُ الْإِخْوَةِ عَلَى اثْنَيْنِ أَوْ مَنْ يَعْدِلُهُمَا مِنْ الْأَخَوَاتِ ، فَافْرِضْ لِلْجَدِّ الثُّلُثَ ، وَالْبَاقِيَ لِوَلَدِ الْأَبَوَيْنِ .\rهَذَا مَذْهَبُ زَيْدٍ وَأَمَّا عَلِيٌّ وَابْنُ مَسْعُودٍ فَإِنَّهُمَا يُقَاسِمَانِ بِهِ وَلَدَ الْأَبَوَيْنِ ، وَيُسْقِطَانِ وَلَدَ الْأَبِ ، وَلَا يَعْتَدَّانِ بِهِ ؛ لِأَنَّهُ مَحْجُوبٌ بِوَلَدِ الْأَبَوَيْنِ .\rفَلَا يُعْتَدُّ بِهِ كَوَلَدِ الْأُمِّ ، وَقَسَمَا هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ بَيْنَ الْجَدِّ وَالْأَخِ مِنْ الْأَبَوَيْنِ نِصْفَيْنِ ، وَأَسْقَطَا الْأَخَ مِنْ الْأَبِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الْجَدَّ وَالِدٌ ، فَإِذَا حَجَبَهُ أَخَوَانِ وَارِثَانِ ، جَازَ أَنْ يَحْجُبَهُ أَخٌ وَارِثٌ ، وَأَخٌ غَيْرُ وَارِثٍ ، كَالْأُمِّ ، وَلِأَنَّ وَلَدَ الْأَبِ يَحْجُبُونَهُ إذَا انْفَرَدُوا ، فَيَحْجُبُونَهُ مَعَ غَيْرِهِمْ ، كَالْأُمِّ ، وَيُفَارِقُ وَلَدَ الْأُمِّ ؛ لِأَنَّ الْجَدَّ يَحْجُبُهُمْ ، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَحْجُبُوهُ بِخِلَافِ وَلَدِ الْأَبِ ؛ فَإِنَّ الْجَدَّ لَا يَحْجُبُهُمْ ، فَجَازَ أَنْ يَحْجُبُوهُ إذَا حَجَبَهُمْ غَيْرُهُ ، كَمَا يَحْجُبُونَ الْأُمَّ ، وَإِنْ كَانُوا مَحْجُوبِينَ بِالْأَبِ .\rوَأَمَّا الْأَخُ مِنْ الْأَبَوَيْنِ ، فَهُوَ","part":13,"page":422},{"id":6422,"text":"أَقْوَى تَعْصِيبًا مِنْ الْأَخِ مِنْ الْأَبِ ، فَلَا يَرِثُ مَعَهُ شَيْئًا ، كَمَا لَوْ انْفَرَدَا عَنْ الْجَدِّ ، فَيَأْخُذُ مِيرَاثَهُ ، كَمَا لَوْ اجْتَمَعَ ابْنٌ ، وَابْنُ ابْنٍ ، حَجَبَهُ وَأَخَذَ مِيرَاثَهُ .\rفَإِنْ قِيلَ : فَالْجَدُّ يَحْجُبُ وَلَدَ الْأُمِّ ، وَلَا يَأْخُذُ مِيرَاثَهُ ، وَالْإِخْوَةُ يَحْجُبُونَ الْأُمَّ وَإِنْ لَمْ يَأْخُذُوا مِيرَاثَهَا .\rقُلْنَا : الْجَدُّ وَوَلَدُ الْأُمِّ يَخْتَلِفُ سَبَبُ اسْتِحْقَاقِهِمَا لِلْمِيرَاثِ ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ مَنْ يَحْجُبُ وَلَا يَأْخُذُ مِيرَاثَ الْمَحْجُوبِ ، وَهَا هُنَا سَبَبُ اسْتِحْقَاقِ الْإِخْوَةِ لِلْمِيرَاثِ الْأُخُوَّةُ وَالْعُصُوبَةُ ، فَأَيُّهُمَا قَوِيَ حَجَبَ الْآخَرَ ، وَأَخَذَ مِيرَاثَهُ .\rوَقَدْ مُثِّلَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ بِمَسْأَلَةٍ فِي الْوَصَايَا ، وَهِيَ إذَا أَوْصَى لِرَجُلٍ بِثُلُثِ مَالِهِ ، وَلِآخَرَ بِمِائَةٍ ، وَلِثَالِثٍ بِتَمَامِ الثُّلُثِ عَلَى الْمِائَةِ ، وَكَانَ ثُلُثُ الْمَالِ مِائَتَيْنِ ، فَإِنَّ الْمُوصَى لَهُ بِالْمِائَةِ يُزَاحِمُ صَاحِبَ الثُّلُثِ بِصَاحِبِ التَّمَامِ ، فَيُقَاسِمُهُ الثُّلُثَ نِصْفَيْنِ ، ثُمَّ يَخْتَصُّ صَاحِبُ الْمِائَةِ بِهَا ، وَلَا يَحْصُلُ لِصَاحِبِ التَّمَامِ شَيْءٌ .\r\"","part":13,"page":423},{"id":6423,"text":"( 4872 ) فَصْلٌ : أَخٌ لِأَبَوَيْنِ وَأُخْتَانِ لِأَبٍ وَجَدٍّ ، لِلْجَدِّ الثُّلُثُ ، وَالْبَاقِي لِلْأَخِ .\rوَفِي قَوْلِ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ الْمَالُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجَدِّ نِصْفَيْنِ .\rأَخٌ وَأُخْتٌ مِنْ أَبَوَيْنِ وَأُخْتٌ مِنْ أَبٍ وَجَدٍّ ، فَلِلْجَدِّ الثُّلُثُ ، وَالْبَاقِي بَيْنَ وَلَدِ الْأَبَوَيْنِ عَلَى ثَلَاثَةٍ ، وَتَصِحُّ مِنْ تِسْعَةٍ .\rوَفِي قَوْلِ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ الْمَالُ بَيْنَ وَلَدِ الْأَبَوَيْنِ وَالْجَدِّ عَلَى خَمْسَةٍ .\rأَخٌ لِأَبَوَيْنِ وَأُخْتٌ لِأَبٍ وَجَدٌّ الْمَالُ بَيْنَهُمْ عَلَى خَمْسَةٍ ؛ لِلْجَدِّ سَهْمَانِ ، وَالْبَاقِي لِلْأَخِ .\rوَعِنْدَهُمَا الْمَالُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ .","part":13,"page":424},{"id":6424,"text":"( 4873 ) فَصْلٌ : أَخَوَانِ لِأَبَوَيْنِ وَأَخٌ لِأَبٍ ، وَجَدٌّ ، لِلْجَدِّ الثُّلُثُ ، وَالْبَاقِي لِلْأَخَوَيْنِ لِلْأَبَوَيْنِ عِنْدَ الْجَمِيعِ .\rوَإِنْ كَانَ وَلَدُ الْأَبَوَيْنِ ثَلَاثَةً ، فَلِلْجَدِّ الثُّلُثُ أَيْضًا عِنْدَ زَيْدٍ وَعِنْدَ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ لَهُ الرُّبُعُ ؛ لِأَنَّهُمَا يُقَاسِمَانِ بِهِ إلَى السُّدُسِ .\rأَخٌ وَأُخْتٌ مِنْ أَبَوَيْنِ وَأَخٌ مِنْ أَبٍ أَوْ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ ، فَلِلْجَدِّ الثُّلُثُ ، وَعِنْدَهُمَا لِلْجَدِّ الْخُمُسَانِ ، وَلِلْأَخِ لِلْأَبَوَيْنِ الْخُمُسَانِ ، وَلِلْأُخْتِ الْخُمُسُ .","part":13,"page":425},{"id":6425,"text":"( 4874 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : ( وَإِذَا كَانَ أَخٌ وَأُخْتٌ لِأَبٍ وَأُمٌّ ، أَوْ لِأَبٍ ، وَجَدٌّ ، كَانَ الْمَالُ بَيْنَ الْجَدِّ وَالْأَخِ وَالْأُخْتِ عَلَى خَمْسَةِ أَسْهُمٍ ؛ لِلْجَدِّ سَهْمَانِ ، وَلِلْأَخِ سَهْمَانِ ، وَلِلْأُخْتِ سَهْمٌ ) الْمُقَاسَمَةُ هَاهُنَا خَيْرٌ لِلْجَدِّ مِنْ الثُّلُثِ ؛ لِأَنَّهُ يَحْصُلُ لَهُ بِهَا خُمُسَا الْمَالِ ، وَذَلِكَ خَيْرٌ لَهُ مِنْ الثُّلُثِ .\rوَكَذَلِكَ كُلَّمَا نَقَصَ الْإِخْوَةُ عَنْ اثْنَيْنِ ، أَوْ مَنْ يَعْدِلُهُمْ مِنْ الْإِنَاثِ ، كَثَلَاثِ أَخَوَاتٍ ، أَوْ أُخْتَيْنِ ، أَوْ أَخٍ وَاحِدٍ ، أَوْ أُخْتٍ وَاحِدَةٍ ، فَلَيْسَ فِيهَا إلَّا الْمُقَاسَمَةُ بِهِ كَأَخٍ .\rوَهَذَا قَوْلُ زَيْدٍ ، وَعَلِيٍّ ، وَعَبْدِ اللَّهِ ، إذَا كَانُوا عَصَبَةً ، فَأَمَّا إنْ كُنَّ أَخَوَاتٍ مُنْفَرِدَاتٍ ، فَإِنَّ عَلِيًّا وَابْنَ مَسْعُودٍ يَفْرِضَانِ لَهُنَّ فُرُوضَهُنَّ ، ثُمَّ يُعْطِيَانِ الْجَدَّ مَا بَقِيَ .","part":13,"page":426},{"id":6426,"text":"( 4875 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِذَا كَانَتْ أُخْتٌ لِأَبٍ وَأُمٍّ ، وَأُخْتٌ لِأَبٍ ، وَجَدٌّ ، كَانَتْ الْفَرِيضَةُ لِلْجَدِّ وَالْأُخْتَيْنِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَسْهُمٍ ؛ لِلْجَدِّ سَهْمَانِ ، وَلِكُلِّ أُخْتٍ سَهْمٌ ، ثُمَّ رَجَعَتْ الْأُخْتُ لِلْأُمِّ وَالْأَبِ ، فَأَخَذَتْ مِمَّا فِي يَدِ أُخْتِهَا لِتَسْتَكْمِلَ النِّصْفَ ) الْمُقَاسَمَةُ هَاهُنَا أَحَظُّ لِلْجَدِّ ، وَتَعْتَدُّ الْأُخْتُ لِلْأَبَوَيْنِ عَلَى الْجَدِّ بِأُخْتِهَا مِنْ أَبِيهَا ، فَيَصِيرُ لَهُ النِّصْفُ ، وَلَهُمَا النِّصْفُ بَيْنَهُمَا عَلَى اثْنَيْنِ ، لِكُلِّ وَاحِدَةٍ سَهْمٌ ، ثُمَّ تَأْخُذُ الْأُخْتُ مِنْ الْأَبَوَيْنِ مَا بَقِيَ فِي يَدِ أُخْتِهَا ، لِتَسْتَكْمِلَ تَمَامَ فَرْضِهَا .\rوَهُوَ جَمِيعُ مَا فِي يَدِهَا ، فَلَا يَبْقَى لَهَا شَيْءٌ ، وَتَصِيرُ كَمَا لَوْ كَانَ مَعَهُمَا بِنْتٌ ، فَأَخَذَتْ الْبِنْتُ النِّصْفَ ، وَبَقِيَ النِّصْفُ ، فَإِنَّ الْأُخْتَ مِنْ الْأَبَوَيْنِ تَأْخُذُهُ جَمِيعَهُ ، فَلَا يَبْقَى لِلْأُخْتِ مِنْ الْأَبِ شَيْءٌ .\rفَصْلٌ : فَإِنْ كَانَ مَعَ الْأُخْتِ مِنْ الْأَبَوَيْنِ أُخْتَانِ مِنْ أَبٍ ، كَانَ الْمَالُ بَيْنَهُنَّ وَبَيْنَ الْجَدِّ عَلَى خَمْسَةِ أَسْهُمٍ ؛ لِلْجَدِّ اثْنَانِ ، وَلَهُنَّ ثَلَاثَةٌ ، ثُمَّ تَأْخُذُ الْأُخْتُ مِنْ الْأَبَوَيْنِ مِنْ أُخْتِهَا تَمَامَ النِّصْفِ ، وَهُوَ سَهْمٌ وَنِصْفٌ ، يَبْقَى لَهُمَا نِصْفُ سَهْمٍ بَيْنَهُمَا ، لِكُلِّ وَاحِدَةٍ رُبْعُ سَهْمٍ ، فَتَضْرِبُ مَخْرَجَ الرُّبُعِ ، وَهُوَ أَرْبَعَةٌ فِي خَمْسَةٍ ، تَكُنْ عِشْرِينَ ؛ لِلْجَدِّ ثَمَانِيَةٌ ، وَلِلْأُخْتِ لِلْأَبَوَيْنِ عَشْرَةٌ ، وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ أُخْتَيْهَا سَهْمٌ .\rفَإِنْ كَانَ مَعَهَا ثَلَاثُ أَخَوَاتٍ ، أَوْ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ ، فَلَيْسَ لِلْجَدِّ إلَّا الثُّلُثُ ، وَلَهَا النِّصْفُ ، وَيَبْقَى السُّدُسُ بَيْنَ الْأَخَوَاتِ مِنْ الْأَبِ وَإِنْ كَثُرْنَ .\rوَإِنْ كَانَ مِنْ وَلَدِ الْأَبَوَيْنِ أُخْتَانِ أَوْ أَكْثَرُ ، فَلَيْسَ لِلْأَخَوَاتِ مِنْ الْأَبِ شَيْءٌ وَإِنْ كَثُرْنَ ؛ لِأَنَّ فَرْضَ الْأُخْتَيْنِ الثُّلُثَانِ ، وَالْجَدُّ لَا يَنْقُصُ عَنْ الثُّلُثِ ، فَلَا يَبْقَى مِنْ الْمَالِ شَيْءٌ ، وَلِأَنَّ الْأَخَوَاتِ مِنْ الْأَبَوَيْنِ","part":13,"page":427},{"id":6427,"text":"يُسْقِطْنَ الْأَخَوَاتِ مِنْ الْأَبِ بِاسْتِكْمَالِ الثُّلُثَيْنِ ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُنَّ جَدٌّ ، فَمَعَ الْجَدِّ أَوْلَى .\rوَلَيْسَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ اخْتِلَافٌ .\rفَأَمَّا مَسْأَلَةُ الْخِرَقِيِّ فَإِنَّ عَلِيًّا وَعَبْدَ اللَّهِ يَفْرِضَانِ لِلْأُخْتِ مِنْ الْأَبَوَيْنِ النِّصْفَ ، وَلِلْأُخْتِ مِنْ الْأَبِ السُّدُسَ ، وَالْبَاقِيَ لِلْجَدِّ ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ مَعَهَا أُخْتَانِ أَوْ أَخَوَاتُ مِنْ أَبٍ .\r( 4877 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( فَإِنْ كَانَ مَعَ الَّتِي مِنْ قِبَلِ الْأَبِ أَخُوهَا ، كَانَ الْمَالُ بَيْنَ الْجَدِّ وَالْأَخِ وَالْأُخْتَيْنِ عَلَى سِتَّةِ أَسْهُمٍ ؛ لِلْجَدِّ سَهْمَانِ ، وَلِلْأَخِ سَهْمَانِ ، وَلِكُلِّ أُخْتٍ سَهْمٌ ، ثُمَّ رَجَعَتْ الْأُخْتُ مِنْ الْأَبِ وَالْأُمُّ عَلَى الْأَخِ وَالْأُخْتِ مِنْ الْأَبِ ، فَأَخَذَتْ مِمَّا فِي أَيْدِيهِمَا ؛ لِتَسْتَكْمِلَ النِّصْفَ ، فَتَصِحَّ الْفَرِيضَةُ مِنْ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ سَهْمًا ؛ لِلْجَدِّ سِتَّةُ أَسْهُمٍ .\rوَلِلْأُخْتِ مِنْ الْأَبِ وَالْأُمِّ تِسْعَةُ أَسْهُمٍ ، وَلِلْأَخِ سَهْمَانِ ، وَلِلْأُخْتِ سَهْمٌ ) الْمُقَاسَمَةُ هَاهُنَا وَالثُّلُثُ سَوَاءٌ ، فَإِنْ قَاسَمْت بِهِ كَانَ الْمَالُ بَيْنَهُمْ عَلَى سِتَّةِ أَسْهُمٍ ، يَأْخُذُ الْجَدُّ سَهْمَيْنِ ، ثُمَّ يَكْمُلُ لِلْأُخْتِ تَمَامُ النِّصْفِ مِمَّا فِي أَيْدِيهِمَا ثَلَاثَةُ أَسْهُمٍ ، يَبْقَى لَهُمَا سَهْمٌ عَلَى ثَلَاثَةٍ لَا يَصِحُّ ، فَتَضْرِبُ ثَلَاثَةً فِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ ، تَكُنْ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ ، كَمَا قَالَ الْخِرَقِيِّ وَإِنْ زَادَ وَلَدُ الْأَبِ عَلَى هَذَا لَمْ يُزَادُوا عَلَى السُّدُسِ شَيْئًا ؛ لِأَنَّ الْجَدَّ لَا يَنْقُصُ عَنْ الثُّلُثِ ، وَالْأُخْتَ لَا تَنْقُصُ عَنْ النِّصْفِ ، فَلَا يَبْقَى إلَّا السُّدُسُ .","part":13,"page":428},{"id":6428,"text":"( 4878 ) مَسْأَلَةٌ الْأَكْدَرِيَّةُ ؛ قَالَ : ( وَإِذَا كَانَ زَوْجٌ وَأُمٌّ وَأُخْتٌ وَجَدٌّ ، فَلِلزَّوْجِ النِّصْفُ ، وَلِلْأُمِّ الثُّلُثُ ، وَلِلْأُخْتِ النِّصْفُ ، وَلِلْجَدِّ السُّدُسُ ) ثُمَّ يُقَسَّمُ سُدُسُ الْجَدِّ وَنِصْفُ الْأُخْتِ بَيْنَهُمَا ، عَلَى ثَلَاثَةِ أَسْهُمٍ ؛ لِلْجَدِّ سَهْمَانِ ، وَلِلْأُخْتِ سَهْمٌ ، فَتَصِحُّ الْفَرِيضَةُ مِنْ سَبْعَةٍ وَعِشْرِينَ سَهْمًا ، لِلزَّوْجِ تِسْعَةُ أَسْهُمٍ ، وَلِلْأُمِّ سِتَّةٌ ، وَلِلْجَدِّ ثَمَانِيَةٌ ، وَلِلْأُخْتِ أَرْبَعَةٌ .\rوَتُسَمَّى هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ الْأَكْدَرِيَّةَ .\rوَلَا يُفْرَضُ لِلْجَدِّ مَعَ الْأَخَوَاتِ فِي غَيْرِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ .\rقِيلَ : إنَّمَا سُمِّيَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ الْأَكْدَرِيَّةَ ، لِتَكْدِيرِهَا لِأُصُولِ زَيْدٍ فِي الْجَدِّ ؛ فَإِنَّهُ أَعَالَهَا ، وَلَا عَوْلَ عِنْدَهُ فِي مَسَائِلِ الْجَدِّ ، وَفَرَضَ لِلْأُخْتِ مَعَهُ ، وَلَا يُفْرَضُ لَأُخْتٍ مَعَ جَدٍّ ، وَجَمَعَ سِهَامَهُ وَسِهَامَهَا ، فَقَسَمَهَا بَيْنَهُمَا ، وَلَا نَظِيرَ لِذَلِكَ .\rوَقِيلَ : سُمِّيَتْ الْأَكْدَرِيَّةَ ؛ لِأَنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ سَأَلَ عَنْهَا رَجُلًا اسْمُهُ الْأَكْدَرُ ، فَأَفْتَى فِيهَا عَلَى مَذْهَبِ زَيْدٍ وَأَخْطَأَ فِيهَا ، فَنُسِبَتْ إلَيْهِ .\rوَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِيهَا ؛ فَمَذْهَبُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وَمُوَافِقِيهِ ، إسْقَاطُ الْأُخْتِ ، وَيَجْعَلُ لِلْأُمِّ الثُّلُثَ ، وَمَا بَقِيَ لِلْجَدِّ .\rوَقَالَ عُمَرُ وَابْنُ مَسْعُودٍ لِلزَّوْجِ النِّصْفُ ، وَلِلْأُخْتِ النِّصْفُ ، وَلِلْأُمِّ السُّدُسُ ، وَلِلْجَدِّ السُّدُسُ ، وَعَالَتْ إلَى ثَمَانِيَةٍ .\rوَجَعَلُوا لِلْأُمِّ السُّدُسَ كَيْ لَا يُفَضِّلُوهَا عَلَى الْجَدِّ .\rوَقَالَ عَلِيٌّ وَزَيْدٌ لِلزَّوْجِ النِّصْفُ ، وَلِلْأُخْتِ النِّصْفُ ، وَلِلْأُمِّ الثُّلُثُ ، وَلِلْجَدِّ السُّدُسُ ، وَعَوَّلَاهَا إلَى تِسْعَةٍ ، وَلَمْ يَحْجُبَا الْأُمَّ عَنْ الثُّلُثِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إنَّمَا حَجَبَهَا بِالْوَلَدِ وَالْإِخْوَةِ ، وَلَيْسَ هَاهُنَا وَلَدٌ وَلَا إخْوَةٌ .\rثُمَّ إنَّ عُمَرَ وَعَلِيًّا وَابْنَ مَسْعُودٍ أَبْقَوْا النِّصْفَ لِلْأُخْتِ ، وَالسُّدُسَ لِلْجَدِّ ، وَأَمَّا زَيْدٌ فَإِنَّهُ","part":13,"page":429},{"id":6429,"text":"ضَمَّ نِصْفَهَا إلَى سُدُسِ الْجَدِّ ، فَقَسَمَهُ بَيْنَهُمَا ؛ لِأَنَّهَا لَا تَسْتَحِقُّ مَعَهُ إلَّا بِحُكْمِ الْمُقَاسَمَةِ ، وَإِنَّمَا حَمَلَ زَيْدٌ عَلَى إعَالَةِ الْمَسْأَلَةِ هَاهُنَا ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَفْرِضْ لِلْأُخْتِ لَسَقَطَتْ ، وَلَيْسَ فِي الْفَرِيضَةِ مَنْ يُسْقِطُهَا ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ أَنَّهُ قَالَ : مَا قَالَ ذَلِكَ زَيْدٌ وَإِنَّمَا قَاسَ أَصْحَابُهُ عَلَى أُصُولِهِ ، وَلَمْ يُبَيِّنْ هُوَ شَيْئًا .\rفَإِنْ قِيلَ : فَالْأُخْتُ مَعَ الْجَدِّ عَصَبَةٌ ، وَالْعَصَبَةُ تَسْقُطُ بِاسْتِكْمَالِ الْفُرُوضِ .\rقُلْنَا : إنَّمَا يَعْصِبُهَا الْجَدُّ ، وَلَيْسَ بِعَصَبَةٍ مَعَ هَؤُلَاءِ ، بَلْ يُفْرَضُ لَهُ ، وَلَوْ كَانَ مَكَانَ الْأُخْتِ أَخٌ لَسَقَطَ ؛ لِأَنَّهُ عَصَبَةٌ فِي نَفْسِهِ .\rوَلَوْ كَانَ مَعَ الْأُخْتِ أُخْرَى ، أَوْ أَخٌ أَوْ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ ، لَانْحَجَبَتْ الْأُمُّ إلَى السُّدُسِ ، وَبَقِيَ لَهُمَا السُّدُسُ ، فَأَخَذُوهُ ، وَلَمْ تَعُلْ الْمَسْأَلَةُ .\rوَأَصْلُ الْمَسْأَلَةِ فِي الْأَكْدَرِيَّةِ سِتَّةٌ ، وَعَالَتْ إلَى تِسْعَةٍ ، وَسِهَامُ الْأُخْتِ وَالْجَدِّ أَرْبَعَةٌ بَيْنَهُمَا ، عَلَى ثَلَاثَةٍ لَا تَصِحُّ ، فَتَضْرِبُ ثَلَاثَةً فِي تِسْعَةٍ ، تَكُنْ سَبْعَةً وَعِشْرِينَ ، ثُمَّ كُلُّ مَنْ لَهُ شَيْءٌ مِنْ أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ مَضْرُوبٌ فِي الثَّلَاثَةِ الَّتِي ضَرَبْتهَا فِي الْمَسْأَلَةِ ، فَلِلزَّوْجِ ثَلَاثَةٌ فِي ثَلَاثَةٍ : تِسْعَةٌ ، وَلِلْأُمِّ اثْنَانِ فِي ثَلَاثَةٍ : سِتَّةٌ ، وَيَبْقَى اثْنَا عَشَرَ بَيْنَ الْجَدِّ وَالْأُخْتِ عَلَى ثَلَاثَةٍ ؛ لَهُ ثَمَانِيَةٌ ، وَلَهَا أَرْبَعَةٌ .\rوَيُعَايَلُ بِهَا ، فَيُقَالُ : أَرْبَعَةٌ وَرِثُوا مَالَ مَيِّتٍ ، فَأَخَذَ أَحَدُهُمْ ثُلُثَهُ ، وَالثَّانِي ثُلُثَ مَا بَقِيَ ، وَالثَّالِثُ ثُلُثَ مَا بَقِيَ ، وَالرَّابِعُ مَا بَقِيَ .\rوَيُقَالُ : امْرَأَةٌ جَاءَتْ قَوْمًا ، فَقَالَتْ : إنِّي حَامِلٌ ، فَإِنْ وَلَدَتْ ذَكَرًا فَلَا شَيْءَ لَهُ ، وَإِنْ وَلَدَتْ أُنْثَى فَلَهَا تُسْعُ الْمَالِ وَثُلُثُ تُسْعِهِ ، وَإِنْ وَلَدَتْ وَلَدَيْنِ فَلَهُمَا السُّدُسُ .\rوَيُقَال أَيْضًا : إنْ وَلَدَتْ ذَكَرًا فَلِي ثُلُثُ الْمَالِ ، وَإِنْ وَلَدَتْ أُنْثَى","part":13,"page":430},{"id":6430,"text":"فَلِي تُسْعَاهُ ، وَإِنْ وَلَدَتْ وَلَدَيْنِ فَلِي سُدُسُهُ .","part":13,"page":431},{"id":6431,"text":"( 4879 ) فَصْلٌ : زَوْجَةٌ وَأُمٌّ وَأُخْتٌ وَجَدٌّ ، لِلزَّوْجَةِ الرُّبُعُ ، وَلِلْأُمِّ الثُّلُثُ ، وَالْبَاقِي بَيْنَ الْجَدِّ وَالْأُخْتِ عَلَى ثَلَاثَةٍ ؛ أَصْلُهَا مِنْ اثْنَيْ عَشَرَ ، وَتَصِحُّ مِنْ سِتَّةٍ وَثَلَاثِينَ .\rفَإِنْ كَانَ مَكَانَ الْأُخْتِ أَخٌ ، فَالْبَاقِي بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ ، وَتَصِحُّ مِنْ أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ .\rوَإِنْ كَانَتَا أُخْتَيْنِ ، قَاسَمَهَا ، وَصَحَّتْ مِنْ ثَمَانِيَةٍ وَأَرْبَعِينَ .\rفَإِنْ كَانَ أَخٌ وَأُخْتٌ أَوْ ثَلَاثُ أَخَوَاتٍ ، حَجَبُوا الْأُمَّ إلَى السُّدُسِ ، وَقَسَمُوا الْبَاقِيَ بَيْنَهُمْ عَلَى خَمْسَةٍ ، وَصَحَّتْ مِنْ سِتِّينَ .\rفَإِنْ زَادُوا عَلَى ذَلِكَ ، اسْتَوَى ثُلُثُ الْبَاقِي وَالْمُقَاسَمَةُ ، فَافْرِضْ لَهُ ثُلُثَ الْبَاقِي ، وَاضْرِبْ الْمَسْأَلَةَ فِي ثَلَاثَةٍ ، تَصِيرُ سِتَّةً وَثَلَاثِينَ ، وَيَبْقَى لَهُ وَلَهُمْ أَحَدُ وَعِشْرُونَ ، يَأْخُذُ ثُلُثَهَا سَبْعَةً ، وَالْبَاقِي لَهُمْ ، فَإِنْ لَمْ تَصِحَّ عَلَيْهِمْ ، ضَرَبْتَهُمْ أَوْ وَفْقَهُمْ فِي سِتَّةٍ وَثَلَاثِينَ ، فَمَا بَلَغَ فَمِنْهُ تَصِحُّ .\rفَإِنْ كَانُوا مِنْ الْجِهَتَيْنِ لَمْ يَبْقَ لِوَلَدِ الْأَبِ شَيْءٌ ، وَاسْتَأْثَرَ بِهِ وَلَدُ الْأَبَوَيْنِ دُونَهُمْ .","part":13,"page":432},{"id":6432,"text":"( 4880 ) فَصْلٌ : زَوْجَةٌ وَأُخْتٌ وَجَدٌّ وَجَدَّةٌ ؛ فَهِيَ كَالَّتِي قَبْلَهَا فِي فُرُوعِهَا ، إلَّا فِي أَنَّ لِلْجَدَّةِ السُّدُسَ مَعَ الْأُخْتِ الْوَاحِدَةِ ، وَالْأَخِ الْوَاحِدِ .\rوَمَتَى كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ ، كَانَ حُكْمُ الْجَدَّةِ وَالْأُمِّ وَاحِدًا .\rوَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ جَدَّةٌ ، فَهِيَ مِنْ أَرْبَعَةٍ ؛ لِلزَّوْجَةِ الرُّبُعُ ، وَيَبْقَى ثَلَاثَةٌ ، لِلْجَدِّ سَهْمَانِ ، وَلِلْأُخْتِ سَهْمٌ .\rفَإِنْ كَانَ مَعَهَا أُخْتٌ أُخْرَى ، فَالْبَاقِي بَيْنَهُمْ عَلَى أَرْبَعَةٍ ، وَتَصِحُّ مِنْ سِتَّةَ عَشَرَ .\rوَإِنْ كَانَ مَكَانَهُمَا أَخٌ ، صَحَّتْ مِنْ ثَمَانِيَةٍ ، فَإِنْ كَانَ أَخٌ وَأُخْتٌ وَثَلَاثُ أَخَوَاتٍ ، فَالْبَاقِي بَيْنَهُمْ عَلَى خَمْسَةٍ ، وَتَصِحُّ مِنْ عِشْرِينَ .\rوَإِنْ زَادُوا عَلَى هَذَا ، فَأَعْطِهِ ثُلُثَ الْبَاقِي بَيْنَهُمَا ، وَاقْسِمْ الْبَاقِيَ عَلَى الْبَاقِينَ ، فَإِنْ كَانُوا مِنْ الْجِهَتَيْنِ ، فَلَا شَيْءَ لِوَلَدِ الْأَبِ ؛ لِأَنَّ الْبَاقِيَ بَعْدَ نَصِيبِ الْجَدِّ لَا يَزِيدُ عَلَى النِّصْفِ ، وَهُوَ أَقَلُّ فَرْضٍ لِوَلَدِ الْأَبَوَيْنِ .","part":13,"page":433},{"id":6433,"text":"( 4881 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : ( وَإِذَا كَانَتْ أُمُّ وَأُخْتٌ وَجَدٌّ ؛ فَلِلْأُمِّ الثُّلُثُ ، وَمَا بَقِيَ فَبَيْنَ الْجَدِّ وَالْأُخْتِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَسْهُمٍ ؛ لِلْجَدِّ سَهْمَانِ ، وَلِلْأُخْتِ سَهْمٌ ) وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تُسَمَّى الْخَرْقَاءَ ، إنَّمَا سُمِّيَتْ خَرْقَاءَ لِكَثْرَةِ اخْتِلَافِ الصَّحَابَةِ فِيهَا ، فَكَأَنَّ الْأَقْوَالَ خَرَقَتْهَا .\rقِيلَ فِيهَا سَبْعَةُ أَقْوَالٍ : قَوْلُ الصِّدِّيقِ وَمُوَافِقِيهِ ، لِلْأُمِّ ثُلُثٌ ، وَالْبَاقِي لِلْجَدِّ .\rوَقَوْلُ زَيْدٍ وَمُوَافِقِيهِ ، لِلْأُمِّ الثُّلُثُ ، أَصْلُهَا مِنْ ثَلَاثَةٍ ، وَيَبْقَى سَهْمَانِ بَيْنَ الْأُخْتِ وَالْجَدِّ ، عَلَى ثَلَاثَةٍ ، وَتَصِحُّ مِنْ تِسْعَةٍ .\rوَقَوْلُ عَلِيٍّ ، لِلْأُخْتِ النِّصْفُ ، وَلِلْأُمِّ الثُّلُثُ ، وَلِلْجَدِّ السُّدُسُ .\rوَعَنْ عُمَرَ وَعَبْدِ اللَّهِ لِلْأُخْتِ النِّصْفُ ، وَلِلْأُمِّ ثُلُثُ مَا بَقِيَ ، وَمَا بَقِيَ فَلِلْجَدِّ .\rوَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ لِلْأُمِّ السُّدُسُ ، وَالْبَاقِي لِلْجَدِّ ، وَهِيَ مِثْلُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ فِي الْمَعْنَى .\rوَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أَيْضًا ، لِلْأُخْتِ النِّصْفُ ، وَالْبَاقِي بَيْنَ الْجَدِّ وَالْأُمِّ نِصْفَانِ ، فَتَكُونُ مِنْ أَرْبَعَةٍ ، وَهِيَ إحْدَى مُرَبَّعَاتِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَقَالَ عُثْمَانُ الْمَالُ بَيْنَهُمْ أَثْلَاثٌ ، لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ثُلُثٌ .\rوَهِيَ مُثَلَّثَةُ عُثْمَانَ وَتُسَمَّى الْمُسَبَّعَةَ ، فِيهَا سَبْعَةُ أَقْوَالٍ .\rوَالْمُسَدَّسَةَ ؛ لِأَنَّ مَعْنَى الْأَقْوَالِ يَرْجِعُ إلَى سِتَّةٍ .\rوَسَأَلَ الْحُجَّاجُ عَنْهَا الشَّعْبِيَّ فَقَالَ : اخْتَلَفَ فِيهَا خَمْسَةٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَذَكَرَ لَهُ عُثْمَانَ وَعَلِيًّا وَابْنَ مَسْعُودٍ وَزَيْدًا وَابْنَ عَبَّاسٍ .","part":13,"page":434},{"id":6434,"text":"( 4882 ) فَصْلٌ : أُمٌّ أَوْ جَدَّةٌ وَأُخْتَانِ وَجَدٌّ ، الْمُقَاسَمَةُ خَيْرٌ لِلْجَدِّ ، وَيَبْقَى خَمْسَةٌ عَلَى أَرْبَعَةٍ ، فَتَصِحُّ مِنْ أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ .\rأُمٌّ وَأَخٌ وَأُخْتٌ ، أَوْ ثَلَاثُ أَخَوَاتٍ وَجَدٌّ ، تَصِحُّ مِنْ سِتَّةٍ .\rأُمٌّ وَأَخَوَانِ ، أَوْ أَخٌ وَأُخْتَانِ ، أَوْ أَرْبَعُ أَخَوَاتٍ وَجَدٌّ ؛ ثُلُثُ الْبَاقِي وَالْمُقَاسَمَةُ سَوَاءٌ ، فَإِنْ زَادُوا عَلَى ذَلِكَ فُرِضَ لِلْجَدِّ ثُلُثُ الْبَاقِي ، وَانْتَقَلْت الْمَسْأَلَةُ إلَى ثَمَانِيَةَ عَشَرَ ؛ لِلْأُمِّ ثَلَاثَةٌ ، وَلِلْجَدِّ خَمْسَةٌ ، يَبْقَى عَشْرَةٌ لِلْإِخْوَةِ وَالْأَخَوَاتِ ، فَتُصَحَّحُ الْمَسْأَلَةُ عَلَيْهِمْ ، فَإِنْ كَانَ الْإِخْوَةُ وَالْأَخَوَاتُ مِنْ الْجِهَتَيْنِ ، فَالْبَاقِي كُلُّهُ لِوَلَدِ الْأَبَوَيْنِ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ وَلَدُ الْأَبَوَيْنِ أُخْتًا وَاحِدَةً ، فَلَهَا قَدْرُ فَرْضِهَا ، وَالْبَاقِي لَهُمْ .\rأُمٌّ وَأُخْتٌ لِأَبَوَيْنِ وَأَخٌ وَأُخْتٌ لِأَبٍ وَجَدٌّ ؛ لِلْأُمِّ السُّدُسُ ، وَلِلْجَدِّ ثُلُثُ الْبَاقِي ، يَنْتَقِلُ إلَى ثَمَانِيَةَ عَشْرَةَ ، فَلِلْأُمِّ ثَلَاثَةٌ ، وَلِلْجَدِّ خَمْسَةٌ ، وَلِلْأُخْتِ لِلْأَبَوَيْنِ النِّصْفُ تِسْعَةٌ ، يَبْقَى سَهْمٌ عَلَى ثَلَاثَةٍ ، فَتَصِحُّ مِنْ أَرْبَعَةٍ وَخَمْسِينَ ، وَتُسَمَّى مُخْتَصَرَةَ زَيْدٍ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ قَاسَمَ بِالْجَدِّ لَانْتَقَلَتْ إلَى سِتَّةٍ وَثَلَاثِينَ ، ثُمَّ يَبْقَى سَهْمَانِ عَلَى ثَلَاثَةٍ ، فَتَصِحُّ مِنْ مِائَةٍ وَثَمَانِيَةٍ ، ثُمَّ تَرْجِعُ بِالِاخْتِصَارِ إلَى أَرْبَعَةٍ وَخَمْسِينَ ، فَلِذَلِكَ سُمِّيَتْ الْمُخْتَصَرَةَ .\rأُمٌّ وَأُخْتٌ لِأَبَوَيْنِ وَأَخَوَانِ وَأُخْتٌ لِأَبٍ وَجَدٌّ ، أَصْلُهَا مِنْ سِتَّةٍ ، ثُمَّ تَنْتَقِلُ إلَى ثَمَانِيَةَ عَشَرَ ، وَيَفْضُلُ لِوَلَدِ الْأَبِ سَهْمٌ عَلَى خَمْسَةٍ ، تَضْرِبُهَا فِي ثَمَانِيَةَ عَشَرَ ، تَكُنْ تِسْعِينَ ، وَتُسَمَّى تِسْعِينِيَّةَ زَيْدٍ .\rوَفِي هَذَا الْفَصْلِ كُلِّهِ ؛ الْجَدَّةُ كَالْأُمِّ ، لِأَنَّ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا السُّدُسَ .","part":13,"page":435},{"id":6435,"text":"( 4883 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : ( وَإِذَا كَانَتْ بِنْتٌ وَأُخْتٌ وَجَدٌّ ، فَلِلْبِنْتِ النِّصْفُ ، وَمَا بَقِيَ فَبَيْنَ الْجَدِّ وَالْأُخْتِ ، عَلَى ثَلَاثَةُ أَسْهُمٍ ، لِلْجَدِّ سَهْمَانِ ، وَلِلْأُخْتِ سَهْمٌ ) إنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الْمُقَاسَمَةَ هَاهُنَا أَحَظُّ لِلْجَدِّ .\rوَقَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِلْبِنْتِ النِّصْفُ ، وَلِلْجَدِّ السُّدُسُ ، وَالْبَاقِي لِلْأُخْتِ .\rوَعِنْدَ ابْنِ مَسْعُودٍ الْبَاقِي بَعْدَ فَرْضِ الْبِنْتِ بَيْنَ الْجَدِّ وَالْأُخْتِ نِصْفَيْنِ ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَوْ انْفَرَدَ أَخَذَ الْمَالَ بِالتَّعْصِيبِ ، فَإِذَا اجْتَمَعَا اقْتَسَمَا ، كَمَا لَوْ كَانَ مَكَانَهَا أَخٌ .\rفَأَمَّا عَلِيٌّ فَبَنَى عَلَى أَصْلِهِ فِي أَنَّ الْأَخَوَاتِ لَا يُقَاسِمْنَ الْجَدَّ ، وَإِنَّمَا يُفْرَضُ لَهُنَّ ، فَلَمْ يَفْرِضْ لَهَا هَاهُنَا ؛ لِأَنَّ الْأُخْتَ مَعَ الْبِنْتِ عَصَبَةٌ ، وَأَعْطَى الْجَدَّ السُّدُسَ ، كَمَا لَوْ انْفَرَدَ مَعَهَا ، وَجَعَلَ لَهَا الْبَاقِيَ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الْجَدَّ يُقَاسِمُ الْأُخْتَ ، فَيَأْخُذُ مِثْلَهَا إذَا كَانَ مَعَهَا أَخٌ ، فَكَذَلِكَ إذَا انْفَرَدَتْ .\rوَهَذِهِ إحْدَى مُرَبَّعَاتِ ابْنِ مَسْعُودٍ .","part":13,"page":436},{"id":6436,"text":"( 4884 ) فَصْلٌ : بِنْتٌ وَأَخٌ وَجَدٌّ ؛ الْبَاقِي بَعْدَ فَرْضِ الْبِنْتِ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ .\rوَإِنْ كَانَ مَعَهُ أُخْتُهُ ، فَالْبَاقِي بَيْنَهُمْ عَلَى خَمْسَةٍ .\rوَإِنْ كَانَ أَخَوَانِ ، أَوْ أَخٌ وَأُخْتَانِ ، أَوْ أَرْبَعُ أَخَوَاتٍ ، اسْتَوَى ثُلُثُ الْبَاقِي وَالسُّدُسُ وَالْمُقَاسَمَةُ ، فَإِنْ زَادُوا فَلَا حَظَّ لَهُ فِي الْمُقَاسَمَةِ ، وَيَأْخُذُ السُّدُسَ ، وَالْبَاقِي لَهُمْ .\rفَإِنْ كَانُوا مِنْ الْجِهَتَيْنِ فَلَيْسَ لِوَلَدِ الْأَبِ شَيْءٌ ، وَيَأْخُذُ وَلَدُ الْأَبَوَيْنِ جَمِيعَ الْبَاقِي .\rبِنْتٌ وَأُخْتَانِ وَجَدٌّ ، الْبَاقِي بَيْنَ الْجَدِّ وَالْأُخْتَيْنِ عَلَى أَرْبَعَةٍ ، وَتَصِحُّ مِنْ ثَمَانِيَةٍ .\rفَإِنْ كُنَّ ثَلَاثَ أَخَوَاتٍ ، فَالْبَاقِي بَيْنَهُمْ عَلَى خَمْسَةٍ .\rفَإِنْ كُنَّ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعٍ ، فَلَهُ السُّدُسُ ، أَوْ ثُلُثُ الْبَاقِي ، وَالْبَاقِي لَهُنَّ .","part":13,"page":437},{"id":6437,"text":"( 4885 ) فَصْلٌ : بِنْتَانِ ، أَوْ أَكْثَرُ ، أَوْ بِنْتُ ابْنٍ وَأُخْتٌ وَجَدٌّ ، لِلْبِنْتَيْنِ الثُّلُثَانِ ، وَالْبَاقِي بَيْنَ الْجَدِّ وَالْأُخْتِ عَلَى ثَلَاثَةٍ ، وَتَصِحُّ مِنْ تِسْعَةٍ .\rوَإِنْ كَانَ مَكَانَهَا أَخٌ ، فَالْبَاقِي بَيْنَهُمَا عَلَى اثْنَيْنِ ، وَتَصِحُّ مِنْ سِتَّةٍ .\rوَإِنْ كَانَ مَكَانَهُ أُخْتَانِ ، صَحَّتْ مِنْ اثْنَيْ عَشَرَ .\rوَيَسْتَوِي فِي هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ السُّدُسُ وَالْمُقَاسَمَةُ .\rفَإِنْ زَادُوا عَنْ أَخٍ أَوْ عَنْ أُخْتَيْنِ ، فَرَضْت لِلْجَدِّ السُّدُسَ ، وَكَانَ الْبَاقِي لَهُمْ ، فَإِنْ كَانَ مَعَهُمْ أُمٌّ أَوْ جَدَّةٌ ، فَلِلْجَدِّ السُّدُسُ ، وَلَا شَيْءَ لِلْإِخْوَةِ وَالْأَخَوَاتِ .","part":13,"page":438},{"id":6438,"text":"( 4886 ) فَصْلٌ : زَوْجٌ وَأُخْتٌ وَجَدٌّ ، لِلزَّوْجِ النِّصْفُ ، وَالْبَاقِي بَيْنَهُمَا عَلَى ثَلَاثَةٍ .\rوَعِنْدَ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ لِلْأُخْتِ النِّصْفُ ، وَلِلْجَدِّ السُّدُسُ ، وَعَالَتْ إلَى سَبْعَةٍ .\rوَإِنْ كَانَ مَعَ الْأُخْتِ أُخْرَى ، فَالْبَاقِي بَيْنَهُمْ عَلَى أَرْبَعَةٍ .\rوَعِنْدَهُمَا ، لَهُمَا الثُّلُثَانِ ، وَتَعُولُ إلَى ثَمَانِيَةٍ .\rوَإِنْ كَانَ مَكَانَهُمَا أَخٌ ، فَالْبَاقِي بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ .\rوَإِنْ كَانَ أَخٌ وَأُخْتٌ ، أَوْ ثَلَاثُ أَخَوَاتٍ ، قَاسَمَهُمْ الْجَدُّ .\rوَإِنْ كَانَ أَخَوَانِ ، أَوْ مَنْ يَعْدِلُهُمَا ، اسْتَوَى السُّدُسُ وَثُلُثُ الْبَاقِي وَالْمُقَاسَمَةُ .\rفَإِنْ زَادُوا ، فَرَضْت لَهُ السُّدُسَ ، وَالْبَاقِي لَهُمْ .\rوَإِنْ كَانَ زَوْجٌ وَبِنْتٌ وَأُخْتٌ وَجَدٌّ ، فَلِلزَّوْجِ الرُّبُعُ ، وَلِلْبِنْتِ النِّصْفُ ، وَالْبَاقِي بَيْنَهُمَا عَلَى ثَلَاثَةٍ .\rوَيَسْتَوِي السُّدُسُ هَاهُنَا وَالْمُقَاسَمَةُ .\rفَإِنْ زَادُوا عَلَى أُخْتٍ وَاحِدَةٍ ، فَرَضْت لِلْجَدِّ السُّدُسَ ، وَالْبَاقِي لَهُمْ .\rوَإِنْ كَانَ مَعَ الزَّوْجِ ابْنَتَانِ ، أَوْ بِنْتٌ وَبِنْتُ ابْنٍ ، أَوْ بِنْتٌ وَأَمٌّ أَوْ جَدَّةٌ ، سَقَطَتْ الْإِخْوَةُ وَالْأَخَوَاتُ ، وَفَرَضْت لِلْجَدِّ السُّدُسَ ، وَعَالَتْ الْمَسْأَلَةُ إلَى ثَلَاثَةَ عَشَرَ .","part":13,"page":439},{"id":6439,"text":"( 4887 ) فَصْلٌ : زَوْجَةٌ وَبِنْتٌ وَأُخْتٌ وَجَدٌّ ، الْبَاقِي بَيْنَ الْجَدِّ وَالْأُخْتِ عَلَى ثَلَاثَةٍ ، وَتَصِحُّ مِنْ ثَمَانِيَةٍ .\rفَإِنْ كَانَ مَكَانَ الْأُخْتِ أَخٌ ، أَوْ أُخْتَانِ ، فَالْبَاقِي بَيْنَهُمْ .\rوَتَصِحُّ مَعَ الْأَخِ مِنْ سِتَّةَ عَشَرَ ، وَمَعَ الْأُخْتَيْنِ مِنْ اثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ .\rوَإِنْ زَادُوا فَرَضْت لِلْجَدِّ السُّدُسَ ، وَانْتَقَلَتْ الْمَسْأَلَةُ إلَى أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ ، ثُمَّ تُصَحَّحُ عَلَى الْمُنْكَسِرِ عَلَيْهِمْ وَإِنْ كَانَ مَعَ الزَّوْجَةِ ابْنَتَانِ ، أَوْ أَكْثَرُ ، أَوْ بِنْتٌ وَبِنْتُ ابْنٍ ، وَبِنْتٌ وَأُمٌّ ، أَوْ جَدَّةٌ ، فَرَضْت لِلْجَدِّ السُّدُسَ ، وَيَبْقَى لِلْإِخْوَةِ وَالْأَخَوَاتِ سَهْمٌ مِنْ أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ .","part":13,"page":440},{"id":6440,"text":"بَابُ ذَوِي الْأَرْحَام ذَوِي الْأَرْحَامِ وَهُمْ الْأَقَارِبُ الَّذِينَ لَا فَرْضَ لَهُمْ وَلَا تَعْصِيبَ ، وَهُمْ أَحَدَ عَشَرَ حَيْزًا ؛ وَلَدُ الْبَنَاتِ ، وَوَلَدُ الْأَخَوَاتِ ، وَبَنَاتُ الْإِخْوَةِ ، وَوَلَدُ الْإِخْوَةِ مِنْ الْأُمِّ ، وَالْعَمَّاتُ مِنْ جَمِيعِ الْجِهَاتِ ، وَالْعَمُّ مِنْ الْأُمِّ ، وَالْأَخْوَالُ ، وَالْخَالَاتُ ، وَبَنَاتُ الْأَعْمَامِ ، وَالْجَدُّ أَبُو الْأُمِّ ، وَكُلُّ جَدَّةٍ أَدْلَتْ بِأَبٍ بَيْنَ أُمَّيْنِ ، أَوْ بِأَبٍ أَعْلَى مِنْ الْجَدِّ .\rفَهَؤُلَاءِ ، وَمَنْ أَدْلَى بِهِمْ ، يُسَمَّوْنَ ذَوِي الْأَرْحَامِ .\rوَكَانَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ يُوَرِّثُهُمْ إذَا لَمْ يَكُنْ ذُو فَرْضٍ ، وَلَا عَصَبَةٍ ، وَلَا أَحَدٌ مِنْ الْوَارِثِ ، إلَّا الزَّوْجَ ، وَالزَّوْجَةَ .\rرُوِيَ هَذَا الْقَوْلُ عَنْ عُمَرَ ، وَعَلِيٍّ ، وَعَبْدِ اللَّهِ ، وَأَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ ، وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ .\rوَبِهِ قَالَ شُرَيْحٌ ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَعَطَاءٌ ، وَطَاوُسٌ ، وَعَلْقَمَةُ ، وَمَسْرُوقٌ ، وَأَهْلُ الْكُوفَةِ .\rوَكَانَ زَيْدٌ لَا يُوَرِّثُهُمْ ، وَيَجْعَلُ الْبَاقِيَ لِبَيْتِ الْمَالِ .\rوَبِهِ قَالَ مَالِكٌ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَدَاوُد ، وَابْنُ جَرِيرٍ ؛ لِأَنَّ عَطَاءَ بْنَ يَسَارٍ رَوَى { أَنَّ رَسُولَ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَكِبَ إلَى قُبَاءَ يَسْتَخِيرُ اللَّهَ تَعَالَى فِي الْعَمَّةِ وَالْخَالَةِ ، فَأَنْزَلَ عَلَيْهِ أَنْ لَا مِيرَاثَ لَهُمَا .\r} رَوَاهُ سَعِيدٌ ، فِي \" سُنَنِهِ \" ؛ لِأَنَّ الْعَمَّةَ ، وَابْنَةَ الْأَخِ لَا تَرِثَانِ مَعَ أَخَوَيْهِمَا ، فَلَا تَرِثَانِ مُنْفَرِدَتَيْنِ ، كَالْأَجْنَبِيَّاتِ .\rوَذَلِكَ لِأَنَّ انْضِمَامَ الْأَخِ إلَيْهِمَا يُؤَكِّدُهُمَا وَيُقَوِّيهُمَا ، بِدَلِيلِ أَنَّ بَنَاتِ الِابْنِ ، وَالْأَخَوَاتِ مِنْ الْأَبِ ، يَعْصِبُهُنَّ أَخُوهُنَّ فِيمَا بَقِيَ بَعْدَ مِيرَاثِ الْبَنَاتِ وَالْأَخَوَاتِ مِنْ الْأَبَوَيْنِ ، وَلَا يَرِثْنَ مُنْفَرِدَاتٍ ، فَإِذَا لَمْ يَرِثْ هَاتَانِ مَعَ أَخِيهِمَا ، فَمَعَ عَدَمِهِ أَوْلَى .\rوَلِأَنَّ الْمَوَارِيثَ إنَّمَا","part":13,"page":441},{"id":6441,"text":"تَثْبُتُ نَصًّا ، وَلَا نَصَّ فِي هَؤُلَاءِ .\rوَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { وَأُولُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ } .\rأَيْ أَحَقُّ بِالتَّوَارُثِ فِي حُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى .\rقَالَ أَهْلُ الْعِلْمِ : كَانَ التَّوَارُثُ فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ بِالْحَلِفِ ، فَكَانَ الرَّجُلُ يَقُولُ لِلرَّجُلِ : دَمِي دَمُك ، وَمَالِي مَالُكَ ، تَنْصُرُنِي وَأَنْصُرُكَ ، وَتَرِثُنِي وَأَرِثُك .\rفَيَتَعَاقَدَانِ الْحَلِفَ بَيْنَهُمَا عَلَى ذَلِكَ ، فَيَتَوَارَثَانِ بِهِ دُونَ الْقَرَابَةِ ، وَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : { وَاَلَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ } .\rثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ ، وَصَارَ التَّوَارُثُ بِالْإِسْلَامِ وَالْهِجْرَةِ ، فَإِذَا كَانَ لَهُ وَلَدٌ ، وَلَمْ يُهَاجِرْ ، وَرِثَهُ الْمُهَاجِرُونَ دُونَهُ ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ : { وَاَلَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا } .\rثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَأُولُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ } .\rوَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ ، بِإِسْنَادِهِ ، عَنْ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ ، أَنَّ رَجُلًا رَمَى رَجُلًا بِسَهْمٍ ، فَقَتَلَهُ ، وَلَمْ يَتْرُكْ إلَّا خَالًا ، فَكَتَبَ فِيهِ أَبُو عُبَيْدَةَ إلَى عُمَرَ ، فَكَتَبَ إلَيْهِ عُمَرُ ؛ إنِّي سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : { الْخَالُ وَارِثُ مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ } .\rقَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ .\rوَرَوَى الْمِقْدَادُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { الْخَالُ وَارِثُ مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ ، يَعْقِلُ عَنْهُ ، وَيَرِثُهُ } .\rأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد .\rوَفِي لَفْظٍ : { مَوْلَى مَنْ لَا مَوْلَى لَهُ ، يَعْقِلُ عَنْهُ ، وَيَفُكُّ عَانِيَهُ } .\rفَإِنْ قِيلَ : الْمُرَادُ بِهِ أَنَّ مَنْ لَيْسَ لَهُ إلَّا خَالٌ فَلَا وَرَاثَ لَهُ ، كَمَا يُقَالُ : الْجُوعُ زَادُ مَنْ لَا زَادَ لَهُ ، وَالْمَاءُ طِيبُ مَنْ لَا طِيبَ لَهُ ، وَالصَّبْرُ حِيلَةُ مَنْ لَا حِيلَةَ لَهُ .\rأَوْ أَنَّهُ أَرَادَ بِالْخَالِ السُّلْطَانَ .","part":13,"page":442},{"id":6442,"text":"قُلْنَا : هَذَا فَاسِدٌ ؛ لِوُجُوهٍ ثَلَاثَةٍ ؛ أَحَدُهَا ، أَنَّهُ قَالَ : \" يَرِثُ مَالَهُ \" ، وَفِي لَفْظٍ قَالَ : \" يَرِثُهُ \" .\rوَالثَّانِي ، أَنَّ الصَّحَابَةَ فَهِمُوا ذَلِكَ ، فَكَتَبَ عُمَرُ بِهَذَا جَوَابًا لِأَبِي عُبَيْدَةَ حِينَ سَأَلَهُ عَنْ مِيرَاثِ الْخَالِ ، وَهُمْ أَحَقُّ بِالْفَهْمِ وَالصَّوَابِ مِنْ غَيْرِهِمْ .\rالثَّالِثُ ، أَنَّهُ سَمَّاهُ وَارِثًا ، وَالْأَصْلُ الْحَقِيقَةُ .\rوَقَوْلُهُمْ : إنَّ هَذَا يُسْتَعْمَلُ لِلنَّفْيِ .\rقُلْنَا : وَالْإِثْبَاتِ ، كَقَوْلِهِمْ : يَا عِمَادَ مَنْ لَا عِمَادَ لَهُ .\rيَا سَنَدَ مَنْ لَا سَنَدَ لَهُ .\rيَا ذُخْرَ مَنْ لَا ذُخْرَ لَهُ .\rوَقَالَ سَعِيدٌ : حَدَّثَنَا أَبُو شِهَابٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حِبَّانَ ، عَنْ عَمِّهِ وَاسِعِ بْنِ حِبَّانَ ، قَالَ : { تُوُفِّيَ ثَابِتُ ابْنُ الدَّحْدَاحَةِ ، وَلَمْ يَدَعُ وَارِثًا وَلَا عَصَبَةً ، فَرُفِعَ شَأْنُهُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَدَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَالَهُ إلَى ابْنِ أُخْتِهِ أَبِي لُبَابَةَ بْنِ عَبْدِ الْمُنْذِرِ .\r} وَرَوَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ ، فِي \" الْأَمْوَالِ \" ، إلَّا أَنَّهُ قَالَ : وَلَمْ يَخْلُفْ إلَّا ابْنَةَ أَخٍ لَهُ ، فَقَضَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمِيرَاثِهِ لِابْنَةِ أَخِيهِ .\rوَلِأَنَّهُ ذُو قَرَابَةٍ ، فَيَرِثُ ، كَذَوِي الْفُرُوضِ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ سَاوَى النَّاسَ فِي الْإِسْلَامِ ، وَزَادَ عَلَيْهِمْ بِالْقَرَابَةِ ، فَكَانَ أَوْلَى بِمَالِهِ مِنْهُمْ ، وَلِهَذَا كَانَ أَحَقَّ فِي الْحَيَاةِ بِصَدَقَتِهِ وَصِلَتِهِ ، وَبَعْدَ الْمَوْتِ بِوَصِيَّتِهِ ، فَأَشْبَهَ ذَوِي الْفُرُوضِ وَالْعَصَبَاتِ الْمَحْجُوبِينَ ، إذَا لَمْ يَكُنْ مَنْ يَحْجُبُهُمْ .\rوَحَدِيثُهُمْ مُرْسَلٌ .\rثُمَّ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ لَا مِيرَاثَ لَهُمَا مَعَ ذَوِي الْفُرُوضِ وَالْعَصَبَاتِ ؛ وَلِذَلِكَ سُمِّيَ الْخَالُ \" وَارِثُ مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ \" .\rأَيْ لَا يَرِثُ إلَّا عِنْدَ عَدَمِ الْوَارِثِ .\rوَقَوْلُهُمْ : لَا يَرِثَانِ مَعَ أَخِيهِمَا .\rقُلْنَا : لِأَنَّهُمَا أَقْوَى مِنْهُمَا .\rوَقَوْلُهُمْ : إنَّ الْمِيرَاثَ إنَّمَا ثَبَتَ","part":13,"page":443},{"id":6443,"text":"نَصًّا .\rقُلْنَا : قَدْ ذَكَرْنَا نُصُوصًا .\rثُمَّ التَّعْلِيلُ وَاجِبٌ مَهْمَا أَمْكَنَ ، وَقَدْ أَمْكَنَ هَاهُنَا ، فَلَا يُصَارُ إلَى التَّعَبُّدِ الْمَحْضِ .","part":13,"page":444},{"id":6444,"text":"( 4888 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : وَيُوَرَّثُ ذَوُو الْأَرْحَامِ فَيُجْعَلُ مَنْ لَمْ يُسَمَّ لَهُ فَرِيضَةٌ عَلَى مَنْزِلَةِ مَنْ سُمِّيَتْ لَهُ ، مِمَّنْ هُوَ نَحْوُهُ ، فَيُجْعَلُ الْخَالُ بِمَنْزِلَةِ الْأُمِّ ، وَالْعَمَّةُ بِمَنْزِلَةِ الْأَبِ .\rوَعَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، رِوَايَةٌ أُخْرَى ، أَنَّهُ جَعَلَهَا بِمَنْزِلَةِ الْعَمِّ .\rوَبِنْتُ الْأَخِ بِمَنْزِلَةِ الْأَخِ ، وَكُلُّ ذِي رَحِمٍ لَمْ يُسَمَّ لَهُ فَرِيضَةً فَهُوَ عَلَى هَذَا النَّحْوِ مَذْهَبُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ فِي تَوْرِيثِ ذَوِي الْأَرْحَامِ مَذْهَبُ أَهْلِ التَّنْزِيلِ ، وَهُوَ أَنْ يَنْزِلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَنْزِلَةَ مَنْ يَمُتُّ بِهِ مِنْ الْوَرَثَةِ ، فَيُجْعَلُ لَهُ نُصِيبُهُ .\rفَإِنْ بَعُدُوا نَزَلُوا دَرَجَةً دَرَجَةً إلَى أَنْ يَصِلُوا إلَى مَنْ يَمُتُّونَ بِهِ ، فَيَأْخُذُونَ مِيرَاثَهُ .\rفَإِنْ كَانَ وَاحِدًا أَخَذَ الْمَالَ كُلَّهُ ، وَإِنْ كَانُوا جَمَاعَةً قَسَمْت الْمَالَ بَيْنَ مَنْ يَمُتُّونَ بِهِ ، فَمَا حَصَلَ لِكُلِّ وَارِثٍ جُعِلَ لِمَنْ يَمُتُّ بِهِ .\rفَإِنْ بَقِيَ مِنْ سِهَامِ الْمَسْأَلَةِ شَيْءٌ ، رُدَّ عَلَيْهِمْ عَلَى قَدْرِ سِهَامِهِمْ .\rوَهَذَا قَوْلُ عَلْقَمَةَ ، وَمَسْرُوقٍ ، وَالشَّعْبِيِّ ، وَالنَّخَعِيِّ ، وَحَمَّادٍ ، وَنُعَيْمٍ ، وَشَرِيكٍ وَابْنِ أَبِي لَيْلَى ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَسَائِرِ مَنْ وَرَّثَهُمْ غَيْرُ أَهْلِ الْقَرَابَةِ .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ، وَعَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُمَا نَزَّلَا بِنْتَ الْبِنْتِ مَنْزِلَةَ الْبِنْتِ ، وَبِنْتَ الْأَخِ مَنْزِلَةَ الْأَخِ ، وَبِنْتَ الْأُخْتِ مَنْزِلَةَ الْأُخْتِ ، وَالْعَمَّةَ مَنْزِلَةَ الْأَبِ ، وَالْخَالَةَ مَنْزِلَةَ الْأُمِّ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي الْعَمَّةِ وَالْخَالَةِ .\rوَعَنْ عَلِيٍّ أَيْضًا ، أَنَّهُ نَزَّلَ الْعَمَّةَ بِمَنْزِلَةِ الْعَمِّ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلْقَمَةَ ، وَمَسْرُوقٍ .\rوَهِيَ الرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ عَنْ أَحْمَدَ .\rرَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَعَنْ الثَّوْرِيِّ ، وَأَبِي عُبَيْدٍ ، أَنَّهُمَا نَزَّلَاهَا مَنْزِلَةَ الْجَدِّ مَعَ وَلَدِ الْإِخْوَةِ وَالْأَخَوَاتِ .\rوَنَزَّلَهَا آخَرُونَ مَنْزِلَةَ","part":13,"page":445},{"id":6445,"text":"الْجَدَّةِ .\rوَإِنَّمَا صَارَ هَذَا الْخِلَافُ فِي الْعَمَّةِ ؛ لِأَنَّهَا أَدْلَتْ بِأَرْبَعِ جِهَاتٍ وَارِثَاتٍ ؛ فَالْأَبُ وَالْعَمُّ أَخَوَاهَا ، وَالْجَدُّ وَالْجَدَّةُ أَبَوَاهَا .\rوَنَزَّلَ قَوْمٌ الْخَالَةَ جَدَّةً ؛ لِأَنَّ الْجَدَّةَ أُمُّهَا .\rوَالصَّحِيحُ مِنْ ذَلِكَ تَنْزِيلُ الْعَمَّةِ أَبًا ، وَالْخَالَةِ أُمًّا ، لِوُجُوهٍ ثَلَاثَةٍ ؛ أَحَدُهَا ، مَا رَوَى الزُّهْرِيُّ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { الْعَمَّةُ بِمَنْزِلَةِ الْأَبِ ، إذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا أَبٌ ، وَالْخَالَةُ بِمَنْزِلَةِ الْأُمِّ إذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا أُمٌّ } .\rرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ .\rالثَّانِي ، أَنَّهُ قَوْلُ عُمَرَ ، وَعَلِيٍّ ، وَعَبْدِ اللَّهِ ، فِي الصَّحِيحِ عَنْهُمْ ، وَلَا مُخَالِفَ لَهُمْ فِي الصَّحَابَةِ .\rالثَّالِثُ ، أَنَّ الْأَبَ أَقْوَى جِهَاتِ الْعَمَّةِ ، وَالْأُمَّ أَقْوَى جِهَاتِ الْخَالَةِ ، فَتَعَيَّنَ تَنْزِيلُهُمَا بِهِمَا دُونَ غَيْرِهِمَا ، كَبِنْتِ الْأَخِ ، وَبِنْتِ الْعَمِّ ، فَإِنَّهُمَا يَنْزِلَانِ مَنْزِلَةَ أَبَوَيْهِمَا دُونَ أَخَوَيْهِمَا .\rوَلِأَنَّهُ إذَا اجْتَمَعَ لَهُمَا قَرَابَاتٌ ، وَلَمْ يُمْكِنْ تَوْرِيثُهُمَا بِجَمِيعِهِمَا ، وَرِثَتَا بِأَقْوَاهُمَا ، كَالْمَجُوسِ عِنْدَ مَنْ لَمْ يُوَرِّثْهُمْ بِجَمِيعِ قَرَابَاتِهِمْ ، وَكَالْأَخِ مِنْ الْأَبَوَيْنِ ، فَإِنَّا نُوَرِّثُهُ بِالتَّعْصِيبِ ، وَهِيَ جِهَةُ أَبِيهِ ، دُونَ قَرَابَةِ أُمِّهِ .\rفَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ ، فَإِنَّهُمْ وَرَّثُوهُمْ عَلَى تَرْتِيبِ الْعَصَبَاتِ ، فَجَعَلُوا أَوْلَاهُمْ مَنْ كَانَ مِنْ وَلَدِ الْمَيِّتِ وَإِنْ سَفَلُوا ، ثُمَّ وَلَدِ أَبَوَيْهِ أَوْ أَحَدِهِمَا وَإِنْ سَفَلُوا ، ثُمَّ وَلَدِ أَبَوَيْ أَبَوَيْهِ وَإِنْ سَفَلُوا كَذَلِكَ أَبَدًا ، لَا يَرِثُ بَنُو أَبٍ أَعْلَى ، وَهُنَاكَ بَنُو أَبٍ أَقْرَبُ مِنْهُ ، وَإِنْ نَزَلَتْ دَرَجَتُهُمْ .\rوَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ، أَنَّهُ جَعَلَ أَبَا الْأُمِّ وَإِنْ عَلَا أَوْلَى مِنْ وَلَدِ الْبَنَاتِ ، وَيُسَمَّى مَذْهَبُهُمْ مَذْهَبَ أَهْلِ الْقَرَابَةِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُمْ فَرْعٌ فِي الْمِيرَاثِ عَلَى غَيْرِهِمْ ، فَوَجَبَ إلْحَاقُهُمْ بِمَنْ هُمْ","part":13,"page":446},{"id":6446,"text":"فَرْعٌ لَهُ ، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ وَلَدَ الْمَيِّتِ مِنْ الْإِنَاثِ لَا يُسْقِطُ وَلَدَ أَبِيهِ ، فَأَوْلَى أَنْ لَا يُسْقِطَهُمْ وَلَدُهُ .\rمَسَائِلُ : مِنْ ذَلِكَ ؛ بِنْتُ بِنْتٍ وَبِنْتُ بِنْتِ ابْنٍ ، الْمَالُ بَيْنَهُمَا عَلَى أَرْبَعَةٍ .\rفَإِنْ كَانَ مَعَهُمَا بِنْتُ أَخٍ ، فَالْبَاقِي لَهَا ، وَتَصِحُّ مِنْ سِتَّةٍ .\rفَإِنْ كَانَ مَعَهُمَا خَالَةٌ ، فَلِبِنْتِ الْبِنْتِ النِّصْفُ ، وَلِبِنْتِ بِنْتِ الِابْنِ السُّدُسُ ، تَكْمِلَةُ الثُّلُثَيْنِ ، وَلِلْخَالَةِ السُّدُسُ ، وَالْبَاقِي لِبِنْتِ الْأَخِ .\rفَإِنْ كَانَ مَكَانَ الْخَالَةِ عَمَّةٌ ، حَجَبَتْ بِنْتَ الْأَخِ ، وَأَخَذَتْ الْبَاقِيَ ؛ لِأَنَّ الْعَمَّةَ كَالْأَبِ ، فَتُسْقِطُ مَنْ هُوَ بِمَنْزِلَةِ الْأَخِ ، وَمَنْ نَزَّلَهَا عَمًّا جَعَلَ الْبَاقِيَ لِبِنْتِ الْأَخِ ، وَأَسْقَطَ الْعَمَّةَ ، وَمَنْ نَزَّلَهَا جَدًّا قَاسَمَ بِنْتَ الْأَخِ الثُّلُثَ الْبَاقِيَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ ، وَمَنْ نَزَّلَهَا جَدَّةً جَعَلَ لَهَا السُّدُسَ ، وَلِبِنْتِ الْأَخِ الْبَاقِيَ .\rوَفِي قَوْلِ أَهْلِ الْقَرَابَةِ ، أَنَّهُ لَا تَرِث بِنْتُ الْأَخِ مَعَ بِنْتِ الْبِنْتِ ، وَلَا مَعَ بِنْتِ بِنْتِ الِابْنِ شَيْئًا .","part":13,"page":447},{"id":6447,"text":"( 4889 ) فَصْلٌ : إذَا انْفَرَدَ أَحَدٌ مِنْ ذَوِي الْأَرْحَامِ ، أَخَذَ الْمَالَ كُلَّهُ ، فِي قَوْلِ جَمِيعِ مَنْ وَرَّثَهُمْ .\rوَإِنْ كَانُوا جَمَاعَةً ، لَمْ يَخْلُ ؛ إمَّا أَنْ يُدْلُوا بِشَخْصٍ وَاحِدٍ ، أَوْ بِجَمَاعَةٍ ، فَإِنْ أَدْلَوْا بِشَخْصٍ وَاحِدٍ ، وَكَانُوا فِي دَرَجَةٍ وَاحِدَةٍ ، فَالْمَالُ بَيْنَهُمْ عَلَى حَسَبِ مَوَارِيثِهِمْ مِنْهُ .\rفَإِنْ أَسْقَطَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا ، كَأَبِي الْأُمِّ ، وَالْأَخْوَالِ ، فَأَسْقِطْ الْأَخْوَالَ ؛ لِأَنَّ الْأَبَ يُسْقِطُ الْإِخْوَةَ وَالْأَخَوَاتِ .\rفَإِنْ كَانَ بَعْضُهُمْ أَقْرَبَ مِنْ بَعْضٍ ، فَالْمِيرَاثُ لِأَقْرَبِهِمْ ، كَخَالَةٍ ، وَأُمِّ أَبِي أُمٍّ ، أَوْ ابْنِ خَالٍ ، فَالْمِيرَاثُ لِلْخَالَةِ ؛ لِأَنَّهَا تَلْقَى الْأُمَّ بِأَوَّلِ دَرَجَةٍ وَهَذَا قَوْلُ عَامَّةِ الْمُنَزِّلِينَ ، إلَّا أَنَّهُ حُكِيَ عَنْ النَّخَعِيِّ ، وَشَرِيكٍ ، وَيَحْيَى بْنِ آدَمَ ، فِي قَرَابَةِ الْأُمِّ خَاصَّةً ، أَنَّهُمْ أَمَاتُوا الْأُمَّ ، وَجَعَلُوا نَصِيبَهَا لِوَرَثَتِهَا .\rوَيُسَمَّى قَوْلُهُمْ قَوْلَ مَنْ أَمَاتَ السَّبَبَ .\rوَاسْتَعْمَلَهُ بَعْضُ الْفَرْضِيِّينَ فِي جَمِيعِ ذَوِي الْأَرْحَامِ .\rفَعَلَى قَوْلِهِمْ ، يَكُونُ لِلْخَالَةِ نِصْفُ مِيرَاثِ الْأُمِّ ؛ لِأَنَّهَا أُخْتٌ ، وَلِأُمِّ أَبِي الْأُمِّ السُّدُسُ ؛ لِأَنَّهَا جَدَّةٌ ، وَالْبَاقِي لِابْنِ الْخَالِ ؛ لِأَنَّهُ ابْنُ أَخٍ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الْمِيرَاثَ مِنْ الْمَيِّتِ ، لَا مِنْ سَبَبِهِ ؛ وَلِذَلِكَ وَرَّثْنَا أُمَّ أُمِّ الْأُمِّ ، دُونَ ابْنِ عَمِّ الْأُمِّ ، بِغَيْرِ خِلَافٍ أَيْضًا فِي أَبِي أُمِّ أُمٍّ ، وَابْنِ عَمِّ أَبِي أُمٍّ ، أَنَّ الْمَالَ لِلْجَدِّ ؛ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ .\rوَلَوْ كَانَتْ الْأُمُّ الْمَيِّتَةَ ، كَانَ وَارِثُهَا ابْنَ عَمِّ أَبِيهَا ، دُونَ أَبِي أُمِّهَا .\rخَالَةٌ وَأُمُّ أَبِي أُمٍّ وَعَمُّ أُمٍّ ، الْمَالُ لِلْخَالَةِ ، وَعِنْدَهُمْ لِلْخَالَةِ النِّصْفُ ، وَلِلْجَدَّةِ السُّدُسُ ، وَالْبَاقِي لِلْعَمِّ .\rفَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا عَمُّ أُمٍّ ، فَالْمَالُ بَيْنَ الْخَالَةِ وَأُمِّ أَبِي الْأُمِّ عَلَى أَرْبَعَةٍ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا جَدَّةٌ ، فَالْمَالُ بَيْنَ الْخَالَةِ وَعَمِّهَا نِصْفَيْنِ .\rابْنُ خَالَةٍ","part":13,"page":448},{"id":6448,"text":"وَابْنُ عَمِّ أُمٍّ ، الْمَالُ لِابْنِ الْخَالَةِ .\rوَعِنْدَهُمْ لِابْنِ عَمِّ الْأُمِّ .\rفَأَمَّا إنْ أَدْلَى جَمَاعَةٌ بِجَمَاعَةٍ ، جَعَلْت الْمَالَ لِلْمُدْلَى بِهِمْ ، كَأَنَّهُمْ أَحْيَاءٌ ، فَقَسَّمْت الْمَالَ بَيْنَهُمْ عَلَى مَا تُوجِبُهُ الْفَرِيضَةُ ، فَمَا صَارَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ، فَهُوَ لِمَنْ أَدْلَى بِهِ ، إذَا لَمْ يَسْبِقْ بَعْضُهُمْ بَعْضًا ، فَإِنْ سَبَقَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا ، وَكَانُوا مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ ، فَالسَّابِقُ إلَى الْوَارِثِ أَوْلَى .\rوَإِنْ كَانُوا مِنْ وِجْهَتَيْنِ ، نَزَلَ الْبَعِيدُ حَتَّى يَلْحَقَ بِمَنْ أَدْلَى بِهِ ، فَيَأْخُذُ نَصِيبَهُ ، سَوَاءٌ سَقَطَ بِهِ الْقَرِيبُ أَوْ لَمْ يَسْقُطْ هَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .\rوَنَقَلَ عَنْهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ فِي خَالَةٍ وَبِنْتِ خَالَةٍ وَبِنْتِ ابْنِ عَمٍّ ، لِلْخَالَةِ الثُّلُثُ ، وَلِابْنَةِ ابْنِ الْعَمِّ الثُّلُثَانِ ، وَلَا تُعْطَى بِنْتُ الْخَالَةِ شَيْئًا .\rوَنَقَلَ حَنْبَلٌ عَنْهُ ، أَنَّهُ قَالَ : قَالَ سُفْيَانُ قَوْلًا حَسَنًا : إذَا كَانَتْ خَالَةٌ وَبِنْتُ ابْنِ الْعَمِّ ، تُعْطَى الْخَالَةُ الثُّلُثَ ، وَتُعْطَى بِنْتُ ابْنِ الْعَمِّ الثُّلُثَيْنِ .\rوَظَاهِرُ هَذَا يَدُلُّ عَلَى مَا قُلْنَاهُ .\rوَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ سَالِمٍ ، وَالْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ وَقَالَ ضِرَارُ بْنُ صُرَدٍ : إنْ كَانَ الْبَعِيدُ إذَا نُزِّلَ أَسْقَطَ الْقَرِيبَ ، فَالْقَرِيبُ أَوْلَى ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ يُسْقِطُهُ نُزِّلَ الْبَعِيدُ حَتَّى يَلْحَقَ بِالْوَارِثِ .\rوَقَالَ سَائِرُ الْمُنَزِّلِينَ : الْأَسْبَقُ إلَى الْوَارِثِ أَوْلَى بِكُلِّ حَالٍ .\rوَلَمْ يَخْتَلِفُوا فِيمَا عَلِمْت فِي تَقْدِيمِ الْأَسْبَقِ ، إذَا كَانَ مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ ، إلَّا نُعَيْمًا ، وَمُحَمَّدَ بْنَ سَالِمٍ ، فَإِنَّهُمَا قَالَا فِي عَمَّةٍ وَبِنْتِ عَمَّةٍ : الْمَالُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ وَلَمْ أَعْلَمْ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِنَا ، وَلَا مِنْ غَيْرِهِمْ ، عَدَّ الْجِهَاتِ ، وَبَيَّنَهَا ، إلَّا أَبَا الْخَطَّابِ ، فَإِنَّهُ عَدَّهَا خَمْسَ جِهَاتٍ ، الْأُبُوَّةَ ، وَالْأُمُومَةَ ، وَالْبُنُوَّةَ ، وَالْأُخُوَّةَ ، وَالْعُمُومَةَ .\rوَهَذَا يُفْضِي","part":13,"page":449},{"id":6449,"text":"إلَى أَنَّ ابْنَةَ الْعَمِّ مِنْ الْأُمِّ ، أَوْ بِنْتَ الْعَمَّةِ مِنْ الْأُمِّ ، مُسْقِطَةٌ لِبِنْتِ الْعَمِّ مِنْ الْأَبَوَيْنِ ، وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا قَالَ بِهِ .\rوَقَدْ ذَكَرَ الْخِرَقِيِّ هَذَا فِي ثَلَاثِ بَنَاتِ عُمُومَةٍ مُفْتَرِقِينَ ، أَنَّ الْمَالَ لِبِنْتِ الْعَمِّ مِنْ الْأَبَوَيْنِ وَبَيَانُ إفْضَائِهِ إلَى ذَلِكَ ، أَنَّ بِنْتَ الْعَمِّ مِنْ الْأُمِّ أَبُوهَا يُدْلِي بِالْأَبِ ، وَبِنْتَ الْعَمِّ مِنْ الْأَبَوَيْنِ تُدْلِي بِأَبِيهَا ، وَالْأَبُ يُسْقِطُ الْعَمَّ ، وَكَذَلِكَ بِنْتُ الْعَمَّةِ مِنْ جِهَةِ الْأَبِ ، وَبِنْتُ الْعَمِّ مِنْ جِهَةِ الْعَمِّ .\rفَالصَّوَابُ إذًا أَنْ تَكُونَ الْجِهَاتُ أَرْبَعًا ؛ الْأُبُوَّةَ ، وَالْبُنُوَّةَ ، وَالْأُخُوَّةَ ، وَالْأُمُومَةَ .","part":13,"page":450},{"id":6450,"text":"مَسَائِلُ فِي هَذَا الْبَابِ : بِنْتُ بِنْتِ بِنْتٍ وَبِنْتُ بِنْتِ بِنْتِ بِنْتٍ وَبِنْتُ أَخٍ ، الْمَالُ بَيْنَ الْأُولَى وَالثَّالِثَةِ ، وَسَقَطَتْ الثَّانِيَةُ ، إلَّا عِنْدَ مُحَمَّدِ بْنِ سَالِمٍ ، وَنُعَيْمٍ ، فَإِنَّهَا تُشَارِكُهُمَا .\rوَمَنْ وَرَّثَ الْأَقْرَبَ ، جَعَلَهُ لِبِنْتِ الْأَخِ ؛ لِأَنَّهَا أَسْبَقُ ، وَقَوْلُ أَهْلِ الْقَرَابَةِ هُوَ لِلْأُولَى وَحْدَهَا ؛ لِأَنَّهَا مِنْ وَلَدِ الْمَيِّتِ ، وَهِيَ أَقْرَبُ مِنْ الثَّانِيَةِ ابْنُ خَالٍ وَبِنْتُ عَمٍّ ، ثُلُثٌ ، وَثُلُثَانِ .\rوَمَنْ وَرَّثَ الْأَسْبَقَ جَعَلَهُ لِبِنْتِ الْعَمِّ ، وَإِنْ كَانَ مَعَهَا بِنْتُ عَمَّةٍ فَلَا شَيْءَ لَهَا ؛ لِأَنَّ بِنْتَ الْعَمِّ أَسْبِقُ إلَى الْوَارِثِ مِنْهُمَا ، وَهُمَا مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ .\rوَإِنْ كَانَ مَعَهُمْ عَمَّةٌ ، سَقَطَتْ بِنْتُ الْعَمِّ ؛ لِأَنَّ الْعَمَّةَ بِمَنْزِلَةِ الْأَبِ ، وَبِنْتَ الْعَمِّ بِمَنْزِلَةِ الْعَمِّ بِنْتُ بِنْتِ بِنْتٍ وَبِنْتُ بِنْتٍ ابْنٍ ، الْمَالُ لِبِنْتِ بِنْتِ الِابْنِ عِنْدَ الْجَمِيعِ ، إلَّا عِنْدَ ابْنِ سَالِمٍ ، وَنُعَيْمٍ بِنْتُ بِنْتِ بِنْتٍ وَابْنُ أَخٍ مِنْ أُمٍّ ، الْمَالُ لِلْأُولَى ، وَمَنْ وَرَّثَ الْأَقْرَبَ جَعَلَهُ لِابْنِ الْأَخِ ، وَهُوَ قَوْلُ ضِرَارٍ ؛ لِأَنَّ الْبَعِيدَ إذَا نُزِّلَ أَسْقَطَ الْقَرِيبَ .\rبِنْتُ بِنْتٍ وَبِنْتُ بِنْتِ ابْنٍ ، الْمَالُ بَيْنَهُمَا عَلَى أَرْبَعَةٍ عِنْدَ جَمِيعِ الْمُنَزِّلِينَ ، وَعِنْدَ أَهْلِ الْقَرَابَةِ ، هُوَ لِبِنْتِ الْبِنْتِ ؛ لِأَنَّهَا أَقْرَبُ .\rابْنُ بِنْتِ بِنْتٍ وَبِنْتُ أَخٍ ، هُوَ بَيْنَهُمَا ، وَمَنْ وَرَّثَ الْأَقْرَبَ جَعَلَهُ لِبِنْتِ الْأَخِ ، وَعِنْدَ أَهْلِ الْقَرَابَةِ هُوَ لِابْنِ بِنْتِ الْبِنْتِ .\rابْنُ بِنْتٍ وَابْنُ ابْنِ ابْنِ أُخْتٍ لِأَبَوَيْنِ ؛ الْمَالُ بَيْنَهُمَا ، وَعِنْدَ مَنْ وَرَّثَ الْأَقْرَبَ ، وَأَهْلِ الْقَرَابَةِ ، هُوَ لِلْأَوَّلِ .\rبِنْتُ أَخٍ وَبِنْتُ عَمٍّ ، أَوْ بِنْتُ عَمَّةٍ .\rالْمَالُ لِبِنْتِ الْأَخِ .\rوَقِيَاسُ قَوْلِ أَحْمَدَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي تَوْرِيثِ الْبَعِيدِ مِنْ الْقَرِيبِ إنْ كَانَ مِنْ جِهَتَيْنِ ؛ أَنْ يَكُونَ لِبِنْتِ الْعَمِّ ، وَالْعَمَّةِ ؛ لِأَنَّهُمَا مِنْ جِهَةِ الْأَبِ ، وَذَلِكَ","part":13,"page":451},{"id":6451,"text":"قَوْلُ ضِرَارٍ أَيْضًا .\rابْنُ أُخْتٍ وَابْنُ عَمٍّ لِأُمٍّ ، الْمَالُ بَيْنَهُمَا ، وَمَنْ وَرَّثَ الْأَقْرَبَ جَعَلَهُ لِابْنِ الْأُخْتِ ، وَهُوَ قَوْلُ أَهْلِ الْقَرَابَةِ أَيْضًا ؛ لِأَنَّهَا مِنْ وَلَدِ أَبَوَيْ الْمَيِّتِ ، وَابْنُ الْعَمِّ لِلْأُمِّ مِنْ وَلَدِ أَبَوَيْ أَبَوَيْهِ .\rبِنْتُ عَمٍّ وَبِنْتُ عَمِّ أَبٍ ؛ هُوَ لِلْأُولَى عِنْدَ الْجَمِيعِ ، إلَّا عِنْدَ ابْنِ سَالِمٍ ، وَنُعَيْمٍ .\rبِنْتُ بِنْتِ بِنْتٍ ، وَأُمُّ أَبِ أُمٍّ .\rالْمَالُ بَيْنَهُمَا عَلَى أَرْبَعَةٍ .\rبِنْتُ بِنْتِ بِنْتٍ وَأَبُو أُمِّ أَبٍ ، مِثْلُهَا عِنْدَنَا ، وَعِنْدَ مَنْ وَرَّثَ الْأَقْرَبَ جَعَلَهُ لِلثَّانِي .\rبِنْتُ بِنْتِ بِنْتِ ابْنٍ وَعَمَّةٌ ، أَوْ خَالَةٍ ، لِلْأُولَى النِّصْفُ فِي الْأُولَى ، وَمَعَ الْخَالَةِ لَهَا ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الْمَالِ ، وَعِنْدَ مَنْ وَرَّثَ الْأَقْرَبَ ؛ الْكُلُّ لِلْعَمَّةِ وَلِلْخَالَةِ .\rوَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الْجِهَاتُ ثَلَاثًا ؛ الْأُبُوَّةَ ، وَالْبُنُوَّةَ ، وَالْأُمُومَةَ ؛ لِأَنَّ جَعْلَ الْعُمُومَةِ جِهَةً خَامِسَةً يُفْضِي إلَى إسْقَاطِ بِنْتِ الْعَمِّ بِبِنْتِ الْعَمَّةِ ، كَمَا ذَكَرْنَا وَإِنْ جَعَلْنَا الْأُخُوَّةَ جِهَةً رَابِعَةً ، مَعَ نَفْيِ جِهَةِ الْعُمُومَةِ ، أَفْضَى إلَى إسْقَاطِ وَلَدِ الْإِخْوَةِ وَالْأَخَوَاتِ بِبَنَاتِ الْأَعْمَامِ وَالْعَمَّاتِ .\rوَإِذَا جَعَلْنَا جَمِيعَهُمْ جِهَةً وَاحِدَةً ، وَوَرَّثْنَا أَسْبَقَهُمْ إلَى الْوَارِثِ ، كَانَ أَوْلَى .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":13,"page":452},{"id":6452,"text":"( 4890 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِذَا كَانَ وَارِثٌ غَيْرَ الزَّوْجِ وَالزَّوْجَةِ ، أَوْ مَوْلَى نِعْمَةٍ ، فَهُوَ أَحَقُّ بِالْمَالِ مِنْ ذَوِي الْأَرْحَامِ ) فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فُصُولٌ ثَلَاثَةٌ : ( 4891 ) أَحَدُهَا : أَنَّ الرَّدَّ يُقَدَّمُ عَلَى مِيرَاثِ ذَوِي الْأَرْحَامِ ، فَمَتَى خَلَّفَ الْمَيِّتُ عَصَبَةً ، أَوْ ذَا فَرْضٍ مِنْ أَقَارِبِهِ ، أَخَذَ الْمَالَ كُلَّهُ ، وَلَا شَيْءَ لِذَوِي الْأَرْحَامِ .\rوَهَذَا قَوْلُ عَامَّةِ مَنْ وَرَّثَ ذَوِي الْأَرْحَامِ .\rوَقَالَ الْخَبْرِيُّ : لَمْ يَخْتَلِفُوا أَنَّ الرَّدَّ أَوْلَى مِنْهُمْ ، إلَّا مَا رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، أَنَّهُمَا وَرَّثَا الْخَالَ مَعَ الْبِنْتِ .\rفَيُحْتَمَلُ أَنَّهُمَا وَرِثَاهُ لِكَوْنِهِ عَصَبَةً ، أَوْ مَوْلَى ؛ لِئَلَّا يُخَالِفَ الْإِجْمَاعَ ، وَقَوْلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الْخَالُ وَارِثُ مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ } .\rوَمِنْ مَسَائِلِ هَذَا الْفَصْلِ أَبُو أُمٍّ وَجَدَّةٌ ؛ الْمَالُ لِلْجَدَّةِ بِنْتُ ابْنٍ وَبِنْتُ بِنْتِ ابْنِ ابْنِ أَخٍ ، وَابْنُ أُخْتِ عَمٍّ وَعَمَّةٌ ، ثَلَاثَةُ بَنِي إخْوَةٍ مُفْتَرِقِينَ ؛ لَا شَيْءَ لِذِي الرَّحِمِ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ ( 4892 ) الْفَصْلُ الثَّانِي : أَنَّ الْمَوْلَى الْمُعْتِقَ وَعَصَبَاتِهِ أَحَقُّ مِنْ ذَوِي الْأَرْحَامِ .\rوَهُوَ قَوْلُ عَامَّةِ مَنْ وَرَّثَهُمْ مِنْ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ ، وَقَوْلُ مَنْ لَا يَرَى تَوْرِيثَهُمْ أَيْضًا .\rوَرُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ تَقْدِيمُهُمْ عَلَى الْمَوْلَى ، وَبِهِ قَالَ ابْنُهُ أَبُو عُبَيْدَةُ ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ ، وَعَلْقَمَةُ ، وَالْأَسْوَدُ ، وَعُبَيْدَةُ ، وَمَسْرُوقٌ ، وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَالْقَاسِمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَمَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ؛ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { الْخَالُ وَارِثُ مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ .\rوَالْمَوْلَى وَارِثٌ } .\rوَلِأَنَّ الْمَوْلَى يَعْقِلُ ، وَيَنْصُرُ ، فَأَشْبَهَ الْعَصَبَةَ مِنْ النَّسَبِ .\r( 4893 ) الْفَصْلُ الثَّالِثُ : فِي","part":13,"page":453},{"id":6453,"text":"تَوْرِيثِهِمْ مَعَ الزَّوْجِ وَالزَّوْجَةِ .\rلَا أَعْلَمُ خِلَافًا بَيْنَ مَنْ وَرَّثَهُمْ أَنَّهُمْ يَرِثُونَ مَعَ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ مَا فَضَلَ عَنْ مِيرَاثِهِ ، مِنْ غَيْرِ حَجْبٍ لَهُ ، وَلَا مُعَاوَلَةٍ ، وَاخْتُلِفَ فِي كَيْفِيَّةِ تَوْرِيثِهِمْ مَعَهُ ، فَرُوِيَ عَنْ إمَامِنَا أَنَّهُمْ يَرِثُونَ مَا فَضَلَ كَمَا يَرِثُونَ الْمَالَ إذَا انْفَرَدُوا وَهَذَا قَوْلُ أَبِي عُبَيْدٍ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ ، وَاللُّؤْلُؤِيِّ ، وَعَامَّةِ مَنْ وَرَّثَهُمْ .\rوَقَالَ يَحْيَى بْنُ آدَمَ ، وَضِرَارٌ : يُقَسَّمُ الْمَالُ الْبَاقِي بَيْنَهُمْ عَلَى قَدْرِ سِهَامِ مَنْ يُدْلُونَ بِهِ مَعَ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ ، عَلَى الْحَجْبِ وَالْعَوْلِ ، ثُمَّ نَفْرِضُ لِلزَّوْجِ فَرَضَهُ كَامِلًا ، مِنْ غَيْرِ حَجْبٍ وَلَا عَوْلٍ ، يُقَسَّمُ الْبَاقِي بَيْنَهُمْ عَلَى قَدْرِ سِهَامِهِمْ .\rفَإِنَّمَا يَقَعُ الْخِلَافُ فِي مَسْأَلَةٍ فِيهَا مَنْ يُدْلِي بِذِي فَرْضٍ ، وَمَنْ يُدْلِي بِعَصَبَةٍ ، فَأَمَّا إنْ أَدْلَى جَمِيعُهُمْ بِذِي فَرْضٍ ، أَوْ عَصَبَةٍ ، فَلَا خِلَافَ فِيهِ وَمِنْ مَسَائِلِ ذَلِكَ ؛ زَوْجٌ وَبِنْتُ بِنْتٍ وَبِنْتُ أُخْتٍ ، أَوْ ابْنُ أُخْتٍ ، أَوْ أَوْلَادُ أُخْتٍ ، أَوْ بِنْتُ أَخٍ ، أَوْ بَنَاتُ أَخٍ ؛ فَلِلزَّوْجِ النِّصْفُ ، وَالْبَاقِي بَيْنَ بِنْتِ الْبِنْتِ وَمَنْ مَعَهَا نِصْفَيْنِ .\rوَقَالَ يَحْيَى وَضِرَارٌ : الْمَسْأَلَةُ مِنْ أَرْبَعَةٍ ؛ لِلزَّوْجِ الرُّبُعُ ، وَلِلْبِنْتِ النِّصْفُ ، سَهْمَانِ ، يَبْقَى سَهْمٌ لِمَنْ مَعَهَا ، ثُمَّ يُفْرَضُ لِلزَّوْجِ النِّصْفُ ، وَالنِّصْفُ الْآخَرُ بَيْنَهُمْ عَلَى ثَلَاثَةٍ ؛ لِبِنْتِ الْبِنْتِ سَهْمَانِ ، وَلِمَنْ مَعَهَا سَهْمٌ فَإِنْ كَانَ مَكَانَ الزَّوْجِ زَوْجَةٌ ، فَرَضَتْ الْمَسْأَلَةُ مِنْ ثَمَانِيَةٍ ؛ لِلْمَرْأَةِ سَهْمٌ ، وَلِلْبِنْتِ أَرْبَعَةٌ ، وَيَبْقَى ثَلَاثَةٌ لِمَنْ بَقِيَ ، ثُمَّ يُفْرَضُ لِلْمَرْأَةِ الرُّبُعُ ، وَيُقَسَّمُ الْبَاقِي بَيْنَهُمْ عَلَى سَبْعَةٍ ، تَضْرِبُهَا فِي أَرْبَعَةٍ ، تَكُنْ ثَمَانِيَةً وَعِشْرِينَ ، وَمِنْهَا تَصِحُّ ، لِلْمَرْأَةِ الرُّبُعُ سَبْعَةٌ ، وَلِبِنْتِ الْبِنْتِ أَرْبَعَةُ أَسْبَاعِ الْبَاقِي اثْنَا عَشَرَ ، وَيَبْقَى تِسْعَةٌ لِمَنْ مَعَهَا .\rزَوْجٌ","part":13,"page":454},{"id":6454,"text":"وَبِنْتُ بِنْتٍ وَخَالَةٍ وَبِنْتُ عَمٍّ ، لِلزَّوْجِ النِّصْفُ ، وَالْبَاقِي بَيْنَ ذَوِي الْأَرْحَامِ عَلَى سِتَّةٍ ؛ لِبِنْتِ الْبِنْتِ ثَلَاثَةٌ ، وَلِلْخَالَةِ سَهْمٌ ، وَيَبْقَى لِبِنْتِ الْعَمِّ سَهْمَانِ ، وَتَصِحُّ مِنْ اثْنَيْ عَشَرَ سَهْمًا وَفِي قَوْلِ يَحْيَى وَضِرَارٍ ؛ تُفْرَضُ الْمَسْأَلَةُ مِنْ اثْنَيْ عَشَرَ ؛ لِلزَّوْجِ ثَلَاثَةٌ ، وَلِلْبِنْتِ سِتَّةٌ ، وَلِلْأُمِّ سَهْمَانِ ، وَيَبْقَى لِلْعَمِّ سَهْمٌ ، ثُمَّ يُعْطَى الزَّوْجُ النِّصْفَ ، وَتُجْمَعُ سِهَامُ الْبَاقِينَ ، وَهِيَ تِسْعَةٌ ، فَيُقَسَّمُ النِّصْفُ الْبَاقِي عَلَى تِسْعَةٍ ، فَلَا تَصِحُّ ، فَتَضْرِبُهَا فِي اثْنَيْنِ ، تَكُنْ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ .\rوَإِنْ كَانَ مَكَانَ الزَّوْجِ امْرَأَةٌ ، فَعَلَى قَوْلِ الْجُمْهُورِ ؛ لِلْمَرْأَةِ الرُّبُعُ ، وَالْبَاقِي بَيْنَ ذَوِي الْأَرْحَامِ عَلَى سِتَّةٍ وَهِيَ تُوَافِقُ بَاقِيَ مَسْأَلَةِ الزَّوْجَةِ بِالْأَثْلَاثِ ، فَرَدَّهَا إلَى اثْنَيْنِ ، وَتَضْرِبُهَا فِي أَرْبَعَةٍ ، تَكُنْ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ ، لِلْمَرْأَةِ سَهْمَانِ ، وَلِبِنْتِ الْبِنْتِ نِصْفُ الْبَاقِي ثَلَاثَةٌ ، وَلِلْخَالَةِ سَهْمٌ ، وَلِبِنْتِ الْعَمِّ سَهْمَانِ .\rوَعَلَى قَوْلِ يَحْيَى ، تَفْرِضُهَا مِنْ أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ ؛ لِذَوِي الْأَرْحَامِ مِنْهَا أَحَدٌ وَعِشْرُونَ ، ثُمَّ تَفْرِضُ لِلْمَرْأَةِ الرُّبُعَ مِنْ أَرْبَعَةٍ ، لَهَا سَهْمٌ ، وَلَهُمْ ثَلَاثَةٌ ، تُوَافِقُ سِهَامَهُمْ بِالثُّلُثِ ، فَتَضْرِبُ ثُلُثَهَا فِي أَرْبَعَةٍ ، تَكُنْ ثَمَانِيَةً وَعِشْرِينَ ، وَمِنْهَا تَصِحُّ .\rامْرَأَةٌ ، وَثَلَاثُ بَنَاتٍ ، ثَلَاثَةُ إخْوَةٍ مُفْتَرِقِينَ .\rامْرَأَةٌ ، وَبِنْتُ بِنْتٍ ، وَثَلَاثُ إخْوَةٍ مُفْتَرِقِينَ ، امْرَأَةٌ ، وَبِنْتُ بِنْتٍ ، وَثَلَاثُ خَالَاتٍ مُفْتَرِقَاتٍ ، وَثَلَاثُ عَمَّاتٍ مُفْتَرِقَاتٍ .","part":13,"page":455},{"id":6455,"text":"( 4894 ) فَصْلٌ : وَلَا يَعُولُ مِنْ مَسَائِلِ ذَوِي الْأَرْحَامِ إلَّا مَسْأَلَةٌ وَاحِدَةٌ ، وَشِبْهُهَا ، وَهِيَ ، خَالَةٌ ، أَوْ غَيْرُهَا مِمَّنْ يَقُومُ مَقَامَ الْأُمِّ أَوْ الْجَدَّةِ ، وَسِتُّ بَنَاتٍ ، سِتُّ أَخَوَاتٍ مُفْتَرِقَاتٍ ، أَوْ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُنَّ مِمَّنْ يَأْخُذُ الْمَالَ بِالْفُرُوضِ ، فَإِنَّ لِلْخَالَةِ السُّدُسَ ، وَلِوَلَدِ الْأُمِّ الثُّلُثَ ، وَلِبَنَاتِ الْأُخْتَيْنِ مِنْ الْأَبَوَيْنِ الثُّلُثَانِ ، أَصْلُهَا مِنْ سِتَّةٍ ، وَعَالَتْ إلَى سَبْعَةٍ .","part":13,"page":456},{"id":6456,"text":"( 4895 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَيُوَرَّثُ الذُّكُورُ وَالْإِنَاثُ مِنْ ذَوِي الْأَرْحَامِ بِالسَّوِيَّةِ ، إذَا كَانَ أَبُوهُمْ وَاحِدًا ، وَأُمُّهُمْ وَاحِدَةً ، إلَّا الْخَالَ ، وَالْخَالَةَ ، فَلِلْخَالِ الثُّلُثَانِ ، وَلِلْخَالَةِ الثُّلُثُ ) اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ فِي تَوْرِيثِ الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ مِنْ ذَوِي الْأَرْحَامِ ، إذَا كَانُوا مِنْ أَبٍ وَاحِدٍ وَأُمٍّ وَاحِدَةٍ ، فَنَقَلَ الْأَثْرَمُ ، وَحَنْبَلٌ ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَارِثِ ، فِي الْخَالِ ، وَالْخَالَةِ : يُعْطُونَ بِالسَّوِيَّةِ .\rفَظَاهِرُ هَذَا التَّسْوِيَةُ فِي جَمِيعِ ذَوِي الْأَرْحَامِ وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ ، وَمَذْهَبُ أَبِي عُبَيْدٍ ، وَإِسْحَاقَ ، وَنُعَيْمِ بْنِ حَمَّادٍ ؛ لِأَنَّهُمْ يَرِثُونَ بِالرَّحِمِ الْمُجَرَّدِ ، فَاسْتَوَى ذَكَرُهُمْ وَأُنْثَاهُمْ ، كَوَلَدِ الْأُمِّ .\rوَنَقَلَ يَعْقُوبُ بْنُ بُخْتَانَ : إذَا تَرَكَ وَلَدَ خَالِهِ .\rوَخَالَتِهِ ، اجْعَلْهُ بِمَنْزِلَةِ الْأَخِ وَالْأُخْتِ ، لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ، وَكَذَلِكَ وَلَدُ الْعَمِّ وَالْعَمَّةِ .\rوَنَقَلَ عَنْهُ الْمَرُّوذِيُّ ، فِي مَنْ تَرَكَ خَالَهُ وَخَالَتِهِ : لِلْخَالِ الثُّلُثَانِ ، وَلِلْخَالَةِ الثُّلُثُ ، فَظَاهِرُ هَذَا التَّفْضِيلِ ، وَهُوَ قَوْلُ أَهْلِ الْعِرَاقِ ، وَعَامَّةِ الْمُنَزِّلِينَ .\rلِأَنَّ مِيرَاثَهُمْ مُعْتَبَرٌ بِغَيْرِهِمْ ، فَلَا يَجُوزُ حَمْلُهُمْ عَلَى ذَوِي الْفُرُوضِ ؛ لِأَنَّهُمْ يَأْخُذُونَ الْمَالَ كُلَّهُ ، وَلَا عَلَى الْعَصَبَةِ الْبَعِيدِ ؛ لِأَنَّ ذَكَرَهُمْ يَنْفَرِدُ بِالْمِيرَاثِ دُونَ الْإِنَاثِ ، فَوَجَبَ اعْتِبَارُهُمْ بِالْقُرْبِ مِنْ الْعَصَبَاتِ ، وَالْإِخْوَةِ وَالْأَخَوَاتِ .\rوَيُجَابُ عَنْ هَذَا بِأَنَّهُمْ مُعْتَبَرُونَ بِوَلَدِ الْأُمِّ ، وَإِنَّمَا يَأْخُذُونَ كُلَّ الْمَالِ بِالْفَرْضِ وَالرَّدِّ ، وَاتَّفَقَ الْجَمِيعُ عَلَى التَّسْوِيَةِ بَيْنَ وَلَدِ الْأُمِّ ؛ لِأَنَّ آبَاءَهُمْ يَسْتَوِي ذَكَرُهُمْ وَأُنْثَاهُمْ ، إلَّا فِي قِيَاسِ قَوْلِ مَنْ أَمَاتَ السَّبَبَ ، فَإِنَّ لِلذَّكَرِ مِثْلَ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ .\rوَاَلَّذِي نَقَلَ الْخِرَقِيِّ ؛ التَّسْوِيَةَ بَيْنَ الْجَمِيعِ ، إلَّا فِي الْخَالِ","part":13,"page":457},{"id":6457,"text":"وَالْخَالَةِ وَلَمْ أَعْلَمْ لَهُ مُوَافِقًا عَلَى هَذَا الْقَوْلِ ، وَلَا عَلِمْت وَجْهَهُ .\rوَأَمَّا قَوْلُهُ : \" إذَا كَانَ أَبُوهُمْ وَاحِدًا ، وَأُمُّهُمْ وَاحِدَةً \" .\rفَلِأَنَّ الْخِلَافَ إنَّمَا هُوَ فِي ذَكَرٍ وَأُنْثَى ، أَبُوهُمَا وَأُمُّهُمَا وَاحِدٌ ، فَأَمَّا إذَا اخْتَلَفَ آبَاؤُهُمْ وَأُمَّهَاتُهُمْ ، كَالْأَخْوَالِ وَالْخَالَاتِ الْمُفْتَرِقِينَ ، وَالْعَمَّاتِ الْمُفْتَرِقَاتِ ، أَوْ إذَا أَدْلَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِغَيْرِ مَنْ أَدْلَى بِهِ الْآخَرُ ، كَابْنِ بِنْتٍ وَبِنْتِ بِنْتٍ أُخْرَى ، فَلِذَلِكَ مَوْضِعٌ آخَرُ يُذْكَرُ فِيهِ غَيْرُ هَذَا ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَمِنْ مَسَائِلِ ذَلِكَ ؛ ابْنُ أُخْتٍ مَعَهُ أُخْتُهُ ، أَوْ ابْنُ بِنْتٍ مَعَهُ أُخْتُهُ ، الْمَالُ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ عِنْدَ مَنْ سَوَّى ، وَعِنْدَ أَهْلِ الْقَرَابَةِ ، وَسَائِرِ الْمُنَزِّلِينَ ، الْمَالُ بَيْنَهُمَا عَلَى ثَلَاثَةٍ .\rابْنَا وَابْنَتَا أُخْتٍ لِأَبَوَيْنِ وَثَلَاثَةُ بَنِينَ وَثَلَاثُ بَنَاتِ أُخْتٍ لِأَبٍ وَأَرْبَعَةُ بَنِي وَلَدٍ وَأَرْبَعُ بَنَاتِ أُخْتٍ لِأُمٍّ ، أَصْلُ الْمَسْأَلَةِ مِنْ خَمْسَةٍ ؛ لِلْأُخْتِ مِنْ الْأَبَوَيْنِ ثَلَاثَةٌ بَيْنَ وَلَدِهَا عَلَى أَرْبَعَةٍ وَلِلْأُخْتِ مِنْ الْأَبِ سَهْمٌ بَيْنَ وَلَدِهَا عَلَى سِتَّةٍ ، وَلِلْأُخْتِ مِنْ الْأُمِّ سَهْمٌ بَيْنَ وَلَدِهَا عَلَى ثَمَانِيَةٍ .\rوَالْأَرْبَعَةُ دَاخِلَةٌ فِيهَا ، وَالسِّتَّةُ تُوَافِقُهَا بِالنِّصْفِ ، فَتَضْرِبُ نِصْفَهَا فِي ثَمَانِيَةٍ ، تَكُنْ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ ، ثُمَّ فِي خَمْسَةٍ تَكُنْ مِائَةً وَعِشْرِينَ ، وَمَنْ فَضَّلَ أَبْقَى وَلَدَ الْأُمِّ بِحَالِهِمْ ، وَجَعَلَ وَلَدَ الْأُخْتِ مِنْ الْأَبَوَيْنِ سِتَّةً ، تُوَافِقُهُمْ سِهَامُهُمْ بِالثُّلُثِ ، فَيَرْجِعُونَ إلَى اثْنَيْنِ ، فَيَدْخُلَانِ فِي الثَّمَانِيَةِ ، وَوَلَدُ الْأُخْتِ مِنْ الْأَبِ تِسْعَةٌ ، تَضْرِبُهَا فِي ثَمَانِيَةٍ ، تَكُنْ اثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ ، ثُمَّ فِي خَمْسَةٍ ، تَكُنْ ثَلَاثَمِائَةٍ وَسِتِّينَ .\rوَإِنْ كَانُوا أَوْلَادَ عَمَّاتٍ أَوْ خَالَاتٍ مُفْتَرِقَاتٍ فَكَذَلِكَ .\rوَإِنْ كَانُوا أَوْلَادَ بَنَاتٍ ، أَوْ أَوْلَادَ أَخَوَاتٍ مِنْ أَبَوَيْنِ ، أَوْ مِنْ أَبٍ ، فَهِيَ مِنْ","part":13,"page":458},{"id":6458,"text":"اثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ ، عِنْدَ مَنْ سَوَّى وَمِنْ مِائَةٍ وَثَمَانِيَةٍ عِنْدَ مَنْ فَضَّلَ .\rوَقَوْلُ أَهْلِ الْعِرَاقِ : هِيَ مِنْ سَبْعَةٍ وَعِشْرِينَ كَأَوْلَادِ الْبَنِينَ .","part":13,"page":459},{"id":6459,"text":"( 4896 ) فَصْلٌ : وَإِذَا كَانَ مَعَك أَوْلَادُ بَنَاتٍ أَوْ أَخَوَاتٌ ، قَسَّمْت الْمَالَ بَيْنَ أُمَّهَاتِهِمْ عَلَى عَدَدِهِنَّ فَمَا أَصَابَ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ فَهُوَ لِوَلَدِهَا بِالسَّوِيَّةِ عِنْدَ مَنْ سَوَّى ، وَعِنْدَ مَنْ فَضَّلَ جَعْلَهُ بَيْنَهُمْ عَلَى حَسَبِ مِيرَاثِهِمْ .\rوَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ ، فَذَهَبَ أَبُو يُوسُفَ إلَى قَسْمِ الْمَالِ بَيْنَهُمْ عَلَى عَدَدِهِمْ دُونَ مُرَاعَاةِ أُمَّهَاتِهِمْ إذَا اسْتَوَوْا ، أَوْ مِمَّنْ يُدْلُونَ بِهِ مِنْ الْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ إلَى بَنَاتِ الْمَيِّتِ ، لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ؛ كَأَوْلَادِ الْبَنِينَ وَجَعَلَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ مَنْ أَدْلَى بِابْنٍ ابْنًا ، وَإِنْ كَانَ أُنْثَى ، وَمِنْ أَدْلَى بِالْأُنْثَى أُنْثَى وَإِنْ كَانَ ذَكَرًا ، وَجَعَلَ الْمُدْلَى بِهِمْ بِعَدَدِ الْمُدْلِينَ ، ثُمَّ قَسَّمَ بَيْنَهُمْ عَلَى عَدَدِهِمْ ، فَمَا أَصَابَ وَلَدَ الِابْنِ قَسَّمَهُ بَيْنَهُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ، وَمَا أَصَابَ وَلَدَ الْأُنْثَى قَسَّمَهُ بَيْنَهُمْ كَذَلِكَ .","part":13,"page":460},{"id":6460,"text":"مَسَائِلُ : مِنْ ذَلِكَ ؛ بِنْتُ ابْنِ بِنْتٍ ، وَابْنُ بِنْتِ بِنْتٍ ، قَوْلُ مَنْ سَوَّى ، الْمَالُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ ، وَقَوْلُ مَنْ فَضَّلَ ، إنْ كَانَا مِنْ وَلَدِ بَنِينَ ، فَكَذَلِكَ ، وَإِنْ كَانَا مِنْ وَلَدِ بِنْتٍ وَاحِدَةٍ ، فَالْمَالُ بَيْنَ ابْنِهَا وَبِنْتِهَا ، لِابْنِهَا ثُلُثَاهُ ، وَلِبِنْتِهَا ثُلُثُهُ ، فَمَا أَصَابَ ابْنَهَا فَهُوَ لِبِنْتِهِ ، وَمَا أَصَابَ بِنْتَهَا فَهُوَ لِابْنِهَا ، فَيَصِيرُ لِلْبِنْتِ سَهْمَانِ ، وَلِلِابْنِ سَهْمٌ ، وَقَوْلُ مُحَمَّدٍ كَذَلِكَ ، وَقَوْلُ أَبِي يُوسُفَ لِلِابْنِ سَهْمَانِ ، وَلِلْبِنْتِ سَهْمٌ ، كَابْنِ الْمَيِّتِ وَبِنْتِهِ ابْنَا بِنْتِ بِنْتٍ ، وَابْنُ ابْنِ بِنْتٍ ، قَوْلُ مَنْ سَوَّى لِابْنِ ابْنِ الْبِنْتِ النِّصْفُ ، وَالْبَاقِي بَيْنَ الْبَاقِينَ عَلَى ثَلَاثَةٍ ، سَوَاءٌ كَانُوا مِنْ وَلَدِ بِنْتٍ ، أَوْ مِنْ وَلَدِ بَنِينَ ، وَقَوْلُ الْمُفَضِّلِينَ إنْ كَانُوا مِنْ وَلَدِ بَنِينَ فَلِابْنِ ابْنِ الْبِنْتِ النِّصْفُ ، وَالنِّصْفُ الْآخَرُ بَيْنَ الْبَاقِينَ عَلَى خَمْسَةٍ .\rوَإِنْ كَانُوا مِنْ وَلَدِ بِنْتٍ ، فَلِابْنِ ابْنِ الْبِنْتِ الثُّلُثَانِ ، وَالثُّلُثُ الْبَاقِي لِلْبَاقِينَ ، عَلَى خَمْسَةٍ ؛ لِأَنَّ الْمَالَ كَانَ لِلْبِنْتِ الْأُولَى ، فَقُسِّمَ بَيْنَ ابْنِهَا وَبِنْتِهَا أَثْلَاثًا ، لِلِابْنِ سَهْمَانِ ، فَهُمَا لِابْنِهِ ، وَلِلْبِنْتِ سَهْمَانِ ، فَهُوَ لِوَلَدِهَا قَوْلُ مُحَمَّدٍ يُقَسَّمُ بَيْنَهُمْ عَلَى خَمْسَةٍ ، لِابْنِ الِابْنِ سَهْمَانِ ؛ لِأَنَّهُ يُدْلِي بِابْنٍ ، وَلِلْبَاقِينَ ثَلَاثَةٌ ؛ لِأَنَّهُمْ يُدْلُونَ بِأُنْثَى .\rقَوْلُ أَبِي يُوسُفَ يُقَسَّمُ بَيْنَهُمْ عَلَى سَبْعَةٍ ، لِكُلِّ ابْنٍ سَهْمَانِ ، وَلِلْبِنْتِ سَهْمٌ .\rابْنَا بِنْتِ بِنْتٍ وَبِنْتَا ابْنِ بِنْتٍ ، قَوْلُ مَنْ سَوَّى ، الْمَالُ بَيْنَهُمْ عَلَى أَرْبَعَةٍ بِكُلِّ حَالٍ .\rقَوْلُ الْمُفَضِّلِينَ إنْ كَانُوا مِنْ وَلَدِ بِنْتَيْنِ ، فَكَذَلِكَ ، وَإِنْ كَانُوا مِنْ وَلَدِ وَاحِدَةٍ فَلِابْنِهَا الثُّلُثَانِ بَيْنَ ابْنَتَيْهِ ، وَلِابْنَتِهَا الثُّلُثُ بَيْنَ ابْنَيْهَا قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ ، الْمَالُ بَيْنَهُمْ عَلَى سِتَّةٍ ، لِكُلِّ ذَكَرٍ سَهْمَانِ ، وَلِكُلِّ أُنْثَى سَهْمٌ .\rقَوْلُ","part":13,"page":461},{"id":6461,"text":"مُحَمَّدٍ ، لِكُلِّ ذَكَرٍ سَهْمٌ وَلِكُلِّ أُنْثَى سَهْمَانِ .\rابْنٌ وَابْنَتَا ابْنِ أُخْتٍ ، وَثَلَاثَةُ بَنِينَ وَثَلَاثُ بَنَاتِ بِنْتِ أُخْتٍ .\rقَوْلُ مَنْ سَوَّى النِّصْفُ بَيْنَ الْأَوَّلَيْنِ عَلَى أَرْبَعَةٍ ، وَالنِّصْفُ الْبَاقِي بَيْنَ الْآخَرَيْنِ عَلَى سِتَّةٍ ، وَتَصِحُّ مِنْ أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ قَوْلُ مَنْ فَضَّلَ ، إنْ كَانُوا مِنْ وَلَدِ وَاحِدَةٍ ، فَلِلْأَوَّلَيْنِ الثُّلُثَانِ بَيْنَهُمْ عَلَى سِتَّةٍ ، وَلِلْآخَرَيْنِ الثُّلُثُ بَيْنَهُمْ عَلَى تِسْعَةٍ ، وَتَصِحُّ مِنْ أَرْبَعَةٍ وَخَمْسِينَ ، وَإِنْ كَانُوا مِنْ وَلَدِ اثْنَتَيْنِ صَحَّتْ مِنْ سِتَّةٍ وَثَلَاثِينَ .\rقَوْلُ أَبِي يُوسُفَ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ، وَتَصِحُّ مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ .\rوَقَوْلُ مُحَمَّدٍ ، وَلَدُ ابْنِ الْأُخْتِ بِمَنْزِلَةِ أَرْبَعَةِ ذُكُورٍ ، وَوَلَدُ بِنْتِ الْأُخْتِ كَسِتِّ إنَاثٍ ، فَيُقَسَّمُ الْمَالُ بَيْنَهُمْ عَلَى أَرْبَعَةَ عَشَرَ ، فَلِوَلَدِ ابْنِ الْأُخْتِ مِنْهَا ثَمَانِيَةُ أَسْهُمٍ ، بَيْنَهُمْ عَلَى سِتَّةٍ ، وَلِلْآخَرَيْنِ سِتَّةٌ ، بَيْنَهُمْ عَلَى سَبْعَةٍ ، وَتَصِحُّ مِنْ اثْنَيْنِ وَأَرْبَعِينَ ، وَتَرْجِعُ بِالِاخْتِصَارِ إلَى أَحَدٍ وَعِشْرِينَ .\rابْنَتَا أَخٍ وَابْنٌ وَابْنَةُ أُخْتٍ .\rلِابْنَتَيْ الْأَخِ الثُّلُثَانِ ، فِي قَوْلِ الْمُنَزِّلِينَ جَمِيعِهِمْ .\rوَقَوْلُ مُحَمَّدٍ الثُّلُثُ لِوَلَدَيْ الْأُخْتِ ، بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ ، عِنْدَ مَنْ سَوَّى .\rوَمَنْ فَضَّلَ جَعَلَهُ بَيْنَهُمَا أَثْلَاثًا .\rوَهَذَا قَوْلُ مُحَمَّدٍ .\rوَقَالَ أَبُو يُوسُفَ : لِابْنِ الْأُخْتِ سَهْمَانِ ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْبَاقِينَ سَهْمٌ ، وَتَصِحُّ مِنْ خَمْسَةٍ .","part":13,"page":462},{"id":6462,"text":"( 4897 ) فَصْلٌ : بِنْتُ بِنْتٍ ، وَبِنْتُ بِنْتِ ابْنٍ ، هِيَ مِنْ أَرْبَعَةٍ عِنْدَ الْمُنَزِّلِينَ جَمِيعِهِمْ ، وَعِنْدَ أَهْلِ الْقَرَابَةِ هُوَ لِبِنْتِ الْبِنْتِ ؛ لِأَنَّهَا أَقْرَبُ ، فَإِنْ كَانَ مَعَهُمَا بِنْتَا بِنْتِ ابْنٍ أُخْرَى ، فَكَأَنَّهُمْ بِنْتٌ .\rوَابْنَتَا ابْنٍ ، فَمَسْأَلَتُهُمْ مِنْ ثَمَانِيَةٍ ، وَتَصِحُّ مِنْ سِتَّةَ عَشَرَ .\rابْنُ بِنْتِ ابْنٍ وَبِنْتُ ابْنِ بِنْتٍ ، الْمَالُ لِلِابْنِ ؛ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى الْوَارِثِ .\rوَهَذَا قَوْلُ عَامَّةِ مَنْ وَرَّثَهُمْ ، إلَّا مَا حُكِيَ عَنْ ابْنِ سَالِمٍ فِي أَنَّهُ يَنْزِلُ الْبَعِيدُ حَتَّى يُلْحَقَ بِوَارِثِهِ ، فَيَكُونُ الْمَالُ بَيْنَهُمَا عَلَى أَرْبَعَةٍ ؛ لِلْبِنْتِ ثَلَاثَةٌ وَلِلِابْنِ سَهْمٌ ، كَبِنْتٍ وَبِنْتِ ابْنِ بِنْتِ بِنْتِ ابْنٍ وَبِنْتِ بِنْتِ ابْنِ ابْنٍ ، وَابْنَتَا بِنْتِ ابْنٍ آخَرَ ، لِلْأُولَى ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الْمَالِ ، وَالرُّبُعُ الْبَاقِي بَيْنَ الْبَاقِيَاتِ عَلَى أَرْبَعَةٍ ، فَتَضْرِبُهَا فِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ ، تَكُنْ مِنْ سِتَّةَ عَشَرَ .\rابْنٌ وَبِنْتُ بِنْتٍ ، وَثَلَاثُ بَنَاتٍ .\rبِنْتٌ وَابْنَا بِنْتِ ابْنٍ ، لَا شَيْءَ لِهَذَيْنِ فِي قَوْلِ الْجَمِيعِ ؛ لِأَنَّ أُمَّهُمَا تَسْقُطُ بِاسْتِكْمَالِ الْبَنَاتِ الثُّلُثَيْنِ ، وَيَكُونُ النِّصْفُ بَيْنَ الِابْنِ وَأُخْتِهِ عَلَى اثْنَيْنِ ، وَالنِّصْفُ الْآخَرُ عَلَى ثَلَاثٍ ، وَتَصِحُّ مِنْ اثْنَيْ عَشَرَ عِنْدَ مَنْ سَوَّى ، وَمَنْ فَضَّلَ جَعَلَهَا بَيْنَهُمْ عَلَى سِتَّةٍ ، وَهُوَ قَوْلُ أَهْلِ الْقَرَابَةِ أَيْضًا .\rبِنْتُ بِنْتِ بِنْتٍ وَبِنْتُ ابْنِ بِنْتٍ أُخْرَى وَبِنْتُ بِنْتِ ابْنِ ابْنٍ .\rالْمَالُ لِهَذِهِ ، إلَّا فِي قَوْلِ أَهْلِ الْقَرَابَةِ ، فَإِنَّهُ لِلْأُولَيَيْنِ .\rوَقَوْلُ مَنْ أَمَاتَ السَّبَبَ ، وَوَرَّثَ الْبَعِيدَ مَعَ الْقَرِيبِ ، الْمَالُ بَيْنَ بِنْتِ ابْنِ بِنْتٍ ، وَبِنْتِ بِنْتِ ابْنِ ابْنٍ ، عَلَى أَرْبَعَةٍ ، وَتَسْقُطُ الْأُخْرَى ؛ لِأَنَّ هَذِهِ وَارِثَةُ الْبِنْتِ فِي أَوَّلِ دَرَجَةٍ .\rبِنْتُ بِنْتٍ وَبِنْتُ بِنْتِ بِنْتٍ أُخْرَى وَبِنْتُ بِنْتِ ابْنٍ ، الْمَالُ بَيْنَ الْأُولَى وَالْأَخِيرَةِ ، عَلَى الْمُنَزِّلِينَ وَقَالَ أَهْلُ الْقَرَابَةِ : هُوَ","part":13,"page":463},{"id":6463,"text":"لِلْأُولَى .\rقَوْلُ ابْنِ سَالِمٍ : هُوَ لِلْأُولَيَيْنِ ، وَتَسْقُطُ الثَّالِثَةُ .","part":13,"page":464},{"id":6464,"text":"( 4898 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِذَا كَانَ ابْنُ أُخْتٍ ، وَبِنْتُ أُخْتٍ أُخْرَى ، أُعْطِيَ ابْنُ الْأُخْتِ حَقَّ أُمِّهِ النِّصْفَ ، وَبِنْتُ الْأُخْتِ الْأُخْرَى حَقَّ أُمِّهَا النِّصْفَ .\rوَإِنْ كَانَ ابْنٌ ، وَبِنْتُ أُخْتٍ ، وَبِنْتُ أُخْتٍ أُخْرَى ؛ فَلِلِابْنِ ، وَبِنْتِ الْأُخْتِ ، النِّصْفُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ ، وَلِبِنْتِ الْأُخْتِ الْأُخْرَى النِّصْفُ ) أَمَّا الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى ، فَلَا خِلَافَ فِيهَا بَيْنَ الْمُنَزِّلِينَ ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَهُ مِيرَاثُ مَنْ أَدْلَى بِهِ .\rوَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ أَيْضًا .\rوَقَالَ أَبُو يُوسُفَ : يُعْتَبَرُونَ بِأَنْفُسِهِمْ ، فَيَكُونُ لِابْنِ الْأُخْتِ الثُّلُثَانِ ، وَلِبِنْتِ الْأُخْتِ الثُّلُثُ .\rوَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ ، فَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْمُنَزِّلِينَ فِي أَنَّ لِوَلَدِ كُلِّ أُخْتٍ مِيرَاثَهَا ، وَهُوَ النِّصْفُ .\rوَمَنْ سَوَّى جَعَلَ النِّصْفَ بَيْنَ ابْنِ الْأُخْتِ وَأُخْتِهِ نِصْفَيْنِ ، وَالنِّصْفَ الْآخِرَ لِبِنْتِ الْأُخْتِ الْأُخْرَى ، فَتَصِحُّ مِنْ أَرْبَعَةٍ .\rوَمَنْ فَضَّلَ جَعَلَ النِّصْفَ بَيْنَهُمَا عَلَى ثَلَاثَةٍ ، وَتَصِحُّ مِنْ سِتَّةٍ .\rوَقَالَ أَبُو يُوسُفَ : لِلِابْنِ النِّصْفُ ، وَلِكُلِّ بِنْتٍ الرُّبُعُ ، وَتَصِحُّ مِنْ أَرْبَعَةٍ .\rوَقَالَ مُحَمَّدٌ : لِوَلَدِ الْأُخْتِ الْأُولَى الثُّلُثَانِ بَيْنَهُمَا عَلَى ثَلَاثَةٍ ، وَلِلْأُخْرَى الثُّلُثُ ، وَتَصِحُّ مِنْ تِسْعَةٍ .\rوَإِذَا انْفَرَدَ وَلَدُ كُلِّ أَخٍ ، أَوْ أُخْتٍ ، فَالْعَمَلُ فِيهِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي أَوْلَادِ الْبَنَاتِ .\rوَمَتَى كَانَ الْأَخَوَاتُ ، أَوْ الْإِخْوَةُ ، مِنْ وَلَدِ الْأُمِّ ، فَاتَّفَقَ الْجَمِيعُ عَلَى التَّسْوِيَةِ بَيْنَ ذَكَرِهِمْ وَأُنْثَاهُمْ ، إلَّا الثَّوْرِيَّ ، وَمَنْ أَمَاتَ السَّبَبَ .\rثَلَاثُ بَنَاتِ أَخٍ وَثَلَاثُ بَنِي أُخْتٍ .\rإنْ كَانَا مِنْ أُمٍّ ، فَالْمَالُ بَيْنَهُمْ عَلَى عَدَدِهِمْ ، وَإِنْ كَانَا مِنْ أَبٍ ، أَوْ مِنْ أَبَوَيْنِ ، فَلِبَنَاتِ الْأَخِ الثُّلُثَانِ ، وَلِبَنِي الْأُخْتِ الثُّلُثُ ، وَتَصِحُّ مِنْ تِسْعَةٍ عِنْدَ الْمُنَزِّلِينَ .\rوَعِنْدَ مُحَمَّدٍ مِثْلُهُ .\rوَفِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ يُجْعَلُ لِبَنِي","part":13,"page":465},{"id":6465,"text":"الْأُخْتِ الثُّلُثَيْنِ ، وَلِبَنَاتِ الْأَخِ الثُّلُثَ .\rابْنٌ وَبِنْتُ أُخْتٍ لِأَبَوَيْنِ وَابْنُ أُخْتٍ لِأُمٍّ ، هِيَ مِنْ أَرْبَعَةٍ عِنْدَ مَنْ فَضَّلَ .\rوَعِنْدَ مِنْ سَوَّى تَصِحُّ مِنْ ثَمَانِيَةٍ .\rقَوْلُ مُحَمَّدٍ كَأَنَّهُمَا أُخْتَانِ مِنْ أَبَوَيْنِ ، وَأُخْتٌ مِنْ أُمٍّ ، فَتَصِحُّ مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ فَإِنْ كَانَ وَلَدُ الْأُمِّ أَيْضًا ابْنًا ، وَابْنَةً ، صَحَّتْ عِنْدَ جَمِيعِهِمْ مِنْ ثَمَانِيَةٍ ، إلَّا الثَّوْرِيَّ ، فَإِنَّهُ يَجْعَلُ لِلذَّكَرِ مِنْ وَلَدِ الْأُمِّ مِثْلَ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ، فَتَصِحُّ عِنْدَهُ مِنْ اثْنَيْ عَشَرَ .\rوَعِنْدَ مُحَمَّدٍ ، هِيَ مِنْ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ .\rابْنَا أُخْتٍ لِأَبَوَيْنِ ، وَابْنُ وَابْنَةُ أُخْتٍ لِأَبٍ ، وَابْنَا أُخْتٍ أُخْرَى لِأَبٍ ، فِي قَوْلِ عَامَّتِهِمْ مِنْ ثَمَانِيَةٍ ، وَتَصِحُّ مِنْ اثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ عِنْدَ مَنْ سَوَّى ، وَعِنْدَ مَنْ فَضَّلَ مِنْ ثَمَانِيَةٍ وَأَرْبَعِينَ .\rوَقَوْلُ مُحَمَّدٍ ، يَسْقُطُ وَلَدُ الْأَبِ وَيَتَّفِقُ قَوْلُهُ مَعَ قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ ، فِي أَنَّ الْمَالَ لِوَلَدِ الْأُخْتِ مِنْ الْأَبَوَيْنِ .\rابْنُ أُخْتٍ لِأَبَوَيْنِ .\rوَابْنُ وَابْنَةُ أُخْتٍ لِأُمٍّ وَابْنَا وَابْنَتَا أُخْتٍ أُخْرَى لِأُمٍّ .\rقَوْلُ الْمُنَزِّلِينَ مِنْ عِشْرِينَ ، الثَّوْرِيِّ مِنْ ثَلَاثِينَ ، مُحَمَّدٍ مِنْ سِتِّينَ .","part":13,"page":466},{"id":6466,"text":"( 4899 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( فَإِنْ كُنَّ ثَلَاثَ بَنَاتٍ ثَلَاثِ أَخَوَاتٍ مُفْتَرِقَاتٍ ، فَلِبِنْتِ الْأُخْتِ مِنْ الْأَبِ وَالْأُمِّ ثَلَاثَةُ أَخْمَاسِ الْمَالِ ، وَلِبِنْتِ الْأُخْتِ مِنْ الْأَبِ الْخُمُسُ ، وَلِبِنْتِ الْأُخْتِ مِنْ الْأُمِّ الْخُمُسُ ) جَعَلَهُنَّ مَكَانَ أُمَّهَاتِهِنَّ وَكَذَلِكَ إنْ كُنَّ ثَلَاثَ عَمَّاتٍ مُفْتَرِقَاتٍ .\rمَذْهَبُ أَحْمَدَ وَسَائِرِ الْمُنَزِّلِينَ فِي وَلَدِ الْأَخَوَاتِ ، أَنَّ الْمَالَ يُقَسَّمُ بَيْنَ الْأَخَوَاتِ عَلَى قَدْرِ سِهَامِهِنَّ ، فَمَا أَصَابَ كُلَّ أُخْتٍ فَهُوَ لِوَلَدِهَا .\rوَالْمَالُ فِي مَسْأَلَتِنَا بَيْنَ الْأَخَوَاتِ عَلَى خَمْسَةٍ ، فَيَكُونُ بَيْنَ أَوْلَادِهِنَّ كَذَلِكَ .\rوَكَذَلِكَ إنْ كُنَّ ثَلَاثَ عَمَّاتٍ مُفْتَرِقَاتٍ ؛ لِأَنَّهُنَّ أَخَوَاتُ الْأَبِ ، فَمِيرَاثُهُ بَيْنَهُنَّ كَمِيرَاثِ الْأَخَوَاتِ الْمُفْتَرِقَاتِ مِنْ أَخِيهِنَّ .\rوَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي ثَلَاثِ خَالَاتٍ مُفْتَرِقَاتٍ ؛ لِأَنَّهُنَّ أَخَوَاتُ الْأُمِّ ، فَمِيرَاثُهَا بَيْنَهُنَّ كَذَلِكَ وَقَدَّمَ أَهْلُ الْقَرَابَةِ مَنْ كَانَ لِأَبٍ وَأُمٍّ مِنْ جَمِيعِهِمْ ، ثُمَّ مَنْ كَانَ لِأَبٍ ، ثُمَّ مَنْ كَانَ لِأُمٍّ ، إلَّا مُحَمَّدَ بْنَ الْحَسَنِ ، فَإِنَّهُ قَسَّمَ مِيرَاثَ أَوْلَادِ الْأَخَوَاتِ عَلَى أَعْدَادِهِمْ ، وَأَقَامَهُمْ مُقَامَ أُمَّهَاتِهِنَّ ، كَأَنَّهُمْ أَخَوَاتٌ .\rوَمِنْ مَسَائِلِ ذَلِكَ ؛ سِتُّ بَنَاتٍ ثَلَاثِ أَخَوَاتٍ مُفْتَرِقَاتٍ ، الْمَالُ بَيْنَ الْأَخَوَاتِ عَلَى خَمْسَةٍ ، فَمَا أَصَابَ كُلَّ وَاحِدَةٍ فَهُوَ لِبِنْتَيْهَا ، وَتَصِحُّ مِنْ عَشَرَةٍ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ ، الْمَالُ كُلُّهُ لِوَلَدِ الْأَبَوَيْنِ .\rقَوْلُ مُحَمَّدٍ ، لَهُمَا الثُّلُثَانِ ، وَلِوَلَدِ الْأُمِّ الثُّلُثُ ، وَتَصِحُّ مِنْ سِتَّةٍ .\rسِتُّ بَنَاتٍ سِتُّ أَخَوَاتٍ مُقْتَرِفَاتٍ ، لِبِنْتَيْ الْأُخْتَيْنِ مِنْ الْأَبَوَيْنِ الثُّلُثَانِ ، وَلِوَلَدِ الْأُمِّ الثُّلُثُ ، وَتَصِحُّ مِنْ سِتَّةٍ .\rوَهَذَا قَوْلُ مُحَمَّدٍ .\rابْنُ أُخْتٍ لِأَبَوَيْنِ وَابْنُ وَابْنَةُ أُخْتٍ لِأَبٍ ، وَابْنَا وَابْنَتَا أُخْتٍ أُخْرَى لِأَبٍ ، وَثَلَاثَةُ بَنِينَ وَثَلَاثُ بَنَاتٍ أُخْتٍ لِأُمٍّ ، هِيَ مِنْ مِائَةٍ وَعِشْرِينَ عِنْدَ مَنْ","part":13,"page":467},{"id":6467,"text":"سَوَّى ، وَمِنْ سِتِّينَ عِنْدَ مَنْ فَضَّلَ ، وَمِنْ أَرْبَعَةٍ وَخَمْسِينَ عِنْدَ مُحَمَّدٍ فَإِنْ كَانَ مَعَهُمْ أَرْبَعَةُ بَنِينَ ، وَأَرْبَعُ بَنَاتٍ أُخْرَى لِأُمٍّ ، صَحَّتْ مِنْ مِائَةٍ وَأَرْبَعَةٍ وَأَرْبَعِينَ عِنْدَ الْمُنَزِّلِينَ كُلِّهِمْ .\rقَوْلُ مُحَمَّدٍ ، كَأَنَّهُمْ أُخْتٌ لِأَبَوَيْنِ ، وَسِتُّ أَخَوَاتٍ لِأَبٍ ، وَأَرْبَعَ عَشَرَةَ أُخْتًا لِأُمٍّ ، وَسَهْمُ وَلَدِ الْأَبِ بَيْنَهُمْ عَلَى تِسْعَةٍ ، فَتَصِحُّ مِنْ ثَلَاثِمِائَةٍ وَثَمَانِيَةٍ وَسَبْعِينَ .\rفَإِنْ كَانَ وَلَدُ الْأُخْتِ لِلْأَبَوَيْنِ ابْنًا وَبِنْتًا ، صَحَّتْ كَذَلِكَ عِنْدَ الْمُنَزِّلِينَ ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ ، كَأَنَّهُمَا أُخْتَانِ لِأَبَوَيْنِ ، فَيَسْقُطُ وَلَدُ الْأَبِ ، وَتَصِحُّ مِنْ مِائَةٍ وَسِتَّةٍ وَعِشْرِينَ وَالْقَوْلُ فِي الْعَمَّاتِ الْمُفْتَرِقَاتِ ، وَالْخَالَاتِ الْمُفْتَرِقَاتِ ، وَأَوْلَادِهِنَّ ، كَالْقَوْلِ فِي وَلَدِ الْأَخَوَاتِ الْمُفْتَرِقَاتِ .","part":13,"page":468},{"id":6468,"text":"( 4900 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( إذَا كُنَّ ثَلَاثَ بَنَاتِ ثَلَاثَةِ إخْوَةٍ مُفْتَرِقِينَ ، فَلِبِنْتِ الْأَخِ مِنْ الْأُمِّ السُّدُسُ ، وَالْبَاقِي لِبِنْتِ الْأَخِ مِنْ الْأَبِ وَالْأُمِّ ) هَذَا قَوْلُ جَمِيعِ الْمُنَزِّلِينَ ؛ لِأَنَّ الْإِخْوَةَ الْمُفْتَرِقِينَ يَسْقُطُ وَلَدُ الْأَبِ مِنْهُمْ بِوَلَدِ الْأَبَوَيْنِ ، وَلِلْأَخِ لِلْأُمِّ السُّدُسُ ، وَالْبَاقِي كُلُّهُ لِلْأَخِ لِلْأَبَوَيْنِ ، ثُمَّ مَا صَارَ لِكُلِّ أَخٍ فَهُوَ لِوَلَدِهِ وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي الْأَخْوَالِ الْمُفْتَرِقِينَ وَأَوْلَادِهِمْ ؛ لِأَنَّ الْأَخْوَالَ إخْوَةُ الْأُمِّ .\rمَسَائِلُ مِنْ ذَلِكَ ؛ سِتُّ بَنَاتِ سِتَّةِ إخْوَةٍ مُفْتَرِقِينَ ، لِوَلَدِ الْأَمِّ الثُّلُثُ وَالْبَاقِي لِوَلَدِ الْأَبَوَيْنِ ، سِتُّ بَنَاتٍ مُفْتَرِقِينَ لِوَلَدِ الْأُمِّ السُّدُسُ ، وَالْبَاقِي لِوَلَدِ الْأَبَوَيْنِ .\rقَوْلُ مُحَمَّدٍ ، لِوَلَدِ الْأُمِّ الثُّلُثُ .\rبِنْتُ أَخٍ لِأَبَوَيْنِ وَابْنُ أَخٍ لِأُمٍّ ، وَبِنْتُ أَخٍ آخَرَ لِأُمٍّ .\rابْنُ بِنْتِ بِنْتِ أَخٍ لِأَبٍ وَابْنَا وَابْنَتَا ابْنِ أَخٍ لِأُمٍّ ، وَثَلَاثَةُ بَنِينَ وَثَلَاثُ بَنَاتِ بِنْتِ أُخْتٍ لِأُمٍّ ، تَصِحُّ مِنْ اثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ عِنْدَ الْمُنَزِّلِينَ .\rفَإِنْ كَانَ مَكَانَ الْأَخِ مِنْ الْأَبِ أُخْتٌ ، كَانَتْ مِنْ سِتِّينَ فَإِنْ كَانَ مَعَهُمْ ابْنُ بِنْتِ أُخْتٍ مِنْ أَبَوَيْنِ ، عَادَتْ إلَى اثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ .","part":13,"page":469},{"id":6469,"text":"( 4901 ) فَصْلٌ : بِنْتُ أَخٍ لِأُمٍّ وَبِنْتُ ابْنِ أَخٍ لِأَبٍ ، لِلْأُولَى السُّدُسُ ، وَالْبَاقِي لِلثَّانِيَةِ عِنْدَ الْمُنَزِّلِينَ .\rوَفِي الْقَرَابَةِ هُوَ لِلْأُولَى ؛ لِأَنَّهَا أَقْرَبُ إلَى الْمَيِّتِ .\rبِنْتُ بِنْتِ أَخٍ لِأَبَوَيْنِ وَبِنْتُ ابْنِ أَخٍ لِأَبَوَيْنِ ، الْمَالُ لِهَذِهِ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا .\rبِنْتُ ابْنِ أَخٍ لِأُمٍّ وَبِنْتُ بِنْتِ أَخٍ لِأَبَوَيْنِ وَابْنُ بِنْتِ أَخٍ لِأَبٍ ، لِلْأُولَى السُّدُسُ ، وَالْبَاقِي لِلثَّانِيَةِ .\rوَقَالَ أَبُو يُوسُفَ : الْكُلُّ لِلثَّانِيَةِ بِنْتُ أَخٍ لِأُمٍّ وَبِنْتُ بِنْتِ أَخٍ لِأَبٍ ، الْمَالُ لِلْأُولَى ، إلَّا فِي قَوْلِ الثَّوْرِيِّ ، وَابْنِ سَالِمٍ ، وَضِرَارٍ : لِلْأُولَى السُّدُسُ ، وَالْبَاقِي لِلثَّانِيَةِ ؛ لِأَنَّهُمْ يُوَرِّثُونَ الْبَعِيدَ مَعَ الْقَرِيبِ ، وَإِنْ كَانُوا مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ .","part":13,"page":470},{"id":6470,"text":"فَصْلٌ : ابْنُ وَبِنْتُ أُخْتٍ لِأَبَوَيْنِ وَبِنْتَا أَخٍ لِأَبٍ وَثَلَاثَةُ بَنِي أُخْتٍ لِأَبٍ وَخَمْسَةُ بَنِي أُخْتٍ لِأُمٍّ وَعَشْرُ بَنَاتِ أَخٍ لِأُمٍّ ، أَصِلُهَا مِنْ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ ، وَتَصِحُّ مِنْ خَمْسِمِائَةٍ وَأَرْبَعِينَ ؛ فِي قَوْلِ الْمُنَزِّلِينَ ، النِّصْفُ مِنْ ذَلِكَ بَيْنَ وَلَدَيْ الْأُخْتِ لِلْأَبَوَيْنِ بِالسَّوِيَّةِ ، عِنْدَ مَنْ سَوَّى ، وَأَثْلَاثًا عِنْدَ مَنْ فَضَّلَ ، وَلِوَلَدِ الْأُمِّ الثُّلُثُ ، وَهُوَ مِائَةٌ وَثَمَانُونَ ، وَلِوَلَدِ الْأَخِ تِسْعُونَ ، وَلِوَلَدِ الْأُخْتِ تِسْعُونَ ، وَلِوَلَدِ الْأَبِ تِسْعُونَ ، وَلِوَلَدِ الْأَخِ سِتُّونَ ، وَلِوَلَدِ الْأُخْتِ ثَلَاثُونَ .\rثَلَاثُ بَنَاتِ إخْوَةٍ مُفْتَرِقِينَ وَثَلَاثُ بَنَاتِ أَخَوَاتٍ مُفْتَرِقَاتٍ ، لِوَلَدَيْ الْأُمِّ الثُّلُثُ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ ، وَالْبَاقِي لِوَلَدَيْ الْأَبَوَيْنِ ، لِبِنْتِ الْأَخِ ثُلُثَاهُ ، وَلِبِنْتِ أُخْتٍ ثُلُثُهُ وَإِنْ كَانَ مَعَهُمْ ثَلَاثَةُ بَنِي أَخْوَالٍ مُفْتَرِقِينَ ، فَلَهُمْ السُّدُسُ ، لِابْنِ الْخَالِ مِنْ الْأُمِّ سُدُسُهُ ، وَبَاقِيهِ لِابْنِ الْخَالِ مِنْ الْأَبَوَيْنِ ، وَيَبْقَى النِّصْفُ ، لِبِنْتِ الْأَخِ مِنْ الْأَبَوَيْنِ ثُلُثَاهُ ، وَلِبِنْتِ الْأُخْتِ ثُلُثُهُ ، وَتَصِحُّ مِنْ سِتَّةٍ وَثَلَاثِينَ .\rوَالْحُكْمُ فِي ثَلَاثَةِ أَخْوَالٍ مُفْتَرِقِينَ فِي قِسْمَةِ مِيرَاثِ الْأُمِّ بَيْنَهُمْ ، كَالْحُكْمِ فِي ثَلَاثَةِ إخْوَةٍ مُفْتَرِقِينَ فِي قَسْمِ مِيرَاثِهِمْ بَيْنَهُمْ .\rوَكَذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَخْوَالٍ مُفْتَرِقِينَ ، مَعَ ثَلَاثَةِ خَالَاتٍ مُفْتَرِقَاتٍ ، كَثَلَاثِ بَنَاتِ إخْوَةٍ مُفْتَرِقِينَ مَعَ ثَلَاثِ بَنَاتِ أَخَوَاتٍ مُفْتَرِقَاتٍ ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا .","part":13,"page":471},{"id":6471,"text":"( 4903 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِذَا كَانَ ثَلَاثُ بَنَاتِ عُمُومَةٍ مُفْتَرِقِينَ ، فَالْمَالُ لِبِنْتِ الْعَمِّ مِنْ الْأَبِ وَالْأُمِّ ، لِأَنَّهُنَّ أُقِمْنَ مَقَامَ آبَائِهِنَّ ) أَكْثَرُ أَهْلِ التَّنْزِيلِ عَلَى هَذَا ، وَهُوَ قَوْلُ أَهْلِ الْقَرَابَةِ .\rوَقَالَ الثَّوْرِيُّ : الْمَالُ بَيْنَ بِنْتِ الْعَمِّ مِنْ الْأَبَوَيْنِ وَبِنْتِ الْعَمِّ مِنْ الْأُمِّ عَلَى أَرْبَعَةٍ .\rوَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : لِبِنْتِ الْعَمِّ مِنْ الْأُمِّ السُّدُسُ ، وَالْبَاقِي لِبِنْتِ الْعَمِّ مِنْ الْأَبَوَيْنِ ، كَبَنَاتِ الْإِخْوَةِ .\rوَلَا يَصِحُّ شَيْءٌ مِنْ هَذَا ؛ لِأَنَّهُنَّ بِمَنْزِلَةِ آبَائِهِنَّ ، وَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُنَّ أَحْيَاءً لَكَانَ الْمَالُ لِلْعَمِّ مِنْ الْأَبَوَيْنِ وَفَارَقَ بَنَاتِ الْإِخْوَةِ ؛ لِأَنَّ آبَاءَهُنَّ يَكُونُ الْمَالُ بَيْنَهُمْ عَلَى سِتَّةٍ ، وَيَرِثُ الْأَخُ مِنْ الْأُمِّ مَعَ الْأَخِ مِنْ الْأَبَوَيْنِ ، بِخِلَافِ الْعُمُومَةِ .\rوَقِيلَ ، عَلَى قِيَاسِ قَوْلِ مُحَمَّدِ بْنِ سَالِمٍ : الْمَالُ لِبِنْتِ الْعَمِّ مِنْ الْأُمِّ ؛ لِأَنَّهَا بَعْدَ دَرَجَتَيْنِ بِمَنْزِلَةِ الْأَبِ ، فَيَسْقُطُ بِهِ الْعَمُّ .\rقَالَ الْخَبْرِيُّ : وَلَيْسَ بِشَيْءٍ .\rوَقَدْ ذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ فِي كِتَابِ \" الْهِدَايَةِ \" قَوْلًا مِنْ رَأْيِهِ يُفْضِي إلَى هَذَا ، فَإِنَّهُ ذَكَرَ أَنَّ الْأُبُوَّةَ جِهَةٌ ، وَالْعُمُومَةَ جِهَةٌ أُخْرَى .\rوَأَنَّ الْبَعِيدَ وَالْقَرِيبَ مِنْ ذَوِي الْأَرْحَامِ إذَا كَانَا مِنْ جِهَتَيْنِ ، نُزِّلَ الْبَعِيدُ حَتَّى يَلْحَقَ بِوَارِثِهِ ، سَوَاءٌ سَقَطَ بِهِ الْقَرِيبُ ، أَوْ لَمْ يَسْقُطْ ، فَيَلْزَمُ عَلَى هَذَا أَنْ تَنْزِلَ بِنْتُ الْعَمِّ مِنْ الْأُمِّ حَتَّى تَلْحَقَ بِالْأَبِ ، فَيَسْقُطَ بِهَا ابْنَتَا الْعَمَّيْنِ الْآخَرَيْنِ .\rوَأَظُنُّ أَبَا الْخَطَّابِ لَوْ عَلِمَ إفْضَاءَ هَذَا الْقَوْلِ إلَى هَذَا لَمْ يَقُلْهُ ، وَلَمْ يَذْهَبْ إلَيْهِ ، لِمَا فِيهِ مِنْ مُخَالَفَةِ الْإِجْمَاعِ ، وَمُقْتَضَى الدَّلِيلِ ، وَاسِقَاطِ الْقَوِيِّ بِالضَّعِيفِ ، وَالْقَرِيبِ بِالْبَعِيدِ .\rوَلَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ فِي أَنَّ الْحُكْمَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى مَا قَالَ الْخِرَقِيِّ وَمِنْ مَسَائِلِ ذَلِكَ ؛","part":13,"page":472},{"id":6472,"text":"بِنْتُ عَمٍّ لِأَبَوَيْنِ وَبِنْتُ عَمٍّ لِأَبٍ ، الْمَالُ لِلْأُولَى .\rبِنْتُ عَمٍّ لِأَبٍ وَبِنْتُ عَمٍّ لِأُمٍّ ، كَذَلِكَ .\rبِنْتُ عَمٍّ لِأَبٍ وَبِنْتُ ابْنِ عَمٍّ لِأَبَوَيْنِ ، كَذَلِكَ .\rبِنْتُ ابْنِ عَمٍّ لِأَبٍ وَبِنْتُ عَمٍّ لِأُمٍّ ، الْمَالُ لِلْأُولَى عِنْدَ الْمُنَزِّلِينَ ، وَهُوَ لِلثَّانِيَةِ عِنْدَ أَهْلِ الْقَرَابَةِ ؛ لِأَنَّهَا أَقْرَبُ .\rبِنْتُ عَمٍّ لِأُمٍّ ، وَبِنْتُ بِنْتِ عَمٍّ لِأَبَوَيْنِ ، الْمَالُ لِلْأُولَى فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا .\rبِنْتُ عَمٍّ وَابْنُ عَمَّةٍ .\rالْمَالُ لِبِنْتِ الْعَمِّ عِنْدَ الْجُمْهُورِ .\rوَحُكِيَ عَنْ الثَّوْرِيِّ أَنَّ لِبِنْتِ الْعَمِّ سَهْمَيْنِ ، وَلِابْنِ الْعَمَّةِ سَهْمٌ .\rبِنْتُ بِنْتِ عَمٍّ وَبِنْتُ ابْنِ عَمٍّ ، الْمَالُ لِهَذِهِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ .\rوَقَوْلُ ابْنِ سَالِمٍ : هُوَ لِلْأُولَى .\rبِنْتُ عَمَّةٍ مِنْ أَبَوَيْنِ وَبِنْتُ عَمٍّ مِنْ أُمٍّ ، لِبِنْتِ الْعَمِّ السُّدُسُ ، وَلِبِنْتِ الْعَمَّةِ النِّصْفُ ، ثُمَّ يُرَدُّ عَلَيْهِمَا الْبَاقِي ، فَيَكُونُ بَيْنَهُمَا عَلَى أَرْبَعَةٍ ثَلَاثُ بَنَاتِ عَمَّاتٍ مُفْتَرِقَاتٍ وَبِنْتُ عَمٍّ مِنْ أُمٍّ ، الْمَالُ بَيْنَهُنَّ عَلَى سِتَّةٍ .\rفَإِنْ كَانَ مَعَهُنَّ بِنْتُ عَمٍّ مِنْ أَبَوَيْنِ ، أَوْ أَبٌ ، وَرِثَتْ الْمَالَ دُونَهُنَّ .","part":13,"page":473},{"id":6473,"text":"( 4904 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( فَإِنْ كُنَّ ثَلَاثَ خَالَاتٍ مُفْتَرِقَاتٍ ، وَثَلَاثَ عَمَّاتٍ مُفْتَرِقَاتٍ ، فَالثُّلُثُ بَيْنَ الثَّلَاثِ خَالَاتٍ عَلَى خَمْسَةِ أَسْهُمٍ ، وَالثُّلُثَانِ بَيْنَ الثَّلَاثِ عَمَّاتٍ عَلَى خَمْسَةِ أَسْهُمٍ ) فَتَصِحُّ مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ سَهْمًا ؛ لِلْخَالَةِ الَّتِي مِنْ قِبَلِ الْأَبِ وَالْأُمِّ ثَلَاثَةُ أَسْهُمٍ ، وَلِلْخَالَةِ الَّتِي مِنْ قِبَلِ الْأَبِ سَهْمٌ ، وَلِلْخَالَةِ الَّتِي مِنْ قِبَلِ الْأُمِّ سَهْمٌ ، وَلِلْعَمَّةِ الَّتِي مِنْ قِبَلِ الْأَبِ وَالْأُمِّ سِتَّةُ أَسْهُمٍ ، وَلِلْعَمَّةِ الَّتِي مِنْ قِبَلِ الْأَبِ سَهْمَانِ ، وَلِلْعَمَّةِ الَّتِي مِنْ قِبَلِ الْأُمِّ سَهْمَانِ إنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الْخَالَاتِ بِمَنْزِلَةِ الْأُمِّ ، وَالْعَمَّاتِ بِمَنْزِلَةِ الْأَبِ ، فَكَأَنَّ الْمَيِّتَ خَلَّفَ أَبَاهُ ، وَأُمَّهُ ، فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ ، وَالْبَاقِي لِأَبِيهِ ، ثُمَّ مَا صَارَ لِلْأُمِّ بَيْنَ أَخَوَاتِهَا عَلَى خَمْسَةٍ ؛ لِأَنَّهُنَّ أَخَوَاتٌ لَهَا مُفْتَرِقَاتٌ ، فَيُقَسَّمُ نَصِيبُهَا بَيْنَهُنَّ بِالْفَرْضِ وَالرَّدِّ ، عَلَى خَمْسَةٍ ، كَمَا يُقَسَّمُ مَالُ الْمَيِّتِ بَيْنَ أَخَوَاتِهِ الْمُفْتَرِقَاتِ .\rوَمَا صَارَ لِلْأَبِ قُسِّمَ بَيْنَ أَخَوَاتِهِ عَلَى خَمْسَةٍ ، فَصَارَ الْكَسْرُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ عَلَى خَمْسَةٍ ، وَإِحْدَاهُمَا تُجْزِئُ عَنْ الْأُخْرَى ؛ لِأَنَّهُمَا عَدَدَانِ مُتَمَاثِلَانِ ، فَنَضْرِبُ خَمْسَةً فِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ ، وَهُوَ ثَلَاثَةٌ ، فَصَارَتْ خَمْسَةَ عَشَرَ .\rكَمَا ذُكِرَ ، لِلْخَالَاتِ سَهْمٌ فِي خَمْسَةٍ ، مَقْسُومَةٍ بَيْنَهُنَّ ، كَمَا ذُكِرَ ، وَلِلْعَمَّاتِ سَهْمَانِ فِي خَمْسَةٍ ، تَكُنْ عَشْرَةً بَيْنَهُنَّ ، عَلَى خَمْسَةٍ ، كَمَا ذُكِرَ أَيْضًا .\rوَهَذَا قَوْلُ عَامَّةِ الْمُنَزِّلِينَ .\rوَعِنْدَ أَهْلِ الْقَرَابَةِ ؛ لِلْعَمَّةِ مِنْ الْأَبَوَيْنِ الثُّلُثَانِ ، وَلِلْخَالَةِ مِنْ الْأَبَوَيْنِ الثُّلُثُ ، وَسَقَطَ سَائِرُهُنَّ .\rوَقَالَ نُعَيْمٌ ، وَإِسْحَاقُ : الْخَالَاتُ كُلُّهُنَّ سَوَاءٌ ، فَيَكُونُ نَصِيبُهُنَّ بَيْنَهُنَّ عَلَى ثَلَاثَةٍ .\rوَكَذَلِكَ نَصِيبُ الْعَمَّاتِ بَيْنَهُنَّ عَلَى ثَلَاثَةٍ يَتَسَاوَيْنَ فِيهِ ، فَتَكُونُ","part":13,"page":474},{"id":6474,"text":"هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ عِنْدَهُمَا مِنْ تِسْعَةٍ فَإِنْ كَانَ مَعَ الْخَالَاتِ خَالٌ مِنْ أُمٍّ ، وَمَعَ الْعَمَّاتِ عَمٌّ مِنْ أُمٍّ ، فَسَهْمُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْفَرِيقَيْنِ بَيْنَهُمْ عَلَى سِتَّةٍ ، وَتَصِحُّ مِنْ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ سَهْمًا عِنْدَ الْمُنَزِّلِينَ .\rثَلَاثَةُ أَخْوَالٍ مُفْتَرِقِينَ مَعَهُمْ أَخَوَاتُهُمْ ، وَعَمٌّ وَعَمَّةٌ مِنْ أُمٍّ ، الثُّلُثُ بَيْنَ الْأَخْوَالِ وَالْخَالَاتِ عَلَى سِتَّةٍ ، لِلْخَالِ وَالْخَالَةِ مِنْ الْأُمِّ ثَلَاثَةٌ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ ، وَثُلُثَاهُ لِلْخَالِ وَالْخَالَةِ مِنْ الْأَبَوَيْنِ بَيْنَهُمَا عَلَى ثَلَاثَةٍ عِنْدَ مَنْ فَضَّلَ ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْمُنَزِّلِينَ ، وَإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ ، وَذَكَرَهَا الْخِرَقِيِّ فِي الْخَالِ وَالْخَالَةِ خَاصَّةً دُونَ سَائِرِ ذَوِي الْأَرْحَامِ وَالرِّوَايَةُ الْأُخْرَى ، هُوَ بَيْنَهُمَا عَلَى السَّوِيَّةِ ، وَالثُّلُثَانِ بَيْنَ الْعَمِّ وَالْعَمَّةِ بِالسَّوِيَّةِ .\rثَلَاثُ عَمَّاتٍ وَثَلَاثُ بَنَاتِ عَمٍّ ، وَثَلَاثُ خَالَاتٍ وَثَلَاثَةُ بَنِي خَالٍ ، الْمِيرَاثُ لِلْعَمَّاتِ وَالْخَالَاتِ ، وَيَسْقُطُ الْبَاقُونَ ، فَيَكُونُ لِلْخَالَاتِ الثُّلُثُ ، وَالْبَاقِي لِلْعَمَّاتِ .\rفَإِنْ كَانَ مَعَهُمْ ثَلَاثُ بَنَاتِ إخْوَةٍ ، فَلِلْخَالَاتِ السُّدُسُ ، وَالْبَاقِي لِلْعَمَّاتِ ؛ لِأَنَّهُنَّ بِمَنْزِلَةِ الْأَبِ فَيَسْقُطُ بِهِنَّ بَنَاتُ الْإِخْوَةِ ؛ لِأَنَّهُنَّ بِمَنْزِلَةِ الْإِخْوَةِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُجْعَلَ أَوْلَادُ الْإِخْوَةِ وَالْأَخَوَاتِ مِنْ جِهَةِ الْأُبُوَّةِ ، فَيُقَدَّمُ وَلَدُ الْأَبَوَيْنِ ، وَوَلَدُ الْأَبِ عَلَى الْعَمَّاتِ ؛ لِأَنَّهُمْ أَوْلَادُ بَنِيهِ ، وَالْعَمَّاتُ أَخَوَاتُهُ .\rوَوَجْهُ هَذَا الِاحْتِمَالِ أَنَّنَا إذَا جَعَلْنَا الْأُخُوَّةَ جِهَةً .\rوَالْأُبُوَّةَ جِهَةً أُخْرَى ، مَعَ مَا تَقَرَّرَ مِنْ أَصْلِنَا أَنَّ الْبَعِيدَ وَالْقَرِيبَ إذَا كَانَا مِنْ جِهَتَيْنِ ، نُزِّلَ الْبَعِيدُ حَتَّى يَلْحَقَ بِوَارِثِهِ ، سَوَاءٌ سَقَطَ بِهِ الْقَرِيبُ ، أَوْ لَمْ يَسْقُطْ ، لَزِمَ مِنْهُ سُقُوطُ وَلَدِ الْإِخْوَةِ بِبَنَاتِ الْعَمِّ مِنْ الْأُمِّ ؛ لِأَنَّهُنَّ مِنْ جِهَةِ الْأَبِ .\rوَيَلْزَمُ مِنْ هَذَا","part":13,"page":475},{"id":6475,"text":"أَنْ يَسْقُطْنَ بِبَنَاتِ الْعَمَّاتِ ، وَبَنَاتِ الْأَعْمَامِ كُلِّهِمْ فَأَمَّا إنْ كَانَ مَكَانَ الْعَمَّاتِ وَالْخَالَاتِ بَنَاتُهُنَّ ، فَلِلْخَالَاتِ السُّدُسُ بَيْنَ بَنَاتِهِنَّ عَلَى خَمْسَةٍ ، وَالْبَاقِي لِبَنَاتِ الْإِخْوَةِ ، لِبِنْتِ الْأَخِ مِنْ الْأُمِّ السُّدُسُ ، وَالْبَاقِي لِبِنْتِ الْأَخِ مِنْ الْأَبَوَيْنِ ، وَتَصِحُّ الْمَسْأَلَةُ مِنْ ثَلَاثِينَ .\rفَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَنَاتُ إخْوَةٍ مِنْ أَبَوَيْنِ ، وَلَا مِنْ أَبٍ ، فَالْبَاقِي لِبِنْتِ الْعَمِّ مِنْ الْأَبَوَيْنِ .","part":13,"page":476},{"id":6476,"text":"( 4905 ) فَصْلٌ : خَالَةٌ وَابْنُ عَمَّةٍ ، لِلْخَالَةِ الثُّلُثُ ، وَالْبَاقِي لِابْنِ الْعَمَّةِ ، وَهَذَا قَوْلُ الثَّوْرِيِّ ، وَمَنْ وَرَّثَ الْبَعِيدَ مَعَ الْقَرِيبِ .\rوَفِي قَوْلِ أَكْثَرِ الْمُنَزِّلِينَ ، وَأَهْلِ الْقَرَابَةِ ، الْمَالُ لِلْخَالَةِ ؛ لِأَنَّهَا أَقْرَبُ .\rوَكَذَلِكَ إنْ كَانَ مَكَانَ الْخَالَةِ خَالٌ .\rعَمَّةٌ وَابْنُ خَالٍ مَعَهُ أُخْتُهُ ، الثُّلُثُ بَيْنَ ابْنِ الْخَالِ وَأُخْتِهِ بِالسَّوِيَّةِ ، إنْ كَانَ أَبُوهُمَا خَالًا مِنْ أُمٍّ ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَبٍ ، أَوْ مِنْ أَبَوَيْنِ ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، هُوَ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ أَيْضًا .\rوَالثَّانِيَة ، عَلَى ثَلَاثَةٍ ، وَالْبَاقِي لِلْعَمَّةِ .\rوَعِنْدَ أَكْثَرِ الْفَرْضِيِّينَ ، الْمَالُ لِلْعَمَّةِ .\rبِنْتُ عَمٍّ وَابْنُ عَمَّةٍ وَبِنْتُ خَالٍ وَابْنُ خَالَةٍ ، الثُّلُثُ بَيْنَ بِنْتِ الْخَالِ ، وَابْنِ الْخَالَةِ بِالسَّوِيَّةِ ، إنْ كَانَا مِنْ أُمٍّ ، وَإِنْ كَانَا مِنْ أَبَوَيْنِ ، أَوْ مِنْ أَبٍ ، فَهَلْ هُوَ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ ، أَوْ عَلَى ثَلَاثَةٍ ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ .\rوَإِنْ كَانَ ابْنُ الْخَالَةِ مِنْ أُمٍّ ، وَالْخَالُ مِنْ أَبٍ ، فَلِابْنِ الْخَالَةِ سُدُسُ الثُّلُثِ ، وَالْبَاقِي لِبِنْتِ الْخَالِ ، وَإِنْ كَانَتْ بِنْتُ الْخَالِ مِنْ أُمٍّ ، وَابْنُ الْخَالَةِ مِنْ أَبٍ ، فَالثُّلُثُ بَيْنَهُمَا عَلَى أَرْبَعَةٍ ، وَالْبَاقِي لِابْنِ الْعَمِّ وَعِنْدَ أَكْثَرِ الْمُنَزِّلِينَ ، الْمَالُ كُلُّهُ لِبِنْتِ الْعَمِّ ؛ لِأَنَّهَا أَسْبَقُ إلَى الْوَارِثِ .\rخَالَةٌ وَبِنْتُ عَمٍّ ، ثُلُثٌ ، وَثُلُثَانِ ، وَعِنْدَ أَهْلِ الْقَرَابَةِ ، هُوَ لِلْخَالَةِ .\rعَمَّةٌ وَبِنْتُ عَمٍّ ، مَنْ نَزَّلَ الْعَمَّةَ أَبًا جَعَلَ الْمَالَ لَهَا ، وَمَنْ نَزَّلَهَا عَمًّا جَعَلَ الْمَالَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ .\rوَكَذَلِكَ مَنْ أَمَاتَ السَّبَبَ .\rبِنْتُ ابْنِ عَمٍّ لِأَبٍ وَبِنْتُ عَمَّةٍ لِأَبَوَيْنِ ، الْمَالُ لِبِنْتِ ابْنِ الْعَمِّ .\rابْنُ خَالَةٍ مِنْ أُمٍّ وَبِنْتُ خَالَةٍ مِنْ أَبٍ وَبِنْتُ عَمٍّ مِنْ أُمٍّ وَابْنُ عَمَّةٍ مِنْ أَبٍ ، الثُّلُثُ مِنْ أَرْبَعَةٍ ، وَالثُّلُثَانِ مِنْ أَرْبَعَةٍ أَيْضًا ، وَتَصِحُّ مِنْ اثْنَيْ عَشَرَ ، وَفِي","part":13,"page":477},{"id":6477,"text":"الْقَرَابَةِ ، الثُّلُثُ لِبِنْتِ الْخَالَةِ ، وَالثُّلُثَانِ لِابْنِ الْعَمَّةِ ، وَتَصِحُّ مِنْ ثَلَاثَةٍ .","part":13,"page":478},{"id":6478,"text":"( 4906 ) فَصْلٌ : خَالٌ وَخَالَةٍ وَأَبُو أُمٍّ ، الْمَالُ لِأَبِي الْأُمِّ .\rفَإِنْ كَانَ مَعَهُمْ ابْنَةُ عَمٍّ ، أَوْ عَمَّةٍ ، فَالثُّلُثُ لِأَبِي الْأُمِّ ، وَالْبَاقِي لِابْنَةِ الْعَمِّ ، أَوْ الْعَمَّةِ .\rوَإِنْ كَانَ مَكَانَ أَبِي الْأُمِّ أُمُّهُ فَلَا شَيْءَ لَهَا ؛ لِأَنَّ الْخَالَةَ أَسْبَقُ إلَى الْوَارِثِ ، وَالْجِهَةُ وَاحِدَةٌ .\rخَالَةٌ وَأَبُو أُمِّ أُمٍّ ، الْمَالُ لِلْخَالَةِ ؛ لِأَنَّهَا بِمَنْزِلَةِ الْأُمِّ ، وَهِيَ تُسْقِطُ أُمَّ الْأُمِّ .\rابْنُ خَالٍ وَابْنُ أَخٍ مِنْ أُمٍّ ، الْمَالُ بَيْنَهُمَا عَلَى ثَلَاثَةٍ ، كَأَنَّهُمَا أُمٌّ وَأَخٌ مِنْ أُمٍّ وَعِنْدَ الْمُنَزِّلِينَ هُوَ لِابْنِ الْأَخِ .\rفَإِنْ كَانَ مَعَهُمَا ابْنُ أُخْتٍ مِنْ أَبٍ ، فَالْمَالُ بَيْنَهُمْ عَلَى خَمْسَةٍ ؛ لِابْنِ الْأُخْتِ ثَلَاثَةُ أَخْمَاسِهِ ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْخُمُسُ .\rوَإِنْ كَانَ مَعَهُمْ بِنْتُ أَخٍ مِنْ أَبَوَيْنِ ، فَلَهَا النِّصْفُ ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْبَاقِينَ السُّدُسُ .\rوَعِنْدَ الْمُنَزِّلِينَ ، لَا شَيْءَ لِابْنِ الْخَالِ ، وَالْمَالُ بَيْنَ الْبَاقِينَ عَلَى خَمْسَةٍ خَالٌ وَابْنُ ابْنِ أُخْتٍ لِأُمٍّ ، الْمَالُ بَيْنَهُمَا عَلَى ثَلَاثَةٍ .\rوَعِنْدَ الْمُنَزِّلِينَ ، هُوَ لِلْخَالِ .\rبِنْتُ بِنْتِ أُخْتٍ لِأَبَوَيْنِ وَابْنُ ابْنِ أَخٍ لِأُمٍّ ، وَبِنْتُ ابْنِ أَخٍ لِأَبٍ وَبِنْتُ خَالَةٍ ، لِهَذِهِ السُّدُسُ ، وَالْبَاقِي لِبِنْتِ ابْنِ الْأَخِ .\rوَعِنْدَ الْمُنَزِّلِينَ ، الْمَالُ كُلُّهُ لَهُ .","part":13,"page":479},{"id":6479,"text":"( 4907 ) فَصْلٌ : عَمَّةٌ وَابْنَةُ أَخٍ ، الْمَالُ لِلْعَمَّةِ عِنْدَ مَنْ نَزَّلَهَا أَبًا ، وَلِابْنَةِ الْأَخِ عِنْدَ مَنْ نَزَّلَهَا عَمًّا ، وَبَيْنَهُمَا عِنْدَ مَنْ نَزَّلَهَا جَدًّا .\rبِنْتُ عَمٍّ وَبِنْتُ عَمَّةٍ وَبِنْتُ أَخٍ مِنْ أُمٍّ وَبِنْتُ أَخٍ مِنْ أَبٍ ، لِبِنْتِ الْأَخِ مِنْ الْأُمِّ السُّدُسُ ، وَالْبَاقِي لِبِنْتِ الْأَخِ مِنْ الْأَبِ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِنْتُ أَخٍ مِنْ أَبٍ ، فَالْبَاقِي لِبِنْتِ الْعَمِّ ، وَيَجِيءُ عَلَى قَوْلِ مَنْ نَزَّلَ الْبَعِيدَ حَتَّى يُلْحِقَهُ بِوَارِثِهِ ، وَجَعَلَ الْأُبُوَّةَ جِهَةً ، وَالْأُخُوَّةَ جِهَةً ، أَنْ يَسْقُطَ أَوْلَادُ الْإِخْوَةِ .\rفَإِنْ جَعَلَ الْأُبُوَّةَ جِهَةً ، وَالْعُمُومَةَ جِهَةً أُخْرَى ، أَسْقُطَ بِنْتَ الْعَمِّ بِبِنْتِ الْعَمَّةِ ، وَقِيلَ : إنَّ هَذَا قَوْلُ ابْنِ سَالِمٍ ، وَهُوَ بَعِيدٌ .\rبِنْتُ عَمٍّ وَبِنْتُ خَالٍ وَبِنْتُ أَخٍ مِنْ أَبٍ .\rلِبِنْتِ الْخَالِ الثُّلُثُ ، وَالْبَاقِي لِبِنْتِ الْأَخِ ، وَعِنْدَ أَكْثَرِ الْمُنَزِّلِينَ ، الْكُلُّ لِبِنْتِ الْأَخِ .\rثَلَاثُ بَنَاتِ أَخَوَاتٍ مُفْتَرِقَاتٍ وَثَلَاثُ بَنَاتِ عَمَّاتٍ مُفْتَرِقَاتٍ ، السُّدُسُ الْبَاقِي بَيْنَ بَنَاتِ الْعَمَّاتِ عَلَى خَمْسَةٍ ، وَتَصِحُّ مِنْ ثَلَاثِينَ .\rفَإِنْ كَانَ مَعَهُمْ خَالٌ ، أَوْ خَالَةٌ أَوْ أَحَدٌ مِنْ أَوْلَادِهِمَا ، فَلَهُ السُّدُسُ ، وَلَا شَيْءَ لِوَلَدِ الْعَمَّاتِ ، إلَّا عَلَى قَوْلِ ابْنِ سَالِمٍ ، وَأَصْحَابِهِ ، فَإِنَّهُ يُوَرِّثُهُمْ ، وَيُسْقِطُ وَلَدَ الْأَخَوَاتِ .\rوَيَقْتَضِيهِ قَوْلُ أَبِي الْخَطَّابِ .\rخَالَةٌ ، وَعَمَّةٌ وَثَلَاثُ بَنَاتِ ثَلَاثِ أَخَوَاتٍ مُفْتَرِقَاتٍ ، لِلْخَالَةِ السُّدُسُ ، وَالْبَاقِي لِلْعَمَّةِ وَمَنْ نَزَّلَهَا عَمًّا فَلِبِنْتَيْ الْأُخْتِ مِنْ الْأَبَوَيْنِ النِّصْفُ ، وَلِبِنْتَيْ الْأُخْتِ مِنْ الْأَبِ السُّدُسُ ، وَلِبِنْتَيْ الْأُخْتِ مِنْ الْأُمِّ السُّدُسُ .\rفَإِنْ كُنَّ بَنَاتِ سِتِّ أَخَوَاتٍ مُفْتَرِقَاتٍ ، عَالَتْ عَلَى هَذَا إلَى سَبْعَةٍ .","part":13,"page":480},{"id":6480,"text":"( 4908 ) فَصْلٌ : فِي عَمَّاتِ الْأَبَوَيْنِ وَأَخْوَالِهِمَا وَخَالَاتِهِمَا ؛ مَذْهَبُنَا مَا تَقَدَّمَ مِنْ تَقْدِيمِ الْأَسْبَقِ إلَى الْوَارِثِ إنْ كَانَا مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ ، وَتَنْزِيلِ الْبَعِيدِ حَتَّى يَلْحَقَ بِوَارِثِهِ إنْ كَانَا مِنْ جِهَتَيْنِ ، ثُمَّ يُجْعَلُ لِمَنْ يُدْلِي بِهِ مَا كَانَ لَهُ .\rوَأَكْثَرُ الْمُنَزِّلِينَ يُعْطُونَ الْمِيرَاثَ لِلْأَسْبَقِ بِكُلِّ حَالٍ .\rوَالْمَشْهُورُ عَنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ أَنَّ نَصِيبَ الْأُمِّ بَيْنَ خَالِهَا وَخَالَتِهَا ، وَعَمِّهَا وَعَمَّتِهَا ، عَلَى ثَلَاثَةٍ ، وَنَصِيبَ الْأَبِ بَيْنَ عَمَّاتِهِ وَخَالَاتِهِ كَذَلِكَ وَمِنْ مَسَائِلِ ذَلِكَ ؛ ثَلَاثُ خَالَاتِ أُمٍّ مُفْتَرِقَاتٍ وَثَلَاثَةُ أَعْمَامِ أُمٍّ مُفْتَرِقِينَ وَثَلَاثُ خَالَاتِ أَب مُفْتَرِقَاتٍ ، فَخَالَاتُ الْأُمِّ بِمَنْزِلَةِ أُمِّ الْأُمِّ ، وَخَالَاتُ الْأَبِ بِمَنْزِلَةِ أُمِّ الْأَبِ ، فَيَكُونُ الْمَالُ بَيْنَ هَاتَيْنِ الْجَدَّتَيْنِ نِصْفَيْنِ ، وَنَصِيبُ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بَيْنَ أَخَوَاتِهَا عَلَى خَمْسَةٍ ، وَتَسْقُطُ عَمَّاتُ الْأُمِّ ؛ لِأَنَّهُنَّ بِمَنْزِلَةِ أَبِي الْأُمِّ ، وَهُوَ غَيْرُ وَارِثٍ .\rفَإِنْ كَانَ مَعَهُمْ عَمَّاتُ أَبٍ ، فَلِخَالَاتِ الْأَبِ وَالْأُمِّ السُّدُسُ بَيْنَهُمَا ، وَالْبَاقِي لِعَمَّاتِ الْأَبِ ؛ لِأَنَّهُنَّ بِمَنْزِلَةِ الْجَدِّ .\rعَمَّةُ أَبٍ وَعَمَّةُ أُمٍّ ، لِعَمَّةِ الْأُمِّ الثُّلُثُ ، وَالْبَاقِي لِعَمَّةِ الْأَبِ هَذَا قِيَاسُ الْمَذْهَبِ ، وَهُوَ قَوْلُ أَهْلِ الْعِرَاقِ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : الْمَالُ لِعَمَّةِ الْأَبِ ؛ لِأَنَّهَا أَسْبِقُ ؛ لِأَنَّهَا أُخْتُ الْجَدِّ ، وَهُوَ وَارِثٌ .\rوَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ الْمُنَزِّلِينَ ؛ لِأَنَّهُمْ يُوَرِّثُونَ الْأَسْبَقَ بِكُلِّ حَالٍ .\rخَالَةُ أُمٍّ وَعَمَّةُ أَبٍ ، لِلْخَالَةِ السُّدُسُ ، وَالْبَاقِي لِلْعَمَّةِ ؛ لِأَنَّهُمَا كَجَدٍّ وَجَدَّةٍ .\rوَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي خَالَةِ أَبٍ وَعَمَّتِهِ خَالَةِ أُمٍّ وَخَالَةِ أَبٍ ، الْمَالُ لِلْخَالَةِ ؛ لِأَنَّهُمَا بِمَنْزِلَةِ أُمِّ أُمٍّ ، وَأُمِّ أُمِّ أَبٍ .\rخَالِ أَبٍ وَعَمُّ أُمٍّ ، الْمَالُ لِلْخَالِ ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ جَدَّةٍ ، وَالْجَدَّاتُ بِمَنْزِلَةِ الْأُمَّهَاتِ .","part":13,"page":481},{"id":6481,"text":"بِنْتُ خَالِ أُمٍّ ، وَبِنْتُ عَمِّ أَبٍ ، لِبِنْتِ الْخَالِ السُّدُسُ ، وَلِبِنْتِ الْعَمِّ مَا بَقِيَ .\rوَمَنْ وَرَّثَ الْأَسْبَقَ جَعَلَ الْكُلَّ لِبِنْتِ الْعَمِّ .\rأَبُو أَبِي أُمٍّ وَأَبُو أُمِّ أَبٍ ، الْمَالُ لِأَبِي أُمِّ الْأَبِ .\rفَإِنْ كَانَ مَعَهُمَا أَبُو أُمِّ أُمٍّ فَهُوَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ ؛ لِأَنَّهُمَا بِمَنْزِلَةِ جَدَّتَيْنِ مُتَحَاذِيَتَيْنِ أَبُو أُمِّ أَبِي أُمٍّ ، وَأَبُو أَبِي أُمِّ أُمٍّ ، الْمَالُ لِهَذَا ؛ لِأَنَّهُ أَسْبَقُ .\rفَإِنْ كَانَ مَعَهُمَا أَبُو أُمِّ أَبِي أَبٍ ، فَالْمَالُ لَهُ ؛ لِأَنَّهُ بِأَوَّلِ دَرَجَةٍ يَلْقَى الْوَارِثَ .\rأَبٌ وَأُمُّ أَبِي أُمٍّ ، لِأُمِّ أَبِي الْأُمِّ الثُّلُثُ ، وَالْبَاقِي لِلْأَبِ .\rفَإِنْ كَانَ مَعَهُمَا أَبُو أُمِّ أُمٍّ ، فَالْمَالُ لَهُ ؛ لِأَنَّهُ يُدْلِي بِوَارِثٍ .\rوَإِنْ كَانَ مَعَهُمْ أَبُو أُمِّ أَبٍ ، فَالْمَالُ بَيْنَ هَذَا وَاَلَّذِي قَبْلَهُ نِصْفَيْنِ .","part":13,"page":482},{"id":6482,"text":"( 4909 ) فَصْلٌ : وَإِذَا كَانَ لِذِي الرَّحِمِ قَرَابَتَانِ ، وَرِثَ بِهِمَا ، بِإِجْمَاعٍ مِنْ الْمُوَرِّثِينَ لَهُمْ ، إلَّا شَيْئًا يُحْكَى عَنْ أَبِي يُوسُفَ ، أَنَّهُمْ لَا يَرِثُونَ إلَّا بِقَرَابَةٍ وَاحِدَةٍ .\rوَلَيْسَ بِصَحِيحٍ عَنْهُ ، وَلَا صَحِيحٍ فِي نَفْسِهِ ؛ لِأَنَّهُ شَخْصٌ لَهُ جِهَتَانِ لَا يُرَجَّحُ بِهِمَا ، فَوَرِثَ بِهِمَا ، كَالزَّوْجِ إذَا كَانَ ابْنَ عَمٍّ ، وَابْنِ الْعَمِّ إذَا كَانَ أَخًا مِنْ أُمٍّ ، وَحِسَابُ ذَلِكَ أَنْ تَجْعَلَ ذَا الْقَرَابَتَيْنِ كَشَخْصٍ ، فَتَقُولَ فِي ابْنِ بِنْتِ بِنْتٍ ، هُوَ ابْنُ ابْنِ بِنْتٍ أُخْرَى ، وَبِنْتُ بِنْتِ بِنْتٍ أُخْرَى ، لِلِابْنِ الثُّلُثَانِ ، وَلِلْبِنْتِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَتْ أُمُّهُمَا وَاحِدَةً ، فَلَهُ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الْمَالِ عِنْدَ مَنْ سَوَّى ، وَلِأُخْتِهِ الرُّبُعُ .\rوَمَنْ فَضَّلَ جَعَلَ لَهُ النِّصْفَ ، وَالثُّلُثَ ، وَلِأُخْتِهِ السُّدُسَ .\rوَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ الْمُنَزِّلِينَ ، وَقَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَمُحَمَّدٍ .\rوَقِيَاسُ قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ ، لَهُ أَرْبَعَةُ أَخْمَاسِ الْمَالِ ، وَلِأُخْتِهِ الْخُمُسُ بِنْتَا أُخْتٍ مِنْ أُمٍّ ، إحْدَاهُمَا بِنْتُ أَخٍ مِنْ أَبٍ ، وَبِنْتُ أُخْتٍ مِنْ أَبَوَيْنِ ، هِيَ مِنْ اثْنَيْ عَشَرَ ، سِتَّةٌ لِبِنْتِ الْأُخْتِ مِنْ أَبَوَيْنِ ، وَأَرْبَعَةٌ لِذَاتِ الْقَرَابَتَيْنِ مِنْ جِهَةِ ابْنِهَا ، وَلَهَا سَهْمٌ مِنْ جِهَةِ أُمِّهَا ، وَلِلْأُخْرَى سَهْمٌ .\rعَمَّتَانِ مِنْ أَبٍ ، إحْدَاهُمَا خَالَةٌ مِنْ أُمٍّ ، وَخَالَةٍ مِنْ أَبَوَيْنِ ، هِيَ مِنْ اثْنَيْ عَشَرَ أَيْضًا ، لِذَاتِ الْقَرَابَتَيْنِ خَمْسَةٌ ، وَلِلْعَمَّةِ الْأُخْرَى أَرْبَعَةٌ ، وَلِلْخَالَةِ مِنْ الْأَبَوَيْنِ ثَلَاثَةٌ .\rفَإِنْ كَانَ مَعَهُمَا عَمٌّ مِنْ أُمٍّ هُوَ خَالٌ مِنْ أَبٍ ، صَحَّتْ مِنْ تِسْعِينَ ابْنٌ وَبِنْتُ ابْنِ عَمَّةٍ مِنْ أُمٍّ ، الْبِنْتُ هِيَ بِنْتُ عَمٍّ مِنْ أُمٍّ وَالْعَمُّ هُوَ خَالٌ مِنْ أَبٍ .\rابْنٌ وَبِنْتُ ابْنِ خَالٍ مِنْ أَبٍ ، الِابْنُ هُوَ ابْنُ بِنْتِ خَالٍ أُخَرَ مِنْ أَبٍ ، وَالْخَالَانِ عَمَّانِ مِنْ أُمٍّ ، هِيَ مِنْ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ .","part":13,"page":483},{"id":6483,"text":"مَسَائِلُ شَتَّى ؛ يَعْنِي مُتَفَرِّقَةً ، فَإِنَّهَا مَسَائِلُ مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ ، يُقَالُ : شَتَّى ، وَشَتَّانَ ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى } .\rوَقَالَ تَعَالَى : { إنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى } .\rوَقَالَ الشَّاعِرُ : قَدْ عِشْت فِي النَّاسِ أَطْوَارًا عَلَى طُرُقٍ شَتَّى وَقَاسَيْت فِيهَا اللِّينَ وَالْفَظَعَا ( 4910 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَالْخُنْثَى الْمُشْكِلُ يَرِثُ نِصْفَ مِيرَاثِ ذَكَرٍ ، وَنِصْفَ مِيرَاثِ أُنْثَى .\rفَإِنْ بَالَ مِنْ حَيْثُ يَبُولُ الرَّجُلُ فَلَيْسَ بِمُشْكِلٍ ، وَحُكْمُهُ فِي الْمِيرَاثِ وَغَيْرِهِ حُكْمُ رَجُلٍ .\rوَإِنْ بَالَ مِنْ حَيْثُ تَبُولُ الْمَرْأَةُ فَلَهُ حُكْمُ امْرَأَةٍ ) الْخُنْثَى هُوَ الَّذِي لَهُ ذَكَرٌ وَفَرْجُ امْرَأَةٍ ، أَوْ ثُقْبٌ فِي مَكَانِ الْفَرْجِ يَخْرُجُ مِنْهُ الْبَوْلُ .\rوَيَنْقَسِمُ إلَى مُشْكِلٍ وَغَيْرِ مُشْكِلٍ ، فَاَلَّذِي يَتَبَيَّنُ فِيهِ عَلَامَاتُ الذُّكُورِيَّةِ ، أَوْ الْأُنُوثِيَّةِ ، فَيُعْلَمُ أَنَّهُ رَجُلٌ ، أَوْ امْرَأَةٌ ، فَلَيْسَ بِمُشْكِلٍ ، وَإِنَّمَا هُوَ رَجُلٌ فِيهِ خِلْقَةٌ زَائِدَةٌ ، أَوْ امْرَأَةٌ فِيهَا خِلْقَةٌ زَائِدَةٌ ، وَحُكْمُهُ فِي إرْثِهِ وَسَائِرِ أَحْكَامِهِ حُكْمُ مَا ظَهَرَتْ عَلَامَاتُهُ فِيهِ ، وَيُعْتَبَرُ بِمَبَالِهِ فِي قَوْلِ مَنْ بَلَغَنَا قَوْلُهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْخُنْثَى يُوَرَّثُ مِنْ حَيْثُ يَبُولُ ، إنْ بَالَ مِنْ حَيْثُ يَبُولُ الرَّجُلُ ، فَهُوَ رَجُلٌ ، وَإِنْ بَالَ مِنْ حَيْثُ تَبُولُ الْمَرْأَةُ ، فَهُوَ امْرَأَةٌ وَمِمَّنْ رُوِيَ عَنْهُ ذَلِكَ ؛ عَلِيٌّ ، وَمُعَاوِيَةُ ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ، وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ ، وَأَهْلُ الْكُوفَةِ ، وَسَائِرُ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rقَالَ ابْنُ اللَّبَّانِ : رَوَى الْكَلْبِيُّ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ عَنْ مَوْلُودٍ لَهُ قُبُلٌ وَذَكَرٌ ، مِنْ أَيْنَ يُوَرَّثُ ؟ قَالَ : مِنْ حَيْثُ يَبُولُ } .\rوَرُوِيَ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ { أُتِيَ بِخُنْثَى مِنْ الْأَنْصَار ،","part":13,"page":484},{"id":6484,"text":"فَقَالَ : وَرِّثُوهُ مِنْ أَوَّلِ مَا يَبُولُ مِنْهُ .\r} وَلِأَنَّ خُرُوجَ الْبَوْلِ أَعَمُّ الْعَلَامَاتِ ؛ لِوُجُودِهَا مِنْ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ .\rوَسَائِرُ الْعَلَامَاتِ إنَّمَا يُوجَدُ بَعْدَ الْكِبَرِ ، مِثْلُ نَبَاتِ اللِّحْيَةِ ، وَتَفَلُّكِ الثَّدْيِ ، وَخُرُوجِ الْمَنِيِّ ، وَالْحَيْضِ ، وَالْحَبَلِ .\rوَإِنْ بَالَ مِنْهُمَا جَمِيعًا ، اعْتَبَرْنَا أَسْبَقَهُمَا .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ .\rوَبِهِ قَالَ الْجُمْهُورُ .\rفَإِنْ خَرَجَا مَعًا ، وَلَمْ يَسْبِقْ أَحَدُهُمَا ، فَقَالَ أَحْمَدُ ، فِي رِوَايَةِ إِسْحَاقَ بْنِ إبْرَاهِيمَ : يَرِثُ مِنْ الْمَكَانِ الَّذِي يَنْزِلُ مِنْهُ أَكْثَرَ .\rوَحُكِيَ هَذَا عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ ، وَصَاحِبَيْ أَبِي حَنِيفَةَ وَوَقَفَ فِي ذَلِكَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَلَمْ يَعْتَبِرْهُ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهَا مَزِيَّةٌ لِإِحْدَى الْعَلَامَتَيْنِ ، فَيُعْتَبَرُ بِهَا ، كَالسَّبْقِ .\rفَإِنْ اسْتَوَيَا فَهُوَ حِينَئِذٍ مُشْكِلٌ .\rفَإِنْ مَاتَ لَهُ مَنْ يَرِثُهُ ، فَقَالَ الْجُمْهُورُ : يُوقَفُ الْأَمْرُ حَتَّى يَبْلُغَ ، فَيَتَبَيَّنَ فِيهِ عَلَامَاتُ الرَّجُلِ ؛ مِنْ نَبَاتِ اللِّحْيَةِ ، وَخُرُوجِ الْمَنِيِّ مِنْ ذَكَرِهِ ، وَكَوْنِهِ مَنِيَّ رَجُلٍ ، أَوْ عَلَامَاتُ النِّسَاءِ ؛ مِنْ الْحَيْضِ .\rوَالْحَبَلِ ، وَتَفَلُّكِ الثَّدْيَيْنِ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، فِي رِوَايَةِ الْمَيْمُونِيِّ .\rوَحُكِيَ عَنْ عَلِيٍّ ، وَالْحَسَنِ ، أَنَّهُمَا قَالَا : تُعَدُّ أَضْلَاعُهُ ، فَإِنَّ أَضْلَاعَ الْمَرْأَةِ أَكْثَرُ مِنْ أَضْلَاعِ الرَّجُلِ بِضِلْعٍ .\rقَالَ ابْنُ اللَّبَّانِ : وَلَوْ صَحَّ هَذَا ، لَمَا أَشْكَلَ حَالُهُ ، وَلَمَا اُحْتِيجَ إلَى مُرَاعَاةِ الْمَبَالِ .\rوَقَالَ جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ : يُوقَفُ إلَى جَنْبِ حَائِطٍ ، فَإِنْ بَالَ عَلَيْهِ فَهُوَ رَجُلٌ ، وَإِنْ شَلْشَلَ بَيْنَ فَخِذَيْهِ فَهُوَ امْرَأَةٌ وَلَيْسَ عَلَى هَذَا تَعْوِيلٌ ، وَالصَّحِيحُ مَا ذَكَرْنَاهُ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَإِنَّهُ يُوقَفُ أَمْرُهُ مَا دَامَ صَغِيرًا ، فَإِنْ اُحْتِيجَ إلَى قَسْمِ الْمِيرَاثِ ، أُعْطِيَ هُوَ وَمَنْ مَعَهُ","part":13,"page":485},{"id":6485,"text":"الْيَقِينَ ، وَوُقِفَ الْبَاقِي إلَى حِينِ بُلُوغِهِ ، فَتُعْمَلُ الْمَسْأَلَةُ عَلَى أَنَّهُ ذَكَرٌ ، ثُمَّ عَلَى أَنَّهُ أُنْثَى ، وَتَدْفَعُ إلَى كُلِّ وَارِثٍ أَقَلَّ النَّصِيبَيْنِ ، وَيَقِفُ الْبَاقِي حَتَّى يَبْلُغَ .\rفَإِنْ مَاتَ قَبْلَ بُلُوغِهِ ، أَوْ بَلَغَ مُشْكِلًا ، فَلَمْ تَظْهَرْ فِيهِ عَلَامَةٌ ، وَرِثَ نِصْفَ مِيرَاثِ ذَكَرٍ ، وَنِصْفَ مِيرَاثِ أُنْثَى نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَالشَّعْبِيِّ ، وَابْنِ أَبِي لَيْلَى ، وَأَهْلِ الْمَدِينَةِ ، وَمَكَّةَ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَاللُّؤْلُؤِيِّ وَشَرِيكٍ ، وَالْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ ، وَأَبِي يُوسُفَ ، وَيَحْيَى بْنِ آدَمَ ، وَضِرَارِ بْنِ صُرَدٍ ، وَنُعَيْمِ بْنِ حَمَّادٍ .\rوَوَرَّثَهُ أَبُو حَنِيفَةَ بِأَسْوَأِ حَالَاتِهِ ، وَأَعْطَى الْبَاقِيَ لِسَائِرِ الْوَرَثَةِ .\rوَأَعْطَاهُ الشَّافِعِيُّ وَمَنْ مَعَهُ الْيَقِينَ ، وَوَقَفَ الْبَاقِيَ حَتَّى يَتَبَيَّنَ الْأَمْرُ ، أَوْ يَصْطَلِحُوا وَبِهِ قَالَ أَبُو ثَوْرٍ ، وَدَاوُد ، وَابْنُ جَرِيرٍ .\rوَوَرَّثَهُ بَعْضُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ عَلَى الدَّعْوَى فِيمَا بَقِيَ بَعْدَ الْيَقِينِ ، وَبَعْضُهُمْ بِالدَّعْوَى مِنْ أَصْلِ الْمَالِ .\rوَفِيهِ أَقْوَالٌ شَاذَّةٌ سِوَى هَذِهِ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَلَمْ نَعْرِفْ لَهُ فِي الصَّحَابَةِ مُنْكِرًا ، وَلِأَنَّ حَالَتَيْهِ تَسَاوَتَا ، فَوَجَبَتْ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ حُكْمَيْهِمَا ، كَمَا لَوْ تَدَاعَى نَفْسَانِ دَارًا بِأَيْدِيهِمَا ، وَلَا بَيِّنَةَ لَهُمَا وَلَيْسَ تَوْرِيثُهُ بِأَسْوَأِ أَحْوَالِهِ بِأَوْلَى مِنْ تَوْرِيثِ مَنْ مَعَهُ بِذَلِكَ ، فَتَخْصِيصُهُ بِهَذَا تَحَكُّمٌ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ ، وَلَا سَبِيلَ إلَى الْوَقْفِ ؛ لِأَنَّهُ لَا غَايَةَ لَهُ تُنْتَظَرُ ، وَفِيهِ تَضْيِيعُ الْمَالِ مَعَ يَقِينِ اسْتِحْقَاقِهِمْ لَهُ .","part":13,"page":486},{"id":6486,"text":"( 4911 ) فَصْلٌ : وَاخْتَلَفَ مَنْ وَرَّثَهُ نِصْفَ مِيرَاثِ ذَكَرٍ وَنِصْفَ مِيرَاثِ أُنْثَى فِي كَيْفِيَّةِ تَوْرِيثِهِمْ ، فَذَهَبَ أَكْثَرُهُمْ إلَى أَنْ يَجْعَلُوا مَرَّةً ذُكُورًا ، وَمَرَّةً إنَاثًا ، وَتُعْمَلُ الْمَسْأَلَةُ عَلَى هَذَا مَرَّةً ، وَعَلَى هَذَا مَرَّةً ، ثُمَّ تَضْرِبُ إحْدَاهُمَا فِي الْأُخْرَى إنْ تَبَايَنَتَا ، أَوْ فِي وَفْقِهِمَا إنْ اتَّفَقَتَا ، وَتَجْتَزِئُ بِإِحْدَاهُمَا إنْ تَمَاثَلَتَا ، أَوْ بِأَكْثَرِهِمَا إنْ تَنَاسَبَتَا ، فَتَضْرِبُهُمَا فِي اثْنَيْنِ ، ثُمَّ تَجْمَعُ مَا لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إنْ تَمَاثَلَتَا ، وَتَضْرِبُ مَا لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي الْأُخْرَى إنْ تَبَايَنَتَا ، أَوْ فِي وَفْقِهِمَا إنْ اتَّفَقَتَا ، فَتَدْفَعُهُ إلَيْهِ وَيُسَمَّى هَذَا مَذْهَبَ الْمُنَزِّلِينَ ، وَهُوَ اخْتِيَارُ أَصْحَابِنَا .\rوَذَهَبَ الثَّوْرِيُّ وَاللُّؤْلُؤِيُّ ، فِي الْوَلَدِ إذَا كَانَ فِيهِمْ خُنْثَى ، إلَى أَنْ يَجْعَلَ لِلْأُنْثَى سَهْمَيْنِ ، وَلِلْخُنْثَى ثَلَاثَةً ، وَلِلذَّكَرِ أَرْبَعَةً ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّنَا نَجْعَلُ لِلْأُنْثَى أَقَلَّ عَدَدٍ لَهُ نِصْفٌ ، وَهُوَ اثْنَانِ ، وَلِلذَّكَرِ ضِعْفَ ذَلِكَ أَرْبَعَةٌ ، وَلِلْخُنْثَى نِصْفَهُمَا ، وَهُوَ ثَلَاثَةٌ فَيَكُونُ مَعَهُ نِصْفُ مِيرَاثِ ذَكَرٍ ، وَنِصْفُ مِيرَاثِ أُنْثَى .\rوَهَذَا قَوْلٌ لَا بَأْسَ بِهِ وَهَذَا الْقَوْلُ يُوَافِقُ الَّذِي قَبْلَهُ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ ، وَيُخَالِفُهُ فِي بَعْضِهَا ، وَبَيَانُ اخْتِلَافِهِمَا ، أَنَّنَا لَوْ قَدَّرْنَا ابْنًا وَبِنْتًا وَوَلَدًا خُنْثَى ، لَكَانَتْ الْمَسْأَلَةُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ مِنْ تِسْعَةٍ ، لِلْخُنْثَى الثُّلُثُ ، وَهُوَ ثَلَاثَةٌ ، وَعَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ مَسْأَلَةُ الذُّكُورِيَّةِ مِنْ خَمْسَةٍ ، وَالْأُنُوثِيَّةِ مِنْ أَرْبَعَةٍ ، تَضْرِبُ إحْدَاهُمَا فِي الْأُخْرَى تَكُنْ عِشْرِينَ ، ثُمَّ فِي اثْنَيْنِ تَكُنْ أَرْبَعِينَ ، لِلْبِنْتِ سَهْمٌ فِي خَمْسَةٍ ، وَسَهْمٌ فِي أَرْبَعَةٍ ، يَكُنْ لَهَا تِسْعَةٌ ، وَلِلذَّكَرِ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ ، وَلِلْخُنْثَى سَهْمٌ فِي خَمْسَةٍ ، وَسَهْمَانِ فِي أَرْبَعَةٍ ، يَكُنْ لَهَا ثَلَاثَةَ عَشَرَ ، وَهِيَ دُونَ ثُلُثِ الْأَرْبَعِينَ وَقَوْلُ مَنْ","part":13,"page":487},{"id":6487,"text":"وَرَّثَهُ بِالدَّعْوَى فِيمَا بَقِيَ بَعْدَ الْيَقِينِ يُوَافِقُ قَوْلَ الْمُنَزِّلِينَ فِي أَكْثَرِ الْمَوَاضِعِ ، فَإِنَّهُ يَقُولُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ : لِلذَّكَرِ الْخُمُسَانِ بِيَقِينٍ ، وَهِيَ سِتَّةَ عَشَرَ مِنْ أَرْبَعِينَ ، وَهُوَ يَدَّعِي النِّصْفَ عِشْرِينَ ، وَلِلْبِنْتِ الْخُمُسُ بِيَقِينٍ ، وَهِيَ تَدَّعِي الرُّبُعَ ، وَلِلْخُنْثَى الرُّبُعُ بِيَقِينٍ ، وَهُوَ يَدَّعِي الْخُمُسَيْنِ ، سِتَّةَ عَشَرَ ، وَالْمُخْتَلَفُ فِيهِ سِتَّةُ أَسْهُمٍ يَدَّعِيهَا الْخُنْثَى كُلَّهَا ، فَتُعْطِيهِ نِصْفَهَا ، ثَلَاثَةً ، مَعَ الْعَشَرَةِ الَّتِي مَعَهُ ، صَارَتْ لَهُ ثَلَاثَةَ عَشَرَ ، الِابْنُ يَدَّعِي أَرْبَعَةً ، فَتُعْطِيهِ نِصْفَهَا ، سَهْمَيْنِ ، صَارَ لَهُ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ ، وَالْبِنْتُ تَدَّعِي سَهْمَيْنِ ، فَتَدْفَعُ إلَيْهَا سَهْمًا ، صَارَ لَهَا تِسْعَةٌ وَقَدْ وَرِثَهُ قَوْمٌ بِالدَّعْوَى مِنْ أَصْلِ الْمَالِ ، فَعَلَى قَوْلِهِمْ ، يَكُونُ الْمِيرَاثُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مِنْ ثَلَاثَةٍ وَعِشْرِينَ ؛ لِأَنَّ الْمُدَّعَى هَاهُنَا نِصْفٌ ، وَرُبُعٌ ، وَخُمُسَانِ ، وَمَخْرَجُهَا عِشْرُونَ ، يُعْطَى الِابْنُ النِّصْفَ ، عَشَرَةً ، وَلِلْبِنْتِ خَمْسَةٌ ، وَالْخُنْثَى ثَمَانِيَةٌ ، تَكُنْ ثَلَاثَةً وَعِشْرِينَ .\rفَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْمَسْأَلَةِ بِنْتٌ ، فَفِي قَوْلِ الثَّوْرِيِّ : هِيَ مِنْ سَبْعَةٍ .\rوَكَذَلِكَ قَوْلُ مَنْ وَرَّثَهُمَا بِالدَّعْوَى مِنْ أَصْلِ الْمَالِ ، وَفِي التَّنْزِيلِ مِنْ اثْنَيْ عَشَرَ ، لِلِابْنِ سَبْعَةٌ ، وَلِلْخُنْثَى خَمْسَةٌ ، وَهُوَ قَوْلُ مَنْ وَرَّثَهُ بِالدَّعْوَى فِيمَا عَدَا الْيَقِينَ وَإِنْ كَانَتْ بِنْتٌ وَوَلَدٌ خُنْثَى ، وَلَا عَصَبَةٌ ، مَعَهُمَا ، فَهِيَ مِنْ خَمْسَةٍ ، فِي قَوْلِ الثَّوْرِيِّ ، وَمِنْ اثْنَيْ عَشَرَ فِي التَّنْزِيلِ .\rوَإِنْ كَانَ مَعَهُمَا عَصَبَةٌ ، فَهِيَ مِنْ سِتَّةٍ ؛ لِلْخُنْثَى ثَلَاثَةٌ ، وَلِلْبِنْتِ سَهْمَانِ ، وَلِلْعَصَبَةِ سَهْمٌ .\rفِي الْأَقْوَالِ الثَّلَاثَةِ .\rفَإِنْ كَانَ مَعَهُمَا أُمٌّ ، وَعَصَبَةٌ ، فَهِيَ فِي التَّنْزِيلِ مِنْ سِتَّةٍ وَثَلَاثِينَ ، لِلْأُمِّ سِتَّةٌ ، وَلِلْخُنْثَى سِتَّةَ عَشَرَ ، وَلِلْبِنْتِ أَحَدَ عَشَرَ ، وَلِلْعَصَبَةِ ثَلَاثَةٌ","part":13,"page":488},{"id":6488,"text":"وَقِيَاسُ قَوْلِ الثَّوْرِيِّ أَنْ يَكُونَ لِلْخُنْثَى وَالْبِنْتِ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الْمَالِ بَيْنَهُمَا عَلَى خَمْسَةٍ ، وَلِلْأُمِّ السُّدُسُ ، وَيَبْقَى نِصْفُ السُّدُسِ لِلْعَصَبَةِ ، وَتَصِحُّ مِنْ سِتِّينَ .\rوَإِنْ كَانَ وَلَدٌ خُنْثَى ، وَعَصَبَةٌ ، فَلِلْخُنْثَى ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الْمَالِ ، وَالْبَاقِي لِلْعَصَبَةِ ، إلَّا فِي قَوْلِ مَنْ وَرَّثَهُمَا بِالدَّعْوَى مِنْ أَصْلِ الْمَالِ ، فَإِنَّهُ يَجْعَلُ الْمَالَ بَيْنَهُمَا أَثْلَاثًا ؛ لِأَنَّ الْخُنْثَى تَدَّعِي الْمَالَ كُلَّهُ ، وَالْعَصَبَةَ تَدَّعِي نِصْفَهُ ، فَتُضِيفُ النِّصْفَ إلَى الْكُلِّ ، فَيَكُونُ ثَلَاثَةَ أَنْصَافٍ ، لِكُلِّ نِصْفٍ ثُلُثٌ بِنْتٌ ، وَوَلَدُ ابْنٍ خُنْثَى وَعَمٌّ ، هِيَ فِي التَّنْزِيلِ مِنْ اثْنَيْ عَشَرَ ، وَتَرْجِعُ بِالِاخْتِصَارِ إلَى سِتَّةٍ ؛ لِلْبِنْتِ النِّصْفُ ، وَلِلْخُنْثَى الثُّلُثُ ، وَلِلْعَمِّ السُّدُسُ .","part":13,"page":489},{"id":6489,"text":"( 4912 ) فَصْلٌ : وَإِنْ كَانَ الْخُنْثَى يَرِثُ فِي حَالٍ دُونَ حَالٍ ، كَزَوْجٍ وَأُخْتٍ وَوَلَدِ أَبٍ خُنْثَى ، فَمُقْتَضَى قَوْلِ الثَّوْرِيِّ أَنْ يُجْعَلَ لِلْخُنْثَى نِصْفُ مَا يَرِثُهُ فِي حَالِ إرْثِهِ ، وَهُوَ نِصْفُ سَهْمٍ ، فَتَضُمُّهُ إلَى سِهَامِ الْبَاقِينَ ، وَهِيَ سِتَّةٌ ، ثُمَّ تَبْسُطُهَا أَنْصَافًا ؛ لِيَزُولَ الْكَسْرُ ، فَتَصِيرَ ثَلَاثَةَ عَشَرَ ، لَهُ مِنْهَا سَهْمٌ ، وَالْبَاقِي ، بَيْنَ الزَّوْجِ وَالْأُخْتِ نِصْفَيْنِ .\rوَقَدْ عَمِلَ أَبُو الْخَطَّابِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ عَلَى هَذَا فِي كِتَابِ \" الْهِدَايَةِ \" .\rوَأَمَّا فِي التَّنْزِيلِ ، فَتَصِحُّ مِنْ ثَمَانِيَةٍ وَعِشْرِينَ ، لِلْخُنْثَى سَهْمَانِ ، وَهِيَ نِصْفُ سُبْعٍ ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْآخَرِينَ ثَلَاثَةَ عَشَرَ وَإِنْ كَانَ زَوْجٌ وَأُمٌّ وَأَخَوَانِ مِنْ أُمٍّ وَوَلَدُ أَبٍ خُنْثَى ، فَلَهُ فِي حَالِ الْأُنُوثِيَّةِ ثَلَاثَةٌ مِنْ تِسْعَةٍ ، فَاجْعَلْ لَهُ نِصْفَهَا مَضْمُومًا إلَى سِهَامِ بَاقِي الْمَسْأَلَةِ ، ثُمَّ اُبْسُطْهَا تَكُنْ خَمْسَةَ عَشَرَ ، لَهُ مِنْهَا ثَلَاثَةٌ وَهِيَ الْخُمُسُ .\rوَفِي التَّنْزِيلِ لَهُ سِتَّةٌ مِنْ سِتَّةٍ وَثَلَاثِينَ ، وَهِيَ السُّدُسُ .\rوَإِنْ كَانَتْ بِنْتٌ وَبِنْتُ ابْنٍ وَوَلَدُ أَخٍ خُنْثَى وَعَمٌّ ، فَهِيَ مِنْ سِتَّةٍ ؛ لِلْبِنْتِ النِّصْفُ ، وَلِبِنْتِ الِابْنِ السُّدُسُ ، وَلِلْخُنْثَى السُّدُسُ ، وَلِلْعَمِّ مَا بَقِيَ عَلَى الْقَوْلَيْنِ جَمِيعًا .","part":13,"page":490},{"id":6490,"text":"( 4913 ) فَصْلٌ : وَإِنْ خَلَّفَ خُنْثَيَيْنِ فَصَاعِدًا ، نَزَّلْتهمْ بِعَدَدِ أَحْوَالِهِمْ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ ، فَتَجْعَلُ لِلِاثْنَيْنِ أَرْبَعَةَ أَحْوَالٍ ، وَلِلثَّلَاثَةِ ثَمَانِيَةً ، وَلِلْأَرْبَعَةِ سِتَّةَ عَشَرَ ، وَلِلْخَمْسَةِ اثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ حَالًا ، ثُمَّ تَجْمَعُ مَالَهُمْ فِي الْأَحْوَالِ كُلِّهَا ، فَتُقَسِّمُهُ عَلَى عَدَدِ أَحْوَالِهِمْ ، فَمَا خَرَجَ بِالْقَسْمِ فَهُوَ لَهُمْ ، إنْ كَانُوا مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ ، وَإِنْ كَانُوا مِنْ جِهَاتٍ جَمَعْت مَا لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِي الْأَحْوَالِ ، وَقَسَّمْته عَلَى عَدَدِ الْأَحْوَالِ كُلِّهَا ، فَالْخَارِجُ بِالْقَسْمِ هُوَ نَصِيبُهُ ، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ أَبِي لَيْلَى ، وَضِرَارٍ ، وَيَحْيَى بْنِ آدَمَ .\rوَقَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ عَلَى قِيَاسِ قَوْلِ الشَّعْبِيِّ وَالْوَجْهُ الْآخَرُ ، أَنَّهُمْ يَنْزِلُونَ حَالَيْنِ ؛ مَرَّةً ذُكُورًا ، وَمَرَّةً إنَاثًا ، كَمَا تَصْنَعُ فِي الْوَاحِدِ .\rوَهَذَا قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ .\rوَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ؛ لِأَنَّهُ يُعْطِي كُلَّ وَاحِدٍ بِحَسَبِ مَا فِيهِ مِنْ الِاحْتِمَالِ ، فَيَعْدِلُ بَيْنَهُمْ .\rوَفِي الْوَجْهِ الْآخَرِ يُعْطِي بَعْضَ الِاحْتِمَالَاتِ دُونَ بَعْضٍ ، وَهَذَا تَحَكُّمٌ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ .\rوَبَيَانُ هَذَا فِي وَلَدٍ خُنْثَى وَوَلَدِ أَخٍ خُنْثَى وَعَمٍّ ، إنْ كَانَا ذَكَرَيْنِ فَالْمَالُ لِلْوَلَدِ .\rوَإِنْ كَانَا أُنْثَيَيْنِ فَلِلْوَلَدِ النِّصْفُ ، وَالْبَاقِي لِلْعَمِّ ، فَهِيَ مِنْ أَرْبَعَةٍ عِنْدَ مَنْ نَزَّلَهُمْ حَالَيْنِ ؛ لِلْوَلَدِ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الْمَالِ ، وَلِلْعَمِّ رُبُعُهُ .\rوَمَنْ نَزَّلَهُمْ أَحْوَالًا ، زَادَ حَالَيْنِ آخَرَيْنِ ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْوَلَدُ وَحْدَهُ ذَكَرًا ، وَأَنْ يَكُونَ وَلَدُ الْأَخِ وَحْدَهُ ذَكَرًا ، فَتَكُونَ الْمَسْأَلَةُ مِنْ ثَمَانِيَةٍ ؛ لِلْوَلَدِ الْمَالُ فِي حَالَيْنِ ، وَالنِّصْفُ فِي حَالَيْنِ ، فَلَهُ رُبُعُ ذَلِكَ ، وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الْمَالِ ، وَلِوَلَدِ الْأَخِ نِصْفُ الْمَالِ فِي حَالٍ ، فَلَهُ رُبُعُهُ ، وَهُوَ الثُّمُنُ ، وَلِلْعَمِّ مِثْلُ ذَلِكَ ، وَهَذَا أَعْدَلُ وَمَنْ قَالَ بِالدَّعْوَى فِيمَا زَادَ عَلَى الْيَقِينِ ، قَالَ :","part":13,"page":491},{"id":6491,"text":"لِلْأَخِ النِّصْفُ يَقِينًا ، وَالنِّصْفُ الْآخَرُ يَتَدَاعَوْنَهُ ، فَيَكُونُ بَيْنَهُمْ أَثْلَاثًا ، وَتَصِحُّ مِنْ سِتَّةٍ .\rوَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي أَخٍ خُنْثَى وَوَلَدِ أَخٍ ، وَفِي كُلِّ عَصَبَتَيْنِ يَحْجُبُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ ، وَلَا يَرِثُ الْمَحْجُوبُ شَيْئًا إذَا كَانَ أُنْثَى .\rوَلَوْ خَلَّفَ بِنْتًا وَوَلَدًا خُنْثَى وَوَلَدَ ابْنٍ خُنْثَى وَعَصَبَةً ، فَمَنْ نَزَّلَهُمَا حَالَيْنِ جَعَلَهُمَا مِنْ سِتَّةٍ ؛ لِلْوَلَدِ الْخُنْثَى ثَلَاثَةٌ ، وَلِلْبِنْتِ سَهْمَانِ ، وَالْبَاقِي لِلْعَمِّ .\rوَمَنْ نَزَّلَهُمَا أَرْبَعَةَ أَحْوَالٍ ، جَعَلَهَا مِنْ اثْنَيْ عَشَرَ .\rوَجَعَلَ لِوَلَدِ الِابْنِ نِصْفَ السُّدُسِ ، وَلِلْعَمِّ سُدُسَهُ ، وَهَذَا أَعْدَلُ الطَّرِيقَيْنِ ؛ لِمَا فِي الطَّرِيقِ الْآخَرِ مِنْ إسْقَاطِ وَلَدِ الِابْنِ مَعَ أَنَّ احْتِمَالَ تَوْرِيثِهِ كَاحْتِمَالِ تَوْرِيثِ الْعَمِّ .\rوَهَكَذَا تَصْنَعُ فِي الثَّلَاثَةِ وَمَا كَانَ أَكْثَرَ مِنْهَا .\rوَيَكْفِي هَذَا الْقَدْرُ مِنْ هَذَا الْبَابِ ، فَإِنَّهُ نَادِرٌ قَلَّ مَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ ، وَاجْتِمَاعُ خُنْثَيَيْنِ وَأَكْثَرَ نَادِرُ النَّادِرِ ، وَلَمْ يُسْمَعْ بِوُجُودِهِ ، فَلَا حَاجَةَ إلَى التَّطْوِيلِ فِيهِ .","part":13,"page":492},{"id":6492,"text":"( 4914 ) فَصْلٌ : وَقَدْ وَجَدْنَا فِي عَصْرِنَا شَيْئًا شَبِيهًا بِهَذَا ، لَمْ يَذْكُرْهُ الْفَرْضِيُّونَ ، وَلَمْ يَسْمَعُوا بِهِ ، فَإِنَّا وَجَدْنَا شَخْصَيْنِ لَيْسَ لَهُمَا فِي قُبُلِهِمَا مَخْرَجٌ ، لَا ذَكَرٌ ، وَلَا فَرْجٌ ، أَمَّا أَحَدُهُمَا فَذَكَرُوا أَنَّهُ لَيْسَ فِي قُبُلِهِ إلَّا لُحْمَةٌ نَاتِئَةٌ كَالرَّبْوَةِ ، يَرْشَحُ الْبَوْلُ مِنْهَا رَشْحًا عَلَى الدَّوَامِ ، وَأَرْسَلَ إلَيْنَا يَسْأَلُنَا عَنْ حُكْمِهِ فِي الصَّلَاةِ ، وَالتَّحَرُّزِ مِنْ النَّجَاسَةِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ ، وَهِيَ سِتَّةَ عَشَرَ وَسِتُّمِائَةٍ .\rوَالثَّانِي ، شَخْصٌ لَيْسَ لَهُ إلَّا مَخْرَجٌ وَاحِدٌ فِيمَا بَيْنَ الْمَخْرَجَيْنِ ، مِنْهُ يَتَغَوَّطُ ، وَمِنْهُ يَبُولُ .\rوَسَأَلْت مَنْ أَخْبَرَنِي عَنْهُ عَنْ زِيِّهِ ، فَأَخْبَرَنِي أَنَّهُ إنَّمَا يَلْبَسُ لِبَاسَ النِّسَاءِ ، وَيُخَالِطُهُنَّ ، وَيَغْزِلُ مَعَهُنَّ ، وَيَعُدُّ نَفْسَهُ امْرَأَةً .\rوَحُدِّثْت أَنَّ فِي بَعْضِ بِلَادِ الْعَجَمِ شَخْصًا لَيْسَ لَهُ مَخْرَجٌ أَصْلًا ، لَا قُبُلٌ ، وَلَا دُبُرٌ ، وَإِنَّمَا يَتَقَايَأُ مَا يَأْكُلُهُ وَمَا يَشْرَبُهُ ، فَهَذَا وَمَا أَشْبَهَهُ فِي مَعْنَى الْخُنْثَى ، إلَّا أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ اعْتِبَارُهُ بِمَبَالِهِ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَامَةٌ أُخْرَى فَهُوَ مُشْكِلٌ ، يَنْبَغِي أَنْ يَثْبُتَ لَهُ حُكْمُ الْخُنْثَى الْمُشْكِلِ فِي مِيرَاثِهِ وَأَحْكَامِهِ كُلِّهَا .\rوَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .","part":13,"page":493},{"id":6493,"text":"( 4915 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَابْنُ الْمُلَاعَنَةِ تَرِثُهُ أُمُّهُ وَعَصَبَتُهَا ، فَإِنْ خَلَّفَ أُمًّا وَخَالًا فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ ، وَمَا بَقِيَ فَلِلْخَالِ ) وَجُمْلَتُهُ ، أَنَّ الرَّجُلَ إذَا لَاعَنَ امْرَأَتَهُ ، وَنَفَى وَلَدَهَا ، وَفَرَّقَ الْحَاكِمُ بَيْنَهُمَا ؛ انْتَفَى وَلَدُهَا عَنْهُ ، وَانْقَطَعَ تَعْصِيبُهُ مِنْ جِهَةِ الْمُلَاعِنِ ، فَلَمْ يَرِثْهُ هُوَ وَلَا أَحَدٌ مِنْ عَصَبَاتِهِ ، وَتَرِثُ أُمُّهُ وَذَوُو الْفُرُوضِ مِنْهُ فُرُوضَهُمْ ، وَيَنْقَطِعُ التَّوَارُثُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ ، لَا نَعْلَمُ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي هَذِهِ الْجُمْلَةِ خِلَافًا وَأَمَّا إنْ مَاتَ أَحَدُهُمْ قَبْلَ تَمَامِ اللِّعَانِ مِنْ الزَّوْجَيْنِ ، وَرِثَهُ الْآخَرَانِ فِي قَوْلِ الْجُمْهُورِ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : إذَا أَكْمَلَ الزَّوْجُ لِعَانَهُ لَمْ يَتَوَارَثَا .\rوَقَالَ مَالِكٌ : إنْ مَاتَ الزَّوْجُ بَعْدَ لِعَانِهِ ، فَإِنْ لَاعَنَتْ الْمَرْأَةُ لَمْ تَرِثْ ، وَلَمْ تُحَدَّ ، وَإِنْ لَمْ تُلَاعِنْ ، وَرِثَتْ ، وَحُدَّتْ .\rوَإِنْ مَاتَتْ هِيَ بَعْدَ لِعَانِ الزَّوْجِ ، وَرِثَهَا فِي قَوْلِ جَمِيعِهِمْ ، إلَّا الشَّافِعِيَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .\rوَإِنْ تَمَّ اللِّعَانُ بَيْنَهُمَا ، فَمَاتَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ تَفْرِيقِ الْحَاكِمِ بَيْنَهُمَا فَفِيهِ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، لَا يَتَوَارَثَانِ ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَزُفَرَ ، وَرُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ الزُّهْرِيِّ ، وَرَبِيعَةَ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَدَاوُد ؛ لِأَنَّ اللِّعَانَ يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ الْمُؤَبَّدَ ، فَلَمْ يُعْتَبَرْ فِي حُصُولِ الْفُرْقَةِ بِهِ التَّفْرِيقُ بَيْنَهُمَا ، كَالرَّضَاعِ .\rوَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ ، يَتَوَارَثَانِ مَا لَمْ يُفَرِّقْ الْحَاكِمُ بَيْنَهُمَا .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَصَاحِبَيْهِ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَّقَ بَيْنَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ ، وَلَوْ حَصَلَ التَّفْرِيقُ بِاللِّعَانِ لَمْ يُحْتَجْ إلَى تَفْرِيقِهِ .\rوَإِنْ فَرَّقَ الْحَاكِمُ بَيْنَهُمَا قَبْلَ تَمَامِ اللِّعَانِ ، لَمْ تَقَعْ الْفُرْقَةُ ، وَلَمْ يَنْقَطِعْ التَّوَارُثُ فِي قَوْلِ الْجُمْهُورِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ","part":13,"page":494},{"id":6494,"text":"وَصَاحِبَاهُ : إنْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا بَعْدَ أَنْ تَلَاعَنَا ثَلَاثًا ، وَقَعَتْ الْفُرْقَةُ ، وَانْقَطَعَ التَّوَارُثُ ؛ لِأَنَّهُ وُجِدَ مِنْهُمَا مُعْظَمُ اللِّعَانِ ، وَإِنْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا قَبْلَ ذَلِكَ ، لَمْ تَقَعْ الْفُرْقَةُ ، وَلَمْ يَنْقَطِعْ التَّوَارُثُ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ تَفْرِيقٌ قَبْلَ تَمَامِ اللِّعَانِ ، فَأَشْبَهَ التَّفْرِيقَ قَبْلَ الثَّلَاثِ .\rوَهَذَا الْخِلَافُ فِي تَوَارُثِ الزَّوْجَيْنِ .\rفَأَمَّا الْوَلَدُ ، فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَنْتَفِي عَنْ الْمُلَاعِنِ إذَا تَمَّ اللِّعَانُ بَيْنَهُمَا مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ تَفْرِيقِ الْحَاكِمِ .\rلِأَنَّ انْتِفَاءَهُ بِنَفْيِهِ ، لَا بِقَوْلِ الْحَاكِمِ : فَرَّقْت بَيْنَكُمَا ، فَإِنْ لَمْ يَذْكُرْهُ فِي اللِّعَانِ لَمْ يَنْتَفِ عَنْ الْمُلَاعِنِ ، وَلَمْ يَنْقَطِعْ التَّوَارُثُ بَيْنَهُمَا .\rوَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : يَنْتَفِي بِزَوَالِ الْفِرَاشِ ، وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْهُ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَفَى الْوَلَدَ عَنْ الْمُلَاعِنِ ، وَأَلْحَقَهُ بِأُمِّهِ ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ الرَّجُلُ فِي لِعَانِهِ .\rوَيُحَقِّقُ ذَلِكَ أَنَّ الْوَلَدَ كَانَ حَمْلًا فِي الْبَطْنِ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { أَنْظِرُوهَا ، فَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أُحَيْمِرَ ، كَأَنَّهُ وَحَرَةٌ ، حَمْشَ السَّاقَيْنِ ، فَلَا أَرَاهُ إلَّا قَدْ كَذَبَ عَلَيْهَا ، وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ جَعْدًا ، جَمَالِيًّا ، خَدَلَّجَ السَّاقَيْنِ ، سَابِغَ الْأَلْيَتَيْنِ ، فَهُوَ لِلَّذِي رُمِيَتْ بِهِ } فَأَتَتْ بِهِ عَلَى النَّعْتِ الْمَكْرُوهِ إذَا ثَبَتَ هَذَا ، عُدْنَا إلَى مَسْأَلَةِ الْكِتَابِ ، فَنَقُولُ : اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي مِيرَاثِ الْوَلَدِ الْمَنْفِيِّ بِاللِّعَانِ ، فَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ فِيهِ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، أَنَّ عَصَبَتَهُ عَصَبَةُ أُمِّهِ .\rنَقْلَهَا الْأَثْرَمُ ، وَحَنْبَلٌ .\rيُرْوَى ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَابْنِ عُمَرَ .\rوَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ ، وَابْنُ سِيرِينَ ، وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ ، وَعَطَاءٌ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَالْحَكَمُ ، وَحَمَّادٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ ، إلَّا أَنَّ عَلِيًّا يَجْعَلُ","part":13,"page":495},{"id":6495,"text":"ذَا السَّهْمِ مِنْ ذَوِي الْأَرْحَامِ أَحَقَّ مِمَّنْ لَا سَهْمَ لَهُ ، وَقَدَّمَ الرَّدَّ عَلَى غَيْرِهِ وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ ، أَنَّ أُمَّهُ عَصَبَتُهُ ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ فَعَصَبَتُهَا عَصَبَتُهُ .\rنَقَلَهُ أَبُو الْحَارِثِ ، وَمُهَنَّا .\rوَهَذَا قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ .\rوَرُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ عَلِيٍّ ، وَمَكْحُولٍ ، وَالشَّعْبِيِّ ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { جَعَلَ مِيرَاثَ ابْنِ الْمُلَاعَنَةِ لِأُمِّهِ وَلِوَرَثَتِهَا مِنْ بَعْدِهَا } وَرَوَاهُ أَيْضًا مَكْحُولٌ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُرْسَلًا .\rوَرَوَى وَاثِلَةُ بْنُ الْأَسْقَعِ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { تَحُوزُ الْمَرْأَةُ ثَلَاثَةَ مَوَارِيثَ ؛ عَتِيقَهَا ، وَلَقِيطَهَا ، وَوَلَدَهَا الَّذِي لَاعَنَتْ عَلَيْهِ } .\rوَعَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ ، وَقَالَ : { كَتَبْت إلَى صَدِيقٍ لِي مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مِنْ بَنِي زُرَيْقٍ أَسْأَلُهُ عَنْ وَلَدِ الْمُلَاعَنَةِ ، لِمَنْ قَضَى بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَتَبَ إلَيَّ ؛ إنِّي سَأَلْت فَأُخْبِرْت أَنَّهُ قَضَى بِهِ لِأُمِّهِ ، هِيَ بِمَنْزِلَةِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ .\r} رَوَاهُنَّ أَبُو دَاوُد .\rوَلِأَنَّهَا قَامَتْ مَقَامَ أَبِيهِ وَأُمِّهِ فِي انْتِسَابِهِ إلَيْهَا ، فَقَامَتْ مَقَامَهُمَا فِي حِيَازَةِ مِيرَاثِهِ ، وَلِأَنَّ عَصَبَاتِ الْأُمِّ أَدْلَوْا بِهَا ، فَلَمْ يَرِثُوا مَعَهَا ، كَأَقَارِبِ الْأَبِ مَعَهُ .\rوَكَانَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ يُوَرِّثُ مِنْ ابْنِ الْمُلَاعَنَةِ ، كَمَا يُوَرِّثُ مِنْ غَيْرِ ابْنِ الْمُلَاعَنَةِ ، وَلَا يَجْعَلُهَا عَصَبَةَ ابْنِهَا ، وَلَا عَصَبَتَهَا عَصَبَتَهُ .\rفَإِنْ كَانَتْ أُمُّهُ مَوْلَاةً لَقَوْمٍ جَعَلَ الْبَاقِيَ مِنْ مِيرَاثِهَا لِمَوْلَاهَا ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ مَوْلَاةً جَعَلَهُ لِبَيْتِ الْمَالِ وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ نَحْوُهُ ، وَبِهِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ، وَعُرْوَةُ ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَرَبِيعَةُ ، وَأَبُو","part":13,"page":496},{"id":6496,"text":"الزِّنَادِ ، وَمَالِكٌ ، وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَصَاحِبَاهُ ، وَأَهْلُ الْبَصْرَةِ ، إلَّا أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ وَأَهْلَ الْبَصْرَةِ جَعَلُوا الرَّدَّ ، وَذَوِي الْأَرْحَامِ ، أَحَقُّ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ ؛ لِأَنَّ الْمِيرَاثَ إنَّمَا ثَبَتَ بِالنَّصِّ ، وَلَا نَصَّ فِي تَوْرِيثِ الْأُمِّ أَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ ، وَلَا فِي تَوْرِيثِ الْأَخِ مِنْ الْأُمِّ أَكْثَرَ مِنْ السُّدُسِ ، وَلَا فِي تَوْرِيثِ أَبِي الْأُمِّ وَأَشْبَاهِهِ مِنْ عَصَبَاتِ الْأُمِّ ، وَلَا قِيَاسَ أَيْضًا ، فَلَا وَجْهَ لِإِثْبَاتِهِ وَوَجْهُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا ، فَمَا بَقِيَ فَهُوَ لِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ } .\rوَأَوْلَى الرِّجَالِ بِهِ أَقَارِبُ أُمِّهِ .\rوَعَنْ عُمَرَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ أَلْحَقَ وَلَدَ الْمُلَاعَنَةِ بِعَصَبَةِ أُمِّهِ .\rوَعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ لَمَّا رَجَمَ الْمَرْأَةَ دَعَا أَوْلِيَاءَهَا فَقَالَ : هَذَا ابْنُكُمْ تَرِثُونَهُ وَلَا يَرِثُكُمْ ، وَإِنْ جَنَى جِنَايَةً فَعَلَيْكُمْ حَكَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْهُ .\rوَلِأَنَّ الْأُمَّ لَوْ كَانَتْ عَصَبَةً كَأَبِيهِ لَحَجَبَتْ إخْوَتَهُ .\rوَلِأَنَّ مَوْلَاهَا مَوْلَى أَوْلَادِهَا ، فَيَجِبُ أَنْ تَكُونَ عَصَبَتُهَا عَصَبَتَهُ ، كَالْأَبِ .\rفَإِذَا خَلَّفَ ابْنُ الْمُلَاعَنَةِ أُمًّا ، وَخَالًا ، فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ بِلَا خِلَافٍ ، وَالْبَاقِي لِخَالِهِ ؛ لِأَنَّهُ عَصَبَةُ أُمِّهِ .\rوَعَلَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى ، هُوَ لَهَا كُلُّهُ .\rوَهَذَا قَوْلُ عَلِيٍّ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَمُوَافِقِيهِ ، إلَّا أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ يُعْطِيهَا إيَّاهُ ؛ لِكَوْنِهَا عَصَبَةً ؛ وَالْبَاقُونَ بِالرَّدِّ ، وَعِنْدَ زَيْدٍ ، الْبَاقِي لِبَيْتِ الْمَالِ فَإِنْ كَانَ مَعَهُمَا مَوْلَى أُمٍّ ، فَلَا شَيْءَ لَهُ عِنْدَنَا .\rوَقَالَ زَيْدٌ ، وَمَنْ وَافَقَهُ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ : الْبَاقِي لَهُ .\rوَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِأُمِّهِ عَصَبَةٌ إلَّا مَوْلَاهَا ، فَالْبَاقِي لَهُ عَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي اخْتَارَهَا الْخِرَقِيِّ ، وَعَلَى الْأُخْرَى ، هُوَ","part":13,"page":497},{"id":6497,"text":"لِلْأُمِّ ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ ؛ لِأَنَّهَا عَصَبَةُ ابْنِهَا .\rفَإِنْ لَمْ يُخَلِّفْ إلَّا أُمَّهُ ، فَلَهَا الثُّلُثُ بِالْفَرْضِ ، وَالْبَاقِي بِالرَّدِّ ، وَهُوَ قَوْلُ عَلِيٍّ وَسَائِرِ مِنْ يَرَى الرَّدَّ .\rوَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى ، لَهَا الْبَاقِي بِالتَّعْصِيبِ وَإِنْ كَانَ مَعَ الْأُمِّ عَصَبَةٌ لَهَا ، فَهَلْ يَكُونُ الْبَاقِي لَهَا أَوْ لَهُ ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ .\rوَإِنْ كَانَ لَهَا عَصَبَاتٌ ، فَهُوَ لَأَقْرَبِهِمْ مِنْهَا عَلَى رِوَايَةِ الْخِرَقِيِّ ، فَإِذَا كَانَ مَعَهَا أَبُوهَا ، وَأَخُوهَا ، فَهُوَ لِأَبِيهَا ، وَإِنْ كَانَ مَكَانَ أَبِيهَا جَدُّهَا فَهُوَ بَيْنَ أَخِيهَا وَجَدِّهَا نِصْفَيْنِ ، وَإِنْ كَانَ مَعَهُمْ ابْنُهَا ، وَهُوَ أَخُوهُ لِأُمِّهِ ، فَلَا شَيْءَ لِأَخِيهَا ، وَيَكُونُ لِأُمِّهِ الثُّلُثُ ، وَلِأَخِيهِ السُّدُسُ ، وَالْبَاقِي لِأَخِيهِ ، أَوْ ابْنِ أَخِيهِ .\rوَإِنْ خَلَّفَ أُمَّهُ ، وَأَخَاهُ ، وَأُخْتَهُ ، فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ السُّدُسُ ، وَالْبَاقِي لِأَخِيهِ ، دُونَ أُخْتِهِ .\rوَإِنْ خَلَّفَ ابْنَ أُخْتِهِ ، وَبِنْتَ أُخْتِهِ ، أَوْ خَالَهُ وَخَالَتَهُ ، فَالْبَاقِي لِلذَّكَرِ وَإِنْ خَلَّفَ أُخْتَهُ وَابْنَ أُخْتِهِ ، فَلِأُخْتِهِ السُّدُسُ ، وَالْبَاقِي لِابْنِ أُخْتِهِ ، وَعَلَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى ، الْبَاقِي لِلْأُمِّ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ .","part":13,"page":498},{"id":6498,"text":"( 4916 ) فَصْلٌ : ابْنُ مُلَاعَنَةٍ مَاتَ ، وَتَرَكَ بِنْتًا وَبِنْتَ ابْنٍ وَمَوْلَى أُمِّهِ ، الْبَاقِي لِمَوْلَى الْأُمِّ فِي قَوْلِ الْجُمْهُورِ .\rوَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ : الرَّدُّ أَوْلَى مِنْ الْمَوْلَى ؛ فَإِنْ كَانَ مَعَهُمْ أُمٌّ فَلَهَا السُّدُسُ ، وَفِي الْبَاقِي رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا : لِلْمَوْلَى ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِينَ .\rوَالثَّانِيَةُ : لِلْأُمِّ ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ .\rفَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ مَوْلًى ، فَالْبَاقِي مَرْدُودٌ عَلَيْهِمْ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ ، وَالْأُخْرَى هُوَ لِلْأُمِّ فَإِنْ كَانَ مَعَهُمْ أَخٌ ، فَلَا شَيْءَ لَهُ بِالْفَرْضِ ، وَلَهُ الْبَاقِي فِي رِوَايَةٍ ، وَالْأُخْرَى هُوَ لِلْأُمِّ .\rبِنْتٌ وَأَخٌ أَوْ ابْنُ أَخٍ ، أَوْ خَالٍ ، أَوْ أَبُو أُمٍّ ، أَوْ غَيْرُهُمْ مِنْ الْعَصَبَاتِ ؛ لِلْبِنْتِ النِّصْفُ ، وَالْبَاقِي لِلْعَصَبَةِ فِي قَوْلِ الْعَبَادِلَةَ .\rوَإِنْ كَانَ مَعَهَا أَخٌ وَأُخْتٌ ، أَوْ ابْنُ أَخٍ وَأُخْتُهُ ، أَوْ خَالٌ ، أَوْ خَالَةٌ ، فَالْبَاقِي لِلذَّكَرِ وَحْدَهُ فِي قَوْلِهِمْ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ : الْمَالُ لِلْبِنْتِ بِالْفَرْضِ وَالرَّدِّ وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ جَعَلَ ذَا السَّهْمِ أَحَقَّ مِمَّنْ لَا سَهْمَ لَهُ ، وَأَنَّهُ وَرَّثَ مِنْ ابْنِ الْمُلَاعَنَةِ ذَوِي أَرْحَامِهِ ، كَمَا يَرِثُونَ مِنْ غَيْرِهِ .\rقَالَ ابْنُ اللَّبَّانِ : وَلَيْسَ هَذَا مَحْفُوظًا عَنْ عَلِيٍّ ، وَإِنَّمَا الْمَشْهُورُ عَنْهُ قَوْلُهُ لِأَوْلِيَاءِ الْمَرْجُومَةِ عَنْ ابْنِهَا : هَذَا ابْنُكُمْ ، تَرِثُونَهُ ، وَلَا يَرِثُكُمْ ، وَإِنْ جَنَى جِنَايَةً فَعَلَيْكُمْ .\rوَفَسَّرَ الْقَاضِي قَوْلَ أَحْمَدَ : إنْ لَمْ تَكُنْ أُمٌّ فَعَصَبَتُهَا عَصَبَتُهُ .\rبِتَقْدِيمِ الرَّدِّ عَلَى عَصَبَةِ الْأُمِّ ، كَقَوْلِهِ فِي أُخْتٍ وَابْنِ أَخٍ : الْمَالُ كُلُّهُ لِلْأُخْتِ .\rوَهَذَا تَفْسِيرٌ لِلْكَلَامِ بِضِدِّ مَا يَقْتَضِيهِ ، وَحَمْلُ اللَّفْظِ عَلَى خِلَافِ ظَاهِرِهِ ، وَإِنَّمَا هَذِهِ الرِّوَايَةُ ، كَمَذْهَبِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَرِوَايَةُ الشَّعْبِيِّ عَنْ عَلِيٍّ ، وَعَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُمَا قَالَا : عَصَبَةُ ابْنِ الْمُلَاعَنَةِ أُمُّهُ ، تَرِثُ","part":13,"page":499},{"id":6499,"text":"مَالَهُ أَجْمَعَ ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ أُمٌّ ، فَعَصَبَتُهَا عَصَبَتُهُ .\rامْرَأَةٌ ، وَجَدَّةٌ ، وَأُخْتَانِ وَابْنُ أَخٍ ، لِلْمَرْأَةِ الرُّبُعُ ، وَلِلْجَدَّةِ السُّدُسُ ، وَلِلْأُخْتَيْنِ الثُّلُثُ ، وَالْبَاقِي لِابْنِ الْأَخِ ، فِي الرِّوَايَتَيْنِ جَمِيعًا وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : الْبَاقِي يُرَدُّ عَلَى الْأُخْتَيْنِ وَالْجَدَّةِ .\rوَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ .\rأَبُو أُمٍّ ، وَبِنْتٌ وَابْنُ أَخٍ وَبِنْتُ أَخٍ .\rالْبَاقِي لِابْنِ الْأَخِ وَحْدَهُ .\rوَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِأَبِي الْأُمِّ سُدُسُ بَاقِي الْمَالِ ، وَخَمْسَةُ أَسْدَاسِهِ لِابْنِ الْأَخِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : الْمَالُ بَيْنَ أُمِّ الْأُمِّ وَالْبِنْتِ ، عَلَى أَرْبَعَةٍ ، بِالْفَرْضِ وَالرَّدِّ .","part":13,"page":500},{"id":6500,"text":"( 4917 ) فَصْلٌ : فَإِنْ لَمْ يَتْرُكْ ابْنُ الْمُلَاعَنَةِ ذَا سَهْمٍ ، فَالْمَالُ لِعَصَبَةِ أُمِّهِ فِي قَوْلِ الْجَمَاعَةِ .\rوَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ : هُوَ بَيْنَ ذَوِي الْأَرْحَامِ ، كَمِيرَاثِ غَيْرِهِ ، وَرَوَوْهُ عَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلَامُ .\rوَذَلِكَ مِثْلُ خَالٍ وَخَالَةٍ ، وَابْنِ أَخٍ وَأُخْتِهِ .\rالْمَالُ لِلذَّكَرِ ، وَفِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ، هُوَ بَيْنَهُمَا فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ نِصْفَيْنِ .\rخَالَةٌ لِأَبٍ وَأُمٍّ وَخَالٌ لِأَبٍ ، الْمَالُ لِلْخَالِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : هُوَ لِلْخَالَةِ .\rخَالَةٌ وَبِنْتُ بِنْتٍ .\rالْمَالُ بَيْنَهُمَا عَلَى أَرْبَعَةٍ .\rوَإِذَا لَمْ يُخَلِّفْ ابْنُ الْمُلَاعَنَةِ إلَّا ذَا رَحِمٍ فَحُكْمُهُمْ فِي مِيرَاثِهِ ، كَحُكْمِهِمْ فِي مِيرَاثِ غَيْرِهِ ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ شَرْحُهُ .","part":14,"page":1},{"id":6501,"text":"( 4918 ) فَصْلٌ : وَإِذَا قُسِّمَ مِيرَاثُ الْمُلَاعَنَةِ ، ثُمَّ أَكْذَبَ الْمُلَاعِنُ نَفْسَهُ ، لَحِقَهُ الْوَلَدُ ، وَنَقَضَتْ الْقِسْمَةُ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَلْحَقُهُ النَّسَبُ بَعْدَ مَوْتِهِ ، إلَّا أَنْ يَكُونَا تَوْأَمَيْنِ ، مَاتَ أَحَدُهُمَا ، وَأَكْذَبَ نَفْسَهُ ، وَالْآخَرُ بَاقٍ ، فَيَلْحَقَهُ نَسَبُ الْبَاقِي وَالْمَيِّتِ مَعًا ، وَقَدْ مَضَى الْكَلَامُ مَعَهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ .","part":14,"page":2},{"id":6502,"text":"( 4919 ) فَصْلٌ : وَلَوْ كَانَ الْمَنْفِيُّ بِاللِّعَانِ تَوْأَمَيْنِ ، وَلَهُمَا ابْنٌ آخَرُ مِنْ الزَّوْجِ لَمْ يَنْفِهِ ، فَمَاتَ أَحَدُ التَّوْأَمَيْنِ ، فَمِيرَاثُ تَوْأَمِهِ مِنْهُ كَمِيرَاثِ الْآخَرِ ، فِي قَوْلِ الْجُمْهُورِ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : يَرِثُهُ تَوْأَمُهُ مِيرَاثَ أَخٍ لِأَبَوَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ أَخُوهُ لِأَبَوَيْهِ ، بِدَلِيلِ أَنَّ الزَّوْجَ لَوْ أَقَرَّ بِأَحَدِهِمَا لَحِقَهُ الْآخَرُ .\rوَهَذَا أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَلَنَا ، أَنَّهُمَا تَوْأَمَانِ ، لَمْ يَثْبُتْ لَهُمَا أَبٌ يَنْتَسِبَانِ إلَيْهِ ، فَأَشْبَهَا تَوْأَمَيْ الزَّانِيَةِ ، وَلَا خِلَافَ فِي تَوْأَمَيْ الزَّانِيَةِ ، وَفَارَقَ هَذَا مَا إذَا اسْتَلْحَقَ أَحَدَهُمَا ؛ لِأَنَّهُ يَثْبُتُ بِاسْتِلْحَاقِهِ أَنَّهُ أَبُوهُ .","part":14,"page":3},{"id":6503,"text":"( 4920 ) فَصْلٌ : قَوْلُهُمْ : إنَّ الْأُمَّ عَصَبَةُ وَلَدِهَا ، وَإِنَّ عَصَبَتهَا عَصَبَتُهُ .\rإنَّمَا هُوَ فِي الْمِيرَاثِ خَاصَّةً ، كَقَوْلِنَا فِي الْأَخَوَاتِ مَعَ الْبَنَاتِ ، فَعَلَى هَذَا لَا يَعْقِلُونَ عَنْهُ ، وَلَا يَثْبُتُ لَهُمْ وِلَايَةُ التَّزْوِيجِ ، وَلَا غَيْرُهُ .\rوَهَذَا قَوْلُ الْأَكْثَرِينَ .\rوَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ لِأَوْلِيَاءِ الْمَرْجُومَةِ فِي وَلَدِهَا : هَذَا ابْنُكُمْ يَرِثُكُمْ وَلَا تَرِثُونَهُ ، وَإِنْ جَنَى فَعَلَيْكُمْ .\rوَرُوِيَ هَذَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ، وَإِبْرَاهِيمَ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُمْ إنَّمَا يَنْتَسِبُونَ إلَيْهِ بِقَرَابَةِ الْأُمِّ ، فَلَمْ يَعْقِلُوا عَنْهُ ، وَلَمْ يَثْبُتْ عَنْهُمْ وِلَايَةُ التَّزْوِيجِ ، كَمَا لَوْ عَلِمَ أَبُوهُ ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ التَّعْصِيبِ فِي الْمِيرَاثِ التَّعْصِيبُ فِي الْعَقْلِ وَالتَّزْوِيجُ ، بِدَلِيلِ الْأَخَوَاتِ مَعَ الْبَنَاتِ .\rفَأَمَّا إنْ أَعْتَقَ ابْنُ الْمُلَاعَنَةِ عَبْدًا ، ثُمَّ مَاتَ ، ثُمَّ مَاتَ الْمَوْلَى ، وَخَلَّفَ أُمَّ مَوْلَاهُ ، وَأَخَا مَوْلَاهُ ، احْتَمَلَ أَنْ يَثْبُتَ لَهُمَا الْإِرْثُ بِالْوَلَاءِ ؛ لِأَنَّ التَّعْصِيبَ ثَابِتٌ .\rوَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَهَلْ يَكُونُ لِلْأُمِّ أَوْ لِلْأَخِ ؟ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَثْبُتَ لَهُمَا مِيرَاثٌ ؛ لِأَنَّ النِّسَاءَ لَا يَرِثْنَ مِنْ الْوَلَاءِ ، إلَّا مَا أَعْتَقْنَ ، أَوْ أَعْتَقَ مَنْ أَعْتَقْنَ ، فَكَذَلِكَ مَنْ يُدْلِي بِهِنَّ ، وَمَا ذَكَرْنَاهُ لِلِاحْتِمَالِ الْأَوَّلِ يَبْطُلُ بِالْأَخَوَاتِ مَعَ الْبَنَاتِ ، وَبِمِنْ عَصَّبَهُنَّ أَخُوهُنَّ مِنْ الْإِنَاثِ .","part":14,"page":4},{"id":6504,"text":"فَصْلٌ : فِي مِيرَاثِ ابْنِ ابْنِ الْمُلَاعَنَةِ إذَا خَلَّفَ أُمَّهُ وَأُمَّ أَبِيهِ ، وَهِيَ الْمُلَاعَنَةُ ، فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ ، وَالْبَاقِي لَهَا بِالرَّدِّ .\rوَهَذَا قَوْلُ عَلِيٍّ .\rوَعَلَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى ؛ الْبَاقِي لِأُمِّ أَبِيهِ ؛ لِأَنَّهَا عَصَبَةُ أَبِيهِ .\rوَهَذَا قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ وَيُعَابَا بِهَا فَيُقَالُ : جَدَّةٌ وَرِثَتْ مَعَ أُمٍّ أَكْبَرَ مِنْهَا .\rوَإِنْ خَلَّفَ جَدَّتَيْهِ ، فَالْمَالُ بَيْنَهُمَا بِالْفَرْضِ وَالرَّدِّ ، عَلَى قَوْلِ عَلِيٍّ وَفِي قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، السُّدُسُ بَيْنَهُمَا فَرْضًا ، وَبَاقِي الْمَالِ لِأُمِّ أَبِيهِ .\rأُمُّ أُمٍّ وَخَالِ أَبٍ لِأُمٍّ ؛ لِلْأُمِّ السُّدُسُ وَفِي الْبَاقِي قَوْلَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، أَنَّهُ لَهَا بِالرَّدِّ .\rوَالثَّانِي ، لِخَالِ الْأَبِ ، وَفِي قَوْلِ عَلِيٍّ ، الْكُلُّ لِلْجَدَّةِ .\rخَالٌ وَعَمٌّ وَخَالِ أَبٍ وَأَبُو أُمِّ أَبٍ ، الْمَالُ لِلْعَمِّ ؛ لِأَنَّهُ أَبُو الْمُلَاعَنَةِ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَمٌّ فَلِأَبِي أُمِّ الْأَبِ ؛ لِأَنَّهُ أَبُوهَا ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَلِخَالِ الْأَبِ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَلِلْخَالِ ؛ لِأَنَّهُ ذُو رَحِمِهِ .\rبِنْتٌ وَعَمٌّ .\rلِلْبِنْتِ النِّصْفُ ، وَالْبَاقِي لِلْعَمِّ .\rوَفِي قَوْلِ عَلِيٍّ : الْكُلُّ لِلْبِنْتِ ؛ لِأَنَّهُ يُقَدَّمُ الرَّدُّ عَلَى تَوْرِيثِ عَصَبَةِ أُمِّهِ .\rبِنْتٌ وَأُمٌّ وَخَالٍ ، الْمَالُ بَيْنَ الْبِنْتِ وَالْأُمِّ عَلَى أَرْبَعَةٍ ، بِالْفَرْضِ وَالرَّدِّ ، وَلَا شَيْءَ لِلْخَالِ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِعَصَبَةِ الْمُلَاعَنَةِ ، وَلَوْ كَانَ بَدَلَ الْخَالِ خَالُ أَبٍ ، كَانَ الْبَاقِي لَهُ ؛ لِأَنَّهُ عَصَبَةُ الْمُلَاعَنَةِ .\rفَأَمَّا ابْنُ ابْنِ ابْنِ الْمُلَاعَنَةِ ، فَإِذَا خَلَّفَ عَمَّهُ وَعَمِّ أَبِيهِ ، فَالْمَالُ لِعَمِّهِ ؛ لِأَنَّهُ عَصَبَتُهُ ، وَهَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ إجْمَاعًا .\rوَقَدْ قَالَ بَعْضُ النَّاسِ : يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَمُّ الْأَبِ أَوْلَى ؛ لِأَنَّهُ ابْنُ الْمُلَاعَنَةِ وَهَذَا غَلَطٌ بَيِّنٌ ؛ لِأَنَّ الْعَصَبَاتِ إنَّمَا يُعْتَبَرُ أَقْرَبُهُمْ مِنْ الْمَيِّتِ ، لَا مِنْ آبَائِهِ .\rوَإِنْ خَلَّفَ ثَلَاثَ جَدَّاتٍ مُتَحَاذِيَاتٍ ، فَالسُّدُسُ بَيْنَهُنَّ ، وَالْبَاقِي","part":14,"page":5},{"id":6505,"text":"رَدٌّ عَلَيْهِنَّ ، فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ ، وَهُوَ قَوْلُ عَلِيٍّ .\rوَفِي الثَّانِيَةِ لِأُمِّ أَبِي أَبِيهِ .\rوَهُوَ قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَإِنْ خَلَّفَ أُمَّهُ ، وَجَدَّتَهُ ، وَجَدَّةَ أَبِيهِ ، فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ ، وَلَا شَيْءَ لِجَدَّتِهِ ، وَفِي الْبَاقِي رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، يُرَدُّ عَلَى الْأُمِّ .\rوَالثَّانِيَةُ ؛ لِجَدَّةِ أَبِيهِ وَإِنْ خَلَّفَ خَالَهُ وَخَالِ أَبِيهِ وَخَالِ جَدِّهِ ، فَالْمَالُ لِخَالِ جَدِّهِ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَلِخَالِهِ ، وَلَا شَيْءَ لِخَالِ أَبِيهِ .\rفَأَمَّا وَلَدُ بِنْتِ الْمُلَاعَنَةِ ، فَلَيْسَتْ الْمُلَاعَنَةُ عَصَبَةً لَهُمْ فِي قَوْلِ الْجَمِيعِ ؛ لِأَنَّ لَهُمْ نَسَبًا مَعْرُوفًا مِنْ جِهَةِ أَبِيهِمْ ، وَهُوَ زَوْجُ بِنْتِ الْمُلَاعَنَةِ .\rوَلَوْ أَعْتَقَتْ بِنْتُ الْمُلَاعَنَةِ عَبْدًا ثُمَّ مَاتَتْ ، ثُمَّ مَاتَ الْمَوْلَى ، وَخَلَّفَ أُمَّ مَوْلَاتِهِ ، وَرِثَتْ مَالَ الْمَوْلَى ؛ لِأَنَّهَا عَصَبَةٌ لَبِنْتِهَا ، وَالْبِنْتُ عَصَبَةٌ لِمَوْلَاهَا فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُمَا فِي ابْنِ الْمُلَاعَنَةِ .","part":14,"page":6},{"id":6506,"text":"( 4922 ) فَصْلٌ : وَالْحُكْمُ فِي مِيرَاثِ وَلَدِ الزِّنَى فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَا ، كَالْحُكْمِ فِي وَلَدِ الْمُلَاعَنَةِ ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْأَقْوَالِ ، وَالِاخْتِلَافِ ، إلَّا أَنَّ الْحَسَنَ بْنَ صَالِحٍ قَالَ : عَصَبَةُ وَلَدِ الزِّنَى سَائِرُ الْمُسْلِمِينَ ؛ لِأَنَّ أُمَّهُ لَيْسَتْ فِرَاشًا ، بِخِلَافِ وَلَدِ الْمُلَاعَنَةِ .\rوَالْجُمْهُورُ عَلَى التَّسْوِيَةِ بَيْنَهُمَا ؛ لِانْقِطَاعِ نَسَبِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ أَبِيهِ ، إلَّا أَنَّ وَلَدَ الْمُلَاعَنَةِ يَلْحَقُ الْمُلَاعِنَ إذَا اسْتَلْحَقَهُ ، وَوَلَدُ الزِّنَى لَا يَلْحَقُ الزَّانِيَ فِي قَوْلِ الْجُمْهُورِ وَقَالَ الْحَسَنُ ، وَابْنُ سِيرِينَ : يَلْحَقُ الْوَاطِئَ إذَا أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ وَيَرِثُهُ .\rوَقَالَ إبْرَاهِيمُ : يَلْحَقُهُ إذَا جُلِدَ الْحَدَّ ، أَوْ مَلَكَ الْمَوْطُوءَةَ .\rوَقَالَ إِسْحَاقُ : يَلْحَقُهُ .\rوَذُكِرَ عَنْ عُرْوَةَ ، وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ نَحْوُهُ .\rوَرَوَى عَلِيُّ بْنُ عَاصِمٍ ، عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ، أَنَّهُ قَالَ : لَا أَرَى بَأْسًا إذَا زِنَى الرَّجُلُ بِالْمَرْأَةِ فَحَمَلَتْ مِنْهُ ، أَنْ يَتَزَوَّجَهَا مَعَ حَمْلهَا ، وَيَسْتُرَ عَلَيْهَا ، وَالْوَلَدُ وَلَدٌ لَهُ وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ إذَا وُلِدَ عَلَى فِرَاشٍ رَجُلٍ ، فَادَّعَاهُ آخَرُ .\rأَنَّهُ لَا يَلْحَقُهُ ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِيمَا إذَا وُلِدَ عَلَى غَيْرِ فِرَاشٍ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ ، وَلِلْعَاهِرِ الْحَجْرُ } .\rوَلِأَنَّهُ لَا يَلْحَقُ بِهِ إذَا لَمْ يَسْتَلْحِقْهُ ، فَلَمْ يَلْحَقْ بِهِ بِحَالٍ ، كَمَا لَوْ كَانَتْ أُمُّهُ فِرَاشًا ، أَوْ كَمَا لَوْ لَمْ يُجْلَدْ الْحَدَّ عِنْدَ مَنْ اعْتَبَرَهُ .","part":14,"page":7},{"id":6507,"text":"( 4923 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : ( وَالْعَبْدُ لَا يَرِثُ ، وَلَا مَالَ لَهُ ، فَيُورَثُ عَنْهُ ) لَا نَعْلَمُ خِلَافًا فِي أَنَّ الْعَبْدَ لَا يَرِثُ ، إلَّا مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ، فِي رَجُلٍ مَاتَ وَتَرَكَ أَبًا مَمْلُوكًا ، يُشْتَرَى مِنْ مَالِهِ ، ثُمَّ يُعْتَقُ ، فَيَرِثُ .\rوَقَالَهُ الْحَسَنُ ، وَحُكِيَ عَنْ طَاوُسٍ ، أَنَّ الْعَبْدَ يَرِثُ ، وَيَكُونُ مَا وَرِثَهُ لِسَيِّدِهِ ، كَكَسْبِهِ ، وَكَمَا لَوْ وَصَّى لَهُ ، وَلِأَنَّهُ تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ لَهُ ، فَيَرِثُ كَالْحَمْلِ وَلَنَا ، أَنَّ فِيهِ نَقْصًا مَنَعَ كَوْنَهُ مَوْرُوثًا ، فَمَنَعَ كَوْنَهُ وَارِثًا ، كَالْمُرْتَدِّ ، وَيُفَارِقُ الْوَصِيَّةَ فَإِنَّهَا تَصِحُّ لِمَوْلَاهُ وَلَا مِيرَاثَ لَهُ ، وَقِيَاسُهُمْ يَنْتَقِضُ بِمُخْتَلِفَيْ الدِّينِ .\rوَقَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ الْأَبَ رَقِيقٌ حِينَ مَوْتِ ابْنِهِ ، فَلَمْ يَرِثْهُ ، كَسَائِرِ الْأَقَارِبِ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمِيرَاثَ صَارَ لِأَهْلِهِ بِالْمَوْتِ ، فَلَمْ يَنْتَقِلْ عَنْهُمْ إلَى غَيْرِهِمْ .\rوَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْمَمْلُوكَ لَا يُورَثُ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا مَالَ لَهُ فَيُورَثُ ، فَإِنَّهُ لَا يَمْلِكُ ، وَمَنْ قَالَ : إنَّهُ يَمْلِكُ بِالتَّمْلِيكِ .\rفَمِلْكُهُ نَاقِصٌ غَيْرُ مُسْتَقَرٍّ ، يَزُولُ إلَى سَيِّدِهِ بِزَوَالِ مِلْكِهِ عَنْ رَقَبَتِهِ ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { مَنْ بَاعَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ ، فَمَالُهُ لِلْبَائِعِ ، إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُبْتَاعُ } وَلِأَنَّ السَّيِّدَ أَحَقُّ بِمَنَافِعِهِ وَأَكْسَابِهِ فِي حَيَاتِهِ ، فَكَذَلِكَ بَعْدَ مَمَاتِهِ .\rوَمِمَّنْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّ الْعَبْدَ لَا يَرِثُ ، وَلَا يُورَثُ ، وَلَا يَحْجُبُ : عَلِيٌّ ، وَزَيْدٌ .\rوَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .","part":14,"page":8},{"id":6508,"text":"( 4924 ) فَصْلٌ : وَيَرِثُ الْأَسِيرُ الَّذِي مَعَ الْكُفَّارِ إذَا عُلِمَتْ حَيَاتُهُ .\rفِي قَوْلِ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ ، إلَّا سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ ، فَإِنَّهُ قَالَ : لَا يَرِثُ ؛ لِأَنَّهُ عَبْدٌ .\rوَلَيْسَ بِصَحِيحٍ ؛ لِأَنَّ الْكُفَّارَ لَا يَمْلِكُونَ الْأَحْرَارَ بِالْقَهْرِ ، فَهُوَ بَاقٍ عَلَى حُرِّيَّتِهِ ، فَيَرِثُ ، كَالْمُطْلَقِ .","part":14,"page":9},{"id":6509,"text":"( 4925 ) فَصْلٌ : وَالْمُدَبَّرُ ، وَأَمُّ الْوَلَدِ ، كَالْقِنِّ ؛ لِأَنَّهُمْ رَقِيقٌ ، بِدَلِيلِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَاعَ مُدَبَّرًا .\rوَأُمُّ الْوَلَدِ مَمْلُوكَةٌ ، يَجُوزُ لَسَيِّدِهَا وَطْؤُهَا ، بِحُكْمِ الْمِلْكِ ، وَتَزْوِيجُهَا وَإِجَارَتُهَا .\rوَحُكْمُهَا حُكْمُ الْأَمَةِ فِي جَمِيعِ أَحْكَامِهَا ، إلَّا فِيمَا يَنْقُلُ الْمِلْكَ فِيهَا أَوْ يُرَادُ لَهُ كَالرَّهْنِ .","part":14,"page":10},{"id":6510,"text":"( 4926 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا الْمُكَاتَبُ ، فَإِنْ لَمْ يَمْلِكْ قَدْرَ مَا عَلَيْهِ فَهُوَ عَبْدٌ ، لَا يَرِثُ ، وَلَا يُورَثُ ، وَإِنْ مَلَكَ قَدْرَ مَا يُؤَدِّي ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، أَنَّهُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ ، لَا يَرِثُ ، وَلَا يُورَثُ .\rيُرْوَى ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، وَابْنِ عُمَرَ ، وَعَائِشَةَ ، وَأُمِّ سَلَمَةَ ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَالشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَبِي ثَوْرٍ .\rوَعَنْ ابْنِ الْمُسَيِّبِ ، وَشُرَيْحٍ ، وَالزُّهْرِيِّ ، نَحْوُهُ ؛ لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادِهِ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { الْمُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ } .\rوَفِي لَفْظٍ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { أَيُّمَا عَبْدٍ كَاتَبَ عَلَى مِائَةِ أُوقِيَّةٍ ، فَأَدَّاهَا إلَّا عَشْرَ أَوَاقٍ ، فَهُوَ عَبْدٌ ، وَأَيُّمَا عَبْدٍ كَاتَبَ عَلَى مِائَةِ دِينَارٍ ، فَأَدَّاهَا إلَّا عَشَرَةَ دَنَانِيرَ ، فَهُوَ عَبْدٌ } .\rوَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ مَوْلَى غُفْرَةَ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِعَتَّابِ بْنِ أَسِيدٍ : { مَنْ كَاتَبَ مُكَاتَبًا فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ حَتَّى يَقْضِيَ كِتَابَتَهُ } .\rوَقَالَ الْقَاضِي ، وَأَبُو الْخَطَّابِ : إذَا أَدَّى الْمُكَاتَبُ ثَلَاثَةَ أَرْبَاعِ كِتَابَتِهِ ، وَعَجَزَ عَنْ الرُّبُعِ ، عَتَقَ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَجِبُ إيفَاؤُهُ لِلْمُكَاتَبِ ، فَلَا يَجُوزُ إبْقَاؤُهُ عَلَى الرِّقِّ لِعَجْزِهِ عَمَّا يَجِبُ رَدُّهُ إلَيْهِ وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ ، أَنَّهُ إذَا مَلَكَ مَا يُؤَدِّي ، فَقَدْ صَارَ حُرًّا ، يَرِثُ ، وَيُورَثُ ، فَإِذَا مَاتَ لَهُ مَنْ يَرِثُهُ وَرِثَ ، وَإِنْ مَاتَ فَلِسَيِّدِهِ بَقِيَّةُ كِتَابَتِهِ ، وَالْبَاقِي لِوَرَثَتِهِ ؛ لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ، قَالَتْ : قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : إذَا كَانَ لِإِحْدَاكُنَّ مُكَاتَبٌ ، وَكَانَ","part":14,"page":11},{"id":6511,"text":"عِنْدَهُ مَا يُؤَدِّي ، فَلْتَحْتَجِبْ مِنْهُ } .\rوَرَوَى الْحَكَمُ ، عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ ، وَشُرَيْحٍ : يُعْطَى سَيِّدُهُ مِنْ تَرِكَتِهِ مَا بَقِيَ مِنْ كِتَابَتِهِ ، فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ ، كَانَ لِوَرَثَةِ الْمُكَاتَبِ .\rوَرُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ الزُّهْرِيِّ .\rوَبِهِ قَالَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ .\rوَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَالْحَسَنُ ، وَمَنْصُورٌ ، وَمَالِكٌ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، غَيْرَ أَنَّ مَالِكًا جَعَلَ مَنْ كَانَ مَعَهُ فِي كِتَابَتِهِ أَحَقَّ مِمَّنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ .\rقَالَ فِي مُكَاتَبٍ هَلَكَ ، وَلَهُ أَخٌ مَعَهُ فِي الْكِتَابَةِ ، وَلَهُ ابْنٌ ، قَالَ : مَا فَضَلَ مِنْ كِتَابَتِهِ لِأَخِيهِ دُونَ ابْنِهِ .\rوَجُعَلَهُ أَبُو حَنِيفَةَ عَبْدًا مَا دَامَ حَيًّا ، فَإِذَا مَاتَ أَدَّى مِنْ تَرِكَتِهِ بَاقِيَ كِتَابَتِهِ ، وَالْبَاقِي لِوَرَثَتِهِ وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ عَلَى الْمِنْبَرِ : إنَّكُمْ مُكَاتِبُونَ مُكَاتَبِينَ ، فَأَيُّهُمْ أَدَّى النِّصْفَ فَلَا رِقَّ عَلَيْهِ .\rوَعَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلَامُ إذَا أَدَّى النِّصْفَ فَهُوَ حُرٌّ .\rوَعَنْ عُرْوَةَ نَحْوُهُ .\rوَعَنْ الْحَسَنِ ، إذَا أَدَّى الشَّطْرَ فَهُوَ غَرِيمٌ .\rوَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَشُرَيْحٌ نَحْوُهُ .\rوَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ، إذَا أَدَّى ثُلُثًا أَوْ رُبُعًا فَهُوَ غَرِيمٌ .\rوَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، إذَا كَتَبَ الصَّحِيفَةَ فَهُوَ غَرِيمٌ .\rوَعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : تَجْرِي الْعَتَاقَةُ فِي الْمُكَاتَبِ فِي أَوَّلِ نَجْمٍ .\rيَعْنِي يَعْتِقُ مِنْهُ بِقَدْرِ مَا أَدَّى .\rوَعَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : يَرِثُ ، وَيَحْجُبُ ، وَيَعْتِقُ مِنْهُ ، بِقَدْرِ مَا أَدَّى .\rوَقَدْ رَوَى حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { قَالَ : إذَا أَصَابَ الْمُكَاتَبُ حَدًّا أَوْ مِيرَاثًا ، وَرِثَ بِحِسَابِ مَا عَتَقَ مِنْهُ ، وَأُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ بِحِسَابِ مَا عَتَقَ مِنْهُ .\r} وَفِي رِوَايَةٍ { يُؤَدِّي الْمُكَاتَبُ بِقَدْرِ مَا عَتَقَ مِنْهُ دِيَةَ الْحُرِّ ، وَقَدْرِ مَا رَقَّ مِنْهُ دِيَةَ","part":14,"page":12},{"id":6512,"text":"الْعَبْدِ .\r} قَالَ يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ : وَكَانَ عَلِيٌّ وَمَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ يَقُولَانِ ذَلِكَ .\rوَقَدْ رُوِيَ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُرْسَلًا ، وَالْحَدِيثُ الَّذِي رَوَيْنَاهُ لِقَوْلِنَا أَصَحُّ مِنْهُ ، وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ الْفُقَهَاءِ قَالَ بِهَذَا ، وَمَا ذَكَرْنَاهُ أَوَّلًا أَوْلَى ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":14,"page":13},{"id":6513,"text":"( 4927 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَمَنْ بَعْضُهُ حُرٌّ يَرِثُ ، وَيُورَثُ ، وَيَحْجُبُ عَلَى مِقْدَارِ مَا فِيهِ مِنْ الْحُرِّيَّةِ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْمُعْتَقَ بَعْضُهُ إذَا كَسَبَ مَالًا ، ثُمَّ مَاتَ وَخَلَّفَهُ ، نُظِرَ فِيهِ ؛ فَإِنْ كَانَ كَسَبَهُ بِجُزْئِهِ الْحُرِّ ، مِثْلُ أَنْ كَانَ قَدْ هَيَّأَ سَيِّدَهُ عَلَى مَنْفَعَتِهِ ، فَاكْتَسَبَ فِي أَيَّامِهِ ، أَوْ وَرِثَ شَيْئًا ، فَإِنَّ الْمِيرَاثَ إنَّمَا يَسْتَحِقُّهُ بِجُزْئِهِ الْحُرِّ ، أَوْ كَانَ قَدْ قَاسَمَ سَيِّدَهُ فِي حَيَاتِهِ ، فَتَرِكَتُهُ كُلُّهَا لِوَرَثَتِهِ ، لَا حَقَّ لِمَالِكِ بَاقِيهِ فِيهَا .\rوَقَالَ قَوْمٌ : جَمِيعُ مَا خَلَّفَهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَيِّدِهِ قَالَ ابْنُ اللَّبَّانِ : هَذَا غَلَطٌ ؛ لِأَنَّ الشَّرِيكَ إذَا اسْتَوْفَى حَقَّهُ مِنْ كَسْبِهِ مَرَّةً ، لَمْ يَبْقَ لَهُ حَقٌّ فِي الْبَاقِي ، وَلَا سَبِيلَ لَهُ عَلَى مَا كَسَبَهُ بِنِصْفِهِ الْحُرِّ ، كَمَا لَوْ كَانَ بَيْنَ شَرِيكَيْنِ فَاقْتَسَمَا كَسْبَهُ ، لَمْ يَكُنْ لِأَحَدِهِمَا حَقٌّ فِي حِصَّةِ ، الْآخَرِ ، وَالْعَبْدُ يَخْلُفُ أَحَدَ الشَّرِيكَيْنِ فِيمَا عَتَقَ مِنْهُ .\rفَأَمَّا إنْ لَمْ يَكُنْ كَسَبَهُ بِجُزْئِهِ الْحُرِّ خَاصَّةً ، وَلَا اقْتَسَمَا كَسْبَهُ ، فَلِمَالِكِ بَاقِيهِ مِنْ تَرِكَتِهِ بِقَدْرِ مِلْكِهِ فِيهِ ، وَالْبَاقِي ، لِوَرَثَتِهِ .\rوَإِنْ مَاتَ مَنْ يَرِثُهُ ، فَإِنَّهُ يَرِثُ ، وَيُورَثُ ، وَيَحْجُبُ عَلَى قَدْرِ مَا فِيهِ مِنْ الْحُرِّيَّةِ وَهَذَا قَوْلُ عَلِيٍّ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، وَبِهِ قَالَ عُثْمَانُ الْبَتِّيُّ ، وَحَمْزَةُ الزَّيَّاتُ ، وَابْنُ الْمُبَارَكِ ، وَالْمُزَنِيُّ ، وَأَهْلُ الظَّاهِرِ .\rوَقَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ : لَا يَرِثُ ، وَلَا يُورَثُ ، وَأَحْكَامُهُ أَحْكَامُ الْعَبْدِ .\rوَبِهِ قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، فِي الْقَدِيمِ .\rوَجَعَلَا مَالَهُ لِمَالِكِ بَاقِيهِ .\rقَالَ ابْنُ اللَّبَّانِ : هَذَا غَلَطٌ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لِمَالِكِ بَاقِيهِ عَلَى مَا عَتَقَ مِنْهُ مِلْكٌ ، وَلَا وَلَاءٌ ، وَلَا هُوَ ذُو رَحِمٍ .\rقَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ : يُحْتَمَلُ عَلَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ الْقَدِيمِ ، أَنْ يُجْعَلَ فِي بَيْتِ","part":14,"page":14},{"id":6514,"text":"الْمَالِ ؛ لِأَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ فِيمَا كَسَبَهُ بِجُزْئِهِ الْحُرِّ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْجَدِيدِ : مَا كَسَبَهُ بِجُزْئِهِ الْحُرِّ لِوَرَثَتِهِ ، وَلَا يَرِثُ هُوَ مِمَّنْ مَاتَ شَيْئًا .\rوَبِهِ قَالَ طَاوُسٌ ، وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ ، وَأَبُو ثَوْرٍ .\rوَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : هُوَ كَالْحُرِّ فِي جَمِيعِ أَحْكَامِهِ ، فِي تَوْرِيثِهِ ، وَالْإِرْثِ مِنْهُ ، وَغَيْرِهِمَا .\rوَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ ، وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَالْحَكَمُ ، وَحَمَّادٌ ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ ، وَاللُّؤْلُؤِيُّ ، وَيَحْيَى بْنُ آدَمَ ، وَدَاوُد وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إنْ كَانَ الَّذِي لَمْ يَعْتِقْ اسْتَسْعَى الْعَبْدَ ، فَلَهُ مِنْ تَرِكَتِهِ سِعَايَتُهُ ، وَلَهُ نِصْفُ وَلَائِهِ ، وَإِنْ كَانَ أَغْرَمَ الشَّرِيكَ ، فَوَلَاؤُهُ كُلُّهُ لِلَّذِي أَعْتَقَ بَعْضَهُ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ ، حَدَّثَنَا الرَّمْلِيُّ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي الْعَبْدِ يَعْتِقُ بَعْضُهُ : { يَرِثُ وَيُورَثُ عَلَى قَدْرِ مَا عَتَقَ مِنْهُ } .\rوَلِأَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَثْبُتَ لِكُلِّ بَعْضٍ حُكْمُهُ ، كَمَا لَوْ كَانَ الْأُخَرُ مِثْلَهُ ، وَقِيَاسًا لَأَحَدِهِمَا عَلَى الْأُخَرِ إذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَالتَّفْرِيعُ عَلَى قَوْلِنَا ؛ لِأَنَّ الْعَمَلَ عَلَى غَيْرِهِ وَاضِحٌ .\rوَكَيْفِيَّةُ تَوْرِيثِهِ أَنْ يُعْطَى مَنْ لَهُ فَرْضٌ بِقَدْرِ مَا فِيهِ مِنْ الْحُرِّيَّةِ مِنْ فَرْضِهِ ، وَإِنْ كَانَ عَصَبَةً نُظِرَ مَا لَهُ مَعَ الْحُرِّيَّةِ الْكَامِلَةِ ، فَأُعْطِيَ بِقَدْرِ مَا فِيهِ مِنْهَا ، وَإِنْ كَانَا عَصَبَتَيْنِ لَا يَحْجُبُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ ، كَابْنَيْنِ نِصْفُهُمَا حُرٌّ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، تُكَمَّلُ الْحُرِّيَّةُ فِيهِمَا ، بِأَنْ تُضَمَّ الْحُرِّيَّةُ مِنْ أَحَدِهِمَا إلَى مَا فِي الْآخَرِ مِنْهَا ، فَإِنْ كَمَّلَ مِنْهُمَا وَاحِدٌ ، وَرِثَا جَمِيعًا مِيرَاثَ ابْنٍ حُرٍّ ؛ لِأَنَّ نِصْفَيْ شَيْءٍ شَيْءٌ كَامِلٌ ، ثُمَّ يُقَسَّمُ مَا وَرِثَاهُ بَيْنَهُمَا","part":14,"page":15},{"id":6515,"text":"عَلَى قَدْرِ مَا فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ .\rفَإِذَا كَانَ ثُلُثَا أَحَدِهِمَا حُرًّا ، وَثُلُثُ الْآخِرِ حُرًّا كَانَ مَا وَرِثَاهُ بَيْنَهُمَا أَثْلَاثًا ، وَإِنْ نَقَصَ مَا فِيهِمَا مِنْ الْحُرِّيَّةِ عَنْ حُرٍّ كَامِلٍ ، وَرِثَا بِقَدْرِ مَا فِيهِمَا ، وَإِنْ زَادَ عَلَى حُرٍّ وَاحِدٍ ، وَكَانَ الْجُزْءَانِ فِيهِمَا سَوَاءً ، قُسِمَ مَا يَرِثَانِهِ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ ، وَإِنْ اخْتَلَفَا أُعْطِيَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِقَدْرِ مَا فِيهِ .\rقَالَ الْخَبْرِيُّ : قَالَ الْأَكْثَرُونَ : هَذَا قِيَاسُ قَوْلِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .\rوَالْوَجْهُ الْآخَرُ ، لَا تُكَمَّلُ الْحُرِّيَّةُ فِيهِمَا ، لِأَنَّهُمَا لَوْ كُمِّلَتْ لَمْ يَظْهَرْ لِلرِّقِّ أَثَرٌ ، وَكَانَا فِي مِيرَاثِهِمَا كَالْحُرَّيْنِ ، وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا يَحْجُبُ الْآخَرَ ، فَقَدْ قِيلَ فِيهِمَا وَجْهَانِ أَيْضًا .\rوَالصَّحِيحُ أَنَّ الْحُرِّيَّةَ لَا تُكَمَّلُ هَاهُنَا ؛ لِأَنَّ الشَّيْءَ لَا يُكَمَّلُ بِمَا يُسْقِطُهُ ، وَلَا يُجْمَعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا يُنَافِيهِ وَوَرَّثَهُ بَعْضُهُمْ بِالْخِطَابِ ، وَتَنْزِيلِ الْأَحْوَالِ ، وَحَجَبَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ عَلَى مِثَالِ تَنْزِيلِ الْخَنَاثَى .\rوَقَالَ أَبُو يُوسُفَ بِمَعْنَاهُ .\rوَمَسَائِلُ ذَلِكَ ؛ ابْنٌ نِصْفُهُ حُرٌّ لَهُ نِصْفُ الْمَالِ ، فَإِنْ كَانَ مَعَهُ ابْنٌ آخَرُ نِصْفُهُ حُرٌّ فَلَهُمَا الْمَالُ ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ ، وَفِي الْأُخَرِ ، لَهُمَا نِصْفُهُ ، وَالْبَاقِي لِلْعَصَبَةِ ، أَوْ لِبَيْتِ الْمَالِ إنْ لَمْ تَكُنْ عَصَبَةٌ .\rوَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ثَلَاثَةُ أَثْمَانِ الْمَالِ ؛ لِأَنَّهُمَا لَوْ كَانَا حُرَّيْنِ ، لَكَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا النِّصْفُ وَلَوْ كَانَا رَقِيقَيْنِ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا شَيْءٌ ، وَلَوْ كَانَ الْأَكْبَرُ وَحْدَهُ حُرًّا كَانَ لَهُ الْمَالُ ، وَلَا شَيْءَ لِلْأَصْغَرِ ، وَلَوْ كَانَ الْأَصْغَرُ وَحْدَهُ حُرًّا كَانَ لَهُ كَذَلِكَ ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي الْأَرْبَعَةِ أَحْوَالٍ مَالٌ وَنِصْفٌ ، فَلَهُ رُبُعُ ذَلِكَ ، وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَثْمَانٍ .\rفَإِنْ كَانَ مَعَهُمَا ابْنٌ آخَرُ ثُلُثُهُ حُرٌّ ، فَعَلَى الْوَجْهِ ، الْأَوَّلِ ،","part":14,"page":16},{"id":6516,"text":"يَنْقَسِمُ الْمَالُ بَيْنَهُمْ عَلَى ثَمَانِيَةٍ ، كَمَا تُقَسَّمُ مَسْأَلَةُ الْمُبَاهَلَةِ ، وَعَلَى الثَّانِي يُقَسَّمُ النِّصْفُ بَيْنَهُمْ عَلَى ثَمَانِيَةٍ .\rوَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ ، يُقَسَّمُ الثُّلُثُ بَيْنَهُمْ أَثْلَاثًا ، ثُمَّ يُقَسَّمُ السُّدُسُ بَيْنَ صَاحِبَيْ النِّصْفَيْنِ نِصْفَيْنِ ، وَعَلَى تَنْزِيلِ الْأَحْوَالِ .\rيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِمَّنْ نِصْفُهُ حُرٌّ سُدُسُ الْمَالِ ، وَثُمُنُهُ ، وَلِمَنْ ثُلُثُهُ حُرٌّ ثُلُثَا ذَلِكَ ، وَهُوَ تُسْعُ الْمَالِ ، وَنِصْفُ سُدُسِهِ ؛ لِأَنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ الْمَالَ فِي حَالٍ ، وَنِصْفَهُ فِي حَالَيْنِ ، وَثُلُثَهُ فِي حَالٍ ، فَيَكُونُ لَهُ مَالَانِ وَثُلُثٌ ، فِي ثَمَانِيَةِ أَحْوَالٍ ، فَنُعْطِيهِ ثُمُنَ ذَلِكَ ، وَهُوَ سُدُسٌ وَثُمُنٌ ، وَيُعْطَى مِنْ ثُلُثِهِ حُرٌّ ثُلُثَيْهِ ، وَهُوَ تُسْعٌ ، وَنِصْفُ سُدُسٍ .\rابْنٌ حُرٌّ ، وَابْنٌ نِصْفُهُ حُرٌّ .\rالْمَالُ بَيْنَهُمَا عَلَى ثَلَاثَةٍ ، عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ .\rوَعَلَى الثَّانِي النِّصْفُ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ ، وَالْبَاقِي لِلْحُرِّ ، فَيَكُونُ لِلْحُرِّ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعٍ ، وَلِلْآخَرِ الرُّبُعُ .\rوَلَوْ نَزَّلْتهمَا بِالْأَحْوَالِ أَفْضَى إلَى هَذَا ؛ لِأَنَّ لِلْحُرِّ الْمَالَ فِي حَالٍ وَنِصْفَهُ فِي حَالٍ ، فَلَهُ نِصْفُهُمَا ، وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعٍ ، وَلِلْآخِرِ نِصْفُهُ فِي حَالٍ ، فَلَهُ نِصْفُ ذَلِكَ ، وَهُوَ الرُّبُعُ .\rوَلَوْ خَاطَبْتهمَا لَقُلْت لِلْحُرِّ : لَك الْمَالُ لَوْ كَانَ أَخُوكَ رَقِيقًا ، وَنِصْفُهُ لَوْ كَانَ حُرًّا ، فَقَدْ حَجَبَكَ بِحُرِّيَّتِهِ عَنْ النِّصْفِ ، فَنِصْفُهَا يَحْجُبُك عَنْ الرُّبُعِ ، يَبْقَى لَك ثَلَاثَةُ أَرْبَاعٍ .\rوَيُقَالُ لِلْآخَرِ : لَك النِّصْفُ لَوْ كُنْت حُرًّا ، فَإِذَا كَانَ نِصْفُكَ حُرًّا ، فَلَكَ نِصْفُهُ وَهُوَ الرُّبُعُ .\rابْنٌ ثُلُثَاهُ حُرٌّ ، وَابْنٌ ثُلُثُهُ حُرٌّ ، عَلَى الْأَوَّلِ ، الْمَالُ بَيْنَهُمَا أَثْلَاثًا ، وَعَلَى الثَّانِي ، الثُّلُث بَيْنَهُمَا ، وَلِلْآخَرِ ثُلُثٌ فَيَكُونُ لَهُ النِّصْفُ ، وَلِلْآخَرِ السُّدُسُ ، وَقِيلَ الثُّلُثَانِ بَيْنَهُمَا أَثْلَاثًا .\rوَبِالْخِطَابِ تَقُولُ لِمَنْ ثُلُثَاهُ حُرٌّ : لَوْ كُنْت وَحْدَكَ حُرًّا ، كَانَ","part":14,"page":17},{"id":6517,"text":"الْمَالُ لَكَ ، وَلَوْ كُنْتُمَا حُرَّيْنِ ، كَانَ لَكَ النِّصْفُ ، فَقَدْ حَجَبَك بِحُرِّيَّتِهِ عَنْ النِّصْفِ ، فَبِثُلُثِهَا يَحْجُبُكَ عَنْ السُّدُسِ ، يَبْقَى لَك خَمْسَةُ أَسْدَاسٍ لَوْ كُنْت حُرًّا ، فَلَكَ بِثُلْثَيْ حُرِّيَّتِهِ خَمْسَةُ أَتْسَاعٍ وَيُقَالُ لِلْآخَرِ : يَحْجُبُكَ أَخُوكَ بِثُلُثَيْ حُرِّيَّتِهِ ، عَنْ ثُلُثَيْ النِّصْفِ ، وَهُوَ الثُّلُثُ ، يَبْقَى لَك الثُّلُثَانِ ، فَلَكَ بِثُلُثِ حُرِّيَّتِهِمْ ثُلُثُ ذَلِكَ ، وَهُوَ التُّسْعَانِ ، وَيَبْقَى التُّسْعَانِ لِلْعَصَبَةِ إنْ كَانَ ، أَوْ ذِي رَحِمٍ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَفِي بَيْتِ الْمَالِ .\rابْنٌ حُرٌّ وَبِنْتٌ نِصْفُهَا حُرٌّ ، لِلِابْنِ خَمْسَةُ أَسْدَاسِ الْمَالِ ، وَلِلْبِنْتِ سُدُسُهُ فِي الْخِطَابِ وَالتَّنْزِيلِ جَمِيعًا .\rوَمَنْ جَمَعَ الْحُرِّيَّةَ أَفْضَى قَوْلُهُ إلَى أَنَّ لَهُ أَرْبَعَةَ أَخْمَاسِ الْمَالِ ، وَلَهَا الْخُمُسُ فَإِنْ كَانَتْ بِنْتٌ حُرَّةٌ وَابْنٌ نِصْفُهُ حُرٌّ وَعَصَبَةٌ ، فَلِلِابْنِ الثُّلُثُ ، وَلَهَا رُبُعٌ وَسُدُسٌ .\rوَمِنْ جَمَعَ الْحُرِّيَّةَ فِيهِمَا جَعَلَ الْمَالَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ .\rابْنٌ وَبِنْتٌ نِصْفُهُمَا حُرٌّ وَعَصَبَةٌ ، فَمَنْ جَمَعَ الْحُرِّيَّةَ ، فَثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الْمَالِ بَيْنَهُمَا عَلَى ثَلَاثَةٍ .\rوَقَالَ بَعْضُ الْبَصْرِيِّينَ : النِّصْفُ بَيْنَهُمَا عَلَى ثَلَاثَةٍ .\rوَمِنْ وَرَّثَ بِالتَّنْزِيلِ وَالْأَحْوَالِ قَالَ : لِلِابْنِ الْمَالُ فِي حَالٍ ، وَثُلُثَاهُ فِي حَالٍ ، فَلَهُ رُبُعُ ذَلِكَ ، رُبُعٌ وَسُدُسٌ ، وَلِلْبِنْتِ نِصْفُ ذَلِكَ ثُمُنٌ وَنِصْفُ سُدُسٍ ، وَالْبَاقِي لِلْعَصَبَةِ وَإِنْ شِئْت قُلْت : إنْ قَدَّرْنَاهُمَا حُرَّيْنِ فَهِيَ مِنْ ثَلَاثَةٍ ، وَإِنْ قَدَّرْنَا الْبِنْتَ وَحْدَهَا حُرَّةً فَهِيَ مِنْ اثْنَيْنِ ، وَإِنْ قَدَّرْنَا الِابْنَ وَحْدَهُ حُرًّا فَالْمَالُ لَهُ ، وَإِنْ قَدَّرْنَاهُمَا رَقِيقَيْنِ فَالْمَالُ لِلْعَصَبَةِ ، فَتَضْرِبُ اثْنَيْنِ فِي ثَلَاثَةٍ تَكُنْ سِتَّةً ، ثُمَّ فِي أَرْبَعَةِ أَحْوَالٍ ، تَكُنْ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ ، فَلِلِابْنِ الْمَالُ فِي حَالٍ سِتَّةٌ ، وَثُلُثَاهُ فِي حَالٍ أَرْبَعَةٌ ، صَارَ لَهُ عَشْرَةٌ ، وَلِلْبِنْتِ النِّصْفُ فِي حَالٍ ، وَالثُّلُثُ فِي حَالٍ","part":14,"page":18},{"id":6518,"text":"خَمْسَةٌ ، وَلِلْعَصَبَةِ الْمَالُ فِي حَالٍ ، وَنِصْفُهُ فِي حَالٍ تِسْعَةٌ ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ عَصَبَةٌ ، جَعَلْت لِلْبِنْتِ فِي حَالِ حُرِّيَّتِهَا الْمَالَ كُلَّهُ بِالْفَرْضِ وَالرَّدِّ ، فَيَكُونُ لَهَا مَالٌ وَثُلُثٌ ، فَتَجْعَلُ لَهَا رُبُعَ ذَلِكَ ، وَهُوَ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ مَعَهُمَا امْرَأَةٌ وَأُمٌّ حُرَّتَانِ كَمُلَتْ الْحُرِّيَّةُ فِيهِمَا ، فَحَجَبَا الْأُمَّ إلَى السُّدُسِ ، وَالْمَرْأَةَ إلَى الثُّمُنِ ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَوْ انْفَرَدَ لَحَجَبَ نِصْفَ الْحَجْبِ ، فَإِذَا اجْتَمَعَا اُجْتُمِعَ الْحَجْبُ .\rوَمَنْ وَرَّثَ بِالْأَحْوَالِ وَالتَّنْزِيلِ ، قَالَ : لِلْأُمِّ السُّدُسُ فِي ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ ، وَالثُّلُثُ فِي حَالٍ ، فَلَهَا رُبُعُ ذَلِكَ ، وَهُوَ سُدُسٌ وَثُلُثٌ وَثَمَنٌ ، وَلِلْمَرْأَةِ الثُّمُنُ فِي ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ .\rوَالرُّبُعُ فِي حَالٍ ، فَلَهَا رُبُعُ ذَلِكَ ، وَهُوَ الثُّمُنُ وَرُبُعُ الثُّمُنِ ، وَلِلِابْنِ الْبَاقِي فِي حَالٍ ، وَثُلُثَاهُ فِي حَالٍ ، فَلَهُ رُبُعُهُ ، وَلِلْبِنْتِ ثُلُثُ الْبَاقِي فِي حَالٍ ، وَالنِّصْفُ فِي حَالٍ ، فَلَهَا رُبُعُهُ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْمَسْأَلَةِ عَصَبَةٌ ، فَلِلْبِنْتِ بِالْفَرْضِ وَالرَّدِّ أَحَدٌ وَعِشْرُونَ مِنْ اثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ ، مَكَانَ النِّصْفِ ، وَلِلْأُمِّ سَبْعَةٌ مَكَانَ السُّدُسِ ، وَتَصِحُّ الْمَسْأَلَةُ إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا رَدٌّ بِالْبَسْطِ مِنْ مِائَتَيْنِ وَثَمَانِيَةٍ وَثَمَانِينَ سَهْمًا ، لِلْأُمِّ مِنْهَا سِتُّونَ ، وَلِلْمَرْأَةِ خَمْسَةٌ وَأَرْبَعُونَ ، وَلِلِابْنِ خَمْسَةٌ وَثَمَانُونَ ، وَلِلْبِنْتِ ثَلَاثَةٌ وَخَمْسُونَ ، وَالْبَاقِي لِلْعَصَبَةِ وَقِيَاسُ قَوْلِ مَنْ جَمَعَ الْحُرِّيَّةَ فِي الْحَجْبِ ، أَنْ يَجْمَعَ الْحُرِّيَّةَ فِي التَّوْرِيثِ ، فَيَجْعَلَ لَهُمَا ثَلَاثَةَ أَرْبَاعِ الْبَاقِي .\rوَقَالَ ابْنُ اللَّبَّانِ : لَهُمَا سَبْعَةَ عَشَرَ مِنْ ثَمَانِيَةٍ وَأَرْبَعِينَ ؛ لِأَنَّهُمَا لَوْ كَانَا حُرَّيْنِ لَكَانَ لَهُمَا سَبْعَةَ عَشَرَ مِنْ أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ ، فَيَكُونُ لَهُمَا بِنِصْفِ حُرِّيَّتِهِمْ نِصْفُ ذَلِكَ .\rوَهَذَا غَلَطٌ ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ حَجْبَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ بِنِصْفِ","part":14,"page":19},{"id":6519,"text":"حُرِّيَّتِهِ ، كَحَجْبِهِ إيَّاهُ بِجَمِيعِهَا ، وَلَوْ سَاغَ هَذَا لَكَانَ لَهُمْ حَالَ انْفِرَادِهِمَا النِّصْفُ بَيْنَهُمَا مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ ابْنٌ وَأَبَوَانِ ، نِصْفُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ حُرٌّ ، إنْ قَدَّرْنَاهُمْ أَحْرَارًا ، فَلِلِابْنِ الثُّلُثَانِ ، وَإِنْ قَدَّرْنَاهُ حُرًّا وَحْدَهُ ، فَلَهُ الْمَالُ ، وَإِنْ قَدَّرْنَا مَعَهُ أَحَدَ الْأَبَوَيْنِ حُرًّا فَلَهُ خَمْسَةُ أَسْدَاسٍ ، فَتَجْمَعُ ذَلِكَ تَجِدُهُ ثَلَاثَةَ أَمْوَالٍ وَثُلُثَانِ ، فَلَهُ ثُمُنُهَا ، وَهُوَ رُبُعٌ سُدُسٍ ، وَلِلْأَبِ الْمَالُ فِي حَالٍ ، وَثُلُثَاهُ فِي حَالٍ ، وَسُدُسَاهُ فِي حَالَيْنِ ، فَلَهُ ثُمُنُ ذَلِكَ رُبُعٌ ، وَلِلْأُمِّ الثُّلُثُ فِي حَالَيْنِ ، وَالسُّدُسُ فِي حَالَيْنِ ، فَلَهَا الثُّمُنُ ، وَالْبَاقِي لِلْعَصَبَةِ .\rوَإِنْ عَمِلْتهَا بِالْبَسْطِ قُلْت : إنْ قَدَّرْنَاهُمْ أَحْرَارًا ، فَهِيَ مِنْ سِتَّةٍ .\rوَإِنْ قَدَّرْنَا الِابْنَ وَحْدَهُ حُرًّا ، فَهِيَ مِنْ سَهْمٍ ، فَكَذَلِكَ الْأَبُ ، وَإِنْ قَدَّرْنَا الْأُمَّ وَحْدَهَا حُرَّةً ، أَوْ قَدَّرْنَاهَا مَعَ حُرِّيَّةِ الْأَبِ ، فَهِيَ مِنْ ثَلَاثَةٍ ، وَإِنْ قَدَّرْنَا الِابْنَ مَعَ الْأَبِ ، أَوْ مَعَ الْأُمِّ فَهِيَ مِنْ سِتَّةٍ ، وَإِنْ قَدَّرْنَاهُمْ رَقِيقًا ، فَالْمَالُ لِلْعَصَبَةِ ، وَجَمِيعُ الْمَسَائِلِ تَدْخُلُ فِي سِتَّةٍ ، فَتَضْرِبُهَا فِي الْأَحْوَالِ ، وَهِيَ ثَمَانِيَةُ ، تَكُنْ ثَمَانِيَةً وَأَرْبَعِينَ ، وَلِلِابْنِ الْمَالُ فِي حَالٍ سِتَّةٌ ، وَثُلُثَاهُ فِي حَالٍ أَرْبَعَةٌ ، وَخَمْسَةُ أَسْدَاسِهِ فِي حَالَيْنِ عَشَرَةٌ ، فَذَلِكَ عِشْرُونَ سَهْمًا مِنْ ثَمَانِيَةٍ وَأَرْبَعِينَ ، وَلِلْأَبِ الْمَالُ فِي حَالٍ سِتَّةٌ ، وَثُلُثَاهُ فِي حَالٍ ، وَسُدُسَاهُ فِي حَالَيْنِ ، وَذَلِكَ اثْنَا عَشْرَ ، وَلِلْأُمِّ الثُّلُثُ فِي حَالَيْنِ ، وَالسُّدُسُ فِي حَالَيْنِ ، وَذَلِكَ سِتَّةٌ ، وَهِيَ الثُّمُنُ ، وَإِنْ كَانَ ثُلُثُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ حُرًّا ، زِدْت عَلَى السِّتَّةِ نِصْفَهَا ، تَصِيرُ تِسْعَةً ، وَتَضْرِبُهَا فِي الثَّمَانِيَةِ ، تَكُنْ اثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ ، فَلِلِابْنِ عِشْرُونَ مِنْ اثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ ، وَهِيَ السُّدُسُ وَالتُّسْعُ ، وَلِلْأَبِ اثْنَا عَشْرَ ، وَهِيَ","part":14,"page":20},{"id":6520,"text":"السُّدُسُ ، وَلِلْأُمِّ سِتَّةٌ ، وَهِيَ نِصْفُ السُّدُسِ ، وَلَا تَتَغَيَّرُ سِهَامُهُمْ ، وَإِنَّمَا صَارَتْ مَنْسُوبَةً إلَى اثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ .\rوَإِنْ كَانَ رُبُعُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ حُرًّا ، زِدْت عَلَى السِّتَّةِ مِثْلَهَا .\rوَقِيلَ فِيمَا إذَا كَانَ نِصْفُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ حُرًّا : لِلْأُمِّ الثُّمُنُ ، وَلِلْأَبِ الرُّبُعُ ، وَلِلِابْنِ النِّصْفُ .\rابْنٌ نِصْفُهُ حُرٌّ وَأُمٌّ حُرَّةٌ ، لِلْأُمِّ الرُّبُعُ ، وَلِلِابْنِ النِّصْفُ وَقِيلَ : لَهُ ثَلَاثَةُ أَثْمَانٍ ، وَهُوَ نِصْفُ مَا يَبْقَى ، فَإِنْ كَانَ بَدَلُ الْأُمِّ أُخْتًا حُرَّةً ، فَلَهَا النِّصْفُ .\rوَقِيلَ : لَهَا نِصْفُ الْبَاقِي ؛ لِأَنَّ الِابْنَ يَحْجُبُهَا بِنِصْفِهِ عَنْ نِصْفِ فَرْضِهَا ، فَإِنْ كَانَ نِصْفُهَا حُرًّا ، فَلَهَا الثُّمُنُ ، عَلَى هَذَا الْقَوْلِ ، وَعَلَى الْأَوَّلِ ، لَهَا الرُّبُعُ .\rوَإِنْ كَانَ مَعَ الِابْنِ أُخْتٌ مِنْ أُمٍّ ، أَوْ أَخٌ مِنْ أُمٍّ ، فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفُ السُّدُسِ .\rوَإِنْ كَانَ مَعَهُ عَصَبَةٌ حُرٌّ ، فَلَهُ الْبَاقِي كُلُّهُ .","part":14,"page":21},{"id":6521,"text":"فَصْلٌ : ابْنٌ نِصْفُهُ حُرٌّ ، وَابْنُ ابْنٍ حُرٌّ ، الْمَالُ بَيْنَهُمَا فِي قَوْلِ الْجَمِيعِ ، إلَّا الثَّوْرَيَّ .\rقَالَ : لِابْنِ الِابْنِ الرُّبُعُ ؛ لِأَنَّهُ مَحْجُوبٌ بِنِصْفِ الِابْنِ عَنْ الرُّبُعُ ، فَإِنْ كَانَ نِصْفُ الثَّانِي حُرًّا ، فَلَهُ الرُّبُعُ ، فَإِنْ كَانَ مَعَهُمَا ابْنُ ابْنِ ابْنٍ نِصْفُهُ حُرٌّ ، فَلَهُ الثُّمُنُ .\rوَقِيلَ : لِلْأَعْلَى النِّصْفُ ، وَلِلثَّانِي النِّصْفُ ؛ وَلِأَنَّ فِيهِمَا حُرِّيَّةَ ابْنٍ .\rوَهَذَا قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ .\rوَقَالَ سُفْيَانُ : لَا شَيْءَ لِلثَّانِي وَالثَّالِثِ ؛ لِأَنَّ مَا فِيهِمَا الْحُرِّيَّةُ مَحْجُوبٌ بِحُرِّيَّةِ الِابْنِ ، فَإِنْ كَانَ مَعَهُمْ أَخٌ حُرٌّ ، أَوْ غَيْرُهُ مِنْ الْعُصُبَاتِ ، فَلَهُ الْبَاقِي وَإِنْ كَانَ نِصْفُهُ حُرًّا ، فَلَهُ نِصْفُ مَا بَقِيَ ، إلَّا عَلَى الْقَوْلَيْنِ الْآخَرَيْنِ .\rابْنٌ نِصْفُهُ حُرٌّ ، وَابْنُ ابْنٍ ثُلُثُهُ حُرٌّ ، وَأَخٌ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهِ حُرٌّ ؛ لِلْأَعْلَى النِّصْفُ ، وَلِلثَّانِي ثُلُثُ الْبَاقِي ، وَهُوَ السُّدُسُ ، وَلِلْأَخِ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الْبَاقِي ، وَهُوَ الرُّبُعُ .\rوَعَلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ ، لِلِابْنِ النِّصْفُ ، وَلِابْنِ الِابْنِ الثُّلُثُ ، وَالْبَاقِي لِلْأَخِ .\rثَلَاثَةُ إخْوَةٍ مُفْتَرِقِينَ ، نِصْفُ كُلِّ وَاحِدٍ حُرٌّ ؛ لِلْأَخِ مِنْ الْأُمِّ نِصْفُ السُّدُسِ ، وَلِلْأَخِ مِنْ الْأَبَوَيْنِ نِصْفُ الْبَاقِي ، وَلِلْأَخِ مِنْ الْأَبِ نِصْفُ الْبَاقِي ، وَتَصِحُّ مِنْ ثَمَانِيَةٍ وَأَرْبَعِينَ .\rلِلْأَخِ مِنْ الْأُمِّ أَرْبَعَةٌ وَلِلْأَخِ مِنْ الْأَبَوَيْنِ اثْنَانِ وَعِشْرُونَ ، وَلِلْأَخِ مِنْ الْأَبِ أَحَدَ عَشَرَ .\rوَعَلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ ، لِلْأَخِ مِنْ الْأُمِّ نِصْفُ السُّدُسِ ، وَلِلْأَخِ مِنْ الْأَبَوَيْنِ النِّصْفُ ، وَلِلْأَخِ مِنْ الْأَبِ مَا بَقِيَ .\rفَإِنْ كَانَ مَعَهُمْ بِنْتٌ حُرَّةٌ ، فَلَهَا النِّصْفُ ، وَلَا شَيْءَ لِلْأَخِ مِنْ الْأُمِّ ، وَلِلْأَخِ مِنْ الْأَبَوَيْنِ الرُّبُعُ ، وَلِلْأَخِ مِنْ الْأَبِ الثُّمُنُ ، وَالْبَاقِي لِلْعَصَبَةِ وَعَلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ ، الْبَاقِي لِلْأَخِ مِنْ الْأَبَوَيْنِ وَحْدَهُ ، فَإِنْ كَانَ نِصْفُ الْبِنْتِ ، حُرًّا ، فَلَهَا الرُّبُعُ وَلِلْأَخِ مِنْ الْأُمِّ","part":14,"page":22},{"id":6522,"text":"رُبُعُ السُّدُسِ ، وَلِلْأَخِ مِنْ الْأَبَوَيْنِ نِصْفُ الْبَاقِي ، وَلِلْأَخِ مِنْ الْأَبِ نِصْفُ الْبَاقِي .","part":14,"page":23},{"id":6523,"text":"( 4929 ) فَصْلٌ : بِنْتٌ نِصْفُهَا حُرٌّ ، لَهَا الرُّبُعُ ، وَالْبَاقِي لِلْعَصَبَةِ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَصَبَةٌ فَلَهَا النِّصْفُ بِالْفَرْضِ وَالرَّدِّ ، وَالْبَاقِي لِذَوِي الرَّحِمِ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَلِبَيْتِ الْمَالِ ، فَإِنْ كَانَ مَعَهَا أُمٌّ حُرَّةٌ ، فَلَهَا الرُّبُعُ ؛ لِأَنَّ الْبِنْتَ الْحُرَّةَ تَحْجُبُهَا عَنْ السُّدُسِ ، فَنِصْفُهَا يَحْجُبُهَا عَنْ نِصْفِهِ ، وَإِنْ كَانَ مَعَهَا امْرَأَةٌ ، فَلَهَا الثُّمُنُ ، وَنِصْفُ الثُّمُنِ ، وَإِنْ كَانَ مَعَهَا أَخٌ مِنْ أُمٍّ ، فَلَهُ نِصْفُ السُّدُسِ ، وَإِنْ كَانَ مَعَهَا بِنْتُ ابْنٍ ، فَلَهَا الثُّلُثُ ؛ لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ كُلُّهَا أَمَةً ، لَكَانَ لِبِنْتِ الِابْنِ النِّصْفُ ، وَلَوْ كَانَتْ حُرَّةً ، لَكَانَ لَهَا السُّدُسُ ، فَقَدْ حَجَبَتْهَا حُرِّيَّتُهَا عَنْ الثُّلُثِ ، فَنِصْفُهَا يَحْجُبُهَا عَنْ السُّدُسِ وَكُلُّ مَنْ ذَكَرْنَا إذَا كَانَ نِصْفُهُ حُرًّا ، فَلَهُ نِصْفُ مَالِهِ فِي الْحُرِّيَّةِ ، وَإِنْ كَانَ ثُلُثُهُ حُرًّا ، فَلَهُ ثُلُثُهُ ، وَإِنْ كَانَ مَعَهَا بِنْتٌ أُخْرَى حُرَّةٌ ، فَلَهَا رُبُعُ الْمَالِ ، وَثُلُثُهُ بَيْنَهُمَا عَلَى ثَلَاثَةٍ عِنْدَ مِنْ جَمَعَ الْحُرِّيَّةَ فِيهِمَا ؛ لِأَنَّ لَهُمَا بِحُرِّيَّةٍ نِصْفًا ، وَبِنِصْفِ حُرِّيَّةٍ نِصْفَ كَمَالِ الثُّلُثَيْنِ .\rوَفِي الْخِطَابِ وَالتَّنْزِيلِ لِلْحُرَّةِ رُبُعٌ وَسُدُسٌ ، وَلِلْأُخْرَى سُدُسٌ ؛ لِأَنَّ نِصْفَ إحْدَاهُمَا يَحْجُبُ الْحُرَّةَ عَنْ نِصْفِ السُّدُسِ فَيَبْقَى لَهَا رُبُعٌ وَسُدُسٌ ، وَالْحُرَّةُ تَحْجُبُهَا عَنْ سُدُسٍ كَامِلٍ ، فَيَبْقَى لَهَا سُدُسٌ فَإِنْ كَانَ نِصْفُهُمَا رَقِيقًا ، وَمَعَهُمَا عَصَبَةٌ ، فَلَهُمَا رُبُعُ الْمَالِ وَسُدُسُهُ بَيْنَهُمَا ؛ لِأَنَّهُمَا لَوْ كَانَتَا حُرَّتَيْنِ كَانَ لَهُمَا الثُّلُثَانِ ، وَلَوْ كَانَتْ الْكُبْرَى وَحْدَهَا حُرَّةً كَانَ لَهَا النِّصْفُ ، وَكَذَلِكَ الصُّغْرَى ، وَلَوْ كَانَتَا أَمَتَيْنِ كَانَ الْمَالُ لِلْعَصَبَةِ ، فَقَدْ كَانَ لَهُمَا مَالٌ وَثُلُثَانِ ، فَلَهُمَا رُبُعُ ذَلِكَ ، وَهُوَ رُبُعٌ وَسُدُسٌ ، وَطَرِيقُهَا بِالْبَسْطِ أَنْ تَقُولَ : وَلَوْ كَانَتَا حُرَّتَيْنِ ، فَالْمَسْأَلَةُ مِنْ ثَلَاثَةٍ ، وَإِنْ كَانَتْ الْكُبْرَى","part":14,"page":24},{"id":6524,"text":"وَحْدَهَا حُرَّةً ، فَهِيَ مِنْ اثْنَيْنِ ، وَكَذَلِكَ إذَا كَانَتْ الصُّغْرَى وَحْدَهَا حُرَّةً وَإِنْ كَانَتَا أَمَتَيْنِ ، فَهِيَ مِنْ سَهْمٍ ، فَتَضْرِبُ اثْنَيْنِ فِي ثَلَاثَةٍ ، تَكُنْ سِتَّةً ، ثُمَّ فِي الْأَحْوَالِ الْأَرْبَعَةِ تَكُنْ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ لِلْكُبْرَى نِصْفُ الْمَالِ فِي حَالٍ ثَلَاثَةٌ ، وَثُلُثُهُ فِي حَالٍ سَهْمَانِ ، صَارَ لَهَا خَمْسَةٌ مِنْ أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ ، وَلِلْأُخْرَى مِثْلُ ذَلِكَ ، وَلِلْعَصَبَةِ الْمَالُ فِي حَالٍ ، وَالنِّصْفُ فِي حَالَيْنِ ، وَالثُّلُث فِي حَالٍ ، ذَلِكَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ سَهْمًا مِنْ أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ .\rوَمَنْ جَمَعَ الْحُرِّيَّةَ فِيهِمَا جَعَلَ لَهُمَا النِّصْفَ وَالْبَاقِيَ لِلْعَصَبَةِ وَإِذَا لَمْ يَكُنْ عَصَبَةٌ نَزَّلْتهمَا عَلَى تَقْدِيرِ الرَّدِّ فَيَكُونُ حُكْمُهُمَا حُكْمَ اثْنَيْنِ نِصْفُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حُرٌّ ، عَلَى مَا قُلْنَاهُ .\rثَلَاثُ بَنَاتِ ابْنٍ مُتَنَازِلَاتٌ ، نِصْفُ كُلِّ وَاحِدَةٍ حُرٌّ وَعَصَبَةٌ ، لِلْأُولَى الرُّبُعُ ، وَلِلثَّانِيَةِ السُّدُسُ ؛ لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ حُرَّةً كَانَ لَهَا الثُّلُثُ ، وَلِلثَّالِثَةِ نِصْفُ السُّدُسِ عَلَى قَوْلِ الْبَصْرِيِّينَ ؛ لِأَنَّك تَقُولُ لِلسُّفْلَى : لَوْ كَانَتَا أَمَتَيْنِ كَانَ لَك النِّصْفُ ، وَلَوْ كَانَتْ إحْدَاهُمَا حُرَّةً كَانَ لَك السُّدُسُ ، فَبَيْنَهُمَا ثُلُثٌ ، فَتَحْجُبُك الْعَلْيَاءُ عَنْ رُبُعٍ ، وَالثَّانِيَةُ عَنْ نِصْفِ سُدُسٍ ، فَيَبْقَى لَك سُدُسٌ لَوْ كُنْت حُرَّةً ، فَإِذَا كَانَ نِصْفُك حُرًّا ، كَانَ لَك نِصْفُهُ وَفِي التَّنْزِيلِ ، لِلثَّالِثَةِ نِصْفُ الثُّمُنُ وَثُلُثُهُ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّنَا لَوْ نَزَّلْنَا كُلَّ وَاحِدَةٍ حُرَّةٍ وَحْدَهَا ، كَانَ لَهَا النِّصْفُ .\rفَهَذِهِ ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ مِنْ ابْنَيْنِ اثْنَيْنِ .\rوَلَوْ كُنَّ إمَاءً كَانَ الْمَالُ لِلْعَصَبَةِ .\rوَلَوْ كُنَّ أَحْرَارًا كَانَ لِلْأُولَى النِّصْفُ ، وَلِلثَّانِيَةِ السُّدُسُ ، وَالثُّلُثُ لِلْعَصَبَةِ .\rوَلَوْ كَانَتْ الْأُولَى وَالثَّانِيَةُ حُرَّتَيْنِ ، فَكَذَلِكَ .\rوَلَوْ كَانَتْ الثَّانِيَةُ وَالثَّالِثَةُ حُرَّتَيْنِ ، فَلِلثَّانِيَةِ النِّصْفُ ، وَلِلثَّالِثَةِ السُّدُسُ ، وَالثُّلُثُ لِلْعَصَبَةِ","part":14,"page":25},{"id":6525,"text":"فَهَذَا أَرْبَعَةُ أَحْوَالٍ ، مِنْ سِتَّةٍ سِتَّةٌ ، وَالْمَسَائِلُ كُلُّهَا تَدْخُلُ فِيهَا ، فَتَضْرِبُهَا فِي ثَمَانِيَةِ أَحْوَالٍ ، تَكُنْ ثَمَانِيَةً وَأَرْبَعِينَ ، لِلْعُلْيَا النِّصْفُ ، فِي أَرْبَعَةِ أَحْوَالٍ ، اثْنَا عَشَرَ ، وَهِيَ الرُّبُعُ ، وَلِلثَّانِيَةِ النِّصْفُ فِي حَالَيْنِ ، السُّدُسُ فِي حَالَيْنِ ، وَهِيَ ثَمَانِيَةٌ ، وَذَلِكَ هُوَ السُّدُسُ ، وَلِلثَّالِثَةِ النِّصْفُ فِي حَالٍ ، وَالسُّدُسُ فِي حَالَيْنِ ، وَهُوَ خَمْسَةٌ ، وَهِيَ نِصْفُ الثُّمُنِ ، وَثُلُثُهُ .\rوَقَالَ قَوْمٌ : تُجْمَعُ الْحُرِّيَّةُ فِيهِنَّ ، فَيَكُونُ فِيهِنَّ حُرِّيَّةٌ وَنِصْفٌ ، لَهُنَّ بِهَا ثُلُثٌ وَرُبُعٌ لِلْأُولَى ، وَلِلثَّانِيَةِ رُبُعَانِ ، وَلِلثَّالِثَةِ نِصْفُ سُدُسٍ ، فَإِنْ كَانَ مَعَهُنَّ رَابِعَةٌ كَانَ لَهَا نِصْفُ سُدُسٍ آخَرُ ثَلَاثُ أَخَوَاتٍ مُتَفَرِّقَاتٍ نِصْفُ كُلِّ وَاحِدَةٍ حُرٌّ وَأُمٌّ حُرَّةٌ وَعَمٌّ ، لِلَّتِي مِنْ قِبَلِ الْأَبَوَيْنِ الرُّبُعُ ، وَلِلَّتِي مِنْ قِبَلِ الْأَبِ السُّدُسُ ، وَلِلَّتِي مِنْ قِبَلِ الْأُمِّ نِصْفُ السُّدُسِ ، وَلِلْأُمِّ الثُّلُثُ ؛ لِأَنَّهَا لَا تُحْجَبُ إلَّا بِاثْنَيْنِ مِنْ الْإِخْوَةِ وَالْأَخَوَاتِ ، وَلَمْ تَكْمُلْ الْحُرِّيَّةُ فِي اثْنَتَيْنِ ، وَلِلْعَمِّ مَا بَقِيَ .\rوَهَكَذَا لَوْ كَانَتْ أُخْتٌ حُرَّةٌ وَأُخْرَى نِصْفُهَا حُرٌّ وَأُمٌّ حِرَةٌ ، فَلِلْأُمِّ الثُّلُثُ ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ وَقَالَ الْخَبْرِيُّ : لِلْأُمِّ الرُّبُعُ ، وَحَجْبُهَا بِالْجُزْءِ ، كَمَا تُحْجَبُ بِنِصْفِ الْبِنْتِ ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْحَجْبَ بِالْوَلَدِ غَيْرُ مُقَدَّرٍ ، بَلْ هُوَ مُطْلَقٌ فِي الْوَلَدِ وَالْجُزْءِ مِنْ الْوَلَدِ ، وَفِي الْإِخْوَةِ مُقَدَّرٌ بِاثْنَيْنِ ، فَلَا يَثْبُتُ بِأَقَلَّ مِنْهُمَا ، وَلِذَلِكَ لَمْ تُحْجَبْ بِالْوَاحِدِ عَنْ شَيْءٍ أَصْلًا .\rوَهَذَا قَوْلُ ابْن اللَّبَّانِ .\rوَحَكَى الْقَوْلَ الْأَوَّلَ عَنْ الشَّعْبِيِّ ، وَقَالَ : هَذَا غَلَطٌ .\rوَفِي الْبَابِ اخْتِلَافٌ كَثِيرٌ ، وَفُرُوعٌ قَلَّ مَا تَتَّفِقُ ، وَقَلَّ مَا تَجِيءُ مَسْأَلَةٌ إلَّا وَيُمْكِنُ عَمَلُهَا بِقِيَاسِ مَا ذَكَرْنَاهُ .","part":14,"page":26},{"id":6526,"text":"( 4930 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِذَا مَاتَ ، وَخَلَّفَ ابْنَيْنِ ، فَأَقَرَّ أَحَدُهُمَا بِأَخٍ ، فَلَهُ ثُلُثُ مَا فِي يَدِهِ ، وَإِنْ أَقَرَّ بِأُخْتٍ ، فَلَهَا خُمُسُ مَا فِي يَدِهِ ) قَدْ ذَكَرْنَا فِي بَابِ الْإِقْرَارِ مَنْ يَثْبُتُ النَّسَبُ بِقَوْلِهِ ، وَمَنْ لَا يَثْبُتُ ، وَنَذْكُرُ هَاهُنَا مَا يَسْتَحِقُّ الْمُقَرُّ بِهِ مِنْ الْمِيرَاثِ ، إذَا لَمْ يَثْبُتْ نَسَبُهُ ، فَنَقُولُ ، إذَا أَقَرَّ بَعْضُ الْوَرَثَةِ لِمُشَارِكٍ فِي الْمِيرَاثِ ، فَلَمْ يَثْبُتْ نَسَبُهُ ، لَزِمَ الْمُقِرَّ أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ فَضْلَ مَا فِي يَدِهِ عَنْ مِيرَاثِهِ وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَابْنِ أَبِي لَيْلَى ، وَالْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ ، وَشَرِيكٍ ، وَيَحْيَى بْنِ آدَمَ ، وَوَكِيعٍ ، وَإِسْحَاقَ ، وَأَبِي عُبَيْدٍ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَأَهْلِ الْبَصْرَةِ .\rوَقَالَ النَّخَعِيُّ ، وَحَمَّادٌ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ : يُقَاسِمُهُ مَا فِي يَدِهِ ؛ لِأَنَّهُ يَقُولُ : أَنَا وَأَنْتَ سَوَاءٌ فِي مِيرَاثِ أَبِينَا ، وَكَأَنَّ مَا أَخَذَهُ الْمُنْكِرُ تَلِفَ ، أَوْ أَخَذَتْهُ يَدٌ عَادِيَةٌ ، فَيَسْتَوِي فِيمَا بَقِيَ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَدَاوُد : لَا يَلْزَمُهُ فِي الظَّاهِرِ دَفْعُ شَيْءٍ إلَيْهِ ، وَهَلْ يَلْزَمُهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ : أَصَحُّهُمَا لَا يَلْزَمُهُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَرِثُ مَنْ لَا يَثْبُتُ نَسَبُهُ .\rوَعَلَى قَوْلِ الَّذِي يَلْزَمُهُ دَفْعُ شَيْءٍ إلَيْهِ ، فَفِي قَدْرِهِ وَجْهَانِ ، كَالْمَذْهَبَيْنِ الْمُتَقَدِّمَيْنِ .\rوَلَنَا ، عَلَى الشَّافِعِيِّ ، أَنَّهُ أَقَرَّ بِحَقٍّ لِمُدَّعِيهِ ، يُمْكِنُ صِدْقُهُ فِيهِ ، وَيَدُ الْمُقِرِّ عَلَيْهِ ، وَهُوَ مُتَمَكِّنٌ مِنْ دَفْعِهِ إلَيْهِ ، فَيَلْزَمُهُ ذَلِكَ ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِمُعَيَّنٍ ، وَلِأَنَّهُ إذَا عَلِمَ أَنَّ هَذَا أَخُوهُ ، وَلَهُ ثُلُثُ التَّرِكَةِ .\rوَيَتَعَيَّنُ اسْتِحْقَاقُهُ لَهَا ، وَفِي يَدِهِ بَعْضُهُ وَصَاحِبُهُ يَطْلُبهُ ، لَزِمَهُ دَفْعُهُ إلَيْهِ ، وَحَرُمَ عَلَيْهِ مَنْعُهُ مِنْهُ ، كَمَا فِي سَائِرِ الْمَوَاضِعِ ، وَعَدَمُ ثُبُوتِ نَسَبِهِ فِي الظَّاهِرِ ، لَا","part":14,"page":27},{"id":6527,"text":"يَمْنَعُ وُجُوبَ دَفْعِهِ إلَيْهِ ، كَمَا لَوْ غَصَبَهُ شَيْئًا ، وَلَمْ تَقُمْ الْبَيِّنَةُ بِغَصْبِهِ .\rوَلَنَا عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ ، أَنَّهُ أَقَرَّ لَهُ بِالْفَاضِلِ عَنْ مِيرَاثِهِ ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ أَكْثَرُ مِمَّا أَقَرَّ بِهِ ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ لَهُ بِشَيْءٍ مُعَيَّنٍ ، وَلِأَنَّهُ حَقٌّ يَتَعَلَّقُ بِمُحَلٍّ مُشْتَرَكٍ بِإِقْرَارِ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ أَكْثَرُ مِنْ قِسْطِهِ ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ عَلَى الْعَبْدِ بِجِنَايَةٍ ، فَعَلَى هَذَا ، إذَا خَلَّفَ ابْنَيْنِ ، فَأَقَرَّ أَحَدُهُمَا بِأَخٍ ، فَلِلْمُقَرِّ لَهُ ثُلُثُ مَا فِي يَدِ الْمُقِرِّ ، وَهُوَ سُدُسُ الْمَالِ .\rلِأَنَّهُ يَقُولُ : نَحْنُ ثَلَاثَةٌ ، لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَّا الثُّلُثُ ، وَفِي يَدِي النِّصْفُ ، فَفَضَلَ فِي يَدِي لَك السُّدُسُ ، فَيَدْفَعُهُ إلَيْهِ ، وَهُوَ ثُلُثُ مَا فِي يَدِهِ .\rوَفِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ يَدْفَعُ إلَيْهِ نِصْفَ مَا فِي يَدِهِ ، وَهُوَ الرُّبُعُ ، وَإِنْ أَقَرَّ بِأُخْتٍ دَفَعَ إلَيْهَا خُمُسَ مَا فِي يَدِهِ ؛ لِأَنَّهُ يَقُولُ : نَحْنُ أَخَوَانِ وَأُخْتٌ ، فَلَكَ الْخُمُسُ مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ ، وَهُوَ خُمُسُ مَا فِي يَدِي ، وَخُمُسُ مَا فِي يَدِ أَخِي .\rفَيَدْفَعُ إلَيْهَا خَمْسَ مَا فِي يَدِهِ ، وَفِي قَوْلِهِمْ يَدْفَعُ إلَيْهَا ثُلُثَ مَا فِي يَدِهِ .","part":14,"page":28},{"id":6528,"text":"( 4931 ) فَصْلٌ : وَإِنْ أَقَرَّ جَمِيعُ الْوَرَثَةِ بِوَارِثٍ ، أَوْ أَقَرَّ بِهِ الْمَيِّتُ لِيَثْبُتَ نَسَبُهُ مِنْهُ ، ثَبَتَ نَسَبَهُ ، سَوَاءٌ كَانَ الْوَرَثَةُ وَاحِدًا ، أَوْ جَمَاعَةً .\rوَبِهَذَا قَالَ النَّخَعِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٌ ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى ، وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ : لَا يَثْبُتُ نَسَبُهُ .\rوَالْمَشْهُورُ عَنْ أَبِي يُوسُفَ ، أَنَّهُ لَا يَثْبُت النَّسَبُ إلَّا بِإِقْرَارِ ابْنَيْنِ ذَكَرَيْنِ كَانَا أَوْ أُنْثَيَيْنِ ، عَدْلَيْنِ أَوْ غَيْرِ عَدْلَيْنِ .\rوَنَحْوُهُ عَنْ مَالِكٍ وَرَوَى ابْنُ اللَّبَّانِ ، قَالَ أَشْعَثُ بْنُ سُوَارٍ ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ، قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ وَأُخْتُهُ إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَمَعَهُمَا صَبِيٌّ ، فَقَالَا : هَذَا أَخُونَا .\rفَقَالَ عُمَرُ : لَا أُلْحِقُ بِأَبِيكُمَا مَنْ لَمْ يُقِرَّ بِهِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ زَمْعَةَ ادَّعَى نَسَبَ وَلَدِ وَلِيدَةِ أَبِيهِ ، وَقَالَ : هَذَا أَخِي ، وُلِدَ عَلَى فِرَاشِ أَبِي .\rفَقَبِلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَوْلَهُ ، وَأَثْبُتَ النَّسَبَ بِهِ وَلِأَنَّ الْوَارِثَ يَقُومُ مَقَامَ مَوْرُوثِهِ ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَثْبُتُ بِاعْتِرَافِهِ مَا يَثْبُتُ بِاعْتِرَافِ الْمَوْرُوثِ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ الدَّيْنِ ، وَغَيْرِهِ ، كَذَا النَّسَبُ ، وَلِأَنَّ الْوَارِثَ يَخْلُفُ الْمَوْرُوثَ فِي حُقُوقِهِ ، وَهَذَا مِنْهَا .\rوَلَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ فِي وُجُوبِ دَفْعِ مِيرَاثِهِ إلَيْهِ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُقَرُّ بِهِ يُسْقِطُ الْمُقِرَّ ، كَأَخٍ يُقِرُّ بِابْنٍ ، أَوْ ابْنِ ابْنٍ ، أَوْ أَخٍ مِنْ أَبٍ يُقِرُّ بِأَخٍ مِنْ أَبَوَيْنِ ، فَإِنَّ الشَّافِعِيَّ فِي ظَاهِرِ مَذْهَبِهِ أَثْبَتِ النَّسَبَ ، وَلَمْ يُوَرِّثْهُ ؛ لِئَلَّا يَكُونَ إقْرَارًا مِنْ غَيْرِ وَارِثٍ ، فَثُبُوتُ مِيرَاثِهِ يُفْضِي إلَى سُقُوطِ نَسَبِهِ وَمِيرَاثِهِ وَلَنَا ، أَنَّهُ إقْرَارٌ مِنْ كُلِّ الْوَرَثَةِ ، يَثْبُتُ بِهِ النَّسَبُ بِمَنْ يَرِثُ ، لَوْ ثَبَتَ نَسَبُهُ بِغَيْرِ إقْرَارِهِ ، فَيَجِبُ أَنْ يَرِثَ ، كَمَا لَوْ لَمْ يُسْقِطْهُ ، وَلِأَنَّهُ ابْنٌ ثَابِتُ النَّسَبِ ، لَمْ","part":14,"page":29},{"id":6529,"text":"يَمْنَعْ إرْثَهُ مَانِعٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ، أَشْبَهَ مَا لَوْ ثَبَتَ بِبَيِّنَةٍ ، وَالِاعْتِبَارُ بِكَوْنِهِ وَارِثًا حَالَةَ الْإِقْرَارِ ، أَوْ بِكَوْنِهِ وَارِثًا لَوْلَا الْإِقْرَارُ ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ اُعْتُبِرَ الْحَالُ الثَّانِي ، لَمْ يَثْبُتْ النَّسَبُ ، إذَا أَقَرَّ بِمُشَارِكٍ فِي الْمِيرَاثِ ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ إقْرَارًا مِنْ بَعْضِ الْوَرَثَةِ ، فَإِنْ قَالُوا : إنَّمَا ثَبَتَ ؛ لِأَنَّ الْمُقَرَّ بِهِ أَيْضًا مُقِرٌّ بِنَفْسِهِ مُدَّعٍ لِنَسَبِهِ .\rقُلْنَا : هَاهُنَا مِثْلُهُ ، فَاسْتَوَيَا .","part":14,"page":30},{"id":6530,"text":"( 4932 ) فَصْلٌ : إذَا خَلَّفَ ابْنًا وَاحِدًا ، فَأَقَرَّ بِأَخٍ مِنْ أَبِيهِ ، دَفَعَ إلَيْهِ نِصْفَ مَا فِي يَدِهِ .\rفِي قَوْلِ الْجَمِيعِ .\rفَإِنْ أَقَرَّ بَعْدُ بِآخَرَ ، فَاتَّفَقَا عَلَيْهِ ، دَفَعَا إلَيْهِ ثُلُثَ مَا فِي أَيْدِيهِمَا .\rفِي قَوْلِ الْجَمِيعِ .\rفَإِنْ أَنْكَرَ الْمُقَرُّ بِهِ ثَانِيًا الْمُقَرَّ بِهِ الْأَوَّلَ ، لَمْ يَثْبُتْ نَسَبُهُ .\rقَالَ الْقَاضِي : هَذَا مَثَلٌ لِلْعَامَّةِ ، تَقُولُ : أَدْخِلْنِي أُخْرِجْك .\rوَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ أَكْثَرَ مِنْ ثُلُثِ مَا فِي أَيْدِيهِمَا ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُقِرَّ لَهُ بِأَكْثَرَ مِنْهُ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَلْزَمُ الْمُقِرَّ أَنْ يَغْرَمَ لَهُ نِصْفَ التَّرِكَةِ ؛ لِأَنَّهُ أَتْلَفْهُ عَلَيْهِ بِإِقْرَارِهِ الْأَوَّلِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَبْطُلَ نَسَبُ الْأَوَّلِ ؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ بِقَوْلِ مَنْ هُوَ كُلُّ الْوَرَثَةِ حَالَ الْإِقْرَارِ .\rفَإِنْ لَمْ يُصَدِّقْ الْأَوَّلُ بِالثَّانِي ، لَمْ يَثْبُتْ نَسَبُهُ ، وَيَدْفَعُ إلَيْهِ الْمُقِرُّ ثُلُثَ مَا بَقِيَ فِي يَدِهِ ؛ لِأَنَّهُ الْفَضْلُ الَّذِي فِي يَدِهِ .\rوَيُحْتَمَلُ أَنْ يَلْزَمَهُ دَفْعُ ثُلُثِ جَمِيعِ الْمَالِ ؛ لِأَنَّهُ فَوَّتَهُ عَلَيْهِ بِدَفْعِ النِّصْفِ إلَى الْأَوَّلِ ، وَهُوَ يُقِرُّ أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ إلَّا الثُّلُثَ وَسَوَاءٌ دَفَعَهُ إلَيْهِ بِحُكْمِ الْحَاكِمِ ، أَوْ بِغَيْرِ حُكْمِهِ ؛ لِأَنَّ إقْرَارَهُ عِلَّةُ حُكْمِ الْحَاكِمِ .\rوَسَوَاءٌ عَلِمَ بِالْحَالِ عِنْدَ إقْرَارِهِ الْأَوَّلِ ، أَوْ لَمْ يَعْلَمْ ، لِأَنَّ الْعَمْدَ وَالْخَطَأَ وَاحِدٌ فِي ضَمَانِ مَا يُتْلَفُ .\rوَحَكَى نَحْوُ هَذَا عَنْ شَرِيكٍ ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ إنْ عَلِمَ بِالثَّانِي حِينَ أَقَرَّ بِالْأَوَّلِ ، وَعَلِمَ أَنَّهُ إذَا أَقَرَّ بِهِ بَعْدَ الْأَوَّلِ لَا يُقْبَلُ ، ضَمِنَ ؛ لِتَفْوِيتِهِ حَقَّ غَيْرِهِ بِتَفْرِيطِهِ ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ ، لَمْ يَضْمَنْ ؛ لِأَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِقْرَارُ بِالْأَوَّلِ إذَا عَلِمَهُ ، وَلَا يَحُوجُهُ إلَى حَاكِمٍ ، وَمَنْ فَعَلَ الْوَاجِبَ فَقَدْ أَحْسَنَ ، وَلَيْسَ بِخَائِنٍ ، فَلَا يَضْمَنُ .\rوَقِيلَ : هَذَا قِيَاسُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إنْ","part":14,"page":31},{"id":6531,"text":"كَانَ الدَّفْعُ بِحُكْمِ حَاكِمٍ ، دَفَعَ إلَى الثَّانِي نِصْفَ مَا بَقِيَ فِي يَدِهِ ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ كَالْأَخْذِ مِنْهُ كَرْهًا ، وَإِنْ دَفَعَهُ بِغَيْرِ حَاكِمٍ ، دَفَعَ إلَى الثَّانِي ثُلُثَ جَمِيعِ الْمَالِ ؛ لِأَنَّهُ دَفَعَ إلَى الْأَوَّلِ مَا لَيْسَ لَهُ تَبَرُّعًا .\rوَلَنَا عَلَى الْأَوَّلِ ، أَنَّهُ أَقَرَّ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِقْرَارُ بِهِ ، فَلَمْ يَضْمَنْ مَا تَلِفَ بِهِ كَمَا لَوْ قَطَعَ الْإِمَامُ يَدَ السَّارِقِ ، فَسَرَى إلَى نَفْسِهِ .\rوَإِنْ أَقَرَّ بَعْدَهُمَا بِثَالِثٍ ، فَصَدَّقَاهُ ، ثَبَتَ نَسَبُهُ ، وَأَخَذَ رُبُعَ مَا فِي يَدِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ، إذَا كَانَ مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ ثُلُثُ الْمَالِ ، وَإِنْ كَذَّبَاهُ ، لَمْ يَثْبُتْ نَسَبُهُ وَأَخَذَ رُبُعَ مَا فِي يَدِ الْمُقَرِّ بِهِ ، وَفِي ضَمَانِهِ لَهُ مَا زَادَ التَّفْصِيلُ فِي الَّتِي قَبْلَهَا .\rوَعَلَى مِثْلِ قَوْلِنَا قَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى ، وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ ، وَبَعْضُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ .","part":14,"page":32},{"id":6532,"text":"( 4933 ) فَصْلٌ : وَمَتَى أَرَدْت مَعْرِفَةَ الْفَضْلِ ، فَاضْرِبْ مَسْأَلَةَ الْإِقْرَارِ فِي مَسْأَلَةِ الْإِنْكَارِ ، ثُمَّ تَضْرِبُ مَا لِلْمُقِرِّ مِنْ مَسْأَلَةِ الْإِقْرَارِ فِي مَسْأَلَةِ الْإِنْكَارِ ، إذَا كَانَتَا مُتَبَايِنَتَيْنِ ، وَتَضْرِبُ مَا لِلْمُنْكِرِ فِي مَسْأَلَةِ الْإِنْكَارِ فِي مَسْأَلَةِ الْإِقْرَارِ ، فَمَا كَانَ بَيْنَهُمَا فَهُوَ الْفَضْلُ .\rفَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي يَدِهِ فَضْلٌ ، فَلَا شَيْءَ لِلْمُقَرِّ لَهُ ، كَثَلَاثَةِ إخْوَةٍ مُفْتَرِقِينَ ، أَقَرَّ الْأَخُ مِنْ الْأُمِّ بِأَخٍ أَوْ أُخْتٍ ، فَلَا شَيْءَ لِلْمُقَرِّ لَهُ ؛ لِأَنَّهُ عَلَى غَيْرِهِ ، وَسَوَاءٌ أَقَرَّ بِأَخٍ مِنْ أُمٍّ أَوْ غَيْرِهِ وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ، إنْ أَقَرَّ بِأَخٍ مِنْ أُمٍّ ، فَلَهُ نِصْفُ مَا فِي يَدِهِ ، وَإِنْ أَقَرَّ بِأَخٍ مِنْ أَبَوَيْنِ ، فَلِلْمُقَرِّ بِهِ خَمْسَةُ أَسْبَاعِ مَا فِي يَدِهِ .\rوَإِنْ كُنَّ ثَلَاثَ أَخَوَاتٍ مُفْتَرِقَاتٍ ، فَأَقَرَّتْ الْأُخْتُ مِنْ الْأُمِّ بِأَخٍ ، فَإِنْ كَانَ فِي الْمَسْأَلَةِ عَصَبَةٌ ، فَلَا شَيْءَ لَهُ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا عَصَبَةٌ ، فَلَهُ سُدُسُ مَا بَقِيَ فِي يَدِهَا ؛ لِأَنَّ مَسْأَلَةَ الْإِنْكَارِ مِنْ خَمْسَةٍ ، وَالْإِقْرَارِ مِنْ سِتَّةٍ إذَا ضَرَبْت إحْدَاهُمَا فِي الْأُخْرَى ، كَانَتْ ثَلَاثِينَ ، لَهَا سَهْمٌ مِنْ مَسْأَلَةِ الْإِنْكَارِ ، فِي مَسْأَلَةِ الْإِقْرَارِ ، سِتَّةٌ ، وَلَهَا فِي الْإِقْرَارِ خَمْسَةٌ ، يَفْضُلُ فِي يَدِهَا سَهْمٌ ، فَهُوَ لِلْأَخِ مِنْ أَيِّ جِهَةٍ كَانَ وَإِنْ أَقَرَّتْ الْأُخْتُ مِنْ الْأَبِ بِأَخٍ لَهَا ، صَحَّتْ مِنْ تِسْعِينَ ، لَهَا عَشَرَةٌ ، وَيَفْضُلُ لِأَخِيهَا ثَمَانِيَةٌ .\rوَإِنْ أَقَرَّتْ بِأَخٍ مِنْ أَبَوَيْنِ ، دَفَعَتْ إلَيْهِ جَمِيعَ مَا فِي يَدِهَا .\rوَإِنْ أَقَرَّتْ بِأَخٍ مِنْ أُمٍّ أَوْ بِأُمٍّ لِلْمَيِّتِ ، أَوْ جَدَّةٍ ، أَوْ بِعَصَبَةٍ ، فَلَهُ سُدُسُ مَا فِي يَدِهَا .\rوَإِنْ خَلَّفَ أَرْبَعَ أَخَوَاتٍ مِنْ أَبٍ وَعَمًّا ، فَأَقَرَّ الْأَخَوَاتُ بِأَخٍ لَهُنًّ ، فَلَا شَيْءَ لَهُ ، وَإِنْ أَقْرَرْنَ بِأُخْتٍ مِنْ أَبَوَيْنِ ، دَفَعْنَ إلَيْهَا ثَلَاثَةَ أَرْبَاعِ مَا فِي أَيْدِيهِنَّ .\rوَإِنْ أَقْرَرْنَ بِأُخْتٍ مِنْ أَبٍ ، فَلَهَا","part":14,"page":33},{"id":6533,"text":"خُمُسُ مَا فِي أَيْدِيهِنَّ ، وَأَيَّتُهُنَّ أَقَرَّتْ وَحْدَهَا ، دَفَعَتْ إلَيْهَا مِمَّا فِي يَدِهَا بِقَدْرِ ذَلِكَ وَإِنْ أَقَرَّتْ إحْدَاهُنَّ بِأَخٍ وَأُخْتٍ ، فَمَسْأَلَةُ الْإِقْرَارِ مِنْ سَبْعَةٍ ، وَالْإِنْكَارِ مِنْ سِتَّةٍ ، تَضْرِبُ إحْدَاهُمَا فِي الْأُخْرَى ، تَكُنْ اثْنَيْنِ وَأَرْبَعِينَ ، لَهَا سَهْمٌ فِي سِتَّةٍ ، وَفِي يَدِهَا سَبْعَةٌ ، يَفْضُلُ فِي يَدِهَا سَهْمٌ لَهُمَا .\rوَإِنْ أَقَرَّ الْأَرْبَعُ بِهِمَا فَضَلَ لَهُمَا أَرْبَعَةُ أَسْهُمٍ ، فَإِنْ كَانَ الْمُقَرُّ بِهِمَا يَتَصَادَقَانِ ، اقْتَسَمَاهَا بَيْنَهُمْ أَثْلَاثًا ، فَإِنْ تَجَاحَدَا ، فَلَا شَيْءَ لِلْأَخِ ؛ لِأَنَّهُ يُقِرُّ أَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ فِي الثُّلُثَيْنِ ، وَيَكُونُ الْمُقَرُّ بِهِ لِلْأُخْتِ ؛ لِأَنَّهَا تَدَّعِي خُمُسَ الثُّلُثَيْنِ ، وَإِنْ جَحَدَتْهُ ، وَلَمْ يَجْحَدْهَا ، لَمْ يُلْتَفَتْ إلَى جَحْدِهَا ، لِإِقْرَارِ الْأَخَوَاتِ الْمَعْرُوفَاتِ ، وَإِنْ جَحَدَهَا ، وَلَمْ تَجْحَدْهُ ، احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ الْمُقَرُّ بِهِ لَهَا ، لِإِقْرَارِهِ بِأَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا مِنْ الثُّلُثَيْنِ ، وَكَوْنُهَا تَدَّعِي مِنْ الثُّلُثَيْنِ مِثْلَ هَذِهِ الْفَضْلَةِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا تَسْتَحِقَّ إلَّا ثُلُثَ أَرْبَعَةِ أَسْهُمٍ ، لِإِقْرَارِهَا بِهَا لِلْأَخِ .\rوَالْأَوَّلُ أَوْلَى ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .\rوَإِنْ أَقَرَّ الْعَمُّ بِأُخْتٍ ، أَوْ أَخَوَاتٍ مِنْ ، أَبٍ ، أَوْ أَبَوَيْنِ ، فَلَا شَيْءَ لَهُمْ وَإِنْ أَقَرَّ بِأَخٍ ، أَوْ أُخْتٍ مِنْ أُمٍّ ، أَوْ بِأُمٍّ ، أَوْ جَدَّةٍ ، فَلِلْمُقَرِّ لَهُ السُّدُسُ .\rوَإِنْ أَقَرَّ بِأَخٍ مِنْ أَبَوَيْنِ ، أَوْ مِنْ أَبٍ ، أَوْ بِابْنَيْنِ مِنْ وَلَدِ الْأُمِّ ، فَلَهُمْ جَمِيعُ مَا فِي يَدِهِ .\rوَإِنْ خَلَّفَ أُمًّا ، أَوْ أَخًا مِنْ أَبَوَيْنِ ، فَأَقَرَّتْ الْأُمُّ بِأَخٍ مِنْ ، أُمٍّ ، أَوْ مِنْ أَبَوَيْنِ ، فَلَهُ السُّدُسُ ، وَهُوَ نِصْفُ مَا فِي يَدِهَا وَإِنْ أَقَرَّتْ بِأَخٍ مِنْ أَبٍ ، فَصَدَّقَهَا الْأَخُ مِنْ الْأَبَوَيْنِ ، فَلَهُ السُّدُسُ ، وَهُوَ نِصْفُ مَا فِي يَدِهَا ، وَلَا شَيْءَ لِلْمُقَرِّ لَهُ ، وَإِنْ لَمْ يُصَدِّقْهَا ، فَقَدْ أَقَرَّتْ لَهُ بِمَا لَا يَدَّعِيهِ ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ","part":14,"page":34},{"id":6534,"text":"يُقِرَّ فِي يَدِهَا ، وَلَا يَصِحُّ إقْرَارُهَا ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَصْطَلِحَا عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْرُجُ عَنْهُمَا ، وَقَدْ أَشْكَلَ أَمْرُهُ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِبَيْتِ الْمَالِ ؛ لِأَنَّهُ مَالٌ لَمْ يَثْبُتْ لَهُ مُسْتَحِقٌّ وَلَا يَدَّعِيهِ أَحَدٌ .\rفَإِنْ أَقَرَّ الْأَخُ بِأَخٍ لَهُ مِنْ أَبَوَيْنِ ، فَلَهُ ثَلَاثَةُ أَثْمَانِ مَا فِي يَدِهِ ؛ لِأَنَّ مَسْأَلَةَ الْإِقْرَارِ مِنْ اثْنَيْ عَشَرَ ، لَهُ مِنْهَا خَمْسَةٌ ، وَفِي يَدِهِ ثَمَانِيَةٌ ، فَالْفَاضِلُ فِي يَدِهِ ثَلَاثَةٌ .","part":14,"page":35},{"id":6535,"text":"( 4934 ) فَصْلٌ : إذَا خَلَّفَ ابْنَيْنِ ، فَأَقَرَّ الْأَكْبَرُ بِأَخَوَيْنِ ، فَصَدَّقَهُ الْأَصْغَرُ فِي أَحَدِهِمَا ، ثَبَتَ نَسَبُ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ ، فَصَارُوا ثَلَاثَةً ، فَمَسْأَلَةُ الْإِقْرَارِ إذًا مِنْ ثَلَاثَةٍ ، وَمَسْأَلَةُ الْإِنْكَارِ مِنْ أَرْبَعَةٍ ، فَتَضْرِبُ مَسْأَلَةَ الْإِقْرَارِ فِي مَسْأَلَةِ الْإِنْكَارِ ، تَكُنْ اثْنَيْ عَشَرَ ، لِلْأَصْغَرِ سَهْمٌ ، مِنْ مَسْأَلَةِ الْإِنْكَارِ فِي مَسْأَلَةِ الْإِقْرَارِ ، أَرْبَعَةٌ ، وَلِلْأَكْبَرِ سَهْمٌ فِي مَسْأَلَةِ الْإِنْكَارِ ، ثَلَاثَةٌ ، وَلِلْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ إنْ أَقَرَّ بِصَاحِبِهِ مِثْلُ سَهْمِ الْأَكْبَرِ ، وَإِنْ أَنْكَرَ مِثْلُ سَهْمِ الْأَصْغَرِ وَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ أَنَّ الْمُتَّفَقَ عَلَيْهِ إنْ صَدَّقَ بِصَاحِبِهِ .\rلَمْ يَأْخُذْ مِنْ الْمُنْكِرِ إلَّا رُبُعَ مَا فِي يَدِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدَّعِي أَكْثَرَ مِنْهُ ، وَيَأْخُذُ هُوَ وَالْمُخْتَلَفُ فِيهِ مِنْ الْأَكْبَرِ نِصْفَ مَا بِيَدِهِ ، فَتَصِحُّ مِنْ ثَمَانِيَةٍ ؛ لِلْمُنْكِرِ ثَلَاثَةُ أَثْمَانٍ ، وَلِلْمُقِرِّ سَهْمَانِ ، وَلِلْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ سَهْمَانِ ، وَلِلْآخَرِ سَهْمٌ .\rوَذَكَرَ ابْنُ اللَّبَّانِ أَنَّ هَذَا قِيَاسُ قَوْلِ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .\rوَفِي هَذَا نَظَرٌ ؛ لِأَنَّ الْمُنْكِرَ يُقِرُّ أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ إلَّا الثُّلُثَ ، وَقَدْ حَضَرَ مَنْ يَدَّعِي الزِّيَادَةَ .\rفَوَجَبَ دَفْعُهَا إلَيْهِ ، وَنَظِيرُ هَذَا مَا لَوْ ادَّعَى إنْسَانٌ دَارًا فِي يَدِ رَجُلٍ ، فَأَقَرَّ بِهَا لِغَيْرِهِ ، فَقَالَ الْمُقَرُّ لَهُ : إنَّمَا هِيَ لِهَذَا الْمُدَّعِي .\rفَإِنَّهَا تُدْفَعُ إلَيْهِ .\rوَقَدْ رَدَّ الْخَبْرِيُّ عَلَى ابْنِ اللَّبَّانِ هَذَا الْقَوْلَ ، وَقَالَ : عَلَى هَذَا يَبْقَى مَعَ الْمُنْكِرِ ثَلَاثَةُ أَثْمَانٍ ، وَهُوَ لَا يَدَّعِي إلَّا الثُّلُثَ ، وَقَدْ حَضَرَ مَنْ يَدَّعِي هَذِهِ الزِّيَادَةَ ، وَلَا مُنَازِعَ لَهُ فِيهَا ، فَيَجِبُ دَفْعُهَا إلَيْهِ .\rقَالَ : وَالصَّحِيحُ أَنْ يَضُمَّ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ السُّدُسَ الَّذِي يَأْخُذُهُ مِنْ الْمُقَرِّ بِهِ ، فَيَضُمُّهُ إلَى النِّصْفِ الَّذِي بِيَدِ الْمُقَرِّ بِهِمَا ، فَيَقْسِمَانِهِ أَثْلَاثًا ، وَتَصِحُّ","part":14,"page":36},{"id":6536,"text":"مِنْ تِسْعَةٍ ؛ لِلْمُنْكِرِ ثَلَاثَةٌ ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْآخَرَيْنِ سَهْمَانِ وَهَذَا قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ إذَا تَصَادَقَا ، وَلَا يَسْتَقِيمُ هَذَا عَلَى قَوْلِ مَنْ لَمْ يُلْزِمْ الْمُقِرَّ أَكْثَرَ مِنْ الْفَضْلِ عَنْ مِيرَاثِهِ ؛ لِأَنَّ الْمُقَرَّ بِهِمَا ، وَالْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ ، لَا يَنْقُصُ مِيرَاثُهُ عَنْ الرُّبُعِ ، وَلَمْ يَحْصُلْ لَهُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ إلَّا التُّسْعَانِ .\rوَقِيلَ : يَدْفَعُ الْأَكْبَرُ إلَيْهِمَا نِصْفَ مَا فِي يَدِهِ ، وَيَأْخُذُ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ مِنْ الْأَصْغَرِ ثُلُثَ مَا فِي يَدِهِ ، فَيَحْصُلُ لِلْأَصْغَرِ الثُّلُثُ ، وَلِلْأَكْبَرِ الرُّبُعُ ، وَلِلْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ السُّدُسُ وَالثُّمُنُ ، وَلِلْمُخْتَلَفِ فِيهِ الثُّمُنُ ، وَتَصِحُّ مِنْ أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ ، لِلْأَصْغَرِ ، ثَمَانِيَةٌ ، وَلِلْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ سَبْعَةٌ ، وَلِلْأَكْبَرِ سِتَّةٌ ، وَلِلْمُخْتَلَفِ فِيهِ ثَلَاثَةٌ .\rوَفِيهَا أَقْوَالٌ كَثِيرَةٌ سِوَى هَذَا .","part":14,"page":37},{"id":6537,"text":"( 4935 ) فَصْلٌ : إذَا خَلَّفَ ابْنًا ، فَأَقَرَّ بِأَخَوَيْنِ دَفْعَةً ، وَاحِدَةً فَتَصَادَقَا ، ثَبَتَ نَسَبُهُمَا .\rوَإِنْ تَجَاحَدَا فَكَذَلِكَ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ ؛ لِأَنَّ نَسَبَهُمَا ثَبَتَ بِإِقْرَارِ مَنْ هُوَ كُلُّ الْوَرَثَةِ قَبْلَهُمَا .\rوَفِي الْآخَرِ ، لَا يَثْبُتُ ؛ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَمْ يَصْدُرْ مِنْ كُلِّ الْوَرَثَةِ ، وَيَدْفَعُ إلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ثُلُثَ مَا فِي يَدِهِ .\rوَإِنْ صَدَّقَ أَحَدُهُمَا بِصَاحِبِهِ ، وَجَحَدَهُ الْآخَرُ ، ثَبَتَ نَسَبُ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ ، وَفِي الْأُخَرِ وَجْهَانِ .\rوَيَدْفَعُ إلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ثُلُثَ مَا بَقِيَ فِي يَدِهِ .","part":14,"page":38},{"id":6538,"text":"( 4936 ) فَصْلٌ : وَلَوْ خَلَّفَ ثَلَاثَةَ بَنِينَ ، فَأَقَرَّ أَحَدُهُمْ بِأَخٍ ، وَأُخْتٍ ، فَصَدَّقَهُ أَحَدُ أَخَوَيْهِ فِي الْأَخِ ، وَالْآخَرُ فِي الْأُخْتِ ، لَمْ يَثْبُتْ نَسَبُهُمَا ، وَيَدْفَعُ الْمُقَرُّ بِهِمَا إلَيْهِمَا ثُلُثَ مَا فِي يَدِهِ .\rوَيَدْفَعُ الْمُقِرُّ بِالْأَخِ إلَيْهِ رُبُعَ مَا فِي يَدِهِ ، وَيَدْفَعُ الْمُقِرُّ بِالْأُخْتِ إلَيْهَا سُبْعَ مَا فِي يَدِهِ ، فَأَصْلُ الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثَةُ أَسْهُمٍ ؛ سَهْمُ الْمُقِرِّ يُقْسَمُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمَا عَلَى تِسْعَةٍ ، فَلَهُ سِتَّةٌ ، وَلَهُمَا ثَلَاثَةٌ ، وَسَهْمُ الْمُقِرِّ بِالْأَخِ بَيْنَهُمَا عَلَى أَرْبَعَةٍ ، لَهُ ثَلَاثَةٌ وَلِأَخِيهِ سَهْمٌ وَسَهْمُ الْمُقِرِّ بِالْأُخْتِ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمَا عَلَى سَبْعَةٍ ، لَهُ سِتَّةٌ ، وَلَهَا سَهْمٌ ، وَكُلُّهَا مُتَبَايِنَةٌ فَاضْرِبْ أَرْبَعَةً فِي سَبْعَةٍ ، فِي تِسْعَةٍ ، فِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ ، تَكُنْ سَبْعَمِائَةٍ وَسِتَّةً وَخَمْسِينَ ؛ لِلْمُقَرِّ بِهِمَا سِتَّةٌ ، فِي أَرْبَعَةٍ ، فِي سَبْعَةٍ ، مِائَةٌ وَثَمَانِيَةٌ ، وَسِتُّونَ ، وَلِلْمُقِرِّ بِالْأُخْتِ سِتَّةٌ ، فِي أَرْبَعَةٍ ، فِي تِسْعَةٍ .\rمِائَتَانِ وَسِتَّةَ عَشَرَ ، وَلِلْمُقِرِّ بِالْأَخِ ثَلَاثَةٌ ، فِي سَبْعَةٍ ، فِي تِسْعَةٍ ، مِائَةٌ وَتِسْعَةٌ وَثَمَانُونَ ، وَلِلْأَخِ الْمُقَرِّ بِهِ سَهْمَانِ ، فِي أَرْبَعَةٍ ، فِي سَبْعَةٍ ، سِتَّةٌ وَخَمْسُونَ ، وَسَهْمٌ فِي سَبْعَةٍ ، فِي تِسْعَةٍ ، ثَلَاثَةٌ وَسِتُّونَ ، فَيَجْتَمِعُ لَهُ مِائَةٌ وَتِسْعَةَ عَشَرَ ، وَلِلْأُخْتِ سَهْمٌ ، فِي أَرْبَعَةٍ ، فِي سَبْعَةٍ ، ثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ ، وَسَهْمٌ فِي أَرْبَعَةٍ ، فِي تِسْعَةٍ ، سِتَّةٌ وَثَلَاثُونَ ، يَجْتَمِعُ لَهَا أَرْبَعَةٌ وَسِتُّونَ ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ تَصَادُقِهِمَا ، وَتَجَاحُدِهِمَا ؛ لِأَنَّهُ لَا فَضْلَ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا عَنْ مِيرَاثِهِ .\rوَلَوْ كَانَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ابْنٌ رَابِعٌ ، لَمْ يُصَدِّقْهُ فِي وَاحِدٍ مِنْهُمَا ، كَانَ أَصْلُ الْمَسْأَلَةِ مِنْ أَرْبَعَةِ أَسْهُمٍ ، عَلَى أَحَدَ عَشَرَ وَسَهْمٍ ، عَلَى تِسْعَةٍ ، وَسَهْمٍ عَلَى خَمْسَةٍ ، وَسَهْمٍ يَنْفَرِدُ بِهِ الْجَاحِدُ ، فَتَصِحُّ الْمَسْأَلَةُ مِنْ أَلْفٍ وَتِسْعِمِائَةٍ","part":14,"page":39},{"id":6539,"text":"وَثَمَانِينَ سَهْمًا ، وَطَرِيقُ الْعَمَلِ فِيهَا كَاَلَّتِي قَبْلَهَا .","part":14,"page":40},{"id":6540,"text":"( 4937 ) فَصْلٌ : إذَا خَلَّفَ بِنْتًا وَأُخْتًا ، فَأَقَرَّتَا لِصَغِيرَةٍ ، فَقَالَتْ الْبِنْتُ : هِيَ أُخْتٌ .\rوَقَالَتْ الْأُخْتُ : هِيَ بِنْتٌ .\rفَلَهَا ثُلُثُ مَا فِي يَدِ الْأُخْتِ لَا غَيْرُ .\rوَهَذَا قَوْلُ ابْنِ أَبِي لَيْلَى ، وَلِمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ ، وَاللُّؤْلُؤِيِّ ، وَيَحْيَى بْنِ آدَمَ ، تَخْبِيطٌ كَثِيرٌ يَطُولُ ذِكْرُهُ .\rوَإِنْ خَلَّفَ امْرَأَةً وَبِنْتًا وَأُخْتًا ، فَأَقْرَرْنَ بِصَغِيرَةٍ ، فَقَالَتْ الْمَرْأَةُ : هِيَ امْرَأَةٌ .\rوَقَالَتْ الْبِنْتُ : هِيَ بِنْتٌ .\rوَقَالَتْ الْأُخْتُ : هِيَ أُخْتٌ فَقَالَ الْخَبْرِيُّ : تُعْطَى ثُلُثَ الْمَالِ ؛ لِأَنَّهُ أَكْثَرُ مَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ لَهَا ، وَيُؤْخَذُ مِنْ الْمُقِرَّاتِ عَلَى حَسَبِ إقْرَارِهِنَّ ، وَقَدْ أَقَرَّتْ لَهَا الْبِنْتُ بِأَرْبَعَةِ أَسْهُمٍ مِنْ أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ ، وَأَقَرَّتْ لَهَا الْأُخْتُ بِأَرْبَعَةٍ وَنِصْفٍ ، وَأَقَرَّتْ ، الْمَرْأَةُ بِسَهْمٍ وَنِصْفٍ ، وَذَلِكَ عَشَرَةُ أَسْهُمٍ ، لَهَا مِنْهَا ثَمَانِيَةٌ ، وَهِيَ أَرْبَعَةُ أَخْمَاسِهَا ، فَخُذْ لَهَا مِنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ أَرْبَعَةَ أَخْمَاسِ مَا أَقَرَّتْ لَهَا بِهِ ، وَاضْرِبْ الْمَسْأَلَةَ فِي خَمْسَةٍ ، تَكُنْ مِائَةً وَعِشْرِينَ ، وَمِنْهَا تَصِحُّ ، فَإِذَا بَلَغَتْ الصَّغِيرَةُ ، فَصَدَّقَتْ إحْدَاهُنَّ ، أَخَذَتْ مِنْهَا تَمَامَ مَا أَقَرَّتْ لَهَا بِهِ ، وَرَدَّتْ عَلَى الْبَاقِيَتَيْنِ مَا أَخَذَتْهُ مِمَّا لَا تَسْتَحِقُّهُ وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ .\rوَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى : يُؤْخَذُ لَهَا مِنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ مَا أَقَرَّتْ لَهَا بِهِ .\rوَإِذَا بَلَغَتْ فَصَدَّقَتْ إحْدَاهُنَّ ، أَمْسَكَتْ مَا أُخِذَ لَهَا مِنْهَا ، وَرَدَّتْ عَلَى الْبَاقِيَتَيْنِ الْفَضْلَ الَّذِي لَا تَسْتَحِقُّهُ عَلَيْهَا ، وَهَذَا الْقَوْلُ أَصْوَبُ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى لِأَنَّ فِيهِ احْتِيَاطًا عَلَى حَقِّهَا .\rثَلَاثَةُ إخْوَةٍ لِأَبٍ ، ادَّعَتْ امْرَأَةٌ أَنَّهَا أُخْتُ الْمَيِّتِ لِأَبِيهِ وَأُمِّهِ ، فَصَدَّقَهَا الْأَكْبَرُ ، وَقَالَ الْأَوْسَطُ : هِيَ أُخْتٌ لِأُمٍّ .\rوَقَالَ الْأَصْغَرُ : هِيَ أُخْتٌ لِأَبٍ .\rفَإِنَّ الْأَكْبَرَ يَدْفَعُ إلَيْهَا نِصْفَ مَا فِي يَدِهِ ، وَيَدْفَعُ إلَيْهَا","part":14,"page":41},{"id":6541,"text":"الْأَوْسَطُ سُدُسَ مَا فِي يَدِهِ ، وَيَدْفَعُ إلَيْهَا الْأَصْغَرُ سُبْعَ مَا فِي يَدِهِ ، وَتَصِحُّ مِنْ مِائَةٍ وَسِتَّةٍ وَعِشْرِينَ ؛ لِأَنَّ أَصْلَ مَسْأَلَتِهِمْ ثَلَاثَةٌ ، فَمَسْأَلَةُ الْأَكْبَرِ مِنْ اثْنَيْنِ ، وَالثَّانِي مِنْ سِتَّةٍ ، وَالثَّالِثِ مِنْ سَبْعَةٍ ، وَالِاثْنَانِ تَدْخُلُ فِي السِّتَّةِ ، فَتَضْرِبُ سِتَّةً ، فِي سَبْعَةٍ ، تَكُنْ اثْنَيْنِ وَأَرْبَعِينَ ، فَهَذَا مَا فِي يَدِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فَتَأْخُذُ مِنْ الْأَكْبَرِ نِصْفَهُ أَحَدًا وَعِشْرِينَ ، وَمِنْ الْأَوْسَطِ سُدُسَهُ سَبْعَةً ، وَمِنْ الْأَصْغَرِ سُبْعَهُ سِتَّةً ، صَارَ لَهَا أَرْبَعَةٌ وَثَلَاثُونَ .\rوَهَذَا قِيَاسُ قَوْلِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى وَفِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ تَأْخُذُ سُبُعَ مَا فِي يَدِ الْأَصْغَرِ ، فَيُضَمُّ نِصْفُهُ إلَى مَا بِيَدِ أَحَدِهِمَا ، وَنِصْفُهُ إلَى مَا بِيَدِ الْآخَرِ ، وَيُقَاسِمُ الْأَوْسَطَ عَلَى ثَلَاثَةَ عَشَرَ ، لَهُ عَشَرَةٌ ، وَلَهَا ثَلَاثَةٌ ، فَيَضُمُّ الثَّلَاثَةَ إلَى مَا بِيَدِ الْأَكْبَرِ ، وَيُقَاسِمُهُ مَا بِيَدِهِ عَلَى أَرْبَعَةٍ ، لَهَا ثَلَاثَةٌ ، وَلَهُ سَهْمٌ ، فَاجْعَلْ فِي يَدِ الْأَصْغَرِ أَرْبَعَةَ عَشَرَ ؛ لِيَكُونَ لِسُبْعِهِ نِصْفٌ صَحِيحٌ ، وَاضْرِبْهَا فِي ثَلَاثَةَ عَشَرَ ، تَكُنْ مِائَةً وَاثْنَيْنِ وَثَمَانِينَ ، فَهَذَا مَا بِيَدِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ، تَأْخُذُ مِنْ الْأَصْغَرِ سُبْعَهُ ، وَهُوَ سِتَّةٌ وَعِشْرُونَ .\rتُضَمُّ إلَى مَا بِيَدِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ إخْوَتِهِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ ، فَيَصِيرُ مَعَهُ مِائَةٌ وَخَمْسَةٌ وَتِسْعُونَ ، وَتَأْخُذُ مِنْ الْأَوْسَطِ مِنْهَا ثَلَاثَةً مِنْ ثَلَاثَةَ عَشَرَ ، وَهِيَ خَمْسَةٌ وَأَرْبَعُونَ ، تَضُمُّهَا إلَى مَا بِيَدِ الْأَكْبَرِ ، يَصِيرُ مَعَهُ مِائَتَانِ وَأَرْبَعُونَ ، فَتَأْخُذُ ثَلَاثَةَ أَرْبَاعِهَا ، وَهِيَ مِائَةٌ وَثَمَانُونَ ، وَيَبْقَى لَهُ سِتُّونَ ، وَيَبْقَى لِلْأَوْسَطِ مِائَةٌ وَخَمْسُونَ ، وَلِلْأَصْغَرِ مِائَةٌ وَسِتَّةٌ وَخَمْسُونَ ، وَتَرْجِعُ بِالِاخْتِصَارِ إلَى سُدُسِهَا ، وَهُوَ أَحَدٌ وَتِسْعُونَ .","part":14,"page":42},{"id":6542,"text":"( 4938 ) فَصْلٌ : وَإِذَا خَلَّفَ ابْنًا ، فَأَقَرَّ بِأَخٍ ، ثُمَّ جَحَدَهُ ، لَمْ يُقْبَلْ جَحْدُهُ ، وَلَزِمَهُ أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ نِصْفَ مَا بِيَدِهِ .\rفَإِنْ أَقَرَّ بَعْدَ جَحْدِهِ بِآخَرَ ، احْتَمَلَ أَنْ لَا يَلْزَمَهُ لَهُ شَيْءٌ ؛ لِأَنَّهُ لَا فَضْلَ فِي يَدِهِ عَنْ مِيرَاثِهِ .\rوَهَذَا قَوْلُ ابْنِ أَبِي لَيْلَى .\rفَإِنْ كَانَ لَمْ يَدْفَعْ إلَى الْأَوَّلِ شَيْئًا ، لَزِمَهُ أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ نِصْفَ مَا بِيَدِهِ ، وَلَا يَلْزَمُهُ لِلْآخَرِ شَيْءٌ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَلْزَمَهُ دَفْعُ النِّصْفِ الْبَاقِي كُلِّهِ إلَى الثَّانِي ؛ لِأَنَّهُ فَوَّتَهُ عَلَيْهِ .\rوَهَذَا قَوْلُ زُفَرَ ، وَبَعْضِ الْبَصْرِيِّينَ .\rوَيُحْتَمَلُ أَنْ يَلْزَمَهُ ثُلُثُ مَا فِي يَدِهِ لِلثَّانِي ؛ لِأَنَّهُ الْفَضْلُ الَّذِي فِي يَدِهِ ، عَلَى تَقْدِيرِ كَوْنِهِمْ ثَلَاثَةً ، فَيَصِيرُ كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِالثَّانِي مِنْ غَيْرِ جَحْدِ الْأَوَّلِ .\rوَهَذَا أَحَدُ الْوُجُوهِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .\rوَقَالَ أَهْلُ الْعِرَاقِ إنْ كَانَ دَفَعَ إلَى الْأَوَّلِ بِقَضَاءٍ دَفَعَ إلَى الثَّانِي نِصْفَ مَا بَقِيَ فِي يَدِهِ ، وَإِنْ كَانَ دَفَعَهُ بِغَيْرِ قَضَاءٍ ، دَفَعَ إلَى الثَّانِي ثُلُثَ جَمِيعِ الْمَالِ .\rوَإِنْ خَلَّفَ ابْنَيْنِ ، فَأَقَرَّ أَحَدُهُمَا بِأَخٍ ، ثُمَّ جَحَدَهُ ، ثُمَّ أَقَرَّ بِآخَرِ ، لَمْ يَلْزَمْهُ الثَّانِي شَيْءٌ ؛ لِأَنَّهُ لَا فَضْلَ فِي يَدِهِ .\rوَعَلَى الِاحْتِمَالِ الثَّانِي يَدْفَعُ إلَيْهِ نِصْفَ مَا بَقِيَ فِي يَدِهِ .\rوَعَلَى الثَّالِثِ يَلْزَمُهُ رُبُعُ مَا بَقِيَ فِي يَدِهِ .\rوَلَا يَثْبُتُ نَسَبُ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي هَذِهِ الصُّورَةِ ، وَيَثْبُتُ نَسَبُ الْمُقَرِّ بِهِ الْأَوَّلِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى ، دُونَ الثَّانِي .","part":14,"page":43},{"id":6543,"text":"( 4939 ) فَصْلٌ : إذَا مَاتَ رَجُلٌ ، وَخَلَّفَ ابْنَيْنِ ، فَمَاتَ أَحَدُهُمَا ، وَتَرَكَ بِنْتًا ، فَأَقَرَّ الْبَاقِي بِأَخٍ لَهُ مِنْ أَبِيهِ ، فَفِي يَدِهِ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الْمَالِ ، وَهُوَ يَزْعُمُ أَنَّ لَهُ رُبُعًا ، وَسُدُسًا ، فَيَفْضُلُ فِي يَدِهِ ثُلُثٌ يَرُدُّهُ عَلَى الْمُقَرِّ بِهِ .\rوَإِنْ أَقَرَّتْ بِهِ الْبِنْتُ وَحْدَهَا ، فَفِي يَدِهَا الرُّبُعُ ، وَهِيَ تَزْعُمُ أَنَّ لَهَا السُّدُسَ ، يَفْضُلُ فِي يَدِهَا نِصْفُ السُّدُسِ ، تَدْفَعُهُ إلَى الْمُقَرِّ لَهُ .\rوَهَذَا قَوْلُ ابْنِ أَبِي لَيْلَى وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إنْ أَقَرَّ الْأَخُ ، دَفَعَ إلَيْهِ نِصْفَ مَا فِي يَدِهِ ، وَإِنْ أَقَرَّتْ الْبِنْتُ ، دَفَعَتْ إلَيْهِ خَمْسَةَ أَسْبَاعِ مَا فِي يَدِهَا ؛ لِأَنَّهَا تَزْعُمُ أَنَّ لَهُ رُبُعًا ، وَسُدُسًا ، وَهُوَ خَمْسَةٌ مِنْ اثْنَيْ عَشَرَ ، وَلَهَا السُّدُسُ ، وَهُوَ سَهْمَانِ ، فَيَصِيرُ الْجَمِيعُ سَبْعَةً ، لَهَا مِنْهُمَا سَهْمَانِ ، وَلَهُ خَمْسَةٌ .\rبِنْتَانِ وَعَمٌّ ، مَاتَتْ إحْدَاهُمَا ، وَخَلَّفَتْ ابْنًا وَبِنْتًا ، فَأَقَرَّتْ ، الْبِنْتُ بِخَالَةٍ ، فَفَرِيضَةُ الْإِنْكَارِ مِنْ تِسْعَةٍ ، وَفَرِيضَةُ الْإِقْرَارِ مِنْ سَبْعَةٍ وَعِشْرِينَ ، وَلَهَا مِنْهُمَا سَهْمَانِ ، وَفِي يَدِهَا ثَلَاثَةٌ ، فَتَدْفَعُ إلَيْهَا سَهْمًا ، وَإِنْ أَقَرَّ بِهَا الِابْنُ دَفَعَ إلَيْهَا سَهْمَيْنِ ، وَإِنْ أَقَرَّتْ بِهَا الْبِنْتُ الْبَاقِيَةُ دَفَعَتْ إلَيْهَا التُّسْعَ ، وَإِنْ أَقَرَّ بِهَا الْعَمُّ لَمْ يَدْفَعْ إلَيْهَا شَيْئًا .\rوَإِنْ أَقَرَّ الِابْنُ بِخَالٍ لَهُ ، فَمَسْأَلَةُ الْإِقْرَارِ مِنْ اثْنَيْ عَشَرَ ، لَهُ مِنْهَا سَهْمَانِ ، وَهُمَا السُّدُسُ ، يَفْضُلُ فِي يَدِهِ نِصْفُ تُسْعٍ .\rوَإِنْ أَقَرَّتْ بِهِ أُخْتُهُ دَفَعَتْ إلَيْهِ رُبُعَ تُسْعٍ ، فَإِنْ أَقَرَّتْ بِهِ الْبِنْتُ الْبَاقِيَةُ فَلَهَا الرُّبُعُ ، وَفِي يَدِهَا الثُّلُثُ ، فَتَدْفَعُ إلَيْهِ نِصْفَ السُّدُسِ ، وَإِنْ أَقَرَّ بِهِ الْعَمُّ دَفَعَ إلَيْهِ جَمِيعَ مَا فِي يَدِهِ .\rابْنَانِ ، مَاتَ أَحَدُهُمَا عَنْ بِنْتٍ ، ثُمَّ أَقَرَّ الْبَاقِي مِنْهُمَا بِأُمٍّ لِأَبِيهِ ، فَفَرِيضَةُ الْإِنْكَارِ مِنْ أَرْبَعَةٍ ، لِلْمُقِرِّ مِنْهَا ثَلَاثَةُ","part":14,"page":44},{"id":6544,"text":"أَرْبَاعِهَا ، وَفَرِيضَةُ الْإِقْرَارِ مِنْ اثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ ، لِلْمُقِرِّ مِنْهَا أَرْبَعُونَ ، يَفْضُلُ فِي يَدِهِ أَرْبَعَةَ عَشَرَ سَهْمًا ، يَدْفَعُهَا إلَى الْمَرْأَةِ الَّتِي أَقَرَّ لَهَا ، وَتَرْجِعُ بِالِاخْتِصَارِ إلَى سِتَّةٍ وَثَلَاثِينَ ؛ لِلْمُقِرِّ مِنْهَا عِشْرُونَ ، وَلِلْبِنْتِ تِسْعَةٌ ، وَلِلْمُقَرِّ لَهَا سَبْعَةٌ .\rوَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ تُعْمَلُ كَذَلِكَ ، إلَّا أَنَّهُ يَجْمَعُ سِهَامَ الْأُمِّ ، وَهِيَ سَبْعَةَ عَشَرَ ، إلَى سِهَامِ الْمُقِرِّ ، وَهِيَ أَرْبَعُونَ ، فَتَقْسِمُ عَلَيْهَا ثَلَاثَةَ أَرْبَاعِ الْمَالِ ، فَمَا أَصَابَ كُلَّ وَاحِدٍ فَهُوَ لَهُ فَتَضْرِبُ سَبْعَةً وَخَمْسِينَ فِي أَرْبَعَةٍ ، تَكُنْ مِائَتَيْنِ وَثَمَانِيَةً وَعِشْرِينَ فَلِلْبِنْتِ سَهْمٌ فِي سَبْعَةٍ وَخَمْسِينَ ، وَلِلْمُقِرِّ أَرْبَعُونَ فِي ثَلَاثَةٍ ، تَكُنْ مِائَةً وَعِشْرِينَ ، وَلِلْأُمِّ سَبْعَةَ عَشَرَ فِي ثَلَاثَةٍ أَحَدٌ وَخَمْسُونَ .\rوَإِنْ أَقَرَّتْ بِهَا الْبِنْتُ ، فَلَهَا مِنْ فَرِيضَةِ الْإِقْرَارِ خَمْسَةَ عَشَرَ سَهْمًا ، وَفِي يَدِهَا الرُّبُعُ ، وَهُوَ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ ، يَفْضُلُ فِي يَدِهَا ثَلَاثَةٌ ، تَدْفَعُهَا إلَى الْمُقَرِّ لَهَا .\rوَإِنْ أَقَرَّ الِابْنُ بِزَوْجَةٍ لِأَبِيهِ ، وَهِيَ أُمُّ الْمَيِّتِ الثَّانِي ، فَمَسْأَلَةُ الْإِقْرَارِ مِنْ سِتَّةٍ وَتِسْعِينَ ، لَهُ مِنْهَا سِتَّةٌ وَخَمْسُونَ ، وَفِي يَدِهِ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعٍ ، يَفْضُلُ مَعَهُ سِتَّةَ عَشَرَ سَهْمًا ، يَدْفَعُهَا إلَى الْمُقَرِّ لَهَا ، وَيَكُونُ لَهُ سِتَّةٌ وَخَمْسُونَ ، وَلَهَا سِتَّةَ عَشَرَ ، وَلِلْبِنْتِ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ ، وَتَرْجِعُ بِالِاخْتِصَارِ إلَى اثْنَيْ عَشَرَ ؛ لِأَنَّ سِهَامَهُمْ كُلَّهَا تَتَّفِقُ بِالْأَثْمَانِ ، فَيَكُونُ لِلْمُقِرِّ سَبْعَةٌ ، وَلِلْمُقَرِّ لَهَا سَهْمَانِ ، وَلِلْبِنْتِ ثَلَاثَةٌ وَفِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ : يُضَمُّ سِهَامُ الْمُقَرِّ لَهَا ، وَهِيَ تِسْعَةَ عَشَرَ إلَى سِهَامِ الْمُقِرِّ ، فَتَكُونُ خَمْسَةً وَسَبْعِينَ ، وَتُقْسَمَ عَلَيْهَا ثَلَاثَةُ الْأَرْبَاعِ ، وَهُمَا يَتَّفِقَانِ بِالْأَثْلَاثِ ، فَتَرْجِعُ السِّهَامُ إلَى ثُلُثِهَا خَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ ، تَضْرِبُهَا فِي أَرْبَعَةٍ ، تَكُنْ","part":14,"page":45},{"id":6545,"text":"مِائَةً ، لِلْبِنْتِ سَهْمٌ فِي خَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ ، وَلِلْمَرْأَةِ تِسْعَةَ عَشَرَ فِي سَهْمٍ ، وَلِلْمُقِرِّ سِتَّةٌ وَخَمْسُونَ ، وَمَا جَاءَ مِنْ هَذَا الْبَابِ فَهَذَا طَرِيقٌ لَهُ .\rأَبَوَانِ وَابْنَتَانِ ، اقْتَسَمُوا التَّرِكَةَ ، ثُمَّ أَقَرُّوا بِبِنْتٍ لِلْمَيِّتِ ، فَقَالَتْ : قَدْ اسْتَوْفَيْت نَصِيبِي مِنْ تَرِكَةِ أَبِي فَالْفَرِيضَةُ فِي الْإِقْرَارِ مِنْ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ ؛ لِلْأَبَوَيْنِ سِتَّةٌ ، وَلِكُلِّ بِنْتٍ أَرْبَعَةٌ ، فَأَسْقِطْ مِنْهَا نَصِيبَ الْبِنْتِ الْمُقَرِّ بِهَا ، يَبْقَى أَرْبَعَةَ عَشَرَ ؛ لِلْأَبَوَيْنِ مِنْهَا سِتَّةٌ وَإِنَّمَا أَخَذَا ثُلُثَ الْأَرْبَعَةَ عَشَرَ ، وَذَلِكَ أَرْبَعَةُ أَسْهُمٍ وَثُلُثَا سَهْمٍ ، فَيَبْقَى لَهُمَا فِي يَدِ الْبِنْتَيْنِ سَهْمٌ وَثُلُثٌ ، يَأْخُذَانِهَا مِنْهَا ، فَاضْرِبْ ثَلَاثَةً فِي أَرْبَعَةَ عَشَرَ ، تَكُنْ اثْنَيْنِ وَأَرْبَعِينَ ، فَقَدْ أَخَذَ الْأَبَوَانِ أَرْبَعَةَ عَشَرَ ، وَهُمَا يَسْتَحِقَّانِ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ ، يَبْقَى لَهُمَا أَرْبَعَةٌ ، يَأْخُذَانِهَا مِنْهُمَا ، وَيَبْقَى لِلِابْنَتَيْنِ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ وَإِنْ قَالَتْ : قَدْ اسْتَوْفَيْت نِصْفَ نَصِيبِي فَأَسْقِطْ سَهْمَيْنِ مِنْ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ ، يَبْقَى سِتَّةَ عَشَرَ ، قَدْ أَخَذَا ثُلُثَهَا ، خَمْسَةً وَثُلُثًا ، خَمْسَةً وَثُلُثًا وَيَبْقَى لَهُمَا ثُلُثَا سَهْمٍ ، فَإِذَا ضَرَبَتْهَا فِي ثَلَاثَةٍ كَانَتْ ثَمَانِيَةً وَأَرْبَعِينَ ، قَدْ أَخَذَا مِنْهَا سِتَّةَ عَشَرَ ، يَبْقَى لَهُمَا سَهْمَانِ .","part":14,"page":46},{"id":6546,"text":"( 4940 ) فَصْلٌ : إذَا أَقَرَّ بَعْضُ الْوَرَثَةِ مِمَّنْ أُعِيلَتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ بِمَنْ يَعْصِبُهُ ، فَيَذْهَبُ الْعَوْلُ ، مِثْلُ مَسْأَلَةٍ فِيهَا زَوْجٌ وَأُخْتَانِ ، أَقَرَّتْ إحْدَاهُمَا بِأَخٍ لَهَا ، فَاضْرِبْ مَسْأَلَةَ الْإِقْرَارِ ، وَهِيَ ثَمَانِيَةٌ ، فِي مَسْأَلَةِ الْإِنْكَارِ ، وَهِيَ سَبْعَةٌ ، تَكُنْ سِتَّةً ، وَخَمْسِينَ ؛ لِلْمُنْكِرَةِ سَهْمَانِ ، فِي مَسْأَلَةِ الْإِقْرَارِ سِتَّةَ عَشَرَ ، وَلِلْمُقِرَّةِ سَهْمٌ فِي مَسْأَلَةِ الْإِنْكَارِ سَبْعَةٌ ، يَفْضُلُ فِي يَدِهَا تِسْعَةُ أَسْهُمٍ ، فَيُسْأَلُ الزَّوْجُ ، فَإِنْ أَنْكَرَ أُعْطِيَ ثَلَاثَةً فِي ثَمَانِيَةٍ ، أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ ، وَدَفَعَتْ الْمُقِرَّةُ إلَى الْمُقَرِّ لَهُ مَا فَضَلَ فِي يَدِهَا كُلِّهِ ، وَإِنْ أَقَرَّ الزَّوْجُ بِهِ فَهُوَ يَدَّعِي أَرْبَعَةً ، وَالْأَخُ يَدَّعِي أَرْبَعَةَ عَشَرَ ، فَتَجْمَعُهَا تَكُنْ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ ، وَتَقْسِمُ عَلَيْهَا التِّسْعَةَ .\rفَتَدْفَعُ إلَى الزَّوْجِ سَهْمَيْنِ ، وَإِلَى الْأَخِ سَبْعَةً ، فَإِنْ أَقَرَّتْ الْأُخْتَانِ بِهِ ، وَأَنْكَرَ الزَّوْجُ ، وَهُوَ يُنْكِرُهَا ، فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ ؛ أَحَدُهَا ، أَنْ تُقِرَّ فِي يَدِ مَنْ هِيَ فِي يَدِهِ ؛ لِأَنَّ إقْرَارَهُ بَطَلَ لِعَدَمِ تَصْدِيقِ الْمُقَرِّ لَهُ .\rوَالثَّانِي ، يَصْطَلِحُ عَلَيْهَا الزَّوْجُ وَالْأُخْتَانِ ، لَهُ نِصْفُهَا ، وَلَهُمَا نِصْفُهَا ؛ لِأَنَّهَا لَا تَخْرُجُ عَنْهُمْ ، وَلَا شَيْءَ فِيهَا لِلْأَخِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لَهُ فِيهَا شَيْءٌ بِحَالٍ .\rالثَّالِثُ ، يُؤْخَذُ إلَى بَيْتِ الْمَالِ ؛ لِأَنَّهُ مَالٌ لَمْ يَثْبُتْ لَهُ مَالِكٌ .\rوَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى ، إنْ أَنْكَرَ الزَّوْجُ ، أَخَذَتْ الْمُقِرَّةُ سَهْمَيْهَا مِنْ سَبْعَةٍ فَتَقْسِمُهَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ أُخْتِهَا عَلَى ثَلَاثَةٍ ، فَتَضْرِبُ ثَلَاثَةً فِي سَبْعَةٍ ، تَكُونُ إحْدَى وَعِشْرِينَ ، لَهُمَا مِنْهَا سِتَّةٌ ، لَهَا سَهْمَانِ ، وَلِأُخْتِهَا أَرْبَعَةٌ .\rوَإِنْ أَقَرَّ الزَّوْجُ ضُمَّ سِهَامُهُ إلَى سَهْمَيْهِمَا ، تَكُونُ خَمْسَةً ، وَاقْتَسَمَاهَا بَيْنَهُمْ عَلَى سَبْعَةٍ ؛ لِلزَّوْجِ أَرْبَعَةٌ ،","part":14,"page":47},{"id":6547,"text":"وَلِلْأَخِ سَهْمَانِ ، وَلِلْأُخْتِ سَهْمٌ ، ثُمَّ تَضْرِبُ سَبْعَةً فِي سَبْعَةٍ ، تَكُنْ تِسْعَةً وَأَرْبَعِينَ ، وَمِنْهَا تَصِحُّ ؛ لِلْمُنْكِرَةِ سَهْمَانِ فِي سَبْعَةٍ ، أَرْبَعَةَ عَشَرَ ، وَلِلزَّوْجِ أَرْبَعَةٌ فِي خَمْسَةٍ ، وَلِلْأَخِ سَهْمَانِ فِي خَمْسَةٍ ، وَلِلْمُقِرَّةِ سَهْمٌ فِي خَمْسَةٍ فَإِنْ خَلَّفَتْ أُمًّا وَزَوْجًا ، وَأُخْتًا مِنْ أَبٍ ، فَأَقَرَّتْ الْأُخْتُ بِأَخٍ لَهَا ، فَمَسْأَلَةُ الْإِنْكَارِ مِنْ ثَمَانِيَةٍ ، وَمَسْأَلَةُ الْإِقْرَارِ مِنْ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ ، وَيَتَّفِقَانِ بِالْأَنْصَافِ ، فَاضْرِبْ نِصْفَ إحْدَاهُمَا فِي الْأُخْرَى ، تَكُنْ اثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ ؛ لِلْأُمِّ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ ، وَفِي يَدِ الْمُقِرَّةِ سَبْعَةٌ وَعِشْرُونَ ، وَلَهَا مِنْ مَسْأَلَةِ الْإِقْرَارِ ثَمَانِيَةٌ ، يَفْضُلُ فِي يَدِهَا تِسْعَةَ عَشَرَ ، فَيُسْأَلُ الزَّوْجُ ، فَإِنْ أَنْكَرَ أَخَذَ الْأَخُ سِتَّةَ عَشَرَ ، وَبَقِيَتْ ثَلَاثَةُ أَسْهُمٍ ، فِيهَا الْأَوْجُهُ الثَّلَاثَةُ ، وَإِنْ أَقَرَّ فَهُوَ يَدَّعِي تِسْعَةً ؛ لِأَنَّهُ يَدَّعِي تَمَامَ النِّصْفِ ، وَالْأَخُ يَدَّعِي سِتَّةَ عَشَرَ ، فَتَضُمُّ التِّسْعَةَ إلَى السِّتَّةَ عَشَرَ .\rتَكُونُ خَمْسَةً وَعِشْرِينَ ، وَالتِّسْعَةَ عَشَرَ لَا تُوَافِقُهَا ، فَتَضْرِبُ خَمْسَةً وَعِشْرِينَ ، فِي اثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ ، تَكُونُ أَلْفًا وَثَمَانِمِائَةٍ ، ثُمَّ كُلُّ مَنْ لَهُ شَيْءٌ مِنْ اثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ ، مَضْرُوبٌ فِي خَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ ، وَمَنْ لَهُ شَيْءٌ مِنْ خَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ ، مَضْرُوبٌ فِي تِسْعَةَ عَشَرَ .\rوَسُئِلَ الْمُغِيرَةُ الضَّبِّيُّ عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ، فَأَجَابَ بِهَذَا ، وَذَكَرَ أَنَّهُ قَوْلُ النَّخَعِيِّ .\rقَالَ يَحْيَى بْنُ آدَمَ : وَهِيَ فِي قَوْلِ حَمَّادٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ ؛ مِنْ عِشْرِينَ سَهْمًا .\rيَعْنِي لِلْأُمِّ رُبُعُهَا خَمْسَةٌ ، وَالْبَاقِي بَيْنَ الزَّوْجِ وَالْأَخِ ، وَالْأُخْتِ ، عَلَى قَدْرِ سِهَامِهِمْ مِنْ فَرِيضَةِ الْإِقْرَارِ ، لِلزَّوْجِ تِسْعَةٌ ، وَلِلْأَخِ أَرْبَعَةٌ ، وَلِلْأُخْتِ سَهْمَانِ وَإِنْ صَدَّقَتْهَا الْأُمُّ وَحْدَهَا دُونَ الزَّوْجِ ، أُعْطِيت الْأُمُّ السُّدُسَ ، وَالْأَخُ وَالْأُخْتُ الثُّلُثَ بَيْنَهُمَا عَلَى","part":14,"page":48},{"id":6548,"text":"ثَلَاثَةٍ ، وَلِلزَّوْجِ ثَلَاثَةُ أَثْمَانٍ ، وَيَبْقَى الثُّمُنُ فِيهِ الْأَوْجُهُ الثَّلَاثَةُ .","part":14,"page":49},{"id":6549,"text":"( 4941 ) فَصْلٌ : وَإِنْ أَقَرَّ وَارِثٌ بِمَنْ لَا يَرِثُ ، وَيَسْقُطُ بِهِ مِيرَاثُهُ ، كَأُخْتٍ مِنْ أَبٍ أَقَرَّتْ بِأَخٍ لَهَا ، فِي مَسْأَلَةٍ فِيهَا زَوْجٌ وَأُخْتٌ مِنْ أَبَوَيْنِ ، أَوْ أَقَرَّتْ بِأَخٍ مِنْ أَبَوَيْنِ ، سَقَطَ مِيرَاثُهَا ، وَيُقَسَّمُ الْمَالُ بَيْنَ الزَّوْجِ وَالْأُخْتِ نِصْفَيْنِ ، إنْ صَدَّقَاهَا فِي الصُّورَةِ الْأُولَى ، وَفِي الثَّانِيَةِ ، لِلزَّوْجِ النِّصْفُ ، وَالْبَاقِي بَيْنَ الْأَخِ وَالْأُخْتِ عَلَى ثَلَاثَةٍ ، وَإِنْ كَذَّبَاهَا ، فَالْمُقَرُّ بِهِ هُوَ السَّبُعُ ، فَفِيهِ الْأَوْجُهُ الثَّلَاثَةُ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى ، وَيَدْفَعُ إلَى الْأَبَوَيْنِ فِي الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ .\rوَإِنْ خَلَّفَتْ زَوْجًا وَأُمًّا وَأُخْتَيْنِ لِأُمٍّ وَأُخْتَيْنِ لِأَبٍ ، فَأَقَرَّتْ إحْدَاهُمَا بِأَخٍ لَهَا ، سَقَطَ مِيرَاثُهَا ، وَلَا شَيْءَ لِلْأَخِ .\rوَلِلْأُخْرَى خُمُسُ الْمَالِ ، وَالْبَاقِي بَيْنَ سَائِرِ الْوَرَثَةِ عَلَى سِتَّةٍ ، إنْ أَقَرُّوا فَاضْرِبْ سِتَّةً فِي خَمْسَةٍ ، تَكُنْ ثَلَاثِينَ ، وَإِنْ أَنْكَرَتْ الْأُمُّ ، فَلَهَا الْعُشْرُ أَيْضًا ، وَالْبَاقِي بَيْنَ الزَّوْجِ وَالْأُخْتَيْنِ مِنْ الْأُمِّ عَلَى خَمْسَةٍ ، وَإِنْ أَنْكَرَتْهُ الْأُخْتَانِ مِنْ الْأُمِّ ، فَلَهُمَا الْخُمُسُ أَيْضًا ، وَالْبَاقِي كُلُّهُ لِلزَّوْجِ ، وَتَصِحُّ مِنْ عَشَرَةٍ ، وَإِنْ أَنْكَرَهُ الزَّوْجُ فَلَهُ خُمُسٌ وَعُشْرٌ ، فَيَبْقَى خُمُسُ الْمَالِ ، لَا يَدَّعِيهِ أَحَدٌ ، يُقِرُّونَ بِهِ لِلْأُخْتِ الْمُقِرَّةِ ، وَهِيَ تُقِرُّ بِهِ لَهُمْ ، فَفِيهِ الْأَوْجُهُ الثَّلَاثَةُ ، إلَّا أَنَّنَا إذَا قُلْنَا : يُقَسَّمُ بَيْنَهُمْ فَلَا شَيْءَ فِيهِ لِلْأُخْتِ الْمُنْكِرَةِ ، وَلَا لِلْمُقَرِّ بِهِ بِحَالٍ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لَهُمَا شَيْءٌ بِحَالٍ .","part":14,"page":50},{"id":6550,"text":"( 4942 ) فَصْلٌ : امْرَأَةٌ وَعَمٌّ وَوَصِيٌّ لِرَجُلٍ بِثُلُثِ مَالِهِ ، فَأَقَرَّتْ الْمَرْأَةُ وَالْعَمُّ ، أَنَّهُ أَخُو الْمَيِّتِ ، وَصَدَّقَهُمَا ، ثَبَتَ نَسَبُهُ ، وَأَخَذَ مِيرَاثَهُ .\rوَإِنْ أَقَرَّتْ بِهِ الْمَرْأَةُ وَحْدَهَا ، فَلَمْ يُصَدِّقْهَا الْمُقَرُّ بِهِ ، لَمْ يُؤَثِّرْ إقْرَارُهَا شَيْئًا ، وَإِنْ صَدَّقَهَا الْأَخُ وَحْدَهُ ، فَلِلْمَرْأَةِ الرُّبُعُ بِكَمَالِهِ ، إلَّا أَنْ يُجِيزَ الْوَصِيَّةَ ، وَلِلْعَمِّ النِّصْفُ ، وَيَبْقَى ، الرُّبُعُ يُدْفَعُ إلَى الْوَصِيِّ ، وَإِنْ صَدَّقَهَا الْعَمُّ ، وَلَمْ يُصَدِّقْهَا الْوَصِيُّ ، فَلَهُ الثُّلُثُ ، وَلِلْمَرْأَةِ الرُّبُعُ وَالْبَاقِي يُقِرُّ بِهِ الْعَمُّ لِمَنْ لَا يَدَّعِيهِ ، فَفِيهِ الْأَوْجُهُ الثَّلَاثَةُ وَإِنْ أَقَرَّ بِهِ الْعَمُّ وَحْدَهُ ، فَصَدَّقَهُ الْمُوصَى لَهُ ، أَخَذَ مِيرَاثَهُ ، وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الْمَالِ ، وَلِلْمَرْأَةِ السُّدُسُ ، وَيَبْقَى نِصْفُ السُّدُسِ ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لَهَا ؛ لِأَنَّ الْمُوصَى لَهُ يَعْتَرِفُ بِبُطْلَانِ الْوَصِيَّةِ ، أَوْ وُقُوفِهَا عَلَى إجَازَةِ الْمَرْأَةِ وَلَمْ تُجِزْهَا ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فِيهِ الْأَوْجُهُ الثَّلَاثَةُ ، وَإِنْ لَمْ يُصَدِّقْهُ ، أَخَذَ الثُّلُثَ بِالْوَصِيَّةِ ، وَالْمَرْأَةُ السُّدُسَ بِالْمِيرَاثِ ، وَيَبْقَى النِّصْفُ فِيهِ الْأَوْجُهُ الثَّلَاثَةُ .","part":14,"page":51},{"id":6551,"text":"( 4943 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَالْقَاتِلُ لَا يَرِثُ الْمَقْتُولَ ، عَمْدًا كَانَ الْقَتْلُ أَوْ خَطَأً ) أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ قَاتِلَ الْعَمْدِ لَا يَرِثُ مِنْ الْمَقْتُولِ شَيْئًا ، إلَّا مَا حُكِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَابْنِ جُبَيْرٍ ، إنَّهُمَا وَرَّثَاهُ ، وَهُوَ رَأْيُ الْخَوَارِجِ ؛ لِأَنَّ آيَةَ الْمِيرَاثِ تَتَنَاوَلُهُ بِعُمُومِهَا ، فَيَجِبُ الْعَمَلُ بِهَا فِيهِ ، وَلَا تَعْوِيلَ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ ؛ لِشُذُوذِهِ ، وَقِيَامِ الدَّلِيلِ عَلَى خِلَافِهِ .\rفَإِنَّ عُمَرَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَعْطَى دِيَةَ ابْنِ قَتَادَةَ الْمَذْحِجِيِّ لِأَخِيهِ دُونَ أَبِيهِ ، وَكَانَ حَذَفَهُ بِسَيْفِهِ فَقَتَلَهُ وَاشْتَهَرَتْ هَذِهِ الْقِصَّةُ بَيْنَ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، فَلَمْ تُنْكَرْ ، فَكَانَتْ إجْمَاعًا ، وَقَالَ عُمَرُ : سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : { لَيْسَ لِلْقَاتِلِ شَيْءٌ } رَوَاهُ مَالِكٌ فِي مُوَطَّئِهِ ، وَالْإِمَامُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادِهِ .\rوَرَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحْوَهُ .\rرَوَاهُ ابْنُ اللَّبَّانِ بِإِسْنَادِهِ ، وَرَوَاهُمَا ابْنُ عُبِدَ الْبَرِّ فِي \" كِتَابِهِ \" .\rوَرَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَإِنَّهُ لَا يَرِثُهُ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ غَيْرَهُ ، وَإِنْ كَانَ وَالِدَهُ أَوْ وَلَدَهُ ، فَلَيْسَ لِقَاتِلٍ مِيرَاثٌ } رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادِهِ ، وَلِأَنَّ تَوْرِيثَ الْقَاتِلِ يُفْضِي إلَى تَكْثِيرِ الْقَتْلِ ؛ لِأَنَّ الْوَارِثَ رُبَّمَا اسْتَعْجَلَ مَوْتَ مَوْرُوثِهِ ، لِيَأْخُذَ مَالَهُ ، كَمَا فَعَلَ الْإِسْرَائِيلِيُّ الَّذِي قَتَلَ عَمَّهُ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ قِصَّةَ الْبَقَرَةِ .\rوَقِيلَ : مَا وُرِّثَ قَاتِلٌ بَعْدَ عَامِيلٍ ، وَهُوَ اسْمُ الْقَتِيلِ .\rفَأَمَّا الْقَتْلُ خَطَأً ، فَذَهَبَ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ إلَى أَنَّهُ لَا يَرِثُ أَيْضًا .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ وَيُرْوَى ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ ، وَعَلِيٍّ","part":14,"page":52},{"id":6552,"text":"، وَزَيْدٍ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ، وَرُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .\rوَبِهِ قَالَ شُرَيْحٌ ، وَعُرْوَةُ ، وَطَاوُسٌ وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَشَرِيكٌ ، وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ ، وَوَكِيعٌ ، وَالشَّافِعِيُّ وَيَحْيَى بْنُ آدَمَ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَوَرَّثَهُ قَوْمٌ مِنْ الْمَالِ دُونَ الدِّيَةِ وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، وَعَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، وَعَطَاءٍ ، وَالْحَسَنِ ، وَمُجَاهِدٍ ، وَالزُّهْرِيِّ ، وَمَكْحُولٍ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَابْنِ أَبِي ذِئْبٍ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ ، وَدَاوُد .\rوَرُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ عَلِيٍّ ؛ لِأَنَّ مِيرَاثَهُ ثَابِتٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ، تَخَصَّصَ قَاتِلُ الْعَمْدِ بِالْإِجْمَاعِ ، فَوَجَبَ الْبَقَاءُ عَلَى الظَّاهِرِ فِيمَا سِوَاهُ .\rوَلَنَا ؛ الْأَحَادِيثُ الْمَذْكُورَةُ ، وَلِأَنَّ مَنْ لَا يَرِثُ مِنْ الدِّيَةِ لَا يَرِثُ مِنْ غَيْرِهَا ، كَقَاتِلِ الْعَمْدِ ، وَالْمُخَالِفِ فِي الدِّينِ ، وَالْعُمُومَاتُ مُخَصَّصَةٌ بِمَا ذَكَرْنَاهُ .","part":14,"page":53},{"id":6553,"text":"( 4944 ) فَصْلٌ : وَالْقَتْلُ الْمَانِعُ مِنْ الْإِرْثِ هُوَ الْقَتْلُ بِغَيْرِ حَقٍّ ، وَهُوَ الْمَضْمُونُ بِقَوَدٍ ، أَوْ دِيَةٍ ، أَوْ كَفَّارَةٍ كَالْعَمْدِ ، وَشِبْهِ الْعَمْدِ ، وَالْخَطَأِ ، وَمَا جَرَى مَجْرَى الْخَطَأِ ؛ كَالْقَتْلِ بِالسَّبَبِ ، وَقَتْلِ الصَّبِيِّ ، وَالْمَجْنُونِ ، وَالنَّائِمِ ، وَمَا لَيْسَ بِمَضْمُونٍ بِشَيْءٍ مِمَّا ذَكَرْنَا لَمْ يَمْنَعْ الْمِيرَاثَ ؛ كَالْقَتْلِ قِصَاصًا أَوْ حَدًّا ، أَوْ دَفْعًا عَنْ نَفْسِهِ ، وَقَتْلِ الْعَادِلِ الْبَاغِي ، أَوْ مَنْ قَصَدَ مَصْلَحَةَ مُوَلِّيهِ بِمَا لَهُ فِعْلُهُ ؛ مِنْ سَقْيِ دَوَاءٍ ، أَوْ رَبْطِ جِرَاحٍ ، فَمَاتَ وَمَنْ أَمَرَهُ إنْسَانٌ عَاقِلٌ كَبِيرٌ بِبَطِّ خَرَاجِهِ ، أَوْ قَطْعِ سِلْعَةٍ مِنْهُ ، فَتَلِفَ بِذَلِكَ ، وَرِثَهُ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ .\rقَالَ أَحْمَدُ : إذَا قَتَلَ الْعَادِلُ الْبَاغِيَ فِي الْحَرْبِ يَرِثُهُ .\rوَنَقَلَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَكَمِ عَنْ أَحْمَدَ ، فِي أَرْبَعَةٍ شَهِدُوا عَلَى أُخْتِهِمْ بِالزِّنَا ، فَرُجِمَتْ ، فَرَجَمُوا مَعَ النَّاسِ : يَرِثُونَهَا هُمْ غَيْرُ قَتَلَةٍ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ ، رِوَايَةٌ أُخْرَى ، تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْقَتْلَ يَمْنَعُ الْمِيرَاثَ بِكُلِّ حَالٍ ، فَإِنَّهُ قَالَ ، فِي رِوَايَةِ ابْنَيْهِ صَالِحٍ ، وَعَبْدِ اللَّهِ : لَا يَرِثُ الْعَادِلُ الْبَاغِيَ ، وَلَا يَرِثُ الْبَاغِي الْعَادِلَ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْقَتْلَ يَمْنَعُ الْمِيرَاثَ بِكُلِّ حَالٍ .\rوَهَذَا ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ ، أَخْذًا بِظَاهِرِ لَفْظِ الْحَدِيثِ ، وَلِأَنَّهُ قَاتِلٌ ، فَأَشْبَهَ الصَّبِيَّ ، وَالْمَجْنُونَ وَالنَّائِمَ ، وَالسَّاقِطَ عَلَى إنْسَانٍ مِنْ غَيْرِ اخْتِيَارٍ مِنْهُ ، وَسَائِقَ الدَّابَّةِ ، وَقَائِدَهَا ، وَرَاكِبَهَا ، إذَا قَتَلَتْ بِيَدِهَا ، أَوْ فِيهَا ، فَإِنَّهُ يَرِثُهُ ؛ لِأَنَّهُ قَتْلٌ غَيْرُ مُتَّهَمٍ فِيهِ ، وَلَا مَأْثَمَ فِيهِ ، فَأَشْبَهَ الْقَتْلَ فِي الْحَدِّ .\rوَلَنَا ، عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ عُمُومُ الْأَخْبَارِ ، خَصَّصْنَا مِنْهَا الْقَتْلَ الَّذِي لَا يُضْمَنُ ، فَفِيمَا عَدَاهُ يَبْقَى عَلَى مُقْتَضَاهَا ، وَلِأَنَّهُ قَتْلٌ مَضْمُونٌ فَيَمْنَعُ الْمِيرَاثَ كَالْخَطَأِ وَلَنَا ، عَلَى","part":14,"page":54},{"id":6554,"text":"الشَّافِعِيِّ ، أَنَّهُ فِعْلٌ مَأْذُونٌ فِيهِ ، فَلَمْ يَمْنَعْ الْمِيرَاثَ ، كَمَا لَوْ أَطْعَمَهُ أَوْ سَقَاهُ بِاخْتِيَارِهِ ، فَأَفْضَى إلَى تَلَفِهِ ، وَلِأَنَّهُ حُرِّمَ الْمِيرَاثُ فِي مَحَلِّ الْوِفَاقِ ، كَيْ لَا يُفْضِي إلَى إيجَادِ الْقَتْلِ الْمُحَرَّمِ ، وَزَجْرًا عَنْ إعْدَامِ النَّفْسِ الْمَعْصُومَةِ ، وَفِي مَسْأَلَتِنَا حِرْمَانُ الْمِيرَاثِ يَمْنَعُ إقَامَةَ الْحُدُودِ الْوَاجِبَةِ ، وَاسْتِيفَاءَ الْحُقُوقِ الْمَشْرُوعَةِ ، وَلَا يُفْضِي إلَى إيجَادِ قَتْلٍ مُحَرَّمٍ ، فَهُوَ ضِدُّ مَا ثَبَتَ فِي الْأَصْلِ وَلَا يَصِحُّ الْقِيَاسُ عَلَى قَتْلِ الصَّبِيِّ ، وَالْمَجْنُونِ ؛ لِأَنَّهُ قَتْلٌ مُحَرَّمٌ ، وَتَفْوِيتُ نَفْسٍ مَعْصُومَةٍ ، وَالتَّوْرِيثُ يُفْضِي إلَيْهِ ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا إذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَالْمُشَارِكُ فِي الْقَتْلِ فِي الْمِيرَاثِ كَالْمُنْفَرِدِ بِهِ ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ مِنْ الضَّمَانِ بِحَسَبِهِ ، فَلَوْ شَهِدَ عَلَى مَوْرُوثِهِ مَعَ جَمَاعَةٍ ظُلْمًا فَقُتِلَ ، لَمْ يَرِثْهُ ، وَإِنْ شَهِدَ بِحَقٍّ ، وَرِثَهُ ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَضْمُونٍ .","part":14,"page":55},{"id":6555,"text":"( 4945 ) فَصْلٌ : أَرْبَعَةُ إخْوَةٍ قَتَلَ أَكْبَرُهُمْ الثَّانِيَ ، ثُمَّ قَتَلَ الثَّالِثُ الْأَصْغَرَ ، سَقَطَ الْقِصَاصُ عَنْ الْأَكْبَرِ ؛ لِأَنَّ مِيرَاثَ الثَّانِي صَارَ لِلثَّالِثِ وَالْأَصْغَرِ نِصْفَيْنِ ، فَلَمَّا قَتَلَ الثَّالِثُ الْأَصْغَرَ لَمْ يَرِثْهُ ، وَوَرِثَهُ الْأَكْبَرُ ، فَرَجَعَ إلَيْهِ نِصْفُ دَمِ نَفْسِهِ ، وَمِيرَاثُ الْأَصْغَرِ جَمِيعُهُ ، فَسَقَطَ عَنْهُ الْقِصَاصُ ، لِمِيرَاثِهِ بَعْضَ دَمِ نَفْسِهِ ، وَلَهُ الْقِصَاصُ عَلَى الْأَصْغَرِ ، وَيَرِثُهُ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ ، فَإِنْ اُقْتُصَّ مِنْهُ وَرِثَهُ ، وَيَرِثُ إخْوَتَهُ الثَّلَاثَةَ وَلَوْ أَنَّ ابْنَيْنِ قَتَلَ أَحَدُهُمَا أَحَدَ أَبَوَيْهِمَا ، وَهُمَا زَوْجَانِ ، ثُمَّ قَتَلَ الْآخَرُ أَبَاهُ الْآخَرَ ، سَقَطَ الْقِصَاصُ عَنْ الْقَاتِلِ الْأَوَّلِ ، وَوَجَبَ عَلَى الْقَاتِلِ الثَّانِي ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ لَمَّا قَتَلَ أَبَاهُ ، وَرِثَ مَالَهُ وَدَمَهُ أَخُوهُ وَأُمُّهُ ، فَلَمَّا قَتَلَ الثَّانِي أُمَّهُ ، وَرِثَهَا قَاتِلُ الْأَبِ ، فَصَارَ لَهُ مِنْ دَمِ نَفْسِهِ ثُمُنُهُ ، فَسَقَطَ الْقِصَاصُ عَنْهُ لِذَلِكَ ، وَلَهُ الْقِصَاصُ عَلَى الْآخَرِ ، فَإِنْ قَتَلَهُ وَرِثَهُ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ .\rوَإِنْ جَرَحَ أَحَدُهُمَا أَبَاهُ ، وَالْآخَرُ أُمَّهُ ، وَمَاتَا فِي حَالٍ وَاحِدَةٍ ، وَلَا وَارِثَ لَهُمَا سِوَاهُمَا ، فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَالُ الَّذِي لَمْ يَقْتُلْهُ ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْقِصَاصُ عَلَى صَاحِبِهِ وَكَذَلِكَ لَوْ قَتَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَحَدَ الْأَبَوَيْنِ ، وَلَمْ يَكُونَا زَوْجَيْنِ ، فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْقِصَاصُ عَلَى أَخِيهِ ، إلَّا أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَحَدُهُمَا الِاسْتِيفَاءَ إلَّا بِإِبْطَالِ حَقِّ الْآخَرِ فَيَسْقُطَانِ .\rوَإِنْ عَفَا أَحَدُهُمَا عَنْ الْآخَرِ ، فَلِلْآخَرِ قَتْلُ الْعَافِي ، وَيَرِثُهُ فِي الظَّاهِرِ .\rوَإِنْ بَادَرَ أَحَدُهُمَا فَقَتَلَ أَخَاهُ ، سَقَطَ الْقِصَاصُ عَنْهُ ، وَوِرْثَهُ فِي الظَّاهِرِ عَنْهُ ، وَيُحْتَمَلُ أَلَّا يَرِثَهُ ، وَيَجِبُ الْقِصَاصُ عَلَيْهِ بِقَتْلِهِ ؛ لِأَنَّ الْقَصَّاصِينَ لَمَّا تُسَاوَيَا ، وَتَعَذَّرَ الْجَمْعُ بَيْنَ اسْتِيفَائِهِمَا ، سَقَطَا ، فَلَمْ يَبْقَ","part":14,"page":56},{"id":6556,"text":"لَهُمَا حُكْمٌ ، فَيَكُونُ الْمُسْتَوْفِي مِنْهَا مُعْتَدِيًا بِاسْتِيفَائِهِ ، فَلَا يَرِثُ أَخَاهُ ، وَيَجِبُ الْقِصَاصُ عَلَيْهِ بِقَتْلِهِ وَإِنْ أَشْكَلَ كَيْفِيَّةُ مَوْتِ الْأَبَوَيْنِ ، وَادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّ قَتِيلَهُ أَوَّلُهُمَا مَوْتًا ، خُرِّجَ فِي تَوْرِيثِهِمَا ، مَا ذَكَرْنَاهُ فِي الْغَرْقَى ، مِنْ تَوْرِيثِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمَيِّتَيْنِ مِنْ الْآخَرِ ، ثُمَّ يَرِثُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَعْضَ دَمِ نَفْسِهِ ، فَيَسْقُطُ الْقِصَاصُ عَنْهُمَا .\rوَمَنْ لَا يَرَى ذَلِكَ ، فَالْجَوَابُ فِيهَا كَاَلَّتِي قَبْلَهَا .\rوَيُحْتَمَلُ أَنْ يَسْقُطَ الْقِصَاصُ بِكُلِّ حَالٍ ؛ لِلشُّبْهَةِ ، وَأَنْ يَكُونَ لِكُلِّ وَاحِدٍ دِيَةُ الْأُخَرِ وَمَالُهُ .","part":14,"page":57},{"id":6557,"text":"( 4946 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَلَا يَرِثُ مُسْلِمٌ كَافِرًا ، وَلَا كَافِرٌ مُسْلِمًا ، إلَّا أَنْ يَكُونَ مُعْتَقًا ، فَيَأْخُذَ مَالَهُ بِالْوَلَاءِ ) أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْكَافِرَ لَا يَرِثُ الْمُسْلِمَ .\rوَقَالَ جُمْهُورُ الصَّحَابَةِ وَالْفُقَهَاءُ : لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ .\rيُرْوَى هَذَا عَنْ أَبِي بَكْرٍ ، وَعُمَرَ ، وَعُثْمَانَ ، وَعَلِيٍّ ، وَأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ، وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ .\rوَبِهِ قَالَ عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ ، وَعُرْوَةُ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَعَطَاءٌ ، وَطَاوُسٌ ، وَالْحَسَنُ ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَعَامَّةُ ، الْفُقَهَاءِ .\rوَعَلَيْهِ الْعَمَلُ .\rوَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ ، وَمُعَاذٍ ، وَمُعَاوِيَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، أَنَّهُمْ وَرَّثُوا الْمُسْلِمَ مِنْ الْكَافِرِ ، وَلَمْ يُوَرِّثُوا الْكَافِرَ مِنْ الْمُسْلِمِ .\rوَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ ، وَعَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، وَمَسْرُوقٍ ، وَعَبْدِ اللَّه بْنِ مَعْقِلٍ ، وَالشَّعْبِيِّ ، وَالنَّخَعِيِّ ، وَيَحْيَى بْنِ يَعْمُرَ ، وَإِسْحَاقَ .\rوَلَيْسَ بِمَوْثُوقٍ بِهِ عَنْهُمْ .\rفَإِنَّ أَحْمَدَ قَالَ : لَيْسَ بَيْنَ النَّاسِ اخْتِلَافٌ فِي أَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يَرِثُ الْكَافِرَ .\rوَرُوِيَ أَنَّ يَحْيَى بْنَ يَعْمُرَ احْتَجَّ لِقَوْلِهِ ، فَقَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو الْأَسْوَدِ ، أَنَّ مُعَاذًا حَدَّثَهُ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { الْإِسْلَامُ يَزِيدُ وَلَا يَنْقُصُ } وَلِأَنَّنَا نَنْكِحُ نِسَاءَهُمْ ، وَلَا يَنْكِحُونَ نِسَاءَنَا ، فَكَذَلِكَ نَرِثُهُمْ ، وَلَا يَرِثُونَنَا .\rوَلَنَا ؛ مَا رَوَى أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { لَا يَرِثُ الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ ، وَلَا الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَرَوَى أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادِهِ : عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، قَالَ : قَالَ","part":14,"page":58},{"id":6558,"text":"رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا يَتَوَارَثُ أَهْلُ مِلَّتَيْنِ شَتَّى } .\rوَلِأَنَّ الْوِلَايَةَ مُنْقَطِعَةٌ بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالْكَافِرِ ، فَلَمْ يَرِثْهُ ، كَمَا لَا يَرِثُ الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ .\rفَأَمَّا حَدِيثُهُمْ فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ أَنَّ الْإِسْلَامَ يَزِيدُ بِمَنْ يُسْلِمُ ، وَبِمَا يُفْتَحُ مِنْ الْبِلَادِ لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ ، وَلَا يَنْقُصُ بِمَنْ يَرْتَدُّ ، لِقِلَّةِ مَنْ يَرْتَدُّ ، وَكَثْرَةِ مِنْ يُسْلِمُ ، وَعَلَى أَنَّ حَدِيثَهُمْ مُجْمَلٌ ، وَحَدِيثَنَا مُفَسَّرٌ ، وَحَدِيثَهُمْ لَمْ يُتَّفَقْ عَلَى صِحَّتِهِ ، وَحَدِيثَنَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ، فَتَعَيَّنَ تَقْدِيمُهُ .\rوَالصَّحِيحُ عَنْ عُمَرَ ، أَنَّهُ قَالَ : لَا نَرِثُ أَهْلَ الْمِلَلِ ، وَلَا يَرِثُونَنَا .\rوَقَالَ فِي عَمَّةِ الْأَشْعَثِ : يَرِثُهَا أَهْلُ دِينِهَا .\rفَأَمَّا الْمُعْتَقُ إذَا خَالَفَ دِينُهُ دِينَ مُعْتِقِهِ ، فَسَنَذْكُرُهُ فِي بَابِ الْوَلَاءِ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .","part":14,"page":59},{"id":6559,"text":"( 4947 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا الْكُفَّارُ فَيَتَوَارَثُونَ ، إذَا كَانَ دِينُهُمْ وَاحِدًا ، لَا نَعْلَمُ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِيهِ خِلَافًا ، وَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ } دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ بَعْضَهُمْ يَرِثُ بَعْضًا .\rوَقَوْلُهُ : { لَا يَتَوَارَثُ أَهْلُ مِلَّتَيْنِ شَتَّى } .\rدَلِيلٌ عَلَى أَنَّ أَهْلَ الْمِلَّةِ الْوَاحِدَةِ يَرِثُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا .\rوَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { وَهَلْ تَرَكَ لَنَا عَقِيلٌ مِنْ دَارٍ } .\rدَلِيلٌ عَلَى أَنَّ عَقِيلًا وَرِثَ أَبَا طَالِبٍ دُونَ جَعْفَرٍ ، وَعَلِيٍّ لِأَنَّهُمَا كَانَا مُسْلِمَيْنِ ، وَكَانَ عَقِيلٌ عَلَى دِينِ أَبِيهِ ، مُقِيمًا بِمَكَّةَ ، فَبَاعَ رِبَاعَهُ بِمَكَّةَ ، فَلِذَلِكَ لَمَّا قِيلَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَيْنَ تَنْزِلُ غَدًا ؟ قَالَ : { وَهَلْ تَرَكَ لَنَا عَقِيلٌ مِنْ رِبَاعٍ } .\rوَقَالَ عُمَرُ فِي عَمَّةِ الْأَشْعَثِ بْنِ قَيْس : يَرِثُهَا أَهْلُ دِينِهَا .\rفَإِنْ اخْتَلَفَتْ أَدْيَانُهُمْ ، فَاخْتُلِفَ عَنْ أَحْمَدَ ، فَرُوِيَ عَنْهُ ، أَنَّ الْكُفْرَ كُلَّهُ مِلَّةٌ وَاحِدَةٌ ، يَرِثُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا .\rرَوَاهُ عَنْهُ حَرْبٌ ، وَاخْتَارَهُ الْخَلَّالُ .\rوَبِهِ قَالَ حَمَّادٌ ، وَابْنُ شُبْرُمَةَ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَدَاوُد ؛ لِأَنَّ تَوْرِيثَ الْآبَاءِ مِنْ الْأَبْنَاءِ ، وَالْأَبْنَاءِ مِنْ الْآبَاءِ ، مَذْكُورٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرًا عَامًّا ، فَلَا يُتْرَكُ إلَّا فِيمَا اسْتَثْنَاهُ الشَّرْعُ ، وَمَا لَمْ يَسْتَثْنِهِ الشَّرْعُ يَبْقَى عَلَى الْعُمُومِ ، وَلِأَنَّ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى : { وَاَلَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ } عَامٌ فِي جَمِيعِهِمْ .\rوَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّ الْكُفْرَ مِلَلٌ مُخْتَلِفَةٌ ، لَا يَرِثُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا .\rاخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ ، وَهُوَ قَوْلُ كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ؛ لِأَنَّ قَوْلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا يَتَوَارَثُ أَهْلُ مِلَّتَيْنِ شَتَّى } .\rيَنْفِي تَوَارُثَهُمَا ، وَيَخُصُّ عُمُومَ الْكِتَابِ ، وَلَمْ نَسْمَعْ عَنْ أَحْمَدَ تَصْرِيحًا","part":14,"page":60},{"id":6560,"text":"بِذِكْرِ أَقْسَامِ الْمِلَلِ .\rوَقَالَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى : الْكُفْرُ ثَلَاثُ مِلَلٍ : الْيَهُودِيَّةُ ، وَالنَّصْرَانِيَّةُ ، وَدِينُ مَنْ عَدَاهُمْ ؛ لِأَنَّ مَنْ عَدَاهُمْ يَجْمَعُهُمْ أَنَّهُمْ لَا كِتَابَ لَهُمْ .\rوَهَذَا قَوْلُ شُرَيْحٍ ، وَعَطَاءٍ ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَالضَّحَّاكِ ، وَالْحَكَمِ .\rوَالثَّوْرِيِّ ، وَاللَّيْثِ ، وَشَرِيكٍ ، وَمُغِيرَةَ الضَّبِّيِّ ، وَابْنِ أَبِي لَيْلَى ، وَالْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ ، وَوَكِيعٍ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مَالِكٍ .\rوَرُوِيَ عَنْ النَّخَعِيِّ ، وَالثَّوْرِيِّ ، الْقَوْلَانِ مَعًا .\rوَيَحْتَمِلُ كَلَامُ أَحْمَدَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنْ يَكُونَ الْكُفْرُ مِلَلًا كَثِيرَةً ، فَتَكُونُ الْمَجُوسِيَّةُ مِلَّةً ، وَعِبَادَةُ الْأَوْثَانِ مِلَّةً أُخْرَى ، وَعِبَادَةُ الشَّمْسِ مِلَّةً ، فَلَا يَرِثُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا .\rرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ .\rوَبِهِ قَالَ الزُّهْرِيُّ ، وَرَبِيعَةُ وَطَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ، وَأَهْلُ الْبَصْرَةِ ، وَإِسْحَاقُ وَهُوَ أَصَحُّ الْأَقْوَالِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا يَتَوَارَثُ أَهْلُ مِلَّتَيْنِ شَتَّى } .\rوَلِأَنَّ كُلَّ فَرِيقَيْنِ مِنْهُمْ لَا مُوَالَاةَ بَيْنَهُمْ ، وَلَا اتِّفَاقَ فِي دِينٍ فَلَمْ يَرِثْ بَعْضُهُمْ بَعْضًا ، كَالْمُسْلِمِينَ وَالْكُفَّارِ ، وَالْعُمُومَاتِ فِي التَّوْرِيثِ مَخْصُوصَةٌ ، فَيُخَصُّ مِنْهَا مَحِلُّ النِّزَاعِ بِالْخَبَرِ وَالْقِيَاسِ ، وَلِأَنَّ مُخَالِفِينَا قَطَعُوا التَّوَارُثَ بَيْنَ أَهْلِ الْحَرْبِ وَأَهْلِ دَارِ الْإِسْلَامِ ، مَعَ اتِّفَاقِهِمْ فِي الْمِلَّةِ ، لِانْقِطَاعِ الْمُوَالَاةِ ، فَمَعَ اخْتِلَافِ الْمِلَّةِ أَوْلَى .\rوَقَوْلُ مَنْ حَصَرَ الْمِلَّةَ بِعَدَمِ الْكِتَابِ غَيْرُ صَحِيحٍ ، فَإِنَّ هَذَا وَصْفٌ عَدَمِيٌّ ، لَا يَقْتَضِي حُكْمًا ، وَلَا جَمْعًا ، ثُمَّ لَا بُدَّ لِهَذَا الضَّابِطِ مِنْ دَلِيلٍ يَدُلُّ عَلَى اعْتِبَارِهِ ، ثُمَّ قَدْ افْتَرَقَ حُكْمُهُمْ ، فَإِنَّ الْمَجُوسَ يُقِرُّونَ بِالْجِزْيَةِ ، وَغَيْرُهُمْ لَا يُقِرُّ بِهَا ، وَهُمْ مُخْتَلِفُونَ فِي مَعْبُودَاتِهِمْ ، وَمُعْتَقِدَاتِهِمْ ، وَآرَائِهِمْ ، يَسْتَحِلُّ","part":14,"page":61},{"id":6561,"text":"بَعْضُهُمْ دِمَاءَ بَعْضٍ ، وَيُكَفِّرُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا ، فَكَانُوا مِلَلًا كَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى .\rوَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَإِنَّ إسْمَاعِيلَ بْنَ أَبِي خَالِدٍ ، رَوَى عَنْ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ جَعَلَ الْكُفْرَ مِلَلًا مُخْتَلِفَةً .\rوَلَمْ يُعْرَفْ لَهُ مُخَالِفٌ فِي الصَّحَابَةِ ، فَيَكُونُ إجْمَاعًا .","part":14,"page":62},{"id":6562,"text":"( 4948 ) فَصْلٌ : وَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ عِنْدِي ، أَنَّ الْمِلَّةَ الْوَاحِدَةَ يَتَوَارَثُونَ ، وَإِنْ اخْتَلَفَتْ دِيَارُهُمْ ؛ لِأَنَّ الْعُمُومَاتِ مِنْ النُّصُوصِ تَقْتَضِي تَوْرِيثَهُمْ ، وَلَمْ يَرِدْ بِتَخْصِيصِهِمْ نَصٌّ ، وَلَا إجْمَاعٌ ، وَلَا يَصِحُّ فِيهِمْ قِيَاسٌ ، فَيَجِبُ الْعَمَلُ بِعُمُومِهَا .\rوَمَفْهُومُ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ { لَا يَتَوَارَثُ أَهْلُ مِلَّتَيْنِ شَتَّى .\r} أَنَّ أَهْلَ الْمِلَّةِ الْوَاحِدَةِ يَتَوَارَثُونَ .\rوَضَبْطُهُ التَّوْرِيثَ بِالْمِلَّةِ وَالْكُفْرِ وَالْإِسْلَامِ ، دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الِاعْتِبَارَ بِهِ دُونَ غَيْرِهِ ، وَلِأَنَّ مُقْتَضَى التَّوْرِيثِ مَوْجُودٌ ، فَيَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ ، مَا لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلَى تَحَقُّقِ الْمَانِعِ .\rوَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ ، فِي مَنْ دَخَلَ إلَيْنَا بِأَمَانٍ فَقُتِلَ ، أَنَّهُ يُبْعَثُ بِدِيَتِهِ إلَى مَلِكِهِمْ حَتَّى يَدْفَعَهَا إلَى الْوَرَثَةِ .\rوَقَدْ رُوِيَ { أَنَّ عَمْرَو بْنَ أُمَيَّةَ كَانَ مَعَ أَهْلِ بِئْرِ مَعُونَةَ فَسَلِمَ وَرَجَعَ إلَى الْمَدِينَةِ ، فَوَجَدَ رَجُلَيْنِ فِي طَرِيقِهِ مِنْ الْحَيِّ الَّذِي قَتَلُوهُمْ ، وَكَانَا أَتَيَا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَمَانٍ ، وَلَمْ يَعْلَمْ عَمْرٌو ، فَقَتَلَهُمَا ، فَوَدَاهُمَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\r} وَلَا شَكَّ فِي أَنَّهُ بَعَثَ بِدِيَتِهِمَا إلَى أَهْلِهِمَا .\rوَقَالَ الْقَاضِي : قِيَاسُ الْمَذْهَبِ عِنْدِي ، أَنَّهُ لَا يَرِثُ حَرْبِيٌّ ذِمِّيًّا ، وَلَا ذِمِّيٌّ حَرْبِيًّا ؛ لِأَنَّ الْمُوَالَاةَ بَيْنَهُمَا مُنْقَطِعَةٌ ، فَأَمَّا الْمُسْتَأْمَنُ فَيَرِثُهُ أَهْلُ الْحَرْبِ ، وَأَهْلُ دَارِ الْإِسْلَامِ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .\rوَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، إلَّا أَنَّ الْمُسْتَأْمَنَ لَا يَرِثُهُ الذِّمِّيُّ ؛ لِأَنَّ دَارَهُمَا مُخْتَلِفَةٌ .\rقَالَ الْقَاضِي : وَيَرِثُ أَهْلُ الْحَرْبِ بَعْضَهُمْ بَعْضًا ، سَوَاءٌ اتَّفَقَتْ دِيَارُهُمْ ، أَوْ اخْتَلَفَتْ .\rوَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ .\rرَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إذَا اخْتَلَفَتْ دِيَارُهُمْ ، بِحَيْثُ كَانَ لِكُلِّ","part":14,"page":63},{"id":6563,"text":"طَائِفَةٍ مَلِكٌ ، وَيَرَى بَعْضُهُمْ قَتْلَ بَعْضٍ ، لَمْ يَتَوَارَثَا ؛ لِأَنَّهُمْ لَا مُوَالَاةَ بَيْنَهُمْ ، أَشْبَهَ أَهْلَ دَارِ الْحَرْبِ ، فَجَعَلُوا اتِّفَاقَ الدَّارِ ، وَاخْتِلَافَهَا ضَابِطًا لِلتَّوْرِيثِ ، وَعَدَمِهِ .\rوَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا كُلِّهِ حُجَّةً مِنْ كِتَابٍ وَلَا سُنَّةٍ ، مَعَ مُخَالَفَتِهِ لِعُمُومِ النَّصِّ الْمُقْتَضِي لِلتَّوْرِيثِ ، وَلَمْ يَعْتَبِرُوا الدِّينَ فِي اتِّفَاقِهِ ، وَلَا اخْتِلَافِهِ ، مَعَ وُرُودِ الْخَبَرِ فِيهِ ، وَصِحَّةِ الْعِبْرَةِ فِيهَا ، فَإِنَّ الْمُسْلِمِينَ يَرِثُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا ، وَإِنْ اخْتَلَفْت الدَّارُ بِهِمْ ، فَكَذَلِكَ الْكُفَّارَ .\rوَلَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ كَافِرًا ، وَلَا الْكَافِرُ مُسْلِمًا ؛ لِاخْتِلَافِ الدِّينِ بِهِمْ ، وَكَذَلِكَ لَا يَرِثُ مُخْتَلِفَا الدِّينِ أَحَدُهُمَا مِنْ صَاحِبِهِ شَيْئًا .","part":14,"page":64},{"id":6564,"text":"( 4949 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَالْمُرْتَدُّ لَا يَرِثُ أَحَدًا ، إلَّا أَنْ يَرْجِعَ قَبْلَ قِسْمَةِ الْمِيرَاثِ ) لَا نَعْلَمُ خِلَافًا بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي أَنَّ الْمُرْتَدَّ لَا يَرِثُ أَحَدًا .\rوَهَذَا قَوْلُ ، مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ ، وَلَا نَعْلَمُ عَنْ غَيْرِهِمْ خِلَافَهُمْ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا يَرِثُ مُسْلِمًا ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا يَرِثُ كَافِرٌ مُسْلِمًا } .\rوَلَا يَرِثُ كَافِرًا ؛ لِأَنَّهُ يُخَالِفُهُ فِي حُكْمِ الدِّينِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُقَرُّ عَلَى كُفْرِهِ ، فَلَمْ يَثْبُتْ لَهُ حُكْمُ أَهْلِ الدِّينِ الَّذِي انْتَقَلَ إلَيْهِ ، وَلِهَذَا لَا تَحِلُّ ذَبِيحَتُهُمْ ، وَلَا نِكَاحُ نِسَائِهِمْ ، وَإِنْ انْتَقَلُوا إلَى دِينِ أَهْلِ الْكِتَابِ .\rوَلِأَنَّ الْمُرْتَدَّ تَزُولُ أَمْلَاكُهُ الثَّابِتَةُ لَهُ وَاسْتِقْرَارُهَا ، فَلَأَنْ لَا يَثْبُتُ لَهُ مِلْكٌ أَوْلَى .\rوَلَوْ ارْتَدَّ مُتَوَارِثَانِ ، فَمَاتَ أَحَدُهُمَا ، لَمْ يَرِثْهُ الْآخَرُ ، فَإِنَّ الْمُرْتَدَّ لَا يَرِثُ .\rوَلَا يُورَثُ .\rوَإِنْ رَجَعَ الْمُرْتَدُّ إلَى الْإِسْلَامِ قَبْلَ قَسْمِ الْمِيرَاثِ ، قُسِمَ لَهُ ، عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ فِي الْمَسْأَلَةِ الَّتِي بَعْدَهَا ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .","part":14,"page":65},{"id":6565,"text":"( 4950 ) فَصْلٌ : وَالزِّنْدِيقُ كَالْمُرْتَدِّ فِيمَا ذَكَرْنَا .\rوَالزِّنْدِيقُ هُوَ الَّذِي يُظْهِرُ الْإِسْلَامَ وَيَسْتَسِرُّ بِالْكُفْرِ ، وَهُوَ الْمُنَافِقُ ، كَانَ يُسَمَّى فِي عَصْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُنَافِقًا ، وَيُسَمَّى الْيَوْمَ زِنْدِيقًا .\rقَالَ أَحْمَدُ : مَالُ الزِّنْدِيقِ فِي بَيْتِ الْمَالِ .","part":14,"page":66},{"id":6566,"text":"( 4951 ) فَصْلٌ : إذَا ارْتَدَّ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ قَبْلَ الدُّخُولِ ، انْفَسَخَ النِّكَاحُ فِي الْحَالِ ، وَلَمْ يَرِثْ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ ، وَإِنْ كَانَتْ رِدَّتُهُ بَعْدَ الدُّخُولِ ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، يَتَعَجَّلُ الْفُرْقَةَ .\rوَالْأُخْرَى يَقِفُ عَلَى انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ وَأَيَّهُمَا مَاتَ لَمْ يَرِثْهُ الْآخِرُ .\rوَحُكْمُ رِدَّتِهِمَا جَمِيعًا كَحُكْمِ رِدَّةِ أَحَدِهِمَا ، فِي فَسْخِ النِّكَاحِ ، وَامْتِنَاعِ الْمِيرَاثِ .\rوَقَالَ أَهْلُ الْعِرَاقِ : إذَا ارْتَدَّ الزَّوْجَانِ مَعًا ، فَهُمَا عَلَى النِّكَاحِ ؛ لِأَنَّ دِينَهُمَا لَمْ يَخْتَلِفْ ، فَأَشْبَهَا الْكَافِرِينَ الْأَصْلِيِّينَ ، إلَّا أَنَّهُمَا لَا يَتَوَارَثَانِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ ؛ لِأَنَّ الْمُرْتَدَّ لَا يَرِثُ الْمُرْتَدَّ مَا دَامَا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ ، فَإِنْ لَحِقَا بِدَارِ الْحَرْبِ تَوَارَثَا ؛ لِأَنَّ حُكْمَهُمَا صَارَ كَحُكْمِ أَهْلِ دَارِ الْحَرْبِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُمَا لَا يَتَوَارَثَانِ فِي دَارِ الْحَرْبِ كَالْمُسْلِمِ مَعَ الْكَافِرِ .","part":14,"page":67},{"id":6567,"text":"( 4952 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَكَذَلِكَ مَنْ أَسْلَمَ عَلَى مِيرَاثٍ قَبْلَ أَنْ يُقْسَمَ ، قُسِمَ لَهُ ) اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ فِي مَنْ أَسْلَمَ قَبْلَ قَسْمِ مِيرَاثِ مَوْرُوثِهِ الْمُسْلِمِ ؛ فَنَقَلَ الْأَثْرَمُ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَكَمِ ، أَنَّهُ يَرِثُ .\rوَرُوِيَ نَحْوُ هَذَا عَنْ عُمَرَ ، وَعُثْمَانَ ، وَالْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ .\rوَبِهِ قَالَ جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ ، وَالْحَسَنُ ، وَمَكْحُولٌ ، وَقَتَادَةُ ، وَحُمَيْدٌ ، وَإِيَاسُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ، وَإِسْحَاقُ ، فَعَلَى هَذَا إنْ أَسْلَمَ قَبْلَ قَسْمِ بَعْضِ الْمَالِ وَرِثَ مِمَّا بَقِيَ .\rوَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ .\rوَنَقَلَ أَبُو طَالِبٍ ، فِي مَنْ أَسْلَمَ بَعْدَ الْمَوْتِ : لَا يَرِثُ ، قَدْ وَجَبَتْ الْمَوَارِيثُ لِأَهْلِهَا .\rوَهَذَا الْمَشْهُورُ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .\rوَبِهِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ، وَعَطَاءٌ ، وَطَاوُسٌ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَالْحَكَمُ ، وَأَبُو الزِّنَادِ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ .\rوَعَامَّةُ الْفُقَهَاءِ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : لَا يَرِثُ الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ } .\rوَلِأَنَّ الْمِلْكَ قَدْ انْتَقَلَ بِالْمَوْتِ إلَى الْمُسْلِمِينَ ، فَلَمْ يُشَارِكْهُمْ مَنْ أَسْلَمَ ، كَمَا لَوْ اقْتَسَمُوا ، وَلِأَنَّ الْمَانِعَ مِنْ الْإِرْثِ مُتَحَقِّقٌ حَالَ وُجُودِ الْمَوْتِ ، فَلَمْ يَرِثْ ، كَمَا لَوْ كَانَ رَقِيقًا فَأُعْتِقَ ، أَوْ كَمَا لَوْ بَقِيَ عَلَى كُفْرِهِ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : مَنْ أَسْلَمَ عَلَى شَيْءٍ فَهُوَ لَهُ } .\rرَوَاهُ سَعِيدٌ مِنْ طَرِيقَيْنِ عَنْ عُرْوَةَ ، وَابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَوَى أَبُو دَاوُد ، بِإِسْنَادِهِ : عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { كُلُّ قَسْمٍ قُسِمَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَهُوَ عَلَى مَا قُسِمَ ، وَكُلُّ قَسْمٍ أَدْرَكَهُ الْإِسْلَامُ فَهُوَ عَلَى قَسْمِ الْإِسْلَامِ .\r} وَرَوَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، بِإِسْنَادِهِ فِي \"","part":14,"page":68},{"id":6568,"text":"التَّمْهِيدِ \" ، عَنْ زَيْدِ بْنِ قَتَادَةَ الْعَنْبَرِيِّ ، أَنَّ إنْسَانًا مِنْ أَهْلِهِ مَاتَ عَلَى غَيْرِ دِينِ الْإِسْلَامِ ، فَوَرِثَتْهُ أُخْتِي دُونِي ، وَكَانَتْ عَلَى دِينِهِ ، ثُمَّ إنَّ جَدِّي أَسْلَمَ ، وَشَهِدَ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حُنَيْنًا ، فَتُوُفِّيَ ، فَلَبِثْت ، سَنَةً ، وَكَانَ تَرَكَ مِيرَاثًا ، ثُمَّ إنَّ أُخْتِي أَسْلَمَتْ ، فَخَاصَمَتْنِي فِي الْمِيرَاثِ إلَى عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَحَدَّثَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَرْقَمَ ، أَنَّ عُمَرَ قَضَى أَنَّهُ مَنْ أَسْلَمَ عَلَى مِيرَاثٍ قَبْلَ أَنْ يُقْسَمَ ، فَلَهُ نَصِيبُهُ ، فَقَضَى بِهِ عُثْمَانُ ، فَذَهَبَتْ بِذَاكَ الْأَوَّلِ ، وَشَارَكَتْنِي فِي هَذَا .\rوَهَذِهِ قَضِيَّةٌ انْتَشَرَتْ فَلَمْ تُنْكَرْ فَكَانَتْ إجْمَاعًا ، وَلِأَنَّهُ لَوْ تَجَدَّدَ لَهُ صَيْدٌ بَعْدَ مَوْتِهِ وَقَعَ فِي شَبَكَتِهِ الَّتِي نَصَبَهَا فِي حَيَاتِهِ ، لَثَبَتَ لَهُ الْمِلْكُ فِيهِ ، وَلَوْ وَقَعَ إنْسَانٌ فِي بِئْرٍ حَفَرَهَا ، لَتَعَلَّقَ ضَمَانُهُ بِتَرِكَتِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ ، فَجَازَ أَنْ يَتَجَدَّدَ حَقُّ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ وَرَثَتِهِ بِتَرِكَتِهِ ، تَرْغِيبًا فِي الْإِسْلَامِ ، وَحَثًّا عَلَيْهِ ، فَأَمَّا إذَا قُسِمَتْ التَّرِكَةُ ، وَتَعَيَّنَ حَقُّ كُلِّ وَارِثٍ ، ثُمَّ أَسْلَمَ ، فَلَا شَيْءَ لَهُ ، وَإِنْ كَانَ الْوَارِثُ وَاحِدًا ، فَإِذَا تَصَرَّفَ فِي التَّرِكَةِ وَاحْتَازَهَا ، كَانَ بِمَنْزِلَةِ قِسْمَتِهَا .","part":14,"page":69},{"id":6569,"text":"( 4953 ) فَصْلٌ : وَمَنْ كَانَ رَقِيقًا حِينَ مَوْتِ مَوْرُوثِهِ ، فَأُعْتِقَ قَبْلَ الْقِسْمَةِ ، لَمْ يَرِثْ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَكَمِ ، وَفَرَّقَ بَيْنَ الْإِسْلَامِ وَالْعِتْقِ ، وَعَلَى هَذَا جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنْ الصَّحَابَةِ ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ .\rوَرُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ مَاتَ ، وَتَرَكَ أَبَاهُ عَبْدًا ، فَأُعْتِقَ قَبْلَ أَنْ يُقْسَمَ مِيرَاثُهُ ، فَقَالَ : لَهُ مِيرَاثُهُ .\rوَحُكِيَ عَنْ مَكْحُولٍ ، وَقَتَادَةَ ، أَنَّهُمَا وَرَّثَا مَنْ أُعْتِقَ قَبْلَ الْقِسْمَةِ ؛ لِأَنَّ الْمَانِعَ مِنْ الْمِيرَاثِ زَالَ قَبْلَ الْقِسْمَةِ فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَسْلَمَ ، قَالَ أَبُو الْحَسَنِ التَّمِيمِيُّ : يُخَرَّجُ عَلَى قَوْلِ مَنْ وَرَّثَ الْمُسْلِمَ ، أَنْ يُوَرَّثَ الْعَبْدُ إذَا أُعْتِقَ .\rوَلَيْسَ بِصَحِيحٍ ؛ فَإِنَّ الْإِسْلَامَ قُرْبَةٌ وَهُوَ أَعْظَمُ الطَّاعَاتِ ، وَالْقُرْبُ وَرَدَ الشَّرْعُ بِالتَّأْلِيفِ عَلَيْهَا ، فَوَرَدَ الشَّرْعُ بِتَوْرِيثِهِ ، تَرْغِيبًا لَهُ فِي الْإِسْلَامِ ، وَحَثًّا عَلَيْهِ ، وَالْعِتْقُ لَا صُنْعَ لَهُ فِيهِ ، وَلَا يُحْمَدُ عَلَيْهِ ، فَلَمْ يَصِحَّ قِيَاسُهُ عَلَيْهِ ، وَلَوْلَا مَا وَرَدَ مِنْ الْأَثَرِ مِنْ تَوْرِيثِ مَنْ أَسْلَمَ ، لَكَانَ النَّظَرُ يَقْتَضِي أَنْ لَا يَرِثَ مَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الْمِيرَاثِ حِينَ الْمَوْتِ ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ يُنْتَقَلُ بِهِ إلَى الْوَرَثَةِ ، فَيَسْتَحِقُّونَهُ ، فَلَا يَبْقَى لِمَنْ حَدَثَ شَيْءٌ ، وَلَكِنْ خَالَفْنَاهُ فِي الْإِسْلَامِ لِلْأَثَرِ ، وَلَيْسَ فِي الْعِتْقِ أَثَرٌ يَجِبُ التَّسْلِيمُ لَهُ ، وَلَا هُوَ فِي مَعْنَى مَا فِيهِ الْأَثَرُ ، فَيَبْقَى عَلَى مُوجِبِ الْقِيَاسِ .","part":14,"page":70},{"id":6570,"text":"( 4954 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ ( وَمَتَى قُتِلَ الْمُرْتَدُّ عَلَى رِدَّتِهِ ، فَمَالُهُ فَيْءٌ ) اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ فِي مَالِ الْمُرْتَدِّ إذَا مَاتَ ، أَوْ قُتِلَ عَلَى رِدَّتِهِ ، فَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ يَكُونُ فَيْئًا فِي بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ .\rقَالَ الْقَاضِي : هُوَ صَحِيحٌ فِي الْمَذْهَبِ .\rوَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَرَبِيعَةَ ، وَمَالِكٍ ، وَابْنِ أَبِي لَيْلَى ، وَالشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لِوَرَثَتِهِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَعَلِيٍّ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَبِهِ قَالَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ ، وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ ، وَالْحَسَنُ ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَعَطَاءٌ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَالْحَكَمُ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَابْنُ شُبْرُمَةَ ، وَأَهْلُ الْعِرَاقِ .\rوَإِسْحَاقُ .\rإلَّا أَنَّ الثَّوْرِيَّ ، وَأَبَا حَنِيفَةَ ، وَاللُّؤْلُؤِيَّ ، وَإِسْحَاقَ ، قَالُوا : مَا اكْتَسَبَهُ فِي رِدَّتِهِ يَكُونُ فَيْئًا .\rوَلَمْ يُفَرِّقْ أَصْحَابُنَا بَيْنَ تِلَادِ مَالِهِ وَطَارِفِهِ .\rوَوَجْهُ هَذَا الْقَوْلِ أَنَّهُ قَوْلُ الْخَلِيفَتَيْنِ الرَّاشِدَيْنِ ، فَإِنَّهُ يُرْوَى عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِت ، قَالَ : بَعَثَنِي أَبُو بَكْرٍ عِنْدَ رُجُوعِهِ إلَى أَهْلِ الرِّدَّةِ أَنْ أُقَسِّمَ أَمْوَالَهُمْ بَيْنَ وَرَثَتِهِمْ الْمُسْلِمِينَ .\rوَلِأَنَّ رِدَّتَهُ يَنْتَقِلُ بِهَا مَالُهُ ، فَوَجَبَ أَنْ يَنْتَقِلَ إلَى وَرَثَتِهِ الْمُسْلِمِينَ ، كَمَا لَوْ انْتَقَلَ بِالْمَوْتِ .\rوَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ ، رِوَايَةً ، أَنَّ مَالَهُ لِأَهْلِ دِينِهِ الَّذِي اخْتَارَهُ ، إنْ كَانَ مِنْهُ مَنْ يَرِثُهُ ، وَإِلَّا فَهُوَ فَيْءٌ .\rوَبِهِ قَالَ دَاوُد .\rوَرُوِيَ عَنْ عَلْقَمَةَ ، وَسَعِيدِ بْنِ أَبِي عُرْوَةَ ؛ لِأَنَّهُ كَافِرٌ ، فَوَرِثَهُ أَهْلُ دِينِهِ ، كَالْحَرْبِيِّ ، وَسَائِرِ الْكُفَّارِ .\rوَالْمَشْهُورُ الْأَوَّلُ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ ، وَلَا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ } .","part":14,"page":71},{"id":6571,"text":"وَقَوْلُهُ : { لَا يَتَوَارَثُ أَهْلُ مِلَّتَيْنِ شَتَّى } .\rوَلِأَنَّهُ كَافِرٌ ، فَلَا يَرِثُهُ الْمُسْلِمُ ، كَالْكَافِرِ الْأَصْلِيِّ ، وَلِأَنَّ مَالَهُ مَالُ مُرْتَدٍّ ، فَأَشْبَهَ الَّذِي كَسَبَهُ فِي رِدَّتِهِ ، وَلَا يُمْكِنُ جَعْلُهُ لِأَهْلِ دِينِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَرِثُهُمْ ، فَلَا يَرِثُونَهُ ، كَغَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْأَدْيَانِ ، وَلِأَنَّهُ يُخَالِفُهُمْ فِي حُكْمِهِمْ ؛ فَإِنَّهُ لَا يُقَرُّ عَلَى مَا انْتَقَلَ إلَيْهِ ، وَلَا تُوكَلُ لَهُ ذَبِيحَةٌ ، وَلَا يَحِلُّ نِكَاحُهُ إنْ كَانَ امْرَأَةً ، فَأَشْبَهَ الْحَرْبِيَّ مَعَ الذِّمِّيِّ .\rفَإِنْ قِيلَ : إذَا جَعَلْتُمُوهُ فَيْئًا فَقَدْ وَرَّثْتُمُوهُ لِلْمُسْلِمِينَ .\rقُلْنَا : لَا يَأْخُذُونَهُ مِيرَاثًا ، بَلْ يَأْخُذُونَهُ فَيْئًا ، كَمَا يُؤْخَذُ مَالُ الذِّمِّيِّ إذَا لَمْ يُخَلِّفْ وَارِثًا ، وَكَالْعُشُورِ .","part":14,"page":72},{"id":6572,"text":"( 4955 ) فَصْلٌ : وَالزِّنْدِيقُ ، كَالْمُرْتَدِّ ؛ لَا يَرِثُ وَلَا يُورَثُ .\rوَقَالَ مَالِكٌ فِي الزِّنْدِيقِ الَّذِي يُتَّهَمُ بِذِمِّيٍّ وَرَثَتِهِ عِنْدَ مَوْتِهِ : مَالُهُ لِوَرَثَتِهِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ، مِثْلُ مَنْ يَرْتَدُّ إذَا حَضَرَهُ الْمَوْتُ .\rقَالَ : وَتَرِثُهُ زَوْجَتُهُ ، سَوَاءٌ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا ، أَوْ لَمْ تَنْقَضِ ، كَاَلَّتِي يُطَلِّقُهَا زَوْجُهَا فِي مَرَضِ مَوْتِهِ ؛ لِيَحْرِمَهَا الْمِيرَاثَ ؛ لِأَنَّهُ فَارٌّ مِنْ مِيرَاثِ مَنْ انْعَقَدَ سَبَبُ مِيرَاثِهِ ، فَوَرِثَهُ ، كَالْمُطَلَّقَةِ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ .\rوَلَنَا ؛ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ .\r} وَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنَّ أَحَدَ الزَّوْجَيْنِ إذَا ارْتَدَّ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ ، يَرِثُهُ الْآخَرُ ؛ لِأَنَّهُ فَعَلَ مَا يَفْسَخُ النِّكَاحَ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ ، فَأَشْبَهَ الطَّلَاقَ ، وَفِعْلَ الْمَرْأَةِ مَا يَفْسَخُ نِكَاحَهَا ، وَيُخَرَّجُ فِي مِيرَاثِ سَائِرِ الْوَرَثَةِ مِثْلُ الزَّوْجَيْنِ ، فَيَكُونُ مِثْلَ مَذْهَبِ مَالِكٍ .\rوَقَالَ أَبُو يُوسُفَ : إذَا ارْتَدَّتْ الْمَرِيضَةُ ، فَمَاتَتْ فِي عِدَّتِهَا ، أَوْ لَحِقَتْ بِدَارِ الْحَرْبِ ، وَرِثَهَا زَوْجُهَا .\rوَرَوَى اللُّؤْلُؤِيُّ ، عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ : إذَا ارْتَدَّ الرَّجُلُ ، فَقُتِلَ عَلَى رِدَّتِهِ ، أَوْ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ ، بَانَتْ مِنْهُ امْرَأَتُهُ ، فَإِنْ كَانَتْ مَدْخُولًا بِهَا ، وَرِثَتْهُ ، إذَا كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا ، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مَدْخُولٍ بِهَا ، بَانَتْ وَلَمْ تَرِثْهُ .\rوَإِنْ ارْتَدَّتْ الْمَرْأَةُ مِنْ غَيْرِ مَرَضٍ ، فَمَاتَتْ ، لَمْ يَرِثْهَا زَوْجُهَا ؛ لِأَنَّهَا عِنْدَهُمْ لَا تُقْتَلُ ، فَلَمْ تَكُنْ فَارَّةً مِنْ مِيرَاثِهِ ، بِخِلَافِ الرَّجُلِ .","part":14,"page":73},{"id":6573,"text":"( 4956 ) فَصْلٌ : وَارْتِدَادُ الزَّوْجَيْنِ مَعًا ، كَارْتِدَادِ أَحَدِهِمَا ؛ فِي فَسْخِ نِكَاحِهِمَا ، وَعَدَمِ مِيرَاثِ أَحَدِهِمَا مِنْ الْآخَرِ ، سَوَاءٌ لَحِقَا بِدَارِ الْحَرْبِ ، أَوْ أَقَامَا بِدَارِ الْإِسْلَامِ .\rوَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إذَا مَا ارْتَدَّا مَعًا ، لَمْ يَنْفَسِخْ النِّكَاحُ ، وَلَمْ يَتَوَارَثَا ؛ لِأَنَّ الْمُرْتَدَّ لَا يَرِثُ الْمُرْتَدَّ مَا دَامَا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ ، فَإِنْ لَحِقَا بِدَارِ الْحَرْبِ تَوَارَثَا .\rوَلَنَا ؛ أَنَّهُمَا مُرْتَدَّانِ ، فَلَمْ يَتَوَارَثَا ، كَمَا لَوْ كَانَا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ وَلَوْ ارْتَدَّا جَمِيعًا ، وَلَهُمَا أَوْلَادٌ صِغَارٌ ، لَمْ يَتْبَعُوهُمْ فِي رِدَّتِهِمْ ، وَلَمْ يَرِثُوا مِنْهُمْ شَيْئًا ، وَلَمْ يَجُزْ اسْتِرْقَاقُهُمْ ، سَوَاءٌ لَحِقُوهُمْ بِدَارِ الْحَرْبِ ، أَوْ لَمْ يَلْحَقُوهُمْ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ : مَنْ أَلْحَقُوهُ بِدَارِ الْحَرْبِ مِنْهُمْ يَصِيرُ مُرْتَدًّا ، يَجُوزُ سَبْيُهُ ، وَمَنْ لَمْ يُلْحِقُوهُ بِدَارِ الْحَرْبِ ، فَهُوَ فِي حُكْمِ الْإِسْلَامِ .\rفَأَمَّا مَنْ وُلِدَ بَعْدَ الرِّدَّةِ بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ ؛ فَذَكَرَ الْخِرَقِيِّ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ اسْتِرْقَاقُهُ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَأَحَدُ قَوْلَيْ ، الشَّافِعِيِّ .\rوَالْقَوْلُ الثَّانِي : لَا يُسْبَوْنَ .\rوَهُوَ مَنْصُوصُ الشَّافِعِيِّ .","part":14,"page":74},{"id":6574,"text":"( 4957 ) فَصْلٌ : فَإِذَا لَحِقَ الْمُرْتَدُّ بِدَارِ الْحَرْبِ ، وُقِفَ مَالُهُ فَإِنْ أَسْلَمَ دُفِعَ إلَيْهِ ، وَإِنْ مَاتَ صَارَ فَيْئًا .\rوَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا .\rوَجَعَلَ أَهْلُ الْعِرَاقِ لِحَاقَهُ بِدَارِ الْحَرْبِ كَمَوْتِهِ ، فِي زَوَالِ مِلْكِهِ ، وَصَرْفِ مَالِهِ إلَى مِنْ يُصْرَفُ إلَيْهِ إذَا مَاتَ ، فَإِنْ عَادَ إلَى الْإِسْلَامِ ، فَلَهُ مَا وُجِدَ مِنْ مَالِهِ ، وَلَا يَرْجِعُ عَلَى وَرَثَتِهِ بِشَيْءٍ مِمَّا أَتْلَفُوهُ ، إلَّا أَنْ يَكُونُوا اقْتَسَمُوهُ بِغَيْرِ حُكْمِ حَاكِمٍ .\rوَلَمْ يَخْتَلِفُوا فِيمَا اكْتَسَبَهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ أَوْ أَخْرَجَهُ مِنْ مَالِهِ إلَى دَارِ الْحَرْبِ ، أَنَّهُ فَيْءٌ .\rوَقَالَ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ : إذَا ارْتَدَّ الْمُسْلِمُ ، زَالَ مِلْكُهُ عَنْ مَالِهِ ، وَلَمْ يَصِحَّ تَصَرُّفُهُ فِيهِ بِشَيْءٍ مِنْ التَّصَرُّفَاتِ ، فَإِنْ أَسْلَمَ رُدَّ إلَيْهِ تَمْلِيكًا مُسْتَأْنَفًا .\rوَقَالَ أَبُو يُوسُفَ : إنَّمَا أَحْكُمُ بِمَوْتِهِ يَوْمَ يَخْتَصِمُونَ فِي مَالِهِ ، لَا يَوْمَ لَحَاقِهِ بِدَارِ الْحَرْبِ وَلَنَا ، أَنَّهُ حُرٌّ مِنْ أَهْلِ التَّصَرُّفِ ، وَيَبْقَى مِلْكُهُ بَعْدَ إسْلَامِهِ ، فَلَمْ يُحْكَمْ بِزَوَالِ مِلْكِهِ ، كَمَا لَوْ لَمْ يَرْتَدَّ ، وَيَجِبُ رَدُّ مَا أُخِذَ مِنْ مَالِهِ ، أَوْ أُتْلِفَ عَلَيْهِ ، كَغَيْرِهِ .","part":14,"page":75},{"id":6575,"text":"( 4958 ) فَصْلٌ : وَمَتَى مَاتَ الذِّمِّيُّ ، وَلَا وَارِثَ لَهُ ، كَانَ مَالُهُ فَيْئًا ، وَكَذَلِكَ مَا فَضَلَ مِنْ مَالِهِ عَنْ وَارِثِهِ ، كَمَنْ لَيْسَ لَهُ وَارِثٌ إلَّا أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ ، فَإِنَّ الْفَاضِلَ عَنْ مِيرَاثِهِ يَكُونُ فَيْئًا ؛ لِأَنَّهُ مَالٌ لَيْسَ لَهُ مُسْتَحِقٌّ مُعَيَّنٌ ، فَكَانَ فَيْئًا ، كَمَالِ الْمَيِّتِ الْمُسْلِمِ الَّذِي لَا وَارِثَ لَهُ .","part":14,"page":76},{"id":6576,"text":"( 4959 ) فَصْلٌ : فِي مِيرَاثِ الْمَجُوسِ ، وَمَنْ جَرَى مَجْرَاهُمْ ، مِمَّنْ يَنْكِحُ ذَوَاتَ الْمَحَارِمِ ، إذَا أَسْلَمُوا وَتَحَاكَمُوا إلَيْنَا .\rلَا نَعْلَمُ بَيْنَ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ خِلَافًا فِي أَنَّهُمْ لَا يَرِثُونَ بِنِكَاحِ ذَوَاتِ الْمَحَارِمِ ، فَأَمَّا غَيْرُهُ مِنْ الْأَنْكِحَةِ ، فَكُلُّ نِكَاحٍ اعْتَقَدُوا صِحَّتَهُ ، وَأَقَرُّوا عَلَيْهِ بَعْدَ إسْلَامِهِمْ ، تَوَارَثُوا بِهِ ، سَوَاءٌ وُجِدَ بِشُرُوطِهِ الْمُعْتَبَرَةِ فِي نِكَاحِ الْمُسْلِمِينَ ، أَوْ لَمْ يُوجَدْ ، وَمَا لَا يُقِرُّونَ عَلَيْهِ بَعْدَ إسْلَامِهِمْ لَا يَتَوَارَثُونَ بِهِ ، وَالْمَجُوسُ وَغَيْرُهُمْ فِي هَذَا سَوَاءٌ ، فَلَوْ طَلَّقَ الْكَافِرُ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا ، ثُمَّ نَكَحَهَا ، ثُمَّ أَسْلَمَا ، وَمَاتَ أَحَدُهُمَا ، لَمْ يُقَرَّا عَلَيْهِ ، وَلَمْ يَتَوَارَثَا بِهِ .\rوَكَذَلِكَ إنْ مَاتَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ إسْلَامِهِمَا ، لَمْ يَتَوَارَثَا .\rفِي قَوْلِ الْجَمِيعِ .\rوَإِنْ تَزَوَّجَهَا بِغَيْرِ شُهُودٍ ، ثُمَّ مَاتَ أَحَدُهُمَا ، وَرِثَهُ الْآخَرُ .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا .\rوَقَالَ زُفَرُ ، وَاللُّؤْلُؤِيُّ : لَا يَتَوَارَثَانِ .\rوَإِنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً فِي عِدَّتِهَا ، تَوَارَثَا ، فِي ظَاهِرِ مَذْهَبِ أَحْمَدَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَإِنَّهُ قَالَ : إذَا أَسْلَمَا ، وَقَدْ نَكَحَهَا فِي الْعِدَّةِ أُقِرَّا عَلَيْهِ .\rوَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : إنْ أَسْلَمَا بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ ، أُقِرَّا ، وَإِنْ أَسْلَمَا قَبْلُ لَمْ يُقَرَّا فَعَلَى هَذَا إنْ مَاتَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ ، لَمْ يَتَوَارَثَا ، وَإِنْ مَاتَ بَعْدَهُ ، تَوَارَثَا .\rوَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .\rوَتَأَوَّلَ الْقَاضِي رِوَايَةَ أَحْمَدَ ، عَلَى مَنْ أَسْلَمَ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ .\rوَإِنْ تَزَوَّجَهَا وَهِيَ حُبْلَى مِنْ زَوْجٍ ، أَوْ زِنًا ، فَالْحُكْمُ فِيهِ كَاَلَّتِي قَبْلَهَا سَوَاءٌ ؛ لِأَنَّ الزِّنَى مُوجِبٌ لِلْعِدَّةِ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي الْحَامِلِ مِنْ زَوْجٍ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ ، فِي","part":14,"page":77},{"id":6577,"text":"الْحَامِلِ مِنْ زَوْجٍ : لَا يَتَوَارَثَانِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ ، فِي الْحَامِلِ مِنْ الزِّنَا : يَتَوَارَثَانِ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ ، وَزُفَرُ ، وَاللُّؤْلُؤِيُّ : لَا يَتَوَارَثَانِ .\rوَأَصْلُ الْخِلَافِ فِي الْمِيرَاثِ الِاخْتِلَافُ فِيمَا يُقَرَّانِ عَلَيْهِ إذَا أَسْلَمَا ، أَوْ تَحَاكَمَا إلَيْنَا ، وَنَذْكُرُ ذَلِكَ فِي مَوْضِعِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .","part":14,"page":78},{"id":6578,"text":"( 4960 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا الْقَرَابَةُ فَيَرِثُونَ بِجَمِيعِهَا ، إذَا أَمْكَنَ ذَلِكَ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .\rوَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ ، وَعَلِيٍّ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَزَيْدٍ فِي الصَّحِيحِ عَنْهُ .\rوَبِهِ قَالَ النَّخَعِيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَقَتَادَةُ ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ ، وَيَحْيَى بْنُ آدَمَ ، وَإِسْحَاقُ ، وَدَاوُد ، وَالشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ .\rوَاخْتَارَهُ ابْنُ اللَّبَّانِ .\rوَعَنْ زَيْدٍ ، أَنَّهُ وَرَّثَهُ بِأَقْوَى الْقَرَابَتَيْنِ ، وَهِيَ الَّتِي لَا تَسْقُطُ بِحَالٍ .\rوَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَاللَّيْثُ ، وَحَمَّادٌ ، وَهُوَ الصَّحِيحُ عَنْ الشَّافِعِيِّ .\rوَعَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَمَكْحُولٍ ، وَالشَّعْبِيِّ ، الْقَوْلَانِ جَمِيعًا ، وَاحْتَجُّوا بِأَنَّهُمَا قَرَابَتَانِ ، لَا يُورَثُ بِهِمَا فِي الْإِسْلَامِ ، فَلَا يُورَثُ بِهِمَا فِي غَيْرِهِ ، كَمَا لَوْ أَسْقَطَتْ إحْدَاهُمَا الْأُخْرَى .\rوَلَنَا ، أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى فَرَضَ لِلْأُمِّ الثُّلُثَ ، وَلِلْأُخْتِ النِّصْفَ ، فَإِذَا كَانَتْ الْأُمُّ أُخْتًا ، وَجَبَ إعْطَاؤُهَا مَا فَرَضَ اللَّهُ لَهَا فِي الْآيَتَيْنِ ، كَالشَّخْصَيْنِ .\rوَلِأَنَّهُمَا قَرَابَتَانِ ، تَرِثُ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مُنْفَرِدَةً ، لَا تَحْجُبُ إحْدَاهُمَا الْأُخْرَى ، وَلَا تُرَجَّحُ بِهَا ، فَتَرِثُ بِهِمَا ، مُجْتَمِعَيْنِ ، كَزَوْجٍ هُوَ ابْنُ عَمٍّ ، أَوْ ابْنُ عَمٍّ هُوَ أَخٌ مِنْ أُمٍّ ، وَكَذَوِي الْأَرْحَامِ الْمُدْلِينَ بِقَرَابَتَيْنِ .\rوَقِيَاسُهُمْ فَاسِدٌ ؛ لِأَنَّ الْقَرَابَتَيْنِ فِي الْأَصْلِ تُسْقِطُ إحْدَاهُمَا الْأُخْرَى إذَا كَانَتَا فِي شَخْصَيْنِ ، فَكَذَلِكَ إذَا كَانَتَا فِي شَخْصٍ .\rوَقَوْلُهُمْ : لَا يُورَثُ بِهِمَا فِي الْإِسْلَامِ .\rمَمْنُوعٌ ، فَإِنَّهُ إذَا وُجِدَ ذَلِكَ مِنْ وَطْءِ شُبْهَةٍ فِي الْإِسْلَامِ وَرِثَ بِهِمَا ، ثُمَّ إنَّ امْتِنَاعَ الْإِرْثِ بِهِمَا فِي الْإِسْلَامِ لِعَدَمِ وُجُودِهِمَا ، وَلَوْ تُصُوِّرَ وُجُودُهُمَا لَوُرِثَ بِهِمَا ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ قَدْ وُرِثَ بِنَظِيرِهِمَا فِي ابْنِ عَمٍّ","part":14,"page":79},{"id":6579,"text":"هُوَ زَوْجٌ ، أَوْ أَخٌ مِنْ أُمٍّ قَالَ ابْنُ اللَّبَّانِ : وَاعْتِبَارُهُمْ عِنْدِي فَاسِدٌ ، مِنْ قِبَلِ أَنَّ الْجَدَّةَ تَكُونُ أُخْتًا لِأَبٍ ، فَإِنْ وَرَّثُوهَا بِكَوْنِهَا جَدَّةً ، لِكَوْنِ الِابْنِ يُسْقِطُ الْأُخْتَ دُونَهَا ، لَزِمَهُمْ تَوْرِيثُهَا ، بِكَوْنِهَا أُخْتًا ، لِكَوْنِ الْأُمِّ تُسْقِطُ الْجَدَّةَ دُونَهَا .\rوَخَالَفُوا نَصَّ الْكِتَابِ فِي فَرْضِ الْأُخْتِ ، وَوَرَّثُوا الْجَدَّةَ الَّتِي لَا نَصَّ لِلْكِتَابِ فِي فَرْضِهَا ، وَهُوَ مُخْتَلَفٌ فِيهِ ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : هُوَ طُعْمَةٌ ، وَلَيْسَ بِفَرْضٍ مُسْتَحَقٍّ .\rوَيَلْزَمُهُمْ أَنَّ الْمَيِّتَ إذَا خَلَّفَ أُمَّهُ ، وَأُمَّ أُمٍّ هِيَ أُخْتٌ ، أَنْ لَا يُوَرِّثُوهَا شَيْئًا ؛ لِأَنَّ الْجُدُودَةَ مَحْجُوبَةٌ ، وَهِيَ أَقْوَى الْقَرَابَتَيْنِ .\rوَإِنْ قَالُوا : نُوَرِّثُهَا مَعَ الْأُمِّ بِكَوْنِهَا أُخْتًا نَقَضُوا اعْتِبَارَهُمْ بِكَوْنِهَا أَقْوَى الْقَرَابَتَيْنِ ، وَجَعَلُوا الْأُخُوَّة تَارَةً أَقْوَى ، وَتَارَةً أَضْعَفَ .\rوَإِنْ قَالُوا : أَقْوَى الْقَرَابَتَيْنِ الْأُخُوَّةُ ؛ لِأَنَّ مِيرَاثَهَا أَوْفَرُ .\rلَزِمَهُمْ فِي أُمٍّ هِيَ أُخْتٌ جَعْلَ الْأُخُوَّةِ أَقْوَى مِنْ جِهَةِ الْأُمُومَةِ ، وَيَلْزَمُهُمْ فِي إسْقَاطِ مِيرَاثِهَا مَعَ الِابْنِ وَالْأَخِ مِنْ الْأَبَوَيْنِ مَا لَزِمَ الْقَائِلِينَ بِتَقْدِيمِ الْجُدُودَةِ مَعَ الْأُمِّ .\rفَإِنْ قَالُوا : تَوْرِيثُهَا بِالْقَرَابَتَيْنِ يُفْضِي إلَى حَجْبِ الْأُمِّ بِنَفْسِهَا ، إذَا كَانَتْ أُخْتًا ، وَلِلْمَيِّتِ أُخْتٌ أُخْرَى .\rقُلْنَا : وَمَا الْمَانِعُ مِنْ هَذَا ؟ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَجَبَ الْأُمَّ بِالْأُخْتَيْنِ بِقَوْلِهِ { : فَإِنْ كَانَ لَهُ إخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ } مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِغَيْرِهَا .\rثُمَّ هُمْ قَدْ حَجَبُوهَا عَنْ مِيرَاثِ الْأُخْتِ بِنَفْسِهَا ، فَقَدْ دَخَلُوا فِيمَا أَنْكَرُوهُ ، بَلْ هُوَ أَعْظَمُ ؛ لِأَنَّهُمْ فَرُّوا مِنْ حَجْبِ التَّنْقِيصِ إلَى حَجْبِ الْإِسْقَاطِ ، وَأَسْقَطُوا الْفَرْضَ الَّذِي هُوَ أَوْفَرُ بِالْكُلِّيَّةِ مُحَافَظَةً عَلَى بَعْضِ الْفَرْضِ الْأَدْنَى وَخَالَفُوا مَدْلُولَ أَرْبَعَةِ نُصُوصٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى لِأَنَّهُمْ أَعْطَوْا","part":14,"page":80},{"id":6580,"text":"الْأُمَّ الثُّلُثَ ، وَإِنَّمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهَا مَعَ الْأُخْتَيْنِ السُّدُسَ .\rوَالثَّانِي ، أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إنَّمَا فَرَضَ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ الْأُخْتَيْنِ ثُلُثًا ، فَأَعْطَوْا إحْدَاهُمَا النِّصْفَ كَامِلًا وَالثَّالِثُ ، أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى فَرَضَ لِلْأُخْتَيْنِ الثُّلُثَيْنِ ، وَهَاتَانِ أُخْتَانِ ، فَلَمْ يَجْعَلُوا لَهُمَا الثُّلُثَيْنِ الرَّابِعُ ، أَنَّ مُقْتَضَى الْآيَةِ أَنْ يَكُونَ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ الْأُخْتَيْنِ الثُّلُثُ ، وَهَذِهِ أُخْتٌ ، فَلَمْ يُعْطُوهَا بِكَوْنِهَا أُخْتًا شَيْئًا .\rوَهَذَا كُلُّهُ مَعْنَى كَلَامِ ابْنِ اللَّبَّانِ .","part":14,"page":81},{"id":6581,"text":"( 4961 ) فَصْلٌ : وَالْمَسَائِلُ الَّتِي تَجْتَمِعُ فِيهَا قَرَابَتَانِ ، يَصِحُّ الْإِرْثُ بِهِمَا سِتٌّ ؛ إحْدَاهُنَّ فِي الذُّكُورِ ، وَهِيَ عَمٌّ هُوَ أَخٌ لِأُمٍّ ، وَخَمْسٌ فِي الْإِنَاثِ ، وَهِيَ بِنْتٌ هِيَ أُخْتٌ ، أَوْ بِنْتُ ابْنٍ ، وَأُمٌّ هِيَ أُخْتٌ ، وَأُمُّ أُمٍّ هِيَ أُخْتٌ لِأَبٍ ، وَأُمُّ أَبٍ هِيَ أُخْتٌ لِأُمٍّ ، فَمَنْ وَرَّثَهُمْ بِأَقْوَى الْقَرَابَتَيْنِ ، وَرَّثَهُمْ بِالْبُنُوَّةِ وَالْأُمُومَةِ ، دُونَ الْأُخُوَّةِ ، وَبُنُوَّةِ الِابْنِ .\rوَاخْتَلَفُوا فِي الْجَدَّةِ إذَا كَانَتْ أُخْتًا ؛ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : الْجُدُودَةُ أَقْوَى ؛ لِأَنَّهَا جِهَةُ وِلَادَةٍ لَا تَسْقُطُ بِالْوَلَدِ .\rوَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : الْأُخُوَّةُ أَقْوَى ؛ لِأَنَّهَا أَكْثَرُ مِيرَاثًا .\rقَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ وَغَيْرُهُ : هُوَ الصَّحِيحُ .\rوَمَنْ وَرَّثَ بِأَقْوَى الْقَرَابَتَيْنِ لَمْ يَحْجُبْ الْأُمَّ بِأُخُوَّةِ نَفْسِهَا ، إلَّا مَا حَكَاهُ سَحْنُونٌ ، عَنْ مَالِكٍ ، أَنَّهُ حَجَبَهَا بِذَلِكَ .\rوَالصَّحِيحُ عَنْهُ الْأَوَّلُ .\rوَمَنْ وَرَّثَ بِالْقَرَابَتَيْنِ حَجَبَهَا بِذَلِكَ .\rوَمَتَى كَانَتْ الْبِنْتُ أُخْتًا ، وَالْمَيِّتُ رَجُلٌ ، فَهِيَ أُخْتٌ لِأُمٍّ ، وَإِنْ كَانَ امْرَأَةً فَهِيَ أُخْتٌ لِأَبٍ وَإِنْ قِيلَ : أُمٌّ هِيَ أُخْتٌ لِأُمٍّ ، أَوْ أُمُّ أُمٍّ هِيَ أُخْتٌ لِأُمٍّ ، أَوْ أُمُّ أَبٍ هِيَ أُخْتٌ لِأَبٍ .\rفَهُوَ مُحَالٌ .\rمَسَائِلُ مِنْ ذَلِكَ : مَجُوسِيٌّ تَزَوَّجَ ابْنَتَهُ ، فَأَوْلَدَهَا بِنْتًا ، ثُمَّ مَاتَ عَنْهُمَا ، فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ ؛ لِأَنَّهُمَا ابْنَتَانِ ، وَلَا تَرِثُ الْكُبْرَى بِالزَّوْجِيَّةِ شَيْئًا فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا .\rفَإِنْ مَاتَتْ الْكُبْرَى بَعْدَهُ ، فَقَدْ تَرَكَتْ بِنْتًا ، هِيَ أُخْتٌ لِأَبٍ ، فَلَهَا النِّصْفُ بِالْبُنُوَّةِ ، وَالْبَاقِي بِالْأُخُوَّةِ ، وَإِنْ مَاتَتْ الصُّغْرَى قَبْلَ الْكُبْرَى ، فَقَدْ تَرَكَتْ أُمًّا ، هِيَ أُخْتٌ لِأَبٍ ، فَلَهَا النِّصْفُ ، وَالثُّلُثُ بِالْقَرَابَتَيْنِ ، وَمَنْ وَرَّثَ بِأَقْوَى الْقَرَابَتَيْنِ لَمْ يُوَرِّثْهَا بِالْأُخُوَّةِ شَيْئًا فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ وَقَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ : يَحْتَمِلُ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ تَوْرِيثَهَا","part":14,"page":82},{"id":6582,"text":"بِالْقَرَابَتَيْنِ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَمْنَعْ تَوْرِيثَ الشَّخْصِ بِفَرْضٍ وَتَعْصِيبٍ ، لِتَوْرِيثِهِ ابْنَ الْعَمِّ إذَا كَانَ زَوْجًا ، أَوْ أَخًا لِأُمٍّ ، وَإِنَّمَا مُنِعَ الْإِرْثُ بِفَرْضَيْنِ .\rفَإِنْ كَانَ الْمَجُوسِيُّ أَوْلَدَهَا بِنْتَيْنِ ، ثُمَّ مَاتَ وَمَاتَتْ الْكُبْرَى بَعْدَهُ ، فَقَدْ تَرَكَتْ بِنْتَيْنِ ، هُمَا أُخْتَانِ لِأَبٍ ، وَإِنْ لَمْ تَمُتْ الْكُبْرَى ، بَلْ مَاتَتْ إحْدَى الصَّغِيرَتَيْنِ ، فَقَدْ تَرَكَتْ أُخْتًا لِأَبَوَيْنِ ، وَأُمًّا هِيَ أُخْتٌ لِأَبٍ ؛ فَلِأُمِّهَا السُّدُسُ بِكَوْنِهَا أُمًّا ، وَالسُّدُسُ بِكَوْنِهَا أُخْتًا لِأَبٍ ، وَانْحَجَبَتْ بِنَفْسِهَا وَأُخْتِهَا عَنْ السُّدُسِ ، وَلِلْأُخْتِ النِّصْفُ وَعَلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ ، لَهَا الثُّلُثُ بِالْأُمُومَةِ ، وَلَا شَيْءَ لَهَا بِالْأُخُوَّةِ ، وَلَا تَنْحَجِبُ بِهَا ، وَلِلْأُخْتِ النِّصْفُ ، فَقَدْ اسْتَوَى الْحُكْمُ فِي الْقَوْلَيْنِ ، وَإِنْ اخْتَلَفَ طَرِيقُهُمَا .\rوَعَلَى مَا حَكَاهُ سَحْنُونٌ ، لَهَا السُّدُسُ وَتَنْحَجِبُ بِنَفْسِهَا ، وَأُخْتِهَا .\rوَإِنْ أَوْلَدَهَا الْمَجُوسِيُّ ابْنًا ، وَبِنْتًا ، ثُمَّ مَاتَ ، وَمَاتَتْ الصُّغْرَى بَعْدَهُ ، فَقَدْ خَلَّفَتْ أُمًّا هِيَ أُخْتٌ لِأَبٍ ، وَأَخًا لِأُمٍّ وَأَبٍ ، فَلِأُمِّهَا السُّدُسُ ، وَالْبَاقِي لِلْأَخِ ، وَلَا شَيْءَ لِلْأُمِّ بِالْأُخُوَّةِ ؛ لِأَنَّ الْأَخَ لِلْأَبَوَيْنِ يَحْجُبُهَا .\rوَعَلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ ؛ لِلْأُمِّ الثُّلُثُ كَامِلًا وَإِنْ تَزَوَّجَ الْمَجُوسِيُّ أُمَّهُ ، فَأَوْلَدَهَا بِنْتًا ، ثُمَّ مَاتَ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ ، وَلِابْنَتِهِ النِّصْفُ ، وَلَا تَرِثُ أُمُّهُ بِالزَّوْجِيَّةِ شَيْئًا ، وَلَا ابْنَتُهُ بِكَوْنِهَا أُخْتًا لِأُمٍّ شَيْئًا .\rوَإِنْ مَاتَتْ الْكُبْرَى بَعْدَهُ ، فَقَدْ خَلَّفَتْ بِنْتًا هِيَ بِنْتُ ابْنٍ ، فَلَهَا الثُّلُثَانِ بِالْقَرَابَتَيْنِ .\rوَعَلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ ؛ لَهَا النِّصْفُ .\rوَإِنْ مَاتَتْ الصُّغْرَى بَعْدَهُ ، فَقَدْ تَرَكَتْ أُمًّا هِيَ أُمُّ أَبٍ ، فَلَهَا الثُّلُثُ بِالْأُمُومَةِ لَا غَيْرُ ، عَلَى الْقَوْلَيْنِ جَمِيعًا .\rوَإِنْ تَزَوَّجَ ابْنَتَهُ ، فَأَوْلَدَهَا ابْنَةً ، ثُمَّ تَزَوَّجَ الصُّغْرَى ،","part":14,"page":83},{"id":6583,"text":"فَأَوْلَدَهَا بِنْتًا ، ثُمَّ مَاتَ ، وَمَاتَتْ الْكُبْرَى بَعْدَهُ ، فَقَدْ تَرَكَتْ أُخْتَيْهَا لِأَبِيهَا ، إحْدَاهُمَا بِنْتُهَا وَبِنْتُ أَبِيهَا ، وَالْأُخْرَى بِنْتُ بِنْتِهَا ، فَلِبِنْتِهَا النِّصْفُ ، وَالْبَاقِي بَيْنَهُمَا وَعَلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ ، لَبِنْتِهَا النِّصْفُ ، وَالْبَاقِي لِلصُّغْرَى .\rوَإِنْ مَاتَتْ الْوُسْطَى بَعْدَهُ ، فَقَدْ تَرَكَتْ أُخْتَيْهَا ؛ إحْدَاهُمَا أُمُّهَا ، وَالْأُخْرَى بِنْتُهَا ؛ فَلِأُمِّهَا السُّدُسُ ، وَلِبِنْتِهَا النِّصْفُ ، وَالْبَاقِي بَيْنَهُمَا .\rوَعَلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ ، الْبَاقِي لِلْعَصَبَةِ .\rوَإِنْ مَاتَتْ الصُّغْرَى بَعْدَهُ ، فَقَدْ خَلَّفَتْ أُخْتَيْهَا ؛ إحْدَاهُمَا أُمُّهَا ، وَالْأُخْرَى جَدَّتُهَا ؛ فَلِأُمِّهَا السُّدُسُ ، وَالْبَاقِي بَيْنَهُمَا ، وَقَدْ انْحَجَبَتْ الْأُمُّ بِنَفْسِهَا ، وَبِأُمِّهَا عَنْ السُّدُسِ .\rوَعَلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ مِنْ جَعْلِ الْأُخُوَّةِ أَقْوَى ، فَلِلْكُبْرَى النِّصْفُ ، وَلِلْوُسْطَى الثُّلُثُ ، وَالْبَاقِي لِلْعَصَبَةِ وَمَنْ جَعَلَ الْجُدُودَةَ أَقْوَى ، لَمْ يُوَرِّثْ الْكُبْرَى شَيْئًا ؛ لِأَنَّهَا لَا تَرِثُ بِالْأُخُوَّةِ ، لِكَوْنِهَا ضَعِيفَةً ، وَلَا بِالْجُدُودَةِ ، لِكَوْنِهَا مَحْجُوبَةً بِالْأُمُومَةِ وَإِنْ مَاتَتْ الصُّغْرَى بَعْدَ الْوُسْطَى ، فَقَدْ خَلَّفَتْ جَدَّةً هِيَ أُخْتٌ لِأَبٍ ، فَلَهَا الثُّلُثُ بِالْقَرَابَتَيْنِ ، وَمَنْ وَرَّثَ بِإِحْدَاهُمَا ، فَلَهَا السُّدُسُ عِنْدَ قَوْمٍ .\rوَعِنْدَ ابْنِ سُرَيْجٍ وَمَنْ وَافَقَهُ لَهَا النِّصْفُ ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الْخَبْرِيِّ مَجُوسِيٌّ تَزَوَّجَ أُمَّهُ ، فَأَوْلَدَهَا بِنْتًا ، ثُمَّ تَزَوَّجَ بِنْتَهُ ، فَأَوْلَدَهَا ابْنًا ، ثُمَّ تَزَوَّجَ الِابْنُ جَدَّتَهُ ، فَأَوْلَدَهَا بِنْتًا ، ثُمَّ مَاتَ الْمَجُوسِيُّ ، ثُمَّ مَاتَتْ أُمُّهُ ، فَقَدْ خَلَّفَتْ بِنْتًا هِيَ بِنْتُ ابْنٍ ، وَبِنْتًا أُخْرَى هِيَ بِنْتُ ابْنِ ابْنٍ ، وَخَلَّفَتْ ابْنَ ابْنٍ هُوَ زَوْجُهَا ؛ فَلِابْنَتِهَا الثُّلُثَانِ ، وَالْبَاقِي بَيْنَ الْكُبْرَى وَابْنِهَا عَلَى ثَلَاثَةٍ ، وَتَصِحُّ مِنْ تِسْعَةٍ ؛ لِلْكُبْرَى أَرْبَعَةٌ ، وَلِلصُّغْرَى ثَلَاثَةٌ ، وَلِلذَّكَرِ سَهْمَانِ .\rوَعَلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ ،","part":14,"page":84},{"id":6584,"text":"الْبَاقِي لِلذَّكَرِ وَحْدَهُ .\rفَإِنْ مَاتَتْ بَعْدَهُ بِنْتُهُ ، فَإِنَّ الْكُبْرَى جَدَّتُهَا أُمُّ أَبِيهَا ، وَهِيَ أُخْتُهَا مِنْ أُمِّهَا ، فَلَهَا السُّدُسَانِ بِالْقَرَابَتَيْنِ ، وَفِي الثَّانِي لَهَا السُّدُسُ بِإِحْدَاهُمَا .","part":14,"page":85},{"id":6585,"text":"( 4962 ) فَصْلٌ : وَإِنْ وَطِئَ مُسْلِمٌ بَعْضَ مَحَارِمِهِ بِشُبْهَةٍ ، أَوْ اشْتَرَاهَا وَهُوَ لَا يَعْرِفُهَا فَوَطِئَهَا ، فَوَلَدَتْ لَهُ ، وَاتَّفَقَ مِثْلُ هَذِهِ لِإِنْسَانٍ ، فَالْحُكْمُ فِيهَا مِثْلُ هَذَا سَوَاءٌ .","part":14,"page":86},{"id":6586,"text":"( 4963 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِذَا غَرِقَ الْمُتَوَارِثَانِ ، أَوْ مَاتَا تَحْتَ هَدْمٍ ، فَجُهِلَ أَوَّلُهُمَا مَوْتًا ، وُرِّثَ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْمُتَوَارِثَيْنِ إذَا مَاتَا ، فَجُهِلَ أَوَّلُهُمَا مَوْتًا ، فَإِنَّ أَحْمَدَ قَالَ : أَذْهَبُ إلَى قَوْلِ عُمَرَ ، وَعَلِيٍّ ، وَشُرَيْحٍ ، وَإِبْرَاهِيمَ ، وَالشَّعْبِيِّ : يَرِثُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ .\rيَعْنِي مِنْ تِلَادِ مَالِهِ دُونَ طَارِفِهِ ، وَهُوَ مَا وَرِثَهُ مِنْ مَيِّتٍ مَعَهُ .\rوَهَذَا قَوْلُ مَنْ ذَكَرَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ، وَهُوَ قَوْلُ إيَاسِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيّ ، وَعَطَاءٍ ، وَالْحَسَنِ ، وَحُمَيْدٍ الْأَعْرَجِ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ ، وَابْنِ أَبِي لَيْلَى ، وَالْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ ، وَشَرِيكٍ ، وَيَحْيَى بْنِ آدَمَ ، وَإِسْحَاقَ ، وَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ .\rقَالَ الشَّعْبِيُّ : وَقَعَ الطَّاعُونُ عَامَ عَمَوَاسٍ ، فَجَعَلَ أَهْلُ الْبَيْتِ يَمُوتُونَ عَنْ آخِرِهِمْ ، فَكُتِبَ فِي ذَلِكَ إلَى عُمَرَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .\rفَكَتَبَ عُمَرُ : أَنْ وَرِّثُوا بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ .\rوَرُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ، وَزَيْدٍ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَمُعَاذٍ ، وَالْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، أَنَّهُمْ لَمْ يُوَرِّثُوا بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ ، وَجَعَلُوا مَا لِكُلِّ وَاحِدٍ لِلْأَحْيَاءِ مِنْ وَرَثَتِهِ وَبِهِ قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَأَبُو الزِّنَادِ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ ، وَيُرْوَى ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ ، وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ ، وَرَاشِدِ بْنِ سَعْدٍ ، وَحَكِيمِ بْنِ عُمَيْرٍ ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ .\rوَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي امْرَأَةٍ وَابْنِهَا مَاتَا ، فَقَالَ زَوْجُهَا : مَاتَتْ فَوَرِثْنَاهَا ، ثُمَّ مَاتَ ابْنِي فَوَرِثْتُهُ .\rوَقَالَ أَخُوهَا : مَاتَ ابْنُهَا فَوَرِثَتْهُ ، ثُمَّ مَاتَتْ فَوَرِثْنَاهَا .\rحَلَفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى إبْطَالِ دَعْوَى صَاحِبِهِ ، وَكَانَ مِيرَاثُ الِابْنِ لِأَبِيهِ ، وَمِيرَاثُ","part":14,"page":87},{"id":6587,"text":"الْمَرْأَةِ لِأَخِيهَا وَزَوْجِهَا نِصْفَيْنِ .\rفَجَعَلَ مِيرَاثَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِلْأَحْيَاءِ مِنْ وَرَثَتِهِ .\rفَيُحْتَمَلُ أَنْ يُجْعَلَ هَذَا رِوَايَةً عَنْ أَحْمَدَ فِي جَمِيعِ مَسَائِلِ الْبَابِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا قَوْلًا فِيمَا إذَا ادَّعَى وَارِثُ كُلِّ مَيِّتٍ أَنَّ مَوْرُوثَهُ كَانَ آخِرَهُمَا مَوْتًا ، وَيَرِثُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ الْآخَرِ ، إذَا اتَّفَقَ وُرَّاثُهُمْ عَلَى الْجَهْلِ بِكَيْفِيَّةِ مَوْتِهِمْ ؛ لِأَنَّ مَعَ التَّدَاعِي تَتَوَجَّهُ الْيَمِينُ ، عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ، فَيَحْلِفُ عَلَى إبْطَالِ دَعْوَى صَاحِبِهِ ، وَيَتَوَفَّرُ الْمِيرَاثُ لَهُ .\rكَمَا فِي سَائِرِ الْحُقُوقِ ، بِخِلَافِ مَا إذَا اتَّفَقُوا عَلَى الْجَهْلِ ، فَلَا تَتَوَجَّهُ يَمِينٌ ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ لَا يُشْرَعُ فِي مَوْضِعٍ اتَّفَقُوا عَلَى الْجَهْلِ بِهِ .\rوَاحْتَجَّ مَنْ قَالَ بِعَدَمِ تَوْرِيثِ بَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ ، بِمَا رَوَى سَعِيدٌ ، حَدَّثَنَا إسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ ، عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيدٍ : أَنَّ قَتْلَى الْيَمَامَةِ ، وَقَتْلَى صِفِّينَ وَالْحَرَّةِ ، لَمْ يُوَرِّثُوا بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ ، وَوَرَّثُوا عَصَبَتَهُمْ الْأَحْيَاءَ وَقَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ : أَنَّ أُمَّ كُلْثُومِ بِنْتَ عَلِيٍّ تُوُفِّيَتْ هِيَ وَابْنُهَا زَيْدُ بْنُ عُمَرَ ، فَالْتَقَتْ الصَّيْحَتَانِ فِي الطَّرِيقِ ، فَلَمْ يُدْرَ أَيُّهُمَا مَاتَ قَبْلَ صَاحِبِهِ ، فَلَمْ تَرِثْهُ وَلَمْ يَرِثْهَا وَأَنَّ أَهْلَ صِفِّينَ ، وَأَهْلَ الْحَرَّةِ لَمْ يَتَوَارَثُوا .\rوَلِأَنَّ شَرْطَ التَّوْرِيثِ حَيَاةُ الْوَارِثِ بَعْدَ مَوْتِ الْمَوْرُوثِ ، وَهُوَ غَيْرُ مَعْلُومٍ ، وَلَا يَثْبُتُ التَّوْرِيثُ مَعَ الشَّكِّ فِي شَرْطِهِ ، وَلِأَنَّهُ لَمْ تُعْلَمْ حَيَاتُهُ حِينَ مَوْتِ مَوْرُوثِهِ ، فَلَمْ يَرِثْهُ ، كَالْحَمْلِ إذَا وَضَعَتْهُ مَيِّتًا ، وَلِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ التَّوْرِيثِ فَلَا نُثْبِتُهُ بِالشَّكِّ ، وَلِأَنَّ تَوْرِيثَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا خَطَأٌ يَقِينًا ؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ مَوْتُهُمَا مَعًا ، أَوْ سَبَقَ أَحَدُهُمَا بِهِ ، وَتَوْرِيثُ","part":14,"page":88},{"id":6588,"text":"السَّابِقِ بِالْمَوْتِ وَالْمَيِّتِ مَعَهُ خَطَأٌ يَقِينًا ، مُخَالِفٌ لِلْإِجْمَاعِ ، فَكَيْفَ يُعْمَلُ بِهِ ، فَإِنْ قِيلَ : فَفِي قَطْعِ التَّوْرِيثِ قَطْعُ تَوْرِيثِ الْمَسْبُوقِ بِالْمَوْتِ ، وَهُوَ خَطَأٌ أَيْضًا قُلْنَا : هَذَا غَيْرُ مُتَيَقَّنٍ ؛ لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ مَوْتُهُمَا جَمِيعًا ، فَلَا يَكُونُ فِيهِمَا مَسْبُوقٌ .\rوَقَدْ احْتَجَّ بَعْضُ أَصْحَابِنَا بِمَا رَوَى إيَاسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيّ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { سُئِلَ عَنْ قَوْمٍ وَقَعَ عَلَيْهِمْ بَيْتٌ .\rفَقَالَ : يَرِثُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا } .\rوَالصَّحِيحُ أَنَّ هَذَا إنَّمَا هُوَ عَنْ إيَاسٍ نَفْسِهِ ، وَأَنَّهُ هُوَ الْمَسْئُولُ ، وَلَيْسَ بِرَاوِيَةٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rهَكَذَا رَوَاهُ سَعِيدٌ فِي \" سُنَنِهِ \" .\rوَحَكَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْهُ .\rوَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ ، وَابْن سُرَيْجٍ ، وَطَائِفَةٌ مِنْ الْبَصْرِيِّينَ : يُعْطَى كُلُّ وَارِثٍ الْيَقِينَ ، وَيُوقَفُ الْمَشْكُوكُ فِيهِ ، حَتَّى يَتَبَيَّنَ الْأَمْرُ ، أَوْ يَصْطَلِحُوا وَقَالَ الْخَبْرِيُّ : هَذَا هُوَ الْحُكْمُ فِيمَا إذَا عُلِمَ مَوْتُ أَحَدِهِمَا قَبْلَ صَاحِبِهِ .\rوَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ خِلَافًا .\rوَمِنْ مَسَائِلِ ذَلِكَ ؛ أَخَوَانِ غَرِقَا ، أَحَدُهُمَا مَوْلَى زَيْدٍ ، وَالْآخَرُ مَوْلَى عَمْرٍو ؛ مَنْ وَرَّثَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ صَاحِبِهِ ، جَعَلَ مِيرَاثَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِمَوْلَى أَخِيهِ ، وَمَنْ لَمْ يُوَرِّثْ أَحَدَهُمَا مِنْ صَاحِبِهِ ، جَعَلَ مِيرَاثَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِمَوْلَاهُ ، وَمَنْ قَالَ بِالْوَقْفِ وَقَفَ مَالَهُمَا .\rفَإِنْ ادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْمَوْلَيَيْنِ أَنَّ مَوْلَاهُ آخِرُهُمَا مَوْتًا ، حَلَفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى إبْطَالِ دَعْوَى صَاحِبِهِ ، وَأَخَذَ مَالَ مَوْلَاهُ عَلَى مَسْأَلَةِ الْخِرَقِيِّ وَإِنْ كَانَتْ لَهُمَا أُخْتٌ ، فَلَهَا الثُّلُثَانِ مِنْ مَالِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ ، وَالنِّصْفُ عَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي .\rوَإِنْ خَلَّفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِنْتًا وَزَوْجَةً ، فَمَنْ لَمْ يُوَرِّثْ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ ، صَحَّحَهَا مِنْ","part":14,"page":89},{"id":6589,"text":"ثَمَانِيَةٍ ، لِامْرَأَتِهِ الثُّمُنُ ، وَلِابْنَتِهِ النِّصْفُ ، وَالْبَاقِي لِمَوْلَاهُ .\rوَمَنْ وَرَّثَهُمْ ، جَعَلَ الْبَاقِيَ لِأَخِيهِ ، ثُمَّ قَسَّمَهُ بَيْنَ وَرَثَةِ أَخِيهِ عَلَى ثَمَانِيَةٍ ، ثُمَّ ضَرَبَهَا فِي الثَّمَانِيَةِ الْأُولَى ، فَصَحَّتْ مِنْ أَرْبَعَةٍ وَسِتِّينَ ؛ لِامْرَأَتِهِ ثَمَانِيَةٌ ، وَلِابْنَتِهِ اثْنَانِ وَثَلَاثُونَ ، وَلِامْرَأَةِ أَخِيهِ ثُمُنُ الْبَاقِي ، وَلِابْنَتِهِ اثْنَا عَشَرَ ، وَلِمَوْلَاهُ الْبَاقِي تِسْعَةٌ .\rأَخٌ وَأُخْتٌ غَرِقَا ، وَلَهُمَا أُمٌّ وَعَمٌّ وَزَوْجَانِ .\rفَمَنْ وَرَّثَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ صَاحِبِهِ ، جَعَلَ مِيرَاثَ الْأَخِ بَيْنَ امْرَأَتِهِ وَأُمِّهِ وَأُخْتِهِ عَلَى ثَلَاثَةَ عَشَرَ ، فَمَا أَصَابَ الْأُخْتَ مِنْهَا فَهُوَ بَيْنَ زَوْجِهَا وَأُمِّهَا وَعَمِّهَا عَلَى سِتَّةٍ ، فَصَحَّتْ الْمَسْأَلَتَانِ مِنْ ثَلَاثَةَ عَشَرَ ؛ لِامْرَأَةِ الْأَخِ ثَلَاثَةٌ ، وَلِزَوْجِ الْأُخْتِ ثَلَاثَةٌ ، وَلِلْأُمِّ أَرْبَعَةٌ بِمِيرَاثِهَا مِنْ الْأَخِ ، وَاثْنَانِ بِمِيرَاثِهَا مِنْ الْأُخْتِ ، وَلِلْعَمِّ سَهْمٌ ، وَمِيرَاثُ الْأُخْتِ بَيْنَ زَوْجِهَا وَأُمِّهَا وَأَخِيهَا عَلَى سِتَّةٍ ؛ لِأَخِيهَا سَهْمٌ بَيْنَ أُمِّهِ وَامْرَأَتِهِ وَعَمِّهِ عَلَى اثْنَيْ عَشَرَ ، تَضْرِبُهَا فِي الْأُولَى ، تَكُنْ مِنْ اثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ ، وَالضَّرَرُ فِي هَذَا الْقَوْلِ عَلَى مَنْ يَرْتُ مِنْ أَحَدِ الْمَيِّتَيْنِ دُونَ الْآخَرِ ، وَيَنْتَفِعُ بِهِ مَنْ يَرِثُ مِنْهُمَا ثَلَاثَةُ إخْوَةٍ مِنْ أَبَوَيْنِ .\rغَرِقُوا ، وَلَهُمْ أُمٌّ وَعَصَبَةٌ ، فَقَدِّرْ مَوْتَ أَحَدِهِمْ أَوَّلًا ، فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ ، وَالْبَاقِي لِأَخَوَيْهِ ، فَتَصِحُّ مِنْ اثْنَيْ عَشَرَ ، لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ أَخَوَيْهِ خَمْسَةٌ ، بَيْنَ أُمِّهِ وَعَصَبَتِهِ ، عَلَى ثَلَاثَةٍ ، فَتَضْرِبُهَا فِي الْأُولَى ، تَكُنْ سِتَّةً وَثَلَاثِينَ ، لِلْأُمِّ مِنْ مِيرَاثِ الْأَوَّلِ السُّدُسُ سِتَّةٌ ، وَمِمَّا وَرِثَهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْأَخَوَيْنِ خَمْسَةٌ ، فَصَارَ لَهَا سِتَّةَ عَشَرَ ، وَالْبَاقِي لِلْعَصَبَةِ ، وَلَهَا مِنْ مِيرَاثِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْأَخَوَيْنِ مِثْلُ ذَلِكَ .\rذَكَرَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ أَبُو بَكْرٍ .\rثَلَاثَةُ إخْوَةٍ","part":14,"page":90},{"id":6590,"text":"مُفْتَرِقِينَ غَرِقُوا ، وَخَلَّفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أُخْتَهُ لِأَبَوَيْهِ ، فَقَدِّرْ مَوْتَ الْأَخِ مِنْ الْأَبَوَيْنِ أَوَّلًا عَنْ أُخْتِهِ مِنْ أَبَوَيْهِ ، وَأَخَوَيْهِ مِنْ أَبِيهِ ، وَأَخَوَيْهِ مِنْ أُمِّهِ ، فَصَحَّتْ مَسْأَلَتُهُ مِنْ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ ؛ لِأَخِيهِ مِنْ أُمِّهِ مِنْهَا ثَلَاثَةٌ بَيْنَ أُخْتِهِ مِنْ أَبَوَيْهِ وَأُخْتِهِ مِنْ أُمِّهِ ، عَلَى أَرْبَعَةٍ وَأَصَابَ الْأَخُ مِنْ الْأَبِ مِنْهَا اثْنَيْنِ ، بَيْنَ أَخِيهِ مِنْ أَبَوَيْهِ ، وَأُخْتِهِ مِنْ أَبِيهِ ، عَلَى أَرْبَعَةٍ ، فَتَجْتَزِئُ بِإِحْدَاهُمَا ، وَتَضْرِبُهَا فِي الْأُولَى ، تَكُنْ اثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ ، ثُمَّ قَدِّرْ مَوْتَ الْأَخِ مِنْ الْأُمِّ ، عَنْ أُخْتٍ لِأَبَوَيْنِ ، وَأَخٍ ، وَأُخْتٍ لِأُمٍّ ، فَمَسْأَلَتُهُ مِنْ خَمْسَةٍ مَاتَ أَخُوهُ لِأُمِّهِ عَنْ ثَلَاثِ أَخَوَاتٍ مُفْتَرِقَاتٍ ، فَهِيَ مِنْ خَمْسَةٍ أَيْضًا ، تَضْرِبُهَا فِي الْأُولَى ، تَكُنْ خَمْسَةً وَعِشْرِينَ ، ثُمَّ قَدِّرْ مَوْتَ الْأَخِ مِنْ الْأَبِ ، عَنْ أُخْتٍ لِأَبَوَيْهِ ، وَأَخٍ وَأُخْتٍ لِأَبِيهِ ، فَهِيَ مِنْ سِتَّةٍ ، ثُمَّ مَاتَ الْأَخُ مِنْ الْأَبِ عَنْ ثَلَاثِ أَخَوَاتٍ مُفْتَرِقَاتٍ ، فَهِيَ مِنْ خَمْسَةٍ ، تَضْرِبُهَا فِي الْأُولَى ، تَكُنْ ثَلَاثِينَ .\rفَإِنْ خَلَّفَ بِنْتًا وَأَخَوَيْنِ ، فَلَمْ يَقْتَسِمُوا التَّرِكَةَ حَتَّى غَرِقَ الْأَخَوَانِ ، وَخَلَّفَ أَحَدُهُمَا امْرَأَةً وَبِنْتًا وَعَمًّا ؛ وَخَلَّفَ الْآخَرُ ابْنَتَيْنِ ، وَابْنَتَيْنِ ؛ الْأُولَى مِنْ أَرْبَعَةٍ ، مَاتَ أَحَدُهُمْ عَنْ سَهْمٍ ، وَمَسْأَلَتُهُ مِنْ ثَمَانِيَةٍ ، لِأَخِيهِ مِنْهَا ثَلَاثَةٌ بَيْنَ أَوْلَادِهِ عَلَى سِتَّةٍ رَجَعُوا إلَى اثْنَيْنِ ، تَضْرِبُهَا فِي ثَمَانِيَةٍ ، تَكُنْ سِتَّةَ عَشَرَ وَفَرِيضَةُ الْآخَرِ مِنْ سِتَّةٍ ، يَتَّفِقَانِ بِالنِّصْفِ ، فَاضْرِبْ نِصْفَ إحْدَاهُمَا فِي الْأُخْرَى ، تَكُنْ ثَمَانِيَةً وَأَرْبَعِينَ ، ثُمَّ فِي أَرْبَعَةٍ ، تَكُنْ مِائَةً وَاثْنَيْنِ وَتِسْعِينَ ، لِلْبِنْتِ نِصْفُهَا ، وَلِأَوْلَادِ الْأَخِ عَنْ أَبِيهِمْ رُبُعُهَا ، وَعَنْ عَمِّهِمْ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ ، صَارَ لَهُمْ سِتَّةٌ وَسِتُّونَ ، وَلِامْرَأَةِ الْأَخِ سِتَّةٌ ، وَلِبِنْتِهِ أَرْبَعَةٌ","part":14,"page":91},{"id":6591,"text":"وَعِشْرُونَ .","part":14,"page":92},{"id":6592,"text":"( 4964 ) فَصْلٌ : وَإِنْ عُلِمَ خُرُوجُ رَوْحِهِمَا مَعًا فِي حَالٍ وَاحِدَةٍ ، لَمْ يَرِثْ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ ، وَوَرِثَ كُلَّ وَاحِدٍ الْأَحْيَاءُ مِنْ وَرَثَتِهِ ؛ لِأَنَّ تَوْرِيثَهُ مَشْرُوطٌ بِحَيَاتِهِ بَعْدَهُ ، وَقَدْ عُلِمَ انْتِفَاءُ ذَلِكَ .\rوَإِنْ عُلِمَ أَنَّ أَحَدَهُمَا مَاتَ قَبْلَ صَاحِبِهِ بِعَيْنِهِ ، ثُمَّ أَشْكَلَ ، أُعْطِيَ كُلُّ وَارِثٍ الْيَقِينَ ، وَوُقِفَ الْبَاقِي حَتَّى يَتَبَيَّنَ الْأَمْرُ أَوْ يَصْطَلِحُوا .\rقَالَ الْقَاضِي : وَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنْ يُقَسَّمَ عَلَى سَبِيلِ مِيرَاثِ الْغَرْقَى الَّذِينَ جُهِلَ حَالُهُمْ .\rوَإِنْ ادَّعَى وَرَثَةُ كُلِّ مَيِّتٍ أَنَّهُ آخِرُهُمَا مَوْتًا ، فَهِيَ مَسْأَلَةُ الْخِرَقِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَقَدْ نَصَّ فِيهَا الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَلَى أَنَّ وَرَثَةَ كُلِّ مَيِّتٍ يَحْلِفُونَ ، وَيَخْتَصُّونَ بِمِيرَاثِهِ ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَاسَ عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ سَائِرُ الصُّوَرِ ، فَيَتَخَرَّجُ فِي الْجَمِيعِ رِوَايَتَانِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَخْتَصَّ هَذَا الْحُكْمُ بِهَذِهِ الصُّورَةِ دُونَ غَيْرِهَا ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الصُّورَ فِيهَا مُدَّعٍ وَمُنْكِرٌ ، وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ ، بِخِلَافِ بَقِيَّةِ الصُّوَرِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":14,"page":93},{"id":6593,"text":"( 4965 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَمَنْ لَمْ يَرِثْ لَمْ يُحْجَبْ ) يَعْنِي مَنْ لَمْ يَرِثْ لِمَعْنًى فِيهِ ، كَالْمُخَالِفِ فِي الدِّينِ ، وَالرَّقِيقِ ، وَالْقَاتِلِ ، فَهَذَا لَا يَحْجُبُ غَيْرَهُ ، فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ الصَّحَابَةِ ، وَالتَّابِعِينَ ، إلَّا ابْنَ مَسْعُودٍ ، وَمَنْ وَافَقَهُ ، فَإِنَّهُمْ يَحْجُبُونَ الْأُمَّ ، وَالزَّوْجَيْنِ بِالْوَلَدِ الْكَافِرِ ، وَالْقَاتِلِ ، وَالرَّقِيقِ ، وَيَحْجُبُونَ الْأُمَّ بِالْإِخْوَةِ الَّذِينَ هُمْ كَذَلِكَ .\rوَبِهِ قَالَ أَبُو ثَوْرٍ وَدَاوُد .\rوَتَابَعَهُ الْحَسَنُ فِي الْقَاتِلِ دُونَ غَيْرِهِ .\rوَلَعَلَّهُمْ تَمَسَّكُوا بِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى { : فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمْ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ .\rفَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ } .\rوقَوْله تَعَالَى { : وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ } .\rوَقَوْلِهِ { : فَإِنْ كَانَ لَهُ إخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ } .\rوَهَؤُلَاءِ أَوْلَادٌ ، وَإِخْوَةٌ ، وَعَدَمُ إرْثِهِمْ لَا يَمْنَعُ حَجْبَهُمْ ، كَالْإِخْوَةِ مَعَ الْأَبَوَيْنِ يَحْجُبُونَ الْأُمَّ ، وَلَا يَرِثُونَ وَلَنَا ، أَنَّهُ وَلَدٌ لَا يَحْجُبُ الْإِخْوَةَ مِنْ الْأُمِّ ، وَلَا يَحْجُبُ وَلَدَهُ ، وَلَا الْأَبَ إلَى السُّدُسِ ، فَلَمْ يَحْجُبْ غَيْرَهُمْ ، كَالْمَيِّتِ ، وَلِأَنَّهُ لَا يُؤَثِّرُ فِي حَجْبِ غَيْرِ الْأُمِّ وَالزَّوْجَيْنِ ، فَلَمْ يُؤَثِّرْ فِي حَجْبِهِمْ ، كَالْمَيِّتِ ، وَالْآيَةُ أُرِيدَ بِهَا وَلَدٌ مِنْ أَهْلِ الْمِيرَاثِ ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَمَّا قَالَ { : يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ } أَرَادَ بِهِ الْوَارِثَ ، وَلَمْ يَدْخُلْ هَذَا فِيهِمْ ، وَلَمَّا قَالَ { : إنْ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ } .\rلَمْ يَدْخُلْ هَذَا فِيهِمْ .\rوَأَمَّا الْإِخْوَةُ مَعَ الْأَبِ ، فَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْمِيرَاثِ ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْلَا الْأَبُ لَوَرِثُوا ، وَإِنَّمَا قُدِّمَ عَلَيْهِمْ غَيْرُهُمْ ، وَمُنِعُوا مَعَ أَهْلِيَّتِهِمْ ؛ لِأَنَّ غَيْرَهُمْ أَوْلَى مِنْهُمْ ، فَامْتِنَاعُ إرْثِهِمْ لِمَانِعٍ ، لَا","part":14,"page":94},{"id":6594,"text":"لِانْتِفَاءِ الْمُقْتَضِي .","part":14,"page":95},{"id":6595,"text":"( 4966 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا مَنْ لَا يَرِثُ لِحَجْبِ غَيْرِهِ لَهُ ، فَإِنَّهُ يَحْجُبُ ، وَإِنْ لَمْ يَرِثْ ، كَالْإِخْوَةِ يَحْجُبُونَ الْأُمَّ ، وَهُمْ مَحْجُوبُونَ بِالْأَبِ ؛ لِأَنَّ عَدَمَ إرْثِهِمْ لَمْ يَكُنْ لِمَعْنًى فِيهِمْ ، وَلَا لِانْتِفَاءِ أَهْلِيَّتِهِمْ ، بَلْ لِتَقْدِيمِ غَيْرِهِمْ عَلَيْهِمْ ، وَالْمَعْنَى الَّذِي حُجِبُوا بِهِ فِي حَالِ إرْثِهِمْ مَوْجُودٌ ، مَعَ حَجْبِهِمْ عَنْ الْمِيرَاثِ ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا .\rفَعَلَى هَذَا ، إذَا اجْتَمَعَ أَبَوَانِ وَأَخَوَانِ أَوْ أُخْتَانِ ؛ فَلِلْأُمِّ السُّدُسُ ، وَالْبَاقِي لِلْأَبِ ، وَيَحْجُبُ الْأَخَوَانِ الْأُمَّ عَنْ السُّدُسِ ، وَلَا يَرِثُونَ شَيْئًا وَلَوْ مَاتَ رَجُلٌ ، وَخَلَّفَ أَبَاهُ وَأُمَّ أَبِيهِ وَأُمَّ أُمِّ أُمِّهِ ، لَحَجَبَ الْأَبُ أُمَّهُ عَنْ الْمِيرَاثِ ، وَحَجَبَتْ أُمُّهُ أُمَّ أُمِّ الْأُمِّ ، عَلَى قَوْلِ مَنْ يَحْجُبُ الْجَدَّةَ بِابْنِهَا ، وَالْبُعْدَى مِنْ الْجَدَّاتِ بِمَنْ هِيَ أَقْرَبُ مِنْهَا ، وَيَكُونُ الْمَالُ جَمِيعُهُ لِلْأَبِ .","part":14,"page":96},{"id":6596,"text":"( 4967 ) فَصْلٌ : فِي مِيرَاثِ الْحَمْلِ : إذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ عَنْ حَمْلٍ يَرِثُهُ ، وُقِفَ الْأَمْرُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ ، فَإِنْ طَالِبَ الْوَرَثَةُ بِالْقِسْمَةِ ، لَمْ يُعْطُوا كُلَّ الْمَالِ ، بِغَيْرِ خِلَافٍ ، إلَّا مَا حُكِيَ عَنْ دَاوُد ، وَالصَّحِيحُ عَنْهُ مِثْلُ قَوْلِ الْجَمَاعَةِ ، وَلَكِنْ يُدْفَعُ إلَى مَنْ لَا يَنْقُصُهُ الْحَمْلُ كَمَالَ مِيرَاثِهِ ، وَإِلَى مَنْ يَنْقُصُهُ أَقَلُّ مَا يُصِيبُهُ ، وَلَا يُدْفَعُ إلَى مَنْ يُسْقِطُهُ شَيْءٌ ، فَأَمَّا مَنْ يُشَارِكُهُ ، فَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ قَالُوا : يُوقَفُ لِلْحَمْلِ شَيْءٌ ، وَيُدْفَعُ إلَى شُرَكَائِهِ الْبَاقِي .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ وَاللَّيْثُ ، وَشَرِيكٌ وَيَحْيَى بْنُ آدَمَ وَهُوَ رِوَايَةُ الرَّبِيعِ عَنْ الشَّافِعِيِّ وَالْمَشْهُورُ عَنْهُ أَنَّهُ لَا يُدْفَعُ إلَى شُرَكَائِهِ شَيْءٌ ؛ لِأَنَّ الْحَمْلَ لَا حَدَّ لَهُ وَلَا نَعْلَمُ كَمْ يُتْرَكُ لَهُ .\rوَقَدْ حَكَى الْمَاوَرْدِيُّ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ ، وَرَدَ طَالِبًا لِلْعِلْمِ ، وَكَانَ مِنْ أَهْلِ الدِّينِ وَالْفَضْلِ ، أَنَّ امْرَأَةً وَلَدَتْ بِالْيَمَنِ شَيْئًا كَالْكِرْشِ ، فَظُنَّ أَنْ لَا وَلَدَ فِيهِ ، فَأُلْقِيَ عَلَى قَارِعَةِ الطَّرِيقِ ، فَلَمَّا طَلَعَتْ الشَّمْسُ وَحَمِيَ بِهَا ، تَحَرَّكَ فَأُخِذَ وَشُقَّ ، فَخَرَجَ مِنْهُ سَبْعَةُ أَوْلَادٍ ذُكُورٍ ، وَعَاشُوا جَمِيعًا ، وَكَانُوا خَلْقًا سَوِيًّا ، إلَّا أَنَّهُ كَانَ فِي أَعْضَادِهِمْ قِصَرٌ ، قَالَ : وَصَارَعَنِي أَحَدُهُمْ فَصَرَعَنِي ، فَكُنْت أُعَيَّرُ بِهِ ، فَيُقَال : صَرَعَك سُبْعُ رَجُلٍ وَقَدْ أَخْبَرَنِي مَنْ أَثِقُ بِهِ سَنَةَ ثَمَانٍ وَسِتِّمِائَةٍ ، أَوْ سَنَةَ تِسْعٍ ، عَنْ ضَرِيرٍ بِدِمَشْقَ أَنَّهُ قَالَ : وَلَدَتْ امْرَأَتِي فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ سَبْعَةً فِي بَطْنٍ وَاحِدٍ ، ذُكُورًا وَإِنَاثًا ، وَكَانَ بِدِمَشْقَ أُمُّ وَلَدٍ لِبَعْضِ كُبَرَائِهَا ، وَتَزَوَّجَتْ بَعْدَهُ مَنْ كَانَ يَقْرَأُ عَلَيَّ ، وَكَانَتْ تَلِدُ ثَلَاثَةً فِي كُلِّ بَطْنٍ .\rوَقَالَ غَيْرُهُ : هَذَا نَادِرٌ ، وَلَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ ، فَلَا يَجُوزُ مَنْعُ الْمِيرَاثِ مِنْ أَجْلِهِ ، كَمَا لَوْ لَمْ يَظْهَرْ","part":14,"page":97},{"id":6597,"text":"بِالْمَرْأَةِ حَمْلٌ .\rوَاخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِالْوَقْفِ فِيمَا يُوقَفُ ، فَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّهُ يُوقَفُ نَصِيبُ ذَكَرَيْنِ ، إنْ كَانَ مِيرَاثُهُمَا أَكْثَرَ ، أَوْ ابْنَتَيْنِ إنْ كَانَ نَصِيبُهُمَا أَكْثَرَ وَهَذَا قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ وَاللُّؤْلُؤِيِّ .\rوَقَالَ شَرِيكٌ : يُوقَفُ نَصِيبُ أَرْبَعَةٍ ، فَإِنِّي رَأَيْت بَنِي إسْمَاعِيلَ أَرْبَعَةً ، وُلِدُوا فِي بَطْنٍ وَاحِدٍ ، مُحَمَّدُ ، وَعُمَرُ وَعَلِيٌّ .\rقَالَ يَحْيَى بْنُ آدَمَ : وَأَظُنُّ الرَّابِعَ إسْمَاعِيلَ .\rوَرَوَى ابْنُ الْمُبَارَكِ هَذَا الْقَوْلَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَرَوَاهُ الرَّبِيعُ عَنْ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَقَالَ اللَّيْثُ ، وَأَبُو يُوسُفَ : يُوقَفُ نَصِيبُ غُلَامٍ ، وَيُؤْخَذُ ضَمِينٌ مِنْ الْوَرَثَةِ وَلَنَا ؛ أَنَّ وِلَادَةَ التَّوْأَمَيْنِ كَثِيرٌ مُعْتَادٌ ، فَلَا يَجُوزُ قَسْمُ نَصِيبِهِمَا ، كَالْوَاحِدِ ، وَمَا زَادَ عَلَيْهِمَا نَادِرٌ ، فَلَمْ يُوقَفْ لَهُ شَيْءٌ كَالْخَامِسِ ، وَالسَّادِسِ ، وَمَتَى وَلَدَتْ الْمَرْأَةُ مَنْ يَرِثُ الْمَوْقُوفَ كُلَّهُ أَخَذَهُ ، وَإِنْ بَقِيَ مِنْهُ شَيْءٌ رُدَّ إلَى أَهْلِهِ ، وَإِنْ أَعْوَزَ شَيْئًا رَجَعَ عَلَى مَنْ هُوَ فِي يَدِهِ .\rمَسَائِلُ مِنْ ذَلِكَ : امْرَأَةٌ حَامِلٌ وَبِنْتٌ ، لِلْمَرْأَةِ الثُّمُنُ ، وَلِلْبِنْتِ خُمُسُ الْبَاقِي .\rوَفِي قَوْلِ شَرِيكٍ تِسْعَةٌ .\rوَفِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ ثُلُثُهُ بِضَمِينِ .\rوَلَا يُدْفَعُ إلَيْهَا شَيْءٌ فِي الْمَشْهُورِ عَنْ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَإِنْ كَانَ مَكَانَ الْبِنْتِ ابْنٌ دَفَعَ إلَيْهِ ثُلُثَ الْبَاقِي ، أَوْ خُمُسَهُ ، أَوْ نِصْفَهُ ، عَلَى اخْتِلَافِ الْأَقْوَالِ .\rوَمَتَى زَادَتْ الْفُرُوضُ عَلَى ثُلُثِ الْمَالِ ، فَمِيرَاثُ الْإِنَاثِ أَكْثَرُ ، فَإِذَا خَلَّفَ أَبَوَيْنِ ، وَامْرَأَةً حَامِلًا ، فَلِلْمَرْأَةِ ثَلَاثَةٌ مِنْ سَبْعَةٍ وَعِشْرِينَ ، وَلِلْأَبَوَيْنِ ثَمَانِيَةٌ مِنْهَا ، وَيُوقَفُ سِتَّةَ عَشَرَ ، وَيَسْتَوِي هَاهُنَا قَوْلُ مَنْ وَقَفَ نَصِيبَ ابْنَتَيْنِ ، وَقَوْلُ مَنْ وَقَفَ نَصِيبَ أَرْبَعَةٍ .\rوَقَالَ أَبُو يُوسُفَ : تُعْطَى الْمَرْأَةُ ثُمُنًا كَامِلًا ، وَالْأَبَوَانِ ثُلُثًا كَامِلًا ، وَيُؤْخَذُ","part":14,"page":98},{"id":6598,"text":"مِنْهُمْ ضَمِينٌ .\rفَإِنْ كَانَ مَعَهُمْ بِنْتٌ دُفِعَ إلَيْهَا ثَلَاثَةَ عَشَرَ مِنْ مِائَةٍ وَعِشْرِينَ وَفِي قَوْلِ شَرِيكٍ ، ثَلَاثَةَ عَشَرَ مِنْ مِائَتَيْنِ وَسِتَّةَ عَشَرَ .\rوَفِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ ، ثَلَاثَةَ عَشَرَ مِنْ اثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ ، وَيُؤْخَذُ مِنْ الْكُلِّ ضُمَنَاءُ مِنْ الْبِنْتِ ؛ لِاحْتِمَالِ أَنْ يُولَدَ أَكْثَرُ مِنْ وَاحِدٍ ، وَمِنْ الْبَاقِينَ لِاحْتِمَالِ أَنْ تَعُولَ الْمَسْأَلَةُ .\rوَعَلَى قَوْلِنَا يُوَافَقُ بَيْنَ سَبْعَةٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ وَعِشْرِينَ بِالْأَثْلَاثِ ، وَتَضْرِبُ ثُلُثَ إحْدَاهُمَا فِي جَمِيعِ الْأُخْرَى ، تَكُنْ أَلْفًا وَثَمَانِينَ ، وَتُعْطِي الْبِنْتَ ثَلَاثَةَ عَشَرَ فِي تِسْعَةٍ ، تَكُنْ مِائَةً وَسَبْعَةَ عَشَرَ ، وَلِلْأَبَوَيْنِ وَالْمَرْأَةُ أَحَدَ عَشَرَ فِي أَرْبَعِينَ ، وَمَا بَقِيَ فَهُوَ مَوْقُوفٌ زَوْجٌ وَأُمٌّ حَامِلٌ مِنْ الْأَبِ الْمَسْأَلَةُ مِنْ ثَمَانِيَةٍ ، لِلزَّوْجِ ثَلَاثَةٌ ، وَلِلْأُمِّ سَهْمٌ ، وَيُوقَفُ أَرْبَعَةٌ .\rوَقَالَ أَبُو يُوسُفَ : هِيَ مِنْ ثَمَانِيَةٍ ، يُدْفَعُ إلَى الزَّوْجِ ثَلَاثَةٌ ، وَإِلَى الْأُمِّ سَهْمَانِ ، وَتَقِفُ ثَلَاثَةً ، وَتَأْخُذُ مِنْهَا ضَمِينًا ، هَكَذَا حَكَى الْخَبْرِيُّ عَنْهُ .\rفَإِنْ كَانَ فِي الْمَسْأَلَةِ مَنْ يَسْقُطُ بِوَلَدِ الْأَبَوَيْنِ ، كَعَصَبَةٍ ، أَوْ أَحَدٍ مِنْ وَلَدِ الْأَبِ ، لَمْ يُعْطَ شَيْئًا .\rوَلَوْ كَانَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ جَدٌّ ، فَلِلزَّوْجِ الثُّلُثُ ، وَلِلْأُمِّ السُّدُسُ ، وَلِلْجَدِّ السُّدُسُ وَالْبَاقِي مَوْقُوفٌ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لِلزَّوْجِ النِّصْفُ ، وَلِلْأُمِّ السُّدُسُ ، وَلِلْجَدِّ السُّدُسُ ، وَيُوقَفُ السُّدُسُ بَيْنَ الْجَدِّ وَالْأُمِّ ، وَلَا شَيْءَ لِلْحَمْلِ ؛ لِأَنَّ الْجَدَّ يُسْقِطُهُ وَأَبُو يُوسُفَ يَجْعَلُهَا مِنْ سَبْعَةٍ وَعِشْرِينَ ، وَيَقِفُ أَرْبَعَةَ أَسْهُمٍ .\rوَحُكِيَ عَنْ شَرِيكٍ ، أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ بِقَوْلِ عَلِيٍّ فِي الْجَدِّ فَيَقِفُ هَاهُنَا نَصِيبَ الْإِنَاثِ ، فَيَكُونُ عِنْدَهُ مِنْ تِسْعَةٍ ، وَتَقِفُ مِنْهَا أَرْبَعَةً .\rوَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا زَوْجٌ ، كَانَ لِلْأُمِّ السُّدُسُ وَلِلْجَدِّ ثُلُثُ الْبَاقِي ، وَتَقِفُ عَشَرَةً مِنْ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ .","part":14,"page":99},{"id":6599,"text":"وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لِلْجَدِّ الثُّلُثَانِ ، وَلِلْأُمِّ السُّدُسُ ، وَيُوقَفُ السُّدُسُ بَيْنَهُمَا قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ ، يَقِفُ الثُّلُثَ ، وَيُعْطِي كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ثُلُثًا ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُمَا ضَمِينٌ .\rوَمَتَى خَلَّفَ وَرَثَةً ، وَأُمًّا تَحْتَ الزَّوْجِ ، فَيَنْبَغِي لِلزَّوْجِ الْإِمْسَاكُ عَنْ وَطْئِهَا ، لِيَعْلَم أَحَامِلٌ هِيَ أَمْ لَا ؟ كَذَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَالشَّعْبِيِّ ، وَالنَّخَعِيِّ ، وَقَتَادَةَ ، فِي آخَرِينَ .\rوَإِنْ وَطِئَهَا قَبْلَ اسْتِبْرَائِهَا ، فَأَتَتْ بِوَلَدٍ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ ، وَرِثَ ، لِأَنَّنَا نَعْلَمُ أَنَّهَا كَانَتْ حَامِلًا بِهِ ، وَإِنْ وَلَدَتْهُ لِأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ ، لَمْ تَرِثْ ، إلَّا أَنْ يُقِرَّ الْوَرَثَةُ أَنَّهَا كَانَتْ حَامِلًا بِهِ يَوْمَ مَوْتِ وَلَدِهَا .","part":14,"page":100},{"id":6600,"text":"فَصْلٌ : وَلَا يَرِثُ الْحَمْلُ إلَّا بِشَرْطَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، أَنْ يُعْلَمَ أَنَّهُ كَانَ مَوْجُودًا حَالَ الْمَوْتِ ، وَيُعْلَمُ ذَلِكَ بِأَنْ تَأْتِيَ بِهِ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ ، فَإِنْ أَتَتْ بِهِ لِأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ نَظَرْنَا ، فَإِنْ كَانَ لَهَا زَوْجٌ أَوْ سَيِّدٌ يَطَؤُهَا لَمْ يَرِثْ ، إلَّا أَنْ يُقِرَّ الْوَرَثَةُ أَنَّهُ كَانَ مَوْجُودًا حَالَ الْمَوْتِ ، وَإِنْ كَانَتْ لَا تُوطَأُ ، إمَّا لِعَدَمِ الزَّوْجِ ، أَوْ السَّيِّدِ ، وَإِمَّا لِغَيْبَتِهِمَا ، أَوْ اجْتِنَابِهِمَا الْوَطْءَ ، عَجْزًا أَوْ قَصْدًا أَوْ غَيْرَهُ ، وَرِثَ مَا لَمْ يُجَاوِزْ أَكْثَرَ مُدَّةِ الْحَمْلِ وَذَلِكَ أَرْبَعُ سِنِينَ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ ، وَفِي الْأُخْرَى سَنَتَانِ وَالثَّانِي ، أَنْ تَضَعَهُ حَيًّا ، فَإِنْ وَضَعَتْهُ مَيِّتًا لَمْ يَرِثْ ، فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا ، وَاخْتُلِفَ فِيمَا يَثْبُتُ بِهِ الْمِيرَاثُ مِنْ الْحَيَاةِ ، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ إذَا اسْتَهَلَّ صَارِخًا وَرِثَ ، وَوُرِثَ .\rوَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادِهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ { : إذَا اسْتَهَلَّ الْمَوْلُودُ وَرِثَ } .\rوَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادِهِ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَهُ .\rوَاخْتَلَفُوا فِيمَا سِوَى الِاسْتِهْلَالِ ، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ : لَا يَرِثُ حَتَّى يَسْتَهِلَّ ، وَلَا يَقُومُ غَيْرُهُ مَقَامَهُ ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي الِاسْتِهْلَالِ مَا هُوَ ؟ فَقَالَتْ طَائِفَةٌ : لَا يَرِثُ حَتَّى يَسْتَهِلَّ صَارِخًا فَالْمَشْهُورُ عَنْ أَحْمَدَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ لَا يَرِثُ حَتَّى يَسْتَهِلَّ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَالْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ، وَجَابِرٍ ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، وَعَطَاءٍ ، وَشُرَيْحٍ ، وَالْحَسَنِ ، وَابْنِ سِيرِينَ ، وَالنَّخَعِيِّ ، وَالشَّعْبِيِّ ، وَرَبِيعَةَ ، وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَمَالِكٍ ، وَأَبِي عُبَيْدٍ ، وَإِسْحَاقَ ؛ لِأَنَّ مَفْهُومَ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : إذَا اسْتَهَلَّ","part":14,"page":101},{"id":6601,"text":"الْمَوْلُودُ وَرِثَ } أَنَّهُ لَا يَرِثُ بِغَيْرِ الِاسْتِهْلَالِ ، وَفِي لَفْظٍ ذَكَرَهُ ابْنُ سُرَاقَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ فِي الصَّبِيِّ الْمَنْفُوسِ { : إذَا وَقَعَ صَارِخًا فَاسْتَهَلَّ وَرِثَ ، وَتَمَّتْ دِيَتُهُ ، وَسُمِّيَ ، وَصُلِّيَ عَلَيْهِ ، وَإِنْ وَقَعَ حَيًّا وَلَمْ يَسْتَهِلَّ صَارِخًا ، لَمْ تَتِمَّ دِيَتُهُ ، وَفِيهِ غُرَّةٌ ؛ عَبْدٌ ، أَوْ أَمَةٌ ، عَلَى الْعَاقِلَةِ } .\rوَلِأَنَّ الِاسْتِهْلَالَ لَا يَكُونُ إلَّا مِنْ حَيٍّ ، وَالْحَرَكَةُ تَكُونُ مِنْ غَيْرِ حَيٍّ ، فَإِنَّ اللَّحْمَ يَخْتَلِجُ سِيَّمَا إذَا خَرَجَ مِنْ مَكَان ضَيِّقٍ ، فَتَضَامَّتْ أَجْزَاؤُهُ ، ثُمَّ خَرَجَ إلَى مَكَان فَسِيحٍ فَإِنَّهُ يَتَحَرَّكُ مِنْ غَيْرِ حَيَاةٍ فِيهِ ، ثُمَّ إنْ كَانَتْ فِيهِ حَيَاةٌ ، فَلَا نَعْلَمُ كَوْنَهَا مُسْتَقِرَّةً .\rلِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُونَ كَحَرَكَةِ الْمَذْبُوحِ ، فَإِنَّ الْحَيَوَانَاتِ تَتَحَرَّكُ بَعْدَ الذَّبْحِ حَرَكَةً شَدِيدَةً ، وَهِيَ فِي حُكْمِ الْمَيِّتِ ، وَاخْتُلِفَ فِي الِاسْتِهْلَالِ مَا هُوَ ؟ فَقِيلَ : هُوَ الصُّرَاخُ خَاصَّةً .\rوَهَذَا قَوْلُ مَنْ ذَكَرْنَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ .\rوَرَوَاهُ أَبُو طَالِبٍ ، عَنْ أَحْمَدَ ، فَقَالَ : لَا يَرِثُ إلَّا مَنْ اسْتَهَلَّ صَارِخًا .\rوَإِنَّمَا سُمِّيَ الصُّرَاخُ مِنْ الصَّبِيِّ الِاسْتِهْلَالَ تَجَوُّزًا ، وَالْأَصْلُ فِيهِ أَنَّ النَّاسَ إذَا رَأَوْا الْهِلَالَ صَاحُوا عِنْدَ رُؤْيَتِهِ ، وَاجْتَمَعُوا ، وَأَرَاهُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا ، فَسُمِّيَ الصَّوْتُ عِنْدَ اسْتِهْلَالِ الْهِلَالِ اسْتِهْلَالًا ، ثُمَّ سُمِّيَ الصَّوْتُ مِنْ الصَّبِيِّ الْمَوْلُودِ اسْتِهْلَالًا ؛ لِأَنَّهُ صَوْتٌ عِنْدَ وُجُودِ شَيْءٍ يُجْتَمَعُ لَهُ ، وَيُفْرَحُ بِهِ وَرَوَى يُوسُفُ بْنُ مُوسَى ، عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّهُ قَالَ : يَرِثُ السِّقْطُ وَيُورَثُ ، إذَا اسْتَهَلَّ .\rفَقِيلَ لَهُ : مَا اسْتِهْلَالُهُ ؟ قَالَ : إذَا صَاحَ أَوْ عَطَسَ أَوْ بَكَى .\rفَعَلَى هَذَا كُلُّ صَوْتٍ يُوجَدُ مِنْهُ ، تُعْلَمُ بِهِ حَيَاتُهُ ، فَهُوَ اسْتِهْلَالٌ .\rوَهَذَا قَوْلُ الزُّهْرِيِّ ، وَالْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ ؛ لِأَنَّهُ صَوْتٌ عُلِمَتْ بِهِ حَيَاتُهُ ، فَأَشْبَهَ","part":14,"page":102},{"id":6602,"text":"الصُّرَاخَ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ ثَالِثَةٌ ، إذَا عُلِمَتْ حَيَاتُهُ بِصَوْتٍ أَوْ حَرَكَةٍ أَوْ رَضَاعٍ أَوْ غَيْرِهِ ، وَرِثَ ، وَثَبَتَ لَهُ أَحْكَامُ الْمُسْتَهِلِّ ، لِأَنَّهُ حَيٌّ فَتَثْبُتُ لَهُ أَحْكَامُ الْحَيَاةِ ، كَالْمُسْتَهِلِّ .\rوَبِهَذَا قَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ ، وَدَاوُد وَإِنْ خَرَجَ بَعْضُهُ حَيًّا فَاسْتَهَلَّ ، ثُمَّ انْفَصَلَ بَاقِيهِ مَيِّتًا ، لَمْ يَرِثْ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ : إذَا خَرَجَ أَكْثَرُهُ فَاسْتَهَلَّ ثُمَّ مَاتَ ، وَرِثَ ؛ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ { : إذَا اسْتَهَلَّ الْمَوْلُودُ وَرِثَ } .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ جَمِيعُهُ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ مَاتَ قَبْلَ خُرُوجِ أَكْثَرِهِ .","part":14,"page":103},{"id":6603,"text":"( 4969 ) فَصْلٌ : وَإِنْ وَلَدَتْ تَوْأَمَيْنِ ، فَاسْتَهَلَّ أَحَدُهُمَا ، وَلَمْ يُعْلَمْ بِعَيْنِهِ فَإِنْ كَانَا ذَكَرَيْنِ ، أَوْ أُنْثَيَيْنِ ، أَوْ ذَكَرًا وَأُنْثَى ، لَا يَخْتَلِفُ مِيرَاثُهُمَا ، فَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا ، وَإِنْ كَانَا ذَكَرًا وَأُنْثَى يَخْتَلِفُ مِيرَاثُهُمَا ، فَقَالَ الْقَاضِي : مِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ : يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا ، فَمَنْ أَخْرَجَتْهُ الْقُرْعَةُ جُعِلَ الْمُسْتَهِلَّ ، كَمَا لَوْ طَلَّقَ إحْدَى نِسَائِهِ فَلَمْ تُعْلَمْ بِعَيْنِهَا ثُمَّ مَاتَ ، أُخْرِجَتْ بِالْقُرْعَةِ .\rوَقَالَ الْخَبْرِيُّ : لَيْسَ فِي هَذَا عَنْ السَّلَفِ نَصٌّ .\rوَقَالَ الْفَرْضِيُّونَ : تُعْمَلُ الْمَسْأَلَةُ عَلَى الْحَالَيْنِ ، وَيُعْطَى كُلُّ وَارِثٍ الْيَقِينَ ، وَيُوقَفُ الْبَاقِي حَتَّى يَصْطَلِحُوا عَلَيْهِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَسَّمَ بَيْنَهُمْ عَلَى حَسَبِ الِاحْتِمَالِ .\rوَمِنْ مَسَائِل ذَلِكَ : رَجُلٌ خَلَّفَ أُمَّهُ وَأَخَاهُ وَأُمَّ وَلَدٍ حَامِلًا مِنْهُ ، فَوَلَدَتْ تَوْأَمَيْنِ ، ذَكَرًا وَأُنْثَى ، فَاسْتَهَلَّ أَحَدُهُمَا ، وَلَمْ يُعْلَمْ بِعَيْنِهِ ، فَقِيلَ : إنْ كَانَ الِابْنُ الْمُسْتَهِلَّ ، فَلِلْأُمِّ السُّدُسُ ، وَالْبَاقِي لَهُ تَرِثُ أُمُّهُ ، ثُلُثَهُ ، وَالْبَاقِي لِعَمِّهِ ، فَاضْرِبْ ثَلَاثَةً فِي سِتَّةٍ ، تَكُنْ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ ، لِأُمِّ الْمَيِّتِ ثَلَاثَةٌ ، وَلِأُمِّ الْوَلَدِ خَمْسَةٌ ، وَلِلْعَمِّ عَشَرَةٌ .\rوَإِنْ كَانَتْ الْبِنْتُ الْمُسْتَهِلَّةَ ، فَالْمَسْأَلَةُ مِنْ سِتَّةٍ ، فَتَمُوتُ الْبِنْتُ عَنْ ثَلَاثَةٍ ، لِأُمِّهَا سَهْمٌ ، وَلِعَمِّهَا سَهْمَانِ وَالسِّتَّةُ تَدْخُلُ فِي ثَمَانِيَةَ عَشَرَ ، فَمَنْ لَهُ شَيْءٌ مِنْ الثَّمَانِيَةَ عَشَرَ مَضْرُوبٌ فِي وَاحِدٍ ، وَمَنْ لَهُ شَيْءٌ مِنْ السِّتَّةِ مَضْرُوبٌ فِي ثَلَاثَةٍ ، فَسُدُسُ الْأُمِّ لَا يَتَغَيَّرُ ، وَلِلْعَمِّ مِنْ السِّتَّةِ أَرْبَعَةٌ فِي ثَلَاثَةٍ اثْنَا عَشَرَ ، وَلَهُ مِنْ الثَّمَانِيَةَ عَشَرَ عَشَرَةٌ فِي وَاحِدٍ ، فَهَذَا الْيَقِينُ فَيَأْخُذُهُ ، وَلِأُمِّ الْوَلَدِ خَمْسَةٌ فِي سَهْمٍ ، وَسَهْمٌ فِي ثَلَاثَةٍ ، فَيَأْخُذُهَا ، وَيَقِفُ سَهْمَيْنِ بَيْنَ الْأَخِ وَأُمِّ الْوَلَدِ حَتَّى يَصْطَلِحَا عَلَيْهَا .","part":14,"page":104},{"id":6604,"text":"وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَقْتَسِمَاهَا بَيْنَهُمَا .\rامْرَأَةٌ حَامِلٌ وَعَمٌّ وَلَدَتْ الْمَرْأَةُ ابْنًا وَبِنْتًا ، وَاسْتَهَلَّ أَحَدُهُمَا ، وَلَمْ يُعْلَمْ ، فَالْمَسْأَلَتَانِ مِنْ أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ ، إذَا أَعْطَيْت كُلَّ وَاحِدٍ أَقَلَّ مِنْ نَصِيبِهِ بَقِيَتْ ثَلَاثَةٌ مَوْقُوفَةٌ ، فَإِنْ كَانَ مَعَهُمَا بِنْتٌ ، فَكُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْ الْمَسْأَلَتَيْنِ مِنْ اثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ ، وَالْمَوْقُوفُ اثْنَا عَشَرَ امْرَأَةٌ وَعَمٌّ وَأُمٌّ حَامِلٌ مِنْ الْأَبِ ، وَلَدَتْ ابْنًا وَبِنْتًا ، فَاسْتَهَلَّ أَحَدُهُمَا ، فَإِنْ كَانَ الْمُسْتَهِلُّ الْأَخَ ، فَهِيَ مِنْ سِتَّةٍ وَثَلَاثِينَ ، وَإِنْ كَانَتْ الْأُخْتُ الْمُسْتَهِلَّةَ ، فَهِيَ مِنْ ثَلَاثَةَ عَشَرَ ، فَالْمَسْأَلَتَانِ مُتَبَايِنَتَانِ ، فَاضْرِبْ إحْدَاهُمَا فِي الْأُخْرَى ، تَكُنْ أَرْبَعَمِائَةٍ وَثَمَانِيَةً ، وَسِتِّينَ ، كُلُّ مَنْ لَهُ شَيْءٌ مِنْ إحْدَى الْمَسْأَلَتَيْنِ مَضْرُوبٌ فِي الْأُخْرَى ، فَيَدْفَعُ لِكُلِّ وَاحِدٍ أَقَلَّ النَّصِيبَيْنِ ، يَبْقَى أَرْبَعَةَ عَشَرَ ، مِنْهَا تِسْعَةٌ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَالْعَمِّ ، وَخَمْسَةٌ بَيْنَ الْأُمِّ وَالْعَمِّ .\rفَإِنْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ وَالْأُمُّ حَامِلَيْنِ ، فَوَضَعَتَا مَعًا ، فَاسْتَهَلَّ أَحَدُهُمَا ، فَكُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا تَرْجِعُ إلَى سِتَّةٍ وَثَلَاثِينَ ، فَيُعْطَى كُلُّ وَارِثٍ أَقَلَّ النَّصِيبَيْنِ ، وَيَبْقَى أَحَدَ عَشَرَ ، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ مَوْقُوفَةٌ بَيْنَ الزَّوْجَةِ وَالْأُمِّ ، وَسَبْعَةٌ بَيْنَ الْأُمِّ وَالْعَمِّ .","part":14,"page":105},{"id":6605,"text":"( 4970 ) فَصْلٌ : وَإِذَا وَلَدَتْ الْحَامِلُ تَوْأَمَيْنِ ، فَسُمِعَ الِاسْتِهْلَالُ مِنْ أَحَدِهِمَا ، ثُمَّ سُمِعَ مَرَّةً أُخْرَى ، فَلَمْ يَدْرِ أَهُوَ مِنْ الْأَوَّلِ ، أَوْ مِنْ الثَّانِي ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَثْبُتَ الْمِيرَاثُ لِمَنْ عُلِمَ اسْتِهْلَالُهُ دُونَ مِنْ شَكَكْنَا فِيهِ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ اسْتِهْلَالِهِ .\rفَعَلَى هَذَا الِاحْتِمَالِ ، إنْ عُلِمَ الْمُسْتَهِلُّ بِعَيْنِهِ ، فَهُوَ الْوَارِثُ وَحْدَهُ ، وَإِنْ جُهِلَ عَيْنُهُ ، كَانَ كَمَا لَوْ اسْتَهَلَّ وَاحِدٌ مِنْهُمَا لَا بِعَيْنِهِ .\rوَقَالَ الْفَرْضِيُّونَ : يُعْمَلُ عَلَى الْأَحْوَالِ ، فَيُعْطَى كُلُّ وَارِثٍ الْيَقِينَ ، وَيُوقَفُ الْبَاقِي وَمِنْ مَسَائِلِ ذَلِكَ : أُمٌّ حَامِلٌ وَأُخْتٌ لِأَبٍ وَعَمٌّ ، وَلَدَتْ الْأُمُّ بِنْتَيْنِ ، فَاسْتَهَلَّتْ إحْدَاهُمَا ، ثُمَّ سُمِعَ الِاسْتِهْلَالُ مَرَّةً أُخْرَى ، فَلَمْ يَدْرِ هَلْ اسْتَهَلَّتْ الْأُخْرَى ، أَوْ تَكَرَّرَ مِنْ وَاحِدَةٍ ؟ فَقِيلَ : إنْ كَانَ مِنْهُمَا جَمِيعًا ، فَقَدْ مَاتَتَا عَنْ أَرْبَعَةٍ مِنْ سِتَّةٍ ، وَلَا يُعْلَمُ أَوَّلُهُمَا مَوْتًا ، فَحُكْمُهُمَا حُكْمُ الْغَرْقَى ، فَمَنْ ذَهَبَ إلَى أَنَّهُ لَا تُوَرَّثُ إحْدَاهُمَا مِنْ الْأُخْرَى ، قَالَ : قَدْ خَلَّفَتَا أُمًّا وَأُخْتًا وَعَمًّا ، فَتَصِحُّ مِنْ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ ، وَإِنْ كَانَ الِاسْتِهْلَالُ مِنْ وَاحِدَةٍ ، فَقَدْ مَاتَتْ عَنْ ثَلَاثَةٍ مِنْ سِتَّةٍ فَتَصِحُّ مِنْ اثْنَيْ عَشَرَ .\rوَبَيْنَهُمَا مُوَافَقَةٌ بِالسُّدُسِ ، فَتَصِيرُ سِتَّةً وَثَلَاثِينَ ، لِلْأُمِّ اثْنَا عَشَرَ ، وَلِلْأُخْتِ كَذَلِكَ ، وَلِلْعَمِّ تِسْعَةٌ وَنَقِفُ ثَلَاثَةً ، تَدَّعِي الْأُمُّ مِنْهَا سَهْمَيْنِ ، وَالْعَمُّ سَهْمًا ، وَتَدَّعِيهَا الْأُخْتُ كُلَّهَا ، فَيَكُونُ سَهْمَانِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْأُمِّ ، وَسَهْمٌ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْعَمِّ .\rزَوْجٌ وَجَدٌّ وَأُمٌّ حَامِلٌ ، وَلَدَتْ ابْنًا ، وَبِنْتًا ، فَاسْتَهَلَّ أَحَدُهُمَا ، ثُمَّ سُمِعَ الِاسْتِهْلَالُ مَرَّةً أُخْرَى ، فَلَمْ يَدْرِ مِمَّنْ هُوَ ؟ فَإِنْ كَانَ الِاسْتِهْلَالُ تَكَرَّرَ مِنْ الْبِنْتِ ، فَهِيَ الْأَكْدَرِيَّةُ ، وَمَاتَتْ عَنْ أَرْبَعَةٍ ، بَيْنَ أُمِّهَا وَجَدِّهَا ، فَتَصِحُّ مِنْ","part":14,"page":106},{"id":6606,"text":"أَحَدٍ وَثَمَانِينَ ، وَإِنْ تَكَرَّرَ مِنْ الْأَخِ لَمْ يَرِثْ شَيْئًا ، وَالْمَسْأَلَةُ مِنْ سِتَّةٍ ، لِلْجَدِّ مِنْهَا سَهْمٌ ، وَإِنْ كَانَ مِنْهُمَا ، فَلِلْأُمِّ السُّدُسُ ، وَلِلزَّوْجِ النِّصْفُ ، وَلِلْجَدِّ السُّدُسُ ، وَلَهُمَا السُّدُسُ عَلَى ثَلَاثَةٍ ، فَتَصِحُّ مِنْ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ ، وَالثَّلَاثَةُ الَّتِي لَهُمَا بَيْنَ الْجَدِّ وَالْأُمِّ عَلَى ثَلَاثَةٍ .\rفَصَارَ لِلْأُمِّ أَرْبَعَةٌ ، وَلِلْجَدِّ خَمْسَةٌ وَثَمَانِيَةَ عَشَرَ ، تُوَافِقُ أَحَدًا وَثَمَانِيَةً بِالْأَتْسَاعِ ، فَتَصِيرُ مِائَةً وَاثْنَيْنِ وَسِتِّينَ ، لِلزَّوْجِ حَقُّهُ مِنْ الْأَكْدَرِيَّةِ أَرْبَعَةٌ وَخَمْسُونَ ، وَلِلْأُمِّ تُسْعَا الْمَالِ مِنْ مَسْأَلَةِ اسْتِهْلَالِهِمَا مَعًا ، سِتَّةٌ وَثَلَاثُونَ ، وَلِلْجَدِّ السُّدُسُ مِنْ مَسْأَلَةِ اسْتِهْلَالِ الْأَخِ وَحْدَهُ ، سَبْعَةٌ وَعِشْرُونَ ، يَبْقَى خَمْسَةٌ وَأَرْبَعُونَ ، يَدَّعِي الزَّوْجُ مِنْهَا سَبْعَةً وَعِشْرِينَ ، وَالْأُمُّ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ ، وَيَدَّعِي مِنْهَا الْجَدُّ سَبْعَةً وَثَلَاثِينَ ، وَتَعُولُ الثَّمَانِيَةُ الْفَاضِلَةُ لِلْأُمِّ ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ تُدْفَعَ إلَيْهَا ؛ لِأَنَّ الزَّوْجَ وَالْجَدَّ يُقِرَّانِ لَهَا بِهَا .","part":14,"page":107},{"id":6607,"text":"( 4971 ) فَصْلٌ : وَإِذَا ضُرِبَ بَطْنُ حَامِلٍ فَأَسْقَطَتْ ، فَعَلَى الضَّارِبِ غُرَّةٌ مَوْرُوثَةٌ عَنْ الْجَنِينِ ، كَأَنَّهُ سَقَطَ حَيًّا .\rوَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَسَائِرُ الْفُقَهَاءِ ، إلَّا شَيْئًا يُحْكَى عَنْ رَبِيعَةَ ، وَاللَّيْثِ ، وَهُوَ شُذُوذٌ لَا يَعْرُجُ عَلَيْهِ .\rفَإِنْ قِيلَ : فَكَيْفَ تُوَرَّثُونَ مِنْهُ ، وَهُوَ لَا يَرِثُ ؟ قُلْنَا : نُوَرَّثُ مِنْهُ ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ بَدَلٌ عَنْهُ ، فَوَرِثَتْهُ وَرَثَتُهُ ، كَدِيَةِ غَيْرِ الْجَنِينِ ، وَأَمَّا تَوْرِيثُهُ فَمِنْ شُرُوطِهِ كَوْنُهُ حَيًّا حِين مَوْتِ مَوْرُوثِهِ ، وَلَا يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ ، فَلَا نُوَرَّثُهُ مَعَ الشَّكِّ فِي حَيَاتِهِ .","part":14,"page":108},{"id":6608,"text":"( 4972 ) فَصْلٌ : وَدِيَةُ الْمَقْتُولِ مَوْرُوثَةٌ عَنْهُ ، كَسَائِرِ أَمْوَالِهِ ، إلَّا أَنَّهُ اُخْتُلِفَ فِيهَا عَنْ عَلِيٍّ ، فَرُوِيَ عَنْهُ مِثْلُ قَوْلِ الْجَمَاعَةِ ، وَعَنْهُ لَا يَرِثُهَا إلَّا عَصَبَاتُهُ الَّذِينَ يَعْقِلُونَ عَنْهُ .\rوَكَانَ عُمَرُ يَذْهَبُ إلَى هَذَا ، ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ ، لَمَّا بَلَغَهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَوْرِيثُ الْمَرْأَةِ مِنْ دِيَةِ زَوْجِهَا .\rقَالَ سَعِيدٌ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ ، سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ ، يَقُولُ : كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ : الدِّيَةُ لِلْعَاقِلَةِ ، وَلَا تَرِثُ الْمَرْأَةُ مِنْ دِيَةِ زَوْجِهَا شَيْئًا { .\rفَقَالَ لَهُ الضَّحَّاكُ الْكِلَابِيُّ : كَتَبَ إلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ أُوَرِّثَ امْرَأَةَ أَشْيَمَ الضَّبَابِيِّ مِنْ دِيَةِ زَوْجِهَا أَشْيَمَ } .\rقَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ .\rوَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادِهِ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { قَضَى إنَّ الْعَقْلَ مِيرَاثٌ بَيْنَ وَرَثَةِ الْقَتِيلِ عَلَى فَرَائِضِهِمْ } .\rوَبِإِسْنَادِهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { الْمَرْأَةُ تَرِثُ مِنْ مَالِ زَوْجِهَا وَعَقْلِهِ ، وَيَرِثُ هُوَ مِنْ مَالِهَا وَعَقْلِهَا ، مَا لَمْ يَقْتُلْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ } إلَّا أَنَّ فِي إسْنَادِهِ رَجُلًا مَجْهُولًا .\rوَقَالَ إبْرَاهِيمُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : الدِّيَةُ عَلَى الْمِيرَاثِ ، وَالْعَقْلُ عَلَى الْعَصَبَةِ } .\rوَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ : هِيَ عَلَى الْمِيرَاثِ ، وَلَا تُقْضَى مِنْهَا دُيُونُهُ ، وَلَا تُنَفَّذُ مِنْهَا وَصَايَاهُ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ نَحْوٌ مِنْ هَذَا .\rوَقَدْ ذَكَرَ الْخِرَقِيِّ فِي مَنْ أَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ لِرَجُلٍ ، فَقُتِلَ ، وَأُخِذَتْ دِيَتُهُ ، فَلِلْمُوصَى لَهُ بِالثُّلُثِ ثُلُثُ الدِّيَةِ ، فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ وَالْأُخْرَى ، لَيْسَ لِمَنْ أَوْصَى لَهُ بِالثُّلُثِ مِنْ الدِّيَةِ","part":14,"page":109},{"id":6609,"text":"شَيْءٌ ، وَمَبْنَى هَذَا عَلَى أَنَّ الدِّيَةِ مِلْكُ الْمَيِّتِ ، أَوْ عَلَى مِلْكِ الْوَرَثَةِ ابْتِدَاءً ؟ وَفِيهِ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، أَنَّهَا تَحْدُثُ عَلَى مِلْكِ الْمَيِّتِ ؛ لِأَنَّهَا بَدَلُ نَفْسِهِ ، فَيَكُونُ بَدَلُهَا لَهُ ، كَدِيَةِ أَطْرَافِهِ الْمَقْطُوعَةِ مِنْهُ فِي الْحَيَاةِ وَلِأَنَّهُ لَوْ أَسْقَطَهَا عَنْ الْقَاتِلِ بَعْدَ جَرْحِهِ إيَّاهُ ، كَانَ صَحِيحًا ، وَلَيْسَ لَهُ إسْقَاطُ حَقِّ الْوَرَثَةِ ، وَلِأَنَّهَا مَالٌ مَوْرُوثٌ ، فَأَشْبَهَتْ سَائِرَ أَمْوَالِهِ .\rوَالْأُخْرَى ، أَنَّهَا تُحْدَثُ عَلَى مِلْكِ الْوَرَثَةِ ابْتِدَاءً ؛ لِأَنَّهَا إنَّمَا تُسْتَحَقُّ بَعْدَ الْمَوْتِ .\rوَبِالْمَوْتِ تَزُولُ أَمْلَاكُ الْمَيِّتِ الثَّابِتَةُ لَهُ ، وَيَخْرُجُ عَنْ أَنْ يَكُونَ أَهْلًا لِلْمِلِكِ ، وَإِنَّمَا يَثْبُتُ الْمِلْكُ لِوَرَثَتِهِ ابْتِدَاءً .\rوَلَا أَعْلَمُ خِلَافًا فِي أَنَّ الْمَيِّتَ يُجَهَّزُ مِنْهَا ، إنْ كَانَ قَبْلَ تَجْهِيزِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ ، لَوَجَبَ تَجْهِيزُهُ عَلَى مَنْ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ لَوْ كَانَ فَقِيرًا ، فَأَوْلَى أَنْ يَجِبَ ذَلِكَ فِي دِيَتِهِ .","part":14,"page":110},{"id":6610,"text":"( 4973 ) فَصْلٌ : فِي مِيرَاثِ الْمَفْقُودِ ، وَهُوَ نَوْعَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، الْغَالِبُ مِنْ حَالِهِ الْهَلَاكُ ، وَهُوَ مَنْ يُفْقَدُ فِي مَهْلَكَةٍ ، كَاَلَّذِي يُفْقَدُ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ ، وَقَدْ هَلَكَ جَمَاعَةٌ ، أَوْ فِي مَرْكَبٍ انْكَسَرَ ، فَغَرِقَ بَعْضُ أَهْلِهِ ، أَوْ فِي مَفَازَةٍ يَهْلَكُ فِيهَا النَّاسُ ، أَوْ يُفْقَدُ مِنْ بَيْنِ أَهْلِهِ ، أَوْ يَخْرُجُ لِصَلَاةِ الْعِشَاءِ أَوْ غَيْرِهَا مِنْ الصَّلَوَاتِ أَوْ لِحَاجَةِ قَرِيبَةٍ ، فَلَا يَرْجِعُ ، وَلَا يُعْلَمُ خَبَرُهُ ، فَهَذَا يُنْتَظَرُ بِهِ أَرْبَعُ سِنِينَ ، فَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ لَهُ خَبَرٌ ، قُسِّمَ مَالُهُ ، وَاعْتَدَّتْ امْرَأَتُهُ عِدَّةَ الْوَفَاةِ ، وَحَلَّتْ لِلْأَزْوَاجِ ، نَصَّ عَلَيْهِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ .\rوَهَذَا اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّهُ لَا يُقَسِّمُ مَالُهُ ، حَتَّى تَمْضِيَ عِدَّةُ الْوَفَاةِ بَعْدَ الْأَرْبَعِ سِنِينَ ؛ لِأَنَّهُ الْوَقْتُ الَّذِي يُبَاحُ لِامْرَأَتِهِ التَّزَوُّجُ فِيهِ .\rوَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ؛ لِأَنَّ الْعِدَّةَ إنَّمَا تَكُونُ بَعْدَ الْوَفَاةِ ، فَإِذَا حُكِمَ بِوَفَاتِهِ فَلَا وَجْهَ لِلْوُقُوفِ عَنْ قَسْمِ مَالِهِ .\rوَإِنْ مَاتَ لِلْمَفْقُودِ مَنْ يَرِثُهُ قَبْلَ الْحُكْمِ بِوَفَاتِهِ ، وُقِفَ لِلْمَفْقُودِ نَصِيبُهُ مِنْ مِيرَاثِهِ ، وَمَا يَشُكُّ فِي مُسْتَحِقِّهِ ، وَقُسِمَ بَاقِيهِ ؛ فَإِنْ بَانَ حَيًّا ، أَخَذَهُ ، وَرُدَّ الْفَضْلُ إلَى أَهْلِهِ ، وَإِنْ عُلِمَ أَنَّهُ مَاتَ بَعْدَ مَوْتِ مَوْرُوثِهِ ، دُفِعَ نُصِيبُهُ مَعَ مَالِهِ إلَى وَرَثَتِهِ .\rوَإِنْ عُلِمَ أَنَّهُ كَانَ مَيِّتًا حِينَ مَوْتِ مَوْرُوثِهِ ، رُدَّ الْمَوْقُوفُ إلَى وَرَثَةِ الْأَوَّلِ ، وَإِنْ مَضَتْ الْمُدَّةُ ، وَلَمْ يُعْلَمْ خَبَرُهُ ، رُدَّ أَيْضًا إلَى وَرَثَةِ الْأَوَّلِ ؛ لِأَنَّهُ مَشْكُوكٌ فِي حَيَاتِهِ حِينَ مَوْتِ مَوْرُوثِهِ ، فَلَا نُوَرِّثُهُ مَعَ الشَّكِّ ، كَالْجَنِينِ الَّذِي يُسْقَطَ مَيِّتًا ، وَكَذَلِكَ إنْ عَلِمْنَا أَنَّهُ مَاتَ ، وَلَمْ يَدْرِ مَتَى مَاتَ .\rوَلَمْ يُفَرِّقْ سَائِرُ أَهْلِ الْعِلْمِ بَيْنَ هَذِهِ الصُّورَةِ وَبَيْنَ سَائِرِ صُورِ الْفِقْدَانِ فِيمَا عَلِمْنَا ، إلَّا أَنَّ مَالِكًا ، وَالشَّافِعِيَّ رَضِيَ","part":14,"page":111},{"id":6611,"text":"اللَّهُ عَنْهُمَا ، فِي الْقَدِيمِ ، وَافَقَا فِي الزَّوْجَةِ أَنَّهَا تَتَزَوَّجُ خَاصَّةً وَالْأَظْهَرُ مِنْ مَذْهَبِهِ مِثْلُ قَوْلِ الْبَاقِينَ ، فَأَمَّا مَالُهُ فَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يُقَسَّمُ حَتَّى تَمْضِيَ مُدَّةٌ لَا يَعِيشُ فِي مِثْلِهَا ، عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ فِي الصُّورَةِ الْأُخْرَى ، إنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى ؛ لِأَنَّهُ مَفْقُودٌ لَا يَتَحَقَّقُ مَوْتُهُ ، فَأَشْبَهَ التَّاجِرَ وَالسَّائِحَ .\rوَلَنَا ، اتِّفَاقُ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ عَلَى تَزْوِيجِ امْرَأَتِهِ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فِي الْعَدَدِ ، وَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فِي النِّكَاحِ مَعَ الِاحْتِيَاطِ لِلْأَبْضَاعِ ، فَفِي الْمَالِ أَوْلَى وَلِأَنَّ الظَّاهِرَ هَلَاكُهُ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ مَضَتْ مُدَّةٌ لَا يَعِيشُ فِي مِثْلِهَا النَّوْعُ الثَّانِي ، مَنْ لَيْسَ الْغَالِبُ هَلَاكَهُ ، كَالْمُسَافِرِ لِتِجَارَةٍ ، أَوْ طَلَبِ عِلْمٍ ، أَوْ سِيَاحَةٍ ، وَنَحْوِ ذَلِكَ ، وَلَمْ يُعْلَمْ خَبَرُهُ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، لَا يُقَسَّمُ مَالُهُ ، وَلَا تَتَزَوَّجُ امْرَأَتُهُ ، حَتَّى يَتَيَقَّنَ مَوْتُهُ ، أَوْ يَمْضِيَ عَلَيْهِ مُدَّةٌ لَا يَعِيشُ مِثْلَهَا ، وَذَلِكَ مَرْدُودٌ إلَى اجْتِهَادِ الْحَاكِمِ .\rوَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ مَالِكٍ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَأَبِي يُوسُفَ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ حَيَاتُهُ ، وَالتَّقْدِيرُ لَا يُصَارُ إلَيْهِ إلَّا بِتَوْقِيفٍ ، وَلَا تَوْقِيفَ هَاهُنَا ، فَوَجَبَ التَّوَقُّفُ عَنْهُ وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ ، أَنَّهُ يُنْتَظَرُ بِهِ تَمَامُ تِسْعِينَ سَنَةً مَعَ سَنَةِ يَوْمَ فُقِدَ .\rوَهَذَا قَوْلُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ الْمَاجِشُونِ ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّهُ لَا يَعِيشُ أَكْثَرَ مِنْ هَذَا .\rوَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ : يُنْتَظَرُ بِهِ إلَى تَمَامِ سَبْعِينَ سَنَةً مَعَ سَنَةِ يَوْمَ فُقِدَ .\rوَلَعَلَّهُ يَحْتَجُّ بِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : أَعْمَارُ أُمَّتِي مَا بَيْنَ السَّبْعِينَ وَالسِّتِّينَ } .\rأَوْ كَمَا قَالَ ؛ وَلِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّهُ لَا يَعِيشُ أَكْثَرَ مِنْ هَذَا ، فَأَشْبَهَ","part":14,"page":112},{"id":6612,"text":"التِّسْعِينَ وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ : يُنْتَظَرُ بِهِ تَمَامُ مِائَةٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً .\rقَالَ : وَلَوْ فُقِدَ وَهُوَ ابْنُ سِتِّينَ سَنَةً ، وَلَهُ مَالٌ ، لَمْ يُقَسَّمْ مَالُهُ حَتَّى يَمْضِيَ عَلَيْهِ سِتُّونَ سَنَةً أُخْرَى ، فَيَكُونُ لَهُ مَعَ سَنَةِ يَوْمَ فُقِدَ مِائَةٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً ، فَيُقَسَّمُ مَالُهُ حِينَئِذٍ بَيْنَ وَرَثَتِهِ إنْ كَانُوا أَحْيَاءً ، وَإِنْ مَاتَ بَعْضُ وَرَثَتِهِ قَبْلَ مُضِيِّ مِائَةٍ وَعِشْرِينَ ، وَخَلَّفَ وَرَثَةً لَمْ يَكُنْ لَهُمْ شَيْءٌ مِنْ مَالِ الْمَفْقُودِ ، وَكَانَ مَالُهُ لِلْأَحْيَاءِ مِنْ وَرَثَتِهِ ، وَيُوقَفُ لِلْمَفْقُودِ حِصَّتُهُ مِنْ مَالِ مَوْرُوثِهِ الَّذِي مَاتَ فِي مُدَّةِ الِانْتِظَارِ ، فَإِنْ مَضَتْ الْمُدَّةُ وَلَمْ يُعْلَمْ خَبَرُ الْمَفْقُودِ رُدَّ الْمَوْقُوفُ إلَى وَرَثَةِ مَوْرُوثِ الْمَفْقُودِ ، وَلَمْ يَكُنْ لِوَرَثَةِ الْمَفْقُودِ قَالَ اللُّؤْلُؤِيُّ : وَهَذَا قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ .\rوَحَكَى الْخَبْرِيُّ عَنْ اللُّؤْلُؤِيِّ أَنَّهُ قَالَ : إنَّ الْمَوْقُوفَ لِلْمَفْقُودِ ، وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ خَبَرُهُ يَكُونُ لِوَرَثَتِهِ .\rقَالَ : وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدِي ، وَاَلَّذِي ذَكَرْنَاهُ هُوَ الَّذِي حَكَاهُ ابْنِ اللَّبَّانِ عَنْ اللُّؤْلُؤِيِّ ، فَقَالَ : لَوْ مَاتَتْ امْرَأَةُ الْمَفْقُودِ قَبْلَ تَمَامَ مِائَةٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً بِيَوْمِ ، أَوْ بَعْدَ فَقْدِهِ بِيَوْمِ ، وَتَمَّتْ مِائَةٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً ، لَمْ تُوَرَّثْ مِنْهُ شَيْئًا ، وَلَمْ نُوَرِّثْهُ مِنْهَا ؛ لِأَنَّنَا لَا نَعْلَمُ أَيَّهُمَا مَاتَ أَوَّلًا وَهَذَا قِيَاسُ قَوْلِ مَنْ قَالَ فِي الْغَرْقَى : إنَّهُ لَا يُوَرَّثُ أَحَدُهُمْ مِنْ صَاحِبِهِ ، وَيَرِثُ كُلُّ وَاحِدٍ الْأَحْيَاءَ مِنْ وَرَثَتِهِ .\rقَالَ الْقَاضِي : هَذَا قِيَاسُ قَوْلِ أَحْمَدَ .\rوَاتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَرِثُ الْمَفْقُودَ إلَّا الْأَحْيَاءُ مِنْ وَرَثَتِهِ يَوْمَ قَسْمِ مَالِهِ ، لَا مَنْ مَاتَ قَبْلَ ذَلِكَ ، وَلَوْ بِيَوْمٍ .\rوَاخْتَلَفُوا فِي مَنْ مَاتَ وَفِي وَرَثَتِهِ مَفْقُودٌ فَمَذْهَبُ أَحْمَدَ وَأَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ ، عَلَى أَنَّهُ يُعْطَى كُلُّ وَارِثٍ مِنْ وَرَثَتِهِ الْيَقِينَ ، وَيُوقَفُ الْبَاقِي حَتَّى","part":14,"page":113},{"id":6613,"text":"يَتَبَيَّنَ أَمْرُهُ ، أَوْ تَمْضِيَ مُدَّةُ الِانْتِظَارِ ، فَتَعْمَلُ الْمَسْأَلَةُ عَلَى أَنَّهُ حَيٌّ ، ثُمَّ عَلَى أَنَّهُ مَيِّتٌ ، وَتَضْرِبُ إحْدَاهُمَا فِي الْأُخْرَى إنْ تَبَايَنَتَا ، أَوْ فِي وَقْفِهِمَا إنْ اتَّفَقَتَا ، وَتَجْتَزِئُ إحْدَاهُمَا إنْ تَمَاثَلَتَا ، أَوْ بِأَكْثَرِهِمَا إنْ تَنَاسَبَتَا ، وَتُعْطِي كُلَّ وَاحِدٍ أَقَلَّ النَّصِيبَيْنِ ، وَمَنْ لَا يَرِثُ إلَّا مِنْ أَحَدِهِمَا لَا تُعْطِيهِ شَيْئًا ، وَتَقِفُ الْبَاقِيَ .\rوَلَهُمْ أَنْ يَصْطَلِحُوا عَلَى مَا زَادَ عَلَى نَصِيبِ الْمَفْقُودِ ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ اللَّبَّانِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْرُجُ عَنْهُمْ .\rوَأَنْكَرَ ذَلِكَ الْوَنِّيُّ ، وَقَالَ : لَا فَائِدَةَ فِي أَنْ يَنْقُصَ بَعْضُ الْوَرَثَةِ عَمَّا يَسْتَحِقُّهُ فِي مَسْأَلَةِ الْحَيَاةِ ، وَهِيَ مُتَيَقَّنَةٌ ، ثُمَّ يُقَالُ لَهُ : لَك أَنْ تُصَالِحَ عَلَى بَعْضِهِ بَلْ إنْ جَازَ ذَلِكَ ، فَالْأَوْلَى أَنْ نُقَسِّمَ الْمَسْأَلَةَ عَلَى تَقْدِيرِ الْحَيَاةِ ، وَنَقِفُ نَصِيبَ الْمَفْقُودِ لَا غَيْرُ .\rوَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فَإِنَّ الزَّائِدَ عَنْ نَصِيبِ الْمَفْقُودِ مِنْ الْمَوْقُوفِ مَشْكُوكٌ فِي مُسْتَحِقِّهِ ، وَيَقِينُ الْحَيَاةِ مُعَارِضٌ بِظُهُورِ الْمَوْتِ ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُوَرَّثَ كَالزَّائِدِ عَنْ الْيَقِينِ فِي مَسَائِلِ الْحَمْلِ وَالِاسْتِهْلَالِ ، وَيَجُوزُ لِلْوَرَثَةِ الْمَوْجُودِينَ الصُّلْحُ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ حَقُّهُمْ ، لَا يَخْرُجُ عَنْهُمْ ، وَإِبَاحَةُ الصُّلْحِ عَلَيْهِ لَا تَمْنَعُ وُجُوبَ وَقْفِهِ ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي نَظَائِرِهِ ، وَوُجُوبُ وَقْفِهِ لَا يَمْنَعُ الصُّلْحَ عَلَيْهِ لِذَلِكَ ، وَلِأَنَّ تَجْوِيزَ أَخْذِ الْإِنْسَانِ حَقَّ غَيْرِهِ بِرِضَاهُ وَصُلْحِهِ ، لَا يَلْزَمُ مِنْهُ جَوَازُ أَخْذِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ وَظَاهِرُ قَوْلِ الْوَنِّيِّ هَذَا أَنْ تُقَسَّمَ الْمَسْأَلَةُ عَلَى أَنَّهُ حَيٌّ ، وَيَقِفَ نَصِيبَهُ لَا غَيْرُ .\rوَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : يُقَسَّمُ الْمَالُ عَلَى الْمَوْجُودِينَ ؛ لِأَنَّهُمْ مُتَحَقِّقُونَ ، وَالْمَفْقُودُ مَشْكُوكٌ فِيهِ ، فَلَا يُوَرَّثُ مَعَ الشَّكِّ .\rوَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ :","part":14,"page":114},{"id":6614,"text":"الْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ الْمَالُ فِي يَدِهِ ، فَلَوْ مَاتَ رَجُلٌ ، وَخَلَّفَ ابْنَتَيْهِ ، وَابْنَ ابْنٍ ، أَبُوهُ مَفْقُودٌ ، وَالْمَالُ فِي يَدِ الِابْنَتَيْنِ ، فَاخْتَصَمُوا إلَى الْقَاضِي ، فَإِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يُحَوِّلَ الْمَالَ عَنْ مَوْضِعِهِ ، وَلَا يَقِفَ مِنْهُ شَيْئًا ، سَوَاءٌ اعْتَرَفَتْ الِابْنَتَانِ بِفَقْدِهِ ، أَوْ ادَّعَتَا مَوْتَهُ وَإِنْ كَانَ الْمَالُ فِي يَدِ ابْنِ الْمَفْقُودِ ، لَمْ يُعْطَ الِابْنَتَانِ إلَّا النِّصْفَ أَقَلَّ مَا يَكُونُ لَهُمَا ، وَإِنْ كَانَ الْمَالُ فِي يَدِ أَجْنَبِيٍّ ، فَأَقَرَّ بِأَنَّ الِابْنَ مَفْقُودٌ ، وُقِفَ لَهُ النِّصْفُ فِي يَدَيْهِ ، وَإِنْ قَالَ الْأَجْنَبِيُّ : قَدْ مَاتَ الْمَفْقُودُ ، لَزِمَهُ دَفْعُ الثُّلُثَيْنِ إلَى الْبِنْتَيْنِ ، وَيُوقَفُ الثُّلُثُ ، إلَّا أَنْ يُقِرَّ ابْنُ الِابْنِ بِمَوْتِ أَبِيهِ ، فَيُدْفَعَ إلَيْهِ الْبَاقِي .\rوَالْجُمْهُورُ عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ .\rوَمِنْ مَسَائِلِ ذَلِكَ : زَوْجٌ وَأُمٌّ وَأُخْتٌ وَجَدٌّ وَأَخٌ مَفْقُودٌ ، مَسْأَلَةُ الْمَوْتِ ، مِنْ سَبْعَةٍ وَعِشْرِينَ ؛ لِأَنَّهَا مَسْأَلَةُ الْأَكْدَرِيَّةِ ، وَمَسْأَلَةُ الْحَيَاةِ مِنْ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ ، وَهُمَا يَتَّفِقَانِ بِالْأَتْسَاعِ ، فَتَضْرِبُ تُسْعَ إحْدَاهُمَا فِي الْأُخْرَى ، تَكُنْ أَرْبَعَةً وَخَمْسِينَ ، لِلزَّوْجِ النِّصْفُ مِنْ مَسْأَلَةِ الْحَيَاةِ ، وَالثُّلُثُ مِنْ مَسْأَلَةِ الْمَوْتِ ، فَيُعْطَى الثُّلُثَ ، وَلِلْأُمِّ التُّسْعَانِ مِنْ مَسْأَلَةِ الْمَوْتِ ، وَالسُّدُسُ مِنْ مَسْأَلَةِ الْحَيَاةِ ، فَتُعْطَى السُّدُسَ ، وَلِلْجَدِّ سِتَّةَ عَشَرَ سَهْمًا مِنْ مَسْأَلَةِ الْمَوْتِ ، وَتِسْعَةٌ مِنْ مَسْأَلَةِ الْحَيَاةِ ، فَيَأْخُذُ التِّسْعَةَ ، وَلِلْأُخْتِ ثَمَانِيَةٌ مِنْ مَسْأَلَةِ الْمَوْتِ ، وَثَلَاثَةٌ مِنْ مَسْأَلَةِ الْحَيَاةِ ، فَتَأْخُذُ ثَلَاثَةً ، وَيَبْقَى خَمْسَةَ عَشَرَ مَوْقُوفَةً ، إنْ بَانَ أَنَّ الْأَخَ حَيٌّ ، وَأَخَذَ سِتَّةً ، وَأَخَذَ الزَّوْجُ تِسْعَةً ، وَإِنْ بَانَ مَيِّتًا ، أَوْ مَضَتْ الْمُدَّةُ قَبْلَ قُدُومِهِ ، أَخَذَتْ الْأُمُّ ثَلَاثَةً ، وَالْأُخْتُ خَمْسَةً ، وَالْجَدُّ سَبْعَةً وَاخْتَارَ الْخَبْرِيُّ أَنَّ الْمُدَّةَ إذَا مَضَتْ ،","part":14,"page":115},{"id":6615,"text":"وَلَمْ يَتَبَيَّنْ أَمْرُهُ ، أَنْ يُقَسَّمَ نَصِيبُهُ مِنْ الْمَوْقُوفِ عَلَى وَرَثَتِهِ ؛ فَإِنَّهُ كَانَ مَحْكُومًا بِحَيَاتِهِ ، لِأَنَّهَا الْيَقِينُ ، وَإِنَّمَا حَكَمْنَا بِمَوْتِهِ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ مَالٌ مَوْقُوف لِمَنْ يُنْتَظَرُ مِمَّنْ لَا يَعْلَمُ حَالُهُ ، فَإِذَا لَمْ تَتَبَيَّنْ حَيَاتُهُ ، لَمْ يَكُنْ لِوَرَثَتِهِ ، كَالْمَوْقُوفِ لِلْحَمْلِ ، وَلِلْمُورِثَةِ أَنْ يَصْطَلِحُوا عَلَى التِّسْعَةِ قَبْلَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ .\rزَوْجٌ وَأَبَوَانِ وَابْنَتَانِ مَفْقُودَتَانِ مَسْأَلَةُ حَيَاتِهِمَا مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ ، وَفِي حَيَاةِ إحْدَاهُمَا مِنْ ثَلَاثَةَ عَشَرَ ، وَفِي مَوْتِهِمَا مِنْ سِتَّةٍ ، فَتَضْرِبُ ثُلُثَ السِّتَّةِ فِي خَمْسَةَ عَشْرَ ، ثُمَّ فِي ثَلَاثَةَ عَشَرَ ، تَكُنْ ثَلَاثَمِائَةٍ وَتِسْعِينَ ، ثُمَّ تُعْطِي الزَّوْجَ وَالْأَبَوَيْنِ حُقُوقَهُمْ مِنْ مَسْأَلَةِ الْحَيَاةِ مَضْرُوبًا فِي اثْنَيْنِ ، ثُمَّ فِي ثَلَاثَةَ عَشْرَ ، وَتَقِفُ الْبَاقِي .\rوَإِنْ كَانَ فِي الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثَةٌ مَفْقُودُونَ ، عَمِلْت لَهُمْ أَرْبَعَ مَسَائِلَ .\rوَإِنْ كَانُوا أَرْبَعَةً عَمِلْت لَهُمْ مَسَائِلَ .\rوَعَلَى هَذَا .\rوَإِنْ كَانَ الْمَفْقُودُ يَحْجُبُ وَلَا يَرِثُ ، كَزَوْجٍ وَأُخْتٍ مِنْ أَبَوَيْنِ وَأُخْتٍ مِنْ أَبٍ وَأَخٍ لَهَا مَفْقُودٍ ، وَقَفْت السُّبْعَ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الزَّوْجِ وَالْأُخْتِ مِنْ الْأَبَوَيْنِ وَقِيلَ : لَا يُوقَفُ هَاهُنَا شَيْءٌ ، وَتُعْطَى الْأُخْتُ مِنْ الْأَبِ السُّبْعَ ؛ لِأَنَّهَا لَا تُحْجَبُ بِالشَّكِّ ، كَمَا لَا تَرِثُ بِالشَّكِّ .\rوَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ؛ لِأَنَّ دَفْعَ السُّبْعِ إلَيْهَا تَوْرِيثٌ بِالشَّكِّ ، وَلَيْسَ فِي الْوَقْفِ حَجْبٌ يَقِينًا ، إنَّمَا هُوَ تَوَقُّفٌ عَنْ صَرْفِ الْمَالِ إلَى إحْدَى الْجِهَتَيْنِ الْمَشْكُوكِ فِيهَا .\rوَيُعَارِضُ قَوْلَ هَذَا الْقَائِلِ قَوْلُ مَنْ قَالَ : إنَّ الْيَقِينَ حَيَاتُهُ ، فَيُعْمَلُ عَلَى أَنَّهُ حَيٌّ ، وَيُدْفَعُ الْمَالُ إلَى الزَّوْجِ وَالْأُخْتِ مِنْ الْأَبَوَيْنِ .\rوَالتَّوَسُّطُ بِمَا ذَكَرْنَاهُ أَوْلَى .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":14,"page":116},{"id":6616,"text":"( 4974 ) فَصْلٌ : وَالْأَسِيرُ كَالْمَفْقُودِ ، إذَا انْقَطَعَ خَبَرُهُ .\rوَإِنْ عُلِمَتْ حَيَاتُهُ ، وَرِثَ ، فِي قَوْلِ الْجُمْهُورِ .\rوَحُكِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّهُ لَا يَرِثُ ؛ لِأَنَّهُ عَبْدٌ ، وَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ النَّخَعِيِّ ، وَقَتَادَةَ وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ .\rوَالْكُفَّارُ لَا يَمْلِكُونَ الْأَحْرَارَ .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":14,"page":117},{"id":6617,"text":"( 4975 ) فَصْلٌ : فِي التَّزْوِيجِ فِي الْمَرَضِ وَالصِّحَّةِ .\rحُكْمُ النِّكَاحِ فِي الْمَرَضِ وَالصِّحَّةِ سَوَاءٌ فِي صِحَّةِ الْعَقْدِ ، وَتَوْرِيثِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ صَاحِبِهِ ، فِي قَوْلِ الْجُمْهُورِ .\rوَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا .\rوَقَالَ مَالِكٌ : أَيُّ الزَّوْجَيْنِ كَانَ مَرِيضًا مَرَضًا مَخُوفًا حَالَ عَقْدِ النِّكَاحِ ، فَالنِّكَاحُ فَاسِدٌ لَا يَتَوَارَثَانِ بِهِ إلَّا أَنْ يُصِيبَهَا ، فَيَكُونَ لَهَا الْمُسَمَّى فِي ثَلَاثَةٍ مُقَدَّمًا عَلَى الْوَصِيَّةِ وَعَنْ الزُّهْرِيِّ ، وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ مِثْلُهُ .\rوَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ مَالِكٍ فِي نِكَاحِ مَنْ لَمْ يَرِثْ ، كَالْأَمَةِ وَالذِّمِّيَّةِ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : يَصِحُّ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُتَّهَمُ بِقَصْدِ تَوْرِيثِهَا .\rوَمِنْهُمْ مَنْ أَبْطَلَهُ ؛ لِجَوَازِ أَنْ تَكُونَ وَارِثَةً .\rوَقَالَ رَبِيعَةُ ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى : الصَّدَاقُ وَالْمِيرَاثُ مِنْ الثُّلُثِ .\rوَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : النِّكَاحُ صَحِيحٌ ، وَلَا مِيرَاثَ بَيْنَهُمَا وَعَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ وَالْحَسَنِ : إنْ قَصَدَ الْإِضْرَارَ بِوَرَثَتِهِ ، فَالنِّكَاحُ بَاطِلٌ ، وَإِلَّا فَهُوَ صَحِيحٌ وَلَنَا ، أَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ يَصِحُّ فِي الصِّحَّةِ ، فَيَصِحُّ فِي الْمَرَضِ كَالْبَيْعِ ، وَلِأَنَّهُ نِكَاحٌ صَدَرَ مِنْ أَهْلِهِ فِي مَحَلِّهِ بِشَرْطِهِ ، فَيَصِحُّ كَحَالِ الصِّحَّةِ ، وَقَدْ رَوَيْنَا أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أُمِّ الْحَكَمِ تَزَوَّجَ فِي مَرَضِهِ ثَلَاثَ نِسْوَةٍ ، أَصْدَقَ كُلَّ وَاحِدَةٍ أَلْفًا لِيُضَيِّقَ بِهِنَّ عَلَى امْرَأَتِهِ ، وَيَشْرَكْنَهَا فِي مِيرَاثِهَا ، فَأُجِيزَ ذَلِكَ .\rوَإِذَا ثَبَتَ صِحَّةُ النِّكَاحِ ، ثَبَتَ الْمِيرَاثُ بِعُمُومِ الْآيَةِ .","part":14,"page":118},{"id":6618,"text":"( 4976 ) فَصْلٌ : وَلَا فَرْقَ فِي مِيرَاثِ الزَّوْجَيْنِ بَيْنَ مَا قَبْلَ الدُّخُولِ وَبَعْدَهُ ؛ لِعُمُومِ الْآيَةِ ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى لِبِرْوَعَ بِنْتِ وَاشِقٍ بِالْمِيرَاثِ ، وَكَانَ زَوْجُهَا مَاتَ عَنْهَا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا ، وَلَمْ يَفْرِضْ لَهَا صَدَاقًا .\rوَلِأَنَّ النِّكَاحَ صَحِيحٌ ثَابِتٌ ، فَيُوَرَّثُ بِهِ ، كَمَا بَعْدَ الدُّخُولِ .","part":14,"page":119},{"id":6619,"text":"( 4977 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا النِّكَاحُ الْفَاسِدُ ، فَلَا يَثْبُتُ بِهِ التَّوَارُثُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِنِكَاحٍ شَرْعِيٍّ .\rوَإِذَا اشْتَبَهَ مَنْ نِكَاحُهَا فَاسِدٌ بِمَنْ نِكَاحُهَا صَحِيحٌ ، فَالْمَنْقُولُ عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّهُ قَالَ فِي مَنْ تَزَوَّجَ أُخْتَيْنِ ، لَا يَدْرِي أَيَّتَهُمَا تَزَوَّجَ أَوَّلَ : فَإِنَّهُ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا .\rوَتَوَقَّفَ عَنْ أَنْ يَقُولَ فِي الصَّدَاقِ شَيْئًا .\rقَالَ أَبُو بَكْرٍ : يَتَوَجَّهُ عَلَى قَوْلِهِ أَنْ يُقْرَعَ بَيْنَهُمَا فَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا فِي الْمِيرَاثِ إذَا مَاتَ عَنْهُمَا .\rوَعَنْ النَّخَعِيِّ ، وَالشَّعْبِيِّ ، مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَهْرَ وَالْمِيرَاثَ يُقَسَّمُ بَيْنَهُنَّ عَلَى حَسَبِ الدَّعَاوَى وَالتَّنْزِيلِ ، كَمِيرَاثِ الْخَنَاثَى .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : يُوقَفُ الْمَشْكُوكُ فِيهِ مِنْ ذَلِكَ حَتَّى يَصْطَلِحْنَ عَلَيْهِ ، أَوْ يَتَبَيَّنَ الْأَمْرُ .\rفَلَوْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً فِي عَقْدٍ ، وَأَرْبَعًا فِي عَقْدٍ ، ثُمَّ مَاتَ ، وَخَلَّفَ أَخًا ، وَلَمْ يُعْلَمْ أَيُّ الْعَقْدَيْنِ سَبَقَ ، فَفِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ، كُلُّ وَاحِدَةٍ تَدَّعِي مَهْرًا كَامِلًا يُنْكِرُهُ الْأَخُ ، فَتُعْطَى كُلُّ وَاحِدَةٍ نِصْفَ مَهْرٍ ، وَيُؤْخَذُ رُبُعُ الْبَاقِي تَدَّعِيهِ الْوَاحِدَةُ وَالْأَرْبَعُ ، فَيُقَسَّمُ لِلْوَاحِدَةِ نِصْفُهُ ، وَلِلْأَرْبَعِ نِصْفُهُ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَكْثَرُ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَرْبَعَةُ مُهُورٍ فَيَأْخُذُ ذَلِكَ ، يُوقَفُ مِنْهَا مَهْرٌ بَيْنَ النِّسَاءِ الْخَمْسِ ، وَيَبْقَى ثَلَاثَةٌ تَدَّعِي الْوَاحِدَةُ رُبُعَهَا مِيرَاثًا ، وَيَدَّعِي الْأَخُ ثَلَاثَةَ أَرْبَاعِهَا ، فَيُوقَفُ مِنْهَا ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ مَهْرٍ بَيْنَ النِّسَاءِ الْخَمْسِ ، وَبَاقِيهَا وَهُوَ مَهْرَانِ وَرُبُعٌ بَيْنَ الْأَرْبَعِ وَبَيْنَ الْأَخِ ، ثُمَّ يُؤْخَذُ رُبُعُ مَا بَقِيَ ، فَيُوقَفُ بَيْنَ النِّسَاءِ الْخَمْسِ ، وَالْبَاقِي لِلْأَخِ .\rوَإِنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً فِي عَقْدٍ وَاثْنَتَيْنِ فِي عَقْدٍ ، وَثَلَاثًا فِي عَقْدٍ ، وَلَمْ يُعْلَمْ السَّابِقُ ،","part":14,"page":120},{"id":6620,"text":"فَالْوَاحِدَةُ نِكَاحُهَا صَحِيحٌ ، فَلَهَا مَهْرُهَا ، وَيَبْقَى الشَّكُّ فِي الْخَمْسِ ، فَعَلَى قَوْلِ أَهْلِ الْعِرَاقِ لَهُنَّ مَهْرَانِ بِيَقِينٍ ، وَالثَّالِثُ لَهُنَّ فِي حَالٍ دُونَ حَالٍ .\rفَيَكُونُ لَهُنَّ نِصْفُهُ ، ثُمَّ يُقَسَّمُ ذَلِكَ بَيْنَهُنَّ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ نِصْفُ مَهْرٍ ، ثُمَّ يُؤْخَذُ رُبُعُ الْبَاقِي لَهُنَّ مِيرَاثًا ، فَلِلْوَاحِدَةِ رُبُعُهُ يَقِينًا ، وَتَدَّعِي نِصْفَ سُدُسِهِ ، فَتُعْطَى نِصْفَهُ ، فَيَصِيرُ لَهَا مِنْ الرُّبُعِ سُدُسُهُ وَثُمُنُهُ ، وَذَلِكَ سَبْعَةٌ مِنْ أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ ، وَالِاثْنَتَانِ تَدَّعِيَانِ ثُلُثَيْهِ ، وَهُوَ سِتَّةَ عَشْرَ سَهْمًا ، فَيُعْطَيْنَ نِصْفَهُ ، وَهُوَ ثَمَانِيَةُ أَسْهُمٍ ، وَالثَّلَاثُ يَدَّعِينَ ثَلَاثَةَ أَرْبَاعِهِ ، وَهُوَ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ سَهْمًا ، فَيُعْطَيْنَ تُسْعَهُ .\rهَذَا قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ وَعَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ ، تُقَسَّمُ السَّبْعَةَ عَشَرَ بَيْنَ الثَّلَاثِ وَالِاثْنَتَيْنِ نِصْفَيْنِ .\rفَيَصِيرُ الرُّبُعُ مِنْ ثَمَانِيَةٍ وَأَرْبَعِينَ سَهْمًا ، ثُمَّ تَضْرِبُ الِاثْنَيْنِ فِي الثَّلَاثِ ، ثُمَّ فِي الثَّمَانِيَةِ وَالْأَرْبَعِينَ ، تَكُنْ مِائَتَيْنِ وَثَمَانِيَةً وَثَمَانِينَ ، فَهَذَا رُبُعُ الْمَالِ .\rوَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ تُعْطَى الْوَاحِدَةُ مَهْرَهَا ، وَيُوقَفُ ثَلَاثَةُ مُهُورٍ ؛ مَهْرَانِ ؛ مِنْهَا بَيْنَ الْخَمْسِ ، وَمَهْرٌ تَدَّعِيهِ الْوَاحِدَةُ ، وَالِاثْنَتَانِ رُبُعُهُ مِيرَاثًا ، وَتَدَّعِيهِ الثَّلَاثُ مَهْرًا وَثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهِ تَدَّعِيهِ الْأُخْرَى مِيرَاثًا وَتَدَّعِيهِ الثَّلَاثُ مَهْرًا ، وَيُؤْخَذُ رُبُعُ مَا بَقِيَ فَيُدْفَعُ رُبُعُهُ إلَى الْوَاحِدَةِ ، وَنِصْفُ سُدُسِهِ بَيْنَ الْوَاحِدَةِ وَالثَّلَاثِ مَوْقُوفٌ ، وَثُلُثَاهُ بَيْنَ الثَّلَاثِ وَالِاثْنَتَيْنِ مَوْقُوفٌ ، فَإِنْ طَلَبَتْ وَاحِدَةٌ مِنْ الْخَمْسِ شَيْئًا مِنْ الْمِيرَاثِ الْمَوْقُوفِ ، لَمْ يُدْفَعْ إلَيْهَا شَيْءٌ ، وَكَذَلِكَ إنْ طَلَبَهُ أَحَدُ الْفَرِيقَيْنِ ، لَمْ يُدْفَعُ إلَيْهِ شَيْءٌ .\rوَإِنْ طَلَبَتْ وَاحِدَةٌ مِنْ الثَّلَاثِ ، وَوَاحِدَةٌ مِنْ الِاثْنَتَيْنِ ، دُفِعَ إلَيْهِمَا رُبُعُ الْمِيرَاثِ","part":14,"page":121},{"id":6621,"text":".\rوَإِنْ طَلَبَتْهُ وَاحِدَةٌ مِنْ الِاثْنَتَيْنِ ، وَاثْنَتَانِ مِنْ الثَّلَاثِ ، أَوْ الثَّلَاثُ كُلُّهُنَّ ، دُفِعَ إلَيْهِنَّ ثُلُثُهُ .\rوَإِنْ عَيَّنَ الزَّوْجُ الْمَنْكُوحَاتِ أَوَّلًا ، قُبِلَ تَعْيِينُهُ وَثَبَتَ .\rوَإِنْ وَطِئَ وَاحِدَةً مِنْهُنَّ ، لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ تَعْيِينًا لَهَا .\rوَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .\rوَلِلْمَوْطُوءَةِ الْأَقَلُّ مِنْ الْمُسَمَّى أَوْ مَهْرُ الْمِثْلِ ، فَيَكُون الْفَضْلُ بَيْنَهُمَا مَوْقُوفًا .\rوَعَلَى قَوْلِ أَهْلِ الْعِرَاقِ ، يَكُونُ تَعْيِينًا ، فَإِنْ كَانَتْ الْمَوْطُوءَةُ مِنْ الِاثْنَتَيْنِ ، صَحَّ نِكَاحُهَا ، وَبَطَلَ نِكَاحُ الثَّلَاثِ ، وَإِنْ كَانَتْ مِنْ الثَّلَاثِ ، بَطَلَ نِكَاحُ الِاثْنَتَيْنِ .\rوَإِنْ وَطِئَ وَاحِدَةً مِنْ الِاثْنَتَيْنِ ، وَوَاحِدَةً مِنْ الثَّلَاثِ ، صَحَّ نِكَاحُ الْفَرِيقِ الْمَبْدُوءِ بِوَطْءِ وَاحِدَةٍ مِنْهُ ، وَلِلْمَوْطُوءَةِ الَّتِي لَمْ يَصِحَّ نِكَاحُهَا مَهْرُ مِثْلِهَا فَإِنْ أَشْكَلَ أَيْضًا ، أُخِذَ مِنْهُ الْيَقِينُ ، وَهُوَ مَهْرَانِ مُسَمَّيَانِ وَمَهْرُ مِثْلٍ ، وَيَبْقَى مَهْرٌ مُسَمًّى تَدَّعِيهِ النِّسْوَةُ ، وَيُنْكِرُهُ الْأَخُ ، فَيُقَسَّمُ بَيْنَهُمَا ، فَيَحْصُلُ لِلنِّسْوَةِ مَهْرُ مِثْلٍ وَمُسَمَّيَانِ وَنِصْفٌ ، مِنْهَا مَهْرٌ مُسَمًّى ، وَمَهْرُ مِثْلٍ يُقَسَّمُ بَيْنَ الْمَوْطُوءَتَيْنِ نِصْفَيْنِ ، وَيَبْقَى مُسَمًّى وَنِصْفٌ بَيْنَ الثَّلَاثِ الْبَاقِيَاتِ ، لِكُلِّ وَاحِدَةٍ نِصْفٌ مُسَمًّى ، وَالْمِيرَاثُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ ، لَا حُكْمَ لِلْوَطْءِ فِي التَّعْيِينِ ، وَهَلْ يَقُومُ تَعْيِينُ الْوَارِثِ مَقَامَ تَعْيِينِ الزَّوْجِ ؟ فِيهِ قَوْلَانِ .\rفَعَلَى قَوْلِهِ ، يُؤْخَذُ مُسَمًّى وَمَهْرُ مِثْلٍ لِلْمَوْطُوءَتَيْنِ ، تُعْطَى كُلُّ وَاحِدَةٍ الْأَقَلَّ مِنْ الْمُسَمَّى أَوْ مَهْرِ الْمِثْلِ ، وَيَقِفُ الْفَضْلُ بَيْنَهُمَا ، وَيَبْقَى مُسَمَّيَانِ وَنِصْفٌ ، يَقِفُ أَحَدَهُمَا بَيْنَ الثَّلَاثِ اللَّاتِي لَمْ يُوطَأْنَ ، وَآخَرُ بَيْنَ الثَّلَاثِ وَالِاثْنَتَيْنِ ، وَالْمِيرَاثُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ .\rوَحُكِيَ عَنْ الشَّعْبِيِّ وَالنَّخَعِيِّ ، فِي مَنْ لَهُ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ أَبَتَّ طَلَاقَ","part":14,"page":122},{"id":6622,"text":"إحْدَاهُنَّ ، ثُمَّ نَكَحَ خَامِسَةً ، وَمَاتَ وَلَمْ يُدْرَ أَيَّتَهُنَّ طَلَّقَ ، فَلِلْخَامِسَةِ رُبُعُ الْمِيرَاثِ ، وَلِلْأَرْبَعِ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهِ بَيْنَهُنَّ وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ إذَا كَانَ نِكَاحُ الْخَامِسَةِ بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّةِ الْمُطَلَّقَةِ .\rوَلَوْ أَنَّهُ قَالَ بَعْدَ نِكَاحِ الْخَامِسَةِ : إحْدَى نِسَائِي طَالِقٌ .\rثُمَّ نَكَحَ سَادِسَةً ، ثُمَّ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يُبَيِّنَ ، فَلِلسَّادِسَةِ رُبُعُ الْمِيرَاثِ ، وَلِلْخَامِسَةِ رُبُعُ ثَلَاثَةِ أَرْبَاعِ الْبَاقِي ، وَمَا بَقِيَ بَيْنَ الْأَرْبَعِ الْأُوَلِ أَرْبَاعًا .\rوَفِي قَوْلِ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَا أَشْكَلَ مِنْ ذَلِكَ مَوْقُوفٌ عَلَى مَا تَقَدَّمَ .","part":14,"page":123},{"id":6623,"text":"فَصْلٌ : فِي الطَّلَاقِ .\rإذَا طَلَّقَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ طَلَاقًا يَمْلِكُ رَجْعَتَهَا فِي عِدَّتِهَا ، لَمْ يَسْقُطْ التَّوَارُثُ بَيْنَهُمَا ، مَا دَامَتْ فِي الْعِدَّةِ ، سَوَاءٌ كَانَ فِي الْمَرَضِ أَوْ الصِّحَّةِ .\rبِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ ، وَعُمَرَ ، وَعُثْمَانَ ، وَعَلِيٍّ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ .\rوَذَلِكَ لِأَنَّ الرَّجْعِيَّةَ زَوْجَةٌ يَلْحَقُهَا طَلَاقُهُ وَظِهَارُهُ وَإِيلَاؤُهُ ، وَيَمْلِكُ إمْسَاكَهَا بِالرَّجْعَةِ بِغَيْرِ رِضَاهَا وَلَا وَلِيٍّ وَلَا شُهُودٍ وَلَا صَدَاقٍ جَدِيدٍ ، وَإِنْ طَلَّقَهَا فِي الصِّحَّةِ طَلَاقًا بَائِنًا أَوْ رَجْعِيًّا ، فَبَانَتْ بِانْقِضَاءِ عِدَّتِهَا ، لَمْ يَتَوَارَثَا إجْمَاعًا وَإِنْ كَانَ الطَّلَاقُ فِي الْمَرَضِ الْمَخُوفِ ، ثُمَّ مَاتَ مِنْ مَرَضِهِ ذَلِكَ فِي عِدَّتِهَا ، وَرِثَتْهُ وَلَمْ يَرِثْهَا إنْ مَاتَتْ .\rيُرْوَى هَذَا عَنْ عُمَرَ ، وَعُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا .\rوَبِهِ قَالَ عُرْوَةُ ، وَشُرَيْحٌ ، وَالْحَسَنُ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ فِي أَهْلِ الْعِرَاقِ ، وَمَالِكٌ فِي أَهْلِ الْمَدِينَةِ ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى .\rوَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي الْقَدِيمِ وَرُوِيَ عَنْ عُتْبَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ : لَا تَرِثُ مَبْتُوتَةٌ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ .\rوَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ الْجَدِيدُ ؛ لِأَنَّهَا بَائِنٌ ، فَلَا تَرِثُ ، كَالْبَائِنِ فِي الصِّحَّةِ ، أَوْ كَمَا لَوْ كَانَ الطَّلَاقُ بِاخْتِيَارِهَا ، وَلِأَنَّ أَسْبَابَ الْمِيرَاثِ مَحْصُورَةٌ فِي رَحِمٍ وَنِكَاحٍ وَوَلَاءٍ ، وَلَيْسَ لَهَا شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ الْأَسْبَابِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَرَّثَ تُمَاضِرَ بِنْتَ الْأَصْبَغِ الْكَلْبِيَّةَ مِنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ، وَكَانَ طَلَّقَهَا فِي مَرَضِهِ فَبَتَّهَا .\rوَاشْتَهَرَ ذَلِكَ فِي الصَّحَابَةِ فَلَمْ يُنْكَرْ ، فَكَانَ إجْمَاعًا وَلَمْ يَثْبُتْ عَنْ عَلِيٍّ وَلَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ خِلَافٌ فِي هَذَا ، بَلْ قَدْ رَوَى عُرْوَةُ عَنْ عُثْمَانَ أَنَّهُ قَالَ","part":14,"page":124},{"id":6624,"text":"لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ : لَئِنْ مِتّ لَأُوَرِّثَنَّهَا مِنْك .\rقَالَ : قَدْ عَلِمْت ذَلِكَ .\rوَمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ الزُّبَيْرِ إنْ صَحَّ ، فَهُوَ مَسْبُوقٌ بِالْإِجْمَاعِ .\rوَلِأَنَّ هَذَا قَصَدَ قَصْدًا فَاسِدًا فِي الْمِيرَاثِ ، فَعُورِضَ بِنَقِيضِ قَصْدِهِ ، كَالْقَاتِلِ الْقَاصِدِ اسْتِعْجَالَ الْمِيرَاثِ يُعَاقَبُ بِحِرْمَانِهِ إذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَالْمَشْهُورُ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهَا تَرِثُهُ فِي الْعِدَّةِ وَبَعْدَهَا مَا لَمْ تَتَزَوَّجْ .\rقَالَ أَبُو بَكْرٍ : لَا يَخْتَلِفُ قَوْلُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ فِي الْمَدْخُولِ بِهَا إذَا طَلَّقَهَا الْمَرِيضُ ، أَنَّهَا تَرِثُهُ فِي الْعِدَّة ، وَبَعْدَهَا مَا لَمْ تَتَزَوَّجْ .\rرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ الْحَسَنِ .\rوَهُوَ قَوْلُ الْبَتِّيِّ ، وَحُمَيْدٍ ، وَابْنِ أَبِي لَيْلَى ، وَبَعْضِ الْبَصْرِيِّينَ ، وَأَصْحَابِ الْحَسَنِ ، وَمَالِكٍ فِي أَهْلِ الْمَدِينَةِ .\rوَذُكِرَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ، لَمَّا رَوَى أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، أَنَّ أَبَاهُ طَلَّقَ أُمَّهُ وَهُوَ مَرِيضٌ ، فَمَاتَ ، فَوَرِثَتْهُ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ وَلِأَنَّ سَبَبَ تَوْرِيثِهَا فِرَارُهُ مِنْ مِيرَاثِهَا ، وَهَذَا الْمَعْنَى لَا يَزُولُ بِانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ .\rوَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا لَا تَرِثُ بَعْدَ الْعِدَّةِ فَإِنَّهُ قَالَ ، فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ : يَلْزَمُ مَنْ قَالَ : لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ أَرْبَعًا قَبْلَ انْقِضَاءِ عِدَّةِ مُطَلَّقَاتِهِ .\rأَنَّهُ لَوْ طَلَّقَ أَرْبَعَ نِسْوَةٍ فِي مَرَضِهِ ، ثُمَّ تَزَوَّجَ أَرْبَعًا ، ثُمَّ مَاتَ مِنْ مَرَضِهِ ذَلِكَ ، أَنَّ الثَّمَانِيَ يَرِثْنَهُ كُلَّهُنَّ ، فَيَكُونُ مُسْلِمًا يَرِثُهُ ثَمَانِ نِسْوَةٍ .\rوَهَذَا الْقَوْلُ يَلْزَمُ مِنْهُ تَوْرِيثُ ثَمَانٍ ، وَتَوْرِيثُهَا بَعْدَ الْعِدَّةِ يَلْزَمُ مِنْهُ ذَلِكَ ، وَلِأَنَّهُ قَالَ فِي الْمُطَلَّقَةِ قَبْلَ الدُّخُولِ : لَا تَرِثُ ؛ لِأَنَّهَا لَا عِدَّةَ لَهَا وَهَذِهِ كَذَلِكَ فَلَا تَرِثُ .\rوَهَذَا قَوْلُ عُرْوَةَ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ ، وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ الْقَدِيمُ ؛ لِأَنَّهَا تُبَاحُ لِزَوْجٍ آخَرَ ، فَلَمْ تَرِثْهُ ، كَمَا لَوْ كَانَ فِي الصِّحَّةِ ، وَلِأَنَّ","part":14,"page":125},{"id":6625,"text":"تَوْرِيثَهَا بَعْدَ الْعِدَّةِ يُفْضِي إلَى تَوْرِيثِ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ ، فَلَمْ يَجُزْ ذَلِكَ ، كَمَا لَوْ تَزَوَّجَتْ ، وَإِنْ تَزَوَّجْت الْمَبْتُوتَةُ لَمْ تَرِثْهُ ، سَوَاءٌ كَانَتْ فِي الزَّوْجِيَّةِ أَوْ بَانَتْ مِنْ الزَّوْجِ الثَّانِي .\rهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rوَقَالَ مَالِكٌ فِي أَهْلِ الْمَدِينَةِ : تَرِثُهُ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا لِلرِّوَايَةِ الْأُولَى ، وَلِأَنَّهَا شَخْصٌ يَرِثُ مَعَ انْتِفَاءِ الزَّوْجِيَّةِ ، فَوَرِثَ مَعَهَا ، كَسَائِرِ الْوَارِثِينَ وَلَنَا ، أَنَّ هَذِهِ وَارِثَةٌ مِنْ زَوْجٍ ، فَلَا تَرِثُ زَوْجًا سِوَاهُ ، كَسَائِرِ الزَّوْجَاتِ ، وَلِأَنَّ التَّوَارُثَ مِنْ حُكْمِ النِّكَاحِ ، فَلَا يَجُوزُ اجْتِمَاعُهُ مَعَ نِكَاحٍ آخَرَ ، كَالْعِدَّةِ ، وَلِأَنَّهَا فَعَلَتْ بِاخْتِيَارِهَا مَا يُنَافِي نِكَاحَ الْأَوَّلِ لَهَا ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَ فَسْخُ النِّكَاحِ مِنْ قِبَلِهَا ( 4979 ) فَصْلٌ : وَلَوْ صَحَّ مِنْ مَرَضِهِ ذَلِكَ ، ثُمَّ مَاتَ بَعْدَهُ ، لَمْ تَرِثْهُ ، فِي قَوْلِ الْجُمْهُورِ .\rوَرُوِيَ عَنْ النَّخَعِيِّ وَالشَّعْبِيِّ وَالثَّوْرِيِّ وَزُفَرَ ، أَنَّهَا تَرِثُهُ ؛ لِأَنَّهُ طَلَاقُ مَرَضٍ قُصِدَ بِهِ الْفِرَارُ مِنْ الْمِيرَاثِ ، فَلَمْ يَمْنَعْهُ ، كَمَا لَوْ لَمْ يَصِحَّ وَلَنَا ، أَنَّ هَذِهِ بَائِنٌ بِطَلَاقٍ فِي غَيْرِ مَرَضِ الْمَوْتِ ، فَلَمْ تَرِثْهُ ، كَالْمُطَلَّقَةِ فِي الصِّحَّةِ ، وَلِأَنَّ حُكْمَ هَذَا الْمَرَضِ حُكْمُ الصِّحَّةِ فِي الْعَطَايَا وَالْإِعْتَاقِ وَالْإِقْرَارِ ، فَكَذَلِكَ فِي الطَّلَاقِ .\rوَمَا ذَكَرُوهُ يَبْطُلُ بِمَا إذَا قَصَدَ الْفِرَارَ بِالطَّلَاقِ فِي صِحَّتِهِ .","part":14,"page":126},{"id":6626,"text":"( 4980 ) فَصْلٌ : وَلَوْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا فِي مَرَضِهِ قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : فِيهَا أَرْبَعُ رِوَايَاتٍ ؛ إحْدَاهُنَّ ، لَهَا الصَّدَاقُ كَامِلًا وَالْمِيرَاثُ ، وَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ .\rاخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ .\rوَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ ، وَعَطَاءٍ ، وَأَبِي عُبَيْدٍ ؛ لِأَنَّ الْمِيرَاثَ ثَبَتَ لِلْمَدْخُولِ بِهَا لِفِرَارِهِ مِنْهُ ، وَهَذَا فَارٌّ ، وَإِذَا ثَبَتَ الْمِيرَاثُ ثَبَتَ وُجُوبُ الْعِدَّةِ وَتَكْمِيلُ الصَّدَاقِ ، وَيَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ الْعِدَّةُ عِدَّةَ الْوَفَاةِ ، لِأَنَّا جَعَلْنَاهَا فِي حُكْمِ مَنْ تُوُفِّيَ عَنْهَا وَهِيَ زَوْجَةٌ ، وَلِأَنَّ الطَّلَاقَ لَا يُوجِبُ عِدَّةً عَلَى غَيْرِ مَدْخُولٍ بِهَا الثَّانِيَةُ ، لَهَا الْمِيرَاثُ وَالصَّدَاقُ ، وَلَا عِدَّةَ عَلَيْهَا .\rوَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ ؛ لِأَنَّ الْعِدَّةَ حَقٌّ عَلَيْهَا ، فَلَا يَجِبُ بِفِرَارِهِ .\rوَالثَّالِثَةُ ، لَهَا الْمِيرَاثُ وَنِصْفُ الصَّدَاقِ ، وَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ .\rوَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ ، فِي رِوَايَةِ أَبِي عُبَيْدٍ عَنْهُ ؛ لِأَنَّ مَنْ تَرِثُ يَجِبُ أَنْ تَعْتَدَّ ، وَلَا يَكْمُلُ الصَّدَاقُ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى نَصَّ عَلَى تَنْصِيفِهِ بِالطَّلَاقِ قَبْلَ الْمَسِيسِ ، وَلَا تَجُوزُ مُخَالَفَتُهُ .\rوَالرَّابِعَةُ ، لَا مِيرَاثَ لَهَا ، وَلَا عِدَّةَ عَلَيْهَا ، وَلَهَا نِصْفُ الصَّدَاقِ .\rوَهُوَ قَوْلُ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ ، وَالنَّخَعِيِّ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rقَالَ أَحْمَدُ : قَالَ جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ : لَا مِيرَاثَ لَهَا ، وَلَا عِدَّةَ عَلَيْهَا .\rوَقَالَ الْحَسَنُ : تَرِثُ .\rقَالَ أَحْمَدُ : أَذْهَبُ إلَى قَوْلِ جَابِرٍ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى نَصَّ عَلَى تَنْصِيفِ الصَّدَاقِ ، وَنَفَى الْعِدَّةَ عَنْ الْمُطَلَّقَةِ قَبْلَ الدُّخُولِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى { : وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ } وَقَالَ تَعَالَى { : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا نَكَحْتُمْ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ","part":14,"page":127},{"id":6627,"text":"تَعْتَدُّونَهَا } .\rوَلَا يَجُوزُ مُخَالَفَةُ نَصِّ الْكِتَابِ بِالرَّأْيِ وَالتَّحَكُّمِ .\rوَأَمَّا الْمِيرَاثُ ، فَإِنَّهَا لَيْسَتْ بِزَوْجَةٍ وَلَا مُعْتَدَّةٍ مِنْ نِكَاحٍ ، فَأَشْبَهَتْ الْمُطَلَّقَةَ فِي الصِّحَّةِ .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .\rوَلَوْ خَلَا بِهَا ، وَقَالَ : لَمَّا أَطَأْهَا .\rوَصَدَّقَتْهُ ، فَلَهَا الْمِيرَاثُ ، وَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ لِلْوَفَاةِ ، وَيَكْمُلُ لَهَا الصَّدَاقُ ؛ لِأَنَّ الْخَلْوَةَ تَكْفِي فِي ثُبُوتِ هَذِهِ الْأَحْكَامِ .\rوَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ .","part":14,"page":128},{"id":6628,"text":"( 4981 ) فَصْلٌ : وَلَوْ طَلَّقَ الْمَدْخُولَ بِهَا طَلَاقًا رَجْعِيًّا ثُمَّ مَرِضَ فِي عِدَّتِهَا ، وَمَاتَ بَعْد انْقِضَائِهَا ، لَمْ تَرِثْهُ ؛ لِأَنَّهُ طَلَاقُ صِحَّةٍ .\rوَإِنْ طَلَّقَهَا وَاحِدَةً فِي صِحَّتِهِ ، وَأَبَانَهَا فِي مَرَضِهِ ، ثُمَّ مَاتَ بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا ، فَحُكْمُهَا حُكْمُ مَا لَوْ ابْتَدَأَ طَلَاقَهَا فِي مَرَضِهِ لِأَنَّهُ فَرَّ مِنْ مِيرَاثِهَا .\rوَإِنْ طَلْقَهَا وَاحِدَةً فِي صِحَّتِهِ ، وَأُخْرَى فِي مَرَضِهِ ، وَلَمْ يُبِنْهَا حَتَّى بَانَتْ بِانْقِضَاءِ عِدَّتِهَا ، لَمْ تَرِثْ ؛ لِأَنَّ طَلَاقَ الْمَرَضِ لَمْ يَقْطَعْ مِيرَاثَهَا ، وَلَمْ يُؤَثِّرْ فِي بَيْنُونَتِهَا .","part":14,"page":129},{"id":6629,"text":"( 4982 ) فَصْلٌ : وَإِنْ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا فِي مَرَضِهِ ، فَارْتَدَّتْ ، ثُمَّ أَسْلَمَتْ ، ثُمَّ مَاتَ فِي عِدَّتِهَا فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، تَرِثُهُ .\rوَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ؛ لِأَنَّهَا مُطَلَّقَةٌ فِي الْمَرَضِ ، أَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ تَرْتَدَّ .\rوَالثَّانِي ، لَا تَرِثُهُ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهَا فَعَلَتْ مَا يُنَافِي النِّكَاحَ ، أَشْبَهَ مَا لَوْ تَزَوَّجَتْ .\rوَلَوْ كَانَ هُوَ الْمُرْتَدَّ ، ثُمَّ أَسْلَمَ وَمَاتَ ، وَرِثَتْهُ .\rوَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : لَا تَرِثُهُ .\rوَلَنَا ، أَنَّهَا مُطَلَّقَةٌ فِي الْمَرَضِ ، لَمْ تَفْعَلْ مَا يُنَافِي نِكَاحَهَا ، مَاتَ زَوْجُهَا فِي عِدَّتِهَا ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ تَرْتَدَّ .\rوَلَوْ ارْتَدَّ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ بَعْدَ الدُّخُولِ مِنْ غَيْرِ طَلَاقٍ ، ثُمَّ عَادَ إلَى الْإِسْلَامِ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ ، وَرِثَهُ الْآخَرُ ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ بَاقٍ فَإِنْ انْقَضَتْ الْعِدَّةُ قَبْلَ رُجُوعِهِ ، انْفَسَخَ النِّكَاحُ ، وَلَمْ يَرِثْ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ .\rوَإِنْ قُلْنَا : إنَّ الْفُرْقَةَ تُتَعَجَّلُ عَنَدَ اخْتِلَافِ الدِّينِ ، لَمْ يَرِثْ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ .\rوَيَتَخَرَّجُ أَنْ يَرِثَهُ الْآخَرُ إذَا كَانَ ذَلِكَ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ ؛ لِأَنَّهُ تَحْصُلُ بِهِ الْبَيْنُونَةُ ، فَأَشْبَهَ الطَّلَاقَ .\rوَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ .\rقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ : إذَا ارْتَدَّتْ الْمَرْأَةُ ، ثُمَّ مَاتَتْ فِي عِدَّتِهَا ، وَرِثَهَا الزَّوْجُ .","part":14,"page":130},{"id":6630,"text":"( 4983 ) فَصْلٌ : إذَا طَلَّقَ الْمُسْلِمُ الْمَرِيضُ زَوْجَتَهُ الْأَمَةَ وَالذِّمِّيَّةَ طَلَاقًا بَائِنًا ، ثُمَّ أَسْلَمَتْ الذِّمِّيَّةُ ، وَعَتَقَتْ الْأَمَةُ ، ثُمَّ مَاتَ فِي عِدَّتِهِمَا ، لَمْ تَرِثَاهُ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عِنْدَ الطَّلَاقِ فَارًّا .\rوَإِنْ قَالَ لَهُمَا فِي الْمَرَضِ : إذَا عَتَقْت أَنْتِ أَوْ أَسْلَمْت أَنْتِ ، فَأَنْتُمَا طَالِقَتَانِ .\rفَعَتَقَتْ الْأَمَةُ ، وَأَسْلَمَتْ الذِّمِّيَّةُ ، وَمَاتَ ، وَرِثَتَاهُ ؛ لِأَنَّهُ فَارٌّ فَإِنْ قَالَ لَهُمَا : أَنْتُمَا طَالِقَتَانِ غَدًا .\rفَعَتَقَتْ الْأَمَةُ ، وَأَسْلَمَتْ الذِّمِّيَّةُ ، لَمْ تَرِثَاهُ ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ فَارٍّ .\rوَإِنْ قَالَ سَيِّدُ الْأَمَةِ : أَنْتِ حُرَّةٌ غَدًا .\rوَقَالَ الزَّوْجُ : أَنْتِ طَالِقٌ غَدًا .\rوَهُوَ يَعْلَمُ بِقَوْلِ السَّيِّدِ .\rوَرِثَتْهُ ؛ لِأَنَّهُ فَارٌّ .\rوَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ ، لَمْ تَرِثْهُ ؛ لِعَدَمِ الْفِرَارِ .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ ، وَالشَّافِعِيُّ وَلَمْ أَعْلَمْ لَهُمْ مُخَالِفًا .","part":14,"page":131},{"id":6631,"text":"( 4984 ) فَصْلٌ : وَإِذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ فِي صِحَّتِهِ : إذَا مَرِضْت فَأَنْتِ طَالِقٌ .\rفَحُكْمُهُ حُكْمُ طَلَاقِ الْمَرَضِ سَوَاءٌ .\rفَإِنْ أَقَرَّ فِي مَرَضِهِ أَنَّهُ كَانَ طَلَّقَهَا فِي صِحَّتِهِ ثَلَاثًا ، لَمْ يُقْبَلْ إقْرَارُهُ عَلَيْهَا ، وَكَانَ حُكْمُهُ حُكْمَ طَلَاقِهِ فِي مَرَضِهِ .\rوَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : يُقْبَلُ إقْرَارُهُ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ إقْرَارٌ بِمَا يَبْطُلُ بِهِ حَقُّ غَيْرِهِ ، فَلَمْ يُقْبَلْ ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِمَالِهَا .","part":14,"page":132},{"id":6632,"text":"( 4985 ) فَصْلٌ : وَإِنْ سَأَلَتْهُ الطَّلَاقَ فِي مَرَضِهِ ، فَأَجَابَهَا ، فَقَالَ الْقَاضِي : فِيهِ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، لَا تَرِثُهُ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِفَارٍّ .\rوَالثَّانِيَةُ ، تَرِثُهُ لِأَنَّهُ طَلَّقَهَا فِي مَرَضِهِ .\rوَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ .\rوَكَذَلِكَ الْحُكْمُ إنْ خَالَعَهَا ، أَوْ عَلَّقَ الطَّلَاقَ عَلَى مَشِيئَتِهَا فَشَاءَتْ ، أَوْ عَلَى فِعْلٍ مِنْ جِهَتِهَا لَهَا مِنْهُ بُدٌّ فَفَعَلَتْهُ ، أَوْ خَيَّرَهَا فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا .\rوَالصَّحِيحُ فِي هَذَا كُلِّهِ أَنَّهَا لَا تَرِثُهُ ؛ لِأَنَّهُ لَا فِرَارَ مِنْهُ وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيِّ .\rوَإِنْ لَمْ تَعْلَمْ بِتَعْلِيقِ طَلَاقِهَا ، فَفَعَلَتْ مَا عَلَّقَ عَلَيْهِ ، وَرِثَتْهُ ؛ لِأَنَّهَا مَعْذُورَةٌ فِيهِ .\rوَلَوْ سَأَلَتْهُ طَلْقَةً ، فَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا ، وَرِثَتْهُ ؛ لِأَنَّهُ أَبَانَهَا بِمَا لَمْ تَطْلُبْهُ مِنْهُ .\rوَإِنْ عَلَّقَ طَلَاقَهَا عَلَى فِعْلٍ لَا بُدَّ لَهَا مِنْهُ ، كَصَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ ، وَصِيَامٍ وَاجِبٍ فِي وَقْتِهِ ، فَفَعَلَتْهُ ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ طَلَاقِهَا ابْتِدَاءً ، فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا .\rوَكَذَلِكَ إنْ عَلَّقَهُ عَلَى كَلَامِهَا لِأَبَوَيْهَا أَوْ لَأَحَدِهِمَا .\rوَإِنْ قَالَ فِي مَرَضِهِ أَنْتَ طَالِقٌ إنْ قَدِمَ زَيْدٌ .\rوَنَحْوُهُ مِمَّا لَيْسَ مِنْ فِعْلِهَا ، وَلَا فِعْلِهِ ، فَوُجِدَ الشَّرْطُ فَطَلُقَتْ بِهِ .\rوَرِثَتْهُ .","part":14,"page":133},{"id":6633,"text":"( 4986 ) فَصْلٌ : فَإِنْ عَلَّقَ طَلَاقَهَا فِي الصِّحَّةِ عَلَى شَرْطٍ وُجِدَ فِي الْمَرَضِ ، كَقُدُومِ زَيْدٍ ، وَمَجِيءِ غَدٍ ، وَصَلَاتِهَا الْفَرْضَ ، بَانَتْ وَلَمْ تَرِثْ ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ كَانَتْ فِي الصِّحَّةِ .\rوَذَكَرَ الْقَاضِي رِوَايَةً أُخْرَى ، أَنَّهَا تَرِثُ ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ وَقَعَ فِي الْمَرَضِ .\rوَالْأَوَّلُ أَصَحُّ وَإِنْ عَلَّقَهُ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ ، فَفَعَلَهُ فِي الْمَرَضِ وَرِثَتْهُ ؛ لِأَنَّهُ أَوْقَعَ الطَّلَاقَ بِهَا فِي الْمَرَضِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَ التَّعْلِيقُ فِي الْمَرَضِ .\rوَلَوْ قَالَ فِي الصِّحَّةِ : أَنْتِ طَالِقٌ إنْ لَمْ أَضْرِبْ غُلَامِي .\rفَلَمْ يَضْرِبْهُ حَتَّى مَاتَ ، وَرِثَتْهُ .\rوَإِنْ مَاتَتْ ، لَمْ يَرِثْهَا .\rوَإِنْ مَاتَ الْغُلَامُ وَالزَّوْجُ مَرِيضٌ ، طَلُقَتْ ، وَكَانَ كَتَعْلِيقِهِ عَلَى مَجِيءِ زَيْدٍ أَيْضًا .\rوَكَذَلِكَ إنْ قَالَ : إنْ لَمْ أُوَفِّك مَهْرَكَ فَأَنْتِ طَالِقٌ .\rوَإِنْ ادَّعَى الزَّوْجُ أَنَّهُ وَفَّاهَا مَهْرَهَا فَأَنْكَرَتْهُ ، صُدِّقَ الزَّوْجُ فِي تَوْرِيثِهِ مِنْهَا ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ النِّكَاحِ ، وَلَمْ تُصَدَّقْ فِي بَرَاءَتِهِ مِنْهُ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاؤُهُ فِي ذِمَّتِهِ وَلَوْ قَالَ لَهَا فِي الصِّحَّةِ : أَنْتِ طَالِقٌ إنْ لَمْ أَتَزَوَّجْ عَلَيْك .\rفَكَذَلِكَ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .\rوَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ .\rوَلَوْ قَذَفَ الْمَرِيضُ امْرَأَتَهُ ، ثُمَّ لَاعَنَهَا فِي مَرَضٍ ، فَبَانَتْ مِنْهُ ، ثُمَّ مَاتَ فِي مَرَضِهِ وَرِثَتْهُ .\rوَإِنْ مَاتَتْ ، لَمْ يَرِثْهَا .\rوَإِنْ قَذَفَهَا فِي صِحَّتِهِ ، وَلَاعَنَهَا فِي مَرَضِهِ ، وَمَاتَ فِيهِ ، لَمْ تَرِثْهُ نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .\rوَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَاللُّؤْلُؤِيِّ .\rوَذَكَرَ الْقَاضِي رِوَايَةً أُخْرَى ، أَنَّهَا تَرِثُ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ .\rوَإِنْ آلَى مِنْهَا فِي مَرَضِهِ ، ثُمَّ صَحَّ ، ثُمَّ نَكَسَ فِي مَرَضِهِ ، فَبَانَتْ بِالْإِيلَاءِ ، لَمْ تَرِثْهُ .","part":14,"page":134},{"id":6634,"text":"( 4987 ) فَصْلٌ : وَإِذَا اسْتَكْرَهَ الِابْنُ امْرَأَةَ أَبِيهِ عَلَى مَا يَنْفَسِخُ بِهِ نِكَاحُهَا ، مِنْ وَطْءٍ أَوْ غَيْرِهِ ، فِي مَرَضِ أَبِيهِ ، فَمَاتَ أَبُوهُ مِنْ مَرَضِهِ ذَلِكَ ، وَرِثَتْهُ ، وَلَمْ يَرِثْهَا إنْ مَاتَتْ .\rوَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ .\rفَإِنْ طَاوَعَتْهُ عَلَى ذَلِكَ ، لَمْ تَرِثْ ؛ لِأَنَّهَا مُشَارِكَةٌ فِيمَا يَنْفَسِخُ بِهِ نِكَاحُهَا ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ خَالَعَتْهُ .\rوَسَوَاءٌ كَانَ لِلْمَيِّتِ بَنُونَ سِوَى هَذَا الِابْنِ ، أَوْ لَمْ يَكُنْ .\rفَإِذَا انْتَفَتْ التُّهْمَةُ عَنْهُ ، بِأَنْ يَكُونَ غَيْرَ وَارِثٍ ، كَالْكَافِرِ وَالْقَاتِلِ وَالرَّقِيقِ ، أَوْ كَانَ ابْنًا مِنْ الرَّضَاعَةِ ، أَوْ ابْنَ ابْنٍ مَحْجُوبٍ بِابْنٍ لِلْمَيْتِ ، أَوْ بِأَبَوَيْنِ ، أَوْ ابْنَيْنِ ، أَوْ كَانَ لِلْمَيْتِ امْرَأَةٌ أُخْرَى تَجُوزُ مِيرَاثَ الزَّوْجَاتِ ، لَمْ تَرِثْ ؛ لِانْتِفَاءِ التُّهْمَةِ وَلَوْ صَارَ ابْنُ الِابْنِ وَارِثًا بَعْدَ ذَلِكَ ، لَمْ يَرِثْ ؛ لِانْتِفَاءِ التُّهْمَةِ حَالَ الْوَطْءِ .\rوَلَوْ كَانَ حَالَ الْوَطْءِ وَارِثًا ، فَعَادَ مَحْجُوبًا عَنْ الْمِيرَاثِ لَوَرِثَتْ ؛ لِوُجُودِ التُّهْمَةِ حِينَ الْوَطْءِ .\rوَلَوْ كَانَ لِلْمَرِيضِ امْرَأَتَانِ ، فَاسْتَكْرَهَ ابْنُهُ إحْدَاهُمَا ، لَمْ تَرِثْهُ ؛ لِانْتِفَاءِ التُّهْمَةِ عَنْهُ ، لِكَوْنِ مِيرَاثِهَا لَا يَرْجِعُ إلَيْهِ .\rوَلَوْ اسْتَكْرَهَ الثَّانِيَةَ بَعْدَهَا ، لَوَرِثَتْ الثَّانِيَةُ ؛ لِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ فِي حَقِّهَا ، وَلَوْ اسْتَكْرَهَهُمَا مَعًا ، دَفْعَةً وَاحِدَةً ، وَرِثَتَا جَمِيعًا .\rوَهَذَا كُلُّهُ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَة وَأَصْحَابِهِ وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَإِنَّهُ لَا يَرَى فَسْخَ النِّكَاحِ بِالْوَطْءِ الْحَرَامِ .\rوَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِيمَا إذَا وَطِئَ الْمَرِيضُ مَنْ يَنْفَسِخُ نِكَاحُهُ بِوَطْئِهَا ، كَأُمِّ امْرَأَتِهِ أَوْ ابْنَتِهَا ، فَإِنَّ امْرَأَتَهُ تَبِينُ مِنْهُ ، وَتَرِثُهُ إذَا مَاتَ فِي مَرَضِهِ ، وَلَا يَرِثُهَا ، وَسَوَاءٌ طَاوَعَتْهُ الْمَوْطُوءَةُ أَوْ أَكْرَهَهَا ، فَإِنَّ مُطَاوَعَتَهَا لَيْسَ لِلْمَرْأَةِ فِيهِ فِعْلٌ يَسْقُطُ بِهِ مِيرَاثُهَا .\rفَإِنْ كَانَ زَائِلَ الْعَقْلِ حِينَ","part":14,"page":135},{"id":6635,"text":"الْوَطْءِ لَمْ تَرِثْ امْرَأَتُهُ مِنْهُ شَيْئًا ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ قَصْدٌ صَحِيحٌ ، فَلَا يَكُونُ فَارًّا مِنْ مِيرَاثِهَا .\rوَكَذَلِكَ لَوْ وَطِئَ ابْنُهُ امْرَأَتَهُ مُسْتَكْرَهًا لَهَا ، وَهُوَ زَائِلُ الْعَقْلِ ، لَمْ تَرِثْ لِذَلِكَ فَإِنْ كَانَ صَبِيًّا عَاقِلًا ، وَرِثَتْ ؛ لِأَنَّ لَهُ قَصْدًا صَحِيحًا .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : هُوَ كَالْمَجْنُونِ ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ لَا عِبْرَةَ بِهِ .\rوَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِيمَا إذَا وَطِئَ ابْنَةَ امْرَأَتِهِ أَوْ أُمَّهَا وَلِلشَّافِعِيِّ فِي وَطْءِ الصَّبِيِّ بِنْتَ امْرَأَتِهِ أَوْ أُمَّهَا قَوْلَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، لَا يَنْفَسِخُ بِهِ نِكَاحُ امْرَأَتِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْرُمُ .\rوَالثَّانِي ، أَنَّ امْرَأَتَهُ تَبِينُ بِذَلِكَ ، وَلَا تَرِثُهُ وَلَا يَرِثُهَا .\rوَفِي الْقُبْلَةِ وَالْمُبَاشَرَةِ دُونَ الْفَرْجِ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، تَنْشُرُ الْحُرْمَةَ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ ؛ لِأَنَّهَا مُبَاشَرَةٌ تَحْرُمُ فِي غَيْرِ النِّكَاحِ وَالْمِلْكِ فَأَشْبَهَتْ الْوَطْءَ وَالثَّانِيَةُ ، لَا تَنْشُرُهَا ، لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِسَبَبٍ لِلْبَعْضِيَّةِ ، فَلَا تَنْشُرُ الْحُرْمَةَ ، كَالنَّظَرِ وَالْخَلْوَةِ وَخَرَّجَ أَصْحَابُنَا فِي النَّظَرِ إلَى الْفَرْجِ وَالْخَلْوَةِ لِشَهْوَةٍ وَجْهًا أَنَّهُ يَنْشُرُ الْحُرْمَةَ .","part":14,"page":136},{"id":6636,"text":"( 4988 ) فَصْلٌ : وَإِنْ فَعَلَتْ الْمَرِيضَةُ مَا يَفْسَخُ نِكَاحَهَا ، كَرَضَاعِ امْرَأَةٍ صَغِيرَةٍ لِزَوْجِهَا ، أَوْ رَضَاعِ زَوْجِهَا الصَّغِيرِ ، أَوْ ارْتَدَّتْ ، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ ، فَمَاتَتْ فِي مَرَضِهَا ، وَرِثَهَا الزَّوْجُ وَلَمْ تَرِثْهُ .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : لَا يَرِثُهَا وَلَنَا ، أَنَّهَا أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ فَرَّ مِنْ مِيرَاثِ الْآخَرِ ، فَأَشْبَهَ الرَّجُلَ .\rوَإِنْ أُعْتِقَتْ ، فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا ، أَوْ كَانَ الزَّوْجُ عِنِّينًا فَأَجَّلَ سَنَةً ، وَلَمْ يُصِبْهَا حَتَّى مَرِضَتْ فِي آخَرِ الْحَوْلِ ، فَاخْتَارَتْ فُرْقَتَهُ ، وَفُرِّقَ بَيْنَهُمَا ، لَمْ يَتَوَارَثَا فِي قَوْلِهِمْ أَجْمَعِينَ .\rذَكَرَهُ ابْنُ اللَّبَّانِ فِي \" كِتَابِهِ \" .\rوَذَكَرَ الْقَاضِي فِي الْمُعْتَقَةِ إذَا اخْتَارَتْ نَفْسَهَا فِي مَرَضِهَا ، لَمْ يَرِثْهَا ؛ وَذَلِكَ ؛ لِأَنَّ فَسْخَ النِّكَاحِ فِي هَذَيْنِ الْمَوْضِعَيْنِ لِدَفْعِ الضَّرَرِ ، لَا لِلْفِرَارِ مِنْ الْمِيرَاثِ .\rوَإِنْ قَبَّلَتْ ابْنَ زَوْجِهَا لِشَهْوَةٍ ، خُرِّجَ فِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، يَنْفَسِخُ نِكَاحُهَا وَيَرِثُهَا إذَا كَانَتْ مَرِيضَةً ، وَمَاتَتْ فِي عِدَّتِهَا وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ .\rوَالثَّانِي ، لَا يَنْفَسِخُ النِّكَاحُ بِهِ .\rوَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .\rوَلَوْ أَنَّ رَجُلًا زَوَّجَ ابْنَةَ أَخِيهِ وَهِيَ صَغِيرَةٌ ، ثُمَّ بَلَغَتْ ، فَفَسَخَتْ النِّكَاحَ فِي مَرَضِهَا ، لَمْ يَرِثْهَا الزَّوْجُ .\rبِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ مِنْ أَصْلِهِ غَيْرُ صَحِيحٍ فِي صَحِيحِ الْمَذْهَبِ ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .\rوَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى صِحَّتِهِ ، وَلَهَا الْخِيَارُ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ ، إلَّا أَنَّ الْفَسْخَ لِإِزَالَةِ الضَّرَرِ لَا مِنْ أَجْلِ الْفِرَارِ ، فَلَمْ يَرِثْهَا ، كَمَا لَوْ فَسَخَتْ الْمُعْتَقَةُ نِكَاحَهَا .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":14,"page":137},{"id":6637,"text":"( 4989 ) فَصْلٌ : إذَا طَلَّقَ الْمَرِيضُ امْرَأَتَهُ ، ثُمَّ نَكَحَ أُخْرَى ، وَمَاتَ مِنْ مَرَضِهِ فِي عِدَّةِ الْمُطَلَّقَةِ ، وَرِثَتَاهُ جَمِيعًا .\rهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَهْلِ الْعِرَاقِ ، وَأَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .\rوَالْقَوْلُ الْآخَرُ ، لَا تَرِثُ الْمَبْتُوتَةُ ، فَيَكُونُ الْمِيرَاثُ كُلُّهُ لِلثَّانِيَةِ .\rوَقَالَ مَالِكٌ الْمِيرَاثُ كُلُّهُ لِلْمُطَلَّقَةِ ؛ لِأَنَّ نِكَاحَ الْمَرِيضِ عِنْدَهُ غَيْرُ صَحِيحٍ .\rوَجَعَلَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا فِيهَا وَجْهًا ، أَنَّ الْمِيرَاثَ كُلَّهُ لِلْمُطَلَّقَةِ ؛ لِأَنَّهَا تَرِثُ مِنْهُ مَا كَانَتْ تَرِثُ قَبْلَ طَلَاقِهَا ، وَهُوَ جَمِيعُ الْمِيرَاثِ ، فَكَذَلِكَ بَعْدَهُ وَلَيْسَ هَذَا بِصَحِيحٍ ، فَإِنَّهَا إنَّمَا تَرِث مَا كَانَتْ تَرِثُ لَوْ لَمْ يُطَلِّقْهَا ، وَلَوْ لَمْ يُطَلِّقْهَا وَتَزَوَّجَ عَلَيْهَا ، لَمْ تَرِثْ إلَّا نِصْفَ مِيرَاثِ الزَّوْجَاتِ ، فَكَذَلِكَ إذَا طَلَّقَهَا .\rفَعَلَى هَذَا لَوْ تَزَوَّجَ ثَلَاثًا فِي مَرَضِهِ ، فَلَيْسَ لِلْمُطَلَّقَةِ إلَّا رُبْعُ مِيرَاثِ الزَّوْجَاتِ ، وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ الزَّوْجَاتِ رُبُعُهُ .\rوَإِنْ مَاتَ بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّةِ الْمُطَلَّقَةِ ، فَالْمِيرَاثُ لِلزَّوْجَاتِ ، فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ .\rوَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ .\rوَالرِّوَايَةُ الْأُخْرَى ، أَنَّ الْمِيرَاثَ لِلْأَرْبَعِ .\rوَعِنْدَ مَالِكٍ الْمِيرَاثُ كُلُّهُ لِلْمُطَلَّقَةِ وَإِنْ كَانَ لَهُ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ ، فَطَلَّقَ إحْدَاهُنَّ ثَلَاثًا فِي مَرَضِهِ ، ثُمَّ نَكَحَ أُخْرَى فِي عِدَّةِ الْمُطَلَّقَةِ ، أَوْ طَلَّقَ امْرَأَةً وَاحِدَةً ، وَنَكَحَ أُخْتَهَا فِي عِدَّتِهَا ، وَمَاتَ فِي عِدَّتِهَا ، فَالنِّكَاحُ بَاطِلٌ ، وَالْمِيرَاثُ بَيْنَ الْمُطَلَّقَةِ وَبَاقِي الزَّوْجَاتِ الْأَوَائِلِ .\rوَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٍ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : النِّكَاحُ صَحِيحٌ ، وَالْمِيرَاثُ لِلْجَدِيدَةِ مَعَ بَاقِي الْمَنْكُوحَاتِ دُونَ الْمُطَلَّقَةِ .\rوَيَجِيءُ عَلَى قَوْلِهِ الْقَدِيمِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، أَنْ يَكُونَ الْمِيرَاثُ بَيْنَ الْمُطَلَّقَةِ","part":14,"page":138},{"id":6638,"text":"وَبَاقِي الزَّوْجَاتِ ، كَقَوْلِ الْجُمْهُورِ ، وَلَا شَيْءَ لِلْمَنْكُوحَةِ وَالثَّانِي ، أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُنَّ عَلَى خَمْسَةٍ ، لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ خُمْسُهُ .\rفَإِنْ مَاتَ بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّةِ الْمُطَلَّقَةِ ، فَفِي مِيرَاثِهَا رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، لَا مِيرَاثَ لَهَا ، فَيَكُونُ الْمِيرَاثُ لِبَاقِي الزَّوْجَاتِ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَهْلِ الْعِرَاقِ .\rوَالثَّانِيَةُ ، تَرِثُ مَعَهُنَّ وَلَا شَيْءَ لِلْمَنْكُوحَةِ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : الْمِيرَاثُ لِلْمَنْكُوحَاتِ كُلِّهِنَّ ، وَلَا شَيْءَ لِلْمُطَلَّقَةِ .\rوَإِنْ تَزَوَّجَ الْخَامِسَةَ بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّةِ الْمُطَلَّقَةِ ، صَحَّ نِكَاحُهَا وَهَلْ تَرِثُ الْمُطَلَّقَةُ ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ ؛ إحْدَاهُمَا ، لَا تَرِثُ .\rوَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ ؛ لِأَنَّهُ قَالَ : يَلْزَمُ مَنْ قَالَ : يَصِحُّ النِّكَاحُ فِي الْعِدَّةِ .\rأَنْ يَرِثَ ثَمَانِ نِسْوَةٍ ، وَأَنْ يَرِثَهُ أُخْتَانِ ، فَيَكُونُ مُسْلِمٌ يَرِثُهُ ثَمَانِ نِسْوَةٍ أَوْ أُخْتَانِ ، وَتَوْرِيثُ الْمُطَلَّقَاتِ بَعْدَ الْعِدَّة يَلْزَمُ مِنْهُ هَذَا ، أَوْ حِرْمَانُ الزَّوْجَاتِ الْمَنْصُوصِ عَلَى مِيرَاثِهِنَّ ، فَيَكُونُ مُنْكِرًا لَهُ غَيْرَ قَائِلٍ بِهِ .\rفَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْمِيرَاثُ لِلزَّوْجَاتِ دُونَ الْمُطَلَّقَةِ .\rوَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ ، تَرِثُ الْمُطَلَّقَةُ .\rفَيُخَرَّجُ فِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، يَكُونُ الْمِيرَاثُ بَيْنَ الْخَمْسِ .\rوَالثَّانِي ، يَكُونُ لِلْمُطَلَّقَةِ وَالْمَنْكُوحَاتِ الْأَوَائِلِ دُونَ الْجَدِيدَةِ ؛ لِأَنَّ الْمَرِيضَ مَمْنُوعٌ مِنْ أَنْ يَحْرِمَهُنَّ مِيرَاثِهِنَّ بِالطَّلَاقِ ، فَكَذَلِكَ يُمْنَعُ مِنْ تَنْقِيصِهِنَّ مِنْهُ ، وَكِلَا الْوَجْهَيْنِ بَعِيدٌ ؛ أَمَّا أَحَدُهُمَا فَيَرُدُّهُ نَصَّ الْكِتَابِ عَلَى تَوْرِيثِ الزَّوْجَاتِ ، فَلَا يَجُوزُ مُخَالَفَتُهُ بِغَيْرِ نَصٍّ وَلَا إجْمَاعٍ وَلَا قِيَاسٍ عَلَى صُورَةٍ مَخْصُوصَةٍ مِنْ النَّصِّ فِي مَعْنَاهُ ، وَأَمَّا الْآخَرُ فَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يُبِحْ نِكَاحَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعٍ ، وَلَا الْجَمْعَ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ .\rفَلَا يَجُوزُ أَنْ يَجْتَمِعْنَ فِي","part":14,"page":139},{"id":6639,"text":"مِيرَاثِهِ بِالزَّوْجِيَّةِ .\rوَعَلَى هَذَا لَوْ طَلَّقَ أَرْبَعًا فِي مَرَضِهِ ، وَانْقَضَتْ عِدَّتُهُنَّ ، وَنَكَحَ أَرْبَعًا سِوَاهُنَّ ، ثُمَّ مَاتَ مِنْ مَرَضِهِ ، فَعَلَى الْأَوَّلِ تَرِثُهُ الْمَنْكُوحَاتُ دُونَ الْمُطَلَّقَاتِ وَعَلَى الثَّانِي يَكُونُ فِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، أَنَّ الْمِيرَاثَ كُلَّهُ لِلْمُطَلَّقَاتِ .\rوَعَلَى الثَّانِي هُوَ بَيْنَ الثَّمَانِ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : الْمِيرَاثُ لِلْمُطَلَّقَاتِ ، وَلَا شَيْءَ لِلْمَنْكُوحَاتِ ؛ لِأَنَّ نِكَاحَهُنَّ غَيْرُ صَحِيحٍ عِنْدَهُ .\rوَإِنْ صَحَّ مِنْ مَرَضِهِ ، فَتَزَوَّجَ أَرْبَعًا فِي صِحَّتِهِ ثُمَّ مَاتَ ، فَالْمِيرَاثُ لَهُنَّ فِي قَوْلِ الْجُمْهُورِ ، وَلَا شَيْءَ لِلْمُطَلَّقَاتِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ وَمَنْ وَافَقَهُ .\rوَكَذَلِكَ إنْ تَزَوَّجَتْ الْمُطَلَّقَاتُ لَمْ يَرِثْنَ شَيْئًا إلَّا فِي قَوْلِهِ وَقَوْلِ مَنْ وَافَقَهُ .\rوَلَوْ طَلَّقَ أَرْبَعًا بَعْدَ دُخُولِهِ بِهِنَّ ثَلَاثًا فِي مَرَضِهِ ، وَقَالَ : قَدْ أَخْبَرْنَنِي بِانْقِضَاءِ عِدَّتِهِنَّ فَكَذَّبْنَهُ ، فَلَهُ أَنْ يَنْكِحَ أَرْبَعًا سِوَاهُنَّ إذَا كَانَ ذَلِكَ فِي مُدَّةٍ يُمْكِنُ انْقِضَاءُ الْعِدَّةِ فِيهَا ، وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ عَلَيْهِنَّ فِي حِرْمَانِ الْمِيرَاثِ .\rوَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَأَبِي يُوسُفَ ، وَاللُّؤْلُؤِيِّ ، إذَا كَانَ بَعْد أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ .\rوَقَالَ زُفَرُ : لَا يَجُوزُ لَهُ التَّزْوِيجُ أَيْضًا .\rوَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ؛ لِأَنَّ هَذَا حُكْمٌ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى لَا حَقَّ لَهُنَّ فِيهِ ، فَقُبِلَ قَوْلُهُ فِيهِ .\rفَعَلَى هَذَا إنْ تَزَوَّجَ أَرْبَعًا فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ ، ثُمَّ مَاتَ ، وَرِثَهُ الْمُطَلَّقَاتُ دُونَ الْمَنْكُوحَاتِ ، إلَّا أَنْ يَمُتْنَ قَبْلَهُ ، فَيَكُونَ الْمِيرَاثُ لِلْمَنْكُوحَاتِ وَإِنْ أَقْرَرْنَ بِانْقِضَاءِ عِدَّتِهِنَّ ، وَقُلْنَا : الْمِيرَاثُ لَهُنَّ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ .\rفَالْمِيرَاثُ لِلْمَنْكُوحَاتِ أَيْضًا .\rوَإِنْ مَاتَ مِنْهُنَّ ثَلَاثٌ ، فَالْمِيرَاثُ لِلْبَاقِيَةِ .\rوَإِنْ مَاتَ مِنْهُنَّ وَاحِدَةٌ ، وَمِنْ الْمَنْكُوحَاتِ وَاحِدَةٌ أَوْ اثْنَتَانِ ، أَوْ مَاتَ مِنْ الْمُطَلَّقَاتِ اثْنَتَانِ ، وَمِنْ الْمَنْكُوحَاتِ","part":14,"page":140},{"id":6640,"text":"وَاحِدَةٌ ، فَالْمِيرَاثُ لِبَاقِي الْمُطَلَّقَاتِ .\rوَإِنْ مَاتَ مِنْ الْمُطَلَّقَاتِ وَاحِدَةٌ وَمِنْ الْمَنْكُوحَاتِ ثَلَاثٌ ، أَوْ مِنْ الْمُطَلَّقَاتِ اثْنَتَانِ ، وَمِنْ الْمَنْكُوحَاتِ اثْنَتَانِ ، أَوْ مِنْ الْمُطَلَّقَاتِ ثَلَاثٌ وَمِنْ الْمَنْكُوحَاتِ وَاحِدَةٌ ، فَالْمِيرَاثُ بَيْنَ الْبَوَاقِي مِنْ الْمُطَلَّقَاتِ وَالْمَنْكُوحَاتِ مَعًا ؛ لِأَنَّهُ لَوْ اسْتَأْنَفَ الْعَقْدَ عَلَى الْبَاقِيَاتِ مِنْ الْجَمِيعِ ، جَازَ فَكَانَ صَحِيحًا وَإِنْ تَزَوَّجَ الْمَنْكُوحَاتِ فِي أَرْبَعَةِ عُقُودٍ ، فَمَاتَ مِنْ الْمُطَلَّقَاتِ وَاحِدَةٌ وَرِثَتْ مَكَانَهَا الْأُولَى مِنْ الْمَنْكُوحَاتِ .\rوَإِنْ مَاتَ اثْنَتَانِ ، وَرِثَتْ الْأُولَى وَالثَّانِيَةُ .\rوَإِنْ مَاتَ ثَلَاثٌ ، وَرِثَتْ الْأُولَى وَالثَّانِيَةُ وَالثَّالِثَةُ مِنْ الْمَنْكُوحَاتِ ، مَعَ مَنْ بَقِيَ مِنْ الْمُطَلَّقَاتِ .\rوَهَذَا عَلَى قِيَاسِ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَاللُّؤْلُؤِيِّ .\rوَأَمَّا زُفَرُ فَلَا يَرَى صِحَّةَ نِكَاحِ الْمَنْكُوحَاتِ حَتَّى يُصَدِّقَهُ الْمُطَلَّقَاتُ .\rوَأَمَّا الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَيُبَاحُ عِنْدَهُ التَّزْوِيجُ فِي عِدَّةِ الْمُطَلَّقَاتِ ، فَعَلَى قَوْلِهِ إذَا طَلَّقَ أَرْبَعًا ، وَنَكَحَ أَرْبَعًا ، فِي عَقْدٍ أَوْ عُقُودٍ ، ثُمَّ مَاتَ مِنْ مَرَضِهِ فَالْمِيرَاثُ لِلْمَنْكُوحَاتِ وَعَلَى قَوْلِهِ الْقَدِيمِ يُخَرَّجُ فِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، أَنَّ الْمِيرَاثَ بَيْنَ الثَّمَانِ .\rوَالثَّانِي ، أَنَّ الْمِيرَاثَ لِلْمُطَلَّقَاتِ دُونَ الْمَنْكُوحَاتِ .\rفَإِنْ مَاتَ بَعْضُ الْمُطَلَّقَاتِ ، أَوْ انْقَضَتْ عِدَّتُهُنَّ فَلِلْمَنْكُوحَاتِ مِيرَاثُ الْمَيِّتَاتِ .\rوَإِنْ مَاتَتْ وَاحِدَةٌ فَلِلزَّوْجَاتِ رُبُعُ مِيرَاثِ النِّسَاءِ .\rوَإِنْ مَاتَتْ اثْنَتَانِ فَلِلزَّوْجَاتِ نِصْفُ الْمِيرَاثِ .\rفَإِنْ مَاتَ ثَلَاثٌ ، فَلَهُنَّ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الْمِيرَاثِ إنْ كَانَ نِكَاحُهُنَّ فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ وَإِنْ كَانَ فِي عُقُودٍ مُتَفَرِّقَةٍ ، فَإِذَا مَاتَتْ وَاحِدَةٌ مِنْ الْمُطَلَّقَاتِ ، فَمِيرَاثُهَا لِلْأُولَى مِنْ الْمَنْكُوحَاتِ ، وَمِيرَاثُ الثَّانِيَةِ لِلثَّانِيَةِ ، وَمِيرَاثُ الثَّالِثَةِ لِلثَّالِثَةِ .","part":14,"page":141},{"id":6641,"text":"( 4990 ) فَصْلٌ : إذَا قَالَ الرَّجُلُ لِنِسَائِهِ : إحْدَاكُنَّ طَالِقٌ .\rيَعْنِي وَاحِدَةً بِعَيْنِهَا ، طَلُقَتْ وَحْدَهَا ، وَيُرْجَعُ إلَى تَعْيِينِهِ ، وَيُؤْخَذُ بِنَفَقَتِهِنَّ كُلِّهِنَّ إلَى أَنْ تُعَيَّنَ .\rوَإِنْ كَانَ الطَّلَاقُ بَائِنًا ، مُنِعَ مِنْهُنَّ إلَى أَنْ يُعَيِّنَ .\rفَإِنْ قَالَ : أَرَدْت هَذِهِ .\rطَلُقَتْ وَحْدَهَا .\rوَإِنْ قَالَ : لَمْ أُرِدْ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَ .\rطَلُقَتْ الرَّابِعَةُ .\rوَإِنْ ، عَادَ ، فَقَالَ : أَخْطَأْت ، إنَّمَا أَرَدْت هَذِهِ .\rطَلُقَتْ الْأُخْرَى وَإِنْ مُتْنَ أَوْ إحْدَاهُنَّ قَبْلَ أَنْ يُبَيِّنَ رُجِعَ إلَى قَوْلِهِ ، فَمَنْ أَقَرَّ بِطَلَاقِهَا حَرَمْنَاهُ مِيرَاثَهَا ، وَأَحْلَفْنَاهُ ، لِوَرَثَةِ مَنْ لَمْ يُعَيِّنْهَا .\rوَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ .\rرَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَإِنْ لَمْ يَعْنِ بِذَلِكَ وَاحِدَةً بِعَيْنِهَا ، أَوْ مَاتَ قَبْلَ التَّعْيِينِ ، أُخْرِجَتْ بِالْقُرْعَةِ ، وَكَذَلِكَ إنَّ طَلَّقَ وَاحِدَةً مِنْ نِسَائِهِ ، بِعَيْنِهَا ، فَأُنْسِيهَا ، فَمَاتَ ، أُخْرِجَتْ بِالْقُرْعَةِ ، فَمَنْ تَقَعُ عَلَيْهَا الْقُرْعَةُ فَلَا مِيرَاثَ لَهَا .\rرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ .\rوَرَوَى عَطَاءٌ ، عَنْ ابْن عَبَّاسٍ ، أَنَّ رَجُلًا سَأَلَهُ فَقَالَ : إنَّ لِي ثَلَاثَ نِسْوَةٍ ، وَإِنِّي طَلَّقْت إحْدَاهُنَّ فَبَتَتّ طَلَاقَهَا .\rفَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : إنْ كُنْت نَوَيْت وَاحِدَةً مِنْهُنَّ بِعَيْنِهَا ثُمَّ أُنْسِيتهَا ، فَقَدْ اشْتَرَكْنَ فِي الطَّلَاقِ ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ نَوَيْت وَاحِدَةً بِعَيْنِهَا ، فَطَلِّقْ أَيَّتَهُنَّ شِئْت .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَهْلُ الْعِرَاقِ : يُرْجَعُ إلَى تَعْيِينِهِ فِي الْمَسَائِلِ كُلِّهَا .\rفَإِنْ وَطِئَ إحْدَاهُنَّ كَانَ تَعْيِينًا لَهَا بِالنِّكَاحِ ، فِي قَوْلِ أَهْلِ الْعِرَاقِ ، وَبَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يَكُونُ تَعْيِينًا .\rفَإِنْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يُبَيِّنَ فَالْمِيرَاثُ بَيْنَهُنَّ كُلِّهِنَّ ، فِي قَوْل أَهْلِ الْعِرَاقِ وَقَالَ مَالِكٌ : يُطَلَّقْنَ كُلُّهُنَّ ، وَلَا مِيرَاثَ لَهُنَّ .\rوَقَالَ","part":14,"page":142},{"id":6642,"text":"الشَّافِعِيُّ : رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يُوقَفُ مِيرَاثُهُنَّ ، وَإِنْ كَانَ الطَّلَاقُ قَبْلَ الدُّخُولِ دَفَعَ إلَى كُلّ وَاحِدَةٍ نِصْفَ مَهْرٍ ، وَوَقَفَ الْبَاقِيَ فِي مُهُورِهِنَّ .\rوَقَالَ دَاوُد : يَبْطُلُ حُكْمُ طَلَاقِهِنَّ ؛ لِمَوْضِعِ الْجَهَالَةِ ، وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مَهْرٌ كَامِلٌ ، وَالْمِيرَاثُ بَيْنَهُنَّ .\rوَإِنْ مُتْنَ قَبْلَهُ ، طَلُقَتْ الْآخِرَةُ ، فِي قَوْلِ أَهْلِ الْعِرَاقِ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يُرْجَعُ إلَى تَعْيِينِهِ ، عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ عَلِيٍّ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَلَا يُعَارِضُهُ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ ؛ لِأَنَّ ابْن عَبَّاسٍ يَعْتَرِفُ لِعَلِيٍّ بِتَقْدِيمِ قَوْلِهِ ، فَإِنَّهُ قَالَ : إذَا ثَبَتَ لَنَا عَنْ عَلِيٍّ قَوْلٌ ، لَمْ نَعْدُهُ إلَى غَيْرِهِ وَقَالَ : مَا عِلْمِي إلَى عِلْمِ عَلِيٍّ ، إلَّا كَالْقَرَارَةِ إلَى الْمُثْعَنْجِرِ .\rوَلِأَنَّهُ إزَالَةُ مِلْكٍ عَنْ الْآدَمِيِّ ، فَتُسْتَعْمَلُ فِيهِ الْقُرْعَةُ عِنْدَ الِاشْتِبَاهِ ، كَالْعِتْقِ .\rوَقَدْ بَيَّنْتُ ذَلِكَ فِي الْعِتْقِ بِخَبَرِ عِمْرَانِ بْنِ الْحُصَيْنِ .\rوَلِأَنَّ الْحُقُوقَ تَسَاوَتْ عَلَى وَجْهٍ تَعَذَّرَ تَعْيِينُ الْمُسْتَحِقِّ فِيهِ مِنْ غَيْرِ قُرْعَةٍ ، فَيَنْبَغِي أَنْ تُسْتَعْمَلَ فِيهِ الْقُرْعَةُ ، كَالْقِسْمَةِ فِي السَّفَرِ بَيْنَ النِّسَاءِ ، فَأَمَّا قَسْمُ الْمِيرَاثِ بَيْنَ الْجَمِيعِ ، فَفِيهِ دَفْعٌ إلَى إحْدَاهُنَّ مَا لَا تَسْتَحِقُّهُ ، وَتَنْقِيصُ بَعْضِهِنَّ حَقَّهَا يَقِينًا ، وَالْوَقْفُ إلَى غَيْرِ غَايَةٍ تَضْيِيعٌ لِحُقُوقِهِنَّ ، وَحِرْمَانُ الْجَمِيعِ مَنْعُ الْحَقِّ عَنْ صَاحِبِهِ يَقِينًا وَلَوْ كَانَ لَهُ امْرَأَتَانِ ، فَطَلَّقَ إحْدَاهُمَا ، ثُمَّ مَاتَتْ إحْدَاهُمَا ، ثُمَّ مَاتَ أَقْرَعَ بَيْنَهُمَا ، فَمَنْ وَقَعَتْ عَلَيْهَا قُرْعَةُ الطَّلَاقِ لَمْ يَرِثْهَا إنْ كَانَتْ الْمَيِّتَةُ ، وَلَمْ تَرِثْهُ إنْ كَانَتْ الْأُخْرَى .\rوَفِي قَوْلِ أَهْلِ الْعِرَاقِ : يَرِثُ الْأُولَى ، وَلَا تَرِثُهُ ، الْأُخْرَى .\rوَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، يُرْجَعُ إلَى تَعْيِينِ الْوَارِثِ ، فَإِنْ قَالَ : طَلَّقَ الْمَيِّتَةَ .\rلَمْ يَرِثْهَا ، وَوَرِثَتْهُ الْحَيَّةُ .","part":14,"page":143},{"id":6643,"text":"وَإِنْ قَالَ : طَلَّقَ الْحَيَّةَ .\rحَلَفَ عَلَى ذَلِكَ ، وَأَخَذَ مِيرَاثَ الْمَيِّتَةِ ، وَلَمْ تُوَرَّثْ الْحَيَّةُ .\rوَالْقَوْلُ الثَّانِي ، يُوقَفُ مِنْ مَالِ الْمَيِّتَةِ مِيرَاثُ الزَّوْجِ ، وَمِنْ مَالِ الزَّوْجِ مِيرَاثُ الْحَيَّةِ وَإِنْ كَانَ لَهُ امْرَأَتَانِ قَدْ دَخَلَ بِإِحْدَاهُمَا دُونَ الْأُخْرَى ، وَطَلَّقَ إحْدَاهُمَا لَا بِعَيْنِهَا ، فَمَنْ خَرَجَتْ لَهَا الْقُرْعَةُ فَلَهَا حُكْمُ الطَّلَاقِ ، وَلِلْأُخْرَى حُكْمُ الزَّوْجِيَّةِ .\rوَقَالَ أَهْلُ الْعِرَاقِ : لِلْمَدْخُولِ بِهَا ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الْمِيرَاثِ إنْ مَاتَ فِي عِدَّتِهَا ، وَلِلْأُخْرَى رُبُعُهُ لِأَنَّ لِلْمَدْخُولِ بِهَا نِصْفَهُ بِيَقِينٍ ، وَالنِّصْفُ الْآخَرُ يَتَدَاعَيَانِهِ ، فَيَكُونُ بَيْنَهُمَا .\rوَفِي قَوْلِ الشَّافِعِيِّ : النِّصْفُ لِلْمَدْخُولِ بِهَا ، وَالثَّانِي مَوْقُوفٌ .\rوَإِنْ كَانَتَا مَدْخُولًا بِهِمَا ، فَقَالَ فِي مَرَضِهِ : أَرَدْت هَذِهِ .\rثُمَّ مَاتَ فِي عِدَّتِهَا ، لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ ؛ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ بِالطَّلَاقِ فِي الْمَرَضِ كَالطَّلَاقِ فِيهِ وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ .\rوَقَالَ زُفَرُ : يُقْبَلُ قَوْلُهُ ، وَالْمِيرَاثُ لِلْأُخْرَى .\rوَهُوَ قِيَاسُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ .\rوَلَوْ كَانَ لِلْمَرِيضِ امْرَأَةٌ أُخْرَى سِوَى هَاتَيْنِ ، فَلَهَا نِصْفُ الْمِيرَاثِ ، وَلِلِاثْنَتَيْنِ نِصْفُهُ .\rوَفِي قَوْلِ الشَّافِعِيِّ نِصْفُهُ مَوْقُوفٌ .","part":14,"page":144},{"id":6644,"text":"( 4991 ) فَصْلٌ : وَلَوْ كَانَ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ ، فَطَلَّقَ إحْدَاهُنَّ غَيْرَ مُعَيَّنَةٍ ، ثُمَّ نَكَحَ خَامِسَةً بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا ، ثُمَّ مَاتَ وَلَمْ يُبَيِّنْ ، فَلِلْخَامِسَةِ رُبُعُ الْمِيرَاثِ وَالْمَهْرُ ، وَيُقْرَعُ بَيْنَ الْأَرْبَعِ .\rوَقَالَ أَهْلُ الْعِرَاقِ : لَهُنَّ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الْمِيرَاثِ بَيْنَهُنَّ وَإِنْ كُنَّ غَيْرَ مَدْخُولٍ بِهِنَّ ، فَلَهُنَّ ثَلَاثَةُ مُهُورٍ وَنِصْفٌ .\rوَفِي قَوْلِ الشَّافِعِيِّ ، يُوقَفُ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الْمِيرَاثِ ، وَمَهْرٌ وَنِصْفٌ بَيْنَ الْأَرْبَعِ ، فَإِنْ جَاءَتْ وَاحِدَةٌ تَطْلُبُ مِيرَاثَهَا لَمْ تُعْطَ شَيْئًا وَإِنْ طَلَبَهُ اثْنَتَانِ دُفِعَ إلَيْهِمَا رُبُعُ الْمِيرَاثِ ، وَإِنَّ طَلَبَهُ ثَلَاثٌ دُفِعَ إلَيْهِنَّ نِصْفُهُ ، وَإِنْ طَلَبَهُ الْأَرْبَعُ دُفِعَ إلَيْهِنَّ .\rوَلَوْ قَالَ بَعْدَ نِكَاحِ الْخَامِسَةِ : إحْدَاكُنَّ طَالِقٌ .\rفَعَلَى قَوْلِهِمْ ، لِلْخَامِسَةِ رُبْعُ الْمِيرَاثِ ؛ لِأَنَّهَا شَرِيكَةُ ثَلَاثٍ ، وَبَاقِيهِ بَيْنَ الْأَرْبَعِ كَالْأُولَى ، وَلِلْخَامِسَةِ سَبْعَةُ أَثْمَانِ مَهْرٍ ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ نَقَصَهَا وَثَلَاثًا مَعَهَا نِصْفَ مَهْرٍ ، وَيَبْقَى لِلْأَرْبَعِ ثَلَاثَةٌ وَثُمُنٌ بَيْنَهُنَّ ، فِي قَوْلِ أَهْلِ الْعِرَاقِ .\rفَإِنْ تَزَوَّجَ بَعْدَ ذَلِكَ سَادِسَةً ، فَلَهَا رُبُعُ الْمِيرَاثِ ، وَمَهْرٌ كَامِلٌ .\rوَلِلْخَامِسَةِ رُبْعُ مَا بَقِيَ وَسَبْعَةُ أَثْمَانِ مَهْرٍ ، وَلِلْأَرْبَعِ مَا بَقِيَ وَثَلَاثَةُ مُهُورٍ وَثُمْنٌ ، وَيَكُونُ الرُّبُعُ مَقْسُومًا عَلَى أَرْبَعَةٍ وَسِتِّينَ .\rفَإِنْ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ : إحْدَاكُنَّ طَالِقٌ .\rلَمْ يَخْتَلِفْ الْمِيرَاثُ وَلَكِنْ تَخْتَلِفُ الْمُهُورُ ، فَلِلسَّادِسَةِ سَبْعَةُ أَثْمَانِ مَهْرٍ ، وَلِلْخَامِسَةِ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ جُزْءًا مِنْ اثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ مِنْ مَهْرٍ وَيَبْقَى لِلْأَرْبَعِ مَهْرَانِ وَسَبْعَةٌ وَعِشْرُونَ جُزْءًا مِنْ مَهْرٍ .\rوَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ يُوقَفُ رُبُعُ الْمِيرَاثِ بَيْنَ السِّتِّ ، وَرُبْعٌ آخَرُ بَيْنَ الْخَمْسِ ، وَبَاقِيهِ بَيْنَ الْأَرْبَعِ ، وَيُوقَفُ نِصْفُ مَهْرٍ بَيْنَ السِّتِّ ، وَنِصْفٌ بَيْنَ الْخَمْسِ ، وَنِصْفٌ بَيْنَ الْأَرْبَعِ ، وَيُدْفَعُ إلَى","part":14,"page":145},{"id":6645,"text":"كُلِّ وَاحِدَةٍ نِصْفٌ .","part":14,"page":146},{"id":6646,"text":"بَابُ الِاشْتِرَاكِ فِي الطُّهْرِ إذَا وَطِئَ رَجُلَانِ امْرَأَةً فِي طُهْرٍ وَاحِدٍ وَطْئًا يَلْحَقُ النَّسَبُ مِنْ مِثْلِهِ ، فَأَتَتْ بِوَلَدٍ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مِنْهُمَا ، مِثْلَ أَنْ يَطَأَ الشَّرِيكَانِ جَارِيَتَهُمَا الْمُشْتَرَكَةَ ، أَوْ يَطَأَ الْإِنْسَانُ جَارِيَتَهُ ثُمَّ يَبِيعَهَا قَبْلَ أَنْ يَسْتَبْرِئَهَا ، فَيَطَؤُهَا الْمُشْتَرِي قَبْلَ اسْتِبْرَائِهَا ، أَوْ يَطَؤُهَا رَجُلَانِ بِشُبْهَةٍ أَوْ يُطَلِّقَ رَجُلٌ امْرَأَتَهُ فَيَتَزَوَّجَهَا غَيْرُهُ فِي عِدَّتِهَا وَيَطَأَهَا ، أَوْ يَطَأُ إنْسَانٌ جَارِيَةَ آخَرَ أَوْ امْرَأَتَهُ بِشُبْهَةٍ فِي الطُّهْرِ الَّذِي وَطِئَهَا فِيهِ سَيِّدُهَا أَوْ زَوْجُهَا ثُمَّ تَأْتِي بِوَلَدٍ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مِنْهُمَا ، فَإِنَّهُ يَرَى الْقَافَةَ مَعَهُمَا وَهَذَا قَوْلُ عَطَاءٍ ، وَمَالِكٍ ، وَاللَّيْثِ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ، فَإِنْ أَلْحَقَتْهُ بِأَحَدِهِمَا ، لَحِقَ بِهِ ، وَإِنْ نَفَتْهُ عَنْ أَحَدِهِمَا ، لَحِقَ الْآخَرَ ، وَسَوَاءٌ ادَّعَيَاهُ ، أَوْ لَمْ يَدَّعِيَاهُ ، أَوْ ادَّعَاهُ أَحَدُهُمَا وَأَنْكَرَهُ الْآخَرُ ، وَإِنْ أَلْحَقَتْهُ الْقَافَةُ بِهِمَا ، لَحِقَهُمَا وَكَانَ ابْنَهُمَا .\rوَهَذَا قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَأَبِي ثَوْرٍ .\rوَرَوَاهُ بَعْضُ أَصْحَابِ مَالِكٍ عَنْهُ وَقَالَ مَالِكٌ : لَا يُرَى وَلَدُ الْحُرَّةِ لِلْقَافَةِ ، بَلْ يَكُونُ لِصَاحِبِ الْفِرَاشِ الصَّحِيحِ دُونَ الْوَاطِئِ بِشُبْهَةٍ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يُلْحَقُ بِأَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ ، فَإِنْ أَلْحَقَتْهُ الْقَافَةُ بِأَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ ، كَانَ بِمَنْزِلَةِ أَنْ لَا يُوجَدَ قَافَةٌ .\rوَمَتَى لَمْ يُوجَدْ قَافَةٌ ، أَوْ أُشْكِلْ عَلَيْهَا ، أَوْ اخْتَلَفَ الْقَائِفَانِ فِي نَسَبِهِ ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : يَضِيعُ نَسَبُهُ ، وَلَا حُكْمَ لِاخْتِيَارِهِ ، وَيَبْقَى عَلَى الْجَهَالَةِ أَبَدًا .\rوَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ .\rوَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ : يُتْرَكُ حَتَّى يَبْلُغَ فَيَنْتَسِبَ إلَى أَحَدِهِمَا .\rوَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ الْجَدِيدُ وَقَالَ فِي الْقَدِيمِ : يُتْرَكُ حَتَّى يُمَيَّزَ ، وَذَلِكَ لِسَبْعٍ أَوْ ثَمَانٍ ، فَيَنْتَسِبَ إلَى أَحَدِهِمَا ،","part":14,"page":147},{"id":6647,"text":"وَنَفَقَتُهُ عَلَيْهِمَا ، إلَى أَنْ يُنْتَسَبَ إلَى أَحَدِهِمَا ، فَيَرْجِعُ الْآخَرُ عَلَيْهِ بِمَا أَنْفَقَ .\rوَإِذَا ادَّعَى اللَّقِيطَ ، اثْنَانِ ، أُرِيَ الْقَافَةَ مَعَهُمَا .\rوَإِنْ مَاتَ الْوَلَدُ الْمُدَّعَى فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ قَبْلَ أَنْ يُرَى الْقَافَةَ ، وَلَهُ وَلَدٌ ، أُرِيَ وَلَدُهُ الْقَافَةَ مَعَ الْمُدَّعِينَ .\rوَلَوْ مَاتَ الرَّجُلَانِ أُرِيَ الْقَافَةَ مَعَ عَصَبَتِهِمَا .\rوَإِنْ ادَّعَاهُ أَكْثَرُ مِنْ اثْنَيْنِ ، فَأَلْحَقَتْهُ الْقَافَةُ بِهِمْ ، لَحِقَ .\rوَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى أَنَّهُ يُلْحَقُ بِثَلَاثَةِ ، وَمُقْتَضَى هَذَا أَنْ يُلْحَقَ بِهِمْ وَإِنْ كَثُرُوا .\rوَقَالَ الْقَاضِي : لَا يُلْحَقُ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةٍ وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ .\rوَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ : لَا يُلْحَقُ بِأَكْثَرَ مِنْ اثْنَيْنِ .\rوَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ أَبِي يُوسُفَ .\rوَقَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ ، وَشَرِيكٌ ، وَيَحْيَى بْنُ آدَمَ : لَا حُكْمَ لِلْقَافَةِ ، بَلْ إذَا سَبَقَ أَحَدُهُمَا بِالدَّعْوَى ، فَهُوَ ابْنُهُ .\rفَإِنْ ادَّعَيَاهُ مَعًا ، فَهُوَ ابْنُهُمَا .\rوَكَذَلِكَ إنْ كَثُرَ الْوَاطِئُونَ وَادَّعَوْهُ مَعًا ، فَإِنَّهُ يَكُونُ لَهُمْ جَمِيعًا وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَضَى فِي ذَلِكَ بِالْقُرْعَةِ وَالْيَمِينِ .\rوَبِهِ قَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى ، وَإِسْحَاقُ وَعَنْ أَحْمَدَ نَحْوُهُ إذَا عَدِمَتْ الْقَافَةُ وَقَدْ ذَكَرْنَا أَكْثَرَ هَذِهِ الْمَسَائِلِ مَشْرُوحَةً مَدْلُولًا عَلَيْهَا فِي مَوَاضِعِهَا ، وَالْغَرَضُ هَاهُنَا ذِكْرُ مِيرَاثِ الْمُدَّعِي ، وَالتَّوْرِيثُ مِنْهُ ، وَبَيَانُ مَسَائِلِهِ .","part":14,"page":148},{"id":6648,"text":"( 4992 ) مَسْأَلَةٌ : إذَا أُلْحِقَ بِاثْنَيْنِ ، فَمَاتَ ، وَتَرَكَ أُمَّهُ حُرَّةً ، فَلَهَا الثُّلُثُ ، وَالْبَاقِي لَهُمَا ، فَإِنْ كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ابْنٌ سِوَاهُ ، أَوْ لَأَحَدِهِمَا ابْنَانِ ، فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ .\rفَإِنْ مَاتَ أَحَدُ الْأَبَوَيْنِ ، وَلَهُ ابْنٌ آخَرُ ، فَمَالُهُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ ، فَإِنْ مَاتَ الْغُلَامُ بَعْدَ ذَلِكَ ، فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ ، وَالْبَاقِي لِلْبَاقِي مِنْ أَبَوَيْهِ ، وَلَا شَيْءَ لِإِخْوَتِهِ ؛ لِأَنَّهُمَا مَحْجُوبَانِ بِالْأَبِ الْبَاقِي فَإِنْ كَانَ الْغُلَامُ تَرَكَ ابْنًا ، فَلِلْبَاقِي مِنْ الْأَبَوَيْنِ السُّدُسُ ، وَالْبَاقِي لِابْنِهِ وَإِنْ مَاتَ قَبْلَ أَبَوَيْهِ ، وَتَرَكَ ابْنًا ، فَلَهُمَا جَمِيعًا السُّدُسُ ، وَالْبَاقِي لِابْنِهِ .\rفَإِنْ كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَبَوَانِ ، ثُمَّ مَاتَ الْغُلَامُ وَلَهُ جَدَّةٌ أُمُّ أُمٍّ وَابْنٌ ، فَلِأُمِّ أُمِّهِ نِصْفُ السُّدُسِ ، وَلِأُمَّيْ الْمُدَّعِيَيْنِ نِصْفُهُ ، كَأَنَّهُمَا جَدَّةٌ وَاحِدَةٌ ، وَلِلْجَدَّيْنِ السُّدُسُ ، وَالْبَاقِي لِلِابْنِ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ ابْنٌ ، فَلِلْجَدَّيْنِ الثُّلُثُ ؛ لِأَنَّهُمَا بِمَنْزِلَةِ جَدٍّ وَاحِدٍ ، وَالْبَاقِي لِلْأَخَوَيْنِ .\rوَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ، الْبَاقِي كُلُّهُ لِلْجَدَّيْنِ ؛ لِأَنَّ الْجَدَّ يُسْقِطُ الْإِخْوَةَ وَإِنْ كَانَ الْمُدَّعِيَانِ أَخَوَيْنِ ، وَالْمُدَّعَى جَارِيَةً ، فَمَاتَا وَخَلَّفَا أَبَاهُمَا ، فَلَهُمَا مِنْ مَالِ كُلِّ وَاحِدٍ نِصْفُهُ ، وَالْبَاقِي لِلْأَبِ .\rفَإِنْ مَاتَ الْأَبُ بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهَا النِّصْفُ ؛ لِأَنَّهَا بِنْتُ ابْنٍ .\rوَحَكَى الْخَبْرِيُّ عَنْ أَحْمَدَ وَزُفَرَ وَابْنِ أَبِي زَائِدَةَ ، أَنَّ لَهَا الثُّلُثَيْنِ ؛ لِأَنَّهَا بِنْتُ ابْنَتِهِ فَلَهَا مِيرَاثُ بِنْتَيْ ابْنٍ ، وَإِنْ كَانَ الْمُدَّعِي ابْنًا ، فَمَاتَ أَبَوَاهُ ، وَلِأَحَدِهِمَا بِنْتٌ ، ثُمَّ مَاتَ أَبُوهُمَا فَمِيرَاثُهُ بَيْنَ الْغُلَامِ وَالْبِنْتِ عَلَى ثَلَاثَةٍ .\rوَعَلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ ، عَلَى خَمْسَةٍ ؛ لِأَنَّ الْغُلَامَ يَضْرِبُ بِنَصِيبِ ابْنَيْ ابْنٍ وَإِنْ كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِنْتٌ ، فَلِلْغُلَامِ مِنْ مَالِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ثُلُثَاهُ ،","part":14,"page":149},{"id":6649,"text":"وَلَهُ مِنْ مَالِ جَدِّهِ نِصْفُهُ .\rوَعَلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ ، لَهُ ثُلُثَاهُ ، وَلَهُمَا سُدْسَاهُ .\rوَإِنْ كَانَ الْمُدَّعِيَانِ رَجُلًا وَعَمَّةً ، وَالْمُدَّعَى جَارِيَةً ، فَمَاتَا ، وَخَلَّفَا أَبَوَيْهِمَا ، ثُمَّ مَاتَ أَبُو الْأَصْغَرِ ، فَلَهَا النِّصْفُ ، وَالْبَاقِي لِأَبِي الْعَمِّ ؛ لِأَنَّهُ أَبُوهُ .\rوَإِذَا مَاتَ أَبُو الْعَمِّ ، فَلَهَا النِّصْفُ مِنْ مَالِهِ أَيْضًا .\rوَعَلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ ، لَهَا الثُّلُثَانِ ؛ لِأَنَّهَا بِنْتُ ابْنٍ وَبِنْتُ ابْنِ ابْنٍ .\rوَإِنْ كَانَ الْمُدَّعِي رَجُلًا وَابْنَهُ ، فَمَاتَ الِابْنُ ، فَلَهَا نِصْفُ مَالِهِ وَإِذَا مَاتَ الْأَبُ فَلَهَا النِّصْفُ أَيْضًا .\rوَعَلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ لَهَا الثُّلُثَانِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إذَا تَدَاعَى الْأَبُ وَابْنُهُ ، قُدِّمَ الْأَبُ ، وَلَمْ يَكُنْ لِلِابْنِ شَيْءٌ .\rوَإِنْ مَاتَ الْأَبُ أَوَّلًا ، فَمَالُهُ بَيْنَ ابْنِهِ وَبَيْنَهُمَا عَلَى ثَلَاثَةٍ ، ثُمَّ تَأْخُذُ نِصْفَ مَالِ الْأَصْغَرِ ، لِكَوْنِهَا بِنْتَهُ ، وَبَاقِيهِ لِأَنَّهَا أُخْتُهُ ، وَفِي كُلِّ ذَلِكَ إذَا لَمْ يَثْبُتْ نَسَبُ الْمُدَّعِي ، وُقِفَ نَصِيبُهُ ، وَدُفِعَ إلَى كُلِّ وَارِثٍ الْيَقِينُ ، وَوُقِفَ الْبَاقِي حَتَّى يَثْبُتَ نَسَبُهُ أَوْ يَصْطَلِحُوا فَلَوْ كَانَ الْمُدَّعُونَ ثَلَاثَةً ، فَمَاتَ أَحَدُهُمْ ، وَتَرَكَ ابْنًا وَأَلْفًا ، ثُمَّ مَاتَ الثَّانِي ، وَتَرَكَ ابْنًا وَأَلْفَيْنِ ، ثُمَّ مَاتَ الثَّالِثُ ، وَتَرَكَ ابْنًا وَعِشْرِينَ أَلْفًا ، ثُمَّ مَاتَ الْغُلَامُ ، وَتَرَكَ أَرْبَعَةَ آلَافٍ ، وَأُمًّا حُرَّةً ، وَقَدْ أَلْحَقَتْهُ الْقَافَةُ بِهِمْ ، فَقَدْ تَرَكَ خَمْسَةَ عَشَرَ أَلْفًا وَخَمْسَمِائَةٍ ، فَلِأُمِّهِ سُدُسُهَا ، وَالْبَاقِي بَيْنَ إخْوَتِهِ الثَّلَاثَةِ أَثْلَاثًا .\rوَإِنْ كَانَ مَوْتُهُمْ قَبْلَ ثُبُوتِ نَسَبِهِ ، دُفِعَ إلَى الْأُمِّ ثُلُثُ تَرِكَتِهِ ، وَهُوَ أَلْفٌ وَخَمْسُمِائَةٍ ؛ لِأَنَّ أَدْنَى الْأَحْوَالِ أَنْ يَكُونَ ابْنَ صَاحِبِ الْأَلْفِ ، فَيَرِثُ مِنْهُ خَمْسَمِائَةٍ ، وَقَدْ كَانَ وُقِفَ لَهُ مِنْ مَالِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُدَّعِينَ نِصْفُ مَالِهِ ، فَيُرَدُّ إلَى ابْنِ صَاحِبِ الْأَلْفِ ، وَابْنِ صَاحِبِ الْأَلْفَيْنِ ، مَا","part":14,"page":150},{"id":6650,"text":"وُقِفَ مِنْ مَالِ أَبَوَيْهِمَا ؛ لِأَنَّهُ إنْ لَمْ يَكُنْ أَخًا لَهُمَا فَذَلِكَ لَهُمَا مِنْ أَبَوَيْهِمَا وَإِنْ كَانَ أَخَا أَحَدِهِمَا ، فَهُوَ يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ ، وَأَكْثَرَ مِنْهُ بِإِرْثِهِ مِنْهُ ، وَيُرَدُّ عَلَى ابْنِ الثَّالِثِ تِسْعَةُ آلَافٍ وَثُلُثُ أَلْفٍ ، وَيَبْقَى ثُلُثَا أَلْفٍ مَوْقُوفَةً بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأُمِّ ؛ لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَخَاهُ ، فَيَكُونَ قَدْ مَاتَ عَنْ أَرْبَعَةَ عَشَرَ أَلْفًا ، لِأُمِّهِ ثُلُثُهَا ، وَيَبْقَى مِنْ مَالِ الِابْنِ أَلْفَانِ وَخَمْسَمِائَةٍ مَوْقُوفَةً يَدَّعِيهَا ابْنُ صَاحِبِ الْأَلْفِ كُلِّهَا ، وَيَدَّعِي مِنْهَا ابْنُ صَاحِبِ الْأَلْفَيْنِ أَلْفَيْنِ وَثُلُثًا ، فَيَكُونُ ذَلِكَ مَوْقُوفًا بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْأُمِّ ، وَسُدُسُ الْأَلْفِ بَيْنَ الْأُمِّ وَابْنِ صَاحِبِ الْأَلْفِ فَإِنْ ادَّعَى أَخَوَانِ ابْنًا ، وَلَهُمَا أَبٌ ، فَمَاتَ أَحَدُهُمَا وَخَلَّفَ بِنْتًا ، ثُمَّ مَاتَ الْآخَرُ قَبْلَ ثُبُوتِ نَسَبِ الْمُدَّعِي ، وُقِفَ مِنْ مَالِ الْأَوَّلِ خَمْسَةُ أَتْسَاعِهِ ، مِنْهَا تُسْعَانِ بَيْنَ الْغُلَامِ وَالْبِنْتِ ، وَثَلَاثَةُ أَتْسَاعٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَبِ ، وَيُوقَفُ مِنْ مَالِ الثَّانِي خَمْسَةُ أَسْدَاسٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَبِ .\rفَإِنْ مَاتَ الْأَبُ بَعْدَهُمَا ، وَخَلَّفَ بِنْتًا ، فَلَهَا نِصْفُ مَالِهِ ، وَنِصْفُ مَا وَرِثَهُ عَنْ ابْنَتِهِ ، وَالْبَاقِي بَيْنَ الْغُلَامِ وَبِنْتِ الِابْنِ ؛ لِأَنَّهُ ابْنُ ابْنِهِ بِيَقِينِ وَيُدْفَعُ إلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مِنْ الْمَوْقُوفِ الْيَقِينُ ، وَيُوقَفُ الْبَاقِي ، فَتُقَدِّرُهُ مَرَّةً ابْنَ صَاحِبِ الْبِنْتِ ، وَمَرَّةً ابْنَ الْآخَرِ .\rوَتَنْظُرُ مَالَهُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِي الْحَالَيْنِ ، فَتُعْطِيهِ أَقَلَّهُمَا ، فَلِلْغُلَامِ فِي حَالٍ الْمَوْقُوفِ مِنْ مَالِ الثَّانِي ، وَخُمْسُ الْمَوْقُوفِ مِنْ مَالِ الْأَوَّلِ ، وَفِي حَالٍ كُلُّ الْمَوْقُوفِ مِنْ مَالِ الْأَوَّلِ ، وَثُلُثُ الْمَوْقُوفِ مِنْ الثَّانِي ، فَلَهُ أَقَلُّهُمَا ، وَلِبِنْتِ الْمَيِّتِ الْأَوَّلِ فِي حَالٍ النِّصْفُ مِنْ مَالِ أَبِيهَا ، وَفِي حَالٍ السُّدُسُ مِنْ مَالِ عَمِّهَا ، وَلِبِنْتِ الْأَبِ فِي حَالٍ نِصْفُ الْمَوْقُوفِ","part":14,"page":151},{"id":6651,"text":"مِنْ مَالِ الثَّانِي ، وَفِي حَالٍ ثَلَاثَةُ أَعْشَارِهِ مِنْ مَالِ الْأَوَّلِ ، فَتَدْفَعُ إلَيْهَا أَقَلَّهُمَا ، وَيَبْقَى بَاقِي التَّرِكَةِ مَوْقُوفًا بَيْنَهُمْ حَتَّى يَصْطَلِحُوا عَلَيْهِ وَمِنْ النَّاس مَنْ يُقَسِّمُهُ بَيْنَهُمْ عَلَى حَسَبِ الدَّعَاوَى .\rوَمَتَى اخْتَلَفَ أَجْنَاسُ التَّرِكَةِ ، وَلَمْ يَصِرْ بَعْضُهَا قِصَاصًا عَنْ بَعْضٍ ، قُوِّمَتْ ، وَعُمِلَ فِي قِيمَتِهَا عَلَى مَا بَيَّنَّا فِي الدَّرَاهِمِ إنْ تَرَاضَوْا عَلَى ذَلِكَ ، أَوْ يَبِيعُ الْحَاكِمُ عَلَيْهِمْ لِيَصِيرَ الْحَقُّ كُلُّهُ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ ، لِمَا فِيهِ مِنْ الصَّلَاحِ لَهُمْ ، وَيُوقَفُ الْفَضْلُ الْمَشْكُوكُ فِيهِ بَيْنَهُمْ عَلَى الصُّلْحِ .\rوَلَوْ ادَّعَى اثْنَانِ غُلَامًا ، فَأَلْحَقَتْهُ الْقَافَةُ بِهِمَا ، ثُمَّ مَاتَ أَحَدُهُمَا ، وَتَرَكَ أَلْفًا وَبِنْتًا وَعَمًّا ، ثُمَّ مَاتَ الْآخَرُ ، وَتَرَكَ أَلْفَيْنِ وَابْنَ ابْنٍ ، ثُمَّ مَاتَ الْغُلَامُ ، وَتَرَكَ ثَلَاثَةَ آلَافٍ وَأُمًّا ، كَانَ لِلْبِنْتِ مِنْ تَرِكَةِ أَبِيهَا ثُلُثُهَا ، وَلِلْغُلَامِ ثُلُثَاهَا ، وَتَرِكَةُ الثَّانِي كُلُّهَا لَهُ ؛ لِأَنَّهُ ابْنُهُ ، فَهُوَ أَحَقُّ مِنْ ابْنِ الِابْنِ .\rثُمَّ مَاتَ الْغُلَامُ عَنْ خَمْسَةِ آلَافٍ وَثُلُثَيْ أَلْفٍ ، فَلِأُمِّهِ ثُلُثُ ، ذَلِكَ ، وَلِأُخْتِهِ نِصْفُهُ ، وَبَاقِيهِ لِابْنِ الِابْنِ ؛ لِأَنَّهُ ابْنُ أَخِيهِ ، وَلَا شَيْءَ لِلْعَمِّ .\rوَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ نَسَبُهُ ، فَلِابْنَةِ الْأَوَّلِ ثُلُثُ الْأَلْفِ ، وَيُوقَفُ ثُلُثَاهَا وَجَمِيعُ تَرِكَةِ الثَّانِي .\rفَإِذَا مَاتَ الْغُلَامُ ، فَلِأُمِّهِ مِنْ تَرِكَتِهِ أَلْفٌ وَتُسْعَا أَلْفٍ ؛ لِأَنَّ أَقَلَّ أَحْوَالِهِ أَنْ يَكُونَ ابْنَ الْأَوَّلِ ، فَيَكُونُ قَدْ مَاتَ عَنْ ثَلَاثَةِ آلَافٍ وَثُلُثَيْ أَلْفٍ ، وَيُرَدُّ الْمَوْقُوفُ مِنْ مَالِ أَبِي الْبِنْتِ عَلَى الْبِنْتِ وَالْعَمِّ ، فَيَصْطَلِحَانِ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ لَهُمَا ، إمَّا عَنْ صَاحِبِهِمَا أَوْ الْغُلَامِ ، وَيُرَدُّ الْمَوْقُوفُ مِنْ مَالِ الثَّانِي إلَى ابْنِ ابْنِهِ .\rلِأَنَّهُ لَهُ إمَّا عَنْ جَدِّهِ وَإِمَّا عَنْ عَمِّهِ ، وَتُعْطَى الْأُمُّ مِنْ تَرِكَةِ الْغُلَامِ أَلْفًا وَتُسْعَيْ أَلْفٍ لِأَنَّهُ أَقَلُّ مَالِهَا ،","part":14,"page":152},{"id":6652,"text":"وَيَبْقَى أَلْفٌ وَسَبْعَةُ أَتْسَاعِ أَلْفٍ تَدَّعِي الْأُمُّ مِنْهَا أَرْبَعَةَ أَتْسَاعِ أَلْفٍ ، تَمَامَ ثُلُثِ خَمْسَةِ آلَافٍ ، وَيَدَّعِي مِنْهَا ابْنُ الِابْنِ أَلْفًا وَثُلُثًا ، تَمَامَ ثُلُثَيْ خَمْسَةِ آلَافٍ ، وَتَدَّعِي الْبِنْتُ وَالْعَمُّ جَمِيعَ الْبَاقِي ، فَيَكُونُ ذَلِكَ مَوْقُوفًا بَيْنَهُمْ حَتَّى يَصْطَلِحُوا .\rوَلَوْ كَانَ الْمَوْلُودُ فِي يَدَيْ امْرَأَتَيْنِ فَادَّعَيَاهُ مَعًا ، أُرِيَ الْقَافَةَ مَعَهُمَا ، فَإِنْ أَلْحَقَتْهُ بِإِحْدَاهُمَا ، لَحِقَ بِهَا وَوَرِثَهَا ، وَوَرِثَتْهُ فِي إحْدَى الرِّوَايَاتِ .\rوَإِنْ أَلْحَقَتْهُ بِهِمَا ، أَوْ نَفَتْهُ عَنْهُمَا ، لَمْ يَلْحَقْ بِوَاحِدَةٍ مِنْهُمَا وَإِنْ قَامَتْ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ ، تَعَارَضَتَا ، وَلَمْ تُسْمَعْ بَيِّنَتُهُمَا .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو يُوسُفَ ، وَاللُّؤْلُؤِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَثْبُتُ نَسَبُهُ مِنْهُمَا ، وَيَرِثَانِهِ مِيرَاثَ أُمٍّ وَاحِدَةٍ ، كَمَا يُلْحَقُ بِرَجُلَيْنِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ إحْدَى الْبِنْتَيْنِ كَاذِبَةٌ يَقِينًا ، فَلَمْ تُسْمَعْ ، كَمَا لَوْ عُلِمَتْ ، وَمِنْ ضَرُورَةِ رَدِّهَا رَدُّهُمَا ؛ لِعَدَمِ الْعِلْمِ بِعَيْنِهَا ، وَلِأَنَّ هَذَا مُحَالٌ ، فَلَمْ يَثْبُتْ بِبَيِّنَةٍ وَلَا غَيْرِهَا ، كَمَا لَوْ كَانَ الْوَلَدُ أَكْبَرَ مِنْهُمَا .\rوَلَوْ أَنَّ امْرَأَةً مَعَهَا صَبِيٌّ ، ادَّعَاهُ رَجُلَانِ ، كُلُّ وَاحِدٍ يَزْعُمُ أَنَّهُ ابْنُهُ مِنْهَا ، وَهِيَ زَوْجَتُهُ ، فَكَذَّبَتْهُمَا ، لَمْ يَلْحَقْهُمَا ، وَإِنْ صَدَّقَتْ أَحَدَهُمَا ، لَحِقَهُ ، كَمَا لَوْ كَانَ بَالِغًا ، فَادَّعَيَاهُ ، فَصَدَّقَ أَحَدَهُمَا وَلَوْ أَنَّ صَبِيًّا مَعَ امْرَأَةٍ ، فَقَالَ زَوْجُهَا : هُوَ ابْنِي مِنْ غَيْرِكِ .\rفَقَالَتْ : بَلْ هُوَ ابْنِي مِنْك .\rلَحِقَهُمَا جَمِيعًا .","part":14,"page":153},{"id":6653,"text":"كِتَابُ الْوَلَاءِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ } .\rيَعْنِي الْأَدْعِيَاءَ .\rوَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ } .\rوَقَالَ سَعِيدٌ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ : { نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعِ الْوَلَاءِ ، وَعَنْ هِبَتِهِ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَعَنَ اللَّهُ مَنْ تَوَلَّى غَيْرَ مَوَالِيهِ } .\rقَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ .\rوَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { مَوْلَى الْقَوْمِ مِنْهُمْ } .\rحَدِيثٌ صَحِيحٌ .\rوَرَوَى الْخَلَّالُ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى .\rقَالَ : قَالَ لِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الْوَلَاءُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ ، لَا يُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ } .\r( 4993 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَالْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ ، وَإِنْ اخْتَلَفَ دِينَاهُمَا ) أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ مَنْ أَعْتَقَ عَبْدًا ، أَوْ عَتَقَ عَلَيْهِ ، وَلَمْ يَعْتِقْهُ سَائِبَةً ، أَنَّ لَهُ عَلَيْهِ الْوَلَاءَ .\rوَالْأَصْلُ فِي هَذَا قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ } .\rوَأَجْمَعُوا أَيْضًا عَلَى أَنَّ السَّيِّدَ يَرِثُ عَتِيقُهُ إذَا مَاتَ جَمِيعَ مَالِهِ ، إذَا اتَّفَقَ دِينَاهُمَا ، وَلَمْ يَخْلُفْ وَارِثًا سِوَاهُ ؛ وَذَلِكَ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الْوَلَاءُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ } وَالنَّسَبُ يُورَثُ بِهِ ، وَلَا يُورَثُ ، كَذَلِكَ الْوَلَاءُ .\rوَرَوَى سَعِيدٌ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زِيَادٍ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةٌ ، عَنْ الْحَكَمِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ ، قَالَ : { كَانَ لِبِنْتِ حَمْزَةَ مَوْلًى أَعْتَقَهُ ، فَمَاتَ ، وَتَرَكَ ابْنَتَهُ وَمَوْلَاتَهُ ، فَأَعْطَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ابْنَتَهُ النِّصْفَ ، وَأَعْطَى مَوْلَاتَهُ بِنْتَ","part":14,"page":154},{"id":6654,"text":"حَمْزَةَ النِّصْفَ .\r} قَالَ : وَحَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ يُونُسَ ، عَنْ الْحَسَنِ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الْمِيرَاثُ لِلْعَصَبَةِ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَصَبَةٌ ، فَلِلْمَوْلَى } .\rوَعَنْهُ ، { أَنَّ رَجُلًا أَعْتَقَ عَبْدًا ، فَقَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا تَرَى فِي مَالِهِ ؟ قَالَ : إنْ مَاتَ ، وَلَمْ يَدَعْ وَارِثًا فَهُوَ لَك } .","part":14,"page":155},{"id":6655,"text":"( 4994 ) فَصْلٌ : وَيُقَدَّمُ الْمَوْلَى فِي الْمِيرَاثِ عَلَى الرَّدِّ وَذَوِي الْأَرْحَامِ ، فِي قَوْلِ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ ، فَإِذَا مَاتَ رَجُلٌ ، وَخَلَّفَ بِنْتَهُ وَمَوْلَاهُ ، فَلِبِنْتِهِ النِّصْفُ ، وَالْبَاقِي لِمَوْلَاهُ .\rوَإِنْ خَلَّفَ ذَا رَحِمٍ وَمَوْلَاهُ ، فَالْمَالُ لِمَوْلَاهُ دُونَ ذِي رَحِمِهِ .\rوَعَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ يُقَدَّمُ الرَّدُّ عَلَى الْمَوْلَى .\rوَعَنْهُمَا وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ تَقْدِيمُ ذِي الْأَرْحَامِ عَلَى الْمَوْلَى .\rوَلَعَلَّهُمْ يَحْتَجُّونَ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَأُولُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ } وَلَنَا ، حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ ، وَحَدِيثُ الْحَسَنِ ، وَلِأَنَّهُ عَصَبَةٌ يَعْقِلُ عَنْ مَوْلَاهُ ، فَيُقَدَّمُ عَلَى الرَّدِّ وَذَوِي الرَّحِمِ ، كَابْنِ الْعَمِّ .","part":14,"page":156},{"id":6656,"text":"( 4995 ) فَصْلٌ : وَإِنْ كَانَ لِلْمُعْتَقِ عَصَبَةٌ مِنْ نَسَبِهِ ، أَوْ ذَوُو فَرْضٍ تَسْتَغْرِقُ فُرُوضُهُمْ الْمَالَ فَلَا شَيْءَ لِلْمَوْلَى .\rلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا ؛ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ الْحَدِيثِ ، وَلِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا ، فَمَا أَبْقَتْ الْفُرُوضُ فَلِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ } .\rوَفِي لَفْظٍ : { فَلِأَوْلَى عَصَبَةٍ ذَكَرٍ } .\rوَالْعَصَبَةُ مِنْ الْقَرَابَةِ أَوْلَى مِنْ ذِي الْوَلَاءِ ؛ لِأَنَّهُ مُشَبَّهٌ بِالْقَرَابَةِ ، وَالْمُشَبَّهُ بِهِ أَقْوَى مِنْ الْمُشَبَّهِ ، وَلِأَنَّ النَّسَبَ أَقْوَى مِنْ الْوَلَاءِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِهِ التَّحْرِيمُ وَالنَّفَقَةُ وَسُقُوطُ الْقِصَاصِ وَرَدُّ الشَّهَادَةِ ، وَلَا يَتَعَلَّقُ ذَلِكَ بِالْوَلَاءِ .","part":14,"page":157},{"id":6657,"text":"( 4996 ) فَصْلٌ : وَإِنْ اخْتَلَفَ دِينُ السَّيِّدِ وَعَتِيقِهِ ، فَالْوَلَاءُ ثَابِتٌ .\rلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا ؛ لِعُمُومِ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ } .\rوَلِقَوْلِهِ : { الْوَلَاءُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ } .\rوَلُحْمَةُ النَّسَبِ تَثْبُتُ مَعَ اخْتِلَافِ الدِّينِ ، وَكَذَلِكَ الْوَلَاءُ ، وَلِأَنَّ الْوَلَاءَ إنَّمَا يَثْبُتُ لَهُ عَلَيْهِ لِإِنْعَامِهِ بِإِعْتَاقِهِ ، وَهَذَا الْمَعْنَى ثَابِتٌ مَعَ اخْتِلَافِ دِينِهِمَا ، وَيَثْبُتُ الْوَلَاءُ لِلذَّكَرِ عَلَى الْأُنْثَى ، وَالْأُنْثَى عَلَى الذَّكَرِ ، وَلِكُلِّ مُعْتِقٍ ، لِعُمُومِ الْخَبَرِ وَالْمَعْنَى ، وَلِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ .\rوَهَلْ يَرِثُ السَّيِّدُ مَوْلَاهُ مَعَ اخْتِلَافِ الدِّينِ ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، يَرِثُهُ .\rرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ .\rوَبِهِ قَالَ أَهْلُ الظَّاهِرِ .\rوَاحْتَجَّ أَحْمَدُ بِقَوْلِ عَلِيٍّ : الْوَلَاءُ شُعْبَةٌ مِنْ الرِّقِّ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : يَرِثُ الْمُسْلِمُ مَوْلَاهُ النَّصْرَانِيَّ ؛ لِأَنَّهُ يَصْلُحُ لَهُ تَمَلُّكُهُ ، وَلَا يَرِثُ النَّصْرَانِيُّ مَوْلَاهُ الْمُسْلِمَ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصْلُحُ لَهُ تَمَلُّكُهُ .\rوَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَرِثُهُ مَعَ اخْتِلَافِ دِينِهِمَا ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ وَلَا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ } .\rوَلِأَنَّهُ مِيرَاثٌ ، فَيَمْنَعُهُ اخْتِلَافُ الدِّينِ ، كَمِيرَاثِ النَّسَبِ وَلِأَنَّ اخْتِلَافَ الدِّينِ مَانِعٌ مِنْ الْمِيرَاثِ ، فَمَنَعَ الْمِيرَاثَ بِالْوَلَاءِ ، كَالْقَتْلِ وَالرِّقِّ ، يُحَقِّقُهُ أَنَّ الْمِيرَاثَ بِالنَّسَبِ أَقْوَى ، فَإِذَا مَنَعَ الْأَقْوَى فَالْأَضْعَفُ أَوْلَى ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَلْحَقَ الْوَلَاءَ بِالنَّسَبِ ، بِقَوْلِهِ : { الْوَلَاءُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ } .\rوَكَمَا يَمْنَعُ اخْتِلَافُ الدِّينِ التَّوَارُثَ مَعَ صِحَّةِ النَّسَبِ وَثُبُوتِهِ ، كَذَلِكَ يَمْنَعُهُ مَعَ صِحَّةِ الْوَلَاءِ ، وَثُبُوتِهِ ، فَإِذَا اجْتَمَعَا عَلَى الْإِسْلَامِ ،","part":14,"page":158},{"id":6658,"text":"تَوَارَثَا كَالْمُتَنَاسِبِينَ ، وَهَذَا أَصَحُّ فِي الْأَثَرِ وَالنَّظَرِ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ، فَإِنْ كَانَ لِلسَّيِّدِ عَصَبَةٌ عَلَى دِينِ الْعَبْدِ ، وَرِثَهُ دُونَ سَيِّدِهِ .\rوَقَالَ دَاوُد : لَا يَرِثُ عَصَبَتُهُ مَعَ حَيَاتِهِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ كَانَ الْأَقْرَبُ مِنْ الْعَصَبَةِ مُخَالِفًا لِدِينِ الْمَيِّتِ وَالْأَبْعَدُ عَلَى ، دِينِهِ وَرِثَ دُونَ الْقَرِيبِ .","part":14,"page":159},{"id":6659,"text":"( 4997 ) فَصْلٌ : وَإِنْ أَعْتَقَ حَرْبِيٌّ حَرْبِيًّا ، فَلَهُ عَلَيْهِ الْوَلَاءُ ؛ لِأَنَّ الْوَلَاءَ مُشَبَّهٌ بِالنَّسَبِ ، وَالنَّسَبُ ثَابِتٌ بَيْنَ أَهْلِ الْحَرْبِ ، فَكَذَلِكَ الْوَلَاءُ .\rوَهَذَا قَوْلُ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، إلَّا أَهْلَ الْعِرَاقِ ، فَإِنَّهُمْ قَالُوا : الْعِتْقُ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَالْكِتَابَةُ وَالتَّدْبِيرُ لَا يَصِحُّ ، وَلَوْ اسْتَوْلَدَ أَمَتَهُ ، لَمْ تَصِرْ أُمَّ وَلَدٍ ، مُسْلِمًا كَانَ السَّيِّدُ أَوْ ذِمِّيًّا أَوْ حَرْبِيًّا .\rوَلَنَا ، أَنَّ مِلْكَهُمْ ثَابِتٌ ، بِدَلِيلِ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ } فَنَسَبَهَا إلَيْهِمْ ، فَصَحَّ عِتْقُهُمْ كَأَهْلِ الْإِسْلَامِ ، وَإِذَا صَحَّ عِتْقُهُمْ ثَبَتَ الْوَلَاءُ لَهُمْ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ } فَإِنْ جَاءَنَا الْمُعْتَقُ مُسْلِمًا ، فَالْوَلَاءُ بِحَالِهِ فَإِنْ سُبِيَ مَوْلَى النِّعْمَةِ ، لَمْ يَرِثْ مَادَامَ عَبْدًا ، فَإِنْ أُعْتِقَ ، فَعَلَيْهِ الْوَلَاءُ لِمُعْتِقِهِ ، وَلَهُ الْوَلَاءُ عَلَى مُعْتِقِهِ ، وَهَلْ يَثْبُتُ لِمُعْتِقِ السَّيِّدِ وَلَاءٌ عَلَى مُعْتَقِهِ ؟ يُحْتَمَلُ أَنْ يَثْبُتَ ؛ لِأَنَّهُ مَوْلَى مَوْلَاهُ .\rوَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَثْبُتَ ؛ لِأَنَّهُ مَا حَصَلَ مِنْهُ إنْعَامٌ عَلَيْهِ وَلَا سَبَبٌ لِذَلِكَ .\rفَإِنْ كَانَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مَوْلَاهُ فَأَعْتَقَهُ ، فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَوْلَى صَاحِبِهِ يَرِثُهُ بِالْوَلَاءِ .\rوَإِنْ أَسَرَهُ مَوْلَاهُ فَأَعْتَقَهُ ، فَكَذَلِكَ .\rوَإِنْ أَسَرَهُ مَوْلَاهُ وَأَجْنَبِيٌّ فَأَعْتَقَاهُ ، فَوَلَاؤُهُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ .\rفَإِنْ مَاتَ بَعْدَهُ الْمُعْتَقُ الْأَوَّلُ فَلِشَرِيكِهِ نِصْفُ مَالِهِ ؛ لِأَنَّهُ مَوْلَى نِصْفِ مَوْلَاهُ عَلَى أَحَدِ الِاحْتِمَالَيْنِ وَالْآخَرُ لَا شَيْءَ لَهُ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُنْعِمْ عَلَيْهِ وَإِنْ سُبِيَ الْمُعْتَقُ فَاشْتَرَاهُ رَجُلٌ ، فَأَعْتَقَهُ ، بَطَلَ وَلَاءُ الْأَوَّلِ وَصَارَ الْوَلَاءُ لِلثَّانِي .\rوَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ .\rوَقِيلَ : الْوَلَاءُ بَيْنَهُمَا .\rوَاخْتَارَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ","part":14,"page":160},{"id":6660,"text":"أَحَدُهُمَا أَوْلَى مِنْ الْآخَرِ .\rوَقِيلَ : الْوَلَاءُ لِلْأَوَّلِ ؛ لِأَنَّهُ أَسْبَقُ .\rوَلَنَا ، أَنَّ السَّبْيَ يُبْطِلُ مِلْكَ الْأَوَّلِ الْحَرْبِيِّ ، فَالْوَلَاءُ التَّابِعُ لَهُ أَوْلَى ، وَلِأَنَّ الْوَلَاءَ بَطَلَ بِاسْتِرْقَاقِهِ ، فَلَمْ يَعُدْ بِإِعْتَاقِهِ وَإِنْ أَعْتَقَ ذِمِّيٌّ عَبْدًا كَافِرًا ، فَهَرَبَ إلَى دَارِ الْحَرْبِ فَاسْتَرَقَّ ، فَالْحُكْمُ فِيهِ كَالْحُكْمِ فِيمَا إذَا أَعْتَقَهُ الْحَرْبِيُّ سَوَاءٌ .\rوَإِنْ أَعْتَقَ مُسْلِمٌ كَافِرًا ، فَهَرَبَ إلَى دَارِ الْحَرْبِ ، ثُمَّ سَبَاهُ الْمُسْلِمُونَ ، فَذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ وَالْقَاضِي ، أَنَّهُ لَا يَجُوزُ اسْتِرْقَاقُهُ .\rوَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ فِي اسْتِرْقَاقِهِ إبْطَالَ وَلَاءِ الْمُسْلِمِ الْمَعْصُومِ .\rقَالَ ابْنُ اللَّبَّانِ : وَلِأَنَّ لَهُ أَمَانًا بِعِتْقِ الْمُسْلِمِ إيَّاهُ .\rوَالصَّحِيحُ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ ، جَوَازُ اسْتِرْقَاقِهِ ؛ لِأَنَّهُ كَافِرٌ أَصْلِيٌّ كِتَابِيٌّ ، فَجَازَ اسْتِرْقَاقُهُ كَمُعْتَقِ الْحَرْبِيِّ ، وَكَغَيْرِ الْمُعْتَقِ وَقَوْلُهُمْ : فِي اسْتِرْقَاقِهِ إبْطَالُ وَلَاءِ الْمُسْلِمِ .\rقُلْنَا : لَا نُسَلِّمُ ، بَلْ مَتَى أُعْتِقَ عَادَ الْوَلَاءُ لِلْأَوَّلِ ، وَإِنَّمَا امْتَنَعَ عَمَلُهُ فِي حَالِ رِقِّهِ لِمَانِعٍ ، وَإِنْ سَلَّمْنَا أَنَّ فِيهِ إبْطَالَ وَلَائِهِ ، فَكَذَلِكَ فِي قَتْلِهِ ، وَقَدْ جَازَ إبْطَالُ وَلَائِهِ بِالْقَتْلِ ، فَكَذَلِكَ بِالِاسْتِرْقَاقِ ، وَلِأَنَّ الْقَرَابَةَ يَبْطُلُ عَمَلُهَا بِالِاسْتِرْقَاقِ ، فَكَذَلِكَ الْوَلَاءُ .\rوَقَوْلُ ابْنِ اللَّبَّانِ : لَهُ أَمَانٌ .\rلَا يَصِحُّ ؛ فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ لَهُ أَمَانٌ ، لَمْ يَجُزْ قَتْلُهُ وَلَا سَبْيُهُ .\rفَعَلَى هَذَا .\rإنْ اُسْتُرِقَّ ثُمَّ أُعْتِقَ ، احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ الْوَلَاءُ لِلثَّانِي ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَيْنِ إذَا تَنَافَيَا كَانَ الثَّابِتُ هُوَ الْآخَرُ مِنْهُمَا ، كَالنَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ .\rوَاحْتُمِلَ أَنَّهُ لِلْأَوَّلِ ؛ لِأَنَّ وَلَاءَهُ ثَبَتَ وَهُوَ مَعْصُومٌ ، فَلَا يَزُولُ بِالِاسْتِيلَاءِ ، كَحَقِيقَةِ الْمِلْكِ .\rوَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ بَيْنَهُمَا ، وَأَيُّهُمَا مَاتَ كَانَ لِلثَّانِي .\rوَإِنْ أَعْتَقَ مُسْلِمٌ مُسْلِمًا ، أَوْ","part":14,"page":161},{"id":6661,"text":"أَعْتَقَهُ ذِمِّيٌّ ، فَارْتَدَّ وَلَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ ، فَسُبِيَ ، لَمْ يَجُزْ اسْتِرْقَاقُهُ .\rوَإِنْ اُشْتُرِيَ فَالشِّرَاءُ بَاطِلٌ ، وَلَا يُقْبَلُ مِنْهُ إلَّا التَّوْبَةُ أَوْ الْقَتْلُ .","part":14,"page":162},{"id":6662,"text":"( 4998 ) فَصْلٌ : وَلَا يَصِحُّ بَيْعُ الْوَلَاءِ وَلَا هِبَتُهُ ، وَلَا أَنْ يَأْذَنَ لِمَوْلَاهُ فَيُوَالِي مَنْ شَاءَ .\rرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ ، وَعَلِيٍّ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ .\rوَبِهِ قَالَ سَعِيدُ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، وَطَاوُسٌ ، وَإِيَاسُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ .\rوَكَرِهَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بَيْعَ الْوَلَاءِ .\rقَالَ سَعِيدٌ : حَدَّثَنَا جَرِيرٌ ، عَنْ مُغِيرَةَ ، عَنْ إبْرَاهِيمَ قَالَ : قَالَ عَبْدُ اللَّهِ : إنَّمَا الْوَلَاءُ كَالنَّسَبِ فَيَبِيعُ الرَّجُلُ نَسَبَهُ ، .\rوَقَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، أَنَّ مَيْمُونَةَ وَهَبَتْ وَلَاءَ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ لِابْنِ عَبَّاسٍ وَكَانَ مُكَاتَبًا .\rوَرُوِيَ أَنَّ مَيْمُونَةَ وَهَبَتْ وَلَاءَ مَوَالِيهَا لِلْعَبَّاسِ .\rوَوَلَاؤُهُمْ الْيَوْمَ لَهُمْ .\rوَأَنَّ عُرْوَةَ ابْتَاعَ وَلَاءَ طَهْمَانَ لِوَرَثَةِ مُصْعَبِ بْنِ الزُّبَيْرِ .\rوَقَالَ ابْنُ جُرَيْجِ : قُلْت لِعَطَاءٍ أَذِنْت لِمَوْلَايَ أَنْ يُوَالِيَ مَنْ شَاءَ فَيَجُوزُ ؟ قَالَ : نَعَمْ .\rوَلَنَا ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ بَيْعِ الْوَلَاءِ وَعَنْ هِبَتِهِ .\rوَقَالَ : { الْوَلَاءُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ } .\rوَقَالَ { : لَعَنَ اللَّهُ مَنْ تَوَلَّى غَيْرَ مَوَالِيهِ } .\rوَلِأَنَّهُ مَعْنًى يُورَثُ بِهِ فَلَا يَنْتَقِلُ كَالْقَرَابَةِ .\rوَفِعْلُ هَؤُلَاءِ شَاذٌّ يُخَالِفُ قَوْلَ الْجُمْهُورِ ، وَتَرُدُّهُ السُّنَّةُ ، فَلَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ .","part":14,"page":163},{"id":6663,"text":"( 4999 ) فَصْلٌ : وَلَا يَنْتَقِلُ الْوَلَاءُ عَنْ الْمُعْتَقِ بِمَوْتِهِ ، وَلَا يَرِثُهُ وَرَثَتُهُ ، وَإِنَّمَا يَرِثُونَ الْمَالَ بِهِ مَعَ بَقَائِهِ لِلْمُعْتَقِ .\rهَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ .\rوَرُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ ، وَعَلِيٍّ ، وَزَيْدٍ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ ، وَأُبَيُّ بْنِ كَعْبٍ ، وَابْنِ عُمَرَ ، وَأَبِي مَسْعُودٍ الْبَدْرِيِّ ، وَأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ .\rوَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ ، وَطَاوُسٌ ، وَسَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، وَالْحَسَنُ ، وَابْنُ سِيرِينَ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَقَتَادَةُ ، وَأَبُو الزِّنَادِ ، وَابْن قُسَيْطٍ وَمَالِكٌ وَالثَّوْرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ، وَدَاوُد وَشَذَّ شُرَيْحٌ ، وَقَالَ : الْوَلَاءُ كَالْمَالِ ، يُورَثُ عَنْ الْمُعْتِقِ ، فَمَنْ مَلَكَ شَيْئًا حَيَاتَهُ فَهُوَ لِوَرَثَتِهِ .\rوَرَوَاهُ حَنْبَلٌ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَكَمِ ، عَنْ أَحْمَدَ .\rوَغَلَّطَهُمَا أَبُو بَكْرٍ ، وَهُوَ كَمَا قَالَ ؛ فَإِنَّ رِوَايَةَ الْجَمَاعَةِ عَنْ أَحْمَدَ مِثْلُ قَوْلِ الْجَمَاعَةِ ، وَذَلِكَ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { الْوَلَاءُ لِلْمُعْتِقِ } .\rوَقَوْلِهِ : { الْوَلَاءُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ } .\rوَالنَّسَبُ لَا يُورَثُ وَإِنَّمَا يُورَثُ بِهِ ، وَلِأَنَّهُ مَعْنًى يُورَثُ بِهِ ، فَلَا يَنْتَقِلُ كَسَائِرِ الْأَسْبَابِ ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .","part":14,"page":164},{"id":6664,"text":"( 5000 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَمَنْ أَعْتَقَ سَائِبَةً ، لَمْ يَكُنْ لَهُ الْوَلَاءُ ، فَإِنْ أَخَذَ مِنْ مِيرَاثِهِ شَيْئًا ، رَدَّهُ فِي مِثْلِهِ ) قَالَ أَحْمَدُ ، فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ : الرَّجُلُ يُعْتِقُ عَبْدَهُ سَائِبَةً ، هُوَ الرَّجُلُ يَقُولُ لِعَبْدِهِ : قَدْ أَعْتَقْتُك سَائِبَةً .\rكَأَنَّهُ يَجْعَلُهُ لِلَّهِ ، لَا يَكُونُ وَلَاؤُهُ لِمَوْلَاهُ ، قَدْ جَعَلَهُ لِلَّهِ وَسَلَّمَهُ .\rعَنْ أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ : السَّائِبَةُ يَضَعُ مَالَهُ حَيْثُ شَاءَ .\rوَقَالَ أَحْمَدُ ، قَالَ عُمَرُ : السَّائِبَةُ وَالصَّدَقَةُ لِيَوْمِهَا .\rوَمَتَى قَالَ الرَّجُلُ لِعَبْدِهِ : أَعْتَقْتُك سَائِبَةً ، أَوْ أَعْتَقْتُك وَلَا وَلَاءَ لِي عَلَيْك .\rلَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَيْهِ وَلَاءٌ .\rفَإِنْ مَاتَ ، وَخَلَّفَ مَالًا ، وَلَمْ يَدَعْ وَارِثًا ، اُشْتُرِيَ بِمَالِهِ رِقَابٌ ، فَأُعْتِقُوا .\rفِي الْمَنْصُوصِ عَنْ أَحْمَدَ .\rوَأَعْتَقَ ابْنُ عُمَرَ عَبْدًا سَائِبَةً ، فَمَاتَ ، فَاشْتَرَى ابْنُ عُمَرَ بِمَالِهِ رِقَابًا فَأَعْتَقَهُمْ .\rوَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَمَكْحُولٌ ، وَأَبُو الْعَالِيَةِ ، وَمَالِكٌ : يُجْعَلُ وَلَاؤُهُ لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَنْ عَطَاءٍ أَنَّهُ قَالَ : كُنَّا نَعْلَمُ أَنَّهُ إذَا قَالَ : أَنْتَ حُرٌّ سَائِبَةً .\rفَهُوَ يُوَالِي مَنْ شَاءَ .\rوَلَعَلَّ أَحْمَدَ ، رَحِمَهُ اللَّهُ ذَهَبَ إلَى شِرَاءِ الرِّقَابِ اسْتِحْبَابًا لِفِعْلِ ابْنِ عُمَرَ .\rوَالْوَلَاءُ لِلْمُعْتِقِ .\rوَهَذَا قَوْلُ النَّخَعِيِّ ، وَالشَّعْبِيِّ ، وَابْنِ سِيرِينَ ، وَرَاشِدِ بْنِ سَعْدٍ ، وَضَمْرَةَ بْنِ حَبِيبٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَهْلِ الْعِرَاقِ ؛ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ .\rوَجَعَلَهُ لُحْمَةً كَلُحْمَةِ النَّسَبِ } فَكَمَا لَا يَزُولُ نَسَبُ إنْسَانٍ وَلَا وَلَدٍ عَنْ فِرَاشٍ بِشَرْطٍ ، لَا يَزُولُ وَلَاءٌ عَنْ مُعْتَقٍ وَلِذَلِكَ لَمَّا أَرَادَ أَهْلُ بَرِيرَةَ اشْتِرَاطَ وَلَائِهَا عَلَى عَائِشَةَ ، قَالَ لَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : اشْتَرِيهَا ، وَاشْتَرِطِي لَهُمْ الْوَلَاءَ ، فَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ","part":14,"page":165},{"id":6665,"text":"أَعْتَقَ } .\rيَعْنِي أَنَّ اشْتِرَاطَهُمْ تَحْوِيلَ الْوَلَاءِ عَنْ الْمُعْتِقِ لَا يُفِيدُ شَيْئًا ، وَلَا يُزِيلُ الْوَلَاءَ عَنْ الْمُعْتَقِ ، وَرَوَى مُسْلِمٌ بِإِسْنَادِهِ عَنْ هُزَيْلِ بْنِ شُرَحْبِيلَ ، قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ إلَى عَبْدِ اللَّهِ ، فَقَالَ : إنِّي أَعْتَقْت عَبْدًا لِي ، وَجَعَلْته سَائِبَةً ، فَمَاتَ ، وَتَرَكَ مَالًا ، وَلَمْ يَدَعْ وَارِثًا ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ : إنَّ أَهْلَ الْإِسْلَامِ لَا يُسَيِّبُونَ ، وَإِنَّ أَهْلَ الْجَاهِلِيَّةِ كَانُوا يُسَيِّبُونَ ، وَأَنْتَ وَلِيُّ نِعْمَتِهِ ، فَإِنْ تَأَثَّمْت وَتَحَرَّجْت مِنْ شَيْءٍ فَنَحْنُ نَقْبَلُهُ ، وَنَجْعَلُهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ وَقَالَ سَعِيدٌ : ثنا هُشَيْمٌ ، ثنا بِشْرٌ ، عَنْ عَطَاءٍ ، أَنَّ طَارِقَ بْنَ الْمُرَقِّعِ أَعْتَقَ سَوَائِبَ ، فَمَاتُوا ، فَكَتَبَ إلَى عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَكَتَبَ عُمَرُ ، أَنْ ادْفَعْ مَالَ الرَّجُلِ إلَى مَوْلَاهُ ، فَإِنْ قَبِلَهُ وَإِلَّا فَاشْتَرِ بِهِ رِقَابًا فَأَعْتِقْهُمْ عَنْهُ .\rوَقَالَ : حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ عَنْ مَنْصُورٍ ، أَنَّ عُمَرَ وَابْنَ مَسْعُودٍ قَالَا فِي مِيرَاثِ السَّائِبَةِ : هُوَ لِلَّذِي أَعْتَقَهُ .\rوَهَذَا الْقَوْلُ أَصَحُّ فِي الْأَثَرِ وَالنَّظَرِ ، وَفِي الْمَوَاضِعِ الَّتِي جَعَلَ الصَّحَابَةُ مِيرَاثَهُ لِبَيْتِ الْمَالِ أَوْ فِي مِثْلِهِ ، كَانَ لِتَبَرُّعِ الْمُعْتِقِ وَتَوَرُّعِهِ عَنْ مِيرَاثِهِ ، كَفِعْلِ ابْنِ عُمَرَ فِي مِيرَاثِ مُعْتَقِهِ ، وَفِعْلِ عُمَرَ وَابْنِ مَسْعُودٍ فِي مِيرَاثِ الَّذِي تَوَرَّعَ سَيِّدُهُ عَنْ أَخَذِ مَالِهِ ، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ سَالِمًا مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ أَعْتَقَتْهُ لُبْنَى بِنْتُ يُعَارَ سَائِبَةً فَقُتِلَ وَتَرَكَ ابْنَةً ، فَأَعْطَاهَا عُمَرُ نِصْفَ مَالِهِ ، وَجَعَلَ النِّصْفَ فِي بَيْتِ الْمَالِ .\rوَعَلَى الْقَوْلِ الْمَنْصُوصِ عَنْ أَحْمَدَ ، إنْ خَلَّفَ السَّائِبَةُ مَالًا ، اُشْتُرِيَ بِهِ رِقَابٌ فَأُعْتِقُوا ، فَإِنْ رَجَعَ مِنْ مِيرَاثِهِمْ شَيْءٌ ، اُشْتُرِيَ بِهِ أَيْضًا رِقَابٌ فَأُعْتِقُوا .\rوَإِنْ خَلَّفَ السَّائِبَةُ ذَا فَرْضٍ لَا يَسْتَغْرِقُ مَالَهُ ، أَخَذَ فَرْضَهُ ، وَاشْتُرِيَ بِبَاقِيهِ رِقَابٌ فَأُعْتِقُوا ، وَلَا يُرَدُّ عَلَى ذِي","part":14,"page":166},{"id":6666,"text":"الْفَرْضِ .","part":14,"page":167},{"id":6667,"text":"( 5001 ) فَصْلٌ : وَإِنْ أُعْتَقَ عَبْدًا عَنْ كَفَّارَتِهِ أَوْ نَذْرِهِ أَوْ مِنْ زَكَاتِهِ ، فَقَالَ أَحْمَدُ فِي الَّذِي يَعْتِقُ مِنْ زَكَاتِهِ : إنْ وَرِثَ مِنْهُ شَيْئًا جَعَلَهُ فِي مِثْلِهِ .\rقَالَ : وَهَذَا قَوْلُ الْحَسَنِ .\rوَبِهِ قَالَ إِسْحَاقُ وَعَلَى قِيَاسِ ذَلِكَ الْعِتْقُ مِنْ الْكَفَّارَةِ وَالنَّذْرِ ؛ لِأَنَّهُ وَاجِبٌ عَلَيْهِ .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّهُ قَالَ فِي الَّذِي يَعْتِقُ فِي الزَّكَاةِ : وَلَاؤُهُ لِلَّذِي جَرَى عِتْقُهُ عَلَى يَدَيْهِ وَقَالَ مَالِكٌ ، وَالْعَنْبَرِيُّ : وَلَاؤُهُ لِسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ ، وَيُجْعَلُ فِي بَيْتِ الْمَالِ .\rوَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : وَلَاؤُهُ لِصَاحِبِ الصَّدَقَةِ .\rوَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ فِي الْعِتْقِ فِي النَّذْرِ وَالْكَفَّارَةِ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ .\r} وَلِأَنَّ عَائِشَةَ ، اشْتَرَتْ بَرِيرَةَ بِشَرْطِ الْعِتْقِ ، فَأَعْتَقَتْهَا ، فَكَانَ وَلَاؤُهَا لَهَا .\rوَشَرْطُ الْعِتْقِ يُوجِبُهُ ، وَلِأَنَّهُ مُعْتَقٌ عَنْ نَفْسِهِ فَكَانَ الْوَلَاءُ لَهُ كَمَا اشْتَرَطَ عَلَيْهِ الْعِتْقَ فَأَعْتَقَ وَلَنَا ، أَنَّ الَّذِي أَعْتَقَ مِنْ الزَّكَاةِ مُعْتِقٌ مِنْ غَيْرِ مَالِهِ ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ الْوَلَاءُ ، كَمَا لَوْ دَفَعَهَا إلَى السَّاعِي فَاشْتَرَى بِهَا وَأَعْتَقَ ، وَكَمَا لَوْ دَفَعَ إلَى الْمُكَاتَبِ مَالًا ، فَأَدَّاهُ فِي كِتَابَتِهِ ، وَفَارَقَ مَنْ اُشْتُرِطَ عَلَيْهِ الْعِتْقُ فَإِنَّهُ إنَّمَا أَعْتَقَ مَالَهُ ، وَالْعِتْقُ فِي الْكَفَّارَةِ وَالنَّذْرِ وَاجِبٌ عَلَيْهِ ، فَأَشْبَهَ الْعِتْقَ مِنْ الزَّكَاةِ .\rوَذَهَبَ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ إلَى أَنَّهُ لَا يُعْتَقُ مِنْ الزَّكَاةِ وَعَلَّلَ بَعْضُهُمْ الْمَنْعَ مِنْ ذَلِكَ ، بِأَنَّهُ يَجُرُّ الْوَلَاءَ إلَى نَفْسِهِ فَيَنْتَفِعُ بِزَكَاتِهِ .\rوَهَذَا قَوْلٌ لِأَحْمَدَ ، رَوَاهُ عَنْهُ جَمَاعَةٌ .\rوَهُوَ قَوْلُ النَّخَعِيِّ ، وَالشَّافِعِيِّ .","part":14,"page":168},{"id":6668,"text":"( 5002 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَمَنْ مَلَكَ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ عَتَقَ عَلَيْهِ ، وَكَانَ وَلَاؤُهُ لَهُ ) ذُو الرَّحِمِ الْمَحْرَمِ : الْقَرِيبُ الَّذِي يَحْرُمُ نِكَاحُهُ عَلَيْهِ لَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا رَجُلًا وَالْآخَرُ امْرَأَةً .\rوَهُمْ الْوَالِدَانِ وَإِنْ عَلَوْا مِنْ قِبَلِ الْأَبِ وَالْأُمِّ جَمِيعًا ، وَالْوَلَدُ وَإِنْ سَفَلَ مِنْ وَلَدِ الْبَنِينَ وَالْبَنَاتِ ، وَالْإِخْوَةُ وَالْأَخَوَاتُ وَأَوْلَادُهُمْ وَإِنْ سَفَلُوا ، وَالْأَعْمَامُ وَالْعَمَّاتُ وَالْأَخْوَالُ وَالْخَالَاتُ دُونَ أَوْلَادِهِمْ ، فَمَتَى مَلَكَ أَحَدًا مِنْهُمْ عَتَقَ عَلَيْهِ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ ، وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ ، وَعَطَاءٌ ، وَالْحَكَمُ ، وَحَمَّادٌ ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَاللَّيْثُ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ ، وَشَرِيكٌ ، وَيَحْيَى بْنُ آدَمَ .\rوَأَعْتَقَ مَالِكٌ الْوَالِدَيْنِ وَالْمَوْلُودِينَ وَإِنْ بَعُدُوا ، وَالْإِخْوَةَ وَالْأَخَوَاتِ دُونَ أَوْلَادِهِمْ .\rوَلَمْ يُعْتِقْ الشَّافِعِيُّ إلَّا عَمُودَيْ النَّسَبِ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ ، رِوَايَةٌ كَذَلِكَ ذَكَرَهَا أَبُو الْخَطَّابِ ، وَلَمْ يُعْتِقْ دَاوُد وَأَهْلُ الظَّاهِرِ أَحَدًا حَتَّى يُعْتِقَهُ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا يَجْزِي وَلَدٌ وَالِدَهُ إلَّا أَنْ يَجِدَهُ مَمْلُوكًا فَيَشْتَرِيَهُ ، فَيُعْتِقَهُ .\r} رَوَاهُ مُسْلِمٌ .\rوَلَنَا : مَا رَوَى الْحَسَنُ ، عَنْ سَمُرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ مَلَكَ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ ، فَهُوَ حُرٌّ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ .\rوَلِأَنَّهُ ذُو رَحِمٍ مَحْرَمٍ ، فَيُعْتَقُ عَلَيْهِ بِالْمِلْكِ ، كَعَمُودَيْ النَّسَبِ ، وَكَالْإِخْوَةِ وَالْأَخَوَاتِ عِنْدَ مَالِكٍ .\rفَأَمَّا قَوْلُهُ : \" حَتَّى يَشْتَرِيَهُ فَيُعْتِقَهُ \" فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ يَشْتَرِيَهُ فَيُعْتِقَهُ بِشِرَائِهِ لَهُ ، كَمَا يُقَالُ : ضَرَبَهُ فَقَتَلَهُ ، وَالضَّرْبُ هُوَ الْقَتْلُ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الشِّرَاءَ لَمَّا كَانَ يَحْصُلُ بِهِ الْعِتْقُ تَارَةً","part":14,"page":169},{"id":6669,"text":"دُونَ أُخْرَى ، جَازَ عَطْفُ صِفَتِهِ عَلَيْهِ ، كَمَا يُقَالُ : ضَرَبَهُ فَأَطَارَ رَأْسَهُ وَمَتَى عَتَقَ عَلَيْهِ ، فَوَلَاؤُهُ لَهُ ، لِأَنَّهُ يَعْتِقُ مِنْ مَالِهِ بِسَبَبِ فِعْلِهِ ، فَكَانَ وَلَاؤُهُ لَهُ ، كَمَا لَوْ بَاشَرَ عِتْقَهُ ، وَسَوَاءٌ مَلَكَهُ بِشِرَاءٍ ، أَوْ هِبَةٍ ، أَوْ غَنِيمَةٍ ، أَوْ إرْثٍ ، أَوْ غَيْرِهِ .\rلَا نَعْلَمُ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِيهِ خِلَافًا .","part":14,"page":170},{"id":6670,"text":"( 5003 ) فَصْلٌ : وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ الْمَحَارِمَ مِنْ غَيْرِ ذَوِي الْأَرْحَامِ لَا يُعْتِقُونَ عَلَى سَيِّدِهِمْ ، كَالْأُمِّ وَالْأَخِ مِنْ الرَّضَاعَةِ ، وَالرَّبِيبَةِ ، وَأُمِّ الزَّوْجَةِ ، وَابْنَتِهَا إلَّا أَنَّهُ حُكِيَ عَنْ الْحَسَنِ ، وَابْنِ سِيرِينَ ، وَشَرِيكٍ ، أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ الْأَخِ مِنْ الرَّضَاعَةِ وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ كَرِهَهُ .\rوَالْأُوَلُ أَصَحُّ .\rقَالَ الزُّهْرِيُّ : جَرَتْ السُّنَّةُ بِأَنْ يُبَاعَ الْأَخُ وَالْأُخْتُ مِنْ الرَّضَاعِ .\rوَلِأَنَّهُ لَا نَصَّ فِي عِتْقِهِمْ ، وَلَا هُمْ فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ ، فَيَبْقَوْنَ عَلَى الْأَصْلِ ، وَلِأَنَّهُمَا لَا رَحِمَ بَيْنَهُمَا ، وَلَا تَوَارُثَ وَلَا تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ ، فَأَشْبَهَ الرَّبِيبَةَ وَأُمَّ الزَّوْجَةِ .","part":14,"page":171},{"id":6671,"text":"( 5004 ) فَصْلٌ : وَإِنْ مَلَكَ وَلَدَهُ مِنْ الزِّنَى ، لَمْ يُعْتَقْ عَلَيْهِ .\rعَلَى ظَاهِرِ كَلَامِ أَحْمَدَ ؛ لِأَنَّ أَحْكَامَ الْوَلَدِ غَيْرُ ثَابِتَةٍ فِيهِ ، وَهِيَ الْمِيرَاثُ وَالْحَجْبُ ، وَالْمَحْرَمِيَّةُ ، وَوُجُوبُ الْإِنْفَاقِ ، وَثُبُوتُ الْوِلَايَةِ لَهُ عَلَيْهِ .\rوَيُحْتَمَلُ أَنْ يُعْتَقَ ؛ لِأَنَّهُ جُزْؤُهُ حَقِيقَةً وَقَدْ ثَبَتَ فِيهِ حُكْمُ تَحْرِيمِ التَّزْوِيجِ ، وَلِهَذَا لَوْ مَلَكَ وَلَدَهُ الْمُخَالِفَ لَهُ فِي الدِّينِ ، عَتَقَ عَلَيْهِ ، مَعَ انْتِفَاءِ هَذِهِ الْأَحْكَامِ .","part":14,"page":172},{"id":6672,"text":"( 5005 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَوَلَاءُ الْمُكَاتَبِ وَالْمُدَبَّرِ لِسَيِّدِهِمَا إذَا أُعْتِقَا ) هَذَا قَوْلُ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ .\rوَبِهِ يَقُولُ الشَّافِعِيُّ وَأَهْلُ الْعِرَاقِ وَحَكَى ابْنُ سُرَاقَةَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ، أَنَّهُ لَا وَلَاءَ عَلَى الْمُكَاتَبِ ؛ لِأَنَّهُ اشْتَرَى نَفْسَهُ مِنْ سَيِّدِهِ ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَيْهِ وَلَاءٌ ، كَمَا لَوْ اشْتَرَاهُ أَجْنَبِيٌّ فَأَعْتَقَهُ .\rوَكَانَ قَتَادَةُ يَقُولُ مَنْ لَمْ يَشْتَرِطْ وَلَاءَ الْمُكَاتِب ، فَلِمَكَاتِبِهِ أَنْ يُوَالِيَ مَنْ شَاءَ وَقَالَ مَكْحُولٌ : أَمَّا الْمُكَاتَبُ إذَا اشْتَرَطَ وَلَاءَهُ مَعَ رَقَبَتِهِ ، فَجَائِزٌ .\rوَلَنَا ، أَنَّ السَّيِّدَ هُوَ الْمُعْتِقُ لِلْمُكَاتَبِ ؛ لِأَنَّهُ يَتْبَعُهُ بِمَالِهِ ، وَمَالُهُ وَكَسْبُهُ لِسَيِّدِهِ ، فَجَعَلَ ذَلِكَ لَهُ ، ثُمَّ بَاعَهُ بِهِ حَتَّى عَتَقَ ، فَكَانَ هُوَ الْمُعْتِقُ ، وَهُوَ الْمُعْتِقُ لِلْمُدَبَّرِ بِلَا إشْكَالٍ ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ } .\rوَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ الْمُكَاتَبَيْنِ يُدْعَوْنَ مَوَالِيَ مُكَاتَبِيهِمْ ، فَيُقَالُ : أَبُو سَعِيدٍ مَوْلَى أَبِي أُسَيْدَ ، وَسِيرِينُ مَوْلَى أَنَسٍ ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ مَوْلَى مَيْمُونَةَ ، وَقَدْ وَهَبَتْ وَلَاءَهُ لِابْنِ عَبَّاسٍ ، وَكَانُوا مُكَاتَبِينَ ، وَكَذَلِكَ أَشْبَاهُهُمْ وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ فِي حَدِيثِ بَرِيرَةَ ، { أَنَّهَا جَاءَتْ عَائِشَةَ فَقَالَتْ : يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ إنِّي كَاتَبْت أَهْلِي عَلَى تِسْعِ أَوَاقٍ فَأَعِينِينِي فَقَالَتْ عَائِشَةُ : إنْ شَاءُوا عَدَدْت لَهُمْ عِدَّةً وَاحِدَةً وَيَكُونُ وَلَاؤُك لِي فَعَلْت .\rفَأَبَوْا أَنْ يَبِيعُوهَا إلَّا أَنْ يَكُونَ الْوَلَاءُ لَهُمْ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اشْتَرِيهَا وَاشْتَرِطِي لَهُمْ الْوَلَاءَ } .\rوَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْوَلَاءَ كَانَ لَهُمْ لَوْ لَمْ تَشْتَرِهَا مِنْهُمْ عَائِشَةُ .","part":14,"page":173},{"id":6673,"text":"( 5006 ) فَصْلٌ : وَإِنْ اشْتَرَى الْعَبْدُ نَفْسَهُ مِنْ سَيِّدِهِ بِعِوَضٍ حَالٍّ ، عَتَقَ وَالْوَلَاءُ لِسَيِّدِهِ ؛ لِأَنَّهُ يَبِيعُ مَالَهُ بِمَالِهِ ، فَهُوَ مِثْلُ الْمُكَاتَبِ سَوَاءٌ ، وَالسَّيِّدُ هُوَ الْمُعْتِقُ لَهُمَا فَالْوَلَاءُ لَهُ عَلَيْهِمَا .","part":14,"page":174},{"id":6674,"text":"( 5007 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَوَلَاءُ أُمِّ الْوَلَدِ لِسَيِّدِهَا إذَا مَاتَتْ ) يَعْنِي إذَا عَتَقَتْ بِمَوْتِ سَيِّدِهَا ، فَوَلَاؤُهَا لَهُ يَرِثُهَا أَقْرَبُ عَصَبَتِهِ .\rوَهَذَا قَوْلُ عُمَرَ ، وَعُثْمَانَ .\rوَبِهِ قَالَ عَامَّةُ الْفُقَهَاءِ .\rوَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ تَعْتِقُ مِنْ نَصِيبِ ابْنِهَا ، فَيَكُونُ وَلَاؤُهَا لَهُ .\rوَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ نَحْوُهُ .\rوَعَنْ عَلِيٍّ لَا تَعْتِقُ مَا لَمْ يَعْتِقْهَا وَلَهُ بَيْعُهَا .\rوَبِهِ قَالَ جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ ، وَأَهْلُ الظَّاهِرِ وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسِ نَحْوُهُ وَلِذِكْرِ الدَّلِيلِ عَلَى عِتْقِهَا مَوْضِعٌ غَيْرُ هَذَا ، وَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْقَائِلِينَ بِعِتْقِهَا أَنَّ وَلَاءَهَا لِمَنْ عَتَقَ عَلَيْهِ .\rوَمَذْهَبُ الْجُمْهُورِ أَنَّهَا تُعْتَقُ بِمَوْتِ سَيِّدِهَا مِنْ رَأْسِ الْمَالِ ، فَيَكُونُ وَلَاؤُهَا لَهُ ؛ لِأَنَّهَا عَتَقَتْ بِفِعْلِهِ مِنْ مَالِهِ ، فَكَانَ وَلَاؤُهَا لَهُ ، كَمَا لَوْ عَتَقَتْ بِقَوْلِهِ .\rوَيَخْتَصُّ مِيرَاثُهَا بِالْوَلَاءِ بِالذُّكُورِ مِنْ عَصَبَةِ السَّيِّدِ ، كَالْمُدَبَّرِ وَالْمُكَاتَبِ .","part":14,"page":175},{"id":6675,"text":"مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَمَنْ أَعْتَقَ عَبْدَهُ عَنْ رَجُلٍ حَيٍّ بِلَا أَمْرِهِ ، أَوْ عَنْ مَيِّتٍ ، فَالْوَلَاءُ لِلْمُعْتِقِ ) هَذَا قَوْلُ الثَّوْرِيِّ وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَأَبِي يُوسُفَ ، وَدَاوُد وَرُوِيَ عَنْ ابْن عَبَّاسٍ أَنَّ وَلَاءَهُ لِلْمُعْتَقِ عَنْهُ .\rوَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ ، وَمَالِكٌ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ ؛ لِأَنَّهُ أَعْتَقَهُ عَنْ غَيْرِهِ ، فَكَانَ الْوَلَاءُ لِلْمُعْتَقِ عَنْهُ ، كَمَا لَوْ أَذِنَ لَهُ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الْوَلَاءُ لِلْمُعْتِقِ } وَلِأَنَّهُ أَعْتَقَ عَبْدَهُ مِنْ غَيْرِ إذْنِ غَيْرِهِ ، فَكَانَ الْوَلَاءُ لَهُ كَمَا لَوْ لَمْ يَقْصِدْ شَيْئًا .","part":14,"page":176},{"id":6676,"text":"( 5009 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِنْ أَعْتَقَهُ عَنْهُ بِأَمْرِهِ ، فَالْوَلَاءُ لِلْمُعْتَقِ عَنْهُ بِأَمْرِهِ ) وَبِهَذَا قَالَ جَمِيعُ مَنْ حَكَيْنَا قَوْلَهُ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى إلَّا أَبَا حَنِيفَةَ ، وَوَافَقَهُ أَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ ، وَدَاوُد ، فَقَالُوا : الْوَلَاءُ لِلْمُعْتِقِ ، إلَّا أَنْ يُعْتِقَهُ عَنْهُ عَلَى عِوَضٍ فَيَكُونُ لَهُ الْوَلَاءُ ، وَيَلْزَمُهُ الْعِوَضُ ، وَيَصِيرُ كَأَنَّهُ اشْتَرَاهُ ثُمَّ وَكَّلَهُ فِي إعْتَاقِهِ ، أَمَّا إذَا كَانَ عَنْ غَيْرِ عِوَضٍ فَلَا يَصِحُّ تَقْدِيرُ الْبَيْعِ ، فَيَكُونُ الْوَلَاءُ لِلْمُعْتِقِ ؛ لِعُمُومِ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ { : الْوَلَاءُ لِلْمُعْتِقِ } .\rوَعَنْ أَحْمَدَ مِثْلُ ذَلِكَ وَلَنَا ، أَنَّهُ وَكِيلٌ فِي الْإِعْتَاقِ ، فَكَانَ الْوَلَاءُ لِلْمُعْتَقِ عَنْهُ ، كَمَا لَوْ أَخَذَ عِوَضًا ، فَإِنَّهُ كَمَا يَجُوزُ تَقْدِيرُ الْبَيْعِ فِيمَا إذَا أَخَذَ عِوَضًا ، يَجُوزُ تَقْدِيرُ الْهِبَةِ إذَا لَمْ يَأْخُذْ عِوَضًا ، فَإِنَّ الْهِبَةَ جَائِزَةٌ فِي الْعَبْدِ ، كَمَا يَجُوزُ الْبَيْعُ ، وَالْخَبَرُ مَخْصُوصٌ بِمَا إذَا أَخَذَ عِوَضًا ، وَكَسَائِرِ الْوُكَلَاءِ ، فَنَقِيسُ عَلَيْهِ مَحَلَّ النِّزَاعِ .","part":14,"page":177},{"id":6677,"text":"( 5010 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَمَنْ قَالَ : أَعْتِقْ عَبْدَكَ عَنِّي ، وَعَلَيَّ .\rثَمَنُهُ .\rفَالثَّمَنُ عَلَيْهِ وَالْوَلَاءُ لِلْمُعْتَقِ عَنْهُ ) لَا نَعْلَمُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ خِلَافًا ، وَأَنَّ الْوَلَاءَ لِلْمُعْتَقِ عَنْهُ ، لِكَوْنِهِ أَعْتَقَهُ عَنْهُ بِعِوَضٍ .\rوَيَلْزَمُهُ الثَّمَنُ ؛ لِأَنَّهُ أَعْتَقَهُ عَنْهُ بِشَرْطِ الْعِوَضِ ، فَيُقَدَّرُ ابْتِيَاعُهُ مِنْهُ ، ثُمَّ تَوْكِيلُهُ فِي عِتْقِهِ ، لِيَصِحَّ عَنْهُ ، فَيَكُونَ الثَّمَنُ عَلَيْهِ وَالْوَلَاءُ لَهُ ، كَمَا لَوْ ابْتَاعَهُ مِنْهُ ثُمَّ وَكَّلَهُ فِي عِتْقِهِ .","part":14,"page":178},{"id":6678,"text":"( 5011 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَلَوْ قَالَ : أَعْتِقْهُ ، وَالثَّمَنُ عَلَيَّ .\rكَانَ الثَّمَنُ عَلَيْهِ ، وَالْوَلَاءُ لِلْمُعْتِقِ ) إنَّمَا كَانَ الثَّمَنُ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ لَهُ جَعْلًا عَلَى إعْتَاقِ عَبْدِهِ ، فَلَزِمَهُ ذَلِكَ بِالْعَمَلِ ، كَمَا لَوْ قَالَ : مَنْ بَنَى لِي هَذَا الْحَائِطَ فَلَهُ دِينَارٌ .\rفَبَنَاهُ إنْسَانٌ ، اسْتَحَقَّ الدِّينَارَ .\rوَالْوَلَاءُ لِلْمُعْتِقِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْمُرْهُ بِإِعْتَاقِهِ عَنْهُ ، وَلَا قَصَدَ بِهِ الْمُعْتِقُ ذَلِكَ ، فَلَمْ يُوجَدْ مَا يَقْتَضِي صَرْفَهُ إلَيْهِ ، فَيَبْقَى لِلْمُعْتِقِ ، عَمَلًا بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { الْوَلَاءُ لِلْمُعْتِقِ .\r}","part":14,"page":179},{"id":6679,"text":"( 5012 ) فَصْلٌ : وَمَنْ أَوْصَى أَنْ يُعْتَقَ عَنْهُ بَعْدَ مَوْتِهِ ، فَأُعْتِقَ ، فَالْوَلَاءُ لَهُ وَكَذَلِكَ لَوْ وَصَّى بِعِتْقِ عَبْدِهِ ، وَلَمْ يَقُلْ : عَنِّي .\rفَأُعْتِقَ ، كَانَ الْوَلَاءُ لَهُ ؛ لِأَنَّ الْإِعْتَاقَ مِنْ مَالِهِ .\rوَإِنْ أُعْتِقَ عَنْهُ مَا يَجِبُ إعْتَاقُهُ ، كَكَفَّارَةٍ وَنَحْوِهَا ، فَقَدْ مَضَى ذِكْرُهَا فِيمَا تَقَدَّمَ .","part":14,"page":180},{"id":6680,"text":"( 5013 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَمَنْ أَعْتَقَ عَبْدًا لَهُ أَوْلَادٌ مِنْ مَوْلَاةٍ لِقَوْمٍ ، جَرَّ مُعْتِقُ الْعَبْدِ وَلَاءَ أَوْلَادِهِ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الرَّجُلَ إذَا أَعْتَقَ أَمَتَهُ ، فَتَزَوَّجَتْ عَبْدًا ، فَأَوْلَدَهَا ، فَوَلَدُهَا مِنْهُ أَحْرَارٌ ، وَعَلَيْهِمْ الْوَلَاءُ لِمَوْلَى أُمِّهِمْ ، يَعْقِلُ عَنْهُمْ وَيَرِثُهُمْ إذَا مَاتُوا ؛ لِكَوْنِهِ سَبَبَ الْإِنْعَامِ عَلَيْهِمْ بِعِتْقِ أُمِّهِمْ ، فَصَارُوا لِذَلِكَ أَحْرَارًا فَإِنْ أَعْتَقَ الْعَبْدَ سَيِّدُهُ ثَبَتَ لَهُ عَلَيْهِ الْوَلَاءُ ، وَجَرَّ إلَيْهِ وَلَاءَ أَوْلَادِهِ عَنْ مَوْلَى أُمِّهِمْ ؛ لِأَنَّ الْأَبَ لَمَّا كَانَ مَمْلُوكًا لَمْ يَكُنْ يَصْلُحُ وَارِثًا ، وَلَا وَلِيَّا فِي نِكَاحٍ .\rفَكَانَ ابْنُهُ كَوَلَدِ الْمُلَاعَنَةِ يَنْقَطِعُ نَسَبُهُ عَنْ ابْنِهِ ، فَثَبَتَ الْوَلَاءُ لِمَوْلَى أُمِّهِ ، وَانْتَسَبَ إلَيْهَا فَإِذَا عَتَقَ الْعَبْدُ صَلَحَ الِانْتِسَابُ إلَيْهِ ، وَعَادَ وَارِثًا عَاقِلًا وَلِيًّا ، فَعَادَتْ النِّسْبَةُ إلَيْهِ وَإِلَى مَوَالِيهِ ، بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ اسْتَلْحَقَ الْمَلَاعِنُ وَلَدَهُ .\rهَذَا قَوْلُ جُمْهُورِ الصَّحَابَةِ وَالْفُقَهَاءِ ، يُرْوَى هَذَا عَنْ عُمَرَ ، وَعُثْمَانَ ، وَعَلِيٍّ ، وَالزُّبَيْرِ ، وَعَبْدِ اللَّهِ ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، وَمَرْوَانَ ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، وَالْحَسَنِ ، وَابْنِ سِيرِينَ ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَالنَّخَعِيِّ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَاللَّيْثُ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ وَيُرْوَى عَنْ رَافِعِ بْن خَدِيجٍ أَنَّ الْوَلَاءَ لَا يَنْجَرُّ عَنْ مَوَالِي الْأُمِّ .\rوَبِهِ قَالَ مَالِكُ بْنُ أَوْسِ بْنِ الْحَدَثَانِ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَمَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ ، وَحُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ؛ وَدَاوُد ؛ لِأَنَّ الْوَلَاءَ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ ، وَالنَّسَبُ لَا يَزُولُ عَمَّنْ ثَبَتَ لَهُ ، فَكَذَلِكَ الْوَلَاءُ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ نَحْوُ هَذَا ، وَعَنْ زَيْدٍ وَأَنْكَرَهُمَا ابْنُ اللَّبَّانِ ، وَقَالَ : مَشْهُورٌ عَنْ عُثْمَانَ أَنَّهُ قَضَى بِجَرِّ الْوَلَاءِ","part":14,"page":181},{"id":6681,"text":"لِلزُّبَيْرِ عَلَى رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الِانْتِسَابَ إلَى الْأَبِ ، فَكَذَلِكَ الْوَلَاءُ ، وَلِذَلِكَ لَوْ كَانَا حُرَّيْنِ ، كَانَ وَلَاءُ وَلَدِهِمَا لِمَوْلَى أَبِيهِ ، فَلَمَّا كَانَ مَمْلُوكًا كَانَ الْوَلَاءُ لِمَوْلَى الْأُمِّ ضَرُورَةً ، فَإِذَا عَتَقَ الْأَبُ زَالَتْ الضَّرُورَةُ فَعَادَتْ النِّسْبَةُ إلَيْهِ ، وَالْوَلَاءُ إلَى مَوَالِيهِ .\rوَرَوَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ ، عَنْ الزُّبَيْرِ ، أَنَّهُ لَمَّا قَدِمَ خَيْبَرَ رَأَى فِتْيَةً لُعْسًا ، فَأَعْجَبَهُ ظَرْفُهُمْ وَجَمَالُهُمْ ، فَسَأَلَ عَنْهُمْ ، فَقِيلَ لَهُ : مَوَالِي رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ، وَأَبُوهُمْ مَمْلُوكٌ لِآلِ الْحُرْقَةِ ، فَاشْتَرَى الزُّبَيْرُ أَبَاهُمْ فَأَعْتَقَهُ ، وَقَالَ لِأَوْلَادِهِ : انْتَسِبُوا إلَيَّ ، فَإِنَّ وَلَاءَكُمْ لِي .\rفَقَالَ رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ : الْوَلَاءُ لِي ، فَإِنَّهُمْ ، عَتَقُوا بِعِتْقِي أُمَّهُمْ .\rفَاحْتَكَمُوا إلَى عُثْمَانَ ، فَقَضَى بِالْوَلَاءِ لِلزُّبَيْرِ ، فَاجْتَمَعَتْ الصَّحَابَةُ عَلَيْهِ .\rاللَّعْسُ سَوَادُ الشَّفَتَيْنِ تَسْتَحْسِنُهُ الْعَرَبُ ، وَمِثْلُهُ اللَّمَى ، قَالَ ذُو الرُّمَّةِ : لَمْيَاءُ فِي شَفَتَيْهَا حُوَّةٌ لَعَسٌ وَفِي اللِّثَاتِ وَفِي أَنْيَابِهَا شَنَبُ .","part":14,"page":182},{"id":6682,"text":"( 5014 ) فَصْلٌ : وَحُكْمُ الْمُكَاتَبِ يَتَزَوَّجُ فِي كِتَابَتِهِ ، فَيَأْتِي لَهُ أَوْلَادٌ ثُمَّ يَعْتِقُ ، حُكْمُ الْعَبْدِ الْقِنِّ فِي جَرِّ الْوَلَاءِ ، وَكَذَلِكَ الْمُدَبَّرُ وَالْمُعَلَّقُ عِتْقُهُ بِصِفَةٍ ؛ لِأَنَّهُمْ عَبِيدٌ ، فَإِنَّ الْمُكَاتَبَ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ .","part":14,"page":183},{"id":6683,"text":"( 5015 ) فَصْلٌ : إذَا انْجَرَّ الْوَلَاءُ إلَى مَوَالِي الْأَبِ ثُمَّ انْقَرَضُوا ، عَادَ الْوَلَاءُ إلَى بَيْتِ الْمَالِ ، وَلَمْ يَرْجِعْ إلَى مَوَالِي الْأُمِّ بِحَالٍ .\rفِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rوَحُكِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، أَنَّهُ يَعُودُ إلَى مَوَالِي الْأُمِّ .\rوَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ؛ لِأَنَّ الْوَلَاءَ جَرَى مَجْرَى الِانْتِسَابِ ، وَلَوْ انْقَرَضَ الْأَبُ وَآبَاؤُهُ لَمْ تَعُدْ النِّسْبَةُ إلَى الْأُمِّ ، كَذَلِكَ الْوَلَاءُ .\rفَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَوَلَدَتْ بَعْدَ عِتْقِ الْأَبِ ، كَانَ وَلَاءُ وَلَدِهَا لِمَوَالِي أَبِيهِ بِلَا خِلَافٍ .\rفَإِنْ نَفَاهُ بِاللِّعَانِ ، عَادَ وَلَاؤُهُ إلَى مَوَالِي الْأُمِّ ؛ لِأَنَّا نَتَبَيَّنُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَبٌ يَنْتَسِبُ إلَيْهِ .\rفَإِنْ عَادَ فَاسْتَلْحَقَهُ ، عَادَ الْوَلَاءُ إلَى مَوَالِي الْأَبِ .","part":14,"page":184},{"id":6684,"text":"( 5016 ) فَصْلٌ : وَلَا يَنْجَرُّ الْوَلَاءُ إلَّا بِشُرُوطٍ ثَلَاثَةٍ ؛ أَحَدُهَا ، أَنْ يَكُونَ الْأَبُ عَبْدًا حِينَ الْوِلَادَةِ ، فَإِنْ كَانَ حُرًّا وَزَوْجَتُهُ مَوْلَاةٌ ، لَمْ يَخْلُ ، إمَّا أَنْ يَكُونَ حُرَّ الْأَصْلِ ، فَلَا وَلَاءَ عَلَيْهِ وَلَا عَلَى وَلَدِهِ بِحَالٍ وَإِنْ كَانَ مَوْلَى ، ثَبَتَ الْوَلَاءُ عَلَى وَلَدِهِ لِمَوَالِيهِ ابْتِدَاءً ، وَلَا جَرَّ فِيهِ الثَّانِي ، أَنْ تَكُونَ الْأُمُّ مَوْلَاةً ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ لَمْ تَخْلُ ، إمَّا أَنْ تَكُونَ حُرَّةَ الْأَصْلِ ، فَلَا وَلَاءَ عَلَى وَلَدِهَا بِحَالٍ ، وَهُمْ أَحْرَارٌ بِحُرِّيَّتِهَا ، أَوْ تَكُونُ أَمَةً ، فَوَلَدُهَا رَقِيقٌ لِسَيِّدِهَا ، فَإِنْ أَعْتَقَهُمْ فَوَلَاؤُهُمْ لَهُ لَا يَنْجَرُّ عَنْهُ بِحَالٍ ، سَوَاءٌ أَعْتَقَهُمْ بَعْدَ وِلَادَتِهِمْ ، أَوْ أَعْتَقَ أُمَّهُمْ حَامِلًا بِهِمْ فَعَتَقُوا .\rبِعِتْقِهَا ؛ لِأَنَّ الْوَلَاءَ يَثْبُتُ بِالْعِتْقِ مُبَاشَرَةً ، فَلَا يَنْجَرُّ عَنْ الْعِتْقِ ؛ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ { : الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ } .\rوَإِنْ أَعْتَقَهَا الْمَوْلَى فَأَتَتْ بِوَلَدٍ لِدُونِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ ، فَقَدْ مَسَّهُ الرِّقُّ وَعَتَقَ بِالْمُبَاشَرَةِ ، فَلَا يَنْجَرُّ وَلَاؤُهُ ، وَإِنْ أَتَتْ بِهِ لِأَكْثَرَ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مَعَ بَقَاءِ الزَّوْجِيَّةِ ، لَمْ يُحْكَمْ بِمَسِّ الرِّقِّ لَهُ ، وَانْجَرَّ وَلَاؤُهُ ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ حَادِثًا بَعْدَ الْعِتْقِ ، فَلَمْ يَمَسَّهُ الرِّقُّ ، وَلَمْ يُحْكَمْ بِرِقِّهِ بِالشَّكِّ .\rوَإِنْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ بَائِنًا ، وَأَتَتْ بِوَلَدٍ لِأَرْبَعِ سِنِينَ مِنْ حِينِ الْفُرْقَةِ ، لَمْ يُلْحَقْ بِالْأَبِ ، وَكَانَ وَلَاؤُهُ لِمَوْلَى أُمِّهِ ، وَإِنْ أَتَتْ بِهِ لِأَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ ، لَحِقَهُ الْوَلَدُ ، وَانْجَرَّ وَلَاؤُهُ ، وَوَلَدُ الْأَمَةِ مَمْلُوكٌ ، سَوَاءٌ كَانَ مِنْ نِكَاحٍ أَوْ مِنْ سِفَاحٍ ، عَرَبِيًّا كَانَ الزَّوْجُ أَوْ أَعْجَمِيًّا وَهَذَا قَوْلُ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ .\rوَعَنْ عُمَرَ : إنْ كَانَ زَوْجُهَا عَرَبِيًّا فَوَلَدُهُ حُرٌّ ، وَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ ، وَلَا وَلَاءَ عَلَيْهِ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ مِثْلُهُ .\rوَبِهِ قَالَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ ،","part":14,"page":185},{"id":6685,"text":"وَالثَّوْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ .\rوَقَالَهُ الشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ ، ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ .\rوَالْأُوَلُ أَوْلَى ؛ لِأَنَّ أُمَّهُمْ أَمَةٌ ، فَكَانُوا عَبِيدًا ، كَمَا لَوْ كَانَ أَبُوهُمْ أَعْجَمِيًّا .\rالثَّالِثُ ، أَنْ يُعْتِقَ الْعَبْدَ سَيِّدُهُ ، فَإِنْ مَاتَ عَلَى الرِّقِّ لَمْ يَنْجَرَّ الْوَلَاءُ بِحَالٍ ، وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ فَإِنْ اخْتَلَفَ سَيِّدُ الْعَبْدِ وَمَوْلَى الْأُمِّ فِي الْأَبِ بَعْدَ مَوْتِهِ ، فَقَالَ سَيِّدُهُ : مَاتَ حُرًّا بَعْدَ جَرِّ الْوَلَاءِ .\rوَأَنْكَرَ ذَلِكَ مَوْلَى الْأُمِّ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ مَوْلَى الْأُمِّ .\rذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الرِّقِّ ، وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .","part":14,"page":186},{"id":6686,"text":"( 5017 ) فَصْلٌ : فَإِنْ لَمْ يَعْتِقْ الْأَبُ ، وَلَكِنْ عَتَقَ الْجَدُّ فَقَالَ أَحْمَدُ : لَا يَجُرُّ الْوَلَاءُ ، لَيْسَ هُوَ كَالْأَبِ .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَصَاحِبَاهُ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّهُ يَجُرُّهُ .\rوَبِهِ قَالَ شُرَيْحٌ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى ، وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ ، وَابْنُ الْمُبَارَكِ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَضِرَارُ بْنُ صُرَدٍ وَالشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ .\rفَإِنْ أُعْتِقَ الْأَبُ بَعْدَ ذَلِكَ ، جَرَّهُ عَنْ مَوَالِي الْجَدِّ إلَيْهِ ؛ لِأَنَّ الْجَدَّ يَقُومُ مَقَامَ الْأَبِ فِي التَّعْصِيبِ وَأَحْكَامِ النَّسَبِ ، فَكَذَلِكَ فِي جَرِّ الْوَلَاءِ وَقَالَ زُفَرُ : إنْ كَانَ الْأَبُ حَيًّا ، لَمْ يَجُرَّ الْجَدُّ الْوَلَاءَ ، وَإِنْ كَانَ مَيِّتًا ، جَرَّهُ .\rوَهُوَ الْقَوْلُ الثَّانِي لِلشَّافِعِيِّ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الْوَلَاءِ لِمُسْتَحِقِّهِ ، وَإِنَّمَا خُولِفَ هَذَا الْأَصْلُ لِلِاتِّفَاقِ عَلَى أَنَّهُ يَنْجَرُّ بِعِتْقِ الْأَبِ ، وَالْجَدُّ لَا يُسَاوِيهِ ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ عَتَقَ الْأَبُ بَعْدَ الْجَدِّ ، جَرَّهُ عَنْ مَوَالِي الْجَدِّ إلَيْهِ ، وَلَوْ أَسْلَمَ الْجَدُّ ، لَمْ يَتْبَعْهُ وَلَدُ وَلَدِهِ ، وَلِأَنَّ الْجَدَّ يُدْلِي بِغَيْرِهِ ، وَلَا يَسْتَقِرُّ الْوَلَاءُ عَلَيْهِ ، فَلَمْ يَجُرَّ الْوَلَاءَ كَالْأَخِ ، وَكَوْنُهُ يَقُومُ مَقَامَ الْأَبِ ، لَا يَلْزَمُ أَنْ يَنْجَرَّ الْوَلَاءُ إلَيْهِ ، كَالْأَخِ .\rوَعَلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ ، لَا فَرْقَ بَيْنَ الْجَدِّ الْقَرِيبِ وَالْبَعِيدِ لِأَنَّ الْبَعِيدَ يَقُومُ مَقَامَ الْأَبِ كَقِيَامِ الْقَرِيبِ ، وَيَقْتَضِي هَذَا أَنَّهُ مَتَى عَتَقَ الْبَعِيدُ فَجَرَّ الْوَلَاءَ ، ثُمَّ عَتَقَ مَنْ هُوَ أَقْرَبُ مِنْهُ جَرَّ الْوَلَاءَ إلَيْهِ ، ثُمَّ إنْ عَتَقَ الْأَبُ جَرَّ الْوَلَاءَ ؛ لِأَنَّ كُلُّ وَاحِدٍ يَحْجُبُ مَنْ فَوْقَهُ ، وَيُسْقِطُ تَعْصِيبَهُ وَإِرْثَهُ وَوِلَايَتَهُ ، وَلَوْ لَمْ يَعْتِقْ الْجَدُّ ، لَكِنْ كَانَ حُرًّا وَوَلَدُهُ مَمْلُوكٌ ، فَتَزَوَّجَ مَوْلَاةَ قَوْمٍ ، فَأَوْلَدَهَا أَوْلَادًا ، فَوَلَاؤُهُمْ لِمَوْلَى أُمِّهِمْ .\rوَعِنْدَ مَنْ يَقُولُ يَجُرُّ","part":14,"page":187},{"id":6687,"text":"الْجَدُّ الْوَلَاءَ .\rيَكُون لِمَوْلَى الْجَدِّ .\rوَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْجَدُّ مَوْلًى ، بَلْ كَانَ حُرَّ الْأَصْلِ ، فَلَا وَلَاءَ عَلَى وَلَدِ أَبِيهِ ، فَإِنْ أُعْتِقَ أَبُوهُ بَعْدَ ذَلِكَ ، لَمْ يَعُدْ عَلَى وَلَدِهِ وَلَاءٌ ؛ لِأَنَّ الْحُرِّيَّةَ ثَبَتَتْ لَهُ مِنْ غَيْرِ وَلَاءٍ ، فَلَمْ يَتَجَدَّدْ عَلَيْهِ وَلَاءٌ ، كَالْحُرِّ الْأَصْلِيِّ .","part":14,"page":188},{"id":6688,"text":"( 5018 ) فَصْلٌ : وَإِذَا كَانَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ الْحُرَّيْنِ حُرَّ الْأَصْلِ ، فَلَا وَلَاءَ عَلَى وَلَدِهِمَا ، سَوَاءٌ كَانَ الْآخَرُ عَرَبِيًّا أَوْ مَوْلَى ؛ لِأَنَّ الْأُمَّ إنْ كَانَتْ حُرَّةَ الْأَصْلِ ، فَالْوَلَدُ يَتْبَعُهَا فِيمَا إذَا كَانَ الْأَبُ رَقِيقًا فِي انْتِفَاءِ الرِّقِّ وَالْوَلَاءِ ، فَلَأَنْ يَتْبَعَهَا فِي نَفْيِ الْوَلَاءِ ، وَحْدَهُ أَوْلَى .\rوَإِنْ كَانَ الْأَبُ حُرَّ الْأَصْلِ فَالْوَلَدُ يَتْبَعُهُ فِيمَا إذَا كَانَ عَلَيْهِ وَلَاءٌ ، بِحَيْثُ يَصِيرُ الْوَلَاءُ عَلَيْهِ لِمَوْلَى أَبِيهِ ، فَلَأَنْ يَتْبَعَهُ فِي سُقُوطِ الْوَلَاءِ عَنْهُ أَوْلَى .\rوَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rوَسَوَاءٌ كَانَ الْأَبُ عَرَبِيًّا أَوْ أَعْجَمِيًّا ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إنْ كَانَ أَعْجَمِيًّا وَالْأُمُّ مَوْلَاةً ثَبَتَ الْوَلَاءُ عَلَى وَلَدِهِ وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ ؛ لِأَنَّهُ حُرُّ الْأَصْلِ ، فَلَمْ يَثْبُتْ الْوَلَاءُ عَلَى وَلَدِهِ ، كَمَا لَوْ كَانَ عَرَبِيًّا .\rوَسَوَاءٌ كَانَ مُسْلِمًا أَوْ ذِمِّيًّا ، أَوْ حَرْبِيًّا ، أَوْ مَجْهُولَ النَّسَبِ أَوْ مَعْلُومَهُ .\rوَهَذَا قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ ، وَمَالِكٍ وَابْنِ شُرَيْحٍ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : إنْ كَانَ مَجْهُولَ النَّسَبِ ، ثَبَتَ الْوَلَاءُ عَلَى وَلَدِهِ لِمَوْلَى الْأُمِّ إنْ كَانَتْ مَوْلَاةً .\rقَالَ ابْنُ اللَّبَّانِ : وَهَذَا ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ الْخَبْرِيُّ : هَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَمُحَمَّدٍ ، وَأَحْمَدَ ؛ لِأَنَّ مُقْتَضَى ثُبُوتِهِ لِمَوْلَى الْأُمِّ مَوْجُودٌ ، وَإِنَّمَا امْتَنَعَ فِي مَحَلِّ الْوِفَاقِ بِحُرِّيَّةِ الْأَبِ ، فَإِذَا لَمْ تَكُنْ مَعْلُومَةً فَقَدْ وَقَعَ الشَّكُّ فِي الْمَانِعِ فَيَبْقَى عَلَى الْأَصْلِ ، وَلَا يَزُولُ عَنْ الْيَقِينِ بِالشَّكِّ ، وَلَا يُتْرَكُ الْعَمَلُ بِالْمُقْتَضِي مَعَ الشَّكِّ فِي الْمَانِعِ وَلَنَا ، أَنَّ الْأَبَ حُرٌّ مَحْكُومٌ بِحُرِّيَّتِهِ ، فَأَشْبَهَ مَعْرُوفَ النَّسَبِ ، وَلِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْآدَمِيِّينَ الْحُرِّيَّةُ وَعَدَمُ الْوَلَاءِ ، فَلَا يُتْرَكُ هَذَا الْأَصْلُ بِالْوَهْمِ فِي حَقِّ الْوَلَدِ ، كَمَا لَمْ يُتْرَكْ فِي حَقِّ الْأَبِ .\rوَقَوْلُهُمْ : مُقْتَضَى ثُبُوتِهِ","part":14,"page":189},{"id":6689,"text":"لِمَوْلَى الْأُمِّ مَوْجُودٌ .\rمَمْنُوعٌ ؛ فَإِنَّهُ إنَّمَا ثَبَتَ لِمَوْلَى الْأُمِّ بِشَرْطِ رِقِّ الْأَبِ ، وَهَذَا الشَّرْطُ مُنْتَفٍ حُكْمًا وَظَاهِرًا .\rوَإِنْ سَلَّمْنَا وُجُودَ الْمُقْتَضِي ، فَقَدْ ثَبَتَ الْمَانِعُ حُكْمًا ، فَإِنَّ الْأَبَ حُرِّيَّتُهُ ثَابِتَةٌ حُكْمًا ، فَلَا تَعْوِيلَ عَلَى مَا قَالُوهُ وَإِنْ كَانَ الْأَبُ مَوْلًى ، وَالْأُمُّ مَجْهُولَةَ النَّسَبِ ، فَلَا وَلَاءَ عَلَيْهِ فِي قَوْلِنَا وَقِيَاسُ قَوْلِ الْقَاضِي وَالشَّافِعِيِّ أَنْ يَثْبُتَ الْوَلَاءُ عَلَيْهِ لِمَوْلَى ابْنِهِ ؛ لِأَنَّا شَكَكْنَا فِي الْمَانِعِ مِنْ ثُبُوتِهِ .\rوَلَنَا ، مَا ذَكَرْنَا فِي الَّتِي قَبْلَهَا ، وَلِأَنَّ الْأُمَّ لَا تَخْلُو مِنْ أَنْ تَكُونَ حُرَّةَ الْأَصْلِ ، فَلَا وَلَاءَ عَلَى وَلَدِهَا أَوْ أَمَةً فَيَكُونُ وَلَدُهَا عَبْدًا ، أَوْ مَوْلَاةً فَيَكُونُ عَلَى وَلَدِهَا الْوَلَاءُ لِمَوْلَى أَبِيهِ .\rوَالِاحْتِمَالُ الْأَوَّلُ رَاجِحٌ ؛ لِوَجْهَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، أَنَّهُ مَحْكُومٌ بِهِ فِي الْأُمِّ ، فَيَجِبُ الْحُكْمُ بِهِ فِي وَلَدِهَا الثَّانِي ، أَنَّهُ مُعْتَضِدٌ بِالْأَصْلِ ، فَإِنَّ الْأَصْلَ الْحُرِّيَّةُ ، ثُمَّ لَوْ لَمْ يَتَرَجَّحْ هَذَا الِاحْتِمَالُ ، لَكَانَ الِاحْتِمَالُ الَّذِي صَارُوا إلَيْهِ مُعَارَضًا بِاحْتِمَالَيْنِ ، كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُسَاوٍ لَهُ ، فَتَرْجِيحُهُ عَلَيْهِمَا تَحَكُّمٌ لَا يَجُوزُ الْمَصِيرُ إلَيْهِ بِغَيْرِ دَلِيلٍ ، وَهَذَا وَارِدٌ عَلَيْهِمْ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى أَيْضًا .","part":14,"page":190},{"id":6690,"text":"( 5019 ) فَصْلٌ : إذَا تَزَوَّجَ مُعْتَقٌ بِمُعْتَقَةٍ ، فَأَوْلَدَهَا وَلَدَيْنِ فَوَلَاؤُهُمَا لِمَوْلَى أَبِيهِمَا .\rفَإِنْ نَفَاهُمَا بِاللِّعَانِ ، عَادَ وَلَاؤُهُمَا إلَى مَوْلَى أُمِّهِمَا .\rفَإِنْ مَاتَ أَحَدُهُمَا ، فَمِيرَاثُهُ لِأُمِّهِ وَمَوَالِيهِمَا .\rفَإِنْ أَكْذَبَ أَبُوهُمَا نَفْسَهُ ، لَحِقَهُ نَسَبُهُمَا ، وَاسْتَرْجَعَ الْمِيرَاثَ مِنْ مَوَالِي الْأُمِّ .\rوَلَوْ كَانَ أَبُوهُمَا عَبْدًا ، وَلَمْ يَنْفِهِمَا ، وَوَرِثَ مَوَالِي الْأُمِّ الْمَيِّتَ مِنْهُمَا ، ثُمَّ أُعْتِقَ الْأَبُ انْجَرَّ الْوَلَاءُ إلَى مَوَالِي الْأَبِ ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ وَلَا لِلْأَبِ اسْتِرْجَاعُ الْمِيرَاثِ ؛ لِأَنَّ الْوَلَاءَ إنَّمَا ثَبَتَ لَهُمْ عِنْدَ إعْتَاقِ الْأَبِ ، وَيُفَارِقُ الْأَبَ إذَا أَكْذَبَ نَفْسَهُ ؛ لِأَنَّ النَّسَبَ ثَبَتَ مِنْ حِينِ خَلْقِ الْوَلَدِ .","part":14,"page":191},{"id":6691,"text":"( 5020 ) فَصْلٌ : وَإِذَا تَزَوَّجَ عَبْدٌ مُعْتَقَةً ، فَاسْتَوْلَدَهَا أَوْلَادًا ، فَهُمْ أَحْرَارٌ ، وَوَلَاؤُهُمْ لِمَوَالِي أُمِّهِمْ .\rفَإِنْ اشْتَرَى أَحَدُهُمْ أَبَاهُ ، عَتَقَ عَلَيْهِ ، وَلَهُ وَلَاؤُهُ ، وَيَجُرُّ إلَيْهِ وَلَاءَ أَوْلَادِهِ كُلِّهِمْ ، وَيَبْقَى وَلَاءُ الْمُشْتَرِي لِمَوْلَى أُمِّهِ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ مَوْلَى نَفْسِهِ .\rوَهَذَا قَوْلُ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ ؛ مَالِكٌ فِي أَهْلِ الْمَدِينَةِ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ فِي أَهْلِ الْعِرَاقِ ، وَالشَّافِعِيُّ .\rوَشَذَّ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ الْمَدَنِيُّ ، فَقَالَ : يَجُرُّ وَلَاءَ نَفْسِهِ ، فَيَصِيرُ حُرًّا لَا وَلَاءَ عَلَيْهِ .\rقَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ : وَيَحْتَمِلُهُ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ .\rوَلَا يُعَوَّلُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ لِشُذُوذِهِ ، وَلِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى أَنْ يَكُونَ الْوَلَاءُ ثَابِتًا عَلَى أَبَوَيْهِ دُونَهُ ، مَعَ كَوْنِهِ مَوْلُودًا لَهُمَا فِي حَالِ رِقِّهِمَا ، أَوْ فِي حَالِ ثُبُوتِ الْوَلَاءِ عَلَيْهِمَا ، وَلَيْسَ لَنَا مِثْلُ هَذَا فِي الْأُصُولِ ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مَوْلَى نَفْسِهِ ، يَعْقِلُ عَنْهَا ، وَيَرِثُهَا ، وَيُزَوِّجُهَا ، لَكِنْ لَوْ اشْتَرَى هَذَا الْوَلَدُ عَبْدًا فَأَعْتَقَهُ ، ثُمَّ اشْتَرَى الْعَبْدُ أَبَا مُعْتِقِهِ فَأَعْتَقَهُ ، فَإِنَّهُ يَنْجَرُّ إلَيْهِ وَلَاءُ سَيِّدِهِ ، فَيَكُونُ لِهَذَا الْوَلَدِ عَلَى مُعْتِقِهِ الْوَلَاءُ بِإِعْتَاقِهِ أَبَاهُ ، وَلِلْعَتِيقِ وَلَاءُ مُعْتِقِهِ بِوَلَائِهِ عَلَى أَبِيهِ وَجَرِّهِ وَلَاءَهُ بِإِعْتَاقِهِ أَبَاهُ .\rوَلَا يَمْتَنِعُ مِثْلُ هَذَا ، كَمَا لَوْ أَعْتَقَ الْحَرْبِيُّ عَبْدًا فَأَسْلَمَ ، ثُمَّ أُسِرَ سَيِّدُهُ وَأَعْتَقَهُ ، صَارَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَوْلَى الْآخَرِ مِنْ فَوْقُ وَمِنْ أَسْفَلُ ، وَيَرِثُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْآخَرَ بِالْوَلَاءِ ، وَكَمَا جَازَ أَنْ يَشْتَرِكَا فِي النَّسَبِ ، فَيَرِثُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ بِهِ ، كَذَلِكَ الْوَلَاءُ .\rوَإِنْ تَزَوَّجَ وَلَدُ الْمُعْتَقَةِ مُعْتَقَةً ، فَأَوْلَدَهَا وَلَدًا ، فَاشْتَرَى جَدَّهُ ، عَتَقَ عَلَيْهِ ، وَلَهُ وَلَاؤُهُ ، وَيَجُرُّ إلَيْهِ وَلَاءَ أَبِيهِ وَسَائِرِ أَوْلَادِ جَدِّهِ ، وَهُمْ عُمُومَتُهُ","part":14,"page":192},{"id":6692,"text":"وَعَمَّاتُهُ ، وَوَلَاءَ جَمِيعِ مُعْتَقَيْهِمْ ، وَيَبْقَى وَلَاءُ الْمُشْتَرِي لِمَوْلَى أُمِّ أَبِيهِ .\rوَعَلَى قَوْلِ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، يَبْقَى حُرًّا ، لَا وَلَاءَ عَلَيْهِ .","part":14,"page":193},{"id":6693,"text":"( 5021 ) فَصْلٌ : إذَا تَزَوَّجَ عَبْدٌ بِمُعْتَقَةٍ ، فَأَوْلَدَهَا وَلَدًا ، فَتَزَوَّجَ الْوَلَدُ بِمُعْتَقَةِ رَجُلٍ ، فَأَوْلَدَهَا وَلَدًا ، فَوَلَاءُ هَذَا الْوَلَدِ الْآخَرِ ، لِمَوْلَى أُمِّ أَبِيهِ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ ؛ لِأَنَّ لَهُ الْوَلَاءَ عَلَى أَبِيهِ ، فَكَانَ الْوَلَاءُ لَهُ عَلَيْهِ ، كَمَا لَوْ كَانَ مَوْلَى جَدِّهِ ، وَلِأَنَّ الْوَلَاءَ الثَّابِتَ عَلَى الْأَبِ يَمْنَعُ ثُبُوتَ الْوَلَاءِ لِمَوْلَى الْأُمِّ .\rوَالْوَجْهُ الثَّانِي ، وَلَاؤُهُ لِمَوْلَى أُمِّهِ ؛ لِأَنَّ الْوَلَاءَ الثَّابِتَ عَلَى ابْنِهِ مِنْ جِهَةِ أُمِّهِ ، وَمِثْلُ ذَلِكَ ثَابِتٌ فِي حَقِّ نَفْسِهِ ، وَمَا ثَبَتَ فِي حَقِّهِ أَوْلَى مِمَّا ثَبَتَ فِي حَقِّ أَبِيهِ ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ لَهُ مَوْلًى ، وَلِأَبِيهِ مَوْلًى ، كَانَ مَوْلَاهُ أَحَقَّ بِهِ مِنْ مَوْلَى أَبِيهِ .\rفَإِنْ كَانَ لَهُ مَوْلَى أُمٍّ وَمَوْلَى أُمِّ أَبٍ ، وَمَوْلَى أُمِّ جَدٍّ ، وَجَدُّهُ مَمْلُوكٌ ، فَعَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ يَكُونُ لِمَوْلَى أُمِّ الْجَدِّ ، وَعَلَى الثَّانِي يَكُونُ لِمَوْلَى الْأُمِّ .","part":14,"page":194},{"id":6694,"text":"( 5022 ) فَصْلٌ : وَإِنْ تَزَوَّجَ مُعْتَقٌ بِمُعْتَقَةٍ ، فَأَوْلَدَهَا بِنْتًا ، وَتَزَوَّجَ عَبْدٌ بِمُعْتَقَةٍ ، فَأَوْلَدَهَا ابْنًا ، فَتَزَوَّجَ هَذَا الِابْنُ بِنْتَ الْمُعْتَقَيْنِ ، فَأَوْلَدَهَا وَلَدًا ، فَوَلَاءُ هَذَا الْوَلَدِ لِمَوْلَى أُمِّ أَبِيهِ ؛ لِأَنَّ لَهُ الْوَلَاءَ عَلَى أَبِيهِ .\rوَإِنْ تَزَوَّجَتْ بِنْتُ الْمُعْتَقَيْنِ بِمَمْلُوكٍ ، فَوَلَاءُ وَلَدِهَا لِمَوْلَى أَبِيهَا ؛ لِأَنَّ وَلَاءَهَا لَهُ ، فَإِنْ كَانَ أَبُوهَا ابْنَ مَمْلُوكٍ وَمُعْتَقَةٍ ، فَالْوَلَاءُ لِمَوْلَى أُمِّ أَبِي الْأُمِّ ، عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ ؛ لِأَنَّ مَوْلَى أُمِّ أَبِي الْأُمِّ يَثْبُتُ لَهُ الْوَلَاءُ عَلَى أَبِي الْأُمِّ ، فَكَانَ مُقَدَّمًا عَلَى الْمُعْتَقِينَ أُمُّهَا ، وَيَثْبُت لَهُ الْوَلَاءُ عَلَيْهَا .","part":14,"page":195},{"id":6695,"text":"( 5023 ) فَصْلٌ : فِي دَوْرِ الْوَلَاء ، إذَا تَزَوَّجَ عَبْدٌ مُعْتَقَةً ، فَأَوْلَدَهَا بِنْتَيْنِ ، فَاشْتَرَتَا أَبَاهُمَا ، عَتَقَ عَلَيْهِمَا ، وَلَهُمَا عَلَيْهِ الْوَلَاءُ ، وَتَجُرُّ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا نِصْفَ وَلَاءِ أُخْتِهَا إلَيْهَا ؛ لِأَنَّهَا أَعْتَقَتْ نِصْفَ الْأَبِ ، وَلَا يَنْجَرُّ الْوَلَاءُ الَّذِي عَلَيْهَا ، وَيَبْقَى نِصْفُ وَلَاءِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا لِمَوْلَى أُمِّهَا .\rفَإِنْ مَاتَ الْأَبُ ، فَمَالُهُ لَهُمَا ثُلُثَاهُ بِالْبُنُوَّةِ ، وَبَاقِيهِ بِالْوَلَاءِ .\rفَإِنْ مَاتَتْ إحْدَاهُمَا بَعْدَ ذَلِكَ فَلِأُخْتِهَا النِّصْفُ بِالنَّسَبِ ، وَنِصْفُ الْبَاقِي بِأَنَّهَا مَوْلَاةُ نِصْفِهَا ، فَصَارَ لَهَا ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ مَالِهَا ، وَالرُّبُعُ الْبَاقِي لِمَوْلَى أُمِّهَا .\rفَإِنْ كَانَتْ إحْدَاهُمَا مَاتَتْ قَبْلَ أَبِيهَا ، فَمَالُهَا لِأَبِيهَا .\rثُمَّ إذَا مَاتَ الْأَبُ فَلِلْبَاقِيَةِ نِصْفُ مِيرَاثِ أَبِيهَا ؛ لِكَوْنِهَا بِنْتَهُ ، وَنِصْفُ الْبَاقِي وَهُوَ الرُّبُعُ ، لِكَوْنِهَا مَوْلَاةَ نِصْفِهِ ، يَبْقَى الرُّبُعُ لِمَوَالِي الْبِنْتِ الَّتِي مَاتَتْ قَبْلَهُ فَنِصْفُهُ لِهَذِهِ الْبِنْتِ ؛ لِأَنَّهَا مَوْلَاةُ نِصْفِ أُخْتِهَا ، صَارَ لَهَا سَبْعَةُ أَثْمَانِ مِيرَاثِهِ ، وَلِمَوْلَى أُمِّ الْمَيِّتَةِ ، الثُّمُنُ .\rفَإِنْ مَاتَتْ الْبِنْتُ الْبَاقِيَةُ بَعْدَهُمَا ، فَمَالُهَا لِمَوَالِيهَا ، نِصْفُهُ لِمَوْلَى أُمِّهَا ، وَنِصْفُهُ لِمَوْلَى أُخْتِهَا الْمَيِّتَةِ ، وَهُمْ أُخْتُهَا وَمَوَالِي أُمِّهَا ، فَنِصْفُهُ لِمَوْلَى أُمِّهَا ، وَهُوَ الرُّبُعُ ، وَالرُّبُعُ الْبَاقِي يَرْجِعُ إلَى هَذِهِ الْمَيِّتَةِ ، فَهَذَا الْجُزْءُ دَائِرٌ ؛ لِأَنَّهُ خَرَجَ مِنْ هَذِهِ الْمَيِّتَةِ ، ثُمَّ دَارَ إلَيْهَا ، فَقَالَ الْقَاضِي : يُجْعَلُ فِي بَيْتِ الْمَالِ ؛ لِأَنَّهُ لَا مُسْتَحِقَّ لَهُ نَعْلَمُهُ .\rوَهَذَا قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ وَقِيَاسُ قَوْلِ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ ، وَبَعْضُ الْمَدَنِيِّينَ : هُوَ لِمَوْلَى أُمِّ الْمَيِّتَةِ .\rوَهَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ .\rوَهَاتَانِ الْمَسْأَلَتَانِ أَصْلٌ فِي دَوْرِ الْوَلَاءِ ، وَفِيهَا أَقْوَالٌ شَاذَّةٌ سِوَى مَا","part":14,"page":196},{"id":6696,"text":"ذَكَرْنَاهُ ، وَهَذَا أَصَحُّ مَا قِيلَ فِيهَا ، إنْ شَاءَ اللَّهُ ، فَإِنْ مَاتَتْ الِابْنَتَانِ قَبْلَ الْأَبِ ، وَرِثَ مَالَهُمَا بِالنَّسَبِ .\rفَإِنْ مَاتَ بَعْدَهُمَا ، فَمَالُهُ يُقَسَّمُ عَلَى ثَمَانِيَةِ أَسْهُمٍ ، لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ ابْنَتَيْهِ أَرْبَعَةُ أَسْهُمٍ ، سَهْمَانِ لِمَوْلَى أُمِّهَا وَسَهْمَانِ لِمَوْلَى أُخْتِهَا ، يُقَسَّمَانِ أَيْضًا لِمَوْلَى أُمِّهَا سَهْمٌ ، وَسَهْمٌ دَائِرٌ يَرْجِعُ إلَى بَيْتِ الْمَالِ ، فَيَحْصُلُ لِبَيْتِ الْمَالِ الرُّبُعُ ، وَلِمَوْلَى أُمِّهَا ثَلَاثَةُ أَرْبَاعٍ .\rفَإِنْ كُنَّ ثَلَاثًا مَاتَتْ إحْدَاهُنَّ قَبْلَ الْأَبِ ، وَالْأُخْرَى بَعْدَهُ ، فَمَالُ الْأَبِ عَلَى سَبْعَةٍ وَعِشْرِينَ ، لِابْنَتَيْهِ ثُلُثَاهَا بِالنَّسَبِ ، وَثُلُثَا الْبَاقِي بِوَلَائِهِمَا عَلَيْهِ ، وَثُلُثُ الْبَاقِي بِوَلَائِهِمَا عَلَى أُخْتِهِمَا ، وَيَبْقَى لِمَوْلَى الْأُمِّ سَهْمٌ ، وَمَالُ الثَّانِيَةِ عَلَى ثَمَانِيَةَ عَشَرَ ، لِلْحَيَّةِ تِسْعَةٌ بِالنَّسَبِ ، وَثَلَاثَةٌ بِوَلَائِهَا عَلَيْهَا ، وَلِمَوْلَى أُمِّهَا ثَلَاثَةٌ ، وَيَبْقَى ثَلَاثَةٌ لِمَوَالِي الْمَيِّتَةِ الْأُولَى لِلْحَيَّةِ سَهْمٌ ، وَلِمَوْلَى أُمِّهَا سَهْمٌ ، وَيَبْقَى سَهْمٌ دَائِرٌ ، فَمَنْ جَعَلَهُ لِبَيْتِ الْمَالِ ، دَفَعَهُ إلَيْهِ ، وَمَنْ جَعْلِهِ لِمَوْلَى الْأُمِّ ، فَهُوَ لَهُ ، وَمَنْ لَمْ يَدْفَعْهُ ، قَسَّمَهُ بَيْنَ الْحَيَّةِ وَمَوْلَى الْأُمِّ نِصْفَيْنِ ، وَتَرْجِعُ بِالِاخْتِصَارِ إلَى أَرْبَعَةٍ ، فَإِنْ كَانَتْ أُمَّهَاتُهُنَّ شَتَّى فَمِنْ اثْنَيْ عَشَرَ .\rفَإِنْ اشْتَرَى الِابْنَتَانِ أَبَاهُمَا ، ثُمَّ اشْتَرَى أَبُوهُمَا هُوَ وَالْكُبْرَى جَدَّهُمَا ، ثُمَّ مَاتَ الْأَبُ ، فَمَالُهُ بَيْنَهُمْ أَثْلَاثًا ، ثُمَّ إذَا مَاتَ الْجَدُّ وَخَلَّفَ ابْنَتَيْ ابْنِهِ ، فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ ، وَلِلْكُبْرَى نِصْفُ الْبَاقِي ، لِكَوْنِهَا مَوْلَاةَ نِصْفِهِ ، يَبْقَى السُّدُسُ لِمَوَالِي الْأَبِ ؛ لِأَنَّهُ مَوْلَى نِصْفِ الْجَدِّ ، وَهُمْ ابْنَتَاهُ ، فَيَحْصُلُ لِلْكُبْرَى ثُلُثُ الْمَالِ وَرُبُعُهُ ، وَلِلصُّغْرَى رُبُعُهُ وَسُدُسُهُ ، فَإِنْ كَانَتْ بِحَالِهَا ، فَاشْتَرَتْ الْكُبْرَى وَأَبُوهَا أَخَاهُمَا لِأَبِيهِمَا ،","part":14,"page":197},{"id":6697,"text":"فَالْجَوَابُ فِيهَا كَاَلَّتِي قَبْلَهَا .","part":14,"page":198},{"id":6698,"text":"بَابُ مِيرَاثِ الْوَلَاءِ يَعْنِي - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - الْمِيرَاثَ بِالْوَلَاءِ .\rوَأَضَافَ الْمِيرَاثَ إلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ سَبَبُهُ ، فَإِنَّ الشَّيْءَ يُضَافُ إلَى سَبَبِهِ ، كَمَا يُقَال : دِيَةُ الْخَطَأِ ، وَدِيَةُ الْعَمْدِ .\rوَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الْوَلَاءَ لَا يُورَثُ ، وَإِنَّمَا يُورَثُ بِهِ .\rوَهَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ .\rرُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ ، وَعُثْمَانَ ، وَعَلِيٍّ ، وَزَيْدٍ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ ، وَابْنِ عُمَرَ ، وَأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ، وَأَبِي مَسْعُودٍ الْبَدْرِيِّ ، وَأُبَيُّ بْنِ كَعْبٍ .\rوَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ ، وَطَاوُسٌ وَسَالِمٌ ، الزُّهْرِيُّ ، وَالْحَسَنُ ، وَابْنُ سِيرِينَ ، وَقَتَادَةُ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَإِبْرَاهِيمُ ، وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَهْلُ الْعِرَاقِ ، وَدَاوُد .\rوَجَعَلَ شُرَيْحٌ الْوَلَاءَ مَوْرُوثًا كَالْمَالِ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ } .\rوَقَوْلُهُ { : الْوَلَاءُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ .\r} وَالنَّسَبُ يُورَثُ بِهِ وَلَا يُورَثُ ، فَكَذَلِكَ الْوَلَاءُ .\rوَلِأَنَّ الْوَلَاءَ إنَّمَا يَحْصُلُ بِإِنْعَامِ السَّيِّدِ عَلَى عَبْدِهِ بِالْعِتْقِ ، وَهَذَا الْمَعْنَى لَا يَنْتَقِلُ عَنْ الْمُعْتِقِ ، فَكَذَلِكَ الْوَلَاءُ .","part":14,"page":199},{"id":6699,"text":"( 5024 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَلَا يَرِثُ النِّسَاءُ مِنْ الْوَلَاءِ إلَّا مَا أَعْتَقْنَ ، أَوْ أَعْتَقَ مَنْ أَعْتَقْنَ ، أَوْ كَاتَبْنَ ، أَوْ كَاتَبَ مَنْ كَاتَبْنَ ) ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي بِنْتِ الْمُعْتِقِ خَاصَّةً ، أَنَّهَا تَرِثُ ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، { أَنَّهُ وَرَّثَ بِنْتَ حَمْزَةَ مِنْ الَّذِي أَعْتَقَهُ حَمْزَةُ } قَوْلُهُ : \" وَلَا يَرِثُ النِّسَاءُ مِنْ الْوَلَاءِ \" .\r؛ لِمَا قَدَّمْنَا مِنْ أَنَّ الْوَلَاءَ لَا يُورَثُ ، وَلِهَذَا قَالَ : \" إلَّا مَا أَعْتَقْنَ \" .\rوَمُعْتَقَهُنَّ وَلَاؤُهُ لَهُنَّ ، فَكَيْفَ يَرِثْنَهُ ، وَالظَّاهِرُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّ النِّسَاءَ لَا يَرِثْنَ بِالْوَلَاءِ إلَّا مَا أَعْتَقْنَ ، أَوْ أَعْتَقَ مَنْ أَعْتَقْنَ ، وَجَرَّ الْوَلَاءَ إلَيْهِنَّ مَنْ أَعْتَقْنَ .\rوَالْكِتَابَةُ كَذَلِكَ فَإِنَّهَا إعْتَاقٌ .\rقَالَ الْقَاضِي : هَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ .\rوَالرِّوَايَةُ الَّتِي ذَكَرِهَا الْخِرَقِيِّ فِي ابْنَةِ الْمُعْتِقِ مَا وَجَدْتهَا مَنْصُوصَةً عَنْهُ .\rوَقَدْ قَالَ ، فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ ، وَقَدْ سَأَلَهُ : هَلْ كَانَ الْمَوْلَى لِحَمْزَةَ أَوْ لِابْنَتِهِ ؟ فَقَالَ : لِابْنَتِهِ .\rفَقَدْ نَصَّ عَلَى أَنَّ ابْنَةَ حَمْزَةَ وَرِثَتْ بِوَلَاءِ نَفْسِهَا ؛ لِأَنَّهَا هِيَ الْمُعْتِقَةُ .\rوَهَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ ، وَهُوَ قَوْلُ مَنْ سَمَّيْنَا فِي أَوَّلِ الْبَابِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ غَيْرَ شُرَيْحٍ .\rوَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ ؛ لِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ عَلَيْهِ ، وَلِأَنَّ الْوَلَاءَ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ ، وَالْمَوْلَى كَالنَّسِيبِ مِنْ الْأَخِ وَالْعَمِّ وَنَحْوِهِمَا ، فَوَلَدُهُ مِنْ الْعَتِيقِ بِمَنْزِلَةِ وَلَدِ أَخِيهِ وَعَمِّهِ ، وَلَا يَرِثُ مِنْهُمْ إلَّا الذُّكُورُ خَاصَّةً .\rفَأَمَّا رِوَايَةُ الْخِرَقِيِّ فِي بِنْتِ الْمُعْتَقِ ، فَوَجْهُهَا مَا رَوَى إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ ، أَنَّ مَوْلًى لِحَمْزَةَ مَاتَ ، وَخَلَّفَ بِنْتًا ، فَوَرَّثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِنْتَهُ النِّصْفَ ، وَجَعَلَ لِبِنْتِ حَمْزَةَ النِّصْفَ","part":14,"page":200},{"id":6700,"text":".\rوَالصَّحِيحُ أَنَّ الْمَوْلَى كَانَ لِبِنْتِ حَمْزَةَ .\rقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدَّادٍ { : كَانَ لِبِنْتِ حَمْزَةَ مَوْلًى أَعْتَقَتْهُ ، فَمَاتَ ، وَتَرَكَ ابْنَتَهُ وَمَوْلَاتَهُ بِنْتَ حَمْزَةَ ، فَرُفِعَ ذَلِكَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَعْطَى ابْنَتَهُ النِّصْفَ وَأَعْطَى مَوْلَاتَهُ بِنْتَ حَمْزَةَ النِّصْفَ } .\rقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدَّادٍ : أَنَا أَعْلَمُ بِهَا ؛ لِأَنَّهَا أُخْتِي مِنْ أُمِّي ، أُمُّنَا سَلْمَى .\rرَوَاهُ ابْنُ اللَّبَّانِ بِإِسْنَادِهِ ، وَقَالَ : هَذَا أَصَحُّ مِمَّا رَوَى إبْرَاهِيمُ .\rوَلِأَنَّ الْبِنْتَ مِنْ النِّسَاءِ ، فَلَا تَرِثُ بِالْوَلَاءِ كَسَائِرِ النِّسَاءِ .\rفَأَمَّا تَوْرِيثُ الْمَرْأَةِ مِنْ مُعْتَقِهَا ، وَمُعْتِقِ مُعْتَقِهَا ، وَمِنْ جَرَّ وَلَاءَ مُعْتَقِهَا ، فَلَيْسَ فِيهِ اخْتِلَافٌ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rوَقَدْ نَصَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى ذَلِكَ ، فَإِنَّ عَائِشَةَ { أَرَادَتْ شِرَاءَ بَرِيرَةَ لِتُعْتِقَهَا ، وَيَكُونَ وَلَاؤُهَا لَهَا ، فَأَرَادَ أَهْلُهَا اشْتِرَاطَ وَلَائِهَا ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اشْتَرِيهَا ، وَاشْتَرِطِي لَهُمْ الْوَلَاءَ ، فَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ .\r} مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { تَحُوزُ الْمَرْأَةُ ثَلَاثَةَ مَوَارِيثَ عَتِيقَهَا ، وَلَقِيطَهَا ، وَوَلَدَهَا الَّذِي لَاعَنَتْ عَلَيْهِ .\r} قَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ .\rوَلِأَنَّ الْمُعْتِقَةَ مُنْعِمَةٌ بِالْإِعْتَاقِ ، كَالرَّجُلِ ، فَوَجَبَ أَنْ تُسَاوِيَهُ فِي الْمِيرَاثِ .\rوَفِي حَدِيثِ مَوْلَى بِنْتِ حَمْزَةَ ، الَّذِي ذَكَرْنَاهُ ، تَنْصِيصٌ عَلَى تَوْرِيثِ الْمُعْتِقَةِ .\rوَأَمَّا مُعْتَقُ أَبِيهَا ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ عَمِّهَا ، أَوْ عَمِّ أَبِيهَا فَلَا تَرِثُهُ ، وَيَرِثُهُ أَخُوهَا ، كَالنَّسَبِ .\rوَمِنْ مَسَائِلِ ذَلِكَ : رَجُلٌ مَاتَ وَخَلَّفَ ابْنَ مُعْتِقِهِ ، وَبِنْتَ مُعْتِقِهِ ، فَالْمِيرَاثُ لِابْنِ مُعْتِقِهِ خَاصَّةً .\rوَعَلَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى ، يَكُونُ الْمِيرَاثُ بَيْنَهُمَا أَثْلَاثًا .\rفَإِنْ لَمْ يُخَلِّفْ إلَّا بِنْتَ مُعْتِقِهِ ، فَلَا شَيْءَ","part":14,"page":201},{"id":6701,"text":"لَهَا ، وَمَالُهُ لِبَيْتِ الْمَالِ ، إلَّا عَلَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى ، فَإِنَّ الْمِيرَاثَ لَهَا .\rوَإِنْ خَلَّفَ أُخْتَ مُعْتِقِهِ ، فَلَا شَيْءَ لَهَا ، رِوَايَةً وَاحِدَةً .\rوَكَذَلِكَ إنْ خَلَّفَ أُمَّ مُعْتِقِهِ أَوْ جَدَّةَ مُعْتِقِهِ أَوْ غَيْرَهُمَا .\rوَإِنْ خَلَّفَ أَخَا مُعْتِقِهِ وَأُخْتَ مُعْتِقِهِ ، فَالْمِيرَاثُ لِلْأَخِ .\rوَلَوْ خَلَّفَ بِنْتَ مُعْتِقِهِ وَابْنَ عَمِّ مُعْتِقِهِ أَوْ مُعْتِقِ مُعْتِقِهِ ، أَوْ ابْنِ مُعْتِقِ مُعْتِقِهِ ، فَالْمَالُ لَهُ دُونَ الْبِنْتِ ، إلَّا عَلَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى ، فَإِنَّ لَهَا النِّصْفَ ، وَالْبَاقِي لِلْعَصَبَةِ .\rوَإِنْ خَلَّفَ بِنْتَهُ وَمُعْتِقَهُ ، فَلِبِنْتِهِ النِّصْفُ وَالْبَاقِي لِمُعْتِقِهِ ، كَمَا فِي قِصَّةِ مَوْلَى بِنْتِ حَمْزَةَ ؛ فَإِنَّهُ مَاتَ وَخَلَّفَ بِنْتَهُ وَبِنْتَ حَمْزَةَ الَّتِي أَعْتَقَتْهُ ، فَأَعْطَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِنْتَهُ النِّصْفَ ، وَالْبَاقِيَ لِمَوْلَاتِهِ .\rوَإِنْ خَلَّفَ ذَا فَرْضٍ سِوَى الْبِنْتِ ، كَالْأُمِّ ، أَوْ الْجَدَّةِ أَوْ الْأُخْتِ ، أَوْ الْأَخِ مِنْ الْأُمِّ ، أَوْ الزَّوْجِ ، أَوْ الزَّوْجَةِ ، أَوْ مَنْ لَا يَسْتَغْرِقُ فَرْضُهُ الْمَالَ أَوَمَوْلَاهُ أَوْ مَوْلَاتَهُ ، فَإِنَّ لِذِي الْفَرْضِ فَرْضَهُ ، وَالْبَاقِي لِمَوْلَاهُ أَوْ مَوْلَاتِهِ .\rفِي قَوْلِ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ .\rوَقَدْ سَبَقَ ذِكْرُ ذَلِكَ .\rرَجُلٌ وَابْنَتُهُ ، أَعْتَقَا عَبْدًا ، ثُمَّ مَاتَ الْأَبُ ، وَخَلَّفَ ابْنَهُ وَبِنْتَهُ ، فَمَالُهُ بَيْنَهُمَا أَثْلَاثًا ، ثُمَّ مَاتَ الْعَبْدُ ، فَلِلْبِنْتِ النِّصْفُ ؛ لِأَنَّهَا مَوْلَاةُ نِصْفِهِ ، وَالْبَاقِي لِابْنِ الْمُعْتِقِ خَاصَّةً ، إلَّا عَلَى الرِّوَايَةِ الضَّعِيفَةِ ، فَإِنَّ الْبَاقِيَ يَكُونُ بَيْنَهُمَا عَلَى ثَلَاثَةٍ ، فَيَكُونُ لِلْبِنْتِ الثُّلُثَانِ ، وَلِأَخِيهَا الثُّلُثُ .\rوَإِنْ مَاتَتْ الْبِنْتُ قَبْلَ الْعَبْدِ ، وَخَلَّفْت ابْنًا ، ثُمَّ مَاتَ الْعَبْدُ فَلِابْنِهَا النِّصْفُ ، وَالْبَاقِي لِأَخِيهَا .\rوَلَوْ لَمْ تُخَلِّفْ الْبِنْتُ إلَّا بِنْتًا ، كَانَ الْوَلَاءُ كُلُّهُ لِأَخِيهَا دُونَ بِنْتِهَا ، إلَّا عَلَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى ، فَإِنَّ لِبِنْتِهَا النِّصْفَ ،","part":14,"page":202},{"id":6702,"text":"وَالْبَاقِيَ لِأَخِيهَا .\rوَإِنْ مَاتَ الِابْنُ قَبْلَ الْعَبْدِ ، وَخَلَّفَ بِنْتًا ، ثُمَّ مَاتَ الْعَبْدُ ، وَخَلَّفَ مُعْتَقَةَ نِصْفِهِ وَبِنْتَ أَخِيهَا ، فَلِلْمُعْتَقَةِ نِصْفُ مَالِهِ ، وَبَاقِيهِ لِبَيْتِ الْمَالِ .\rوَعَلَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى ، لَهَا النِّصْفُ بِإِعْتَاقِهَا ، وَنِصْفُ الْبَاقِي ؛ لِأَنَّهَا بِنْتُ مُعْتِقِ النِّصْفِ ، وَالْبَاقِي لِعَصَبَةِ أَبِيهَا .\rوَلَوْ كَانَتْ الْبِنْتُ مَاتَتْ أَيْضًا قَبْلَ الْعَبْدِ ، وَخَلَّفَتْ ابْنَهَا ، ثُمَّ مَاتَ الْعَبْدُ ، فَلِابْنِهَا النِّصْفُ ، وَلَا شَيْءَ لِبِنْتِ أَخِيهَا .\rامْرَأَةٌ أَعْتَقَتْ أَبَاهَا ، ثُمَّ أَعْتَقَ أَبُوهَا عَبْدًا ، ثُمَّ مَاتَ الْأَبُ ، ثُمَّ الْعَبْدُ ، فَمَالُهُمَا لَهَا .\rفَإِنْ كَانَ أَبُوهَا خَلَّفَ بِنْتًا أُخْرَى مَعَهَا ، فَلَهُمَا ثُلُثَا مَالِ الْأَبِ بِالنَّسَبِ ، وَالْبَاقِي لِلْمُعْتَقَةِ بِالْوَلَاءِ ، وَمَالُ الْعَبْدِ جَمِيعُهُ لِلْمُعْتِقَةِ دُونَ أُخْتِهَا .\rوَيَتَخَرَّجُ عَلَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى ، أَنْ يَكُونَ لَهُمَا ثُلُثَا مَالِ الْعَبْدِ أَيْضًا ، وَبَاقِيهِ لِلْمُعْتِقَةِ .\rوَلَوْ كَانَ الْأَبُ خَلَّفَ مَعَ الْمُعْتِقَةِ ابْنًا ، فَمَالُ الْأَبِ بَيْنَهُمَا أَثْلَاثًا بِالْبُنُوَّةِ ، وَمَالُ الْعَبْدِ كُلُّهُ لِلِابْنِ دُونَ أُخْتِهِ ؛ الْمُعْتِقَةِ ؛ لِأَنَّهُ يَرِثُ بِالنَّسَبِ ، وَالنَّسَبُ مُقَدَّمٌ عَلَى الْوَلَاءِ .\rوَلَوْ خَلَّفَ الْأَبُ أَخًا ، أَوْ عَمًّا ، أَوْ ابْنَ عَمٍّ مَعَ الْبِنْتِ ، فَلِلْبِنْتِ نِصْفُ مِيرَاثِ أَبِيهَا ، وَبَاقِيهِ لِعَصَبَتِهِ ، وَمَالُ الْعَبْدِ لِعَصَبَتِهِ ، وَلَا شَيْءَ لِبِنْتِهِ فِيهِ ؛ لِأَنَّ الْعَصَبَةَ مِنْ النَّسَبِ مُقَدَّمٌ عَلَى الْمُعْتِقِ فِي الْمِيرَاثِ ، إلَّا عَلَى رِوَايَةِ الْخِرَقِيِّ ، فَإِنَّ لِلْبِنْتِ نِصْفَ مِيرَاثِ الْعَبْدِ ، لِكَوْنِهَا بِنْتَ الْمُعْتِقِ ، وَبَاقِيهِ لِعَصَبَتِهِ .\rامْرَأَةٌ وَأَخُوهَا ، أَعْتَقَا أَبَاهُمَا ، ثُمَّ أَعْتَقَ أَبُوهُمَا عَبْدًا ، ثُمَّ مَاتَ الْأَبُ ، فَمَالُهُ بَيْنَهُمَا أَثْلَاثًا ، ثُمَّ إذَا مَاتَ الْعَبْدُ فَمِيرَاثُهُ لِلِابْنِ دُونَ أُخْتِهِ ؛ لِأَنَّهُ ابْنُ الْمُعْتِقِ يَرِثُهُ بِالنَّسَبِ ، وَهِيَ مَوْلَاةُ الْمُعْتِقِ ، وَابْنُ","part":14,"page":203},{"id":6703,"text":"الْمُعْتِقِ ، مُقَدَّمٌ عَلَى مَوْلَاهُ .\rفَإِنْ مَاتَ أَخُوهَا قَبْلَ أَبِيهِ ، وَخَلَّفَ بِنْتًا ، فَمَالُهُ بَيْنَ ابْنَتِهِ وَأَبِيهِ نِصْفَيْنِ .\rثُمَّ إذَا مَاتَ الْأَبُ ، فَقَدْ خَلَّفَ بِنْتَهُ وَبِنْتَ ابْنِهِ ، وَبِنْتُهُ مَوْلَاةُ نِصْفِهِ ، فَلِبِنْتِهِ النِّصْفُ وَلِبِنْتِ ابْنِهِ السُّدُسُ ، وَيَبْقَى الثُّلُثُ لَبِنْتِهِ نِصْفُهُ ، وَهُوَ السُّدُسُ ؛ لِأَنَّهَا مَوْلَاةُ نِصْفِهِ ، يَبْقَى السُّدُسُ لِمَوَالِي الْأَخِ إنْ كَانَ ابْنَ مُعْتِقِهِ وَهُمْ أُخْتُهُ ، وَمَوَالِي أُمِّهِ ، فَلِأُخْتِهِ نِصْفُ السُّدُسِ ، وَالنِّصْفُ الْبَاقِي لِمَوْلَى أُمِّهِ ، فَحَصَلَ لِأَخِيهِ النِّصْفُ وَالرُّبُعُ وَالسُّدُسُ .\rوَإِنْ لَمْ يَكُنْ ابْنَ مُعْتِقِهِ ، بَلْ كَانَتْ أُمُّهُ حُرَّةَ الْأَصْلِ ، فَلَا وَلَاءَ عَلَيْهِ ، وَتَأْخُذُ أُخْتُهُ الْبَاقِيَ كُلَّهُ بِالرَّدِّ إنْ لَمْ يُخَلِّفْ الْأَبُ عَصَبَةً ، فَإِنْ خَلَّفَ الْأَبُ عَصَبَةً مِنْ نَسَبِهِ ، كَأَخٍ أَوْ عَمٍّ أَوْ ابْنِ عَمٍّ أَوْ عَمِّ أَبٍ ، فَلِبِنْتِهِ النِّصْفُ ، وَلِبِنْتِ ابْنِهِ السُّدُسُ ، وَالْبَاقِي لِعَصَبَتِهِ .\rوَلَوْ اشْتَرَى رَجُلٌ وَأُخْتُهُ أَخَاهُمَا ، ثُمَّ اشْتَرَى أَخُوهُمَا عَبْدًا فَأَعْتَقَهُ ، ثُمَّ مَاتَ أَخُوهُمَا ، فَمَالُهُ بَيْنَهُمَا أَثْلَاثًا .\rثُمَّ إذَا مَاتَ عَتِيقُهُ فَمِيرَاثُهُ لِأَخِيهِ دُونَ أُخْتِهِ .\rوَلَوْ مَاتَ الْأَخُ الْمُعْتِقُ قَبْلَ مَوْتِ الْعَبْدِ ، وَخَلَّفَ ابْنَةً ، ثُمَّ مَاتَ الْعَبْدُ ، فَمِيرَاثُهُ لِابْنِ أَخِيهَا دُونَهَا ؛ لِأَنَّهُ ابْنُ أَخِي الْمُعْتِقِ .\rوَإِنْ لَمْ يَخْلُفْ الْأَخُ إلَّا بِنْتَهُ ، فَنِصْفُ مَالِ الْعَبْدِ لِلْأُخْتِ ؛ لِأَنَّهَا مُعْتَقَةُ نِصْفِ مُعْتِقِهِ ، وَلَا شَيْءَ لِبِنْتِ الْأَخِ ، رِوَايَةً وَاحِدَةً ، وَالْبَاقِي لِبَيْتِ الْمَالِ .","part":14,"page":204},{"id":6704,"text":"( 5025 ) فَصْلٌ : إذَا خَلَّفَ الْمَيِّتُ بِنْتَ مَوْلَاهُ وَمَوْلَى أَبِيهِ ، فَمَالُهُ لِبَيْتِ الْمَالِ ؛ لِأَنَّهُ إذَا ثَبَتَ عَلَيْهِ الْوَلَاءُ مِنْ جِهَةِ مُبَاشَرَتِهِ بِالْعِتْقِ ، لَمْ يَثْبُتْ عَلَيْهِ بِإِعْتَاقِ أَبِيهِ ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ لِمَوْلَاهُ إلَّا بِنْتٌ لَمْ تَرِثْ ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ عَصَبَةً ، وَإِنَّمَا يَرِثُ عُصُبَاتُ الْمَوْلَى ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ عَصَبَةٌ ، لَمْ يَرْجِعْ إلَى مُعْتِقِ أَبِيهِ .\rوَكَذَلِكَ إنْ كَانَ لَهُ مُعْتِقُ أَبٍ أَوْ مُعْتِقُ جَدٍّ ، وَلَمْ يَكُنْ هُوَ مُعْتِقًا ، فَمِيرَاثُهُ لِمُعْتِقِ أَبِيهِ إنْ كَانَ ابْنَ مُعْتِقِهِ ، ثُمَّ لِعَصَبَةِ مُعْتِقِ أَبِيهِ ، ثُمَّ لِمُعْتِقِ مُعْتِقِ أَبِيهِ .\rفَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ ، فَلِبَيْتِ الْمَالِ ، وَلَا يَرْجِعُ إلَى مُعْتِقِ جَدِّهِ ، وَإِنْ كَانَتْ أُمُّهُ حُرَّةَ الْأَصْلِ ، فَلَا وَلَاءَ عَلَيْهِ ، وَلَيْسَ لِمُعْتِقِ أَبِيهِ شَيْءٌ .","part":14,"page":205},{"id":6705,"text":"( 5026 ) فَصْلٌ : امْرَأَةٌ حُرَّةٌ لَا وَلَاءَ عَلَيْهَا ، وَأَبَوَاهَا رَقِيقَانِ ، أَعْتَقَ إنْسَانٌ أَبَاهَا ، وَيُتَصَوَّرُ هَذَا فِي مَوْضِعَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، أَنْ يَكُونَ جَمِيعُهُمْ كُفَّارًا ، فَتُسْلِمَ هِيَ وَيُسْبَى أَبَوَاهَا فَيَسْتَرِقَّانِ .\rالثَّانِي ، أَنْ يَكُونَ أَبُوهَا عَبْدًا تَزَوَّجَ أَمَةً عَلَى أَنَّهَا حُرَّةٌ ، فَوَلَدَتْهَا ، ثُمَّ مَاتَتْ وَخَلَّفَتْ مُعْتِقَ أَبِيهَا ، لَمْ يَرِثْهَا ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَرِثُ بِالْوَلَاءِ ، وَهَذِهِ لَا وَلَاءَ عَلَيْهَا .\rوَهَكَذَا الْحُكْمُ فِيمَا إذَا تَزَوَّجَ عَبْدٌ حُرَّةَ الْأَصْلِ ، فَأَوْلَدَهَا وَلَدًا ، ثُمَّ أُعْتِقْ الْعَبْدُ ، وَمَاتَ ، ثُمَّ مَاتَ الْوَلَدُ ، فَلَا مِيرَاثَ لِمُعْتِقِ أَبِيهِ ، لِأَنَّهُ لَا وَلَاءَ عَلَيْهِ .\rوَلَوْ كَانَ ابْنَتَانِ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ ، اشْتَرَتْ إحْدَاهُمَا أَبَاهَا ، فَعَتَقَ عَلَيْهَا ، فَلَهَا وَلَاؤُهُ ، وَلَيْسَ لَهَا وَلَاءٌ عَلَى أُخْتِهَا ، فَإِذَا مَاتَ أَبُوهُمَا ، فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ بِالنَّسَبِ ، وَلَهَا الْبَاقِي بِالْوَلَاءِ ، فَإِذَا مَاتَتْ أُخْتُهَا ، فَلَهَا نِصْفُ مِيرَاثِهَا بِالنَّسَبِ ، وَبَاقِيهِ لِعَصَبَتِهَا ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا عَصَبَةٌ ، فَالْبَاقِي لِأُخْتِهَا بِالرَّدِّ ، وَلَا مِيرَاثَ لَهَا مِنْهَا بِالْوَلَاءِ ؛ لِأَنَّهَا لَا وَلَاءَ عَلَيْهَا .","part":14,"page":206},{"id":6706,"text":"( 5027 ) فَصْلٌ : وَلَا يَرِثُ مِنْ أَقَارِبِ الْمُعْتِقِ ذُو فَرْضٍ مُنْفَرِدٍ ، كَالْأَخِ مِنْ الْأُمِّ وَالزَّوْجِ ؛ لِأَنَّ الْوَلَاءَ لِلْعَصَبَاتِ ، وَلَيْسَ هَؤُلَاءِ عَصَبَاتٍ ، فَحُكْمُهُمْ حُكْمُ النِّسَاءِ .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ : لَا يَرِثُ النِّسَاءُ مِنْ الْوَلَاءِ إلَّا مَا أَعْتَقْنَ ، أَوْ أَعْتَقَ مَنْ أَعْتَقْنَ ، إلَّا أَنَّ الْمُلَاعَنَةَ تَرِثُ مَنْ أَعْتَقَ ابْنُهَا وَهَذَا يُخَرَّجُ عَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي تَقُولُ : إنَّ الْمُلَاعَنَةَ عَصَبَةُ ابْنِهَا ، وَهِيَ أَحَقُّ بِالْمِيرَاثِ مِنْ عَصَبَتِهَا ، فَتَرِثُ لِكَوْنِهَا عَصَبَةً قَائِمَةً مَقَامَ أَبِيهِ ، فَأَمَّا عَلَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى فَإِنَّ الْوَلَاءَ يَكُونُ لِعَصَبَتِهَا .","part":14,"page":207},{"id":6707,"text":"( 5028 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَالْوَلَاءُ لِأَقْرَبِ عَصَبَةِ الْمُعْتِقِ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْمَوْلَى الْعَتِيقَ إذَا لَمْ يَخْلُفْ مِنْ نَسَبِهِ مَنْ يَرِثُ مَالَهُ ، كَانَ مَالُهُ لِمَوْلَاهُ عَلَى مَا أَسْلَفْنَاهُ .\rفَإِنْ كَانَ مَوْلَاهُ مَيِّتًا ، فَهُوَ لِأَقْرَبِ عَصَبَتِهِ ، سَوَاءٌ كَانَ وَلَدًا أَوْ أَبًا ، أَوْ أَخًا أَوْ عَمًّا ، أَوْ ابْنَ عَمٍّ أَوْ عَمَّ أَبٍ ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْمُعْتَقُ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى .\rفَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَصَبَةٌ مِنْ نَسَبِهِ ، كَانَ الْمِيرَاثُ لِمَوْلَاهُ ثُمَّ لِعَصَبَاتِهِ الْأَقْرَبِ فَالْأَقْرَبِ ، ثُمَّ لِمَوْلَاهُ ، وَكَذَلِكَ أَبَدًا رُوِيَ هَذَا عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .\rوَبِهِ قَالَ الشَّعْبِيُّ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَقَتَادَةُ ، وَمَالِكٌ ، وَالثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ وَصَاحِبَاهُ .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَذْهَبَهُ فِي امْرَأَةٍ مَاتَتْ وَخَلَّفَتْ ابْنَهَا وَأَخَاهَا ، أَوْ ابْنَ أَخِيهَا ، أَنَّ مِيرَاثَ مَوَالِيهَا لِأَخِيهَا وَابْنِ أَخِيهَا ، دُونَ ابْنِهَا .\rوَرُوِيَ عَنْهُ الرُّجُوعُ إلَى مِثْلِ قَوْلِ الْجَمَاعَةِ ، فَرُوِيَ عَنْ إبْرَاهِيمَ أَنَّهُ قَالَ : اخْتَصَمَ عَلِيٌّ وَالزُّبَيْرُ فِي مَوَالِي صَفِيَّةَ بِنْتِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ، فَقَالَ عَلِيُّ : أَنَّا أَحَقُّ بِهِمْ ، أَنَا أَرِثُهُمْ وَأَعْقِلُ عَنْهُمْ .\rوَقَالَ الزُّبَيْرُ : هُمْ مَوَالِي أُمِّيِّ ، وَأَنَا أَرِثُهُمْ .\rفَقَضَى عُمَرُ لِلزُّبَيْرِ بِالْمِيرَاثِ ، وَالْعَقْلِ عَلَى عَلِيٍّ .\rرَوَاهُ سَعِيدٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةُ حَدَّثَنَا عُبَيْدَةُ الضَّبِّيُّ ، عَنْ إبْرَاهِيمَ ، وَقَالَ : ثنا هُشَيْمٌ .\rثنا الشَّيْبَانِيُّ عَنْ الشَّعْبِيِّ قَالَ : قَضَى بِوَلَاءِ مَوَالِي صَفِيَّةَ لِلزُّبَيْرِ دُونَ الْعَبَّاسِ وَقَضَى عُمَرُ فِي مَوَالِي أُمِّ هَانِئِ بِنْتِ أَبِي طَالِبٍ لِأَبِيهَا جَعْدَةَ بْنِ هُبَيْرَةَ دُونَ عَلِيٍّ .\rوَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ زِيَادِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ ، { ، أَنَّ امْرَأَةً أَعْتَقَتْ عَبْدًا لَهَا ، ثُمَّ تُوُفِّيَتْ ، وَتَرَكَتْ ابْنًا لَهَا وَأَخَاهَا","part":14,"page":208},{"id":6708,"text":".\rثُمَّ تُوُفِّيَ مَوْلَاهَا مِنْ بَعْدِهَا ، فَأَتَى أَخُو الْمَرْأَةِ وَابْنُهَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مِيرَاثِهِ ، فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ : مِيرَاثُهُ لِابْنِ الْمَرْأَةِ .\rفَقَالَ أَخُوهَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، لَوْ جَرَّ جَرِيرَةً كَانَتْ عَلَيَّ ، وَيَكُونُ مِيرَاثُهُ لِهَذَا قَالَ : نَعَمْ .\r} وَرَوَى بِإِسْنَادِهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { : الْمَوْلَى أَخٌ فِي الدِّينِ ، وَمَوْلَى النِّعْمَةِ يَرِثُهُ أَوْلَى النَّاسِ بِالْمُعْتِقِ .\r} إذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِنَّ الْمُعْتَقَةَ إذَا مَاتَتْ وَخَلَّفَتْ ابْنَهَا وَأَخَاهَا أَوْ ابْنَ أَخِيهَا ، ثُمَّ مَاتَ مَوْلَاهَا ، فَمِيرَاثُهُ لِابْنِهَا ، وَإِنْ مَاتَ ابْنُهَا بَعْدَهَا وَقَبْلَ مَوْلَاهَا ، وَتَرَكَتْ عَصَبَةً ، كَأَعْمَامِهِ وَبَنِي أَعْمَامِهِ ، ثُمَّ مَاتَ الْعَبْدُ ، وَتَرَكَ أَخَا مَوْلَاتِهِ وَعَصَبَةِ ابْنِهَا ، فَمِيرَاثُهُ لِأَخِي مَوْلَاتِهِ ؛ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ عَصَبَةِ الْمُعْتِقِ ، فَإِنَّ الْمَرْأَةَ لَوْ كَانَتْ هِيَ الْمَيِّتَةَ لَوَرِثَهَا أَخُوهَا وَعَصَبَتُهَا ، فَإِنْ انْقَرَضَ عَصَبَتُهَا ، كَانَ بَيْتُ الْمَالِ أَحَقَّ بِهِ مِنْ عَصَبَةِ أَبِيهَا ، وَيُرْوَى نَحْوُ هَذَا عَنْ عَلِيٍّ .\rوَبِهِ قَالَ أَبَانُ بْنُ عُثْمَانَ ، وَقَبِيصَةُ بْنُ ذُؤَيْبٍ ، وَعَطَاءٌ ، وَطَاوُسٌ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ وَأَهْلُ الْعِرَاقِ .\rوَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رِوَايَةٌ أُخْرَى ، أَنَّهُ لِعَصَبَةِ الِابْنِ .\rوَرُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَبِهِ قَالَ شُرَيْحٌ .\rوَهَذَا يَرْجِعُ إلَى أَنَّ الْوَلَاءَ لَا يُورَثُ كَمَا يُورَثُ الْمَالُ .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ نَحْوُ هَذَا وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ عَمْرَو بْنَ شُعَيْبٍ رَوَى عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ ، أَنَّ رِئَابَ بْنَ حُذَيْفَةَ ، تَزَوَّجَ امْرَأَةً ، فَوَلَدَتْ لَهُ ثَلَاثَةَ غِلْمَةٍ ، فَمَاتَتْ أُمُّهُمْ ، فَوَرِثُوا عَنْهَا وَلَاءَ مَوَالِيهَا ، وَكَانَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ عَصَبَةُ بَنِيهَا ، فَأَخْرَجَهُمْ إلَى الشَّامِّ ، فَمَاتُوا ، فَقَدِمَ عَمْرُو بْنُ","part":14,"page":209},{"id":6709,"text":"الْعَاصِ ، وَمَاتَ مَوْلَاهَا ، وَتَرَكَ مَالًا ، فَخَاصَمَهُ إخْوَتُهَا إلَى عُمَرَ ، فَقَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَا أَحْرَزَ الْوَالِدُ وَالْوَلَدُ فَهُوَ لِعَصَبَتِهِ مَنْ كَانَ .\r} قَالَ : وَكَتَبَ لَهُ كِتَابًا فِيهِ شَهَادَةُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، وَرَجُلٍ آخَرَ قَالَ فَنَحْنُ فِيهِ إلَى السَّاعَةِ .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَابْنُ مَاجَهْ .\rفِي \" سُنَنِهِمَا \" .\rوَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ ؛ فَإِنَّ الْوَلَاءَ لَا يُورَثُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ قَبْلُ .\rوَإِنَّمَا يُورَثُ بِهِ ، وَهُوَ بَاقٍ لِلْمُعْتَقِ ، يَرِثُ بِهِ أَقْرَبُ عَصَبَاتِهِ ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ عَصَبَاتِهِ لَمْ يَرِثْ شَيْئًا ، وَعَصَبَاتُ الِابْنِ غَيْرُ عَصَبَاتِ أُمِّهِ ، فَلَا يَرِثُ الْأَجَانِبُ مِنْهَا بِوَلَائِهَا دُونَ عَصَبَاتِهَا .\rوَحَدِيثُ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ غَلَطٌ ، قَالَ حُمَيْدٍ : النَّاسُ يُغَلِّطُونَ عَمْرَو بْنَ شُعَيْبٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ .\rفَعَلَى هَذَا لَا يَرِثُ الْمَوْلَى الْعَتِيقَ مِنْ أَقَارِبِ مُعْتِقِهِ إلَّا عَصَبَاتِهِ ، الْأَقْرَبُ مِنْهُمْ فَالْأَقْرَبُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي تَرْتِيبِ الْعَصَبَاتِ .\rوَلَا يَرِثُ ذُو فَرْضٍ بِفَرْضِهِ وَلَا ذُو رَحِمٍ .\rفَإِنْ اجْتَمَعَ لِرَجُلٍ مِنْهُمْ فَرْضٌ وَتَعْصِيبٌ ، كَالْأَبِ وَالْجَدِّ وَالزَّوْجِ وَالْأَخِ مِنْ الْأُمِّ إذَا كَانَا ابْنَيْ عَمٍّ ، وَرِثَ بِمَا فِيهِ مِنْ التَّعْصِيبِ ، وَلَمْ يَرِثْ بِفَرْضِهِ شَيْئًا .\rوَإِنْ كَانَ عَصَبَاتٌ فِي دَرَجَةٍ وَاحِدَةٍ ، كَالْبَنِينَ وَبَنِيهِمْ ، وَالْإِخْوَةِ وَبَنِيهِمْ ، وَالْأَعْمَامِ وَبَنِيهِمْ ، اقْتَسَمُوا الْمِيرَاثَ بَيْنَهُمْ بِالسَّوِيَّةِ .\rوَهَذَا كُلُّهُ لَا خِلَافَ فِيهِ سِوَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْأَقْوَالِ الشَّاذَّةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":14,"page":210},{"id":6710,"text":"مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِذَا مَاتَ الْمُعْتَقُ وَخَلَّفَ أَبَا مُعْتِقِهِ وَابْنَ مُعْتِقِهِ ، فَلِأَبِي مُعْتِقِهِ السُّدُسُ ، وَمَا بَقِيَ فَلِلِابْنِ ) نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى هَذَا ، فِي رِوَايَةِ جَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ ؛ وَكَذَلِكَ قَالَ فِي جَدِّ الْمُعْتِقِ وَابْنِهِ .\rوَقَالَ : لَيْسَ الْجَدُّ وَالْأَخُ وَالِابْنُ مِنْ الْكِبَرِ فِي شَيْءٍ يَجْزِيهِمْ عَلَى الْمِيرَاثِ .\rوَهَذَا قَوْلُ شُرَيْحٍ ، وَالنَّخَعِيِّ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَالْعَنْبَرِيِّ ، وَإِسْحَاقَ ، وَأَبِي يُوسُفَ وَيُرْوَى عَنْ زَيْدٍ أَنَّ الْمَالَ لِلِابْنِ .\rوَبِهِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ، وَعَطَاءٌ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَالْحَسَنُ ، وَالْحَكَمُ ، وَقَتَادَةُ ، وَحَمَّادٌ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَمُحَمَّدٌ ، وَالشَّافِعِيُّ وَأَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ ؛ لِأَنَّ الِابْنَ أَقْرَبُ الْعَصَبَةِ ، وَالْأَبُ وَالْجَدُّ يَرِثَانِ مَعَهُ بِالْفَرْضِ ، وَلَا يَرِثُ بِالْوَلَاءِ ذُو فَرْضٍ بِحَالٍ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ عَصَبَةُ وَارِثٍ ، فَاسْتَحَقَّ مِنْ الْوَلَاءِ كَالْأَخَوَيْنِ ، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ الِابْنَ أَقْرَبُ مِنْ الْأَبِ ، بَلْ هُمَا فِي الْقُرْبِ سَوَاءٌ ، وَكِلَاهُمَا عَصَبَةٌ لَا يُسْقِطُ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ وَإِنَّمَا هُمَا يَتَفَاضَلَانِ فِي الْمِيرَاثِ فَكَذَلِكَ فِي الْإِرْثِ بِالْوَلَاءِ ، وَلِذَلِكَ يُقَدَّمُ الْأَبُ عَلَى الِابْنِ فِي الْوِلَايَةِ وَالصَّلَاةِ عَلَى الْمَيِّتِ وَغَيْرِهِمَا .\rوَحُكْمُ الْأَبِ مَعَ ابْنِ الِابْنِ وَإِنْ سَفَلَ ، حُكْمُ الْجَدِّ وَإِنْ عَلَا مَعَ الِابْنِ وَابْنِهِ سَوَاءٌ .","part":14,"page":211},{"id":6711,"text":"( 5030 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِنْ خَلَّفَ أَخَا مُعْتِقِهِ وَجَدَّ مُعْتِقِهِ ، فَالْوَلَاءُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ ) وَبِهَذَا قَالَ عَطَاءٌ ، وَاللَّيْثُ ، وَيَحْيَى الْأَنْصَارِيُّ .\rوَمَالَ إلَيْهِ الْأَوْزَاعِيُّ .\rوَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ .\rوَقَوْلُ الثَّوْرِيِّ وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ .\rوَاَلَّذِينَ نَزَّلُوا الْجَدَّ أَبًا ، جَعَلُوا الْجَدَّ أَوْلَى ، وَوَرَّثُوهُ وَحْدَهُ .\rوَرُوِيَ عَنْ زَيْدٍ أَنَّ الْمَالَ لِلْأَخِ .\rوَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَقَوْلٌ لِلشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ الْأَخَ ابْنُ الْأَبِ ، وَالْجَدُّ أَبُوهُ ، وَالِابْنُ أَحَقُّ مِنْ الْأَبِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُمَا عَصَبَتَانِ يَرِثَانِ الْمَالَ نِصْفَيْنِ ، فَكَانَ الْوَلَاءُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ ، كَالْأَخَوَيْنِ .\rوَإِنْ تَرَكَ جَدَّ مَوْلَاهُ وَابْنَيْ أَخِي مَوْلَاهُ ، فَالْمَالُ لِجَدِّهِ .\rفِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا ، إلَّا مَالِكًا جَعَلَ الْمِيرَاثَ لِابْنِ الْأَخِ وَإِنْ سَفَلَ .\rوَقَالَهُ الشَّافِعِيُّ أَيْضًا ؛ لِأَنَّ ابْنَ الِابْنِ وَإِنْ سَفَلَ يُقَدَّمُ عَلَى الْأَبِ .\rوَلَيْسَ هَذَا بِصَوَابٍ ؛ فَإِنَّ ابْنَ الْأَخِ مَحْجُوبٌ عَنْ الْمِيرَاثِ بِالْجَدِّ ، فَكَيْفَ يُقَدَّمُ عَلَيْهِ ، وَلِأَنَّ الْجَدَّ أَوْلَى بِالْمُعْتِقِ مِنْ ابْنِ الْأَخِ ، فَيَرِثُ مَوْلَاهُ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : الْمَوْلَى أَخٌ فِي الدِّينِ وَوَلِيُّ نِعْمَةٍ .\rيَرِثُهُ أَحَقُّ النَّاسِ بِالْمُعْتِقِ } .\rوَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْجَدَّ أَوْلَى أَنَّهُ يَرِثُ ابْنَ ابْنِهِ دُونَ ابْنِ الْأَخِ ، فَيَكُونُ أَوْلَى لِقَوْلِ ؛ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا ، وَمَا أَبْقَتْ الْفُرُوضُ فَلِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ } .\rوَفِي لَفْظٍ { : فَلِأَوْلَى عَصَبَةٍ ذَكَرٍ } .\rوَلِأَنَّ الْجَدَّ أَبٌ ، فَيُقَدَّمُ عَلَى ابْنِ الْأَخِ ، كَالْأَبِ الْحَقِيقِيِّ ، وَلِأَنَّهُ يُقَدَّمُ فِي مِيرَاثِ الْمَالِ ، فَقُدِّمَ فِي الْمِيرَاثِ بِالْوَلَاءِ كَسَائِرِ الْعَصَبَاتِ .","part":14,"page":212},{"id":6712,"text":"( 5031 ) فَصْلٌ : فَإِنْ اجْتَمَعَ إخْوَةٌ وَجَدٌّ ، فَمِيرَاثُ الْمَوْلَى بَيْنَهُمْ ، كَمَالِ سَيِّدِهِ .\rوَإِنْ اجْتَمَعَ إخْوَةٌ مِنْ أَبَوَيْنِ وَإِخْوَةٌ مِنْ أَبٍ ، عَادَ الْإِخْوَةُ مِنْ الْأَبَوَيْنِ الْجَدَّ بِالْإِخْوَةِ مِنْ الْأَبِ ، ثُمَّ مَا حَصَلَ لَهُمْ أَخَذَهُ وَلَدُ الْأَبَوَيْنِ .\rوَقَالَ ابْنُ شُرَيْحٍ : يُحْتَمَلُ أَنَّهُ بَيْنَهُمْ عَلَى عَدَدِهِمْ ، وَلَا يُعَادُ وَلَدُ الْأَبَوَيْنِ الْجَدَّ بِوَلَدِ الْأَبِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ مِيرَاثٌ بَيْنَ الْجَدِّ وَالْإِخْوَةِ ، فَأَشْبَهَ الْمِيرَاثَ بِالنَّسَبِ ، فَإِنْ كَانَ مَعَ الْإِخْوَةِ أَخَوَاتٌ ، لَمْ يُعْتَدَّ بِهِنَّ ؛ لِأَنَّهُنَّ لَا يَرِثْنَ مُنْفَرِدَاتٍ ، فَلَا يُعْتَدُّ بِهِنَّ ، كَالْإِخْوَةِ مِنْ الْأُمِّ ، وَإِنْ انْفَرَدَ الْإِخْوَةُ مِنْ الْأَبِ مَعَ الْجَدِّ ، فَحُكْمُهُمْ حُكْمُ الْإِخْوَةِ مِنْ الْأَبَوَيْنِ .","part":14,"page":213},{"id":6713,"text":"فَصْلٌ : وَإِنْ تَرَكَ جَدَّ مَوْلَاهُ وَعَمِّ مَوْلَاهُ ، فَهُوَ لِلْجَدِّ .\rوَكَذَلِكَ إنْ تَرَكَ جَدَّ أَبِي مَوْلَاهُ وَعَمِّ مَوْلَاهُ ، أَوْ جَدَّ جَدِّ مَوْلَاهُ وَعَمِّ مَوْلَاهُ ، فَهُوَ لِلْجَدِّ .\rوَبِهِ يَقُولُ الثَّوْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَأَهْلُ الْعِرَاقِ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : هُوَ لِلْعَمِّ وَبَنِيهِ وَإِنْ سَفَلُوا ، دُونَ جَدِّ الْأَبِ .\rوَهُوَ قِيَاسُ قَوْلِ مَالِكٍ .\rقَالَ الشَّافِعِيُّ : وَمَنْ جَعَلَ الْجَدَّ وَالْأَخَ سَوَاءً ، فَجَدُّ الْأَبِ وَالْعَمِّ سَوَاءٌ ، وَهُوَ أَوْلَى مِنْ ابْنِ الْعَمِّ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : يَرِثُهُ أَوْلَى النَّاسِ بِالْمُعْتِقِ .\r} وَالْجَدُّ أَوْلَى بِالْمُعْتِقِ ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ أَوْلَى النَّاسِ بِمَالِهِ وَوِلَايَتِهِ ، وَيُقَدَّمُ فِي تَزْوِيجِهِ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ .\rوَالْعَجَبُ أَنَّ الشَّافِعِيَّ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ ، نَزَّلَ الْجَدَّ أَبًا فِي وِلَايَةِ الْمَالِ وَوِلَايَةِ الْإِجْبَارِ عَلَى النِّكَاحِ ، وَوَافَقَ غَيْرَهُ فِي وُجُوبِ الْإِنْفَاقِ عَلَيْهِ وَلَهُ وَعِتْقِهِ عَلَى ابْنِ ابْنِهِ ، وَعِتْقِ ابْنِ ابْنِهِ عَلَيْهِ ، وَانْتِفَاءِ الْقِصَاصِ عَنْهُ بِقَتْلِ ابْنِ ابْنِهِ ، وَالْحَدِّ بِقَذْفِهِ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَحْكَامِ الْأَبِ ، ثُمَّ جَعَلَ أَبْعَدَ الْعَصَبَاتِ أَوْلَى مِنْهُ بِالْوَلَاءِ .","part":14,"page":214},{"id":6714,"text":"( 5033 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِذَا هَلَكَ رَجُلٌ عَنْ ابْنَيْنِ وَمَوْلًى ، فَمَاتَ أَحَدُ الِابْنَيْنِ بَعْدَهُ عَنْ ابْنٍ ، ثُمَّ مَاتَ الْمَوْلَى ، فَالْوَلَاءُ لِابْنِ مُعْتِقِهِ ؛ لِأَنَّ الْوَلَاءَ لِلْكِبَرِ .\rوَلَوْ هَلَكَ الِابْنَانِ بَعْدَهُ وَقَبْلَ الْمَوْلَى ، وَخَلَّفَ أَحَدُهُمَا ابْنًا ، وَالْآخَرُ تِسْعَةً ، كَانَ الْوَلَاءُ بَيْنَهُمْ عَلَى عَدَدِهِمْ ، لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عُشْرُهُ ) هَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : رُوِيَ هَذَا عَنْ عُمَرَ ، وَعُثْمَانَ ، وَعَلِيٍّ ، وَزَيْدٍ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ .\rوَرَوَى سَعِيدٌ .\rثنا هُشَيْمٌ ، ثنا أَشْعَثُ بْنُ سَوَّارٍ ، عَنْ الشَّعْبِيِّ ، أَنَّ عُمَرَ ، وَعَلِيًّا ، وَابْنَ مَسْعُودٍ ، وَزَيْدًا ، كَانُوا يَجْعَلُونَ الْوَلَاءَ لِلْكِبَرِ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، وَأُبَيُّ بْنِ كَعْبٍ ، وَأَبِي مَسْعُودٍ الْبَدْرِيِّ ، وَأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ .\rوَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ ، وَطَاوُسٌ ، وَسَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، وَالْحَسَنُ ، وَابْنُ سِيرِينَ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَقَتَادَةُ ، وَابْنُ قُسَيْطٍ ، وَمَالِكٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ، وَدَاوُد .\rكُلُّهُمْ قَالُوا : الْوَلَاءُ لِلْكِبَرِ .\rوَتَفْسِيرُهُ أَنَّهُ يَرِثُ الْمَوْلَى الْمُعْتَقَ مِنْ عَصَبَاتِ سَيِّدِهِ أَقْرَبُهُمْ إلَيْهِ ، وَأُولَاهُمْ بِمِيرَاثِهِ يَوْمَ مَوْتِ الْعَبْدِ .\rقَالَ ابْنُ سِيرِينَ : إذَا مَاتَ الْمُعْتَقُ نُظِرَ إلَى أَقْرَبِ النَّاسِ إلَى الَّذِي أَعْتَقَهُ ، فَيُجْعَلُ مِيرَاثُهُ لَهُ ، وَإِذَا مَاتَ السَّيِّدُ قَبْلَ مَوْلَاهُ ، لَمْ يَنْتَقِلْ الْوَلَاءُ إلَى عَصَبَتِهِ ؛ لِأَنَّ الْوَلَاءَ كَالنَّسَبِ ، لَا يَنْتَقِلُ ، وَلَا يُورَثُ ، وَإِنَّمَا يُورَثُ بِهِ ، فَهُوَ بَاقٍ لِلْمُعْتِقِ أَبَدًا ، لَا يَزُولُ عَنْهُ ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { إنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ } وَقَوْلِهِ : { الْوَلَاءُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ } .\rإنَّمَا يَرِثُ عَصَبَةُ السَّيِّدِ مَالَ مَوْلَاهُ بِوَلَاءِ مُعْتِقِهِ ، لَا نَفْسِ الْوَلَاءِ .\rوَيَتَّضِحُ مَعْنَى هَذَا","part":14,"page":215},{"id":6715,"text":"الْقَوْلِ بِمَسْأَلَتَيْ الْخِرَقِيِّ اللَّتَيْنِ ذَكَرْنَاهُمَا هَاهُنَا ، وَهُمَا : إذَا مَاتَ رَجُلٌ عَنْ ابْنَيْنِ وَمَوْلًى فَمَاتَ أَحَدُ الِابْنَيْنِ بَعْدَهُ عَنْ ابْنٍ ، ثُمَّ مَاتَ الْمَوْلَى ، وَرِثَهُ ابْنُ مُعْتَقِهِ دُونَ ابْنِ ابْنِ مُعْتِقِهِ ؛ لِأَنَّ ابْنَ مُعْتِقِهِ أَقْرَبُ عَصَبَةِ سَيِّدِهِ .\rوَلَوْ مَاتَ السَّيِّدُ ، وَخَلَّفَ ابْنَهُ وَابْنَ ابْنِهِ ، لَكَانَ مِيرَاثُهُ لِابْنِهِ ، دُونَ ابْنِ ابْنِهِ ، فَكَذَلِكَ إذَا مَاتَ الْمَوْلَى .\rوَالْمَسْأَلَةُ الْأُخْرَى ، إذَا هَلَكَ الِابْنَانِ بَعْدَهُ ، وَقَبْلَ مَوْلَاهُ ، وَخَلَّفَ أَحَدُهُمَا ابْنًا ، وَالْآخَرُ تِسْعَةً ، ثُمَّ مَاتَ الْمَوْلَى .\rكَانَ مِيرَاثُهُ بَيْنَهُمْ عَلَى عَدَدِهِمْ ، لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عُشْرُهُ ؛ لِأَنَّ السَّيِّدَ لَوْ مَاتَ كَانَ مِيرَاثُهُ بَيْنَهُمْ كَذَلِكَ ، فَكَذَلِكَ مِيرَاثُ ، مَوْلَاهُ ، وَلَوْ كَانَ الْوَلَاءُ مَوْرُوثًا لَانْعَكَسَ الْحُكْمُ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ ، فَكَانَ الْمِيرَاثُ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى بَيْنَ الِابْنِ وَابْنِ الِابْنِ ؛ لِأَنَّ الِابْنَيْنِ وَرِثَا الْوَلَاءَ عَنْ أَبِيهِمَا ، ثُمَّ مَا صَارَ لِلِابْنِ الَّذِي مَاتَ انْتَقَلَ إلَى ابْنِهِ ، فَصَارَ مِيرَاثُ الْمَوْلَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَمِّهِ نِصْفَيْنِ .\rوَفِي الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ يَصِيرُ لِابْنِ الِابْنِ الْمُنْفَرِدِ نِصْفُ الْوَلَاءِ بِمِيرَاثِهِ ذَلِكَ عَنْ ابْنه وَلِبَنِي الِابْنِ الْآخَرِ النِّصْفُ بَيْنَهُمْ عَلَى عَدَدِهِمْ .\rوَشَذَّ شُرَيْحٌ ، فَقَالَ : الْوَلَاءُ بِمَنْزِلَةِ الْمَالِ ، يُورَثُ عَنْ الْمُعْتِقِ ، فَمَنْ مَلَكَ شَيْئًا حَيَاتَهُ ، فَهُوَ لِوَرَثَتِهِ .\rوَقَدْ حُكِيَ عَنْ عُمَرَ ، وَعَلِيٍّ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَابْنِ الْمُسَيِّبِ ، نَحْوُ هَذَا .\rوَرُوِيَ عَنْ حَنْبَلٍ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَكَمِ ، عَنْ أَحْمَدَ نَحْوَهُ .\rوَغَلَّطَهُمَا أَبُو بَكْرٍ فِي رِوَايَتِهِمَا ، فَإِنَّ الْجَمَاعَةَ رَوَوْا عَنْ أَحْمَدَ مِثْلَ قَوْلِ الْجُمْهُورِ .\rقَالَ أَبُو الْحَارِثِ : سَأَلْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَنْ الْوَلَاءِ لِلْكِبَرِ ، فَقَالَ : كَذَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ ، وَعُثْمَانَ ، وَعَلِيٍّ ، وَزَيْدٍ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ ، أَنَّهُمْ قَالُوا :","part":14,"page":216},{"id":6716,"text":"الْوَلَاءُ لِلْكِبَرِ ، إلَى هَذَا الْقَوْلِ أَذْهَبُ .\rوَتَفْسِيرُ ذَلِكَ أَنْ يُعْتَقَ الرَّجُلُ عَبْدًا ، ثُمَّ يَمُوتَ وَيُخَلِّفَ ابْنَيْنِ ، فَيَمُوتَ أَحَدُ الِابْنَيْنِ .\rوَيُخَلِّفَ ابْنًا فَوَلَاءُ هَذَا الْعَبْدِ الْمُعْتَقِ لِابْنِ الْمُعْتِقِ ، وَلَيْسَ لِابْنِ الِابْنِ شَيْءٌ مَعَ الِابْنِ وَحُجَّةُ شُرَيْحٍ حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ ، وَالْقِيَاسُ عَلَى الْمَالِ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : الْمَوْلَى أَخٌ فِي الدِّينِ ، وَوَلِيُّ نِعْمَةٍ ، وَأَوْلَى النَّاسِ بِهِ أَقْرَبُهُمْ مِنْ الْمُعْتِقِ } .\rوَقَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ { : الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ } .\rوَقَوْلُهُ : { الْوَلَاءُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ } .\rوَلِأَنَّهُ مِنْ أَسْبَابِ التَّوَارُثِ ، فَلَمْ يُورَثْ ، كَالْقَرَابَةِ وَالنِّكَاحِ ، وَلِأَنَّهُ إجْمَاعٌ مِنْ الصَّحَابَةِ وَلَمْ يَظْهَرْ عَنْهُمْ خِلَافُهُ فَلَا يَجُوزُ مُخَالَفَتُهُ وَحَدِيثُ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ قَدْ غَلَّطَهُ الْعُلَمَاءُ فِيهِ ، وَلَمْ يَصِحَّ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ خِلَافُ هَذَا الْقَوْلِ وَحَكَاهُ الشَّعْبِيُّ وَالْأَئِمَّةُ عَنْ عُمَرَ وَمَنْ ذَكَرْنَا قَوْلَهُمْ .\rوَلَا يَصِحُّ اعْتِبَارُ الْوَلَاءِ بِالْمَالِ ؛ لِأَنَّ الْوَلَاءَ لَا يُورَثُ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يَرِثُ مِنْهُ ذَوُو الْفُرُوضِ ، وَإِنَّمَا يُورَثُ بِهِ ، فَيُنْظَرُ أَقْرَبُ النَّاسِ إلَى سَيِّدِهِ مِنْ عَصَبَاتِهِ يَوْمَ مَوْتِ الْعَبْدِ وَالْمُعْتِقِ ، فَيَكُونُ هُوَ الْوَارِثَ لِلْمَوْلَى دُونَ غَيْرِهِ ، كَمَا أَنَّ السَّيِّدَ لَوْ مَاتَ فِي تِلْكَ الْحَالِ وَرِثَهُ وَحْدَهُ ، فَإِذَا خَلَّفَ ابْنَ مَوْلَاهُ ، وَابْنَ ابْنِ مَوْلَاهُ ، فَمَالُهُ لِابْنِ مَوْلَاهُ .\rوَإِنْ خَلَّفَ ابْنَ ابْنِ مَوْلَاهُ ، وَتِسْعَةَ بَنِي ابْنٍ آخَرَ لِمَوْلَاهُ ، فَمَالُهُ بَيْنَهُمْ عَلَى عَدَدِهِمْ ، لِكُلِّ وَاحِدٍ عُشْرُهُ ؛ لِأَنَّهُمْ يَرِثُونَ جَدَّهُمْ كَذَلِكَ وَلَوْ خَلَّفَ السَّيِّدُ ابْنَهُ وَابْنَ ابْنِهِ ، فَمَاتَ ابْنُهُ بَعْدَهُ عَنْ ابْنٍ ، ثُمَّ مَاتَ عَتِيقُهُ ، فَمِيرَاثُهُ بَيْنَ ابْنَيْ الِابْنِ نِصْفَيْنِ .\rوَفِي قَوْلِ شُرَيْحٍ ، هُوَ لِابْنِ الِابْنِ","part":14,"page":217},{"id":6717,"text":"الَّذِي كَانَ حَيًّا عِنْدَ مَوْتِ ابْنِهِ وَإِنْ مَاتَ السَّيِّدُ عَنْ أَخٍ مِنْ أَبِ ابْنِ أَخٍ مِنْ أَبَوَيْنِ ، فَمَاتَ الْأَخُ مِنْ الْأَبِ عَنْ ابْنٍ ، ثُمَّ مَاتَ الْعَتِيقُ ، فَمَالُهُ لِابْنِ الْأَخِ مِنْ الْأَبَوَيْنِ .\rوَفِي قَوْلِ شُرَيْحٍ ، هُوَ لِابْنِ الْأَخِ مِنْ الْأَبِ .\rوَإِنْ لَمْ يُخَلِّفْ عَصَبَةً مِنْ نَسَبِ مَوْلَاهُ ، فَمَالُهُ لِمَوْلَى مَوْلَاهُ ، ثُمَّ لِأَقْرَبِ عَصَبَاتِهِ ، ثُمَّ لِمَوْلَى مَوْلَاهُ ، فَإِذَا انْقَرَضَ عَصَبَاتُهُ وَمَوَالِي الْمَوَالِي وَعَصَبَاتُهُمْ ، فَمَالُهُ لِبَيْتِ الْمَالِ .","part":14,"page":218},{"id":6718,"text":"( 5034 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَمَنْ أَعْتَقَ عَبْدًا ، فَوَلَاؤُهُ لِابْنِهِ ، وَعَقْلُهُ عَلَى عَصَبَتِهِ ) هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مَحْمُولَةٌ عَلَى أَنَّ الْمُعْتِقَ لَمْ يُخَلِّفْ عَصَبَةً مِنْ نَسَبِهِ ، وَلَا وَارِثًا مِنْهُمْ ، إذْ لَوْ خَلَّفَ وَارِثًا مِنْ نَسَبِهِ أَوْ عَصَبَتِهِ ، كَانُوا أَحَقَّ بِمِيرَاثِهِ وَعَقْلِهِ مِنْ عَصَبَاتِ مَوْلَاهُ وَوَلَدِهِ ، فَلَيْسَ فِي ذَلِكَ إشْكَالٌ .\rوَإِذَا لَمْ يُخَلِّفْ إلَّا ابْنَ مَوْلَاهُ وَعَصَبَةَ مَوْلَاهُ ، فَمَالُهُ لِابْنِ مَوْلَاهُ ؛ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ عَصَبَاتِ الْمُعْتِقِ ، وَعَقْلُهُ إنْ جَنَى جِنَايَةً عَلَى عَصَبَةِ مَوْلَاهُ إنْ كَانَ الْمُعْتِقُ امْرَأَةً ؛ لِمَا رَوَى إبْرَاهِيمُ قَالَ : اخْتَصَمَ عَلِيٌّ وَالزُّبَيْرُ فِي مَوْلَى صَفِيَّةَ فَقَالَ عَلِيٌّ : مَوْلَى عَمَّتِي وَأَنَا أَعْقِلُ عَنْهُ ، وَقَالَ الزُّبَيْرُ : مَوْلَى أُمِّيِّ وَأَنَا أَرِثُهُ .\rفَقَضَى عُمَرُ لِلزُّبَيْرِ بِالْمِيرَاثِ ، وَقَضَى عَلَى عَلِيٍّ بِالْعَقْلِ .\rذَكَرَ هَذَا الْإِمَامُ أَحْمَدُ ، وَرَوَاهُ سَعِيدٌ فِي \" السُّنَنِ \" وَغَيْرُهُ ، وَهِيَ قَضِيَّةٌ مَشْهُورَةٌ ، وَعَنْ الشَّعْبِيِّ قَالَ : قَضَى بِوَلَاءِ صَفِيَّةَ لِلزُّبَيْرِ دُونَ الْعَبَّاسِ ، وَقُضِيَ بِوَلَاءِ أُمِّ هَانِئٍ لِجَعْدَةَ بْنِ هُبَيْرَةَ دُونَ عَلِيٍّ .\rوَلَا يَمْتَنِعُ كَوْنُ الْعَقْلِ عَلَى الْعَصَبَةِ وَالْمِيرَاثِ لِغَيْرِهِمْ ، كَمَا قَضَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمِيرَاثِ الَّتِي قُتِلَتْ هِيَ وَجَنِينُهَا لِبَنِيهَا ، وَعَقْلِهَا عَلَى الْعَصَبَةِ وَقَدْ رَوَى زِيَادُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ { ، أَنَّ امْرَأَةً أَعْتَقَتْ عَبْدًا لَهَا ، ثُمَّ تُوُفِّيَتْ وَتَرَكَتْ ابْنًا لَهَا وَأَخَاهَا ، ثُمَّ تُوُفِّيَ مَوْلَاهَا مِنْ بَعْدِهَا ، فَأَتَى أَخُو الْمَرْأَةِ وَابْنُهَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مِيرَاثِهِ ، فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ : مِيرَاثُهُ لِابْنِ الْمَرْأَةِ .\rفَقَالَ أَخُوهَا : لَوْ جَرَّ جَرِيرَةً كَانَتْ عَلَيَّ ، وَيَكُونُ مِيرَاثُهُ لِهَذَا ، قَالَ : نَعَمْ } .\rوَإِنَّمَا حَمَلْنَا مَسْأَلَةَ الْخِرَقِيِّ عَلَى مَا إذَا كَانَ الْمُعْتِقُ امْرَأَةً ؛ لِأَنَّ الْأَخْبَارَ","part":14,"page":219},{"id":6719,"text":"الَّتِي رَوَيْنَاهَا إنَّمَا وَرَدَتْ فِيهَا ، وَلِأَنَّ الْمَرْأَةَ لَا تَعْقِلُ ، وَابْنُهَا لَيْسَ مِنْ عَشِيرَتِهَا ، فَلَا تَعْقِلُ عَنْ مُعْتِقهَا ، وَعَقَلَ عَنْهَا عَصَبَاتُهَا مِنْ عَشِيرَتِهَا .\rأَمَّا الرَّجُلُ الْمُعْتِقُ ، فَإِنَّهُ يَعْقِلُ عَنْ مُعْتَقِهِ ؛ لِأَنَّهُ عَصَبَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعَقْلِ وَيَعْقِلُ ابْنُهُ وَأَبُوهُ ؛ لِأَنَّهُمَا مِنْ عَصَبَاتِهِ وَعَشِيرَتِهِ ، فَلَا يُلْحَقُ ابْنُهُ فِي نَفْيِ الْعَقْلِ عَنْهُ بِابْنِ الْمَرْأَةِ .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":14,"page":220},{"id":6720,"text":"( 5035 ) فَصْلٌ : فَإِنْ كَانَ الْمَوْلَى حَيًّا ، وَهُوَ رَجُلٌ عَاقِلٌ مُوسِرٌ ، فَعَلَيْهِ مِنْ الْعَقْلِ وَلَهُ الْمِيرَاثُ ؛ لِأَنَّهُ عَصَبَةُ مُعْتِقِهِ ، وَإِنْ كَانَ صَبِيًّا أَوْ امْرَأَةً أَوْ مَعْتُوهًا ، فَالْعَقْلُ عَلَى عَصَبَاتِهِ ، وَالْمِيرَاثُ لَهُ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْعَقْلِ فَأَشْبَهَ مَا لَوْ جَنَوْا جِنَايَةً خَطَأً ، كَانَ الْعَقْلُ عَلَى عَصَبَاتِهِمْ ، وَلَوْ جُنِيَ عَلَيْهِمْ كَانَ الْأَرْشُ لَهُمْ .","part":14,"page":221},{"id":6721,"text":"( 5036 ) فَصْلٌ : وَلَا يَرِثُ الْمَوْلَى مِنْ أَسْفَلِ مُعْتِقَهُ .\rفِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rوَحُكِيَ عَنْ شُرَيْحٍ ، وَطَاوُسٍ ، أَنَّهُمَا وَرَّثَاهُ ؛ لِمَا رَوَى سَعِيدٌ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ عَوْسَجَةَ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، { أَنَّ رَجُلًا تُوُفِّيَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَيْسَ لَهُ وَارِثٌ إلَّا غُلَامٌ لَهُ هُوَ أَعْتَقَهُ ، فَأَعْطَاهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِيرَاثَهُ } .\rقَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ .\rوَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ نَحْوُ هَذَا .\rوَلَنَا ، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : إنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ } وَلِأَنَّهُ لَمْ يُنْعِمْ عَلَيْهِ ، فَلَمْ يَرِثْهُ ، كَالْأَجْنَبِيِّ ، وَإِعْطَاءُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُ قَضِيَّةٌ فِي عَيْنٍ ، يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ وَارِثًا بِجِهَةِ غَيْرِ الْإِعْتَاقِ ، وَتَكُونُ فَائِدَةُ الْحَدِيثِ أَنَّ إعْتَاقَهُ لَهُ لَمْ يَمْنَعْهُ مِيرَاثَهُ .\rوَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَعْطَاهُ صِلَةً وَتَفَضُّلًا .\rإذَا ثَبَتَ أَنَّهُ لَا يَرِثُهُ فَلَا يَعْقِلُ عَنْهُ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ : يَعْقِلُ عَنْهُ ؛ لِأَنَّهُ سَيِّدُهُ أَنْعَمَ عَلَيْهِ ، فَجَازَ أَنْ يَغْرَمَ عَنْهُ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الْعَقْلَ عَلَى الْعَصَبَاتِ ، وَلَيْسَ هَذَا مِنْهُمْ .\rوَمَا ذَكَرَهُ لَا أَصْلَ لَهُ ، وَيَنْعَكِسُ كَسَائِرِ الْعَاقِلَةِ ، فَإِنَّهُ لَمْ يُنْعِمْ عَلَيْهِ وَيَعْقِلُونَ عَنْهُ ، وَيَنْتَقِضُ بِمَا إذَا قَضَى إنْسَانٌ دَيْنَ آخَرَ ، فَقَدْ غَرِمَ عَنْهُ ، وَلَا يَعْقِلُ .","part":14,"page":222},{"id":6722,"text":"( 5037 ) فَصْلٌ : فَإِنْ أَسْلَمَ الرَّجُلُ عَلَى يَدَيْ الرَّجُلِ ، لَمْ يَرِثْهُ بِذَلِكَ .\rفِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، مِنْهُمْ الْحَسَنُ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ رِوَايَةٌ أُخْرَى ، أَنَّهُ يَرِثُهُ .\rوَهُوَ قَوْلُ إِسْحَاقَ .\rوَحُكِيَ عَنْ إبْرَاهِيمَ أَنَّ لَهُ وَلَاءَهُ وَيَعْقِلُ عَنْهُ وَعَنْ ابْنِ الْمُسَيِّبِ : إنْ عَقَلَ عَنْهُ وَرِثَهُ ، وَإِنْ لَمْ يَعْقِلْ عَنْهُ لَمْ يَرِثْهُ .\rوَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ يَرِثُهُ وَإِنْ لَمْ يُوَالِهِ ؛ لِمَا رَوَى رَاشِدُ بْنُ سَعْدٍ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : مَنْ أَسْلَمَ عَلَى يَدَيْهِ رَجُلٌ ، فَهُوَ مَوْلَاهُ ، يَرِثُهُ وَيَدِي عَنْهُ } .\rرَوَاهُ سَعِيدٌ ، وَقَالَ أَيْضًا : حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ ثنا مُعَاوِيَةُ بْنُ يَحْيَى الصَّدَفِيُّ عَنْ الْقَاسِمِ الشَّامِيِّ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : مَنْ أَسْلَمَ عَلَى يَدَيْهِ رَجُلٌ ، فَلَهُ وَلَاؤُهُ } .\rوَرَوَى بِإِسْنَادِهِ عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ ، أَنَّهُ { قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَا السُّنَّةُ فِي الرَّجُلِ يُسْلِمُ عَلَى يَدَيْ الرَّجُلِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ؟ فَقَالَ : هُوَ أَوْلَى النَّاسِ بِمَحْيَاهُ وَمَمَاتِهِ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَقَالَ : لَا أَظُنُّهُ مُتَّصِلًا .\rوَلَنَا ، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : إنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ } .\rوَلِأَنَّ أَسْبَابَ التَّوَارُثِ غَيْرُ مَوْجُودَةٍ فِيهِ ، وَحَدِيثُ رَاشِدٍ مُرْسَلٌ وَحَدِيثُ أَبِي أُمَامَةَ فِيهِ مُعَاوِيَةُ بْنُ يَحْيَى الصَّدَفِيُّ ، وَهُوَ ضَعِيفٌ ، وَحَدِيثُ تَمِيمٍ تَكَلَّمَ التِّرْمِذِيُّ فِيهِ .","part":14,"page":223},{"id":6723,"text":"( 5038 ) فَصْلٌ : وَإِنْ عَاقَدَ رَجُلٌ رَجُلًا ، فَقَالَ : عَاقَدْتُكَ عَلَى أَنْ تَرِثَنِي وَأَرِثَك ، وَتَعْقِلَ عَنِّي وَأَعْقِلَ عَنْك .\rفَلَا حُكْمَ لِهَذَا الْعَقْدِ وَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ إرْثٌ وَلَا عَقْلٌ .\rوَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ الْحَكَمُ ، وَحَمَّادٌ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ : هُوَ عَقْدٌ صَحِيحٌ وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَرْجِعَ عَنْهُ ، مَا لَمْ يَعْقِلْ وَاحِدٌ عَنْ الْآخَرِ ، فَإِذَا عَقَلَ عَنْهُ ، لَزِمَ ، وَيَرِثُهُ إذَا لَمْ يُخَلِّفْ ذَا رَحِمٍ ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَاَلَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ } .\rوَلِأَنَّ هَذَا كَالْوَصِيَّةِ ، وَوَصِيَّةُ الَّذِي لَا وَارِثَ لَهُ بِجَمِيعِ مَالِهِ جَائِزَةٌ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : إنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ } .\rوَلِأَنَّ أَسْبَابَ التَّوَارُثِ مَحْصُورَةٌ فِي رَحِمٍ وَنِكَاحٍ وَوَلَاءٍ ، وَلَيْسَ هَذَا مِنْهَا ، وَالْآيَةُ مَنْسُوخَةٌ بِآيَةِ الْمِيرَاثِ ، وَلِذَلِكَ لَا يَرِثُ مَعَ ذِي رَحِمٍ شَيْئًا .\rقَالَ الْحَسَنُ : نَسَخَتْهَا : { وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ } .\rوَقَالَ مُجَاهِدٌ : فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ مِنْ الْعَقْلِ وَالنُّصْرَةَ وَالرِّفَادَةِ .\rوَلَيْسَ هَذَا بِوَصِيَّةٍ ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّ لَا يَعْقِلُ ، فَلَهُ الرُّجُوعُ ، وَهَذَا عِنْدَهُمْ بِخِلَافِهِ .","part":14,"page":224},{"id":6724,"text":"( 5039 ) فَصْلٌ : وَاللَّقِيطُ حُرٌّ لَا وَلَاءَ عَلَيْهِ .\rفِي قَوْلِ الْجُمْهُورِ ، وَفُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ .\rوَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ ، أَنَّ وَلَاءَهُ لِمُلْتَقِطِهِ .\rوَبِهِ قَالَ اللَّيْثُ ، وَإِسْحَاقُ .\rوَعَنْ إبْرَاهِيمَ : إنْ نَوَى أَنْ يَرِثَ مِنْهُ فَذَلِكَ .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : الْمَرْأَةُ تَحُوزُ ثَلَاثَةَ مَوَارِيثَ ؛ لَقِيطَهَا ، وَعَتِيقَهَا ، وَوَلَدَهَا الَّذِي لَاعَنَتْ عَلَيْهِ } .\rوَلَنَا ، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : إنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ } .\rوَلِأَنَّهُ لَيْسَ بِقَرَابَةٍ وَلَا عَتِيقٍ وَلَا ذِي نِكَاحٍ ، فَلَا يَرِثُ كَالْأَجْنَبِيِّ ، وَالْحَدِيثُ فِيهِ كَلَامٌ .","part":14,"page":225},{"id":6725,"text":"كِتَابُ الْوَدِيعَةِ وَالْأَصْلُ فِيهَا الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ ؛ أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى { : إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إلَى أَهْلِهَا } .\rوقَوْله تَعَالَى { : فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اُؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ } .\rوَأَمَّا السُّنَّةُ فَقَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَدِّ الْأَمَانَةَ إلَى مَنْ ائْتَمَنَكَ ، وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَك } وَرُوِيَ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ { ، أَنَّهُ كَانَتْ عِنْدَهُ وَدَائِعُ فَلَمَّا أَرَادَ الْهِجْرَةَ أَوْدَعَهَا عِنْدَ أُمِّ أَيْمَنَ ، وَأَمَرَ عَلِيًّا أَنْ يَرُدَّهَا عَلَى أَهْلِهَا } وَأَمَّا الْإِجْمَاعُ ، فَأَجْمَعَ عُلَمَاءُ كُلِّ عَصْرٍ عَلَى جَوَازِ الْإِيدَاعِ وَالِاسْتِيدَاعِ ، وَالْعِبْرَةُ تَقْتَضِيهَا ، فَإِنَّ بِالنَّاسِ إلَيْهَا حَاجَةً ، فَإِنَّهُ يَتَعَذَّرُ عَلَى جَمِيعِهِمْ حِفْظُ أَمْوَالِهِمْ بِأَنْفُسِهِمْ ، وَيَحْتَاجُونَ إلَى مَنْ يَحْفَظُ لَهُمْ .\rالْوَدِيعَةُ فَعِيلَةٌ ، مِنْ وَدَعَ الشَّيْءَ : إذَا تَرَكَهُ ، أَيْ هِيَ مَتْرُوكَةٌ عِنْدَ الْمُودَعِ .\rوَاشْتِقَاقُهَا مِنْ السُّكُونِ .\rيُقَالُ : وَدَعَ ، يَدَعُ .\rفَكَأَنَّهَا سَاكِنَةٌ عِنْدَ الْمُودَعِ .\rمُسْتَقِرَّةٌ .\rوَقِيلَ : هِيَ مُشْتَقَّةٌ مِنْ الْخَفْضِ وَالدَّعَةِ ، فَكَأَنَّهَا فِي دَعَةٍ عِنْدَ الْمُودَعِ .\rوَقَبُولُهَا مُسْتَحَبٌّ لِمَنْ يَعْلَمُ مِنْ نَفْسِهِ الْأَمَانَةَ ؛ لِأَنَّ فِيهِ قَضَاءَ حَاجَةِ أَخِيهِ الْمُؤْمِنِ وَمُعَاوَنَتَهُ وَهِيَ عَقْدٌ جَائِزٌ مِنْ الطَّرَفَيْنِ ، مَتَى أَرَادَ الْمُودِعُ أَخْذَ وَدِيعَتِهِ لَزِمَ الْمُسْتَوْدَعَ رَدُّهَا ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى { : إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إلَى أَهْلِهَا } فَإِنْ أَرَادَ الْمُسْتَوْدَعُ رَدَّهَا عَلَى صَاحِبِهَا ، لَزِمَهُ قَبُولُهَا ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَوْدَعَ مُتَبَرِّعٌ بِإِمْسَاكِهَا ؛ فَلَا يَلْزَمُهُ التَّبَرُّعُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ .","part":14,"page":226},{"id":6726,"text":"( 5040 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَلَيْسَ عَلَى مُودَعٍ ضَمَانٌ ، إذَا لَمْ يَتَعَدَّ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْوَدِيعَةَ أَمَانَةٌ ، فَإِذَا تَلِفَتْ بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ مِنْ الْمُودَعِ ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ ضَمَانٌ ، سَوَاءٌ ذَهَبَ مَعَهَا شَيْءٌ مِنْ مَالِ الْمُودِعِ أَوْ لَمْ يَذْهَبْ .\rهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ ، وَعَلِيٍّ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ .\rوَبِهِ قَالَ شُرَيْحٌ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَأَبُو الزِّنَادِ وَالثَّوْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى ، إنْ ذَهَبَتْ الْوَدِيعَةُ مِنْ بَيْنِ مَالِهِ غَرِمَهَا ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ ضَمَّنَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ وَدِيعَةً ذَهَبَتْ مِنْ بَيْنِ مَالِهِ .\rقَالَ الْقَاضِي : وَالْأُولَى أَصَحُّ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَمَّاهَا أَمَانَةً وَالضَّمَانُ يُنَافِي الْأَمَانَةَ .\rوَيُرْوَى عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ { ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَيْسَ عَلَى الْمُسْتَوْدَعِ ضَمَانٌ } .\rوَيُرْوَى عَنْ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ ذَكَرْنَاهُمْ .\rوَلِأَنَّ الْمُسْتَوْدَعَ مُؤْتَمَنٌ فَلَا يَضْمَنُ مَا تَلِفَ مِنْ غَيْرِ تَعَدِّيهِ وَتَفْرِيطِهِ ، كَاَلَّذِي ذَهَبَ مَعَ مَالِهِ ، وَلِأَنَّ الْمُسْتَوْدَعَ إنَّمَا يَحْفَظُهَا لِصَاحِبِهَا مُتَبَرِّعًا ، مِنْ غَيْرِ نَفْعٍ يَرْجِعُ عَلَيْهِ فَلَوْ لَزِمَهُ الضَّمَانُ لَامْتَنَعَ النَّاسُ مِنْ قَبُولِ الْوَدَائِعِ ، وَذَلِكَ مُضِرٌّ ؛ لِمَا بَيَّنَّاهُ مِنْ الْحَاجَةِ إلَيْهَا ، وَمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ مَحْمُولٌ عَلَى التَّفْرِيطِ مِنْ أَنَسٍ فِي حِفْظِهَا ، فَلَا يُنَافِي مَا ذَكَرْنَاهُ .\rفَأَمَّا إنْ تَعَدَّى الْمُسْتَوْدَعُ فِيهَا ، أَوْ فَرَّطَ فِي حِفْظِهَا ، فَتَلِفَتْ ، ضَمِنَ ، بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ ؛ لِأَنَّهُ مُتْلِفٌ لِمَالِ غَيْرِهِ ، فَضَمِنَهُ ، كَمَا لَوْ أَتْلَفَهُ مِنْ غَيْرِ اسْتِيدَاعٍ .","part":14,"page":227},{"id":6727,"text":"( 5041 ) فَصْلٌ : إذَا شَرَطَ رَبُّ الْوَدِيعَةِ عَلَى الْمُسْتَوْدَعِ ضَمَانَ الْوَدِيعَةِ ، فَقَبِلَهُ أَوْ قَالَ : أَنَا ضَامِنٌ لَهَا .\rلَمْ يَضْمَنْ .\rقَالَ أَحْمَدُ فِي الْمُودَعِ : إذَا قَالَ : أَنَا ضَامِنٌ لَهَا .\rفَسُرِقَتْ ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ .\rوَكَذَلِكَ كُلُّ مَا أَصْلُهُ الْأَمَانَةُ ، كَالْمُضَارَبَةِ ، وَمَالِ الشَّرِكَةِ ، وَالرَّهْنِ ، وَالْوَكَالَةِ .\rوَبِهَذَا قَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ شَرْطُ ضَمَانِ مَا لَمْ يُوجَدْ سَبَبُ ضَمَانِهِ ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ ، كَمَا لَوْ شَرَطَ ضَمَانَ مَا يَتْلَفُ فِي يَدِ مَالِكِهِ .","part":14,"page":228},{"id":6728,"text":"( 5042 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( فَإِنْ خَلَطَهَا بِمَالِهِ ، وَهِيَ لَا تَتَمَيَّزُ ، أَوْ لَمْ يَحْفَظْهَا كَمَا يَحْفَظُ مَالَهُ ، أَوْ أَوْدَعَهَا غَيْرَهُ ، فَهُوَ ضَامِنٌ ) فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثُ مَسَائِلَ ؛ ( 5043 ) الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى ، أَنَّ الْمُسْتَوْدَعَ إذَا خَلَطَ الْوَدِيعَةَ بِمَا لَا تَتَمَيَّزُ مِنْهُ مِنْ مَالِهِ أَوْ مَالِ غَيْرِهِ ، ضَمِنَهَا سَوَاءٌ خَلَطَهَا بِمِثْلِهَا ، أَوْ دُونَهَا ، أَوْ أَجْوَدَ مِنْ جِنْسِهَا أَوْ غَيْرِ جِنْسِهَا ، مِثْلُ أَنْ يَخْلِطَ دَرَاهِمَ بِدَرَاهِمَ ، أَوْ دُهْنًا بِدُهْنٍ ، كَالزَّيْتِ بِالزَّيْتِ ، أَوْ السَّمْنِ أَوْ بِغَيْرِهِ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : إنْ خَلَطَ دَرَاهِمَ بِدَرَاهِمَ عَلَى وَجْهِ الْحِرْزِ ، لَمْ يَضْمَنْ .\rوَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ ، لَا يَضْمَنُ إلَّا أَنْ يَكُونَ دُونَهَا ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ رَدُّهَا إلَّا نَاقِصَةً .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ خَلَطَهَا بِمَالِهِ خَلْطًا لَا يَتَمَيَّزُ ، فَوَجَبَ أَنْ يَضْمَنَهَا ، كَمَا لَوْ خَلَطَهَا بِدُونِهَا ، وَلِأَنَّهُ إذَا خَلَطَهَا بِمَا لَا يَتَمَيَّزُ ، فَقَدْ فَوَّتَ عَلَى نَفْسِهِ إمْكَانَ رَدِّهَا ، فَلَزِمَهُ ضَمَانُهَا ، كَمَا لَوْ أَلْقَاهَا فِي لُجَّةِ بَحْرٍ .\rوَإِنْ أَمَرَهُ صَاحِبُهَا بِخَلْطِهَا بِمَالِهِ أَوْ بِغَيْرِهِ ، فَفَعَلَ ذَلِكَ ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ فَعَلَ مَا أُمِرَ بِهِ ، فَكَانَ نَائِبًا عَنْ الْمَالِكِ فِيهِ .\rوَقَدْ نَقَلَ مُهَنَّا عَنْ أَحْمَدَ ، فِي رَجُلٍ اسْتَوْدَعَ عَشْرَةَ دَرَاهِمَ ، وَاسْتَوْدَعَهُ آخَرُ عَشْرَةً ، وَأَمَرَاهُ أَنْ يَخْلِطَهَا ، فَخَلَطَهَا ، فَضَاعَتْ الدَّرَاهِمُ ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ .\rفَإِنْ أَمَرَهُ أَحَدُهُمَا بِخَلْطِ دَرَاهِمِهِ ، وَلَمْ يَأْمُرْهُ الْآخَرُ ، فَعَلَيْهِ ضَمَانُ دَرَاهِمَ مَنْ لَمْ يَأْمُرْهُ دُونَ الْأُخْرَى .\rوَإِنْ اخْتَلَطَتْ هِيَ بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ مِنْهُ ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهَا لَوْ تَلِفَتْ بِذَلِكَ لَمْ يَضْمَنْ ، فَخَلْطُهَا أَوْلَى .\rوَإِنْ خَلَطَهَا غَيْرُهُ ، فَالضَّمَانُ عَلَى مَنْ خَلَطَهَا ؛ لِأَنَّ الْعُدْوَانَ مِنْهُ ، فَالضَّمَانُ عَلَيْهِ ، كَمَا","part":14,"page":229},{"id":6729,"text":"لَوْ أَتْلَفَهَا .\r( 5044 ) الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ ، إذَا لَمْ يَحْفَظْهَا كَمَا يَحْفَظُ مَالَهُ ، وَهُوَ أَنْ يُحْرِزَهَا بِحِرْزِ مِثْلِهَا ، فَإِنَّهُ يَضْمَنُهَا .\rوَحِرْزُ مِثْلهَا يُذْكَرُ فِي بَابِ الْقَطْعِ فِي السَّرِقَةِ .\rوَهَذَا إذَا لَمْ يُعَيِّنْ لَهُ الْمُودِعُ مَا يَحْفَظُهَا فِيهِ ، فَإِنْ عَيَّنَ لَهُ لَزِمَهُ حِفْظُهَا فِيمَا أَمَرَهُ بِهِ ، سَوَاءٌ كَانَ حِرْزَ مِثْلِهَا أَوْ لَمْ يَكُنْ وَإِنْ أَحْرَزَهَا بِمِثْلِهِ أَوْ أَعْلَى مِنْهُ لَمْ يَضْمَنْهَا وَيَتَخَرَّجُ أَنْ يَضْمَنَهَا إذَا فَعَلَ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ ( 5045 ) الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ ، إذَا أَوْدَعْهَا غَيْرَهُ .\rوَلَهَا صُورَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، أَنْ يُودِعَهَا غَيْرَهُ لِغَيْرِ عُذْرٍ ، فَعَلَيْهِ الضَّمَانُ .\rبِغَيْرِ خِلَافٍ فِي الْمَذْهَبِ .\rوَهُوَ قَوْلُ شُرَيْحٍ ، وَمَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ وَإِسْحَاقَ .\rوَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى : لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ حِفْظَهَا وَإِحْرَازَهَا ، وَقَدْ أَحْرَزَهَا عِنْدَ غَيْرِهِ وَحَفِظَهَا بِهِ ، وَلِأَنَّهُ يَحْفَظُ مَالَهُ بِإِيدَاعِهِ ، فَإِذَا أَوْدَعَهَا فَقَدْ حَفِظَهَا بِمَا يَحْفَظُ بِهِ مَالَهُ ، فَلَمْ يَضْمَنْهَا ، كَمَا لَوْ حَفِظَهَا فِي حِرْزِهِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ خَالَفَ الْمُودِعَ فَضَمِنَهَا .\rكَمَا لَوْ نَهَاهُ عَنْ إيدَاعِهَا .\rوَهَذَا صَحِيحٌ فَإِنَّهُ أَمَرَهُ بِحِفْظِهَا بِنَفْسِهِ ، وَلَمْ يَرْضَ لَهَا غَيْرَهُ .\rفَإِذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّ لَهُ تَضْمِينَ الْأَوَّلِ ، وَلَيْسَ لِلْأَوَّلِ الرُّجُوعُ عَلَى الثَّانِي ؛ لِأَنَّهُ دَخَلَ مَعَهُ فِي الْعَقْدِ عَلَى أَنَّهُ أَمِينٌ لَهُ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ .\rوَإِنْ أَحَبَّ الْمَالِكُ تَضْمِينَ الثَّانِي ، فَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ تَضْمِينُهُ ، فِي ظَاهِرِ كَلَامِ أَحْمَدَ ؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَ الضَّمَانَ عَلَى الْأَوَّلِ فَقَطْ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّهُ قَبَضَ قَبْضًا مُوجِبًا لِلضَّمَانِ عَلَى الْأَوَّلِ ، فَلَمْ يُوجِبْ ضَمَانًا آخَرَ ، وَفَارَقَ الْقَبْضَ مِنْ الْغَاصِبِ ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يُوجِبْ الضَّمَانَ عَلَى الْغَاصِبِ ، إنَّمَا لَزِمَهُ الضَّمَانُ","part":14,"page":230},{"id":6730,"text":"بِالْغَصْبِ .\rوَيُحْتَمَلُ أَنَّ لَهُ تَضْمِينَ الثَّانِي أَيْضًا ؛ لِأَنَّهُ قَبَضَ مَالَ غَيْرِهِ عَلَى وَجْهٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ قَبْضُهُ ، وَلَمْ يَأْذَنْ لَهُ مَالِكُهُ ، فَضَمِنَهُ ، كَالْقَابِضِ مِنْ الْغَاصِبِ ، وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَذِكْرُ أَحْمَدَ الضَّمَانَ عَلَى الْأَوَّلِ لَا يَنْفِي الضَّمَانَ عَنْ الثَّانِي ، كَمَا أَنَّ الضَّمَانَ يَلْزَمُ الْغَاصِبَ ، وَلَا يَنْفِي وُجُوبَهُ عَلَى الْقَابِضِ مِنْهُ .\rفَعَلَى هَذَا يَسْتَقِرُّ الضَّمَانُ عَلَى الْأَوَّلِ ، فَإِنْ ضَمَّنَهُ لَمْ يَرْجِعْ عَلَى أَحَدٍ ، وَإِنْ ضَمَّنَ الثَّانِيَ يَرْجِعُ عَلَى الْأَوَّلِ .\rوَهَذَا الْقَوْلُ أَشْبَهُ بِالصَّوَابِ ، وَمَا ذَكَرْنَا لِلْقَوْلِ الْأَوَّلِ لَا أَصْلَ لَهُ ، ثُمَّ هُوَ مُنْتَقِضٌ بِمَا إذَا دَفَعَ الْوَدِيعَةَ إلَى إنْسَانٍ عَارِيَّةً ، أَوْ هِبَةً ، أَوْ وَدِيعَةً لِنَفْسِهِ ، فَأَمَّا إنْ دَفَعَ الْوَدِيعَةَ إلَى مَنْ جَرَتْ عَادَتُهُ بِحِفْظِهَا لَهُ مِنْ أَهْلِهِ ، كَامْرَأَتِهِ وَغُلَامِهِ ، لَمْ يَضْمَنْ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يَضْمَنُ ؛ لِأَنَّهُ سَلَّمَ الْوَدِيعَةَ إلَى مَنْ لَمْ يَرْضَ بِهِ صَاحِبُهَا ، فَضَمِنَهَا .\rكَمَا لَوْ سَلَّمَهَا إلَى أَجْنَبِيٍّ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ حَفِظَهَا بِمَا يَحْفَظُ بِهِ مَالَهُ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ حَفِظَهَا بِنَفْسِهِ ، وَكَمَا لَوْ دَفَعَ الْمَاشِيَةَ إلَى الرَّاعِي ، أَوْ دَفَعَ الْبَهِيمَةَ إلَى غُلَامِهِ لِيَسْقِيَهَا ، وَيُفَارِقُ الْأَجْنَبِيَّ ، فَإِنَّ دَفْعَهَا إلَيْهِ لَا يُعَدُّ حِفْظًا مِنْهُ .\rالصُّورَةُ الثَّانِيَةُ ، إذَا كَانَ لَهُ عُذْرٌ ، مِثْلُ إنْ أَرَادَ سَفَرًا ، أَوْ خَافَ عَلَيْهَا عِنْدَ نَفْسِهِ مِنْ حَرْقٍ أَوْ غَرَقٍ أَوْ غَيْرِهِ ، فَهَذَا إنْ قَدَرَ عَلَى رَدِّهَا عَلَى صَاحِبِهَا أَوْ وَكِيلِهِ فِي قَبْضِهَا ، لَمْ يَجُزْ لَهُ دَفْعُهَا إلَى غَيْرِهِ .\rفَإِنْ فَعَلَ ضَمِنَهَا ؛ لِأَنَّهُ دَفَعَهَا إلَى غَيْرِ مَالِكِهَا بِغَيْرِ إذْنٍ مِنْهُ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ ، فَضَمِنَهَا ، كَمَا لَوْ أَوْدَعَهَا فِي الصُّورَةِ الْأُولَى .\rوَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى صَاحِبِهَا وَلَا وَكِيلِهِ ، فَلَهُ دَفْعُهَا إلَى الْحَاكِمِ","part":14,"page":231},{"id":6731,"text":"، سَوَاءٌ كَانَ بِهِ ضَرُورَةٌ إلَى السَّفَرِ أَوْ لَمْ يَكُنْ ؛ لِأَنَّهُ مُتَبَرِّعٌ بِإِمْسَاكِهَا ، فَلَا يَلْزَمُهُ اسْتِدَامَتُهُ ، وَالْحَاكِمُ يَقُومُ مَقَامَ صَاحِبِهَا عِنْدَ غَيْبَتِهِ .\rوَإِنْ أَوْدَعَهَا مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى الْحَاكِمِ ، ضَمِنَهَا ؛ لِأَنَّ غَيْرَ الْحَاكِمِ لَا وِلَايَةَ لَهُ .\rوَيُحْتَمَلُ أَنْ يَجُوزَ لَهُ إيدَاعُهَا ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ أَحْفَظَ لَهَا وَأَحَبَّ إلَى صَاحِبِهَا .\rوَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْحَاكِمِ ، فَأَوْدَعَهَا ثِقَةً ، لَمْ يَضْمَنْهَا لِأَنَّهُ مَوْضِعُ حَاجَةٍ .\rوَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّ ظَاهِرَ كَلَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ يَضْمَنُهَا .\rثُمَّ تَأَوَّلَ كَلَامَهُ عَلَى أَنَّهُ أَوْدَعَهَا مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ ، أَوْ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى الْحَاكِمِ .\rوَإِنْ دَفَنَهَا فِي مَوْضِعٍ وَأَعْلَمَ بِهَا ثِقَةً يَدُهُ عَلَى الْمَوْضِعِ ، وَكَانَتْ مِمَّا لَا يَضُرُّهَا الدَّفْنُ ، فَهُوَ كَإِيدَاعِهَا عِنْدَهُ ، وَإِنْ لَمْ يُعْلِمْ بِهَا أَحَدًا ضَمِنَهَا ؛ لِأَنَّهُ فَرَّطَ فِي حِفْظِهَا ، فَإِنَّهُ لَا يَأْمَنُ أَنْ يَمُوتَ فِي سَفَرِهِ ، فَلَا تَصِلُ إلَى صَاحِبِهَا ، وَرُبَّمَا نَسِيَ مَكَانَهَا ، أَوْ أَصَابَهُ آفَةٌ مِنْ هَدْمٍ أَوْ حَرْقٍ أَوْ غَرَقٍ ، فَتُضِيعُ .\rوَإِنْ أَعْلَمَ بِهَا غَيْرَ ثِقَةٍ ، ضَمِنَهَا ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا أَخَذَهَا .\rوَإِنْ أَعْلَمَ بِهَا ثِقَةً لَا يَدَ لَهُ عَلَى الْمَكَانِ ، فَقَدْ فَرَّطَ ، لِأَنَّهُ لَمْ يُودِعْهَا إيَّاهُ ، وَلَا يَقْدِرُ عَلَى الِاحْتِفَاظِ بِهَا .","part":14,"page":232},{"id":6732,"text":"( 5046 ) فَصْلٌ : وَإِنْ أَرَادَ السَّفَرَ بِهَا وَقَدْ نَهَاهُ الْمَالِكُ عَنْ ذَلِكَ ، ضَمِنَهَا ؛ لِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِصَاحِبِهَا ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ نَهَاهُ ، لَكِنَّ الطَّرِيقَ مَخُوفٌ ، أَوْ الْبَلَدَ الَّذِي يُسَافِرُ إلَيْهِ مَخُوفٌ ضَمِنَهَا ؛ لِأَنَّهُ فَرَّطَ فِي حِفْظِهَا .\rوَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ ، فَلَهُ السَّفَرُ بِهَا .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، سَوَاءٌ كَانَ بِهِ ضَرُورَةٌ إلَى السَّفَرِ أَوْ لَمْ يَكُنْ .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ إنْ سَافَرَ بِهَا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى صَاحِبِهَا ، أَوْ وَكِيلِهِ ، أَوْ الْحَاكِمِ أَوْ أَمِينٍ ، ضَمِنَهَا ؛ لِأَنَّهُ يُسَافِرُ بِهَا مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ ، أَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَ السَّفَرُ مَخُوفًا وَلَنَا ، أَنَّهُ نَقَلَهَا إلَى مَوْضِعٍ مَأْمُونٍ ، فَلَمْ يَضْمَنْهَا ، كَمَا لَوْ نَقَلَهَا فِي الْبَلَدِ ، وَلِأَنَّهُ سَافَرَ بِهَا سَفَرًا غَيْرَ مَخُوفٍ ، أَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ يَجِدْ أَحَدًا يَتْرُكُهَا عِنْدَهُ .\rوَيَقْوَى عِنْدِي أَنَّهُ مَتَى سَافَرَ بِهَا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى مَالِكِهَا ، أَوْ نَائِبِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ ، فَهُوَ مُفَرِّطٌ عَلَيْهِ الضَّمَانُ ؛ لِأَنَّهُ يُفَوِّتُ عَلَى صَاحِبِهَا إمْكَانَ اسْتِرْجَاعِهَا ، وَيُخَاطِرُ بِهَا ، فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { : إنَّ الْمُسَافِرَ وَمَالَهُ لَعَلَى قُلْت ، إلَّا مَا وَقَى اللَّهُ } .\rأَيْ عَلَى هَلَاكٍ .\rوَلَا يَلْزَمُ مِنْ الْإِذْنِ فِي إمْسَاكِهَا عَلَى وَجْهٍ لَا يَضْمَنُ هَذَا الْخَطَرَ ، وَلَا يُفَوِّتُ إمْكَانَ رَدِّهَا عَلَى صَاحِبِهَا ، الْإِذْنُ فِيمَا يَتَضَمَّنُ ذَلِكَ فَأَمَّا مَعَ غَيْبَةِ الْمَالِكِ وَوَكِيلِهِ ، فَلَهُ السَّفَرُ بِهَا إذَا كَانَ أَحْفَظَ لَهَا ؛ لِأَنَّهُ مَوْضِعُ حَاجَتِهِ فَيَخْتَارُ فِعْلَ مَا فِيهِ الْحَظُّ .\r( 5047 ) فَصْلٌ : وَإِنْ حَضَرَهُ الْمَوْتُ ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ السَّفَرِ ، عَلَى مَا مَضَى مِنْ أَحْكَامِهِ ، إلَّا فِي أَخْذِهَا مَعَهُ ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا سَبَبٌ لِخُرُوجِ الْوَدِيعَةِ عَنْ يَدِهِ .","part":14,"page":233},{"id":6733,"text":"( 5048 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِنْ كَانَتْ غَلَّةً فَخَلَطَهَا فِي صِحَاحٍ ، أَوْ صِحَاحًا فَخَلَطَهَا فِي غَلَّةٍ ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ ) يَعْنِي بِالْغَلَّةِ الْمُكَسَّرَةَ إذَا خَلَطَهَا بِصِحَاحٍ مِنْ مَالِهِ أَوْ خَلَطَ الصِّحَاحَ بِالْمُكَسَّرَةِ لَمْ يَضْمَنْهَا ؛ لِأَنَّهَا تَتَمَيَّزُ مِنْهَا فَلَا يَعْجِزُ بِذَلِكَ عَنْ رَدِّهَا عَلَى صَاحِبِهَا ، فَلَمْ يَضْمَنْهَا ، كَمَا لَوْ تَرَكَهَا فِي صُنْدُوقٍ وَفِيهِ أَكْيَاسٌ لَهُ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ اخْتِلَافًا .\rوَكَذَلِكَ الْحُكْمُ إذَا خَلَطَ دَرَاهِمَ بِدَنَانِيرَ ، وَبِيضًا بِسُودٍ .\rوَقَدْ حُكِيَ عَنْ أَحْمَدَ ، فِي مَنْ خَلَطَ دَرَاهِمَ بِيضًا بِسُودٍ : يَضْمَنُهَا .\rوَلَعَلَّهُ قَالَ ذَلِكَ لِكَوْنِهَا تَكْتَسِبُ مِنْهَا سَوَادًا ، أَوْ يَتَغَيَّرُ لَوْنُهَا ، فَتَنْقُصُ قِيمَتُهَا ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا ضَرَرٌ ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ .\rوَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .","part":14,"page":234},{"id":6734,"text":"( 5049 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَلَوْ أَمَرَهُ أَنْ يَجْعَلَهَا فِي مَنْزِلٍ ، فَأَخْرَجَهَا عَنْ الْمَنْزِلِ ، لِغَشَيَانِ نَارٍ ، أَوْ سَيْلٍ ، أَوْ شَيْءٍ الْغَالِبُ مِنْهُ الْبَوَارُ ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ رَبَّ الْوَدِيعَةِ إذَا أَمَرَ الْمُسْتَوْدَعَ بِحِفْظِهَا فِي مَكَان عَيَّنَهُ ، فَحَفِظَهَا فِيهِ ، وَلَمْ يَخْشَ عَلَيْهَا ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ .\rبِغَيْرِ خِلَافٍ لِأَنَّهُ مُمْتَثِلٌ لِأَمْرِهِ ، غَيْرُ مُفَرِّطٍ فِي مَالِهِ .\rوَإِنْ خَافَ عَلَيْهَا سَيْلًا وَتَوًى ، يَعْنِي هَلَاكًا ، فَأَخْرَجَهَا مِنْهُ إلَى حِرْزِهَا ، فَتَلِفَتْ ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ .\rبِغَيْرِ خِلَافٍ أَيْضًا ؛ لِأَنَّ نَقْلَهَا فِي هَذِهِ الْحَالِ تَعَيَّنَ حِفْظًا لَهَا ، وَهُوَ مَأْمُورٌ بِحِفْظِهَا .\rوَإِنْ تَرَكَهَا مَعَ الْخَوْفِ فَتَلِفَتْ ، ضَمِنَهَا سَوَاءٌ تَلِفَتْ بِالْأَمْرِ الْمَخُوفِ أَوْ بِغَيْرِهِ ؛ لِأَنَّهُ فَرَّطَ فِي حِفْظِهَا ، لِأَنَّ حِفْظَهَا نَقْلُهَا ، وَتَرْكَهَا تَضْيِيعٌ لَهَا .\rوَإِنْ لَمْ يَخَفْ عَلَيْهَا فَنَقَلَهَا عَنْ الْحِرْزِ إلَى دُونِهِ ، ضَمِنَهَا ؛ لِأَنَّهُ خَالَفَهُ فِي الْحِفْظِ الْمَأْمُورِ بِهِ .\rوَإِنْ نَقَلَهَا إلَى دُونِهِ عِنْدَ الْخَوْفِ عَلَيْهَا ، نَظَرْنَا ؛ فَإِنْ أَمْكَنَهُ إحْرَازُهَا بِمِثْلِهِ ، أَوْ أَعْلَى مِنْهُ ، ضَمِنَهَا أَيْضًا ؛ لِتَفْرِيطِهِ ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ إحْرَازُهَا إلَّا بِمَا دُونَهُ ، لَمْ يَضْمَنْهَا ؛ لِأَنَّ إحْرَازَهَا بِذَلِكَ أَحْفَظُ لَهَا مِنْ تَرْكِهِ ، وَلَيْسَ فِي وُسْعِهِ سِوَاهُ .\rوَإِنْ نَقَلَهَا إلَى مِثْلِ ذَلِكَ الْحِرْزِ لِغَيْرِ عُذْرٍ ، فَقَالَ الْقَاضِي : لَا يَضْمَنُهَا .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ تَقْيِيدَهُ بِهَذَا الْحِرْزِ يَقْتَضِي مَا هُوَ مِثْلُهُ ، كَمَنْ اكْتَرَى أَرْضًا لِزَرْعِ حِنْطَةٍ ، فَلَهُ زَرْعُهَا وَزَرْعُ مِثْلِهَا فِي الضَّرَرِ .\rوَيَحْتَمِلُ كَلَامُ الْخِرَقِيِّ لُزُومَ الضَّمَانِ ، لِأَنَّ الْأَمْرَ بِشَيْءٍ يَقْتَضِي تَعْيِينَهُ ، فَلَا يَعْدِلُ عَنْهُ إلَّا بِدَلِيلٍ .\rوَإِنْ نَقَلَهَا إلَى أَحْرَزَ مِنْهُ كَانَ حُكْمُهُ حُكْمَ مَا لَوْ أَخْرَجَهَا إلَى مِثْلِهِ .\rفَإِنْ نَهَاهُ عَنْ إخْرَاجِهَا مِنْ","part":14,"page":235},{"id":6735,"text":"ذَلِكَ الْمَكَانِ ، فَالْحُكْمُ فِيهِ كَمَا لَوْ أَمَرَهُ بِتَرْكِهَا فِيهِ وَلَمْ يَنْهَهُ عَنْ إخْرَاجِهَا مِنْهُ ، إلَّا فِي أَنَّهُ إذَا خَافَ عَلَيْهَا فَلَمْ يُخْرِجْهَا حَتَّى تَلِفَتْ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، يَضْمَنُ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا فِي الَّتِي قَبْلَهَا .\rوَالثَّانِي ، لَا يَضْمَنُ ؛ لِأَنَّهُ مُمْتَثِلٌ لِقَوْلِ صَاحِبِهَا وَفِي أَنَّهُ إذَا أَخْرَجَهَا لِغَيْرِ عُذْرٍ ضَمِنَهَا ، سَوَاءٌ أَخْرَجَهَا إلَى مِثْلِهِ أَوْ دُونَهُ أَوْ فَوْقَهُ لِأَنَّهُ خَالَفَ صَاحِبَهَا لِغَيْرِ فَائِدَةٍ .\rوَهَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إنْ نَهَاهُ عَنْ نَقْلِهَا مِنْ بَيْتٍ ، فَنَقَلَهَا إلَى بَيْتٍ آخَرَ مِنْ الدَّارِ ، لَمْ يَضْمَنْ ؛ لِأَنَّهُ الْبَيْتَيْنِ مِنْ دَارٍ وَاحِدَةٍ حِرْزٌ وَاحِدٌ ، وَطَرِيقُ أَحَدِهِمَا طَرِيقُ الْآخَرِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ نَقَلَهَا مِنْ زَاوِيَةٍ إلَى زَاوِيَةٍ .\rوَإِنْ نَقَلَهَا مِنْ دَارٍ إلَى دَارٍ أُخْرَى ، ضَمِنَ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ خَالَفَ أَمْرَ صَاحِبِهَا بِمَا لَا مَصْلَحَةَ فِيهِ ، فَيَضْمَنُ ، كَمَا لَوْ نَقَلَهَا مِنْ دَارٍ إلَى دَارٍ .\rوَلَيْسَ مَا فَرَّقَ بِهِ صَحِيحًا ؛ لِأَنَّ ثُبُوتَ الدَّارِ تَخْتَلِفُ ، فَمِنْهَا مَا هُوَ أَقْرَبُ إلَى الطَّرِيقِ ، أَوْ إلَى مَوْضِعِ الْوَقُودِ ، أَوْ إلَى الِانْهِدَامِ ، أَوْ أَسْهَلُ فَتْحًا ، أَوْ بَابُهُ أَسْهَلُ كَسْرًا ، أَوْ أَضْعَفُ حَائِطًا ، أَوَأَسْهَلُ نَقْبًا ، أَوْ لِكَوْنِ الْمَالِكِ يَسْكُنُ بِهِ ، أَوْ يَسْكُنُ فِي غَيْرِهِ ، وَأَشْبَاهُ هَذَا مِمَّا يُؤَثِّرُ فِي الْحِفْظِ أَوْ فِي عَدَمِهِ ، فَلَا يَجُوزُ تَفْوِيتُ غَرَضِ رَبِّ الْوَدِيعَةِ مِنْ تَعْيِينِهِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ .\rوَإِنْ خَافَ عَلَيْهَا فِي مَوْضِعِهَا ، فَعَلَيْهِ نَقْلُهَا .\rفَإِنْ تَرَكَهَا فَتَلِفَتْ ضَمِنَهَا ؛ لِأَنَّ نَهْيَ صَاحِبِهَا عَنْ إخْرَاجِهَا إنَّمَا كَانَ لِحِفْظِهَا ، وَحِفْظُهَا هَاهُنَا فِي إخْرَاجِهَا ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ يَنْهَهُ عَنْ إخْرَاجِهَا .\rفَإِنْ قَالَ : لَا تُخْرِجْهَا وَإِنْ خِفْت عَلَيْهَا .\rفَأَخْرَجَهَا مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ ضَمِنَهَا ، وَإِنْ أَخْرَجَهَا عِنْدَ خَوْفِهِ عَلَيْهَا ، أَوْ تَرَكَهَا فَتَلِفَتْ ،","part":14,"page":236},{"id":6736,"text":"لَمْ يَضْمَنْهَا ؛ لِأَنَّ نَهْيَهُ مَعَ خَوْفِ الْهَلَاكِ نَصٌّ فِيهِ ، وَتَصْرِيحٌ بِهِ ، فَيَكُونُ مَأْذُونًا فِي تَرْكِهَا فِي تِلْكَ الْحَالِ ، فَلَمْ يَضْمَنْهَا ؛ لِامْتِثَالِهِ أَمْرَ صَاحِبِهَا ، كَمَا لَوْ قَالَ لَهُ : أَتْلِفْهَا .\rفَأَتْلَفَهَا .\rوَلَا يَضْمَنُ إذَا أَخْرَجَهَا ؛ لِأَنَّهُ زِيَادَةُ خَيْرٍ وَحِفْظٍ ، فَلَمْ يَضْمَنْ بِهِ ، كَمَا لَوْ قَالَ لَهُ : أَتْلِفْهَا .\rفَلَمْ يُتْلِفْهَا حَتَّى تَلِفَتْ .","part":14,"page":237},{"id":6737,"text":"( 5050 ) فَصْلٌ : وَإِنْ أَوْدَعَهُ وَدِيعَةً ، وَلَمْ يُعَيِّنْ لَهُ مَوْضِعَ إحْرَازِهَا ، فَإِنَّ الْمُودَعَ يَحْفَظُهَا فِي حِرْزِ مِثْلِهَا أَيِّ مَوْضِعٍ شَاءَ .\rفَإِنْ وَضَعَهَا فِي حِرْزٍ ، ثُمَّ نَقَلَهَا عَنْهُ إلَى حِرْزِ مِثْلِهَا ، لَمْ يَضْمَنْهَا ، سَوَاءٌ نَقَلَهَا إلَى مِثْلِ الْأَوَّلِ أَوْ دُونَهُ ؛ لِأَنَّ رَبَّهَا رَدَّ حِفْظَهَا إلَى رَأْيِهِ وَاجْتِهَادِهِ ، وَأَذِنَ لَهُ فِي إحْرَازِهَا بِمَا شَاءَ مِنْ إحْرَازِ مِثْلِهَا ، وَلِهَذَا لَوْ تَرَكَهَا فِي هَذَا الثَّانِي أَوَّلًا لَمْ يَضْمَنْهَا ، فَكَذَلِكَ إذَا نَقَلَهَا إلَيْهِ .\rوَلَوْ كَانَتْ الْعَيْنُ فِي بَيْتِ صَاحِبِهَا فَقَالَ لِرَجُلٍ : احْفَظْهَا فِي مَوْضِعِهَا .\rفَنَقَلَهَا عَنْهُ مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ ، ضَمِنَهَا ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُودَعٍ ، إنَّمَا هُوَ وَكِيلٌ فِي حِفْظِهَا ، وَلَيْسَ لَهُ إخْرَاجُهَا مِنْ مِلْكِ صَاحِبِهَا ، وَلَا مِنْ مَوْضِعٍ اسْتَأْجَرَهُ لَهَا ، إلَّا أَنْ يَخَافَ عَلَيْهَا .\rفَعَلَيْهِ إخْرَاجُهَا ، لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِحِفْظِهَا ، وَقَدْ تَعَيَّنَ حِفْظُهَا فِي إخْرَاجِهَا ، وَيَعْلَمُ أَنَّ صَاحِبَهَا لَوْ حَضَرَ فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ لَأَخْرَجَهَا ، وَلِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِحِفْظِهَا عَلَى صِفَةٍ ، فَإِذَا تَعَذَّرَتْ الصِّفَةُ ، لَزِمَهُ حِفْظُهَا بِدُونِهَا ، كَالْمُسْتَوْدَعِ إذَا خَافَ عَلَيْهَا .","part":14,"page":238},{"id":6738,"text":"( 5051 ) فَصْلٌ : إذَا أَخْرَجَ الْوَدِيعَةَ الْمَنْهِيَّ عَنْ إخْرَاجِهَا ، فَتَلِفَتْ ، وَادَّعَى أَنَّهُ أَخْرَجَهَا لِغَشَيَانِ نَارٍ أَوْ سَيْلٍ ، أَوْ شَيْءٍ ظَاهِرٍ ، فَأَنْكَرَ صَاحِبُهَا وُجُودَهُ ، فَعَلَى الْمُسْتَوْدَعِ الْبَيِّنَةُ أَنَّهُ كَانَ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ مَا ادَّعَاهُ ؛ لِأَنَّ هَذَا مِمَّا لَا تَتَعَذَّرُ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ ، لِأَنَّهُ أَمْرٌ ظَاهِرٌ .\rفَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ ، كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ فِي التَّلَفِ مَعَ يَمِينِهِ ، وَلَا يَحْتَاجُ إلَى بَيِّنَةٍ ، لِأَنَّهُ تَتَعَذَّرُ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ ، فَلَمْ يُطَالَبْ بِهَا ، كَمَا لَوْ ادَّعَى التَّلَفَ بِأَمْرٍ خَفِيٍّ ، وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ .\rوَالْحُكْمُ فِي إخْرَاجِهَا مِنْ الْخَرِيطَةِ وَالصُّنْدُوقِ ، حُكْمُ إخْرَاجِهَا مِنْ الْبَيْتِ ، عَلَى مَا مَضَى مِنْ التَّفْصِيلِ فِيهِ .","part":14,"page":239},{"id":6739,"text":"( 5052 ) فَصْلٌ : وَلَوْ أَمَرَهُ أَنْ يَجْعَلَهَا فِي مَنْزِلِهِ ، فَتَرَكَهَا فِي ثِيَابِهِ ، وَخَرَجَ بِهَا ، ضَمِنَهَا ؛ لِأَنَّ الْبَيْتَ أُحْرِزَ لَهَا .\rوَإِنْ جَاءَهُ بِهَا فِي السُّوقِ ، فَقَالَ : احْفَظْهَا فِي بَيْتِكَ .\rفَقَامَ بِهَا فِي الْحَالِ ، فَتَلِفَتْ ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ .\rوَإِنْ تَرَكَهَا فِي دُكَّانِهِ أَوْ ثِيَابِهِ ، وَلَمْ يَحْمِلْهَا إلَى بَيْتِهِ مَعَ إمْكَانِهِ ، فَتَلِفَتْ ، ضَمِنَهَا ؛ لِأَنَّ بَيْتَهُ أُحْرِزَ لَهَا .\rهَكَذَا قَالَ أَصْحَابُنَا .\rوَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ مَتَى تَرَكَهَا عِنْدَهُ إلَى وَقْتِ مُضِيِّهِ إلَى مَنْزِلِهِ فِي الْعَادَةِ فَتَلِفَتْ ، لَمْ يَضْمَنْهَا ؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ أَنَّ الْإِنْسَانَ إذَا أَوْدَعَ شَيْئًا وَهُوَ فِي دُكَّانِهِ ، أَمْسَكَهُ فِي دُكَّانِهِ أَوْ فِي ثِيَابِهِ إلَى وَقْتِ مُضِيِّهِ إلَى مَنْزِلِهِ فَيَسْتَصْحِبُهُ مَعَهُ ، وَالْمُودِعُ عَالِمٌ بِهَذِهِ الْحَالَةِ رَاضٍ بِهَا ، وَلَوْ لَمْ يَرْضَ بِهَا لَشَرَطَ عَلَيْهِ خِلَافَهَا ، وَأَمَرَهُ بِتَعْجِيلِ حَمْلِهَا ، فَإِمَّا أَنْ يَقْبَلَهَا بِهَذَا الشَّرْطِ أَوْ يَرُدَّهَا .\rوَإِنْ قَالَ : اجْعَلْهَا فِي كُمِّك .\rفَجَعَلَهَا فِي جَيْبِهِ ، لَمْ يَضْمَنْهَا لِأَنَّ الْجَيْبَ أُحْرِزَ لَهَا ، لِأَنَّهُ رُبَّمَا نَسِيَ ، فَيَسْقُطُ الشَّيْءُ مِنْ كُمِّهِ بِخِلَافِ الْجَيْبِ .\rوَإِنْ قَالَ : اجْعَلْهَا فِي جَيْبِكَ .\rفَتَرَكَهَا فِي كُمِّهِ ، ضَمِنَهَا لِذَلِكَ .\rوَإِنْ جَعَلَهَا فِي يَدِهِ ، ضَمِنَ أَيْضًا ، كَذَلِكَ .\rوَإِنْ قَالَ : اجْعَلْهَا فِي كُمِّك .\rفَتَرَكَهَا فِي يَدِهِ فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، يَضْمَنُ ؛ لِأَنَّ سُقُوطَ الشَّيْءِ مِنْ الْيَدِ مَعَ النِّسْيَانِ أَكْثَرُ مِنْ سُقُوطِهِ مِنْ الْكُمِّ وَالثَّانِي ، لَا يَضْمَنُ ؛ لِأَنَّ الْيَدَ لَا يَتَسَلَّطُ عَلَيْهَا الطَّرَّارُ بِالْبَطِّ ، وَالْكُمُّ بِخِلَافِهِ ، وَلِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أُحْرِزَ مِنْ وَجْهٍ ، فَيَتَسَاوَيَانِ .\rوَلِمَنْ نَصَرَ الْوَجْهَ الْأَوَّلَ أَنْ يَقُولَ : مَتَى كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَحْرَزَ مِنْ وَجْهٍ ، وَجَبَ أَنْ يَضْمَنَ ؛ لِأَنَّهُ فَوَّتَ الْوَجْهَ الْمَأْمُورَ بِالْحِفْظِ بِهِ ، وَأَتَى بِمَا لَمْ يُؤْمَرْ بِهِ ،","part":14,"page":240},{"id":6740,"text":"فَضَمِنَ لِمُخَالَفَتِهِ .\rوَعَلَى هَذَا لَوْ أَمَرَ بِتَرْكِهَا فِي يَدِهِ ، فَجَعَلَهَا فِي كُمِّهِ ، ضَمِنَ لِذَلِكَ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : الْيَدُ أَحْرَزُ عِنْدَ الْمُغَالَبَةِ ، وَالْكُمُّ أَحْرَزُ مِنْهُ عِنْدَ عَدَمِ الْمُغَالَبَةِ .\rفَعَلَى هَذَا ، إنْ أُمِرَ بِتَرْكِهَا فِي يَدِهِ ، فَشَدَّهَا فِي كُمِّهِ عِنْدَ غَيْرِ الْمُغَالَبَةِ ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ .\rوَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ عِنْدَ الْمُغَالَبَةِ ضَمِنَ وَإِنْ أَمَرَهُ بِشَدِّهَا فِي كُمِّهِ ، فَأَمْسَكَهَا فِي يَدِهِ عِنْدَ الْمُغَالَبَةِ لَمْ يَضْمَنْ ، وَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ عِنْدَ غَيْرِ الْمُغَالَبَةِ ضَمِنَ .\rوَإِنْ أَمَرَهُ بِحِفْظِهَا مُطْلَقًا ، فَتَرَكَهَا فِي جَيْبِهِ ، أَوْ شَدَّهَا فِي كُمِّهِ ، لَمْ يَضْمَنْهَا .\rوَإِنْ تَرَكَهَا فِي كُمِّهِ غَيْرَ مَشْدُودَةٍ ، وَكَانَتْ خَفِيفَةً لَا يَشْعُرُ بِهَا إذَا سَقَطَتْ ، ضَمِنَهَا ؛ لِأَنَّهُ مُفَرِّطٌ ، وَإِنْ كَانَتْ ثَقِيلَةً يَشْعُرُ بِهَا ، لَمْ يَضْمَنْهَا ؛ لِأَنَّ هَذَا عَادَةُ النَّاسِ فِي حِفْظِ أَمْوَالِهِمْ .\rوَإِنْ شَدَّهَا عَلَى عَضُدِهِ ، لَمْ يَضْمَنْهَا ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ أَحْفَظُ لَهَا .\rوَقَالَ الْقَاضِي : إنْ شَدَّهَا مِنْ جَانِبِ الْجَيْبِ ، لَمْ يَضْمَنْ ، وَإِنْ شَدَّهَا مِنْ الْجَانِبِ الْآخَرِ ، ضَمِنَهَا لِأَنَّ الطَّرَّارَ يَقْدِرُ عَلَى بَطِّهَا ، بِخِلَافِ مَا إذَا شَدَّهَا مِمَّا يَلِي الْجَيْبَ .\rوَهَذَا يَبْطُلُ بِمَا إذَا تَرَكَهَا فِي جَيْبِهِ ، أَوْ شَدَّهَا فِي كُمِّهِ ، فَإِنَّ الطَّرَّارَ يَقْدِرُ عَلَى بَطِّهَا وَلَا يَضْمَنُ ، وَلَيْسَ إمْكَانُ إحْرَازِهَا بِأَحْفَظِ الْحِرْزَيْنِ مَانِعًا مِنْ إحْرَازِهَا بِمَا دُونَهُ ، إذَا كَانَ حِرْزًا لِمِثْلِهَا .\rوَشَدُّهَا عَلَى الْعَضُدِ حِرْزٌ لَهَا كَيْفَمَا كَانَ ؛ لِأَنَّ النَّاسَ يُحْرِزُونَ بِهِ أَمْوَالَهُمْ ، فَأَشْبَهَ شَدَّهَا فِي الْكُمِّ وَتَرْكَهَا فِي الْجَيْبِ ، وَلَكِنْ لَوْ أَمَرَهُ بِشَدِّهَا مِمَّا يَلِي الْجَيْبَ ، فَشَدَّهَا مِنْ الْجَانِبِ الْآخَرِ ، ضَمِنَ .\rوَإِنْ أَمَرَهُ بِشَدِّهَا مِمَّا يَلِي الْجَانِبَ الْآخَرَ ، فَشَدَّهَا مِمَّا يَلِي الْجَيْبَ ، لَمْ يَضْمَنْ ؛ لِأَنَّهُ أُحْرِزَ .\rوَإِنْ أَمَرَهُ بِشَدِّهَا عَلَى عَضُدِهِ","part":14,"page":241},{"id":6741,"text":"مُطْلَقًا ، أَوْ أَمَرَهُ بِحِفْظِهَا مَعَهُ ، فَشَدَّهَا مِنْ أَيِّ الْجَانِبَيْنِ كَانَ ، لَمْ يَضْمَنْ ؛ لِأَنَّهُ مُمْتَثِلٌ أَمْرَ مَالِكِهَا ، مُحْرِزٌ لَهَا بِحِرْزِ مِثْلِهَا .\rوَأَنْ شَدَّهَا عَلَى وَسَطِهِ ، فَهُوَ أَحْرَزُ لَهَا ، وَكَذَلِكَ إنْ تَرَكَهَا فِي بَيْتِهِ فِي حِرْزِهَا .","part":14,"page":242},{"id":6742,"text":"( 5053 ) فَصْلٌ : وَإِنْ أَمَرَهُ أَنْ يَجْعَلَهَا فِي صُنْدُوقٍ ، وَقَالَ : لَا تَقْفِلْ عَلَيْهَا ، وَلَا تَنَمْ فَوْقَهَا .\rفَخَالَفَهُ فِي ذَلِكَ ، أَوْ قَالَ : لَا تَقْفِلْ عَلَيْهَا إلَّا قُفْلَا وَاحِدًا ، فَجَعَلَ عَلَيْهَا قُفْلَيْنِ ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ .\rذَكَرَهُ الْقَاضِي .\rوَهُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ .\rوَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يَضْمَنُ ؛ لِأَنَّهُ خَالَفَ رَبَّهَا فِي شَيْءٍ لَهُ فِيهِ غَرَضٌ يَتَعَلَّقُ بِحِفْظِهَا ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ نَهَاهُ عَنْ إخْرَاجِهَا عَنْ مَنْزِلِهِ فَأَخْرَجَهَا لِغَيْرِ حَاجَةٍ وَذَلِكَ لِأَنَّ النَّوْمَ عَلَيْهَا ، وَتَرْكَ قُفْلَيْنِ عَلَيْهَا ، وَزِيَادَةَ الِاحْتِفَاظِ بِهَا ، يُنَبِّهُ اللِّصَّ عَلَيْهَا ، وَيَحُثُّهُ عَلَى الْجِدِّ فِي سَرِقَتِهَا ، وَالِاحْتِيَالِ لِأَخْذِهَا .\rوَلَنَا ، أَنَّ ذَلِكَ أُحْرِزَ لَهَا ، فَلَا يَضْمَنُ بِفِعْلِهِ ، كَمَا لَوْ أَمَرَهُ بِتَرْكِهَا فِي صَحْنِ الدَّارِ ، فَتَرَكَهَا فِي الْبَيْتِ ، وَبِهَذَا يَنْتَقِضُ مَا ذَكَرُوهُ .","part":14,"page":243},{"id":6743,"text":"( 5054 ) فَصْلٌ : إذَا : قَالَ : اجْعَلْهَا فِي هَذَا الْبَيْتِ ، وَلَا تُدْخِلْهُ أَحَدًا .\rفَأَدْخَلَ إلَيْهِ قَوْمًا ، فَسَرَقَهَا أَحَدُهُمْ ، ضَمِنَهَا ؛ لِأَنَّهَا ذَهَبَتْ بِتَعَدِّيهِ وَمُخَالَفَتِهِ ، وَسَوَاءٌ سَرَقَهَا حَالَ إدْخَالِهِمْ ، أَوْ بَعْدَهُ لِأَنَّهُ رُبَّمَا شَاهَدَ الْوَدِيعَةَ فِي دُخُولِهِ الْبَيْتَ ، وَعَلِمَ مَوْضِعَهَا ، وَطَرِيقَ الْوُصُولِ إلَيْهَا .\rوَإِنْ سَرَقَهَا مَنْ لَمْ يَدْخُلْ الْبَيْتَ ، فَقَالَ الْقَاضِي : لَا يَضْمَنُ ؛ لِأَنَّ فِعْلَهُ لَمْ يَكُنْ سَبَبًا لِإِتْلَافِهَا .\rوَيُحْتَمَلُ أَنْ يَلْزَمَهُ الضَّمَانُ ؛ لِأَنَّ الدَّاخِلَ رُبَّمَا دَلَّ عَلَيْهَا مَنْ لَمْ يَدْخُلْ ، وَلِأَنَّهَا مُخَالَفَةٌ فَوَجَبَ الضَّمَانُ .\rإذَا كَانَتْ سَبَبًا لِإِتْلَافِهَا فَأَوْجَبَتْهُ ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ سَبَبًا كَمَا لَوْ نَهَاهُ عَنْ إخْرَاجِهَا فَأَخْرَجَهَا لِغَيْرِ حَاجَةٍ .","part":14,"page":244},{"id":6744,"text":"( 5055 ) فَصْلٌ : إذَا قَالَ : ضَعْ هَذَا الْخَاتَمَ فِي الْخِنْصَرِ .\rفَوَضَعَهُ فِي الْبِنْصِرِ ، لَمْ يَضْمَنْهُ ؛ لِأَنَّهَا أَغْلَظُ وَأَحْفَظُ لَهُ ، إلَّا أَنْ لَا يَدْخُلَ فِيهَا ، فَيَضَعَهُ فِي أُنْمُلَتِهَا الْعُلْيَا فَيَضْمَنَهُ ، أَوْ يَنْكَسِرَ بِهَا لِغِلَظِهَا عَلَيْهِ ، فَيَضْمَنَهُ أَيْضًا ؛ لِأَنَّ مُخَالَفَتَهُ سَبَبٌ لِتَلَفِهِ .","part":14,"page":245},{"id":6745,"text":"( 5056 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِذَا أَوْدَعَهُ شَيْئًا ، ثُمَّ سَأَلَهُ دَفْعَهُ إلَيْهِ فِي وَقْتٍ أَمْكَنَهُ ذَلِكَ ، فَلَمْ يَفْعَلْ حَتَّى تَلِفَ ، فَهُوَ ضَامِنٌ ) لَا خِلَافَ فِي وُجُوبِ رَدِّ الْوَدِيعَةِ عَلَى مَالِكِهَا ، إذَا طَلَبِهَا ، فَأَمْكَنَ أَدَاؤُهَا إلَيْهِ بِغَيْرِ ضَرُورَةٍ ، وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِذَلِكَ ، فَقَالَ تَعَالَى : { إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إلَى أَهْلِهَا } .\rوَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ { : أَدِّ الْأَمَانَةَ إلَى مَنْ ائْتَمَنَك ، وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ } يَعْنِي عِنْدَ طَلَبِهَا .\rوَلِأَنَّهَا حَقٌّ لِمَالِكِهَا لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهَا حَقُّ غَيْرِهِ ، فَلَزِمَ أَدَاؤُهَا إلَيْهِ ، كَالْمَغْصُوبِ وَالدَّيْنِ الْحَالِ .\rفَإِنْ امْتَنَعَ مِنْ دَفْعِهَا فِي هَذِهِ الْحَالِ ، فَتَلِفَتْ ، ضَمِنَهَا ؛ لِأَنَّهُ صَارَ غَاصِبًا ، لِكَوْنِهِ أَمْسَكَ مَالَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ بِفِعْلٍ مُحَرَّمٍ ، فَأَشْبَهَ الْغَاصِبَ .\rفَأَمَّا إنْ طَلَبِهَا فِي وَقْتٍ لَمْ يُمْكِنْ دَفْعُهَا إلَيْهِ ، لِبُعْدِهَا ، أَوْ لِمَخَافَةٍ فِي طَرِيقِهَا ، أَوْ لِلْعَجْزِ عَنْ حَمْلِهَا ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ ، لَمْ يَكُنْ مُتَعَدِّيًا بِتَرْكِ تَسْلِيمِهَا ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يُكَلِّفُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَا .\rوَإِنْ تَلِفَتْ لَمْ يَضْمَنْهَا ؛ لِعَدَمِ عُدْوَانِهِ .\rوَإِنْ قَالَ أَمْهِلُونِي حَتَّى أَقْضِيَ صَلَاتِي ، أَوْ آكُلَ ، فَإِنِّي جَائِعٌ أَوْ أَنَامَ فَإِنِّي نَاعِسٌ ، أَوْ يَنْهَضِمَ عَنِّي الطَّعَامُ فَإِنِّي مُمْتَلِئٌ أُمْهِلَ بِقَدْرِ ذَلِكَ .","part":14,"page":246},{"id":6746,"text":"( 5057 ) فَصْلٌ : وَلَيْسَ عَلَى الْمُسْتَوْدَعِ مُؤْنَةُ الرَّدِّ وَحَمْلُهَا إلَى رَبِّهَا إذَا كَانَتْ مِمَّا لِحَمْلِهِ مُؤْنَةٌ ، قُلْت الْمُؤْنَةُ أَوْ كَثُرَتْ ؛ لِأَنَّهُ قَبَضَ الْعَيْنَ لِمَنْفَعَةِ مَالِكِهَا عَلَى الْخُصُوصِ ، فَلَمْ تَلْزَمْهُ الْغَرَامَةُ عَلَيْهَا ، كَمَا لَوْ وَكَّلَهُ فِي حِفْظِهَا فِي مِلْكِ صَاحِبِهَا ، وَإِنَّمَا عَلَيْهِ التَّمْكِينُ مِنْ أَخْذِهَا .\rوَإِنْ سَافَرَ بِهَا بِغَيْرِ إذْنِ رَبِّهَا ، فَعَلَيْهِ رَدُّهَا إلَى بَلَدِهَا ، لِأَنَّهُ أَبْعَدَهَا بِغَيْرِ إذْنِ رَبِّهَا ، فَلَزِمَهُ رَدُّهَا ، كَالْغَاصِبِ .","part":14,"page":247},{"id":6747,"text":"( 5058 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : : ( وَإِذَا مَاتَ وَعِنْدَهُ وَدِيعَةٌ لَا تَتَمَيَّزُ مِنْ مَالِهِ ، فَصَاحِبُهَا غَرِيمٌ بِهَا ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الرَّجُلَ إذَا مَاتَ ، وَثَبَتَ أَنَّ عِنْدَهُ وَدِيعَةً لَمْ تُوجَدْ بِعَيْنِهَا ، فَهِيَ دَيْنٌ عَلَيْهِ ، يَغْرَمُ مِنْ تَرِكَتِهِ ، فَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ سِوَاهَا ، فَهِيَ وَالدَّيْنُ سَوَاءٌ فَإِنْ وَفَتْ تَرِكَتُهُ بِهِمَا ، وَإِلَّا اقْتَسَمَاهَا بِالْحِصَصِ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّعْبِيُّ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَدَاوُد بْنُ أَبِي هِنْدٍ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ وَإِسْحَاقُ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ شُرَيْحٍ ، وَمَسْرُوقٍ ، وَعَطَاءٍ ، وَطَاوُسٍ ، وَالزُّهْرِيِّ ، وَأَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ .\rوَرُوِيَ عَنْ النَّخَعِيِّ : الْأَمَانَةُ قَبْلَ الدَّيْنِ .\rوَقَالَ الْحَارِثُ الْعُكْلِيُّ : الدَّيْنُ قَبْلَ الْأَمَانَةِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُمَا حَقَّانِ وَجَبَا فِي ذِمَّتِهِ ، فَتَسَاوَيَا كَالدَّيْنَيْنِ ، وَسَوَاءٌ وُجِدَ فِي تَرِكَتِهِ مِنْ جِنْسِ الْوَدِيعَةِ أَوْ لَمْ يُوجَدْ .\rوَهَذَا إذَا أَقَرَّ الْمُودَعُ أَنَّ عِنْدِي وَدِيعَةً أَوْ عَلَيَّ وَدِيعَةٌ لَفُلَانٍ ، أَوْ ثَبَتَ بِبَيِّنَةٍ أَنَّهُ مَاتَ وَعِنْدَهُ وَدِيعَةٌ ، فَأَمَّا إنْ كَانَتْ عِنْدَهُ وَدِيعَةٌ فِي حَيَاتِهِ ، وَلَمْ تُوجَدُ بِعَيْنِهَا ، وَلَمْ يُعْلَمْ هَلْ هِيَ بَاقِيَةٌ عِنْدَهُ أَوْ تَلِفَتْ .\rفَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، وُجُوبُ ضَمَانِهَا ؛ لِأَنَّ الْوَدِيعَةَ يَجِبُ رَدُّهَا .\rإلَّا أَنْ يَثْبُتَ سُقُوطُ الرَّدِّ بِالتَّلَفِ مِنْ غَيْرِ تَعَدٍّ ، وَلَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ ، وَلِأَنَّ الْجَهْلَ بِعَيْنِهَا كَالْجَهْلِ بِهَا ، وَذَلِكَ لَا يُسْقِطُ الرَّدَّ .\rوَالثَّانِي ، لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ الْوَدِيعَةَ أَمَانَةٌ ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ إتْلَافِهَا وَالتَّعَدِّي فِيهَا ، فَلَمْ يَجِبْ ضَمَانُهَا .\rوَهَذَا قَوْلُ ابْنِ أَبِي لَيْلَى ، وَأَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ .\rوَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ الْأَوَّلُ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ وُجُوبُ الرَّدِّ ، فَيَبْقَى عَلَيْهِ ، مَا لَمْ يُوجَدْ مَا يُزِيلُهُ .","part":14,"page":248},{"id":6748,"text":"( 5059 ) فَصْلٌ : وَإِنْ مَاتَ وَعِنْدَهُ وَدِيعَةٌ مَعْلُومَةٌ بِعَيْنِهَا ، فَعَلَى وَرَثَتِهِ تَمْكِينُ صَاحِبِهَا مِنْ أَخْذِهَا ، فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِمَوْتِ صَاحِبهَا مَنْ أَخَذَهَا وَجَبَ عَلَيْهِمْ إعْلَامُهُ بِهِ ، وَلَيْسَ لَهُمْ إمْسَاكُهَا قَبْلَ أَنْ يَعْلَمَ بِهَا رَبُّهَا ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتَمِنْهُمْ عَلَيْهَا ، وَإِنَّمَا حَصَلَ مَالُ غَيْرِهِمْ فِي أَيْدِيهِمْ ، بِمَنْزِلَةِ مَنْ أَطَارَتْ الرِّيحُ إلَى دَارِهِ ثَوْبًا وَعَلِمَ بِهِ ، فَعَلَيْهِ إعْلَامُ صَاحِبِهِ بِهِ ، فَإِنْ أَخَّرَ ذَلِكَ مَعَ الْإِمْكَانِ ضَمِنَ .\rكَذَا هَا هُنَا .\rوَلَا تَثْبُتُ الْوَدِيعَةُ إلَّا بِإِقْرَارٍ مِنْ الْمَيِّتِ أَوْ وَرَثَتِهِ ، أَوْ بِبَيِّنَةِ تَشْهَدُ بِهَا .\rوَإِنْ وُجِدَ عَلَيْهَا مَكْتُوبًا وَدِيعَةً ، لَمْ يَكُنْ حُجَّةً عَلَيْهِمْ ، لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الظَّرْفُ كَانَتْ فِيهِ وَدِيعَةٌ قَبْلَ هَذَا ، أَوْ كَانَ وَدِيعَةً لِمَوْرُوثِهِمْ عِنْدَ غَيْرِهِ .\rأَوْ كَانَتْ وَدِيعَةً فَابْتَاعَهَا ، وَكَذَلِكَ لَوْ وَجَدَ فِي رزمانج أَبِيهِ ، أَنَّ لَفُلَانٍ عِنْدِي وَدِيعَةً .\rلَمْ يَلْزَمْهُ بِذَلِكَ ؛ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ قَدْ رَدَّهَا وَنَسِيَ الضَّرْبَ عَلَى مَا كَتَبَ ، أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ .","part":14,"page":249},{"id":6749,"text":"( 5060 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِذَا طَالَبَهُ الْوَدِيعَةِ ، فَقَالَ : مَا أَوْدَعْتنِي .\rثُمَّ قَالَ : ضَاعَتْ مِنْ حِرْزٍ ، كَانَ ضَامِنًا ؛ لِأَنَّهُ خَرَجَ مِنْ حَالِ الْأَمَانَةِ .\rوَلَوْ قَالَ : مَا لَكَ عِنْدِي شَيْءٌ .\rثُمَّ قَالَ : ضَاعَتْ مِنْ حِرْزٍ .\rكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ ، وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ وَدِيعَةً ، فَقَالَ : مَا أَوْدَعْتنِي .\rثُمَّ ثَبَتَ أَنَّهُ أَوْدَعَهُ ، فَقَالَ : أَوْدَعْتنِي ، وَهَلَكَتْ مِنْ حِرْزِي .\rلَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ ، وَلَزِمَهُ ضَمَانُهَا .\rوَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ؛ لِأَنَّهُ مُكَذِّبٌ لِإِنْكَارِهِ الْأَوَّلِ وَمُعْتَرِفٌ عَلَى نَفْسِهِ بِالْكَذِبِ الْمُنَافِي لِلْأَمَانَةِ .\rوَإِنْ أَقَرَّ لَهُ بِتَلَفِهَا مِنْ حِرْزِهِ قَبْلَ جَحْدِهِ ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ .\rوَإِنْ أَقَرَّ أَنَّهَا تَلِفَتْ بَعْدَ جُحُودِهِ ، لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ الضَّمَانُ ؛ لِأَنَّهُ خَرَجَ بِالْجُحُودِ عَنْ الْأَمَانَةِ ، فَصَارَ ضَامِنًا كَمَنْ طُولِبَ الْوَدِيعَةِ فَامْتَنَعَ مِنْ رَدِّهَا .\rوَإِنْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ بِتَلَفِهَا بَعْدَ الْجُحُودِ ، لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ الضَّمَانُ لِذَلِكَ .\rوَإِنْ شَهِدَتْ بِتَلَفِهَا قَبْلَ الْجُحُودِ مِنْ الْحِرْزِ .\rفَهَلْ تُسْمَعُ بَيِّنَتُهُ ؟ فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، لَا تُسْمَعُ ؛ لِأَنَّهُ مُكَذِّبٌ لَهَا بِإِنْكَارِهِ الْإِيدَاعَ .\rوَالثَّانِي ، تُسْمَعُ بَيِّنَتُهُ ؛ لِأَنَّ الْمُودَعَ لَوْ اعْتَرَفَ بِذَلِكَ سَقَطَ حَقُّهُ ، فَتُسْمَعُ الْبَيِّنَةُ بِهِ ، فَإِنْ شَهِدَتْ بِالتَّلَفِ مِنْ الْحِرْزِ ، وَلَمْ تُعَيَّنْ قَبْلَ الْجُحُودِ وَلَا بَعْدَهُ ، وَاحْتَمَلَ الْأَمْرَيْنِ ، لَمْ يَسْقُطْ الضَّمَانُ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ وُجُوبُهُ ، فَلَا يَنْتَفِي بِأَمْرِ مُتَرَدِّدٍ .\rوَأَمَّا إذَا ادَّعَى الْوَدِيعَةَ ، فَقَالَ : مَا لَكَ عِنْدِي شَيْءٌ ، أَوْ لَا تَسْتَحِقُّ عَلَيَّ شَيْئًا .\rفَقَالَتْ الْبَيِّنَةُ بِالْإِيدَاعِ ، أَوْ أَقَرَّ بِهِ الْمُودَعُ ، ثُمَّ قَالَ : ضَاعَتْ مِنْ حِرْزٍ .\rكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ مَعَ يَمِينِهِ ، وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ","part":14,"page":250},{"id":6750,"text":"قَوْلَهُ لَا يُنَافِي مَا شَهِدَتْ بِهِ الْبَيِّنَةُ وَلَا يُكَذِّبُهَا ، فَإِنَّ مَنْ تَلِفَتْ الْوَدِيعَةُ مِنْ حِرْزِهِ بِغَيْرِ تَفْرِيطِهِ فَلَا شَيْءَ لِمَالِكِهَا عِنْدَهُ ، وَلَا يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ شَيْئًا ، لَكِنْ إنْ ادَّعَى تَلَفَهَا بَعْدَ جُحُودِهِ ، أَوْ قَامَتْ بَيِّنَةٌ بِتَلَفِهَا بَعْدَ الْجُحُودِ ، أَوْ أَنَّهَا كَانَتْ عِنْدَهُ حَالَ جُحُودِهِ ، فَعَلَيْهِ ضَمَانُهَا ؛ لِأَنَّ جُحُودَهُ أَوْجَبَ الضَّمَانَ عَلَيْهِ ، فَصَارَ كَالْغَاصِبِ .","part":14,"page":251},{"id":6751,"text":"( 5061 ) فَصْلٌ : إذَا نَوَى الْخِيَانَةَ فِي الْوَدِيعَةِ ، بِالْجُحُودِ أَوْ الِاسْتِعْمَالِ ، وَلَمْ يَفْعَلْ ، لَمْ يَصِرْ ضَامِنًا ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُحْدِثْ فِي الْوَدِيعَةِ قَوْلًا وَلَا فِعْلًا ، فَلَا يَضْمَنُ ، كَمَا لَوْ لَمْ يَنْوِ .\rوَقَالَ ابْنُ شُرَيْحٍ : يَضْمَنُهَا ؛ لِأَنَّهُ أَمْسَكَهَا بِنِيَّةِ الْخِيَانَةِ ، فَيَضْمَنُهَا ، كَالْمُلْتَقِطِ بِقَصْدِ التَّمَلُّكِ وَلَنَا : قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : عُفِيَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ ، وَمَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا ، مَا لَمْ تَكَلَّمْ بِهِ ، أَوْ تَعْمَلْ بِهِ } .\rوَلِأَنَّهُ لَمْ يَخُنْ فِيهَا بِقَوْلٍ وَلَا فِعْلٍ ، فَلَمْ يَضْمَنْهَا ، كَاَلَّذِي لَمْ يَنْوِ ، وَفَارَقَ الْمُلْتَقِطَ بِقَصْدِ التَّمَلُّكِ ، فَإِنَّهُ عَمِلَ فِيهَا بِأَخْذِهَا نَاوِيًا لِلْخِيَانَةِ فِيهَا ، فَوَجَبَ الضَّمَانُ بِفِعْلِهِ الْمَنْوِيِّ ، لَا بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ .\rوَلَوْ الْتَقَطَهَا قَاصِدًا لَتَعْرِيفِهَا ، ثُمَّ نَوَى بَعْدَ ذَلِكَ إمْسَاكَهَا لِنَفْسِهِ ، كَانَتْ كَمَسْأَلَتِنَا .\rوَلَوْ أَخْرَجَهَا بِنِيَّةِ الِاسْتِعْمَالِ ، فَلَمْ يَسْتَعْمِلْهَا ، ضَمِنَهَا .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يَضْمَنُهَا إلَّا بِالِاسْتِعْمَالِ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَخْرَجَهَا لِنَقْلِهَا لَمْ يَضْمَنْهَا .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ تَعَدَّى بِإِخْرَاجِهَا ، أَشْبَهَ مَا لَوْ اسْتَعْمَلَهَا ، بِخِلَافِ مَا إذَا نَقَلَهَا .","part":14,"page":252},{"id":6752,"text":"( 5062 ) فَصْلٌ : وَالْمُودَعُ أَمِينٌ ، وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِيمَا يَدَّعِيهِ مِنْ تَلَفِ الْوَدِيعَةِ .\rبِغَيْرِ خِلَافٍ .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ أَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْمُودَعَ إذَا أَحْرَزَ الْوَدِيعَةَ ، ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهَا ضَاعَتْ ، أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُهُ .\rوَقَالَ أَكْثَرُهُمْ : مَعَ يَمِينِهِ .\rوَإِنْ ادَّعَى رَدَّهَا عَلَى صَاحِبِهَا ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ أَيْضًا .\rوَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَبِهِ قَالَ مَالِكٌ إنْ كَانَ دَفَعَهَا إلَيْهِ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ .\rوَإِنْ كَانَ أَوْدَعَهُ بِبَيِّنَةٍ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ فِي الرَّدِّ إلَّا بِبَيِّنَةٍ وَلَنَا ، أَنَّهُ أَمِينٌ لَا مَنْفَعَةَ لَهُ فِي قَبْضِهَا ، فَقُبِلَ قَوْلُهُ فِي الرَّدِّ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ ، كَمَا لَوْ أَوْدَعَ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ .\rوَإِنْ قَالَ : دَفَعْتهَا إلَى فُلَانٍ بِأَمْرِكَ .\rفَأَنْكَرَ مَالِكُهَا الْإِذْنَ فِي دَفْعِهَا ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُودَعِ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ .\rوَهُوَ قَوْلُ ابْنِ أَبِي لَيْلَى .\rوَقَالَ مَالِكٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالْعَنْبَرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ : الْقَوْلُ قَوْلُ الْمَالِكِ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْإِذْنِ ، وَلَهُ تَضْمِينُهُ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ ادَّعَى دَفْعًا يَبْرَأُ بِهِ مِنْ الْوَدِيعَةِ ، فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ ، كَمَا لَوْ ادَّعَى رَدَّهَا عَلَى مَالِكِهَا .\rوَلَوْ اعْتَرَفَ الْمَالِكُ بِالْإِذْنِ ، وَلَكِنْ قَالَ : لَمْ يَدْفَعْهَا .\rفَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُسْتَوْدَعِ أَيْضًا ، ثُمَّ نَنْظُرُ فِي الْمَدْفُوعِ إلَيْهِ ؛ فَإِنْ أَقَرَّ أَنَّهُ قَبَضَهُ ، وَكَانَ الدَّفْعُ فِي دَيْنٍ ، فَقَدْ بَرِئَ الْكُلُّ ، وَإِنْ أَنْكَرَ .\rفَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ .\rوَقَدْ ذَكَرَ أَصْحَابُنَا أَنَّ الدَّافِعَ يَضْمَنُ ؛ لِكَوْنِهِ قَضَى الدَّيْنَ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ ، وَلَا يَجِبُ الْيَمِينُ عَلَى صَاحِبِ الْوَدِيعَةِ ؛ لِأَنَّ الْمُودَعَ مُفَرِّطٌ ، لِكَوْنِهِ أَذِنَ فِي قَضَاءٍ يُبَرِّئُهُ مِنْ الْحَقِّ وَلَمْ يَبْرَأْ بِدَفْعِهِ ، فَكَانَ","part":14,"page":253},{"id":6753,"text":"ضَامِنًا ، سَوَاءٌ صَدَّقَهُ أَوْ كَذَّبَهُ .\rوَإِنْ أَمَرَهُ بِدَفْعِهِ وَدِيعَةً ، لَمْ يَحْتَجْ إلَى بَيِّنَةٍ ، لِأَنَّ الْمُودَعَ يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي التَّلَفِ وَالرَّدِّ ، فَلَا فَائِدَةَ فِي الْإِشْهَادِ عَلَيْهِ .\rفَعَلَى هَذَا يَحْلِفُ الْمُودَعُ ، وَيَبْرَأُ ، وَيَحْلِفُ الْآخِرُ وَيَبْرَأُ أَيْضًا ، وَيَكُونُ ذَهَابُهَا مِنْ مَالِكِهَا .","part":14,"page":254},{"id":6754,"text":"( 5063 ) فَصْلٌ : وَإِذَا أَوْدَعَ بَهِيمَةً ، فَأَمَرَهُ صَاحِبُهَا بِعَلْفِهَا وَسَقْيِهَا ، لَزِمَهُ ذَلِكَ لِوَجْهَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، لِحُرْمَةِ صَاحِبِهَا ؛ لِأَنَّهُ أَخَذَهَا مِنْهُ عَلَى ذَلِكَ .\rوَالثَّانِي ، لِحُرْمَةِ الْبَهِيمَةِ ، فَإِنَّ الْحَيَوَانَ يَجِبُ إحْيَاؤُهُ بِالْعَلْفِ وَالسَّقْيِ .\rوَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَلْزَمَهُ عَلْفُهَا .\rإلَّا أَنْ يَقْبَلَ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ هَذَا تَبَرُّعٌ مِنْهُ ، فَلَا يَلْزَمُهُ بِمُجَرَّدِ أَمْرِ صَاحِبِهَا ، كَغَيْرِ الْوَدِيعَةِ .\rوَإِنْ أَطْلَقَ وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِعَلْفِهَا ، لَزِمَهُ ذَلِكَ أَيْضًا .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَلْزَمَهُ ذَلِكَ .\rوَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّهُ اسْتَحْفَظَهُ إيَّاهَا ، وَلَمْ يَأْمُرْ بِعَلْفِهَا ، وَالْعَلْفُ عَلَى مَالِكِهَا ، فَإِذَا لَمْ يَعْلِفْهَا كَانَ هُوَ الْمُفَرِّطَ فِي مَالِهِ وَلَنَا ، أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إتْلَافُهَا ، وَلَا التَّفْرِيطُ فِيهَا ، فَإِذَا أَمَرَهُ بِحِفْظِهَا تَضَمَّنَ ذَلِكَ عَلْفَهَا وَسَقْيَهَا ، ثُمَّ نَنْظُرُ ؛ فَإِنْ قَدَرَ الْمُسْتَوْدَعُ عَلَى صَاحِبِهَا أَوْ وَكِيلِهِ ، طَالَبَهُ بِالْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا ، أَوْ بِرَدِّهَا عَلَيْهِ ، أَوْ يَأْذَنُ لَهُ فِي الْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا لِيَرْجِعَ بِهِ .\rفَإِذَا عَجَزَ عَنْ صَاحِبِهَا أَوْ وَكِيلِهِ ، رَفَعَ الْأَمْرَ إلَى الْحَاكِمِ ، فَإِنْ وَجَدَ لِصَاحِبِهَا مَالًا أَنْفَقَ عَلَيْهَا مِنْهُ ، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ مَالًا فَعَلَ مَا يَرَى لَصَاحِبِهَا الْحَظَّ فِيهِ ، مِنْ بَيْعِهَا ، أَوْ بَيْعِ بَعْضِهَا وَإِنْفَاقِهِ عَلَيْهَا ، أَوْ إجَارَتِهَا ، أَوْ الِاسْتِدَانَةِ عَلَى صَاحِبِهَا مِنْ بَيْتِ الْمَالِ ، أَوْ مِنْ غَيْرِهِ ، وَيَدْفَعُ ذَلِكَ إلَى الْمُودَعِ إنْ أَرَادَ ذَلِكَ لِيُنْفِقَهُ عَلَيْهَا ، وَإِنْ رَأَى دَفْعَهُ إلَى غَيْرِهِ لِيَتَوَلَّى الْإِنْفَاقَ عَلَيْهَا ، جَازَ .\rوَإِنْ اسْتَدَانَ مِنْ الْمُودَعِ ، جَازَ أَنْ يَدْفَعَهُ إلَيْهِ لِيَتَوَلَّى الْإِنْفَاقَ عَلَيْهَا ؛ لِأَنَّهُ أَمِينٌ عَلَيْهَا .\rوَيَجُوزُ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ الْحَاكِمُ فِي أَنْ يُنْفِقَ عَلَيْهَا مِنْ مَالِهِ ، وَيَكُونَ قَابِضًا لِنَفْسِهِ مِنْ نَفْسِهِ ، وَيَكِلُ","part":14,"page":255},{"id":6755,"text":"ذَلِكَ إلَى اجْتِهَادِهِ فِي قَدْرِ مَا يُنْفِقُ ، وَيَرْجِعُ بِهِ عَلَى صَاحِبِهَا ، فَإِنْ اخْتَلَفَا فِي قَدْرِ النَّفَقَةِ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُودَعِ إذَا ادَّعَى النَّفَقَةَ بِالْمَعْرُوفِ ، وَإِنْ ادَّعَى أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ ، لَمْ يَثْبُتْ لَهُ .\rوَإِنْ اخْتَلَفَا فِي قَدْرِ الْمُدَّةِ الَّتِي أَنْفَقَ فِيهَا ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ صَاحِبِهَا ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ ذَلِكَ .\rفَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْحَاكِمِ ، فَأَنْفَقَ عَلَيْهَا مُحْتَسِبًا بِالرُّجُوعِ عَلَى صَاحِبِهَا ، وَأَشْهَدَ عَلَى الرُّجُوعِ ، رَجَعَ بِمَا أَنْفَقَ ، رِوَايَةً وَاحِدَةً .\rلِأَنَّهُ مَأْذُونٌ فِيهِ عُرْفًا ، وَلَا تَفْرِيطَ مِنْهُ إذَا لَمْ يَجِدْ حَاكِمًا .\rوَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ مَعَ إمْكَانِ اسْتِئْذَانِ الْحَاكِمِ مِنْ غَيْرِ إذْنِهِ ، فَهَلْ لَهُ الرُّجُوعُ ؟ يُخَرَّجُ عَلَى رِوَايَتَيْنِ .\rنَصَّ عَلَيْهَا فِيمَا إذَا أَنْفَقَ عَلَى الْبَهِيمَةِ الْمَرْهُونَةِ مِنْ غَيْرِ إذْنِ الرَّاهِنِ ، وَفِي الضَّامِنِ إذَا ضَمِنَ وَأَدَّى بِغَيْرِ إذْنِ الْمَضْمُونِ عَنْهُ ، هَلْ يَرْجِعُ بِهِ ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ ؛ إحْدَاهُمَا ، يَرْجِعُ بِهِ ؛ لِأَنَّهُ مَأْذُونٌ فِيهِ عُرْفًا .\rوَالثَّانِيَةُ ، لَا يَرْجِعُ ؛ لِأَنَّهُ مُفَرِّطٌ بِتَرْكِ اسْتِئْذَانِ الْحَاكِمِ .\rوَإِنْ أَنْفَقَ مِنْ غَيْرِ إشْهَادٍ ، مَعَ الْعَجْزِ عَنْ اسْتِئْذَانِ الْحَاكِمِ ، أَوْ مَعَ إمْكَانِهِ ، فَفِي الرُّجُوعِ وَجْهَانِ أَيْضًا كَذَلِكَ .\rوَمَتَى عَلَفَ الْبَهِيمَةَ أَوْ سَقَاهَا فِي دَارِهِ ، أَوْ غَيْرِهَا ، بِنَفْسِهِ ، أَوْ أَمَرَ غُلَامَهُ أَوْ صَاحِبَهُ ، فَفَعَلَ ذَلِكَ ، كَمَا يَفْعَلُ فِي بَهَائِمِهِ .\rعَلَى مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ هَذَا مَأْذُونٌ فِيهِ عُرْفًا ، لِجَرَيَانِ الْعَادَةِ بِهِ ، فَأَشْبَهَ الْمُصَرَّحَ بِهِ .","part":14,"page":256},{"id":6756,"text":"( 5064 ) فَصْلٌ وَإِنْ أَوْدَعَهُ الْبَهِيمَةَ ، وَقَالَ : لَا تَعْلِفْهَا ، وَلَا تَسْقِهَا .\rلَمْ يَجُزْ لَهُ تَرْكُ عَلْفِهَا ؛ لِأَنَّ لِلْحَيَوَانِ حُرْمَةً فِي نَفْسِهِ يَجِبُ إحْيَاؤُهُ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى .\rفَإِنْ عَلَفَهَا وَسَقَاهَا ، كَانَ كَالْقِسْمِ الَّذِي قَبْلَهُ ، وَإِنْ تَرَكَهَا حَتَّى تَلِفَتْ ، لَمْ يَضْمَنْهَا .\rوَهَذَا قَوْلُ عَامَّةِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ بَعْضُهُمْ : يَضْمَنُ لِأَنَّهُ تَعَدَّى بِتَرْكِ عَلْفِهَا ، أَشْبَهَ مَا إذَا لَمْ يَنْهَهُ .\rوَهَذَا قَوْلُ ابْنِ الْمُنْذِرِ ؛ لِنَهْيِ رَسُولِ اللَّهِ عَنْ إضَاعَةِ الْمَالِ .\rفَيَصِيرُ أَمْرُ مَالِكِهَا وَسُكُوتُهُ سَوَاءً .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ مُمْتَثِلٌ لِأَمْرِ صَاحِبِهَا ، فَلَمْ يَضْمَنْهَا ، كَمَا لَوْ قَالَ : اُقْتُلْهَا فَقَتَلَهَا ، وَكَمَا لَوْ قَالَ : لَا تُخْرِجْ الْوَدِيعَةَ ، وَإِنْ خِفْت عَلَيْهَا .\rفَخَافَ عَلَيْهَا وَلَمْ يُخْرِجْهَا ، أَوْ أَمَرَهُ صَاحِبُهَا بِإِلْقَائِهَا فِي نَارٍ أَوْ بَحْرٍ .\rوَبِهَذَا يُنْتَقَضُ مَا ذَكَرُوهُ .\rوَمَنَعَ ابْنُ الْمُنْذِرِ الْحُكْمَ فِيمَا إذَا أَمَرَهُ بِإِتْلَافِهَا وَأَتْلَفَهَا ؛ لِمَا تَقَدَّمَ .\rوَلَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّهُ ثَابِتٌ لِصَاحِبِهَا فَلَمْ يَغْرَمْ لَهُ شَيْئًا ، كَمَا لَوْ اسْتَنَابَهُ فِي مُبَاحٍ ، وَالتَّحْرِيمُ أَثَرُهُ فِي بَقَاءِ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى وَهُوَ التَّأْثِيمُ ، أَمَّا حَقُّ الْآدَمِيِّ فَلَا يَبْقَى مَعَ إذْنِهِ فِي تَفْوِيتِهِ ، وَلِأَنَّهَا لَمْ تَتْلَفْ بِفِعْلِهِ ، وَإِنَّمَا تَلِفَتْ بِتَرْكِ الْعَلْفِ الْمَأْذُونِ فِيهِ ، أَشْبَهَ مَا لَوْ قَالَ لَهُ : لَا تُخْرِجْهَا إذَا خِفْت عَلَيْهَا .\rفَلَمْ يُخْرِجْهَا .","part":14,"page":257},{"id":6757,"text":"( 5065 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَلَوْ كَانَ فِي يَدِهِ وَدِيعَةٌ ، فَادَّعَاهَا نَفْسَانِ ، فَقَالَ : أَوْدَعَنِي أَحَدُهُمَا وَلَا أَعْرِفُهُ عَيْنًا .\rأَقْرَعَ بَيْنَهُمَا ، فَمَنْ خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ حَلَفَ أَنَّهَا لَهُ ، وَسُلِّمَتْ إلَيْهِ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ مَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ وَدِيعَةٌ ، فَادَّعَاهَا نَفْسَانِ ، فَأَقَرَّ بِهَا لِأَحَدِهِمَا ، سُلِّمَتْ إلَيْهِ ؛ لِأَنَّ يَدَهُ دَلِيلُ مِلْكِهِ ، فَلَوْ ادَّعَاهَا لِنَفْسِهِ ، كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ .\rفَإِذَا أَقَرَّ بِهَا لِغَيْرِهِ ، وَجَبَ أَنْ يُقْبَلَ ، وَيَلْزَمُهُ أَنْ يَحْلِفَ لِلْآخَرِ ؛ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ لِحَقِّهِ ، فَإِنْ حَلَفَ بَرِئَ ، وَإِنْ نَكَلَ لَزِمَهُ أَنْ يَغْرَمَ لَهُ قِيمَتَهَا .\rلِأَنَّهُ فَوَّتَهَا عَلَيْهِ .\rوَكَذَلِكَ لَوْ أَقَرَّ لِلثَّانِي بِهَا بَعْدَ أَنْ أَقَرَّ بِهَا لِلْأَوَّلِ ، سُلِّمَتْ إلَى الْأَوَّلِ ؛ لِأَنَّهُ اسْتَحَقَّهَا بِإِقْرَارِهِ ، وَغَرِمَ قِيمَتَهَا لِلثَّانِي .\rنَصَّ عَلَى هَذَا أَحْمَدُ .\rوَإِنْ أَقَرَّ بِهَا لَهُمَا جَمِيعًا ، فَهِيَ بَيْنَهُمَا ، وَيَلْزَمُهُ الْيَمِينُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي نِصْفِهَا .\rوَإِنْ قَالَ : هِيَ لِأَحَدِهِمَا لَا أَعْرِفُهُ عَيْنًا .\rفَاعْتَرَفَا لَهُ بِجَهْلِهِ ، تَعَيَّنَ الْمُسْتَحِقُّ لَهَا ، فَلَا يَمِينَ عَلَيْهِ .\rوَإِنْ ادَّعَيَا مَعْرِفَتَهُ ، فَعَلَيْهِ يَمِينٌ وَاحِدَةٌ أَنَّهُ لَا يَعْلَمْ ذَلِكَ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَحْلِفُ يَمِينَيْنِ ، كَمَا لَوْ أَنْكَرَ أَنَّهَا لَهُمَا .\rوَلَنَا ، أَنَّ الَّذِي يُدَّعَى عَلَيْهِ أَمْرٌ وَاحِدٌ ، وَهُوَ الْعِلْمُ بِعَيْنِ الْمَالِكِ ، فَكَفَاهُ يَمِينٌ وَاحِدَةٌ كَمَا لَوْ ادَّعَيَاهَا فَأَقَرَّ بِهَا لِأَحَدِهِمَا ، وَيُفَارِقُ مَا إذَا أَنْكَرَهَا .\rلِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَدَّعِي عَلَيْهِ أَنَّهَا لَهُ ، فَهُمَا دَعْوَيَانِ ، فَإِنْ حَلَفَ أُقْرِعَ بَيْنَهُمَا ، فَمَنْ قَرَعَ صَاحِبَهُ حَلَفَ ، وَسُلِّمَتْ إلَيْهِ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يَتَحَالَفَانِ ، وَيُوقَفُ الشَّيْءُ بَيْنَهُمَا حَتَّى يَصْطَلِحَا .\rوَهُوَ قَوْلُ ابْنِ أَبِي لَيْلَى ؛ لِأَنَّهُ لَا يَعْلَمُ الْمَالِكَ مِنْهُمَا .\rوَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلٌ آخَرُ ، أَنَّهَا","part":14,"page":258},{"id":6758,"text":"تُقْسَمُ بَيْنَهُمَا ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِهَا لَهُمَا .\rوَهَذَا الَّذِي حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ ابْنِ أَبِي لَيْلَى ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَصَاحِبَيْهِ فِيمَا حُكِيَ عَنْهُمْ ، قَالُوا : وَيَضْمَنُ الْمُسْتَوْدَعُ نِصْفَهَا لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ؛ لِأَنَّهُ فَوَّتَ مَا اسْتَوْدَعَ بِجَهْلِهِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُمَا تَسَاوَيَا فِي الْحَقِّ فِيمَا لَيْسَ بِأَيْدِيهِمَا ، فَوَجَبَ أَنْ يُقْرَعَ بَيْنَهُمَا ، كَالْعَبْدَيْنِ إذَا أَعْتَقَهُمَا فِي مَرَضِهِ فَلَمْ يَخْرُجْ مِنْ الثُّلُثِ إلَّا أَحَدُهُمَا ، أَوْ كَمَا لَوْ أَرَادَ السَّفَرَ بِإِحْدَى نِسَائِهِ وَقَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ لَيْسَ بِصَحِيحٍ ؛ فَإِنَّ الْعَيْنَ لَمْ تَتْلَفْ ، وَلَوْ تَلِفَتْ بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ مِنْهُ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ ، وَلَيْسَ فِي جَهْلِهِ تَفْرِيطٌ ، إذْ لَيْسَ فِي وُسْعِهِ أَنْ لَا يَنْسَى وَلَا يَجْهَلَ .","part":14,"page":259},{"id":6759,"text":"( 5066 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَمَنْ أَوْدَعَ شَيْئًا ، فَأَخَذَ بَعْضَهُ ، ثُمَّ رَدَّهُ أَوْ مِثْلَهُ ، فَضَاعَ الْكُلُّ ، لَزِمَهُ مِقْدَارُ مَا أَخَذَ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ مَنْ أَوْدَعَ شَيْئًا ، فَأَخَذَ بَعْضَهُ ، لَزِمَهُ ضَمَانُ مَا أَخَذَ ، فَإِنْ رَدَّهُ أَوْ مِثْلَهُ ، لَمْ يَزُلْ الضَّمَانُ عَنْهُ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ إذَا رَدَّهُ أَوْ مِثْلَهُ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ : إنْ لَمْ يُنْفِقْ مَا أَخَذَهُ ، وَرَدَّ ، لَمْ يَضْمَنْ ، وَإِنْ أَنْفَقَهُ ثُمَّ رَدَّهُ أَوْ مِثْلَهُ ضَمِنَ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الضَّمَانَ تَعَلَّقَ بِذِمَّتِهِ بِالْأَخْذِ ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ تَلَفَ فِي يَدِهِ قَبْلَ رَدِّهِ ضَمِنَهُ ، فَلَا يَزُولُ إلَّا بِرَدِّهِ إلَى صَاحِبِهِ كَالْمَغْصُوبِ .\rفَأَمَّا سَائِرُ الْوَدِيعَةِ ، فَيُنْظَرُ فِيهِ ؛ فَإِنْ كَانَ فِي كِيسٍ مَخْتُومٍ أَوْ مَشْدُودٍ ، فَكَسَرَ الْخَتْمَ أَوْ حَلَّ الشَّدَّ ، ضَمِنَ ، سَوَاءٌ أُخْرِجَ مِنْهُ أَوْ لَمْ يُخْرَجْ ؛ لِأَنَّهُ هَتَكَ الْحِرْزَ بِفِعْلٍ تَعَدَّى بِهِ .\rوَإِنْ خَرَقَ الْكِيسَ فَوْقَ الشَّدِّ ، فَعَلَيْهِ ضَمَانُ مَا خَرَقَ خَاصَّةً ؛ لِأَنَّهُ مَا هَتَكَ الْحِرْزَ .\rوَإِنْ لَمْ تَكُنْ الدَّرَاهِمُ فِي كِيسٍ ، أَوْ كَانَتْ فِي كِيسٍ غَيْرِ مَشْدُودٍ ، أَوْ كَانَتْ ثِيَابًا فَأَخَذَ مِنْهَا وَاحِدًا ثُمَّ رَدَّهُ بِعَيْنِهِ ، لَمْ يَضْمَنْ غَيْرَهُ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَدَّ فِي غَيْرِهِ .\rوَإِنْ رَدَّ بَدَلَهُ وَكَانَ مُتَمَيِّزًا ، لَمْ يَضْمَنْ غَيْرَهُ لِذَلِكَ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُتَمَيِّزًا ، فَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ هَاهُنَا أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ غَيْرَهُ لِأَنَّ التَّعَدِّيَ اخْتَصَّ بِهِ ، فَيَخْتَصُّ الضَّمَانُ بِهِ ، وَخَلْطُ الْمَرْدُودِ بِغَيْرِهِ لَا يَقْتَضِي الضَّمَانَ ؛ لِأَنَّهُ يَجِبُ رَدُّهُ مَعَهَا ، فَلَمْ يُفَوِّتْ عَلَى نَفْسِهِ إمْكَانَ رَدِّهَا ، بِخِلَافِ مَا إذَا خَلَطَهُ بِغَيْرِهِ .\rوَلَوْ أَذِنَ لَهُ صَاحِبُ الْوَدِيعَةِ فِي الْأَخْذِ مِنْهَا ، وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِرَدِّ بَدَلِهِ ، فَأَخَذَ ثُمَّ رَدَّ بَدَلَ مَا أَخَذَ فَهُوَ كَرَدِّ بَدَلِ مَا لَمْ يُؤْذَنْ فِي أَخْذِهِ .\rوَقَالَ الْقَاضِي :","part":14,"page":260},{"id":6760,"text":"يَضْمَنُ الْكُلَّ .\rوَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ خَلَطَ الْوَدِيعَةَ بِمَا لَا يَتَمَيَّزُ مِنْهَا ، فَضَمِنَ الْكُلَّ ، كَمَا لَوْ خَلَطَهَا بِغَيْرِ الْبَدَلِ .\rوَقَدْ ذَكَرْنَا فَرْقًا بَيْنَ الْبَدَلِ وَغَيْرِهِ ، فَلَا يَصِحُّ الْقِيَاسُ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إذَا كَسَرَ خَتْمَ الْكِيسِ ، لَمْ يَلْزَمْهُ ضَمَانُ الْوَدِيعَةِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَدَّ فِي غَيْرِهِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ هَتَكَ حِرْزَهَا ، فَضَمِنَهَا إذَا تَلِفَتْ ، كَمَا لَوْ أَوْدَعَهُ إيَّاهَا فِي صُنْدُوقٍ مُقْفَلٍ ، فَفَتَحَهُ وَتَرَكَهُ مَفْتُوحًا .\rوَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ لَمْ يَتَعَدَّ فِي غَيْرِ الْخَتْمِ .","part":14,"page":261},{"id":6761,"text":"( 5067 ) فَصْلٌ : وَإِذَا ضَمِنَ الْوَدِيعَةَ بِالِاسْتِعْمَالِ أَوْ بِالْجَحْدِ ، ثُمَّ رَدَّهَا إلَى صَاحِبِهَا ، زَالَ عَنْهُ الضَّمَانُ ، فَإِنْ رَدَّهَا صَاحِبُهَا إلَيْهِ ، كَانَ ابْتِدَاءَ اسْتِئْمَانٍ ، وَإِنْ لَمْ يَرُدَّهَا إلَيْهِ ، وَلَكِنْ جَدَّدَ لَهُ الِاسْتِئْمَانَ أَوْ أَبْرَأَهُ مِنْ الضَّمَانِ ، بَرِئَ مِنْ الضَّمَانِ ، فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ ؛ لِأَنَّ الضَّمَانَ حَقُّهُ ، فَإِذَا أَبْرَأَهُ مِنْهُ بَرِئَ ، كَمَا لَوْ أَبْرَأَهُ مِنْ دَيْنٍ فِي ذِمَّتِهِ .\rوَإِذَا جَدَّدَ لَهُ اسْتِئْمَانًا ، فَقَدْ انْتَهَى الْقَبْضُ الْمَضْمُونُ بِهِ ، فَزَالَ الضَّمَانُ .\rوَقَدْ قَالَ أَصْحَابُنَا : إذَا رَهَنَ الْمَغْصُوبَ عِنْدَ الْغَاصِبِ ، أَوْ أَوْدَعَهُ عِنْدَهُ ، زَالَ عَنْهُ ضَمَانُ الْغَصْبِ ، فَهَاهُنَا أَوْلَى .","part":14,"page":262},{"id":6762,"text":"( 5068 ) فَصْلٌ : وَلَوْ تَعَدَّى فَلَبِسَ الثَّوْبَ ، وَرَكِبَ الدَّابَّةَ ، أَوْ أَخَذَ الْوَدِيعَةَ لِيَسْتَعْمِلَهَا ، أَوْ لِيُخَزِّنَ فِيهَا ، ثُمَّ رَدَّهَا إلَى مَوْضِعِهَا بِنِيَّةِ الْأَمَانَةِ ، لَمْ يَبْرَأْ مِنْ الضَّمَانِ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَبْرَأُ ؛ لِأَنَّهُ مُمْسِكٌ لَهَا بِإِذْنِ مَالِكِهَا فَأَشْبَهَ مَا قَبْلَ التَّعَدِّي .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ ضَمِنَهَا بِعُدْوَانٍ ، فَبَطَلَ الِاسْتِئْمَانُ ، كَمَا لَوْ جَحَدَهَا ثُمَّ أَقَرَّ بِهَا ، وَبِهَذَا يَبْطُلُ مَا ذَكَرُوهُ .","part":14,"page":263},{"id":6763,"text":"( 5069 ) فَصْلٌ : وَلَا يَصِحُّ الْإِيدَاعُ إلَّا مِنْ جَائِزِ التَّصَرُّفِ ، فَإِنْ أَوْدَعَ طِفْلٌ أَوْ مَعْتُوهٌ إنْسَانًا وَدِيعَةً ، ضَمِنَهَا بِقَبْضِهَا ، وَلَا يَزُولُ الضَّمَانُ عَنْهُ بِرَدِّهَا إلَيْهِ ، وَإِنَّمَا يَزُولُ بِدَفْعِهَا إلَى وَلِيِّهِ النَّاظِرِ لَهُ فِي مَالِهِ ، أَوْ الْحَاكِمِ .\rفَإِنْ كَانَ الصَّبِيُّ مُمَيِّزًا ، صَحَّ إيدَاعُهُ لِمَا أُذِنَ لَهُ فِي التَّصَرُّفِ فِيهِ ؛ لِأَنَّهُ كَالْبَالِغِ بِالنِّسْبَةِ إلَى ذَلِكَ .\rفَإِنْ أَوْدَعَ رَجُلٌ عِنْدَ صَبِيٍّ أَوْ مَعْتُوهٍ وَدِيعَةً ، فَتَلِفَتْ ، لَمْ يَضْمَنْهَا ، سَوَاءٌ حَفِظَهَا أَوْ فَرَّطَ فِي حِفْظِهَا .\rفَإِنْ أَتْلَفَهَا ، أَوْ أَكَلَهَا ، ضَمِنَهَا فِي قَوْلِ الْقَاضِي وَظَاهِرِ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ .\rوَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ : لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّهُ سَلَّطَهُ عَلَى إتْلَافِهَا بِدَفْعِهَا إلَيْهِ ، فَلَا يَلْزَمُهُ ضَمَانُهَا ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ دَفَعَ إلَى صَغِيرٍ سِكِّينًا ، فَوَقَعَ عَلَيْهَا ، كَانَ ضَمَانُهُ عَلَى عَاقِلَتِهِ ؟ وَلَنَا ، أَنَّ مَا ضَمِنَهُ بِإِتْلَافِهِ قَبْلَ الْإِيدَاعِ ، ضَمِنَهُ بَعْدَ الْإِيدَاعِ ، كَالْبَالِغِ .\rوَلَا يَصِحُّ قَوْلُهُمْ : إنَّهُ سَلَّطَهُ عَلَى إتْلَافِهَا .\rوَإِنَّمَا اسْتَحْفَظَهُ إيَّاهَا ، وَفَارَقَ دَفْعَ السِّكِّينِ ، فَإِنَّهُ سَبَبٌ لِلْإِتْلَافِ ، وَدَفْعُ الْوَدِيعَةِ بِخِلَافِهِ .","part":14,"page":264},{"id":6764,"text":"( 5070 ) فَصْلٌ : وَإِنْ أَوْدَعَ عَبْدًا وَدِيعَةً ، خُرِّجَ عَلَى الْوَجْهَيْنِ فِي الصَّغِيرِ ، إنْ قُلْنَا : لَا يَضْمَنُ الصَّبِيُّ .\rفَأَتْلَفَهَا الْعَبْدُ ، كَانَتْ فِي ذِمَّتِهِ .\rوَإِنْ قُلْنَا : يَضْمَنُ .\rكَانَتْ فِي رَقَبَتِهِ .","part":14,"page":265},{"id":6765,"text":"( 5071 ) فَصْلٌ : وَإِنْ غُصِبَتْ الْوَدِيعَةُ مِنْ الْمُودَعِ قَهْرًا ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ ، سَوَاءٌ أُخِذَتْ مِنْ يَدِهِ ، أَوْ أُكْرِهَ عَلَى تَسْلِيمِهَا فَسَلَّمَهَا بِنَفْسِهِ ؛ لِأَنَّ الْإِكْرَاهَ عُذْرٌ لَهُ ، يُبِيحُ لَهُ دَفْعَهَا ، فَلَمْ يَضْمَنْهَا ، كَمَا لَوْ أُخِذَتْ مِنْ يَدِهِ قَهْرًا .","part":14,"page":266},{"id":6766,"text":"بَابُ قِسْمَةِ الْفَيْءِ وَالْغَنِيمَةِ وَالصَّدَقَةِ الْفَيْءُ : هُوَ الرَّاجِعُ إلَى الْمُسْلِمِينَ مِنْ مَالِ الْكُفَّارِ بِغَيْرِ قِتَالٍ .\rيُقَالُ : فَاءَ الْفَيْءُ .\rإذَا رَجَعَ نَحْوَ الْمَشْرِقِ .\rوَالْغَنِيمَةُ : مَا أُخِذَ مِنْهُمْ قَهْرًا بِالْقِتَالِ .\rوَاشْتِقَاقُهَا مِنْ الْغَنَمِ ، وَهُوَ الْفَائِدَةُ .\rوَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي الْحَقِيقَةِ فَيْءٌ وَغَنِيمَةٌ ، وَإِنَّمَا خُصَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِاسْمٍ مُيِّزَ بِهِ عَنْ الْآخَرِ ، وَالْأَصْلُ فِيهِمَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى } الْآيَةَ ، وَقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ : { وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ } الْآيَةَ .","part":14,"page":267},{"id":6767,"text":"( 5072 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَالْأَمْوَالُ ثَلَاثَةٌ فَيْءٌ وَغَنِيمَةٌ ، وَصَدَقَةٌ ) يَعْنِي - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّ الْأَمْوَالَ الَّتِي تَلِيهَا الْوُلَاةُ مِنْ أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ ، فَأَنَّهَا ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ ؛ قِسْمَانِ يُؤْخَذَانِ مِنْ مَالِ الْمُشْرِكِينَ ، أَحَدُهُمَا الْفَيْءُ : وَهُوَ مَا أُخِذَ مِنْ مَالِ مُشْرِكٍ لَمْ يُوجَفْ عَلَيْهِ بِخَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ ، كَاَلَّذِي تَرَكُوهُ فَزَعًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَهَرَبُوا ، وَالْجِزْيَةُ عُشْرُ أَمْوَالِ أَهْلِ دَارِ الْحَرْبِ إذَا دَخَلُوا إلَيْنَا تُجَّارًا ، وَنِصْفُ عُشْرِ تِجَارَاتِ أَهْلِ الذِّمَّةِ ، وَخَرَاجُ الْأَرْضِينَ ، وَمَالُ مَنْ مَاتَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ وَلَا وَارِثَ لَهُ .\rوَالْغَنِيمَةُ : مَا أُخِذَ بِالْقَهْرِ وَالْقِتَالِ مِنْ الْكُفَّارِ .\rوَالْقِسْمُ الثَّالِثُ ؛ الصَّدَقَةُ : وَهُوَ مَا أُخِذَ مِنْ مَالِ مُسْلِمٍ تَطْهِيرًا لَهُ ، وَهُوَ الزَّكَاةُ ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهَا .\rيُرْوَى أَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَرَأَ قَوْله تَعَالَى { : إنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ } حَتَّى بَلَغَ : { عَلِيمٌ حَكِيمٌ } .\rثُمَّ قَالَ : هَذِهِ لِهَؤُلَاءِ .\rثُمَّ قَرَأَ { : وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ } حَتَّى بَلَغَ : { وَابْنِ السَّبِيلِ } .\rثُمَّ قَالَ : هَذِهِ لِهَؤُلَاءِ .\rثُمَّ قَرَأَ { : مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى } حَتَّى بَلَغَ : { وَاَلَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ } .\rثُمَّ قَالَ : هَذِهِ اسْتَوْعَبَتْ الْمُسْلِمِينَ عَامَّةً ، وَلَئِنْ عِشْت لِيَأْتِيَنَّ الرَّاعِي وَهُوَ بِسَرْوِ حِمْيَرَ نَصِيبُهُ مِنْهَا ، لَمْ يَعْرَقْ بِهِ جَبِينُهُ ( 5073 ) فَصْلٌ : وَلَمْ تَكُنْ الْغَنَائِمُ تَحِلُّ لِمَنْ مَضَى مِنْ الْأُمَمِ وَإِنَّمَا عَلِمَ اللَّهُ ضَعْفَنَا ، فَطَيَّبَهَا لَنَا ، رَحْمَةً لَنَا ، وَرَأْفَةً بِنَا ، وَكَرَامَةً لِنَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ { : أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ نَبِيٌّ قَبْلِي } .\rفَذَكَرَ فِيهَا : { أُحِلَّتْ لِي الْغَنَائِمُ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .","part":14,"page":268},{"id":6768,"text":"وَقَالَ سَعِيدٌ : حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : لَمْ تَحِلَّ الْغَنَائِمُ لِقَوْمٍ سُودِ الرُّءُوسِ غَيْرِكُمْ ، كَانَتْ تَنْزِلُ نَارٌ مِنْ السَّمَاءِ تَأْكُلُهَا } ثُمَّ كَانَتْ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rبِدَلِيلِ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { يَسْأَلُونَكَ عَنْ الْأَنْفَالِ قُلْ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ } ثُمَّ صَارَ أَرْبَعَةُ أَخْمَاسِهَا لِلْغَانِمِينَ ، وَالْخُمُسُ لِغَيْرِهِمْ ، بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى : { وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ } .\rفَأَضَافَ الْغَنِيمَةَ إلَيْهِمْ ، وَجَعَلَ الْخُمُسَ لِغَيْرِهِمْ ، فَيَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ سَائِرَهَا لَهُمْ ، وَجَرَى ذَلِكَ مَجْرَى قَوْله تَعَالَى : { وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ } .\rأَضَافَ مِيرَاثَهُ إلَيْهِمَا ، ثُمَّ جَعَلَ لِلْأُمِّ مِنْهُ الثُّلُثَ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْبَاقِيَ لِلْأَبِ .\rوَقَالَ تَعَالَى : { فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا } فَأَحَلَّهَا لَهُمْ .","part":14,"page":269},{"id":6769,"text":"مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( فَالْفَيْءُ مَا أُخِذَ مِنْ مَالِ مُشْرِكٍ بِحَالٍ ، وَلَمْ يُوجَفْ عَلَيْهِ بِخَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ .\rوَالْغَنِيمَةُ مَا أُوجِفَ عَلَيْهَا ) الرِّكَابُ : الْإِبِلُ خَاصَّةً .\rوَالْإِيجَافُ أَصْلُهُ التَّحْرِيكُ ، وَالْمُرَادُ هَا هُنَا الْحَرَكَةُ فِي السَّيْرِ إلَيْهِ .\rقَالَ قَتَادَةُ : { فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ } مَا قَطَعْتُمْ وَادِيًا ، وَلَا سَيَّرْتُمْ إلَيْهَا دَابَّةً ، إنَّمَا كَانَتْ حَوَائِطَ بَنِي النَّضِيرِ ، أَطْعَمَهَا اللَّهُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : الْإِيجَافُ ، الْإِيضَاعُ .\rيَعْنِي الْإِسْرَاعَ .\rوَقَالَ الزَّجَّاجُ : الْوَجِيفُ دُونَ التَّقْرِيبِ مِنْ السَّيْرِ .\rيُقَالُ : وَجَفَ الْفَرَسُ ، وَأَوْجَفْت أَنَا .\rقَالَ اللَّهُ تَعَالَى { : وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ } فَكُلُّ مَا أُخِذَ مِنْ مَالِ مُشْرِكٍ بِغَيْرِ إيجَافٍ ، مِثْلُ الْأَمْوَالِ الَّتِي يَتْرُكُونَهَا فَزَعًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ ، وَنَحْوُ ذَلِكَ ، فَهُوَ فَيْءٌ .\rوَمَا أَجْلَبَ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ وَسَارُوا إلَيْهِ ، وَقَاتَلُوهُمْ عَلَيْهِ ، فَهُوَ غَنِيمَةٌ ، سَوَاءٌ أُخِذَ عَنْوَةً أَوْ اسْتَنْزَلُوا أَهْلَهُ بِأَمَانٍ .\rفَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { افْتَتَحَ حُصُونَ خَيْبَرَ بَعْضَهَا عَنْوَةً ، وَبَعْضَهَا اسْتَنْزَلَ أَهْلَهُ بِالْأَمَانِ ، فَكَانَتْ غَنِيمَةً كُلَّهَا .\r}","part":14,"page":270},{"id":6770,"text":"( 5075 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( فَخُمُسُ الْفَيْءِ وَالْغَنِيمَةِ مَقْسُومٌ عَلَى خَمْسَةِ أَسْهُمٍ ) فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فُصُولٌ أَرْبَعَةٌ : ( 5076 ) الْفَصْلُ الْأَوَّلُ : أَنَّ الْفَيْءَ مَخْمُوسٌ ، كَمَا تُخَمَّسُ الْغَنِيمَةُ ، فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rوَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ ، لَا يُخَمَّسُ .\rنَقْلَهَا أَبُو طَالِبٍ ، فَقَالَ : إنَّمَا تُخَمَّسُ الْغَنِيمَةُ .\rقَالَ الْقَاضِي : لَمْ أَجِدْ مِمَّا قَالَ الْخِرَقِيِّ مِنْ أَنَّ الْفَيْءَ مَخْمُوسٌ نَصًّا فَأَحْكِيهِ ، وَإِنَّمَا نَصَّ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ مَخْمُوسٍ .\rوَهَذَا قَوْلُ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : وَلَا تُحْفَظُ عَنْ أَحَدٍ قَبْلَ الشَّافِعِيِّ فِي الْفَيْءِ خُمُسٌ ، كَخُمُسِ الْغَنِيمَةِ .\rوَأَخْبَارُ عُمَرَ تَدُلُّ عَلَى مَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ ، وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : { مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ } إلَى قَوْلِهِ : { وَاَلَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ } .\rالْآيَةَ .\rفَجَعَلَهُ كُلَّهُ لَهُمْ ، وَلَمْ يَذْكُرْ خُمُسًا .\rوَلَمَّا قَرَأَ عُمَرُ هَذِهِ الْآيَةَ قَالَ : هَذِهِ اسْتَوْعَبَتْ الْمُسْلِمِينَ .\rوَوَجْهُ الْأَوَّلِ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ } فَظَاهِرُ هَذَا أَنَّ جَمِيعَهُ لِهَؤُلَاءِ .\rوَهُمْ أَهْلُ الْخُمُسِ ، وَجَاءَتْ الْأَخْبَارُ عَنْ عُمَرَ دَالَّةً عَلَى اشْتِرَاكِ جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ فِيهِ ، فَوَجَبَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا ، كَيْ لَا تَتَنَاقَضَ الْآيَةُ وَالْأَخْبَارُ وَتَتَعَارَضَ ، وَفِي إيجَابِ الْخُمُسِ فِيهِ جَمْعٌ بَيْنَهُمَا وَتَوْفِيقٌ ، فَإِنَّ خُمُسَهُ لِلَّذِي سُمِّيَ فِي الْآيَةِ ، وَسَائِرُهُ يَنْصَرِفُ إلَى مَنْ فِي الْخَبَرِ ، كَالْغَنِيمَةِ .\rوَلِأَنَّهُ مَالٌ مُشْتَرَكٌ مَظْهُورٌ عَلَيْهِ ، فَوَجَبَ أَنْ يُخَمَّسَ ، كَالْغَنِيمَةِ وَالرِّكَازِ .\rوَرَوَى الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ ، قَالَ : لَقِيت خَالِي وَمَعَهُ الرَّايَةُ ، فَقُلْت :","part":14,"page":271},{"id":6771,"text":"إلَى أَيْنَ ؟ فَقَالَ : { بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى رَجُلٍ عَرَسَ بِامْرَأَةِ أَبِيهِ ، أَنْ أَضْرِبَ عُنُقَهُ وَأُخَمِّسَ مَالَهُ } .","part":14,"page":272},{"id":6772,"text":"( 5077 ) الْفَصْلُ الثَّانِي : أَنَّ الْغَنِيمَةَ مَخْمُوسَةٌ ، وَلَا اخْتِلَافَ فِي هَذَا بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِحَمْدِ اللَّهِ .\rوَقَدْ نَطَقَ بِهِ الْكِتَابُ الْعَزِيزُ ، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ } لَكِنْ اُخْتُلِفَ فِي أَشْيَاءَ ؛ مِنْهَا سَلَبُ الْقَاتِلِ ، وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّهُ لَا يُخَمَّسُ ؛ فَإِنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : كُنَّا لَا نُخَمِّسُ السَّلَبَ .\rوَقَوْلُ النَّبِيِّ { : مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ } .\rيَقْتَضِي أَنَّهُ لَهُ كُلُّهُ ، وَلَوْ خُمِّسَ لَمْ يَكُنْ جَمِيعُهُ لَهُ .\rوَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ { ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَفَلَهُ سَلَبَ رَجُلٍ قَتَلَهُ يَوْمَ حُنَيْنٍ ، وَلَمْ يُخَمِّسْ } رَوَاهُ سَعِيدٌ ، فِي \" سُنَنِهِ \" .\rوَمِنْهَا ، إذَا قَالَ الْإِمَامُ : مَنْ جَاءَ بِعَشْرَةِ رُءُوسٍ فَلَهُ رَأْسٌ ، وَمَنْ طَلَعَ الْحِصْنَ فَلَهُ كَذَا مِنْ النَّفْلِ .\rفَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا غَيْرُ مَخْمُوسٍ ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى السَّلَبِ .\rوَمِنْهَا ، إذَا قَالَ الْإِمَامُ : مَنْ أَخَذَ شَيْئًا فَهُوَ لَهُ .\rوَقُلْنَا : يَجُوزُ ذَلِكَ .\rفَقَدْ قِيلَ : لَا خُمُسَ فِيهِ ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الَّذِي قَبْلَهُ .\rوَالصَّحِيحُ أَنَّ الْخُمُسَ لَا يَسْقُطُ ؛ لِأَنَّهُ يَدْخُلُ فِي عُمُومِ الْآيَةِ ، وَلَا يَدْخُلُ فِي مَعْنَى السَّلَبِ وَالنَّفَلِ ؛ لِأَنَّ تَرْكَ تَخْمِيسِهِمَا لَا يُسْقِطُ خُمُسَ الْغَنِيمَةِ بِالْكُلِّيَّةِ ، وَهَذَا يُسْقِطُهُ ، فَلَا يَكُونُ تَخْصِيصًا بَلْ نَسْخًا لِحُكْمِهَا ، وَنَسْخُهَا بِالْقِيَاسِ غَيْرُ جَائِزٍ اتِّفَاقًا .\rوَمِنْهَا ؛ إذَا دَخَلَ قَوْمٌ لَا مَنَعَةَ لَهُمْ دَارَ الْحَرْبِ بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ ، فَقَدْ قِيلَ : إنَّ مَا غَنِمُوهُ لَهُمْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُخَمَّسَ .\rوَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يُخَمَّسُ ، وَيُدْفَعُ إلَيْهِمْ أَرْبَعَةُ أَخْمَاسِهِ ؛ لِدُخُولِهِ فِي عُمُومِ الْآيَةِ ، وَعَدَمِ دَلِيلٍ يُوجِبُ تَخْصِيصَهُ .","part":14,"page":273},{"id":6773,"text":"( 5078 ) الْفَصْلُ الثَّالِثُ : أَنَّ الْخُمُسَ مِمَّا يَجِبُ خُمْسُهُ مِنْ الْفَيْءِ وَالْغَنِيمَةِ شَيْءٌ وَاحِدٌ ، فِي مَصْرِفِهِمَا ، وَحُكْمِهِمَا ، وَلَا اخْتِلَافَ فِي هَذَا بَيْنَ الْقَائِلِينَ بِوُجُوبِ الْخُمُسِ فِيهِمَا ، فَإِنَّ الْقَائِلَ بِوُجُوبِ الْخُمُسِ فِي الْفَيْءِ غَيْرَ مَنْ قَالَهُ مِنْ أَصْحَابِنَا الشَّافِعِيُّ ، وَقَدْ وَافَقَ عَلَى هَذَا ، فَإِنَّهُ قَالَ : فِي الْفَيْءُ وَالْغَنِيمَةُ يَجْتَمِعَانِ فِي أَنَّ فِيهِمَا الْخُمُسَ لِمَنْ سَمَّاهُ اللَّهُ تَعَالَى : يَعْنِي فِي سُورَةِ الْأَنْفَالِ ، فِي قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى : { وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ } .\rوَفِي سُورَةِ الْحَشْرِ ، فِي قَوْله تَعَالَى : { مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى } الْآيَةَ ، وَالْمُسَمَّوْنَ فِي الْآيَتَيْنِ شَيْءٌ وَاحِدٌ .","part":14,"page":274},{"id":6774,"text":"( 5079 ) الْفَصْلُ الرَّابِعُ : أَنَّ الْخُمُسَ يُقَسَّمُ عَلَى خَمْسَةِ أَسْهُمٍ .\rوَبِهَذَا قَالَ عَطَاءٌ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَقَتَادَةُ ، وَابْنُ جُرَيْجٍ ، وَالشَّافِعِيُّ .\rوَقِيلَ : يُقَسَّمُ عَلَى سِتَّةٍ ؛ سَهْمٌ لِلَّهِ تَعَالَى وَسَهْمٌ لِرَسُولِهِ لِظَاهِرِ قَوْله تَعَالَى : { وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ } .\rفَعَدَّ سِتَّةً ، وَجَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى لِنَفْسِهِ سَهْمًا سَادِسًا ، وَهُوَ مَرْدُودٌ عَلَى عِبَادِ اللَّهِ أَهْلِ الْحَاجَةِ .\rوَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ : سَهْمُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ هُوَ أَنَّهُ إذَا عَزَلَ الْخُمُسَ ضَرَبَ بِيَدِهِ فِيهِ ، فَمَا قَبَضَ عَلَيْهِ مِنْ شَيْءٍ جَعَلَهُ لِلْكَعْبَةِ ، فَهُوَ الَّذِي سُمِّيَ لِلَّهِ لَا تَجْعَلُوا لَهُ نَصِيبًا ، فَإِنَّ لِلَّهِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ، ثُمَّ يُقَسِّمُ بَقِيَّةَ السَّهْمِ الَّذِي عَزَلَهُ عَلَى خَمْسَةِ أَسْهُمٍ .\rوَرُوِيَ عَنْ الْحَسَنِ ، وَقَتَادَةَ ، فِي سَهْمِ ذِي الْقُرْبَى ، كَانَتْ طُعْمَةً لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَيَاتِهِ ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ حَمَلَ عَلَيْهِ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ .\rوَرَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ ، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ قَسَّمَا الْخُمُسَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَسْهُمٍ وَنَحْوِهِ حُكِيَ عَنْ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ ، قَالُوا : يُقَسَّمُ الْخُمُسُ عَلَى ثَلَاثَةٍ ؛ الْيَتَامَى ، وَالْمَسَاكِينِ ، وَابْنِ السَّبِيلِ .\rوَأَسْقَطُوا سَهْمَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَوْتِهِ ، وَسَهْمَ قَرَابَتِهِ أَيْضًا .\rوَقَالَ مَالِكٌ : الْفَيْءُ وَالْخُمُسُ وَاحِدٌ ، يُجْعَلَانِ فِي بَيْتِ الْمَالِ .\rقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : وَبَلَغَنِي عَمَّنْ أَثِقُ بِهِ ، أَنَّ مَالِكًا قَالَ : يُعْطِي الْإِمَامُ أَقْرِبَاءَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَا يَرَى وَقَالَ الثَّوْرِيُّ وَالْحَسَنُ : يَضَعُهُ الْإِمَامُ حَيْثُ أَرَاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ اللَّهِ","part":14,"page":275},{"id":6775,"text":"تَعَالَى : { وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ } .\rوَسَهْمُ اللَّهِ وَالرَّسُولِ وَاحِدٌ .\rكَذَا قَالَ عَطَاءٌ ، وَالشَّعْبِيُّ .\rوَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ وَغَيْرُهُ : قَوْلُهُ : { فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ } افْتِتَاحُ كَلَامٍ .\rيَعْنِي أَنَّ ذِكْرَ اللَّهِ تَعَالَى لِافْتِتَاحِ الْكَلَامِ بِاسْمِهِ ، تَبَرُّكًا بِهِ .\rلَا لِإِفْرَادِهِ بِسَهْمٍ ، فَإِنَّ لِلَّهِ تَعَالَى الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَا : { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقَسِّمُ الْخُمُسَ عَلَى خَمْسَةٍ } وَمَا ذَكَرَهُ أَبُو الْعَالِيَةِ فَشَيْءٌ لَا يَدُلُّ عَلَيْهِ رَأْيٌ ، وَلَا يَقْتَضِيهِ قِيَاسٌ ، وَلَا يُصَارُ إلَيْهِ إلَّا بِنَصٍّ صَحِيحٍ يَجِبُ التَّسْلِيمُ لَهُ ، وَلَا نَعْلَمُ فِي ذَلِكَ أَثَرًا صَحِيحًا ، سِوَى قَوْلِهِ ، فَلَا يُتْرَكُ ظَاهِرُ النَّصِّ وَقَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِعْلُهُ مِنْ أَجْلِ قَوْلِ أَبِي الْعَالِيَةِ .\rوَمَا قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ ، فَمُخَالِفٌ لِظَاهِرِ الْآيَةِ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَمَّى لِرَسُولِهِ وَقَرَابَتِهِ شَيْئًا ، وَجَعَلَ لَهُمَا فِي الْخُمُسِ حَقًّا ، كَمَا سَمَّى لِلثَّلَاثَةِ الْأَصْنَافِ الْبَاقِيَةِ ، فَمَنْ خَالَفَ ذَلِكَ ، فَقَدْ خَالَفَ نَصَّ الْكِتَابِ .\rوَأَمَّا حَمْلُ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، عَلَى سَهْمِ ذِي الْقُرْبَى فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، فَقَدْ ذُكِرَ لِأَحْمَدَ ، فَسَكَتَ ، وَحَرَّكَ رَأْسَهُ ، وَلَمْ يَذْهَبْ إلَيْهِ ، وَرَأَى أَنَّ قَوْلَ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمَنْ وَافَقَهُ أَوْلَى ؛ لَمُوَافَقَتِهِ كِتَابَ اللَّهِ تَعَالَى وَسُنَّةَ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّ ابْنِ عَبَّاسٍ لَمَّا سُئِلَ عَنْ سَهْمِ ذِي الْقُرْبَى ، قَالَ : إنَّا كُنَّا نَزْعُمُ أَنَّهُ لَنَا ، فَأَبَى ذَلِكَ عَلَيْنَا قَوْمُنَا .\rوَلَعَلَّهُ أَرَادَ بِقَوْلِهِ : أَبَى ذَلِكَ عَلَيْنَا قَوْمُنَا .\rفِعْلَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، فِي","part":14,"page":276},{"id":6776,"text":"حَمْلِهِمَا عَلَيْهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَمَنْ تَبِعَهُمَا عَلَى ذَلِكَ .\rوَمَتَى اخْتَلَفَ الصَّحَابَةُ ، وَكَانَ قَوْلُ بَعْضِهِمْ يُوَافِقُ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ ، كَانَ أَوْلَى .\rوَقَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ مُوَافِقٌ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ؛ فَإِنَّ جُبَيْرَ بْنَ مُطْعِمٍ رَوَى ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَمْ يَقْسِمْ لِبَنِي عَبْدِ شَمْسٍ وَلَا بَنِي نَوْفَلٍ مِنْ الْخُمُسِ شَيْئًا ، كَمَا كَانَ يَقْسِمُ لِبَنِي هَاشِمٍ وَلِبَنِي الْمُطَّلِبِ } وَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ يَقْسِمُ الْخُمُسَ نَحْوَ قَسْمِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُعْطِي قُرْبَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، كَمَا كَانَ يُعْطِيهِمْ ، وَكَانَ عُمَرُ يُعْطِيهِمْ وَعُثْمَانُ مِنْ بَعْدِهِ رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي \" مُسْنَدِهِ \" وَقَدْ تَكَلَّمَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ، أَنَّهُمَا حَمَلَا عَلَى سَهْمِ ذِي الْقُرْبَى فِي سَبِيلِ اللَّهِ ؛ فَقِيلَ : إنَّهُ يَرْوِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ مَرْوَانَ وَهُوَ ضَعِيفٌ ، عَنْ الْكَلْبِيِّ ، وَهُوَ ضَعِيفٌ أَيْضًا .\rوَلَا يَصِحُّ عِنْدَ أَهْلِ النَّقْلِ .\rفَإِنْ قَالُوا : فَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْسَ بِبَاقٍ ، فَكَيْفَ يَبْقَى سَهْمُهُ ؟ قُلْنَا : جِهَةُ صَرْفِهِ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَصْلَحَةُ الْمُسْلِمِينَ ، الْمَصَالِحُ بَاقِيَةٌ ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَا يَحِلُّ لِي مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ وَلَا مِثْلُ هَذِهِ ، إلَّا الْخُمُسُ } ، وَهُوَ مَرْدُودٌ عَلَيْكُمْ \" رَوَاهُ سَعِيدٌ .","part":14,"page":277},{"id":6777,"text":"( 5080 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَسَهْمٌ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصْرَفُ فِي الْكُرَاعِ وَالسِّلَاحِ وَمَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ ) وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، فَإِنَّهُ قَالَ : أَخْتَارُ أَنْ يَضَعَهُ الْإِمَامُ فِي كُلِّ أَمْرٍ خُصَّ بِهِ الْإِسْلَامُ وَأَهْلُهُ ، مِنْ سَدِّ ثَغْرٍ ، وَإِعْدَادِ كُرَاعٍ أَوْ سِلَاحٍ ، أَوْ إعْطَائِهِ أَهْلَ الْبَلَاءِ فِي الْإِسْلَامِ نَفْلًا عِنْدَ الْحَرْبِ وَغَيْرِ الْحَرْبِ .\rوَهَذَا نَحْوُ مَا قَالَ الْخِرَقِيِّ .\rوَهَذَا السَّهْمُ كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْغَنِيمَةِ ، حَضَرَ أَوْ لَمْ يَحْضُرْ ، كَمَا أَنَّ سِهَامَ بَقِيَّةِ أَصْحَابِ الْخُمُسِ لَهُمْ ، حَضَرُوا أَوْ لَمْ يَحْضُرُوا وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصْنَعُ بِهِ مَا شَاءَ ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ وَلِيُّهُ أَبُو بَكْرٍ ، وَلَمْ يَسْقُطْ بِمَوْتِهِ .\rوَقَدْ قِيلَ : إنَّمَا أَضَافَهُ اللَّهُ تَعَالَى إلَى نَفْسِهِ وَإِلَى رَسُولِهِ ، لِيُعْلَمَ أَنَّ جِهَتَهُ جِهَةُ الْمَصْلَحَةِ ، وَأَنَّهُ لَيْسَ بِمُخْتَصٍّ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَسْقُطُ بِمَوْتِهِ .\rوَزَعَمَ قَوْمٌ أَنَّهُ سَقَطَ بِمَوْتِهِ ، وَيُرَدُّ عَلَى أَنْصِبَاءِ الْبَاقِينَ مِنْ أَهْلِ الْخُمُسِ ؛ لِأَنَّهُمْ شُرَكَاؤُهُ .\rوَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ يُرَدُّ عَلَى الْغَانِمِينَ ؛ لِأَنَّهُمْ اسْتَحَلُّوهَا بِقِتَالِهِمْ ، وَخَرَجَتْ مِنْهَا سِهَامٌ مِنْهَا سَهْمُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا دَامَ حَيًّا ، فَإِذَا مَاتَ وَجَبَ رَدُّهُ إلَى مَنْ وُجِدَ سَبَبُ الِاسْتِحْقَاقِ فِيهِ ، كَمَا أَنَّ تَرِكَةَ الْمَيِّتِ إذَا خَرَجَ مِنْهَا سَهْمٌ بِوَصِيَّةٍ ، ثُمَّ بَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ ، رُدَّ إلَى التَّرِكَةِ .\rوَقَالَتْ طَائِفَةٌ : هُوَ لِلْخَلِيفَةِ بَعْدَهُ ؛ لِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ رَوَى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ { : إذَا أَطْعَمَ اللَّهُ نَبِيًّا طُعْمَةً ، ثُمَّ قَبَضَهُ فَهِيَ لِلَّذِي يَقُومُ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ ، } وَقَدْ رَأَيْت أَنَّ أَرُدَّهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ .\rوَالصَّحِيحُ أَنَّهُ بَاقٍ ، وَأَنَّهُ يُصْرَفُ فِي","part":14,"page":278},{"id":6778,"text":"مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ ، لَكِنَّ الْإِمَامَ يَقُومُ مَقَامَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي صَرْفِهِ فِيمَا يَرَى ، فَإِنَّ ، أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : لَا أَدَعُ أَمْرًا رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصْنَعُهُ فِيهِ إلَّا صَنَعْته .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَرُوِيَ عَنْ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ ، أَنَّهُ قَالَ : اخْتَلَفُوا فِي هَذَيْنِ السَّهْمَيْنِ - يَعْنِي سَهْمَ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسَهْمَ ذِي الْقُرْبَى - فَأَجْمَعَ رَأْيُهُمْ عَلَى أَنْ يَجْعَلُوهُمَا فِي الْخَيْلِ وَالْعُدَّةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، فَكَانَا فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ فِي الْخَيْلِ وَالْعُدَّةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ .","part":14,"page":279},{"id":6779,"text":"( 5081 ) فَصْلٌ : وَكَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْمَغْنَمِ الصَّفِيُّ ، وَهُوَ شَيْءٌ يَخْتَارُهُ مِنْ الْمَغْنَمِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ ، كَالْجَارِيَةِ وَالْعَبْدِ وَالثَّوْبِ وَالسَّيْفِ وَنَحْوِهِ .\rوَهَذَا قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ ، وَالشَّعْبِيِّ ، وَقَتَادَةَ ، وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rوَقَالَ أَكْثَرُهُمْ : إنَّ ذَلِكَ انْقَطَعَ بِمَوْتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rقَالَ أَحْمَدُ : الصَّفِيُّ إنَّمَا كَانَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَاصَّةً ، لَمْ يَبْقَ بَعْدَهُ .\rوَلَا نَعْلَمُ مُخَالِفًا لِهَذَا إلَّا أَبَا ثَوْرٍ ، فَإِنَّهُ قَالَ : إنْ كَانَ الصَّفِيُّ ثَابِتًا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلِلْإِمَامِ أَنْ يَأْخُذَهُ عَلَى نَحْوِ مَا كَانَ يَأْخُذُهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَجْعَلُهُ مَجْعَلَ سَهْمِ النَّبِيِّ مِنْ خُمُسِ الْخُمُسِ .\rفَجَمَعَ بَيْنَ الشَّكِّ فِيهِ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمُخَالَفَةِ الْإِجْمَاعِ فِي إبْقَائِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : لَا أَعْلَمُ أَحَدًا سَبَقَ أَبَا ثَوْرٍ إلَى هَذَا الْقَوْلِ وَقَدْ أَنْكَرَ قَوْمٌ كَوْنَ الصَّفِيِّ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاحْتَجُّوا بِمَا رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَفَعَ وَبَرَةً مِنْ ظَهْرِ بَعِيرِهِ ، فَقَالَ : { مَا يَحِلُّ لَيّ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ وَلَا مِثْلُ هَذِهِ ، إلَّا الْخُمُسَ } ، وَهُوَ مَرْدُودٌ عَلَيْكُمْ رَوَاهُ سَعِيدٌ .\rوَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : { وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ } .\rفَمَفْهُومُهُ أَنَّ بَاقِيَهَا لِلْغَانِمِينَ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى أَبُو دَاوُد ، بِإِسْنَادِهِ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَتَبَ إلَى بَنِي زُهَيْرِ بْنِ أَقْيَشَ : إنَّكُمْ إنْ شَهِدْتُمْ أَنْ لَا إلَهَ","part":14,"page":280},{"id":6780,"text":"إلَّا اللَّهُ ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ، وَأَدَّيْتُمْ الزَّكَاةَ ، وَأَدَّيْتُمْ الْخُمُسَ مِنْ الْمَغْنَمِ ، وَسَهْمَ الصَّفِيِّ ، إنَّكُمْ آمِنُونَ بِأَمَانِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ } .\rوَفِي حَدِيثِ وَفْدِ عَبْدِ الْقَيْسِ ، الَّذِي رَوَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ : \" وَأَنْ يُعْطُوا سَهْمَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالصَّفِيِّ .\rوَقَالَتْ عَائِشَةُ : كَانَتْ صَفِيَّةُ مِنْ الصَّفِيِّ .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَأَمَّا انْقِطَاعُهُ بَعْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَثَابِتٌ بِإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ قَبْلَ أَبِي ثَوْرٍ وَبَعْدَهُ عَلَيْهِ ، وَكَوْنِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ لَمْ يَأْخُذُوهُ ، وَلَا ذَكَرَهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ ، وَلَا يُجْمِعُونَ عَلَى تَرْكِ سُنَّةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .","part":14,"page":281},{"id":6781,"text":"( 5082 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَخُمُسٌ مَقْسُومٌ فِي صَلِيبَةِ بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطَّلِبِ ابْنَيْ عَبْدِ مَنَافٍ ، حَيْثُ كَانُوا ، لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ) يَعْنِي بِقَوْلِهِ : \" فِي صَلِيبَةِ بَنِي هَاشِمٍ \" .\rأَوْلَادَهُ دُونَ مَنْ يُعَدُّ مَعَهُمْ مِنْ مَوَالِيهِمْ وَحُلَفَائِهِمْ .\rوَفِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فُصُولٌ خَمْسَةٌ : ( 5083 ) أَحَدُهَا : أَنَّ سَهْمَ ذِي الْقُرْبَى ثَابِتٌ بَعْدَ مَوْتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَقَدْ مَضَى ذِكْرُ ذَلِكَ ، وَالْخِلَافُ فِيهِ .\rوَقَدْ ذَكَرَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ مِنْ ذَوِي السِّهَامِ ، وَثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُعْطِيهِمْ ، فَرَوَى جُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ ، قَالَ : { وَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَهْمَ ذِي الْقُرْبَى فِي بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطَّلِبِ ، وَتَرَكَ بَنِي نَوْفَلٍ وَبَنِي عَبْدِ شَمْسٍ .\r} وَذَكَرَ الْحَدِيثَ ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَلَمْ يَأْتِ لِذَلِكَ نَسْخٌ وَلَا تَغْيِيرٌ ، فَوَجَبَ الْقَوْلُ بِهِ ، وَالْعَمَلُ بِحُكْمِهِ .\rقَالَ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ، حَدَّثَنَا أَبُو مَعْشَرٍ ، عَنْ الْمَقْبُرِيِّ ، قَالَ : كَتَبَ نَجْدَةُ إلَى ابْنِ عَبَّاسٍ يَسْأَلُهُ عَنْ سَهْمِ ذِي الْقُرْبَى ، فَكَتَبَ ابْنُ عَبَّاسٍ : إنَّا كُنَّا نَزْعُمُ أَنَّهُ لَنَا ، فَأَبَى ذَلِكَ عَلَيْنَا قَوْمُنَا .\rقَالَ أَحْمَدُ : أَنَا أَذْهَبُ إلَى أَنَّهُ لِقَرَابَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : \" هُوَ لَنَا \" .","part":14,"page":282},{"id":6782,"text":"( 5084 ) الْفَصْلُ الثَّانِي : أَنَّ ذَا الْقُرْبَى هُمْ بَنُو هَاشِمٍ وَبَنُو الْمُطَّلِبِ ابْنَيْ عَبْدِ مَنَافٍ دُونَ غَيْرِهِمْ ؛ بِدَلِيلِ مَا رَوَى جُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ ، قَالَ : { لَمَّا قَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَهْمَ ذَوِي الْقُرْبَى مِنْ خَيْبَرَ ، بَيْنَ بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطَّلِبِ ، أَتَيْت أَنَا وَعُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْنَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَمَّا بَنُو هَاشِمٍ فَلَا نُنْكِرُ فَضْلَهُمْ ، لِمَكَانِكَ الَّذِي وَضَعَكَ اللَّهُ بِهِ مِنْهُمْ ، فَمَا بَالُ إخْوَانِنَا مِنْ بَنِي الْمُطَّلِبِ أَعْطَيْتهمْ وَتَرَكْتَنَا ، وَإِنَّمَا نَحْنُ وَهُمْ مِنْك بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ ؟ فَقَالَ : إنَّهُمْ لَمْ يُفَارِقُونِي فِي جَاهِلِيَّةٍ وَلَا إسْلَامٍ ، وَإِنَّمَا بَنُو هَاشِمٍ وَبَنُو الْمُطَّلِبِ شَيْءٌ وَاحِدٌ .\rوَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ .\r} وَفِي رِوَايَةٍ : { إنَّهُمْ لَمْ يُفَارِقُونَا فِي جَاهِلِيَّةٍ وَلَا إسْلَامٍ } .\rرَوَاهُ أَحْمَدُ ، وَالْبُخَارِيُّ .\rفَرَعَى لَهُمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نُصْرَتَهُمْ وَمُوَافَقَتَهُمْ بَنِي هَاشِمٍ .\rوَمَنْ كَانَتْ أُمُّهُ مِنْهُمْ وَأَبُوهُ مِنْ غَيْرِهِمْ ، لَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَدْفَعْ إلَى أَقَارِبِ أُمِّهِ وَهُمْ بَنُو زُهْرَةَ شَيْئًا ، وَإِنَّمَا دَفَعَ إلَى أَقَارِبِ أَبِيهِ ، وَلَوْ دَفَعَ إلَى أَقَارِبِ أُمِّهِ لَدَفَعَ إلَى بَنِي زُهْرَةَ ، وَخَبَرُ جُبَيْرٍ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُعْطِهِمْ شَيْئًا ، وَلَمْ يَدْفَعْ أَيْضًا إلَى بَنِي عَمَّاتِهِ ، وَهُمْ الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ وَعَبْدُ اللَّهِ وَالْمُهَاجِرُ ابْنَا أَبِي أُمَيَّةَ ، وَبَنُو جَحْشٍ .","part":14,"page":283},{"id":6783,"text":"( 5085 ) الْفَصْلُ الثَّالِثُ : أَنَّهُ يَشْتَرِكُ فِيهِ الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى ؛ لَدُخُولِهِمْ فِي اسْمِ الْقَرَابَةِ .\rوَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ فِي قِسْمَتِهِ بَيْنَهُمْ .\rفَعَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّهُ يُقْسَمُ بَيْنَهُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ .\rوَهُوَ اخْتِيَارُ الْخِرَقِيِّ ، وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ سَهْمٌ اُسْتُحِقَّ بِقَرَابَةِ الْأَبِ شَرْعًا ، فَفُضِّلَ فِيهِ الذَّكَرُ عَلَى الْأُنْثَى كَالْمِيرَاثِ ، وَيُفَارِقُ الْوَصِيَّةَ وَمِيرَاثَ وَلَدِ الْأُمِّ ؛ فَإِنَّ الْوَصِيَّةَ اُسْتُحِقَّتْ بِقَوْلِ الْمُوصِي ، وَمِيرَاثُ وَلَدِ الْأُمِّ اُسْتُحِقَّ بِقَرَابَةِ الْأُمِّ .\rوَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ ، يُسَوَّى بَيْنَ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ ، وَالْمُزَنِيِّ ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ ؛ لِأَنَّهُمْ أُعْطُوا بِاسْمِ الْقَرَابَةِ ، وَالذَّكَرُ وَالْأُنْثَى فِيهَا سَوَاءٌ .\rفَأَشْبَهَ مَا لَوْ وَصَّى لِقَرَابَةِ فُلَانٍ ، أَوْ وَقَفَ عَلَيْهِمْ ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْجَدَّ يَأْخُذُ مَعَ الْأَبِ ، وَابْنَ الِابْنِ يَأْخُذُ مَعَ الِابْنِ ؟ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى مُخَالَفَةِ الْمَوَارِيثِ ، وَلِأَنَّهُ سَهْمٌ مِنْ خُمُسِ الْخُمُسِ لَجَمَاعَةٍ ، فَيَسْتَوِي فِيهِ الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى كَسَائِرِ سِهَامِهِ ، وَيَسْتَوِي بَيْنَ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ ، عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ ؛ لِاسْتِوَائِهِمْ فِي الْقَرَابَةِ ، فَأَشْبَهَ الْمِيرَاثَ .","part":14,"page":284},{"id":6784,"text":"( 5086 ) الْفَصْلُ الرَّابِعُ : أَنَّهُ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمْ حَيْثُ كَانُوا مِنْ الْأَمْصَارِ ، وَيَجِبُ تَعْمِيمُهُمْ بِهِ حَسْبَ الْإِمْكَانِ .\rوَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ بَعْضُهُمْ : يَخُصُّ أَهْلُ كُلِّ نَاحِيَةٍ بِخُمُسِ مَغْزَاهَا الَّذِي لَيْسَ لَهُمْ مَغْزَى سِوَاهُ ، فَمَا يُؤْخَذُ مِنْ مَغْزَى الرُّومِ لِأَهْلِ الشَّامِ وَالْعِرَاقِ ، وَمَا يُؤْخَذُ مِنْ مَغْزَى التُّرْكِ لِمَنْ فِي خُرَاسَانَ مِنْ ذَوِي الْقُرْبَى ؛ لِمَا يَلْحَقُ مِنْ الْمَشَقَّةِ فِي نَقْلِهِ مِنْ الْمَشْرِقِ إلَى الْمَغْرِبِ ، وَلِأَنَّهُ يَتَعَذَّرُ تَعْمِيمُهُمْ بِهِ ، فَلَمْ يُحِبَّ ، كَسَائِرِ أَهْلِ السَّهْمِ .\rوَوَجْهُ الْأَوَّلِ أَنَّهُ سَهْمٌ مُسْتَحَقٌّ بِقَرَابَةِ الْأَبِ ، فَوَجَبَ دَفْعُهُ إلَى جَمِيعِ الْمُسْتَحِقِّينَ ، كَالْمِيرَاثِ فَعَلَى هَذَا يَبْعَثُ الْإِمَامُ إلَى عُمَّالِهِ فِي الْأَقَالِيمِ ، وَيَنْظُرُ كَمْ حَصَلَ مِنْ ذَلِكَ ؟ فَإِنْ اسْتَوَتْ فِيهِ ، فَرَّقَ كُلَّ خُمُسٍ فِي مَنْ قَارَبَهُ ، وَإِنْ اخْتَلَفَتْ ، أَمَرَ بِحَمْلِ الْفَضْلِ لِيُدْفَعَ إلَى مُسْتَحِقِّهِ ، كَالْمِيرَاثِ .\rوَفَارَقَ الصَّدَقَةَ ، حَيْثُ لَا تُنْقَلُ ؛ لِأَنَّ كُلَّ بَلَدٍ يَكَادُ لَا يَخْلُو مِنْ صَدَقَةٍ تُفَرَّقُ عَلَى فُقَرَاءِ أَهْلِهِ ، وَالْخُمُسُ يُؤْخَذُ فِي بَعْضِ الْأَقَالِيمِ ، فَلَوْ لَمْ يُنْقَلْ لَأَدَّى إلَى إعْطَاءِ الْبَعْضِ وَحِرْمَانِ الْبَعْضِ .\rوَالصَّحِيحُ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ ، أَنَّهُ لَا يَجِبُ التَّعْمِيمُ ؛ لِأَنَّهُ يَتَعَذَّرُ ، فَلَمْ يَجِبْ ، كَتَعْمِيمِ الْمَسَاكِينِ .\rوَمَا ذُكِرَ مِنْ بَعْثِ الْإِمَامِ عُمَّالَهُ وَسُعَاتَهُ ، فَهُوَ مُتَعَذِّرٌ فِي زَمَانِنَا ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ لَمْ يَبْقَ لَهُ حُكْمٌ إلَّا فِي قَلِيلٍ مِنْ بِلَادِ الْإِسْلَامِ ، وَلَمْ يَبْقَ لَهُ جِهَةٌ فِي الْغَزْوِ ، وَلَا لَهُ فِيهِ أَمْرٌ ، وَلِأَنَّ هَذَا سَهْمٌ مِنْ سِهَامِ الْخُمُسِ ، فَلَمْ يَجِبْ تَعْمِيمُهُ ، كَسَائِرِ سِهَامِهِ .\rفَعَلَى هَذَا يُفَرِّقُهُ كُلُّ سُلْطَانٍ فِيمَا أَمْكَنَ مِنْ بِلَادِهِ .","part":14,"page":285},{"id":6785,"text":"( 5087 ) الْفَصْلُ الْخَامِسُ : أَنَّ غَنِيَّهُمْ وَفَقِيرَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ .\rوَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي ثَوْرٍ .\rوَقِيلَ : لَا حَقَّ فِيهِ لِغَنِيٍّ .\rقِيَاسًا لَهُ عَلَى بَقِيَّةِ السِّهَامِ .\rوَلَنَا عُمُومُ قَوْله تَعَالَى : { وَلِذِي الْقُرْبَى } .\rوَهَذَا عَامٌّ لَا يَجُوزُ تَخْصِيصُهُ بِغَيْرِ دَلِيلٍ ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُعْطِي أَقَارِبَهُ كُلَّهُمْ ، وَفِيهِمْ الْأَغْنِيَاءُ ، كَالْعَبَّاسِ وَغَيْرِهِ .\rوَلَمْ يُنْقَلْ تَخْصِيصُ الْفُقَرَاءِ مِنْهُمْ ، وَقَدْ رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ ، فِي \" مُسْنَدِهِ \" ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْطَى الزُّبَيْرَ سَهْمًا وَأُمَّهُ سَهْمًا ، وَفَرَسَهُ سَهْمَيْنِ } .\rوَإِنَّمَا أَعْطَى أُمَّهُ مِنْ سَهْمِ ذِي الْقُرْبَى ، وَقَدْ كَانَتْ مُوسِرَةً ، وَلَهَا مَوَالٍ وَمَالٌ ، وَلِأَنَّهُ مَالٌ مُسْتَحَقٌّ بِالْقَرَابَةِ ، فَاسْتَوَى فِيهِ الْغَنِيُّ وَالْفَقِيرُ ، كَالْمِيرَاثِ وَالْوَصِيَّةِ لِلْأَقَارِبِ .\rوَلِأَنَّ عُثْمَانَ وَجُبَيْرًا طَلَبَا حَقَّهُمَا مِنْهُ ، وَسَأَلَا عَنْ عِلَّةِ مَنْعِهِمَا وَمَنْعِ قَرَابَتِهِمَا ، وَهُمَا مُوسِرَانِ ، فَعَلَّلَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِنُصْرَةِ بَنِي الْمُطَّلِبِ دُونَهُمْ ، وَكَوْنِهِمْ مَعَ بَنِي هَاشِمٍ كَالشَّيْءِ الْوَاحِدِ ، وَلَوْ كَانَ الْيَسَارُ مَانِعًا وَالْفَقْرُ شَرْطًا ، لَمْ يَطْلُبَا مَعَ عَدَمِهِ ، وَلَعَلَّلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْعَهُمَا بِيَسَارِهِمَا وَانْتِفَاءِ فَقْرِهِمَا .","part":14,"page":286},{"id":6786,"text":"( 5088 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَالْخُمُسُ الثَّالِثُ لِلْيَتَامَى ) وَهُمْ الَّذِينَ لَا آبَاءَ لَهُمْ ، وَلَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { لَا يُتْمَ بَعْدَ احْتِلَامٍ } .\rقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا : لَا يَسْتَحِقُّونَ إلَّا مَعَ الْفَقْرِ .\rوَهُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ ذَا الْأَبِ لَا يَسْتَحِقُّ ، وَالْمَالُ أَنْفَعُ مِنْ وُجُودِ الْأَبِ ، وَلِأَنَّهُ صُرِفَ إلَيْهِمْ لِحَاجَتِهِمْ ، فَإِنَّ اسْمَ الْيُتْمِ يُطْلَقُ عَلَيْهِمْ فِي الْعُرْفِ لِلرَّحْمَةِ ، وَمَنْ كَانَ إعْطَاؤُهُ لِذَلِكَ اُعْتُبِرَتْ الْحَاجَةُ فِيهِ .\rوَفَارَقَ ذَوِي الْقُرْبَى ، فَإِنَّهُمْ اسْتَحَقُّوا لِقُرْبِهِمْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَكْرِمَةً لَهُمْ ، وَالْغَنِيُّ وَالْفَقِيرُ فِي الْقُرْبِ سَوَاءٌ ، فَاسْتَوَيَا فِي الِاسْتِحْقَاقِ .\rوَلَمْ أَعْلَمْ هَذَا نَصًّا عَنْ أَحْمَدَ .\rوَعُمُومُ الْآيَةِ يَقْتَضِي تَعْمِيمَهُمْ .\rوَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ : لَهُ قَوْلٌ آخَرُ ، أَنَّهُ لِلْغَنِيِّ وَالْفَقِيرِ ؛ لِعُمُومِ النَّصِّ فِي كُلِّ يَتِيمٍ ، وَقِيَاسًا لَهُ عَلَى سَهْمِ ذِي الْقُرْبَى ، وَلِأَنَّهُ لَوْ خَصَّ بِهِ الْفَقِيرَ ، لَكَانَ دَاخِلًا فِي جُمْلَةِ الْمَسَاكِينِ الَّذِينَ هُمْ أَصْحَابُ السَّهْمِ الرَّابِعِ ، وَكَانَ يُسْتَغْنَى عَنْ ذِكْرِهِمْ وَتَسْمِيَتِهِمْ .\rقَالَ أَصْحَابُنَا : وَيُفَرَّقُ عَلَى الْأَيْتَامِ فِي جَمِيعِ الْأَقْطَارِ ، وَلَا يَخُصُّ بِهِ أَهْلُ ذَلِكَ الْمَغْزَى .\rوَالْقَوْلُ فِيهِ كَالْقَوْلِ فِي سَهْمِ ذِي الْقُرْبَى .\rوَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِيهِ .","part":14,"page":287},{"id":6787,"text":"مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَالْخُمُسُ الرَّابِعُ لِلْمَسَاكِينِ ) وَهُمْ أَهْلُ الْحَاجَةِ ، وَيَدْخُلُ فِيهِمْ الْفُقَرَاءُ ، وَالْفُقَرَاءُ وَالْمَسَاكِينُ صِنْفَانِ فِي الزَّكَاةِ ، وَصِنْفٌ وَاحِدٌ هَا هُنَا ، وَفِي سَائِرِ الْأَحْكَامِ ، وَإِنَّمَا يَقَعُ التَّمْيِيزُ بَيْنَهُمَا إذَا جُمِعَ بَيْنَهُمَا بِلَفْظَيْنِ ، وَلَمْ يَرِدْ ذَلِكَ إلَّا فِي الزَّكَاةِ ، وَسَنَذْكُرُهُمْ فِي أَصْنَافِهَا .\rقَالَ أَصْحَابُنَا : وَيَعُمُّ بِهَا جَمِيعُهُمْ فِي جَمِيعِ الْبِلَادِ ، كَقَوْلِهِمْ فِي سَهْمِ ذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى .\rوَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُنَا فِي ذَلِكَ .","part":14,"page":288},{"id":6788,"text":"( 5090 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَالْخُمُسُ الْخَامِسُ لِابْنِ السَّبِيلِ ) وَسَنَذْكُرُهُ أَيْضًا فِي أَصْنَافِ الصَّدَقَةِ ، وَيُعْطَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ قَدْرَ مَا يُوَصِّلُهُ إلَى بَلَدِهِ ؛ لِأَنَّ دَفْعَنَا إلَيْهِ لِأَجْلِ الْحَاجَةِ ، فَأُعْطِيَ بِقَدْرِهَا .\rفَإِنْ اجْتَمَعَ فِي وَاحِدٍ أَسْبَابٌ ، كَالْمِسْكِينِ إذَا كَانَ يَتِيمًا وَابْنَ سَبِيلٍ ، اسْتَحَقَّ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا ؛ لِأَنَّهَا أَسْبَابٌ لِأَحْكَامٍ ، فَوَجَبَ أَنْ نُثَبِّتَ أَحْكَامَهَا ، كَمَا لَوْ انْفَرَدَتْ .\rفَإِنْ أَعْطَاهُ لِيُتْمِهِ ، فَزَالَ فَقْرُهُ ، لَمْ يُعْطَ لِفَقْرِهِ شَيْئًا .","part":14,"page":289},{"id":6789,"text":"( 5091 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَأَرْبَعَةُ أَخْمَاسِ الْفَيْءِ لِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ ؛ غَنِيُّهُمْ وَفَقِيرُهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ ، إلَّا الْعَبِيدَ ) لَا نَعْلَمُ خِلَافًا بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ الْيَوْمَ فِي أَنَّ الْعَبِيدَ لَا حَقَّ لَهُمْ فِي الْفَيْءِ .\rوَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ ، وَالْخِرَقِيِّ ، أَنَّ سَائِرَ النَّاسِ لَهُمْ حَقٌّ فِي الْفَيْءِ ، غَنِيَّهُمْ وَفَقِيرَهُمْ .\rذَكَرَ أَحْمَدُ الْفَيْءَ فَقَالَ : فِيهِ حَقٌّ لِكُلِّ الْمُسْلِمِينَ ، وَهُوَ بَيْنَ الْغَنِيِّ وَالْفَقِيرِ .\rوَقَالَ عُمَرُ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : مَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ إلَّا لَهُ فِي هَذَا الْمَالِ نَصِيبٌ ، إلَّا الْعَبِيدَ ، فَلَيْسَ لَهُمْ فِيهِ شَيْءٌ .\rوَقَرَأَ عُمَرُ : { مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى } حَتَّى بَلَغَ : { وَاَلَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ } ثُمَّ قَالَ : هَذِهِ اسْتَوْعَبَتْ الْمُسْلِمِينَ عَامَّةً ، وَلَئِنْ عِشْت لَيَأْتِيَنَّ الرَّاعِيَ بِسَرْوِ حِمْيَرَ نَصِيبُهُ مِنْهَا ، لَمْ يَعْرَقْ فِيهَا جَبِينُهُ .\rوَلِأَنَّهُ مَالٌ مَخْمُوسٌ ، فَلَمْ يَخْتَصَّ بِهِ مَنْ فِيهِ مَنْفَعَةٌ ، كَأَرْبَعَةِ أَخْمَاسِ الْغَنِيمَةِ .\rوَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّ أَهْلَ الْفَيْءِ هُمْ أَهْلُ الْجِهَادِ مِنْ الْمُرَابِطِينَ فِي الثُّغُورِ ، وَجُنْدِ الْمُسْلِمِينَ ، وَمَنْ يَقُومُ بِمَصَالِحِهِمْ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَيَاتِهِ ، لِحُصُولِ النُّصْرَةِ وَالْمَصْلَحَةِ بِهِ ، فَلَمَّا مَاتَ صَارَتْ لِلْجُنْدِ ، وَمَنْ يَحْتَاجُ إلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ ، فَصَارَ ذَلِكَ لَهُمْ دُونَ غَيْرِهِمْ ، وَأَمَّا الْأَعْرَابُ وَنَحْوُهُمْ مِمَّنْ لَا يُعِدُّ نَفْسَهُ لِلْجِهَادِ ، فَلَا حَقَّ لَهُمْ فِيهِ .\rوَاَلَّذِينَ يَغْزُونَ إذَا نَشِطُوا ، يُعْطَوْنَ مِنْ سَهْمِ سَبِيلِ اللَّهِ مِنْ الصَّدَقَةِ .\rقَالَ : وَمَعْنَى كَلَامِ أَحْمَدَ ، أَنَّهُ بَيْنَ الْغَنِيِّ وَالْفَقِيرِ ، يَعْنِي الْغَنِيَّ الَّذِي فِيهِ مَصْلَحَةُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ الْمُجَاهِدِينَ وَالْقُضَاةِ وَالْفُقَهَاءِ .\rوَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى كَلَامِهِ ، أَنَّ لِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ الِانْتِفَاعَ بِذَلِكَ الْمَالِ","part":14,"page":290},{"id":6790,"text":"؛ لِكَوْنِهِ يُصْرَفُ إلَى مَنْ يَعُودُ نَفْعُهُ عَلَى جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ ، وَكَذَلِكَ يَنْتَفِعُونَ بِالْعُبُورِ عَلَى الْقَنَاطِرِ وَالْجُسُورِ الْمَعْقُودَةِ بِذَلِكَ الْمَالِ ، وَبِالْأَنْهَارِ وَالطُّرُقَاتِ الَّتِي أُصْلِحَتْ بِهِ .\rوَسِيَاقُ كَلَامِهِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ مُخْتَصًّا بِالْجُنْدِ وَإِنَّمَا هُوَ مَصْرُوفٌ فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ ، لَكِنْ يَبْدَأُ بِجُنْدِ الْمُسْلِمِينَ ؛ لِأَنَّهُمْ أَهْلُ الْمَصَالِحِ ؛ لِكَوْنِهِمْ يَحْفَظُونَ الْمُسْلِمِينَ .\rفَيُعْطُونَ كِفَايَاتَهُمْ ، فَمَا فَضَلَ قُدِّمَ الْأَهَمُّ فَالْأَهَمُّ مِنْ عِمَارَةِ الثُّغُورِ وَكِفَايَتِهَا بِالْأَسْلِحَةِ وَالْكُرَاعِ ، وَمَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ ، ثُمَّ الْأَهَمُّ فَالْأَهَمُّ ، مِنْ عِمَارَةِ الْمَسَاجِدِ وَالْقَنَاطِرِ ، وَإِصْلَاحِ الطُّرُقِ ، وَكِرَاءِ الْأَنْهَارِ ، وَسَدِّ بُثُوقِهَا ، وَأَرْزَاقِ الْقُضَاةِ وَالْأَئِمَّةِ وَالْمُؤَذِّنِينَ وَالْفُقَهَاءِ ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا لِلْمُسْلِمِينَ فِيهِ نَفْعٌ .\rوَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ ، كَنَحْوِ مِمَّا ذَكَرْنَا .\rوَاحْتَجُّوا عَلَى أَنَّ أَرْبَعَةَ أَخْمَاسِ الْفَيْءِ كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَيَاتِهِ ، بِمَا رَوَى مَالِكُ بْنُ أَوْسِ بْنِ الْحَدَثَانِ قَالَ : سَمِعْت عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ، وَالْعَبَّاسُ وَعَلِيٌّ يَخْتَصِمَانِ إلَيْهِ فِي أَمْوَالِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ عُمَرُ : كَانَتْ أَمْوَالُ بَنِي النَّضِيرِ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ ، مِمَّا لَمْ يُوجِفْ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِ بِخَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ .\rوَكَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَالِصًا دُونَ الْمُسْلِمِينَ ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُنْفِقُ مِنْهَا عَلَى أَهْلِهِ نَفَقَةَ سَنَتِهِ ، فَمَا فَضَلَ جَعَلَهُ فِي الْكُرَاعِ وَالسِّلَاحِ ، ثُمَّ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَوَلِيَهَا أَبُو بَكْرٍ بِمِثْلِ مَا وَلِيَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ وَلِيتهَا بِمِثْلِ مَا وَلِيَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو","part":14,"page":291},{"id":6791,"text":"بَكْرٍ .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rإلَّا أَنَّ فِيهِ : يَجْعَلُ مَا بَقِيَ أُسْوَةَ الْمَالِ .\rوَظَاهِرُ أَخْبَارِ عُمَرَ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ لِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ فِي الْفَيْءِ حَقًّا ؛ فَإِنَّهُ لَمَّا قَرَأَ الْآيَةَ الَّتِي فِي سُورَةِ الْحَشْرِ قَالَ : هَذِهِ الْآيَةُ اسْتَوْعَبَتْ الْمُسْلِمِينَ وَجَعَلَ لِلرَّاعِي بِسَرْوِ حِمْيَرَ مِنْهُ نَصِيبًا ، وَقَالَ : مَا أَحَدٌ إلَّا لَهُ فِي هَذَا الْمَالِ نَصِيبٌ .\rوَأَمَّا أَمْوَالُ بَنِي النَّضِيرِ ، فَيُحْتَمَلُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُنْفِقُ مِنْهُ عَلَى أَهْلِهِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ أَهَمِّ الْمَصَالِحِ ، فَبَدَأَ بِهِمْ ، ثُمَّ جَعَلَ بَاقِيَةُ أُسْوَةَ الْمَالِ .\rوَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ أَمْوَالُ بَنِي النَّضِيرِ اخْتَصَّ بِهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْفَيْءِ ، وَتَرَكَ سَائِرَهُ لِمَنْ سُمِّيَ فِي الْآيَةِ .\rوَهَذَا مُبَيَّنٌ فِي قَوْلِ عُمَرَ : وَكَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَالِصًا دُونَ الْمُسْلِمِينَ .","part":14,"page":292},{"id":6792,"text":"( 5092 ) فَصْلٌ : وَاخْتَلَفَ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، فِي قَسْمِ الْفَيْءِ بَيْنَ أَهْلِهِ ، فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إلَى التَّسْوِيَةِ بَيْنَهُمْ فِيهِ .\rوَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .\rفَرُوِيَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ سَوَّى بَيْنَ النَّاسِ فِي الْعَطَاءِ ، وَأَدْخَلَ فِيهِ الْعَبِيدَ ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ : يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ ، أَتَجْعَلُ الَّذِينَ جَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ ، وَهَجَرُوا دِيَارَهُمْ لَهُ ، كَمَنْ إنَّمَا دَخَلُوا فِي الْإِسْلَامِ كَرْهًا ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : إنَّمَا عَمِلُوا لِلَّهِ ، وَإِنَّمَا أُجُورُهُمْ عَلَى اللَّهِ ، وَإِنَّمَا الدُّنْيَا بَلَاغٌ .\rفَلَمَّا وَلِيَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَاضَلَ بَيْنَهُمْ ، وَأَخْرَجَ الْعَبِيدَ ، فَلَمَّا وَلِيَ عَلِيٌّ ، سَوَّى بَيْنَهُمْ ، وَأَخْرَجَ الْعَبِيدَ .\rوَذُكِرَ عَنْ عُثْمَانَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ فَضَّلَ بَيْنَهُمْ فِي الْقِسْمَةِ .\rفَعَلَى هَذَا يَكُونُ مَذْهَبُ اثْنَيْنِ مِنْهُمْ .\rأَبِي بَكْرٍ وَعَلِيٍّ التَّسْوِيَةَ ، وَمَذْهَبُ اثْنَيْنِ عُمَرَ وَعُثْمَانَ التَّفْضِيلَ .\rوَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ أَنَّهُ أَجَازَ الْأَمْرَيْنِ جَمِيعًا ، عَلَى مَا يَرَاهُ الْإِمَامُ ، وَيُؤَدِّي اجْتِهَادِهِ إلَيْهِ .\rفَرَوَى عَنْهُ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ ، أَنَّهُ قَالَ : لِلْإِمَامِ أَنْ يُفَضِّلَ قَوْمًا عَلَى قَوْمٍ .\rوَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : اخْتِيَارُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ أَنْ لَا يُفَضِّلُوا .\rوَهَذَا اخْتِيَارُ الشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ أَبِي : رَأَيْت قَسْمَ اللَّهِ الْمَوَارِيثَ عَلَى الْعَدَدِ ، يَكُونُ الْإِخْوَةُ مُتَفَاضِلِينَ فِي الْغَنَاءِ عَنْ الْمَيِّتِ ، وَالصِّلَةِ فِي الْحَيَاةِ ، وَالْحِفْظِ بَعْدَ الْمَوْتِ ، فَلَا يُفَضَّلُونَ ، وَقَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْأَرْبَعَةِ الْأَخْمَاسِ عَلَى الْعَدَدِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُعْطَى غَايَةَ الْغَنَاءِ وَيَكُونُ الْفَتْحُ عَلَى يَدَيْهِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ مَحْضَرُهُ إمَّا غَيْرُ نَافِعٍ ، وَإِمَّا","part":14,"page":293},{"id":6793,"text":"ضَرَرٌ بِالْجُبْنِ وَالْهَزِيمَةِ ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ اسْتَوَوْا فِي سَبَبِ الِاسْتِحْقَاقِ ، وَهُوَ انْتِصَابُهُمْ لِلْجِهَادِ ، فَصَارُوا كَالْغَانِمِينَ .\rوَالصَّحِيحُ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ ذَلِكَ مُفَوَّضٌ إلَى اجْتِهَادِ الْإِمَامِ ، يَفْعَلُ مَا يَرَاهُ مِنْ تَسْوِيَةٍ وَتَفْضِيلٍ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُعْطِي الْأَنْفَالَ ، فَيُفَضِّلُ قَوْمًا عَلَى قَوْمٍ عَلَى قَدْرِ غَنَائِهِمْ .\rوَهَذَا فِي مَعْنَاهُ .\rوَالْمَشْهُورُ عَنْ عُمَرَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ حِينَ كَثُرَ عِنْدَهُ الْمَالُ ، فَرَضَ لِلْمُسْلِمِينَ أَعْطِيَاتِهِمْ ، فَفَرَضَ لِلْمُهَاجِرِينَ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ خَمْسَةَ آلَافٍ خَمْسَةَ آلَافٍ ، وَلِلْأَنْصَارِ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ أَرْبَعَةَ آلَافٍ أَرْبَعَةَ آلَافٍ ، وَفَرَضَ لِأَهْلِ الْحُدَيْبِيَةِ ثَلَاثَةَ آلَافٍ ثَلَاثَةَ آلَافٍ ، وَلِأَهْلِ الْفَتْحِ أَلْفَيْنِ ، وَقَالَ : بِمَنْ أَبْدَأُ ؟ قِيلَ لَهُ : بِنَفْسِك .\rقَالَ : لَا ، وَلَكِنْ أَبْدَأُ بِقَرَابَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rفَبَدَأَ بِبَنِي هَاشِمٍ ثُمَّ بِبَنِي الْمُطَّلِبِ ؛ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إنَّمَا بَنُو هَاشِمٍ وَبَنُو الْمُطَّلِبِ شَيْءٌ وَاحِدٌ } .\rثُمَّ بِبَنِي عَبْدِ شَمْسٍ ؛ لِأَنَّهُ أَخُو هَاشِمٍ لِأَبَوَيْهِ ، ثُمَّ بِبَنِي نَوْفَلٍ ؛ لِأَنَّهُ أَخُوهُمَا لِأَبِيهِمَا ، ثُمَّ الْأَقْرَبِ فَالْأَقْرَبِ .\rقَالَ أَصْحَابُنَا : يَنْبَغِي أَنْ يَتَّخِذَ الْإِمَامُ دِيوَانًا ، وَهُوَ دَفْتَرٌ فِيهِ أَسْمَاءُ أَهْلِ الدِّيوَانِ ، وَذِكْرُ أَعْطِيَاتِهِمْ ، وَيَجْعَلَ لِكُلِّ قَبِيلَةٍ عَرِيفًا .\rفَقَدْ رَوَى الزُّهْرِيُّ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَرَّفَ عَامَ حُنَيْنٍ عَلَى كُلِّ عَشْرَةٍ عَرِيفًا .\rوَإِذَا أَرَادَ إعْطَاءَهُمْ بَدَأَ بِقَرَابَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَيُقَدِّمُ الْأَقْرَبَ فَالْأَقْرَبَ وَيُقَدِّمُ بَنِي عَبْدِ الْعُزَّى عَلَى بَنِي عَبْدِ الدَّارِ ؛ لِأَنَّ فِيهِمْ أَصْهَارَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ","part":14,"page":294},{"id":6794,"text":"وَسَلَّمَ لِأَنَّ خَدِيجَةَ مِنْهُمْ ، حَتَّى يَنْقَضِيَ قُرَيْشٌ ، وَهُمْ بَنُو النَّضْرِ بْنِ كِنَانَةَ ، ثُمَّ مِنْ بَعْدِ قُرَيْشٍ الْأَنْصَارُ ، ثُمَّ سَائِرُ الْعَرَبِ ، ثُمَّ الْعَجَمُ وَالْمَوَالِي ، ثُمَّ تُفْرَضُ الْأَرْزَاقُ لِمَنْ يَحْتَاجُ الْمُسْلِمُونَ إلَيْهِمْ ، مِنْ الْقُضَاةِ ، وَالْمُؤَذِّنِينَ ، وَالْأَئِمَّةِ ، وَالْفُقَهَاءِ ، وَالْقُرَّاءِ ، وَالْبُرْدِ ، وَالْعُيُونِ ، وَمَنْ لَا غِنَى لِلْمُسْلِمِينَ عَنْهُ ، ثُمَّ فِي إصْلَاحِ الْحُصُونِ ، وَالْكُرَاعِ ، وَالسِّلَاحِ ، ثُمَّ بِمَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ ، مِنْ بِنَاءِ الْقَنَاطِرِ وَالْجُسُورِ ، وَإِصْلَاحِ الطُّرُقِ وَكَرْيِ الْأَنْهَارِ ، وَسَدِّ بُثُوقِهَا ، وَعِمَارَةِ الْمَسَاجِدِ ، ثُمَّ مَا فَضَلَ قَسَّمَهُ عَلَى سَائِرِ الْمُسْلِمِينَ ، وَيَخُصُّ ذَا الْحَاجَةِ .","part":14,"page":295},{"id":6795,"text":"( 5093 ) فَصْلٌ : قَالَ الْقَاضِي : وَيَعْرِفُ قَدْرَ حَاجَتِهِمْ - يَعْنِي أَهْلَ الْعَطَاءِ - وَكِفَايَتِهِمْ ، وَيَزْدَادُ ذُو الْوَلَدِ مِنْ أَجْلِ وَلَدِهِ ، وَذُو الْفَرَسِ مِنْ أَجْلِ فَرَسِهِ .\rوَإِنْ كَانَ لَهُ عَبِيدٌ لِمَصَالِحِ الْحَرْبِ حَسْبَ مَئُونَتِهِمْ فِي كِفَايَتِهِ ، وَإِنْ كَانُوا لَزِينَةٍ أَوْ تِجَارَةٍ ، لَمْ يَدْخُلُوا فِي مَئُونَتِهِ .\rوَيَنْظُرُ فِي أَسْعَارِهِمْ فِي بُلْدَانِهِمْ ؛ لِأَنَّ أَسْعَارَ الْبُلْدَانِ تَخْتَلِفُ ، وَالْغَرَضُ الْكِفَايَةُ ، وَلِهَذَا تُعْتَبَرُ الذُّرِّيَّةُ وَالْوَلَدُ ، فَيَخْتَلِفُ عَطَاؤُهُمْ لِاخْتِلَافِ ذَلِكَ .\rوَإِنْ كَانُوا سَوَاءً فِي الْكِفَايَةِ ، لَا يُفَضِّلُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ ، وَإِنَّمَا تَتَفَاضَلُ كِفَايَتُهُمْ ، وَيُعْطُونَ قَدْرَ كِفَايَتِهِمْ ، فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً .\rوَهَذَا - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - عَلَى قَوْلِ مَنْ رَأَى التَّسْوِيَةَ .\rفَأَمَّا مِنْ يَرَى التَّفْضِيلَ ، فَإِنَّهُ يُفَضِّلُ أَهْلَ السَّوَابِقِ وَالْغَنَاءِ فِي الْإِسْلَامِ ، عَلَى غَيْرِهِمْ ، بِحَسْبِ مَا يَرَاهُ ، كَمَا أَنَّ عُمَرَ ، فَضَّلَ أَهْلَ السَّوَابِقِ ، فَقَسَمَ لَقَوْمٍ خَمْسَةَ آلَافٍ ، وَلِآخَرِينَ أَرْبَعَةَ آلَافٍ ، وَلِآخَرِينَ ثَلَاثَةَ آلَافٍ ، وَلِآخَرِينَ أَلْفَيْنِ أَلْفَيْنِ ، وَلَمْ يُقَدِّرْ ذَلِكَ بِالْكِفَايَةِ .","part":14,"page":296},{"id":6796,"text":"( 5094 ) فَصْلٌ : وَالْعَطَاءُ الْوَاجِبُ لَا يَكُونُ إلَّا لِبَالِغٍ يُطِيقُ مِثْلُهُ الْقِتَالَ ، وَيَكُونُ عَاقِلًا حُرًّا بَصِيرًا صَحِيحًا ، لَيْسَ بِهِ مَرَضٌ يَمْنَعُهُ الْقِتَالَ ، فَإِنْ مَرِضَ الصَّحِيحُ مَرَضًا غَيْرَ مَرْجُوِّ الزَّوَالِ ، كَالزَّمَانَةِ وَنَحْوِهَا ، خَرَجَ مِنْ الْمُقَاتَلَةِ ، وَسَقَطَ سَهْمُهُ ، وَإِنْ كَانَ مَرَضًا مَرْجُوَّ الزَّوَالِ ، كَالْحُمَّى وَالصُّدَاعِ وَالْبِرْسَامِ ، لَمْ يَسْقُطْ عَطَاؤُهُ ؛ لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ الصَّحِيحِ ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَسْتَنِيبُ فِي الْحَجِّ كَالصَّحِيحِ .\rوَإِنْ مَاتَ بَعْدَ حُلُولِ وَقْتِ الْعَطَاءِ ، دُفِعَ حَقُّهُ إلَى وَرَثَتِهِ .\rوَمَنْ مَاتَ مِنْ أَجْنَادِ الْمُسْلِمِينَ ، دُفِعَ إلَى زَوْجَتِهِ وَأَوْلَادِهِ الصِّغَارِ قَدْرُ كِفَايَتِهِمْ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ تُعْطَ ذُرِّيَّتُهُ بَعْدَهُ ، لَمْ يُجَرِّدْ نَفْسَهُ لِلْقِتَالِ ؛ لِأَنَّهُ يَخَافُ عَلَى ذُرِّيَّتِهِ الضَّيَاعَ ، فَإِذَا عَلِمَ أَنَّهُمْ يُكْفَوْنَ بَعْد مَوْتِهِ ، سَهُلَ عَلَيْهِ ذَلِكَ ، وَلِهَذَا قَالَ أَبُو خَالِدٍ الْقَنَانِيُ : لَقَدْ زَادَ الْحَيَاةَ إلَيَّ حُبًّا بَنَاتِي إنَّهُنَّ مِنْ الضِّعَافِ مَخَافَةَ أَنْ يَرَيْنَ الْفَقْرَ بَعْدِي وَأَنْ يَشْرَبْنَ رَنْقًا بَعْدَ صَافِ وَأَنْ يَعْرَيْنَ إنْ كُسِيَ الْجَوَارِي فَتَنْبُوا الْعَيْنُ عَنْ كَرَمٍ عِجَافِ وَلَوْلَا ذَاكَ قَدْ سَوَّمْت مُهْرِي وَفِي الرَّحْمَنِ لِلضُّعَفَاءِ كَافِ وَإِذَا بَلَغَ ذُكُورُ أَوْلَادِهِمْ ، وَاخْتَارُوا أَنْ يَكُونُوا فِي الْمُقَاتِلَةِ ، فُرِضَ لَهُمْ ، وَإِنْ لَمْ يَخْتَارُوا ، تُرِكُوا ، وَمَنْ خَرَجَ مِنْ الْمُقَاتِلَةِ ، سَقَطَ حَقُّهُ مِنْ الْعَطَاءِ .","part":14,"page":297},{"id":6797,"text":"( 5095 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : وَأَرْبَعَةُ أَخْمَاسِ الْغَنِيمَةِ لِمَنْ شَهِدَ الْوَاقِعَةَ ، لِلرَّاجِلِ سَهْمٌ ، وَلِلْفَارِسِ ثَلَاثَةُ أَسْهُمٍ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْفَارِسُ عَلَى هَجِينٍ ، فَيَكُونَ لَهُ سَهْمَانِ ، سَهْمٌ لَهُ ، وَسَهْمٌ لِهَجِينِهِ أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ أَرْبَعَةَ أَخْمَاسِ الْغَنِيمَةِ لِلْغَانِمِينَ ، وقَوْله تَعَالَى : { وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ } يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ أَرْبَعَةَ أَخْمَاسِهَا لَهُمْ ؛ لِأَنَّهُ أَضَافَهَا إلَيْهِمْ ، ثُمَّ أَخَذَ مِنْهَا سَهْمًا لِغَيْرِهِمْ ، فَبَقِيَ سَائِرُهَا لَهُمْ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ } .\rوَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : الْغَنِيمَةُ لِمَنْ شَهِدَ الْوَقْعَةَ .\rوَذَهَبَ جُمْهُورُ أَهْلِ الْعِلْمِ ، إلَى أَنَّ لِلرَّاجِلِ سَهْمًا ، وَلِلْفَارِسِ ثَلَاثَةَ أَسْهُمٍ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لِلْفَارِسِ سَهْمَانِ .\rوَخَالَفَهُ أَصْحَابُهُ فَوَافَقُوا سَائِرَ الْعُلَمَاءِ .\rوَقَدْ ثَبَتَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، أَنَّ { النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَسْهَمَ لِلْفَارِسِ ثَلَاثَةَ أَسْهُمٍ ؛ سَهْمٌ لَهُ ، وَسَهْمَانِ لِفَرَسِهِ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَقَالَ خَالِدٌ الْحَذَّاءُ : إنَّهُ لَا يُخْتَلَفُ فِيهِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَنَّهُ أَسْهَمَ لِلْفَرَسِ سَهْمَيْنِ ، وَلِصَاحِبِهِ سَهْمًا ، وَلِلرَّاجِلِ سَهْمًا } .\rوَالْهَجِينُ مِنْ الْخَيْلِ : هُوَ الَّذِي أَبُوهُ عَرَبِيٌّ وَأُمُّهُ غَيْرُ عَرَبِيَّةٍ .\rوَالْمُقْرِفُ عَكْسُ ذَلِكَ ، وَهُوَ الَّذِي أَبُوهُ غَيْرُ عَرَبِيٍّ وَأُمُّهُ عَرَبِيَّةٌ .\rوَمِنْهُ قَوْلُ هِنْدَ بِنْتِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ : وَمَا هِنْدُ إلَّا مُهْرَةٌ عَرَبِيَّةٌ سَلِيلَةُ أَفْرَاسٍ تَحَلَّلَهَا بَغْلُ فَإِنْ وَلَدَتْ مُهْرًا كَرِيمًا فَبِالْحُرِي وَإِنْ يَكُ إقْرَافٌ فَمَا أَنْجَبَ الْفَحْلُ وَأَرَادَ الْخِرَقِيِّ بِالْهَجِينِ هَا هُنَا مَا عَدَا الْعَرَبِيَّ مِنْ الْخَيْلِ ، مِنْ الْبَرَاذِينِ وَغَيْرِهَا ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ رِوَايَةٌ أُخْرَى ، أَنَّ الْبَرَاذِينَ إذَا أَدْرَكَتْ","part":14,"page":298},{"id":6798,"text":"مِثْلَ الْعَرَّابِ ، فَلَهَا مِثْلُ سَهْمِهَا .\rوَذَكَرَ الْقَاضِي رِوَايَةً أُخْرَى ، فِيمَا عَدَا الْعَرَّابَ مِنْ الْخَيْلِ لَا يُسْهَمُ لَهَا .\rوَفِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ اخْتِلَافٌ كَثِيرٌ ، وَأَدِلَّةٌ عَلَى كُلِّ قَوْلٍ ، أَخَّرْنَا ذِكْرَهَا إلَى بَابِ الْجِهَادِ ، فَإِنَّ الْمَسْأَلَةَ مَذْكُورَةٌ فِيهِ ، وَهُوَ أَلْيَقُ بِهَا ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .","part":14,"page":299},{"id":6799,"text":"( 5096 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَالصَّدَقَةُ لَا يُجَاوِزُ بِهَا الثَّمَانِيَةَ الْأَصْنَافِ الَّتِي سَمَّى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ) يَعْنِي قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى : { إنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنْ اللَّهِ وَاَللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ } .\rوَرُوِيَ أَنَّ رَجُلًا قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَعْطِنِي مِنْ هَذِهِ الصَّدَقَاتِ .\rفَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إنَّ اللَّهَ لَمْ يَرْضَ بِحُكْمِ نَبِيٍّ وَلَا غَيْرِهِ فِي الصَّدَقَاتِ ، حَتَّى حَكَمَ فِيهَا ، فَجَزَّأَهَا ثَمَانِيَةَ أَجْزَاءٍ ، فَإِنْ كُنْت مِنْ تِلْكَ الْأَجْزَاءِ أَعْطَيْتُك حَقَّك } .\rوَالْمُرَادُ بِالصَّدَقَةِ هَا هُنَا الزَّكَاةُ الْمَفْرُوضَةُ ، دُونَ غَيْرِهَا مِنْ صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ وَالْكَفَّارَاتِ وَالنُّذُورِ وَالْوَصَايَا .\rوَلَا نَعْلَمُ خِلَافًا بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ دَفْعُ الزَّكَاةِ إلَى غَيْرِ هَذِهِ الْأَصْنَافِ ، إلَّا مَا رُوِيَ عَنْ عَطَاءٍ ، وَالْحَسَنِ ، أَنَّهُمَا قَالَا : مَا أَعْطَيْت فِي الْجُسُورِ وَالطُّرُقِ ، فَهِيَ صَدَقَةٌ مَاضِيَةٌ .\rوَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : { إنَّمَا الصَّدَقَاتُ } .\rوَ \" إنَّمَا \" لِلْحَصْرِ تُثْبِتُ الْمَذْكُورَ ، وَتَنْفِي مَا عَدَاهُ ؛ لِأَنَّهَا مُرَكَّبَةٌ مِنْ حَرْفَيْ نَفْيٍ وَإِثْبَاتٍ ، فَجَرَى مَجْرَى قَوْله تَعَالَى : { إنَّمَا اللَّهُ إلَهٌ وَاحِدٌ } .\rأَيْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ .\rوَقَوْلِهِ تَعَالَى : { إنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ } .\rأَيْ مَا أَنْتَ إلَّا نَذِيرٌ .\rوَقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : \" إنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ \" .","part":14,"page":300},{"id":6800,"text":"( 5097 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( الْفُقَرَاءُ ، وَهُمْ الزَّمْنَى ، وَالْمَكَافِيفُ الَّذِينَ لَا حِرْفَةَ لَهُمْ ، وَالْحِرْفَةُ الصِّنَاعَةُ ، وَلَا يَمْلِكُونَ خَمْسِينَ دِرْهَمًا ، وَلَا قِيمَتَهَا مِنْ الذَّهَبِ .\rوَالْمَسَاكِينُ ، وَهُمْ السُّؤَّالُ ، وَغَيْرُ السُّؤَّالِ ، وَمَنْ لَهُمْ الْحِرْفَةُ ، إلَّا أَنَّهُمْ لَا يَمْلِكُونَ خَمْسِينَ دِرْهَمًا ، وَلَا قِيمَتَهَا مِنْ الذَّهَبِ ) الْفُقَرَاءُ وَالْمَسَاكِينُ صِنْفَانِ فِي الزَّكَاةِ ، وَصِنْفٌ وَاحِدٌ فِي سَائِرِ الْأَحْكَامِ ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الِاسْمَيْنِ يَنْطَلِقُ عَلَيْهِمَا ، فَأَمَّا إذَا جُمِعَ بَيْنَ الِاسْمَيْنِ ، وَمُيِّزَ بَيْنَ الْمُسَمَّيَيْنِ تَمَيَّزَا ، وَكِلَاهُمَا يُشْعِرُ بِالْحَاجَةِ وَالْفَاقَةِ وَعَدَمِ الْغِنَى ، إلَّا أَنَّ الْفَقِيرَ أَشَدُّ حَاجَةً مِنْ الْمِسْكِينِ ، مِنْ قِبَلِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى بَدَأَ بِهِ ، وَإِنَّمَا يَبْدَأُ بِالْأَهَمِّ فَالْأَهَمِّ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَالْأَصْمَعِيُّ .\rوَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إلَى أَنَّ الْمِسْكِينَ أَشَدُّ حَاجَةً .\rوَبِهِ قَالَ الْفَرَّاءُ ، وَثَعْلَبٌ ، وَابْنُ قُتَيْبَةَ ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ } .\rوَهُوَ الْمَطْرُوحُ عَلَى التُّرَابِ لِشِدَّةِ حَاجَتِهِ ، وَأَنْشَدُوا : أَمَّا الْفَقِيرُ الَّذِي كَانَتْ حَلُوبَتُهُ وَفْقَ الْعِيَالِ فَلَمْ يُتْرَكْ لَهُ سَبَدُ فَأَخْبَرَ أَنَّ الْفَقِيرَ حَلُوبَتُهُ وَفْقَ عِيَالِهِ .\rوَلَنَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى بَدَأَ بِالْفُقَرَاءِ ، فَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ أَهَمُّ ، وَقَالَ تَعَالَى : { أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ } .\rفَأَخْبَرَ أَنَّ الْمَسَاكِينَ لَهُمْ سَفِينَةٌ يَعْمَلُونَ بِهَا .\rوَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مِسْكِينًا ، وَأَمِتْنِي مِسْكِينًا ، وَاحْشُرْنِي فِي زُمْرَةِ الْمَسَاكِينِ .\rوَكَانَ يَسْتَعِيذُ مِنْ الْفَقْرِ ، } وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَسْأَلَ اللَّهَ تَعَالَى شِدَّةَ الْحَاجَةِ ، وَيَسْتَعِيذَ مِنْ حَالَةٍ أَصْلَحَ مِنْهَا .\rوَلِأَنَّ الْفَقْرَ مُشْتَقٌّ مِنْ فَقْرِ الظَّهْرِ ، فَعِيلَ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ ،","part":14,"page":301},{"id":6801,"text":"أَيْ مَفْقُودٌ ، وَهُوَ الَّذِي نُزِعَتْ فِقْرَةُ ظَهْرِهِ ، فَانْقَطَعَ صُلْبُهُ .\rقَالَ الشَّاعِرُ : لَمَّا رَأَى لُبَدُ النُّسُورِ تَطَايَرَتْ رَفَعَ الْقَوَادِمَ كَالْفَقِيرِ الْأَعْزَلِ أَيْ لَمْ يُطِقْ الطَّيَرَانَ ، كَاَلَّذِي انْقَطَعَ صُلْبُهُ .\rوَالْمِسْكِينُ مِفْعِيلٌ مِنْ السُّكُونِ ، وَهُوَ الَّذِي أَسْكَنَتْهُ الْحَاجَةُ ، وَمَنْ كُسِرَ صُلْبُهُ أَشَدُّ حَالًا مِنْ السَّاكِنِ .\rفَأَمَّا الْآيَةُ فَهِيَ حُجَّةٌ لَنَا ، فَإِنَّ نَعْتَ اللَّهِ تَعَالَى لِلْمِسْكِينِ بِكَوْنِهِ ذَا مَتْرَبَةٍ ، يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذَا النَّعْتَ لَا يَسْتَحِقُّهُ بِإِطْلَاقِ اسْمِ الْمَسْكَنَةِ ، كَمَا يُقَالُ : ثَوْبٌ ذُو عَلَمِ .\rوَيَجُوزُ التَّعْبِيرُ بِالْمِسْكِينِ عَنْ الْفَقِيرِ ، بِقَرِينَةٍ وَبِغَيْرِ قَرِينَةٍ ، وَالشِّعْرُ أَيْضًا حُجَّةٌ لَنَا ، فَإِنَّهُ أَخْبَرَ أَنَّ الَّذِي كَانَتْ حَلُوبَتُهُ وَفْقَ الْعِيَالِ ، لَمْ يُتْرَكْ لَهُ سَبْدٌ ، فَصَارَ فَقِيرًا لَا شَيْءَ لَهُ .\rإذَا تَقَرَّرَ هَذَا ، فَالْفَقِيرُ الَّذِي لَا يَقْدِرُ عَلَى كَسْبِ مَا يَقَعْ مَوْقِعًا مِنْ كِفَايَتِهِ ، وَلَا لَهُ مِنْ الْأُجْرَةِ أَوْ مِنْ الْمَالِ الدَّائِمِ مَا يَقَعُ مُوقِعًا مِنْ كِفَايَتِهِ ، وَلَا لَهُ خَمْسُونَ دِرْهَمًا ، وَلَا قِيمَتُهَا مِنْ الذَّهَبِ ، مِثْلُ الزَّمْنَى وَالْمَكَافِيفِ وَهُمْ الْعُمْيَانُ ، سُمُّوا بِذَلِكَ لِكَفِّ أَبْصَارِهِمْ ؛ لِأَنَّ هَؤُلَاءِ فِي الْغَالِبِ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى اكْتِسَابِ مَا يَقَعُ مَوْقِعًا مِنْ كِفَايَتِهِمْ ، وَرُبَّمَا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ أَصْلًا ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمْ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنْ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إلْحَافًا } .\rوَمَعْنَى قَوْلِهِمْ : يَقَعُ مَوْقِعًا مِنْ كِفَايَتِهِمْ أَنَّهُ يَحْصُلُ بِهِ مُعْظَمُ الْكِفَايَةِ ، أَوْ نِصْفُ الْكِفَايَةِ مِثْلُ مَنْ يَكْفِيهِ عَشْرَةٌ فَيَحْصُلُ لَهُ مِنْ مَكْسَبِهِ أَوْ غَيْرِهِ خَمْسَةٌ فَمَا زَادَ ، وَاَلَّذِي لَا يَحْصُلُ لَهُ إلَّا مَا لَا يَقَعُ مَوْقِعًا مِنْ كِفَايَتِهِ ، كَاَلَّذِي لَا","part":14,"page":302},{"id":6802,"text":"يَحْصُلُ لَهُ إلَّا ثَلَاثَةٌ أَوْ دُونَهَا ، فَهَذَا هُوَ الْفَقِيرُ ، وَالْأُوَلُ هُوَ الْمِسْكِينُ ، فَيُعْطَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا يُتِمُّ بِهِ كِفَايَتَهُ ، وَتَنْسَدُّ بِهِ حَاجَتُهُ ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ دَفْعُهَا وَإِغْنَاءُ صَاحِبِهَا ، وَلَا يَحْصُلُ إلَّا بِذَلِكَ .\rوَاَلَّذِي يَسْأَلُ ، وَيُحَصِّلُ الْكِفَايَةَ أَوْ مُعْظَمَهَا مِنْ مَسْأَلَتِهِ ، فَهُوَ مِنْ الْمَسَاكِينِ ، لَكِنَّهُ يُعْطَى جَمِيعَ كِفَايَتِهِ ، وَيُغْنَى عَنْ السُّؤَالِ .\rفَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَيْسَ الْمِسْكِينُ بِالطَّوَّافِ الَّذِي تَرُدُّهُ اللُّقْمَةُ وَاللُّقْمَتَانِ ، وَلَكِنَّ الْمِسْكِينَ الَّذِي لَا يَسْأَلُ النَّاسَ ، وَلَا يُفْطَنُ لَهُ فَيُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ } .\rقُلْنَا ، هَذَا تَجَوُّزٌ ، وَإِنَّمَا نَفْيُ الْمَسْكَنَةِ عَنْهُ مَعَ وُجُودِهَا فِيهِ حَقِيقَةً ، مُبَالَغَةٌ فِي إثْبَاتِهَا فِي الَّذِي لَا يَسْأَلُ النَّاسَ ، كَمَا قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ ، وَإِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَغْلِبُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ } .\rوَقَالَ : { مَا تَعُدُّونَ الرَّقُوبَ فِيكُمْ ؟ .\rقَالُوا : الَّذِي لَا يَعِيشُ لَهُ وَلَدٌ .\rقَالَ : لَا ، وَلَكِنَّ الرَّقُوبَ الَّذِي لَمْ يُقَدِّمْ مِنْ وَلَدِهِ شَيْئًا } .\rوَقَالَ : { مَا تَعُدُّونَ الْمُفْلِسَ فِيكُمْ ؟ .\rقَالُوا : الَّذِي لَا دِرْهَمَ لَهُ وَلَا مَتَاعَ .\rقَالَ : لَا ، وَلَكِنَّ الْمُفْلِسَ الَّذِي يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ الْجِبَالِ ، وَيَأْتِي وَقَدْ ظَلَمَ هَذَا ، وَلَطَمَ هَذَا ، وَأَخَذَ مِنْ عِرْضِ هَذَا ، فَيَأْخُذُ هَذَا مِنْ حَسَنَاته ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ ، حَتَّى إذَا نَفِدَتْ حَسَنَاتُهُ ، أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِهِمْ ، فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ ، ثُمَّ يَصُكُّ لَهُ صَكٌّ إلَى النَّارِ } .","part":14,"page":303},{"id":6803,"text":"( 5098 ) فَصْلٌ : وَمَنْ كَانَ ذَا مَكْسَبٍ يُغْنِي بِهِ نَفْسَهُ وَعِيَالَهُ إنْ كَانَ لَهُ عِيَالٌ ، وَكَانَ لَهُ قَدْرُ كِفَايَتِهِ فِي كُلِّ يَوْمٍ ، مِنْ أَجَّرَ عَقَارٍ ، أَوْ غَلَّةِ مَمْلُوكٍ أَوْ سَائِمَةٍ ، فَهُوَ غَنِيٌّ لَا حَقَّ لَهُ فِي الزَّكَاةِ .\rوَبِهَذَا قَالَ ابْنُ عُمَرَ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إنْ لَمْ يَمْلِكْ نِصَابًا فَلَهُ الْأَخْذُ مِنْهَا ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { أَعْلِمْهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً ، تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ ، فَتُرَدُّ فِي فُقَرَائِهِمْ .\r} فَجَعَلَ الْغَنِيَّ مَنْ تُؤْخَذُ مِنْهُ الصَّدَقَةُ ، وَلَا تُؤْخَذُ إلَّا مِنْ النِّصَابِ .\rوَلِأَنَّ هَذَا لَا يَمْلِكُ نِصَابًا ، وَلَا قِيمَتَهُ ، فَجَازَ لَهُ الْأَخْذُ ، كَاَلَّذِي لَا كِفَايَةَ لَهُ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَدِيِّ بْنِ الْخِيَارِ ، { أَنَّ رَجُلَيْنِ أَتَيَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَقْسِمُ الصَّدَقَةَ ، فَسَأَلَاهُ شَيْئًا مِنْهَا ، فَصَعَّدَ بَصَرَهُ فِيهِمَا ، وَقَالَ لَهُمَا : إنْ شِئْتُمَا أَعْطَيْتُكُمَا مِنْهَا ، وَلَا حَظَّ فِيهَا لِغَنِيٍّ ، وَلَا لِقَوِيٍّ مُكْتَسِبٍ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ .\rوَقَالَ : هَذَا أَجْوَدُهُمَا إسْنَادًا ، مَا أَجْوَدَهُ مِنْ حَدِيثٍ ، مَا أَعْلَمُ رُوِيَ فِي هَذَا أَجْوَدُ مِنْ هَذَا .\rقِيلَ لَهُ : فَالْحَدِيثُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ ، وَلَا لِذِي مِرَّةٍ سَوِيٍّ } ؟ قَالَ : لَا أَعْلَمُ فِيهِ شَيْئًا يَصِحُّ .\rقِيلَ لَهُ : يَرْوِيهِ سَالِمُ بْنُ أَبِي الْجَعْدِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : سَالِمٌ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ .\rوَالْغِنَى يَخْتَلِفُ ؛ فَمِنْهُ غِنًى يُوجِبُ الزَّكَاةَ ، وَغِنًى يَمْنَعُ أَخْذَهَا ، وَغِنًى يَمْنَعُ الْمَسْأَلَةَ ، وَيُخَالِفُ مَا قَاسُوا عَلَيْهِ هَذَا ، فَإِنَّهُ مُحْتَاجٌ إلَيْهَا ، وَالصَّدَقَةُ أَوْسَاخُ النَّاسِ ،","part":14,"page":304},{"id":6804,"text":"فَلَا تُبَاحُ إلَّا عِنْدَ الْحَاجَةِ إلَيْهَا ، وَهَذَا الْمُخْتَلَفُ فِيهِ لَا حَاجَةَ بِهِ إلَيْهَا ، فَلَا تُبَاحُ لَهُ .","part":14,"page":305},{"id":6805,"text":"( 5099 ) فَصْلٌ : وَإِنْ كَانَ الرَّجُلُ صَحِيحًا جَلْدًا ، وَذَكَرَ أَنَّهُ لَا كَسْبَ لَهُ ، أُعْطِيَ مِنْهَا ، وَقُبِلَ قَوْلُهُ بِغَيْرِ يَمِينٍ ، إذَا لَمْ يُعْلَمْ يَقِينُ كَذِبِهِ ، وَلَا يُحَلِّفُهُ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَعْطَى الرَّجُلَيْنِ اللَّذَيْنِ سَأَلَاهُ ، وَلَمْ يُحَلِّفْهُمَا .\r} وَفِي بَعْضِ رِوَايَاتِهِ ، أَنَّهُ قَالَ : { أَتَيْنَا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلْنَاهُ مِنْ الصَّدَقَةِ ، فَصَعَّدَ فِينَا الْبَصَرَ وَصَوَّبَهُ ، فَرَآنَا جَلْدَيْنِ ، فَقَالَ : إنْ شِئْتُمَا أَعْطَيْتُكُمَا } .\rوَذَكَرَ الْحَدِيثَ .","part":14,"page":306},{"id":6806,"text":"( 5100 ) فَصْلٌ : فَإِنْ ادَّعَى أَنَّ لَهُ عِيَالًا ، فَقَالَ الْقَاضِي ، وَأَبُو الْخَطَّابِ : يُقَلَّدُ وَيُعْطَى لَهُمْ ، كَمَا يُقَلَّدُ فِي دَعْوَى حَاجَتِهِ .\rوَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ عِنْدِي لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْعِيَالِ ، وَلَا تَتَعَذَّرُ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ ، وَفَارَقَ مَا إذَا ادَّعَى أَنَّهُ لَا كَسْبَ لَهُ ، فَإِنَّهُ يَدَّعِي مَا يُوَافِقُ الْأَصْلَ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْكَسْبِ وَالْمَالِ ، وَتَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ .\rوَلَوْ ادَّعَى الْفَقْرَ مَنْ عُرِفَ بِالْغِنَى ، لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ تَشْهَدُ بِأَنَّ مَالَهُ تَلِفَ أَوْ نَفِدَ ؛ لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { لَا تَحِلُّ الْمَسْأَلَةُ إلَّا لِثَلَاثَةٍ ؛ رَجُلٍ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ حَتَّى يَشْهَدَ لَهُ ثَلَاثَةٌ مِنْ ذَوِي الْحِجَا مِنْ قَوْمِهِ لَقَدْ أَصَابَتْ فُلَانًا فَاقَةٌ ، فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ ، حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ ، أَوْ سَدَادًا مِنْ عَيْشٍ } .\rوَهَلْ يُعْتَبَرُ فِي الْبَيِّنَةِ عَلَى الْفَقْرِ ثَلَاثَةٌ ، أَوْ يُكْتَفَى بِاثْنَيْنِ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، لَا يَكْفِي إلَّا ثَلَاثَةٌ ؛ لِظَاهِرِ الْخَبَرِ .\rوَالثَّانِي ، يُقْبَلُ قَوْلُ اثْنَيْنِ ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُمَا يُقْبَلُ فِي الْفَقْرِ بِالنِّسْبَةِ إلَى حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ ، الْمَبْنِيَّةِ عَلَى الشُّحِّ وَالضِّيقِ ، فَفِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى أَوْلَى ، وَالْخَبَرُ إنَّمَا وَرَدَ فِي حِلِّ الْمَسْأَلَةِ ، فَيُقْتَصَرُ عَلَيْهِ .\rوَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ لَهُ مَالٌ ، قُبِلَ قَوْلُهُ ، وَلَمْ يَسْتَحْلِفْ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَسْتَحْلِفْ الرَّجُلَيْنِ اللَّذَيْنِ رَآهُمَا جَلْدَيْنِ .\rفَإِنْ رَآهُ مُتَجَمِّلًا قَبِلَ قَوْلَهُ أَيْضًا ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ الْغِنَى ، بِدَلِيلِ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { يَحْسَبُهُمْ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنْ التَّعَفُّفِ } لَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يُخْبِرَهُ أَنْ مَا يُعْطِيهِ مِنْ الزَّكَاةِ ؛ لِئَلَّا يَكُونَ مِمَّنْ لَا تَحِلُّ لَهُ الزَّكَاةُ .\rوَإِنْ رَآهُ","part":14,"page":307},{"id":6807,"text":"ظَاهِرَ الْمَسْكَنَةِ ، أَعْطَاهُ مِنْهَا ، وَلَمْ يَحْتَجْ أَنْ يُبَيِّنَ لَهُ شَرْطَ جَوَازِ الْأَخْذِ ، وَلَا أَنَّ مَا يَدْفَعُهُ إلَيْهِ زَكَاةٌ .\rقَالَ أَحْمَدُ رَحِمَهُ اللَّهُ وَقَدْ سُئِلَ عَنْ الرَّجُلِ يَدْفَعُ زَكَاتَهُ إلَى رَجُلٍ : هَلْ يَقُولُ لَهُ : هَذِهِ زَكَاةٌ ؟ فَقَالَ : يُعْطِيهِ وَيَسْكُتُ ، وَلَا يُقْرِعُهُ .\rفَاكْتَفَى بِظَاهِرِ حَالِهِ عَنْ سُؤَالِهِ وَتَعْرِيفِهِ .","part":14,"page":308},{"id":6808,"text":"( 5101 ) فَصْلٌ : وَإِذَا كَانَ لِلرَّجُلِ بِضَاعَةٌ يَتَّجِرُ بِهَا ، أَوْ ضَيْعَةٌ يَسْتَغِلُّهَا تَكْفِيهِ غَلَّتُهَا ، لَهُ وَلِعِيَالِهِ ، فَهُوَ غَنِيٌّ ، لَا يُعْطَى مِنْ الصَّدَقَةِ شَيْئًا ، وَإِنْ لَمْ تَكْفِهِ ، جَازَ لَهُ الْأَخْذُ مِنْهَا قَدْرَ مَا يُتِمُّ بِهِ الْكِفَايَةَ ، وَإِنْ كَثُرَتْ قِيمَةُ ذَلِكَ .\rوَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ ذَلِكَ فِي الزَّكَاةِ .","part":14,"page":309},{"id":6809,"text":"مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَالْعَامِلِينَ عَلَى الزَّكَاةِ ، وَهُمْ الْجُبَاةُ لَهَا ، وَالْحَافِظُونَ لَهَا ) يَعْنِي الْعَامِلِينَ عَلَى الزَّكَاةِ ، وَهُمْ الصِّنْفُ الثَّالِثُ مِنْ أَصْنَافِ الزَّكَاةِ ، وَهُمْ السُّعَاةُ الَّذِينَ يَبْعَثُهُمْ الْإِمَامُ لِأَخْذِهَا مِنْ أَرْبَابِهَا ، وَجَمْعِهَا وَحِفْظِهَا وَنَقْلِهَا ، وَمَنْ يُعِينُهُمْ مِمَّنْ يَسُوقُهَا وَيَرْعَاهَا وَيَحْمِلُهَا ، وَكَذَلِكَ الْحَاسِبُ وَالْكَاتِبُ وَالْكَيَّالُ وَالْوَزَّانُ وَالْعَدَّادُ ، وَكُلُّ مَنْ يُحْتَاجُ إلَيْهِ فِيهَا فَإِنَّهُ يُعْطَى أُجْرَتَهُ مِنْهَا ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ مُؤْنَتِهَا ، فَهُوَ كَعَلْفِهَا ، وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَبْعَثُ عَلَى الصَّدَقَةِ سُعَاةً ، وَيُعْطِيهِمْ عِمَالَتَهُمْ ، { فَبَعَثَ عُمَرَ ، وَمُعَاذًا ، وَأَبَا مُوسَى ، وَرَجُلًا مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ ، وَابْنَ اللُّتْبِيَّةِ ، وَغَيْرَهُمْ .\rوَطَلَبَ مِنْهُ ابْنَا عَمِّهِ الْفَضْلُ بْنُ الْعَبَّاسِ ، وَعَبْدُ الْمُطَّلِبِ بْنُ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ ، أَنْ يَبْعَثَهُمَا ، فَقَالَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، لَوْ بَعَثْتنَا عَلَى هَذِهِ الصَّدَقَةِ ، فَنُصِيبَ مَا يُصِيبُ النَّاسُ ، وَنُؤَدِّيَ إلَيْك مَا يُؤَدِّي النَّاسُ ؟ فَأَبَى أَنْ يَبْعَثَهُمَا ، وَقَالَ : إنَّ هَذِهِ الصَّدَقَةَ أَوْسَاخُ النَّاسِ } .\rوَهَذِهِ قِصَصٌ اشْتَهَرَتْ ، فَصَارَتْ كَالْمُتَوَاتِرِ ، وَلَيْسَ فِيهِ اخْتِلَافٌ ، مَعَ مَا وَرَدَ مِنْ نَصِّ الْكِتَابِ فِيهِ فَأَغْنَى عَنْ التَّطْوِيلِ .","part":14,"page":310},{"id":6810,"text":"( 5103 ) فَصْلٌ : وَمِنْ شَرْطِ الْعَامِلِ أَنْ يَكُونَ بَالِغًا عَاقِلًا أَمِينًا ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ ضَرْبٌ مِنْ الْوِلَايَةِ ، وَالْوِلَايَةُ تُشْتَرَطُ فِيهَا هَذِهِ الْخِصَالُ ، وَلِأَنَّ الصَّبِيَّ وَالْمَجْنُونَ لَا قَبْضَ لَهُمَا ، وَالْخَائِنَ يَذْهَبُ بِمَالِ الزَّكَاةِ وَيُضَيِّعُهُ عَلَى أَرْبَابِهِ .\rوَيُشْتَرَطُ إسْلَامُهُ .\rوَاخْتَارَ هَذَا الْقَاضِي .\rوَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ وَغَيْرُهُ ، أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ إسْلَامُهُ ؛ لِأَنَّهُ إجَارَةٌ عَلَى عَمَلٍ ، فَجَازَ أَنْ يَتَوَلَّاهُ الْكَافِرُ ، كَجِبَايَةِ الْخَرَاجِ .\rوَقِيلَ عَنْ أَحْمَدَ فِي ذَلِكَ رِوَايَتَانِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ يُشْتَرَطُ لَهُ الْأَمَانَةُ ، فَاشْتُرِطَ لَهُ الْإِسْلَامُ ، كَالشَّهَادَةِ ، وَلِأَنَّهُ وِلَايَةٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَتَوَلَّاهَا الْكَافِرُ ، كَسَائِرِ الْوِلَايَاتِ ، وَلِأَنَّ مَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الزَّكَاةِ .\rلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَوَلَّى الْعِمَالَةَ كَالْحَرْبِيِّ ، وَلِأَنَّ الْكَافِرَ لَيْسَ بِأَمِينٍ ، وَلِهَذَا قَالَ عُمَرُ : لَا تَأْتَمِنُوهُمْ وَقَدْ خَوَّنَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى .\rوَقَدْ أَنْكَرَ عُمَرُ عَلَى أَبِي مُوسَى تَوْلِيَتَهُ الْكِتَابَةَ نَصْرَانِيًّا .\rفَالزَّكَاةُ الَّتِي هِيَ رُكْنُ الْإِسْلَامِ أَوْلَى .\rوَيُشْتَرَطُ كَوْنُهُ مِنْ غَيْرِ ذَوِي الْقُرْبَى ، إلَّا أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ أُجْرَتَهُ مِنْ غَيْرِ الزَّكَاةِ .\rوَقَالَ أَصْحَابُنَا : يَجُوزُ لَهُ الْأَخْذُ مِنْهَا ؛ لِأَنَّهَا أُجْرَةٌ عَلَى عَمَلٍ تَجُوزُ لِلْغَنِيِّ ، فَجَازَتْ لِذَوِي الْقُرْبَى ، كَأُجْرَةِ النَّقَّالِ وَالْحَافِظِ .\rوَهَذَا أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ .\rوَلَنَا ، حَدِيثُ الْفَضْلِ بْنِ الْعَبَّاسِ وَعَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ ، حِينَ سَأَلَا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَبْعَثَهُمَا عَلَى الصَّدَقَةِ ، فَأَبَى أَنْ يَبْعَثَهُمَا .\rوَقَالَ : { إنَّمَا هَذِهِ الصَّدَقَةُ أَوْسَاخُ النَّاسِ ، وَإِنَّهَا لَا تَحِلُّ لِمُحَمَّدٍ وَلَا لِآلِ مُحَمَّدٍ } .\rوَحَدِيثُ أَبِي رَافِعٍ أَيْضًا .\rوَهَذَا ظَاهِرٌ فِي تَحْرِيمِ أَخْذِهِمْ الْعِمَالَةَ ، فَلَا تَجُوزُ مُخَالَفَتُهُ .","part":14,"page":311},{"id":6811,"text":"وَيُفَارِقُ النَّقَّالَ وَالْحَمَّالَ وَالرَّاعِيَ ، فَإِنَّهُ يَأْخُذُهُ أُجْرَةً لِحَمْلِهِ لَا لِعِمَالَتِهِ .\rوَلَا يُشْتَرَطُ كَوْنُهُ حُرًّا ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ يَحْصُلُ مِنْهُ الْمَقْصُودُ كَالْحُرِّ ، فَجَازَ أَنْ يَكُونَ عَامِلًا كَالْحُرِّ .\rوَلَا كَوْنُهُ فَقِيهًا إذَا كُتِبَ لَهُ مَا يَأْخُذُهُ ، وَحُدَّ لَهُ ، كَمَا كَتَبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعُمَّالِهِ فَرَائِضَ الصَّدَقَةِ ، وَكَمَا كَتَبَ أَبُو بَكْرٍ لِعُمَّالِهِ ، أَوْ بَعَثَ مَعَهُ مَنْ يُعَرِّفُهُ ذَلِكَ .\rوَلَا كَوْنُهُ فَقِيرًا ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ الْعَامِلَ صِنْفًا غَيْرَ الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ ، فَلَا يُشْتَرَطُ وُجُودُ مَعْنَاهُمَا فِيهِ ، كَمَا لَا يُشْتَرَطُ مَعْنَاهُ فِيهِمَا .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ ، إلَّا لَخَمْسَةٍ ؛ لِغَازٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، أَوْ لِعَامِلٍ عَلَيْهَا ، أَوْ لِرَجُلٍ ابْتَاعَهَا بِمَالِهِ ، أَوْ لِرَجُلٍ كَانَ لَهُ جَارٌ مِسْكِينٌ فَتَصَدَّقَ عَلَى الْمِسْكِينِ ، فَأَهْدَى الْمِسْكِينُ إلَى الْغَنِيِّ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَذَكَرَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ تُشْتَرَطُ الْحُرِّيَّةُ ؛ لِأَنَّ الْعِمَالَةَ وِلَايَةٌ ، فَنَافَاهَا الرِّقُّ ، كَالْقَضَاءِ .\rوَيُشْتَرَطُ الْفِقْهُ ؛ لِيَعْلَم قَدْرَ الْوَاجِبِ وَصِفَتَهُ .\rوَلَنَا ، مَا ذَكَرْنَاهُ ، وَلَا نُسَلِّمُ مُنَافَاةَ الرِّقِّ لِلْوِلَايَاتِ الدِّينِيَّةِ ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ إمَامًا فِي الصَّلَاةِ ، وَمُفْتِيًا ، وَرَاوِيًا لِلْحَدِيثِ ، وَشَاهِدًا ، وَهَذِهِ مِنْ الْوِلَايَاتِ الدِّينِيَّةِ .\rوَأَمَّا الْفِقْهُ ، فَإِنَّمَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ لِمَعْرِفَةِ مَا يَأْخُذُهُ وَيَتْرُكُهُ ، وَيَحْصُلُ ذَلِكَ بِالْكِتَابِ لَهُ ، كَمَا فَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصَاحِبَاهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا .","part":14,"page":312},{"id":6812,"text":"( 5104 ) فَصْلٌ : وَالْإِمَامُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يَسْتَأْجِرَ الْعَامِلَ إجَارَةً صَحِيحَةً ، بِأَجْرٍ مَعْلُومٍ ، إمَّا عَلَى مُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ ، وَإِمَّا عَلَى عَمَلٍ مَعْلُومٍ ، وَبَيْنَ أَنْ يَجْعَلَ لَهُ جَعْلًا مَعْلُومًا عَلَى عَمَلِهِ ، فَإِذَا عَمِلَهُ اسْتَحَقَّ الْمَشْرُوطَ ، وَإِنْ شَاءَ بَعَثَهُ مِنْ غَيْرِ تَسْمِيَةٍ ثُمَّ أَعْطَاهُ ؛ فَإِنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : { بَعَثَنِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الصَّدَقَةِ ، فَلَمَّا رَجَعْت عَمَّلَنِي ، فَقُلْت : أَعْطِهِ مَنْ هُوَ أَحْوَجُ مِنِّي .\r} وَذَكَرَ الْحَدِيثَ .\rفَإِنْ تَلْفِت الصَّدَقَةُ فِي يَدِهِ قَبْلَ وُصُولِهَا إلَى أَرْبَابِهَا مِنْ غَيْرِ تَفْرِيطٍ ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ .\rوَيَسْتَحِقُّ أَجْرَهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ ، وَإِنْ لَمْ تَتْلَفْ أُعْطِيَ أَجْرَ عَمَلِهِ مِنْهَا ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِهَا أَوْ أَقَلَّ .\rثُمَّ قُسِّمَ الْبَاقِي عَلَى أَرْبَابِهِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ مُؤْنَتِهَا ، فَجَرَى مَجْرَى عَلْفِهَا وَمُدَاوَاتِهَا .\rوَإِنْ رَأَى الْإِمَامُ أَعْطَاهُ أُجْرَةً مِنْ بَيْتِ الْمَالِ ، أَوْ يَجْعَلُ لَهُ رِزْقًا فِي بَيْتِ الْمَالِ ، وَلَا يُعْطِيهِ مِنْهَا شَيْئًا ، فَعَلَ .\rوَإِنْ تَوَلَّى الْإِمَامُ أَوْ الْوَالِي مِنْ قِبَلِهِ ، أَخْذَ الصَّدَقَةِ وَقِسْمَتَهَا ، لَمْ يَسْتَحِقَّ مِنْهَا شَيْئًا ؛ لِأَنَّهُ يَأْخُذُ رِزْقَهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ .","part":14,"page":313},{"id":6813,"text":"( 5105 ) فَصْلٌ : وَيَجُوزُ لِلْإِمَامِ أَنْ يُوَلِّيَ السَّاعِيَ جِبَايَتَهَا دُونَ تَفْرِقَتِهَا .\rوَيَجُوزُ أَنْ يُوَلِّيَهُ جِبَايَتَهَا وَتَفْرِيقَهَا ؛ { فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَّى ابْنَ اللُّتْبِيَّةِ فَقَدِمَ بِصَدَقَتِهِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : هَذَا لَكُمْ ، وَهَذَا أُهْدِيَ إلَيَّ .\rوَقَالَ لَقَبِيصَةَ : أَقِمْ يَا قَبِيصَةُ حَتَّى تَأْتِيَنَا الصَّدَقَةُ ، فَنَأْمُرَ لَك بِهَا .\rوَأَمَرَ مُعَاذًا أَنْ يَأْخُذَ الصَّدَقَةَ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَيَرُدَّهَا فِي فُقَرَائِهِمْ .\r} وَيُرْوَى أَنَّ زِيَادًا وَلَّى عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ الصَّدَقَةَ ، فَلَمَّا جَاءَ قِيلَ لَهُ : أَيْنَ الْمَالُ ؟ قَالَ : أَوَ لِلْمَالِ بَعَثْتنِي ، أَخَذْنَاهَا كَمَا كُنَّا نَأْخُذُهَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَوَضَعْنَاهَا حَيْثُ كُنَّا نَضَعُهَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَعَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ قَالَ : أَتَانَا مُصَدِّقُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخَذَ الصَّدَقَةَ مِنْ أَغْنِيَائِنَا ، فَوَضَعَهَا فِي فُقَرَائِنَا ، وَكُنْت غُلَامًا يَتِيمًا ، فَأَعْطَانِي مِنْهَا قَلُوصًا .\rأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ .","part":14,"page":314},{"id":6814,"text":"( 5106 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَالْمُؤَلَّفَةُ قُلُوبُهُمْ ، وَهُمْ الْمُشْرِكُونَ الْمُتَأَلَّفُونَ عَلَى الْإِسْلَامِ ) هَذَا الصِّنْفُ الرَّابِعُ مِنْ أَصْنَافِ الزَّكَاةِ الْمُسْتَحِقُّونَ لَهَا .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : انْقَطَعَ سَهْمُهُمْ .\rوَهُوَ أَحَدُ أَقْوَالِ الشَّافِعِيِّ ؛ لِمَا رُوِيَ أَنَّ مُشْرِكًا جَاءَ يَلْتَمِسُ مِنْ عُمَرَ مَالًا ، فَلَمْ يُعْطِهِ ، وَقَالَ : { فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ } .\rوَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ عُمَرَ وَلَا عُثْمَانَ وَلَا عَلِيٍّ أَنَّهُمْ أَعْطَوْا شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ ، وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَظْهَرَ الْإِسْلَامَ ، وَقَمَعَ الْمُشْرِكِينَ ، فَلَا حَاجَةَ بِنَا إلَى التَّأْلِيفِ .\rوَحَكَى حَنْبَلٌ ، عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّهُ قَالَ : الْمُؤَلَّفَةُ قَدْ انْقَطَعَ حُكْمُهُمْ الْيَوْمَ .\rوَالْمَذْهَبُ عَلَى خِلَافِ مَا حَكَاهُ حَنْبَلٌ ، وَلَعَلَّ مَعْنَى قَوْلِ أَحْمَدَ : انْقَطَعَ حُكْمُهُمْ .\rأَيْ لَا يُحْتَاجُ إلَيْهِمْ فِي الْغَالِبِ ، أَوْ أَرَادَ أَنَّ الْأَئِمَّةَ لَا يُعْطُونَهُمْ الْيَوْمَ شَيْئًا ، فَأَمَّا إنْ احْتَاجَ إلَيْهِمْ جَازَ الدَّفْعُ إلَيْهِمْ ، فَلَا يَجُوزُ الدَّفْعُ إلَيْهِمْ إلَّا مَعَ الْحَاجَةِ .\rوَلَنَا ، عَلَى جَوَازِ الدَّفْعِ إلَيْهِمْ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ } .\rوَهَذِهِ الْآيَةُ فِي سُورَةِ بَرَاءَةَ ، وَهِيَ مِنْ آخِرِ مَا نَزَلَ مِنْ الْقُرْآنِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rوَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْطَى الْمُؤَلَّفَةَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ وَالْمُسْلِمِينَ .\rوَأَعْطَى أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَدِيَّ بْنَ حَاتِمٍ ، وَقَدْ قَدِمَ عَلَيْهِ بِثَلَاثِمِائَةٍ جَمَلٍ مِنْ إبِلِ الصَّدَقَةِ ، ثَلَاثِينَ بَعِيرًا .\rوَمُخَالَفَةُ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَسُنَّةِ رَسُولِهِ ، وَاطِّرَاحُهَا بِلَا حُجَّةٍ لَا يَجُوزُ ، وَلَا يَثْبُتُ النَّسْخُ بِتَرْكِ عُمَرَ وَعُثْمَانَ إعْطَاءَ الْمُؤَلَّفَةِ ، وَلَعَلَّهُمْ لَمْ يَحْتَاجُوا إلَى إعْطَائِهِمْ ، فَتَرَكُوا ذَلِكَ لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ ، لَا لِسُقُوطِهِ .","part":14,"page":315},{"id":6815,"text":"( 5107 ) فَصْلٌ : وَالْمُؤَلَّفَةُ قُلُوبُهُمْ ضَرْبَانِ ؛ كُفَّارٌ وَمُسْلِمُونَ ، وَهُمْ جَمِيعًا السَّادَةُ الْمُطَاعُونَ فِي قَوْمِهِمْ وَعَشَائِرِهِمْ .\rفَالْكُفَّارُ ضَرْبَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، مَنْ يُرْجَى إسْلَامُهُ ، فَيُعْطَى لِتَقْوَى نِيَّتُهُ فِي الْإِسْلَامِ ، وَتَمِيلَ نَفْسُهُ إلَيْهِ ، فَيُسْلِمَ ؛ { فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ ، أَعْطَى صَفْوَانَ بْنَ أُمَيَّةَ الْأَمَانَ ، وَاسْتَنْظَرَهُ صَفْوَانُ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ لِيَنْظُرَ فِي أَمْرِهِ ، وَخَرَجَ مَعَهُ إلَى حُنَيْنٍ ، فَلَمَّا أَعْطَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْعَطَايَا قَالَ صَفْوَانُ : مَا لِي ؟ فَأَوْمَأَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى وَادٍ فِيهِ إبِلٌ مُحَمَّلَةٌ ، فَقَالَ : هَذَا لَك .\rفَقَالَ صَفْوَانُ : هَذَا عَطَاءُ مَنْ لَا يَخْشَى الْفَقْرَ .\r} وَالضَّرْبُ الثَّانِي ، مَنْ يُخْشَى شَرُّهُ ، وَيُرْجَى بِعَطِيَّتِهِ كَفُّ شَرِّهِ وَكَفُّ غَيْرِهِ مَعَهُ .\rوَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ قَوْمًا كَانُوا يَأْتُونَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنْ أَعْطَاهُمْ مَدَحُوا الْإِسْلَامَ ، وَقَالُوا : هَذَا دِينٌ حَسَنٌ .\rوَإِنْ مَنَعَهُمْ ذَمُّوا وَعَابُوا .\rوَأَمَّا الْمُسْلِمُونَ فَأَرْبَعَةُ أَضْرُبٍ ؛ قَوْمٌ مِنْ سَادَاتِ الْمُسْلِمِينَ لَهُمْ نُظَرَاءُ مِنْ الْكُفَّارِ ، وَمِنْ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ لَهُمْ نِيَّةٌ حَسَنَةٌ فِي الْإِسْلَامِ ، فَإِذَا أُعْطُوا رُجِيَ إسْلَامُ نُظَرَائِهِمْ وَحُسْنُ نِيَّاتِهِمْ ، فَيَجُوزُ إعْطَاؤُهُمْ ؛ لِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، أَعْطَى عَدِيَّ بْنَ حَاتِمٍ ، وَالزِّبْرِقَانَ بْنَ بَدْرٍ ، مَعَ حُسْنِ نِيَّاتِهِمَا وَإِسْلَامِهِمَا .\rالضَّرْبُ الثَّانِي ، سَادَاتٌ مُطَاعُونَ فِي قَوْمِهِمْ يُرْجَى بِعَطِيَّتِهِمْ قُوَّةُ إيمَانِهِمْ ، وَمُنَاصَحَتُهُمْ فِي الْجِهَادِ ، فَإِنَّهُمْ يُعْطَوْنَ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْطَى عُيَيْنَةَ بْنَ حِصْنٍ ، وَالْأَقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ ، وَعَلْقَمَةَ بْنَ عُلَاثَةَ ، وَالطُّلَقَاءَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ ، وَقَالَ لِلْأَنْصَارِ : { يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ","part":14,"page":316},{"id":6816,"text":"عَلَامَ تَأْسَوْنَ ؟ عَلَى لُعَاعَةٍ مِنْ الدُّنْيَا تَأَلَّفْت بِهَا قَوْمًا لَا إيمَانَ لَهُمْ ، وَوَكَلْتُكُمْ إلَى إيمَانِكُمْ ؟ } .\rوَرَوَى الْبُخَارِيُّ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَمْرِو بْنِ تَغْلِبَ ، { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْطَى أُنَاسًا وَتَرَكَ أُنَاسًا ، فَبَلَغَهُ عَنْ الَّذِينَ تَرَكَ أَنَّهُمْ عَتَبُوا ، فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، ثُمَّ قَالَ : إنِّي أُعْطِي أُنَاسًا وَأَدَعُ أُنَاسًا ، وَاَلَّذِي أَدَعُ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ الَّذِي أُعْطِي ، أُعْطِي أُنَاسًا لِمَا فِي قُلُوبِهِمْ مِنْ الْجَزَعِ وَالْهَلَعِ ، وَأَكِلُ أُنَاسًا إلَى مَا فِي قُلُوبِهِمْ مِنْ الْغِنَى وَالْخَيْرِ ؛ مِنْهُمْ عَمْرُو بْنُ تَغْلِبَ } .\rوَعَنْ أَنَسٍ ، قَالَ : حِينَ { أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ أَمْوَالَ هَوَازِنَ ، طَفِقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعْطِي رِجَالًا مِنْ قُرَيْشٍ مِائَةً مِنْ الْإِبِلِ ، فَقَالَ نَاسٌ مِنْ الْأَنْصَارِ : يَغْفِرُ اللَّهُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعْطِي قُرَيْشًا وَيَمْنَعُنَا ، وَسُيُوفُنَا تَقْطُرُ مِنْ دِمَائِهِمْ .\rفَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إنِّي أُعْطِي رِجَالًا حُدَثَاءَ عَهْدٍ بِكُفْرٍ أَتَأَلَّفُهُمْ } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rالضَّرْبُ الثَّالِثُ ، قَوْمٌ فِي طَرَفِ بِلَادِ الْإِسْلَامِ ، إذَا أُعْطُوا دَفَعُوا عَمَّنْ يَلِيهِمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ .\rالضَّرْبُ الرَّابِعُ : قَوْمٌ إذَا أُعْطُوا أَجَبُّوا الزَّكَاةَ مِمَّنْ لَا يُعْطِيهَا إلَّا أَنْ يَخَافَ .\rوَكُلُّ هَؤُلَاءِ يَجُوزُ الدَّفْعُ إلَيْهِمْ مِنْ الزَّكَاةِ ؛ لِأَنَّهُمْ مِنْ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ ، فَيَدْخُلُونَ فِي عُمُومِ الْآيَةِ .","part":14,"page":317},{"id":6817,"text":"( 5108 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَفِي الرِّقَابِ ، وَهُمْ الْمُكَاتَبُونَ ) لَا نَعْلَمُ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ خِلَافًا فِي ثُبُوتِ سَهْمِ الرِّقَابِ ، وَلَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ فِي أَنَّ الْمُكَاتَبِينَ مِنْ الرِّقَابِ يَجُوزُ صَرْفُ الزَّكَاةِ إلَيْهِمْ .\rوَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ .\rوَخَالَفَهُمْ مَالِكٌ ، فَقَالَ : إنَّمَا يُصْرَفُ سَهْمُ الرِّقَابِ فِي إعْتَاقِ الْعَبِيدِ ، وَلَا يُعْجِبُنِي أَنْ يُعَانَ مِنْهَا مُكَاتَبٌ .\rوَخَالَفَ أَيْضًا ظَاهِرَ الْآيَةِ ؛ لِأَنَّ الْمُكَاتَبَ مِنْ الرِّقَابِ ، لِأَنَّهُ عَبْدٌ ، وَاللَّفْظُ عَامٌ ، فَيَدْخُلُ فِي عُمُومِهِ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّهُ يُدْفَعُ إلَى الْمُكَاتَبِ جَمِيعُ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ لِوَفَاءِ كِتَابَتِهِ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ شَيْءٌ ، جَازَ أَنْ يُدْفَعَ إلَيْهِ جَمِيعُهَا .\rوَإِنْ كَانَ مَعَهُ شَيْءٌ ، تَمَّمَ لَهُ مَا يَتَخَلَّصُ بِهِ ؛ لِأَنَّ حَاجَتَهُ لَا تَنْدَفِعُ إلَّا بِذَلِكَ .\rوَلَا يُدْفَعُ إلَى مَنْ مَعَهُ وَفَاءُ كِتَابَتِهِ شَيْءٌ ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَغْنٍ عَنْهُ فِي وَفَاءِ الْكِتَابَةِ .\rقِيلَ : وَلَا يُدْفَعُ إلَيْهِ بِحُكْمِ الْفَقْرِ شَيْءٌ ؛ لِأَنَّهُ عَبْدٌ .\rوَيَجُوزُ أَنْ يُدْفَعَ إلَيْهِ فِي كِتَابَتِهِ قَبْلَ حُلُولِ النَّجْمِ ؛ لِئَلَّا يَحِلَّ النَّجْمُ وَلَا شَيْءَ مَعَهُ ، فَتَنْفَسِخَ الْكِتَابَةُ .\rوَلَا يُدْفَعُ إلَى مُكَاتَبٍ كَافِرٍ شَيْءٌ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ مَصَارِفِ الزَّكَاةِ .\rوَلَا يُقْبَلُ قَوْلُ الْمُكَاتَبِ إنَّهُ مُكَاتَبٌ إلَّا بِبَيِّنَةٍ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهَا ، فَإِنْ صَدَّقَهُ السَّيِّدُ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا يُقْبَلُ ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ فِي الْعَبْدِ لِسَيِّدِهِ ، فَإِذَا أَقَرَّ بِانْتِقَالِ حَقِّهِ عَنْهُ قُبِلَ .\rوَالثَّانِي ، لَا يُقْبَلُ ؛ لِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ فِي أَنَّهُ يُوَاطِئُهُ لِيَأْخُذَ بِهِ الْمَالَ .","part":14,"page":318},{"id":6818,"text":"( 5109 ) فَصْلٌ : وَيَجُوزُ لِلسَّيِّدِ دَفْعُ زَكَاتِهِ إلَى مُكَاتَبِهِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ صَارَ مَعَهُ فِي بَابِ الْمُعَامَلَةِ كَالْأَجْنَبِيِّ .\rحَتَّى يَجْرِيَ بَيْنَهُمَا الرِّبَا ، فَصَارَ كَالْغَرِيمِ يَدْفَعُ زَكَاتَهُ إلَى غَرِيمِهِ .\rوَيَجُوزُ لِلْمُكَاتَبِ رَدُّهَا إلَى سَيِّدِهِ بِحُكْمِ الْوَفَاءِ ؛ لِأَنَّهَا رَجَعَتْ إلَيْهِ بِحُكْمِ الْإِيفَاءِ ، أَشْبَهَ إيفَاءَ الْغَرِيمِ دَيْنَهُ بِهَا .\rقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ وَيَجُوزُ دَفْعُ الزَّكَاةِ إلَى سَيِّدِ الْمُكَاتَبِ وَفَاءً عَنْ الْكِتَابَةِ .\rوَهُوَ الْأَوْلَى ؛ لِأَنَّهُ أَعْجَلُ لِعِتْقِهِ ، وَأَوْصَلُ إلَى الْمَقْصُودِ الَّذِي كَانَ الدَّفْعُ مِنْ أَجْلِهِ ، فَإِنَّهُ إذَا أَخَذَهُ الْمُكَاتَبُ قَدْ يَدْفَعُهُ وَقَدْ لَا يَدْفَعُهُ .\rوَنَقَلَ حَنْبَلٌ أَنَّهُ قَالَ : قَالَ سُفْيَانُ : لَا تُعْطِي مُكَاتَبًا لَك مِنْ الزَّكَاةِ .\rقَالَ : وَسَمِعْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ : وَأَنَا أَرَى مِثْلَ ذَلِكَ .\rوَقَالَ الْأَثْرَمُ : سَمِعْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يُسْأَلُ : أَيُعْطَى الْمُكَاتَبُ مِنْ الزَّكَاةِ ؟ قَالَ : الْمُكَاتَبُ بِمَنْزِلَةِ الْعَبْدِ ، فَكَيْفَ يُعْطَى ؟ وَمَعْنَاهُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - لَا يُعْطِي مُكَاتَبَهُ مِنْ الزَّكَاةِ ؛ لِأَنَّهُ عَبْدُهُ وَمَالُهُ ، يَرْجِعُ إلَيْهِ إنْ عَجَزَ ، وَإِنْ عَتَقَ فَلَهُ وَلَاؤُهُ ، وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لِمُكَاتَبِهِ ، وَلَا شَهَادَةُ مُكَاتَبِهِ لَهُ .","part":14,"page":319},{"id":6819,"text":"مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ رَحِمَهُ اللَّهُ رِوَايَةٌ أُخْرَى ، أَنَّهُ يُعْتَقُ مِنْهَا .\rاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي جَوَازِ الْإِعْتَاقِ مِنْ الزَّكَاةِ ، فَرُوِيَ عَنْهُ جَوَازُ ذَلِكَ .\rوَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَالْحَسَنِ ، وَالزُّهْرِيِّ ، وَمَالِكٍ ، وَإِسْحَاقَ ، وَأَبِي عُبَيْدٍ ، وَالْعَنْبَرِيِّ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ، لِعُمُومِ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَفِي الرِّقَابِ } .\rوَهُوَ مُتَنَاوِلٌ لِلْقِنِّ ، بَلْ هُوَ ظَاهِرٌ فِيهِ ، فَإِنَّ الرَّقَبَةَ إذَا أُطْلِقَتْ انْصَرَفَتْ إلَيْهِ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : { فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ } .\rوَتَقْدِيرُ الْآيَةِ ، وَفِي إعْتَاقِ الرِّقَابِ وَلِأَنَّهُ إعْتَاقٌ لِلرَّقَبَةِ ، فَجَازَ صَرْفُ الزَّكَاةِ فِيهِ ، كَدَفْعِهِ فِي الْكِتَابَةِ .\rوَالرِّوَايَةُ الْأُخْرَى ، لَا يَجُوزُ .\rوَهُوَ قَوْلُ إبْرَاهِيمَ ، وَالشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ الْآيَةَ تَقْتَضِي صَرْفَ الزَّكَاةِ إلَى الرِّقَابِ ، كَقَوْلِهِ : { فِي سَبِيلِ اللَّهِ } يُرِيدُ الدَّفْعَ إلَى الْمُجَاهِدِينَ ، كَذَلِكَ هَا هُنَا .\rوَالْعَبْدُ الْقِنُّ لَا يُدْفَعُ إلَيْهِ شَيْءٌ .\rقَالَ أَحْمَدُ ، فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ : قَدْ كُنْت أَقُولُ : يُعْتَقُ مِنْ زَكَاتِهِ ، وَلَكِنْ أَهَابُهُ الْيَوْمَ ؛ لِأَنَّهُ يَجُرُّ الْوَلَاءَ .\rوَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ ، قِيلَ لَهُ : فَمَا يُعْجِبُكَ مِنْ ذَلِكَ ؟ قَالَ : يُعِينُ مِنْ ثَمَنِهَا ، فَهُوَ أَسْلَمُ .\rوَقَدْ رُوِيَ نَحْوُ هَذَا عَنْ النَّخَعِيِّ ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، فَإِنَّهُمَا قَالَا : لَا يُعْتَقُ مِنْ الزَّكَاةِ رَقَبَةٌ كَامِلَةٌ ، لَكِنَّ يُعْطِي مِنْهَا فِي رَقَبَةٍ ، وَيُعِينُ مُكَاتَبًا .\rوَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَصَاحِبَاهُ ؛ لِأَنَّهُ إذَا أَعْتَقَ مِنْ زَكَاتِهِ ، انْتَفَعَ بِوَلَاءِ مَنْ أَعْتَقَهُ ، فَكَأَنَّهُ صَرَفَ الزَّكَاةَ إلَى نَفْسِهِ .\rوَأَخَذَ ابْنُ عَقِيلٍ مِنْ هَذِهِ الرِّوَايَةِ ، أَنَّ أَحْمَدَ رَجَعَ عَنْ الْقَوْلِ بِالْإِعْتَاقِ مِنْ الزَّكَاةِ .\rوَهَذَا - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - مِنْ أَحْمَدَ إنَّمَا كَانَ عَلَى سَبِيلِ الْوَرَعِ ، فَلَا يَقْتَضِي رُجُوعًا ؛ لِأَنَّ الْعِلَّةَ الَّتِي تَمَلَّكَ بِهَا","part":14,"page":320},{"id":6820,"text":"جَرُّ الْوَلَاءِ ، وَمَذْهَبُهُ أَنَّ مَا رَجَعَ مِنْ الْوَلَاءِ رُدَّ فِي مِثْلِهِ ، فَلَا يَنْتَفِعُ إذًا بِإِعْتَاقِهِ مِنْ الزَّكَاةِ .","part":14,"page":321},{"id":6821,"text":"( 5111 ) فَصْلٌ : وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْ زَكَاتِهِ مَنْ يَعْتِقُ عَلَيْهِ بِالرَّحِمِ ، وَهُوَ كُلُّ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ ، فَإِنْ فَعَلَ عَتَقَ عَلَيْهِ ، وَلَمْ تَسْقُطْ عَنْهُ الزَّكَاةُ .\rوَقَالَ الْحَسَنُ لَا بَأْسَ أَنْ يُعْتِقَ أَبَاهُ مِنْ الزَّكَاةِ ؛ لِأَنَّ دَفْعَ الزَّكَاةِ لَمْ يَحْصُلْ إلَى أَبِيهِ ، وَإِنَّمَا دَفَعَ الثَّمَنَ إلَى بَائِعِهِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ نَفْعَ زَكَاتِهِ عَادَ إلَى أَبِيهِ ، فَلَمْ يَجُزْ ، كَمَا لَوْ دَفَعَهَا إلَيْهِ ، وَلِأَنَّ عِتْقَهُ حَصَلَ بِنَفْسِ الشِّرَاءِ مُجَازَاةً وَصِلَةً لِلرَّحِمِ ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَحْتَسِبَ لَهُ بِهِ عَنْ الزَّكَاةِ ، كَنَفَقَةِ أَقَارِبِهِ .\rوَلَوْ أَعْتَقَ عَبْدَهُ الْمَمْلُوكَ لَهُ عَنْ زَكَاتِهِ ، لَمْ يَجُزْ ؛ لِأَنَّ أَدَاءَ الزَّكَاةِ عَنْ كُلِّ مَالٍ مِنْ جِنْسِهِ ، وَالْعَبْدُ لَيْسَ مِنْ جِنْسِ مَا تَجِبُ الزَّكَاةُ فِيهِ .\rوَلَوْ أَعْتَقَ عَبْدًا مِنْ عَبِيدِهِ لِلتِّجَارَةِ ، لَمْ يَجُزْ ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ فِي قِيمَتِهِمْ ، لَا فِي عَيْنِهِمْ .","part":14,"page":322},{"id":6822,"text":"( 5112 ) فَصْلٌ : وَيَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْ زَكَاتِهِ أَسِيرًا مُسْلِمًا مِنْ أَيْدِي الْمُشْرِكِينَ ؛ لِأَنَّهُ فَكُّ رَقَبَةٍ مِنْ الْأَسْرِ ، فَهُوَ كَفَكِّ رَقَبَةِ الْعَبْدِ مِنْ الرِّقِّ ، وَلِأَنَّ فِيهِ إعْزَازًا لِلدِّينِ ، فَهُوَ كَصَرْفِهِ إلَى الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ ، وَلِأَنَّهُ يَدْفَعُهُ إلَى الْأَسِيرِ لِفَكِّ رَقَبَتِهِ ، فَأَشْبَهَ مَا يَدْفَعُهُ إلَى الْغَارِمِ لِفَكِّ رَقَبَتِهِ مِنْ الدَّيْنِ .","part":14,"page":323},{"id":6823,"text":"مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( فَمَا رَجَعَ مِنْ الْوَلَاءِ رُدَّ فِي مِثْلِهِ ) يَعْنِي يُعْتَقُ بِهِ أَيْضًا .\rوَبِهَذَا قَالَ الْحَسَنُ ، وَإِسْحَاقُ .\rوَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : الْوَلَاءُ لِلْمُعْتِقِ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ } .\rوَقَالَ مَالِكٌ وَلَاؤُهُ لِسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ ؛ لِأَنَّهُ مَالٌ لَا مُسْتَحِقَّ لَهُ ، أَشْبَهَ مَالَ مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ .\rوَقَالَ الْعَنْبَرِيُّ : يَجْعَلُهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ لِلصَّدَقَاتِ ؛ لِأَنَّ عِتْقَهُ مِنْ الصَّدَقَةِ ، فَوَلَاؤُهُ يَرْجِعُ إلَيْهَا ، وَلِأَنَّ عِتْقَهُ بِمَالٍ هُوَ لِلَّهِ ، وَالْمُعْتِقُ نَائِبٌ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى فِي الشِّرَاءِ وَالْإِعْتَاقِ ، فَلَمْ يَكُنْ الْوَلَاءُ لَهُ .\rكَمَا لَوْ تَوَكَّلَ فِي الْإِعْتَاقِ ، وَكَالسَّاعِي إذَا اشْتَرَى مِنْ الزَّكَاةِ رَقَبَةً وَأَعْتَقَهَا ، وَلِأَنَّ الْوَلَاءَ أَثَرُ الرِّقِّ ، وَفَائِدَةٌ مِنْ الْمُعْتَقِ ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَرْجِعَ إلَى الْمُزَكِّي ، لِإِفْضَائِهِ إلَى أَنْ يَنْتَفِعَ بِزَكَاتِهِ .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْوَلَاءَ لَهُ .\rوَقَدْ سَبَقَ ذَلِكَ فِي بَابِ الْوَلَاءِ .","part":14,"page":324},{"id":6824,"text":"( 5114 ) فَصْلٌ : وَلَا يَعْقِلُ عَنْهُ .\rاخْتَارَهُ الْخَلَّالُ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ ، رِوَايَةٌ أُخْرَى ، أَنَّهُ يَعْقِلُ عَنْهُ .\rاخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ ؛ لِأَنَّهُ مُعْتِقٌ ، فَيَعْقِلُ عَنْهُ ، كَاَلَّذِي أَعْتَقَهُ مِنْ مَالِهِ ، وَإِنَّمَا لَمْ يَأْخُذْ مِيرَاثَهُ بِالْوَلَاءِ ؛ لِئَلَّا يَنْتَفِعَ بِزَكَاتِهِ ، وَالْعَقْلُ عَنْهُ لَيْسَ بِانْتِفَاعٍ ، فَيَبْقَى عَلَى الْأَصْلِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ لَا وَلَاءَ عَلَيْهِ ، فَلَمْ يَعْقِلْ عَنْهُ ، كَمَا لَوْ كَانَ وَكِيلًا فِي الْعِتْقِ ، وَلِأَنَّهُ لَا يَرِثُهُ ، فَلَمْ يَعْقِلْ عَنْهُ ، كَمَا لَوْ اخْتَلَفَ دِينُهُمَا ، وَمَا ذَكَرَهُ يَبْطُلُ بِالْوَكِيلِ وَالسَّاعِي إذَا أَعْتَقَ مِنْ الزَّكَاةِ .","part":14,"page":325},{"id":6825,"text":"( 5115 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَالْغَارِمِينَ ) وَهُمْ الْمَدِينُونَ الْعَاجِزُونَ عَنْ وَفَاءِ دُيُونِهِمْ .\rهَذَا الصِّنْفُ السَّادِسُ مِنْ أَصْنَافِ الزَّكَاةِ .\rوَلَا خِلَافَ فِي اسْتِحْقَاقِهِمْ ، وَثُبُوتِ سَهْمِهِمْ ، وَأَنَّ الْمَدِينِينَ الْعَاجِزِينَ عَنْ وَفَاءِ دُيُونِهِمْ مِنْهُمْ ، لَكِنْ إنْ غَرِمَ فِي مَعْصِيَةٍ ، مِثْلُ أَنْ يَشْتَرِيَ خَمْرًا ، أَوْ يَصْرِفَهُ فِي زِنَاءٍ أَوْ قِمَارٍ أَوْ غِنَاءٍ وَنَحْوِهِ ، لَمْ يُدْفَعْ إلَيْهِ قَبْلَ التَّوْبَةِ شَيْءٌ ؛ لِأَنَّهُ إعَانَةٌ عَلَى الْمَعْصِيَةِ ، وَإِنْ تَابَ ، فَقَالَ الْقَاضِي : يُدْفَعُ إلَيْهِ .\rوَاخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ ؛ لِأَنَّ إبْقَاءَ الدَّيْنِ الَّذِي فِي الذِّمَّةِ لَيْسَ مِنْ الْمَعْصِيَةِ ، بَلْ يَجِبُ تَفْرِيغُهَا ، وَالْإِعَانَةُ عَلَى الْوَاجِبِ قُرْبَةٌ لَا مَعْصِيَةٌ فَأَشْبَهَ مَنْ أَتْلَفَ مَالَهُ فِي الْمَعَاصِي حَتَّى افْتَقَرَ ، فَإِنَّهُ يُدْفَعُ إلَيْهِ مِنْ سَهْمِ الْفُقَرَاءِ .\rوَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ ، لَا يُدْفَعُ إلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ اسْتَدَانَهُ لِلْمَعْصِيَةِ ، فَلَمْ يُدْفَعْ إلَيْهِ ، كَمَا لَوْ لَمْ يَتُبْ ، وَلِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ أَنْ يَعُودَ إلَى الِاسْتِدَانَةِ لِلْمَعَاصِي ، ثِقَةً مِنْهُ بِأَنَّ دَيْنَهُ يُقْضَى ، بِخِلَافِ مَنْ أَتْلَفَ مَالَهُ فِي الْمَعَاصِي ، فَإِنَّهُ يُعْطَى لِفَقْرِهِ ، لَا لِمَعْصِيَتِهِ .","part":14,"page":326},{"id":6826,"text":"( 5116 ) فَصْلٌ : وَلَا يُدْفَعُ إلَى غَارِمٍ كَافِرٍ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الزَّكَاةِ ، وَلِذَلِكَ لَا يُدْفَعُ إلَى فَقِيرِهِمْ وَلَا مُكَاتَبِهِمْ .\rوَإِنْ كَانَ مِنْ ذَوِي الْقُرْبَى ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا : يَجُوزُ الدَّفْعُ إلَيْهِ ؛ لِأَنَّ عِلَّةَ مَنْعِهِ مِنْ الْأَخْذِ مِنْهَا لِفَقْرِهِ صِيَانَتُهُ عَنْ أَكْلِهَا ، لِكَوْنِهَا أَوْسَاخَ النَّاسِ ، وَإِذَا أَخَذَهَا لِغُرْمِهِ ، فَصَرَفَهَا إلَى الْغُرَمَاءِ ، فَلَا يَنَالُهُ دَنَاءَةُ وَسَخِهَا ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَجُوزَ ؛ لِعُمُومِ النُّصُوصِ فِي مَنْعِهِمْ مِنْ أَخْذِهَا ، وَكَوْنِهَا لَا تَحِلُّ لَهُمْ ، وَلِأَنَّ دَنَاءَةَ أَخْذِهَا تَحْصُلُ ، سَوَاءٌ أَكَلَهَا أَوْ لَمْ يَأْكُلْهَا ، وَلَا يُدْفَعُ مِنْهَا إلَى غَارِمٍ لَهُ مَا يَقْضِي بِهِ غُرْمَهُ ؛ لِأَنَّ الدَّفْعَ إلَيْهِ لِحَاجَتِهِ ، وَهُوَ مُسْتَغْنٍ عَنْهَا .","part":14,"page":327},{"id":6827,"text":"فَصْلٌ : وَمِنْ الْغَارِمِينَ صِنْفٌ يُعْطَوْنَ مَعَ الْغِنَى ، وَهُوَ غُرْمٌ لِإِصْلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ ، وَهُوَ أَنْ يَقَعَ بَيْنَ الْحَيَّيْنِ وَأَهْلِ الْقَرْيَتَيْنِ عَدَاوَةٌ وَضَغَائِنُ ، يَتْلَفُ فِيهَا نَفْسٌ أَوْ مَالٌ ، وَيَتَوَقَّفُ صُلْحُهُمْ عَلَى مَنْ يَتَحَمَّلُ ذَلِكَ ، فَيَسْعَى إنْسَانٌ فِي الْإِصْلَاحِ بَيْنَهُمْ ، وَيَتَحَمَّلُ الدِّمَاءَ الَّتِي بَيْنَهُمْ وَالْأَمْوَالَ ، فَيُسَمَّى ذَلِكَ حَمَالَةً ، بِفَتْحِ الْحَاءِ ، وَكَانَتْ الْعَرَبُ تَعْرِفُ ذَلِكَ ، وَكَانَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ يَتَحَمَّلُ الْحَمَالَةَ ، ثُمَّ يَخْرُجُ فِي الْقَبَائِلِ فَيَسْأَلُ حَتَّى يُؤَدِّيَهَا ، فَوَرَدَ الشَّرْعُ بِإِبَاحَةِ الْمَسْأَلَةِ فِيهَا ، وَجَعَلَ لَهُمْ نَصِيبًا مِنْ الصَّدَقَةِ ، فَرَوَى قَبِيصَةُ بْنُ الْمُخَارِقِ ، قَالَ : تَحَمَّلْت حَمَالَةً ، فَأَتَيْت النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسَأَلْته فِيهَا .\rفَقَالَ : { أَقِمْ يَا قَبِيصَةُ حَتَّى تَأْتِيَنَا الصَّدَقَةُ ، فَنَأْمُرَ لَك بِهَا } .\rثُمَّ قَالَ : { يَا قَبِيصَةُ ، إنَّ الْمَسْأَلَةَ لَا تَحِلُّ إلَّا لِثَلَاثَةٍ ؛ رَجُلٍ تَحَمَّلَ حَمَالَةً فَيَسْأَلُ فِيهَا حَتَّى يُؤَدِّيَهَا ، ثُمَّ يُمْسِكُ ، وَرَجُلٍ أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ فَاجْتَاحَتْ مَالَهُ ، فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ ، أَوْ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ ، وَرَجُلٍ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ حَتَّى يَشْهَدَ ثَلَاثَةٌ مِنْ ذَوِي الْحِجَا مِنْ قَوْمِهِ ، لَقَدْ أَصَابَتْ فُلَانًا فَاقَةٌ ، فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ ، أَوْ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ ، وَمَا سِوَى ذَلِكَ فَهُوَ سُحْتٌ يَأْكُلُهَا صَاحِبُهَا سُحْتًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ } أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ .\rوَرَوَى أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ ، إلَّا لِخَمْسَةٍ } .\rذَكَرَ مِنْهُمْ الْغَارِمَ .\rوَلِأَنَّهُ إنَّمَا يُقْبَلُ ضَمَانُهُ وَتَحَمُّلُهُ إذَا كَانَ مَلِيًّا ، وَبِهِ حَاجَةٌ إلَى ذَلِكَ مَعَ الْغِنَى ، وَإِنْ أَدَّى ذَلِكَ مِنْ مَالِهِ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ سَقَطَ الْغُرْمُ ، وَإِنْ","part":14,"page":328},{"id":6828,"text":"اسْتَدَانَ وَأَدَّاهَا ، جَازَ لَهُ الْأَخْذُ ؛ لِأَنَّ الْغُرْمَ بَاقٍ ، وَالْمُطَالَبَةَ قَائِمَةٌ ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا الْغُرْمِ وَالْغُرْمِ لِمَصْلَحَةِ نَفْسِهِ ، أَنَّ هَذَا الْغُرْمَ يُؤْخَذَ لِحَاجَتِنَا إلَيْهِ لِإِطْفَاءِ الثَّائِرَةِ ، وَإِخْمَادِ الْفِتْنَةِ ، فَجَازَ لَهُ الْأَخْذُ مَعَ الْغِنَى ، كَالْغَازِي وَالْمُؤَلَّفِ وَالْعَامِلِ .\rوَالْغَارِمُ لِمُصْلِحَةِ نَفْسِهِ يَأْخُذُ لِحَاجَةِ نَفْسِهِ ، فَاعْتُبِرَتْ حَاجَتُهُ وَعَجْزُهُ ، كَالْفَقِيرِ وَالْمِسْكِينِ وَالْمُكَاتَبِ وَابْنِ السَّبِيلِ .\rوَإِذَا كَانَ الرَّجُلُ غَنِيًّا ، وَعَلَيْهِ دَيْنٌ لَمَصْلَحَةٍ لَا يُطِيقُ قَضَاءَهُ ، جَازَ أَنْ يُدْفَعَ إلَيْهِ مَا يُتِمُّ بِهِ قَضَاءَهُ ، مَعَ مَا زَادَ عَنْ حَدِّ الْغِنَى .\rفَإِذَا قُلْنَا : الْغِنَى يَحْصُلُ بِخَمْسِينَ دِرْهَمًا .\rوَلَهُ مِائَةٌ ، وَعَلَيْهِ مِائَةٌ ، جَازَ أَنْ يُدْفَعَ إلَيْهِ خَمْسُونَ ، لِيَتِمَّ قَضَاءُ الْمِائَةِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ غِنَاهُ .\rقَالَ أَحْمَدُ : لَا يُعْطَى مَنْ عِنْدَهُ خَمْسُونَ دِرْهَمًا أَوْ حِسَابُهَا مِنْ الذَّهَبِ ، إلَّا مَدِينًا ، فَيُعْطَى دَيْنَهُ ، وَإِنْ كَانَ يُمْكِنُهُ قَضَاءُ الدَّيْنِ مِنْ غَيْرِ نَقْصٍ مِنْ الْغِنَى لَمْ يُعْطَ شَيْئًا .","part":14,"page":329},{"id":6829,"text":"( 5118 ) فَصْلٌ : وَإِذَا أَرَادَ الرَّجُلُ دَفْعَ زَكَاتِهِ إلَى الْغَارِمِ ، فَلَهُ أَنْ يُسَلِّمَهَا إلَيْهِ لِيَدْفَعَهَا إلَى غَرِيمِهِ ، وَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يَدْفَعَهَا إلَى غَرِيمِهِ قَضَاءً عَنْ دَيْنِهِ ، فَعَنْ أَحْمَدَ فِيهِ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، يَجُوزُ ذَلِكَ .\rنَقَلَ أَبُو الْحَارِثِ ، قَالَ : قُلْت لِأَحْمَدَ : رَجُلٌ عَلَيْهِ أَلْفٌ ، وَكَانَ عَلَى رَجُلٍ زَكَاةُ مَالِهِ أَلْفٌ ، فَأَدَّاهَا عَنْ هَذَا الَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ ، يَجُوزُ هَذَا مِنْ زَكَاتِهِ ؟ قَالَ : نَعَمْ مَا أَرَى بِذَلِكَ بَأْسًا .\rوَذَلِكَ لِأَنَّهُ دَفَعَ الزَّكَاةَ فِي قَضَاءِ دَيْنِهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ دَفَعَهَا إلَيْهِ يَقْضِي بِهَا دَيْنَهُ .\rوَالثَّانِيَةُ ، لَا يَجُوزُ دَفْعُهَا إلَى الْغَرِيمِ .\rقَالَ أَحْمَدُ : أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَدْفَعَهُ إلَيْهِ ، حَتَّى يَقْضِيَ هُوَ عَنْ نَفْسِهِ قِيلَ : هُوَ مُحْتَاجٌ يَخَافُ أَنْ يَدْفَعَهُ إلَيْهِ ، فَيَأْكُلَهُ ، وَلَا يَقْضِيَ دَيْنَهُ .\rقَالَ : فَقُلْ لَهُ يُوَكِّلُهُ حَتَّى يَقْضِيَهُ .\rفَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ لَا يَدْفَعُ الزَّكَاةَ إلَى الْغَرِيمِ إلَّا بِوَكَالَةِ الْغَارِمِ ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ إنَّمَا هُوَ عَلَى الْغَارِمِ ، فَلَا يَصِحُّ قَضَاؤُهُ إلَّا بِتَوْكِيلِهِ .\rوَيُحْتَمَلُ أَنْ يُحْمَلَ هَذَا عَلَى الِاسْتِحْبَابِ ، وَيَكُونُ قَضَاؤُهُ عَنْهُ جَائِزًا .\rوَإِنْ كَانَ دَافِعُ الزَّكَاةِ الْإِمَامَ ، جَازَ أَنْ يَقْضِيَ بِهَا دَيْنَهُ مِنْ غَيْرِ تَوْكِيلِهِ ؛ لِأَنَّ لِلْإِمَامِ وِلَايَةً عَلَيْهِ فِي إيفَاءِ الدَّيْنِ ، وَلِهَذَا يُجْبِرُهُ عَلَيْهِ إذَا امْتَنَعَ مِنْهُ .\rوَإِذَا ادَّعَى الرَّجُلُ أَنَّ عَلَيْهِ دَيْنًا ، فَإِنْ كَانَ يَدَّعِيهِ مِنْ جِهَةِ إصْلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ ، فَالْأَمْرُ فِيهِ ظَاهِرٌ لَا يَكَادُ يَخْفَى ، فَإِنْ خَفِيَ ذَلِكَ ، لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ ، وَإِنْ غَرِمَ لِمَصْلَحَةِ نَفْسِهِ .\rلَمْ يُدْفَعْ إلَيْهِ إلَّا بِبَيِّنَةٍ أَيْضًا ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْغُرْمِ ، وَبَرَاءَةُ الذِّمَّةِ .\rفَإِنْ صَدَّقَهُ الْغَرِيمُ ، فَعَلَى وَجْهَيْنِ ، كَالْمُكَاتَبِ إذَا صَدَّقَهُ سَيِّدُهُ .","part":14,"page":330},{"id":6830,"text":"( 5119 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَسَهْمٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَهُمْ الْغُزَاةُ يُعْطَوْنَ مَا يَشْتَرُونَ بِهِ الدَّوَابَّ وَالسِّلَاحَ ، وَمَا يُنْفِقُونَ بِهِ عَلَى الْعَدُوِّ ، وَإِنْ كَانُوا أَغْنِيَاءَ ) .\rهَذَا الصِّنْفُ السَّابِعُ مِنْ أَهْلِ الزَّكَاةِ .\rوَلَا خِلَافَ فِي اسْتِحْقَاقِهِمْ ، وَبَقَاءِ حُكْمِهِمْ .\rوَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهُمْ الْغُزَاةُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ؛ لِأَنَّ سَبِيلَ اللَّهِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ هُوَ الْغَزْوُ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ } .\rوَقَالَ : { يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ } .\rوَقَالَ : { إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا } .\rوَذَكَرَ ذَلِكَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ كِتَابِهِ ، فَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا ، فَإِنَّهُمْ يُعْطَوْنَ وَإِنْ كَانُوا أَغْنِيَاءَ .\rوَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَصَاحِبَاهُ : لَا تُدْفَعُ إلَّا إلَى فَقِيرٍ .\rوَكَذَلِكَ قَالُوا فِي الْغَارِمِ لِإِصْلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ ؛ لِأَنَّ مِنْ تَجِبُ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ لَا تَحِلُّ لَهُ ، كَسَائِرِ أَصْحَابِ السَّهْمَانِ ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِمُعَاذٍ : { أَعْلِمْهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ ، فَتُرَدُّ فِي فُقَرَائِهِمْ } .\rفَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهَا كُلَّهَا تُرَدُّ فِي الْفُقَرَاءِ ، وَالْفَقِيرُ عِنْدَهُمْ مَنْ لَا يَمْلِكُ نِصَابًا .\rوَلَنَا ، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ إلَّا لِخَمْسَةٍ ؛ لِغَازٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، أَوْ لِغَارِمٍ } .\rوَذَكَرَ بَقِيَّتَهُمْ .\rوَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ الْفُقَرَاءَ وَالْمَسَاكِينَ صِنْفَيْنِ ، وَعَدَّ بَعْدَهُمَا سِتَّةَ أَصْنَافٍ ، فَلَا يَلْزَمُ وُجُودُ صِفَةِ الصِّنْفَيْنِ فِي بَقِيَّةِ الْأَصْنَافِ ، كَمَا لَا يَلْزَمُ وُجُودُ صِفَةِ الْأَصْنَافِ فِيهِمَا ، وَلِأَنَّ هَذَا يَأْخُذُ لِحَاجَتِنَا إلَيْهِ ، فَأَشْبَهَ الْعَامِلَ وَالْمُؤَلَّفَ ، فَأَمَّا أَهْلُ سَائِرِ السَّهْمَانِ ، فَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ","part":14,"page":331},{"id":6831,"text":"فَقْرُ مَنْ يَأْخُذُ لِحَاجَتِهِ إلَيْهَا ، دُونَ مَنْ يَأْخُذُ لِحَاجَتِنَا إلَيْهِ .\rفَإِذَا تُقَرَّرَ هَذَا ، فَمَنْ قَالَ ، إنَّهُ يُرِيدُ الْغَزْوَ .\rقُبِلَ قَوْلُهُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَى نِيَّتِهِ ، وَيُدْفَعُ إلَيْهِ قَدْرُ كِفَايَتِهِ لِمُؤْنَتِهِ وَشِرَاءِ السِّلَاحِ وَالْفَرَسِ إنْ كَانَ فَارِسًا ، وَحُمُولَتِهِ وَدِرْعِهِ وَلِبَاسِهِ وَسَائِرِ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ لِغَزْوِهِ ، وَإِنْ كَثُرَ ذَلِكَ ، وَيُدْفَعَ إلَيْهِ دَفْعًا مُرَاعًى ، فَإِنْ لَمْ يَغْزُ رَدَّهُ ؛ لِأَنَّهُ أَخَذَهُ كَذَلِكَ ، وَإِنْ غَزَا وَعَادَ ، فَقَدْ مَلَكَ مَا أَخَذَهُ ؛ لِأَنَّنَا دَفَعْنَا إلَيْهِ قَدْرَ الْكِفَايَةِ وَإِنَّمَا ضَيَّقَ عَلَى نَفْسِهِ .\rوَإِنْ مَضَى إلَى الْغَزْوِ ، فَرَجَعَ مِنْ الطَّرِيقِ ، أَوْ لَمْ يُتِمَّ الْغَزْوَ الَّذِي دُفِعَ إلَيْهِ مِنْ أَجْلِهِ ، رَدَّ مَا فَضَلَ مَعَهُ ؛ لِأَنَّ الَّذِي أَخَذَ لِأَجْلِهِ لَمْ يَفْعَلْهُ كُلَّهُ .\r( 5120 ) فَصْلٌ : وَإِنَّمَا يَسْتَحِقُّ هَذَا السَّهْمَ الْغُزَاةُ الَّذِينَ لَا حَقَّ لَهُمْ فِي الدِّيوَانِ ، وَإِنَّمَا يَتَطَوَّعُونَ بِالْغَزْوِ إذَا نَشِطُوا .\rقَالَ أَحْمَدُ : وَيُعْطَى ثَمَنَ الْفَرَسِ ، وَلَا يَتَوَلَّى مُخْرِجُ الزَّكَاةِ شِرَاءَ الْفَرَسِ بِنَفْسِهِ ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ إيتَاءُ الزَّكَاةِ ، فَإِذَا اشْتَرَاهَا بِنَفْسِهِ ، فَمَا أَعْطَى إلَّا فَرَسًا .\rوَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي شِرَاءِ السِّلَاحِ وَالْمُؤْنَةِ .\rوَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ : إنْ دَفَعَ ثَمَنَ الْفَرَسِ وَثَمَنَ السَّيْفِ ، فَهُوَ أَعْجَبُ إلَيَّ ، وَإِنْ اشْتَرَاهُ هُوَ ، رَجَوْت أَنْ يُجَزِّئَهُ .\rوَقَالَ أَيْضًا : يَشْتَرِي الرَّجُلُ مِنْ زَكَاتِهِ الْفَرَسَ ، وَيَحْمِلُ عَلَيْهِ ، وَالْقَنَاةَ ، وَيُجَهِّزُ الرَّجُلَ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ قَدْ صَرَفَ الزَّكَاةَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، فَجَازَ ، كَمَا لَوْ دَفَعَهَا إلَى الْغَازِي فَاشْتَرَى بِهَا .\rقَالَ : وَلَا يَشْتَرِي مِنْ الزَّكَاةِ فَرَسًا يَصِيرُ حَبِيسًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَلَا دَارًا ، وَلَا ضَيْعَةً يُصَيِّرُهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لِلرِّبَاطِ ، وَلَا يَقِفُهَا عَلَى الْمُجَاهِدِينَ .\rلِأَنَّهُ لَمْ يُؤْتِ الزَّكَاةَ لِأَحَدٍ ، وَهُوَ","part":14,"page":332},{"id":6832,"text":"مَأْمُورٌ بِإِتْيَانِهَا .\rقَالَ : وَلَا يَغْزُو الرَّجُلُ عَلَى الْفَرَسِ الَّذِي أَخْرَجَهُ مِنْ زَكَاةِ مَالِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَجْعَلَ نَفْسَهُ مَصْرِفًا لِزَكَاتِهِ ، كَمَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَقْضِيَ بِهَا دَيْنَهُ ، وَمَتَى أَخَذَ الْفَرَسَ الَّتِي اُشْتُرِيَتْ بِمَالِهِ ، صَارَ مَصْرِفًا لِزَكَاتِهِ .","part":14,"page":333},{"id":6833,"text":"( 5121 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَيُعْطَى أَيْضًا فِي الْحَجِّ ، وَهُوَ مِنْ سَبِيلِ اللَّهِ ) وَيُرْوَى هَذَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ .\rوَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ، الْحَجُّ فِي سَبِيلِ اللَّهِ .\rوَهُوَ قَوْلُ إِسْحَاقَ ؛ لِمَا رُوِيَ { أَنَّ رَجُلًا جَعَلَ نَاقَةً لَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، فَأَرَادَتْ امْرَأَتُهُ الْحَجَّ ، فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ارْكَبِيهَا ، فَإِنَّ الْحَجَّ فِي سَبِيلِ اللَّهِ } .\rوَعَنْ أَحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ رِوَايَةٌ أُخْرَى ، لَا يَصْرِفُ مِنْهَا فِي الْحَجِّ .\rوَبِهِ قَالَ مَالِكٌ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ .\rوَهَذَا أَصَحُّ ؛ لِأَنَّ سَبِيلَ اللَّهِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ إنَّمَا يَنْصَرِفُ إلَى الْجِهَادِ ، فَإِنَّ كُلَّ مَا فِي الْقُرْآنِ مِنْ ذِكْرِ سَبِيلِ اللَّهِ .\rإنَّمَا أُرِيدَ بِهِ الْجِهَادُ ، إلَّا الْيَسِيرَ ، فَيَجِبُ أَنْ يُحْمَلَ مَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ عَلَى ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ إرَادَتُهُ بِهِ ، وَلِأَنَّ الزَّكَاةَ إنَّمَا تُصْرَفُ إلَى أَحَدِ رَجُلَيْنِ ، مُحْتَاجٍ إلَيْهَا ، كَالْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ لِقَضَاءِ دُيُونِهِمْ ، أَوْ مَنْ يَحْتَاجُ إلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ ، كَالْعَامِلِ وَالْغَازِي وَالْمُؤَلَّفِ وَالْغَارِمِ لِإِصْلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ .\rوَالْحَجُّ مِنْ الْفَقِيرِ لَا نَفْعَ لِلْمُسْلِمِينَ فِيهِ ، وَلَا حَاجَةَ بِهِمْ إلَيْهِ ، وَلَا حَاجَةَ بِهِ أَيْضًا إلَيْهِ ، لِأَنَّ الْفَقِيرَ لَا فَرَضَ عَلَيْهِ فَيُسْقِطُهُ ، وَلَا مَصْلَحَةَ لَهُ فِي إيجَابِهِ عَلَيْهِ ، وَتَكْلِيفُهُ مَشَقَّةٌ قَدْ رَفَّهَهُ اللَّهُ مِنْهَا ، وَخَفَّفَ عَنْهُ إيجَابَهَا ، وَتَوْفِيرُ هَذَا الْقَدْرِ عَلَى ذَوِي الْحَاجَةِ مِنْ سَائِرِ الْأَصْنَافِ ، أَوْ دَفْعُهُ فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ أَوْلَى .\rوَأَمَّا الْخَبَرُ فَلَا يَمْنَعُ أَنْ يَكُونَ الْحَجُّ مِنْ سَبِيلِ اللَّهِ ، وَالْمُرَادُ بِالْآيَةِ غَيْرُهُ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يَجُوزُ الدَّفْعُ إلَى مَنْ أَرَادَ الْحَجَّ ، لِكَوْنِهِ ابْنَ سَبِيلٍ .\rوَلَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ ابْنَ السَّبِيلِ الْمُسَافِرُ","part":14,"page":334},{"id":6834,"text":"الْمُنْقَطِعُ بِهِ ، وَمَنْ هُوَ مُحْتَاجٌ إلَى السَّفَرِ ، وَلَا حَاجَةَ بِهَذَا إلَى هَذَا السَّفَرِ .\rفَإِنْ قُلْنَا : يُدْفَعُ فِي الْحَجِّ مِنْهَا .\rفَلَا يُعْطَى إلَّا بِشَرْطَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ لَيْسَ لَهُ مَا يَحُجُّ بِهِ سِوَاهَا ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ ، وَلَا لِذِي مِرَّةٍ سَوِيٍّ } .\rوَقَالَ : { لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ ، إلَّا لِخَمْسَةٍ } .\rوَلَمْ يَذْكُرْ الْحَاجَّ مِنْهُمْ .\rوَلِأَنَّهُ يَأْخُذُ لِحَاجَتِهِ ، لَا لِحَاجَةِ الْمُسْلِمِينَ إلَيْهِ ، فَاعْتُبِرَتْ فِيهِ الْحَاجَةُ ، كَمَنْ يَأْخُذُ لِفَقْرِهِ وَالثَّانِي ، أَنْ يَأْخُذَهُ لِحِجَّةِ الْفَرْضِ .\rذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى إسْقَاطِ فَرْضِهِ وَإِبْرَاءِ ذِمَّتِهِ ، أَمَّا التَّطَوُّعُ فَلَهُ مَنْدُوحَةٌ عَنْهُ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ جَوَازُ ذَلِكَ فِي الْفَرْضِ وَالتَّطَوُّعِ مَعًا .\rوَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ ؛ لِأَنَّ الْكُلَّ مِنْ سَبِيلِ اللَّهِ ، وَلِأَنَّ الْفَقِيرَ لَا فَرْضَ عَلَيْهِ ، فَالْحِجَّةُ مِنْهُ كَالتَّطَوُّعِ ، فَعَلَى هَذَا يَجُوزُ أَنْ يُدْفَعَ إلَيْهِ ، مَا يَحُجُّ بِهِ حِجَّةً كَامِلَةً ، وَمَا يُغْنِيهِ فِي حِجَّةٍ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَحُجَّ مِنْ زَكَاةِ نَفْسِهِ ، كَمَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَغْزُوَ بِهَا .","part":14,"page":335},{"id":6835,"text":"( 5122 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَابْنُ السَّبِيلِ ، وَهُوَ الْمُنْقَطِعُ بِهِ ، وَلَهُ الْيَسَارُ فِي بَلَدِهِ ، فَيُعْطَى مِنْ الصَّدَقَةِ مَا يَبْلُغُهُ ) ابْنُ السَّبِيلِ : هُوَ الصِّنْفُ الثَّامِنُ مِنْ أَهْلِ الزَّكَاةِ .\rوَلَا خِلَافَ فِي اسْتِحْقَاقِهِ وَبَقَاءِ سَهْمِهِ ، وَابْنُ السَّبِيلِ هُوَ الْمُسَافِرُ الَّذِي لَيْسَ لَهُ مَا يَرْجِعُ بِهِ إلَى بَلَدِهِ ، وَلَهُ الْيَسَارُ فِي بَلَدِهِ ، فَيُعْطَى مَا يَرْجِعُ بِهِ .\rوَهَذَا قَوْلُ قَتَادَةَ .\rوَنَحْوُهُ قَالَ مَالِكٌ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، هُوَ الْمُخْتَارُ ، وَمَنْ يُرِيدُ إنْشَاءَ السَّفَرِ إلَى بَلَدٍ أَيْضًا ، فَيُدْفَعُ إلَيْهِمَا مَا يَحْتَاجَانِ إلَيْهِ لِذَهَابِهِمَا وَعَوْدِهِمَا ؛ لِأَنَّهُ يُرِيدُ السَّفَرَ لِغَيْرِ مَعْصِيَةٍ ، فَأَشْبَهَ الْمُجْتَازَ .\rوَلَنَا ، أَنَّ ابْنَ السَّبِيلِ هُوَ الْمُلَازِمُ لِلطَّرِيقِ الْكَائِنِ فِيهَا ، كَمَا يُقَالُ : وَلَدُ اللَّيْلِ .\rلِلَّذِي يُكْثِرُ الْخُرُوجَ فِيهِ ، وَالْقَاطِنُ فِي بَلَدِهِ لَيْسَ فِي طَرِيقٍ ، وَلَا يَثْبُتُ لَهُ حُكْمُ الْكَائِنِ فِيهَا ، وَلِهَذَا لَا يَثْبُتُ لَهُ حُكْمُ السَّفَرِ بِهَمِّهِ بِهِ دُونَ فِعْلِهِ ، وَلِأَنَّهُ لَا يُفْهَمُ مِنْ ابْنِ السَّبِيلِ إلَّا الْغَرِيبَ دُونَ مَنْ هُوَ فِي وَطَنِهِ وَمَنْزِلِهِ ، وَإِنْ انْتَهَتْ بِهِ الْحَاجَةُ مُنْتَهَاهَا ، فَوَجَبَ أَنْ يُحْمَلَ الْمَذْكُورُ فِي الْآيَةِ عَلَى الْغَرِيبِ دُونَ غَيْرِهِ ، وَإِنَّمَا يُعْطَى وَلَهُ الْيَسَارُ فِي بَلَدِهِ ؛ لِأَنَّهُ عَاجِزٌ عَنْ الْوُصُولِ إلَيْهِ ، وَالِانْتِفَاعِ بِهِ ، فَهُوَ كَالْمَعْدُومِ فِي حَقِّهِ .\rفَإِنْ كَانَ ابْنُ السَّبِيلِ فَقِيرًا فِي بَلَدِهِ ، أُعْطِيَ لِفَقْرِهِ وَكَوْنِهِ ابْنَ السَّبِيلِ ، لِوُجُودِ الْأَمْرَيْنِ فِيهِ ، وَيُعْطَى لِكَوْنِهِ ابْنَ سَبِيلٍ قَدْرَ مَا يُوَصِّلُهُ إلَى بَلَدِهِ ؛ لِأَنَّ الدَّفْعَ إلَيْهِ لِلْحَاجَةِ إلَى ذَلِكَ .\rفَتُقَدَّرُ بِقَدْرِهِ ، وَتُدْفَعُ إلَيْهِ وَإِنْ كَانَ مُوسِرًا فِي بَلَدِهِ إذَا كَانَ مُحْتَاجًا فِي الْحَالِ ؛ لِأَنَّهُ عَاجِزٌ عَنْ الْوُصُولِ إلَى مَالِهِ ، فَصَارَ كَالْمَعْدُومِ .\rوَإِنْ فَضَلَ مَعَهُ شَيْءٌ بَعْدَ رُجُوعِهِ إلَى بَلَدِهِ","part":14,"page":336},{"id":6836,"text":"رَدَّهُ ؛ لِأَنَّهُ أَخَذَهُ لِلْحَاجَةِ ، وَقَدْ حَصَلَ الْغِنَى بِدُونِهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَخَذَ لِغَزْوٍ فَلَمْ يَغْزُ .\rوَإِنْ كَانَ فَقِيرًا ، أَوْ اتَّصَلَ بِسَفَرِهِ الْفَقْرُ ، أَخَذَ الْفَضْلَ لِفَقْرِهِ ؛ لِأَنَّهُ إنْ فَاتَ الِاسْتِحْقَاقُ بِكَوْنِهِ ابْنَ سَبِيلٍ ، حَصَلَ الِاسْتِحْقَاقُ بِجِهَةٍ أُخْرَى .\rوَإِنْ كَانَ غَارِمًا ، أَخَذَ الْفَضْلَ لِغُرْمِهِ .","part":14,"page":337},{"id":6837,"text":"( 5123 ) فَصْلٌ : وَإِنْ كَانَ ابْنُ السَّبِيلِ مُجْتَازًا يُرِيدُ بَلَدًا غَيْرَ بَلَدِهِ ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا : يَجُوزُ أَنْ يُدْفَعَ إلَيْهِ مَا يَكْفِيهِ فِي مُضِيِّهِ إلَى مَقْصِدِهِ وَرُجُوعِهِ إلَى بَلَدِهِ ؛ لِأَنَّ فِيهِ إعَانَةً عَلَى السَّفَرِ الْمُبَاحِ ، وَبُلُوغِ الْغَرَضِ الصَّحِيحِ ، لَكِنْ يُشْتَرَطُ كَوْنُ السَّفَرِ مُبَاحًا ، إمَّا قُرْبَةً كَالْحَجِّ وَالْجِهَادِ وَزِيَارَةِ الْوَالِدَيْنِ ، أَوْ مُبَاحًا كَطَلَبِ الْمَعَاشِ وَالتِّجَارَاتِ .\rفَأَمَّا الْمَعْصِيَةُ فَلَا يَجُوزُ الدَّفْعُ إلَيْهِ فِيهَا ؛ لِأَنَّهُ إعَانَةٌ عَلَيْهَا ، وَتَسَبُّبٌ إلَيْهَا ، فَهُوَ كَفِعْلِهَا ، فَإِنَّ وَسِيلَةَ الشَّيْءِ جَارِيَةٌ مَجْرَاهُ .\rوَإِنْ كَانَ السَّفَرُ لِلنُّزْهَةِ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، يُدْفَعُ إلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَعْصِيَةٍ .\rوَالثَّانِي ، لَا يُدْفَعُ إلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا حَاجَةَ بِهِ إلَى هَذَا السَّفَرِ .\rوَيَقْوَى عِنْدِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الدَّفْعُ لِلسَّفَرِ إلَى غَيْرِ بَلَدِهِ .\rلِأَنَّهُ لَوْ جَازَ ذَلِكَ لَجَازَ لِلْمُنْشِئِ لِلسَّفَرِ مِنْ بَلَدِهِ ، وَلِأَنَّ هَذَا السَّفَرَ إنْ كَانَ لِجِهَادٍ ، فَهُوَ يَأْخُذُ لَهُ مِنْ سَهْمِ سَبِيلِ اللَّهِ ، وَإِنْ كَانَ حَجًّا فَغَيْرُهُ أَهَمُّ مِنْهُ .\rوَإِذَا لَمْ يَجُزْ الدَّفْعُ فِي هَذَيْنِ ، فَفِي غَيْرِهِمَا أَوْلَى .\rوَإِنَّمَا وَرَدَ الشَّرْعُ بِالدَّفْعِ إلَيْهِ لِلرُّجُوعِ إلَى بَلَدِهِ ؛ لِأَنَّهُ أَمْرٌ تَدْعُو حَاجَتُهُ إلَيْهِ وَلَا غِنَى بِهِ عَنْهُ ، فَلَا يَجُوزُ إلْحَاقُ غَيْرِهِ بِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي مَعْنَاهُ ، فَلَا يَجُوزُ قِيَاسُهُ عَلَيْهِ ، وَلَا نَصَّ فِيهِ ، فَلَا يَثْبُتُ جَوَازُهُ لِعَدَمِ النَّصِّ وَالْقِيَاسِ .","part":14,"page":338},{"id":6838,"text":"( 5124 ) فَصْلٌ : وَإِذَا ادَّعَى الرَّجُلُ أَنَّهُ ابْنُ سَبِيلٍ ، وَلَمْ يُعْرَفْ ذَلِكَ ، لَمْ يُقْبَلْ إلَّا بِبَيِّنَةٍ .\rوَإِنْ ادَّعَى الْحَاجَةَ ، وَلَمْ يَكُنْ عُرِفَ لَهُ مَالٌ فِي مَكَانِهِ الَّذِي هُوَ بِهِ ، قُبِلَ قَوْلُهُ مِنْ غَيْرِ بَيِّنَةٍ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ مَعَهُ .\rوَإِنْ عُرِفَ لَهُ مَالٌ فِي مَكَانِهِ ، لَمْ تُقْبَلْ دَعْوَاهُ لِلْفَقْرِ إلَّا بِبَيِّنَةٍ ، كَمَا لَوْ ادَّعَى إنْسَانٌ الْمَسْكَنَةَ .","part":14,"page":339},{"id":6839,"text":"( 5125 ) فَصْلٌ : وَجُمْلَةُ مَنْ يَأْخُذُ مَعَ الْغِنَى خَمْسَةٌ ؛ الْعَامِلُ ، وَالْمُؤَلَّفُ قَلْبُهُ ، وَالْغَازِي ، وَالْغَارِمُ لِإِصْلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ ، وَابْنُ السَّبِيلِ الَّذِي لَهُ الْيَسَارُ فِي بَلَدِهِ .\rوَخَمْسَةٌ لَا يُعْطَوْنَ إلَّا مَعَ الْحَاجَةِ ؛ الْفَقِيرُ ، وَالْمِسْكِينُ ، وَالْمُكَاتَبُ ، وَالْغَارِمُ لِمَصْلَحَةِ نَفْسِهِ فِي مُبَاحٍ ، وَابْنُ السَّبِيلِ .\rوَأَرْبَعَةٌ يَأْخُذُونَ أَخْذًا مُسْتَقِرًّا ، لَا يَلْزَمُهُمْ رَدُّ شَيْءٍ بِحَالٍ ؛ الْفَقِيرُ ، وَالْمِسْكِينُ ، وَالْعَامِلُ ، وَالْمُؤَلَّفُ .\rوَأَرْبَعَةٌ يَأْخُذُونَ أَخْذًا غَيْرَ مُسْتَقِرٍّ ؛ الْمُكَاتَبُ ، وَالْغَارِمُ ، وَالْغَازِي ، وَابْنُ السَّبِيلِ .","part":14,"page":340},{"id":6840,"text":"( 5126 ) فَصْلٌ : وَمَنْ سَافَرَ لِمَعْصِيَةٍ ، فَأَرَادَ الرُّجُوعَ إلَى بَلَدِهِ ، لَمْ يُدْفَعْ إلَيْهِ ، مَا لَمْ يَتُبْ .\rفَإِنْ تَابَ ، اُحْتُمِلَ جَوَازُ الدَّفْعِ إلَيْهِ ؛ لِأَنَّ رُجُوعَهُ لَيْسَ بِمَعْصِيَةٍ ، فَأَشْبَهَ رُجُوعَ غَيْرِهِ ، بَلْ رُبَّمَا كَانَ رُجُوعُهُ إلَى بَلَدِهِ تَرْكًا لِلْمَعْصِيَةِ ، وَإِقْلَاعًا عَنْهَا ، كَالْعَاقِّ يُرِيدُ الرُّجُوعَ إلَى أَبَوَيْهِ ، وَالْفَارِّ مِنْ غَرِيمِهِ أَوْ امْرَأَتِهِ يُرِيدُ الرُّجُوعَ إلَيْهِمَا .\rوَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يُدْفَعَ إلَيْهِ ؛ لِأَنَّ سَبَبَ ذَلِكَ الْمَعْصِيَةُ ، فَأَشْبَهَ الْغَارِمَ فِي الْمَعْصِيَةِ .","part":14,"page":341},{"id":6841,"text":"( 5127 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُعْطِيَ لِكُلِّ هَؤُلَاءِ الْأَصْنَافِ ، وَإِنْ كَانُوا مَوْجُودِينَ ، إنَّمَا عَلَيْهِ أَنْ لَا يُجَاوِزَهُمْ ) وَذَلِكَ لِأَنَّ الْآيَةَ إنَّمَا سِيقَتْ لِبَيَانِ مَنْ يَجُوزُ الصَّرْفُ إلَيْهِ ، لَا لِإِيجَابِ الصَّرْفِ إلَى الْجَمِيعِ ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ تَعْمِيمُ كُلِّ صِنْفٍ بِهَا .\rوَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى فِي آيَةٍ أُخْرَى صَرْفَهَا إلَى صِنْفٍ وَاحِدٍ ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ : { إنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ } .\rوَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمُعَاذٍ حِينَ بَعَثَهُ إلَى الْيَمَنِ : { أَعْلِمْهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ ، فَتُرَدُّ فِي فُقَرَائِهِمْ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rفَلَمْ يَذْكُرْ فِي الْآيَةِ وَلَا فِي الْخَبَرِ إلَّا صِنْفًا وَاحِدًا .\rوَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِقَبِيصَةَ حِينَ تَحَمَّلَ حَمَالَةً : { أَقِمْ يَا قَبِيصَةُ ، حَتَّى تَأْتِيَنَا الصَّدَقَةُ ، فَنَأْمُرَ لَكَ بِهَا } .\rفَذَكَرَ دَفْعَهَا إلَى صِنْفٍ ، وَهُوَ مِنْ الْغَارِمِينَ .\rوَأَمَرَ بَنِي زُرَيْقٍ بِدَفْعِ صَدَقَتِهِمْ إلَى سَلَمَةَ بْنِ صَخْرٍ .\rوَهُوَ شَخْصٌ وَاحِدٌ .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَبَعَثَ إلَيْهِ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِذُهَيْبَةٍ فِي تُرْبَتِهَا ، فَقَسَّمَهَا بَيْنَ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ ، وَهُمْ صِنْفٌ وَاحِدٌ .\rوَالْآثَارُ فِي هَذَا كَثِيرَةٌ ، تَدُلُّ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ يَعْتَقِدُ فِي كُلِّ صَدَقَةٍ ثَابِتَةٍ دَفْعَهَا إلَى جَمِيعِ الْأَصْنَافِ .\rوَلَا تَعْمِيمَهُمْ بِهَا ، بَلْ كَانَ يَدْفَعُهَا إلَى مَنْ تَيَسَّرَ مِنْ أَهْلِهَا ، وَهَذَا هُوَ اللَّائِقُ بِحِكْمَةِ الشَّرْعِ وَحُسْنِهِ ، إذْ غَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يُكَلِّفَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ شَاةٌ ، أَوْ صَاعٌ مِنْ الْبُرِّ ، أَوْ نِصْفُ مِثْقَالٍ ، أَوْ خَمْسَةُ دَرَاهِمَ ، دَفْعَهَا إلَى ثَمَانِيَةَ عَشَرَ نَفْسًا ، أَوْ أَحَدًا وَعِشْرِينَ ، أَوْ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ نَفْسًا ، مِنْ ثَمَانِيَةِ","part":14,"page":342},{"id":6842,"text":"أَصْنَافٍ ، لِكُلِّ ثَلَاثَةٍ مِنْهُمْ ثُمُنُهَا ، وَالْغَالِبُ تَعَذُّرُ وُجُودِهِمْ فِي الْإِقْلِيمِ الْعَظِيمِ ، وَعَجْزُ السُّلْطَانِ عَنْ إيصَالِ مَالِ بَيْتِ الْمَالِ مَعَ كَثْرَتِهِ إلَيْهِمْ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ ، فَكَيْفَ يُكَلِّفُ اللَّهُ تَعَالَى كُلَّ مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ زَكَاةٌ جَمْعَهُمْ وَإِعْطَاءَهُمْ ، وَهُوَ سُبْحَانَهُ الْقَائِلُ : { وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ } .\rوَقَالَ : { يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ } .\rوَقَالَ : { لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَا } .\rوَأَظُنُّ مَنْ قَالَ بِوُجُوبِ دَفْعِهَا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ إنَّمَا يَقُولُهُ بِلِسَانِهِ ، وَلَا يَقْدِرُ عَلَى فِعْلِهِ ، وَمَا بَلَغَنَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَلَ هَذَا فِي صَدَقَةٍ مِنْ الصَّدَقَاتِ ، وَلَا أَحَدًا مِنْ خُلَفَائِهِ ، وَلَا مِنْ صَحَابَتِهِ ، وَلَا غَيْرِهِمْ ، وَلَوْ كَانَ هَذَا هُوَ الْوَاجِبُ فِي الشَّرِيعَةِ الْمُطَهَّرَةِ لَمَا أَغْفَلُوهُ ، وَلَوْ فَعَلُوهُ مَعَ مَشَقَّتِهِ لَنُقِلَ وَمَا أُهْمِلَ ، إذْ لَا يَجُوزُ عَلَى أَهْلِ التَّوَاتُرِ إهْمَالُ نَقْلِ مَا تَدْعُو الْحَاجَةُ إلَى نَقْلِهِ ، سِيَّمَا مَعَ كَثْرَةِ مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ ، وَوُجُودِ ذَلِكَ فِي كُلِّ زَمَانٍ ، وَفِي كُلِّ مِصْرٍ وَبَلَدٍ ، وَهَذَا أَمْرٌ ظَاهِرٌ ، وَقَدْ سَبَقَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ وَالْكَلَامُ فِيهَا فِيمَا تَقَدَّمَ .","part":14,"page":343},{"id":6843,"text":"( 5128 ) فَصْلٌ : وَيُسْتَحَبُّ تَفْرِيقُهَا عَلَى مَا أَمْكَنَ مِنْ الْأَصْنَافِ ، لِيَخْرُجَ مِنْ الْخِلَافِ ، وَتَعْمِيمُ مَنْ أَمْكَنَ مِنْ كُلِّ صِنْفٍ .\rفَإِنْ كَانَ الْمُتَوَلِّي لِتَفْرِيقِهَا السَّاعِي ، اُسْتُحِبَّ إحْصَاءُ أَهْلِ السَّهْمَانِ مِنْ عَمَلِهِ ، حَتَّى يَكُونَ فَرَاغُهُ مِنْ قَبْضِ الصَّدَقَاتِ بَعْدَ تَنَاهِي أَسْمَائِهِمْ ، وَأَنْسَابِهِمْ ، وَحَاجَاتِهِمْ ، وَقَدْرِ كِفَايَاتِهِمْ ، لِتَكُونَ تَفْرِقَتُهُ عَقِيبَ جَمْعِ الصَّدَقَةِ .\rوَيَبْدَأُ بِإِعْطَاءِ الْعَامِلِ ؛ لِأَنَّهُ يَأْخُذُهُ عَلَى طَرِيقِ الْمُعَاوَضَةِ ، فَكَانَ اسْتِحْقَاقُهُ أَقْوَى ، وَلِذَلِكَ إذَا عَجَزَتْ الصَّدَقَةُ عَنْ أَجْرِهِ ، تَمَّمَ لَهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ ، وَلِأَنَّ مَا يَأْخُذُهُ أَجْرٌ .\rوَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { أَعْطُوا الْأَجِيرَ أَجْرَهُ قَبْلَ أَنْ يَجِفَّ عَرَقُهُ } .\rثُمَّ بِالْأَهَمِّ فَالْأَهَمِّ ، وَأَهَمُّهُمْ أَشَدُّ حَاجَةً ، فَإِنْ كَانَتْ الصَّدَقَةُ تَفِي بِحَاجَةِ جَمِيعِهِمْ ، أَعْطَى كُلَّ إنْسَانٍ مِنْهُمْ قَدْرَ مَا يَدْفَعُ بِهِ حَاجَتَهُ ، فَيُعْطِي الْفَقِيرَ مَا يُغْنِيهِ ، وَهُوَ مَا تَحْصُلُ لَهُ بِهِ الْكِفَايَةُ فِي عَامِهِ ذَلِكَ ، لَهُ وَلِعِيَالِهِ ، وَيُعْطِي الْمِسْكِينَ مَا تَتِمُّ بِهِ الْكِفَايَةُ .\rإلَّا أَنْ يُعْطِيَهُ مِنْ الذَّهَبِ أَوْ الْوَرِقِ ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ؛ يُعْطِيهِ مَا تَتِمُّ بِهِ الْكِفَايَةُ ، وَالثَّانِيَةُ ، لَا يَزِيدُهُ عَلَى خَمْسِينَ دِرْهَمًا ، أَوْ قِيمَتِهَا مِنْ الذَّهَبِ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ عِيَالٌ ، فَيَدْفَعَ إلَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ خَمْسِينَ دِرْهَمًا ، وَيَدْفَعَ إلَى الْعَامِلِ قَدْرَ أَجْرِهِ ، وَإِلَى الْغَارِمِ مَا يَقْضِي بِهِ غُرْمَهُ ، وَإِلَى الْمُكَاتَبِ مَا يُوفِي كِتَابَتَهُ ، وَالْغَازِي يُعْطَى مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ لِمُؤْنَةِ غَزْوِهِ ، وَابْنُ السَّبِيلِ مَا يُبَلِّغُهُ إلَى بَلَدِهِ .\rوَإِنْ نَقَصَتْ الصَّدَقَةُ عَنْ كِفَايَتِهِمْ ، فَرَّقَ فِيهِمْ عَلَى حَسَبِ مَا يَرَى .\rوَيُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَنْقُصَ مِنْ كُلِّ صِنْفٍ عَنْ أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةٍ ؛ لِأَنَّهُمْ أَقَلُّ الْجَمْعِ ، إلَّا الْعَامِلَ","part":14,"page":344},{"id":6844,"text":"، فَإِنَّهُ يَكُونُ وَاحِدًا .\rوَإِنْ فَضَلَتْ الصَّدَقَةُ عَنْ كِفَايَتِهِمْ ، نَقَلَ الْفَاضِلَ إلَى أَقْرَبِ الْبِلَادِ إلَيْهِ .\rوَإِنْ كَانَ الْمُتَوَلِّي لِتَفْرِيقِهَا رَبَّهَا ، فَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَبْدَأَ بِأَهْلِهَا مِنْ أَهْلِهِ ، وَيُفَرِّقَهَا فِي الْأَهَمِّ فَالْأَهَمِّ ، وَهُوَ مَنْ اشْتَدَّتْ حَاجَتُهُ ، وَقَرُبَ مِنْهُ نَسَبُهُ ، وَيُعْطِي مَنْ أَمْكَنَهُ .","part":14,"page":345},{"id":6845,"text":"( 5129 ) فَصْلٌ : وَإِنْ اجْتَمَعَ فِي وَاحِدٍ سَبَبَانِ ، يَجُوزُ الْأَخْذُ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُنْفَرِدًا ، كَالْفَقِيرِ الْغَارِمِ ، أُعْطِيَ بِهِمَا جَمِيعًا ، فَيُعْطَى مَا يَقْضِي غُرْمَهُ ، ثُمَّ يُعْطَى مَا يُغْنِيهِ ؛ لِأَنَّ الشَّخْصَ الَّذِي فِيهِ الْمَعْنَيَانِ كَشَخْصَيْنِ ، وُجِدَ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَحَدُ الْمَعْنَيَيْنِ ، فَيَسْتَحِقُّ بِهِمَا كَالْمِيرَاثِ لِابْنِ عَمٍّ هُوَ زَوْجٌ أَوْ أَخٌ مِنْ أُمٍّ ، وَلَوْ أَوْصَى لِقَرَابَتِهِ وَلِلْفُقَرَاءِ ، اسْتَحَقَّ الْقَرِيبُ الْفَقِيرُ سَهْمَيْنِ .","part":14,"page":346},{"id":6846,"text":"( 5130 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَلَا يُعْطِي مِنْ الصَّدَقَةِ لِبَنِي هَاشِمٍ ) وَلَا لِمَوَالِيهِمْ ، وَلَا لِلْوَالِدَيْنِ وَإِنْ عَلَوْا ، وَلَا لِلْوَلَدِ وَإِنْ سَفَلَ .\rوَلَا لِلزَّوْجِ ، وَلَا لِلزَّوْجَةِ ، وَلَا لِمَنْ تَلْزَمُهُ مُؤْنَتُهُ ، وَلَا لِكَافِرٍ ، وَلَا لِمَمْلُوكٍ ، إلَّا أَنْ يَكُونُوا مِنْ الْعَامِلِينَ عَلَيْهَا ، فَيُعْطَوْنَ بِحَقِّ مَا عَمِلُوا ، وَلَا لِغَنِيٍّ ، وَهُوَ الَّذِي يَمْلِكُ خَمْسِينَ دِرْهَمًا أَوْ قِيمَتَهَا مِنْ الذَّهَبِ .\rهَذِهِ الْمَسَائِلُ قَدْ تَكَرَّرَتْ ، وَذَكَرْنَا شَرْحَهَا فِي بَابِ الزَّكَاةِ ، بِمَا أَغْنَى عَنْ إعَادَتِهِ هَا هُنَا .","part":14,"page":347},{"id":6847,"text":"مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِذَا تَوَلَّى الرَّجُلُ إخْرَاجَ زَكَاتِهِ ، سَقَطَ الْعَامِلُونَ ) وَذَلِكَ لِأَنَّ الْعَامِلَ إنَّمَا يَأْخُذُ أَجْرَ عِمَالَتِهِ ، فَإِذَا أَخْرَجَ الرَّجُلُ زَكَاةَ نَفْسِهِ ، لَمْ يَكُنْ ثَمَّ عَامِلٌ عَلَيْهَا ، وَلَا مَنْ يَسْتَحِقُّ أَجْرًا ، فَيَسْقُطُ سَهْمُهُ .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":14,"page":348},{"id":6848,"text":"( 5132 ) فَصْلٌ : فِي جَوَائِزِ السُّلْطَانِ ، كَانَ الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ يَتَوَرَّعُ عَنْهَا ، وَيَمْنَعُ بَنِيهِ وَعَمَّهُ مِنْ أَخْذِهَا ، وَهَجَرَهُمْ حِينَ قَبِلُوهَا ، وَسَدَّ الْأَبْوَابَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ حِينَ أَخَذُوهَا ، وَلَمْ يَكُنْ يَأْكُلُ مِنْ بُيُوتِهِمْ شَيْئًا ، وَلَا يَنْتَفِعُ بِشَيْءٍ يُصْنَعُ عِنْدَهُمْ .\rوَأَمَرَهُمْ بِالصَّدَقَةِ بِمَا أَخَذُوهُ .\rوَإِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ ، لِأَنَّ أَمْوَالَهُمْ تَخْتَلِطُ بِمَا يَأْخُذُونَهُ مِنْ الْحَرَامِ مِنْ الظُّلْمِ وَغَيْرِهِ ، فَيَصِيرُ شُبْهَةً ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الْحَلَالُ بَيِّنٌ ، وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ ، وَبَيْنَ ذَلِكَ أُمُورٌ مُشْتَبِهَاتٌ ، لَا يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ ، فَمَنْ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ ، وَمَنْ وَاقَعَ الشُّبُهَاتِ أَوْشَكَ أَنْ يَقَعَ فِي الْحَرَامِ ، كَالرَّاتِعِ حَوْلَ الْحِمَى ، يُوشِكُ أَنْ يَقَعَ فِيهِ } .\rوَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { دَعْ مَا يَرِيبُكَ إلَى مَا لَا يَرِيبُكَ } .\rوَاحْتَجَّ أَحْمَدُ بِأَنْ جَمَاعَةً مِنْ الصَّحَابَةِ تَنَزَّهُوا عَنْ مَالِ السُّلْطَانِ ؛ مِنْهُمْ حُذَيْفَةُ ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ ، وَمُعَاذٌ ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ ، وَابْنُ عُمَرَ .\rوَلَمْ يَرَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ذَلِكَ حَرَامًا ؛ فَإِنَّهُ سُئِلَ ، فَقِيلَ لَهُ : مَالُ السُّلْطَانِ حَرَامٌ ؟ فَقَالَ : لَا ، وَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يُتَنَزَّهَ عَنْهُ .\rوَفِي رِوَايَةٍ قَالَ : لَيْسَ أَحَدٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ إلَّا وَلَهُ فِي هَذِهِ الدَّرَاهِمِ حَقٌّ ، فَكَيْفَ أَقُولُ إنَّهَا سُحْتٌ ؟ وَقَدْ كَانَ الْحَسَنُ ، وَالْحُسَيْنُ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ ، وَكَثِيرٌ مِنْ الصَّحَابَةِ ، يَقْبَلُونَ جَوَائِزَ مُعَاوِيَةَ .\rوَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : لَا بَأْسَ بِجَوَائِزِ السُّلْطَانِ ، مَا يُعْطِيكُمْ مِنْ الْحَلَالِ أَكْثَرُ مِمَّا يُعْطِيكُمْ مِنْ الْحَرَامِ وَقَالَ : لَا تَسْأَلْ السُّلْطَانَ شَيْئًا ، فَإِنْ أَعْطَاكَ فَخُذْ ؛ فَإِنَّ مَا فِي بَيْتِ الْمَالِ مِنْ الْحَلَالِ أَكْثَرُ مِمَّا فِيهِ مِنْ","part":14,"page":349},{"id":6849,"text":"الْحَرَامِ .\rوَرَوَى عُمَرُ بْنُ شَيْبَةَ الْبُحْتُرِيُّ \" فِي كِتَابِ الْقَضَاءِ \" أَنَّ الْحَسَنَ ، وَابْنَ سِيرِينَ ، وَالشَّعْبِيَّ ، دَخَلُوا عَلَى عُمَرَ بْنِ هُبَيْرَةَ فَأَمَرَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ أَلِفِ دِرْهَمٍ ، وَأَمَرَ لِلْحَسَنِ بِأَلْفَيْ دِرْهَمٍ ، فَقَبَضَ الْحَسَنُ جَائِزَتَهُ ، وَأَبَى ابْنُ سِيرِينَ أَنْ يَقْبِضَ ، فَقَالَ لِابْنِ سِيرِينَ : مَا لَكَ لَا تَقْبِضُ ؟ قَالَ : حَتَّى يَعُمَّ النَّاسَ .\rفَقَالَ الْحَسَنُ : وَاَللَّهِ لَوْ عَرَضَ لَكَ وَلِي لِصٌّ ، فَأَخَذَ رِدَائِي وَرِدَاءَك ، ثُمَّ بَدَا لَهُ أَنْ يَرُدَّ عَلَيَّ رِدَائِي ، كُنْت أَقُولُ : لَا أَقْبَلُ رِدَائِي حَتَّى تَرُدَّ عَلَى ابْنِ سِيرِينَ رِدَاءَهُ ؟ كُنْت أُحِبُّ أَنْ تَكُونَ أَفْقَهَ مِمَّا أَنْتَ يَا ابْنَ سِيرِينَ .\rوَلِأَنَّ جَوَائِزَ السُّلْطَانِ لَهَا وَجْهٌ فِي الْإِبَاحَةِ وَالتَّحْلِيلِ ، فَإِنَّ لَهُ جِهَاتٍ كَثِيرَةً مِنْ الْفَيْءِ وَالصَّدَقَةِ وَغَيْرِهِمَا .\r( 5133 ) فَصْلٌ : قَالَ أَحْمَدُ : جَوَائِزُ السُّلْطَانِ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ الصَّدَقَةِ .\rيَعْنِي أَنَّ الصَّدَقَةَ أَوْسَاخُ النَّاسِ ، صِينَ عَنْهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَآلُهُ ، لِدَنَاءَتِهَا ، وَلَمْ يُصَانُوا عَنْ جَوَائِزِ السُّلْطَانِ .\rوَسُئِلَ أَحْمَدُ عَمَّنْ عَامَلَ السُّلْطَانَ فَرَبِحَ أَلْفًا ، وَآخَرَ أَجَازَهُ السُّلْطَانُ بِأَلْفٍ ، أَيُّهُمَا أَحَبُّ إلَيْك ؟ قَالَ : الْجَائِزَةُ .\rوَذَلِكَ لِأَنَّ الَّذِي يَرْبَحُ عَلَيْهِ أَلْفًا ، لَا يَرْبَحُهَا فِي الْغَالِبِ إلَّا بِنَوْعٍ مِنْ التَّدْلِيسِ وَالْغَبْنِ الْفَاحِشِ ، وَالْجَائِزَةُ عَطَاءٌ مِنْ الْإِمَامِ بِرِضَاهُ ، لَا تَدْلِيسَ فِيهَا وَلَا غَبْنَ .\rوَقَالَ أَحْمَدُ : إذَا كَانَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ السُّلْطَانِ رَجُلٌ .\rيَعْنِي فَهُوَ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَخْذِهِ مِنْهُ .\rوَذَلِكَ لِأَنَّ الْوَسَائِطَ كُلَّمَا كَثُرَتْ ، قَرُبَتْ إلَى الْحِلِّ ؛ لِأَنَّهَا مَعَ الْبُعْدِ تَتَبَدَّلُ ، وَتَحْصُلُ فِيهَا أَسْبَابٌ مُبِيحَةٌ ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ .","part":14,"page":350},{"id":6850,"text":"كِتَابُ النِّكَاحِ النِّكَاحُ فِي الشَّرْعِ : هُوَ عَقْدُ التَّزْوِيجِ ، فَعِنْدَ إطْلَاقِ لَفْظِهِ يَنْصَرِفُ إلَيْهِ ، مَا لَمْ يَصْرِفْهُ عَنْهُ دَلِيلٌ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : الْأَشْبَهُ بِأَصْلِنَا أَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي الْعَقْدِ وَالْوَطْءِ جَمِيعًا ؛ لِقَوْلِنَا بِتَحْرِيمِ مَوْطُوءَةِ الْأَبِ مِنْ غَيْرِ تَزْوِيجٍ ، لِدُخُولِهِ فِي قَوْله تَعَالَى : { وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنْ النِّسَاءِ } .\rوَقِيلَ : بَلْ هُوَ حَقِيقَةٌ فِي الْوَطْءِ ، مَجَازٌ فِي الْعَقْدِ ، تَقُولُ الْعَرَبُ : أَنْكَحْنَا الْفَرَا ، فَسَنَرَى .\rأَيْ أَضْرَبْنَا فَحْلَ حُمُرِ الْوَحْشِ أُمَّهُ ، فَسَنَرَى مَا يَتَوَلَّدُ مِنْهُمَا .\rيُضْرَبُ مَثَلًا لِلْأَمْرِ يَجْتَمِعُونَ عَلَيْهِ ، ثُمَّ يَتَفَرَّقُونَ عَنْهُ .\rوَقَالَ الشَّاعِرُ : وَمِنْ أَيِّمٍ قَدْ أَنْكَحَتْنَا رِمَاحُنَا وَأُخْرَى عَلَى خَالٍ وَعَمٍّ تَلَهَّفُ وَالصَّحِيحُ مَا قُلْنَا ؛ لِأَنَّ الْأَشْهَرَ اسْتِعْمَالُ لَفْظَةِ النِّكَاحِ بِإِزَاءِ الْعَقْدِ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَلِسَانِ أَهْلِ الْعُرْفِ .\rوَقَدْ قِيلَ : لَيْسَ فِي الْكِتَابِ لَفْظُ نِكَاحٍ بِمَعْنَى الْوَطْءِ ، إلَّا قَوْلُهُ : { حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ } .\rوَلِأَنَّهُ يَصِحُّ نَفْيُهُ عَنْ الْوَطْءِ ، فَيُقَال : هَذَا سِفَاحٌ وَلَيْسَ بِنِكَاحٍ .\rوَيُرْوَى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أَنَّهُ قَالَ : { وُلِدْت مِنْ نِكَاحٍ ، لَا مِنْ سِفَاحٍ } .\rوَيُقَالُ عَنْ السُّرِّيَّةِ : لَيْسَتْ بِزَوْجَةٍ ، وَلَا مَنْكُوحَةٍ .\rوَلِأَنَّ النِّكَاحَ أَحَدُ اللَّفْظَيْنِ اللَّذَيْنِ يَنْعَقِدُ بِهِمَا عَقْدُ النِّكَاحِ ، فَكَانَ حَقِيقَةً فِيهِ ، كَاللَّفْظِ الْآخَرِ .\rوَمَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي يُفْضِي إلَى كَوْنِ اللَّفْظِ مُشْتَرَكًا وَهُوَ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ ، وَمَا ذَكَرَهُ الْآخَرُونَ يَدُلُّ عَلَى الِاسْتِعْمَالِ فِي الْجُمْلَةِ ، وَالِاسْتِعْمَالُ فِيمَا قُلْنَا أَكْثَرُ وَأَشْهَرُ ، ثُمَّ لَوْ قُدِّرَ كَوْنُهُ مَجَازًا فِي الْعَقْدِ لَكَانَ اسْمًا عُرْفِيًّا ، يَجِبُ صَرْفُ اللَّفْظِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ إلَيْهِ ؛ لِشُهْرَتِهِ ، كَسَائِرِ الْأَسْمَاءِ الْعُرْفِيَّةِ .\r( 5134 ) فَصْلٌ : وَالْأَصْلُ فِي","part":14,"page":351},{"id":6851,"text":"مَشْرُوعِيَّةِ النِّكَاحِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ ؛ أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنْ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ } .\rالْآيَةَ .\rوقَوْله تَعَالَى : { وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ } .\rوَأَمَّا السُّنَّةُ فَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ ، مَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَلْيَصُمْ ، فَإِنَّ الصَّوْمَ لَهُ وِجَاءٌ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rفِي آيٍ وَأَخْبَارٍ سِوَى ذَلِكَ كَثِيرَةٍ .\rوَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ النِّكَاحَ مَشْرُوعٌ .\rوَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي وُجُوبِهِ ؛ فَالْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ ، إلَّا أَنْ يَخَافَ أَحَدٌ عَلَى نَفْسِهِ الْوُقُوعَ فِي مَحْظُورٍ بِتَرْكِهِ ، فَيَلْزَمُهُ إعْفَافُ نَفْسِهِ وَهَذَا قَوْلُ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ .\rوَقَالَ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ : هُوَ وَاجِبٌ .\rوَحَكَاهُ عَنْ أَحْمَدَ .\rوَحَكَى عَنْ دَاوُد أَنَّهُ يَجِبُ فِي الْعُمَرِ مَرَّةً وَاحِدَةً ؛ لِلْآيَةِ وَالْخَبَرِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى حِينَ أَمَرَ بِهِ .\rعَلَّقَهُ عَلَى الِاسْتِطَابَةِ ، بِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ : { فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنْ النِّسَاءِ } وَالْوَاجِبُ لَا يَقِفُ عَلَى الِاسْتِطَابَةِ ، وَقَالَ : { مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ } .\rوَلَا يَجِبُ ذَلِكَ بِالِاتِّفَاقِ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَمْرِ النَّدْبُ ، وَكَذَلِكَ الْخَبَرُ يُحْمَلُ عَلَى النَّدْبِ ، أَوْ عَلَى مَنْ يَخْشَى عَلَى نَفْسِهِ الْوُقُوعَ فِي الْمَحْظُورِ بِتَرْكِ النِّكَاحِ .\rقَالَ الْقَاضِي : وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ كَلَامُ أَحْمَدَ وَأَبِي بَكْرٍ ، فِي إيجَابِ النِّكَاحِ .","part":14,"page":352},{"id":6852,"text":"( 5135 ) فَصْلٌ : وَالنَّاسُ فِي النِّكَاحِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ ؛ مِنْهُمْ مَنْ يَخَافُ عَلَى نَفْسِهِ الْوُقُوعَ فِي مَحْظُورٍ إنْ تَرَكَ النِّكَاحَ ، فَهَذَا يَجِبُ عَلَيْهِ النِّكَاحُ فِي قَوْلِ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ إعْفَافُ نَفْسِهِ ، وَصَوْنُهَا عَنْ الْحَرَامِ ، وَطَرِيقُهُ النِّكَاحُ .\rالثَّانِي ، مَنْ يُسْتَحَبُّ لَهُ ، وَهُوَ مَنْ لَهُ شَهْوَةٌ يَأْمَنُ مَعَهَا الْوُقُوعَ فِي مَحْظُورٍ ، فَهَذَا الِاشْتِغَالُ لَهُ بِهِ أَوْلَى مِنْ التَّخَلِّي لِنَوَافِلِ الْعِبَادَةِ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ .\rوَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، وَفِعْلِهِمْ .\rقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ : لَوْ لَمْ يَبْقَ مِنْ أَجَلِي إلَّا عَشْرَةُ أَيَّامٍ ، وَأَعْلَمُ أَنِّي أَمُوتُ فِي آخِرِهَا يَوْمًا ، وَلِي طَوْلُ النِّكَاحِ فِيهِنَّ ، لَتَزَوَّجْت مَخَافَةَ الْفِتْنَةِ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ لِسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ : تَزَوَّجْ ، فَإِنَّ خَيْرَ هَذِهِ الْأُمَّةِ أَكْثَرُهَا نِسَاءً .\rوَقَالَ إبْرَاهِيمُ بْنُ مَيْسَرَةَ : قَالَ لِي طَاوُسٌ : لَتَنْكِحْنَ ، أَوْ لَأَقُولَنَّ لَك مَا قَالَ عُمَرُ لِأَبِي الزَّوَائِدِ : مَا يَمْنَعُك عَنْ النِّكَاحِ إلَّا عَجْزٌ أَوْ فُجُورٌ .\rقَالَ أَحْمَدُ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيِّ : لَيْسَتْ الْعُزْبَةُ مِنْ أَمْرِ الْإِسْلَامِ ، فِي شَيْءٍ .\rوَقَالَ : مَنْ دَعَاكَ إلَى غَيْرِ التَّزْوِيجِ ، فَقَدْ دَعَاكَ إلَى غَيْرِ الْإِسْلَامِ ، وَلَوْ تَزَوَّجَ بِشْرٌ كَانَ قَدْ تَمَّ أَمْرُهُ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : التَّخَلِّي لِعِبَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى أَفْضَلُ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مَدَحَ يَحْيَى عَلَيْهِ السَّلَامُ بِقَوْلِهِ : { وَسَيِّدًا وَحَصُورًا } وَالْحَصُورُ : الَّذِي لَا يَأْتِي النِّسَاءَ فَلَوْ كَانَ النِّكَاحُ أَفْضَلَ لَمَا مَدَحَ بِتَرْكِهِ .\rوَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنْ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ } .\rوَهَذَا فِي مَعْرِضِ الذَّمِّ ، وَلِأَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ ، فَكَانَ الِاشْتِغَالُ بِالْعِبَادَةِ أَفْضَلَ مِنْهُ ، كَالْبَيْعِ .\rوَلَنَا ، مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَرَسُولِهِ بِهِ وَحَثِّهِمَا","part":14,"page":353},{"id":6853,"text":"عَلَيْهِ ، { وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَلَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ ، وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي } .\rوَقَالَ سَعْدٌ : لَقَدْ { رَدَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ التَّبَتُّلَ } ، وَلَوْ أَحَلَّهُ لَهُ لَاخْتَصَيْنَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا .\rوَعَنْ أَنَسٍ قَالَ { : كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْمُرُ بِالْبَاءَةِ ، وَيَنْهَى عَنْ التَّبَتُّلِ نَهْيًا شَدِيدًا ، وَيَقُولُ : تَزَوَّجُوا الْوَدُودَ الْوَلُودَ ، فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمْ الْأُمَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ .\r} رَوَاهُ سَعِيدٌ .\rوَهَذَا حَثٌّ عَلَى النِّكَاحِ شَدِيدٌ ، وَوَعِيدٌ عَلَى تَرْكِهِ يُقَرِّبُهُ إلَى الْوُجُوبِ ، وَالتَّخَلِّي مِنْهُ إلَى التَّحْرِيمِ ، وَلَوْ كَانَ التَّخَلِّي أَفْضَلَ لَانْعَكَسَ الْأَمْرُ ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَزَوَّجَ ، وَبَالَغَ فِي الْعَدَدِ ، وَفَعَلَ ذَلِكَ أَصْحَابُهُ ، وَلَا يَشْتَغِلُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ إلَّا بِالْأَفْضَلِ ، وَلَا تَجْتَمِعُ الصَّحَابَةُ عَلَى تَرْكِ الْأَفْضَلِ ، وَالِاشْتِغَالِ بِالْأَدْنَى ، وَمِنْ الْعَجَبِ أَنَّ مَنْ يُفَضِّلُ التَّخَلِّيَ لَمْ يَفْعَلْهُ .\rفَكَيْفَ أَجْمَعُوا عَلَى النِّكَاحِ فِي فِعْلِهِ ، وَخَالَفُوهُ فِي فَضْلِهِ ، أَفَمَا كَانَ فِيهِمْ مَنْ يَتْبَعُ الْأَفْضَلَ عِنْدَهُ وَيَعْمَلُ بِالْأَوْلَى ؟ وَلِأَنَّ مَصَالِحَ النِّكَاحِ أَكْثَرُ ، فَإِنَّهُ يَشْتَمِلُ عَلَى تَحْصِينِ الدِّينِ ، وَإِحْرَازِهِ ، وَتَحْصِينِ الْمَرْأَةِ وَحِفْظِهَا ، وَالْقِيَامِ بِهَا ، وَإِيجَادِ النَّسْلِ ، وَتَكْثِيرِ الْأُمَّةِ ، وَتَحْقِيقِ مُبَاهَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْمَصَالِحِ الرَّاجِحِ أَحَدُهَا عَلَى نَفْلِ الْعِبَادَةِ ، فَمَجْمُوعُهَا أَوْلَى .\rوَقَدْ رَوَيْنَا فِي أَخْبَارِ الْمُتَقَدِّمِينَ ، أَنَّ قَوْمًا ذَكَرُوا لَنَبِيٍّ لَهُمْ فَضْلَ عَابِدٍ لَهُمْ ، فَقَالَ : أَمَّا إنَّهُ لَتَارِكٌ لِشَيْءٍ مِنْ السُّنَّةِ ، فَبَلَغَ الْعَابِدَ ، فَأَتَى النَّبِيَّ ،","part":14,"page":354},{"id":6854,"text":"فَسَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ ، فَقَالَ : إنَّك تَرَكْت التَّزْوِيجَ .\rفَقَالَ : يَا نَبِيَّ اللَّهِ ، وَمَا هُوَ إلَّا هَذَا ، فَلَمَّا رَأَى النَّبِيُّ احْتِقَارَهُ لِذَلِكَ ، قَالَ : أَرَأَيْت لَوْ تَرَكَ النَّاسُ كُلُّهُمْ التَّزْوِيجَ مَنْ كَانَ يَقُومُ بِالْجِهَادِ ، وَيَنْفِي الْعَدُوَّ ، وَيَقُومُ بِفَرَائِضِ اللَّهِ تَعَالَى وَحُدُودِهِ ؟ وَأَمَّا مَا ذُكِرَ عَنْ يَحْيَى ، فَهُوَ شَرْعُهُ ، وَشَرْعُنَا وَارِدٌ بِخِلَافِهِ ، فَهُوَ أَوْلَى وَالْبَيْعُ لَا يَشْتَمِلُ عَلَى مَصَالِحِ النِّكَاحِ ، وَلَا يُقَارِبُهَا .\rالْقِسْمُ الثَّالِثُ ، مَنْ لَا شَهْوَةَ لَهُ ، إمَّا لِأَنَّهُ لَمْ يُخْلَقْ لَهُ شَهْوَةٌ كَالْعِنِّينِ ، أَوْ كَانَتْ لَهُ شَهْوَةٌ فَذَهَبَتْ بِكِبَرٍ أَوْ مَرَضٍ وَنَحْوِهِ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، يُسْتَحَبُّ لَهُ النِّكَاحُ ؛ لِعُمُومِ مَا ذَكَرْنَا .\rوَالثَّانِي ، التَّخَلِّي لَهُ أَفْضَلُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُحَصِّلُ مَصَالِحَ النِّكَاحِ ، وَيَمْنَعُ زَوْجَتَهُ مِنْ التَّحْصِينِ بِغَيْرِهِ ، وَيُضِرُّ بِهَا ، وَيَحْبِسُهَا عَلَى نَفْسِهِ ، وَيُعَرِّضُ نَفْسَهُ لِوَاجِبَاتٍ وَحُقُوقٍ لَعَلَّهُ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ الْقِيَامِ بِهَا ، وَيَشْتَغِلُ عَنْ الْعِلْمِ وَالْعِبَادَةِ بِمَا لَا فَائِدَةَ فِيهِ وَالْأَخْبَارُ تُحْمَلُ عَلَى مَنْ لَهُ شَهْوَةٌ ؛ لِمَا فِيهَا مِنْ الْقَرَائِنِ الدَّالَّةِ عَلَيْهَا .\rوَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْقَادِرِ عَلَى الْإِنْفَاقِ وَالْعَاجِزِ عَنْهُ ، قَالَ : يَنْبَغِي لِلرَّجُلِ أَنْ يَتَزَوَّجَ ، فَإِنْ كَانَ عِنْدَهُ مَا يُنْفِقُ ، أَنْفَقَ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ ، صَبَرَ ، وَلَوْ تَزَوَّجَ بِشْرٌ كَانَ قَدْ تَمَّ أَمْرُهُ .\rوَاحْتَجَّ { بِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُصْبِحُ وَمَا عِنْدَهُمْ شَيْءٌ ، وَيُمْسِي وَمَا عِنْدَهُمْ شَيْءٌ } .\r{ وَأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَوَّجَ رَجُلًا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى خَاتَمِ حَدِيدٍ ، وَلَا وَجَدَ إلَّا إزَارَهُ ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ رِدَاءٌ .\r} أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ قَالَ أَحْمَدُ ، فِي رَجُلٍ قَلِيلِ الْكَسْبِ ، يَضْعُفُ قَلْبُهُ عَنْ الْعِيَالِ : اللَّهُ يَرْزُقُهُمْ ،","part":14,"page":355},{"id":6855,"text":"التَّزْوِيجُ أَحْصَنُ لَهُ ، رُبَّمَا أَتَى عَلَيْهِ وَقْتٌ لَا يَمْلِكُ قَلْبَهُ .\rوَهَذَا فِي حَقِّ مَنْ يُمْكِنُهُ التَّزْوِيجُ ، فَأَمَّا مَنْ لَا يُمْكِنُهُ ، فَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَلْيَسْتَعْفِفْ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ .\r}","part":14,"page":356},{"id":6856,"text":"( 5136 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : وَلَا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِيٍّ وَشَاهِدَيْنِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَرْبَعَةُ فُصُولٍ : ( 5137 ) أَحَدُهَا : أَنَّ النِّكَاحَ لَا يَصِحُّ إلَّا بِوَلِيٍّ ، وَلَا تَمْلِكُ الْمَرْأَةُ تَزْوِيجَ نَفْسِهَا وَلَا غَيْرِهَا ، وَلَا تَوْكِيلَ غَيْرِ وَلِيِّهَا فِي تَزْوِيجِهَا .\rفَإِنْ فَعَلَتْ ، لَمْ يَصِحَّ النِّكَاحُ .\rرُوِيَ هَذَا عَنْ عُمَرَ ، وَعَلِيٍّ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ، وَعَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ .\rوَإِلَيْهِ ذَهَبَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ، وَالْحَسَنُ ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى وَابْنُ شُبْرُمَةَ ، وَابْنُ الْمُبَارَكِ ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ الْعَنْبَرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ ، وَالْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، وَالْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ ، وَأَبِي يُوسُفَ : لَا يَجُوزُ لَهَا ذَلِكَ بِغَيْرِ إذْنِ الْوَلِيِّ ، فَإِنْ فَعَلَتْ كَانَ مَوْقُوفًا عَلَى إجَازَتِهِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَهَا أَنْ تُزَوِّجَ نَفْسَهَا وَغَيْرَهَا ، وَتُوَكِّلَ فِي النِّكَاحِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : { فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ } .\rأَضَافَ النِّكَاحَ إلَيْهِنَّ ، وَنَهَى عَنْ مَنْعِهِنَّ مِنْهُ ، وَلِأَنَّهُ خَالِصُ حَقِّهَا ، وَهِيَ مِنْ أَهْلِ الْمُبَاشَرَةِ ، فَصَحَّ مِنْهَا ، كَبَيْعِ أَمَتِهَا ، وَلِأَنَّهَا إذَا مَلَكَتْ بَيْعَ أَمَتِهَا ، وَهُوَ تَصَرُّفٌ فِي رَقَبَتِهَا وَسَائِرِ مَنَافِعِهَا ، فَفِي النِّكَاحِ الَّذِي هُوَ عَقْدٌ عَلَى بَعْضِ مَنَافِعِهَا أَوْلَى وَلَنَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { : لَا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِيٍّ } .\rرَوَتْهُ عَائِشَةُ ، وَأَبُو مُوسَى ، وَابْنُ عَبَّاسٍ .\rقَالَ الْمَرُّوذِيُّ : سَأَلْت أَحْمَدَ وَيَحْيَى عَنْ حَدِيثِ { : لَا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِيٍّ } .\rفَقَالَا : صَحِيحٌ .\rوَرُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أَنَّهُ قَالَ : { أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ نَفْسَهَا بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهَا ، فَنِكَاحُهَا","part":14,"page":357},{"id":6857,"text":"بَاطِلٌ بَاطِلٌ بَاطِلٌ ، فَإِنْ أَصَابَهَا ، فَلَهَا الْمَهْرُ بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجِهَا ، فَإِنْ اشْتَجَرُوا ، فَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ } .\rرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ، وَأَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُمَا فَإِنْ قِيلَ : فَإِنَّ الزُّهْرِيَّ رَوَاهُ وَقَدْ أَنْكَرَهُ .\rقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : سَأَلْت الزُّهْرِيَّ عَنْهُ فَلَمْ يَعْرِفْهُ .\rقُلْنَا لَهُ : لَمْ يَقُلْ هَذَا عَنْ ابْنِ جُرَيْجٌ غَيْرُ ابْنِ عُلَيَّةَ ، كَذَلِكَ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَيَحْيَى ، وَلَوْ ثَبَتَ هَذَا لَمْ يَكُنْ حُجَّةً ؛ لِأَنَّهُ قَدْ نَقَلَهُ ثِقَاتٌ عَنْهُ ، فَلَوْ نَسِيَهُ الزُّهْرِيُّ لَمْ يَضُرَّهُ ؛ لِأَنَّ النِّسْيَانَ لَمْ يُعْصَمْ مِنْهُ إنْسَانٌ .\rقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : نَسِيَ آدَم ، فَنَسِيَتْ ذُرِّيَّتُهُ } .\rوَلِأَنَّهَا مَوْلَى عَلَيْهَا فِي النِّكَاحِ ، فَلَا تَلِيهِ ، كَالصَّغِيرَةِ ، وَأَمَّا الْآيَةُ ، فَإِنَّ عَضْلَهَا الِامْتِنَاعُ مِنْ تَزْوِيجِهَا ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ نِكَاحَهَا إلَى الْوَلِيِّ .\rوَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي شَأْنِ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ ، حِينَ امْتَنَعَ مِنْ تَزْوِيجِ أُخْتِهِ ، فَدَعَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَزَوَّجَهَا .\rوَأَضَافَهُ إلَيْهَا لِأَنَّهَا مَحَلٌّ لَهُ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهَا تَزْوِيجُ أَحَدٍ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ ، لَهَا تَزْوِيجُ أَمَتِهَا .\rوَهَذَا يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ عِبَارَتِهَا فِي النِّكَاحِ ، فَيُخَرَّجُ مِنْهُ أَنَّ لَهَا تَزْوِيجَ نَفْسِهَا بِإِذْنِ وَلِيِّهَا ، وَتَزْوِيجَ غَيْرِهَا بِالْوَكَالَةِ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ .\rوَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ قَوْلًا لِابْنِ سِيرِينَ وَمَنْ مَعَهُ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : أَيُّمَا امْرَأَةٍ زَوَّجَتْ نَفْسَهَا بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهَا ، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ } .\rفَمَفْهُومُهُ صِحَّتُهُ بِإِذْنِهِ وَلِأَنَّ الْمَرْأَةَ إنَّمَا مُنِعَتْ الِاسْتِقْلَالَ بِالنِّكَاحِ ، لِقُصُورِ عَقْلِهَا ، فَلَا يُؤْمَنُ انْخِدَاعُهَا وَوُقُوعُهُ مِنْهَا عَلَى وَجْهِ الْمَفْسَدَةِ ، وَهَذَا مَأْمُونٌ فِيمَا إذَا أَذِنَ فِيهِ","part":14,"page":358},{"id":6858,"text":"وَلِيُّهَا .\rوَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ ؛ لِعُمُومِ قَوْلِهِ { : لَا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِيٍّ } .\rوَهَذَا يُقَدَّمُ عَلَى دَلِيلِ الْخِطَابِ ، وَالتَّخْصِيصُ هَاهُنَا خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ ، فَإِنَّ الْغَالِبَ أَنَّهَا لَا تُزَوِّجُ نَفْسَهَا إلَّا بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهَا ، وَالْعِلَّةُ فِي مَنْعِهَا ، صِيَانَتُهَا عَنْ مُبَاشَرَةِ مَا يُشْعِرُ بِوَقَاحَتِهَا وَرُعُونَتِهَا وَمَيْلِهَا إلَى الرِّجَالِ ، وَذَلِكَ يُنَافِي حَالَ أَهْلِ الصِّيَانَةِ وَالْمُرُوءَةِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .\r( 5138 ) فَصْلٌ : فَإِنْ حَكَمَ بِصِحَّةِ هَذَا الْعَقْدِ حَاكِمٌ ، أَوْ كَانَ الْمُتَوَلِّي لِعَقْدِهِ حَاكِمًا ، لَمْ يَجُزْ نَقْضُهُ وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْأَنْكِحَةِ الْفَاسِدَةِ .\rوَخَرَّجَ الْقَاضِي فِي هَذَا وَجْهًا خَاصَّةً أَنَّهُ يُنْقَضُ .\rوَهُوَ قَوْلُ الْإِصْطَخْرِيِّ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ خَالَفَ نَصًّا .\rوَالْأَوَّلُ أَوْلَى ؛ لِأَنَّهَا مَسْأَلَةٌ مُخْتَلَفٌ فِيهَا ، وَيَسُوغُ فِيهَا الِاجْتِهَادُ ، فَلَمْ يَجُزْ نَقْضُ الْحُكْمِ لَهُ ، كَمَا لَوْ حَكَمَ بِالشُّفْعَةِ لِلْجَارِ ، وَهَذَا النَّصُّ مُتَأَوَّلٌ وَفِي صِحَّتِهِ كَلَامٌ ، وَقَدْ عَارَضَهُ ظَوَاهِرُ .","part":14,"page":359},{"id":6859,"text":"( 5139 ) الْفَصْلُ الثَّانِي : أَنَّ النِّكَاحَ لَا يَنْعَقِدُ إلَّا بِشَاهِدَيْنِ .\rهَذَا الْمَشْهُورُ عَنْ أَحْمَدَ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ ، وَعَلِيٍّ ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ ، وَالْحَسَنِ ، وَالنَّخَعِيِّ ، وَقَتَادَةَ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ يَصِحُّ بِغَيْرِ شُهُودٍ .\rوَفَعَلَهُ ابْنُ عُمَرَ ، وَالْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ ، وَابْنُ الزُّبَيْرِ ، وَسَالِمٌ وَحَمْزَةُ ابْنَا ابْنِ عُمَرَ .\rوَبِهِ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إدْرِيسَ ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ ، وَيَزِيدُ بْنُ هَارُونُ ، وَالْعَنْبَرِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَهُوَ قَوْلُ الزُّهْرِيِّ ، وَمَالِكٍ ، إذَا أَعْلَنُوهُ .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : لَا يَثْبُتُ فِي الشَّاهِدَيْنِ فِي النِّكَاحِ خَبَرٌ .\rوَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : لَا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِيٍّ وَشَاهِدَيْنِ عَدْلَيْنِ } .\rمِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَابْنِ عُمَرَ ، إلَّا أَنَّ فِي نَقْلِهِ ذَلِكَ ضَعِيفًا ، فَلَمْ أَذْكُرْهُ .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : وَقَدْ أَعْتَقَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيِّ فَتَزَوَّجَهَا بِغَيْرِ شُهُودٍ .\rقَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : { اشْتَرَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَارِيَةً بِسَبْعَةِ قُرُوشٍ ، فَقَالَ النَّاسُ : مَا نَدْرِي أَتَزَوَّجَهَا رَسُولُ اللَّهِ أَمْ جَعَلَهَا أُمَّ وَلَدٍ ؟ فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَرْكَبَ حَجَبَهَا ، فَعَلِمُوا أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rقَالَ : فَاسْتَدَلُّوا عَلَى تَزْوِيجِهَا بِالْحِجَابِ .\rوَقَالَ يَزِيدُ بْنُ هَارُونُ : أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِالْإِشْهَادِ فِي الْبَيْعِ دُونَ النِّكَاحِ ، فَاشْتَرَطَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ الشَّهَادَةَ لِلنِّكَاحِ ، وَلَمْ يَشْتَرِطُوهَا لِلْبَيْعِ ، وَوَجْهُ الْأُولَى أَنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ { : لَا نِكَاحَ إلَّا","part":14,"page":360},{"id":6860,"text":"بِوَلِيٍّ مُرْشِدٍ ، وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ } .\rرَوَاهُ الْخَلَّالُ بِإِسْنَادِهِ .\rوَرَوَى الدَّارَقُطْنِيّ ، عَنْ عَائِشَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ { : لَا بُدَّ فِي النِّكَاحِ مِنْ أَرْبَعَةٍ ؛ الْوَلِيُّ ، وَالزَّوْجُ ، وَالشَّاهِدَانِ } .\rوَلِأَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّ غَيْرِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ ، وَهُوَ الْوَلَدُ ، فَاشْتُرِطَتْ الشَّهَادَةُ فِيهِ ، لِئَلَّا يَجْحَدَهُ أَبُوهُ ، فَيَضِيعَ نَسَبُهُ ، بِخِلَافِ الْبَيْعِ فَأَمَّا نِكَاحُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِغَيْرِ وَلِيٍّ وَغَيْرِ شُهُودٍ ، فَمِنْ خَصَائِصِهِ فِي النِّكَاحِ ، فَلَا يُلْحَقُ بِهِ غَيْرُهُ .\r( 5140 ) الْفَصْلُ الثَّالِثُ : أَنَّهُ لَا يَنْعَقِدُ إلَّا بِشَهَادَةِ مُسْلِمَيْنِ ، سَوَاءٌ كَانَ الزَّوْجَانِ مُسْلِمَيْنِ ، أَوْ الزَّوْجُ وَحْدَهُ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .\rوَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إذَا كَانَتْ الْمَرْأَةُ ذِمِّيَّةً ، صَحَّ بِشَهَادَةِ ذِمِّيَّيْنِ .\rقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : وَيَتَخَرَّجُ لَنَا مِثْلُ ذَلِكَ ، مَبْنِيًّا عَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي تَقُولُ بِقَبُولِ شَهَادَةِ بَعْضِ أَهْلِ الذِّمَّةِ عَلَى بَعْضٍ .\rوَلَنَا ، قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ { : لَا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِيٍّ ، وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ } وَلِأَنَّهُ نِكَاحُ مُسْلِمٍ ، فَلَمْ يَنْعَقِدْ بِشَهَادَةِ ذِمِّيَّيْنِ ، كَنِكَاحِ الْمُسْلِمَيْنِ .\r( 5141 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا الْفَاسِقَانِ ، فَفِي انْعِقَادِ النِّكَاحِ بِشَهَادَتِهِمَا رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، لَا يَنْعَقِدُ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِلْخَبَرِ .\rوَلِأَنَّ النِّكَاحَ لَا يَثْبُتُ بِشَهَادَتِهِمَا ، فَلَمْ يَنْعَقِدْ بِحُضُورِهِمَا ، كَالْمَجْنُونَيْنِ .\rوَالثَّانِيَةُ ، يَنْعَقِدُ بِشَهَادَتِهِمَا .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّهَا تَحَمُّلٌ ، فَصَحَّتْ مِنْ الْفَاسِقِ ، كَسَائِرِ التَّحَمُّلَاتِ .\rوَعَلَى كِلْتَا الرِّوَايَتَيْنِ لَا يُعْتَبَرُ حَقِيقَةُ الْعَدَالَةِ ، بَلْ يَنْعَقِدُ بِشَهَادَةِ مَسْتُورِي الْحَالِ ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ يَكُونُ فِي الْقُرَى وَالْبَادِيَةِ ، وَبَيْنَ عَامَّةِ النَّاسِ ، مِمَّنْ لَا يَعْرِفُ حَقِيقَةَ","part":14,"page":361},{"id":6861,"text":"الْعَدَالَةِ ، فَاعْتِبَارُ ذَلِكَ يَشُقُّ فَاكْتُفِيَ بِظَاهِرِ الْحَالِ ، وَكَوْنِ الشَّاهِدِ مَسْتُورًا لَمْ يَظْهَرْ فِسْقُهُ ، فَإِنْ تَبَيَّنَ بَعْدَ الْعَقْدِ أَنَّهُ كَانَ فَاسِقًا ، لَمْ يُؤَثِّرْ ذَلِكَ فِي الْعَقْدِ ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ الْعَدَالَةُ ظَاهِرًا ، وَهُوَ أَنْ لَا يَكُونَ ظَاهِرَ الْفِسْقِ ، وَقَدْ تَحَقَّقَ ذَلِكَ .\rوَقِيلَ : نَتَبَيَّنُ أَنَّ النِّكَاحَ كَانَ فَاسِدًا ؛ لِعَدَمِ الشَّرْطِ .\rوَلَيْسَ بِصَحِيحٍ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَتْ الْعَدَالَةُ فِي الْبَاطِنِ شَرْطًا ، لَوَجَبَ الْكَشْفُ عَنْهَا ؛ لِأَنَّهُ مَعَ الشَّكِّ فِيهَا يَكُونُ مَشْكُوكًا فِي شَرْطِ النِّكَاحِ ، فَلَا يَنْعَقِدُ ، وَلَا تَحِلُّ الْمَرْأَةُ مَعَ الشَّكِّ فِي صِحَّةِ نِكَاحِهَا .\rوَإِنْ حَدَثَ الْفِسْقُ فِيهِمَا ، لَمْ يُؤَثِّرْ فِي صِحَّةِ النِّكَاحِ ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ إنَّمَا يُعْتَبَرُ حَالَةَ الْعَقْدِ .\rوَلَوْ أَقَرَّ رَجُلٌ وَامْرَأَةٌ أَنَّهُمَا نَكَحَا بِوَلِيٍّ وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ ، قُبِلَ قَوْلُهُمَا ، وَثَبَتَ النِّكَاحُ بِإِقْرَارِهِمَا .\r( 5142 ) فَصْلٌ : وَلَا يَنْعَقِدُ بِشَهَادَةِ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ .\rوَهَذَا قَوْلُ النَّخَعِيِّ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَالشَّافِعِيِّ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّهُ قَالَ : إذَا تَزَوَّجَ بِشَهَادَةِ نِسْوَةٍ ، لَمْ يَجُزْ ، فَإِنْ كَانَ مَعَهُنَّ رَجُلٌ ، فَهُوَ أَهْوَنُ .\rفَيُحْتَمَلُ أَنَّ هَذَا رِوَايَةٌ أُخْرَى فِي انْعِقَادِهِ بِذَلِكَ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ .\rوَيُرْوَى عَنْ الشَّعْبِيِّ ؛ لِأَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ ، فَانْعَقَدَ بِشَهَادَتِهِنَّ مَعَ الرِّجَالِ ، كَالْبَيْعِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الزُّهْرِيَّ قَالَ : مَضَتْ السُّنَّةُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ لَا تَجُوزَ شَهَادَةُ النِّسَاءِ فِي الْحُدُودِ ، وَلَا فِي النِّكَاحِ ، وَلَا فِي الطَّلَاقِ .\rرَوَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ ، فِي \" الْأَمْوَالِ \" وَهَذَا يَنْصَرِفُ إلَى سُنَّةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rوَلِأَنَّهُ عَقْدٌ لَيْسَ بِمَالٍ ، وَلَا الْمَقْصُودُ مِنْهُ الْمَالُ ، وَيَحْضُرُهُ الرِّجَالُ فِي غَالِبِ الْأَحْوَالِ ، فَلَمْ يَثْبُتْ بِشَهَادَتِهِنَّ كَالْحُدُودِ ، وَبِهَذَا فَارَقَ","part":14,"page":362},{"id":6862,"text":"الْبَيْعَ .\rوَيُحْتَمَلُ أَنَّ أَحْمَدَ إنَّمَا قَالَ : هُوَ أَهْوَنُ .\rلِوُقُوعِ الْخِلَافِ فِيهِ ، فَلَا يَكُونُ رِوَايَةً .\r( 5143 ) فَصْلٌ : وَلَا يَنْعَقِدُ بِشَهَادَةِ صَبِيَّيْنِ ؛ لِأَنَّهُمَا لَيْسَا مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ .\rوَيُحْتَمَلُ أَنْ يَنْعَقِدَ بِشَهَادَةِ مُرَاهِقَيْنِ عَاقِلَيْنِ .\rوَلَا يَنْعَقِدُ بِشَهَادَةِ مَجْنُونَيْنِ ، وَلَا سَائِرِ مَنْ لَا شَهَادَةَ لَهُ ؛ لِأَنَّ وُجُودَهُ كَالْعَدَمِ .\rوَلَا يَنْعَقِدُ بِشَهَادَةِ أَصَمَّيْنِ ؛ لِأَنَّهُمَا لَا يَسْمَعَانِ .\rوَلَا أَخْرَسَيْنِ ؛ لِعَدَمِ إمْكَانِ الْأَدَاءِ مِنْهُمَا .\rوَفِي انْعِقَادِهِ بِحُضُورِ أَهْلِ الصَّنَائِعِ الزَّرِيَّةِ كَالْحَجَّامِ وَنَحْوِهِ ، وَجْهَانِ ، بِنَاءً عَلَى قَبُولِ شَهَادَتِهِمْ وَفِي انْعِقَادِهِ بِشَهَادَةِ عَدُوَّيْنِ أَوْ ابْنَيْ الزَّوْجَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، يَنْعَقِدُ .\rاخْتَارَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ابْنُ بَطَّةَ ؛ لِعُمُومِ قَوْلِهِ { إلَّا بِوَلِيٍّ وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ .\r} وَلِأَنَّهُ يَنْعَقِدُ بِهِمَا نِكَاحُ غَيْرِ هَذَا الزَّوَاجِ ، فَانْعَقَدَ بِهِمَا نِكَاحُهُ ، كَسَائِرِ الْعُدُولِ .\rوَالثَّانِي ، لَا يَنْعَقِدُ بِشَهَادَتِهِمَا ؛ لِأَنَّ الْعَدُوَّ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ عَلَى عَدُوِّهِ ، وَالِابْنُ لَا تَقْبَلُ شَهَادَتُهُ لِوَالِدِهِ .\r( 5144 ) فَصْلٌ : وَيَنْعَقِدُ بِشَهَادَةِ عَبْدَيْنِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ : لَا يَنْعَقِدُ .\rوَمَبْنَى الْخِلَافِ عَلَى قَبُولِ شَهَادَتِهِمَا فِي سَائِرِ الْحُقُوقِ وَنَذْكُرُهُ فِي مَوْضِعِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَيَنْعَقِدُ بِشَهَادَةِ ضَرِيرَيْنِ .\rوَلِلشَّافِعِيَّةِ وَجْهَانِ فِي ذَلِكَ .\rوَلَنَا ، أَنَّهَا شَهَادَةٌ عَلَى قَوْلٍ ، فَصَحَّتْ مِنْ الْأَعْمَى ، كَالشَّهَادَةِ بِالِاسْتِفَاضَةِ ، وَإِنَّمَا يَنْعَقِدُ بِشَهَادَتِهِمَا إذَا تَيَقَّنَ الصَّوْتَ وَعَلِمَ صَوْتَ الْمُتَعَاقِدَيْنِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَشُكُّ فِيهِمَا ، كَمَا يَعْلَمُ ذَلِكَ مَنْ يَرَاهُمَا ، وَإِلَّا فَلَا .","part":14,"page":363},{"id":6863,"text":"فَصْلٌ : وَإِذَا تَزَوَّجَتْ الْمَرْأَةُ تَزْوِيجًا فَاسِدًا ، لَمْ يَجُزْ تَزْوِيجُهَا لِغَيْرِ مَنْ تَزَوَّجَهَا حَتَّى يُطَلِّقَهَا أَوْ يَفْسَخَ نِكَاحَهَا .\rوَإِذَا امْتَنَعَ مِنْ طَلَاقِهَا ، فَسَخَ الْحَاكِمُ نِكَاحَهُ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا حَاجَةَ إلَى فَسْخٍ وَلَا طَلَاقٍ ؛ لِأَنَّهُ نِكَاحٌ غَيْرُ مُنْعَقِدٍ ، أَشْبَهَ النِّكَاحَ فِي الْعِدَّةِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ نِكَاحٌ يَسُوغُ فِيهِ الِاجْتِهَادُ ، فَاحْتِيجَ فِي التَّفْرِيقِ فِيهِ إلَى إيقَاعِ فُرْقَةٍ ، كَالصَّحِيحِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ ، وَلِأَنَّ تَزْوِيجَهَا مِنْ غَيْرِ تَفْرِيقٍ يُفْضِي إلَى تَسْلِيطِ زَوْجَيْنِ عَلَيْهَا ، كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَعْتَقِدُ أَنَّ نِكَاحَهُ الصَّحِيحُ ، وَنِكَاحَ الْآخَرِ الْفَاسِدُ ، وَيُفَارِقُ النِّكَاحَ الْبَاطِلَ مِنْ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ وَإِذَا زُوِّجَتْ بِآخَرَ قَبْلَ التَّفْرِيقِ ، لَمْ يَصِحَّ الثَّانِي أَيْضًا ، وَلَمْ يَجُزْ تَزْوِيجُهَا الثَّالِثَ حَتَّى يُطَلِّقَ الْأَوَّلَانِ أَوْ يُفْسَخَ نِكَاحُهُمَا ، وَمَتَى فُرِّقَ بَيْنَهُمَا قَبْلَ الدُّخُولِ ، فَلَا مَهْرَ لَهَا ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ فَاسِدٌ لَمْ يَتَّصِلْ بِهِ قَبْضٌ ، فَلَمْ يَجِبْ بِهِ عِوَضٌ كَالْبَيْعِ الْفَاسِدِ ، وَإِنْ كَانَ التَّفْرِيقُ بَعْدَ الدُّخُولِ ، فَلَهَا الْمَهْرُ ؛ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ { : فَلَهَا الْمَهْرُ بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجِهَا } .\rوَإِنْ تَكَرَّرَ الْوَطْءُ فَالْمَهْرُ وَاحِدٌ ؛ لِلْحَدِيثِ ، وَلِأَنَّهُ إصَابَةٌ فِي عَقْدٍ فَاسِدٍ ، أَشْبَهَ الْإِصَابَةَ فِي عَقْدٍ صَحِيحٍ .\r( 5146 ) فَصْلٌ : وَالْوَاجِبُ لَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا ، أَوْمَأَ إلَيْهِ أَحْمَدُ ؛ فَإِنَّهُ قَالَ فِي الْعَبْدِ يَتَزَوَّجُ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ : يُعْطِي شَيْئًا قَالَ الْقَاضِي : يَعْنِي مَهْرَ الْمِثْلِ .\rوَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ ؛ لِقَوْلِهِ : { وَإِذَا زَوَّجَ الْوَلِيَّانِ فَالنِّكَاحُ لِلْأَوَّلِ مِنْهُمَا ، فَإِنْ دَخَلَ بِهَا الثَّانِي فَلَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا } .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rوَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّ لَهَا الْمُسَمَّى ؛ لِأَنَّ فِي بَعْضِ أَلْفَاظِ حَدِيثِ عَائِشَةَ { : وَلَهَا","part":14,"page":364},{"id":6864,"text":"الَّذِي أَعْطَاهَا بِمَا أَصَابَ مِنْهَا .\r} قَالَ الْقَاضِي : حَدَّثْنَاهُ أَبُو بَكْرٍ الْبَرْقَانِيُّ ، وَأَبُو مُحَمَّدٍ الْخَلَّالُ ، بِإِسْنَادَيْهِمَا .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : الْوَاجِبُ الْأَقَلُّ مِنْ الْمُسَمَّى أَوْ مَهْرُ الْمِثْلِ ؛ لِأَنَّهَا إنْ رَضِيَتْ بِدُونِ مَهْرِ مِثْلِهَا فَلَيْسَ لَهَا أَكْثَرُ مِنْهُ ، كَالْعَقْدِ الصَّحِيحِ ، وَإِنْ كَانَ الْمُسَمَّى أَكْثَرَ لَمْ يَجِبْ الزَّائِدُ ؛ لِأَنَّهُ بِغَيْرِ عَقْدٍ صَحِيحٍ وَلَنَا ، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : فَلَهَا الْمَهْرُ بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجِهَا } .\rفَجَعَلَ لَهَا الْمَهْرَ الْمُمَيَّزَ بِالْإِصَابَةِ ، وَالْإِصَابَةُ إنَّمَا تُوجِبُ مَهْرَ الْمِثْلِ ، وَلِأَنَّ الْعَقْدَ لَيْسَ بِمُوجِبٍ ، بِدَلِيلِ الْخَبَرِ ، وَأَنَّهُ لَوْ طَلَّقَهَا قَبْلَ مَسِّهَا لَمْ يَكُنْ لَهَا شَيْءٌ ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ مُوجِبًا كَانَ وُجُودُهُ كَعَدَمِهِ ، وَبَقِيَ الْوَطْءُ مُوجِبًا بِمُفْرَدِهِ ، فَأَوْجَبَ مَهْرَ الْمِثْلِ ، كَوَطْءِ الشُّبْهَةِ ، وَلِأَنَّ التَّسْمِيَةَ لَوْ فَسَدَتْ لَوَجَبَ مَهْرُ الْمِثْلِ ، فَإِذَا فَسَدَ الْعَقْدُ مِنْ أَصِلْهُ كَانَ أَوْلَى .\rوَقَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ إنَّهَا رَضِيَتْ بِدُونِ صَدَاقِهَا .\rإنَّمَا يَصِحُّ إذَا كَانَ الْعَقْدُ هُوَ الْمُوجِبُ ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ إنَّمَا يَجِبُ بِالْإِصَابَةِ ، فَيَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ كَامِلًا ، كَوَطْءِ الشُّبْهَةِ .\r( 5147 ) فَصْلٌ : وَلَا يَجِبُ لَهَا بِالْخَلْوَةِ شَيْءٌ .\rفِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَعَلَ لَهَا الْمَهْرَ بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجِهَا .\rيَعْنِي أَصَابَ .\rوَلَمْ يُصِبْهَا .\rوَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّ الْمَهْرَ يَسْتَقِرُّ بِالْخَلْوَةِ ، قِيَاسًا عَلَى الْعَقْدِ الصَّحِيحِ ، وَبِنَاءً عَلَى أَنَّ الْوَاجِبَ الْمُسَمَّى بِالْعَقْدِ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ .","part":14,"page":365},{"id":6865,"text":"( 5148 ) فَصْلٌ : وَلَا حَدَّ فِي وَطْءِ النِّكَاحِ الْفَاسِدِ ، سَوَاءٌ اعْتَقَدَا حِلَّهُ أَوْ حُرْمَتَهُ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ الْحَدُّ بِالْوَطْءِ فِي النِّكَاحِ بِلَا وَلِيٍّ ، إذَا اعْتَقَدَا حُرْمَتَهُ .\rوَهُوَ اخْتِيَارُ الصَّيْرَفِيِّ ، مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ؛ لِمَا رَوَى الدَّارَقُطْنِيّ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : لَا تُزَوِّجُ الْمَرْأَةُ الْمَرْأَةَ ، وَلَا تُزَوِّجُ الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا ، إنَّ الزَّانِيَةَ هِيَ الَّتِي تُزَوِّجُ نَفْسَهَا } .\rوَبِإِسْنَادِهِ عَنْ الشَّعْبِيِّ قَالَ : مَا كَانَ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَشَدَّ فِي النِّكَاحِ بِغَيْرِ وَلِيٍّ مِنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَانَ يَضْرِبُ فِيهِ وَرَوَى الشَّالَنْجِيُّ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ خَالِدٍ ، أَنَّ الطَّرِيقَ جَمَعَتْ رَكْبًا فِيهِ امْرَأَةٌ ثَيِّبٌ ، فَخَطَبَهَا رَجُلٌ ، فَأَنْكَحَهَا رَجُلٌ وَهُوَ غَيْرُ وَلِيٍّ بِصَدَاقٍ وَشُهُودٍ ، فَلَمَّا قَدِمُوا عَلَى عُمَرَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ رُفِعَ إلَيْهِ أَمْرُهُمَا ، فَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا ، وَجَلَدَ النَّاكِحَ وَالْمُنْكِحَ .\rوَلَنَا ، أَنَّ هَذَا مُخْتَلَفٌ فِي إبَاحَتِهِ ، فَلَمْ يَجِبْ بِهِ الْحَدُّ ، كَالنِّكَاحِ بِغَيْرِ شُهُودٍ ، وَلِأَنَّ الْحَدَّ يُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ ، وَالِاخْتِلَافُ فِيهِ أَقْوَى الشُّبُهَاتِ ، وَتَسْمِيَتُهَا زَانِيَةً يَجُوزُ ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ سَمَّاهَا بِذَلِكَ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ ، وَعُمَرُ جَلَدَهُمَا أَدَبًا وَتَعْزِيرًا ، وَلِذَلِكَ جَلَدَ الْمُنْكِحَ وَلَمْ يَجْلِدْ الْمَرْأَةَ ، وَجَلَدَهُمَا بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ مَعَ اعْتِقَادِهِمَا حِلَّهُ .\rوَكَذَلِكَ حَدِيثُ عَلِيٍّ عَلَى أَنَّ حَدِيثَ عَلِيٍّ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ أَوْجَبَ الْحَدَّ فِيهِ ، فَإِنَّ عَلِيًّا أَشَدُّ النَّاسِ فِيهِ ، وَقَدْ انْتَهَى الْأَمْرُ إلَى الْجَلْدِ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ سَائِرَ النَّاسِ وَالصَّحَابَةِ لَمْ يَرَوْا فِيهِ جَلْدًا فَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ أَوْجَبْتُمْ الْحَدَّ عَلَى شَارِبِ النَّبِيذِ ، مَعَ الِاخْتِلَافِ فِيهِ ؟ قُلْنَا :","part":14,"page":366},{"id":6866,"text":"هُوَ مُفَارِقٌ لِمَسْأَلَتِنَا ، بِدَلِيلِ أَنَّا نَحُدُّ مَنْ اعْتَقَدَ حِلَّهُ ، وَلِأَنَّ يَسِيرَ النَّبِيذِ يَدْعُو إلَى كَثِيرِهِ ، الْمُتَّفَقِ عَلَى تَحْرِيمِهِ ، وَهَذَا الْمُخْتَلَفُ فِيهِ يُغْنِي عَنْ الزِّنَى الْمَجْمَعِ عَلَى تَحْرِيمِهِ ، فَافْتَرَقَا .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّ مَنْ اعْتَقَدَ حِلَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ إثْمٌ وَلَا أَدَبٌ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ مَسَائِلِ الْفُرُوعِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا ، وَمَنْ اعْتَقَدَ حُرْمَتَهُ أَثِمَ وَأُدِّبَ .\rوَإِنْ أَتَتْ بِوَلَدٍ مِنْهُ ، لَحِقَهُ نَسَبُهُ فِي الْحَالَيْنِ .\r( 5149 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا الْأَنْكِحَةُ الْبَاطِلَةُ ، كَنِكَاحِ الْمَرْأَةِ الْمُزَوَّجَةِ أَوْ الْمُعْتَدَّةِ ، أَوْ شِبْهِهِ ، فَإِذَا عَلِمَا الْحِلَّ وَالتَّحْرِيمَ ، فَهُمَا زَانِيَانِ ، وَعَلَيْهِمَا الْحَدُّ ، وَلَا يَلْحَقُ النَّسَبُ فِيهِ .","part":14,"page":367},{"id":6867,"text":"( 5150 ) فَصْلٌ : وَيُسَاوِي الْفَاسِدُ الصَّحِيحَ فِي اللِّعَانِ ، إذَا كَانَ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ يُرِيدُ نَفْيَهُ عَنْهُ ، لِكَوْنِ النَّسَبِ لَاحِقًا بِهِ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَلَدٌ ، فَلَا لِعَانَ بَيْنَهُمَا ؛ لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ ، وَتَجِبُ الْعِدَّةُ بِالْخَلْوَةِ فِيهِ ، وَعِدَّةُ الْوَفَاةِ بِالْمَوْتِ فِيهِ ، وَالْإِحْدَادُ ، وَكُلُّ ذَلِكَ احْتِيَاطًا لَهَا .\rوَيُفَارِقُ الصَّحِيحَ فِي أَنَّهُ لَا يُثْبِتُ التَّوَارُثَ ، وَلَا تَحْصُلُ بِهِ الْإِبَاحَةُ لِلْمُتَزَوِّجِ ، وَلَا الْحِلُّ لِلزَّوْجِ الْمُطَلَّقِ ثَلَاثًا بِالْوَطْءِ فِيهِ ، وَلَا يَحْصُلُ الْإِحْصَانُ بِالْوَطْءِ فِيهِ ، وَلَا يَثْبُتُ حُكْمُ الْإِيلَاءِ بِالْيَمِينِ فِيهِ ، وَلَا يَحْرُمُ الطَّلَاقُ فِيهِ فِي زَمَنِ الْحَيْضِ .","part":14,"page":368},{"id":6868,"text":"( 5151 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَأَحَقُّ النَّاسِ بِنِكَاحِ الْمَرْأَةِ الْحُرَّةِ أَبُوهَا ) .\rإنَّمَا قَيَّدَ الْمَرْأَةَ بِالْحُرَّةِ هَاهُنَا ؛ لِأَنَّ الْأَمَةَ لَا وِلَايَةَ لِأَبِيهَا عَلَيْهَا ، وَإِنَّمَا وَلِيُّهَا سَيِّدُهَا .\rبِغَيْرِ خِلَافٍ عَلِمْنَاهُ .\rوَأَمَّا الْمَرْأَةُ الْحُرَّةُ ، فَأَوْلَى النَّاسِ بِتَزْوِيجِهَا أَبُوهَا ، وَلَا وِلَايَةَ لَأَحَدٍ مَعَهُ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ؛ وَقَالَ مَالِكٌ وَالْعَنْبَرِيُّ ، وَأَبُو يُوسُفَ ، وَإِسْحَاقُ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ : الِابْنُ أَوْلَى .\rوَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّهُ أَوْلَى مِنْهُ بِالْمِيرَاثِ ، وَأَقْوَى تَعْصِيبًا ، وَلِهَذَا يَرِثُ بِوَلَاءِ أَبِيهِ دُونَ جَدِّهِ وَلَنَا ، أَنَّ الْوَلَدَ مَوْهُوبٌ لِأَبِيهِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى } .\rوَقَالَ زَكَرِيَّا : { رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً } .\rوَقَالَ : { فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا } وَقَالَ إبْرَاهِيمُ : { الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ } .\rوَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيك } .\rوَإِثْبَاتُ وِلَايَةِ الْمَوْهُوبِ لَهُ عَلَى الْهِبَةِ أَوْلَى مِنْ الْعَكْسِ ، وَلِأَنَّ الْأَبَ أَكْمَلُ نَظَرًا ، وَأَشَدُّ شَفَقَةً ، فَوَجَبَ تَقْدِيمُهُ فِي الْوِلَايَةِ ، كَتَقْدِيمِهِ عَلَى الْجَدِّ ، وَلِأَنَّ الْأَبَ يَلِي وَلَدَهُ فِي صِغَرِهِ وَسَفَهِهِ وَجُنُونِهِ ، فَيَلِيهِ فِي سَائِرِ مَا ثَبَتَتْ الْوِلَايَةُ عَلَيْهِ فِيهِ ، بِخِلَافِ وِلَايَةِ الِابْنِ ، وَلِذَلِكَ اخْتَصَّ بِوِلَايَةِ الْمَالِ ، وَجَازَ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ لَهَا مِنْ مَالِهِ .\rوَلَهُ مِنْ مَالِهَا ، إذَا كَانَتْ صَغِيرَةً ، بِخِلَافِ غَيْرِهِ ، وَلِأَنَّ الْوِلَايَةَ احْتِكَامٌ ، وَاحْتِكَامُ الْأَصْلِ عَلَى فَرْعِهِ أَوْلَى مِنْ الْعَكْسِ ، وَفَارَقَ الْمِيرَاثَ ، فَإِنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ لَهُ النَّظَرُ ، وَلِهَذَا يَرِثُ الصَّبِيُّ وَالْمَجْنُونُ وَلَيْسَ فِيهِ احْتِكَامٌ وَلَا وِلَايَةَ عَلَى الْمَوْرُوثِ ، بِخِلَافِ مَا نَحْنُ فِيهِ .","part":14,"page":369},{"id":6869,"text":"( 5152 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ثُمَّ أَبُوهُ وَإِنْ عَلَا يَعْنِي أَنَّ الْجَدَّ أَبَا الْأَبِ وَإِنْ عَلَتْ دَرَجَتُهُ ، فَهُوَ أَحَقُّ بِالْوِلَايَةِ مِنْ الِابْنِ وَسَائِرِ الْأَوْلِيَاءِ .\rوَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى ، أَنَّ الِابْنَ مُقَدَّمٌ عَلَى الْجَدِّ .\rوَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ؛ وَمَنْ وَافَقَهُ ؛ لِمَا تَقَدَّمَ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ ، رِوَايَةٌ ثَالِثَةٌ ، أَنَّ الْأَخَ يُقَدَّمُ عَلَى الْجَدِّ .\rوَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ؛ لِأَنَّ الْجَدَّ يُدْلِي بِأُبُوَّةِ الْأَبِ ، وَالْأَخَ يُدْلِي بِبُنُوَّةٍ ، وَالْبُنُوَّةُ مُقَدَّمَةٌ وَعَنْ أَحْمَدَ أَنَّ الْجَدَّ وَالْأَخَ سَوَاءٌ ؛ لِاسْتِوَائِهِمَا فِي الْمِيرَاثِ بِالتَّعْصِيبِ ، وَاسْتِوَائِهِمَا فِي الْقَرَابَةِ ، فَوَجَبَ أَنْ يَسْتَوِيَا فِي الْوِلَايَةِ كَالْأَخَوَيْنِ ، وَلِأَنَّهُمَا عَصَبَتَانِ لَا يَسْقُطُ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ ، فَاسْتَوَيَا فِي الْوِلَايَةِ كَالْأَخَوَيْنِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الْجَدَّ لَهُ إيلَادٌ وَتَعْصِيبٌ ، فَيُقَدَّمُ عَلَيْهِمَا ، كَالْأَبِ ، وَلِأَنَّ الِابْنَ وَالْأَخَ يُقَادَانِ بِهَا ، وَيُقْطَعَانِ بِسَرِقَةِ مَالِهَا ، وَالْجَدَّ بِخِلَافِهِ ، وَالْجَدُّ لَا يَسْقُطُ فِي الْمِيرَاثِ إلَّا بِالْأَبِ ، وَالْأَخُ يَسْقُطُ بِهِ وَبِالِابْنِ وَابْنِهِ ، وَإِذَا ضَاقَ الْمَالُ ، وَفِي الْمَسْأَلَةِ جَدٌّ وَأَخٌ ، سَقَطَ الْأَخُ وَحْدَهُ ، فَوَجَبَ تَقْدِيمُهُ عَلَيْهِمَا كَالْأَبِ ، وَلِتَقَدُّمِهِ عَلَى الْعَمِّ وَسَائِرِ الْعَصَبَاتِ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَالْجَدُّ وَإِنْ عَلَا أَوْلَى مِنْ جَمِيعِ الْعَصَبَاتِ غَيْرَ الْأَبِ ، وَأَوْلَى الْأَجْدَادِ أَقْرَبُهُمْ وَأَحَقُّهُمْ فِي الْمِيرَاثِ .","part":14,"page":370},{"id":6870,"text":"( 5153 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ثُمَّ ابْنُهَا وَابْنُهُ وَإِنْ سَفَلَ وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ مَتَى عُدِمَ الْأَبُ وَآبَاؤُهُ ، فَأَوْلَى النَّاسِ بِتَزْوِيجِ الْمَرْأَةِ ابْنُهَا ، ثُمَّ ابْنُهُ بَعْدَهُ وَإِنْ نَزَلَتْ دَرَجَتُهُ ، الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ مِنْهُمْ .\rوَبِهِ قَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا وِلَايَةَ لِلِابْنِ إلَّا أَنْ يَكُونَ ابْنَ عَمٍّ ، أَوْ مَوْلَى ، أَوْ حَاكِمًا ، فَيَلِي بِذَلِكَ ، لَا بِالْبُنُوَّةِ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُنَاسِبٍ لَهَا ، فَلَا يَلِي نِكَاحَهَا كَخَالِهَا ، وَلِأَنَّ طَبْعَهُ يَنْفِرُ مِنْ تَزْوِيجِهَا ، فَلَا يَنْظُرُ لَهَا .\rوَلَنَا ، مَا رَوَتْ أُمُّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا { أَنَّهَا لَمَّا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا ، أَرْسَلَ إلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُهَا ، فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ : لَيْسَ أَحَدٌ مِنْ أَوْلِيَائِي شَاهِدًا .\rقَالَ : لَيْسَ مِنْ أَوْلِيَائِك شَاهِدٌ وَلَا غَائِبٌ يَكْرَهُ ذَلِكَ .\rفَقَالَتْ : قُمْ يَا عُمَرُ ، فَزَوِّجْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rفَزَوَّجَهُ } .\rرَوَاهُ النَّسَائِيّ .\rقَالَ الْأَثْرَمُ : قُلْت لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ ، فَحَدِيثُ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ ، حِينَ تَزَوَّجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُمَّهُ أُمَّ سَلَمَةَ ، أَلَيْسَ كَانَ صَغِيرًا ؟ قَالَ : وَمَنْ يَقُولُ كَانَ صَغِيرًا ، لَيْسَ فِيهِ بَيَانٌ .\rوَلِأَنَّهُ عَدْلٌ مِنْ عَصَبَتِهَا ، فَثَبَتَ لَهُ وِلَايَةُ تَزْوِيجِهَا كَأَخِيهَا .\rوَقَوْلُهُمْ : لَيْسَ بِمُنَاسِبٍ لَهَا .\rيَبْطُلُ بِالْحَاكِمِ وَالْمَوْلَى .\rوَقَوْلُهُمْ : إنَّ طَبْعَهُ يَنْفِرُ مِنْ تَزْوِيجِهَا قُلْنَا : هَذَا مُعَارِضٌ فِي الْفَرْعِ لَيْسَ لَهُ أَصْلٌ ، ثُمَّ يَبْطُلُ بِمَا إذَا كَانَ ابْنَ عَمٍّ أَوْ مَوْلَى أَوْ حَاكِمًا .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّهُ يُقَدَّمُ عَلَى الْأَخِ وَمَنْ بَعْدَهُ .\rبِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ عِنْدَ مَنْ يَقُولُ بِوِلَايَتِهِ ؛ لِأَنَّهُ أَقْوَى مِنْهُ تَعْصِيبًا ، وَقَدْ اسْتَوَيَا فِي عَدَمِ الْإِيلَادِ .","part":14,"page":371},{"id":6871,"text":"مَسْأَلَةٌ ؛ ( 5154 ) قَالَ : ثُمَّ أَخُوهَا لِأَبِيهَا وَأُمِّهَا .\rلَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي تَقْدِيمِ الْأَخِ بَعْدَ عَمُودَيْ النَّسَبِ ؛ لِكَوْنِهِ أَقْرَبَ الْعُصُبَاتِ بَعْدَهُمْ ، فَإِنَّهُ ابْنُ الْأَبِ ، وَأَقْوَاهُمْ تَعْصِيبًا ، وَأَحَقُّهُمْ بِالْمِيرَاثِ .","part":14,"page":372},{"id":6872,"text":"( 5155 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : وَالْأَخُ لِلْأَبِ مِثْلُهُ .\rاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ فِي الْأَخِ لِلْأَبَوَيْنِ وَالْأَخِ لِلْأَبِ إذَا اجْتَمَعَا فَالْمَشْهُورُ عَنْهُ أَنَّهُمَا سَوَاءٌ فِي الْوِلَايَةِ .\rوَبِهِ قَالَ أَبُو ثَوْرٍ ، وَالشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ ؛ لِأَنَّهُمَا اسْتَوَيَا فِي الْإِدْلَاءِ بِالْجِهَةِ الَّتِي تُسْتَفَادُ مِنْهَا الْعُصُوبَةُ ، وَهِيَ جِهَةُ الْأَبِ ، فَاسْتَوَيَا فِي الْوِلَايَةِ ، كَمَا لَوْ كَانَا مِنْ أَبٍ ، وَإِنَّمَا يُرَجَّحُ الْآخَرُ فِي الْمِيرَاثِ بِجِهَةِ الْأُمِّ ، وَلَا مَدْخَلَ لَهَا فِي الْوِلَايَةِ ، فَلَمْ يُرَجَّحْ بِهَا ، كَالْعَمَّيْنِ أَحَدُهُمَا خَالٌ ، وَابْنَيْ عَمٍّ أَحَدُهُمَا أَخٌ مِنْ أُمٍّ .\rوَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ ، الْأَخُ مِنْ الْأَبَوَيْنِ أَوْلَى .\rوَاخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ فِي الْجَدِيدِ .\rوَهُوَ الصَّحِيحُ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى لِأَنَّهُ حَقٌّ يُسْتَفَادُ بِالتَّعْصِيبِ ، فَقُدِّمَ فِيهِ الْأَخُ مِنْ الْأَبَوَيْنِ ، كَالْمِيرَاثِ وَكَاسْتِحْقَاقِ الْمِيرَاثِ بِالْوَلَاءِ ، فَإِنَّهُ لَا مَدْخَلَ لِلنِّسَاءِ فِيهِ ، وَقَدْ قُدِّمَ الْأَخُ لِلْأَبَوَيْنِ فِيهِ .\rوَبِهَذَا يَبْطُلُ مَا ذَكَرْنَاهُ لِلرِّوَايَةِ الْأُولَى .\rوَهَكَذَا الْخِلَافُ فِي بَنِي الْإِخْوَةِ وَالْأَعْمَامِ وَبَنِيهِمْ .\rفَأَمَّا إذَا كَانَ ابْنَا عَمٍّ لِأَبٍ ، أَحَدُهُمَا أَخٌ لِأُمٍّ ، فَهُمَا سَوَاءٌ ؛ لِأَنَّهُمَا اسْتَوَيَا فِي التَّعْصِيبِ وَالْإِرْثِ بِهِ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : فِيهِمَا مِنْ الْخِلَافِ مِثْلُ مَا فِي ابْنِ عَمٍّ مِنْ أَبَوَيْنِ وَابْنِ عَمٍّ مِنْ أَبٍ ؛ لِأَنَّهُ يُرَجَّحُ بِجِهَةِ أُمِّهِ .\rوَلَيْسَ كَذَلِكَ ؛ لِأَنَّ جِهَةَ أُمِّهِ يَرِثُ بِهَا مُنْفَرِدَةً ، وَمَا وَرِثَ بِهِ مُنْفَرِدًا لَمْ يُرَجَّحْ بِهِ ، وَلِذَلِكَ لَمْ يُرَجَّحْ بِهِ فِي الْمِيرَاثِ بِالْوَلَاءِ وَلَا فِي غَيْرِهِ فَعَلَى هَذَا ، إذَا اجْتَمَعَ ابْنُ عَمٍّ لِأَبَوَيْنِ وَابْنُ عَمٍّ لِأَبٍ هُوَ أَخٌ مِنْ أُمٍّ ، فَالْوِلَايَةُ لِابْنِ الْعَمِّ مِنْ الْأَبَوَيْنِ عِنْدَ مَنْ يَرَى تَقْدِيمَ وَلَدِ الْأَبَوَيْنِ .","part":14,"page":373},{"id":6873,"text":"( 5156 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ثُمَّ أَوْلَادُهُمْ وَإِنْ سَفَلُوا ، ثُمَّ الْعُمُومَةُ ، ثُمَّ أَوْلَادُهُمْ وَإِنْ سَفَلُوا ، ثُمَّ عُمُومَةُ الْأَبِ .\rوَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْوِلَايَةَ بَعْدَ مَنْ ذَكَرْنَا تَتَرَتَّبُ عَلَى تَرْتِيبِ الْإِرْثِ بِالتَّعْصِيبِ ، فَأَحَقُّهُمْ بِالْمِيرَاثِ أَحَقُّهُمْ بِالْوِلَايَةِ ، فَأَوْلَاهُمْ بَعْدَ الْآبَاءِ بَنُو الْمَرْأَةِ ، ثُمَّ بَنُوهُمْ وَإِنْ سَفَلُوا ، ثُمَّ بَنَوْا أَبِيهَا وَهُمْ الْإِخْوَةُ ، ثُمَّ بَنُوهُمْ وَإِنْ سَفَلُوا ، ثُمَّ بَنُو جَدِّهَا وَهُمْ الْأَعْمَامُ ، ثُمَّ بَنُوهُمْ وَإِنْ سَفَلُوا ، ثُمَّ بَنُو جَدِّ الْأَبِ وَهُمْ أَعْمَامُ الْأَبِ ، ثُمَّ بَنُوهُمْ وَإِنْ سَفَلُوا ، ثُمَّ بَنُو جَدِّ الْجَدِّ ، ثُمَّ بَنُوهُمْ ، وَعَلَى هَذَا لَا يَلِي بَنُو أَبٍ أَعْلَى مَعَ بَنِي أَبٍ أَقْرَبَ مِنْهُ وَإِنْ نَزَلَتْ دَرَجَتُهُمْ ، وَأَوْلَى وَلَدِ كُلِّ أَبٍ أَقْرَبُهُمْ إلَيْهِ لِأَنَّ مَبْنَى الْوِلَايَةِ عَلَى النَّظَرِ وَالشَّفَقَةِ ، وَذَلِكَ مُعْتَبَرٌ بِمَظِنَّتِهِ ، وَهِيَ الْقَرَابَةُ ، فَأَقْرَبُهُمْ أَشْفَقُهُمْ .\rوَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ .","part":14,"page":374},{"id":6874,"text":"( 5157 ) فَصْلٌ : وَلَا وِلَايَةَ لِغَيْرِ الْعَصَبَاتِ مِنْ الْأَقَارِبِ ، كَالْأَخِ مِنْ الْأُمِّ ، وَالْخَالِ ، وَعَمِّ الْأُمِّ ، وَالْجَدِّ أَبِي الْأُمِّ وَنَحْوِهِمْ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي مَوَاضِعَ .\rوَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ .\rوَالثَّانِيَةُ ، أَنَّ كُلَّ مَنْ يَرِثُ بِفَرْضٍ أَوْ تَعْصِيبٍ يَلِي ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ مِيرَاثِهَا ، فَوَلِيَهَا كَعَصَبَاتِهَا .\rوَلَنَا ، مَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ، أَنَّهُ قَالَ : إذَا بَلَغَ النِّسَاءُ نَصَّ الْحَقَائِقِ ، فَالْعَصَبَةُ أَوْلَى .\rإذَا أَدْرَكْنَ رَوَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ ، فِي \" الْغَرِيبِ \" .\rوَلِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ عَصَبَاتِهَا فَأَشْبَهَ الْأَجْنَبِيَّ .","part":14,"page":375},{"id":6875,"text":"( 5158 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ثُمَّ الْمَوْلَى الْمُنْعِمُ ، ثُمَّ أَقْرَبُ عَصَبَتِهِ بِهِ .\rلَا خِلَافَ نَعْلَمُهُ فِي أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا عَصَبَةٌ مِنْ نَسَبِهَا ، أَنَّ مَوْلَاهَا يُزَوِّجُهَا ، وَلَا فِي أَنَّ الْعَصَبَةَ الْمُنَاسِبَ أَوْلَى مِنْهُ ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ عَصَبَةُ مَوْلَاتِهِ ، يَرِثُهَا وَيَعْقِلُ عَنْهَا عِنْدَ عَدَمِ عَصَبَاتِهَا ، فَلِذَلِكَ يُزَوِّجُهَا ، وَقُدِّمَ عَلَيْهِ الْمُنَاسِبُونَ كَمَا قُدِّمُوا عَلَيْهِ فِي الْإِرْثِ وَالْعَقْلِ .\rفَإِنْ عُدِمَ الْمَوْلَى ، أَوْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الْوِلَايَةِ ، كَالْمَرْأَةِ وَالطِّفْلِ وَالْكَافِرِ ، فَعَصَبَاتُهُ الْأَقْرَبُ مِنْهُمْ فَالْأَقْرَبُ ، عَلَى تَرْتِيبِ الْمِيرَاثِ ، ثُمَّ مَوْلَى الْمَوْلَى ، ثُمَّ عَصَبَاتُهُ مِنْ بَعْدِهِ ، كَالْمِيرَاثِ سَوَاءٌ .\rفَإِنْ اجْتَمَعَ ابْنُ الْمُعْتِقِ وَأَبُوهُ ، فَالِابْنُ أَوْلَى ؛ لِأَنَّهُ أَحَقُّ بِالْمِيرَاثِ وَأَقْوَى فِي التَّعْصِيبِ ، وَإِنَّمَا قُدِّمَ الْأَبُ الْمُنَاسِبُ عَلَى الِابْنِ الْمُنَاسِبِ لِزِيَادَةِ شَفَقَتِهِ وَفَضِيلَةِ وِلَادَتِهِ ، وَهَذَا مَعْدُومٌ فِي أَبِي الْمُعْتِقِ ، فَرُجِعَ بِهِ إلَى الْأَصْلِ .","part":14,"page":376},{"id":6876,"text":"( 5159 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ثُمَّ السُّلْطَانُ .\rلَا نَعْلَمُ خِلَافًا بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ ، فِي أَنَّ لِلسُّلْطَانِ وِلَايَةَ تَزْوِيجِ الْمَرْأَةِ عِنْدَ عَدَمِ أَوْلِيَائِهَا أَوْ عَضْلِهِمْ .\rوَبِهِ يَقُولُ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : فَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ } وَرَوَى أَبُو دَاوُد ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ { أَنَّ النَّجَاشِيَّ زَوَّجَهَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَتْ عِنْدَهُ .\rوَلِأَنَّ } لِلسُّلْطَانِ وِلَايَةً عَامَّةً بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَلِي الْمَالَ ، وَيَحْفَظُ الضَّوَالَّ ، فَكَانَتْ لَهُ الْوِلَايَةُ فِي النِّكَاحِ كَالْأَبِ .","part":14,"page":377},{"id":6877,"text":"( 5160 ) فَصْلٌ : وَالسُّلْطَانُ هَاهُنَا هُوَ الْإِمَامُ ، أَوْ الْحَاكِمُ ، أَوْ مَنْ فَوَّضَا إلَيْهِ ذَلِكَ .\rوَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ فِي وَالِي الْبَلَدِ ، فَقَالَ فِي مَوْضِعٍ : يُزَوِّجُ وَالِي الْبَلَدِ .\rوَقَالَ فِي الرُّسْتَاقِ يَكُونُ فِيهِ الْوَالِي وَلَيْسَ فِيهِ قَاضٍ : يُزَوِّجُ إذَا احْتَاطَ لَهَا فِي الْمَهْرِ وَالْكُفْءِ ، أَرْجُو أَنْ لَا يَكُونَ بِهِ بَأْسٌ ؛ لِأَنَّهُ ذُو سُلْطَانٍ ، فَيَدْخُلُ فِي عُمُومِ الْحَدِيثِ .\rوَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ ، فِي الْمَرْأَةِ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلِيٌّ : فَالسُّلْطَانُ الْمُسَلَّطُ عَلَى الشَّيْءِ ؛ الْقَاضِي يَقْضِي فِي الْفُرُوجِ وَالْحُدُودِ وَالرَّجْمِ ، وَصَاحِبُ الشُّرْطَةِ إنَّمَا هُوَ مُسَلَّطٌ فِي الْأَدَبِ وَالْجِنَايَةِ وَقَالَ : مَا لِلْوَالِي وِلَايَةٌ إنَّمَا هُوَ الْقَاضِي .\rوَتَأَوَّلَ الْقَاضِي الرِّوَايَةَ الْأُولَى عَلَى أَنَّ الْوَالِيَ أَذِنَ لَهُ فِي التَّزْوِيجِ .\rوَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ جَعَلَ لَهُ ذَلِكَ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي مَوْضِعِ وِلَايَتِهِ قَاضٍ ، فَكَأَنَّهُ قَدْ فَوَّضَ إلَيْهِ النَّظَرَ فِيمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ فِي وِلَايَتِهِ ، وَهَذَا مِنْهَا .","part":14,"page":378},{"id":6878,"text":"فَصْلٌ : وَإِذَا اسْتَوْلَى أَهْلُ الْبَغْيِ عَلَى بَلَدٍ ، جَرَى حُكْمُ سُلْطَانِهِمْ وَقَاضِيهِمْ فِي ذَلِكَ مَجْرَى الْإِمَامِ وَقَاضِيهِ ؛ لِأَنَّهُ أُجْرِيَ مُجْرَاهُ فِي قَبْضِ الصَّدَقَاتِ وَالْجِزْيَةِ وَالْخَرَاجِ وَالْأَحْكَامِ ، فَكَذَلِكَ فِي هَذَا .","part":14,"page":379},{"id":6879,"text":"( 5162 ) فَصْلٌ : وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ فِي الْمَرْأَةِ تُسْلِمُ عَلَى يَدِ رَجُلٍ ، فَقَالَ فِي مَوْضِعٍ : لَا يَكُونُ وَلِيًّا لَهَا ، وَلَا يُزَوِّجُ حَتَّى يَأْتِيَ السُّلْطَانَ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ عَصَبَتِهَا ، وَلَا يَعْقِلُ عَنْهَا ، وَلَا يَرِثُهَا ، فَأَشْبَهَ الْأَجْنَبِيَّ .\rوَقَالَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى ، فِي امْرَأَةٍ أَسْلَمَتْ عَلَى يَدِ رَجُلٍ : يُزَوِّجُهَا هُوَ .\rوَهُوَ قَوْلُ إِسْحَاقَ .\rوَرُوِيَ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ أَنَّهُ لَا يَفْعَلُ ذَلِكَ حَتَّى يَأْتِيَ السُّلْطَانَ .\rوَعَنْ الْحَسَنِ أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى بَأْسًا أَنْ يُزَوِّجَهَا نَفْسَهُ وَذَلِكَ لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ ، { أَنَّهُ قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَا السُّنَّةُ فِي الرَّجُلِ يُسْلِمُ عَلَى يَدِ الرَّجُلِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ؟ قَالَ : هُوَ أَوْلَى النَّاسِ بِمَحْيَاهُ وَمَمَاتِهِ } .\rإلَّا أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ ضَعَّفَهُ أَحْمَدُ ، وَقَالَ : رَاوِيهِ عَبْدُ الْعَزِيزِ يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَلَيْسَ هُوَ مِنْ أَهْلِ الْحِفْظِ وَالْإِتْقَانِ .","part":14,"page":380},{"id":6880,"text":"( 5163 ) فَصْلٌ : فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ لِلْمَرْأَةِ وَلِيٌّ وَلَا ذُو سُلْطَانٍ ، فَعَنْ أَحْمَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يُزَوِّجُهَا رَجُلٌ عَدْلٌ بِإِذْنِهَا ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي دُهْقَانِ قَرْيَةٍ : يُزَوِّجُ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهَا إذَا احْتَاطَ لَهَا فِي الْكُفْءِ وَالْمَهْرِ ، إذَا لَمْ يَكُنْ فِي الرُّسْتَاقِ قَاضٍ .\rقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ : أَخَذَ قَوْمٌ مِنْ أَصْحَابِنَا مِنْ هَذِهِ الرِّوَايَةِ ، أَنَّ النِّكَاحَ لَا يَقِفُ عَلَى وَلِيٍّ .\rقَالَ : وَقَالَ الْقَاضِي : نُصُوصُ أَحْمَدَ تَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ .\rوَالصَّحِيحُ أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ مُخْتَصٌّ بِحَالِ عَدَمِ الْوَلِيِّ وَالسُّلْطَانِ ؛ لِأَنَّهُ شَرَطَ أَنْ لَا يَكُونَ فِي الرُّسْتَاقِ قَاضٍ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ اشْتِرَاطَ الْوَلِيِّ هَاهُنَا يَمْنَعُ النِّكَاحَ بِالْكُلِّيَّةِ ، فَلَمْ يَجُزْ ، كَاشْتِرَاطِ الْمُنَاسِبِ فِي حَقِّ مَنْ لَا مُنَاسِبَ لَهَا .\rوَرُوِيَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ النِّكَاحُ إلَّا بِوَلِيٍّ ؛ لِعُمُومِ الْأَخْبَارِ فِيهِ .","part":14,"page":381},{"id":6881,"text":"( 5164 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : وَوَكِيلُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ يَقُومُ مَقَامَهُ وَإِنْ كَانَ حَاضِرًا .\rوَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ يَجُوزُ التَّوْكِيلُ فِي النِّكَاحِ ، سَوَاءٌ كَانَ الْوَلِيُّ حَاضِرًا أَوْ غَائِبًا ، مُجْبَرًا أَوْ غَيْرَ مُجْبَرٍ ؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { وَكَّلَ أَبَا رَافِعٍ فِي تَزْوِيجِهِ مَيْمُونَةَ ، وَوَكَّلَ عَمْرَو بْنَ أُمَيَّةَ فِي تَزْوِيجِهِ أُمَّ حَبِيبَةَ } .\rوَلِأَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ ، فَجَازَ التَّوْكِيلُ فِيهِ كَالْبَيْعِ .\rوَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ فِي تَوْكِيلِ غَيْرِ الْأَبِ وَالْجَدِّ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، لَا يَجُوزُ ؛ لِأَنَّهُ يَلِي بِالْإِذْنِ ، فَلَمْ يَجُزْ التَّوْكِيلُ لَهُ ، كَالْوَكِيلِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ يَلِي شَرْعًا ، فَكَانَ لَهُ التَّوْكِيلُ كَالْأَبِ ، وَلَا يَصِحُّ قَوْلُهُمْ : إنَّهُ يَلِي بِالْإِذْنِ .\rفَإِنَّ وِلَايَتَهُ ثَابِتَةٌ قَبْلَ إذْنِهَا ، وَإِنَّمَا إذْنُهَا شَرْطٌ لِصِحَّةِ تَصَرُّفِهِ ، فَأَشْبَهَ وِلَايَةَ الْحَاكِمِ عَلَيْهَا ، وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَسْتَنِيبَ فِي التَّزْوِيجِ مِنْ غَيْرِ إذْنِ الْمَرْأَةِ ، وَلِأَنَّ الْمَرْأَةَ لَا وِلَايَةَ لَهَا عَلَى نَفْسِهَا ، فَكَيْفَ تُنِيبُ لِنَائِبِهَا مِنْ قِبَلِهَا ، ( 5165 ) فَصْلٌ : وَيَجُوزُ التَّوْكِيلُ مُطْلَقًا وَمُقَيَّدًا ، فَالْمُقَيَّدُ التَّوْكِيلُ فِي تَزْوِيج رَجُلٍ بِعَيْنِهِ .\rوَالْمُطْلَقُ التَّوْكِيلُ فِي تَزْوِيجِ مَنْ يَرْضَاهُ أَوْ مَنْ يَشَاءُ .\rقَالَ أَحْمَدُ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ ، فِي الرَّجُلِ يُوَلَّى عَلَى أُخْتِهِ أَوْ ابْنَتِهِ ، يَقُولُ : إذَا وَجَدْت مَنْ تَرْضَاهُ فَزَوِّجْهُ فَتَزْوِيجُهُ جَائِزٌ .\rوَمَنَعَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ التَّوْكِيلَ الْمُطْلَقَ .\rوَلَا يَصِحُّ ؛ فَإِنَّهُ رُوِيَ أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْعَرَبِ تَرَكَ ابْنَتَهُ عِنْدَ عُمَرَ .\rوَقَالَ : إذَا وَجَدْت لَهَا كُفُؤًا فَزَوِّجْهُ إيَّاهَا ، وَلَوْ بِشِرَاكِ نَعْلِهِ .\rفَزَوَّجَهَا عُمَرُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَهِيَ أُمُّ عُمَرَ بْنِ عُثْمَانَ .\rوَاشْتَهَرَ ذَلِكَ فَلَمْ يُنْكَرْ ، وَلِأَنَّهُ إذْنٌ فِي النِّكَاحِ ،","part":14,"page":382},{"id":6882,"text":"فَجَازَ مُطْلَقًا ، كَإِذْنِ الْمَرْأَةِ ، أَوْ عَقْدٌ فَجَازَ التَّوْكِيلُ فِيهِ مُطْلَقًا .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":14,"page":383},{"id":6883,"text":"( 5166 ) فَصْلٌ : وَلَا يُعْتَبَرُ فِي صِحَّةِ الْوَكَالَةِ إذْنُ الْمَرْأَةِ فِي التَّوْكِيلِ ، سَوَاءٌ كَانَ الْمُوَكِّلُ أَبًا أَوْ غَيْرَهُ .\rوَلَا يَفْتَقِرُ إلَى حُضُورِ شَاهِدَيْنِ .\rوَقَالَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ : لَا يَجُوزُ لِغَيْرِ الْمُجْبِرِ التَّوْكِيلُ إلَّا بِإِذْنِ الْمَرْأَةِ .\rوَخَرَّجَهُ الْقَاضِي عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي تَوْكِيلِ الْوَكِيلِ مِنْ غَيْرِ إذْنِ الْمُوَكَّلِ .\rوَحُكِيَ عَنْ الْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ ، أَنَّهُ لَا يَصِحُّ إلَّا بِحَضْرَةِ شَاهِدَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ يُرَادُ لِحِلِّ الْوَطْءِ ، فَافْتَقَرَ إلَى الشَّهَادَةِ ، كَالنِّكَاحِ وَلَنَا ، أَنَّهُ إذْنٌ مِنْ الْوَلِيِّ فِي التَّزْوِيجِ ، فَلَمْ يَفْتَقِرْ إلَى إذْنِ الْمَرْأَةِ ، وَلَا إلَى إشْهَادٍ ، كَإِذْنِ الْحَاكِمِ .\rوَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْوَلِيَّ لَيْسَ بِوَكِيلٍ لِلْمَرْأَةِ ، وَهَذَا التَّوْكِيلُ لَا يَمْلِكُ بِهِ الْبُضْعَ ، فَلَمْ يَفْتَقِرْ إلَى إشْهَادٍ ، بِخِلَافِ النِّكَاحِ .\rوَيَبْطُلُ مَا ذَكَرَهُ الْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ بِالتَّسَرِّي .","part":14,"page":384},{"id":6884,"text":"( 5167 ) فَصْلٌ : وَيَثْبُتُ لِلْوَكِيلِ مَا يَثْبُتُ لِلْمُوَكِّلِ .\rوَإِنْ كَانَ لِلْوَلِيِّ الْإِجْبَارُ ثَبَتَ ذَلِكَ لِوَكِيلِهِ .\rوَإِنْ كَانَتْ وِلَايَتُهُ وِلَايَةَ مُرَاجَعَةٍ ، احْتَاجَ الْوَكِيلُ إلَى إذْنِهَا وَمُرَاجَعَتِهَا ؛ لِأَنَّهُ نَائِبٌ فَيَثْبُتُ لَهُ مِثْلُ مَا ثَبَتَ لِمَنْ يَنُوبُ عَنْهُ .\rوَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي السُّلْطَانِ وَالْحَاكِمِ يَأْذَنُ لِغَيْرِهِ فِي التَّزْوِيجِ ، فَيَكُونُ الْمَأْذُونُ لَهُ قَائِمًا مَقَامَهُ .","part":14,"page":385},{"id":6885,"text":"( 5168 ) فَصْلٌ : وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ هَلْ تُسْتَفَادُ وِلَايَةُ النِّكَاحِ بِالْوَصِيَّةِ ؟ فَرُوِيَ أَنَّهَا تُسْتَفَادُ بِهَا .\rوَهُوَ اخْتِيَارُ الْخِرَقِيِّ ؛ لِقَوْلِهِ : أَوْ وَصَّى نَاظِرًا لَهُ فِي التَّزْوِيجِ .\rوَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ ، وَحَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ ، وَمَالِكٍ وَعَنْهُ لَا تُسْتَفَادُ بِالْوَصِيَّةِ .\rوَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَالْحَارِثُ الْعُكْلِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ ؛ لِأَنَّهَا وِلَايَةٌ تَنْتَقِلُ إلَى غَيْرِهِ شَرْعًا ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُوصِيَ بِهَا كَالْحَضَانَةِ ، وَلِأَنَّهُ لَا ضَرَرَ عَلَى الْوَصِيِّ فِي تَضْيِيعِهَا وَوَضْعِهَا عِنْدَ مَنْ لَا يُكَافِئُهَا ، فَلَمْ تَثْبُتْ لَهُ الْوِلَايَةُ كَالْأَجْنَبِيِّ ، وَلِأَنَّهَا وِلَايَةُ نِكَاحٍ ، فَلَمْ تَجُزْ الْوَصِيَّةُ بِهَا ، كَوِلَايَةِ الْحَاكِمِ وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ حَامِدٍ : إنْ كَانَ لَهَا عَصَبَةٌ ، لَمْ تَجُزْ الْوَصِيَّةُ بِنِكَاحِهَا ؛ لِأَنَّهُ يُسْقِطُ حَقَّهُمْ بِوَصِيَّتِهِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَصَبَةٌ ، جَازَ لِعَدَمِ ذَلِكَ .\rوَلَنَا ، أَنَّهَا وِلَايَةٌ ثَابِتَةٌ لِلْأَبِ ، فَجَازَتْ وَصِيَّتُهُ بِهَا ، كَوِلَايَةِ الْمَالِ ، وَلِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَسْتَنِيبَ فِيهَا فِي حَيَاتِهِ ، فَيَكُونَ نَائِبُهُ قَائِمًا مَقَامَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ ، فَجَازَ أَنْ يَسْتَنِيبَ فِيهَا ، كَوِلَايَةِ الْمَالِ .\rوَمَا ذَكَرُوهُ يَبْطُلُ بِوِلَايَةِ الْمَالِ .\rفَعَلَى هَذَا لَا يَصِيرُ وَصِيًّا فِي النِّكَاحِ بِالْوَصِيَّةِ إلَيْهِ فِي الْمَالِ ؛ لِأَنَّهَا إحْدَى الْوِلَايَتَيْنِ ، فَلَمْ يَمْلِكْهَا بِالْوَصِيَّةِ إلَيْهِ فِي الْمَالِ ، كَالْوَصِيَّةِ الْأُخْرَى ، قِيَاسًا عَلَى وَصِيَّةِ الْمَالِ لَا تُمْلَكُ بِالْوَصِيَّةِ فِي النِّكَاحِ .","part":14,"page":386},{"id":6886,"text":"( 5169 ) فَصْلٌ : فَعَلَى هَذَا تَجُوزُ الْوَصِيَّةُ بِالنِّكَاحِ مِنْ كُلِّ ذِي وِلَايَةٍ ، سَوَاءٌ كَانَ مُجْبِرًا كَالْأَبِ ، أَوْ غَيْرَ مُجْبِرٍ كَغَيْرِهِ ، وَوَصِيُّ كُلِّ وَلِيٍّ يَقُومُ مَقَامَهُ ، فَإِنْ كَانَ الْوَلِيُّ لَهُ الْإِجْبَارُ فَكَذَلِكَ لِوَصِيِّهِ .\rوَإِنْ كَانَ يَحْتَاجُ إلَى إذْنِهَا فَوَصِيُّهُ كَذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ قَائِمٌ مَقَامَهُ ، فَهُوَ كَالْوَكِيلِ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : إنْ عَيَّنَ الْأَبُ الزَّوْجَ ، مَلَكَ الْوَصِيُّ إجْبَارَهَا ، صَغِيرَةً كَانَتْ أَوْ كَبِيرَةً ، وَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْ الزَّوْجَ ، وَكَانَتْ ابْنَتُهُ كَبِيرَةً ، صَحَّتْ الْوَصِيَّةُ ، وَاعْتُبِرَ إذْنُهَا ، وَإِنْ كَانَتْ صَغِيرَةً ، انْتَظَرْنَا بُلُوغَهَا ، فَإِذَا أَذِنَتْ ، جَازَ أَنْ يُزَوِّجَهَا بِإِذْنِهَا وَلَنَا ، أَنَّ مَنْ مَلَكَ التَّزْوِيجَ إذَا عُيِّنَ لَهُ الزَّوْجُ ، مَلَكَ مَعَ الْإِطْلَاقِ ، كَالْوَكِيلِ ، وَمَتَى زَوَّجَ وَصِيُّ الْأَبِ الصَّغِيرَةَ فَبَلَغَتْ ، فَلَا خِيَارَ لَهَا ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّ قَائِمٌ مَقَامَ الْمُوصِي ، فَلَمْ يَثْبُتْ فِي تَزْوِيجِهِ خِيَارٌ ، كَالْوَكِيلِ .","part":14,"page":387},{"id":6887,"text":"( 5170 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : وَإِذَا كَانَ الْأَقْرَبُ مِنْ عَصَبَتِهَا طِفْلًا أَوْ كَافِرًا أَوْ عَبْدًا ، زَوَّجَهَا الْأَبْعَدُ مِنْ عَصَبَتِهَا .\rوَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْوِلَايَةَ لَا تَثْبُتُ لِطِفْلٍ وَلَا عَبْدٍ وَلَا كَافِرٍ عَلَى مُسْلِمَةٍ بِحَالٍ ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يَكُونُ وُجُودُهُمْ كَالْعَدَمِ ، فَتَثْبُتُ الْوِلَايَةُ لِمَنْ هُوَ أَبْعَدُ مِنْهُمْ كَمَا لَوْ مَاتُوا .\rوَتُعْتَبَرُ لِثُبُوتِ الْوِلَايَةِ لِمَنْ سَمَّيْنَا سِتَّةُ شُرُوطٍ ؛ الْعَقْلُ ، وَالْحُرِّيَّةُ ، وَالْإِسْلَامُ ، وَالذُّكُورِيَّةُ ، وَالْبُلُوغُ ، وَالْعَدَالَةُ ، عَلَى اخْتِلَافٍ نَذْكُرُهُ .\rفَأَمَّا الْعَقْلُ ، فَلَا خِلَافَ فِي اعْتِبَارِهِ ؛ لِأَنَّ الْوِلَايَةَ إنَّمَا تَثْبُتُ نَظَرًا لِلْمُوَلَّى عَلَيْهِ عِنْدَ عَجْزِهِ عَنْ النَّظَرِ لِنَفْسِهِ ، وَمَنْ لَا عَقْلَ لَهُ لَا يُمْكِنُهُ النَّظَرُ ، وَلَا يَلِي نَفْسَهُ ، فَغَيْرُهُ أَوْلَى ، وَسَوَاءٌ فِي هَذَا مَنْ لَا عَقْلَ لَهُ لِصِغَرِهِ كَطِفْلٍ ، أَوْ مَنْ ذَهَبَ عَقْلُهُ بِجُنُونٍ أَوْ كِبَرٍ ، كَالشَّيْخِ إذَا أَفْنَدَ قَالَ الْقَاضِي : وَالشَّيْخُ الَّذِي قَدْ ضَعُفَ لِكِبَرِهِ ، فَلَا يَعْرِفُ مَوْضِعَ الْحَظِّ لَهَا ، لَا وِلَايَةَ لَهُ .\rفَأَمَّا الْإِغْمَاءُ فَلَا يُزِيلُ الْوِلَايَةَ ؛ لِأَنَّهُ يَزُولُ عَنْ قُرْبٍ ، فَهُوَ كَالنَّوْمِ ، وَلِذَلِكَ لَا تَثْبُتُ الْوِلَايَةُ عَلَيْهِ ، وَيَجُوزُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمْ السَّلَامُ .\rوَمَنْ كَانَ يُجَنُّ فِي الْأَحْيَانِ لَمْ تَزُلْ وِلَايَتُهُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَدِيمُ زَوَالُ عَقْلِهِ ، فَهُوَ كَالْإِغْمَاءِ .\rالشَّرْطُ الثَّانِي ، الْحُرِّيَّةُ ، فَلَا وِلَايَةَ لَعَبْدٍ فِي قَوْلِ جَمَاعَةِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، فَإِنَّ الْعَبْدَ لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَى نَفْسِهِ ، فَعَلَى غَيْرِهِ أَوْلَى .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ : يَجُوزُ أَنْ يُزَوِّجَهَا الْعَبْدُ بِإِذْنِهَا ، بِنَاءً مِنْهُمْ عَلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ تُزَوِّجُ نَفْسَهَا ، وَقَدْ مَضَى الْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الشَّرْطُ الثَّالِثُ ، الْإِسْلَامُ ، فَلَا يَثْبُتُ لِكَافِرٍ وِلَايَةٌ عَلَى مُسْلِمَةٍ .\rوَهُوَ قَوْلُ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ أَيْضًا .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ :","part":14,"page":388},{"id":6888,"text":"أَجْمَعَ عَامَّةُ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى هَذَا .\rقَالَ أَحْمَدُ : بَلَغَنَا أَنَّ عَلِيًّا أَجَازَ نِكَاحَ أَخٍ ، وَرَدَّ نِكَاحَ الْأَبِ وَكَانَ نَصْرَانِيًّا .\rالشَّرْطُ الرَّابِعُ ، الذُّكُورِيَّةُ شَرْطٌ لِلْوِلَايَةِ فِي قَوْلِ الْجَمِيعِ ؛ لِأَنَّهُ يُعْتَبَرُ فِيهَا الْكَمَالُ ، وَالْمَرْأَةُ نَاقِصَةٌ قَاصِرَةٌ ، تَثْبُتُ الْوِلَايَةُ عَلَيْهَا لِقُصُورِهَا عَنْ النَّظَرِ لِنَفْسِهَا ، فَلَأَنْ لَا تَثْبُتَ لَهَا وِلَايَةٌ عَلَى غَيْرِهَا أَوْلَى .\rالشَّرْطُ الْخَامِسُ ، الْبُلُوغُ شَرْطٌ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ .\rقَالَ أَحْمَدُ : لَا يُزَوِّجُ الْغُلَامُ حَتَّى يَحْتَلِمَ ، لَيْسَ لَهُ أَمْرٌ .\rوَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، مِنْهُمْ الثَّوْرِيُّ وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ ، وَأَبُو ثَوْرٍ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ ، رِوَايَةٌ أُخْرَى ، أَنَّهُ إذَا بَلَغَ عَشْرًا زَوَّجَ ، وَتَزَوَّجَ ، وَطَلَّقَ ، وَأُجِيزَتْ وَكَالَتُهُ فِي الطَّلَاقِ .\rوَهَذَا يَحْتَمِلُهُ كَلَامُ الْخِرَقِيِّ ؛ لِتَخْصِيصِهِ الْمَسْلُوبَ الْوِلَايَةُ بِكَوْنِهِ طِفْلًا ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ يَصِحُّ بَيْعُهُ وَوَصِيَّتُهُ وَطَلَاقُهُ ، فَثَبَتَتْ لَهُ الْوِلَايَةُ كَالْبَالِغِ .\rوَالْأَوَّلُ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ ، وَهُوَ الصَّحِيحُ ؛ لِأَنَّ الْوِلَايَةَ يُعْتَبَرُ لَهَا كَمَالُ الْحَالِ ، لِأَنَّهَا تَنْفِيذُ التَّصَرُّفِ فِي حَقِّ غَيْرِهِ اُعْتُبِرَتْ نَظَرًا لَهُ ، وَالصَّبِيُّ مَوْلًى عَلَيْهِ لِقُصُورِهِ ، فَلَا تَثْبُتُ لَهُ الْوِلَايَةُ ، كَالْمَرْأَةِ .\rالشَّرْطُ السَّادِسُ ، الْعَدَالَةُ .\rفِي كَوْنِهَا شَرْطًا رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، هِيَ شَرْطٌ .\rقَالَ أَحْمَدُ : إذَا كَانَ الْقَاضِي مِثْلَ ابْنِ الْحَلَبِيِّ وَابْنِ الْجَعْدِيِّ اسْتَقْبَلَ النِّكَاحَ .\rفَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ أَفْسَدَ النِّكَاحَ لِانْتِفَاءِ عَدَالَةِ الْمُتَوَلِّي لَهُ .\rوَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ؛ وَذَلِكَ لِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : لَا نِكَاحَ إلَّا بِشَاهِدَيْ عَدْلٍ وَوَلِيٍّ مُرْشِدٍ .\rقَالَ أَحْمَدُ : أَصَحُّ شَيْءٍ فِي هَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَقَدْ رُوِيَ - يَعْنِي عَنْ ابْنِ","part":14,"page":389},{"id":6889,"text":"عَبَّاسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : لَا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِيٍّ وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ .\rوَأَيُّمَا امْرَأَةٍ أَنْكَحَهَا وَلِيٌّ مَسْخُوطٌ عَلَيْهِ ، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ } وَرُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الْبَرْقَانِيِّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : لَا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِيٍّ مُرْشِدٍ ، وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ } .\rوَلِأَنَّهَا وِلَايَةٌ نَظَرِيَّةٌ ، فَلَا يَسْتَبِدُّ بِهَا الْفَاسِقُ ، كَوِلَايَةِ الْمَالِ .\rوَالرِّوَايَةُ الْأُخْرَى ، لَيْسَتْ بِشَرْطٍ .\rنَقَلَ مُثَنَّى بْنُ جَامِعٍ ، أَنَّهُ سَأَلَ أَحْمَدَ : إذَا تَزَوَّجَ بِوَلِيٍّ فَاسِقٍ ، وَشُهُودٍ غَيْرِ عُدُولٍ ؟ فَلَمْ يَرَ أَنَّهُ يَفْسُدُ مِنْ النِّكَاحِ شَيْءٌ ، وَهَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ ؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَ الطِّفْلَ وَالْعَبْدَ وَالْكَافِرَ ، وَلَمْ يَذْكُرْ الْفَاسِقَ .\rوَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَأَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ يَلِي نِكَاحَ نَفْسِهِ ، فَتَثْبُتُ لَهُ الْوِلَايَةُ عَلَى غَيْرِهِ ، كَالْعَدْلِ ، وَلِأَنَّ سَبَبَ الْوِلَايَةِ الْقَرَابَةُ ، وَشَرْطَهَا النَّظَرُ ، وَهَذَا قَرِيبٌ نَاظِرٌ ، فَيَلِي كَالْعَدْلِ ( 5171 ) فَصْلٌ : وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ بَصِيرًا ؛ لِأَنَّ شُعَيْبًا عَلَيْهِ السَّلَامُ ، زَوَّجَ ابْنَتَهُ وَهُوَ أَعْمَى ، وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ فِي النِّكَاحِ يُعْرَفُ بِالسَّمَاعِ وَالِاسْتِفَاضَةِ ، فَلَا يَفْتَقِرُ إلَى النَّظَرِ .\rوَلَا يُشْتَرَطُ كَوْنُهُ نَاطِقًا ، بَلْ يَجُوزُ أَنْ يَلِيَ الْأَخْرَسُ إذَا كَانَ مَفْهُومَ الْإِشَارَةِ ؛ لِأَنَّ إشَارَتَهُ تَقُومُ مَقَامَ نُطْقِهِ فِي سَائِرِ الْعُقُودِ وَالْأَحْكَامِ ، فَكَذَلِكَ فِي النِّكَاحِ .","part":14,"page":390},{"id":6890,"text":"( 5172 ) فَصْلٌ : وَمَنْ لَمْ تَثْبُتْ لَهُ الْوِلَايَةُ ، لَا يَصِحُّ تَوْكِيلُهُ ؛ لِأَنَّ وَكِيلَهُ نَائِبٌ عَنْهُ وَقَائِمٌ مَقَامَهُ .\rوَإِنْ وَكَّلَهُ الْوَلِيُّ فِي تَزْوِيجِ مُوَلِّيَتِهِ ، لَمْ يَجُزْ ؛ لِأَنَّهَا وِلَايَةٌ ، وَلَيْسَ هُوَ مِنْ أَهْلِهَا ، وَلِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَمْلِكْ تَزْوِيجَ مُنَاسَبَتِهِ بِوِلَايَةِ النَّسَبِ ، فَلَأَنْ لَا يَمْلِكَ تَزْوِيجَ مُنَاسَبَةِ غَيْرِهِ بِالتَّوْكِيلِ أَوْلَى .\rوَيُحْتَمَلُ أَنْ يَصِحَّ تَوْكِيلُ الْعَبْدِ وَالْفَاسِقِ وَالصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ فِي الْعَقْدِ ؛ لِأَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ اللَّفْظِ بِالْعَقْدِ ، وَعِبَارَتُهُمْ فِيهِ صَحِيحَةٌ ، وَلِذَلِكَ صَحَّ قَبُولُهُمْ النِّكَاحَ لِأَنْفُسِهِمْ ، وَإِنَّمَا سُلِبُوا الْوِلَايَةَ نَفْسَهَا ؛ لِأَنَّهُ يُعْتَبَرُ لَهَا الْكَمَالُ ، وَلَا حَاجَةَ إلَيْهِ فِي اللَّفْظِ بِهِ فَأَمَّا إنْ وَكَّلَهُ الزَّوْجُ فِي قَبُولِ النِّكَاحِ لَهُ ، أَوْ وَكَّلَهُ الْأَبُ فِي قَبُولِ النِّكَاحِ لَابْنِهِ الصَّغِيرِ ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا : لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّهُ أَحَدُ طَرَفَيْ الْعَقْدِ ، فَلَمْ يَجُزْ تَوْكِيلُهُ فِيهِ كَالْإِيجَابِ .\rوَيُحْتَمَلُ جَوَازُ تَوْكِيلِ مَنْ ذَكَرْنَا فِيهِ ؛ لِأَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِهِ ، وَيَصِحُّ قَبُولُهُمْ النِّكَاحَ لِأَنْفُسِهِمْ ، فَجَازَ أَنْ يَنُوبُوا فِيهِ عَنْ غَيْرِهِمْ ، كَالْبَيْعِ .\rوَهَذَا أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ فِي الْعَبْدِ .","part":14,"page":391},{"id":6891,"text":"( 5173 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَيُزَوِّجُ أَمَةَ الْمَرْأَةِ بِإِذْنِهَا مَنْ يُزَوِّجُهَا ) اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ فِي مَنْ يُزَوِّجُ أَمَةَ الْمَرْأَةِ ، فَرُوِيَ عَنْهُ ، أَنَّهُ يَلِي نِكَاحَهَا وَلِيُّ سَيِّدَتِهَا .\rقَالَ الْقَاضِي : هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ مُقْتَضَى الدَّلِيلِ كَوْنُ الْوِلَايَةِ لَهَا ، فَامْتَنَعَتْ فِي حَقِّهَا لِقُصُورِهَا ، فَتَثْبُتُ لِأَوْلِيَائِهَا ، كَوِلَايَةِ نَفْسِهَا ، وَلِأَنَّهُمْ يَلُونَهَا لَوْ عَتَقَتْ ، فَفِي حَالِ رِقِّهَا أَوْلَى .\rثُمَّ إنْ كَانَتْ سَيِّدَتُهَا رَشِيدَةً ، لَمْ يَجُزْ تَزْوِيجُ أَمَتِهَا إلَّا بِإِذْنِهَا ؛ لِأَنَّهَا مَالُهَا ، وَلَا يَجُوزُ التَّصَرُّفُ فِي مَالِ رَشِيدٍ بِغَيْرِ إذْنِهِ ، وَيُعْتَبَرُ نُطْقُهَا بِذَلِكَ وَإِنْ كَانَتْ بِكْرًا ؛ لِأَنَّ صُمَاتَهَا إنَّمَا اُكْتُفِيَ بِهِ فِي تَزْوِيجِ نَفْسِهَا لِحَيَائِهَا .\rوَلَا تَسْتَحْيِي مِنْ تَزْوِيجِ أَمَتِهَا ، وَإِنْ كَانَتْ صَغِيرَةً أَوْ مَجْنُونَةً أَوْ سَفِيهَةً ، وَلِوَلِيِّهَا وِلَايَةٌ عَلَى مَالِهَا ، فَلَهُ تَزْوِيجُ أَمَتِهَا ، إنْ كَانَ الْحَظُّ فِي تَزْوِيجِهَا ، وَإِلَّا فَلَا يَمْلِكُ تَزْوِيجَهَا .\rوَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي أَمَةِ ابْنِهِ الصَّغِيرِ .\rوَقَالَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ : لَيْسَ لَهُ تَزْوِيجُهَا بِحَالٍ ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَغْرِيرًا بِمَالِ الصَّغِيرَةِ ؛ لِأَنَّهَا رُبَّمَا حَمَلَتْ .\rفَتَلِفَتْ .\rوَلَنَا ، أَنَّ لَهُ التَّصَرُّفَ بِمَا فِيهِ الْحَظُّ ، وَالتَّزْوِيجُ هَاهُنَا فِيهِ الْحَظُّ ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِيهِ ، فَجَازَ ، كَسَائِرِ التَّصَرُّفَاتِ الْجَائِزَةِ وَاحْتِمَالُ الْخَطَرِ مَرْجُوحٌ لِمَا فِيهِ مِنْ تَحْصِيلِ مَهْرِهَا ، وَوَلَدِهَا ، وَكِفَايَةِ مُؤْنَتِهَا ، وَصِيَانَتِهَا عَنْ الزِّنَى الْمُوجِبِ لِلْحَدِّ فِي حَقِّهَا ، وَنَقْصِ قِيمَتِهَا ، وَالْمَرْجُوحُ كَالْمَعْدُومِ وَإِنْ كَانَ وَلِيُّهَا فِي مَالِهَا غَيْرَ وَلِيِّ تَزْوِيجِهَا ، فَوِلَايَةُ تَزْوِيجِهَا لِلْوَلِيِّ فِي الْمَالِ دُونَ وَلِيِّ التَّزْوِيجِ ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْمُتَصَرِّفُ فِي الْمَالِ ، وَهِيَ مَالٌ .\rوَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ ، أَنَّ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تُوَلِّيَ","part":14,"page":392},{"id":6892,"text":"أَمْرَ أَمَتِهَا رَجُلًا يُزَوِّجُهَا .\rنَقَلَهَا عَنْ أَحْمَدَ جَمَاعَةٌ ؛ لِأَنَّ سَبَبَ الْوِلَايَةِ الْمِلْكُ ، وَقَدْ تَحَقُّقَ فِي الْمَرْأَةِ ، وَامْتَنَعَتْ الْمُنَاشَزَةُ لِنَقْصِ الْأُنُوثَة ، فَمَلَكَتْ التَّوْكِيلَ ، كَالرَّجُلِ الْمَرِيضِ وَالْغَائِبِ .\rوَنُقِلَ عَنْ أَحْمَدَ كَلَامٌ يَحْتَمِلُ رِوَايَةً ثَالِثَةً ، وَهُوَ أَنَّ سَيِّدَتَهَا تُزَوِّجُهَا ، فَإِنَّهُ قِيلَ لَهُ : تُزَوِّجُ أَمَتَهَا ؟ قَالَ : قَدْ قِيلَ ذَلِكَ ، هِيَ مَالُهَا .\rوَهَذَا يَحْتَمِلُ أَنَّهُ ذَهَبَ إلَيْهِ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّهَا مَالِكَةٌ لَهَا ، وَوِلَايَتُهَا تَامَّةٌ عَلَيْهَا ، فَمَلَكَتْ تَزْوِيجَهَا ، كَالسَّيِّدِ ، وَلِأَنَّهَا تَمْلِكُ بَيْعَهَا وَإِجَارَتَهَا ، فَمَلَكَتْ تَزْوِيجَهَا ، كَسَيِّدِهَا ، وَلِأَنَّ الْوِلَايَةَ إنَّمَا تَثْبُتُ عَلَى الْمَرْأَةِ لِتَحْصِيلِ الْكِفَايَةِ ، وَصِيَانَةً لِحَظِّ الْأَوْلِيَاءِ فِي تَحْصِيلِهَا ، فَلَا تَثْبُتُ عَلَيْهَا الْوِلَايَةُ فِي أَمَتِهَا ؛ لِعَدَمِ اعْتِبَارِ الْكِفَايَةِ ، وَعَدَمِ الْحَقِّ لِلْأَوْلِيَاءِ فِيهَا .\rوَيُحْتَمَلُ أَنَّ أَحْمَدَ قَالَ هَذَا حِكَايَةً لِمَذْهَبِ غَيْرِهِ ، فَإِنَّهُ قَدْ قَالَ فِي سِيَاقِهَا : أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ تَأْمُرَ مَنْ يُزَوِّجُهَا ؛ لِأَنَّ النِّسَاءَ لَا يَعْقِدْنَ .\rوَقَدْ ذَكَرْنَا فِي خَبَرِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ { : لَا تُنْكِحُ الْمَرْأَةُ الْمَرْأَةَ } .\rوَقَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا : زَوِّجُوا ، فَإِنَّ النِّسَاءَ لَا يُزَوِّجْنَ ، وَاعْقِدُوا ، فَإِنَّ النِّسَاءَ لَا يَعْقِدْنَ .\rوَلِأَنَّ الْمَرْأَةَ لَا تَمْلِكُ أَنْ تُزَوِّجَ نَفْسَهَا ، فَغَيْرَهَا أَوْلَى .","part":14,"page":393},{"id":6893,"text":"مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : وَيُزَوِّجُ مَوْلَاتَهَا مَنْ يُزَوِّجُ أَمَتَهَا يَعْنِي عَتِيقَتَهَا .\rوَهَذِهِ فِيهَا رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، أَنَّ لِمَوْلَاتِهَا التَّوْكِيلَ فِي تَزْوِيجِهَا رَجُلًا ؛ لِأَنَّهَا عَصَبَتُهَا ، وَتَرِثُهَا بِالتَّعْصِيبِ ، فَأَشْبَهْت الْمُعْتِقَ .\rوَالثَّانِيَةُ ، وَلِيُّ سَيِّدَتِهَا وَلِيُّهَا .\rوَهِيَ الْأَصَحُّ ؛ لِأَنَّ هَذِهِ وِلَايَةٌ لِنِكَاحِ حُرَّةٍ ، وَالْمَرْأَةُ لَيْسَتْ مِنْ أَهْلِ ذَلِكَ ، فَيَكُونُ إلَى عَصَبَاتِهَا ، لِأَنَّهُمْ الَّذِينَ يَعْقِلُونَ عَنْهَا ، وَيَرِثُونَهَا بِالتَّعْصِيبِ عِنْدَ عَدَمِ سَيِّدَتِهَا ، فَكَانُوا أَوْلِيَاءَهَا ، كَمَا لَوْ تَعَذَّرَ عَلَى الْمُعْتِقِ تَزْوِيجُ مُعْتَقَتِهِ لِمَوْتٍ أَوْ جُنُونٍ .\rوَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهُ إذَا انْقَرَضَ الْعَصَبَةُ مِنْ النَّسَبِ ، وَلِي الْمَوْلَى الْمُعْتِقُ ثُمَّ عَصَبَاتُهُ مِنْ بَعْدِهِ ، الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ ، كَذَا هَاهُنَا ، إلَّا أَنَّ ظَاهِرَ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ هَاهُنَا تَقْدِيمُ أَبِي الْمُعْتَقَةِ عَلَى ابْنِهَا ، لِأَنَّهُ الَّذِي يُزَوِّجُهَا .\rوَذَكَرْنَا ثَمَّ خِلَافَ هَذَا .\rوَيُعْتَبَرُ فِي وِلَايَتِهِ شَرْطَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، عَدَمُ الْعَصَبَةِ مِنْ النَّسَبِ ؛ لِأَنَّ الْمُنَاسِبَ أَقْرَبُ مِنْ الْمُعْتِقِ ، وَأَوْلَى مِنْهُ .\rالثَّانِي ، إذْنُ الْمُزَوِّجَةِ ؛ لِأَنَّهَا حُرَّةٌ ، وَلَيْسَتْ لَهُ وِلَايَةُ إجْبَارٍ ، فَإِنَّهُ أَبْعَدُ الْعَصَبَاتِ ، وَلَا يَفْتَقِرُ إلَى إذْنِ مَوْلَاتِهَا ؛ لِأَنَّهَا لَا وِلَايَةَ لَهَا وَلَا مِلْكَ ، فَأَشْبَهَتْ قَرِيبَ الطِّفْلِ إذَا زَوَّجَ الْبَعِيدَ .","part":14,"page":394},{"id":6894,"text":"( 5175 ) فَصْلٌ : وَإِذَا كَانَ لِلْأَمَةِ مَوْلًى ، فَهُوَ وَلِيُّهَا ، وَإِنْ كَانَ لَهَا مَوْلَيَانِ ، فَالْوِلَايَةُ لَهُمَا ، وَلَيْسَ لَوَاحِدٍ مِنْهُمَا الِاسْتِقْلَالُ بِالْوِلَايَةِ بِغَيْرِ إذْنِ صَاحِبِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ إلَّا نِصْفَهَا .\rوَإِنْ اشْتَجَرَا لَمْ يَكُنْ لِلسُّلْطَانِ أَنْ يَنُوبَ عَنْهُمَا ؛ لِأَنَّ تَزْوِيجَهَا تَصَرُّفٌ فِي الْمَالِ ، بِخِلَافِ الْحُرَّةِ ، فَإِنَّ نِكَاحَهَا حَقٌّ لَهَا ، وَنَفْعَهُ عَائِدٌ إلَيْهَا ، وَنِكَاحُ الْأَمَةِ حَقٌّ لِسَيِّدِهَا ، وَنَفْعُهُ عَائِدٌ إلَيْهِ ، فَلَمْ يَثْبُتْ لِلسُّلْطَانِ عَنْهُ فِيهِ .\rفَإِنْ أَعْتَقَاهَا وَلَهَا عَصَبَةٌ مُنَاسِبٌ ، فَهُوَ أَوْلَى مِنْهُمَا ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا عَصَبَةٌ ، فَهُمَا وَلِيَّاهَا ، وَلَا يَسْتَقِلُّ أَحَدُهُمَا بِالتَّزْوِيجِ ؛ لِأَنَّ وِلَايَتَهُ عَلَى نِصْفِهَا فَإِنْ اشْتَجَرَا أَمَامَ الْحَاكِمِ أَقَامَ الْحَاكِمُ مُقَامَ الْمُمْتَنِعِ مِنْهُمَا ؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ حُرَّةً ، وَصَارَ نِكَاحُهَا حَقًّا لَهَا .\rوَإِنْ كَانَ الْمُعْتِقُ أَوْ الْمُعْتِقَةُ وَاحِدًا ، وَلَهُ عَصَبَتَانِ فِي دَرَجَةٍ وَاحِدَةٍ ، كَالِابْنَيْنِ أَوْ الْأَخَوَيْنِ ، فَلِأَحَدِهِمَا الِاسْتِقْلَالُ بِتَزْوِيجِهَا ، كَمَا يَمْلِكُ تَزْوِيجَ سَيِّدَتِهَا .","part":14,"page":395},{"id":6895,"text":"( 5176 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَتَزَوَّجَ امْرَأَةً هُوَ وَلِيُّهَا ، جَعَلَ أَمْرَهَا إلَى رَجُلٍ يُزَوِّجُهَا مِنْهُ بِإِذْنِهَا ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ وَلِيَّ الْمَرْأَةِ الَّتِي يَحِلُّ لَهُ نِكَاحُهَا ، وَهُوَ ابْنُ الْعَمِّ ، أَوْ الْمَوْلَى أَوْ الْحَاكِمُ ، أَوْ السُّلْطَانُ ، إذَا أَذِنَتْ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا ، فَلَهُ ذَلِكَ ، وَهَلْ لَهُ أَنْ يَلِيَ طَرَفَيْ الْعَقْدِ بِنَفْسِهِ ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، لَهُ ذَلِكَ .\rوَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ ، وَابْنِ سِيرِينَ ، وَرَبِيعَةَ ، وَمَالِكٍ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَإِسْحَاقَ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ ؛ لِمَا رَوَى الْبُخَارِيُّ ، قَالَ : قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ ، لِأُمِّ حَكِيمٍ ابْنَةِ قَارِظٍ : أَتَجْعَلِينَ أَمْرَكِ إلَيَّ ؟ قَالَتْ : نَعَمْ .\rقَالَ : قَدْ تَزَوَّجْتُك .\rوَلِأَنَّهُ يَمْلِكُ الْإِيجَابَ وَالْقَبُولَ ، فَجَازَ أَنْ يَتَوَلَّاهُمَا ، كَمَا لَوْ زَوَّجَ أَمَتَهُ عَبْدَهُ الصَّغِيرَ ، وَلِأَنَّهُ عَقْدٌ وُجِدَ فِيهِ الْإِيجَابُ مِنْ وَلِيٍّ ثَابِتِ الْوِلَايَةِ ، وَالْقَبُولُ مِنْ زَوْجٍ هُوَ أَهْلٌ لِلْقَبُولِ ، فَصَحَّ ، كَمَا لَوْ وُجِدَا مِنْ رَجُلَيْنِ .\rوَقَدْ رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : أَعْتَقَ صَفِيَّةَ ، وَجَعَلَ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا .\r} فَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { : كُلُّ نِكَاحٍ لَمْ يَحْضُرْهُ أَرْبَعَةٌ فَهُوَ سِفَاحٌ : زَوْجٌ ، وَوَلِيٌّ ، وَشَاهِدَانِ } .\rقُلْنَا : هَذَا لَا نَعْرِفُ صِحَّتَهُ ، وَإِنْ صَحَّ فَهُوَ مَخْصُوصٌ بِمَنْ زَوَّجَ أَمَتَهُ عَبْدَهُ الصَّغِيرَ ، فَيُخَصُّ مِنْهُ مَحِلُّ النِّزَاعِ أَيْضًا وَهَلْ يَفْتَقِرُ إلَى ذِكْرِ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ ، أَمْ يُكْتَفَى بِمُجَرَّدِ الْإِيجَابِ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، يَحْتَاجُ أَنْ يَقُولَ : زَوَّجْت نَفْسِي فُلَانَةَ ، وَقَبِلْت هَذَا النِّكَاحَ .\rلِأَنَّ مَا افْتَقَرَ إلَى الْإِيجَابِ افْتَقَرَ إلَى الْقَبُولِ ، كَسَائِرِ الْعُقُودِ .\rوَالثَّانِي ، يَكْفِيهِ أَنْ يَقُولَ : زَوَّجْت نَفْسِي فُلَانَةَ ، أَوْ تَزَوَّجْت فُلَانَةَ .","part":14,"page":396},{"id":6896,"text":"وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَأَبِي حَنِيفَة ؛ لِحَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ، وَلِأَنَّ إيجَابَهُ يَتَضَمَّنُ الْقَبُولَ ، فَأَشْبَهَ إذَا تَقَدَّمَ الِاسْتِدْعَاءُ ، وَلِهَذَا قُلْنَا : إذَا قَالَ لِأَمَتِهِ : قَدْ أَعْتَقْتُك ، وَجَعَلْت عِتْقَك صَدَاقَك .\rانْعَقَدَ النِّكَاحُ بِمُجَرَّدِ هَذَا الْقَوْلِ وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ ، لَا يَجُوزُ أَنْ يَتَوَلَّى طَرَفَيْ الْعَقْدِ ، وَلَكِنْ يُوَكِّلُ رَجُلًا يُزَوِّجُهُ إيَّاهَا بِإِذْنِهَا .\rقَالَ أَحْمَدُ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ : لَا يُزَوِّجُ نَفْسَهُ حَتَّى يُوَلِّيَ رَجُلًا ، عَلَى حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ، وَهُوَ مَا رَوَى أَبُو دَاوُد ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ ، أَنَّ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ أَمَرَ رَجُلًا زَوَّجَهُ امْرَأَةً الْمُغِيرَةُ أَوْلَى بِهِ مِنْهُ .\rوَلِأَنَّهُ عَقْدٌ مَلَكَهُ بِالْإِذْنِ ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَتَوَلَّى طَرَفَيْهِ ، كَالْبَيْعِ .\rوَبِهَذَا فَارَقَ مَا إذَا زَوَّجَ أَمَتَهُ عَبْدَهُ الصَّغِيرَ وَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ ، إنْ وَكَّلَ مَنْ يَقْبَلُ لَهُ النِّكَاحَ ، وَتَوَلَّى هُوَ الْإِيجَابَ ، جَازَ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي ابْنِ الْعَمِّ وَالْمَوْلَى : لَا يُزَوِّجُهَا إلَّا الْحَاكِمُ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَوَلَّى طَرَفَيْ الْعَقْدِ ، وَلَا أَنْ يُوَكِّلَ مَنْ يُزَوِّجُهُ ؛ لِأَنَّ وَكِيلَهُ بِمَنْزِلَتِهِ ، وَهَذَا عَقْدٌ مَلَكَهُ بِالْإِذْنِ ، فَلَا يَتَوَلَّى طَرَفَيْهِ ، كَالْبَيْعِ .\rوَلَا يَجُوزُ أَنْ يُزَوِّجَهُ مَنْ هُوَ أَبْعَدُ مِنْهُ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ ؛ لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لَهُمْ مَعَ وُجُودِهِ .\rوَلَنَا ، مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ فِعْلِ الصَّحَابَةِ ، وَلَمْ يَظْهَرْ خِلَافُهُ ، وَلِأَنَّ وَكِيلَهُ يَجُوزُ أَنْ يَلِيَ الْعَقْدَ عَلَيْهَا لِغَيْرِهِ ، فَصَحَّ أَنْ يَلِيَهُ عَلَيْهَا لَهُ إذَا كَانَتْ تَحِلُّ لَهُ ، كَالْإِمَامِ إذَا أَرَادَ أَنْ يُزَوِّجَ مُوَلِّيَتَهُ وَلِأَنَّ هَذِهِ امْرَأَةٌ ، وَلَهَا وَلِيٌّ حَاضِرٌ غَيْرُ عَاضِلٍ ، فَلَمْ يَلِهَا الْحَاكِمُ ، كَمَا لَوْ أَرَادَ أَنْ يُزَوِّجَهَا غَيْرَهُ .\rوَمَفْهُومُ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ { : السُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا","part":14,"page":397},{"id":6897,"text":"وَلِيَّ لَهُ } .\rأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَى هَذِهِ .\r( 5177 ) فَصْلٌ : وَإِذَا أَذِنَتْ لَهُ فِي تَزْوِيجِهَا ، وَلَمْ تُعَيِّنْ الزَّوْجَ ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يُزَوِّجَهَا نَفْسَهُ ؛ لِأَنَّ إطْلَاقَ الْإِذْنِ يَقْتَضِي تَزْوِيجَهَا غَيْرَهُ ، وَيَجُوزُ تَزْوِيجُهَا لِوَلَدِهِ ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُهُ .\rفَإِنْ زَوَّجَهَا لِابْنِهِ الْكَبِيرِ ، قَبِلَ لِنَفْسِهِ ، وَإِنْ زَوَّجَهَا لِابْنِهِ الصَّغِيرِ ، فَفِيهِ الرِّوَايَتَانِ فِي تَوَلِّي طَرَفَيْ الْعَقْدِ ؛ فَإِنْ قُلْنَا : لَا يَتَوَلَّاهُ فَوَكَّلَ رَجُلًا يُزَوِّجُهَا لِوَلَدِهِ ، وَقَبِلَ هُوَ النِّكَاحَ لَهُ ، افْتَقَرَ إلَى إذْنِهَا لِلْوَكِيلِ ، عَلَى مَا قَدَّمْنَا مِنْ أَنَّ الْوَكِيلَ لَا يُزَوِّجُهَا إلَّا بِإِذْنِهَا .\rوَإِنْ وَكَّلَ رَجُلًا يَقْبَلُ لِوَلَدِهِ النِّكَاحَ ، وَأَوْجَبَ هُوَ النِّكَاحَ ، لَمْ يَحْتَجْ إلَى إذْنِهَا ؛ لِأَنَّهَا قَدْ أَذِنَتْ لَهُ .","part":14,"page":398},{"id":6898,"text":"( 5178 ) فَصْلٌ : وَإِذَا زَوَّجَ أَمَتَهُ عَبْدَهُ الصَّغِيرَ ، جَازَ لَهُ أَنْ يَتَوَلَّى طَرَفَيْ الْعَقْدِ ؛ لِأَنَّهُ مَالِكُ ذَلِكَ بِحُكْمِ الْمِلْكِ ، لَا بِحُكْمِ الْإِذْنِ ، فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا .\rوَإِنْ كَانَ مَالِكًا لِأَحَدِ طَرَفَيْ الْعَقْدِ ، فَوَكَّلَهُ مَالِكُ الطَّرَفِ الْآخَرِ فِيهِ ، أَوْ وَكَّلَهُ الْوَلِيُّ فِي الْإِيجَابِ وَالزَّوْجُ فِي الْقَبُولِ ، خُرِّجَ فِيهِ وَجْهَانِ ، بِنَاءً عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ مَلَكَ ذَلِكَ بِالْإِذْنِ وَإِنْ زَوَّجَ ابْنَتَهُ الْكَبِيرَةَ عَبْدَهُ الصَّغِيرَ ، لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ إلَّا بِرِضَاهَا ؛ لِأَنَّهُ لَا يَكَادُ يُكَافِئُهَا ، فَيُخَرَّجُ فِيهِ أَيْضًا وَجْهَانِ .\rوَإِنْ زَوَّجَهُ ابْنَتَهُ الصَّغِيرَةَ ، لَمْ يَجُزْ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ تَزْوِيجُهَا مِمَّنْ لَا يُكَافِئُهَا .\rوَعَنْهُ يَجُوزُ .\rوَسَنَذْكُرُ ذَلِكَ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .","part":14,"page":399},{"id":6899,"text":"( 5179 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَلَا يُزَوِّجُ كَافِرٌ مُسْلِمَةً بِحَالٍ ، وَلَا مُسْلِمٌ كَافِرَةً إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُسْلِمُ سُلْطَانًا ، أَوْ سَيِّدَ أَمَةٍ ) أَمَّا الْكَافِرُ فَلَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَى مُسْلِمَةٍ بِحَالٍ ، بِإِجْمَاعِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، مِنْهُمْ ؛ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعَ عَلَى هَذَا كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rوَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ فِي الذِّمِّيِّ : إذَا أَسْلَمَتْ أُمُّ وَلَدِهِ ، هَلْ يَلِي نِكَاحَهَا ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، يَلِيهِ ؛ لِأَنَّهَا مَمْلُوكَتُهُ ، فَيَلِي نِكَاحَهَا كَالْمُسْلِمِ ، وَلِأَنَّهُ عَقْدٌ عَلَيْهَا فَيَلِيهِ كَإِجَارَتِهَا .\rوَالثَّانِي ، لَا يَلِيهِ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى { وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ } وَلِأَنَّهَا مُسْلِمَةٌ فَلَا يَلِي نِكَاحَهَا كَابْنَتِهِ .\rفَعَلَى هَذَا يُزَوِّجُهَا الْحَاكِمُ وَهَذَا أَوْلَى ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْإِجْمَاعِ .\rوَأَمَّا الْمُسْلِمُ فَلَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَى الْكَافِرَةِ ، غَيْرَ السَّيِّدِ وَالسُّلْطَانِ وَوَلِيِّ سَيِّدِ الْأَمَةِ الْكَافِرَةِ ؛ وَذَلِكَ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى { وَاَلَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ } .\rوَلِأَنَّ مُخْتَلِفَيْ الدِّينِ لَا يَرِثُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ ، وَلَا يَعْقِلُ عَنْهُ ، فَلَمْ يَلِ عَلَيْهِ ، كَمَا لَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا رَقِيقًا .\rوَأَمَّا سَيِّدُ الْأَمَةِ الْكَافِرَةِ ، فَلَهُ تَزْوِيجُهَا لِكَافِرٍ ؛ لِكَوْنِهَا لَا تَحِلُّ لِلْمُسْلِمِينَ ، وَكَذَلِكَ وَلِيُّ سَيِّدِ الْأَمَةِ الْكَافِرَةِ يَلِي تَزْوِيجَهَا لِكَافِرٍ ؛ لِأَنَّهَا وِلَايَةٌ بِالْمِلْكِ ، فَلَمْ يَمْنَعْهَا كَوْنُ سَيِّدِ الْأَمَةِ الْكَافِرَةِ مُسْلِمًا ، كَسَائِرِ الْوِلَايَاتِ ، وَلِأَنَّ هَذِهِ تَحْتَاجُ إلَى التَّزْوِيجِ .\rوَلَا وَلِيَّ لَهَا غَيْرُ سَيِّدِهَا فَأَمَّا السُّلْطَانُ ، فَلَهُ الْوِلَايَةُ عَلَى مَنْ لَا وَلِيَّ لَهَا مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ ؛ لِأَنَّ وِلَايَتَهُ عَامَّةٌ عَلَى أَهْلِ دَارِ الْإِسْلَامِ ، وَهَذِهِ مِنْ أَهْلِ الدَّارِ ، فَتَثْبُتُ لَهُ","part":14,"page":400},{"id":6900,"text":"الْوِلَايَةُ عَلَيْهَا ، كَالْمُسْلِمَةِ .\rوَأَمَّا الْكَافِرُ ، فَتَثْبُتُ لَهُ الْوِلَايَةُ عَلَى أَهْلِ دِينِهِ ، عَلَى حَسَبِ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي الْمُسْلِمِينَ ، وَيُعْتَبَرُ فِيهِمْ الشُّرُوطُ الْمُعْتَبَرَةُ فِي الْمُسْلِمِينَ ، وَيُخَرَّجُ فِي اعْتِبَارِ عَدَالَتِهِ فِي دِينِهِ وَجْهَانِ ، بِنَاءً عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي اعْتِبَارِهَا فِي الْمُسْلِمِينَ .","part":14,"page":401},{"id":6901,"text":"( 5180 ) فَصْلٌ : إذَا تَزَوَّجَ الْمُسْلِمُ ذِمِّيَّةً ، فَوَلِيُّهَا الْكَافِرُ يُزَوِّجُهَا إيَّاهُ .\rذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ وَلِيُّهَا ، فَصَحَّ تَزْوِيجُهُ لَهَا ، كَمَا لَوْ زَوَّجَهَا كَافِرًا ، وَلِأَنَّ هَذِهِ امْرَأَةٌ لَهَا وَلِيَّ مُنَاسِبٌ ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَلِيَهَا غَيْرُهُ ، كَمَا لَوْ تَزَوَّجَهَا ذِمِّيٌّ وَقَالَ الْقَاضِي : لَا يُزَوِّجُهَا إلَّا الْحَاكِمُ ؛ لِأَنَّ أَحْمَدَ قَالَ : لَا يَعْقِدُ يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ عُقْدَةَ نِكَاحٍ لِمُسْلِمٍ وَلَا مُسْلِمَةٍ .\rوَوَجْهُهُ أَنَّهُ عَقْدٌ يَفْتَقِرُ إلَى شَهَادَةِ مُسْلِمَيْنِ ، فَلَمْ يَصِحَّ بِوِلَايَةِ كَافِرٍ ، كَنِكَاحِ الْمُسْلِمِينَ ، وَالْأُوَلُ أَصَحُّ ، وَالشُّهُودُ يُرَادُونَ لِإِثْبَاتِ النِّكَاحِ عِنْدَ الْحَاكِمِ ، بِخِلَافِ الْوِلَايَةِ .","part":14,"page":402},{"id":6902,"text":"( 5181 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ ( وَإِذَا زَوَّجَهَا مَنْ غَيْرُهُ أَوْلَى مِنْهُ ، وَهُوَ حَاضِرٌ ، وَلَمْ يَعْضُلْهَا ، فَالنِّكَاحُ فَاسِدٌ ) .\rهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تَشْتَمِلُ عَلَى أَحْكَامٍ ثَلَاثَةٍ ؛ أَحَدُهَا ، أَنَّهُ إذَا زَوَّجَهَا الْوَلِيُّ الْأَبْعَدُ ، مَعَ حُضُورِ الْوَلِيِّ الْأَقْرَبِ ، فَأَجَابَتْهُ إلَى تَزْوِيجِهَا مِنْ غَيْرِ إذْنِهِ ، لَمْ يَصِحَّ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ مَالِكٌ : يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ هَذَا وَلِيٌّ ، فَصَحَّ لَهُ أَنْ يُزَوِّجَهَا بِإِذْنِهَا كَالْأَقْرَبِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ هَذَا مُسْتَحِقٌّ بِالتَّعْصِيبِ ، فَلَمْ يَثْبُتْ لِلْأَبْعَدِ مَعَ وُجُودِ الْأَقْرَبِ ، كَالْمِيرَاثِ ، وَبِهَذَا فَارَقَ الْقَرِيبُ الْبَعِيدَ .","part":14,"page":403},{"id":6903,"text":"الْحُكْمُ الثَّانِي ، أَنَّ هَذَا الْعَقْدَ يَقَعُ فَاسِدًا ، لَا يَقِفُ عَلَى الْإِجَازَةِ ، وَلَا يَصِيرُ بِالْإِجَازَةِ صَحِيحًا ، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ إذَا زُوِّجَ الْأَجْنَبِيُّ أَوْ زُوِّجَتْ الْمَرْأَةُ الْمُعْتَبَرُ إذْنُهَا بِغَيْرِ إذْنِهَا ، أَوْ تَزَوَّجَ الْعَبْدُ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ ، فَالنِّكَاحُ فِي هَذَا كُلِّهِ بَاطِلٌ ، فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي مَوَاضِعَ .\rوَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي عُبَيْدٍ وَأَبِي ثَوْرٍ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى ، أَنَّهُ يَقِفُ عَلَى الْإِجَازَةِ ؛ فَإِنْ أَجَازَهُ جَازَ ، وَإِنْ لَمْ يُجِزْهُ فَسَدَ .\rقَالَ أَحْمَدُ ، فِي صَغِيرٍ زَوَّجَهُ عَمُّهُ : فَإِنْ رَضِيَ بِهِ فِي وَقْتٍ مِنْ الْأَوْقَاتِ ، جَازَ ، وَإِنْ لَمْ يَرْضَ ، فَسَخَ وَإِذَا زُوِّجَتْ الْيَتِيمَةُ ، فَلَهَا الْخِيَارُ إذَا بَلَغَتْ .\rوَقَالَ : إذَا زُوِّجَ الْعَبْدُ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ ، ثُمَّ عَلِمَ السَّيِّدُ ، فَإِنْ شَاءَ أَنْ يُطَلِّقَ عَلَيْهِ فَالطَّلَاقُ بِيَدِ السَّيِّدِ ، فَإِنْ أَذِنَ فِي التَّزْوِيجِ فَالطَّلَاقُ بِيَدِ الْعَبْدِ .\rوَهَذَا قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ ، فِي كُلِّ مَسْأَلَةٍ يُعْتَبَرُ فِيهَا الْإِذْنُ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ فِي النِّكَاحِ بِغَيْرِ وَلِيٍّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَعَنْ ابْنِ سِيرِينَ ، وَالْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، وَالْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ ، وَإِسْحَاقَ ، وَأَبِي يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٍ ؛ لِمَا رُوِيَ { أَنَّ جَارِيَةً بِكْرًا أَتَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَتْ لَهُ أَنَّ أَبَاهَا زَوَّجَهَا وَهِيَ كَارِهَةٌ ، فَخَيَّرَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَابْنُ مَاجَهْ .\rوَرُوِيَ { أَنَّ فَتَاةً جَاءَتْ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ : إنَّ أَبِي زَوَّجَنِي مِنْ ابْنِ أَخِيهِ ، لِيَرْفَعَ بِي خَسِيسَتَهُ .\rقَالَ : فَجَعَلَ الْأَمْرَ إلَيْهَا .\rفَقَالَتْ : قَدْ أَجَزْت مَا صَنَعَ أَبِي ، وَلَكِنِّي أَرَدْت أَنْ أَعْلَمَ أَنَّ لِلنِّسَاءِ مِنْ الْأَمْرِ شَيْئًا .\r} رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالنَّسَائِيُّ .\rوَفِي رِوَايَةِ ابْنِ","part":14,"page":404},{"id":6904,"text":"مَاجَهْ : { أَرَدْت أَنْ يَعْلَمَ النِّسَاءُ أَنْ لَيْسَ إلَى الْآبَاءِ مِنْ الْأَمْرِ شَيْءٌ } .\rوَلِأَنَّهُ عَقْدٌ يَقِفُ عَلَى الْفَسْخِ ، فَوَقَفَ عَلَى الْإِجَازَةِ ، كَالْوَصِيَّةِ وَلَنَا ، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ نَفْسَهَا بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهَا ، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ .\r} وَقَالَ : { إذَا نَكَحَ الْعَبْدُ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ ، فَنِكَاحُهُ بَاطِلٌ } ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَابْنُ مَاجَهْ .\rإلَّا أَنَّ أَبَا دَاوُد قَالَ : هُوَ مَوْقُوفٌ عَلَى ابْنِ عُمَرَ وَلِأَنَّهُ عَقْدٌ لَا تَثْبُتُ فِيهِ أَحْكَامُهُ ؛ مِنْ الطَّلَاقِ ، وَالْخُلْعِ ، وَاللِّعَانِ ، وَالتَّوَارُثِ ، وَغَيْرِهَا ، فَلَمْ يَنْعَقِدْ ، كَنِكَاحِ الْمُعْتَدَّةِ .\rفَأَمَّا حَدِيثُ الْمَرْأَةِ الَّتِي خَيَّرَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَهُوَ مُرْسَلٌ عَنْ عِكْرِمَةَ ، رَوَاهُ النَّاسُ كَذَلِكَ ، وَلَمْ يَذْكُرُوا ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَهُ أَبُو دَاوُد .\rثُمَّ يَحْتَمِلُ أَنَّ هَذِهِ الْمَرْأَةَ هِيَ الَّتِي قَالَتْ : زَوَّجَنِي مِنْ ابْنِ أَخِيهِ لِيَرْفَعَ بِي خَسِيسَتَهُ .\rفَخَيَّرَهَا لِتَزْوِيجِهَا مِنْ غَيْرِ كُفْئِهَا ، وَهَذَا يُثْبِتُ الْخِيَارَ وَلَا يُبْطِلُ النِّكَاحَ ، وَالْوَصِيَّةُ يَتَرَاخَى فِيهَا الْقَبُولُ ، وَتَجُوزُ بَعْدَ الْمَوْتِ ، فَهِيَ مَعْدُولٌ بِهَا عَنْ سَائِرِ التَّصَرُّفَاتِ ، وَلَا تَفْرِيعَ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ لِوُضُوحِهَا .\rفَأَمَّا عَلَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى ، فَإِنَّ الشَّهَادَةَ تُعْتَبَرُ فِي الْعَقْدِ ؛ لِأَنَّهَا شَرْطٌ لَهُ ، فَيُعْتَبَرُ وُجُودُهَا مَعَهُ ، كَالْقَبُولِ ، وَلَا تُعْتَبَرُ فِي الْإِجَازَةِ ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِعَقْدٍ ، وَلِأَنَّهَا إذَا وُجِدَتْ ، اسْتَنَدَ الْمِلْكُ إلَى حَالَةِ الْعَقْدِ ، حَتَّى لَوْ كَانَ فِي الْعَقْدِ نَمَاءُ مِلْكٍ مِنْ حِينِ الْعَقْدِ ، لَا مِنْ حِينِ الْإِجَازَةِ ، وَإِنْ مَاتَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ الْإِجَازَةِ ، لَمْ يَرِثْهُ الْآخَرُ ؛ لِأَنَّهُ مَاتَ قَبْلَ تَمَامِ الْعَقْدِ وَصِحَّتِهِ وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ ، إنْ كَانَ مِمَّا لَوْ رُفِعَ إلَى الْحَاكِمِ أَجَازَهُ ، وَرِثَهُ الْآخَرُ ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ يَلْزَمُهُ","part":14,"page":405},{"id":6905,"text":"إجَازَتُهُ ، فَهُوَ كَالصَّحِيحِ ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا يَفْسَخُهُ ، لَمْ يَرِثْهُ .\r( 5182 ) فَصْلٌ : وَمَتَى تَزَوَّجَتْ الْمَرْأَةُ بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهَا ، أَوْ الْأَمَةُ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهَا ، فَقَدْ ذَكَرَهُ أَصْحَابُنَا مِنْ جُمْلَةِ الصُّوَرِ الَّتِي فِيهَا الرِّوَايَتَانِ .\rوَالصَّحِيحُ عِنْدِي أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ فِيهَا ؛ لِتَصْرِيحِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِ بِالْبُطْلَانِ .\rوَلِأَنَّ الْإِجَازَةَ إنَّمَا تَكُونُ لِعَقْدٍ صَدَرَ مِنْ أَهْلِهِ فِي مَحَلِّهِ .\rفَأَمَّا مَا لَمْ يَصْدُرْ مِنْ الْأَهْلِ ، كَاَلَّذِي عَقَدَهُ الْمَجْنُونُ أَوْ الطِّفْلُ ، فَلَا يَقِفُ عَلَى الْإِجَازَةِ ، وَهَذَا عَقْدٌ لَمْ يَصْدُرْ مِنْ أَهْلِهِ ؛ فَإِنَّ الْمَرْأَةَ لَيْسَتْ أَهْلًا لَهُ ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ أَذِنَ لَهَا فِيهِ ، لَمْ يَصِحَّ مِنْهَا ، وَإِذَا لَمْ يَصِحَّ مَعَ الْإِذْنِ الْمُقَارِنِ ، فَلَأَنْ لَا يَصِحَّ بِالْإِجَازَةِ الْمُتَأَخِّرَةِ أَوْلَى ، وَلَا تَفْرِيعَ عَلَى هَذَا فَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ ، فَمَتَى تَزَوَّجَتْ الْمَرْأَةُ بِغَيْرِ إذْنِ الْوَلِيِّ ، فَرُفِعَ إلَى الْحَاكِمِ ، لَمْ يَمْلِكْ إجَازَتَهُ ، وَالْأَمْرُ فِيهِ إلَى الْوَلِيِّ ، فَمَتَى رَدَّهُ بَطَلَ ؛ لِأَنَّ مَنْ وَقَفَ الْحُكْمُ عَلَى إجَازَتِهِ ، بَطَلَ بِرَدِّهِ ، كَالْمَرْأَةِ إذَا زُوِّجَتْ بِغَيْرِ إذْنِهَا .\rوَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ ، أَنَّهُ إذَا كَانَ الزَّوْجُ كُفُؤًا ، أَمَرَ الْحَاكِمُ الْوَلِيَّ بِإِجَازَتِهِ ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ أَجَازَهُ الْحَاكِمُ ، لِأَنَّهُ لَمَّا امْتَنَعَ مِنْ الْإِجَازَةِ صَارَ عَاضِلًا ، فَانْتَقَلَتْ الْوِلَايَةُ عَنْهُ إلَى الْحَاكِمِ ، كَمَا فِي ابْتِدَاءِ الْعَقْدِ ، وَمَتَى حَصَلْت الْإِصَابَةُ قَبْلَ الْإِجَازَةِ ثُمَّ أُجِيزَ ، فَالْمَهْرُ وَاحِدٌ ؛ إمَّا الْمُسَمَّى ، وَإِمَّا مَهْرُ الْمِثْلِ إنْ لَمْ يَكُنْ مُسَمًّى ؛ لِأَنَّ الْإِجَازَةَ مُسْتَنِدَةٌ إلَى حَالَةِ الْعَقْدِ ، فَيَثْبُتُ الْحِلُّ وَالْمِلْكُ مِنْ حِينِ الْعَقْدِ ، كَمَا ذَكَرْنَا فِي الْبَيْعِ ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَجِبْ الْحَدُّ وَمَتَى تَزَوَّجَتْ الْأَمَةُ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهَا ، ثُمَّ خَرَجَتْ مِنْ مِلْكِهِ قَبْلَ","part":14,"page":406},{"id":6906,"text":"الْإِجَازَةِ إلَى مَنْ تَحِلُّ لَهُ ، انْفَسَخَ النِّكَاحُ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ طَرَأَتْ اسْتِبَاحَةٌ صَحِيحَةٌ عَلَى مَوْقُوفَةٍ فَأَبْطَلَتْهَا ، وَلِأَنَّهَا أَقْوَى فَأَزَالَتْ الْأَضْعَفَ ، كَمَا لَوْ طَرَأَ مِلْكُ يَمِينِهِ عَلَى مِلْكِ نِكَاحِهِ .\rوَإِنْ خَرَجَتْ إلَى مَنْ لَا تَحِلُّ لَهُ ، كَالْمَرْأَةِ أَوْ اثْنَيْنِ ، فَكَذَلِكَ أَيْضًا ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ إذَا وَقَفَ عَلَى إجَازَةِ شَخْصٍ ، لَمْ يَجُزْ بِإِجَازَةِ غَيْرِهِ ، كَمَا لَوْ بَاعَ أَمَةَ غَيْرِهِ ثُمَّ بَاعَهَا الْمَالِكُ ، فَأَجَازَ الْمُشْتَرِي الثَّانِي بَيْعَ الْأَجْنَبِيِّ .\rوَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ ، أَنَّهُ يَجُوزُ بِإِجَازَةِ الْمَالِكِ الثَّانِي ؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ ابْتِدَاءَ الْعَقْدِ ، فَمَلَكَ إجَازَتَهُ كَالْأَوَّلِ ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَخْرُجَ بِبَيْعٍ أَوْ إرْثٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ غَيْرِهِ فَأَمَّا إنْ أَعْتَقَهَا السَّيِّدُ ، احْتَمَلَ أَنْ يَجُوزَ النِّكَاحُ ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا وَقَفَ لِحَقِّ الْمَوْلَى ، فَإِذَا أَعْتَقَ سَقَطَ حَقُّهُ ، فَصَحَّ الْعَقْدُ ، وَاحْتَمَلَ أَنْ لَا يَجُوزَ ؛ لِأَنَّ إبْطَالَ حَقِّ الْمَوْلَى لَيْسَ بِإِجَازَةٍ ، وَلِأَنَّ حَقَّ الْمَوْلَى إنْ بَطَلَ مِنْ الْمِلْكِ ، فَلَمْ يَبْطُلْ مِنْ وِلَايَةِ التَّزْوِيجِ ، فَإِنَّهُ يَلِيهَا بِالْوَلَاءِ .\r( 5183 ) فَصْلٌ : إذَا زُوِّجَتْ الَّتِي يُعْتَبَرُ إذْنُهَا بِغَيْرِ إذْنِهَا ، وَقُلْنَا : يَقِفُ عَلَى إجَازَتِهَا .\rفَإِجَازَتُهَا بِالنُّطْقِ ، أَوْ مَا يَدُلُّ عَلَى الرِّضَى مِنْ التَّمْكِينِ مِنْ الْوَطْءِ ، أَوْ الْمُطَالَبَةِ بِالْمَهْرِ وَالنَّفَقَةِ .\rوَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْبِكْرِ وَالثَّيِّبِ ؛ لِأَنَّ أَدِلَّةَ الرِّضَى تَقُومُ مَقَامَ النُّطْقِ بِهِ ، وَلِذَلِكَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَبَرِيرَةَ : { إنْ وَطِئَك زَوْجُك ، فَلَا خِيَارَ لَك .\r} جَعَلَ تَمْكِينَهَا دَلِيلًا عَلَى إسْقَاطِ حَقِّهَا وَالْمُطَالَبَةِ بِالْمَهْرِ وَالنَّفَقَةِ ، وَالتَّمْكِينُ مِنْ الْوَطْءِ دَلِيلٌ عَلَى الرِّضَى ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ خَصَائِصِ الْعَقْدِ الصَّحِيحِ ، فَوُجُودُهُ مِنْ الْمَرْأَةِ دَلِيلُ رِضَاهَا بِهِ .","part":14,"page":407},{"id":6907,"text":"الْحُكْمُ الثَّالِثُ ، إذَا عَضَلِهَا وَلِيُّهَا الْأَقْرَبُ ، انْتَقَلَتْ الْوِلَايَةُ إلَى الْأَبْعَدِ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ وَعَنْهُ رِوَايَةٌ أُخْرَى ، تَنْتَقِلُ إلَى السُّلْطَانِ .\rوَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ وَذُكِرَ ذَلِكَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَشُرَيْحٍ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { فَإِنْ اشْتَجَرُوا ، فَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ } .\rوَلِأَنَّ ذَلِكَ حَقٌّ عَلَيْهِ امْتَنَعَ مِنْ أَدَائِهِ ، فَقَامَ الْحَاكِمُ مَقَامَهُ ، كَمَا لَوْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَامْتَنَعَ مِنْ قَضَائِهِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ تَعَذَّرَ التَّزْوِيجُ مِنْ جِهَةِ الْأَقْرَبِ ، فَمَلَكَهُ الْأَبْعَدُ ، كَمَا لَوْ جُنَّ .\rوَلِأَنَّهُ يَفْسُقُ بِالْعَضَلِ ، فَتَنْتَقِلُ الْوِلَايَةُ عَنْهُ ، كَمَا لَوْ شَرِبَ الْخَمْرَ .\rفَإِنْ عَضَلَ الْأَوْلِيَاءُ كُلُّهُمْ زَوَّجَ الْحَاكِمُ .\rوَالْحَدِيثُ حُجَّةٌ لَنَا ؛ لِقَوْلِهِ : { السُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ } .\rوَهَذِهِ لَهَا وَلِيٌّ .\rوَيُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى مَا إذَا عَضَلَ الْكُلُّ ، لِأَنَّ قَوْلَهُ : ( فَإِنْ اشْتَجَرُوا ) .\rضَمِيرُ جَمْعٍ يَتَنَاوَلُ الْكُلَّ .\rوَالْوِلَايَةُ تُخَالِفُ الدَّيْنَ مِنْ وُجُوهٍ ثَلَاثَةٍ ؛ أَحَدُهَا ، أَنَّهَا حَقٌّ لِلْوَلِيِّ ، وَالدَّيْنُ حَقٌّ عَلَيْهِ .\rالثَّانِي ، أَنَّ الدَّيْنَ لَا يَنْتَقِلُ عَنْهُ ، وَالْوِلَايَةُ تَنْتَقِلُ لِعَارِضٍ ؛ مِنْ جُنُونِ الْوَلِيِّ .\rأَوْ فِسْقِهِ أَوْ مَوْتِهِ .\rالثَّالِثُ ، أَنَّ الدَّيْنَ لَا يُعْتَبَرُ فِي بَقَائِهِ الْعَدَالَةُ ، وَالْوِلَايَةُ يُعْتَبَرُ لَهَا ذَلِكَ ، وَقَدْ زَالَتْ الْعَدَالَةُ بِمَا ذَكَرْنَا .\rفَإِنْ قِيلَ : فَلَوْ زَالَتْ وِلَايَتُهُ لَمَا صَحَّ مِنْهُ التَّزْوِيجُ إذَا أَجَابَ إلَيْهِ قُلْنَا : فِسْقُهُ بِامْتِنَاعِهِ ، فَإِذَا أَجَابَ فَقَدْ نَزَعَ عَنْ الْمَعْصِيَةِ ، وَرَاجَعَ الْحَقَّ ، فَزَالَ فِسْقُهُ ، فَلِذَلِكَ صَحَّ تَزْوِيجُهُ .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .\r( 5184 ) فَصْلٌ : وَمَعْنَى الْعَضْلِ مَنْعُ الْمَرْأَةِ مِنْ التَّزْوِيجِ بِكُفْئِهَا إذَا طَلَبَتْ ذَلِكَ ، وَرَغِبَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي صَاحِبِهِ .","part":14,"page":408},{"id":6908,"text":"قَالَ مَعْقِلُ بْنُ يَسَارٍ : { زَوَّجْت أُخْتًا لِي مِنْ رَجُلٍ ، فَطَلَّقَهَا ، حَتَّى إذَا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا جَاءَ يَخْطُبُهَا ، فَقُلْت لَهُ : زَوَّجْتُك ، وَأَفْرَشْتُك ، وَأَكْرَمْتُك ، فَطَلَّقْتهَا ، ثُمَّ جِئْت تَخْطُبُهَا ، لَا وَاَللَّهِ لَا تَعُودُ إلَيْك أَبَدًا .\rوَكَانَ رَجُلًا لَا بَأْسَ بِهِ ، وَكَانَتْ الْمَرْأَةُ تُرِيدُ أَنْ تَرْجِعَ إلَيْهِ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ : { فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ } .\rفَقُلْت : الْآنَ أَفْعَلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ .\rقَالَ : فَزَوَّجَهَا إيَّاهُ .\r} رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ .\rوَسَوَاءٌ طَلَبَتْ التَّزْوِيجَ بِمَهْرِ مِثْلِهَا أَوْ دُونَهُ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَهُمْ مَنْعُهَا مِنْ التَّزْوِيجِ بِدُونِ مَهْرِ مِثْلِهَا ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ عَارًا ، وَفِيهِ ضَرَرٌ عَلَى نِسَائِهَا ، لِنَقْصِ مَهْرِ مِثْلِهِنَّ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الْمَهْرَ خَالِصُ حَقِّهَا ، وَعِوَضٌ يَخْتَصُّ بِهَا ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ الِاعْتِرَاضُ عَلَيْهَا فِيهِ ، كَثَمَنِ عَبْدِهَا ، وَأُجْرَةِ دَارِهَا ، وَلِأَنَّهَا لَوْ أَسْقَطَتْهُ بَعْدَ وُجُوبِهِ ، سَقَطَ كُلُّهُ ، فَبَعْضُهُ أَوْلَى ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { قَالَ لِرَجُلٍ أَرَادَ أَنْ يُزَوِّجَهُ : الْتَمِسْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ } .\r{ وَقَالَ لِامْرَأَةِ زُوِّجَتْ بِنَعْلَيْنِ : أَرَضِيَتْ بِنَعْلَيْنِ مِنْ نَفْسِك ؟ } قَالَتْ : نَعَمْ .\rفَأَجَازَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rوَقَوْلُهُمْ : فِيهِ عَارٌ عَلَيْهِمْ .\rلَيْسَ كَذَلِكَ ، فَإِنْ عُمَرَ قَالَ : لَوْ كَانَ مَكْرُمَةً فِي الدُّنْيَا ، أَوْ تَقْوَى عِنْدَ اللَّهِ ، كَانَ أَوْلَاكُمْ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rيَعْنِي غُلُوَّ الصَّدَاقِ .\rفَإِنْ رَغِبَتْ فِي كُفْءٍ بِعَيْنِهِ ، وَأَرَادَ تَزْوِيجَهَا لِغَيْرِهِ مِنْ أَكْفَائِهَا ، وَامْتَنَعَ مِنْ تَزْوِيجِهَا مِنْ الَّذِي أَرَادَتْهُ ، كَانَ عَاضِلًا لَهَا .\rفَأَمَّا إنْ طَلَبَتْ التَّزْوِيجَ بِغَيْرِ كُفْئِهَا ، فَلَهُ مَنْعُهَا مِنْ ذَلِكَ ، وَلَا يَكُونُ عَاضِلًا لَهَا بِهَذَا ؛ لِأَنَّهُ لَوْ","part":14,"page":409},{"id":6909,"text":"زُوِّجَتْ مِنْ غَيْرِ كُفْئِهَا ، كَانَ لَهُ فَسْخُ النِّكَاحِ ، فَلَأَنْ تُمْنَعَ مِنْهُ ابْتِدَاءً أَوْلَى .","part":14,"page":410},{"id":6910,"text":"مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : وَإِذَا كَانَ وَلِيُّهَا غَائِبًا فِي مَوْضِعٍ لَا يَصِلُ إلَيْهِ الْكِتَابُ ، أَوْ يَصِلُ فَلَا يُجِيبُ عَنْهُ ، زَوَّجَهَا مَنْ هُوَ أَبْعَدُ مِنْهُ مِنْ عَصَبَاتِهَا ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ ، فَالسُّلْطَانُ .\rالْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي فَصْلَيْنِ : ( 5186 ) الْفَصْلُ الْأَوَّلُ : أَنَّ الْأَقْرَبَ إذَا غَابَ غَيْبَةً مُنْقَطِعَةً ، فَلِلْأَبْعَدِ مِنْ عَصَبَتِهَا تَزْوِيجُهَا دُونَ الْحَاكِمِ .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يُزَوِّجُهَا الْحَاكِمُ ؛ لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ الْوُصُولُ إلَى النِّكَاحِ مِنْ الْأَقْرَبِ ، مَعَ بَقَاءِ وِلَايَتِهِ ، فَيَقُومُ الْحَاكِمُ مَقَامَهُ ، كَمَا لَوْ عَضَلِهَا ، وَلِأَنَّ الْأَبْعَدَ مَحْجُوبٌ بِوِلَايَةِ الْأَقْرَبِ ، فَلَا يَجُوزُ لَهُ التَّزْوِيجُ ، كَمَا لَوْ كَانَ حَاضِرًا ، وَدَلِيلُ بَقَاءِ وِلَايَتِهِ أَنَّهُ لَوْ زَوَّجَ مِنْ حَيْثُ هُوَ ، أَوْ وَكَّلَ ، صَحَّ وَلَنَا ، قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ { السُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ } .\rوَهَذِهِ لَهَا وَلِيٌّ ، فَلَا يَكُونُ السُّلْطَانُ وَلِيًّا لَهَا ، وَلِأَنَّ الْأَقْرَبَ تَعَذَّرَ حُصُولُ التَّزْوِيجِ مِنْهُ ، فَتَثْبُتُ الْوِلَايَةُ لِمَنْ يَلِيهِ مِنْ الْعَصَبَاتِ ، كَمَا لَوْ جُنَّ أَوْ مَاتَ ، وَلِأَنَّهَا حَالَةٌ يَجُوزُ فِيهَا التَّزْوِيجُ لِغَيْرِ الْأَقْرَبِ ، فَكَانَ ذَلِكَ لِلْأَبْعَدِ ، كَالْأَصْلِ ، وَإِذَا عَضَلِهَا الْأَقْرَبُ ، فَهُوَ كَمَسْأَلَتِنَا .","part":14,"page":411},{"id":6911,"text":"( 5187 ) وَالْفَصْلُ الثَّانِي : فِي الْغَيْبَةِ الْمُنْقَطِعَةِ ، الَّتِي يَجُوزُ لِلْأَبْعَدِ التَّزْوِيجُ فِي مِثْلِهَا .\rفَفِي قَوْلِ الْخِرَقِيِّ : هِيَ مَنْ لَا يَصِلُ إلَيْهِ الْكِتَابُ ، أَوْ يَصِلُ فَلَا يُجِيبُ عَنْهُ ؛ لِأَنَّ مِثْلَ هَذَا تَتَعَذَّرُ مُرَاجَعَتُهُ بِالْكُلِّيَّةِ ، فَتَكُونُ مُنْقَطِعَةً ، أَيْ يَنْقَطِعُ عَنْ إمْكَانِ تَزْوِيجِهَا .\rوَقَالَ الْقَاضِي : يَجِبُ أَنْ يَكُونَ حَدُّ الْمَسَافَةِ أَنْ لَا تُرَدَّدَ الْقَوَافِلُ فِيهِ فِي السَّنَةِ إلَّا مَرَّةً ؛ لِأَنَّ الْكُفْءَ يَنْتَظِرُ سَنَةً ، وَلَا يَنْتَظِرُ أَكْثَرَ مِنْهَا ، فَيَلْحَقُ الضَّرَرُ بِتَرْكِ تَزْوِيجِهَا .\rوَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ فِي مَوْضِعٍ : إذَا كَانَ الْأَبُ بَعِيدَ السَّفَرِ ، يُزَوِّجُ الْأَخَ قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ بِالسَّفَرِ الْبَعِيدِ مَا تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ السَّفَرُ الَّذِي عُلِّقَتْ عَلَيْهِ الْأَحْكَامُ .\rوَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ إلَى أَنَّ حَدَّهَا مَا لَا يُقْطَعُ إلَّا بِكُلْفَةٍ وَمَشَقَّةٍ ؛ لِأَنَّ أَحْمَدَ قَالَ : إذَا لَمْ يَكُنْ وَلِيٌّ حَاضِرٌ مِنْ عَصَبَتِهَا ، كَتَبَ إلَيْهِمْ حَتَّى يَأْذَنُوا ، إلَّا أَنْ تَكُونَ غَيْبَةً مُنْقَطِعَةً ، لَا تُدْرَكُ إلَّا بِكُلْفَةٍ وَمَشَقَّةٍ ، فَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ .\rوَهَذَا الْقَوْلُ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى أَقْرَبُهَا إلَى الصَّوَابِ ، فَإِنَّ التَّحْدِيدَاتِ بَابُهَا التَّوْقِيفُ ، وَلَا تَوْقِيفَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ، فَتُرَدُّ إلَى مَا يَتَعَارَفُهُ النَّاسُ بَيْنَهُمْ ، مِمَّا لَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِالِانْتِظَارِ فِيهِ ، وَيَلْحَقُ الْمَرْأَةَ الضَّرَرُ بِمَنْعِهَا مِنْ التَّزْوِيجِ فِي مِثْلِهِ ، فَإِنَّهُ يَتَعَذَّرَ فِي ذَلِكَ الْوُصُولُ إلَى الْمَصْلَحَةِ مِنْ نَظَرِ الْأَقْرَبِ ، فَيَكُونَ كَالْمَعْدُومِ ، وَالتَّحْدِيدُ بِالْعَامِّ كَبِيرٌ ؛ فَإِنَّ الضَّرَرَ يَلْحَقُ بِالِانْتِظَارِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ ، وَيَذْهَبُ الْخَاطِبُ ، وَمَنْ لَا يَصِلُ الْكِتَابُ مِنْهُ أَبْعَدُ ، وَمَنْ هُوَ عَلَى مَسَافَةِ الْقَصْرِ لَا تَلْحَقُ الْمَشَقَّةُ فِي مُكَاتَبَتِهِ .\rوَالتَّوَسُّطُ أَوْلَى .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":14,"page":412},{"id":6912,"text":"وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ فِي الْغَيْبَةِ الْمُنْقَطِعَةِ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ كَقَوْلِ الْقَاضِي ، وَبَعْضُهُمْ قَالَ : مِنْ الرَّيِّ إلَى بَغْدَادَ .\rوَبَعْضُهُمْ قَالَ : مِنْ الْبَصْرَةِ إلَى الرَّقَّةِ وَهَذَانِ الْقَوْلَانِ يُشْبِهَانِ قَوْلَ أَبِي بَكْرٍ .\rوَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ فِي الْغَيْبَةِ الَّتِي يُزَوِّجُ فِيهَا الْحَاكِمُ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : مَسَافَةُ الْقَصْرِ .\rوَقَالَ بَعْضُهُمْ : يُزَوِّجُهَا الْحَاكِمُ ، وَإِنْ كَانَ الْوَلِيُّ قَرِيبًا .\rوَهُوَ ظَاهِرُ نَصِّ الشَّافِعِيِّ وَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ ، أَنَّهُ إذَا كَانَتْ الْغَيْبَةُ غَيْرَ مُنْقَطِعَةٍ ، أَنَّهُ يُنْتَظَرُ وَيُرَاسَلُ حَتَّى يَقْدَمَ أَوْ يُوَكِّلَ .\rفَصْلٌ : وَإِنْ كَانَ الْقَرِيبُ مَحْبُوسًا ، أَوْ أَسِيرًا فِي مَسَافَةٍ قَرِيبَةٍ ، لَا تُمْكِنُ مُرَاجَعَتُهُ ، فَهُوَ كَالْبَعِيدِ ، فَإِنَّ الْبُعْدَ لَمْ يُعْتَبَرْ لِعَيْنِهِ ، بَلْ لِتَعَذُّرِ الْوُصُولِ إلَى التَّزْوِيجِ بِنَظَرِهِ ، وَهَذَا مَوْجُودٌ هَاهُنَا ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ غَائِبًا لَا يُعْلَمُ أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ ، أَوْ عُلِمَ أَنَّهُ قَرِيبٌ ، وَلَمْ يُعْلَمْ مَكَانُهُ ، فَهُوَ كَالْبَعِيدِ .","part":14,"page":413},{"id":6913,"text":"( 5189 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : وَإِذَا زُوِّجَتْ مِنْ غَيْرِ كُفْءٍ ، فَالنِّكَاحُ بَاطِلٌ اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ فِي اشْتِرَاطِ الْكَفَاءَةِ لِصِحَّةِ النِّكَاحِ ، فَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهَا شَرْطٌ لَهُ .\rقَالَ : إذَا تَزَوَّجَ الْمَوْلَى الْعَرَبِيَّةَ فُرِّقَ بَيْنَهُمَا .\rوَهَذَا قَوْلُ سُفْيَانَ وَقَالَ أَحْمَدُ فِي الرَّجُلِ يَشْرَبُ الشَّرَابَ : مَا هُوَ بِكُفْءٍ لَهَا ، يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا .\rوَقَالَ : لَوْ كَانَ الْمُتَزَوِّجُ حَائِكًا فَرَّقْت بَيْنَهُمَا ؛ لِقَوْلِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : لِأَمْنَعَنَّ فُرُوجَ ذَوَاتِ الْأَحْسَابِ ، إلَّا مِنْ الْأَكْفَاءِ .\rرَوَاهُ الْخَلَّالُ بِإِسْنَادِهِ .\rوَعَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْهَمْدَانِيِّ قَالَ : خَرَجَ سَلْمَانُ وَجَرِيرٌ فِي سَفَرٍ ، فَأُقِيمَتْ الصَّلَاةُ ، فَقَالَ جَرِيرٌ لِسَلْمَانِ : تَقَدَّمْ أَنْتَ .\rقَالَ سَلْمَانُ : بَلْ أَنْتَ تَقَدَّمْ ، فَإِنَّكُمْ مَعْشَرَ الْعَرَبِ لَا يَتَقَدَّمُ عَلَيْكُمْ فِي صَلَاتِكُمْ ، وَلَا تُنْكَحُ نِسَاؤُكُمْ ، إنَّ اللَّهَ فَضَّلَكُمْ عَلَيْنَا بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجَعَلَهُ فِيكُمْ .\rوَلِأَنَّ التَّزْوِيجَ ، مَعَ فَقْدِ الْكَفَاءَةِ ، تَصَرُّفٌ فِي حَقِّ مَنْ يَحْدُثُ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ بِغَيْرِ إذْنِهِ ، فَلَمْ يَصِحَّ ، كَمَا لَوْ زَوَّجَهَا بِغَيْرِ إذْنِهَا .\rوَقَدْ رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { لَا تُنْكِحُوا النِّسَاءَ إلَّا مِنْ الْأَكْفَاءِ ، وَلَا يُزَوِّجُهُنَّ إلَّا الْأَوْلِيَاءُ } .\rرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ ، إلَّا أَنَّ ابْنَ عَبْدِ الْبَرِّ قَالَ : هَذَا ضَعِيفٌ ، لَا أَصْلَ لَهُ ، وَلَا يُحْتَجُّ بِمِثْلِهِ .\rوَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهَا لَيْسَتْ شَرْطًا فِي النِّكَاحِ .\rوَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rرُوِيَ نَحْوُ هَذَا عَنْ عُمَرَ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَعُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ وَحَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ وَابْنِ سِيرِينَ وَابْنِ عَوْنٍ وَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { إنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ } .\rوَقَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا","part":14,"page":414},{"id":6914,"text":".\rإنَّ أَبَا حُذَيْفَةَ بْنَ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ تَبَنَّى سَالِمًا ، وَأَنْكَحَهُ ابْنَةَ أَخِيهِ هِنْدَ ابْنَةَ الْوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ ، وَهُوَ مَوْلًى لِامْرَأَةٍ مِنْ الْأَنْصَارِ : أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ .\r{ وَأَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاطِمَةَ بِنْتَ قَيْسٍ أَنْ تَنْكِحَ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ مَوْلَاهُ ، فَنَكَحَهَا بِأَمْرِهِ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ { وَزَوَّجَ أَبَاهُ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ ابْنَةَ عَمَّتِهِ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ الْأَسَدِيَّةَ .\r} وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ لِأُخْتِهِ : أُنْشِدُك اللَّهَ أَنْ تَتَزَوَّجِي مُسْلِمًا ، وَإِنْ كَانَ أَحْمَرَ رُومِيًّا ، أَوْ أَسْوَدَ حَبَشِيًّا .\rوَلِأَنَّ الْكَفَاءَةَ لَا تَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهَا حَقًّا لِلْمَرْأَةِ ، أَوْ الْأَوْلِيَاءِ ، أَوْ لَهُمَا ، فَلَمْ يُشْتَرَطْ وُجُودُهَا ، كَالسَّلَامَةِ مِنْ الْعُيُوبِ .\rوَقَدْ رُوِيَ { أَنَّ أَبَا هِنْدٍ حَجَمَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْيَافُوخِ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا بَنِي بَيَاضَةَ ، أَنْكِحُوا أَبَا هِنْدٍ ، وَأَنْكِحُوا إلَيْهِ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، إلَّا أَنَّ أَحْمَدَ ضَعَّفَهُ ، وَأَنْكَرَهُ إنْكَارًا شَدِيدًا .\rوَالصَّحِيحُ أَنَّهَا غَيْرُ مُشْتَرَطَةٍ ، وَمَا رُوِيَ فِيهَا يَدُلُّ عَلَى اعْتِبَارِهَا فِي الْجُمْلَةِ ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ اشْتِرَاطُهَا ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ لِلزَّوْجَةِ وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ فِيهَا حَقًّا ، وَمَنْ لَمْ يَرْضَ مِنْهُمْ فَلَهُ الْفَسْخُ وَلِذَلِكَ لَمَّا زَوَّجَ رَجُلٌ ابْنَتَهُ مِنْ ابْنِ أَخِيهِ ، لِيَرْفَعَ بِهَا خَسِيسَتَهُ ، جَعَلَ لَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْخِيَارَ ، فَأَجَازَتْ مَا صَنَعَ أَبُوهَا .\rوَلَوْ فُقِدَ الشَّرْطُ لَمْ يَكُنْ لَهَا خِيَارٌ .\rفَإِذَا قُلْنَا بِاشْتِرَاطِهَا ، فَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ وُجُودُهَا حَالَ الْعَقْدِ ، فَإِنْ عَدِمَتْ بَعْدَهُ ، لَمْ يَبْطُلْ النِّكَاحُ ؛ لِأَنَّ شُرُوطَ النِّكَاحِ إنَّمَا تُعْتَبَرُ لَدَى الْعَقْدِ .\rوَإِنْ كَانَتْ مَعْدُومَةً حَالَ الْعَقْدِ ، فَالنِّكَاحُ فَاسِدٌ ، حُكْمُهُ حُكْمُ الْعُقُودِ الْفَاسِدَةِ ، عَلَى مَا مَضَى .","part":14,"page":415},{"id":6915,"text":"فَإِنْ قُلْنَا : لَيْسَتْ شَرْطًا .\rفَرَضِيَتْ الْمَرْأَةُ وَالْأَوْلِيَاءُ كُلُّهُمْ ، صَحَّ النِّكَاحُ ، وَإِنْ لَمْ يَرْضَ بَعْضُهُمْ ، فَهَلْ يَقَعُ الْعَقْدُ بَاطِلًا مِنْ أَصْلِهِ أَوْ صَحِيحًا ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ عَنْ أَحْمَدَ وَقَوْلَانِ لِلشَّافِعِيِّ أَحَدُهُمَا ، هُوَ بَاطِلٌ ؛ لِأَنَّ الْكَفَاءَةَ حَقٌّ لِجَمِيعِهِمْ ، وَالْعَاقِدُ مُتَصَرِّفٌ فِيهَا بِغَيْرِ رِضَاهُمْ ، فَلَمْ يَصِحَّ ، كَتَصَرُّفِ الْفُضُولِيِّ .\rوَالثَّانِيَةُ ، هُوَ صَحِيحٌ ؛ بِدَلِيلِ أَنَّ الْمَرْأَةَ الَّتِي رَفَعَتْ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ أَبَاهَا زَوَّجَهَا مِنْ غَيْرِ كُفْئِهَا خَيَّرَهَا ، وَلَمْ يُبْطِلْ النِّكَاحَ مِنْ أَصْلِهِ .\rوَلِأَنَّ الْعَقْدَ وَقَعَ بِالْإِذْنِ ، وَالنَّقْصُ الْمَوْجُودُ فِيهِ لَا يَمْنَعُ صِحَّتَهُ ، وَإِنَّمَا يُثْبِتُ الْخِيَارَ ، كَالْعَيْبِ مِنْ الْعُنَّةِ وَغَيْرِهَا .\rفَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ لِمَنْ لَمْ يَرْضَ الْفَسْخُ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إذَا رَضِيَتْ الْمَرْأَةُ وَبَعْضُ الْأَوْلِيَاءِ ، لَمْ يَكُنْ لِبَاقِي الْأَوْلِيَاءِ فَسْخٌ ؛ لِأَنَّ هَذَا الْحَقَّ لَا يَتَجَزَّأُ ، وَقَدْ أَسْقَطَ بَعْضُ الشُّرَكَاءِ حَقَّهُ ، فَسَقَطَ جَمِيعُهُ ، كَالْقِصَاصِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ يُعْتَبَرُ رِضَاهُ ، فَلَمْ يَسْقُطْ بِرِضَا غَيْرِهِ ، كَالْمَرْأَةِ مَعَ الْوَلِيِّ فَأَمَّا الْقِصَاصُ فَلَا يَثْبُتُ لِكُلِّ وَاحِدٍ كَامِلًا ، فَإِذَا سَقَطَ بَعْضُهُ ، تَعَذَّرَ اسْتِيفَاؤُهُ ، وَهَاهُنَا بِخِلَافِهِ ، وَلِأَنَّهُ لَوْ زَوَّجَهَا بِدُونِ مَهْرِ مِثْلِهَا ، مَلَكَ الْبَاقُونَ عِنْدَهُمْ الِاعْتِرَاضَ ، مَعَ أَنَّهُ خَالِصُ حَقِّهَا ، فَهَاهُنَا مَعَ أَنَّهُ حَقٌّ لَهُمْ أَوْلَى .\rوَسَوَاءٌ كَانُوا مُتَسَاوِينَ فِي الدَّرَجَةِ ، أَوْ مُتَفَاوِتِينَ ، فَزَوَّجَ الْأَقْرَبُ ، مِثْلُ أَنْ يُزَوِّجَ الْأَبُ بِغَيْرِ كُفْءٍ ، فَإِنَّ لِلْإِخْوَةِ الْفَسْخَ .\rوَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ لَيْسَ لَهُمْ فَسْخٌ إذَا زَوَّجَ الْأَقْرَبُ ؛ لِأَنَّهُ لَا حَقَّ لِلْأَبْعَدِ مَعَهُ ، فَرِضَاؤُهُ لَا يُعْتَبَرُ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ وَلِيَ فِي حَالٍ","part":14,"page":416},{"id":6916,"text":"يَلْحَقُهُ الْعَارُ بِفَقْدِ الْكَفَاءَةِ ، فَمَلَكَ الْفَسْخَ كَالْمُتَسَاوِيَيْنِ .","part":14,"page":417},{"id":6917,"text":"( 5190 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : وَالْكُفْءُ ذُو الدِّينِ وَالْمَنْصِبِ يَعْنِي بِالْمَنْصِبِ الْحَسَبَ ، وَهُوَ النَّسَبُ .\rوَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ فِي شُرُوطِ الْكَفَاءَةِ ، فَعَنْهُ هُمَا شَرْطَانِ ؛ الدِّينُ ، وَالْمَنْصِبُ ، لَا غَيْرُ .\rوَعَنْهُ أَنَّهَا خَمْسَةٌ ؛ هَذَانِ ، وَالْحُرِّيَّةُ ، وَالصِّنَاعَةُ ، وَالْيَسَارُ .\rوَذَكَرَ الْقَاضِي ، فِي ( الْمُجَرَّدِ ) أَنَّ فَقْدَ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ لَا يُبْطِلُ النِّكَاحَ ، رِوَايَةً وَاحِدَةً ، وَإِنَّمَا الرِّوَايَتَانِ فِي الشَّرْطَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ .\rقَالَ : وَيَتَوَجَّهُ أَنَّ الْمُبْطِلَ عَدَمُ الْكَفَاءَةِ فِي النَّسَبِ لَا غَيْرُ ؛ لِأَنَّهُ نَقْصٌ لَازِمٌ ، وَمَا عَدَاهُ غَيْرُ لَازِمٍ ، وَلَا يَتَعَدَّى نَقْصُهُ إلَى الْوَلَدِ وَذَكَرَ فِي ( الْجَامِعِ ) الرِّوَايَتَيْنِ فِي جَمِيعِ الشُّرُوطِ .\rوَذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ أَيْضًا .\rوَقَالَ مَالِكٌ : الْكَفَاءَةُ فِي الدِّينِ لَا غَيْرُ .\rقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : هَذَا جُمْلَةُ مَذْهَبِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ .\rوَعَنْ الشَّافِعِيِّ كَقَوْلِ مَالِكٍ ، وَقَوْلٌ آخَرُ أَنَّهَا الْخَمْسَةُ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا ، وَالسَّلَامَةُ مِنْ الْعُيُوبِ الْأَرْبَعَةِ فَتَكُونُ سِتَّةً ، وَكَذَلِكَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَالْحَسَنِ بْنِ حَيٍّ إلَّا فِي الصَّنْعَةِ وَالسَّلَامَةِ مِنْ الْعُيُوبِ الْأَرْبَعَةِ .\rوَلَمْ يَعْتَبِرْ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الدِّينَ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ يَسْكَرُ وَيَخْرُجُ وَيَسْخَرُ مِنْهُ الصِّبْيَانُ ، فَلَا يَكُونُ كُفُؤًا ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ عَلَى الْجُنْدِ الْفِسْقُ ، وَلَا يُعَدُّ ذَلِكَ نَقْصًا ، وَالدَّلِيلُ عَلَى اعْتِبَارِ الدِّينِ قَوْله تَعَالَى : { أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ } وَلِأَنَّ الْفَاسِقَ مَرْذُولٌ مَرْدُودُ الشَّهَادَةِ وَالرِّوَايَةِ ، غَيْرُ مَأْمُونٍ عَلَى النَّفْسِ وَالْمَالِ ، مَسْلُوبُ الْوِلَايَاتِ ، نَاقِصٌ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى وَعِنْدَ خَلْقِهِ ، قَلِيلُ الْحَظِّ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ كُفُؤًا لِعَفِيفَةٍ ، وَلَا مُسَاوِيًا لَهَا ، لَكِنْ يَكُونُ كُفُؤًا لِمِثْلِهِ .\rفَأَمَّا","part":14,"page":418},{"id":6918,"text":"الْفَاسِقُ مِنْ الْجُنْدِ ، فَهُوَ نَاقِصٌ عِنْدَ أَهْلِ الدِّينِ وَالْمُرُوآت .\rوَالدَّلِيلُ عَلَى اعْتِبَارِ النَّسَبِ فِي الْكَفَاءَةِ ، قَوْلُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : لَأَمْنَعَنَّ فُرُوجَ ذَوَاتِ الْأَحْسَابِ إلَّا مِنْ الْأَكْفَاءِ .\rقَالَ : قُلْت : وَمَا الْأَكْفَاءُ ؟ قَالَ فِي الْحَسَبِ .\rرَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ ، بِإِسْنَادِهِ .\rوَلِأَنَّ الْعَرَبَ يَعُدُّونَ الْكَفَاءَةَ فِي النَّسَبِ ، وَيَأْنَفُونَ مِنْ نِكَاحِ الْمَوَالِي ، وَيَرَوْنَ ذَلِكَ نَقْصًا وَعَارًا ، فَإِذَا أَطْلَقْتَ الْكَفَاءَةَ ، وَجَبَ حَمْلُهَا عَلَى الْمُتَعَارَفِ ، وَلِأَنَّ فِي فَقْدِ ذَلِكَ عَارًا وَنَقْصًا ، فَوَجَبَ أَنْ يُعْتَبَرَ فِي الْكَفَاءَةِ كَالدِّينِ .\r( 5191 ) فَصْلٌ : وَاخْتَلَفْت الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ ، فَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّ غَيْرَ قُرَيْشٍ مِنْ الْعَرَبِ لَا يُكَافِئُهَا ، وَغَيْرَ بَنِي هَاشِمٍ لَا يُكَافِئُهُمْ .\rوَهَذَا قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { إنَّ اللَّهَ اصْطَفَى كِنَانَةَ مِنْ وَلَدِ إسْمَاعِيلَ ، وَاصْطَفَى مِنْ كِنَانَةَ قُرَيْشًا ، وَاصْطَفَى مِنْ قُرَيْشٍ بَنِي هَاشِمٍ ، وَاصْطَفَانِي مِنْ بَنِي هَاشِمٍ } .\rوَلِأَنَّ الْعَرَبَ فُضِّلَتْ عَلَى الْأُمَمِ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقُرَيْشٌ أَخَصُّ بِهِ مِنْ سَائِرِ الْعَرَبِ ، وَبَنُو هَاشِمٍ أَخُصُّ بِهِ مِنْ قُرَيْشٍ وَكَذَلِكَ قَالَ عُثْمَانُ وَجُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ إنَّ إخْوَانَنَا مِنْ بَنِي هَاشِمٍ لَا نُنْكِرُ فَضْلَهُمْ عَلَيْنَا ، لِمَكَانِكِ الَّذِي وَضَعَك اللَّهُ بِهِ مِنْهُمْ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا تُكَافِئُ الْعَجَمُ الْعَرَبَ وَلَا الْعَرَبُ قُرَيْشًا ، وَقُرَيْشٌ كُلُّهُمْ أَكْفَاءٌ ؛ لِأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ : قُرَيْشٌ بَعْضُهُمْ أَكْفَاءُ بَعْضٍ .\rوَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّ الْعَرَبَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ أَكْفَاءٌ ، وَالْعَجَمُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ أَكْفَاءٌ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَوَّجَ ابْنَتَيْهِ عُثْمَانَ ، وَزَوَّجَ أَبَا الْعَاصِ بْنَ الرَّبِيعِ زَيْنَبَ ، وَهُمَا مِنْ","part":14,"page":419},{"id":6919,"text":"بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ ، وَزَوَّجَ عَلِيٌّ عُمَرَ ابْنَتَهُ أُمَّ كُلْثُومٍ ، وَتَزَوَّجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ فَاطِمَةَ بِنْتَ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ ، وَتَزَوَّجَ الْمُصْعَبُ بْنُ الزُّبَيْرِ أُخْتَهَا سُكَيْنَةَ ، وَتَزَوَّجَهَا أَيْضًا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ ، وَتَزَوَّجَ الْمِقْدَادُ بْنُ الْأَسْوَدِ ضُبَاعَةَ ابْنَةَ الزُّبَيْرِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ابْنَةَ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَزَوَّجَ أَبُو بَكْرٍ أُخْتَهُ أُمَّ فَرْوَةَ الْأَشْعَثَ بْنَ قَيْسٍ ، وَهُمَا كِنْدِيَّانِ ، وَتَزَوَّجَ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ فَاطِمَةَ بِنْتَ قَيْسٍ ، وَهِيَ مِنْ قُرَيْشٍ ، وَلِأَنَّ الْعَجَمَ وَالْمَوَالِيَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ أَكْفَاءٌ ، وَإِنْ تَفَاضَلُوا ، وَشَرُفَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ ، فَكَذَلِكَ الْعَرَبُ .\r( 5192 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا الْحُرِّيَّةُ ، فَالصَّحِيحُ أَنَّهَا مِنْ شُرُوطِ الْكَفَاءَةِ ، فَلَا يَكُونُ الْعَبْدُ كُفُؤًا لِحُرَّةٍ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَيَّرَ بَرِيرَةَ حِينَ عَتَقَتْ تَحْتَ عَبْدٍ .\rفَإِذَا ثَبَتَ الْخِيَارُ بِالْحُرِّيَّةِ الطَّارِئَةِ ، فَبِالْحُرِّيَّةِ الْمُقَارِنَةِ أَوْلَى .\rوَلِأَنَّ نَقْصَ الرِّقِّ كَبِيرٌ ، وَضَرَرَهُ بَيِّنٌ ، فَإِنَّهُ مَشْغُولٌ عَنْ امْرَأَتِهِ بِحُقُوقِ سَيِّدِهِ ، وَلَا يُنْفِقُ نَفَقَةَ الْمُوسِرِينَ ، وَلَا يُنْفِقُ عَلَى وَلَدِهِ ، وَهُوَ كَالْمَعْدُومِ بِالنِّسْبَةِ إلَى نَفْسِهِ .\rوَلَا يَمْنَعُ صِحَّةَ النِّكَاحِ ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { قَالَ لَبَرِيرَةَ : لَوْ رَاجَعْتِيهِ .\rقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَتَأْمُرُنِي ؟ قَالَ : إنَّمَا أَنَا شَفِيعٌ .\rقَالَتْ : فَلَا حَاجَةَ لِي فِيهِ } رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ .\rوَمُرَاجَعَتُهَا لَهُ ابْتِدَاءُ النِّكَاحِ ، فَإِنَّهُ قَدْ انْفَسَخَ نِكَاحُهَا بِاخْتِيَارِهَا ، وَلَا يَشْفَعُ إلَيْهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَنْ تَنْكِحَ عَبْدًا إلَّا وَالنِّكَاحُ صَحِيحٌ .\r( 5193 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا الْيَسَارُ ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، هُوَ شَرْطٌ فِي الْكَفَاءَةِ ؛ لِقَوْلِ","part":14,"page":420},{"id":6920,"text":"النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الْحَسَبُ الْمَالُ .\rوَقَالَ : إنَّ أَحْسَابَ النَّاسِ بَيْنَهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا هَذَا الْمَالُ .\rوَقَالَ لِفَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ ، حِينَ أَخْبَرَتْهُ أَنَّ مُعَاوِيَةَ خَطَبَهَا : أَمَّا مُعَاوِيَةُ فَصُعْلُوكٌ ، لَا مَالَ لَهُ } وَلِأَنَّ عَلَى الْمُوسِرَةِ ضَرَرًا فِي إعْسَارِ زَوْجِهَا ؛ لِإِخْلَالِهِ بِنَفَقَتِهَا وَمُؤْنَةِ أَوْلَادِهَا ، وَلِهَذَا مَلَكَتْ الْفَسْخَ بِإِخْلَالِهِ بِالنَّفَقَةِ ، فَكَذَلِكَ إذَا كَانَ مُقَارِنًا ، وَلِأَنَّ ذَلِكَ مَعْدُودٌ نَقْصًا فِي عُرْفِ النَّاسِ ، يَتَفَاضَلُونَ فِيهِ كَتَفَاضُلِهِمْ فِي النَّسَبِ وَأَبْلَغَ ، قَالَ نُبَيْهُ بْنُ الْحَجَّاجِ السَّهْمِيُّ : سَأَلَتَانِي الطَّلَاقَ أَنْ رَأَتَانِي قَلَّ مَالِي قَدْ جِئْتُمَانِي بِنُكْرِ وَيْكَأَنَّ مَنْ لَهُ نَشَبٌ مُحَبَّبٌ وَمَنْ يَفْتَقِرْ يَعِشْ عَيْشَ ضُرِّ فَكَانَ مِنْ شُرُوطِ الْكَفَاءَةِ ، كَالنَّسَبِ .\rوَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ ، لَيْسَ بِشَرْطٍ ؛ لِأَنَّ الْفَقْرَ شَرَفٌ فِي الدِّينِ ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مِسْكِينًا ، وَأَمِتْنِي مِسْكِينًا } .\rوَلَيْسَ هُوَ أَمْرًا لَازِمًا ، فَأَشْبَهَ الْعَافِيَةَ مِنْ الْمَرَضِ ، وَالْيَسَارُ الْمُعْتَبَرُ مَا يَقْدِرُ بِهِ عَلَى الْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا ، حَسْبَ مَا يَجِبُ لَهَا ، وَيُمْكِنُهُ أَدَاءُ مَهْرِهَا .\r( 5194 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا الصِّنَاعَةُ ، فَفِيهَا رِوَايَتَانِ أَيْضًا ؛ إحْدَاهُمَا ، أَنَّهَا شَرْطٌ ، فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّنَائِعِ الدَّنِيئَةِ ، كَالْحَائِكِ ، وَالْحَجَّامِ ، وَالْحَارِسِ ، وَالْكَسَّاحِ ، وَالدَّبَّاغِ ، وَالْقَيِّمِ ، وَالْحَمَّامِيِّ ، وَالزَّبَّالِ ، فَلَيْسَ بِكُفْءٍ لِبَنَاتِ ذَوِي الْمُرُوءَاتِ ، أَوْ أَصْحَابِ الصَّنَائِعِ الْجَلِيلَةِ ، كَالتِّجَارَةِ ، وَالْبِنَايَةِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ نَقْصٌ فِي عُرْفِ النَّاسِ ، فَأَشْبَهَ نَقْصَ النَّسَبِ ، وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ : { الْعَرَبُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ أَكْفَاءٌ ، إلَّا حَائِكًا ، أَوْ حَجَّامًا } .\rقِيلَ لِأَحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ : وَكَيْفَ تَأْخُذُ بِهِ وَأَنْتَ تُضَعِّفُهُ ؟ قَالَ : الْعَمَلُ","part":14,"page":421},{"id":6921,"text":"عَلَيْهِ .\rيَعْنِي أَنَّهُ وَرَدَ مُوَافِقًا لِأَهْلِ الْعُرْفِ .\rوَرُوِيَ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِنَقْصٍ ، وَيُرْوَى نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِنَقْصٍ فِي الدِّينِ ، وَلَا هُوَ لَازِمٌ ، فَأَشْبَهَ الضَّعْفَ وَالْمَرَضَ ، قَالَ بَعْضُهُمْ : أَلَا إنَّمَا التَّقْوَى هِيَ الْعِزُّ وَالْكَرَمُ وَحُبُّك لِلدُّنْيَا هُوَ الذُّلُّ وَالسَّقَمُ وَلَيْسَ عَلَى عَبْدٍ تَقِيٍّ نَقِيصَةٌ إذَا حَقَّقَ التَّقْوَى وَإِنْ حَاكَ أَوْ حَجَمَ وَأَمَّا السَّلَامَةُ مِنْ الْعُيُوبِ ، فَلَيْسَ مِنْ شُرُوطِ الْكَفَاءَةِ ، فَإِنَّهُ لَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ لَا يَبْطُلُ النِّكَاحُ بِعَدَمِهَا ، وَلَكِنَّهَا تُثْبِتُ الْخِيَارَ لِلْمَرْأَةِ دُونَ الْأَوْلِيَاءِ ؛ لِأَنَّ ضَرَرَهُ مُخْتَصٌّ بِهَا .\rوَلِوَلِيِّهَا مَنْعُهَا مِنْ نِكَاحِ الْمَجْذُومِ وَالْأَبْرَصِ وَالْمَجْنُونِ ، وَمَا عَدَا هَذَا فَلَيْسَ بِمُعْتَبَرٍ فِي الْكَفَاءَةِ .","part":14,"page":422},{"id":6922,"text":"فَصْلٌ : مَنْ أَسْلَمَ أَوْ عَتَقَ مِنْ الْعَبِيدِ ، فَهُوَ كُفْءٌ لِمَنْ لَهُ أَبَوَانِ فِي الْإِسْلَامِ وَالْحُرِّيَّةِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَيْسَ بِكُفْءٍ .\rوَلَيْسَ بِصَحِيحٍ ؛ فَإِنَّ الصَّحَابَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، أَكْثَرُهُمْ أَسْلَمُوا ، وَكَانُوا أَفْضَلَ الْأُمَّةِ ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ : إنَّهُمْ غَيْرُ أَكْفَاءٍ لِلتَّابِعِينَ .","part":14,"page":423},{"id":6923,"text":"( 5196 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا وَلَدُ الزِّنَا ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَكُونَ كُفُؤًا لِذَاتِ نَسَبٍ ؛ فَإِنَّ أَحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ ذُكِرَ لَهُ أَنَّهُ يَنْكِحُ وَيُنْكَحُ إلَيْهِ ؟ فَكَأَنَّهُ لَمْ يُجِبْ .\rوَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ تُعَيَّرُ بِهِ هِيَ وَأَوْلِيَاؤُهَا ، وَيَتَعَدَّى ذَلِكَ إلَى وَلَدِهَا .\rوَأَمَّا كَوْنُهُ لَيْسَ بِكُفْءٍ لِعَرَبِيَّةٍ ، فَلَا إشْكَالَ فِيهِ ؛ لِأَنَّهُ أَدْنَى حَالًا مِنْ الْمَوْلَى .","part":14,"page":424},{"id":6924,"text":"( 5197 ) فَصْلٌ : وَالْمَوَالِي بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ أَكْفَاءٌ ، وَكَذَلِكَ الْعَجَمُ ، قَالَ أَحْمَدُ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي رَجُلٍ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ لَهُ مَوْلَاةٌ : يُزَوِّجُهَا الْخُرَاسَانِيَّ ، وَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَوَالِي الْقَوْمِ مِنْ أَنْفُسِهِمْ } .\rهُوَ فِي الصَّدَقَةِ ، فَأَمَّا فِي النِّكَاحِ فَلْيَنْكِحْ .\rوَذَكَرَ الْقَاضِي رِوَايَةً عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّ مَوْلَى الْقَوْمِ يُكَافِئُهُمْ ؛ لِهَذَا الْخَبَرِ ، { وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَوَّجَ زَيْدًا وَأُسَامَةَ عَرَبِيَّتَيْنِ ، } وَلِأَنَّ مَوَالِيَ بَنِي هَاشِمٍ سَاوُوهُمْ فِي حِرْمَانِ الصَّدَقَةِ ، فَيُسَاوُونَهُمْ فِي الْكَفَاءَةِ وَلَيْسَ هَذَا بِصَحِيحٍ ؛ فَإِنَّهُ يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ الْمَوَالِي أَكْفَاءَ لِلْعَرَبِ ، فَإِنَّ الْمَوْلَى إذَا كَانَ كُفْءَ سَيِّدِهِ كَانَ كُفُؤًا لِمَنْ يُكَافِئُهُ سَيِّدُهُ ، فَيَبْطُلُ اعْتِبَارُ الْمَنْصِبِ ، وَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ هَذَا الْحَدِيثُ فِي الصَّدَقَةِ ، لَا فِي النِّكَاحِ .\rوَلِهَذَا لَا يُسَاوُونَهُمْ فِي اسْتِحْقَاقِ الْخُمُسِ ، وَلَا فِي الْإِمَامَةِ ، وَلَا فِي الشَّرَفِ .\rوَأَمَّا زَيْدٌ وَأُسَامَةُ ، فَقَدْ اُسْتُدِلَّ بِنِكَاحِهِمَا عَرَبِيَّتَيْنِ عَلَى أَنَّ فَقْدَ الْكَفَاءَةِ لَا يُبْطِلُ النِّكَاحَ ، وَاعْتَذَرَ أَحْمَدُ عَنْ تَزْوِيجِهِمَا ، بِأَنَّهُمَا عَرَبِيَّانِ ، فَإِنَّهُمَا مِنْ كَلْبٍ ، وَإِنَّمَا طَرَأَ عَلَيْهِمَا رِقٌّ .\rفَعَلَى هَذَا يَكُونُ هَذَا حُكْمَ كُلِّ عَرَبِيِّ الْأَصْلِ .","part":14,"page":425},{"id":6925,"text":"( 5198 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا أَهْلُ الْبِدَعِ ، فَإِنَّ أَحْمَدَ قَالَ فِي الرَّجُلِ يُزَوِّجُ الْجَهْمِيُّ : يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا .\rوَكَذَلِكَ إذَا زَوَّجَ الْوَاقِفِيّ ، إذَا كَانَ يُخَاصِمُ وَيَدْعُو ، وَإِذَا زَوَّجَ أُخْتَهُ مِنْ هَؤُلَاءِ اللَّفْظِيَّةِ ، وَقَدْ كَتَبَ الْحَدِيثَ ، فَهَذَا شَرٌّ مِنْ جَهْمِي ، يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا .\rوَقَالَ : لَا يُزَوِّجُ بِنْتَهُ مِنْ حَرُورِيٍّ مَرَقَ مِنْ الدِّينِ ، وَلَا مِنْ الرَّافِضِيِّ ، وَلَا مِنْ الْقَدَرِيِّ ، فَإِذَا كَانَ لَا يَدْعُو فَلَا بَأْسَ .\rوَقَالَ : مَنْ لَمْ يُرَبِّعْ بِعَلِيِّ فِي الْخِلَافَةِ ، فَلَا تُنَاكِحُوهُ ، وَلَا تُكَلِّمُوهُ .\rقَالَ الْقَاضِي : الْمُقَلِّدُ مِنْهُمْ يَصِحُّ تَزْوِيجُهُ ، وَمَنْ كَانَ دَاعِيَةً مِنْهُمْ فَلَا يَصِحُّ تَزْوِيجُهُ .","part":14,"page":426},{"id":6926,"text":"( 5199 ) فَصْلٌ : وَالْكَفَاءَةُ مُعْتَبَرَةٌ فِي الرَّجُلِ دُونَ الْمَرْأَةِ ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا مُكَافِئَ لَهُ ، وَقَدْ تَزَوَّجَ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ ، وَتَزَوَّجَ صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيِّ ، وَتَسَرَّى بِالْإِمَاءِ ، وَقَالَ : { مَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ جَارِيَةٌ ، فَعَلَّمَهَا ، وَأَحْسَنَ تَعْلِيمَهَا ، وَأَحْسَنَ إلَيْهَا ، ثُمَّ أَعْتَقَهَا وَتَزَوَّجَهَا ، فَلَهُ أَجْرَانِ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَلِأَنَّ الْوَلَدَ يَشْرُفُ بِشَرَفِ أَبِيهِ ، لَا بِأُمِّهِ ، فَلَمْ يُعْتَبَرْ ذَلِكَ فِي الْأُمِّ .","part":14,"page":427},{"id":6927,"text":"( 5200 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : وَإِذَا زَوَّجَ الرَّجُلُ ابْنَتَهُ الْبِكْرَ ، فَوَضَعَهَا فِي كَفَاءَةٍ ، فَالنِّكَاحُ ثَابِتٌ ، وَإِنْ كَرِهَتْ ، كَبِيرَةً كَانَتْ أَوْ صَغِيرَةً .\rأَمَّا الْبِكْرُ الصَّغِيرَةُ ، فَلَا خِلَافَ فِيهَا .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ، أَنَّ نِكَاحَ الْأَبِ ابْنَتَهُ الْبِكْرَ الصَّغِيرَةَ جَائِزٌ ، إذَا زَوَّجَهَا مِنْ كُفْءٍ ، وَيَجُوزُ لَهُ تَزْوِيجُهَا مَعَ كَرَاهِيَتِهَا وَامْتِنَاعِهَا .\rوَقَدْ دَلَّ عَلَى جَوَازِ تَزْوِيجِ الصَّغِيرَةِ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { وَاَللَّائِي يَئِسْنَ مِنْ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إنْ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاَللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ } فَجَعَلَ لِلَّائِي لَمْ يَحِضْنَ عِدَّةَ ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ ، وَلَا تَكُونُ الْعِدَّةُ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ إلَّا مِنْ طَلَاقٍ فِي نِكَاحٍ أَوْ فَسْخٍ ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهَا تُزَوَّجُ وَتَطْلُقُ ، وَلَا إذْنَ لَهَا فَيُعْتَبَرُ وَقَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا : { تَزَوَّجَنِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا ابْنَةُ سِتٍّ ، وَبَنَى بِي وَأَنَا ابْنَةُ تِسْعٍ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَمَعْلُومٌ أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ فِي تِلْكَ الْحَالِ مِمَّنْ يُعْتَبَرُ إذْنُهَا .\rوَرَوَى الْأَثْرَمُ ، أَنَّ قُدَامَةَ بْنَ مَظْعُونٍ تَزَوَّجَ ابْنَةَ الزُّبَيْرِ حِين نَفِسَتْ ، فَقِيلَ لَهُ ، فَقَالَ : ابْنَةُ الزُّبَيْرِ إنْ مِتّ وَرِثَتْنِي ، وَإِنْ عِشْت كَانَتْ امْرَأَتِي .\rوَزَوَّجَ عَلِيٌّ ابْنَتَهُ أُمَّ كُلْثُومٍ وَهِيَ صَغِيرَةٌ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا .\rوَأَمَّا الْبِكْرُ الْبَالِغَةُ الْعَاقِلَةُ ، فَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، لَهُ إجْبَارُهَا عَلَى النِّكَاحِ ، وَتَزْوِيجُهَا بِغَيْرِ إذْنِهَا ، كَالصَّغِيرَةِ وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ ، وَابْنِ أَبِي لَيْلَى ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَإِسْحَاقَ وَالثَّانِيَةُ ، لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ ، اخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الْأَوْزَاعِيِّ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَأَبِي عُبَيْدٍ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ ؛ لِمَا رَوَى أَبُو","part":14,"page":428},{"id":6928,"text":"هُرَيْرَةَ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا تُنْكَحُ الْأَيِّمُ حَتَّى تُسْتَأْمَرَ ، وَلَا تُنْكَحُ الْبِكْرُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ .\rفَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَكَيْفَ إذْنُهَا ؟ قَالَ : أَنْ تَسْكُتَ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَرَوَى أَبُو دَاوُد ، وَابْنُ مَاجَهْ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، { أَنَّ جَارِيَةً بِكْرًا ، أَتَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَتْ أَنَّ أَبَاهَا زَوَّجَهَا وَهِيَ كَارِهَةٌ ، فَخَيَّرَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\r} وَلِأَنَّهَا جَائِزَةُ التَّصَرُّفِ فِي مَالِهَا ، فَلَمْ يَجُزْ إجْبَارُهَا ، كَالثَّيِّبِ ، وَالرَّجُلِ وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى ، مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الْأَيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا ، وَالْبِكْرُ تُسْتَأْذَنُ ، وَإِذْنُهَا صُمَاتُهَا } رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد .\rفَلَمَّا قَسَمَ النِّسَاءَ قِسْمَيْنِ ، وَأَثْبَتَ الْحَقَّ لِأَحَدِهِمَا ، دَلَّ عَلَى نَفْيِهِ عَنْ الْآخَرِ ، وَهِيَ الْبِكْرُ فَيَكُونُ وَلِيُّهَا أَحَقَّ مِنْهَا بِهَا ، وَدَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّ الِاسْتِئْمَارَ هَاهُنَا ، وَالِاسْتِئْذَانَ فِي حَدِيثِهِمْ مُسْتَحَبٌّ ، لَيْسَ بِوَاجِبٍ ، لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { آمِرُوا النِّسَاءَ فِي بَنَاتِهِنَّ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَحَدِيثُ الَّتِي خَيَّرَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُرْسَلٌ ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهَا الَّتِي زَوَّجَهَا أَبُوهَا مِنْ ابْنِ أَخِيهِ لِيَرْفَعَ بِهَا خَسِيسَتَهُ ، فَتَخْيِيرُهَا لِذَلِكَ ، وَلِأَنَّ مَا لَا يُشْتَرَطُ فِي نِكَاحِ الصَّغِيرَةِ لَا يُشْتَرَطُ فِي نِكَاحِ الْكَبِيرَةِ ، كَالنُّطْقِ .\rوَقَوْلُ الْخِرَقِيِّ فَوَضَعَهَا فِي كَفَاءَةٍ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ إذَا زَوَّجَهَا مِنْ غَيْرِ كُفْءٍ ، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ .\rوَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ ، وَأَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ تَزْوِيجُهَا مِنْ غَيْرِ كُفْءٍ ، فَلَمْ يَصِحَّ .\rكَسَائِرِ الْأَنْكِحَةِ","part":14,"page":429},{"id":6929,"text":"الْمُحَرَّمَةِ ، وَلِأَنَّهُ عَقَدَ لِمُوَلِّيَتِهِ عَقْدًا لَا حَظَّ لَهَا فِيهِ بِغَيْرِ إذْنِهَا ، فَلَمْ يَصِحَّ ، كَبَيْعِهِ عَقَارَهَا مِنْ غَيْرِ غِبْطَةٍ وَلَا حَاجَةٍ ، أَوْ بَيْعِهِ بِدُونِ ثَمَنِ مِثْلِهِ ، وَلِأَنَّهُ نَائِبٌ عَنْهَا شَرْعًا ، فَلَمْ يَصِحَّ تَصَرُّفُهُ لَهَا شَرْعًا بِمَا لَا حَظَّ لَهَا فِيهِ كَالْوَكِيلِ وَالثَّانِيَةُ ، يَصِحُّ ؛ لِأَنَّهُ عَيْبٌ فِي الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ ، فَلَمْ يَمْنَعْ الصِّحَّةَ ، كَشِرَاءِ الْمَعِيبِ الَّذِي لَا يُعْلَمُ عَيْبُهُ .\rوَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَصِحَّ النِّكَاحُ ، إذَا عَلِمَ أَنَّ الزَّوْجَ لَيْسَ بِكُفْءٍ ، وَيَصِحُّ إذَا لَمْ يَعْلَمْ ؛ لِأَنَّهُ إذَا عَلِمَ حَرُمَ عَلَيْهِ الْعَقْدُ ، فَبَطَلَ لِتَحْرِيمِهِ ، بِخِلَافِ مَا لَمْ يَعْلَمْهُ ، كَمَا لَوْ اشْتَرَى لَهَا مَعِيبًا يَعْلَمُ عَيْبَهُ .\rوَيُحْتَمَلُ أَنْ يَصِحَّ نِكَاحُ الْكَبِيرَةِ ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ اسْتِدْرَاكُ الضَّرَرِ ، بِإِثْبَاتِ الْخِيَارِ لَهَا ، فَتُفْسَخُ إنْ كَرِهَتْ ، وَإِنْ لَمْ تَفْسَخْ كَانَ كَإِجَازَتِهَا وَإِذْنِهَا ، بِخِلَافِ نِكَاحِ الصَّغِيرَةِ .\rوَعَلَى الْقَوْلِ بِصِحَّتِهِ ؛ فَإِنْ كَانَتْ كَبِيرَةً ، فَلَهَا الْخِيَارُ ، وَلَا خِيَارَ لِأَبِيهَا إذَا كَانَ عَالِمًا ؛ لِأَنَّهُ أَسْقَطَ حَقَّهُ بِرِضَاهُ ، وَإِنْ كَانَتْ صَغِيرَةً ، فَعَلَيْهِ الْفَسْخُ ، وَلَا يَسْقُطُ بِرِضَاهُ ؛ لِأَنَّهُ يَفْسَخُ لِحَظِّهَا ، وَحَقُّهَا لَا يَسْقُطُ بِرِضَاهُ .\rوَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ الْفَسْخُ ، وَلَكِنْ يَمْنَعُ الدُّخُولَ عَلَيْهَا حَتَّى تَبْلُغَ فَتَخْتَارَ .\rوَإِنْ كَانَ لَهَا وَلِيٌّ غَيْرَ الْأَبِ ، فَلَهَا الْفَسْخُ عَلَى مَا مَضَى .\rوَعَلَى كِلْتَا الرِّوَايَتَيْنِ ، فَلَا يَحِلُّ لَهُ تَزْوِيجُهَا مِنْ غَيْرِ كُفْءٍ ، وَلَا مِنْ مَعِيبٍ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَقَامَهُ مُقَامَهَا ، نَاظِرًا لَهَا فِيمَا فِيهِ الْحَظُّ ، وَمُتَصَرِّفًا لَهَا ، لِعَجْزِهَا عَنْ التَّصَرُّفِ فِي نَفْسِهَا ، فَلَا يَجُوزُ لَهُ فِعْلُ مَا لَا حَظَّ لَهَا فِيهِ ، كَمَا فِي مَالِهَا ، وَلِأَنَّهُ إذَا حَرُمَ عَلَيْهِ التَّصَرُّفُ فِي مَالِهَا بِمَا لَا حَظَّ فِيهِ ، فَفِي نَفْسِهَا أَوْلَى .","part":14,"page":430},{"id":6930,"text":"( 5201 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : وَلَيْسَ هَذَا لِغَيْرِ الْأَبِ .\rيَعْنِي لَيْسَ لِغَيْرِ الْأَبِ إجْبَارُ كَبِيرَةٍ ، وَلَا تَزْوِيجُ صَغِيرَةٍ ، جِدًّا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ .\rوَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ وَالثَّوْرِيُّ ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى .\rوَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ إلَّا فِي الْجَدِّ ، فَإِنَّهُ جَعَلَهُ كَالْأَبِ ؛ لِأَنَّ وِلَايَتَهُ وِلَايَةُ إيلَادٍ ، فَمَلَكَ إجْبَارَهَا كَالْأَبِ .\rوَقَالَ الْحَسَنُ ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَعَطَاءٌ ، وَطَاوُسٌ ، وَقَتَادَةُ ، وَابْنُ شُبْرُمَةَ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ : لِغَيْرِ الْأَبِ تَزْوِيجُ الصَّغِيرَةِ ، وَلَهَا الْخِيَارُ إذَا بَلَغَتْ .\rوَقَالَ هَؤُلَاءِ غَيْرُ أَبِي حَنِيفَةَ : إذَا زَوَّجَ الصَّغِيرَيْنِ غَيْرُ الْأَبِ ، فَلَهُمَا الْخِيَارُ إذَا بَلَغَا .\rقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : وَقَدْ نَقَلَ عَبْدُ اللَّهِ ، عَنْ أَبِيهِ ، كَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : { وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنْ النِّسَاءِ } .\rفَمَفْهُومُهُ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَخَفْ ، فَلَهُ تَزْوِيجُ الْيَتِيمَةِ ، وَالْيَتِيمُ مَنْ لَمْ يَبْلُغْ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا يُتْمَ بَعْدَ احْتِلَامٍ } .\rقَالَ عُرْوَةُ : سَأَلْت عَائِشَةَ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى } .\rفَقَالَتْ : يَا ابْنَ أُخْتِي ، هَذِهِ الْيَتِيمَةُ تَكُونُ فِي حِجْرِ وَلِيِّهَا ، فَيُشْرِكُهَا فِي مَالِهَا ، وَيُعْجِبُهُ مَالُهَا وَجَمَالُهَا ، فَيُرِيدُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا بِغَيْرِ أَنْ يُقْسِطَ فِي صَدَاقِهَا ، فَيُعْطِيهَا مِثْلَ مَا يُعْطِيهَا غَيْرُهُ ، فَنُهُوا عَنْ نِكَاحِهِنَّ إلَّا أَنْ يُقْسِطُوا فِيهِنَّ ، وَيَبْلُغُوا أَعْلَى سُنَّتِهِنَّ فِي الصَّدَاقِ .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَلِأَنَّهُ وَلِيٌّ فِي النِّكَاحِ ، فَمَلَكَ التَّزْوِيجَ كَالْأَبِ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { تُسْتَأْمَرُ الْيَتِيمَةُ فِي نَفْسِهَا ، فَإِنْ سَكَتَتْ فَهُوَ إذْنُهَا ، وَإِنْ أَبَتْ ، فَلَا جَوَازَ عَلَيْهَا } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد ،","part":14,"page":431},{"id":6931,"text":"وَالنَّسَائِيُّ .\rوَرُوِيَ ابْنُ عُمَرَ ، { أَنَّ قُدَامَةَ بْنَ مَظْعُونٍ زَوَّجَ ابْنَ عُمَرَ ابْنَةَ أَخِيهِ عُثْمَانَ ، فَرُفِعَ ذَلِكَ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : إنَّهَا يَتِيمَةٌ ، وَلَا تُنْكَحُ إلَّا بِإِذْنِهَا } .\rوَالْيَتِيمَةُ : الصَّغِيرَةُ الَّتِي مَاتَ أَبُوهَا .\rوَلِأَنَّ غَيْرَ الْأَبِ قَاصِرُ الشَّفَقَةِ ، فَلَا يَلِي نِكَاحَ الصَّغِيرَةِ ، كَالْأَجْنَبِيِّ ، وَغَيْرُ الْجَدِّ لَا يَلِي مَالَهَا ، فَلَا يَسْتَبِدُّ بِنِكَاحِهَا ، كَالْأَجْنَبِيِّ .\rوَلِأَنَّ الْجَدَّ يُدْلِي بِوِلَايَةِ غَيْرِهِ ، فَأَشْبَهَ سَائِرَ الْعَصَبَاتِ ، وَفَارَقَ الْأَبَ ، فَإِنَّهُ يُدْلِي بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ ، وَيُسْقِطُ الْإِخْوَةَ وَالْجَدَّ ، وَيَحْجُبُ الْأُمَّ عَنْ ثُلُثِ الْمَالِ إلَى ثُلُثِ الْبَاقِي فِي زَوْجٍ وَأَبَوَيْنِ أَوْ زَوْجَةٍ وَأَبَوَيْنِ .\rوَالْآيَةُ مَحْمُولَةٌ عَلَى الْبَالِغَةِ بِدَلِيلِ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ } .\rوَإِنَّمَا يُدْفَعُ إلَى الْكَبِيرَةِ ، أَوْ نَحْمِلُهَا عَلَى بِنْتِ تِسْعٍ .","part":14,"page":432},{"id":6932,"text":"( 5202 ) فَصْلٌ : وَإِذَا بَلَغَتْ الْجَارِيَةُ تِسْعَ سِنِينَ ، فَفِيهَا رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، أَنَّهَا كَمَنْ لَمْ تَبْلُغْ تِسْعًا ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ .\rوَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَسَائِرِ الْفُقَهَاءِ .\rقَالُوا : حُكْمُ بِنْتِ تِسْعِ سِنِينَ ، حُكْمُ بِنْتِ ثَمَانٍ ؛ لِأَنَّهَا غَيْرُ بَالِغَةٍ ، وَلِأَنَّ إذْنَهَا لَا يُعْتَبَرُ فِي سَائِرِ التَّصَرُّفَاتِ ، فَكَذَلِكَ فِي النِّكَاحِ .\rوَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ ، حُكْمُهَا حُكْمُ الْبَالِغَةِ .\rنَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ ؛ لِمَفْهُومِ الْآيَةِ ، وَدَلَالَةِ الْخَبَرِ بِعُمُومِهَا ، عَلَى أَنَّ الْيَتِيمَةَ تُنْكَحُ بِإِذْنِهَا ، وَإِنْ أَبَتْ فَلَا جَوَازَ عَلَيْهَا ، وَقَدْ انْتَفَى بِهِ الْإِذْنُ فِي مَنْ دُونَهَا ، فَيَجِبُ حَمْلُهُ عَلَى مَنْ بَلَغَتْ تِسْعًا .\rوَقَدْ رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ : إذَا بَلَغَتْ الْجَارِيَةُ تِسْعَ سِنِينَ فَهِيَ امْرَأَةٌ وَرَوَاهُ الْقَاضِي بِإِسْنَادِهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rبِمَعْنَاهُ : فِي حُكْمِ الْمَرْأَةِ .\rوَلِأَنَّهَا بَلَغَتْ سِنًّا يُمْكِنُ فِيهِ حَيْضُهَا ، وَيَحْدُثُ لَهَا حَاجَةٌ إلَى النِّكَاحِ ، فَيُبَاحُ تَزْوِيجُهَا كَالْبَالِغَةِ .\rفَعَلَى هَذَا إذَا زُوِّجَتْ ثُمَّ بَلَغَتْ ، لَمْ يَكُنْ لَهَا خِيَارٌ ، كَالْبَالِغَةِ إذَا زُوِّجَتْ .\rوَقَدْ خَطَبَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أُمَّ كُلْثُومٍ ابْنَةَ أَبِي بَكْرٍ بَعْدَ مَوْتِهِ إلَى عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فَأَجَابَتْهُ ، وَهِيَ لِدُونِ عَشْرٍ ، لِأَنَّهَا إنَّمَا وُلِدَتْ بَعْدَ مَوْتِ أَبِيهَا ، وَإِنَّمَا كَانَتْ وِلَايَةُ عُمَرَ عَشْرًا ، فَكَرِهَتْهُ الْجَارِيَةُ ، فَتَزَوَّجَهَا طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ ، وَلَمْ يُنْكِرْهُ مُنْكِرٌ ، فَدَلَّ عَلَى اتِّفَاقِهِمْ عَلَى صِحَّةِ تَزْوِيجِهَا قَبْلَ بُلُوغِهَا بِوِلَايَةِ غَيْرِ أَبِيهَا .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":14,"page":433},{"id":6933,"text":"( 5203 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : وَلَوْ اسْتَأْذَنَ الْبِكْرَ الْبَالِغَةَ وَالِدُهَا ، كَانَ حَسَنًا .\rلَا نَعْلَمُ خِلَافًا فِي اسْتِحْبَابِ اسْتِئْذَانِهَا ، فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ أَمَرَ بِهِ ، وَنَهَى عَنْ النِّكَاحِ بِدُونِهِ ، وَأَقَلُّ أَحْوَالِ ذَلِكَ الِاسْتِحْبَابُ ، وَلِأَنَّ فِيهِ تَطْيِيبَ قَلْبِهَا ، وَخُرُوجًا مِنْ الْخِلَافِ .\rوَقَالَتْ عَائِشَةُ : سَأَلْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْجَارِيَةِ يَنْكِحُهَا أَهْلُهَا ، أَتُسْتَأْمَرُ أَمْ لَا ؟ فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( نَعَمْ ، تُسْتَأْمَرُ ) .\rوَقَالَ : { اسْتَأْمِرُوا النِّسَاءَ فِي أَبْضَاعِهِنَّ ؛ فَإِنَّ الْبِكْرَ تَسْتَحْيِي ، فَتَسْكُتُ ، فَهُوَ إذْنُهَا } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا وَرُوِيَ عَنْ عَطَاءٍ ، قَالَ : { كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَأْمِرُ بَنَاتِهِ إذَا أَنْكَحَهُنَّ .\rقَالَ : كَانَ يَجْلِسُ عِنْدَ خِدْرِ الْمَخْطُوبَةِ ، فَيَقُولُ : إنَّ فُلَانًا يَذْكُرُ فُلَانَةَ فَإِنْ حَرَّكَتْ الْخِدْرَ لَمْ يُزَوِّجْهَا ، وَإِنْ سَكَتَتْ زَوَّجَهَا } .","part":14,"page":434},{"id":6934,"text":"( 5204 ) فَصْلٌ : وَيُسْتَحَبُّ اسْتِئْذَانُ الْمَرْأَةِ فِي تَزْوِيجِ ابْنَتِهَا ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { آمِرُوا النِّسَاءَ فِي بَنَاتِهِنَّ } .\rوَلِأَنَّهَا تُشَارِكُهُ فِي النَّظَرِ لِابْنَتِهَا ، وَتَحْصِيلِ الْمُصْلِحَةِ لَهَا ، لِشَفَقَتِهَا عَلَيْهَا ، وَفِي اسْتِئْذَانِهَا تَطْيِيبُ قَلْبِهَا ، وَإِرْضَاءٌ لَهَا فَتَكُونُ أَوْلَى .","part":14,"page":435},{"id":6935,"text":"( 5205 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِذَا زَوَّجَ ابْنَتَهُ الثَّيِّبَ بِغَيْرِ إذْنِهَا ، فَالنِّكَاحُ بَاطِلٌ ، وَإِنْ رَضِيَتْ بَعْدُ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الثَّيِّبَ تَنْقَسِمُ قِسْمَيْنِ ؛ كَبِيرَةً ، وَصَغِيرَةً ، فَأَمَّا الْكَبِيرَةُ ، فَلَا يَجُوزُ لِلْأَبِ وَلَا لِغَيْرِهِ تَزْوِيجُهَا إلَّا بِإِذْنِهَا ، فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، إلَّا الْحَسَنَ قَالَ : لَهُ تَزْوِيجُهَا وَإِنْ كَرِهَتْ .\rوَالنَّخَعِيُّ قَالَ : يُزَوِّجُ بِنْتَهُ إذَا كَانَتْ فِي عِيَالِهِ ، فَإِنْ كَانَتْ بَائِنَةً فِي بَيْتِهَا مَعَ عِيَالِهَا اسْتَأْمَرَهَا .\rقَالَ إسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ : لَا أَعْلَمُ أَحَدًا قَالَ فِي الْبِنْتِ .\rبِقَوْلِ الْحَسَنِ ، وَهُوَ قَوْلٌ شَاذٌّ ، خَالَفَ فِيهِ أَهْلَ الْعِلْمِ وَالسُّنَّةَ الثَّابِتَةَ ، فَإِنَّ الْخَنْسَاءَ ابْنَةَ خِذَامٍ الْأَنْصَارِيَّةَ ، رَوَتْ أَنَّ أَبَاهَا زَوَّجَهَا وَهِيَ ثَيِّبٌ ، فَكَرِهَتْ ذَلِكَ ، فَأَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَدَّ نِكَاحَهُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ، وَالْأَئِمَّةُ كُلُّهُمْ .\rوَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : هَذَا الْحَدِيثُ مَجْمَعٌ عَلَى صِحَّتِهِ ، وَالْقَوْلِ بِهِ ، لَا نَعْلَمُ مُخَالِفًا لَهُ إلَّا الْحَسَنَ ، وَكَانَتْ الْخَنْسَاءُ مِنْ أَهْلِ قُبَاءَ ، وَكَانَتْ تَحْتَ أُنَيْسٌ بْنِ قَتَادَةَ ، فَقُتِلَ عَنْهَا يَوْمَ أُحُدٍ ، فَزَوَّجَهَا أَبُوهَا رَجُلًا مِنْ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ ، فَكَرِهَتْهُ ، وَشَكَتْ ذَلِكَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَدَّ نِكَاحَهَا ، وَنَكَحَتْ أَبَا لُبَابَةَ بْنَ عَبْدِ الْمُنْذِرِ .\rوَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { لَا تُنْكَحُ الْأَيِّمُ حَتَّى تُسْتَأْمَرَ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَقَالَ : { الْأَيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا } .\rوَرَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { لَيْسَ لِلْوَلِيِّ مَعَ الثَّيِّبِ أَمْرٌ } رَوَاهُمَا النَّسَائِيّ وَأَبُو دَاوُد .\rوَلِأَنَّهَا رَشِيدَةٌ عَالِمَةٌ بِالْمَقْصُودِ مِنْ النِّكَاحِ مُخْتَبَرَةٌ ، فَلَمْ يَجُزْ","part":14,"page":436},{"id":6936,"text":"إجْبَارُهَا عَلَيْهِ ، كَالرَّجُلِ .\rالْقِسْمُ الثَّانِي ، الثَّيِّبُ الصَّغِيرَةُ ، وَفِي تَزْوِيجِهَا وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، لَا يَجُوزُ تَزْوِيجُهَا ، وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ .\rوَاخْتَارَهُ ابْنُ حَامِدٍ ، وَابْنُ بَطَّةَ ، وَالْقَاضِي ، وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِعُمُومِ الْأَخْبَارِ ، وَلِأَنَّ الْإِجْبَارَ يَخْتَلِفُ بِالْبَكَارَةِ وَالثُّيُوبَةِ ، لَا بِالصِّغَرِ وَالْكِبَرِ ، وَهَذِهِ ثَيِّبٌ ، وَلِأَنَّ فِي تَأْخِيرِهَا فَائِدَةً ، وَهُوَ أَنْ تَبْلُغَ فَتَخْتَارَ لِنَفْسِهَا وَيُعْتَبَرَ إذْنُهَا ، فَوَجَبَ التَّأْخِيرُ ، بِخِلَافِ الْبِكْرِ .\rالْوَجْهُ الثَّانِي ، أَنَّ لِأَبِيهَا تَزْوِيجَهَا ، وَلَا يَسْتَأْمِرُهَا .\rاخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ وَعَبْدُ الْعَزِيزِ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّهَا صَغِيرَةٌ ، فَجَازَ إجْبَارُهَا كَالْبِكْرِ وَالْغُلَامِ يُحَقِّقُ ذَلِكَ أَنَّهَا لَا تَزِيدُ بِالثُّيُوبَةِ عَلَى مَا حَصَلَ لِلْغُلَامِ بِالذُّكُورِيَّةِ ، ثُمَّ الْغُلَامُ يُجْبَرُ إنْ كَانَ صَغِيرًا فَكَذَا هَذِهِ ، وَالْأَخْبَارُ مَحْمُولَةٌ عَلَى الْكَبِيرَةِ ، فَإِنَّهُ جَعَلَهَا أَحَقَّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا ، وَالصَّغِيرَةُ لَا حَقَّ لَهَا .\rوَيَتَخَرَّجُ وَجْهٌ ثَالِثٌ ، وَهُوَ أَنَّ ابْنَةَ تِسْعِ سِنِينَ يُزَوِّجُهَا وَلِيُّهَا بِإِذْنِهَا ، وَمَنْ دُونَ ذَلِكَ ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْخِلَافِ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا فِي الْبِكْرِ .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":14,"page":437},{"id":6937,"text":"( 5206 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِذْنُ الثَّيِّبِ الْكَلَامُ ، وَإِذْنُ الْبِكْرِ الصُّمَاتُ ) .\rأَمَّا الثَّيِّبُ ، فَلَا نَعْلَمُ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ خِلَافًا فِي أَنَّ إذْنَهَا الْكَلَامُ ؛ لِلْخَبَرِ ، وَلِأَنَّ اللِّسَانَ هُوَ الْمُعَبِّرُ عَمَّا فِي الْقَلْبِ ، وَهُوَ الْمُعْتَبَرُ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ يُعْتَبَرُ فِيهِ الْإِذْنُ ، غَيْرَ أَشْيَاءَ يَسِيرَةٍ أُقِيمَ فِيهَا الصَّمْتُ مُقَامَهُ لِعَارِضٍ .\rوَأَمَّا الْبِكْرُ فَإِذْنُهَا صُمَاتُهَا ، فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، مِنْهُمْ ؛ شُرَيْحٌ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَابْنُ شُبْرُمَةَ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ .\rوَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ الْوَلِيِّ أَبًا أَوْ غَيْرَهُ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ : فِي صَمْتِهَا فِي حَقِّ غَيْرِ الْأَبِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، لَا يَكُونُ إذْنًا ؛ لِأَنَّ الصُّمَاتَ عَدَمُ الْإِذْنِ ، فَلَا يَكُونُ إذْنًا ، وَلِأَنَّهُ مُحْتَمِلٌ الرِّضَا وَالْحَيَاءَ وَغَيْرِهِمَا ، فَلَا يَكُونُ إذْنًا ، كَمَا فِي حَقِّ الثَّيِّبِ ، وَإِنَّمَا اُكْتُفِيَ بِهِ فِي حَقِّ الْأَبِ ، لِأَنَّ رِضَاءَهَا غَيْرُ مُعْتَبَرٍ وَهَذَا شُذُوذٌ عَنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَتَرْكٌ لِلسُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ الصَّرِيحَةِ ، يُصَانُ الشَّافِعِيُّ عَنْ إضَافَتِهِ إلَيْهِ ، وَجَعْلِهِ مَذْهَبًا لَهُ ، مَعَ كَوْنِهِ مِنْ أَتْبَعْ النَّاسِ لِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا يُعَرِّجُ مُنْصِفٌ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ رِوَايَتُنَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { لَا تُنْكَحُ الْأَيِّمُ حَتَّى تُسْتَأْمَرَ ، وَلَا تُنْكَحُ الْبِكْرُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ .\rفَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَكَيْفَ إذْنُهَا ؟ قَالَ : أَنْ تَسْكُتَ } .\rوَفِي رِوَايَةٍ عَنْ عَائِشَةَ ، أَنَّهَا قَالَتْ : { يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنَّ الْبِكْرَ تَسْتَحْيِي .\rقَالَ : رِضَاهَا صُمَاتُهَا } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَفِي رِوَايَةٍ : { وَالْيَتِيمَةُ تُسْتَأْمَرُ ، فَصَمْتُهَا إقْرَارُهَا } .\rرَوَاهُ النَّسَائِيّ .\rوَفِي رِوَايَةٍ : { تُسْتَأْمَرُ الْيَتِيمَةُ فِي نَفْسِهَا ،","part":14,"page":438},{"id":6938,"text":"فَإِنْ سَكَتَتْ فَهُوَ إذْنُهَا } .\rوَهَذَا صَرِيحٌ فِي غَيْرِ ذَاتِ الْأَبِ .\rوَرَوَى الْأَثْرَمُ ، عَنْ عَدِيٍّ الْكِنْدِيِّ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { الثَّيِّبُ تُعْرِبُ عَنْ نَفْسِهَا ، وَالْبِكْرُ رِضَاهَا صَمْتُهَا } .\rوَالْأَخْبَارُ فِي هَذَا كَثِيرَةٌ .\rوَلِأَنَّ الْحَيَاءَ عُقْلَةٌ عَلَى لِسَانِهَا ، يَمْنَعُهَا النُّطْقَ بِالْإِذْنِ ، وَلَا تَسْتَحْيِي مِنْ إبَائِهَا وَامْتِنَاعِهَا ، فَإِذَا سَكَتَتْ غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهُ لِرِضَاهَا ، فَاكْتُفِيَ بِهِ وَمَا ذَكَرُوهُ يُفْضِي إلَى أَنْ لَا يَكُونَ صُمَاتُهَا إذْنًا فِي حَقِّ الْأَبِ أَيْضًا ؛ لِأَنَّهُمْ جَعَلُوا وُجُودَهُ كَعَدَمِهِ ، فَيَكُونُ إذًا رَدًّا عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْكُلِّيَّةِ ، وَاطِّرَاحًا لِلْأَخْبَارِ الصَّرِيحَةِ الْجَلِيَّةِ ، وَخَرْقًا لِإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ الْمَرْضِيَّةِ .\r( 5207 ) فَصْلٌ : فَإِنْ نَطَقَتْ بِالْإِذْنِ ، فَهُوَ أَبْلَغُ وَأَتَمُّ فِي الْإِذْنِ مِنْ صَمْتِهَا ، وَإِنْ بَكَتْ أَوْ ضَحِكَتْ ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ سُكُوتِهَا .\rوَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ : إنْ بَكَتْ فَلَيْسَ بِإِذْنٍ ؛ لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى الْكَرَاهِيَةِ ، وَلَيْسَ بِصَمْتٍ ، فَيَدْخُلُ فِي عُمُومِ الْحَدِيثِ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى أَبُو بَكْرٍ بِإِسْنَادِهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { تُسْتَأْمَرُ الْيَتِيمَةُ ، فَإِنْ بَكَتْ أَوْ سَكَتَتْ فَهُوَ رِضَاهَا ، وَإِنْ أَبَتْ فَلَا جَوَازَ عَلَيْهَا } وَلِأَنَّهَا غَيْرُ نَاطِقَةٍ بِالِامْتِنَاعِ مَعَ سَمَاعِهَا لِلِاسْتِئْذَانِ ، فَكَانَ إذْنًا مِنْهَا كَالصُّمَاتِ أَوْ الضَّحِكِ .\rوَالْبُكَاءُ يَدُلُّ عَلَى فَرْطِ الْحَيَاءِ ، لَا عَلَى الْكَرَاهَةِ ، وَلَوْ كَرِهَتْ لَامْتَنَعَتْ ، فَإِنَّهَا لَا تَسْتَحِي مِنْ الِامْتِنَاعِ ، وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ بِصَرِيحِهِ عَلَى أَنَّ الصَّمْتَ إذْنٌ ، وَبِمَعْنَاهُ عَلَى مَا فِي مَعْنَاهُ مِنْ الضَّحِكِ وَالْبُكَاءِ ، وَكَذَلِكَ أَقَمْنَا الضَّحِكَ مُقَامَهُ .","part":14,"page":439},{"id":6939,"text":"( 5208 ) فَصْلٌ : وَالثَّيِّبُ الْمُعْتَبَرُ نُطْقُهَا ، ، هِيَ الْمَوْطُوءَةُ فِي الْقُبُلِ ، سَوَاءٌ كَانَ الْوَطْءُ حَلَالًا أَوْ حَرَامًا .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ مَالِكٌ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ فِي الْمُصَابَةِ بِالْفُجُورِ : حُكْمُهَا حُكْمُ الْبِكْرِ فِي إذْنِهَا وَتَزْوِيجِهَا ؛ لِأَنَّ عِلَّةَ الِاكْتِفَاءِ بِصُمَاتِ الْبِكْرِ الْحَيَاءُ ، وَالْحَيَاءُ مِنْ الشَّيْءِ لَا يَزُولُ إلَّا بِمُبَاشَرَتِهِ ، وَهَذِهِ لَمْ تُبَاشِرْ بِالْإِذْنِ فِي النِّكَاحِ ، فَيَبْقَى حَيَاؤُهَا مِنْهُ بِحَالِهِ .\rوَلَنَا ، قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الثَّيِّبُ تُعْرِبُ عَنْ نَفْسِهَا } .\rوَلِأَنَّ قَوْلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا تُنْكَحُ الْأَيِّمُ حَتَّى تُسْتَأْمَرَ ، وَلَا تُنْكَحُ الْبِكْرُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ ، وَإِذْنُهَا أَنْ تَسْكُتَ } يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ نُطْقِ الثَّيِّبِ ؛ لِأَنَّهُ قَسَمَ النِّسَاءَ قِسْمَيْنِ ، فَجَعَلَ السُّكُوتَ إذْنًا لِأَحَدِهِمَا ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْآخَرُ بِخِلَافِهِ وَهَذِهِ ثَيِّبٌ ، فَإِنَّ الثَّيِّبَ هِيَ الْمَوْطُوءَةُ فِي الْقُبُلِ ، وَهَذِهِ كَذَلِكَ .\rوَلِأَنَّهُ لَوْ أَوْصَى لِثَيِّبِ النِّسَاءِ دَخَلَتْ فِي الْوَصِيَّةِ ، وَلَوْ أَوْصَى لِلْأَبْكَارِ لَمْ تَدْخُلْ ، وَلَوْ اشْتَرَطَهَا فِي التَّزْوِيجِ أَوْ الشِّرَاءِ بِكْرًا فَوَجَدَهَا مُصَابَةً بِالزِّنَا ، مَلَكَ الْفَسْخَ ، وَلِأَنَّهَا مَوْطُوءَةٌ فِي الْقُبُلِ ، فَأَشْبَهَتْ الْمَوْطُوءَةَ بِشُبْهَةٍ ، وَالتَّعْلِيلُ بِالْحَيَاءِ غَيْرُ صَحِيحٍ ، فَإِنَّهُ أَمْرٌ خَفِيٌّ لَا يُمْكِنُ اعْتِبَارُهُ بِنَفْسِهِ ، وَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ بِمَظِنَّتِهِ ، وَهِيَ الْبَكَارَةُ ، ثُمَّ هَذَا التَّعْلِيلُ يُفْضِي إلَى إبْطَالِ مَنْطُوقِ الْحَدِيثِ ، فَيَكُونُ بَاطِلًا فِي نَفْسِهِ ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْمُكْرَهَةِ وَالْمُطَاوِعَةِ ، وَعَلَى هَذَا لَيْسَ لِأَبِيهَا إجْبَارُهَا إذَا كَانَتْ بَالِغَةً ، وَفِي تَزْوِيجِهَا إنْ كَانَتْ صَغِيرَةً وَجْهَانِ .\rوَقَوْلُهُمْ : إنَّهَا لَمْ تُبَاشِرْ الْإِذْنَ .\rقُلْنَا : يَبْطُلُ بِالْمَوْطُوءَةِ بِشُبْهَةٍ ، أَوْ فِي مِلْكِ يَمِينٍ ، وَالْمُزَوَّجَةُ وَهِيَ صَغِيرَةٌ .","part":14,"page":440},{"id":6940,"text":"( 5209 ) فَصْلٌ : وَإِنْ ذَهَبَتْ عُذْرَتُهَا بِغَيْرِ جِمَاعٍ ، كَالْوَثْبَةِ ، أَوْ شِدَّةِ حَيْضَةٍ ، أَوْ بِإِصْبَعٍ أَوْ عُودٍ وَنَحْوِهِ ، فَحُكْمُهَا حُكْمُ الْأَبْكَارِ ذَكَرَهُ ابْنُ حَامِدٍ ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَخْتَبِرْ الْمَقْصُودَ ، وَلَا وُجِدَ وَطْؤُهَا فِي الْقُبُلِ ، فَأَشْبَهَتْ مَنْ لَمْ تَزُلْ عُذْرَتُهَا .\rوَلَوْ وَطِئَتْ فِي الدُّبُرِ لَمْ تَصِرْ ثَيِّبًا ، وَلَا حُكْمُهَا حُكْمُهُنَّ ؛ لِأَنَّهَا غَيْرُ مَوْطُوءَةٍ فِي الْقُبُلِ .","part":14,"page":441},{"id":6941,"text":"( 5210 ) فَصْلٌ : إذَا اخْتَلَفَ الزَّوْجُ وَالْمَرْأَةُ فِي إذْنِهَا لِوَلِيِّهَا فِي تَزْوِيجِهَا قَبْلَ الدُّخُولِ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ .\rوَقَالَ زُفَرُ فِي الثَّيِّبِ كَقَوْلِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَفِي الْبِكْرِ : الْقَوْلُ قَوْلُ الزَّوْجِ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ السُّكُوتُ ، وَالْكَلَامُ حَادِثٌ وَالزَّوْجُ يَدَّعِي الْأَصْلَ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ .\rوَلَنَا ، أَنَّهَا مُنْكِرَةٌ الْإِذْنَ ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ ، وَلِأَنَّهُ يَدَّعِي أَنَّهَا اُسْتُؤْذِنَتْ وَسَمِعَتْ فَصَمَتَتْ ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ ذَلِكَ ، وَهَذَا جَوَابٌ عَلَى قَوْلِهِ إنَّ الْأَصْلَ مَعَهُ .\rوَإِنْ اخْتَلَفَا بَعْدَ الدُّخُولِ ، فَقَالَ الْقَاضِي : الْقَوْلُ قَوْلُ الزَّوْجِ ؛ وَلِأَنَّ التَّمْكِينَ مِنْ الْوَطْءِ دَلِيلٌ عَلَى الْإِذْنِ وَصِحَّةِ النِّكَاحِ ، فَكَانَ الظَّاهِرُ مَعَهُ وَهَلْ تُسْتَحْلَفُ الْمَرْأَةُ إذَا قُلْنَا : الْقَوْلُ قَوْلُهَا ؟ قَالَ الْقَاضِي : قِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا يَمِينَ عَلَيْهَا كَمَا لَوْ ادَّعَى زَوْجِيَّتَهَا فَأَنْكَرَتْهُ .\rوَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ : تُسْتَحْلَفُ .\rفَإِنْ نَكَلَتْ ، فَقَالَ أَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ : يَثْبُتُ النِّكَاحُ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يُسْتَحْلَفُ الزَّوْجُ ، وَيَثْبُتُ النِّكَاحُ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ اخْتِلَافٌ فِي زَوْجِيَّةٍ ، فَلَا يَثْبُتُ بِالنُّكُولِ ، وَلَا يَحْلِفُ الْمُدَّعِي مَعَهُ ، كَمَا لَوْ ادَّعَى الزَّوْجُ أَصْلَ التَّزْوِيجِ فَأَنْكَرَتْهُ ، فَإِنْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ ادَّعَتْ أَنَّهَا أَذِنَتْ فَأَنْكَرَ وَرَثَةُ الزَّوْجِ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا ؛ لِأَنَّهُ اخْتِلَافٌ فِي أَمْرٍ يَخْتَصُّ بِهَا ، صَادِرٌ مِنْ جِهَتِهَا ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا فِيهِ ، كَمَا لَوْ اخْتَلَفُوا فِي نِيَّتِهَا فِيمَا تُعْتَبَرُ فِيهِ نِيَّتُهَا ، وَلِأَنَّهَا تَدَّعِي صِحَّةَ الْعَقْدِ ، وَهُمْ يَدَّعُونَ فَسَادَهُ ، فَالظَّاهِرُ مَعَهَا .","part":14,"page":442},{"id":6942,"text":"( 5211 ) فَصْلٌ : فِي الْمَجْنُونَةِ ، إنْ كَانَتْ مِمَّنْ تُجْبَرُ لَوْ كَانَتْ عَاقِلَةً ، جَازَ تَزْوِيجُهَا لِمَنْ يَمْلِكُ إجْبَارَهَا ؛ لِأَنَّهُ إذَا مَلَكَ إجْبَارَهَا مَعَ عَقْلِهَا وَامْتِنَاعِهَا ، فَمَعَ عَدَمِهِ أَوْلَى .\rوَإِنْ كَانَتْ مِمَّنْ لَا تُجْبَرُ ، انْقَسَمَتْ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ ؛ أَحَدُهَا ، أَنْ يَكُونَ وَلِيُّهَا الْأَبَ أَوْ وَصِيَّهُ ، كَالثَّيِّبِ الْكَبِيرَةِ ، فَهَذِهِ يَجُوزُ لِوَلِيِّهَا تَزْوِيجُهَا .\rذَكَرَهُ الْقَاضِي .\rوَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ لِلْأَبِ تَزْوِيجَ الْمَعْتُوهِ ، فَالْمَرْأَةُ أَوْلَى .\rوَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ .\rوَمَنَعَ مِنْهُ أَبُو بَكْرٍ ؛ لِأَنَّهَا وِلَايَةُ إجْبَارٍ ، وَلَيْسَ عَلَى الثَّيِّبِ وِلَايَةُ إجْبَارٍ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ؛ فَإِنَّ وِلَايَةَ الْإِجْبَارِ إنَّمَا انْتَفَتْ عَنْ الْعَاقِلَةِ لِرَأْيِهَا ، لِحُصُولِ الْمُبَاشَرَةِ مِنْهَا وَالْخِبْرَةِ ، وَهَذِهِ بِخِلَافِ ذَلِكَ .\rوَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي الثَّيِّبِ الصَّغِيرَةِ ، إذَا قُلْنَا بِعَدَمِ الْإِجْبَارِ فِي حَقِّهَا ، إذَا كَانَتْ عَاقِلَةً .\rالْقِسْمُ الثَّانِي ، أَنْ يَكُونَ وَلِيُّهَا الْحَاكِمَ ، فَفِيهَا وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، لَيْسَ لَهُ تَزْوِيجُهَا بِحَالٍ ؛ لِأَنَّ هَذِهِ وِلَايَةُ إجْبَارٍ ، فَلَا تَثْبُتُ لِغَيْرِ الْأَبِ ، كَحَالِ عَقْلِهَا .\rوَالثَّانِي ، لَهُ تَزْوِيجُهَا إذَا ظَهَرَ مِنْهَا شَهْوَةُ الرِّجَالِ ، كَبِيرَةً كَانَتْ أَوْ صَغِيرَةً .\rوَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ حَامِدٍ ، وَأَبِي الْخَطَّابِ ، وَقَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّ بِهَا حَاجَةً إلَيْهِ لِدَفْعِ ضَرَرِ الشَّهْوَةِ عَنْهَا ، وَصِيَانَتِهَا عَنْ الْفُجُورِ ، وَتَحْصِيلِ الْمَهْرِ وَالنَّفَقَةِ ، وَالْعَفَافِ ، وَصِيَانَةِ الْعِرْضِ ، وَلَا سَبِيلَ إلَى إذْنِهَا ، فَأُبِيحَ تَزْوِيجُهَا كَالثَّيِّبِ مَعَ أَبِيهَا وَكَذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ يَمْلِكَ تَزْوِيجَهَا إنْ قَالَ أَهْلُ الطِّبِّ : إنَّ عِلَّتَهَا تَزُولُ بِتَزْوِيجِهَا ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ أَعْظَمِ مَصَالِحِهَا .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يَمْلِكُ تَزْوِيجَ صَغِيرَةٍ بِحَالٍ ، وَيَمْلِكُ تَزْوِيجَ الْكَبِيرَةِ إذَا قَالَ أَهْلُ الطِّبِّ","part":14,"page":443},{"id":6943,"text":"إنَّ عِلَّتَهَا تَزُولُ بِتَزْوِيجِهَا .\rوَلَنَا ، أَنَّ الْمَعْنَى الْمُبِيحَ لِلتَّزْوِيجِ وُجِدَ فِي حَقِّ الصَّغِيرَةِ ، فَأُبِيحَ تَزْوِيجُهَا ، كَالْكَبِيرَةِ إذَا ظَهَرَتْ مِنْهَا شَهْوَةُ الرِّجَالِ ، فَفِي تَزْوِيجِهَا مَصْلَحَتُهَا وَدَفْعُ حَاجَتِهَا ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَالَ أَهْلُ الطِّبِّ إنَّهُ يُزِيلُ عِلَّتَهَا .\rوَتُعْرَفُ شَهْوَتُهَا مِنْ كَلَامِهَا ، وَقَرَائِنِ أَحْوَالِهَا ، كَتَتَبُّعِهَا لِلرِّجَالِ ، وَمَيْلِهَا إلَيْهِمْ ، وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ الْقِسْمُ الثَّالِثُ ، مَنْ وَلِيُّهَا غَيْرُ الْأَبِ وَالْحَاكِمِ .\rفَقَالَ الْقَاضِي : لَا يُزَوِّجُهَا إلَّا الْحَاكِمُ ، فَيَكُونُ حُكْمُهَا حُكْمَ الْقِسْمِ الثَّانِي ، عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ .\rوَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : لَهُمْ تَزْوِيجُهَا فِي الْحَالِ الَّتِي يَمْلِكُ الْحَاكِمُ تَزْوِيجَ مُوَلِّيَتِهِ فِيهَا .\rوَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّ وِلَايَتَهُمْ مُقَدَّمَةٌ عَلَى وِلَايَةِ الْحَاكِمِ ، فَقُدِّمُوا عَلَيْهِ فِي التَّزْوِيجِ ، كَمَا لَوْ كَانَتْ عَاقِلَةً .\rوَوَجْهُ قَوْلِ الْقَاضِي ، أَنَّ الْحَاكِمَ هُوَ النَّاظِرُ لَهَا فِي مَالِهَا دُونَهُمْ ، فَيَكُونُ وَلِيًّا دُونَهُمْ ، كَتَزْوِيجِ أَمَتِهَا ، وَلِأَنَّ هَذَا دَفْعُ حَاجَةٍ ظَاهِرَةٍ ، فَكَانَتْ إلَى الْحَاكِمِ ، كَدَفْعِ حَاجَةِ الْجُوعِ وَالْعُرْيِ .\rفَإِنْ كَانَ لَهَا وَصِيٌّ فِي مَالِهَا ، لَمْ يَمْلِكْ تَزْوِيجَهَا ؛ لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لَهُ فِي نِكَاحِهَا .\rوَالْحُكْمُ فِي تَزْوِيجِهَا حُكْمُ مَنْ وَلِيُّهَا غَيْرُ الْأَبِ وَالْحَاكِمِ ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا .","part":14,"page":444},{"id":6944,"text":"( 5212 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِذَا زَوَّجَ ابْنَتَهُ بِدُونِ صَدَاقِ مِثْلِهَا ، ثَبَتَ النِّكَاحُ بِالْمُسَمَّى .\rوَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ غَيْرُ الْأَبِ ثَبَتَ النِّكَاحُ ، وَكَانَ لَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا ) .\rوَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ لِلْأَبِ تَزْوِيجَ ابْنَتِهِ بِدُونِ صَدَاقِ مِثْلِهَا ، بِكْرًا كَانَتْ أَوْ ثَيِّبًا ، صَغِيرَةً كَانَتْ أَوْ كَبِيرَةً .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٌ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ ، فَإِنْ فَعَلَ فَلَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا ؛ لِأَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَنْقُصَ فِيهِ عَنْ قِيمَةِ الْمُعَوَّضِ كَالْبَيْعِ ، وَلِأَنَّهُ تَفْرِيطٌ فِي مَالِهَا ، وَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ .\rوَلَنَا ، أَنَّ عُمَرَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ خَطَبَ النَّاسَ فَقَالَ : أَلَا لَا تُغَالُوا فِي صَدَاقِ النِّسَاءِ ، فَمَا أَصْدَقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَدًا مِنْ نِسَائِهِ ، وَلَا أَحَدًا مِنْ بَنَاتِهِ ، أَكْثَرَ مِنْ اثْنَتَيْ عَشَرَةَ أُوقِيَّةً وَكَانَ ذَلِكَ بِمَحْضَرٍ مِنْ الصَّحَابَةِ ، وَلَمْ يُنْكِرُوهُ ، فَكَانَ اتِّفَاقًا مِنْهُمْ عَلَى أَنَّ لَهُ أَنْ يُزَوِّجَ بِذَلِكَ وَإِنْ كَانَ دُونَ صَدَاقِ الْمِثْلِ .\rوَزَوَّجَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ابْنَتَهُ بِدِرْهَمَيْنِ ، وَهُوَ مِنْ سَادَاتِ قُرَيْشٍ ، شَرَفًا وَعِلْمَا وَدِينًا ، وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَهْرَ مِثْلِهَا ، وَلِأَنَّهُ لَيْسَ الْمَقْصُودُ مِنْ النِّكَاحِ الْعِوَضَ ، وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ السَّكَنُ وَالِازْدِوَاجُ ، وَوَضْعُ الْمَرْأَةِ فِي مَنْصِبٍ عِنْدَ مَنْ يَكْفِيهَا ، وَيَصُونَهَا ، وَيُحْسِنُ عِشْرَتَهَا ، وَالظَّاهِرُ مِنْ الْأَبِ ، مَعَ تَمَامِ شَفَقَتِهِ ، وَبُلُوغِ نَظَرِهِ ، أَنَّهُ لَا يَنْقُصُهَا مِنْ صَدَاقِهَا إلَّا لِتَحْصِيلِ الْمَعَانِي الْمَقْصُودَةِ بِالنِّكَاحِ ، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُمْنَعَ مِنْ تَحْصِيلِ الْمَقْصُودِ بِتَفْوِيتِ غَيْرِهِ ، وَيُفَارِقُ سَائِرَ عُقُودِ الْمُعَاوَضَاتِ .\rفَإِنَّ الْمَقْصُودَ فِيهَا الْعِوَضُ ، فَلَمْ يَجُزْ تَفْوِيتُهُ فَأَمَّا غَيْرُ الْأَبِ ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَنْقُصَهَا مِنْ مَهْرِ مِثْلِهَا ، فَإِنَّ زَوَّجَ بِدُونِ ذَلِكَ ، صَحَّ","part":14,"page":445},{"id":6945,"text":"النِّكَاحُ ؛ لِأَنَّ فَسَادَ التَّسْمِيَةِ وَعَدَمَهَا لَا يُؤَثِّرُ فِي النِّكَاحِ ، وَيَكُونُ لَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا ؛ لِأَنَّهُ قِيمَةُ بُضْعِهَا ، وَلَيْسَ لِلْوَلِيِّ نَقْصُهَا مِنْهُ ، فَرَجَعَتْ إلَى مَهْرِ الْمِثْلِ .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":14,"page":446},{"id":6946,"text":"فَصْلٌ : وَتَمَامُ الْمَهْرِ عَلَى الزَّوْجِ ؛ لِأَنَّ التَّسْمِيَةَ هَاهُنَا فَاسِدَةٌ ؛ لِكَوْنِهَا غَيْرَ مَأْذُونٍ فِيهَا شَرْعًا ، فَوَجَبَ عَلَى الزَّوْجِ مَهْرُ الْمِثْلِ ، كَمَا لَوْ زَوَّجَهَا بِمَحْرَمٍ .\rوَعَلَى الْوَلِيِّ ضَمَانُهُ ؛ لِأَنَّهُ الْمُفَرِّطُ ، فَكَانَ عَلَيْهِ الضَّمَانُ ، كَمَا لَوْ بَاعَ مَالَهَا بِدُونِ ثَمَنِ مِثْلِهِ .\rقَالَ أَحْمَدُ : أَخَافُ أَنْ يَكُونَ ضَامِنًا .\rوَلَيْسَ الْأَبُ مِثْلَ الْوَلِيِّ ، وَلَا تَمْلِكُ الْمَرْأَةُ الْفَسْخَ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ حَصَلَ لَهَا وُجُوبُ مَهْرِ مِثْلِهَا .\rوَاَللَّه أَعْلَم .","part":14,"page":447},{"id":6947,"text":"( 5214 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَمَنْ زَوَّجَ غُلَامًا غَيْرَ بَالِغٍ ، أَوْ مَعْتُوهًا ، لَمْ يَجُزْ إلَّا أَنْ يُزَوِّجَهُ وَالِدُهُ ، أَوْ وَصِيٌّ نَاظِرٌ لَهُ فِي التَّزْوِيجِ ) الْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي فُصُولٍ أَرْبَعَةٍ : ( 5215 ) الْفَصْلُ الْأَوَّلُ : أَنَّهُ لَيْسَ لِغَيْرِ الْأَبِ أَوْ وَصِيِّهِ تَزْوِيجُ الْغُلَامِ قَبْلَ بُلُوغِهِ .\rوَقَالَ الْقَاضِي ، فِي \" الْمُجَرَّدِ \" : لِلْحَاكِمِ تَزْوِيجُهُ ؛ لِأَنَّهُ يَلِي مَالَهُ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يَمْلِكُ وَلِيُّ الصَّبِيِّ تَزْوِيجَهُ ، لِيَأْلَفَ حِفْظَ فَرْجِهِ عِنْدَ بُلُوغِهِ .\rوَلَيْسَ بِسَدِيدٍ ؛ فَإِنَّ غَيْرَ الْأَبِ لَمْ يَمْلِكْ تَزْوِيجَ الْجَارِيَةِ الصَّغِيرَةِ ، فَالْغُلَامُ أَوْلَى .\rوَفَارَقَ الْأَبَ وَوَصِيَّهُ ؛ فَإِنَّ لَهُمَا تَزْوِيجَ الصَّغِيرَةِ ، وَوِلَايَةَ الْإِجْبَارِ وَسَوَاءٌ أَذِنَ الْغُلَامُ فِي تَزْوِيجِهِ أَوْ لَمْ يَأْذَنْ ، فَإِنَّهُ لَا إذْنَ لَهُ .\r( 5216 ) الْفَصْلُ الثَّانِي : أَنَّ الْمَعْتُوهَ ؛ وَهُوَ الزَّائِلُ الْعَقْلُ بِجُنُونٍ مُطْبِقٍ ، لَيْسَ لِغَيْرِ الْأَبِ وَوَصِيِّهِ تَزْوِيجُهُ .\rوَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ .\rوَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ حَامِدٍ : لِلْحَاكِمِ تَزْوِيجُهُ إذَا ظَهَرَ مِنْهُ شَهْوَةُ النِّسَاءِ ، بِأَنْ يَتْبَعَهُنَّ وَيُرِيدَهُنَّ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ مَصَالِحِهِ ، وَلَيْسَ لَهُ حَالٌ يَنْتَظِرُ فِيهَا إذْنُهُ .\rوَقَدْ ذَكَرْنَا تَوْجِيهَ الْوَجْهَيْنِ فِي تَزْوِيجِ الْمَجْنُونَةِ .\rوَيَنْبَغِي عَلَى هَذَا الْقَوْلِ أَنْ يَجُوزَ تَزْوِيجُهُ إذَا قَالَ أَهْلُ الطِّبِّ : إنَّ فِي تَزْوِيجِهِ ذَهَابَ عِلَّتِهِ .\rلِأَنَّهُ مِنْ أَعْظَمِ مَصَالِحِهِ .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ ( 5217 ) الْفَصْلُ الثَّالِثُ : أَنَّ لِلْأَبِ أَوْ وَصِيِّهِ تَزْوِيجَهُمَا ، سَوَاءٌ كَانَ الْغُلَامُ عَاقِلًا أَوْ مَجْنُونًا ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْجُنُونِ ، مُسْتَدَامًا أَوْ طَارِقًا ، فَأَمَّا الْغُلَامُ السَّلِيمُ مِنْ الْجُنُونِ ، فَلَا نَعْلَمُ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ خِلَافًا فِي أَنَّ لِأَبِيهِ تَزْوِيجَهُ ، كَذَلِكَ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ .\rوَمِمَّنْ هَذَا مَذْهَبُهُ الْحَسَنُ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَقَتَادَةُ","part":14,"page":448},{"id":6948,"text":"، وَمَالِكٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ؛ لِمَا رُوِيَ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ زَوَّجَ ابْنَهُ وَهُوَ صَغِيرٌ ، فَاخْتَصَمَا إلَى زَيْدٍ ، فَأَجَازَاهُ جَمِيعًا .\rرَوَاهُ الْأَثْرَمُ بِإِسْنَادِهِ .\rوَأَمَّا الْغُلَامُ الْمَعْتُوهُ ، فَلِأَبِيهِ تَزْوِيجُهُ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يَجُوزُ ؛ لِأَنَّهُ يُلْزِمُهُ بِالتَّزْوِيجِ حُقُوقًا مِنْ الْمَهْرِ وَالنَّفَقَةِ ، مَعَ عَدَمِ حَاجَتِهِ ، فَلَمْ يَجُزْ لَهُ ذَلِكَ ، كَغَيْرِهِ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ غَيْرُ بَالِغٍ ، فَمَلَكَ أَبُوهُ تَزْوِيجَهُ ، كَالْعَاقِلِ ، وَلِأَنَّهُ إذَا مَلَكَ تَزْوِيجَ الْعَاقِلِ مَعَ أَنَّ لَهُ عِنْدَ احْتِيَاجِهِ إلَى التَّزْوِيجِ رَأْيًا وَنَظَرًا لِنَفْسِهِ فَلَأَنْ يَجُوزَ تَزْوِيجُ مَنْ لَا يُتَوَقَّعُ فِيهِ ذَلِكَ أَوْلَى .\rوَفَارَقَ غَيْرَ الْأَبِ ، فَإِنَّهُ لَا يَمْلِكُ تَزْوِيجَ الْعَاقِلِ .\rوَأَمَّا الْبَالِغُ الْمَعْتُوهُ ، فَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ ، وَالْخِرَقِيِّ ، أَنَّ لِلْأَبِ تَزْوِيجَهُ مَعَ ظُهُورِ أَمَارَاتِ الشَّهْوَةِ وَعَدَمِهَا وَقَالَ الْقَاضِي : إنَّمَا يَجُوزُ تَزْوِيجُهُ إذَا ظَهَرَتْ مِنْهُ أَمَارَاتُ الشَّهْوَةِ بِاتِّبَاعِ النِّسَاءِ وَنَحْوِهِ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ فِي تَزْوِيجِهِ مَعَ عَدَمِ حَاجَتِهِ إضْرَارًا بِهِ ، بِإِلْزَامِهِ حُقُوقًا لَا مَصْلَحَةَ لَهُ فِي الْتِزَامِهَا .\rوَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : لَيْسَ لِلْأَبِ تَزْوِيجُهُ بِحَالٍ ؛ لِأَنَّهُ رَجُلٌ ، فَلَمْ يَجُزْ إجْبَارُهُ عَلَى النِّكَاحِ كَالْعَاقِلِ .\rوَقَالَ زُفَرُ : إنْ طَرَأَ عَلَيْهِ الْجُنُونُ بَعْدَ الْبُلُوغِ ، لَمْ يَجُزْ تَزْوِيجُهُ ، وَإِنْ كَانَ مُسْتَدَامًا ، جَازَ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ ، فَجَازَ لِأَبِيهِ تَزْوِيجُهُ كَالصَّغِيرِ ، فَإِنَّهُ إذَا جَازَ تَزْوِيجُ الصَّغِيرِ ، مَعَ عَدَمِ حَاجَتِهِ فِي الْحَالِ ، وَتَوَقُّعِ نَظَرِهِ عِنْدَ الْحَاجَةِ ، فَهَاهُنَا أَوْلَى .\rوَلَنَا ، عَلَى التَّسْوِيَةِ بَيْنَ الطَّارِئِ وَالْمُسْتَدَامِ ، أَنَّهُ مَعْنًى يُثْبِتُ الْوِلَايَةَ ، فَاسْتَوَى طَارِئُهُ وَمُسْتَدَامُهُ ، كَالرِّقِّ ، وَلِأَنَّهُ جُنُونٌ يُثْبِتُ","part":14,"page":449},{"id":6949,"text":"الْوِلَايَةَ عَلَى مَالِهِ ، فَأَثْبَتَهَا عَلَيْهِ فِي نِكَاحِهِ ، كَالْمُسْتَدَامِ فَأَمَّا اعْتِبَارُ الْحَاجَةِ ، فَلَا بُدَّ مِنْهَا ، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لِوَلِيِّهِ تَزْوِيجُهُ ، إلَّا إذَا رَأَى الْمُصْلِحَةَ فِيهِ ، غَيْرَ أَنَّ الْحَاجَةَ لَا تَنْحَصِرُ فِي قَضَاءِ الشَّهْوَةِ ، فَقَدْ تَكُونُ حَاجَتُهُ إلَى الْإِيوَاءِ وَالْحِفْظِ ، وَرُبَّمَا كَانَ دَوَاءً لَهُ ، وَيَتَرَجَّى بِهِ شِفَاؤُهُ ، فَجَازَ التَّزْوِيجُ لَهُ ، كَقَضَاءِ الشَّهْوَةِ .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":14,"page":450},{"id":6950,"text":"( 5218 ) فَصْلٌ : وَمَنْ يُفِيقُ فِي الْأَحْيَانِ ، لَا يَجُوزُ تَزْوِيجُهُ إلَّا بِإِذْنِهِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مُمْكِنٌ ، وَمَنْ أَمْكَنَ أَنْ يَتَزَوَّجَ لِنَفْسِهِ ، لَمْ تَثْبُتْ الْوِلَايَةُ عَلَيْهِ كَالْعَاقِلِ .\rوَلَوْ زَالَ عَقْلُهُ بِبِرْسَامٍ أَوْ مَرَضٍ مَرْجُوِّ الزَّوَالِ ، فَهُوَ كَالْعَاقِلِ ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يُثْبِتُ الْوِلَايَةَ عَلَى مَالِهِ ، فَعَلَى نَفْسِهِ أَوْلَى .\rوَإِنْ لَمْ يُرْجَ زَوَالُهُ ، فَهُوَ دَاخِلٌ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ .","part":14,"page":451},{"id":6951,"text":"( 5219 ) الْفَصْلُ الرَّابِعُ : أَنَّ وَصِيَّ الْأَبِ فِي النِّكَاحِ بِمَنْزِلَتِهِ ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي ثُبُوتِ الْوِلَايَةِ لِلْوَصِيِّ عَلَى الْمَرْأَةِ .\rوَفِي هَذَا مِنْ الْخِلَافِ مِثْلُ مَا فِيهِ ، وَإِنَّمَا يَثْبُتُ ذَلِكَ لِوَصِيِّ الْأَبِ فِي التَّزْوِيجِ خَاصَّةً ، فَإِنْ كَانَ وَصِيًّا فِي الْمَالِ ، لَمْ تَكُنْ لَهُ وِلَايَةٌ فِي التَّزْوِيجِ ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَسْتَفِيدُ التَّصَرُّفَ بِالْوَصِيَّةِ ، فَلَا يَمْلِكُ مَا لَمْ يُوصَ بِهِ إلَيْهِ ، وَوَصِيُّ غَيْرِ الْأَبِ ، لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَى صَبِيٍّ وَلَا مَجْنُونٍ ؛ لِأَنَّ الْمُوصِيَ لَا يَمْلِكُ ذَلِكَ ، فَوَصِيُّهُ أَوْلَى .","part":14,"page":452},{"id":6952,"text":"( 5220 ) فَصْلٌ : وَإِنْ تَزَوَّجَ لِصَغِيرٍ أَوْ مَجْنُونٍ ، فَإِنَّهُ يَقْبَلُ لَهُمَا النِّكَاحَ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَأْذَنَ لَهُمَا فِي قَبُولِهِ ؛ لِأَنَّهُمَا لَيْسَا مِنْ أَهْلِ التَّصَرُّفِ .\rوَإِنْ كَانَ الْغُلَامُ ابْنَ عَشْرٍ ، وَهُوَ مُمَيِّزٌ ، فَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ جَوَازُ تَفْوِيضِ الْقَبُولِ إلَيْهِ ، حَتَّى يَتَوَلَّاهُ لِنَفْسِهِ ، كَمَا يُفَوَّضُ أَمْرُ الْبَيْعِ إلَيْهِ ، وَلِأَنَّهُ يَمْلِكُ إيقَاعَ الطَّلَاقِ بِنَفْسِهِ .\rوَإِنْ تَزَوَّجَ لَهُ الْوَلِيُّ جَازَ ، كَمَا يَجُوزُ أَنْ يَبْتَاعَ لَهُ ، وَهَذَا عَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي تَقُولُ بِصِحَّةِ بَيْعِهِ ، وَوُقُوعِ طَلَاقِهِ .\rوَإِنْ قُلْنَا : لَا يَصِحُّ ذَلِكَ مِنْهُ .\rفَهَذَا أَوْلَى ( 5221 ) فَصْلٌ : وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَتَزَوَّجَ لَهُمَا بِزِيَادَةٍ عَلَى مَهْرِ الْمِثْلِ ؛ لِأَنَّهُ مُعَاوَضَةٌ فِي حَقِّ الْغَيْرِ ، فَلَمْ تَجُزْ الزِّيَادَةُ فِيهَا عَلَى عِوَضِ الْمِثْلِ ، كَبَيْعِ مَالِهِ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rوَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ لِلْأَبِ تَزْوِيجَ ابْنَتِهِ بِدُونِ صَدَاقِ مِثْلِهَا ، فَهَذَا مِثْلُهُ ، فَإِنَّهُ قَدْ يَرَى الْمَصْلَحَةَ فِي ذَلِكَ ، فَجَازَ لَهُ بَذْلُ الْمَالِ فِيهِ ، كَمَا يَجُوزُ فِي مُدَاوَاتِهِ ، بَلْ الْجَوَازُ هَاهُنَا أَوْلَى ؛ فَإِنَّ الْغَالِبَ أَنَّ الْمَرْأَةَ لَا تَرْضَى بِتَزْوِيجِ مَجْنُونٍ ، إلَّا أَنْ تَرْغَبَ بِزِيَادَةٍ عَلَى مَهْرِ مِثْلِهَا ، فَيَتَعَذَّرُ الْوُصُولُ إلَيْهِ بِدُونِ ذَلِكَ بِخِلَافِ الْمَرْأَةِ .\rوَذَكَرَ الْقَاضِي ، فِي \" الْمُجَرَّدِ \" ، أَنَّ قِيَاسَ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا يُزَوِّجُهُ بِأَكْثَرَ مِنْ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ ؛ لِعَدَمِ حَاجَتِهِ إلَى زِيَادَةٍ عَلَيْهَا ، فَيَكُونُ بَذْلًا لِمَالِهِ فِيمَا لَا حَاجَةَ بِهِ إلَيْهِ وَذَكَرَ فِي \" الْجَامِعِ \" ، أَنَّ لَهُ تَزْوِيجَ ابْنِهِ الصَّغِيرِ بِأَرْبَعٍ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَرَى الْمَصْلَحَةَ فِيهِ ، وَلَيْسَ لَهُ تَزْوِيجُهُ بِمَعِيبَةٍ عَيْبًا يُرَدُّ بِهِ فِي النِّكَاحِ ؛ لِأَنَّ فِيهِ ضَرَرًا بِهِ وَتَفْوِيتًا لِمَالِهِ فِيمَا لَا مَصْلَحَةَ لَهُ فِيهِ ، فَإِنْ فَعَلَ ، خُرِّجَ فِي صِحَّةِ النِّكَاحِ وَجْهَانِ .\rفَإِنْ","part":14,"page":453},{"id":6953,"text":"قُلْنَا : يَصِحُّ .\rفَهَلْ لِلْوَلِيِّ الْفَسْخُ فِي الْحَالِ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ ، مَضَى تَوْجِيهُهَا فِي تَزْوِيجِ الصَّغِيرَةِ بِمَعِيبٍ .\rوَمَتَى لَمْ يَفْسَخْ حَتَّى بَلَغَ الصَّبِيُّ ، أَوْ عَقَلَ الْمَجْنُونُ ، فَلَهُمَا الْفَسْخُ ، وَلَيْسَ لَهُ تَزْوِيجُهُ بِأَمَةٍ ؛ لِأَنَّ إبَاحَتَهَا مَشْرُوطَةٌ بِخَوْفِ الْعَنَتِ ، وَهُوَ مَعْدُومٌ فِي حَقِّ الصَّبِيِّ ، غَيْرُ مَعْدُومٍ فِي الْمَجْنُونِ .","part":14,"page":454},{"id":6954,"text":"( 5222 ) فَصْلٌ : وَإِذَا زَوَّجَ ابْنَهُ ، تَعَلَّقَ الصَّدَاقُ بِذِمَّةِ الِابْنِ ، مُوسِرًا كَانَ أَوْ مُعْسِرًا ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ لِلِابْنِ ، فَكَانَ عَلَيْهِ بَذْلُهُ ، كَثَمَنِ الْمَبِيعِ .\rوَهَلْ يَضْمَنُهُ الْأَبُ ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، يَضْمَنُهُ .\rنَصَّ عَلَيْهِ ، فَقَالَ : تَزْوِيجُ الْأَبِ لِابْنِهِ الطِّفْلِ جَائِزٌ ، وَيَضْمَنُ الْأَبُ الْمَهْرَ ؛ لِأَنَّهُ الْتَزَمَ الْعِوَضِ عَنْهُ ، فَضَمِنَهُ ، كَمَا لَوْ نَطَقَ بِالضَّمَانِ .\rوَالْأُخْرَى ، لَا يَضْمَنُهُ ؛ لِأَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ ، نَابَ فِيهِ عَنْ غَيْرِهِ ، فَلَمْ يَضْمَنْ عِوَضَهُ ، كَثَمَنِ مَبِيعِهِ ، أَوْ كَالْوَكِيلِ .\rقَالَ الْقَاضِي : هَذَا أَصَحُّ .\rوَقَالَ : إنَّمَا الرِّوَايَتَانِ فِيمَا إذَا كَانَ الِابْنُ مُعْسِرًا ، أَمَّا الْمُوسِرُ ، فَلَا يَضْمَنُ الْأَبُ عَنْهُ رِوَايَةً وَاحِدَةً ، فَإِنْ طَلَّقَ قَبْلَ الدُّخُولِ ، سَقَطَ نِصْفُ الصَّدَاقِ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ بَعْدَ دَفْعِ الْأَبِ الصَّدَاقَ عَنْهُ ، رَجَعَ نِصْفُهُ إلَى الِابْنِ ، وَلَيْسَ لِلْأَبِ الرُّجُوعُ فِيهِ ، بِمَعْنَى الرُّجُوعِ فِي الْهِبَةِ ؛ لِأَنَّ الِابْنَ مَلَكَهُ بِالطَّلَاقِ عَنْ غَيْرِ أَبِيهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ وَهَبَهُ الْأَبُ أَجْنَبِيًّا ثُمَّ وَهَبَهُ الْأَجْنَبِيُّ لِلِابْنِ .\rوَيُحْتَمَلُ أَنْ يَرْجِعَ فِيهِ ؛ لِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ عَنْ ابْنِهِ ، فَلَمْ يَسْتَقِرَّ الْمِلْكُ حَتَّى اسْتَرْجَعَهُ الِابْنُ .\rوَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِيمَا لَوْ قَضَى الصَّدَاقَ عَنْ ابْنِهِ الْكَبِيرِ ، ثُمَّ طَلَّقَ قَبْلَ الدُّخُولِ .\rوَإِنْ ارْتَدَّتْ قَبْلَ الدُّخُولِ ، فَالْحُكْمُ فِي الرُّجُوعِ فِي جَمِيعِهِ ، كَالْحُكْمِ فِي الرُّجُوعِ فِي النِّصْفِ بِالطَّلَاقِ .","part":14,"page":455},{"id":6955,"text":"( 5223 ) فَصْلٌ : فِي الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ لِلسَّفَهِ وَالْكَلَامُ فِي نِكَاحِهِ فِي ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ ؛ أَحَدُهَا ، أَنَّ لِوَلِيِّهِ تَزْوِيجَهُ ، إذَا عَلِمَ حَاجَتَهُ إلَى النِّكَاحِ ؛ لِأَنَّهُ نُصِبَ لِمَصَالِحِهِ ، وَهَذَا مِنْ مَصَالِحِهِ ، لِأَنَّهُ يَصُونُ بِهِ دِينَهُ وَعِرْضَهُ وَنَفْسَهُ ، فَإِنَّهُ رُبَّمَا تَعَرَّضَ بِتَرْكِ التَّزْوِيجِ لِلْإِثْمِ بِالزِّنَا ، وَالْحَدِّ ، وَهَتْكِ الْعِرْضِ ، وَسَوَاءٌ عَلِمَ بِحَاجَتِهِ بِقَوْلِهِ أَوْ بِغَيْرِ قَوْلِهِ ، وَسَوَاءٌ كَانَتْ حَاجَتُهُ إلَى الِاسْتِمْتَاعِ أَوْ إلَى الْخِدْمَةِ ، فَيُزَوِّجُهُ امْرَأَةً لِتَحِلَّ لَهُ ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى الْخَلْوَةِ بِهَا .\rوَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ حَاجَةٌ إلَيْهِ ، لَمْ يَجُزْ تَزْوِيجُهُ ؛ لِأَنَّهُ يُلْزِمُهُ بِالنِّكَاحِ حُقُوقًا ؛ مِنْ الْمَهْرِ ، وَالنَّفَقَةِ ، وَالْعِشْرَةِ ، وَالْمَبِيتِ ، وَالسُّكْنَى ، فَيَكُونُ تَضْيِيعًا لِمَالِهِ وَنَفْسِهِ فِي غَيْرِ فَائِدَةٍ ، فَلَمْ يَجُزْ ، كَتَبْذِيرِ مَالِهِ وَإِذَا أَرَادَ تَزْوِيجَهُ ، اسْتَأْذَنَهُ فِي تَزْوِيجِهِ ، فَإِنْ زَوَّجَهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا : يَصِحُّ ؛ لِأَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ ، فَمَلَكَهُ الْوَلِيُّ فِي حَقِّ الْمُوَلَّى عَلَيْهِ ، كَالْبَيْعِ ، وَلِأَنَّهُ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ ، أَشْبَهَ الصَّغِيرَ وَالْمَجْنُونَ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَمْلِكَ تَزْوِيجَهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ ؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ الطَّلَاقَ فَلَمْ يُجْبَرْ عَلَى النِّكَاحِ ، كَالرَّشِيدِ وَالْعَبْدِ الْكَبِيرِ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ إجْبَارَهُ عَلَى النِّكَاحِ مَعَ مِلْكِ الطَّلَاقِ ، مُجَرَّدُ إضْرَارٍ ، فَإِنَّهُ يُطَلِّقُ فَيَلْزَمُهُ الصَّدَاقُ مَعَ فَوَاتِ النِّكَاحِ ، وَلِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ لَهُ غَرَضٌ فِي امْرَأَةٍ ، وَلَا يَكُونُ لَهُ فِي أُخْرَى ، فَإِذَا أُجْبِرَ عَلَى مَنْ يَكْرَهُهَا ، لَمْ تَحْصُلْ لَهُ الْمَصْلَحَةُ مِنْهَا ، وَفَاتَ عَلَيْهِ غَرَضُهُ مِنْ الْأُخْرَى ، فَيَحْصُلُ مُجَرَّدُ ضَرَرٍ مُسْتَغْنًى عَنْهُ .\rوَإِنَّمَا جَازَ ذَلِكَ فِي حَقِّ الْمَجْنُونِ وَالطِّفْلِ ، لِعَدَمِ إمْكَانِ الْوُصُولِ إلَى ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمَا ، وَلَمْ يَتَعَذَّرْ ذَلِكَ هَاهُنَا ، فَوَجَبَ أَنْ لَا","part":14,"page":456},{"id":6956,"text":"يُفَوِّتَ ذَلِكَ عَلَيْهِ ، كَالرَّشِيدِ .\rالْحَالُ الثَّانِي ، أَنَّ لِلْوَلِيِّ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ فِي التَّزْوِيجِ فِي الْحَالَةِ الَّتِي لِلْوَلِيِّ تَزْوِيجُهُ فِيهَا ، وَهِيَ حَالَةُ الْحَاجَةِ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ النِّكَاحِ ، فَإِنَّهُ عَاقِلٌ مُكَلَّفٌ ، وَلِذَلِكَ يَمْلِكُ الطَّلَاقَ وَالْخُلْعَ ، فَجَازَ أَنْ يُفَوَّضَ إلَيْهِ ذَلِكَ ، ثُمَّ هُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يُعَيِّنَ لَهُ الْمَرْأَةَ ، أَوْ يَأْذَنَ لَهُ مُطْلَقًا .\rوَقَالَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ : يَحْتَاجُ إلَى التَّعْيِينِ لَهُ ؛ لِئَلَّا يَتَزَوَّجَ شَرِيفَةً يَكْثُرُ مَهْرُهَا وَنَفَقَتُهَا ، فَيَتَضَرَّرُ بِذَلِكَ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ أَذِنَ فِي النِّكَاحِ ، فَجَازَ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ ، كَالْإِذْنِ لِلْعَبْدِ ، وَبِهَذَا يَبْطُلُ مَا ذَكَرُوهُ .\rوَلَا يَتَزَوَّجُ إلَّا بِمَهْرِ الْمِثْلِ ، فَإِنْ زَادَ عَلَى مَهْرِ الْمِثْلِ ، بَطَلَتْ الزِّيَادَةُ ؛ لِأَنَّهَا مُحَابَاةٌ بِمَالِهِ ، وَهُوَ لَا يَمْلِكُهَا .\rوَإِنْ نَقَصَ عَنْ مَهْرِ الْمِثْلِ ، جَازَ ؛ لِأَنَّهُ رِبْحٌ مِنْ غَيْرِ خُسْرَانٍ .\rالْحَالُ الثَّالِثُ ، إذَا تَزَوَّجَ بِغَيْرِ إذْنٍ .\rفَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : يَصِحُّ النِّكَاحُ ، أَوْمَأَ إلَيْهِ أَحْمَدُ ، قَالَ الْقَاضِي : يَعْنِي إذَا كَانَ مُحْتَاجًا ، فَإِنْ عُدِمَتْ الْحَاجَةُ لَمْ يَجُزْ ؛ لِأَنَّهُ إتْلَافٌ لِمَالِهِ فِي غَيْرِ فَائِدَةٍ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ : إنْ أَمْكَنَهُ اسْتِئْذَانُ وَلِيِّهِ ، لَمْ يَصِحَّ إلَّا بِإِذْنِهِ ؛ لِأَنَّهُ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ ، فَلَمْ يَصِحَّ مِنْهُ التَّصَرُّفُ بِغَيْرِ إذْنِهِ ، كَالْعَبْدِ ، وَإِنْ طَلَبَ مِنْهُ النِّكَاحَ ، فَأَبَى أَنْ يُزَوِّجَهُ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ إذَا احْتَاجَ إلَى النِّكَاحِ ، فَحَقُّهُ مُتَعَيِّنٌ فِيهِ ، فَصَحَّ اسْتِيفَاؤُهُ بِنَفْسِهِ ، كَمَا لَوْ اسْتَوْفَى دَيْنَهُ الْحَالَّ عِنْدَ امْتِنَاعِ وَلِيِّهِ مِنْ اسْتِيفَائِهِ ، فَأَمَّا إنْ تَزَوَّجَ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ ، لَمْ يَصِحَّ ، فَإِنْ وَطِئَ الزَّوْجَةَ ، فَعَلَيْهِ مَهْرُ الْمِثْلِ ؛ لِأَنَّهُ أَتْلَفَ بُضْعَهَا بِشُبْهَةٍ ، فَلَزِمَهُ عِوَضُ مَا أَتْلَفَ ، كَمَا لَوْ أَتْلَفَ مَالَهَا .","part":14,"page":457},{"id":6957,"text":"( 5224 ) فَصْلٌ : وَلَيْسَ لِغَيْرِ الْأَبِ تَطْلِيقُ امْرَأَةِ الْمُوَلَّى عَلَيْهِ ، سَوَاءٌ كَانَ مِمَّنْ يَمْلِكُ التَّزْوِيجَ ، كَوَصِيِّ الْأَبِ وَالْحَاكِمِ عَلَى قَوْلِ ابْنِ حَامِدٍ ، أَوْ لَا يَمْلِكُهُ .\rلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا .\rفَأَمَّا الْأَبُ إذَا زَوَّجَ ابْنَهُ الصَّغِيرَ أَوْ الْمَجْنُونَ ، فَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ ، فِي رَجُلَيْنِ زَوَّجَ أَحَدُهُمَا ابْنَهُ بِابْنَةِ الْآخَرِ ، وَهُمَا صَغِيرَانِ ، ثُمَّ إنَّ الْأَبَوَيْنِ كَرِهَا ، هَلْ لَهُمَا أَنْ يَفْسَخَا ؟ فَقَالَ : قَدْ اُخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ .\rوَكَأَنَّهُ رَآهُ .\rقَالَ أَبُو بَكْرٍ : لَمْ يَبْلُغْنِي عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إلَّا هَذِهِ الرِّوَايَةُ ، فَتُخَرَّجُ عَلَى قَوْلَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، يَمْلِكُ ذَلِكَ .\rوَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ ، وَقَتَادَةَ ؛ لِأَنَّهَا وِلَايَةٌ يَسْتَفِيدُ بِهَا تَمْلِيكَ الْبُضْعِ ، فَجَازَ أَنْ يَمْلِكَ بِهَا إزَالَتَهُ إذَا لَمْ يَكُنْ مُتَّهَمًا ، كَالْحَاكِمِ يَمْلِكُ الطَّلَاقَ عَلَى الصَّغِيرِ وَالْمَجْنُونِ بِالْإِعْسَارِ .\rوَالْقَوْلُ الثَّانِي : لَا يَمْلِكُ ذَلِكَ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إنَّمَا الطَّلَاقُ لِمَنْ أَخَذَ بِالسَّاقِ } .\rوَلِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ الْبُضْعَ ، فَلَا يَمْلِكُ الطَّلَاقَ بِنَفْسِهِ ، كَوَصِيِّ الْأَبِ وَالْحَاكِمِ ، وَكَالسَّيِّدِ يُزَوِّجُ عَبْدَهُ الصَّغِيرَ ، وَبِهَذِهِ الْأُصُولِ يَبْطُلُ دَلِيلُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ .","part":14,"page":458},{"id":6958,"text":"( 5225 ) فَصْلٌ : وَإِذَا ادَّعَتْ امْرَأَةُ الْمَجْنُونِ عُنَّتَهُ ، لَمْ تُضْرَبْ لَهُ مُدَّةٌ ؛ لِأَنَّهَا لَا تَثْبُتُ إلَّا بِإِقْرَارِ الزَّوْجِ ، وَلَا حُكْمَ لِإِقْرَارِهِ .\rوَإِنْ أَقَرَّ بِالْعُنَّةِ وَهُوَ صَحِيحٌ ، فَضُرِبَتْ لَهُ الْمُدَّةُ ثُمَّ جُنَّ ، وَانْقَضَتْ الْمُدَّةُ ، وَطَالَبَتْ الْمَرْأَةُ بِالْفَسْخِ ، لَمْ يُفْسَخْ ؛ لِأَنَّهَا إنْ كَانَتْ ثَيِّبًا فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ ، وَإِنْ كَانَتْ بِكْرًا فَادَّعَى مَنْعَهَا إيَّاهُ نَفْسَهَا ، أَوْ أَنَّهُ وَطِئَهَا فَعَادَتْ عُذْرَتُهَا ، فَلَهُ اسْتِحْلَافُهَا .\rفَإِذَا كَانَ لَا يُعَبِّرُ عَنْ نَفْسِهِ ، لَمْ يَسْتَحْلِفْ ، وَلَا يَثْبُتُ مَا قَالَتْهُ ، فَلَمْ يُفْسَخْ عَلَيْهِ .","part":14,"page":459},{"id":6959,"text":"( 5226 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِذَا زَوَّجَ أَمَتَهُ بِغَيْرِ إذْنِهَا ، فَقَدْ لَزِمَهَا النِّكَاحُ ، كَبِيرَةً كَانَتْ أَوْ صَغِيرَةً ) .\rلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ مَنَافِعَهَا مَمْلُوكَةٌ لَهُ ، وَالنِّكَاحُ عَقْدٌ عَلَى مَنْفَعَتِهَا ، فَأَشْبَهَ عَقْدَ الْإِجَارَةِ ، وَلِذَلِكَ مَلَكَ الِاسْتِمْتَاعَ بِهَا ، وَبِهَذَا فَارَقَتْ الْعَبْدَ ، وَلِأَنَّهُ يَنْتَفِعُ بِتَزْوِيجِهَا ؛ لِمَا حَصَلَ لَهُ مِنْ مَهْرِهَا وَوَلَدِهَا ، وَيَسْقُطُ عَنْهُ مِنْ نَفَقَتِهَا وَكِسْوَتِهَا ، بِخِلَافِ الْعَبْدِ .","part":14,"page":460},{"id":6960,"text":"( 5227 ) فَصْلٌ : وَالْمُدَبَّرَةُ ، وَالْمُعَلَّقُ عِتْقُهَا بِصِفَةٍ ، وَأُمُّ الْوَلَدِ ، كَالْأَمَةِ الْقِنِّ ، فِي إجْبَارِهَا عَلَى النِّكَاحِ .\rوَقَالَ مَالِكٌ آخِرَ أَمْرِهِ : لَيْسَ لَهُ تَزْوِيجُ أُمِّ وَلَدِهِ بِغَيْرِ إذْنِهَا .\rوَكَرِهَهُ رَبِيعَةُ وَلِلشَّافِعِيِّ فِيهِ قَوْلَانِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فِي رَقَبَتِهَا ، فَكَذَلِكَ لَا يَمْلِكُ تَزْوِيجَهَا بِغَيْرِ إذْنِهَا ، كَأُخْتِهِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهَا مَمْلُوكَتُهُ ، يَمْلِكُ الِاسْتِمْتَاعَ بِهَا وَإِجَارَتَهَا ، فَمَلَكَ تَزْوِيجَهَا ، كَالْقِنِّ ، وَلِأَنَّهَا إحْدَى مَنْفَعَتَيْهَا ، فَمَلَكَ أَخْذَ عِوَضِهَا ، كَسَائِرِ مَنَافِعِهَا .\rوَمَا ذَكَرُوهُ يَبْطُلُ بِابْنَتِهِ الصَّغِيرَةِ ، لَا يَمْلِكُ رَقَبَتَهَا ، وَيَمْلِكُ تَزْوِيجَهَا .\rوَإِذَا مَلَكَ أُخْتَهُ مِنْ الرَّضَاعِ ، أَوْ مَجُوسِيَّةً ، فَلَهُ تَزْوِيجُهُمَا ، وَإِنْ كَانَتَا مُحَرَّمَتَيْنِ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ مَنَافِعَهُمَا مِلْكُهُ ، وَإِنَّمَا حُرِّمَتَا عَلَيْهِ لِعَارِضٍ .\rفَأَمَّا الَّتِي بَعْضُهَا حُرٌّ ، فَلَا يَمْلِكُ سَيِّدُهَا إجْبَارَهَا ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ جَمِيعَهَا .\rوَلَا يَمْلِكُ إجْبَارَ الْمُكَاتَبَةِ ؛ لِأَنَّهَا بِمَنْزِلَةِ الْخَارِجَةِ عَنْ مِلْكِهِ ، وَلِذَلِكَ لَا يَمْلِكُ وَطْأَهَا وَلَا إجَارَتَهَا ، وَلَا تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهَا ، وَلَا يَصِلُ إلَيْهِ مَهْرُهَا ، فَهِيَ كَالْعَبْدِ .","part":14,"page":461},{"id":6961,"text":"( 5228 ) فَصْلٌ : فَإِنْ طَلَبَتْ الْأَمَةُ مِنْ سَيِّدِهَا تَزْوِيجَهَا ، فَإِنْ كَانَ يَطَؤُهَا ، لَمْ يُجْبَرْ عَلَى تَزْوِيجِهَا ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ ضَرَرًا فِي تَزْوِيجِهَا ، وَوَطْؤُهُ لَهَا يَدْفَعُ حَاجَتَهَا .\rفَإِنْ كَانَ لَا يَطَؤُهَا ؛ لِكَوْنِهَا مُحَرَّمَةً عَلَيْهِ ، كَالْمَجُوسِيَّةِ وَأُخْتِهِ مِنْ الرَّضَاعِ ، أَوْ مُحَلَّلَةً لَهُ لَكِنْ لَا يَرْغَبُ فِي وَطْئِهَا ، أُجْبِرَ عَلَى تَزْوِيجِهَا أَوْ وَطْئِهَا إنْ كَانَتْ مُحَلَّلَةً لَهُ ، وَإِزَالَةُ مِلْكِهِ عَنْهَا ؛ لِأَنَّهُ وَلِيُّهَا ، فَأُجْبِرَ عَلَى تَزْوِيجِهَا ، كَالْحُرَّةِ ، وَلِأَنَّ حَاجَتَهَا قَدْ تَشْتَدُّ إلَى ذَلِكَ ، فَأُجْبِرَ عَلَى دَفْعِهَا ، كَالْإِطْعَامِ وَالْكُسْوَةِ .\rوَإِذَا امْتَنَعَ أَجْبَرَهُ الْحَاكِمُ .\rوَإِنْ طَلَبَتْ مِنْهُ مَنْ نِصْفُهَا حُرٌّ ، أَوْ الْمُكَاتَبَةُ ، أَوْ أُمُّ الْوَلَدِ ، التَّزْوِيجَ ، أُجْبِرَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ وَلِيُّهُنَّ ، فَأُجْبِرَ عَلَى تَزْوِيجِهِنَّ ، كَالْحَرَائِرِ .","part":14,"page":462},{"id":6962,"text":"( 5229 ) فَصْلٌ : وَإِذَا اشْتَرَى عَبْدُهُ الْمَأْذُونُ أَمَةً ، وَرَكِبَتْهُ دُيُونٌ ، مَلَكَ سَيِّدُهُ تَزْوِيجَهَا وَبَيْعَهَا وَإِعْتَاقَهَا .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، وَذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ ، وَقَالَ : وَلِلسَّيِّدِ وَطْؤُهَا .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَيْسَ لَهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِضْرَارِ بِالْغُرَمَاءِ .\rوَأَصِلُ الْخِلَافِ يَنْبَنِي عَلَى دَيْنِ الْمَأْذُونِ لَهُ فِي التِّجَارَةِ ، فَعِنْدَنَا يَلْزَمُ السَّيِّدَ ، فَلَا يَلْحَقُ الْغُرَمَاءَ ضَرَرٌ بِتَصَرُّفِ السَّيِّدِ فِي الْأَمَةِ ، فَإِنَّ الدِّينَ مَا تَعَلَّقَ بِهَا ، وَعِنْدَهُ أَنَّ الدَّيْنَ يَتَعَلَّقُ بِالْعَبْدِ وَبِمَا فِي يَدِهِ ، فَيَلْحَقُهُمْ الضَّرَرُ .\rوَالْكَلَامُ عَلَى هَذَا يُذْكَرُ فِي مَوْضِعِهِ .","part":14,"page":463},{"id":6963,"text":"( 5230 ) فَصْلٌ : وَلَيْسَ لِلسَّيِّدِ إكْرَاهَ أَمَتِهِ عَلَى التَّزْوِيجِ بِمَعِيبٍ عَيْبًا يُرَدُّ بِهِ فِي النِّكَاحِ ؛ لِأَنَّهُ يُؤَثِّرُ فِي الِاسْتِمْتَاعِ ، وَذَلِكَ حَقٌّ لَهَا ، وَلِذَلِكَ مَلَكَتْ الْفَسْخَ بِالْجَبِّ وَالْعُنَّةِ وَالِامْتِنَاعِ مِنْ الْعَبْدِ دُونَ السَّيِّدِ .\rوَفَارَقَ بَيْعَهَا مِنْ مَعِيبٍ لِأَنَّهُ لَا يُرَادُ لِلِاسْتِمْتَاعِ ، وَلِهَذَا مَلَكَ شِرَاءَ الْأَمَةِ الْمُحَرَّمَةِ وَلَمْ تَمْلِكْ الْأَمَةُ الْفَسْخَ لِعَيْبِهِ وَلَا عُنَّتِهِ وَلَا إيلَائِهِ وَإِنْ زَوَّجَهَا مِنْ مَعِيبٍ فَهَلْ يَصِحُّ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ ؛ فَإِنْ قُلْنَا يَصِحُّ .\rفَلَهَا الْفَسْخُ .\rوَإِنْ كَانَتْ صَغِيرَةً فَهَلْ لَهُ الْفَسْخُ فِي الْحَالِ أَوْ يَنْتَظِرُ بُلُوغَهَا ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ .\rوَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ هَكَذَا فِي هَذَا الْفَصْلِ كُلِّهِ .","part":14,"page":464},{"id":6964,"text":"( 5231 ) قَالَ : وَمَنْ زَوَّجَ عَبْدَهُ وَهُوَ كَارِهٌ لَمْ يَجُزْ إلَّا أَنْ يَكُونَ صَغِيرًا الْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي فَصْلَيْنِ : ( 5232 ) الْفَصْلُ الْأَوَّلُ : أَنَّ السَّيِّدَ لَا يَمْلِكُ إجْبَارَ عَبْدِهِ الْبَالِغِ الْعَاقِلِ عَلَى النِّكَاحِ وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ ، وَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ : لَهُ ذَلِكَ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى { وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ } ؛ وَلِأَنَّهُ يَمْلِكُ رَقَبَتَهُ فَمَلَكَ إجْبَارَهُ عَلَى النِّكَاحِ كَالْأَمَةِ ؛ وَلِأَنَّهُ يَمْلِكُ إجَارَتَهُ فَأَشْبَهَ الْأَمَةَ ، وَلَنَا أَنَّهُ مُكَلَّفٌ يَمْلِكُ الطَّلَاقَ ، فَلَا يُجْبَرُ عَلَى النِّكَاحِ كَالْحُرِّ ؛ وَلِأَنَّ النِّكَاحَ خَالِصُ حَقِّهِ وَنَفْعُهُ لَهُ فَأَشْبَهَ الْحُرَّ ، وَالْأَمْرُ بِإِنْكَاحِهِ مُخْتَصٌّ بِحَالِ طَلَبِهِ بِدَلِيلِ عَطْفِهِ عَلَى الْأَيَامَى وَإِنَّمَا يُزَوَّجْنَ عِنْدَ الطَّلَبِ .\rوَمُقْتَضَى الْأَمْرِ الْوُجُوبُ وَإِنَّمَا يَجِبُ تَزْوِيجُهُ عِنْدَ طَلَبِهِ .\rوَأَمَّا الْأَمَةُ فَإِنَّهُ يَمْلِكُ مَنَافِعَ بُضْعِهَا وَالِاسْتِمْتَاعَ بِهَا ، بِخِلَافِ الْعَبْدِ .\rوَيُفَارِقُ النِّكَاحُ الْإِجَارَةَ ؛ لِأَنَّهَا عَقْدٌ عَلَى مَنَافِعِ بَدَنِهِ ، وَهُوَ يَمْلِكُ اسْتِيفَاءَهَا .\r.","part":14,"page":465},{"id":6965,"text":"( 5233 ) الْفَصْلُ الثَّانِي : فِي الْعَبْدِ الصَّغِيرِ الَّذِي لَمْ يَبْلُغْ ، فَلِلسَّيِّدِ تَزْوِيجُهُ ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، إلَّا أَنَّ بَعْضَ الشَّافِعِيَّةِ قَالَ : فِيهِ قَوْلَانِ .\rوَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ يُحْتَمَلُ أَلَّا يَمْلِكَ تَزْوِيجَهُ .\rوَلَنَا أَنَّهُ إذَا مَلَكَ تَزْوِيجَ ابْنِهِ الصَّغِيرِ ، فَعَبْدُهُ مَعَ مِلْكِهِ لَهُ وَتَمَامِ وِلَايَتِهِ عَلَيْهِ أَوْلَى ، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي عَبْدِهِ الْمَجْنُونِ .\r.","part":14,"page":466},{"id":6966,"text":"( 5234 ) فَصْلٌ : وَالْمَهْرُ وَالنَّفَقَةُ عَلَى السَّيِّدِ ، سَوَاءٌ ضَمِنَهُمَا أَوْ لَمْ يَضْمَنْهُمَا ، وَسَوَاءٌ بَاشَرَ الْعَقْدَ أَوْ أَذِنَ لِعَبْدِهِ فَعَقَدَهُ ، وَسَوَاءٌ كَانَ مَأْذُونًا لَهُ فِي التِّجَارَةِ أَوْ مَحْجُورًا عَلَيْهِ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ وَعَنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ يَتَعَلَّقُ بِكَسْبِهِ ، فَإِنَّهُ قَالَ : نَفَقَتُهُ مِنْ ضَرِيبَتِهِ .\rوَقَالَ : إنْ كَانَ بِقِيمَةِ ضَرِيبَتِهِ أَنْفَقَ عَلَيْهَا ، وَلَا يُعْطِي الْمَوْلَى ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مَا يُنْفِقُ ، يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا .\rوَهَذَا قَوْلٌ لِلشَّافِعِيِّ .\rوَفَائِدَةُ الْخِلَافِ أَنَّ مَنْ أَلْزَمَ السَّيِّدَ الْمَهْرَ وَالنَّفَقَةَ أَوْجَبَهُمَا عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْعَبْدِ كَسْبٌ ، وَلَيْسَ لِلْمَرْأَةِ الْفَسْخُ ؛ لِعَدَمِ كَسْبِ الْعَبْدِ ، وَلِلسَّيِّدِ اسْتِخْدَامُهُ وَمَنْعُهُ مِنْ الِاكْتِسَابِ ، وَمَنْ عَلَّقَهُ بِكَسْبِهِ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ كَسْبٌ ، فَلِلْمَرْأَةِ الْفَسْخُ ، وَلَيْسَ لِلسَّيِّدِ مَنْعُهُ مِنْ الْكَسْبِ .\rوَلَنَا أَنَّهُ حَقٌّ تَعَلَّقَ بِالْعَبْدِ بِرِضَا سَيِّدِهِ ، فَتَعَلَّقَ بِسَيِّدِهِ ، وَجَازَ بَيْعُهُ فِيهِ ، كَمَا لَوْ رَهَنَهُ بِدَيْنٍ .\rفَعَلَى هَذَا ، لَوْ بَاعَهُ سَيِّدُهُ ، أَوْ أَعْتَقَهُ ، لَمْ يَسْقُطْ الْمَهْرُ عَنْ السَّيِّدِ .\rنَصَّ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ تَعَلَّقَ بِذِمَّتِهِ ، فَلَمْ يَسْقُطْ بِبَيْعِهِ وَعِتْقِهِ ، كَأَرْشِ جِنَايَتِهِ .\rفَأَمَّا النَّفَقَةُ : فَإِنَّهَا تَتَجَدَّدُ ، فَتَكُونُ فِي الزَّمَنِ الْمُسْتَقْبَلِ عَلَى الْمُشْتَرِي أَوْ عَلَى الْعَبْدِ إذَا أُعْتِقَ .","part":14,"page":467},{"id":6967,"text":"( 5235 ) فَصْلٌ : وَيَجُوزُ أَنْ يَتَزَوَّجَ السَّيِّدُ لِعَبْدِهِ بِإِذْنِهِ .\rوَيَجُوزُ أَنْ يَأْذَنَ لِلْعَبْدِ فَيَتَزَوَّجَ لِنَفْسِهِ ؛ لِأَنَّهُ مُكَلَّفُ يَصِحُّ طَلَاقُهُ ، فَكَانَ مِنْ أَهْلِ مُبَاشَرَةِ النِّكَاحِ كَالْحُرِّ .\rوَيَجُوزُ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ مُطْلَقًا وَمُقَيَّدًا ، فَإِنْ عَيَّنَ لَهُ امْرَأَةً أَوْ نِسَاءَ بَلَدٍ أَوْ قَبِيلَةٍ أَوْ حُرَّةً ، أَوْ أَمَةً ، فَتَزَوَّجَ غَيْرَهَا ، لَمْ يَصِحَّ ؛ لِأَنَّهُ مُتَصَرِّفٌ بِالْإِذْنِ فَتَقَيَّدَ تَصَرُّفُهُ بِمَا أُذِنَ لَهُ فِيهِ كَالْوَكِيلِ .\rوَإِنْ أَذِنَ لَهُ مُطْلَقًا ؛ فَلَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ مَنْ شَاءَ ، لَكِنْ إنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً مِنْ بَلْدَةٍ أُخْرَى فَلِسَيِّدِهِ مَنْعُهُ مِنْ الْخُرُوجِ إلَيْهَا ، وَإِنْ كَانَتْ فِي الْبَلَدِ ، فَعَلَى سَيِّدِهِ إرْسَالُهُ لَيْلًا لِلِاسْتِمْتَاعِ .\rوَإِنْ أَحَبَّ سَيِّدُهُ أَنْ يُسْكِنَهَا فِي مَسْكَنٍ مِنْ دَارِهِ ، فَلَهُ ذَلِكَ إذَا كَانَ مَسْكَنَ مِثْلِهَا ، وَلَا يَلْزَمُهُ إرْسَالُهُ نَهَارًا ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى اسْتِخْدَامِهِ ، وَلَيْسَ النَّهَارُ مَحَلًّا لِلِاسْتِمْتَاعِ .\rوَلِسَيِّدِهِ الْمُسَافَرَةُ بِهِ ، فَإِنَّ حَقَّ امْرَأَةِ الْعَبْدِ عَلَيْهِ لَا يَزِيدُ عَلَى حَقِّ امْرَأَةِ الْحُرِّ ، وَالْحُرُّ يَمْلِكُ الْمُسَافَرَةَ وَإِنْ كَرِهَتْ امْرَأَتُهُ ، كَذَا هَا هُنَا .","part":14,"page":468},{"id":6968,"text":"( 5236 ) فَصْلٌ : وَلِلسَّيِّدِ أَنْ يُعَيِّنَ لَهُ الْمَهْرَ ، وَلَهُ أَنْ يُطْلِقَ ، فَإِنْ تَزَوَّجَ بِمَا عَيَّنَهُ أَوْ دُونَهُ ، أَوْ بِمَهْرِ الْمِثْلِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ أَوْ دُونَهُ ، لَزِمَ الْمُسَمَّى ، وَإِنْ تَزَوَّجَ بِأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ لَمْ يَلْزَمْ السَّيِّدَ الزِّيَادَةُ .\rوَهَلْ تَتَعَلَّقُ بِرَقَبَةِ الْعَبْدِ أَوْ بِذِمَّتِهِ يُتْبَعُ بِهَا بَعْدَ الْعِتْقِ ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ ، بِنَاءً عَلَى اسْتِدَانَةِ الْعَبْدِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ .\rوَقَدْ ذُكِرَ فِي بَابِ الْمُصَرَّاةِ .","part":14,"page":469},{"id":6969,"text":"( 5237 ) فَصْلٌ : وَإِنْ تَزَوَّجَ أَمَةً ، ثُمَّ اشْتَرَاهَا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ لِسَيِّدِهِ ، لَمْ يُؤَثِّرْ ذَلِكَ فِي نِكَاحِهِ ، وَإِنْ اشْتَرَاهَا لِنَفْسِهِ ، وَقُلْنَا : إنَّ الْعَبْدَ لَا يَمْلِكُ بِالتَّمْلِيكِ .\rفَكَذَلِكَ ، وَإِنْ قُلْنَا : يَمْلِكُ بِالتَّمْلِيكِ .\rانْفَسَخَ نِكَاحُهُ ، كَمَا لَوْ اشْتَرَى الْحُرُّ امْرَأَتَهُ ، وَلَهُ وَطْؤُهَا بِمِلْكِ الْيَمِينِ إذَا أَذِنَ لَهُ السَّيِّدُ ، فَإِنْ كَانَ نِصْفُهُ حُرًّا ، فَاشْتَرَاهَا فِي ذِمَّتِهِ ، أَوْ بِمَا يَخْتَصُّ بِمِلْكِهِ ، انْفَسَخَ نِكَاحُهُ ؛ لِأَنَّهُ مَلَكَهَا وَحَلَّتْ لَهُ بِمِلْكِ يَمِينِهِ ، وَإِنْ مَلَكَ بَعْضَهَا ، انْفَسَخَ نِكَاحُهُ ، وَلَمْ تَحِلَّ لَهُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ جَمِيعَهَا .\rوَإِنْ اشْتَرَاهَا بِعَيْنِ مَالٍ مُشْتَرَكٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَيِّدِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ ، وَقُلْنَا : لَا تُفَرَّقُ الصَّفْقَةُ .\rلَمْ يَصِحَّ الْبَيْعُ ، وَالنِّكَاحُ بِحَالِهِ .\rوَإِنْ قُلْنَا بِتَفْرِيقِهَا ، صَحَّ فِي قَدْرِ مَالِهِ ، وَانْفَسَخَ النِّكَاحُ ؛ لِمِلْكِهِ بَعْضَهَا .","part":14,"page":470},{"id":6970,"text":"( 5238 ) فَصْلٌ : وَإِنْ اشْتَرَتْ الْحُرَّةُ زَوْجَهَا ، أَوْ مَلَكَتْهُ بِهِبَةٍ أَوْ غَيْرِهَا ، انْفَسَخَ النِّكَاحُ ؛ لِأَنَّ مِلْكَ النِّكَاحِ وَالْيَمِينِ يَتَنَافَيَانِ ، لِاسْتِحَالَةِ كَوْنِ الشَّخْصِ مَالِكًا لِمَالِكِهِ ؛ وَلِأَنَّ الْمَرْأَةَ تَقُولُ : أَنْفِقْ عَلَيَّ ؛ لِأَنَّنِي امْرَأَتُك ، وَأَنَا أُسَافِرُ بِك ؛ لِأَنَّك عَبْدِي .\rوَيَقُولُ هُوَ : أَنْفِقِي عَلَيَّ ؛ لِأَنَّنِي عَبْدُك ، وَأَنَا أُسَافِرُ بِك ؛ لِأَنَّك امْرَأَتِي .\rفَيَتَنَافَى ذَلِكَ ، فَيَثْبُتُ أَقْوَاهُمَا ، وَهُوَ مِلْكُ الْيَمِينِ ، وَيَنْفَسِخُ النِّكَاحُ ؛ لِأَنَّهُ أَضْعَفُ ، وَلَهَا عَلَى سَيِّدِهِ الْمَهْرُ إنْ كَانَ بَعْدَ الدُّخُولِ ، وَلَهُ عَلَيْهَا الثَّمَنُ ، فَإِنْ كَانَا دَيْنَيْنِ مِنْ جِنْسٍ تَقَاصَّا وَتَسَاقَطَا إنْ كَانَا مُتَسَاوِيَيْنِ ، وَإِنْ تَفَاضَلَا سَقَطَ الْأَقَلُّ مِنْهُمَا بِمِثْلِهِ ، وَبَقِيَ الْفَاضِلُ ، وَإِنْ اخْتَلَفَ جِنْسُهُمَا لَمْ يَتَسَاقَطَا ، وَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا تَسْلِيمُ مَا عَلَيْهِ إلَى صَاحِبِهِ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ : يَسْقُطُ مَهْرُهَا ؛ لِأَنَّهُ دَيْنٌ فِي ذِمَّةِ الْعَبْدِ ، فَإِذَا مَلَكَتْهُ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَثْبُتَ لَهَا دَيْنٌ فِي ذِمَّةِ عَبْدِهَا ، كَمَا لَوْ أَتْلَفَ لَهَا مَالًا .\rوَهَذَا بِنَاءٍ مِنْهُ عَلَى أَنَّ الْمَهْرَ يَتَعَلَّقُ بِذِمَّةِ الْعَبْدِ ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِذِمَّةِ سَيِّدِهِ ، فَلَا يُؤَثِّرُ مِلْكُ الْعَبْدِ فِي إسْقَاطِهِ .\rوَذَكَرَ الْقَاضِي فِيهِ وَجْهًا : أَنَّهُ يَسْقُطُ ؛ لِأَنَّ ثُبُوتَ الدَّيْنِ فِي ذِمَّةِ السَّيِّدِ تَبَعٌ لِثُبُوتِهِ فِي ذِمَّةِ الْعَبْدِ ، فَإِذَا سَقَطَ مِنْ ذِمَّةِ الْعَبْدِ سَقَطَ مِنْ ذِمَّةِ السَّيِّدِ تَبَعًا ، كَالدَّيْنِ الَّذِي عَلَى الضَّامِنِ إذَا سَقَطَ مِنْ ذِمَّةِ الْمَضْمُونِ عَنْهُ وَلَا يُعْرَفُ هَذَا فِي الْمَذْهَبِ ، وَلَا أَنَّهُ يَثْبُتُ فِي الذِّمَّتَيْنِ جَمِيعًا ، إحْدَاهُمَا تَبَعٌ لِلْأُخْرَى ، بَلْ الْمَذْهَبُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَسْقُطُ بَعْدَ الدُّخُولِ بِحَالٍ ، فَأَمَّا إنْ كَانَ الشِّرَاءُ قَبْلَ الدُّخُولِ سَقَطَ نِصْفُهُ ، كَمَا لَوْ طَلَّقَهَا قَبْلَ دُخُولِهِ بِهَا .\rوَفِي","part":14,"page":471},{"id":6971,"text":"سُقُوطِ بَاقِيهِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا : لَا يَسْقُطُ ؛ لِأَنَّ زَوَالَ الْمِلْكِ إنَّمَا هُوَ بِفِعْلِ الْبَائِعِ ، فَالْفَسْخُ إذًا مِنْ جِهَتِهِ ، فَلَمْ يَسْقُطْ جَمِيعُ الْمَهْرِ كَالْخُلْعِ .\rوَالثَّانِي يَسْقُطُ ؛ لِأَنَّ الْفَسْخَ إنَّمَا تَمَّ بِشِرَاءِ الْمَرْأَةِ ، فَأَشْبَهَ الْفَسْخَ بِالْعَيْبِ فِي أَحَدِهِمَا ، وَفَسْخَهَا لِإِعْسَارِهِ ، وَشِرَاءَ الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ .","part":14,"page":472},{"id":6972,"text":"( 5239 ) فَصْلٌ : فَإِنْ ابْتَاعَتْهُ بِصَدَاقِهَا ، صَحَّ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ وَذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ ، وَالْقَاضِي ، وَيَرْجِعُ عَلَيْهَا بِنِصْفِهِ إنْ قُلْنَا : يَسْقُطُ نِصْفُهُ .\rأَوْ بِجَمِيعِهِ ، إنْ قُلْنَا : يَسْقُطُ جَمِيعُهُ .\rوَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَصِحَّ الْبَيْعُ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ، لِأَنَّ ثُبُوتَهُ يَقْتَضِي نَفْيَهُ ، فَإِنَّ صِحَّةَ الْبَيْعِ ؛ تَقْتَضِي فَسْخَ النِّكَاحِ وَسُقُوطَ الْمَهْرِ ، وَسُقُوطُ الْمَهْرِ يَقْتَضِي بُطْلَانَ الْبَيْعِ ؛ لِأَنَّهُ عِوَضُهُ وَلَا يَصِحُّ بِغَيْرِ عِوَضٍ .\rوَلَنَا أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ثَمَنًا لِغَيْرِ هَذَا الْعَبْدِ ، فَجَازَ أَنْ يَكُونَ ثَمَنًا لَهُ ، كَغَيْرِهِ مِنْ الدُّيُونِ ، وَمَا سَقَطَ مِنْهُ رَجَعَ عَلَيْهَا بِهِ .","part":14,"page":473},{"id":6973,"text":"( 5240 ) قَالَ : فَإِذَا زَوَّجَ الْوَلِيَّانِ فَالنِّكَاحُ لِلْأَوَّلِ مِنْهُمَا وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا كَانَ لِلْمَرْأَةِ وَلِيَّانِ فَأَذِنَتْ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي تَزْوِيجِهَا ، جَازَ ، سَوَاءٌ أَذِنَتْ فِي رَجُلٍ مُعَيَّنٍ أَوْ مُطْلَقًا ، فَقَالَتْ : قَدْ أَذِنْت لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ أَوْلِيَائِي فِي تَزْوِيجِي مَنْ أَرَادَ .\rفَإِذَا زَوَّجَهَا الْوَلِيَّانِ لِرَجُلَيْنِ ، وَعُلِمَ السَّابِقُ مِنْهُمَا ، فَالنِّكَاحُ لَهُ ، دَخَلَ بِهَا الثَّانِي أَوْ لَمْ يَدْخُلْ .\rوَهَذَا قَوْلُ الْحَسَنِ ، وَالزُّهْرِيِّ ، وَقَتَادَةَ ، وَابْنِ سِيرِينَ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي عُبَيْدٍ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ .\rوَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ ، وَمَالِكٌ ، مَا لَمْ يَدْخُلْ بِهَا الثَّانِي ، فَإِنْ دَخَلَ بِهَا الثَّانِي صَارَ أَوْلَى .\rلِقَوْلِ عُمَرَ إذَا أَنْكَحَ الْوَلِيَّانِ فَالْأَوَّلُ أَحَقُّ ، مَا لَمْ يَدْخُلْ بِهَا الثَّانِي .\rوَلِأَنَّ الثَّانِيَ اتَّصَلَ بِعَقْدِهِ الْقَبْضُ ، فَكَانَ أَحَقَّ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى سَمُرَةُ ، وَعُقْبَةُ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { أَيُّمَا امْرَأَةٍ زَوَّجَهَا وَلِيَّانِ ، فَهِيَ لِلْأَوَّلِ .\r} أَخْرَجَ حَدِيثَ سَمُرَةَ أَبُو دَاوُد ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ عَنْهُ وَعَنْ عُقْبَةَ وَرُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ ، وَشُرَيْحٍ وَلِأَنَّ الثَّانِيَ تَزَوَّجَ امْرَأَةً فِي عِصْمَةِ زَوْجٍ ، فَكَانَ بَاطِلًا ، كَمَا لَوْ عَلِمَ أَنَّ لَهَا زَوْجًا ؛ وَلِأَنَّهُ نِكَاحٌ بَاطِلٌ لَوْ عَرِيَ عَنْ الدُّخُولِ ، فَكَانَ بَاطِلًا وَإِنْ دَخَلَ ، كَنِكَاحِ الْمُعْتَدَّةِ وَالْمُرْتَدَّةِ ، وَكَمَا لَوْ عَلِمَ .\rفَأَمَّا حَدِيثُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَلَمْ يُصَحِّحْهُ أَصْحَابُ الْحَدِيثِ ، وَقَدْ خَالَفَهُ قَوْلُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَجَاءَ عَلَى خِلَافِ حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا ذَكَرُوهُ مِنْ الْقَبْضِ لَا مَعْنَى لَهُ ، فَإِنَّ النِّكَاحَ يَصِحُّ بِغَيْرِ قَبْضٍ ، عَلَى أَنَّهُ لَا أَصْلَ لَهُ فَيُقَاسُ عَلَيْهِ ، ثُمَّ يَبْطُلُ بِسَائِرِ الْأَنْكِحَةِ الْفَاسِدَةِ .\r.","part":14,"page":474},{"id":6974,"text":"( 5241 ) فَصْلٌ : إذَا اسْتَوَى الْأَوْلِيَاءُ فِي الدَّرَجَةِ ، كَالْإِخْوَةِ وَبَنِيهِمْ ، وَالْأَعْمَامِ وَبَنِيهِمْ ، فَالْأَوْلَى تَقْدِيمُ أَكْبَرِهِمْ وَأَفْضَلِهِمْ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا تَقَدَّمَ إلَيْهِ مُحَيِّصَةُ وَحُوَيِّصَةُ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَهْلٍ ، فَتَكَلَّمَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَهْلٍ ، وَكَانَ أَصْغَرَهُمْ ، فَقَالَ النَّبِيُّ : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَبِّرْ كَبِّرْ .\rأَيْ قَدِّمْ الْأَكْبَرَ ، قَدِّمْ الْأَكْبَرَ ، فَتَكَلَّمَ حُوَيِّصَةُ .\rوَإِنْ تَشَاحُّوا وَلَمْ يُقَدِّمُوا الْأَكْبَرَ ، أُقْرِعَ بَيْنَهُمْ ؛ لِأَنَّ حَقَّهُمْ اسْتَوَى فِي الْقَرَابَةِ ، وَقَدْ { كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا أَرَادَ سَفَرًا أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ ، } لِتَسَاوِي حُقُوقِهِنَّ .\rكَذَا هَا هُنَا .\rفَإِنْ بَدَرَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ فَزَوَّجَ كُفُؤًا بِإِذْنِ الْمَرْأَةِ ، صَحَّ ، وَإِنْ كَانَ هُوَ الْأَصْغَرَ الْمَفْضُولَ الَّذِي وَقَعَتْ الْقُرْعَةُ لِغَيْرِهِ ؛ لِأَنَّهُ تَزْوِيجٌ صَدَرَ مِنْ وَلِيٍّ كَامِلِ الْوِلَايَةِ ، بِإِذْنِ مُوَلِّيَتِهِ ، فَصَحَّ ، كَمَا لَوْ انْفَرَدَ .\rوَإِنَّمَا الْقُرْعَةُ لِإِزَالَةِ الْمُشَاحَّةِ .","part":14,"page":475},{"id":6975,"text":"( 5242 ) قَالَ : فَإِنْ دَخَلَ بِهَا الثَّانِي وَهُوَ لَا يَعْلَمُ أَنَّهَا ذَاتُ زَوْجٍ ، فُرِّقَ بَيْنَهُمَا ، وَكَانَ لَهَا عَلَيْهِ مَهْرُ مِثْلِهَا ، وَلَمْ يُصِبْهَا زَوْجُهَا حَتَّى تَحِيضَ ثَلَاثَ حِيَضٍ بَعْدَ آخِرِ وَقْتٍ وَطِئَهَا الثَّانِي .\rأَمَّا إذَا عُلِمَ الْحَالُ قَبْلَ وَطْءِ الثَّانِي لَهَا ، فَإِنَّهَا تُدْفَعُ إلَى الْأَوَّلِ ، وَلَا شَيْءَ عَلَى الثَّانِي ؛ لِأَنَّ عَقْدَهُ عَقْدٌ فَاسِدٌ لَا يُوجِبُ شَيْئًا .\rوَإِنْ وَطِئَهَا الثَّانِي ، وَهُوَ لَا يَعْلَمُ ، فَهُوَ وَطْءٌ بِشُبْهَةٍ يَجِبُ لَهَا بِهِ مَهْرُ الْمِثْلِ ، وَتُرَدُّ إلَى الْأَوَّلِ ، وَلَا يَحِلُّ لَهُ وَطْؤُهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا بِثَلَاثِ حِيَضٍ ، إنْ كَانَتْ مِنْ ذَوَاتِ الْأَقْرَاءِ وَلَمْ تَحْمِلْ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ وَهُوَ قَوْلُ قَتَادَةَ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ وَقَالَ أَحْمَدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - : لَهَا صَدَاقٌ بِالْمَسِيسِ ، وَصَدَاقٌ مِنْ هَذَا .\rوَلَا يُرَدُّ الصَّدَاقُ الَّذِي يُؤْخَذُ مِنْ الدَّاخِلِ بِهَا عَلَى الَّذِي دُفِعَتْ إلَيْهِ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الصَّدَاقَ فِي مُقَابَلَةِ الِاسْتِمْتَاعِ بِهَا ، فَكَانَ لَهَا دُونَ زَوْجِهَا ، كَمَا لَوْ وُطِئَتْ بِشُبْهَةٍ أَوْ مُكْرَهَةً .\rوَلَا يَحْتَاجُ هَذَا النِّكَاحُ الثَّانِي إلَى فَسْخٍ ؛ لِأَنَّهُ بَاطِلٌ .\rوَلَا يَجِبُ لَهَا الْمَهْرُ إلَّا بِالْوَطْءِ ، دُونَ مُجَرَّدِ الدُّخُولِ وَالْوَطْءِ دُونَ الْفَرْجِ ؛ لِأَنَّهُ نِكَاحٌ بَاطِلٌ لَا حُكْمَ لَهُ .\rوَيَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ ؛ لِأَنَّهُ يَجِبُ بِالْإِصَابَةِ لَا بِالتَّسْمِيَةِ .\rوَذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ أَنَّ الْوَاجِبَ الْمُسَمَّى .\rقَالَ الْقَاضِي : هُوَ قِيَاسُ الْمَذْهَبِ .\rوَالْأَوَّلُ هُوَ الصَّحِيحُ ؛ لِمَا قُلْنَاهُ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":14,"page":476},{"id":6976,"text":"( 5243 ) قَالَ : فَإِنْ جُهِلَ الْأَوَّلُ مِنْهُمَا ، فُسِخَ النِّكَاحَانِ وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا جُهِلَ الْأَوَّلُ مِنْهُمَا ، فَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ لَا يُعْلَمَ كَيْفِيَّةُ وُقُوعِهِمَا ، أَوْ يُعْلَمَ أَنَّ أَحَدَهُمَا قَبْلَ الْآخَرِ لَا بِعَيْنِهِ ، أَوْ يُعْلَمَ بِعَيْنِهِ ثُمَّ يُشَكَّ ، فَالْحُكْمُ فِي جَمِيعِهَا وَاحِدٌ ، وَهُوَ أَنْ يَفْسَخَ الْحَاكِمُ النِّكَاحَيْنِ جَمِيعًا .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ ، ثُمَّ تَتَزَوَّجَ مَنْ شَاءَتْ مِنْهُمَا أَوْ مِنْ غَيْرِهِمَا .\rوَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٍ وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى ، أَنَّهُ يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا ، فَمَنْ تَقَعُ لَهُ الْقُرْعَةُ أُمِرَ صَاحِبُهُ بِالطَّلَاقِ .\rثُمَّ يُجَدِّدُ الْقَارِعُ نِكَاحَهُ ، فَإِنْ كَانَتْ زَوْجَتَهُ ، لَمْ يَضُرَّهُ تَجْدِيدُ النِّكَاحِ شَيْئًا ، وَإِنْ كَانَتْ زَوْجَةَ الْآخَرِ ، بَانَتْ مِنْهُ بِطَلَاقِهِ ، وَصَارَتْ زَوْجَةَ هَذَا بِعَقْدِهِ الثَّانِي ؛ لِأَنَّ الْقُرْعَةَ تَدْخُلُ بِتَمَيُّزِ الْحُقُوقِ عِنْدَ التَّسَاوِي ، كَالسَّفَرِ بِإِحْدَى نِسَائِهِ ، وَالْبُدَاءَةِ بِالْمَبِيتِ عِنْدَ إحْدَاهُنَّ ، وَتَعْيِينِ الْأَنْصِبَاءِ فِي الْقِسْمَةِ .\rوَقَالَ الثَّوْرِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ : يُجْبِرُهُمَا السُّلْطَانُ عَلَى أَنْ يُطَلِّقَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا طَلْقَةً ، فَإِنْ أَبَيَا فَرَّقَ بَيْنَهُمَا .\rوَهَذَا قَرِيبٌ مِنْ قَوْلِنَا الْأَوَّلِ ؛ لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ إمْضَاءُ الْعَقْدِ الصَّحِيحِ ، فَوَجَبَ إزَالَةُ الضَّرَرِ بِالتَّفْرِيقِ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ : النِّكَاحُ مَفْسُوخٌ ؛ لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ إمْضَاؤُهُ وَهَذَا لَا يَصِحُّ ، فَإِنَّ الْعَقْدَ الصَّحِيحَ لَا يَبْطُلُ بِمُجَرَّدِ إشْكَالِهِ ، كَمَا لَوْ اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ فِي قَدْرِ الثَّمَنِ ، فَإِنَّ الْعَقْدَ لَا يَزُولُ إلَّا بِفَسْخِهِ ، كَذَا هَاهُنَا .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ شُرَيْحٍ ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَحَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ : أَنَّهَا تُخَيَّرُ ، فَأَيُّهُمَا اخْتَارَتْهُ فَهُوَ زَوْجُهَا .\rوَهَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ ، فَإِنَّ أَحَدَهُمَا لَيْسَ بِزَوْجٍ لَهَا ، فَلَمْ تُخَيَّرْ بَيْنَهُمَا","part":14,"page":477},{"id":6977,"text":"، كَمَا لَوْ لَمْ يَعْقِدْ إلَّا أَحَدُهُمَا ، أَوْ كَمَا لَوْ أَشْكَلَ عَلَى الرَّجُلِ امْرَأَتُهُ فِي النِّسَاءِ ، أَوْ عَلَى الْمَرْأَةِ زَوْجُهَا ، إلَّا أَنْ يُرِيدُوا بِقَوْلِهِمْ أَنَّهَا إذَا اخْتَارَتْ أَحَدَهُمَا ، فُرِّقَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْآخَرِ ، ثُمَّ عَقَدَ الْمُخْتَارُ نِكَاحَهَا فَهَذَا حَسَنٌ ، فَإِنَّهُ يُسْتَغْنَى بِالتَّفْرِيقِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ أَحَدِهِمَا ، عَنْ التَّفْرِيقِ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُمَا جَمِيعًا ، وَبِفَسْخِ أَحَدِ النِّكَاحَيْنِ عَنْ فَسْخِهِمَا .\rفَإِنْ أَبَتْ أَنْ تَخْتَارَ ، لَمْ تُجْبَرْ .\rوَكَذَلِكَ يَنْبَغِي أَنَّهُ إذَا أُقْرِعَ بَيْنَهُمَا ، فَوَقَعَتْ الْقُرْعَةُ لِأَحَدِهِمَا ، لَمْ تُجْبَرْ عَلَى نِكَاحِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ أَنَّهُ زَوْجُهَا ، فَيَتَعَيَّنُ إذًا فَسْخُ النِّكَاحَيْنِ ، وَلَهَا أَنْ تَتَزَوَّجَ مَنْ شَاءَتْ مِنْهُمَا أَوْ مِنْ غَيْرِهِمَا فِي الْحَالِ ، إنْ كَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ ، وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا دَخَلَ بِهَا ، لَمْ تَنْكِحْ حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا مِنْ وَطْئِهِ .","part":14,"page":478},{"id":6978,"text":"( 5244 ) فَصْلٌ : فَإِنْ ادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّنِي السَّابِقُ بِالْعَقْدِ ، وَلَا بَيِّنَةَ لَهُمَا ، لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُمَا .\rوَإِنْ أَقَرَّتْ الْمَرْأَةُ لِأَحَدِهِمَا ، لَمْ يُقْبَلْ إقْرَارُهَا .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ : يُقْبَلُ : كَمَا لَوْ أَقَرَّتْ ابْتِدَاءً .\rوَلَنَا أَنَّ الْخَصْمَ فِي ذَلِكَ هُوَ الزَّوْجُ الْآخَرُ ، فَلَمْ يُقْبَلْ إقْرَارُهَا فِي إبْطَالِ حَقِّهِ ، كَمَا لَوْ أَقَرَّتْ عَلَيْهِ بِطَلَاقٍ .\rوَإِنْ ادَّعَى الزَّوْجَانِ عَلَى الْمَرْأَةِ أَنَّهَا تَعْلَمُ السَّابِقَ مِنْهُمَا ، فَأَنْكَرَتْ ، لَمْ تُسْتَحْلَفْ لِذَلِكَ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ : تُسْتَحْلَفُ ، بِنَاءً مِنْهُمْ عَلَى أَنَّ إقْرَارَهَا مَقْبُولٌ .\rفَإِنْ فُرِّقَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ أَحَدِهِمَا ، لِاخْتِيَارِهَا لِصَاحِبِهِ ، أَوْ لِوُقُوعِ الْقُرْعَةِ لَهُ ، وَأَقَرَّتْ لَهُ أَنَّ عَقْدَهُ سَابِقٌ ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُقْبَلَ إقْرَارُهَا ؛ لِأَنَّهُمَا اتَّفَقَا عَلَى ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ خَصْمٍ مُنَازِعٍ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ يَكُنْ صَاحِبَ عَقْدٍ آخَرَ .","part":14,"page":479},{"id":6979,"text":"( 5245 ) فَصْلٌ : وَإِنْ عُلِمَ أَنَّ الْعَقْدَيْنِ وَقَعَا مَعًا ، لَمْ يَسْبِقْ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ ، فَهُمَا بَاطِلَانِ لَا حَاجَةَ إلَى فَسْخِهِمَا ؛ لِأَنَّهُمَا بَاطِلَانِ مِنْ أَصْلِهِمَا ، وَلَا مَهْرَ لَهَا عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا ، وَلَا مِيرَاثَ لَهَا مِنْهُمَا ، وَلَا يَرِثُهَا وَاحِدٌ مِنْهُمَا لِذَلِكَ ، وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ ذَلِكَ فُسِخَ نِكَاحُهُمَا ، فَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ يَجِبُ لَهَا نِصْفُ الْمَهْرِ ، وَيَقْتَرِعَانِ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ عَقْدَ أَحَدِهِمَا صَحِيحٌ ، وَقَدْ انْفَسَخَ نِكَاحُهُ قَبْلَ الدُّخُولِ ، فَوَجَبَ عَلَيْهِ نِصْفُ مَهْرِهَا ، كَمَا لَوْ خَالَعَهَا .\rوَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : لَا مَهْرَ لَهَا ؛ لِأَنَّهُمَا مُجْبَرَانِ عَلَى الطَّلَاقِ ، فَلَمْ يَلْزَمْهُمَا مَهْرٌ ، كَمَا لَوْ فَسَخَ الْحَاكِمُ نِكَاحَ رَجُلٍ لِعُسْرِهِ أَوْ عُنَّتِهِ .\rوَإِنْ مَاتَتْ قَبْلَ الْفَسْخِ وَالطَّلَاقِ فَلِأَحَدِهِمَا نِصْفُ مِيرَاثِهَا ، فَيُوقَفُ الْأَمْرُ حَتَّى يَصْطَلِحَا عَلَيْهِ .\rوَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقْرَعَ بَيْنَهُمَا ، فَمَنْ خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ ، حَلَفَ أَنَّهُ الْمُسْتَحِقُّ وَوَرِثَ .\rوَإِنْ مَاتَ الزَّوْجَانِ ، فَلَهَا رُبْعُ مِيرَاثِ أَحَدِهِمَا .\rفَإِنْ كَانَتْ قَدْ أَقَرَّتْ أَنَّ أَحَدَهُمَا سَابِقٌ بِالْعَقْدِ ، فَلَا مِيرَاثَ لَهَا مِنْ الْآخَرِ ، وَهِيَ تَدَّعِي رُبْعَ مِيرَاثِ مَنْ أَقَرَّتْ لَهُ .\rفَإِنْ كَانَ قَدْ ادَّعَى ذَلِكَ أَيْضًا دَفَعَ إلَيْهَا رُبْعَ مِيرَاثِهِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ادَّعَى ذَلِكَ وَأَنْكَرَ الْوَرَثَةُ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُمْ مَعَ أَيْمَانِهِمْ ، فَإِنْ نَكَلُوا قُضِيَ عَلَيْهِمْ .\rوَإِنْ لَمْ تَكُنْ الْمَرْأَةُ أَقَرَّتْ بِسَبْقِ أَحَدِهِمَا ، اُحْتُمِلَ أَنْ يَحْلِفَ وَرَثَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَيَبْرَأَ ، وَاحْتُمِلَ أَنْ يُقْرَعَ بَيْنَهُمَا ، فَمَنْ خَرَجَتْ قُرْعَتُهُ فَلَهَا رُبْعُ مِيرَاثِهِ .\rوَقَدْ رَوَى حَنْبَلٌ عَنْ أَحْمَدَ ، فِي رَجُلٍ لَهُ ثَلَاثُ بَنَاتٍ ، زَوَّجَ إحْدَاهُنَّ مِنْ رَجُلٍ ، ثُمَّ مَاتَ الْأَبُ ، وَلَمْ يُعْلَمْ أَيَّتَهنَّ زَوَّجَ ؟ يُقْرَعُ بَيْنَهُنَّ ، فَأَيَّتُهُنَّ أَصَابَتْهَا الْقُرْعَةُ فَهِيَ زَوْجَتُهُ ، وَإِنْ مَاتَ الزَّوْجُ فَهِيَ","part":14,"page":480},{"id":6980,"text":"الَّتِي تَرِثُهُ .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":14,"page":481},{"id":6981,"text":"( 5246 ) فَصْلٌ : وَإِنْ ادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّهُ السَّابِقُ فَأَقَرَّتْ لِأَحَدِهِمَا ، ثُمَّ فُرِّقَ بَيْنَهُمَا ، وَقُلْنَا بِوُجُوبِ الْمَهْرِ ، وَجَبَ عَلَى الْمُقَرِّ لَهُ دُونَ صَاحِبِهِ ؛ لِإِقْرَارِهِ لَهَا بِهِ ، وَإِقْرَارِهَا بِبَرَاءَةِ صَاحِبِهِ .\rوَإِنْ مَاتَا ، وَرِثَتْ الْمُقَرَّ لَهُ دُونَ صَاحِبِهِ ؛ لِذَلِكَ .\rوَإِنْ مَاتَتْ هِيَ قَبْلَهُمَا ، اُحْتُمِلَ أَنْ يَرِثَهَا الْمُقَرُّ لَهُ كَمَا تَرِثُهُ ، وَاحْتُمِلَ أَنْ لَا يُقْبَلَ إقْرَارُهَا لَهُ ، كَمَا لَمْ تَقْبَلْهُ فِي نَفْسِهَا .\rوَإِنْ لَمْ تُقِرَّ لِأَحَدِهِمَا إلَّا بَعْدَ مَوْتِهِ ، فَهُوَ كَمَا لَوْ أَقَرَّتْ فِي حَيَاتِهِ .\rوَلَيْسَ لِوَرَثَةِ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْإِنْكَارُ لِاسْتِحْقَاقِهَا ؛ لِأَنَّ مَوْرُوثَهُ قَدْ أَقَرَّ لَهَا بِدَعْوَاهُ صِحَّةَ نِكَاحِهَا وَسَبْقَهُ بِالْعَقْدِ عَلَيْهَا .\rوَإِنْ لَمْ تُقِرَّ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا ، أُقْرِعَ بَيْنَهُمَا ، وَكَانَ لَهَا مِيرَاثُ مَنْ تَقَعُ عَلَيْهِ الْقُرْعَةُ .\rوَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا قَدْ أَصَابَهَا ، فَإِنْ كَانَ هُوَ الْمُقَرُّ لَهُ ، أَوْ كَانَتْ لَمْ تُقِرَّ لَوَاحِدٍ مِنْهُمَا ، فَلَهَا الْمُسَمَّى ؛ لِأَنَّهُ مُقِرٌّ لَهَا بِهِ ، وَهِيَ لَا تَدَّعِي سِوَاهُ ، وَإِنْ كَانَتْ مُقِرَّةً لِلْآخَرِ ، فَهِيَ تَدَّعِي مَهْرَ الْمِثْلِ ، وَهُوَ يُقِرُّ لَهَا بِالْمُسَمَّى .\rفَإِنْ اسْتَوَيَا أَوْ اصْطَلَحَا ، فَلَا كَلَامَ ، وَإِنْ كَانَ مَهْرُ الْمِثْلِ أَكْثَرَ ، حَلَفَ عَلَى الزَّائِدِ ، وَسَقَطَ .\rوَإِنْ كَانَ الْمُسَمَّى أَكْثَرَ ، فَهُوَ مُقِرٌّ لَهَا بِالزِّيَادَةِ ، وَهِيَ تُنْكِرُهَا ، فَلَا تَسْتَحِقُّهَا .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":14,"page":482},{"id":6982,"text":"( 5247 ) فَصْلٌ : وَإِنْ ادَّعَى زَوْجِيَّةَ امْرَأَةٍ ابْتِدَاءً ، فَأَقَرَّتْ لَهُ بِذَلِكَ ، ثَبَتَ النِّكَاحُ وَتَوَارَثَا .\rوَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ فِي ذَلِكَ رِوَايَتَانِ ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ مَقْبُولٌ ؛ لِأَنَّهَا رَشِيدَةٌ أَقَرَّتْ بِعَقْدٍ ، يَلْزَمُهَا حُكْمُهُ ، فَقُبِلَ إقْرَارُهَا ، كَمَا لَوْ أَقَرَّتْ أَنَّ وَلِيَّهَا بَاعَ أَمَتَهَا قَبْلَ بُلُوغِهَا ، فَأَنْكَرَ أَبُوهَا تَزْوِيجَهَا ، لَمْ يُقْبَلْ إنْكَارُهُ ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ عَلَى غَيْرِهِ وَقَدْ أَقَرَّ بِهِ .\rوَكَذَلِكَ لَوْ ادَّعَى أَنَّهُ تَزَوَّجَ امْرَأَةً بِوَلِيٍّ وَشَاهِدَيْنِ عَيَّنَهُمَا ، فَأَقَرَّتْ الْمَرْأَةُ بِذَلِكَ ، وَأَنْكَرَ الشَّاهِدَانِ ، لَمْ يُلْتَفَتْ إلَى إنْكَارِهِمَا ؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ إنَّمَا يُحْتَاجُ إلَيْهَا مَعَ الْإِنْكَارِ .\rوَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يُقْبَلَ إقْرَارُهَا مَعَ إنْكَارِ أَبِيهَا ؛ لِأَنَّ تَزْوِيجَهَا إلَيْهِ دُونَهَا .\rفَإِنْ ادَّعَى نِكَاحَهَا ، فَلَمْ تُصَدِّقْهُ حَتَّى مَاتَتْ ، لَمْ يَرِثْهَا .\rوَإِنْ مَاتَ قَبْلَهَا ، فَاعْتَرَفَتْ بِمَا قَالَ ، وَرِثَتْهُ ؛ لِكَمَالِ الْإِقْرَارِ مِنْهُمَا بِتَصْدِيقِهَا .\rوَكَذَلِكَ لَوْ أَقَرَّتْ الْمَرْأَةُ دُونَهُ ، فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يُصَدِّقَهَا ، لَمْ تَرِثْهُ .\rوَإِنْ مَاتَتْ فَصَدَّقَهَا ، وَرِثَهَا ؛ لِمَا ذَكَرْنَا .","part":14,"page":483},{"id":6983,"text":"( 5248 ) قَالَ : وَإِذَا تَزَوَّجَ الْعَبْدُ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ ، فَنِكَاحُهُ بَاطِلٌ أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِلْعَبْدِ أَنْ يَنْكِحَ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ ، فَإِنْ نَكَحَ لَمْ يَنْعَقِدْ نِكَاحُهُ ، فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا .\rوَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ نِكَاحَهُ بَاطِلٌ .\rوَالصَّوَابُ مَا قُلْنَا - إنْ شَاءَ اللَّهُ - ، فَإِنَّهُمْ اخْتَلَفُوا فِي صِحَّتِهِ ، فَعَنْ أَحْمَدَ فِي ذَلِكَ رِوَايَتَانِ ؛ أَظْهَرُهُمَا : أَنَّهُ بَاطِلٌ .\rوَهُوَ قَوْلُ عُثْمَانَ ، وَابْنِ عُمَرَ وَبِهِ قَالَ شُرَيْحٌ وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى إجَازَةِ السَّيِّدِ ، فَإِنْ أَجَازَهُ جَازَ ، وَإِنْ رَدَّهُ بَطَلَ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ يَقِفُ عَلَى الْفَسْخِ ، فَوَقَفَ عَلَى الْإِجَازَةِ ، كَالْوَصِيَّةِ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى جَابِرٌ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَيُّمَا عَبْدٍ تَزَوَّجَ بِغَيْرِ إذْنِ مَوَالِيهِ ، فَهُوَ عَاهِرٌ .\r} رَوَاهُ الْأَثْرَمُ ، وَأَبُو دَاوُد ، وَابْنُ مَاجَهْ .\rوَرَوَى الْخَلَّالُ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَيُّمَا عَبْدٍ تَزَوَّجَ بِغَيْرِ إذْنِ مَوَالِيهِ ، فَهُوَ زَانٍ .\r} قَالَ حَنْبَلٌ : ذَكَرْت هَذَا الْحَدِيثَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ ، فَقَالَ : هَذَا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ .\rوَرَوَاهُ أَيْضًا عَنْ ابْنِ عُمَرَ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ مِنْ قَوْلِهِ : وَلِأَنَّهُ نِكَاحٌ فَقَدَ شَرْطَهُ ، فَلَمْ يَصِحَّ كَمَا لَوْ تَزَوَّجَهَا بِغَيْرِ شُهُودٍ .","part":14,"page":484},{"id":6984,"text":"( 5249 ) ؛ قَالَ : فَإِنْ دَخَلَ بِهَا ، فَعَلَى سَيِّدِهِ خُمْسَا الْمَهْرِ .\rكَمَا قَالَ عُثْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إلَّا أَنْ يُجَاوِزَ الْخُمْسَانِ قِيمَتَهُ ، فَلَا يَلْزَمُ سَيِّدَهُ أَكْثَرُ مِنْ قِيمَتِهِ ، أَوْ يُسَلِّمُهُ .\rفِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ خَمْسَةُ فُصُولٍ : ( 5250 ) الْفَصْلُ الْأَوَّلُ : فِي وُجُوبِ الْمَهْرِ ، وَلَهُ حَالَانِ أَحَدُهُمَا : أَنْ لَا يَدْخُلَ بِهَا ، فَلَا مَهْرَ لَهَا ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ بَاطِلٌ ، فَلَا نُوجِبُ بِمُجَرَّدِهِ شَيْئًا ، كَالْبَيْعِ الْبَاطِلِ .\rوَهَكَذَا سَائِرُ الْأَنْكِحَةِ الْفَاسِدَةِ ، لَا نُوجِبُ بِمُجَرَّدِهَا شَيْئًا .\rالْحَالُ الثَّانِي : أَنْ يُصِيبَهَا ، فَالصَّحِيحُ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّ الْمَهْرَ يَجِبُ .\rرَوَاهُ عَنْهُ جَمَاعَةٌ .\rوَرَوَى عَنْهُ حَنْبَلٌ أَنَّهُ لَا مَهْرَ لَهَا إذَا تَزَوَّجَ الْعَبْدُ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ .\rوَهَذَا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى مَا قَبْلَ الدُّخُولِ ، فَيَكُونُ مُوَافِقًا لِرِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ ، وَيُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى عُمُومِهِ فِي عَدَمِ الصَّدَاقِ .\rوَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ رَوَاهُ الْأَثْرَمُ ، عَنْ نَافِعٍ قَالَ : كَانَ إذَا تَزَوَّجَ مَمْلُوكٌ لِابْنِ عُمَرَ بِغَيْرِ إذْنِهِ ، جَلَدَهُ الْحَدَّ ، وَقَالَ لِلْمَرْأَةِ : إنَّك أَبَحْت فَرْجَك .\rوَأَبْطَلَ صَدَاقَهَا .\rوَوَجْهُهُ أَنَّهُ وَطِئَ امْرَأَةً مُطَاوِعَةً فِي غَيْرِ نِكَاحٍ صَحِيحٍ ، فَلَمْ يَجِبْ بِهِ مَهْرٌ ، كَالْمُطَاوِعَةِ عَلَى الزِّنَا .\rقَالَ الْقَاضِي : هَذَا إذَا كَانَا عَالِمَيْنِ بِالتَّحْرِيمِ ، فَأَمَّا إنْ جَهِلَتْ الْمَرْأَةُ ذَلِكَ ، فَلَهَا الْمَهْرُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَنْقُصُ عَنْ وَطْءِ الشُّبْهَةِ ، وَيُمْكِنُ حَمْلُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ عَلَى أَنَّهُ لَا مَهْرَ لَهَا فِي الْحَالِ ، بَلْ يَجِبُ فِي ذِمَّةِ الْعَبْدِ يُتْبَعُ بِهِ بَعْدَ الْعِتْقِ .\rوَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ الْجَدِيدُ ؛ لِأَنَّ هَذَا حَقٌّ لَزِمَهُ بِرِضَا مَنْ لَهُ الْحَقُّ ، فَكَانَ مَحَلُّهُ الذِّمَّةَ ، كَالدَّيْنِ وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْمَهْرَ وَاجِبٌ ؛ لِقَوْلِهِ : عَلَيْهِ السَّلَامُ { أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ نَفْسَهَا بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهَا ، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ ، فَإِنْ أَصَابَهَا فَلَهَا","part":14,"page":485},{"id":6985,"text":"الْمَهْرُ بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجِهَا .\r} وَهَذَا قَدْ اسْتَحَلَّ فَرْجَهَا ، فَيَكُونُ مَهْرُهَا عَلَيْهِ ؛ وَلِأَنَّهُ اسْتَوْفَى مَنَافِعَ الْبُضْعِ بِاسْمِ النِّكَاحِ ، فَكَانَ الْمَهْرُ وَاجِبًا ، كَسَائِرِ الْأَنْكِحَةِ الْفَاسِدَةِ .","part":14,"page":486},{"id":6986,"text":"( 5251 ) الْفَصْلُ الثَّانِي : أَنَّ الْمَهْرَ يَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِهِ ، يُبَاعُ فِيهِ إلَّا بِفِدْيَةِ السَّيِّدِ .\rوَقَدْ ذَكَرْنَا احْتِمَالًا آخَرَ : أَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِذِمَّةِ الْعَبْدِ .\rوَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ ؛ إلَّا أَنَّ الْوَطْءَ أُجْرِيَ مُجْرَى الْجِنَايَةِ الْمُوجِبَةِ لِلضَّمَانِ بِغَيْرِ إذْنِ الْمَوْلَى ، وَلِذَلِكَ وَجَبَ الْمَهْرُ هَاهُنَا ، وَفِي سَائِرِ الْأَنْكِحَةِ الْفَاسِدَةِ ، وَلَوْ لَمْ تَجْرِ مَجْرَاهَا مَا وَجَبَ شَيْءٌ ؛ لِأَنَّهُ بِرِضَا الْمُسْتَحِقِّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":14,"page":487},{"id":6987,"text":"( 5252 ) الْفَصْلُ الثَّالِثُ : أَنَّ الْوَاجِبَ مِنْ الْمَهْرِ خُمْسَاهُ .\rوَهُوَ قَوْلُ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَعَمِلَ بِهِ أَبُو مُوسَى .\rوَعَنْ أَحْمَدَ أَنَّهَا إنْ عَلِمَتْ أَنَّهُ عَبْدٌ ، فَلَهَا خُمْسَا الْمَهْرِ ، وَإِذَا لَمْ تَعْلَمْ فَلَهَا الْمَهْرُ فِي رَقَبَةِ الْعَبْدِ .\rوَعَنْهُ أَنَّ الْوَاجِبَ مَهْرُ الْمِثْلِ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ ؛ لِأَنَّهُ وَطْءٌ يُوجِبُ الْمَهْرَ ، فَأَوْجَبَ مَهْرَ الْمِثْلِ بِكَمَالِهِ ، كَالْوَطْءِ فِي النِّكَاحِ بِلَا وَلِيٍّ ، وَفِي سَائِرِ الْأَنْكِحَةِ الْفَاسِدَةِ .\rوَوَجْهُ الْأُولَى مَا رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ خِلَاسٍ ، أَنَّ غُلَامًا لِأَبِي مُوسَى تَزَوَّجَ بِمَوْلَاةِ تِيجَانَ التَّيْمِيِّ ، بِغَيْرِ إذْنِ أَبِي مُوسَى ، فَكَتَبَ فِي ذَلِكَ إلَى عُثْمَانَ ، فَكَتَبَ إلَيْهِ عُثْمَانُ ، أَنْ فَرِّقْ بَيْنَهُمَا ، وَخُذْ لَهَا الْخُمْسَيْنِ مِنْ صَدَاقِهَا .\rوَكَانَ صَدَاقُهَا خَمْسَةَ أَبْعِرَةٍ .\rوَلِأَنَّ الْمَهْرَ أَحَدُ مُوجِبِي الْوَطْءِ ، فَجَازَ أَنْ يَنْقُصَ الْعَبْدُ فِيهِ عَنْ الْحُرِّ كَالْحَدِّ فِيهِ ؛ أَوْ أَحَدُ الْعِوَضَيْنِ فِي النِّكَاحِ ، فَيَنْقُصَ الْعَبْدُ ، كَعَدَدِ الْمَنْكُوحَاتِ .\rالْفَصْلُ الرَّابِعُ : أَنَّهُ يَجِبُ خُمْسَا الْمُسَمَّى ؛ لِأَنَّهُ صَارَ فِيهِ إلَى قِصَّةِ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَظَاهِرُهَا أَنَّهُ أَوْجَبَ خُمْسَيْ الْمُسَمَّى ، وَلِهَذَا قَالَ : وَكَانَ صَدَاقُهَا خَمْسَةَ أَبْعِرَةٍ .\rوَلِأَنَّهُ لَوْ اعْتَبَرَ مَهْرَ الْمِثْلِ أَوْجَبَ جَمِيعَهُ ، كَسَائِرِ قِيَمِ الْمُتْلَفَاتِ ، وَلَأَوْجَبَ الْقِيمَةَ ، وَهِيَ الْأَثْمَانُ دُونَ الْأَبْعِرَةِ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ يَجِبُ خُمْسَا مَهْرِ الْمِثْلِ ؛ لِأَنَّهُ عِوَضٌ عَنْ جِنَايَةٍ ، فَكَانَ الْمَرْجِعُ فِيهِ إلَى قِيمَةِ الْمَحَلِّ ، كَسَائِرِ أُرُوشِ الْجِنَايَاتِ ، وَقِيمَةُ الْمَحَلِّ مَهْرُ الْمِثْلِ .","part":14,"page":488},{"id":6988,"text":"( 5254 ) الْفَصْلُ الْخَامِسُ : أَنَّ الْوَاجِبَ إنْ كَانَ زَائِدًا عَلَى قِيمَةِ الْعَبْدِ ، لَمْ تَلْزَمْ السَّيِّدَ الزِّيَادَةُ ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ مَا يُقَابِلُ قِيمَةَ الْعَبْدِ ؛ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ سَلَّمَ الْعَبْدَ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ ، فَإِذَا أَعْطَى الْقِيمَةَ فَقَدْ أَعْطَى مَا يُقَابِلُ الرَّقَبَةَ ، فَلَمْ تَلْزَمْهُ زِيَادَةٌ عَلَيْهِ .\rوَإِنْ كَانَ الْوَاجِبُ أَقَلَّ مِنْ قِيمَةِ الْعَبْدِ ، لَمْ يَلْزَمْهُ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ أَرْشُ الْجِنَايَةِ ، فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَكْثَرُ مِنْهَا ، وَالْخِيرَةُ فِي تَسْلِيمِ الْعَبْدِ وَفِدَائِهِ إلَى السَّيِّدِ .\rوَهَذَا قَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ بِأَبْيَنَ مِنْ هَذَا .","part":14,"page":489},{"id":6989,"text":"( 5255 ) فَصْلٌ : إذَا أَذِنَ السَّيِّدُ لِعَبْدِهِ فِي تَزْوِيجِهِ بِمُعَيَّنَةٍ ، أَوْ مِنْ بَلَدٍ مُعَيَّنٍ ، أَوْ مِنْ جِنْسٍ مُعَيَّنٍ ، فَنَكَحَ غَيْرَ ذَلِكَ ، فَنِكَاحُهُ فَاسِدٌ ، وَالْحُكْمُ فِيهِ كَمَا ذَكَرْنَا .\rوَإِنْ أَذِنَ لَهُ فِي تَزْوِيجٍ صَحِيحٍ ، فَنَكَحَ نِكَاحًا فَاسِدًا فَكَذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَأْذُونٍ لَهُ فِيهِ .\rوَإِنْ أَذِنَ لَهُ فِي النِّكَاحِ ، وَأَطْلَقَ ، فَنَكَحَ نِكَاحًا فَاسِدًا ، اُحْتُمِلَ أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الْإِذْنَ فِي النِّكَاحِ لَا يَتَنَاوَلُ الْفَاسِدَ ، وَاحْتُمِلَ أَنْ يَتَنَاوَلَهُ إذْنُهُ ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ بِإِطْلَاقِهِ يَتَنَاوَلُهُ .\rوَإِنْ أَذِنَ لَهُ فِي نِكَاحٍ فَاسِدٍ ، وَحَصَلَتْ الْإِصَابَةُ فِيهِ ، فَعَلَى سَيِّدِهِ جَمِيعُ الْمَهْرِ ؛ لِأَنَّهُ بِإِذْنِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":14,"page":490},{"id":6990,"text":"( 5256 ) ؛ قَالَ : وَإِذَا تَزَوَّجَ الْأَمَةَ عَلَى أَنَّهَا حُرَّةٌ ، فَأَصَابَهَا ، وَوَلَدَتْ مِنْهُ ، فَالْوَلَدُ حُرٌّ ، وَعَلَيْهِ أَنْ يَفْدِيَهُمْ ، وَالْمَهْرُ الْمُسَمَّى ، وَيَرْجِعُ بِهِ عَلَى مَنْ غَرَّهُ ، وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا إنْ لَمْ يَكُنْ مِمَّنْ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَنْكِحَ الْإِمَاءَ ، وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَنْكِحَ ، فَرَضِيَ بِالْمُقَامِ ، فَمَا وَلَدَتْ بَعْدَ الرِّضَى فَهُوَ رَقِيقٌ ، فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ سِتَّةُ فُصُولٍ : ( 5257 ) الْفَصْلُ الْأَوَّلُ : أَنَّ النِّكَاحَ لَا يَفْسُدُ بِالْغُرُورِ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ : يَفْسُدُ ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ عَلَى حُرَّةٍ ، وَلَمْ يُوجَدْ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَالَ : بِعْتُك هَذَا الْفَرَسَ .\rفَإِذَا هُوَ حِمَارٌ .\rوَلَنَا أَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ فِي النِّكَاحِ الشَّخْصُ دُونَ الصِّفَاتِ ، فَلَا يُؤَثِّرُ عَدَمُهَا فِي صِحَّتِهِ ، كَمَا لَوْ قَالَ : زَوَّجْتُك هَذِهِ الْبَيْضَاءَ .\rفَإِذَا هِيَ سَوْدَاءُ .\rأَوْ هَذِهِ الْحَسْنَاءَ .\rفَإِذَا هِيَ شَوْهَاءُ .\rوَكَذَا يَقُولُ فِي الْأَصْلِ الَّذِي ذَكَرَهُ : إنَّ الْعَقْدَ الَّذِي ذَكَرُوهُ صَحِيحٌ ؛ لِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ الْعَيْنُ الْمُشَارُ إلَيْهَا .\rوَإِنْ سَلَّمْنَاهُ ، فَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ ثَمَّ فَاتَتْ الذَّاتُ ، فَإِنَّ ذَاتَ الْفَرَسِ غَيْرُ ذَاتِ الْحِمَارِ ، وَهَاهُنَا اخْتَلَفَا فِي الصِّفَاتِ .\rوَالثَّانِي : أَنَّ الْبَيْعَ يُؤَثِّرُ فِيهِ فَوَاتُ الصِّفَاتِ ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ يُرَدُّ بِفَوَاتِ أَيِّ شَيْءٍ كَانَ فِيهِ نَفْعٌ مِنْهَا ، وَالنِّكَاحُ بِخِلَافِهِ .","part":14,"page":491},{"id":6991,"text":"( 5258 ) الْفَصْلُ الثَّانِي : أَنَّ أَوْلَادَهُ مِنْهَا أَحْرَارٌ .\rبِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ ؛ لِأَنَّهُ اعْتَقَدَ حُرِّيَّتَهَا .\rفَكَانَ أَوْلَادُهُ أَحْرَارًا ؛ لِاعْتِقَادِهِ مَا يَقْتَضِي حُرِّيَّتَهُمْ ، كَمَا لَوْ اشْتَرَى أَمَةً يَعْتَقِدُهَا مِلْكًا لِبَائِعِهَا ، فَبَانَتْ مَغْصُوبَةً بَعْدَ أَنْ أَوْلَدَهَا .","part":14,"page":492},{"id":6992,"text":"( 5259 ) الْفَصْلُ الثَّالِثُ : أَنَّ عَلَى الزَّوْجِ فِدَاءَ أَوْلَادِهِ .\rكَذَلِكَ قَضَى عُمَرُ وَعَلِيٌّ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَالثَّوْرِيِّ وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ ، رِوَايَةٌ أُخْرَى ، لَيْسَ عَلَيْهِ فِدَاؤُهُمْ ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ يَنْعَقِدُ حُرَّ الْأَصْلِ ، فَلَمْ يَضْمَنْهُ لِسَيِّدِ الْأَمَةِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَمْلِكْهُ .\rوَعَنْهُ أَنَّهُ يُقَالُ لَهُ : افْدِ أَوْلَادَك ، وَإِلَّا فَهُمْ يَتْبَعُونَ أُمَّهُمْ .\rفَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ خَيَّرَهُ بَيْنَ فِدَائِهِمْ وَبَيْنَ تَرْكِهِمْ رَقِيقًا ؛ لِأَنَّهُمْ رَقِيقٌ بِحُكْمِ الْأَصْلِ ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ فِدَاؤُهُمْ ، كَمَا لَوْ وَطِئَهَا وَهُوَ يَعْلَمُ رِقَّهَا .\rوَقَالَ الْخَلَّالُ : اتَّفَقَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ يَفْدِي وَلَدَهُ .\rوَقَالَ إِسْحَاقُ عَنْهُ فِي مَوْضِعٍ : إنَّ الْوَلَدَ لَهُ ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَفْدِيَهُمْ .\rوَأَحْسَبُهُ قَوْلًا أَوَّلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ وَالصَّحِيحُ أَنَّ عَلَيْهِ فِدَاءَهُمْ ؛ لِقَضَاءِ الصَّحَابَةِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ بِهِ ، وَلِأَنَّهُ نَمَاءُ الْأَمَةِ الْمَمْلُوكَةِ ، فَسَبِيلُهُ أَنْ يَكُونَ مَمْلُوكًا لِمَالِكِهَا .\rوَقَدْ فَوَّتَ رِقَّهُ بِاعْتِقَادِ الْحُرِّيَّةِ ، فَلَزِمَهُ ضَمَانُهُمْ ، كَمَا لَوْ فَوَّتَ رِقَّهُمْ بِفِعْلِهِ .\rوَفِي فِدَائِهِمْ ثَلَاثُ مَسَائِلَ : ( 5260 ) الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى فِي وَقْتِهِ ، وَذَلِكَ حِينَ وَضْعِ الْوَلَدِ .\rقَضَى بِذَلِكَ عُمَرُ ، وَعَلِيٌّ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ وَالثَّوْرِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ : يَضْمَنُهُمْ بِقِيمَتِهِمْ يَوْمَ الْخُصُومَةِ ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَضْمَنُهُمْ بِالْمَنْعِ ، وَلَمْ يَمْنَعْهُمْ إلَّا حَالَ الْخُصُومَةِ .\rوَلَنَا أَنَّهُ مَحْكُومٌ بِحُرِّيَّتِهِ عِنْدَ الْوَضْعِ ، فَوَجَبَ أَنْ يَضْمَنَهُ ؛ لِأَنَّهُ فَاتَ رِقُّهُ مِنْ حِينَئِذٍ ؛ وَلِأَنَّ الْقِيمَةَ الَّتِي تَزِيدُ بَعْدَ الْوَضْعِ ، لَمْ تَكُنْ مَمْلُوكَةً لِمَالِكِ الْأَمَةِ ، فَلَمْ يَضْمَنْهَا ، كَمَا بَعْدَ","part":14,"page":493},{"id":6993,"text":"الْخُصُومَةِ .\rفَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ كَانَ مَحْكُومًا بِحُرِّيَّتِهِ ، وَهُوَ جَنِينٌ .\rقُلْنَا : إلَّا أَنَّهُ لَمْ يُمْكِنْ تَضْمِينُهُ حِينَئِذٍ ، لِعَدَمِ قِيمَتِهِ وَالِاطِّلَاعِ عَلَيْهِ ، فَأَوْجَبْنَا ضَمَانَهُ فِي أَوَّلِ حَالٍ يُمْكِنُ تَضْمِينُهُ ، وَهُوَ حَالُ الْوَضْعِ .\r( 5261 ) فِي صِفَةِ الْفِدَاءِ ، وَفِيهَا ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ ؛ إحْدَاهُنَّ بِقِيمَتِهِمْ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { مَنْ أَعْتَقَ شِقْصًا مِنْ عَبْدٍ ، قُوِّمَ عَلَيْهِ نَصِيبُ شَرِيكِهِ .\r} وَلِأَنَّ الْحَيَوَانَ مِنْ الْمُتَقَوَّمَاتِ ، لَا مِنْ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ ، فَيَجِبُ ضَمَانُهُ بِقِيمَتِهِ ، كَمَا لَوْ أَتْلَفَهُ .\rوَالثَّانِيَةُ : يَضْمَنُهُمْ بِمِثْلِهِمْ عَبِيدًا ، الذَّكَرُ بِذَكَرٍ ، وَالْأُنْثَى بِأُنْثَى ؛ لِمَا رَوَى سَعِيدُ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، قَالَ : أَبَقَتْ جَارِيَةٌ لِرَجُلٍ مِنْ الْعَرَبِ ، وَانْتَمَتْ إلَى بَعْضِ الْعَرَبِ ، فَتَزَوَّجَهَا رَجُلٌ مِنْ بَنِي عُذْرَةَ ، ثُمَّ إنَّ سَيِّدَهَا دَبَّ ، فَاسْتَاقَهَا وَاسْتَاقَ وَلَدَهَا ، فَاخْتَصَمُوا إلَى عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَضَى لِلْعُذْرِيِّ بِفِدَاءِ وَلَدِهِ بِغُرَّةٍ ، غُرَّةٌ مَكَانَ كُلِّ غُلَامٍ ، وَمَكَانَ كُلِّ جَارِيَةٍ بِجَارِيَةٍ ، وَكَانَ عُمَرُ يُقَوِّمُ الْغُرَّةَ عَلَى أَهْلِ الْقُرَى وَمَنْ لَمْ يَجِدْ غُرَّةً سِتِّينَ دِينَارًا .\rوَلِأَنَّ وَلَدَ الْمَغْرُورِ حُرٌّ ، فَلَا يُضْمَنُ بِقِيمَتِهِ كَسَائِرِ الْأَحْرَارِ .\rفَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ يَنْبَغِي أَنْ يُنْظَرَ إلَى مِثْلِهِمْ فِي الصِّفَاتِ تَقْرِيبًا ؛ لِأَنَّ الْحَيَوَانَ لَيْسَ مِنْ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَجِبَ مِثْلُهُمْ فِي الْقِيمَةِ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ .\rوَالثَّالِثَةُ : هُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ فِدَائِهِمْ بِمِثْلِهِمْ أَوْ قِيمَتِهِمْ .\rقَالَ أَحْمَدُ ، فِي رِوَايَةِ الْمَيْمُونِيِّ : إمَّا الْقِيمَةُ أَوْ رَأْسٌ بِرَأْسٍ ؛ لِأَنَّهُمَا جَمِيعًا يُرْوَيَانِ عَنْ عُمَرَ ، وَلَكِنْ لَا أَدْرِي أَيَّ الْإِسْنَادَيْنِ أَقْوَى .\rوَهَذَا اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ ، وَقَالَ فِي الْمُقْنِعِ : الْفِدْيَةُ غُرَّةٌ بِغُرَّةٍ بِقَدْرِ","part":14,"page":494},{"id":6994,"text":"الْقِيمَةِ أَوْ الْقِيمَةِ ، وَأَيُّهُمَا أَعْطَى أَجْزَأَهُ .\rوَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ تَرَدَّدَ بَيْنَ الْجَنِينِ الَّذِي يُضْمَنُ بِغُرَّةٍ ، وَبَيْنَ إلْحَاقِهِ بِغَيْرِهِ مِنْ الْمَضْمُونَاتِ ، فَاقْتَضَى التَّخْيِيرَ بَيْنَهُمَا .\rوَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يُضْمَنُ بِالْقِيمَةِ ، كَسَائِرِ الْمَضْمُونَاتِ الْمُتَقَوَّمَاتِ .\rوَقَوْلُ عُمَرَ قَدْ اُخْتُلِفَ عَنْهُ فِيهِ ، قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ : وَعَلَيْهِ قِيمَتُهُمْ مِثْلَ قَوْلِ عُمَرَ وَإِذَا تَعَارَضَتْ الرِّوَايَاتُ عَنْهُ ، وَجَبَ الرُّجُوعُ إلَى الْقِيَاسِ .\r( 5262 ) الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : فِي مَنْ يُضْمَنُ مِنْهُمْ ، وَهُوَ مَنْ وُلِدَ حَيًّا لِوَقْتٍ يَعِيشُ لِمِثْلِهِ ، سَوَاءٌ عَاشَ أَوْ مَاتَ بَعْدَ ذَلِكَ وَقَالَ مَالِكٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ : لَا ضَمَانَ عَلَى الْأَبِ لِمَنْ مَاتَ مِنْهُمْ قَبْلَ الْخُصُومَةِ .\rوَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى وَقْتِ الضَّمَانِ ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فَأَمَّا السُّقْطُ ، وَمَنْ وُلِدَ لِوَقْتٍ لَا يَعِيشُ لِمِثْلِهِ ، وَهُوَ دُونَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ ، فَلَا ضَمَانَ ؛ لِأَنَّهُ لَا قِيمَةَ لَهُ .\r( 5263 )","part":14,"page":495},{"id":6995,"text":"الْفَصْلُ الرَّابِعُ : فِي الْمَهْرِ ، وَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ يَجُوزُ لَهُ نِكَاحُ الْإِمَاءِ أَوْ لَا ؛ فَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يَجُوزُ لَهُ نِكَاحُ الْإِمَاءِ ، وَقَدْ نَكَحَهَا نِكَاحًا صَحِيحًا ، فَلَهَا الْمُسَمَّى ، وَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا وَاخْتَارَ الْفَسْخَ ، فَلَا مَهْرَ لَهَا ؛ لِأَنَّ الْفَسْخَ تَعَذَّرَ مِنْ جِهَتِهَا ، فَهِيَ كَالْمَعِيبَةِ يُفْسَخُ نِكَاحُهَا .\rوَإِنْ كَانَ مِمَّنْ لَا يَجُوزُ لَهُ نِكَاحُ الْإِمَاءِ ، فَالْعَقْدُ فَاسِدٌ مِنْ أَصْلِهِ ، وَلَا مَهْرَ فِيهِ قَبْلَ الدُّخُولِ .\rفَإِنْ دَخَلَ بِهَا ، فَعَلَيْهِ مَهْرُهَا .\rوَهَلْ يَجِبُ الْمُسَمَّى أَوْ مَهْرُ الْمِثْلِ ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ ، ذَكَرْنَاهُمَا فِيمَا مَضَى .\rوَكَذَلِكَ إنْ كَانَ مِمَّنْ يَجُوزُ لَهُ نِكَاحُ الْإِمَاءِ ، لَكِنْ تَزَوَّجَهَا بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهَا ، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ مِمَّا يَفْسُدُ بِهِ النِّكَاحُ .","part":14,"page":496},{"id":6996,"text":"( 5264 ) الْفَصْلُ الْخَامِسُ : أَنَّهُ يَرْجِعُ بِمَا غَرِمَهُ عَلَى مَنْ غَرَّهُ ، فِي الْمَهْرِ وَقِيمَةُ الْأَوْلَادِ .\rوَهَذَا اخْتَارَهُ الْخِرَقِيِّ ، وَرِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ كَذَلِكَ قَضَى عُمَرُ ، وَعَلِيٌّ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ .\rوَالرِّوَايَةُ الْأُخْرَى : لَا يَرْجِعُ بِالْمَهْرِ .\rوَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ قَالَ : وَهُوَ قَوْلُ عَلِيٍّ وَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ، وَالشَّافِعِيُّ فِي الْجَدِيدِ ؛ لِأَنَّهُ وَجَبَ عَلَيْهِ فِي مُقَابَلَةِ نَفْعٌ وَصَلَ إلَيْهِ وَهُوَ الْوَطْءُ ، فَلَمْ يَرْجِعْ بِهِ ، كَمَا لَوْ اشْتَرَى مَغْصُوبًا فَأَكَلَهُ ، بِخِلَافِ قِيمَةِ الْوَلَدِ ، فَإِنَّهَا لَمْ تَحْصُلْ فِي مُقَابَلَةِ عِوَضٍ ؛ لِأَنَّهَا وَجَبَتْ بِحُرِّيَّةِ الْوَلَدِ ، وَحُرِّيَّةُ الْوَلَدِ لِلْوَلَدِ لَا لِأَبِيهِ .\rقَالَ الْقَاضِي : وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ يَرْجِعُ بِالْمَهْرِ ؛ لِأَنَّ أَحْمَدَ قَالَ : كُنْت أَذْهَبُ إلَى حَدِيثِ عَلِيٍّ ، ثُمَّ كَأَنِّي هِبْته ، وَكَأَنَّى أَمِيلُ إلَى حَدِيثِ عُمَرَ يَعْنِي فِي الرُّجُوعِ .\rوَلِأَنَّ الْعَاقِدَ ضَمِنَ لَهُ سَلَامَةَ الْوَطْءِ ، كَمَا ضَمِنَ لَهُ سَلَامَةَ الْوَلَدِ ، فَكَمَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِقِيمَةِ الْوَلَدِ كَذَلِكَ يَرْجِعُ بِالْمَهْرِ .\rقَالَ : وَعَلَى هَذَا الْأَصْلِ يَرْجِعُ بِأُجْرَةِ الْخِدْمَةِ إذَا غَرِمَهَا ، كَمَا يَرْجِعُ بِالْمَهْرِ ، وَلَا أَعْرِفُ عَنْ أَصْحَابِنَا بَيْنَهُمَا فَرْقًا إذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنْ كَانَ الْغُرُورُ مِنْ السَّيِّدِ فَقَالَ : هِيَ حُرَّةٌ .\rعَتَقَتْ .\rوَإِنْ كَانَ بِلَفْظٍ غَيْرِ هَذَا ، لَمْ تَثْبُتْ بِهِ الْحُرِّيَّةُ ، فَلَا شَيْءَ لَهُ ؛ لِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِي أَنْ يَجِبَ لَهُ مَا يَرْجِعُ بِهِ عَلَيْهِ .\rوَإِنْ كَانَ الْغُرُورُ مِنْ وَكِيلِهِ ، رَجَعَ عَلَيْهِ فِي الْحَالِ .\rوَإِنْ كَانَ مِنْ أَجْنَبِيٍّ ، رَجَعَ عَلَيْهِ أَيْضًا .\rوَإِنْ كَانَ مِنْهَا ، فَلَيْسَ لَهَا فِي الْحَالِ مَالٌ ، فَيَتَخَرَّجُ فِيهَا وَجْهَانِ بِنَاءً عَلَى دَيْنِ الْعَبْدِ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ ، هَلْ يَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِهِ أَوْ بِذِمَّتِهِ يُتْبَعُ بِهِ","part":14,"page":497},{"id":6997,"text":"بَعْدَ الْعِتْقِ ؟ قَالَ الْقَاضِي : قِيَاسُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ أَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِذِمَّتِهَا ؛ لِأَنَّهُ قَالَ فِي الْأَمَةِ إذَا خَالَعَتْ زَوْجَهَا بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهَا : يَتْبَعُهَا بِهِ إذَا عَتَقَتْ كَذَا هَاهُنَا ، وَيَتْبَعُهَا بِجَمِيعِهِ .\rوَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ ، أَنَّ الْغُرُورَ إذَا كَانَ مِنْ الْأَمَةِ ، لَمْ يَرْجِعْ عَلَى أَحَدٍ ، فَإِنَّهُ قَالَ : إذَا جَاءَتْ الْأَمَةُ فَقَالَتْ : إنِّي حُرَّةٌ .\rفَوَلَّتْ أَمْرَهَا رَجُلًا ، فَزَوَّجَهَا مِنْ رَجُلٍ ، ثُمَّ ظَهَرَ عَلَيْهَا مَوْلَاهَا ، قَالَ : فِكَاكُ وَلَدِهِ عَلَى الْأَبِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَغُرَّهُ أَحَدٌ .\rوَأَمَّا إذَا غَرَّهُ رَجُلٌ ، فَزَوَّجَهَا عَلَى أَنَّهَا حُرَّةٌ ، فَالْفِدَاءُ عَلَى مَنْ غَرَّهُ .\rيُرْوَى هَذَا عَنْ عَلِيٍّ ، وَإِبْرَاهِيمَ وَحَمَّادٍ وَكَذَلِكَ قَالَ الشَّعْبِيُّ وَإِنْ قُلْنَا : يَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِهَا .\rفَالسَّيِّدُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ فِدَائِهَا بِقِيمَتِهَا إنْ كَانَتْ أَقَلَّ مِمَّا يَرْجِعُ بِهِ عَلَيْهَا ، أَوْ يُسَلِّمُهَا ، فَإِنْ اخْتَارَ فِدَاءَهَا بِقِيمَتِهَا ، سَقَطَ قَدْرُ ذَلِكَ عَنْ الزَّوْجِ ، فَإِنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِي أَنْ نُوجِبَهُ عَلَيْهِ ثُمَّ نَرُدَّهُ إلَيْهِ .\rوَإِنْ اخْتَارَ تَسْلِيمَهَا ، سَلَّمَهَا ، وَأَخَذَ مَا وَجَبَ لَهُ .\rوَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّ الْغُرُورَ الْمُوجِبَ لِلرُّجُوعِ أَنْ يَكُونَ اشْتِرَاطُ الْحُرِّيَّةِ مُقَارِنًا لِلْعَقْدِ ، فَيَقُولُ : زَوَّجْتُكهَا عَلَى أَنَّهَا حُرَّةٌ .\rفَإِنْ لَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ ، لَمْ تَمْلِكْ الْفَسْخَ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَالصَّحِيحُ خِلَافُ هَذَا ، فَإِنَّ الصَّحَابَةَ الَّذِينَ قَضَوْا بِالرُّجُوعِ لَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَنْوَاعِ الْغُرُورِ ، وَلَمْ يَسْتَفْصِلُوا ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْعَقْدَ لَمْ يَقَعْ هَكَذَا ، وَلَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِهِ فِي الْعُقُودِ ، فَلَا يَجُوزُ حَمْلُ قَضَائِهِمْ الْمُطْلَقِ عَلَى صُورَةٍ نَادِرَةٍ لَمْ تُنْقَلْ ؛ وَلِأَنَّ الْغُرُورَ قَدْ يَكُونُ مِنْ الْمَرْأَةِ ، وَلَا لَفْظَ لَهَا فِي الْعَقْدِ ؛ وَلِأَنَّهُ مَتَى أَخْبَرَهُ بِحُرِّيَّتِهَا ، أَوْ أَوْهَمَهُ ذَلِكَ بِقَرَائِنَ تَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ حُرِّيَّتَهَا ،","part":14,"page":498},{"id":6998,"text":"فَنَكَحَهَا عَلَى ذَلِكَ ، وَرَغِبَ فِيهَا بِنَاءً عَلَيْهِ ، وَأَصْدَقَهَا صَدَاقَ الْحَرَائِرِ ، ثُمَّ لَزِمَهُ الْغُرْمُ ، فَقَدْ اسْتَضَرَّ بِنَاءً عَلَى قَوْلِ الْمُخْبِرِ لَهُ وَالْغَارِّ ، فَتَجِبُ إزَالَةُ الضَّرَرِ عَنْهُ ، بِإِثْبَاتِ الرُّجُوعِ عَلَى مَنْ غَرَّهُ وَأَضَرَّ بِهِ فَعَلَى هَذَا إنْ كَانَ الْغُرُورُ مِنْ اثْنَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ ، فَالرُّجُوعُ عَلَى جَمِيعِهِمْ ، وَإِنْ كَانَ الْغُرُرُ مِنْهَا وَمِنْ الْوَكِيلِ ، فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفُهُ .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":14,"page":499},{"id":6999,"text":"( 5265 ) الْفَصْلُ السَّادِسُ : أَنَّ الزَّوْجَ إنْ كَانَ مِمَّنْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ نِكَاحُ الْإِمَاءِ ، وَهُوَ مَنْ يَجِدُ الطَّوْلَ ، أَوْ لَا يَخْشَى الْعَنَتَ ، فَإِنَّهُ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا ؛ لِأَنَّنَا بَيَّنَّا أَنَّ النِّكَاحَ فَاسِدٌ مِنْ أَصْلِهِ ؛ لِعَدَمِ شَرْطِهِ .\rوَهَكَذَا لَوْ كَانَ تَزْوِيجُهَا بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهَا ، أَوْ اخْتَلَّ شَرْطٌ مِنْ شُرُوطِ النِّكَاحِ ، فَهُوَ فَاسِدٌ ، يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا .\rوَالْحُكْمُ فِي الرُّجُوعِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا .\rوَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يَجُوزُ لَهُ نِكَاحُ الْإِمَاءِ ، وَكَانَتْ شَرَائِطُ النِّكَاحِ مُجْتَمِعَةً ، فَالْعَقْدُ صَحِيحٌ ، وَلِلزَّوْجِ الْخِيَارُ بَيْنَ الْفَسْخِ وَالْمُقَامِ عَلَى النِّكَاحِ .\rوَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ الْخِرَقِيِّ \" فَرَضِيَ بِالْمُقَامِ \" مَعَهَا ، وَهَذَا الظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا خِيَارَ لَهُ ؛ لِأَنَّ الْكَفَاءَةَ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ فِي جَانِبِ الْمَرْأَةِ ؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ الطَّلَاقَ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ عَقْدٌ غُرَّ فِيهِ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ بِحُرِّيَّةِ الْآخَرِ ، فَثَبَتَ لَهُ الْخِيَارُ كَالْآخَرِ ؛ لِأَنَّ الْكَفَاءَةَ وَإِنْ لَمْ تُعْتَبَرْ فَإِنَّ عَلَيْهِ ضَرَرًا فِي اسْتِرْقَاقِ وَلَدِهِ ، وَرِقِّ امْرَأَتِهِ ، وَذَلِكَ أَعْظَمُ مِنْ فَقْدِ الْكَفَاءَةِ .\rوَأَمَّا الطَّلَاقُ يَنْدَفِعُ بِهِ الضَّرَرُ ، فَإِنَّهُ يُسْقِطُ نِصْفَ الْمُسَمَّى ، وَالْفَسْخُ يُسْقِطُ جَمِيعَهُ ، فَإِذَا فَسَخَ قَبْلَ الدُّخُولِ فَلَا مَهْرَ لَهَا ، وَإِنْ رَضِيَ بِالْمُقَامِ مَعَهَا ، فَلَهُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ يَحِلُّ لَهُ نِكَاحُ الْإِمَاءِ ، وَمَا وَلَدَتْ بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ رَقِيقٌ لِسَيِّدِهَا ؛ لِأَنَّ الْمَانِعَ مِنْ رِقِّهِمْ فِي الْغُرُورِ اعْتِقَادُ الزَّوْجِ حُرِّيَّتَهَا ، وَقَدْ زَالَ ذَلِكَ بِالْعِلْمِ وَلَوْ وَطِئَهَا قَبْلَ عِلْمِهِ ، فَعَلِقَتْ مِنْهُ ، ثُمَّ عَلِمَ قَبْلَ الْوَضْعِ ، فَهُوَ حُرٌّ ؛ لِأَنَّهُ وَطِئَهَا يَعْتَقِدُ حُرِّيَّتَهَا .","part":14,"page":500},{"id":7000,"text":"فَصْلٌ : وَالْحُكْمُ فِي الْمُدَبَّرَةِ وَأُمِّ الْوَلَدِ وَالْمُعْتَقَةِ بِصِفَةٍ ، كَالْأَمَةِ الْقِنِّ ؛ لِأَنَّهَا نَاقِصَةٌ بِالرِّقِّ ، إلَّا أَنَّ وَلَدَ أُمِّ الْوَلَدِ وَالْمُدَبَّرَةِ يُقَوَّمُ كَأَنَّهُ عَبْدٌ لَهُ حُكْمُ أُمِّهِ ، وَكَذَلِكَ مَنْ أُعْتِقَ بَعْضُهَا ، إلَّا أَنَّهُ إذَا فَدَى الْوَلَدَ ، لَمْ يَلْزَمْهُ إلَّا فِدَاءُ مَا فِيهِ مِنْ الرِّقِّ ؛ لِأَنَّ بَقِيَّتَهُ حُرٌّ بِحُرِّيَّةِ أُمِّهِ ، لَا بِاعْتِقَادِ الْوَطْءِ .\rفَإِنْ كَانَتْ مُكَاتَبَةً فَكَذَلِكَ ، إلَّا أَنَّ مَهْرَهَا لَهَا ؛ لِأَنَّهُ مِنْ كَسْبِهَا ، وَكَسْبَهَا لَهَا .\rوَتَجِبُ قِيمَةُ وَلَدِهَا ، عَلَى الرِّوَايَةِ الْمَشْهُورَةِ .\rقَالَ أَبُو بَكْرٍ : وَيَكُونُ ذَلِكَ لَهَا تَسْتَعِينُ بِهِ فِي كِتَابَتِهَا .\rفَإِنْ كَانَ الْغُرُورُ مِنْهَا ، فَلَا شَيْءَ لَهَا ، إذْ لَا فَائِدَةَ فِي إيجَابِ شَيْءٍ لَهَا يَرْجِعُ بِهِ عَلَيْهَا ، وَإِنْ كَانَ الْغُرُورُ مِنْ غَيْرِهَا ، غَرِمَهُ لَهَا ، وَيَرْجِعُ بِهِ عَلَى مَنْ غَرَّهُ .","part":15,"page":1},{"id":7001,"text":"( 5267 ) فَصْلٌ : وَلَا يَثْبُتُ أَنَّهَا أَمَةٌ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى ، فَإِنْ أَقَامَ بِذَلِكَ بَيِّنَةً ، ثَبَتَ .\rوَإِنْ أَقَرَّتْ أَنَّهَا أَمَةٌ ، فَقَالَ أَحْمَدُ ، فِي رِوَايَةِ أَبِي الْحَارِثِ : لَا يَسْتَحِقُّهَا بِإِقْرَارِهَا ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ إقْرَارَهَا يُزِيلُ النِّكَاحَ عَنْهَا ، وَيُثْبِتُ حَقًّا عَلَى غَيْرِهَا ، فَلَمْ يُقْبَلْ ، كَإِقْرَارِهَا بِمَالٍ عَلَى غَيْرِهَا .\rوَقَالَ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ : لَا شَيْءَ لَهُ حَتَّى يُثْبِتَ ، أَوْ تُقِرَّ هِيَ أَنَّهَا أَمَتُهُ .\rفَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ يُقْبَلُ إقْرَارُهَا ؛ لِأَنَّهَا مُقِرَّةٌ عَلَى نَفْسِهَا بِالرِّقِّ ، أَشْبَهَ غَيْرَ الزَّوْجَةِ .\rوَالْأَوَّلُ أَوْلَى وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ يُقْبَلُ مِنْ غَيْرِ ذَاتِ الزَّوْجِ إقْرَارُهَا بِالرِّقِّ بَعْدَ إقْرَارِهَا بِالْحُرِّيَّةِ ؛ لِأَنَّهَا أَقَرَّتْ بِمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى .","part":15,"page":2},{"id":7002,"text":"( 5268 ) فَصْلٌ : إذَا حَمَلَتْ الْمَغْرُورُ بِهَا ، فَضَرَبَ بَطْنَهَا ضَارِبٌ ، فَأَلْقَتْ جَنِينًا مَيِّتًا ، فَعَلَى الضَّارِبِ غُرَّةٌ ؛ لِأَنَّ هَذَا الْجَنِينَ مَحْكُومٌ بِحُرِّيَّتِهِ ، وَيَرِثُهَا وَرَثَتُهُ مَنْ كَانُوا ، وَعَلَى الضَّارِبِ كَفَّارَةُ الْقَتْلِ .\rوَإِنْ كَانَ الضَّارِبُ أَبَاهُ ، لَمْ يَرِثْهُ ، وَوَرِثَهُ أَقَارِبُهُ .\rوَلَا يَجِبُ بَذْلُ هَذَا الْوَلَدِ لِلسَّيِّدِ ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَسْتَحِقُّ بَذْلَ حَيٍّ ، وَهَذَا مَيِّتٌ .\rوَيُحْتَمَلُ أَنْ يَجِبَ لَهُ عُشْرُ قِيمَةِ أُمِّهِ ؛ لِأَنَّ الْوَاطِئَ فَوَّتَ ذَلِكَ عَلَيْهِ بِاعْتِقَادِ الْحُرِّيَّةِ ، وَلَوْلَاهُ لَوَجَبَ لَهُ ذَلِكَ .","part":15,"page":3},{"id":7003,"text":"( 5269 ) فَصْلٌ : إذَا تَزَوَّجَتْ الْمَرْأَةُ عَبْدًا عَلَى أَنَّهُ حُرٌّ ، فَالنِّكَاحُ صَحِيحٌ .\rوَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَأَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ اخْتِلَافَ الصِّفَةِ لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الْعَقْدِ ، كَمَا لَوْ تَزَوَّجَ أَمَةً عَلَى أَنَّهَا حُرَّةٌ .\rوَهَذَا إذَا كَمُلَتْ شُرُوطُ النِّكَاحِ ، وَكَانَ ذَلِكَ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ .\rوَإِنْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ حُرَّةً ، وَقُلْنَا : الْحُرِّيَّةُ لَيْسَتْ مِنْ شُرُوطِ الْكَفَاءَةِ .\rأَوْ أَنَّ فَقْدَ الْكَفَاءَةِ لَا يُبْطِلُ النِّكَاحَ .\rفَهُوَ صَحِيحٌ ، وَلِلْمَرْأَةِ الْخِيَارُ بَيْنَ الْفَسْخِ وَالْإِمْضَاءِ ، فَإِنْ اخْتَارَتْ إمْضَاءَهُ فَلِأَوْلِيَائِهَا الِاعْتِرَاضُ عَلَيْهَا لِعَدَمِ الْكَفَاءَةِ .\rوَإِنْ كَانَتْ أَمَةً فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ لَهَا الْخِيَارُ أَيْضًا ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا ثَبَتَ الْخِيَارُ لِلْعَبْدِ إذَا غُرَّ بِأَمَةٍ ، ثَبَتَ لِلْأَمَةِ إذَا غُرَّتْ بِعَبْدٍ .\rوَكُلُّ مَوْضِعٍ حَكَمْنَا بِفَسَادِ الْعَقْدِ فَفُرِّقَ بَيْنَهُمَا قَبْلَ الدُّخُولِ ، فَلَا مَهْرَ لَهَا ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ فَلَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ ، أَوْ الْمُسَمَّى ، عَلَى مَا قَدَّمْنَا مِنْ الِاخْتِلَافِ .\rوَكُلُّ مَوْضِعٍ فُسِخَ النِّكَاحُ مَعَ الْقَوْلِ بِصِحَّتِهِ قَبْلَ الدُّخُولِ ، فَلَا شَيْءَ لَهَا ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ فَلَهَا الْمُسَمَّى ؛ لِأَنَّهُ فَسْخٌ طَرَأَ عَلَى نِكَاحٍ ، فَأَشْبَهَ الطَّلَاقَ .","part":15,"page":4},{"id":7004,"text":"( 5270 ) فَصْلٌ : فَإِنْ غَرَّهَا بِنَسَبٍ ، فَبَانَ دُونَهُ ، وَكَانَ ذَلِكَ مُخِلًّا بِالْكَفَاءَةِ ، وَقُلْنَا بِصِحَّةِ النِّكَاحِ ، فَلَهَا الْخِيَارُ ، فَإِنْ اخْتَارَتْ الْإِمْضَاءَ ، فَلِأَوْلِيَائِهَا الِاعْتِرَاضُ عَلَيْهَا ، وَإِنْ لَمْ يُخِلَّ بِالْكَفَاءَةِ ، فَلَا خِيَارَ لَهَا ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِمُعْتَبَرٍ فِي النِّكَاحِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ شَرْطُهُ فَقِيهًا ، فَبَانَ بِخِلَافِهِ .\rوَكَذَلِكَ إنْ شَرَطَتْ غَيْرَ النَّسَبِ ، فَإِنْ كَانَ مِمَّا يُعْتَبَرُ فِي الْكَفَاءَةِ ، فَهُوَ كَمَا لَوْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ غَيْرُ مُكَافِئٍ لَهَا فِي النَّسَبِ ، وَإِنْ لَمْ يُعْتَبَرْ فِي الْكَفَاءَةِ ، كَالْفِقْهِ وَالْجَمَالِ وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ ، فَلَا خِيَارَ لَهَا ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا لَا يُعْتَبَرْ فِي النِّكَاحِ ، فَلَا يُؤَثِّرُ اشْتِرَاطُهُ .\rوَذُكِرَ فِيمَا إذَا بَانَ نَسَبُهُ دُونَ مَا ذُكِرَ وَجْهٌ فِي ثُبُوتِ الْخِيَارِ لَهَا إنْ لَمْ يُخِلَّ بِالْكَفَاءَةِ ، وَالْأَوْلَى مَا ذَكَرْنَاهُ .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":15,"page":5},{"id":7005,"text":"( 5271 ) قَالَ : وَإِنْ كَانَ الْمَغْرُورُ عَبْدًا فَوَلَدُهُ أَحْرَارٌ ، وَيَفْدِيهِمْ إذَا عَتَقَ ، وَيَرْجِعُ بِهِ عَلَى مَنْ غَرَّهُ ، وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْمَغْرُورَ إذَا كَانَ عَبْدًا ، فَوَلَدُهُ أَحْرَارٌ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَكُونُ رَقِيقًا ؛ لِأَنَّ أَبَوَيْهِ رَقِيقٌ .\rوَلَيْسَ ذَلِكَ بِصَحِيحٍ ، فَإِنَّهُ وَطِئَهَا مُعْتَقِدًا حُرِّيَّتَهَا ، فَكَانَ وَلَدُهُ حُرًّا ، كَوَلَدِ الْحُرِّ ، فَإِنَّ هَذَا هُوَ الْعِلَّةُ الْمُقْتَضِيَةُ لِلْحُرِّيَّةِ فِي مَحَلِّ الْوِفَاقِ ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَكَانَ رَقِيقًا ، فَإِنَّ عِلَّةَ رِقِّ الْوَلَدِ رِقُّ الْأُمِّ خَاصَّةً ، وَلَا عِبْرَةَ بِحَالِ الْأَبِ ، بِدَلِيلِ وَلَدِ الْحُرِّ مِنْ الْأَمَةِ ، وَوَلَدِ الْحُرَّةِ مِنْ الْعَبْدِ .\rوَعَلَى الْعَبْدِ فِدَاؤُهُمْ ؛ لِأَنَّهُ فَوَّتَ رِقَّهُمْ بِاعْتِقَادِهِ وَفِعْلِهِ ، وَلَا مَالَ لَهُ فِي الْحَالِ ، فَيُخَرَّجُ فِي ذَلِكَ وَجْهَانِ ، أَحَدُهُمَا : يَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِهِ بِمَنْزِلَةِ جِنَايَتِهِ .\rوَالثَّانِي ، بِذِمَّتِهِ يُتْبَعُ بِهِ بَعْدَ الْعِتْقِ ، بِمَنْزِلَةِ عِوَضِ الْخُلْعِ مِنْ الْأَمَةِ إذَا بَذَلَتْهُ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهَا .\rوَيُفَارِقُ الِاسْتِدَانَةَ وَالْجِنَايَةَ ؛ لِأَنَّهُ إذَا اسْتَدَانَ أَتْلَفَ مَالَ الْغَرِيمِ ، فَكَانَ جِنَايَةً مِنْهُ ، وَهَاهُنَا لَمْ يَجْنِ فِي الْأَوْلَادِ جِنَايَةً ، وَإِنَّمَا عَتَقُوا مِنْ طَرِيقِ الْحُكْمِ ، وَمَا حَصَلَ لَهُ مِنْهُمْ عِوَضٌ ، فَيَكُونُ ذَلِكَ فِي ذِمَّتِهِ يُتْبَعُ بِهِ بَعْدَ الْعِتْقِ ، وَيَرْجِعُ بِهِ حِينَ يَغْرَمُهُ ، فَإِنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَجِبَ لَهُ بَذْلُ مَا لَمْ يَفُتْ عَلَيْهِ .\rوَأَمَّا الْحُرِّيَّةُ فَتَتَعَجَّلُ فِي الْحَالِ .\rوَإِنْ قُلْنَا : إنَّ الْفِدَاءَ يَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِهِ .\rوَجَبَ فِي الْحَالِ ، وَيَرْجِعُ بِهِ سَيِّدُهُ فِي الْحَالِ ، وَيَثْبُتُ لِلْعَبْدِ الْخِيَارُ إذَا عَلِمَ ، كَمَا ثَبَتَ لِلْحُرِّ لِمَنْ يَحِلُّ لَهُ نِكَاحُ الْإِمَاءِ ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ ضَرَرًا فِي رِقِّ وَلَدِهِ ، وَنَقْصًا فِي اسْتِمْتَاعِهِ ، فَإِنَّهَا لَا تَبِيتُ مَعَهُ لَيْلًا وَنَهَارًا ، وَلَمْ يَرْضَ بِهِ .\rوَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَثْبُتَ لَهُ خِيَارٌ ؛","part":15,"page":6},{"id":7006,"text":"لِأَنَّهُ فَقَدَ صِفَةً لَا يَنْقُصُ بِهَا عَنْ رُتْبَتِهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ شَرَطَ نَسَبَ امْرَأَةٍ فَبَانَتْ بِخِلَافِهِ ؛ لِأَنَّهَا مُسَاوِيَةٌ لِنَسَبِهِ ، بِخِلَافِ تَغْرِيرِ الْحُرِّ .\rوَقَالَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ : لَا خِيَارَ لَهُ ، قَوْلًا وَاحِدًا .\rوَقَالَ بَعْضُهُمْ : فِيهِ قَوْلَانِ وَالْأَوْلَى مَا ذَكَرْنَاهُ .\rوَإِذَا اخْتَارَ الْإِقَامَةَ ، فَالْمَهْرُ وَاجِبٌ ، لَا يَرْجِعُ بِهِ عَلَى أَحَدٍ .\rوَإِنْ اخْتَارَ الْفَسْخَ قَبْلَ الدُّخُولِ ، فَلَا مَهْرَ ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ وَالنِّكَاحُ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ ، فَالْمَهْرُ وَاجِبٌ عَلَيْهِ ، وَفِي الرُّجُوعِ بِهِ خِلَافٌ ذَكَرْنَاهُ فِيمَا مَضَى ، وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ إذْنِهِ ، فَالنِّكَاحُ فَاسِدٌ ، فَإِنْ دَخَلَ بِهَا فَفِي قَدْرِ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ وَجْهَانِ ، أَحَدُهُمَا : مَهْرُ الْمِثْلِ .\rوَالثَّانِي : الْخُمْسَانِ .\rوَهَلْ يَرْجِعُ بِهِ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ .","part":15,"page":7},{"id":7007,"text":"( 5272 ) فَصْلٌ : فَإِنْ شَرَطَ أَنَّهَا مُسْلِمَةٌ ، فَبَانَتْ كَافِرَةً ، فَلَهُ الْخِيَارُ ؛ لِأَنَّهُ نَقْصٌ وَضَرَرٌ يَتَعَدَّى إلَى الْوَلَدِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ شَرَطَهَا حُرَّةً فَبَانَتْ أَمَةً .","part":15,"page":8},{"id":7008,"text":"( 5273 ) فَصْلٌ : فَإِنْ شَرَطَهَا بِكْرًا ، فَبَانَتْ ثَيِّبًا .\rفَعَنْ أَحْمَدَ كَلَامٌ يَحْتَمِلُ أَمْرَيْنِ ، أَحَدُهُمَا : لَا خِيَارَ لَهُ ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ لَا يُرَدُّ فِيهِ بِعَيْبٍ سِوَى ثَمَانِيَةِ عُيُوبٍ ، فَلَا يُرَدُّ مِنْهُ بِمُخَالَفَةِ الشَّرْطِ .\rوَالثَّانِي ، لَهُ الْخِيَارُ ؛ لِأَنَّهُ شَرَطَ صِفَةً مَقْصُودَةً ، فَبَانَ خِلَافُهَا ، فَيَثْبُتُ لَهُ الْخِيَارُ ، كَمَا لَوْ شَرَطَ الْحُرِّيَّةَ .\rوَعَلَى هَذَا لَوْ شَرَطَهَا ذَاتَ نَسَبٍ ، فَبَانَتْ دُونَهُ ، أَوْ شَرَطَهَا بَيْضَاءَ ، فَبَانَتْ سَوْدَاءَ ، أَوْ شَرَطَهَا طَوِيلَةً ، فَبَانَتْ قَصِيرَةً ، أَوْ حَسْنَاءَ فَبَانَتْ شَوْهَاءَ ، خُرِّجَ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ وَجْهَانِ .\rوَنَحْوُ هَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ : الْقِيَاسُ أَنَّ لَهُ الرَّدَّ إنْ كَانَ فِيهِ اخْتِلَافٌ ، وَإِنْ كَانَ إجْمَاعًا فَالْإِجْمَاعُ أَوْلَى مِنْ النَّظَرِ .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : لَا أَعْلَمُ أَحَدًا وَافَقَ أَبَا ثَوْرٍ عَلَى مَقَالَتِهِ .\rوَمِمَّنْ أَلْزَمَ الزَّوْجَ مَنْ هَذِهِ صِفَتُهَا الثَّوْرِيُّ وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَرَوَى الزُّهْرِيُّ ، أَنَّ رَجُلًا تَزَوَّجَ امْرَأَةً ، فَلَمْ يَجِدْهَا عَذْرَاءَ ، كَانَتْ الْحَيْضَةُ خَرَقَتْ عُذْرَتَهَا ، فَأَرْسَلَتْ إلَيْهِ عَائِشَةُ إنَّ الْحَيْضَةَ تُذْهِبُ الْعُذْرَةَ يَقِينًا .\rوَعَنْ الْحَسَنِ ، وَالشَّعْبِيِّ ، وَإِبْرَاهِيمَ فِي الرَّجُلِ إذَا لَمْ يَجِدْ امْرَأَتَهُ عَذْرَاءَ : لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ ، الْعُذْرَةُ تُذْهِبُهَا الْوَثْبَةُ ، وَكَثْرَةُ الْحَيْضِ ، وَالتَّعَنُّسُ ، وَالْحِمْلُ الثَّقِيلُ .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":15,"page":9},{"id":7009,"text":"( 5274 ) فَصْلٌ : وَإِذَا تَزَوَّجَ امْرَأَةً يَظُنُّهَا حُرَّةً ، فَبَانَتْ أَمَةً ، أَوْ يَظُنُّهَا مُسْلِمَةً ، فَبَانَتْ كَافِرَةً ، أَوْ تَزَوَّجَتْ عَبْدًا تَظُنُّهُ حُرًّا ، فَلَهُمْ الْخِيَارُ ، كَمَا لَوْ شَرَطُوا ذَلِكَ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، فِي امْرَأَةٍ تَزَوَّجَتْ عَبْدًا تَظُنُّهُ حُرًّا ، فَلَهَا الْخِيَارُ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأَمَةِ : لَا خِيَارَ لَهُ .\rوَفِي الْكَافِرَةِ : لَهُ الْخِيَارُ .\rوَقَالَ بَعْضُهُمْ فِيهِمَا جَمِيعًا قَوْلَانِ .\rوَلَنَا أَنَّ بَعْضَ الرِّقِّ أَعْظَمُ ضَرَرًا ، فَإِنَّهُ يُؤَثِّرُ فِي رِقِّ وَلَدِهِ ، وَيَمْنَعُ كَمَالَ اسْتِمْتَاعِهِ ، فَكَانَ لَهُ الْخِيَارُ ، كَمَا لَوْ كَانَتْ كَافِرَةً .","part":15,"page":10},{"id":7010,"text":"( 5275 ) فَصْلٌ : وَإِنْ شَرَطَهَا أَمَةً ، فَبَانَتْ حُرَّةً ، أَوْ ذَاتَ نَسَبٍ ، فَبَانَتْ أَشْرَفَ مِنْهُ ، أَوْ عَلَى صِفَةٍ دَنِيئَةٍ ، فَبَانَتْ خَيْرًا مِنْ شَرْطِهِ ، أَوْ كَافِرَةً ، فَبَانَتْ مُسْلِمَةً ، فَلَا خِيَارَ لَهُ فِي ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ زِيَادَةٌ .\rوَقَالَ أَبُو بَكْرٍ لَهُ الْخِيَارُ إذَا بَانَتْ مُسْلِمَةً ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ لَهُ غَرَضٌ فِي عَدَمِ وُجُوبِ الْعِبَادَاتِ .\rوَالْأَوَّلُ أَوْلَى .","part":15,"page":11},{"id":7011,"text":"( 5276 ) فَصْلٌ : وَكُلُّ مَوْضِعٍ ثَبَتَ لَهُ الْخِيَارُ فَفَسَخَ قَبْلَ الدُّخُولِ ، فَلَا مَهْرَ عَلَيْهِ .\rوَإِنْ فَسَخَ بَعْدَهُ ، وَكَانَ التَّغْرِيرُ مِمَّنْ لَهُ الْمَهْرُ ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ أَيْضًا ، وَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِهِ ، فَعَلَيْهِ الْمَهْرُ ، يَدْفَعُهُ ثُمَّ يَرْجِعُ بِهِ عَلَى الْغَارِّ ، فَإِنْ كَانَ التَّغْرِيرُ مِنْ أَوْلِيَائِهَا ، رَجَعَ عَلَيْهِمْ ، وَإِنْ عَلِمَ بَعْضَهُمْ اُحْتُمِلَ أَنْ يَرْجِعَ عَلَيْهِ وَحْدَهُ ؛ لِأَنَّهُ الْغَارُّ ، وَاحْتُمِلَ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى جَمِيعِهِمْ ؛ لِأَنَّ حُقُوقَ الْآدَمِيِّينَ فِي الْعَمْدِ وَالسَّهْوِ سَوَاءٌ .","part":15,"page":12},{"id":7012,"text":"( 5277 ) ؛ قَالَ : وَإِذَا قَالَ : قَدْ جَعَلْت عِتْقَ أَمَتِي صَدَاقَهَا .\rبِحَضْرَةِ شَاهِدَيْنِ ، فَقَدْ ثَبَتَ الْعِتْقُ وَالنِّكَاحُ .\rوَإِذَا قَالَ : أَشْهَدُ أَنِّي قَدْ أَعْتَقْتهَا ، وَجَعَلْت عِتْقَهَا صَدَاقَهَا .\rكَانَ الْعِتْقُ وَالنِّكَاحُ أَيْضًا ثَابِتَيْنِ ، سَوَاءٌ تَقَدَّمَ الْعِتْقُ أَوْ تَأَخَّرَ ، إذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا فَصْلٌ ، فَإِنْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ ، رَجَعَ عَلَيْهَا بِنِصْفِ قِيمَتِهَا .\rفِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ خَمْسَةُ فُصُولٍ : ( 5278 ) الْفَصْلُ الْأَوَّلُ : أَنَّ ظَاهِرَ الْمَذْهَبِ أَنَّ الرَّجُلَ إذَا أَعْتَقَ أَمَتَهُ ، وَجَعَلَ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا ، فَهُوَ نِكَاحٌ صَحِيحٌ نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَفَعَلَهُ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ وَبِهِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَالْحَسَنُ ، وَالزُّهْرِيُّ وَإِسْحَاقُ .\rوَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : يَلْزَمُهَا أَنْ تَتَزَوَّجَهُ .\rوَرَوَى الْمَرُّوذِيُّ عَنْ أَحْمَدَ : إذَا أَعْتَقَ أَمَتَهُ ، وَجَعَلَ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا ، يُوَكِّلُ رَجُلًا يُزَوِّجُهُ .\rوَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ لَمْ يَحْكُمْ بِصِحَّةِ النِّكَاحِ .\rقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ هِيَ الصَّحِيحَةُ .\rوَاخْتَارَهَا الْقَاضِي ، وَابْنُ عَقِيلٍ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ إيجَابٌ وَقَبُولٌ ، فَلَمْ يَصِحْ لِعَدَمِ أَرْكَانِهِ ، كَمَا لَوْ قَالَ : أَعْتَقْتُك .\rوَسَكَتَ ؛ وَلِأَنَّهَا بِالْعِتْقِ تَمْلِكُ نَفْسَهَا ، فَيَجِبُ أَنْ يُعْتَبَرَ رِضَاهَا ، كَمَا لَوْ فُصِلَ بَيْنَهُمَا ؛ وَلِأَنَّ الْعِتْقَ يُزِيلُ مِلْكَهُ عَنْ الِاسْتِمْتَاعِ بِحَقِّ الْمِلْكِ ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَسْتَبِيحَ الْوَطْءَ بِالْمُسَمَّى ، فَإِنَّهُ لَوْ قَالَ : بِعْتُك هَذِهِ الْأَمَةَ ، عَلَى أَنْ تُزَوِّجَنِيهَا بِالثَّمَنِ .\rلَمْ يَصِحَّ وَلَنَا مَا رَوَى أَنَسٌ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَعْتَقَ صَفِيَّةَ ، وَجَعَلَ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا .\r} مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَفِي لَفْظٍ : أَعْتَقَهَا وَتَزَوَّجَهَا .\rفَقُلْت : يَا أَبَا","part":15,"page":13},{"id":7013,"text":"حَمْزَةَ ، مَا أَصْدَقَهَا ؟ قَالَ : نَفْسَهَا .\rوَرَوَى الْأَثْرَمُ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ صَفِيَّةَ .\rقَالَتْ : { أَعْتَقَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجَعَلَ عِتْقِي صَدَاقِي .\r} وَبِإِسْنَادِهِ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : إذَا أَعْتَقَ الرَّجُلُ أُمَّ وَلَدِهِ ، فَجَعَلَ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا ، فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ .\rوَمَتَى ثَبَتَ الْعِتْقُ صَدَاقًا ، ثَبَتَ النِّكَاحُ ؛ لِأَنَّ الصَّدَاقَ لَا يَتَقَدَّمُ النِّكَاحَ ، وَلَوْ تَأَخَّرَ الْعِتْقُ عَنْ النِّكَاحِ لَمْ يَجُزْ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ انْعَقَدَ بِهَذَا اللَّفْظِ .\rوَلِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ اسْتَأْنَفَ عَقْدًا ، وَلَوْ اسْتَأْنَفَهُ لَظَهَرَ ، وَنُقِلَ كَمَا نُقِلَ غَيْرُهُ ؛ وَلِأَنَّ مَنْ جَازَ لَهُ تَزْوِيجُ امْرَأَةٍ لِغَيْرِهِ مِنْ غَيْرِ قَرَابَةٍ ، جَازَ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا ، كَالْإِمَامِ .\rوَقَوْلُهُمْ : لَمْ يُوجَدْ إيجَابٌ وَلَا قَبُولٌ .\rعَدِيمُ الْأَثَرِ ؛ فَإِنَّهُ لَوْ وُجِدَ لَمْ يَحْكُمُوا بِصِحَّتِهِ ، وَعَلَى أَنَّهُ إنْ لَمْ يُوجَدْ فَقَدْ وُجِدَ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ ، وَهُوَ جَعْلُ الْعِتْقِ صَدَاقًا ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً هُوَ وَلِيُّهَا ، وَكَمَا لَوْ قَالَ الْخَاطِبُ لِلْوَلِيِّ : أَزَوَّجْت ؟ فَقَالَ : نَعَمْ .\rوَقَالَ لِلزَّوْجِ : أَقَبِلْت ؟ فَقَالَ : نَعَمْ .\rعِنْدَ أَصْحَابِنَا ، وَكَمَا لَوْ أَتَى بِالْكِنَايَاتِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَنْ وَافَقَهُ .\r( 5279 ) الْفَصْلُ الثَّانِي : أَنَّ النِّكَاحَ يَنْعَقِدُ بِقَوْلِهِ : أَعْتَقْتُك ، وَجَعَلْت عِتْقَك صَدَاقَك وَتَزَوَّجْتُك وَبِذَلِكَ خَالِيًا عَنْ قَوْلِهِ : وَتَزَوَّجْتُك .\rوَهَذَا لَفْظُ الْخِرَقِيِّ ، وَهُوَ الَّذِي جَاءَ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ .\rوَبِقَوْلِهِ : جَعَلْت عِتْقَك صَدَاقَك .\rأَوْ جَعَلْت صَدَاقَك عِتْقَك .\rوَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ الْخِرَقِيِّ : \" سَوَاءٌ تَقَدَّمَ الْعِتْقُ أَوْ تَأَخَّرَ \" .\rوَنَصَّ أَحْمَدُ عَلَى هَذَا ، فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ : إذَا قَالَ : جَعَلْت عِتْقَك صَدَاقَك ، أَوْ صَدَاقَك عِتْقَك .\rكُلُّ ذَلِكَ جَائِزٌ .\r( 5280 ) الْفَصْلُ الثَّالِثُ : أَنْ","part":15,"page":14},{"id":7014,"text":"لَا يَكُونَ بَيْنَهُمَا فَصْلٌ .\rوَلَوْ قَالَ : أَعْتَقْتُك .\rوَسَكَتَ سُكُوتًا يُمْكِنُهُ الْكَلَامُ فِيهِ ، أَوْ تَكَلَّمَ بِكَلَامٍ أَجْنَبِيٍّ ، ثُمَّ قَالَ : جَعَلْت عِتْقَك صَدَاقَك لَمْ يَصِحَّ النِّكَاحُ ؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ بِالْعِتْقِ حُرَّةً ، فَيَحْتَاجُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا بِرِضَاهَا بِصَدَاقٍ جَدِيدٍ .\r( 5281 ) الْفَصْلُ الرَّابِعُ : أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ شَاهِدَيْنِ إذَا قُلْنَا بِاشْتِرَاطِ الشَّهَادَةِ فِي النِّكَاحِ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، فِي رِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ ، وَذَلِكَ لِقَوْلِهِ : { لَا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِيٍّ وَشَاهِدَيْنِ .\r}","part":15,"page":15},{"id":7015,"text":"( 5282 ) الْفَصْلُ الْخَامِسُ : أَنَّهُ إذَا طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ ، رَجَعَ عَلَيْهَا بِنِصْفِ قِيمَتِهَا ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ قَبْلَ الدُّخُولِ يُوجِبُ الرُّجُوعَ فِي نِصْفِ مَا فَرَضَ لَهَا ، وَقَدْ فَرَضَ لَهَا نَفْسَهَا ، وَلَا سَبِيلَ إلَى الرُّجُوعِ فِي الرِّقِّ بَعْدَ زَوَالِهِ ، فَرَجَعَ بِنِصْفِ قِيمَةِ نَفْسِهَا .\rوَبِهَذَا قَالَ الْحَسَنُ ، وَالْحَكَمُ .\rوَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ يَرْجِعُ بِرُبْعِ قِيمَتِهَا .\rوَلَنَا أَنَّهُ طَلَاقٌ قَبْلَ الدُّخُولِ ، فَأَوْجَبَ الرُّجُوعَ فِي النِّصْفِ ، كَسَائِرِ الطَّلَاقِ .\rوَتُعْتَبَرُ الْقِيمَةُ حَالَةَ الْإِعْتَاقِ ؛ لِأَنَّهَا حَالَةُ الْإِتْلَافِ .\rفَإِنْ لَمْ تَكُنْ قَادِرَةً عَلَى نِصْفِ الْقِيمَةِ ، فَهَلْ تُسْتَسْعَى فِيهَا ، أَوْ تَكُونُ دَيْنًا تُنْظَرُ بِهِ إلَى حَالِ الْقُدْرَةِ ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ .\rوَإِنْ قُلْنَا : إنَّ النِّكَاحَ لَا يَنْعَقِدُ بِهَذَا الْقَوْلِ .\rفَعَلَيْهَا قِيمَةُ نَفْسِهَا ؛ لِأَنَّهُ أَزَالَ مِلْكَهُ بِعِوَضٍ لَمْ يُسَلَّمْ لَهُ ، فَرَجَعَ إلَى قِيمَةِ الْمُفَوَّتِ ، كَالْبَيْعِ الْفَاسِدِ .\rوَكَذَلِكَ إنْ قُلْنَا : إنَّ النِّكَاحَ انْعَقَدَ بِهِ .\rفَارْتَدَّتْ قَبْلَ الدُّخُولِ ، أَوْ فَعَلَتْ مَا يَنْفَسِخُ بِهِ نِكَاحُهَا ، مِثْلَ أَنْ أَرْضَعَتْ زَوْجَةً لَهُ صَغِيرَةً ، وَنَحْوَ ذَلِكَ ، انْفَسَخَ نِكَاحُهَا ، وَعَلَيْهَا قِيمَةُ نَفْسِهَا .","part":15,"page":16},{"id":7016,"text":"( 5283 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَالَ لِأَمَتِهِ : أَعْتَقْتُك عَلَى أَنْ تُزَوِّجِينِي نَفْسَك ، وَيَكُونَ عِتْقُك صَدَاقَك .\rأَوْ لَمْ يَقُلْ : وَيَكُونَ عِتْقُك صَدَاقَك .\rفَقَبِلَتْ ، عَتَقَتْ ، وَلَمْ يَلْزَمْهَا أَنْ تُزَوِّجَهُ نَفْسَهَا ؛ لِأَنَّهُ سَلَفٌ فِي نِكَاحٍ ، فَلَمْ يَلْزَمْهَا ، كَمَا لَوْ كَانَ أَسْلَفَ حُرَّةً أَلْفًا عَلَى أَنْ يَتَزَوَّجَهَا ، وَلِأَنَّهَا أَسْقَطَتْ حَقَّهَا مِنْ الْخِيَارِ قَبْلَ وُجُودِ سَبَبِهِ ، فَلَمْ يَسْقُطْ ، كَالشَّفِيعِ يُسْقِطُ شُفْعَتَهُ قَبْلَ الْبَيْعِ ، وَيَلْزَمُهَا قِيمَةُ نَفْسِهَا .\rأَوْمَأَ إلَيْهِ أَحْمَدُ ، فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ أَزَالَ مِلْكَهُ مِنْهَا بِشَرْطِ عِوَضٍ لَمْ يُسَلَّمْ لَهُ ، فَاسْتَحَقَّ الرُّجُوعَ بِقِيمَتِهِ ، كَالْبَيْعِ الْفَاسِدِ إذَا تَلِفَتْ السِّلْعَةُ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي ، وَالنِّكَاحِ الْفَاسِدِ إذَا اتَّصَلَ بِهِ الدُّخُولُ .\rوَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَلْزَمَهَا شَيْءٌ ، بِنَاءً عَلَى مَا إذَا قَالَ لِعَبْدِهِ : أَعْتَقْتُك عَلَى أَنْ تُعْطِيَنِي أَلْفًا .\rوَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ ، وَزُفَرَ ؛ لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ بِلَفْظِ شَرْطٍ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَالَ : أَعْتَقْتُك ، وَزَوِّجِينِي نَفْسَك .\rوَتُعْتَبَرُ الْقِيمَةُ حَالَةَ الْعِتْقِ ، وَيُطَالِبُهَا بِهَا فِي الْحَالِ إنْ كَانَتْ قَادِرَةً عَلَيْهَا ، وَإِنْ كَانَتْ مُعْسِرَةً ، فَهَلْ تُنْظَرُ إلَى الْمَيْسَرَةِ ، أَوْ تُجْبَرُ عَلَى الْكَسْبِ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ ، أَصْلُهُمَا فِي الْمُفْلِسِ هَلْ يُجْبَرُ عَلَى الْكَسْبِ ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ .","part":15,"page":17},{"id":7017,"text":"( 5284 ) فَصْلٌ : وَإِنْ اتَّفَقَ السَّيِّدُ وَأَمَتُهُ عَلَى أَنْ يُعْتِقَهَا ، وَتُزَوِّجَهُ نَفْسَهَا ، فَتَزَوَّجَهَا عَلَى ذَلِكَ ، صَحَّ ، وَلَا مَهْرَ لَهَا غَيْرَ مَا شَرَطَ مِنْ الْعِتْقِ .\rوَبِهِ قَالَ أَبُو يُوسُفَ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ : لَا يَكُونُ الْعِتْقُ صَدَاقًا ، لَكِنْ إنْ تَزَوَّجَهَا عَلَى الْقِيمَةِ الَّتِي لَهُ فِي ذِمَّتِهَا ، وَهُمَا يَعْلَمَانِ الْقِيمَةَ ، صَحَّ الصَّدَاقُ .\rوَلَنَا أَنَّ الْعِتْقَ صَلَحَ صَدَاقًا فِي حَقِّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَجُوزُ فِي حَقِّ أُمَّتِهِ كَالدَّرَاهِمِ ؛ وَلِأَنَّهُ يَصْلُحُ عِوَضًا فِي الْبَيْعِ ، فَإِنَّهُ لَوْ قَالَ : أَعْتِقْ عَبْدَك عَلَى أَلْفٍ .\rجَازَ ، فَلَأَنْ يَكُونَ عِوَضًا فِي النِّكَاحِ أَوْلَى ، فَإِنَّ النِّكَاحَ لَا يُقْصَدُ فِيهِ الْعِوَضُ .\rوَعَلَى هَذَا لَوْ تَزَوَّجَهَا عَلَى أَنْ يُعْتِقَ أَبَاهَا ، صَحَّ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّ الْعِتْقَ يَصِيرُ صَدَاقًا ، كَمَا لَوْ دَفَعَ إلَيْهَا مَالًا ثُمَّ تَزَوَّجَهَا عَلَيْهِ .\rفَإِنْ بَذَلَتْ لَهُ نَفْسَهَا لِيَتَزَوَّجَهَا فَامْتَنَعَ ، لَمْ يُجْبَرْ ، وَكَانَتْ لَهُ الْقِيمَةُ ؛ لِأَنَّهَا إذَا لَمْ تُجْبَرْ عَلَى تَزْوِيجِهِ نَفْسَهَا ، لَمْ يُجْبَرْ هُوَ عَلَى قَبُولِهَا .\rوَحُكْمُ الْمُدَبَّرَةِ ، وَالْمُعْتَقَةِ بِصِفَةٍ ، وَأُمِّ الْوَلَدِ ، حُكْمُ الْأَمَةِ الْقِنِّ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَاهُ .","part":15,"page":18},{"id":7018,"text":"( 5285 ) فَصْلٌ : وَإِنْ أَعْتَقَتْ امْرَأَةٌ عَبْدَهَا ، بِشَرْطِ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا ، عَتَقَ ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ يَحْصُلُ بِهِ الْمِلْكُ لِلزَّوْجِ ، وَلَيْسَ بِمَمْلُوكٍ بِهِ ، فَإِذَا اشْتَرَطَتْ عَلَيْهِ إثْبَاتَ الْمِلْكِ لَهُ ، لَمْ يَلْزَمْهُ ذَلِكَ ، كَمَا لَوْ اشْتَرَطَتْ عَلَيْهِ أَنْ تُمَلِّكَهُ دَارًا .\rوَلَوْ أَرَادَ الْعَبْدُ تَزَوُّجَهَا لَمْ تُجْبَرْ ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ لَهَا ، فَلَا يُوجَبُ عَلَيْهَا ، كَمَا لَوْ شَرَطَ السَّيِّدُ عَلَى أَمَتِهِ أَنْ تُزَوِّجَهُ نَفْسَهَا ، لَمْ يَلْزَمْهُ ذَلِكَ .","part":15,"page":19},{"id":7019,"text":"( 5286 ) فَصْلٌ : وَلَا بَأْسَ أَنْ يُعْتِقَ الرَّجُلُ الْأَمَةَ ثُمَّ يَتَزَوَّجَهَا ، سَوَاءٌ أَعْتَقَهَا لِوَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى ، أَوْ أَعْتَقَهَا لِيَتَزَوَّجَهَا .\rوَكَرِهَ أَنَسٌ تَزْوِيجَ مَنْ أَعْتَقَهَا لِلَّهِ تَعَالَى .\rقَالَ الْأَثْرَمُ : قُلْت لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ رَوَى شُعْبَةُ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَنَسٍ ، أَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يُعْتِقَ الْأَمَةَ ، ثُمَّ يَتَزَوَّجَهَا ؟ فَقَالَ : نَعَمْ ، إذَا أَعْتَقَهَا لِلَّهِ ، كُرِهَ أَنْ يَرْجِعَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى أَبُو مُوسَى ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { مَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ جَارِيَةٌ ، فَعَلَّمَهَا ، وَأَحْسَنَ إلَيْهَا ، ثُمَّ أَعْتَقَهَا ، وَتَزَوَّجَهَا ، فَذَلِكَ لَهُ أَجْرَانِ .\r} مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَلِأَنَّهُ إذَا تَزَوَّجَهَا ، فَقَدْ أَحْسَنَ إلَيْهَا بِإِعْفَافِهَا وَصِيَانَتِهَا ، فَلَمْ يُكْرَهْ ، كَمَا لَوْ زَوَّجَهَا غَيْرَهُ ، وَلَيْسَ فِي هَذَا رُجُوعٌ فِيمَا جُعِلَ لِلَّهِ تَعَالَى ، فَإِنَّهُ إنَّمَا يَتَزَوَّجُهَا بِصَدَاقِهَا ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ اشْتَرَى مِنْهَا شَيْئًا .","part":15,"page":20},{"id":7020,"text":"( 5287 ) فَصْلٌ : وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا بَعْدَ عِتْقِهَا ، لَمْ يَحْتَجْ إلَى اسْتِبْرَاءٍ ، سَوَاءٌ كَانَ يَطَؤُهَا أَوْ لَمْ يَكُنْ ؛ لِأَنَّ الِاسْتِبْرَاءَ لِصِيَانَةِ الْمَاءِ ، وَلَا يُصَانُ ذَلِكَ عَنْهُ .\rفَإِنْ اشْتَرَى أَمَةً فَأَعْتَقَهَا قَبْلَ أَنْ يَسْتَبْرِئَهَا ، لَمْ يَحِلَّ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا وَلَا يُزَوِّجَهَا حَتَّى يَسْتَبْرِئَهَا ؛ لِأَنَّهُ كَانَ وَاجِبًا ، فَلَا يَسْقُطُ بِإِعْتَاقِهِ لَهَا .\rقَالَ أَحْمَدُ ، فِي الرَّجُلِ تَكُونُ لَهُ الْأَمَةُ لَا يَطَؤُهَا فَيُعْتِقُهَا : لَا يَتَزَوَّجُهَا مِنْ يَوْمِهَا حَتَّى يَسْتَبْرِئَهَا ، فَإِنْ كَانَ يَطَؤُهَا فَأَعْتَقَهَا ، تَزَوَّجَهَا مِنْ يَوْمِهِ ، وَمَتَى شَاءَ ؛ لِأَنَّهَا فِي مَائِهِ .\rقَالَ الْقَاضِي : مَعْنَى قَوْلِهِ : إنْ كَانَ يَطَؤُهَا .\rأَيْ يَحِلَّ لَهُ وَطْؤُهَا وَهِيَ الَّتِي قَدْ اسْتَبْرَأَهَا .\rوَقَوْلِهِ : إنْ كَانَ لَا يَطَؤُهَا .\rأَيْ : لَا يَحِلُّ لَهُ وَطْؤُهَا وَهِيَ الَّتِي لَمْ يَمْضِ عَلَيْهَا زَمَانُ الِاسْتِبْرَاءِ ، فَلَا يَحِلُّ لَهُ تَزَوُّجُهَا حَتَّى يَسْتَبْرِئَهَا .\rوَإِذَا مَضَى لَهَا بَعْضُ الِاسْتِبْرَاءِ قَبْلَ عِتْقِهَا ، أَتَمَّتْهُ بَعْدَهُ ، وَلَا يَلْزَمُهَا اسْتِئْنَافُ الِاسْتِبْرَاءِ ؛ لِأَنَّ الِاسْتِبْرَاءَ وَجَبَ بِالشِّرَاءِ ، لَا بِالْعِتْقِ ، فَيُحْسَبُ ابْتِدَاؤُهُ مِنْ حِينِ وُجِدَ سَبَبُهُ .","part":15,"page":21},{"id":7021,"text":"( 5288 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَالَ : أَعْتِقْ عَبْدَك ، عَلَى أَنْ أُزَوِّجَك ابْنَتِي .\rفَأَعْتَقَهُ ، لَمْ يَلْزَمْهُ أَنْ يُزَوِّجَهُ ابْنَتَهُ ؛ لِأَنَّهُ سَلَفٌ فِي النِّكَاحِ ، وَعَلَيْهِ قِيمَةُ الْعَبْدِ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ : لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ ؛ لِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ لَهُ فِي الْعِتْقِ .\rوَلَنَا أَنَّهُ أَزَالَ مِلْكَهُ عَنْ عَبْدِهِ بِعِوَضٍ شَرَطَهُ ، فَلَزِمَهُ عِوَضُهُ ، كَمَا لَوْ قَالَ : أَعْتِقْ عَبْدَك عَنِّي ، وَعَلَيَّ ثَمَنُهُ .\rوَكَمَا لَوْ قَالَ : طَلِّقْ زَوْجَتَك ، وَعَلَيَّ أَلْفٌ .\rفَطَلَّقَهَا ، أَوْ قَالَ : أَلْقِ مَتَاعَك فِي الْبَحْرِ ، وَعَلَيَّ ثَمَنُهُ .\rوَبِهَذِهِ الْأُصُولِ يَبْطُلُ قَوْلُهُمْ : إنَّهُ لَا فَائِدَةَ لَهُ فِي الْعِتْقِ .","part":15,"page":22},{"id":7022,"text":"( 5289 ) ؛ قَالَ : ( وَإِذَا قَالَ الْخَاطِبُ لِلْوَلِيِّ : أَزَوَّجْت .\rفَقَالَ : نَعَمْ .\rوَقَالَ لِلزَّوْجِ : أَقَبِلْت .\rفَقَالَ : نَعَمْ .\rفَقَدْ انْعَقَدَ النِّكَاحُ إذَا حَضَرَهُ شَاهِدَانِ ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يَنْعَقِدُ حَتَّى يَقُولَ مَعَهُ : زَوَّجْتُك ابْنَتِي ، وَيَقُولَ الزَّوْجُ : قَبِلْت هَذَا التَّزْوِيجَ ؛ لِأَنَّ هَذَيْنِ رُكْنَا الْعَقْدِ ، فَلَا يَنْعَقِدُ بِدُونِهِمَا .\rوَلَنَا أَنَّ نَعَمْ جَوَابٌ لِقَوْلِهِ : أَزَوَّجْت وَقَبِلْت ، وَالسُّؤَالُ يَكُونُ مُضْمَرًا فِي الْجَوَابِ مُعَادًا فِيهِ ، فَيَكُونُ مَعْنَى نَعَمْ مِنْ الْوَلِيِّ : زَوَّجْتُهُ ابْنَتِي .\rوَمَعْنَى نَعَمْ مِنْ الْمُتَزَوِّجِ : قَبِلْت هَذَا التَّزْوِيجَ .\rوَلَا احْتِمَالَ فِيهِ ، فَيَجِبُ أَنْ يَنْعَقِدَ بِهِ ، وَلِذَلِكَ لَمَّا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ } كَانَ إقْرَارًا مِنْهُمْ بِوُجْدَانِ ذَلِكَ أَنَّهُمْ وَجَدُوا مَا وَعَدَهُمْ رَبُّهُمْ حَقًّا .\rوَلَوْ قِيلَ لِرَجُلٍ : لِي عَلَيْك أَلْفُ دِرْهَمٍ ؟ فَقَالَ : نَعَمْ .\rكَانَ إقْرَارًا صَحِيحًا لَا يَفْتَقِرُ إلَى نِيَّةٍ ، وَلَا يُرْجَعُ فِي ذَلِكَ إلَى تَفْسِيرِهِ ، وَبِمِثْلِهِ تُقْطَعُ الْيَدُ فِي السَّرِقَةِ ، فَوَجَبَ أَنْ يَنْعَقِدَ بِهِ التَّزْوِيجُ ، كَمَا لَوْ لَفَظَ بِذَلِكَ .","part":15,"page":23},{"id":7023,"text":"( 5290 ) فَصْلٌ : وَلَوْ قَالَ : زَوَّجْتُك ابْنَتِي .\rفَقَالَ : قَبِلْت .\rانْعَقَدَ النِّكَاحُ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ : لَا يَنْعَقِدُ حَتَّى يَقُولَ : قَبِلْت هَذَا النِّكَاحَ ، أَوْ هَذَا التَّزْوِيجَ ؛ لِأَنَّهُ كِنَايَةٌ فِي النِّكَاحِ يَفْتَقِرُ إلَى النِّيَّةِ وَالْإِضْمَارِ ، فَلَمْ يَنْعَقِدْ بِهِ ، كَلَفْظِ الْهِبَةِ وَالْبَيْعِ .\rوَلَنَا أَنَّ الْقَبُولَ صَرِيحٌ فِي الْجَوَابِ ، فَانْعَقَدَ بِهِ ، كَمَا يَنْعَقِدُ بِهِ الْبَيْعُ وَسَائِرُ الْعُقُودِ .\rوَقَوْلُهُمْ : يَفْتَقِرُ إلَى النِّيَّةِ .\rمَمْنُوعٌ ، فَإِنَّهُ جَوَابٌ فَلَا يَنْصَرِفُ إلَّا إلَى الْمَذْكُورِ .","part":15,"page":24},{"id":7024,"text":"( 5291 ) فَصْلٌ : وَيَنْعَقِدُ النِّكَاحُ بِلَفْظِ الْإِنْكَاحِ وَالتَّزْوِيجِ .\rوَالْجَوَابُ عَنْهُمَا إجْمَاعًا ، وَهُمَا اللَّذَانِ وَرَدَ بِهِمَا نَصُّ الْكِتَابِ فِي قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ : { زَوَّجْنَاكَهَا } .\rوَقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ : { وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنْ النِّسَاءِ } .\rوَسَوَاءٌ اتَّفَقَا مِنْ الْجَانِبَيْنِ أَوْ اخْتَلَفَا ، مِثْلَ أَنْ يَقُولَ : زَوَّجْتُك بِنْتِي هَذِهِ .\rفَيَقُولَ : قَبِلْت هَذَا النِّكَاحَ ، أَوْ هَذَا التَّزْوِيجَ .\rوَلَا يَنْعَقِدُ بِغَيْرِ لَفْظِ الْإِنْكَاحِ وَالتَّزْوِيجِ .\rوَبِهَذَا قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ، وَعَطَاءٌ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَرَبِيعَةُ ، وَالشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ ، وَدَاوُد : يَنْعَقِدُ بِلَفْظِ الْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ وَالْبَيْعِ وَالتَّمْلِيكِ .\rوَفِي لَفْظِ الْإِجَارَةِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رِوَايَتَانِ .\rوَقَالَ مَالِكٌ يَنْعَقِدُ بِذَلِكَ إذَا ذَكَرَ الْمَهْرَ .\rوَاحْتَجُّوا بِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَوَّجَ رَجُلًا امْرَأَةً ، فَقَالَ : { قَدْ مَلَّكْتُكَهَا بِمَا مَعَك مِنْ الْقُرْآنِ } .\rرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ .\rوَلِأَنَّهُ لَفْظٌ يَنْعَقِدُ بِهِ تَزْوِيجُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَانْعَقَدَ بِهِ نِكَاحُ أُمَّتِهِ ، كَلَفْظِ الْإِنْكَاحِ وَالتَّزْوِيجِ ؛ وَلِأَنَّهُ أَمْكَنَ تَصْحِيحُهُ بِمَجَازِهِ ، فَوَجَبَ تَصْحِيحُهُ ، كَإِيقَاعِ الطَّلَاقِ بِالْكِنَايَاتِ .\rوَلَنَا قَوْله تَعَالَى : { وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَك مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ } .\rفَذَكَرَ ذَلِكَ خَالِصًا لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ وَلِأَنَّهُ لَفْظٌ يَنْعَقِدُ بِهِ غَيْرُ النِّكَاحِ فَلَمْ يَنْعَقِدْ بِهِ النِّكَاحُ ، كَلَفْظِ الْإِجَارَةِ وَالْإِبَاحَةِ وَالْإِحْلَالِ ؛ وَلِأَنَّهُ لَيْسَ بِصَرِيحٍ فِي النِّكَاحِ ، فَلَا يَنْعَقِدُ بِهِ ، كَاَلَّذِي ذَكَرْنَا ؛ وَهَذَا لِأَنَّ الشَّهَادَةَ شَرْطٌ فِي النِّكَاحِ ، وَالْكِنَايَةُ إنَّمَا","part":15,"page":25},{"id":7025,"text":"تُعْلَمُ بِالنِّيَّةِ ، وَلَا يُمْكِنُ الشَّهَادَةُ عَلَى النِّيَّةِ ، لِعَدَمِ اطِّلَاعِهِمْ عَلَيْهَا ، فَيَجِبُ أَنْ لَا يَنْعَقِدَ ، وَبِهَذَا فَارَقَ بَقِيَّةَ الْعُقُودِ وَالطَّلَاقَ .\rوَأَمَّا الْخَبَرُ ، فَقَدْ رُوِيَ : \" زَوَّجْتُكَهَا \" وَ \" أَنْكَحْتُكَهَا \" وَ \" زَوَّجْنَاكَهَا \" .\rمِنْ طُرُقٍ صَحِيحَةٍ .\rوَالْقِصَّةُ وَاحِدَةٌ ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الرَّاوِيَ رَوَى بِالْمَعْنَى ظَنًّا مِنْهُ أَنَّ مَعْنَاهَا وَاحِدٌ ، فَلَا تَكُونُ حُجَّةً ، وَإِنْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَمَعَ بَيْنَ الْأَلْفَاظِ ، فَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ انْعَقَدَ بِأَحَدِهَا ، وَالْبَاقِي فَضْلَةٌ .","part":15,"page":26},{"id":7026,"text":"( 5292 ) فَصْلٌ : وَمَنْ قَدَرَ عَلَى لَفْظِ النِّكَاحِ بِالْعَرَبِيَّةِ ، لَمْ يَصِحَّ بِغَيْرِهَا .\rوَهَذَا أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ يَنْعَقِدُ ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِلَفْظِهِ الْخَاصِّ ، فَانْعَقَدَ بِهِ ، كَمَا يَنْعَقِدُ بِلَفْظِ الْعَرَبِيَّةِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ عَدَلَ عَنْ لَفْظِ الْإِنْكَاحِ وَالتَّزْوِيجِ مَعَ الْقُدْرَةِ ، فَلَمْ يَصِحَّ ، كَلَفْظِ الْإِحْلَالِ .\rفَأَمَّا مَنْ لَا يُحْسِنُ الْعَرَبِيَّةَ ، فَيَصِحُّ مِنْهُ عَقْدُ النِّكَاحِ بِلِسَانِهِ ؛ لِأَنَّهُ عَاجِزٌ عَمَّا سِوَاهُ ، فَسَقَطَ عَنْهُ كَالْأَخْرَسِ ، وَيَحْتَاجُ أَنْ يَأْتِيَ بِمَعْنَاهُمَا الْخَاصِّ ، بِحَيْثُ يَشْتَمِلُ عَلَى مَعْنَى اللَّفْظِ الْعَرَبِيِّ .\rوَلَيْسَ عَلَى مَنْ لَا يُحْسِنُ الْعَرَبِيَّةَ تَعَلُّمُ أَلْفَاظِ النِّكَاحِ بِهَا .\rوَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : عَلَيْهِ أَنْ يَتَعَلَّمَ ؛ لِأَنَّ مَا كَانَتْ الْعَرَبِيَّةُ شَرْطًا فِيهِ ، لَزِمَهُ أَنْ يَتَعَلَّمَهَا مَعَ الْقُدْرَةِ ، كَالتَّكْبِيرِ .\rوَوَجْهُ الْأَوَّلِ أَنَّ النِّكَاحَ غَيْرُ وَاجِبٍ ، فَلَمْ يَجِبْ تَعَلُّمُ أَرْكَانِهِ بِالْعَرَبِيَّةِ كَالْبَيْعِ ، بِخِلَافِ التَّكْبِيرِ .\rفَإِنْ كَانَ أَحَدُ الْمُتَعَاقِدَيْنِ يُحْسِنُ الْعَرَبِيَّةَ دُونَ الْآخَرِ ، أَتَى الَّذِي يُحْسِنُ الْعَرَبِيَّةَ بِهَا ، وَالْآخَرُ يَأْتِي بِلِسَانِهِ .\rفَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا لَا يُحْسِنُ لِسَانَ الْآخَرِ ، احْتَاجَ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ اللَّفْظَةَ الَّتِي أَتَى بِهَا صَاحِبُهُ لَفْظَةُ الْإِنْكَاحِ ، بِأَنْ يُخْبِرَهُ بِذَلِكَ ثِقَةٌ يَعْرِفُ اللِّسَانَيْنِ جَمِيعًا .","part":15,"page":27},{"id":7027,"text":"( 5293 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا الْأَخْرَسُ فَإِنْ فُهِمَتْ إشَارَتُهُ صَحَّ نِكَاحُهُ بِهَا ؛ لِأَنَّهُ مَعْنَى لَا يُسْتَفَادُ إلَّا مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ ، فَصَحَّ بِإِشَارَتِهِ ، كَبَيْعِهِ وَطَلَاقِهِ وَلِعَانِهِ ، وَإِنْ لَمْ تُفْهَمْ إشَارَتُهُ ، لَمْ يَصِحَّ مِنْهُ .\rكَمَا لَمْ يَصِحَّ غَيْرُهُ مِنْ التَّصَرُّفَاتِ الْقَوْلِيَّةِ ؛ وَلِأَنَّ النِّكَاحَ عَقْدٌ بَيْنَ شَخْصَيْنِ ، فَلَا بُدَّ مِنْ فَهْمِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا يَصْدُرُ مِنْ صَاحِبِهِ .\rوَلَوْ فَهِمَ ذَلِكَ صَاحِبُهُ الْعَاقِدُ مَعَهُ ، لَمْ يَصِحَّ حَتَّى يَفْهَمَ الشُّهُودُ أَيْضًا ؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ شَرْطٌ ، وَلَا يَصِحُّ عَلَى مَا لَا يُفْهَمُ .\rقَالَ أَحْمَدُ : لَا يُزَوِّجُهُ وَلِيُّهُ .\rيَعْنِي إذَا كَانَ بَالِغًا ؛ لِأَنَّ الْخَرَسَ لَا يُوجِبُ الْحَجْرَ ، فَهُوَ كَالصَّمَمِ .","part":15,"page":28},{"id":7028,"text":"( 5294 ) فَصْلٌ : إذَا تَقَدَّمَ الْقَبُولُ عَلَى الْإِيجَابِ .\rلَمْ يَصِحَّ .\rرِوَايَةً وَاحِدَةً ، سَوَاءٌ كَانَ بِلَفْظِ الْمَاضِي ، مِثْلَ أَنْ يَقُولَ : تَزَوَّجْت ابْنَتَك .\rفَيَقُولَ : زَوَّجْتُك .\rأَوْ بِلَفْظِ الطَّلَبِ ، كَقَوْلِهِ : زَوِّجْنِي ابْنَتَك .\rفَيَقُولُ : زَوَّجْتُكَهَا .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ : يَصِحُّ فِيهِمَا جَمِيعًا ؛ لِأَنَّهُ قَدْ وُجِدَ الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ ، فَيَصِحُّ كَمَا لَوْ تَقَدَّمَ الْإِيجَابُ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الْقَبُولَ إنَّمَا يَكُونُ لِلْإِيجَابِ ، فَمَتَى وُجِدَ قَبْلَهُ لَمْ يَكُنْ قَبُولًا ؛ لِعَدَمِ مَعْنَاهُ ، فَلَمْ يَصِحَّ ، كَمَا لَوْ تَقَدَّمَ بِلَفْظِ الِاسْتِفْهَامِ ، وَلِأَنَّهُ لَوْ تَأَخَّرَ عَنْ الْإِيجَابِ بِلَفْظِ الطَّلَبِ ، لَمْ يَصِحَّ ، فَإِذَا تَقَدَّمَ كَانَ أَوْلَى ، كَصِيغَةِ الِاسْتِفْهَامِ ؛ وَلِأَنَّهُ لَوْ أَتَى بِالصِّيغَةِ الْمَشْرُوعَةِ مُتَقَدِّمَةً فَقَالَ : قَبِلْت هَذَا النِّكَاحَ .\rفَقَالَ الْوَلِيُّ : زَوَّجْتُك ابْنَتِي .\rلَمْ يَصِحَّ ، فَلَأَنْ لَا يَصِحَّ إذَا أَتَى بِغَيْرِهَا أَوْلَى .\rوَأَمَّا الْبَيْعُ فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ صِيغَةُ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ ، بَلْ يَصِحُّ بِالْمُعَاطَاةِ ؛ وَلِأَنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ فِيهِ لَفْظٌ ، بَلْ يَصِحُّ بِأَيِّ لَفْظٍ كَانَ مِمَّا يُؤَدِّي الْمَعْنَى ، وَلَا يَلْزَمُ الْخُلْعُ ؛ لِأَنَّهُ يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ عَلَى الشُّرُوطِ .","part":15,"page":29},{"id":7029,"text":"( 5295 ) فَصْلٌ : وَإِذَا عَقَدَ النِّكَاحَ هَازِلًا أَوْ تَلْجِئَةً ، صَحَّ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { ثَلَاثٌ هَزْلُهُنَّ جِدٌّ ، وَجِدُّهُنَّ جِدٌّ ؛ الطَّلَاقُ ، وَالنِّكَاحُ ، وَالرَّجْعَةُ .\r} رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ .\rوَعَنْ الْحَسَنِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : مَنْ نَكَحَ لَاعِبًا ، أَوْ طَلَّقَ لَاعِبًا ، أَوْ أَعْتَقَ لَاعِبًا ، جَازَ .\r} وَقَالَ عُمَرُ أَرْبَعٌ جَائِزَاتٌ إذَا تَكَلَّمَ بِهِنَّ ؛ الطَّلَاقُ ، وَالنِّكَاحُ ، وَالْعَتَاقُ ، وَالنَّذْرُ .\rوَقَالَ عَلِيٌّ أَرْبَعٌ لَا لَعِبَ فِيهِنَّ : الطَّلَاقُ ، وَالْعَتَاقُ ، وَالنِّكَاحُ ، وَالنَّذْرُ .","part":15,"page":30},{"id":7030,"text":"( 5296 ) فَصْلٌ : إذَا تَرَاخَى الْقَبُولُ عَنْ الْإِيجَابِ ، صَحَّ ، مَا دَامَا فِي الْمَجْلِسِ ، وَلَمْ يَتَشَاغَلَا عَنْهُ بِغَيْرِهِ ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْمَجْلِسِ حُكْمُ حَالَةِ الْعَقْدِ ، بِدَلِيلِ الْقَبْضِ فِيمَا يُشْتَرَطُ الْقَبْضُ فِيهِ ، وَثُبُوتِ الْخِيَارِ فِي عُقُودِ الْمُعَاوَضَاتِ .\rفَإِنْ تَفَرَّقَا قَبْلَ الْقَبُولِ ، بَطَلَ الْإِيجَابُ ؛ فَإِنَّهُ لَا يُوجَدُ مَعْنَاهُ ، فَإِنَّ الْإِعْرَاضَ قَدْ وُجِدَ مِنْ جِهَتِهِ بِالتَّفَرُّقِ ، فَلَا يَكُونُ قَبُولًا .\rوَكَذَلِكَ إنْ تَشَاغَلَا عَنْهُ بِمَا يَقْطَعُهُ ؛ لِأَنَّهُ مُعْرِضٌ عَنْ الْعَقْدِ أَيْضًا بِالِاشْتِغَالِ عَنْ قَبُولِهِ .\rوَقَدْ نَقَلَ أَبُو طَالِبٍ ، عَنْ أَحْمَدَ ، فِي رَجُلٍ مَشَى إلَيْهِ قَوْمٌ فَقَالُوا لَهُ : زَوِّجْ فُلَانًا .\rقَالَ : قَدْ زَوَّجْته عَلَى أَلْفٍ .\rفَرَجَعُوا إلَى الزَّوْجِ فَأَخْبَرُوهُ ، فَقَالَ : قَدْ قَبِلْت .\rهَلْ يَكُونُ هَذَا نِكَاحًا ؟ قَالَ : نَعَمْ .\rقَالَ الْقَاضِي : هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ وَكَّلَ مَنْ قَبِلَ الْعَقْدَ فِي الْمَجْلِسِ .\rوَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : مَسْأَلَةُ أَبِي طَالِبٍ تَتَوَجَّهُ عَلَى قَوْلَيْنِ .\rوَاخْتَارَ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الْقَبُولِ فِي الْمَجْلِسِ ، وَهُوَ الصَّحِيحُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .","part":15,"page":31},{"id":7031,"text":"( 5297 ) فَصْلٌ : فَإِنْ أَوْجَبَ النِّكَاحَ ، ثُمَّ زَالَ عَقْلُهُ بِجُنُونٍ أَوْ إغْمَاءٍ ، بَطَلَ حُكْمُ الْإِيجَابِ ، وَلَمْ يَنْعَقِدْ بِالْقَبُولِ بَعْدَهُ ؛ لِأَنَّهُ مَا لَمْ يُضَامَّهُ الْقَبُولُ لَمْ يَكُنْ عَقْدًا ، فَبَطَلَ بِزَوَالِ الْعَقْلِ ، كَالْعُقُودِ الْجَائِزَةِ تَبْطُلُ بِالْمَوْتِ وَالْجُنُونِ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ، وَإِنْ زَالَ عَقْلُهُ بِنَوْمٍ ، لَمْ يَبْطُلْ حُكْمُ الْإِيجَابِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُبْطِلُ الْعُقُودَ الْجَائِزَةَ ، فَكَذَلِكَ هَذَا .","part":15,"page":32},{"id":7032,"text":"( 5298 ) فَصْلٌ : وَلَا يَثْبُتُ فِي النِّكَاحِ خِيَارٌ ، وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ خِيَارُ الْمَجْلِسِ وَخِيَارُ الشَّرْطِ .\rوَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا خَالَفَ فِي هَذَا ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْحَاجَةَ غَيْرُ دَاعِيَةٍ إلَيْهِ ، فَإِنَّهُ لَا يَقَعُ فِي الْغَالِبِ إلَّا بَعْدَ تَرَوٍّ ، وَفِكْرٍ ، وَمَسْأَلَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الزَّوْجَيْنِ عَنْ صَاحِبِهِ ، وَالْمَعْرِفَةِ بِحَالِهِ ، بِخِلَافِ الْبَيْعِ الْوَاقِعِ فِي الْأَسْوَاقِ مِنْ غَيْرِ فِكْرٍ وَلَا رَوِيَّةٍ ؛ وَلِأَنَّ النِّكَاحَ لَيْسَ بِمُعَاوَضَةٍ مَحْضَةٍ ، وَلِهَذَا لَا يُعْتَبَرُ فِيهِ الْعِلْمُ بِالْمَعْقُودِ عَلَيْهِ بِرُؤْيَةٍ وَلَا صِفَةٍ ، وَيَصِحُّ مِنْ غَيْرِ تَسْمِيَةِ الْعِوَضِ ، وَمَعَ فَسَادِهِ ؛ وَلِأَنَّ ثُبُوتَ الْخِيَارِ فِيهِ يُفْضِي إلَى فَسْخِهِ بَعْدَ ابْتِذَالِ الْمَرْأَةِ ، فَإِنَّ فِي فَسْخِهِ بَعْدَ الْعَقْدِ ضَرَرًا بِالْمَرْأَةِ ، وَلِذَلِكَ أَوْجَبَ الطَّلَاقُ قَبْلَ الدُّخُولِ نِصْفَ الصَّدَاقِ .","part":15,"page":33},{"id":7033,"text":"( 5299 ) فَصْلٌ : وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَخْطُبَ الْعَاقِدُ أَوْ غَيْرُهُ قَبْلَ التَّوَاجُبِ ، ثُمَّ يَكُونَ الْعَقْدُ بَعْدَهُ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِالْحَمْدِ لِلَّهِ ، فَهُوَ أَقْطَعُ } .\rوَقَالَ : { كُلُّ خُطْبَةٍ لَيْسَ فِيهَا شَهَادَةٌ ، فَهِيَ كَالْيَدِ الْجَذْمَاءِ .\r} رَوَاهُمَا ابْنُ الْمُنْذِرِ .\rوَيُجْزِئُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَحْمَدَ اللَّهَ تَعَالَى ، وَيَتَشَهَّدَ ، وَيُصَلِّيَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَخْطُبَ بِخُطْبَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ الَّتِي قَالَ : { عَلَّمَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ التَّشَهُّدَ فِي الصَّلَاةِ ، وَالتَّشَهُّدَ فِي الْحَاجَةِ ، قَالَ : التَّشَهُّدُ فِي الْحَاجَةِ : إنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ ، نَحْمَدُهُ ، وَنَسْتَعِينُهُ ، وَنَسْتَغْفِرُهُ ، وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا ، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ، وَيَقْرَأُ ثَلَاثَ آيَاتٍ : { اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ } .\rوَ : { اتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا } .\rوَ : { اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ } الْآيَةَ } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَالتِّرْمِذِيُّ .\rوَقَالَ : حَدِيثٌ حَسَنٌ .\rقَالَ الْخَلَّالُ : حَدَّثَنَا أَبُو سُلَيْمَانَ إمَامُ طَرَسُوسَ ، قَالَ : كَانَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ إذَا حَضَرَ عَقْدَ نِكَاحٍ لَمْ يُخْطَبْ فِيهِ بِخُطْبَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ، قَامَ وَتَرَكَهُمْ .\rوَهَذَا كَانَ مِنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عَلَى طَرِيقِ الْمُبَالَغَةِ فِي اسْتِحْبَابِهَا ، لَا عَلَى الْإِيجَابِ ، فَإِنَّ حَرْبَ بْنَ إسْمَاعِيلَ قَالَ : قُلْت لِأَحْمَدَ : فَيَجِبُ أَنْ تَكُونَ خُطْبَةُ النِّكَاحِ مِثْلَ قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ ؟ فَوَسَّعَ فِي ذَلِكَ .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، أَنَّهُ كَانَ","part":15,"page":34},{"id":7034,"text":"إذَا دُعِيَ لِيُزَوِّجَ قَالَ : لَا تَفْضُضُوا عَلَيْنَا النَّاسَ ، الْحَمْدُ لِلَّهِ ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ ، إنَّ فُلَانًا يَخْطُبُ إلَيْكُمْ ، فَإِنْ أَنْكَحْتُمُوهُ فَالْحَمْدُ لِلَّهِ ، وَإِنْ رَدَدْتُمُوهُ فَسُبْحَانَ اللَّهِ .\rوَالْمُسْتَحَبُّ خُطْبَةٌ وَاحِدَةٌ يَخْطُبُهَا الْوَلِيُّ ، أَوْ الزَّوْجُ ، أَوْ غَيْرُهُمَا ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : الْمَسْنُونُ خُطْبَتَانِ ، هَذِهِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا فِي أَوَّلِهِ ، وَخُطْبَةٌ مِنْ الزَّوْجِ قَبْلَ قَبُولِهِ .\rوَالْمَنْقُولُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَنْ السَّلَفِ ، خُطْبَةٌ وَاحِدَةٌ ، وَهُوَ أَوْلَى مَا اُتُّبِعَ .\r( 5300 ) فَصْلٌ : وَالْخُطْبَةُ غَيْرُ وَاجِبَةٍ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلِمْنَاهُ ، إلَّا دَاوُد ، فَإِنَّهُ أَوْجَبَهَا ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ .\rوَلَنَا { أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، زَوِّجْنِيهَا .\rفَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَوَّجْتُكَهَا بِمَا مَعَك مِنْ الْقُرْآنِ .\r} مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَلَمْ يَذْكُرْ خُطْبَةً وَخُطِبَ إلَى عُمَرَ مَوْلَاةٌ لَهُ ، فَمَا زَادَ عَلَى أَنْ قَالَ : قَدْ أَنْكَحْنَاكَ عَلَى مَا أَمَرَ اللَّهُ ، عَلَى إمْسَاكٍ بِمَعْرُوفٍ ، أَوْ تَسْرِيحٍ بِإِحْسَانٍ .\rوَقَالَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ : إنْ كَانَ الْحُسَيْنُ لِيُزَوِّجَ بَعْضَ بَنَاتِ الْحَسَنِ ، وَهُوَ يَتَعَرَّقُ الْعَرَقَ .\rرَوَاهُمَا ابْنُ الْمُنْذِرِ .\rوَرَوَى أَبُو دَاوُد ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ ، قَالَ : { خَطَبْت إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُمَامَةَ بِنْتَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ، فَأَنْكَحَنِي مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَشَهَّدَ } .\rوَلِأَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ ، فَلَمْ تَجِبْ فِيهِ الْخُطْبَةُ كَالْبَيْعِ ، وَمَا اسْتَدَلُّوا بِهِ يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الْكَمَالِ بِدُونِ الْخُطْبَةِ ، لَا عَلَى الْوُجُوبِ .","part":15,"page":35},{"id":7035,"text":"( 5301 ) فَصْلٌ : وَيُسْتَحَبُّ إعْلَانُ النِّكَاحِ ، وَالضَّرْبُ فِيهِ بِالدُّفِّ قَالَ أَحْمَدُ : يُسْتَحَبُّ أَنْ يُظْهَرَ النِّكَاحُ ، وَيُضْرَبَ فِيهِ بِالدُّفِّ ، حَتَّى يَشْتَهِرَ وَيُعْرَفَ .\rوَقِيلَ لَهُ : مَا الدُّفُّ ؟ قَالَ : هَذَا الدُّفُّ .\rقَالَ : لَا بَأْسَ بِالْغَزَلِ فِي الْعُرْسِ بِمِثْلِ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْأَنْصَارِ : { أَتَيْنَاكُمْ أَتَيْنَاكُمْ ، فَحَيُّونَا نُحَيِّيكُمْ ، لَوْلَا الذَّهَبُ الْأَحْمَرُ مَا حَلَّتْ بِوَادِيكُمْ ، وَلَوْلَا الْحِنْطَةُ السَّوْدَاءُ مَا سُرَّتْ عَذَارِيكُمْ .\r} لَا عَلَى مَا يَصْنَعُ النَّاسُ الْيَوْمَ .\rوَمِنْ غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ : { وَلَوْلَا الْحِنْطَةُ الْحَمْرَاءُ ، مَا سَمِنَتْ عَذَارِيكُمْ } .\rوَقَالَ أَحْمَدُ أَيْضًا : يُسْتَحَبُّ ضَرْبُ الدُّفِّ ، وَالصَّوْتُ فِي الْإِمْلَاكِ .\rفَقِيلَ لَهُ : مَا الصَّوْتُ ؟ قَالَ : يَتَكَلَّمُ وَيَتَحَدَّثُ وَيُظْهَرُ .\rوَالْأَصْلُ فِي هَذَا مَا رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ حَاطِبٍ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { فَصْلُ مَا بَيْنَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ وَالصَّوْتُ وَالدُّفُّ فِي النِّكَاحِ .\r} رَوَاهُ النَّسَائِيّ .\rوَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ { : أَعْلِنُوا النِّكَاحَ } وَفِي لَفْظٍ : { أَظْهِرُوا النِّكَاحَ .\r} وَكَانَ يُحِبُّ أَنْ يُضْرَبَ عَلَيْهِ بِالدُّفِّ ، وَفِي لَفْظٍ : { وَاضْرِبُوا عَلَيْهِ بِالْغِرْبَالِ } .\rوَعَنْ عَائِشَةَ ، أَنَّهَا زَوَّجَتْ يَتِيمَةً رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ ، وَكَانَتْ عَائِشَةُ فِي مَنْ أَهْدَاهَا إلَى زَوْجِهَا ، قَالَتْ : فَلَمَّا رَجَعْنَا قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" مَا قُلْتُمْ يَا عَائِشَةُ ؟ \" .\rقَالَتْ : سَلَّمْنَا ، وَدَعَوْنَا بِالْبَرَكَةِ ، ثُمَّ انْصَرَفْنَا .\rفَقَالَ : \" إنَّ الْأَنْصَارَ قَوْمٌ فِيهِمْ غَزَلٌ ، أَلَا قُلْتُمْ يَا عَائِشَةُ : { أَتَيْنَاكُمْ أَتَيْنَاكُمْ ، فَحَيَّانَا وَحَيَّاكُمْ .\r} رَوَى هَذَا كُلَّهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَاجَهْ ، فِي \" سُنَنِهِ \" .\rوَقَالَ أَحْمَدُ رَحِمَهُ اللَّهُ : لَا بَأْسَ بِالدُّفِّ فِي الْعُرْسِ وَالْخِتَانِ ، وَأَكْرَهُ الطَّبْلَ ، وَهُوَ الْمُنْكَرُ ، وَهُوَ","part":15,"page":36},{"id":7036,"text":"الْكُوبَةُ ، الَّتِي نَهَى عَنْهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .","part":15,"page":37},{"id":7037,"text":"( 5302 ) فَصْلٌ : فَإِنْ عَقَدَهُ بِوَلِيٍّ وَشَاهِدَيْنِ ، فَأَسَرُّوهُ ، أَوْ تَوَاصَوْا بِكِتْمَانِهِ ، كُرِهَ ذَلِكَ ، وَصَحَّ النِّكَاحُ .\rوَبِهِ يَقُولُ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَمِمَّنْ كَرِهَ نِكَاحَ السِّرِّ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَعُرْوَةُ ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَنَافِعٌ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ .\rوَقَالَ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ النِّكَاحُ بَاطِلٌ ؛ لِأَنَّ أَحْمَدَ قَالَ : إذَا تَزَوَّجَ بِوَلِيٍّ وَشَاهِدَيْنِ : لَا ، حَتَّى يُعْلِنَهُ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالْحُجَّةُ لَهُمَا مَا تَقَدَّمَ فِي الْفَصْلِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا .\rوَلَنَا قَوْلُهُ : { لَا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِيٍّ .\r} مَفْهُومُهُ انْعِقَادُهُ بِذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ الْإِظْهَارُ ؛ وَلِأَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ ، فَلَمْ يُشْتَرَطْ إظْهَارُهُ كَالْبَيْعِ ، وَأَخْبَارُ الْإِعْلَانِ يُرَادُ بِهَا الِاسْتِحْبَابُ ، بِدَلِيلِ أَمْرِهِ فِيهَا بِالضَّرْبِ بِالدُّفِّ وَالصَّوْتِ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِوَاجِبٍ ، فَكَذَلِكَ مَا عُطِفَ عَلَيْهِ .\rوَقَوْلُ أَحْمَدَ لَا .\rنَهْيُ كَرَاهَةٍ ، فَإِنَّهُ قَدْ صَرَّحَ فِيمَا حَكَيْنَا عَنْهُ قَبْلَ هَذَا بِاسْتِحْبَابِ ذَلِكَ ؛ وَلِأَنَّ إعْلَانَ النِّكَاحِ وَالضَّرْبَ فِيهِ بِالدُّفِّ إنَّمَا يَكُونُ فِي الْغَالِبِ بَعْدَ عَقْدِهِ ، وَلَوْ كَانَ شَرْطًا لَاعْتُبِرَ حَالَ الْعَقْدِ ، كَسَائِرِ الشُّرُوطِ .","part":15,"page":38},{"id":7038,"text":"( 5303 ) فَصْلٌ : وَيُسْتَحَبُّ عَقْدُ النِّكَاحِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ؛ لِأَنَّ جَمَاعَةً مِنْ السَّلَفِ اسْتَحَبُّوا ذَلِكَ ؛ مِنْهُمْ ضَمْرَةُ بْنُ حَبِيبٍ ، وَرَاشِدُ بْنُ سَعْدٍ ، وَحَبِيبُ بْنُ عُتْبَةَ ؛ وَلِأَنَّهُ يَوْمٌ شَرِيفٌ ، وَيَوْمُ عِيدٍ ، فِيهِ خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَالْمِسَايَةُ أَوْلَى .\rفَإِنَّ أَبَا حَفْصٍ رَوَى بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { مَسُّوا بِالْإِمْلَاكِ ، فَإِنَّهُ أَعْظَمُ لِلْبَرَكَةِ .\r} وَلِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى مَقْصُودِهِ ، وَأَقَلُّ لِانْتِظَارِهِ .","part":15,"page":39},{"id":7039,"text":"( 5304 ) فَصْلٌ : وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُقَالَ لِلْمُتَزَوِّجِ : بَارَكَ اللَّهُ لَك ، وَبَارَكَ عَلَيْك ، وَجَمَعَ بَيْنَكُمَا فِي خَيْرٍ وَعَافِيَةٍ .\rوَقَدْ رُوِيَ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَثَرَ صُفْرَةٍ ، فَقَالَ : مَا هَذَا ؟ .\rفَقَالَ : إنِّي تَزَوَّجْت امْرَأَةً عَلَى وَزْنِ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ .\rقَالَ : بَارَكَ اللَّهُ لَك ، أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ .\r} مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ : وَزْنُ النَّوَاةِ خَمْسَةُ دَرَاهِمَ ، وَذَلِكَ ثَلَاثَةُ مَثَاقِيلَ وَنِصْفٌ مِنْ الذَّهَبِ .\rوَقَالَ الْمُبَرِّدُ : الصَّوَابُ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْعَرَبِيَّةِ أَنْ يُقَالَ : عَلَى نَوَاةٍ .\rفَحَسْبُ ، فَإِنَّ النَّوَاةَ عِنْدَهُمْ اسْمٌ لِخَمْسَةِ دَرَاهِمَ ، كَمَا أَنَّ الْأُوقِيَّةَ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا ، وَالنَّشَّ عِشْرُونَ .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":15,"page":40},{"id":7040,"text":"( 5305 ) فَصْلٌ : وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَ إذَا زُفَّتْ إلَيْهِ ، مَا رَوَى صَالِحُ بْنُ أَحْمَدَ ، فِي \" مَسَائِلِهِ \" ، عَنْ أَبِيهِ ، حَدَّثَنَا دَاوُد عَنْ أَبِي نَضْرَةَ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ مَوْلَى أَبِي أُسَيْدَ ، قَالَ : تَزَوَّجَ ، فَحَضَرَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ ، وَأَبُو ذَرٍّ ، وَحُذَيْفَةُ ، وَغَيْرُهُمْ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَحَضَرَتْ الصَّلَاةُ ، فَقَدَّمُوهُ وَهُوَ مَمْلُوكٌ ، فَصَلَّى بِهِمْ ، ثُمَّ قَالُوا لَهُ : إذَا دَخَلْت عَلَى أَهْلِك فَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ ، ثُمَّ خُذْ بِرَأْسِ أَهْلِك ، فَقُلْ : اللَّهُمَّ بَارِكْ لِي فِي أَهْلِي ، وَبَارِكْ لِأَهْلِي فِي ، وَارْزُقْهُمْ مِنِّي ، وَارْزُقْنِي مِنْهُمْ .\rثُمَّ شَأْنَك وَشَأْنَ أَهْلِك .\rوَرَوَى أَبُو دَاوُد ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { إذَا تَزَوَّجَ أَحَدُكُمْ امْرَأَةً أَوْ اشْتَرَى خَادِمًا ، فَلْيَقُلْ : اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك خَيْرَهَا وَخَيْرَ مَا جَبَلْتَهَا عَلَيْهِ ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا وَشَرِّ مَا جَبَلْتَهَا عَلَيْهِ .\rوَإِذَا اشْتَرَى بَعِيرًا ، فَلْيَأْخُذْ بِذُرْوَةِ سَنَامِهِ ، وَلْيَقُلْ مِثْلَ ذَلِكَ .\r}","part":15,"page":41},{"id":7041,"text":"( 5306 ) ؛ قَالَ : ( وَلَيْسَ لِلْحُرِّ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ أَكْثَرِ مِنْ أَرْبَعِ زَوْجَاتٍ ) أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى هَذَا ، وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا خَالَفَهُ مِنْهُمْ ، إلَّا شَيْئًا يُحْكَى عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ إبْرَاهِيمَ ، أَنَّهُ أَبَاحَ تِسْعًا ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنْ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ } .\rوَالْوَاوُ لِلْجَمْعِ ؛ وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَاتَ عَنْ تِسْعٍ .\rوَهَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ ؛ لِأَنَّهُ خَرْقٌ لِلْإِجْمَاعِ ، وَتَرْكٌ لِلسُّنَّةِ ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { قَالَ لِغَيْلَانَ بْنِ سَلَمَةَ ، حِينَ أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ عَشْرُ نِسْوَةٍ : أَمْسِكْ أَرْبَعًا ، وَفَارِقْ سَائِرَهُنَّ .\r} وَقَالَ نَوْفَلُ بْنُ مُعَاوِيَةَ : { أَسْلَمْت وَتَحْتِي خَمْسُ نِسْوَةٍ ، فَقَالَ لِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَارِقْ وَاحِدَةً مِنْهُنَّ .\r} رَوَاهُمَا الشَّافِعِيُّ ، فِي \" مُسْنَدِهِ \" .\rوَإِذَا مُنِعَ مِنْ اسْتِدَامَةِ زِيَادَةٍ عَنْ أَرْبَعٍ ، فَالِابْتِدَاءُ أَوْلَى ، فَالْآيَةُ أُرِيدَ بِهَا التَّخْيِيرُ بَيْنَ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثٍ وَأَرْبَعٍ ، كَمَا قَالَ : { أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ } .\rوَلَمْ يُرِدْ أَنَّ لِكُلِّ مَلَكٍ تِسْعَةَ أَجْنِحَةٍ ، وَلَوْ أَرَادَ ذَلِكَ لَقَالَ : تِسْعَةً .\rوَلَمْ يَكُنْ لِلتَّطْوِيلِ مَعْنًى ، وَمَنْ قَالَ غَيْرَ هَذَا فَقَدْ جَهِلَ اللُّغَةَ الْعَرَبِيَّةَ .\rوَأَمَّا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمَخْصُوصٌ بِذَلِكَ ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ .","part":15,"page":42},{"id":7042,"text":"( 5307 ) ؛ قَالَ : ( وَلَيْسَ لِلْعَبْدِ أَنْ يَجْمَعَ إلَّا اثْنَتَيْنِ ) أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ لِلْعَبْدِ أَنْ يَنْكِحَ اثْنَتَيْنِ ، وَاخْتَلَفُوا فِي إبَاحَةِ الْأَرْبَعِ ، فَمَذْهَبُ أَحْمَدَ ، أَنَّهُ لَا يُبَاحُ لَهُ إلَّا اثْنَتَانِ وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَعَلِيٍّ ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ ، وَالْحَسَنُ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَقَتَادَةُ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَقَالَ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، وَسَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، وَطَاوُسٌ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَرَبِيعَةُ ، وَمَالِكٌ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، ، وَدَاوُد : لَهُ نِكَاحُ أَرْبَعٍ ؛ لِعُمُومِ الْآيَةِ ؛ وَلِأَنَّ هَذَا طَرِيقُهُ اللَّذَّةُ وَالشَّهْوَةُ ، فَسَاوَى الْعَبْدُ الْحُرَّ فِيهِ ، كَالْمَأْكُولِ .\rوَلَنَا قَوْلُ مَنْ سَمَّيْنَا مِنْ الصَّحَابَةِ ، وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُمْ مُخَالِفٌ فِي عَصْرِهِمْ ، فَكَانَ إجْمَاعًا .\rوَقَدْ رَوَى لَيْثُ بْنُ أَبِي سُلَيْمٍ ، عَنْ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ ، قَالَ : أَجْمَعَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَنَّ الْعَبْدَ لَا يَنْكِحُ أَكْثَرَ مِنْ اثْنَتَيْنِ وَيُقَوِّي هَذَا مَا رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ ، أَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ سَأَلَ النَّاسَ : كَمْ يَتَزَوَّجُ الْعَبْدُ ؟ فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ : بِاثْنَتَيْنِ ، وَطَلَاقُهُ بِاثْنَتَيْنِ .\rفَدَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَانَ بِمَحْضَرٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ ، فَلَمْ يُنْكَرْ ، وَهَذَا يَخُصُّ عُمُومَ الْآيَةِ ، عَلَى أَنَّ فِيهَا مَا يَدُلُّ عَلَى إرَادَةِ الْأَحْرَارِ ، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى : { أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ } .\rوَيُفَارِقُ النِّكَاحُ الْمَأْكُولَ ، فَإِنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى التَّفَضُّلِ .\rوَلِهَذَا فَارَقَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِ أُمَّتَهُ ؛ وَلِأَنَّ فِيهِ مِلْكًا ، وَالْعَبْدُ يَنْقُصُ فِي الْمِلْكِ عَنْ الْحُرِّ .","part":15,"page":43},{"id":7043,"text":"( 5308 ) ؛ قَالَ : ( وَلَهُ أَنْ يَتَسَرَّى بِإِذْنِ سَيِّدِهِ ) هَذَا هُوَ الْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ .\rوَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَالشَّعْبِيِّ ، وَالنَّخَعِيِّ ، وَالزُّهْرِيِّ ، وَمَالِكٍ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَأَبِي ثَوْرٍ .\rوَكَرِهَ ذَلِكَ ابْنُ سِيرِينَ ، وَحَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ مَبْنِيَّانِ عَلَى أَنَّ الْعَبْدَ هَلْ يَمْلِكُ بِتَمْلِيكِ سَيِّدِهِ أَوْ لَا ؟ وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى : يَجِبُ أَنْ يَكُونَ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ فِي تَسْرِي الْعَبْدِ وَجْهَانِ مَبْنِيَّانِ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي ثُبُوتِ الْمِلْكِ لَهُ بِتَمْلِيكِ سَيِّدِهِ .\rوَاحْتَجَّ مَنْ مَنَعَ ذَلِكَ بِأَنَّ الْعَبْدَ لَا يَمْلِكُ الْمَالَ ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ الْوَطْءُ إلَّا فِي نِكَاحٍ أَوْ مِلْكِ يَمِينٍ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { إلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنْ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمْ الْعَادُونَ } .\rوَلَنَا قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَلَا نَعْرِفُ لَهُمَا فِي الصَّحَابَةِ مُخَالِفًا .\rرَوَى الْأَثْرَمُ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى بَأْسًا أَنْ يَتَسَرَّى الْعَبْدُ ، وَنَحْوَهُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ .\rوَلِأَنَّ الْعَبْدَ يَمْلِكُ النِّكَاحَ ، فَمَلَكَ التَّسَرِّيَ ، كَالْحُرِّ .\rوَقَوْلُهُمْ : إنَّ الْعَبْدَ لَا يَمْلِكُ الْمَالَ .\rمَمْنُوعٌ ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { مَنْ اشْتَرَى عَبْدًا ، وَلَهُ مَالٌ .\r} فَجَعَلَ الْمَالَ لَهُ ؛ وَلِأَنَّهُ آدَمِيٌّ ، فَمَلَكَ الْمَالَ كَالْحُرِّ ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ بِآدَمِيَّتِهِ يَتَمَهَّدُ لِأَهْلِيَّةِ الْمِلْكِ ، إذْ كَانَ اللَّهُ تَعَالَى خَلَقَ الْأَمْوَالَ لِلْآدَمِيِّينَ .\rلِيَسْتَعِينُوا بِهَا عَلَى الْقِيَامِ بِوَظَائِفِ التَّكَالِيفِ ، وَأَدَاءِ الْعِبَادَاتِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا } .\rوَالْعَبْدُ دَاخِلٌ فِي الْعُمُومِ ، وَمِنْ أَهْلِ التَّكْلِيفِ","part":15,"page":44},{"id":7044,"text":"وَالْعِبَادَاتِ ، فَيَكُونُ أَهْلًا لِلْمِلْكِ ، وَلِذَلِكَ مَلَكَ فِي النِّكَاحِ ، وَإِذَا ثَبَتَ الْمِلْكُ لِلْجَنِينِ ، مَعَ كَوْنِهِ نُطْفَةً لَا حَيَاةَ فِيهَا ، بِاعْتِبَارِ مَآلِهِ إلَى الْآدَمِيَّةِ ، فَالْعَبْدُ الَّذِي هُوَ آدَمِيٌّ مُكَلَّفٌ أَوْلَى .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَلَا يَجُوزُ لَهُ التَّسَرِّي إلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ ، وَلَوْ مَلَّكَهُ سَيِّدُهُ جَارِيَةً ، لَمْ يُبَحْ لَهُ وَطْؤُهَا حَتَّى يَأْذَنَ لَهُ فِيهِ ؛ لِأَنَّ مِلْكَهُ نَاقِصٌ ، وَلِسَيِّدِهِ نَزْعُهُ مِنْهُ مَتَى شَاءَ مِنْ غَيْرِ فَسْخِ عَقْدٍ ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ التَّصَرُّفُ فِيهِ إلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ فَإِنْ أَذِنَ لَهُ فَقَالَ : تَسَرَّاهَا .\rأَوْ : أَذِنْت لَك فِي وَطْئِهَا .\rأَوْ مَا دَلَّ عَلَيْهِ ، أُبِيحَ لَهُ ، وَمَا وُلِدَ لَهُ مِنْ التَّسَرِّي فَحُكْمُهُ حُكْمُ مِلْكِهِ ؛ لِأَنَّ الْجَارِيَةَ مَمْلُوكَةٌ لَهُ ، فَكَذَلِكَ وَلَدُهَا .\rوَإِنْ تَسَرَّى بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ ، فَالْوَلَدُ مِلْكٌ لِسَيِّدِهِ .\r( 5309 ) فَصْلٌ : وَلَهُ التَّسَرِّي بِمَا شَاءَ ، إذَا أَذِنَ لَهُ السَّيِّدُ فِي ذَلِكَ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ؛ لِأَنَّ مَنْ جَازَ لَهُ التَّسَرِّي ، جَازَ مِنْ غَيْرِ حَصْرٍ كَالْحُرِّ .\rفَإِنْ أَذِنَ لَهُ وَأَطْلَقَ التَّسَرِّيَ تَسَرَّى بِوَاحِدَةٍ .\rوَكَذَلِكَ إذَا أَذِنَ لَهُ فِي التَّزْوِيجِ ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يَتَزَوَّجَ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدَةٍ وَبِهَذَا قَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَأَبُو ثَوْرٍ : إذَا أَذِنَ لَهُ فِي التَّزْوِيجِ ، فَعَقَدَ عَلَى اثْنَتَيْنِ فِي عَقْدٍ ، جَازَ .\rوَلَنَا أَنَّ الْإِذْنَ الْمُطْلَقَ يَتَنَاوَلُ أَقَلَّ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الِاسْمُ يَقِينًا ، وَمَا زَادَ مَشْكُوكٌ فِيهِ ، فَيَبْقَى عَلَى الْأَصْلِ ، كَمَا لَوْ أَذِنَ لَهُ فِي طَلَاقِ امْرَأَتِهِ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُطَلِّقَ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدَةٍ .\rوَلِأَنَّ الزَّائِدَ عَلَى الْوَاحِدَةِ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ غَيْرَ مُرَادٍ ، فَيَبْقَى عَلَى أَصْلِ التَّحْرِيمِ ، كَمَا لَوْ شَكَّ هَلْ أَذِنَ لَهُ أَوْ لَا ؟ .","part":15,"page":45},{"id":7045,"text":"( 5310 ) فَصْلٌ : وَالْمُكَاتَبُ كَالْعَبْدِ الْقِنِّ ، لَا يَتَزَوَّجُ وَلَا يَتَسَرَّى إلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ ؛ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ إتْلَافًا لِلْمَالِ الَّذِي فِي يَدَيْهِ ، وَقَدْ قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ { : الْمُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ .\r} وَأَمَّا الْمُعْتَقُ بَعْضُهُ ، فَإِذَا مَلَكَ بِجُزْئِهِ الْحُرِّ جَارِيَةً ، فَمِلْكُهُ تَامٌّ ، وَلَهُ الْوَطْءُ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ ؛ لِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ : { أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ .\r} وَلِأَنَّ مِلْكَهُ عَلَيْهَا تَامٌّ ، لَهُ التَّصَرُّفُ فِيهَا بِمَا شَاءَ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ ، فَكَذَلِكَ الْوَطْءُ ، وَمَا فِيهِ مِنْ الرِّقِّ لَا يَمْنَعُهُ مِنْ اسْتِيفَاءِ مَا يَمْلِكُهُ ، كَمَا لَهُ أَنْ يَتَصَرَّفَ وَيَأْكُلَ مَا مَلَكَهُ بِنِصْفِهِ الْحُرِّ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : حُكْمُهُ حُكْمُ الْقِنِّ .\rوَهُوَ مَنْصُوصُ الشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ كَقَوْلِنَا ، وَاحْتَجَّ مَنْ مَنَعَ ذَلِكَ بِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ الْوَطْءُ بِنِصْفِهِ الْحُرِّ وَحْدَهُ ، وَكَذَلِكَ مَنَعْنَاهُ التَّزْوِيجَ حَتَّى يَأْذَنَ لَهُ سَيِّدُهُ وَلَنَا أَنَّهُ لَا حَقَّ لِسَيِّدِهِ فِيهَا ، وَلَا يَلْحَقُهُ ضَرَرٌ بِاسْتِمْتَاعِهِ مِنْهَا ، فَلَمْ يُعْتَبَرْ إذْنُهُ فِيهَا ، كَاسْتِخْدَامِهَا ، وَأَمَّا التَّزْوِيجُ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ بِهِ حُقُوقٌ تَتَعَلَّقُ بِجُمْلَتِهِ فَاعْتُبِرَ رِضَا السَّيِّدِ ، لِيَكُونَ رَاضِيًا بِتَعَلُّقِ الْحَقِّ بِمِلْكِهِ ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا ، فَإِنَّ الْحَقَّ لَهُ لَا عَلَيْهِ .\rفَأَمَّا إنْ أَذِنَ لَهُ سَيِّدُهُ فِيهِ جَازَ ، إلَّا عِنْدَ مَنْ مَنَعَ الْعَبْدَ التَّسَرِّيَ ؛ لِأَنَّهُ كَالْقِنِّ فِي قَوْلِهِمْ","part":15,"page":46},{"id":7046,"text":"( 5311 ) فَصْلٌ : نَقَلَ مُحَمَّدُ بْنُ مَاهَانَ ، عَنْ أَحْمَدَ : لَا بَأْسَ لِلْعَبْدِ أَنْ يَتَسَرَّى إذَا أَذِنَ لَهُ سَيِّدُهُ ، فَإِنْ رَجَعَ السَّيِّدُ ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ إذَا أَذِنَ لَهُ مَرَّةً وَتَسَرَّى ، وَكَذَلِكَ نَقَلَ عَنْهُ إبْرَاهِيمُ بْنُ هَانِئٍ ، وَيَعْقُوبُ بْنُ بُخْتَانَ ، وَلَمْ أَرَ عَنْهُ خِلَافَ هَذَا ، فَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ إذَا تَسَرَّى بِإِذْنِ السَّيِّدِ لَمْ يَمْلِكْ السَّيِّدُ الرُّجُوعَ ؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ بِهِ الْبُضْعَ ، فَلَمْ يَمْلِكْ سَيِّدُهُ فَسْخَهُ ، قِيَاسًا عَلَى النِّكَاحِ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : يُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ بِالتَّسَرِّي هَاهُنَا التَّزْوِيجَ وَسَمَّاهُ تَسَرِّيًا مَجَازًا ، وَيَكُونُ لِلسَّيِّدِ الرُّجُوعُ فِيمَا مَلَكَ عَبْدُهُ .\rوَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ خِلَافُ هَذَا ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ مَلَّكَهُ بُضْعًا أُبِيحَ لَهُ وَطْؤُهُ ، فَلَمْ يَمْلِكْ رُجُوعَهُ فِيهِ ، كَمَا لَوْ زَوَّجَهُ ، وَمَا ذَكَرَهُ فِي هَذَا الْفَصْلِ مُنَاقِضٌ لِمَا ذَكَرَ قَبْلَهُ فِي صَدْرِ الْمَسْأَلَةِ ، مِنْ قَوْلِهِ : وَلِسَيِّدِهِ نَزْعُهُ مِنْهُ مَتَى شَاءَ مِنْ غَيْرِ فَسْخٍ .","part":15,"page":47},{"id":7047,"text":"( 5312 ) قَالَ : ( وَمَتَى طَلَّقَ الْحُرُّ أَوْ الْعَبْدُ طَلَاقًا يَمْلِكُ الرَّجْعَةَ أَوْ لَا يَمْلِكُ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ أُخْتَهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا ، وَكَذَلِكَ إذَا طَلَّقَ وَاحِدَةً مِنْ أَرْبَعٍ ، لَمْ يَتَزَوَّجْ حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا ، وَكَذَلِكَ الْعَبْدُ إذَا طَلَّقَ إحْدَى زَوْجَتَيْهِ ) .\rوَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الرَّجُلَ إذَا تَزَوَّجَ امْرَأَةً ، حَرُمَتْ عَلَيْهِ أُمُّهَا عَلَى التَّأْبِيدِ ، وَتَحْرُمُ عَلَيْهِ أُخْتُهَا وَعَمَّتُهَا وَخَالَتُهَا وَبِنْتُ أَخِيهَا وَبِنْتُ أُخْتِهَا تَحْرِيمَ جَمْعٍ وَكَذَلِكَ إنْ تَزَوَّجَ الْحُرُّ أَرْبَعًا ، حَرُمَتْ الْخَامِسَةُ تَحْرِيمَ جَمْعٍ وَإِنْ تَزَوَّجَ الْعَبْدُ اثْنَتَيْنِ ، حَرُمَتْ الثَّالِثَةُ تَحْرِيمَ جَمْعٍ فَإِذَا طَلَّقَ زَوْجَتَهُ طَلَاقًا رَجْعِيًّا ، فَالتَّحْرِيمُ بَاقٍ بِحَالِهِ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا وَإِنْ كَانَ الطَّلَاقُ بَائِنًا أَوْ فَسْخًا ، فَكَذَلِكَ عِنْدَ إمَامِنَا حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَبِهِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَمُجَاهِدٌ وَالنَّخَعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَقَالَ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ وَعُرْوَةُ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ : لَهُ نِكَاحُ جَمِيعِ مَنْ سَمَّيْنَا فِي تَحْرِيمِ الْجَمْعِ وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ؛ لِأَنَّ الْمُحَرَّمَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا فِي النِّكَاحِ ، بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى : { حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ } أَيْ : نِكَاحُهُنَّ ، ثُمَّ قَالَ : { وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إلَّا مَا قَدْ سَلَفَ } مَعْطُوفًا عَلَيْهِ ، وَالْبَائِنُ لَيْسَتْ فِي نِكَاحِهِ ؛ وَلِأَنَّهَا بَائِنٌ فَأَشْبَهَتْ الْمُطَلَّقَةَ قَبْلَ الدُّخُولِ ، وَلَنَا قَوْلُ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَرُوِيَ عَنْ عَبِيدَةُ السَّلْمَانِيِّ أَنَّهُ قَالَ : مَا أَجْمَعَتْ الصَّحَابَةُ عَلَى شَيْءٍ كَإِجْمَاعِهِمْ عَلَى أَرْبَعٍ قَبْلَ الظُّهْرِ ، وَأَنْ لَا تُنْكَحَ امْرَأَةٌ فِي عِدَّةِ أُخْتِهَا وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ","part":15,"page":48},{"id":7048,"text":"عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ، فَلَا يَجْمَعْ مَاءَهُ فِي رَحِمِ أُخْتَيْنِ } وَرُوِيَ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، قَالَ : كَانَ لِلْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ ، فَطَلَّقَ وَاحِدَةً أَلْبَتَّةَ ، وَتَزَوَّجَ قَبْلَ أَنْ تَحِلَّ فَعَابَ ذَلِكَ عَلَيْهِ كَثِيرٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ ، وَلَيْسَ كُلُّهُمْ عَابَهُ ، قَالَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ : إذَا عَابَ عَلَيْهِ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ فَأَيُّ شَيْءٍ بَقِيَ ؟ ، .\rوَلِأَنَّهَا مَحْبُوسَةٌ عَنْ النِّكَاحِ لِحَقِّهِ ، أَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَ الطَّلَاقُ رَجْعِيًّا ؛ وَلِأَنَّهَا مُعْتَدَّةٌ فِي حَقِّهِ ، أَشْبَهَتْ الرَّجْعِيَّةَ ، وَفَارَقَ الْمُطَلَّقَةَ قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا .","part":15,"page":49},{"id":7049,"text":"( 5313 ) فَصْلٌ : وَلَوْ أَسْلَمَ زَوْجُ الْمَجُوسِيَّةِ أَوْ الْوَثَنِيَّةِ ، أَوْ انْفَسَخَ النِّكَاحُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ بِخُلْعٍ أَوْ رَضَاعٍ أَوْ فُسِخَ بِعَيْبٍ أَوْ إعْسَارٍ أَوْ غَيْرِهِ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ أَحَدًا مِمَّنْ يَحْرُمُ الْجَمْعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ زَوْجَتِهِ حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا سَوَاءٌ قُلْنَا بِتَعْجِيلِ الْفُرْقَةِ أَوْ لَمْ نَقُلْ .\rوَإِنْ أَسْلَمَتْ زَوْجَتُهُ ، فَتَزَوَّجَ أُخْتَهَا فِي عِدَّتِهَا ، ثُمَّ أَسْلَمَا فِي عِدَّةِ الْأُولَى اخْتَارَ مِنْهُمَا وَاحِدَةً ، كَمَا لَوْ تَزَوَّجَهُمَا مَعًا .\rوَإِنْ أَسْلَمَ بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّةِ الْأُولَى ، بَانَتْ ، وَثَبَتَ نِكَاحُ الثَّانِيَةِ .","part":15,"page":50},{"id":7050,"text":"( 5314 ) فَصْلٌ : إذَا أَعْتَقَ أُمَّ وَلَدِهِ أَوْ أَمَةً كَانَ يُصِيبُهَا فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ أُخْتَهَا حَتَّى يَنْقَضِيَ اسْتِبْرَاؤُهَا .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي أُمِّ الْوَلَدِ ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ : يَجُوزُ ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ زَوْجَةً ، وَلَا فِي عِدَّةٍ مِنْ نِكَاحٍ وَلَنَا ، أَنَّهَا مُعْتَدَّةٌ مِنْهُ ، فَلَمْ يَجُزْ لَهُ نِكَاحُ أُخْتِهَا ، كَالْمُعْتَدَّةِ مِنْ نِكَاحٍ أَوْ وَطْءٍ بِشُبْهَةٍ ؛ وَلِأَنَّهُ لَا يَأْمَنُ أَنْ يَكُونَ مَاؤُهُ فِي رَحِمِهَا ، فَيَكُونَ دَاخِلًا فِي عُمُومِ مَنْ جَمَعَ مَاءَهُ فِي رَحِمِ أُخْتَيْنِ ، وَلَا يُمْنَعُ مِنْ نِكَاحِ أَرْبَعٍ سِوَاهَا .\rوَمَنَعَهُ زُفَرُ وَهُوَ غَلَطٌ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ قَبْلَ إعْتَاقِهَا ، فَبَعْدَهُ أَوْلَى .","part":15,"page":51},{"id":7051,"text":"( 5315 ) فَصْلٌ : وَلَا يُمْنَعُ مِنْ نِكَاحِ أَمَةٍ فِي عِدَّةِ حُرَّةٍ بَائِنٌ وَمَنَعَهُ أَبُو حَنِيفَةَ ، كَمَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا فِي صُلْبِ نِكَاحِهَا ، وَلَنَا أَنَّهُ عَادِمٌ لِلطَّوْلِ ، خَائِفٌ لِلْعَنَتِ ، فَأُبِيحَ لَهُ نِكَاحُهَا ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا } الْآيَةَ وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ فِي صُلْبِ نِكَاحِ الْحُرَّةِ ، بَلْ يَجُوزُ إذَا تَحَقَّقَ الشَّرْطَانِ .","part":15,"page":52},{"id":7052,"text":"( 5316 ) فَصْلٌ : وَإِنْ زَنَى بِامْرَأَةٍ ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِأُخْتِهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا ، وَحُكْمُ الْعِدَّةِ مِنْ الزِّنَا وَالْعِدَّةِ مِنْ وَطْءِ الشُّبْهَةِ كَحُكْمِ الْعِدَّةِ مِنْ النِّكَاحِ فَإِنْ زَنَى بِأُخْتِ امْرَأَتِهِ فَقَالَ أَحْمَدُ : يُمْسِكُ عَنْ وَطْءِ امْرَأَتِهِ حَتَّى تَحِيضَ ثَلَاثَ حِيَضٍ وَقَدْ ذُكِرَ عَنْهُ فِي الْمَزْنِيِّ بِهَا أَنَّهَا تُسْتَبْرَأُ بِحَيْضَةٍ ؛ لِأَنَّهُ وَطْءٌ مِنْ غَيْرِ نِكَاحٍ ، وَلَا أَحْكَامَهُ أَحْكَامُ النِّكَاحِ .\rوَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا تَحْرُمَ بِذَلِكَ أُخْتُهَا ، وَلَا أَرْبَعٌ سِوَاهَا ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مَنْكُوحَةً ، وَمُجَرَّدُ الْوَطْءِ لَا يَمْنَعُ ، بِدَلِيلِ الْوَطْءِ فِي مِلْكِ الْيَمِينِ لَا يَمْنَعُ أَرْبَعًا سِوَاهَا .","part":15,"page":53},{"id":7053,"text":"( 5317 ) فَصْلٌ : وَإِذَا ادَّعَى الزَّوْجُ أَنَّ امْرَأَتَهُ أَخْبَرَتْهُ بِانْقِضَاءِ عِدَّتِهَا فِي مُدَّةٍ يَجُوزُ انْقِضَاؤُهَا فِيهَا ، وَكَذَّبَتْهُ أُبِيحَ لَهُ نِكَاحُ أُخْتِهَا وَأَرْبَعٍ سِوَاهَا فِي الظَّاهِرِ ، فَأَمَّا فِي الْبَاطِنِ فَيُبْنَى عَلَى صِدْقِهِ فِي ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى ، فَيُقْبَلُ قَوْلُهُ فِيهِ ، وَلَا يُصَدَّقُ فِي نَفْيِ نَفَقَتِهَا وَسُكْنَاهَا وَنَفْيِ النَّسَبِ ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ لَهَا وَلِوَلَدِهَا ، فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِيهِ .\rوَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ .\rوَقَالَ زُفَرُ : لَا يُصَدَّقُ فِي شَيْءٍ ؛ لِأَنَّهُ قَوْلٌ وَاحِدٌ لَا يُصَدَّقُ فِي بَعْضِ حُكْمِهِ ، فَلَا يُصَدَّقُ فِي الْبَعْضِ الْآخَرِ ، قِيَاسًا لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْقَوْلُ الْوَاحِدُ صِدْقًا وَكَذِبًا ، وَلَنَا أَنَّهُ قَوْلٌ يَتَضَمَّنُ إبْطَالَ حَقٍّ لِغَيْرِهِ ، وَحَقًّا لَهُ لَا ضَرَرَ عَلَى غَيْرِهِ فِيهِ ، فَوَجَبَ أَنْ يُصَدَّقَ فِي أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ ، كَمَا لَوْ اشْتَرَى عَبْدًا ثُمَّ أَقَرَّ أَنَّ الْبَائِعَ كَانَ أَعْتَقَهُ ، صُدِّقَ فِي حُرِّيَّتِهِ ، وَلَمْ يُصَدَّقْ فِي الرُّجُوعِ بِثَمَنِهِ .\rوَكَمَا لَوْ أَقَرَّ أَنَّ امْرَأَتَهُ أُخْتُهُ مِنْ الرَّضَاعِ قَبْلَ الدُّخُولِ ، صُدِّقَ فِي بَيْنُونَتِهَا وَتَحْرِيمِهَا عَلَيْهِ ، وَلَمْ يُصَدَّقْ فِي سُقُوطِ مَهْرِهَا .","part":15,"page":54},{"id":7054,"text":"( 5318 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَمَنْ خَطَبَ امْرَأَةً فَزُوِّجَ بِغَيْرِهَا ، لَمْ يَنْعَقِدْ النِّكَاحُ ) مَعْنَى ذَلِكَ أَنْ يَخْطُبَ الرَّجُلُ امْرَأَةً بِعَيْنِهَا ، فَيُجَابَ إلَى ذَلِكَ ، ثُمَّ يُوجَبُ لَهُ النِّكَاحُ فِي غَيْرِهَا ، وَهُوَ يَعْتَقِدُ أَنَّهَا الَّتِي خَطَبَهَا ، فَيَقْبَلُ ، فَلَا يَنْعَقِدُ النِّكَاحُ ؛ لِأَنَّ الْقَبُولَ انْصَرَفَ إلَى غَيْرِ مَنْ وُجِدَ الْإِيجَابُ فِيهِ ، فَلَمْ يَصِحَّ ، كَمَا لَوْ سَاوَمَهُ بِثَوْبٍ وَأَوْجَبَ الْعَقْدَ فِي غَيْرِهِ بِغَيْرِ عِلْمِ الْمُشْتَرِي ، فَلَوْ عَلِمَ الْحَالَ بَعْدَ ذَلِكَ ، فَرَضِيَ ، لَمْ يَصِحَّ .\rقَالَ أَحْمَدُ ، فِي رَجُلٍ خَطَبَ جَارِيَةً ، فَزَوَّجُوهُ أُخْتَهَا ، ثُمَّ عَلِمَ بَعْدُ : يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا ، وَيَكُونُ الصَّدَاقُ عَلَى وَلِيِّهَا ؛ لِأَنَّهُ غَرَّهُ ، وَيُجَهِّزُ إلَيْهِ أُخْتَهَا الَّتِي خَطَبَهَا بِالصَّدَاقِ الْأَوَّلِ ، فَإِنْ كَانَتْ تِلْكَ قَدْ وَلَدَتْ مِنْهُ ، يَلْحَقُ بِهِ الْوَلَدُ .\rوَقَوْلُهُ : يُجَهِّزُ إلَيْهِ أُخْتَهَا يَعْنِي - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - بِعَقْدٍ جَدِيدٍ ، بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّةِ هَذِهِ إنْ كَانَ أَصَابَهَا ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ الَّذِي عَقَدَهُ لَمْ يَصِحَّ فِي وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا ؛ لِأَنَّ الْإِيجَابَ صَدَرَ فِي إحْدَاهُمَا ، وَالْقَبُولَ فِي الْأُخْرَى ، فَلَمْ يَنْعَقِدْ فِي هَذِهِ وَلَا فِي تِلْكَ فَإِنْ اتَّفَقُوا عَلَى تَجْدِيدِ عَقْدٍ فِي إحْدَاهُمَا أَيَّتَهُمَا كَانَ ، جَازَ .\rوَقَالَ أَحْمَدُ فِي رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً فَأُدْخِلَتْ عَلَيْهِ أُخْتُهَا : لَهَا الْمَهْرُ بِمَا أَصَابَ مِنْهَا ، وَلِأُخْتِهَا الْمَهْرُ .\rقِيلَ : يَلْزَمُهُ مَهْرَانِ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، وَيَرْجِعُ عَلَى وَلِيِّهَا ، هَذِهِ مِثْلُ الَّتِي بِهَا بَرَصٌ أَوْ جُذَامٌ .\rعَلِيٌّ يَقُولُ : لَيْسَ عَلَيْهِ غُرْمٌ وَهَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِي امْرَأَةٍ جَاهِلَةٍ بِالْحَالِ أَوْ بِالتَّحْرِيمِ .\rأَمَّا إذَا عَلِمَتْ أَنَّهَا لَيْسَتْ زَوْجَةً ، وَأَنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِ ، وَأَمْكَنَتْهُ مِنْ نَفْسِهَا ، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَجِبَ لَهَا صَدَاقٌ ؛ لِأَنَّهَا زَانِيَةٌ مُطَاوِعَةٌ ، فَأَمَّا إنْ جَهِلَتْ الْحَالَ فَلَهَا الْمَهْرُ ، وَيَرْجِعُ","part":15,"page":55},{"id":7055,"text":"بِهِ عَلَى مَنْ غَرَّهُ ، وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي رَجُلَيْنِ تَزَوَّجَا امْرَأَتَيْنِ ، فَزُفَّتْ كُلُّ امْرَأَةٍ إلَى زَوْجِ الْأُخْرَى : لَهُمَا الصَّدَاقُ ، وَيَعْتَزِلُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا امْرَأَتَهُ حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا .\rوَبِهِ قَالَ النَّخَعِيُّ وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .","part":15,"page":56},{"id":7056,"text":"( 5319 ) فَصْلٌ : مِنْ شَرْطِ صِحَّةِ النِّكَاحِ تَعْيِينُ الزَّوْجَيْنِ ؛ لِأَنَّ كُلَّ عَاقِدٍ وَمَعْقُودٍ عَلَيْهِ يَجِبُ تَعْيِينُهُمَا ، كَالْمُشْتَرِي وَالْمَبِيعِ ، ثُمَّ يُنْظَرُ ، فَإِنْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ حَاضِرَةً ، فَقَالَ : زَوَّجْتُك هَذِهِ صَحَّ ، فَإِنَّ الْإِشَارَةَ تَكْفِي فِي التَّعْيِينِ ، فَإِنْ زَادَ عَلَى ذَلِكَ ، فَقَالَ : بِنْتِي هَذِهِ ، أَوْ هَذِهِ فُلَانَةُ كَانَ تَأْكِيدًا ، وَإِنْ كَانَتْ غَائِبَةً فَقَالَ : زَوَّجْتُك بِنْتِي وَلَيْسَ لَهُ سِوَاهَا جَازَ .\rفَإِنْ سَمَّاهَا بِاسْمِهَا مَعَ ذَلِكَ ، كَانَ تَأْكِيدًا .\rفَإِنْ كَانَ لَهُ ابْنَتَانِ أَوْ أَكْثَرُ ، فَقَالَ : زَوَّجْتُك ابْنَتِي لَمْ يَصِحَّ حَتَّى يَضُمَّ إلَى ذَلِكَ مَا تَتَمَيَّزُ بِهِ ، مِنْ اسْمٍ أَوْ صِفَةٍ ، فَيَقُولَ : زَوَّجْتُك ابْنَتِي الْكُبْرَى أَوْ الْوُسْطَى أَوْ الصُّغْرَى فَإِنْ سَمَّاهَا مَعَ ذَلِكَ كَانَ تَأْكِيدًا وَإِنْ قَالَ : زَوَّجْتُك ابْنَتِي عَائِشَةَ أَوْ فَاطِمَةَ صَحَّ ، وَإِنْ كَانَتْ لَهُ ابْنَةٌ وَاحِدَةٌ اسْمُهَا فَاطِمَةُ ، فَقَالَ : زَوَّجْتُك فَاطِمَةَ لَمْ يَصِحَّ ؛ لِأَنَّ هَذَا الِاسْمَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهَا وَبَيْنَ سَائِرِ الْفَوَاطِمِ ، حَتَّى يَقُولَ مَعَ ذَلِكَ : ابْنَتِي .\rوَقَالَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ : يَصِحُّ إذَا نَوَيَاهَا جَمِيعًا .\rوَلَيْسَ بِصَحِيحٍ ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ تُعْتَبَرُ فِيهِ الشَّهَادَةُ عَلَى وَجْهٍ يُمْكِنُ أَدَاؤُهَا إذَا ثَبَتَ بِهِ الْعَقْدُ ، وَهَذَا مُتَعَذِّرٌ فِي النِّيَّةِ ، وَلِذَلِكَ لَوْ قَالَ : زَوَّجْتُك ابْنَتِي وَلَهُ بَنَاتٌ لَمْ يَصِحَّ حَتَّى يُمَيِّزَهَا بِلَفْظِهِ وَإِنْ قَالَ : زَوَّجْتُك فَاطِمَةَ ابْنَةَ فُلَانٍ احْتَاجَ أَنْ يَرْفَعَ فِي نَسَبِهَا حَتَّى يَبْلُغَ مَا تَتَمَيَّزُ بِهِ عَنْ النِّسَاءِ .","part":15,"page":57},{"id":7057,"text":"( 5320 ) فَصْلٌ : فَإِنْ كَانَ لَهُ ابْنَتَانِ ، كُبْرَى اسْمُهَا عَائِشَةُ وَصُغْرَى اسْمُهَا فَاطِمَةُ فَقَالَ : زَوَّجْتُك ابْنَتِي عَائِشَةَ وَقَبِلَ الزَّوْجُ ذَلِكَ ، وَهُمَا يَنْوِيَانِ الصُّغْرَى ، لَمْ يَصِحَّ .\rذَكَرَهُ أَبُو حَفْصٍ وَقَالَ الْقَاضِي : يَصِحُّ فِي الَّتِي نَوَيَاهَا ، وَهَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ ، لِوَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهُمَا لَمْ يَتَلَفَّظَا بِمَا يَصِحُّ الْعَقْدُ بِالشَّهَادَةِ عَلَيْهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَالَ : زَوَّجْتُك عَائِشَةَ فَقَطْ أَوْ مَا لَوْ قَالَ : زَوَّجْتُك ابْنَتِي وَلَمْ يُسَمِّهَا ، وَإِذَا لَمْ يَصِحَّ فِيمَا إذَا لَمْ يُسَمِّهَا ، فَفِيمَا إذَا سَمَّاهَا بِغَيْرِ اسْمِهَا أَوْلَى أَنْ لَا يَصِحَّ وَالثَّانِي : أَنَّهُ لَا يَصِحُّ النِّكَاحُ حَتَّى تُذْكَرَ الْمَرْأَةُ بِمَا تَتَمَيَّزُ بِهِ وَلَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ ، فَإِنَّ اسْمَ أُخْتِهَا لَا يُمَيِّزُهَا ، بَلْ يَصْرِفُ الْعَقْدَ عَنْهَا .\rوَإِنْ كَانَ الْوَلِيُّ يُرِيدُ الْكُبْرَى ، وَالزَّوْجُ يَقْصِدُ الصُّغْرَى ، لَمْ يَصِحَّ ، كَمَسْأَلَةِ الْخِرَقِيِّ ، فِيمَا إذَا خَطَبَ امْرَأَةً وَزُوِّجَ غَيْرَهَا ؛ لِأَنَّ الْقَبُولَ انْصَرَفَ إلَى غَيْرِ مَنْ وُجِدَ الْإِيجَابُ فِيهِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَصِحَّ إذَا لَمْ يَتَقَدَّمْ ذَلِكَ مَا يَصْرِفُ الْقَبُولَ إلَى الصُّغْرَى ، مِنْ خِطْبَةٍ وَنَحْوِهَا ، فَإِنَّ الْعَقْدَ بِلَفْظِهِ مُتَنَاوِلٌ لِلْكُبْرَى ، وَلَمْ يُوجَدْ مَا يَصْرِفُهُ عَنْهَا ، فَصَحَّ ، كَمَا لَوْ نَوَيَاهَا .\rوَلَوْ نَوَى الْوَلِيُّ الصُّغْرَى ، وَالزَّوْجُ الْكُبْرَى ، أَوْ نَوَى الْوَلِيُّ الْكُبْرَى ، وَلَمْ يَدْرِ الزَّوْجُ أَيَّتَهُمَا هِيَ ، فَعَلَى الْأَوَّلِ لَا يَصِحُّ التَّزْوِيجُ ، لِعَدَمِ النِّيَّةِ مِنْهُمَا فِي الَّتِي يَتَنَاوَلُهَا لَفْظُهُمَا .\rوَعَلَى الِاحْتِمَالِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ يَصِحُّ فِي الْمُعَيَّنَةِ بِاللَّفْظِ ، لِمَا ذَكَرْنَاهُ .","part":15,"page":58},{"id":7058,"text":"( 5321 ) فَصْلٌ : فَإِنْ كَانَ لَهُ ابْنَةٌ وَاحِدَةٌ ، فَقَالَ لِرَجُلٍ : زَوَّجْتُك ابْنَتِي وَسَمَّاهَا بِغَيْرِ اسْمِهَا ، فَقَالَ الْقَاضِي : يَصِحُّ وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ ابْنَتِي آكَدُ مِنْ التَّسْمِيَةِ ؛ لِأَنَّهَا لَا مُشَارَكَةَ فِيهَا ، وَالِاسْمُ مُشْتَرَكٌ .\rوَلَوْ قَالَ : زَوَّجْتُك هَذِهِ وَأَشَارَ إلَيْهَا ، وَسَمَّاهَا بِغَيْرِ اسْمِهَا ، يَجِبُ أَنْ يَصِحَّ عَلَى هَذَا التَّعْلِيلِ .","part":15,"page":59},{"id":7059,"text":"( 5322 ) فَصْلٌ : وَلَوْ قَالَ : زَوَّجْتُك حَمْلَ هَذِهِ الْمَرْأَةِ لَمْ يَصِحَّ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ لَهُ حُكْمُ الْبَنَاتِ قَبْلَ الظُّهُورِ ، فِي غَيْرِ الْإِرْثِ وَالْوَصِيَّةِ ؛ وَلِأَنَّهُ لَمْ يَتَحَقَّقْ أَنَّ فِي الْبَطْنِ بِنْتًا ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَالَ : زَوَّجْتُك مَنْ فِي هَذِهِ الدَّارِ ، وَهُمَا لَا يَعْلَمَانِ مَنْ فِيهَا .\rوَلَوْ قَالَ : إذَا وَلَدَتْ امْرَأَتِي بِنْتًا زَوَّجْتُكَهَا .\rلَمْ يَصِحَّ ؛ لِأَنَّهُ تَعْلِيقٌ لِلنِّكَاحِ عَلَى شَرْطٍ ، وَالنِّكَاحُ لَا يَتَعَلَّقُ عَلَى شَرْطٍ ؛ وَلِأَنَّ هَذَا مُجَرَّدُ وَعْدٍ لَا يَنْعَقِدُ بِهِ عَقْدٌ .","part":15,"page":60},{"id":7060,"text":"قَالَ : ( وَإِذَا تَزَوَّجَهَا ، وَشَرَطَ لَهَا أَنْ لَا يُخْرِجَهَا مِنْ دَارِهَا أَوْ بَلَدِهَا فَلَهَا شَرْطُهَا لِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ { : أَحَقُّ مَا أَوْفَيْتُمْ بِهِ مِنْ الشُّرُوطِ مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الْفُرُوجَ } وَإِنْ تَزَوَّجَهَا ، وَشَرَطَ لَهَا أَنْ لَا يَتَزَوَّجَ عَلَيْهَا ، فَلَهَا فِرَاقُهُ إذَا تَزَوَّجَ عَلَيْهَا ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الشُّرُوطَ فِي النِّكَاحِ تَنْقَسِمُ أَقْسَامًا ثَلَاثَةً ، أَحَدُهَا مَا يَلْزَمُ الْوَفَاءُ بِهِ ، وَهُوَ مَا يَعُودُ إلَيْهَا نَفْعُهُ وَفَائِدَتُهُ ، مِثْلُ أَنْ يَشْتَرِطَ لَهَا أَنْ لَا يُخْرِجَهَا مِنْ دَارِهَا أَوْ بَلَدِهَا أَوْ لَا يُسَافِرَ بِهَا ، أَوْ لَا يَتَزَوَّجَ عَلَيْهَا ، وَلَا يَتَسَرَّى عَلَيْهَا ، فَهَذَا يَلْزَمُهُ الْوَفَاءُ لَهَا بِهِ ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَلَهَا فَسْخُ النِّكَاحِ .\rيُرْوَى هَذَا عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ، وَمُعَاوِيَةَ وَعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَبِهِ قَالَ شُرَيْحٌ ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ ، وَطَاوُسٌ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ .\rوَأَبْطَلَ هَذِهِ الشُّرُوطَ الزُّهْرِيُّ ، وَقَتَادَةُ وَهِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ وَمَالِكٌ ، وَاللَّيْثُ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ : وَيَفْسُدُ الْمَهْرُ دُونَ الْعَقْدِ ، وَلَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ .\rوَاحْتَجُّوا بِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ ، فَهُوَ بَاطِلٌ ، وَإِنْ كَانَ مِائَةَ شَرْطٍ } وَهَذَا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ .\rلِأَنَّ الشَّرْعَ لَا يَقْتَضِيهِ ، وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ ، إلَّا شَرْطًا أَحَلَّ حَرَامًا ، أَوْ حَرَّمَ حَلَالًا } وَهَذَا يُحَرِّمُ الْحَلَالَ ، وَهُوَ التَّزْوِيجُ وَالتَّسَرِّي وَالسَّفَرُ ؛ وَلِأَنَّ هَذَا شَرْطٌ لَيْسَ مِنْ مَصْلَحَةِ الْعَقْدِ وَلَا مُقْتَضَاهُ ، وَلَمْ يُبْنَ عَلَى التَّغْلِيبِ وَالسِّرَايَةِ ،","part":15,"page":61},{"id":7061,"text":"فَكَانَ فَاسِدًا ، كَمَا لَوْ شَرَطَتْ أَنْ لَا تُسَلِّمَ نَفْسَهَا .\rوَلَنَا قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إنَّ أَحَقَّ مَا وَفَّيْتُمْ بِهِ مِنْ الشُّرُوطِ مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الْفُرُوجَ } رَوَاهُ سَعِيدٌ وَفِي لَفْظٍ : { إنَّ أَحَقَّ الشُّرُوطِ أَنْ تُوفُوا بِهَا ، مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الْفُرُوجَ } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَأَيْضًا قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ } وَلِأَنَّهُ قَوْلُ مَنْ سَمَّيْنَا مِنْ الصَّحَابَةِ ، وَلَا نَعْلَمُ لَهُمْ مُخَالِفًا فِي عَصْرِهِمْ ، فَكَانَ إجْمَاعًا .\rوَرَوَى الْأَثْرَمُ بِإِسْنَادِهِ : أَنَّ رَجُلًا تَزَوَّجَ امْرَأَةً ، وَشَرَطَ لَهَا دَارَهَا ، ثُمَّ أَرَادَ نَقْلَهَا ، فَخَاصَمُوهُ إلَى عُمَرَ فَقَالَ : لَهَا شَرْطُهَا فَقَالَ الرَّجُلُ : إذًا تُطَلِّقِينَا .\rفَقَالَ عُمَرُ : مَقَاطِعُ الْحُقُوقِ عِنْدَ الشُّرُوطِ ؛ وَلِأَنَّهُ شَرْطٌ لَهَا فِيهِ مَنْفَعَةٌ وَمَقْصُودٌ لَا يَمْنَعُ الْمَقْصُودَ مِنْ النِّكَاحِ ، فَكَانَ لَازِمًا ، كَمَا لَوْ شَرَطَتْ عَلَيْهِ زِيَادَةً فِي الْمَهْرِ أَوْ غَيْرَ نَقْدِ الْبَلَدِ .\rوَقَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ { كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ ، فَهُوَ بَاطِلٌ } أَيْ : لَيْسَ فِي حُكْمِ اللَّهِ وَشَرْعِهِ ، وَهَذَا مَشْرُوعٌ وَقَدْ ذَكَرْنَا مَا دَلَّ عَلَى مَشْرُوعِيَّتِهِ وَعَلَى مَنْ ادَّعَى الْخِلَافَ فِي مَشْرُوعِيَّتِهِ وَعَلَى مَنْ نَفَى ذَلِكَ الدَّلِيلَ ، وَقَوْلُهُمْ : إنَّ هَذَا يُحَرِّمُ الْحَلَالَ .\rقُلْنَا : لَا يُحَرِّمُ حَلَالًا ، وَإِنَّمَا يُثْبِتُ لِلْمَرْأَةِ خِيَارَ الْفَسْخِ إنْ لَمْ يَفِ لَهَا بِهِ .\rوَقَوْلُهُمْ : لَيْسَ مِنْ مَصْلَحَتِهِ قُلْنَا : لَا نُسَلِّمُ ذَلِكَ فَإِنَّهُ مِنْ مَصْلَحَةِ الْمَرْأَةِ ، وَمَا كَانَ مِنْ مَصْلَحَةِ الْعَاقِدِ كَانَ مِنْ مَصْلَحَةِ عَقْدِهِ ، كَاشْتِرَاطِ الرَّهْنِ وَالضَّمِينِ فِي الْبَيْعِ ، ثُمَّ يَبْطُلُ بِالزِّيَادَةِ عَلَى مَهْرِ الْمِثْلِ .\rوَشَرْطُ غَيْرِ نَقْدِ الْبَلَدِ إذَا ثَبَتَ أَنَّهُ شَرْطٌ لَازِمٌ فَلَمْ يَفِ لَهَا بِهِ ، فَلَهَا الْفَسْخُ ، وَلِهَذَا قَالَ الَّذِي قَضَى عَلَيْهِ عُمَرُ بِلُزُومِ الشَّرْطِ : إذًا","part":15,"page":62},{"id":7062,"text":"تُطَلِّقُنَا فَلَمْ يَلْتَفِتْ عُمَرُ إلَى ذَلِكَ ، وَقَالَ : مَقَاطِعُ الْحُقُوقِ عِنْدَ الشُّرُوطِ ؛ وَلِأَنَّهُ شَرْطٌ لَازِمٌ فِي عَقْدٍ فَيَثْبُتُ حَقُّ الْفَسْخِ بِتَرْكِ الْوَفَاءِ بِهِ ، كَالرَّهْنِ وَالضَّمِينِ فِي الْبَيْعِ .","part":15,"page":63},{"id":7063,"text":"فَصْلٌ : فَإِنْ شَرَطَتْ عَلَيْهِ أَنْ يُطَلِّقَ ضَرَّتَهَا لَمْ يَصِحَّ الشَّرْطُ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ : { نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ تَشْتَرِطَ الْمَرْأَةُ طَلَاقَ أُخْتِهَا ، } وَفِي لَفْظٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { لَا تَسْأَلْ الْمَرْأَةُ طَلَاقَ أُخْتِهَا لِتَكْتَفِئَ مَا فِي صَحْفَتِهَا وَلْتَنْكِحْ فَإِنَّ لَهَا مَا قُدِّرَ لَهَا } رَوَاهُمَا الْبُخَارِيُّ .\rوَالنَّهْيُ يَقْتَضِي فَسَادَ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ ؛ وَلِأَنَّهَا شَرَطَتْ عَلَيْهِ فَسْخَ عَقْدِهِ ، وَإِبْطَالَ حَقِّهِ وَحَقِّ امْرَأَتِهِ ، فَلَمْ يَصِحَّ ، كَمَا لَوْ شَرَطَتْ عَلَيْهِ فَسْخَ بَيْعِهِ .\rوَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : هُوَ شَرْطٌ لَازِمٌ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُنَافِي الْعَقْدَ ، وَلَهَا فِيهِ فَائِدَةٌ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ شَرَطَتْ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَتَزَوَّجَ عَلَيْهَا .\rوَلَمْ أَرَ هَذَا لِغَيْرِهِ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا مَا يَدُلُّ عَلَى فَسَادِهِ ، وَعَلَى قِيَاسِ هَذَا لَوْ شَرَطَتْ عَلَيْهِ بَيْعَ أَمَتِهِ .","part":15,"page":64},{"id":7064,"text":"مَا يُبْطِلُ الشَّرْطَ ، وَيُصِحُّ الْعَقْدَ ، مِثْلُ أَنْ يَشْتَرِطَ أَنْ لَا مَهْرَ لَهَا ، أَوْ أَنْ لَا يُنْفِقَ عَلَيْهَا أَوْ إنْ أَصْدَقَهَا رَجَعَ عَلَيْهَا ، أَوْ تَشْتَرِطَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَطَأَهَا ، أَوْ يَعْزِلَ عَنْهَا أَوْ يَقْسِمَ لَهَا أَقَلَّ مِنْ قَسْمِ صَاحِبَتِهَا أَوْ أَكْثَرَ أَوْ لَا يَكُونُ عِنْدَهَا فِي الْجُمُعَةِ إلَّا لَيْلَةً ، أَوْ شَرَطَ لَهَا النَّهَارَ دُونَ اللَّيْلِ ، أَوْ شَرَطَ عَلَى الْمَرْأَةِ أَنْ تُنْفِقَ عَلَيْهِ أَوْ تُعْطِيَهُ شَيْئًا .\rفَهَذِهِ الشُّرُوطُ كُلُّهَا بَاطِلَةٌ فِي نَفْسِهَا ؛ لِأَنَّهَا تُنَافِي مُقْتَضَى الْعَقْدِ ؛ وَلِأَنَّهَا تَتَضَمَّنُ إسْقَاطَ حُقُوقٍ تَجِبُ بِالْعَقْدِ قَبْلَ انْعِقَادِهِ ، فَلَمْ يَصِحَّ ، كَمَا لَوْ أَسْقَطَ الشَّفِيعُ شُفْعَتَهُ قَبْلَ الْبَيْعِ ، فَأَمَّا الْعَقْدُ فِي نَفْسِهِ فَصَحِيحٌ ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الشُّرُوطَ تَعُودُ إلَى مَعْنًى زَائِدٍ فِي الْعَقْدِ ، لَا يُشْتَرَطُ ذِكْرُهُ ، وَلَا يَضُرُّ الْجَهْلُ بِهِ ، فَلَمْ يُبْطِلْهُ .\rكَمَا لَوْ شَرَطَ فِي الْعَقْدِ صَدَاقًا مُحَرَّمًا ؛ وَلِأَنَّ النِّكَاحَ يَصِحُّ مَعَ الْجَهْلِ بِالْعِوَضِ ، فَجَازَ أَنْ يَنْعَقِدَ مَعَ الشَّرْطِ الْفَاسِدِ ، كَالْعَتَاقِ وَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ فِي رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً ، وَشَرَطَ عَلَيْهَا أَنْ يَبِيتَ عِنْدَهَا فِي كُلِّ جُمُعَةٍ لَيْلَةً ، ثُمَّ رَجَعَتْ وَقَالَتْ : لَا أَرْضَى إلَّا لَيْلَةً وَلَيْلَةً فَقَالَ : لَهَا أَنْ تَنْزِلَ بِطِيبِ نَفْسٍ مِنْهَا ، فَإِنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ ، وَإِنْ قَالَتْ : لَا أَرْضَى إلَّا بِالْمُقَاسَمَةِ كَانَ ذَلِكَ حَقًّا لَهَا ، تُطَالِبُهُ إنْ شَاءَتْ ، وَنَقَلَ عَنْهُ الْأَثْرَمُ فِي الرَّجُلِ يَتَزَوَّجُ الْمَرْأَةَ وَيَشْتَرِطُ عَلَيْهَا أَنْ يَأْتِيَهَا فِي الْأَيَّامِ يَجُوزُ الشَّرْطُ ، فَإِنْ شَاءَتْ رَجَعَتْ ، وَقَالَ فِي الرَّجُلِ يَتَزَوَّجُ الْمَرْأَةَ عَلَى أَنْ تُنْفِقَ عَلَيْهِ فِي كُلِّ شَهْرٍ خَمْسَةَ دَرَاهِمَ ، أَوْ عَشْرَةَ دَرَاهِمَ ، النِّكَاحُ جَائِزٌ وَلَهَا أَنْ تَرْجِعَ فِي هَذَا الشَّرْطِ .\rوَقَدْ نُقِلَ عَنْ أَحْمَدَ كَلَامٌ فِي بَعْضِ هَذِهِ الشُّرُوطِ .\rيَحْتَمِلُ إبْطَالَ الْعَقْدِ ، نَقَلَ عَنْهُ الْمَرْوَزِيِّ فِي","part":15,"page":65},{"id":7065,"text":"النَّهَارِيَّاتِ وَاللَّيْلِيَّاتِ : لَيْسَ هَذَا مِنْ نِكَاحِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ ، وَمِمَّنْ كَرِهَ تَزْوِيجَ النَّهَارِيَّاتِ حَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ وَابْنُ شُبْرُمَةَ وَقَالَ الثَّوْرِيُّ : الشَّرْطُ بَاطِلٌ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ : إذَا سَأَلَتْهُ أَنْ يَعْدِلَ لَهَا ، عَدَلَ .\rوَكَانَ الْحَسَنُ ، وَعَطَاءٌ لَا يَرَيَانِ بِنِكَاحِ النَّهَارِيَّاتِ بَأْسًا وَكَانَ الْحَسَنُ لَا يَرَى بَأْسًا أَنْ يَتَزَوَّجَهَا ، عَلَى أَنْ يَجْعَلَ لَهَا مِنْ الشَّهْرِ أَيَّامًا مَعْلُومَةً ، وَلَعَلَّ كَرَاهَةَ مَنْ كَرِهَ ذَلِكَ رَاجِعٌ إلَى إبْطَالِ الشَّرْطِ ، وَإِجَازَةَ مَنْ أَجَازَهُ رَاجِعٌ إلَى أَصْلِ النِّكَاحِ ، فَتَكُونُ أَقْوَالُهُمْ مُتَّفِقَةً عَلَى صِحَّةِ النِّكَاحِ وَإِبْطَالِ الشَّرْطِ ، كَمَا قُلْنَا .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : إنَّمَا كَرِهَ أَحْمَدُ هَذَا النِّكَاحَ ؛ لِأَنَّهُ يَقَعُ عَلَى وَجْهِ السِّرِّ ، وَنِكَاحُ السِّرِّ مَنْهِيٌّ عَنْهُ ، فَإِنْ شُرِطَ عَلَيْهِ تَرْكُ الْوَطْءِ ، اُحْتُمِلَ أَنْ يَفْسُدَ الْعَقْدُ ؛ لِأَنَّهُ شَرْطٌ يُنَافِي الْمَقْصُودَ مِنْ النِّكَاحِ ، وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ، وَكَذَلِكَ إنْ شُرِطَ عَلَيْهِ أَنْ لَا تُسَلَّمَ إلَيْهِ ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ اشْتَرَى شَيْئًا عَلَى أَنْ لَا يَقْبِضَهُ وَإِنْ شَرَطَ عَلَيْهَا أَنْ لَا يَطَأَهَا ، لَمْ يَفْسُدْ ؛ لِأَنَّ الْوَطْءَ حَقُّهُ عَلَيْهَا ، وَهِيَ لَا تَمْلِكُهُ عَلَيْهِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَفْسُدَ ؛ لِأَنَّ لَهَا فِيهِ حَقًّا ، وَلِذَلِكَ تَمْلِكُ مُطَالَبَتَهُ بِهِ إذَا آلَى ، وَالْفَسْخَ إذَا تَعَذَّرَ بِالْجَبِّ وَالْعُنَّةِ .","part":15,"page":66},{"id":7066,"text":"الْقِسْمُ الثَّالِثُ : مَا يُبْطِلُ النِّكَاحَ مِنْ أَصْلِهِ ، مِثْلُ أَنْ يَشْتَرِطَا تَأْقِيتَ النِّكَاحِ ، وَهُوَ نِكَاحُ الْمُتْعَةِ أَوْ أَنْ يُطَلِّقَهَا فِي وَقْتٍ بِعَيْنِهِ ، أَوْ يُعَلِّقَهُ عَلَى شَرْطٍ ، مِثْلِ أَنْ يَقُولَ : زَوَّجْتُك إنْ رَضِيَتْ أُمُّهَا أَوْ فُلَانٌ أَوْ يُشْتَرَطَ الْخِيَارُ فِي النِّكَاحِ لَهُمَا ، أَوْ لِأَحَدِهِمَا ، فَهَذِهِ شُرُوطٌ بَاطِلَةٌ فِي نَفْسِهَا ، وَيَبْطُلُ بِهَا النِّكَاحُ .\rوَكَذَلِكَ إنْ جَعَلَ صَدَاقَهَا تَزْوِيجَ امْرَأَةٍ أُخْرَى ، وَهُوَ نِكَاحُ الشِّغَارِ وَنَذْكُرُ ذَلِكَ فِي مَوَاضِعِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .\rوَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ فِيمَا إذَا شَرَطَ الْخِيَارَ ، إنْ رَضِيَتْ أُمُّهَا أَوْ إنْ جَاءَهَا بِالْمَهْرِ فِي وَقْتِ كَذَا ، وَإِلَّا فَلَا نِكَاحَ بَيْنَهُمَا ، رِوَايَتَيْنِ .\rإحْدَاهُمَا : النِّكَاحُ صَحِيحٌ وَالشَّرْطُ بَاطِلٌ .\rوَبِهِ قَالَ أَبُو ثَوْرٍ فِيمَا إذَا شَرَطَ الْخِيَارَ وَحَكَاهُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَزَعَمَ أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِيهَا ، وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : قَالَ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ إذَا تَزَوَّجَهَا عَلَى أَنَّهُ إنْ جَاءَ بِالْمَهْرِ فِي وَقْتِ كَذَا وَكَذَا وَإِلَّا فَلَا نِكَاحَ بَيْنَهُمَا ، الشَّرْطُ بَاطِلٌ وَالْعَقْدُ جَائِزٌ وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ وَالثَّوْرِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ الزُّهْرِيِّ وَرَوَى ابْنُ مَنْصُورٍ عَنْ أَحْمَدَ فِي هَذَا ، أَنَّ الْعَقْدَ وَالشَّرْطَ جَائِزَانِ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ { الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ } .\rوَالرِّوَايَةُ الْأُخْرَى : يَبْطُلُ الْعَقْدُ مِنْ أَصْلِهِ فِي هَذَا كُلِّهِ ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ لَا يَكُونُ إلَّا لَازِمًا ، وَهَذَا يُوجِبُ جَوَازَهُ ؛ وَلِأَنَّهُ إذَا قَالَ : إنْ رَضِيَتْ أُمُّهَا ، أَوْ إنْ جِئْتنِي بِالْمَهْرِ فِي وَقْتِ كَذَا فَقَدْ وَقَفَ النِّكَاحَ عَلَى شَرْطٍ وَلَا يَجُوزُ وَقْفُهُ عَلَى شَرْطٍ وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَنَحْوُهُ عَنْ مَالِكٍ وَأَبِي عُبَيْدٍ .","part":15,"page":67},{"id":7067,"text":"( 5325 ) فَصْلٌ : وَإِنْ شَرَطَ الْخِيَارَ فِي الصَّدَاقِ خَاصَّةً لَمْ يَفْسُدْ النِّكَاحُ ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ يَنْفَرِدُ عَنْ ذِكْرِ الصَّدَاقِ ، وَلَوْ كَانَ الصَّدَاقُ حَرَامًا أَوْ فَاسِدًا لَمْ يَفْسُدْ النِّكَاحُ ، فَلَأَنْ لَا يَفْسُدَ بِشَرْطِ الْخِيَارِ فِيهِ أَوْلَى ، وَيُخَالِفُ الْبَيْعَ فَإِنَّهُ إذَا فَسَدَ أَحَدُ الْعِوَضَيْنِ فِيهِ فَسَدَ الْآخَرُ .\rفَإِذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَفِي الصَّدَاقِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ ، أَحَدُهَا : يَصِحُّ الصَّدَاقُ ، وَيَبْطُلُ شَرْطُ الْخِيَارِ ، كَمَا يَفْسُدُ الشَّرْطُ فِي النِّكَاحِ ، وَيَصِحُّ النِّكَاحُ .\rوَالثَّانِي : يَصِحُّ ، وَيَثْبُتُ الْخِيَارُ فِيهِ ؛ لِأَنَّ عَقْدَ الصَّدَاقِ عَقْدٌ مُنْفَرِدٌ يَجْرِي مَجْرَى الْأَثْمَانِ ، فَثَبَتَ فِيهِ الْخِيَارُ كَالْبِيَاعَاتِ .\rوَالثَّالِثُ : يَبْطُلُ الصَّدَاقُ ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَرْضَ بِهِ ، فَلَمْ يَلْزَمْهَا ، كَمَا لَوْ لَمْ يُوَافِقْهُ عَلَى شَيْءٍ .","part":15,"page":68},{"id":7068,"text":"( 5326 ) قَالَ : ( وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَتَزَوَّجَ امْرَأَةً ، فَلَهُ أَنْ يَنْظُرَ إلَيْهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَخْلُوَ بِهَا ) لَا نَعْلَمُ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ خِلَافًا فِي إبَاحَةِ النَّظَرِ إلَى الْمَرْأَةِ لِمَنْ أَرَادَ نِكَاحَهَا وَقَدْ رَوَى جَابِرٌ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : إذَا خَطَبَ أَحَدُكُمْ الْمَرْأَةَ ، فَإِنْ اسْتَطَاعَ أَنْ يَنْظُرَ إلَى مَا يَدْعُوهُ إلَى نِكَاحِهَا ، فَلْيَفْعَلْ قَالَ : فَخَطَبْت امْرَأَةً ، فَكُنْت أَتَخَبَّأُ لَهَا ، حَتَّى رَأَيْت مِنْهَا مَا دَعَانِي إلَى نِكَاحِهَا ، فَتَزَوَّجْتُهَا } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَفِي هَذَا أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ سِوَى هَذَا ؛ وَلِأَنَّ النِّكَاحَ عَقْدٌ يَقْتَضِي التَّمْلِيكَ ، فَكَانَ لِلْعَاقِدِ النَّظَرُ إلَى الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ ، كَالنَّظَرِ إلَى الْأَمَةِ الْمُسْتَامَةِ وَلَا بَأْسَ بِالنَّظَرِ إلَيْهَا بِإِذْنِهَا وَغَيْرِ إذْنِهَا .\rلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِالنَّظَرِ وَأَطْلَقَ ، وَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ : \" فَكُنْت أَتَخَبَّأُ لَهَا \" وَفِي حَدِيثٍ عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ، أَنَّهُ اسْتَأْذَنَ أَبَوَيْهَا فِي النَّظَرِ إلَيْهَا ، فَكَرِهَا ، فَأَذِنَتْ لَهُ الْمَرْأَةُ رَوَاهُ سَعِيدٌ وَلَا يَجُوزُ لَهُ الْخَلْوَةُ بِهَا ؛ لِأَنَّهَا مُحَرَّمَةٌ وَلَمْ يَرِدْ الشَّرْعُ بِغَيْرِ النَّظَرِ ، فَبَقِيَتْ عَلَى التَّحْرِيمِ ؛ وَلِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ مَعَ الْخَلْوَةِ مُوَاقَعَةُ الْمَحْظُورِ ، فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ ، فَإِنَّ ثَالِثَهُمَا الشَّيْطَانُ } وَلَا يَنْظُرُ إلَيْهَا نَظَرَ تَلَذُّذٍ وَشَهْوَةٍ ، وَلَا لِرِيبَةٍ قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ يَنْظُرُ إلَى الْوَجْهِ وَلَا يَكُونُ عَنْ طَرِيقِ لَذَّةٍ وَلَهُ أَنْ يُرَدِّدَ النَّظَرَ إلَيْهَا ، وَيَتَأَمَّلَ مَحَاسِنَهَا ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ لَا يَحْصُلُ إلَّا بِذَلِكَ .\r( 5327 ) فَصْلٌ : وَلَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي إبَاحَةِ النَّظَرِ إلَى وَجْهِهَا ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِعَوْرَةٍ ، وَهُوَ مَجْمَعُ الْمَحَاسِنِ ، وَمَوْضِعُ النَّظَرِ وَلَا","part":15,"page":69},{"id":7069,"text":"يُبَاحُ لَهُ النَّظَرُ إلَى مَا لَا يَظْهَرُ عَادَةً وَحُكِيَ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ أَنَّهُ يَنْظُرُ إلَى مَوَاضِعِ اللَّحْمِ وَعَنْ دَاوُد أَنَّهُ يَنْظُرُ إلَى جَمِيعِهَا ، لِظَاهِرِ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ { اُنْظُرْ إلَيْهَا } وَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى { : وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا } وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ : الْوَجْهُ ، وَبَاطِنُ الْكَفِّ .\rوَلِأَنَّ النَّظَرَ مُحَرَّمٌ أُبِيحَ لِلْحَاجَةِ ، فَيَخْتَصُّ بِمَا تَدْعُو الْحَاجَةُ إلَيْهِ ، وَهُوَ مَا ذَكَرْنَا .\rوَالْحَدِيثُ مُطْلَقٌ ، وَمَنْ نَظَرَ إلَى وَجْهِ إنْسَانٍ سُمِّيَ نَاظِرًا إلَيْهِ ، وَمَنْ رَآهُ وَعَلَيْهِ أَثْوَابُهُ سُمِّيَ رَائِيًا لَهُ ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ } { وَإِذَا رَآك الَّذِينَ كَفَرُوا } فَأَمَّا مَا يَظْهَرُ غَالِبًا سِوَى الْوَجْهِ ، كَالْكَفَّيْنِ وَالْقَدَمَيْنِ وَنَحْوِ ذَلِكَ ، مِمَّا تُظْهِرُهُ الْمَرْأَةُ فِي مَنْزِلِهَا فَفِيهِ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا : لَا يُبَاحُ النَّظَرُ إلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ عَوْرَةٌ فَلَمْ يُبَحْ النَّظَرُ إلَيْهِ ، كَاَلَّذِي لَا يَظْهَرُ ، فَإِنَّ عَبْد اللَّه رَوَى أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { الْمَرْأَةُ عَوْرَةٌ } حَدِيثٌ حَسَنٌ وَلِأَنَّ الْحَاجَةَ تَنْدَفِعُ بِالنَّظَرِ إلَى الْوَجْهِ .\rفَبَقِيَ مَا عَدَاهُ عَلَى التَّحْرِيمِ وَالثَّانِيَةُ : لَهُ النَّظَرُ إلَى ذَلِكَ .\rقَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ : لَا بَأْسَ أَنْ يَنْظُرَ إلَيْهَا ، وَإِلَى مَا يَدْعُوهُ إلَى نِكَاحِهَا ، مِنْ يَدٍ أَوْ جِسْمٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ .\rقَالَ أَبُو بَكْرٍ : لَا بَأْسَ أَنْ يَنْظُرَ إلَيْهَا عِنْدَ الْخِطْبَةِ حَاسِرَةً .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يَنْظُرُ إلَى الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ .\rوَوَجْهُ جَوَازِ النَّظَرِ مَا يَظْهَرُ غَالِبًا ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا أَذِنَ فِي النَّظَرِ إلَيْهَا مِنْ غَيْرِ عِلْمِهَا ، عُلِمَ أَنَّهُ أَذِنَ فِي النَّظَرِ إلَى جَمِيعِ مَا يَظْهَرُ عَادَةً إذْ لَا يُمْكِنُ إفْرَادُ الْوَجْهِ بِالنَّظَرِ مَعَ مُشَارَكَةِ غَيْرِهِ لَهُ فِي الظُّهُورِ ؛","part":15,"page":70},{"id":7070,"text":"وَلِأَنَّهُ يَظْهَرُ غَالِبًا ، فَأُبِيحَ النَّظَرُ إلَيْهِ كَالْوَجْهِ .\rوَلِأَنَّهَا امْرَأَةٌ أُبِيحَ لَهُ النَّظَرُ إلَيْهَا بِأَمْرِ الشَّارِعِ ، فَأُبِيحَ النَّظَرُ مِنْهَا إلَى ذَلِكَ ، كَذَوَاتِ الْمَحَارِمِ .\rوَقَدْ رَوَى سَعِيدٌ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ قَالَ : خَطَبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ابْنَةَ عَلِيٍّ فَذَكَرَ مِنْهَا صِغَرًا ، فَقَالُوا لَهُ : إنَّمَا رَدَّك فَعَاوِدْهُ ، فَقَالَ : نُرْسِلُ بِهَا إلَيْك تَنْظُرُ إلَيْهَا فَرَضِيَهَا ، فَكَشَفَ عَنْ سَاقِهَا .\rفَقَالَتْ : أَرْسِلْ ، فَلَوْلَا أَنَّك أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ لَلَطَمْت عَيْنَك .","part":15,"page":71},{"id":7071,"text":"( 5328 ) فَصْلٌ : وَيَحُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَنْظُرَ مِنْ ذَوَاتِ مَحَارِمِهِ إلَى مَا يَظْهَرُ غَالِبًا كَالرَّقَبَةِ وَالرَّأْسِ وَالْكَفَّيْنِ وَالْقَدَمَيْنِ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَلَيْسَ لَهُ النَّظَرُ إلَى مَا يَسْتَتِرُ غَالِبًا ، كَالصَّدْرِ وَالظَّهْرِ وَنَحْوِهِمَا .\rقَالَ الْأَثْرَمُ : سَأَلْت أَبَا عَبْد اللَّه عَنْ الرَّجُلِ يَنْظُرُ إلَى شَعْرِ امْرَأَةِ أَبِيهِ أَوْ امْرَأَةِ ابْنِهِ .\rفَقَالَ : هَذَا فِي الْقُرْآنِ : { وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ } إلَّا لِكَذَا وَكَذَا قُلْت : يَنْظُرُ إلَى سَاقِ امْرَأَةِ أَبِيهِ وَصَدْرِهَا قَالَ : لَا مَا يُعْجِبُنِي ثُمَّ قَالَ : أَنَا أَكْرَهُ أَنْ يَنْظُرَ مِنْ أُمِّهِ وَأُخْتِهِ إلَى مِثْلِ هَذَا ، وَإِلَى كُلِّ شَيْءٍ لِشَهْوَةٍ .\rوَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّ حُكْمَ الرَّجُلِ مَعَ ذَوَاتِ مَحَارِمِهِ حُكْمُ الرَّجُلِ مَعَ الرَّجُلِ ، وَالْمَرْأَةِ مَعَ الْمَرْأَةِ .\rوَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : كَرَاهِيَةُ أَحْمَدَ النَّظَرَ إلَى سَاقِ أُمِّهِ وَصَدْرِهَا عَلَى التَّوَقِّي ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَدْعُو إلَى الشَّهْوَةِ يَعْنِي أَنَّهُ يُكْرَهُ وَلَا يَحْرُمُ .\rوَمَنَعَ الْحَسَنُ وَالشَّعْبِيُّ وَالضَّحَّاكُ ، النَّظَرَ إلَى شَعْرِ ذَوَاتِ الْمَحَارِمِ فَرُوِيَ عَنْ هِنْدِ ابْنَةِ الْمُهَلَّبِ قَالَتْ : قُلْت لِلْحَسَنِ : يَنْظُرُ الرَّجُلُ إلَى قُرْطِ أُخْتِهِ أَوْ إلَى عُنُقِهَا ؟ قَالَ : لَا ، وَلَا كَرَامَةَ .\rوَقَالَ الضَّحَّاكُ : لَوْ دَخَلْت عَلَى أُمِّي لَقُلْت : أَيَّتُهَا الْعَجُوزُ ، غَطِّي شَعْرَك .\rوَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يُبَاحُ النَّظَرُ إلَى مَا يَظْهَرُ غَالِبًا ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ } الْآيَةَ وَقَالَتْ سَهْلَةُ بِنْتُ سُهَيْلٍ : { يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّا كُنَّا نَرَى سَالِمًا وَلَدًا ، كَانَ يَأْوِي مَعِي وَمَعَ أَبِي حُذَيْفَةَ فِي بَيْتٍ وَاحِدٍ ، وَيَرَانِي فَضْلًا وَقَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمْ مَا عَلِمْت ، فَكَيْفَ تَرَى فِيهِ ؟ فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْضِعِيهِ فَأَرْضَعَتْهُ خَمْسَ رَضَعَاتٍ ، فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ وَلَدِهَا } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ","part":15,"page":72},{"id":7072,"text":"يَنْظُرُ مِنْهَا إلَى مَا يَظْهَرُ غَالِبًا ، فَإِنَّهَا قَالَتْ : يَرَانِي فَضْلًا وَمَعْنَاهُ فِي ثِيَابِ الْبِذْلَةِ الَّتِي لَا تَسْتُرُ أَطْرَافَهَا .\rوَقَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ : فَجِئْت وَقَدْ نَضَّتْ لِنَوْمٍ ثِيَابَهَا لَدَى السِّتْرِ إلَّا لُبْسَةَ الْمُتَفَضِّلِ وَمِثْلُ هَذَا يَظْهَرُ مِنْهُ الْأَطْرَافُ وَالشَّعْرُ ، فَكَانَ يَرَاهَا كَذَلِكَ إذَا اعْتَقَدَتْهُ وَلَدًا ، ثُمَّ دَلَّهُمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَا يَسْتَدِيمُونَ بِهِ مَا كَانُوا يَعْتَقِدُونَهُ وَيَفْعَلُونَهُ .\rوَرَوَى الشَّافِعِيُّ فِي \" مُسْنَدِهِ \" عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ ، أَنَّهَا ارْتَضَعَتْ مِنْ أَسْمَاءَ امْرَأَةِ الزُّبَيْرِ قَالَتْ : فَكُنْت أَرَاهُ أَبًا ، وَكَانَ يَدْخُلُ عَلَيَّ وَأَنَا أَمْشُطُ رَأْسِي ، فَيَأْخُذُ بِبَعْضِ قُرُونِ رَأْسِي ، وَيَقُولُ : أَقْبِلِي عَلَيَّ .\rوَلِأَنَّ التَّحَرُّزَ مِنْ هَذَا لَا يُمْكِنُ .\rفَأُبِيحَ كَالْوَجْهِ ، وَمَا لَا يَظْهَرُ غَالِبًا لَا يُبَاحُ ؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ لَا تَدْعُو إلَى نَظَرِهِ ، وَلَا تُؤْمَنُ مَعَهُ الشَّهْوَةُ وَمُوَاقَعَةُ الْمَحْظُورِ ، فَحُرِّمَ النَّظَرُ إلَيْهِ كَمَا تَحْتَ السُّرَّةِ ( 5329 ) فَصْلٌ : وَذَوَاتُ مَحَارِمِهِ : كُلُّ مَنْ حُرِّمَ عَلَيْهِ نِكَاحُهَا عَلَى التَّأْبِيدِ ، بِنَسَبٍ أَوْ رَضَاعٍ أَوْ تَحْرِيمِ الْمُصَاهَرَةِ بِسَبَبٍ مُبَاحٍ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ حَدِيثِ سَالِمٍ وَزَيْنَبَ .\rوَعَنْ عَائِشَةَ { أَنَّ أَفْلَحَ أَخَا أَبِي الْقُعَيْسِ اسْتَأْذَنَ عَلَيْهَا بَعْدَ مَا أُنْزِلَ الْحِجَابُ ، فَأَبَتْ أَنْ تَأْذَنَ لَهُ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ائْذَنِي لَهُ ، فَإِنَّهُ عَمُّك ، تَرِبَتْ يَمِينُك } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى آبَاءَ بُعُولَتِهِنَّ ، وَأَبْنَاءَ بُعُولَتِهِنَّ ، كَمَا ذَكَرَ آبَاءَهُنَّ وَأَبْنَاءَهُنَّ فِي إبْدَاءِ الزِّينَةِ لَهُمْ وَتَوَقَّفَ أَحْمَدُ عَنْ النَّظَرِ إلَى شَعْرِ أُمِّ امْرَأَتِهِ وَبِنْتِهَا ؛ لِأَنَّهُمَا غَيْرُ مَذْكُورَتَيْنِ فِي الْآيَةِ قَالَ الْقَاضِي : إنَّمَا حَكَى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَلَمْ يَأْخُذْ بِهِ وَقَدْ صَرَّحَ فِي رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيِّ أَنَّهُ","part":15,"page":73},{"id":7073,"text":"مَحْرَمٌ يَجُوزُ لَهُ الْمُسَافَرَةُ بِهَا وَقَالَ ، فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ : سَاعَةَ يَعْقِدُ عُقْدَةَ النِّكَاحِ تَحْرُمُ عَلَيْهِ أُمُّ امْرَأَتِهِ ، فَلَهُ أَنْ يَرَى شَعْرَهَا وَمَحَاسِنَهَا ، لَيْسَتْ مِثْلَ الَّتِي يَزْنِي بِهَا ، لَا يَحِلُّ لَهُ أَبَدًا أَنْ يَنْظُرَ إلَى شَعْرِهَا ، وَلَا إلَى شَيْءٍ مِنْ جَسَدِهَا ، وَهِيَ حَرَامٌ عَلَيْهِ .","part":15,"page":74},{"id":7074,"text":"( 5330 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا أُمُّ الْمَزْنِيِّ بِهَا وَابْنَتُهَا ، فَلَا يَحِلُّ لَهُ النَّظَرُ إلَيْهِنَّ ، وَإِنْ حَرُمَ نِكَاحُهُنَّ ؛ لِأَنَّ تَحْرِيمَهُنَّ بِسَبَبٍ مُحَرِّمٍ ، فَلَمْ يُفِدْ إبَاحَةَ النَّظَرِ ، كَالْمُحَرَّمَةِ بِاللِّعَانِ ، وَكَذَلِكَ بِنْتُ الْمَوْطُوءَةِ بِشُبْهَةٍ وَأُمُّهَا ، لَيْسَتْ مِنْ ذَوَاتِ مَحَارِمِهِ وَكَذَلِكَ الْكَافِرُ لَيْسَ بِمَحْرَمٍ لِقَرَابَتِهِ الْمُسْلِمَةَ .\rقَالَ أَحْمَدُ فِي يَهُودِيٍّ أَوْ نَصْرَانِيٍّ أَسْلَمَتْ بِنْتُهُ : لَا يُسَافِرْ بِهَا ، لَيْسَ هُوَ مَحْرَمًا لَهَا .\rوَالظَّاهِرُ أَنَّهُ أَرَادَ لَيْسَ مَحْرَمًا لَهَا فِي السَّفَرِ ، أَمَّا النَّظَرُ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهَا الْحِجَابُ مِنْهُ { ؛ لِأَنَّ أَبَا سُفْيَانَ أَتَى الْمَدِينَةَ وَهُوَ مُشْرِكٌ ، فَدَخَلَ عَلَى ابْنَتِهِ أُمِّ حَبِيبَةَ فَطَوَتْ فِرَاشَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِئَلَّا يَجْلِسَ عَلَيْهِ ، وَلَمْ تَحْتَجِبْ مِنْهُ ، وَلَا أَمَرَهَا بِذَلِكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ } .","part":15,"page":75},{"id":7075,"text":"( 5331 ) فَصْلٌ : وَعَبْدُ الْمَرْأَةِ لَهُ النَّظَرُ إلَى وَجْهِهَا وَكَفَّيْهَا لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى { : أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ } وَرَوَتْ أُمُّ سَلَمَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { إذَا كَانَ لِإِحْدَاكُنَّ مُكَاتَبٌ ، فَمَلَكَ مَا يُؤَدِّي ، فَلْتَحْتَجِبْ مِنْهُ } قَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَعَنْ أَبِي قِلَابَةَ قَالَ : كَانَ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَحْتَجِبْنَ مِنْ مُكَاتَبٍ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِينَارٌ رَوَاهُ سَعِيدٌ فِي ( سُنَنِهِ ) وَعَنْ أَنَسٍ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَى فَاطِمَةَ بِعَبْدٍ قَدْ وَهَبَهُ لَهَا ، وَعَلَى فَاطِمَةَ ثَوْبٌ إذَا قَنَّعَتْ بِهِ رَأْسَهَا لَمْ يَبْلُغْ رِجْلَيْهَا ، وَإِذَا غَطَّتْ بِهِ رِجْلَيْهَا لَمْ يَبْلُغْ رَأْسَهَا ، فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا تَلْقَى ، قَالَ : إنَّهُ لَيْسَ عَلَيْك بَأْسٌ ، إنَّمَا هُوَ أَبُوك وَغُلَامُك } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَكَرِهَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ لَهُ أَنْ يَنْظُرَ إلَى شَعْرِ مَوْلَاتِهِ وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَطَاوُسٍ وَمُجَاهِدٍ وَالْحَسَنِ وَأَبَاحَ لَهُ ذَلِكَ ابْنُ عَبَّاسٍ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْآيَتَيْنِ وَالْخَبَرَيْنِ ؛ وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : { لِيَسْتَأْذِنْكُمْ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَاَلَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ إلَى قَوْلِهِ : لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ } وَلِأَنَّهُ يَشُقُّ التَّحَرُّزُ مِنْهُ ، فَأُبِيحَ لَهُ ذَلِكَ كَذَوِي الْمَحَارِمِ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ : هُوَ مَحْرَمٌ حُكْمُهُ حُكْمُ الْمَحَارِمِ مِنْ الْأَقَارِبِ ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الدَّلِيلِ ؛ وَلِأَنَّهُ مُحَرَّمٌ عَلَيْهَا ، فَكَانَ مَحْرَمًا كَالْأَقَارِبِ وَلَنَا مَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : سَفَرُ الْمَرْأَةِ مَعَ عَبْدِهَا ضَيْعَةٌ } رَوَاهُ سَعِيدٌ ؛ وَلِأَنَّهَا لَا تَحْرُمُ","part":15,"page":76},{"id":7076,"text":"عَلَيْهِ عَلَى التَّأْبِيدِ وَلَا يَحِلُّ لَهُ اسْتِمْتَاعُهَا ، فَلَمْ يَكُنْ مَحْرَمًا كَزَوْجِ أُخْتِهَا ؛ وَلِأَنَّهُ غَيْرُ مَأْمُونٍ عَلَيْهَا ، إذْ لَيْسَتْ بَيْنَهُمَا نَفْرَةُ الْمَحْرَمِيَّةِ ، وَالْمِلْكُ لَا يَقْتَضِي النَّفْرَةَ الطَّبِيعِيَّةَ ، بِدَلِيلِ السَّيِّدِ مَعَ أَمَتِهِ .\rوَإِنَّمَا أُبِيحَ لَهُ مِنْ النَّظَرِ مَا تَدْعُو الْحَاجَةُ إلَيْهِ ، كَالشَّاهِدِ وَالْمُبْتَاعِ وَنَحْوِهِمَا وَجَعَلَهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا كَالْأَجْنَبِيِّ ، لِمَا ذَكَرْنَاهُ وَالصَّحِيحُ مَا قُلْنَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .","part":15,"page":77},{"id":7077,"text":"( 5332 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا الْغُلَامُ ، فَمَا دَامَ طِفْلًا غَيْرَ مُمَيِّزٍ ، لَا يَجِبُ الِاسْتِتَارُ مِنْهُ فِي شَيْءٍ ، وَإِنْ عَقَلَ ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ إحْدَاهُمَا : حُكْمُهُ حُكْمُ ذِي الْمَحْرَمِ فِي النَّظَرِ .\rوَالثَّانِيَةُ : لَهُ النَّظَرُ إلَى مَا فَوْقَ السُّرَّةِ وَتَحْتَ الرُّكْبَةِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ { لِيَسْتَأْذِنْكُمْ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَاَلَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ } إلَى قَوْله تَعَالَى { لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ } إلَى قَوْلِهِ : { وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمْ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ } فَدَلَّ عَلَى التَّفْرِيقِ بَيْنَ الْبَالِغِ وَغَيْرِهِ .\rوَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ : أَبُو طَيْبَةَ حَجَمَ نِسَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ غُلَامٌ .\rوَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى قَوْلُهُ { أَوْ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ } وَقِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ : مَتَى تُغَطِّي الْمَرْأَةُ رَأْسَهَا مِنْ الْغُلَامِ ؟ قَالَ : إذَا بَلَغَ عَشْرَ سِنِينَ .","part":15,"page":78},{"id":7078,"text":"( 5333 ) فَصْلٌ : وَيُبَاحُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الزَّوْجَيْنِ النَّظَرُ إلَى جَمِيعِ بَدَنِ صَاحِبِهِ وَلَمْسُهُ حَتَّى الْفَرْجِ لِمَا رَوَى بَهْزُ بْنُ حَكِيمٍ عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ : { قُلْت : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، عَوْرَاتُنَا مَا نَأْتِي مِنْهَا وَمَا نَذَرُ ؟ فَقَالَ : احْفَظْ عَوْرَتَك ، إلَّا مِنْ زَوْجَتِك ، وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُك } رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ : حَدِيثٌ حَسَنٌ ؛ وَلِأَنَّ الْفَرْجَ يَحِلُّ لَهُ الِاسْتِمْتَاعُ بِهِ ، فَجَازَ النَّظَرُ إلَيْهِ وَلَمْسُهُ ، كَبَقِيَّةِ الْبَدَنِ .\rوَيُكْرَهُ النَّظَرُ إلَى الْفَرْجِ فَإِنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ : مَا رَأَيْت فَرْجَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَطُّ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَفِي لَفْظٍ قَالَتْ : مَا رَأَيْته مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا رَآهُ مِنِّي .\rوَقَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ فِي الْمَرْأَةِ تَقْعُدُ بَيْنَ يَدَيْ زَوْجِهَا وَفِي بَيْتِهَا مَكْشُوفَةً فِي ثِيَابٍ رِقَاقٍ : فَلَا بَأْسَ بِهِ قُلْت : تَخْرُجُ مِنْ الدَّارِ إلَى بَيْتٍ مَكْشُوفَةَ الرَّأْسِ وَلَيْسَ فِي الدَّارِ إلَّا هِيَ وَزَوْجُهَا ؟ فَرَخَّصَ فِي ذَلِكَ .","part":15,"page":79},{"id":7079,"text":"( 5334 ) فَصْلٌ : وَيُبَاحُ لِلسَّيِّدِ النَّظَرُ إلَى جَمِيعِ بَدَنِ أَمَتِهِ حَتَّى فَرْجِهَا لِمَا ذَكَرْنَا فِي الزَّوْجَيْنِ ، وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ سُرِّيَّتُهُ وَغَيْرُهَا ؛ لِأَنَّهُ مُبَاحٌ لَهُ الِاسْتِمْتَاعُ مِنْ جَمِيعِ بَدَنِهَا ، فَأُبِيحَ لَهُ النَّظَرُ إلَيْهِ فَإِنْ زَوَّجَ أَمَتَهُ حَرُمَ عَلَيْهِ الِاسْتِمْتَاعُ ، وَالنَّظَرُ مِنْهَا إلَى مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ ؛ لِأَنَّ عَمْرَو بْنَ شُعَيْبٍ رَوَى عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إذَا زَوَّجَ أَحَدُكُمْ خَادِمَهُ عَبْدَهُ أَوْ أَجِيرَهُ ، فَلَا يَنْظُرْ إلَى مَا دُونَ السُّرَّةِ وَفَوْقَ الرُّكْبَةِ ، فَإِنَّهُ عَوْرَةٌ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَمَفْهُومُهُ إبَاحَةُ النَّظَرِ إلَى مَا عَدَاهُ ، وَأَمَّا تَحْرِيمُ الِاسْتِمْتَاعِ بِهَا فَلَا شَكَّ فِيهِ وَلَا اخْتِلَافَ فَإِنَّهَا قَدْ صَارَتْ مُبَاحَةً لِلزَّوْجِ ، وَلَا تَحِلُّ الْمَرْأَةُ لِرَجُلَيْنِ فَإِنْ وَطِئَهَا ، لَزِمَهُ الْإِثْمُ وَالتَّعْزِيرُ ، وَإِنْ وَلَدَتْ فَقَالَ أَحْمَدُ : لَا يَلْحَقُهُ الْوَلَدُ ؛ لِأَنَّهَا فِرَاشٌ لِغَيْرِهِ ، فَلَمْ يَلْحَقْهُ وَلَدُهَا ، كَالْأَجْنَبِيَّةِ .","part":15,"page":80},{"id":7080,"text":"( 5335 ) فَصْلٌ : فِي مَنْ يُبَاحُ لَهُ النَّظَرُ مِنْ الْأَجَانِبِ .\rوَيُبَاحُ لِلطَّبِيبِ النَّظَرُ إلَى مَا تَدْعُو إلَيْهِ الْحَاجَةُ مِنْ بَدَنِهَا ، مِنْ الْعَوْرَةِ وَغَيْرِهَا ، فَإِنَّهُ مَوْضِعُ حَاجَةٍ ، وَقَدْ رُوِيَ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا حَكَّمَ سَعْدًا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ كَانَ يَكْشِفُ عَنْ مُؤْتَزَرِهِمْ } وَعَنْ عُثْمَانَ أَنَّهُ أُتِيَ بِغُلَامٍ قَدْ سَرَقَ ، فَقَالَ : اُنْظُرُوا إلَى مُؤْتَزَرِهِ فَلَمْ يَجِدُوهُ أَنْبَتَ الشَّعْرَ ، فَلَمْ يَقْطَعْهُ وَلِلشَّاهِدِ النَّظَرُ إلَى وَجْهِ الْمَشْهُودِ عَلَيْهَا ، لِتَكُونَ الشَّهَادَةُ وَاقِعَةً عَلَى عَيْنِهَا قَالَ أَحْمَدُ : لَا يَشْهَدُ عَلَى امْرَأَةٍ إلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ عَرَفَهَا بِعَيْنِهَا وَإِنْ عَامَلَ امْرَأَةً فِي بَيْعٍ أَوْ إجَارَةٍ .\rفَلَهُ النَّظَرُ إلَى وَجْهِهَا ، لِيَعْلَمَهَا بِعَيْنِهَا ، فَيَرْجِعَ عَلَيْهَا بِالدَّرَكِ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ كَرَاهَةُ ذَلِكَ فِي حَقِّ الشَّابَّةِ دُونَ الْعَجُوزِ .\rوَلَعَلَّهُ كَرِهَهُ لِمَنْ يَخَافُ الْفِتْنَةَ ، أَوْ يَسْتَغْنِي عَنْ الْمُعَامَلَةِ ، فَأَمَّا مَعَ الْحَاجَةِ وَعَدَمِ الشَّهْوَةِ ، فَلَا بَأْسَ .","part":15,"page":81},{"id":7081,"text":"( 5336 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا نَظَرُ الرَّجُلِ إلَى الْأَجْنَبِيَّةِ مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ ، فَإِنَّهُ مُحَرَّمٌ إلَى جَمِيعِهَا ، فِي ظَاهِرِ كَلَامِ أَحْمَدَ .\rقَالَ أَحْمَدُ : لَا يَأْكُلُ مَعَ مُطَلَّقَتِهِ ، هُوَ أَجْنَبِيٌّ لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَنْظُرَ إلَيْهَا ، كَيْفَ يَأْكُلُ مَعَهَا يَنْظُرُ إلَى كَفِّهَا ؟ ، لَا يَحِلُّ لَهُ ذَلِكَ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : يَحْرُمُ عَلَيْهِ النَّظَرُ إلَى مَا عَدَا الْوَجْهَ وَالْكَفَّيْنِ ؛ لِأَنَّهُ عَوْرَةٌ ، وَيُبَاحُ لَهُ النَّظَرُ إلَيْهَا مَعَ الْكَرَاهَةِ إذَا أَمِنَ الْفِتْنَةَ ، وَنَظَرَ لِغَيْرِ شَهْوَةٍ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا } قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : الْوَجْهَ وَالْكَفَّيْنِ وَرَوَتْ عَائِشَةُ { أَنَّ أَسْمَاءَ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ دَخَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ثِيَابٍ رِقَاقٍ ، فَأَعْرَضَ عَنْهَا ، وَقَالَ : يَا أَسْمَاءُ ، إنَّ الْمَرْأَةَ إذَا بَلَغَتْ الْمَحِيضَ لَمْ يَصْلُحْ أَنْ يُرَى مِنْهَا إلَّا هَذَا وَهَذَا وَأَشَارَ إلَى وَجْهِهِ وَكَفَّيْهِ } رَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ ، وَغَيْرُهُ ؛ وَلِأَنَّهُ لَيْسَ بِعَوْرَةٍ ، فَلَمْ يَحْرُمْ النَّظَرُ إلَيْهِ بِغَيْرِ رِيبَةٍ ، كَوَجْهِ الرَّجُلِ .\rوَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى { : وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ } وَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إذَا كَانَ لِإِحْدَاكُنَّ مُكَاتَبٌ ، فَمَلَكَ مَا يُؤَدِّي ، فَلْتَحْتَجِبْ مِنْهُ } { وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ، قَالَتْ : كُنْت قَاعِدَةً عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَا وَحَفْصَةُ فَاسْتَأْذَنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ احْتَجِبْنَ مِنْهُ } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد { وَكَانَ الْفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ رَدِيفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجَاءَتْهُ الْخَثْعَمِيَّةُ تَسْتَفْتِيهِ ، فَجَعَلَ الْفَضْلُ يَنْظُرُ إلَيْهَا وَتَنْظُرُ إلَيْهِ ، فَصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجْهَهُ عَنْهَا } وَعَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ","part":15,"page":82},{"id":7082,"text":"اللَّهِ ، قَالَ { سَأَلْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ نَظْرَةِ الْفُجَاءَةِ ، فَأَمَرَنِي أَنْ أَصْرِفَ بَصَرِي } حَدِيثٌ صَحِيحٌ وَعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَا تُتْبِعْ النَّظْرَةَ النَّظْرَةَ ، فَإِنَّمَا لَك الْأُولَى ، وَلَيْسَتْ لَك الْآخِرَةُ } رَوَاهُمَا أَبُو دَاوُد وَفِي إبَاحَةِ النَّظَرِ إلَى الْمَرْأَةِ إذَا أَرَادَ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا دَلِيلٌ عَلَى التَّحْرِيمِ عِنْدَ عَدَمِ ذَلِكَ ، إذْ لَوْ كَانَ مُبَاحًا عَلَى الْإِطْلَاقِ ، فَمَا وَجْهُ التَّخْصِيصِ لِهَذِهِ ؟ ، وَأَمَّا حَدِيثُ أَسْمَاءَ إنْ صَحَّ فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ كَانَ قَبْلَ نُزُولِ الْحِجَابِ ، فَنَحْمِلُهُ عَلَيْهِ .\r( 5337 ) فَصْلٌ : وَالْعَجُوزُ الَّتِي لَا يُشْتَهَى مِثْلُهَا ، لَا بَأْسَ بِالنَّظَرِ إلَى مَا يَظْهَرُ مِنْهَا غَالِبًا ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَالْقَوَاعِدُ مِنْ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا } الْآيَةَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ، فِي قَوْله تَعَالَى : { قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ } الْآيَةَ قَالَ : فَنَسَخَ وَاسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ : { وَالْقَوَاعِدُ مِنْ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا } الْآيَةَ وَفِي مَعْنَى ذَلِكَ الشَّوْهَاءُ الَّتِي لَا تُشْتَهَى .","part":15,"page":83},{"id":7083,"text":"( 5338 ) فَصْلٌ : وَالْأَمَةُ يُبَاحُ النَّظَرُ مِنْهَا إلَى مَا يَظْهَرُ غَالِبًا ، كَالْوَجْهِ ، وَالرَّأْسِ ، وَالْيَدَيْنِ ، وَالسَّاقَيْنِ ؛ لِأَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ رَأَى أَمَةً مُتَلَثِّمَةً فَضَرَبَهَا بِالدِّرَّةِ وَقَالَ : يَا لَكَاعِ ، تَتَشَبَّهِينَ بِالْحَرَائِرِ .\rوَرَوَى أَبُو حَفْصٍ بِإِسْنَادِهِ ، أَنَّ عُمَرَ كَانَ لَا يَدَعُ أَمَةً تَقَنَّعُ فِي خِلَافَتِهِ ، وَقَالَ : إنَّمَا الْقِنَاعُ لِلْحَرَائِرِ .\rوَلَوْ كَانَ نَظَرُ ذَلِكَ مِنْهَا مُحَرَّمًا لَمْ يَمْنَعْ مِنْ سَتْرِهِ ، بَلْ أَمَرَ بِهِ وَقَدْ رَوَى أَنَسٌ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا أَخَذَ صَفِيَّةَ قَالَ النَّاسُ : لَا نَدْرِي ، أَجَعَلَهَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ ، أَمْ أُمَّ وَلَدٍ ؟ فَقَالُوا : إنْ حَجَبَهَا فَهِيَ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ ، وَإِنْ لَمْ يَحْجُبْهَا فَهِيَ أُمُّ وَلَدٍ .\rفَلَمَّا رَكِبَ ، وَطَّأَ لَهَا خَلْفَهُ ، وَمَدَّ الْحِجَابَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ عَدَمَ حَجْبِ الْإِمَاءِ كَانَ مُسْتَفِيضًا بَيْنَهُمْ مَشْهُورًا ، وَأَنَّ الْحَجْبَ لِغَيْرِهِنَّ كَانَ مَعْلُومًا .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ : يُبَاحُ النَّظَرُ مِنْهَا إلَى مَا لَيْسَ بِعَوْرَةٍ ، وَهُوَ مَا فَوْقَ السُّرَّةِ وَتَحْتَ الرُّكْبَةِ وَسَوَّى بَعْضُ أَصْحَابِنَا بَيْنَ الْحُرَّةِ وَالْأَمَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى { : وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ } الْآيَةَ ؛ وَلِأَنَّ الْعِلَّةَ فِي تَحْرِيمِ النَّظَرِ الْخَوْفُ مِنْ الْفِتْنَةِ وَالْفِتْنَةُ الْمَخُوفَةُ تَسْتَوِي فِيهَا الْحُرَّةُ وَالْأَمَةُ ، فَإِنَّ الْحُرِّيَّةَ حُكْمٌ لَا يُؤَثِّرُ فِي الْأَمْرِ الطَّبِيعِيِّ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا مَا يَدُلُّ عَلَى التَّخْصِيصِ ، وَيُوجِبُ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا ، وَإِنْ لَمْ يَفْتَرِقَا فِيمَا ذَكَرُوهُ افْتَرَقَا فِي الْحُرْمَةِ ، وَفِي مَشَقَّةِ السَّتْرِ ، لَكِنْ إنْ كَانَتْ الْأَمَةُ جَمِيلَةً يُخَافُ الْفِتْنَةُ بِهَا ، حَرُمَ النَّظَرُ إلَيْهَا ، كَمَا يَحْرُمُ النَّظَرُ إلَى الْغُلَامِ الَّذِي تُخْشَى الْفِتْنَةُ بِالنَّظَرِ إلَيْهِ .\rقَالَ أَحْمَدُ فِي الْأَمَةِ إذَا كَانَتْ جَمِيلَةً : تَنْتَقِبُ ، وَلَا","part":15,"page":84},{"id":7084,"text":"يُنْظَرُ إلَى الْمَمْلُوكَةِ ، كَمْ مِنْ نَظْرَةٍ أَلْقَتْ فِي قَلْبِ صَاحِبِهَا الْبَلَابِلَ .","part":15,"page":85},{"id":7085,"text":"( 5339 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا الطِّفْلَةُ الَّتِي لَا تَصْلُحُ لِلنِّكَاحِ ، فَلَا بَأْسَ بِالنَّظَرِ إلَيْهَا قَالَ أَحْمَدُ ، فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ فِي رَجُلٍ يَأْخُذُ الصَّغِيرَةَ فَيَضَعُهَا فِي حِجْرِهِ ، وَيُقَبِّلُهَا : فَإِنْ كَانَ يَجِدُ شَهْوَةً فَلَا ، وَإِنْ كَانَ لِغَيْرِ شَهْوَةٍ ، فَلَا بَأْسَ .\rوَقَدْ رَوَى أَبُو بَكْرٍ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ حَفْصٍ الْمَدِينِيِّ أَنَّ الزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ أَرْسَلَ بِابْنَةٍ لَهُ إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ مَعَ مَوْلَاةٍ لَهُ ، فَأَخَذَهَا عُمَرُ بِيَدِهِ ، وَقَالَ : ابْنَةُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ .\rفَتَحَرَّكَتْ الْأَجْرَاسُ مِنْ رِجْلِهَا فَأَخَذَهَا عُمَرُ فَقَطَعَهَا ، وَقَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : مَعَ كُلِّ جَرَسٍ شَيْطَانٌ } فَأَمَّا إذَا بَلَغَتْ حَدًّا تَصْلُحُ لِلنِّكَاحِ .\rكَابْنَةِ تِسْعٍ ، فَإِنَّ عَوْرَتَهَا مُخَالِفَةٌ لِعَوْرَةِ الْبَالِغَةِ ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ { : لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ حَائِضٍ إلَّا بِخِمَارٍ } فَدَلَّ عَلَى صِحَّةِ الصَّلَاةِ مِمَّنْ لَمْ تَحِضْ مَكْشُوفَةَ الرَّأْسِ ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ حُكْمُهَا حُكْمَ ذَوَاتِ الْمَحَارِمِ ، كَقَوْلِنَا فِي الْغُلَامِ الْمُرَاهِقِ مَعَ النِّسَاءِ .\rوَقَدْ رَوَى أَبُو بَكْرٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ ، قَالَ : قَالَتْ عَائِشَةُ : دَخَلَتْ عَلَيَّ ابْنَةُ أَخِي مُزَيَّنَةً ، فَدَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَعْرَضَ ، فَقُلْت : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنَّهَا ابْنَةُ أَخِي وَجَارِيَةٌ فَقَالَ { : إذَا عَرَكَتْ الْمَرْأَةُ لَمْ يَجُزْ لَهَا أَنْ تُظْهِرَ إلَّا وَجْهَهَا وَإِلَّا مَا دُونَ هَذَا وَقَبَضَ عَلَى ذِرَاعِ نَفْسِهِ ، فَتَرَكَ بَيْنَ قَبْضَتِهِ وَبَيْنَ الْكَفِّ مِثْلَ قَبْضَةٍ أُخْرَى أَوْ نَحْوِهَا } وَذَكَرَ حَدِيثَ أَسْمَاءَ { : إذَا بَلَغَتْ الْمَحِيضَ لَمْ يَصْلُحْ أَنْ يُرَى مِنْهَا إلَّا هَذَا وَهَذَا وَأَشَارَ إلَى وَجْهِهِ وَكَفَّيْهِ } وَاحْتَجَّ أَحْمَدُ بِهَذَا الْحَدِيثِ ، وَتَخْصِيصُ الْحَائِضِ بِهَذَا التَّحْدِيدِ دَلِيلٌ عَلَى إبَاحَةِ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فِي حَقِّ غَيْرِهَا .","part":15,"page":86},{"id":7086,"text":"( 5340 ) فَصْلٌ : وَمَنْ ذَهَبَتْ شَهْوَتُهُ مِنْ الرِّجَالِ ، لِكِبَرٍ ، أَوْ عُنَّةٍ ، أَوْ مَرَضٍ لَا يُرْجَى بُرْؤُهُ ، أَوْ الْخَصِيُّ ، أَوْ الشَّيْخُ ، أَوْ الْمُخَنَّثُ الَّذِي لَا شَهْوَةَ لَهُ ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ ذِي الْمَحْرَمِ فِي النَّظَرِ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { أَوْ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنْ الرِّجَالِ } أَيْ : غَيْرِ أُولِي الْحَاجَةِ إلَى النِّسَاءِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : هُوَ الَّذِي لَا تَسْتَحِي مِنْهُ النِّسَاءُ وَعَنْهُ : هُوَ الْمُخَنَّثُ الَّذِي لَا يَقُومُ زُبُّهُ وَعَنْ مُجَاهِدٍ وَقَتَادَةَ الَّذِي لَا أَرَبَ لَهُ فِي النِّسَاءِ فَإِنْ كَانَ الْمُخَنَّثُ ذَا شَهْوَةٍ .\rوَيَعْرِفُ أَمْرَ النِّسَاءِ ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ غَيْرِهِ ؛ لِأَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ : { دَخَلَ عَلَى أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُخَنَّثٌ ، فَكَانُوا يَعُدُّونَهُ مِنْ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ فَدَخَلَ عَلَيْنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَنْعَتُ امْرَأَةً ، أَنَّهَا إذَا أَقْبَلَتْ أَقْبَلَتْ بِأَرْبَعٍ ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ أَدْبَرَتْ بِثَمَانٍ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَلَا أَرَى هَذَا يَعْلَمُ مَا هَاهُنَا ؟ لَا يَدْخُلَنَّ عَلَيْكُمْ هَذَا فَحَجَبُوهُ } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ .\rقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ لَيْسَ الْمُخَنَّثُ الَّذِي تُعْرَفُ فِيهِ الْفَاحِشَةُ خَاصَّةً ، وَإِنَّمَا التَّخْنِيثُ شِدَّةُ التَّأْنِيثِ فِي الْخِلْقَةِ ، حَتَّى يُشْبِهَ الْمَرْأَةَ فِي اللِّينِ ، وَالْكَلَامِ ، وَالنَّظَرِ ، وَالنَّغْمَةِ ، وَالْعَقْلِ ، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ فِي النِّسَاءِ إرْبٌ ، وَكَانَ لَا يَفْطِنُ لِأُمُورِ النِّسَاءِ ، وَهُوَ مِنْ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ الَّذِينَ أُبِيحَ لَهُمْ الدُّخُولُ عَلَى النِّسَاءِ ، أَلَا تَرَى أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ الْمُخَنَّثَ مِنْ الدُّخُولِ عَلَى نِسَائِهِ ، فَلَمَّا سَمِعَهُ يَصِفُ ابْنَةَ غَيْلَانَ ، وَفَهِمَ أَمْرَ النِّسَاءِ ، أَمَرَ بِحَجْبِهِ ؟ .","part":15,"page":87},{"id":7087,"text":"( 5341 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا الرَّجُلُ مَعَ الرَّجُلِ ، فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا النَّظَرُ مِنْ صَاحِبِهِ إلَى مَا لَيْسَ بِعَوْرَةٍ وَفِي حَدِّهَا رِوَايَتَانِ إحْدَاهُمَا : مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ .\rوَالْأُخْرَى : الْفَرْجَانِ .\rوَقَدْ ذَكَرْنَاهُمَا فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْأَمْرَدِ وَذِي اللِّحْيَةِ ، إلَّا أَنَّ الْأَمْرَدَ إنْ كَانَ جَمِيلًا ، يُخَافُ الْفِتْنَةُ بِالنَّظَرِ إلَيْهِ لَمْ يَجُزْ تَعَمُّدُ النَّظَرِ إلَيْهِ .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ الشَّعْبِيِّ قَالَ : { قَدِمَ وَفْدُ عَبْدِ الْقَيْسِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِيهِمْ غُلَامٌ أَمْرُدُ ، ظَاهِرُ الْوَضَاءَةِ ، فَأَجْلَسَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَاءَ ظَهْرِهِ } رَوَاهُ أَبُو حَفْصٍ .\rقَالَ الْمَرُّوذِيُّ : سَمِعْت أَبَا بَكْرٍ الْأَعْيَنَ يَقُولُ : قَدِمَ عَلَيْنَا إنْسَانٌ مِنْ خُرَاسَانَ ، صَدِيقٌ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ ، وَمَعَهُ غُلَامٌ ابْنُ أُخْتٍ لَهُ ، وَكَانَ جَمِيلًا ، فَمَضَى إلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ فَحَدَّثَهُ ، فَلَمَّا قُمْنَا خَلَا بِالرَّجُلِ ، وَقَالَ لَهُ : مَنْ هَذَا الْغُلَامُ مِنْك ؟ قَالَ : ابْنُ أُخْتِي .\rقَالَ : إذَا جِئْتنِي لَا يَكُونُ مَعَك ، وَاَلَّذِي أَرَى لَك أَنْ لَا يَمْشِيَ مَعَك فِي طَرِيقٍ .\rفَأَمَّا الْغُلَامُ الَّذِي لَمْ يَبْلُغْ سَبْعًا فَلَا عَوْرَةَ لَهُ يَحْرُمُ النَّظَرُ إلَيْهَا وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ أَبِيهِ قَالَ : { كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : فَجَاءَ الْحَسَنُ فَجَعَلَ يَتَمَرَّغُ عَلَيْهِ فَوَقَعَ مُقَدَّمُ قَمِيصِهِ ، أَرَاهُ قَالَ : فَقَبَّلَ زَبِيبَتَهُ .\r} رَوَاهُ أَبُو حَفْصٍ .","part":15,"page":88},{"id":7088,"text":"( 5342 ) فَصْلٌ : وَحُكْمُ الْمَرْأَةِ مَعَ الْمَرْأَةِ حُكْمُ الرَّجُلِ مَعَ الرَّجُلِ سَوَاءٌ ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْمُسْلِمَتَيْنِ ، وَبَيْنَ الْمُسْلِمَةِ وَالذِّمِّيَّةِ ، كَمَا لَا فَرْقَ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ الْمُسْلِمَيْنِ ، وَبَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالذِّمِّيِّ ، فِي النَّظَرِ .\rقَالَ أَحْمَدُ : ذَهَبَ بَعْضُ النَّاسِ إلَى أَنَّهَا لَا تَضَعُ خِمَارَهَا عِنْدَ الْيَهُودِيَّةِ وَالنَّصْرَانِيَّةِ ، وَأَمَّا أَنَا فَأَذْهَبُ إلَى أَنَّهَا لَا تَنْظُرُ إلَى الْفَرْجِ ، وَلَا تَقْبَلُهَا حِينَ تَلِدُ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى : أَنَّ الْمُسْلِمَةَ لَا تَكْشِفُ قِنَاعَهَا عِنْدَ الذِّمِّيَّةِ ، وَلَا تَدْخُلُ مَعَهَا الْحَمَّامَ .\rوَهُوَ قَوْلُ مَكْحُولٍ وَسُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى لِقَوْلِهِ تَعَالَى { : أَوْ نِسَائِهِنَّ } وَالْأَوَّلُ أَوْلَى ؛ لِأَنَّ النِّسَاءَ الْكَوَافِرَ مِنْ الْيَهُودِيَّاتِ وَغَيْرِهِنَّ ، قَدْ كُنَّ يَدْخُلْنَ عَلَى نِسَاءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يَكُنَّ يَحْتَجِبْنَ ، وَلَا أُمِرْنَ بِحِجَابٍ وَقَدْ { قَالَتْ عَائِشَةُ : جَاءَتْ يَهُودِيَّةٌ تَسْأَلُهَا ، فَقَالَتْ : أَعَاذَك اللَّهُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ ، فَسَأَلَتْ عَائِشَةُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَذَكَرَ الْحَدِيثَ .\r} وَقَالَتْ أَسْمَاءُ : { قَدِمَتْ عَلَيَّ أُمِّي ، وَهِيَ رَاغِبَةٌ - يَعْنِي عَنْ الْإِسْلَامِ - فَسَأَلْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَصِلُهَا ؟ قَالَ نَعَمْ } ؛ وَلِأَنَّ الْحَجْبَ بَيْنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ لِمَعْنًى لَا يُوجَدُ بَيْنَ الْمُسْلِمَةِ وَالذِّمِّيَّةِ ، فَوَجَبَ أَنْ لَا يَثْبُتَ الْحَجْبُ بَيْنَهُمَا ، كَالْمُسْلِمِ مَعَ الذِّمِّيِّ ؛ وَلِأَنَّ الْحِجَابَ إنَّمَا يَجِبُ بِنَصٍّ أَوْ قِيَاسٍ وَلَمْ يُوجَدْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا فَأَمَّا قَوْلُهُ { : أَوْ نِسَائِهِنَّ } فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ جُمْلَةَ النِّسَاءِ .","part":15,"page":89},{"id":7089,"text":"( 5343 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا نَظَرُ الْمَرْأَةِ إلَى الرَّجُلِ ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ ، إحْدَاهُمَا : لَهَا النَّظَرُ إلَى مَا لَيْسَ بِعَوْرَةٍ .\rوَالْأُخْرَى : لَا يَجُوزُ لَهَا النَّظَرُ مِنْ الرَّجُلِ إلَّا إلَى مِثْلِ مَا يَنْظُرُ إلَيْهِ مِنْهَا .\rاخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ وَهَذَا أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ لِمَا رَوَى الزُّهْرِيُّ عَنْ نَبْهَانَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ : { كُنْت قَاعِدَةً عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَا وَحَفْصَةُ فَاسْتَأْذَنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : احْتَجِبْنَ مِنْهُ فَقُلْت : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنَّهُ ضَرِيرٌ لَا يُبْصِرُ قَالَ : أَفَعَمْيَاوَانِ أَنْتُمَا لَا تُبْصِرَانِهِ ، } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَغَيْرُهُ ؛ وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ النِّسَاءَ بِغَضِّ أَبْصَارِهِنَّ ، كَمَا أَمَرَ الرِّجَالَ بِهِ ؛ وَلِأَنَّ النِّسَاءَ أَحَدُ نَوْعَيْ الْآدَمِيِّينَ ، فَحَرُمَ ، عَلَيْهِنَّ النَّظَرُ إلَى النَّوْعِ الْآخَرِ قِيَاسًا عَلَى الرِّجَالِ ، يُحَقِّقُهُ أَنَّ الْمَعْنَى الْمُحَرِّمَ لِلنَّظَرِ خَوْفُ الْفِتْنَةِ ، وَهَذَا فِي الْمَرْأَةِ أَبْلَغُ ، فَإِنَّهَا أَشَدُّ شَهْوَةً ، وَأَقَلُّ عَقْلًا ، فَتُسَارِعُ الْفِتْنَةُ إلَيْهَا أَكْثَرَ .\rوَلَنَا { ، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَفَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ : اعْتَدِّي فِي بَيْتِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ ، فَإِنَّهُ رَجُلٌ أَعْمَى ، تَضَعِينَ ثِيَابَكَ فَلَا يَرَاكِ } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ { .\rوَقَالَتْ عَائِشَةُ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتُرُنِي بِرِدَائِهِ ، وَأَنَا أَنْظُرُ إلَى الْحَبَشَةِ يَلْعَبُونَ فِي الْمَسْجِدِ } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ { .\rوَيَوْمَ فَرَغَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ خُطْبَةِ الْعِيدِ ، مَضَى إلَى النِّسَاءِ فَذَكَّرَهُنَّ ، وَمَعَهُ بِلَالٌ فَأَمَرَهُنَّ بِالصَّدَقَةِ } ؛ وَلِأَنَّهُنَّ لَوْ مُنِعْنَ النَّظَرَ ، لَوَجَبَ عَلَى الرِّجَالِ الْحِجَابُ ، كَمَا وَجَبَ عَلَى النِّسَاءِ ، لِئَلَّا يَنْظُرْنَ إلَيْهِمْ .\rفَأَمَّا حَدِيثُ نَبْهَانَ فَقَالَ أَحْمَدُ : نَبْهَانُ رَوَى حَدِيثَيْنِ عَجِيبَيْنِ .","part":15,"page":90},{"id":7090,"text":"يَعْنِي هَذَا الْحَدِيثَ ، وَحَدِيثَ { : إذَا كَانَ لِإِحْدَاكُنَّ مُكَاتَبٌ ، فَلْتَحْتَجِبْ مِنْهُ } وَكَأَنَّهُ أَشَارَ إلَى ضَعْفِ حَدِيثِهِ .\rإذْ لَمْ يَرْوِ إلَّا هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ الْمُخَالِفَيْنِ لِلْأُصُولِ .\rوَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : نَبْهَانُ مَجْهُولٌ ، لَا يُعْرَفُ إلَّا بِرِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ عَنْهُ هَذَا الْحَدِيثَ ، وَحَدِيثُ فَاطِمَةَ صَحِيحٌ فَالْحُجَّةُ بِهِ لَازِمَةٌ ثُمَّ يُحْتَمَلُ أَنَّ حَدِيثَ نَبْهَانَ خَاصٌّ لِأَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَذَلِكَ قَالَ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد قَالَ الْأَثْرَمُ : قُلْت لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ : كَانَ حَدِيثُ نَبْهَانَ لِأَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَاصَّةً وَحَدِيثُ فَاطِمَةَ لِسَائِرِ النَّاسِ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، وَإِنْ قُدِّرَ التَّعَارُضُ فَتَقْدِيمُ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ أَوْلَى مِنْ الْأَخْذِ بِحَدِيثٍ مُفْرَدٍ ، فِي إسْنَادِهِ مَقَالٌ .","part":15,"page":91},{"id":7091,"text":"( 5344 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَإِذَا زَوَّجَ أَمَتَهُ ، وَشَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ تَكُونَ عِنْدَهُمْ بِالنَّهَارِ ، وَيَبْعَثَ بِهَا إلَيْهِ بِاللَّيْلِ ، فَالْعَقْدُ وَالشَّرْطُ جَائِزَانِ ، وَعَلَى الزَّوْجِ النَّفَقَةُ مُدَّةَ مُقَامِهَا عِنْدَهُ ) أَمَّا الشَّرْطُ : فَصَحِيحٌ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُخِلُّ بِمَقْصُودِ النِّكَاحِ ، فَإِنَّ الِاسْتِمْتَاعَ إنَّمَا يَكُونُ لَيْلًا ، وَإِذَا كَانَ الشَّرْطُ صَحِيحًا لَمْ يَمْنَعْ صِحَّةَ الْعَقْدِ ، فَيَكُونَانِ صَحِيحَيْنِ .\rوَعَلَى الزَّوْجِ النَّفَقَةُ فِي اللَّيْلِ ؛ لِأَنَّهَا سُلِّمَتْ إلَيْهِ فِيهِ ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ نَفَقَةُ النَّهَارِ ؛ لِأَنَّهَا فِي مُقَابَلَةِ الِاسْتِمْتَاعِ ، وَهُوَ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ الِاسْتِمْتَاعِ بِهَا فِي تِلْكَ الْحَالِ .\rوَإِذَا لَمْ تَجِبْ نَفَقَةُ النَّهَارِ عَلَى الزَّوْجِ ، وَجَبَتْ عَلَى السَّيِّدِ ؛ لِأَنَّهَا فِي خِدْمَتِهِ حِينَئِذٍ ؛ وَلِأَنَّهَا بَاقِيَةٌ عَلَى الْأَصْلِ فِي وُجُوبِهَا عَلَى السَّيِّدِ ، فَتَكُونُ نَفَقَتُهَا بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ وَكَذَلِكَ الْكُسْوَةُ .\rوَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ : لَيْسَ عَلَى الزَّوْجِ شَيْءٌ مِنْ النَّفَقَةِ ؛ لِأَنَّهَا لَا تَجِبُ إلَّا بِالتَّمْكِينِ التَّامِّ ، وَلَمْ يُوجَدْ ، فَلَمْ يَجِبْ مِنْهَا شَيْءٌ كَالْحُرَّةِ إذَا بَذَلَتْ التَّسْلِيمَ فِي بَعْضِ الزَّمَانِ دُونَ بَعْضٍ .\rوَلَنَا أَنَّ النَّفَقَةَ عِوَضٌ فِي مُقَابَلَةِ الْمَنْفَعَةِ ، فَوَجَبَ مِنْهَا بِقَدْرِ مَا يَسْتَوْفِيهِ ، كَالْأُجْرَةِ فِي الْإِجَارَةِ ، وَفَارَقَتْ الْحُرَّةَ ؛ لِأَنَّ التَّسْلِيمَ عَلَيْهَا وَاجِبٌ فِي جَمِيعِ الزَّمَانِ ، فَإِذَا امْتَنَعَتْ مِنْهُ فِي الْبَعْضِ ، فَلَمْ تُسَلِّمْ مَا وَجَبَ عَلَيْهَا تَسْلِيمُهُ ، وَهَاهُنَا قَدْ سَلَّمَ السَّيِّدُ جَمِيعَ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ .\rفَصْلٌ : فَإِنْ زَوَّجَهَا مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ فَقَالَ الْقَاضِي : الْحُكْمُ فِيهِ كَمَا لَوْ شَرَطَ ، وَلَهُ اسْتِخْدَامُهَا نَهَارًا ، وَعَلَيْهِ إرْسَالُهَا لَيْلًا لِلِاسْتِمْتَاعِ بِهَا ؛ لِأَنَّهُ زَمَانُهُ ، وَذَلِكَ لِأَنَّ السَّيِّدَ يَمْلِكُ مِنْ أَمَتِهِ مَنْفَعَتَيْنِ ، مَنْفَعَةَ الِاسْتِخْدَامِ وَالِاسْتِمْتَاعِ ، فَإِذَا عَقَدَ عَلَى","part":15,"page":92},{"id":7092,"text":"إحْدَاهُمَا ، لَمْ يَلْزَمْهُ تَسْلِيمُهَا إلَّا فِي زَمَنِ اسْتِيفَائِهَا ، كَمَا لَوْ أَجَّرَهَا لِلْخِدْمَةِ ، لَمْ يَلْزَمْهُ تَسْلِيمُهَا إلَّا فِي زَمَنِهَا وَهُوَ النَّهَارُ ، وَالنَّفَقَةُ بَيْنَهُمَا عَلَى قَدْرِ إقَامَتِهَا عِنْدَهُمَا وَإِنْ تَبَرَّعَ السَّيِّدُ بِإِرْسَالِهَا لَيْلًا وَنَهَارًا ، فَالنَّفَقَةُ كُلُّهَا عَلَى الزَّوْجِ ، وَإِنْ تَبَرَّعَ الزَّوْجُ بِتَرْكِهَا عِنْدَ السَّيِّدِ لَيْلًا وَنَهَارًا ، لَمْ تَسْقُطْ نَفَقَتُهَا عَنْهُ .\rوَلَوْ تَبَرُّعُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِتَرْكِهَا عِنْدَ الْآخَرِ ، وَتَدَافَعَاهَا ، كَانَتْ نَفَقَتُهَا كُلُّهَا عَلَى الزَّوْجِ ؛ لِأَنَّ الزَّوْجِيَّةَ تَقْتَضِي وُجُوبَ النَّفَقَةِ ، مَا لَمْ يُمْنَعْ مِنْ اسْتِمْتَاعِهَا ، عُدْوَانًا أَوْ بِشَرْطٍ أَوْ نَحْوِهِ ، وَلِذَلِكَ تَجِبُ نَفَقَتُهَا مَعَ تَعَذُّرِ اسْتِمْتَاعِهَا بِمَرَضٍ أَوْ حَيْضٍ أَوْ نَحْوِهِمَا فَإِذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ السَّيِّدِ هَاهُنَا مَنْعٌ فَالنَّفَقَةُ عَلَى الزَّوْجِ ؛ لِوُجُودِ الزَّوْجِيَّةِ الْمُقْتَضِيَةِ لَهَا ، وَعَدَمِ الْمَانِعِ مِنْهَا .\r( 5346 ) فَصْلٌ : فَإِنْ أَرَادَ الزَّوْجُ السَّفَرَ بِهَا ، لَمْ يَمْلِكْ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ يُفَوِّتُ خِدْمَتَهَا الْمُسْتَحَقَّةَ لِسَيِّدِهَا ، وَإِنْ أَرَادَ السَّيِّدُ السَّفَرَ بِهَا ، فَقَدْ تَوَقَّفَ أَحْمَدُ عَنْ ذَلِكَ ، وَقَالَ : مَا أَدْرِي .\rفَيُحْتَمَلُ الْمَنْعُ مِنْهُ ؛ لِأَنَّهُ يُفَوِّتُ حَقَّ الزَّوْجِ مِنْهَا ، فَمُنِعَ مِنْهُ ، قِيَاسًا عَلَى مَا لَوْ مَنَعَهُ مِنْهُ مَعَ الْإِقَامَةِ ؛ وَلِأَنَّهُ مَالِكٌ لِإِحْدَى مَنْفَعَتَيْهَا ، فَلَمْ يَمْلِكْ مَنْعَ الْآخَرِ مِنْ السَّفَرِ بِهَا ، كَالسَّيِّدِ ، وَكَمَا لَوْ أَجَّرَهَا ثُمَّ أَرَادَ السَّفَرَ بِهَا وَيُحْتَمَلُ أَنَّ لَهُ السَّفَرَ بِهَا ؛ لِأَنَّهُ مَالِكُ رَقَبَتِهَا ، كَسَيِّدِ الْعَبْدِ إذَا زَوَّجَهُ ، وَإِنْ شَرَطَ الزَّوْجُ أَنْ تُسَلَّمَ إلَيْهِ الْأَمَةُ لَيْلًا وَنَهَارًا ، جَازَ وَعَلَيْهِ نَفَقَتُهَا كُلُّهَا ، وَلَيْسَ لِلسَّيِّدِ السَّفَرُ بِهَا ؛ لِأَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ فِي نَفْعِهَا .","part":15,"page":93},{"id":7093,"text":"( 5347 ) فَصْلٌ : وَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ أَرَادَ التَّزَوُّجَ أَنْ يَخْتَارَ ذَاتَ الدِّينِ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لِمَالِهَا ، وَلِحَسَبِهَا ، وَلِجَمَالِهَا وَلِدِينِهَا ، فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاك } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَيَخْتَارُ الْبِكْرَ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : أَتَزَوَّجْت يَا جَابِرُ ؟ قَالَ : قُلْت : نَعَمْ قَالَ : بِكْرًا أَمْ ثَيِّبًا ؟ قَالَ : قُلْت : بَلْ ثَيِّبًا قَالَ : فَهَلَّا بِكْرًا تُلَاعِبُهَا وَتُلَاعِبُك ؟ } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَعَنْ عَطَاءٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { عَلَيْكُمْ بِالْأَبْكَارِ ، فَإِنَّهُنَّ أَعْذَبُ أَفْوَاهًا وَأَنْقَى أَرْحَامًا } رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَفِي رِوَايَةٍ : { وَأَنْتَقُ أَرْحَامًا وَأَرْضَى بِالْيَسِيرِ } وَيُسْتَحَبُّ أَنْ تَكُونَ مِنْ نِسَاءٍ يُعْرَفْنَ بِكَثْرَةِ الْوِلَادَةِ لِمَا رُوِيَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ : { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْمُرُ بِالْبَاءَةِ ، وَيَنْهَى عَنْ التَّبَتُّلِ نَهْيًا شَدِيدًا ، وَيَقُولُ : تَزَوَّجُوا الْوَدُودَ الْوَلُودَ ، فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمْ الْأُمَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ } رَوَاهُ سَعِيدٌ وَرَوَى مَعْقِلُ بْنُ يَسَارٍ ، قَالَ { : جَاءَ رَجُلٌ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : إنِّي أَصَبْت امْرَأَةً ذَاتَ حَسَبٍ وَمَنْصِبٍ ، إلَّا أَنَّهَا لَا تَلِدُ ، أَفَأَتَزَوَّجُهَا ؟ فَنَهَاهُ ، ثُمَّ أَتَاهُ الثَّانِيَةَ ، فَنَهَاهُ ، ثُمَّ أَتَاهُ الثَّالِثَةَ ، فَقَالَ : تَزَوَّجُوا الْوَدُودَ الْوَلُودَ ، فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمْ } رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { يَا بَنِي هَاشِمٍ عَلَيْكُمْ بِنِسَاءِ الْأَعَاجِمِ ، فَالْتَمِسُوا أَوْلَادَهُنَّ فَإِنَّ فِي أَرْحَامِهِنَّ الْبَرَكَةَ } وَيَخْتَارُ الْجَمِيلَةَ ؛ لِأَنَّهَا أَسْكَنُ لِنَفْسِهِ ، وَأَغَضُّ لِبَصَرِهِ ، وَأَكْمَلُ لِمَوَدَّتِهِ ، وَلِذَلِكَ شُرِعَ النَّظَرُ قَبْلَ النِّكَاحِ .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ","part":15,"page":94},{"id":7094,"text":"مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ { إنَّمَا النِّسَاءُ لُعَبٌ ، فَإِذَا اتَّخَذَ أَحَدُكُمْ لُعْبَةً فَلِيَسْتَحْسِنَّهَا } .\rوَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : { قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ : أَيُّ النِّسَاءِ خَيْرٌ ؟ قَالَ الَّتِي تَسُرُّهُ إذَا نَظَرَ ، وَتُطِيعُهُ إذَا أَمَرَ ، وَلَا تُخَالِفُهُ فِي نَفْسِهَا وَلَا فِي مَالِهِ بِمَا يَكْرَهُ } رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَعَنْ يَحْيَى بْنِ جَعْدَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { : خَيْرُ فَائِدَةٍ أَفَادَهَا الْمَرْءُ الْمُسْلِمُ بَعْدَ إسْلَامِهِ ، امْرَأَةٌ جَمِيلَةٌ ، تَسُرُّهُ إذَا نَظَرَ إلَيْهَا ، وَتُطِيعُهُ إذَا أَمَرَهَا ، وَتَحْفَظُهُ فِي غَيْبَتِهِ فِي مَالِهِ وَنَفْسِهَا } رَوَاهُ سَعِيدٌ .\rوَيَخْتَارُ ذَاتَ الْعَقْلِ ، وَيَجْتَنِبُ الْحَمْقَاءَ ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ يُرَادُ لِلْعِشْرَةِ ، وَلَا تَصْلُحُ الْعِشْرَةُ مَعَ الْحَمْقَاءِ وَلَا يَطِيبُ الْعَيْشُ مَعَهَا ، وَرُبَّمَا تَعَدَّى ذَلِكَ إلَى وَلَدِهَا .\rوَقَدْ قِيلَ : اجْتَنِبُوا الْحَمْقَاءَ ، فَإِنَّ وَلَدَهَا ضَيَاعٌ ، وَصُحْبَتَهَا بَلَاءٌ .\rوَيَخْتَارُ الْحَسِيبَةَ ، لِيَكُونَ وَلَدُهَا نَجِيبًا ، فَإِنَّهُ رُبَّمَا أَشْبَهَ أَهْلَهَا ، وَنَزَعَ إلَيْهِمْ .\rوَكَانَ يُقَالُ : إذَا أَرَدْت أَنْ تَتَزَوَّجَ امْرَأَةً فَانْظُرْ إلَى أَبِيهَا وَأَخِيهَا .\rوَعَنْ عَائِشَةَ ، قَالَتْ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { تَخَيَّرُوا لِنُطَفِكُمْ ، وَانْكِحُوا الْأَكْفَاءَ ، وَأَنْكِحُوا إلَيْهِمْ } وَيَخْتَارُ الْأَجْنَبِيَّةَ ، فَإِنَّ وَلَدَهَا أَنْجَبُ ، وَلِهَذَا يُقَالُ : اغْتَرِبُوا لَا تَضْوُوا يَعْنِي : انْكِحُوا الْغَرَائِبَ كَيْ لَا تَضْعُفَ أَوْلَادُكُمْ .\rوَقَالَ بَعْضُهُمْ : الْغَرَائِبُ أَنْجَبُ ، وَبَنَاتُ الْعَمِّ أَصْبَرُ ؛ وَلِأَنَّهُ لَا تُؤْمَنُ الْعَدَاوَةُ فِي النِّكَاحِ ، وَإِفْضَاؤُهُ إلَى الطَّلَاقِ ، فَإِذَا كَانَ فِي قَرَابَتِهِ أَفْضَى إلَى قَطِيعَةِ الرَّحِمِ الْمَأْمُورِ بِصِلَتِهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":15,"page":95},{"id":7095,"text":"بَابُ مَا يَحْرُمُ نِكَاحُهُ وَالْجَمْعُ بَيْنَهُ وَغَيْرُ ذَلِكَ التَّحْرِيمُ لِلنِّكَاحِ ضَرْبَانِ : تَحْرِيمُ عَيْنٍ ، وَتَحْرِيمُ جَمْعٍ .\rوَيَتَنَوَّعُ أَيْضًا نَوْعَيْنِ : تَحْرِيمُ نَسَبٍ ، وَتَحْرِيمُ سَبَبٍ .\rوَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ ، فَأَمَّا الْكِتَابُ : فَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى { حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ } وَالْآيَةُ الَّتِي قَبْلَهَا وَاَلَّتِي بَعْدَهَا ، وَأَمَّا السُّنَّةُ : فَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ أَنَّهُ قَالَ { : لَا يَجْمَعُ الرَّجُلُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا ، وَلَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ خَالَتِهَا } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : إنَّ الرَّضَاعَةَ تُحَرِّمُ مَا تُحَرِّمُ الْوِلَادَةُ } أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَأَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى تَحْرِيمِ مَا نَصَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى تَحْرِيمِهِ .","part":15,"page":96},{"id":7096,"text":"( 5348 ) قَالَ : ( وَالْمُحَرَّمَاتُ نِكَاحُهُنَّ بِالْأَنْسَابِ : الْأُمَّهَاتُ ، وَالْبَنَاتُ ، وَالْأَخَوَاتُ ، وَالْعَمَّاتُ ، وَالْخَالَاتُ ، وَبَنَاتُ الْأَخِ ، وَبَنَاتُ الْأُخْتِ .\rوَالْمُحَرَّمَاتُ بِالْأَسْبَابِ : الْأُمَّهَاتُ الْمُرْضِعَاتُ ، وَالْأَخَوَاتُ مِنْ الرَّضَاعَةِ ، وَأُمَّهَاتُ النِّسَاءِ ، وَبَنَاتُ النِّسَاءِ اللَّاتِي دَخَلَ بِهِنَّ ، وَحَلَائِلُ الْأَبْنَاءِ ، وَزَوْجَاتُ الْأَبِ ، وَالْجَمْعُ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْمَنْصُوصَ عَلَى تَحْرِيمِهِنَّ فِي الْكِتَابِ أَرْبَعَ عَشْرَةَ ، سَبْعٌ بِالنَّسَبِ ، وَاثْنَتَانِ بِالرَّضَاعِ ، وَأَرْبَعٌ بِالْمُصَاهَرَةِ ، وَوَاحِدَةٌ بِالْجَمْعِ .\rفَأَمَّا اللَّوَاتِي بِالنَّسَبِ فَأَوَّلُهُنَّ الْأُمَّهَاتُ ، وَهُنَّ كُلُّ مَنْ انْتَسَبْت إلَيْهَا بِوِلَادَةٍ ، سَوَاءٌ وَقَعَ عَلَيْهَا اسْمُ الْأُمِّ حَقِيقَةً ، وَهِيَ الَّتِي وَلَدَتْك .\rأَوْ مَجَازًا ، وَهِيَ الَّتِي وَلَدَتْ مَنْ وَلَدَك وَإِنْ عَلَتْ ، مِنْ ذَلِكَ جَدَّتَاك : أُمُّ أُمِّك وَأُمُّ أَبِيك ، وَجَدَّتَا أُمِّك وَجَدَّتَا أَبِيك ، وَجَدَّاتُ جَدَّاتِك وَجَدَّاتُ أَجْدَادِك وَإِنْ عَلَوْنَ ، وَارِثَاتٍ كُنَّ أَوْ غَيْرَ وَارِثَاتٍ ، كُلُّهُنَّ أُمَّهَاتٌ مُحَرَّمَاتٌ ذَكَرَ أَبُو هُرَيْرَةَ هَاجَرَ أُمَّ إسْمَاعِيلَ فَقَالَ : تِلْكَ أُمُّكُمْ يَا بَنِي مَاءِ السَّمَاءِ وَفِي الدُّعَاءِ : اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى أَبِينَا آدَمَ وَأُمِّنَا حَوَّاءَ .\rوَالْبَنَاتُ ، وَهُنَّ كُلُّ أُنْثَى انْتَسَبَتْ إلَيْك بِوِلَادَتِك كَابْنَةِ الصُّلْبِ ، وَبَنَاتِ الْبَنِينَ وَالْبَنَاتِ ، وَإِنْ نَزَلَتْ دَرَجَتُهُنَّ .\rوَارِثَاتٌ أَوْ غَيْرُ وَارِثَاتٍ ، كُلُّهُنَّ بَنَاتٌ مُحَرَّمَاتٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَبَنَاتُكُمْ } فَإِنَّ كُلَّ امْرَأَةٍ بِنْتُ آدَمَ ، كَمَا أَنَّ كُلَّ رَجُلٍ ابْنُ آدَمَ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى { يَا بَنِي آدَمَ } وَالْأَخَوَاتُ مِنْ الْجِهَاتِ الثَّلَاثِ ، مِنْ الْأَبَوَيْنِ أَوْ مِنْ الْأَبِ ، أَوْ مِنْ الْأُمِّ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَأَخَوَاتُكُمْ } وَلَا تَفْرِيعَ عَلَيْهِنَّ ، وَالْعَمَّاتُ أَخَوَاتُ الْأَبِ مِنْ الْجِهَاتِ الثَّلَاثِ ، وَأَخَوَاتُ الْأَجْدَادِ مِنْ قِبَلِ الْأَبِ وَمِنْ","part":15,"page":97},{"id":7097,"text":"قِبَلِ الْأُمِّ ، قَرِيبًا كَانَ الْجَدُّ أَوْ بَعِيدًا ، وَارِثًا أَوْ غَيْرَ وَارِثٍ ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَعَمَّاتُكُمْ } وَالْخَالَاتُ أَخَوَاتُ الْأُمِّ مِنْ الْجِهَاتِ الثَّلَاثِ ، وَأَخَوَاتُ الْجَدَّاتِ وَإِنْ عَلَوْنَ وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ كُلَّ جَدَّةٍ أُمٌّ ، فَكَذَلِكَ كُلُّ أُخْتٍ لِجَدَّةٍ خَالَةٌ مُحَرَّمَةٌ ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى { وَخَالَاتُكُمْ } وَبَنَاتُ الْأَخِ ، كُلُّ امْرَأَةٍ انْتَسَبَتْ إلَى أَخٍ بِوِلَادَةٍ فَهِيَ بِنْتُ أَخٍ مُحَرَّمَةٌ مِنْ أَيِّ جِهَةٍ كَانَ الْأَخُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى تَعَالَى : { وَبَنَاتُ الْأَخِ } وَبَنَاتُ الْأُخْتِ كَذَلِكَ أَيْضًا مُحَرَّمَاتٌ لِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى { وَبَنَاتُ الْأُخْتِ } فَهَؤُلَاءِ الْمُحَرَّمَاتُ بِالْأَنْسَابِ","part":15,"page":98},{"id":7098,"text":"النَّوْعُ الثَّانِي ، الْمُحَرَّمَاتُ تَحْرِيمَ السَّبَبِ وَهُوَ قِسْمَانِ : رَضَاعٌ وَمُصَاهَرَةٌ ، فَأَمَّا الرَّضَاعُ : فَالْمَنْصُوصُ عَلَى التَّحْرِيمِ فِيهِ اثْنَتَانِ ؛ الْأُمَّهَاتُ الْمُرْضِعَاتُ ، وَهُنَّ اللَّاتِي أَرْضَعْنَك وَأُمَّهَاتُهُنَّ وَجَدَّاتُهُنَّ وَإِنْ عَلَتْ دَرَجَتُهُنَّ ، عَلَى حَسَبِ مَا ذَكَرْنَا فِي النَّسَبِ ، مُحَرَّمَاتٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى { : وَأُمَّهَاتُكُمْ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنْ الرَّضَاعَةِ } كُلُّ امْرَأَةٍ أَرْضَعَتْك أُمُّهَا ، أَوْ أَرْضَعَتْهَا أُمُّك أَوْ أَرْضَعَتْك وَإِيَّاهَا امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ ، أَوْ ارْتَضَعْت أَنْتَ وَهِيَ مِنْ لَبَنِ رَجُلٍ وَاحِدٍ ، كَرَجُلٍ لَهُ امْرَأَتَانِ ، لَهُمَا لَبَنٌ أَرْضَعَتْك إحْدَاهُمَا ، وَأَرْضَعَتْهَا الْأُخْرَى ، فَهِيَ أُخْتُك .\rمُحَرَّمَةٌ عَلَيْك لِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ : { وَأَخَوَاتُكُمْ مِنْ الرَّضَاعَةِ } الْقِسْمُ الثَّانِي : تَحْرِيمُ الْمُصَاهَرَةِ ، وَالْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ أَرْبَعٌ ، أُمَّهَاتُ النِّسَاءِ ، فَمَنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً حَرُمَ عَلَيْهِ كُلُّ أُمٍّ لَهَا ، مِنْ نَسَبٍ أَوْ رَضَاعٍ ، قَرِيبَةٍ أَوْ بَعِيدَةٍ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْهُمْ ابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عُمَرَ وَجَابِرٌ وَعِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ وَكَثِيرٌ مِنْ التَّابِعِينَ وَبِهِ يَقُولُ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَحُكِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهَا لَا تَحْرُمُ إلَّا بِالدُّخُولِ بِابْنَتِهَا ، كَمَا لَا تَحْرُمُ ابْنَتُهَا إلَّا بِالدُّخُولِ وَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى { وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ } وَالْمَعْقُودُ عَلَيْهَا مِنْ نِسَائِهِ ، فَتَدْخُلُ أُمُّهَا فِي عُمُومِ الْآيَةِ .\rقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : أَبْهِمُوا مَا أَبْهَمَ الْقُرْآنُ يَعْنِي عَمِّمُوا حُكْمَهَا فِي كُلِّ حَالٍ ، وَلَا تَفْصِلُوا بَيْنَ الْمَدْخُولِ بِهَا وَبَيْنَ غَيْرِهَا .\rوَرَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { مَنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً فَطَلَّقَهَا قَبْلَ أَنْ دَخَلَ بِهَا ، فَلَا بَأْسَ أَنْ يَتَزَوَّجَ","part":15,"page":99},{"id":7099,"text":"رَبِيبَتَهُ وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ أُمَّهَا } رَوَاهُ أَبُو حَفْصٍ بِإِسْنَادِهِ وَقَالَ زَيْدٌ تَحْرُمُ بِالدُّخُولِ أَوْ بِالْمَوْتِ ؛ لِأَنَّهُ يَقُومُ مَقَامَ الدُّخُولِ .\rوَقَدْ ذَكَرْنَا مَا يُوجِبُ التَّحْرِيمَ مُطْلَقًا ، سَوَاءٌ وُجِدَ الدُّخُولُ أَوْ الْمَوْتُ أَوْ لَا ؛ وَلِأَنَّهَا حَرُمَتْ بِالْمُصَاهَرَةِ بِقَوْلٍ مُبْهَمٍ ، فَحَرُمَتْ بِنَفْسِ الْعَقْدِ ، كَحَلِيلَةِ الِابْنِ وَالْأَبِ .\rالثَّانِيَةُ : بَنَاتُ النِّسَاءِ اللَّاتِي دَخَلَ بِهِنَّ ، وَهُنَّ الرَّبَائِبُ ، فَلَا يَحْرُمْنَ إلَّا بِالدُّخُولِ بِأُمَّهَاتِهِنَّ ، وَهُنَّ كُلُّ بِنْتٍ لِلزَّوْجَةِ مِنْ نَسَبٍ أَوْ رَضَاعٍ ، قَرِيبَةٍ أَوْ بَعِيدَةٍ ، وَارِثَةٍ أَوْ غَيْرِ وَارِثَةٍ ، عَلَى حَسَبِ مَا ذَكَرْنَا فِي الْبَنَاتِ ، إذَا دَخَلَ بِالْأُمِّ حَرُمَتْ عَلَيْهِ ، سَوَاءٌ كَانَتْ فِي حِجْرِهِ أَوْ لَمْ تَكُنْ ، فِي قَوْلِ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ ، إلَّا أَنَّهُ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا أَنَّهُمَا رَخَّصَا فِيهَا إذَا لَمْ تَكُنْ فِي حِجْرِهِ وَهُوَ قَوْلُ دَاوُد لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَرَبَائِبُكُمْ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ } قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : وَقَدْ أَجْمَعَ عُلَمَاءُ الْأَمْصَارِ عَلَى خِلَافِ هَذَا الْقَوْلِ وَقَدْ ذَكَرْنَا حَدِيثَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو فِي هَذَا { وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأُمِّ حَبِيبَةَ : لَا تَعْرِضْنَ عَلَيَّ بَنَاتِكُنَّ ، وَلَا أَخَوَاتِكُنَّ } وَلِأَنَّ التَّرْبِيَةَ لَا تَأْثِيرَ لَهَا فِي التَّحْرِيمِ كَسَائِرِ الْمُحَرِّمَاتِ ، وَأَمَّا الْآيَةُ فَلَمْ تَخْرُجْ مَخْرَجَ الشَّرْطِ ، وَإِنَّمَا وَصَفَهَا بِذَلِكَ تَعْرِيفًا لَهَا بِغَالِبِ حَالِهَا ، وَمَا خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ لَا يَصِحُّ التَّمَسُّكُ بِمَفْهُومِهِ وَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ بِالْمَرْأَةِ لَمْ تَحْرُمْ عَلَيْهِ بَنَاتُهَا ، فِي قَوْلِ عَامَّةِ عُلَمَاءِ الْأَمْصَارِ إذَا بَانَتْ مِنْ نِكَاحِهِ ، إلَّا أَنْ يَمُوتَ قَبْلَ الدُّخُولِ ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ ، إحْدَاهُمَا : تَحْرُمُ ابْنَتُهَا .\rوَبِهِ قَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَهِيَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ لِأَنَّ الْمَوْتَ أُقِيمَ مَقَامَ","part":15,"page":100},{"id":7100,"text":"الدُّخُولِ فِي تَكْمِيلِ الْعِدَّةِ وَالصَّدَاقِ ، فَيَقُومُ مَقَامَهُ فِي تَحْرِيمِ الرَّبِيبَةِ .\rوَالثَّانِيَةُ : لَا تَحْرُمُ وَهُوَ قَوْلُ عَلِيٍّ وَمَذْهَبُ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعَ عَوَامُّ عُلَمَاءِ الْأَمْصَارِ عَلَى أَنَّ الرَّجُلَ إذَا تَزَوَّجَ الْمَرْأَةَ ، ثُمَّ طَلَّقَهَا ، أَوْ مَاتَتْ قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا جَازَ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ ابْنَتَهَا كَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : { مِنْ نِسَائِكُمْ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ } وَهَذَا نَصٌّ لَا يُتْرَكُ لِقِيَاسٍ ضَعِيفٍ وَحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ وَلِأَنَّهَا فُرْقَةٌ قَبْلَ الدُّخُولِ ، فَلَمْ تُحَرِّمْ الرَّبِيبَةَ .\rكَفُرْقَةِ الطَّلَاقِ ، وَالْمَوْتُ لَا يَجْرِي مَجْرَى الدُّخُولِ فِي الْإِحْصَانِ وَالْإِحْلَالِ وَعِدَّةِ الْأَقْرَاءِ ، وَقِيَامُهُ مَقَامَهُ مِنْ وَجْهٍ لَيْسَ بِأَوْلَى مِنْ مُفَارَقَتِهِ إيَّاهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ ، وَلَوْ قَامَ مَقَامَهُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ ، فَلَا يُتْرَكُ صَرِيحُ نَصِّ اللَّهِ تَعَالَى وَنَصِّ رَسُولِهِ لِقِيَاسٍ وَلَا غَيْرِهِ إذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّ الدُّخُولَ بِهَا هُوَ وَطْؤُهَا ، كُنِّيَ عَنْهُ بِالدُّخُولِ ، فَإِنْ خَلَا بِهَا وَلَمْ يَطَأْهَا ، لَمْ تَحْرُمْ ابْنَتُهَا ؛ لِأَنَّهَا غَيْرُ مَدْخُولٍ بِهَا .\rوَظَاهِرُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ تَحْرِيمُهَا ؛ لِقَوْلِهِ : فَإِنْ خَلَا بِهَا وَقَالَ لَمْ أَطَأْهَا وَصَدَّقَتْهُ لَمْ يُلْتَفَتْ إلَى قَوْلِهِمَا وَكَانَ حُكْمُهَا حُكْمَ الْمَدْخُولِ فِي جَمِيعِ أُمُورِهَا ، إلَّا فِي الرُّجُوعِ إلَى زَوْجٍ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا ، وَفِي الزِّنَا ، فَإِنَّهُمَا يُجْلَدَانِ وَلَا يُرْجَمَانِ وَسَنَذْكُرُهُ فِيمَا بَعْدُ إنْ شَاءَ اللَّهُ .\rالثَّالِثَةُ : حَلَائِلُ الْأَبْنَاءِ ، يَعْنِي أَزْوَاجَهُمْ ، سُمِّيَتْ امْرَأَةُ الرَّجُلِ حَلِيلَتَهُ لِأَنَّهَا مَحَلُّ إزَارِ زَوْجِهَا ، وَهِيَ مُحَلَّلَةٌ لَهُ ، فَيَحْرُمُ عَلَى الرَّجُلِ أَزْوَاجُ","part":15,"page":101},{"id":7101,"text":"أَبْنَائِهِ ، وَأَبْنَاءُ بَنَاتِهِ ، مِنْ نَسَبٍ أَوْ رَضَاعٍ ، قَرِيبًا كَانَ أَوْ بَعِيدًا بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمْ } وَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا .\rالرَّابِعَةُ : زَوْجَاتُ الْأَبِ ، فَتَحْرُمُ عَلَى الرَّجُلِ امْرَأَةُ أَبِيهِ ، قَرِيبًا كَانَ أَوْ بَعِيدًا ، وَارِثًا كَانَ أَوْ غَيْرَ وَارِثٍ ، مِنْ نَسَبٍ أَوْ رَضَاعٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنْ النِّسَاءِ إلَّا مَا قَدْ سَلَفَ } وَقَالَ الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ : { لَقِيت خَالِي ، وَمَعَهُ الرَّايَةُ ، فَقُلْت : أَيْنَ تُرِيدُ ؟ قَالَ : أَرْسَلَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةَ أَبِيهِ مِنْ بَعْدِهِ أَنْ أَضْرِبَ عُنُقَهُ أَوْ أَقْتُلَهُ } رَوَاهُ النَّسَائِيّ .\rوَفِي رِوَايَةٍ قَالَ : لَقِيت عَمِّي الْحَارِثَ بْنَ عَمْرٍو ، وَمَعَهُ الرَّايَةُ فَذَكَرَ الْخَبَرَ كَذَلِكَ .\rرَوَاهُ سَعِيدٌ وَغَيْرُهُ وَسَوَاءٌ فِي هَذَا امْرَأَةُ أَبِيهِ ، أَوْ امْرَأَةُ جَدِّهِ لِأَبِيهِ ، وَجَدِّهِ لِأُمِّهِ ، قَرُبَ أَمْ بَعُدَ وَلَيْسَ فِي هَذَا بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ خِلَافٌ عَلِمْنَاهُ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ .\rوَيَحْرُمُ عَلَيْهِ مَنْ وَطِئَهَا أَبُوهُ ، أَوْ ابْنُهُ ، بِمِلْكِ يَمِينٍ أَوْ شُبْهَةٍ ، كَمَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ مَنْ وَطِئَهَا فِي عَقْدِ نِكَاحٍ .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : الْمِلْكُ فِي هَذَا وَالرَّضَاعُ بِمَنْزِلَةِ النَّسَبِ ، وَمِمَّنْ حَفِظْنَا ذَلِكَ عَنْهُ عَطَاءٌ وَطَاوُسٌ وَالْحَسَنُ وَابْنُ سِيرِينَ وَمَكْحُولٌ وَقَتَادَةُ وَالثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَأَبُو عُبَيْدٍ وَأَبُو ثَوْرٍ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ، وَلَا نَحْفَظُ عَنْ أَحَدٍ خِلَافَهُمْ .","part":15,"page":102},{"id":7102,"text":"الضَّرْبُ الثَّانِي : تَحْرِيمُ الْجَمْعِ .\rوَالْمَذْكُورُ فِي الْكِتَابِ الْجَمْعُ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ سَوَاءٌ كَانَتَا مِنْ نَسَبٍ أَوْ رَضَاعٍ ، حُرَّتَيْنِ كَانَتَا أَوْ أَمَتَيْنِ أَوْ حُرَّةً وَأَمَةً ، مِنْ أَبَوَيْنِ كَانَتَا أَوْ مِنْ أَبٍ أَوْ أُمٍّ ، وَسَوَاءٌ فِي هَذَا مَا قَبْلَ الدُّخُولِ أَوْ بَعْدَهُ ، لِعُمُومِ الْآيَةِ .\rفَإِنْ تَزَوَّجَهُمَا فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ فَسَدَ ؛ لِأَنَّهُ لَا مَزِيَّةَ لِإِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى ، وَسَوَاءٌ عَلِمَ بِذَلِكَ حَالَ الْعَقْدِ أَوْ بَعْدَهُ ، فَإِنْ تَزَوَّجَ إحْدَاهُمَا بَعْدَ الْأُخْرَى فَنِكَاحُ الْأُولَى صَحِيحٌ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ فِيهِ جَمْعٌ ، وَنِكَاحُ الثَّانِيَةِ بَاطِلٌ ؛ لِأَنَّ بِهِ يَحْصُلُ الْجَمْعُ ، وَلَيْسَ فِي هَذَا - بِحَمْدِ اللَّهِ - اخْتِلَافٌ وَلَيْسَ عَلَيْهِ تَفْرِيعٌ .","part":15,"page":103},{"id":7103,"text":"( 5349 ) مَسْأَلَةٌ : ( وَيَحْرُمُ مِنْ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنْ النَّسَبِ ) كُلُّ امْرَأَةٍ حَرُمَتْ مِنْ النَّسَبِ حَرُمَ مِثْلُهَا مِنْ الرَّضَاعِ ، وَهُنَّ الْأُمَّهَاتُ ، وَالْبَنَاتُ ، وَالْأَخَوَاتُ ، وَالْعَمَّاتُ ، وَالْخَالَاتُ ، وَبَنَاتُ الْأَخِ ، وَبَنَاتُ الْأُخْتِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي شَرَحْنَاهُ فِي النَّسَبِ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { يَحْرُمُ مِنْ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنْ النَّسَبِ } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ { : الرَّضَاعُ يُحَرِّمُ مَا تُحَرِّمُ الْوِلَادَةُ } { وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي دُرَّةَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ : إنَّهَا لَوْ لَمْ تَكُنْ رَبِيبَتِي فِي حِجْرِي ، مَا حَلَّتْ لِي ، إنَّهَا ابْنَةُ أَخِي مِنْ الرَّضَاعَةِ ، أَرْضَعَتْنِي وَأَبَاهَا ثُوَيْبَةُ } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلِأَنَّ الْأُمَّهَاتِ وَالْأَخَوَاتِ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِنَّ ، وَالْبَاقِيَاتُ يَدْخُلْنَ فِي عُمُومِ لَفْظِ سَائِرِ الْمُحَرَّمَاتِ .\rوَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا .","part":15,"page":104},{"id":7104,"text":"( 5350 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَلَبَنُ الْفَحْلِ مُحَرِّمٌ ) مَعْنَاهُ أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا أَرْضَعَتْ طِفْلًا بِلَبَنٍ ثَابَ مِنْ وَطْءِ رَجُلٍ حَرُمَ الطِّفْلُ عَلَى الرَّجُلِ وَأَقَارِبِهِ ، كَمَا يَحْرُمُ وَلَدُهُ مِنْ النَّسَبِ ؛ لِأَنَّ اللَّبَنَ مِنْ الرَّجُلِ كَمَا هُوَ مِنْ الْمَرْأَةِ ، فَيَصِيرُ الطِّفْلُ وَلَدًا لِلرَّجُلِ ، وَالرَّجُلُ أَبَاهُ ، وَأَوْلَادُ الرَّجُلِ إخْوَتَهُ ، سَوَاءٌ كَانُوا مِنْ تِلْكَ الْمَرْأَةِ أَوْ مِنْ غَيْرِهَا ، وَإِخْوَةُ الرَّجُلِ وَأَخَوَاتُهُ أَعْمَامُ الطِّفْلِ وَعَمَّاتُهُ ، وَآبَاؤُهُ وَأُمَّهَاتُهُ أَجْدَادُهُ وَجَدَّاتُهُ .\rقَالَ أَحْمَدُ لَبَنُ الْفَحْلِ أَنْ يَكُونَ لِلرَّجُلِ امْرَأَتَانِ ، فَتُرْضِعَ هَذِهِ صَبِيَّةً وَهَذِهِ صَبِيًّا لَا يُزَوَّجُ هَذَا مِنْ هَذَا وَسُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنْ رَجُلٍ لَهُ جَارِيَتَانِ ، أَرْضَعَتْ إحْدَاهُمَا جَارِيَةٍ وَالْأُخْرَى غُلَامًا ، فَقَالَ : لَا ، اللِّقَاحُ وَاحِدٌ .\rقَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا تَفْسِيرُ لَبَنِ الْفَحْلِ .\rوَمِمَّنْ قَالَ بِتَحْرِيمِهِ عَلِيٌّ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ ، وَعَطَاءٌ ، وَطَاوُسٌ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَالْحَسَنُ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَالْقَاسِمُ وَعُرْوَةُ ، وَمَالِكٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : وَإِلَيْهِ ذَهَبَ فُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ بِالْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ وَالشَّامِ وَجَمَاعَةُ أَهْلِ الْحَدِيثِ ، وَرَخَّصَ فِي لَبَنِ الْفَحْلِ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ، وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ وَعَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ وَالنَّخَعِيُّ ، وَأَبُو قِلَابَةَ وَيُرْوَى ذَلِكَ عَنْ ابْنِ الزُّبَيْرِ وَجَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَيْرِ مُسَمِّينَ ؛ لِأَنَّ الرَّضَاعَ مِنْ الْمَرْأَةِ لَا مِنْ الرَّجُلِ .\rوَيُرْوَى عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ أَنَّهَا أَرْضَعَتْهَا أَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ ، امْرَأَةُ الزُّبَيْرِ قَالَتْ : وَكَانَ الزُّبَيْرُ يَدْخُلُ عَلَيَّ وَأَنَا أَمْتَشِطُ ، فَيَأْخُذُ بِقَرْنٍ مِنْ قُرُونِ","part":15,"page":105},{"id":7105,"text":"رَأْسِي ، فَيَقُولُ : أَقْبِلِي عَلَيَّ فَحَدِّثِينِي .\rأَرَاهُ وَالِدًا ، وَمَا وَلَدَ فَهُمْ إخْوَتِي ، ثُمَّ إنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ أَرْسَلَ إلَيَّ يَخْطُبُ أُمَّ كُلْثُومٍ ابْنَتِي ، عَلَى حَمْزَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ وَكَانَ حَمْزَةُ لِلْكَلْبِيَّةِ ، فَقُلْت لِرَسُولِهِ : وَهَلْ تَحِلُّ لَهُ وَإِنَّمَا هِيَ ابْنَةُ أُخْتِهِ ؟ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ : إنَّمَا أَرَدْت بِهَذَا الْمَنْعَ لِمَا قِبَلَك ، أَمَّا مَا وَلَدَتْ أَسْمَاءُ فَهُمْ إخْوَتُك ، وَمَا كَانَ مِنْ غَيْرِ أَسْمَاءَ فَلَيْسُوا لَك بِإِخْوَةٍ ، فَأَرْسِلِي فَسَلِي عَنْ هَذَا ، فَأَرْسَلَتْ فَسَأَلَتْ وَأَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُتَوَافِرُونَ ، فَقَالُوا لَهَا : إنَّ الرَّضَاعَةَ مِنْ قِبَلِ الرَّجُلِ لَا تُحَرِّمُ شَيْئًا فَأَنْكَحَتْهَا إيَّاهُ ، فَلَمْ تَزَلْ عِنْدَهُ حَتَّى هَلَكَ عَنْهَا .\rوَلَنَا مَا رَوَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا { أَنَّ أَفْلَحَ أَخَا أَبِي الْقُعَيْسِ اسْتَأْذَنَ عَلَيَّ بَعْدَمَا أُنْزِلَ الْحِجَابُ ، فَقُلْت : وَاَللَّهِ لَا آذَنُ لَهُ حَتَّى أَسْتَأْذِنَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّ أَخَا أَبِي الْقُعَيْسِ لَيْسَ هُوَ أَرْضَعَنِي ، وَلَكِنْ أَرْضَعَتْنِي امْرَأَةُ أَبِي الْقُعَيْسِ ، فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْت : يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ الرَّجُلَ لَيْسَ هُوَ أَرْضَعَنِي ، وَلَكِنْ أَرْضَعَتْنِي امْرَأَتُهُ فَقَالَ ائْذَنِي لَهُ ، فَإِنَّهُ عَمُّك ، تَرِبَتْ يَمِينُك قَالَ عُرْوَةُ : فَبِذَلِكَ كَانَتْ عَائِشَةُ تَأْخُذُ بِقَوْلِ : حَرِّمُوا مِنْ الرَّضَاعِ مَا يُحَرَّمُ مِنْ النَّسَبِ } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَهَذَا نَصٌّ قَاطِعٌ فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ ، فَلَا يُعَوَّلُ عَلَى مَا خَالَفَهُ .\rفَأَمَّا حَدِيثُ زَيْنَبَ فَإِنْ صَحَّ فَهُوَ حُجَّةٌ لَنَا ، فَإِنَّ الزُّبَيْرَ كَانَ يَعْتَقِدُهَا ابْنَتَهُ وَتَعْتَقِدُهُ أَبَاهَا ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا كَانَ مَشْهُورًا عِنْدَهُمْ ، وَقَوْلُهُ مَعَ إقْرَارِ أَهْلِ عَصْرِهِ أَوْلَى مِنْ قَوْلِ ابْنِهِ وَقَوْلِ قَوْمٍ لَا يُعْرَفُونَ .","part":15,"page":106},{"id":7106,"text":"( 5351 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَالْجَمْعُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا ، وَبَيْنَهَا وَبَيْنَ خَالَتِهَا ) قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى الْقَوْلِ بِهِ وَلَيْسَ فِيهِ - بِحَمْدِ اللَّهِ - اخْتِلَافٌ ، إلَّا أَنَّ بَعْضَ أَهْلِ الْبِدَعِ مِمَّنْ لَا تُعَدُّ مُخَالَفَتُهُ خِلَافًا ، وَهُمْ الرَّافِضَةُ وَالْخَوَارِجُ ، لَمْ يُحَرِّمُوا ذَلِكَ ، وَلَمْ يَقُولُوا بِالسُّنَّةِ الثَّابِتَةِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهِيَ مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَا يُجْمَعُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا ، وَلَا بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَخَالَتِهَا } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد { لَا تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا ، وَلَا الْعَمَّةُ عَلَى بِنْتِ أَخِيهَا ، وَلَا الْمَرْأَةُ عَلَى خَالَتِهَا ، وَلَا الْخَالَةُ عَلَى بِنْتِ أُخْتِهَا ، لَا تُنْكَحُ الْكُبْرَى عَلَى الصُّغْرَى ، وَلَا الصُّغْرَى عَلَى الْكُبْرَى } وَلِأَنَّ الْعِلَّةَ فِي تَحْرِيمِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إيقَاعُ الْعَدَاوَةِ بَيْنَ الْأَقَارِبِ ، وَإِفْضَاؤُهُ إلَى قَطِيعَةِ الرَّحِمِ الْمُحَرَّمِ وَهَذَا مَوْجُودٌ فِيمَا ذَكَرْنَا فَإِنْ احْتَجُّوا بِعُمُومِ قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ : { وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ } خَصَّصْنَاهُ بِمَا رَوَيْنَاهُ وَبَلَغَنَا أَنَّ رَجُلَيْنِ مِنْ الْخَوَارِجِ أَتَيَا عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ فَكَانَ مِمَّا أَنْكَرَا عَلَيْهِ رَجْمَ الزَّانِيَيْنِ وَتَحْرِيمَ الْجَمْعِ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا ، وَبَيْنَهَا وَبَيْنَ خَالَتِهَا ، وَقَالَا : لَيْسَ هَذَا فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى فَقَالَ لَهُمَا : كَمْ فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ مِنْ الصَّلَاةِ ؟ قَالَا : خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ وَسَأَلَهُمَا عَنْ عَدَدِ رَكَعَاتِهَا ، فَأَخْبَرَاهُ بِذَلِكَ وَسَأَلَهُمَا عَنْ مِقْدَارِ الزَّكَاةِ وَنُصُبِهَا ، فَأَخْبَرَاهُ ، فَقَالَ : فَأَيْنَ تَجِدَانِ ذَلِكَ فِي كِتَابِ اللَّهِ ؟ قَالَا : لَا نَجِدُهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ قَالَ : فَمِنْ أَيْنَ صِرْتُمَا إلَى ذَلِكَ ؟ قَالَا : فَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ","part":15,"page":107},{"id":7107,"text":"صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُسْلِمُونَ بَعْدَهُ : قَالَ فَكَذَلِكَ هَذَا .\rثُمَّ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْخَالَةِ وَالْعَمَّةِ ، حَقِيقَةً أَوْ مَجَازًا ، كَعَمَّاتِ آبَائِهَا وَخَالَاتِهِمْ ، وَعَمَّاتِ أُمَّهَاتِهَا وَخَالَاتِهِنَّ ، وَإِنْ عَلَتْ دَرَجَتُهُنَّ ، مِنْ نَسَبٍ كَانَ ذَلِكَ أَوْ مِنْ رَضَاعٍ فَكُلُّ شَخْصَيْنِ لَا يَجُوزُ لِأَحَدِهِمَا أَنْ يَتَزَوَّجَ الْآخَرَ ، لَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا ذَكَرًا وَالْآخَرُ أُنْثَى لِأَجْلِ الْقَرَابَةِ ، لَا يَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا لِتَأْدِيَةِ ذَلِكَ إلَى قَطِيعَةِ الرَّحِمِ الْقَرِيبَةِ ، لِمَا فِي الطِّبَاعِ مِنْ التَّنَافُسِ وَالْغَيْرَةِ بَيْنَ الضَّرَائِرِ وَلَا يَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَأُمِّهَا فِي الْعَقْدِ ، لِمَا ذَكَرْنَاهُ ؛ وَلِأَنَّ الْأُمَّ إلَى ابْنَتِهَا أَقْرَبُ مِنْ الْأُخْتَيْنِ ، فَإِذَا لَمْ يُجْمَعْ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ فَالْمَرْأَةُ وَبِنْتُهَا أَوْلَى .","part":15,"page":108},{"id":7108,"text":"فَصْلٌ : وَلَا يَحْرُمُ الْجَمْعُ بَيْنَ ابْنَتَيْ الْعَمِّ ، وَابْنَتَيْ الْخَالِ فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ لِعَدَمِ النَّصِّ فِيهِمَا بِالتَّحْرِيمِ ، وَدُخُولِهِمَا فِي عُمُومِ قَوْله تَعَالَى { وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ } وَلِأَنَّ إحْدَاهُمَا تَحِلُّ لَهَا الْأُخْرَى لَوْ كَانَتْ ذَكَرًا ، وَفِي كَرَاهَةِ ذَلِكَ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا : يُكْرَهُ .\rرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ .\rوَبِهِ قَالَ جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ وَعَطَاءٌ وَالْحَسَنُ وَسَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَرَوَى أَبُو حَفْصٍ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ ، قَالَ : نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ تُزَوَّجَ الْمَرْأَةُ عَلَى ذِي قَرَابَتِهَا ، كَرَاهِيَةَ الْقَطِيعَةِ ؛ وَلِأَنَّهُ مُفْضٍ إلَى قَطِيعَةِ الرَّحِمِ الْمَأْمُورِ بِصِلَتِهَا ، فَأَقَلُّ أَحْوَالِهِ الْكَرَاهَةُ .\rوَالْأُخْرَى : لَا يُكْرَهُ وَهُوَ قَوْلُ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ وَالشَّعْبِيِّ وَحَسَنِ بْنِ حَسَنٍ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَإِسْحَاقَ ، وَأَبِي عُبَيْدٍ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَتْ بَيْنَهُمَا قَرَابَةٌ تُحَرِّمُ الْجَمْعَ ، فَلَا يَقْتَضِي كَرَاهَتَهُ ، كَسَائِرِ الْأَقَارِبِ .","part":15,"page":109},{"id":7109,"text":"( 5353 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَإِذَا عَقَدَ عَلَى الْمَرْأَةِ ، وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا ، فَقَدْ حَرُمَتْ عَلَى ابْنِهِ وَأَبِيهِ ، وَحَرُمَتْ عَلَيْهِ أُمُّهَا ، وَالْجَدُّ وَإِنْ عَلَا فِيمَا قُلْت بِمَنْزِلَةِ الْأَبِ ، وَابْنُ الِابْنِ فِيهِ وَإِنْ سَفَلَ بِمَنْزِلَةِ الِابْنِ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا عَقَدَ الرَّجُلُ عَقْدَ النِّكَاحِ عَلَيْهَا ، حَرُمَتْ عَلَى أَبِيهِ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ عَلَيْهَا ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمْ } وَهَذِهِ مِنْ حَلَائِلِ أَبْنَائِهِ ، وَتَحْرُمُ عَلَى ابْنِهِ لِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ : { وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ } وَهَذِهِ قَدْ نَكَحَهَا أَبُوهُ ، وَتَحْرُمُ أُمُّهَا عَلَيْهِ لَقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ { وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ } وَهَذِهِ مِنْهُنَّ وَلَيْسَ فِي هَذَا اخْتِلَافٌ - بِحَمْدِ اللَّهِ - ، إلَّا شَيْءٌ ذَكَرْنَاهُ فِيمَا تَقَدَّمَ ، وَالْجَدُّ كَالْأَبِ فِي هَذَا ، وَابْنُ الِابْنِ كَالِابْنِ .\rفِيهِ ؛ لِأَنَّهُمْ يَدْخُلُونَ فِي اسْمِ الْآبَاءِ وَالْأَبْنَاءِ ، وَسَوَاءٌ فِي هَذَا الْقَرِيبُ وَالْبَعِيدُ ، وَالْوَارِثُ وَغَيْرُهُ ، مِنْ قِبَلِ الْأَبِ وَالْأُمِّ ، وَمِنْ وَلَدِ الْبَنِينَ أَوْ وَلَدِ الْبَنَاتِ وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ .","part":15,"page":110},{"id":7110,"text":"( 5354 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَكُلُّ مَنْ ذَكَرْنَا مِنْ الْمُحَرَّمَاتِ مِنْ النَّسَبِ وَالرَّضَاعِ ، فَبَنَاتُهُنَّ فِي التَّحْرِيمِ كَهُنَّ ، إلَّا بَنَاتِ الْعَمَّاتِ وَالْخَالَاتِ وَبَنَاتِ مَنْ نَكَحَهُنَّ الْآبَاءُ وَالْأَبْنَاءُ ، فَإِنَّهُنَّ مُحَلَّلَاتٌ ، وَكَذَلِكَ بَنَاتُ الزَّوْجَةِ الَّتِي لَمْ يَدْخُلْ بِهَا ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ كُلَّ مُحَرَّمَةٍ تَحْرُمُ ابْنَتُهَا ، لِتَنَاوُلِ التَّحْرِيمِ لَهَا ، فَالْأُمَّهَاتُ تَحْرُمُ بَنَاتُهُنَّ ؛ لِأَنَّهُنَّ أَخَوَاتٌ أَوْ عَمَّاتٌ أَوْ خَالَاتٌ ، وَالْبَنَاتُ تَحْرُمُ بَنَاتُهُنَّ ؛ لِأَنَّهُنَّ بَنَاتٌ وَيَحْرُمُ بَنَاتُ الْأَخَوَاتِ وَبَنَاتُهُنَّ ؛ لِأَنَّهُنَّ بَنَاتُ الْأُخْتِ ، وَكَذَلِكَ بَنَاتُ بَنَاتِ الْأَخِ ، إلَّا بَنَاتِ الْعَمَّاتِ وَالْخَالَاتِ فَلَا يَحْرُمْنَ بِالْإِجْمَاعِ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ } .\rفَأَحَلَّهُنَّ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَلِأَنَّهُنَّ لَمْ يُذْكَرْنَ فِي التَّحْرِيمِ فَيَدْخُلْنَ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ } وَكَذَلِكَ لَا يَحْرُمُ بَنَاتُ زَوْجَاتِ الْآبَاءِ وَالْأَبْنَاءِ ؛ لِأَنَّهُنَّ حُرِّمْنَ لِكَوْنِهِنَّ حَلَائِلَ الْآبَاءِ وَالْأَبْنَاءِ وَلَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ فِي بَنَاتِهِنَّ ، وَلَا وُجِدَتْ فِيهِنَّ عِلَّةٌ أُخْرَى تَقْتَضِي تَحْرِيمَهُنَّ فَدَخَلْنَ فِي قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ : { وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ } .\rوَكَذَلِكَ بَنَاتُ الزَّوْجَةِ الَّتِي لَمْ يَدْخُلْ بِهَا مُحَلَّلَاتٌ ؛ لِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ { فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ } وَهُنَّ الرَّبَائِبُ ، وَلَيْسَ هَؤُلَاءِ مِمَّنْ حُرِّمَتْ أُمُّهُنَّ ، وَإِنَّمَا ذَكَرَهَا ؛ لِأَنَّهَا مُحَلَّلَةٌ ، فَيُشْتَبَهُ حُكْمُهَا فَإِنْ قِيلَ : فَلِمَ حُرِّمَتْ ابْنَةُ الرَّبِيبَةِ ، وَلَمْ تُحَرَّمْ ابْنَةُ حَلِيلَةِ الِابْنِ ؟ قُلْنَا : لِأَنَّ ابْنَةَ الرَّبِيبَةِ رَبِيبَةٌ ، وَابْنَةَ الْحَلِيلَةِ لَيْسَتْ حَلِيلَةً ؛ وَلِأَنَّ عِلَّةَ تَحْرِيمِ الرَّبِيبَةِ أَنَّهُ يَشُقُّ التَّحَرُّزُ مِنْ النَّظَرِ إلَيْهَا","part":15,"page":111},{"id":7111,"text":"، وَالْخَلْوَةِ بِهَا ، بِكَوْنِهَا فِي حِجْرِهِ فِي بَيْتِهِ ، وَهَذَا الْمَعْنَى يُوجَدُ فِي بِنْتِهَا وَإِنْ سَفَلَتْ ، وَالْحَلِيلَةُ حُرِّمَتْ بِنِكَاحِ الْأَبِ وَالِابْنِ لَهَا ، وَلَا يُوجَدُ ذَلِكَ فِي ابْنَتِهَا .","part":15,"page":112},{"id":7112,"text":"( 5355 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَوَطْءُ الْحَرَامِ مُحَرِّمٌ كَمَا يُحَرِّمُ وَطْءُ الْحَلَالِ وَالشُّبْهَةِ ) يَعْنِي أَنَّهُ يَثْبُتُ بِهِ تَحْرِيمُ الْمُصَاهَرَةِ ، فَإِذَا زَنَى بِامْرَأَةٍ حَرُمَتْ عَلَى أَبِيهِ وَابْنِهِ ، وَحَرُمَتْ عَلَيْهِ أُمُّهَا وَابْنَتُهَا ، كَمَا لَوْ وَطِئَهَا بِشُبْهَةٍ أَوْ حَلَالًا وَلَوْ وَطِئَ أُمَّ امْرَأَتِهِ أَوْ بِنْتَهَا حَرُمَتْ عَلَيْهِ امْرَأَتُهُ نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى هَذَا ، فِي رِوَايَةِ جَمَاعَةٍ وَرُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ وَعَطَاءٌ ، وَطَاوُسٌ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَالشَّعْبِيُّ وَالنَّخَعِيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَإِسْحَاقُ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ، وَرَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ الْوَطْءَ الْحَرَامَ لَا يُحَرِّمُ .\rوَبِهِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَيَحْيَى بْنُ يَعْمُرَ ، وَعُرْوَةُ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ { : لَا يُحَرِّمُ الْحَرَامُ الْحَلَالَ } وَلِأَنَّهُ وَطْءٌ لَا تَصِيرُ بِهِ الْمَوْطُوءَةُ فِرَاشًا ، فَلَا يُحَرِّمُ كَوَطْءِ الصَّغِيرَةِ .\rوَلَنَا قَوْله تَعَالَى تَعَالَى : { وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنْ النِّسَاءِ } وَالْوَطْءُ يُسَمَّى نِكَاحًا قَالَ الشَّاعِرُ : إذَا زَنَيْت فَأَجِدْ نِكَاحًا فَحُمِلَ فِي عُمُومِ الْآيَةِ ، وَفِي الْآيَةِ قَرِينَةٌ تَصْرِفُهُ إلَى الْوَطْءِ ، وَهُوَ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى : { إنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا } وَهَذَا التَّغْلِيظُ إنَّمَا يَكُونُ فِي الْوَطْءِ وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إلَى رَجُلٍ نَظَرَ إلَى فَرْجِ امْرَأَةٍ وَابْنَتِهَا } وَرَوَى الْجُوزَجَانِيُّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ : ( مَلْعُونٌ مَنْ نَظَرَ إلَى فَرْجِ امْرَأَةٍ وَابْنَتِهَا ) فَذَكَرْته لِسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ فَأَعْجَبَهُ وَلِأَنَّ مَا تَعَلَّقَ مِنْ التَّحْرِيمِ بِالْوَطْءِ الْمُبَاحِ تَعَلَّقَ بِالْمَحْظُورِ كَوَطْءِ الْحَائِضِ ؛ وَلِأَنَّ النِّكَاحَ عَقْدٌ يُفْسِدُهُ","part":15,"page":113},{"id":7113,"text":"الْوَطْءُ بِالشُّبْهَةِ ، فَأَفْسَدَهُ الْوَطْءُ الْحَرَامُ كَالْإِحْرَامِ ، وَحَدِيثُهُمْ لَا نَعْرِفُ صِحَّتَهُ ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ كَلَامِ ابْنِ أَشْوَعَ وَبَعْضِ قُضَاةِ الْعِرَاقِ كَذَلِكَ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَقِيلَ : إنَّهُ مِنْ قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَوَطْءُ الصَّغِيرَةِ مَمْنُوعٌ ، ثُمَّ يَبْطُلُ بِوَطْءِ الشُّبْهَةِ .","part":15,"page":114},{"id":7114,"text":"( 5356 ) فَصْلٌ : وَالْوَطْءُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ ؛ مُبَاحٌ ، وَهُوَ الْوَطْءُ فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ أَوْ مِلْكِ يَمِينٍ ، فَيَتَعَلَّقُ بِهِ تَحْرِيمُ الْمُصَاهَرَةِ بِالْإِجْمَاعِ ، وَيُعْتَبَرُ مَحْرَمًا لِمَنْ حَرُمَتْ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهَا حَرُمَتْ عَلَيْهِ عَلَى التَّأْبِيدِ ، بِسَبَبٍ مُبَاحٍ ، أَشْبَهَ النَّسَبَ .\rالثَّانِي : الْوَطْءُ بِالشُّبْهَةِ ، وَهُوَ الْوَطْءُ فِي نِكَاحٍ فَاسِدٍ ، أَوْ شِرَاءٍ فَاسِدٍ ، أَوْ وَطْءُ امْرَأَةٍ ظَنَّهَا امْرَأَتَهُ أَوْ أَمَتَهُ ، أَوْ وَطْءُ الْأَمَةِ .\rالْمُشْتَرَكَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ ، وَأَشْبَاهُ هَذَا يَتَعَلَّقُ بِهِ التَّحْرِيمُ كَتَعَلُّقِهِ بِالْوَطْءِ الْمُبَاحِ إجْمَاعًا .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ عُلَمَاءِ الْأَمْصَارِ ، عَلَى أَنَّ الرَّجُلَ إذَا وَطِئَ امْرَأَةً بِنِكَاحٍ فَاسِدٍ ، أَوْ بِشِرَاءٍ فَاسِدٍ ، أَنَّهَا تَحْرُمُ عَلَى أَبِيهِ وَابْنِهِ وَأَجْدَادِهِ وَوَلَدِ وَلَدِهِ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَحْمَدَ ، وَإِسْحَاقَ ، وَأَبِي ثَوْرٍ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ .\rوَلِأَنَّهُ وَطْءٌ يَلْحَقُ بِهِ النَّسَبُ ، فَأَثْبَتَ التَّحْرِيمَ ، كَالْوَطْءِ الْمُبَاحِ .\rوَلَا يَصِيرُ بِهِ الرَّجُلُ مَحْرَمًا لِمَنْ حَرُمَتْ عَلَيْهِ ، وَلَا يُبَاحُ لَهُ بِهِ النَّظَرُ إلَيْهَا ؛ لِأَنَّ الْوَطْءَ لَيْسَ بِمُبَاحٍ ؛ وَلِأَنَّ الْمَحْرَمِيَّةَ تَتَعَلَّقُ بِكَمَالِ حُرْمَةِ الْوَطْءِ ؛ لِأَنَّهَا إبَاحَةٌ ؛ وَلِأَنَّ الْمَوْطُوءَةَ لَمْ يَسْتَبِحْ النَّظَرُ إلَيْهَا فَلَأَنْ لَا يَسْتَبِيحَ النَّظَرُ إلَى غَيْرِهَا أَوْلَى .\rالثَّالِثُ : الْحَرَامُ الْمَحْضُ ، وَهُوَ الزِّنَا ، فَيَثْبُتُ بِهِ التَّحْرِيمُ ، عَلَى الْخِلَافِ الْمَذْكُورِ ، وَلَا تَثْبُتُ بِهِ الْمَحْرَمِيَّةُ ، وَلَا إبَاحَةُ النَّظَرِ ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَثْبُتْ بِوَطْءِ الشُّبْهَةِ ، فَبِالْحَرَامِ الْمَحْضِ أَوْلَى ، وَلَا يَثْبُتُ بِهِ نَسَبٌ ، وَلَا يَجِبُ بِهِ الْمَهْرُ إذَا طَاوَعَتْهُ فِيهِ .","part":15,"page":115},{"id":7115,"text":"( 5357 ) فَصْلٌ : وَلَا فَرْقَ فِيمَا ذَكَرْنَا بَيْن الزِّنَى فِي الْقُبُلِ وَالدُّبُرِ ؛ لِأَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِهِ التَّحْرِيمُ فِيمَا إذَا وُجِدَ فِي الزَّوْجَةِ وَالْأَمَةِ ، فَكَذَلِكَ فِي الزِّنَى .\rفَإِنْ تَلَوَّطَ بِغُلَامٍ ، فَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا : يَتَعَلَّقُ بِهِ التَّحْرِيمُ أَيْضًا ، فَيَحْرُمُ عَلَى اللَّائِطِ أُمُّ الْغُلَامِ وَابْنَتُهُ ، وَعَلَى الْغُلَامِ أُمُّ اللَّائِطِ وَابْنَتُهُ .\rقَالَ : وَنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .\rوَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ وَطْءٌ فِي الْفَرْجِ ، فَنَشَرَ الْحُرْمَةَ ، كَوَطْءِ الْمَرْأَةِ ، وَلِأَنَّهَا بِنْتُ مَنْ وَطِئَهُ وَأُمُّهُ ، فَحَرُمَتَا عَلَيْهِ ، كَمَا لَوْ كَانَتْ الْمَوْطُوءَةُ أُنْثَى .\rوَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : يَكُونُ ذَلِكَ كَالْمُبَاشَرَةِ دُونَ الْفَرْجِ ، يَكُونُ فِيهِ رِوَايَتَانِ .\rوَالصَّحِيحُ أَنَّ هَذَا لَا يَنْشُرُ الْحُرْمَةَ ، فَإِنَّ هَؤُلَاءِ غَيْرُ مَنْصُوصٍ عَلَيْهِنَّ فِي التَّحْرِيمِ ، فَيَدْخُلْنَ فِي عُمُومِ قَوْله تَعَالَى { وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ } وَلِأَنَّهُنَّ غَيْرُ مَنْصُوصٍ عَلَيْهِنَّ ، وَلَا فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ ، فَوَجَبَ أَنْ لَا يَثْبُتَ حُكْمُ التَّحْرِيمِ فِيهِنَّ ، فَإِنَّ الْمَنْصُوصَ عَلَيْهِنَّ فِي هَذَا حَلَائِلُ الْأَبْنَاءِ ، وَمَنْ نَكَحَهُنَّ الْآبَاءُ وَأُمَّهَاتُ النِّسَاءِ وَبَنَاتُهُنَّ ، وَلَيْسَ هَؤُلَاءِ مِنْهُنَّ ، وَلَا فِي مَعْنَاهُنَّ ؛ لِأَنَّ الْوَطْءَ فِي الْمَرْأَةِ يَكُونُ سَبَبًا لِلْبَعْضِيَّةِ ، وَيُوجِبُ الْمَهْرَ ، وَيَلْحَقُ بِهِ النَّسَبُ ، وَتَصِيرُ بِهِ الْمَرْأَةُ فِرَاشًا ، وَيُثْبِتُ أَحْكَامًا لَا يُثْبِتُهَا اللِّوَاطُ ، فَلَا يَجُوزُ إلْحَاقُهُ بِهِنَّ ؛ لِعَدَمِ الْعِلَّةِ ، وَانْقِطَاعِ الشَّبَهِ ، وَلِذَلِكَ لَوْ أَرْضَعَ الرَّجُلُ طِفْلًا ، لَمْ يَثْبُتْ بِهِ حُكْمُ التَّحْرِيمِ ، فَهَاهُنَا أَوْلَى .\rوَإِنْ قُدِّرَ بَيْنَهُمَا شَبَهٌ مِنْ وَجْهٍ ضَعِيفٍ ، فَلَا يَجُوزُ تَخْصِيصُ عُمُومِ الْكِتَابِ بِهِ ، وَاطِّرَاحُ النَّصِّ بِمِثْلِهِ .","part":15,"page":116},{"id":7116,"text":"( 5358 ) فَصْلٌ : وَيَحْرُمُ عَلَى الرَّجُلِ نِكَاحُ بِنْتِهِ مِنْ الزِّنَى ، وَأُخْتِهِ ، وَبِنْتِ ابْنِهِ ، وَبِنْتِ بِنْتِهِ ، وَبِنْتِ أَخِيهِ ، وَأُخْتِهِ مِنْ الزِّنَى .\rوَهُوَ قَوْلُ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ .\rوَقَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ فِي الْمَشْهُورِ مِنْ مَذْهَبِهِ : يَجُوزُ ذَلِكَ كُلُّهُ ؛ لِأَنَّهَا أَجْنَبِيَّةٌ مِنْهُ وَلَا تُنْسَبُ إلَيْهِ شَرْعًا ، وَلَا يَجْرِي التَّوَارُثُ بَيْنَهُمَا ، وَلَا تَعْتِقُ عَلَيْهِ إذَا مَلَكَهَا ، وَلَا تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهَا ، فَلَمْ تَحْرُمْ عَلَيْهِ ، كَسَائِرِ الْأَجَانِبِ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ } .\rوَهَذِهِ بِنْتُهُ ، فَإِنَّهَا أُنْثَى مَخْلُوقَةٌ مِنْ مَائِهِ ، وَهَذِهِ حَقِيقَةٌ لَا تَخْتَلِفُ بِالْحِلِّ وَالْحُرْمَةِ ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي امْرَأَةِ هِلَالِ بْنِ أُمَيَّةَ : { اُنْظُرُوهُ .\rيَعْنِي وَلَدَهَا فَإِنْ جَاءَتْ بِهِ عَلَى صِفَةِ كَذَا فَهُوَ لِشَرِيكِ ابْنِ سَحْمَاءَ } .\rيَعْنِي الزَّانِيَ .\rوَلِأَنَّهَا مَخْلُوقَةٌ مِنْ مَائِهِ وَهَذِهِ حَقِيقَةٌ لَا تَخْتَلِفُ بِالْحِلِّ وَالْحُرْمَةِ ، فَأَشْبَهْت الْمَخْلُوقَةَ مَنْ وَطْءٍ بِشُبْهَةٍ ، وَلِأَنَّهَا بِضْعَةٌ مِنْهُ ، فَلَمْ تَحِلَّ لَهُ ، كَبِنْتِهِ مِنْ النِّكَاحِ ، وَتَخَلُّفُ بَعْضِ الْأَحْكَامِ لَا يَنْفِي كَوْنَهَا بِنْتًا ، كَمَا لَوْ تَخَلَّفَ لِرِقٍّ أَوْ اخْتِلَافِ دِينٍ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَلَا فَرْقَ بَيْن عِلْمِهِ بِكَوْنِهَا مِنْهُ ، مِثْلُ أَنْ يَطَأَ امْرَأَةً فِي طُهْرٍ لَمْ يُصِبْهَا فِيهِ غَيْرُهُ ، ثُمَّ يَحْفَظَهَا حَتَّى تَضَعَ ، أَوْ مِثْلُ أَنْ يَشْتَرِكَ جَمَاعَةٌ فِي وَطْءِ امْرَأَةٍ ، فَتَأْتِيَ بِوَلَدٍ لَا يُعْلَمُ هَلْ هُوَ مِنْهُ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ ؟ فَإِنَّهَا تَحْرُمُ عَلَى جَمِيعِهِمْ لِوَجْهَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، أَنَّهَا بِنْتُ مَوْطُوءَتِهِمْ .\rوَالثَّانِي ، أَنَّنَا نَعْلَمُ أَنَّهَا بِنْتُ بَعْضِهِمْ ، فَتَحْرُمْ عَلَى الْجَمِيعِ ، كَمَا لَوْ زَوَّجَ الْوَلِيَّانِ ، وَلَمْ يُعْلَمْ السَّابِقُ مِنْهُمَا ، وَتَحْرُمُ عَلَى أَوْلَادِهِمْ ؛ لِأَنَّهَا أُخْتُ بَعْضِهِمْ غَيْرُ","part":15,"page":117},{"id":7117,"text":"مَعْلُومٍ ، فَإِنْ أَلْحَقَتْهَا الْقَافَةُ بِأَحَدِهِمْ ، حَلَّتْ لِأَوْلَادِ الْبَاقِينَ ، وَلَمْ تَحِلَّ لَأَحَدٍ مِمَّنْ وَطِئَ أُمَّهَا ؛ لِأَنَّهَا فِي مَعْنَى رَبِيبَتِهِ .","part":15,"page":118},{"id":7118,"text":"( 5359 ) فَصْلٌ : وَوَطْءُ الْمَيِّتَةِ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، يَنْشُرُ الْحُرْمَةَ ؛ لِأَنَّهُ مَعْنَى يَنْشُرُ الْحُرْمَةَ الْمُؤَبَّدَةَ ، فَلَمْ يَخْتَصَّ بِالْحَيَاةِ كَالرَّضَاعِ .\rوَالثَّانِي ، لَا يَنْشُرُهَا .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِسَبَبٍ لِلْبَعْضِيَّةِ ، وَلِأَنَّ التَّحْرِيمَ يَتَعَلَّقُ بِاسْتِيفَاءِ مَنْفَعَةِ الْوَطْءِ ، وَالْمَوْتُ يُبْطِلُ الْمَنَافِعَ .\rوَأَمَّا الرَّضَاعُ ، فَيُحَرِّمُ ؛ لِمَا يَحْصُلُ بِهِ مِنْ إنْبَاتِ اللَّحْمِ وَإِنْشَازِ الْعَظْمِ ، وَهَذَا يَحْصُلُ مِنْ لَبَنِ الْمَيِّتَةِ .\rوَفِي وَطْءِ الصَّغِيرَةِ أَيْضًا وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، يَنْشُرُهَا .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ ؛ لِأَنَّهُ وَطْءٌ لَآدَمِيَّةٍ حَيَّةٍ فِي الْقُبُلِ ، أَشْبَهَ وَطْءَ الْكَبِيرَةِ .\rوَالثَّانِي ، لَا يَنْشُرُهَا .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِسَبَبٍ لِلْبَعْضِيَّةِ أَشْبَهَ وَطْءَ الْمَيِّتَةِ .","part":15,"page":119},{"id":7119,"text":"( 5360 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا الْمُبَاشَرَةُ فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ ، فَإِنْ كَانَتْ لِغَيْرِ شَهْوَةٍ ، لَمْ تَنْشُرْ الْحُرْمَةَ .\rبِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ .\rوَإِنْ كَانَتْ لَشَهْوَةٍ ، وَكَانَتْ فِي أَجْنَبِيَّةٍ ، لَمْ تَنْشُرْ الْحُرْمَةَ أَيْضًا .\rقَالَ الْجُوزَجَانِيُّ : سَأَلْت أَحْمَدَ عَنْ رَجُلٍ نَظَرَ إلَى أُمِّ امْرَأَتِهِ فِي شَهْوَةٍ ، أَوْ قَبَّلَهَا ، أَوْ بَاشَرَهَا .\rفَقَالَ : أَنَا أَقُولُ لَا يُحَرِّمُهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ إلَّا الْجِمَاعَ .\rوَكَذَلِكَ نَقَلَ أَحْمَدُ بْنُ الْقَاسِمِ ، وَإِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ .\rوَإِنْ كَانَتْ الْمُبَاشَرَةُ لِامْرَأَةٍ مُحَلَّلَةٍ لَهُ ، كَامْرَأَتِهِ ، أَوْ مَمْلُوكَتِهِ ، لَمْ تَحْرُمْ عَلَيْهِ ابْنَتُهَا .\rقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : لَا يُحَرِّمُ الرَّبِيبَةَ إلَّا جِمَاعُ أُمِّهَا .\rوَبِهِ قَالَ طَاوُسٌ ، وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ ؛ لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى قَالَ { فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ } .\rوَهَذَا لَيْسَ بِدُخُولٍ فَلَا يَجُوزُ تَرْكُ النَّصِّ الصَّرِيحِ مِنْ أَجْلِهِ .\rوَأَمَّا تَحْرِيمُ أُمِّهَا ، وَتَحْرِيمُهَا عَلَى أَبِي الْمُبَاشِرِ لَهَا وَابْنِهِ ؛ فَإِنَّهَا فِي النِّكَاحِ تُحَرَّمُ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ قَبْلَ الْمُبَاشَرَةِ ، فَلَا يَظْهَرُ لِلْمُبَاشَرَةِ أَثَرٌ .\rوَأَمَّا الْأَمَةُ ، فَمَتَى بَاشَرَهَا دُونَ الْفَرْجِ لَشَهْوَةٍ ، فَهَلْ يَثْبُتُ تَحْرِيمُ الْمُصَاهَرَةِ ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، يَنْشُرُهَا .\rرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، وَمَسْرُوقٍ .\rوَبِهِ قَالَ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، وَالْحَسَنُ ، وَمَكْحُولٌ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَعَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ .\rوَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ نَوْعُ اسْتِمْتَاعٍ ، فَتَعَلَّقَ بِهِ تَحْرِيمُ الْمُصَاهَرَةِ ، كَالْوَطْءِ فِي الْفَرْجِ ، وَلِأَنَّهُ تَلَذُّذٌ بِمُبَاشَرَةٍ ، فَيَتَعَلَّقُ بِهِ التَّحْرِيمُ كَمَا لَوْ وَطِئَ .\rوَالثَّانِيَةُ ، لَا يَثْبُتُ بِهِ التَّحْرِيمُ ؛ لِأَنَّهَا مُلَامَسَةٌ لَا تُوجِبُ الْغُسْلَ ، فَلَمْ يَثْبُتْ بِهَا التَّحْرِيمُ ، كَمَا لَوْ","part":15,"page":120},{"id":7120,"text":"لَمْ يَكُنْ لِشَهْوَةٍ ، وَلِأَنَّ ثُبُوتَ التَّحْرِيمِ إمَّا أَنْ يَكُونَ بِنَصٍّ ، أَوْ قِيَاسٍ عَلَى الْمَنْصُوصِ ، وَلَا نَصَّ فِي هَذَا ، وَلَا هُوَ فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ ، وَلَا الْمَجْمَعِ عَلَيْهِ ، فَإِنَّ الْوَطْءَ يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنْ الْأَحْكَامِ اسْتِقْرَارُ الْمَهْرِ ، وَالْإِحْصَانُ ، وَالِاغْتِسَالُ ، وَالْعِدَّةُ ، وَإِفْسَادُ الْإِحْرَامِ ، وَالصِّيَامُ ، بِخِلَافِ اللَّمْسِ .\rوَذَكَر أَصْحَابُنَا الرِّوَايَتَيْنِ فِي جَمِيعِ الصُّوَرِ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ ، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ أَقْرَبُ إلَى الصَّوَابِ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ .","part":15,"page":121},{"id":7121,"text":"( 5361 ) فَصْلٌ : وَمَنْ نَظَرَ إلَى فَرْجِ امْرَأَةٍ بِشَهْوَةٍ ، فَهُوَ كَلَمْسِهَا لَشَهْوَةٍ ، فِيهِ أَيْضًا رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، يَنْشُرُ الْحُرْمَةَ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي يَنْشُرُهَا اللَّمْسُ .\rرُوِيَ عَنْ عُمَرَ ، وَابْنِ عُمَرَ ، وَعَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ ، وَكَانَ بَدْرِيًّا وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو فِي مَنْ يَشْتَرِي الْخَادِمَ ، ثُمَّ يُجَرِّدُهَا أَوْ يُقَبِّلُهَا ، لَا يَحِلُّ لِابْنِهِ وَطْؤُهَا .\rوَهُوَ قَوْلُ الْقَاسِمِ ، وَالْحَسَنِ ، وَمُجَاهِدٍ ، وَمَكْحُولٍ ، وَحَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ .\rلِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّه بْنِ مَسْعُودٍ ، عَنْ النَّبِيِّ ، أَنَّهُ قَالَ { : مَنْ نَظَرَ إلَى فَرْجِ امْرَأَةٍ ، لَمْ تَحِلَّ لَهُ أُمُّهَا وَبِنْتُهَا .\rوَفِي لَفْظٍ : لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إلَى رَجُلٍ نَظَرَ إلَى فَرْجِ امْرَأَةٍ وَابْنَتِهَا } .\rوَالثَّانِيَةُ ، لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ التَّحْرِيمُ .\rوَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى { وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ } .\rوَلِأَنَّهُ نَظَرٌ مِنْ غَيْرِ مُبَاشَرَةٍ ، فَلَمْ يُوجِبْ التَّحْرِيمَ ، كَالنَّظَرِ إلَى الْوَجْهِ ، وَالْخَبَرُ ضَعِيفٌ .\rقَالَهُ الدَّارَقُطْنِيّ .\rوَقِيلَ : هُوَ مَوْقُوفٌ عَلَى ابْنِ مَسْعُودٍ .\rثُمَّ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ كَنَّى بِذَلِكَ عَنْ الْوَطْءِ .\rوَأَمَّا النَّظَرُ إلَى سَائِرِ الْبَدَنِ فَلَا يَنْشُرُ حُرْمَةً .\rوَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا : لَا فَرْقَ بَيْن النَّظَرِ إلَى الْفَرْجِ وَسَائِرِ الْبَدَنِ لَشَهْوَةٍ .\rوَالصَّحِيحُ ، خِلَافُ هَذَا ؛ فَإِنَّ غَيْرَ الْفَرْجِ لَا يُقَاسُ عَلَيْهِ ، لِمَا بَيْنَهُمَا مِنْ الْفَرْقِ ، وَلَا خِلَافَ نَعْلَمُهُ فِي أَنَّ النَّظَرَ إلَى الْوَجْهِ لَا يُثْبِتُ الْحُرْمَةَ ، فَكَذَلِكَ غَيْرُهُ ، وَلَا خِلَافَ أَيْضًا فِي أَنَّ النَّظَرَ إذَا وَقَعَ مِنْ غَيْر شَهْوَةٍ لَا يَنْشُرُ حُرْمَةً ؛ لِأَنَّ اللَّمْسَ الَّذِي هُوَ أَبْلَغُ مِنْهُ لَا يُؤَثِّرُ إذَا كَانَ لِغَيْرِ شَهْوَةٍ ، فَالنَّظَرُ أَوْلَى .\rوَمَوْضِعُ الْخِلَافِ فِي اللَّمْسِ وَالنَّظَرِ فِي مِنْ بَلَغَتْ سِنًّا يُمْكِنُ الِاسْتِمْتَاعُ مِنْهَا ، كَابْنَةِ تِسْعٍ فَمَا زَادَ ، فَأَمَّا","part":15,"page":122},{"id":7122,"text":"الطِّفْلَةُ فَلَا يَثْبُتُ فِيهَا ذَلِكَ .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ ، فِي بِنْتِ سَبْعٍ : إذَا قَبَّلَهَا حَرُمَتْ عَلَيْهِ أُمُّهَا .\rقَالَ الْقَاضِي : هَذَا عِنْدِي مَحْمُولٌ عَلَى السِّنِّ الَّذِي تُوجَدُ مَعَهُ الشَّهْوَةُ .\r( 5362 ) فَصْلٌ : فَإِنْ نَظَرَتْ الْمَرْأَةُ إلَى فَرْجِ رَجُلٍ لَشَهْوَةٍ ، فَحُكْمُهُ فِي التَّحْرِيمِ حُكْمُ نَظَرِهِ إلَيْهَا .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ؛ لِأَنَّهُ مَعْنًى يُوجِبُ التَّحْرِيمَ ، فَاسْتَوَى فِيهِ الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ كَالْجِمَاعِ .\rوَكَذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ حُكْمُ لَمْسِهَا لَهُ ، وَقُبْلَتِهَا إيَّاهُ لَشَهْوَةٍ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا .","part":15,"page":123},{"id":7123,"text":"( 5363 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا الْخَلْوَةُ بِالْمَرْأَةِ ، فَالصَّحِيحُ أَنَّهَا لَا تَنْشُرُ حُرْمَةً .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ : إذَا خَلَا بِالْمَرْأَةِ ، وَجَبَ الصَّدَاقُ وَالْعِدَّةُ ، وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ أُمَّهَا وَابْنَتَهَا .\rقَالَ الْقَاضِي : هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ حَصَلَ مَعَ الْخَلْوَةِ مُبَاشَرَةٌ ، فَيُخَرَّجُ كَلَامُهُ عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ اللَّتَيْنِ ذَكَرْنَاهُمَا ، فَأَمَّا مَعَ خَلْوَةٍ مِنْ ذَلِكَ ، فَلَا يُؤَثِّرُ فِي تَحْرِيمِ الرَّبِيبَةِ ؛ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ مُخَالِفَةِ قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ { فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ } .\rوَقَوْلُهُ : { وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ } .\rوَأَمَّا الْخَلْوَةُ بِأَجْنَبِيَّةٍ ، أَوْ أَمَتِهِ ، فَلَا تَنْشُرُ تَحْرِيمًا .\rلَا نَعْلَمُ فِي ذَلِكَ خِلَافًا .\rوَكُلُّ مَنْ حُرِّمَ نِكَاحُهَا حُرِّمَ وَطْؤُهَا بِمِلْكِ الْيَمِينِ ؛ لِأَنَّهُ إذَا حُرِّمَ الْعَقْدُ الْمُرَادُ لِلْوَطْءِ ، فَالْوَطْءُ أَوْلَى .","part":15,"page":124},{"id":7124,"text":"مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَإِنْ تَزَوَّجَ أُخْتَيْنِ مِنْ نَسَبٍ أَوْ رَضَاعٍ ، فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ ، فَسَدَ .\rوَإِنْ تَزَوَّجَهُمَا فِي عَقْدَيْنِ ، فَالْأُولَى زَوْجَتُهُ ، وَالْقَوْلُ فِيهِمَا الْقَوْلُ فِي الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا ، وَالْمَرْأَةِ وَخَالَتِهَا ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْجَمْعَ بَيْن الْمَرْأَةِ وَأُخْتِهَا ، أَوْ عَمَّتِهَا ، أَوْ خَالَتِهَا ، مُحَرَّمٌ .\rفَمَتَى جَمَعَ بَيْنَهُمَا ، فَعَقَدَ عَلَيْهِمَا مَعًا ، لَمْ يَصِحَّ الْعَقْدُ فِي وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ تَصْحِيحُهُ فِيهِمَا ، وَلَا مَزِيَّةَ لِإِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى ، فَيَبْطُلُ فِيهِمَا ، كَمَا لَوْ زُوِّجَتْ الْمَرْأَةُ لِرَجُلَيْنِ .\rوَهَكَذَا لَوْ تَزَوَّجَ خَمْسًا فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ ، بَطَلَ فِي الْجَمِيعِ لِذَلِكَ .\rوَإِنْ تَزَوَّجَهُمَا فِي عَقْدَيْنِ ، فَنِكَاحُ الْأُولَى صَحِيحٌ ؛ لِأَنَّهُ لَا جَمْعَ فِيهِ ، وَنِكَاحُ الثَّانِيَةِ بَاطِلٌ ؛ لِأَنَّ الْجَمْعَ يَحْصُلُ بِهِ ، فَبِالْعَقْدِ عَلَى الْأُولَى تُحَرَّمُ الثَّانِيَةُ ، وَلَا يَصِحُّ عَقْدُهُ عَلَيْهَا حَتَّى تَبِينَ الْأُولَى مِنْهُ ، وَيَزُولَ نِكَاحُهَا وَعِدَّتُهَا .\r( 5365 ) فَصْلٌ : : فَإِنْ تَزَوَّجَهُمَا فِي عَقْدَيْنِ ، وَلَمْ يَدْرِ أُولَاهُمَا ، فَعَلَيْهِ فُرْقَتُهُمَا مَعًا .\rقَالَ أَحْمَدُ ، فِي رَجُلٍ تَزَوَّجَ أُخْتَيْنِ ، لَا يَدْرِي أَيَّتَهمَا تَزَوَّجَ أَوَّلًا : نُفَرِّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمَا .\rوَذَلِكَ لِأَنَّ إحْدَاهُمَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِ ، وَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ ، وَلَا نَعْرِفُ الْمُحَلَّلَةَ لَهُ ، فَقَدْ اشْتَبَهَتَا عَلَيْهِ ، وَنِكَاحُ إحْدَاهُمَا صَحِيحٌ ، وَلَا تُتَيَقَّنُ بَيْنُونَتُهَا مِنْهُ إلَّا بِطَلَاقِهِمَا جَمِيعًا ، أَوْ فَسْخِ نِكَاحِهِمَا ، فَوَجَبَ ذَلِكَ ، كَمَا لَوْ زَوَّجَ الْوَلِيَّانِ ، وَلَمْ يُعْرَفْ الْأَوَّلُ مِنْهُمَا .\rوَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يُفَارِقَ إحْدَاهُمَا ، ثُمَّ يُجَدِّدَ عَقْدَ الْأُخْرَى وَيُمْسِكَهَا ، فَلَا بَأْسَ ، وَسَوَاءٌ فَعَلَ ذَلِكَ بِقُرْعَةٍ أَوْ بِغَيْرِ قُرْعَةٍ ، وَلَا يَخْلُو مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ ؛ أَحَدُهَا ، أَنْ لَا يَكُونَ دَخَلَ بِوَاحِدَةٍ مِنْهُمَا ، فَلَهُ أَنْ يَعْقِدَ عَلَى إحْدَاهُمَا فِي الْحَالِ","part":15,"page":125},{"id":7125,"text":"بَعْدَ فِرَاقِ الْأُخْرَى .\rالثَّانِي ، إذَا دَخَلَ بِإِحْدَاهُمَا ، فَإِنْ أَرَادَ نِكَاحَهَا ، فَارَقَ الَّتِي لَمْ يُصِبْهَا بِطَلْقَةٍ ، ثُمَّ تَرَكَ الْمُصَابَةَ حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا ، ثُمَّ نَكَحَهَا ؛ لِأَنَّنَا لَا نَأْمَنُ أَنْ تَكُونَ هِيَ الثَّانِيَةَ ، فَيَكُونَ قَدْ أَصَابَهَا فِي نِكَاحٍ فَاسِدٍ ، فَلِهَذَا اعْتَبَرْنَا انْقِضَاءَ عِدَّتِهَا ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَجُوزَ لَهُ الْعَقْدُ عَلَيْهَا فِي الْحَالِ ؛ لِأَنَّ النَّسَبَ لَاحِقٌ بِهِ ، وَلَا يُصَانُ ذَلِكَ عَنْ مَائِهِ .\rوَإِنْ أَحَبَّ نِكَاحَ الْأُخْرَى ، فَارَقَ الْمُصَابَةَ بِطَلْقَةٍ ، ثُمَّ انْتَظَرَهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا ، ثُمَّ تَزَوَّجَ أُخْتَهَا .\rالْقِسْمُ الثَّالِثُ ، إذَا دَخَلَ بِهِمَا ، فَلَيْسَ لَهُ نِكَاحُ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا حَتَّى يُفَارِقَ الْأُخْرَى ، وَتَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا مِنْ حِينِ فُرْقَتِهَا ، وَتَنْقَضِي عِدَّةُ الْأُخْرَى مِنْ حِينِ أَصَابَهَا .\rوَإِنْ وَلَدَتْ مِنْهُ إحْدَاهُمَا ، أَوْ هُمَا جَمِيعًا ، فَالنَّسَبُ لَاحِقٌ بِهِ ؛ لِأَنَّهُ إمَّا مِنْ نِكَاحٍ صَحِيحٍ أَوْ نِكَاحٍ فَاسِدٍ ، وَكِلَاهُمَا يَلْحَقُ النَّسَبُ فِيهِ .\rوَإِنْ لَمْ يُرِدْ نِكَاحَ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا ، فَارَقَهُمَا بِطَلْقَةٍ طَلْقَةٍ .\r( 5366 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا الْمَهْرُ ، فَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ بِوَاحِدَةٍ مِنْهُمَا ، فَلِإِحْدَاهُمَا نِصْفُ الْمَهْرِ ، وَلَا نَعْلَمُ مَنْ يَسْتَحِقُّهُ مِنْهُمَا ، فَيَصْطَلِحَانِ عَلَيْهِ ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلَا ، أُقْرِعَ بَيْنَهُمَا ، فَكَانَ لِمَنْ خَرَجَتْ قُرْعَتُهَا مَعَ يَمِينِهَا .\rوَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : اخْتِيَارِيّ أَنْ يَسْقُطَ الْمَهْرُ إذَا كَانَ مُجْبَرًا عَلَى الطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ .\rوَإِنْ دَخَلَ بِوَاحِدَةٍ مِنْهُمَا أُقْرِعَ بَيْنَهُمَا ، فَإِنْ وَقَعَتْ لِغَيْرِ الْمُصَابَةِ ، فَلَهَا نِصْفُ الْمَهْرِ ، وَلِلْمُصَابَةِ مَهْرُ الْمِثْلِ بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجِهَا ، وَإِنْ وَقَعَتْ عَلَى الْمُصَابَةِ ، فَلَا شَيْءَ لِلْأُخْرَى ، وَلِلْمُصَابَةِ الْمُسَمَّى جَمِيعُهُ .\rوَإِنْ أَصَابَهُمَا مَعًا ، فَلِإِحْدَاهُمَا الْمُسَمَّى ، وَلِلْأُخْرَى مَهْرُ الْمِثْلِ ، يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا فِيهِ .\rإنْ قُلْنَا : إنَّ","part":15,"page":126},{"id":7126,"text":"الْوَاجِبَ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ مَهْرُ الْمِثْلِ .\rوَإِنْ قُلْنَا بِوُجُوبِ الْمُسَمَّى فِيهِ ، وَجَبَ هَاهُنَا لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا .","part":15,"page":127},{"id":7127,"text":"( 5367 ) فَصْلٌ : قَالَ أَحْمَدُ : إذَا تَزَوَّجَ امْرَأَةً ، ثُمَّ تَزَوَّجَ أُخْتَهَا ، وَدَخَلَ بِهَا ، اعْتَزَلَ زَوْجَتَهُ حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّةُ الثَّانِيَةِ .\rإنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَرَادَ الْعَقْدَ عَلَى أُخْتِهَا فِي الْحَالِ ، لَمْ يَجُزْ لَهُ حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّةُ الْمَوْطُوءَةِ ، كَذَلِكَ لَا يَجُوزُ الْوَطْءُ لِامْرَأَتِهِ ، حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّةُ أُخْتِهَا الَّتِي أَصَابَهَا .","part":15,"page":128},{"id":7128,"text":"( 5368 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَإِنْ تَزَوَّجَ أُخْتَهُ مِنْ الرَّضَاعِ وَأَجْنَبِيَّةً فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ ، ثَبَتَ نِكَاحُ الْأَجْنَبِيَّةِ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا عَقَدَ النِّكَاحَ عَلَى أُخْتِهِ وَأَجْنَبِيَّةٍ مَعًا ، بِأَنْ يَكُونَ لَرَجُلٍ أُخْتٌ وَابْنَةُ عَمٍّ ، إحْدَاهُمَا رَضِيعَةُ الْمُتَزَوِّجِ ، فَيَقُولَ لَهُ : زَوَّجَتْكهَا مَعًا .\rفَيَقْبَلَ ذَلِكَ .\rفَالْمَنْصُوصُ هُنَا صِحَّةُ نِكَاحِ الْأَجْنَبِيَّةِ .\rوَنَصَّ فِي مَنْ تَزَوَّجَ حُرَّةً وَأَمَةً ، عَلَى أَنَّهُ يَثْبُتُ نِكَاحُ الْحُرَّةِ ، وَيُفَارِقُ الْأَمَةَ .\rوَقِيلَ : فِيهِ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، يَفْسُدُ فِيهِمَا ، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ ، وَاخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ لِأَنَّهَا لَفْظَةٌ وَاحِدَةٌ ، جَمَعَتْ حَلَالًا وَحَرَامًا ، فَلَمْ يَصِحَّ ، كَمَا لَوْ جَمَعَ بَيْن أُخْتَيْنِ .\rوَالثَّانِيَةُ ، يَصِحُّ فِي الْحُرَّةِ .\rوَهِيَ أَظْهَرُ الرِّوَايَتَيْنِ .\rوَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ ؛ لِأَنَّهَا مَحَلٌّ قَابِلٌ لِلنِّكَاحِ ، أُضِيفَ إلَيْهَا عَقْدٌ صَادِرٌ مِنْ أَهْلِهِ ، لَمْ يَجْتَمِعْ مَعَهَا فِيهِ مِثْلُهَا ، فَصَحَّ ، كَمَا لَوْ انْفَرَدَتْ بِهِ ، وَفَارَقَ الْعَقْدَ عَلَى الْأُخْتَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ لَا مَزِيَّةَ لِإِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى ، وَهَاهُنَا قَدْ تَعَيَّنَتْ الَّتِي بَطَلَ النِّكَاحُ فِيهَا ، فَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ يَكُونُ لَهَا مِنْ الْمُسَمَّى بِقِسْطِ مَهْرِ مِثْلِهَا مِنْهُ .\rوَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ ، أَنَّ لَهَا نِصْفَ الْمُسَمَّى .\rوَأَصْلُ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ ، إذَا تَزَوَّجَ امْرَأَتَيْنِ ، يَجُوزُ لَهُ نِكَاحُهُمَا بِمَهْرٍ وَاحِدٍ ، هَلْ يَكُونُ بَيْنَهُمَا عَلَى قَدْرِ صَدَاقِهِمَا ، أَوْ نِصْفَيْنِ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ ، يَأْتِي ذِكْرُهُمَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .","part":15,"page":129},{"id":7129,"text":"( 5369 ) فَصْلٌ : وَلَوْ تَزَوَّجَ يَهُودِيَّةً وَمَجُوسِيَّةً ، أَوْ مُحَلَّلَةً وَمُحَرَّمَةً ، فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ ، فَسَدَ فِي الْمَجُوسِيَّةِ وَالْمُحَرَّمَةِ ، وَفِي الْأُخْرَى وَجْهَانِ .\rوَإِنْ نَكَحَ أَرْبَعَ حَرَائِرَ وَأَمَةً ، فَسَدَ فِي الْأَمَةِ ، وَفِي الْحَرَائِرِ وَجْهَانِ .\rوَإِنْ نَكَحَ الْعَبْدُ حُرَّتَيْنِ وَأَمَةً ، بَطَلَ نِكَاحُ الْجَمِيعِ .\rوَإِنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً وَابْنَتَهَا ، فَسَدَ فِيهِمَا ؛ لِأَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا مُحَرَّمٌ ، فَلَمْ يَصِحَّ فِيهِمَا ، كَالْأُخْتَيْنِ .","part":15,"page":130},{"id":7130,"text":"( 5370 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِذَا اشْتَرَى أُخْتَيْنِ ، فَأَصَابَ إحْدَاهُمَا ، لَمْ يُصِبْ الْأُخْرَى حَتَّى تُحَرَّمَ الْأُولَى بِبَيْعٍ أَوْ نِكَاحٍ أَوْ هِبَةٍ ، وَمَا أَشْبَهَهُ ، وَيُعْلَمَ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِحَامِلٍ ، فَإِنْ عَادَتْ إلَى مِلْكِهِ ، لَمْ يُصِبْ وَاحِدَةً مِنْهُمَا ، حَتَّى تُحَرَّمَ عَلَيْهِ الْأُولَى ) الْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي فُصُولٍ سِتَّةٍ : ( 5371 ) الْفَصْلُ الْأَوَّلُ : أَنَّهُ يَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ فِي الْمِلْكِ .\rبِغَيْرِ خِلَافٍ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rوَكَذَلِكَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ عَمَّتِهَا وَخَالَتِهَا .\rوَلَوْ اشْتَرَى جَارِيَةً ، فَوَطِئَهَا ، حَلَّ لَهُ شِرَاءُ أُخْتِهَا وَعَمَّتِهَا وَخَالَتِهَا ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ يُقْصَدُ بِهِ التَّمَوُّلُ دُونَ الِاسْتِمْتَاعِ ، وَكَذَلِكَ حَلَّ لَهُ شِرَاءُ الْمَجُوسِيَّةِ ، وَالْوَثَنِيَّةِ ، وَالْمُعْتَدَّةِ ، وَالْمُزَوَّجَةِ ، وَالْمُحَرَّمَاتِ عَلَيْهِ بِالرَّضَاعِ وَبِالْمُصَاهَرَةِ .","part":15,"page":131},{"id":7131,"text":"( 5372 ) الْفَصْلُ الثَّانِي : أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ مِنْ إمَائِهِ فِي الْوَطْءِ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، فِي رِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ .\rوَكَرِهَهُ عُمَرُ ، وَعُثْمَانُ ، وَعَلِيٌّ ، وَعَمَّارٌ ، وَابْنُ عُمَرَ ، وَابْنُ مَسْعُودٍ .\rوَمِمَّنْ قَالَ بِتَحْرِيمِهِ ؛ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ ، وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ ، وَطَاوُسٌ ، وَمَالِكٌ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ .\rوَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّهُ قَالَ : أَحَلَّتْهُمَا آيَةٌ وَحَرَّمَتْهُمَا آيَةٌ ، وَلَمْ أَكُنْ لِأَفْعَلْهُ .\rوَيُرْوَى ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ أَيْضًا .\rيُرِيدُ بِالْمُحَرِّمَةِ قَوْله تَعَالَى : { وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ } .\rوَبِالْمُحَلِّلَةِ قَوْله تَعَالَى : { إلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ } .\rوَقَدْ رَوَى ابْنُ مَنْصُورٍ ، عَنْ أَحْمَدَ ، وَسَأَلَهُ عَنْ الْجَمْعِ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ الْمَمْلُوكَتَيْنِ ، أَحَرَامٌ هُوَ ؟ قَالَ : لَا أَقُولُ حَرَامٌ وَلَكِنْ نَنْهَى عَنْهُ .\rوَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ مَكْرُوهٌ غَيْرُ مُحَرَّمٍ .\rوَقَالَ دَاوُد ، وَأَهْلُ الظَّاهِرِ : لَا يُحَرَّمُ .\rاسْتِدْلَالًا بِالْآيَةِ الْمُحَلِّلَةِ ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْحَرَائِرِ فِي الْوَطْءِ مُخَالِفٌ لِحُكْمِ الْإِمَاءِ ، وَلِهَذَا تَحْرُمُ الزِّيَادَةُ عَلَى أَرْبَعٍ فِي الْحَرَائِرِ ، وَتُبَاحُ فِي الْإِمَاءِ بِغَيْرِ حَصْرٍ ، وَالْمَذْهَبُ تَحْرِيمُهُ ؛ لِلْآيَةِ الْمُحَرِّمَةِ ، فَإِنَّهُ يُرِيدُ بِهَا الْوَطْءَ وَالْعَقْدَ جَمِيعًا ، بِدَلِيلِ أَنَّ سَائِرَ الْمَذْكُورَاتِ فِي الْآيَةِ يُحَرَّمُ وَطْؤُهُنَّ وَالْعَقْدُ عَلَيْهِنَّ ، وَآيَةُ الْحِلِّ مَخْصُوصَةٌ بِالْمُحَرَّمَاتِ جَمِيعِهِنَّ ، وَهَذِهِ مِنْهُنَّ ، وَلِأَنَّهَا امْرَأَةٌ صَارَتْ فِرَاشًا ، فَحُرِّمَتْ أُخْتُهَا كَالزَّوْجَةِ .","part":15,"page":132},{"id":7132,"text":"( 5373 ) الْفَصْلُ الثَّالِثُ : أَنَّهُ إذَا كَانَ فِي مِلْكِهِ أُخْتَانِ ، فَلَهُ وَطْءُ إحْدَاهُمَا ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rوَقَالَ الْحَكَمُ ، وَحَمَّادٌ : لَا يَقْرَبُ وَاحِدَةً مِنْهُمَا .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ النَّخَعِيِّ .\rوَذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ مَذْهَبًا لِأَحْمَدَ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ لَيْسَ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا فِي الْفِرَاشِ ، فَلَمْ يُحَرَّمْ ، كَمَا لَوْ كَانَ فِي مِلْكِهِ إحْدَاهُمَا فَقَطْ .","part":15,"page":133},{"id":7133,"text":"( 5374 ) الْفَصْلُ الرَّابِعُ : أَنَّهُ إذَا وَطِئَ إحْدَاهُمَا ، فَلَيْسَ لَهُ وَطْءُ الْأُخْرَى قَبْلَ تَحْرِيمِ الْمَوْطُوءَةِ عَلَى نَفْسِهِ ، بِإِخْرَاجٍ عَنْ مِلْكِهِ أَوْ تَزْوِيجٍ .\rهَذَا قَوْلُ عَلِيٍّ ، وَابْنِ عُمَرَ ، وَالْحَسَنِ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَإِسْحَاقَ ، وَالشَّافِعِيِّ .\rفَإِنْ رَهَنَهَا ، لَمْ تَحِلَّ لَهُ أُخْتُهَا ؛ لِأَنَّ مَنْعَهُ مِنْ وَطْئِهَا لِحَقِّ الْمُرْتَهِنِ لَا لِتَحْرِيمِهَا ، وَلِهَذَا يَحِلُّ لَهُ بِإِذْنِ الْمُرْتَهِنِ فِي وَطْئِهَا ، وَلِأَنَّهُ يَقْدِرُ عَلَى فَكِّهَا مَتَى شَاءَ وَاسْتِرْجَاعِهَا إلَيْهِ .\rوَقَالَ قَتَادَةُ : إنْ اسْتَبْرَأَهَا ، حَلَّتْ لَهُ أُخْتُهَا ؛ لِأَنَّهُ قَدْ زَالَ فِرَاشُهُ ، وَلِهَذَا لَوْ أَتَتْ بِوَلَدٍ ، فَنَفَاهُ بِدَعْوَى الِاسْتِبْرَاءِ انْتَفَى ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ زَوَّجَهَا .\rوَلَنَا ، قَوْلُ عَلِيٍّ ، وَابْنِ عُمَرَ ، وَلِأَنَّهُ لَمْ يَزُلْ مِلْكُهُ عَنْهَا ، وَلَا حِلُّهَا لَهُ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ وُطِئَتْ بِشُبْهَةٍ فَاسْتَبْرَأَهَا مِنْ ذَلِكَ الْوَطْءِ ، وَلِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَمْنَعُهُ وَطْأَهَا ، فَلَا يَأْمَنُ عَوْدَهُ إلَيْهَا ، فَيَكُونُ ذَلِكَ ذَرِيعَةً إلَى الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا .\rوَإِنْ حَرَّمَ إحْدَاهُمَا عَلَى نَفْسِهِ ، لَمْ تُبَحْ الْأُخْرَى ؛ لِأَنَّ هَذَا لَا يُحَرِّمُهَا ، إنَّمَا هُوَ يَمِينٌ يُكَفَّرُ ، وَلَوْ كَانَ يُحَرِّمُهَا إلَّا أَنَّهُ لِعَارِضٍ ، مَتَى شَاءَ أَزَالَهُ بِالْكَفَّارَةِ ، فَهُوَ كَالْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ وَالْإِحْرَامِ وَالصِّيَامِ .\rوَإِنْ كَاتَبَ إحْدَاهُمَا ، فَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ أَنَّهُ لَا تَحِلُّ لَهُ الْأُخْرَى .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ : تَحِلُّ لَهُ الْأُخْرَى .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ : تَحِلُّ لَهُ الْأُخْرَى ؛ لِأَنَّهَا حُرِّمَتْ عَلَيْهِ بِسَبَبٍ لَا يَقْدِرُ عَلَى رَفْعِهِ ، فَأَشْبَهَ التَّزْوِيجَ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ بِسَبِيلٍ مِنْ اسْتِبَاحَتِهَا بِمَا لَا يَقِفُ عَلَى غَيْرِهِمَا ، فَلَمْ تُبَحْ لَهُ أُخْتُهَا ، كَالْمَرْهُونَةِ .","part":15,"page":134},{"id":7134,"text":"( 5375 ) الْفَصْلُ الْخَامِسُ : أَنَّهُ إذَا أَخْرَجَهَا مِنْ مِلْكِهِ ، لَمْ تَحِلَّ لَهُ أُخْتُهَا ، حَتَّى يَسْتَبْرِئَ الْمُخْرَجَةَ ، وَيَعْلَمَ بَرَاءَتَهَا مِنْ الْحَمْلِ .\rوَمَتَى كَانَتْ حَامِلًا مِنْهُ ، لَمْ تَحِلَّ لَهُ أُخْتُهَا حَتَّى تَضَعَ حَمْلَهَا ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ جَامِعًا مَاءَهُ فِي رَحِمِ أُخْتَيْنِ ، بِمَنْزِلَةِ نِكَاحِ الْأُخْتِ فِي عِدَّةِ أُخْتِهَا .","part":15,"page":135},{"id":7135,"text":"( 5376 ) فَصْلٌ : فَإِنْ وَطِئَ أَمَتَيْهِ الْأُخْتَيْنِ مَعًا ، فَوَطْءُ الثَّانِيَةِ مُحَرَّمٌ ، وَلَا حَدَّ فِيهِ ، لِأَنَّ وَطْأَهُ فِي مِلْكِهِ وَلِأَنَّهَا مُخْتَلَفٌ فِي حُكْمِهَا ، وَلَهُ سَبِيلٌ إلَى اسْتِبَاحَتِهَا ، بِخِلَافِ أُخْتِهِ مِنْ الرَّضَاعِ الْمَمْلُوكَةِ لَهُ .\rوَلَا يَحِلُّ لَهُ وَطْءُ إحْدَاهُمَا حَتَّى يُحَرِّمَ الْأُخْرَى وَيَسْتَبْرِئَهَا .\rوَقَالَ الْقَاضِي ، وَأَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ : الْأُولَى بَاقِيَةٌ عَلَى الْحِلِّ ؛ لِأَنَّ الْوَطْءَ الْحَرَامَ لَا يُحَرِّمُ الْحَلَالَ .\rإلَّا أَنَّ الْقَاضِيَ قَالَ : لَا يَطَؤُهَا حَتَّى يَسْتَبْرِئَ الثَّانِيَةَ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الثَّانِيَة قَدْ صَارَتْ فِرَاشًا لَهُ يَلْحَقُهُ نَسَبُ وَلَدِهَا ، فَحُرِّمَتْ عَلَيْهِ أُخْتُهَا ، كَمَا لَوْ وَطِئَهَا ابْتِدَاءً .\rوَقَوْلُهُمْ : إنَّ الْحَرَامَ لَا يُحَرِّمُ الْحَلَالَ .\rلَيْسَ بِخَبَرٍ صَحِيحٍ ، وَهُوَ مَتْرُوكٌ بِمَا لَوْ وَطِئَ الْأُولَى فِي حَيْضٍ أَوْ نِفَاسٍ أَوْ إحْرَامٍ ، حُرِّمَتْ عَلَيْهِ أُخْتُهَا ، وَتُحَرَّمُ عَلَيْهِ أُمُّهَا وَابْنَتُهَا عَلَى التَّأْبِيدِ ، وَكَذَلِكَ لَوْ وَطِئَ امْرَأَةً بِشُبْهَةٍ فِي هَذِهِ الْحَالِ .\rوَلَوْ وَطِئَ امْرَأَةً حُرِّمَتْ عَلَيْهِ ابْنَتُهَا ، سَوَاءٌ وَطِئَهَا حَرَامًا أَوْ حَلَالًا .","part":15,"page":136},{"id":7136,"text":"( 5377 ) الْفَصْلُ السَّادِسُ : أَنَّهُ مَتَى زَالَ مِلْكُهُ عَنْ الْمَوْطُوءَةِ زَوَالًا أَحَلَّ لَهُ أُخْتَهَا ، فَوَطِئَهَا ، ثُمَّ عَادَتْ الْأُولَى إلَى مِلْكِهِ ، فَلَيْسَ لَهُ وَطْءُ إحْدَاهُمَا حَتَّى تُحَرَّمَ الْأُخْرَى ، بِإِخْرَاجٍ عَنْ مِلْكِهِ أَوْ تَزْوِيجٍ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ : لَا يُحَرَّمُ عَلَيْهِ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا ؛ لِأَنَّ الْأُولَى لَمْ تَبْقَ فِرَاشًا ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ وَطِئَ أَمَةً ثُمَّ اشْتَرَى أُخْتَهَا .\rوَلَنَا ، أَنَّ هَذِهِ صَارَتْ فِرَاشًا ، وَقَدْ رَجَعَتْ إلَيْهِ الَّتِي كَانَتْ فِرَاشًا ، فَحُرِّمَتْ عَلَيْهِ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا تَكُونُ أُخْتُهَا فِرَاشًا ، كَمَا لَوْ انْفَرَدَتْ بِهِ .\rفَأَمَّا إنْ اسْتَفْرَشَ أَمَةً ثُمَّ اشْتَرَى أُخْتَهَا ، فَإِنَّ الْمُشْتَرَاةَ لَمْ تَكُنْ فِرَاشًا لَهُ ، لَكِنْ هِيَ مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِ بِافْتِرَاشِ أُخْتِهَا .\rوَلَوْ أَخْرَجَ الْمَوْطُوءَةَ عَنْ مِلْكِهِ ، ثُمَّ عَادَتْ إلَيْهِ قَبْلَ وَطْءِ أُخْتِهَا ، فَهِيَ حَلَالٌ لَهُ ، وَأُخْتُهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ أُخْتَهَا فِرَاشُهُ .","part":15,"page":137},{"id":7137,"text":"( 5378 ) فَصْلٌ : وَحُكْمُ الْمُبَاشَرَةِ مِنْ الْإِمَاءِ فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ ، وَالنَّظَرِ إلَى الْفَرْجِ بِشَهْوَةٍ ، فِيمَا يَرْجِعُ إلَى تَحْرِيمِ الْأُخْتِ ، كَحُكْمِهِ فِي تَحْرِيمِ الرَّبِيبَةِ .\rوَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يُحَرِّمُ ؛ لِأَنَّ الْحِلَّ ثَابِتٌ بِقَوْلِهِ : { أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ } .\rوَمُخَالَفَةُ ذَلِكَ إنَّمَا ثَبَتَتْ بِقَوْلِهِ : { وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ } .\rوَالْمُرَادُ بِهِ الْجَمْعُ فِي الْعَقْدِ أَوْ الْوَطْءِ ، وَلَمْ يُوجَدْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا ، وَلَا مَا فِي مَعْنَاهُمَا .","part":15,"page":138},{"id":7138,"text":"( 5379 ) فَصْلٌ : : وَإِنْ وَطِئَ أَمَتَهُ ، ثُمَّ أَرَادَ نِكَاحَ أُخْتِهَا ، فَقَدْ سُئِلَ أَحْمَدُ عَنْ هَذَا ، فَقَالَ : لَا يَجْمَعُ بَيْن الْأُخْتَيْنِ الْأَمَتَيْنِ .\rفَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ أَنَّ النِّكَاحَ لَا يَصِحُّ .\rوَهِيَ إحْدَى الرِّوَايَاتِ عَنْ مَالِكٍ .\rقَالَ الْقَاضِي : هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ تَصِيرُ بِهِ الْمَرْأَةُ فِرَاشًا ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ تَرِدَ عَلَى فِرَاشِ الْأُخْتِ ، كَالْوَطْءِ ، وَلِأَنَّهُ فَعَلَ فِي الْأُخْتِ مَا يُنَافِي إبَاحَةَ أُخْتِهَا الْمُفْتَرَشَةِ ، فَلَمْ يَجُزْ ، كَالْوَطْءِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يَصِحَّ النِّكَاحُ ، وَلَا تُبَاحُ الْمَنْكُوحَةُ حَتَّى تُحَرَّمَ أُخْتُهَا .\rوَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ .\rقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ ؛ لِأَنَّهُ سَبَبٌ يُسْتَبَاحُ بِهِ الْوَطْءُ ، فَجَازَ أَنْ يَرِدَ عَلَى وَطْءِ الْأُخْتِ ، وَلَا يُبِيحُ كَالشِّرَاءِ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يَصِحُّ النِّكَاحُ ، وَتَحِلُّ لَهُ الْمَنْكُوحَةُ ، وَتُحَرَّمُ أُخْتُهَا ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ أَقْوَى مِنْ الْوَطْءِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ فَإِذَا اجْتَمَعَا وَجَبَ تَقْدِيمُ الْأَقْوَى .\rوَوَجْهُ الْأَوَّلِ مَا ذَكَرْنَا ، وَلِأَنَّ وَطْءَ مَمْلُوكَتِهِ مَعْنًى يُحَرِّمُ أُخْتَهَا لِعِلَّةِ الْجَمْعِ ، فَمَنَعَ صِحَّةَ نِكَاحِهَا كَالزَّوْجِيَّةِ ، وَيُفَارِقُ الشِّرَاءَ ، فَإِنَّهُ لَا يُقْصَدُ بِهِ الْوَطْءُ ، وَلِهَذَا صَحَّ شِرَاءُ الْأُخْتَيْنِ ، وَمَنْ لَا يَحِلُّ لَهُ .\rوَقَوْلُهُمْ : النِّكَاحُ أَقْوَى مِنْ الْوَطْءِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ .\rمَمْنُوعٌ .\rوَإِنْ سُلِّمَ ، فَالْوَطْءُ أَسْبَقُ ، فَيُقَدَّمُ وَيَمْنَعُ صِحَّةَ مَا يَطْرَأُ عَلَيْهِ مِمَّا يُنَافِيه ، كَالْعِدَّةِ تَمْنَعُ ابْتِدَاءَ نِكَاحِ الْأُخْتِ ، وَكَذَلِكَ وَطْءُ الْأَمَةِ يُحَرِّمُ نِكَاحَ ابْنَتِهَا وَأُمِّهَا ، وَلِأَنَّ هَذَا بِمَنْزِلَةِ نِكَاحِ الْأُخْتِ فِي عِدَّةِ أُخْتِهَا ، لِكَوْنِهِ لَمْ يَسْتَبْرِئْ الْمَوْطُوءَةَ .","part":15,"page":139},{"id":7139,"text":"( 5380 ) فَصْلٌ : فَإِنْ زَوَّجَ الْأَمَةَ الْمَوْطُوءَةَ ، أَوْ أَخْرَجَهَا عَنْ مِلْكِهِ ، فَلَهُ نِكَاحُ أُخْتِهَا .\rوَإِنْ عَادَتْ الْأَمَةُ إلَى مِلْكِهِ ، فَالزَّوْجِيَّةُ بِحَالِهَا ، وَحِلُّهَا بَاقٍ ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ صَحِيحٌ ، وَهُوَ أَقْوَى ، وَلَا تَحِلُّ لَهُ الْأَمَةُ .\rوَعَنْهُ أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ تُحَرَّمَ إحْدَاهُمَا ؛ لِأَنَّ أَمَتَهُ الَّتِي كَانَتْ فِرَاشًا قَدْ عَادَتْ إلَيْهِ ، وَالْمَنْكُوحَةُ مُسْتَفْرَشَةٌ ، فَأَشْبَهَ أَمَتَيْهِ الَّتِي وَطِئَ إحْدَاهُمَا بَعْدَ تَزْوِيجِ الْأُخْرَى ، ثُمَّ طَلَّقَ الزَّوْجُ أُخْتَهَا .\rوَإِنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً ، ثُمَّ اشْتَرَى أُخْتَهَا ، صَحَّ الشِّرَاءُ ، وَلَمْ تَحِلَّ لَهُ ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ كَالْوَطْءِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ وَطِئَ أَمَتَهُ ثُمَّ اشْتَرَى أُخْتَهَا .\rفَإِنْ وَطِئَ أَمَتَهُ حُرِّمَتَا عَلَيْهِ حَتَّى يَسْتَبْرِئَ الْأَمَةَ ، ثُمَّ تَحِلُّ لَهُ زَوْجَتُهُ دُونَ أَمَتِهِ ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ أَقْوَى وَأَسْبَقُ ، وَإِنَّمَا وَجَبَ الِاسْتِبْرَاءُ لِئَلَّا يَكُونَ جَامِعًا لِمَائِهِ فِي رَحِمِ أُخْتَيْنِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يُحَرَّمَا عَلَيْهِ جَمِيعًا ، حَتَّى تُحَرَّمَ إحْدَاهُمَا ، كَالْأَمَتَيْنِ .","part":15,"page":140},{"id":7140,"text":"( 5381 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَعَمَّةُ الْأَمَةِ وَخَالَتُهَا فِي ذَلِكَ كَأُخْتِهَا ) يَعْنِي فِي تَحْرِيمِ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا فِي الْوَطْءِ ، وَالتَّفْصِيلُ فِيهِمَا كَالتَّفْصِيلِ فِي الْأُخْتَيْنِ ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا .","part":15,"page":141},{"id":7141,"text":"( 5382 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَلَا بَأْسَ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ مَنْ كَانَتْ زَوْجَةَ رَجُلٍ وَابْنَتَهُ مِنْ غَيْرِهَا ) أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ يَرَوْنَ الْجَمْعَ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَرَبِيبَتِهَا جَائِزًا ، لَا بَأْسَ بِهِ ، فَعَلَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَفْوَان بْنِ أُمَيَّةَ .\rوَبِهِ قَالَ سَائِرُ الْفُقَهَاءِ ، إلَّا الْحَسَنَ ، وَعِكْرِمَةَ ، وَابْنَ أَبِي لَيْلَى .\rرُوِيَتْ عَنْهُمْ كَرَاهَتُهُ ؛ لِأَنَّ إحْدَاهُمَا لَوْ كَانَتْ ذَكَرًا حُرِّمَتْ عَلَيْهِ الْأُخْرَى ، فَأَشْبَهَ الْمَرْأَةَ وَعَمَّتَهَا .\rوَلَنَا ، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى { وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ } .\rوَلِأَنَّهُمَا لَا قَرَابَةَ بَيْنَهُمَا ، فَأَشْبَهَتَا الْأَجْنَبِيَّتَيْنِ ، وَلِأَنَّ الْجَمْعَ حُرِّمَ خَوْفًا مِنْ قَطِيعَةِ الرَّحِمِ الْقَرِيبَةِ بَيْنَ الْمُتَنَاسِبَتَيْنِ ، وَلَا قَرَابَةَ بَيْنَ هَاتَيْنِ ، وَبِهَذَا يُفَارِقُ مَا ذَكَرُوهُ .","part":15,"page":142},{"id":7142,"text":"( 5383 ) فَصْلٌ : وَلَوْ كَانَ لِرَجُلٍ ابْنٌ مِنْ غَيْرِ زَوْجَتِهِ ، وَلَهَا بِنْتٌ مِنْ غَيْرِهِ ، أَوْ كَانَ لَهُ بِنْتٌ وَلَهَا ابْنٌ ، جَازَ تَزْوِيجُ أَحَدِهِمَا مِنْ الْآخَرِ .\rفِي قَوْلِ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ .\rوَحُكِيَ عَنْ طَاوُسٍ كَرَاهِيَتُهُ إذَا كَانَ مِمَّا وَلَدَتْهُ الْمَرْأَةُ بَعْدَ وَطْءِ الزَّوْجِ لَهَا .\rوَالْأَوَّلُ أَوْلَى ؛ لِعُمُومِ الْآيَةِ ، وَالْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرْنَاهُ ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهُمَا نَسَبٌ وَلَا سَبَبٌ يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ ، وَكَوْنُهُ أَخًا لِأُخْتِهَا ، لَمْ يَرِدْ الشَّرْعُ بِأَنَّهُ سَبَبٌ لِلتَّحْرِيمِ ، فَبَقِيَ عَلَى الْإِبَاحَةِ ؛ لِعُمُومِ الْآيَةِ .\rوَمَتَى وَلَدَتْ الْمَرْأَةُ مِنْ ذَلِكَ الرَّجُلِ وَلَدًا ، صَارَ عَمًّا لِوَلَدِ وَلَدَيْهِمَا وَخَالًا .","part":15,"page":143},{"id":7143,"text":"( 5384 ) فَصْلٌ : وَإِنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً لَمْ تُحَرَّمْ أُمُّهَا وَلَا ابْنَتُهَا عَلَى أَبِيهِ وَلَا ابْنِهِ ، فَمَتَى تَزَوَّجَ امْرَأَةً وَزَوَّجَ ابْنَهُ أُمَّهَا جَازَ ؛ لِعَدَمِ أَسْبَابِ التَّحْرِيمِ .\rفَإِذَا وُلِدَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَلَدٌ ، كَانَ وَلَدُ الِابْنِ خَالَ وَلَدِ الْأَبِ ، وَوَلَدُ الْأَبِ عَمَّ وَلَدِ الِابْنِ وَيُرْوَى أَنَّ رَجُلًا أَتَى عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ ، فَقَالَ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، إنِّي تَزَوَّجْت امْرَأَةً ، وَزَوَّجْت ابْنِي بِأُمِّهَا ، فَأَخْبِرْنَا .\rفَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ : إنْ أَخْبَرْتنِي بِقَرَابَةِ وَلَدِك مِنْ وَلَدِ ابْنِك أَخْبَرْتُك .\rفَقَالَ الرَّجُلُ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، هَذَا الْعُرْيَانُ بْنُ الْهَيْثَمِ الَّذِي وَلَّيْتَهُ قَائِمَ سَيْفِكَ ، إنْ عَلِمَ ذَلِكَ فَلَا تُخْبِرْنِي .\rفَقَالَ الْعُرْيَانُ : أَحَدُهُمَا عَمُّ الْآخَرِ ، وَالْآخَرُ خَالُهُ .","part":15,"page":144},{"id":7144,"text":"( 5385 ) فَصْلٌ : وَإِذَا تَزَوَّجَ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ ، وَزَوَّجَ ابْنَهُ بِنْتَهَا أَوْ أُمَّهَا ، فَزُفَّتْ امْرَأَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إلَى صَاحِبِهِ ، فَوَطِئَهَا ، فَإِنَّ وَطْءَ الْأَوَّلِ يُوجِبُ عَلَيْهِ مَهْرَ مِثْلِهَا ؛ لِأَنَّهُ وَطْءُ شُبْهَةٍ ، وَيُفْسَخُ بِهِ نِكَاحُهَا مِنْ زَوْجِهَا ؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ بِالْوَطْءِ حَلِيلَةَ ابْنِهِ أَوْ أَبِيهِ ، وَيَسْقُطُ بِهِ مَهْرُ الْمَوْطُوءَةِ عَنْ زَوْجِهَا ؛ لِأَنَّ الْفَسْخَ جَاءَ مِنْ قِبَلِهَا ، بِتَمْكِينِهَا مِنْ وَطْئِهَا ، وَمُطَاوَعَتِهَا عَلَيْهِ ، وَلَا شَيْءَ لِزَوْجِهَا عَلَى الْوَاطِئِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ يَرْجِعُ بِهِ ، وَلِأَنَّ الْمَرْأَةَ مُشَارِكَةٌ فِي إفْسَادِ نِكَاحِهَا بِالْمُطَاوَعَةِ ، فَلَمْ يَجِبْ عَلَى زَوْجِهَا شَيْءٌ ، كَمَا لَوْ انْفَرَدَتْ بِهِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يَلْزَمَهُ لِزَوْجِهَا نِصْفُ مَهْرِ مِثْلِهَا ؛ لِأَنَّهُ أَفْسَدَ نِكَاحَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ ، أَشْبَهَ الْمَرْأَةَ تُفْسِدُ نِكَاحَهُ بِالرَّضَاعِ .\rوَيَنْفَسِخُ نِكَاحُ الْوَاطِئِ أَيْضًا ؛ لِأَنَّ امْرَأَتَهُ صَارَتْ أُمًّا لِمَوْطُوءَتِهِ أَوْ بِنْتًا لَهَا ، وَلَهَا نِصْفُ الْمُسَمَّى .\rفَأَمَّا وَطْءُ الثَّانِي ، فَيُوجِبُ مَهْرَ الْمِثْلِ لِلْمَوْطُوءَةِ خَاصَّةً .\rفَإِنْ أَشْكَلَ الْأَوَّلُ ، انْفَسَخَ النِّكَاحَانِ ، وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مَهْرُ مِثْلِهَا عَلَى وَاطِئِهَا ، وَلَا يَثْبُتُ رُجُوعُ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ ، وَيَجِبُ لِامْرَأَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى الْآخَرِ نِصْفُ الْمُسَمَّى ، وَلَا يَسْقُطُ بِالشَّكِّ .","part":15,"page":145},{"id":7145,"text":"( 5386 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَحَرَائِرُ نِسَاء أَهْلِ الْكِتَابِ وَذَبَائِحُهُمْ حَلَالٌ لِلْمُسْلِمِينَ ) لَيْسَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ ، بِحَمْدِ اللَّهِ ، اخْتِلَافٌ فِي حِلِّ حَرَائِرِ نِسَاءِ أَهْلِ الْكِتَابِ .\rوَمِمَّنْ رُوِيَ عَنْهُ ذَلِكَ عُمَرُ ، وَعُثْمَانُ ، وَطَلْحَةُ ، وَحُذَيْفَةُ وَسَلْمَانُ ، وَجَابِرٌ ، وَغَيْرُهُمْ .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : وَلَا يَصِحُّ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الْأَوَائِلِ أَنَّهُ حَرَّمَ ذَلِكَ .\rوَرَوَى الْخَلَّالُ ، بِإِسْنَادِهِ ، أَنَّ حُذَيْفَةَ ، وَطَلْحَةَ ، وَالْجَارُودَ بْنَ الْمُعَلَّى ، وَأُذَيْنَةَ الْعَبْدِيَّ ، تَزَوَّجُوا نِسَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ .\rوَبِهِ قَالَ سَائِرُ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rوَحَرَّمَتْهُ الْإِمَامِيَّةُ ، تَمَسُّكًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى { وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ } ، { وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ } ، وَلَنَا ، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى { الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمْ الطَّيِّبَاتُ إلَى قَوْلِهِ : وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ } .\rوَإِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ ، فَأَمَّا قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ { وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ } .\rفَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهَا نُسِخَتْ بِالْآيَةِ الَّتِي فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ .\rوَكَذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى ؛ لِأَنَّهُمَا مُتَقَدِّمَتَانِ ، وَالْآيَةُ الَّتِي فِي أَوَّلِ الْمَائِدَةِ مُتَأَخِّرَةٌ عَنْهُمَا .\rوَقَالَ آخَرُونَ : لَيْسَ هَذَا نَسْخًا ، فَإِنَّ لَفْظَةَ الْمُشْرِكِينَ بِإِطْلَاقِهَا لَا تَتَنَاوَلُ أَهْلَ الْكِتَابِ ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ { لَمْ يَكُنْ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ } .\rوَقَالَ { إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ } .\rوَقَالَ { : لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَاَلَّذِينَ أَشْرَكُوا } .\rوَقَالَ { : مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ } .\rوَسَائِرُ آيِ الْقُرْآنِ يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ لَفْظَةَ الْمُشْرِكِينَ","part":15,"page":146},{"id":7146,"text":"بِإِطْلَاقِهَا غَيْرُ مُتَنَاوِلَةٍ لِأَهْلِ الْكِتَابِ ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَقَتَادَةَ ، وَلِأَنَّ مَا احْتَجُّوا بِهِ عَامٌّ فِي كُلِّ كَافِرَةٍ ، وَآيَتُنَا خَاصَّةٌ فِي حِلِّ أَهْلِ الْكِتَابِ ، وَالْخَاصُّ يَجِبُ تَقْدِيمُهُ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَالْأَوْلَى أَنْ لَا يَتَزَوَّجَ كِتَابِيَّةً ؛ لِأَنَّ عُمَرَ قَالَ لِلَّذِينَ تَزَوَّجُوا مِنْ نِسَاءِ أَهْلِ الْكِتَابِ : طَلِّقُوهُنَّ .\rفَطَلَّقُوهُنَّ إلَّا حُذَيْفَةَ ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ : طَلِّقْهَا .\rقَالَ : تَشْهَدُ أَنَّهَا حَرَامٌ ؟ قَالَ : هِيَ جَمْرَةٌ ، طَلِّقْهَا .\rقَالَ : تَشْهَدُ أَنَّهَا حَرَامٌ ؟ قَالَ : هِيَ جَمْرَةٌ .\rقَالَ : قَدْ عَلِمْت أَنَّهَا جَمْرَةٌ ، وَلَكِنَّهَا لِي حَلَالٌ .\rفَلَمَّا كَانَ بَعْدُ طَلَّقَهَا ، فَقِيلَ لَهُ : أَلَا طَلَّقْتهَا حِينَ أَمَرَك عُمَرُ ؟ قَالَ : كَرِهْت أَنْ يَرَى النَّاسُ أَنِّي رَكِبْت أَمْرًا لَا يَنْبَغِي لِي .\rوَلِأَنَّهُ رُبَّمَا مَالَ إلَيْهَا قَلْبُهُ فَفَتَنَتْهُ ، وَرُبَّمَا كَانَ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ فَيَمِيلُ إلَيْهَا .\r( 5387 ) فَصْلٌ : وَأَهْلُ الْكِتَابِ الَّذِينَ هَذَا حُكْمُهُمْ ، هُمْ أَهْلُ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ .\rقَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { أَنْ تَقُولُوا إنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا } .\rفَأَهْلُ التَّوْرَاةِ الْيَهُودُ وَالسَّامِرَةُ ، وَأَهْلُ الْإِنْجِيلِ النَّصَارَى ، وَمَنْ وَافَقَهُمْ فِي أَصْلِ دِينِهِمْ مِنْ الْإِفْرِنْجِ وَالْأَرْمَنِ وَغَيْرِهِمْ .\rوَأَمَّا الصَّابِئُونَ فَاخْتَلَفَ فِيهِمْ السَّلَفُ كَثِيرًا ، فَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُمْ جِنْسٌ مِنْ النَّصَارَى .\rوَنَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ ، وَعَلَّقَ الْقَوْلَ فِيهِمْ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ : بَلَغَنِي أَنَّهُمْ يَسْبِتُونَ .\rفَهَؤُلَاءِ إذَا يُشْبِهُونَ الْيَهُودَ .\rوَالصَّحِيحُ فِيهِمْ أَنَّهُمْ إنْ كَانُوا يُوَافِقُونَ النَّصَارَى أَوْ الْيَهُودَ فِي أَصِلْ دِينِهِمْ ، وَيُخَالِفُونَهُمْ فِي فُرُوعِهِ ، فَهُمْ مِمَّنْ وَافَقُوهُ ، وَإِنْ خَالَفُوهُمْ فِي أَصِلْ الدِّينِ ، فَلَيْسَ هُمْ مِنْهُمْ .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .\rوَأَمَّا مَنْ سِوَى هَؤُلَاءِ مِنْ الْكُفَّارِ ،","part":15,"page":147},{"id":7147,"text":"مِثْلُ الْمُتَمَسِّكِ بِصُحُفِ إبْرَاهِيمَ ، وَشِيثٍ وَزَبُورِ دَاوُد ، فَلَيْسُوا بِأَهْلِ كِتَابٍ ، وَلَا تَحِلُّ مُنَاكَحَتُهُمْ وَلَا ذَبَائِحُهُمْ .\rوَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ .\rوَذَكَرَ الْقَاضِي فِيهِمْ وَجْهًا آخَرَ ، أَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ، وَتَحِلُّ ذَبَائِحُهُمْ ، وَنِكَاحُ نِسَائِهِمْ ، وَيُقِرُّونَ بِالْجِزْيَةِ ؛ لِأَنَّهُمْ تَمَسَّكُوا بِكِتَابٍ مِنْ كُتُبِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، فَأَشْبَهُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى .\rوَلَنَا ، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى { : أَنْ تَقُولُوا إنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا } .\rوَلِأَنَّ تِلْكَ الْكُتُبَ كَانَتْ مَوَاعِظَ وَأَمْثَالًا ، لَا أَحْكَامَ فِيهَا ، فَلَمْ يَثْبُتْ لَهَا حُكْمُ الْكُتُبِ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى الْأَحْكَامِ .","part":15,"page":148},{"id":7148,"text":"( 5388 ) فَصْلٌ : وَلَيْسَ لِلْمَجُوسِ كِتَابٌ ، وَلَا تَحِلُّ ذَبَائِحُهُمْ ، وَلَا نِكَاحُ نِسَائِهِمْ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .\rوَهُوَ قَوْلُ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ ، إلَّا أَبَا ثَوْرٍ ، فَإِنَّهُ أَبَاحَ ذَلِكَ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ } .\rوَلِأَنَّهُ يُرْوَى أَنَّ حُذَيْفَةَ تَزَوَّجَ مَجُوسِيَّةً .\rوَلِأَنَّهُمْ يُقِرُّونَ بِالْجِزْيَةِ ، فَأَشْبَهُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى .\rوَلَنَا ، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى { : وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ } .\rوَقَوْله { : وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ } .\rفَرَخَّصَ مِنْ ذَلِكَ فِي أَهْلِ الْكِتَابِ ، فَمَنْ عَدَاهُمْ يَبْقَى عَلَى الْعُمُومِ ، وَلَمْ يَثْبُتْ أَنَّ لِلْمَجُوسِ كِتَابًا .\rوَسُئِلَ أَحْمَدُ ، أَيَصِحُّ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّ لِلْمَجُوسِ كِتَابًا ؟ فَقَالَ : هَذَا بَاطِلٌ وَاسْتَعْظَمَهُ جِدًّا .\rوَلَوْ ثَبَتَ أَنَّ لَهُمْ كِتَابًا ، فَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ حُكْمَ أَهْلِ الْكِتَابِ لَا يَثْبُتُ لِغَيْرِ أَهْلِ الْكِتَابَيْنِ .\rوَقَوْله عَلَيْهِ السَّلَامُ { : سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ } .\rدَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا كِتَابَ لَهُمْ ، وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَقْنِ دِمَائِهِمْ ، وَإِقْرَارِهِمْ بِالْجِزْيَةِ لَا غَيْرُ ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ لَمَّا كَانَتْ لَهُمْ شُبْهَةُ كِتَابٍ ، غُلِّبَ ذَلِكَ فِي تَحْرِيمِ دِمَائِهِمْ ، فَيَجِبُ أَنْ يُغَلَّبَ حُكْمُ التَّحْرِيمِ لِنِسَائِهِمْ وَذَبَائِحِهِمْ ، فَإِنَّنَا إذَا غَلَّبْنَا الشُّبْهَةَ فِي التَّحْرِيمِ فَتَغْلِيبُ الدَّلِيلِ الَّذِي عَارَضَتْهُ الشُّبْهَةُ فِي التَّحْرِيمِ أَوْلَى ، وَلَمْ يَثْبُتْ أَنَّ حُذَيْفَةَ تَزَوَّجَ مَجُوسِيَّةً ، وَضَعَّفَ أَحْمَدُ رِوَايَةَ مَنْ رَوَى عَنْ حُذَيْفَةَ أَنَّهُ تَزَوَّجَ مَجُوسِيَّةً .\rوَقَالَ : أَبُو وَائِلٍ يَقُول : تَزَوَّجَ يَهُودِيَّةً .\rوَهُوَ أَوْثَقُ مِمَّنْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ تَزَوَّجَ مَجُوسِيَّةً .\rوَقَالَ : ابْنُ سِيرِينَ : كَانَتْ امْرَأَةُ حُذَيْفَةَ نَصْرَانِيَّةً .\rوَمَعَ تَعَارُضِ الرِّوَايَاتِ لَا يَثْبُتُ حُكْمُ إحْدَاهُنَّ إلَّا بِتَرْجِيحٍ ، عَلَى","part":15,"page":149},{"id":7149,"text":"أَنَّهُ لَوْ ثَبَتَ ذَلِكَ عَنْ حُذَيْفَةَ ، فَلَا يَجُوزُ الِاحْتِجَاجُ بِهِ مَعَ مُخَالِفَتِهِ الْكِتَابَ وَقَوْلَ سَائِرِ الْعُلَمَاءِ .\rوَأَمَّا إقْرَارُهُمْ بِالْجِزْيَةِ ، فَلِأَنَّنَا غَلَّبْنَا حُكْمَ التَّحْرِيمِ لِدِمَائِهِمْ ، فَيَجِبُ أَنْ يُغَلَّبَ حُكْمُ التَّحْرِيمِ فِي ذَبَائِحِهِمْ وَنِسَائِهِمْ .","part":15,"page":150},{"id":7150,"text":"( 5389 ) فَصْلٌ : وَسَائِر الْكُفَّارِ غَيْرُ أَهْلِ الْكِتَابِ ، كَمَنْ عَبَدَ مَا اسْتَحْسَنَ مِنْ الْأَصْنَامِ وَالْأَحْجَارِ وَالشَّجَرِ وَالْحَيَوَانِ ، فَلَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي تَحْرِيمِ نِسَائِهِمْ وَذَبَائِحِهِمْ ؛ وَذَلِكَ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْآيَتَيْنِ ، وَعَدَمِ الْمُعَارِضِ لَهُمَا .\rوَالْمُرْتَدَّةُ يَحْرُمُ نِكَاحُهَا عَلَى أَيِّ دِينٍ كَانَتْ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ لَهَا حُكْمُ أَهْلِ الدِّينِ الَّذِي انْتَقَلَتْ إلَيْهِ فِي إقْرَارِهَا عَلَيْهِ ، فَفِي حِلِّهَا أَوْلَى .","part":15,"page":151},{"id":7151,"text":"( 5390 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِذَا كَانَ أَحَدُ أَبَوَيْ الْكَافِرَةِ كِتَابِيًّا ، وَالْآخَرُ وَثَنِيًّا ، لَمْ يَنْكِحْهَا مُسْلِمٌ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ إذَا كَانَ أَحَدُ أَبَوَيْ الْكِتَابِيَّةِ غَيْرَ كِتَابِيٍّ ، لَمْ يَحِلَّ نِكَاحُهَا ، سَوَاءٌ كَانَ وَثَنِيًّا أَوْ مَجُوسِيًّا أَوْ مُرْتَدًّا .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ، فِيمَا إذَا كَانَ الْأَبُ غَيْرَ كِتَابِيٍّ ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ يُنْسَبُ إلَى أَبِيهِ ، وَيَشْرُفُ بِشَرَفِهِ وَيُنْسَبُ إلَى قَبِيلَتِهِ ، وَإِنْ كَانَتْ الْأُمُّ غَيْرَ كِتَابِيَّةٍ فَلَهُ فِيهِ قَوْلَانِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهَا غَيْرُ مُتَمَحِّضَةٍ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ، فَلَمْ يَجُزْ لِلْمُسْلِمِ نِكَاحُهَا ، كَمَا لَوْ كَانَ أَبُوهَا وَثَنِيًّا ، وَلِأَنَّهَا مُتَوَلِّدَةٌ بَيْنَ مَنْ يَحِلُّ وَبَيْنَ مَنْ لَا يَحِلُّ ، فَلَمْ يَحِلَّ ، كَالسِّمْعِ وَالْبَغْلِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ تَحِلَّ بِكُلِّ حَالٍ ، لَدُخُولِهَا فِي عُمُومِ الْآيَةِ الْمُبِيحَةِ ، وَلِأَنَّهَا كِتَابِيَّةٌ تُقَرُّ عَلَى دِينِهَا ، فَأَشْبَهَتْ مَنْ أَبَوَاهَا كِتَابِيَّانِ .\rوَالْحُكْمُ فِي مَنْ أَبَوَاهَا غَيْرُ كِتَابِيَّيْنِ ، كَالْحُكْمِ فِي مَنْ أَحَدُ أَبَوَيْهَا كَذَلِكَ ؛ لِأَنَّهَا إذَا حُرِّمَتْ لِكَوْنِ أَحَدِ أَبَوَيْهَا وَثَنِيًّا ، فَلَأَنْ تُحَرَّمَ إذَا كَانَا وَثَنِيَّيْنِ أَوْلَى .\rوَالِاحْتِمَالُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ ثَمَّ مُتَحَقِّقٌ هَاهُنَا ، اعْتِبَارًا بِحَالِ نَفْسِهَا دُونَ أَبَوَيْهَا .","part":15,"page":152},{"id":7152,"text":"( 5391 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِذَا تَزَوَّجَ كِتَابِيَّةً ، فَانْتَقَلَتْ إلَى دِينٍ آخَرَ مِنْ الْكُفْرِ غَيْرِ دِينِ أَهْلِ الْكِتَابِ ، أُجْبِرَتْ عَلَى الْإِسْلَامِ ، فَإِنْ لَمْ تُسْلِمْ حَتَّى انْقَضَتْ عِدَّتُهَا ، انْفَسَخَ نِكَاحُهَا ) الْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي فُصُولٍ أَرْبَعَةٍ : ( 5392 ) الْأَوَّلُ : أَنَّ الْكِتَابِيَّ إذَا انْتَقَلَ إلَى غَيْرِ دِينِ أَهْلِ الْكِتَابِ ، لَمْ يُقَرَّ عَلَيْهِ .\rلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا ، فَإِنَّهُ إذَا انْتَقَلَ إلَى دِينٍ لَا يُقَرُّ أَهْلُهُ بِالْجِزْيَةِ ، كَعِبَادَةِ الْأَوْثَانِ وَغَيْرِهَا ، مِمَّا يَسْتَحْسِنُهُ ، فَالْأَصْلِيُّ مِنْهُمْ لَا يُقَرُّ عَلَى دِينِهِ ، فَالْمُنْتَقِلُ إلَيْهِ أَوْلَى .\rوَإِنْ انْتَقَلَ إلَى الْمَجُوسِيَّةِ ، لَمْ يُقَرَّ أَيْضًا ؛ لِأَنَّهُ انْتَقَلَ إلَى أَنْقَصَ مِنْ دِينِهِ ، فَلَمْ يُقَرَّ عَلَيْهِ ، كَالْمُسْلِمِ إذَا ارْتَدَّ .\rفَأَمَّا إنْ انْتَقَلَ إلَى دِينٍ آخَرَ مِنْ دِينِ أَهْلِ الْكِتَابِ ، كَالْيَهُودِيِّ يَتَنَصَّرُ ، أَوْ النَّصْرَانِيِّ يَتَهَوَّدُ ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، لَا يُقَرُّ أَيْضًا ؛ لِأَنَّهُ انْتَقَلَ إلَى دِينٍ بَاطِلٍ ، قَدْ أَقَرَّ بِبُطْلَانِهِ ، فَلَمْ يُقَرَّ عَلَيْهِ ، كَالْمُرْتَدِّ .\rوَالثَّانِيَةُ ، يُقَرُّ عَلَيْهِ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .\rوَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ وَاخْتِيَارُ الْخَلَّالِ وَصَاحِبِهِ ، وَقَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ دِينِ أَهْلِ الْكِتَابِ ، فَأَشْبَهَ غَيْرَ الْمُنْتَقِلِ .\rوَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ .\rكَالرِّوَايَتَيْنِ .\rفَأَمَّا الْمَجُوسِيُّ إذَا انْتَقَلَ إلَى دِينٍ لَا يُقَرُّ أَهْلُهُ عَلَيْهِ ، لَمْ يُقَرَّ ، كَأَهْلِ ذَلِكَ الدِّينِ .\rوَإِنْ انْتَقَلَ إلَى دِينِ أَهْلِ الْكِتَابِ ، خُرِّجَ فِيهِ الرِّوَايَتَانِ ، وَسَوَاءٌ فِيمَا ذَكَرْنَا الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ ؛ لِعُمُومِ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ { : مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ } .\rوَلِعُمُومِ الْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِيهِمَا جَمِيعًا .\r( 5393 ) الْفَصْلُ الثَّانِي : أَنَّ الْمُنْتَقِلَ إلَى غَيْرِ دِينِ أَهْلِ الْكِتَابِ ، لَا يُقْبَلُ مِنْهُ إلَّا الْإِسْلَامُ .","part":15,"page":153},{"id":7153,"text":"نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .\rوَاخْتَارَهُ الْخَلَّالُ وَصَاحِبُهُ .\rوَهُوَ أَحَدُ أَقْوَالِ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ غَيْرَ الْإِسْلَامِ أَدْيَانٌ بَاطِلَةٌ .\rقَدْ أَقَرَّ بِبُطْلَانِهَا ، فَلَمْ يُقَرَّ عَلَيْهَا كَالْمُرْتَدِّ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ مِنْهُ إلَّا الْإِسْلَامُ أَوْ الدِّينُ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ دِينَهُ الْأَوَّلَ قَدْ أَقْرَرْنَاهُ عَلَيْهِ مَرَّةً .\rوَلَمْ يَنْتَقِلْ إلَى خَيْرٍ مِنْهُ ، فَنُقِرُّهُ عَلَيْهِ إنْ رَجَعَ إلَيْهِ ، وَلِأَنَّهُ مُنْتَقِلٌ مِنْ دِينٍ يُقَرُّ أَهْلُهُ عَلَيْهِ ، إلَى دِينٍ لَا يُقَرُّ أَهْلُهُ عَلَيْهِ ، فَيُقْبَلُ مِنْهُ الرُّجُوعُ إلَيْهِ ، كَالْمُرْتَدِّ إذَا رَجَعَ إلَى الْإِسْلَامِ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ ، رِوَايَةٌ ثَالِثَةٌ ، أَنَّهُ يُقْبَلُ مِنْهُ أَحَدُ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ ؛ الْإِسْلَامُ ، أَوْ الرُّجُوعُ إلَى دِينِهِ الْأَوَّلِ ، أَوْ دِينٌ يُقَرُّ أَهْلُهُ عَلَيْهِ ؛ لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى { : حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ } .\rوَإِنْ انْتَقَلَ إلَى دِينِ أَهْلِ الْكِتَابِ ، وَقُلْنَا : لَا يُقَرُّ .\rفَفِيهِ الرِّوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، لَا يُقْبَلُ مِنْهُ إلَّا الْإِسْلَامُ .\rوَالْأُخْرَى ، لَا يُقْبَلُ مِنْهُ إلَّا الْإِسْلَامُ أَوْ الدِّينُ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ .\r( 5394 ) الْفَصْلُ الثَّالِثُ : فِي صِفَةِ إجْبَارِهِ عَلَى تَرْكِ مَا انْتَقَلَ إلَيْهِ .\rوَفِيهِ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، أَنَّهُ يُقْتَلُ إنْ لَمْ يَرْجِعْ ، رَجُلًا كَانَ أَوْ امْرَأَةً ؛ لِعُمُومِ قَوْله عَلَيْهِ السَّلَامُ { : مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ } .\rوَلِأَنَّهُ ذِمِّيٌّ نَقَضَ الْعَهْدَ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ نَقَضَهُ بِتَرْكِ الْتِزَامِ الذِّمَّةِ .\rوَهَلْ يُسْتَتَابُ ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، يُسْتَتَابُ ؛ لِأَنَّهُ يُسْتَرْجَعُ عَنْ دِينٍ بَاطِلٍ انْتَقَلَ إلَيْهِ ، فَيُسْتَتَابُ ، كَالْمُرْتَدِّ .\rوَالثَّانِي : لَا يُسْتَتَابُ ؛ لِأَنَّهُ كَافِرٌ أَصْلِيٌّ أُبِيحَ قَتْلُهُ ، فَأَشْبَهَ الْحَرْبِيَّ .\rفَعَلَى هَذَا إنْ بَادَرَ وَأَسْلَمَ ، أَوْ رَجَعَ إلَى مَا يُقَرُّ عَلَيْهِ ، عُصِمَ دَمُهُ وَإِلَّا قُتِلَ .\rوَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ ، عَنْ أَحْمَدَ","part":15,"page":154},{"id":7154,"text":"قَالَ : إذَا دَخَلَ الْيَهُودِيُّ فِي النَّصْرَانِيَّةِ ، رَدَدْته إلَى الْيَهُودِيَّةِ ، وَلَمْ أَدَعْهُ فِيمَا انْتَقَلَ إلَيْهِ ، فَقِيلَ لَهُ : أَتَقْتُلُهُ ؟ قَالَ : لَا ، وَلَكِنْ يُضْرَبُ وَيُحْبَسُ .\rقَالَ : وَإِنْ كَانَ نَصْرَانِيًّا أَوْ يَهُودِيًّا ، فَدَخَلَ فِي الْمَجُوسِيَّةِ ، كَانَ أَغْلَظَ ؛ لِأَنَّهُ لَا تُؤْكَلُ ذَبِيحَتُهُ ، وَلَا تُنْكَحُ لَهُ امْرَأَةٌ ، وَلَا يُتْرَكُ حَتَّى يُرَدَّ إلَيْهَا .\rفَقِيلَ لَهُ : تَقْتُلُهُ إذَا لَمْ يَرْجِعْ ؟ قَالَ : إنَّهُ لَأَهْلُ ذَلِكَ .\rوَهَذَا نَصٌّ فِي أَنَّ الْكِتَابِيَّ الْمُنْتَقِلَ إلَى دِينٍ آخَرَ مِنْ دِينِ أَهْلِ الْكِتَابِ لَا يُقْتَلُ ، بَلْ يُكْرَهُ بِالضَّرْبِ وَالْحَبْسِ .\r( 5395 ) الْفَصْلُ الرَّابِعُ : أَنَّ امْرَأَةَ الْمُسْلِمِ الذِّمِّيَّةَ ، إذَا انْتَقَلَتْ إلَى دِينٍ غَيْرِ دِينِ أَهْلِ الْكِتَابِ ، فَهِيَ كَالْمُرْتَدَّةِ ؛ لِأَنَّ غَيْرَ أَهْلِ الْكِتَابِ لَا يَحِلُّ نِكَاحُ نِسَائِهِمْ ، فَمَتَى كَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ ، انْفَسَخَ نِكَاحُهَا فِي الْحَالِ ، وَلَا مَهْرَ لَهَا ؛ لِأَنَّ الْفَسْخَ مِنْ قِبَلِهَا ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ ، وَقَفَ عَلَى انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ ، فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ ، وَالْأُخْرَى يَنْفَسِخُ فِي الْحَالِ أَيْضًا .\r( 5396 )","part":15,"page":155},{"id":7155,"text":"مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَأَمَتُهُ الْكِتَابِيَّةُ حَلَالٌ لَهُ ، دُونَ أَمَتِهِ الْمَجُوسِيَّةِ ) الْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي فَصْلَيْنِ : ( 5397 ) أَحَدُهُمَا : أَنَّ أَمَتَهُ الْكِتَابِيَّةَ حَلَالٌ لَهُ .\rوَهَذَا قَوْلُ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، إلَّا الْحَسَنَ ، فَإِنَّهُ كَرِهَهُ ؛ لِأَنَّ الْأَمَةَ الْكِتَابِيَّةَ يُحَرَّمُ نِكَاحُهَا فَحُرِّمَ التَّسَرِّي بِهَا كَالْمَجُوسِيَّةِ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى { : إلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ } .\rوَلِأَنَّهَا مِمَّنْ يَحِلُّ نِكَاحُ حَرَائِرِهِمْ ، فَحَلَّ لَهُ التَّسَرِّي بِهَا ، كَالْمُسْلِمَةِ .\rفَأَمَّا نِكَاحُهَا فَيُحَرَّمُ لِأَنَّ فِيهِ إرْقَاقَ وَلَدِهِ ، وَإِبْقَاءَهُ مَعَ كَافِرَةٍ ، بِخِلَافِ التَّسَرِّي .\r( 5398 )","part":15,"page":156},{"id":7156,"text":"الْفَصْلُ الثَّانِي : أَنَّ مَنْ حُرِّمَ نِكَاحُ حَرَائِرِهِمْ مِنْ الْمَجُوسِيَّات ، وَسَائِرِ الْكَوَافِرِ سِوَى أَهْلِ الْكِتَابِ ، لَا يُبَاحُ وَطْءُ الْإِمَاءِ مِنْهُنَّ بِمِلْكِ الْيَمِينِ .\rفِي قَوْل أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، مِنْهُمْ ؛ مُرَّةُ الْهَمْدَانِيُّ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : عَلَى هَذَا جَمَاعَةُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ ، وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ ، وَمَا خَالَفَهُ فَشُذُوذٌ لَا يُعَدُّ خِلَافًا .\rوَلَمْ يَبْلُغْنَا إبَاحَةُ ذَلِكَ إلَّا عَنْ طَاوُسٍ ، وَوَجْهُ قَوْلِهِ عُمُومُ قَوْله تَعَالَى { : وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ النِّسَاءِ إلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ } .\rوَالْآيَة الْأُخْرَى .\rوَرَوَى أَبُو سَعِيدٍ ، { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ يَوْمَ حُنَيْنٍ بَعْثًا قِبَلَ أَوْطَاسٍ ، فَأَصَابُوا لَهُمْ سَبَايَا ، فَكَأَنَّ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَحَرَّجُوا مِنْ غَشَيَانِهِنَّ ، مِنْ أَجْلِ أَزْوَاجِهِنَّ مِنْ الْمُشْرِكِينَ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي ذَلِكَ { : وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ النِّسَاءِ إلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ } .\rقَالَ : فَهُنَّ لَهُمْ حَلَالٌ إذَا انْقَضَتْ عِدَّتُهُنَّ .\r} وَعَنْهُ { ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي سَبَايَا أَوْطَاسٍ : لَا تُوطَأُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ ، وَلَا غَيْرُ ذَاتِ حَمْلٍ حَتَّى تَحِيضَ حَيْضَةً } .\rرَوَاهُمَا أَبُو دَاوُد .\rوَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ .\rوَهُمْ عَبَدَةُ أَوْثَانٍ .\rوَهَذَا ظَاهِرٌ فِي إبَاحَتِهِنَّ ، وَلِأَنَّ الصَّحَابَةَ فِي عَصْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ أَكْثَرُ سَبَايَاهُمْ مِنْ كُفَّارِ الْعَرَبِ ، وَهُمْ عَبَدَةُ أَوْثَانٍ ، فَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَ تَحْرِيمَهُنَّ لِذَلِكَ ، وَلَا نُقِلَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَحْرِيمُهُنَّ ، وَلَا أَمَرَ الصَّحَابَةَ بِاجْتِنَابِهِنَّ ، وَقَدْ دَفَعَ أَبُو بَكْرٍ إلَى سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ امْرَأَةً مِنْ بَعْضِ السَّبْيِ ،","part":15,"page":157},{"id":7157,"text":"نَفَلَهَا إيَّاهُ ، وَأَخَذَ عُمَرُ وَابْنُهُ مِنْ سَبْيِ هَوَازِنَ ، وَكَذَلِكَ غَيْرُهُمَا مِنْ الصَّحَابَةِ ، وَالْحَنَفِيَّةُ أُمُّ مُحَمَّدِ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ مِنْ سَبْيِ بَنِي حَنِيفَةَ ، وَقَدْ أَخَذَ الصَّحَابَةُ سَبَايَا فَارِسَ ، وَهُمْ مَجُوسٌ ، فَلَمْ يَبْلُغْنَا أَنَّهُمْ اجْتَنَبُوهُنَّ ، وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي إبَاحَتِهِنَّ ، لَوْلَا اتِّفَاقُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى خِلَافِهِ .\rوَقَدْ أَجَبْت عَنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ بِأَجْوِبَةٍ ، مِنْهَا أَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنَّهُنَّ أَسْلَمْنَ ، كَذَلِكَ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ سَأَلَهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَكَمِ قَالَ : قُلْت لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ : هَوَازِنُ أَلَيْسَ كَانُوا عَبَدَةَ أَوْثَانٍ ؟ قَالَ : لَا أَدْرِي كَانُوا أَسْلَمُوا أَوْ لَا .\rوَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : إبَاحَةُ وَطْئِهِنَّ مَنْسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى { : وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ } .\r( 5399 )","part":15,"page":158},{"id":7158,"text":"مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَلَيْسَ لِلْمُسْلِمِ وَإِنْ كَانَ عَبْدًا أَنْ يَتَزَوَّجَ أَمَةً كِتَابِيَّةً ) لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ { : مِنْ فَتَيَاتِكُمْ الْمُؤْمِنَاتِ } .\rهَذَا ظَاهِرُ مَذْهَبِ أَحْمَدَ ، رَوَاهُ عَنْهُ جَمَاعَةٌ ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ ، وَالزُّهْرِيِّ ، وَمَكْحُولٍ ، وَمَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَاللَّيْثِ ، وَإِسْحَاقَ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ ، وَمُجَاهِدٍ .\rوَقَالَ أَبُو مَيْسَرَةَ وَأَبُو حَنِيفَةَ : يَجُوزُ لِلْمُسْلِمِ نِكَاحُهَا ؛ لِأَنَّهَا تَحِلُّ بِمِلْكِ الْيَمِينِ ، فَحَلَّتْ بِالنِّكَاحِ كَالْمُسْلِمَةِ .\rوَنُقِلَ ذَلِكَ عَنْ أَحْمَدَ ، قَالَ : لَا بَأْسَ بِتَزْوِيجِهَا .\rإلَّا أَنَّ الْخَلَّالَ رَدَّ هَذِهِ الرِّوَايَةَ ، وَقَالَ : إنَّمَا تَوَقَّفَ أَحْمَدُ فِيهَا ، وَلَمْ يَنْفُذْ لَهُ قَوْلٌ ، وَمَذْهَبُهُ أَنَّهَا لَا تَحِلُّ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى { : فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمْ الْمُؤْمِنَاتِ } .\rفَشَرَطَ فِي إبَاحَةِ نِكَاحِهِنَّ الْإِيمَانَ ، وَلَمْ يُوجَدْ ، وَتُفَارِقُ الْمُسْلِمَةَ ، لِأَنَّهُ لَا يُؤَدِّي إلَى اسْتِرْقَاقِ الْكَافِرِ وَلَدَهَا ، لِأَنَّ الْكَافِرَ لَا يُقَرُّ مِلْكُهُ عَلَى مُسْلِمَةٍ ، وَالْكَافِرَةُ تَكُونُ مِلْكًا لَكَافِرٍ ، وَيُقَرُّ مِلْكُهُ عَلَيْهَا .\rوَوَلَدُهَا مَمْلُوكٌ لِسَيِّدِهَا ، وَلِأَنَّهُ قَدْ اعْتَوَرَهَا نُقْصَانٌ ، نَقْصُ الْكُفْرِ وَالْمِلْكِ ، فَإِذَا اجْتَمَعَا مَنَعَا ، كَالْمَجُوسِيَّةِ لَمَّا اجْتَمَعَ فِيهَا نَقْصُ الْكُفْرِ ، وَعَدَمُ الْكِتَابِ ، لَمْ يُبَحْ نِكَاحُهَا .\rوَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْحُرِّ وَالْعَبْدِ فِي تَحْرِيمِ نِكَاحِهَا ؛ لِعُمُومِ مَا ذَكَرْنَا مِنْ الدَّلِيلِ ، وَلِأَنَّ مَا حُرِّمَ عَلَى الْحُرِّ تَزْوِيجُهُ لِأَجْلِ دِينِهِ ، حُرِّمَ عَلَى الْعَبْدِ ، كَالْمَجُوسِيَّةِ .","part":15,"page":159},{"id":7159,"text":"( 5400 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَلَا لِحُرٍّ مُسْلِمٍ أَنْ يَتَزَوَّجَ أَمَةً مُسْلِمَةً ، إلَّا أَنْ لَا يَجِدَ طَوْلًا بِحُرَّةٍ مُسْلِمَةٍ ، وَيَخَافَ الْعَنَتَ ) الْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي شَيْئَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، أَنَّهُ يَحِلُّ لَهُ نِكَاحُ الْأَمَةِ الْمُسْلِمَةِ إذَا وُجِدَ فِيهِ الشَّرْطَانِ ، عَدَمُ الطَّوْلِ ، وَخَوْفُ الْعَنَتِ .\rوَهَذَا قَوْلُ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ ، لَا نَعْلَمُ بَيْنَهُمْ اخْتِلَافًا فِيهِ .\rوَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْلُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ { : وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا } .\rالْآيَةُ .\rوَالصَّبْرُ عَنْهَا مَعَ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَفْضَلُ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى { : وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ } .\rوَالثَّانِي : إذَا عُدِمَ الشَّرْطَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا ، لَمْ يَحِلَّ نِكَاحُهَا لِحُرٍّ .\rرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ جَابِرٍ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ .\rوَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ ، وَطَاوُسٌ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ ، وَمَكْحُولٌ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ .\rوَقَالَ مُجَاهِدٌ : مِمَّا وَسَّعَ اللَّهُ عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ ، نِكَاحُ الْأَمَةِ ، وَإِنْ كَانَ مُوسِرًا .\rوَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ تَحْتَهُ حُرَّةٌ ؛ لِأَنَّ الْقُدْرَةَ عَلَى النِّكَاحِ لَا تَمْنَعُ النِّكَاحَ ، كَمَا يَمْنَعُهُ وُجُودُ النِّكَاحِ ، كَنِكَاحِ الْأُخْتِ وَالْخَامِسَةِ .\rوَقَالَ قَتَادَةُ ، وَالثَّوْرِيُّ : إذَا خَافَ الْعَنَتَ حَلَّ لَهُ نِكَاحُ الْأَمَةِ ، وَإِنْ وُجِدَ الطَّوْلُ ؛ لِأَنَّ إبَاحَتَهَا لِضَرُورَةِ خَوْفِ الْعَنَتِ ، وَقَدْ وُجِدَتْ ، فَلَا يَنْدَفِعُ إلَّا بِنِكَاحِ الْأَمَةِ ، فَأَشْبَهَ عَادِمَ الطَّوْلِ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى { : وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمْ الْمُؤْمِنَاتِ } إلَى قَوْلِهِ { : ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ } .\rفَشَرَطَ فِي نِكَاحِهَا عَدَمَ اسْتِطَاعَةِ الطَّوْلِ ، فَلَمْ يَجُزْ مَعَ الِاسْتِطَاعَةِ كَالصَّوْمِ فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ مَعَ عَدَمِ اسْتِطَاعَةِ الْإِعْتَاقِ ، وَلِأَنَّ فِي تَزْوِيجِ الْأَمَةِ إرْقَاقَ وَلَدِهِ","part":15,"page":160},{"id":7160,"text":"مَعَ الْغِنَى عَنْهُ ، فَلَمْ يَجُزْ ، كَمَا لَوْ كَانَ تَحْتَهُ حُرَّةٌ .\rوَقِيَاسُهُمْ لَيْسَ بِصَحِيحٍ ؛ فَإِنَّ نِكَاحَ الْخَامِسَةِ وَالْأُخْتِ ، إنَّمَا حُرِّمَ لِأَجْلِ الْجَمْعِ ، وَبِالْقُدْرَةِ عَلَى الْجَمْعِ لَا يَصِيرُ جَامِعًا ، وَالْعِلَّةُ هَاهُنَا ، هُوَ الْغِنَى عَنْ إرْقَاقِ وَلَدِهِ ، وَذَلِكَ يَحْصُلُ بِالْقُدْرَةِ عَلَى نِكَاحِ الْحُرَّةِ .\rوَأَمَّا مَنْ يَجِدُ الطَّوْلَ وَيَخَافُ الْعَنَتَ ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ لَا يَجِدُ إلَّا حُرَّةً صَغِيرَةً أَوْ غَائِبَةً أَوْ مَرِيضَةً لَا يُمْكِنُ وَطْؤُهَا ، أَوْ وَجَدَ مَالًا وَلَمْ يَتَزَوَّجْ لِقُصُورِ نَسَبِهِ ، فَلَهُ نِكَاحُ الْأَمَةِ ؛ لِأَنَّهُ عَاجِزٌ عَنْ حُرَّةٍ تُعِفُّهُ .\rوَإِنْ كَانَتْ الْحُرَّةُ فِي حِبَالَةِ غَيْرِهِ ، فَلَهُ نِكَاحُ أَمَةٍ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي الْغَائِبَةِ .\rوَهُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ بَعْضُهُمْ : لَا يَجُوزُ ؛ لِوُجْدَانِ الطَّوْلِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ غَيْرُ مُسْتَطِيعٍ لِلطَّوْلِ إلَى حُرَّةٍ تُعِفُّهُ ، فَأَشْبَهَ مَنْ لَا يَجِدُ شَيْئًا ، أَلَا تَرَى أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ جَعَلَ ابْنَ السَّبِيلِ الَّذِي لَهُ الْيَسَارُ فِي بَلَدِهِ فَقِيرًا ؛ لِعَدَمِ قُدْرَتِهِ عَلَيْهِ فِي الْحَالِ ، وَإِنْ كَانَتْ لَهُ حُرَّةٌ يَتَمَكَّنُ مِنْ وَطْئِهَا ، وَالْعِفَّةُ بِهَا ، فَلَيْسَ بِخَائِفٍ الْعَنَتَ .","part":15,"page":161},{"id":7161,"text":"( 5401 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَدَرَ عَلَى تَزْوِيجِ كِتَابِيَّةٍ تُعِفُّهُ ، لَمْ يَحِلَّ لَهُ نِكَاحُ الْأَمَةِ .\rوَهَذَا ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ ، وَذَكَرُوا وَجْهًا آخَرَ أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى { : وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ } .\rوَهَذَا غَيْرُ مُسْتَطِيعٍ لِذَلِكَ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى { : ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ } .\rوَهَذَا غَيْرُ خَائِفٍ لَهُ ، وَلِأَنَّهُ قَدَرَ عَلَى صِيَانَةِ وَلَدِهِ عَنْ الرِّقِّ ، فَلَمْ يَجُزْ لَهُ إرْقَاقُهُ ، كَمَا لَوْ قَدَرَ عَلَى نِكَاحِ مُؤْمِنَةٍ .","part":15,"page":162},{"id":7162,"text":"( 5402 ) فَصْلٌ : وَمَنْ كَانَتْ تَحْتَهُ حُرَّةٌ يُمْكِنُهُ أَنْ يَسْتَعِفَّ بِهَا ، لَمْ يَجُزْ لَهُ نِكَاحُ أَمَةٍ .\rلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْكِتَابِيَّةِ وَالْمُسْلِمَةِ فِي ذَلِكَ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ قَبْلُ .","part":15,"page":163},{"id":7163,"text":"( 5403 ) فَصْلٌ : فَإِنْ لَمْ يَجِدْ طَوْلًا ، لَكِنْ وَجَدَ مَنْ يُقْرِضُهُ ذَلِكَ ، لَمْ يَلْزَمْهُ ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ ضَرَرًا فِي بَقَاءِ الدَّيْنِ فِي ذِمَّتِهِ ، وَلِصَاحِبِهِ مُطَالَبَتُهُ بِهِ فِي الْحَالِ .\rوَكَذَلِكَ إنْ رَضِيت الْحُرَّةُ بِتَأْخِيرِ صَدَاقِهَا ، أَوْ تَفْوِيضِ بُضْعِهَا ؛ لِأَنَّ لَهَا مُطَالَبَتُهُ بِعِوَضِهِ .\rوَكَذَلِكَ إنْ بَذَلَ لَهُ بَاذِلٌ أَنْ يَزِنَهُ عَنْهُ ، أَوْ يَهَبَهُ إيَّاهُ ، لَمْ يَلْزَمْهُ قَبُولُهُ ؛ لِمَا عَلَيْهِ مِنْ ضَرَرِ الْمِنَّةِ ، وَلَهُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ نِكَاحُ الْأَمَةِ .\rوَإِنْ لَمْ يَجِدْ مَنْ يُزَوِّجُهُ إلَّا بِأَكْثَرَ مِنْ مَهْرِ الْمِثْلِ ، وَكَانَ قَادِرًا عَلَيْهِ ، وَلَا يُجْحِفُ بِهِ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ نِكَاحُ الْأَمَةِ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ : لَهُ ذَلِكَ ، كَمَا لَوْ لَمْ يَجِدْ الْمَاءَ إلَّا بِزِيَادَةٍ عَنْ ثَمَنِ الْمِثْلِ ، فَلَهُ التَّيَمُّمُ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى { : وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا } .\rوَهَذَا مُسْتَطِيعٌ ، وَلِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى نِكَاحِ حُرَّةٍ بِمَا لَا يَضُرُّهُ ، فَلَمْ يَجُزْ لَهُ إرْقَاقُ وَلَدِهِ ، كَمَا لَوْ كَانَ بِمَهْرِ مِثْلِهَا ، وَلَا نُسَلِّمُ مَا ذَكَرُوهُ فِي التَّيَمُّمِ ، ثُمَّ هَذَا مُفَارِقٌ لِلتَّيَمُّمِ مِنْ وَجْهَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، أَنَّ التَّيَمُّمَ رُخْصَةٌ عَامَّةٌ ، وَهَذَا أُبِيحَ لِلضَّرُورَةِ ، وَمَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْحُرَّةِ لَا ضَرُورَةَ .\rوَالثَّانِي ، أَنَّ التَّيَمُّمَ يَتَكَرَّرُ ، فَإِيجَابُ شِرَائِهِ بِزِيَادَةٍ عَلَى ثَمَنِ الْمِثْلِ يُفْضِي إلَى الْإِجْحَافِ بِهِ ، وَهَذَا لَا يَتَكَرَّرُ ، فَلَا ضَرَرَ فِيهِ .","part":15,"page":164},{"id":7164,"text":"( 5404 ) فَصْلٌ : وَإِنْ كَانَ فِي يَدِهِ مَالٌ ، فَذَكَرَ أَنَّهُ مُعْسِرٌ ، وَأَنَّ الْمَالَ لِغَيْرِهِ .\rفَالْقَوْلُ قَوْلُهُ ؛ لِأَنَّهُ حُكْمٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى ، فَقُبِلَ قَوْلُهُ فِيهِ ، كَمَا لَوْ ادَّعَى مَخَافَةَ الْعَنَتِ .\rوَمَتَى تَزَوَّجَ الْأَمَةَ ، ثُمَّ أَقَرَّ أَنَّهُ كَانَ مُوسِرًا حَالَ النِّكَاحِ ، فُرِّقَ بَيْنَهُمَا ؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِفَسَادِ نِكَاحِهِ .\rوَهَكَذَا إنْ أَقَرَّ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَخْشَى الْعَنَتَ .\rفَإِنْ كَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ وَصَدَّقَهُ السَّيِّدُ ، فَلَا مَهْرَ ، وَإِنْ كَذَّبَهُ ، فَلَهُ نِصْفُ الْمُسَمَّى ؛ لِأَنَّهُ يَدَّعِي صِحَّةَ النِّكَاحِ وَالْأَصْلُ مَعَهُ ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الدُّخُولِ ، فَعَلَيْهِ الْمُسَمَّى جَمِيعُهُ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ مَهْرُ الْمِثْلِ أَكْثَرَ ، فَعَلَى قَوْلِ مَنْ أَوْجَبَ مَهْرَ الْمِثْلِ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ ، يَلْزَمُهُ مَهْرُ الْمِثْلِ ؛ لِإِقْرَارِهِ بِهِ .\rوَإِنْ كَانَ الْمُسَمَّى أَكْثَرَ ، وَجَبَ وَلِلسَّيِّدِ أَلَّا يُصَدِّقَهُ فِيمَا قَالَ ، فَيَكُونَ لَهُ مِنْ الْمَهْرِ مَا يَجِبُ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ .\rوَهَلْ ذَلِكَ الْمُسَمَّى أَوْ مَهْرُ الْمِثْلِ ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ .","part":15,"page":165},{"id":7165,"text":"( 5405 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَمَتَى عَقَدَ عَلَيْهَا وَفِيهِ الشَّرْطَانِ ؛ عَدَمُ الطَّوْلِ ، وَخَوْفُ الْعَنَتِ ، ثُمَّ أَيْسَرَ ، لَمْ يَنْفَسِخْ النِّكَاحُ ) هَذَا ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ، وَفِي الْمَذْهَبِ وَجْهٌ آخَرُ ، أَنَّهُ يَفْسُدُ النِّكَاحُ .\rوَهُوَ قَوْلُ الْمُزَنِيّ ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا أُبِيحَ لِلْحَاجَةِ ، فَإِذَا زَالَتْ الْحَاجَةُ لَمْ يَجُزْ لَهُ اسْتِدَامَتُهُ ، كَمَنْ أُبِيحَ لَهُ أَكْلُ الْمَيْتَةِ لِلضَّرُورَةِ ، فَإِذَا وُجِدَ الْحَلَالَ لَمْ يَسْتَدِمْهُ .\rوَلَنَا ، أَنَّ فَقْدَ الطَّوْلِ أَحَدُ شَرْطَيْ إبَاحَةِ نِكَاحِ الْأَمَةِ ، فَلَمْ تُعْتَبَر اسْتَدَامَتْهُ ، كَخَوْفِ الْعَنَتِ ، وَيُفَارِقُ أَكْلَ الْمَيْتَةِ ، فَإِنَّ أَكْلَهَا بَعْدَ الْقُدْرَةِ ابْتِدَاءٌ لِلْأَكْلِ ، وَهَذَا لَا يَبْتَدِئُ النِّكَاحَ .\rإنَّمَا يَسْتَدِيمُهُ ، وَالِاسْتِدَامَةُ لِلنِّكَاحِ تُخَالِفُ ابْتِدَاءَهُ ، بِدَلِيلِ أَنَّ الْعِدَّةَ وَالرِّدَّةَ وَأَمْنَ الْعَنَتِ يَمْنَعْنَ ابْتِدَاءَهُ دُونَ اسْتِدَامَتِهُ .","part":15,"page":166},{"id":7166,"text":"( 5406 ) فَصْلٌ : وَإِنْ تَزَوَّجَ عَلَى الْأَمَةِ حُرَّةً ، صَحَّ .\rوَفِي بُطْلَانِ نِكَاحِ الْأَمَةِ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، لَا يَبْطُلُ .\rوَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، وَعَطَاءٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ .\rوَرُوِيَ مَعْنَى ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .\rوَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ ، يَنْفَسِخُ نِكَاحُ الْأَمَةِ .\rوَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمَسْرُوقٍ ، وَإِسْحَاقَ ، وَالْمُزَنِيِّ .\rوَوَجْهُ الرِّوَايَتَيْنِ مَا تَقَدَّمَ فِي الْمَسْأَلَةِ .\rوَقَالَ النَّخَعِيُّ إنْ كَانَ لَهُ مِنْ الْأَمَةِ وَلَدٌ ، لَمْ يُفَارِقْهَا ، وَإِلَّا فَارَقَهَا .\rوَلَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ مَا كَانَ مُبْطِلًا لِلنِّكَاحِ فِي غَيْرِ ذَاتِ الْوَلَدِ أَبْطَلَهُ فِي ذَاتِ الْوَلَدِ ، كَسَائِرِ مُبْطِلَاتِهِ ، وَلِأَنَّ وَلَدَهُ مِنْهَا مَمْلُوكٌ لِسَيِّدِهَا ، وَنَفَقَتُهُ عَلَيْهِ .\rوَقَدْ اُسْتُدِلَّ عَلَى بَقَاءِ النِّكَاحِ بِمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ قَالَ : إذَا تَزَوَّجَ الْحُرَّةَ عَلَى الْأَمَةِ ، قَسَمَ لِلْحُرَّةِ لَيْلَتَيْنِ ، وَلِلْأَمَةِ لَيْلَةً .\rفَإِنَّهُ لَوْ بَطَلَ بِنِكَاحِ الْحُرَّةِ ، لَبَطَلَ بِالْقُدْرَةِ عَلَيْهِ ، فَإِنَّ الْقُدْرَةَ عَلَى الْمُبْدَلِ كَاسْتِعْمَالِهِ ، بِدَلِيلِ الْمَاءِ مَعَ التُّرَابِ .","part":15,"page":167},{"id":7167,"text":"( 5407 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَلَهُ أَنْ يَنْكِحَ مِنْ الْإِمَاءِ أَرْبَعًا ، إذَا كَانَ الشَّرْطَانِ فِيهِ قَائِمَيْنِ ) اخْتَلَفْت الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ ، فِي إبَاحَةِ أَكْثَرَ مِنْ أَمَةٍ إذَا لَمْ تُعِفَّهُ فَعَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : إذَا خَشِيَ الْعَنَتَ تَزَوَّجَ أَرْبَعًا ، إذَا لَمْ يَصْبِرْ كَيْفَ يَصْنَعُ ؟ وَهَذَا قَوْلُ الزُّهْرِيِّ ، وَالْحَارِثِ الْعُكْلِيِّ ، وَمَالِكٍ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ .\rوَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ ، قَالَ أَحْمَدُ : لَا يُعْجِبُنِي أَنْ يَتَزَوَّجَ إلَّا أَمَةً وَاحِدَةً .\rيَذْهَبُ إلَى حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَهُوَ مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّ الْحُرَّ لَا يَتَزَوَّجُ مِنْ الْإِمَاءِ إلَّا وَاحِدَةً ، وَقَرَأَ { : ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ } .\rوَبِهِ قَالَ قَتَادَةُ وَالشَّافِعِيُّ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ ؛ لِأَنَّ مَنْ لَهُ زَوْجَةٌ يُمْكِنُهُ وَطْؤُهَا لَا يَخْشَى الْعَنَتَ .\rوَوَجْهُ الْأُولَى قَوْله تَعَالَى { : وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا } .\rالْآيَةُ .\rوَهَذَا دَاخِلٌ فِي عُمُومِهَا ، وَلِأَنَّهُ عَادِمٌ لِلطَّوْلِ ، خَائِفٌ لِلْعَنَتِ ، فَجَازَ لَهُ نِكَاحُ أَمَةٍ كَالْأُولَى ، وَقَوْلُهُمْ : لَا يَخْشَى الْعَنَتَ .\rقُلْنَا : الْكَلَامُ فِي مَنْ يَخْشَاهُ ، وَلَا نُبِيحُهُ إلَّا لَهُ .\rوَقَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ يُحْمَلُ عَلَى مَنْ لَمْ يَخْشَ الْعَنَتَ ، وَكَذَلِكَ الرِّوَايَةُ الْأُخْرَى عَنْ أَحْمَدَ .\rوَإِنْ تَزَوَّجَ حُرَّةً فَلَمْ تُعِفَّهُ ، فَذَكَرَ فِيهَا أَبُو الْخَطَّابِ رِوَايَتَيْنِ ، مِثْلُ نِكَاحِ الْأَمَةِ فِي حَقِّ مَنْ تَحْتَهُ أَمَةٌ لَمْ تُعِفَّهُ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا .\rوَإِنْ كَانَتْ الْحُرَّةُ تُعِفُّهُ ، فَلَا خِلَافَ فِي تَحْرِيمِ نِكَاحِ الْأَمَةِ .\rوَإِنْ نَكَحَ أَمَةً تُعِفُّهُ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَنْكِحَ أُخْرَى ، فَإِنْ نَكَحَهَا ، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ .\rلِأَنَّهُ يَبْطُلُ فِي إحْدَاهُمَا ، وَلَيْسَتْ إحْدَاهُمَا بِأَوْلَى مِنْ الْأُخْرَى ، فَبَطَلَ ، كَمَا لَوْ جَمَعَ بَيْنَ أُخْتَيْنِ .","part":15,"page":168},{"id":7168,"text":"( 5408 ) فَصْلٌ : وَلِلْعَبْدِ أَنْ يَنْكِحَ الْأَمَةَ ، وَإِنْ فُقِدَ فِيهِ الشَّرْطَانِ ؛ لِأَنَّهُ مُسَاوٍ لَهَا ، فَلَمْ يُعْتَبَرْ فِيهِ هَذَانِ الشَّرْطَانِ ، كَالْحُرِّ مَعَ الْحُرَّةِ .\rوَلَهُ نِكَاحُ أَمَتَيْنِ مَعًا ، وَوَاحِدَةٍ بَعْدَ وَاحِدَةٍ ؛ لِأَنَّ خَشْيَةَ الْعَنَتِ غَيْرُ مَشْرُوطَةٍ فِيهِ .\rوَإِنْ تَزَوَّجَ حُرَّةً ، وَقُلْنَا : لَيْسَتْ الْحُرِّيَّةُ شَرْطًا فِي نِكَاحِ الْحُرَّةِ ، فَهَلْ لَهُ أَنْ يَنْكِحَ أَمَةً ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، لَهُ ذَلِكَ .\rوَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهَا مُسَاوِيَةٌ لَهُ ، فَلَمْ يُشْتَرَطْ لِصِحَّةِ نِكَاحِهَا عَدَمُ الْحُرَّةِ ، كَالْحُرِّ مَعَ الْحُرَّةِ ، وَلِأَنَّهُ لَوْ اُشْتُرِطَ عَدَمُ الْحُرَّةِ ، لَاشْتُرِطَ عَدَمُ الْقُدْرَةِ عَلَيْهَا ، كَمَا فِي حَقِّ الْحُرِّ .\rوَالثَّانِيَةُ ، لَا يَجُوزُ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ ؛ لِأَنَّهُ يُرْوَى عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، أَنَّهُ قَالَ : تُنْكَحُ الْحُرَّةُ عَلَى الْأَمَةِ ، وَلَا تُنْكَحُ الْأَمَةُ عَلَى الْحُرَّةِ .\rوَلِأَنَّهُ مَالِكٌ لِبُضْعِ حُرَّةٍ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ أَمَةً ، كَالْحُرِّ .\rوَإِنْ عَقَدَ النِّكَاحَ عَلَيْهِمَا جَمِيعًا ، صَحَّ فِيهِمَا ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ يَجُوزُ إفْرَادُهَا بِالْعَقْدِ ، فَجَازَ بِالْجَمْعِ بَيْنَهُمَا ، كَالْأَمَتَيْنِ .","part":15,"page":169},{"id":7169,"text":"( 5409 ) فَصْلٌ : وَإِذَا زَنَتْ الْمَرْأَةُ ، لَمْ يَحِلَّ لِمَنْ يَعْلَمُ ذَلِكَ نِكَاحَهَا إلَّا بِشَرْطَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، انْقِضَاءُ عِدَّتِهَا ، فَإِنْ حَمَلَتْ مِنْ الزِّنَى فَقَضَاءُ عِدَّتِهَا بِوَضْعِهِ ، وَلَا يَحِلُّ نِكَاحُهَا قَبْلَ وَضْعِهِ .\rوَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ وَأَبُو يُوسُفَ .\rوَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ .\rوَفِي الْأُخْرَى قَالَ : يَحِلُّ نِكَاحُهَا وَيَصِحُّ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ وَطْءٌ لَا يَلْحَقُ بِهِ النَّسَبُ ، فَلَمْ يُحَرِّمْ النِّكَاحَ ، كَمَا لَوْ لَمْ تَحْمِلْ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ، فَلَا يَسْقِي مَاءَهُ زَرْعَ غَيْرِهِ } .\rيَعْنِي وَطْءَ الْحَوَامِلِ .\rوَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : لَا تُوطَأُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ } .\rصَحِيحٌ ، وَهُوَ عَامٌّ ، وَرُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، { أَنَّ رَجُلًا تَزَوَّجَ امْرَأَةً ، فَلَمَّا أَصَابَهَا وَجَدَهَا حُبْلَى ، فَرَفَعَ ذَلِكَ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا ، وَجَعَلَ لَهَا الصَّدَاقَ ، وَجَلَدَهَا مِائَةً .\r} رَوَاهُ سَعِيدٌ { .\rوَرَأَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ امْرَأَةً مُجِحًّا عَلَى بَابِ فُسْطَاطٍ ، فَقَالَ : لَعَلَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُلِمَّ بِهَا ؟ قَالُوا : نَعَمْ .\rقَالَ : لَقَدْ هَمَمْت أَنْ أَلْعَنَهُ لَعْنًا يَدْخُلُ مَعَهُ قَبْرَهُ ، كَيْفَ يَسْتَخْدِمُهُ وَهُوَ لَا يَحِلُّ لَهُ ؟ أَمْ كَيْفَ يُوَرِّثُهُ وَهُوَ لَا يَحِلُّ لَهُ ؟ } .\rأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ .\rوَلِأَنَّهَا حَامِلٌ مِنْ غَيْرِهِ ، فَحُرِّمَ عَلَيْهِ نِكَاحُهَا ، كَسَائِرِ الْحَوَامِلِ .\rوَإِذَا ثَبَتَ هَذَا لَزِمَتْهَا الْعِدَّةُ ، وَحُرِّمَ عَلَيْهَا النِّكَاحُ فِيهَا ؛ لِأَنَّهَا فِي الْأَصْلِ لِمَعْرِفَةِ بَرَاءَةِ الرَّحِمِ ، وَلِأَنَّهَا قَبْلَ الْعِدَّةِ يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ حَامِلًا ، فَيَكُونَ نِكَاحُهَا بَاطِلًا ، فَلَمْ يَصِحَّ ، كَالْمَوْطُوءَةِ بِشُبْهَةٍ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ : لَا عِدَّةَ عَلَيْهَا ؛ لِأَنَّهُ وَطْءٌ لَا تَصِيرُ بِهِ","part":15,"page":170},{"id":7170,"text":"الْمَرْأَةُ فِرَاشًا ، فَأَشْبَهَ وَطْءَ الصَّغِيرِ .\rوَلَنَا ، مَا ذَكَرْنَاهُ ، لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَصِحَّ نِكَاحُ الْحَامِلِ ، فَغَيْرُهَا أَوْلَى ، لِأَنَّ وَطْءَ الْحَامِلِ لَا يُفْضِي إلَى اشْتِبَاهِ النَّسَبِ ، وَغَيْرُهَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ وَلَدُهَا مِنْ الْأَوَّلِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ الثَّانِي ، فَيُفْضِي إلَى اشْتِبَاهِ الْأَنْسَابِ ، فَكَانَ بِالتَّحْرِيمِ أَوْلَى ، وَلِأَنَّهُ وَطْءٌ فِي الْقُبُلِ ، فَأَوْجَبَ الْعِدَّةَ ، كَوَطْءِ الشُّبْهَةِ ، وَلَا نُسَلِّمُ وَطْءَ الصَّغِيرِ الَّذِي يُمْكِنُ مِنْهُ الْوَطْءُ .\rوَالشَّرْطُ الثَّانِي ، أَنْ تَتُوبَ مِنْ الزِّنَا ، وَبِهِ قَالَ قَتَادَةُ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ : لَا يُشْتَرَطُ ذَلِكَ ؛ لِمَا رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ ضَرَبَ رَجُلًا وَامْرَأَةً فِي الزِّنَى ، وَحَرَصَ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَهُمَا ، فَأَبَى الرَّجُلُ .\rوَرُوِيَ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ نِكَاحِ الزَّانِيَةِ ، فَقَالَ : يَجُوزُ ، أَرَأَيْت لَوْ سَرَقَ مِنْ كَرْمٍ ، ثُمَّ ابْتَاعَهُ ، أَكَانَ يَجُوزُ ؟ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى { : وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ إلَى قَوْلِهِ : وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ } .\rوَهِيَ قَبْلَ التَّوْبَةِ فِي حُكْمِ الزِّنَى ، فَإِذَا تَابَتْ زَالَ ذَلِكَ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { التَّائِبُ مِنْ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ } .\rوَقَوْلِهِ { التَّوْبَةُ تَمْحُو الْحَوْبَةَ } .\rوَرُوِيَ { أَنَّ مَرْثَدًا دَخَلَ مَكَّةَ ، فَرَأَى امْرَأَةً فَاجِرَةً يُقَال لَهَا عَنَاقٌ ، فَدَعَتْهُ إلَى نَفْسِهَا ، فَلَمْ يُجِبْهَا ، فَلَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَهُ : أَنْكِحُ عَنَاقًا ؟ فَلَمْ يُجِبْهُ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى { : الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ } .\rفَدَعَاهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَلَا عَلَيْهِ الْآيَةَ ، وَقَالَ : لَا تَنْكِحْهَا } .\rوَلِأَنَّهَا إذَا كَانَتْ","part":15,"page":171},{"id":7171,"text":"مُقِيمَةً عَلَى الزِّنَا لَمْ يَأْمَنْ أَنْ تُلْحِقَ بِهِ وَلَدًا مِنْ غَيْرِهِ ، وَتُفْسِدَ فِرَاشَهُ .\rفَأَمَّا حَدِيثُ عُمَرَ ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ اسْتَتَابَهَا .\rوَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ لَيْسَ فِيهِ بَيَانٌ ، وَلَا تَعَرُّضَ لَهُ لِمَحَلِّ النِّزَاعِ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِنَّ عِدَّةَ الزَّانِيَةِ كَعِدَّةِ الْمُطَلَّقَةِ ؛ لِأَنَّهُ اسْتِبْرَاءٌ لَحُرَّةٍ ، فَأَشْبَهَ عِدَّةَ الْمَوْطُوءَةِ بِشُبْهَةٍ .\rوَحَكَى ابْنُ أَبِي مُوسَى ، أَنَّهَا تُسْتَبْرَأُ بِحَيْضِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ نِكَاحٍ وَلَا شُبْهَةِ نِكَاحٍ ، فَأَشْبَهَ اسْتِبْرَاءَ أُمِّ الْوَلَدِ إذَا عَتَقَتْ .\rوَأَمَّا التَّوْبَةُ ، فَهِيَ الِاسْتِغْفَارُ وَالنَّدَمُ وَالْإِقْلَاعُ عَنْ الذَّنْبِ ، كَالتَّوْبَةِ مِنْ سَائِرِ الذُّنُوبِ .\rوَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، أَنَّهُ قِيلَ لَهُ : كَيْف تُعْرَفُ تَوْبَتُهَا ؟ قَالَ : يُرِيدُهَا عَلَى ذَلِكَ ، فَإِنْ طَاوَعَتْهُ فَلَمْ تَتُبْ ، وَإِنْ أَبَتْ فَقَدْ تَابَتْ .\rفَصَارَ أَحْمَدُ إلَى قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ اتِّبَاعًا لَهُ .\rوَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ ، فَإِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لَمُسْلِمٍ أَنْ يَدْعُوَ امْرَأَةً إلَى الزِّنَى ، وَيَطْلُبَهُ مِنْهَا .\rوَلِأَنَّ طَلَبَهُ ذَلِكَ مِنْهَا إنَّمَا يَكُونُ فِي خَلْوَةٍ ، وَلَا تَحِلُّ الْخَلْوَةُ بِأَجْنَبِيَّةٍ ، وَلَوْ كَانَ فِي تَعْلِيمِهَا الْقُرْآنَ ، فَكَيْفَ يَحِلُّ فِي مُرَاوَدَتِهَا عَلَى الزِّنَى ، ثُمَّ لَا يَأْمَنُ إنْ أَجَابَتْهُ إلَى ذَلِكَ أَنْ تَعُودَ إلَى الْمَعْصِيَةِ ، فَلَا يَحِلُّ لِلتَّعَرُّضِ لِمِثْلِ هَذَا ، وَلِأَنَّ التَّوْبَةَ مِنْ سَائِرِ الذُّنُوبِ ، وَفِي حَقِّ سَائِرِ النَّاسِ ، وَبِالنِّسْبَةِ إلَى سَائِرِ الْأَحْكَامِ ، عَلَى غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ ، فَكَذَلِكَ يَكُونُ هَذَا .","part":15,"page":172},{"id":7172,"text":"( 5410 ) فَصْلٌ : وَإِذَا وُجِدَ الشَّرْطَانِ حَلَّ نِكَاحُهَا لِلزَّانِي وَغَيْرِهِ ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْل الْعِلْمِ ، مِنْهُمْ أَبُو بَكْرٍ ، وَعُمَرُ ، وَابْنُهُ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ ، وَجَابِرٌ ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ، وَطَاوُسٌ ، وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ ، وَعَطَاءٌ ، وَالْحَسَنُ ، وَعِكْرِمَةُ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَرُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَالْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ، وَعَائِشَةَ ، أَنَّهَا لَا تَحِلُّ لِلزَّانِي بِحَالٍ ، قَالُوا : لَا يَزَالَانِ زَانِيَيْنِ مَا اجْتَمَعَا ؛ لِعُمُومِ الْآيَةِ وَالْخَبَرِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنَّهُمْ أَرَادُوا بِذَلِكَ مَا كَانَ قَبْلَ التَّوْبَةِ ، أَوْ قَبْلَ اسْتِبْرَائِهَا ، فَيَكُونُ كَقَوْلِنَا .\rفَأَمَّا تَحْرِيمُهَا عَلَى الْإِطْلَاقِ فَلَا يَصِحُّ ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى { : وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ } .\rوَلِأَنَّهَا مُحَلَّلَةٌ لِغَيْرِ الزَّانِي ، فَحَلَّتْ لَهُ ، كَغَيْرِهَا .","part":15,"page":173},{"id":7173,"text":"( 5411 ) فَصْلٌ : : وَإِنْ زَنَتْ امْرَأَةُ رَجُلٍ ، أَوْ زَنَى زَوْجُهَا ، لَمْ يَنْفَسِخْ النِّكَاحُ ، سَوَاءٌ كَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ أَوْ بَعْدَهُ ، فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rوَبِذَلِكَ قَالَ مُجَاهِدٌ ، وَعَطَاءٌ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا زَنَتْ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا ، وَلَيْسَ لَهَا شَيْءٌ .\rوَكَذَلِكَ رُوِيَ عَنْ الْحَسَنِ .\rوَعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَ رَجُلٍ وَامْرَأَتِهِ زَنَى قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا .\rوَاحْتَجَّ لَهُمْ بِأَنَّهُ لَوْ قَذَفَهَا وَلَاعَنَهَا بَانَتْ مِنْهُ ؛ لِتَحْقِيقِهِ الزِّنَى عَلَيْهَا ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الزِّنَى يُبِينُهَا .\rوَلَنَا ، أَنَّ دَعْوَاهُ الزِّنَى عَلَيْهَا لَا يُبِينُهَا ، وَلَوْ كَانَ النِّكَاحُ يَنْفَسِخُ بِهِ لَانْفَسَخَ بِمُجَرَّدِ دَعْوَاهُ ، كَالرَّضَاعِ ، وَلِأَنَّهَا مَعْصِيَةٌ لَا تَخْرُجُ عَنْ الْإِسْلَامِ ، فَأَشْبَهَتْ السَّرِقَةَ ، فَأَمَّا اللِّعَانُ فَإِنَّهُ يَقْتَضِي الْفَسْخَ بِدُونِ الزِّنَى ، بِدَلِيلِ أَنَّهَا إذَا لَاعَنَتْهُ فَقَدْ قَابَلَتْهُ ، فَلَمْ يَثْبُتْ زِنَاهَا ، وَلِذَلِكَ أَوْجَبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْحَدَّ عَلَى مَنْ قَذَفَهَا ، وَالْفَسْخُ وَاقِعٌ .\rوَلَكِنَّ أَحْمَدَ اسْتَحَبَّ لِلرَّجُلِ مُفَارَقَةَ امْرَأَتِهِ إذَا زَنَتْ ، وَقَالَ : لَا أَرَى أَنْ يُمْسِكَ مِثْلَ هَذِهِ .\rوَذَلِكَ أَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ أَنْ تُفْسِدَ فِرَاشَهُ ، وَتُلْحِقَ بِهِ وَلَدًا لَيْسَ مِنْهُ .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : لَعَلَّ مَنْ كَرِهَ هَذِهِ الْمَرْأَةَ إنَّمَا كَرِهَهَا عَلَى غَيْرِ وَجْهِ التَّحْرِيمِ ، فَيَكُونُ مِثْلَ قَوْلِ أَحْمَدَ هَذَا .\rقَالَ أَحْمَدُ : وَلَا يَطَؤُهَا حَتَّى يَسْتَبْرِئَهَا بِثَلَاثِ حِيَضٍ .\rوَذَلِكَ لِمَا رَوَى رُوَيْفِعُ بْنُ ثَابِتٍ ، قَالَ : سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ يَوْمَ حُنَيْنٍ : { لَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يَسْقِيَ مَاءَهُ زَرْعَ غَيْرِهِ } .\rيَعْنِي إتْيَانَ الْحَبَالَى .\rوَلِأَنَّهَا","part":15,"page":174},{"id":7174,"text":"رُبَّمَا تَأْتِي بِوَلَدٍ مِنْ الزِّنَى فَيُنْسَبُ إلَيْهِ .\rوَالْأَوْلَى أَنَّهُ يَكْفِي اسْتِبْرَاؤُهَا بِالْحَيْضَةِ الْوَاحِدَةِ ؛ لِأَنَّهَا تَكْفِي فِي اسْتِبْرَاءِ الْإِمَاءِ ، وَفِي أُمِّ الْوَلَدِ إذَا عَتَقَتْ بِمَوْتِ سَيِّدِهَا ، أَوْ بِإِعْتَاقِ سَيِّدِهَا ، فَيَكْفِي هَاهُنَا ، وَالْمَنْصُوصُ هَاهُنَا مُجَرَّدُ الِاسْتِبْرَاءِ ، وَقَدْ حَصَلَ بِحَيْضَةٍ فَيُكْتَفَى بِهَا .","part":15,"page":175},{"id":7175,"text":"( 5412 ) فَصْلٌ : وَإِذَا عَلِمَ الرَّجُلُ مِنْ جَارِيَتِهِ الْفُجُورَ ، فَقَالَ أَحْمَدُ : لَا يَطَؤُهَا ؛ لَعَلَّهَا تُلْحِقُ بِهِ وَلَدًا لَيْسَ مِنْهُ .\rقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ : أَكْرَهُ أَنْ أَطَأَ أَمَتِي وَقَدْ بَغَتْ .\rوَرَوَى مَالِكٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، أَنَّهُ كَانَ يَنْهَى أَنْ يَطَأَ الرَّجُلُ أَمَتَهُ وَفِي بَطْنِهَا وَلَدٌ جَنِينٌ لِغَيْرِهِ .\rقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : هَذَا مُجْمَعٌ عَلَى تَحْرِيمِهِ .\rوَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يُرَخِّصُ فِي وَطْءِ الْأَمَةِ الْفَاجِرَةِ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ .\rوَلَعَلَّ مَنْ كَرِهَ ذَلِكَ كَرِهَهُ قَبْلَ الِاسْتِبْرَاءِ ، أَوْ إذَا لَمْ يُحَصِّنْهَا وَيَمْنَعْهَا مِنْ الْفُجُورِ ، وَمَنْ أَبَاحَهُ بَعْدَهُمَا ، فَيَكُونُ الْقَوْلَانِ مُتَّفِقَيْنِ .\rوَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .","part":15,"page":176},{"id":7176,"text":"( 5413 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَمَنْ خَطَبَ امْرَأَةً ، فَلَمْ تَسْكُنْ إلَيْهِ ، فَلِغَيْرِهِ خِطْبَتُهَا ) الْخِطْبَةُ ، بِالْكَسْرِ : خِطْبَةُ الرَّجُلِ الْمَرْأَةَ لِيَنْكِحهَا .\rوَالْخُطْبَةُ ، بِالضَّمِّ : هِيَ حَمْدُ اللَّهِ ، وَالتَّشَهُّدُ ؛ وَلَا يَخْلُو حَالُ الْمَخْطُوبَةِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ : أَحَدُهَا : أَنْ تَسْكُنَ إلَى الْخَاطِبِ لَهَا ، فَتُجِيبَهُ ، أَوْ تَأْذَنَ لِوَلِيِّهَا فِي إجَابَتِهِ أَوْ تَزْوِيجِهِ ، فَهَذِهِ يَحْرُمُ عَلَى غَيْرِ خَاطِبِهَا خِطْبَتُهَا ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { : لَا يَخْطُبُ أَحَدُكُمْ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ } .\rوَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { لَا يَخْطُبُ أَحَدُكُمْ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ ، حَتَّى يَنْكِحَ أَوْ يَتْرُكَ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا .\rوَلِأَنَّ فِي ذَلِكَ إفْسَادًا عَلَى الْخَاطِبِ الْأَوَّلِ ، وَإِيقَاعَ الْعَدَاوَةِ بَيْنَ النَّاسِ ، وَلِذَلِكَ نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعِ الرَّجُلِ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ .\rوَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ ، إلَّا أَنَّ قَوْمًا حَمَلُوا النَّهْيَ عَلَى الْكَرَاهَةِ ، وَالظَّاهِرُ أَوْلَى .\rالْقِسْمُ الثَّانِي : أَنْ تَرُدَّهُ أَوْ لَا تَرْكَنَ إلَيْهِ .\rفَهَذِهِ يَجُوزُ خِطْبَتُهَا ؛ لِمَا رَوَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ قَيْسٍ ، { أَنَّهَا أَتَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَتْ أَنَّ مُعَاوِيَةَ وَأَبَا جَهْمٍ خَطَبَاهَا ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَمَّا مُعَاوِيَةُ فَصُعْلُوكٌ لَا مَالَ لَهُ ، وَأَمَّا أَبُو جَهْمٍ ، فَلَا يَضَعُ عَصَاهُ عَنْ عَاتِقِهِ ، انْكِحِي أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rفَخَطَبَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ إخْبَارِهَا إيَّاهُ بِخِطْبَةِ مُعَاوِيَةَ وَأَبِي جَهْمٍ لَهَا ، وَلِأَنَّ تَحْرِيمَ خِطْبَتِهَا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ إضْرَارٌ بِهَا ، فَإِنَّهُ لَا يَشَاءُ أَحَدٌ أَنْ يَمْنَعَ الْمَرْأَةَ النِّكَاحَ إلَّا مَنَعَهَا بِخِطْبَتِهِ إيَّاهَا ، وَكَذَلِكَ لَوْ عَرَّضَ لَهَا","part":15,"page":177},{"id":7177,"text":"فِي عِدَّتِهَا بِالْخِطْبَةِ ، فَقَالَ : لَا تَفُوتِينِي بِنَفْسِك .\rوَأَشْبَاهَ هَذَا ، لَمْ تَحْرُمْ خِطْبَتُهَا ؛ لِأَنَّ فِي قِصَّةِ فَاطِمَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهَا { لَا تَفُوتِينَا بِنَفْسِك .\rوَلَمْ يُنْكِرْ خِطْبَةَ أَبِي جَهْمٍ وَمُعَاوِيَةَ لَهَا } .\rوَذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، أَنَّ ابْنَ وَهْبٍ رَوَى بِإِسْنَادِهِ عَنْ الْحَارِثِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي ذُبَابٍ ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ خَطَبَ امْرَأَةً عَلَى جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، وَعَلَى مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ ، وَعَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، فَدَخَلَ عَلَى الْمَرْأَةِ وَهِيَ جَالِسَةٌ فِي بَيْتِهَا ، فَقَالَ عُمَرُ : إنَّ جَرِيرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَخْطُبُ ، وَهُوَ سَيِّدُ أَهْلِ الْمَشْرِقِ ، وَمَرْوَانَ يَخْطُبُ ، وَهُوَ سَيِّدُ شَبَابِ قُرَيْشٍ ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يَخْطُبُ ، وَهُوَ مَنْ قَدْ عَلِمْتُمْ ، وَعُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ، فَكَشَفَتْ الْمَرْأَةُ السِّتْرَ ، فَقَالَتْ : أَجَادَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ؟ فَقَالَ : نَعَمْ .\rفَقَالَتْ : فَقَدْ أَنْكَحْت أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، فَأَنْكَحُوهُ .\rفَهَذَا عُمَرُ قَدْ خَطَبَ عَلَى وَاحِدٍ بَعْدَ وَاحِدٍ ، قَبْلَ أَنْ يَعْلَمَ مَا تَقُولُ الْمَرْأَةُ فِي الْأَوَّلِ .\rالْقِسْمُ الثَّالِثُ : أَنْ يُوجَدَ مِنْ الْمَرْأَةِ مَا يَدُلُّ عَلَى الرِّضَى وَالسُّكُونِ ، تَعْرِيضًا لَا تَصْرِيحًا ، كَقَوْلِهَا : مَا أَنْتَ إلَّا رِضًى ، وَمَا عَنْك رَغْبَةٌ .\rفَهَذِهِ فِي حُكْمِ الْقِسْمِ الْأَوَّل ، لَا يَحِلُّ لِغَيْرِهِ خِطْبَتُهَا .\rهَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ ، وَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ ؛ فَإِنَّهُ قَالَ : إذَا رَكَنَ بَعْضُهُمْ إلَى بَعْضٍ ، فَلَا يَحِلُّ لَأَحَدٍ أَنْ يَخْطُبَ .\rوَالرُّكُونُ يُسْتَدَلُّ عَلَيْهِ بِالتَّعْرِيضِ تَارَةً ، وَبِالتَّصْرِيحِ أُخْرَى .\rوَقَالَ الْقَاضِي : ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ إبَاحَةُ خِطْبَتِهَا .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فِي الْجَدِيدِ ؛ لِحَدِيثِ فَاطِمَةَ ، حَيْثُ خَطَبَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rوَزَعَمُوا أَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ كَلَامِهَا رُكُونُهَا إلَى أَحَدِهِمَا .\rوَاسْتَدَلَّ الْقَاضِي","part":15,"page":178},{"id":7178,"text":"بِخِطْبَتِهِ لَهَا قَبْلَ سُؤَالِهَا هَلْ وُجِدَ مِنْهَا مَا دَلَّ عَلَى الرِّضَى أَوْ لَا ؟ وَلَنَا ، عُمُومُ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { لَا يَخْطُبْ أَحَدُكُمْ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ } .\rوَلِأَنَّهُ وُجِدَ مِنْهَا مَا دَلَّ عَلَى الرِّضَى بِهِ ، وَسُكُونِهَا إلَيْهِ ، فَحَرُمَتْ خِطْبَتُهَا ، كَمَا لَوْ صَرَّحَتْ بِذَلِكَ .\rوَأَمَّا حَدِيثُ فَاطِمَةَ فَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ ، فَإِنَّ فِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا لَمْ تَرْكَنْ إلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا ، مِنْ وَجْهَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ كَانَ قَالَ لَهَا : { لَا تَسْبِقِينِي بِنَفْسِك .\rوَفِي لَفْظٍ : لَا تَفُوتِينِي بِنَفْسِك .\rوَفِي رِوَايَةٍ : إذَا حَلَلْت فَآذِنِينِي .\rفَلَمْ تَكُنْ لِتَفْتَاتَ بِالْإِجَابَةِ قَبْلَ أَنْ تُؤْذِنَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ } .\rوَالثَّانِي ، أَنَّهَا ذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَالْمُسْتَشِيرَةِ لَهُ فِيهِمَا ، أَوْ فِي الْعُدُولِ عَنْهُمَا إلَى غَيْرِهِمَا ، وَلَيْسَ فِي الِاسْتِشَارَةِ دَلِيلٌ عَلَى تَرْجِيحِ أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ ، وَلَا مَيْلٍ إلَى أَحَدِهِمَا ، عَلَى أَنَّهَا إنَّمَا ذَكَرَتْ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِتَرْجِعَ إلَى قَوْلِهِ وَرَأْيِهِ ، وَقَدْ أَشَارَ عَلَيْهَا بِتَرْكِهِمَا ؛ لِمَا ذَكَرِ مِنْ عَيْبِهِمَا ، فَجَرَى ذَلِكَ مَجْرَى رَدِّهَا لَهُمَا ، وَتَصْرِيحِهَا بِمَنْعِهِمَا .\rوَمِنْ وَجْهٍ آخَرَ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ سَبَقَهُمَا بِخِطْبَتِهَا تَعْرِيضًا ، بِقَوْلِهِ لَهَا مَا ذَكَرْنَا ، فَكَانَتْ خِطْبَتُهُ بَعْدَهُمَا مَبْنِيَّةً عَلَى الْخِطْبَةِ السَّابِقَةِ لَهُمَا ، بِخِلَافِ مَا نَحْنُ فِيهِ .\r( 5414 ) فَصْلٌ : وَالتَّعْوِيلُ فِي الرَّدِّ وَالْإِجَابَةِ عَلَى الْوَلِيِّ إنْ كَانَتْ مُجْبَرَةً ، وَعَلَيْهَا إنْ لَمْ تَكُنْ مُجْبَرَةً ؛ لِأَنَّهَا أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا ، وَلَوْ أَجَابَ هُوَ ، وَرَغِبَتْ عَنْ النِّكَاحِ ، كَانَ الْأَمْرُ أَمْرَهَا .\rوَإِنْ أَجَابَ وَلِيُّهَا ، فَرَضِيَتْ ، فَهُوَ كَإِجَابَتِهَا ، وَإِنْ سَخِطَتْ فَلَا حُكْمَ","part":15,"page":179},{"id":7179,"text":"لِإِجَابَتِهِ ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهَا .\rوَلَوْ أَجَابَ الْوَلِيُّ فِي حَقِّ الْمُجْبَرَةِ ، فَكَرِهَتْ الْمُجَابَ ، وَاخْتَارَتْ غَيْرَهُ ، سَقَطَ حُكْمُ إجَابَةِ وَلِيِّهَا ، لِكَوْنِ اخْتِيَارِهَا مُقَدَّمًا عَلَى اخْتِيَارِهِ .\rوَإِنْ كَرِهَتْهُ وَلَمْ تُجِزْ سِوَاهُ ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَسْقُطَ حُكْمُ الْإِجَابَةِ أَيْضًا ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أُمِرَ بِاسْتِئْمَارِهَا ، فَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُكْرِهَهَا عَلَى مَنْ لَا تَرْضَاهُ .\rوَإِنْ أَجَابَتْهُ ، ثُمَّ رَجَعَتْ عَنْ الْإِجَابَةِ وَسَخِطَتْهُ ، زَالَ حُكْمُ الْإِجَابَةِ ؛ لِأَنَّ لَهَا الرُّجُوعَ .\rوَكَذَلِكَ إذَا رَجَعَ الْوَلِيُّ الْمُجْبِرُ عَنْ الْإِجَابَةِ ، زَالَ حُكْمُهَا ؛ لِأَنَّ لَهُ النَّظَرَ فِي أَمْرِ مُوَلِّيَتِهِ ، مَا لَمْ يَقَعْ الْعَقْدُ .\rوَإِنْ لَمْ تَرْجِعْ هِيَ وَلَا وَلِيُّهَا ، وَلَكِنْ تَرَكَ الْخَاطِبُ الْخِطْبَةَ ، أَوْ أَذِنَ فِيهَا ، جَازَتْ خِطْبَتُهَا ؛ لِمَا رُوِيَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { ، أَنَّهُ نَهَى أَنْ يَخْطُبَ الرَّجُلُ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ ، حَتَّى يَأْذَنَ لَهُ أَوْ يَتْرُكَ .\r} رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ .\r( 5415 ) فَصْلٌ : وَخِطْبَةُ الرَّجُلِ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ فِي مَوْضِعِ النَّهْيِ مُحَرَّمَةٌ .\rقَالَ أَحْمَدُ : لَا يَحِلُّ لَأَحَدٍ أَنْ يَخْطُبَ فِي هَذِهِ الْحَالِ .\rوَقَالَ أَبُو حَفْصٍ الْعُكْبَرِيُّ : هِيَ مَكْرُوهَةٌ غَيْرُ مُحَرَّمَةٍ ، وَهَذَا نَهْيُ تَأْدِيبٍ لَا تَحْرِيمٍ .\rوَلَنَا ، ظَاهِرُ النَّهْيِ ، فَإِنَّ مُقْتَضَاهُ التَّحْرِيمُ ، وَلِأَنَّهُ نَهْيٌ عَنْ الْإِضْرَارِ بِالْآدَمِيِّ الْمَعْصُومِ ، فَكَانَ عَلَى التَّحْرِيمِ ، كَالنَّهْيِ عَنْ أَكْلِ مَالِهِ وَسَفْكِ دَمِهِ ، فَإِنْ فَعَلَ فَنِكَاحُهُ صَحِيحٌ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فَقَالَ : لَا يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rوَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ وَدَاوُد ، أَنَّهُ لَا يَصِحُّ .\rوَهُوَ قِيَاسُ قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ ؛ لِأَنَّهُ قَالَ فِي الْبَيْعِ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ : هُوَ بَاطِلٌ .\rوَهَذَا فِي مَعْنَاهُ ، وَوَجْهُهُ أَنَّهُ نِكَاحٌ مَنْهِيٌّ عَنْهُ ، فَكَانَ بَاطِلًا كَنِكَاحِ الشِّغَارِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ","part":15,"page":180},{"id":7180,"text":"الْمُحَرَّمَ لَمْ يُقَارِنْ الْعَقْدَ ، فَلَمْ يُؤَثِّرْ فِيهِ ، كَمَا لَوْ صَرَّحَ بِالْخِطْبَةِ فِي الْعِدَّةِ .","part":15,"page":181},{"id":7181,"text":"( 5416 ) فَصْلٌ : وَلَا يُكْرَه لِلْوَلِيِّ الرُّجُوعُ عَنْ الْإِجَابَةِ ، إذَا رَأَى الْمَصْلَحَةَ لَهَا فِي ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهَا ، وَهُوَ نَائِبٌ عَنْهَا فِي النَّظَرِ لَهَا ، فَلَمْ يُكْرَهْ لَهُ الرُّجُوعُ الَّذِي رَأَى الْمَصْلَحَةَ فِيهِ ، كَمَا لَوْ سَاوَمَ فِي بَيْعِ دَارِهَا ، ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ الْمَصْلَحَةُ فِي تَرْكِهَا .\rوَلَا يُكْرَه لَهَا أَيْضًا الرُّجُوعُ إذَا كَرِهَتْ الْخَاطِبَ ؛ ؛ لِأَنَّهُ عَقْدُ عُمَرَ يَدُومُ الضَّرَرُ فِيهِ ، فَكَانَ لَهَا الِاحْتِيَاطُ لِنَفْسِهَا ، وَالنَّظَرُ فِي حَظِّهَا .\rوَإِنْ رَجَعَا عَنْ ذَلِكَ لِغَيْرِ غَرَضٍ ، كُرِهَ ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ إخْلَافِ الْوَعْدِ ، وَالرُّجُوعِ عَنْ الْقَوْلِ ، وَلَمْ يُحَرَّمْ ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ بَعْدُ لَمْ يَلْزَمْهُمَا ، كَمَنْ سَاوَمَ بِسِلْعَتِهِ ، ثُمَّ بَدَا لَهُ أَنْ لَا يَبِيعَهَا .","part":15,"page":182},{"id":7182,"text":"( 5417 ) فَصْلٌ : فَإِنْ كَانَ الْخَاطِبُ الْأَوَّلُ ذِمِّيًّا ، لَمْ تُحَرَّمْ الْخِطْبَةُ عَلَى خِطْبَتِهِ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، فَقَالَ : لَا يَخْطُبُ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ ، وَلَا يُسَاوِمُ عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ ، إنَّمَا هُوَ لِلْمُسْلِمِينَ ، وَلَوْ خَطَبَ عَلَى خِطْبَةِ يَهُودِيٍّ أَوْ نَصْرَانِيٍّ ، أَوْ اسْتَامَ عَلَى سَوْمِهِمْ ، لَمْ يَكُنْ دَاخِلًا فِي ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُمْ لَيْسُوا بِإِخْوَةٍ لِلْمُسْلِمِينَ .\rوَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : لَا يَجُوزُ أَيْضًا ؛ لِأَنَّ هَذَا خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ ، لَا لِتَخْصِيصِ الْمُسْلِمِ بِهِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ لَفْظَ النَّهْيِ خَاصٌّ فِي الْمُسْلِمِينَ ، وَإِلْحَاقُ غَيْرِهِ بِهِ إنَّمَا يَصِحُّ إذَا كَانَ مِثْلَهُ ، وَلَيْسَ الذِّمِّيُّ كَالْمُسْلِمِ .\rوَلَا حُرْمَتُهُ كَحُرْمَتِهِ ، وَلِذَلِكَ لَمْ تَجِبْ إجَابَتُهُمْ فِي دَعْوَةِ الْوَلِيمَةِ وَنَحْوِهَا .\rوَقَوْلَهُ : خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ .\rقُلْنَا : مَتَى كَانَ فِي الْمَخْصُوصِ بِالذِّكْرِ مَعْنًى يَصْحُ أَنْ يُعْتَبَرَ فِي الْحُكْمِ ، لَمْ يَجُزْ حَذْفُهُ وَلَا تَعْدِيَةُ الْحُكْمِ بِدُونِهِ ، وَلِلْأُخُوَّةِ الْإِسْلَامِيَّةِ تَأْثِيرٌ فِي وُجُوبِ الِاحْتِرَامِ ، وَزِيَادَةِ الِاحْتِيَاطِ فِي رِعَايَةِ حُقُوقِهِ ، وَحِفْظِ قَلْبِهِ ، وَاسْتِبْقَاءِ مَوَدَّتِهِ ، فَلَا يَجُوزُ بِخِلَافِ ذَلِكَ .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":15,"page":183},{"id":7183,"text":"( 5418 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَلَوْ عَرَّضَ لَهَا وَهِيَ فِي الْعِدَّةِ ، بِأَنْ يَقُولَ : إنِّي فِي مِثْلِك لَرَاغِبٌ .\rوَإِنْ قُضِيَ شَيْءٌ كَانَ .\rوَمَا أَشْبَهَهُ مِنْ الْكَلَامِ ، مِمَّا يَدُلُّهَا عَلَى رَغْبَتِهِ فِيهَا ، فَلَا بَأْسَ إذَا لَمْ يُصَرِّحْ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْمُعْتَدَّاتِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ ؛ مُعْتَدَّةٌ مِنْ وَفَاةٍ ، أَوْ طَلَاقِ ثَلَاثٍ ، أَوْ فَسْخٍ لِتَحْرِيمِهَا عَلَى زَوْجِهَا ، كَالْفَسْخِ بِرَضَاعٍ ، أَوْ لِعَانٍ ، أَوْ نَحْوِهِ مِمَّا لَا تَحِلُّ بَعْدَهُ لِزَوْجِهَا ، فَهَذِهِ يَجُوزُ التَّعْرِيضُ بِخِطْبَتِهَا فِي عِدَّتِهَا ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ } .\rوَلِمَا رَوَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ قَيْسٍ { ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهَا لَمَّا طَلَّقَهَا زَوْجُهَا ثَلَاثًا : إذَا حَلَلْت فَآذِنِينِي .\rوَفِي لَفْظٍ : لَا تَسْبِقِينِي بِنَفْسِك .\rوَفِي لَفْظٍ : لَا تَفُوتِينَا بِنَفْسِك } .\rوَهَذَا تَعْرِيضٌ بِخِطْبَتِهَا فِي عِدَّتِهَا .\rوَلَا يَجُوزُ التَّصْرِيحُ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا خَصَّ التَّعْرِيضَ بِالْإِبَاحَةِ ، دَلَّ عَلَى تَحْرِيمِ التَّصْرِيحِ ، وَلِأَنَّ التَّصْرِيحَ لَا يَحْتَمِلُ غَيْرَ النِّكَاحِ ، فَلَا يُؤْمَنُ أَنْ يَحْمِلَهَا الْحِرْصُ عَلَيْهِ عَلَى الْإِخْبَارِ بِانْقِضَاءِ عِدَّتِهَا قَبْلَ انْقِضَائِهَا ، وَالتَّعْرِيضُ بِخِلَافِهِ .\rالْقِسْمُ الثَّانِي ، الرَّجْعِيَّةُ ، فَلَا يَحِلُّ لَأَحَدٍ التَّعْرِيضُ بِخِطْبَتِهَا ، وَلَا التَّصْرِيحُ ؛ لِأَنَّهَا فِي حُكْمِ الزَّوْجَاتِ ، فَهِيَ كَالَّتِي فِي صُلْبِ نِكَاحِهِ .\rالْقِسْمُ الثَّالِثُ ، بَائِنٌ يَحِلُّ لِزَوْجِهَا نِكَاحُهَا ، كَالْمُخْتَلِعَةِ ، وَالْبَائِنِ بِفَسْخٍ لَعَيْبٍ أَوْ إعْسَارٍ وَنَحْوِهِ ، فَلِزَوْجِهَا التَّصْرِيحُ بِخِطْبَتِهَا وَالتَّعْرِيضُ ؛ لِأَنَّهَا مُبَاحَةٌ لَهُ نِكَاحَهَا فِي عِدَّتِهَا ، فَهِيَ كَغَيْرِ الْمُعْتَدَّةِ .\rوَهَلْ يَجُوزُ لِغَيْرِهِ التَّعْرِيضُ بِخِطْبَتِهَا ؟ فِيهِ وَجْهَانِ .\rوَلِلشَّافِعِيِّ فِيهِ أَيْضًا قَوْلَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، يَجُوزُ ؛ لِعُمُومِ الْآيَةِ ، وَلِأَنَّهَا بَائِنٌ","part":15,"page":184},{"id":7184,"text":"فَأَشْبَهَتْ الْمُطَلَّقَةَ ثَلَاثًا .\rوَالثَّانِي ، لَا يَجُوزُ ؛ لِأَنَّ الزَّوْجَ يَمْلِكُ أَنْ يَسْتَبِيحَهَا ، فَهِيَ كَالرَّجْعِيَّةِ .\rوَالْمَرْأَةُ فِي الْجَوَابِ ، كَالرَّجُلِ فِي الْخِطْبَةِ ، فِيمَا يَحِلُّ وَيَحْرُمُ ؛ لِأَنَّ الْخِطْبَةَ لِلْعَقْدِ ، فَلَا يَخْتَلِفَانِ فِي حِلِّهِ وَحُرْمَتِهِ ؛ إذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَالتَّعْرِيضُ أَنْ يَقُولَ : إنِّي فِي مِثْلِك لَرَاغِبٌ .\rوَرُبَّ رَاغِبٍ فِيك .\rوَقَالَ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ التَّعْرِيضُ أَنْ يَقُولَ : إنَّك عَلَيَّ لَكَرِيمَةٌ .\rوَإِنِّي فِيكِ لَرَاغِبٌ .\rوَإِنَّ اللَّهَ لَسَائِقٌ إلَيْك خَيْرًا أَوْ رِزْقًا .\rوَقَالَ الزُّهْرِيُّ : أَنْتِ جَمِيلَةٌ .\rوَأَنْتِ مَرْغُوبٌ فِيك .\rوَإِنْ قَالَ : لَا تَسْبِقِينَا بِنَفْسِك .\rأَوْ لَا تَفُوتِينَا بِنَفْسِك .\rأَوْ إذَا حَلَلْت فَآذِنِينِي .\rوَنَحْوَ ذَلِكَ ، جَازَ .\rقَالَ مُجَاهِدٌ : مَاتَ رَجُلٌ ، وَكَانَتْ امْرَأَتُهُ تَتْبَعُ الْجِنَازَةَ ، فَقَالَ لَهَا رَجُلٌ : لَا تَسْبِقِينَا بِنَفْسِك .\rفَقَالَتْ : سَبَقَك غَيْرُك .\rوَتُجِيبُهُ الْمَرْأَةُ : إنْ قُضِيَ شَيْءٌ كَانَ .\rوَمَا نَرْغَبُ عَنْك .\rوَمَا أَشْبَهَهُ .\rوَالتَّصْرِيحُ : هُوَ اللَّفْظُ الَّذِي لَا يَحْتَمِلُ غَيْرَ النِّكَاحِ ، نَحْوُ أَنْ يَقُولَ : زَوِّجِينِي نَفْسَك .\rأَوْ إذَا انْقَضَتْ عِدَّتُك تَزَوَّجْتُك .\rوَيَحْتَمِلُ أَنَّ هَذَا مَعْنَى قَوْله تَعَالَى { : وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا } .\rفَإِنَّ النِّكَاحَ يُسَمَّى سِرًّا ، قَالَ الشَّاعِرُ : فَلَنْ تَطْلُبُوا سِرَّهَا لِلْغِنَى وَلَنْ تُسْلِمُوهَا لِإِزْهَادِهَا وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : السِّرُّ : الْجِمَاعُ .\rوَأَنْشَدَ لِامْرِئِ الْقَيْسِ : أَلَّا زَعَمَتْ بَسْبَاسَةُ الْقَوْمِ أَنَّنِي كَبِرْت وَأَنْ لَا يُحْسِنَ السِّرَّ أَمْثَالِي وَمُوَاعَدَةُ السِّرِّ أَنْ يَقُولَ : عِنْدِي جِمَاعٌ يُرْضِيك .\rوَنَحْوَهُ ، وَكَذَلِكَ إنْ قَالَ : رُبَّ جِمَاعٍ يُرْضِيك .\rفَنُهِيَ عَنْهُ لِمَا فِيهِ مِنْ الْهَجْرِ وَالْفُحْشِ وَالدَّنَاءَةِ وَالسُّخْفِ .","part":15,"page":185},{"id":7185,"text":"( 5419 ) فَصْلٌ : فَإِنْ صَرَّحَ بِالْخِطْبَةِ ، أَوْ عَرَّضَ فِي مَوْضِعٍ يَحْرُمُ التَّعْرِيضُ ، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا بَعْدَ حِلِّهَا ، صَحَّ نِكَاحُهُ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : يُطَلِّقُهَا تَطْلِيقَةً ، ثُمَّ يَتَزَوَّجُهَا .\rوَهَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ ؛ لِأَنَّ هَذَا الْمُحَرَّمَ لَمْ يُقَارِنْ الْعَقْدَ ، فَلَمْ يُؤَثِّرْ فِيهِ ، كَمَا فِي النِّكَاحِ الثَّانِي ، أَوْ كَمَا لَوْ رَآهَا مُتَجَرِّدَةً ثُمَّ تَزَوَّجَهَا .","part":15,"page":186},{"id":7186,"text":"( 5420 ) فَصْلٌ : وَيَحْرُمُ عَلَى الْعَبْدِ نِكَاحُ سَيِّدَتِهِ .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ نِكَاحَ الْمَرْأَةِ عَبْدَهَا بَاطِلٌ .\rوَرَوَى الْأَثْرَمُ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، قَالَ : سَأَلْت جَابِرًا عَنْ الْعَبْدِ يَنْكِحُ سَيِّدَتَهُ ، فَقَالَ : جَاءَتْ امْرَأَةٌ إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، وَنَحْنُ بِالْجَابِيَةِ ، وَقَدْ نَكَحَتْ عَبْدَهَا ، فَانْتَهَرَهَا عُمَرُ وَهَمَّ أَنْ يَرْجُمَهَا ، وَقَالَ : لَا يَحِلُّ لَكِ .\rوَلِأَنَّ أَحْكَامَ النِّكَاحِ مَعَ أَحْكَامِ الْمِلْكِ يَتَنَافَيَانِ ، فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الْآخَرُ بِحُكْمِهِ ، يُسَافِرُ بِسَفَرِهِ ، وَيُقِيمُ بِإِقَامَتِهِ ، وَيُنْفِقُ عَلَيْهِ ، فَيَتَنَافَيَانِ .","part":15,"page":187},{"id":7187,"text":"( 5421 ) فَصْلٌ : وَلَيْسَ لِلسَّيِّدِ أَنْ يَتَزَوَّجَ أَمَتَهُ ؛ لِأَنَّ مِلْكَ الرَّقَبَةِ يُفِيدُ مِلْكَ الْمَنْفَعَةِ ، وَإِبَاحَةَ الْبُضْعِ ، فَلَا يَجْتَمِعُ مَعَهُ عَقْدٌ أَضْعَفُ مِنْهُ .\rوَلَوْ مَلَكَ زَوْجَتَهُ وَهِيَ أَمَةٌ ، انْفَسَخَ نِكَاحُهَا .\rوَكَذَلِكَ لَوْ مَلَكَتْ الْمَرْأَةُ زَوْجَهَا ، انْفَسَخَ نِكَاحُهَا .\rوَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا .\rوَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَزَوَّجَ أَمَةً لَهُ فِيهَا مِلْكٌ .\rوَلَا يَتَزَوَّجُ مُكَاتَبَتَهُ ؛ لِأَنَّهَا مَمْلُوكَتُهُ .","part":15,"page":188},{"id":7188,"text":"( 5422 ) فَصْلٌ : وَلَا يَجُوزُ لِلْحُرِّ أَنْ يَتَزَوَّجَ أَمَةَ ابْنِهِ ؛ لِأَنَّ لَهُ فِيهَا شُبْهَةَ مِلْكٍ .\rوَهَذَا قَوْلُ أَهْلِ الْحِجَازِ .\rوَقَالَ أَهْلُ الْعِرَاقِ : لَهُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مَمْلُوكَةً لَهُ ، وَلَا تَعْتِقُ بِإِعْتَاقِهِ لَهَا .\rوَلَنَا ، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ } .\rوَلِأَنَّهُ لَوْ مَلَكَ جُزْءًا مِنْ أَمَةٍ ، لَمْ يَصِحَّ نِكَاحُهُ لَهَا ، فَمَا هِيَ مُضَافَةٌ إلَيْهِ بِجُمْلَتِهَا شَرْعًا أَوْلَى بِالتَّحْرِيمِ .\rوَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ لِلْعَبْدِ نِكَاحُ أُمِّ سَيِّدِهِ أَوْ سَيِّدَتِهِ ، مَعَ مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْخِلَافِ .\rوَيَجُوزُ لِلْعَبْدِ أَنْ يَتَزَوَّجَ أَمَةَ ابْنِهِ ؛ لِأَنَّ الرِّقَّ يَقْطَعُ وِلَايَتَهُ عَنْ أَبِيهِ وَمَالِهِ ، وَلِهَذَا لَا يَلِي مَالَهُ وَلَا نِكَاحَهُ ، وَلَا يَرِثُ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ ، فَهُوَ كَالْأَجْنَبِيِّ مِنْهُ .","part":15,"page":189},{"id":7189,"text":"( 5423 ) فَصْلٌ : وَلِلِابْنِ نِكَاحُ أَمَةِ أَبِيهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا مِلْكَ لَهُ فِيهَا ، وَلَا شُبْهَةَ مِلْكٍ ، فَأَشْبَهَ الْأَجْنَبِيَّ ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْقَرَابَاتِ .\rوَيَجُوزُ أَنْ يُزَوِّجَ الرَّجُلُ ابْنَتَهُ لِمَمْلُوكِهِ ، إذَا قُلْنَا : لَيْسَتْ الْحُرِّيَّةُ شَرْطًا فِي الصِّحَّةِ .\rوَمَتَى مَاتَ الْأَبُ ، فَوَرِثَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ صَاحِبَهُ ، أَوْ جُزْءًا مِنْهُ ، انْفَسَخَ النِّكَاح .\rوَكَذَلِكَ إنْ مَلَكَهُ أَوْ جُزْءًا مِنْهُ بِغَيْرِ الْإِرْثِ .\rلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا ، إلَّا أَنَّ الْحَسَنَ قَالَ : إذَا اشْتَرَى امْرَأَتَهُ لِلْعِتْقِ ، فَأَعْتَقَهَا حِينَ مَلَكَهَا ، فَهُمَا عَلَى نِكَاحِهِمَا .\rوَلَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّهُمَا مُتَنَافِيَانِ ، فَلَا يَجْتَمِعَانِ قَلِيلًا وَلَا كَثِيرًا ، فَبِمُجَرَّدِ الْمِلْكِ لَهَا انْفَسَخَ نِكَاحُهُ سَابِقًا عَلَى عِتْقِهَا .\rوَحُكْمُ الْمُكَاتَبِ يَتَزَوَّجُ بِنْتَ سَيِّدِهِ أَوْ سَيِّدَتِهِ ، حُكْمُ الْعَبْدِ ، فِي أَنَّهُ إذَا مَاتَ سَيِّدُهُ ، انْفَسَخَ نِكَاحُهُ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ : النِّكَاحُ بِحَالِهِ ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَمْلِكْهُ ، إنَّمَا لَهَا عَلَيْهِ دَيْنٌ .\rوَلَيْسَ بِصَحِيحٍ ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { الْمُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ } .\rوَلِأَنَّهُ لَوْ زَالَ الْمِلْكُ عَنْهُ ، لَمَا عَادَ بِعَجْزِهِ ، كَمَا لَوْ أُعْتِقَ .","part":15,"page":190},{"id":7190,"text":"( 5424 ) فَصْلٌ : وَإِذَا مَلَكَتْ الْمَرْأَةُ زَوْجَهَا أَوْ بَعْضَهُ ، فَانْفَسَخَ نِكَاحُهَا ، فَلَيْسَ ذَلِكَ بِطَلَاقٍ ، فَمَتَى أَعْتَقَتْهُ ، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا ، لَمْ تُحْتَسَبْ عَلَيْهِ بِتَطْلِيقَةٍ .\rوَبِهَذَا قَالَ الْحَكَمُ ، وَحَمَّادٌ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ ، وَإِسْحَاقُ .\rوَقَالَ الْحَسَنُ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَقَتَادَةُ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ : هِيَ تَطْلِيقَةٌ .\rوَلَيْسَ بِصَحِيحٍ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَلْفِظْ بِطَلَاقٍ صَرِيحٍ وَلَا كِنَايَةٍ ، وَإِنَّمَا انْفَسَخَ النِّكَاحُ بِوُجُودِ مَا يُنَافِيه ، فَأَشْبَهَ انْفِسَاخَهُ بِإِسْلَامِ أَحَدِهِمَا أَوْ رِدَّتِهِ .\rوَلَوْ مَلَكَ الرَّجُلُ بَعْضَ زَوْجَتِهِ ، انْفَسَخَ نِكَاحُهَا ، وَحَرُمَ وَطْؤُهَا ، فِي قَوْلِ عَامَّةِ الْمُفْتِينَ ، حَتَّى يَسْتَخْلِصَهَا ، فَتَحِلَّ لَهُ بِمِلْكِ الْيَمِينِ .\rوَرُوِيَ عَنْ قَتَادَةَ أَنَّهُ قَالَ : لَمْ يَزِدْهُ مِلْكُهُ فِيهَا إلَّا قُرْبًا .\rوَلَيْسَ بِصَحِيحٍ ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ لَا يَبْقَى فِي بَعْضِهَا ، وَمِلْكُهُ لَمْ يَتِمَّ عَلَيْهَا ، وَلَا يَثْبُتُ الْحِلُّ فِيمَا لَا يَمْلِكُهُ وَلَا نِكَاحَ فِيهِ .","part":15,"page":191},{"id":7191,"text":"( 5425 ) فَصْلٌ : وَلَا يَجُوزُ لِلرَّجُلِ وَطْءُ جَارِيَةِ ابْنِهِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : { إلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ } .\rوَلَيْسَتْ هَذِهِ زَوْجَةً لَهُ ، وَلَا مَمْلُوكَتَهُ ، وَلِأَنَّهُ يَحِلُّ لِابْنِهِ وَطْؤُهَا ، وَلَا تَحِلُّ الْمَرْأَةُ لِرَجُلَيْنِ .\rفَإِنْ وَطِئَهَا ، فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .\rوَقَالَ دَاوُد : يُحَدُّ .\rوَقَالَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ : إنْ كَانَ ابْنُهُ وَطِئَهَا حُدَّ ؛ لِأَنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِ عَلَى التَّأْبِيدِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ لَهُ فِيهَا شُبْهَةً ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ } .\rوَالْحَدُّ يُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ ، وَلِأَنَّ الْأَبَ لَا يُقْتَلُ بِقَتْلِ ابْنِهِ ، وَالْقِصَاصُ حَقُّ آدَمِيٍّ ، فَإِذَا سَقَطَ بِشُبْهَةِ الْمِلْكِ ، فَالْحَدُّ الَّذِي هُوَ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى بِطَرِيقِ الْأَوْلَى ، وَلِأَنَّهُ لَا يُقْطَعُ بِسَرِقَةِ مَالِهِ ، وَلَا يُحَدُّ بِقَذْفِهِ ، فَكَذَلِكَ لَا يُحَدُّ بِالزِّنَى بِجَارِيَتِهِ .\rفَإِذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّهَا تَحْرُمُ عَلَى الِابْنِ عَلَى التَّأْبِيدِ .\rوَإِنْ كَانَ الِابْنُ قَدْ وَطِئَهَا ، حُرِّمَتْ عَلَيْهِمَا عَلَى التَّأْبِيدِ .\rوَإِذَا لَمْ تَعْلَقْ مِنْ الْأَبِ ، لَمْ يَزُلْ مِلْكُ الِابْنِ عَنْهَا ، وَلَمْ يَلْزَمْهُ قِيمَتُهَا .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَلْزَمُهُ ضَمَانُهَا ؛ لِأَنَّهُ أَتْلَفَهَا عَلَيْهِ ، وَحَرَمَهُ وَطْأَهَا ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَتَلَهَا .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ لَمْ يُخْرِجْهَا عَنْ مِلْكِهِ ، وَلَمْ تَنْقُصْ قِيمَتُهَا ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَرْضَعَتْهَا امْرَأَتُهُ ، فَإِنَّهَا تَحْرُمُ عَلَى الِابْنِ ، وَلَا يَجِبُ لَهُ ضَمَانُهَا .\rوَإِنْ عَلِقَتْ مِنْهُ ، فَالْوَلَدُ حُرٌّ ، يَلْحَقُ بِهِ النَّسَبُ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ وَطْءٍ لَا يَجِبُ بِهِ الْحَدُّ ، لِأَجْلِ الشُّبْهَةِ ، فَأَشْبَهَ وَلَدَ الْجَارِيَةِ الْمُشْتَرَكَةِ ، وَتَصِيرُ الْجَارِيَةُ أُمَّ وَلَدٍ لِلْأَبِ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ : لَا تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ ؛ لِأَنَّهَا غَيْرُ مَمْلُوكَةٍ لَهُ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ وَطِئَ جَارِيَةَ أَجْنَبِيٍّ","part":15,"page":192},{"id":7192,"text":"بِشُبْهَةٍ .\rوَلَنَا ، أَنَّهَا عَلِقَتْ مِنْهُ بِحُرٍّ لِأَجْلِ الْمِلْكِ ، فَأَشْبَهْت الْجَارِيَةَ الْمُشْتَرَكَةَ إذَا كَانَ مُوسِرًا .\rقَالَ أَصْحَابُنَا : وَلَا يَلْزَمُ الْأَبَ قِيمَةُ الْجَارِيَةِ ، وَلَا قِيمَةُ وَلَدِهَا وَلَا مَهْرُهَا .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يَلْزَمُهُ ذَلِكَ كُلُّهُ ، إذَا حُكِمَ بِأَنَّهَا أُمُّ وَلَدٍ .\rوَهَذَا يُبْنَى عَلَى أَصْلٍ ، وَهُوَ أَنَّ لِلْأَبِ أَنْ يَتَمَلَّكَ مِنْ مَالِ وَلَدِهِ مَا شَاءَ ، وَأَنَّهُ لَيْسَ لِلِابْنِ مُطَالَبَةُ أَبِيهِ بِدَيْنٍ لَهُ عَلَيْهِ ، وَلَا قِيمَةِ مُتْلَفٍ ، وَعِنْدَهُمْ بِخِلَافِ ذَلِكَ ، وَهَذَا يُذْكَرُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .","part":15,"page":193},{"id":7193,"text":"( 5426 ) فَصْلٌ : وَإِنْ وَطِئَ الِابْنُ جَارِيَةَ أَبِيهِ ، عَالِمًا بِتَحْرِيمِ ذَلِكَ ، فَعَلَيْهِ الْحَدُّ ، وَلَا يَلْحَقُهُ النَّسَبُ ، وَلَا تَصِيرُ بِهِ الْجَارِيَةُ أُمَّ وَلَدٍ ؛ لِأَنَّهُ لَا مِلْكَ لَهُ وَلَا شُبْهَةَ مِلْكٍ ، فَأَشْبَهَ وَطْءَ الْأَجْنَبِيَّةِ ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْأَقَارِبِ .","part":15,"page":194},{"id":7194,"text":"( 5427 ) فَصْلٌ : وَإِنْ وَطِئَ الْأَبُ وَابْنُهُ جَارِيَةَ الِابْنِ فِي طُهْرٍ وَاحِدٍ ، فَأَتَتْ بِوَلَدِ أُرِيَ الْقَافَةَ ، فَأُلْحِقُ بِمِنْ أَلْحَقَتْهُ بِهِ مِنْهُمَا ، وَصَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ ، كَمَا لَوْ انْفَرَدَ بِوَطْئِهَا .\rوَإِنْ أَلْحَقَتْهُ بِهِمَا ، لَحِقَ بِهِمَا .\rوَإِنْ أُولِدَهَا أَحَدُهُمَا بَعْدَ الْآخَرِ ، فَهِيَ أُمُّ وَلَدٍ لِلْأَوَّلِ مِنْهُمَا خَاصَّةً ؛ لِأَنَّهَا بِوِلَادَتِهَا مِنْهُ صَارَتْ لَهُ أُمِّ وَلَدٍ ، لِانْفِرَادِهِ بِإِيلَادِهَا ، فَلَا تَنْتَقِلُ بَعْدَ ذَلِكَ إلَى غَيْرِهِ ؛ لِأَنَّ أُمَّ الْوَلَدِ لَا يَنْتَقِلُ الْمِلْكُ فِيهَا إلَى غَيْرِ مَالِكِهَا .\rوَقَدْ نُقِلَ عَنْ أَحْمَدَ ، فِي رَجُلٍ وَقَعَ عَلَى جَارِيَةِ ابْنِهِ ، فَإِنْ كَانَ الْأَبُ قَابِضًا لَهَا ، وَلَمْ يَكُنْ الِابْنُ وَطِئَهَا ، فَأَحْبَلَهَا الْأَبُ ، فَالْوَلَدُ وَلَدُهُ ، وَالْجَارِيَةُ لَهُ ، وَلَيْسَ لِلِابْنِ فِيهَا شَيْءٌ قَالَ الْقَاضِي : ظَاهِرُ هَذَا أَنَّ الِابْنَ إنْ كَانَ وَطِئَهَا ، لَمْ تَصِرْ أُمَّ وَلَدٍ لِلْأَبِ ، لِأَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِ وَطْؤُهَا وَأَخْذُهَا ، فَتَكُونُ قَدْ عَلِقَتْ بِمَمْلُوكٍ .\rوَإِنْ كَانَ الْأَبُ قَبَضَهَا ، وَلَمْ يَكُنْ الِابْنُ وَطِئَهَا ، مَلَكَهَا ؛ لِأَنَّ لِلْأَبِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ مَالِ وَلَدِهِ مَا زَادَ عَلَى قَدْرِ نَفَقَتِهِ ، وَلَمْ تَتَعَلَّقْ بِهِ حَاجَتُهُ ، فَيَتَمَلَّكُهُ .","part":15,"page":195},{"id":7195,"text":"بَابُ نِكَاحِ أَهْلِ الشِّرْكِ أَنْكِحَةُ الْكُفَّارِ صَحِيحَةٌ ، يُقَرُّونَ عَلَيْهَا إذَا أَسْلَمُوا أَوْ تَحَاكَمُوا إلَيْنَا ، إذَا كَانَتْ الْمَرْأَةُ مِمَّنْ يَجُوزُ ابْتِدَاءُ نِكَاحِهَا فِي الْحَالِ ، وَلَا يُنْظَرُ إلَى صِفَةِ عَقْدِهِمْ وَكَيْفِيَّتِهِ ، وَلَا يُعْتَبَرُ لَهُ شُرُوطُ أَنْكِحَةِ الْمُسْلِمِينَ ، مِنْ الْوَلِيِّ ، وَالشُّهُودِ ، وَصِيغَةِ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ ، وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ .\rبِلَا خِلَافٍ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ .\rقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الزَّوْجَيْنِ إذَا أَسْلَمَا مَعًا ، فِي حَالٍ وَاحِدَةٍ ، أَنَّ لَهُمَا الْمُقَامَ عَلَى نِكَاحِهِمَا ، مَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا نَسَبٌ وَلَا رَضَاعٌ وَقَدْ أَسْلَمَ خَلْقٌ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَسْلَمَ نِسَاؤُهُمْ ، وَأُقِرُّوا عَلَى أَنْكِحَتِهِمْ ، وَلَمْ يَسْأَلْهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ شُرُوطِ النِّكَاحِ ، وَلَا كَيْفِيَّتِهِ ، وَهَذَا أَمْرٌ عُلِمَ بِالتَّوَاتُرِ وَالضَّرُورَةِ ، فَكَانَ يَقِينًا ، وَلَكِنْ يُنْظَرُ فِي الْحَالِ ، فَإِذَا كَانَتْ الْمَرْأَةُ عَلَى صِفَةٍ يَجُوزُ لَهُ ابْتِدَاءُ نِكَاحِهَا ، أُقِرَّ ، وَإِنْ كَانَتْ مِمَّنْ لَا يَجُوزُ ابْتِدَاءُ نِكَاحِهَا ، كَأَحَدِ الْمُحَرَّمَاتِ بِالنَّسَبِ أَوْ السَّبَبِ ، أَوْ الْمُعْتَدَّةِ ، وَالْمُرْتَدَّةِ ، وَالْوَثَنِيَّةِ ، وَالْمَجُوسِيَّةِ ، وَالْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا ، لَمْ يُقَرَّ .\rوَإِنْ تَزَوَّجَهَا فِي الْعِدَّةِ ، وَأَسْلَمَا بَعْدَ انْقِضَائِهَا ، أُقِرَّا ؛ لِأَنَّهَا يَجُوزُ ابْتِدَاءُ نِكَاحِهَا .","part":15,"page":196},{"id":7196,"text":"( 5428 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ : وَإِذَا أَسْلَمَ الْوَثَنِيُّ ، وَقَدْ تَزَوَّجَ بِأَرْبَعِ وَثَنِيَّاتٍ ، وَلَمْ يَدْخُلْ بِهِنَّ ، بِنَّ مِنْهُ ، وَكَانَ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ نِصْفُ مَا سَمَّى لَهَا إنْ كَانَ حَلَالًا ، أَوْ نِصْفُ صَدَاقِ مِثْلِهَا إنْ كَانَ مَا سَمَّى لَهَا حَرَامًا .\rوَلَوْ أَسْلَمَ النِّسَاءُ قَبْلَهُ ، وَقَبْلَ الدُّخُولِ ، بِنَّ مِنْهُ أَيْضًا ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِوَاحِدَةِ مِنْهُنَّ .\rفَإِنْ كَانَ إسْلَامُهُ وَإِسْلَامُهُنَّ قَبْلَ الدُّخُولِ مَعًا ، فَهُنَّ زَوْجَاتٌ فَإِنْ كَانَ دَخَلَ بِهِنَّ ، ثُمَّ أَسْلَمَ فَمَنْ لَمْ تُسْلِمْ مِنْهُنَّ قَبْلَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا حَرُمَتْ عَلَيْهِ مُنْذُ اخْتَلَفَ الدِّينَانِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فُصُولٌ خَمْسَةٌ : ( 5429 ) الْفَصْلُ الْأَوَّلُ : أَنَّهُ إذَا أَسْلَمَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ الْوَثَنِيَّيْنِ أَوْ الْمَجُوسِيَّيْنِ ، أَوْ كِتَابِيٌّ مُتَزَوِّجٌ بِوَثَنِيَّةٍ أَوْ مَجُوسِيَّةٍ قَبْلَ الدُّخُولِ ، تَعَجَّلَتْ الْفُرْقَةُ بَيْنَهُمَا مِنْ حِينِ إسْلَامِهِ ، وَيَكُونُ ذَلِكَ فَسْخًا لَا طَلَاقًا وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا تَتَعَجَّلُ الْفُرْقَةُ ، بَلْ إنْ كَانَا فِي دَارِ الْإِسْلَام عُرِضَ الْإِسْلَامُ عَلَى الْآخَرِ ، فَإِنْ أَبَى وَقَعَتْ الْفُرْقَةُ حِينَئِذٍ ، وَإِنْ كَانَا فِي دَارِ الْحَرْبِ ، وَقَفَ ذَلِكَ عَلَى انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا ، فَإِنْ لَمْ يُسْلِمْ الْآخَرُ ، وَقَعَتْ الْفُرْقَةُ .\rفَإِنْ كَانَ الْإِبَاءُ مِنْ الزَّوْجِ ، كَانَ طَلَاقًا ؛ لِأَنَّ الْفُرْقَةَ حَصَلَتْ مِنْ قِبَلِهِ ، فَكَانَ طَلَاقًا ، كَمَا لَوْ لَفَظَ بِهِ ، وَإِنْ كَانَ مِنْ الْمَرْأَةِ ، كَانَ فَسْخًا ؛ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ لَا تَمْلِكُ الطَّلَاقَ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : إنْ كَانَتْ هِيَ الْمُسْلِمَةَ ، عُرِضَ عَلَيْهِ الْإِسْلَامُ فَإِنْ أَسْلَمَ ، وَإِلَّا وَقَعَتْ الْفُرْقَةُ ، وَإِنْ كَانَ هُوَ الْمُسْلِمَ ، تَعَجَّلَتْ الْفُرْقَةُ ؛ لِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ : { وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ } وَلَنَا ، أَنَّهُ اخْتِلَافُ دِينٍ يَمْنَعُ الْإِقْرَارَ عَلَى النِّكَاحِ ، فَإِذَا وُجِدَ قَبْلَ الدُّخُولِ ، تَعَجَّلَتْ الْفُرْقَةُ ، كَالرِّدَّةِ .","part":15,"page":197},{"id":7197,"text":"وَعَلَى مَالِكٍ كَإِسْلَامِ الزَّوْجِ ، أَوْ كَمَا لَوْ أَبَى الْآخِرُ الْإِسْلَامَ ، وَلِأَنَّهُ إنْ كَانَ هُوَ الْمُسْلِمَ ، فَلَيْسَ لَهُ إمْسَاكُ كَافِرَةٍ ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ } وَإِنْ كَانَتْ هِيَ الْمُسْلِمَةَ ، فَلَا يَجُوزُ إبْقَاؤُهَا فِي نِكَاحِ مُشْرِكٍ .\rوَلَنَا ، عَلَى أَنَّهَا فُرْقَةُ فَسْخٍ ، أَنَّهَا فُرْقَةٌ بِاخْتِلَافِ الدِّينِ ، فَكَانَ فَسْخًا ، كَمَا لَوْ أَسْلَمَ الزَّوْجُ وَأَبَتِ الْمَرْأَةُ ، وَلِأَنَّهَا فُرْقَةٌ بِغَيْرِ لَفْظٍ ، فَكَانَتْ فَسْخًا ، كَفُرْقَةِ الرَّضَاعِ .","part":15,"page":198},{"id":7198,"text":"( 5430 ) الْفَصْلُ الثَّانِي : أَنَّ الْفُرْقَةَ إذَا حَصَلَتْ قَبْلَ الدُّخُولِ بِإِسْلَامِ الزَّوْجِ ، فَلِلْمَرْأَةِ نِصْفُ الْمُسَمَّى إنْ كَانَتْ التَّسْمِيَةُ صَحِيحَةً ، أَوْ نِصْفُ مَهْرِ مِثْلِهَا إنْ كَانَتْ فَاسِدَةً ، مِثْلُ أَنْ يُصْدِقَهَا خَمْرًا أَوْ خِنْزِيرًا ؛ لِأَنَّ الْفُرْقَةَ حَصَلَتْ بِفِعْلِهِ ، وَإِنْ كَانَتْ بِإِسْلَامِ الْمَرْأَةِ ، فَلَا شَيْءَ لَهَا ؛ لِأَنَّ الْفُرْقَةَ مِنْ جِهَتِهَا .\rوَبِهَذَا قَالَ الْحَسَنُ ، وَمَالِكٌ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَابْنُ شُبْرُمَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ ، رِوَايَةٌ أُخْرَى ، أَنَّ لَهَا نِصْفَ الْمَهْرِ إذَا كَانَتْ هِيَ الْمُسْلِمَةَ وَاخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ .\rوَبِهِ قَالَ قَتَادَةُ ، وَالثَّوْرِيُّ .\rوَيَقْتَضِيهِ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّ الْفُرْقَةَ حَصَلَتْ مِنْ قِبَلِهِ بِإِبَائِهِ الْإِسْلَامَ وَامْتِنَاعِهِ مِنْهُ ، وَهِيَ فَعَلَتْ مَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهَا ، فَكَانَ لَهَا نِصْفُ مَا فَرَضَ اللَّهُ لَهَا ، كَمَا لَوْ عَلَّقَ طَلَاقَهَا عَلَى الصَّلَاةِ فَصَلَّتْ .\rوَنُقِلَ عَنْ أَحْمَدَ ، فِي مَجُوسِيٍّ أَسْلَمَ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِامْرَأَتِهِ : لَا شَيْءَ لَهَا مِنْ الصَّدَاقِ .\rوَوَجْهُهَا مَا ذَكَرْنَاهُ ، وَوَجْهُ الْأُولَى أَنَّ الْفُرْقَةَ حَصَلَتْ بِاخْتِلَافِ الدِّينِ ، وَاخْتِلَافُ الدِّينِ حَصَلَ بِإِسْلَامِهَا ، فَكَانَتْ الْفُرْقَةُ حَاصِلَةً بِفِعْلِهَا ، فَلَمْ يَجِبْ لَهَا شَيْءٌ ، كَمَا لَوْ ارْتَدَّتْ ، وَيُفَارِقُ تَعْلِيقَ الطَّلَاقِ ، فَإِنَّهُ مِنْ جِهَةِ الزَّوْجِ ، وَلِهَذَا لَوْ عَلَّقَهُ عَلَى دُخُولِ الدَّارِ فَدَخَلَتْ ، وَقَعَتْ الْفُرْقَةُ وَلَهَا نِصْفُ الْمَهْرِ .","part":15,"page":199},{"id":7199,"text":"( 5431 ) الْفَصْلُ الثَّالِثُ : أَنَّ الزَّوْجَيْنِ إذَا أَسْلَمَا مَعًا ، فَهُمَا عَلَى النِّكَاحِ ، سَوَاءٌ كَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ أَوْ بَعْدَهُ .\rوَلَيْسَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي هَذَا اخْتِلَافٌ بِحَمْدِ اللَّهِ .\rذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَنَّهُ إجْمَاعٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُمْ اخْتِلَافُ دِينٍ وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، { أَنَّ رَجُلًا جَاءَ مُسْلِمًا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ جَاءَتْ امْرَأَتُهُ مُسْلِمَةً بَعْدَهُ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّهَا كَانَتْ أَسْلَمَتْ مَعِي .\rفَرَدَّهَا عَلَيْهِ ، } وَيُعْتَبَرُ تَلَفُّظُهُمَا بِالْإِسْلَامِ دَفْعَةً وَاحِدَةً ، لِئَلَّا يَسْبِقَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ ، فَيَفْسُدَ النِّكَاحُ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَقِفَ عَلَى الْمَجْلِسِ ، كَالْقَبْضِ وَنَحْوِهِ ، فَإِنَّ حُكْمَ الْمَجْلِسِ كُلِّهِ حُكْمُ حَالَةِ الْعَقْدِ ، وَلِأَنَّهُ يَبْعُدُ اتِّفَاقُهُمَا عَلَى النُّطْقِ بِكَلِمَةِ الْإِسْلَامِ دَفْعَةً وَاحِدَةً ، فَلَوْ اُعْتُبِرَ ذَلِكَ ، لَوَقَعَتْ الْفُرْقَةُ بَيْنَ كُلِّ مُسْلِمَيْنِ قَبْلَ الدُّخُولِ ، إلَّا فِي الشَّاذِّ النَّادِرِ ، فَيَبْطُلُ الْإِجْمَاعُ .","part":15,"page":200},{"id":7200,"text":"( 5432 ) الْفَصْلُ الرَّابِعُ : أَنَّهُ إذَا كَانَ إسْلَامُ أَحَدِهِمَا بَعْدَ الدُّخُولِ ، فَفِيهِ عَنْ أَحْمَدَ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، يَقِفُ عَلَى انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ ، فَإِنْ أَسْلَمَ الْآخَرُ قَبْلَ انْقِضَائِهَا ، فَهُمَا عَلَى النِّكَاحِ ، وَإِنْ لَمْ يُسْلِمْ حَتَّى انْقَضَتْ الْعِدَّةُ ، وَقَعَتْ الْفُرْقَةُ مُنْذُ اخْتَلَفَ الدِّينَانِ ، فَلَا يَحْتَاجُ إلَى اسْتِئْنَافِ الْعِدَّةِ وَهَذَا قَوْلُ الزُّهْرِيِّ ، وَاللَّيْثِ ، وَالْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَإِسْحَاقَ .\rوَنَحْوُهُ عَنْ مُجَاهِدٍ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ .\rوَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ ، تَتَعَجَّلُ الْفُرْقَةُ .\rوَهُوَ اخْتِيَارُ الْخَلَّالِ وَصَاحِبِهِ ، وَقَوْلُ الْحَسَنِ ، وَطَاوُسٍ ، وَعِكْرِمَةَ ، وَقَتَادَةَ ، وَالْحَكَمِ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَنَصَرَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَقَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ هَاهُنَا كَقَوْلِهِ فِيمَا قَبْلَ الدُّخُولِ ، إلَّا أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا كَانَتْ فِي دَارِ الْحَرْبِ ، فَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا ، وَحَصَلَتْ الْفُرْقَةُ ، لَزِمَهَا اسْتِئْنَافُ الْعِدَّةِ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : إنْ أَسْلَمَ الرَّجُلُ قَبْلَ امْرَأَتِهِ ، عَرَضَ عَلَيْهَا الْإِسْلَامَ ، فَإِنْ أَسْلَمَتْ ، وَإِلَّا وَقَعَتْ الْفُرْقَةُ ، وَإِنْ كَانَتْ غَائِبَةً تَعَجَّلَتْ الْفُرْقَةُ ، وَإِنْ أَسْلَمَتْ الْمَرْأَةُ قَبْلَهُ وَقَفَتْ عَلَى انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ وَاحْتَجَّ مَنْ قَالَ بِتَعْجِيلِ الْفُرْقَةِ بِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ : { وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ .\r} وَلِأَنَّ مَا يُوجِبُ فَسْخَ النِّكَاحِ لَا يَخْتَلِفُ بِمَا قَبْلَ الدُّخُولِ وَبَعْدَهُ ، كَالرَّضَاعِ وَلَنَا ، مَا رَوَى مَالِكٌ فِي مُوَطَّئِهِ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ : كَانَ بَيْنَ إسْلَامِ صَفْوَانِ بْنِ أُمَيَّةَ وَامْرَأَتِهِ بِنْتِ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ نَحْوٌ مِنْ شَهْرٍ ، أَسْلَمَتْ يَوْمَ الْفَتْحِ ، وَبَقِيَ صَفْوَانُ حَتَّى شَهِدَ حُنَيْنًا وَالطَّائِفَ وَهُوَ كَافِرٌ ، ثُمَّ أَسْلَمَ ، فَلَمْ يُفَرِّقْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَهُمَا ، وَاسْتَقَرَّتْ عِنْدَهُ","part":15,"page":201},{"id":7201,"text":"امْرَأَتُهُ بِذَلِكَ النِّكَاحِ .\rقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : وَشُهْرَةُ هَذَا الْحَدِيثِ أَقْوَى مِنْ إسْنَادِهِ وَقَالَ ابْن شِهَابٍ : أَسْلَمَتْ أُمُّ حَكِيمٍ يَوْمَ الْفَتْحِ ، وَهَرَبَ زَوْجُهَا عِكْرِمَةُ حَتَّى أَتَى الْيَمَنَ ، فَارْتَحَلَتْ حَتَّى قَدِمَتْ عَلَيْهِ الْيُمْنَ ، فَدَعَتْهُ إلَى الْإِسْلَامِ ، فَأَسْلَمَ ، وَقَدِمَ فَبَايَعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَثَبَتَا عَلَى نِكَاحِهِمَا وَقَالَ ابْنُ شُبْرُمَةَ : كَانَ النَّاسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُسْلِمُ الرَّجُلُ قَبْلَ الْمَرْأَةِ ، وَالْمَرْأَةُ قَبْلَ الرَّجُلِ ، فَأَيُّهُمَا أَسْلَمَ قَبْلَ انْقِضَاءِ عِدَّةِ الْمَرْأَةِ ، فَهِيَ امْرَأَتُهُ ، وَإِنْ أَسْلَمَ بَعْدَ الْعِدَّةِ ، فَلَا نِكَاحَ بَيْنَهُمَا .\rوَلِأَنَّ أَبَا سُفْيَانَ خَرَجَ فَأَسْلَمَ عَامَ الْفَتْحِ قَبْلَ دُخُولِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَكَّةَ ، وَلَمْ تُسْلِمْ هِنْدُ امْرَأَتُهُ حَتَّى فَتَحَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَكَّةَ ، فَثَبَتَا عَلَى النِّكَاحِ .\rوَأَسْلَمَ حَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ قَبْلَ امْرَأَتِهِ .\rوَخَرَجَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ فَلَقِيَا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامَ الْفَتْحِ بِالْأَبْوَاءِ فَأَسْلَمَا قَبْلَ نِسَائِهِمَا وَلَمْ يُعْلَمْ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَّقَ بَيْنَ أَحَدٍ مِمَّنْ أَسْلَمَ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ ، وَيَبْعُدُ أَنْ يَتَّفِقَ إسْلَامُهُمَا دَفْعَةً وَاحِدَةً ، وَيُفَارِقُ مَا قَبْلَ الدُّخُولِ ، فَإِنَّهُ لَا عِدَّةَ لَهَا فَتَتَعَجَّلُ الْبَيْنُونَةُ ، كَالْمُطَلَّقَةِ وَاحِدَةً ، وَهَاهُنَا لَهَا عِدَّةٌ ، فَإِذَا انْقَضَتْ ، تَبَيَّنَّا وُقُوعَ الْفُرْقَةِ مِنْ حِينَ أَسْلَمَ الْأَوَّلُ ، فَلَا يُحْتَاجُ إلَى عِدَّةٍ ثَانِيَةٍ ؛ لِأَنَّ اخْتِلَافَ الدِّينِ سَبَبُ الْفُرْقَةِ ، فَتُحْتَسَبُ الْفُرْقَةُ مِنْهُ كَالطَّلَاقِ .","part":15,"page":202},{"id":7202,"text":"( 5433 ) الْفَصْلُ الْخَامِسُ : أَنَّهُ إذَا أَسْلَمَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ .\rوَتَخَلَّفَ الْآخَرُ حَتَّى انْقَضَتْ عِدَّةُ الْمَرْأَةِ ، انْفَسَخَ النِّكَاحُ .\rفِي قَوْلِ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ .\rقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : لَمْ يَخْتَلِفْ الْعُلَمَاءُ فِي هَذَا ، إلَّا شَيْءٌ رُوِيَ عَنْ النَّخَعِيِّ ، شَذَّ فِيهِ عَنْ جَمَاعَةِ الْعُلَمَاءِ ، فَلَمْ يَتْبَعْهُ عَلَيْهِ أَحَدٌ ، زَعَمَ أَنَّهَا تُرَدُّ إلَى زَوْجِهَا ، وَإِنْ طَالَتْ الْمُدَّةُ ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَدَّ زَيْنَبَ عَلَى زَوْجِهَا أَبِي الْعَاصِ بِنِكَاحِهَا الْأَوَّلِ .\r} رَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَاحْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ .\rقِيلَ لَهُ : أَلَيْسَ يُرْوَى أَنَّهُ رَدَّهَا بِنِكَاحٍ مُسْتَأْنَفٍ ؟ قَالَ : لَيْسَ لَهُ أَصْلٌ .\rوَقِيلَ : كَانَ بَيْنَ إسْلَامِهَا وَرَدِّهَا إلَيْهِ ثَمَانِ سِنِينَ .\rوَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ } .\rوَقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ : { وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ } وَالْإِجْمَاعُ الْمُنْعَقِدُ عَلَى تَحْرِيمِ تَزَوُّجِ الْمُسْلِمَاتِ عَلَى الْكُفَّارِ .\rفَأَمَّا قِصَّةُ أَبِي الْعَاصِ مَعَ امْرَأَتِهِ ، فَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ تَكُونَ قَبْلَ نُزُولِ تَحْرِيمِ الْمُسْلِمَاتِ عَلَى الْكُفَّارِ ، فَتَكُونَ مَنْسُوخَةً بِمَا جَاءَ بَعْدَهَا ، أَوْ تَكُونَ حَامِلًا اسْتَمَرَّ حَمْلُهَا حَتَّى أَسْلَمَ زَوْجُهَا ، أَوْ مَرِيضَةً لَمْ تَحِضْ ثَلَاثَ حَيْضَاتٍ حَتَّى أَسْلَمَ ، أَوْ تَكُونَ رُدَّتْ إلَيْهِ بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ ، فَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، فِي ( سُنَنِهِ ) عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَدَّهَا عَلَى أَبِي الْعَاصِ بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ .\r} رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَقَالَ : سَمِعْت عَبْدَ بْنَ حُمَيْدٍ يَقُولُ : سَمِعْت يَزِيدَ بْنَ هَارُونُ يَقُولُ : حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ أَجْوَدُ إسْنَادًا ، وَالْعَمَلُ عَلَى حَدِيثِ عَمْرو بْنِ شُعَيْبٍ .","part":15,"page":203},{"id":7203,"text":"( 5434 ) فَصْلٌ : وَإِذَا وَقَعْت الْفُرْقَةُ بِإِسْلَامِ أَحَدِهِمَا بَعْدَ ، الدُّخُولِ ، فَلَهَا الْمَهْرُ كَامِلًا ؛ لِأَنَّهُ اسْتَقَرَّ بِالدُّخُولِ ، فَلَمْ يَسْقُطْ بِشَيْءِ ، فَإِنْ كَانَ مُسَمًّى صَحِيحًا ، فَهُوَ لَهَا ؛ لِأَنَّ أَنْكِحَةَ الْكُفَّارِ صَحِيحَةٌ ، يَثْبُتُ لَهَا أَحْكَامُ الصِّحَّةِ ، وَإِنْ كَانَ مُحَرَّمًا ، وَقَدْ قَبَضَتْهُ فِي حَالِ الْكُفْرِ ، فَلَيْسَ لَهَا غَيْرُهُ ؛ لِأَنَّنَا لَا نَتَعَرَّضُ لِمَا مَضَى مِنْ أَحْكَامِهِمْ ، وَإِنْ لَمْ تَقْبِضْهُ ، وَهُوَ حَرَامٌ ، فَلَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا ؛ لِأَنَّ الْخَمْرَ وَالْخِنْزِيرَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ صَدَاقًا لَمُسْلِمَةٍ ، وَلَا فِي نِكَاحِ مُسْلِمٍ ، وَقَدْ صَارَتْ أَحْكَامُهُمْ أَحْكَامَ الْمُسْلِمِينَ فَأَمَّا نَفَقَةُ الْعِدَّةِ ، فَإِنْ كَانَتْ هِيَ الْمُسْلِمَةَ قَبْلَهُ ، فَلَهَا نَفَقَةُ عِدَّتِهَا ؛ لِأَنَّهُ يَتَمَكَّنُ مِنْ إبْقَاءِ نِكَاحِهَا ، وَاسْتِمْتَاعِهِ مِنْهَا ، بِإِسْلَامِهِ مَعَهَا ، فَكَانَتْ لَهَا النَّفَقَةُ كَالرَّجْعِيَّةِ ، وَإِنْ كَانَ هُوَ الْمُسْلِمَ قَبْلَهَا ، فَلَا نَفَقَةَ لَهَا عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا سَبِيلَ لَهُ إلَى اسْتِبْقَاءِ نِكَاحِهَا ، وَتَلَافِي حَالِهَا ، فَأَشْبَهَتْ الْبَائِنَ ، وَسَوَاءٌ أَسْلَمَتْ فِي عِدَّتِهَا أَوْ لَمْ تُسْلِمْ .\rفَإِنْ قِيلَ : إذَا لَمْ تُسْلِمْ تَبَيَّنَّا أَنَّ نِكَاحَهَا انْفَسَخَ بِاخْتِلَافِ الدِّينَيْنِ ، فَكَيْفَ تَجِبُ النَّفَقَةُ لِلْبَائِنِ ؟ قُلْنَا : لِأَنَّهُ كَانَ يُمْكِنُ الزَّوْجُ تَلَافِيَ نِكَاحِهَا إذَا أَسْلَمَتْ قَبْلَهُ ، بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ ذَلِكَ ، فَكَانَتْ فِي مَعْنَى الرَّجْعِيَّةِ فَإِنْ قِيلَ : الرَّجْعِيَّةُ جَرَّتْ إلَى الْبَيْنُونَةِ بِسَبَبٍ مِنْهُ ، وَهَذِهِ السَّبَبُ مِنْهَا ؟ قُلْنَا : إلَّا أَنَّهُ كَانَ فَرْضًا عَلَيْهَا مُضَيِّقًا ، وَيُمْكِنُهُ تَلَافِيهِ ، بِخِلَافِ مَا إذَا أَسْلَمَتْ قَبْلَ الدُّخُولِ ، فَإِنَّهُ يَسْقُطُ مَهْرُهَا جَمِيعُهُ ؛ لِأَنَّهُ مَا أَمْكَنَهُ تَلَافِيهِ .","part":15,"page":204},{"id":7204,"text":"( 5435 ) فَصْلٌ : فِي اخْتِلَافِ الزَّوْجَيْنِ ، لَا يَخْلُو اخْتِلَافُهُمَا مِنْ حَالَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، أَنْ يَكُونَ قَبْلَ الدُّخُولِ ، فَفِيهِ مَسْأَلَتَانِ ( 5436 ) : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : أَنَّ يَقُولَ الزَّوْجُ : أَسْلَمْنَا مَعًا ، فَنَحْنُ عَلَى النِّكَاحِ .\rوَتَقُولُ هِيَ : بَلْ أَسْلَمَ أَحَدُنَا قَبْلَ صَاحِبِهِ ، فَانْفَسَخَ النِّكَاحُ .\rفَقَالَ الْقَاضِي : الْقَوْلُ قَوْلُ الْمَرْأَةِ ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مَعَهُ ؛ إذْ يَبْعُدُ اتِّفَاقُ الْإِسْلَامِ مِنْهُمَا دَفْعَةً وَاحِدَةً ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ الظَّاهِرُ مَعَهُ ، وَلِذَلِكَ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ صَاحِبِ الْيَدِ .\rوَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ فِيهَا وَجْهًا آخَرَ ، أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الزَّوْجِ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ النِّكَاحِ ، وَالْفَسْخُ طَارِئٌ عَلَيْهِ ، فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ مَنْ يُوَافِقُ قَوْلُهُ الْأَصْلَ كَالْمُنْكِرِ ، وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ ، كَهَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ ( 5437 ) الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ ، أَنَّ يَقُولَ الزَّوْجُ : أَسْلَمْت قَبْلِي ، فَلَا صَدَاقَ لَكَ .\rوَتَقُولُ هِيَ : أَسْلَمْت قَبْلِي ، فَلِي نِصْفُ الصَّدَاقِ .\rفَالْقَوْلُ قَوْلُهَا ؛ لِأَنَّ الْمَهْرَ وَجَبَ بِالْعَقْدِ ، وَالزَّوْجُ يَدَّعِي مَا يُسْقِطُهُ ، وَالْأَصْلُ بَقَاؤُهُ ، وَلَمْ يُعَارِضْهُ ظَاهِرٌ فَبَقِيَ .\rفَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى أَنَّ أَحَدَهُمَا أَسْلَمَ قَبْلَ صَاحِبِهِ ، وَلَا يَعْلَمَانِ عَيْنَهُ ، فَلَهَا نِصْفُ الصَّدَاقِ .\rكَذَلِكَ ذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : إنْ لَمْ تَكُنْ قَبَضَتْ ، فَلَا شَيْءَ ؛ لَهَا لِأَنَّهَا تَشُكُّ فِي اسْتِحْقَاقِهَا ، فَلَا تَسْتَحِقُّ بِالشَّكِّ ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الْقَبْضِ ، لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهَا ؛ لِأَنَّهُ يَشُكُّ فِي اسْتِحْقَاقِ الرُّجُوعِ ، وَلَا يَرْجِعُ مَعَ الشَّكِّ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ؛ لِأَنَّ الْيَقِينَ لَا يُزَالُ بِالشَّكِّ ، وَكَذَلِكَ إذَا تَيَقَّنَ الطَّهَارَةَ وَشَكَّ فِي الْحَدَثِ ، أَوْ تَيَقَّنَ الْحَدَثَ وَشَكَّ فِي الطَّهَارَةِ ، بَنَى عَلَى الْيَقِينِ ، وَهَذِهِ قَدْ كَانَ صَدَاقُهَا وَاجِبًا لَهَا ، وَشَكَّا فِي سُقُوطِهِ ، فَيَبْقَى عَلَى الْوُجُوبِ .","part":15,"page":205},{"id":7205,"text":"وَأَمَّا إنْ اخْتَلَفَا بَعْدَ الدُّخُولِ ، فَفِيهِ أَيْضًا مَسْأَلَتَانِ ؛ ( 5438 ) الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : أَنْ يَقُولَ : أَسْلَمْنَا مَعًا .\rأَوْ أَسْلَمَ الثَّانِي فِي الْعِدَّةِ ، فَنَحْنُ عَلَى النِّكَاحِ .\rوَتَقُولَ هِيَ : بَلْ أَسْلَمَ الثَّانِي بَعْدَ الْعِدَّةِ ، فَانْفَسَخَ النِّكَاحُ .\rفَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، الْقَوْلُ قَوْلُهُ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ النِّكَاحِ .\rوَالثَّانِي ، الْقَوْلُ قَوْلُهَا ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ إسْلَامِ الثَّانِي ( 5439 ) الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ ، أَنَّ تَقُولَ : أَسْلَمْت قَبْلَكَ ، فَلِي نَفَقَةُ الْعِدَّةِ .\rوَيَقُولَ هُوَ : أَسْلَمْت قَبْلَكَ فَلَا نَفَقَةَ لَك فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ وُجُوبُ النَّفَقَةِ .\rوَهُوَ يَدَّعِي سُقُوطَهَا .\rوَإِنْ قَالَ : أَسْلَمْت بَعْدَ شَهْرَيْنِ مِنْ إسْلَامِي ، فَلَا نَفَقَةَ لَك فِيهِمَا .\rوَقَالَتْ : بَعْدَ شَهْرٍ .\rفَالْقَوْلُ قَوْلُهُ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ إسْلَامِهَا فِي الشَّهْرِ الثَّانِي .\rفَأَمَّا إنْ ادَّعَى هُوَ مَا يَفْسَخُ النِّكَاحَ ، وَأَنْكَرَتْهُ ، انْفَسَخَ النِّكَاحُ ، لِأَنَّهُ يُقِرُّ عَلَى نَفْسِهِ بِزَوَالِ نِكَاحِهِ وَسُقُوطِ حَقِّهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ ادَّعَى أَنَّهَا أُخْتُهُ مِنْ الرَّضَاعِ ، فَكَذَّبَتْهُ .","part":15,"page":206},{"id":7206,"text":"( 5440 ) فَصْلٌ : وَسَوَاءٌ فِيمَا ذَكَرْنَا اتَّفَقَتْ الدَّارَانِ أَوْ اخْتَلَفَتَا .\rوَبِهِ قَالَ مَالِكٌ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَاللَّيْثُ ، وَالشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إنْ أَسْلَمَ أَحَدُهُمَا وَهُمَا فِي دَارِ الْحَرْبِ ، وَدَخَلَ دَارَ الْإِسْلَامِ ، انْفَسَخَ النِّكَاحُ ، وَلَوْ تَزَوَّجَ حَرْبِيٌّ حَرْبِيَّةً ، ثُمَّ دَخَلَ دَارَ الْإِسْلَامِ ، وَعَقَدَ الذِّمَّةَ ، انْفَسَخَ نِكَاحُهُ ؛ لِاخْتِلَافِ الدَّارَيْنِ وَيَقْتَضِي مَذْهَبُهُ أَنَّ أَحَدَ الزَّوْجَيْنِ الذِّمِّيَّيْنِ إذَا دَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ ، نَاقِضًا لِلْعَهْدِ ، انْفَسَخَ نِكَاحُهُ ؛ لِأَنَّ الدَّارَ اخْتَلَفَتْ بِهِمَا فِعْلًا وَحُكْمًا ، فَوَجَبَ أَنْ تَقَعَ الْفُرْقَةُ بَيْنَهُمَا ، كَمَا لَوْ أَسْلَمَتْ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ قَبْلَ الدُّخُولِ وَلَنَا ، أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ أَسْلَمَ بِمَرِّ الظَّهْرَانِ ، وَامْرَأَتُهُ بِمَكَّةَ لَمْ تُسْلِمْ ، وَهِيَ دَارُ حَرْبٍ ، وَأُمُّ حَكِيمٍ أَسْلَمَتْ بِمَكَّةَ ، وَهَرَبَ زَوْجُهَا عِكْرِمَةُ إلَى الْيَمَنِ ، وَامْرَأَةُ صَفْوَانِ بْنِ أُمَيَّةَ أَسْلَمَتْ يَوْمَ الْفَتْحِ ، وَهَرَبَ زَوْجُهَا ، ثُمَّ أَسْلَمُوا ، وَأُقِرُّوا عَلَى أَنْكِحَتِهِمْ مَعَ اخْتِلَافِ الدِّينِ وَالدَّارِ بِهِمْ ، وَلِأَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ ، فَلَمْ يَنْفَسِخْ بِاخْتِلَافِ الدَّارِ كَالْبَيْعِ ، وَيُفَارِقُ مَا قَبْلَ الدُّخُولِ ، فَإِنَّ الْقَاطِعَ لِلنِّكَاحِ اخْتِلَافُ الدِّينِ ، الْمَانِعُ مِنْ الْإِقْرَارِ عَلَى النِّكَاحِ ، دُونَ مَا ذَكَرُوهُ فَعَلَى هَذَا ، لَوْ تَزَوَّجَ مُسْلِمٌ مُقِيمٌ بِدَارِ الْإِسْلَامِ حَرْبِيَّةً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ، صَحَّ نِكَاحُهُ ، وَعِنْدَهُمْ لَا يَصِحُّ .\rوَلَنَا عُمُومُ قَوْله تَعَالَى { وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ } وَلِأَنَّهَا امْرَأَةٌ يُبَاحُ نِكَاحُهَا إذَا كَانَتْ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ ، فَأُبِيحَ نِكَاحُهَا فِي دَارِ الْحَرْبِ ، كَالْمُسْلِمَةِ .","part":15,"page":207},{"id":7207,"text":"( 5441 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : وَلَوْ نَكَحَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعٍ ، فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ ، أَوْ فِي عُقُودٍ مُتَفَرِّقَةٍ ، ثُمَّ أَصَابَهُنَّ ، ثُمَّ أَسْلَمَ ، ثُمَّ أَسْلَمَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ فِي عِدَّتِهَا ، اخْتَارَ أَرْبَعًا مِنْهُنَّ ، وَفَارَقَ مَا سِوَاهُنَّ ، سَوَاءٌ كَانَ مَنْ أَمْسَكَ مِنْهُنَّ أَوَّلَ مَنْ عَقَدَ عَلَيْهِنَّ أَوْ آخِرَهُنَّ وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْكَافِرَ إذَا أَسْلَمَ ، وَمَعَهُ أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ ، فَأَسْلَمْنَ فِي عِدَّتِهِنَّ ، أَوْ كُنَّ كِتَابِيَّاتٍ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ إمْسَاكُهُنَّ كُلِّهِنَّ .\rبِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ وَلَا يَمْلِكُ إمْسَاكَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعٍ .\rفَإِذَا أَحَبَّ ذَلِكَ ، اخْتَارَ أَرْبَعًا مِنْهُنَّ ، وَفَارَقَ سَائِرَهُنَّ ، سَوَاءٌ تَزَوَّجَهُنَّ فِي عَقْدٍ أَوْ فِي عُقُودٍ ، وَسَوَاءٌ اخْتَارَ الْأَوَائِلَ أَوْ الْأَوَاخِرَ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .\rوَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ ، وَمَالِكٌ ، وَاللَّيْثُ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَبُو يُوسُفَ : إنْ كَانَ تَزَوَّجَهُنَّ فِي عَقْدٍ ، انْفَسَخَ نِكَاحُ جَمِيعِهِنَّ ، وَإِنْ كَانَ فِي عُقُودٍ ، فَنِكَاحُ الْأَوَائِلِ صَحِيحٌ ، وَنِكَاحُ مَا زَادَ عَلَى أَرْبَعٍ بَاطِلٌ ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ إذَا تَنَاوَلَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعٍ ، فَتَحْرِيمُهُ مِنْ طَرِيقِ الْجَمْعِ ، فَلَا يَكُونُ فِيهِ مُخَيَّرًا بَعْدَ الْإِسْلَامِ ، كَمَا لَوْ تَزَوَّجَتْ الْمَرْأَةُ زَوْجَيْنِ فِي حَالِ الْكُفْرِ ، ثُمَّ أَسْلَمَا وَلَنَا ، مَا رَوَى قَيْسُ بْنُ الْحَارِثِ ، قَالَ : { أَسْلَمْت وَتَحْتِي ثَمَانِ نِسْوَةٍ ، فَأَتَيْت النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْت لَهُ ذَلِكَ ، فَقَالَ : اخْتَرْ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا .\r} رَوَاهُ أَحْمَدُ ، وَأَبُو دَاوُد .\rوَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ سُوَيْد الثَّقَفِيُّ ، { أَنَّ غَيْلَانَ بْنَ سَلَمَةَ أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ عَشْرُ نِسْوَةٍ ، فَأَسْلَمْنَ مَعَهُ ، فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَتَخَيَّرَ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا } رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَرَوَاهُ مَالِكٌ فِي مُوَطَّئِهِ","part":15,"page":208},{"id":7208,"text":"، عَنْ الزُّهْرِيِّ مُرْسَلًا ، وَرَوَاهُ الشَّافِعِيُّ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ ابْنِ عُلَيَّةَ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، إلَّا أَنَّهُ غَيْرُ مَحْفُوظٍ ، غَلِطَ فِيهِ مَعْمَرٌ ، وَخَالَفَ فِيهِ أَصْحَابَ الزُّهْرِيِّ .\rكَذَلِكَ قَالَ الْحُفَّاظُ ؛ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَغَيْرُهُمَا .\rوَلِأَنَّ كُلَّ عَدَدٍ جَازَ لَهُ ابْتِدَاءُ الْعَقْدِ عَلَيْهِ ، جَازَ لَهُ إمْسَاكُهُ بِنِكَاحٍ مُطْلَقٍ فِي حَالِ الشِّرْكِ ، كَمَا لَوْ تَزَوَّجَهُنَّ بِغَيْرِ شُهُودٍ وَأَمَّا إذَا تَزَوَّجَتْ بِزَوْجَيْنِ ، فَنِكَاحُ الثَّانِي بَاطِلٌ ؛ لِأَنَّهَا مَلَّكَتْهُ مِلْكَ غَيْرِهَا .\rوَإِنْ جَمَعَتْ بَيْنَهُمَا ، لَمْ يَصِحَّ ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تُمَلِّكْهُ جَمِيعَ بُضْعِهَا ، وَلِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِشَائِعِ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْأَدْيَانِ ، وَلِأَنَّ الْمَرْأَةَ لَيْسَ لَهَا اخْتِيَارُ النِّكَاحِ وَفَسْخُهُ ، بِخِلَافِ الرَّجُلِ .\r( 5442 ) فَصْلٌ : وَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَخْتَارَ أَرْبَعًا فَمَا دُونَ ، وَيُفَارِقَ سَائِرَهُنَّ ، أَوْ يُفَارِقَ الْجَمِيعَ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ غَيْلَانَ وَقَيْسًا بِالِاخْتِيَارِ ، وَأَمْرُهُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ ، وَلِأَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يَجُوزُ إقْرَارُهُ عَلَى نِكَاحِ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعٍ ، فَإِنْ أَبَى ، أُجْبِرَ ، بِالْحَبْسِ وَالتَّعْزِيرِ إلَى أَنْ يَخْتَارَ ؛ لِأَنَّ هَذَا حَقٌّ عَلَيْهِ يُمْكِنُهُ إيفَاؤُهُ ، وَهُوَ مُمْتَنِعٌ مِنْهُ ، فَأُجْبِرَ عَلَيْهِ ، كَإِيفَاءِ الدَّيْنِ وَلَيْسَ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَخْتَارَ عَنْهُ ، كَمَا يُطَلِّقُ عَلَى الْمُولِي إذَا امْتَنَعَ مِنْ الطَّلَاقِ ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ هَاهُنَا لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ ، وَإِنَّمَا تَتَعَيَّنُ الزَّوْجَاتُ بِاخْتِيَارِهِ وَشَهْوَتِهِ ، وَذَلِكَ لَا يَعْرِفُهُ الْحَاكِمُ فَيَنُوبُ عَنْهُ فِيهِ ، بِخِلَافِ الْمُولِي ، فَإِنَّ الْحَقَّ الْمُعَيَّنَ يُمْكِنُ الْحَاكِمُ إيفَاءَهُ ، وَالنِّيَابَةُ عَنْ الْمُسْتَحِقِّ فِيهِ .\rفَإِنْ جُنَّ خُلِّيَ حَتَّى يَعُودَ عَقْلُهُ ، ثُمَّ يُجْبَرُ عَلَى الِاخْتِيَارِ ، وَعَلَيْهِ نَفَقَةُ الْجَمِيعِ إلَى أَنْ يَخْتَارَ ؛ لِأَنَّهُنَّ","part":15,"page":209},{"id":7209,"text":"مَحْبُوسَاتٌ عَلَيْهِ ، وَلِأَنَّهُنَّ فِي حُكْمِ الزَّوْجَاتِ أَيَّتَهُنَّ اخْتَارَ جَازَ .","part":15,"page":210},{"id":7210,"text":"( 5443 ) فَصْلٌ : وَلَوْ زَوَّجَ الْكَافِرُ ابْنَهُ الصَّغِيرَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعٍ ، ثُمَّ أَسْلَمُوا جَمِيعًا ، لَمْ يَكُنْ لَهُ الِاخْتِيَارُ قَبْلَ بُلُوغِهِ ، فَإِنَّهُ لَا حُكْمَ لِقَوْلِهِ ، وَلَيْسَ لِأَبِيهِ الِاخْتِيَارُ عَنْهُ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ حَقٌّ يَتَعَلَّقُ بِالشَّهْوَةِ ، فَلَا يَقُومُ غَيْرُهُ مَقَامَهُ فِيهِ ، فَإِذَا بَلَغَ الصَّبِيُّ ، كَانَ لَهُ أَنْ يَخْتَارَ حِينَئِذٍ ، وَعَلَيْهِ النَّفَقَةُ إلَى أَنْ يَخْتَارَ .","part":15,"page":211},{"id":7211,"text":"( 5444 ) فَصْلٌ : فَإِنْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَخْتَارَ ، لَمْ يَقُمْ وَارِثُهُ مَقَامَهُ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا فِي الْحَاكِمِ ، وَعَلَى جَمِيعِهِنَّ الْعِدَّةُ ؛ لِأَنَّ الزَّوْجَاتِ لَمْ يَتَعَيَّنْ مِنْهُنَّ ، فَمَنْ كَانَتْ مِنْهُنَّ حَامِلًا فَعِدَّتُهَا بِوَضْعِهِ ، وَمَنْ كَانَتْ آيِسَةً أَوْ صَغِيرَةً فَعِدَّتُهَا أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ ؛ لِأَنَّهَا أَطْوَلُ الْعِدَّتَيْنِ فِي حَقِّهَا ، وَإِنْ كَانَتْ مِنْ ذَوَاتِ الْقُرُوءِ ، فَعِدَّتُهَا أَطْوَلُ الْأَجَلَيْنِ ، مِنْ ثَلَاثَةِ قُرُوءٍ أَوْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرٍ ، لِتَقْضِيَ الْعِدَّةَ بِيَقِينٍ ، لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ مُخْتَارَةً أَوْ مُفَارِقَةً ، وَعِدَّةُ الْمُخْتَارَةِ عِدَّةُ الْوَفَاةِ ، وَعِدَّةُ الْمُفَارِقَةِ ثَلَاثَةُ قُرُوءٍ ، فَأَوْجَبْنَا أَطْوَلَهُمَا ، لِتَقْضِيَ الْعِدَّةَ بِيَقِينِ ، كَمَا قُلْنَا فِي مَنْ نَسِيَ صَلَاةً مِنْ يَوْمٍ ، لَا يَعْلَمُ عَيْنَهَا : عَلَيْهِ خَمْسُ صَلَوَاتٍ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فَأَمَّا الْمِيرَاثُ ، فَإِنْ اصْطَلَحْنَ عَلَيْهِ ، فَهُوَ جَائِزٌ كَيْفَمَا اصْطَلَحْنَ ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُنَّ ، لَا يَخْرُجُ عَنْهُنَّ ، وَإِنْ أَبَيْنَ الصُّلْحَ ، فَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنْ يُقْرَعَ بَيْنَهُنَّ ، فَتَكُونَ الْأَرْبَعُ مِنْهُنَّ بِالْقُرْعَةِ وَعِنْد الشَّافِعِيِّ ، يُوقَفُ الْمِيرَاثُ حَتَّى يَصْطَلِحْنَ .\rوَأَصِلُ هَذَا يُذْكَرُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .","part":15,"page":212},{"id":7212,"text":"( 5445 ) فَصْلٌ : وَصِفَةُ الِاخْتِيَارِ أَنْ يَقُولَ : اخْتَرْت نِكَاحَ هَؤُلَاءِ ، أَوْ اخْتَرْت هَؤُلَاءِ ، أَوْ أَمْسَكْتهنَّ ، أَوْ اخْتَرْت حَبْسَهُنَّ ، أَوْ إمْسَاكَهُنَّ ، أَوْ نِكَاحَهُنَّ ، أَوْ أَمْسَكْت نِكَاحَهُنَّ ، أَوْ ثَبَّتُّ نِكَاحَهُنَّ ، أَوْ أَثْبَتُّهُنَّ .\rوَإِنْ قَالَ لِمَا زَادَ عَلَى الْأَرْبَعِ : فَسَخْت نِكَاحَهُنَّ .\rكَانَ اخْتِيَارًا لِلْأَرْبَعِ .\rوَإِنْ طَلَّقَ إحْدَاهُنَّ ، كَانَ اخْتِيَارًا لَهَا ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ لَا يَكُونُ إلَّا فِي زَوْجَةٍ .\rوَإِنْ قَالَ : قَدْ فَارَقْت هَؤُلَاءِ ، أَوْ اخْتَرْت فِرَاقَ هَؤُلَاءِ .\rفَإِنْ لَمْ يَنْوِ بِهِ الطَّلَاقَ ، كَانَ اخْتِيَارًا لِغَيْرِهِنَّ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِغَيْلَانَ : { اخْتَرْ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا ، وَفَارِقْ سَائِرَهُنَّ } وَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ لَفْظُ الْفِرَاقِ صَرِيحًا فِيهِ ، كَمَا كَانَ لَفْظُ الطَّلَاقِ صَرِيحًا فِيهِ ، وَكَذَا فِي حَدِيثِ فَيْرُوزَ الدَّيْلَمِيِّ قَالَ : فَعَمَدْت إلَى أَقْدَمِهِنَّ صُحْبَةً ، فَفَارَقْتهَا .\rوَهَذَا الْمَوْضِعُ أَخَصُّ بِهَذَا اللَّفْظِ .\rفَيَجِبُ أَنْ يُتَخَصَّصَ فِيهِ بِالْفَسْخِ .\rوَإِنْ نَوَى بِهِ الطَّلَاقَ ، كَانَ اخْتِيَارًا لَهُنَّ دُونَ غَيْرِهِنَّ .\rوَذَكَرَ الْقَاضِي فِيهِ عِنْد الْإِطْلَاقِ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا ، أَنَّهُ يَكُونُ اخْتِيَارًا لِلْمُفَارِقَاتِ ؛ لِأَنَّ لَفْظَ الْفِرَاقِ صَرِيحٌ فِي الطَّلَاقِ ، وَالْأَوْلَى مَا ذَكَرْنَاهُ وَإِنْ وَطِئَ إحْدَاهُنَّ ، كَانَ اخْتِيَارًا لَهَا ، فِي قِيَاسِ الْمَذْهَبِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ إلَّا فِي مِلْكٍ ، فَيَدُلُّ عَلَى الِاخْتِيَارِ ، كَوَطْءِ الْجَارِيَةِ الْمَبِيعَةِ بِشَرْطِ الْخِيَارِ ، وَوَطْءِ الرَّجْعِيَّةِ أَيْضًا اخْتِيَارًا لَهَا .\rوَإِنْ آلَى مِنْ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ ، أَوْ ظَاهَرَ مِنْهَا ، لَمْ يَكُنْ اخْتِيَارًا لَهَا ؛ لِأَنَّهُ يَصِحُّ فِي غَيْرِ زَوْجَةٍ ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ ، وَفِي الْآخَرِ ، يَكُونُ اخْتِيَارًا لَهَا ؛ لِأَنَّ حُكْمَهُ لَا يَثْبُتُ فِي غَيْرِ زَوْجَةٍ .\rوَإِنْ قَذَفَهَا ، لَمْ يَكُنْ اخْتِيَارًا لَهَا ؛ لِأَنَّهُ يَقَعُ فِي غَيْرِ زَوْجَةٍ .","part":15,"page":213},{"id":7213,"text":"( 5446 ) فَصْلٌ : وَإِذَا اخْتَارَ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا ، وَفَارَقَ الْبَوَاقِيَ ، فَعِدَّتُهُنَّ مِنْ حِينِ اخْتَارَ ؛ لِأَنَّهُنَّ بِنَّ مِنْهُ بِالِاخْتِيَارِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ عِدَّتُهُنَّ مِنْ حِينِ أَسْلَمَ ؛ لِأَنَّهُنَّ بِنَّ بِإِسْلَامِهِ ، وَإِنَّمَا يَتَبَيَّنُ ذَلِكَ بِاخْتِيَارِهِ ، فَيَثْبُتُ حُكْمُهُ مِنْ حِينِ الْإِسْلَامِ ، كَمَا إذَا أَسْلَمَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ وَلَمْ يُسْلِمْ الْآخَرُ حَتَّى انْقَضَتْ عِدَّتُهَا وَفُرْقَتُهُنَّ فَسْخٌ ؛ لِأَنَّهَا تَثْبُتُ بِإِسْلَامِهِ مِنْ غَيْرِ لَفْظٍ فِيهِنَّ ، وَعِدَّتُهُنَّ كَعِدَّةِ الْمُطَلَّقَاتِ ؛ لِأَنَّ عِدَّةَ مِنْ انْفَسَخَ نِكَاحُهَا كَذَلِكَ وَإِنْ مَاتَتْ إحْدَى الْمُخْتَارَاتِ ، أَوْ بَانَتْ مِنْهُ وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا ، فَلَهُ أَنْ يَنْكِحَ مِنْ الْمُفَارِقَاتِ ، وَتَكُونُ عِنْدَهُ عَلَى طَلَاقِ ثَلَاثٍ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُطَلِّقْهَا قَبْلَ ذَلِكَ .\rوَإِنْ اخْتَارَ أَقَلَّ مِنْ أَرْبَعٍ ، أَوْ اخْتَارَ تَرْكَ الْجَمِيعِ ، أُمِرَ بِطَلَاقِ أَرْبَعٍ ، أَوْ تَمَامِ أَرْبَعٍ ؛ لِأَنَّ الْأَرْبَعَ الزَّوْجَاتِ لَا يَبِنَّ مِنْهُ إلَّا بِطَلَاقٍ ، أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ ، فَإِذَا طَلَّقَ أَرْبَعًا مِنْهُنَّ ، وَقَعَ طَلَاقُهُ بِهِنَّ ، وَانْفَسَخَ نِكَاحُ الْبَاقِيَاتِ ، لِاخْتِيَارِهِ لَهُنَّ ، وَتَكُونُ عِدَّةُ الْمُطَلَّقَاتِ مِنْ حِينَ طَلَّقَ ، وَعِدَّةُ الْبَاقِيَاتِ عَلَى الْوَجْهَيْنِ وَإِنْ طَلَّقَ الْجَمِيعَ ، أَقْرَعَ بَيْنَهُنَّ ، فَإِذَا وَقَعَتْ الْقُرْعَةُ عَلَى أَرْبَعٍ مِنْهُنَّ ، كُنَّ الْمُخْتَارَاتِ وَوَقَعَ طَلَاقُهُ بِهِنَّ ، وَانْفَسَخَ نِكَاحُ الْبَوَاقِي .\rوَإِنْ كَانَ الطَّلَاقُ ثَلَاثًا ، فَمَتَى انْقَضَتْ عِدَّتُهُنَّ ، فَلَهُ أَنْ يَنْكِحَ مِنْ الْبَاقِيَاتِ ؛ لِأَنَّهُنَّ لَمْ يَطْلُقْنَ مِنْهُ ، وَلَا تَحِلُّ لَهُ الْمُطَلَّقَاتُ إلَّا بَعْدَ زَوْجٍ وَإِصَابَةٍ وَلَوْ أَسْلَمَ ، ثُمَّ طَلَّقَ الْجَمِيعَ قَبْلَ إسْلَامِهِنَّ ، ثُمَّ أَسْلَمْنَ فِي الْعِدَّةِ ، أُمِرَ أَنْ يَخْتَارَ أَرْبَعًا مِنْهُنَّ فَإِذَا اخْتَارَهُنَّ تَبَيَّنَّا أَنَّ طَلَاقَهُ وَقَعَ بِهِنَّ ، لِأَنَّهُنَّ زَوْجَاتٌ ، وَيَعْتَدِدْنَ مِنْ حِينِ طَلَاقِهِ وَبَانَ الْبَوَاقِي مِنْهُ","part":15,"page":214},{"id":7214,"text":"بِاخْتِيَارِهِ لِغَيْرِهِنَّ ، وَلَا يَقَعُ بِهِنَّ طَلَاقُهُ ، وَلَهُ نِكَاحُ أَرْبَعٍ مِنْهُنَّ إذَا انْقَضَتْ عِدَّةُ الْمُطَلَّقَاتِ ؛ لِأَنَّ هَؤُلَاءِ غَيْرُ مُطَلَّقَاتٍ .\rوَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ وَبَيْنَ الَّتِي قَبْلَهَا ، أَنَّ طَلَاقَهُنَّ قَبْلَ إسْلَامِهِنَّ فِي زَمَنٍ لَيْسَ لَهُ الِاخْتِيَارُ فِيهِ ، فَإِذَا أَسْلَمْنَ تَجَدَّدَ لَهُ الِاخْتِيَارُ حِينَئِذٍ ، وَفِي الَّتِي قَبْلَهَا طَلَّقَهُنَّ وَلَهُ الِاخْتِيَارُ ، وَالطَّلَاقُ يَصْلُحُ اخْتِيَارًا ، وَقَدْ أَوْقَعَهُ فِي الْجَمِيعِ ، وَلَيْسَ بَعْضُهُنَّ أَوْلَى مِنْ بَعْضٍ ، فَصِرْنَا إلَى الْقُرْعَةِ ، لِتَسَاوِي الْحُقُوقِ ( 5447 ) فَصْلٌ : إذَا أَسْلَمَ قَبْلَهُنَّ ، وَقُلْنَا بِتَعْجِيلِ الْفُرْقَةِ بِاخْتِلَافِ الدِّينِ ، فَلَا كَلَامَ .\rوَإِنْ قُلْنَا : يَقِفُ عَلَى انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ .\rوَلَمْ يُسْلِمْنَ حَتَّى انْقَضَتْ عِدَّتُهُنَّ ، تَبَيَّنَّا أَنَّهُنَّ بِنَّ مُنْذُ اخْتَلَفَ الدِّينَانِ ، فَإِنْ كَانَ قَدْ طَلَّقَهُنَّ قَبْلَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهِنَّ ، تَبَيَّنَّا أَنَّ طَلَاقَهُ لَمْ يَقَعْ بِهِنَّ ، وَلَهُ نِكَاحُ أَرْبَعٍ مِنْهُنَّ إذَا أَسْلَمْنَ ، وَإِنْ كَانَ وَطِئَهُنَّ تَبَيَّنَّا أَنَّهُ وَطِئَ غَيْرَ نِسَائِهِ ، وَإِنْ آلَى مِنْهُنَّ ، أَوْ ظَاهَرَ ، أَوْ قَذَفَ تَبَيَّنَّا أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي غَيْرِ زَوْجِهِ ، وَحُكْمُهُ حُكْمُ مَا لَوْ خَاطَبَ بِذَلِكَ أَجْنَبِيَّةً .\rفَإِنْ أَسْلَمَ بَعْضُهُنَّ فِي الْعِدَّةِ تَبَيَّنَّا أَنَّهَا زَوْجَتُهُ ، فَوَقَعَ طَلَاقُهُ بِهَا ، وَكَانَ وَطْؤُهُ لَهَا وَطْئًا لِمُطَلَّقَتِهِ .\rوَإِنْ كَانَتْ الْمُطَلَّقَةُ غَيْرَهَا ، فَوَطْؤُهُ لَهَا وَطْءٌ لِامْرَأَتِهِ .\rوَكَذَلِكَ إنْ كَانَ وَطْؤُهُ لَهَا قَبْلَ طَلَاقِهَا وَإِنْ طَلَّقَ الْجَمِيعَ فَأَسْلَمَ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ مِنْهُنَّ ، أَوْ أَقَلُّ فِي عِدَّتِهِنَّ ، وَلَمْ تُسْلِمْ الْبَوَاقِي ، تَعَيَّنَتْ الزَّوْجِيَّةُ فِي الْمُسْلِمَاتِ ، وَوَقَعَ الطَّلَاقُ بِهِنَّ ، فَإِذَا أَسْلَمَ الْبَوَاقِي ، فَلَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِهِنَّ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقَعْ طَلَاقُهُ بِهِنَّ .","part":15,"page":215},{"id":7215,"text":"( 5448 ) فَصْلٌ : إذَا أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ ثَمَانِ نِسْوَةٍ ، فَأَسْلَمَ أَرْبَعٌ مِنْهُنَّ ، فَلَهُ اخْتِيَارُهُنَّ ، وَلَهُ الْوُقُوفُ إلَى أَنْ يُسْلِمَ الْبَوَاقِي .\rفَإِنْ مَاتَ اللَّاتِي أَسْلَمْنَ ، ثُمَّ أَسْلَمَ الْبَاقِيَاتُ ، فَلَهُ اخْتِيَارُ الْمَيِّتَاتِ ، وَلَهُ اخْتِيَارُ الْبَاقِيَاتِ ، وَلَهُ اخْتِيَارُ بَعْضِ هَؤُلَاءِ ؛ وَبَعْضِ هَؤُلَاءِ ؛ لِأَنَّ الِاخْتِيَارَ لَيْسَ بِعَقْدِ ، وَإِنَّمَا هُوَ تَصْحِيحٌ لِلْعَقْدِ الْأَوَّلِ فِيهِنَّ ، وَالِاعْتِبَارُ فِي الِاخْتِيَارِ بِحَالِ ثُبُوتِهِ ، وَحَالَ ثُبُوتِهِ كُنَّ أَحْيَاءَ وَإِنْ أَسْلَمَتْ وَاحِدَةُ مِنْهُنَّ ، فَقَالَ : اخْتَرْتهَا .\rجَازَ ، فَإِذَا اخْتَارَ أَرْبَعًا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ ، انْفَسَخَ نِكَاحُ الْبَوَاقِي .\rوَإِنْ قَالَ لِلْمُسْلِمَةِ : اخْتَرْت فَسْخَ نِكَاحِهَا .\rلَمْ يَصِحَّ ؛ لِأَنَّ الْفَسْخَ إنَّمَا يَكُونُ فِيمَا زَادَ عَلَى الْأَرْبَعِ ، وَالِاخْتِيَارُ لِلْأَرْبَعِ ، وَهَذِهِ مِنْ جُمْلَةِ الْأَرْبَعِ ، إلَّا أَنْ يُرِيدَ بِالْفَسْخِ الطَّلَاقَ ، فَيَقَعُ ؛ لِأَنَّهُ كِنَايَةٌ ، وَيَكُونُ طَلَاقُهُ لَهَا اخْتِيَارًا لَهَا وَإِنْ قَالَ : اخْتَرْت فُلَانَةَ .\rقَبْلَ أَنْ تُسْلِمَ ، لَمْ يَصِحَّ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِوَقْتٍ لِلِاخْتِيَارِ ، لِأَنَّهَا جَارِيَةٌ إلَيَّ بَيْنُونَةٍ ، فَلَا يَصِحُّ إمْسَاكُهَا .\rوَإِنْ فَسَخَ نِكَاحَهَا ، لَمْ يَنْفَسِخْ ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَجُزْ الِاخْتِيَارُ ، لَمْ يَجُزْ الْفَسْخُ .\rوَإِنْ نَوَى بِالْفَسْخِ الطَّلَاقَ ، أَوْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ .\rفَهُوَ مَوْقُوفٌ ، فَإِنْ أَسْلَمَتْ وَلَمْ يُسْلِمْ زِيَادَةٌ عَلَى أَرْبَعٍ ، أَوْ أَسْلَمَ زِيَادَةٌ فَاخْتَارَهَا ، تَبَيَّنَّا وُقُوعَ الطَّلَاقِ بِهَا ، وَإِلَّا فَلَا ( 5449 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَالَ : كُلَّمَا أَسْلَمَتْ وَاحِدَةٌ اخْتَرْتهَا .\rلَمْ يَصِحَّ ؛ لِأَنَّ الِاخْتِيَارَ لَا يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ عَلَى شَرْطٍ ، وَلَا يَصِحُّ فِي غَيْرِ مُعَيَّنٍ وَإِنْ قَالَ : كُلَّمَا ؛ أَسْلَمَتْ وَاحِدَةٌ اخْتَرْت فَسْخَ نِكَاحِهَا .\rلَمْ يَصِحَّ أَيْضًا ؛ لِأَنَّ الْفَسْخَ لَا يَتَعَلَّقُ بِالشَّرْطِ ، وَلَا يَمْلِكُهُ فِي وَاحِدَةٍ حَتَّى يَزِيدَ عَدَدُ الْمُسْلِمَاتِ عَلَى الْأَرْبَعِ","part":15,"page":216},{"id":7216,"text":"، وَإِنْ أَرَادَ بِهِ الطَّلَاقَ ، فَهُوَ كَمَا لَوْ قَالَ : كُلَّمَا أَسْلَمَتْ وَاحِدَةٌ فَهِيَ طَالِقُ .\rوَفِي ذَلِكَ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا ، يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ بِالشَّرْطِ ، وَيَتَضَمَّنُ الِاخْتِيَارَ لَهَا ، فَكُلَّمَا أَسْلَمَتْ وَاحِدَةٌ كَانَ اخْتِيَارًا لَهَا ، وَتَطْلُقُ بِطَلَاقِهِ .\rوَالثَّانِي ، لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ يَتَضَمَّنُ الِاخْتِيَارَ ، وَالِاخْتِيَارُ لَا يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ بِالشَّرْطِ ( 5450 ) فَصْلٌ : وَإِذَا أَسْلَمَ ، ثُمَّ أَحْرَمَ بِحَجِّ أَوْ عُمْرَةٍ ، ثُمَّ أَسْلَمْنَ ، فَلَهُ الِاخْتِيَارُ ؛ لِأَنَّ الِاخْتِيَارَ اسْتِدَامَةٌ لِلنِّكَاحِ ، وَتَعْيِينٌ لِلْمَنْكُوحَةِ ، وَلَيْسَ بِابْتِدَاءٍ لَهُ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : لَيْسَ لَهُ الِاخْتِيَارُ .\rوَهُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ .\rوَلَنَا أَنَّهُ اسْتِدَامَةُ نِكَاحٍ ، لَا يُشْتَرَطُ لَهُ رِضَاءُ الْمَرْأَةِ ، وَلَا وَلِيُّ ، وَلَا شُهُودٌ ، وَلَا يَتَجَدَّدُ بِهِ مَهْرٌ ، فَجَازَ لَهُ فِي الْإِحْرَامِ ، كَالرَّجْعَةِ ( 5451 ) فَصْلٌ : وَإِذَا أَسْلَمْنَ مَعَهُ ، ثُمَّ مُتْنَ قَبْلَ اخْتِيَارِهِ ، فَلَهُ أَنْ يَخْتَارَ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا ، فَيَكُونَ لَهُ مِيرَاثُهُنَّ ، وَلَا يَرِثُ الْبَاقِيَاتُ ؛ لِأَنَّهُنَّ لَسْنَ بِزَوْجَاتٍ لَهُ .\rوَإِنْ مَاتَ بَعْضُهُنَّ ، فَلَهُ الِاخْتِيَارُ مِنْ الْأَحْيَاءِ ، وَلَهُ الِاخْتِيَارُ مِنْ الْمَيِّتَاتِ وَكَذَلِكَ لَوْ أَسْلَمَ بَعْضُهُنَّ فَمُتْنَ ، ثُمَّ أَسْلَمَ الْبَوَاقِي ، فَلَهُ الِاخْتِيَارُ مِنْ الْجَمِيعِ ، فَإِنْ اخْتَارَ الْمَيِّتَاتِ ، فَلَهُ مِيرَاثُهُنَّ ؛ لِأَنَّهُنَّ مُتْنَ وَهُنَّ نِسَاؤُهُ ، وَإِنْ اخْتَارَ غَيْرَهُنَّ ، فَلَا مِيرَاثَ لَهُ مِنْهُنَّ ؛ لِأَنَّهُنَّ أَجْنَبِيَّاتٌ .\rوَإِنْ لَمْ يُسْلِمْ الْبَوَاقِي ، لَزِمَ النِّكَاحُ فِي الْمَيِّتَاتِ ، وَلَهُ مِيرَاثُهُنَّ فَإِنْ وَطِئَ الْجَمِيعَ قَبْلَ إسْلَامِهِنَّ ، ثُمَّ أَسْلَمْنَ ، فَاخْتَارَ أَرْبَعًا مِنْهُنَّ ، فَلَيْسَ لَهُنَّ إلَّا الْمُسَمَّى ؛ لِأَنَّهُنَّ زَوْجَاتٌ ، وَلَسَائِرُهُنَّ الْمُسَمَّى بِالْعَقْدِ الْأَوَّلِ ، وَمَهْرُ الْمِثْلِ لِلْوَطْءِ الثَّانِي ؛ لِأَنَّهُنَّ أَجْنَبِيَّاتٌ .\rوَإِنْ وَطِئَهُنَّ","part":15,"page":217},{"id":7217,"text":"بَعْدَ إسْلَامِهِنَّ ، فَالْمَوْطُوآت أَوَّلَاهُنَّ الْمُخْتَارَاتُ ، وَالْبَوَاقِي أَجْنَبِيَّاتُ ، وَالْحُكْمُ فِي الْمَهْرِ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ .","part":15,"page":218},{"id":7218,"text":"( 5452 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : وَلَوْ أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ أُخْتَانِ ، اخْتَارَ مِنْهُمَا وَاحِدَةً هَذَا قَوْلُ الْحَسَنِ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَإِسْحَاقَ ، وَأَبِي عُبَيْدٍ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي هَذِهِ ، كَقَوْلِهِ فِي عَشْرِ نِسْوَةٍ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى الضَّحَّاكُ بْنُ فَيْرُوزَ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : قُلْت : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، { إنِّي أَسْلَمْت وَتَحْتِي أُخْتَانِ قَالَ : طَلِّقْ أَيَّتَهُمَا شِئْت } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَغَيْرُهُمَا .\rوَلِأَنَّ أَنْكِحَةَ الْكُفَّارِ صَحِيحَةٌ ، وَإِنَّمَا حُرِّمَ الْجَمْعُ فِي الْإِسْلَامِ ، وَقَدْ أَزَالَهُ ، فَصَحَّ ، كَمَا لَوْ طَلَّقَ إحْدَاهُمَا قَبْلَ إسْلَامِهِ ، ثُمَّ أَسْلَمَ وَالْأُخْرَى فِي حِبَالِهِ .\rوَهَكَذَا الْحُكْمُ فِي الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا أَوْ خَالَتِهَا ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى فِي الْجَمِيعِ وَاحِدٌ ( 5453 ) فَصْلٌ : وَلَوْ تَزَوَّجَ وَثَنِيَّةً ، فَأَسْلَمَتْ قَبْلَهُ ، ثُمَّ تَزَوَّجَ فِي شِرْكِهِ أُخْتَهَا ، ثُمَّ أَسْلَمَا فِي عِدَّةِ الْأُولَى ، فَلَهُ أَنْ يَخْتَارَ مِنْهُمَا ؛ لِأَنَّهُ أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ أُخْتَانِ مُسْلِمَتَانِ .\rوَإِنْ أَسْلَمَ هُوَ قَبْلَهَا ، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ أُخْتَهَا فِي عِدَّتِهَا ، وَلَا أَرْبَعًا سِوَاهَا .\rفَإِنْ فَعَلَ ، لَمْ يَصِحَّ النِّكَاحُ الثَّانِي .\rوَإِذَا أَسْلَمْت الْأُولَى فِي عِدَّتِهَا ، فَنِكَاحُهَا لَازِمٌ ؛ لِأَنَّهَا انْفَرَدَتْ بِهِ ( 5454 ) فَصْلٌ : وَإِنْ تَزَوَّجَ أُخْتَيْنِ ، وَدَخَلَ بِهِمَا ، ثُمَّ أَسْلَمَ وَأَسْلَمَتَا مَعَهُ ، فَاخْتَارَ إحْدَاهُمَا ، لَمْ يَطَأْهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّةُ أُخْتِهَا لِئَلَّا يَكُونَ وَاطِئًا لِإِحْدَى الْأُخْتَيْنِ فِي عِدَّةِ الْأُخْرَى .\rوَكَذَلِكَ إذَا أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعٍ ، قَدْ دَخَلَ بِهِنَّ ، فَأَسْلَمْنَ مَعَهُ ، وَكُنَّ ثَمَانِيَا ، فَاخْتَارَ أَرْبَعًا مِنْهُنَّ ، وَفَارَقَ أَرْبَعًا ، لَمْ يَطَأْ وَاحِدَةً مِنْ الْمُخْتَارَاتِ حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّةُ الْمُفَارِقَاتِ ، لِئَلَّا يَكُونَ وَاطِئًا لِأَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعٍ .\rفَإِنْ كُنَّ خَمْسًا ، فَفَارَقَ إحْدَاهُنَّ ، فَلَهُ وَطْءُ ثَلَاثٍ مِنْ","part":15,"page":219},{"id":7219,"text":"الْمُخْتَارَاتِ ، وَلَا يَطَأُ الرَّابِعَةَ حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّةُ الْمُفَارَقَةِ .\rوَإِنْ كُنَّ سِتًّا ، فَفَارَقَ اثْنَتَيْنِ ، فَلَهُ وَطْءُ اثْنَتَيْنِ مِنْ الْمُخْتَارَاتِ وَإِنْ كُنَّ سَبْعًا فَفَارَقَ ثَلَاثًا فَلَهُ وَطْءُ وَاحِدَةٍ مِنْ الْمُخْتَارَاتِ ، وَلَا يَطَأُ الْبَاقِيَاتِ حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّةُ الْمُفَارَقَاتِ ، فَكُلَّمَا انْقَضَتْ عِدَّةُ وَاحِدَةٍ مِنْ الْمُفَارِقَاتِ ، فَلَهُ وَطْءُ وَاحِدَةٍ مِنْ الْمُخْتَارَاتِ .\rهَذَا قِيَاسُ الْمَذْهَبِ ( 5455 ) فَصْلٌ : إذَا تَزَوَّجَ أُخْتَيْنِ فِي حَالِ كُفْرِهِ ، فَأَسْلَمَ وَأَسْلَمَتَا مَعًا قَبْلَ الدُّخُولِ ، فَاخْتَارَ أَحَدَاهُمَا ، فَلَا مَهْرَ لِلْأُخْرَى ؛ لِأَنَّنَا تَبَيَّنَّا أَنَّ الْفُرْقَةَ وَقَعَتْ بِإِسْلَامِهِمْ جَمِيعًا ، فَلَا تَسْتَحِقُّ مَهْرًا ، كَمَا لَوْ فَسَخَ النِّكَاحَ لِعَيْبِ فِي إحْدَاهُمَا ، وَلِأَنَّهُ نِكَاحٌ لَا يُقَرُّ عَلَيْهِ فِي الْإِسْلَامِ ، فَلَا يَجِبُ بِهِ مَهْرٌ إذَا لَمْ يَدْخُلْ بِهَا ، كَمَا لَوْ تَزَوَّجَ الْمَجُوسِيُّ أُخْتَهُ ، ثُمَّ أَسْلَمَا قَبْلَ الدُّخُولِ .\rوَهَكَذَا الْحُكْمُ فِيمَا زَادَ عَلَى الْأَرْبَعِ إذَا أَسْلَمُوا جَمِيعًا قَبْلَ الدُّخُولِ ، فَاخْتَارَ أَرْبَعًا ، وَانْفَسَخَ نِكَاحُ الْبَوَاقِي ، فَلَا مَهْرَ لَهُنَّ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":15,"page":220},{"id":7220,"text":"( 5456 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : وَإِنْ كَانَتَا أُمًّا وَبِنْتًا ، فَأَسْلَمَ وَأَسْلَمَتَا مَعًا قَبْلَ الدُّخُولِ ، فَسَدَ نِكَاحُ الْأُمِّ ، وَإِنْ كَانَ دَخَلَ بِالْأُمِّ فَسَدَ نِكَاحُهُمَا الْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي فَصَلَّيْنَ : ( 5457 ) الْفَصْلُ الْأَوَّلُ : إذَا كَانَ إسْلَامُهُمْ جَمِيعًا قَبْلَ الدُّخُولِ ، فَإِنَّهُ يَفْسُدُ نِكَاحُ الْأُمِّ ، وَيَثْبُتُ نِكَاحُ الْبِنْتِ .\rوَهَذَا أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ ، وَاخْتِيَارِ الْمُزَنِيّ .\rوَقَالَ فِي الْآخَرِ : يَخْتَارُ أَيَّتَهُمَا شَاءَ ؛ لِأَنَّ عَقْدَ الشِّرْكِ إنَّمَا يَثْبُتُ لَهُ حُكْمُ الصِّحَّةِ إذَا انْضَمَّ إلَيْهِ الِاخْتِيَارُ ، فَإِذَا اخْتَارَ الْأُمَّ فَكَأَنَّهُ لَمْ يَعْقِدْ عَلَى الْبِنْتِ وَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ } .\rوَهَذِهِ أُمُّ زَوْجَتِهِ ، فَتَدْخُلُ فِي عُمُومِ الْآيَةِ ، وَلِأَنَّهَا أُمُّ زَوْجَتِهِ ، فَتَحْرُمُ عَلَيْهِ ، كَمَا لَوْ طَلَّقَ ابْنَتَهَا فِي حَالِ شِرْكِهِ ، وَلِأَنَّهُ لَوْ تَزَوَّجَ الْبِنْتَ وَحْدَهَا ، ثُمَّ طَلَّقَهَا ، حَرُمَتْ عَلَيْهِ أُمُّهَا إذَا أَسْلَمَ ، فَإِذَا لَمْ يُطَلِّقْهَا وَتَمَسَّك بِنِكَاحِهَا أَوْلَى .\rوَقَوْلُهُمْ : إنَّمَا يَصِحُّ الْعَقْدُ بِانْضِمَامِ الِاخْتِيَارِ إلَيْهِ .\rغَيْرُ صَحِيحٍ ؛ فَإِنَّ أَنْكِحَةَ الْكُفَّارِ صَحِيحَةٌ ، ثَبَتَ لَهَا أَحْكَامُ الصِّحَّةِ وَكَذَلِكَ لَوْ انْفَرَدَتْ كَانَ نِكَاحُهَا صَحِيحًا لَازِمًا مِنْ غَيْرِ اخْتِيَارٍ ، وَلِهَذَا فُوِّضَ إلَيْهِ الِاخْتِيَارُ هَاهُنَا .\rوَلَا يَصِحُّ أَنْ يَخْتَارَ مَنْ لَيْسَ نِكَاحُهَا صَحِيحًا ، وَإِنَّمَا اخْتَصَّتْ الْأُمُّ بِفَسَادِ نِكَاحِهَا ؛ لِأَنَّهَا تَحْرُمُ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ عَلَى ابْنَتِهَا عَلَى التَّأْبِيدِ ، فَلَمْ يُمْكِنْ اخْتِيَارُهَا ، وَالْبِنْتُ لَا تَحْرُمُ قَبْلَ الدُّخُولِ بِأُمِّهَا ، فَتَعَيَّنَ النِّكَاحُ فِيهَا بِخِلَافِ الْأُخْتَيْنِ ( 5458 ) الْفَصْلُ الثَّانِي : إذَا دَخَلَ بِهِمَا ، حَرُمَتَا عَلَى التَّأْبِيدِ ، الْأُمُّ لِأَنَّهَا أُمُّ زَوْجَتِهِ ، وَالْبِنْتُ لِأَنَّهَا رَبِيبَتُهُ مِنْ زَوْجَتِهِ الَّتِي دَخَلَ بِهَا قَالَ .\rابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعْ عَلَى هَذَا كُلُّ","part":15,"page":221},{"id":7221,"text":"مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rوَهَذَا قَوْلُ الْحَسَنِ ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَقَتَادَةَ ، وَمَالِكٍ ، وَأَهْلِ الْحِجَازِ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَأَهْلِ الْعِرَاقِ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ .\rوَإِنْ دَخَلَ بِالْأُمِّ وَحْدَهَا ، فَكَذَلِكَ ؛ أَنَّ الْبِنْتَ تَكُونُ رَبِيبَتَهُ مَدْخُولًا بِأُمِّهَا ، وَالْأُمُّ حَرُمَتْ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ عَلَى ابْنَتِهَا وَإِنْ دَخَلَ بِالْبِنْتِ وَحْدَهَا ، ثَبَتَ نِكَاحُهَا ، وَفَسَدَ نِكَاحُ أُمِّهَا ، كَمَا لَوْ لَمْ يَدْخُلْ بِهِمَا .\rوَلَوْ لَمْ تُسْلِمْ مَعَهُ إلَّا إحْدَاهُمَا ، كَانَ الْحُكْمُ كَمَا لَوْ أَسْلَمَتَا مَعَهُ مَعًا ؛ فَإِنْ كَانَتْ الْمُسْلِمَةُ هِيَ الْأُمَّ ، فَهِيَ مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ ، وَإِنْ كَانَتْ الْبِنْتَ ، وَلَمْ يَكُنْ دَخَلَ بِأُمِّهَا ، ثَبَتَ نِكَاحُهَا ، وَإِنْ كَانَ دَخَلَ بِأُمِّهَا ، فَهِيَ مُحَرَّمَةٌ عَلَى التَّأْبِيدِ .\rوَلَوْ أَسْلَمَ وَلَهُ جَارِيَتَانِ ، إحْدَاهُمَا أُمُّ الْأُخْرَى ، وَقَدْ وَطِئَهُمَا جَمِيعًا حَرُمَتَا عَلَيْهِ عَلَى التَّأْبِيدِ ، وَإِنْ كَانَ قَدْ وَطِئَ إحْدَاهُمَا ، حَرُمْت الْأُخْرَى عَلَى التَّأْبِيدِ ، وَلَمْ تَحْرُمْ الْمَوْطُوءَةُ ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يَطَأْ وَاحِدَةً مِنْهُمَا ، فَلَهُ وَطْءُ أَيَّتَهُمَا شَاءَ ، فَإِذَا وَطِئَهَا ، حَرُمَتْ الْأُخْرَى عَلَى التَّأْبِيد .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":15,"page":222},{"id":7222,"text":"( 5459 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : وَلَوْ أَسْلَمَ عَبْدٌ ، وَتَحْتَهُ زَوْجَتَانِ ، قَدْ دَخَلَ بِهِمَا ، فَأَسْلَمَتَا فِي الْعِدَّةِ ، فَهُمَا زَوْجَتَاهُ ، وَلَوْ كُنَّ أَكْثَرَ ، اخْتَارَ مِنْهُنَّ اثْنَتَيْنِ وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ حُكْمَ الْعَبْدِ فِيمَا زَادَ عَلَى الِاثْنَتَيْنِ حُكْمُ الْحُرِّ فِيمَا زَادَ عَلَى الْأَرْبَعِ ، فَإِذَا أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ زَوْجَتَانِ ، فَأَسْلَمَتَا مَعَهُ ، أَوْ فِي عِدَّتِهِمَا ، لَزِمَ نِكَاحُهُمَا ، حُرَّتَيْنِ كَانَتَا أَوْ أَمَتَيْنِ ، أَوْ حُرَّةً وَأَمَةً ؛ لِأَنَّ لَهُ الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا فِي ابْتِدَاءِ نِكَاحِهِ ، فَكَذَلِكَ فِي اخْتِيَارِهِ وَإِنْ كُنَّ أَكْثَرَ ، اخْتَارَ مِنْهُنَّ اثْنَتَيْنِ ، أَيَّتَهُنَّ شَاءَ ، عَلَى مَا مَضَى فِي الْحُرِّ ، فَلَوْ كَانَ تَحْتَهُ حُرَّتَانِ وَأَمَتَانِ ، فَلَهُ أَنْ يَخْتَارَ الْحُرَّتَيْنِ أَوْ الْأَمَتَيْنِ ، أَوْ حُرَّةً ، وَأَمَةً ، وَلَيْسَ لِلْحُرَّةِ إذَا أَسْلَمَتْ مَعَهُ الْخِيَارُ فِي فِرَاقِهِ ؛ لِأَنَّهَا رَضِيَتْ بِنِكَاحِهِ وَهُوَ عَبْدٌ ، وَلَمْ يَتَجَدَّدْ رِقُّهُ بِالْإِسْلَامِ ، وَلَا تَجَدَّدَتْ حُرِّيَّتُهَا بِذَلِكَ ، فَلَمْ يَكُنْ لَهَا خِيَارُ ، كَمَا لَوْ تَزَوَّجَتْ مَعِيبًا تَعْلَمُ عَيْبَهُ ثُمَّ أَسْلَمَا .\rوَذَكَرَ الْقَاضِي وَجْهًا ، أَنَّ لَهَا الْخِيَارَ ؛ لِأَنَّ الرِّقَّ عَيْبٌ تَجَدَّدَتْ أَحْكَامُهُ بِالْإِسْلَامِ ، فَكَأَنَّهُ عَيْبٌ حَادِثٌ .\rوَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ؛ فَإِنَّ الرِّقَّ لَمْ يَزُلْ عَيْبًا وَنَقْصًا عِنْدَ الْعُقَلَاءِ ، وَلَمْ يَتَجَدَّدْ نَقْصُهُ بِالْإِسْلَامِ ، فَهُوَ كَسَائِرِ الْعُيُوبِ ( 5460 ) فَصْلٌ : وَإِنْ أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ أَرْبَعُ حَرَائِرَ ، فَأُعْتِقَ ، ثُمَّ أَسْلَمْنَ فِي عِدَّتِهِنَّ ، أَوْ أَسْلَمْنَ قَبْلَهُ ، ثُمَّ أُعْتِقَ ، ثُمَّ أَسْلَمَ ، لَزِمَهُ نِكَاحُ الْأَرْبَعِ ؛ لِأَنَّهُ مِمَّنْ يَجُوزُ لَهُ الْأَرْبَعُ فِي وَقْتِ اجْتِمَاعِ إسْلَامِهِمْ ، فَإِنَّهُ حُرُّ .\rفَأَمَّا إنْ أَسْلَمُوا كُلُّهُمْ ، ثُمَّ أُعْتِقَ قَبْلَ أَنْ يَخْتَارَ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَخْتَارَ إلَّا اثْنَتَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ عَبْدًا حِينَ ثَبَتَ لَهُ الِاخْتِيَارُ ، وَهُوَ حَالُ اجْتِمَاعِهِمْ عَلَى الْإِسْلَامِ ،","part":15,"page":223},{"id":7223,"text":"فَتَغَيُّرُ حَالِهِ بَعْدَ ذَلِكَ لَا يُغَيِّرُ الْحُكْمَ ، كَمَنْ أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ إمَاءٌ ، فَأَسْلَمْنَ مَعَهُ ، ثُمَّ أَيْسَرَ .\rوَلَوْ أَسْلَمَ مَعَهُ اثْنَتَانِ ، ثُمَّ أَعْتَقَ ، ثُمَّ أَسْلَمَ الْبَاقِيَاتُ لَمْ يَخْتَرْ إلَّا اثْنَتَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ لَهُ الْخِيَارُ بِإِسْلَامِ الْأُولَيَيْنِ ( 5461 ) فَصْلٌ : وَإِنْ تَزَوَّجَ أَرْبَعًا ، فَأَسْلَمْنَ ، وَأَعْتَقْنَ قَبْلَ إسْلَامِهِ ، فَلَهُنَّ فَسْخُ النِّكَاحِ ؛ لِأَنَّهُنَّ عَتَقْنَ تَحْتَ عَبْدٍ ، وَإِنَّمَا مَلَكْنَ الْفَسْخَ وَإِنْ كُنَّ جَارِيَاتٍ إلَى بَيْنُونَةٍ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُسْلِمُ فَيَقْطَعُ جَرَيَانَهُنَّ إلَى الْبَيْنُونَةِ ، فَإِذَا فَسَخْنَ وَلَمْ يُسْلِمْ الزَّوْجُ ، بِنَّ بِاخْتِلَافِ الدِّينِ مِنْ حِينَ أَسْلَمْنَ ، وَإِنْ أَسْلَمَ فِي الْعِدَّةِ ، بِنَّ لِفَسْخِ النِّكَاحِ ، وَعَلَيْهِنَّ عِدَّةُ الْحَرَائِرِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ ؛ لِأَنَّهُنَّ هَاهُنَا وَجَبَتْ عَلَيْهِنَّ الْعِدَّةُ وَهُنَّ حَرَائِرُ ، وَفِي الَّتِي قَبْلَهَا عَتَقْنَ فِي أَثْنَاءِ الْعِدَّةِ الَّتِي يُمْكِنُ الزَّوْجُ تَلَافِيَ النِّكَاحِ فِيهَا ، فَأَشْبَهْنَ الرَّجْعِيَّةَ فَإِنْ أَخَّرْنَ الْفَسْخَ حَتَّى أَسْلَمَ الزَّوْجُ ، لَمْ يَسْقُطْ بِذَلِكَ حَقُّهُنَّ فِي الْفَسْخِ ؛ لِأَنَّ تَرْكَهُنَّ لِلْفَسْخِ اعْتِمَادٌ عَلَى جَرَيَانِهِنَّ لِبَيْنُونَةٍ ، فَلَمْ يَتَضَمَّنْ الرِّضَى بِالنِّكَاحِ كَالرَّجْعِيَّةِ إذَا أُعْتِقَتْ وَأَخَّرَتْ الْفَسْخَ ، وَلَوْ أَسْلَمَ قَبْلَهُنَّ ، ثُمَّ أَعْتَقْنَ ، فَاخْتَرْنَ الْفَسْخَ ، صَحَّ ؛ لِأَنَّهُنَّ إمَاءٌ عَتَقْنَ تَحْتَ عَبْدٍ .\rوَهَذَا ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ بَعْضُهُمْ : لَا خِيَارَ لَهُنَّ ؛ لِأَنَّهُ لَا حَاجَةَ بِهِنَّ إلَى الْفَسْخِ ، لِكَوْنِهِ يَحْصُلُ بِإِقَامَتِهِنَّ عَلَى الشِّرْكِ ، بِخِلَافِ الَّتِي قَبْلَهَا .\rوَلَيْسَ بِصَحِيحِ ؛ فَإِنَّ السَّبَبَ مُتَحَقِّقٌ ، وَقَدْ يَبْدُو لَهُنَّ الْإِسْلَامُ ، وَهُوَ وَاجِبٌ عَلَيْهِنَّ فَإِنْ قِيلَ : فَإِذَا أَسْلَمْنَ اخْتَرْنَ الْفَسْخَ .\rقُلْنَا : يَتَضَرَّرْنَ بِطُولِ الْعِدَّةِ ، فَإِنَّ ابْتِدَاءَهَا مِنْ حِينِ الْفَسْخِ ، وَلِذَلِكَ مَلَكْنَ الْفَسْخَ فِيمَا إذَا أَسْلَمْنَ","part":15,"page":224},{"id":7224,"text":"وَعَتَقْنَ قَبْلَهُ .\rفَأَمَّا إنْ اخْتَرْنَ الْمُقَامَ ، وَقُلْنَ : قَدْ رَضِينَا بِالزَّوْجِ .\rفَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّهُ يَسْقُطُ خِيَارُهُنَّ ؛ لِأَنَّهَا حَالَةٌ يَصِحُّ فِيهَا اخْتِيَارُ الْفَسْخِ ، فَصَحَّ فِيهَا اخْتِيَارُ الْإِقَامَةِ ، كَحَالَةِ اجْتِمَاعِهِمْ عَلَى الْإِسْلَامِ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ : لَا يَسْقُطُ خِيَارُهُنَّ ؛ لِأَنَّ اخْتِيَارَهُنَّ لِلْإِقَامَةِ ضِدٌّ لِلْحَالَةِ الَّتِي هُنَّ عَلَيْهَا ، وَهِيَ جَرَيَانُهُنَّ إلَى الْبَيْنُونَةِ ، فَلَمْ يَصِحَّ كَمَا لَوْ ارْتَدَّتْ الرَّجْعِيَّةُ ، فَرَاجَعَهَا الزَّوْجُ حَالَ رِدَّتِهَا .\rوَهَذَا يَبْطُلُ بِمَا إذَا قَالَ : إذَا جَاءَ رَأْسُ الشَّهْرِ فَأَنْتِ طَالِقُ .\rثُمَّ عَتَقَتْ ، فَاخْتَارَتْ زَوْجَهَا .","part":15,"page":225},{"id":7225,"text":"( 5462 ) فَصْلٌ : إذَا أَسْلَمَ الْحُرُّ وَتَحْتَهُ إمَاءٌ ، فَأُعْتِقَتْ إحْدَاهُنَّ ، ثُمَّ أَسْلَمَتْ ، ثُمَّ أَسْلَمَ الْبَوَاقِي ، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَخْتَارَ مِنْ الْإِمَاءِ ؛ لِأَنَّهُ مَالِكٌ لِعِصْمَةِ حُرَّةٍ حِينَ اجْتِمَاعِهَا عَلَى الْإِسْلَامِ .\rوَإِنْ أَسْلَمَتْ إحْدَاهُنَّ مَعَهُ ، ثُمَّ أُعْتِقَتْ ، ثُمَّ أَسْلَمَ الْبَوَاقِي ، فَلَهُ أَنْ يَخْتَارَ مِنْ الْإِمَاءِ ؛ لِأَنَّ الْعِبْرَةَ بِحَالِ الِاخْتِيَارِ ، وَهِيَ حَالَةُ اجْتِمَاعِهِمْ عَلَى الْإِسْلَامِ ، وَحَالَةُ اجْتِمَاعِهِمَا عَلَى الْإِسْلَامِ كَانَتْ أَمَةً ( 5463 ) فَصْلٌ : وَلَوْ أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ أَرْبَعُ إمَاءٍ ، وَهُوَ عَادِمٌ لِلطُّولِ خَائِفٌ لِلْعَنَتِ ، فَأَسْلَمْنَ مَعَهُ ، فَلَهُ أَنْ يَخْتَارَ مِنْهُنَّ وَاحِدَةً ، فَإِنْ كَانَتْ لَا تَعْفُهُ ، فَلَهُ أَنْ يَخْتَارَ مِنْهُنَّ مَنْ تَعْفُهُ ، فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ ، وَالْأُخْرَى لَا يَخْتَارُ إلَّا وَاحِدَةً .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rوَتَوْجِيهُهُمَا قَدْ مَضَى فِي ابْتِدَاءِ نِكَاحِ الْإِمَاءِ .\rوَإِنْ عَدَمَ فِيهِ الشَّرْطَانِ ، انْفَسَخَ النِّكَاحُ فِي الْكُلِّ ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ خِيَارٌ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ : لَهُ أَنْ يَخْتَارَ مِنْهُنَّ ؛ لِأَنَّهُ اسْتِدَامَةٌ لِلْعَقْدِ ، لَا ابْتِدَاءٌ لَهُ ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ لَهُ شُرُوطُ الْعَقْدِ ، فَأَشْبَهَ الرَّجْعَةَ وَلَنَا ، أَنَّ هَذِهِ امْرَأَةٌ لَا يَجُوزُ ابْتِدَاءُ الْعَقْدِ عَلَيْهَا حَالَ الْإِسْلَامِ ، فَلَمْ يَمْلِكْ اخْتِيَارَهَا ، كَالْمُعْتَدَّةِ مِنْ غَيْرِهِ ، وَكَذَوَاتِ مَحَارِمِهِ .\rوَأَمَّا الرَّجْعَةُ فَهِيَ قَطْعُ جَرَيَانِ النِّكَاحِ إلَى الْبَيْنُونَةِ ، وَهَذَا إثْبَاتُ النِّكَاحِ فِي امْرَأَةٍ .\rوَإِنْ كَانَ دَخَلَ بِهِنَّ ، ثُمَّ أَسْلَمَ ، ثُمَّ أَسْلَمْنَ فِي عِدَّتِهِنَّ ، فَالْحُكْمُ كَذَلِكَ وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : لَا يَجُوزُ لَهُ هَاهُنَا اخْتِيَارٌ ، بَلْ يَبِنَّ بِمُجَرَّدِ إسْلَامِهِ ، لِئَلَّا يُفْضِي إلَى اسْتِدَامَةِ نِكَاحِ مُسْلِمٍ فِي أَمَةٍ كَافِرَةٍ .\rوَلَنَا ، أَنَّ إسْلَامَهُنَّ فِي الْعِدَّةِ بِمَنْزِلَةِ إسْلَامِهِنَّ مَعَهُ ، وَلِهَذَا لَوْ كُنَّ حَرَائِرَ","part":15,"page":226},{"id":7226,"text":"مَجُوسِيَّاتٍ أَوْ وَثَنِيَّاتٍ ، فَأَسْلَمْنَ فِي عِدَّتِهِنَّ ، كَانَ ذَلِكَ كَإِسْلَامِهِنَّ مَعَهُ ، وَإِنْ لَمْ يُسْلِمْنَ حَتَّى انْقَضَتْ عِدَّتُهُنَّ ، انْفَسَخَ نِكَاحُهُنَّ ، سَوَاءٌ كُنَّ كِتَابِيَّاتٍ أَوْ غَيْرَ كِتَابِيَّاتٍ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ اسْتِدَامَةُ النِّكَاحِ فِي أَمَةٍ كِتَابِيَّةٍ ( 5464 ) فَصْلٌ : وَلَوْ أَسْلَمَ وَهُوَ وَاجِدٌ لِلطُّولِ ، فَلَمْ يُسْلِمْنَ حَتَّى أَعْسَرَ ، ثُمَّ أَسْلَمْنَ ، فَلَهُ أَنْ يَخْتَارَ مِنْهُنَّ ؛ لِأَنَّ شَرَائِطَ النِّكَاحِ تُعْتَبَرُ فِي وَقْتِ الِاخْتِيَارِ ، وَهُوَ وَقْتُ اجْتِمَاعِهِمْ عَلَى الْإِسْلَامِ ، وَهُوَ حِينَئِذٍ عَادِمٌ لِلطُّولِ خَائِفُ لِلْعَنَتِ ، فَكَانَ لَهُ الِاخْتِيَارُ .\rوَإِنْ أَسْلَمَ وَهُوَ مُعْسِرٌ ، فَلَمْ يُسْلِمْنَ حَتَّى أَيْسَرَ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ الِاخْتِيَارُ ؛ لِذَلِكَ .\rوَإِنْ أَسْلَمَتْ وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ وَهُوَ مُوسِرٌ ، ثُمَّ أَسْلَمَ الْبَوَاقِي بَعْدَ إعْسَارِهِ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَخْتَارَ مِنْهُنَّ شَيْئًا ؛ لِأَنَّ وَقْتَ الِاخْتِيَارِ دَخَلَ بِإِسْلَامِ الْأُولَى ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ مُعْسِرًا ، كَانَ لَهُ اخْتِيَارُهَا ، فَإِذَا كَانَ مُوسِرًا ، بَطَلَ اخْتِيَارُهُ .\rوَإِنْ أَسْلَمْت الْأُولَى وَهُوَ مُعْسِرٌ ، فَلَمْ تُسْلِمْ الْبَوَاقِي حَتَّى أَيْسَرِ ، لَزِمَ نِكَاحُ الْأُولَى ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ الِاخْتِيَارُ مِنْ الْبَوَاقِي ؛ لِأَنَّ الْأُولَى اجْتَمَعَتْ مَعَهُ فِي حَالَةٍ يَجُوزُ لَهُ ابْتِدَاءُ نِكَاحِهَا ، بِخِلَافِ الْبَوَاقِي وَلَوْ أَسْلَمَ وَأَسْلَمْنَ مَعَهُ وَهُوَ مُعْسِرٌ ، فَلَمْ يَخْتَرْ حَتَّى أَيْسَرَ ، كَانَ لَهُ أَنْ يَخْتَارَ ؛ لِأَنَّ حَالَ ثُبُوتِ الِاخْتِيَارِ كَانَ لَهُ ذَلِكَ ، فَتَغَيُّرُ حَالِهِ لَا يُسْقِطُ مَا ثَبَتَ لَهُ ، كَمَا لَوْ تَزَوَّجَ أَوْ اخْتَارَ ثُمَّ أَيْسَرَ ، لَمْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ اسْتِدَامَةُ النِّكَاحِ ( 5465 ) فَصْلٌ : فَإِنْ أَسْلَمَ وَأَسْلَمَتْ مَعَهُ وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ ، وَهُوَ مِمَّنْ يَجُوزُ لَهُ نِكَاحُ الْإِمَاءِ ، فَلَهُ أَنْ يَخْتَارَ مَنْ أَسْلَمَتْ مَعَهُ ؛ لِأَنَّ لَهُ أَنْ يَخْتَارَهَا لَوْ أَسْلَمْنَ كُلُّهُنَّ ، فَكَذَلِكَ إذَا أَسْلَمَتْ وَحْدَهَا .\rوَإِنْ أَحَبَّ","part":15,"page":227},{"id":7227,"text":"انْتِظَارَ الْبَوَاقِي جَازَ ؛ لِأَنَّ لَهُ غَرَضًا صَحِيحًا ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ مِنْهُنَّ مَنْ هِيَ أَبَرُّ عِنْدَهُ مِنْ هَذِهِ .\rفَإِنْ انْتَظَرَهُنَّ ، فَلَمْ يُسْلِمْنَ حَتَّى انْقَضَتْ عِدَّتُهُنَّ ، تَبَيَّنَ أَنَّ نِكَاحَ هَذِهِ كَانَ لَازِمًا ، وَبَانَ الْبَوَاقِي مُنْذُ اخْتَلَفَ الدِّينَانِ .\rوَإِنْ أَسْلَمْنَ فِي الْعِدَّةِ ، اخْتَارَ مِنْهُنَّ وَاحِدَةً ، وَانْفَسَخَ نِكَاحُ الْبَاقِيَاتِ حِينَ الِاخْتِيَارِ ، وَعَدَدُهُنَّ مِنْ حِينِ الِاخْتِيَارِ .\rوَإِنْ أَسْلَمَ بَعْضُهُنَّ دُونَ بَعْضٍ ، بَانَ اللَّائِي لَمْ يُسْلِمْنَ مُنْذُ اخْتَلَفَ الدِّينَانِ ، وَالْبَوَاقِي مِنْ حِينَ اخْتَارَهُ .\rوَإِنْ اخْتَارَ الَّتِي أَسْلَمَتْ مَعَهُ حِينَ أَسْلَمَتْ ، انْقَطَعَتْ عِصْمَةُ الْبَوَاقِي ، وَثَبَتَ نِكَاحُهَا فَإِنْ أَسْلَمَ الْبَوَاقِي فِي الْعِدَّةِ ، تَبَيَّنَ أَنَّهُنَّ بِنَّ مِنْهُ بِاخْتِيَارِهِ ، وَعِدَّتُهُنَّ مِنْ حِينَئِذٍ .\rوَإِنْ لَمْ يُسْلِمْنَ ، بِنَّ بِاخْتِلَافِ الدِّينِ ، وَعِدَّتُهُنَّ مِنْهُ .\rوَإِنْ طَلَّقَ الَّتِي أَسْلَمَتْ مَعَهُ ، طَلُقَتْ ، وَكَانَ اخْتِيَارًا لَهَا .\rوَحُكْمُ ذَلِكَ حُكْمُ مَا لَوْ اخْتَارَهَا صَرِيحًا ؛ لِأَنَّ إيقَاعَ طَلَاقِهِ عَلَيْهَا يَتَضَمَّنُ اخْتِيَارَهَا .\rفَأَمَّا إنْ اخْتَارَ فَسْخَ نِكَاحِهَا ، لَمْ يَكُنْ لَهُ ؛ لِأَنَّ الْبَاقِيَاتِ لَمْ يُسْلِمْنَ مَعَهُ ، فَمَا زَادَ الْعَدَدُ عَلَى مَا لَهُ إمْسَاكُهُ فِي هَذِهِ الْحَالِ ، وَلَا يَنْفَسِخُ النِّكَاحُ ، ثُمَّ نَنْظُرُ ؛ فَإِنْ لَمْ يُسْلِمْ الْبَوَاقِي ، لَزِمَهُ نِكَاحُهَا ، وَإِنْ أَسْلَمْنَ فَاخْتَارَ مِنْهُنَّ وَاحِدَةً ، انْفَسَخَ نِكَاحُ الْبَوَاقِي ، وَالْأُولَى مَعَهُنَّ .\rوَإِنْ اخْتَارَ الْأُولَى الَّتِي فَسَخَ نِكَاحَهَا ، صَحَّ اخْتِيَارُهُ لَهَا ؛ لِأَنَّ فَسْخَهُ لِنِكَاحِهَا لَمْ يَصِحَّ وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ ذَكَرَهُ الْقَاضِي ، أَنَّهُ لَا يَصِحُّ اخْتِيَارُهُ لَهَا ؛ لِأَنَّ فَسْخَهُ إنَّمَا لَمْ يَصِحَّ مَعَ إقَامَةِ الْبَوَاقِي عَلَى الْكُفْرِ حَتَّى تَنْقَضِيَ الْعِدَّةُ ، لِأَنَّنَا نَتَبَيَّنُ أَنَّ نِكَاحَهَا كَانَ لَازِمًا ، فَإِذَا أَسْلَمْنَ لَحِقَ إسْلَامُهُنَّ بِتِلْكَ الْحَالِ ، وَصَارَ كَأَنَّهُنَّ أَسْلَمْنَ فِي","part":15,"page":228},{"id":7228,"text":"ذَلِكَ الْوَقْتِ ، فَإِذَا فَسَخَ نِكَاحَ إحْدَاهُنَّ ، صَحَّ الْفَسْخُ ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَخْتَارَهَا .\rوَهَذَا يَبْطُلُ بِمَا لَوْ فَسَخَ نِكَاحَ إحْدَاهُنَّ قَبْلَ إسْلَامِهَا ، فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ ، وَلَا يُجْعَلُ إسْلَامُهُنَّ الْمَوْجُودُ فِي الثَّانِي كَالْمَوْجُودِ سَابِقًا ، كَذَلِكَ هَاهُنَا .","part":15,"page":229},{"id":7229,"text":"( 5466 ) فَصْلٌ : فَإِنْ أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ إمَاءٌ وَحُرَّةٌ ، فَفِيهِ ثَلَاثُ مَسَائِلَ ؛ إحْدَاهُنَّ ، أَسْلَمَ وَأَسْلَمْنَ مَعَهُ كُلُّهُنَّ ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُ نِكَاحُ الْحُرَّةِ ، وَيَنْفَسِخُ نِكَاحُ الْإِمَاءِ ؛ لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى الْحُرَّةِ ، فَلَا يَخْتَارُ أُمَّهُ .\rوَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ : لَهُ أَنْ يَخْتَارَ .\rوَقَدْ مَضَى الْكَلَامُ مَعَهُ .\rالثَّانِيَةُ ، أَسْلَمْت الْحُرَّةُ مَعَهُ دُونَ الْإِمَاءِ ، فَقَدْ ثَبَتَ نِكَاحُهَا ، وَانْقَطَعَتْ عِصْمَةُ الْإِمَاءِ ، فَإِنْ لَمْ يُسْلِمْنَ حَتَّى انْقَضَتْ عِدَّتُهُنَّ ، بِنَّ بِاخْتِلَافِ الدِّينِ ، وَابْتِدَاءُ عَدَدِهِنَّ مِنْ حِينَ أَسْلَمَ .\rوَإِنْ أَسْلَمْنَ فِي عَدَدِهِنَّ ، بِنَّ مِنْ حِينِ إسْلَامِ الْحُرَّةِ ، وَعَدَدِهِنَّ مِنْ حِينِ إسْلَامِهَا .\rفَإِنْ مَاتَتْ الْحُرَّةُ بَعْدَ إسْلَامِهَا ، لَمْ يَتَغَيَّرْ الْحُكْمُ بِمَوْتِهَا ؛ لِأَنَّ مَوْتَهَا بَعْدَ ثُبُوتِ نِكَاحِهَا وَانْفِسَاخِ نِكَاحِ الْإِمَاءِ ، لَا يُؤَثِّرُ فِي إبَاحَتِهِنَّ .\rالثَّالِثَةُ ، أَسْلَمَ الْإِمَاءُ دُونَ الْحُرَّةِ وَهُوَ مُعْسِرٌ ، فَلَا يَخْلُو ؛ إمَّا أَنْ تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا قَبْلَ إسْلَامِهَا ، فَتَبِينُ بِاخْتِلَافِ الدِّينِ ، وَلَهُ أَنْ يَخْتَارَ مِنْ الْإِمَاءِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْحُرَّةِ ، أَوْ تُسْلِمَ فِي عِدَّتِهَا فَيَثْبُتُ نِكَاحُهَا ، وَيَبْطُلُ نِكَاحُ الْإِمَاءِ ، كَمَا لَوْ أَسْلَمْنَ دَفْعَةً وَاحِدَةً ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَخْتَارَ مِنْ الْإِمَاءِ قَبْلَ إسْلَامِهَا وَانْقِضَاءِ عِدَّتِهَا ؛ لِأَنَّنَا لَا نَعْلَمُ ، أَنَّهَا لَا تُسْلِمُ ، فَإِنْ طَلَّقَ الْحُرَّةَ ثَلَاثًا قَبْلَ إسْلَامِهَا ، ثُمَّ لَمْ تُسْلِمْ ، لَمْ يَقَعْ الطَّلَاقُ ؛ لِأَنَّا تَبَيَّنَّا أَنَّ النِّكَاحَ انْفَسَخَ بِاخْتِلَافِ الدِّينِ ، وَلَهُ الِاخْتِيَارُ مِنْ الْإِمَاءِ ، وَإِنْ أَسْلَمَتْ فِي عِدَّتِهَا ، بَانَ أَنَّ نِكَاحَهَا كَانَ ثَابِتًا ، وَأَنَّ الطَّلَاقَ وَقَعَ فِيهِ ، وَالْإِمَاءُ بِنَّ بِثُبُوتِ نِكَاحِهَا قَبْلَ الطَّلَاقِ ( 5467 ) فَصْلٌ : وَإِنْ أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ إمَاءٌ وَحُرَّةٌ ، فَأَسْلَمْنَ ، ثُمَّ عَتَقْنَ قَبْلَ إسْلَامِهَا ، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَخْتَارَ مِنْهُنَّ ؛","part":15,"page":230},{"id":7230,"text":"لِأَنَّ نِكَاحَ الْأَمَةِ لَا يَجُوزُ لَقَادِرٍ عَلَى حُرَّةٍ وَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ حَالُهُنَّ حَالَ ثُبُوتِ الِاخْتِيَارِ ، وَهُوَ حَالَةُ اجْتِمَاعِ إسْلَامِهِ وَإِسْلَامِهِنَّ ، ثُمَّ نَنْظُرُ ؛ فَإِنْ لَمْ تُسْلِمْ الْحُرَّةُ ، فَلَهُ الِاخْتِيَارُ مِنْهُنَّ ، وَلَا يَخْتَارُ إلَّا وَاحِدَةً ، اعْتِبَارًا بِحَالَةِ اجْتِمَاعِ إسْلَامِهِ وَإِسْلَامِهِنَّ ، وَإِنْ أَسْلَمَتْ فِي عِدَّتِهَا ، ثَبَتَ نِكَاحُهَا ، وَانْقَطَعَتْ عِصْمَتُهُنَّ ، فَإِنْ كَانَ قَدْ اخْتَارَ وَاحِدَةً مِنْ الْمُعْتَقَاتِ فِي عِدَّةِ الْحُرَّةِ ، ثُمَّ لَمْ تُسْلِمْ فَلَا عِبْرَةَ بِاخْتِيَارِهِ ، وَلَهُ أَنْ يَخْتَارَ غَيْرَهَا ؛ لِأَنَّ الِاخْتِيَارَ لَا يَكُونُ مَوْقُوفًا ، فَأَمَّا إنْ عَتَقْنَ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمْنَ ، ثُمَّ أَسْلَمْنَ وَاجْتَمَعْنَ مَعَهُ عَلَى الْإِسْلَامِ وَهُنَّ حَرَائِرُ ، فَإِنْ كَانَ جَمِيعُ الزَّوْجَاتِ أَرْبَعًا فَمَا دُونَ ، ثَبَتَ نِكَاحُهُنَّ ، وَإِنْ كُنَّ زَائِدَاتٍ عَلَى أَرْبَعٍ ، فَلَهُ أَنْ يَخْتَارَ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا ، وَتَبْطُلُ عِصْمَةُ الْخَامِسَةِ ؛ لِأَنَّهُنَّ صِرْنَ حَرَائِرَ فِي حَالَةِ الِاخْتِيَارِ ، وَهِيَ حَالَةُ اجْتِمَاعِ إسْلَامِهِ وَإِسْلَامِهِنَّ ، فَصَارَ حُكْمُهُنَّ حُكْمَ الْحَرَائِرِ الْأَصْلِيَّاتِ ، وَكَمَا لَوْ أُعْتِقْنَ قَبْلَ إسْلَامِهِ وَإِسْلَامِهِنَّ ، وَلَوْ أَسْلَمْنَ قَبْلَهُ ، ثُمَّ أُعْتِقْنَ ، ثُمَّ أَسْلَمَ ، فَكَذَلِكَ ، وَيَكُونَ الْحُكْمُ فِي هَذَا كَمَا لَوْ أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ خَمْسُ حَرَائِر أَوْ أَكْثَرُ ، عَلَى مَا مَرَّ تَفْصِيلُهُ .","part":15,"page":231},{"id":7231,"text":"( 5468 ) فَصْلٌ : وَلَوْ أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ خَمْسُ حَرَائِرَ ، فَأَسْلَمَ مَعَهُ مِنْهُنَّ اثْنَتَانِ ، احْتَمَلَ أَنْ يُجْبَرَ عَلَى اخْتِيَارِ إحْدَاهُمَا ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَلْزَمَهُ نِكَاحُ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا ، فَلَا مَعْنَى لِانْتِظَارِ الْبَوَاقِي .\rفَإِذَا اخْتَارَ وَاحِدَةً ، وَلَمْ يُسْلِمْ الْبَوَاقِي ، لَزِمَهُ نِكَاحُ الثَّانِيَةِ .\rوَكَذَلِكَ إنْ لَمْ يُسْلِمْ مِنْ الْبَوَاقِي إلَّا اثْنَتَانِ ، لَزِمَهُ نِكَاحُ الْأَرْبَعِ .\rوَإِنْ أَسْلَمَ الْجَمِيعُ فِي الْعِدَّةِ ، كُلِّفَ أَنْ يَخْتَارَ ثَلَاثًا مَعَ الَّتِي اخْتَارَهَا أَوَّلًا ، وَيَنْفَسِخُ نِكَاحُ الْبَاقِيَةِ .\rوَعَلَى هَذَا لَوْ أَسْلَمَ مَعَهُ ثَلَاثٌ ، كُلِّفَ اخْتِيَارَ اثْنَتَيْنِ .\rوَإِنْ أَسْلَمَ مَعَهُ أَرْبَعٌ ، كُلِّفَ اخْتِيَارَ ثَلَاثٍ مِنْهُنَّ ، إذْ لَا مَعْنَى لِانْتِظَارِهِ الْخَامِسَةَ .\rوَنِكَاحُ ثَلَاثٍ مِنْهُنَّ لَازِمٌ لَهُ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يُجْبَرَ عَلَى الِاخْتِيَارِ ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَكُونُ عِنْدَ زِيَادَةِ الْعَدَدِ عَلَى أَرْبَعٍ ، وَمَا وُجِدَ ذَلِكَ ، وَكَذَلِكَ لَوْ أَسْلَمَتْ مَعَهُ وَاحِدَةٌ مِنْ الْإِمَاءِ ، لَمْ يُجْبَرْ عَلَى اخْتِيَارِهَا ، كَذَا هَاهُنَا .\rوَالصَّحِيحُ هَاهُنَا أَنْ يُجْبَرُ عَلَى اخْتِيَارِهَا ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْمَعْنَى .\rوَأَمَّا الْأَمَةُ ، فَقَدْ يَكُونُ لَهُ غَرَضٌ فِي اخْتِيَارِ غَيْرِهَا ؛ بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا .","part":15,"page":232},{"id":7232,"text":"( 5469 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : وَإِذَا تَزَوَّجَهَا ، وَهُمَا كِتَابِيَّانِ ، فَأَسْلَمَ قَبْلَ الدُّخُولِ ، أَوْ بَعْدَهُ ، فَهِيَ زَوْجَتُهُ ، وَإِنْ كَانَتْ هِيَ الْمُسْلِمَةَ قَبْلَهُ وَقَبْلَ الدُّخُولِ ، انْفَسَخَ النِّكَاحُ ، وَلَا مَهْرَ لَهَا وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا أَسْلَمَ زَوْجُ الْكِتَابِيَّةِ قَبْلَ الدُّخُولِ أَوْ بَعْدَهُ ، أَوْ أَسْلَمَا مَعًا ، فَالنِّكَاحُ بَاقٍ بِحَالِهِ ، سَوَاءٌ كَانَ زَوْجُهَا كِتَابِيًّا أَوْ غَيْرَ كِتَابِيٍّ ؛ لِأَنَّ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَبْتَدِئَ نِكَاحَ كِتَابِيَّةٍ ، فَاسْتَدَامَتْهُ أَوْلَى وَلَا خِلَافَ فِي هَذَا بَيْنَ الْقَائِلِينَ بِإِجَازَةِ نِكَاحِ الْكِتَابِيَّةِ .\rفَأَمَّا إنْ أَسْلَمْت الْكِتَابِيَّةُ قَبْلَهُ وَقَبْلَ الدُّخُولِ ، تَعَجَّلَتْ الْفُرْقَةُ ، سَوَاءٌ كَانَ زَوْجُهَا كِتَابِيًّا أَوْ غَيْرَ كِتَابِيٍّ ؛ إذْ لَا يَجُوزُ لَكَافِرٍ نِكَاحُ مُسْلِمَةٍ .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعَ عَلَى هَذَا كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَإِنْ كَانَ إسْلَامُهَا بَعْدَ الدُّخُولِ ، فَالْحُكْمُ فِيهِ كَالْحُكْمِ فِيمَا لَوْ أَسْلَمَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ الْوَثَنِيَّيْنِ ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ .\rوَإِذَا كَانَتْ هِيَ الْمُسْلِمَةَ قَبْلَ الدُّخُولِ ، فَلَا مَهْرَ لَهَا ؛ لِأَنَّ الْفَسْخَ مِنْهَا .\rوَقَدْ مَضَى الْكَلَامُ فِي هَذَا أَيْضًا بِمَا فِيهِ كِفَايَةٌ .","part":15,"page":233},{"id":7233,"text":"( 5470 ) فَصْلٌ : إذَا تَزَوَّجَ الْمَجُوسِيُّ كِتَابِيَّةً ، ثُمَّ تَرَافَعَا إلَيْنَا قَبْلَ الْإِسْلَامِ ، فُرِّقَ بَيْنَهُمَا قَالَ أَحْمَدُ ، فِي مَجُوسِيٍّ تَزَوَّجَ كِتَابِيَّةً : يُحَالُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا .\rقِيلَ : مَنْ يَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ذَلِكَ ؟ قَالَ : الْإِمَامُ وَيَحْتَمِلُ هَذَا الْكَلَامُ أَنْ يُحَالَ بَيْنَهُمَا وَإِنْ لَمْ يَتَرَافَعَا إلَيْنَا ؛ لِأَنَّهَا أَعْلَى دِينًا مِنْهُ ، فَيُمْنَعُ نِكَاحَهَا كَمَا يُمْنَعُ الذِّمِّيُّ نِكَاحَ الْمُسْلِمَةِ وَإِنْ تَزَوَّجَ الذِّمِّيُّ وَثَنِيَّةً أَوْ مَجُوسِيَّةً ، ثُمَّ تَرَافَعُوا إلَيْنَا ، فَفِيهِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا ، يُقَرُّ عَلَى نِكَاحِهَا ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ أَعْلَى دِينًا مِنْهُ ، فَيُقَرُّ عَلَى نِكَاحِهَا ، كَمَا يُقَرُّ الْمُسْلِمُ عَلَى نِكَاحِ الْكِتَابِيَّةِ .\rوَالثَّانِي ، لَا يُقَرُّ عَلَى نِكَاحِهَا ؛ لِأَنَّهَا مِمَّنْ لَا يُقَرُّ الْمُسْلِمُ عَلَى نِكَاحِهَا ، فَلَا يُقَرُّ الذِّمِّيُّ عَلَى نِكَاحِهَا ، كَالْمُرْتَدَّةِ .","part":15,"page":234},{"id":7234,"text":"( 5471 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : وَمَا سُمِّيَ لَهَا ، وَهُمَا كَافِرَانِ ، فَقَبَضَتْهُ ، ثُمَّ أَسْلَمَا ، فَلَيْسَ لَهَا غَيْرُهُ ، وَإِنْ كَانَ حَرَامًا .\rوَلَوْ لَمْ تَقْبِضْهُ ، وَهُوَ حَرَامٌ ، فَلَهَا عَلَيْهِ مَهْرُ مِثْلِهَا ، أَوْ نِصْفُهُ ، حَيْثُ أَوْجَبَ ذَلِكَ وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْكُفَّارَ إذَا أَسْلَمُوا ، وَتَحَاكَمُوا إلَيْنَا بَعْدَ الْعَقْدِ وَالْقَبْضِ ، لَمْ نَتَعَرَّضْ لِمَا فَعَلُوهُ ، وَمَا قَبَضَتْ مِنْ الْمَهْرِ فَقَدْ نَفَذَ ، وَلَيْسَ لَهَا غَيْرُهُ ، حَلَالًا كَانَ أَوْ حَرَامًا ، بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنْ الرِّبَا } .\rفَأَمَرَ بِتَرْكِ مَا بَقِيَ دُونَ مَا قُبِضَ وَقَالَ تَعَالَى : { فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إلَى اللَّهِ } .\rوَلِأَنَّ التَّعَرُّضَ لِلْمَقْبُوضِ بِأَبْطَالِهِ يَشُقُّ ، لِتَطَاوُلِ الزَّمَانِ ، وَكَثْرَةِ تَصَرُّفَاتِهِمْ فِي الْحَرَامِ ، فَفِيهِ تَنْفِيرُهُمْ عَنْ الْإِسْلَامِ ، فَعُفِيَ عَنْهُ ، كَمَا عُفِيَ عَمَّا تَرَكُوهُ مِنْ الْفَرَائِضِ وَالْوَاجِبَاتِ ، وَلِأَنَّهُمَا تَقَابَضَا بِحُكْمِ الشِّرْكِ ، فَبَرِئَتْ ذِمَّةُ مَنْ هُوَ عَلَيْهِ مِنْهُ ، كَمَا لَوْ تَبَايَعَا بَيْعًا فَاسِدًا وَتَقَابَضَا .\rوَإِنْ لَمْ يَتَقَابَضَا ، فَإِنْ كَانَ الْمُسَمَّى حَلَالًا ، وَجَبَ مَا سَمَّيَاهُ ؛ لِأَنَّهُ مُسَمًّى صَحِيحٌ فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ ، فَوَجَبَ ، كَتَسْمِيَةِ الْمُسْلِمِ وَإِنْ كَانَ حَرَامًا ، كَالْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ ، بَطَلَ ، وَلَمْ يُحْكَمْ بِهِ ؛ لِأَنَّ مَا سَمَّيَاهُ لَا يَجُوزُ إيجَابُهُ فِي الْحُكْمِ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ صَدَاقًا لَمُسْلِمَةٍ ، وَلَا فِي نِكَاحِ مُسْلِمٍ ، وَيَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ إنْ كَانَ بَعْدَ الدُّخُولِ ، وَنِصْفُهُ إنْ وَقَعْت الْفُرْقَةُ قَبْلَ الدُّخُولِ .\rوَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ : حَيْثُ أَوْجَبَ ذَلِكَ وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو يُوسُفَ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إنْ كَانَ أَصْدَقَهَا خَمْرًا أَوْ خِنْزِيرًا مُعَيَّنَيْنِ ، فَلَيْسَ لَهَا إلَّا ذَلِكَ وَإِنْ كَانَا غَيْرَ مُعَيَّنَيْنِ ، فَلَهَا فِي الْخَمْرِ الْقِيمَةُ ، وَفِي","part":15,"page":235},{"id":7235,"text":"الْخِنْزِيرِ مَهْرُ الْمِثْلِ ، اسْتِحْسَانًا .\rوَلَنَا أَنَّ الْخَمْرَ لَا قِيمَةَ لَهَا فِي الْإِسْلَامِ ، فَكَانَ الْوَاجِبُ مَهْرَ الْمِثْلِ ، كَمَا لَوْ أَصْدَقَهَا خِنْزِيرًا ، وَلِأَنَّهُ مُحَرَّمٌ ، فَأَشْبَهَ مَا ذَكَرْنَا ( 5472 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَبَضَتْ بَعْضَ الْحَرَامِ دُونَ بَعْضٍ ، سَقَطَ مِنْ الْمَهْرِ بِقَدْرِ مَا قُبِضَ ، وَوَجَبَ بِحِصَّةِ مَا بَقِيَ مِنْ مَهْرِ الْمِثْلِ ، فَإِنْ كَانَ الصَّدَاقُ عَشْرَةَ زُقَاقِ خَمْرٍ مُتَسَاوِيَةً ، فَقَبَضَتْ خَمْسًا مِنْهَا سَقَطَ نِصْفُ الْمَهْرِ ، وَوَجَبَ لَهَا نِصْفُ مَهْرِ الْمِثْلِ ، وَإِنْ كَانَتْ مُخْتَلِفَةً ، اُعْتُبِرَ ذَلِكَ بِالْكَيْلِ ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ إذَا وَجَبَ اعْتِبَارُهُ ، اُعْتُبِرَ بِالْكَيْلِ فِيمَا لَهُ مِثْلٌ يَتَأَتَّى الْكَيْلُ فِيهِ .\rوَالثَّانِي ، يُقَسَّمُ عَلَى عَدَدِهَا ؛ لِأَنَّهُ لَا قِيمَةَ لَهَا ، فَاسْتَوَى صَغِيرُهَا وَكَبِيرُهَا وَإِنْ أَصْدَقَهَا عَشَرَةَ خَنَازِيرَ ، فَفِيهِ الْوَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، يُقَسَّمُ عَلَى عَدَدِهَا ؛ لِمَا ذَكَرْنَا ، وَالثَّانِي ، يُعْتَبَرُ قِيمَتُهَا كَأَنَّهَا مِمَّا يَجُوزُ بَيْعُهُ ، كَمَا تُقَوَّمُ شِجَاجُ الْحُرِّ كَأَنَّهُ عَبْدُ .\rوَإِنْ أَصْدَقَهَا كَلْبًا وَخِنْزِيرَيْنِ وَثَلَاثَةَ زُقَاقِ خَمْرٍ ، فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ ؛ أَحَدُهَا ، يُقَسَّمُ عَلَى قَدْرِ قِيمَتِهَا عِنْدَهُمْ .\rوَالثَّانِي ، يُقَسَّمُ عَلَى عَدَدِ الْأَجْنَاسِ ، فَيُجْعَلُ لِكُلِّ جِنْسٍ ثُلُثُ الْمَهْرِ .\rوَالثَّالِثُ ، يُقَسَّمُ عَلَى الْعَدَدِ كُلِّهِ ، فَلِكُلِّ وَاحِدٍ سُدُسُ الْمَهْرِ ، فَلِلْكَلْبِ سُدُسُهُ ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْخِنْزِيرَيْنِ وَالزُّقَاقِ سُدُسُهُ .\rوَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فِيهِ عَلَى نَحْوٍ مِنْ هَذَا .","part":15,"page":236},{"id":7236,"text":"( 5473 ) فَصْلٌ : فَإِنْ نَكَحَهَا نِكَاحًا فَاسِدًا ، وَهُوَ مَا لَا يُقَرُّونَ عَلَيْهِ إذَا أَسْلَمُوا ، كَنِكَاحِ ذَوَاتِ الرَّحِمِ الْمَحْرَمِ ، فَأَسْلَمَا قَبْلَ الدُّخُولِ ، أَوْ تَرَافَعُوا إلَيْنَا ، فُرِّقَ بَيْنَهُمَا ، وَلَا مَهْرَ لَهَا .\rقَالَ أَحْمَدُ ، فِي الْمَجُوسِيَّةِ تَكُونُ تَحْتَ أَخِيهَا أَوْ أَبِيهَا ، فَيُطَلِّقُهَا أَوْ يَمُوتُ عَنْهَا ، فَتَرْتَفِعُ إلَى الْمُسْلِمِينَ بِطَلَبِ مَهْرَهَا : لَا مَهْرَ لَهَا .\rوَذَلِكَ لِأَنَّهُ نِكَاحٌ بَاطِلٌ مِنْ أَصْلِهِ ، لَا يُقَرُّ عَلَيْهِ فِي الْإِسْلَامِ ، وَحَصَلَ فِيهِ الْفُرْقَةُ قَبْلَ الدُّخُولِ .\rفَأَمَّا إنْ دَخَلَ بِهَا ، فَهَلْ يَجِبُ لَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ ؟ يُخَرَّجُ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي الْمُسْلِمِ إذَا وَطِئَ امْرَأَةً مِنْ مَحَارِمِهِ بِشُبْهَةِ .","part":15,"page":237},{"id":7237,"text":"( 5474 ) فَصْلٌ : إذَا تَزَوَّجَ ذِمِّيٌّ ذِمِّيَّةً ، عَلَى أَنْ لَا صَدَاقَ لَهَا ، أَوْ سَكَتَ عَنْ ذِكْرِهِ ، فَلَهَا الْمُطَالَبَةُ بِفَرْضِهِ ، إنْ كَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ ، فَلَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ ، كَمَا فِي نِكَاحِ الْمُسْلِمِينَ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إنْ تَزَوَّجَهَا عَلَى أَنْ لَا مَهْرَ لَهَا ، فَلَا شَيْءَ لَهَا ، وَإِنْ سَكَتَ عَنْ ذِكْرِهِ ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، لَا مَهْرَ لَهَا .\rوَالْأُخْرَى : لَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ .\rوَاحْتَجَّ بِأَنَّ الْمَهْرَ يَجِبُ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى وَحَقِّهَا ، وَقَدْ أَسْقَطَتْ حَقَّهَا ، وَالذِّمِّيُّ لَا يُطَالَبُ بِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى .\rوَلَنَا ، أَنَّ هَذَا نِكَاحٌ خَلَا عَنْ تَسْمِيَةٍ ، فَيَجِبُ لِلْمَرْأَةِ فِيهِ مَهْرُ الْمِثْلِ كَالْمُسْلِمَةِ ، وَإِنَّمَا وَجَبَ الْمَهْرُ فِي حَقِّ الْمُفَوِّضَةِ لِئَلَّا تَصِيرَ كَالْمَوْهُوبَةِ وَالْمُبَاحَةِ ، وَهَذَا يُوجَدُ فِي حَقِّ الذِّمِّيِّ .","part":15,"page":238},{"id":7238,"text":"( 5475 ) فَصْلٌ : إذَا ارْتَفَعُوا إلَى الْحَاكِمِ فِي ابْتِدَاءِ الْعَقْدِ ، لَمْ يُزَوِّجْهُمْ إلَّا بِشُرُوطِ نِكَاحِ الْمُسْلِمِينَ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : { وَإِنْ حَكَمْت فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ } .\rوَقَوْلُهُ : { وَأَنْ اُحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ } .\rوَلِأَنَّهُ لَا حَاجَةَ إلَى عَقْدِهِ ، بِخِلَافِ ذَلِكَ وَإِنْ أَسْلَمُوا ، أَوْ تَرَافَعُوا إلَيْنَا بَعْدَ الْعَقْدِ ، لَمْ نَتَعَرَّضْ لِكَيْفِيَّةِ عَقْدِهِمْ ، وَنَظَرْنَا فِي الْحَالِ ؛ فَإِنْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ مِمَّنْ يَجُوزُ عَقْدُ النِّكَاحِ عَلَيْهَا ابْتِدَاءً ، أَقَرَّهُمَا ، وَإِنْ كَانَتْ مِمَّنْ لَا يَجُوزُ ابْتِدَاءُ نِكَاحِهَا ، كَذَوَاتِ مَحْرَمِهِ ، فَرَّقَ بَيْنَهُمَا .\rفَإِنْ تَزَوَّجَ مُعْتَدَّةً وَأَسْلَمَا ، أَوْ تَرَافَعَا فِي عِدَّتِهَا ، فَرَّقَ بَيْنَهُمَا ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ ابْتِدَاءُ نِكَاحِهَا ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ انْقِضَائِهَا ، أُقِرَّ لِجَوَازِ ابْتِدَاءِ نِكَاحِهَا .\rوَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا نِكَاحُ مُتْعَةٍ ، لَمْ يُقَرَّا عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ بَعْدَ الْمُدَّةِ ، فَلَمْ يَبْقَ بَيْنَهَا نِكَاحٌ ، وَإِنْ كَانَ فِي الْمُدَّةِ ، فَهُمَا لَا يَعْتَقِدَانِ تَأْبِيدَهُ ، وَالنِّكَاحُ عَقْدُ مُؤَبَّدٌ ، إلَّا أَنْ يَكُونَا مِمَّنْ يَعْتَقِدُ إفْسَادَ الشَّرْطِ وَصِحَّةَ النِّكَاحِ مُؤَبَّدًا ، فَيُقَرَّانِ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا نِكَاحٌ شُرِطَ فِيهِ الْخِيَارُ مَتَى شَاءَا أَوْ شَاءَ أَحَدُهُمَا ، لَمْ يُقَرَّا عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُمَا لَا يَعْتَقِدَانِ لُزُومَهُ ، إلَّا أَنْ يَعْتَقِدَا فَسَادَ الشَّرْطِ وَحْدَهُ .\rوَإِنْ كَانَ خِيَارَ مُدَّةٍ ، فَأَسْلَمَا فِيهَا ، لَمْ يُقَرَّا ؛ لِذَلِكَ .\rوَإِنْ كَانَ بَعْدَهَا أُقِرَّا ؛ لِأَنَّهُمَا يَعْتَقِدَانِ لُزُومَهُ .\rوَكُلُّ مَا اعْتَقَدُوهُ ، فَهُوَ نِكَاحٌ يُقَرُّونَ عَلَيْهِ ، وَمَا لَا فَلَا ، فَلَوْ مَهَرَ حَرْبِيٌّ حَرْبِيَّةً ، فَوَطِئَهَا ، أَوْ طَاوَعَتْهُ ، ثُمَّ أَسْلَمَا ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ فِي اعْتِقَادِهِمْ نِكَاحًا ، أُقِرَّا عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ نِكَاحٌ لَهُمْ فِي مَنْ يَجُوزُ ابْتِدَاءُ نِكَاحِهَا ، فَأُقِرَّا عَلَيْهِ ، كَالنِّكَاحِ بِلَا وَلِيٍّ ،","part":15,"page":239},{"id":7239,"text":"وَإِنْ لَمْ يَعْتَقِدَاهُ نِكَاحًا ، لَمْ يُقَرَّا عَلَيْهِ .","part":15,"page":240},{"id":7240,"text":"( 5476 ) فَصْلٌ : وَأَنْكِحَةُ الْكُفَّارِ تَتَعَلَّقُ بِهَا أَحْكَامُ النِّكَاحِ الصَّحِيحِ ، مِنْ وُقُوعِ الطَّلَاقِ ، وَالظِّهَارِ ، وَالْإِيلَاءِ ، وَوُجُوبِ الْمَهْرِ ، وَالْقَسَمِ ، وَالْإِبَاحَةِ لِلزَّوْجِ الْأَوَّلِ وَالْإِحْصَانِ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ .\rوَمِمَّنْ أَجَازَ طَلَاقَ الْكُفَّارِ ، عَطَاءٌ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَحَمَّادٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَلَمْ يُجَوِّزْهُ الْحَسَنُ ، وَقَتَادَةُ ، وَرَبِيعَةُ ، وَمَالِكٌ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ طَلَاقٌ مِنْ بَالِغٍ عَاقِلٍ فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ ، فَوَقَعَ ، كَطَلَاقِ الْمُسْلِمِ فَإِنْ قِيلَ : لَا نُسَلِّمُ صِحَّةَ أَنْكِحَتِهِمْ .\rقُلْنَا : دَلِيلُ ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَضَافَ النِّسَاءَ إلَيْهِمْ فَقَالَ : { وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ } .\rوَقَالَ : { امْرَأَةَ فِرْعَوْنَ } .\rوَحَقِيقَةُ الْإِضَافَةِ تَقْتَضِي زَوْجِيَّةً صَحِيحَةً .\rوَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { وُلِدْت مِنْ نِكَاحٍ ، لَا مِنْ سِفَاحٍ } .\rوَإِذَا ثَبَتَ صِحَّتُهَا ، ثَبَتَتْ أَحْكَامُهَا ، كَأَنْكِحَةِ الْمُسْلِمِينَ .\rفَعَلَى هَذَا ، إذَا طَلَّقَ الْكَافِرُ ثَلَاثًا ، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا قَبْلَ زَوْجٍ ، وَأَصَابَهَا ، ثُمَّ أَسْلَمَا ، لَمْ يُقَرَّا عَلَيْهِ وَإِنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ ، ثُمَّ أَسْلَمَا ، فَهِيَ عِنْدَهُ عَلَى مَا بَقِيَ مِنْ طَلَاقِهَا .\rوَإِنْ نَكَحَهَا كِتَابِيٌّ وَأَصَابَهَا ، حَلَّتْ لِمُطَلِّقِهَا ثَلَاثًا ، سَوَاءٌ كَانَ الْمُطَلِّقُ مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا .\rوَإِنْ ظَاهَرَ الذِّمِّيُّ مِنْ امْرَأَتِهِ ، ثُمَّ أَسْلَمَا ، فَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ الظِّهَارِ ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى { وَاَلَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ } وَإِنْ آلَى ، ثَبَتَ حُكْمُ الْإِيلَاءِ ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ } .","part":15,"page":241},{"id":7241,"text":"( 5477 ) فَصْلٌ : وَيَحْرُمُ عَلَيْهِمْ فِي النِّكَاحِ مَا يَحْرُمُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي الْبَابِ قَبْلَهُ ، إلَّا أَنَّهُمْ يُقَرُّونَ عَلَى الْأَنْكِحَةِ الْمُحَرَّمَةِ بِشَرْطَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، أَنْ لَا يَتَرَافَعُوا إلَيْنَا .\rوَالثَّانِي أَنْ يَعْتَقِدُوا إبَاحَةَ ذَلِكَ فِي دِينِهِمْ ؛ لِأَنَّ اللَّهِ تَعَالَى قَالَ : { فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا } فَدَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّهُمْ يُخَلَّوْنَ وَأَحْكَامَهُمْ إذَا لَمْ يَجِيئُوا إلَيْنَا ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخَذَ الْجِزْيَةَ مِنْ مَجُوسِ هَجَرَ ، وَلَمْ يَعْتَرِضْ عَلَيْهِمْ فِي أَحْكَامِهِمْ وَلَا فِي أَنْكِحَتِهِمْ ، مَعَ عِلْمِهِ أَنَّهُمْ يَسْتَبِيحُونَ نِكَاحَ مَحَارِمِهِمْ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ ، فِي مَجُوسِيٍّ تَزَوَّجَ نَصْرَانِيَّةً ، قَالَ : يُحَالُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا .\rقِيلَ : مَنْ يَحُولُ بَيْنَهُمَا ؟ قَالَ الْإِمَامُ .\rقَالَ أَبُو بَكْرٍ ؛ لِأَنَّ عَلَيْنَا ضَرَرًا فِي ذَلِكَ .\rيَعْنِي بِتَحْرِيمِ أَوْلَادِ النَّصْرَانِيَّةِ عَلَيْنَا .\rوَهَكَذَا يَجِيءُ عَلَى قَوْلِهِ فِي تَزْوِيجِ النَّصْرَانِيِّ الْمَجُوسِيَّةَ ، وَيَجِيءُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ أَنْ يُحَالَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ نِكَاحِ مَحَارِمِهِمْ ؛ فَإِنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَتَبَ ، أَنْ فَرِّقُوا بَيْنَ كُلِّ مَحْرَمٍ مِنْ الْمَجُوسِ .\rوَقَالَ أَحْمَدُ ، فِي مَجُوسِيٍّ مَلَكَ أَمَةً نَصْرَانِيَّةً : يُحَالُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا ، وَيُجْبَرُ عَلَى بَيْعِهَا ؛ لِأَنَّ النَّصَارَى لَهُمْ دِينٌ .\rفَإِنْ مَلَكَ نَصْرَانِيٌّ مَجُوسِيَّةً ، فَلَا بَأْسَ أَنْ يَطَأَهَا .\rوَقَالَ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ : لَا يَجُوزُ لَهُ وَطْؤُهَا أَيْضًا ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ الضَّرَرِ .","part":15,"page":242},{"id":7242,"text":"مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَلَوْ تَزَوَّجَهَا ، وَهُمَا مُسْلِمَانِ ، فَارْتَدَّتْ قَبْلَ الدُّخُولِ ، انْفَسَخَ النِّكَاحُ ، وَلَا مَهْرَ لَهَا .\rوَإِنْ كَانَ هُوَ الْمُرْتَدَّ قَبْلَهَا وَقَبْلَ الدُّخُولِ ، فَكَذَلِكَ ، إلَّا أَنَّ عَلَيْهِ نِصْفَ الْمَهْرِ ) .\rوَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا ارْتَدَّ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ قَبْلَ الدُّخُولِ ، انْفَسَخَ النِّكَاحُ ، فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، إلَّا أَنَّهُ حُكِيَ عَنْ دَاوُد ، أَنَّهُ لَا يَنْفَسِخُ بِالرِّدَّةِ ، لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ النِّكَاحِ وَلَنَا ، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ } وَقَالَ تَعَالَى : { فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ } وَلِأَنَّهُ اخْتِلَافُ دِينٍ يَمْنَعُ الْإِصَابَةَ ، فَأَوْجَبَ فَسْخَ النِّكَاحِ ، كَمَا لَوْ أَسْلَمَتْ تَحْتَ كَافِرٍ .\rثُمَّ يُنْظَرُ ؛ فَإِنْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ هِيَ الْمُرْتَدَّةَ ، فَلَا مَهْرَ لَهَا ؛ لِأَنَّ الْفَسْخَ مِنْ قِبَلِهَا ، وَإِنْ كَانَ الرَّجُلُ هُوَ الْمُرْتَدَّ ، فَعَلَيْهِ نِصْفُ الْمَهْرِ ؛ لِأَنَّ الْفَسْخَ مِنْ جِهَتِهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ طَلَّقَ ، وَإِنْ كَانَتْ التَّسْمِيَةُ فَاسِدَةً ، فَعَلَيْهِ نِصْفُ مَهْرِ الْمِثْلِ .","part":15,"page":243},{"id":7243,"text":"( 5479 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِنْ كَانَتْ رِدَّتُهَا بَعْدَ الدُّخُولِ ، فَلَا نَفَقَةَ لَهَا .\rوَإِنْ لَمْ تُسْلِمْ حَتَّى انْقَضَتْ عِدَّتُهَا ، انْفَسَخَ نِكَاحُهَا ، وَلَوْ كَانَ هُوَ الْمُرْتَدُّ بَعْدَ الدُّخُولِ ، فَلَمْ يَعُدْ إلَى الْإِسْلَامِ حَتَّى انْقَضَتْ عِدَّتُهَا ، انْفَسَخَ النِّكَاحُ مُنْذُ اخْتَلَفَ الدِّينَانِ ) اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ ، فِيمَا إذَا ارْتَدَّ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ بَعْدَ الدُّخُولِ ، حَسْبَ اخْتِلَافِهَا فِيمَا إذَا أَسْلَمَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ الْكَافِرَيْنِ ، فَفِي إحْدَاهُمَا تَتَعَجَّلُ الْفُرْقَةُ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٍ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ الْحَسَنِ ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَزُفَرَ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ ؛ لِأَنَّ مَا أَوْجَبَ فَسْخَ النِّكَاحِ اسْتَوَى فِيهِ مَا قَبْلَ الدُّخُولِ وَبَعْدَهُ ، كَالرَّضَاعِ .\rوَالثَّانِيَةِ ، يَقِفُ عَلَى انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ ، فَإِنْ أَسْلَمَ الْمُرْتَدُّ قَبْلَ انْقِضَائِهَا ، فَهُمَا عَلَى النِّكَاحِ ، وَإِنْ لَمْ يُسْلِمْ حَتَّى انْقَضَتْ ، بَانَتْ مُنْذُ اخْتَلَفَ الدِّينَانِ وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ لَفْظٌ تَقَعُ بِهِ الْفُرْقَةُ ، فَإِذَا وُجِدَ بَعْدَ الدُّخُولِ ، جَازَ أَنْ يَقِفَ عَلَى انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ ، كَالطَّلَاقِ الرَّجْعِيِّ ، أَوْ اخْتِلَافِ دِينٍ بَعْدَ الْإِصَابَةِ ، فَلَا يُوجِبُ فَسْخَهُ فِي الْحَالِ ، كَإِسْلَامِ الْحَرْبِيَّةِ تَحْتَ الْحَرْبِيِّ ، وَقِيَاسُهُ ، عَلَى إسْلَامِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ أَقْرَبُ مِنْ قِيَاسِهِ عَلَى الرَّضَاعِ .\rفَأَمَّا النَّفَقَةُ ، فَإِنْ قُلْنَا بِتَعْجِيلِ الْفُرْقَةِ ، فَلَا نَفَقَةَ لَهَا ؛ لِأَنَّهَا بَائِنٌ مِنْهُ وَإِنْ قُلْنَا : يَقِفُ عَلَى انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ .\rوَكَانَتْ الْمَرْأَةُ الْمُرْتَدَّةَ ، فَلَا نَفَقَةَ لَهَا ؛ لِأَنَّهُ لَا سَبِيلَ لِلزَّوْجِ إلَى رَجْعَتِهَا ، وَتَلَافِي نِكَاحِهَا ، فَلَمْ يَكُنْ لَهَا نَفَقَةُ ، كَمَا بَعْدَ الْعِدَّةِ .\rوَإِنْ كَانَ هُوَ الْمُرْتَدَّ ، فَعَلَيْهِ النَّفَقَةُ لِلْعِدَّةِ ، لِأَنَّهُ بِسَبِيلٍ مِنْ الِاسْتِمْتَاعِ بِهَا بِأَنْ يُسْلِمَ ، وَيُمْكِنُهُ تَلَافِي نِكَاحِهَا ،","part":15,"page":244},{"id":7244,"text":"فَكَانَتْ النَّفَقَةُ وَاجِبَةً عَلَيْهِ ، كَزَوْجِ الرَّجْعِيَّةِ .","part":15,"page":245},{"id":7245,"text":"( 5480 ) فَصْلٌ : فَإِنْ ارْتَدَّ الزَّوْجَانِ مَعًا ، فَحُكْمُهُمَا حُكْمُ مَا لَوْ ارْتَدَّ أَحَدُهُمَا ؛ إنْ كَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ تَعَجَّلَتْ الْفُرْقَةُ ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ ، فَهَلْ تَتَعَجَّلُ ، أَوْ يَقِفُ عَلَى انْقِضَاء الْعِدَّةِ ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rقَالَ أَحْمَدُ ، فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ : إذَا ارْتَدَّا مَعًا ، أَوْ أَحَدُهُمَا ، ثُمَّ تَابَا ، أَوْ تَابَ ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا ، مَا لَمْ تَنْقَضِ الْعِدَّةُ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَنْفَسِخُ النِّكَاحُ اسْتِحْسَانًا ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَخْتَلِفْ بِهِمَا الدِّينُ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَسْلَمَا .\rوَلَنَا ، أَنَّهَا رِدَّةٌ طَارِئَةٌ عَلَى النِّكَاحِ ، فَوَجَبَ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِهَا فَسْخُهُ ، كَمَا لَوْ ارْتَدَّ أَحَدُهُمَا ، وَلِأَنَّ كُلَّ مَا زَالَ عَنْهُ مِلْكُ الْمُرْتَدِّ إذَا ارْتَدَّ وَحْدَهُ ، زَالَ إذَا ارْتَدَّ غَيْرُهُ مَعَهُ ، كَمَالِهِ ، وَمَا ذَكَرُوهُ يَبْطُلُ بِمَا إذَا انْتَقَلَ الْمُسْلِمُ وَالْيَهُودِيَّةُ إلَى دِينِ النَّصْرَانِيَّةِ ، فَإِنَّ نِكَاحَهُمَا يَنْفَسِخُ ، وَقَدْ انْتَقَلَا إلَى دِينٍ وَاحِدٍ وَأَمَّا إذَا أَسْلَمَا ، فَقَدْ انْتَقِلَا إلَى دِينِ الْحَقِّ ، وَيُقَرَّانِ عَلَيْهِ ، بِخِلَافِ الرِّدَّةِ .","part":15,"page":246},{"id":7246,"text":"( 5481 ) فَصْلٌ : إذَا ارْتَدَّ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ ، أَوْ ارْتَدَّا مَعًا ، مُنِعَ وَطْؤُهَا ، فَإِنْ وَطِئَهَا فِي عِدَّتِهَا ، وَقُلْنَا : إنَّ الْفُرْقَةَ تَعَجَّلَتْ .\rفَلَهَا عَلَيْهِ مَهْرُ مِثْلِهَا لِهَذَا الْوَطْءِ ، مَعَ الَّذِي يَثْبُتْ عَلَيْهِ بِالنِّكَاحِ ؛ لِأَنَّهُ وَطِئَ أَجْنَبِيَّةً ، فَيَكُونُ عَلَيْهِ مَهْرُ مِثْلِهَا .\rوَإِنْ قُلْنَا : إنَّ الْفُرْقَةَ مَوْقُوفَةٌ عَلَى انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ .\rفَأَسْلَمَ الْمُرْتَدُّ مِنْهُمَا ، أَوْ أَسْلَمَا جَمِيعًا فِي عِدَّتِهَا ، وَكَانَتْ الرِّدَّةُ مِنْهُمَا ، فَلَا مَهْرَ لَهَا عَلَيْهِ بِهَذَا الْوَطْءِ ؛ لِأَنَّا تَبَيَّنَّا أَنَّ النِّكَاحَ لَمْ يَزُلْ ، وَأَنَّهُ وَطِئَهَا وَهِيَ زَوْجَتُهُ .\rوَإِنْ ثَبَتَا ، أَوْ ثَبَتَ الْمُرْتَدُّ مِنْهُمَا عَلَى الرِّدَّةِ ، حَتَّى انْقَضَتْ عِدَّتُهَا ، فَلَهَا عَلَيْهِ مَهْرُ الْمِثْلِ لِهَذَا الْوَطْءِ ؛ لِأَنَّهُ وَطْءٌ فِي غَيْرِ نِكَاحٍ يُشْبِهُ النِّكَاحَ ، لِأَنَّنَا تَبَيَّنَّا أَنَّ الْفُرْقَةَ وَقَعَتْ مُنْذُ اخْتَلَفَ الدِّينَانِ وَكَذَا الْحُكْمُ فِيمَا إذَا أَسْلَمَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ بَعْدَ الدُّخُولِ ، فَوَطِئَهَا فِي الْعِدَّةِ قَبْلَ إسْلَامِ الْآخَرِ ، فَالْحُكْمُ فِيهِ مِثْلُ الْحُكْمِ هَاهُنَا ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ التَّعْلِيلِ فِيهِ .","part":15,"page":247},{"id":7247,"text":"( 5482 ) فَصْلٌ : وَإِذَا أَسْلَمَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ ، ثُمَّ ارْتَدَّ ، نَظَرْت ؛ فَإِنْ لَمْ يُسْلِمْ الْآخَرُ فِي الْعِدَّةِ ، تَبَيَّنَّا أَنَّ وُقُوعَ الْفُرْقَةِ كَانَ مُنْذُ اخْتَلَفَ الدِّينَانِ ، وَعِدَّتُهَا مِنْ حِينَ أَسْلَمَ الْمُسْلِمُ مِنْهُمَا ، وَإِنْ أَسْلَمَ الْأُخَرُ مِنْهُمَا فِي الْعِدَّةِ قَبْلَ ارْتِدَادِ الْأَوَّلِ ، اُعْتُبِرَ ابْتِدَاءُ الْعِدَّةِ مِنْ حِينَ ارْتَدَّ ؛ لِأَنَّ حُكْمَ اخْتِلَافِ الدِّينِ بِإِسْلَامِ الْأَوَّلِ زَالَ بِإِسْلَامِ الثَّانِي فِي الْعِدَّةِ وَلَوْ أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ ، فَأَسْلَمْنَ مَعَهُ ، ثُمَّ ارْتَدَّ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَخْتَارَ مِنْهُنَّ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَبْتَدِئَ الْعَقْدَ عَلَيْهِنَّ فِي هَذِهِ الْحَالِ .\rوَكَذَلِكَ لَوْ ارْتَدَدْنَ دُونَهُ أَوْ مَعَهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَخْتَارَ مِنْهُنَّ لِذَلِكَ .","part":15,"page":248},{"id":7248,"text":"( 5483 ) فَصْلٌ : وَإِذَا تَزَوَّجَ الْكَافِرُ بِمَنْ لَا يُقَرُّ عَلَى نِكَاحِهِ فِي الْإِسْلَامِ ، مِثْلُ أَنْ جَمَعَ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ ، أَوْ بَيْنَ عَشْرِ نِسْوَةٍ ، أَوْ نَكَحَ مُعْتَدَّةً أَوْ مُرْتَدَّةً ، ثُمَّ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا ، ثُمَّ أَسْلَمَا ، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَنْكِحَهَا ؛ لِأَنَّنَا أَجْرَيْنَا أَحْكَامَهُمْ عَلَى الصِّحَّةِ فِيمَا يَعْتَقِدُونَهُ فِي النِّكَاحِ ، فَكَذَلِكَ فِي الطَّلَاقِ ، وَلِهَذَا جَازَ لَهُ إمْسَاكُ الثَّانِيَةِ مِنْ الْأُخْتَيْنِ ، وَالْخَامِسَةِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهَا آخِرًا .","part":15,"page":249},{"id":7249,"text":"( 5484 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِذَا زَوَّجَهُ وَلِيَّتَهُ ، عَلَى أَنْ يُزَوِّجَهُ الْآخَرُ وَلِيَّتَهُ ، فَلَا نِكَاحَ بَيْنَهُمَا ، وَإِنْ سَمَّوْا مَعَ ذَلِكَ صَدَاقًا أَيْضًا ) .\rهَذَا النِّكَاحُ يُسَمَّى الشِّغَارَ .\rفَقِيلَ : إنَّمَا سُمِّيَ شِغَارًا لِقُبْحِهِ ، تَشْبِيهًا بِرَفْعِ الْكَلْبِ رِجْلَهُ لِيَبُولَ ، فِي الْقُبْحِ .\rيُقَالُ : شَغَرَ الْكَلْبُ : إذَا رَفَعَ رِجْلَهُ لِيَبُولَ ، وَحُكِيَ عَنْ الْأَصْمَعِيِّ أَنَّهُ قَالَ : الشِّغَارُ : الرَّفْعُ .\rفَكَأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا رَفَعَ رِجْلَهُ لِلْآخِرِ عَمَّا يُرِيدُ .\rوَلَا تَخْتَلِفُ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ ، فِي أَنَّ نِكَاحَ الشِّغَارِ فَاسِدٌ .\rرَوَاهُ عَنْهُ جَمَاعَةٌ .\rقَالَ أَحْمَدُ : وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ ، وَزِيدَ بْنِ ثَابِتٍ ، أَنَّهُمَا فَرَّقَا فِيهِ .\rوَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ وَإِسْحَاقَ حُكِيَ عَنْ عَطَاءٍ ، وَعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، وَمَكْحُولٍ ، وَالزُّهْرِيِّ ، وَالثَّوْرِيِّ ، أَنَّهُ يَصِحُّ ، وَتَفْسُدُ التَّسْمِيَةُ ، وَيَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ ؛ لِأَنَّ الْفَسَادَ مِنْ قِبَلِ الْمَهْرِ لَا يُوجِبُ فَسَادَ الْعَقْدِ ، كَمَا لَوْ تَزَوَّجَ عَلَى خَمْرٍ أَوْ خِنْزِيرٍ ، وَهَذَا كَذَلِكَ وَلَنَا ، مَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { نَهَى عَنْ الشِّغَارِ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ مِثْلَهُ .\rأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ .\rوَرَوَى الْأَثْرَمُ بِإِسْنَادٍ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { لَا جَلَبَ ، وَلَا جَنْبَ ، وَلَا شِغَارَ فِي الْإِسْلَامِ } .\rوَلِأَنَّهُ جَعَلَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْعَقْدَيْنِ سَلَفًا فِي الْآخَرِ ، فَلَمْ يَصِحَّ ، كَمَا لَوْ قَالَ : بِعْنِي ثَوْبَك عَلَى أَنَّ أَبِيعَك ثَوْبِي .\rوَقَوْلُهُمْ : إنَّ فَسَادَهُ مِنْ قِبَلِ التَّسْمِيَةِ .\rقُلْنَا : لَا بَلْ فَسَادُهُ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ وَقَفَهُ عَلَى شَرْطٍ فَاسِدٍ ، أَوْ لِأَنَّهُ شَرَطَ تَمْلِيكَ الْبِضْعِ لِغَيْرِ الزَّوْجِ ، فَإِنَّهُ جَعَلَ تَزْوِيجَهُ إيَّاهَا مَهْرًا لِلْأُخْرَى ، فَكَأَنَّهُ مَلَّكَهُ إيَّاهُ بِشَرْطِ انْتِزَاعِهِ مِنْهُ إذَا ثَبَتَ","part":15,"page":250},{"id":7250,"text":"هَذَا ، فَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَقُولَ : عَلَى أَنَّ صَدَاقَ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بُضْعُ الْأُخْرَى .\rأَوْ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : هُوَ أَنْ يَقُولَ ذَلِكَ ، وَلَا يُسَمِّي لِكُلِّ وَاحِدَةٍ صَدَاقًا ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { نَهَى عَنْ الشِّغَارِ } ، وَالشِّغَارُ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ : زَوَّجْتُك بِنْتِي عَلَى أَنْ تُزَوِّجَنِي بِنْتَك .\rوَيَكُونُ بُضْعُ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مَهْرَ الْأُخْرَى وَلَنَا مَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { نَهَى عَنْ الشِّغَارِ ، وَالشِّغَارُ أَنْ يُزَوِّجَ الرَّجُلُ ابْنَتَهُ عَلَى أَنْ يُزَوِّجَهُ ابْنَتَهُ ، وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا صَدَاقٌ .\r} هَذَا لَفْظُ الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ .\rوَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ : { وَالشِّغَارُ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ : زَوِّجْنِي ابْنَتَك ، وَأُزَوِّجُكَ ابْنَتِي ، أَوْ زَوِّجْنِي أُخْتَك ، وَأُزَوِّجُك أُخْتِي .\r} رَوَاهُ مُسْلِمُ .\rوَهَذَا يَجِبُ تَقْدِيمُهُ لِصِحَّتِهِ ، وَعَلَى أَنَّهُ قَدْ أَمْكَنَ الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا بِأَنْ يُعْمَلَ بِالْجَمِيعِ .\rوَيَفْسُدُ النِّكَاحُ بِأَيِّ ذَلِكَ كَانَ وَلِأَنَّهُ إذَا شَرَطَ فِي نِكَاحِ إحْدَاهُمَا تَزْوِيجَ الْأُخْرَى ، فَقَدْ جَعَلَ بُضْعَ كُلِّ وَاحِدَةٍ صَدَاقَ الْأُخْرَى ، فَفَسَدَ ، كَمَا لَوْ لَفَظَ بِهِ ، فَأَمَّا إنْ سَمَّوْا مَعَ ذَلِكَ صَدَاقًا ، فَقَالَ : زَوَّجْتُك ابْنَتِي ، عَلَى أَنْ تُزَوِّجُنِي ابْنَتَك ، وَمَهْرُ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مِائَةٌ ، أَوْ مَهْرُ ابْنَتِي مِائَةٌ وَمَهْرُ ابْنَتِك خَمْسُونَ ، أَوْ أَقَلُّ أَوْ أَكْثَرُ ، فَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ ، فِيمَا وَقَفْنَا عَلَيْهِ ، صِحَّتُهُ .\rوَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ، وَلِأَنَّهُ قَدْ سَمَّى صَدَاقًا ، فَصَحَّ ، كَمَا لَوْ لَمْ يَشْتَرِطْ ذَلِكَ .\rوَقَالَ الْخِرَقِيِّ : لَا يَصِحُّ ؛ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَلِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد ، عَنْ الْأَعْرَجِ ، أَنَّ الْعَبَّاسَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَبَّاسِ ، أَنْكَحَ عَبْدَ الرَّحْمَنَ بْنَ","part":15,"page":251},{"id":7251,"text":"الْحَكَمِ ابْنَتَهُ ، وَأَنْكَحَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ ابْنَتَهُ ، وَكَانَا جَعَلَا صَدَاقًا ، فَكَتَبَ مُعَاوِيَةُ إلَى مَرْوَانَ ، فَأَمَرَهُ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُمَا ، وَقَالَ فِي كِتَابِهِ : هَذَا الشِّغَارُ الَّذِي نَهَى عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rوَلِأَنَّهُ شَرَطَ نِكَاحَ إحْدَاهُمَا لِنِكَاحِ الْأُخْرَى ، فَلَمْ يَصِحَّ ، كَمَا لَوْ لَمْ يُسَمِّيَا صَدَاقًا يُحَقِّقُهُ أَنَّ عَدَمَ التَّسْمِيَةِ لَيْسَ بِمُفْسِدِ لِلْعَقْدِ ، بِدَلِيلِ نِكَاحِ الْمُفَوِّضَةِ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُفْسِدَ هُوَ الشَّرْطُ ، وَقَدْ وُجِدَ ، وَلِأَنَّهُ سَلَفٌ فِي عَقْدٍ ، فَلَمْ يَصِحَّ ، كَمَا لَوْ قَالَ : بِعْتُك ثَوْبِي بِعَشْرَةِ ، عَلَى أَنْ تَبِيعَنِي ثَوْبَك بِعِشْرِينَ .\rوَهَذَا الِاخْتِلَافُ فِيمَا إذَا لَمْ يُصَرِّحْ بِالتَّشْرِيكِ ، فَأَمَّا إذَا قَالَ : زَوَّجْتُك ابْنَتِي ، عَلَى أَنْ تُزَوِّجَنِي ابْنَتَك ، وَمَهْرُ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مِائَةٌ وَبُضْعُ الْأُخْرَى .\rفَالنِّكَاحُ فَاسِدٌ ؛ لِأَنَّهُ صَرَّحَ بِالتَّشْرِيكِ ، فَلَمْ يَصِحَّ الْعَقْدُ ، كَمَا لَوْ لَمْ يَذْكُرْ مُسَمًّى ( 5485 ) فَصْلٌ : وَمَتَى قُلْنَا بِصِحَّةِ الْعَقْدِ إذَا سَمَّيَا صَدَاقًا ، فَفِيهِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا ، تَفْسُدُ التَّسْمِيَةُ ، وَيَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ .\rوَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَمْ يَرْضَ بِالْمُسَمَّى إلَّا بِشَرْطِ أَنْ يُزَوِّجَ وَلِيُّهُ صَاحِبَهُ ، فَيَنْقُصَ الْمَهْرُ لِهَذَا الشَّرْطِ ، وَهُوَ بَاطِلٌ ، فَإِذَا احْتَجْنَا إلَى ضَمَانِ النَّقْصِ ، صَارَ الْمُسَمَّى مَجْهُولًا ، فَبَطَلَ .\rوَالْوَجْهُ الَّذِي ذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي ( الْجَامِعِ ) ، أَنَّهُ يَجِبُ الْمُسَمَّى ؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَ قَدْرًا مَعْلُومًا يَصْحُ أَنْ يَكُونَ مَهْرًا ، فَصَحَّ ، كَمَا لَوْ قَالَ : زَوَّجْتُك ابْنَتِي عَلَى أَلْفٍ ، عَلَى أَنَّ لِي مِنْهَا مِائَةً .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":15,"page":252},{"id":7252,"text":"( 5486 ) فَصْلٌ : وَإِنْ سَمَّى لِإِحْدَاهُمَا مَهْرًا دُونَ الْأُخْرَى ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : يَفْسُدُ النِّكَاحُ فِيهِمَا ؛ لِأَنَّهُ فَسَدَ فِي إحْدَاهُمَا ، فَفَسَدَ فِي الْأُخْرَى .\rوَالْأَوْلَى أَنَّهُ يَفْسُدُ فِي الَّتِي لَمْ يُسَمِّ لَهَا صَدَاقًا ؛ لِأَنَّ نِكَاحَهَا خَلَا مِنْ صَدَاقٍ سِوَى نِكَاحِ الْأُخْرَى ، وَيَكُونُ فِي الَّتِي سَمَّى لَهَا صَدَاقًا رِوَايَتَانِ ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَسْمِيَةً وَشَرْطًا ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ سَمَّى لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مَهْرًا ذَكَرَهُ الْقَاضِي هَكَذَا .\r( 5487 ) فَصْلٌ : فَإِنْ قَالَ : زَوَّجْتُك جَارِيَتِي هَذِهِ ، عَلَى أَنْ تُزَوِّجَنِي ابْنَتَك وَتَكُونُ رَقَبَتُهَا صَدَاقًا لِابْنَتِك .\rلَمْ يَصِحَّ تَزْوِيجُ الْجَارِيَةِ ، فِي قِيَاسِ الْمَذْهَبِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ لَهَا صَدَاقًا سِوَى تَزْوِيجِ ابْنَتِهِ وَإِذَا زَوَّجَهُ ابْنَتَهُ ، عَلَى أَنْ يَجْعَلَ رَقَبَةَ الْجَارِيَةِ صَدَاقًا لَهَا ، صَحَّ ؛ لِأَنَّ الْجَارِيَةَ تَصْلُحُ أَنْ تَكُونَ صَدَاقًا .\rوَإِنْ زَوَّجَ عَبْدَهُ امْرَأَةً ، وَجَعَلَ رَقَبَتَهُ صَدَاقًا لَهَا ، لَمْ يَصِحَّ الصَّدَاقُ ؛ لِأَنَّ مِلْكَ الْمَرْأَةِ زَوْجَهَا يَمْنَعُ صِحَّةَ النِّكَاحِ ، فَيَفْسُدُ الصَّدَاقُ ، وَيَصِحُّ النِّكَاحُ ، وَيَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ .","part":15,"page":253},{"id":7253,"text":"( 5488 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَلَا يَجُوزُ نِكَاحُ الْمُتْعَةِ ) مَعْنَى نِكَاحِ الْمُتْعَةِ أَنْ يَتَزَوَّجَ الْمَرْأَةَ مُدَّةً ، مِثْلُ أَنْ يَقُولَ : زَوَّجْتُك ابْنَتِي شَهْرًا ، أَوْ سَنَةً ، أَوْ إلَى انْقِضَاءِ الْمَوْسِمِ ، أَوْ قُدُومِ الْحَاجِّ .\rوَشِبْهَهُ ، سَوَاءٌ كَانَتْ الْمُدَّةُ مَعْلُومَةً أَوْ مَجْهُولَةً .\rفَهَذَا نِكَاحٌ بَاطِلٌ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، فَقَالَ : نِكَاحُ الْمُتْعَةِ حَرَامٌ .\rوَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : فِيهَا رِوَايَةٌ أُخْرَى ، أَنَّهَا مَكْرُوهَةٌ غَيْرُ حَرَامٍ ؛ لِأَنَّ ابْنَ مَنْصُورٍ سَأَلَ أَحْمَدَ عَنْهَا ، فَقَالَ : يَجْتَنِبُهَا أَحَبُّ إلَى .\rوَقَالَ فَظَاهِرُ هَذَا الْكَرَاهَةُ دُونَ التَّحْرِيمِ .\rوَغَيْرُ أَبِي بَكْرٍ مِنْ أَصْحَابِنَا يَمْنَعُ هَذَا ، وَيَقُولُ : فِي الْمَسْأَلَةِ رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ فِي تَحْرِيمِهَا .\rوَهَذَا قَوْلُ عَامَّةِ الصَّحَابَةِ وَالْفُقَهَاءِ .\rوَمِمَّنْ رُوِيَ عَنْهُ تَحْرِيمُهَا عُمَرُ ، وَعَلِيٌّ ، وَابْنُ عُمَرَ ، وَابْنُ مَسْعُودٍ ، وَابْنُ الزُّبَيْرِ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : وَعَلَى تَحْرِيمِ الْمُتْعَةِ مَالِكٌ ، وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ فِي أَهْلِ الْعِرَاقِ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ فِي أَهْلِ الشَّامِ ، وَاللَّيْثُ فِي أَهْلِ مِصْرَ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَسَائِرُ أَصْحَابِ الْآثَارِ وَقَالَ زُفَرُ : يَصِحُّ النِّكَاحُ ، وَيَبْطُلُ الشَّرْطُ .\rوَحُكِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّهَا جَائِزَةٌ .\rوَعَلَيْهِ أَكْثَرُ أَصْحَابِ عَطَاءِ وَطَاوُسٍ .\rوَبِهِ قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ وَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، وَجَابِرٍ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشِّيعَةُ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَذِنَ فِيهَا ، وَرُوِيَ أَنَّ عُمَرَ قَالَ : { مُتْعَتَانِ كَانَتَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَفَأَنْهَى عَنْهُمَا ، وَأُعَاقِبُ عَلَيْهِمَا ؛ مُتْعَةُ النِّسَاءِ ، وَمُتْعَةُ الْحَجِّ .\r} وَلِأَنَّهُ عَقْدٌ عَلَى مَنْفَعَةٍ ، فَيَكُونُ مُؤَقَّتًا ، كَالْإِجَارَةِ .\rوَلَنَا مَا رَوَى الرَّبِيعُ بْنُ سَبْرَةَ ، أَنَّهُ قَالَ أَشْهَدُ عَلَى أَبِي ، أَنَّهُ حَدَّثَ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى","part":15,"page":254},{"id":7254,"text":"اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْهُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ } .\rوَفِي لَفْظٍ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { حَرَّمَ مُتْعَةَ النِّسَاءِ .\r} .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَفِي لَفْظٍ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { يَا أَيُّهَا النَّاسُ ، إنِّي كُنْت أَذِنْت لَكُمْ فِي الِاسْتِمْتَاعِ ، أَلَا وَإِنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَهَا إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ } .\rوَرُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ مُتْعَةِ النِّسَاءِ يَوْمَ خَيْبَرَ ، وَعَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ .\r} رَوَاهُ مَالِكٌ ، فِي ( الْمُوَطَّأِ ) وَأَخْرَجَهُ الْأَئِمَّةُ النَّسَائِيّ وَغَيْرُهُ وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ هَذَيْنِ الْخَبَرَيْنِ ، فَقَالَ قَوْمُ : فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ ، وَتَقْدِيرُهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ يَوْمَ خَيْبَرَ ، وَنَهَى عَنْ مُتْعَةِ النِّسَاءِ ، وَلَمْ يَذْكُرْ مِيقَاتَ النَّهْيِ عَنْهَا ، وَقَدْ بَيَّنَهُ الرَّبِيعُ بْنُ سَبْرَةَ فِي حَدِيثِهِ ، أَنَّهُ كَانَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ .\rحَكَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ قَوْمٍ ، وَذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا أَعْلَمُ شَيْئًا أَحَلَّهُ اللَّهِ ثُمَّ حَرَّمَهُ ، ثُمَّ أَحَلَّهُ ثُمَّ حَرَّمَهُ ، إلَّا الْمُتْعَةَ .\rفَحَمَلَ الْأَمْرَ عَلَى ظَاهِرِهِ ، وَأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَرَّمَهَا يَوْمَ خَيْبَرَ ، ثُمَّ أَحَلَّهَا فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ، ثُمَّ حَرَّمَهَا ، وَلِأَنَّهُ لَا تَتَعَلَّقُ بِهِ أَحْكَامُ النِّكَاحِ ، مِنْ الطَّلَاقِ ، وَالظِّهَارِ ، وَاللِّعَانِ ، وَالتَّوَارُثِ ، فَكَانَ بَاطِلًا ، كَسَائِرِ الْأَنْكِحَةِ الْبَاطِلَةِ .\rوَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ ، فَقَدْ حُكِيَ عَنْهُ الرُّجُوعُ عَنْهُ ، فَرَوَى أَبُو بَكْرٍ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، قَالَ : قُلْت لِابْنِ عَبَّاسٍ : لَقَدْ كَثُرَتْ الْقَالَةُ فِي الْمُتْعَةِ ، حَتَّى قَالَ","part":15,"page":255},{"id":7255,"text":"فِيهَا الشَّاعِرُ : أَقُولُ وَقَدْ طَالَ الثَّوَاءُ بِنَا مَعًا يَا صَاحِ هَلْ لَك فِي فُتْيَا ابْنِ عَبَّاسِ هَلْ لَك فِي رُخْصَةِ الْأَطْرَافِ آنِسَةٌ تَكُونُ مَثْوَاك حَتَّى مَصْدَرِ النَّاسِ فَقَامَ خَطِيبًا ، وَقَالَ : إنَّ الْمُتْعَةَ كَالْمَيْتَةِ وَالدَّمِ وَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ .\rفَأَمَّا إذْنُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهَا فَقَدْ ثَبَتَ نَسْخُهُ .\rوَأَمَّا حَدِيثُ عُمَرَ إنْ صَحَّ عَنْهُ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ إنَّمَا قَصَدَ الْإِخْبَارَ عَنْ تَحْرِيمِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهَا ، وَنَهْيِهِ عَنْهَا ، إذْ لَا يَجُوزُ أَنْ يَنْهَى عَمَّا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبَاحَهُ ، وَبَقِيَ عَلَى إبَاحَتِهِ .","part":15,"page":256},{"id":7256,"text":"( 5489 ) فَصْلٌ : وَإِنْ تَزَوَّجَهَا بِغَيْرِ شَرْطٍ ، إلَّا أَنَّ فِي نِيَّتِهِ طَلَاقَهَا بَعْدَ شَهْرٍ ، أَوْ إذَا انْقَضَتْ حَاجَتُهُ فِي هَذَا الْبَلَدِ ، فَالنِّكَاحُ صَحِيحٌ ، فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، إلَّا الْأَوْزَاعِيَّ قَالَ : هُوَ نِكَاحُ مُتْعَةٍ .\rوَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ ، وَلَا تَضُرُّ نِيَّتُهُ ، وَلَيْسَ عَلَى الرَّجُلِ أَنْ يَنْوِيَ حَبْسَ امْرَأَتِهِ وَحَسْبُهُ إنْ وَافَقَتْهُ ، وَإِلَّا طَلَّقَهَا .","part":15,"page":257},{"id":7257,"text":"( 5490 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَلَوْ تَزَوَّجَهَا عَلَى أَنْ يُطَلِّقَهَا فِي وَقْتٍ بِعَيْنِهِ ، لَمْ يَنْعَقِدْ النِّكَاحُ ) .\rيَعْنِي إذَا تَزَوَّجَهَا بِشَرْطِ أَنْ يُطَلِّقَهَا فِي وَقْتٍ مُعَيَّنٍ ، لَمْ يَصِحَّ النِّكَاحُ سَوَاءٌ كَانَ مَعْلُومًا أَوْ مَجْهُولًا ، مِثْلُ أَنْ يُشْتَرَطَ عَلَيْهِ طَلَاقُهَا إنْ قَدِمَ أَبُوهَا أَوْ أَخُوهَا .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَصِحُّ النِّكَاحُ ، وَيَبْطُلُ الشَّرْطُ .\rوَهُوَ أَظْهَرُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ ، قَالَهُ فِي عَامَّةِ كُتُبِهِ ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ وَقَعَ مُطْلَقًا ، وَإِنَّمَا شَرَطَ عَلَى نَفْسِهِ شَرْطًا ، وَذَلِكَ لَا يُؤَثِّرُ فِيهِ ، كَمَا لَوْ شَرَطَ أَنْ لَا يَتَزَوَّجَ عَلَيْهَا ، وَلَا يُسَافِرَ بِهَا وَلَنَا ، أَنَّ هَذَا شَرْطٌ مَانِعٌ مِنْ بَقَاءِ النِّكَاحِ ، فَأَشْبَهَ نِكَاحَ الْمُتْعَةِ ، وَيُفَارِقُ مَا قَاسُوا عَلَيْهِ ، فَإِنَّهُ لَمْ يَشْتَرِطْ قَطْعَ النِّكَاحِ .","part":15,"page":258},{"id":7258,"text":"( 5491 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَكَذَلِكَ إنْ شَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ يُحِلّهَا لِزَوْجِ كَانَ قَبْلَهُ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ نِكَاحَ الْمُحَلِّلِ حَرَامٌ بَاطِلٌ ، فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ ؛ مِنْهُمْ الْحَسَنُ وَالنَّخَعِيُّ ، وَقَتَادَةُ ، وَمَالِكٌ ، وَاللَّيْثُ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَابْنُ الْمُبَارَكِ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَسَوَاءٌ قَالَ : زَوَّجْتُكَهَا إلَى أَنْ تَطَأَهَا .\rأَوْ شَرَطَ أَنَّهُ إذَا أَحَلَّهَا فَلَا نِكَاحَ بَيْنَهُمَا ، أَوْ أَنَّهُ إذَا أَحَلَّهَا لِلْأَوَّلِ طَلَّقَهَا وَحُكِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يَصِحُّ النِّكَاحُ ، وَيَبْطُلُ الشَّرْطُ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الصُّورَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ : لَا يَصِحَّ .\rوَفِي الثَّالِثَةِ عَلَى قَوْلَيْنِ .\rوَلَنَا ، مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { لَعَنَ اللَّهُ الْمُحَلِّلَ ، وَالْمُحَلَّلَ لَهُ .\r} رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَقَالَ : حَدِيثُ حَسَنُ صَحِيحٌ ، وَالْعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهُمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ، وَعُثْمَانُ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ .\rوَهُوَ قَوْلُ الْفُقَهَاءِ مِنْ التَّابِعِينَ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ : { الْمُحَلِّلُ وَالْمُحَلَّلُ لَهُ مَلْعُونٌ ، عَلَى لِسَانِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\r} وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِالتَّيْسِ الْمُسْتَعَارِ ؟ .\rقَالُوا : بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ .\rقَالَ : هُوَ الْمُحَلِّلُ .\rلَعَنَ اللَّهُ الْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ .\r} وَرَوَى الْأَثْرَمُ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ جَابِرٍ ، قَالَ : سَمِعْت عُمَرَ ، وَهُوَ يَخْطُبُ النَّاسَ ، وَهُوَ يَقُولُ : وَاَللَّهِ لَا أُوتَى بِمُحِلٍّ وَلَا مُحَلَّلٍ لَهُ إلَّا رَجَمْتُهُمَا .\rوَلِأَنَّهُ نِكَاحٌ إلَى مُدَّةٍ ، أَوْ فِيهِ شَرْطٌ يَمْنَعُ بَقَاءَهُ فَأَشْبَهَ نِكَاحَ الْمُتْعَةِ .","part":15,"page":259},{"id":7259,"text":"( 5492 ) فَصْلٌ : فَإِنْ شَرَطَ عَلَيْهِ التَّحْلِيلَ قَبْلَ الْعَقْدِ ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ فِي الْعَقْدِ وَنَوَاهُ فِي الْعَقْدِ أَوْ نَوَى التَّحْلِيلَ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ فَالنِّكَاحُ بَاطِلٌ أَيْضًا .\rقَالَ .\rإسْمَاعِيلُ بْنُ سَعِيدٍ : سَأَلْت أَحْمَدَ عَنْ الرَّجُلِ يَتَزَوَّجُ الْمَرْأَةَ ، وَفِي نَفْسِهِ أَنْ يُحَلِّلَهَا لِزَوْجِهَا الْأَوَّلِ ، وَلَمْ تَعْلَمْ الْمَرْأَةُ بِذَلِكَ .\rقَالَ : هُوَ مُحَلِّلٌ ، إذَا أَرَادَ بِذَلِكَ الْإِحْلَالَ ، فَهُوَ مَلْعُونٌ .\rوَهَذَا ظَاهِرُ قَوْلِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَوَى نَافِعٌ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، أَنَّ رَجُلًا قَالَ لَهُ : امْرَأَةٌ تَزَوَّجْتُهَا ، أُحِلُّهَا لِزَوْجِهَا ، لَمْ يَأْمُرْنِي ، وَلَمْ يَعْلَمْ .\rقَالَ : لَا ، إلَّا نِكَاحَ رَغْبَةٍ ، إنْ أَعْجَبَتْك أَمْسِكْهَا ، وَإِنْ كَرِهْتَهَا فَارِقْهَا قَالَ : وَإِنْ كُنَّا نَعُدُّهُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سِفَاحًا .\rوَقَالَ : لَا يَزَالَانِ زَانِيَيْنِ ، وَإِنْ مَكَثَا عِشْرِينَ سَنَةً ، إذَا عَلِمَ أَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُحِلّهَا .\rوَهَذَا قَوْلُ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .\rوَجَاءَ رَجُلُ إلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ، فَقَالَ لَهُ إنَّ عَمِّي طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا ، أَيُحِلُّهَا لَهُ رَجُلٌ ؟ قَالَ : مَنْ يُخَادِعْ اللَّهَ يَخْدَعْهُ .\rوَهَذَا قَوْلُ الْحَسَنِ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَالشَّعْبِيِّ ، وَقَتَادَةَ ، وَبَكْرٍ الْمُزَنِيّ ، وَاللَّيْثِ ، وَمَالِكٍ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَإِسْحَاقَ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ : الْعَقْدُ صَحِيحٌ .\rوَذَكَرِ الْقَاضِي فِي صِحَّتِهِ وَجْهًا مِثْلَ قَوْلِهِمَا ؛ لِأَنَّهُ خَلَا عَنْ شَرْطٍ يُفْسِدُهُ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ نَوَى طَلَاقَهَا لِغَيْرِ الْإِحْلَالِ ، أَوْ مَا لَوْ نَوَتْ الْمَرْأَةُ ذَلِكَ ، وَلِأَنَّ الْعَقْدَ إنَّمَا يَبْطُلُ بِمَا شُرِطَ لَا بِمَا قُصِدَ ، بِدَلِيلِ مَا لَوْ اشْتَرَى عَبْدًا فَشَرَطَ أَنْ يَبِيعَهُ ، لَمْ يَصِحَّ ، وَلَوْ نَوَى ذَلِكَ ، لَمْ يَبْطُلُ وَلِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، مَا يَدُلُّ عَلَى إجَازَتِهِ .\rوَرَوَى أَبُو حَفْصٍ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ ، قَالَ :","part":15,"page":260},{"id":7260,"text":"قَدِمَ مَكَّةَ رَجُلٌ ، وَمَعَهُ إخْوَةٌ لَهُ صِغَارٌ ، وَعَلَيْهِ إزَارٌ ، مِنْ بَيْنَ يَدَيْهِ رُقْعَةٌ ، وَمِنْ خَلْفِهِ رُقْعَةٌ ، فَسَأَلَ عُمَرَ ، فَلَمْ يُعْطِهِ شَيْئًا ، فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إذْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنَ رَجُلٍ مِنْ قُرَيْشٍ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ فَطَلَّقَهَا ، فَقَالَ لَهَا : هَلْ لَك أَنْ تُعْطِيَ ذَا الرُّقْعَتَيْنِ شَيْئًا ، وَيُحِلُّك لِي ؟ قَالَتْ : نَعَمْ إنْ شِئْت فَأَخْبَرُوهُ بِذَلِكَ .\rقَالَ : نَعَمْ ، وَتَزَوَّجَهَا ، وَدَخَلَ بِهَا .\rفَلَمَّا أَصْبَحَتْ أَدْخَلَتْ إخْوَتَهُ الدَّارَ .\rفَجَاءَ الْقُرَشِيُّ يَحُومُ حَوْلَ الدَّارِ ، وَيَقُولُ : يَا وَيْلَهُ ، غُلِبَ عَلَى امْرَأَتِهِ ، فَأَتَى عُمَرَ ، فَقَالَ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، غُلِبْت عَلَى امْرَأَتِي .\rقَالَ : مَنْ غَلَبَك ؟ قَالَ : ذُو الرُّقْعَتَيْنِ .\rقَالَ : أَرْسِلُوا إلَيْهِ .\rفَلَمَّا جَاءَ الرَّسُولُ ، قَالَتْ لَهُ الْمَرْأَةُ : كَيْفَ مَوْضِعُك مِنْ قَوْمِك ؟ قَالَ : لَيْسَ بِمَوْضِعِي بَأْسٌ .\rقَالَتْ : إنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ يَقُولُ لَك : طَلِّقْ امْرَأَتَك .\rفَقُلْ : لَا ، وَاَللَّهِ لَا أُطَلِّقُهَا .\rفَإِنَّهُ لَا يُكْرِهُك .\rوَأَلْبَسَتْهُ حُلَّةً ، فَلَمَّا رَآهُ عُمَرُ مِنْ بَعِيدٍ قَالَ : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي رَزَقَ ذَا الرُّقْعَتَيْنِ .\rفَدَخَلَ عَلَيْهِ ، فَقَالَ : أَتُطَلِّقُ امْرَأَتَك ؟ قَالَ : لَا ، وَاَللَّهِ لَا أُطَلِّقُهَا .\rقَالَ عُمَرُ : لَوْ طَلَّقْتَهَا لَأَوْجَعْت رَأْسَك بِالسَّوْطِ .\rوَرَوَاهُ سَعِيدٌ ، عَنْ هُشَيْمٍ ، عَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ ، عَنْ ابْنِ سِيرِينَ نَحْوًا مِنْ هَذَا ، وَقَالَ : مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ .\rوَهَذَا قَدْ تَقَدَّمَ فِيهِ الشَّرْطُ عَلَى الْعَقْدِ ، وَلَمْ يَرَ بِهِ عُمَرُ بَأْسًا وَلَنَا قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَعَنَ اللَّهُ الْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ } .\rوَقَوْلُ مَنْ سَمَّيْنَا مِنْ الصَّحَابَةِ ، وَلَا مُخَالِفَ لَهُمْ ، فَيَكُونُ إجْمَاعًا ، وَلِأَنَّهُ قَصَدَ بِهِ التَّحْلِيلَ ، فَلَمْ يَصِحَّ ، كَمَا لَوْ شَرَطَهُ .\rأَمَّا حَدِيثُ ذِي الرُّقْعَتَيْنِ ، فَقَالَ أَحْمَدُ : لَيْسَ لَهُ إسْنَادٌ ، يَعْنِي أَنَّ ابْنَ سِيرِينَ لَمْ يَذْكُرْ","part":15,"page":261},{"id":7261,"text":"إسْنَادَهُ إلَى عُمَرَ .\rوَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : هُوَ مُرْسَلٌ .\rفَأَيْنَ هُوَ مِنْ الَّذِي سَمِعُوهُ يَخْطُبُ بِهِ عَلَى الْمِنْبَرِ : لَا أُوتَى بِمُحَلِّلٍ وَلَا مُحَلَّلٍ لَهُ إلَّا رَجَمْتُهُمَا .\rوَلِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ أَنَّ ذَا الرُّقْعَتَيْنِ قَصَدَ التَّحْلِيلَ ، وَلَا نَوَاهُ ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ ، لَمْ يَتَنَاوَلْ مَحَلَّ النِّزَاعِ .","part":15,"page":262},{"id":7262,"text":"( 5493 ) فَصْلٌ : فَإِنْ شَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ يُحِلَّهَا قَبْلَ الْعَقْدِ ، فَنَوَى بِالْعَقْدِ غَيْرَ مَا شَرَطُوا عَلَيْهِ ، وَقَصَدَ نِكَاحَ رَغْبَةٍ ، صَحَّ الْعَقْدُ ؛ لِأَنَّهُ خَلَا عَنْ نِيَّةِ التَّحْلِيلِ وَشَرْطِهِ ، فَصَحَّ ، كَمَا لَوْ لَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ ، وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ حَدِيثُ ذِي الرُّقْعَتَيْنِ .\rوَإِنْ قَصَدَتْ الْمَرْأَةُ التَّحْلِيلَ أَوْ وَلِيُّهَا دُونَ الزَّوْجِ ، لَمْ يُؤَثِّرْ ذَلِكَ فِي الْعَقْدِ .\rوَقَالَ الْحَسَنُ ، وَإِبْرَاهِيمُ : إذَا هَمَّ أَحَدُ الثَّلَاثَةِ ، فَسَدَ النِّكَاحُ قَالَ أَحْمَدُ : كَانَ الْحَسَنُ وَإِبْرَاهِيمُ وَالتَّابِعُونَ يُشَدِّدُونَ فِي ذَلِكَ .\rقَالَ أَحْمَدُ : الْحَدِيثُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : \" أَتُرِيدِينَ أَنْ تَرْجِعِي إلَى رِفَاعَةَ ؟ \" .\rوَنِيَّةُ الْمَرْأَةِ لَيْسَ بِشَيْءِ ، إنَّمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَعَنَ اللَّهُ الْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ } .\rوَلِأَنَّ الْعَقْدَ إنَّمَا يَبْطُلُ بِنِيَّةِ الزَّوْجِ ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي إلَيْهِ الْمُفَارَقَةُ وَالْإِمْسَاكُ ، أَمَّا الْمَرْأَةُ فَلَا تَمْلِكُ رَفْعَ الْعَقْدِ ، فَوُجُودُ نِيَّتِهَا وَعَدَمُهَا سَوَاءٌ ، وَكَذَلِكَ الزَّوْجُ الْأَوَّلُ لَا يَمْلِكُ شَيْئًا مِنْ الْعَقْدِ ، وَلَا مِنْ رَفْعِهِ ، فَهُوَ أَجْنَبِيٌّ كَسَائِرِ الْأَجَانِبِ فَإِنْ قِيلَ : فَكَيْفَ لَعَنَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قُلْنَا : إنَّمَا لَعَنْهُ إذَا رَجَعَ إلَيْهَا بِذَلِكَ التَّحْلِيلِ ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَحِلَّ لَهُ ، فَكَانَ زَانِيًا ، فَاسْتَحَقَّ اللَّعْنَةَ لِذَلِكَ .","part":15,"page":263},{"id":7263,"text":"( 5494 ) فَصْلٌ : فَإِنْ اشْتَرَى عَبْدًا ، فَزَوَّجَهَا إيَّاهُ ، ثُمَّ وَهَبَهَا إيَّاهُ لِيَنْفَسِخ النِّكَاحُ بِمِلْكِهَا لَهُ ، لَمْ يَصِحَّ .\rقَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ : إذَا طَلَّقَهَا ثَلَاثًا ، وَأَرَادَ أَنْ يُرَاجِعَهَا ، فَاشْتَرَى عَبْدًا ، فَأَعْتَقَهُ ، وَزَوَّجَهَا إيَّاهُ ، فَهَذَا الَّذِي نَهَى عَنْهُ عُمَرُ ، يُؤَدَّبَانِ جَمِيعًا ، وَهَذَا فَاسِدٌ لَيْسَ بِكُفْءٍ ، وَهُوَ شِبْهُ الْمُحَلِّلِ .\rوَعَلَّلَ أَحْمَدُ فَسَادَهُ بِشَيْئَيْنِ ؛ : أَحَدُهُمَا ، شَبَهُهُ بِالْمُحَلِّلِ ، لِأَنَّهُ إنَّمَا زَوَّجَهُ إيَّاهَا لِيُحِلَّهَا لَهُ وَالثَّانِي ، كَوْنُهُ لَيْسَ بِكُفْءٍ لَهَا ، وَتَزْوِيجُهُ لَهَا فِي حَالِ كَوْنِهِ عَبْدًا أَبْلَغُ فِي هَذَا الْمَعْنَى ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ فِي عَدَمِ الْكَفَاءَةِ أَشَدُّ مِنْ الْمَوْلَى ، وَالسَّيِّدُ لَهُ سَبِيلٌ إلَى إزَالَةِ نِكَاحِهِ مِنْ غَيْرِ إرَادَتِهِ ، بِأَنْ يَهَبَهُ لِلْمَرْأَةِ ، فَيَنْفَسِخَ نِكَاحُهُ بِمِلْكِهَا إيَّاهُ ، وَالْمَوْلَى بِخِلَافِ ذَلِكَ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يَصِحَّ النِّكَاحُ ، إذَا لَمْ يَقْصِدْ الْعَبْدُ التَّحْلِيلَ ؛ لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي الْفَسَادِ نِيَّةُ الزَّوْجِ ، لَا نِيَّةُ غَيْرِهِ ، وَلَمْ يَنْوِ .\rوَإِذَا كَانَ مَوْلَى وَلَمْ يَنْوِ التَّحْلِيلَ ، فَهُوَ أَوْلَى بِالصِّحَّةِ ؛ لِأَنَّهُ لَا سَبِيلَ لِمُعْتِقِهِ إلَى فَسْخِ نِكَاحِهِ ، فَلَا عِبْرَةَ بِنِيَّتِهِ .","part":15,"page":264},{"id":7264,"text":"( 5495 ) فَصْلٌ : وَنِكَاحُ الْمُحَلِّلِ فَاسِدٌ ، يَثْبُتُ فِيهِ سَائِرُ أَحْكَامِ الْعُقُودِ الْفَاسِدَةِ ، وَلَا يَحْصُلُ بِهِ الْإِحْصَانُ ، وَلَا الْإِبَاحَةُ لِلزَّوْجِ الْأَوَّلِ ، كَمَا لَا يَثْبُتُ فِي سَائِرِ الْعُقُودِ الْفَاسِدَةِ فَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ سَمَّاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُحَلِّلًا ، وَسَمَّى الزَّوْجَ مُحَلَّلًا لَهُ ، وَلَوْ لَمْ يَحْصُلْ الْحِلُّ لَمْ يَكُنْ مُحَلِّلًا وَلَا مُحَلَّلًا لَهُ .\rقُلْنَا : إنَّمَا سَمَّاهُ مُحَلِّلًا ؛ لِأَنَّهُ قَصَدَ التَّحْلِيلَ فِي مَوْضِعٍ لَا يَحْصُلُ فِيهِ الْحِلُّ ، كَمَا قَالَ : { مَا آمَنَ بِالْقُرْآنِ مَنْ اسْتَحَلَّ مَحَارِمَهُ } .\rوَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا } .\rوَلَوْ كَانَ مُحَلَّلًا فِي الْحَقِيقَةِ وَالْآخَرُ مُحَلَّلًا لَهُ ، لَمْ يَكُونَا مَلْعُونَيْنِ .","part":15,"page":265},{"id":7265,"text":"( 5496 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : وَإِذَا عَقَدَ الْمُحْرِمُ نِكَاحًا لِنَفْسِهِ أَوْ لِغَيْرِهِ ، أَوْ عَقَدَ أَحَدٌ نِكَاحًا لِمُحْرِمٍ أَوْ عَلَى مُحْرِمَةٍ ، فَالنِّكَاحُ فَاسِدٌ وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْمُحْرِمَ إذَا تَزَوَّجَ لِنَفْسِهِ ، أَوْ عَقَدَ النِّكَاحَ لِغَيْرِهِ ، كَكَوْنِهِ وَلِيًّا أَوْ وَكِيلًا ، فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ ، وَلَا يُنْكَحُ ، وَلَا يَخْطُبُ } .\rرَوَاهُ مُسْلِمٌ .\rوَإِنْ عَقَدَ الْحَلَالُ نِكَاحًا لَمُحْرِمٍ ، بِأَنْ يَكُونَ وَكِيلًا لَهُ ، أَوْ وَلِيَّا عَلَيْهِ ، أَوْ عَقَدَهُ عَلَى مُحْرِمَةٍ ، لَمْ يَصِحَّ ؛ لِدُخُولِهِ فِي عُمُومِ الْحَدِيثِ ، لِأَنَّهُ إذَا تَزَوَّجَ لَهُ وَكِيلُهُ فَقَدْ نَكَحَ وَحَكَى الْقَاضِي فِي كَوْنِ الْمُحْرِمِ وَلِيًّا لِغَيْرِهِ رِوَايَتَيْنِ ؛ إحْدَاهُمَا ، لَا تَصِحُّ .\rوَهِيَ اخْتِيَارُ الْخِرَقِيِّ وَالثَّانِيَةُ ، تَصِحُّ .\rوَهِيَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ لِأَنَّ النِّكَاحَ حُرِّمَ عَلَى الْمُحْرِمِ ، لِأَنَّهُ مِنْ دَوَاعِي الْوَطْءِ الْمُفْسِدِ لِلْحَجِّ ، وَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ فِيهِ بِكَوْنِهِ وَلِيًّا فِيهِ لِغَيْرِهِ .\rوَالْأَوَّلُ أَوْلَى ؛ لِدُخُولِهِ فِي عُمُومِ الْخَبَرِ ، وَلِأَنَّهُ عَقْدٌ لَا يَصِحُّ لِلْمُحْرِمِ ، فَلَا يَصِحُّ مِنْهُ كَشِرَاءِ الصَّيْدِ .\rوَقَدْ مَضَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِي الْحَجِّ بِأَبْسَطَ مِنْ هَذَا الشَّرْحِ .","part":15,"page":266},{"id":7266,"text":"( 5497 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : وَأَيُّ الزَّوْجَيْنِ وَجَدَ بِصَاحِبِهِ جُنُونًا ، أَوْ جُذَامًا ، أَوْ بَرَصًا ، أَوْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ رَتْقَاءَ ، أَوْ قَرْنَاءَ ، أَوْ عَفْلَاءَ ، أَوْ فَتْقَاءَ ، أَوْ الرَّجُلُ مَجْنُونًا ، فَلِمَنْ وَجَدَ ذَلِكَ مِنْهُمَا بِصَاحِبِهِ الْخِيَارُ فِي فَسْخِ النِّكَاحِ الْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِي فُصُولٍ أَرْبَعَةٍ : ( 5498 ) الْفَصْلُ الْأَوَّلُ : أَنَّ خِيَارَ الْفَسْخِ يَثْبُتُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الزَّوْجَيْنِ لِعَيْبِ يَجِدُهُ فِي صَاحِبِهِ فِي الْجُمْلَةِ .\rرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، وَابْنِهِ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ .\rوَبِهِ قَالَ جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ .\rوَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ : لَا تُرَدُّ الْحُرَّةُ بِعَيْبِ .\rوَبِهِ قَالَ النَّخَعِيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ : لَا يَنْفَسِخُ النِّكَاحُ بِعَيْبِ .\rوَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الرَّجُلُ مَجْبُوبًا أَوْ عِنِّينًا ، فَإِنَّ لِلْمَرْأَةِ الْخِيَارَ ، فَإِنْ اخْتَارَتْ الْفِرَاقَ ، فَرَّقَ الْحَاكِمُ بَيْنَهُمَا بِطَلْقَةِ ، وَلَا يَكُونُ فَسْخًا ؛ لِأَنَّ وُجُودَ الْعَيْبِ لَا يَقْتَضِي فَسْخَ النِّكَاحِ ، كَالْعَمَى وَالزَّمَانَةِ وَسَائِرِ الْعُيُوبِ وَلَنَا أَنَّ الْمُخْتَلَفَ فِيهِ عَيْبٌ يَمْنَعُ الْوَطْءَ ، فَأَثْبَتَ الْخِيَارَ ، كَالْجَبِّ وَالْعُنَّةِ ، وَلِأَنَّ الْمَرْأَةَ أَحَدُ الْعِوَضَيْنِ فِي عَقَدَ النِّكَاحِ ، فَجَازَ رَدُّهَا بِالْعَيْبِ ، كَالصَّدَاقِ ، أَوْ أَحَدُ الْعِوَضَيْنِ فِي عَقْدِ النِّكَاحِ ، فَجَازَ رَدُّهُ بِالْعَيْبِ ، أَوْ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ ، فَثَبَتَ لَهُ الْخِيَارُ بِالْعَيْبِ فِي الْآخَرِ كَالْمَرْأَةِ .\rوَأَمَّا غَيْرُ هَذِهِ الْعُيُوبِ ، فَلَا يَمْنَعُ الْمَقْصُودَ بِعَقْدِ النِّكَاحِ ، وَهُوَ الْوَطْءُ ، بِخِلَافِ الْعُيُوبِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا فَإِنْ قِيلَ : فَالْجُنُونُ وَالْجُذَامُ وَالْبَرَصُ لَا يَمْنَعُ الْوَطْءَ .\rقُلْنَا : بَلْ يَمْنَعُهُ ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ يُوجِبُ نَفْرَةً تَمْنَعُ قُرْبَانَهُ بِالْكُلِّيَّةِ وَمَسَّهُ ، وَيُخَافُ مِنْهُ التَّعَدِّي إلَى نَفْسِهِ وَنَسْلِهِ ، وَالْمَجْنُونُ","part":15,"page":267},{"id":7267,"text":"يُخَافُ مِنْهُ الْجِنَايَةُ ، فَصَارَ كَالْمَانِعِ الْحِسِّيِّ .","part":15,"page":268},{"id":7268,"text":"الْفَصْلُ الثَّانِي : فِي عَدَدِ الْعُيُوبِ الْمُجَوِّزَةِ لِلْفَسْخِ ، وَهِيَ فِيمَا ذَكَرَ الْخِرَقِيِّ ثَمَانِيَةٌ : ثَلَاثَةٌ يَشْتَرِكُ فِيهَا الزَّوْجَانِ ؛ وَهِيَ : الْجُنُونُ ، وَالْجُذَامُ ، وَالْبَرَصُ .\rوَاثْنَانِ يَخْتَصَّانِ الرَّجُلَ ؛ وَهُمَا الْجَبُّ ، وَالْعُنَّةُ .\rوَثَلَاثَةٍ تَخْتَصُّ بِالْمَرْأَةِ ؛ وَهِيَ الْفَتْقُ ، وَالْقَرْنُ ، وَالْعَفَلُ وَقَالَ الْقَاضِي : هِيَ سَبْعَةٌ .\rجَعَلَ الْقَرْنَ وَالْعَفَلَ شَيْئًا وَاحِدًا ، وَهُوَ الرَّتْقُ أَيْضًا ، وَذَلِكَ لَحْمٌ يَنْبُتُ فِي الْفَرْجِ .\rوَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ أَهْلِ الْأَدَبِ ، وَحُكِيَ نَحْوُهُ عَنْ أَبِي بَكْرٍ ، وَذَكَرَهُ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : الْقَرْنُ عَظْمٌ فِي الْفَرْجِ يَمْنَعُ الْوَطْءَ .\rوَقَالَ غَيْرُهُ : لَا يَكُونُ فِي الْفَرْجِ عَظْمٌ ، إنَّمَا هُوَ لَحْمٌ يَنْبُتُ فِيهِ .\rوَحُكِيَ عَنْ أَبِي حَفْصٍ ، أَنَّ الْعَفَلَ كَالرَّغْوَةِ فِي الْفَرْجِ ، يَمْنَعُ لَذَّةَ الْوَطْءِ .\rفَعَلَى هَذَا يَكُونُ عَيْبًا نَامِيًا وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : الرَّتْقُ أَنْ يَكُونَ الْفَرْجُ مَسْدُودًا .\rيَعْنِي أَنْ يَكُونَ مُلْتَصِقًا لَا يَدْخُلُ الذَّكَرُ فِيهِ .\rوَالْقَرْنُ وَالْعَفَلُ لَحْمٌ يَنْبُتُ فِي الْفَرْجِ فَيَسُدّهُ ، فَهُمَا فِي مَعْنَى الرَّتْقِ ، إلَّا أَنَّهُمَا نَوْعٌ آخِرُ .\rوَأَمَّا الْفَتْقُ فَهُوَ انْخِرَاقُ مَا بَيْنَ مَجْرَى الْبَوْلِ وَمَجْرَى الْمَنِيِّ .\rوَقِيلَ : مَا بَيْنَ الْقُبُلِ وَالدُّبُرِ .\rوَذَكَرَهَا أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ سَبْعَةً ، أَسْقَطُوا مِنْهَا الْفَتْقَ ، وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهَا سِتَّةً ، جَعَلَ الْقَرْنَ وَالْعَفَلَ شَيْئًا وَاحِدًا .\rوَإِنَّمَا اخْتَصَّ الْفَسْخُ بِهَذِهِ الْعُيُوبِ ؛ لِأَنَّهَا تَمْنَعُ الِاسْتِمْتَاعَ الْمَقْصُودَ بِالنِّكَاحِ ، فَإِنَّ الْجُذَامَ وَالْبَرَصَ يُثِيرَانِ نَفْرَةً فِي النَّفْس تَمْنَعُ قُرْبَانَهُ ، وَيُخْشَى تَعَدِّيهِ إلَى النَّفْسِ وَالنَّسْلِ ، فَيَمْنَعُ الِاسْتِمْتَاعَ ، وَالْجُنُونُ يُثِيرُ نَفْرَةً وَيُخْشَى ضَرَرُهُ ، وَالْجَبُّ وَالرَّتْقُ يَتَعَذَّرُ مَعَهُ الْوَطْءُ ، وَالْفَتْقُ يَمْنَعُ لَذَّةَ الْوَطْءِ وَفَائِدَتَهُ ، وَكَذَلِكَ الْعَفَلُ ، عَلَى قَوْلِ مَنْ","part":15,"page":269},{"id":7269,"text":"فَسَّرَهُ بِالرَّغْوَةِ فَإِنْ اخْتَلَفَا فِي وُجُودِ الْعَيْبِ ، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ بِجَسَدِهِ بَيَاضٌ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ بَهَقًا أَوْ مِرَارًا ، وَاخْتَلَفَا فِي كَوْنِهِ بَرَصًا ، أَوْ كَانَتْ بِهِ عَلَامَاتُ الْجُذَامِ ، مِنْ ذَهَابِ شَعْرِ الْحَاجِبَيْنِ ، فَاخْتَلَفَا فِي كَوْنِهِ جُذَامًا ، فَإِنْ كَانَتْ لِلْمُدَّعِي بَيِّنَةٌ مِنْ أَهْلِ الْخِبْرَةِ وَالثِّقَةِ ، يَشْهَدَانِ لَهُ بِمَا قَالَ ، ثَبَتَ قَوْلُهُ ، وَإِلَّا حَلَفَ الْمُنْكِرُ ، وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { وَلَكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ } .\rوَإِنْ اخْتَلَفَا فِي عُيُوبِ النِّسَاءِ ، أُرِيتَ النِّسَاءَ الثِّقَاتِ ، وَيُقْبَلُ فِيهِ قَوْلُ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ ، فَإِنْ شَهِدَتْ بِمَا قَالَ الزَّوْجُ ، وَإِلَّا فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَرْأَةِ وَأَمَّا الْجُنُونُ ، فَإِنَّهُ يُثْبِتُ الْخِيَارَ ، سَوَاءٌ كَانَ مُطْبِقًا أَوْ كَانَ يُجَنُّ فِي الْأَحْيَانِ ؛ لِأَنَّ النَّفْسَ لَا تَسْكُنُ إلَى مَنْ هَذِهِ حَالُهُ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ مَرِيضًا يُغْمَى عَلَيْهِ ، ثُمَّ يَزُولُ ، فَذَلِكَ مَرَضٌ لَا يَثْبُتُ بِهِ خِيَارٌ .\rفَإِنْ زَالَ الْمَرَضُ ، وَدَامَ بِهِ الْإِغْمَاءُ ، فَهُوَ كَالْجُنُونِ ، يَثْبُتُ بِهِ الْخِيَارُ ، وَأَمَّا الْجَبُّ ، فَهُوَ أَنْ يَكُونَ جَمِيعُ ذَكَرِهِ مَقْطُوعًا ، أَوْ لَمْ يَبْقَ مِنْهُ إلَّا مَا لَا يُمْكِنُ الْجِمَاعُ بِهِ ، فَإِنْ بَقِيَ مِنْهُ مَا يُمْكِنُ الْجِمَاعُ بِهِ ، وَيَغِيبُ مِنْهُ فِي الْفَرْجِ قَدْرُ الْحَشَفَةِ ، فَلَا خِيَارَ لَهَا ؛ لِأَنَّ الْوَطْءَ يُمْكِنُ .\rوَإِنْ اخْتَلَفَا فِي ذَلِكَ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَرْأَةِ ؛ لِأَنَّهُ يَضْعُفُ بِالْقَطْعِ ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ الْوَطْءِ وَيَحْتَمِلُ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُهُ ، كَمَا لَوْ ادَّعَى الْوَطْءَ فِي الْعُنَّةِ ، وَلِأَنَّ لَهُ مَا يُمْكِنُ الْجِمَاعُ بِمِثْلِهِ ، فَأَشْبَهَ مَنْ لَهُ ذَكَرٌ قَصِيرٌ ( 5500 ) الْفَصْلُ الثَّالِثُ : أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ الْخِيَارُ لِغَيْرِ مَا ذَكَرْنَاهُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْنَعُ مِنْ الِاسْتِمْتَاعِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ ، وَلَا يُخْشَى تَعَدِّيهِ ، فَلَمْ يُفْسَخْ بِهِ النِّكَاحُ ، كَالْعَمَى","part":15,"page":270},{"id":7270,"text":"وَالْعَرَجِ ، وَلِأَنَّ الْفَسْخَ إنَّمَا يَثْبُتُ بِنَصٍّ أَوْ إجْمَاعٍ أَوْ قِيَاسٍ ، وَلَا نَصَّ فِي غَيْرِ هَذِهِ وَلَا إجْمَاعَ ، وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُهَا عَلَى هَذِهِ الْعُيُوبِ ؛ لِمَا بَيْنَهُمَا مِنْ الْفَرْقِ وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ .\rوَأَبُو حَفْصٍ : إذَا كَانَ أَحَدُهُمَا لَا يَسْتَمْسِكُ بَوْلَهُ وَلَا خَلَاءَهُ فَلِلْآخَرِ الْخِيَارُ .\rقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : وَيَتَخَرَّجُ عَلَى ذَلِكَ مَنْ بِهِ الْبَاسُورُ ، وَالنَّاصُورُ ، وَالْقُرُوحُ السَّيَّالَةُ فِي الْفَرْجَ ، لِأَنَّهَا تُثِيرُ نَفْرَةً ، وَتَتَعَدَّى نَجَاسَتُهَا ، وَتُسَمَّى مَنْ لَا تَحْبِسُ نَجَوْهَا الشَّرِيمَ ، وَمَنْ لَا تَحْبِسُ بَوْلَهَا الْمَشُولَةَ ، وَمِثْلُهَا مِنْ الرِّجَالِ الْأَفِينُ قَالَ أَبُو حَفْصٍ : وَالْخِصَاءُ عَيْبٌ يُرَدُّ بِهِ .\rوَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ لِأَنَّ فِيهِ نَقْصًا وَعَارًا ، وَيَمْنَعُ الْوَطْءَ أَوْ يُضْعِفُهُ .\rوَقَدْ رَوَى أَبُو عُبَيْدٍ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ ، أَنَّ ابْنَ سَنَدِرُّ تَزَوَّجَ امْرَأَةً وَهُوَ خَصِيٌّ ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ : أَعْلَمْتهَا ؟ قَالَ : لَا .\rقَالَ : أَعْلِمْهَا ، ثُمَّ خَيِّرْهَا .\rوَفِي الْبَخَرِ ، وَكَوْنِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ خُنْثَى ، وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، يَثْبُتُ الْخِيَارُ ؛ لِأَنَّ فِيهِ نَفْرَةً وَنَقْصًا وَعَارًا ، وَالْبَخَرُ : نَتِنُ الْفَمِ .\rوَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ : هُوَ نَتِنُ فِي الْفَرْجِ ، يَثُورُ عِنْدَ الْوَطْءِ .\rوَهَذَا إنْ أَرَادَ بِهِ أَنَّهُ يُسَمَّى أَيْضًا بَخَرًا وَيُثْبِتُ الْخِيَارَ ، وَإِلَّا فَلَا مَعْنَى لَهُ ، فَإِنَّ نَتِنَ الْفَمِ يُسَمَّى بَخَرًا ، وَيَمْنَعُ مُقَارَبَةَ صَاحِبِهِ إلَّا عَلَى كُرْهٍ وَمَا عَدَا هَذِهِ فَلَا يُثْبِتُ الْخِيَارَ ، وَجْهًا وَاحِدًا ، كَالْقَرَعِ ، وَالْعَمَى ، وَالْعَرَجِ ، وَقَطْعِ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْنَعُ الِاسْتِمْتَاعَ ، وَلَا يُخْشَى تَعَدِّيهِ .\rوَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ خِلَافًا ، إلَّا أَنَّ الْحَسَنَ قَالَ : إذَا وَجَدَ الْآخَرَ عَقِيمًا يُخَيَّرُ .\rوَأَحَبَّ أَحْمَدُ أَنْ يَتَبَيَّنَ أَمْرُهُ ، وَقَالَ : عَسَى امْرَأَتُهُ تُرِيدُ الْوَلَدَ وَهَذَا فِي ابْتِدَاءِ","part":15,"page":271},{"id":7271,"text":"النِّكَاحِ ، فَأَمَّا الْفَسْخُ فَلَا يَثْبُتُ بِهِ ، وَلَوْ ثَبَتَ بِذَلِكَ لَثَبَتَ فِي الْآيِسَةِ ، وَلِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُعْلَمُ ، فَإِنَّ رِجَالًا لَا يُولَدُ لَأَحَدِهِمْ وَهُوَ شَابٌّ ، ثُمَّ يُولَدُ لَهُ وَهُوَ شَيْخٌ ، وَلَا يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ مِنْهُمَا .\rوَأَمَّا سَائِرُ الْعُيُوبِ فَلَا يَثْبُتُ بِهَا فَسْخٌ عِنْدَهُمْ .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":15,"page":272},{"id":7272,"text":"( 5501 ) الْفَصْلُ الرَّابِعُ : أَنَّهُ إذَا أَصَابَ أَحَدُهُمَا بِالْآخِرِ عَيْبًا ، وَبِهِ عَيْبٌ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ ، كَالْأَبْرَصِ يَجِدُ الْمَرْأَةَ مَجْنُونَةً أَوْ مَجْذُومَةً ، فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْخِيَارُ ؛ لِوُجُودِ سَبَبِهِ ، إلَّا أَنْ يَجِدَ الْمَجْبُوبُ الْمَرْأَةَ رَتْقَاءَ ، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَثْبُتَ لَهُمَا خِيَارٌ ؛ لِأَنَّ عَيْبَهُ لَيْسَ هُوَ الْمَانِعَ لَصَاحِبِهِ مِنْ الِاسْتِمْتَاعِ ، وَإِنَّمَا امْتَنَعَ لِعَيْبِ نَفْسِهِ وَإِنْ وَجَدَ أَحَدُهُمَا بِصَاحِبِهِ عَيْبًا بِهِ مِثْلُهُ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا ، لَا خِيَارَ لَهُمَا ؛ لِأَنَّهُمَا مُتَسَاوِيَانِ ، وَلَا مَزِيَّةَ لَأَحَدِهِمَا عَلَى صَاحِبهِ ، فَأَشْبَهَا الصَّحِيحَيْنِ .\rوَالثَّانِي ، لَهُ الْخِيَارُ ؛ لِوُجُودِ سَبَبِهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ غُرَّ عَبْدٌ بِأَمَةٍ .","part":15,"page":273},{"id":7273,"text":"( 5502 ) فَصْلٌ : وَإِنْ حَدَثَ الْعَيْبُ بِأَحَدِهِمَا بَعْدَ الْعَقْدِ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، يَثْبُتُ الْخِيَارُ .\rوَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ لِأَنَّهُ قَالَ : فَإِنْ جُبَّ قَبْلَ الدُّخُولِ ، فَلَهَا الْخِيَارُ فِي وَقْتِهَا ؛ لِأَنَّهُ عَيْبٌ فِي النِّكَاحَ يُثْبِتُ الْخِيَارَ مُقَارِنًا ، فَأَثْبَتَهُ طَارِئًا ، كَالْإِعْسَارِ وَكَالرِّقِّ ، فَإِنَّهُ يُثْبِتُ الْخِيَارَ إذَا قَارَنَ ، مِثْلُ أَنْ تَغِرَّ الْأَمَةُ مِنْ عَبْدٍ ، وَيُثْبِتُهُ إذَا طَرَأَتْ الْحُرِّيَّةُ ، مِثْلُ إنْ عَتَقَتْ الْأَمَةُ تَحْتَ الْعَبْدِ ، وَلِأَنَّهُ عَقْدٌ عَلَى مَنْفَعَةٍ ، فَحُدُوثُ الْعَيْبِ بِهَا يُثْبِتُ الْخِيَارَ ، كَالْإِجَارَةِ .\rوَالثَّانِي ، لَا يُثْبِتُ الْخِيَارَ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ وَابْنِ حَامِدٍ وَمَذْهَبُ مَالِكٍ لِأَنَّهُ عَيْبٌ حَدَثَ بِالْمَعْقُودِ عَلَيْهِ بَعْدَ لُزُومِ الْعَقْدِ ، أَشْبَهَ الْحَادِثَ بِالْمَبِيعِ .\rوَهَذَا يَنْتَقِضُ بِالْعَيْبِ الْحَادِثِ فِي الْإِجَارَةِ وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ : إنْ حَدَثَ بِالزَّوْجِ ، أَثْبَتِ الْخِيَارَ ، وَإِنْ حَدَثَ بِالْمَرْأَةِ ، فَكَذَلِكَ ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ ، وَالْآخَرِ ، لَا يُثْبِتُهُ ؛ لِأَنَّ الرَّجُلَ يُمْكِنُهُ طَلَاقُهَا ، بِخِلَافِ الْمَرْأَةِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُمَا تَسَاوَيَا فِيمَا إذَا كَانَ الْعَيْبُ سَابِقًا ، فَتَسَاوَيَا فِيهِ لَاحِقًا ، كَالْمُتَبَايِعِينَ .","part":15,"page":274},{"id":7274,"text":"( 5503 ) فَصْلٌ : وَمِنْ شَرْطِ ثُبُوتِ الْخِيَارِ بِهَذِهِ الْعُيُوبِ ، أَنْ لَا يَكُونَ عَالِمًا بِهَا وَقْتَ الْعَقْدِ ، وَلَا يَرْضَى بِهَا بَعْدَهُ ، فَإِنْ عَلِمَ بِهَا فِي الْعَقْدِ ، أَوْ بَعْدَهُ فَرَضِيَ ، فَلَا خِيَارَ لَهُ .\rلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا ؛ لِأَنَّهُ رَضِيَ بِهِ ، فَأَشْبَهَ مُشْتَرِيَ الْمَعِيبِ .\rوَإِنْ ظَنَّ الْعَيْبَ يَسِيرًا فَبَانَ كَثِيرًا ، كَمَنْ ظَنَّ أَنَّ الْبَرَصَ فِي قَلِيلٍ مِنْ جَسَدِهِ ، فَبَانَ فِي كَثِيرٍ مِنْهُ ، فَلَا خِيَارَ لَهُ أَيْضًا ؛ لِأَنَّهُ مِنْ جِنْسِ مَا رَضِيَ بِهِ ، وَإِنْ رَضِيَ بِعَيْبٍ ، فَبَانَ بِهِ غَيْرُهُ ، فَلَهُ الْخِيَارُ ؛ لِأَنَّهُ وَجَدَ بِهِ عَيْبًا لَمْ يَرْضَ بِهِ ، وَلَا بِجِنْسِهِ ، فَثَبَتَ لَهُ الْخِيَارُ ، كَالْمَبِيعِ إذَا رَضِيَ بِعَيْبٍ فِيهِ ، فَوَجَدَ بِهِ غَيْرَهُ .\rوَإِنْ رَضِيَ بِعَيْبٍ ، فَزَادَ بَعْدَ الْعَقْدِ ، كَأَنْ بِهِ قَلِيلٌ مِنْ الْبَرَصِ ، فَانْبَسَطَ فِي جِلْدِهِ ، فَلَا خِيَارَ لَهُ ؛ لِأَنَّ رِضَاهُ بِهِ رِضًى بِمَا يَحْدُثُ مِنْهُ .","part":15,"page":275},{"id":7275,"text":"( 5504 ) فَصْلٌ : وَخِيَارُ الْعَيْبِ ثَابِتٌ عَلَى التَّرَاخِي ، لَا يَسْقُطُ ، مَا لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى الرِّضَى بِهِ ، مِنْ الْقَوْلِ ، أَوْ الِاسْتِمْتَاعِ مِنْ الزَّوْجِ ، أَوْ التَّمْكِينِ مِنْ الْمَرْأَةِ .\rهَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ لِقَوْلِهِ : فَإِنْ عَلِمَتْ أَنَّهُ عِنِّينٌ ، فَسَكَتَتْ عَنْ الْمُطَالَبَةِ ، ثُمَّ طَالَبَتْ بَعْدُ ، فَلَهَا ذَلِكَ ، وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّهُ عَلَى الْفَوْرِ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فَمَتَى أَخَّرَ الْفَسْخَ مَعَ الْعِلْمِ وَالْإِمْكَانِ ، بَطَلَ خِيَارُهُ ؛ لِأَنَّهُ خِيَارُ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ .\rفَكَانَ عَلَى الْفَوْرِ ، كَاَلَّذِي فِي الْبَيْعِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ خِيَارٌ لِدَفْعِ ضَرَرٍ مُتَحَقِّقٍ ، فَكَانَ عَلَى التَّرَاخِي ، كَخِيَارِ الْقِصَاصِ ، وَخِيَارُ الْعَيْبِ فِي الْمَبِيعِ يَمْنَعُهُ ، ثُمَّ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ ضَرَرَهُ فِي الْمَبِيعِ غَيْرُ مُتَحَقِّقٍ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ الْمَقْصُودُ مَالِيَّتَهُ أَوْ خِدْمَتَهُ ، وَيَحْصُلُ ذَلِكَ مَعَ عَيْبِهِ .\rوَهَاهُنَا الْمَقْصُودُ الِاسْتِمْتَاعُ ، وَيَفُوتُ ذَلِكَ بِعَيْبِهِ .\rوَأَمَّا خِيَارُ الْمُجْبَرَةِ وَالشُّفْعَةِ وَالْمَجْلِسِ ، فَهُوَ لِدَفْعِ ضَرَرٍ غَيْرِ مُتَحَقِّقٍ ( 5505 ) فَصْلٌ : وَيَحْتَاجُ الْفَسْخُ إلَى حُكْمِ حَاكِمٍ ؛ لِأَنَّهُ مُجْتَهَدٌ فِيهِ ، فَهُوَ كَفَسْخِ الْعُنَّةِ ، وَالْفَسْخِ لِلْإِعْسَارِ بِالنَّفَقَةِ .\rوَيُخَالِفُ خِيَارَ الْمُعْتَقَةِ ؛ فَإِنَّهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .","part":15,"page":276},{"id":7276,"text":"( 5506 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : وَإِذَا فَسَخَ قَبْلَ الْمَسِيسِ ، فَلَا مَهْرَ ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ ، وَادَّعَى أَنَّهُ مَا عَلِمَ ، حَلَفَ ، وَكَانَ لَهُ أَنْ يَفْسَخَ ، وَعَلَيْهِ الْمَهْرُ ، يَرْجِعُ بِهِ عَلَى مَنْ غَرَّهُ الْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي فُصُولٍ أَرْبَعَةٍ : ( 5507 ) الْفَصْلُ الْأَوَّلُ : أَنَّ الْفَسْخَ إذَا وُجِدَ قَبْلَ الدُّخُولِ ، فَلَا مَهْرَ لَهَا عَلَيْهِ ، سَوَاءٌ كَانَ مِنْ الزَّوْجِ أَوْ الْمَرْأَةِ .\rوَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ لِأَنَّ الْفَسْخَ إنْ كَانَ مِنْهَا ، فَالْفُرْقَةُ مِنْ جِهَتِهَا ، فَسَقَطَ مَهْرُهَا ، كَمَا لَوْ فَسَخَتْهُ بِرَضَاعِ زَوْجَةٍ لَهُ أُخْرَى ، وَإِنْ كَانَ مِنْهُ ، فَإِنَّمَا فَسَخَ لَعَيْبٍ بِهَا دَلَّسَتْهُ بِالْإِخْفَاءِ ، فَصَارَ الْفَسْخُ كَأَنَّهُ مِنْهَا .\rفَإِنْ قِيلَ : فَهَلَّا جَعَلْتُمْ فَسْخَهَا لِعَيْبِهِ ، كَأَنَّهُ مِنْهُ ؛ لِحُصُولِهِ بِتَدْلِيسِهِ ؟ قُلْنَا : الْعِوَضُ مِنْ الزَّوْجِ فِي مُقَابَلَةِ مَنَافِعِهَا ، فَإِذَا اخْتَارَتْ فَسْخَ الْعَقْدِ مَعَ سَلَامَةِ مَا عَقَدَتْ عَلَيْهِ ، رَجَعَ الْعِوَضُ إلَى الْعَاقِدِ مَعَهَا ، وَلَيْسَ مِنْ جِهَتِهَا عِوَضٌ فِي مُقَابَلَةِ مَنَافِعِ الزَّوْجِ ، وَإِنَّمَا ثَبَتَ لَهَا الْخِيَارُ لِأَجْلِ ضَرَرٍ يَلْحَقُهَا ، لَا لِتَعَذُّرِ مَا اسْتَحَقَّتْ عَلَيْهِ فِي مُقَابَلَتِهِ عِوَضًا ، فَافْتَرَقَا .","part":15,"page":277},{"id":7277,"text":"( 5508 ) الْفَصْلُ الثَّانِي : أَنَّ الْفَسْخَ إذَا كَانَ بَعْدَ الدُّخُولِ ، فَلَهَا الْمَهْرُ ؛ لِأَنَّ الْمَهْرَ يَجِبُ بِالْعَقْدِ ، وَيَسْتَقِرُّ بِالدُّخُولِ ، فَلَا يَسْقُطُ بِحَادِثٍ بَعْدَهُ ، وَلِذَلِكَ لَا يَسْقُطُ بِرِدَّتِهَا ، وَلَا بِفَسْخٍ مِنْ جِهَتِهَا ، وَيَجِبُ الْمَهْرُ الْمُسَمَّى .\rوَذَكَرَ الْقَاضِي ، فِي \" الْمُجَرَّدِ \" فِيهِ رِوَايَتَيْنِ ؛ إحْدَاهُمَا ، يَجِبُ الْمُسَمَّى .\rوَالْأُخْرَى ، مَهْرُ الْمِثْلِ ، بِنَاءً عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي الْعَقْدِ الْفَاسِدِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : الْوَاجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ ؛ لِأَنَّ الْفَسْخَ اسْتَنَدَ إلَى الْعَقْدِ ، فَصَارَ كَالْعَقْدِ الْفَاسِدِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهَا فُرْقَةٌ بَعْدَ الدُّخُولِ فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ فِيهِ مُسَمًّى صَحِيحٌ ، فَوَجَبَ الْمُسَمَّى ، كَغَيْرِ الْمَعِيبَةِ ، وَكَالْمُعْتَقَةِ تَحْتَ عَبْدٍ وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ النِّكَاحَ صَحِيحٌ ، أَنَّهُ وُجِدَ بِشُرُوطِهِ وَأَرْكَانِهِ ، فَكَانَ صَحِيحًا ، كَمَا لَوْ لَمْ يَفْسَخْهُ ، وَلِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَفْسَخْهُ لَكَانَ صَحِيحًا ، فَكَذَلِكَ إذَا فَسَخَهُ ، كَنِكَاحِ الْأَمَةِ إذَا عَتَقَتْ تَحْتَ عَبْدٍ ، وَلِأَنَّهُ تَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ أَحْكَامُ الصِّحَّةِ مِنْ ثُبُوتِ الْإِحْصَانِ وَالْإِبَاحَةِ لِلزَّوْجِ الْأَوَّلِ ، وَسَائِرُ أَحْكَامِ الصَّحِيحِ ، وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ فَاسِدًا لَمَا جَازَ إبْقَاؤُهُ وَتَعَيَّنَ فَسْخُهُ .\rوَمَا ذَكَرُوهُ غَيْرُ صَحِيحٍ ؛ فَإِنَّ الْفَسْخَ يَثْبُتُ حُكْمُهُ مِنْ حِينِهِ ، غَيْرَ سَابِقٍ عَلَيْهِ ، وَمَا وَقَعَ عَلَى صِفَةٍ يَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ وَاقِعًا عَلَى غَيْرِهَا وَكَذَلِكَ لَوْ فُسِخَ الْبَيْعُ بِعَيْبٍ ، لَمْ يَصِرْ الْعَقْدُ فَاسِدًا ، وَلَا يَكُونُ النَّمَاءُ لِغَيْرِ الْمُشْتَرِي ، وَلَوْ كَانَ الْمَبِيعُ أَمَةً ، فَوَطِئَهَا ، لَمْ يَجِبْ بِهِ مَهْرُهَا ، فَكَذَلِكَ النِّكَاحُ .","part":15,"page":278},{"id":7278,"text":"( 5509 ) الْفَصْلُ الثَّالِثُ : إذَا عَلِمَ بِالْعَيْبِ وَقْتَ الْعَقْدِ ، أَوْ بَعْدَهُ ثُمَّ وُجِدَ مِنْهُ رِضًا ، أَوْ دَلَالَةٌ عَلَيْهِ ، كَالدُّخُولِ بِالْمَرْأَةِ ، أَوْ تَمْكِينِهَا إيَّاهُ مِنْ الْوَطْءِ ، لَمْ يَثْبُتْ لَهُ الْفَسْخُ ؛ لِأَنَّهُ رَضِيَ بِإِسْقَاطِ حَقِّهِ فَسَقَطَ ، كَمَا لَوْ عَلِمَ الْمُشْتَرِي بِالْعَيْبِ فَرَضِيَهُ .\rوَإِذَا اخْتَلَفَا فِي الْعِلْمِ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ يُنْكِرُهُ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ .","part":15,"page":279},{"id":7279,"text":"( 5510 ) الْفَصْلُ الرَّابِعُ : أَنَّهُ يَرْجِعُ بِالْمَهْرِ عَلَى مَنْ غَرَّهُ .\rوَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : فِيهِ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، يَرْجِعُ بِهِ .\rوَالْأُخْرَى : لَا يَرْجِعُ .\rوَالصَّحِيحُ أَنَّ الْمَذْهَبَ رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ ، وَأَنَّهُ يَرْجِعُ بِهِ ؛ فَإِنَّ أَحْمَدَ قَالَ : كُنْت أَذْهَبُ إلَى قَوْلِ عَلِيٍّ فَهِبْتُهُ ، فَمِلْت إلَى قَوْلِ عُمَرَ : إذَا تَزَوَّجَهَا ، فَرَأَى جُذَامًا أَوْ بَرَصًا ، فَإِنَّ لَهَا الْمَهْرَ بِمَسِيسِهِ إيَّاهَا ، وَوَلِيُّهَا ضَامِنٌ لِلصَّدَاقِ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ رَجَعَ إلَى هَذَا الْقَوْلِ ، وَبِهِ قَالَ الزُّهْرِيُّ ، وَقَتَادَةُ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ .\rوَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ قَالَ : لَا يَرْجِعُ .\rوَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ فِي الْجَدِيدِ ؛ لِأَنَّهُ ضَمِنَ مَا اسْتَوْفَى بَدَلَهُ ، وَهُوَ الْوَطْءُ ، فَلَا يَرْجِعُ بِهِ عَلَى غَيْرِهِ ، كَمَا لَوْ كَانَ الْمَبِيعُ مَعِيبًا فَأَكَلَهُ .\rوَلَنَا مَا رَوَى مَالِكٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، قَالَ قَالَ : عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ : أَيُّمَا رَجُلٍ تَزَوَّجَ بِامْرَأَةِ بِهَا جُنُونٌ أَوْ جُذَامٌ أَوْ بَرَصٌ ، فَمَسَّهَا ، فَلَهَا صَدَاقُهَا ، وَذَلِكَ لِزَوْجِهَا غُرْمٌ عَلَى وَلِيِّهَا .\rوَلِأَنَّهُ غَرَّهُ فِي النِّكَاحِ بِمَا يُثْبِتُ الْخِيَارَ ، فَكَانَ الْمَهْرُ عَلَيْهِ ، كَمَا لَوْ غَرَّهُ بِحُرِّيَّةِ أَمَةٍ .\rوَإِذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنْ كَانَ الْوَلِيُّ عَلِمَ غَرِمَ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلِمَ فَالتَّغْرِيرُ مِنْ الْمَرْأَةِ ، فَيَرْجِعُ عَلَيْهَا بِجَمِيعِ الصَّدَاقِ .\rوَإِنْ اخْتَلَفُوا فِي عِلْمِ الْوَلِيِّ ، فَشَهِدَتْ بَيِّنَةٌ عَلَيْهِ بِالْإِقْرَارِ بِالْعِلْمِ ، وَإِلَّا فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ قَالَ الزُّهْرِيُّ ، وَقَتَادَةُ : إنْ عَلِمَ الْوَلِيُّ غَرِمَ ، وَإِلَّا اسْتَحْلَفَ بِاَللَّهِ الْعَظِيمِ ؛ أَنَّهُ مَا عَلِمَ ، ثُمَّ هُوَ عَلَى الزَّوْجِ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : إنْ كَانَ أَبًا ، أَوْ جَدًّا ، أَوْ مِمَّنْ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَرَاهَا ، فَالتَّغْرِيرُ مِنْ جِهَتِهِ ، عَلِمَ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ .\rوَإِنْ كَانَ مِمَّنْ لَا يَجُوزُ لَهُ","part":15,"page":280},{"id":7280,"text":"أَنْ يَرَاهَا ، كَابْنِ الْعَمِّ ، وَالْمَوْلَى ، وَعَلِمَ غَرِمَ ، وَإِنْ أَنْكَرَ ، وَلَمْ تَقُمْ بَيِّنَةٌ بِإِقْرَارِهِ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ ، وَيَرْجِعُ عَلَى الْمَرْأَةِ بِجَمِيعِ الصَّدَاقِ وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ إلَّا أَنَّهُ قَالَ : إذَا رَدَّتْ الْمَرْأَةُ مَا أَخَذَتْ ، تَرَكَ لَهَا قَدْرَ مَا تُسْتَحَلُّ بِهِ ، لِئَلَّا تَصِيرَ كَالْمَوْهُوبَةِ .\rوَلِلشَّافِعِي قَوْلَانِ ، كَقَوْلِ مَالِكٍ وَالْقَاضِي .\rوَلَنَا ، عَلَى أَنَّ الْوَلِيَّ إذَا لَمْ يَعْلَمْ لَا يَغْرَمُ ، أَنَّ التَّغْرِيرَ مِنْ غَيْرِهِ ، فَلَمْ يَغْرَمْ ، كَمَا لَوْ كَانَ ابْنَ عَمٍّ .\rوَعَلَى أَنَّهُ يَرْجِعُ بِكُلِّ الصَّدَاقِ ، أَنَّهُ مَغْرُورٌ مِنْهَا ، فَرَجَعَ بِكُلِّ الصَّدَاقِ ، كَمَا لَوْ غَرَّهُ الْوَلِيُّ .\rوَقَوْلُهُمْ : لَا يَخْفَى عَلَى مَنْ يَرَاهَا .\rلَا يَصِحُّ ؛ فَإِنَّ عُيُوبَ الْفَرْجِ لَا اطِّلَاعَ لَهُ عَلَيْهَا ، وَلَا يَحِلُّ لَهُ رُؤْيَتُهَا ، وَكَذَلِكَ الْعُيُوبُ تَحْتَ الثِّيَابِ ، فَصَارَ فِي هَذَا كَمَنْ لَا يَرَاهَا ، إلَّا فِي الْجُنُونِ ، فَإِنَّهُ لَا يَكَادُ يَخْفَى عَلَى مَنْ يَرَاهَا ، إلَّا أَنْ يَكُونَ غَائِبًا .\rوَأَمَّا الرُّجُوعُ بِالْمَهْرِ ، فَإِنَّهُ لَسَبَبٍ آخِرَ ، فَيَكُونَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ وَهَبَتْهُ إيَّاهُ ، بِخِلَافِ الْمَوْهُوبَةِ .","part":15,"page":281},{"id":7281,"text":"( 5511 ) فَصْلٌ : إذَا طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ ، ثُمَّ عَلِمَ أَنَّهُ كَانَ بِهَا عَيْبٌ ، فَعَلَيْهِ نِصْفُ الصَّدَاقِ ، وَلَا يَرْجِعُ بِهِ ؛ لِأَنَّهُ رَضِيَ بِالْتِزَامِ نِصْفِ الصَّدَاقِ ، فَلَمْ يَرْجِعْ عَلَى أَحَدٍ .\rوَإِنْ مَاتَتْ أَوْ مَاتَ قَبْلَ الْعِلْمِ بِالْعَيْبِ ، فَلَهَا الصَّدَاقُ كَامِلًا ، وَلَا يَرْجِعُ عَلَى أَحَدٍ ؛ لِأَنَّ سَبَبَ الرُّجُوعِ الْفَسْخُ ، وَلَمْ يُوجَدْ ، وَهَاهُنَا اسْتَقَرَّ الصَّدَاقُ بِالْمَوْتِ ، فَلَا يَرْجِعُ بِهِ .","part":15,"page":282},{"id":7282,"text":"( 5512 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : وَلَا سُكْنَى لَهَا ، وَلَا نَفَقَةَ ؛ لِأَنَّ السُّكْنَى وَالنَّفَقَةَ إنَّمَا تَجِبُ لِمَرْأَةٍ لِزَوْجِهَا عَلَيْهَا الرَّجْعَةُ .\rوَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ ؛ لِأَنَّهَا تَبِينُ بِالْفَسْخِ ، كَمَا تَبِينُ بِطَلَاقِ ثَلَاثٍ ، وَلَا يَسْتَحِقُّ زَوْجُهَا عَلَيْهَا رَجْعَةً ، فَلَمْ تَجِبْ لَهَا سُكْنَى وَلَا نَفَقَةٌ ؛ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَفَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ : { إنَّمَا السُّكْنَى وَالنَّفَقَةُ لِلْمَرْأَةِ إذَا كَانَ لِزَوْجِهَا عَلَيْهَا الرَّجْعَةُ } .\rرَوَاهُ النَّسَائِيّ .\rوَهَذَا إذَا كَانَتْ حَائِلًا ، فَإِنْ كَانَتْ حَامِلًا ، فَلَهَا النَّفَقَةُ ؛ لِأَنَّهَا بَائِنٌ مِنْ نِكَاحٍ صَحِيحٍ فِي حَالِ حَمْلِهَا ، فَكَانَتْ لَهَا النَّفَقَةُ كَالْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا وَالْمُخْتَلِعَةِ .\rوَفِي السُّكْنَى رِوَايَتَانِ وَقَالَ الْقَاضِي : لَا نَفَقَةَ لَهَا إنْ كَانَتْ حَامِلًا ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ ؛ لِأَنَّهَا بَائِنٌ مِنْ نِكَاحٍ فَاسِدٍ .\rوَكَذَلِكَ قَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ ، وَفِي الْآخَرِ : لَهَا النَّفَقَةُ ؛ لِأَنَّ النَّفَقَةَ لِلْحَمْلِ ، وَالْحَمْلُ لَاحِقٌ بِهِ ، وَبَنَوْهُ عَلَى أَنَّ النِّكَاحَ فَاسِدٌ ، وَقَدْ بَيَّنَّا صِحَّتَهُ فِيمَا مَضَى .","part":15,"page":283},{"id":7283,"text":"( 5513 ) فَصْلٌ : وَلَيْسَ لِوَلِيِّ الصَّغِيرَةِ وَالصَّغِيرِ وَسَيِّدِ الْأَمَةِ تَزْوِيجُهُمْ مِمَّنْ بِهِ أَحَدُ هَذِهِ الْعُيُوبِ ؛ لِأَنَّهُ نَاظِرٌ لَهُمْ بِمَا فِيهِ الْحَظُّ ، وَلَا حَظَّ لَهُمْ فِي هَذَا الْعَقْدِ فَإِنْ زَوَّجَهُمْ مَعَ الْعِلْمِ بِالْعَيْبِ ، لَمْ يَصِحَّ النِّكَاحُ ؛ لِأَنَّهُ عَقَدَ لَهُمْ عَقْدًا لَا يَجُوزُ عَقْدُهُ ، فَلَمْ يَصِحَّ ، كَمَا لَوْ بَاعَ عَقَارَهُ لِغَيْرِ غِبْطَةٍ وَلَا حَاجَةٍ .\rوَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِالْعَيْبِ ، صَحَّ ، كَمَا لَوْ اشْتَرَى لَهُمْ مَعِيبًا لَا يَعْلَمُ عَيْبَهُ ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ الْفَسْخُ إذَا عَلِمَ ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ النَّظَرَ لَهُمْ بِمَا فِيهِ الْحَظُّ ، وَالْحَظُّ فِي الْفَسْخِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَصِحَّ النِّكَاحُ ؛ لِأَنَّهُ زَوَّجَهُمْ مِمَّنْ لَا يَمْلِكُ تَزْوِيجَهُمْ إيَّاهُ ، فَلَمْ يَصِحَّ ، كَمَا لَوْ زَوَّجَهُمْ مِمَّنْ يَحْرُمُ عَلَيْهِمْ .","part":15,"page":284},{"id":7284,"text":"( 5514 ) فَصْلٌ : وَلَيْسَ لَهُ تَزْوِيجُ كَبِيرَةٍ بِمَعِيبِ بِغَيْرِ رِضَاهَا .\rبِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ ؛ لِأَنَّهَا تَمْلِكُ الْفَسْخَ إذَا عَلِمَتْ بِهِ بَعْدَ الْعَقْدِ ، فَالِامْتِنَاعُ أَوْلَى .\rوَإِنْ أَرَادَتْ أَنْ تَتَزَوَّجَ مَعِيبًا ، فَلَهُ مَنْعُهَا ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ .\rقَالَ أَحْمَدُ مَا يُعْجِبُنِي أَنْ يُزَوِّجَهَا بِعِنِّينٍ ، وَإِنْ رَضِيت السَّاعَةَ تَكْرَهُهُ إذَا دَخَلَتْ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ مِنْ شَأْنِهِنَّ النِّكَاحَ ، وَيُعْجِبُهُنَّ مِنْ ذَلِكَ مَا يُعْجِبُنَا وَذَلِكَ لِأَنَّ الضَّرَرَ فِي هَذَا دَائِمٌ ، وَالرِّضَى غَيْرُ مَوْثُوقٍ بِدَوَامِهِ ، وَلَا يَتَمَكَّنُ مِنْ التَّخَلُّصِ إذَا كَانَتْ عَالِمَةً فِي ابْتِدَاءِ الْعَقْدِ ، وَرُبَّمَا أَفْضَى إلَى الشِّقَاقِ وَالْعَدَاوَةِ ، فَيَتَضَرَّرُ وَلِيُّهَا وَأَهْلُهَا ، فَمَلَكَ الْوَلِيُّ مَنْعَهَا ، كَمَا لَوْ أَرَادَتْ نِكَاحَ مَنْ لَيْسَ بِكُفْءٍ .\rوَالثَّانِي ، لَيْسَ لَهُ مَنْعُهَا ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهَا .\rوَقَالَ الْقَاضِي : لَهُ مَنْعُهَا مِنْ نِكَاحِ الْمَجْنُونِ ، وَلَيْسَ لَهُ مَنْعُهَا مِنْ نِكَاحِ الْمَجْبُوبِ وَالْعِنِّينِ ؛ لِأَنَّ ضَرَرَهُمَا عَلَيْهَا خَاصَّةً .\rوَفِي الْأَبْرَصِ وَالْمَجْذُومِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، لَا يَمْلِكُ مَنْعَهَا ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهَا ، وَالضَّرَرَ عَلَيْهَا ، فَأَشْبَهَا الْمَجْبُوبَ وَالْعِنِّينَ .\rوَالثَّانِي ، لَهُ مَنْعُهَا ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ ضَرَرًا مِنْهُ ، فَإِنَّهُ يُعَيَّرُ بِهِ ، وَيُخْشَى تَعَدِّيهِ إلَى الْوَلَدِ ، فَأَشْبَهَ التَّزْوِيجَ بِمَنْ لَا يُكَافِئُهَا .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَالْأَوْلَى أَنَّ لَهُ مَنْعَهَا فِي جَمِيعِ الصُّوَرِ ؛ لِأَنَّ عَلَيْهَا فِيهِ ضَرَرًا دَائِمًا ، وَعَارًا عَلَيْهَا وَعَلَى أَهْلِهَا ، فَمَلَكَ مَنْعَهَا مِنْهُ ، كَالتَّزْوِيجِ بِغَيْرِ كُفْءٍ .\rفَأَمَّا إنْ اتَّفَقَا عَلَى ذَلِكَ ، وَرَضِيَا بِهِ ، جَازَ ، وَصَحَّ النِّكَاحُ ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمَا ، وَلَا يَخْرُجُ عَنْهُمَا وَيُكْرَهُ لَهُمَا ذَلِكَ ؛ لِمَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ، مِنْ أَنَّهَا وَإِنْ رَضِيت الْآنَ ، تَكْرَهُهُ فِيمَا بَعْدُ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يَمْلِكَ سَائِرُ الْأَوْلِيَاءِ","part":15,"page":285},{"id":7285,"text":"الِاعْتِرَاضَ عَلَيْهَا وَمَنْعَهَا مِنْ هَذَا التَّزْوِيجِ ؛ لِأَنَّ الْعَارَ يَلْحَقُهُمْ ، وَيَنَالُهُمْ الضَّرَرُ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ زَوَّجَهَا بِغَيْرِ كُفْءٍ فَأَمَّا إنْ حَدَثَ الْعَيْبُ بِالزَّوْجِ ، وَرَضِيَتْهُ الْمَرْأَةُ ، لَمْ يَمْلِكْ وَلِيُّهَا إجْبَارَهَا عَلَى الْفَسْخِ ؛ لِأَنَّ حَقَّهُ فِي ابْتِدَاءِ الْعَقْدِ لَا فِي دَوَامِهِ ، وَلِهَذَا لَوْ دَعَتْ وَلِيَّهَا إلَى تَزْوِيجِهَا بِعَبْدٍ لَمْ يَلْزَمْهُ إجَابَتُهَا ، وَلَوْ عَتَقَتْ تَحْتَ عَبْدٍ ، لَمْ يَمْلِكْ إجْبَارَهَا عَلَى الْفَسْخِ .","part":15,"page":286},{"id":7286,"text":"( 5515 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : وَإِذَا عَتَقَتْ الْأَمَةُ ، وَزَوْجُهَا عَبْدٌ ، فَلَهَا الْخِيَارُ فِي فَسْخِ النِّكَاحِ .\rأَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى هَذَا ، ذَكَرَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ ، وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، وَغَيْرُهُمَا وَالْأَصْلُ فِيهِ خَبَرُ بَرِيرَةَ ، قَالَتْ عَائِشَةُ : { كَاتَبَتْ بَرِيرَةُ ، فَخَيَّرَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي زَوْجِهَا ، وَكَانَ عَبْدًا ، فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا .\r} قَالَ عُرْوَةُ : وَلَوْ كَانَ حَرَامًا مَا خَيَّرَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rرَوَاهُ مَالِكٌ ، فِي \" الْمُوَطَّأِ \" ، وَأَبُو دَاوُد ، وَالنَّسَائِيُّ .\r، وَلِأَنَّ عَلَيْهَا ضَرَرًا فِي كَوْنِهَا حُرَّةً تَحْتَ عَبْدٍ ، فَكَانَ لَهَا الْخِيَارُ كَمَا لَوْ تَزَوَّجَ حُرَّةً عَلَى أَنَّهُ حُرٌّ ، فَبَانَ عَبْدًا ، فَإِنْ اخْتَارَتْ الْفَسْخَ فَلَهَا فِرَاقُهُ ، وَإِنْ رَضِيت الْمُقَامَ مَعَهُ لَمْ يَكُنْ لَهَا فِرَاقُهُ بَعْدَ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهَا أَسْقَطَتْ حَقَّهَا .\rوَهَذَا مِمَّا لَا خِلَافَ فِيهِ بِحَمْدِ اللَّهِ تَعَالَى .","part":15,"page":287},{"id":7287,"text":"( 5516 ) فَصْلٌ : وَإِنْ عَتَقَتْ تَحْتَ حُرٍّ ، فَلَا خِيَارَ لَهَا .\rوَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، وَالْحَسَنِ ، وَعَطَاءٍ ، وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ ، وَأَبِي قِلَابَةَ ، وَابْنِ أَبِي لَيْلَى وَمَالِكٍ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَإِسْحَاقَ وَقَالَ طَاوُسٌ ، وَابْنُ سِيرِينَ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَحَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ ، وَالثَّوْرِيُّ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ : لَهَا الْخِيَارُ ؛ لِمَا رَوَى الْأَسْوَدُ ، عَنْ عَائِشَةَ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { خَيَّرَ بَرِيرَةَ ، وَكَانَ زَوْجُهَا حُرًّا .\r} رَوَاهُ النَّسَائِيّ .\rوَلِأَنَّهَا كَمُلَتْ بِالْحُرِّيَّةِ ، فَكَانَ لَهَا الْخِيَارُ ، كَمَا لَوْ كَانَ زَوْجُهَا عَبْدًا وَلَنَا ، أَنَّهَا كَافَأَتْ زَوْجَهَا فِي الْكَمَالِ ، فَلَمْ يَثْبُتْ لَهَا الْخِيَارُ ، كَمَا لَوْ أَسْلَمَتْ الْكِتَابِيَّةُ تَحْتَ مُسْلِمٍ .\rفَأَمَّا خَبَرُ الْأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ ، فَقَدْ رَوَى عَنْهَا الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ وَعُرْوَةُ ، أَنَّ زَوْجَ بَرِيرَةَ كَانَ عَبْدًا .\rوَهُمَا أَخَصُّ بِهَا مِنْ الْأَسْوَدِ ؛ لِأَنَّهُمَا ابْنُ أَخِيهَا وَابْنُ أُخْتِهَا وَقَدْ رَوَى الْأَعْمَشُ ، عَنْ إبْرَاهِيم ، عَنْ الْأَسْوَدِ ، عَنْ عَائِشَةَ ، أَنَّ زَوْجَ بَرِيرَةَ كَانَ عَبْدًا .\rفَتَعَارَضَتْ رِوَايَتَاهُ .\rوَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : كَانَ زَوْجُ بَرِيرَةَ عَبْدًا أَسْوَدَ لِبَنِي الْمُغِيرَةِ ، يُقَالُ لَهُ : مُغِيثٌ .\rرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ، وَغَيْرُهُ .\rوَقَالَتْ صَفِيَّةُ بِنْتُ أَبِي عُبَيْدٍ : كَانَ زَوْجُ بَرِيرَةَ عَبْدًا أَسْوَدِ .\rقَالَ أَحْمَدُ هَذَا ابْنُ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةُ قَالَا فِي زَوْجِ بَرِيرَةَ : إنَّهُ عَبْدٌ .\rرِوَايَةُ عُلَمَاءِ الْمَدِينَةِ وَعَمَلُهُمْ ، وَإِذَا رَوَى أَهْلُ الْمَدِينَةِ حَدِيثًا وَعَمِلُوا بِهِ ، فَهُوَ أَصَحُّ شَيْءٍ ، وَإِنَّمَا يَصِحُّ أَنَّهُ حُرٌّ عَنْ الْأَسْوَدِ وَحْدَهُ ، فَأَمَّا غَيْرُهُ فَلَيْسَ بِذَاكَ قَالَ : وَالْعَقْدُ صَحِيحٌ ، فَلَا يُفْسَخُ بِالْمُخْتَلَفِ فِيهِ ، وَالْحُرُّ فِيهِ اخْتِلَافٌ ، وَالْعَبْدُ لَا اخْتِلَافَ فِيهِ ، وَيُخَالِفُ الْحُرُّ الْعَبْدَ ؛","part":15,"page":288},{"id":7288,"text":"لِأَنَّ الْعَبْدَ نَاقِصٌ ، فَإِذَا كَمُلَتْ تَحْتَهُ تَضَرَّرَتْ بِبَقَائِهَا عِنْدَهُ ، بِخِلَافِ الْحُرِّ .","part":15,"page":289},{"id":7289,"text":"( 5517 ) فَصْلٌ : وَفُرْقَةُ الْخِيَارِ فَسْخٌ ، لَا يَنْقُصُ بِهَا عَدَدُ الطَّلَاقِ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا .\rقِيلَ لِأَحْمَدَ : لِمَ لَا يَكُونُ طَلَاقًا ؟ قَالَ : لِأَنَّ الطَّلَاقَ مَا تَكَلَّمَ بِهِ الرَّجُلُ .\rوَلِأَنَّهَا فُرْقَةٌ لِاخْتِيَارِ الْمَرْأَةِ ، فَكَانَتْ فَسْخًا ، كَالْفَسْخِ لِعُنَّتِهِ أَوْ عَتَهِهِ .","part":15,"page":290},{"id":7290,"text":"( 5518 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : فَإِنْ أَعْتَقَ قَبْلَ أَنْ تَخْتَارَ ، أَوْ وَطِئَهَا ، بَطَلَ خِيَارُهَا ، عَلِمَتْ أَنَّ الْخِيَارَ لَهَا أَوْ لَمْ تَعْلَمْ وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ خِيَارَ الْمُعْتَقَةِ عَلَى التَّرَاخِي ، مَا لَمْ يُوجَدْ أَحَدُ هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ ؛ عِتْقِ زَوْجِهَا ، أَوْ وَطْئِهِ لَهَا ، وَلَا يُمْنَعُ الزَّوْجُ مِنْ وَطْئِهَا وَمِمَّنْ قَالَ : إنَّهُ عَلَى التَّرَاخِي ؛ مَالِكٌ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَأُخْتِهِ حَفْصَةَ وَبِهِ قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ ، وَنَافِعٌ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَقَتَادَةُ وَحَكَاهُ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَنْ الْفُقَهَاءِ السَّبْعَةِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَسَائِرُ الْعِرَاقِيِّينَ : لَهَا الْخِيَارُ فِي مَجْلِسِ الْعِلْمِ وَلِلشَّافِعِي ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ ؛ أَظْهَرُهَا كَقَوْلِنَا .\rوَالثَّانِي ، أَنَّهُ عَلَى الْفَوْرِ ، كَخِيَارِ الشُّفْعَةِ .\rوَالثَّالِثُ ، أَنَّهُ إلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ ، فِي \" الْمُسْنَدِ \" ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ الْحَسَنِ بْنِ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ ، قَالَ : سَمِعْت رِجَالًا يَتَحَدَّثُونَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { إذَا عَتَقَتْ الْأَمَةُ ، فَهِيَ بِالْخِيَارِ ، مَا لَمْ يَطَأْهَا ، إنْ شَاءَتْ فَارَقَتْهُ ، وَإِنْ وَطِئَهَا فَلَا خِيَارَ لَهَا } .\rرَوَاهُ الْأَثْرَمُ أَيْضًا .\rوَرَوَى أَبُو دَاوُد ، { أَنَّ بَرِيرَةَ عَتَقَتْ وَهِيَ عِنْدَ مُغِيثٍ ، عَبْدٍ لِآلِ أَبِي أَحْمَدَ ، فَخَيَّرَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ لَهَا : إنْ قَرُبَك فَلَا خِيَارَ لَك } .\rوَلِأَنَّهُ قَوْلُ مَنْ سَمَّيْنَا مِنْ الصَّحَابَةِ ، وَلَا مُخَالِفَ لَهُمْ فِي عَصْرِهِمْ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : لَا أَعْلَمُ لِابْنِ عُمَرَ وَحَفْصَةَ مُخَالِفًا مِنْ الصَّحَابَةِ .\rوَلِأَنَّ الْحَاجَةَ دَاعِيَةٌ إلَى ذَلِكَ ، فَثَبَتَ ، كَخِيَارِ الْقِصَاصِ ، أَوْ خِيَارٍ لِدَفْعِ ضَرَرٍ مُتَحَقِّقٍ ، فَأَشْبَهَ مَا قُلْنَا .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَمَتَى عَتَقَ قَبْلَ أَنْ تَخْتَارَ ، سَقَطَ خِيَارُهَا ؛ لِأَنَّ الْخِيَارَ لِدَفْعِ الضَّرَرِ بِالرِّقِّ ،","part":15,"page":291},{"id":7291,"text":"وَقَدْ زَالَ بِعِتْقِهِ ، فَسَقَطَ ، كَالْمَبِيعِ إذَا زَالَ عَيْبُهُ .\rوَهَذَا أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ وَإِنْ وَطِئَهَا بَطَلَ خِيَارُهَا ، عَلِمَتْ بِالْخِيَارِ أَوْ لَمْ تَعْلَمْ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ وَهُوَ قَوْلُ مَنْ سَمَّيْنَا فِي صَدْرِ الْمَسْأَلَةِ .\rوَذَكَرَ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ : أَنَّ لَهَا الْخِيَارَ وَإِنْ أُصِيبَتْ ، مَا لَمْ تَعْلَمْ ، فَإِنْ أَصَابَهَا بَعْدَ عِلْمِهَا ، فَلَا خِيَارَ لَهَا .\rوَهَذَا قَوْلُ عَطَاءٍ ، وَالْحَكَمِ ، وَحَمَّادٍ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَإِسْحَاقَ ؛ لِأَنَّهَا إذَا أَمْكَنَتْ مِنْ وَطْئِهَا قَبْلَ عِلْمِهَا ، فَلَمْ يُوجَدْ مِنْهَا مَا يَدُلُّ عَلَى الرِّضَى ، فَهُوَ كَمَا لَوْ لَمْ تُصَبْ .\rوَلَنَا ، مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْحَدِيثِ وَرَوَى مَالِكٌ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُرْوَةَ ، أَنَّ مَوْلَاةً لِبَنِي عَدِيٍّ ، يُقَال لَهَا : زَبْرَاءُ ، أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا كَانَتْ تَحْتَ عَبْدٍ ، فَعَتَقَتْ ، قَالَتْ : فَأَرْسَلَتْ إلَى حَفْصَةَ ، فَدَعَتْنِي ، فَقَالَتْ : إنَّ أَمْرَك بِيَدِك مَا لَمْ يَمَسَّك زَوْجُك ، فَإِنْ مَسَّك ، فَلَيْسَ لَك مِنْ الْأَمْرِ شَيْءٌ .\rفَقُلْت : هُوَ الطَّلَاقُ ، ثُمَّ الطَّلَاقُ [ ثُمَّ الطَّلَاقُ ] .\rفَفَارَقَتْهُ ثَلَاثًا وَقَالَ مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ : إنَّ لَهَا الْخِيَارَ مَا لَمْ يَمَسَّهَا .\rوَلِأَنَّهُ خِيَارُ عَيْبٍ ، فَيَسْقُطُ بِالتَّصَرُّفِ فِيهِ مَعَ الْجَهَالَةِ ، كَخِيَارِ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ .\rوَلَا تَفْرِيعَ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ ، فَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ ، فَإِذَا وَطِئَهَا ، وَادَّعَتْ الْجَهَالَةَ بِالْعِتْقِ ، وَهِيَ مِمَّنْ يَجُوزُ خَفَاءُ ذَلِكَ عَلَيْهَا ، مِثْلُ أَنْ يَعْتِقَهَا سَيِّدُهَا فِي بَلَدٍ آخِرَ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا مَعَ يَمِينِهَا ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَتْ مِمَّنْ لَا يَخْفَى ذَلِكَ عَلَيْهَا ، لِكَوْنِهِمَا فِي بَلَدٍ وَاحِدٍ ، وَقَدْ اشْتَهَرَ ذَلِكَ ، لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهَا ؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ .\rوَإِنْ عَلِمَتْ الْعِتْقَ ، وَادَّعَتْ الْجَهَالَةَ بِثُبُوتِ الْخِيَارِ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَعْلَمُهُ إلَّا","part":15,"page":292},{"id":7292,"text":"خَوَاصُّ النَّاسِ ، فَالظَّاهِرُ صِدْقُهَا فِيهِ .\rوَلِلشَّافِعِي فِي قَبُولِ قَوْلِهَا فِي ذَلِكَ قَوْلَانِ .","part":15,"page":293},{"id":7293,"text":"( 5519 ) فَصْلٌ : فَإِنْ أَعْتَقَ الْعَبْدَ وَالْأَمَةَ دَفْعَةً وَاحِدَةً ، فَلَا خِيَارَ لَهَا ، وَالنِّكَاحُ بِحَالِهِ ، سَوَاءٌ أَعْتَقَهُمَا رَجُلٌ وَاحِدٌ أَوْ رَجُلَانِ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ وَعَنْهُ : لَهَا الْخِيَارُ .\rوَالْأَوَّلُ أَوْلَى ؛ لِأَنَّ الْحُرِّيَّةَ الطَّارِئَةَ بَعْدَ عِتْقِهَا تَمْنَعُ الْفَسْخَ ، فَالْمُقَارِنَةُ أَوْلَى ، كَإِسْلَامِ الزَّوْجَيْنِ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ : إنْ عَتَقَا مَعًا انْفَسَخَ النِّكَاحُ .\rوَمَعْنَاهُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّهُ إذَا وَهَبَ لِعَبْدِهِ سُرِّيَّةً ، وَأَذِنَ لَهُ فِي التَّسَرِّي بِهَا ، ثُمَّ أَعْتَقَهُمَا جَمِيعًا ، صَارَا حُرَّيْنِ ، وَخَرَجَتْ عَنْ مِلْكِ الْعَبْدِ ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ إصَابَتُهَا إلَّا بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ هَكَذَا رَوَى جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ ، فِي مَنْ وَهَبَ لِعَبْدِهِ سُرِّيَّةً ، أَوْ اشْتَرَى لَهُ سُرِّيَّةً ، ثُمَّ أَعْتَقَهُمَا ، لَا يَقْرَبُهَا إلَّا بِنِكَاحِ جَدِيدٍ .\rوَاحْتَجَّ أَحْمَدُ عَلَى ذَلِكَ ، بِمَا رَوَى نَافِعٌ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، أَنَّ عَبْدًا لَهُ كَانَ لَهُ سُرِّيَّتَانِ ، فَأَعْتَقَهُمَا وَأَعْتَقَهُ ، فَنَهَاهُ أَنْ يَقْرَبَهُمَا إلَّا بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ .\rوَلِأَنَّهَا بِإِعْتَاقِهَا خَرَجَتْ عَنْ أَنْ تَكُونَ مَمْلُوكَةً ، فَلَمْ يُبَحْ لَهُ التَّسَرِّي بِهَا ، كَالْحُرَّةِ الْأَصْلِيَّةِ وَأَمَّا إذَا كَانَتْ امْرَأَتَهُ ، فَعَتَقَا ، لَمْ يَنْفَسِخْ نِكَاحُهُ بِذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَنْفَسِخْ بِإِعْتَاقِهَا وَحْدهَا .\rفَلَأَنْ لَا يَنْفَسِخَ بِإِعْتَاقِهِمَا مَعًا أَوْلَى .\rوَيَحْتَمِلُ أَنَّ أَحْمَدَ إنَّمَا أَرَادَ بِقَوْلِهِ : انْفَسَخَ نِكَاحُهُمَا .\rأَنَّ لَهَا فَسْخَ النِّكَاحِ .\rوَهَذَا تَخْرِيجٌ عَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي تَقُولُ بِأَنَّ لَهَا الْفَسْخَ إذَا كَانَ زَوْجُهَا حُرًّا قَبْلَ الْعِتْقِ .","part":15,"page":294},{"id":7294,"text":"( 5520 ) فَصْلٌ : وَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ لَهُ عَبْدٌ وَأَمَةٌ مُتَزَوِّجَانِ ، فَأَرَادَ عِتْقَهُمَا ، الْبِدَايَةُ بِالرَّجُلِ ؛ لِئَلَّا يَثْبُتَ لِلْمَرْأَةِ خِيَارٌ عَلَيْهِ فَيُفْسَخَ نِكَاحُهُ .\rوَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد ، وَالْأَثْرَمُ ، بِإِسْنَادِهِمَا عَنْ عَائِشَةَ ، أَنَّهُ { كَانَ لَهَا غُلَامٌ وَجَارِيَةٌ ، فَتَزَوَّجَا ، فَقَالَتْ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إنِّي أُرِيدُ أَنْ أُعْتِقَهُمَا .\rفَقَالَ لَهَا : فَابْدَئِي بِالرَّجُلِ قَبْلَ الْمَرْأَةِ } .\rوَعَنْ صَفِيَّةَ بِنْتَ أَبِي عُبَيْدٍ ، أَنَّهَا فَعَلَتْ ذَلِكَ ، وَقَالَتْ لِلرَّجُلِ : إنِّي بَدَأْت بِعِتْقِك لِئَلَّا يَكُونَ لَهَا عَلَيْك خِيَارٌ .","part":15,"page":295},{"id":7295,"text":"( 5521 ) فَصْلٌ : إذَا عَتَقَتْ الْمَجْنُونَةُ وَالصَّغِيرَةُ ، فَلَا خِيَارَ لَهُمَا فِي الْحَالِ ؛ لِأَنَّهُ لَا عَقْلٌ لَهُمَا ، وَلَا قَوْلٌ مُعْتَبَرٌ ، وَلَا يَمْلِكُ وَلِيُّهُمَا الِاخْتِيَارَ عَنْهُمَا ؛ لِأَنَّ هَذَا طَرِيقُهُ الشَّهْوَةُ ، فَلَا يَدْخُلُ تَحْتَ الْوِلَايَةِ كَالِاقْتِصَاصِ .\rفَإِذَا بَلَغْت الصَّغِيرَةُ ، وَعَقَلَتْ الْمَجْنُونَةُ ، فَلَهُمَا الْخِيَارُ حِينَئِذٍ ؛ لِكَوْنِهِمَا صَارَتَا عَلَى صِفَةٍ لَكُلٍّ مِنْهُمَا حُكْمٌ ، وَهَذَا الْحُكْمُ فِيمَا لَوْ كَانَ بِزَوْجَيْهِمَا عَيْبٌ يُوجِبُ الْفَسْخَ ، فَإِنْ كَانَ زَوْجَاهُمَا قَدْ وَطِئَاهُمَا ، فَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ أَنَّهُ لَا خِيَارَ لَهُمَا ، لِأَنَّ مُدَّةَ الْخِيَارِ انْقَضَتْ وَعَلَى قَوْلِ الْقَاضِي وَأَصْحَابِهِ : لَهُمَا الْخِيَارُ ؛ لِأَنَّهُ لَا رَأْيَ لَهُمَا ، فَلَا يَكُونُ تَمْكِينُهُمَا مِنْ الْوَطْءِ دَلِيلًا عَلَى الرِّضَى ، بِخِلَافِ الْكَبِيرَةِ الْعَاقِلَةِ ، وَلَا يُمْنَعُ زَوْجَاهُمَا مِنْ وَطْئِهِمَا .","part":15,"page":296},{"id":7296,"text":"( 5522 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : فَإِنْ كَانَتْ لِنَفْسَيْنِ ، فَأَعْتَقَ أَحَدُهُمَا ، فَلَا خِيَارَ لَهَا ، إذَا كَانَ الْمُعْتِقُ مُعْسِرًا .\rإنَّمَا شَرَطَ الْإِعْسَارَ فِي الْمُعْتِقِ ؛ لِأَنَّ الْمُوسِرَ يَسْرِي عِتْقُهُ إلَى جَمِيعِهَا ، فَتَصِيرُ حُرَّةً ، وَيَثْبُتُ لَهَا الْخِيَارُ ، وَالْمُعْسِرُ لَا يَسْرِي عِتْقُهُ ، بَلْ يَعْتِقُ مِنْهَا مَا أَعْتَقَ ، وَبَاقِيهَا رَقِيقٌ ، فَلَا تَكْمُلُ حُرِّيَّتُهَا ، فَلَا يَثْبُتُ لَهَا الْخِيَارُ حِينَئِذٍ .\rوَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَعَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّ لَهَا الْخِيَارَ .\rحَكَاهَا أَبُو بَكْرٍ ، وَاخْتَارَهَا ؛ لِأَنَّهَا أَكْمَلُ مِنْهُ ، فَإِنَّهَا تَرِثُ ، وَتُورَثُ ، وَتَحْجُبُ بِقَدْرِ مَا فِيهَا مِنْ الْحُرِّيَّةِ وَوَجْهُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ ، أَنَّهُ لَا نَصَّ فِي الْمُعْتَقِ بَعْضُهَا ، وَلَا هِيَ فِي مَعْنَى الْحُرَّةِ الْكَامِلَةِ ؛ لِأَنَّهَا كَامِلَةُ الْأَحْكَامِ ، وَأَيْضًا مَا عَلَّلَ بِهِ أَحْمَدُ وَهُوَ أَنَّ الْعَقْدَ صَحِيحٌ ، فَلَا يُفْسَخُ بِالْمُخْتَلَفِ فِيهِ ، وَهَذِهِ مُخْتَلَفٌ فِيهَا .","part":15,"page":297},{"id":7297,"text":"فَصْلٌ : وَلَوْ زَوَّجَ أَمَةً قِيمَتُهَا عَشْرَةٌ بِصَدَاقٍ عِشْرِينَ ، ثُمَّ أَعْتَقَهَا فِي مَرَضِهِ بَعْدَ الدُّخُولِ بِهَا ، ثُمَّ مَاتَ ، وَلَا يَمْلِكُ غَيْرَهَا وَغَيْرَ مَهْرِهَا بَعْدَ اسْتِيفَائِهِ ، عَتَقَتْ ؛ لِأَنَّهَا تَخْرُجُ مِنْ الثُّلُثِ ، وَلَهَا الْخِيَارُ .\rوَإِنْ لَمْ تَكُنْ قَبَضَتْهُ ، عَتَقَ ثُلُثُهَا فِي الْحَالِ .\rوَفِي الْخِيَارِ لَهَا وَجْهَانِ ، فَكُلَّمَا اُقْتُضِيَ مِنْ مَهْرِهَا شَيْءٌ عَتَقَ مِنْهَا بِقَدْرِ ثُلُثِهِ ، فَإِذَا اُسْتُوْفِيَ كُلُّهُ عَتَقَتْ كُلُّهَا ، وَلَهَا الْخِيَارُ حِينَئِذٍ عِنْدَ مَنْ لَمْ يُثْبِتْ لَهَا الْخِيَارَ قَبْلَ ذَلِكَ فَإِنْ كَانَ زَوْجُهَا قَدْ وَطِئَهَا قَبْلَ اسْتِيفَاءِ مَهْرِهَا ، فَقَدْ بَطَلَ خِيَارُهَا عِنْدَ مَنْ جَعَلَ لَهَا الْخِيَارَ حِينَئِذٍ ؛ لِأَنَّهَا أَسْقَطَتْهُ بِتَمْكِينِهِ مِنْ وَطْئِهَا .\rوَعَلَى قَوْلِ الْخِرَقِيِّ لَا يَبْطُلُ ؛ لِأَنَّهَا مَكَّنَتْ مِنْهُ قَبْلَ ثُبُوتِ الْخِيَارِ لَهَا ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ مَكَّنَتْ مِنْهُ قَبْلَ عِتْقِهَا .\rفَأَمَّا إنْ عَتَقَتْ قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا ، فَلَا خِيَارَ لَهَا ، عَلَى قَوْلِ الْخِرَقِيِّ ؛ لِأَنَّ فَسْخَهَا النِّكَاحَ يَسْقُطُ بِهِ صَدَاقُهَا ، فَيَعْجِزُ الثُّلُثُ عَنْ كَمَالِ قِيمَتِهَا ، فَيَرِقُّ ثُلُثَاهَا ، وَيَسْقُطُ خِيَارُهَا ، فَيُفْضِي إثْبَاتُ الْخِيَارِ لَهَا إلَى إسْقَاطِهِ ، فَيَسْقُطُ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَعِنْدَ أَبِي بَكْرٍ ، لَهَا الْخِيَارُ .\rفَعَلَى قَوْلِ مَنْ أَوْجَبَ لِسَيِّدِهَا نِصْفَ الْمَهْرِ ، فَإِذَا اُسْتُوْفِيَ عَتَقَ ثُلُثَاهَا ، وَعَلَى قَوْلِ مَنْ أَسْقَطَهُ ، يَعْتِقُ ثُلُثُهَا .","part":15,"page":298},{"id":7298,"text":"( 5524 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : فَإِنْ اخْتَارَتْ الْمُقَامَ مَعَهُ قَبْلَ الدُّخُولِ ، أَوْ بَعْدَهُ ، فَالْمَهْرُ لِلسَّيِّدِ ، وَإِنْ اخْتَارَتْ فِرَاقَهُ قَبْلَ الدُّخُولِ ، فَلَا مَهْرَ لَهَا ، وَإِنْ اخْتَارَتْهُ بَعْدَ الدُّخُولِ ، فَالْمَهْرُ لِلسَّيِّدِ وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْمُعْتَقَةَ إنْ اخْتَارَتْ الْمُقَامَ مَعَ زَوْجِهَا قَبْلَ الدُّخُولِ أَوْ بَعْدَهُ أَوْ اخْتَارَتْ الْفَسْخَ بَعْدَ الدُّخُولِ ، فَالْمَهْرُ وَاجِبٌ ؛ لِأَنَّهُ وَاجِبٌ بِالْعَقْدِ ، فَإِذَا اخْتَارَتْ الْمُقَامَ ، فَلَمْ يُوجَدْ لَهُ مُسْقِطٌ ، وَإِنْ فَسَخَتْ بَعْدَ الدُّخُولِ ، فَقَدْ اسْتَقَرَّ بِالدُّخُولِ ، فَلَمْ يَسْقُطْ بِشَيْءٍ ، وَهُوَ لِلسَّيِّدِ فِي الْحَالَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ وَجَبَ بِالْعَقْدِ فِي مِلْكِهِ ، وَالْوَاجِبُ الْمُسَمَّى فِي الْحَالَيْنِ ، سَوَاءٌ كَانَ الدُّخُولُ قَبْلَ الْعِتْقِ أَوْ بَعْدَهُ وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ : إنْ كَانَ الدُّخُولُ قَبْلَ الْعِتْقِ ، فَالْوَاجِبُ الْمُسَمَّى ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ ، فَالْوَاجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ ؛ لِأَنَّ الْفَسْخَ اسْتَنَدَ إلَى حَالَةِ الْعِتْقِ ، فَصَارَ الْوَطْءُ فِي نِكَاحٍ فَاسِدٍ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ عَقْدٌ صَحِيحٌ ، فِيهِ مُسَمًّى صَحِيحٌ ، اتَّصَلَ بِهِ الدُّخُولُ قَبْلَ الْفَسْخِ ، فَأَوْجَبَ الْمُسَمَّى ، كَمَا لَوْ لَمْ يُفْسَخْ ، وَلِأَنَّهُ لَوْ وَجَبَ بِالْوَطْءِ بَعْدَ الْفَسْخِ ، لَكَانَ الْمَهْرُ لَهَا ؛ لِأَنَّهَا حُرَّةٌ حِينَئِذٍ وَقَوْلُهُمْ : إنَّ الْوَطْءَ فِي نِكَاحٍ فَاسِدٍ .\rغَيْرُ صَحِيحٍ ؛ فَإِنَّهُ كَانَ صَحِيحًا ، وَلَمْ يُوجَدْ مَا يُفْسِدُهُ ، وَيَثْبُتُ فِيهِ أَحْكَامُ الْوَطْءِ فِي النِّكَاحِ الصَّحِيحِ ، مِنْ الْإِحْلَالِ لِلزَّوْجِ الْأَوَّلِ ، وَالْإِحْصَانِ ، وَكَوْنِهِ حَلَالًا .\rوَأَمَّا إنْ اخْتَارَتْ الْفَسْخَ قَبْلَ الدُّخُولِ ، فَلَا مَهْرَ لَهَا .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَعَنْ أَحْمَدَ ، رِوَايَةٌ أُخْرَى ، لِلسَّيِّدِ نِصْفُ الْمَهْرِ ؛ لِأَنَّهُ وَجَبَ لِلسَّيِّدِ ، فَلَا يَسْقُطُ بِفِعْلِ غَيْرِهِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الْفُرْقَةَ جَاءَتْ مِنْ قِبَلِهَا ، فَسَقَطَ مَهْرُهَا ، كَمَا لَوْ أَسْلَمَتْ ، أَوْ ارْتَدَّتْ ، أَوْ أَرْضَعَتْ مَنْ","part":15,"page":299},{"id":7299,"text":"يَفْسَخُ نِكَاحَهَا رَضَاعُهُ .\rوَقَوْلُهُ : وَجَبَ لِلسَّيِّدِ .\rقُلْنَا : لَكِنَّ بِوَاسِطَتِهَا وَلِهَذَا سَقَطَ نِصْفُهُ بِفَسْخِهَا ، وَجَمِيعُهُ بِإِسْلَامِهَا وَرِدَّتِهَا ( 5525 ) فَصْلٌ : وَلَوْ كَانَتْ مُفَوِّضَةً ، فَفُرِضَ لَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ ، فَهُوَ لِلسَّيِّدِ أَيْضًا ؛ لِأَنَّهُ وَجَبَ بِالْعَقْدِ فِي مِلْكِهِ لَا بِالْفَرْضِ .\rوَكَذَلِكَ لَوْ مَاتَ أَحَدُهُمَا ، وَجَبَ ، وَالْمَوْتُ لَا يُوجِبُ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ وَجَبَ بِالْعَقْدِ .\rوَإِنْ كَانَ الْفَسْخُ قَبْلَ الدُّخُولِ وَالْفَرْضِ ، فَلَا شَيْءَ ، إلَّا عَلَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى ، يَنْبَغِي أَنْ تَجِبَ الْمُتْعَةُ ؛ لِأَنَّهَا تَجِبُ بِالْفُرْقَةِ قَبْلَ الدُّخُولِ فِي مَوْضِعٍ لَوْ كَانَ مُسَمًّى وَجَبَ نِصْفُهُ .","part":15,"page":300},{"id":7300,"text":"( 5526 ) فَصْلٌ : فَإِنْ طَلَّقَهَا طَلَاقًا بَائِنًا ، ثُمَّ أُعْتِقَتْ ، فَلَا خِيَارَ لَهَا ؛ لِأَنَّ الْفَسْخَ إنَّمَا يَكُونُ فِي نِكَاحٍ ، وَلَا نِكَاحَ هَاهُنَا .\rوَإِنْ كَانَ رَجْعِيًّا ، فَلَهَا الْخِيَارُ فِي الْعِدَّةِ ؛ لِأَنَّ نِكَاحَهَا بَاقٍ ، فَيُمْكِنُ فَسْخُهُ ، وَلَهَا فِي الْفَسْخِ فَائِدَةٌ ؛ لِأَنَّهَا لَا تَأْمَنُ رَجْعَتَهُ لَهَا فِي آخِرِ عِدَّتِهَا ، فَتَحْتَاجُ إلَى اسْتِئْنَافِ عِدَّةٍ أُخْرَى إذَا فَسَخَتْ ، فَإِذَا فَسَخَتْ انْقَطَعَتْ الرَّجْعَةُ ، وَثَبَتَتْ عَلَى مَا مَضَى مِنْ عِدَّةِ الطَّلَاقِ ، وَلَا تَحْتَاجُ إلَى اسْتِئْنَافِ عِدَّةٍ ؛ لِأَنَّهَا مُعْتَدَّةٌ مِنْ الطَّلَاقِ إذَا لَمْ يَفْسَخْ .\rفَإِنْ قِيلَ : فَيَفْسَخُ حِينَئِذٍ ؟ قُلْنَا : إذًا تَحْتَاجُ إلَى عِدَّةٍ أُخْرَى .\rوَإِذَا فَسَخَتْ فِي عِدَّتِهَا ، ثَبَتَتْ عَلَى مَا مَضَى مِنْ عِدَّتِهَا ، وَلَمْ تَحْتَجْ إلَى عِدَّةٍ أُخْرَى ؛ لِأَنَّهَا مُعْتَدَّةٌ مِنْ الطَّلَاقِ ، وَالْفَسْخُ لَا يُنَافِيهَا وَلَا يَقْطَعُهَا ، فَهُوَ كَمَا لَوْ طَلَّقَهَا طَلْقَةً أُخْرَى ، وَيَنْبَنِي عَلَى عِدَّةِ حُرَّةٍ ؛ لِأَنَّهَا عَتَقَتْ فِي أَثْنَاءِ الْعِدَّةِ وَهِيَ رَجْعِيَّةٌ .\rفَإِنْ اخْتَارَتْ الْمُقَامَ ، بَطَلَ خِيَارُهَا وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يَبْطُلُ ؛ لِأَنَّهَا اخْتَارَتْ الْمُقَامَ مَعَ جَرَيَانِهَا إلَى الْبَيْنُونَةِ ، وَذَلِكَ يُنَافِي اخْتِيَارَ الْمَقَامِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهَا حَالَةٌ يَصِحُّ فِيهَا اخْتِيَارُ الْفَسْخِ ، فَصَحَّ اخْتِيَارُ الْمُقَامِ ، كَصُلْبِ النِّكَاحِ .\rوَإِنْ لَمْ تَخْتَرْ شَيْئًا ، لَمْ يَسْقُطْ خِيَارُهَا ؛ لِأَنَّهُ عَلَى التَّرَاخِي ، وَلِأَنَّ سُكُوتَهَا لَا يَدُلُّ عَلَى رِضَاهَا ؛ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ كَانَ لِجَرَيَانِهَا إلَى الْبَيْنُونَةِ ، اكْتِفَاءً مِنْهَا بِذَلِكَ فَإِنْ ارْتَجَعَهَا ، فَلَهَا الْفَسْخُ حِينَئِذٍ ، فَإِنْ فَسَخَتْ ، ثُمَّ عَادَ فَتَزَوَّجَهَا ، بَقِيَتْ مَعَهُ بِطَلْقَةِ وَاحِدَةٍ ؛ لِأَنَّ طَلَاقَ الْعَبْدِ اثْنَتَانِ .\rوَإِنْ تَزَوَّجَهَا بَعْدَ أَنْ أُعْتِقَ ، رَجَعَتْ مَعَهُ عَلَى طَلْقَتَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ صَارَ حُرًّا ، فَمَلَكَ ثَلَاثَ طَلْقَاتٍ ، كَسَائِرِ الْأَحْرَارِ .","part":15,"page":301},{"id":7301,"text":"( 5527 ) فَصْلٌ : فَإِنْ طَلَّقَهَا بَعْدَ عِتْقِهَا ، وَقَبْلَ اخْتِيَارِهَا ، أَوْ طَلَّقَ الصَّغِيرَةَ وَالْمَجْنُونَةَ بَعْدَ الْعِتْق ، وَقَعَ طَلَاقُهُ ، وَبَطَلَ خِيَارُهَا ؛ لِأَنَّهُ طَلَاقٌ مِنْ زَوْجٍ جَائِزِ التَّصَرُّفِ ، فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ ، فَنَفَذَ كَمَا لَوْ لَمْ يَعْتِقْ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : طَلَاقُهُ مَوْقُوفٌ .\rفَإِنْ اخْتَارَتْ الْفَسْخَ لَمْ يَقَعْ الطَّلَاقُ ؛ لِأَنَّ طَلَاقَهُ يَتَضَمَّنُ إبْطَالَ حَقِّهَا مِنْ الْخِيَارِ ، وَإِنْ لَمْ تَخْتَرْ وَقَعَ .\rوَلِلشَّافِعِي قَوْلَانِ ، كَهَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ .\rوَبَنَوْا عَدَمَ الْوُقُوعِ عَلَى أَنَّ الْفَسْخَ اسْتَنَدَ إلَى حَالَةِ الْعِتْقِ ، فَيَكُونُ الطَّلَاقُ وَاقِعًا فِي نِكَاحٍ مَفْسُوخٍ وَلَنَا ، أَنَّهُ طَلَاقٌ مِنْ زَوْجٍ مُكَلَّفٍ مُخْتَارٍ ، فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ ، فَوَقَعَ ، كَمَا لَوْ طَلَّقَهَا قَبْلَ عِتْقِهَا ، أَوْ كَمَا لَوْ لَمْ تَخْتَرْ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْفَسْخَ يُوجِبُ الْفُرْقَةَ مِنْ حِينِهِ ، وَلَا يَجُوزُ تَقْدِيمُ الْفُرْقَةِ عَلَيْهِ ، إذْ الْحُكْمُ لَا يَتَقَدَّمُ سَبَبُهُ ، وَلِأَنَّ الْعِدَّةَ تُبْتَدَأُ مِنْ حِينِ الْفَسْخِ ، لَا مِنْ حِينِ الْعِتْقِ ، وَمَا سَبَقَهُ مِنْ الْوَطْءِ وَطْءٌ فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ ، يُثْبِتُ الْإِحْصَانَ وَالْإِحْلَالَ لِلزَّوْجِ الْأَوَّلِ ، وَلَوْ كَانَ الْفَسْخُ سَابِقًا عَلَيْهِ لَانْعَكَسَتْ الْحَالُ وَقَوْلُ الْقَاضِي : إنَّهُ يُبْطِلُ حَقَّهَا مِنْ الْفَسْخِ .\rغَيْرُ صَحِيحٍ ؛ فَإِنَّ الطَّلَاقَ يَحْصُلُ بِهِ مَقْصُودُ الْفَسْخِ ، مَعَ زِيَادَةِ وُجُوبِ نِصْفِ الْمَهْرِ ، وَتَقْصِيرِ الْعِدَّةِ عَلَيْهَا ، فَإِنَّ ابْتِدَاءَهَا مِنْ حِينِ طَلَاقِهِ ، لَا مِنْ حِينِ فَسْخِهِ ، ثُمَّ لَوْ كَانَ مُبْطِلًا لَحَقِّهَا ، لَمْ يَقَعْ وَإِنْ لَمْ تَخْتَرْ الْفَسْخَ ، كَمَا لَمْ يَصِحَّ تَصَرُّفُ الْمُشْتَرِي فِي الْمَبِيعِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ ، سَوَاءٌ فَسَخَ الْبَائِعُ أَوْ لَمْ يَفْسَخْ وَهَذَا فِيمَا إذَا كَانَ الطَّلَاقُ بَائِنًا ، فَإِنْ كَانَ رَجْعِيًّا ، لَمْ يَسْقُطْ خِيَارُهَا ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي الْفَصْلِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا ، فَعَلَى قَوْلِهِمْ : إذَا طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ ، ثُمَّ اخْتَارَتْ الْفَسْخَ","part":15,"page":302},{"id":7302,"text":"، سَقَطَ مَهْرُهَا ؛ لِأَنَّهَا بَانَتْ بِالْفَسْخِ ، وَإِنْ لَمْ يَفْسَخْ ، فَلَهَا نِصْفُ الصَّدَاقِ ؛ لِأَنَّهَا بَانَتْ بِالطَّلَاقِ .\rوَهَكَذَا لَوْ ارْتَدَّتْ أَوْ أَسْلَمْت الْكَافِرَةُ .","part":15,"page":303},{"id":7303,"text":"فَصْلٌ : وَلِلْمُعْتَقَةِ الْفَسْخُ مِنْ غَيْرِ حُكْمِ حَاكِمٍ ؛ لِأَنَّهُ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ ، غَيْرُ مُجْتَهَدٍ فِيهِ ، فَلَمْ يَفْتَقِرْ إلَى حَاكِمٍ ، كَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ فِي الْمَبِيعِ ، بِخِلَافِ خِيَارِ الْعَيْبِ فِي النِّكَاحِ ، فَإِنَّهُ مُجْتَهَدٌ فِيهِ ، فَافْتَقَرَ إلَى حُكْمِ الْحَاكِمِ ، كَالْفَسْخِ لِلْإِعْسَارِ .","part":15,"page":304},{"id":7304,"text":"( 5529 ) فَصْلٌ : وَإِذَا اخْتَارَتْ الْمُعْتَقَةُ الْفِرَاقَ ، كَانَ فَسْخًا لَيْسَ بِطَلَاقٍ .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالثَّوْرِيُّ وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ ، وَالشَّافِعِيُّ .\rوَذَهَبَ مَالِكٌ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَاللَّيْثُ ، إلَى أَنَّهُ طَلَاقٌ بَائِنٌ .\rقَالَ مَالِكٌ : إلَّا أَنْ تُطَلِّقَ نَفْسَهَا ثَلَاثًا ، فَتَطْلُقُ ثَلَاثًا .\rوَاحْتَجَّ لَهُ بِقِصَّةِ زَبْرَاءَ حِينَ طَلَّقَتْ نَفْسَهَا ثَلَاثًا ، فَلَمْ يَبْلُغْنَا أَنَّ أَحَدًا مِنْ الصَّحَابَةِ أَنْكَرَ ذَلِكَ ، وَلِأَنَّهَا تَمْلِكُ الْفِرَاقَ ، فَمَلَكْت الطَّلَاقَ كَالرَّجُلِ وَلَنَا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الطَّلَاقُ لِمَنْ أَخَذَ بِالسَّاقِ } .\rوَلِأَنَّهَا فُرْقَةٌ مِنْ قِبَلِ الزَّوْجَةِ ، فَكَانَتْ فَسْخًا ، كَمَا لَوْ اخْتَلَفَ دِينُهُمَا ، أَوْ أَرْضَعَتْ مَنْ يُفْسَخُ نِكَاحُهَا بِرَضَاعِهِ ، وَفِعْلُ زَبْرَاءَ لَيْسَ بِحُجَّةِ ، وَلَمْ يَثْبُت انْتِشَارُهُ فِي الصَّحَابَةِ .\rفَعَلَى هَذَا ، لَوْ قَالَتْ : اخْتَرْت نَفْسِي ، أَوْ فَسَخْت النِّكَاحَ .\rانْفَسَخَ .\rوَلَوْ قَالَتْ : طَلَّقْت نَفْسِي .\rوَنَوَتْ الْمُفَارَقَةَ ، كَانَ كِنَايَةً عَنْ الْفَسْخِ ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي مَعْنَاهُ ، فَصَارَ كِنَايَةً عَنْهُ ، كَالْكِنَايَةِ بِالْفَسْخِ عَنْ الطَّلَاقِ .","part":15,"page":305},{"id":7305,"text":"( 5530 ) فَصْلٌ : وَإِنْ عَتَقَ زَوْجُ الْأَمَةِ ، لَمْ يَثْبُتْ لَهُ خِيَارٌ ؛ لِأَنَّ عَدَمَ الْكَمَالِ فِي الزَّوْجَةِ لَا يُؤَثِّرُ فِي النِّكَاحِ ، وَلِذَلِكَ لَا تُعْتَبَرُ الْكَفَاءَةُ إلَّا فِي الرَّجُلِ دُونَ الْمَرْأَةِ .\rوَلَوْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً مُطْلَقًا ، فَبَانَتْ أَمَةً ، لَمْ يَثْبُتْ لَهُ خِيَارٌ .\rوَلَوْ تَزَوَّجَتْ الْمَرْأَةُ رَجُلًا مُطْلَقًا ، فَبَانَ عَبْدًا كَانَ لَهَا الْخِيَارُ ، وَكَذَلِكَ فِي الِاسْتِدَامَةِ ، لَكِنْ إنْ عَتَقَ وَوَجَدَ الطَّوْلَ لِحُرَّةٍ ، فَهَلْ يَبْطُلُ نِكَاحُهُ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ ، تَقَدَّمَ ذَكَرُهُمَا .","part":15,"page":306},{"id":7306,"text":"( 5531 ) فَصْلٌ : وَإِذَا عَتَقَتْ الْأَمَةُ ، فَقَالَتْ لِزَوْجِهَا : زِدْنِي فِي مَهْرِي .\rفَفَعَلَ ، فَالزِّيَادَةُ لَهَا دُونَ سَيِّدهَا ، سَوَاءٌ كَانَ زَوْجُهَا حُرًّا أَوْ عَبْدًا ، وَسَوَاءٌ عَتَقَ مَعَهَا ، أَوْ لَمْ يَعْتِقْ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، فِيمَ إذَا زَوَّجَ عَبْدَهُ مِنْ أَمَتِهِ ثُمَّ عَتَقَا جَمِيعًا ، فَقَالَتْ الْأَمَةُ : زِدْنِي فِي مَهْرِي .\rفَالزِّيَادَةُ لِلْأَمَةِ لَا لِلسَّيِّدِ .\rفَقِيلَ : أَرَأَيْت إنْ كَانَ الزَّوْجُ لِغَيْرِ السَّيِّدِ ، لِمَنْ تَكُونُ الزِّيَادَةُ ؟ قَالَ : لِلْأَمَةِ وَعَلَى قِيَاسِ هَذَا ، لَوْ زَوَّجَهَا سَيِّدُهَا ، ثُمَّ بَاعَهَا ، فَزَادَهَا زَوْجُهَا فِي مَهْرِهَا ، فَالزِّيَادَةُ لِلثَّانِي .\rوَقَالَ الْقَاضِي : الزِّيَادَةُ لِلسَّيِّدِ الْمُعْتِقِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ ، عَلَى قِيَاسِ الْمَذْهَبِ ؛ لِأَنَّ مِنْ أَصْلِنَا أَنَّ الزِّيَادَةَ فِي الصَّدَاقِ تَلْحَقُ بِالْعَقْدِ الْأَوَّلِ ، فَتَكُونُ كَالْمَذْكُورَةِ فِيهِ .\rوَاَلَّذِي قُلْنَاهُ أَصَحُّ ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ فِي الزِّيَادَةِ إنَّمَا ثَبَتَ حَالَ وُجُودِهَا ، بَعْدَ زَوَالِ مِلْكِ سَيِّدِهَا عَنْهَا ، فَيَكُونُ لَهَا ، كَكَسْبِهَا وَالْمَوْهُوبِ لَهَا وَقَوْلُنَا : إنَّ الزِّيَادَةَ تَلْحَقُ بِالْعَقْدِ .\rمَعْنَاهُ أَنَّهَا تَلْزَمُ وَيَثْبُتُ الْمِلْكُ فِيهَا ، وَيَصِيرُ الْجَمِيعُ صَدَاقًا ، وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّا تَبَيَّنَّا أَنَّ الْمِلْكَ كَانَ ثَابِتًا فِيهَا ، وَكَانَ لِسَيِّدِهَا ، فَإِنَّ هَذَا مُحَالٌ ، وَلِأَنَّ سَبَبَ مِلْكِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ وُجِدَ بَعْدَ الْعِتْقِ ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَقَدَّمَ الْمِلْكُ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى تَقَدُّمِ الْحُكْمِ قَبْلَ سَبَبِهِ ، وَلَوْ كَانَ الْمِلْكُ ثَابِتًا لِلْمُعْتَقِ فِيهِ حِينَ التَّزْوِيجِ لَلَزِمَتْهُ زَكَاتُهُ ، وَكَانَ لَهُ نَمَاؤُهُ .\rوَهَذَا أَظْهَرُ مِنْ أَنْ نُطِيلَ فِيهِ .","part":15,"page":307},{"id":7307,"text":"بَاب أَجَلِ الْعِنِّينِ وَالْخَصِيِّ غَيْرِ الْمَجْبُوبِ الْعِنِّينُ : هُوَ الْعَاجِزُ عَنْ الْإِيلَاجِ .\rوَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ عَنَّ .\rأَيْ : اعْتَرَضَ ؛ لِأَنَّ ذَكَرَهُ يَعِنُّ إذَا أَرَادَ إيلَاجَهُ ، أَيْ يَعْتَرِضُ ، وَالْعَنَنُ الِاعْتِرَاضُ .\rوَقِيلَ : لِأَنَّهُ يَعِنُّ لِقُبُلِ الْمَرْأَةِ عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ ، فَلَا يَقْصِدُهُ .\rفَإِذَا كَانَ الرَّجُلُ كَذَلِكَ فَهُوَ عَيْبٌ بِهِ ، وَيُسْتَحَقُّ بِهِ فَسْخُ النِّكَاحِ ، بَعْدَ أَنْ تُضْرَبَ لَهُ مُدَّةٌ يُخْتَبَرُ فِيهَا ، وَيُعْلَمُ حَالُهُ بِهَا .\rوَهَذَا قَوْلُ عُمَرَ ، وَعُثْمَانَ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ ، وَالْمُغِيرَةَ بْنِ شُعْبَةَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَبِهِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ، وَعَطَاءٌ ، وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَقَتَادَةُ ، وَحَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ .\rوَعَلَيْهِ فَتْوَى فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ ، مِنْهُمْ ؛ مَالِكٌ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَالثَّوْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ وَشَذَّ الْحَكَمُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، وَدَاوُد ، فَقَالَا : لَا يُؤَجَّلُ ، وَهِيَ امْرَأَتُهُ وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ؛ لِأَنَّ امْرَأَةً أَتَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ : { يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنَّ رِفَاعَةَ طَلَّقَنِي ، فَبَتَّ طَلَاقِي ، فَتَزَوَّجْت بِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الزُّبَيْرِ ، وَإِنَّمَا لَهُ مِثْلُ هُدْبَةِ الثَّوْبِ ، فَقَالَ : تُرِيدِينَ أَنْ تَرْجِعِي إلَى رِفَاعَةَ ؟ لَا حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ ، وَيَذُوقَ عُسَيْلَتَك } .\rوَلَمْ يَضْرِبْ لَهُ مُدَّةً .\rوَلَنَا ، مَا رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَجَّلَ الْعِنِّينَ سَنَةً .\rوَرَوَى ذَلِكَ الدَّارَقُطْنِيّ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ عُمَرَ وَابْنِ مَسْعُودٍ ، وَالْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ وَلَا مُخَالِفَ لَهُمْ .\rوَرَوَاهُ أَبُو حَفْصٍ عَنْ عَلِيٍّ وَلِأَنَّهُ عَيْبٌ يَمْنَعُ الْوَطْءَ ، فَأَثْبَتَ الْخِيَارَ ، كَالْجَبِّ فِي الرَّجُلِ ، وَالرَّتْقِ فِي الْمَرْأَةِ ، فَأَمَّا الْخَبَرُ ، فَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ ؛ فَإِنَّ الْمُدَّةَ إنَّمَا تُضْرَبُ لَهُ مَعَ اعْتِرَافِهِ ، وَطَلَبِ","part":15,"page":308},{"id":7308,"text":"الْمَرْأَةِ ذَلِكَ ، وَلَمْ يُوجَدْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ الرَّجُلَ أَنْكَرَ ذَلِكَ ، وَقَالَ : إنِّي لِأَعْرُكَهَا عَرْكَ الْأَدِيمِ .\rوَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : وَقَدْ صَحَّ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ بَعْدَ طَلَاقِهِ ، فَلَا مَعْنَى لِضَرْبِ الْمُدَّةِ .\rوَصَحَّحَ ذَلِكَ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( تُرِيدِينَ أَنْ تَرْجِعِي إلَى رِفَاعَةَ ) .\rوَلَوْ كَانَ قَبْلَ طَلَاقِهِ لَمَا كَانَ ذَلِكَ إلَيْهَا .\rوَقِيلَ : إنَّهَا ذَكَرَتْ ضَعْفَهُ ، وَشَبَّهَتْهُ بِهُدْبَةِ الثَّوْبِ مُبَالَغَةً ، وَلِذَلِكَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ ) وَالْعَاجِزُ عَنْ الْوَطْءِ لَا يَحْصُلُ مِنْهُ ذَلِكَ .","part":15,"page":309},{"id":7309,"text":"( 5532 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : وَإِذَا ادَّعَتْ الْمَرْأَةُ أَنَّ زَوْجَهَا عِنِّينٌ لَا يَصِلُ إلَيْهَا ، أُجِّلَ سَنَةً مُنْذُ تَرَافُعِهِ ، فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا فِيهَا ، خُيِّرَتْ فِي الْمُقَامِ مَعَهُ أَوْ فِرَاقِهِ ، فَإِنْ اخْتَارَتْ فِرَاقَهُ ، كَانَ ذَلِكَ فَسْخًا بِلَا طَلَاقٍ .\rوَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا ادَّعَتْ عَجْزَ زَوْجِهَا عَنْ وَطْئِهَا لِعُنَّةٍ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ ، فَإِنْ أَنْكَرَ وَالْمَرْأَةُ عَذْرَاءُ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا ، وَإِنْ كَانَتْ ثَيِّبًا ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ .\rفِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ ؛ لِأَنَّ هَذَا أَمْرٌ لَا يُعْلَمُ إلَّا مِنْ جِهَتِهِ ، وَالْأَصْلُ السَّلَامَةُ وَقَالَ الْقَاضِي : هَلْ يَسْتَحْلِف أَوْ لَا ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ ، بِنَاءً عَلَى دَعْوَى الطَّلَاقِ .\rفَإِنْ أَقَرَّ بِالْعَجْزِ ، أَوْ ثَبَتَ بِبَيِّنَةٍ عَلَى إقْرَارِهِ بِهِ ، أَوْ أَنْكَرَ وَطَلَبَتْ يَمِينَهُ فَنَكِلَ ، ثَبَتَ عَجْزُهُ ، وَيُؤَجَّلُ سَنَةً .\rفِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rوَعَنْ الْحَارِثِ بْنِ رَبِيعَةَ ، أَنَّهُ أَجَّلَ عَشَرَةَ أَشْهُرٍ .\rوَلَنَا قَوْلُ مَنْ سَمَّيْنَا مِنْ الصَّحَابَةِ ، وَلِأَنَّ هَذَا الْعَجْزَ قَدْ يَكُونُ لِعُنَّةٍ ، وَقَدْ يَكُونُ لِمَرَضِ ، فَضُرِبَتْ لَهُ سَنَةً لِتَمُرَّ بِهِ الْفُصُولُ الْأَرْبَعَةُ ، فَإِنْ كَانَ مِنْ يُبْسٍ زَالَ فِي فَصْلِ الرُّطُوبَةِ ، وَإِنْ كَانَ مِنْ رُطُوبَةٍ زَالَ فِي فَصْلِ الْحَرَارَةِ ، وَإِنْ كَانَ مِنْ انْحِرَافِ مِزَاجٍ زَالَ فِي فَصْلِ الِاعْتِدَالِ .\rفَإِذَا مَضَتْ الْفُصُولُ الْأَرْبَعَةُ ، وَاخْتَلَفَتْ عَلَيْهِ الْأَهْوِيَةُ فَلَمْ تَزُلْ ، عُلِمَ أَنَّهُ خِلْقَةٌ وَحُكِيَ عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ ، أَنَّهُ قَالَ : أَهْلُ الطِّبِّ يَقُولُونَ : الدَّاءُ لَا يَسْتَجِنُّ فِي الْبَدَنِ أَكْثَرَ مِنْ سَنَةٍ ، ثُمَّ يَظْهَرُ .\rوَابْتِدَاءُ السَّنَةِ مُنْذُ تَرَافُعِهِ .\rقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : عَلَى هَذَا جَمَاعَةُ الْقَائِلِينَ بِتَأْجِيلِهِ .\rقَالَ مَعْمَرٌ فِي حَدِيثِ عُمَرَ : يُؤَجَّلُ سَنَةً : مِنْ يَوْمِ مُرَافَعَتِهِ ، فَإِذَا انْقَضَتْ الْمُدَّةُ فَلَمْ يَطَأْ ، فَلَهَا الْخِيَارُ ، فَإِنْ اخْتَارَتْ الْفَسْخَ ، لَمْ يَجُزْ إلَّا بِحُكْمِ","part":15,"page":310},{"id":7310,"text":"حَاكِمٍ ؛ لِأَنَّهُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ ، فَإِمَّا أَنْ يَفْسَخَ ، وَإِمَّا أَنْ يَرُدَّهُ إلَيْهَا فَتَفْسَخَ هِيَ .\rفِي قَوْلِ عَامَّةِ الْقَائِلِينَ بِهِ وَلَا يَفْسَخُ حَتَّى تَخْتَارَ الْفَسْخَ وَتَطْلُبَهُ ؛ لِأَنَّهُ لِحَقِّهَا ، فَلَا تُجْبَرُ عَلَى اسْتِيفَائِهِ ، كَالْفَسْخِ لِلْإِعْسَارِ ، فَإِذَا فَسَخَ فَهُوَ فَسْخٌ وَلَيْسَ بِطَلَاقِ .\rوَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٌ وَالثَّوْرِيُّ يُفَرِّقُ الْحَاكِمُ بَيْنَهُمَا ، وَتَكُونُ تَطْلِيقَةٌ ؛ لِأَنَّهُ فُرْقَةٌ لِعَدَمِ الْوَطْءِ ، فَكَانَتْ طَلَاقًا ، كَفُرْقَةِ الْمُولِي .\rوَلَنَا ، أَنَّ هَذَا خِيَارٌ ثَبَتَ لِأَجْلِ الْعَيْبِ ، فَكَانَ فَسْخًا ، كَفَسْخِ الْمُشْتَرِي لِأَجْلِ الْعَيْبِ .","part":15,"page":311},{"id":7311,"text":"( 5533 ) فَصْلٌ : فَإِنْ اتَّفَقَا بَعْدَ الْفُرْقَةِ عَلَى الرَّجْعَةِ ، لَمْ يَجُزْ إلَّا بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ ؛ لِأَنَّهَا قَدْ بَانَتْ عَنْهُ ، وَانْفَسَخَ النِّكَاحُ .\rفَإِذَا تَزَوَّجَهَا كَانَتْ عِنْدَهُ عَلَى طَلَاقٍ ثَلَاثٍ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .\rوَذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ فِيهَا قَوْلًا ثَانِيًا ، أَنَّهُمَا لَا يَجْتَمِعَانِ أَبَدًا ؛ لِأَنَّهَا فُرْقَةٌ تَتَعَلَّقُ بِحُكْمِ الْحَاكِمِ ، فَحَرَّمَتْ النِّكَاحَ ، كَفُرْقَةِ اللِّعَانِ وَالْمَذْهَبُ أَنَّهَا تَحِلُّ لَهُ ؛ لِأَنَّهَا فُرْقَةٌ لِأَجْلِ الْعَيْب ، فَلَمْ تَمْنَعْ النِّكَاحَ ، كَفُرْقَةِ الْمُعْتَقَةِ ، وَالْفُرْقَةِ فِي سَائِرِ الْعُيُوبِ .\rوَأَمَّا فُرْقَةُ اللِّعَانِ فَإِنَّهَا حَصَلَتْ بِلِعَانِهِمَا قَبْلَ تَفْرِيقِ الْحَاكِمِ ، وَهَاهُنَا بِخِلَافِهِ ، وَلِأَنَّ اللِّعَانَ يُحَرِّمُ الْمُقَامَ عَلَى النِّكَاحِ ، فَمَنَعَ ابْتِدَاءَهُ ، وَيُوجِبُ الْفُرْقَةَ ، فَمَنَعَ الِاجْتِمَاعَ ، وَهَاهُنَا بِخِلَافِهِ .\rوَلَوْ رَضِيت الْمَرْأَةُ بِالْمُقَامِ ، أَوْ لَمْ تَطْلُب الْفَسْخَ ، لَمْ يَجُزْ الْفَسْخُ ، فَكَيْفَ يَصِحُّ الْقِيَاسُ مَعَ هَذِهِ الْفُرُوقِ ؟ .","part":15,"page":312},{"id":7312,"text":"( 5534 ) فَصْلٌ : وَمَنْ عُلِمَ أَنَّ عَجْزَهُ عَنْ الْوَطْءِ لَعَارِضٍ ؛ مِنْ صِغَرٍ ، أَوْ مَرَضٍ مَرْجُوِّ الزَّوَالِ ، لَمْ تُضْرَبْ لَهُ مُدَّةٌ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ عَارِضٌ يَزُولُ ، وَالْعُنَّةُ خِلْقَةٌ وَجِبِلَّةٌ لَا تَزُولُ .\rوَإِنْ كَانَ لَكِبَرٍ ، أَوْ مَرَضٍ لَا يُرْجَى زَوَالُهُ ، ضُرِبَتْ لَهُ الْمُدَّةُ ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى مَنْ خُلِقَ كَذَلِكَ .\rوَإِنْ كَانَ لِجَبٍّ ، أَوْ شَلَلٍ ، ثَبَتَ الْخِيَارُ فِي الْحَالِ ؛ لِأَنَّ الْوَطْءَ مَيْئُوسٌ مِنْهُ فَلَا مَعْنَى لِانْتِظَارِهِ .\rوَإِنْ كَانَ قَدْ بَقِيَ مِنْ الذَّكَرِ مَا يُمْكِنُ الْوَطْءُ بِهِ ، فَالْأَوْلَى ضَرْبُ الْمُدَّةِ لَهُ ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْعِنِّينِ خِلْقَةً .\rوَإِنْ اُخْتُلِفَ فِي الْقَدْرِ الْبَاقِي هَلْ يُمْكِنُ الْوَطْءُ بِمِثْلِهِ أَوْ لَا ؟ رُجِعَ إلَى أَهْلِ الْخِبْرَةِ فِي مَعْرِفَةِ ذَلِكَ .","part":15,"page":313},{"id":7313,"text":"( 5535 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا الْخَصِيُّ ، فَإِنَّ الْخِرَقِيِّ ذَكَرَهُ فِي تَرْجَمَةِ الْبَابِ ، وَلَمْ يُفْرِدْهُ بِحُكْمٍ ، فَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهُ أَلْحَقَهُ بِغَيْرِهِ ، فِي أَنَّهُ مَتَى لَمْ يَصِلْ إلَيْهَا أُجِّلَ ، وَإِنْ وَصَلَ إلَيْهَا ، فَلَا خِيَارَ لَهَا ؛ لِأَنَّ الْوَطْءَ مُمْكِنٌ ، وَالِاسْتِمْتَاعَ حَاصِلٌ بِوَطْئِهِ .\rوَقَدْ قِيلَ : إنَّ وَطْأَهُ أَكْثَرُ مِنْ وَطْءِ غَيْرِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُنْزِلُ فَيَفْتُرُ بِالْإِنْزَالِ .\rوَقَدْ ذَكَرْنَا اخْتِلَافَ أَصْحَابِنَا فِي ذَلِكَ فِيمَا مَضَى .\rوَلَا فَرْقَ بَيْنَ مَنْ قُطِعَتْ خُصْيَتَاهُ وَالْمَوْجُورِ ، وَهُوَ الَّذِي رُضَّتْ خُصْيَتَاهُ ، وَالْمَسْلُولِ الَّذِي سُلَّتْ خُصْيَتَاهُ ، فَإِنَّ الْحُكْمَ فِي الْجَمِيعِ وَاحِدٌ ؛ فَإِنَّهُ لَا يُنْزِلُ ، وَلَا يُولَدُ لَهُ .","part":15,"page":314},{"id":7314,"text":"( 5536 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : وَإِنْ قَالَ : قَدْ عَلِمَتْ أَنِّي عِنِّينٌ قَبْلَ أَنْ أَنْكِحَهَا .\rفَإِنْ أَقَرَّتْ ، أَوْ ثَبَتَ بِبَيِّنَةٍ ، فَلَا يُؤَجَّلُ ، وَهِيَ امْرَأَتُهُ .\rوَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا عَلِمَتْ عُنَّةَ الرَّجُلِ وَقْتَ الْعَقْدِ ، مِثْلُ أَنْ يُعْلِمَهَا بِعُنَّتِهِ ، أَوْ تُضْرَبَ لَهُ الْمُدَّةُ وَهِيَ امْرَأَتُهُ ، فَيَنْفَسِخَ النِّكَاحُ ، ثُمَّ يَتَزَوَّجُهَا وَنَحْوُ ذَلِكَ ، لَمْ تُضْرَبْ لَهُ الْمُدَّةُ ، وَهِيَ امْرَأَتُهُ .\rفِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، مِنْهُمْ ؛ عَطَاءٌ ، وَالثَّوْرِيُّ وَابْنُ الْقَاسِمِ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ الْقَدِيمُ .\rوَقَالَ فِي الْجَدِيدِ : يُؤَجَّلُ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ عِنِّينًا فِي نِكَاحٍ دُونَ نِكَاحٍ وَلَنَا أَنَّهَا رَضِيَتْ بِالْعَيْبِ ، وَدَخَلَتْ فِي الْعَقْدِ عَالِمَةً بِهِ ، فَلَمْ يَثْبُتْ لَهَا خِيَارٌ ، كَمَا لَوْ عَلِمَتْهُ مَجْبُوبًا ، وَلِأَنَّهَا لَوْ رَضِيَتْ بِهِ بَعْدَ الْعَقْدِ أَوْ بَعْدَ الْمُدَّةِ ، لَمْ يَكُنْ لَهَا الْفَسْخُ ، فَكَذَلِكَ إذَا رَضِيَتْ بِهِ فِي الْعَقْدِ ، كَسَائِرِ الْعُيُوبِ ، وَلَوْ أَنَّهَا رَضِيَتْ بِالْمُقَامِ مَعَهُ ، ثُمَّ طَلَّقَهَا ، ثُمَّ ارْتَجَعَهَا ، لَمْ يَثْبُتْ لَهَا الْمُطَالَبَةُ ، كَذَا هَاهُنَا .\rوَقَوْلُهُمْ : إنَّهَا تَكُونُ فِي نِكَاحٍ دُونَ نِكَاحٍ .\rاحْتِمَالٌ بَعِيدٌ ؛ فَإِنَّ الْعُنَّةَ جِبِلَّةٌ وَخِلْقَةٌ لَا تَتَغَيَّرُ ظَاهِرًا ، وَلِذَلِكَ ثَبَتَ لَهَا الْفَسْخُ بَعْدَ الْمُدَّةِ .\rفَإِنْ ادَّعَى عَلَيْهَا الْعِلْمَ بِعُنَّتِهِ ، فَأَنْكَرَتْهُ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا مَعَ يَمِينِهَا ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْعِلْمِ ، وَإِنْ أَقَرَّتْ ، أَوْ ثَبَتَتْ بِبَيِّنَةٍ ، ثَبَتَ نِكَاحُهَا ، وَبَطَلَ خِيَارُهَا .","part":15,"page":315},{"id":7315,"text":"( 5537 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : وَإِنْ عَلِمَتْ أَنَّهُ عِنِّينٌ بَعْدَ الدُّخُولِ ، فَسَكَتَتْ عَنْ الْمُطَالَبَةِ ، ثُمَّ طَالَبَتْ بَعْدُ ، فَلَهَا ذَلِكَ ، وَيُؤَجَّلُ سَنَةً مِنْ يَوْمِ تَرَافُعِهِ لَا نَعْلَمُ فِي هَذَا اخْتِلَافًا .\rوَذَلِكَ لِأَنَّ سُكُوتَهَا بَعْدَ الْعَقْدِ لَيْسَ بِدَلِيلٍ عَلَى الرِّضَى ؛ لِأَنَّهُ زَمَنٌ لَا تَمْلِكُ فِيهِ الْفَسْخَ ، وَلَا الِامْتِنَاعَ مِنْ اسْتِمْتَاعِهِ ، فَلَمْ يَكُنْ سُكُوتُهَا مُسْقِطًا لِحَقِّهَا ، كَسُكُوتِهَا بَعْدَ ضَرْبِ الْمُدَّةِ وَقَبْلَ انْقِضَائِهَا .\rوَلَوْ سَكَتَتْ بَعْدَ الْمُدَّةِ ، لَمْ يَبْطُلْ خِيَارُهَا أَيْضًا ؛ لِأَنَّ الْخِيَارَ لَا يَثْبُتُ إلَّا بَعْدَ رَفْعِهِ إلَى الْحَاكِمِ ، وَثُبُوتِ عَجْزِهِ ، فَلَا يَضُرُّ السُّكُوتُ قَبْلَهُ .","part":15,"page":316},{"id":7316,"text":"( 5538 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : وَإِنْ قَالَتْ فِي وَقْتٍ مِنْ الْأَوْقَاتِ : قَدْ رَضِيت بِهِ عِنِّينًا .\rلَمْ يَكُنْ لَهَا الْمُطَالَبَةُ بَعْدُ .\rوَجُمْلَةُ الْأَمْرِ ، أَنَّهَا مَتَى رَضِيَتْ بِهِ عِنِّينًا ، بَطَلَ خِيَارُهَا ، سَوَاءٌ قَالَتْهُ عَقِيبَ الْعَقْدِ ، أَوْ بَعْدَ ضَرْبِ الْمُدَّةِ ، أَوْ بَعْدَ انْقِضَائِهَا ، وَلَا نَعْلَمُ فِي بُطْلَانِ خِيَارِهَا بِقَوْلِهَا ذَلِكَ بَعْد انْقِضَاء الْمُدَّةِ خِلَافًا ، فَأَمَّا قَبْلَهَا فَإِنْ الشَّافِعِيَّ قَالَ فِي الْجَدِيدِ : لَا يَبْطُلُ خِيَارُهَا ؛ لِأَنَّ حَقَّهَا فِي الْفَسْخِ إنَّمَا يَثْبُتُ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ ، فَلَمْ يَصِحَّ إسْقَاطُهُ قَبْلَهَا ، كَالشَّفِيعِ يُسْقِطُ حَقَّهُ قَبْلَ الْبَيْعِ وَلَنَا ، أَنَّهَا رَضِيَتْ بِالْعَيْبِ بَعْدَ الْعَقْدِ ، فَسَقَطَ خِيَارُهَا ، كَسَائِرِ الْعُيُوبِ ، وَكَمَا بَعْدَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ .\rوَمَا ذَكَرُوهُ غَيْرُ صَحِيحٍ ؛ فَإِنَّ الْعُنَّةَ الَّتِي هِيَ سَبَبُ الْفَسْخِ مَوْجُودَةٌ ، وَإِنَّمَا الْمُدَّةُ لِيُعْلَمَ وُجُودُهَا ، وَيَتَحَقَّقُ عِلْمُهَا ، فَهِيَ كَالْبَيِّنَةِ فِي سَائِرِ الْعُيُوبِ وَيُفَارِقُ الشُّفْعَةَ ؛ فَإِنَّ سَبَبَهَا الْبَيْعُ ، وَلَمْ يُوجَدْ بَعْدُ .\rفَإِنْ قِيلَ : فَلَوْ رَضِيت الْمَرْأَةُ بِالْإِعْسَارِ ، ثُمَّ اخْتَارَتْ الْفَسْخَ ، مَلَكَتْهُ ، وَلَوْ آلَى مِنْهَا ، فَرَضِيَتْ بِالْمُقَامِ مَعَهُ ، ثُمَّ طَالَبَتْ بِالْعُنَّةِ ، كَانَ لَهَا ذَلِكَ ؟ قُلْنَا : الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ النَّفَقَةَ يَتَجَدَّدُ وُجُوبُهَا كُلَّ يَوْمٍ ، فَإِذَا رَضِيَتْ بِإِسْقَاطِ مَا يَجِبْ لَهَا فِي الْمُسْتَقْبَلِ ، لَمْ يَسْقُطْ ؛ لِأَنَّهَا أَسْقَطَتْهُ قَبْلَ وُجُوبِهِ ، فَأَشْبَهَ إسْقَاطَ الشُّفْعَةِ قَبْلَ الْبَيْعِ ، بِخِلَافِ الْعَيْبِ ، وَلِأَنَّ الْإِعْسَارَ يَعْقُبُهُ الْيَسَارُ ، فَتَرْضَى بِالْمُقَامِ رَجَاءَ ذَلِكَ ، وَكَذَلِكَ الْمُولِي يَجُوزُ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْ يَمِينِهِ ، وَيَطَأَ ، فَإِذَا لَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ ، ثَبَتَ لَهَا الْخِيَارُ ، فَأَمَّا الْعِنِّينُ إذَا رَضِيَتْهُ ، فَقَدْ رَضِيَتْ بِالْعَجْزِ مِنْ طَرِيقِ الْخِلْقَةِ ، وَهُوَ مَعْنَى لَا يَزُولُ فِي الْعَادَةِ ، فَافْتَرَقَا .","part":15,"page":317},{"id":7317,"text":"( 5539 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : وَإِنْ اعْتَرَفَتْ أَنَّهُ قَدْ وَصَلَ إلَيْهَا مَرَّةً ، بَطَلَ أَنْ يَكُونَ عِنِّينًا .\rأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى هَذَا ، يَقُولُونَ : مَتَى وَطِىءَ امْرَأَتَهُ مَرَّةً ، ثُمَّ ادَّعَتْ عَجْزَهُ ، لَمْ تُسْمَعْ دَعْوَاهَا ، وَلَمْ تُضْرَبْ لَهُ مُدَّةٌ ، مِنْهُمْ ؛ عَطَاءٌ ، وَطَاوُسٌ ، وَالْحَسَنُ ، وَيَحْيَى الْأَنْصَارِيُّ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ ، وَقَتَادَةُ ، وَابْنُ هَاشِمٍ ، وَمَالِكٌ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ : إنْ عَجَزَ عَنْ وَطْئِهَا أُجِّلَ لَهَا ؛ لِأَنَّهُ عَجَزَ عَنْ وَطْئِهَا ، فَثَبَتَ حَقُّهَا ، كَمَا لَوْ جُبَّ بَعْدَ الْوَطْءِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ قَدْ تَحَقَّقَتْ قُدْرَتُهُ عَلَى الْوَطْءِ فِي هَذَا النِّكَاحِ ، وَزَوَالُ عُنَّتِهِ ، فَلَمْ تُضْرِبْ لَهُ مُدَّةٌ ، كَمَا لَوْ لَمْ يَعْجِزْ ، وَلِأَنَّ حُقُوقَ الزَّوْجِيَّةِ ، مِنْ اسْتِقْرَارِ الْمَهْرِ وَالْعِدَّةِ ، تَثْبُتُ بِوَطْءِ وَاحِدٍ ، وَقَدْ وُجِدَ .\rوَأَمَّا الْجَبُّ ، فَإِنَّهُ يَتَحَقَّقُ بِهِ الْعَجْزُ فَافْتَرَقَا .","part":15,"page":318},{"id":7318,"text":"( 5540 ) فَصْلٌ : وَالْوَطْءُ الَّذِي يَخْرُجُ بِهِ عَنْ الْعُنَّةِ ، هُوَ تَغْيِيبُ الْحَشَفَةِ فِي الْفَرْجِ ؛ لِأَنَّ الْأَحْكَامَ الْمُتَعَلِّقَةَ بِالْوَطْءِ تَتَعَلَّقُ بِتَغْيِيبِ الْحَشَفَةِ ، فَكَانَ وَطْئًا صَحِيحًا ، فَإِنْ كَانَ الذَّكَرُ مَقْطُوعَ الْحَشَفَةِ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، لَا يَخْرُجُ عَنْ الْعُنَّةِ إلَّا بِتَغْيِيبِ جَمِيعِ الْبَاقِي ؛ لِأَنَّهُ لَا حَدَّ هَاهُنَا يُمْكِنُ اعْتِبَارُهُ ، فَاعْتُبِرَ تَغْيِيبُ جَمِيعِهِ ؛ لِأَنَّهُ الْمَعْنَى الَّذِي يَتَحَقَّقُ بِهِ حُصُولُ حُكْمِ الْوَطْءِ .\rوَالثَّانِي ، يُعْتَبَرُ تَغْيِيبُ قَدْرِ الْحَشَفَةِ ، لِيَكُونَ مَا يُجْزِئُ مِنْ الْمَقْطُوعِ مِثْلُ مَا يُجْزِئُ مِنْ الصَّحِيحِ وَلِلشَّافِعِي قَوْلَانِ كَهَذَيْنِ .\r( 5541 ) فَصْلٌ : وَلَا يَخْرُجُ عَنْ الْعُنَّةِ بِالْوَطْءِ فِي الدُّبُرِ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَحَلٍّ لِلْوَطْءِ ، فَأَشْبَهَ الْوَطْءَ فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ ، وَلِذَلِكَ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْإِحْلَالُ لِلزَّوْجِ الْأَوَّلِ ، وَلَا الْإِحْصَانُ .\rوَإِنْ وَطِئَهَا فِي الْقُبُلِ حَائِضًا ، أَوْ نُفَسَاءَ ، أَوْ مُحْرِمَةً ، أَوْ صَائِمَةً ، خَرَجَ عَنْ الْعُنَّةِ .\rوَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّ قِيَاسَ الْمَذْهَبِ أَنْ لَا يَخْرُجَ مِنْ الْعُنَّةِ ؛ لِنَصِّ أَحْمَدَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَحْصُلُ بِهِ الْإِحْصَانُ وَالْإِبَاحَةُ لِلزَّوْجِ الْأَوَّلِ ، وَلِأَنَّهُ وَطْءٌ مُحَرَّمٌ ، أَشْبَهَ الْوَطْءَ فِي الدُّبُرِ وَلَنَا ، أَنَّهُ وَطْءٌ فِي مَحَلِّ الْوَطْءِ ، فَخَرَجَ بِهِ عَنْ الْعُنَّةِ ، كَمَا لَوْ وَطِئَهَا وَهِيَ مَرِيضَةٌ يَضُرُّهَا الْوَطْءُ ، وَلِأَنَّ الْعُنَّةَ الْعَجْزُ عَنْ الْوَطْءِ ، وَلَا يَبْقَى مَعَ وُجُودِ الْوَطْءِ ، فَإِنَّ الْعَجْزَ ضِدُّ الْقُدْرَةِ ، فَلَا يَبْقَى مَعَ وُجُودِ ضِدِّهِ ، وَمَا ذَكَرَهُ غَيْرُ صَحِيحٍ ؛ لِأَنَّ تِلْكَ أَحْكَامٌ يَجُوزُ أَنْ تَنْتَفِيَ مَعَ وُجُودِ سَبَبِهَا لِمَانِعٍ ، أَوْ لِفَوَاتِ شَرْطٍ ، وَالْعُنَّةُ فِي نَفْسِهَا أَمْرٌ حَقِيقِيٌّ ، لَا يُتَصَوَّرُ بَقَاؤُهُ مَعَ انْتِفَائِهِ فَأَمَّا الْوَطْءُ فِي الدُّبُرِ ، فَلَيْسَ بِوَطْءٍ فِي مَحَلِّهِ ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا .\rوَقَدْ اخْتَارَ ابْنُ عَقِيلٍ أَنَّهُ","part":15,"page":319},{"id":7319,"text":"تَنْتَفِي بِهِ الْعُنَّةُ ؛ لِأَنَّهُ أَصْعَبُ ، فَمَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ فَهُوَ عَلَى غَيْرِهِ أُقْدَرُ .","part":15,"page":320},{"id":7320,"text":"( 5542 ) فَصْلٌ : وَإِنْ وَطِئَ امْرَأَةً ، لَمْ يَخْرُجْ بِهِ عَنْ الْعُنَّةِ فِي حَقِّ غَيْرِهَا .\rوَاخْتَارَ ابْنُ عَقِيلٍ أَنَّهُ يَخْرُجُ عَنْ الْعُنَّةِ فِي حَقِّ جَمِيعِ النِّسَاءِ ، فَلَا تُسْمَعُ دَعْوَاهَا عَلَيْهِ مِنْهَا وَلَا مِنْ غَيْرِهَا .\rوَهَذَا مُقْتَضَى قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ ، وَهُوَ قَوْلُ كُلِّ مَنْ قَالَ : إنَّهُ يُخْتَبَرُ بِتَزْوِيجِ امْرَأَةٍ أُخْرَى .\rوَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ سَمُرَةَ ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ .\rوَذَلِكَ لِأَنَّ الْعُنَّةَ خِلْقَةٌ وَجِبِلَّةٌ لَا تَتَغَيَّرُ بِتَغَيُّرِ النِّسَاءِ ، فَإِذَا انْتَفَتْ فِي حَقِّ امْرَأَةٍ ، لَمْ تَبْقَ فِي حَقِّ غَيْرِهَا وَلَنَا ، أَنَّ حُكْمَ كُلِّ امْرَأَةٍ مُعْتَبَرٌ بِنَفْسِهَا ، وَلِذَلِكَ لَوْ ثَبَتَتْ عُنَّتُهُ فِي حَقِّهِنَّ ، فَرَضِيَ بَعْضُهُنَّ ، سَقَطَ حَقُّهَا وَحْدَهَا دُونَ الْبَاقِيَاتِ ، وَلِأَنَّ الْفَسْخَ لِدَفْعِ الضَّرَرِ الْحَاصِلِ بِالْعَجْزِ عَنْ وَطْئِهَا ، وَهُوَ ثَابِتٌ فِي حَقِّهَا لَا يَزُولُ بِوَطْءِ غَيْرِهَا .\rوَقَوْلُهُ : كَيْفَ يَصِحُّ عَجْزُهُ عَنْ وَاحِدَةٍ دُونَ أُخْرَى ؟ قُلْنَا : قَدْ تَنْهَضُ شَهْوَتُهُ فِي حَقِّ إحْدَاهُمَا ، لِفَرْطِ حُبِّهِ إيَّاهَا ، وَمَيْلِهِ إلَيْهَا ، وَاخْتِصَاصِهَا بِجَمَالٍ وَنَحْوِهِ دُونَ الْأُخْرَى .\rفَعَلَى هَذَا ، لَوْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً فَأَصَابَهَا ، ثُمَّ أَبَانَهَا ، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا ، فَعَنَّ عَنْهَا ، فَلَهَا الْمُطَالَبَةُ ؛ لِأَنَّهُ إذَا جَازَ أَنْ يَعِنَّ عَنْ امْرَأَةٍ دُونَ أُخْرَى ، فَفِي نِكَاحٍ دُون نِكَاحٍ أَوْلَى .\rوَعَلَى قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ وَمَنْ وَافَقَهُ : لَا يَصِحُّ هَذَا ، بَلْ مَتَى وَطِئَ مَرَّةً ، لَمْ تَثْبُتْ عُنَّتُهُ أَبَدًا .","part":15,"page":321},{"id":7321,"text":"( 5543 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : وَإِنْ جُبَّ قَبْلَ الْحَوْلِ ، فَلَهَا الْخِيَارُ فِي وَقْتِهَا كَأَنَّ الْخِرَقِيِّ أَرَادَ : إذَا ضُرِبَتْ لَهُ الْمُدَّةُ فَلَمْ يُصِبْهَا حَتَّى جُبَّ ، ثَبَتَ لَهَا الْخِيَارُ فِي الْحَالِ .\rلِأَنَّنَا نَنْتَظِرُ الْحَوْلَ لِنَعْلَمَ عَجْزَهُ ، وَقَدْ عَلِمْنَاهُ هَاهُنَا يَقِينًا ، فَلَا حَاجَةَ إلَى الِانْتِظَارِ .\rقَالَ الْقَاضِي : وَيَلْزَمُ عَلَى هَذَا أَنَّ سَائِرَ الْعُيُوبِ الْحَادِثَةِ بَعْدَ الْعَقْدِ ، يَثْبُتُ بِهَا الْخِيَارُ ؛ فَإِنَّ الْخِيَارَ هَاهُنَا إنَّمَا ثَبَتَ بِالْجَبِّ الْحَادِثِ ، وَلَوْلَاهُ لَمْ يَثْبُتُ الْفَسْخُ ؛ لِأَنَّنَا لَمْ نَتَيَقَّنْ عُنَّتَهُ ، وَالْجَبُّ حَادِثٌ ، فَلَمَّا ثَبَتَ الْفَسْخُ بِهِ ، عُلِمَ أَنَّهُ إنَّمَا اسْتَحَقَّ بِالْعَيْبِ الْحَادِثِ .\rوَفِي بَعْضِ النُّسَخِ : قَبْلَ الدُّخُولِ وَمَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ إنَّمَا اسْتَحَقَّ الْفَسْخَ هَاهُنَا بِالْجَبِّ الْحَادِثِ ؛ لِأَنَّهُ مُتَضَمِّنٌ مَقْصُودَ الْعُنَّةِ فِي الْعَجْزِ عَنْ الْوَطْءِ ، وَمُحَقِّقٌ لِلْمَعْنَى الَّذِي ادَّعَتْهُ الْمَرْأَةُ ، بِخِلَافِ غَيْرِهِ مِنْ الْعُيُوبِ .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":15,"page":322},{"id":7322,"text":"( 5544 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : وَإِنْ زَعَمَ أَنَّهُ قَدْ وَصَلَ إلَيْهَا ، وَادَّعَتْ أَنَّهَا عَذْرَاءُ ، أُرِيَتْ النِّسَاءَ الثِّقَاتِ ، فَإِنْ شَهِدْنَ بِمَا قَالَتْ ، أُجِّلَ سَنَةً وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا ادَّعَتْ عُنَّةَ زَوْجِهَا ، فَزَعَمَ أَنَّهُ وَطِئَهَا ، وَقَالَتْ : إنَّهَا عَذْرَاءُ .\rأُرِيَتْ النِّسَاءَ ، فَإِنْ شَهِدْنَ بِعُذْرَتِهَا ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا ، وَيُؤَجَّلُ .\rوَبِهَذَا قَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الْوَطْءَ يُزِيلُ عُذْرَتَهَا ، فَوُجُودُهَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الْوَطْءِ ، فَإِنْ ادَّعَى أَنَّ عُذْرَتَهَا عَادَتْ بَعْدَ الْوَطْءِ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا ؛ لِأَنَّ هَذَا بَعِيدٌ جِدًّا ، وَإِنْ كَانَ مُتَصَوَّرًا .\rوَهَلْ تُسْتَحْلَفُ الْمَرْأَةُ ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، تُسْتَحْلَفُ ؛ لِإِزَالَةِ هَذَا الِاحْتِمَالِ ، كَمَا يُسْتَحْلَفُ سَائِرُ مَنْ قُلْنَا : الْقَوْلُ قَوْلُهُ .\rوَالْآخَرُ ، لَا تُسْتَحْلَفُ ؛ لِأَنَّ مَا يَبْعُدُ جِدًّا لَا الْتِفَاتَ إلَيْهِ ، كَاحْتِمَالِ كَذِبِ الْبَيِّنَةِ الْعَادِلَةِ ، وَكَذِبِ الْمُقِرِّ فِي إقْرَارِهِ وَهَلْ يُقْبَلُ قَوْلُ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ .\rوَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الْخِرَقِيِّ فِيمَا إذَا اخْتَلَفَا فِي ابْتِدَاءِ الْأَمْرِ قَبْلَ ضَرْبِ الْأَجَلِ ، فَإِنْ اخْتَلَفَا فِي ذَلِكَ بَعْد ضَرْب الْمُدَّةِ ، وَشَهِدَ النِّسَاءُ بِعُذْرَتِهَا ، لَمْ تَنْقَطِع الْمُدَّةُ .\rوَإِنْ كَانَ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ فَحُكْمُهُ حُكْمُ مِنْ اعْتَرَفَ أَنَّهُ لَمْ يَطَأْهَا .\rوَفِي كُلِّ مَوْضِعٍ شَهِدَ النِّسَاءُ بِزَوَالِ عُذْرَتِهَا ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ ، فَيَسْقُطُ حُكْمُ قَوْلِهَا ؛ لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ كَذِبُهَا .\rوَإِنْ ادَّعَتْ أَنَّ عُذْرَتَهَا زَالَتْ بِسَبَبٍ آخِرَ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْأَسْبَابِ .","part":15,"page":323},{"id":7323,"text":"( 5545 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : وَإِنْ كَانَتْ ثَيِّبًا ، وَادَّعَى أَنَّهُ يَصِلُ إلَيْهَا ، أُخْلِيَ مَعَهَا فِي بَيْتٍ ، وَقِيلَ لَهُ : أَخْرِجْ مَاءَك عَلَى شَيْءٍ .\rفَإِنْ ادَّعَتْ أَنَّهُ لَيْسَ بِمَنِيٍّ ، جُعِلَ عَلَى النَّارِ ، فَإِنْ ذَابَ فَهُوَ مَنِيٌّ ، وَبَطَلَ قَوْلُهَا وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ رَحِمَهُ اللَّهُ ، رِوَايَةٌ أُخْرَى ، أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ .\rاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ، فَحَكَى الْخِرَقِيِّ فِيهَا رِوَايَتَيْنِ ؛ إحْدَاهُمَا ، أَنَّهُ يُخَلَّى مَعَهَا ، وَيُقَالُ لَهُ : أَخْرِجْ مَاءَك عَلَى شَيْءٍ .\rفَإِنْ أَخْرَجَهُ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ ؛ لِأَنَّ الْعِنِّينَ يَضْعُفُ عَنْ الْإِنْزَالِ ، فَإِذَا أَنْزَلَ تَبَيَّنَّا صِدْقَهُ ، فَنَحْكُمُ بِهِ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ عَطَاءٍ فَإِنْ ادَّعَتْ أَنَّهُ لَيْسَ بِمِنِّي ، جُعِلَ عَلَى النَّارِ ، فَإِنْ ذَابَ فَهُوَ مَنِيٌّ ؛ لِأَنَّهُ شَبِيهٌ بِبَيَاضِ الْبَيْضِ ، وَذَاكَ إذَا وُضِعَ عَلَى النَّارِ تَجَمَّعَ وَيَبِسَ ، وَهَذَا يَذُوبُ ، فَيَتَمَيَّزُ بِذَلِكَ أَحَدُهُمَا مِنْ الْآخَرِ ، فَيُخْتَبَرُ بِهِ ، وَعَلَى هَذَا مَتَى عَجَزَ عَنْ إخْرَاجِ مَائِهِ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَرْأَةِ ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مَعَهَا .\rوَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ ، الْقَوْلُ قَوْلُ الرَّجُلِ مَعَ يَمِينِهِ وَبِهَذَا قَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ وَإِسْحَاقُ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ وَابْنُ الْمُنْذِرِ ؛ لِأَنَّ هَذَا مِمَّا يَتَعَذَّرُ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ ، وَجَنْبَتُهُ أَقْوَى ، فَإِنْ فِي دَعْوَاهُ سَلَامَةَ الْعَقْدِ ، وَسَلَامَةَ نَفْسِهِ مِنْ الْعُيُوبِ ، وَالْأَصْلُ السَّلَامَةُ ، فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ ، كَالْمُنْكِرِ فِي سَائِرِ الدَّعَاوَى ، وَعَلَيْهِ الْيَمِينَ عَلَى صِحَّةِ مَا قَالَ وَهَذَا قَوْلُ مَنْ سَمَّيْنَا هَاهُنَا ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ مُحْتَمِلٌ لِلْكَذِبِ ، فَقَوَّيْنَا قَوْلَهُ بِيَمِينِهِ ، كَمَا فِي سَائِرِ الدَّعَاوَى الَّتِي يَسْتَحْلِفُ فِيهَا .\rفَإِنْ نَكِلَ ، قُضِيَ عَلَيْهِ بِنُكُولِهِ ، وَيَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ الْيَمِينِ عَلَيْهِ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ","part":15,"page":324},{"id":7324,"text":"عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { وَلَكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ .\r} قَالَ الْقَاضِي : وَيَتَخَرَّجُ أَنْ لَا يَسْتَحْلِفَ ، بِنَاءً عَلَى إنْكَارِهِ دَعْوَى الطَّلَاقِ ، فَإِنَّ فِيهَا رِوَايَتَيْنِ ، كَذَا هَاهُنَا .\rوَالصَّحِيحُ مَا قَالَ الْخِرَقِيِّ لِدَلَالَةِ الْخَبَرِ وَالْمَعْنَى عَلَيْهِ وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ ، رِوَايَةٌ ثَالِثَةٌ ، أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْمَرْأَةِ مَعَ يَمِينهَا .\rحَكَاهَا الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْإِصَابَةِ ، فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهَا ، لِأَنَّ قَوْلَهَا مُوَافِقٌ لِلْأَصْلِ ، وَالْيَقِينُ مَعَهَا .\rوَفِي كُلِّ مَوْضِعٍ حَكَمْنَا بِوَطْئِهِ ، بَطَلَ حُكْمُ عُنَّتِهِ ، فَإِنْ كَانَ فِي ابْتِدَاءِ الْأَمْرِ ، لَمْ تُضْرَبْ لَهُ مُدَّةٌ .\rوَإِنْ كَانَ بَعْدَ ضَرْبِ الْمُدَّةِ ، انْقَطَعَتْ .\rوَإِنْ كَانَ بَعْدَ انْقِضَائِهَا ، لَمْ يَثْبُتْ لَهَا خِيَارٌ .\rوَكُلُّ مَوْضِعٍ حَكَمْنَا بِعَدَمِ الْوَطْءِ مِنْهُ ، ثَبَتَ حُكْمُ عُنَّتِهِ ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِهَا وَاخْتَارَ أَبُو بَكْرٍ أَنَّهُ يُزَوَّجُ امْرَأَةً لَهَا حَظٌّ مِنْ الْجَمَالِ ، وَتُعْطَى صَدَاقَهَا مِنْ بَيْتِ الْمَالِ ، وَيُخَلَّى مَعَهَا ، وَتُسْأَلُ عَنْهُ ، وَيُؤْخَذُ بِمَا تَقُولُ ، فَإِنْ أَخْبَرَتْ أَنَّهُ يَطَأُ ، كَذَبَتْ الْأُولَى ، وَالثَّانِيَةُ بِالْخِيَارِ بَيْنَ الْإِقَامَةِ وَالْفَسْخِ وَصَدَاقُهَا مِنْ بَيْتِ الْمَالِ .\rوَإِنْ كَذَّبَتْهُ ، فُرِّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمَا ، وَصَدَاقُ الثَّانِيَةِ مِنْ مَالِهِ هَاهُنَا ، لِمَا رُوِيَ أَنَّ امْرَأَةً جَاءَتْ إلَى سَمُرَةَ ، فَشَكَتْ إلَيْهِ أَنَّهُ لَا يَصِلُ إلَيْهَا زَوْجُهَا ، فَكَتَبَ إلَى مُعَاوِيَةَ ، فَكَتَبَ إلَيْهِ ، أَنْ زَوِّجْهُ بِامْرَأَةِ ذَاتِ جَمَالٍ يُذْكَرُ عَنْهَا الصَّلَاحُ ، وَسُقْ إلَيْهَا الْمَهْرَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ عَنْهُ ، فَإِنْ أَصَابَهَا فَقَدْ كَذَبَتْ ، وَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا فَقَدْ صَدَقَتْ .\rفَفَعَلَ ذَلِكَ سَمُرَةُ ، فَجَاءَتْ الْمَرْأَةُ فَقَالَتْ : لَيْسَ عِنْدَهُ شَيْءٌ .\rفَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا .\rوَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : يَشْهَدُهُ امْرَأَتَانِ ، وَيُتْرَكُ بَيْنَهُمَا ثَوْبٌ ، وَيُجَامِعُ امْرَأَتَهُ ، فَإِذَا قَامَ عَنْهَا","part":15,"page":325},{"id":7325,"text":"نَظَرَتَا إلَى فَرْجِهَا ، فَإِنْ كَانَ فِيهِ رُطُوبَةُ الْمَاءِ فَقَدْ صَدَقَ ، وَإِلَّا فَلَا .\rوَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ مِثْلُ ذَلِكَ ، إلَّا أَنَّهُ اكْتَفَى بِوَاحِدَةٍ .\rوَالصَّحِيحُ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُهُ ، كَمَا لَوْ ادَّعَى الْوَطْءَ فِي الْإِيلَاءِ ، وَلِمَا قَدَّمْنَا .\rوَاعْتِبَارُ خُرُوجِ الْمَاءِ ضَعِيفٌ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَطَأُ وَلَا يُنْزِلُ ، وَقَدْ يُنْزِلُ مِنْ غَيْرِ وَطْءٍ ، فَإِنَّ ضَعْفَ الذَّكَرِ لَا يَمْنَعُ سَلَامَةَ الظَّهْرِ وَنُزُولَ الْمَاءِ ، وَقَدْ يَعْجِزُ السَّلِيمُ الْقَادِرُ عَنْ الْوَطْءِ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ ، وَلَيْسَ كُلُّ مَنْ عَجَزَ عَنْ الْوَطْءِ فِي حَالٍ مِنْ الْأَحْوَالِ ، أَوْ وَقْتٍ مِنْ الْأَوْقَاتِ ، يَكُونُ عِنِّينًا ، وَلِذَلِكَ جَعَلْنَا مُدَّتَهُ سَنَةً ، وَتَزْوِيجُهُ بِامْرَأَةِ ثَانِيَةٍ ، لَا يَصِحُّ لِذَلِكَ أَيْضًا ، وَلِأَنَّهُ قَدْ يَعِنُّ عَنْ امْرَأَةٍ دُونَ أُخْرَى ، وَلِأَنَّ نِكَاحَ الثَّانِيَةِ إنْ كَانَ مُؤَقَّتًا أَوْ غَيْرَ لَازِمٍ ، فَهُوَ نِكَاحٌ بَاطِلٌ ، وَالْوَطْءُ فِيهِ حَرَامٌ ، وَإِنْ كَانَ صَحِيحًا لَازِمًا ، فَفِيهِ إضْرَارٌ بِالثَّانِيَةِ ، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُقْبَلَ قَوْلُهَا ؛ لِأَنَّهَا تُرِيدُ بِذَلِكَ تَخْلِيصَ نَفْسِهَا ، فَهِيَ مُتَّهَمَةٌ فِيهِ ، وَلَيْسَتْ بِأَحَقَّ أَنْ يُقْبَلَ قَوْلُهَا مِنْ الْأُولَى ، وَلِأَنَّ الرَّجُلَ لَوْ أَقَرَّ بِالْعَجْزِ عَنْ الْوَطْءِ فِي يَوْمٍ أَوْ شَهْرٍ ، لَمْ تَثْبُتْ عُنَّتُهُ بِذَلِكَ ، وَأَكْثَرُ مَا فِي الَّذِي ذَكَرُوهُ ، أَنْ يَثْبُتَ عَجْزُهُ عَنْ الْوَطْءِ فِي الْيَوْمِ الَّذِي اخْتَبَرُوهُ فِيهِ ، فَإِذَا لَمْ يَثْبُتْ حُكْمُ عُنَّتِهِ بِإِقْرَارِهِ بِعَجْزِهِ ، فَلَأَنْ لَا تَثْبُتَ بِدَعْوَى غَيْرِهِ ذَلِكَ عَلَيْهِ أَوْلَى .","part":15,"page":326},{"id":7326,"text":"( 5546 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : وَإِذَا قَالَ الْخُنْثَى الْمُشْكِلُ : أَنَا رَجُلٌ .\rلَمْ يُمْنَعْ مِنْ نِكَاحٍ النِّسَاءِ ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَنْكِحَ بِغَيْرِ ذَلِكَ بَعْدُ ، وَكَذَلِكَ لَوْ سَبَقَ ، فَقَالَ : أَنَا امْرَأَةٌ .\rلَمْ يَنْكِحْ إلَّا رَجُلًا .\rالْخُنْثَى : هُوَ الَّذِي لَهُ فِي قُبُلِهِ فَرْجَانِ ؛ ذَكَرُ رَجُلٍ ، وَفَرْجُ امْرَأَةٍ .\rوَلَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى } .\rوَقَالَ تَعَالَى { وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً } .\rفَلَيْسَ ثَمَّ خَلْقٌ ثَالِثٌ .\rوَلَا يَخْلُو الْخُنْثَى مِنْ أَنْ يَكُونَ مُشْكِلًا ، أَوْ غَيْرَ مُشْكِلٍ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُشْكِلًا بِأَنْ تَظْهَرَ فِيهِ عَلَامَاتُ الرِّجَالِ ، فَهُوَ رَجُلٌ لَهُ أَحْكَامُ الرِّجَالِ ، أَوْ تَظْهَرَ فِيهِ عَلَامَاتُ النِّسَاءِ ، فَهُوَ امْرَأَةٌ لَهُ أَحْكَامُهُنَّ .\rوَإِنْ كَانَ مُشْكِلًا ، فَلَمْ تَظْهَرْ فِيهِ عَلَامَاتُ الرِّجَالِ وَلَا النِّسَاءِ ، فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي نِكَاحِهِ ، فَذَكَرَ الْخِرَقِيِّ أَنَّهُ يُرْجَعُ إلَى قَوْلِهِ ، فَإِنْ ذَكَرَ أَنَّهُ رَجُلُ ، وَأَنَّهُ يَمِيلُ طَبْعُهُ إلَى نِكَاحِ النِّسَاءِ ، فَلَهُ نِكَاحُهُنَّ .\rوَإِنْ ذَكَرَ أَنَّهُ امْرَأَةٌ ، يَمِيلُ طَبْعُهُ إلَى الرِّجَالِ ، زُوِّجَ رَجُلًا ؛ لِأَنَّهُ مَعْنَى لَا يُتَوَصَّلُ إلَيْهِ إلَّا مِنْ جِهَتِهِ ، وَلَيْسَ فِيهِ إيجَابُ حَقٍّ عَلَى غَيْرِهِ ، فَقُبِلَ قَوْلُهُ فِيهِ ، كَمَا يُقْبَلُ قَوْلُ الْمَرْأَةِ فِي حَيْضِهَا وَعِدَّتِهَا .\rوَقَدْ يَعْرِفُ نَفْسَهُ بِمَيْلِ طَبْعِهِ إلَى أَحَدِ الصِّنْفَيْنِ وَشَهْوَتِهِ لَهُ ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَجْرَى الْعَادَةَ فِي الْحَيَوَانَات بِمَيْلِ الذَّكَرِ إلَى الْأُنْثَى وَمَيْلِهَا إلَيْهِ ، وَهَذَا الْمَيْلُ أَمْرٌ فِي النَّفْسِ وَالشَّهْوَةُ لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ ، وَقَدْ تَعَذَّرَتْ عَلَيْنَا مَعْرِفَةُ عَلَامَاتِهِ الظَّاهِرَةِ ، فَرُجِعَ فِيهِ إلَى الْأُمُورِ الْبَاطِنَةِ ، فِيمَا يَخْتَصُّ هُوَ بِحُكْمِهِ .\rوَأَمَّا الْمِيرَاثُ وَالدِّيَةُ ، فَإِنْ أَقَرَّ عَلَى نَفْسِهِ بِمَا يُقَلِّلُ مِيرَاثَهُ أَوْ","part":15,"page":327},{"id":7327,"text":"دِيَتَهُ ، قُبِلَ مِنْهُ ، وَإِنْ ادَّعَى مَا يَزِيدُ ذَلِكَ ، لَمْ يُقْبَلْ ؛ لِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ فِيهِ ، فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ عَلَى غَيْرِهِ .\rوَمَا كَانَ مِنْ عِبَادَاتِهِ وَسُتْرَتِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُقْبَلَ قَوْلُهُ فِيهِ ؛ لِأَنَّهُ حُكْمٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى .\rقَالَ الْقَاضِي : وَيُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي الْإِمَامَةِ ، وَوِلَايَةِ النِّكَاحِ ، وَمَا لَا يُثْبِتُ حَقًّا عَلَى غَيْرِهِ .\rوَإِذَا زُوِّجَ امْرَأَةً أَوْ رَجُلًا ، ثُمَّ عَادَ فَقَالَ خِلَافَ قَوْلِهِ الْأَوَّلِ ، لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ فِي التَّزْوِيجِ بِغَيْرِ الْجِنْسِ الَّذِي زُوِّجَهُ أَوَّلًا ؛ لِأَنَّهُ مُكَذِّبٌ لِنَفْسِهِ ، وَمُدَّعٍ مَا يُوجِبُ الْجَمْعَ بَيْنَ تَزْوِيجِ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ ، لَكِنْ إنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً ، ثُمَّ قَالَ : أَنَا امْرَأَةٌ ، انْفَسَخَ نِكَاحُهُ ؛ لِإِقْرَارِهِ بِبُطْلَانِهِ ، وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي سُقُوطِ الْمَهْرِ عَنْهُ .\rوَإِنْ تَزَوَّجَ رَجُلًا ثُمَّ قَالَ : أَنَا رَجُلٌ .\rلَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ فِي فَسْخِ نِكَاحِهِ ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ عَلَيْهِ .\rوَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : لَا يَجُوزُ أَنْ يَتَزَوَّجَ حَتَّى يَبِينَ أَمْرُهُ .\rوَذَكَرَهُ نَصًّا عَنْ أَحْمَدَ ، فِي رِوَايَةِ الْمَيْمُونِي .\rوَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ أَبُو إِسْحَاقَ مَذْهَبٌ لِلشَّافِعِي ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَحَقَّقْ وُجُودُ مَا يُبِيحُ لَهُ النِّكَاحَ .\rفَلَمْ يُبَحْ لَهُ ، كَمَا لَوْ اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِ أُخْتُهُ بِنِسْوَةٍ ، وَكَمَا لَوْ لَمْ يَقُلْ : إنِّي رَجُلٌ وَلَا امْرَأَةٌ ، وَلِأَنَّ قَوْلَهُ لَا يُرْجَعُ إلَيْهِ فِي شَيْءٍ مِنْ أَحْكَامِهِ مِنْ الْمِيرَاثِ وَالدِّيَةِ وَغَيْرِهِمَا ، فَكَذَلِكَ ، فِي نِكَاحِهِ ، وَلِأَنَّهُ لَا يَعْرِفُ نَفْسَهُ كَمَا لَا يَعْرِفُهُ غَيْرُهُ ، وَلِأَنَّهُ قَدْ اشْتَبَهَ الْمُبَاحُ بِالْمَحْظُورِ فِي حَقِّهِ ، فَحُرِّمَ كَمَا ذَكَرْنَاهُ .","part":15,"page":328},{"id":7328,"text":"( 5547 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : وَإِذَا أَصَابَ الرَّجُلُ أَوْ أُصِيبَتْ الْمَرْأَةُ بَعْدَ الْحُرِّيَّةِ وَالْبُلُوغِ بِنِكَاحٍ صَحِيحٍ ، وَلَيْسَ وَاحِدٌ مِنْهُمَا بِزَائِلِ الْعَقْلِ ، رُجِمَا إذَا زَنَيَا ، وَالْمُسْلِمُ وَالْكَافِرُ الْحُرَّانِ فِيمَا وَصَفْت سَوَاءٌ .\rذَكَرَ الْخِرَقِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي هَذَا الْبَاب شَرَائِطَ الْإِحْصَانِ .\rوَنَحْنُ نُؤَخِّرُهُ إلَى الْحُدُودِ ، فَإِنَّهُ أَخَصُّ بِهِ .\rوَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .","part":15,"page":329},{"id":7329,"text":"كِتَابُ الصَّدَاقِ الْأَصْلُ فِي مَشْرُوعِيَّتِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ ؛ أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى : { وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ } وَقَالَ تَعَالَى : { وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً } .\rقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : يَعْنِي عَنْ طِيبِ نَفْسٍ ، بِالْفَرِيضَةِ الَّتِي فَرَضَ اللَّهُ تَعَالَى .\rوَقِيلَ : النِّحْلَةُ : الْهِبَةُ ، وَالصَّدَاقُ فِي مَعْنَاهَا ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الزَّوْجَيْنِ يَسْتَمْتِعُ بِصَاحِبِهِ ، وَجَعَلَ الصَّدَاقَ لِلْمَرْأَةِ ، فَكَأَنَّهُ عَطِيَّةٌ بِغَيْرِ عِوَضٍ .\rوَقِيلَ : نِحْلَةٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى لِلنِّسَاءِ .\rوَقَالَ تَعَالَى : { فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً } .\rوَأَمَّا السُّنَّةُ ؛ فَرَوَى أَنَسٌ ، { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ رَدْعَ زَعْفَرَانَ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَهْيَمْ ؟ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، تَزَوَّجْت امْرَأَةً .\rفَقَالَ : مَا أَصْدَقْتهَا ؟ .\rقَالَ : وَزْنَ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ .\rفَقَالَ : بَارَكَ اللَّهُ لَك ، أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةِ } .\rوَعَنْهُ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَعْتَقَ صَفِيَّةَ ، وَجَعَلَ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا .\r} مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا .\rوَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الصَّدَاقِ فِي النِّكَاحِ .\r( 5548 ) فَصْلٌ : وَلِلصَّدَاقِ تِسْعَةُ أَسْمَاءٍ ؛ الصَّدَاقُ ، وَالصَّدَقَةُ ، وَالْمَهْرُ ، وَالنِّحْلَةُ ، وَالْفَرِيضَةُ ، وَالْأَجْرُ ، وَالْعَلَائِقُ ، وَالْعُقْرُ ، وَالْحِبَاءُ .\rرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { أَدُّوا الْعَلَائِقَ .\rقِيلَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَمَا الْعَلَائِقُ ؟ قَالَ : مَا تَرَاضَى بِهِ الْأَهْلُونَ } .\rوَقَالَ عُمَرُ : لَهَا عُقْرُ نِسَائِهَا .\rوَقَالَ مُهَلْهَلٌ : أَنْكَحَهَا فَقْدُهَا الْأَرَاقِمَ فِي جَنْبٍ وَكَانَ الْحِبَاءُ مِنْ أَدَم لَوْ بأبانين جَاءَ يَخْطُبُهَا خَضَّبَ مَا وَجْهُ خَاطِبٍ بِدَمِ يُقَال : أَصْدَقْت الْمَرْأَةَ وَمَهَرْتُهَا .","part":15,"page":330},{"id":7330,"text":"وَلَا يُقَال : أَمْهَرْتهَا .","part":15,"page":331},{"id":7331,"text":"( 5549 ) فَصْلٌ : وَيُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَعْرَى النِّكَاحُ عَنْ تَسْمِيَةِ الصَّدَاقِ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُزَوِّجُ بَنَاتَه وَغَيْرَهُنَّ وَيَتَزَوَّجُ ، فَلَمْ يَكُنْ يُخْلِي ذَلِكَ مِنْ صَدَاقٍ .\rوَقَالَ لِلَّذِي زَوَّجَهُ الْمَوْهُوبَةَ : { هَلْ مِنْ شَيْءٍ تَصَدَّقَهَا بِهِ ؟ .\rفَالْتَمَسَ فَلَمْ يَجِدْ شَيْئًا .\rقَالَ : الْتَمِسْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ .\rفَلَمْ يَجِدْ شَيْئًا ، فَزَوَّجَهُ إيَّاهَا بِمَا مَعَهُ مِنْ الْقُرْآنِ .\r} وَلِأَنَّهُ أَقْطَعُ لِلنِّزَاعِ وَلِلْخِلَافِ فِيهِ ، وَلَيْسَ ذِكْرُهُ شَرْطًا ؛ بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى : { لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إنْ طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً } .\rوَرُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَوَّجَ رَجُلًا امْرَأَةً ، وَلَمْ يُسَمِّ لَهَا مَهْرًا .","part":15,"page":332},{"id":7332,"text":"( 5550 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : وَإِذَا كَانَتْ الْمَرْأَةُ بَالِغَةً رَشِيدَةً ، أَوْ صَغِيرَةً عَقَدَ عَلَيْهَا أَبُوهَا ، فَأَيُّ صَدَاقٍ اتَّفَقُوا عَلَيْهِ فَهُوَ جَائِزٌ ، إذَا كَانَ شَيْئًا لَهُ نِصْفٌ يُحَصَّلُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثَةُ فُصُول : ( 5551 ) الْفَصْلُ الْأَوَّل : أَنَّ الصَّدَاقَ غَيْرُ مُقَدَّرٍ ، لَا أَقَلُّهُ وَلَا أَكْثَرُهُ ، بَلْ كُلُّ مَا كَانَ مَالًا جَازَ أَنْ يَكُونَ صَدَاقًا .\rوَبِهَذَا قَالَ الْحَسَنُ وَعَطَاءٌ ، وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَاللَّيْثُ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَدَاوُد وَزَوَّجَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ابْنَتَهُ بِدِرْهَمَيْنِ ، وَقَالَ : لَوْ أَصْدَقَهَا سَوْطًا لَحَلَّتْ .\rوَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَالنَّخَعِيِّ ، وَابْنِ شُبْرُمَةَ ، وَمَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ : هُوَ مُقَدَّرُ الْأَقَلِّ .\rثُمَّ اخْتَلَفُوا ، فَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ : أَقَلُّهُ مَا يُقْطَعُ بِهِ السَّارِقُ .\rوَقَالَ ابْنُ شُبْرُمَةَ : خَمْسَةُ دَرَاهِمَ .\rوَعَنْ النَّخَعِيِّ : أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا .\rوَعَنْهُ عِشْرُونَ .\rوَعَنْهُ عِشْرُونَ .\rوَعَنْهُ رِطْلٌ مِنْ الذَّهَبِ .\rوَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ : خَمْسُونَ دِرْهَمًا .\rوَاحْتَجَّ أَبُو حَنِيفَةَ بِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أَنَّهُ قَالَ : { لَا مَهْرَ أَقَلُّ مِنْ عَشْرَةِ دَرَاهِمَ } .\rوَلِأَنَّهُ يُسْتَبَاحُ بِهِ عُضْوٌ ، فَكَانَ مُقَدَّرًا كَاَلَّذِي يُقْطَعُ بِهِ السَّارِقُ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلَّذِي زَوَّجَهُ : { هَلْ عِنْدَك مِنْ شَيْءٍ تَصَدَّقَهَا ؟ قَالَ : لَا أَجِدُ .\rقَالَ : الْتَمِسْ ، وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَعَنْ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ ، أَنَّ امْرَأَةً مِنْ بَنِي فَزَارَةَ ، تَزَوَّجَتْ عَلَى نَعْلَيْنِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { أَرَضِيَتْ مِنْ نَفْسِكِ وَمَالِكِ بِنَعْلَيْنِ ؟ قَالَتْ : نَعَمْ .\rفَأَجَازَهُ .\r} أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَقَالَ : حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ .\rوَعَنْ جَابِرٍ ، أَنَّ","part":15,"page":333},{"id":7333,"text":"رَسُولَ اللَّهِ قَالَ : { لَوْ أَنَّ رَجُلًا أَعْطَى امْرَأَةً صَدَاقًا مِلْءَ يَدِهِ طَعَامًا ، كَانَتْ لَهُ حَلَالًا } .\rرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ، فِي الْمُسْنَدِ .\rوَفِي لَفْظٍ عَنْ جَابِرٍ ، قَالَ : { كُنَّا نَنْكِحُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْقَبْضَةِ مِنْ الطَّعَامِ } .\rرَوَاهُ الْأَثْرَمُ .\rوَلِأَنَّ قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : { وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ } .\rيَدْخُلُ فِيهِ الْقَلِيلُ وَالْكَثِيرُ .\rوَلِأَنَّهُ بَدَلُ مَنْفَعَتِهَا ، فَجَازَ مَا تَرَاضَيَا عَلَيْهِ مِنْ الْمَالِ ، كَالْعَشَرَةِ وَكَالْأُجْرَةِ .\rوَحَدِيثُهُمْ غَيْرُ صَحِيحٍ ، رَوَاهُ مُبَشِّرُ بْنُ عُبَيْدٍ ، وَهُوَ ضَعِيفٌ ، عَنْ الْحَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ ، وَهُوَ مُدَلِّسٌ .\rوَرَوَوْهُ عَنْ جَابِرٍ ، وَقَدْ رَوَيْنَا عَنْهُ خِلَافَهُ .\rأَوْ نَحْمِلُهُ عَلَى مَهْرِ امْرَأَةٍ بِعَيْنِهَا ، أَوْ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ .\rوَقِيَاسُهُمْ لَا يَصِحُّ ؛ فَإِنَّ النِّكَاحَ اسْتِبَاحَةُ الِانْتِفَاعِ بِالْجُمْلَةِ ، وَالْقَطْعُ إتْلَافُ عُضْوٍ دُونَ اسْتِبَاحَتِهِ ، وَهُوَ عُقُوبَةٌ وَحَدٌّ ، وَهَذَا عِوَضٌ ، فَقِيَاسُهُ عَلَى الْأَعْوَاضِ أَوْلَى .\rوَأَمَّا أَكْثَرُ الصَّدَاقِ ، فَلَا تَوْقِيتَ فِيهِ ، بِإِجْمَاعِ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rقَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : { وَإِنْ أَرَدْتُمْ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا } .\rوَرَوَى أَبُو حَفْصٍ بِإِسْنَادِهِ ، أَنَّ عُمَرَ أَصْدَقَ أُمَّ كُلْثُومٍ ابْنَةَ عَلِيٍّ أَرْبَعِينَ أَلْفًا .\rوَعَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : خَرَجْت وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أَنْهَى عَنْ كَثْرَةِ الصَّدَاقِ ، فَذَكَرْت هَذِهِ الْآيَةَ : { وَآتَيْتُمْ إحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا } .\rقَالَ أَبُو صَالِحٍ : الْقِنْطَارُ مِائَةُ رِطْلٍ .\rوَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ مِلْءُ مَسْكِ ثَوْرٍ ذَهَبًا وَعَنْ مُجَاهِدٍ : سَبْعُونَ أَلْفَ مِثْقَالٍ .","part":15,"page":334},{"id":7334,"text":"( 5552 ) فَصْلٌ : وَيُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَغْلِيَ الصَّدَاقَ ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { أَعْظَمُ النِّسَاءِ بَرَكَةً ، أَيْسَرُهُنَّ مُؤْنَةً } .\rرَوَاهُ أَبُو حَفْصٍ بِإِسْنَادِهِ .\rوَعَنْ أَبِي الْعَجْفَاءِ ، قَالَ : قَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : { أَلَا لَا تُغْلُوا صَدَاقَ النِّسَاءِ ، فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ مَكْرُمَةً فِي الدُّنْيَا ، أَوْ تَقْوَى عِنْدَ اللَّهِ ، كَانَ أَوْلَاكُمْ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا أَصْدَقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ امْرَأَةً مِنْ نِسَائِهِ ، وَلَا أُصْدِقَتْ امْرَأَةٌ مِنْ بَنَاتِهِ ، أَكْثَرَ مِنْ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ أُوقِيَّةً ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لِيُغْلِيَ بِصَدَقَةِ امْرَأَتِهِ ، حَتَّى يَكُونَ لَهَا عَدَاوَةٌ فِي قَلْبِهِ ، وَحَتَّى يَقُولَ : كُلِّفْت لَكُمْ عِلْقَ الْقِرْبَةِ .\r} أَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ ، وَأَبُو دَاوُد مُخْتَصَرًا .\rوَعَنْ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ : { سَأَلْت عَائِشَةَ عَنْ صَدَاقِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ : ثَنَتَا عَشْرَةَ أُوقِيَّةً وَنَشُّ .\rفَقُلْت : وَمَا نَشُّ ؟ قَالَتْ : نِصْفُ أُوقِيَّةِ .\r} أَخْرَجَاهُ أَيْضًا .\rوَالْأُوقِيَّةُ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا ، فَلَا تُسْتَحَبُّ الزِّيَادَةُ عَلَى هَذَا ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَثُرَ رُبَّمَا تَعَذَّرَ عَلَيْهِ ، فَيَتَعَرَّضُ لِلضَّرَرِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ .","part":15,"page":335},{"id":7335,"text":"( 5553 ) فَصْلٌ : وَكُلُّ مَا جَازَ ثَمَنًا فِي الْبَيْعِ ، أَوْ أُجْرَةً فِي الْإِجَارَةِ ، مِنْ الْعَيْنِ وَالدَّيْنِ ، وَالْحَالِّ وَالْمُؤَجَّلِ ، وَالْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ ، وَمَنَافِعِ الْحُرِّ وَالْعَبْدِ وَغَيْرِهِمَا ، جَازَ أَنْ يَكُونَ صَدَاقًا .\rوَقَدْ رَوَى الدَّارَقُطْنِيّ ، بِإِسْنَادِهِ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { أَنْكِحُوا الْأَيَامَى ، وَأَدُّوا الْعَلَائِقَ .\rقِيلَ : مَا الْعَلَائِقُ بَيْنَهُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : مَا تَرَاضَى عَلَيْهِ الْأَهْلُونَ ، وَلَوْ قَضِيبًا مِنْ أَرَاكٍ } .\rوَرَوَاهُ الْجُوزَجَانِيُّ .\rوَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : مَنَافِعُ الْحُرِّ لَا تَكُونُ صَدَاقًا ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مَالًا ، وَإِنَّمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ } .\rوَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { إنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ } .\rوَالْحَدِيثُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ .\rوَلِأَنَّهَا مَنْفَعَةٌ يَجُوزُ الْعِوَضُ عَنْهَا فِي الْإِجَارَةِ ، فَجَازَتْ صَدَاقًا ، كَمَنْفَعَةِ الْعَبْدِ .\rوَقَوْلُهُمْ : لَيْسَتْ مَالًا .\rمَمْنُوعٌ ؛ فَإِنَّهَا تَجُوزُ الْمُعَاوَضَةُ عَنْهَا وَبِهَا .\rثُمَّ إنْ لَمْ تَكُنْ مَالًا ، فَقَدْ أُجْرِيَتْ مَجْرَى الْمَالِ فِي هَذَا ، فَكَذَلِكَ فِي النِّكَاحِ .\rوَقَدْ نَقَلَ مُهَنَّا ، عَنْ أَحْمَدَ إذَا تَزَوَّجَهَا عَلَى أَنْ يَخْدُمَهَا سَنَةً أَوْ أَكْثَرَ ، كَيْفَ يَكُونُ هَذَا ؟ قِيلَ لَهُ : فَامْرَأَةٌ يَكُونُ لَهَا ضِيَاعٌ وَأَرْضُونَ ، لَا تَقْدِرُ عَلَى أَنْ تَعْمُرَهَا ؟ ، قَالَ : لَا يَصْلُحُ هَذَا : قَالَ أَبُو بَكْرٍ : إنْ كَانَتْ الْخِدْمَةُ مَعْلُومَةً جَازَ ، وَإِنْ كَانَتْ مَجْهُولَةً لَا تَنْضَبِطُ فَلَهَا صَدَاقُ مِثْلِهَا .\rكَأَنَّهُ تَأَوَّلَ مَسْأَلَةَ مُهَنَّا عَلَى أَنَّ الْخِدْمَةَ مَجْهُولَةٌ ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَصِحَّ .\rوَنَقَلَ أَبُو طَالِبٍ ، عَنْ أَحْمَدَ التَّزْوِيجُ عَلَى بِنَاءِ الدَّارِ ، وَخِيَاطَةِ الثَّوْبِ ، وَعَمَلِ شَيْءٍ ، جَائِزٌ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ يَجُوزُ أَخْذُ الْعِوَضِ عَنْهُ ، فَجَازَ أَنْ","part":15,"page":336},{"id":7336,"text":"يَكُونَ صَدَاقًا كَالْأَعْيَانِ .\rوَلَوْ تَزَوَّجَهَا عَلَى أَنْ يَأْتِيَهَا بِعَبْدِهَا الْآبِقِ مِنْ مَكَان مُعَيَّنٍ ، صَحَّ ؛ لِأَنَّهُ عَمَلٌ مَعْلُومٌ يَجُوزُ أَخْذُ الْأُجْرَةِ عَنْهُ .\rوَإِنْ أَصْدَقَهَا الْإِتْيَانَ بِهِ أَيْنَ كَانَ ، لَمْ يَصِحَّ ؛ لِأَنَّهُ مَجْهُولٌ .","part":15,"page":337},{"id":7337,"text":"( 5554 ) فَصْلٌ : وَلَوْ نَكَحَهَا عَلَى أَنْ يَحُجَّ بِهَا ، لَمْ تَصِحَّ التَّسْمِيَةُ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ النَّخَعِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ وَأَبُو عُبَيْدٍ : يَصِحُّ ، وَلَنَا أَنَّ الْحُمْلَانَ مَجْهُولٌ ، لَا يُوقَفُ لَهُ عَلَى حَدٍّ ، فَلَمْ يَصِحَّ ، كَمَا لَوْ أَصْدَقَهَا شَيْئًا .\rفَعَلَى هَذَا لَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ ، وَكَذَلِكَ كُلُّ مَوْضِعٍ قُلْنَا : لَا تَصِحُّ التَّسْمِيَةُ .","part":15,"page":338},{"id":7338,"text":"( 5555 ) فَصْلٌ : وَإِنْ أَصْدَقَهَا خِيَاطَةَ ثَوْبٍ بِعَيْنِهِ ، فَهَلَكَ الثَّوْبُ ، لَمْ تَفْسُدْ التَّسْمِيَةُ ، وَلَمْ يَجِبْ مَهْرُ الْمِثْلِ ؛ لِأَنَّ تَعَذُّرَ تَسْلِيمِ مَا أَصْدَقَهَا بِعَيْنِهِ لَا يُوجِبُ مَهْرَ الْمِثْلِ ، كَمَا لَوْ أَصْدَقَهَا قَفِيزَ حِنْطَةٍ فَهَلَكَ قَبْلَ تَسْلِيمِهِ ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ أَجْرُ مِثْلِ خِيَاطَتِهِ ؛ لِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَى الْعَمَلِ فِيهِ تَلَفٌ فَوَجَبَ الرُّجُوعُ إلَى عِوَضِ الْعَمَلِ ، كَمَا لَوْ أَصْدَقَهَا تَعْلِيمَ عَبْدِهَا صِنَاعَةً فَمَاتَ قَبْلَ التَّعْلِيمِ ، وَإِنْ عَجَزَ عَنْ خِيَاطَتِهِ مَعَ بَقَاءِ الثَّوْبِ لَمَرَضٍ أَوْ نَحْوِهِ ، فَعَلَيْهِ أَنْ يُقِيمَ مُقَامَهُ مَنْ يَخِيطُهُ ، وَإِنْ طَلَّقَهَا قَبْلَ خِيَاطَتِهِ قَبْلَ الدُّخُولِ فَعَلَيْهِ خِيَاطَةُ نِصْفِهِ إنْ أَمْكَنَ مَعْرِفَةُ نِصْفِهِ وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ فَعَلَيْهِ نِصْفُ أَجْرِ خِيَاطَتِهِ إلَّا أَنْ يَبْذُلَ خِيَاطَةَ أَكْثَرِ مِنْ نِصْفِهِ بِحَيْثُ يُعْلَمُ أَنَّهُ قَدْ خَاطَ النِّصْفَ يَقِينًا ، وَإِنْ كَانَ الطَّلَاقُ بَعْد خِيَاطَتِهِ رَجَعَ عَلَيْهِ بِنِصْفِ أَجْرِهِ .","part":15,"page":339},{"id":7339,"text":"( 5556 ) فَصْلٌ : وَإِنْ أَصْدَقَهَا تَعْلِيمَ صِنَاعَةٍ أَوْ تَعْلِيمَ عَبْدِهَا صِنَاعَةً صَحَّ ؛ لِأَنَّهُ مَنْفَعَةٌ مَعْلُومَةٌ يَجُوزُ بَذْلُ الْعِوَضِ عَنْهَا فَجَازَ جَعْلُهَا صَدَاقًا كَخِيَاطَةِ ثَوْبِهَا .\rوَإِنْ أَصْدَقِهَا تَعْلِيمَهُ أَوْ تَعْلِيمَهَا شِعْرًا مُبَاحًا مُعَيَّنًا أَوْ فِقْهًا أَوْ لُغَةً أَوْ نَحْوًا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ مِنْ الْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ الَّتِي يَجُوزُ أَخَذُ الْأُجْرَةِ عَلَى تَعْلِيمِهَا جَازَ وَصَحَّتْ التَّسْمِيَةُ ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَخْذُ الْأُجْرَةِ عَلَيْهِ فَجَازَ صَدَاقًا كَمَنَافِعِ الدَّارِ .","part":15,"page":340},{"id":7340,"text":"( 5557 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا تَعْلِيمُ الْقُرْآنِ فَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ فِي جَعْلِهِ صَدَاقًا .\rفَقَالَ فِي مَوْضِعٍ : أَكْرَهُهُ ، وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ : لَا بَأْسَ أَنْ يَتَزَوَّجَ الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ عَلَى أَنْ يُعَلِّمَهَا سُورَةً مِنْ الْقُرْآنِ أَوْ عَلَى نَعْلَيْنِ وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ قَالَ أَبُو بَكْرٍ : فِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلَانِ يَعْنِي رِوَايَتَيْنِ .\rقَالَ وَاخْتِيَارِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ ، وَاللَّيْثِ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَمَكْحُولٍ ، وَإِسْحَاقَ وَاحْتَجَّ مَنْ أَجَازَهُ بِمَا رَوَى سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ السَّاعِدِيُّ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَاءَتْهُ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ : إنِّي وَهَبْت نَفْسِي لَك فَقَامَتْ طَوِيلًا فَقَالَ رَجُلٌ : يَا رَسُولَ اللَّهِ زَوِّجْنِيهَا إنْ لَمْ يَكُنْ لَك بِهَا حَاجَةٌ فَقَالَ هَلْ عِنْدَك مِنْ شَيْءٍ تَصَدَّقَهَا ؟ فَقَالَ مَا عِنْدِي إلَّا إزَارِي فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ إزَارُك إنْ أَعْطَيْتهَا جَلَسْت وَلَا إزَارَ لَك فَالْتَمِسْ شَيْئًا قَالَ لَا أَجِدُ .\rقَالَ الْتَمِسْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ .\rفَالْتَمَسَ فَلَمْ يَجِدْ شَيْئًا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَوَّجْتُكَهَا بِمَا مَعَك مِنْ الْقُرْآنِ } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلِأَنَّهَا مَنْفَعَةٌ مُعَيَّنَةٌ مُبَاحَةٌ ، فَجَازَ جَعْلُهَا صَدَاقًا كَتَعْلِيمِ قَصِيدَةٍ مِنْ الشِّعْرِ الْمُبَاحِ .\rوَوَجْهُ الرَّاوِيَةِ الْأُخْرَى أَنَّ الْفُرُوجَ لَا تُسْتَبَاحُ إلَّا بِالْأَمْوَالِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى { أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ } وقَوْله تَعَالَى { وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ } وَالطَّوْلُ الْمَالُ .\rوَقَدْ رُوِيَ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَوَّجَ رَجُلًا عَلَى سُورَةٍ مِنْ الْقُرْآنِ ثُمَّ قَالَ لَا تَكُونُ لِأَحَدٍ بَعْدَك مَهْرًا } رَوَاهُ النَّجَّادُ بِإِسْنَادِهِ .\rوَلِأَنَّ تَعْلِيمَ الْقُرْآنِ لَا يَجُوزُ أَنْ يَقَعَ إلَّا قُرْبَةً لِفَاعِلِهِ فَلَمْ يَصِحَّ أَنْ يَكُونَ صَدَاقًا ، كَالصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ وَتَعْلِيمِ الْإِيمَانِ .\rوَلِأَنَّ","part":15,"page":341},{"id":7341,"text":"التَّعْلِيمَ مِنْ الْمُعَلِّمِ ، وَالْمُتَعَلِّمُ مُخْتَلَفٌ ، وَلَا يَكَادُ يَنْضَبِطُ فَأَشْبَهَ الشَّيْءَ الْمَجْهُولَ .\rفَأَمَّا حَدِيثُ الْمَوْهُوبَةِ فَقَدْ قِيلَ : مَعْنَاهُ أَنْكَحْتُكَهَا بِمَا مَعَك مِنْ الْقُرْآنِ أَيْ زَوَّجْتُكَهَا لِأَنَّك مِنْ أَهْلِ الْقُرْآنِ كَمَا زَوَّجَ أَبَا طَلْحَةَ عَلَى إسْلَامِهِ فَرَوَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ أَبَا طَلْحَةَ أَتَى أُمَّ سُلَيْمٍ يَخْطُبُهَا قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ ، فَقَالَتْ : أَتَزَوَّجُ بِك وَأَنْتَ تَعْبُدُ خَشَبَةً نَحَتَهَا عَبْدُ بَنَى فُلَانٍ ؟ إنْ أَسْلَمْت تَزَوَّجْت بِك .\rقَالَ فَأَسْلَمَ أَبُو طَلْحَةَ ، فَتَزَوَّجَهَا عَلَى إسْلَامِهِ وَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ ذِكْرُ التَّعْلِيمِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ خَاصًّا لِذَلِكَ الرَّجُلِ ؛ بِدَلِيلِ مَا رَوَاهُ النَّجَّادُ وَلَا تَفْرِيعَ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ ، فَأَمَّا عَلَى الْأُخْرَى فَلَا بُدَّ مِنْ تَعْيِينِ مَا يُعَلِّمُهَا إيَّاهُ ؛ إمَّا سُورَةً مُعَيَّنَةً أَوْ سُوَرًا أَوْ آيَاتٍ بِعَيْنِهَا ؛ لِأَنَّ السُّوَرَ تَخْتَلِفُ وَكَذَلِكَ الْآيَاتُ ، وَهَلْ تَحْتَاجُ إلَى تَعْيِينِ قِرَاءَةٍ مُرَتَّبَةٍ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ ، أَحَدُهُمَا يَحْتَاجُ إلَى ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الْأَغْرَاضَ تَخْتَلِفُ وَالْقِرَاءَاتُ تَخْتَلِفُ فَمِنْهَا صَعْبٌ كَقِرَاءَةِ حَمْزَةَ ، وَسَهْلٌ فَأَشْبَهَ تَعْيِينَ الْآيَاتِ .\rوَالثَّانِي لَا يَفْتَقِرُ إلَى التَّعْيِينِ ؛ لِأَنَّ هَذَا اخْتِلَافٌ يَسِيرٌ وَكُلُّ حَرْفٍ يَنُوبُ مَنَابَ صَاحِبهِ وَيَقُومُ مَقَامَهُ ، وَلِذَلِكَ لَمْ يُعَيِّنْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْمَرْأَةِ قِرَاءَةً وَقَدْ كَانُوا يَخْتَلِفُونَ فِي الْقِرَاءَةِ أَشَدَّ مِنْ اخْتِلَافِ الْقُرَّاءِ الْيَوْمَ فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَصْدَقَهَا قَفِيزًا مِنْ صُبْرَةٍ وَلِلشَّافِعِي فِي هَذَا وَجْهَانِ كَهَذَيْنِ .","part":15,"page":342},{"id":7342,"text":"( 5558 ) فَصْلٌ : فَإِنْ أَصْدَقَهَا تَعْلِيمَ سُورَةٍ لَا يُحْسِنُهَا نَظَرْت ، فَإِنْ قَالَ : أُحَصِّلُ لَك تَعْلِيمَ هَذِهِ السُّورَةِ صَحَّ لِأَنَّ هَذِهِ مَنْفَعَةٌ فِي ذِمَّتِهِ لَا تَخْتَصُّ بِهِ فَجَازَ أَنْ يَسْتَأْجِرَ عَلَيْهَا مَنْ لَا يُحْسِنُهَا كَالْخِيَاطَةِ إذَا اسْتَأْجَرَ مَنْ يُحَصِّلُهَا لَهُ ، وَإِنْ قَالَ : عَلَيَّ أَنْ أُعَلِّمَك فَذَكَرَ الْقَاضِي فِي الْجَامِعِ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ ، لِأَنَّهُ تَعَيَّنَ بِفِعْلِهِ وَهُوَ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ فَأَشْبَهَ مَا لَوْ اسْتَأْجَرَ مَنْ لَا يُحْسِنُ الْخِيَاطَةَ لَيَخِيطَ لَهُ ، وَذَكَرَ فِي الْمُجَرَّدِ أَنَّهُ يَحْتَمِلُ الصِّحَّةَ ؛ لِأَنَّ هَذِهِ تَكُونُ فِي ذِمَّتِهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَصْدَقَهَا مَالًا فِي ذِمَّتِهِ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ فِي الْحَالِ .","part":15,"page":343},{"id":7343,"text":"( 5559 ) فَصْلٌ : فَإِنْ جَاءَتْهُ بِغَيْرِهَا ، فَقَالَتْ : عَلِّمْهُ السُّورَةَ الَّتِي تُرِيدُ تَعْلِيمِي إيَّاهَا لَمْ يَلْزَمْهُ ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَحَقَّ عَلَيْهِ الْعَمَلُ فِي عَيْنٍ ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ إيقَاعُهُ فِي غَيْرِهِ ، كَمَا لَوْ اسْتَأْجَرَتْهُ لِخِيَاطَةِ ثَوْبٍ فَأَتَتْهُ بِغَيْرِهِ ، فَقَالَتْ : خِطْ هَذَا ، وَلِأَنَّ الْمُتَعَلِّمِينَ يَخْتَلِفُونَ فِي التَّعَلُّمِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا .\rوَلِأَنَّ لَهُ غَرَضًا فِي تَعْلِيمِهَا فَلَا يُجْبَرُ عَلَى تَعْلِيمِ غَيْرِهَا ، وَإِنْ أَتَاهَا بِغَيْرِهِ يُعَلِّمُهَا ، لَمْ يَلْزَمْهَا قَبُولُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الْمُعَلِّمِينَ يَخْتَلِفُونَ فِي التَّعْلِيمِ ، وَلِأَنَّ لَهَا غَرَضًا فِي التَّعَلُّمِ مِنْهُ ، لِكَوْنِهِ زَوْجَهَا تَحِلُّ لَهُ وَيَحِلُّ لَهَا ، وَلِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَلْزَمْهُ تَعْلِيمُ غَيْرِهَا ، لَمْ يَلْزَمْهَا التَّعَلُّمُ مِنْ غَيْرِهِ ، قِيَاسًا لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ .","part":15,"page":344},{"id":7344,"text":"( 5560 ) فَصْلٌ : فَإِنْ تَعَلَّمَتْهَا مِنْ غَيْرِهِ أَوْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ تَعْلِيمُهَا فَعَلَيْهِ أَجْرُ تَعْلِيمِهَا ، فَإِنْ اخْتَلَفَا ، فَقَالَ : عَلَّمْتُكَهَا فَأَنْكَرَتْ فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ تَعْلِيمِهَا ، وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ أَنَّهُمَا إنْ اخْتَلَفَا بَعْد أَنْ تَعَلَّمَتْهَا فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مَعَهَا ، وَإِنْ عَلَّمَهَا السُّورَةَ ثُمَّ أُنْسِيَتْهَا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ وَفَّى لَهَا بِمَا شَرَطَ ، وَإِنَّمَا تَلِفَ الصَّدَاقُ بَعْدَ الْقَبْضِ ، وَإِنْ لَقَّنَهَا الْجَمِيعَ وَكُلَّمَا لَقَّنَهَا آيَةً أُنْسِيَتْهَا لَمْ يَعْتَدَّ بِذَلِكَ تَعْلِيمًا ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُعَدُّ تَعْلِيمًا وَلَوْ جَازَ ذَلِكَ لَأَفْضَى إلَى أَنَّهُ مَتَى قَرَأَهَا فَقَرَأَتْهَا بِلِسَانِهَا مِنْ غَيْرِ حِفْظٍ كَانَ تَلْقِينًا .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ تَلْقِينًا ؛ لِأَنَّهُ قَدْ لَقَّنَهَا الْآيَةَ وَحَفِظَتْهَا ، فَأَمَّا مَا دُونَ الْآيَةِ فَلَيْسَ بِتَلْقِينٍ وَجْهًا وَاحِدًا .","part":15,"page":345},{"id":7345,"text":"( 5561 ) فَصْلٌ : فَإِنْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ بَعْدَ تَعْلِيمِهَا السُّورَةَ رَجَعَ عَلَيْهَا بِنِصْفِ أَجْرِ تَعْلِيمِهَا ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ قَبْلَ الدُّخُولِ يُوجِبُ الرُّجُوعَ بِنِصْفِ الصَّدَاقِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَّمَهَا فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ : أَحَدُهُمَا ، عَلَيْهِ نِصْفُ أَجْرِ تَعْلِيمِهَا ، لِأَنَّهَا قَدْ صَارَتْ أَجْنَبِيَّةً ، فَلَا يُؤْمَنُ فِي تَعْلِيمِهَا الْفِتْنَةُ .\rوَالثَّانِي يُبَاحُ لَهُ تَعْلِيمُهَا مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ مِنْ غَيْرِ خَلْوَةٍ بِهَا ، كَمَا يَجُوزُ لَهُ سَمَاعُ كَلَامِهَا فِي الْمُعَامَلَاتِ ، وَإِنْ كَانَ الطَّلَاقُ بَعْدَ الدُّخُولِ فَفِي تَعْلِيمِهَا السُّورَةَ الْوَجْهَانِ .\rوَإِنْ أَصْدَقَهَا رَدَّ عَبْدِهَا مِنْ مَكَان مُعَيَّنٍ ، فَطَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ وَقَبْلَ الرَّدِّ ، فَعَلَيْهِ نِصْفُ أَجْرِ الرَّدِّ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ نِصْفُ الرَّدِّ ، وَإِنْ طَلَّقَهَا بَعْدَ الرَّدِّ رَجَعَ عَلَيْهَا بِنِصْفِ أَجْرِهِ .","part":15,"page":346},{"id":7346,"text":"( 5562 ) فَصْلٌ : وَلَوْ أَصْدَقَ الْكِتَابِيَّةَ تَعْلِيمَ سُورَةٍ مِنْ الْقُرْآنِ لَمْ يَجُزْ ، وَلَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يَصِحُّ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى { حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ } وَلَنَا أَنَّ الْجُنُبَ يُمْنَعُ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ مَعَ إيمَانِهِ وَاعْتِقَادِهِ أَنَّهُ حَقٌّ فَالْكَافِرُ أَوْلَى ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَا تُسَافِرُوا بِالْقُرْآنِ إلَى أَرْضِ الْعَدُوِّ ، مَخَافَةَ أَنْ تَنَالَهُ أَيْدِيهِمْ } فَالتَّحَفُّظُ أَوْلَى أَنْ يُمْنَعَ مِنْهُ ، فَأَمَّا الْآيَةُ الَّتِي احْتَجُّوا بِهَا ، فَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهَا ؛ فَإِنَّ السَّمَاعَ غَيْرُ الْحِفْظِ وَإِنْ أَصْدَقَهَا أَوْ أَصْدَقَ الْمُسْلِمَةَ تَعْلِيمَ شَيْءٍ مِنْ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ لَمْ يَصِحّ فِي الْمَذْهَبَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ مُبَدِّلٌ مُغَيِّرٌ .\rوَلَوْ أَصْدَقَ الْكِتَابِيُّ الْكِتَابِيَّةَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ كَانَ كَمَا لَوْ أَصْدَقَهَا مُحَرَّمًا .","part":15,"page":347},{"id":7347,"text":"( 5563 ) الْفَصْلُ الثَّانِي أَنَّ الصَّدَاقَ مَا اتَّفَقُوا عَلَيْهِ ، وَرَضُوا بِهِ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى { وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ } وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { الْعَلَائِقُ مَا تَرَاضَى عَلَيْهِ الْأَهْلُونَ } ؛ وَلِأَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ ، فَيُعْتَبَرُ رِضَى الْمُتَعَاقِدَيْنِ ، كَسَائِرِ عُقُودِ الْمُعَاوَضَاتِ .\rفَإِنْ كَانَ الْوَلِيُّ الْأَبَ فَمَهْمَا اتَّفَقَ هُوَ وَالزَّوْجُ عَلَيْهِ ، جَازَ أَنْ يَكُونَ صَدَاقًا قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا ، بِكْرًا كَانَتْ أَوْ ثَيِّبًا صَغِيرَةً كَانَتْ أَوْ كَبِيرَةً عَلَى مَا أَسْلَفْنَاهُ فِيمَا مَضَى ، وَلِذَلِكَ زَوَّجَ شُعَيْبٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ ابْنَتَهُ وَجَعَلَا الصَّدَاقَ إجَارَةَ ثَمَانِي حِجَجٍ مِنْ غَيْرِ مُرَاجَعَةِ الزَّوْجَةِ ، وَإِنْ كَانَ الْوَلِيُّ غَيْرَ الْأَبِ اُعْتُبِرَ رِضَى الْمَرْأَةِ وَالزَّوْجِ ، لِأَنَّ الصَّدَاقَ لَهَا وَهُوَ عِوَضُ مَنْفَعَتِهَا فَأَشْبَهَ أَجْرَ دَارِهَا وَصَدَاقَ أَمَتِهَا .\rفَإِنْ لَمْ يَسْتَأْذِنْهَا الْوَلِيُّ فِي الصَّدَاقِ ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْوَكِيلِ الْمُطْلَقِ فِي الْبَيْعِ إنْ جُعِلَ الصَّدَاقُ مَهْرَ الْمِثْلِ فَمَا زَادَ صَحَّ وَلَزِمَ ، وَإِنْ نَقَصَ عَنْهُ فَلَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ .","part":15,"page":348},{"id":7348,"text":"( 5564 ) الْفَصْلُ الثَّالِثُ : أَنَّ الصَّدَاقَ لَا يَكُونُ إلَّا مَالًا ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى { أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ } وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ لَهُ نِصْفٌ يُتَمَوَّلُ عَادَةً ، بِحَيْثُ إذَا طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ بَقِيَ لَهَا مِنْ النِّصْفِ مَالٌ حَلَالٌ .\rوَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ الْخِرَقِيِّ : لَهُ نِصْفٌ يُحَصَّلُ ، وَمَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ثَمَنًا فِي الْبَيْعِ ، كَالْمُحَرَّمِ وَالْمَعْدُومِ وَالْمَجْهُولِ وَمَا لَا مَنْفَعَةَ فِيهِ ، وَمَا لَا يَتِمُّ مِلْكُهُ عَلَيْهِ كَالْمَبِيعِ مِنْ الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ قَبْلَ قَبْضِهِ ، وَمَا لَا يُقْدَرُ عَلَى تَسْلِيمِهِ ، كَالطَّيْرِ فِي الْهَوَاءِ وَالسَّمَكِ فِي الْمَاءِ ، وَمَا لَا يُتَمَوَّلُ عَادَةً كَحَبَّةِ حِنْطَةٍ وَقِشْرَةِ جَوْزَةٍ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ صَدَاقًا ؛ لِأَنَّهُ نَقْلٌ لِلْمِلْكِ فِيهِ بِعِوَضٍ فَلَمْ يَجُزْ فِيهِ مَا ذَكَرْنَاهُ كَالْمَبِيعِ وَيُعْتَبَرُ أَنْ يَكُونَ نِصْفُهُ مِمَّا يُتَمَوَّلُ عَادَةً وَيُبْذَلُ الْعِوَضُ فِي مِثْلِهِ عُرْفًا ، لِأَنَّ الطَّلَاقَ يَعْرِضُ فِيهِ قَبْلَ الدُّخُولِ ، فَلَا يَبْقَى لِلْمَرْأَةِ إلَّا نِصْفُهُ ، فَيَجِبُ أَنْ يَبْقَى لَهَا مَالٌ تَنْتَفِعُ بِهِ .\rوَيُعْتَبَرُ نِصْفُ الْقِيمَةِ ، لَا نِصْفُ عَيْنِ الصَّدَاقِ ؛ فَإِنَّهُ لَوْ أَصْدَقَهَا عَبْدًا جَازَ ، وَإِنْ لَمْ تُمْكِنْ قِسْمَتُهُ .","part":15,"page":349},{"id":7349,"text":"مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ وَإِذَا أَصْدَقَهَا عَبْدًا بِعَيْنِهِ ، فَوَجَدَتْ بِهِ عَيْبًا فَرَدَّتْهُ ، فَلَهَا عَلَيْهِ قِيمَتُهُ .\rوَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الصَّدَاقَ إذَا كَانَ مُعَيَّنًا فَوَجَدَتْ بِهِ عَيْبًا فَلَهَا رَدُّهُ كَالْمَبِيعِ الْمَعِيبِ ، وَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا إذَا كَانَ الْعَيْبُ كَثِيرًا ، فَإِنْ كَانَ يَسِيرًا ، فَحُكِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ، أَنَّهُ لَا يُرَدُّ بِهِ .\rوَلَنَا أَنَّهُ عَيْبٌ يُرَدُّ بِهِ الْمَبِيعُ ، فَرُدَّ بِهِ الصَّدَاقُ ، كَالْكَثِيرِ ، وَإِذَا رَدَّتْهُ ، فَلَهَا قِيمَتُهُ ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ لَا يَنْفَسِخُ بِرَدِّهِ ، فَيَبْقَى سَبَبُ اسْتِحْقَاقِهِ ، فَيَجِبُ عَلَيْهِ قِيمَتُهُ ، كَمَا لَوْ غَصَبَهَا إيَّاهُ فَأَتْلَفَهُ ، وَإِنْ كَانَ الصَّدَاقُ مِثْلِيًّا ، كَالْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ ، فَرَدَّتْهُ ، فَلَهَا عَلَيْهِ مِثْلُهُ ؛ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَيْهِ ، وَإِنْ اخْتَارَتْ إمْسَاكَ الْمَعِيبِ ، وَأَخْذَ أَرْشِهِ فَلَهَا ذَلِكَ ، فِي قِيَاسِ الْمَذْهَبِ .\rوَإِنْ حَدَثَ بِهِ عَيْبٌ عِنْدَهَا ، ثُمَّ وَجَدَتْ بِهِ عَيْبًا خُيِّرَتْ بَيْنَ أَخْذِ أَرْشِهِ ، وَبَيْنَ رَدِّهِ وَرَدِّ أَرْشِ عَيْبِهِ ؛ لِأَنَّهُ عِوَضٌ فِي عَقْدِ مُعَاوَضَةٍ ، فَيَثْبُتُ فِيهِ ذَلِكَ ، كَالْبَيْعِ ، وَسَائِرِ فُرُوعِ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ ، فَيَثْبُتُ فِيهَا هَا هُنَا مِثْلُ مَا يَثْبُتُ فِي الْبَيْعِ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا .","part":15,"page":350},{"id":7350,"text":"( 5566 ) فَصْلٌ : وَإِنْ شَرَطَتْ فِي الصَّدَاقِ صِفَةً مَقْصُودَةً ، كَالْكِتَابَةِ وَالصِّنَاعَةِ ، فَبَانَ بِخِلَافِهَا ، فَلَهَا الرَّدُّ ، كَمَا تُرَدُّ بِهِ فِي الْبَيْعِ وَهَكَذَا إنْ دَلَّسَهُ تَدْلِيسًا يُرَدُّ بِهِ الْمَبِيعُ ، مِثْلُ تَحْمِيرِ وَجْهِ الْجَارِيَةِ ، وَتَسْوِيدِ شَعْرِهَا وَتَجْعِيدِهِ ، وَتَضْمِيرِ الْمَاءِ عَلَى الْحَجَرِ ، وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ ، فَلَهَا الرَّدُّ بِهِ ، وَإِنْ وَجَدَتْ الشَّاةَ مُصَرَّاةً فَلَهَا رَدُّهَا وَرَدُّ صَاعٍ مِنْ تَمْرٍ ، قِيَاسًا عَلَى الْبَيْعِ ، وَقَدْ نَقَلَ مُهَنَّا ، عَنْ أَحْمَدَ ، فِي مَنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً عَلَى أَلْفِ ذِرَاعٍ فَإِذَا هِيَ تِسْعُمِائَةٍ : هِيَ بِالْخِيَارِ ، إنْ شَاءَتْ أَخَذَتْ الدَّارَ ، وَإِنْ شَاءَتْ أَخَذَتْ قِيمَةَ أَلْفِ ذِرَاعٍ وَالنِّكَاحُ جَائِزٌ .\rوَهَذَا فِيمَا إذَا أَصْدَقَهَا دَارًا بِعَيْنِهَا عَلَى أَنَّهَا أَلْفُ ذِرَاعٍ ، فَخَرَجَتْ تِسْعَمِائَةٍ ، فَهَذَا كَالْعَيْبِ فِي ثُبُوتِ الرَّدِّ ؛ لِأَنَّهُ شَرَطَ شَرْطًا مَقْصُودًا ، فَبَانَ بِخِلَافِهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ شَرَطَ الْعَبْدَ كَاتِبًا ، فَبَانَ بِخِلَافِهِ .\rوَجَوَّزَ أَحْمَدُ الْإِمْسَاكَ ؛ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ رَضِيَتْ بِهَا نَاقِصَةً ، وَلَمْ يَجْعَلْ لَهَا مَعَ الْإِمْسَاكِ أَرْشًا ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِعَيْبِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّ لَهَا الرُّجُوعَ بِقِيمَةِ نَقْصِهَا ، أَوْ رَدَّهَا وَأَخْذَ قِيمَتِهَا .","part":15,"page":351},{"id":7351,"text":"( 5567 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ وَكَذَلِكَ إذَا تَزَوَّجَهَا عَلَى عَبْدٍ فَخَرَجَ حُرًّا ، أَوْ اُسْتُحِقَّ ، سَوَاءٌ سَلَّمَهُ إلَيْهَا أَوْ لَمْ يُسَلِّمْهُ .\rوَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا تَزَوَّجَهَا عَلَى عَبْدٍ بِعَيْنِهِ ، تَظُنُّهُ عَبْدًا مَمْلُوكًا فَخَرَجَ حُرًّا ، أَوْ مَغْصُوبًا ، فَلَهَا قِيمَتُهُ .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو يُوسُفَ ، وَالشَّافِعِيُّ فِي قَدِيمِ قَوْلَيْهِ .\rوَقَالَ فِي الْجَدِيدِ : لَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ فِي الْمَغْصُوبِ كَقَوْلِنَا ، وَفِي الْحُرِّ كَقَوْلِهِ ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ تَعَلَّقَ بِعَيْنِ الْحُرِّ بِإِشَارَتِهِ إلَيْهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ عَلِمَاهُ حُرًّا .\rوَلَنَا ، أَنَّ الْعَقْدَ وَقَعَ عَلَى التَّسْمِيَةِ ، فَكَانَ لَهَا قِيمَتُهُ ، كَالْمَغْصُوبِ ، وَلِأَنَّهَا رَضِيَتْ بِقِيمَتِهِ ، إذْ ظَنَّتْهُ مَمْلُوكًا ، فَكَانَ لَهَا قِيمَتُهُ ، كَمَا لَوْ وَجَدَتْهُ مَعِيبًا فَرَدَّتْهُ ، بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ : أَصْدَقْتُك هَذَا الْحُرَّ ، أَوْ هَذَا الْمَغْصُوبَ .\rفَإِنَّهَا رَضِيَتْ بِلَا شَيْءٍ ، لِرِضَاهَا بِمَا تَعْلَمُ أَنَّهُ لَيْسَ بِمَالٍ ، أَوْ بِمَا لَا يَقْدِرُ عَلَى تَمْلِيكِهِ إيَّاهَا ، فَكَانَ وُجُودُ التَّسْمِيَةِ كَعَدَمِهَا ، فَكَانَ لَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ ، وَقَوْلُ الْخِرَقِيِّ : \" سَوَاءٌ سَلَّمَهُ إلَيْهَا أَوْ لَمْ يُسَلِّمْهُ \" يَعْنِي أَنْ تَسْلِيمَهُ لَا يُفِيدُ شَيْئًا ، لِأَنَّهُ سَلَّمَ مَا لَا يَجُوزُ تَسْلِيمُهُ ، وَلَا تَثْبُتُ الْيَدُ عَلَيْهِ ، فَكَانَ وُجُودُهُ كَعَدَمِهِ .","part":15,"page":352},{"id":7352,"text":"( 5568 ) فَصْلٌ : فَإِنْ أَصْدَقَهَا مِثْلِيًّا ، فَبَانَ مَغْصُوبًا فَلَهَا مِثْلُهُ لِأَنَّ الْمِثْلَ أَقْرَبُ إلَيْهِ ، وَلِهَذَا يَضْمَنُ بِهِ فِي الْإِتْلَافِ وَإِنْ أَصْدَقَهَا جَرَّةَ خَلٍّ ، فَخَرَجَتْ خَمْرًا أَوْ مَغْصُوبَةً ، فَلَهَا مِثْلُ ذَلِكَ خَلًّا لِأَنَّ الْخَلَّ مِنْ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ ، وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَبَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ، وَقَالَ الْقَاضِي : : لَهَا قِيمَتُهُ ؛ لِأَنَّ الْخَمْرَ لَيْسَ بِمَالٍ وَلَا مِنْ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ .\rوَالصَّحِيحُ مَا قُلْنَاهُ ؛ لِأَنَّهُ سَمَّاهُ خَلًّا ، فَرَضِيَتْ بِهِ عَلَى ذَلِكَ ، فَكَانَ لَهَا بَدَلُ الْمُسَمَّى كَالْحُرِّ ، وَمَا ذَكَرَهُ يَبْطُلُ بِمَا إذَا أَصْدَقَهَا عَبْدًا فَبَانَ حُرًّا ؛ وَلِأَنَّهُ إنْ أَوْجَبَ قِيمَةَ الْخَمْرِ ، فَالْخَمْرُ لَا قِيمَةَ لَهُ ، وَإِنْ أَوْجَبَ قِيمَةَ الْخَلِّ ، فَقَدْ اعْتَبَرَ التَّسْمِيَةَ فِي إيجَابِ قِيمَتِهِ ، فَفِي إيجَابِ مِثْلِهِ أَوْلَى .","part":15,"page":353},{"id":7353,"text":"( 5569 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَالَ : أَصْدَقْتُك هَذَا الْخَمْرَ - وَأَشَارَ إلَى الْخَلِّ - أَوْ عَبْدَ فُلَانٍ هَذَا - وَأَشَارَ إلَى عَبْدِهِ - صَحَّتْ التَّسْمِيَةُ ، وَلَهَا الْمُشَارُ إلَيْهِ ؛ لِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ يَصِحُّ الْعَقْدُ عَلَيْهِ ، فَلَا يَخْتَلِفُ حُكْمُهُ بِاخْتِلَافِ صِفَتِهِ ، كَمَا لَوْ قَالَ : بِعْتُك هَذَا الْأُسُودَ .\rوَأَشَارَ إلَى أَبْيَضَ .\rأَوْ هَذَا الطَّوِيلَ .\rوَأَشَارَ إلَى قَصِيرٍ .","part":15,"page":354},{"id":7354,"text":"( 5570 ) فَصْلٌ : وَإِنْ تَزَوَّجَهَا عَلَى عَبْدَيْنِ ، فَخَرَجَ أَحَدُهُمَا حُرًّا أَوْ مَغْصُوبًا ، صَحَّ الصَّدَاقُ فِيمَا تَمَلَّكَهُ وَلَهَا قِيمَةُ الْآخَرِ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، وَإِنْ كَانَ عَبْدًا وَاحِدًا ، فَخَرَجَ نِصْفُهُ حُرًّا أَوْ مَغْصُوبًا ، فَلَهَا الْخِيَارُ بَيْنَ رَدِّهِ وَأَخْذِ قِيمَتِهِ ، وَبَيْنَ إمْسَاكِ نِصْفِهِ وَأَخْذِ قِيمَةِ بَاقِيهِ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، لِأَنَّ الشَّرِكَةَ عَيْبٌ ، فَكَانَ لَهَا الْفَسْخُ ، كَمَا لَوْ وَجَدَتْهُ مَعِيبًا .\rفَإِنْ قِيلَ : فَلِمَ لَا تَقُولُونَ بِبُطْلَانِ التَّسْمِيَةِ فِي الْجَمِيعِ ، وَتَرْجِعُ بِالْقِيمَةِ كُلِّهَا فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ ، كَمَا فِي تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ ؟ قُلْنَا : إنَّ الْقِيمَةَ بَدَلٌ ، إنَّمَا يُصَارُ إلَيْهَا عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْ الْأَصْلِ ، وَهَا هُنَا الْعَبْدُ الْمَمْلُوكُ مَقْدُورٌ عَلَيْهِ ، وَلَا عَيْبَ فِيهِ وَهُوَ مُسَمًّى فِي الْعَقْدِ ، فَلَا يَجُوزُ الرُّجُوعُ إلَى بَدَلِهِ .\rأَمَّا تَفْرِيقُ الصَّفْقَةِ ، فَإِنَّهُ إذَا بَطَلَ الْعَقْدُ فِي الْجَمِيعِ ، صِرْنَا إلَى الثَّمَنِ ، وَلَيْسَ هُوَ بَدَلًا عَنْ الْمَبِيعِ ، وَإِنَّمَا انْفَسَخَ الْعَقْدُ ، فَرَجَعَ فِي رَأْسِ مَالِهِ ، وَهَا هُنَا لَا يَنْفَسِخُ الْعَقْدُ وَإِنَّمَا رَجَعَ إلَى قِيمَةِ الْحُرِّ مِنْهُمَا ؛ لِتَعَذُّرِ تَسْلِيمِهِ .\rوَالْعَبْدُ مَقْدُورٌ عَلَى تَسْلِيمِهِ فَلَا وَجْهَ لِإِيجَابِ قِيمَتِهِ .\rوَأَمَّا إذَا كَانَ نِصْفُهُ حُرًّا ، فَفِيهِ عَيْبٌ ، فَجَازَ رَدُّهُ بِعَيْبِهِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إذَا أَصْدَقَهَا عَبْدَيْنِ ، فَإِذَا أَحَدُهُمَا حُرٌّ ، فَلَهَا الْعَبْدُ وَحْدَهُ صَدَاقًا ، وَلَا شَيْءَ لَهَا سِوَاهُ .\rوَلَنَا أَنَّهُ أَصْدَقَهَا حُرًّا ، فَلَمْ تَسْقُطْ تَسْمِيَتُهُ إلَى غَيْرِ شَيْءٍ ، كَمَا لَوْ كَانَ مُنْفَرِدًا .\rآخِرُ الْجُزْءِ الرَّابِعِ مِنْ رُبْعِ النِّكَاحِ مِنْ أَجْزَاءِ الشَّيْخِ رَحِمَهُ اللَّهُ","part":15,"page":355},{"id":7355,"text":"( 5571 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : وَإِذَا تَزَوَّجَهَا عَلَى أَنْ يَشْتَرِيَ لَهَا عَبْدًا بِعَيْنِهِ ، فَلَمْ يُبَعْ ، أَوْ طُلِبَ فِيهِ أَكْثَرُ مِنْ قِيمَتِهِ ، أَوْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ ، فَلَهَا قِيمَتُهُ .\rنَصَّ أَحْمَدُ عَلَى هَذَا فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا تَصِحُّ التَّسْمِيَةُ ، وَلَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ مِلْكَ غَيْرِهِ عِوَضًا ، فَلَمْ يَصِحَّ ، كَالْبَيْعِ .\rوَلَنَا أَنَّهُ أَصْدَقَهَا تَحْصِيلَ عَبْدٍ مُعَيَّنٍ ، فَصَحَّ ، كَمَا لَوْ تَزَوَّجَهَا عَلَى رَدِّ عَبْدِهَا الْآبِقِ مِنْ مَكَان مَعْلُومٍ وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ جَعَلَ مِلْكَ غَيْرِهِ عِوَضًا ، وَإِنَّمَا الْعِوَضُ تَحْصِيلُهُ وَتَمْلِيكُهَا إيَّاهُ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّهُ إذَا قَدَرَ عَلَيْهِ بِثَمَنِ مِثْلِهِ ، لَزِمَهُ تَحْصِيلُهُ وَدَفْعُهُ إلَيْهَا ، وَإِنْ جَاءَهَا بِقِيمَتِهِ ، لَمْ يَلْزَمْهَا قَبُولُهُ ؛ لِأَنَّهُ قَدَرَ عَلَى دَفْعِ صَدَاقِهَا إلَيْهَا ، فَلَزِمَهُ ، كَمَا لَوْ أَصْدَقَهَا عَبْدًا يَمْلِكُهُ .\rوَإِنْ لَمْ يَبِعْهُ سَيِّدُهُ أَوْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ الْوُصُولُ إلَيْهِ ؛ لِتَلَفِهِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ ، أَوْ طُلِبَ فِيهِ أَكْثَرُ مِنْ قِيمَتِهِ ، فَلَهَا قِيمَتُهُ ؛ لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ الْوُصُولُ إلَى قَبْضِ الْمُسَمَّى الْمُتَقَوِّمِ فَوَجَبَتْ قِيمَتُهُ ، كَمَا لَوْ تَلِفَ ، وَإِنْ كَانَ الَّذِي جَعَلَ لَهَا مِثْلِيًّا ، فَتَعَذَّرَ شِرَاؤُهُ ، وَجَبَ لَهَا مِثْلُهُ ؛ لِأَنَّ الْمِثْلَ أَقْرَبُ إلَيْهِ .","part":15,"page":356},{"id":7356,"text":"( 5572 ) فَصْلٌ : وَإِنْ تَزَوَّجَهَا عَلَى عَبْدٍ مَوْصُوفٍ فِي الذِّمَّةِ ؛ صَحَّ لِأَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ عِوَضًا فِي الْبَيْعِ .\rفَإِنْ جَاءَهَا بِقِيمَتِهِ ، لَمْ يَلْزَمْهَا قَبُولُهَا .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَاخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ وَقَالَ الْقَاضِي : يَلْزَمُهَا قَبُولُهَا ، قِيَاسًا عَلَى الْإِبِلِ فِي الدِّيَةِ .\rوَلَنَا أَنَّهَا اسْتَحَقَّتْ عَلَيْهِ بِعَقْدِ مُعَاوَضَةٍ ، فَلَمْ يَلْزَمْهَا أَخْذُ قِيمَتِهِ ، كَالْمُسْلَمِ فِيهِ ، وَلِأَنَّهُ عَبْدٌ وَجَبَ صَدَاقًا فَأَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَ مَعِيبًا ، وَأَمَّا الدِّيَةُ فَلَا يَلْزَمُ أَخْذُ قِيمَةِ الْإِبِلِ ، وَإِنَّمَا الْأَثْمَانُ أَصْلٌ فِي الدِّيَةِ ، كَمَا أَنَّ الْإِبِلَ أَصْلٌ ، فَيَتَخَيَّرُ بَيْنَ دَفْعِ أَيِّ الْأُصُولِ شَاءَ ، فَيَلْزَمُ الْوَلِيَّ قَبُولُهُ لَهَا عَلَى طَرِيقِ الْقِيمَةِ ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا ، وَلِأَنَّ الدِّيَةَ خَارِجَةٌ عَنْ الْقِيَاسِ ، فَلَا يُنَاقِضُ بِهَا ، وَلَا يُقَاسُ عَلَيْهَا ، ثُمَّ قِيَاسُ الْعِوَضِ عَلَى سَائِرِ الْأَعْوَاضِ أَوْلَى مِنْ قِيَاسِهِ عَلَى غَيْرِ عُقُودِ الْمُعَاوَضَاتِ ، ثُمَّ يَنْتَقِضُ بِالْعَبْدِ الْمُعَيَّنِ .","part":15,"page":357},{"id":7357,"text":"( 5573 ) فَصْلٌ : وَإِنْ تَزَوَّجَهَا عَلَى أَنْ يُعْتِقَ أَبَاهَا صَحَّ ، نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فَإِنْ طُلِبَ بِهِ أَكْثَرُ مِنْ قِيمَتِهِ ، أَوْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ ، فَلَهَا قِيمَتُهُ .\rوَهَذَا قَوْلُ الشَّعْبِيِّ .\rوَوَجْهُهُ مَا تَقَدَّمَ .\rفَإِنْ جَاءَهَا بِقِيمَتِهِ مَعَ إمْكَانِ شِرَائِهِ ، لَمْ يَلْزَمْهَا قَبُولُهَا ؛ لِمَا ذَكَرْنَا ، وَلِأَنَّهُ يُفَوِّتُ عَلَيْهَا الْعِوَضَ فِي عِتْقِ أَبِيهَا .","part":15,"page":358},{"id":7358,"text":"( 5574 ) فَصْلٌ : وَلَا يَصِحُّ الصَّدَاقُ إلَّا مَعْلُومًا يَصِحُّ بِمِثْلِهِ الْبَيْعُ .\rوَهَذَا اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ ، وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : يَصِحُّ مَجْهُولًا ، مَا لَمْ تَزِدْ جَهَالَتُهُ عَلَى مَهْرِ الْمِثْلِ ؛ لِأَنَّ جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ نَقَلَ عَنْ أَحْمَدَ فِي رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ وَخَادِمٍ ، فَطَلَّقَهَا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا : يُقَوَّمُ الْخَادِمُ وَسَطًا عَلَى قَدْرِ مَا يَخْدُمُ مِثْلَهَا .\rوَنَحْوُ هَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ فَعَلَى هَذَا إذَا تَزَوَّجَهَا عَلَى عَبْدٍ ، أَوْ أَمَةٍ ، أَوْ فَرَسٍ ، أَوْ بَغْلٍ ، أَوْ حَيَوَانٍ مِنْ جِنْسٍ مَعْلُومٍ ، أَوْ ثَوْبٍ هَرَوِيٍّ أَوْ مَرْوِيٍّ ، وَمَا أَشْبَهَهُ مِمَّا يُذْكَرُ جِنْسُهُ ، فَإِنَّهُ يَصِحُّ ، وَلَهَا الْوَسَطُ .\rوَكَذَلِكَ قَفِيزُ حِنْطَةٍ ، وَعَشَرَةُ أَرْطَالِ زَيْتٍ .\rوَإِنْ كَانَتْ الْجَهَالَةُ تَزِيدُ عَلَى جَهَالَةِ مَهْرِ الْمِثْلِ ، كَثَوْبٍ أَوْ دَابَّةٍ أَوْ حَيَوَانٍ ، أَوْ عَلَى حُكْمِهَا أَوْ حُكْمِهِ أَوْ حُكْمِ أَجْنَبِيٍّ ، أَوْ عَلَى حِنْطَةٍ أَوْ شَعِيرٍ أَوْ زَيْتٍ ، أَوْ عَلَى مَا اكْتَسَبَهُ فِي الْعَامِ ، لَمْ يَصِحَّ ؛ لِأَنَّهُ لَا سَبِيلَ إلَى مَعْرِفَةِ الْوَسَطِ ، فَيَتَعَذَّرُ تَسْلِيمُهُ .\rوَفِي الْأَوَّلِ يَصِحُّ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { الْعَلَائِقُ مَا تَرَاضَى عَلَيْهِ الْأَهْلُونَ .\r} وَهَذَا قَدْ تَرَاضَوْا عَلَيْهِ ، وَلِأَنَّهُ مَوْضِعٌ يَثْبُتُ فِيهِ الْحَيَوَانُ فِي الذِّمَّةِ بَدَلًا عَمَّا لَيْسَ الْمَقْصُودُ فِيهِ الْمَالَ ، فَثَبَتَ مُطْلَقًا كَالدِّيَةِ ، وَلِأَنَّ جَهَالَةَ التَّسْمِيَةِ هَا هُنَا أَقَلُّ مِنْ جَهَالَةِ مَهْرِ الْمِثْلِ ، لِأَنَّهُ يُعْتَبَرُ بِنِسَائِهَا مِمَّنْ يُسَاوِيهَا فِي صِفَاتِهَا وَبَلَدِهَا وَزَمَانِهَا وَنَسَبِهَا ، ثُمَّ لَوْ تَزَوَّجَهَا عَلَى مَهْرِ مِثْلِهَا صَحَّ ، فَهَاهُنَا مَعَ قِلَّةِ الْجَهْلِ فِيهِ أَوْلَى وَيُفَارِقُ الْبَيْعَ ؛ فَإِنَّهُ لَا يَحْتَمِلُ فِيهِ الْجَهَالَةَ بِحَالٍ ، وَقَالَ مَالِكٌ : يَصِحُّ مَجْهُولًا ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِأَكْثَرَ مِنْ تَرْكِ ذِكْرِهِ وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : إنْ","part":15,"page":359},{"id":7359,"text":"تَزَوَّجَهَا عَلَى عَبْدٍ مِنْ عَبِيدِهِ ، أَوْ قَمِيصٍ مِنْ قُمْصَانِهِ ، أَوْ عِمَامَةٍ مِنْ عَمَائِمِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ صَحَّ ، لِأَنَّ ؛ أَحْمَدَ قَالَ فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا ، فِي مَنْ تَزَوَّجَ عَلَى عَبْدٍ مِنْ عَبِيدِهِ : جَائِزٌ ، فَإِنْ كَانُوا عَشَرَةَ عَبِيدٍ ، تُعْطَى مِنْ أَوْسَطِهِمْ ، فَإِنْ تَشَاحَّا أَقْرَعَ بَيْنَهُمْ .\rقُلْت : وَتَسْتَقِيمُ الْقُرْعَةُ فِي هَذَا ؟ قَالَ : نَعَمْ .\rوَوَجْهُهُ أَنَّ الْجَهَالَةَ هَا هُنَا يَسِيرَةٌ ، وَيُمْكِنُ التَّعْيِينُ بِالْقُرْعَةِ ، بِخِلَافِ مَا إذَا أَصْدَقَهَا عَبْدًا مُطْلَقًا ، فَإِنَّ الْجَهَالَةَ تَكْثُرُ ، فَلَا يَصِحُّ .\rوَلَنَا أَنَّ الصَّدَاقَ عِوَضٌ فِي عَقْدِ مُعَاوَضَةٍ ، فَلَمْ يَصِحَّ مَجْهُولًا ، كَعِوَضِ الْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ ، وَلِأَنَّ الْمَجْهُولَ لَا يَصْلُحُ عِوَضًا فِي الْبَيْعِ ، فَلَمْ تَصِحَّ تَسْمِيَتُهُ كَالْمُحَرَّمِ ، وَكَمَا لَوْ زَادَتْ جَهَالَتُهُ عَلَى مَهْرِ الْمِثْلِ ، وَأَمَّا الْخَبَرُ ، فَالْمُرَادُ بِهِ مَا تَرَاضَوْا عَلَيْهِ مِمَّا يَصْلُحُ عِوَضًا ، بِدَلِيلِ سَائِرِ مَا لَا يَصْلُحُ ، وَأَمَّا الدِّيَةُ ، فَإِنَّهَا تَثْبُتُ بِالشَّرْعِ ، لَا بِالْعَقْدِ ، وَهِيَ خَارِجَةٌ عَنْ الْقِيَاسِ فِي تَقْدِيرِهَا ، وَمَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ تُجْعَلَ أَصْلًا ، ثُمَّ إنَّ الْحَيَوَانَ الثَّابِتَ فِيهَا مَوْصُوفٌ بِسِنِّهِ ، مُقَدَّرٌ بِقِيمَتِهِ ، فَكَيْفَ يُقَاسُ عَلَيْهِ الْعَبْدُ الْمُطْلَقُ فِي الْأَمْرَيْنِ ؟ ثُمَّ لَيْسَتْ عَقْدًا ، وَإِنَّمَا الْوَاجِبُ بَدَلُ مُتْلَفٍ ، لَا يُعْتَبَرُ فِيهِ التَّرَاضِي ، فَهُوَ كَقِيَمِ الْمُتْلَفَاتِ ، فَكَيْفَ يُقَاسُ عَلَيْهَا عِوَضٌ فِي عَقْدٍ يُعْتَبَرُ تَرَاضِيهِمَا بِهِ ؟ ثُمَّ إنَّ قِيَاسَ الْعِوَضِ فِي عَقْدِ مُعَاوَضَةٍ عَلَى عِوَضٍ فِي مُعَاوَضَةٍ أُخْرَى ، أَصَحُّ وَأَوْلَى مِنْ قِيَاسِهِ عَلَى بَدَلِ مُتْلَفٍ ، وَأَمَّا مَهْرُ الْمِثْلِ ، فَإِنَّمَا يَجِبُ عِنْدَ عَدَمِ التَّسْمِيَةِ الصَّحِيحَةِ ، كَمَا تَجِبُ قِيَمُ الْمُتْلَفَاتِ ، وَإِنْ كَانَتْ تَحْتَاجُ إلَى نَظَرٍ ، أَلَا تَرَى أَنَّا نَصِيرُ إلَى مَهْرِ الْمِثْلِ عِنْدَ عَدَمِ التَّسْمِيَةِ ، وَلَا نَصِيرُ إلَى عَبْدٍ مُطْلَقٍ ، وَلَوْ","part":15,"page":360},{"id":7360,"text":"بَاعَ ثَوْبًا بِعَبْدٍ مُطْلَقٍ فَأَتْلَفَهُ الْمُشْتَرِي ، فَإِنَّا نَصِيرُ إلَى تَقْوِيمِهِ ، وَلَا نُوجِبُ الْعَبْدَ الْمُطْلَقَ ، ثُمَّ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ جَهَالَةَ الْمُطْلَقِ مِنْ الْجِنْسِ الْوَاحِدِ دُونَ جَهَالَةِ مَهْرِ الْمِثْلِ ، فَإِنَّ الْعَادَةَ فِي الْقَبَائِلِ وَالْقُرَى أَنْ يَكُونَ لِنِسَائِهِمْ مَهْرٌ لَا يَكَادُ يَخْتَلِفُ إلَّا بِالْبَكَارَةِ وَالثُّيُوبَةِ فَحَسْبُ ، فَيَكُونُ إذًا مَعْلُومًا ، وَالْوَسَطُ مِنْ الْجِنْسِ يَبْعُدُ الْوُقُوفُ عَلَيْهِ ، لِكَثْرَةِ أَنْوَاعِ الْجِنْسِ وَاخْتِلَافِهَا ، وَاخْتِلَافِ الْأَعْيَانِ فِي النَّوْعِ الْوَاحِدِ .\rوَأَمَّا تَخْصِيصُ التَّصْحِيحِ بِعَبْدٍ مِنْ عَبِيدِهِ ، فَلَا نَظِيرَ لَهُ يُقَاسُ عَلَيْهِ ، وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ نَصًّا يُصَارُ إلَيْهِ ، فَكَيْف يَثْبُتُ الْحُكْمُ فِيهِ بِالتَّحَكُّمِ ؟ وَأَمَّا نُصُوصُ أَحْمَدَ عَلَى الصِّحَّةِ فَتَأَوَّلَهَا أَبُو بَكْرٍ عَلَى أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا عَلَى عَبْدٍ مُعَيَّنٍ ، ثُمَّ أَشْكَلَ عَلَيْهِ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّ لَهَا مَهْرَ الْمِثْلِ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ حَكَمْنَا بِفَسَادِ التَّسْمِيَةِ ، وَمَنْ قَالَ بِصِحَّتِهَا ، أَوْجَبَ الْوَسَطَ مِنْ الْمُسَمَّى ، وَالْوَسَطُ مِنْ الْعَبِيدِ السِّنْدِيُّ ؛ لِأَنَّ الْأَعْلَى التُّرْكِيُّ وَالرُّومِيُّ ، وَالْأَسْفَلَ الزِّنْجِيُّ وَالْحَبَشِيُّ ، وَالْوَسَطَ السِّنْدِيُّ وَالْمَنْصُورِيُّ .\rقَالَ الْقَاضِي : وَإِنْ أَعْطَاهَا قِيمَةَ الْعَبْدِ ، لَزِمَهَا قَبُولُهَا ، إلْحَاقًا بِالْإِبِلِ فِي الدِّيَةِ .","part":15,"page":361},{"id":7361,"text":"( 5575 ) فَصْلٌ : وَيَجُوز أَنْ يَكُونَ الصَّدَاقُ مُعَجَّلًا ، وَمُؤَجَّلًا ، وَبَعْضُهُ مُعَجَّلًا وَبَعْضُهُ مُؤَجَّلًا ؛ لِأَنَّهُ عِوَضٌ فِي مُعَاوَضَةٍ ، فَجَازَ ذَلِكَ فِيهِ كَالثَّمَنِ .\rثُمَّ إنْ أُطْلِقَ ذِكْرُهُ اقْتَضَى الْحُلُولَ ، كَمَا لَوْ أُطْلِقَ ذِكْرُ الثَّمَنِ .\rوَإِنْ شَرَطَهُ مُؤَجَّلًا إلَى وَقْتٍ ، فَهُوَ إلَى أَجَلِهِ .\rوَإِنْ أَجَّلَهُ وَلَمْ يَذْكُرْ أَجَلَهُ ، فَقَالَ الْقَاضِي : الْمَهْرُ صَحِيحٌ .\rوَمَحَلُّهُ الْفُرْقَةُ ؛ فَإِنَّ أَحْمَدَ قَالَ : إذَا تَزَوَّجَ عَلَى الْعَاجِلِ وَالْآجِلِ ، لَا يَحِلُّ الْآجِلُ إلَّا بِمَوْتٍ أَوْ فُرْقَةٍ .\rوَهَذَا قَوْلُ النَّخَعِيِّ وَالشَّعْبِيِّ ، وَقَالَ الْحَسَنُ ، وَحَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ : يَبْطُلُ الْأَجَلُ ، وَيَكُونُ حَالًّا ، وَقَالَ إيَاسُ بْنُ مُعَاوِيَةَ وَقَتَادَةُ : لَا يَحِلُّ حَتَّى يُطَلِّقَ ، أَوْ يَخْرُجَ مِنْ مِصْرِهَا ، أَوْ يَتَزَوَّجَ عَلَيْهَا .\rوَعَنْ مَكْحُولٍ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَالْعَنْبَرِيِّ : يَحِلُّ إلَى سَنَةٍ بَعْدَ دُخُولِهِ بِهَا وَاخْتَارَ أَبُو الْخَطَّابِ أَنَّ الْمَهْرَ فَاسِدٌ ، وَلَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ .\rوَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ عِوَضٌ مَجْهُولُ الْمَحَلِّ ، فَفَسَدَ كَالثَّمَنِ فِي الْبَيْعِ .\rوَوَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ ، أَنَّ الْمُطْلَقَ يُحْمَلُ عَلَى الْعُرْفِ ، وَالْعَادَةُ فِي الصَّدَاقِ الْآجِلِ تَرْكُ الْمُطَالَبَةِ بِهِ إلَى حِينَ الْفُرْقَةِ ، فَحُمِلَ عَلَيْهِ ، فَيَصِيرُ حِينَئِذٍ مَعْلُومًا بِذَلِكَ .\rفَأَمَّا إنْ جَعَلَ لِلْآجِلِ مُدَّةً مَجْهُولَةً ، كَقُدُومِ زَيْدٍ وَمَجِيءِ الْمَطَرِ ، وَنَحْوِهِ ، لَمْ يَصِحَّ ؛ لِأَنَّهُ مَجْهُولٌ ، وَإِنَّمَا صَحَّ الْمُطْلَقُ لِأَنَّ أَجَلَهُ الْفُرْقَةُ بِحُكْمِ الْعَادَةِ وَهَا هُنَا صَرَفَهُ عَنْ الْعَادَةِ بِذِكْرِ الْأَجَلِ ، وَلَمْ يُبَيِّنْهُ فَبَقِيَ مَجْهُولًا ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ تَبْطُلَ التَّسْمِيَةُ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَبْطُلَ التَّأْجِيلُ وَيَحِلُّ .","part":15,"page":362},{"id":7362,"text":"( 5576 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : وَإِذَا تَزَوَّجَهَا عَلَى مُحَرَّمٍ ، وَهُمَا مُسْلِمَانِ ، ثَبَتَ النِّكَاحُ ، وَكَانَ لَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ ، أَوْ نِصْفُهُ إنْ كَانَ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ .\rفِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثُ مَسَائِلَ : ( 5577 ) الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى أَنَّهُ إذَا سَمَّى فِي النِّكَاحِ صَدَاقًا مُحَرَّمًا ، كَالْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ ، فَالتَّسْمِيَةُ فَاسِدَةٌ ، وَالنِّكَاحُ صَحِيحٌ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ وَبِهِ قَالَ عَامَّةُ الْفُقَهَاءِ ؛ مِنْهُمْ الثَّوْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَحُكِيَ عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ أَنَّ النِّكَاحَ فَاسِدٌ .\rوَاخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ ، قَالَ لِأَنَّ أَحْمَدَ قَالَ فِي رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيِّ : إذَا تَزَوَّجَ عَلَى مَالٍ غَيْرِ طَيِّبٍ ، فَكَرِهَهُ .\rفَقُلْت : تَرَى اسْتِقْبَالَ النِّكَاحِ ؟ فَأَعْجَبَهُ .\rوَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ إنْ كَانَ بَعْدَ الدُّخُولِ ، ثَبَتَ النِّكَاحُ ، وَإِنْ كَانَ قَبْلَهُ ، فُسِخَ ، وَاحْتَجَّ مَنْ أَفْسَدَهُ بِأَنَّهُ نِكَاحٌ جُعِلَ الصَّدَاقُ فِيهِ مُحَرَّمًا ، فَأَشْبَهَ نِكَاحَ الشِّغَارِ .\rوَلَنَا أَنَّهُ نِكَاحٌ لَوْ كَانَ عِوَضُهُ صَحِيحًا كَانَ صَحِيحًا فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ صَحِيحًا وَإِنْ كَانَ عِوَضُهُ فَاسِدًا ، كَمَا لَوْ كَانَ مَغْصُوبًا أَوْ مَجْهُولًا ، وَلِأَنَّهُ عَقْدٌ لَا يَفْسُدُ بِجَهَالَةِ الْعِوَضِ ، فَلَا يَفْسُدُ بِتَحْرِيمِهِ كَالْخُلْعِ ، وَلِأَنَّ فَسَادَ الْعِوَضِ لَا يَزِيدُ عَلَى عَدَمِهِ ، وَلَوْ عَدِمَ كَانَ الْعَقْدُ صَحِيحًا ، فَكَذَلِكَ إذَا فَسَدَ ، وَكَلَامُ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيِّ ، مَحْمُولٌ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ ؛ فَإِنَّ مَسْأَلَةَ الْمَرُّوذِيِّ فِي الْمَالِ الَّذِي لَيْسَ بِطَيِّبِ ، وَذَلِكَ لَا يَفْسُدُ الْعَقْدُ بِتَسْمِيَتِهِ فِيهِ اتِّفَاقًا .\rوَمَا حُكِيَ عَنْ مَالِكٍ لَا يَصِحُّ ؛ فَإِنَّ مَا كَانَ فَاسِدًا قَبْلَ الدُّخُولِ ، فَهُوَ بَعْدَهُ فَاسِدٌ ، كَنِكَاحِ ذَوَاتِ الْمَحَارِمِ ، فَأَمَّا إذَا فَسَدَ الصَّدَاقُ لِجَهَالَتِهِ أَوْ عَدَمِهِ ، أَوْ الْعَجْزِ عَنْ تَسْلِيمِهِ ، فَإِنَّ النِّكَاحَ ثَابِتٌ .\rلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا ، وَقَوْلُ","part":15,"page":363},{"id":7363,"text":"الْخِرَقِيِّ : \" وَهُمَا مُسْلِمَانِ \" .\rاحْتِرَازٌ مِنْ الْكَافِرِينَ إذَا عُقِدَ النِّكَاحُ بِمُحَرَّمٍ ، فَإِنَّ هَذِهِ قَدْ مَرَّ تَفْصِيلُهَا .\r( 5578 ) الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : أَنَّهُ يَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ .\rوَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْهُمْ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَذَلِكَ لِأَنَّ فَسَادَ الْعِوَضِ يَقْتَضِي رَدَّ الْمُعَوَّضِ وَقَدْ تَعَذُّرَ رَدُّهُ لِصِحَّةِ النِّكَاحِ ، فَيَجِبُ رَدُّ قِيمَتِهِ ، وَهُوَ مَهْرُ الْمِثْلِ ، كَمَنْ اشْتَرَى شَيْئًا بِثَمَنٍ فَاسِدٍ ، فَقَبَضَ الْمَبِيعَ ، وَتَلِفَ فِي يَدِهِ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ رَدُّ قِيمَتِهِ .\rفَإِنْ دَخَلَ بِهَا اسْتَقَرَّ مَهْرُ الْمِثْلِ ، فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا وَإِنْ مَاتَ أَحَدُهُمَا ، فَكَذَلِكَ ، لِأَنَّ الْمَوْتَ يَقُومُ مَقَامَ الدُّخُولِ فِي تَكْمِيلِ الصَّدَاقِ وَتَقْرِيرِهِ ، وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : فِيهِ رِوَايَةٌ أُخْرَى ، لَا يَسْتَقِرُّ بِالْمَوْتِ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ فَرَضَهُ لَهَا .\rوَإِنْ طَلَّقَ قَبْلَ الدُّخُولِ ، فَلَهَا نِصْفُ مَهْرِ الْمِثْلِ وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ : لَهَا الْمُتْعَةُ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يُسَمِّ لَهَا صَدَاقًا كَانَ لَهَا الْمُتْعَةُ ، فَكَذَلِكَ إذَا سَمَّى لَهَا تَسْمِيَةً فَاسِدَةً ؛ لِأَنَّ هَذِهِ التَّسْمِيَةَ كَعَدَمِهَا .\rوَذَكَرَ الْقَاضِي ، فِي الْجَامِعِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ مَنْ لَمْ يُسَمِّ لَهَا صَدَاقًا ، وَبَيْنَ مَنْ سَمَّى لَهَا مُحَرَّمًا كَالْخَمْرِ ، أَوْ مَجْهُولًا كَالثَّوْبِ وَفِي الْجَمِيعِ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، لَهَا الْمُتْعَةُ إذَا طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ ، لِأَنَّ ارْتِفَاعَ الْعَقْدِ يُوجِبُ رَفْعَ مَا أَوْجَبَهُ مِنْ الْعِوَضِ كَالْبَيْعِ ، لَكِنْ تَرَكْنَاهُ فِي نِصْفِ الْمُسَمَّى لَتَرَاضِيهِمَا عَلَيْهِ ، فَكَانَ مَا تَرَاضَيَا عَلَيْهِ أَوْلَى فَفِي مَهْرِ الْمِثْلِ يَبْقَى عَلَى الْأَصْلِ فِي أَنَّهُ يَرْتَفِعُ وَتَجِبُ الْمُتْعَةُ .\rوَالثَّانِيَةُ ، أَنَّ لَهَا نِصْفَ مَهْرِ الْمِثْلِ ؛ لِأَنَّ مَا أَوْجَبَهُ عَقْدُ النِّكَاحِ يَتَنَصَّفُ بِالطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ ، وَمَهْرُ الْمِثْلِ","part":15,"page":364},{"id":7364,"text":"قَدْ أَوْجَبَهُ الْعَقْدُ ، فَيَتَنَصَّفُ بِهِ كَالْمُسَمَّى .\rوَالْخِرَقِيُّ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا ، فَأَوْجَبَ فِي التَّسْمِيَةِ الْفَاسِدَةِ نِصْفَ مَهْرِ الْمِثْلِ ، وَفِي الْمُفَوِّضَةِ الْمُتْعَةَ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ الْمُفَوِّضَةَ رَضِيَتْ بِلَا عِوَضٍ ، وَعَادَ إلَيْهَا بُضْعُهَا سَلِيمًا ، وَإِيجَابُ نِصْفِ الْمَهْرِ لَهَا لَا وَجْهَ لَهُ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْجَبَ لَهَا الْمُتْعَةَ ، فَفِي إيجَابِ نِصْفِ الْمَهْرِ جَمْعٌ بَيْنَهُمَا أَوْ إسْقَاطٌ لِلْمُتْعَةِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهَا ، وَكِلَاهُمَا فَاسِدٌ .\rوَأَمَّا الَّتِي اشْتَرَطَتْ لِنَفْسِهَا مَهْرًا ، فَلَمْ تَرْضَ إلَّا بِعِوَضٍ ، وَلَمْ يَحْصُلْ لَهَا الْعِوَضُ الَّذِي اشْتَرَطَتْهُ ، فَوَجَبَ لَهَا بَدَلُ مَا فَاتَ عَلَيْهَا مِنْ الْعِوَضِ ، وَهُوَ مَهْرُ الْمِثْلِ ، أَوْ نِصْفُهُ إنْ كَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ ، وَلِأَنَّ الْأَصْلَ وُجُوبُ مَهْرِ الْمِثْلِ ، لِأَنَّهُ وَجَبَ بِالْعَقْدِ ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَسْتَقِرُّ بِالدُّخُولِ وَالْمَوْتِ ، وَإِنَّمَا خُولِفَ هَذَا فِي الْمُفَوِّضَةِ بِالنَّصِّ الْوَارِدِ فِيهَا ، فَفِيمَا عَدَاهَا يَبْقَى عَلَى الْأَصْلِ .","part":15,"page":365},{"id":7365,"text":"( 5579 ) الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : أَنَّهُ إذَا سَمَّى لَهَا تَسْمِيَةً فَاسِدَةً ، وَجَبَ مَهْرُ الْمِثْلِ بَالِغًا مَا بَلَغَ ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَزُفَرُ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَصَاحِبَاهُ : يَجِبُ الْأَقَلُّ مِنْ الْمُسَمَّى أَوْ مَهْرُ الْمِثْلِ ؛ لِأَنَّ الْبُضْعَ لَا يُقَوَّمُ إلَّا بِالْعَقْدِ ، فَإِذَا رَضِيَتْ بِأَقَلِّ مِنْ مَهْرِ مِثْلِهَا ، لَمْ يُقَوَّمْ بِأَكْثَرَ مِمَّا رَضِيَتْ بِهِ ؛ لِأَنَّهَا رَضِيَتْ بِإِسْقَاطِ الزِّيَادَةِ .\rوَلَنَا أَنَّ مَا يُضْمَنُ بِالْعَقْدِ الْفَاسِدِ ، اُعْتُبِرَتْ قِيمَتُهُ بَالِغًا مَا بَلَغَ ، كَالْمَبِيعِ .\rوَمَا ذَكَرُوهُ فَغَيْرُ مُسَلَّمٍ ، ثُمَّ لَا يَصِحُّ عِنْدَهُمْ ، فَإِنَّهُ لَوْ وَطِئَهَا وَجَبَ مَهْرُ الْمِثْلِ ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ قِيمَةٌ لَمْ يَجِبْ .\rفَإِنْ قِيلَ : إنَّمَا وَجَبَ لَحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى .\rقِيلَ : لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَوَجَبَ أَقَلُّ الْمَهْرِ ، وَلَمْ يَجِبْ مَهْرُ الْمِثْلِ .","part":15,"page":366},{"id":7366,"text":"( 5580 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ وَإِذَا تَزَوَّجَهَا عَلَى أَلْفٍ لَهَا ، وَأَلْفٍ لِأَبِيهَا ، كَانَ ذَلِكَ جَائِزًا ، فَإِنْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ ، رَجَعَ عَلَيْهَا بِنِصْفِ الْأَلْفَيْنِ ، وَلَمْ يَكُنْ عَلَى الْأَبِ شَيْءٌ أَخَذَهُ .\rوَجُمْلَةُ الْأَمْرِ أَنَّهُ يَجُوزُ لِأَبِي الْمَرْأَةِ أَنْ يَشْتَرِطَ شَيْئًا مِنْ صَدَاقِ ابْنَتِهِ لِنَفْسِهِ .\rوَبِهَذَا قَالَ إِسْحَاقُ .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَسْرُوقٍ ، أَنَّهُ لَمَّا زَوَّجَ ابْنَتَهُ ، اشْتَرَطَ لِنَفْسِهِ عَشَرَةَ آلَافٍ ، فَجَعَلَهَا فِي الْحَجِّ وَالْمَسَاكِينِ ، ثُمَّ قَالَ لِلزَّوْجِ : جَهِّزْ امْرَأَتَك .\rوَرُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ ، وَقَالَ عَطَاءٌ ، وَطَاوُسٌ ، وَعِكْرِمَةُ ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ : يَكُونُ كُلُّ ذَلِكَ لِلْمَرْأَةِ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : إذَا فَعَلَ ذَلِكَ ، فَلَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ ، وَتَفْسُدُ التَّسْمِيَةُ ، لِأَنَّهُ نَقَصَ مِنْ صَدَاقِهَا لِأَجْلِ هَذَا الشَّرْطِ الْفَاسِدِ ، لِأَنَّ الْمَهْرَ لَا يَجِبُ إلَّا لِلزَّوْجَةِ ، لِأَنَّهُ عِوَضُ بُضْعِهَا ، فَيَبْقَى مَجْهُولًا ، لِأَنَّنَا نَحْتَاجُ أَنَّ نَضُمَّ إلَى الْمَهْرِ مَا نَقَصَ مِنْهُ لِأَجْلِ هَذَا الشَّرْطِ ، وَذَلِكَ مَجْهُولٌ فَيَفْسُدُ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ، فِي قِصَّةِ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ { إنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ } فَجَعَلَ الصَّدَاقَ الْإِجَارَةَ عَلَى رِعَايَةِ غَنَمِهِ ، وَهُوَ شَرْطٌ لِنَفْسِهِ ، وَلِأَنَّ لِلْوَالِدِ الْأَخْذَ مِنْ مَالِ وَلَدِهِ ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ { أَنْتَ وَمَالُك لِأَبِيكَ } وَقَوْلِهِ : { إنَّ أَوْلَادَكُمْ مِنْ أَطْيَبِ كَسْبِكُمْ ، فَكُلُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ } أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد ، وَنَحْوَهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ : حَدِيثٌ حَسَنٌ ، فَإِذَا شَرَطَ لِنَفْسِهِ شَيْئًا مِنْ الصَّدَاقِ ، يَكُونُ ذَلِكَ أَخْذًا مِنْ مَالِ ابْنَتِهِ ، وَلَهُ ذَلِكَ .\rوَقَوْلُهُمْ : إنَّهُ شَرْطٌ فَاسِدٌ .\rمَمْنُوعٌ ، قَالَ الْقَاضِي : وَلَوْ شَرَطَ جَمِيعَ الصَّدَاقِ لِنَفْسِهِ ، صَحَّ ؛ بِدَلِيلِ قِصَّةِ","part":15,"page":367},{"id":7367,"text":"شُعَيْبٍ ، فَإِنَّهُ شَرَطَ الْجَمِيعَ لِنَفْسِهِ .\rوَإِذَا تَزَوَّجَهَا عَلَى أَلْفٍ لَهَا ، وَأَلْفٍ لِأَبِيهَا ، فَطَلُقَتْ قَبْلَ الدُّخُولِ ، رَجَعَ الزَّوْجُ فِي الْأَلْفِ الَّذِي قَبَضَتْهُ وَلَمْ يَكُنْ عَلَى الْأَبِ شَيْءٌ مِمَّا أَخَذَ ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ قَبْلَ الدُّخُولِ يُوجِبُ نِصْفَ الصَّدَاقِ ، وَالْأَلْفَانِ جَمِيعُ صَدَاقِهَا ، فَرَجَعَ عَلَيْهَا بِنِصْفِهِمَا ، وَهُوَ أَلْفٌ ، وَلَمْ يَكُنْ عَلَى الْأَبِ شَيْءٌ ؛ لِأَنَّهُ أَخَذَ مِنْ مَالِ ابْنَتِهِ أَلْفًا ، فَلَا يَجُوزُ الرُّجُوعُ عَلَيْهِ بِهِ ، وَهَذَا فِيمَا إذَا كَانَ قَدْ قَبَّضَهَا الْأَلْفَيْنِ ، وَلَوْ طَلَّقَهَا قَبْلَ قَبْضِهِمَا ، سَقَطَ عَنْ الزَّوْجِ أَلْفٌ ، وَبَقِيَ عَلَيْهِ أَلْفٌ لِلزَّوْجَةِ يَأْخُذُ الْأَبُ مِنْهَا مَا شَاءَ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : : يَكُونُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ .\rوَقَالَ : نَقَلَهُ مُهَنَّا عَنْ أَحْمَدَ ، لِأَنَّهُ شَرَطَ لِنَفْسِهِ النِّصْفَ وَلَمْ يُحَصَّلْ مِنْ الصَّدَاقِ إلَّا النِّصْفُ ، وَلَيْسَ هَذَا الْقَوْلُ عَلَى سَبِيلِ الْإِيجَابِ ، فَإِنَّ لِلْأَبِ أَنْ يَأْخُذَ مَا شَاءَ ، وَيَتْرُكَ مَا شَاءَ ، وَإِذَا مَلَكَ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ ، فَكَذَلِكَ إذَا شَرَطَ .\r( 5581 ) فَصْلٌ : فَإِنْ شَرَطَ ذَلِكَ غَيْرُ الْأَبِ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ ، كَالْجَدِّ وَالْأَخِ وَالْعَمِّ ، فَالشَّرْطُ بَاطِلٌ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ وَجَمِيعُ الْمُسَمَّى لَهَا .\rذَكَرَهُ أَبُو حَفْصٍ ، وَهُوَ قَوْلُ مَنْ سَمَّيْنَا فِي أَوَّلِ الْمَسْأَلَةِ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ .\rوَهَكَذَا ذَكَرَ الْقَاضِي ، فِي \" الْمُجَرَّدِ \" ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ إذَا بَطَلَ احْتَجْنَا أَنَّ نَرُدَّ إلَى الصَّدَاقِ مَا نَقَصَتْ الزَّوْجَةُ لِأَجْلِهِ ، وَلَا يُعْرَفُ قَدْرُهُ ، فَيَصِيرُ الْكُلُّ مَجْهُولًا فَيَفْسُدُ .\rوَإِنْ أَصْدَقَهَا أَلْفَيْنِ ، عَلَى أَنْ تُعْطِيَ أَخَاهَا أَلْفًا ، فَالصَّدَاقُ صَحِيحٌ ؛ لِأَنَّهُ شَرْطٌ لَا يُزَادُ فِي الْمَهْرِ مِنْ أَجَلِهِ ، وَلَا يُنْقَصُ مِنْهُ ، فَلَا يُؤَثِّرُ فِي الْمَهْرِ ، بِخِلَافِ الَّتِي قَبْلَهَا .\rوَلَنَا ، أَنَّ جَمِيعَ مَا اشْتَرَطَتْهُ عِوَضٌ فِي تَزْوِيجِهَا ، فَيَكُونُ صَدَاقًا لَهَا ، كَمَا","part":15,"page":368},{"id":7368,"text":"لَوْ جَعَلَهُ لَهَا ، وَإِذَا كَانَ صَدَاقًا انْتَفَتْ الْجَهَالَةُ وَهَكَذَا لَوْ كَانَ الْأَبُ هُوَ الْمُشْتَرِطُ ، لَكَانَ الْجَمِيعُ صَدَاقًا ، وَإِنَّمَا هُوَ أَخَذَ مِنْ مَالِ ابْنَتِهِ ؛ لِأَنَّ لَهُ ذَلِكَ وَيُشْتَرَطُ أَنْ لَا يَكُونَ ذَلِكَ مُجْحِفًا بِمَالِ ابْنَتِهِ ، فَإِنْ كَانَ مُجْحِفًا بِمَالِهَا ، لَمْ يَصِحَّ الشَّرْطُ ، وَكَانَ الْجَمِيعُ لَهَا ، كَمَا لَوْ اشْتَرَطَهُ سَائِرُ أَوْلِيَائِهَا .\rذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ .","part":15,"page":369},{"id":7369,"text":"( 5582 ) فَصْلٌ : فَإِنْ شَرَطَ لِنَفْسِهِ جَمِيعَ الصَّدَاقِ ، ثُمَّ طَلَّقَ قَبْلَ الدُّخُولِ بَعْدَ تَسْلِيمِ الصَّدَاقِ إلَيْهِ ، رَجَعَ فِي نِصْفِ مَا أَعْطَى الْأَبَ ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي فَرَضَهُ لَهَا ، فَنَرْجِعُ فِي نِصْفِهِ ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ } وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَيْهَا بِقَدْرِ نِصْفِهِ ، وَيَكُونَ مَا أَخَذَهُ الْأَبُ لَهُ ، لِأَنَّنَا قَدَّرْنَا أَنَّ الْجَمِيعَ صَارَ لَهَا ، ثُمَّ أَخَذَهُ الْأَبُ مِنْهَا ، فَتَصِيرُ كَأَنَّهَا قَبَضَتْهُ ثُمَّ أَخَذَهُ مِنْهَا .\rوَهَكَذَا لَوْ أَصْدَقَهَا أَلْفًا لَهَا وَأَلْفًا لِأَبِيهَا ، ثُمَّ ارْتَدَّتْ قَبْلَ الدُّخُولِ ، فَهَلْ يَرْجِعُ فِي الْأَلْفِ الَّذِي قَبَضَهُ الْأَبُ ، أَوْ عَلَيْهَا ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ .","part":15,"page":370},{"id":7370,"text":"( 5583 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ وَإِذَا أَصْدَقَهَا عَبْدًا صَغِيرًا فَكَبِرَ ، ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ ، فَإِنْ شَاءَتْ دَفَعَتْ إلَيْهِ نِصْفَ قِيمَتِهِ يَوْمَ وَقَعَ عَلَيْهِ الْعَقْدُ ، أَوْ تَدْفَعُ إلَيْهِ نِصْفَهُ زَائِدًا ، إلَّا أَنْ يَكُونَ يَصْلُحُ صَغِيرًا لِمَا لَا يَصْلُحُ لَهُ كَبِيرًا ، فَيَكُونَ لَهُ عَلَيْهَا نِصْفُ قِيمَتِهِ يَوْمَ وَقَعَ عَلَيْهِ الْعَقْدُ ، إلَّا أَنْ يَشَاءَ أَخْذَ مَا بَذَلَتْهُ لَهُ مِنْ نِصْفِهِ .\rفِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَحْكَامٌ ؛ مِنْهَا أَنَّ الْمَرْأَةَ تَمْلِكُ الصَّدَاقَ بِالْعَقْدِ .\rوَهَذَا قَوْلُ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، إلَّا أَنَّهُ حُكِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهَا لَا تَمْلِكُ إلَّا نِصْفَهُ .\rوَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ .\rوَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : هَذَا مَوْضِعٌ اخْتَلَفَ فِيهِ السَّلَفُ وَالْآثَارُ ، وَأَمَّا الْفُقَهَاءُ الْيَوْمَ فَعَلَى أَنَّهَا تَمْلِكُهُ .\rوَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إنْ أَعْطَيْتهَا إزَارَك ، جَلَسْت وَلَا إزَارَ لَك } دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الصَّدَاقَ كُلَّهُ لِلْمَرْأَةِ ، لَا يَبْقَى لِلرَّجُلِ مِنْهُ شَيْءٌ ؛ وَلِأَنَّهُ عَقْدٌ تَمْلِكُ بِهِ الْعِوَضَ بِالْعَقْدِ ، فَمُلِكَ فِيهِ الْعِوَضُ كَامِلًا كَالْبَيْعِ وَسُقُوطُ نِصْفِهِ بِالطَّلَاقِ ، لَا يَمْنَعُ وُجُوبَ جَمِيعِهِ بِالْعَقْدِ ، أَلَا تَرَى أَنَّهَا لَوْ ارْتَدَّتْ ، سَقَطَ جَمِيعُهُ ، وَإِنْ كَانَتْ قَدْ مَلَكَتْ نِصْفَهُ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِنَّ نَمَاءَهُ وَزِيَادَتَهُ لَهَا ، سَوَاءٌ قَبَضَتْهُ أَوْ لَمْ تَقْبِضْهُ ، مُتَّصِلًا كَانَ أَوْ مُنْفَصِلًا ، وَإِنْ كَانَ مَالًا زَكَاتِيًّا فَحَالَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ ، فَزَكَاتُهُ عَلَيْهَا .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ وَإِنْ نَقَصَ بَعْدَ قَبْضِهَا لَهُ أَوْ تَلِفَ ، فَهُوَ مِنْ ضَمَانِهَا وَلَوْ زَكَّتْهُ ثُمَّ طَلُقَتْ قَبْلَ الدُّخُولِ ، كَانَ ضَمَانُ الزَّكَاةِ كُلِّهَا عَلَيْهَا .\rوَأَمَّا قَبْلَ الْقَبْضِ ، فَهُوَ مِنْ ضَمَانِ الزَّوْجِ ، إنْ كَانَ مَكِيلًا أَوْ مَوْزُونًا ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَهُمَا ، فَإِنْ مَنَعَهَا مِنْهُ ، وَلَمْ يُمَكِّنْهَا مِنْ قَبْضِهِ ، فَهُوَ مِنْ ضَمَانِهِ ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ","part":15,"page":371},{"id":7371,"text":"الْغَاصِبِ ، وَإِنْ لَمْ يَحُلْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا ، فَهَلْ يَكُونُ مِنْ ضَمَانِهَا ، أَوْ مِنْ ضَمَانِهِ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ ، بِنَاءً عَلَى الْمَبِيعِ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا حُكْمَهُ فِي بَابِهِ .","part":15,"page":372},{"id":7372,"text":"الْحُكْمُ الثَّانِي ، أَنَّ الصَّدَاقَ يَتَنَصَّفُ بِالطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى { وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ } وَلَيْسَ فِي هَذَا اخْتِلَافٌ بِحَمْدِ اللَّهِ ، وَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنَّ نِصْفَ الصَّدَاقِ يَدْخُلُ فِي مِلْكِ الزَّوْجِ حُكْمًا ، كَالْمِيرَاثِ لَا يَفْتَقِرُ إلَى اخْتِيَارِهِ وَإِرَادَتِهِ ، فَمَا يَحْدُثُ مِنْ النَّمَاءِ يَكُونُ بَيْنَهُمَا وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ وَذَكَرَ الْقَاضِي احْتِمَالًا آخَرَ ، أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ فِي مِلْكِهِ حَتَّى يَخْتَارَهُ ، كَالشَّفِيعِ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَلِلشَّافِعِي قَوْلَانِ ، كَالْوَجْهَيْنِ .\rوَلَنَا قَوْله تَعَالَى { فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ } .\rأَيْ لَكُمْ أَوْ لَهُنَّ ، فَاقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّ النِّصْفَ لَهَا وَالنِّصْفَ لَهُ ، بِمُجَرَّدِ الطَّلَاقِ ، وَلِأَنَّ الطَّلَاقَ سَبَبٌ يَمْلِكُ بِهِ بِغَيْرِ عِوَضٍ فَلَمْ يَقِفْ الْمِلْكُ عَلَى إرَادَتِهِ وَاخْتِيَارِهِ ، كَالْإِرْثِ ، وَلِأَنَّهُ سَبَبٌ لِنَقْلِ الْمِلْكِ ، فَنُقِلَ الْمِلْكُ بِمُجَرَّدِهِ ، كَالْبَيْعِ وَسَائِرِ الْأَسْبَابِ .\rوَلَا تَلْزَم الشُّفْعَةُ ؛ فَإِنَّ سَبَبَ الْمِلْكِ فِيهَا الْأَخْذُ بِهَا ، وَمَتَى أَخَذَ بِهَا ثَبَتَ الْمِلْكُ مِنْ غَيْرِ إرَادَتِهِ وَاخْتِيَارِهِ ، وَقَبْلَ الْأَخْذِ مَا وُجِدَ السَّبَبُ .\rوَإِنَّمَا اُسْتُحِقَّ بِمُبَاشَرَةِ سَبَبِ الْمِلْكِ ، وَمُبَاشَرَةُ الْأَسْبَابِ مَوْقُوفَةٌ عَلَى اخْتِيَارِهِ ، كَمَا أَنَّ الطَّلَاقَ مُفَوَّضٌ إلَى اخْتِيَارِهِ فَالْأَخْذُ بِالشُّفْعَةِ نَظِيرُ الطَّلَاقِ ، وَثُبُوتُ الْمِلْكِ لِلْآخِذِ بِالشُّفْعَةِ نَظِيرُ ثُبُوتِ الْمِلْكِ لِلْمُطَلِّقِ ، فَإِنَّ ثُبُوتَ الْمِلْكِ حُكْمٌ لَهَا ، وَثُبُوتُ أَحْكَامِ الْأَسْبَابِ بَعْدَ مُبَاشَرَتِهَا لَا يَقِفُ عَلَى اخْتِيَارِ أَحَدٍ ، وَلَا إرَادَتِهِ .\rفَإِنْ نَقَصَ الصَّدَاقُ فِي يَدِ الْمَرْأَةِ بَعْدَ الطَّلَاقِ ، فَإِنْ كَانَ قَدْ طَالَبَهَا بِهِ فَمَنَعَتْهُ ، فَعَلَيْهَا الضَّمَانُ ؛ لِأَنَّهَا غَاصِبَةٌ ، وَإِنْ تَلِفَ قَبْلَ مُطَالَبَتِهِ ، فَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا ضَمَانَ عَلَيْهَا ؛ لِأَنَّهُ","part":15,"page":373},{"id":7373,"text":"حَصَلَ فِي يَدهَا بِغَيْرِ فِعْلِهَا ، وَلَا عُدْوَانَ مِنْ جِهَتِهَا فَلَمْ تَضْمَنْهُ ، كَالْوَدِيعَةِ وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي مُطَالَبَتِهِ لَهَا ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا ؛ لِأَنَّهَا مُنْكِرَةٌ .\rوَإِنْ ادَّعَى أَنَّ التَّلَفَ أَوْ النَّقْصَ كَانَ قَبْلَ الطَّلَاقِ .\rوَقَالَتْ : بَعْدَهُ .\rفَالْقَوْلُ أَيْضًا قَوْلُهَا ؛ لِأَنَّهُ يَدَّعِي مَا يُوجِبُ الضَّمَانَ عَلَيْهَا وَهِيَ تُنْكِرُهُ ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ .\rوَظَاهِرُ قَوْلِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ، أَنَّ عَلَى الْمَرْأَةِ الضَّمَانَ لِمَا تَلِفَ أَوْ نَقَصَ فِي يَدِهَا بَعْدَ الطَّلَاقِ ؛ لِأَنَّهُ حَصَلَ فِي يَدِهَا بِحُكْمِ قَطْعِ الْعَقْدِ ، فَأَشْبَهَ الْمَبِيعَ إذَا ارْتَفَعَ الْعَقْدُ بِالْفَسْخِ .\rوَلَنَا مَا ذَكَرْنَاهُ ، وَأَمَّا الْمَبِيعُ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَمْنَعَ وَإِنْ سَلَّمْنَا فَإِنَّ الْفَسْخَ إنْ كَانَ مِنْهُمَا ، أَوْ مِنْ الْمُشْتَرِي ، فَقَدْ حَصَلَ مِنْهُ التَّسَبُّبُ إلَى جَعْلِ مِلْكِ غَيْرِهِ فِي يَدِهِ ، وَفِي مَسْأَلَتِنَا لَيْسَ مِنْ الْمَرْأَةِ فِعْلٌ ، وَإِنَّمَا حَصَلَ ذَلِكَ بِفِعْلِ الزَّوْجِ وَحْدَهُ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَلْقَى ثَوْبَهُ فِي دَارِهَا بِغَيْرِ أَمْرِهَا .","part":15,"page":374},{"id":7374,"text":"( 5584 ) فَصْلٌ : وَلَوْ خَالَعَ امْرَأَتَهُ بَعْدَ الدُّخُولِ ، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا فِي عِدَّتِهَا ، ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ دُخُولِهِ بِهَا ، فَلَهَا فِي النِّكَاحِ الثَّانِي نِصْفُ الصَّدَاقِ الْمُسَمَّى فِيهِ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَهَا جَمِيعُهُ ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْوَطْءِ مَوْجُودٌ فِيهِ ، بِدَلِيلِ أَنَّهَا لَوْ أَتَتْ بِوَلَدٍ لَزِمَهُ .\rوَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ { وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ } وَلِأَنَّهُ طَلَاقٌ مِنْ نِكَاحٍ لَمْ يَمَسَّهَا فِيهِ ، فَوَجَبَ أَنْ يَتَنَصَّفَ بِهِ الْمَهْرُ ، كَمَا لَوْ تَزَوَّجَهَا بَعْدَ الْعِدَّةِ ، وَمَا ذَكَرَهُ غَيْرُ صَحِيحٍ ، فَإِنْ لُحُوقَ النَّسَبِ لَا يَقِفُ عَلَى الْوَطْءِ عِنْدَهُ ، وَلَا يَقُومُ مَقَامَهُ .\rفَأَمَّا إنْ كَانَ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا فِي النِّكَاحِ الْأَوَّلِ أَيْضًا ، فَعَلَيْهِ نِصْفُ الصَّدَاقِ الْأَوَّلِ ، وَنِصْفُ الصَّدَاقِ الثَّانِي .\rبِغَيْرِ خِلَافٍ .","part":15,"page":375},{"id":7375,"text":"الْحُكْمِ الثَّالِثِ ، أَنَّ الصَّدَاقَ إذَا زَادَ بَعْدَ الْعَقْدِ ، لَمْ يَخْلُ مِنْ أَنْ تَكُونَ الزِّيَادَةُ غَيْرَ مُتَمَيِّزَةٍ ، كَعَبْدٍ يَكْبَرُ أَوْ يَتَعَلَّمُ صِنَاعَةً أَوْ يَسْمَنُ ، أَوْ مُتَمَيِّزَةً ، كَالْوَلَدِ وَالْكَسْبِ وَالثَّمَرَةِ ، فَإِنْ كَانَتْ مُتَمَيِّزَةً أَخَذَتْ الزِّيَادَةَ ، وَرَجَعَ بِنِصْفِ الْأَصْلِ ، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مُتَمَيِّزَةٍ ، فَالْخِيرَةُ إلَيْهَا ، إنْ شَاءَتْ دَفَعَتْ إلَيْهِ نِصْفَ قِيمَتِهِ يَوْمَ الْعَقْدِ ؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ لَهَا لَا يَلْزَمُهَا بَذْلُهَا وَلَا يُمْكِنُهَا دَفْعُ الْأَصْلِ بِدُونِهَا ، فَصِرْنَا إلَى نِصْفِ الْقِيمَةِ ، وَإِنْ شَاءَتْ دَفَعَتْ إلَيْهِ نِصْفًا زَائِدًا ، فَيَلْزَمُهُ قَبُولُهُ ؛ لِأَنَّهَا دَفَعَتْ إلَيْهِ حَقَّهُ وَزِيَادَةً لَا تَضُرُّ وَلَا تَتَمَيَّزُ ، فَإِنْ كَانَ مَحْجُورًا عَلَيْهَا ، لَمْ يَكُنْ لَهَا الرُّجُوعُ إلَّا فِي نِصْفِ الْقِيمَةِ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ لَهَا ، وَلَا يَجُوزُ لَهَا وَلَا لِوَلِيِّهَا التَّبَرُّعُ بِشَيْءٍ لَا يَجِبُ عَلَيْهَا .\rوَإِنْ نَقَصَ الصَّدَاقُ بَعْدَ الْعَقْدِ ، فَهُوَ مِنْ ضَمَانِهَا ، وَلَا يَخْلُو أَيْضًا مِنْ أَنْ يَكُونَ النَّقْصُ مُتَمَيِّزًا أَوْ غَيْرَ مُتَمَيِّزٍ ، فَإِنْ كَانَ مُتَمَيِّزًا ، كَعَبْدَيْنِ تَلِفَ أَحَدُهُمَا ، فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِنِصْفِ الْبَاقِي وَنِصْفِ قِيمَةِ التَّالِفِ ، أَوْ مِثْلِ نِصْفِ التَّالِفِ إنْ كَانَ مِنْ ذَوَات الْأَمْثَالِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُتَمَيِّزًا ، كَعَبْدٍ كَانَ شَابًّا فَصَارَ شَيْخًا ، فَنَقَصَتْ قِيمَتُهُ ، أَوْ نَسِيَ مَا كَانَ يُحْسِنُ مِنْ صِنَاعَةٍ أَوْ كِتَابَةٍ ، أَوْ هَزْلٍ ، فَالْخِيَارُ إلَى الزَّوْجِ ، إنْ شَاءَ رَجَعَ بِنِصْفِ قِيمَتِهِ وَقْتَ مَا أَصْدَقَهَا ؛ لِأَنَّ ضَمَانَ النَّقْصِ عَلَيْهَا ، فَلَا يَلْزَمُهُ أَخْذُ نِصْفِهِ ؛ لِأَنَّهُ دُونَ حَقِّهِ ، وَإِنْ شَاءَ رَجَعَ بِنِصْفِهِ نَاقِصًا ، فَتُجْبَرُ الْمَرْأَةُ عَلَى ذَلِكَ ، لِأَنَّهُ رَضِيَ أَنْ يَأْخُذَ حَقَّهُ نَاقِصًا ، وَإِنْ اخْتَارَ أَنْ يَأْخُذَ أَرْشَ النَّقْصِ مَعَ هَذَا ، لَمْ يَكُنْ لَهُ هَذَا فِي ظَاهِرِ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ .\rوَقَالَ الْقَاضِي :","part":15,"page":376},{"id":7376,"text":"الْقِيَاسُ أَنَّ لَهُ ذَلِكَ ، كَالْمَبِيعِ يُمْسِكُهُ وَيُطَالِبُ بِالْأَرْشِ .\rوَبِمَا ذَكَرْنَاهُ كُلَّهُ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ : الزِّيَادَةُ غَيْرُ الْمُتَمَيِّزَةِ تَابِعَةٌ لِلْعَيْنِ ، فَلَهُ الرُّجُوعُ فِيهَا ؛ لِأَنَّهَا تَتْبَعُ فِي الْفُسُوخِ ، فَأَشْبَهَتْ زِيَادَةَ السُّوقِ .\rوَلَنَا أَنَّهَا زِيَادَةٌ حَدَثَتْ فِي مِلْكِهَا ، فَلَمْ تُنَصَّفْ بِالطَّلَاقِ ، كَالْمُتَمَيِّزَةِ ، وَأَمَّا زِيَادَةُ السُّوقِ فَلَيْسَتْ مِلْكَهُ ، وَفَارَقَ نَمَاءَ الْمَبِيعِ ، لِأَنَّ سَبَبَ الْفَسْخِ الْعَيْبُ ، وَهُوَ سَابِقٌ عَلَى الزِّيَادَةِ ، وَسَبَبُ تَنْصِيفِ الْمَهْرِ الطَّلَاقُ ، وَهُوَ حَادِثٌ بَعْدَهَا ، وَلِأَنَّ الزَّوْجَ يَثْبُتُ حَقُّهُ فِي نِصْفِ الْمَفْرُوضِ دُونَ الْعَيْنِ ، وَلِهَذَا لَوْ وَجَدَهَا نَاقِصَةً ، كَانَ لَهُ الرُّجُوعُ إلَى نِصْفِ مِثْلِهَا أَوْ قِيمَتِهَا ، بِخِلَافِ الْمَبِيعِ الْمَعِيبِ ، وَالْمَفْرُوضُ لَمْ يَكُنْ سَمِينًا ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَخْذُهُ ، وَالْمَبِيعُ تَعَلَّقَ حَقُّهُ بِعَيْنِهِ ، فَتَبِعَهُ ثَمَنُهُ فَأَمَّا إنْ نَقَصَ الصَّدَاقُ مِنْ وَجْهٍ وَزَادَ مِنْ وَجْهٍ ، مِثْلُ أَنْ يَتَعَلَّمَ صَنْعَةً وَيَنْسَى أُخْرَى ، أَوْ هَزْل وَتَعَلَّمَ ، ثَبَتَ الْخِيَارُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ، وَكَانَ لَهُ الِامْتِنَاعُ مِنْ الْعَيْنِ وَالرُّجُوعُ إلَى الْقِيمَةِ .\rفَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى نِصْفِ الْعَيْنِ جَازَ ، وَإِنْ امْتَنَعَتْ الْمَرْأَةُ مِنْ بَذْلِ نِصْفِهَا ، فَلَهَا ذَلِكَ لِأَجْلِ الزِّيَادَةِ ، وَإِنْ امْتَنَعَ هُوَ مِنْ الرُّجُوعِ فِي نِصْفِهَا ، فَلَهُ ذَلِكَ لِأَجْلِ النَّقْصِ ، وَإِذَا امْتَنَعَ أَحَدُهُمَا ، رَجَعَ فِي نِصْفِ قِيمَتِهَا .\r( 5585 ) فَصْلٌ : فَإِنْ كَانَتْ الْعَيْنُ تَالِفَةً وَهِيَ مِنْ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ ، رَجَعَ فِي نِصْفِ مِثْلِهَا ، وَإِلَّا رَجَعَ فِي نِصْفِ قِيمَتِهَا أَقَلُّ مَا كَانَتْ مِنْ حِينِ الْعَقْدِ إلَى حِينِ الْقَبْضِ أَوْ إلَى حِينِ التَّمْكِينِ مِنْهُ ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ الِاخْتِلَافِ ؛ لِأَنَّ الْعَيْنَ إنْ زَادَتْ ، فَالزِّيَادَةُ لَهَا تَخْتَصُّ بِهَا ، وَإِنْ نَقَصَتْ قَبْلَ ذَلِكَ ، فَالنَّقْصُ مِنْ ضَمَانِهِ .","part":15,"page":377},{"id":7377,"text":"وَإِنْ طَلَّقَهَا قَبْلَ قَبْضِ الصَّدَاقِ وَقَبْلَ الدُّخُولِ ، وَقَدْ زَادَتْ زِيَادَةً مُنْفَصِلَةً ، فَهِيَ لَهَا ، تَنْفَرِدُ بِهَا ، وَتَأْخُذُ نِصْفَ الْأَصْلِ .\rوَإِنْ كَانَتْ الزِّيَادَةُ مُتَّصِلَةً ، فَلَهَا الْخِيَارُ بَيْنَ أَنْ تَأْخُذَ النِّصْفَ وَيَبْقَى لَهُ النِّصْفُ ، وَبَيْنَ أَنْ تَأْخُذَ الْكُلَّ وَتَدْفَعَ إلَيْهِ قِيمَةَ النِّصْفِ غَيْرَ زَائِدَةٍ .\rوَإِنْ كَانَ نَاقِصًا ، فَلَهَا الْخِيَارُ بَيْنَ أَخْذِهِ نَاقِصًا وَبَيْنَ مُطَالَبَتِهِ بِنِصْفِ قِيمَتِهِ غَيْرَ نَاقِصٍ .","part":15,"page":378},{"id":7378,"text":"( 5586 ) فَصْلٌ : إذَا أَصْدَقَهَا نَخْلًا حَائِلًا ، فَأَطْلَعَتْ ، ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ ، فَلَهُ نِصْفُ قِيمَتِهَا وَقْتَ مَا أَصْدَقَهَا ، وَلَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ فِي نِصْفِهَا ؛ لِأَنَّهَا زَائِدَةٌ زِيَادَةً مُتَّصِلَةً ، فَأَشْبَهْت الْجَارِيَةَ إذَا سَمِنَتْ ، وَسَوَاءٌ كَانَ الطَّلْعُ مُؤَبَّرًا أَوْ غَيْرَ مُؤَبَّرٍ ؛ لِأَنَّهُ مُتَّصِلٌ بِالْأَصْلِ ، وَلَا يَجِبُ فَصْلُهُ عَنْهُ فِي هَذِهِ الْحَالِ ، فَأَشْبَهَ السِّمَنَ وَتَعَلُّمَ الصِّنَاعَةِ .\rفَإِنْ بَذَلَتْ لَهُ الْمَرْأَةُ الرُّجُوعَ فِيهَا مَعَ طَلْعِهَا ، أُجْبِرَ عَلَى ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهَا زِيَادَةٌ مُتَّصِلَةٌ لَا يَجِبُ فَصْلُهَا .\rوَإِنْ قَالَ : اقْطَعِي ثَمَرَتَك ، حَتَّى أَرْجِعَ فِي نِصْفِ الْأَصْلِ .\rلَمْ يَلْزَمْهَا ، لِأَنَّ عُرْفَ هَذِهِ الثَّمَرَةِ أَنَّهَا لَا تُؤْخَذُ إلَّا بِالْجُذَاذِ ، بِدَلِيلِ الْبَيْعِ ، وَلِأَنَّ حَقَّ الزَّوْجِ انْتَقَلَ إلَى الْقِيمَةِ ، فَلَمْ يَعُدْ إلَى الْعَيْنِ إلَّا بِرِضَاهَا ، فَإِنْ قَالَتْ الْمَرْأَةُ : اُتْرُكْ الرُّجُوعَ حَتَّى أَجُذَّ ثَمَرَتِي وَتَرْجِعَ فِي نِصْفِ الْأَصْلِ ، أَوْ ارْجِعْ فِي الْأَصْلِ وَأَمْهِلْنِي حَتَّى أَقْطَعَ الثَّمَرَةَ .\rأَوْ قَالَ الزَّوْجُ : أَنَا أَصْبِرُ حَتَّى إذَا جَذَذْت ثَمَرَتَك رَجَعْت فِي الْأَصْلِ ، أَوْ قَالَ : أَنَا أَرْجِعُ فِي الْأَصْلِ وَأَصْبِرُ حَتَّى تَجُذِّي ثَمَرَتَك .\rلَمْ يَلْزَمْ وَاحِدًا مِنْهُمَا قَبُولُ قَوْلِ الْآخِرِ ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ انْتَقَلَ إلَى الْقِيمَةِ ، فَلَمْ يَعُدْ إلَى الْعَيْنِ إلَّا بِرِضَاهُمَا .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يَلْزَمَهَا قَبُولُ مَا عَرَضَ عَلَيْهَا ؛ لِأَنَّ الضَّرَرَ عَلَيْهِ فَأَشْبَهَ مَا لَوْ بَذَلَتْ لَهُ نِصْفَهَا مَعَ طَلْعِهَا ، وَكَمَا لَوْ وَجَدَ الْعَيْنَ نَاقِصَةً فَرَضِيَ بِهَا ، وَإِنْ تَرَاضَيَا عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ ، جَازَ وَالْحُكْمُ فِي سَائِرِ الشَّجَرِ ، كَالْحُكْمِ فِي النَّخْلِ .\rوَإِخْرَاجُ النُّورِ فِي الشَّجَرِ بِمَنْزِلَةِ الطَّلْعِ الَّذِي لَمْ يُؤَبَّرْ ، وَإِنْ كَانَتْ أَرْضًا فَحَرَثَتْهَا ، فَتِلْكَ زِيَادَةٌ مَحْضَةٌ ، إنْ بَذَلَتْهَا لَهُ بِزِيَادَتِهَا ، لَزِمَهُ قَبُولُهَا ، كَالزِّيَادَاتِ الْمُتَّصِلَةِ كُلِّهَا","part":15,"page":379},{"id":7379,"text":"، وَإِنْ لَمْ تَبْذُلْهَا ، دَفَعَتْ نِصْفَ قِيمَتِهَا .\rوَإِنْ زَرَعَتْهَا ، فَحُكْمُهَا حُكْمُ النَّخْلِ إذَا أَطْلَعَتْ إلَّا فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ ، وَهُوَ أَنَّهَا إذَا بَذَلَتْ نِصْفَ الْأَرْضِ مَعَ نِصْفِ الزَّرْعِ ، لَمْ يَلْزَمْهُ قَبُولُهُ ، بِخِلَافِ الطَّلْعِ مَعَ النَّخْلِ ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ الثَّمَرَةَ لَا يَنْقُصُ بِهَا الشَّجَرُ ، وَالْأَرْضُ تَنْقُصُ بِالزَّرْعِ وَتَضْعُفُ .\rالثَّانِي : أَنَّ الثَّمَرَةَ مُتَوَلِّدَةٌ مِنْ النَّخْلِ ، فَهِيَ تَابِعَةٌ لَهُ ، وَالزَّرْعُ مِلْكُهَا أَوْدَعَتْهُ فِي الْأَرْضِ ، فَلَا يُجْبَرُ عَلَى قَبُولِهِ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : يُجْبَرُ عَلَى قَبُولِهِ ، كَالطَّلْعِ سَوَاءً .\rوَقَدْ ذَكَرْنَا مَا يَقْتَضِي الْفَرْقَ .\rوَمَسَائِلُ الْغِرَاسِ كَمَسَائِلِ الزَّرْعِ .\rفَإِنْ طَلَّقَهَا بَعْدَ الْحَصَادِ ، وَلَمْ تَكُنْ الْأَرْضُ زَادَتْ وَلَا نَقَصَتْ ، رَجَعَ فِي نِصْفِهَا ، وَإِنْ نَقَصَتْ بِالزَّرْعِ أَوْ زَادَتْ بِهِ رَجَعَ فِي نِصْفِ قِيمَتِهَا ، إلَّا أَنْ يَرْضَى بِأَخْذِهَا نَاقِصَةً ، أَوْ تَرْضَى هِيَ بِبَذْلِهَا زَائِدَةً .","part":15,"page":380},{"id":7380,"text":"( 5587 ) فَصْلٌ : وَإِذَا أَصْدَقَهَا خَشَبًا فَشَقَّتْهُ أَبْوَابًا ، فَزَادَتْ قِيمَتُهُ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ الرُّجُوعُ فِي نِصْفِهِ لِزِيَادَتِهِ ، وَلَا يَلْزَمُهُ قَبُولُ نِصْفِهِ ؛ لِأَنَّهُ نَقَصَ مِنْ وَجْهٍ فَإِنَّهُ لَمْ يَبْقَ مُسْتَعِدًّا لِمَا كَانَ يَصْلُحُ لَهُ مِنْ التَّسْقِيفِ وَغَيْرِهِ .\rوَإِنْ أَصْدَقَهَا ذَهَبًا أَوْ فِضَّةً ، فَصَاغَتْهُ حُلِيًّا فَزَادَتْ قِيمَتُهُ ، فَلَهَا مَنْعُهُ مِنْ نِصْفِهِ .\rوَإِنْ بَذَلَتْ لَهُ النِّصْفَ ، لَزِمَهُ الْقَبُولُ ، لِأَنَّ الذَّهَبَ لَا يَنْقُصُ بِالصِّيَاغَةِ ، وَلَا يَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ مُسْتَعِدًّا لِمَا كَانَ يَصْلُحُ لَهُ قَبْلَ صِيَاغَتِهِ ، وَإِنْ أَصْدَقَهَا دَنَانِيرَ أَوْ دَرَاهِمَ أَوْ حُلِيًّا ، فَكَسَرَتْهُ ، ثُمَّ صَاغَتْهُ عَلَى غَيْرِ مَا كَانَ عَلَيْهِ ، لَمْ يَلْزَمْهُ قَبُولُ نِصْفِهِ ، لِأَنَّهُ نَقَصَ فِي يَدِهَا ، وَلَا يَلْزَمُهَا بَذْلُ نِصْفِهِ ؛ لِزِيَادَةِ الصِّنَاعَةِ الَّتِي أَحْدَثَتْهَا فِيهِ ، وَإِنْ عَادَتْ الدَّنَانِيرُ وَالدَّرَاهِمُ إلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ ، فَلَهُ الرُّجُوعُ فِي نِصْفِهَا ، وَلَيْسَ لَهُ طَلَبُ قِيمَتِهَا ؛ لِأَنَّهَا عَادَتْ إلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ نَقْصٍ وَلَا زِيَادَةٍ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَصْدَقَهَا عَبْدًا فَمَرِضَ ثُمَّ بَرِيءَ .\rوَإِنْ صَاغَتْ الْحُلِيَّ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا : لَهُ الرُّجُوعُ كَالدَّرَاهِمِ إذَا أُعِيدَتْ .\rوَالثَّانِي : لَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ فِي نِصْفِهِ ؛ لِأَنَّهَا جَدَّدَتْ فِيهِ صِنَاعَةً ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ صَاغَتْهُ عَلَى صِفَةٍ أُخْرَى ، وَلَوْ أَصْدَقَهَا جَارِيَةً ، فَهَزَلَتْ ثُمَّ سَمِنَتْ ، فَعَادَتْ إلَى حَالَتِهَا الْأُولَى ، فَهَلْ يَرْجِعُ فِي نِصْفِهَا ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ .","part":15,"page":381},{"id":7381,"text":"( 5588 ) فَصْلٌ : وَحُكْمُ الصَّدَاقِ حُكْمُ الْبَيْعِ ، فِي أَنَّ مَا كَانَ مَكِيلًا أَوْ مَوْزُونًا لَا يَجُوزُ لَهَا التَّصَرُّفُ فِيهِ قَبْلَ قَبْضِهِ ، وَمَا عَدَاهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى قَبْضٍ ، وَلَهَا التَّصَرُّفُ فِيهِ قَبْلَ قَبْضِهِ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : مَا كَانَ مُتَعَيِّنًا فَلَهَا التَّصَرُّفُ فِيهِ ، وَمَا لَمْ يَكُنْ مُتَعَيِّنًا ، كَالْقَفِيزِ مِنْ صُبْرَةٍ ، وَالرِّطْلِ مِنْ زَيْتٍ مِنْ دِنٍّ ، لَا تَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فِيهِ حَتَّى تَقْبِضَهُ ، كَالْمَبِيعِ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي الْمَبِيعِ رِوَايَةً أُخْرَى ، أَنَّهَا لَا تَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فِي شَيْءٍ مِنْهُ قَبْلَ قَبْضِهِ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rوَهَذَا أَصِلُ ذُكِرَ فِي الْبَيْعِ .\rوَذَكَرَ الْقَاضِي فِي مَوْضِعٍ آخِرَ أَنَّ مَا لَمْ يَنْتَقِضْ الْعَقْدُ بِهَلَاكِهِ ، كَالْمَهْرِ وَعِوَضِ الْخُلْعِ يَجُوزُ التَّصَرُّفُ فِيهِ قَبْلَ قَبْضِهِ ؛ لِأَنَّهُ بَذْلٌ لَا يَنْفَسِخُ السَّبَبُ الَّذِي مُلِكَ بِهِ بِهَلَاكِهِ ، فَجَازَ التَّصَرُّفُ فِيهِ قَبْلَ قَبْضِهِ ، كَالْوَصِيَّةِ وَالْمِيرَاثِ .\rوَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى هِبَةِ الْمَرْأَةِ زَوْجَهَا صَدَاقَهَا قَبْلَ قَبْضِهَا ، وَهُوَ نَوْعُ تَصَرُّفٍ فِيهِ ، وَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنَّ مَا جَازَ لَهَا التَّصَرُّفُ فِيهِ ، فَهُوَ مِنْ ضَمَانِهَا إنْ تَلِفَ أَوْ نَقَصَ ، وَمَا لَا تَصَرُّفَ لَهَا فِيهِ فَهُوَ مِنْ ضَمَانِ الزَّوْجِ .\rوَإِنْ مَنَعَهَا الزَّوْجُ قَبْضَهُ ، أَوْ لَمْ يُمَكِّنْهَا مِنْهُ فَهُوَ مِنْ ضَمَانِهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ ؛ لِأَنَّ يَدَهُ عَادِيَةٌ فَضَمِنَهُ كَالْغَاصِبِ .\rوَقَدْ نَقَلَ مُهَنَّا ، عَنْ أَحْمَدَ فِي رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً عَلَى هَذَا الْغُلَامِ ، فَفُقِئَتْ عَيْنُهُ ، فَقَالَ : إنْ كَانَتْ قَبَضَتْهُ ، فَهُوَ لَهَا ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ قَبَضَتْهُ ، فَهُوَ عَلَى الزَّوْجِ .\rفَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ جَعَلَهُ قَبْلَ قَبْضِهِ مِنْ ضَمَانِ الزَّوْجِ بِكُلِّ حَالٍ وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rوَكُلُّ مَوْضِعٍ قُلْنَا : هُوَ مِنْ ضَمَانِ الزَّوْجِ قَبْلَ الْقَبْضِ .\rإذَا تَلِفَ قَبْلَ قَبْضِهِ لَمْ يَبْطُلْ الصَّدَاقُ بِتَلَفِهِ ، وَيَضْمَنُهُ بِمِثْلِهِ إنْ كَانَ مِثْلِيًّا ، وَبِهَذَا قَالَ أَبُو","part":15,"page":382},{"id":7382,"text":"حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ وَقَالَ فِي الْجَدِيدِ : يَرْجِعُ إلَى مَهْرِ الْمِثْلِ لِأَنَّ تَلَفَ الْعِوَضِ يُوجِبُ الرُّجُوعَ فِي الْمُعَوَّضِ ، فَإِذَا تَعَذَّرَ رَدُّهُ رَجَعَ إلَى قِيمَتِهِ ، كَالْمَبِيعِ ، وَمَهْرُ الْمِثْلِ هُوَ الْقِيمَةُ ، فَوَجَبَ الرُّجُوعُ إلَيْهِ .\rوَلَنَا أَنَّ كُلَّ عَيْنٍ يَجِبُ تَسْلِيمُهَا مَعَ وُجُودِهَا إذَا تَلِفَتْ مَعَ بَقَاءِ سَبَبِ اسْتِحْقَاقِهَا ، فَالْوَاجِبُ بَدَلُهَا ، كَالْمَغْصُوبِ وَالْقَرْضِ وَالْعَارِيَّةِ ، وَفَارَقَ الْمَبِيعَ إذَا تَلِفَ فَإِنَّ الْبَيْعَ انْفَسَخَ ، وَزَالَ سَبَبُ الِاسْتِحْقَاقِ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّ التَّالِفَ فِي يَدِ الزَّوْجِ لَا يَخْلُو مِنْ أَرْبَعَةِ أَحْوَالٍ ؛ أَحَدُهَا ، أَنْ يَتْلَفَ بِفِعْلِهَا ، فَيَكُونُ ذَلِكَ قَبْضًا مِنْهَا ، وَيَسْقُطُ عَنْ الزَّوْجِ ضَمَانُهُ .\rوَالثَّانِي ، تَلِفَ بِفِعْلِ الزَّوْجِ ، فَهُوَ مِنْ ضَمَانِهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ ، وَيَضْمَنُهُ لَهَا بِمَا ذَكَرْنَاهُ .\rوَالثَّالِثُ ، أَتْلَفَهُ أَجْنَبِيٌّ ، فَلَهَا الْخِيَارُ بَيْنَ الرُّجُوعِ عَلَى الْأَجْنَبِيِّ بِضَمَانِهِ ، وَبَيْنَ الرُّجُوعِ عَلَى الزَّوْجِ ، وَيَرْجِعُ الزَّوْجُ عَلَى الْمُتْلِفِ .\rالرَّابِعُ ، تَلِفَ بِفِعْلِ اللَّهِ تَعَالَى ، فَهُوَ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ التَّفْصِيلِ فِي صَدْرِ الْمَسْأَلَةِ .","part":15,"page":383},{"id":7383,"text":"( 5589 ) فَصْلٌ : إذَا طَلَّقَ الْمَرْأَةَ قَبْلَ الدُّخُولِ ، وَقَدْ تَصَرَّفَتْ فِي الصَّدَاقِ بِعَقْدٍ مِنْ الْعُقُودِ ، لَمْ يَخْلُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ : أَحَدُهَا ، مَا يُزِيلُ الْمِلْكَ عَنْ الرَّقَبَةِ ، كَالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ وَالْعِتْقِ ، فَهَذَا يَمْنَعُ الرُّجُوعَ ، وَلَهُ نِصْفُ الْقِيمَةِ ؛ لِزَوَالِ مِلْكِهَا ، وَانْقِطَاعِ تَصَرُّفِهَا .\rفَإِنْ عَادَتْ الْعَيْنُ إلَيْهَا قَبْلَ طَلَاقِهَا ، ثُمَّ طَلَّقَهَا وَهِيَ فِي يَدِهَا بِحَالِهَا ، فَلَهُ الرُّجُوعُ فِي نِصْفِهَا ؛ لِأَنَّهُ وَجَدَهَا بِعَيْنِهَا ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ يُخْرِجْهَا ، وَلَا يَلْزَمُ الْوَالِدَ إذَا وَهَبَ لِوَلَدِهِ شَيْئًا فَخَرَجَ عَنْ مِلْكِهِ ، ثُمَّ عَادَ إلَيْهِ ، حَيْثُ لَا يَمْلِكُ الرُّجُوعَ فِيهِ ، لِأَنَّنَا نَمْنَعُ ذَلِكَ ، وَإِنْ سَلَّمْنَاهُ فَإِنَّ حَقَّ الْوَالِدِ سَقَطَ بِخُرُوجِهِ عَنْ يَدِ الْوَلَدِ بِكُلِّ حَالٍ ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يُطَالَبُ بِبَذْلِهِ ، وَالزَّوْجُ لَمْ يَسْقُطْ حَقُّهُ بِالْكُلِّيَّةِ ، بَلْ يَرْجِعُ بِنِصْفِ قِيمَتِهِ عِنْدَ عَدَمِهِ ، فَإِذَا وُجِدَ كَانَ الرُّجُوعُ فِي عَيْنِهِ أَوْلَى .\rوَفِي مَعْنَى هَذِهِ التَّصَرُّفَات الرَّهْنُ ، فَإِنَّهُ وَإِنْ لَمْ يُزِلْ الْمِلْكَ عَنْ الرَّقَبَةِ ، لَكِنَّهُ يُرَادُ لِلْبَيْعِ الْمُزِيلِ لِلْمِلْكِ ، وَلِذَلِكَ لَا يَجُوزُ رَهْنُ مَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ ، فَفِي الرُّجُوعِ فِي الْعَيْنِ إبْطَالٌ لِحَقِّ الْمُرْتَهِنِ مِنْ الْوَثِيقَةِ ، فَلَمْ يَجُزْ ، وَكَذَلِكَ الْكِتَابَةُ ، فَإِنَّهَا تُرَادُ لِلْعِتْقِ الْمُزِيلِ لِلْمِلْكِ ، وَهِيَ عَقْدٌ لَازِمٌ ، فَجَرَتْ مَجْرَى الرَّهْنِ .\rفَإِنْ طَلَّقَ الزَّوْجُ قَبْلَ إقْبَاضِ الْهِبَةِ أَوْ الرَّهْنِ ، أَوْ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ فِي الْبَيْعِ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا ، لَا تُجْبَرُ عَلَى رَدِّ نِصْفِهِ إلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ عَقَدَتْهُ فِي مِلْكِهَا ، فَلَمْ تَمْلِكْ إبْطَالَهُ ، كَاللَّازِمِ ، وَلِأَنَّ مِلْكَهَا قَدْ زَالَ ، فَلَمْ تَمْلِكْ الرُّجُوعَ فِيمَا لَيْسَ بِمَمْلُوكٍ لَهَا .\rوَالثَّانِي ، تُجْبَرُ عَلَى تَسْلِيمِ نِصْفِهِ ؛ لِأَنَّهَا قَادِرَةٌ عَلَى ذَلِكَ ، وَلَا زِيَادَةَ فِيهَا .\rوَلِلشَّافِعِي","part":15,"page":384},{"id":7384,"text":"قَوْلَانِ ، كَهَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ .\rفَأَمَّا إنْ طَلَّقَهَا بَعْدَ تَقْبِيضِ الْهِبَةِ وَالرَّهْنِ ، وَلُزُومِ الْبَيْعِ ، فَلَمْ يَأْخُذْ قِيمَةَ النِّصْفِ حَتَّى فُسِخَ الْبَيْعُ وَالرَّهْنُ وَالْهِبَةُ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ الرُّجُوعُ فِي نِصْفِهَا ؛ لِأَنَّ حَقَّهُ يَثْبُتُ فِي الْقِيمَةِ .\rالثَّانِي تَصَرُّفٌ غَيْرُ لَازِمٍ لَا يَنْقُلُ الْمِلْكَ ، كَالْوَصِيَّةِ وَالشَّرِكَةِ وَالْمُضَارَبَةِ فَهَذَا لَا يُبْطِلُ حَقَّ الرُّجُوعِ فِي نِصْفِهِ ، وَيَكُونُ وُجُودُ هَذَا التَّصَرُّفِ كَعَدَمِهِ ؛ لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ لَمْ يَنْقُلْ الْمِلْكَ ، وَلَمْ يَمْنَعْ الْمَالِكَ مِنْ التَّصَرُّفِ ، فَلَا يَمْنَعُ مَنْ لَهُ الرُّجُوعُ عَلَى الْمَالِكِ مِنْ الرُّجُوعِ ، كَالْإِيدَاعِ وَالْعَارِيَّةِ .\rفَأَمَّا إنْ دَبَّرَتْهُ ، فَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا يَمْنَعُ الرُّجُوعَ لِأَنَّهُ وَصِيَّةٌ ، أَوْ تَعْلِيقُ نِصْفِهِ ، وَكِلَاهُمَا لَا يَمْنَعُ الرُّجُوعَ ، وَلِأَنَّهُ لَا يَمْنَعُ الْبَيْعَ ، فَلَمْ يَمْنَعْ الرُّجُوعَ كَالْوَصِيَّةِ .\rوَلَا يُجْبَرُ الزَّوْجُ عَلَى الرُّجُوعِ فِي نِصْفِهِ ، بَلْ يُخَيَّرُ بَيْنَ ذَلِكَ وَبَيْنَ أَخْذِ نِصْفِ قِيمَتِهِ ؛ لِأَنَّ شَرِكَةَ مَنْ نِصْفُهُ مُدَبَّرٌ نَقْصٌ ، وَلَا يُؤْمَنُ أَنْ يَرْفَعَ إلَى حَاكِمٍ حَنَفِيٍّ فَيَحْكُمَ بِعِتْقِهِ .\rوَإِنْ كَانَتْ أَمَةً فَدَبَّرَتْهَا ، خُرِّجَ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ ، إنْ قُلْنَا : تُبَاعُ فِي الدَّيْنِ فَهِيَ كَالْعَبْدِ ، وَإِنْ قُلْنَا : لَا تُبَاعُ .\rلَمْ يُجْبَرْ الزَّوْجُ عَلَى الرُّجُوعِ فِي نِصْفِهَا .\rوَإِنْ كَاتَبَتْ الْأَمَةَ أَوْ الْعَبْدَ ، لَمْ يُجْبَرْ الزَّوْجُ عَلَى الرُّجُوعِ فِي الْعَبْدِ ؛ لِأَنَّهُ نَقْصٌ .\rوَإِنْ اخْتَارَ الرُّجُوعَ ، وَقُلْنَا : الْكِتَابَةُ تَمْنَعُ الْبَيْعَ .\rمَنَعَتْ الرُّجُوعَ .\rوَإِنْ قُلْنَا : لَا تَمْنَعُ الْبَيْعَ .\rاحْتَمَلَ أَنْ لَا تَمْنَعَ الرُّجُوعَ كَالتَّدْبِيرِ ، وَاحْتَمَلَ أَنْ تَمْنَعَهُ ؛ لِأَنَّ الْكِتَابَةَ عَقْدٌ لَازِمٌ يُرَادُ لِإِزَالَةِ الْمِلْكِ ، فَمَنَعْت الرُّجُوعَ كَالرَّهْنِ .\rالثَّالِثُ : تَصَرُّفٌ لَازِمٌ لَا يُرَادُ لِإِزَالَةِ الْمِلْكِ ، كَالْإِجَارَةِ وَالتَّزْوِيجِ ، فَهَذَا نَقْصٌ ، فَيَتَخَيَّرُ بَيْنَ","part":15,"page":385},{"id":7385,"text":"أَنْ يَرْجِعَ فِي نِصْفِهِ نَاقِصًا ؛ لِأَنَّهُ رَضِيَ بِحَقِّهِ نَاقِصًا ، وَبَيْنَ الرُّجُوعِ فِي نِصْفِ قِيمَتِهِ ، فَإِنْ رَجَعَ فِي نِصْفِ الْمُسْتَأْجَرِ ، صَبَرَ حَتَّى تَنْفَسِخَ الْإِجَارَةُ .\rفَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ قُلْتُمْ فِي الطَّلْعِ الْحَادِثِ فِي النَّخْلِ : إذَا قَالَ : أَنَا أَصْبِرُ حَتَّى تَنْتَهِيَ الثَّمَرَةُ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ قُلْنَا : الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ تَكُونُ الْمِنَّةُ لَهُ ، فَلَا يَلْزَمُهَا قَبُولُ مِنَّتِهِ ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا ، وَلِأَنَّ ذَلِكَ يُؤَدِّي إلَى التَّنَازُعِ فِي سَقْيِ الثَّمَرَةِ ، وَوَقْتِ جُذَاذِهَا ، وَقَطْعِهَا لِخَوْفِ الْعَطَشِ أَوْ غَيْرِهِ ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا .","part":15,"page":386},{"id":7386,"text":"( 5590 ) فَصْلٌ : فَإِنْ أَصْدَقَهَا شِقْصًا ، فَهَلْ لِلشَّفِيعِ أَخْذُهُ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ : فَإِنْ قُلْنَا : لَهُ أَخْذُهُ .\rفَأَخَذَهُ ، ثُمَّ طَلَّقَ الزَّوْجُ ، رَجَعَ فِي نِصْفِ قِيمَتِهِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ زَالَ مِلْكُهَا عَنْهُ ، وَإِنْ طَلَّقَهَا قَبْلَ أَخْذِهِ بِالشُّفْعَةِ ، وَطَالَبَ الشَّفِيعُ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا : يُقَدَّمُ الشَّفِيعُ ؛ لِأَنَّ حَقَّهُ أَسْبَقُ ، فَإِنَّهُ ثَبَتَ بِالنِّكَاحِ ، وَحَقُّ الزَّوْجِ ثَبَتَ بِالطَّلَاقِ وَلِأَنَّ الزَّوْجَ يَرْجِعُ إلَى بَدَلِهِ وَهُوَ نِصْفُ الْقِيمَةِ ، وَحَقُّ الشَّفِيعِ إذَا بَطَلَ بَطَلِ إلَى غَيْرِ بَدَلٍ .\rوَالثَّانِي : يُقَدَّمُ الزَّوْجُ ؛ لِأَنَّ حَقَّهُ آكَدُ ، فَإِنَّهُ ثَبَتَ بِنَصِّ الْقُرْآن وَالْإِجْمَاعِ ، وَحَقُّ الشُّفْعَةِ مُجْتَهَدٌ فِيهِ ، غَيْرُ مُجْمَعٍ عَلَيْهِ ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ لِلشَّفِيعِ أَخْذُ النِّصْفِ الْبَاقِي بِنِصْفِ مَا كَانَ يَأْخُذُ بِهِ الْجَمِيعَ .","part":15,"page":387},{"id":7387,"text":"( 5591 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ وَإِذَا اخْتَلَفَا فِي الصَّدَاقِ بَعْدَ الْعَقْدِ فِي قَدْرِهِ ، وَلَا بَيِّنَةَ عَلَى مَبْلَغِهِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا مَا ادَّعَتْ مَهْرَ مِثْلِهَا .\rوَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الزَّوْجَيْنِ إذَا اخْتَلَفَا فِي قَدْرِ الْمَهْرِ ، وَلَا بَيِّنَةَ عَلَى مَبْلَغِهِ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ يَدَّعِي مَهْرَ الْمِثْلِ مِنْهُمَا ؛ فَإِنْ ادَّعَتْ الْمَرْأَةُ مَهْرَ مِثْلِهَا أَوْ أَقَلَّ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا ، وَإِنْ ادَّعَى الزَّوْجُ مَهْرَ الْمِثْلِ أَوْ أَكْثَرَ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَعَنْ الْحَسَنِ وَالنَّخَعِيِّ ، وَحَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ ، وَأَبِي عُبَيْدٍ نَحْوُهُ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى ، أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الزَّوْجِ بِكُلِّ حَالٍ .\rوَهَذَا قَوْلُ الشَّعْبِيِّ ، وَابْنِ أَبِي لَيْلَى ، وَابْنِ شُبْرُمَةَ ، وَأَبِي ثَوْرٍ .\rوَبِهِ قَالَ أَبُو يُوسُفَ إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ مُسْتَنْكَرًا ، وَهُوَ أَنْ يَدَّعِيَ مَهْرًا لَا يَتَزَوَّجُ بِمِثْلِهِ فِي الْعَادَةِ ، لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ لِلزِّيَادَةِ ، وَمُدَّعَى عَلَيْهِ ، فَيَدْخُلُ تَحْتَ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ { وَلَكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ } وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يَتَحَالَفَانِ ، فَإِنْ حَلَفَ أَحَدُهُمَا وَنَكِلَ الْآخِرُ ، ثَبَتَ مَا قَالَهُ ، وَإِنْ حَلَفَا وَجَبَ مَهْرُ الْمِثْلِ .\rوَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيُّ لِأَنَّهُمَا اخْتَلَفَا فِي الْعِوَضِ الْمُسْتَحَقِّ فِي الْعَقْدِ ، وَلَا بَيِّنَةَ ، فَيَتَحَالَفَانِ قِيَاسًا عَلَى الْمُتَبَايِعَيْنِ إذَا اخْتَلَفَا فِي الثَّمَنِ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : إنْ كَانَ الِاخْتِلَافُ قَبْلَ الدُّخُولِ ، تَحَالَفَا وَفُسِخَ النِّكَاحُ ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الزَّوْجِ .\rوَبَنَاهُ عَلَى أَصْلِهِ فِي الْبَيْعِ ؛ فَإِنَّهُ يُفَرِّقُ فِي التَّحَالُفِ بَيْنَ مَا قَبْلَ الْقَبْضِ وَبَعْدَهُ ، وَلِأَنَّهَا إذَا أَسْلَمَتْ نَفْسَهَا بِغَيْرِ إشْهَادٍ ، فَقَدْ رَضِيَتْ بِأَمَانَتِهِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الظَّاهِرَ قَوْلُ مَنْ يَدَّعِي مَهْرَ الْمِثْلِ ، فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ ، قِيَاسًا عَلَى الْمُنْكِرِ فِي سَائِرِ الدَّعَاوَى ، وَعَلَى الْمُودَعِ إذَا","part":15,"page":388},{"id":7388,"text":"ادَّعَى التَّلَفَ أَوْ الرَّدَّ وَلِأَنَّهُ عَقْدٌ لَا يَنْفَسِخُ بِالتَّحَالُفِ فَلَا يُشْرَعُ فِيهِ كَالْعَفْوِ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ وَلِأَنَّ الْقَوْلَ بِالتَّحَالُفِ يُفْضِي إلَى إيجَابِ أَكْثَرِ مِمَّا يَدَّعِيهِ أَوْ أَقَلِّ مِمَّا يُقِرُّ لَهَا بِهِ فَإِنَّهَا إذَا كَانَ مَهْرُ مِثْلِهَا مِائَةً فَادَّعَتْ ثَمَانِينَ وَقَالَ : بَلْ هُوَ خَمْسُونَ أَوْجَبَ لَهَا عِشْرِينَ يَتَّفِقَانِ عَلَى أَنَّهَا غَيْرُ وَاجِبَةٍ .\rوَلَوْ ادَّعَتْ مِائَتَيْنِ ، وَقَالَ : بَلْ هُوَ مِائَةٌ وَخَمْسُونَ وَمَهْرُ مِثْلِهَا مِائَةٌ ، فَأَوْجَبَ مِائَةً لَأَسْقَطَ خَمْسِينَ يَتَّفِقَانِ عَلَى وُجُوبِهَا .\rوَلِأَنَّ مَهْرَ الْمِثْلِ إنْ لَمْ يُوَافِقْ دَعْوَى أَحَدِهِمَا ، لَمْ يَجُزْ إيجَابُهُ ؛ لِاتِّفَاقِهِمَا عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ مَا أَوْجَبَهُ الْعَقْدُ ، وَإِنْ وَافَقَ قَوْلَ أَحَدِهِمَا ، فَلَا حَاجَةَ فِي إيجَابِهِ إلَى يَمِينِ مَنْ يَنْفِيهِ ؛ لِأَنَّهَا لَا تُؤَثِّرُ فِي إيجَابِهِ ، وَفَارَقَ الْبَيْعَ ؛ فَإِنَّهُ يَنْفَسِخُ بِالتَّحَالُفِ ، وَيَرْجِعُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي مَالِهِ .\rوَمَا ادَّعَاهُ مَالِكٌ مِنْ أَنَّهَا اسْتَأْمَنَتْهُ ، لَا يَصِحُّ ؛ فَإِنَّهَا لَمْ تَجْعَلْهُ أَمِينَهَا ، وَلَوْ كَانَ أَمِينًا لَهَا لَوَجَبَ أَنْ تَكُونَ أَمِينَةً لَهُ ، حِينَ لَمْ يُشْهِدْ عَلَيْهَا ، عَلَى أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ الِاخْتِلَافِ عَدَمُ الْإِشْهَادِ ، فَقَدْ تَكُونُ بَيْنَهُمَا بَيِّنَةٌ ، فَتَمُوتُ أَوْ تَغِيبُ أَوْ تَنْسَى الشَّهَادَةَ ، إذَا ثَبَتَ هَذَا فَكُلُّ مَنْ قُلْنَا : الْقَوْلُ قَوْلُهُ فَهُوَ مَعَ يَمِينِهِ ؛ لِأَنَّهُ اخْتِلَافٌ فِيمَا يَجُوزُ بَذْلُهُ ، تُشْرَعُ فِيهِ الْيَمِينُ ، كَسَائِرِ الدَّعَاوَى فِي الْأَمْوَالِ .\rوَحُكِيَ عَنْ الْقَاضِي ، أَنَّ الْيَمِينَ لَا تُشْرَعُ فِي الْأَحْوَالِ كُلِّهَا ؛ لِأَنَّهَا دَعْوَى فِي النِّكَاحِ .","part":15,"page":389},{"id":7389,"text":"( 5592 ) فَصْلٌ : فَإِنْ ادَّعَى أَقَلَّ مِنْ مَهْرِ الْمِثْلِ ، وَادَّعَتْ هِيَ أَكْثَرَ مِنْهُ رُدَّ ، إلَى مَهْرِ الْمِثْلِ .\rوَلَمْ يَذْكُرْ أَصْحَابُنَا يَمِينًا .\rوَالْأَوْلَى أَنْ يَتَحَالَفَا ؛ فَإِنَّ مَا يَقُولُهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُحْتَمِلٌ لِلصِّحَّةِ ، فَلَا يَعْدِلُ عَنْهُ إلَّا بِيَمِينِ مِنْ صَاحِبِهِ ، كَالْمُنْكِرِ فِي سَائِرِ الدَّعَاوَى ، وَلِأَنَّهُمَا تَسَاوَيَا فِي عَدَمِ الظُّهُورِ ، فَيُشْرَعُ التَّحَالُفُ ، كَمَا لَوْ اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ .\rوَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَالْبَاقُونَ عَلَى أُصُولِهِمْ .","part":15,"page":390},{"id":7390,"text":"( 5593 ) فَصْلٌ : فَإِنْ قَالَ : تَزَوَّجْتُك عَلَى هَذَا الْعَبْدِ .\rفَقَالَتْ : بَلْ عَلَى هَذِهِ الْأَمَةِ .\rوَكَانَتْ قِيمَةُ الْعَبْدِ مَهْرَ الْمِثْلِ ، أَوْ أَكْثَرَ ، وَقِيمَةُ الْأَمَةِ فَوْقَ ذَلِكَ ، حَلَفَ الزَّوْجُ وَوَجَبَتْ لَهَا قِيمَةُ الْعَبْدِ ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ يُوَافِقُ الظَّاهِرَ ، وَلَا تَجِبُ عَيْنُ الْعَبْدِ ، لِئَلَّا يَدْخُلَ فِي مِلْكِهَا مَا يُنْكِرُهُ وَإِنْ كَانَ قِيمَةُ الْأَمَةِ مَهْرَ الْمِثْلِ ، أَوْ أَقَلَّ ، وَقِيمَةُ الْعَبْدِ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الزَّوْجَةِ مَعَ يَمِينِهَا .\rوَهَلْ تَجِبُ الْأَمَةُ أَوْ قِيمَتُهَا ؟ فِيهِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا : تَجِبُ عَيْنُ الْأَمَةِ ؛ لِأَنَّنَا قَبِلْنَا قَوْلَهَا فِي الْقَدْرِ ، فَكَذَلِكَ فِي الْعَيْنِ ، وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ إدْخَالُ مَا يُنْكِرُهُ فِي مِلْكِهَا .\rوَالثَّانِي ، تَجِبُ لَهَا قِيمَتُهَا ، لِأَنَّ قَوْلَهَا إنَّمَا وَافَقَ الظَّاهِرَ فِي الْقَدْرِ لَا فِي الْعَيْنِ ، فَأَوْجَبْنَا لَهَا مَا وَافَقَتْ الظَّاهِرَ فِيهِ ، وَإِنْ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَدْرَ مَهْرِ الْمِثْلِ ، أَوْ كَانَ الْعَبْدُ أَقَلَّ مِنْ مَهْرِ الْمِثْلِ ، وَالْأَمَةُ أَكْثَرَ مِنْهُ ، وَجَبَ مَهْرُ الْمِثْلِ إذَا تَحَالَفَا .\rوَظَاهِرُ قَوْلِ الْقَاضِي أَنَّ الْيَمِينَ لَا يُشْرَعُ فِي هَذَا كُلِّهِ .","part":15,"page":391},{"id":7391,"text":"( 5594 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ وَإِنْ أَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ لَهَا عَلَيْهِ صَدَاقٌ ، فَالْقَوْلُ أَيْضًا قَوْلُهَا قَبْلَ الدُّخُولِ وَبَعْدَهُ ، مَا ادَّعَتْ مَهْرَ مِثْلِهَا ، إلَّا أَنْ يَأْتِيَ بِبَيِّنَةٍ تُبْرِئُهُ مِنْهُ .\rوَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الزَّوْجَ إذَا أَنْكَرَ صَدَاقَ امْرَأَتِهِ ، وَادَّعَتْ ذَلِكَ عَلَيْهِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا فِيمَا يُوَافِقُ مَهْرَ مِثْلِهَا ، سَوَاءٌ ادَّعَى أَنَّهُ وَفَّى مَا لَهَا ، أَوْ أَبْرَأَتْهُ مِنْهُ ، أَوْ قَالَ : لَا تَسْتَحِقُّ عَلَيَّ شَيْئًا .\rوَسَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ الدُّخُولِ أَوْ بَعْدَهُ ، وَبِهِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَالشَّعْبِيُّ وَابْنُ شُبْرُمَةَ ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَحُكِيَ عَنْ فُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ السَّبْعَةِ أَنَّهُمْ قَالُوا : إنْ كَانَ بَعْدَ الدُّخُولِ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الزَّوْجِ ، وَالدُّخُولُ بِالْمَرْأَةِ يَقْطَعُ الصَّدَاقَ .\rوَبِهِ قَالَ مَالِكٌ قَالَ أَصْحَابُهُ : إنَّمَا قَالَ ذَلِكَ إذَا كَانَتْ الْعَادَةُ تَعْجِيلَ الصَّدَاقِ ، كَمَا كَانَ بِالْمَدِينَةِ ، أَوْ كَانَ الْخِلَافُ فِيمَا تُعَجِّلُ مِنْهُ فِي الْعَادَةِ ؛ لِأَنَّهَا لَا تُسَلِّمُ نَفْسَهَا فِي الْعَادَةِ إلَّا بِقَبْضِهِ ، فَكَانَ الظَّاهِرُ مَعَهُ .\rوَلَنَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ } وَلِأَنَّهُ ادَّعَى تَسْلِيمَ الْحَقِّ الَّذِي عَلَيْهِ فَلَمْ يُقْبَلْ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ ، كَمَا لَوْ ادَّعَى تَسْلِيمَ الثَّمَنِ ، أَوْ كَمَا قَبْلَ الدُّخُولِ .","part":15,"page":392},{"id":7392,"text":"( 5595 ) فَصْلٌ : فَإِنْ دَفَعَ إلَيْهَا أَلْفًا ثُمَّ اخْتَلَفَا ، فَقَالَ : دَفَعْتهَا إلَيْك صَدَاقًا .\rوَقَالَتْ : بَلْ هِبَةً فَإِنْ كَانَ اخْتِلَافُهُمَا فِي نِيَّتِهِ كَأَنْ قَالَتْ : قَصَدْت الْهِبَةَ .\rوَقَالَ : قَصَدْت دَفْعَ الصَّدَاقِ .\rفَالْقَوْلُ قَوْلُ الزَّوْجِ بِلَا يَمِينٍ ؛ لِأَنَّهُ أَعْلَمُ بِمَا نَوَاهُ ، وَلَا تَطَّلِعُ الْمَرْأَةُ عَلَى نِيَّتِهِ ، وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي لَفْظِهِ ، فَقَالَتْ : قَدْ قُلْت خُذِي هَذَا هِبَةً أَوْ هَدِيَّةً .\rفَأَنْكَرَ ذَلِكَ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ ؛ لِأَنَّهَا تَدَّعِي عَقْدًا عَلَى مِلْكِهِ ، وَهُوَ يُنْكِرُهُ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ ادَّعَتْ عَلَيْهِ بَيْعَ مِلْكِهِ لَهَا ، لَكِنْ إنْ كَانَ الْمَدْفُوعُ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ ، كَأَنْ أَصْدَقَهَا دَرَاهِمَ ، فَدَفَعَ إلَيْهَا عِوَضًا ، ثُمَّ اخْتَلَفَا ، وَحَلَفَ أَنَّهُ دَفَعَ إلَيْهَا ذَلِكَ مِنْ صَدَاقِهَا ، فَلِلْمَرْأَةِ رَدُّ الْعَرْضِ ، وَمُطَالَبَتُهُ بِصَدَاقِهَا .\rقَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ الْفَضْلِ بْنِ زِيَادٍ ، فِي رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً عَلَى صَدَاقِ أَلْفٍ ، فَبَعَثَ إلَيْهَا بِقِيمَتِهِ مَتَاعًا وَثِيَابًا ، وَلَمْ يُخْبِرْهُمْ أَنَّهُ مِنْ الصَّدَاقِ ، فَلَمَّا دَخَلَ سَأَلَتْهُ الصَّدَاقَ ، فَقَالَ لَهَا : قَدْ بَعَثْت إلَيْك بِهَذَا الْمَتَاعِ ، وَاحْتَسَبْتُهُ مِنْ الصَّدَاقِ .\rفَقَالَتْ الْمَرْأَةُ : صَدَاقِي دَرَاهِمُ : تَرُدُّ الثِّيَابَ وَالْمَتَاعَ ، وَتَرْجِعُ عَلَيْهِ بِصَدَاقِهَا .\rفَهَذِهِ الرِّوَايَةُ إذَا لَمْ يُخْبِرْهُمْ أَنَّهُ صَدَاقٌ ، فَأَمَّا إذَا ادَّعَى أَنَّهَا احْتَسَبَتْ بِهِ مِنْ الصَّدَاقِ ، وَادَّعَتْ هِيَ أَنَّهُ قَالَ : هُوَ هِبَةٌ .\rفَيَنْبَغِي أَنْ يَحْلِفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ، وَيَتَرَاجَعَانِ بِمَا لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا .\rوَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ ، أَنَّهُ قَالَ إنْ كَانَ مِمَّا جَرَتْ الْعَادَةُ بِهَدِيَّتِهِ ، كَالثَّوْبِ وَالْخَاتَمِ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مَعَهَا ، وَإِلَّا فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ .\rوَلَنَا أَنَّهُمَا اخْتَلَفَا فِي صِفَةِ انْتِقَالِ مِلْكِهِ إلَى يَدِهَا ، فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمَالِكِ ، كَمَا لَوْ قَالَ : أَوْدَعْتُك","part":15,"page":393},{"id":7393,"text":"هَذِهِ الْعَيْنَ .\rقَالَتْ : بَلْ وَهَبْتهَا .","part":15,"page":394},{"id":7394,"text":"( 5596 ) فَصْلٌ : إذَا مَاتَ الزَّوْجَانِ ، وَاخْتَلَفَ وَرَثَتُهُمَا ، قَامَ وَرَثَةُ كُلِّ إنْسَانٍ مَقَامَهُ ، إلَّا أَنَّ مَنْ يَحْلِفُ مِنْهُمْ عَلَى الْإِثْبَاتِ يَحْلِفُ عَلَى الْبَتِّ ، وَمَنْ يَحْلِفُ عَلَى النَّفْي يَحْلِفُ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ ؛ لِأَنَّهُ يَحْلِفُ عَلَى نَفْيِ فِعْلِ الْغَيْرِ .\rوَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إنْ مَاتَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ فَكَذَلِكَ ، وَإِنْ مَاتَ الزَّوْجَانِ ، فَادَّعَى وَرَثَةُ الْمَرْأَةِ التَّسْمِيَةَ ، وَأَنْكَرَهَا وَرَثَةُ الزَّوْجِ جُمْلَةً ، لَمْ يُحْكَمْ عَلَيْهِمْ بِشَيْءٍ .\rقَالَ أَصْحَابُهُ : إنَّمَا قَالَ ذَلِكَ إذَا تَقَادَمَ الْعَهْدُ ؛ لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ الرُّجُوعُ إلَى مَهْرِ الْمِثْلِ ، لِأَنَّهُ تُعْتَبَرُ فِيهِ الصِّفَاتُ وَالْأَوْقَاتُ .\rوَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ : يُقْضَى بِمَهْرِ الْمِثْلِ .\rوَقَالَ زُفَرُ : بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ ؛ لِأَنَّهُ أَقَلُّ الصَّدَاقِ .\rوَلَنَا أَنَّ مَا اخْتَلَفَ فِيهِ الْمُتَعَاقِدَانِ ، قَامَ وَرَثَتُهُمَا مَقَامَهُمَا ، كَالْمُتَبَايِعِينَ .\rوَمَا ذَكَرُوهُ لَيْسَ بِصَحِيحِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَسْقُطُ الْحَقُّ لَتَقَادَمَ الْعَهْدِ ، وَلَا يَتَعَذَّر الرُّجُوعُ فِي ذَلِكَ ، كَقِيَمِ سَائِرِ الْمُتْلَفَاتِ .","part":15,"page":395},{"id":7395,"text":"( 5597 ) فَصْلٌ : وَإِنْ اخْتَلَفَ الزَّوْجُ وَأَبُو الصَّغِيرَةِ وَالْمَجْنُونَةِ ، قَامَ الْأَبُ مَقَامَ الزَّوْجَةِ فِي الْيَمِينِ ؛ لِأَنَّهُ يَحْلِفُ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ ، وَلِأَنَّ قَوْلَهُ مَقْبُولٌ فِيمَا اعْتَرَفَ بِهِ مِنْ الصَّدَاقِ ، فَسُمِعَتْ يَمِينُهُ فِيهِ ، كَالزَّوْجَةِ ، فَإِنْ لَمْ يَحْلِفْ حَتَّى بَلَغَتْ وَعَقَلَتْ ، فَالْيَمِينُ عَلَيْهَا دُونَهُ ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهَا ، وَإِنَّمَا يَحْلِفُ هُوَ لِتَعَذُّرِ الْيَمِينِ مِنْ جِهَتِهَا ، فَإِذَا أَمْكَنَ فِي حَقِّهَا ، صَارَتْ الْيَمِينُ عَلَيْهَا ، كَالْوَصِيِّ إذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ قُبِلَ يَمِينُهُ فِيمَا يَحْلِفُ فِيهِ .\rفَأَمَّا أَبُو الْبِكْرِ الْبَالِغَةِ الْعَاقِلَةِ ، فَلَا تُسْمَعُ مُخَالَفَتُهُ ؛ لِأَنَّ الْكَبِيرَةَ قَوْلُهَا مَقْبُولٌ فِي الصَّدَاقِ ، وَالْحَقُّ لَهَا دُونَهُ .\rوَأَمَّا سَائِرُ الْأَوْلِيَاءِ ، فَلَيْسَ لَهُ تَزْوِيجُ صَغِيرَةٍ ، إلَّا عَلَى رِوَايَةٍ فِي بِنْتِ تِسْعٍ ، وَلَيْسَ لَهُمْ أَنْ يُزَوِّجُوا بِدُونِ مَهْرِ الْمِثْلِ .\rوَلَوْ زَوَّجُوهَا بِدُونِ مَهْرِ الْمِثْلِ ، ثَبَتَ مَهْرُ الْمِثْلِ مِنْ غَيْرِ يَمِينٍ .\rفَإِنْ ادَّعَى أَنَّهُ زَوَّجَهَا بِأَكْثَرَ مِنْ مَهْرِ مِثْلِهَا ، فَالْيَمِينُ عَلَى الزَّوْجِ لِأَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُهُ فِي قَدْرِ مَهْرِ الْمِثْلِ .","part":15,"page":396},{"id":7396,"text":"( 5598 ) فَصْلٌ : إذَا أَنْكَرَ الزَّوْجُ تَسْمِيَةَ الصَّدَاقِ ، وَادَّعَى أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا بِغَيْرِ صَدَاقٍ ، فَإِنْ كَانَ بَعْدَ الدُّخُولِ نَظَرْنَا فَإِنْ ادَّعَتْ الْمَرْأَةُ مَهْرَ الْمِثْلِ أَوْ دُونَهُ وَجَبَ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ يَمِينٍ ؛ لِأَنَّهَا لَوْ صَدَّقَتْهُ فِي ذَلِكَ لَوَجَبَ مَهْرُ الْمِثْلِ ، فَلَا فَائِدَةَ فِي الِاخْتِلَافِ ، وَإِنْ ادَّعَتْ أَقَلَّ مِنْ مَهْرِ الْمِثْلِ ، فَهِيَ مُقِرَّةٌ بِنَقْصِهَا عَمَّا يَجِبُ لَهَا بِدَعْوَى الزَّوْجِ ، فَيَجِبُ أَنْ يُقْبَلَ قَوْلُهَا بِغَيْرِ يَمِينٍ ، وَإِنْ ادَّعَتْ أَكْثَرَ مِنْ مَهْرِ الْمِثْلِ ، لَزِمَتْهُ الْيَمِينُ عَلَى نَفْيِ ، ذَلِكَ وَيَجِبُ لَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ .\rوَإِنْ كَانَ اخْتِلَافُهُمَا قَبْلَ الدُّخُولِ انْبَنَى عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِيمَا إذَا اخْتَلَفَا فِي قَدْرِ الصَّدَاقِ ، فَإِنْ قُلْنَا : الْقَوْلُ قَوْلُ الزَّوْجِ .\rفَلَهَا الْمُتْعَةُ ، وَإِنْ قُلْنَا : الْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ يَدَّعِي مَهْرَ الْمِثْلِ .\rقُبِلَ قَوْلُهَا مَا ادَّعَتْ مَهْرَ مِثْلِهَا .\rهَذَا إذَا طَلَّقَهَا ، وَإِنْ لَمْ يُطَلِّقْهَا ، فُرِضَ لَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ ، وَكُلُّ مَنْ قُلْنَا : الْقَوْلُ قَوْلُهُ .\rفَعَلَيْهِ الْيَمِينُ .","part":15,"page":397},{"id":7397,"text":"( 5599 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : وَإِذَا تَزَوَّجَهَا بِغَيْرِ صَدَاقٍ ، لَمْ يَكُنْ لَهَا عَلَيْهِ إذَا طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ إلَّا الْمُتْعَةُ .\rوَجُمْلَتُهُ أَنَّ النِّكَاحَ يَصِحُّ مِنْ غَيْرِ تَسْمِيَةِ صَدَاقٍ ، فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rوَقَدْ دَلَّ عَلَى هَذَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى { لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إنْ طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً } وَمَتِّعُوهُنَّ وَرُوِيَ { أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً ، وَلَمْ يَفْرِضْ لَهَا صَدَاقًا ، وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا حَتَّى مَاتَ ، فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ : لَهَا صَدَاقُ نِسَائِهَا ، لَا وَكْسَ وَلَا شَطَطَ ، وَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ ، وَلَهَا الْمِيرَاثُ .\rفَقَامَ مَعْقِلُ بْنُ سِنَانٍ الْأَشْجَعِيُّ ، فَقَالَ : قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بِرْوَعَ بِنْتِ وَاشِقٍ ، امْرَأَةٍ مِنَّا مِثْلَ مَا قَضَيْت } أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَقَالَ : حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ، وَلِأَنَّ الْقَصْدَ مِنْ النِّكَاحِ الْوَصْلَةُ وَالِاسْتِمْتَاعُ دُونَ الصَّدَاقِ فَصَحَّ مِنْ غَيْرِهِ ذِكْرُهُ كَالنَّفَقَةِ .\rوَسَوَاءٌ تَرَكَا ذِكْرَ الْمَهْرِ ، أَوْ شَرَطَا نَفْيَهُ ، مِثْلُ أَنْ يَقُولَ : زَوَّجْتُك بِغَيْرِ مَهْرٍ .\rفَيَقْبَلُهُ كَذَلِكَ .\rوَلَوْ قَالَ : زَوَّجْتُك بِغَيْرِ مَهْرٍ فِي الْحَالِ ، وَلَا فِي الثَّانِي .\rصَحَّ أَيْضًا .\rوَقَالَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ : لَا يَصِحُّ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ ، لِأَنَّهَا تَكُونُ كَالْمَوْهُوبَةِ .\rوَلَيْسَ بِصَحِيحِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ صَحَّ فِيمَا إذَا قَالَ : زَوَّجْتُك بِغَيْرِ مَهْرٍ .\rفَيَصِحُّ هَاهُنَا ؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ ، وَمَا صَحَّ فِي إحْدَى الصُّورَتَيْنِ الْمُتَسَاوِيَتَيْنِ ، صَحَّ فِي الْأُخْرَى .\rوَلَيْسَتْ كَالْمَوْهُوبَةِ ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ يَفْسُدُ ، وَيَجِبُ الْمَهْرُ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّ الْمُزَوَّجَةَ بِغَيْرِ مَهْرٍ تُسَمَّى مُفَوِّضَةً ، بِكَسْرِ الْوَاو وَفَتْحِهَا ، فَمِنْ كَسَرَ أَضَافَ الْفِعْلَ إلَيْهَا عَلَى أَنَّهَا فَاعِلَةٌ ، مِثْلُ مُقَوِّمَةٍ ، وَمِنْ فَتَحَ أَضَافَهُ إلَى وَلِيِّهَا .\rوَمَعْنَى","part":15,"page":398},{"id":7398,"text":"التَّفْوِيضِ الْإِهْمَالُ ، كَأَنَّهَا أَهْمَلَتْ أَمْرَ الْمَهْرِ ، حَيْثُ لَمْ تُسَمِّهِ ؛ وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِر : لَا يُصْلِحُ النَّاسَ فَوْضَى لَا سَرَاةَ لَهُمْ وَلَا سَرَاةَ إذَا جُهَّالُهُمْ سَادُوا يَعْنِي مُهْمَلِينَ .\rوَالتَّفْوِيضُ عَلَى ضَرْبَيْنِ ؛ تَفْوِيضُ بُضْعٍ ، وَتَفْوِيضُ مَهْرٍ .\rفَأَمَّا تَفْوِيضُ الْبُضْعِ ، فَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ الْخِرَقِيِّ ، وَفَسَّرْنَاهُ ، وَهُوَ الَّذِي يَنْصَرِفُ إلَيْهِ إطْلَاقُ التَّفْوِيضِ ، وَأَمَّا تَفْوِيضُ الْمَهْرِ ، فَهُوَ أَنْ يَجْعَلَ الصَّدَاقَ إلَى رَأْيِ أَحَدِهِمَا ، أَوْ رَأْيِ أَجْنَبِيٍّ ، فَيَقُولُ : زَوَّجْتُك عَلَى مَا شِئْت ، أَوْ عَلَى حُكْمِك أَوْ عَلَى حُكْمِي ، أَوْ حُكْمِهَا ، أَوْ حُكْمِ أَجْنَبِيٍّ .\rوَنَحْوِهِ .\rفَهَذِهِ لَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ ، فِي ظَاهِرِ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ لِأَنَّهَا لَمْ تُزَوِّجْ نَفْسَهَا إلَّا بِصَدَاقٍ ، لَكِنَّهُ مَجْهُولٌ ، فَسَقَطَ لِجَهَالَتِهِ ، وَوَجَبَ مَهْرُ الْمِثْلِ .\rوَالتَّفْوِيضُ الصَّحِيحُ ، أَنْ تَأْذَنَ الْمَرْأَةُ الْجَائِزَةُ الْأَمْرُ لِوَلِيِّهَا فِي تَزْوِيجِهَا بِغَيْرِ مَهْرٍ ، أَوْ بِتَفْوِيضِ قَدْرِهِ ، أَوْ يُزَوِّجَهَا أَبُوهَا كَذَلِكَ .\rفَأَمَّا إنْ زَوَّجَهَا غَيْرُ أَبِيهَا ، وَلَمْ يَذْكُرْ مَهْرًا ، بِغَيْرِ إذْنِهَا فِي ذَلِكَ ، فَإِنَّهُ يَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يَكُونُ التَّفْوِيضُ إلَّا فِي الصُّورَةِ الْأُولَى .\rوَقَدْ سَبَقَ الْكَلَامُ مَعَهُ فِي أَنَّ لِلْأَبِ أَنْ يُزَوِّجَ ابْنَتَهُ بِدُونِ صَدَاقِ مِثْلِهَا ، فَكَذَلِكَ يَجُوزُ تَفْوِيضُهُ .\rفَإِذَا طَلُقَتْ الْمُفَوِّضَةُ الْبُضْعَ قَبْلَ الدُّخُولِ ، فَلَيْسَ لَهَا إلَّا الْمُتْعَةُ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، فِي رِوَايَةِ جَمَاعَةٍ ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَالْحَسَنِ ، وَعَطَاءٍ ، وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ ، وَالشَّعْبِيِّ ، وَالزُّهْرِيِّ ، وَالنَّخَعِيِّ ، وَالثَّوْرِيِّ وَالشَّافِعِيِّ ، وَإِسْحَاقَ ، وَأَبِي عُبَيْدٍ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ ، رِوَايَةٌ أُخْرَى ، أَنَّ الْوَاجِبَ لَهَا نِصْفُ مَهْرِ مِثْلِهَا ؛ لِأَنَّهُ نِكَاحٌ صَحِيحٌ يُوجِبُ مَهْرَ الْمِثْلِ بَعْدَ الدُّخُولِ ، فَيُوجِبُ","part":15,"page":399},{"id":7399,"text":"نِصْفَهُ بِالطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ ، كَمَا لَوْ سَمَّى مُحَرَّمًا .\rوَقَالَ مَالِكٌ ، وَاللَّيْثُ ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى : الْمُتْعَةُ مُسْتَحَبَّةٌ غَيْرُ وَاجِبَةٍ ؛ لِأَنَّ اللَّهُ تَعَالَى قَالَ : { حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ } فَخَصَّهُمْ بِهَا فَيَدُلُّ أَنَّهَا عَلَى سَبِيلِ الْإِحْسَانِ وَالتَّفَضُّلِ ، وَالْإِحْسَانُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ ، وَلِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ وَاجِبَةً لَمْ تَخْتَصَّ الْمُحْسِنِينَ دُونَ غَيْرِهِمْ .\rوَلَنَا ، قَوْله تَعَالَى : { وَمَتِّعُوهُنَّ } .\rأَمْرٌ ، وَالْأَمْرُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ .\rوَقَالَ تَعَالَى : { وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ } .\rوَقَالَ تَعَالَى : { إذَا نَكَحْتُمْ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ } .\rوَلِأَنَّهُ طَلَاقٌ فِي نِكَاحٍ يَقْتَضِي عِوَضًا ، فَلَمْ يُعْرَ عَنْ الْعِوَضِ ، كَمَا لَوْ سَمَّى مَهْرًا .\rوَأَدَاءُ الْوَاجِبِ مِنْ الْإِحْسَانِ ، فَلَا تَعَارُضَ بَيْنَهُمَا .","part":15,"page":400},{"id":7400,"text":"( 5600 ) فَصْلٌ : فَإِنْ فَرَضَ لَهَا بَعْدَ الْعَقْدِ ، ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ ، فَلَهَا نِصْفُ مَا فَرَضَ لَهَا ، وَلَا مُتْعَةَ .\rوَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ ، وَعَطَاءٍ ، وَالشَّعْبِيِّ ، وَالنَّخَعِيِّ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي عُبَيْدٍ وَعَنْ أَحْمَدَ أَنَّ لَهَا الْمُتْعَةَ ، يَسْقُطُ الْمَهْرُ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّهُ نِكَاحٌ عَرِيَ عَنْ تَسْمِيَتِهِ ، فَوَجَبَتْ بِهِ الْمُتْعَةُ ، كَمَا لَوْ لَمْ يَفْرِضْ لَهَا .\rوَلَنَا قَوْله تَعَالَى : { وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ } .\rوَلِأَنَّهُ مَفْرُوضٌ يَسْتَقِرُّ بِالدُّخُولِ ، فَتُنَصَّفُ بِالطَّلَاقِ قَبْلَهُ كَالْمُسَمَّى فِي الْعَقْدِ .","part":15,"page":401},{"id":7401,"text":"( 5601 ) فَصْلٌ : وَمَنْ أَوْجَبَ لَهَا نِصْفَ الْمَهْرِ ، لَمْ تَجِبْ لَهَا مُتْعَةٌ ، سَوَاءٌ كَانَتْ مِمَّنْ سُمِّيَ لَهَا صَدَاقٌ أَوْ لَمْ يُسَمَّ لَهَا لَكِنْ فُرِضَ بَعْدَ الْعَقْدِ .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، فِي مَنْ سُمِّيَ لَهَا .\rوَهُوَ قَدِيمُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ : لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ مَتَاعٌ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ، وَالْحَسَنِ ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَأَبِي قِلَابَةَ ، وَالزُّهْرِيِّ ، وَقَتَادَةَ ، وَالضَّحَّاكِ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ؛ لِظَاهِرِ قَوْله تَعَالَى { وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ } .\rوَلِقَوْلِهِ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ : عَلَيْهِ السَّلَامُ { قُلْ لِأَزْوَاجِكَ } إلَى قَوْلِهِ { فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا } وَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ ، لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ مَتَاعٌ ، سَوَاءٌ كَانَتْ مُفَوِّضَةً أَوْ مُسَمًّى لَهَا ، مَدْخُولًا بِهَا أَوْ غَيْرَهَا ؛ لِمَا ذَكَرْنَا .\rوَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّ الْمُتْعَةَ لَا تَجِبُ إلَّا لِلْمُفَوِّضَةِ الَّتِي لَمْ يُدْخَلْ بِهَا إذَا طَلُقَتْ .\rقَالَ أَبُو بَكْرٍ : كُلُّ مَنْ رَوَى عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ فِيمَا أَعْلَمُ ، رَوَى عَنْهُ أَنَّهُ لَا يَحْكُمُ بِالْمُتْعَةِ إلَّا لِمَنْ لَمْ يُسَمَّ لَهَا مَهْرٌ ، إلَّا حَنْبَلًا ، فَإِنَّهُ رَوَى عَنْ أَحْمَدَ أَنَّ لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ مَتَاعًا .\rقَالَ أَبُو بَكْرٍ : وَالْعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدِي لَوْلَا تَوَاتُرُ الرِّوَايَاتِ عَنْهُ بِخِلَافِهَا .\rوَلَنَا : قَوْله تَعَالَى { لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إنْ طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ } .\rثُمَّ قَالَ : { وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ } .\rفَخَصَّ الْأُولَى بِالْمُتْعَةِ ، وَالثَّانِيَةَ بِنِصْفِ الْمَفْرُوضِ ، مَعَ تَقْسِيمِهِ النِّسَاءَ قِسْمَيْنِ ، وَإِثْبَاتِهِ لِكُلِّ قِسْمٍ حُكْمًا ، فَيَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى اخْتِصَاصِ كُلِّ قِسْمٍ بِحُكْمِهِ ، وَهَذَا يَخُصُّ مَا ذَكَرُوهُ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يُحْمَلَ الْأَمْرُ","part":15,"page":402},{"id":7402,"text":"بِالْمَتَاعِ فِي غَيْرِ الْمُفَوِّضَةِ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ ؛ لِدَلَالَةِ الْآيَتَيْنِ اللَّتَيْنِ ذَكَرْنَاهُمَا عَلَى نَفْيِ وُجُوبِهَا ، جَمْعًا بَيْنَ دَلَالَةِ الْآيَاتِ وَالْمَعْنَى ، فَإِنَّهُ عِوَضٌ وَاجِبٌ فِي عَقْدٍ ، فَإِذَا سُمِّيَ فِيهِ عِوَضٌ صَحِيحٌ ، لَمْ يَجِبْ غَيْرُهُ ، كَسَائِرِ عُقُودِ الْمُعَاوَضَةِ ، وَلِأَنَّهَا لَا تَجِبُ لَهَا الْمُتْعَةُ قَبْلَ الْفُرْقَةِ ، وَلَا مَا يَقُومُ مَقَامَهَا ، فَلَمْ تَجِبْ لَهَا عِنْدَ الْفُرْقَةِ ، كَالْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا .","part":15,"page":403},{"id":7403,"text":"فَصْلٌ : وَلَوْ طَلَّقَ الْمُسَمَّى لَهَا بَعْدَ الدُّخُولِ ، أَوْ الْمُفَوِّضَةَ الْمَفْرُوضَ لَهَا بَعْدَ الدُّخُولِ ، فَلَا مُتْعَةَ لِوَاحِدَةٍ مِنْهُمَا إلَّا عَلَى رِوَايَةِ حَنْبَلٍ .\rوَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ ، وَذَكَرْنَا قَوْلَ مَنْ ذَهَبَ إلَيْهِ .\rوَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ : أَنَّهُ لَا مُتْعَةَ لَوَاحِدَةٍ مِنْهُمَا ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ .\rوَلِلشَّافِعِي قَوْلَانِ ، كَالرِّوَايَتَيْنِ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يُمَتِّعَهُمَا .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، فَقَالَ : أَنَا أُوجِبُهَا عَلَى مَنْ لَمْ يُسَمِّ لَهَا صَدَاقًا ، فَإِنْ كَانَ سَمَّى صَدَاقًا ، فَلَا أُوجِبُهَا عَلَيْهِ ، وَأَسْتَحِبُّ أَنْ يُمَتِّعَ وَإِنْ سَمَّى لَهَا صَدَاقًا .\rوَإِنَّمَا اسْتَحَبَّ ذَلِكَ لِعُمُومِ النَّصِّ الْوَارِدِ فِيهَا ، وَدَلَالَتِهَا عَلَى إيجَابِهَا .\rوَقَوْلِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَمَنْ سَمَّيْنَا مِنْ الْأَئِمَّةِ بِهَا ، فَلَمَّا امْتَنَعَ الْوُجُوبُ لِدَلَالَةِ الْآيَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ عَلَى نَفْيِ الْوُجُوبِ ، وَدَلَالَةِ الْمَعْنَى الْمَذْكُورِ عَلَيْهِ ، تَعَيَّنَ حَمْلُ الْأَدِلَّةِ الدَّالَّةِ عَلَيْهَا عَلَى الِاسْتِحْبَابِ ، أَوْ عَلَى أَنَّهُ أُرِيدَ بِهِ الْخُصُوصُ .\rوَأَمَّا الْمُتَوَفَّى عَنْهَا ، فَلَا مُتْعَةَ لَهَا بِالْإِجْمَاعِ ؛ لِأَنَّ النَّصَّ الْعَامَ لَمْ يَتَنَاوَلْهَا ، وَإِنَّمَا تَنَاوَلَ الْمُطَلَّقَاتِ ، وَلِأَنَّهَا أَخَذَتْ الْعِوَضَ الْمُسَمَّى لَهَا فِي عَقْدِ الْمُعَاوَضَةِ ، فَلَمْ يَجِبْ لَهَا بِهِ سِوَاهُ ، كَمَا فِي سَائِرِ الْعُقُودِ .","part":15,"page":404},{"id":7404,"text":"( 5603 ) فَصْلٌ : وَالْمُتْعَةُ تَجِبُ عَلَى كُلِّ زَوْجٍ ، لِكُلِّ زَوْجَةٍ مُفَوِّضَةٍ طَلُقَتْ قَبْلَ الدُّخُولِ ، وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الْحُرُّ وَالْعَبْدُ ، وَالْمُسْلِمُ وَالذِّمِّيُّ ، وَالْحُرَّةُ وَالْأَمَةُ ، وَالْمُسْلِمَةُ وَالذِّمِّيَّةُ .\rوَحُكِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ : لَا مُتْعَةَ لِلذِّمِّيَّةِ .\rوَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : إنْ كَانَ الزَّوْجَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا رَقِيقًا ، فَلَا مُتْعَةَ .\rوَلَنَا عُمُومُ النَّصِّ وَلِأَنَّهَا قَائِمَةٌ مَقَامَ نِصْفِ الْمَهْرِ فِي حَقِّ مَنْ سُمِّيَ ، فَتَجِبُ لِكُلِّ زَوْجَةٍ عَلَى كُلِّ زَوْجٍ كَنِصْفِ الْمُسَمَّى ، وَلِأَنَّ مَا يَجِبُ مِنْ الْعِوَضِ يَسْتَوِي فِيهِ الْمُسْلِمُ وَالْكَافِرُ ، وَالْحُرُّ وَالْعَبْدُ ، كَالْمَهْرِ .","part":15,"page":405},{"id":7405,"text":"( 5604 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا الْمُفَوِّضَةُ الْمَهْرَ ، وَهِيَ الَّتِي يَتَزَوَّجُهَا عَلَى مَا شَاءَ أَحَدُهُمَا ، أَوْ الَّتِي زَوَّجَهَا غَيْرُ أَبِيهَا بِغَيْرِ صَدَاقٍ بِغَيْرِ إذْنِهَا ، أَوْ الَّتِي مَهْرُهَا فَاسِدٌ ، فَإِنَّهُ يَجِبُ لَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ ، وَيَتَنَصَّفُ بِالطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ ، وَلَا مُتْعَةَ لَهَا .\rهَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ فِي الَّتِي مَهْرُهَا فَاسِدٌ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَعَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّ لَهَا الْمُتْعَةَ دُونَ نِصْفِ الْمَهْرِ ، كَالْمُفَوِّضَةِ الْبُضْعَ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ لِأَنَّهُ خَلَا عَقْدُهَا مِنْ تَسْمِيَةٍ صَحِيحَةٍ ، فَأَشْبَهَتْ الَّتِي لَمْ يُسَمِّ لَهَا شَيْءٌ .\rوَلَنَا ، أَنَّ هَذِهِ لَهَا مَهْرٌ وَاجِبٌ قَبْلَ الطَّلَاقِ ، فَوَجَبَ أَنْ يَتَنَصَّفَ ، كَمَا لَوْ سَمَّاهُ .\rأَوْ نَقُولُ : لَمْ تَرْضَ بِغَيْرِ صَدَاقٍ ، فَلَمْ تَجِبْ الْمُتْعَةُ ، كَالْمُسَمَّى لَهَا .\rوَتُفَارِقُ الَّتِي رَضِيَتْ بِغَيْرِ عِوَضٍ ؛ فَإِنَّهَا رَضِيَتْهُ بِغَيْرِ صَدَاقٍ ، وَعَادَ بُضْعُهَا سَلِيمًا ، فَعَوَّضَتْ الْمُتْعَةَ ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا .","part":15,"page":406},{"id":7406,"text":"( 5605 ) فَصْلٌ : وَكُلُّ فُرْقَةٍ يَتَنَصَّفُ بِهَا الْمُسَمَّى ، تُوجِبُ الْمُتْعَةَ ، إذَا كَانَتْ مُفَوِّضَةً ، وَمَا يَسْقُطُ بِهِ الْمُسَمَّى مِنْ الْفُرَقِ ، كَاخْتِلَافِ الدِّينِ وَالْفَسْخِ بِالرَّضَاعِ وَنَحْوِهِ ، إذَا جَاءَ مِنْ قِبَلِهَا ، لَا تَجِبُ بِهِ مُتْعَةٌ ؛ لِأَنَّهَا أُقِيمَتْ مَقَامَ نِصْفِ الْمُسَمَّى ، فَسَقَطَتْ فِي مَوْضِعٍ يَسْقُطُ ، كَمَا تَسْقُطُ الْأَبْدَالُ بِمَا يُسْقِطُ مُبْدَلَهَا .","part":15,"page":407},{"id":7407,"text":"( 5606 ) فَصْلٌ : قَالَ أَبُو دَاوُد : سَمِعْت أَحْمَدَ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً ، وَلَمْ يَكُنْ فَرَضَ لَهَا مَهْرًا ، ثُمَّ وَهَبَ لَهَا غُلَامًا ، ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ .\rقَالَ : لَهَا الْمُتْعَةُ .\rوَذَلِكَ لِأَنَّ الْهِبَةَ لَا تَنْقَضِي بِهَا الْمُتْعَةُ ، كَمَا لَا يَنْقَضِي بِهَا نِصْفُ الْمُسَمَّى ، وَلِأَنَّ الْمُتْعَةَ إنَّمَا تَجِبُ بِالطَّلَاقِ فَلَا يَصِحُّ قَضَاؤُهَا قَبْلَهُ ، وَلِأَنَّهَا وَاجِبَةٌ فَلَا تَنْقَضِي بِالْهِبَةِ ، كَالْمُسَمَّى .","part":15,"page":408},{"id":7408,"text":"( 5607 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ ، وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ ، فَأَعْلَاهُ خَادِمٌ ، وَأَدْنَاهُ كُسْوَةٌ يَجُوزُ لَهَا أَنْ تُصَلِّيَ فِيهَا ، إلَّا أَنْ يَشَاءَ هُوَ أَنْ يُزِيدَهَا ، أَوْ تَشَاءَ هِيَ أَنْ تُنْقِصَهُ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْمُتْعَةَ مُعْتَبَرَةٌ بِحَالِ الزَّوْجِ ، فِي يَسَارِهِ وَإِعْسَارِهِ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .\rوَهُوَ وَجْهٌ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ .\rوَالْوَجْهُ الْآخِرُ قَالُوا : هُوَ مُعْتَبَرٌ بِحَالِ الزَّوْجَةِ ؛ لِأَنَّ الْمَهْرَ مُعْتَبَرٌ بِهَا ، كَذَلِكَ الْمُتْعَةُ الْقَائِمَةُ مَقَامَهُ .\rوَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : يُجْزِئُ فِي الْمُتْعَةِ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الِاسْمُ ، كَمَا يُجْزِئُ فِي الصَّدَاقِ ذَلِكَ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ } وَهَذَا نَصٌّ فِي أَنَّهَا مُعْتَبَرَةٌ بِحَالِ الزَّوْجِ وَأَنَّهَا تَخْتَلِفُ ، وَلَوْ أَجْزَأَ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الِاسْمُ سَقَطَ الِاخْتِلَافُ ، وَلَوْ اُعْتُبِرَ بِحَالِ الْمَرْأَةِ لَمَا كَانَ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ ، إذَا ثَبَتَ هَذَا فَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ فِيهَا ؛ فَرُوِيَ عَنْهُ مِثْلُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ ، أَعْلَاهَا خَادِمٌ ، هَذَا إذَا كَانَ مُوسِرًا ، وَإِنْ كَانَ فَقِيرًا مَتَّعَهَا كُسْوَتَهَا دِرْعًا وَخِمَارًا وَثَوْبًا تُصَلِّي فِيهِ .\rوَنَحْوَ ذَلِكَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَالْحَسَنُ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : أَعْلَى الْمُتْعَةِ الْخَادِمُ ثُمَّ دُونَ ذَلِكَ النَّفَقَةُ ، ثُمَّ دُونَ ذَلِكَ الْكُسْوَةُ .\rوَنَحْوُ مَا ذَكَرْنَا فِي أَدْنَاهَا قَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَعَطَاءٌ ، وَمَالِكٌ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْي ، قَالُوا : دِرْعٌ وَخِمَارٌ وَمِلْحَفَةٌ .\rوَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ : يُرْجَعُ فِي تَقْدِيرِهَا إلَى الْحَاكِمِ .\rوَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ أَمْرٌ لَمْ يَرِد الشَّرْعُ بِتَقْدِيرِهِ ، وَهُوَ مِمَّا يَحْتَاجُ إلَى الِاجْتِهَادِ ، فَيَجِبُ الرُّجُوعُ فِيهِ إلَى الْحَاكِمِ ، كَسَائِرِ الْمُجْتَهَدَاتِ .\rوَذَكَرَ الْقَاضِي فِي \" الْمُجَرَّدِ \"","part":15,"page":409},{"id":7409,"text":"رِوَايَةً ثَالِثَةً : أَنَّهَا مُقَدَّرَةٌ بِمَا يُصَادِفُ نِصْفَ مَهْرِ الْمِثْلِ ؛ لِأَنَّهَا بَدَلٌ عَنْهُ .\rفَيَجِبُ أَنْ تَتَقَدَّرَ بِهِ .\rوَهَذِهِ الرِّوَايَةُ تَضْعُفُ لِوَجْهَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، أَنَّ نَصَّ الْكِتَابِ يَقْتَضِي تَقْدِيرَهَا بِحَالِ الزَّوْجِ ، وَتَقْدِيرُهَا بِنِصْفِ مَهْر الْمِثْلِ يُوجِبُ اعْتِبَارَهَا بِحَالِ الْمَرْأَةِ ؛ لِأَنَّ مَهْرَهَا مُعْتَبَرٌ بِهَا لَا بِزَوْجِهَا .\rالثَّانِي ، أَنَّا لَوْ قَدَّرْنَاهَا بِنِصْفِ الْمَهْرِ لَكَانَتْ نِصْفَ الْمَهْرِ ، إذْ لَيْسَ الْمَهْرُ مُعَيَّنًا فِي شَيْءٍ وَلَا الْمُتْعَةُ .\rوَوَجْهُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسِ : أَعْلَى الْمُتْعَةُ الْخَادِمُ ، ثُمَّ دُونَ ذَلِكَ الْكُسْوَةُ .\rرَوَاهُ أَبُو حَفْصٍ بِإِسْنَادِهِ .\rوَقَدَّرَهَا بِكُسْوَةٍ تَجُوزُ لَهَا الصَّلَاةُ فِيهَا ؛ لِأَنَّ الْكُسْوَةَ الْوَاجِبَةَ بِمُطْلَقِ الشَّرْعِ تَتَقَدَّرُ بِذَلِكَ ، كَالْكُسْوَةِ فِي الْكَفَّارَةِ ، وَالسُّتْرَةِ فِي الصَّلَاةِ .\rوَرَوَى كَنِيفُ السُّلَمِيُّ ، أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ تَمَاضُرَ الْكَلْبِيَّةَ ، فَحَمَّمَهَا بِجَارِيَةٍ سَوْدَاءَ .\rيَعْنِي مَتَّعَهَا .\rقَالَ إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ : الْعَرَبُ تُسَمِّي الْمُتْعَةَ التَّحْمِيمَ .\rوَهَذَا فِيمَا إذَا تَشَاحَّا فِي قَدْرِهَا ، فَإِنْ سَمَحَ لَهَا بِزِيَادَةٍ عَلَى الْخَادِمِ ، أَوْ رَضِيت بِأَقَلِّ مِنْ الْكُسْوَةِ ، جَازَ ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمَا ، لَا يَخْرُجُ عَنْهُمَا ، وَهُوَ مِمَّا يَجُوزُ بَذْلُهُ ، فَجَازَ مَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ ، كَالصَّدَاقِ .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، أَنَّهُ مَتَّعَ امْرَأَةً بِعَشْرَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ ، فَقَالَتْ : مَتَاعٌ قَلِيلٌ مِنْ حَبِيبٍ مُفَارِقٍ .","part":15,"page":410},{"id":7410,"text":"( 5608 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَلَوْ طَالَبَتْهُ قَبْلَ الدُّخُولِ أَنْ يَفْرِضَ لَهَا ، أُجْبِرَ عَلَى ذَلِكَ .\rفَإِنْ فَرَضَ لَهَا مَهْرَ مِثْلهَا لَمْ يَكُنْ لَهَا غَيْرُهُ ، وَكَذَلِكَ إنْ فَرَضَ لَهَا أَقَلَّ مِنْهُ فَرَضِيتَهُ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْمُفَوِّضَةَ لَهَا الْمُطَالَبَةُ بِفَرْضِ الْمَهْرِ ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ لَا يَخْلُو مِنْ الْمَهْرِ فَوَجَبَتْ لَهَا الْمُطَالَبَةُ بِبَيَانِ قَدْرِهِ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَلَا نَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا .\rفَإِنْ اتَّفَقَ الزَّوْجَانِ عَلَى فَرْضِهِ ، جَازَ مَا فَرَضَاهُ ، قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا ، سَوَاءٌ كَانَا عَالِمَيْنِ بِمَهْرِ الْمِثْلِ أَوْ غَيْرَ عَالَمِينَ بِهِ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي قَوْلٍ لَهُ : لَا يَصِحُّ الْفَرْضُ بِغَيْرِ مَهْرِ الْمِثْلِ إلَّا مَعَ عِلْمِهَا بِمَهْرِ الْمِثْلِ ؛ لِأَنَّ مَا يَفْرِضُهُ بَدَلٌ عَنْ مَهْرِ الْمِثْلِ ، فَيَحْتَاجُ أَنْ يَكُونَ الْمُبْدَلُ مَعْلُومًا .\rوَلَنَا أَنَّهُ إذَا فَرَضَ لَهَا كَثِيرًا ، فَقَدْ بَذَلَ مِنْ مَالِهِ فَوْقَ مَا يَلْزَمُهُ ، وَإِنْ رَضِيت بِالْيَسِيرِ ، فَقَدْ رَضِيت بِدُونِ مَا يَجِبُ لَهَا ، فَلَا تُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ .\rوَقَوْلُهُمْ إنَّهُ بَدَلٌ غَيْرُ صَحِيحٍ فَإِنَّ الْبَدَلَ غَيْرُ الْمُبْدَلِ ، وَالْمَفْرُوضُ إنْ كَانَ نَاقِصًا فَهُوَ بَعْضُهُ .\rوَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ فَهُوَ الْوَاجِبُ وَزِيَادَةٌ ، فَلَا يَصِحُّ جَعْلُهُ بَدَلًا ، وَلَوْ كَانَ بَدَلًا لَمَا جَازَ مَعَ الْعِلْمِ ؛ لِأَنَّهُ يُبْدِلُ مَا فِيهِ الرِّبَا بِجِنْسِهِ مُتَفَاضِلًا ، وَقَدْ رَوَى عُقْبَةُ بْنُ عَامِرِ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَرَجُلٍ { : أَتَرْضَى أَنِّي أُزَوِّجُك فُلَانَةَ ؟ قَالَ : نَعَمْ .\rوَقَالَ لِلْمَرْأَةِ : أَتَرْضِينَ أَنْ أُزَوِّجَك فُلَانًا ؟ قَالَتْ : نَعَمْ .\rفَزَوَّجَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ ، وَدَخَلَ عَلَيْهَا ، وَلَمْ يَفْرِضْ لَهَا صَدَاقًا ، فَلَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ قَالَ : إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَوَّجَنِي فُلَانَةَ ، وَلَمْ يَفْرِضْ لَهَا صَدَاقًا ، وَلَمْ أُعْطِهَا شَيْئًا ، وَإِنِّي قَدْ أَعْطَيْتهَا عَنْ صَدَاقِهَا سَهْمِي بِخَيْبَرَ","part":15,"page":411},{"id":7411,"text":"، فَأَخَذَتْ سَهْمَهُ ، فَبَاعَتْهُ بِمِائَةِ أَلْفٍ .\r} فَأَمَّا إنْ تَشَاحَّا فِيهِ ، فَفَرَضَ لَهَا مَهْرَ مِثْلِهَا ، أَوْ أَكْثَرَ مِنْهُ ، فَلَيْسَ لَهَا الْمُطَالَبَةُ بِسِوَاهُ .\rفَإِنْ لَمْ تَرْضَ بِهِ ، لَمْ يَسْتَقِرَّ لَهَا حَتَّى تَرْضَاهُ ، فَإِنْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ ، فَلَيْسَ لَهَا إلَّا الْمُتْعَةُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَثْبُتُ لَهَا بِفَرْضِهِ مَا لَمْ تَرْضَ بِهِ ، كَحَالَةِ الِابْتِدَاءِ .\rوَإِنْ فَرَضَ لَهَا أَقَلَّ مِنْ مَهْرِ الْمِثْلِ ، فَلَهَا الْمُطَالَبَةُ بِتَمَامِهِ ، وَلَا يَثْبُتُ لَهَا مَا لَمْ تَرْضَ بِهِ .\rوَإِنْ تَشَاحَّا ، وَارْتَفَعَا ، إلَى الْحَاكِمِ ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَفْرِضَ لَهَا إلَّا مَهْرَ الْمِثْلِ ؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ مَيْلٌ عَلَيْهِ ، وَالنُّقْصَانَ مِيلٌ عَلَيْهَا ، وَالْعَدْلُ الْمِثْلُ ، لِأَنَّهُ إنَّمَا يُفْرَضُ بَدَلُ الْبُضْعِ ، فَيُقَدَّرُ بِهِ ، كَالسِّلْعَةِ إذَا تَلِفَتْ فَرَجَعَا فِي تَقْوِيمِهَا إلَى أَهْلِ الْخِبْرَةِ .\rوَيُعْتَبَرُ مَعْرِفَةُ مَهْرِ الْمِثْلِ لِيُتَوَصَّلَ إلَى إمْكَانِ فَرْضِهِ .\rوَمَتَى صَحَّ الْفَرْضُ صَارَ كَالْمُسَمَّى فِي الْعَقْدِ ، فِي أَنَّهُ يَتَنَصَّفُ بِالطَّلَاقِ ، وَلَا تَجِبُ الْمُتْعَةُ مَعَهُ .\rوَإِذَا فَرَضَهُ الْحَاكِمُ ، لَزِمَ مَا فَرَضَهُ ، سَوَاءٌ رَضِيَتْهُ أَوْ لَمْ تَرْضَهُ .\rكَمَا يَلْزَمُ مَا حَكَمَ بِهِ .","part":15,"page":412},{"id":7412,"text":"( 5609 ) فَصْلٌ : وَإِنْ فَرَضَ لَهَا أَجْنَبِيٌّ مَهْرَ مِثْلِهَا ، فَرَضِيَتْهُ ، لَمْ يَصِحَّ فَرْضُهُ ، وَكَانَ وُجُودُهُ كَعَدَمِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِزَوْجٍ وَلَا حَاكِمٍ .\rفَإِنْ سَلَّمَ إلَيْهَا مَا فَرَضَهُ لَهَا ، فَرَضِيَتْهُ ، احْتَمَلَ أَنْ لَا يَصِحَّ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا ، وَيَكُونُ حُكْمُهَا حُكْمَ مَنْ لَمْ يَفْرِضْ لَهَا ، وَيَسْتَرْجِعُ مَا أَعْطَاهَا ؛ لِأَنَّ تَصَرُّفَهُ ، مَا صَحَّ ، وَلَا بَرِئَتْ بِهِ ذِمَّةُ الزَّوْجِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يَصِحُّ ؛ لِأَنَّهُ يَقُومُ مَقَامَ الزَّوْجِ فِي قَضَاءِ الْمُسَمَّى ، فَيَقُومُ مَقَامَهُ فِي قَضَاءِ مَا يُوجِبُهُ الْعَقْدُ غَيْرُ الْمُسَمَّى .\rفَعَلَى هَذَا ، إذَا طَلُقَتْ قَبْلَ الدُّخُولِ ، رَجَعَ نِصْفُهُ إلَى الزَّوْجِ ؛ لِأَنَّهُ مَلَّكَهُ إيَّاهُ حِينَ قَضَى بِهِ دَيْنًا عَلَيْهِ ، فَيَعُودُ إلَيْهِ كَمَا لَوْ دَفَعَهُ هُوَ .\rوَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ مِثْلُ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ ، وَذَكَرُوا وَجْهًا ثَالِثًا ، أَنَّهُ يَرْجِعُ نِصْفُهُ إلَى الْأَجْنَبِيِّ .\rوَذَكَرَهُ الْقَاضِي وَجْهًا لَنَا ثَالِثًا .\rوَقَدْ ذَكَرْنَا مَا يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ مَا قُلْنَاهُ .\rوَلَوْ أَنَّ رَجُلًا قَضَى الْمُسَمَّى عَنْ الزَّوْجِ ، صَحَّ ، ثُمَّ إنْ طَلَّقَهَا الزَّوْجُ قَبْلَ الدُّخُولِ ، رَجَعَ نِصْفُهُ إلَيْهِ ، وَإِنْ فَسَخَتْ نِكَاحَ نَفْسِهَا بِفِعْلِ مِنْ جِهَتِهَا ، رَجَعَ جَمِيعُهُ إلَيْهِ .\rوَعَلَى الْوَجْهِ الْآخِرِ ، يَرْجِعُ إلَى مَنْ قَضَاهُ .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":15,"page":413},{"id":7413,"text":"( 5610 ) فَصْلٌ : وَيَجِبُ الْمَهْرُ لِلْمُفَوِّضَةِ ، بِالْعَقْدِ ، وَإِنَّمَا يَسْقُطُ إلَى الْمُتْعَةِ بِالطَّلَاقِ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ .\rوَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ ؛ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : الصَّحِيحُ أَنَّهُ يَجِبُ بِالْعَقْدِ .\rوَقَالَ بَعْضُهُمْ : لَا يَجِبُ بِالْعَقْدِ ، قَوْلًا وَاحِدًا .\rوَلَا يَجِيءُ عَلَى أَصِلْ الشَّافِعِيِّ غَيْرُ هَذَا ؛ لِأَنَّهُ لَوْ وَجَبَ بِالْعَقْدِ لَتَنَصَّفَ بِالطَّلَاقِ ، كَالْمُسَمَّى فِي الْعَقْدِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهَا تَمْلِكُ الْمُطَالَبَةَ بِهِ ، فَكَانَ وَاجِبًا ، كَالْمُسَمَّى ، وَلِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَجِبْ بِالْعَقْدِ ، لَمَا اسْتَقَرَّ بِالْمَوْتِ ، كَمَا فِي الْعَقْدِ الْفَاسِدِ ، وَلِأَنَّ النِّكَاحَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَخْلُوَ عَنْ الْمَهْرِ ، وَالْقَوْلُ بِعَدَمِ وُجُوبِهِ يُفْضِي إلَى خُلُوِّهِ عَنْهُ ، وَإِلَى أَنَّ النِّكَاحَ انْعَقَدَ صَحِيحًا وَمَلَكَ الزَّوْجُ الْوَطْءَ وَلَا مَهْرَ فِيهِ ، وَإِنَّمَا لَمْ يَتَنَصَّفْ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى نَقَلَ غَيْرَ الْمُسَمَّى لَهَا بِالطَّلَاقِ إلَى الْمُتْعَةِ كَمَا نَقَلَ مَنْ سُمِّيَ لَهَا إلَى نِصْفِ الْمُسَمَّى لَهَا .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .\rفَعَلَى هَذَا لَوْ فَوَّضَ الرَّجُلُ مَهْرَ أَمَتِهِ ، ثُمَّ أَعْتَقَهَا أَوْ بَاعَهَا ، ثُمَّ فُرِضَ لَهَا الْمَهْرُ ، كَانَ لِمُعْتِقِهَا أَوْ بَائِعِهَا لِأَنَّ الْمَهْرَ وَجَبَ بِالْعَقْدِ فِي مِلْكِهِ .\rوَلَوْ فَوَّضَتْ الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا ، ثُمَّ طَالَبَتْ بِفَرْضِ مَهْرِهَا بَعْدَ تَغَيُّرِ مَهْرِ مِثْلِهَا ، أَوْ دَخَلَ بِهَا ، لَوَجَبَ مَهْرُ مِثْلِهَا حَالَةَ الْعَقْدِ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا .\rوَوَافَقَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ عَلَى ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الْوُجُوبَ يَسْتَنِدُ إلَى حَالَةِ الْعَقْدِ ، إلَّا فِي الْأَمَةِ الَّتِي أَعْتَقَهَا أَوْ بَاعَهَا ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ .","part":15,"page":414},{"id":7414,"text":"( 5611 ) فَصْلٌ : وَيَجُوزُ الدُّخُولُ بِالْمَرْأَةِ قَبْلَ إعْطَائِهَا شَيْئًا ، سَوَاءٌ كَانَتْ مُفَوِّضَةً أَوْ مُسَمًّى لَهَا .\rوَبِهَذَا قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ، وَالْحَسَنُ ، النَّخَعِيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسِ ، وَابْنِ عُمَرَ ، وَالزُّهْرِيِّ ، وَقَتَادَةَ ، وَمَالِكٍ : لَا يَدْخُلُ بِهَا حَتَّى يُعْطِيَهَا شَيْئًا .\rقَالَ الزُّهْرِيُّ : مَضَتْ السُّنَّةُ أَنْ لَا يَدْخُلَ بِهَا حَتَّى يُعْطِيَهَا شَيْئًا .\rقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : يَخْلَعُ إحْدَى نَعْلَيْهِ ، وَيُلْقِيهَا إلَيْهَا .\rوَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { ، أَنَّ عَلِيًّا لَمَّا تَزَوَّجَ فَاطِمَةَ ، أَرَادَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا ، فَمَنَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى يُعْطِيَهَا شَيْئًا ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، لَيْسَ لِي شَيْءٌ .\rفَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَعْطِهَا دِرْعَك .\rفَأَعْطَاهَا دِرْعَهُ ، ثُمَّ دَخَلَ بِهَا .\r} وَرَوَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ أَيْضًا ، قَالَ : { لَمَّا تَزَوَّجَ عَلِيٌّ فَاطِمَةَ ، قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَعْطِهَا شَيْئًا .\rقَالَ : مَا عِنْدِي .\rقَالَ : أَيْنَ دِرْعُك الْحَطْمِيَّةُ ؟ .\r} رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَالنَّسَائِيُّ .\rوَلَنَا حَدِيثُ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ، فِي الَّذِي زَوَّجَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَدَخَلَ بِهَا وَلَمْ يُعْطِهَا شَيْئًا .\rوَرَوَتْ عَائِشَةُ ، قَالَتْ : { أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ أُدْخِلَ امْرَأَةً عَلَى زَوْجِهَا ، قَبْلَ أَنْ يُعْطِيَهَا شَيْئًا .\r} رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ .\rوَلِأَنَّهُ عِوَضٌ فِي عَقْدِ مُعَاوَضَةٍ ، فَلَمْ يَقِفْ جَوَازُ تَسْلِيمِ الْمُعَوَّضِ عَلَى قَبْضِ شَيْءٍ مِنْهُ ، كَالثَّمَنِ فِي الْبَيْعِ ، وَالْأُجْرَةِ فِي الْإِجَارَةِ .\rوَأَمَّا الْأَخْبَارُ فَمَحْمُولَةٌ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ ، فَإِنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يُعْطِيَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ شَيْئًا ، مُوَافَقَةً لِلْأَخْبَارِ ، وَلِعَادَةِ النَّاسِ فِيمَا بَيْنَهُمْ ،","part":15,"page":415},{"id":7415,"text":"وَلِتَخْرُجَ الْمُفَوِّضَةُ عَنْ شَبَهِ الْمَوْهُوبَةِ ، وَلِيَكُونَ ذَلِكَ أَقْطَعَ لِلْخُصُومَةِ .\rوَيُمْكِنُ حَمَلُ قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسِ وَمَنْ وَافَقَهُ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ ، فَلَا يَكُونُ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ فَرْقٌ .\rوَاَللَّهُ أَعْلَم .","part":15,"page":416},{"id":7416,"text":"( 5612 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَلَوْ مَاتَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ الْإِصَابَةِ ، وَقَبْلَ الْفَرْضِ ، وَرِثَهُ صَاحِبُهُ ، وَكَانَ لَهَا مَهْرُ نِسَائِهَا ) أَمَّا الْمِيرَاثُ فَلَا خِلَافَ فِيهِ ؛ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى فَرَضَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الزَّوْجَيْنِ فَرْضًا وَعَقْدُ الزَّوْجِيَّةِ هَاهُنَا صَحِيحٌ ثَابِتٌ ، فَيُورَثُ بِهِ ؛ لِدُخُولِهِ فِي عُمُومِ النَّصِّ .\rوَأَمَّا الصَّدَاقُ ، فَإِنَّهُ يَكْمُلُ لَهَا مَهْرُ نِسَائِهَا ، فِي الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ .\rوَإِلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ مَسْعُودٍ ، وَابْنُ شُبْرُمَةَ ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَإِسْحَاقُ .\rوَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَابْنِ عُمَرَ ، وَالزُّهْرِيِّ ، وَرَبِيعَةَ ، وَمَالِكٍ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ : لَا مَهْرَ لَهَا ؛ لِأَنَّهَا فُرْقَةٌ وَرَدَتْ عَلَى تَفْوِيضٍ صَحِيحٍ قَبْلَ فَرْضٍ وَمَسِيسٍ ، فَلَمْ يَجِبْ بِهَا مَهْرٌ كَفُرْقَةِ الطَّلَاقِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ كَقَوْلِنَا فِي الْمُسْلِمَةِ وَكَقَوْلِهِمْ فِي الذِّمِّيَّةِ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى ، لَا يَكْمُلُ ، وَيَتَنَصَّفُ وَلِلشَّافِعِي قَوْلَانِ ، كَالرِّوَايَتَيْنِ .\rوَلَنَا : مَا رُوِيَ { أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .\rقَضَى لِامْرَأَةٍ لَمْ يَفْرِضْ لَهَا زَوْجُهَا صَدَاقًا ، وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا حَتَّى مَاتَ ، فَقَالَ : لَهَا صَدَاقُ نِسَائِهَا ، لَا وَكْسَ وَلَا شَطَطَ ، وَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ وَلَهَا الْمِيرَاثُ .\rفَقَامَ مَعْقِلُ بْنُ سِنَانِ الْأَشْجَعِيُّ ، فَقَالَ : قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بِرْوَعَ ابْنَةِ وَاشِقٍ مِثْلَ مَا قَضَيْت .\r} قَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ .\rوَهُوَ نَصٌّ فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ ، وَلِأَنَّ الْمَوْتَ مَعْنَى يَكْمُلُ بِهِ الْمُسَمَّى ، فَكَمَلَ بِهِ مَهْرُ الْمِثْلِ لِلْمُفَوِّضَةِ ، كَالدُّخُولِ .\rوَقِيَاسُ الْمَوْتِ عَلَى الطَّلَاقِ غَيْرُ صَحِيحٍ فَإِنَّ الْمَوْتَ يَتِمُّ بِهِ النِّكَاحُ فَيَكْمُلُ بِهِ الصَّدَاقُ ، وَالطَّلَاقُ يَقْطَعُهُ وَيُزِيلُهُ قَبْلَ إتْمَامِهِ ، وَلِذَلِكَ وَجَبَتْ الْعِدَّةُ بِالْمَوْتِ قَبْلَ الدُّخُولِ ، وَلَمْ تُجِبْ بِالطَّلَاقِ وَكَمَلَ","part":15,"page":417},{"id":7417,"text":"الْمُسَمَّى بِالْمَوْتِ ، وَلَمْ يَكْمُلْ بِالطَّلَاقِ ، وَأَمَّا الذِّمِّيَّةُ فَإِنَّهَا مُفَارِقَةٌ بِالْمَوْتِ ، فَكَمَلَ لَهَا الصَّدَاقُ كَالْمُسْلِمَةِ ، أَوْ كَمَا لَوْ سَمَّى لَهَا وَلِأَنَّ الْمُسْلِمَةَ وَالذِّمِّيَّةَ لَا يَخْتَلِفَانِ فِي الصَّدَاقِ فِي مَوْضِعٍ ، فَيَجِبُ أَنْ لَا يَخْتَلِفَا هَاهُنَا .\r( 5613 ) فَصْلٌ : قَوْلُهُ : \" مَهْرُ نِسَائِهَا \" .\rيَعْنِي مَهْرُ مِثْلِهَا مِنْ أَقَارِبِهَا .\rوَقَالَ مَالِكٌ تُعْتَبَرُ بِمَنْ هِيَ فِي مِثْلِ كَمَالِهَا وَمَالِهَا وَشَرَفِهَا ، وَلَا يَخْتَصُّ بِأَقْرِبَائِهَا ؛ لِأَنَّ الْأَعْوَاضَ إنَّمَا تَخْتَلِفُ بِذَلِكَ دُونَ الْأَقَارِبِ .\rوَلَنَا قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ : لَهَا مَهْرُ نِسَائِهَا .\rوَنِسَاؤُهَا أَقَارِبُهَا .\rوَمَا ذَكَرَهُ فَنَحْنُ نَشْتَرِطُهُ ، وَنَشْتَرِطُ مَعَهُ أَنْ تَكُونَ مِنْ نِسَاءِ أَقَارِبِهَا ؛ لِأَنَّهَا أَقْرَبُ إلَيْهِنَّ .\rوَقَوْلُهُ : لَا يَخْتَلِفُ ذَلِكَ بِاخْتِلَافِ الْأَقَارِبِ .\rلَا يَصِحُّ ؛ فَإِنَّ الْمَرْأَةَ تُطْلَبُ لِحَسَبِهَا ، كَمَا جَاءَ فِي الْأَثَرِ ، وَحَسَبُهَا يَخْتَصُّ بِهِ أَقَارِبُهَا ، فَيَزْدَادُ الْمَهْرُ لِذَلِكَ وَيَقِلُّ ، وَقَدْ يَكُونُ الْحَيُّ وَأَهْلُ الْقَرْيَةِ لَهُمْ عَادَةٌ فِي الصَّدَاقِ ، وَرَسْمٌ مُقَرَّرٌ ، لَا يُشَارِكُهُمْ فِيهِ غَيْرُهُمْ ، وَلَا يُغَيِّرُونَهُ بِتَغَيُّرِ الصِّفَاتِ ، فَيَكُونُ الِاعْتِبَارُ بِذَلِكَ دُونَ سَائِرِ الصِّفَاتِ .\rوَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ ، فِي مِنْ يُعْتَبَرُ مِنْ أَقَارِبِهَا ، فَقَالَ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ : لَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا مِنْ نِسَائِهَا مِنْ قِبَلِ أَبِيهَا .\rفَاعْتَبَرَهَا بِنِسَاءِ الْعَصَبَاتِ خَاصَّةً .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ فِي رِوَايَةِ إِسْحَاقَ بْنِ هَانِئٍ : لَهَا مَهْرُ نِسَائِهَا ، مِثْلُ أُمِّهَا أَوْ أُخْتِهَا أَوْ عَمَّتِهَا أَوْ بِنْتِ عَمِّهَا .\rاخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَابْنِ أَبِي لَيْلَى ؛ لِأَنَّهُنَّ مِنْ نِسَائِهَا .\rوَالْأُولَى أَوْلَى ؛ فَإِنَّهُ قَدْ رُوِيَ فِي قِصَّةِ بِرْوَعَ ، { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى فِي بِرْوَعَ بِنْتِ وَاشِقٍ","part":15,"page":418},{"id":7418,"text":"بِمِثْلِ مَهْرِ نِسَاءِ قَوْمِهَا .\r} وَلِأَنَّ شَرَفَ الْمَرْأَةِ مُعْتَبَرٌ فِي مَهْرِهَا ، وَشَرَفُهَا بِنَسَبِهَا ، وَأُمُّهَا وَخَالَتُهَا لَا تُسَاوِيَانِهَا فِي نَسَبِهَا ، فَلَا تُسَاوِيَانِهَا فِي شَرَفِهَا ، وَقَدْ تَكُونُ أَمُّهَا مَوْلَاةً وَهِيَ شَرِيفَةٌ ، وَقَدْ تَكُونُ أُمُّهَا شَرِيفَةً وَهِيَ غَيْرُ شَرِيفَةٍ .\rوَيَنْبَغِي أَنْ يُعْتَبَرَ الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ ، فَأَقْرَبُ نِسَاءِ عَصَبَاتِهَا إلَيْهَا أَخَوَاتُهَا ، ثُمَّ عَمَّاتُهَا ثُمَّ بَنَاتُ عَمِّهَا ، الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ .\rوَيُعْتَبَرُ أَنْ يَكُنَّ فِي مِثْلِ حَالِهَا ؛ فِي دِينِهَا ، وَعَقْلِهَا ، وَجَمَالِهَا ، وَيَسَارِهَا وَبَكَارَتِهَا وَثُيُوبَتِهَا ، وَصَرَاحَةِ نَسَبِهَا ، وَكُلِّ مَا يَخْتَلِفُ لِأَجْلِهِ الصَّدَاقُ ، وَأَنْ يَكُنَّ مِنْ أَهْلِ بَلَدِهَا ؛ لِأَنَّ عَادَاتِ الْبِلَادِ تَخْتَلِفُ فِي الْمَهْرِ .\rوَإِنَّمَا اُعْتُبِرَتْ هَذِهِ الصِّفَاتُ كُلُّهَا ؛ لِأَنَّ مَهْرَ الْمِثْلِ إنَّمَا هُوَ بَدَلُ مُتْلَفٍ فَاعْتُبِرَتْ الصِّفَاتُ الْمَقْصُودَةُ فِيهِ .\rفَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي عَصَبَاتِهَا مَنْ هُوَ فِي مِثْلِ حَالِهَا ، فَمِنْ نِسَاءِ أَرْحَامِهَا ، كَأُمِّهَا وَجَدَّاتِهَا وَخَالَاتِهَا وَبَنَاتِهِنَّ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ ، فَأَهْلُ بَلَدِهَا ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَنِسَاءُ أَقْرَبِ الْبُلْدَانِ إلَيْهَا ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ إلَّا دُونَهَا ، زِيدَ لَهَا بِقَدْرِ فَضِيلَتِهَا ، وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ إلَّا خَيْرٌ مِنْهَا ، نَقَصَتْ بِقَدْرِ نَقَصَهَا .","part":15,"page":419},{"id":7419,"text":"( 5614 ) فَصْلٌ : وَلَا يَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ إلَّا حَالًّا ؛ لِأَنَّهُ بَدَلُ مُتْلَفٍ ، فَأَشْبَهَ قِيَمَ الْمُتْلَفَاتِ .\rوَلَا يَكُونُ إلَّا مِنْ نَقْدِ الْبَلَدِ ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ .\rوَلَا يَلْزَمُ كَالدِّيَةِ ؛ لِأَنَّهَا لَا تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ صِفَاتِ الْمُتْلَفِ ؛ لِأَنَّهَا مُقَدَّرَةٌ بِالشَّرْعِ ، فَكَانَتْ بِحُكْمِ مَا جَعَلَ مِنْ الْحُلُولِ وَالتَّأْجِيلِ ، فَلَا يَعْتَبِرُ بِهَا غَيْرُهَا ، وَلِأَنَّهَا عَدَلَ بِهَا عَنْ سَائِرِ الْأَبْدَالِ فِي مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ ، فَكَذَلِكَ فِي تَأْجِيلِهَا تَخْفِيفًا عَنْهُ ، بِخِلَافِ غَيْرِهَا ، فَإِنْ كَانَتْ عَادَةُ نِسَائِهَا تَأْجِيلَ الْمَهْرِ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا : يُفْرَضُ حَالًّا ؛ لِذَلِكَ .\rوَالثَّانِي يُفْرَضُ مُؤَجَّلًا لِأَنَّ مَهْرَ مِثْلِهَا مُؤَجَّلٌ .\rوَإِنْ كَانَ عَادَتُهُمْ أَنَّهُمْ إذَا زَوَّجُوا مِنْ عَشِيرَتِهِمْ خَفَّفُوا ، وَإِنْ زَوَّجُوا غَيْرَهُمْ ثَقَّلُوا اُعْتُبِرَ ذَلِكَ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ فَإِنْ قِيلَ : فَإِذَا كَانَ مَهْرُ الْمِثْلِ بَدَلَ مُتْلَفٍ ، يَجِبُ أَنْ لَا يَخْتَلِفَ بِاخْتِلَافِ الْمُتْلَفِ ، كَسَائِرِ الْمُتْلَفَاتِ .\rقُلْنَا : النِّكَاحُ يُخَالِفُ سَائِرَ الْمُتْلَفَاتِ ، فَإِنَّ سَائِرَ الْمُتْلَفَاتِ الْمَقْصُودُ بِهَا الْمَالِيَّةُ خَاصَّةً ، فَلَمْ تَخْتَلِفْ بِاخْتِلَافِ الْمُتْلِفِينَ ، وَالنِّكَاحُ يُقْصَدُ بِهِ أَعْيَانُ الزَّوْجَيْنِ ، فَاخْتَلَفَ بِاخْتِلَافِهِمْ ، وَلِأَنَّ سَائِرَ الْمُتْلَفَاتِ لَا تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْعَوَائِدِ ، وَالْمَهْرُ يَخْتَلِفُ بِالْعَادَاتِ ، فَإِنَّ الْمَرْأَةَ إذَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ عَادَتُهُمْ تَخْفِيفُ مُهُورِ نِسَائِهِمْ ، وَجَبَ مَهْرُ الْمَرْأَةِ مِنْهُمْ خَفِيفًا ، وَإِنْ كَانَتْ أَفْضَلَ وَأَشْرَفَ مِنْ نِسَاءِ مَنْ عَادَتُهُمْ تَثْقِيلُ الْمَهْرِ ، وَعَلَى هَذَا مَتَى كَانَتْ عَادَتُهُمْ التَّخْفِيفَ لِمَعْنَى ، مِثْلُ الشَّرَفِ أَوْ الْيَسَارِ وَنَحْوُ ذَلِكَ اُعْتُبِرَ جَرْيًا عَلَى عَادَتِهِمْ .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":15,"page":420},{"id":7420,"text":"( 5615 ) فَصْلٌ : إذَا زَوَّجَ السَّيِّدُ عَبْدَهُ أَمَتَهُ ، فَقَالَ الْقَاضِي : لَا يَجِبُ مَهْرٌ لِأَنَّهُ لَوْ وَجَبَ لَوَجَبَ لِسَيِّدِهَا ، وَلَا يَجِبُ لِلسَّيِّدِ عَلَى عَبْدِهِ مَالٌ .\rوَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : يَجِبُ الْمُسَمَّى ، أَوْ مَهْرُ الْمِثْلِ إنْ لَمْ يَكُنْ مُسَمًّى ، كَيْ لَا يَخْلُوَ النِّكَاحُ عَنْ مَهْرٍ ، ثُمَّ يَسْقُطُ لِتَعَذُّرِ إثْبَاتِهِ .\rوَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ : إذَا زَوَّجَ عَبْدَهُ مِنْ أَمَتِهِ ، فَأُحِبُّ أَنْ يَكُونَ بِمَهْرٍ وَشُهُودٍ .\rقِيلَ : فَإِنْ طَلَّقَهَا ؟ قَالَ : يَكُونُ الصَّدَاقُ عَلَيْهِ إذَا أُعْتِقَ قِيلَ : فَإِنْ زَوَّجَهَا مِنْهُ بِغَيْرِ مَهْرٍ ؟ قَالَ : قَدْ اخْتَلَفُوا فِيهِ ، فَذَهَبَ جَابِرٌ إلَى أَنَّهُ جَائِزٌ .","part":15,"page":421},{"id":7421,"text":"مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِذَا خَلَا بِهَا بَعْدَ الْعَقْدِ ، فَقَالَ : لَمْ أَطَأْهَا وَصَدَّقَتْهُ ، لَمْ يُلْتَفَتْ إلَى قَوْلِهِمَا ، وَكَانَ حُكْمُهُمَا حُكْمَ الدُّخُولِ ، فِي جَمِيعِ أُمُورِهِمَا ، إلَّا فِي الرُّجُوعِ إلَى زَوْجٍ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا ، أَوْ فِي الزِّنَى ، فَإِنَّهُمَا يُجْلَدَانِ ، وَلَا يُرْجَمَانِ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الرَّجُلَ إذَا خَلَا بِامْرَأَتِهِ بَعْدَ الْعَقْدِ الصَّحِيحِ اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ مَهْرُهَا وَوَجَبَتْ عَلَيْهَا الْعِدَّةُ ، وَإِنْ لَمْ يَطَأْ .\rرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ وَزَيْدٍ ، وَابْنِ عُمَرَ .\rوَبِهِ قَالَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ وَعُرْوَةُ ، وَعَطَاءٌ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَهُوَ قَدِيمُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ وَقَالَ شُرَيْحٌ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَطَاوُسٌ ، وَابْنُ سِيرِينَ ، وَالشَّافِعِيُّ فِي الْجَدِيدِ : لَا يَسْتَقِرُّ إلَّا بِالْوَطْءِ .\rوَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ .\rوَرُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ أَحْمَدَ وَرَوَى عَنْهُ يَعْقُوبُ بْنِ بُخْتَانَ ، أَنَّهُ قَالَ : إذَا صَدَّقَتْهُ الْمَرْأَةُ ، أَنَّهُ لَمْ يَطَأْهَا ، لَمْ يُكْمِلْ لَهَا الصَّدَاقَ ، وَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ .\rوَذَلِكَ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ } وَهَذِهِ قَدْ طَلَّقَهَا قَبْلَ أَنْ يَمَسَّهَا .\rوَقَالَ تَعَالَى : { وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إلَى بَعْضٍ } وَالْإِفْضَاءُ : الْجِمَاعُ .\rوَلِأَنَّهَا مُطَلَّقَةٌ لَمْ تُمَسَّ ، أَشْبَهَتْ مَنْ لَمْ يَخْلُ بِهَا .\rوَلَنَا : إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ ، وَالْأَثْرَمُ ، بِإِسْنَادِهِمَا ، عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى ، قَالَ : قَضَى الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ الْمَهْدِيُّونَ ، أَنَّ مَنْ أَغْلَقَ بَابًا ، أَوْ أَرْخَى سِتْرًا ، فَقَدْ وَجَبَ الْمَهْرُ ، وَوَجَبَتْ الْعِدَّةُ .\rوَرَوَاهُ الْأَثْرَمُ أَيْضًا ، عَنْ الْأَحْنَفِ ، عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ .\rوَعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ :","part":15,"page":422},{"id":7422,"text":"عَلَيْهَا الْعِدَّةُ ، وَلَهَا الصَّدَاقُ كَامِلًا .\rوَهَذِهِ قَضَايَا تَشْتَهِرُ ، وَلَمْ يُخَالِفْهُمْ أَحَدٌ فِي عَصْرِهِمْ ، فَكَانَ إجْمَاعًا .\rوَمَا رَوَوْهُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، لَا يَصِحُّ ، قَالَ أَحْمَدُ : يَرْوِيهِ لَيْثٌ ، وَلَيْسَ بِالْقَوِيِّ ، وَقَدْ رَوَاهُ حَنْظَلَةُ خِلَافَ مَا رَوَاهُ لَيْثٌ ، وَحَنْظَلَةُ أَقْوَى مِنْ لَيْثٍ .\rوَحَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ مُنْقَطِعٌ .\rقَالَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ .\rوَلِأَنَّ التَّسْلِيمَ الْمُسْتَحَقَّ وُجِدَ مِنْ جِهَتِهَا ، فَيَسْتَقِرُّ بِهِ الْبَدَلُ ، كَمَا لَوْ وَطِئَهَا ، أَوْ كَمَا لَوْ أَجَّرَتْ دَارَهَا ، أَوْ بَاعَتْهَا وَسَلَّمَتْهَا .\rوَأَمَّا قَوْله تَعَالَى : { مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ } فَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ كَنَّى بِالْمُسَبَّبِ عَنْ السَّبَبِ ، الَّذِي هُوَ الْخَلْوَةُ ، بِدَلِيلِ مَا ذَكَرْنَاهُ .\rوَأَمَّا قَوْلُهُ : { وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إلَى بَعْضٍ } فَقَدْ حُكِيَ عَنْ الْفَرَّاءِ ، أَنَّهُ قَالَ : الْإِفْضَاءُ الْخَلْوَةُ ، دَخَلَ بِهَا أَوْ لَمْ يَدْخُلْ .\rوَهَذَا صَحِيحٌ ؛ فَإِنَّ الْإِفْضَاءَ مَأْخُوذٌ مِنْ الْفَضَاءِ ، وَهُوَ الْخَالِي ، فَكَأَنَّهُ قَالَ : وَقَدْ خَلَا بَعْضُكُمْ إلَى بَعْضٍ .\rوَقَوْلُ الْخِرَقِيِّ : حُكْمُهَا حُكْمُ الدُّخُولِ فِي جَمِيعِ أُمُورِهِمَا .\rيَعْنِي فِي حُكْمِ مَا لَوْ وَطِئَهَا ، مِنْ تَكْمِيلِ الْمَهْرِ ، وَوُجُوبِ الْعِدَّةِ ، وَتَحْرِيمِ أُخْتِهَا وَأَرْبَعٍ سِوَاهَا إذَا طَلَّقَهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا ، وَثُبُوتِ الرَّجْعَةِ لَهُ عَلَيْهَا فِي عِدَّتِهَا .\rوَقَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ : لَا رَجْعَةَ لَهُ عَلَيْهَا ، إذَا أَقَرَّ أَنَّهُ لَمْ يُصِبْهَا .\rوَلَنَا : قَوْله تَعَالَى : { وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ } وَلِأَنَّهَا مُعْتَدَّةٌ مِنْ نِكَاحٍ صَحِيحٍ ، لَمْ يَنْفَسِخْ نِكَاحُهَا ، وَلَا كَمَلَ عَدَدُ طَلَاقِهَا ، وَلَا طَلَّقَهَا بِعِوَضٍ فَكَانَ لَهُ عَلَيْهَا الرَّجْعَةُ ، كَمَا لَوْ أَصَابَهَا .\rوَلَهَا عَلَيْهِ نَفَقَةُ الْعِدَّةِ وَالسُّكْنَى ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لِمَنْ لِزَوْجِهَا عَلَيْهَا الرَّجْعَةُ .\rوَلَا تَثْبُتُ بِهَا الْإِبَاحَةُ لِلزَّوْجِ الْمُطَلِّقِ ثَلَاثًا ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ","part":15,"page":423},{"id":7423,"text":"صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِامْرَأَةِ رِفَاعَةَ الْقُرَظِيِّ : { أَتُرِيدِينَ أَنْ تَرْجِعِي إلَى رِفَاعَةَ ؟ ، لَا حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ وَيَذُوقَ عُسَيْلَتَك .\r} وَلَا الْإِحْصَانُ لِأَنَّهُ يُعْتَبَرُ لِإِيجَابِ الْحَدِّ ، وَالْحُدُودُ تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ ، وَلَا الْغُسْلُ لِأَنَّ مُوجِبَاتِ الْغُسْلِ خَمْسَةٌ وَلَيْسَ هَذَا مِنْهَا .\rوَلَا يَخْرُجُ بِهِ مِنْ الْعُنَّةِ ؛ لِأَنَّ الْعُنَّةَ الْعَجْزُ عَنْ الْوَطْءِ فَلَا يَزُولُ إلَّا بِحَقِيقَةِ الْوَطْءِ .\rوَلَا تَحْصُلُ بِهِ الْفَيْئَةُ ، لِأَنَّهَا الرُّجُوعُ عَمَّا حَلَفَ عَلَيْهِ ، وَإِنَّمَا حَلَفَ عَلَى تَرْكِ الْوَطْءِ ، وَلِأَنَّ حَقَّ الْمَرْأَةِ لَا يَحْصُلُ إلَّا بِنَفْسِ الْوَطْءِ .\rوَلَا تَفْسُدُ بِهِ الْعِبَادَاتُ .\rوَلَا تَجِبُ بِهِ الْكَفَّارَةُ .\rوَأَمَّا تَحْرِيمُ الرَّبِيبَةِ ، فَعَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ يَحْصُلُ بِالْخَلْوَةِ .\rوَقَالَ الْقَاضِي ، وَابْنُ عَقِيلٍ : لَا تُحَرَّمُ .\rوَحَمَلَ الْقَاضِي كَلَامَ أَحْمَدَ عَلَى أَنَّهُ حَصَلَ مَعَ الْخَلْوَةِ نَظَرٌ أَوْ مُبَاشَرَةٌ ، فَيُخَرَّجُ كَلَامُهُ عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي أَنَّ ذَلِكَ يُحَرِّمُ وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا لَا تُحَرَّمُ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى { فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ } وَالدُّخُولُ كِنَايَةٌ عَنْ الْوَطْءِ ، وَالنَّصُّ صَرِيحٌ فِي إبَاحَتِهَا بِدُونِهِ ، فَلَا يَجُوزُ خِلَافُهُ .","part":15,"page":424},{"id":7424,"text":"( 5617 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَسَوَاءٌ خَلَا بِهَا وَهُمَا مُحْرِمَانِ ، أَوْ صَائِمَانِ ، أَوْ حَائِضٌ ، أَوْ سَالِمَانِ مِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ ) اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ فِيمَا إذَا خَلَا بِهَا ، وَبِهِمَا أَوْ بِأَحَدِهِمَا مَانِعٌ مِنْ الْوَطْءِ ، كَالْإِحْرَامِ وَالصِّيَامِ وَالْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ ، أَوْ مَانِعٌ حَقِيقِيٌّ ، كَالْجَبِّ وَالْعُنَّةِ ، أَوْ الرَّتْقِ فِي الْمَرْأَةِ ، فَعَنْهُ أَنَّ الصَّدَاقَ يَسْتَقِرُّ بِكُلِّ حَالٍ .\rوَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى ، وَالثَّوْرِيُّ لِعُمُومِ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ الْإِجْمَاعِ .\rوَقَالَ عُمَرُ فِي الْعِنِّينِ : يُؤَجَّلُ سَنَةً ، فَإِنْ هُوَ غَشِيَهَا ، وَإِلَّا أَخَذَتْ الصَّدَاقَ كَامِلًا ، وَفُرِّقَ بَيْنَهُمَا ، وَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ .\rوَلِأَنَّ التَّسْلِيمَ الْمُسْتَحَقَّ عَلَيْهَا قَدْ وُجِدَ ، وَإِنَّمَا الْحَيْضُ وَالْإِحْرَامُ وَالرَّتْقُ مِنْ غَيْرِ جِهَتِهَا ، فَلَا يُؤَثِّرُ فِي الْمَهْرِ ، كَمَا لَا يُؤَثِّرُ فِي إسْقَاطِ النَّفَقَةِ .\rوَرُوِيَ أَنَّهُ لَا يَكْمُلُ بِهِ الصَّدَاقُ ، وَهُوَ قَوْلُ شُرَيْحٍ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ تَسَلُّمِهَا ، فَلَمْ تَسْتَحِقَّ عَلَيْهِ مَهْرًا بِمَنْعِهَا ، كَمَا لَوْ مَنَعَتْ تَسْلِيمَ نَفْسِهَا إلَيْهِ يُحَقِّقُهُ أَنَّ الْمَنْعَ مِنْ التَّسْلِيمِ لَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِهِ مِنْ أَجْنَبِيٍّ أَوْ مِنْ الْعَاقِدِ كَالْإِجَارَةِ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ ، رِوَايَةٌ ثَالِثَةٌ : إنْ كَانَا صَائِمَيْنِ صَوْمَ رَمَضَانَ ، لَمْ يَكْمُلْ الصَّدَاقُ ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَهُ ، كَمَلَ .\rقَالَ أَبُو دَاوُد سَمِعْت أَحْمَدَ وَسُئِلَ عَنْ رَجُلٍ دَخَلَ عَلَى أَهْلِهِ ، وَهُمَا صَائِمَانِ فِي غَيْرِ رَمَضَانَ فَأَغْلَقَ الْبَابَ ، وَأَرْخَى السِّتْرَ ؟ قَالَ : وَجَبَ الصَّدَاقُ .\rقِيلَ لِأَحْمَدَ فَشَهْرُ رَمَضَانَ ؟ قَالَ : شَهْرُ رَمَضَانَ خِلَافٌ لِهَذَا .\rقِيلَ لَهُ : فَكَانَ مُسَافِرًا فِي رَمَضَانَ .\rقَالَ : هَذَا مُفْطِرٌ يَعْنِي وَجَبَ الصَّدَاقُ .\rوَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مَتَى كَانَ الْمَانِعُ مُتَأَكِّدًا ، كَالْإِحْرَامِ وَصَوْمِ رَمَضَانَ ، لَمْ يَكْمُلْ الصَّدَاقُ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : إنْ كَانَ","part":15,"page":425},{"id":7425,"text":"الْمَانِعُ لَا يَمْنَعُ دَوَاعِيَ الْوَطْءِ ، كَالْجَبِّ ، وَالْعُنَّةِ ، وَالرَّتْقِ ، وَالْمَرَضِ ، وَالْحَيْضِ ، وَالنِّفَاسِ ، وَجَبَ الصَّدَاقُ ، وَإِنْ كَانَ يَمْنَعُ دَوَاعِيَهُ ، كَالْإِحْرَامِ ، وَصِيَامِ الْفَرْضِ ، فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إنْ كَانَ الْمَانِعُ مِنْ جِهَتِهَا ، لَمْ يَسْتَقِرَّ الصَّدَاقُ ، وَإِنْ كَانَ مِنْ جِهَتِهِ ؛ صِيَامُ فَرْضٍ أَوْ إحْرَامٌ ، لَمْ يَسْتَقِرَّ الصَّدَاقُ ، وَإِنْ كَانَ جَبًّا أَوْ عُنَّةً ، كَمَلَ الصَّدَاقُ ؛ لِأَنَّ الْمَانِعَ مِنْ جِهَتِهِ وَذَلِكَ لَا يَمْنَعُ وُجُودَ التَّسْلِيمِ الْمُسْتَحَقِّ مِنْهَا ، فَكَمَلَ حَقُّهَا ، كَمَا يَلْزَمُ الصَّغِيرَ نَفَقَةُ امْرَأَتِهِ إذَا سَلَّمَتْ نَفْسَهَا إلَيْهِ .","part":15,"page":426},{"id":7426,"text":"( 5618 ) فَصْلٌ : وَإِنْ خَلَا بِهَا ، وَهِيَ صَغِيرَةٌ لَا يُمْكِنُ وَطْؤُهَا ، أَوْ كَانَتْ كَبِيرَةً فَمَنَعَتْهُ نَفْسَهَا ، أَوْ كَانَ أَعْمَى فَلَمْ يَعْلَمْ بِدُخُولِهَا عَلَيْهِ ، لَمْ يَكْمُلْ صَدَاقُهَا .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، فِي الْمَكْفُوفِ يَتَزَوَّجُ الْمَرْأَةَ ، فَأُدْخِلَتْ عَلَيْهِ ، فَأُرْخِيَ السِّتْرُ وَأُغْلِقَ الْبَابُ ، فَإِنْ كَانَ لَا يَعْلَمُ بِدُخُولِهَا عَلَيْهِ ، فَلَهَا نِصْفُ الصَّدَاقِ ، وَأَوْمَأَ إلَى أَنَّهَا إذَا نَشَزَتْ عَلَيْهِ ، أَوْ مَنَعَتْهُ نَفْسَهَا ، لَا يَكْمُلُ صَدَاقُهَا .\rوَذَكَرَهُ ابْنُ حَامِدٍ .\rوَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ التَّمَكُّنُ مِنْ جِهَتِهَا ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ يَخْلُ بِهَا .\rوَكَذَلِكَ إنْ خَلَا بِهَا ، وَهُوَ طِفْلٌ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ الْوَطْءِ ، لَمْ يَكْمُلْ الصَّدَاقُ ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الصَّغِيرَةِ فِي عَدَمِ التَّمَكُّنِ مِنْ الْوَطْءِ .","part":15,"page":427},{"id":7427,"text":"( 5619 ) فَصْلٌ : وَالْخَلْوَةُ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ لَا يَجِبُ بِهَا شَيْءٌ مِنْ الْمَهْرِ ؛ لِأَنَّ الصَّدَاقَ لَمْ يَجِبْ بِالْعَقْدِ وَإِنَّمَا يُوجِبُهُ الْوَطْءُ ، وَلَمْ يُوجَدْ ، وَلِذَلِكَ لَا يَتَنَصَّفُ بِالطَّلَاقِ قَبْلِ الدُّخُولِ ، فَأَشْبَهَ ذَلِكَ الْخَلْوَةَ بِالْأَجْنَبِيَّةِ .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْخَلْوَةَ فِيهِ كَالْخَلْوَةِ فِي الصَّحِيحِ ؛ لِأَنَّ الِابْتِدَاءَ بِالْخَلْوَةِ فِيهِ كَالِابْتِدَاءِ بِذَلِكَ فِي النِّكَاحِ الصَّحِيحِ فَيَتَقَرَّرُ بِهِ الْمَهْرُ كَالصَّحِيحِ ، وَالْأُولَى أَوْلَى .","part":15,"page":428},{"id":7428,"text":"( 5620 ) فَصْلٌ : فَإِنْ اسْتَمْتَعَ بِامْرَأَتِهِ بِمُبَاشَرَةِ فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ ، مِنْ غَيْرِ خَلْوَةٍ ، كَالْقُبْلَةِ وَنَحْوهَا ، فَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّهُ يَكْمُلُ بِهِ الصَّدَاقُ ؛ فَإِنَّهُ قَالَ : إذَا أَخَذَهَا فَمَسَّهَا ، وَقَبَضَ عَلَيْهَا ، مِنْ غَيْر أَنْ يَخْلُوَ بِهَا ، لَهَا الصَّدَاقُ كَامِلًا إذَا نَالَ مِنْهَا شَيْئًا لَا يَحِلُّ لِغَيْرِهِ وَقَالَ فِي رِوَايَةٍ مُهَنَّا : إذَا تَزَوَّجَ امْرَأَةً وَنَظَرَ إلَيْهَا وَهِيَ عُرْيَانَةُ تَغْتَسِلُ ، أُوجِبُ عَلَيْهِ الْمَهْرُ .\rوَرَوَاهُ عَنْ إبْرَاهِيمَ : إذَا اطَّلَعَ مِنْهَا عَلَى مَا يَحْرُمُ عَلَى غَيْرِهِ ، فَعَلَيْهِ الْمَهْرُ ؛ لِأَنَّهُ نَوْعُ اسْتِمْتَاعٍ ، فَهُوَ كَالْقُبْلَةِ .\rقَالَ الْقَاضِي : يَحْتَمِلُ أَنَّ هَذَا يَنْبَنِي عَلَى ثُبُوتِ تَحْرِيمِ الْمُصَاهَرَةِ بِذَلِكَ ، وَفِيهِ رِوَايَتَانِ ، فَيَكُونُ فِي تَكْمِيلِ الصَّدَاقِ بِهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا يَكْمُلُ بِهِ الصَّدَاقُ ؛ لِمَا رَوَى الدَّارَقُطْنِيّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَوْبَانِ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ كَشَفَ خِمَارَ امْرَأَةٍ ، وَنَظَرَ إلَيْهَا ، وَجَبَ الصَّدَاقُ ، دَخَلَ بِهَا ، أَوْ لَمْ يَدْخُلْ .\r} وَلِأَنَّهُ مَسِيسٌ ، فَيَدْخُلُ فِي قَوْله تَعَالَى : { مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ } .\rوَلِأَنَّهُ اسْتِمْتَاعٌ بِامْرَأَتِهِ فَكَمَلَ بِهِ الصَّدَاقُ ، كَالْوَطْءِ .\rوَالْوَجْهُ الْآخِرُ : لَا يَكْمُلُ بِهِ الصَّدَاقُ وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ ؛ لِأَنَّ قَوْله تَعَالَى : { تَمَسُّوهُنَّ } إنَّمَا أُرِيدَ بِهِ فِي الظَّاهِرِ الْجِمَاعُ ، وَمُقْتَضَى قَوْلِهِ : { وَإِنَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ } أَنْ لَا يَكْمُلَ الصَّدَاقُ لِغَيْرِ مَنْ وَطِئَهَا ، وَلَا تَجِبُ عَلَيْهَا الْعِدَّةُ ، تُرِكَ عُمُومُهُ فِي مَنْ خَلَا بِهَا ، لِلْإِجْمَاعِ الْوَارِدِ عَنْ الصَّحَابَةِ ، فَيَبْقَى فِيمَا عَدَاهُ عَلَى مُقْتَضَى الْعُمُومِ .","part":15,"page":429},{"id":7429,"text":"فَصْلٌ : إذَا دَفَعَ زَوْجَتَهُ ، فَأَذْهَبَ عُذْرَتَهَا ، ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا نِصْفُ صَدَاقِهَا ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ : عَلَيْهِ الصَّدَاقُ كَامِلًا ؛ لِأَنَّهُ أَذْهَبَ عُذْرَتَهَا فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ ، فَكَانَ عَلَيْهِ الْمَهْرُ كَامِلًا ، كَمَا لَوْ وَطِئَهَا .\rوَلَنَا ، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ } وَهَذِهِ مُطَلَّقَةٌ قَبْلَ الْمَسِيسِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ يَدْفَعْهَا ، وَلِأَنَّهُ أَتْلَفَ مَا يَسْتَحِقُّ إتْلَافَهُ بِالْعَقْدِ ، فَلَمْ يَضْمَنْهُ لِغَيْرِهِ ، كَمَا لَوْ أَتْلَفَ عُذْرَةَ أَمَتِهِ .\rوَيَتَخَرَّجُ أَنْ يَجِبَ لَهَا الصَّدَاقُ كَامِلًا ؛ لِأَنَّ أَحْمَدَ قَالَ : إنْ فَعَلَ ذَلِكَ أَجْنَبِيٌّ ، عَلَيْهِ الصَّدَاقُ .\rفَفِيمَا إذَا فَعَلَهُ الزَّوْجُ أَوْلَى ، فَإِنَّ مَا يَجِبُ بِهِ الصَّدَاقُ ابْتِدَاءً أَحَقُّ بِتَقْرِيرِ الْمَهْرِ .\rوَنَصَّ أَحْمَدُ فِي مَنْ أَخَذَ امْرَأَتَهُ ، وَقَبَضَ عَلَيْهَا ، وَفِي مَنْ نَظَرَ إلَيْهَا وَهِيَ عُرْيَانَةٌ : عَلَيْهِ الصَّدَاقُ كَامِلًا .\rفَهَذَا أَوْلَى .","part":15,"page":430},{"id":7430,"text":"( 5622 ) فَصْلٌ : وَإِنْ دَفَعَ امْرَأَةً أَجْنَبِيَّةً ، فَأَذْهَبَ عُذْرَتَهَا ، أَوْ فَعَلَ ذَلِكَ بِأُصْبُعِهِ أَوْ غَيْرِهَا ، فَقَالَ أَحْمَدُ : لَهَا صَدَاقُ نِسَائِهَا .\rوَقَالَ : إنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً عَذْرَاءَ ، فَدَفَعَهَا هُوَ وَأَخُوهُ ، فَأَذْهَبَا عُذْرَتَهَا ، ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ ، فَعَلَى الزَّوْجِ نِصْفُ الصَّدَاقِ ، وَعَلَى الْأَخِ نِصْفُ الْعَقْرِ .\rوَرُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ ، وَابْنِهِ الْحَسَنِ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْقِلٍ ، وَعَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا أَرْشُ بَكَارَتِهَا ؛ لِأَنَّهُ إتْلَافُ جُزْءٍ لَمْ يَرِدْ الشَّرْعُ بِتَقْدِيرِ عِوَضِهِ ، فَرُجِعَ فِي دِيَتِهِ إلَى الْحُكُومَةِ ، كَسَائِرِ مَا لَمْ يُقَدَّرْ ، وَلِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَكْمُلْ بِهِ الصَّدَاقُ فِي حَقِّ الزَّوْجِ ، فَفِي حَقِّ الْأَجْنَبِيِّ أَوْلَى .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى سَعِيدٌ قَالَ : حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ ، حَدَّثَنَا مُغِيرَةُ ، عَنْ إبْرَاهِيمَ ، أَنَّ رَجُلًا كَانَتْ عِنْدَهُ يَتِيمَةٌ ، فَخَافَتْ امْرَأَتُهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا ، فَاسْتَعَانَتْ بِنِسْوَةٍ فَضَبَطْنَهَا لَهَا ، فَأَفْسَدَتْ عُذْرَتَهَا ، وَقَالَتْ لِزَوْجِهَا : إنَّهَا فَجَرَتْ .\rفَأَخْبَرَ عَلِيًّا ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِذَلِكَ ، فَأَرْسَلَ عَلِيٌّ إلَى امْرَأَتِهِ وَالنِّسْوَةِ ، فَلَمَّا أَتَيْنَهُ ، لَمْ يَلْبَثْنَ إنْ اعْتَرَفْنَ بِمَا صَنَعْنَ ، فَقَالَ لِلْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ : اقْضِ فِيهَا يَا حَسَنُ فَقَالَ : الْحَدُّ عَلَى مَنْ قَذَفَهَا ، وَالْعَقْرُ عَلَيْهَا وَعَلَى الْمُمْسِكَاتِ .\rقَالَ عَلِيٌّ : لَوْ كُلِّفَتْ الْإِبِلُ طَحْنًا لَطَحَنَتْ .\rوَمَا يَطْحَنُ يَوْمئِذٍ بَعِيرٌ .\rوَقَالَ : حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ ، أَخْبَرَنَا إسْمَاعِيلُ بْنُ سَالِمٍ ، حَدَّثَنَا الشَّعْبِيُّ ، أَنَّ جَوَارِيَ أَرْبَعًا قَالَتْ إحْدَاهُنَّ : هِيَ رَجُلٌ ، وَقَالَتْ الْأُخْرَى ، هِيَ امْرَأَةٌ ، وَقَالَتْ الثَّالِثَةُ ، : هِيَ أَبُو الَّتِي زَعَمَتْ أَنَّهَا رَجُلٌ ، وَقَالَتْ الرَّابِعَةُ ، : هِيَ أَبُو الَّتِي زَعَمَتْ أَنَّهَا امْرَأَةٌ .\rفَخَطَبَتْ الَّتِي زَعَمَتْ أَنَّهَا أَبُو الرَّجُلِ إلَى الَّتِي زَعَمَتْ أَنَّهَا أَبُو","part":15,"page":431},{"id":7431,"text":"الْمَرْأَةِ ، فَزَوَّجُوهَا إيَّاهَا فَعَمَدَتْ إلَيْهَا فَأَفْسَدَتْهَا بِأُصْبُعِهَا ، فَرُفِعَ ذَلِكَ إلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ ، فَجَعَلَ الصَّدَاقَ بَيْنَهُنَّ أَرْبَاعًا ، وَأَلْغَى حِصَّةَ الَّتِي أَمْكَنَتْ مِنْ نَفْسِهَا ، فَبَلَغَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَعْقِلٍ ، فَقَالَ : لَوْ وُلِّيت أَنَا ، لَجَعَلْت الصَّدَاقَ عَلَى الَّتِي أَفْسَدَتْ الْجَارِيَةَ وَحْدَهَا .\rوَهَذِهِ قَصَصٌ تَنْتَشِرُ فَلَمْ تُنْكَرْ ، فَكَانَتْ إجْمَاعًا ، وَلِأَنَّ إتْلَافَ الْعُذْرَةِ مُسْتَحَقُّ بِعَقْدِ النِّكَاحِ ، فَإِذَا أَتْلَفَهُ أَجْنَبِيٌّ ، وَجَبَ الْمَهْرُ ، كَمَنْفَعَةِ الْبُضْعِ .","part":15,"page":432},{"id":7432,"text":"مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَالزَّوْجُ هُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ ، فَإِذَا طَلَّقَ قَبْلَ الدُّخُولِ ، فَأَيُّهُمَا عَفَا لِصَاحِبِهِ عَمَّا وَجَبَ لَهُ مِنْ الْمَهْرِ ، وَهُوَ جَائِزُ الْأَمْرِ فِي مَالِهِ ، بَرِئَ مِنْهُ صَاحِبُهُ ) اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ ، فَظَاهِرُ مَذْهَبِ أَحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ ، أَنَّهُ الزَّوْجُ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَجُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَبِهِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ، وَشُرَيْحٌ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَنَافِعُ بْنُ جُبَيْرٍ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَإِيَاسُ بْنُ مُعَاوِيَةَ وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ ، وَابْن سِيرِينَ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْي ، وَالشَّافِعِيُّ فِي الْجَدِيدِ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ الْوَلِيُّ إذَا كَانَ أَبَا الصَّغِيرَةِ .\rوَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ الْقَدِيمُ ، إذَا كَانَ أَبًا أَوْ جَدًّا .\rوَحُكِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَعَلْقَمَةَ ، وَالْحَسَنِ ، وَطَاوُسٍ ، وَالزُّهْرِيِّ ، وَرَبِيعَةَ ، وَمَالِكٍ أَنَّهُ الْوَلِيُّ ؛ لِأَنَّ الْوَلِيَّ بَعْدَ الطَّلَاقِ هُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ ، لِكَوْنِهَا قَدْ خَرَجَتْ عَنْ يَدِ الزَّوْجِ ، وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذَكَرَ عَفْوَ النِّسَاءِ عَنْ نَصِيبِهِنَّ ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ عَفْوُ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ عَنْهُ ، لِيَكُونَ الْمَعْفُوُّ عَنْهُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ وَاحِدًا ، وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى بَدَأَ بِخِطَابِ الْأَزْوَاجِ عَلَى الْمُوَاجَهَةِ ، بِقَوْلِهِ : { وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ } ثُمَّ قَالَ : { أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ } وَهَذَا خِطَابُ غَيْرِ حَاضِرٍ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى الدَّارَقُطْنِيّ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ عَنْ { النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : وَلِيُّ الْعُقْدَةِ الزَّوْجُ .\r} وَلِأَنَّ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ بَعْدَ الْعَقْدِ هُوَ الزَّوْجُ ، فَإِنَّهُ يَتَمَكَّنُ مِنْ قَطْعِهِ","part":15,"page":433},{"id":7433,"text":"وَفَسْخِهِ وَإِمْسَاكِهِ ، وَلَيْسَ إلَى الْوَلِيِّ مِنْهُ شَيْءٌ ، وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : { وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى } وَالْعَفْوُ الَّذِي هُوَ أَقْرَبُ إلَى التَّقْوَى هُوَ عَفْوُ الزَّوْجِ عَنْ حَقِّهِ ، أَمَّا عَفْوُ الْوَلِيِّ عَنْ مَالِ الْمَرْأَةِ ، فَلَيْسَ هُوَ أَقْرَبَ إلَى التَّقْوَى ، وَلِأَنَّ الْمَهْرَ مَالٌ لِلزَّوْجَةِ ، فَلَا يَمْلِكُ الْوَلِيُّ هِبَتَهُ وَإِسْقَاطَهُ ، كَغَيْرِهِ مِنْ أَمْوَالِهَا وَحُقُوقِهَا ، وَكَسَائِرِ الْأَوْلِيَاءِ ، وَلَا يَمْتَنِعُ الْعُدُولُ عَنْ خِطَابِ الْحَاضِرِ إلَى خِطَابِ الْغَائِبِ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : { حَتَّى إذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ } وَقَالَ تَعَالَى : { قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ } فَعَلَى هَذَا مَتَى طَلَّقَ الزَّوْجُ قَبْلَ الدُّخُولِ تَنَصَّفَ الْمَهْرُ بَيْنَهُمَا ، فَإِنْ عَفَا الزَّوْجُ لَهَا عَنْ النِّصْفِ الَّذِي لَهُ ، كَمَلَ لَهَا الصَّدَاقُ جَمِيعُهُ ، وَإِنْ عَفَتْ الْمَرْأَةُ عَنْ النِّصْفِ الَّذِي لَهَا مِنْهُ ، وَتَرَكَتْ لَهُ جَمِيعَ الصَّدَاقِ ، جَازَ ، إذَا كَانَ الْعَافِي مِنْهُمَا رَشِيدًا جَائِزًا تَصَرُّفُهُ فِي مَالِهِ ، وَإِنْ كَانَ صَغِيرًا ، أَوْ سَفِيهًا ، لَمْ يَصِحَّ عَفْوُهُ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ التَّصَرُّفُ فِي مَالِهِ بِهِبَةٍ وَلَا إسْقَاطٍ .\rوَلَا يَصِحُّ عَفْوُ الْوَلِيِّ عَنْ صَدَاق الزَّوْجَةِ ، أَبًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ صَغِيرَةً كَانَتْ أَوْ كَبِيرَةً .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، فِي رِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ .\rوَرَوَى عَنْهُ ابْنُ مَنْصُورٍ : إذَا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ بِكْرٌ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا ، فَعَفَا أَبُوهَا أَوْ زَوْجُهَا ، مَا أَرَى عَفْوَ الْأَبِ إلَّا جَائِزًا .\rقَالَ أَبُو حَفْصٍ : مَا أَرَى مَا نَقَلَهُ ابْنُ مَنْصُورٍ إلَّا قَوْلًا لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ قَدِيمًا .\rوَظَاهِرُ قَوْلِ أَبِي حَفْصٍ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ ، وَأَنَّ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ رَجَعَ عَنْ قَوْلِهِ بِجَوَازِ عَفْوِ الْأَبِ .\rوَهُوَ الصَّحِيحُ ؛ لِأَنَّ مَذْهَبَهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْأَبِ","part":15,"page":434},{"id":7434,"text":"إسْقَاطُ دُيُونِ وَلَدِهِ الصَّغِيرِ ، وَلَا إعْتَاقُ عَبِيدِهِ ، وَلَا تَصَرُّفُهُ لَهُ إلَّا بِمَا فِيهِ مَصْلَحَتُهُ ، وَلَا حَظَّ لَهَا فِي هَذَا الْإِسْقَاطِ ، فَلَا يَصِحُّ .\rوَإِنْ قُلْنَا بِرِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ ، لَمْ يَصِحَّ إلَّا بِخَمْسِ شَرَائِطَ ؛ : أَوَّلُهَا أَنْ يَكُونَ أَبًا ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي يَلِي مَالَهَا ، وَلَا يُتَّهَمُ عَلَيْهَا .\rالثَّانِي ، أَنْ تَكُونَ صَغِيرَةً ، لِيَكُونَ وَلِيًّا عَلَى مَالِهَا ، فَإِنَّ الْكَبِيرَةَ تَلِي مَالَ نَفْسِهَا .\rالثَّالِثُ ، أَنْ تَكُونَ بِكْرًا لِتَكُونَ غَيْرَ مُبْتَذَلَةٍ ، وَلِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ تَزْوِيجَ الثَّيِّبِ وَإِنْ كَانَتْ صَغِيرَةً ، فَلَا تَكُونُ وِلَايَتُهُ عَلَيْهَا تَامَّةً .\rالرَّابِعُ ، أَنْ تَكُونَ مُطَلَّقَةً ؛ لِأَنَّهَا قَبْلَ الطَّلَاقِ مُعَرَّضَةٌ لِإِتْلَافِ الْبُضْعِ .\rالْخَامِسُ ، أَنْ تَكُونَ قَبْلَ الدُّخُولِ ؛ لِأَنَّ مَا بَعْدَهُ قَدْ أَتْلَفَ الْبُضْعَ ، فَلَا يَعْفُو عَنْ بَدَلٍ مُتْلَفٍ .\rوَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ عَلَى نَحْوٍ مِنْ هَذَا ، إلَّا أَنَّهُ يَجْعَلُ الْجَدَّ كَالْأَبِ .","part":15,"page":435},{"id":7435,"text":"( 5624 ) فَصْلٌ : وَلَوْ بَانَتْ امْرَأَةُ الصَّغِيرِ أَوْ السَّفِيهِ أَوْ الْمَجْنُونِ ، عَلَى وَجْهٍ يُسْقِطُ صَدَاقَهَا عَنْهُمْ ، مِثْلُ أَنْ تَفْعَلَ امْرَأَتُهُ مَا يَنْفَسِخُ بِهِ نِكَاحُهَا ؛ مِنْ رَضَاعِ مَنْ يَنْفَسِخُ نِكَاحُهَا بِرَضَاعِهِ ، أَوْ رِدَّةٍ ، أَوْ بِصِفَةٍ لَطَلَاقٍ مِنْ السَّفِيهِ ، أَوْ رَضَاعٍ مِنْ أَجْنَبِيَّةٍ لِمَنْ يَنْفَسِخُ نِكَاحُهَا بِرَضَاعِهِ ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ ، لَمْ يَكُنْ لَوَلِيِّهِمْ الْعَفْوُ عَنْ شَيْءٍ مِنْ الصَّدَاقِ ، رِوَايَةً وَاحِدَةً .\rوَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ قَوْلًا وَاحِدًا .\rوَالْفَرْقُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الصَّغِيرَةِ أَنَّ وَلِيَّهَا أَكْسَبَهَا الْمَهْرَ بِتَزْوِيجِهَا ، وَهَاهُنَا لَمْ يُكْسِبْهُ شَيْئًا ، إنَّمَا رَجَعَ الْمَهْرُ إلَيْهِ بِالْفُرْقَةِ .","part":15,"page":436},{"id":7436,"text":"( 5625 ) فَصْلٌ : وَإِذَا عَفَتْ الْمَرْأَةُ عَنْ صَدَاقِهَا الَّذِي لَهَا عَلَى زَوْجِهَا أَوْ عَنْ بَعْضِهِ أَوْ وَهَبَتْهُ لَهُ بَعْدَ قَبْضِهِ ، وَهِيَ جَائِزَةُ الْأَمْرِ فِي مَالِهَا جَازَ ذَلِكَ وَصَحَّ .\rوَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { إلَّا أَنْ يَعْفُونَ } يَعْنِي الزَّوْجَاتِ .\rوَقَالَ تَعَالَى : { فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا } قَالَ أَحْمَدُ ، فِي رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيِّ : لَيْسَ شَيْءٌ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا } سَمَّاهُ غَيْرَ الْمَهْرِ تَهَبُهُ الْمَرْأَةُ لِلزَّوْجِ .\rوَقَالَ عَلْقَمَةُ لِامْرَأَتِهِ : هَبِي لِي مِنْ الْهَنِيءِ الْمَرِيءِ .\rيَعْنِي مِنْ صَدَاقِهَا .\rوَهَلْ لَهَا الرُّجُوعُ فِيمَا وَهَبَتْ زَوْجَهَا ؟ فِيهِ عَنْ أَحْمَدَ رِوَايَاتٌ ، وَاخْتِلَافٌ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ ذَكَرْنَاهُ فِيمَا مَضَى .","part":15,"page":437},{"id":7437,"text":"( 5626 ) فَصْلٌ : إذَا طَلُقَتْ قَبْلَ الدُّخُولِ ، وَتَنَصَّفَ الْمَهْرُ بَيْنَهُمَا ، لَمْ يَخْلُ مِنْ أَنْ يَكُونَ دَيْنًا أَوْ عَيْنًا ، فَإِنْ كَانَ دَيْنًا لَمْ يَخْلُ إمَّا أَنْ يَكُونَ دَيْنًا فِي ذِمَّةِ الزَّوْجِ لَمْ يُسَلِّمْهُ إلَيْهَا ، أَوْ فِي ذِمَّتِهَا ، بِأَنْ تَكُونَ قَدْ قَبَضَتْهُ ، وَتَصَرَّفَتْ فِيهِ أَوْ تَلِفَ فِي يَدِهَا ، وَأَيُّهُمَا كَانَ فَإِنَّ لِلَّذِي لَهُ الدَّيْنُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْ حَقِّهِ مِنْهُ ، بِأَنْ يَقُولَ : عَفَوْت عَنْ حَقِّي مِنْ الصَّدَاقِ ، أَوْ أَسْقَطْته ، أَوْ أَبْرَأْتُك مِنْهُ أَوْ مَلَّكْتُك إيَّاهُ ، أَوْ وَهَبْتُك ، أَوْ أَحْلَلْتُك مِنْهُ ، أَوْ أَنْتَ مِنْهُ فِي حِلٍّ ، أَوْ تَرَكْته لَك .\rوَأَيُّ ذَلِكَ قَالَ : سَقَطَ بِهِ الْمَهْرُ ، وَبَرِئَ مِنْهُ الْآخَرُ ، وَإِنْ لَمْ يَقْبَلْهُ ، لِأَنَّهُ إسْقَاطُ حَقٍّ فَلَمْ يَفْتَقِرْ إلَى قَبُولٍ ، كَإِسْقَاطِ الْقِصَاصِ وَالشُّفْعَةِ وَالْعِتْقِ وَالطَّلَاقِ ، وَلِذَلِكَ صَحَّ إبْرَاءُ الْمَيِّتِ مَعَ عَدَمِ الْقَبُولِ مِنْهُ ، وَلَوْ رَدَّ ذَلِكَ لَمْ يَرْتَدَّ ، وَبَرِئَ مِنْهُ ، لِمَا ذَكَرْنَاهُ .\rوَإِنْ أَحَبَّ الْعَفْوَ مِنْ الصَّدَاقِ فِي ذِمَّتِهِ ، لَمْ يَصِحَّ الْعَفْوُ ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ فِي ذِمَّةِ الزَّوْجِ فَقَدْ سَقَطَ عَنْهُ بِالطَّلَاقِ وَإِنْ كَانَ فِي ذِمَّةِ الزَّوْجَةِ ، فَلَا يَثْبُتُ فِي ذِمَّتِهَا إلَّا النِّصْفُ الَّذِي يَسْتَحِقُّهُ الزَّوْجُ ، وَأَمَّا النِّصْفُ الَّذِي لَهَا ، فَهُوَ حَقُّهَا تَصَرَّفَتْ فِيهِ ، فَلَمْ يَثْبُتْ فِي ذِمَّتِهَا مِنْهُ شَيْءٌ ، وَلِأَنَّ الْجَمِيعَ كَانَ مِلْكًا لَهَا تَصَرَّفَتْ فِيهِ ، وَإِنَّمَا يَتَجَدَّدُ مِلْكُ الزَّوْجِ لِلنِّصْفِ بِطَلَاقِهِ ، فَلَا يَثْبُتُ فِي ذِمَّتِهَا غَيْرُ ذَلِكَ .\rوَأَيُّهُمَا أَرَادَ تَكْمِيلَ الصَّدَاقِ لِصَاحِبِهِ ، فَإِنَّهُ يُجَدِّدُ لَهُ هِبَةً مُبْتَدَأَةً .\rوَأَمَّا إنْ كَانَ الصَّدَاقُ عَيْنًا فِي يَدِ أَحَدِهِمَا ، فَعَفَا الَّذِي هُوَ فِي يَدِهِ لِلْآخَرِ ، فَهُوَ هِبَةٌ لَهُ تَصِحُّ بِلَفْظِ الْعَفْوِ وَالْهِبَةِ وَالتَّمْلِيكِ ، وَلَا تَصِحُّ بِلَفْظِ الْإِبْرَاءِ وَالْإِسْقَاطِ ، وَيَفْتَقِرُ إلَى الْقَبْضِ فِيمَا يُشْتَرَطُ الْقَبْضُ فِيهِ .\rوَإِنْ","part":15,"page":438},{"id":7438,"text":"عَفَا غَيْرُ الَّذِي هُوَ فِي يَدِهِ ، صَحَّ بِهَذِهِ الْأَلْفَاظِ ، وَافْتَقَرَ إلَى مُضِيِّ زَمَنٍ يَتَأَتَّى الْقَبْضُ فِيهِ ، إنْ كَانَ الْمَوْهُوبُ مِمَّا يَفْتَقِرُ إلَى الْقَبْضِ .","part":15,"page":439},{"id":7439,"text":"( 5627 ) فَصْلٌ : إذَا أَصْدَقَ امْرَأَتَهُ عَيْنًا ، فَوَهَبَتْهَا لَهُ ، ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا ، فَعَنْ أَحْمَدَ فِيهِ رِوَايَتَانِ ؛ : إحْدَاهُمَا ، يَرْجِعُ عَلَيْهَا بِنِصْفِ قِيمَتِهَا .\rوَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ وَأَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ لِأَنَّهَا عَادَتْ إلَى الزَّوْجِ بِعَقْدٍ مُسْتَأْنَفٍ ، فَلَا تَمْنَعُ اسْتِحْقَاقَهَا بِالطَّلَاقِ ، كَمَا لَوْ عَادَتْ إلَيْهِ بِالْبَيْعِ ، أَوْ وَهَبَتْهَا لِأَجْنَبِيٍّ ثُمَّ وَهَبَتْهَا لَهُ .\rوَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ ، لَا يَرْجِعُ عَلَيْهَا .\rوَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالْمُزَنِيِّ ، وَأَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ إلَّا أَنْ تَزِيدَ الْعَيْنُ أَوْ تَنْقُصَ ، ثُمَّ تَهَبَهَا لَهُ ؛ لِأَنَّ الصَّدَاقَ عَادَ إلَيْهِ وَلَوْ لَمْ تَهَبْهُ لَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ ، وَعَقْدُ الْهِبَةِ لَا يَقْتَضِي ضَمَانًا ، وَلِأَنَّ نِصْفَ الصَّدَاقِ تُعَجِّلُ لَهُ بِالْهِبَةِ .\rفَإِنْ كَانَ الصَّدَاقُ دَيْنًا ، فَأَبْرَأَتْهُ مِنْهُ ، فَإِنْ قُلْنَا : لَا يَرْجِعُ ثَمَّ .\rفَهَاهُنَا أَوْلَى ، وَإِنْ قُلْنَا : يَرْجِعُ ثَمَّ .\rخُرِّجَ هَاهُنَا وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، لَا يَرْجِعُ ؛ لِأَنَّ الْإِبْرَاءَ إسْقَاطُ حَقٍّ ، وَلَيْسَ بِتَمْلِيكٍ كَتَمْلِيكِ الْأَعْيَانِ وَلِهَذَا لَا يَفْتَقِرُ إلَى قَبُولٍ ، وَلَوْ شَهِدَ شَاهِدَانِ عَلَى رَجُلٍ بِدِينِ ، فَأَبْرَأْهُ مُسْتَحِقُّهُ ، ثُمَّ رَجَعَ الشَّاهِدَانِ ، لَمْ يَغْرَمَا شَيْئًا ، وَلَوْ كَانَ قَبَضَهُ مِنْهُ ، ثُمَّ وَهَبَهُ لَهُ ، ثُمَّ رَجَعَ الشَّاهِدَانِ ، غَرِمَا .\rوَالثَّانِي ، يَرْجِعُ ؛ لِأَنَّهُ عَادَ إلَيْهِ بِغَيْرِ الطَّلَاقِ ، فَهُوَ كَالْعَيْنِ ، وَالْإِبْرَاءُ بِمَنْزِلَةِ الْهِبَةِ ، وَلِهَذَا يَصِحُّ بِلَفْظِهَا وَإِنْ قَبَضَتْ الدِّينَ مِنْهُ ، ثُمَّ وَهَبَتْهُ لَهُ ، ثُمَّ طَلَّقَهَا ، فَهُوَ كَهِبَةٍ لِأَنَّهُ تَعَيَّنَ بِقَبْضِهِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَرْجِعُ هَاهُنَا ؛ لِأَنَّ الصَّدَاقَ قَدْ اسْتَوْفَتْهُ كُلَّهُ ، ثُمَّ تَصَرَّفَتْ فِيهِ ، فَوَجَبَ الرُّجُوعُ عَلَيْهَا ، كَمَا لَوْ وَهَبَتْهُ أَجْنَبِيًّا .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَرْجِعَ ؛ لِأَنَّهُ عَادَ إلَيْهِ مَا أَصْدَقَهَا ،","part":15,"page":440},{"id":7440,"text":"فَأَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَ عَيْنًا ، فَقَبَضَتْهَا ، ثُمَّ وَهَبَتْهَا .\rأَوْ وَهَبَتْهُ الْعَيْنَ ، أَوْ أَبْرَأَتْهُ مِنْ الدَّيْنِ ، ثُمَّ فَسَخَتْ النِّكَاحَ بِفِعْلٍ مِنْ جِهَتِهَا ، كَإِسْلَامِهَا ، أَوْ رِدَّتِهَا ، أَوْ إرْضَاعِهَا لِمَنْ يَنْفَسِخُ نِكَاحُهَا بِرَضَاعِهِ ، فَفِي الرُّجُوعِ بِجَمِيعِ الصَّدَاقِ عَلَيْهَا رِوَايَتَانِ ، كَمَا فِي الرُّجُوعِ بِالنِّصْفِ سَوَاءً .","part":15,"page":441},{"id":7441,"text":"( 5628 ) فَصْلٌ : وَإِنْ أَصْدَقَهَا عَبْدًا ، فَوَهَبَتْهُ نِصْفَهُ ، ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ ، انْبَنَى ذَلِكَ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ ؛ فَإِنْ قُلْنَا : إذَا وَهَبَتْهُ الْكُلَّ لَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ .\rرَجَعَ هَاهُنَا فِي رُبْعِهِ ، وَعَلَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى ، يَرْجِعُ فِي النِّصْفِ الْبَاقِي كُلِّهِ ؛ لِأَنَّهُ وَجَدَهُ بِعَيْنِهِ .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَالْمُزَنِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَرْجِعُ بِشَيْءٍ ؛ لِأَنَّ النِّصْفَ حُصِلَ فِي يَدِهِ ، فَقَدْ اسْتَعْجَلَ حَقَّهُ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، فِي أَحَدِ أَقْوَالِهِ كَقَوْلِنَا .\rوَالثَّانِي ، لَهُ نِصْفُ النِّصْفِ الْبَاقِي ، وَنِصْفُ قِيمَةِ الْمَوْهُوبِ .\rوَالثَّالِثُ ، يَتَخَيَّرُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ الرُّجُوعِ بِقِيمَةِ النِّصْفِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ وَجَدَ نِصْفَ مَا أَصْدَقَهَا بِعَيْنِهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَمْ تَهَبْهُ شَيْئًا .","part":15,"page":442},{"id":7442,"text":"( 5629 ) فَصْلٌ : فَإِنْ خَالَعَ امْرَأَتَهُ بِنِصْفِ صَدَاقِهَا ، قَبْلَ دُخُولِهِ ، بِهَا صَحَّ وَصَارَ الصَّدَاقُ كُلُّهُ ؛ لَهُ نِصْفُهُ بِالطَّلَاقِ ، وَنِصْفُهُ بِالْخُلْعِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يَصِيرَ لَهُ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهِ ؛ لِأَنَّهُ إذَا خَالَعَهَا بِنِصْفِهِ ، مَعَ عِلْمِهِ أَنَّ النِّصْفَ يَسْقُطُ عَنْهُ ، صَارَ مُخَالِعًا بِنِصْفِ النِّصْفِ الَّذِي يَبْقَى لَهَا ، فَيَصِيرُ لَهُ النِّصْفُ بِالطَّلَاقِ ، وَالرُّبْعُ بِالْخُلْعِ .\rوَإِنْ خَالَعَهَا بِمِثْلِ نِصْفِ الصَّدَاقِ فِي ذِمَّتِهَا ، صَحَّ ، وَسَقَطَ جَمِيعُ الصَّدَاقِ ؛ نِصْفُهُ بِالطَّلَاقِ بِالْمُقَاصَّةِ بِمَا فِي ذِمَّتِهَا لَهُ مِنْ عِوَضِ الْخُلْعِ .\rوَلَوْ قَالَتْ لَهُ : اخْلَعْنِي بِمَا تُسَلِّمُ لِي مِنْ صَدَاقِي .\rفَفَعَلَ ، صَحَّ ، وَبَرِئَ مِنْ جَمِيعِ الصَّدَاقِ .\rوَكَذَلِكَ إنْ قَالَتْ : اخْلَعْنِي عَلَى أَنْ لَا تَبِعَةَ عَلَيْك فِي الْمَهْرِ .\rصَحَّ ، وَسَقَطَ جَمِيعُهُ عَنْهُ .\rوَإِنْ خَالَعَتْهُ بِمِثْلِ جَمِيعِ الصَّدَاقِ فِي ذِمَّتِهَا ، صَحَّ ، وَيَرْجِعُ عَلَيْهَا بِنِصْفِهِ ؛ لِأَنَّهُ يَسْقُطُ نِصْفُهُ بِالْمُقَاصَّةِ بِالنِّصْفِ الَّذِي لَهَا عَلَيْهِ ، وَيَسْقُطُ عَنْهُ النِّصْفُ بِالطَّلَاقِ ، يَبْقَى لَهَا عَلَيْهَا النِّصْفُ .\rوَإِنْ خَالَعَتْهُ بِصَدَاقِهَا كُلِّهِ فَكَذَلِكَ ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ .\rوَفِي الْآخَرِ ، لَا يَرْجِعُ عَلَيْهَا بِشَيْءٍ لِأَنَّهُ لَمَّا خَالَعَهَا بِهِ ، مَعَ عِلْمِهِ بِسُقُوطِ نِصْفِهِ بِالطَّلَاقِ ، كَانَ مُخَالِعًا لَهَا بِنِصْفِهِ ، وَيَسْقُطُ عَنْهُ بِالطَّلَاقِ نِصْفُهُ ، وَلَا يَبْقَى لَهَا شَيْءٌ .","part":15,"page":443},{"id":7443,"text":"( 5630 ) فَصْلٌ : وَإِذَا أَبْرَأْت الْمُفَوِّضَةُ مِنْ الْمَهْرِ ، صَحَّ قَبْلَ الدُّخُولِ وَبَعْدَهُ ، وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ مُفَوِّضَةُ الْبُضْعِ وَمُفَوِّضَةُ الْمَهْرِ .\rوَكَذَلِكَ مَنْ سُمِّيَ لَهَا مَهْرٌ فَاسِدٌ كَالْخَمْرِ وَالْمَجْهُولِ ؛ لِأَنَّ الْمَهْرَ وَاجِبٌ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ ، وَإِنَّمَا جَهْلُ قَدْرِهِ ، وَالْبَرَاءَةُ مِنْ الْمَجْهُولِ صَحِيحَةٌ ؛ لِأَنَّهَا إسْقَاطٌ ، فَصَحَّتْ فِي الْمَجْهُولِ كَالطَّلَاقِ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا تَصِحُّ الْبَرَاءَةُ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذَا ؛ لِأَنَّ الْمُفَوِّضَةَ لَمْ يَجِبْ لَهَا مَهْرٌ ، فَلَا يَصِحُّ الْإِبْرَاءُ مِمَّا لَمْ يَجِبْ ، وَغَيْرُهَا مَهْرُهَا مَجْهُولٌ ، وَالْبَرَاءَةُ مِنْ الْمَجْهُولِ لَا تَصِحُّ ، إلَّا أَنْ تَقُولَ : أَبْرَأْتُك مِنْ دِرْهَمٍ إلَى أَلْفٍ .\rفَيَبْرَأُ مِنْ مَهْرِهَا إذَا كَانَ دُونَ الْأَلْفِ .\rوَقَدْ دَلَّلْنَا عَلَى وُجُوبِهِ فِيمَا مَضَى ، فَيَصِحُّ الْإِبْرَاءُ مِنْهُ ، كَمَا لَوْ قَالَتْ : أَبْرَأْتُك مِنْ دِرْهَمٍ إلَى أَلْفٍ .\rوَإِذَا أَبْرَأَتْ الْمُفَوِّضَةُ ، ثُمَّ طَلُقَتْ قَبْلَ الدُّخُولِ ، فَإِنْ قُلْنَا : لَا يَرْجِعُ إلَى الْمُسَمَّى لَهَا .\rلَمْ يَرْجِعْ هَاهُنَا ، وَإِنْ قُلْنَا : يَرْجِعُ ثَمَّ .\rاحْتَمَلَ أَنْ لَا يَرْجِعَ هَاهُنَا ؛ لِأَنَّ الْمَهْرَ كُلَّهُ سَقَطَ بِالطَّلَاقِ ، وَوَجَبَتْ الْمُتْعَةُ بِالطَّلَاقِ ابْتِدَاءً .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يَرْجِعَ ؛ لِأَنَّهُ عَادَ إلَيْهِ مَهْرُهَا بِسَبَبِ غَيْرِ الطَّلَاقِ .\rوَبِكَمْ يَرْجِعُ ؟ يَحْتَمِلُ أَنْ يَرْجِعَ بِنِصْفِ مَهْرِ الْمِثْلِ ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي وَجَبَ بِالْعَقْدِ ، فَهُوَ كَنِصْفِ الْمَفْرُوضِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَرْجِعَ بِنِصْفِ الْمُتْعَةِ ؛ لِأَنَّهَا الَّتِي تَجِبُ بِالطَّلَاقِ ، فَأَشْبَهَتْ الْمُسَمَّى .","part":15,"page":444},{"id":7444,"text":"( 5631 ) فَصْلٌ : وَإِنْ أَبْرَأَتْهُ الْمُفَوِّضَةُ مِنْ نِصْفِ صَدَاقِهَا ، ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ ، فَلَا مُتْعَةَ لَهَا ؛ لِأَنَّ الْمُتْعَةَ قَائِمَةٌ مَقَامَ نِصْفِ الصَّدَاقِ ، وَقَدْ أَبْرَأَتْ مِنْهُ ، فَصَارَ كَمَا لَوْ قَبَضَتْهُ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يَجِبَ لَهَا نِصْفُ الْمُتْعَةِ إذَا قُلْنَا : إنَّ الزَّوْجَ لَا يَرْجِعُ عَلَيْهَا بِشَيْءِ إذَا أَبْرَأَتْ مِنْ جَمِيعِ صَدَاقِهَا .","part":15,"page":445},{"id":7445,"text":"( 5632 ) فَصْلٌ : وَلَوْ بَاعَ رَجُلًا عَبْدًا بِمِائَةٍ ، فَأَبْرَأْهُ الْبَائِعُ مِنْ الثَّمَنِ ، أَوْ قَبْضَهُ ثُمَّ وَهَبَهُ إيَّاهُ ، ثُمَّ وَجَدَ الْمُشْتَرِي بِالْعَبْدِ عَيْبًا ، فَهَلْ لَهُ رَدُّ الْمَبِيعِ ، وَالْمُطَالَبَةُ بِالثَّمَنِ ، أَوْ أَخْذُ أَرْشَ الْعَيْبِ مَعَ إمْسَاكِهِ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ ، بِنَاءً عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي الصَّدَاقِ إذَا وَهَبَتْهُ الْمَرْأَةُ لِزَوْجِهَا ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ .\rوَإِنْ كَانَتْ بِحَالِهَا ، فَوَهَبَ الْمُشْتَرِي الْعَبْدَ لِلْبَائِعِ ، ثُمَّ أَفْلَسَ الْمُشْتَرِي ، وَالثَّمَنُ فِي ذِمَّتِهِ ، فَلِلْبَائِعِ أَنْ يَضْرِبَ بِالثَّمَنِ مَعَ الْغُرَمَاءِ ، وَجْهًا وَاحِدًا ؛ لِأَنَّ الثَّمَنَ مَا عَادَ إلَى الْبَائِعِ مِنْهُ شَيْءٌ ، وَلِذَلِكَ كَانَ يَجِبُ أَدَاؤُهُ إلَيْهِ قَبْلَ الْفَلْسِ ، بِخِلَافِ الَّتِي قَبْلَهَا .\rوَلَوْ كَاتَبَ عَبْدًا ، ثُمَّ أَسْقَطَ عَنْهُ مَالَ الْكِتَابَةِ ، بَرِئَ ، وَعَتَقَ ، وَلَمْ يَرْجِعْ عَلَى سَيِّدِهِ بِالْقَدْرِ الَّذِي كَانَ يَجِبُ عَلَى السَّيِّدِ أَنْ يُؤْتِيَهُ إيَّاهُ ، كَذَلِكَ لَوْ أَسْقَطَ عَنْهُ الْقَدْرَ الَّذِي يَلْزَمَهُ إيتَاؤُهُ إيَّاهُ ، وَاسْتَوْفَى الْبَاقِي ، لَمْ يَلْزَمْهُ أَنْ يُؤْتِيَهُ شَيْئًا ؛ لِأَنَّ إسْقَاطَهُ عَنْهُ يَقُومُ مَقَامَ الْإِيتَاءِ .\rوَخَرَّجَهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَلَى وَجْهَيْنِ ، بِنَاءً عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي الصَّدَاقِ ، وَلَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ أَسْقَطَتْ الصَّدَاقَ الْوَاجِبَ لَهَا قَبْلَ وُجُودِ سَبَبِ اسْتِحْقَاقِ الزَّوْجِ عَلَيْهَا نِصْفَهُ ، وَهَاهُنَا أَسْقَطَ السَّيِّدُ عَنْ الْمُكَاتِبِ مَا وُجِدَ سَبَبُ إيتَائِهِ إيَّاهُ ، فَكَانَ إسْقَاطُهُ مَقَامَ إيتَائِهِ ، وَلِهَذَا لَوْ قَبَضَهُ السَّيِّدُ مِنْهُ ، ثُمَّ آتَاهُ إيَّاهُ ، لَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ .\rوَلَوْ قَبَضَتْ الْمَرْأَةُ صَدَاقَهَا ، وَوَهَبَتْهُ لِزَوْجِهَا ، ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ لَرَجَعَ عَلَيْهَا ، فَافْتَرَقَا .","part":15,"page":446},{"id":7446,"text":"( 5633 ) فَصْلٌ : وَلَا يَبْرَأُ الزَّوْجُ مِنْ الصَّدَاقِ إلَّا بِتَسْلِيمِهِ إلَى مَنْ يَتَسَلَّمُ مَالَهَا ، فَإِنْ كَانَتْ رَشِيدَةً ، لَمْ يَبْرَأْ إلَّا بِالتَّسْلِيمِ إلَيْهَا ، أَوْ إلَى وَكِيلِهَا ، وَلَا يَبْرَأُ بِالتَّسْلِيمِ إلَى أَبِيهَا وَلَا إلَى غَيْرِهِ ؛ بِكْرًا كَانَتْ أَوْ ثَيِّبًا .\rقَالَ أَحْمَدُ : إذَا أَخَذَ مَهْرَ ابْنَتِهِ ، وَأَنْكَرَتْ ، فَذَاكَ لَهَا ، تَرْجِعُ عَلَى زَوْجِهَا بِالْمَهْرِ ، وَيَرْجِعُ الزَّوْجُ عَلَى أَبِيهَا .\rفَقِيلَ لَهُ : أَلَيْسَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : أَنْتَ وَمَالُك لِأَبِيكَ } ؟ قَالَ : نَعَمْ ، وَلَكِنَّ هَذَا لَمْ يَأْخُذْ مِنْهَا ، إنَّمَا أَخَذَ مِنْ زَوْجِهَا .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَهُ قَبْضُ صَدَاقِ الْبِكْرِ دُونَ الثَّيِّبِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ الْعَادَةُ ، وَلِأَنَّ الْبِكْرَ تَسْتَحِي ، فَقَامَ أَبُوهَا مَقَامَهَا ، كَمَا قَامَ مَقَامَهَا فِي تَزْوِيجِهَا .\rوَلَنَا ، أَنَّهَا رَشِيدَةٌ ، فَلَمْ يَكُنْ لِغَيْرِهَا قَبْضُ صَدَاقِهَا ، كَالثَّيِّبِ ، أَوْ عِوَضٌ مَلَكَتْهُ وَهِيَ رَشِيدَةٌ ، فَلَمْ يَكُنْ لِغَيْرِهَا قَبْضُهُ بِغَيْرِ إذْنِهَا ، كَثَمَنِ مَبِيعِهَا ، وَأَجْرِ دَارِهَا .\rوَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ رَشِيدَةٍ ، سَلَّمَهُ إلَى وَلِيِّهَا فِي مَالِهَا ، مِنْ أَبِيهَا ، أَوْ وَصِيِّهِ ، أَوْ الْحَاكِمِ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ أَمْوَالِهَا ، فَهُوَ كَثَمَنِ مَبِيعِهَا ، وَأَجْرِ دَارِهَا .","part":15,"page":447},{"id":7447,"text":"( 5634 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَلَيْسَ عَلَيْهِ دَفْعُ نَفَقَةِ زَوْجَتِهِ ، إذَا كَانَ مِثْلُهَا لَا يُوطَأُ ، أَوْ مُنِعَ مِنْهَا بِغَيْرِ عُذْرٍ ، فَإِنْ كَانَ الْمَنْعُ مِنْ قِبَلِهِ ، لَزِمَتْهُ النَّفَقَةُ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا كَانَتْ لَا يُوطَأُ مِثْلُهَا ؛ لِصِغَرِهَا ، فَطَلَبَ وَلِيُّهَا تَسَلُّمَهَا ، وَالْإِنْفَاقَ عَلَيْهَا ، لَمْ يَجِبْ ذَلِكَ عَلَى الزَّوْجِ ؛ لِأَنَّ النَّفَقَةَ فِي مُقَابَلَةِ الِاسْتِمْتَاعِ ، وَلِهَذَا تَسْقُطُ بِالنُّشُوزِ ، وَهَذِهِ لَا يُمْكِنُهُ الِاسْتِمْتَاعُ بِهَا .\rوَإِنْ كَانَتْ كَبِيرَةً فَمَنَعَتْهُ نَفْسَهَا ، أَوْ مَنَعَهَا أَوْلِيَاؤُهَا ، فَلَا نَفَقَةَ لَهَا أَيْضًا ؛ لِأَنَّهَا فِي مَعْنَى النَّاشِزِ ؛ لِكَوْنِهَا لَمْ تُسَلِّمْ الْوَاجِبَ عَلَيْهَا ، فَلَا يَجِبُ تَسْلِيمُ مَا فِي مُقَابَلَتِهِ مِنْ الْإِنْفَاقِ .\rوَكُلُّ مَوْضِعٍ لَزِمَتْهُ النَّفَقَةُ ، لَزِمَهُ تَسْلِيمُ الصَّدَاقِ الْحَالِّ إذَا طُولِبَ بِهِ .\rفَأَمَّا الْمَوْضِعُ الَّذِي لَا تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهَا فِيهِ ، كَالصَّغِيرَةِ ، وَالْمَانِعَةِ نَفْسَهَا ، فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَامِدٍ : يَجِبُ تَسْلِيمُ الصَّدَاقِ .\rوَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ الْمَهْرَ فِي مُقَابَلَةِ مِلْكِ الْبُضْعِ ، وَقَدْ مَلَكَهُ ، بِخِلَافِ النَّفَقَةِ ، فَإِنَّهَا فِي مُقَابَلَةِ التَّمْكِينِ .\rوَرَدَّ قَوْمٌ هَذَا وَقَالُوا : الْمَهْرُ قَدْ مَلَكَتْهُ فِي مُقَابَلَةِ مَا مَلَكَهُ مِنْ بُضْعِهَا ، فَلَيْسَ لَهَا الْمُطَالَبَةُ بِالِاسْتِيفَاءِ إلَّا عِنْدَ إمْكَانِ الزَّوْجِ اسْتِيفَاءَ الْعِوَضِ .","part":15,"page":448},{"id":7448,"text":"( 5635 ) فَصْلٌ : وَإِمْكَانُ الْوَطْءِ فِي الصَّغِيرَةِ مُعْتَبَرٌ بِحَالِهَا وَاحْتِمَالِهَا لِذَلِكَ .\rقَالَهُ الْقَاضِي .\rوَذَكَرَ أَنَّهُنَّ يَخْتَلِفْنَ ، فَقَدْ تَكُونُ صَغِيرَةَ السِّنِّ تَصْلُحُ ، وَكَبِيرَةً لَا تَصْلُحُ .\rوَحَدَّهُ أَحْمَدُ بِتِسْعِ سِنِينَ ، فَقَالَ فِي رِوَايَةِ أَبِي الْحَارِثِ فِي الصَّغِيرَةِ يَطْلُبُهَا زَوْجُهَا : فَإِنْ أَتَى عَلَيْهَا تِسْعُ سِنِينَ ، دُفِعَتْ إلَيْهِ ، لَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَحْبِسُوهَا بَعْدَ التِّسْعِ .\rوَذَهَبَ فِي ذَلِكَ إلَى أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَنَى بِعَائِشَةَ وَهِيَ ابْنَةُ تِسْعٍ .\rقَالَ الْقَاضِي : وَهَذَا عِنْدِي لَيْسَ عَلَى طَرِيقِ التَّحْدِيدِ ، وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّ ابْنَةَ تِسْعٍ يَتَمَكَّنُ مِنْ الِاسْتِمْتَاعِ بِهَا ، فَمَتَى كَانَتْ لَا تَصْلُحُ لِلْوَطْءِ ، لَمْ يَجِبْ عَلَى أَهْلِهَا تَسْلِيمُهَا إلَيْهِ ، وَإِنْ ذَكَرَ أَنَّهُ يَحْضُنُهَا وَيُرَبِّيهَا وَلَهُ مَنْ يَخْدِمُهَا ، لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ الِاسْتِمْتَاعَ بِهَا ، وَلَيْسَتْ لَهُ بِمَحِلٍّ ، وَلَا يُؤْمَنُ شَرَهُ نَفْسِهِ إلَى مُوَاقَعَتِهَا ، فَيَفُضُّهَا أَوْ يَقْتُلُهَا .\rوَإِنْ طَلَبَ أَهْلُهَا دَفْعَهَا إلَيْهِ ، فَامْتَنَعَ ، فَلَهُ ذَلِكَ ، وَلَا تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهَا ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمَكَّنُ مِنْ اسْتِيفَاءِ حَقِّهِ مِنْهَا .\rوَإِنْ كَانَتْ كَبِيرَةً إلَّا أَنَّهَا مَرِيضَةٌ مَرَضًا مَرْجُوَّ الزَّوَالِ ، لَمْ يَلْزَمْهَا تَسْلِيمُ نَفْسِهَا قَبْلَ بَرِئَهَا ؛ لِأَنَّهُ مَانِعٌ مَرْجُوُّ الزَّوَالِ ، فَهُوَ كَالصِّغَرِ ، وَلِأَنَّ الْعَادَةَ لَمْ تَجْرِ بِزَفِّ الْمَرِيضَةِ إلَى زَوْجِهَا ، وَالتَّسْلِيمُ فِي الْعَقْدِ يَجِبُ عَلَى حَسَبِ الْعُرْفِ .\rفَإِنْ سَلَّمَتْ نَفْسَهَا ، فَتَسَلَّمَهَا الزَّوْجُ ، فَعَلَيْهِ نَفَقَتُهَا ؛ لِأَنَّ الْمَرَضَ عَارِضٌ يَعْرِضُ وَيَتَكَرَّرُ ، فَيَشُقُّ إسْقَاطُ النَّفَقَةِ بِهِ ، فَجَرَى مَجْرَى الْحَيْضِ ، وَلِهَذَا لَوْ مَرِضَتْ بَعْدَ تَسْلِيمِهَا ، لَمْ تَسْقُطْ نَفَقَتُهَا .\rوَإِنْ امْتَنَعَ مِنْ تَسَلُّمِهَا ، فَلَهُ ذَلِكَ ، وَلَا تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهَا ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَجِبْ تَسْلِيمُهَا إلَيْهِ ، لَمْ يَجِبْ","part":15,"page":449},{"id":7449,"text":"عَلَيْهِ تَسَلُّمُهَا ، كَالصَّغِيرَةِ ، وَلِأَنَّ الْعَادَةَ لَمْ تَجْرِ بِتَسَلُّمِهَا عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : يَلْزَمُهُ تَسَلُّمُهَا ، وَإِنْ امْتَنَعَ ، فَعَلَيْهِ نَفَقَتُهَا ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّهُ عَارِضٌ لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ ، وَيَتَكَرَّرُ ، فَأَشْبَهَ الْحَيْضَ .\rفَأَمَّا إنْ كَانَ الْمَرَضُ غَيْرَ مَرْجُوِّ الزَّوَالِ ، لَزِمَ تَسْلِيمُهَا إلَى الزَّوْجِ إذَا طَلَبَهَا ، وَلَزِمَهُ تَسَلُّمُهَا إذَا عُرِضَتْ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ لَهَا حَالَةٌ يُرْجَى زَوَالُ ذَلِكَ فِيهَا ، فَلَوْ لَمْ تُسَلِّمْ نَفْسَهَا لَمْ يُفِدْ التَّزْوِيجُ فَائِدَةً ، وَلَهُ أَنْ يَسْتَمْتِعَ بِهَا ، فَإِنْ كَانَتْ نِضْوَةَ الْخَلْقِ ، وَهُوَ جَسِيمٌ ، تَخَافُ عَلَى نَفْسِهَا الْإِفْضَاءَ مِنْ عِظَمِ خَلْقِهِ ، فَلَهَا مَنْعُهُ مِنْ جِمَاعِهَا ، وَلَهُ الِاسْتِمْتَاعُ بِهَا فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ ، وَعَلَيْهِ نَفَقَتُهَا ، وَلَا يَثْبُتُ لَهُ خِيَارُ الْفَسْخِ ؛ لِأَنَّ هَذِهِ يُمْكِنُ الِاسْتِمْتَاعُ بِهَا لِغَيْرِهِ ، وَإِنَّمَا امْتِنَاعُ الِاسْتِمْتَاعِ لِمَعْنَى فِيهِ ، وَهُوَ عِظَمُ خَلْقِهِ ، بِخِلَافِ الرَّتْقَاءِ .\rوَإِنْ طَلَبَ تَسْلِيمَهَا إلَيْهِ وَهِيَ حَائِضٌ ، احْتَمَلَ أَنْ لَا يَجِبَ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ الْعَادَةِ ، فَأَشْبَهَ الْمَرَضَ الْمَرْجُوَّ الزَّوَالِ ، وَاحْتَمَلَ وُجُوبَ التَّسْلِيمِ ؛ لِأَنَّهُ يَزُولُ قَرِيبًا ، وَلَا يَمْنَعُ مِنْ الِاسْتِمْتَاعِ بِمَا دُونَ الْفَرْجِ ، فَإِذَا طَلَبَ ذَلِكَ لَمْ يَجُزْ مَنْعُهُ مِنْهُ ، كَمَا لَمْ يَجُزْ لَهَا مَنْعُهُ مِنْهُ بَعْدَ تَسَلُّمِهَا .\rوَإِنْ عُرِضَتْ عَلَيْهِ ، فَأَبَاهَا حَتَّى تَطْهُرَ ، فَعَلَى قَوْلِ الْقَاضِي ، يَلْزَمُهُ تَسَلُّمُهَا وَنَفَقَتُهَا إنْ امْتَنَعَ مِنْهُ ، وَيَتَخَرَّجُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا أَنْ لَا يَلْزَمَهُ ذَلِكَ كَالْمَرَضِ الْمَرْجُوِّ الزَّوَالِ .","part":15,"page":450},{"id":7450,"text":"( 5636 ) فَصْلٌ : فَإِنْ مَنَعَتْ نَفْسَهَا حَتَّى تَتَسَلَّمَ صَدَاقَهَا ، وَكَانَ حَالًّا ، فَلَهَا ذَلِكَ .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَأَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَمْتَنِعَ مِنْ دُخُولِ الزَّوْجِ عَلَيْهَا ، حَتَّى يُعْطِيَهَا مَهْرَهَا .\rوَإِنْ قَالَ الزَّوْجُ : لَا أُسَلِّمُ إلَيْهَا الصَّدَاقَ حَتَّى أَتَسَلَّمَهَا .\rأُجْبِرَ الزَّوْجُ عَلَى تَسْلِيمِ الصَّدَاقِ أَوَّلًا ، ثُمَّ تُجْبَرُ هِيَ عَلَى تَسْلِيمِ نَفْسِهَا .\rوَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فِي هَذَا عَلَى نَحْوِ مَذْهَبِهِ فِي الْبَيْعِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ فِي إجْبَارِهَا عَلَى تَسْلِيمِ نَفْسِهَا أَوَّلًا خَطَرَ إتْلَافِ الْبُضْعِ ، وَالِامْتِنَاعِ مِنْ بَذْلِ الصَّدَاقِ ، وَلَا يُمْكِنُ الرُّجُوعُ فِي الْبُضْعِ ، بِخِلَافِ الْمَبِيعِ الَّذِي يُجْبَرُ عَلَى تَسْلِيمِهِ قَبْلَ تَسْلِيمِهِ ثَمَنَهُ .\rفَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا ، فَلَهَا النَّفَقَةُ مَا امْتَنَعَتْ لِذَلِكَ ، وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا بِالصَّدَاقِ ؛ لِأَنَّ امْتِنَاعَهَا بِحَقٍّ .\rوَإِنْ كَانَ الصَّدَاقُ مُؤَجَّلًا ، فَلَيْسَ لَهَا مَنْعُ نَفْسِهَا قَبْلَ قَبْضِهِ ؛ لِأَنَّ رِضَاهَا بِتَأْجِيلِهِ رِضَى بِتَسْلِيمِ نَفْسِهَا قَبْلَ قَبْضِهِ ، كَالثَّمَنِ الْمُؤَجَّلِ فِي الْبَيْعِ .\rفَإِنْ حَلَّ الْمُؤَجَّلُ قَبْلَ تَسْلِيمِ نَفْسِهَا ، لَمْ يَكُنْ لَهَا مَنْعُ نَفْسِهَا أَيْضًا ؛ لِأَنَّ التَّسْلِيمَ قَدْ وَجَبَ عَلَيْهَا ، وَاسْتَقَرَّ قَبْلَ قَبْضِهِ ، فَلَمْ يَكُنْ لَهَا أَنْ تَمْتَنِعَ مِنْهُ .\rوَإِنْ كَانَ بَعْضُهُ حَالًّا وَبَعْضُهُ مُؤَجَّلًا ، فَلَهَا مَنْعُ نَفْسِهَا قَبْلَ قَبْضِ الْعَاجِلِ دُونَ الْآجِلِ .\rوَإِنْ كَانَ الْكُلُّ حَالًّا ، فَلَهَا مَنْعُ نَفْسِهَا عَلَى مَا ذَكَرْنَا .\rفَإِنْ سَلَّمَتْ نَفْسَهَا قَبْلَ قَبْضِهِ ، ثُمَّ أَرَادَتْ مَنَعَ نَفْسِهَا حَتَّى تَقْبِضَهُ ، فَقَدْ تَوَقَّفَ أَحْمَدُ عَنْ الْجَوَابِ فِيهَا .\rوَذَهَبَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ابْنُ بَطَّةَ وَأَبُو إِسْحَاقَ بْنُ شَاقِلَا إلَى أَنَّهَا لَيْسَ لَهَا ذَلِكَ .\rوَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٍ ؛ لِأَنَّ التَّسْلِيمَ اسْتَقَرَّ بِهِ الْعِوَضُ بِرِضَى الْمُسَلِّمِ ،","part":15,"page":451},{"id":7451,"text":"فَلَمْ يَكُنْ لَهَا أَنْ تَمْتَنِعَ مِنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ ، كَمَا لَوْ سَلَّمَ الْبَائِعُ الْمَبِيعَ .\rوَذَهَبَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَامِدٍ ، إلَى أَنَّ لَهَا ذَلِكَ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّهُ تَسْلِيمٌ يُوجِبُهُ عَلَيْهَا عَقْدُ النِّكَاحِ فَمَلَكَتْ أَنْ تَمْتَنِعَ مِنْهُ قَبْلَ قَبْضِ صَدَاقِهَا ، كَالْأَوَّلِ .\rفَأَمَّا إنْ وَطِئَهَا مُكْرَهَةً ، لَمْ يَسْقُطْ بِهِ حَقُّهَا مِنْ الِامْتِنَاعِ ؛ لِأَنَّهُ حَصَلَ بِغَيْرِ رِضَاهَا ، كَالْمَبِيعِ إذَا أَخَذَهُ الْمُشْتَرِي مِنْ الْبَائِعِ كُرْهًا وَإِنْ أَخَذَتْ الصَّدَاقَ ، فَوَجَدَتْهُ مَعِيبًا ، فَلَهَا مَنْعُ نَفْسِهَا حَتَّى يُبَدِّلَهُ ، أَوْ يُعْطِيَهَا أَرْشَهُ ؛ لِأَنَّ صَدَاقَهَا صَحِيحٌ .\rوَإِنْ لَمْ تَعْلَمْ عَيْبَهُ حَتَّى سَلَّمَتْ نَفْسَهَا ، خُرِّجَ عَلَى الْوَجْهَيْنِ فِيمَا إذَا سَلَّمَتْ نَفْسَهَا قَبْلَ قَبْضِ صَدَاقِهَا ثُمَّ بَدَا لَهَا أَنْ تَمْتَنِعَ .\rوَكُلُّ مَوْضِعٍ قُلْنَا : لَهَا الِامْتِنَاعُ مِنْ تَسْلِيمِ نَفْسِهَا .\rفَلَهَا السَّفَرُ بِغَيْرِ إذْنِ الزَّوْجِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ لِلزَّوْجِ عَلَيْهَا حَقُّ الْحَبْسِ ، فَصَارَتْ كَمَنْ لَا زَوْجَ لَهَا .\rوَلَوْ بَقَّى مِنْهُ دِرْهَمٌ ، كَانَ كَبَقَاءِ جَمِيعِهِ ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَنْ ثَبَتَ لَهُ الْحَبْسُ بِجَمِيعِ الْبَدَلِ ، ثَبَتَ لَهُ الْحَبْسُ بِبَعْضِهِ ، كَسَائِرِ الدُّيُونِ .","part":15,"page":452},{"id":7452,"text":"( 5637 ) فَصْلٌ : وَإِنْ أَعْسَرَ الزَّوْجُ بِالْمَهْرِ الْحَالِّ قَبْلَ الدُّخُولِ ، فَلَهَا الْفَسْخُ ؛ لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ الْوُصُولُ إلَى عِوَضِ الْعَقْدِ قَبْلَ تَسْلِيمِ الْمُعَوَّضِ ، فَكَانَ لَهَا الْفَسْخُ ، كَمَا لَوْ أَعْسَرَ الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ قَبْلَ تَسْلِيمِ الْمَبِيعِ .\rوَأَجَازَ ابْنُ حَامِدٍ أَنَّهُ لَا فَسْخَ لَهَا .\rوَإِنْ أَعْسَرَ بَعْدَ الدُّخُولِ ، فَعَلَى وَجْهَيْنِ ، مَبْنِيَّيْنِ عَلَى مَنْعِ نَفْسِهَا ، فَإِنْ قُلْنَا : لَهَا مَنْعُ نَفْسِهَا بَعْدَ الدُّخُولِ .\rفَلَهَا الْفَسْخُ كَمَا قَبْلَ الدُّخُولِ ، وَإِنْ قُلْنَا : لَيْسَ لَهَا مَنْعُ نَفْسِهَا .\rفَلَيْسَ لَهَا الْفَسْخُ ، كَمَا لَوْ أَفْلَسَ بِدَيْنٍ لَهَا آخَرَ .\rوَلَا يَجُوزُ الْفَسْخُ إلَّا بِحُكْمِ حَاكِمٍ ؛ لِأَنَّهُ مُجْتَهَدٌ فِيهِ .","part":15,"page":453},{"id":7453,"text":"( 5638 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِذَا تَزَوَّجَهَا عَلَى صَدَاقَيْنِ سِرٍّ وَعَلَانِيَةٍ ، أُخِذَ بِالْعَلَانِيَةِ ، وَإِنْ كَانَ السِّرُّ قَدْ انْعَقَدَ بِهِ النِّكَاحُ ) ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ ، أَنَّ الرَّجُلَ إذَا تَزَوَّجَ الْمَرْأَةَ فِي السِّرِّ بِمَهْرٍ ، ثُمَّ عَقَدَ عَلَيْهَا فِي الْعَلَانِيَةِ بِمَهْرٍ آخَرَ ، أَنَّهُ يُؤْخَذُ بِالْعَلَانِيَةِ .\rوَهَذَا ظَاهِرُ قَوْلِ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ .\rوَهُوَ قَوْلُ الشَّعْبِيِّ ، وَابْنِ أَبِي لَيْلَى ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَأَبِي عُبَيْدٍ وَقَالَ الْقَاضِي : الْوَاجِبُ الْمَهْرُ الَّذِي انْعَقَدَ بِهِ النِّكَاحُ سِرًّا كَانَ أَوْ عَلَانِيَةً .\rوَحُمِلَ كَلَامُ أَحْمَدَ ، وَالْخِرَقِيِّ عَلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ لَمْ تُقِرَّ بِنِكَاحِ السِّرِّ فَثَبَتَ مَهْرُ الْعَلَانِيَةِ ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي ثَبَتَ بِهِ النِّكَاحُ .\rوَهَذَا قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَالشَّافِعِيِّ .\rوَنَحْوُهُ عَنْ شُرَيْحٍ ، وَالْحَسَنِ ، وَالزُّهْرِيِّ ، وَالْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ ، وَمَالِكٍ ، وَإِسْحَاقَ ؛ لِأَنَّ الْعَلَانِيَةَ لَيْسَ بِعَقْدٍ ، وَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ وُجُوبُ شَيْءٍ .\rوَوَجْهُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ ، أَنَّهُ إذَا عَقَدَ فِي الظَّاهِرِ عَقْدًا بَعْدَ عَقْدِ السِّرِّ ، فَقَدْ وُجِدَ مِنْهُ بَذْلُ الزَّائِدِ عَلَى مَهْرِ السِّرِّ ، فَيَجِبُ ذَلِكَ عَلَيْهِ ، كَمَا لَوْ زَادَهَا عَلَى صَدَاقِهَا .\rوَمُقْتَضَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ التَّعْلِيلِ لِكَلَامِ الْخِرَقِيِّ ، أَنَّهُ إنْ كَانَ مَهْرُ السِّرِّ أَكْثَرَ مِنْ الْعَلَانِيَةِ ، وَجَبَ مَهْرُ السِّرِّ ؛ لِأَنَّهُ وَجَبَ عَلَيْهِ بِعَقْدِهِ ، وَلَمْ تُسْقِطْهُ الْعَلَانِيَةُ فَبَقِيَ وُجُوبُهُ ، فَأَمَّا إنْ اتَّفَقَا عَلَى أَنَّ الْمَهْرَ أَلْفٌ وَأَنَّهُمَا يَعْقِدَانِ الْعَقْدَ بِأَلْفَيْنِ تَجَمُّلًا ، فَفَعَلَا ذَلِكَ فَالْمَهْرُ أَلْفَانِ ؛ لِأَنَّهَا تَسْمِيَةٌ صَحِيحَةٌ فِي عَقْدٍ صَحِيحٍ ، فَوَجَبَتْ ، كَمَا لَوْ لَمْ يَتَقَدَّمْهَا اتِّفَاقٌ عَلَى خِلَافِهَا .\rوَهَذَا أَيْضًا قَوْلُ الْقَاضِي ، وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَلَا فَرْقَ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ السِّرُّ مِنْ جِنْسِ","part":15,"page":454},{"id":7454,"text":"الْعَلَانِيَةِ ، نَحْوُ أَنْ يَكُونَ السِّرُّ أَلْفًا وَالْعَلَانِيَةُ أَلْفَيْنِ ، أَوْ يَكُونَا مِنْ جِنْسَيْنِ ، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ السِّرُّ مِائَةَ دِرْهَمٍ وَالْعَلَانِيَةُ مِائَةَ دِينَارٍ .\rوَإِذَا قُلْنَا : إنَّ الْوَاجِبَ مَهْرُ الْعَلَانِيَةِ .\rفَيُسْتَحَبُّ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَفِيَ لِلزَّوْجِ بِمَا وَعَدَتْ بِهِ ، وَشَرَطَتْهُ عَلَى نَفْسِهَا ، مِنْ أَنَّهَا لَا تَأْخُذُ إلَّا مَهْرَ السِّرِّ .\rقَالَ أَحْمَدُ ، فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ : إذَا تَزَوَّجَ امْرَأَةً فِي السِّرِّ بِمَهْرٍ ، وَأَعْلَنُوا مَهْرًا ، يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَفُوا ، وَيُؤْخَذَ بِالْعَلَانِيَةِ .\rفَاسْتَحَبَّ الْوَفَاءُ بِالشَّرْطِ ، لِئَلَّا يَحْصُلَ مِنْهُمْ غُرُورٌ ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { الْمُؤْمِنُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ .\r} وَعَلَى قَوْلِ الْقَاضِي ، إذَا ادَّعَى الزَّوْجُ عَقْدًا فِي السِّرِّ انْعَقَدَ بِهِ النِّكَاحُ ، فِيهِ مَهْرٌ قَلِيلٌ ، فَصَدَّقَتْهُ ، فَلَيْسَ لَهَا سِوَاهُ ، وَإِنْ أَنْكَرَتْهُ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا ؛ لِأَنَّهَا مُنْكِرَةٌ .\rوَإِنْ أَقَرَّتْ بِهِ ، وَقَالَتْ : هُمَا مَهْرَانِ فِي نِكَاحَيْنِ .\rوَقَالَ : بَلْ نِكَاحٌ وَاحِدٌ ، أَسْرَرْنَاهُ ثُمَّ أَظْهَرْنَاهُ .\rفَالْقَوْلُ قَوْلُهَا ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الثَّانِيَ عَقْدٌ صَحِيحٌ يُفِيدُ حُكْمًا كَالْأَوَّلِ ، وَلَهَا الْمَهْرُ فِي الْعَقْدِ الثَّانِي ، وَنِصْفُ الْمَهْرِ فِي الْعَقْدِ الْأَوَّلِ ، إنْ ادَّعَى سُقُوطَ نِصْفِهِ بِالطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ وَإِنْ أَصَرَّ عَلَى الْإِنْكَارِ ، سُئِلَتْ الْمَرْأَةُ فَإِنْ ادَّعَتْ أَنَّهُ دَخَلَ بِهَا فِي النِّكَاحِ الْأَوَّلِ ، ثُمَّ طَلَّقَهَا طَلَاقًا بَائِنًا ، ثُمَّ نَكَحَهَا نِكَاحًا ثَانِيًا ، حَلَفَتْ عَلَى ذَلِكَ وَاسْتَحَقَّتْ ، وَإِنْ أَقَرَّتْ بِمَا يُسْقِطُ نِصْفَ الْمَهْرِ أَوْ جَمِيعَهُ ، لَزِمَهَا مَا أَقَرَّتْ بِهِ .","part":15,"page":455},{"id":7455,"text":"( 5639 ) فَصْلٌ إذَا تَزَوَّجَ أَرْبَعَ نِسْوَةٍ فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ بِمَهْرٍ وَاحِدٍ ، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ لَهُنَّ وَلِيٌّ وَاحِدٌ كَبَنَاتِ الْأَعْمَامِ ، أَوْ مَوْلَيَاتٌ لِمَوْلَى وَاحِدٍ ، أَوْ مَنْ لَيْسَ لَهُنَّ وَلِيٌّ ، فَزَوَّجَهُنَّ الْحَاكِمُ ، أَوْ كَانَ لَهُنَّ أَوْلِيَاءٌ فَوَكَّلُوا وَكِيلًا وَاحِدًا ، فَعَقَدَ نِكَاحَهُنَّ مَعَ رَجُلٍ ، فَقَبِلَهُ ، فَالنِّكَاحُ صَحِيحٌ ، وَالْمَهْرُ صَحِيحٌ .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ .\rوَهُوَ أَشْهَرُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ وَالْقَوْلُ الثَّانِي ، أَنَّ الْمَهْرَ فَاسِدٌ ، وَيَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ ؛ لِأَنَّ مَا يَجِبُ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ مِنْ الْمَهْرِ غَيْرُ مَعْلُومٍ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الْفَرْضَ فِي الْجُمْلَةِ مَعْلُومٌ ، فَلَا يَفْسُدُ لِجَهَالَتِهِ فِي التَّفْصِيلِ ، كَمَا لَوْ اشْتَرَى أَرْبَعَةَ أَعْبُدٍ مِنْ رَجُلٍ بِثَمَنِ وَاحِدٍ وَكَذَلِكَ الصُّبْرَةُ بِثَمَنِ وَاحِدٍ ، وَهُوَ لَا يَعْلَمُ قَدْرَ قَفَزَانِهَا .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّ الصَّدَاقَ يُقْسَمُ بَيْنَهُنَّ عَلَى قَدْرِ مُهُورِهِنَّ فِي قَوْلِ الْقَاضِي ، وَابْنِ حَامِدٍ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَصَاحِبَيْهِ ، وَالشَّافِعِيِّ وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : يُقْسَمُ بَيْنَهُنَّ بِالسَّوِيَّةِ ؛ لِأَنَّهُ أَضَافَهُ إلَيْهِنَّ إضَافَةً وَاحِدَةً ، فَكَانَ بَيْنَهُنَّ بِالسَّوَاءِ ، كَمَا لَوْ وَهَبَهُ لَهُنَّ ، أَوْ أَقَرَّ بِهِ لَهُنَّ ، وَكَمَا لَوْ اشْتَرَى جَمَاعَةٌ ثَوْبًا بِأَثْمَانٍ مُخْتَلِفَةٍ ، ثُمَّ بَاعُوهُ مُرَابَحَةً أَوْ مُسَاوَمَةً ، كَانَ الثَّمَنُ بَيْنَهُمْ بِالسَّوَاءِ ، وَإِنْ اخْتَلَفَتْ رُءُوسُ أَمْوَالِهِمْ ، وَلِأَنَّ الْقَوْلَ بِتَقْسِيطِهِ يُفْضِي إلَى جَهَالَةِ الْعِوَضِ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ وَذَلِكَ يُفْسِدُهُ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الصَّفْقَةَ اشْتَمَلَتْ عَلَى شَيْئَيْنِ مُخْتَلِفِي الْقِيمَةِ ، فَوَجَبَ تَقْسِيطُ الْعِوَضِ عَلَيْهِمَا بِالْقِيمَةِ ، كَمَا لَوْ بَاعَ شِقْصًا وَسَيْفًا ، أَوْ كَمَا لَوْ ابْتَاعَ عَبْدَيْنِ ، فَوَجَدَ أَحَدَهُمَا حُرًّا أَوْ مَغْصُوبًا .\rوَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ ، فِي مِنْ ابْتَاعَ عَبْدَيْنِ ، فَإِذَا أَحَدُهُمَا حُرٌّ ، أَنَّهُ يَرْجِعُ بِقِيمَتِهِ مِنْ الثَّمَنِ .","part":15,"page":456},{"id":7456,"text":"وَكَذَلِكَ نَصَّ فِي مَنْ تَزَوَّجَ عَلَى جَارِيَتَيْنِ ، فَإِذَا إحْدَاهُمَا حُرَّةٌ ، أَنَّهُ يَرْجِعُ بِقِيمَةِ الْحُرَّةِ وَلَوْ اشْتَرَى عَبْدَيْنِ فَوَجَدَ أَحَدَهُمَا مَعِيبًا فَرَدَّهُ لَرَجَعَ بِقِسْطِهِ مِنْ الثَّمَنِ .\rمَا ذَكَرَهُ مِنْ الْمَسْأَلَةِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ لَهُ ، وَإِنْ سُلِّمَ فَالْقِيمَةُ ثَمَّ وَاحِدَةٌ ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا .\rوَأَمَّا الْهِبَةُ وَالْإِقْرَارُ ، فَلَيْسَ فِيهِمَا قِيمَةٌ يُرْجَعُ إلَيْهَا ، وَتُقَسَّمُ الْهِبَةُ عَلَيْهِمَا ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا ، وَإِفْضَاؤُهُ إلَى جَهَالَةِ التَّفْصِيلِ ، لَا يَمْنَعُ الصِّحَّةَ إذَا كَانَ مَعْلُومَ الْجُمْلَةِ ، وَيَتَفَرَّعُ عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ، إذَا خَالَعَ امْرَأَتَيْنِ بِعِوَضٍ وَاحِدٍ ، أَوْ كَاتَبَ عَبِيدًا بِعِوَضٍ وَاحِدٍ ، أَنَّهُ يَصِحُّ مَعَ الْخِلَافِ فِيهِ وَيُقَسَّمُ الْعِوَضُ فِي الْخُلْعِ عَلَى قَدْرِ الْمَهْرَيْنِ ، وَفِي الْكِتَابَةِ عَلَى قَدْرِ قِيمَةِ الْعَبِيدِ .\rوَعَلَى قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ ، يُقَسَّمُ بِالسَّوِيَّةِ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ .","part":15,"page":457},{"id":7457,"text":"( 5640 ) فَصْلٌ : وَإِذَا تَزَوَّجَ امْرَأَتَيْنِ بِصَدَاقٍ وَاحِدٍ ، وَإِحْدَاهُمَا مِمَّنْ لَا يَصِحُّ الْعَقْدُ عَلَيْهَا ؛ لِكَوْنِهَا مُحَرَّمَةً عَلَيْهِ ، أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ وَقُلْنَا بِصِحَّةِ النِّكَاحِ فِي الْأُخْرَى ، فَلَهَا بِحِصَّتِهَا مِنْ الْمُسَمَّى .\rوَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ عَلَى قَوْلٍ وَأَبُو يُوسُفَ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : الْمُسَمَّى كُلُّهُ لِلَّتِي يَصِحُّ نِكَاحُهَا ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ الْفَاسِدَ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حُكْمٌ بِحَالٍ ، فَصَارَ كَأَنَّهُ تَزَوَّجَهَا وَالْحَائِطُ بِالْمُسَمَّى .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ عَقْدٌ عَلَى عَيْنَيْنِ ، إحْدَاهُمَا لَا يَجُوزُ الْعَقْدُ عَلَيْهَا ، فَلَزِمَهُ فِي الْأُخْرَى بِحِصَّتِهَا ، كَمَا لَوْ بَاعَ عَبْدَهُ وَأُمَّ وَلَدِهِ .\rمَا ذَكَرُوهُ لَيْسَ بِصَحِيحٍ ؛ فَإِنَّ الْمَرْأَةَ فِي مُقَابَلَةِ نِكَاحِهَا مَهْرٌ بِخِلَافِ الْحَائِطِ .","part":15,"page":458},{"id":7458,"text":"( 5641 ) فَصْلٌ : فَإِنْ جَمَعَ بَيْنَ نِكَاحٍ وَبَيْعٍ ، فَقَالَ : زَوَّجْتُك ابْنَتِي ، وَبِعْتُك دَارِي هَذَا بِأَلْفٍ .\rصَحَّ ، وَيُقَسَّطُ الْأَلْفُ ، عَلَى صَدَاقِهَا ، وَقِيمَةُ الدَّارِ .\rوَإِنْ قَالَ زَوَّجْتُك ابْنَتِي ، وَاشْتَرَيْت مِنْك عَبْدَك هَذَا بِأَلْفٍ .\rفَقَالَ : بِعْتُكَهُ ، وَقَبِلْت النِّكَاحَ .\rصَحَّ ، وَيُقَسَّطُ الْأَلْفُ عَلَى الْعَبْدِ وَمَهْرِ الْمِثْلِ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ : لَا يَصِحُّ الْبَيْعُ وَالْمَهْرُ ؛ لِإِفْضَائِهِ إلَى الْجَهَالَةِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُمَا عَقْدَانِ يَصِحُّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُنْفَرِدًا ، فَصَحَّ جَمْعُهُمَا ، كَمَا لَوْ بَاعَهُ ثَوْبَيْنِ .\rفَإِنْ قَالَ : زَوَّجْتُك وَلَك هَذَا الْأَلْفُ بِأَلْفَيْنِ .\rلَمْ يَصِحَّ الْمَهْرُ ؛ لِأَنَّهُ كَمَسْأَلَةِ مَدِّ عَجْوَةٍ .","part":15,"page":459},{"id":7459,"text":"( 5642 ) فَصْلٌ : وَإِنْ تَزَوَّجَهَا عَلَى أَلْفٍ إنْ كَانَ أَبُوهَا حَيًّا ، وَعَلَى أَلْفَيْنِ إنْ كَانَ أَبُوهَا مَيِّتًا ، فَالتَّسْمِيَةُ فَاسِدَةٌ ، وَلَهَا صَدَاقُ نِسَائِهَا .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا ؛ لِأَنَّ حَالَ الْأَبِ غَيْرُ مَعْلُومَةٍ ، فَيَكُونُ مَجْهُولًا .\rوَإِنْ قَالَ : تَزَوَّجْتُك عَلَى أَلْفٍ إنْ لَمْ أُخْرِجْك مِنْ دَارِك ، وَعَلَى أَلْفَيْنِ إنْ أَخْرَجْتُك مِنْهَا .\rأَوْ عَلَى أَلْفٍ إنْ لَمْ يَكُنْ لِي امْرَأَةٌ ، وَعَلَى أَلْفَيْنِ إنْ كَانَتْ لِي امْرَأَةٌ .\rفَنَصَّ أَحْمَدُ عَلَى صِحَّةِ التَّسْمِيَةِ فِي هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ .\rوَقَالَ الْقَاضِي ، وَأَبُو بَكْرٍ : فِي الْجَمِيعِ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، لَا يَصِحُّ .\rوَاخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ ؛ لِأَنَّ سَبِيلَهُ سَبِيلُ الشَّرْطَيْنِ ، فَلَمْ يَجُزْ ، كَالْبَيْعِ .\rوَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ ، يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ أَلْفًا مَعْلُومٌ ، وَإِنَّمَا جَهْلُ الثَّانِي وَهُوَ مَعْلُومٌ عَلَى شَرْطٍ ، فَإِنْ وُجِدَ الشَّرْطُ كَانَ زِيَادَةً فِي الصَّدَاقِ وَالصَّدَاقُ تَجُوزُ الزِّيَادَةُ فِيهِ .\rوَالْأُولَى أَوْلَى .\rوَالْقَوْلُ بِأَنَّ هَذَا تَعْلِيقٌ عَلَى شَرْطٍ لَا يَصِحُّ لِوَجْهَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، أَنَّ الزِّيَادَةَ لَا يَصِحُّ تَعْلِيقُهَا عَلَى شَرْطٍ ، فَلَوْ قَالَ : إنْ مَاتَ أَبُوك ، فَقَدْ زِدْتُك فِي صَدَاقِك أَلْفًا .\rلَمْ تَصِحَّ ، وَلَمْ تَلْزَمْ الزِّيَادَةُ عِنْدَ مَوْتِ الْأَبِ .\rوَالثَّانِي ، أَنَّ الشَّرْطَ هَاهُنَا لَمْ يَتَجَدَّدْ فِي قَوْلِهِ : إنْ كَانَ لِي زَوْجَةٌ ، أَوْ إنْ كَانَ أَبُوك مَيِّتًا .\rوَلَا الَّذِي جَعَلَ الْأَلْفَ فِيهِ مَعْلُومَ الْوُجُودِ ، لِيَكُونَ الْأَلْفُ الثَّانِي زِيَادَةً عَلَيْهِ .\rوَيُمْكِنُ الْفَرْقُ بَيْنَ الْمَسْأَلَةِ الَّتِي نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى إبْطَالِ التَّسْمِيَةِ فِيهَا ، وَبَيْنَ الَّتِي نَصَّ عَلَى الصِّحَّةِ فِيهَا ، بِأَنَّ الصِّفَةَ الَّتِي جَعَلَ الزِّيَادَةَ فِيهَا لَيْسَ لِلْمَرْأَةِ فِيهَا غَرَضٌ يَصِحُّ بَذْلُ الْعِوَضِ فِيهِ ، وَهُوَ كَوْنُ أَبِيهَا مَيِّتًا ، بِخِلَافِ الْمَسْأَلَتَيْنِ اللَّتَيْنِ صَحَّتْ التَّسْمِيَةُ فِيهِمَا ، فَإِنَّ خُلُوَّ الْمَرْأَةِ مِنْ ضَرَّةٍ تُغِيرُهَا","part":15,"page":460},{"id":7460,"text":"، وَتُقَاسِمُهَا ، وَتُضَيَّقُ عَلَيْهَا ، مِنْ أَكْبَرِ أَغْرَاضِهَا ، وَكَذَلِكَ إقْرَارُهَا فِي دَارِهَا بَيْنَ أَهْلِهَا وَفِي وَطَنِهَا ، فَلِذَلِكَ خَفَّفَتْ صَدَاقَهَا لِتَحْصِيلِ غَرَضِهَا ، وَثَقَّلَتْهُ عِنْد فَوَاتِهِ .\rفَعَلَى هَذَا يَمْتَنِعُ قِيَاسُ إحْدَى الصُّورَتَيْنِ عَلَى الْأُخْرَى ، وَلَا يَكُونُ فِي كُلِّ مَسْأَلَةٍ إلَّا رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ ، وَهِيَ الصِّحَّةُ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ الْآخِرَتَيْنِ ، وَالْبُطْلَانُ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى ، وَمَا جَاءَ مِنْ الْمَسَائِلِ أُلْحِقَ بِأَشْبَهِهِمَا بِهِ .","part":15,"page":461},{"id":7461,"text":"( 5643 ) فَصْلٌ : وَإِنْ تَزَوَّجَهَا عَلَى طَلَاقِ امْرَأَةٍ لَهُ أُخْرَى ، لَمْ تَصِحَّ التَّسْمِيَةُ ، وَلَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا .\rوَهَذَا اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ ، وَقَوْلُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ ؛ لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ بِمَالٍ .\rوَإِنَّمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ } وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { لَا تَسْأَلُ الْمَرْأَةُ طَلَاقَ أُخْتِهَا لِتُكْفِئَ مَا فِي صَحْفَتِهَا ، وَلِتُنْكَحَ ، فَإِنَّمَا لَهَا مَا قُدِّرَ لَهَا .\r} صَحِيحٌ .\rوَرَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { لَا يَحِلُّ لِرَجُلٍ أَنْ يَنْكِحَ امْرَأَةً بِطَلَاقِ أُخْرَى .\r} وَلِأَنَّ هَذَا لَا يَصْلُحُ ثَمَنًا فِي بَيْعٍ ، وَلَا أَجْرًا فِي إجَارَةٍ ، فَلَمْ يَصِحَّ صَدَاقًا ، كَالْمَنَافِعِ الْمُحَرَّمَةِ ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ حُكْمُهُ حُكْمَ مَا لَوْ أَصْدَقَهَا خَمْرًا وَنَحْوَهُ ، يَكُونُ لَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ أَوْ نِصْفُهُ إنْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ أَوْ الْمُتْعَةِ عِنْدَ مَنْ يُوجِبُهَا فِي التَّسْمِيَةِ الْفَاسِدَةِ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ ، رِوَايَةٌ أُخْرَى ، أَنَّ التَّسْمِيَةَ صَحِيحَةٌ ؛ لِأَنَّهُ شَرْطٌ فِعْلًا لَهَا فِيهِ نَفْعٌ وَفَائِدَةٌ ، لِمَا يَحْصُلُ لَهَا مِنْ الرَّاحَةِ بِطَلَاقِهَا مِنْ مُقَاسَمَتِهَا ، وَضَرَرِهَا ، وَالْغَيْرَةِ مِنْهَا ، فَصَحَّ صَدَاقًا ، كَعِتْقِ أَبِيهَا ، وَخِيَاطَةِ قَمِيصِهَا ، وَلِهَذَا صَحَّ بَذْلُ الْعِوَضِ فِي طَلَاقِهَا بِالْخُلْعِ .\rفَعَلَى هَذَا إنْ لَمْ يُطَلِّقْ ضَرَّتَهَا ، فَلَهَا مِثْلُ صَدَاقِ الضَّرَّةِ ؛ لِأَنَّهُ سَمَّى لَهَا صَدَاقًا لَمْ يَصِلْ إلَيْهِ ، فَكَانَ لَهَا قِيمَتُهُ ، كَمَا لَوْ أَصْدَقَهَا عَبْدًا ، فَخَرَجَ حُرًّا ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّ لَهَا مَهْرَ مِثْلِهَا ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ لَا قِيمَةَ لَهُ .\rوَإِنْ جَعَلَ صَدَاقَهَا أَنَّ طَلَاقَ ضَرَّتِهَا إلَيْهَا إلَى سَنَةٍ ، فَلَمْ تُطَلِّقْهَا ، فَقَالَ أَحْمَدُ إذَا تَزَوَّجَ امْرَأَةً ، وَجَعَلَ طَلَاقَ الْأُولَى مَهْرَ الْأُخْرَى إلَى سَنَةٍ أَوْ إلَى وَقْتٍ ، فَجَاءَ الْوَقْتُ وَلَمْ تَقْضِ شَيْئًا ، رَجَعَ الْأَمْرُ إلَيْهِ .\rفَقَدْ","part":15,"page":462},{"id":7462,"text":"أَسْقَطَ أَحْمَدُ حَقَّهَا ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَهُ لَهَا إلَى وَقْتٍ ، فَإِذَا مَضَى الْوَقْتُ وَلَمْ تَقْضِ فِيهِ شَيْئًا ، بَطَلَ تَصَرُّفُهَا كَالْوَكِيلِ ، وَهَلْ يَسْقُطُ حَقُّهَا مِنْ الْمَهْرِ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ ، ذَكَرَهُمَا أَبُو بَكْرٍ ؛ أَحَدُهُمَا ، يَسْقُطُ ؛ لِأَنَّهَا تَرَكَتْ مَا شَرَطَ لَهَا بِاخْتِيَارِهَا ، فَسَقَطَ حَقُّهَا ، كَمَا لَوْ تَزَوَّجَهَا عَلَى عَبْدٍ فَأَعْتَقَتْهُ .\rوَالثَّانِي ، لَا يَسْقُطُ ؛ لِأَنَّهَا أَخَّرَتْ اسْتِيفَاءَ حَقِّهَا ، فَلَا يَسْقُطُ ، كَمَا لَوْ أَجْلَتْ قَبَضَ دَرَاهِمِهَا .\rوَهَلْ تَرْجِعُ إلَى مَهْرِ مِثْلِهَا ، أَوْ إلَى مَهْرِ الْأُخْرَى ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَانِ .","part":15,"page":463},{"id":7463,"text":"( 5644 ) فَصْلٌ : الزِّيَادَةُ فِي الصَّدَاقِ بَعْدَ الْعَقْدِ تَلْحَقُ بِهِ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، قَالَ ، فِي الرَّجُلِ يَتَزَوَّجُ الْمَرْأَةَ عَلَى مَهْرٍ ، فَلَمَّا رَآهَا زَادَهَا فِي مَهْرِهَا : فَهُوَ جَائِزٌ ، فَإِنْ طَلَّقَهَا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا ، فَلَهَا نِصْفُ الصَّدَاقِ الْأَوَّلِ ، وَاَلَّذِي زَادَهَا .\rوَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا تَلْحَقُ الزِّيَادَةُ بِالْعَقْدِ ، فَإِنْ زَادَهَا فَهِيَ هِبَةٌ تَفْتَقِرُ إلَى شُرُوطِ الْهِبَةِ ، وَإِنْ طَلَّقَهَا بَعْدَ هِبَتِهَا ، لَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ مِنْ الزِّيَادَةِ .\rقَالَ الْقَاضِي : وَعَنْ أَحْمَدَ مِثْلُ ذَلِكَ ، فَإِنَّهُ قَالَ : إذَا زَوَّجَ رَجُلٌ أَمَتَهُ عَبْدَهُ ، ثُمَّ أَعْتَقَهُمَا جَمِيعًا ، فَقَالَتْ الْأَمَةُ : زِدْنِي فِي مَهْرِي حَتَّى أَخْتَارَك فَالزِّيَادَةُ لِلْأَمَةِ ، وَلَوْ لَحِقَتْ بِالْعَقْدِ ، كَانَتْ الزِّيَادَةُ لِلسَّيِّدِ .\rوَلَيْسَ هَذَا دَلِيلًا عَلَى أَنَّ الزِّيَادَةَ لَا تَلْحَقُ بِالْعَقْدِ ، فَإِنَّ مَعْنَى لُحُوقِ الزِّيَادَةِ بِالْعَقْدِ ، أَنَّهَا تَلْزَمُ وَيَثْبُتُ فِيهَا أَحْكَامُ الصَّدَاقِ ؛ مِنْ التَّنْصِيفِ بِالطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ وَغَيْرِهِ ، وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّ الْمِلْكَ يَثْبُتُ فِيهَا قَبْلَ وُجُودِهَا ، وَأَنَّهَا تَكُونُ لِلسَّيِّدِ .\rوَاحْتَجَّ الشَّافِعِيُّ بِأَنَّ الزَّوْجَ مَلَكَ الْبُضْعَ بِالْمُسَمَّى فِي الْعَقْدِ ، فَلَمْ يَحْصُلْ بِالزِّيَادَةِ شَيْءٌ مِنْ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ ، فَلَا تَكُونُ عِوَضًا فِي النِّكَاحِ ، كَمَا لَوْ وَهَبَهَا شَيْئًا ، وَلِأَنَّهَا زِيَادَةٌ فِي عِوَضِ الْعَقْدِ بَعْدَ لُزُومِهِ ، فَلَمْ يُلْحَقُ بِهِ ، كَمَا فِي الْبَيْعِ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ } وَلِأَنَّ مَا بَعْدَ الْعَقْدِ زَمَنٌ لِفَرْضِ الْمَهْرِ ، فَكَانَ حَالَةَ الزِّيَادَةِ كَحَالَةِ الْعَقْدِ وَبِهَذَا فَارَقَ الْبَيْعَ وَالْإِجَارَةَ وَقَوْلُهُمْ : إنَّهُ لَمْ يَمْلِكْ بِهِ شَيْئًا مِنْ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ .\rقُلْنَا : هَذَا يَبْطُلُ بِجَمِيعِ الصَّدَاقِ فَإِنَّ الْمِلْكَ مَا حَصَلَ بِهِ ، وَلِهَذَا صَحَّ","part":15,"page":464},{"id":7464,"text":"خُلُوُّهُ عَنْهُ ، وَهَذَا أَلْزَمُ عِنْدَهُمْ ، فَإِنَّهُمْ قَالُوا : مَهْرُ الْمُفَوِّضَةِ إنَّمَا وَجَبَ بِفَرْضِهِ لَا بِالْعَقْدِ ، وَقَدْ مَلَكَ الْبُضْعَ بِدُونِهِ .\rثُمَّ إنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَسْتَنِدَ ثُبُوتُ هَذِهِ الزِّيَادَةِ إلَى حَالَةِ الْعَقْدِ ، فَيَكُونَ كَأَنَّهُ ثَبَتَ بِهِمَا جَمِيعًا ، كَمَا قَالُوا فِي مَهْرِ الْمُفَوِّضَةِ إذَا فَرَضَهُ ، وَكَمَا قُلْنَا جَمِيعًا فِيمَا إذَا فَرَضَ لَهَا أَكْثَرَ مِنْ مَهْرِ مِثْلِهَا .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّ مَعْنَى لُحُوقِ الزِّيَادَةِ بِالْعَقْدِ أَنَّهُ يَثْبُتُ لَهَا حُكْمُ الْمُسَمَّى فِي الْعَقْدِ ، فِي أَنَّهَا تَتَنَصَّفُ بِالطَّلَاقِ ، وَلَا تَفْتَقِرُ إلَى شُرُوطِ الْهِبَةِ ، وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّ الْمِلْكَ يَثْبُتُ فِيهَا مِنْ حِينِ الْعَقْدِ ، وَلِأَنَّهَا تَثْبُتُ لِمَنْ كَانَ الصَّدَاقُ لَهُ ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ لَا يَجُوزُ تَقَدُّمُهُ عَلَى سَبَبِهِ ، وَلَا وُجُودِهِ فِي حَالِ عَدَمِهِ ، وَإِنَّمَا يَثْبُتُ الْمِلْكُ بَعْدَ سَبَبَهُ مِنْ حِينَئِذٍ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : فِي الزِّيَادَةِ وَجْهٌ آخَرُ ، أَنَّهَا تَسْقُطُ بِالطَّلَاقِ .\rوَلَا أَعْرِفُ وَجْهَ ذَلِكَ ، فَإِنَّ مَنْ جَعَلَهَا صَدَاقًا ، جَعَلَهَا تَسْتَقِرُّ بِالدُّخُولِ وَتَتَنَصَّفُ بِالطَّلَاقِ قَبْلَهُ ، وَتَسْقُطُ كُلُّهَا إذَا جَاءَ الْفَسْخُ مِنْ قِبَلِ الْمَرْأَةِ ، وَمَنْ جَعَلَهَا هِبَةً جَعَلَهَا جَمِيعَهَا لِلْمَرْأَةِ ، لَا تَتَنَصَّفُ بِطَلَاقِهَا ، إلَّا أَنْ تَكُونَ غَيْرَ مَقْبُوضَةٍ ، فَإِنَّهَا تَسْقُطُ لِكَوْنِهَا عِدَّةً غَيْرَ لَازِمَةٍ ، فَإِنْ كَانَ الْقَاضِي أَرَادَ ذَلِكَ فَهَذَا وَجْهٌ ، وَإِلَّا فَلَا .","part":15,"page":465},{"id":7465,"text":"( 5645 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِذَا أَصْدَقَهَا غَنَمًا فَتَوَالَدَتْ ، ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ ، كَانَتْ الْأَوْلَادُ لَهَا ، وَرَجَعَ بِنِصْفِ الْأُمَّهَاتِ ، إلَّا أَنْ تَكُونَ الْوِلَادَةُ نَقَصَتْهَا ، فَيَكُونُ مُخَيَّرًا بَيْنَ أَنْ يَأْخُذَ نِصْفَ قِيمَتِهَا وَقْتَ مَا أَصْدَقَهَا أَوْ يَأْخُذَ نِصْفَهَا نَاقِصَةً ) قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْمَهْرَ يَدْخُلُ فِي مِلْكِ الْمَرْأَةِ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ ، فَإِذَا زَادَ فَالزِّيَادَةُ لَهَا ، وَإِنْ نَقَصَ فَعَلَيْهَا .\rوَإِذَا كَانَتْ غَنَمًا فَتَوَالَدَتْ ، فَالْأَوْلَادُ زِيَادَةٌ مُنْفَصِلَةٌ ، تَنْفَرِدُ بِهَا دُونَهُ ، لِأَنَّهُ نَمَاءُ مِلْكِهَا .\rوَيَرْجِعُ فِي نِصْفِ الْأُمَّهَاتِ ، إنْ لَمْ تَكُنْ نَقَصَتْ وَلَا زَادَتْ زِيَادَةً مُتَّصِلَةً ؛ لِأَنَّهُ نِصْفُ مَا فَرَضَ لَهَا ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ } وَإِنْ كَانَتْ نَقَصَتْ بِالْوِلَادَةِ أَوْ بِغَيْرِهَا ، فَلَهُ الْخِيَارُ بَيْنَ أَخْذِ نِصْفِهَا نَاقِصًا ؛ لِأَنَّهُ رَاضٍ بِدُونِ حَقِّهِ ، وَبَيْنَ أَخْذِ نِصْفِ قِيمَتِهَا : وَقْتَ مَا أَصْدَقَهَا ؛ لِأَنَّ ضَمَانَ النَّقْصِ عَلَيْهَا ، وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَرْجِعُ فِي نِصْفِ الْأَصْلِ وَإِنَّمَا يَرْجِعُ فِي نِصْفِ الْقِيمَةِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ فَسْخُ الْعَقْدِ فِي الْأَصْلِ دُونَ النَّمَاءِ ؛ لِأَنَّهُ مُوجِبُ الْعَقْدِ ، فَلَمْ يَجُزْ رُجُوعُهُ فِي الْأَصْلِ بِدُونِهِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ هَذَا نَمَاءٌ مُنْفَصِلٌ عَنْ الصَّدَاقِ ، فَلَمْ يَمْنَعْ رُجُوعَ الزَّوْجِ ، كَمَا لَوْ انْفَصَلَ قَبْلَ الْقَبْضِ ، وَمَا ذَكَرُوهُ فَغَيْرُ صَحِيحٍ ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ لَيْسَ بِرَفْعٍ لِلْعَقْدِ ، وَلَا النَّمَاءُ مِنْ مُوجِبَاتِ الْعَقْدِ ، إنَّمَا هُوَ مِنْ مُوجِبَاتِ الْمِلْكِ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ الْوِلَادَةِ قَبْلَ تَسْلِيمِهِ إلَيْهَا أَوْ بَعْدَهُ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ مَنَعَهَا قَبْضَهُ .\rفَيَكُونُ النَّقْصُ مِنْ ضَمَانِهِ ، وَالزِّيَادَةُ لَهَا ، فَتَنْفَرِدُ بِالْأَوْلَادِ .\rوَإِنْ","part":15,"page":466},{"id":7466,"text":"نَقَصَتْ الْأُمَّهَاتُ ، خُيِّرَتْ بَيْنَ أَخَذَ نِصْفِهَا نَاقِصَةً ، وَبَيْنَ أَخْذِ نِصْفِ قِيمَتِهَا أَكْثَرَ مَا كَانَتْ مِنْ يَوْمِ أَصْدَقَهَا إلَى يَوْمِ طَلَّقَهَا .\rوَإِنْ أَرَادَ الزَّوْجُ نِصْفَ قِيمَةِ الْأُمَّهَاتِ مِنْ الْمَرْأَةِ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إذَا وَلَدَتْ فِي يَدِ الزَّوْجِ ، ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ ، رَجَعَ فِي نِصْفِ الْأَوْلَادِ أَيْضًا ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ دَخَلَ فِي التَّسْلِيمِ الْمُسْتَحَقِّ بِالْعَقْدِ ، لِأَنَّ حَقَّ التَّسْلِيمِ تَعَلَّقَ بِالْأُمِّ ، فَسَرَى إلَى الْوَلَدِ ، كَحَقِّ الِاسْتِيلَادِ ، وَمَا دَخَلَ فِي التَّسْلِيمِ الْمُسْتَحَقِّ يَتَنَصَّفُ بِالطَّلَاقِ ، كَاَلَّذِي دَخَلَ فِي الْعَقْدِ .\rوَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ } وَمَا فُرِضَ هَا هُنَا إلَّا الْأُمَّهَاتُ ، فَلَا يَتَنَصَّفُ سِوَاهَا ، وَلِأَنَّ الْوَلَدَ حَدَثَ فِي مِلْكِهَا ، فَأَشْبَهَ مَا حَدَثَ فِي يَدِهَا ، وَلَا يُشْبِهُ حَقُّ التَّسْلِيمِ حَقَّ الِاسْتِيلَادِ ، فَإِنْ حَقَّ الِاسْتِيلَادِ يَسْرِي ، وَحَقَّ التَّسْلِيمِ لَا سِرَايَةَ لَهُ ، فَإِنْ تَلِفَ فِي يَدِ الزَّوْجِ ، وَكَانَتْ الْمَرْأَةُ قَدْ طَالَبَتْ بِهِ فَمَنَعَهَا ، ضَمِنَهُ كَالْغَاصِبِ ، وَإِلَّا لَمْ يَضْمَنْهُ ؛ لِأَنَّهُ تَبَعٌ لِأُمِّهِ .","part":15,"page":467},{"id":7467,"text":"( 5646 ) فَصْلٌ : وَالْحُكْمُ فِي الصَّدَاقِ إذَا كَانَ جَارِيَةً ، كَالْحُكْمِ فِي الْغَنَمِ ، فَإِذَا وَلَدَتْ كَانَ الْوَلَدُ لَهَا ، كَوَلَدِ الْغَنَمِ ، إلَّا أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ فِي نِصْفِ الْأَصْلِ ؛ لِأَنَّهُ يُفْضِي إلَى التَّفْرِيقِ بَيْنَ الْأُمِّ وَوَلَدِهَا فِي بَعْضِ الزَّمَانِ ، وَكَمَا لَا يَجُوزُ التَّفْرِيقُ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ وَلَدِهَا فِي جَمِيعِ الزَّمَانِ ، لَا يَجُوزُ فِي بَعْضِهِ ، فَيَرْجِعُ أَيْضًا فِي نِصْفِ قِيمَتِهَا وَقْتَ مَا أَصْدَقَهَا لَا غَيْر .","part":15,"page":468},{"id":7468,"text":"( 5647 ) فَصْلٌ : وَإِنْ كَانَ الصَّدَاقُ بَهِيمَةً حَائِلًا ، فَحَمَلَتْ فَالْحَمْلُ فِيهَا زِيَادَةٌ مُتَّصِلَةٌ ، إنْ بَذَلَتْهَا لَهُ بِزِيَادَتِهَا ، لَزِمَهُ قَبُولُهَا ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مَعْدُودًا نَقْصًا ، وَلِذَلِكَ لَا يُرَدُّ بِهِ الْمَبِيعُ ، وَإِنْ كَانَتْ أَمَةً ، فَحَمَلَتْ ، فَقَدْ زَادَتْ مِنْ وَجْهٍ لِأَجَلِ وَلَدِهَا ، وَنَقَصَتْ مِنْ وَجْهٍ ؛ لِأَنَّ الْحَمْلَ فِي النِّسَاءِ نَقْصٌ ، لِخَوْفِ التَّلَفِ عَلَيْهَا حِينَ الْوِلَادَةِ ، وَلِهَذَا يُرَدُّ بِهَا الْمَبِيعُ ، فَحِينَئِذٍ لَا يَلْزَمُهَا بَذْلُهَا لِأَجْلِ الزِّيَادَةِ ، وَلَا يَلْزَمُهُ قَبُولُهَا لِأَجْلِ النَّقْصِ ، وَلَهُ نِصْفُ قِيمَتِهَا .\rوَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى تَنْصِيفِهَا ، جَازَ .\rوَإِنْ أَصْدَقَهَا حَامِلًا ، فَوَلَدَتْ ، فَقَدْ أَصْدَقَهَا عَيْنَيْنِ الْجَارِيَةَ وَوَلَدَهَا ، وَزَادَ الْوَلَدُ فِي مِلْكِهَا ، فَإِنْ طَلَّقَهَا ، فَرَضِيَتْ بِبَذْلِ النِّصْفِ مِنْ الْأُمِّ وَالْوَلَدِ جَمِيعًا ، أُجْبِرَ عَلَى قَبُولِهِمَا ؛ لِأَنَّهَا زِيَادَةٌ غَيْرُ مُتَمَيِّزَةٍ وَإِنْ لَمْ تَبْذُلْهُ ، لَمْ يَجُزْ لَهُ الرُّجُوعُ فِي نِصْفِ الْوَلَد ؛ لِزِيَادَتِهِ ، وَلَا فِي نِصْفِ الْأُمِّ ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّفْرِقَةِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ وَلَدِهَا ، وَيَرْجِعُ بِنِصْفِ قِيمَةِ الْأُمِّ ، وَفِي نِصْفِ الْوَلَدِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، لَا يَسْتَحِقُّ نِصْفَ قِيمَتِهِ ؛ لِأَنَّهُ حَالَةَ الْعَقْدِ لَا قِيمَةَ لَهُ ، وَحَالَةَ الِانْفِصَالِ قَدْ زَادَ فِي مِلْكِهَا ، فَلَا يُقَوَّمُ الزَّوْجُ بِزِيَادَتِهِ .\rوَيُفَارِقُ وَلَدَ الْمَغْرُورِ ، فَإِنَّ وَقْتَ الِانْفِصَالِ وَقْتُ الْحَيْلُولَةِ ، فَلِهَذَا قُوِّمَ فِيهَا ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا .\rوَالثَّانِي ، لَهُ نِصْفُ قِيمَتِهِ ؛ لِأَنَّهُ أَصْدَقَهَا عَيْنَيْنِ ، فَلَا يَرْجِعُ فِي إحْدَاهُمَا دُونَ الْأُخْرَى ، وَيُقَوَّمُ حَالَةَ الِانْفِصَالِ ؛ لِأَنَّهَا أَوَّلُ حَالَةِ إمْكَانِ تَقْوِيمِهِ .\rوَفِي الْمَسْأَلَةِ وَجْهٌ آخِرُ وَهُوَ أَنَّ الْحَمْلَ لَا حُكْمَ لَهُ ، فَيَكُونُ كَأَنَّهُ حَادِثٌ .","part":15,"page":469},{"id":7469,"text":"( 5648 ) فَصْلٌ : إذَا كَانَ الصَّدَاقُ مَكِيلًا أَوْ مَوْزُونًا ، فَنَقَصَ فِي يَدِ الزَّوْجِ قَبْلَ تَسْلِيمِهِ إلَيْهَا ، أَوْ كَانَ غَيْرَ الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ ، فَمَنَعَهَا أَنْ تَتَسَلَّمَهُ ، فَالنَّقْصُ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ ضَمَانِهِ ، وَتَتَخَيَّرُ الْمَرْأَةُ بَيْنَ أَخْذِ نِصْفِهِ نَاقِصًا مَعَ أَرْشِ النَّقْصِ ، وَبَيْنَ أَخْذِ نِصْفِ قِيمَتِهِ أَكْثَرَ مَا كَانَتْ ، مِنْ يَوْمِ أَصْدَقَهَا إلَى يَوْمِ طَلَّقَهَا ؛ لِأَنَّهُ إنْ زَادَ فَلَهَا ، وَإِنْ نَقَصَ فَعَلَيْهِ ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْغَاصِبِ ، وَلَا يَضْمَنُ زِيَادَةَ الْقِيمَةِ لِتَغَيُّرِ الْأَسْعَارِ ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ ضَمَانِ الْغَاصِبِ ، فَهَاهُنَا أَوْلَى .","part":15,"page":470},{"id":7470,"text":"( 5649 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : ( وَإِذَا أَصْدَقَهَا أَرْضًا ، فَبَنَتْهَا دَارًا ، أَوْ ثَوْبًا فَصَبَغَتْهُ ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ ، رَجَعَ بِنِصْفِ قِيمَتِهِ وَقْتَ مَا أَصْدَقَهَا ، إلَّا أَنْ يَشَاءَ أَنْ يُعْطِيَهَا نِصْفَ قِيمَةِ الْبِنَاءِ وَالصَّبْغِ ، فَيَكُونُ لَهُ النِّصْفُ ، أَوْ تَشَاءَ هِيَ أَنْ تُعْطِيَهُ زَائِدًا ، فَلَا يَكُونُ لَهُ غَيْرُهُ ) .\rإنَّمَا كَانَ لَهُ نِصْفُ الْقِيمَةِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ صَارَ فِي الْأَرْضِ وَالثَّوْبِ زِيَادَةٌ لِلْمَرْأَةِ ، وَهِيَ الْبِنَاءُ وَالصَّبْغُ ، فَإِنْ دَفَعَتْ إلَيْهِ نِصْفَ الْجَمِيعِ زَائِدًا ، فَعَلَيْهِ قَبُولُهُ ؛ لِأَنَّهُ حَقُّهُ وَزِيَادَةٌ .\rوَإِنْ بَذَلَ لَهَا نِصْفَ قِيمَةِ الْبِنَاءِ وَالصَّبْغِ ، وَيَكُونُ لَهُ النِّصْفُ ، فَقَالَ الْخِرَقِيِّ : \" لَهُ ذَلِكَ \" .\rقَالَ الْقَاضِي : هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُمَا تَرَاضَيَا بِذَلِكَ ، لَا أَنَّهَا تُجْبَرُ عَلَى قَبُولِهِ ؛ لِأَنَّ بَيْعَ الْبِنَاءِ مُعَاوَضَةٌ ، فَلَا تُجْبَرُ الْمَرْأَةُ عَلَيْهَا .\rوَالصَّحِيحُ أَنَّهَا تُجْبَرُ ؛ لِأَنَّ الْأَرْضَ حَصَلَتْ لَهُ ، وَفِيهَا بِنَاءٌ لَغَيْرِهِ ، فَإِذَا بَذَلَ الْقِيمَةَ ، لَزِمَ الْآخَرَ قَبُولُهُ ، كَالشَّفِيعِ إذَا أَخَذَ الْأَرْضَ بَعْدَ بِنَاءِ الْمُشْتَرِي فِيهَا ، فَبَذَلَ الشَّفِيعُ قِيمَتَهُ ، لَزِمَ الْمُشْتَرِيَ ، قَبُولُهَا ، وَكَذَلِكَ إذَا رَجَعَ الْمُعِيرُ فِي أَرْضِهِ ، وَفِيهَا بِنَاءٌ أَوْ غَرْسٌ لَلْمُسْتَعِيرِ ، فَبَذَلَ الْمُعِيرُ قِيمَةَ ذَلِكَ لَزِمَ الْمُسْتَعِيرَ قَبُولُهَا .\r.","part":15,"page":471},{"id":7471,"text":"( 5650 ) فَصْلٌ : إذَا أَصْدَقَهَا نَخْلًا حَائِلًا ، فَأَثْمَرَتْ فِي يَدِهِ ، فَالثَّمَرَةُ لَهَا ؛ لِأَنَّهَا نَمَاءُ مِلْكِهَا ، فَإِنْ جَذَّهَا بَعْدَ تَنَاهِيهَا ، وَجَعَلَهَا فِي ظُرُوفٍ ، وَأَلْقَى عَلَيْهَا صَقْرًا ، مِنْ صَقْرِهَا ، وَهُوَ سَيَلَانُ الرُّطَبِ بِغَيْرِ طَبْخٍ ، وَهَذَا يَفْعَلُهُ أَهْلُ الْحِجَازِ حِفْظًا لِرُطُوبَتِهَا ، لَمْ يَخْلُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ : أَحَدُهَا ، أَنْ لَا تَنْقُصَ قِيمَةُ الثَّمَرَةِ وَالصَّقْرِ ، بَلْ كَانَا بِحَالِهِمَا ، أَوْ زَادَا ، فَإِنَّهُ يَرُدُّهُمَا عَلَيْهَا ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ .\rالثَّانِي ، أَنْ تَنْقُصَ قِيمَتُهَا ، وَذَلِكَ عَلَى ضَرْبَيْنِ : أَحَدُهُمَا ، أَنْ يَكُونَ نَقْصُهُمَا مُتَنَاهِيًا ، فَإِنَّهُ يَدْفَعُهُمَا إلَيْهَا وَأَرْشَ نَقْصِهِمَا ؛ لِأَنَّهُ تَعَدَّى بِمَا فَعَلَهُ مِنْ ذَلِكَ .\rالضَّرْبُ الثَّانِي ، أَنْ لَا يَتَنَاهَى ، بَلْ يَتَزَايَدُ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، أَنَّهَا تَأْخُذُ قِيمَتَهَا ؛ لِأَنَّهَا كَالْمُسْتَهْلِكَةِ وَالثَّانِي ، هِيَ مُخَيَّرَةٌ بَيْنَ ذَلِكَ وَبَيْنَ تَرْكِهَا حَتَّى يَسْتَقِرَّ نَقْصُهَا ، وَتَأْخُذُهَا وَأَرْشَهَا ، كَالْمَغْصُوبِ مِنْهُ .\rالْحَالُ الثَّالِثُ ، أَنْ لَا تَنْقُصَ قِيمَتُهَا لَكِنْ إنْ أَخْرَجَهَا مِنْ ظُرُوفِهَا نَقَصَتْ قِيمَتُهَا ، فَلِلزَّوْجِ إخْرَاجُهَا وَأَخْذُ ظُرُوفِهَا ، إنْ كَانَتْ الظُّرُوفُ مِلْكَهُ .\rوَإِذَا نَقَصَتْ ، فَالْحُكْمُ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ .\rوَإِنْ قَالَ الزَّوْجُ : أَنَا أُعْطِيكَهَا مَعَ ظُرُوفِهَا .\rفَقَالَ الْقَاضِي : يَلْزَمُهَا قَبُولُهَا ؛ لِأَنَّ ظُرُوفَهَا كَالْمُتَّصِلَةِ بِهَا التَّابِعَةَ لَهَا .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَلْزَمَهَا قَبُولُهَا ؛ لِأَنَّ الظُّرُوفَ عَيْنُ مَالِهِ ، فَلَا يَلْزَمُهَا قَبُولُهَا ، كَالْمُنْفَصِلَةِ عَنْهَا .\r( 5651 ) فَصْلٌ : فَإِنْ كَانَتْ بِحَالِهَا ، إلَّا أَنَّ الصَّقْرَ الْمَتْرُوكَ عَلَى الثَّمَرَةِ مِلْكُ الزَّوْجِ ، فَإِنَّهُ يَنْزِعُ الصَّقْرَ ، وَيَرُدُّ الثَّمَرَةَ ، وَالْحُكْمُ فِيهَا إنْ نَقَصَتْ أَوْ لَمْ تَنْقُصْ ، كَاَلَّتِي قَبْلَهَا .\rوَإِنْ قَالَ : أَنَا أُسَلِّمُهَا مَعَ الصَّقْرِ وَالظُّرُوفِ .\rفَعَلَى الْوَجْهَيْنِ اللَّذَيْنِ","part":15,"page":472},{"id":7472,"text":"ذَكَرْنَاهُمَا .\rوَفِي الْمَوْضِعِ الَّذِي حَكَمْنَا أَنَّ لَهُ رَدَّهُ ، إذَا قَالَتْ : أَنَا أَرُدُّ الثَّمَرَةَ ، وَآخُذُ الْأَصْلَ .\rفَلَهَا ذَلِكَ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ .\rوَالْآخَرِ ، لَيْسَ لَهَا ذَلِكَ .\rمَبْنِيَّانِ عَلَى تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ فِي الْبَيْعِ ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهَا فِي مَوْضِعِهَا .","part":15,"page":473},{"id":7473,"text":"( 5652 ) فَصْلٌ : إذَا كَانَ الصَّدَاقُ جَارِيَةً فَوَطِئَهَا الزَّوْجُ ، عَالِمًا بِزَوَالِ مِلْكِهِ ، وَتَحْرِيمِ الْوَطْءِ عَلَيْهِ ، فَعَلَيْهِ الْحَدُّ ؛ لِأَنَّهُ وَطْءٌ فِي غَيْرِ مِلْكِهِ ، وَعَلَيْهِ الْمَهْرُ لِسَيِّدَتِهَا ، أَكْرَهَهَا أَوْ طَاوَعَتْهُ ؛ لِأَنَّ الْمَهْرَ لِمَوْلَاتِهَا ، فَلَا يَسْقُطُ بِبَذْلِهَا وَمُطَاوَعَتِهَا ، كَمَا لَوْ بَذَلَتْ يَدَهَا لِلْقَطْعِ ، وَالْوَلَدُ رَقِيقٌ لِلْمَرْأَةِ .\rوَإِنْ اعْتَقَدَ أَنَّ مِلْكَهُ لَمْ يَزُلْ عَنْ جَمِيعِهَا ، كَمَا حُكِيَ عَنْ مَالِكٍ ، أَوْ كَانَ غَيْرَ عَالَمٍ بِتَحْرِيمِهَا عَلَيْهِ فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ ، فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ لِلشُّبْهَةِ ، وَعَلَيْهِ الْمَهْرُ ، وَالْوَلَدُ حُرٌّ لَا حَقَّ نَسَبُهُ بِهِ ، وَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ يَوْمَ وِلَادَتِهِ ، وَلَا تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ ، وَإِنْ مَلَكَهَا بَعْدَ ذَلِكَ ، لِأَنَّهُ لَا مِلْكَ فِيهَا ، وَتُخَيَّرُ الْمَرْأَةُ بَيْنَ أَخْذِهَا فِي حَالِ حَمْلِهَا ، وَبَيْنَ أَخْذِ قِيمَتِهَا ؛ لِأَنَّهُ نَقَصَهَا بِإِحْبَالِهَا ، وَهَلْ لَهَا الْأَرْشُ مَعَ ذَلِكَ ؟ يَحْتَمِلُ أَنَّ لَهَا الْأَرْشَ ؛ لِأَنَّهَا نَقَصَتْ بِعُدْوَانِهِ أَشْبَهَ مَا لَوْ نَقَصَهَا الْغَاصِبُ بِذَلِكَ .\rوَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ فِي الْأَرْشِ هَاهُنَا قَوْلَانِ .\rوَقَالَ بَعْضُهُمْ : يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ لَهَا الْمُطَالَبَةُ بِالْأَرْشِ ، قَوْلًا وَاحِدًا ؛ لِأَنَّ النَّقْصَ حَصَلَ بِفِعْلِهِ الَّذِي تَعَدَّى بِهِ ، فَهُوَ كَالْغَاصِبِ ، وَكَمَا لَوْ طَالَبَتْهُ فَمَنَعَ تَسْلِيمَهَا .\rوَهَذَا أَصَحُّ .","part":15,"page":474},{"id":7474,"text":"( 5653 ) فَصْلٌ : إذَا أَصْدَقَ ذِمِّيٌّ ذِمِّيَّهُ خَمْرًا ، فَتَخَلَّلَتْ فِي يَدِهَا ، ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ ، احْتَمَلَ أَنْ لَا يَرْجِعَ عَلَيْهَا بِشَيْءٍ ؛ لِأَنَّهَا قَدْ زَادَتْ فِي يَدِهَا بِالتَّخَلُّلِ ، وَالزِّيَادَةُ لَهَا ، وَإِنْ أَرَادَ الرُّجُوعَ بِنِصْفِ قِيمَتِهَا قَبْلَ التَّخَلُّلِ ، فَلَا قِيمَةَ لَهَا ، وَإِنَّمَا يَرْجِعُ إذَا زَادَتْ فِي نِصْفِ قِيمَتِهَا أَقَلَّ مَا كَانَتْ مِنْ حِينَ الْعَقْدِ إلَى حِينِ الْقَبْضِ ، وَحِينَئِذٍ لَا قِيمَةَ لَهَا ، وَإِنْ تَخَلَّلَتْ فِي يَدِ الزَّوْجِ ، ثُمَّ طَلَّقَهَا ، فَلَهَا ؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ لَهَا .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْخَلُّ لَهُ ، وَعَلَيْهِ نِصْفُ مَهْرِ مِثْلِهَا ، إذَا تَرَافَعَا إلَيْنَا قَبْلَ الْقَبْضِ ، أَوْ أَسْلَمَا ، أَوْ أَحَدُهُمَا .","part":15,"page":475},{"id":7475,"text":"فَصْلٌ : إذَا تَزَوَّجَ امْرَأَةً فَضَمِنَ أَبُوهُ نَفَقَتَهَا عَشْرَ سِنِينَ ، صَحَّ ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ ؛ لِأَنَّ أَكْثَرَ مَا فِيهِ أَنَّهُ ضَمَانُ مَجْهُولٍ ، أَوْ ضَمَانُ مَا لَمْ يَجِبْ ، وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ ، وَلَا فَرْقَ بَيْن كَوْنِ الزَّوْجِ مُوسِرًا أَوْ مُعْسِرًا .\rوَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ ؛ فَمِنْهُمْ مِنْ قَالَ كَقَوْلِنَا ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : لَا يَصِحُّ إلَّا ضَمَانُ نَفَقَةِ الْمُعْسِرِ ؛ لِأَنَّ غَيْرَ الْمُعْسِرِ يَتَغَيَّرُ حَالُهُ ، فَيَكُونُ عَلَيْهِ نَفَقَةُ الْمُوسِرِ أَوْ الْمُتَوَسِّطِ ، فَيَكُونُ ضَمَانَ مَجْهُولٍ ، وَالْمُعْسِرُ مَعْلُومٌ مَا عَلَيْهِ .\rوَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : لَا يَصِحُّ أَصْلًا ، لِأَنَّهُ ضَمَانُ مَا لَمْ يَجِبْ .\rوَلَنَا أَنَّ الْحَبَلَ لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الضَّمَانِ ، بِدَلِيلِ صِحَّةِ ضَمَانِ نَفَقَةِ الْمُعْسِرِ ، مَعَ احْتِمَالِ أَنْ يَمُوتَ أَحَدُهُمَا فَتَسْقُطُ النَّفَقَةُ ، وَمَعَ ذَلِكَ صَحَّ الضَّمَانُ ، فَكَذَلِكَ هَذَا .","part":15,"page":476},{"id":7476,"text":"( 5655 ) فَصْلٌ : وَيَجِبُ الْمَهْرُ لِلْمَنْكُوحَةِ نِكَاحًا صَحِيحًا ، وَالْمَوْطُوءَةِ فِي نِكَاحٍ فَاسِدٍ ، وَالْمَوْطُوءَةِ بِشُبْهَةٍ .\rبِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ .\rوَيَجِبُ لِلْمُكْرَهَةِ عَلَى الزِّنَى .\rوَعَنْ أَحْمَدَ ، رِوَايَةٌ أُخْرَى : أَنَّهُ لَا مَهْرَ لَهَا إنْ كَانَتْ ثَيِّبًا .\rوَاخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ .\rوَلَا يَجِبُ مَعَ ذَلِكَ أَرْشُ الْبَكَارَةِ .\rوَذَكَرَ الْقَاضِي ، أَنَّ أَحْمَدَ قَدْ قَالَ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ ، فِي حَقِّ الْأَجْنَبِيَّةِ إذَا أَكْرَهَهَا عَلَى الزِّنَى ، وَهِيَ بِكْرٌ : فَعَلَيْهِ الْمَهْرُ ، وَأَرْشُ الْبَكَارَةِ .\rوَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا مَهْرَ لِلْمُكْرَهَةِ عَلَى الزِّنَى .\rوَلَنَا { قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَلَهَا الْمَهْرُ بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجِهَا } .\rوَهَذَا حُجَّةٌ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ ؛ فَإِنَّ الْمُكْرَهَ مُسْتَحِلٌّ لِفَرْجِهَا ، فَإِنَّ الِاسْتِحْلَالَ الْفِعْلُ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ الْحِلِّ ، كَقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ { : مَا آمَنَ بِالْقُرْآنِ مَنْ اسْتَحَلَّ مَحَارِمَهُ } .\rوَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ أَوْجَبَ الْأَرْشَ لِكَوْنِهِ أَوْجَبَ الْمَهْرَ وَحْدَهُ مِنْ غَيْرِ أَرْشٍ ، وَلِأَنَّهُ اسْتَوْفَى مَا يَجِبُ بَدَلُهُ بِالشُّبْهَةِ ، وَفِي الْعَقْدِ الْفَاسِدِ كَرِهَا ، فَوَجَبَ بَدَلُهُ كَإِتْلَافِ الْمَالِ ، وَأَكْلِ طَعَامِ الْغَيْرِ .\rوَلَنَا ، عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْأَرْشُ ، أَنَّهُ وَطْءٌ ضَمِنَ بِالْمَهْرِ ، فَلَمْ يَجِبْ مَعَهُ أَرْشٌ ، كَسَائِرِ الْوَطْءِ ، يُحَقِّقُهُ أَنَّ الْمَهْرَ بَدَلُ الْمَنْفَعَةِ الْمُسْتَوْفَاةِ بِالْوَطْءِ ، وَبَدَلُ الْمُتْلَفِ لَا يَخْتَلِفُ بِكَوْنِهِ فِي عَقْدٍ فَاسِدٍ ، وَكَوْنِهِ تَمَحَّضَ عُدْوَانًا ، وَلِأَنَّ الْأَرْشَ يَدْخُلُ فِي الْمَهْرِ ، لِكَوْنِ الْوَاجِبِ لَهَا مَهْرَ الْمِثْلِ ، وَمَهْرُ الْبِكْرِ يَزِيدُ عَلَى مَهْرِ الثَّيِّبِ بِبَكَارَتِهَا ، فَكَانَتْ الزِّيَادَةُ فِي الْمَهْرِ مُقَابِلَةً لِمَا أُتْلِفَ مِنْ الْبَكَارَةِ ، فَلَا يَجِبُ عِوَضُهَا مَرَّةً ثَانِيَةً .\rيُحَقِّقُهُ أَنَّهُ إذَا أُخِذَ أَرْشُ الْبَكَارَةِ مَرَّةً ، لَمْ يَجُزْ أَخْذُهُ مَرَّةً","part":15,"page":477},{"id":7477,"text":"أُخْرَى ، فَتَصِيرُ كَأَنَّهَا مَعْدُومَةٌ ، فَلَا يَجِبُ لَهَا إلَّا مَهْرُ ثَيِّبٍ ، وَمَهْرُ الثَّيِّبِ مَعَ أَرْشِ الْبَكَارَةِ هُوَ مَهْرُ مِثْلِ الْبِكْرِ ، فَلَا تَجُوزُ الزِّيَادَةُ عَلَيْهِ .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":15,"page":478},{"id":7478,"text":"( 5656 ) فَصْلٌ : وَلَا فَرْقَ بَيْن كَوْنِ الْمَوْطُوءَةِ أَجْنَبِيَّةً أَوْ مِنْ ذَوَاتِ مَحَارِمِهِ .\rوَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ .\rوَمَذْهَبُ النَّخَعِيِّ ، وَمَكْحُولٍ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيِّ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ ، رِوَايَةٌ أُخْرَى ، أَنَّ ذَوَاتَ مَحَارِمِهِ مِنْ النِّسَاءِ لَا مَهْرَ لَهُنَّ .\rوَهُوَ قَوْلُ الشَّعْبِيِّ ؛ لِأَنَّ تَحْرِيمَهُنَّ تَحْرِيمُ أَصْلٍ ، فَلَا يُسْتَحَقُّ بِهِ مَهْرٌ .\rكَاللِّوَاطِ ، وَفَارَقَ مَنْ حُرِّمَتْ تَحْرِيمَ الْمُصَاهَرَةِ ، فَإِنَّ تَحْرِيمَهَا طَارِئٌ ، وَكَذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ فِي مَنْ حُرِّمَتْ بِالرَّضَاعِ ؛ لِأَنَّهُ طَارِئٌ أَيْضًا .\rوَعَنْ أَحْمَدَ ، رِوَايَةٌ أُخْرَى ، أَنَّ مَنْ تَحْرُمُ ابْنَتُهَا لَا مَهْرَ لَهَا ، كَالْأُمِّ وَالْبِنْتِ وَالْأُخْتِ ، وَمِنْ تَحِلُّ ابْنَتُهَا ، كَالْعَمَّةِ وَالْخَالَةِ ، فَلَهَا الْمَهْرُ ؛ لِأَنَّ تَحْرِيمَهَا أَخَفُّ .\rوَلَنَا ، أَنَّ مَا ضَمِنَ لِلْأَجْنَبِيِّ ، ضَمِنَ لِلْمُنَاسِبِ ، كَالْمَالِ وَمَهْرِ الْأَمَةِ ، وَلِأَنَّهُ أَتْلَفَ مَنْفَعَةَ بُضْعِهَا بِالْوَطْءِ ، فَلَزِمَهُ مَهْرُهَا ، كَالْأَجْنَبِيَّةِ ، وَلِأَنَّهُ مَحَلٌّ مَضْمُونٌ عَلَى غَيْرِهِ ، فَوَجَبَ عَلَيْهِ ضَمَانُهُ ، كَالْمَالِ ، وَبِهَذَا فَارَقَ اللِّوَاطَ ؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِمَضْمُونٍ عَلَى أَحَدٍ .","part":15,"page":479},{"id":7479,"text":"( 5657 ) فَصْلٌ : وَلَا يَجِبُ الْمَهْرُ بِالْوَطْءِ فِي الدُّبُرِ وَلَا اللِّوَاطِ ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ لَمْ يَرِدْ بِبَدَلِهِ ، وَلَا هُوَ إتْلَافٌ لَشَيْءٍ ، فَأَشْبَهَ الْقُبْلَةَ وَالْوَطْءَ دُونَ الْفَرْجِ ، وَلَا يَجِبُ لِلْمُطَاوِعَةِ عَلَى الزِّنَى ، لِأَنَّهَا بَاذِلَةٌ لِمَا يَجِبُ بَذْلُهُ لَهَا ، فَلَمْ يَجِبْ لَهَا شَيْءٌ ، كَمَا لَوْ أَذِنَتْ لَهُ فِي قَطْعِ يَدِهَا فَقَطَعَهَا ، إلَّا أَنْ تَكُونَ أَمَةً ، فَيَكُونُ الْمَهْرُ لِسَيِّدِهَا ، وَلَا يَسْقُطُ بِبَذْلِهَا ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لِغَيْرِهَا ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ بَذَلَتْ قَطْعَ يَدِهَا .","part":15,"page":480},{"id":7480,"text":"( 5658 ) فَصْلٌ : وَلَوْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ قَبْلَ الدُّخُولِ طَلْقَةً ، وَظَنَّ أَنَّهَا لَا تَبِينُ بِهَا ، فَوَطِئَهَا ، لَزِمَهُ مَهْرُ الْمِثْلِ ، وَنِصْفُ الْمُسَمَّى .\rوَقَالَ مَالِكٌ : لَا يَلْزَمُهُ إلَّا مَهْرٌ وَاحِدٌ .\rوَلَنَا أَنَّ الْمَفْرُوضَ يَتَنَصَّفُ بِطَلَاقِهِ ، بِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ : { فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ } .\rوَوَطْؤُهُ بَعْدَ ذَلِكَ عَرِيَ عَنْ الْعَقْدِ ، فَوَجَبَ بِهِ مَهْرُ الْمِثْلِ ، كَمَا لَوْ عَلِمَ أَوْ كَغَيْرِهَا ، أَوْ كَمَا لَوْ وَطِئَهَا غَيْرُهُ .","part":15,"page":481},{"id":7481,"text":"( 5659 ) فَصْلٌ : وَمَنْ نِكَاحُهَا بَاطِلٌ بِالْإِجْمَاعِ كَالْمُزَوَّجَةِ ، وَالْمُعْتَدَّةِ ، إذَا نَكَحَهَا رَجُلٌ فَوَطِئَهَا عَالِمًا بِالْحَالِ ، وَتَحْرِيمِ الْوَطْءِ ، وَهِيَ مُطَاوِعَةٌ عَالِمَةٌ ، فَلَا مَهْرَ لَهَا ؛ لِأَنَّهُ زِنَى يُوجِبُ الْحَدَّ ، وَهِيَ مُطَاوِعَةٌ عَلَيْهِ .\rوَإِنْ جَهِلَتْ تَحْرِيمَ ذَلِكَ ، أَوْ كَوْنَهَا فِي الْعِدَّةِ فَالْمَهْرُ لَهَا ؛ لِأَنَّهُ وَطْءُ شُبْهَةٍ .\rوَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد ، بِإِسْنَادِهِ ، { أَنَّ رَجُلًا يُقَالُ لَهُ بَصْرَةُ بْنُ أَكْثَمَ ، نَكَحَ امْرَأَةً ، فَوَلَدَتْ لِأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ ، فَجَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهَا الصَّدَاقَ .\rوَفِي لَفْظٍ قَالَ : لَهَا الصَّدَاقُ بِمَا اسْتَحْلَلْت مِنْ فَرْجِهَا ، فَإِذَا وَلَدَتْ فَاجْلِدُوهَا } .\rوَرَوَى سَعِيدٌ ، فِي \" سُنَنِهِ \" ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ كَثِيرٍ أَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنِ الْحُرِّ تَزَوَّجَ جَارِيَةً مِنْ قَوْمِهِ ، يُقَالُ لَهَا الدَّرْدَاءُ ، فَانْطَلَقَ عُبَيْدُ اللَّهِ ، فَلَحِقَ بِمُعَاوِيَةَ ، وَمَاتَ أَبُو الْجَارِيَةِ فَزَوَّجَهَا أَهْلُهَا رَجُلًا ، يُقَالُ لَهُ عِكْرِمَةُ ، فَبَلَغَ ذَلِكَ عُبَيْدَ اللَّهِ ، فَقَدِمَ فَخَاصَمَهُمْ إلَى عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَصُّوا عَلَيْهِ قِصَّتَهُمْ ، فَرَدَّ عَلَيْهِ الْمَرْأَةَ ، وَكَانَتْ حَامِلًا مِنْ عِكْرِمَةَ ، فَوَضَعَتْ عَلَى يَدَيْ عَدْلٍ ، فَقَالَتْ الْمَرْأَةُ لَعَلِيٍّ : أَنَا أَحَقُّ بِمَالِيِّ أَوْ عُبَيْدُ اللَّهِ ؟ قَالَ : بَلْ أَنْتِ أَحَقُّ بِمَالِك .\rقَالَتْ : فَاشْهَدُوا أَنَّ مَا كَانَ لِي عَلَى عِكْرِمَةَ مِنْ صَدَاقٍ فَهُوَ لَهُ ، فَلَمَّا وَضَعَتْ مَا فِي بَطْنِهَا ، رَدَّهَا عَلَى عُبَيْدِ اللَّهِ بْن الْحُرِّ ، وَأَلْحَقَ الْوَلَدَ بِأَبِيهِ .","part":15,"page":482},{"id":7482,"text":"( 5660 ) فَصْلٌ : وَالصَّدَاقُ إذَا كَانَ فِي الذِّمَّةِ ، فَهُوَ دَيْنٌ ، إذَا مَاتَ مَنْ هُوَ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ سِوَاهُ ، قُسِّمَ مَالُهُ بَيْنهمْ بِالْحِصَصِ .\rقَالَ أَحْمَدُ فِي مَرِيضٍ تَزَوَّجَ فِي مَرَضِهِ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ وَمَاتَ : مَا تَرَكَ بَيْنَ الْغُرَمَاءِ وَالْمَرْأَةِ بِالْحِصَصِ .\rوَذَلِكَ لِأَنَّ نِكَاحَ الْمَرِيضِ صَحِيحٌ ، وَالصَّدَاقَ دَيْنٌ ، فَتَسَاوَى سَائِرُ الدُّيُونِ .","part":15,"page":483},{"id":7483,"text":"فَصْلٌ : وَكُلُّ فُرْقَةٍ كَانَتْ قَبْلَ الدُّخُولِ مِنْ قِبَلِ الْمَرْأَةِ ، مِثْلُ إسْلَامِهَا ، أَوْ رِدَّتِهَا ، أَوْ إرْضَاعِهَا مَنْ يَنْفَسِخُ النِّكَاحُ بِإِرْضَاعِهِ ، أَوْ ارْتِضَاعِهَا وَهِيَ صَغِيرَةٌ ، أَوْ فَسَخَتْ لِإِعْسَارَةِ ، أَوْ عَيْبِهِ ، أَوْ لِعِتْقِهَا تَحْت عَبْدٍ ، أَوْ فَسْخِهِ بِعَيْبِهَا ، فَإِنَّهُ يَسْقُطُ بِهِ مَهْرُهَا ، وَلَا يَجِبُ لَا مُتْعَةٌ ؛ لِأَنَّهَا أَتْلَفَتْ الْمُعَوَّضَ قَبْلَ تَسْلِيمِهِ ، فَسَقَطَ الْبَدَلُ كُلُّهُ ، كَالْبَائِعِ يُتْلِفُ الْمَبِيعَ قَبْلَ تَسْلِيمِهِ .\rوَإِنْ كَانَتْ بِسَبَبِ الزَّوْجِ ، كَطَلَاقِهِ ، وَخُلْعِهِ ، وَإِسْلَامِهِ ، وَرِدَّتِهِ ، أَوْ جَاءَتْ مِنْ أَجْنَبِيٍّ ، كَالرَّضَاعِ ، أَوْ وَطْءٍ يَنْفَسِخُ بِهِ النِّكَاحُ ، سَقَطَ نِصْفُ الْمَهْرِ ، وَوَجَبَ نِصْفُهُ أَوْ الْمُتْعَةُ لِغَيْرِ مَنْ سُمِّيَ لَهَا ، ثُمَّ يَرْجِعُ الزَّوْجُ عَلَى مَنْ فَسَخَ النِّكَاحَ إذَا جَاءَ الْفَسْخُ مِنْ قِبَلِ أَجْنَبِيٍّ .\rوَإِنْ قَتَلَتْ الْمَرْأَةُ ، اسْتَقَرَّ الْمَهْرُ جَمِيعُهُ ؛ لِأَنَّهَا فُرْقَةٌ حَصَلَتْ بِالْمَوْتِ ، وَانْتِهَاءِ النِّكَاحِ ، فَلَا يَسْقُطُ بِهَا الْمَهْرُ ، كَمَا لَوْ مَاتَتْ حَتْفَ أَنْفِهَا ، سَوَاءٌ قَتَلَهَا زَوْجُهَا أَوْ أَجْنَبِيٌّ ، أَوْ قَتَلَتْ نَفْسَهَا ، أَوْ قَتَلَ الْأَمَةَ سَيِّدُهَا .\rوَإِنْ طَلَّقَ الْحَاكِمُ عَلَى الزَّوْجِ فِي الْإِيلَاءِ ، فَهُوَ كَطَلَاقِهِ ؛ لِأَنَّهُ قَامَ مَقَامَهُ فِي إيفَاءِ الْحَقِّ عَلَيْهِ عِنْدَ امْتِنَاعِهِ مِنْهُ .\rوَفِي فُرْقَةِ اللِّعَانِ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، هِيَ كَطَلَاقِهِ ؛ لِأَنَّ سَبَبَ اللِّعَانِ قَذْفُهُ الصَّادِرُ مِنْهُ .\rوَالثَّانِيَةُ ، يَسْقُطُ بِهِ مَهْرُهَا ؛ لِأَنَّ الْفَسْخَ عَقِيبَ لِعَانِهَا ، فَهُوَ كَفَسْخِهَا لِعُنَّتِهِ .\rوَفِي فُرْقَةِ شِرَائِهَا لِزَوْجِهَا أَيْضًا رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، يَتَنَصَّفُ بِهَا مَهْرُهَا ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ الْمُوجِبَ لِلْفَسْخِ تَمَّ بِالسَّيِّدِ الْقَائِمِ مَقَامَ الزَّوْجِ وَبِالْمَرْأَةِ ، فَأَشْبَهَ الْخُلْعَ .\rوَالثَّانِيَةُ ، يَسْقُطُ الْمَهْرُ ؛ لِأَنَّ الْفَسْخَ وُجِدَ عَقِيبَ قَبُولِهَا ، فَأَشْبَهَ فَسْخَهَا لِعُنَّتِهِ .\rوَفِيمَا إذَا اشْتَرَى","part":15,"page":484},{"id":7484,"text":"الْحُرُّ امْرَأَتَهُ وَجْهَانِ ، مَبْنِيَّانِ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي شِرَائِهَا لِزَوْجِهَا .\rوَإِذَا جَعَلَ لَهَا الْخِيَارَ ، فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا ، أَوْ وَكَّلَهَا فِي الطَّلَاقِ ، فَطَلَّقَتْ نَفْسَهَا ، فَهُوَ كَطَلَاقِهِ .\rلَا يَسْقُطُ مَهْرُهَا ؛ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ وَإِنْ بَاشَرَتْ الطَّلَاقَ ، فَهِيَ نَائِبَةٌ عَنْهُ ، وَوَكِيلَةٌ لَهُ ، وَفِعْلُ الْوَكِيلِ كَفِعْلِ الْمُوَكِّلِ ، فَكَأَنَّهُ صَدَرَ عَنْ مُبَاشَرَتِهِ .\rوَإِنْ عَلَّقَ طَلَاقَهَا عَلَى فِعْلٍ مِنْ قِبَلِهَا ، لَمْ يَسْقُطْ مَهْرُهَا ؛ لِأَنَّ السَّبَبَ وُجِدَ مِنْهُ ، وَإِنَّمَا هِيَ حَقَّقَتْ شَرْطَهُ ، وَالْحُكْمُ يُنْسَبُ إلَى صَاحِبِ السَّبَبِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":15,"page":485},{"id":7485,"text":"كِتَابُ الْوَلِيمَةِ الْوَلِيمَةُ : اسْمٌ لِلطَّعَامِ فِي الْعُرْسِ خَاصَّةً ، لَا يَقَعُ هَذَا الِاسْمُ عَلَى غَيْرِهِ .\rكَذَلِكَ حَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ ثَعْلَبٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ .\rوَقَالَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ : إنَّ الْوَلِيمَةَ تَقَعُ عَلَى كُلِّ طَعَامٍ لَسُرُورٍ حَادِثٍ ، إلَّا أَنَّ اسْتِعْمَالَهَا فِي طَعَامِ الْعُرْسِ أَكْثَرُ .\rوَقَوْلُ أَهْلِ اللُّغَةِ أَقْوَى ؛ لِأَنَّهُمْ أَهْلُ اللِّسَانِ ، وَهُمْ أَعْرَفُ بِمَوْضُوعَاتِ اللُّغَةِ ، وَأَعْلَمُ بِلِسَانِ الْعَرَبِ .\rوَالْعَذِيرَةُ : اسْمٌ لِدَعْوَةِ الْخِتَان ، وَتُسَمَّى الْإِعْذَارَ .\rوَالْخُرْسُ وَالْخُرْسَةُ : عِنْدَ الْوِلَادَة .\rوَالْوَكِيرَةُ : دَعْوَةُ الْبِنَاءِ .\rيُقَالُ : وَكَّرَ وَخَرَّسَ ، مُشَدَّدٌ .\rوَالنَّقِيعَةُ : عِنْد قُدُومِ الْغَائِبِ ، يُقَالُ : نَقَعَ ، مُخَفَّفٌ .\rوَالْعَقِيقَةُ : الذَّبْحُ لِأَجْلِ الْوَلَدِ ، قَالَ الشَّاعِرُ : كُلُّ الطَّعَامِ تَشْتَهِي رَبِيعَةُ الْخَرْسَ وَالْإِعْذَارَ وَالنَّقِيعَةَ وَالْحُذَّاق : الطَّعَامُ عِنْد حُذَّاقِ الصَّبِيِّ .\rوَالْمَأْدُبَةُ : اسْمٌ لِكُلِّ دَعْوَةٍ لَسَبَبٍ كَانَتْ أَوْ لِغَيْرِ سَبَبٍ .\rوَالْآدِبُ ، صَاحِبُ الْمَأْدُبَةِ ، قَالَ الشَّاعِرُ : نَحْنُ فِي الْمَشْتَاةِ نَدْعُو الْجَفَلَى لَا يَرَى الْآدِبَ مِنَّا يَنْتَقِرُ وَالْجَفَلَى فِي الدَّعْوَةِ : أَنْ يَعُمَّ النَّاسَ بِدَعْوَتِهِ .\rوَالنَّقَرَى : هُوَ أَنْ يَخُصَّ قَوْمًا دُون قَوْمٍ .","part":15,"page":486},{"id":7486,"text":"مَسْأَلَةٌ ( 5662 ) ؛ قَالَ ( وَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ تَزَوَّجَ أَنْ يُولِمَ وَلَوْ بِشَاةٍ ) .\rلَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي أَنَّ الْوَلِيمَةَ سُنَّةٌ فِي الْعُرْسِ مَشْرُوعَةٌ ؛ لِمَا رُوِيَ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِهَا وَفَعَلَهَا .\rفَقَالَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ، حِينَ قَالَ : تَزَوَّجْت : أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ } .\rوَقَالَ أَنَسٌ : { مَا أَوْلَمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى امْرَأَةٍ مِنْ نِسَائِهِ مَا أَوْلَمَ عَلَى زَيْنَبَ ، جَعَلَ يَبْعَثُنِي فَأَدْعُو لَهُ النَّاسَ ، فَأَطْعَمَهُمْ خُبْزًا وَلَحْمًا حَتَّى شَبِعُوا .\rوَقَالَ أَنَسٌ : إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اصْطَفَى صَفِيَّةَ لِنَفْسِهِ ، فَخَرَجَ بِهَا حَتَّى بَلَغَ ثَنِيَّةَ الصَّهْبَاءِ ، فَبَنَى بِهَا ، ثُمَّ صَنَعَ حَيْسًا فِي نِطَعٍ صَغِيرٍ ، ثُمَّ قَالَ : ائْذَنْ لِمَنْ حَوْلَك .\rفَكَانَتْ وَلِيمَةَ رَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى صَفِيَّةَ .\r} مُتَّفَقٌ عَلَيْهِنَّ .\rوَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُولِمَ بِشَاةٍ ، إنْ أَمْكَنَهُ ذَلِكَ ؛ لِقَوْلِ { رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ : أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ } .\rوَقَالَ أَنَسٌ : { مَا أَوْلَمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ نِسَائِهِ مَا أَوْلَمَ عَلَى زَيْنَب ، أَوْلَمَ بِشَاةِ .\r} لَفْظُ الْبُخَارِيِّ .\rفَإِنْ أَوْلَمَ بِغَيْرِ هَذَا جَازَ ؛ فَقَدْ أَوْلَمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى صَفِيَّةَ بِحَيْسٍ ، وَأَوْلَمَ عَلَى بَعْضِ نِسَائِهِ بِمُدَّيْنِ مِنْ شَعِيرٍ .\rرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ .\r( 5663 ) فَصْلٌ : وَلَيْسَتْ وَاجِبَةً فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rوَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ : هِيَ وَاجِبَةٌ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِهَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ ، وَلِأَنَّ الْإِجَابَةَ إلَيْهَا وَاجِبَةٌ ؛ فَكَانَتْ وَاجِبَةً .\rوَلَنَا ، أَنَّهَا طَعَامٌ لَسُرُورٍ حَادِثٍ ؛ فَأَشْبَهَ سَائِرَ الْأَطْعِمَةِ ، وَالْخَبَرُ مَحْمُولٌ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ ؛ بِدَلِيلِ مَا","part":15,"page":487},{"id":7487,"text":"ذَكَرْنَاهُ ، وَكَوْنِهِ أَمَرَ بِشَاةِ وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهَا لَا تَجِبُ ، وَمَا ذَكَرُوهُ مِنْ الْمَعْنَى لَا أَصْلَ لَهُ ، ثُمَّ هُوَ بَاطِلٌ بِالسَّلَامِ ، لَيْسَ بِوَاجِبٍ وَإِجَابَةُ الْمُسَلِّمِ وَاجِبَةٌ .","part":15,"page":488},{"id":7488,"text":"مَسْأَلَةٌ قَالَ : ( وَعَلَى مَنْ دُعِيَ أَنْ يُجِيبَ ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ لَا خِلَافَ فِي وُجُوبِ الْإِجَابَةِ إلَى الْوَلِيمَةِ لِمَنْ دُعِيَ إلَيْهَا ، إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا لَهْوٌ .\rوَبِهِ يَقُولُ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ وَالْعَنْبَرِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ .\rوَمِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ مَنْ قَالَ : هِيَ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ ؛ لِأَنَّ الْإِجَابَةَ إكْرَامٌ وَمُوَالَاةٌ ، فَهِيَ كَرَدِّ السَّلَامِ .\rوَلَنَا مَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { إذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إلَى الْوَلِيمَةِ فَلْيَأْتِهَا } .\rوَفِي لَفْظٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { أَجِيبُوا هَذِهِ الدَّعْوَةَ إذَا دُعِيتُمْ إلَيْهَا } .\rوَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : شَرُّ الطَّعَامِ طَعَامُ الْوَلِيمَةِ ؛ يُدْعَى لَهَا الْأَغْنِيَاءُ وَيُتْرَكُ الْفُقَرَاءُ وَمَنْ لَمْ يُجِبْ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ .\rرَوَاهُنَّ الْبُخَارِيُّ .\rوَهَذَا عَامٌ ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ : شَرُّ الطَّعَامِ طَعَامُ الْوَلِيمَةِ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَيْ طَعَامُ الْوَلِيمَةِ الَّتِي يُدْعَى إلَيْهَا الْأَغْنِيَاءُ وَيُتْرَكُ الْفُقَرَاءُ ، وَلَمْ يُرِدْ أَنَّ كُلَّ وَلِيمَةٍ طَعَامُهَا شَرُّ الطَّعَامِ ؛ فَإِنَّهُ لَوْ أَرَادَ ذَلِكَ لَمَا أَمَرَ بِهَا ، وَلَا نَدَبَ إلَيْهَا ، وَلَا أَمَرَ بِالْإِجَابَةِ إلَيْهَا ، وَلَا فَعَلَهَا ؛ وَلِأَنَّ الْإِجَابَةَ تَجِبُ بِالدَّعْوَةِ ، فَكُلُّ مَنْ دُعِيَ فَقَدْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الْإِجَابَةُ .\r( 5665 ) فَصْلٌ : وَإِنَّمَا تَجِبُ الْإِجَابَةُ عَلَى مَنْ عُيِّنَ بِالدَّعْوَةِ ، بِأَنْ يَدْعُوَ رَجُلًا بِعَيْنِهِ ، أَوْ جَمَاعَةً مُعَيَّنِينَ .\rفَإِنْ دَعَا الْجَفَلَى ؛ بِأَنْ يَقُولَ : يَا أَيُّهَا النَّاسِ ، أَجِيبُوا إلَى الْوَلِيمَةِ .\rأَوْ يَقُولَ الرَّسُولُ : أُمِرْت أَنْ أَدْعُوَ كُلَّ مَنْ لَقِيت ، أَوْ مَنْ شِئْت .\rلَمْ تَجِبْ الْإِجَابَةُ ، وَلَمْ تُسْتَحَبُّ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُعَيَّنْ بِالدَّعْوَةِ ، فَلَمْ تَتَعَيَّنْ عَلَيْهِ الْإِجَابَةُ ، وَلِأَنَّهُ غَيْرُ مَنْصُوصٍ عَلَيْهِ ، وَلَا يَحْصُلُ كَسْرُ قَلْبِ الدَّاعِي بِتَرْكِ إجَابَتِهِ","part":15,"page":489},{"id":7489,"text":"، وَتَجُوزُ الْإِجَابَةُ بِهَذَا ؛ لِدُخُولِهِ فِي عُمُومِ الدُّعَاءِ .","part":15,"page":490},{"id":7490,"text":"( 5666 ) فَصْلٌ : وَإِذَا صُنِعَتْ الْوَلِيمَةُ أَكْثَرَ مِنْ يَوْمٍ ، جَازَ ؛ فَقَدْ رَوَى الْخَلَّالُ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي ، أَنَّهُ أَعْرَسَ وَدَعَا الْأَنْصَارَ ثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ .\rوَإِذَا دُعِيَ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ وَجَبْت الْإِجَابَةُ ، وَفِي الْيَوْمِ الثَّانِي تُسْتَحَبُّ الْإِجَابَةُ ، وَفِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ لَا تُسْتَحَبُّ .\rقَالَ أَحْمَدُ : الْأُوَلُ يَجِبُ ، وَالثَّانِي إنْ أَحَبَّ ، وَالثَّالِثُ فَلَا .\rوَهَكَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { الْوَلِيمَةُ أَوَّلَ يَوْمٍ حَقٌّ ، وَالثَّانِي مَعْرُوفٌ ، وَالثَّالِثُ رِيَاءٌ وَسُمْعَةٌ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَغَيْرُهُمَا .\rوَقَالَهُ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّب أَيْضًا .\rوَدُعِيَ سَعِيدٌ إلَى وَلِيمَةٍ مَرَّتَيْنِ فَأَجَابَ ، فَدُعِيَ الثَّالِثَةَ ، فَحَصَبَ الرَّسُولَ .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَالْخَلَّالُ .","part":15,"page":491},{"id":7491,"text":"( 5667 ) فَصْلٌ : وَالدُّعَاءُ إلَى الْوَلِيمَةِ إذْنٌ فِي الدُّخُولِ وَالْأَكْلِ ؛ بِدَلِيلِ مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { إذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ ، فَجَاءَ مَعَ الرَّسُولِ ، فَذَلِكَ إذْنٌ لَهُ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ : إذَا دُعِيت فَقَدْ أُذِنَ لَك .\rرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادِهِ .","part":15,"page":492},{"id":7492,"text":"( 5668 ) فَصْلٌ : فَإِنْ دَعَاهُ ذِمِّيٌّ ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا : لَا تَجِبُ إجَابَتُهُ ؛ لِأَنَّ الْإِجَابَةَ لِلْمُسْلِمِ لِلْإِكْرَامِ وَالْمُوَالَاةِ وَتَأْكِيدِ الْمَوَدَّةِ وَالْإِخَاءِ ، فَلَا تَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِ لِلذِّمِّيِّ ، وَلِأَنَّهُ لَا يَأْمَنُ اخْتِلَاطَ طَعَامِهِمْ بِالْحَرَامِ وَالنَّجَاسَةِ ، وَلَكِنْ تَجُوزُ إجَابَتُهُمْ ؛ لِمَا رَوَى أَنَسٌ ، أَنْ يَهُودِيًّا { دَعَا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى خُبْزِ شَعِيرٍ ، وَإِهَالَةٍ سَنِخَةٍ ، فَأَجَابَهُ } .\rذَكَرَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ، فِي \" الزُّهْدِ \" .","part":15,"page":493},{"id":7493,"text":"فَصْلٌ : فَإِنْ دَعَاهُ رَجُلَانِ ، وَلَمْ يُمْكِنْ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا ، وَسَبَقَ أَحَدُهُمَا ، أَجَابَ السَّابِقَ ؛ لِأَنَّ إجَابَتَهُ وَجَبَتْ حِينَ دَعَاهُ ، فَلَمْ يَزُلْ الْوُجُوبُ بِدُعَاءِ الثَّانِي ، وَلَمْ تَجِبْ إجَابَةُ الثَّانِي ؛ لِأَنَّهَا غَيْرُ مُمْكِنَةٍ مَعَ إجَابَةِ الْأَوَّلِ ، فَإِنْ اسْتَوَيَا ، أَجَابَ أَقْرَبَهُمَا مِنْهُ بَابًا ؛ لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { إذَا اجْتَمَعَ دَاعِيَانِ ، فَأَجِبْ أَقْرَبَهُمَا بَابًا ؛ فَإِنَّ أَقْرَبَهُمَا جِوَارًا ، فَإِنْ سَبَقَ أَحَدُهُمَا ، فَأَجِبْ الَّذِي سَبَقَ } .\rوَرَوَى الْبُخَارِيُّ بِإِسْنَادِهِ { عَنْ عَائِشَةَ ، قَالَتْ : قُلْت : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنَّ لِي جَارَيْنِ ، فَإِلَى أَيِّهِمَا أُهْدِي ؟ قَالَ أَقْرَبُهُمَا مِنْك بَابًا } .\rوَلِأَنَّ هَذَا مِنْ أَبْوَابِ الْبِرِّ ؛ فَقُدِّمَ بِهَذِهِ الْمَعَانِي ، فَإِنْ اسْتَوَيَا ، أَجَابَ أَقْرَبَهُمَا رَحِمًا ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ صِلَةِ الرَّحِمِ ، فَإِنْ اسْتَوَيَا ، أَجَابَ أَدْيَنَهُمَا ، فَإِنْ اسْتَوَيَا أَقْرَعَ بَيْنَهُمَا ؛ لِأَنَّ الْقُرْعَةَ تُعَيِّنُ الْمُسْتَحِقَّ عِنْدَ اسْتِوَاءِ الْحُقُوقِ .","part":15,"page":494},{"id":7494,"text":"( 5670 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( فَإِنْ لَمْ يُحِبَّ أَنْ يُطْعِمَ ، دَعَا وَانْصَرَفَ ) .\rوَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْوَاجِبَ الْإِجَابَةُ إلَى الدَّعْوَةِ ؛ لِأَنَّهَا الَّذِي أَمَرَ بِهِ وَتَوَعَّدَ عَلَى تَرْكِهِ ، أَمَّا الْأَكْلُ فَغَيْرُ وَاجِبٍ ، صَائِمًا كَانَ أَوْ مُفْطِرًا .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، لَكِنْ إنْ كَانَ الْمَدْعُوُّ صَائِمًا صَوْمًا وَاجِبًا أَجَابَ ، وَلَمْ يُفْطِرْ ؛ لِأَنَّ الْفِطْرَ غَيْرُ جَائِزٍ ؛ فَإِنَّ الصَّوْمَ وَاجِبٌ ، وَالْأَكْلَ غَيْرُ وَاجِبٍ ، وَقَدْ رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ فَلْيُجِبْ ، فَإِنْ كَانَ صَائِمًا فَلْيَدْعُ - وَإِنْ كَانَ مُفْطِرًا فَلْيُطْعِمْ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَفِي رِوَايَةٍ \" فَلْيُصَلِّ \" .\rيَعْنِي : يَدْعُو .\rوَدُعِيَ ابْنُ عُمَرَ إلَى وَلِيمَةٍ ، فَحَضَرَ وَمَدَّ يَدَهُ وَقَالَ : بِسْمِ اللَّهِ ، ثُمَّ قَبَضَ يَدَهُ ، وَقَالَ : كُلُوا ، فَإِنِّي صَائِمٌ .\rوَإِنْ كَانَ صَوْمًا تَطَوُّعًا ، اُسْتُحِبَّ لَهُ الْأَكْلُ ؛ لِأَنَّ لَهُ الْخُرُوجَ مِنْ الصَّوْمِ ، فَإِذَا كَانَ فِي الْأَكْلِ إجَابَةُ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ ، وَإِدْخَالُ السُّرُورِ عَلَى قَلْبِهِ ، كَانَ أُولَى .\rوَقَدْ رُوِيَ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ فِي دَعْوَةٍ ، وَمَعَهُ جَمَاعَةٌ ، فَاعْتَزَلَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ نَاحِيَةً ، فَقَالَ : إنِّي صَائِمٌ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : دَعَاكُمْ أَخُوكُمْ ، وَتَكَلَّفَ لَكُمْ ، كُلْ ، ثُمَّ صُمْ يَوْمًا مَكَانَهُ إنْ شِئْت ، } وَإِنْ أَحَبَّ إتْمَامَ الصِّيَامِ جَازَ ؛ لِمَا رَوَيْنَا مِنْ الْخَبَرِ الْمُتَقَدِّمِ ، وَلَكِنْ يَدْعُو لَهُمْ ، وَيَتْرُكُ ، وَيُخْبِرُهُمْ بِصِيَامِهِ ؛ لِيَعْلَمُوا عُذْرَهُ ، فَتَزُولَ عَنْهُ التُّهْمَةُ فِي تَرْكِ الْأَكْلِ .\rوَقَدْ رَوَى أَبُو حَفْصٍ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ أَجَابَ عَبْدَ الْمُغِيرَةِ وَهُوَ صَائِمٌ ، فَقَالَ : إنِّي صَائِمٌ ، وَلَكِنِّي أَحْبَبْت أَنْ أُجِيبَ الدَّاعِيَ ، فَأَدْعُوَ بِالْبَرَكَةِ .\rوَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : إذَا عُرِضَ عَلَى","part":15,"page":495},{"id":7495,"text":"أَحَدِكُمْ الطَّعَامُ وَهُوَ صَائِمٌ ، فَلْيَقُلْ : إنِّي صَائِمٌ .\rوَإِنْ كَانَ مُفْطِرًا ، فَالْأَوْلَى لَهُ الْأَكْلُ ؛ لِأَنَّهُ أَبْلُغُ فِي إكْرَامِ الدَّاعِي ، وَجَبْرِ قَلْبِهِ .\rوَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ ذَلِكَ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ : فِيهِ وَجْهٌ آخِرُ ، أَنَّهُ يَلْزَمُهُ الْأَكْلُ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { وَإِنْ كَانَ مُفْطِرًا فَلْيُطْعِمْ } .\rوَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ الْأَكْلُ ، فَكَانَ وَاجِبًا .\rوَلَنَا قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ فَلْيُجِبْ ، فَإِنْ شَاءَ أَكَلَ ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ } .\rحَدِيثٌ صَحِيحٌ .\rوَلِأَنَّهُ لَوْ وَجَبَ الْأَكْلُ ، لَوَجَبَ عَلَى الْمُتَطَوِّعِ بِالصَّوْمِ ، فَلَمَّا لَمْ يَلْزَمْهُ الْأَكْلُ ، لَمْ يَلْزَمْهُ إذَا كَانَ مُفْطِرًا .\rوَقَوْلُهُمْ : الْمَقْصُودُ الْأَكْلُ .\rقُلْنَا : بَلْ الْمَقْصُودُ الْإِجَابَةُ ، وَلِذَلِكَ وَجَبَتْ عَلَى الصَّائِمِ الَّذِي لَا يَأْكُلُ .","part":15,"page":496},{"id":7496,"text":"( 5671 ) فَصْلٌ : إذَا دُعِيَ إلَى وَلِيمَةٍ ، فِيهَا مَعْصِيَةٌ ، كَالْخَمْرِ ، وَالزَّمْرِ ، وَالْعُودِ وَنَحْوِهِ ، وَأَمْكَنَهُ الْإِنْكَارُ ، وَإِزَالَةُ الْمُنْكَرِ ، لَزِمَهُ الْحُضُورُ وَالْإِنْكَارُ ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي فَرْضَيْنِ ؛ إجَابَةَ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ ، وَإِزَالَةَ الْمُنْكَرِ .\rوَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْإِنْكَارِ ، لَمْ يَحْضُرْ .\rوَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِالْمُنْكَرِ حَتَّى حَضَرَ ، أَزَالَهُ ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ انْصَرَفَ .\rوَنَحْوُ هَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : أَمَّا اللَّهْوُ الْخَفِيفُ ، كَالدُّفِّ وَالْكِيرِ فَلَا يَرْجِعُ .\rوَقَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ .\rوَقَالَ أُصْبَغُ : أَرَى أَنْ يَرْجِعَ ؛ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إذَا وَجَدَ اللَّعِبَ ، فَلَا بَأْسَ أَنْ يَقْعُدَ فَيَأْكُلَ .\rوَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ : إنْ كَانَ مِمَّنْ يُقْتَدَى بِهِ ، فَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَخْرُجَ .\rوَقَالَ اللَّيْثُ : إذَا كَانَ فِيهَا الضَّرْبُ بِالْعُودِ ، فَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَشْهَدَهَا .\rوَالْأَصْلُ فِي هَذَا مَا رَوَى سَفِينَةُ { أَنَّ رَجُلًا أَضَافَهُ عَلِيٌّ ، فَصَنَعَ لَهُ طَعَامًا ، فَقَالَتْ فَاطِمَةُ : لَوْ دَعَوْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَأَكَلَ مَعَنَا ؟ فَدَعَوْهُ ، فَجَاءَ .\rفَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى عِضَادَتَيْ الْبَابِ ، فَرَأَى قِرَامًا فِي نَاحِيَةِ الْبَيْتِ ، فَرَجَعَ ، فَقَالَتْ فَاطِمَةُ لِعَلِيٍّ : الْحَقْهُ ، فَقُلْ لَهُ : مَا رَجَعَك يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ فَقَالَ : إنَّهُ لَيْسَ لِي أَنْ أَدْخُلَ بَيْتًا مُزَوَّقًا } .\rحَدِيثٌ حَسَنٌ .\rوَرَوَى أَبُو حَفْصٍ ، بِإِسْنَادِهِ .\rأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ، فَلَا يَقْعُدْ عَلَى مَائِدَةٍ يُدَارُ عَلَيْهَا الْخَمْرُ } .\r{ وَعَنْ نَافِعٍ ، قَالَ : كُنْت أَسِيرُ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، فَسَمِعَ زَمَّارَةَ رَاعٍ ، فَوَضَعَ أُصْبُعَيْهِ فِي أُذْنَيْهِ ، ثُمَّ عَدَلَ عَنْ الطَّرِيقِ ، فَلَمْ يَزَلْ يَقُولُ : يَا نَافِعُ أَتَسْمَعُ ؟ حَتَّى قُلْت : لَا .\rفَأَخْرَجَ أُصْبُعَيْهِ مِنْ أُذُنَيْهِ ، ثُمَّ رَجَعَ إلَى الطَّرِيقِ ، ثُمَّ قَالَ :","part":15,"page":497},{"id":7497,"text":"هَكَذَا رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَنَعَ .\r} رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالْخِلَالُ .\rوَلِأَنَّهُ يُشَاهِدُ الْمُنْكَرَ وَيَسْمَعُهُ ، مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إلَى ذَلِكَ ، فَمُنِعَ مِنْهُ ، كَمَا لَوْ قَدَرَ عَلَى إزَالَتِهِ .\rوَيُفَارِقُ مَنْ لَهُ جَارٌ مُقِيمٌ عَلَى الْمُنْكَرِ وَالزَّمْرِ ، حَيْثُ يُبَاحُ لَهُ الْمُقَامُ ، فَإِنَّ تِلْكَ حَالُ حَاجَةٍ ؛ لِمَا فِي الْخُرُوجِ مِنْ الْمَنْزِلِ مِنْ الضَّرَرِ .","part":15,"page":498},{"id":7498,"text":"( 5672 ) فَصْلٌ : فَإِنْ رَأَى نُقُوشًا ، وَصُوَرَ شَجَرٍ ، وَنَحْوَهَا ، فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ ؛ لِأَنَّ تِلْكَ نُقُوشٌ ، فَهِيَ كَالْعَلَمِ فِي الثَّوْبِ .\rوَإِنْ كَانَتْ فِيهِ صُوَرُ حَيَوَانٍ ، فِي مَوْضِعٍ يُوطَأُ أَوْ يُتَّكَأُ عَلَيْهَا ، كَاَلَّتِي فِي الْبُسُطِ ، وَالْوَسَائِد ، جَازَ أَيْضًا .\rوَإِنْ كَانَتْ عَلَى السُّتُورِ وَالْحِيطَانِ ، وَمَا لَا يُوطَأُ ، وَأَمْكَنَهُ حَطُّهَا ، أَوْ قَطْعُ رُءُوسِهَا ، فَعَلَ وَجَلَسَ ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ ذَلِكَ ، انْصَرَفَ وَلَمْ يَجْلِسْ ؛ وَعَلَى هَذَا أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : هَذَا أَعْدَلُ الْمَذَاهِبِ .\rوَحَكَاهُ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ، وَسَالِمٍ ، وَعُرْوَةَ ، وَابْنِ سِيرِينَ ، وَعَطَاءٍ ، وَعِكْرِمَةَ بْنِ خَالِدٍ ، وَعِكْرِمَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ، وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يَكْرَهُ التَّصَاوِيرَ ، مَا نُصِبَ مِنْهَا وَمَا بُسِطَ .\rوَكَذَلِكَ مَالِكٌ ، إلَّا أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُهَا تَنَزُّهًا ، وَلَا يَرَاهَا مُحَرَّمَةً .\rوَلَعَلَّهُمْ يَذْهَبُونَ إلَى عُمُومِ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إنَّ الْمَلَائِكَةَ لَا تَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ صُورَةٌ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ، أَنَّهُ دُعِيَ إلَى طَعَامٍ ، فَلَمَّا قِيلَ لَهُ : إنَّ فِي الْبَيْتِ صُورَةً أَبَى أَنْ يَذْهَبَ حَتَّى كُسِرَتْ .\rوَلَنَا مَا رَوَتْ عَائِشَةُ ، قَالَتْ { قَدِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ سَفَرٍ ، وَقَدْ سَتَرْت لِي سَهْوَةً بِنَمَطٍ فِيهِ تَصَاوِيرُ ، فَلَمَّا رَآهُ قَالَ : أَتَسْتُرِينَ الْخِدْرَ بِسِتْرٍ فِيهِ تَصَاوِيرُ ؟ فَهَتَكَهُ .\rقَالَتْ : فَجَعَلْت مِنْهُ مُنْتَبَذَتَيْنِ ، كَأَنِّي أَنْظُرُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُتَّكِئًا عَلَى إحْدَاهُمَا } .\rرَوَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ .\rوَلِأَنَّهَا إذَا كَانَتْ تُدَاسُ وَتُبْتَذَلُ ، لَمْ تَكُنْ مُعَزَّزَةً وَلَا مُعَظَّمَةً ، فَلَا تُشْبِهُ الْأَصْنَامَ الَّتِي تُعْبَدُ وَتُتَّخَذُ آلِهَةً ، فَلَا تُكْرَمُ .\rوَمَا رَوَيْنَاهُ أَخُصُّ مِمَّا رَوَوْهُ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ","part":15,"page":499},{"id":7499,"text":"{ أَبِي طَلْحَةَ .\rأَنَّهُ قِيلَ لَهُ : أَلَمْ يَقُلْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ صُورَةٌ وَلَا كَلْبٌ ؟ قَالَ : أَلَمْ تَسْمَعْهُ قَالَ : إلَّا رَقْمًا فِي ثَوْبٍ ؟ } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ أَنَّ الْمُبَاحَ مَا كَانَ مَبْسُوطًا ، وَالْمَكْرُوهَ مِنْهُ مَا كَانَ مُعَلَّقًا ، بِدَلِيلِ حَدِيثِ عَائِشَةَ .","part":15,"page":500},{"id":7500,"text":"( 5673 ) فَصْلٌ : فَإِنْ قَطَعَ رَأْسَ الصُّورَةِ ، ذَهَبَتْ الْكَرَاهَةُ .\rقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : الصُّورَةُ الرَّأْسُ ، فَإِذَا قُطِعَ الرَّأْسُ فَلِيس بِصُورَةٍ .\rوَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ عِكْرِمَةَ .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ { صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَتَانِي جِبْرِيلُ ، فَقَالَ : أَتَيْتُك الْبَارِحَةَ ، فَلَمْ يَمْنَعْنِي أَنْ أَكُونَ دَخَلْت إلَّا أَنَّهُ كَانَ عَلَى الْبَابِ تَمَاثِيلُ ، وَكَانَ فِي الْبَيْتِ سِتْرٌ فِيهِ تَمَاثِيلُ ، وَكَانَ فِي الْبَيْتِ كَلْبٌ ، فَمُرْ بِرَأْسِ التِّمْثَالِ الَّذِي عَلَى الْبَابِ فَيُقْطَعُ ، فَيَصِيرُ كَهَيْئَةِ الشَّجَرَ ، وَمُرْ بِالسِّتْرِ فَلْتُقْطَعْ مِنْهُ وِسَادَتَانِ مَنْبُوذَتَانِ يُوطَآنِ ، وَمُرْ بِالْكَلْبِ فَلْيُخْرَجْ .\rفَفَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\r} وَإِنْ قَطَعَ مِنْهُ مَا لَا يُبْقِي الْحَيَوَانَ بَعْدَ ذَهَابِهِ ، كَصَدْرِهِ أَوْ بَطْنِهِ ، أَوْ جُعِلَ لَهُ رَأْسٌ مُنْفَصِلٌ عَنْ بَدَنِهِ ، لَمْ يَدْخُلْ تَحْتَ النَّهْيِ ، لِأَنَّ الصُّورَةَ لَا تَبْقَيْ بَعْدَ ذَهَابِهِ ، فَهُوَ كَقَطْعِ الرَّأْسِ .\rوَإِنْ كَانَ الذَّاهِبُ يُبْقِي الْحَيَوَانَ بَعْدَهُ ، كَالْعَيْنِ وَالْيَدِ وَالرِّجْلِ ، فَهُوَ صُورَةٌ دَاخِلَةٌ تَحْتَ النَّهْيِ .\rوَكَذَلِكَ إذَا كَانَ فِي ابْتِدَاءِ التَّصْوِيرِ صُورَةُ بَدَنٍ بِلَا رَأْسٍ ، أَوْ رَأْسٍ بِلَا بَدَنٍ ، أَوْ جُعِلَ لَهُ رَأْسٌ وَسَائِرُ بَدَنِهِ صُورَةُ غَيْرِ حَيَوَانٍ ، لَمْ يَدْخُلْ فِي النَّهْي ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِصُورَةِ حَيَوَانٍ .","part":16,"page":1},{"id":7501,"text":"( 5674 ) فَصْلٌ : وَصَنْعَةُ التَّصَاوِيرِ مُحَرَّمَةٌ عَلَى فَاعِلِهَا ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { الَّذِينَ يَصْنَعُونَ هَذِهِ الصُّوَرَ يُعَذَّبُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، يُقَالُ لَهُمْ : أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ } .\rوَعَنْ { مَسْرُوقٍ قَالَ : دَخَلْنَا مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بَيْتًا فِيهِ تَمَاثِيلُ ، فَقَالَ لَتِمْثَالٍ مِنْهَا : تِمْثَالُ مَنْ هَذَا ؟ قَالُوا : تِمْثَالُ مَرْيَمَ ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : إنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْمُصَوِّرُونَ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا ، وَالْأَمْرُ بِعَمَلِهِ مُحَرَّمٌ .\rكَعَمَلِهِ .","part":16,"page":2},{"id":7502,"text":"( 5675 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا دُخُولُ مَنْزِلٍ فِيهِ صُورَةٌ ، فَلَيْسَ بِمُحَرَّمٍ ، وَإِنَّمَا أُبِيحَ تَرْكُ الدَّعْوَةِ مِنْ أَجَلِهِ عُقُوبَةً لِلدَّاعِي ، بِإِسْقَاطِ حُرْمَتِهِ ؛ لِإِيجَادِهِ الْمُنْكَرَ فِي دَارِهِ .\rوَلَا يَجِبُ عَلَى مَنْ رَآهُ فِي مَنْزِلِ الدَّاعِي الْخُرُوجُ ، فِي ظَاهِرِ كَلَامِ أَحْمَدَ ؛ فَإِنَّهُ قَالَ ، فِي رِوَايَةِ الْفَضْلِ بْنِ زِيَادٍ ، إذَا رَأَى صُوَرًا عَلَى السِّتْرِ ، لَمْ يَكُنْ رَآهَا حِينَ دَخَلَ ؟ قَالَ : هُوَ أَسْهَلُ مِنْ أَنْ يَكُونَ عَلَى الْجِدَارِ .\rقِيلَ : فَإِنْ لَمْ يَرَهُ إلَّا عِنْدَ وَضْعِ الْخِوَانُ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ ، أَيَخْرُجُ ؟ فَقَالَ : لَا تُضَيِّقْ عَلَيْنَا ، وَلَكِنْ إذَا رَأَى هَذَا وَبَّخَهُمْ وَنَهَاهُمْ .\rيَعْنِي لَا يَخْرُجُ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ فَإِنَّهُ كَانَ يَكْرَهُهَا تَنَزُّهًا ، وَلَا يَرَاهَا مُحَرَّمَةً .\rوَقَالَ أَكْثَرُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ : إذَا كَانَتْ الصُّوَرُ عَلَى السُّتُورِ ، أَوْ مَا لَيْسَ بِمَوْطُوءٍ ، لَمْ يَجُزْ لَهُ الدُّخُولُ ؛ لِأَنَّ الْمَلَائِكَةَ لَا تَدْخُلُهُ ، وَلِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ مُحَرَّمًا ، لَمَا جَازَ تَرْكُ الدَّعْوَةِ الْوَاجِبَةِ مِنْ أَجْلِهِ .\rوَلَنَا مَا رُوِيَ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ الْكَعْبَةَ ، فَرَأَى فِيهَا صُورَةَ إبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ يَسْتَقْسِمَانِ بِالْأَزْلَامِ ، فَقَالَ : قَاتَلَهُمْ اللَّهُ ، لَقَدْ عَلِمُوا أَنَّهُمَا مَا اسْتَقْسَمَا بِهَا قَطُّ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَمَا ذَكَرْنَا مِنْ خَبَرِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ دَخَلَ بَيْتًا فِيهِ تَمَاثِيلُ ، وَفِي شُرُوطِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ : أَنْ يُوَسِّعُوا أَبْوَابَ كَنَائِسِهِمْ وَبِيَعِهِمْ ، لِيَدْخُلَهَا الْمُسْلِمُونَ لِلْمَبِيتِ بِهَا ، وَالْمَارَّةُ بِدَوَابِّهِمْ ، وَرَوَى ابْنُ عَائِذٍ فِي \" فُتُوحِ الشَّامِ \" ، أَنَّ النَّصَارَى صَنَعُوا لَعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، حِينَ قَدِمَ الشَّامَ ، طَعَامًا ، فَدَعَوْهُ ، فَقَالَ : أَيْنَ هُوَ ؟ قَالُوا : فِي الْكَنِيسَةِ ، فَأَبَى أَنْ يَذْهَبَ ، وَقَالَ لَعَلِيٍّ : امْضِ بِالنَّاسِ ، فَلِيَتَغَدَّوْا .\rفَذَهَبَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ","part":16,"page":3},{"id":7503,"text":"عَنْهُ بِالنَّاسِ ، فَدَخَلَ الْكَنِيسَةَ ، وَتَغَدَّى هُوَ وَالْمُسْلِمُونَ ، وَجَعَلَ عَلِيٌّ يَنْظُرُ إلَى الصُّوَرِ ، وَقَالَ : مَا عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ لَوْ دَخَلَ فَأَكَلَ ، وَهَذَا اتِّفَاقٌ مِنْهُمْ عَلَى إبَاحَةِ دُخُولِهَا وَفِيهَا الصُّورُ ، وَلِأَنَّ دُخُولَ الْكَنَائِسِ وَالْبِيَعِ غَيْرُ مُحَرَّمٍ ، فَكَذَلِكَ الْمَنَازِلُ الَّتِي فِيهَا الصُّوَرُ ، وَكَوْنُ الْمَلَائِكَةِ لَا تَدْخُلُهُ لَا يُوجِبُ تَحْرِيمَ دُخُولِهِ عَلَيْنَا ، كَمَا لَوْ كَانَ فِيهِ كَلْبٌ ، وَلَا يَحْرُمُ عَلَيْنَا صُحْبَةُ رُفْقَةٍ فِيهَا جَرَسٌ ، مَعَ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ لَا تَصْحَبُهُمْ ، وَإِنَّمَا أُبِيحَ تَرْكُ الدَّعْوَةِ مِنْ أَجْلِهِ عُقُوبَةً لِفَاعِلِهِ ، وَزَجْرًا لَهُ عَنْ فِعْلِهِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":16,"page":4},{"id":7504,"text":"( 5676 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا سَتْرُ الْحِيطَانِ بِسُتُورٍ غَيْرِ مُصَوَّرَةٍ ؛ فَإِنْ كَانَ لَحَاجَةٍ مِنْ وِقَايَةِ حَرٍّ أَوْ بَرْدٍ ، فَلَا بَأْسَ بِهِ ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَعْمِلُهُ فِي حَاجَتِهِ ، فَأَشْبَهَ السِّتْرَ عَلَى الْبَاب ، وَمَا يَلْبَسُهُ عَلَى بَدَنِهِ ، وَإِنْ كَانَ لِغَيْرِ حَاجَةٍ ، فَهُوَ مَكْرُوهٌ ، وَعُذْرٌ فِي الرُّجُوعِ عَنْ الدَّعْوَةِ وَتَرْكِ الْإِجَابَةِ ؛ بِدَلِيلِ مَا رَوَى سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، قَالَ : أَعْرَسْت فِي عَهْدِ أَبِي فَآذَنَ أَبِي النَّاسَ ، فَكَانَ أَبُو أَيُّوبَ فِيمَنْ آذَنَ ، وَقَدْ سَتَرُوا بَيْتِي بِخِبَاءٍ أَخْضَرَ ، فَأَقْبَلَ أَبُو أَيُّوبَ مُسْرِعًا ، فَاطَّلَعَ ، فَرَأَى الْبَيْتَ مُسْتَتِرًا بِخِبَاءٍ أَخْضَرَ ، فَقَالَ : يَا عَبْد اللَّهِ أَتَسْتُرُونَ الْجُدُرَ ؟ فَقَالَ أَبِي ، وَاسْتَحْيَا : غَلَبَتْنَا النِّسَاءُ يَا أَبَا أَيُّوبَ .\rفَقَالَ : مَنْ خَشِيت أَنْ يَغْلِبَهُ النِّسَاءُ ، فَلَمْ أَخْشَ أَنْ يَغْلِبَنَّكَ ثُمَّ قَالَ : لَا أَطْعَمُ لَكُمْ طَعَامًا ، وَلَا أَدْخُلُ لَكُمْ بَيْتًا ، ثُمَّ خَرَجَ .\rرَوَاهُ الْأَثْرَمُ وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْخِطْمِيِّ ، أَنَّهُ دُعِيَ إلَى طَعَامٍ ، فَرَأَى الْبَيْتَ مُنَجَّدًا ، فَقَعَدَ خَارِجًا وَبَكَى ، قِيلَ لَهُ : مَا يُبْكِيك ؟ قَالَ : إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى رَجُلًا قَدْ رَقَّعَ بُرْدَةً لَهُ بِقِطْعَةِ أَدَمٍ ، فَقَالَ : { تَطَالَعَتْ عَلَيْكُمْ الدُّنْيَا .\rثَلَاثًا ، ثُمَّ قَالَ : أَنْتُمْ الْيَوْمَ خَيْرٌ أَمْ إذَا غَدَتْ عَلَيْكُمْ قَصْعَةٌ وَرَاحَتْ أُخْرَى ، وَيَغْدُوا أَحَدُكُمْ فِي حُلَّةٍ وَيَرُوحُ فِي أُخْرَى ، وَتَسْتُرُونَ بُيُوتَكُمْ كَمَا تُسْتَرُ الْكَعْبَةُ ؟ .\rقَالَ عَبْدُ اللَّهِ : أَفَلَا أَبْكِي ، وَقَدْ بَقِيت حَتَّى رَأَيْتُكُمْ تَسْتُرُونَ بُيُوتَكُمْ كَمَا تُسْتَرُ الْكَعْبَةُ ؟ .\r} وَقَدْ رَوَى الْخَلَّالُ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَعَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَنَّهُ نَهَى أَنْ تُسْتَرَ الْجُدُرُ .\r} وَرَوَتْ عَائِشَةُ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَأْمُرْ فِيمَا","part":16,"page":5},{"id":7505,"text":"رُزِقْنَا أَنْ نَسْتُرَ الْجُدُرَ .\r} إذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّ سِتْرَ الْحِيطَانِ مَكْرُوهٌ غَيْرُ مُحَرَّمٍ وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ إذْ لَمْ يَثْبُتْ فِي تَحْرِيمِهِ دَلِيلٌ ، وَقَدْ فَعَلَهُ ابْنُ عُمَرَ ، وَفُعِلَ فِي زَمَنِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، وَإِنَّمَا كَرِهَ لِمَا فِيهِ مِنْ السَّرَفِ ، كَالزِّيَادَةِ فِي الْمَلْبُوسِ ، وَالْمَأْكُولِ .\rوَقَدْ قِيلَ : هُوَ مُحَرَّمٌ ؛ لِلنَّهْيِ عَنْهُ .\rوَالْأَوَّلُ أَوْلَى ؛ فَإِنَّ النَّهْيَ لَمْ يَثْبُتْ ، وَلَوْ ثَبَتَ الْحَمْلُ عَلَى الْكَرَاهَةِ ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ .","part":16,"page":6},{"id":7506,"text":"( 5677 ) فَصْلٌ : وَسُئِلَ أَحْمَدُ عَنْ السُّتُورِ فِيهَا الْقُرْآنُ ؟ فَقَالَ : لَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ شَيْئًا مُعَلَّقًا فِيهِ الْقُرْآنُ ، يُسْتَهَانُ بِهِ ، وَيُمْسَحُ بِهِ .\rقِيلَ لَهُ : فَيُقْلَعُ ؟ فَكَرِهَ أَنْ يُقْلِعَ الْقُرْآنُ ، وَقَالَ : إذَا كَانَ سِتْرٌ فِيهِ ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى ، فَلَا بَأْسَ بِهِ .\rوَكَرِهَ أَنْ يُشْتَرَى الثَّوْبُ فِيهِ ذِكْرُ اللَّهِ ، مِمَّا يُجْلَسُ عَلَيْهِ أَوْ يُدَاسُ .","part":16,"page":7},{"id":7507,"text":"( 5678 ) فَصْلٌ : قِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ : الرَّجُلُ يَكْتَرِي الْبَيْتَ فِيهِ تَصَاوِيرُ ، تَرَى أَنْ يَحُكَّهَا ؟ قَالَ : نَعَمْ .\rقَالَ الْمَرُّوذِيُّ : قُلْت لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ : دَخَلْت حَمَّامًا ، فَرَأَيْت صُورَةً ، أَتَرَى أَنْ أَحُكَّ الرَّأْسَ ؟ قَالَ : نَعَمْ .\rإنَّمَا جَازَ ذَلِكَ لِأَنَّ اتِّخَاذَ الصُّورَةِ مُنْكَرٌ ، فَجَازَ تَغْيِيرُهَا ، كَآلَةِ اللَّهْوِ وَالصَّلِيبِ ، وَالصَّنَمِ ، وَيُتْلَفُ مِنْهَا مَا يُخْرِجُهَا عَنْ حَدِّ الصُّورَةِ ، كَالرَّأْسِ وَنَحْوِهِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَكْفِي .\rقَالَ أَحْمَدُ : وَلَا بَأْسَ بِاللُّعَبِ مَا لَمْ تَكُنْ صُورَةً ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ ، قَالَتْ : { دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا أَلْعَبُ بِاللُّعَبِ ، فَقَالَ : مَا هَذَا يَا عَائِشَةُ ؟ .\rفَقُلْت : هَذِهِ خَيْلُ سُلَيْمَانَ .\rفَجَعَلَ يَضْحَكُ .\r} رَوَاهُ مُسْلِمٌ بِنَحْوِهِ .","part":16,"page":8},{"id":7508,"text":"( 5679 ) فَصْلٌ : وَالدُّفُّ لَيْسَ بِمُنْكَرٍ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْأَحَادِيثِ فِيهِ ، وَأَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهِ فِي النِّكَاحِ ، وَرَوَتْ عَائِشَةُ ؛ { أَنَّ أَبَا بَكْرٍ دَخَلَ عَلَيْهَا وَعِنْدَهَا جَارِيَتَانِ فِي أَيَّامِ مِنًى تَدُفَّانِ وَتَضْرِبَانِ ، وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُتَغَشٍّ بِثَوْبِهِ ، فَانْتَهَرَهُمَا أَبُو بَكْرٍ ، فَكَشَفَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ وَجْهِهِ ، فَقَالَ : دَعْهُمَا يَا أَبَا بَكْرٍ ، فَإِنَّهَا أَيَّامُ عِيدٍ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .","part":16,"page":9},{"id":7509,"text":"( 5680 ) فَصْلٌ : وَاِتِّخَاذُ آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ مُحَرَّمٌ ، فَإِذَا رَآهُ الْمَدْعُوُّ فِي مَنْزِلِ الدَّاعِي ، فَهُوَ مُنْكَرٌ يَخْرُجُ مِنْ أَجْلِهِ .\rوَكَذَلِكَ مَا كَانَ مِنْ الْفِضَّةِ مُسْتَعْمَلًا كَالْمُكْحُلَةِ وَنَحْوِهَا .\rقَالَ الْأَثْرَمُ : سُئِلَ أَحْمَدُ : إذَا رَأَى حَلْقَةَ مِرْآةٍ فِضَّةً ، وَرَأْسَ مُكْحُلَةِ ، يَخْرُجُ مِنْ ذَلِكَ ؟ فَقَالَ : هَذَا تَأْوِيلٌ تَأَوَّلْته ، وَأَمَّا الْآنِيَةُ نَفْسُهَا فَلَيْسَ فِيهَا شَكٌّ .\rوَقَالَ : مَا لَا يُسْتَعْمَلُ فَهُوَ أَسْهَلُ ، مِثْلُ الضَّبَّةِ فِي السِّكِّينِ وَالْقَدَحِ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ رُؤْيَةَ الْمُنْكَرِ كَسَمَاعِهِ ، فَكَمَا لَا يَجْلِسُ فِي مَوْضِعٍ يَسْمَعُ فِيهِ صَوْتَ الزَّمْرِ ، لَا يَجْلِسُ فِي مَوْضِعٍ يَرَى فِيهِ مَنْ يَشْرَبُ الْخَمْرَ وَغَيْرَهُ مِنْ الْمُنْكَرِ .","part":16,"page":10},{"id":7510,"text":"( 5681 ) فَصْلٌ : وَإِنْ عِلْمَ أَنَّ عِنْدَ أَهْلِ الْوَلِيمَةِ مُنْكَرًا ، لَا يَرَاهُ وَلَا يَسْمَعُهُ ، لِكَوْنِهِ بِمَعْزِلٍ عَنْ مَوْضِعِ الطَّعَامِ ، أَوْ يُخْفُونَهُ وَقْتَ حُضُورِهِ فَلَهُ أَنْ يَحْضُرَ وَيَأْكُلَ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، وَلَهُ الِامْتِنَاعُ مِنْ الْحُضُورِ فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِ ؛ فَإِنَّهُ سُئِلَ عَنْ الرَّجُلِ يُدْعَى إلَى الْخِتَانِ أَوْ الْعُرْسِ ، وَعِنْدَهُ الْمُخَنَّثُونَ ، فَيَدْعُوهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِيَوْمٍ أَوْ سَاعَةٍ ، وَلَيْسَ عِنْدَهُ أُولَئِكَ ؟ قَالَ : أَرْجُو أَنْ لَا يَأْثَمَ إنْ لَمْ يُجِبْ ، وَإِنْ أَجَابَ فَأَرْجُو أَنْ لَا يَكُونَ آثِمًا .\rفَأَسْقُطَ الْوُجُوبَ ؛ لِإِسْقَاطِ الدَّاعِي حُرْمَةَ نَفْسِهِ بِاِتِّخَاذِ الْمُنْكَرِ ، وَلَمْ يَمْنَعْ الْإِجَابَةَ ؛ لِكَوْنِ الْمُجِيبِ لَا يَرَى مُنْكَرًا وَلَا يَسْمَعُهُ .\rوَقَالَ أَحْمَدُ : إنَّمَا تَجِبُ الْإِجَابَةُ إذَا كَانَ الْمَكْسَبُ طَيِّبًا ، وَلَمْ يَرَ مُنْكَرًا .\rفَعَلَى قَوْلِهِ هَذَا ، لَا تَجِبُ إجَابَةُ مَنْ طَعَامُهُ مِنْ مَكْسَبٍ خَبِيثٍ ؛ لِأَنَّ اتِّخَاذَهُ مُنْكَرٌ ، وَالْأَكْلَ مِنْهُ مُنْكَرٌ ، فَهُوَ أَوْلَى بِالِامْتِنَاعِ ، وَإِنْ حَضَرَ لَمْ يَسُغْ لَهُ الْأَكْلُ مِنْهُ .","part":16,"page":11},{"id":7511,"text":"( 5682 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَدَعْوَةُ الْخِتَانِ لَا يَعْرِفُهَا الْمُتَقَدِّمُونَ ، وَلَا عَلَى مَنْ دُعِيَ إلَيْهَا أَنْ يُجِيبَ ، وَإِنَّمَا وَرَدَتْ السُّنَّةُ فِي إجَابَةِ مَنْ دُعِيَ إلَى وَلِيمَةِ تَزْوِيجٍ ) يَعْنِي بِالْمُتَقَدِّمِينَ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اللَّذَيْنِ يُقْتَدَى بِهِمْ ؛ وَذَلِكَ لِمَا رُوِيَ { أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ أَبِي الْعَاصِ ، دُعِيَ إلَى خِتَانٍ ، فَأَبَى أَنْ يُجِيبَ ، فَقِيلَ لَهُ ؟ فَقَالَ : إنَّا كُنَّا لَا نَأْتِي الْخِتَانَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا نُدْعَى إلَيْهِ .\r} رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادِهِ ، إذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَحُكْمُ الدَّعْوَةِ لِلْخِتَانِ وَسَائِرِ الدَّعَوَاتِ غَيْرِ الْوَلِيمَةِ أَنَّهَا مُسْتَحَبَّةٌ ؛ لِمَا فِيهَا مِنْ إطْعَامِ الطَّعَامِ ، وَالْإِجَابَةُ إلَيْهَا مُسْتَحَبَّةٌ غَيْرُ وَاجِبَةٍ .\rوَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ .\rوَقَالَ الْعَنْبَرِيُّ : تَجِبُ إجَابَةُ كُلِّ دَعْوَةٍ ؛ لِعُمُومِ الْأَمْرِ بِهِ .\rفَإِنَّ ابْنَ عُمَرَ رَوَى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { إذَا دَعَا أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيُجِبْهُ ، عُرْسًا كَانَ أَوْ غَيْرَ عُرْسٍ } .\rأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد .\rوَلَنَا ، أَنَّ الصَّحِيحَ مِنْ السُّنَّةِ إنَّمَا وَرَدَ فِي إجَابَةِ الدَّاعِي إلَى الْوَلِيمَةِ ، وَهِيَ الطَّعَامُ فِي الْعُرْسِ خَاصَّةً ، كَذَلِكَ قَالَ الْخَلِيلُ ، وَثَعْلَبٌ ، وَغَيْرُهُمَا مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ .\rوَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ فِي بَعْضِ رِوَايَاتِ ابْنِ عُمَرَ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { إذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إلَى وَلِيمَةِ عُرْسٍ فَلْيُجِبْ } .\rرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ ، وَقَالَ عُثْمَانُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ : { كُنَّا لَا نَأْتِي الْخِتَانَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا نُدْعَى إلَيْهِ .\r} وَلِأَنَّ التَّزْوِيجَ يُسْتَحَبُّ إعْلَانُهُ ، وَكَثْرَةُ الْجَمْعِ فِيهِ ، وَالتَّصْوِيتُ ، وَالضَّرْبُ بِالدُّفِّ ، بِخِلَافِ غَيْرِهِ .\rفَأَمَّا الْأَمْرُ بِالْإِجَابَةِ","part":16,"page":12},{"id":7512,"text":"إلَى غَيْرِهِ ، فَمَحْمُولٌ عَلَى الِاسْتِحْبَاب ؛ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَمْ يَخُصَّ بِهِ دَعْوَةً ذَاتَ سَبَبٍ دُونَ غَيْرِهَا ، وَإِجَابَةُ كُلِّ دَاعٍ مُسْتَحَبَّةٌ لِهَذَا الْخَبَرِ ، وَلِأَنَّ فِيهِ جَبْرَ قَلْبِ الدَّاعِي ، وَتَطْيِيبَ قَلْبِهِ ، وَقَدْ دُعِيَ أَحْمَدُ إلَى خِتَانٍ ، فَأَجَابَ وَأَكَلَ .\rفَأَمَّا الدَّعْوَةُ فِي حَقِّ فَاعِلِهَا ، فَلَيْسَتْ لَهَا فَضِيلَةٌ تَخْتَصُّ بِهَا ؛ لِعَدَمِ وُرُودِ الشَّرْعِ بِهَا ، وَلَكِنْ هِيَ بِمَنْزِلَةِ الدَّعْوَةِ لِغَيْرِ سَبَبٍ حَادِثٍ ، فَإِذَا قَصْدَ فَاعِلُهَا شُكْرَ نِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْهِ ، وَإِطْعَامَ إخْوَانِهِ ، وَبَذْلَ طَعَامِهِ ، فَلَهُ أَجْرُ ذَلِكَ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .","part":16,"page":13},{"id":7513,"text":"( 5683 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَالنِّثَارُ مَكْرُوهٌ ؛ لِأَنَّهُ شِبْهُ النُّهْبَةِ ، وَقَدْ يَأْخُذُهُ مَنْ غَيْرُهُ أَحَبُّ إلَى صَاحِبِ النِّثَارِ مِنْهُ ) .\rاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ فِي النِّثَارِ وَالْتِقَاطِهِ ؛ فَرُوِيَ أَنَّ ذَلِكَ مَكْرُوهٌ فِي الْعُرْسِ وَغَيْرِهِ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْبَدْرِيِّ ، وَعِكْرِمَةَ ، وَابْنِ سِيرِينَ وَعَطَاءٍ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْخِطْمِيِّ ، وَطَلْحَةَ ، وَزُبَيْدٍ الْيَامِيِّ .\rوَبِهِ قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ ، رِوَايَةٌ ثَانِيَةٌ : لَيْسَ بِمَكْرُوهٍ .\rاخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ .\rوَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ ، وَقَتَادَةَ ، وَالنَّخَعِيِّ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَأَبِي عُبَيْدٍ ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ ؛ لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ قُرْطٍ ، قَالَ : { قُرِّبَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَمْسُ بَدَنَاتٍ أَوْ سِتٌّ ، فَطَفِقْنَ يَزْدَلِفْنَ إلَيْهِ بِأَيَّتِهِنَّ يَبْدَأُ ، فَنَحَرَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ كَلِمَةً لَمْ أَسْمَعْهَا ، فَسَأَلْت مَنْ قَرُبَ مِنْهُ ، فَقَالَ : قَالَ : مَنْ شَاءَ اقْتَطَعَ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَهَذَا جَارٍ مَجْرَى النِّثَارِ ، وَقَدْ رُوِيَ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دُعِيَ إلَى وَلِيمَةِ رَجُلٍ مِنْ الْأَنْصَارِ ، ثُمَّ أَتَوْا بِنَهْبٍ فَأَنْهَبَ عَلَيْهِ .\rقَالَ الرَّاوِي : وَنَظَرْت إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُزَاحِمُ النَّاسَ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ .\rقُلْت : يَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوَمَا نَهَيْتَنَا عَنْ النُّهْبَةِ ؟ قَالَ : نَهَيْتُكُمْ عَنْ نُهْبَةِ الْعَسَاكِرِ } .\rوَلِأَنَّهُ نَوْعُ إبَاحَةٍ فَأَشْبَهَ إبَاحَةَ الطَّعَامِ لَلضَّيْفَانِ .\rوَلَنَا مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { لَا تَحِلُّ النُّهْبَى وَالْمُثْلَةُ } رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ .\rوَفِي لَفْظٍ { ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ النُّهْبَى وَالْمُثْلَةِ .\r} وَلِأَنَّ فِيهِ نَهْبًا ، وَتَزَاحُمًا ، وَقِتَالًا ، وَرُبَّمَا","part":16,"page":14},{"id":7514,"text":"أَخَذَهُ مَنْ يَكْرَهُ صَاحِبَ النِّثَارِ ، لِحِرْصِهِ وَشَرَهِهِ وَدَنَاءَةِ نَفْسِهِ ، وَيُحْرَمُهُ مَنْ يُحِبُّ صَاحِبَهُ ؛ لِمُرُوءَتِهِ وَصِيَانَةِ نَفْسِهِ وَعِرْضِهِ ، وَالْغَالِبُ هَذَا ، فَإِنَّ أَهْلَ الْمُرُوآتِ يَصُونُونَ أَنْفُسَهُمْ عَنْ مُزَاحَمَةِ سَفَلَةِ النَّاسِ عَلَى شَيْءٍ مِنْ الطَّعَامِ أَوْ غَيْرِهِ ، وَلِأَنَّ فِي هَذَا دَنَاءَةً ، وَاَللَّهُ يُحِبُّ مَعَالِي الْأُمُورِ ، وَيَكْرَهُ سَفْسَافَهَا .\rفَأَمَّا خَبَرُ الْبَدَنَاتِ ؛ فَيَحْتَمِلُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلِمَ أَنَّهُ لَا نُهْبَةَ فِي ذَلِكَ ؛ لِكَثْرَةِ اللَّحْمِ ، وَقِلَّةِ الْآخِذِينَ ، أَوْ فَعَلَ ذَلِكَ لِاشْتِغَالِهِ بِالْمَنَاسِكِ عَنْ تَفْرِيقِهَا .\rوَفِي الْجُمْلَةِ فَالْخِلَافُ إنَّمَا هُوَ فِي كَرَاهِيَةِ ذَلِكَ ، وَأَمَّا إبَاحَتُهُ فَلَا خِلَافَ فِيهَا ، وَلَا فِي الِالْتِقَاطِ ؛ لِأَنَّهُ نَوْعُ إبَاحَةٍ لِمَالِهِ ، فَأَشْبَهَ سَائِرَ الْإِبَاحَاتِ .","part":16,"page":15},{"id":7515,"text":"( 5684 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( فَإِنْ قَسَمَ عَلَى الْحَاضِرِينَ ، فَلَا بَأْسَ بِأَخْذِهِ ) .\rكَذَا رُوِيَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ رَحِمَهُ اللَّهُ ، أَنَّ بَعْضَ أَوْلَادِهِ حَذَقَ ، فَقَسَمَ عَلَى الصِّبْيَانِ الْجَوْزَ .\rأَمَّا إذَا قَسَمَ عَلَى الْحَاضِرِينَ مَا يُنْثَرُ مِثْلُ اللَّوْزِ ، وَالسُّكَّرِ ، وَغَيْرِهِ ، فَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ ذَلِكَ حَسَنٌ ، غَيْرُ مَكْرُوهٍ .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : { : قَسَمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا بَيْنَ أَصْحَابِهِ تَمْرًا ، فَأَعْطَى كُلَّ إنْسَانٍ سَبْعَ تَمَرَاتٍ ، فَأَعْطَانِي سَبْعَ تَمَرَاتٍ إحْدَاهُنَّ حَشَفَةٌ ، لَمْ تَكُنْ فِيهِنَّ تَمْرَةٌ أَعْجَبُ إلَيَّ مِنْهَا ، شَدَّتْ إلَى مَضَاغِي .\r} رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ .\rوَكَذَلِكَ إنْ وَضَعَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ ، وَأَذِنَ لَهُمْ فِي أَخْذِهِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَقَعُ تَنَاهُبٌ ، فَلَا يُكْرَهُ أَيْضًا .\rقَالَ الْمَرُّوذِيُّ : سَأَلْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَنْ الْجَوْزِ يُنْثَرُ ؟ فَكَرِهَهُ ، وَقَالَ : يُعْطُونَ يُقْسَمُ عَلَيْهِمْ .\rوَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ بَحْرٍ : سَمِعْت حُسْنَ أُمَّ وَلَدِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلِ تَقُولُ : لَمَّا حَذَقَ ابْنِي حَسَنٌ ، قَالَ لِي مَوْلَايَ : حُسْنُ ، لَا تَنْثُرِي عَلَيْهِ .\rفَاشْتَرَى تَمْرًا وَجَوْزًا ، فَأَرْسَلَهُ إلَى الْمُعَلِّمِ ، قَالَتْ : وَعَمِلْت أَنَا عَصِيدَةً ، وَأَطْعَمْت الْفُقَرَاءَ ، فَقَالَ : أَحْسَنْت أَحْسَنْت .\rوَفَرَّقَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عَلَى الصِّبْيَان الْجَوْزَ ، لِكُلِّ وَاحِدٍ خَمْسَةٌ خَمْسَةٌ .","part":16,"page":16},{"id":7516,"text":"( 5685 ) فَصْلٌ : وَمَنْ حَصَلَ فِي حِجْرِهِ شَيْءٌ مِنْ النِّثَارِ فَهُوَ لَهُ ، غَيْرُ مَكْرُوهٍ ؛ لِأَنَّهُ مُبَاحٌ حَصَلَ فِي حِجْرِهِ فَمَلَكَهُ ، كَمَا لَوْ وَثَبَتْ سَمَكَةٌ مِنْ الْبَحْرِ فَوَقَعَتْ فِي حِجْرِهِ ، وَلَيْسَ لَأَحَدٍ أَنْ يَأْخُذَهُ مِنْ حِجْرِهِ ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ .","part":16,"page":17},{"id":7517,"text":"( 5686 ) فَصْلٌ : وَلَا بَأْسَ أَنْ يَخْلِطَ الْمُسَافِرُونَ أَزْوَادَهُمْ وَيَأْكُلُوا جَمِيعًا .\rوَإِنْ بَعْضُهُمْ أَكْثَرَ مِنْ بَعْضٍ ، فَلَا بَأْسَ .\rوَقَدْ كَانَ السَّلَفُ يَتَعَاهَدُونَ فِي الْغَزْوِ وَالْحَجِّ .\rوَيُفَارِقُ النِّثَارَ ؛ فَإِنَّهُ يُؤْخَذُ بِنَهْبٍ وَتَسَالُبٍ وَتَجَاذُبٍ ، بِخِلَافِ هَذَا .","part":16,"page":18},{"id":7518,"text":"( 5687 ) فَصْلٌ : فِي آدَابِ الطَّعَامِ يُسْتَحَبُّ غَسْلُ الْيَدَيْنِ قَبْلَ الطَّعَامِ وَبَعْدَهُ ، وَإِنْ كَانَ عَلَى وُضُوءٍ ، قَالَ الْمَرُّوذِيُّ : رَأَيْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يَغْسِلُ يَدَيْهِ قَبْلَ الطَّعَامِ وَبَعْدَهُ ، وَإِنْ كَانَ عَلَى وُضُوءٍ .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُكْثِرَ خَيْرَ بَيْتِهِ ، فَلْيَتَوَضَّأْ إذَا حَضَرَ غَدَاؤُهُ وَإِذَا رُفِعَ .\r} رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ .\rوَرَوَى أَبُو بَكْرٍ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ الْحَسَنِ بْن عَلِيٍّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { الْوُضُوءُ قَبْلَ الطَّعَامِ يَنْفِي الْفَقْرَ ، وَبَعْدَهُ يَنْفِي اللَّمَمَ .\r} يَعْنِي بِهِ غَسْلَ الْيَدَيْنِ .\rوَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ نَامَ وَفِي يَدِهِ رِيحُ غَمْرٍ ، فَأَصَابَهُ شَيْءٌ ، فَلَا يَلُومَنَّ إلَّا نَفْسَهُ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَلَا بَأْسَ بِتَرْكِ الْوُضُوءِ ؛ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ مِنْ الْغَائِطِ فَأُتِيَ بِطَعَامِ ، فَقَالَ رَجُلٌ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَلَا آتِيكَ بِوُضُوءٍ ؟ قَالَ : لَا أُرِيدُ الصَّلَاةَ } .\rرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ .\rوَعَنْ جَابِرٍ قَالَ : { أَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ شِعْبِ الْجَبَلِ ، وَقَدْ قَضَى حَاجَتَهُ ، وَبَيْن أَيْدِينَا تَمْرٌ عَلَى تُرْسٍ أَوْ جُحْفَةٍ ، فَدَعَوْنَاهُ فَأَكَلَ مَعَنَا ، وَمَا مَسَّ مَاءً } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَرُوِيَ عَنْهُ ، { أَنَّهُ كَانَ يَحْتَزُّ مِنْ كَتِفِ شَاةٍ فِي يَدِهِ ، فَدُعِيَ إلَى الصَّلَاةِ ، فَأَلْقَاهَا مِنْ يَدِهِ ، ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى ، وَلَمْ يَتَوَضَّأْ } .\rرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ، .\rوَلَا بَأْسَ بِتَقْطِيعِ اللَّحْمِ بِالسِّكِّينِ ؛ لِهَذَا الْحَدِيثِ .\rوَقَالَ مُهَنَّا : سَأَلْت أَحْمَدَ عَنْ حَدِيثٍ يُرْوَى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا تَقْطَعُوا اللَّحْمَ بِالسِّكِّينِ ، فَإِنَّهُ مِنْ صُنْعِ الْأَعَاجِمِ ، وَانْهَشُوهُ نَهْشًا ؛ فَإِنَّهُ أَهْنَأُ وَأَمْرَأُ } .\rقَالَ : لَيْسَ بِصَحِيحِ .\rوَاحْتَجَّ","part":16,"page":19},{"id":7519,"text":"بِهَذَا الْحَدِيثِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ .","part":16,"page":20},{"id":7520,"text":"( 5688 ) فَصْلٌ : وَتُسْتَحَبُّ التَّسْمِيَةُ عِنْدَ الْأَكْلِ ، وَأَنْ يَأْكُلَ بِيَمِينِهِ مِمَّا يَلِيهِ ؛ لِمَا رَوَى عُمَرُ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ : { كُنْت يَتِيمًا فِي حِجْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَانَتْ يَدِي تَطِيشُ فِي الصَّحْفَةِ ، فَقَالَ لِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا غُلَامُ ، سَمِّ اللَّهَ ، وَكُلْ بِيَمِينِك ، وَكُلْ مِمَّا يَلِيك } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَعَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { إذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَأْكُلْ بِيَمِينِهِ ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكُلُ بِشِمَالِهِ ، وَيَشْرَبُ بِشِمَالِهِ } رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَعَنْ عَائِشَةَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { إذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ ، فَإِنْ نَسِيَ أَنْ يَذْكُرَ اسْمَ اللَّهِ فِي أَوَّلِهِ فَلْيَقُلْ : بِسْمِ اللَّهِ أَوَّلَهُ وَآخِرَهُ .\rوَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَالِسًا وَرَجُلٌ يَأْكُلُ ، فَلَمْ يُسَمِّ حَتَّى لَمْ يَبْقَ مِنْ طَعَامِهِ إلَّا لُقْمَةٌ ، فَلَمَّا رَفَعَهَا إلَى فِيهِ قَالَ : بِسْمِ اللَّهِ أَوَّلَهُ وَآخِرَهُ .\rفَضَحِكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ قَالَ : مَا زَالَ الشَّيْطَانُ يَأْكُلُ مَعَهُ ، فَلَمَّا ذَكَرَ اسْمَ اللَّهِ قَاءَ مَا فِي بَطْنِهِ } .\rرَوَاهُنَّ أَبُو دَاوُد .\rوَعَنْ عِكْرَاشِ بْنِ ذُؤَيْبٍ قَالَ : { أُتِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِجَفْنَةٍ كَثِيرَةِ الثَّرِيدِ وَالْوَدَكِ ، فَأَقْبَلْنَا نَأْكُلُ ، فَخَبَطَتْ يَدِي فِي نَوَاحِيهَا ، فَقَالَ : يَا عِكْرَاشُ ، كُلْ مِنْ مَوْضِعٍ وَاحِدٍ ؛ فَإِنَّهُ طَعَامٌ وَاحِدٌ .\rثُمَّ أُتِينَا بِطَبَقٍ فِيهِ أَلْوَانُ الرُّطَبِ ، فَجَالَتْ يَدُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الطَّبَقِ ، وَقَالَ : يَا عِكْرَاشُ ، كُلْ مِنْ حَيْثُ شِئْت ؛ فَإِنَّهُ غَيْرُ لَوْنٍ وَاحِدٍ } .\rرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ .\rوَلَا يَأْكُلُ مِنْ ذِرْوَةِ الثَّرِيدِ ، لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { إذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ","part":16,"page":21},{"id":7521,"text":"طَعَامًا ، فَلَا يَأْكُلْ مِنْ أَعْلَى الصَّحْفَةِ ، وَلَكِنْ لِيَأْكُلَ مِنْ أَسْفَلِهَا ، فَإِنَّ الْبَرَكَةَ تَنْزِلُ مِنْ أَعْلَاهَا } .\rوَفِي حَدِيثٍ آخَرَ { : كُلُوا مِنْ جَوَانِبِهَا ، وَدَعُوا ذِرْوَتَهَا ، يُبَارَكْ فِيهَا } رَوَاهُمَا ابْنُ مَاجَهْ .","part":16,"page":22},{"id":7522,"text":"( 5689 ) فَصْلٌ : وَيُسْتَحَبُّ الْأَكْلُ بِالْأَصَابِعِ الثَّلَاثِ ، وَلَا يَمْسَحُ يَدَهُ حَتَّى يَلْعَقَهَا .\rقَالَ مُثَنَّى : سَأَلْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَنْ الْأَكْلِ بِالْأَصَابِعِ كُلِّهَا ؟ فَذَهَبَ إلَى ثَلَاثِ أَصَابِعَ ، فَذَكَرْت لَهُ الْحَدِيثَ الَّذِي يُرْوَى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ يَأْكُلُ بِكَفِّهِ كُلِّهَا .\rفَلَمْ يُصَحِّحْهُ ، وَلَمْ يَرَ إلَّا ثَلَاثَ أَصَابِعَ .\rوَقَدْ رَوَى كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ ، قَالَ : { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ يَأْكُلُ بِثَلَاثِ أَصَابِعَ ، وَلَا يَمْسَحُ يَدَهُ حَتَّى يَلْعَقَهَا } .\rرَوَاهُ الْخَلَّالُ بِإِسْنَادِهِ .","part":16,"page":23},{"id":7523,"text":"وَيُكْرَهُ الْأَكْلُ مُتَّكِئًا ؛ لِمَا رَوَى أَبُو جُحَيْفَةَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { لَا آكُلُ مُتَّكِئًا } .\rرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ .\rوَلَا يَمْسَحُ يَدَهُ بِالْمِنْدِيلِ حَتَّى يَلْعَقَهَا ؛ لِمَا رَوَيْنَا ، وَلِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { إذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ طَعَامًا ، فَلَا يَمْسَحْ يَدَهُ حَتَّى يُلْعِقَهَا أَوْ يَلْعَقهَا } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَعَنْ نُبَيْشَةَ قَالَتْ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\r{ مَنْ أَكَلَ فِي قَصْعَةٍ فَلَحِسَهَا ، اسْتَغْفَرَتْ لَهُ الْقَصْعَةُ } .\rرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ .\rوَعَنْ جَابِرٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إذَا وَقَعَتْ اللُّقْمَةُ مِنْ يَدِ أَحَدِكُمْ ، فَلْيَمْسَحْ مَا عَلَيْهَا مِنْ الْأَرْضِ ، وَلْيَأْكُلْهَا } .\rرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ .","part":16,"page":24},{"id":7524,"text":"( 5690 ) فَصْلٌ : وَيَحْمَدُ اللَّه تَعَالَى إذَا فَرَغَ ؛ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إنَّ اللَّهَ لَيَرْضَى مِنْ الْعَبْدِ أَنْ يَأْكُلَ الْأَكْلَةَ ، أَوْ يَشْرَبَ الشَّرْبَةَ ، فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا } .\rرَوَاهُ مُسْلِمٌ .\rوَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ ، قَالَ : { كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا أَكَلَ طَعَامًا ، قَالَ : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَطْعَمَنَا ، وَسَقَانَا ، وَجَعَلَنَا مُسْلِمِينَ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\r.\rوَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ إذَا رُفِعَ طَعَامُهُ الْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا ، مُبَارَكًا فِيهِ ، غَيْرَ مَكْفِيٍّ ، وَلَا مُوَدَّعٍ ، وَلَا مُسْتَغْنَى عَنْهُ ، رَبِّنَا } .\rوَعَنْ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ الْجُهَنِيِّ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { مَنْ أَكَلَ طَعَامًا ، فَقَالَ : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَطْعَمَنِي هَذَا وَرَزَقَنِيهِ ، مِنْ غَيْرِ حَوْلٍ مِنِّي وَلَا قُوَّةٍ ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ } .\rرَوَاهُنَّ ابْنُ مَاجَهْ وَرُوِيَ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَكَلَ طَعَامًا ، هُوَ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ ، ثُمَّ قَالَ : مَنْ قَالَ فِي أَوَّلِهِ : بِسْمِ اللَّهِ ، وَبَرَكَةِ اللَّهِ .\rوَفِي آخِرِهِ : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَطْعَمَ وَأَرْوَى وَأَنْعَمَ وَأَفْضَلَ ، فَقَدْ أَدَّى شُكْرَهُ } .","part":16,"page":25},{"id":7525,"text":"وَيُسْتَحَبُّ الدُّعَاءُ لِصَاحِبِ الطَّعَامِ ؛ لِمَا رَوَى جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، قَالَ : صَنَعَ أَبُو الْهَيْثَمِ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ طَعَامًا فَدَعَا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابَهُ ، فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ : \" أَثِيبُوا صَاحِبَكُمْ \" .\rقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَمَا إثَابَتُهُ ؟ قَالَ : { إنَّ الرَّجُلَ إذَا دُخِلَ بَيْتُهُ ، وَأُكِلَ طَعَامُهُ ، وَشُرِبَ شَرَابُهُ ، فَدَعَوْا لَهُ ، فَذَلِكَ إثَابَتُهُ } .\rوَعَنْ أَنَسٍ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَاءَ إلَى سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ ، قَالَ : فَجَاءَ بِخُبْزٍ وَزَيْتٍ ، فَأَكَلَ ، ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { أَفْطَرَ عِنْدَكُمْ الصَّائِمُونَ ، وَأَكَلَ طَعَامَكُمْ الْأَبْرَارُ ، وَصَلَّتْ عَلَيْكُمْ الْمَلَائِكَةُ } .\rرَوَاهُمَا أَبُو دَاوُد .","part":16,"page":26},{"id":7526,"text":"( 5691 ) فَصْلٌ : وَلَا بَأْسَ بِالْجَمْعِ بَيْن طَعَامَيْنِ ؛ فَإِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْن جَعْفَرٍ قَالَ : { رَأَيْت النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْكُلُ الْقِثَّاءَ بِالرُّطَبِ .\rوَيُكْرَهُ عَيْبُ الطَّعَامِ ؛ لِقَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ : مَا عَابَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَعَامًا قَطُّ ، إذَا اشْتَهَى شَيْئًا أَكَلَهُ ، وَإِنْ لَمْ يَشْتَهِهِ تَرَكَهُ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا .\rوَإِذَا حَضَرَ فَصَادَفَ قَوْمًا يَأْكُلُونَ ، فَدَعَوْهُ ، لَمْ يُكْرَهُ لَهُ الْأَكْلُ ؛ لِمَا قَدَّمْنَا مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ ، { حِين دَعَوْا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَكَلَ مَعَهُمْ .\r} وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَحَيَّنَ وَقْتَ أَكْلِهِمْ ، فَيَهْجُمَ عَلَيْهِمْ لِيُطْعَمَ مَعَهُمْ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إنَاهُ } أَيْ غَيْرَ مُنْتَظِرِينَ بُلُوغَ نُضْجِهِ .\rوَعَنْ أَنَسٍ قَالَ : { مَا أَكَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى خِوَانٍ ، وَلَا فِي سُكْرُجَةٍ } .\rقَالَ : فَعَلَامَ كُنْتُمْ تَأْكُلُونَ ؟ قَالَ : عَلَى السَّفَرِ .\rوَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : { لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْفُخُ فِي طَعَامٍ وَلَا شَرَابٍ ، وَلَا يَتَنَفَّسُ فِي الْإِنَاءِ } .\rوَفِي الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ : { وَلَا يَتَنَفَّسْ أَحَدُكُمْ فِي الْإِنَاءِ } .\rوَعَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إذَا وُضِعَتْ الْمَائِدَةُ ، فَلَا يَقُومُ رَجُلٌ حَتَّى تُرْفَعَ الْمَائِدَةُ ، وَلَا يَرْفَعُ يَدَهُ وَإِنْ شَبِعَ حَتَّى يَفْرُغَ وَالْقَوْمُ ، وَلْيُعْذِرْ ؛ فَإِنَّ الرَّجُلَ يُخْجِلُ جَلِيسَهُ فَيَقْبِضُ يَدَهُ ، وَعَسَى أَنْ يَكُونَ لَهُ فِي الطَّعَامِ حَاجَةٌ } .\rرَوَاهُنَّ كُلَّهُنَّ ابْنُ مَاجَهْ .","part":16,"page":27},{"id":7527,"text":"( 5692 ) فَصْلٌ : قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى : قُلْت لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ : الْإِنَاءُ يُؤْكَلُ فِيهِ ، ثُمَّ تُغْسَلُ فِيهِ الْيَدُ ؟ فَقَالَ : لَا بَأْسَ .\rوَقِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ : مَا تَقُولُ فِي غَسْلِ الْيَدِ بِالنُّخَالَةِ ؟ فَقَالَ : لَا بَأْسَ بِهِ ، نَحْنُ نَفْعَلُهُ .\rوَاسْتَدَلَّ الْخَطَّابِيُّ عَلَى جَوَازِ ذَلِكَ ، بِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادِهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَنَّهُ أَمَرَ امْرَأَةً أَنْ تَجْعَلَ مَعَ الْمَاءِ مِلْحًا ، ثُمَّ تَغْسِلَ بِهِ الدَّمَ مِنْ حَيْضَةٍ .\r} وَالْمِلْحُ طَعَامٌ ، فَفِي مَعْنَاهُ مَا أَشْبَهَهُ .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":16,"page":28},{"id":7528,"text":"كِتَابُ عِشْرَةِ النِّسَاءِ وَالْخُلْعِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ } .\rوَقَالَ تَعَالَى : { وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ } .\rوَقَالَ أَبُو زَيْدٍ : يَتَّقُونَ اللَّهَ فِيهِنَّ ، كَمَا عَلَيْهِنَّ أَنْ يَتَّقِينَ اللَّهَ فِيهِمْ .\rوَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : إنِّي لِأُحِبّ أَنْ أَتَزَيَّنَ لِلْمَرْأَةِ ، كَمَا أُحِبُّ أَنْ تَتَزَيَّنَ لِي ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ : { وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ } وَقَالَ الضَّحَّاكُ فِي تَفْسِيرِهَا : إذَا أَطَعْنَ اللَّهُ ، وَأَطَعْنَ أَزْوَاجَهُنَّ ، فَعَلَيْهِ أَنْ يُحْسِنَ صُحْبَتَهَا ، وَيَكُفُّ عَنْهَا أَذَاهُ ، وَيُنْفِقَ عَلَيْهَا مِنْ سَعَتِهِ .\rوَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ : التَّمَاثُلُ هَاهُنَا فِي تَأْدِيَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا عَلَيْهِ مِنْ الْحَقِّ لِصَاحِبِهِ بِالْمَعْرُوفِ ، وَلَا يُمْطِلُهُ بِهِ ، وَلَا يُظْهِرُ الْكَرَاهَةَ ، بَلْ بِبِشْرٍ وَطَلَاقَةٍ ، وَلَا يُتْبِعُهُ أَذًى وَلَا مِنَّةً ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ } .\rوَهَذَا مِنْ الْمَعْرُوفِ ، وَيُسْتَحَبُّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا تَحْسِينُ الْخُلُقِ مَعَ صَاحِبِهِ ، وَالرِّفْقُ بِهِ ، وَاحْتِمَالُ أَذَاهُ ؛ لِقَوْلِ اللَّه تَعَالَى : { وَبِالْوَالِدَيْنِ إحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى } إلَى قَوْلِهِ { وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ } قِيلَ : هُوَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الزَّوْجَيْنِ .\rوَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا ، فَإِنَّهُنَّ عَوَانٌ عِنْدَكُمْ ، أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ اللَّهِ ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ } .\rرَوَاهُ مُسْلِمٌ .\rوَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إنَّ الْمَرْأَةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلْعٍ أَعْوَجَ ، لَنْ تَسْتَقِيمَ عَلَى طَرِيقَةٍ ، فَإِنْ ذَهَبْت تُقِيمُهَا كَسَرْتهَا ، وَإِنْ اسْتَمْتَعْت بِهَا اسْتَمْتَعْت بِهَا وَفِيهَا عِوَجٌ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَقَالَ { خِيَارُكُمْ خِيَارُكُمْ لِنِسَائِهِمْ } .\rرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ .\rوَحَقُّ الزَّوْجِ عَلَيْهَا أَعْظَمُ مِنْ حَقِّهَا عَلَيْهِ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى","part":16,"page":29},{"id":7529,"text":": { وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ } .\rوَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَوْ كُنْت آمِرًا أَحَدًا أَنْ يَسْجُدَ لِأَحَدٍ ، لَأَمَرْت النِّسَاءَ أَنْ يَسْجُدْنَ لِأَزْوَاجِهِنَّ ؛ لِمَا جَعَلَ اللَّهُ لَهُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ الْحَقِّ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَقَالَ : { إذَا بَاتَتْ الْمَرْأَةُ هَاجِرَةً فِرَاشَ زَوْجِهَا ، لَعَنَتْهَا الْمَلَائِكَةُ حَتَّى تَرْجِعَ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ، { وَقَالَ لَامْرَأَةٍ أَذَاتُ زَوْجٍ أَنْتِ ؟ قَالَتْ : نَعَمْ ، قَالَ : فَإِنَّهُ جَنَّتُك وَنَارُك .\rوَقَالَ : لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ أَنْ تَصُومَ وَزَوْجُهَا شَاهِدٌ إلَّا بِإِذْنِهِ ، وَلَا تَأْذَنَ فِي بَيْتِهِ إلَّا بِإِذْنِهِ ، وَمَا أَنْفَقَتْ مِنْ نَفَقَةٍ مِنْ غَيْرِ إذْنِهِ فَإِنَّهُ يُرَدُّ إلَيْهِ شَطْرُهُ } .\rرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ .","part":16,"page":30},{"id":7530,"text":"( 5693 ) فَصْلٌ : إذَا تَزَوَّجَ امْرَأَةً ، مِثْلُهَا يُوطَأُ ، فَطَلَبَ تَسْلِيمَهَا ، إلَيْهِ وَجَبَ ذَلِكَ وَإِنْ عَرَضَتْ نَفْسَهَا عَلَيْهِ ، لَزِمَهُ تَسَلُّمُهَا ، وَوَجَبَتْ نَفَقَتُهَا .\rوَإِنْ طَلَبَهَا ، فَسَأَلْت الْإِنْظَارَ ، أُنْظِرَتْ مُدَّةً جَرَتْ الْعَادَةُ أَنْ تُصْلِحَ أَمَرَهَا فِيهَا ، كَالْيَوْمَيْنِ وَالثَّلَاثَةِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَسِيرٌ جَرَتْ الْعَادَةُ بِمِثْلِهِ ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا تَطْرُقُوا النِّسَاءَ لَيْلًا ، حَتَّى تَمْتَشِطَ الشَّعِثَةُ ، وَتَسْتَحِدَّ الْمُغَيَّبَةُ } .\rفَمَنَعَ مِنْ الطُّرُوقِ ، وَأَمَرَ بِإِمْهَالِهَا لِتُصْلِحَ أَمْرَهَا ؛ مَعَ تَقَدُّمِ صُحْبَتِهِ لَهَا ، فَهَاهُنَا أَوْلَى .\rثُمَّ إنْ كَانَتْ حُرَّةً ، وَجَبَ تَسْلِيمُهَا لَيْلًا وَنَهَارًا ، وَلَهُ السَّفَرُ بِهَا ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُسَافِرُ بِنِسَائِهِ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ سَفَرًا مَخُوفًا ، فَلَا يَلْزَمُهَا ذَلِكَ ؛ وَإِنْ كَانَتْ أَمَةً ، لَمْ يَلْزَمْ تَسْلِيمُهَا إلَّا بِاللَّيْلِ ؛ لِأَنَّهَا مَمْلُوكَةٌ عُقِدَ عَلَى إحْدَى مَنْفَعَتَيْهَا ، فَلَمْ يَلْزَمْ تَسْلِيمُهَا فِي غَيْرِ وَقْتِهَا ، كَمَا لَوْ أَجَّرَهَا لِخِدْمَةِ النَّهَارِ ، لَمْ يَلْزَمْ تَسْلِيمُهَا بِاللَّيْلِ .\rوَيَجُوزُ لِلْمَوْلَى بَيْعُهَا ؛ { لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَذِنَ لِعَائِشَةَ فِي شِرَاءِ بَرِيرَةَ ، وَهِيَ ذَاتُ زَوْجٍ .\rوَلَا يَنْفَسِخُ النِّكَاحُ بِذَلِكَ ، بِدَلِيلِ أَنَّ بَيْعَ بَرِيرَةَ لَمْ يُبْطِلْ نِكَاحَهَا } .","part":16,"page":31},{"id":7531,"text":"( 5694 ) فَصْل : وَلِلزَّوْجِ إجْبَارُ زَوْجَتِهِ عَلَى الْغُسْلِ مِنْ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ ، مُسْلِمَةً كَانَتْ أَوْ ذِمِّيَّةً ، حُرَّةً كَانَتْ أَوْ مَمْلُوكَةً ؛ لِأَنَّهُ يَمْنَعُ الِاسْتِمْتَاعَ الَّذِي هُوَ حَقٌّ لَهُ ، فَمَلَكَ إجْبَارَهَا عَلَى إزَالَةِ مَا يَمْنَعُ حَقَّهُ .\rوَإِنْ احْتَاجَتْ إلَى شِرَاءِ الْمَاءِ فَثَمَنُهُ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ لِحَقِّهِ .\rوَلَهُ إجْبَارُ الْمُسْلِمَةِ الْبَالِغَةِ عَلَى الْغُسْلِ مِنْ الْجَنَابَةِ ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ وَاجِبَةٌ عَلَيْهَا ، وَلَا تَتَمَكَّنُ مِنْهَا إلَّا بِالْغُسْلِ .\rفَأَمَّا الذِّمِّيَّةُ ، فَفِيهَا رِوَايَتَانِ ؛ : إحْدَاهُمَا ، لَهُ إجْبَارُهَا عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ كَمَالَ الِاسْتِمْتَاعِ يَقِفُ عَلَيْهِ ، فَإِنَّ النَّفْسَ تَعَافُ مَنْ لَا يَغْتَسِلُ مِنْ جَنَابَةٍ .\rوَالثَّانِيَةُ ، لَيْسَ لَهُ إجْبَارُهَا عَلَيْهِ .\rوَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالثَّوْرِيِّ ؛ لِأَنَّ الْوَطْءَ لَا يَقِفُ عَلَيْهِ ، فَإِنَّهُ مُبَاحٌ بِدُونِهِ ؛ وَلِلشَّافِعِي قَوْلَانِ كَالرِّوَايَتَيْنِ .\rوَفِي إزَالَةِ الْوَسَخِ وَالدَّرَنِ وَتَقْلِيمِ الْأَظْفَارِ وَجْهَانِ ؛ بِنَاءً عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي غُسْلِ الْجَنَابَةِ .\rوَتَسْتَوِي فِي هَذَا الْمُسْلِمَةُ وَالذِّمِّيَّةُ ، لِاسْتِوَائِهِمَا فِي حُصُولِ النَّفْرَةِ مِمَّنْ ذَلِكَ حَالُهَا .\rوَلَهُ إجْبَارُهَا عَلَى إزَالَةِ شَعْرِ الْعَانَةِ ، إذَا خَرَجَ عَنْ الْعَادَةِ ، رِوَايَةً وَاحِدَةً .\rذَكَرَهُ الْقَاضِي .\rوَكَذَلِكَ الْأَظْفَارُ .\rوَإِنْ طَالَا قَلِيلًا ، بِحَيْثُ تَعَافُهُ النَّفْسُ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ .\rوَهَلْ لَهُ مَنْعُهَا مِنْ أَكْلِ مَا لَهُ رَائِحَةٌ كَرِيهَةٌ ، كَالْبَصَلِ وَالثُّومِ وَالْكُرَّاتِ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، لَهُ مَنْعُهَا مِنْ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ يَمْنَعُ الْقُبْلَةَ ، وَكَمَالَ الِاسْتِمْتَاعِ .\rوَالثَّانِي ، لَيْسَ لَهُ مَنْعُهَا مِنْهُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْنَعُ الْوَطْءَ .\rوَلَهُ مَنْعُهَا مِنْ السُّكْرِ وَإِنْ كَانَتْ ذِمِّيَّةً ؛ لِأَنَّهُ يَمْنَعُ الِاسْتِمْتَاعَ بِهَا ، فَإِنَّهُ يُزِيلُ عَقْلَهَا ، وَيَجْعَلُهَا كَالزِّقِّ الْمَنْفُوخِ ، وَلَا يَأْمَنُ أَنْ تَجْنِيَ عَلَيْهِ .\rوَإِنْ أَرَادَتْ شُرْبَ مَا لَا يُسْكِرُهَا ،","part":16,"page":32},{"id":7532,"text":"فَلَهُ مَنْعُ الْمُسْلِمَةِ ؛ لِأَنَّهُمَا يَعْتَقِدَانِ تَحْرِيمَهُ ، وَإِنْ كَانَتْ ذِمِّيَّةً لَمْ يَكُنْ لَهُ مَنْعُهَا مِنْهُ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ؛ لِأَنَّهَا تَعْتَقِدُ إبَاحَتَهُ فِي دِينِهَا .\rوَلَهُ إجْبَارُهَا عَلَى غَسْلِ فَمِهَا مِنْهُ وَمِنْ سَائِرِ النَّجَاسَاتِ لِيَتَمَكَّنَ مِنْ الِاسْتِمْتَاعِ بِفِيهَا .\rوَيَتَخَرَّجُ أَنْ يَمْلِكَ مَنْعَهَا مِنْهُ ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ الرَّائِحَةِ الْكَرِيهَةِ ، وَهُوَ كَالثُّومِ .\rوَهَكَذَا الْحُكْمُ لَوْ تَزَوَّجَ مُسْلِمَةً تَعْتَقِدُ إبَاحَةَ يَسِيرِ النَّبِيذِ ، هَلْ لَهُ مَنْعُهَا مِنْهُ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ .\rوَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ عَلَى نَحْوٍ مِنْ هَذَا الْفَصْلِ كُلِّهِ .","part":16,"page":33},{"id":7533,"text":"( 5695 ) فَصْلٌ : وَلِلزَّوْجِ مَنْعُهَا مِنْ الْخُرُوجِ مِنْ مَنْزِلِهِ إلَى مَا لَهَا مِنْهُ بُدٌّ سَوَاءٌ أَرَادَتْ زِيَارَةَ وَالِدَيْهَا ، أَوْ عِيَادَتَهُمَا ، أَوْ حُضُورَ جِنَازَة أَحَدِهِمَا .\rقَالَ أَحْمَدُ ، فِي امْرَأَةٍ لَهَا زَوْجٌ وَأُمٌّ مَرِيضَةٌ : طَاعَةُ زَوْجِهَا أَوْجَبَ عَلَيْهَا مِنْ أُمِّهَا ، إلَّا أَنْ يَأْذَنَ لَهَا .\rوَقَدْ رَوَى ابْنُ بَطَّةَ ، فِي \" أَحْكَامِ النِّسَاءِ \" ، عَنْ أَنَسٍ ، { أَنَّ رَجُلًا سَافَرَ وَمَنَعَ زَوْجَتَهُ مِنْ الْخُرُوجِ ، فَمَرِضَ أَبُوهَا ، فَاسْتَأْذَنَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي عِيَادَةِ أَبِيهَا ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اتَّقِي اللَّهَ ، وَلَا تُخَالِفِي زَوْجَك .\rفَمَاتَ أَبُوهَا ، فَاسْتَأْذَنَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حُضُورِ جِنَازَتِهِ ، فَقَالَ لَهَا : اتَّقِي اللَّهَ ، وَلَا تُخَالِفِي زَوْجَك .\rفَأَوْحَى اللَّهُ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنِّي قَدْ غَفَرْت لَهَا بِطَاعَةِ زَوْجِهَا } .\rوَلِأَنَّ طَاعَةَ الزَّوْجِ وَاجِبَةٌ ، وَالْعِيَادَةَ غَيْرُ وَاجِبَةٍ ، فَلَا يَجُوزُ تَرْكُ الْوَاجِبِ لِمَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ ؛ وَلَا يَجُوزُ لَهَا الْخُرُوجُ إلَّا بِإِذْنِهِ ، وَلَكِنْ لَا يَنْبَغِي لِلزَّوْجِ مَنْعُهَا مِنْ عِيَادَةِ وَالِدَيْهَا ، وَزِيَارَتِهِمَا ؛ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ قَطِيعَةً لَهُمَا ، وَحَمْلًا لِزَوْجَتِهِ عَلَى مُخَالِفَتِهِ ، وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِالْمُعَاشَرَةِ بِالْمَعْرُوفِ ، وَلَيْسَ هَذَا مِنْ الْمُعَاشَرَةِ بِالْمَعْرُوفِ .\rوَإِنْ كَانَتْ زَوْجَتُهُ ذِمِّيَّةً ، فَلَهُ مَنْعُهَا مِنْ الْخُرُوجِ إلَى الْكَنِيسَةِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِطَاعَةٍ ، وَلَا نَفْعٍ .\rوَإِنْ كَانَتْ مُسْلِمَةً ، فَقَالَ الْقَاضِي : لَهُ مَنْعُهَا مِنْ الْخُرُوجِ إلَى الْمَسَاجِدِ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rوَظَاهِرُ الْحَدِيثِ يَمْنَعُهُ مِنْ مَنْعِهَا ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا تَمْنَعُوا إمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّهِ } .\rوَرُوِيَ أَنَّ الزُّبَيْرَ تَزَوَّجَ عَاتِكَةَ بِنْتَ زَيْدِ بْنِ عَمْرو بْنِ نُفَيْلٍ ، فَكَانَتْ","part":16,"page":34},{"id":7534,"text":"تَخْرُجُ إلَى الْمَسَاجِدِ ، وَكَانَ غَيُورًا ، فَيَقُولُ لَهَا : لَوْ صَلَّيْت فِي بَيْتِك .\rفَتَقُولُ : لَا أَزَالَ أَخْرُجُ أَوْ تَمْنَعُنِي .\rفَكَرِهَ مَنْعَهَا لِهَذَا الْخَبَرِ .\rوَقَالَ أَحْمَدُ فِي الرَّجُلِ تَكُونُ لَهُ الْمَرْأَةُ أَوْ الْأَمَةُ النَّصْرَانِيَّةُ يَشْتَرِي لَهَا زُنَّارًا ؟ قَالَ : لَا بَلْ تَخْرُجُ هِيَ تَشْتَرِي لِنَفْسِهَا .\rفَقِيلَ لَهُ : جَارِيَتُهُ تَعْمَلُ الزَّنَانِيرَ ؟ قَالَ : لَا .","part":16,"page":35},{"id":7535,"text":"( 5696 ) فَصْلٌ : وَلَيْسَ عَلَى الْمَرْأَةِ خِدْمَةُ زَوْجِهَا ، مِنْ الْعَجْنِ ، وَالْخَبْزِ ، وَالطَّبْخِ وَأَشْبَاهِهِ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .\rوَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، وَأَبُو إِسْحَاقَ الْجُوزَجَانِيُّ : عَلَيْهَا ذَلِكَ .\rوَاحْتَجَّا { بِقِصَّةِ عَلِيٍّ وَفَاطِمَةَ ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى عَلَى ابْنَتِهِ فَاطِمَةَ بِخِدْمَةِ الْبَيْتِ ، وَعَلَى عَلِيٍّ مَا كَانَ خَارِجًا مِنْ الْبَيْتِ مِنْ عَمَلٍ } .\rرَوَاهُ الْجُوزَجَانِيُّ مِنْ طُرُقٍ .\rقَالَ الْجُوزَجَانِيُّ : وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَوْ كُنْت آمِرًا أَحَدًا أَنْ يَسْجُدَ لِأَحَدٍ ، لَأَمَرْتُ الْمَرْأَةَ أَنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِهَا ، وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا أَمَرَ امْرَأَتَهُ أَنْ تَنْقُلَ مِنْ جَبَلٍ أَسْوَدَ إلَى جَبَلٍ أَحْمَرَ ، أَوْ مِنْ جَبَلٍ أَحْمَرَ إلَى جَبَلٍ أَسْوَدَ ، كَانَ عَلَيْهَا أَنْ تَفْعَلَ } .\rوَرَوَاهُ بِإِسْنَادِهِ .\rقَالَ : فَهَذِهِ طَاعَتُهُ فِيمَا لَا مَنْفَعَةَ فِيهِ ، فَكَيْفَ بِمُؤْنَةِ مَعَاشِهِ ؟ { وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْمُرُ نِسَاءَهُ بِخِدْمَتِهِ .\rفَقَالَ : يَا عَائِشَةُ اسْقِينَا ، يَا عَائِشَةُ أَطْعِمِينَا ، يَا عَائِشَةُ هَلُمِّي الشَّفْرَةَ ، وَاشْحَذِيهَا بِحَجَرٍ } .\rوَقَدْ رُوِيَ { أَنَّ فَاطِمَةَ أَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَشْكُو إلَيْهِ مَا تَلْقَى مِنْ الرَّحَى ، وَسَأَلَتْهُ خَادِمًا يَكْفِيهَا ذَلِكَ .\r} وَلَنَا - أَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ مِنْ جِهَتِهَا الِاسْتِمْتَاعُ ، فَلَا يَلْزَمُهَا غَيْرُهُ ، كَسَقْيِ دَوَابِّهِ ، وَحَصَادِ زَرْعِهِ .\rفَأَمَّا قَسْمُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ عَلِيٍّ وَفَاطِمَةَ ، فَعَلَى مَا تَلِيقُ بِهِ الْأَخْلَاقُ الْمَرْضِيَّةُ ، وَمَجْرَى الْعَادَةِ ، لَا عَلَى سَبِيلِ الْإِيجَابِ ، كَمَا قَدْ رُوِيَ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ ، أَنَّهَا كَانَتْ تَقُومُ بِفَرَسِ الزُّبَيْرِ ، وَتَلْتَقِطُ لَهُ النَّوَى ، وَتَحْمِلُهُ عَلَى رَأْسِهَا .\rوَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ وَاجِبًا عَلَيْهَا ، وَلِهَذَا لَا يَجِبُ عَلَى الزَّوْجِ الْقِيَامُ","part":16,"page":36},{"id":7536,"text":"بِمَصَالِحٍ خَارِجَ الْبَيْتِ ، وَلَا الزِّيَادَةُ عَلَى مَا يَجِبُ لَهَا مِنْ النَّفَقَةِ وَالْكُسْوَةِ ، وَلَكِنْ الْأَوْلَى لَهَا فِعْلُ مَا جَرَتْ الْعَادَةُ بِقِيَامِهَا بِهِ ؛ لِأَنَّهُ الْعَادَةُ ، وَلَا تَصْلُحُ الْحَالُ إلَّا بِهِ ، وَلَا تَنْتَظِمُ الْمَعِيشَةُ بِدُونِهِ .","part":16,"page":37},{"id":7537,"text":"( 5697 ) فَصْلٌ : وَلَا يَحِلُّ وَطْءُ الزَّوْجَةِ فِي الدُّبُرِ ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ؛ مِنْهُمْ عَلِيٌّ ، وَعَبْدُ اللَّهِ ، وَأَبُو الدَّرْدَاءِ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ .\rوَبِهِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَعِكْرِمَةُ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْي ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ .\rوَرُوِيَتْ إبَاحَتُهُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، وَزَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، وَنَافِعٍ ، وَمَالِكٍ .\rوَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ : مَا أَدْرَكْت أَحَدًا أَقْتَدِي بِهِ فِي دِينِي فِي أَنَّهُ حَلَالٌ .\rوَأَهْلُ الْعِرَاقِ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ يُنْكِرُونَ ذَلِكَ وَاحْتَجَّ مَنْ أَحَلَّهُ ، بُقُولِ اللَّهِ تَعَالَى : { نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ } .\rوَقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ : { وَاَلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ } .\rوَلَنَا مَا رُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { إنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي مِنْ الْحَقِّ ، لَا تَأْتُوا النِّسَاءَ مِنْ أَعْجَازِهِنَّ .\r} وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إلَى رَجُلٍ جَامَعَ امْرَأَةً فِي دُبُرِهَا } .\rرَوَاهُمَا ابْنُ مَاجَهْ .\rوَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { مَحَاشُّ النِّسَاءِ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ } .\rوَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { مَنْ أَتَى حَائِضًا أَوْ امْرَأَةً فِي دُبُرِهَا ، أَوْ كَاهِنًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ ، فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ } .\rرَوَاهُنَّ كُلَّهُنَّ الْأَثْرَمُ .\rفَأَمَّا الْآيَةُ ، فَرَوَى جَابِرٌ قَالَ : كَانَ الْيَهُودُ يَقُولُونَ : إذَا جَامِعَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ فِي فَرْجِهَا مِنْ وَرَائِهَا ، جَاءَ الْوَلَدُ أَحْوَلَ .\rفَأَنْزَلَ اللَّهَ { نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ } .\rمِنْ بَيْنِ يَدَيْهَا ، وَمِنْ خَلْفِهَا ،","part":16,"page":38},{"id":7538,"text":"غَيْرَ أَنْ لَا يَأْتِيَهَا إلَّا فِي الْمَأْتَى .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَفِي رِوَايَةٍ : { ائْتِهَا مُقْبِلَةً وَمُدْبِرَةً ، إذَا كَانَ ذَلِكَ فِي الْفَرْجِ } .\rوَالْآيَةُ الْأُخْرَى الْمُرَادُ بِهَا ذَلِكَ .","part":16,"page":39},{"id":7539,"text":"( 5698 ) فَصْلٌ : فَإِنْ وَطِئَ زَوْجَتَهُ فِي دُبُرِهَا ، فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ لَهُ فِي ذَلِكَ شُبْهَةً ، وَيُعَزَّرُ لَفِعْلِهِ الْمُحَرَّمَ ، وَعَلَيْهَا الْغُسْلُ ؛ لِأَنَّهُ إيلَاجُ فَرْجٍ فِي فَرْجٍ ، وَحُكْمُهُ حُكْمُ الْوَطْءِ فِي الْقُبُلِ فِي إفْسَادِ الْعِبَادَاتِ ، وَتَقْرِيرِ الْمَهْرِ ، وَوُجُوبِ الْعِدَّةِ .\rوَإِنْ كَانَ الْوَطْءُ لَأَجْنَبِيَّةٍ ، وَجَبَ حَدُّ اللُّوطِيِّ ، وَلَا مَهْرَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُفَوِّتْ مَنْفَعَةً لَهَا عِوَضٌ فِي الشَّرْعِ .\rوَلَا يَحْصُلُ بِوَطْءِ زَوْجَتِهِ فِي الدُّبُرِ إحْصَانٌ ، إنَّمَا يَحْصُلُ بِالْوَطْءِ الْكَامِلِ ، وَلَيْسَ هَذَا بِوَطْءٍ كَامِلٍ ، وَالْإِحْلَالُ لِلزَّوْجِ الْأَوَّلِ ؛ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ لَا تَذُوقُ بِهِ عُسَيْلَةَ الرَّجُلِ .\rوَلَا تَحْصُلُ بِهِ الْفَيْنَةُ ، وَلَا الْخُرُوجُ مِنْ الْعُنَّةِ ؛ لِأَنَّ الْوَطْءَ فِيهِمَا لِحَقِّ الْمَرْأَةِ ، وَحَقُّهَا الْوَطْءُ فِي الْقُبُلِ .\rوَلَا يَزُولُ بِهِ الِاكْتِفَاءُ بِصَمْتِهَا فِي الْإِذْنِ بِالنِّكَاحِ ؛ لِأَنَّ بَكَارَةَ الْأَصْلِ بَاقِيَةٌ .\r( 5699 ) فَصْلٌ : وَلَا بَأْسَ بِالتَّلَذُّذِ بِهَا بَيْنَ الْأَلْيَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ إيلَاجٍ ؛ لِأَنَّ السُّنَّةَ إنَّمَا وَرَدَتْ بِتَحْرِيمِ الدُّبُرِ ، فَهُوَ مَخْصُوصٌ بِذَلِكَ ، وَلِأَنَّهُ حُرِّمَ لِأَجَلِ الْأَذَى ، وَذَلِكَ مَخْصُوصٌ بِالدُّبُرِ ، فَاخْتَصَّ التَّحْرِيمُ بِهِ .","part":16,"page":40},{"id":7540,"text":"( 5700 ) فَصْلٌ : وَالْعَزْلُ مَكْرُوهٌ ، وَمَعْنَاهُ أَنْ يَنْزِعَ إذَا قَرُبَ الْإِنْزَالُ ، فَيُنْزِلُ خَارِجًا مِنْ الْفَرْجِ ، رُوِيَتْ كَرَاهَتُهُ عَنْ عُمَرَ ، وَعَلِيٍّ ، وَابْنِ عُمَرَ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ أَيْضًا ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَقْلِيلَ النَّسْلِ ، وَقَطْعَ اللَّذَّةِ عَنْ الْمَوْطُوءَةِ ، وَقَدْ حَثَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى تَعَاطِي أَسْبَابِ الْوَلَدِ ، فَقَالَ : { تَنَاكَحُوا ، تَنَاسَلُوا ، تَكْثُرُوا } .\rوَقَالَ : { سَوْدَاءُ وَلُودٌ ، خَيْرٌ مِنْ حَسْنَاءَ عَقِيمٍ } إلَّا أَنْ يَكُونَ لَحَاجَةٍ ، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ فِي دَارِ الْحَرْبِ ، فَتَدْعُوهُ حَاجَتُهُ إلَى الْوَطْءِ ، فَيَطَأُ وَيَعْزِلُ ، ذَكَرَ الْخِرَقِيِّ هَذِهِ الصُّورَةَ ، أَوْ تَكُونَ زَوْجَتُهُ أَمَةً ، فَيَخْشَى الرِّقَّ عَلَى وَلَدِهِ ، أَوْ تَكُونَ لَهُ أَمَةٌ ، فَيَحْتَاجُ إلَى وَطْئِهَا وَإِلَى بَيْعِهَا ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَعْزِلُ عَنْ إمَائِهِ فَإِنْ عَزَلَ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ كَرِهَ وَلَمْ يَحْرُمْ ، وَرُوِيَتْ الرُّخْصَةُ فِيهِ عَنْ عَلِيٍّ ، وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ، وَأَبِي أَيُّوبَ ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، وَجَابِرٍ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَالْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ ، وَخَبَّابِ بْنِ الْأَرَتِّ ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، وَطَاوُسٍ ، وَعَطَاءٍ ، وَالنَّخَعِيِّ ، وَمَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ .\rوَرَوَى أَبُو سَعِيدٍ ، قَالَ : { ذُكِرَ - يَعْنِي - الْعَزْلَ ، عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : وَلِمَ يَفْعَلُ ذَلِكَ أَحَدُكُمْ ؟ .\rوَلَمْ يَقُلْ : فَلَا يَفْعَلْ فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ نَفْسٍ مَخْلُوقَةٍ ، إلَّا اللَّهُ خَالِقُهَا } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَعَنْهُ { أَنَّ رَجُلًا قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنَّ لِي جَارِيَةً ، وَأَنَا أَعْزِلُ عَنْهَا ، وَأَنَا أَكْرَهُ أَنْ تَحْمِلَ ، وَأَنَا أُرِيدُ مَا يُرِيدُ الرِّجَالُ ، وَإِنَّ الْيَهُودَ تُحَدِّثُ أَنَّ الْعَزْلَ الْمَوْءُودَةُ الصُّغْرَى .\rقَالَ : كَذَبَتْ يَهُودُ ، لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَخْلُقَهُ مَا اسْتَطَعْت أَنْ تَصْرِفَهُ .\r}","part":16,"page":41},{"id":7541,"text":"رَوَاهُ أَبُو دَاوُد .","part":16,"page":42},{"id":7542,"text":"( 5701 ) فَصْلٌ : وَيَجُوزُ الْعَزْلُ عَنْ أَمَتِهِ بِغَيْرِ إذْنِهَا نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .\rوَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيِّ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا حَقَّ لَهَا فِي الْوَطْءِ ، وَلَا فِي الْوَلَدِ ، وَلِذَلِكَ لَمْ تَمْلِكْ الْمُطَالَبَةَ بِالْقَسَمِ وَلَا الْفَيْئَةِ ، فَلَأَنْ لَا تَمْلِكَ الْمَنْعَ مِنْ الْعَزْلِ أَوْلَى .\rوَلَا يَعْزِلُ عَنْ زَوْجَتِهِ الْحُرَّةِ إلَّا بِإِذْنِهَا .\rقَالَ الْقَاضِي : ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ وُجُوبُ اسْتِئْذَانِ الزَّوْجَةِ فِي الْعَزْلِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَحَبًّا ؛ لِأَنَّ حَقَّهَا فِي الْوَطْءِ دُونَ الْإِنْزَالِ ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَخْرُج بِهِ مِنْ الْفَيْئَةِ وَالْعُنَّةِ .\rوَلِلشَّافِعِيَّةِ فِي ذَلِكَ وَجْهَانِ .\rوَالْأَوَّلُ أَوْلَى ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : { نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُعْزَلَ عَنْ الْحُرَّةِ إلَّا بِإِذْنِهَا .\r} رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ، فِي \" الْمُسْنَدِ \" وَابْنُ مَاجَهْ .\rوَلِأَنَّ لَهَا فِي الْوَلَدِ حَقًّا ، وَعَلَيْهَا فِي الْعَزْلِ ضَرَرٌ ، فَلَمْ يَجُزْ إلَّا بِإِذْنِهَا .\rفَأَمَّا زَوْجَتُهُ الْأَمَهُ ، فَيَحْتَمِلُ جَوَازُ الْعَزْلِ عَنْهَا بِغَيْرِ إذْنِهَا .\rوَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ اسْتِدْلَالًا بِمَفْهُومِ هَذَا الْحَدِيثِ .\rوَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : تُسْتَأْذَنُ الْحُرَّةُ ، وَلَا تُسْتَأْذَنُ الْأَمَةُ .\rوَلِأَنَّ عَلَيْهِ ضَرَرًا فِي اسْتِرْقَاقِ وَلَدِهِ ، بِخِلَافِ الْحُرَّةِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَجُوزَ إلَّا بِإِذْنِهَا ؛ لِأَنَّهَا زَوْجَةٌ تَمْلِكُ الْمُطَالَبَةَ بِالْوَطْءِ فِي الْفَيْئَةِ ، وَالْفَسْخَ عِنْدَ تَعَذُّرِهِ بِالْعُنَّةِ ، وَتَرْكُ الْعَزْلِ مِنْ تَمَامِهِ ، فَلَمْ يَجُزْ بِغَيْرِ إذْنِهَا ، كَالْحُرَّةِ .","part":16,"page":43},{"id":7543,"text":"( 5702 ) فَصْلٌ : فَإِنْ عَزَلَ عَنْ زَوْجَتِهِ أَوْ أَمَتِهِ ، ثُمَّ أَتَتْ بِوَلَدٍ ، لَحِقَهُ نَسَبُهُ لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد ، عَنْ جَابِرٍ ، قَالَ : { جَاءَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : إنَّ لِي جَارِيَةً ، وَأَنَا أَطُوفُ عَلَيْهَا وَأَنَا أَكْرَهُ أَنْ تَحْمِلَ ، فَقَالَ : اعْزِلْ عَنْهَا إنْ شِئْت ، فَإِنَّهُ سَيَأْتِيهَا مَا قُدِّرَ لَهَا } وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ : كُنْت أَعْزِلُ عَنْ جَارِيَةٍ لِي ، فَوَلَدَتْ أَحَبَّ النَّاسِ إلَيَّ .\rوَلِأَنَّ لُحُوقَ النَّسَبِ حُكْمٌ يَتَعَلَّقُ بِالْوَطْءِ ، فَلَمْ يُعْتَبَرْ فِيهِ الْإِنْزَالُ ، كَسَائِرِ الْأَحْكَامِ .\rوَقَدْ قِيلَ : إنَّ الْوَطْءَ فِي الْفَرْجِ يَحْصُلُ بِهِ الْإِنْزَالُ ، وَلَا يُحِسُّ بِهِ .","part":16,"page":44},{"id":7544,"text":"فَصْلٌ : آدَابُ الْجِمَاعِ .\rتُسْتَحَبُّ التَّسْمِيَةُ قَبْلَهُ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ } .\rقَالَ عَطَاءٌ : هِيَ التَّسْمِيَةُ عِنْد الْجِمَاعِ .\rوَرَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ حِينَ يَأْتِي أَهْلَهُ قَالَ : بِسْمِ اللَّهِ اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ ، وَجَنِّبْ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا ، فَوُلِدَ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ ، لَمْ يَضُرَّهُ الشَّيْطَانُ أَبَدًا .\r} مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَيُكْرَهُ التَّجَرُّدُ عِنْدُ الْمُجَامَعَةِ ؛ لِمَا رَوَى عُتْبَةُ بْنُ عَبْدٍ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إذَا أَتَى أَحَدُكُمْ أَهْلَهُ ، فَلْيَسْتَتِرْ وَلَا يَتَجَرَّدْ تَجَرُّدَ الْعِيرَيْنِ } ، رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ .\rوَعَنْ عَائِشَةَ ، قَالَتْ : { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ غَطَّى رَأْسَهُ ، وَإِذَا أَتَى أَهْلَهُ غَطَّى رَأْسَهُ } .\rوَلَا يُجَامِعُ بِحَيْثُ يَرَاهُمَا أَحَدٌ ، أَوْ يَسْمَعُ حِسَّهُمَا .\rوَلَا يُقَبِّلُهَا وَيُبَاشِرُهَا عِنْدَ النَّاسِ .\rقَالَ أَحْمَدُ : مَا يُعْجِبُنِي إلَّا أَنْ يَكْتُمَ هَذَا كُلَّهُ .\rوَقَالَ الْحَسَنُ ، فِي الَّذِي يُجَامِعُ الْمَرْأَةَ ، وَالْأُخْرَى تَسْمَعُ ، قَالَ : كَانُوا يَكْرَهُونَ الْوَجْسَ وَهُوَ الصَّوْتُ الْخَفِيُّ .\rوَلَا يَتَحَدَّثُ بِمَا كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَهْلِهِ ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ الْحَسَنِ ، قَالَ : { جَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ ، فَأَقْبَلَ عَلَى الرِّجَالِ ، فَقَالَ : لَعَلَّ أَحَدَكُمْ يُحَدِّثُ بِمَا يَصْنَعُ بِأَهْلِهِ إذَا خَلَا ؟ .\rثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النِّسَاءِ فَقَالَ : لَعَلَّ إحْدَاكُنَّ تُحَدِّثُ النِّسَاءَ بِمَا يَصْنَعُ بِهَا زَوْجُهَا ؟ .\rقَالَ : فَقَالَتْ امْرَأَةٌ : إنَّهُمْ لَيَفْعَلُونَ ، وَإِنَّا لِنَفْعَلَ .\rفَقَالَ : لَا تَفْعَلُوا ، فَإِنَّمَا مَثَلُ ذَلِكُمْ كَمَثَلِ شَيْطَانٍ لَقِيَ شَيْطَانَةً ، فَجَامَعَهَا وَالنَّاسُ يَنْظُرُونَ .\r} وَرَوَى أَبُو دَاوُد ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ","part":16,"page":45},{"id":7545,"text":"عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَهُ بِمَعْنَاهُ .\rوَلَا يَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ حَالَ الْجِمَاعِ ؛ لِأَنَّ عَمْرَو بْنَ حَزْمٍ ، وَعَطَاءً ، كَرِهَا ذَلِكَ .\rوَيُكْرَهُ الْإِكْثَارُ مِنْ الْكَلَامِ حَالَ الْجِمَاعِ ؛ لِمَا رَوَى قَبِيصَةُ بْنُ ذُؤَيْبٍ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { لَا تُكْثِرُوا الْكَلَامَ عِنْدَ مُجَامَعَةِ النِّسَاءِ ؛ فَإِنَّ مِنْهُ يَكُونُ الْخَرَسُ وَالْفَأْفَاءُ } .\rوَلِأَنَّهُ يُكْرَهُ الْكَلَامُ حَالَةَ الْبَوْلِ ، وَحَالُ الْجِمَاعِ فِي مَعْنَاهُ ، وَأَوْلَى بِذَلِكَ مِنْهُ .\rوَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُلَاعِبَ امْرَأَتَهُ قَبْلَ الْجِمَاعِ ؛ لِتَنْهَضَ شَهْوَتُهَا ، فَتَنَالَ مِنْ لَذَّةِ الْجِمَاعِ مِثْلَ مَا نَالَهُ .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { لَا تُوَاقِعْهَا إلَّا وَقَدْ أَتَاهَا مِنْ الشَّهْوَةِ مِثْلُ مَا أَتَاك ، لِكَيْ لَا تَسْبِقَهَا بِالْفَرَاغِ .\rقُلْت : وَذَلِكَ إلَيَّ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، إنَّك تُقَبِّلُهَا ، وَتَغْمِزُهَا ، وَتَلْمِزُهَا ، فَإِذَا رَأَيْت أَنَّهُ قَدْ جَاءَهَا مِثْلُ مَا جَاءَك ، وَاقَعْتَهَا } .\rفَإِنْ فَرَغَ قَبْلَهَا ، كُرِهَ لَهُ النَّزْعُ حَتَّى تَفْرُغَ ؛ لِمَا رَوَى أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إذَا جَامَعَ الرَّجُلُ أَهْلَهُ فَلْيَصْدُقْهَا ، ثُمَّ إذَا قَضَى حَاجَتَهُ ، فَلَا يُعَجِّلْهَا حَتَّى تَقْضِيَ حَاجَتَهَا } .\rوَلِأَنَّ فِي ذَلِكَ ضَرَرًا عَلَيْهَا ، وَمَنْعًا لَهَا مِنْ قَضَاءِ شَهْوَتِهَا .\rوَيُسْتَحَبُّ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَتَّخِذَ خِرْقَةً ، تُنَاوِلُهَا الزَّوْجَ بَعْدَ فَرَاغِهِ ، فَيَتَمَسَّحُ بِهَا ؛ فَإِنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ : يَنْبَغِي لِلْمَرْأَةِ إذَا كَانَتْ عَاقِلَةً ، أَنْ تَتَّخِذَ خِرْقَةً ، فَإِذَا جَامَعَهَا زَوْجُهَا ، نَاوَلَتْهُ ، فَمَسَحَ عَنْهُ ، ثُمَّ تَمْسَحُ عَنْهَا ، فَيُصَلِّيَانِ فِي ثَوْبِهِمَا ذَلِكَ ، مَا لَمْ تُصِبْهُ جَنَابَةٌ .\rوَلَا بَأْسَ أَنْ يَجْمَعَ بَيْن نِسَائِهِ وَإِمَائِهِ بِغُسْلِ وَاحِدٍ ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ أَنَسٍ ، قَالَ : { سَكَبْت لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ","part":16,"page":46},{"id":7546,"text":"عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ نِسَائِهِ غُسْلًا وَاحِدًا ، فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ } .\rفَإِنَّ حَدَثَ الْجَنَابَةِ لَا يَمْنَعُ الْوَطْءَ ؛ بِدَلِيلِ إتْمَامِ الْجِمَاعِ .\rقَالَ أَحْمَدُ : إذَا أَرَادَ أَنْ يَعُودَ ، فَأَعْجَبُ إلَيَّ الْوُضُوءُ ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ ، فَأَرْجُو أَنْ لَا يَكُونَ بِهِ بَأْسٌ .\rوَلِأَنَّ الْوُضُوءَ يَزِيدُهُ نَشَاطًا وَنَظَافَةً ، فَاسْتُحِبَّ .\rوَإِنْ اغْتَسَلَ بَيْنَ كُلِّ وَطْأَيْنِ ، فَهُوَ أَفْضَلُ ، فَإِنَّ أَبَا رَافِعٍ رَوَى ، { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَافَ عَلَى نِسَائِهِ جَمِيعًا ، فَاغْتَسَلَ عِنْدَ كُلِّ امْرَأَةٍ مِنْهُنَّ غُسْلًا ، فَقُلْت : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، لَوْ جَعَلْتَهُ غُسْلًا وَاحِدًا ؟ قَالَ : هَذَا أَزْكَى وَأَطْيَبُ وَأَطْهَرُ } .\rرَوَاهُ أَحْمَدُ ، فِي \" الْمُسْنَدِ \" وَرَوَى أَحَادِيثَ هَذَا الْفَصْلِ كُلِّهَا أَبُو حَفْصٍ الْعُكْبَرِيُّ ، وَرَوَى ابْنُ بَطَّةَ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إذَا جَامَعَ الرَّجُلُ أَوَّلَ اللَّيْلِ ، ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَعُودَ ، تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ .\r}","part":16,"page":47},{"id":7547,"text":"( 5704 ) فَصْلٌ : وَلَيْسَ لِلرَّجُلِ أَنْ يَجْمَعَ بَيْن امْرَأَتَيْهِ فِي مَسْكَنٍ وَاحِدٍ بِغَيْرِ رِضَاهُمَا ، صَغِيرًا كَانَ أَوْ كَبِيرًا ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِمَا ضَرَرًا ؛ لِمَا بَيْنَهُمَا مِنْ الْعَدَاوَةِ وَالْغَيْرَةِ ، وَاجْتِمَاعُهُمَا يُثِيرُ الْمُخَاصَمَةَ وَالْمُقَاتَلَةَ ، وَتَسْمَعُ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا حِسَّهُ إذَا أَتَى إلَى الْأُخْرَى ، أَوْ تَرَى ذَلِكَ ، فَإِنْ رَضِيَتَا بِذَلِكَ جَازَ ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمَا ، فَلَهُمَا الْمُسَامَحَةُ بِتَرْكِهِ ، وَكَذَلِكَ إنْ رَضِيَتَا بِنَوْمِهِ بَيْنَهُمَا فِي لِحَافٍ وَاحِدٍ ، وَإِنْ رَضِيَتَا بِأَنْ يُجَامِعَ وَاحِدَةً بِحَيْثُ تَرَاهُ الْأُخْرَى ، لَمْ يَجُزْ ؛ لِأَنَّ فِيهِ دَنَاءَةً وَسُخْفًا وَسُقُوطَ مُرُوءَةٍ ، فَلَمْ يُبَحْ بِرِضَاهُمَا .\rوَإِنْ أَسْكَنَهُمَا فِي دَارٍ وَاحِدَةٍ ، كُلَّ وَاحِدَةٍ فِي بَيْتٍ ، جَازَ ، إذَا كَانَ ذَلِكَ مَسْكَنَ مِثْلِهَا .","part":16,"page":48},{"id":7548,"text":"( 5705 ) فَصْلٌ : رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { أَتَعْجَبُونَ مِنْ غَيْرَةِ سَعْدٍ ؟ ؟ لَأَنَا أَغْيَرُ مِنْهُ ، وَاَللَّهُ أَغْيَرُ مِنِّي } وَعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : بَلَغَنِي أَنَّ نِسَاءَكُمْ لَيُزَاحِمْنَ الْعُلُوجَ فِي الْأَسْوَاقِ ، أَمَا تَغَارُونَ ؟ إنَّهُ لَا خَيْرَ فِي مَنْ لَا يَغَارُ .\rوَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ : كَانَ إبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ غَيُورًا ، وَمَا مِنْ امْرِئِ لَا يَغَارُ إلَّا مَنْكُوسُ الْقَلْبِ .","part":16,"page":49},{"id":7549,"text":"( 5706 ) مَسْأَلَة : قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ : ( وَعَلَى الرَّجُلِ أَنْ يُسَاوِيَ بَيْنَ زَوْجَاتِهِ فِي الْقَسْمِ ) لَا نَعْلَمُ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي وُجُوبِ التَّسْوِيَةِ بَيْنَ الزَّوْجَاتِ فِي الْقَسْمِ خِلَافًا ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ } .\rوَلَيْسَ مَعَ الْمَيْلِ مَعْرُوفٌ .\rوَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ } .\rوَرَوَى أَبُو هُرَيْرَة ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ كَانَتْ لَهُ امْرَأَتَانِ ، فَمَالَ إلَى إحْدَاهُمَا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَشِقُّهُ مَائِلٌ } .\rوَعَنْ عَائِشَةَ ، قَالَتْ : { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْسِمُ بَيْنَنَا فَيَعْدِلُ ، ثُمَّ يَقُول : اللَّهُمَّ هَذَا قَسْمِي فِيمَا أَمْلِكُ ، فَلَا تَلُمْنِي فِيمَا لَا أَمْلِكُ } .\rرَوَاهُمَا أَبُو دَاوُد .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّهُ إذَا كَانَ عِنْدَهُ نِسْوَةٌ ، لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَبْتَدِئَ بِوَاحِدَةِ مِنْهُنَّ إلَّا بِقُرْعَةٍ ؛ لِأَنَّ الْبُدَاءَةَ بِهَا ، تَفْضِيلٌ لَهَا ، وَالتَّسْوِيَةُ وَاجِبَةٌ ، وَلِأَنَّهُنَّ مُتَسَاوِيَاتٌ فِي الْحَقِّ ، وَلَا يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهُنَّ ، فَوَجَبَ الْمَصِيرُ إلَى الْقُرْعَةِ ، كَمَا لَوْ أَرَادَ السَّفَرَ بِإِحْدَاهُنَّ .\rفَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ ، كَفَاهُ قُرْعَةٌ وَاحِدَةٌ ، وَيَصِيرُ فِي اللَّيْلَةِ الثَّانِيَةِ إلَى الثَّانِيَةِ بِغَيْرِ قُرْعَةٍ ؛ لِأَنَّ حَقَّهَا مُتَعَيِّنٌ .\rوَإِنْ كُنَّ ثَلَاثًا ، أَقْرَعَ فِي اللَّيْلَةِ الثَّانِيَةِ لِلْبِدَايَةِ بِإِحْدَى الْبَاقِيَتَيْنِ .\rوَإِنْ كُنَّ أَرْبَعًا أَقْرَعَ فِي اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ ، وَيَصِيرُ فِي اللَّيْلَةِ الرَّابِعَةِ إلَى الرَّابِعَةِ بِغَيْرِ قُرْعَةٍ .\rوَلَوْ أَقْرَعَ فِي اللَّيْلَةِ الْأُولَى ، فَجَعَلَ سَهْمًا لِلْأُولَى ، وَسَهْمًا لِلثَّانِيَةِ ، وَسَهْمًا لِلثَّالِثَةِ ، وَسَهْمًا لِلرَّابِعَةِ ، ثُمَّ أَخْرَجَهَا عَلَيْهِنَّ مَرَّةً وَاحِدَةً ، جَازَ ، وَكَانَ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مَا خَرَجَ لَهَا .","part":16,"page":50},{"id":7550,"text":"( 5707 ) فَصْلٌ : وَيَقْسِمُ الْمَرِيضُ وَالْمَجْبُوبُ وَالْعِنِّينُ وَالْخُنْثَى وَالْخَصِيُّ .\rوَبِذَلِكَ قَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ؛ لِأَنَّ الْقَسْمَ لِلْأُنْسِ ، وَذَلِكَ حَاصِلٌ مِمَّنْ لَا يَطَأُ .\rوَقَدْ رَوَتْ عَائِشَةُ ، { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا كَانَ فِي مَرَضِهِ ، جَعَلَ يَدُورُ فِي نِسَائِهِ ، وَيَقُولُ : أَيْنَ أَنَا غَدًا ؟ أَيْنَ أَنَا غَدًا ؟ } .\rرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ .\rفَإِنْ شَقَّ عَلَيْهِ ذَلِكَ ، اسْتَأْذَنَهُنَّ فِي الْكَوْنِ عِنْدَ إحْدَاهُنَّ ، كَمَا فَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ عَائِشَةُ { إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ إلَى النِّسَاءِ فَاجْتَمَعْنَ ، قَالَ : إنِّي لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَدُورَ بَيْنَكُنَّ ، فَإِنْ رَأَيْتُنَّ أَنْ تَأْذَنَّ لِي ، فَأَكُونَ عِنْدَ عَائِشَةَ ، فَعَلْتُنَّ .\rفَأَذِنَّ لَهُ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rفَإِنْ لَمْ يَأْذَنَّ لَهُ ، أَقَامَ عِنْدَ إحْدَاهُنَّ بِالْقُرْعَةِ أَوْ اعْتَزَلَهُنَّ جَمِيعًا إنْ أَحَبَّ .\rفَإِنْ كَانَ الزَّوْجُ مَجْنُونًا لَا يُخَافُ مِنْهُ ، طَافَ بِهِ الْوَلِيُّ عَلَيْهِنَّ ، وَإِنْ كَانَ يُخَافُ مِنْهُ ، فَلَا قَسْمَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْصُلُ مِنْهُ أُنْسٌ وَلَا فَائِدَةٌ .\rوَإِنْ لَمْ يَعْدِلْ الْوَلِيُّ فِي الْقَسْمِ بَيْنَهُنَّ ، ثُمَّ أَفَاقَ الْمَجْنُونُ ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَقْضِيَ لِلْمَظْلُومَةِ ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ ثَبَتَ فِي ذِمَّتِهِ ، فَلَزِمَهُ إيفَاؤُهُ حَالَ الْإِفَاقَةِ كَالْمَالِ .","part":16,"page":51},{"id":7551,"text":"( 5708 ) فَصْلٌ : وَيُقْسَمُ لِلْمَرِيضَةِ ، وَالرَّتْقَاءِ ، وَالْحَائِضِ ، وَالنُّفَسَاءِ ، وَالْمُحْرِمَةِ ، وَالصَّغِيرَةِ الْمُمْكِنِ وَطْؤُهَا ، وَكُلُّهُنَّ سَوَاءٌ فِي الْقَسْمِ .\rوَبِذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْي ، وَلَا نَعْلَمُ عَنْ غَيْرِهِمْ خِلَافَهُمْ .\rوَكَذَلِكَ الَّتِي ظَاهَرَ مِنْهَا ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ الْإِيوَاءُ وَالسَّكَنُ وَالْأُنْسُ ، وَهُوَ حَاصِلٌ لَهُنَّ ، وَأَمَّا الْمَجْنُونَةُ ، فَإِنْ كَانَتْ لَا يُخَافُ مِنْهَا ، فَهِيَ كَالصَّحِيحَةِ ، وَإِنْ خَافَ مِنْهَا ، فَلَا قَسْمَ لَهَا ؛ لِأَنَّهُ لَا يَأْمَنُهَا عَلَى نَفْسِهِ ، وَلَا يَحْصُلُ لَهَا أُنْسٌ وَلَا بِهَا .","part":16,"page":52},{"id":7552,"text":"( 5709 ) فَصْلٌ : وَيَجِبُ قَسْمُ الِابْتِدَاءِ ، وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ إذَا كَانَتْ لَهُ امْرَأَةٌ ، لَزِمَهُ الْمَبِيتُ عِنْدَهَا لَيْلَةً مِنْ كُلِّ أَرْبَعِ لَيَالٍ ، مَا لَمْ يَكُنْ عُذْرٌ ، وَإِنْ كَانَ لَهُ نِسَاءٌ فَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ لَيْلَةٌ مِنْ كُلِّ أَرْبَعٍ .\rوَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ .\rوَقَالَ الْقَاضِي ، فِي \" الْمُجَرَّدِ \" لَا يَجِبُ قَسْمُ الِابْتِدَاءِ ، إلَّا أَنْ يَتْرُكَ الْوَطْءَ مُصِرًّا ، فَإِنْ تَرَكَهُ غَيْرَ مُصِرٍّ لَمْ يَلْزَمْهُ قَسْمٌ ، وَلَا وَطْءٌ ؛ لِأَنَّ أَحْمَدَ قَالَ : إذَا وَصَلَ الرَّجُلُ إلَى امْرَأَتِهِ مَرَّةً ، بَطَلَ أَنْ يَكُونَ عِنِّينًا .\rأَيْ لَا يُؤَجَّلُ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يَجِبُ قَسْمُ الِابْتِدَاءِ بِحَالٍ ؛ لِأَنَّ الْقَسْمَ لِحَقِّهِ ، فَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ .\rوَلَنَا قَوْلُ { النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو بْنِ الْعَاصِ : يَا عَبْدَ اللَّهِ ، أَلَمْ أُخْبَرْ أَنَّك تَصُومُ النَّهَارَ ، وَتَقُومُ اللَّيْلَ ؟ قُلْت : بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ .\rقَالَ : فَلَا تَفْعَلْ ، صُمْ ، وَأَفْطِرْ ، وَقُمْ وَنَمْ ؛ فَإِنَّ لِجَسَدِك عَلَيْك حَقًّا ، وَإِنَّ لِعَيْنِك عَلَيْك حَقًّا ، وَإِنَّ لِزَوْجِك عَلَيْك حَقًّا } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rفَأَخْبَرَ أَنَّ لِلْمَرْأَةِ عَلَيْهِ حَقًّا .\rوَقَدْ اشْتَهَرَتْ قِصَّةُ كَعْبِ بْنِ سَوْرٍ ، وَرَوَاهَا عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ فِي كِتَابِ \" قُضَاةُ الْبَصْرَةِ \" مِنْ وُجُوهٍ ؛ إحْدَاهُنَّ عَنْ الشَّعْبِيِّ ، أَنَّ كَعْبَ بْن سَوْرٍ كَانَ جَالِسًا عِنْدَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، فَجَاءَتْ امْرَأَةٌ ، فَقَالَتْ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، مَا رَأَيْت رَجُلًا قَطُّ أَفْضَلَ مِنْ زَوْجِي ، وَاَللَّهِ إنَّهُ لَيَبِيت لَيْلَهُ قَائِمًا ، وَيَظَلُّ نَهَارَهُ صَائِمًا .\rفَاسْتَغْفَرَ لَهَا ، وَأَثْنَى عَلَيْهَا .\rوَاسْتَحْيَتْ الْمَرْأَةُ ، وَقَامَتْ رَاجِعَةً ، فَقَالَ كَعْبٌ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، هَلَّا أَعْدَيْت الْمَرْأَةَ عَلَى زَوْجِهَا ؟ فَقَالَ : وَمَا ذَاكَ ؟ فَقَالَ إنَّهَا جَاءَتْ تَشْكُوهُ ، إذَا كَانَتْ حَالُهُ هَذِهِ فِي الْعِبَادَةِ ، مَتَى يَتَفَرَّغُ لَهَا ؟ فَبَعَثَ عُمَرُ إلَى","part":16,"page":53},{"id":7553,"text":"زَوْجِهَا ، فَجَاءَ ، فَقَالَ لَكَعْبٍ : اقْضِ بَيْنَهُمَا ، فَإِنَّك فَهِمْت مِنْ أَمْرِهِمَا مَا لَمْ أَفْهَمْ .\rقَالَ : فَإِنِّي أَرَى كَأَنَّهَا امْرَأَةٌ عَلَيْهَا ثَلَاثُ نِسْوَةٍ ، هِيَ رَابِعَتُهُنَّ ، فَأَقْضِي لَهُ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهِنَّ يَتَعَبَّدُ فِيهِنَّ ، وَلَهَا يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ .\rفَقَالَ عُمَرُ : وَاَللَّهِ مَا رَأْيُك الْأَوَّلُ بِأَعْجَبَ إلَيَّ مِنْ الْآخِرِ ، اذْهَبْ فَأَنْتَ قَاضٍ عَلَى أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَفِي رِوَايَةٍ ، فَقَالَ عُمَرُ : نِعْمَ الْقَاضِي أَنْتَ .\rوَهَذِهِ قَضِيَّةٌ انْتَشَرَتْ فَلَمْ تُنْكَرْ ، فَكَانَتْ إجْمَاعًا .\rوَلِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ حَقًّا ، لَمْ تَسْتَحِقَّ فَسْخَ النِّكَاحِ لِتَعَذُّرِهِ بِالْجَبِّ وَالْعُنَّةِ ، وَامْتِنَاعِهِ بِالْإِيلَاءِ .\rوَلِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ حَقًّا لِلْمَرْأَةِ ، لَمَلَكَ الزَّوْجُ تَخْصِيصَ إحْدَى زَوْجَتَيْهِ بِهِ ، كَالزِّيَادَةِ فِي النَّفَقَةِ عَلَى قَدْرِ الْوَاجِبِ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا : حَقُّ الْمَرْأَةِ لَيْلَةٌ مِنْ كُلِّ أَرْبَعٍ ، وَلِلْأَمَةِ لَيْلَةٌ مِنْ كُلِّ سَبْعٍ ؛ لِأَنَّ أَكْثَرَ مَا يُمْكِنُ أَنْ يَجْمَعَ مَعَهَا ثَلَاثَ حَرَائِرَ ، وَلَهَا السَّابِعَةُ ، وَاَلَّذِي يَقْوَى عِنْدِي ، أَنَّ لَهَا لَيْلَةً مِنْ ثَمَانٍ ، لِتَكُونَ عَلَى النِّصْفِ مِمَّا لِلْحُرَّةِ ، فَإِنَّ حَقَّ الْحُرَّةِ مِنْ كُلِّ ثَمَانٍ لَيْلَتَانِ ، لَيْسَ لَهَا أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ ، فَلَوْ كَانَ لِلْأَمَةِ لَيْلَةٌ مِنْ سَبْعٍ لَزَادَ عَلَى النِّصْفِ ، وَلَمْ يَكُنْ لِلْحُرَّةِ لَيْلَتَانِ وَلِلْأَمَةِ لَيْلَةٌ ، وَلِأَنَّهُ إذَا كَانَ تَحْتَهُ ثَلَاثُ حَرَائِرَ وَأَمَهٌ ، فَلَمْ يُرِدْ أَنْ يَزِيدَهُنَّ عَلَى الْوَاجِبِ لَهُنَّ ، فَقَسَمَ بَيْنَهُنَّ سَبْعًا ، فَمَاذَا يَصْنَعُ فِي اللَّيْلَةِ الثَّامِنَةِ ؟ إنْ أَوْجَبْنَا عَلَيْهِ مَبِيتَهَا عِنْدَ حُرَّةٍ ، فَقَدْ زَادَهَا عَلَى مَا يَجِبُ لَهَا ، وَإِنْ بَاتَهَا عِنْدَ الْأَمَةِ جَعَلَهَا كَالْحُرَّةِ ، وَلَا سَبِيلَ إلَيْهِ ، وَعَلَى مَا اخْتَرْنَ تَكُونُ هَذِهِ اللَّيْلَةُ الثَّامِنَةُ لَهُ ، إنْ أَحَبَّ انْفَرَدَ فِيهَا ، وَإِنْ أَحَبَّ بَاتَ عِنْدَ الْأُولَى مُسْتَأْنِفًا لِلْقَسْمِ .","part":16,"page":54},{"id":7554,"text":"وَإِنْ كَانَ عِنْدَهُ حُرَّةٌ وَأَمَةٌ ، قَسَمَ لَهُنَّ لَيَالٍ مِنْ ثَمَانٍ ، وَلَهُ الِانْفِرَادُ فِي خَمْسٍ .\rوَإِنْ كَانَ تَحْتَهُ حُرَّتَانِ وَأَمَةٌ ، فَلَهُنَّ خَمْسٌ وَلَهُ ثَلَاثٌ .\rوَإِنْ كَانَ حُرَّتَانِ وَأَمَتَانِ ، فَلَهُنَّ سِتٌّ وَلَهُ اثْنَتَانِ .\rوَإِنْ كَانَتْ أَمَةً وَاحِدَةً ، فَلَهَا لَيْلَةٌ وَلَهُ سَبْعٌ ، وَعَلَى قَوْلِهِمْ لَهَا لَيْلَةٌ وَلَهُ سِتٌّ .","part":16,"page":55},{"id":7555,"text":"( 5710 ) فَصَلِّ وَالْوَطْءُ وَاجِبٌ عَلَى الرَّجُلِ ، إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ عُذْرٌ .\rوَبِهِ قَالَ مَالِكٌ .\rوَعَلَى قَوْلِ الْقَاضِي : لَا يَجِبُ إلَّا أَنْ يَتْرُكَهُ لِلْإِضْرَارِ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ لَهُ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ ، كَسَائِرِ حُقُوقِهِ .\rوَلَنَا ، مَا تَقَدَّمَ فِي الْفَصْلِ الَّذِي قَبْلَهُ ، وَفِي بَعْضِ رِوَايَاتِ حَدِيثِ كَعْبٍ أَنَّهُ حِينَ قَضَى بَيْنَ الرَّجُلِ وَامْرَأَتِهِ ، قَالَ : إنَّ لَهَا عَلَيْك حَقًّا يَا بَعْلُ تُصِيبُهَا فِي أَرْبَعٍ لِمَنْ عَدَلَ فَأَعْطِهَا ذَاكَ وَدَعْ عَنْك الْعِلَلَ ، فَاسْتَحْسَنَ عُمَرُ قَضَاءَهُ ، وَرَضِيَهُ .\rوَلِأَنَّهُ حَقٌّ وَاجِبٌ بِالِاتِّفَاقِ ، وَإِذَا حَلَفَ عَلَى تَرْكِهِ ، فَيَجِبُ قَبْلَ أَنْ يَحْلِفَ ، كَسَائِرِ الْحُقُوقِ الْوَاجِبَةِ ، يُحَقِّقُ هَذَا أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا ، لَمْ يَصِرْ بِالْيَمِينِ عَلَى تَرْكِهِ وَاجِبًا ، كَسَائِرِ مَا لَا يَجِبُ ، وَلِأَنَّ النِّكَاحَ شُرِعَ لِمَصْلَحَةِ الزَّوْجَيْنِ ، وَدَفْعِ الضَّرَرِ عَنْهُمَا ، وَهُوَ مُفْضٍ إلَى دَفْعِ ضَرَرِ الشَّهْوَةِ عَنْ الْمَرْأَةِ كَإِفْضَائِهِ إلَى دَفْعِ ذَلِكَ عَنْ الرَّجُلِ ، فَيَجِبُ تَعْلِيلُهُ بِذَلِكَ ، وَيَكُون النِّكَاحُ حَقًّا لَهُمَا جَمِيعًا ، وَلِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ لَهَا فِيهِ حَقٌّ ، لَمَا وَجَبَ اسْتِئْذَانُهَا فِي الْعَزْلِ ، كَالْأَمَةِ .\rإذَا ثَبَتَ وُجُوبُهُ ، فَهُوَ مُقَدَّرٌ بِأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ وَوَجْهُهُ إنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدَّرَهُ بِأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فِي حَقِّ الْمُولِي ، فَكَذَلِكَ فِي حَقِّ غَيْرِهِ ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ لَا تُوجِبُ مَا حُلِفَ عَلَى تَرْكِهِ ، فَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ وَاجِبٌ بِدُونِهَا .\rفَإِنْ أَصَرَّ عَلَى تَرْكِ الْوَطْءِ ، وَطَالَبَتْ الْمَرْأَةُ ، فَقَدْ رَوَى ابْنُ مَنْصُورٍ ، عَنْ أَحْمَدَ فِي رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً ، وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا ، يَقُولُ : غَدًا أَدْخُلُ بِهَا ، إلَى شَهْرٍ ، هَلْ يُجْبَرُ عَلَى الدُّخُولِ ؟ فَقَالَ : أَذْهَبُ إلَى أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ ، إنْ دَخَلَ بِهَا ، وَإِلَّا فَرَّقَ بَيْنَهُمَا .\rفَجَعَلَهُ أَحْمَدُ كَالْمُولِي .\rوَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ","part":16,"page":56},{"id":7556,"text":"جَعْفَرٍ : لَمْ يَرْوِ مَسْأَلَةَ ابْنِ مَنْصُورٍ غَيْرُهُ ، وَفِيهَا نَظَرٌ ، وَظَاهِرُ قَوْلِ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ لَا يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا لِذَلِكَ ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ ضَرَبَ لَهُ الْمُدَّةُ لِذَلِكَ ، وَفُرِّقَ بَيْنَهُمْ ، لَمْ يَكُنْ لِلْإِيلَاءِ أَثَرٌ ، وَلَا خِلَافَ فِي اعْتِبَارِهِ .","part":16,"page":57},{"id":7557,"text":"( 5711 ) فَصْلٌ : وَإِنْ سَافَرَ عَنْ امْرَأَتِهِ لَعُذْرٍ وَحَاجَةٍ ، سَقَطَ حَقُّهَا مِنْ الْقَسْمِ وَالْوَطْءِ ، وَإِنْ طَالَ سَفَرُهُ ، وَلِذَلِكَ لَا يَصِحُّ نِكَاحُ الْمَفْقُودِ إذَا تَرَكَ لِامْرَأَتِهِ نَفَقَةً .\rوَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عُذْرٌ مَانِعٌ مِنْ الرُّجُوعِ ، فَإِنَّ أَحْمَدَ ذَهَبَ إلَى تَوْقِيتِهِ بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ ، فَإِنَّهُ قِيلَ لَهُ : كَمْ يَغِيبُ الرَّجُلُ عَنْ زَوْجَتِهِ ؟ قَالَ : سِتَّةَ أَشْهُرٍ ، يُكْتَبُ إلَيْهِ ، فَإِنْ أَبَى أَنْ يَرْجِعَ ، فَرَّقَ الْحَاكِمُ بَيْنَهُمَا .\rوَإِنَّمَا صَارَ إلَى تَقْدِيرِهِ بِهَذَا الْحَدِيثِ عُمَرُ رَوَاهُ أَبُو حَفْصٍ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ قَالَ : بَيْنَمَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَحْرُسُ الْمَدِينَةَ ، فَمَرَّ بِامْرَأَةٍ فِي بَيْتِهَا وَهِيَ تَقُولُ : تَطَاوَلَ هَذَا اللَّيْلُ وَاسْوَدَّ جَانِبُهُ وَطَالَ عَلَيَّ أَنْ لَا خَلِيلَ أُلَاعِبُهُ وَوَاللَّهِ لَوْلَا خَشْيَةُ اللَّهِ وَحْدَهُ لَحُرِّك مِنْ هَذَا السَّرِيرِ جَوَانِبُهُ فَسَأَلَ عَنْهَا عُمَرُ فَقِيلَ لَهُ : هَذِهِ فُلَانَةُ ، زَوْجُهَا غَائِبٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ .\rفَأَرْسَلَ إلَيْهَا امْرَأَةً تَكُونُ مَعَهَا ، وَبَعَثَ إلَى زَوْجِهَا فَأَقْفَلَهُ ، ثُمَّ دَخَلَ عَلَى حَفْصَةَ ، فَقَالَ : يَا بُنَيَّةُ ، كَمْ تَصْبِرُ الْمَرْأَةُ عَنْ زَوْجِهَا ؟ فَقَالَتْ : سُبْحَانَ اللَّهِ ، مِثْلُك يَسْأَلُ مِثْلِي عَنْ هَذَا ، فَقَالَ : لَوْلَا أَنِّي أُرِيدُ النَّظَرَ لِلْمُسْلِمِينَ مَا سَأَلْتُك .\rقَالَتْ : خَمْسَةَ أَشْهُرٍ .\rسِتَّةَ أَشْهُرٍ .\rفَوَقَّتَ لِلنَّاسِ فِي مَغَازِيهِمْ سِتَّةَ أَشْهُرٍ ؛ يَسِيرُونَ شَهْرًا ، وَيُقِيمُونَ أَرْبَعَةً ، وَيَسِيرُونَ شَهْرًا رَاجِعِينَ وَسُئِلَ أَحْمَدُ كَمْ لِلرَّجُلِ أَنْ يَغِيبَ عَنْ أَهْلِهِ ؟ قَالَ : يُرْوَى سِتَّةُ أَشْهُرٍ .\rوَقَدْ يَغِيبُ الرَّجُلُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ لَأَمْرٍ لَا بُدَّ لَهُ ، فَإِنْ غَابَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ لِغَيْرِ عُذْرٍ ، فَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا : يُرَاسِلُهُ الْحَاكِمُ فَإِنْ أَبَى أَنْ يَقْدَمَ ، فَسَخَ نِكَاحَهُ .\rوَمَنْ قَالَ : لَا يُفْسَخُ نِكَاحُهُ إذَا تَرَكَ الْوَطْءَ وَهُوَ حَاضِرٌ ، فَهَاهُنَا أَوْلَى .\rوَفِي جَمِيعِ ذَلِكَ ، لَا","part":16,"page":58},{"id":7558,"text":"يَجُوزُ الْفَسْخُ عِنْدَ مَنْ يَرَاهُ إلَّا بِحُكْمِ حَاكِمٍ ؛ لِأَنَّهُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ .","part":16,"page":59},{"id":7559,"text":"( 5712 ) فَصْلٌ وَسُئِلَ أَحْمَدُ يُؤْجَرُ الرَّجُلُ أَنْ يَأْتِيَ أَهْلَهُ وَلَيْسَ لَهُ شَهْوَةٌ ؟ فَقَالَ : إي وَاَللَّهِ ، يَحْتَسِبُ الْوَلَدَ ، وَإِنْ لَمْ يُرْدِ الْوَلَدَ ؟ يَقُولُ : هَذِهِ امْرَأَةٌ شَابَّةٌ ، لِمَ لَا يُؤْجَرُ ؟ وَهَذَا صَحِيحٌ ، فَإِنَّ أَبَا ذَرٍّ رَوَى ، { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مُبَاضَعَتُك أَهْلَك صَدَقَةٌ .\rقُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنُصِيبُ شَهْوَتَنَا وَنُؤْجَرُ ؟ قَالَ : أَرَأَيْت لَوْ وَضَعَهُ فِي غَيْرِ حَقِّهِ ، كَانَ عَلَيْهِ وِزْرٌ ؟ قَالَ : قُلْت : بَلَى .\rقَالَ : أَفَتَحْتَسِبُونَ بِالسَّيِّئَةِ ، وَلَا تَحْتَسِبُونَ بِالْخَيْرِ .\r} وَلِأَنَّهُ وَسِيلَةٌ إلَى الْوَلَدِ ، وَإِعْفَافِ نَفْسِهِ وَامْرَأَتِهِ ، وَغَضِّ بَصَرِهِ ، وَسُكُونِ نَفْسِهِ ، أَوْ إلَى بَعْضِ ذَلِكَ .","part":16,"page":60},{"id":7560,"text":"( 5713 ) فَصْلٌ وَلَيْسَ عَلَيْهِ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ نِسَائِهِ فِي النَّفَقَةِ وَالْكُسْوَةِ إذَا قَامَ بِالْوَاجِبِ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ .\rقَالَ أَحْمَدُ فِي الرَّجُلِ لَهُ امْرَأَتَانِ : لَهُ أَنْ يُفَضِّلَ إحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فِي النَّفَقَةِ وَالشَّهَوَاتِ وَالْكُسَى ، إذَا كَانَتْ الْأُخْرَى فِي كِفَايَةٍ ، وَيَشْتَرِي لِهَذِهِ أَرْفَعَ مِنْ ثَوْبِ هَذِهِ ، وَتَكُونُ تِلْكَ فِي كِفَايَةٍ .\rوَهَذَا لِأَنَّ التَّسْوِيَةَ فِي هَذَا كُلِّهِ تَشُقُّ ، فَلَوْ وَجَبَ لَمْ يُمْكِنْهُ الْقِيَامُ بِهِ إلَّا بِحَرَجٍ ، فَسَقَطَ وُجُوبُهُ ، كَالتَّسْوِيَةِ فِي الْوَطْءِ .\r.","part":16,"page":61},{"id":7561,"text":"مَسْأَلَةٌ قَالَ : ( وَعِمَادُ الْقَسْمِ اللَّيْلُ ) لَا خِلَافَ فِي هَذَا ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ اللَّيْلَ لِلسَّكَنِ وَالْإِيوَاءِ ، يَأْوِي فِيهِ الْإِنْسَانُ إلَى مَنْزِلِهِ ، وَيَسْكُنُ إلَى أَهْلِهِ ، وَيَنَامُ فِي فِرَاشِهِ مَعَ زَوْجَتِهِ عَادَةً ، وَالنَّهَارَ لِلْمَعَاشِ ، وَالْخُرُوجِ ، وَالتَّكَسُّبِ ، وَالِاشْتِغَالِ .\rقَالَ اللَّهُ تَعَالَى { وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا } وَقَالَ تَعَالَى : { وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا } وَقَالَ { وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمْ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ } فَعَلَى هَذَا يَقْسِمُ الرَّجُلُ بَيْنَ نِسَائِهِ لَيْلَةً وَلَيْلَةً ، وَيَكُونُ فِي النَّهَارِ فِي مَعَاشِهِ ، وَقَضَاءِ حُقُوقِ النَّاسِ ، وَمَا شَاءَ مِمَّا يُبَاحُ لَهُ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ مَعَاشُهُ بِاللَّيْلِ ، كَالْحُرَّاسِ وَمَنْ أَشْبَهَهُمْ ، فَإِنَّهُ يَقْسِمُ بَيْنَ نِسَائِهِ بِالنَّهَارِ ، وَيَكُونُ اللَّيْلُ فِي حَقِّهِ كَالنَّهَارِ فِي حَقِّ غَيْرِهِ .","part":16,"page":62},{"id":7562,"text":"( 5715 ) فَصْلٌ : وَالنَّهَارُ يَدْخُلُ فِي الْقَسْمِ تَبَعًا لِلَّيْلِ ؛ بِدَلِيلِ مَا رُوِيَ أَنَّ سَوْدَةَ وَهَبَتْ يَوْمَهَا لِعَائِشَةَ .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَقَالَتْ عَائِشَةُ { قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَيْتِي ، وَفِي يَوْمِي .\rوَإِنَّمَا قُبِضَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَارًا .\r} وَيَتْبَعُ الْيَوْمُ اللَّيْلَةَ الْمَاضِيَةَ ؛ لِأَنَّ النَّهَارَ تَابِعٌ لِلَّيْلِ ، وَلِهَذَا يَكُونُ أَوَّلُ الشَّهْرِ اللَّيْلَ وَلَوْ نَذَرَ اعْتِكَافَ شَهْرٍ دَخَلَ مُعْتَكَفَهُ قَبْلَ غُرُوبِ شَمْسِ الشَّهْرِ الَّذِي قَبْلَهُ ، وَيَخْرُجُ مِنْهُ بَعْدَ غُرُوبِ شَمْسِ آخِرِ يَوْمٍ مِنْهُ ، فَيَبْدَأُ بِاللَّيْلِ ، وَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يَجْعَلَ النَّهَارَ مُضَافًا إلَى اللَّيْلِ الَّذِي يَتَعَقَّبُهُ جَازَ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَتَفَاوَتُ .\r( 5716 ) فَصْلٌ : وَإِنْ خَرَجَ مِنْ عِنْدِ بَعْضِ نِسَائِهِ فِي زَمَانِهَا فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ فِي النَّهَارِ أَوْ أَوَّلِ اللَّيْلِ ، أَوْ آخِرِهِ الَّذِي جَرَتْ الْعَادَةُ بِالِانْتِشَارِ فِيهِ ، وَالْخُرُوجِ إلَى الصَّلَاةِ ، جَازَ ؛ فَإِنَّ الْمُسْلِمِينَ يَخْرُجُونَ لِصَلَاةِ الْعِشَاءِ ، وَلِصَلَاةِ الْفَجْرِ قَبْلَ طُلُوعِهِ ، وَأَمَّا النَّهَارُ ، فَهُوَ لِلْمَعَاشِ وَالِانْتِشَارِ .\rوَإِنْ خَرَجَ فِي غَيْرِ ذَلِكَ ، وَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ عَادَ ، لَمْ يَقْضِ لَهَا ؛ لِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِي قَضَاءِ ذَلِكَ .\rوَإِنْ أَقَامَ ، قَضَاهُ لَهَا سَوَاءٌ كَانَتْ إقَامَتُهُ لَعُذْرٍ ؛ مِنْ شُغْلٍ أَوْ حَبْسٍ ، أَوْ لِغَيْرِ عُذْرٍ ؛ لِأَنَّ حَقَّهَا قَدْ فَاتَ بِغَيْبَتِهِ عَنْهَا .\rوَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يَجْعَلَ قَضَاءَهُ لِذَلِكَ غَيْبَتَهُ عَنْ الْأُخْرَى ، مِثْلُ مَا غَابَ عَنْ هَذِهِ ، جَازَ ؛ لِأَنَّ التَّسْوِيَةَ تَحْصُلُ بِذَلِكَ ؛ وَلِأَنَّهُ إذَا جَازَ لَهُ تَرْكُ اللَّيْلَةِ بِكَمَالِهَا فِي حَقِّ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا ، فَبَعْضُهَا أَوْلَى .\rوَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْضِيَ لَهَا فِي مِثْلِ ذَلِكَ الْوَقْتِ ؛ لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي الْمُمَاثَلَةِ ، وَالْقَضَاءُ تُعْتَبَرُ الْمُمَاثَلَةُ فِيهِ ، كَقَضَاءِ الْعِبَادَاتِ وَالْحُقُوقِ .\rوَإِنْ قَضَاهُ فِي غَيْرِهِ مِنْ","part":16,"page":63},{"id":7563,"text":"اللَّيْلِ ، مِثْلُ إنْ فَاتَهَا فِي أَوَّلِ اللَّيْلِ ، فَقَضَاهُ فِي آخِرِهِ ، أَوْ مِنْ آخِرِهِ ، فَقَضَاهُ فِي أَوَّلِهِ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا يَجُوزُ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ قَضَى قَدْرَ مَا فَاتَهُ مِنْ اللَّيْلِ .\rوَالْآخَرُ ، لَا يَجُوزُ ؛ لِعَدَمِ الْمُمَاثَلَةِ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُ قَضَاؤُهُ كُلَّهُ مِنْ لَيْلَةِ الْأُخْرَى ، لِئَلَّا يَفُوتَ حَقُّ الْأُخْرَى ، فَتَحْتَاجَ إلَى قَضَاءٍ ، وَلَكِنْ إمَّا أَنْ يَنْفَرِدَ بِنَفْسِهِ فِي لَيْلَةٍ ، فَيَقْضِيَ مِنْهَا ، وَإِمَّا أَنْ يَقْسِمَ لَيْلَةً ، بَيْنَهُنَّ ، وَيُفَضِّلُ هَذِهِ بِقَدْرِ مَا فَاتَ مِنْ حَقِّهَا ، وَإِمَّا أَنْ يَتْرُكَ مِنْ لَيْلَةِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِثْلَ مَا فَاتَ مِنْ لَيْلَةِ هَذِهِ ، وَإِمَّا أَنْ يَقْسِمَ الْمَتْرُوكَ بَيْنَهُمَا ، مِثْلُ أَنْ يَتْرُكَ مِنْ لَيْلَةِ إحْدَاهُمَا سَاعَتَيْنِ ، فَيَقْضِيَ لَهَا مِنْ لَيْلَةِ الْأُخْرَى سَاعَةً وَاحِدَةً ، فَيَصِيرَ الْفَائِتُ عَلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا سَاعَةً .","part":16,"page":64},{"id":7564,"text":"فَصْلٌ : وَأَمَّا الدُّخُولُ عَلَى ضَرَّتِهَا فِي زَمَنِهَا ، فَإِنْ كَانَ لَيْلًا لَمْ يَجُزْ إلَّا الضَّرُورَةُ ، مِثْلُ أَنْ تَكُونَ مَنْزُولًا بِهَا ، فَيُرِيدُ أَنْ يَحْضُرَهَا ، أَوْ تُوصِي إلَيْهِ ، أَوْ مَا لَا بُدَّ مِنْهُ ، فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ ، وَلَمْ يَلْبَثْ أَنَّ خَرَجَ ، لَمْ يَقْضِ .\rوَإِنْ أَقَامَ وَبَرِئَتْ الْمَرْأَةُ الْمَرِيضَةُ ، قَضَى لِلْأُخْرَى مِنْ لَيْلَتِهَا بِقَدْرِ مَا أَقَامَ عِنْدَهَا .\rوَإِنْ خَرَجَ لَحَاجَةٍ غَيْرِ ضَرُورِيَّةٍ ، أُتِمَّ .\rوَالْحُكْمُ فِي الْقَضَاءِ ، كَمَا لَوْ دَخَلَ لَضَرُورَةٍ ، لِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِي قَضَاءِ الْيَسِيرِ .\rوَإِنْ دَخَلَ عَلَيْهَا ، فَجَامَعَهَا فِي زَمَنٍ يَسِيرٍ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا لَا يَلْزَمُهُ قَضَاؤُهُ ؛ لِأَنَّ الْوَطْءَ لَا يُسْتَحَقُّ فِي الْقَسْمِ ، وَالزَّمَنُ الْيَسِيرُ لَا يُقْضَى .\rوَالثَّانِي ، يَلْزَمُهُ أَنْ يَقْضِيَهُ ، وَهُوَ أَنْ يَدْخُلَ عَلَى الْمَظْلُومَةِ فِي لَيْلَةِ الْمُجَامَعَةِ ، فَيُجَامِعُهَا ، لِيَعْدِلَ بَيْنَهُمَا ، وَلِأَنَّ الْيَسِيرَ مَعَ الْجِمَاعِ يَحْصُلُ بِهِ السَّكَنُ ، فَأَشْبَهَ الْكَثِيرَ .\rوَأَمَّا الدُّخُولُ فِي النَّهَارِ إلَى الْمَرْأَةِ فِي يَوْمِ غَيْرِهَا ، فَيَجُوزُ لِلْحَاجَةِ ، مِنْ دَفْعِ النَّفَقَةِ ، أَوْ عِيَادَةٍ ، أَوْ سُؤَالٍ عَنْ أَمْرٍ يَحْتَاجُ إلَى مَعْرِفَتِهِ ، أَوْ زِيَارَتِهَا لِبُعْدِ عَهْدِهِ بِهَا ، وَنَحْوُ ذَلِكَ ؛ لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ ، قَالَتْ : { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْخُلُ عَلَيَّ فِي يَوْمِ غَيْرِي ، فَيَنَالُ مِنِّي كُلَّ شَيْءٍ إلَّا الْجِمَاعَ .\r} وَإِذَا دَخَلَ إلَيْهَا لَمْ يُجَامِعْهَا ، وَلَمْ يُطِلْ عِنْدَهَا ؛ لِأَنَّ السَّكَنَ يَحْصُلُ بِذَلِكَ ، وَهِيَ لَا تَسْتَحِقُّهُ ، وَفِي الِاسْتِمْتَاعِ مِنْهَا بِمَا دُونَ الْفَرْجِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا ، يَجُوزُ ؛ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ .\rوَالثَّانِي ، لَا يَجُوزُ ؛ لِأَنَّهُ يَحْصُلُ لَهَا بِهِ السَّكَنُ ، فَأَشْبَهَ الْجِمَاعَ .\rفَإِنْ أَطَالَ الْمُقَامَ عِنْدَهَا ، قَضَاهُ .\rوَإِنْ جَامَعَهَا فِي الزَّمَنِ الْيَسِيرِ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا .\rوَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ عَلَى نَحْوِ مَا","part":16,"page":65},{"id":7565,"text":"ذَكَرْنَا ، إلَّا أَنَّهُمْ قَالُوا : لَا يَقْضِي إذَا جَامَعَ فِي النَّهَارِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ زَمَنٌ يَقْضِيهِ إذَا طَالَ الْمُقَامُ ، فَيَقْضِيهِ إذَا جَامَعَ فِيهِ ، كَاللَّيْلِ .\r( 5718 ) فَصْلٌ : وَالْأَوْلَى أَنْ يَكُونَ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ مَسْكَنٌ يَأْتِيهَا فِيهِ ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقْسِمُ هَكَذَا ، وَلِأَنَّهُ أَصْوَنُ لَهُنَّ وَأَسْتَرُ ، حَتَّى لَا يَخْرُجْنَ مِنْ بُيُوتِهِنَّ .\rوَإِنَّ اتَّخَذَ لِنَفْسِهِ مَنْزِلًا يَسْتَدْعِي إلَيْهِ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ فِي لَيْلَتِهَا وَيَوْمِهَا ، كَانَ لَهُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ لِلرَّجُلِ نَقْلَ زَوْجَتِهِ حَيْثُ شَاءَ ، وَمَنْ امْتَنَعَتْ مِنْهُنَّ مِنْ إجَابَتِهِ سَقَطَ حَقُّهَا مِنْ الْقَسْمِ ؛ لِنُشُوزِهَا .\rوَإِنْ اخْتَارَ أَنْ يَقْصِدَ بَعْضَهُنَّ فِي مَنَازِلِهِنَّ ، وَيَسْتَدْعِيَ الْبَعْضَ ، كَانَ لَهُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ لَهُ أَنْ يُسْكِنَ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ حَيْثُ شَاءَ .\rوَإِنْ حُبِسَ الزَّوْجُ ، فَأَحَبَّ الْقَسْمَ بَيْنَ نِسَائِهِ ، بِأَنْ يَسْتَدْعِيَ كُلَّ وَاحِدَةٍ فِي لَيْلَتِهَا ، فَعَلَيْهِنَّ طَاعَتُهُ ، إنْ كَانَ ذَلِكَ سُكْنَى مِثْلِهِنَّ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ، لَمْ تَلْزَمْهُنَّ إجَابَتُهُ ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِنَّ فِي ذَلِكَ ضَرَرًا .\rوَإِنْ أَطَعْنَهُ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَتْرُكَ الْعَدْلَ بَيْنَهُنَّ ، وَلَا اسْتِدْعَاءُ بَعْضِهِنَّ دُونَ بَعْضٍ ، كَمَا فِي غَيْرِ الْحَبْسِ .","part":16,"page":66},{"id":7566,"text":"( 5719 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : ( وَلَوْ وَطِئَ زَوْجَتَهُ ، وَلَمْ يَطَأْ الْأُخْرَى ، فَلَيْسَ بِعَاصٍ ) لَا نَعْلَمُ خِلَافًا بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ ، فِي أَنَّهُ لَا تَجِبُ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ النِّسَاءِ فِي الْجِمَاعِ ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِك وَالشَّافِعِيِّ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْجِمَاعَ طَرِيقُهُ الشَّهْوَةُ وَالْمَيْلُ ، وَلَا سَبِيلَ إلَى التَّسْوِيَةِ بَيْنَهُنَّ فِي ذَلِكَ ، فَإِنَّ قَلْبَهُ قَدْ يَمِيلُ إلَى إحْدَاهُمَا دُونَ الْأُخْرَى ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ } قَالَ عَبِيدَةُ السَّلْمَانِيُّ فِي الْحُبِّ وَالْجِمَاعِ .\rوَإِنْ أَمْكَنَتْ التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُمَا فِي الْجِمَاعِ ، كَانَ أَحْسَنَ وَأَوْلَى ؛ فَإِنَّهُ أَبْلُغُ فِي الْعَدْلِ ، { وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْسِمُ بَيْنَهُنَّ فَيَعْدِلُ ، ثُمَّ يَقُولُ : اللَّهُمَّ هَذَا قَسْمِي فِيمَا أَمْلِكُ ، فَلَا تَلُمْنِي فِيمَا لَا أَمْلِكُ .\r} وَرُوِيَ أَنَّهُ كَانَ يُسَوِّي بَيْنَهُنَّ حَتَّى فِي الْقُبَلِ .\rوَلَا تَجِبُ التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُنَّ فِي الِاسْتِمْتَاعِ فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ ؛ مِنْ الْقُبَلِ ، وَاللَّمْسِ ، وَنَحْوِهِمَا ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ تَجِبْ التَّسْوِيَةُ فِي الْجِمَاعِ ، فَفِي دَوَاعِيهِ أَوْلَى .","part":16,"page":67},{"id":7567,"text":"( 5720 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَيَقْسِمُ لِزَوْجَتِهِ الْأَمَةِ لَيْلَةً ، وَلِلْحُرَّةِ لَيْلَتَيْنِ ، وَإِنْ كَانَتْ كِتَابِيَّةً ) وَبِهَذَا قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ، وَمَسْرُوقٌ وَالشَّافِعِيُّ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو عُبَيْدٍ وَذَكَرَ أَبُو عُبَيْدٍ أَنَّهُ مَذْهَبُ الثَّوْرِيِّ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَأَهْلِ الرَّأْيِ .\rوَقَالَ مَالِكٌ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ : يُسَوِّي بَيْنَ الْحُرَّةِ وَالْأَمَةِ فِي الْقَسْمِ ؛ لِأَنَّهُمَا سَوَاءٌ فِي حُقُوقِ النِّكَاحِ ؛ مِنْ النَّفَقَةِ ، وَالسُّكْنَى ، وَقَسْمُ الِابْتِدَاءِ ، كَذَلِكَ هَاهُنَا .\rوَلَنَا ، مَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَقُولَ : إذَا تَزَوَّجَ الْحُرَّةَ عَلَى الْأَمَةِ ، قَسَمَ لِلْأَمَةِ لَيْلَةً وَلِلْحُرَّةِ لَيْلَتَيْنِ .\rرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ ، وَاحْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ وَلِأَنَّ الْحُرَّةَ يَجِبُ تَسْلِيمُهَا لَيْلًا وَنَهَارًا ، فَكَانَ حَظُّهَا أَكْثَرَ فِي الْإِيوَاءِ ، وَيُخَالِفُ النَّفَقَةَ وَالسُّكْنَى ، فَإِنَّهُ مُقَدَّرٌ بِالْحَاجَةِ ، وَحَاجَتُهَا إلَى ذَلِكَ كَحَاجَةِ الْحُرَّةِ .\rوَأَمَّا قَسْمُ الِابْتِدَاءِ فَإِنَّمَا شُرِعَ لِيَزُولَ الِاحْتِشَامُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ صَاحِبِهِ ، وَلَا يَخْتَلِفَانِ فِي ذَلِكَ ، وَفِي مَسْأَلَتِنَا يَقْسِمُ لَهُمَا لِتَسَاوِي حَظِّهِمَا .\r( 5721 ) فَصْلٌ : وَالْمُسْلِمَةُ وَالْكِتَابِيَّةُ سَوَاءٌ فِي الْقَسْمِ ، فَلَوْ كَانَتْ لَهُ امْرَأَتَانِ ، أَمَهٌ مُسْلِمَةٌ ، وَحُرَّةٌ كِتَابِيَّةٌ ، قَسَمَ لِلْأَمَةِ لَيْلَةً وَلِلْحُرَّةِ لَيْلَتَيْنِ ، وَإِنْ كَانَتَا جَمِيعًا حُرَّتَيْنِ ، فَلَيْلَةٌ وَلَيْلَةٌ .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ، عَلَى أَنَّ الْقَسْمَ بَيْنَ الْمُسْلِمَةِ وَالذِّمِّيَّةِ سَوَاءٌ .\rكَذَلِكَ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَالْحَسَنُ وَالشَّعْبِيُّ وَالنَّخَعِيُّ وَالزُّهْرِيُّ وَالْحَكَمُ ، وَحَمَّادُ ، وَمَالِكٌ وَالثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْقَسْمَ مِنْ حُقُوقِ الزَّوْجِيَّةِ ، فَاسْتَوَتْ فِيهِ الْمُسْلِمَةُ","part":16,"page":68},{"id":7568,"text":"وَالْكِتَابِيَّةُ ، كَالنَّفَقَةِ وَالسُّكْنَى .\rوَيُفَارِقُ الْأَمَةَ ؛ لِأَنَّ الْأَمَةَ لَا يَتِمُّ تَسْلِيمُهَا ، وَلَا يَحْصُلُ لَهَا الْإِيوَاءُ التَّامُّ ، بِخِلَافِ الْكِتَابِيَّةِ .","part":16,"page":69},{"id":7569,"text":"( 5722 ) فَصْلٌ : فَإِنْ أُعْتِقَتْ الْأَمَةُ فِي أَثْنَاءِ مُدَّتِهَا ، أَضَافَ إلَى لَيْلَتِهَا لَيْلَةً أُخْرَى ، لِتُسَاوِي الْحُرَّةَ ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ انْقِضَاءِ مُدَّتِهَا ، اُسْتُؤْنِفَ الْقَسْمُ مُتَسَاوِيًا ، وَلَمْ يَقْضِ لَهَا مَا مَضَى ؛ لِأَنَّ الْحُرِّيَّةَ حَصَلَتْ بَعْدَ اسْتِيفَاءِ حَقِّهَا .\rوَإِنْ عَتَقَتْ ، وَقَدْ قَسَمَ لِلْحُرَّةِ لَيْلَةً ، لَمْ يَزِدْهَا عَلَى ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُمَا تَسَاوَيَا ، فَيُسَوِّي بَيْنَهُمَا .","part":16,"page":70},{"id":7570,"text":"( 5723 ) فَصْلٌ : وَالْحَقُّ فِي الْقَسْمِ لِلْأَمَةِ دُونَ سَيِّدِهَا ، فَلَهَا أَنْ تَهَبَ لَيْلَتَهَا لِزَوْجِهَا ، وَلِبَعْضِ ضَرَائِرِهَا ، كَالْحُرَّةِ ، وَلَيْسَ لِسَيِّدِهَا الِاعْتِرَاضُ عَلَيْهَا ، وَلَا أَنْ يَهَبَهُ دُونَهَا ؛ لِأَنَّ الْإِيوَاءَ وَالسَّكَنَ حَقٌّ لَهَا دُونَ سَيِّدِهَا ، فَمَلَكَتْ إسْقَاطَهُ .\rوَذَكَرَ الْقَاضِي ، أَنَّ قِيَاسَ قَوْلِ أَحْمَدَ إنَّهُ يَسْتَأْذِنُ سَيِّدَ الْأَمَةِ فِي الْعَزْلِ عَنْهَا .\rأَنْ لَا تَجُوزَ هِبَتُهَا لِحَقِّهَا مِنْ الْقَسْمِ إلَّا بِإِذْنِهِ .\rوَلَا يَصِحُّ هَذَا ؛ لِأَنَّ الْوَطْءَ لَا يَتَنَاوَلُهُ الْقَسْمُ ، فَلَمْ يَكُنْ لِلْوَلِيِّ فِيهِ حَقٌّ ، وَلِأَنَّ الْمُطَالَبَةَ بِالْفَيْئَةِ لِلْأَمَةِ دُونَ سَيِّدِهَا ، وَفَسْخُ النِّكَاحِ بِالْجَبِّ وَالْعُنَّةِ لَهَا دُونَ سَيِّدِهَا ، فَلَا وَجْهَ لِإِثْبَاتِ الْحَقِّ لَهُ هَاهُنَا .","part":16,"page":71},{"id":7571,"text":"( 5724 ) فَصْلٌ : وَلَا قَسْمَ عَلَى الرَّجُلِ فِي مِلْكِ يَمِينِهِ ، فَمَنْ كَانَ لَهُ نِسَاءٌ وَإِمَاءٌ ، فَلَهُ الدُّخُولُ عَلَى الْإِمَاءِ كَيْفَ شَاءَ ، وَالِاسْتِمْتَاعُ بِهِنَّ إنْ شَاءَ كَالنِّسَاءِ ، وَإِنْ شَاءَ أَقَلَّ ، وَإِنْ شَاءَ أَكْثَرَ ، وَإِنْ شَاءَ سَاوَى بَيْن الْإِمَاءِ ، وَإِنْ شَاءَ فَضَّلَ ، وَإِنْ شَاءَ اسْتَمْتَعَ مِنْ بَعْضِهِنَّ دُونَ بَعْضٍ ؛ بِدَلِيلِ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ } وَقَدْ { كَانَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَارِيَةُ الْقِبْطِيَّةُ ، وَرَيْحَانَةُ ، فَلَمْ يَكُنْ يَقْسِمُ لَهُمَا .\r} وَلِأَنَّ الْأَمَةَ لَا حَقَّ لَهَا فِي الِاسْتِمْتَاعِ ، وَلِذَلِكَ لَا يَثْبُتُ ، لَهَا الْخِيَارُ بِكَوْنِ السَّيِّدِ مَجْبُوبًا أَوْ عِنِّينًا ، وَلَا تُضْرَبُ لَهَا مُدَّةُ الْإِيلَاءِ ، لَكِنْ إنْ احْتَاجَتْ إلَى النِّكَاحِ ، فَعَلَيْهِ إعْفَافُهَا ، إمَّا بِوَطْئِهَا ، أَوْ تَزْوِيجِهَا ، أَوْ بَيْعِهَا .","part":16,"page":72},{"id":7572,"text":"( 5725 ) فَصْلٌ وَيَقْسِمُ بَيْنَ نِسَائِهِ لَيْلَةً لَيْلَةً فَإِنْ أَحَبَّ الزِّيَادَةَ عَلَى ذَلِكَ لَمْ يَجُزْ إلَّا بِرِضَاهُنَّ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : لَهُ أَنْ يَقْسِمَ لَيْلَتَيْنِ لَيْلَتَيْنِ ، وَثَلَاثًا ثَلَاثًا .\rوَلَا تَجُوزُ الزِّيَادَةُ عَلَى ذَلِكَ إلَّا بِرِضَاهُنَّ .\rوَالْأَوْلَى مَعَ هَذَا لَيْلَةٌ وَلَيْلَةٌ ؛ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ لَعَهْدِهِنَّ بِهِ ، وَتَجُوزُ الثَّلَاثُ لِأَنَّهَا فِي حَدِّ الْقِلَّةِ ، فَهِيَ كَاللَّيْلَةِ ، وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَلَنَا ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّمَا قَسَمَ لَيْلَةً وَلَيْلَةً ، وَلِأَنَّ التَّسْوِيَةَ وَاجِبَةٌ ، وَإِنَّمَا جَوَّزَ بِالْبِدَايَةِ بِوَاحِدَةٍ ، لِتَعَذُّرِ الْجَمْعِ ، فَإِذَا بَاتَ عِنْدَ وَاحِدَةٍ لَيْلَةً ، تَعَيَّنَتْ اللَّيْلَةُ الثَّانِيَةُ حَقًّا لِلْأُخْرَى ، فَلَمْ يَجُزْ جَعْلُهَا لِلْأُولَى بِغَيْرِ رِضَاهَا ، وَلِأَنَّهُ تَأْخِيرٌ لِحُقُوقِ بَعْضِهِنَّ ، فَلَمْ يَجُزْ بِغَيْرِ رِضَاهُنَّ ، كَالزِّيَادَةِ عَلَى الثَّلَاثِ ، وَلِأَنَّهُ إذَا كَانَ لَهُ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ ، فَجَعَلَ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ ثَلَاثًا ، حَصَلَ تَأْخِيرُ الْأَخِيرَةِ فِي تِسْعِ لَيَالٍ ، وَذَلِكَ كَثِيرٌ ، فَلَمْ يَجُزْ ، كَمَا لَوْ كَانَ لَهُ امْرَأَتَانِ ، فَأَرَادَ أَنْ يَجْعَلَ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ تِسْعًا ، وَلِأَنَّ لِلتَّأْخِيرِ آفَاتٌ ، فَلَا يَجُوزُ مَعَ إمْكَانِ التَّعْجِيلِ بِغَيْرِ رِضَى الْمُسْتَحِقِّ ، كَتَأْخِيرِ الدَّيْنِ الْحَالِّ ، وَالتَّحْدِيدُ بِالثَّلَاثِ تَحَكُّمٌ لَا يُسْمَعُ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ ، وَكَوْنُهُ فِي حَدِّ الْقِلَّةِ لَا يُوجِبُ جَوَازَ تَأْخِيرِ الْحَقِّ ، كَالدُّيُونِ الْحَالَّةِ وَسَائِرِ الْحُقُوقِ .","part":16,"page":73},{"id":7573,"text":"( 5726 ) فَصْلٌ : فَإِنْ قَسَمَ لِإِحْدَاهُمَا ، ثُمَّ طَلَّقَ الْأُخْرَى قَبْلَ قَسْمِهَا ، أَثِمَ ؛ لِأَنَّهُ فَوَّتَ حَقَّهَا الْوَاجِبَ لَهَا ، فَإِنْ عَادَتْ إلَيْهِ ، بِرَجْعَةٍ أَوْ نِكَاحٍ ؛ قَضَى لَهَا ؛ لِأَنَّهُ قَدَرَ عَلَى إيفَاءِ حَقِّهَا ، فَلَزِمَهُ ، كَالْمُعْسِرِ إذَا أَيْسَرَ بِالدَّيْنِ .\rفَإِنْ قَسَمَ لِإِحْدَاهُمَا ، ثُمَّ جَاءَ لِيَقْسِمَ لِلثَّانِيَةِ ، فَأَغْلَقَتْ الْبَابَ دُونَهُ ، أَوْ مَنَعَتْهُ مِنْ الِاسْتِمْتَاعِ بِهَا ، أَوْ قَالَتْ : لَا تَدْخُلْ عَلَيَّ ، أَوْ لَا تَبِتْ عِنْدِي .\rأَوْ ادَّعَتْ الطَّلَاقَ ، سَقَطَ حَقُّهَا مِنْ الْقَسْمِ .\rفَإِنْ عَادَتْ بَعْدَ ذَلِكَ إلَى الْمُطَاوَعَةِ ، اسْتَأْنَفَ الْقَسْمَ بَيْنَهُمَا ، وَلَمْ يَقْضِ النَّاشِزَ ؛ لِأَنَّهَا أَسْقَطَتْ حَقَّ نَفْسِهَا .\rوَإِنْ كَانَ لَهُ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ ، فَأَقَامَ عِنْدَ ثَلَاثٍ مِنْهُنَّ ثَلَاثِينَ لَيْلَةً ، لَزِمَهُ أَنْ يُقِيمَ عِنْدَ الرَّابِعَةِ عَشْرًا ؛ لِتَسَاوِيهِنَّ ، فَإِنْ نَشَزَتْ إحْدَاهُنَّ عَلَيْهِ ، وَظَلَمَ وَاحِدَةً فَلَمْ يَقْسِمْ لَهَا ، وَأَقَامَ عِنْدَ الِاثْنَتَيْنِ ثَلَاثِينَ لَيْلَةً ، ثُمَّ أَطَاعَتْهُ النَّاشِزُ ، وَأَرَادَ الْقَضَاءَ لِلْمَظْلُومَةِ ، فَإِنَّهُ يَقْسِمُ لَهَا ثَلَاثًا ، وَلِلنَّاشِزِ لَيْلَةً خَمْسَةَ أَدْوَارٍ ، فَيُكْمِلُ لِلْمَظْلُومَةِ خَمْسَ عَشْرَةَ لَيْلَةً ، وَيَحْصُلُ لِلنَّاشِزِ خَمْسٌ ، ثُمَّ يَسْتَأْنِفُ الْقَسْمَ بَيْنَ الْجَمِيعِ ، فَإِنْ كَانَ لَهُ ثَلَاثُ نِسْوَةٍ ، فَقَسَمَ بَيْنَ اثْنَتَيْنِ ثَلَاثِينَ لَيْلَةً ، وَظَلَمَ الثَّالِثَةَ ، ثُمَّ تَزَوَّجَ جَدِيدَةً ، ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَقْضِيَ لِلْمَظْلُومَةِ ، فَإِنَّهُ يَخُصُّ الْجَدِيدَةَ بِسَبْعٍ إنْ كَانَتْ بِكْرًا ، وَثَلَاثٍ إنْ كَانَتْ ثَيِّبًا لِحَقِّ الْعَقْدِ ، ثُمَّ يَقْسِمُ ، بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمَظْلُومَةِ خَمْسَةَ أَدْوَارٍ ، عَلَى مَا قَدَّمْنَا لِلْمَظْلُومَةِ مِنْ كُلِّ دُورٍ ثَلَاثًا ، وَوَاحِدَةً لِلْجَدِيدَةِ .","part":16,"page":74},{"id":7574,"text":"( 5727 ) فَصْلٌ : فَإِنْ كَانَتْ امْرَأَتَاهُ فِي بَلَدَيْنِ ، فَعَلَيْهِ الْعَدْلُ بَيْنَهُمَا ؛ لِأَنَّهُ اخْتَارَ الْمُبَاعَدَةَ بَيْنَهُمَا ، فَلَا يَسْقُطُ حَقُّهُمَا عَنْهُ بِذَلِكَ ، فَإِمَّا أَنْ يَمْضِيَ إلَى الْغَائِبَةِ فِي أَيَّامِهَا ، وَإِمَّا أَنْ يُقْدِمَهَا إلَيْهِ ، وَيَجْمَعَ بَيْنَهُمَا فِي بَلَدٍ وَاحِدٍ ، فَإِنْ امْتَنَعَتْ مِنْ الْقُدُومِ مَعَ الْإِمْكَانِ ، سَقَطَ حَقُّهَا لِنُشُوزِهَا .\rوَإِنْ أَحَبَّ الْقَسْمَ بَيْنَهُمَا فِي بَلَدَيْهِمَا ، لَمْ يُمْكِنْ أَنْ يَقْسِمَ لَيْلَةً وَلَيْلَةً ، فَيَجْعَلَ الْمُدَّةَ بِحَسَبِ مَا يُمْكِنُ ، كَشَهْرِ وَشَهْرٍ ، أَوْ أَكْثَرَ ، أَوْ أَقَلَّ ، عَلَى حَسَبِ مَا يُمْكِنُهُ ، وَعَلَى حَسَبِ تَقَارُبِ الْبَلَدَيْنِ وَتَبَاعُدِهِمَا .","part":16,"page":75},{"id":7575,"text":"( 5728 ) فَصْلٌ : وَيَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَهَبَ حَقَّهَا مِنْ الْقَسْمِ لِزَوْجِهَا ، أَوْ لِبَعْضِ ضَرَائِرِهَا ، أَوْ لَهُنًّ جَمِيعًا ، وَلَا يَجُوزُ إلَّا بِرِضَى الزَّوْجِ ؛ لِأَنَّ حَقَّهُ فِي الِاسْتِمْتَاعِ بِهَا لَا يَسْقُطُ إلَّا بِرِضَاهُ ، فَإِذَا رَضِيَتْ هِيَ وَالزَّوْجُ جَازَ ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ فِي ذَلِكَ لَهُمَا ، لَا يَخْرُجُ عَنْهُمَا ، فَإِنْ أَبَتْ الْمَوْهُوبَةُ قَبُولَ الْهِبَةِ ، لَمْ يَكُنْ لَهَا ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ حَقَّ الزَّوْجِ فِي الِاسْتِمْتَاعِ بِهَا ثَابِتٌ فِي كُلِّ وَقْتٍ ، إنَّمَا مَنَعَتْهُ الْمُزَاحَمَةُ بِحَقِّ صَاحِبَتِهَا ، فَإِذَا زَالَتْ الْمُزَاحَمَةُ بِهِبَتِهَا ، ثَبَتَ حَقُّهُ فِي الِاسْتِمْتَاعِ بِهَا ، وَإِنْ كَرِهَتْ ، كَمَا لَوْ كَانَتْ مُنْفَرِدَةً .\rوَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ { سَوْدَةَ وَهَبَتْ يَوْمَهَا لِعَائِشَةَ ، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْسِمُ لِعَائِشَةَ يَوْمَهَا وَيَوْمَ سَوْدَةَ .\r} مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَيَجُوزُ ذَلِكَ فِي جَمِيعِ الزَّمَانِ وَفِي بَعْضِهِ ، فَإِنَّ سَوْدَةَ وَهَبَتْ يَوْمَهَا فِي جَمِيعِ زَمَانِهَا .\rوَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ ، عَنْ عَائِشَةَ ، { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجَدَ عَلَى صَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيٍّ فِي شَيْءٍ ، فَقَالَتْ صَفِيَّةُ لِعَائِشَةَ : هَلْ لَك أَنْ تُرْضِي عَنِّي رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَك يَوْمِي ؟ فَأَخَذَتْ خِمَارًا مَصْبُوغًا بِزَعْفَرَانَ ، فرشته لِيَفُوحَ رِيحُهُ ، ثُمَّ اخْتَمَرَتْ بِهِ ، وَقَعَدَتْ إلَى جَنْبِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : إلَيْك يَا عَائِشَةُ ، إنَّهُ لَيْسَ يَوْمَك .\rقَالَتْ : ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ .\rفَأَخْبَرَتْهُ بِالْأَمْرِ ، فَرَضِيَ عَنْهَا .\r} فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنْ وَهَبَتْ لَيْلَتَهَا لِجَمِيعِ ضَرَائِرِهَا ، صَارَ الْقَسْمُ بَيْنَهُنَّ كَمَا لَوْ طَلَّقَ الْوَاهِبَةَ .\rوَإِنْ وَهَبَتْهَا لِلزَّوْجِ ، فَلَهُ جَعْلُهُ لِمَنْ شَاءَ ؛ لِأَنَّهُ لَا ضَرَرَ عَلَى الْبَاقِيَاتِ فِي ذَلِكَ ، إنْ شَاءَ جَعَلَهُ لِلْجَمِيعِ ، وَإِنْ شَاءَ خَصَّ بِهَا وَاحِدَةً مِنْهُنَّ ، وَإِنْ شَاءَ","part":16,"page":76},{"id":7576,"text":"جَعَلَ لَبَعْضِهِنَّ فِيهَا أَكْثَرَ مِنْ بَعْضٍ .\rوَإِنْ وَهَبَتْهَا لَوَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ كَفِعْلِ سَوْدَةَ ، جَازَ .\rثُمَّ إنْ كَانَتْ تِلْكَ اللَّيْلَةُ تَلِي لَيْلَةَ الْمَوْهُوبَةِ ، وَإِلَى بَيْنَهُمَا ، وَإِنْ كَانَتْ لَا تَلِيهَا ، لَمْ يَجُزْ لَهُ الْمُوَالَاةُ بَيْنَهُمَا ، إلَّا بِرِضَى الْبَاقِيَاتِ ، وَيَجْعَلُهَا لَهَا فِي الْوَقْتِ الَّذِي كَانَ لِلْوَاهِبَةِ ؛ وَلِأَنَّ الْمَوْهُوبَةَ قَامَتْ مَقَامَ الْوَاهِبَةِ فِي لَيْلَتِهَا ، فَلَمْ يَجُزْ تَغْيِيرُهَا عَنْ مَوْضِعِهَا ، كَمَا لَوْ كَانَتْ بَاقِيَةً لِلْوَاهِبَةِ ، وَلِأَنَّ فِي ذَلِكَ تَأْخِيرَ حَقِّ غَيْرِهَا ، وَتَغْيِيرًا لِلَيْلَتِهَا بِغَيْرِ رِضَاهَا ، فَلَمْ يَجُزْ .\rوَكَذَلِكَ الْحُكْمُ إذَا وَهَبَتْهَا لِلزَّوْجِ ، فَآثَرَ بِهَا امْرَأَةً مِنْهُنَّ بِعَيْنِهَا .\rوَفِيهِ وَجْهٌ آخِرُ ، إنَّهُ يَجُوزُ الْمُوَالَاةُ بَيْنَ اللَّيْلَتَيْنِ ؛ لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ فِي التَّفْرِيقِ .\rوَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا فِيهِ فَائِدَةً ، فَلَا يَجُوزُ اطِّرَاحُهَا .\rوَمَتَى رَجَعَتْ الْوَاهِبَةُ فِي لَيْلَتِهَا ، فَلَهَا ذَلِكَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ ؛ لِأَنَّهَا هِبَةٌ لَمْ تُقْبَضْ ، وَلَيْسَ لَهَا الرُّجُوعُ فِيمَا مَضَى ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْمَقْبُوضِ .\rوَلَوْ رَجَعَتْ فِي بَعْضِ اللَّيْلِ ، كَانَ عَلَى الزَّوْجِ أَنْ يَنْتَقِلَ إلَيْهَا ، فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ حَتَّى أَتَمَّ اللَّيْلَةَ ، لَمْ يَقْضِ لَهَا شَيْئًا ؛ لِأَنَّ التَّفْرِيطَ مِنْهَا .\r( 5729 ) فَصْلٌ : فَإِنْ بَذَلَتْ لَيْلَتَهَا بِمَالٍ ، لَمْ يَصِحَّ ؛ لِأَنَّ حَقَّهَا فِي كَوْنِ الزَّوْجِ عِنْدَهَا ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِمَالٍ ، فَلَا يَجُوزُ مُقَابَلَتُهُ بِمَالٍ ، فَإِذَا أَخَذَتْ عَلَيْهِ مَالًا ، لَزِمَهَا رَدُّهُ ، وَعَلَيْهِ أَنْ يَقْضِيَ لَهَا ، لِأَنَّهَا تَرَكَتْهُ بِشَرْطِ الْعِوَضِ ، وَلَمْ يَسْلَمْ لَهَا ، وَإِنْ كَانَ عِوَضُهَا غَيْرَ الْمَالِ ، مِثْلُ إرْضَاءِ زَوْجِهَا ، أَوْ غَيْرِهِ عَنْهَا ، جَازَ ؛ فَإِنَّ عَائِشَةَ أَرْضَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ صَفِيَّةَ ، وَأَخَذَتْ يَوْمَهَا ، وَأَخْبَرَتْ بِذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ","part":16,"page":77},{"id":7577,"text":"يُنْكِرْهُ .","part":16,"page":78},{"id":7578,"text":"مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِذَا سَافَرَتْ زَوْجَتُهُ بِإِذْنِهِ ، فَلَا نَفَقَةَ لَهَا ، وَلَا قَسْمَ ، وَإِنْ كَانَ هُوَ أَشْخَصَهَا ، فَهِيَ عَلَى حَقِّهَا مِنْ ذَلِكَ ) وَجُمْلَةُ الْأَمْرِ أَنَّهَا إذَا سَافَرَتْ فِي حَاجَتِهَا ، بِإِذْنِ زَوْجِهَا ، لَتِجَارَةٍ لَهَا ، أَوْ زِيَارَةٍ ، أَوْ حَجِّ تَطَوُّعٍ ، أَوْ عُمْرَةٍ ، لَمْ يَبْقَ لَهَا حَقٌّ فِي نَفَقَةٍ وَلَا قَسْمٍ .\rهَكَذَا ذَكَرَ الْخِرَقِيِّ وَالْقَاضِي .\rوَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ فِي ذَلِكَ وَجْهَانِ .\rوَلِلشَّافِعِيِّ فِيهِ قَوْلَانِ ؛ : أَحَدُهُمَا ، لَا يَسْقُطُ حَقُّهَا ؛ لِأَنَّهَا سَافَرَتْ بِإِذْنِهِ ، أَشْبَهَ مَا لَوْ سَافَرَتْ مَعَهُ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الْقَسْمَ لِلْأُنْسِ ، وَالنَّفَقَةَ لِلتَّمْكِينِ مِنْ الِاسْتِمْتَاعِ ، وَقَدْ تَعَذَّرَ ذَلِكَ بِسَبَبٍ مِنْ جِهَتِهَا ، فَسَقَطَ ، كَمَا لَوْ تَعَذَّرَ ذَلِكَ قَبْلَ دُخُولٍ بِهَا .\rوَفَارَقَ مَا إذَا سَافَرَتْ مَعَهُ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَذَّرْ ذَلِكَ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يَسْقُطَ الْقَسْمُ ، وَجْهًا وَاحِدًا ؛ لِأَنَّهُ لَوْ سَافَرَ عَنْهَا لَسَقَطَ قَسَمَهَا ، وَالتَّعَذُّرُ مِنْ جِهَتِهِ ، فَإِذَا تَعَذَّرَ مِنْ جِهَتِهَا بِسَفَرِهَا ، كَانَ أَوْلَى ، وَيَكُونُ فِي النَّفَقَةِ الْوَجْهَانِ .\rوَفِي هَذَا تَنْبِيهٌ عَلَى سُقُوطِهِمَا إذَا سَافَرَتْ بِغَيْرِ إذْنِهِ ، فَإِنَّهُ إذَا سَقَطَ حَقُّهَا مِنْ ذَلِكَ لِعَدَمِ التَّمْكِينِ بِأَمْرٍ لَيْسَ فِيهِ نُشُوزٌ وَلَا مَعْصِيَةٌ ، فَلَأَنْ يَسْقُطَ بِالنُّشُوزِ وَالْمَعْصِيَةِ أَوْلَى .\rوَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ نَعْلَمُهُ .\rفَأَمَّا إنْ أَشْخَصَهَا ، وَهُوَ أَنْ يَبْعَثَهَا لِحَاجَتِهِ ، أَوْ يَأْمُرَهَا بِالنَّقْلَةِ مِنْ بَلَدِهَا ، لَمْ يَسْقُطْ حَقُّهَا مِنْ نَفَقَةٍ وَلَا قَسْمٍ ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تُفَوِّتْ عَلَيْهِ التَّمْكِينَ ، وَلَا فَاتَ مِنْ جِهَتِهَا ، وَإِنَّمَا حَصَلَ بِتَفْوِيتِهِ ، فَلَمْ يَسْقُطْ حَقُّهَا ، كَمَا لَوْ أَتْلَفَ الْمُشْتَرِي الْمَبِيعَ ، لَمْ يَسْقُطْ حَقُّ الْبَائِعِ مِنْ تَسْلِيمِ ثَمَنِهِ إلَيْهِ .\rفَعَلَى هَذَا ، يَقْضِي لَهَا بِحَسَبِ مَا أَقَامَ عِنْدَ ضَرَّتِهَا .\rوَإِنْ سَافَرَتْ مَعَهُ ، فَهِيَ عَلَى حَقِّهَا مِنْهُمَا جَمِيعًا .","part":16,"page":79},{"id":7579,"text":"( 5731 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِذَا أَرَادَ سَفَرًا ، فَلَا يَخْرُجُ مَعَهُ مِنْهُنَّ إلَّا بِقُرْعَةٍ ، فَإِذَا قَدِمَ ابْتَدَأَ الْقَسْمَ بَيْنَهُنَّ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الزَّوْجَ إذَا أَرَادَ سَفَرًا ، فَأَحَبَّ حَمْلَ نِسَائِهِ مَعَهُ كُلِّهِنَّ ، أَوْ تَرْكَهُنَّ كُلِّهِنَّ ، لَمْ يَحْتَجْ إلَى قُرْعَةٍ ؛ لِأَنَّ الْقُرْعَةَ لِتَعْيِينِ الْمَخْصُوصَةِ مِنْهُنَّ بِالسَّفَرِ ، وَهَاهُنَا قَدْ سَوَّى ، وَإِنْ أَرَادَ السَّفَرَ بِبَعْضِهِنَّ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يُسَافِرَ بِهَا إلَّا بِقُرْعَةٍ .\rوَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rوَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ لَهُ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ قُرْعَةٍ .\rوَلَيْسَ بِصَحِيحِ ، فَإِنَّ عَائِشَةَ رَوَتْ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إذَا أَرَادَ سَفَرًا ، أَقْرَعَ بَيْن نِسَائِهِ ، وَأَيَّتُهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا ، خَرَجَ بِهَا مَعَهُ .\r} مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَلِأَنَّ فِي الْمُسَافَرَةِ بِبَعْضِهِنَّ مِنْ غَيْرِ قُرْعَةٍ تَفْضِيلًا لَهَا ، وَمَيْلًا إلَيْهَا ، فَلَمْ يَجُزْ بِغَيْرِ قُرْعَةٍ كَالْبِدَايَةِ بِهَا فِي الْقَسْمِ .\rوَإِنْ أَحَبَّ الْمُسَافَرَةَ بِأَكْثَرَ مِنْ وَاحِدَةٍ ، أَقْرَعِ أَيْضًا ، فَقَدْ رَوَتْ عَائِشَةُ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إذَا خَرَجَ أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ ، فَصَارَتْ الْقُرْعَةُ لِعَائِشَةَ وَحَفْصَةَ .\r} رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ .\rوَمَتَى سَافَرَ بِأَكْثَرَ مِنْ وَاحِدَةٍ ، سَوَّى بَيْنَهُنَّ كَمَا يُسَوِّي بَيْنَهُنَّ فِي الْحَضَرِ ، وَلَا يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ لِلْحَاضِرَاتِ بَعْدَ قُدُومِهِ .\rوَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ الْخِرَقِيِّ \" فَإِذَا قَدِمَ ابْتَدَأَ الْقَسْمَ بَيْنَهُنَّ \" .\rوَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rوَحُكِيَ عَنْ دَاوُد أَنَّهُ يَقْضِي ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ } وَلَنَا ، أَنَّ عَائِشَةَ لَمْ تَذْكُرْ قَضَاءً فِي حَدِيثِهَا ، وَلِأَنَّ هَذِهِ الَّتِي سَافَرَ بِهَا يَلْحَقُهَا مِنْ مَشَقَّةِ السَّفَرِ بِإِزَاءِ مَا حَصَلَ لَهَا مِنْ السَّكَنِ ، وَلَا يَحْصُلُ لَهَا مِنْ السَّكَنِ مِثْلُ مَا يَحْصُلُ فِي الْحَضَرِ ، فَلَوْ قُضِيَ لِلْحَاضِرَاتِ ، لَكَانَ قَدْ","part":16,"page":80},{"id":7580,"text":"مَالَ عَلَى الْمُسَافِرَةِ كُلَّ الْمَيْلِ ، لَكِنْ إنْ سَافَرَ بِإِحْدَاهُنَّ بِغَيْرِ قُرْعَةٍ ، أَثِمَ ، وَقَضَى لِلْبَوَاقِي بَعْدَ سَفَرِهِ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٌ : لَا يَقْضِي ؛ لِأَنَّ قَسْمَ الْحَضَرِ لَيْسَ بِمِثْلٍ لَقَسْمِ السَّفَرِ ، فَيَتَعَذَّرُ الْقَضَاءُ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ خَصَّ بَعْضَهُنَّ بِمُدَّةٍ ، عَلَى وَجْهٍ تَلْحَقُهُ التُّهْمَةُ فِيهِ ، فَلَزِمَهُ الْقَضَاءُ ، كَمَا لَوْ كَانَ حَاضِرًا .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَلْزَمَهُ قَضَاءُ الْمُدَّةِ ، وَإِنَّمَا يَقْضِي مِنْهَا مَا أَقَامَ مِنْهَا مَعَهَا بِمَبِيتٍ وَنَحْوِهِ ، فَأَمَّا زَمَانُ السَّيْرِ ، فَلَمْ يَحْصُلْ لَهَا مِنْهُ إلَّا التَّعَبُ وَالْمَشَقَّةُ فَلَوْ جَعَلَ لِلْحَاضِرَةِ فِي مُقَابَلَةِ ذَلِكَ مَبِيتًا عِنْدَهَا ، وَاسْتِمْتَاعًا بِهَا ، لَمَالَ كُلَّ الْمَيْلِ .","part":16,"page":81},{"id":7581,"text":"( 5732 ) فَصْلٌ : إذَا خَرَجَتْ الْقُرْعَةُ لِإِحْدَاهُنَّ ، لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ السَّفَرُ بِهَا ، وَلَهُ تَرْكُهَا وَالسَّفَرُ وَحْدَهُ ؛ لِأَنَّ الْقُرْعَةَ لَا تُوجِبُ ، وَإِنَّمَا تُعَيِّنُ مَنْ تَسْتَحِقُّ التَّقْدِيمَ .\rوَإِنْ أَرَادَ السَّفَرَ بِغَيْرِهَا ، لَمْ يَجُزْ ؛ لِأَنَّهَا تَعَيَّنَتْ بِالْقُرْعَةِ ، فَلَمْ يَجُزْ الْعُدُولُ عَنْهَا إلَى غَيْرِهَا .\rوَإِنْ وَهَبَتْ حَقَّهَا مِنْ ذَلِكَ لِغَيْرِهَا ، جَازَ إذَا رَضِيَ الزَّوْجُ ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهَا ، فَصَحَّتْ هِبَتُهَا لَهُ ، كَمَا لَوْ وَهَبَتْ لَيْلَتَهَا فِي الْحَضَرِ .\rوَلَا يَجُوزُ بِغَيْرِ رِضَى الزَّوْجِ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا فِي هِبَةِ اللَّيْلَةِ فِي الْحَضَرِ .\rوَإِنْ وَهَبَتْهُ لِلزَّوْجِ ، أَوْ لِلْجَمِيعِ ، جَازَ .\rوَإِنْ امْتَنَعَتْ مِنْ السَّفَرِ مَعَهُ ، سَقَطَ حَقُّهَا إذَا رَضِيَ الزَّوْجُ ، وَإِنْ أَبَى ، فَلَهُ إكْرَاهُهَا عَلَى السَّفَرِ مَعَهُ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا .\rوَإِنْ رَضِيَ بِذَلِكَ ، أَسْتَأْنَفَ الْقُرْعَةَ بَيْنَ الْبَوَاقِي .\rوَإِنْ رَضِيَ الزَّوْجَاتُ كُلُّهُنَّ بِسَفَرِ وَاحِدَةٍ مَعَهُ مِنْ غَيْرِ قُرْعَةٍ ، جَازَ ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُنَّ ، إلَّا أَنْ لَا يَرْضَى الزَّوْجُ ، وَيُرِيدَ غَيْرَ مَنْ اتَّفَقْنَ عَلَيْهَا ، فَيُصَارُ إلَى الْقُرْعَةِ .\rوَلَا فَرْقَ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَا بَيْنَ السَّفَرِ الطَّوِيلِ وَالْقَصِيرِ ؛ لِعُمُومِ الْخَبَرِ وَالْمَعْنَى .\rوَذَكَرَ الْقَاضِي احْتِمَالًا ثَانِيًا ، أَنَّهُ يَقْضِي لِلْبَوَاقِي فِي السَّفَرِ الْقَصِيرِ ؛ لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ الْإِقَامَةِ ، وَهُوَ وَجْهٌ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ سَافَرَ بِهَا بِقُرْعَةٍ ، فَلَمْ يَقْضِ كَالطَّوِيلِ ، وَلَوْ كَانَ فِي حُكْمِ الْإِقَامَةِ لَمْ يَجُزْ الْمُسَافَرَةُ بِإِحْدَاهُنَّ دُونَ الْأُخْرَى ، كَمَا لَا يَجُوزُ إفْرَادُ إحْدَاهُنَّ بِالْقَسْمِ دُونَ الْأُخْرَى .\rوَمَتَى سَافَرَ بِإِحْدَاهُنَّ بِقُرْعَةٍ ، ثُمَّ بَدَا لَهُ بُعْدُ السَّفَرِ ، نَحْوُ أَنْ يُسَافِرَ إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ ، ثُمَّ يَبْدُو لَهُ فَيَمْضِي إلَى مِصْرَ ، فَلَهُ اسْتِصْحَابُهَا مَعَهُ ؛ لِأَنَّهُ سَفَرٌ وَاحِدٌ قَدْ أَقْرَعَ لَهُ .\rوَإِنْ أَقَامَ فِي بَلْدَةٍ مُدَّةَ إحْدَى","part":16,"page":82},{"id":7582,"text":"وَعُشْرِينَ صَلَاةً فَمَا دُونَ ، لَمْ يُحْتَسَبْ عَلَيْهِ بِهَا ؛ لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ السَّفَرِ ، تَجْرِي عَلَيْهِ أَحْكَامُهُ .\rوَإِنْ زَادَ عَلَى ذَلِكَ ، قَضَى الْجَمِيعَ مِمَّا أَقَامَهُ ؛ لِأَنَّهُ خَرَجَ عَنْ حُكْمِ السَّفَرِ .\rوَإِنْ أَزْمَعَ عَلَى الْمُقَامِ قَضَى مَا أَقَامَهُ ، وَإِنْ قَلَّ ؛ لِأَنَّهُ خَرَجَ عَنْ حُكْمِ السَّفَرِ .\rثُمَّ إذَا خَرَجَ بَعْدَ ذَلِكَ إلَى بَلَدِهِ ، أَوْ بَلَدٍ أُخْرَى ، لَمْ يَقْضِ مَا سَافَرَهُ ؛ لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ السَّفَرِ الْوَاحِدِ ، وَقَدْ أَقْرَعَ لَهُ .","part":16,"page":83},{"id":7583,"text":"( 5733 ) فَصْلٌ : وَإِذَا أَرَادَ الِانْتِقَالَ بِنِسَائِهِ إلَى بَلَدٍ آخَرَ ، فَأَمْكَنَهُ اسْتِصْحَابُهُنَّ كُلَّهُنَّ فِي سَفَرِهِ فَعَلَ ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ إفْرَادُ إحْدَاهُنَّ بِهِ ؛ لِأَنَّ هَذَا السَّفَرَ لَا يَخْتَصُّ بِوَاحِدَةٍ ، بَلْ يَحْتَاجُ إلَى نَقْلِ جَمِيعِهِنَّ ، فَإِنْ خَصَّ إحْدَاهُنَّ ، قَضَى لِلْبَاقِيَاتِ كَالْحَاضِرِ ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ صُحْبَةُ جَمِيعِهِنَّ ، أَوْ شَقَّ عَلَيْهِ ذَلِكَ ، وَبَعَثَ بِهِنَّ جَمِيعًا مَعَ غَيْرِهِ مِمَّنْ هُوَ مَحْرَمٌ لَهُنَّ ، جَازَ ، وَلَا يَقْضِي لَأَحَدٍ ، وَلَا يَحْتَاجُ إلَى قُرْعَةٍ ؛ لِأَنَّهُ سَوَّى بَيْنَهُنَّ .\rوَإِنْ أَرَادَ إفْرَادَ بَعْضِهِنَّ بِالسَّفَرِ مَعَهُ ، لَمْ يَجُزْ إلَّا بِقُرْعَةٍ .\rفَإِذَا وَصَلَ إلَى الْبَلَدِ الَّذِي انْتَقَلَ إلَيْهِ ، فَأَقَامَتْ مَعَهُ فِيهِ ، قَضَى لِلْبَاقِيَاتِ مُدَّةَ كَوْنِهَا مَعَهُ فِي الْبَلَدِ خَاصَّةً ؛ لِأَنَّهُ صَارَ مُقِيمًا ، وَانْقَطَعَ حُكْمُ السَّفَرِ عَنْهُ .","part":16,"page":84},{"id":7584,"text":"فَصْلٌ : إذَا كَانَتْ لَهُ امْرَأَةٌ ، فَتَزَوَّجَ أُخْرَى ، وَأَرَادَ السَّفَرَ بِهِمَا جَمِيعًا ، قَسَمَ لِلْجَدِيدَةِ سَبْعًا إنْ كَانَتْ بِكْرًا ، وَثَلَاثًا إنْ كَانَتْ ثَيِّبًا ، ثُمَّ يَقْسِمُ بَعْدَ ذَلِكَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْقَدِيمَةِ .\rوَإِنْ أَرَادَ السَّفَرَ بِإِحْدَاهُمَا ، أَقْرَعَ بَيْنَهُمَا ، فَإِنْ خَرَجَتْ قُرْعَةُ الْجَدِيدَةِ ، سَافَرَ بِهَا مَعَهُ ، وَدَخَلَ حَقُّ الْعَقْدِ فِي قَسْمِ السَّفَرِ ؛ لِأَنَّهُ نَوْعُ قَسْمٍ .\rوَإِنْ وَقَعَتْ الْقُرْعَةُ لِلْأُخْرَى ، سَافَرَ بِهَا ، فَإِذَا حَضَرَ ، قَضَى لِلْجَدِيدَةِ حَقَّ الْعَقْدِ ؛ لِأَنَّهُ سَافَرَ بَعْدَ وُجُوبِهِ عَلَيْهِ .\rوَإِنْ تَزَوَّجَ اثْنَتَيْنِ ، وَعَزَمَ عَلَى السَّفَرِ ، أَقْرَعَ بَيْنَهُمَا ، فَسَافَرَ بِاَلَّتِي تَخْرُجُ لَهَا الْقُرْعَةُ ، وَيَدْخُلُ حَقُّ الْعَقْدِ فِي قَسْمِ السَّفَرِ ، فَإِذَا قَدِمَ ، قَضَى لِلثَّانِيَةِ حَقَّ الْعَقْدِ ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ وَجَبَ لَهَا قَبْلَ سَفَرِهِ ، لَمْ يُؤَدِّهِ إلَيْهَا ، فَلَزِمَهُ قَضَاؤُهُ ، كَمَا لَوْ لَمْ يُسَافِرْ بِالْأُخْرَى مَعَهُ .\rوَالثَّانِي ، لَا يَقْضِيهِ ؛ لِئَلَّا يَكُونَ تَفْضِيلًا لَهَا عَلَى الَّتِي سَافَرَ بِهَا ، لِأَنَّهُ لَا يَحْصُلُ لِلْمُسَافِرَةِ مِنْ الْإِيوَاءِ وَالسَّكَنِ وَالْمَبِيتِ عِنْدَهَا ، مِثْلُ مَا يَحْصُلُ فِي الْحَضَرِ ، فَيَكُونُ مَيْلًا فَيَتَعَذَّرُ قَضَاؤُهُ .\rفَإِنْ قَدِمَ مِنْ سَفَرِهِ قَبْلَ مُضِيِّ مُدَّةٍ يَنْقَضِي فِيهَا حَقُّ عَقْدِ الْأُولَى ، أَتَمَّهُ فِي الْحَضَرِ ، وَقَضَى لِلْحَاضِرَةِ مِثْلَهُ ، وَجْهًا وَاحِدًا ، وَفِيمَا زَادَ الْوَجْهَانِ .\rوَيَحْتَمِلُ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى وَجْهًا ثَالِثًا ، وَهُوَ أَنْ يَسْتَأْنِفَ قَضَاءَ حَقِّ الْعَقْدِ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا ، وَلَا يَحْتَسِبُ عَلَى الْمُسَافِرَةِ بِمُدَّةِ سَفَرِهَا ، كَمَا لَا يَحْتَسِبُ بِهِ عَلَيْهَا فِيمَا عَدَا حَقِّ الْعَقْدِ .\rوَهَذَا أَقْرَبُ إلَى الصَّوَابِ مِنْ إسْقَاطِ حَقِّ الْعَقْدِ الْوَاجِبِ بِالشَّرْعِ بِغَيْرِ مُسْقِطٍ .","part":16,"page":85},{"id":7585,"text":"( 5735 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِذَا أَعْرَسَ عِنْدَ بَكْرٍ ، أَقَامَ عِنْدَهَا سَبْعًا ، ثُمَّ دَارَ ، وَلَا يَحْتَسِبُ عَلَيْهَا بِمَا أَقَامَ عِنْدَهَا ، وَإِنْ كَانَتْ ثَيِّبًا ، أَقَامَ عِنْدَهَا ثَلَاثًا ثُمَّ دَارَ ، وَلَا يَحْتَسِبُ عَلَيْهَا أَيْضًا بِمَا أَقَامَ عِنْدَهَا ) مَتَى تَزَوَّجَ صَاحِبُ النِّسْوَةِ امْرَأَةً جَدِيدَةً ، قَطَعَ الدُّورَ ، وَأَقَامَ عِنْدَهَا سَبْعًا إنْ كَانَتْ بِكْرًا ، وَلَا يَقْضِيهَا لِلْبَاقِيَاتِ ، وَإِنْ كَانَتْ ثَيِّبًا أَقَامَ عِنْدَهَا ثَلَاثًا ، وَلَا يَقْضِيهَا ، إلَّا أَنْ تَشَاءَ هِيَ أَنْ يُقِيمَ عِنْدَهَا سَبْعًا ، فَإِنَّهُ يُقِيمُهَا عِنْدَهَا ، وَيَقْضِي الْجَمِيعَ لِلْبَاقِيَاتِ .\rرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَنَسٍ وَبِهِ قَالَ الشَّعْبِيُّ وَالنَّخَعِيُّ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو عُبَيْدٍ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَرُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَالْحَسَنِ وَخِلَاسِ بْنِ عَمْرٍو ، وَنَافِعٍ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ : لِلْبِكْرِ ثَلَاثٌ وَلِلثَّيِّبِ لَيْلَتَانِ .\rوَنَحْوُهُ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَقَالَ الْحَكَمُ وَحَمَّادٌ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ : لَا فَضْلَ لِلْجَدِيدَةِ فِي الْقَسْمِ ، فَإِنْ أَقَامَ عِنْدَهَا شَيْئًا قَضَاهُ لِلْبَاقِيَاتِ ؛ لِأَنَّهُ فَضَّلَهَا بِمُدَّةٍ ، فَوَجَبَ قَضَاؤُهَا ، كَمَا لَوْ أَقَامَ عِنْدَ الثَّيِّبِ سَبْعًا .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى أَبُو قِلَابَةَ ، عَنْ أَنَسٍ ، قَالَ : مِنْ السُّنَّةِ إذَا تَزَوَّجَ الْبِكْرَ عَلَى الثَّيِّبِ ، أَقَامَ عِنْدَهَا سَبْعًا وَقَسَمَ ، وَإِذَا تَزَوَّجَ الثَّيِّبَ ، أَقَامَ عِنْدَهَا ثَلَاثًا ، ثُمَّ قَسَمَ .\rقَالَ أَبُو قِلَابَةَ : لَوْ شِئْت لَقُلْت : أَنَّ أَنَسًا رَفَعَهُ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ، { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا تَزَوَّجَ أُمَّ سَلَمَةَ ، أَقَامَ عِنْدَهَا ثَلَاثًا ، وَقَالَ : لَيْسَ بِك عَلَى أَهْلِك هَوَانٌ ، إنْ شِئْت سَبَّعْت لَك ، وَإِنْ سَبَّعْت لَك سَبَّعْت لِنِسَائِي } .\rرَوَاهُ مُسْلِمٌ .\rوَفِي لَفْظٍ : { وَإِنْ شِئْت ثَلَّثْت ثُمَّ دُرْت } .\rوَفِي لَفْظٍ : { وَإِنْ شِئْت زِدْتُك ، ثُمَّ حَاسَبْتُك","part":16,"page":86},{"id":7586,"text":"بِهِ ، لِلْبِكْرِ سَبْعٌ ، وَلِلثَّيِّبِ ثَلَاثٌ } ، وَفِي لَفْظٍ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ : { إنْ شِئْت أَقَمْت عِنْدَك ثَلَاثًا خَالِصَةً لَك ، وَإِنْ شِئْت سَبَّعْت لَك ، ثُمَّ سَبَّعْت لِنِسَائِي .\r} وَهَذَا يَمْنَعُ قِيَاسَهُمْ .\rوَيُقَدَّمُ عَلَيْهِ .\rقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ الْأَحَادِيثُ الْمَرْفُوعَةُ فِي هَذَا الْبَابِ عَلَى مَا قُلْنَاهُ ، وَلَيْسَ مَعَ مَنْ خَالَفَنَا حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ ، وَالْحُجَّةُ مَعَ مِنْ أَدْلَى بِالسُّنَّةِ ( 5736 ) فَصْلٌ : وَالْأَمَةُ وَالْحُرَّةُ فِي هَذَا سَوَاءٌ .\rوَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ فِي هَذَا ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ : أَحَدُهُمَا : كَقَوْلِنَا .\rوَالثَّانِي : الْأَمَةُ عَلَى النَّصْبِ مِنْ الْحُرَّةِ ، كَسَائِرِ الْقَسْمِ .\rوَالثَّالِثُ : لِلْبِكْرِ مِنْ الْإِمَاءِ أَرْبَعٌ ، وَلِلثَّيِّبِ لَيْلَتَانِ ، تَكْمِيلًا لِبَعْضِ اللَّيْلَةِ .\rوَلَنَا عُمُومُ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ { : لِلْبِكْرِ سَبْعٌ ، وَلِلثَّيِّبِ ثَلَاثٌ .\r} وَلِأَنَّهُ يُرَادُ لِلْأُنْسِ وَإِزَالَةِ الِاحْتِشَامِ ، وَالْأَمَةُ وَالْحُرَّةُ سَوَاءٌ فِي الْحَاجَةِ إلَيْهِ ، فَاسْتَوَيَا فِيهِ ، كَالنَّفَقَةِ .","part":16,"page":87},{"id":7587,"text":"( 5737 ) فَصْلٌ : يُكْرَهُ أَنْ يُزَفَّ إلَيْهِ امْرَأَتَانِ فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ ، أَوْ فِي مُدَّةِ حَقِّ عَقْدِ إحْدَاهُمَا ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمَكِّنُهُ أَنْ يُوَفِّيَهُمَا حَقَّهُمَا ، وَتَسْتَضِرُّ الَّتِي لَا يُوَفِّيهَا حَقَّهَا وَتَسْتَوْحِشُ .\rفَإِنْ فَعَلَ ، فَأُدْخِلَتْ إحْدَاهُمَا قَبْلَ الْأُخْرَى ، بَدَأَ بِهَا ، فَوَفَّاهَا حَقَّهَا ، ثُمَّ عَادَ فَوَفَّى الثَّانِيَةَ ، ثُمَّ ابْتَدَأَ الْقَسْمَ .\rوَإِنْ زُفَّتْ الثَّانِيَةُ فِي أَثْنَاءِ مُدَّةِ حَقِّ الْعَقْدِ ، أَتَمَّهُ لِلْأُولَى ، ثُمَّ قَضَى حَقَّ الثَّانِيَةَ .\rوَإِنْ أُدْخِلَتَا عَلَيْهِ جَمِيعًا فِي مَكَان وَاحِدٍ ، أَقْرَعَ بَيْنَهُمَا ، وَقَدَّمَ مَنْ خَرَجَتْ لَهَا الْقُرْعَةُ مِنْهُمَا ، ثُمَّ وَفَّى الْأُخْرَى بَعْدَهَا .","part":16,"page":88},{"id":7588,"text":"( 5738 ) فَصْلٌ : وَإِذَا كَانَتْ عِنْدَهُ امْرَأَتَانِ ، فَبَاتَ عِنْدَ إحْدَاهُمَا لَيْلَةً ، ثُمَّ تَزَوَّجَ ثَالِثَةً قَبْلَ لَيْلَةِ الثَّانِيَةِ ، قَدَّمَ الْمَزْفُوفَةَ بِلَيَالِيِهَا ؛ لِأَنَّ حَقَّهَا آكَدُ ، لِأَنَّهُ ثَبَتَ بِالْعَقْدِ ، وَحَقُّ الثَّانِيَةِ ثَبَتَ بِفِعْلِهِ ، فَإِذَا قَضَى حَقَّ الْجَدِيدَةِ ، بَدَأَ بِالثَّانِيَةِ ، فَوَفَّاهَا لَيْلَتَهَا ، ثُمَّ يَبِيتُ عِنْدَ الْجَدِيدَةِ ، ثُمَّ يَبْتَدِئُ الْقَسْمَ .\rوَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّهُ إذَا وَفَّى الثَّانِيَةَ لَيْلَتَهَا ، بَاتَ عِنْدَ الْجَدِيدَةِ نِصْفَ لَيْلَةٍ ثُمَّ يَبْتَدِئُ الْقَسْمَ ؛ لِأَنَّ اللَّيْلَةَ الَّتِي يُوَفِّيهَا لِلثَّانِيَةِ نِصْفُهَا مِنْ حَقِّهَا وَنِصْفُهَا مِنْ حَقِّ الْأُخْرَى ، فَيَثْبُتُ لِلْجَدِيدَةِ فِي مُقَابَلَةِ ذَلِكَ نِصْفُ لَيْلَةٍ بِإِزَاءِ مَا حَصَلَ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ ضَرَّتَيْهَا ، وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ يَحْتَاجُ أَنْ يَنْفَرِدَ بِنَفْسِهِ فِي نِصْفِ لَيْلَةٍ ، وَفِيهِ حَرَجٌ ؛ فَإِنَّهُ رُبَّمَا لَا يَجِدُ مَكَانًا يَنْفَرِدُ فِيهِ ، أَوْ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْخُرُوجِ إلَيْهِ فِي نِصْفِ اللَّيْلَةِ ، أَوْ الْمَجِيءِ مِنْهُ ، وَفِيمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ الْبِدَايَةِ بِهَا بَعْدَ الثَّانِيَةِ وَفَاءٌ بِحَقِّهَا بِدُونِ هَذَا الْحَرَجِ ، فَيَكُونُ أَوْلَى ، إنْ شَاءَ اللَّهُ .","part":16,"page":89},{"id":7589,"text":"( 5739 ) فَصْلٌ : وَحُكْمُ السَّبْعَةِ وَالثَّلَاثَةِ الَّتِي يُقِيمُهَا عِنْدَ الْمَزْفُوفَةِ حُكْمُ سَائِرِ الْقَسْمِ ، فِي أَنَّ عِمَادَهُ اللَّيْلُ ، وَلَهُ الْخُرُوجُ نَهَارًا لِمَعَاشِهِ ، وَقَضَاءِ حُقُوقِ النَّاسِ .\rوَإِنْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ الْمُقَامُ عِنْدَهَا لَيْلًا ؛ لِشُغْلٍ ، أَوْ حَبْسٍ ، أَوْ تَرَكَ ذَلِكَ لِغَيْرِ عُذْرٍ ، قَضَاهُ لَهَا ، وَلَهُ الْخُرُوجُ لِصَلَاةِ الْجَمَاعَةِ ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ يَتْرُكُ الْجَمَاعَةَ لِذَلِكَ ، وَيَخْرُجُ لِمَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ ؛ فَإِنْ أَطَالَ قَضَاهُ ، وَإِنْ كَانَ يَسِيرًا فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ .","part":16,"page":90},{"id":7590,"text":"( 5740 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِذَا ظَهَرَ مِنْهَا مَا يَخَافُ مَعَهُ نُشُوزَهَا وَعَظَهَا ، فَإِنْ أَظْهَرَتْ نُشُوزًا هَجَرَهَا ، فَإِنْ أَرْدَعَهَا ، وَإِلَّا فَلَهُ أَنْ يَضْرِبَهَا ضَرْبًا لَا يَكُونُ مُبَرِّحًا ) مَعْنَى النُّشُوزِ مَعْصِيَةُ الزَّوْجِ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهَا مِنْ طَاعَتِهِ ، مَأْخُوذٌ مِنْ النَّشْزِ ، وَهُوَ الِارْتِفَاعُ ، فَكَأَنَّهَا ارْتَفَعَتْ وَتَعَالَتْ عَمَّا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهَا مِنْ طَاعَتِهِ ، فَمَتَى ظَهَرَتْ مِنْهَا أَمَارَاتُ النُّشُوزِ ، مِثْلُ أَنْ تَتَثَاقَلَ وَتُدَافِعَ إذَا دَعَاهَا ، وَلَا تَصِيرَ إلَيْهِ إلَّا بِتَكَرُّهٍ وَدَمْدَمَةٍ ، فَإِنَّهُ يَعِظُهَا ، فَيُخَوِّفُهَا اللَّهُ سُبْحَانَهُ ، وَيَذْكُرُ مَا أَوْجَبَ اللَّهُ لَهُ عَلَيْهَا مِنْ الْحَقِّ وَالطَّاعَةِ ، وَمَا يَلْحَقُهَا مِنْ الْإِثْمِ بِالْمُخَالَفَةِ وَالْمَعْصِيَةِ ، وَمَا يَسْقُطُ بِذَلِكَ مِنْ حُقُوقِهَا ، مِنْ النَّفَقَةِ وَالْكُسْوَةِ ، وَمَا يُبَاحُ لَهُ مِنْ ضَرْبِهَا وَهَجْرِهَا ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى { وَاَللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ } فَإِنْ أَظْهَرَتْ النُّشُوزَ ، وَهُوَ أَنْ تَعْصِيَهُ ، وَتَمْتَنِعَ مِنْ فِرَاشِهِ ، أَوْ تَخْرُجَ مِنْ مَنْزِلِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ ، فَلَهُ أَنْ يَهْجُرَهَا فِي الْمَضْجَعِ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ } .\rقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ لَا تُضَاجِعْهَا فِي فِرَاشِك .\rفَأَمَّا الْهِجْرَانُ فِي الْكَلَامِ ، فَلَا يَجُوزُ أَكْثَرُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ؛ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ } وَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ ضَرْبُهَا فِي النُّشُوزِ فِي أَوَّلِ مَرَّةٍ .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ إذَا عَصَتْ الْمَرْأَةُ زَوْجَهَا ، فَلَهُ ضَرْبُهَا ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ .\rفَظَاهِرُ هَذَا إبَاحَةُ ضَرْبِهَا بِأَوَّلِ مَرَّةٍ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَاضْرِبُوهُنَّ } .\rوَلِأَنَّهَا صَرَّحَتْ بِالْمَنْعِ فَكَانَ لَهُ ضَرْبُهَا ، كَمَا لَوْ أَصَرَّتْ وَلِأَنَّ عُقُوبَاتِ الْمَعَاصِي لَا تَخْتَلِفُ","part":16,"page":91},{"id":7591,"text":"بِالتَّكْرَارِ وَعَدَمِهِ ، كَالْحُدُودِ وَوَجْهُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ الْمَقْصُودُ زَجْرُهَا عَنْ الْمَعْصِيَةِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ ، وَمَا هَذَا سَبِيلُهُ يُبْدَأُ فِيهِ بِالْأَسْهَلِ فَالْأَسْهَلِ ، كَمَنْ هُجِمَ مَنْزِلُهُ فَأَرَادَ إخْرَاجَهُ .\rوَأَمَّا قَوْلُهُ : { وَاَللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ } الْآيَةَ ، فَفِيهَا إضْمَارٌ تَقْدِيرُهُ وَاَللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ ، فَإِنْ نَشَزْنَ فَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ ، فَإِنْ أَصْرَرْنَ فَاضْرِبُوهُنَّ ، كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ : { إنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنْ الْأَرْضِ } وَاَلَّذِي يَدُلُّ عَلَى هَذَا أَنَّهُ رَتَّبَ هَذِهِ الْعُقُوبَاتِ عَلَى خَوْفِ النُّشُوزِ ؛ وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ لَا يَضْرِبُهَا لِخَوْفِ النُّشُوزِ قَبْلَ إظْهَارِهِ .\rوَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ كَهَذَيْنِ فَإِنْ لَمْ تَرْتَدِعْ بِالْوَعْظِ وَالْهَجْرِ ، فَلَهُ ضَرْبُهَا ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَاضْرِبُوهُنَّ .\r} وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إنَّ لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ .\r} رَوَاهُ مُسْلِمٌ .\rوَمَعْنَى \" غَيْرَ مُبَرِّحٍ \" أَيْ لَيْسَ بِالشَّدِيدِ .\rقَالَ الْخَلَّالُ : سَأَلْت أَحْمَدَ بْنَ يَحْيَى عَنْ قَوْلِهِ : \" ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ \" قَالَ : غَيْرَ شَدِيدٍ .\rوَعَلَيْهِ أَنْ يَجْتَنِبَ الْوَجْهَ وَالْمَوَاضِعَ الْمَخُوفَةَ ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ التَّأْدِيبُ لَا الْإِتْلَافُ .\rوَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد ، عَنْ { حَكِيمِ بْنِ مُعَاوِيَةَ الْقُشَيْرِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : قُلْت : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَا حَقُّ زَوْجَةِ أَحَدِنَا عَلَيْهِ ؟ قَالَ : أَنْ تُطْعِمَهَا إذَا طَعِمْتَ ، وَتَكْسُوَهَا إذَا اكْتَسَيْت ، وَلَا يُقَبِّحْ ، وَلَا يَهْجُرْ إلَّا فِي الْبَيْتِ .\r} وَرَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَمْعَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { لَا يَجْلِدُ أَحَدُكُمْ","part":16,"page":92},{"id":7592,"text":"امْرَأَتَهُ جَلْدَ الْعَبْدِ ، ثُمَّ يُضَاجِعُهَا فِي آخِرِ الْيَوْمِ وَلَا يَزِيدُ فِي ضَرْبِهَا عَلَى عَشَرَةِ أَسْوَاطٍ ؛ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا يَجْلِدْ أَحَدٌ فَوْقَ عَشَرَةِ أَسْوَاطٍ ، إلَّا فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ .\r} مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .","part":16,"page":93},{"id":7593,"text":"( 5741 ) فَصْلٌ : وَلَهُ تَأْدِيبُهَا عَلَى تَرْكِ فَرَائِضِ اللَّهِ .\rوَسَأَلَ إسْمَاعِيلُ بْنُ سَعِيدٍ أَحْمَدَ عَمَّا يَجُوزُ ضَرْبُ الْمَرْأَةِ عَلَيْهِ ، قَالَ : عَلَى تَرْكِ فَرَائِضِ اللَّهِ .\rوَقَالَ فِي الرَّجُلِ لَهُ امْرَأَةٌ لَا تُصَلِّي : يَضْرِبُهَا ضَرْبًا رَفِيقًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ .\rوَقَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي تَفْسِيرِ قَوْله تَعَالَى : { قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا .\r} قَالَ : عَلِّمُوهُمْ أَدِّبُوهُمْ .\rوَرَوَى أَبُو مُحَمَّدٍ الْخَلَّالُ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ جَابِرٍ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : رَحِمَ اللَّهُ امْرَأً عَلَّقَ فِي بَيْتِهِ سَوْطًا يُؤَدِّبُ أَهْلَهُ .\r} فَإِنْ لَمْ تُصَلِّ فَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ أَخْشَى أَنْ لَا يَحِلَّ لِرَجُلِ أَنْ يُقِيمَ مَعَ امْرَأَةٍ لَا تُصَلِّي ، وَلَا تَغْتَسِلُ مِنْ جَنَابَةٍ ، وَلَا تَتَعَلَّمُ الْقُرْآنَ .\rقَالَ أَحْمَدُ فِي الرَّجُلِ يَضْرِبُ امْرَأَتَهُ : لَا يَنْبَغِي لَأَحَدٍ أَنْ يَسْأَلَهُ وَلَا أَبُوهَا ، لِمَ ضَرَبَهَا ؟ وَالْأَصْلُ فِي هَذَا مَا رَوَى { الْأَشْعَثُ ، عَنْ عُمَرَ ، أَنَّهُ قَالَ يَا أَشْعَثُ ، احْفَظْ عَنِّي شَيْئًا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا تَسْأَلْنَ رَجُلًا فِيمَا ضَرَبَ امْرَأَتَهُ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَلِأَنَّهُ قَدْ يَضْرِبُهَا لِأَجْلِ الْفِرَاشِ ، فَإِنْ أَخْبَرَ بِذَلِكَ اسْتَحْيَا ، وَإِنْ أَخْبَرَ بِغَيْرِهِ كَذَبَ .","part":16,"page":94},{"id":7594,"text":"( 5742 ) فَصْلٌ : وَإِذَا خَافَتْ الْمَرْأَةُ نُشُوزَ زَوْجِهَا وَإِعْرَاضَهُ عَنْهَا ، لِرَغْبَةٍ عَنْهَا ، إمَّا لِمَرَضٍ بِهَا ، أَوْ كِبَرٍ ، أَوْ دَمَامَةٍ ، فَلَا بَأْسَ أَنْ تَضَعَ عَنْهُ بَعْضَ حُقُوقِهَا تَسْتَرْضِيهِ بِذَلِكَ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى { وَإِنْ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا } رَوَى الْبُخَارِيُّ ، عَنْ عَائِشَةَ { وَإِنْ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا وَالصُّلْح خَيْرٌ } قَالَتْ : هِيَ الْمَرْأَةُ تَكُونُ عِنْدَ الرَّجُلِ ، لَا يَسْتَكْثِرُ مِنْهَا ، فَيُرِيدُ طَلَاقَهَا ، وَيَتَزَوَّجُ عَلَيْهَا ، فَتَقُولُ لَهُ أَمْسِكْنِي ، وَلَا تُطَلِّقْنِي ، ثُمَّ تَزَوَّجْ غَيْرِي ، فَأَنْتَ فِي حِلٍّ مِنْ النَّفَقَةِ عَلَيَّ ، وَالْقِسْمَةِ لِي .\rوَعَنْ عَائِشَةَ ، { أَنَّ سَوْدَةَ بِنْتَ زَمْعَةَ ، حِينَ أَسَنَّتْ ، وَفَرَّقَتْ أَنْ يُفَارِقَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، يَوْمِي لِعَائِشَةَ .\rفَقَبِلَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهَا .\r} قَالَتْ : وَفِي ذَلِكَ أَنْزَلَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ وَفِي أَشْبَاهِهَا أَرَاهُ قَالَ : { وَإِنْ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إعْرَاضًا } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَمَتَى صَالَحَتْهُ عَلَى تَرْكِ شَيْءٍ مِنْ قَسْمِهَا أَوْ نَفَقَتِهَا ، أَوْ عَلَى ذَلِكَ كُلِّهِ ، جَازَ .\rفَإِنْ رَجَعَتْ ، فَلَهَا ذَلِكَ .\rقَالَ أَحْمَدُ فِي الرَّجُلِ يَغِيبُ عَنْ امْرَأَتِهِ ، فَيَقُولُ لَهَا : إنْ رَضِيت عَلَى هَذَا ، وَإِلَّا فَأَنْتِ أَعْلَمُ .\rفَتَقُولُ : قَدْ رَضِيت .\rفَهُوَ جَائِزٌ ، فَإِنْ شَاءَتْ رَجَعَتْ .","part":16,"page":95},{"id":7595,"text":"( 5743 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَالزَّوْجَانِ إذَا وَقَعَتْ بَيْنَهُمَا الْعَدَاوَةُ ، وَخُشِيَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُخْرِجَهُمَا ذَلِكَ إلَى الْعِصْيَانِ بَعَثَ الْحَاكِمُ حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا ، مَأْمُونَيْنِ ، بِرِضَى الزَّوْجَيْنِ ، وَتَوْكِيلِهِمَا ، بِأَنْ يَجْمَعَا إذَا رَأَيَا أَوْ يُفَرِّقَا ، فَمَا فَعَلَا مِنْ ذَلِكَ لَزِمَهُمَا ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الزَّوْجَيْنِ إذَا وَقَعَ بَيْنَهُمَا شِقَاقٌ ، نَظَرَ الْحَاكِمُ ، فَإِنْ بَانَ لَهُ أَنَّهُ مِنْ الْمَرْأَةِ ، فَهُوَ نُشُوزٌ ، قَدْ مَضَى حُكْمُهُ ، وَإِنْ بَانَ أَنَّهُ مِنْ الرَّجُلِ ، أَسْكَنَهُمَا إلَى جَانِبِ ثِقَةٍ ، يَمْنَعُهُ مِنْ الْإِضْرَارِ بِهَا ، وَالتَّعَدِّي عَلَيْهَا .\rوَكَذَلِكَ إنْ بَانَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا تَعَدٍّ ، أَوْ ادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّ الْآخَرَ ظَلَمَهُ ، أَسْكَنَهُمَا إلَى جَانِبِ مَنْ يُشْرِفُ عَلَيْهِمَا وَيُلْزِمُهُمَا الْإِنْصَافَ ، فَإِنْ لَمْ يَتَهَيَّأْ ذَلِكَ ، وَتَمَادَى الشَّرُّ بَيْنَهُمَا ، وَخِيفَ الشِّقَاقُ عَلَيْهِمَا وَالْعِصْيَانُ ، بَعَثَ الْحَاكِمُ حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا ، فَنَظَرَا بَيْنَهُمَا ، وَفَعَلَا مَا يَرَيَانِ الْمَصْلَحَةَ فِيهِ ، مِنْ جَمْعٍ أَوْ تَفْرِيقٍ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إنْ يُرِيدَا إصْلَاحًا يُوَفِّقْ اللَّهُ بَيْنَهُمَا } .\rوَاخْتَلَفْت الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ ، فِي الْحَكَمَيْنِ ، فَفِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ ، أَنَّهُمَا وَكِيلَانِ لَهُمَا ، لَا يَمْلِكَانِ التَّفْرِيقَ إلَّا بِإِذْنِهِمَا .\rوَهَذَا مَذْهَبُ عَطَاءٍ وَأَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ وَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ الْحَسَنِ وَأَبِي حَنِيفَةَ لِأَنَّ الْبُضْعَ حَقُّهُ ، وَالْمَالَ حَقُّهَا ، وَهُمَا رَشِيدَانِ ، فَلَا يَجُوزُ لَغَيْرِهِمَا التَّصَرُّفُ فِيهِ إلَّا بِوَكَالَةٍ مِنْهُمَا ، أَوْ وِلَايَةٍ عَلَيْهِمَا .\rوَالثَّانِيَةُ ، أَنَّهُمَا حَاكِمَانِ ، وَلَهُمَا أَنْ يَفْعَلَا مَا يَرَيَانِ مِنْ جَمْعٍ وَتَفْرِيقٍ ، بِعِوَضٍ وَغَيْرِ عِوَضٍ ، وَلَا يَحْتَاجَانِ إلَى","part":16,"page":96},{"id":7596,"text":"تَوْكِيلِ الزَّوْجَيْنِ وَلَا رِضَاهُمَا .\rوَرُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَالشَّعْبِيِّ وَالنَّخَعِيِّ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَمَالِكٍ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَإِسْحَاقَ وَابْنِ الْمُنْذِرِ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى { فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا } .\rفَسَمَّاهُمَا حَكَمَيْنِ ، وَلَمْ يَعْتَبِرْ رِضَى الزَّوْجَيْنِ ، ثُمَّ قَالَ : { إنْ يُرِيدَا إصْلَاحًا } فَخَاطَبَ الْحَكَمَيْنِ بِذَلِكَ .\rوَرَوَى أَبُو بَكْرٍ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَبِيدَةُ السَّلْمَانِيِّ ، أَنَّ رَجُلًا وَامْرَأَةً أَتَيَا عَلِيًّا مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِئَامٌ مِنْ النَّاسِ ، فَقَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ ، وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا ، فَبَعَثُوا حَكَمَيْنِ ، ثُمَّ قَالَ عَلِيٌّ لِلْحَكَمَيْنِ : هَلْ تَدْرِيَانِ مَا عَلَيْكُمَا مِنْ الْحَقِّ ؟ إنْ رَأَيْتُمَا أَنْ تَجْمَعَا جَمَعْتُمَا ، وَإِنْ رَأَيْتُمَا أَنْ تُفَرِّقَا فَرَّقْتُمَا .\rفَقَالَتْ الْمَرْأَةُ : رَضِيت بِكِتَابِ اللَّهِ عَلَيَّ وَلِي .\rفَقَالَ الرَّجُلُ : أَمَّا الْفُرْقَةُ فَلَا .\rفَقَالَ عَلِيٌّ كَذَبْت حَتَّى تَرْضَى بِمَا رَضِيَتْ بِهِ .\rوَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَجْبَرَهُ عَلَى ذَلِكَ ، وَيُرْوَى أَنَّ عَقِيلًا تَزَوَّجَ فَاطِمَةَ بِنْتَ عُتْبَةَ ، فَتَخَاصَمَا ، فَجَمَعَتْ ثِيَابَهَا ، وَمَضَتْ إلَى عُثْمَانَ فَبَعَثَ حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ ، وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا مُعَاوِيَةَ ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : لَأُفَرِّقَنَّ بَيْنَهُمَا .\rوَقَالَ مُعَاوِيَةُ : مَا كُنْت لِأُفَرِّقَ بَيْنَ شَيْخَيْنِ مِنْ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ .\rفَلَمَّا بَلَغَا الْبَابَ كَانَا قَدْ غَلَّقَا الْبَابَ وَاصْطَلَحَا .\rوَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ تَثْبُت الْوِلَايَةُ عَلَى الرَّشِيدِ عِنْدَ امْتِنَاعِهِ مِنْ أَدَاءِ الْحَقِّ ، كَمَا يَقْضِي الدَّيْنَ عَنْهُ مِنْ مَالِهِ إذَا امْتَنَعَ ، وَيُطَلِّقُ الْحَاكِمُ عَلَى الْمُولِي إذَا امْتَنَعَ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّ الْحَكَمَيْنِ لَا يَكُونَانِ إلَّا عَاقِلَيْنِ بَالِغَيْنِ عَدْلَيْنِ مُسْلِمَيْنِ ؛ لِأَنَّ هَذِهِ مِنْ شُرُوطِ","part":16,"page":97},{"id":7597,"text":"الْعَدَالَةِ سَوَاءٌ قُلْنَا : هُمَا حَاكَمَانِ أَوْ وَكِيلَانِ ؛ لِأَنَّ الْوَكِيلَ إذَا كَانَ مُتَعَلِّقًا بِنَظَرِ الْحَاكِمِ ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ إلَّا عَدْلًا ، كَمَا لَوْ نُصِبَ وَكِيلًا لَصَبِيٍّ أَوْ مُفْلِسٍ ، يَكُونَانِ ذَكَرَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ مُفْتَقِرٌ إلَى الرَّأْيِ وَالنَّظَرِ .\rقَالَ الْقَاضِي : يُشْتَرَطُ كَوْنُهُمَا حُرَّيْنِ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ لِأَنَّ الْعَبْدَ عِنْدَهُ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ ، فَتَكُونُ الْحُرِّيَّةُ مِنْ شُرُوطِ الْعَدَالَةِ .\rوَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ : إنْ كَانَا وَكِيلَيْنِ ، لَمْ تُعْتَبَرْ الْحُرِّيَّةُ ؛ لِأَنَّ تَوْكِيلَ الْعَبْدِ جَائِزٌ ، وَإِنْ كَانَا حَكَمَيْنِ ، اُعْتُبِرَتْ الْحُرِّيَّةُ ؛ لِأَنَّ الْحَاكِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا .\rوَيُعْتَبَرُ أَنْ يَكُونَا عَالِمَيْنِ بِالْجَمْعِ وَالتَّفْرِيقِ ؛ لِأَنَّهُمَا يَتَصَرَّفَانِ فِي ذَلِكَ ، فَيُعْتَبَرُ عِلْمُهُمَا بِهِ .\rوَالْأَوْلَى أَنْ يَكُونَا مِنْ أَهْلِهِمَا ؛ لِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى بِذَلِكَ ، وَلِأَنَّهُمَا أَشْفَقُ وَأَعْلَمُ بِالْحَالِ ، فَإِنْ كَانَا مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِمَا جَازَ ؛ لِأَنَّ الْقَرَابَةَ لَيْسَتْ شَرْطًا فِي الْحُكْمِ وَلَا الْوَكَالَةِ ، فَكَانَ الْأَمْرُ بِذَلِكَ إرْشَادًا وَاسْتِحْبَابًا ، فَإِنْ قُلْنَا : هُمَا وَكِيلَانِ فَلَا يَفْعَلَانِ شَيْئًا حَتَّى يَأْذَنَ الرَّجُلُ لِوَكِيلِهِ فِيمَا يَرَاهُ مِنْ طَلَاقٍ أَوَصُلْحً ، وَتَأْذَنَ الْمَرْأَةُ لِوَكِيلِهَا فِي الْخُلْعِ وَالصُّلْحِ عَلَى مَا يَرَاهُ ، فَإِنْ امْتَنَعَا مِنْ التَّوْكِيلِ ، لَمْ يُجْبَرَا .\rوَإِنْ قُلْنَا : إنَّهُمَا حَكَمَانِ .\rفَإِنَّهُمَا يُمْضِيَانِ مَا يَرَيَانِهِ مِنْ طَلَاقٍ وَخُلْعَ ، فَيَنْفُذُ ذَلِكَ عَلَيْهِمَا ، رَضِيَاهُ أَوْ أَبَيَاهُ .","part":16,"page":98},{"id":7598,"text":"( 5744 ) فَصْلٌ : فَإِنْ غَابَ الزَّوْجَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا بَعْدَ بَعْثِ حَكَمَيْنِ ، جَازَ لِلْحَكَمَيْنِ إمْضَاءُ رَأْيِهِمَا إنْ قُلْنَا : إنَّهُمَا وَكِيلَانِ .\rلِأَنَّ الْوَكَالَةَ لَا تَبْطُلُ بِالْغَيْبَةِ ، وَإِنْ قُلْنَا : إنَّهُمَا حَاكِمَانِ .\rلَمْ يَجُزْ لَهُمَا إمْضَاءُ الْحُكْمِ ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الزَّوْجَيْنِ مَحْكُومٌ لَهُ وَعَلَيْهِ ، وَالْقَضَاءُ لِلْغَائِبِ لَا يَجُوزُ ، إلَّا أَنْ يَكُونَا قَدْ وَكَّلَاهُمَا ، فَيَفْعَلَانِ ذَلِكَ بِحُكْمِ التَّوْكِيلِ ، لَا بِالْحُكْمِ .\rوَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا قَدْ وَكَّلَ ، جَازَ لِوَكِيلِهِ فِعْلُ مَا وَكَّلَهُ فِيهِ مَعَ غَيْبَتِهِ .\rوَإِنْ جُنَّ أَحَدُهُمَا ، بَطَلَ حُكْمُ وَكِيلِهِ ؛ لِأَنَّ الْوَكَالَةَ تَبْطُلُ بِجُنُونِ الْمُوَكِّلِ .\rوَإِنْ كَانَ حَاكِمًا لَمْ يَجُزْ لَهُ الْحُكْمُ ؛ لِأَنَّ مِنْ شَرْطِ ذَلِكَ بَقَاءَ الشِّقَاقِ ، وَحُضُورَ الْمُتَدَاعِيَيْنِ ، وَلَا يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ مَعَ الْجُنُونِ .","part":16,"page":99},{"id":7599,"text":"( 5745 ) فَصْلٌ : فَإِنْ شَرَطَ الْحَكَمَانِ شَرْطًا أَوْ شَرَطَهُ الزَّوْجَانِ لَمْ يَلْزَمْ ، مِثْلُ أَنْ يَشْتَرِطَا تَرْكَ بَعْضِ النَّفَقَةِ وَالْقَسْمِ ، لَمْ يَلْزَمْ الْوَفَاءُ بِهِ ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَلْزَمْ بِرِضَى الْمُوَكِّلَيْنِ ، فَبِرِضَى الْوَكِلَيْنِ أَوْلَى .\rوَإِنْ أَبْرَأَ وَكِيلُ الْمَرْأَةِ مِنْ الصَّدَاقِ أَوْ دَيْنٍ لَهَا ، لَمْ يَبْرَأْ الزَّوْجُ إلَّا فِي الْخُلْعِ .\rوَإِنْ أَبْرَأَ وَكِيلُ الزَّوْجِ مِنْ دَيْنٍ لَهُ ، أَوْ مِنْ الرَّجُلِ ، لَمْ تَبْرَأْ الزَّوْجَةُ ؛ لِأَنَّهُمَا وَكِيلَانِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْإِصْلَاحِ ، لَا فِي إسْقَاطِ الْحُقُوقُ .","part":16,"page":100},{"id":7600,"text":"كِتَابُ الْخُلْعِ ( 5746 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَالْمَرْأَةُ إذَا كَانَتْ مُبْغِضَةً لِلرَّجُلِ ، وَتَكْرَهُ أَنْ تَمْنَعَهُ مَا تَكُونُ عَاصِيَةً بِمَنْعِهِ فَلَا بَأْسَ أَنْ تَفْتَدِيَ نَفْسَهَا مِنْهُ ) وَجُمْلَةُ الْأَمْرِ أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا كَرِهَتْ زَوْجَهَا ، لِخَلْقِهِ ، أَوْ خُلُقِهِ ، أَوْ دِينِهِ ، أَوْ كِبَرِهِ ، أَوْ ضَعْفِهِ ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ ، وَخَشِيَتْ أَنْ لَا تُؤَدِّيَ حَقَّ اللَّهَ تَعَالَى فِي طَاعَتِهِ ، جَازَ لَهَا أَنْ تُخَالِعَهُ بِعِوَضٍ تَفْتَدِي بِهِ نَفْسَهَا مِنْهُ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى { فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ } وَرُوِيَ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ إلَى الصُّبْحِ ، فَوَجَدَ حَبِيبَةَ بِنْتَ سَهْلٍ عِنْدَ بَابِهِ فِي الْغَلَسِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا شَأْنُك ؟ قَالَتْ : لَا أَنَا وَلَا ثَابِتٌ ، لِزَوْجِهَا ، فَلَمَّا جَاءَ ثَابِتٌ ، قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هَذِهِ حَبِيبَةُ بِنْتُ سَهْلٍ ، فَذَكَرَتْ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَذْكُرَ وَقَالَتْ حَبِيبَةُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ كُلُّ مَا أَعْطَانِي عِنْدِي فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ : خُذْ مِنْهَا .\rفَأَخَذَ مِنْهَا ، وَجَلَسَتْ فِي أَهْلِهَا .\r} وَهَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ ، ثَابِتُ الْإِسْنَادِ ، رَوَاهُ الْأَئِمَّةُ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَغَيْرُهُمَا ، وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ ، قَالَ : { جَاءَتْ امْرَأَةُ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَا أَنْقِمُ عَلَى ثَابِتٍ فِي دِينٍ وَلَا خُلُقٍ ، إلَّا أَنِّي أَخَافُ الْكُفْرَ .\rفَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ ؟ قَالَتْ : نَعَمْ .\rفَرَدَّتْهَا عَلَيْهِ ، وَأَمَرَهُ فَفَارَقَهَا .\r} وَفِي رِوَايَةٍ ، فَقَالَ لَهُ : { اقْبَلْ الْحَدِيقَةَ وَطَلِّقْهَا تَطْلِيقَةً } وَبِهَذَا قَالَ جَمِيعُ الْفُقَهَاءِ بِالْحِجَازِ وَالشَّامِ .\rقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَلَا","part":16,"page":101},{"id":7601,"text":"نَعْلَمُ أَحَدًا خَالَفَهُ ، إلَّا بَكْرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيّ ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يُجِزْهُ ، وَزَعَمَ أَنَّ آيَةَ الْخُلْعِ مَنْسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ : { وَإِنْ أَرَدْتُمْ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ } .\rالْآيَةَ وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ وَأَبِي قِلَابَةَ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ الْخُلْعُ حَتَّى يَجِدَ عَلَى بَطْنِهَا رَجُلًا ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ } .\rوَلَنَا الْآيَةُ الَّتِي تَلَوْنَاهَا ، وَالْخَبَرُ ، وَأَنَّهُ قَوْلُ عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَغَيْرِهِمْ مِنْ الصَّحَابَةِ ، لَمْ نَعْرِفْ لَهُمْ فِي عَصْرِهِمْ مُخَالِفًا ، فَيَكُونُ إجْمَاعًا ، وَدَعْوَى النَّسْخِ لَا تُسْمَعُ حَتَّى يَثْبُت تَعَذُّرُ الْجَمْعِ ، وَأَنَّ الْآيَةَ النَّاسِخَةَ مُتَأَخِّرَةٌ ، وَلَمْ يَثْبُت شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّ هَذَا يُسَمَّى خُلْعًا ؛ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ تَنْخَلِعُ مِنْ لِبَاسِ زَوْجِهَا .\rقَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ } وَيُسَمَّى افْتِدَاءً ؛ لِأَنَّهَا تَفْتَدِي نَفْسَهَا بِمَالٍ تَبْذُلُهُ .\rقَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ .\r}","part":16,"page":102},{"id":7602,"text":"( 5747 ) فَصْلٌ : وَلَا يُفْتَقَرُ الْخُلْعُ إلَى حَاكِمٍ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، فَقَالَ : يَجُوزُ الْخُلْعُ دُونَ السُّلْطَانِ .\rوَرَوَى الْبُخَارِيُّ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَبِهِ قَالَ شُرَيْحٌ وَالزُّهْرِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَهْلُ الرَّأْيِ .\rوَعَنْ الْحَسَنِ ، وَابْن سِيرِينَ لَا يَجُوزُ إلَّا عِنْدَ السُّلْطَانِ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ عُمَرَ وَعُثْمَانَ ، وَلِأَنَّهُ مُعَاوَضَةٌ ، فَلَمْ يَفْتَقِرْ إلَى السُّلْطَانِ ، كَالْبَيْعِ وَالنِّكَاحِ ، وَلِأَنَّهُ قَطْعُ عَقْدٍ بِالتَّرَاضِي ، أَشْبَهَ الْإِقَالَةَ .","part":16,"page":103},{"id":7603,"text":"( 5748 ) فَصْلٌ : وَلَا بَأْسَ بِالْخُلْعِ فِي الْحَيْضِ وَالطُّهْرِ الَّذِي أَصَابَهَا فِيهِ ؛ لِأَنَّ الْمَنْعَ مِنْ الطَّلَاقِ فِي الْحَيْضِ مِنْ أَجْلِ الضَّرَرِ الَّذِي يَلْحَقُهَا بِطُولِ الْعِدَّةِ ، وَالْخُلْعُ لِإِزَالَةِ الضَّرَرِ الَّذِي يَلْحَقُهَا بِسُوءِ الْعِشْرَةِ وَالْمُقَامِ مَعَ مَنْ تَكْرَهُهُ وَتُبْغِضُهُ ، وَذَلِكَ أَعْظَمُ مِنْ ضَرَرِ طُولِ الْعِدَّةِ ، فَجَازَ دَفْعُ أَعْلَاهُمَا بِأَدْنَاهُمَا ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَسْأَلْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُخْتَلِعَةَ عَنْ حَالِهَا ، وَلِأَنَّ ضَرَرَ تَطْوِيلِ الْعِدَّةِ عَلَيْهَا ، وَالْخُلْعُ يَحْصُلُ بِسُؤَالِهَا ، فَيَكُونُ ذَلِكَ رِضَاءً مِنْهَا بِهِ ، وَدَلِيلًا عَلَى رُجْحَانِ مَصْلَحَتِهَا فِيهِ .","part":16,"page":104},{"id":7604,"text":"( 5749 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَلَا يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ أَكْثَرَ مِمَّا أَعْطَاهَا ) هَذَا الْقَوْلُ يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ الْخُلْعِ بِأَكْثَرَ مِنْ الصَّدَاقِ ، وَأَنَّهُمَا إذَا تَرَاضَيَا عَلَى الْخُلْعِ بِشَيْءٍ صَحَّ .\rوَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُثْمَانَ وَابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَعِكْرِمَةَ وَمُجَاهِدٍ وَقَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ وَالنَّخَعِيِّ وَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ .\rوَيُرْوَى عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ أَنَّهُمَا قَالَا : لَوْ اخْتَلَعَتْ امْرَأَةٌ مِنْ زَوْجِهَا بِمِيرَاثِهَا ، وَعِقَاصِ رَأْسِهَا كَانَ ذَلِكَ جَائِزًا .\rوَقَالَ عَطَاءٌ وَطَاوُسٌ وَالزُّهْرِيُّ وَعَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ : لَا يَأْخُذُ أَكْثَرَ مِمَّا أَعْطَاهَا .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ بِإِسْنَادٍ مُنْقَطِعٍ .\rوَاخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ قَالَ : فَإِنْ فَعَلَ رَدَّ الزِّيَادَةَ .\rوَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَ : مَا أَرَى أَنْ يَأْخُذَ كُلَّ مَالِهَا ، وَلَكِنْ لِيَدَعَ لَهَا شَيْئًا .\rوَاحْتَجُّوا بِمَا رُوِيَ { أَنَّ جَمِيلَةَ بِنْتَ سَلُولَ أَتَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ : وَاَللَّهِ مَا أَعِيبُ عَلَى ثَابِتٍ فِي دِينٍ وَلَا خُلُقٍ ، وَلَكِنْ أَكْرَهُ الْكُفْرَ فِي الْإِسْلَامِ ، لَا أُطِيقُهُ بُغْضًا .\rفَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ ؟ قَالَتْ : نَعَمْ .\rفَأَمَرَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهَا حَدِيقَتَهُ ، وَلَا يَزْدَادَ .\r} رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ .\rوَلِأَنَّهُ بَدَلٌ فِي مُقَابَلَةِ فَسْخٍ ، فَلَمْ يَزِدْ عَلَى قَدْرِهِ فِي ابْتِدَاءِ الْعَقْدِ ، كَالْعِوَضِ فِي الْإِقَالَةِ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى { فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ } .\rوَلِأَنَّهُ قَوْلُ مَنْ سَمَّيْنَا مِنْ الصَّحَابَةِ ، قَالَتْ الرُّبَيِّعُ بِنْتُ مُعَوِّذٍ : اخْتَلَعْت مِنْ زَوْجِي بِمَا دُونَ عِقَاصِ رَأْسِي ، فَأَجَازَ ذَلِكَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .\rوَمِثْلُ هَذَا يَشْتَهِرُ ، فَلَمْ يُنْكَرْ ، فَيَكُونُ إجْمَاعًا وَلَمْ يَصِحَّ عَنْ","part":16,"page":105},{"id":7605,"text":"عَلِيٍّ خِلَافُهُ .\rفَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ أَكْثَرَ مِمَّا أَعْطَاهَا .\rوَبِذَلِكَ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَالْحَسَنُ وَالشَّعْبِيُّ وَالْحَكَمُ وَحَمَّادٌ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو عُبَيْدٍ فَإِنْ فَعَلَ جَازَ مَعَ الْكَرَاهِيَةِ ، وَلَمْ يَكْرَهْهُ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ قَالَ مَالِكٌ لَمْ أَزَلْ أَسْمَعُ إجَازَةَ الْفِدَاءِ بِأَكْثَرَ مِنْ الصَّدَاقِ .\rوَلَنَا ، حَدِيثُ جَمِيلَةَ .\rوَرُوِيَ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ الْمُخْتَلِعَةِ أَكْثَرَ مِمَّا أَعْطَاهَا .\r} رَوَاهُ أَبُو حَفْصٍ بِإِسْنَادِهِ .\rوَهُوَ صَرِيحٌ فِي الْحُكْمِ ، فَنَجْمَعُ بَيْنَ الْآيَةِ وَالْخَبَرِ ، فَنَقُولُ : الْآيَةُ دَالَّةٌ عَلَى الْجَوَازِ ، وَالنَّهْيُ عَنْ الزِّيَادَةِ لِلْكَرَاهِيَةِ .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":16,"page":106},{"id":7606,"text":"( 5750 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَلَوْ خَالَعَتْهُ لِغَيْرِ مَا ذَكَرْنَا ، كَرِهَ لَهَا ذَلِكَ ، وَوَقَعَ الْخُلْعُ ) فِي بَعْضِ النُّسَخِ \" بِغَيْرِ مَا ذَكَرْنَا \" بِالْبَاءِ ، فَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ بِأَكْثَرَ مِنْ صَدَاقِهَا .\rوَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ فِي الْمَسْأَلَةِ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ أَرَادَ إذَا خَالَعَتْهُ لِغَيْرِ بُغْضٍ ، وَخَشْيَةً مِنْ أَنْ لَا تُقِيمَ حُدُودَ اللَّهِ ، لِأَنَّهُ لَوْ أَرَادَ الْأَوَّلَ لَقَالَ : كَرِهَ لَهُ .\rفَلَمَّا قَالَ : كَرِهَ لَهَا .\rدَلَّ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ مُخَالَعَتَهَا لَهُ ، وَالْحَالُ عَامِرَةٌ ، وَالْأَخْلَاقُ مُلْتَئِمَةٌ ، فَإِنَّهُ يُكْرَهُ لَهَا ذَلِكَ ، فَإِنْ فَعَلَتْ صَحَّ الْخُلْعُ ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ؛ مِنْهُمْ أَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ وَمَالِكٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالشَّافِعِيُّ وَيَحْتَمِلُ كَلَامُ أَحْمَدَ تَحْرِيمَهُ ؛ فَإِنَّهُ قَالَ : الْخُلْعُ مِثْلُ حَدِيثِ سَهْلَةَ ، تَكْرَهُ الرَّجُلَ فَتُعْطِيهِ الْمَهْرَ ، فَهَذَا الْخُلْعُ .\rوَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَكُونُ الْخُلْعُ صَحِيحًا إلَّا فِي هَذِهِ الْحَالِ .\rوَهَذَا قَوْلُ ابْنِ الْمُنْذِرِ وَدَاوُد وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَرُوِيَ مَعْنَى ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَكَثِيرٍ مِنْ أَهْل الْعِلْمِ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى قَالَ : { وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ } وَهَذَا صَرِيحٌ فِي التَّحْرِيمِ إذَا لَمْ يَخَافَا إلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ ، ثُمَّ قَالَ : { فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ } فَدَلَّ بِمَفْهُومِهِ عَلَى أَنَّ الْجُنَاحَ لَاحِقٌ بِهِمَا إذَا افْتَدَتْ مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ ، ثُمَّ غَلَّظَ بِالْوَعِيدِ فَقَالَ : { تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ } وَرَوِيَ ثَوْبَانِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ { صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَيُّمَا امْرَأَةٍ سَأَلَتْ زَوْجَهَا الطَّلَاقَ ، مِنْ غَيْرِ مَا بَأْسٍ فَحَرَامٌ عَلَيْهَا رَائِحَةُ","part":16,"page":107},{"id":7607,"text":"الْجَنَّةُ .\r} رَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { الْمُخْتَلِعَاتُ وَالْمُنْتَزِعَاتُ هُنَّ الْمُنَافِقَاتُ } رَوَاهُ أَبُو حَفْصٍ ، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ ، فِي \" الْمُسْنَدِ \" ، وَذَكَرَهُ مُحْتَجًّا بِهِ ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِ الْمُخَالَعَةِ لِغَيْرِ حَاجَةٍ ، وَلِأَنَّهُ إضْرَارٌ بِهَا وَبِزَوْجِهَا ، وَإِزَالَةٌ لِمَصَالِحِ النِّكَاحِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ ، فَحُرِّمَ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ { : لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ } .\rوَاحْتَجَّ مَنْ أَجَازَهُ بِقَوْلِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ : { فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا } قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ لَا يَلْزَمُ مِنْ الْجَوَازِ فِي غَيْرِ عَقْدٍ ، الْجَوَازُ فِي الْمُعَاوَضَةِ ؛ بِدَلِيلِ الرِّبَا ، حَرَّمَهُ اللَّهُ فِي الْعَقْدِ وَأَبَاحَهُ فِي الْهِبَةِ .\rوَالْحُجَّةُ مَعَ مَنْ حَرَّمَهُ ، وَخُصُوصُ الْآيَةِ فِي التَّحْرِيمِ ، يَجِبُ تَقْدِيمُهُ عَلَى عُمُومِ آيَةِ الْجَوَازِ ، مَعَ مَا عَضْدَهَا مِنْ الْأَخْبَارِ .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":16,"page":108},{"id":7608,"text":"( 5751 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا إنْ عَضَلَ زَوْجَتَهُ ، وَضَارَّهَا بِالضَّرْبِ وَالتَّضْيِيقِ عَلَيْهَا ، أَوْ مَنَعَهَا حُقُوقَهَا ؛ مِنْ النَّفَقَةِ ، وَالْقَسْمِ وَنَحْوِ ذَلِكَ ، لِتَفْتَدِيَ نَفْسَهَا مِنْهُ ، فَفَعَلَتْ ، فَالْخُلْعُ بَاطِلٌ ، وَالْعِوَضُ مَرْدُودٌ .\rرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَطَاءٍ وَمُجَاهِدٍ وَالشَّعْبِيِّ وَالنَّخَعِيِّ وَالْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ وَعُرْوَةَ وَعَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ وَحُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَالزُّهْرِيِّ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالثَّوْرِيُّ وَقَتَادَةُ وَالشَّافِعِيُّ وَإِسْحَاقُ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : الْعَقْدُ صَحِيحٌ ، وَالْعِوَضُ لَازِمٌ ، وَهُوَ آثِمٌ عَاصٍ .\rوَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ } وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ } .\rوَلِأَنَّهُ عِوَضٌ أُكْرِهْنَ عَلَى بَذْلِهِ بِغَيْرِ حَقٍّ ، فَلَمْ يُسْتَحَقَّ ، كَالثَّمَنِ فِي الْبَيْعِ ، وَالْأَجْرِ فِي الْإِجَارَةِ .\rوَإِذَا لَمْ يَمْلِكْ الْعِوَضَ ، وَقُلْنَا : الْخُلْعُ طَلَاقٌ .\rوَقَعَ الطَّلَاقُ بِغَيْرِ عِوَضٍ ، فَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ ، فَلَهُ رَجْعُهَا ؛ لِأَنَّ الرَّجْعَةَ إنَّمَا سَقَطَتْ بِالْعِوَضِ ، فَإِذَا سَقَطَ الْعِوَضُ ، ثَبَتَتْ الرَّجْعَةُ .\rوَإِنْ قُلْنَا : هُوَ فَسْخٌ .\rوَلَمْ يَنْوِ بِهِ الطَّلَاقَ لَمْ يَقَعْ شَيْءٌ ؛ لِأَنَّ الْخُلْعَ بِغَيْرِ عِوَضٍ لَا يَقَعُ عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ ، وَعَلَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى ، إنَّمَا رَضِيَ بِالْفَسْخِ هَاهُنَا بِالْعِوَضِ ، فَإِذَا لَمْ يَحْصُلْ لَهُ الْعِوَضُ ، لَا يَحْصُلُ الْمُعَوَّضُ .\rوَقَالَ مَالِكٌ إنَّ أَخَذَ مِنْهَا شَيْئًا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ ، رَدَّهُ ، وَمَضَى الْخُلْعُ عَلَيْهِ .\rوَيَتَخَرَّجُ لَنَا مِثْلُ ذَلِكَ إذَا قُلْنَا : يَصِحُّ الْخُلْعُ بِغَيْرِ عِوَضٍ .","part":16,"page":109},{"id":7609,"text":"( 5752 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا إنْ ضَرَبَهَا عَلَى نُشُوزِهَا ، وَمَنَعَهَا حَقَّهَا ، لَمْ يَحْرُمْ خُلْعُهَا لِذَلِكَ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَمْنَعُهُمَا أَنْ لَا يَخَافَا أَنْ لَا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّه وَفِي بَعْضِ حَدِيثِ حَبِيبَةَ ، أَنَّهَا { كَانَتْ تَحْتَ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ ، فَضَرَبَهَا فَكَسَرَ ضِلْعَهَا ، فَأَتَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَدَعَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَابِتًا ، فَقَالَ : خُذْ بَعْضَ مَالِهَا ، وَفَارِقْهَا فَفَعَلَ .\r} رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَهَكَذَا لَوْ ضَرَبَهَا ظُلْمًا ؛ لِسُوءِ خُلُقِهِ أَوْ غَيْرِهِ ، لَا يُرِيدُ بِذَلِكَ أَنْ تَفْتَدِيَ نَفْسَهَا ، لَمْ يَحْرُمْ عَلَيْهِ مُخَالَعَتُهَا ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَعْضُلْهَا لِيَذْهَبَ بِبَعْضِ مَا آتَاهَا ، وَلَكِنْ عَلَيْهِ إثْمُ الظُّلْمِ .","part":16,"page":110},{"id":7610,"text":"( 5753 ) فَصْلٌ : فَإِنْ أَتَتْ بِفَاحِشَةٍ ، فَعَضَلَهَا لِتَفْتَدِيَ نَفْسَهَا مِنْهُ ، فَفَعَلَتْ ، صَحَّ الْخُلْعُ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ } وَالِاسْتِثْنَاءُ مِنْ النَّهْيِ إبَاحَةٌ ، وَلِأَنَّهَا مَتَى زَنَتْ ، لَمْ يَأْمَنْ أَنْ تَلْحَقَ بِهِ وَلَدًا مِنْ غَيْرِهِ ، وَتُفْسِدَ فِرَاشَهُ ، فَلَا تُقِيمَ حُدُودَ اللَّهِ فِي حَقِّهِ ، فَتَدْخُلَ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ } وَهَذَا أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ وَالْقَوْلُ الْآخِرُ : لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّهُ عِوَضٌ أُكْرِهَتْ عَلَيْهِ ، أَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ تَزْنِ .\rوَالنَّصُّ أَوْلَى .","part":16,"page":111},{"id":7611,"text":"( 5754 ) فَصْلٌ : إذَا خَالَعَ زَوْجَتَهُ ، أَوْ بَارَأَهَا بِعِوَضٍ ، فَإِنَّهُمَا يَتَرَاجَعَانِ بِمَا بَيْنَهُمَا مِنْ الْحُقُوقِ ، فَإِنْ كَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ ، فَلَهَا نِصْفُ الْمَهْرِ ، وَإِنْ كَانَتْ قَبَضَتْهُ كُلَّهُ ، رَدَّتْ نِصْفَهُ ، وَإِنْ كَانَتْ مُفَوِّضَةً ، فَلَهَا الْمُتْعَةُ .\rوَهَذَا قَوْلُ عَطَاءٍ ، وَالنَّخَعِيِّ ، وَالزُّهْرِيِّ ، وَالشَّافِعِيِّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ذَلِكَ بَرَاءَةٌ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِمَّا لِصَاحِبِهِ عَلَيْهِ مِنْ الْمَهْرِ .\rوَأَمَّا الدُّيُونُ الَّتِي لَيْسَتْ مِنْ حُقُوقِ الزَّوْجِيَّةِ ، فَعَنْهُ فِيهَا رِوَايَتَانِ ، وَلَا تَسْقُطُ النَّفَقَةُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ ؛ لِأَنَّهَا مَا وَجَبَتْ بَعْدُ .\rوَلَنَا أَنَّ الْمَهْرَ حَقٌّ لَا يَسْقُطُ بِالْخُلْعِ ، إذَا كَانَ بِلَفْظِ الطَّلَاقِ ، فَلَا يَسْقُطُ بِلَفْظِ الْخُلْعِ ، وَالْمُبَارَأَةُ ، كَسَائِرِ الدُّيُونِ وَنَفَقَةِ الْعِدَّةِ إذَا كَانَتْ حَامِلًا ، وَلِأَنَّ نِصْفَ الْمَهْرِ الَّذِي يَصِيرُ لَهُ لَمْ يَجِبْ لَهُ قَبْلَ الْخُلْعِ ، فَلَمْ يَسْقُطْ بِالْمُبَارَأَةِ ، كَنَفَقَةِ الْعِدَّةِ ، وَالنِّصْفُ لَهَا لَا يَبْرَأُ مِنْهُ بِقَوْلِهَا : بَارَأْتُكَ .\rلِأَنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي بَرَاءَتَهَا مِنْ حُقُوقِهِ ، لَا بَرَاءَتَهُ مِنْ حُقُوقِهَا .","part":16,"page":112},{"id":7612,"text":"( 5755 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَالْخُلْعُ فَسْخٌ ، فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ ، وَالْأُخْرَى أَنَّهُ تَطْلِيقَةٌ بَائِنَةٌ ) .\rاخْتَلَفْت الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ فِي الْخُلْعِ ؛ فَفِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ أَنَّهُ فَسْخٌ .\rوَهَذَا اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ وَقَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَطَاوُسٍ وَعِكْرِمَةَ وَإِسْحَاقَ وَأَبِي ثَوْرٍ وَأَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ ، أَنَّهُ طَلْقَةٌ بَائِنَةٌ .\rرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَالْحَسَنِ وَعَطَاءٍ وَقَبِيصَةَ ، وَشُرَيْحٍ وَمُجَاهِدٍ وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَالنَّخَعِيِّ وَالشَّعْبِيِّ وَالزُّهْرِيِّ وَمَكْحُولٍ وَابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، وَمَالِكٍ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ لَكِنْ ضَعَّفَ أَحْمَدُ الْحَدِيثَ عَنْهُمْ ، وَقَالَ : لَيْسَ لَنَا فِي الْبَابِ شَيْءٌ أَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ فَسْخٌ .\rوَاحْتَجَّ ابْنُ عَبَّاسٍ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ } ثُمَّ قَالَ : { فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ } ثُمَّ قَالَ : { فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ } فَذَكَرَ تَطْلِيقَتَيْنِ وَالْخُلْعَ وَتَطْلِيقَةً بَعْدَهَا ، فَلَوْ كَانَ الْخُلْعُ طَلَاقًا لَكَانَ أَرْبَعًا ، وَلِأَنَّهَا فُرْقَةٌ خَلَتْ عَنْ صَرِيحِ الطَّلَاقِ وَنِيَّتِهِ ، فَكَانَتْ فَسْخًا كَسَائِرِ الْفُسُوخِ .\rوَوَجْهُ الثَّانِيَةِ أَنَّهَا بَذَلَتْ الْعِوَضَ لِلْفُرْقَةِ ، وَالْفُرْقَةُ الَّتِي يَمْلِكُ الزَّوْجُ إيقَاعَهَا هِيَ الطَّلَاقُ دُونَ الْفَسْخِ ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ طَلَاقًا ، وَلِأَنَّهُ أَتَى بِكِنَايَةِ الطَّلَاقِ ، قَاصِدًا فِرَاقَهَا ، فَكَانَ طَلَاقًا ، كَغَيْرِ الْخُلْعِ .\rوَفَائِدَةُ الرِّوَايَتَيْنِ ، أَنَّا إذَا قُلْنَا : هُوَ طَلْقَةٌ .\rفَخَالَعَهَا مَرَّةً ، حُسِبَتْ طَلْقَةً .\rفَنَقَصَ ، بِهَا عَدَدُ طَلَاقِهَا .\rوَإِنْ خَالَعَهَا ثَلَاثًا طَلُقَتْ ثَلَاثًا ، فَلَا تَحُلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ .\rوَإِنْ قُلْنَا : هُوَ فَسْخٌ .\rلَمْ تَحْرُمْ عَلَيْهِ ، وَإِنْ خَالَعَهَا","part":16,"page":113},{"id":7613,"text":"مِائَةَ مَرَّةٍ .\rوَهَذَا الْخِلَافُ فِيمَا إذَا خَالَعَهَا بِغَيْرِ لَفْظِ الطَّلَاقِ ، وَلَمْ يَنْوِهِ .\rفَأَمَّا إنْ بَذَلَتْ لَهُ الْعِوَضَ عَلَى فِرَاقِهَا ، فَهُوَ طَلَاقٌ ، لَا اخْتِلَافَ فِيهِ ، وَإِنْ وَقَعَ بِغَيْرِ لَفْظِ الطَّلَاقِ ، مِثْلُ كِنَايَاتِ الطَّلَاقِ ، أَوْ لَفْظِ الْخُلْعِ وَالْمُفَادَاةِ ، وَنَحْوِهِمَا ، وَنَوَى بِهِ الطَّلَاقَ ، فَهُوَ طَلَاقٌ أَيْضًا ؛ لِأَنَّهُ كِنَايَةٌ نَوَى الطَّلَاقَ ، فَكَانَتْ طَلَاقًا ، كَمَا لَوْ كَانَ بِغَيْرِ عِوَضٍ ، فَإِنْ لَمْ يَنْوِ بِهِ الطَّلَاقَ ، فَهُوَ الَّذِي فِيهِ الرِّوَايَتَانِ .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":16,"page":114},{"id":7614,"text":"( 5756 ) فَصْلٌ : وَأَلْفَاظُ الْخُلْعِ تَنْقَسِمُ إلَى صَرِيحٍ وَكِنَايَةٍ ؛ فَالصَّرِيحُ ثَلَاثَةُ أَلْفَاظٍ ؛ خَالَعْتُكَ ؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ لَهُ الْعُرْفُ .\rوَالْمُفَادَاةُ ؛ لِأَنَّهُ وَرَدَ بِهِ الْقُرْآنُ ، بِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ : { فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ } وَفَسَخْت نِكَاحَك ؛ لِأَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِيهِ ، فَإِذَا أَتَى بِأَحَدِ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ ، وَقَعَ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ ، وَمَا عَدَا هَذِهِ مِثْلُ : بَارَأْتُك ، وَأَبْرَأْتُك ، وَأَبَنْتُك .\rفَهُوَ كِنَايَةٌ ؛ لِأَنَّ الْخُلْعَ أَحَدُ نَوْعَيْ الْفُرْقَةِ ، فَكَانَ لَهُ صَرِيحٌ وَكِنَايَةٌ ، كَالطَّلَاقِ .\rوَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ إلَّا أَنَّ لَهُ فِي لَفْظِ الْفَسْخِ وَجْهَيْنِ ، فَإِذَا طَلَبَتْ الْخُلْعَ ، وَبَذَلَتْ الْعِوَضَ فَأَجَابَهَا بِصَرِيحِ الْخُلْعِ أَوْ كِنَايَتِهِ ، صَحَّ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ ؛ لِأَنَّ دَلَالَةَ الْحَالِ مِنْ سُؤَالِ الْخُلْعِ وَبَذْلِ الْعِوَضِ ، صَارِفَةٌ إلَيْهِ ، فَأَغْنَى عَنْ النِّيَّةِ فِيهِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ دَلَالَةَ حَالٍ ، فَأَتَى بِصَرِيحِ الْخُلْعِ ، وَقَعَ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ ، سَوَاءٌ قُلْنَا : هُوَ فَسْخٌ أَوْ طَلَاقٌ .\rوَلَا يَقَعُ بِالْكِنَايَةِ إلَّا بِنِيَّةِ مِمَّنْ تَلَفَّظَ بِهِ مِنْهُمَا ، كَكِنَايَاتِ الطَّلَاقِ مَعَ صَرِيحِهِ .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":16,"page":115},{"id":7615,"text":"( 5757 ) فَصْلٌ : وَلَا يَحْصُلُ الْخُلْعُ بِمُجَرَّدِ بَذْلِ الْمَالِ وَقَبُولِهِ ، مِنْ غَيْرِ لَفْظِ الزَّوْجِ .\rقَالَ الْقَاضِي : هَذَا الَّذِي عَلَيْهِ شُيُوخُنَا الْبَغْدَادِيُّونَ .\rوَقَدْ أَوْمَأَ إلَيْهِ أَحْمَدُ وَذَهَبَ أَبُو حَفْصٍ الْعُكْبَرِيُّ وَابْنُ شِهَابٍ ، إلَى وُقُوعِ الْفُرْقَةِ بِقَبُولِ الزَّوْجِ لِلْعِوَضِ .\rوَأَفْتَى بِذَلِكَ ابْنُ شِهَابٍ بِعُكْبُرَا وَاعْتَرَضَ عَلَيْهِ أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ هُرْمُزَ ، وَاسْتَفْتَى عَلَيْهِ مَنْ كَانَ بِبَغْدَادَ مِنْ أَصْحَابِنَا ، فَقَالَ ابْنُ شِهَابٍ : الْمُخْلَعَةُ عَلَى وَجْهَيْنِ ، مُسْتَبْرِئَةٌ ، وَمُفْتَدِيَةٌ ، فَالْمُفْتَدِيَةُ هِيَ الَّتِي تَقُولُ : لَا أَنَا وَلَا أَنْتَ ، وَلَا أَبَرُّ لَك قَسَمًا ، وَأَنَا أَفْتَدِي نَفْسِي مِنْك .\rفَإِذَا قَبِلَ الْفِدْيَةَ ، وَأَخَذَ الْمَالَ ، انْفَسَخَ النِّكَاحُ ؛ لِأَنَّ إِسْحَاقَ بْنَ مَنْصُورٍ رَوَى ، قَالَ : قُلْت لِأَحْمَدْ كَيْفَ الْخُلْعُ ؟ قَالَ : إذَا أَخَذَ الْمَالَ ، فَهِيَ فُرْقَةٌ .\rوَقَالَ إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ أَخْذُ الْمَالِ تَطْلِيقَةٌ بَائِنَةٌ .\rوَنَحْوُ ذَلِكَ عَنْ الْحَسَنِ وَعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَنْ قَبِلَ مَالًا عَلَى فِرَاقٍ ، فَهِيَ تَطْلِيقَةٌ بَائِنَةٌ ، لَا رَجْعَةَ لَهُ فِيهَا .\rوَاحْتَجَّ بِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَجَمِيلَةَ : { أَتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ ؟ قَالَتْ : نَعَمْ ، فَفَرَّقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَهُمَا .\rوَقَالَ : خُذْ مَا أَعْطَيْتَهَا ، وَلَا تَزْدَدْ } وَلَمْ يَسْتَدْعِ مِنْهُ لَفْظًا .\rوَلِأَنَّ دَلَالَةَ الْحَالِ تُغْنِي عَنْ اللَّفْظِ ؛ بِدَلِيلِ مَا لَوْ دَفَعَ ثَوْبَهُ إلَى قَصَّارٍ أَوْ خَيَّاطٍ مَعْرُوفَيْنِ بِذَلِكَ ، فَعَمِلَاهُ ، اسْتَحَقَّا الْأُجْرَةَ ، وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطَا عِوَضًا .\rوَلَنَا أَنَّ هَذَا أَحَدُ نَوْعَيْ الْخُلْعِ ، فَلَمْ يَصِحَّ بِدُونِ اللَّفْظِ ، كَمَا لَوْ سَأَلَتْهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا بِعِوَضٍ ، وَلِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ فِي الْبُضْعِ بِعِوَضٍ ، فَلَمْ يَصِحَّ بِدُونِ اللَّفْظِ ، كَالنِّكَاحِ وَالطَّلَاقِ ، وَلِأَنَّ أَخْذَ الْمَالِ قَبْضٌ لِعِوَضٍ ، فَلَمْ يَقُمْ بِمُجَرَّدِهِ مَقَامَ","part":16,"page":116},{"id":7616,"text":"الْإِيجَابِ ، كَقَبْضِ أَحَدِ الْعِوَضَيْنِ فِي الْبَيْعِ ، وَلِأَنَّ الْخُلْعَ إنْ كَانَ طَلَاقًا ، فَلَا يَقَعُ بِدُونِ صَرِيحَةٍ أَوْ كِنَايَتِهِ ، وَإِنْ كَانَ فَسْخًا فَهُوَ أَحَدُ طَرَفَيْ عَقْدِ النِّكَاحِ ، فَيُعْتَبَرُ فِيهِ اللَّفْظُ ، كَابْتِدَاءِ الْعَقْدِ .\rوَأَمَّا حَدِيثُ جَمِيلَةَ ، فَقَدْ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ : ( اقْبَلْ الْحَدِيقَةَ ، وَطَلِّقْهَا تَطْلِيقَةً ) .\rوَهَذَا صَرِيحٌ فِي اعْتِبَارِ اللَّفْظِ .\rوَفِي رِوَايَةٍ : فَأَمَرَهُ فَفَارَقَهَا .\rوَمَنْ لَمْ يَذْكُرْ الْفُرْقَةَ ، فَإِنَّمَا اقْتَصَرَ عَلَى بَعْضِ الْقِصَّةِ ، بِدَلِيلِ رِوَايَةِ مَنْ رَوَى الْفُرْقَةَ وَالطَّلَاقَ ، فَإِنَّ الْقِصَّةَ وَاحِدَةٌ ، وَالزِّيَادَةُ مِنْ الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ : فَفَرَّقَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَهُمَا ، وَقَالَ ( خُذْ مَا أَعْطَيْتَهَا ) .\rفَجَعَلَ التَّفْرِيقَ قَبْلَ الْعِوَضِ ، وَنَسَبَ التَّفْرِيقَ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَعْلُومٌ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يُبَاشِرُ التَّفْرِيقَ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِهِ ، وَلَعَلَّ الرَّاوِيَ اسْتَغْنَى بِذِكْرِ الْعِوَضِ عَنْ ذِكْرِ اللَّفْظِ ؛ لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ مِنْهُ .\rوَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ كَلَامُ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ مِنْ الْأَئِمَّةِ ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَذْكُرُوا مِنْ جَانِبِهَا لَفْظًا وَلَا دَلَالَةَ حَالٍ ، وَلَا بُدَّ مِنْهُ اتِّفَاقًا .","part":16,"page":117},{"id":7617,"text":"( 5758 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : وَلَا يَقَعُ بِالْمُعْتَدَّةِ مِنْ الْخُلْعِ طَلَاقٌ ، وَلَوْ وَاجَهَهَا بِهِ وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْمُخْتَلِعَةَ لَا يَلْحَقُهَا طَلَاقٌ بِحَالٍ .\rوَبِهِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ الزُّبَيْرِ وَعِكْرِمَةُ ، وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ ، وَالْحَسَنُ ، وَالشَّعْبِيُّ وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ وَحُكِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يَلْحَقُهَا الطَّلَاقُ الصَّرِيحُ الْمُعَيَّنُ ، دُونَ الْكِنَايَةِ وَالطَّلَاقِ الْمُرْسَلِ ، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ : كُلُّ امْرَأَةٍ لِي طَالِقٌ .\rوَرَوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، وَشُرَيْحٍ ، وَطَاوُسٍ ، وَالنَّخَعِيِّ وَالزُّهْرِيِّ وَالْحَكَمِ وَحَمَّادٍ ، وَالثَّوْرِيِّ ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { الْمُخْتَلِعَةُ يَلْحَقُهَا الطَّلَاقُ ، مَا دَامَتْ فِي الْعِدَّةِ } وَلَنَا ، أَنَّهُ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ الزُّبَيْرِ ، وَلَا نَعْرِفُ لَهُمَا مُخَالِفًا فِي عَصْرِهِمَا .\rوَلِأَنَّهَا لَا تَحِلُّ لَهُ إلَّا بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ ، فَلَمْ يَلْحَقْهَا طَلَاقُهُ ، كَالْمُطَلَّقَةِ قَبْلَ الدُّخُولِ ، أَوْ الْمُنْقَضِيَةِ عِدَّتُهَا ، وَلِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ بُضْعَهَا ، فَلَمْ يَلْحَقْهَا طَلَاقُهُ ، كَالْأَجْنَبِيَّةِ ، وَلِأَنَّهَا لَا يَقَعُ بِهَا الطَّلَاقُ الْمُرْسَلُ ، وَلَا تَطْلُقُ بِالْكِنَايَةِ ، فَلَا يَلْحَقُهَا الصَّرِيحُ الْمُعَيَّنُ ، كَمَا قَبْلَ الدُّخُولِ .\rوَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يُوَاجِهَهَا بِهِ ، فَيَقُولَ : أَنْتِ طَالِقٌ .\rأَوْ لَا يُوَاجِهَهَا بِهِ ، مِثْلُ أَنْ يَقُولَ : فُلَانَةُ طَالِقٌ .\rوَحَدِيثُهُمْ لَا نَعْرِفُ لَهُ أَصْلًا ، وَلَا ذَكَرَهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ .","part":16,"page":118},{"id":7618,"text":"( 5759 ) فَصْلٌ : وَلَا يَثْبُتُ فِي الْخُلْعِ رَجْعَةٌ ، سَوَاءٌ قُلْنَا : هُوَ فَسْخٌ أَوْ طَلَاقٌ .\rفِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ؛ مِنْهُمْ الْحَسَنُ وَعَطَاءٌ وَطَاوُسٌ وَالنَّخَعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَإِسْحَاقُ وَحُكِيَ عَنْ الزُّهْرِيِّ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّهُمَا قَالَا : الزَّوْجُ بِالْخِيَارِ بَيْنَ إمْسَاكِ الْعِوَضِ وَلَا رَجْعَةَ لَهُ وَبَيْنَ رَدِّهِ وَلَهُ الرَّجْعَةُ .\rوَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ إنْ كَانَ الْخُلْعُ بِلَفْظِ الطَّلَاقِ ، فَلَهُ الرَّجْعَةُ ؛ لِأَنَّ الرَّجْعَةُ ؛ مِنْ حُقُوقِ الطَّلَاقِ ، فَلَا تَسْقُطُ بِالْعِوَضِ ، كَالْوَلَاءِ مَعَ الْعِتْقِ .\rوَلَنَا ، قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى : { فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ } .\rوَإِنَّمَا يَكُونُ فِدَاءً إذَا خَرَجَتْ بِهِ عَنْ قَبْضَتِهِ وَسُلْطَانِهِ ، وَإِذَا كَانَتْ لَهُ الرَّجْعَةُ ، فَهِيَ تَحْتَ حُكْمِهِ ، وَلِأَنَّ الْقَصْدَ إزَالَةُ الضَّرَرِ عَنْ الْمَرْأَةِ ، فَلَوْ جَازَ ارْتِجَاعُهَا ، لَعَادَ الضَّرَرُ ، وَفَارَقَ الْوَلَاءَ ؛ فَإِنَّ الْعِتْقَ لَا يَنْفَكُّ مِنْهُ ، وَالطَّلَاقُ يَنْفَكُّ عَنْ الرَّجْعَةِ فِيمَا قَبْلَ الدُّخُولِ ، وَإِذَا أَكْمَلَ الْعَدَدَ .","part":16,"page":119},{"id":7619,"text":"( 5760 ) فَصْلٌ : فَإِنْ شَرَطَ فِي الْخُلْعِ أَنَّ لَهُ الرَّجْعَةَ ، فَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ يَبْطُلُ الشَّرْطُ ، وَيَصِحُّ الْخُلْعُ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ مَالِكٍ لِأَنَّ الْخُلْعَ لَا يَفْسُدُ بِكَوْنِ عِوَضِهِ فَاسِدًا ، فَلَا يَفْسُدُ بِالشَّرْطِ الْفَاسِدِ ، كَالنِّكَاحِ ، وَلِأَنَّهُ لَفْظٌ يَقْتَضِي الْبَيْنُونَةَ .\rفَإِذَا شَرَطَ الرَّجْعَةَ مَعَهُ ، بَطَلَ الشَّرْطُ ، كَالطَّلَاقِ الثَّلَاثِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يَبْطُلَ الْخُلْعُ وَتَثْبُتَ الرَّجْعَةُ .\rوَهُوَ مَنْصُوصُ الشَّافِعِيِّ لِأَنَّ شَرْطَ الْعِوَضِ وَالرَّجْعَةِ مُتَنَافِيَانِ ، فَإِذَا شَرَطَاهُمَا سَقَطَا ، وَبَقِيَ مُجَرَّدُ الطَّلَاقِ فَتَثْبُتُ الرَّجْعَةُ بِالْأَصْلِ لَا بِالشَّرْطِ ، وَلِأَنَّهُ شَرَطَ فِي الْعَقْدِ مَا يُنَافِي مُقْتَضَاهُ ، فَأَبْطَلَهُ ، كَمَا لَوْ شَرَطَ أَنْ لَا يَتَصَرَّفَ فِي الْمَبِيعِ .\rوَإِذَا حَكَمْنَا بِالصِّحَّةِ ، فَقَالَ الْقَاضِي : يَسْقُطُ الْمُسَمَّى فِي الْعِوَضِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرْضَ بِهِ عِوَضًا حَتَّى ضَمَّ إلَيْهِ الشَّرْطَ ، فَإِذَا سَقَطَ الشَّرْطُ ، وَجَبَ ضَمُّ النُّقْصَانِ الَّذِي نَقَصَهُ مِنْ أَجَلِهِ إلَيْهِ ، فَيَصِيرُ مَجْهُولًا ، فَيَسْقُطُ ، وَيَجِبُ الْمُسَمَّى فِي الْعَقْدِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يَجِبَ الْمُسَمَّى ؛ لِأَنَّهُمَا تَرَاضَيَا بِهِ عِوَضًا ، فَلَمْ يَجِبْ غَيْرُهُ ، كَمَا لَوْ خَلَا عَنْ شَرْطِ الرَّجْعَةِ .\r( 5761 ) فَصْلٌ : فَإِنْ شَرْطَ الْخِيَارَ لَهَا أَوْ لَهُ ، يَوْمًا أَوْ أَكْثَرَ ، وَقَبِلَتْ الْمَرْأَةُ ، صَحَّ الْخُلْعُ ، وَبَطَلَ الْخِيَارُ .\rوَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فِيمَا إذَا كَانَ الْخِيَارُ لِلرَّجُلِ .\rوَقَالَ : إذَا جَعَلَ الْخِيَارَ .\rلِلْمَرْأَةِ ، ثَبَتَ لَهَا الْخِيَارُ ، وَلَمْ يَقَعْ الطَّلَاقُ .\rوَلَنَا ، أَنَّ سَبَبَ وُقُوعِ الطَّلَاقِ وُجِدَ ، وَهُوَ اللَّفْظُ بِهِ ، فَوَقَعَ ، كَمَا لَوْ أَطْلَقَ ، وَمَتَى وَقَعَ ، فَلَا سَبِيلَ إلَى رَفْعِهِ .","part":16,"page":120},{"id":7620,"text":"( 5762 ) فَصْلٌ : نَقَلَ مُهَنَّا ، فِي رَجُلٍ قَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ : اجْعَلْ أَمْرِي بِيَدِي ، وَأُعْطِيك عَبْدِي هَذَا .\rفَقَبَضَ الْعَبْدَ ، وَجَعَلَ أَمَرَهَا بِيَدِهَا ، وَبَاعَ الْعَبْدَ قَبْلَ أَنْ تَقُولَ الْمَرْأَةُ شَيْئًا هُوَ لَهُ ، إنَّمَا قَالَتْ : اجْعَلْ أَمْرِي بِيَدِي وَأُعْطِيك .\rفَقِيلَ لَهُ : مَتَى شَاءَتْ تَخْتَارُ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، مَا لَمْ يَطَأْهَا ، أَوْ يَنْقُضْ .\rفَجَعَلَ لَهُ الرُّجُوعَ مَا لَمْ تَطْلُقْ .\rوَإِذَا رَجَعَ فَيَنْبَغِي أَنْ تَرْجِعَ عَلَيْهِ بِالْعِوَضِ ؛ لِأَنَّهُ اسْتَرْجَعَ مَا جَعَلَ لَهَا ، فَتَسْتَرْجِعُ مِنْهُ مَا أَعْطَتْهُ .\rوَلَوْ قَالَ : إذَا جَاءَ رَأْسُ الشَّهْرِ فَأَمْرُك بِيَدِك .\rمَلَكَ إبْطَالَ هَذِهِ الصِّفَةِ ؛ لِأَنَّ هَذَا يَجُوزُ الرُّجُوعُ فِيهِ لَوْ لَمْ يَكُنْ مُعَلَّقًا ، فَمَعَ التَّعْلِيقِ أَوْلَى ، كَالْوَكَالَةِ .\rقَالَ أَحْمَدُ وَلَوْ جَعَلَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ أَلْفَ دِرْهَمٍ عَلَى أَنْ يُخَيِّرَهَا ، فَاخْتَارَتْ الزَّوْجَ ، لَا يَرُدُّ عَلَيْهَا شَيْئًا ، وَوَجْهُهُ أَنَّ الْأَلْفَ فِي مُقَابَلَةِ تَمْلِيكِهِ إيَّاهَا الْخِيَارَ ، وَقَدْ فَعَلَ ، فَاسْتَحَقَّ الْأَلْفَ ، وَلَيْسَتْ الْأَلْفُ فِي مُقَابَلَةِ الْفُرْقَةِ .","part":16,"page":121},{"id":7621,"text":"( 5763 ) فَصْلٌ : إذَا قَالَتْ امْرَأَتُهُ : طَلِّقْنِي بِدِينَارٍ .\rفَطَلَّقَهَا ، ثُمَّ ارْتَدَّتْ ، لَزِمَهَا الدِّينَارُ ، وَوَقَعَ الطَّلَاقُ بَائِنًا ، وَلَا تُؤَثِّرُ الرِّدَّةُ ؛ لِأَنَّهَا وُجِدَتْ بَعْدَ الْبَيْنُونَةِ .\rوَإِنْ طَلَّقَهَا بَعْدَ رِدَّتِهَا وَقَبْلَ دُخُولِهِ بِهَا ، بَانَتْ بِالرِّدَّةِ ، وَلَمْ يَقَعْ الطَّلَاقُ ؛ لِأَنَّهُ صَادَفَهَا بَائِنًا ، فَإِنْ كَانَ بَعْدَ الدُّخُولِ ، وَقُلْنَا : إنَّ الرِّدَّةَ يَنْفَسِخُ بِهَا النِّكَاحُ فِي الْحَالِ .\rفَكَذَلِكَ ، وَإِنْ قُلْنَا : يَقِفُ عَلَى انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ .\rكَانَ الطَّلَاقُ مُرَاعَى .\rفَإِنْ أَقَامَتْ عَلَى رِدَّتِهَا حَتَّى انْقَضَتْ عِدَّتُهَا ، تَبَيَّنَّا أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ زَوْجَتَهُ حِينَ طَلَّقَهَا ، فَلَمْ يَقَعْ ، وَلَا شَيْءَ لَهُ عَلَيْهَا ، وَإِنْ رَجَعَتْ إلَى الْإِسْلَامِ ، بَانَ أَنَّ الطَّلَاقَ صَادَفَ زَوْجَتَهُ ، فَوَقَعَ ، وَاسْتَحَقَّ عَلَيْهَا الْعِوَضَ .","part":16,"page":122},{"id":7622,"text":"( 5764 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : وَإِذَا قَالَتْ لَهُ اخْلَعْنِي عَلَى مَا فِي يَدِي مِنْ الدَّرَاهِمِ .\rفَفَعَلَ فَلَمْ يَكُنْ فِي يَدِهَا شَيْءٌ ، لَزِمَهَا ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْخُلْعَ بِالْمَجْهُولِ جَائِزٌ ، وَلَهُ مَا جُعِلَ لَهُ .\rوَهَذَا قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْي .\rوَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : لَا يَصِحُّ الْخُلْعُ ، وَلَا شَيْءَ لَهُ ؛ لِأَنَّهُ مُعَاوَضَةً ، فَلَا يَصِحُّ بِالْمَجْهُولِ ، كَالْبَيْعِ .\rوَهَذَا قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يَصِحُّ الْخُلْعُ ، وَلَهُ مَهْرُ مِثْلِهَا ؛ لِأَنَّهُ مُعَاوَضَةٌ بِالْبُضْعِ ، فَإِذَا كَانَ الْعِوَضُ مَجْهُولًا وَجَبَ مَهْرُ الْمِثْلِ ، كَالنِّكَاحِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الطَّلَاقَ مَعْنَى يَجُوزُ تَعْلِيقُهُ بِالشَّرْطِ ، فَجَازَ أَنْ يُسْتَحَقَّ بِهِ الْعِوَضُ الْمَجْهُولُ كَالْوَصِيَّةِ ، وَلِأَنَّ الْخُلْعَ إسْقَاطٌ لِحَقِّهِ مِنْ الْبُضْعِ ، لَيْسَ فِيهِ تَمْلِيكُ شَيْءٍ ، وَالْإِسْقَاطُ تَدْخُلُهُ الْمُسَامَحَةُ ، وَلِذَلِكَ جَازَ مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ ، بِخِلَافِ النِّكَاحِ .\rوَإِذَا صَحَّ الْخُلْعُ ، فَلَا يَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَبْذُلْهُ ، وَلَا فَوَّتَتْ عَلَيْهِ مَا يُوجِبُهُ ، فَإِنَّ خُرُوجَ الْبُضْعِ مِنْ مِلْكِ الزَّوْجِ غَيْرُ مُتَقَوِّمٍ ، بِدَلِيلِ مَا لَوْ أَخْرَجَتْهُ مِنْ مِلْكِهِ بِرِدَّتِهَا ، أَوْ رَضَاعِهَا لِمَنْ يَنْفَسِخُ بِهِ نِكَاحُهَا ، لَمْ يَجِبْ عَلَيْهَا شَيْءٌ ، وَلَوْ قَتَلَتْ نَفْسَهَا أَوْ قَتَلَهَا أَجْنَبِيٌّ ، لَمْ يَجِبْ لِلزَّوْجِ عِوَضٌ عَنْ بُضْعِهَا ، وَلَوْ وُطِئَتْ بِشُبْهَةٍ أَوْ مُكْرَهَةً ، لَوَجَبَ الْمَهْرُ لَهَا دُونَ الزَّوْجِ ، وَلَوْ طَاوَعَتْ لَمْ يَكُنْ لِلزَّوْجِ شَيْءٌ ، وَإِنَّمَا يَتَقَوَّمُ الْبُضْعُ عَلَى الزَّوْجِ فِي النِّكَاحِ خَاصَّةً ، وَأَبَاحَ لَهَا افْتِدَاءَ نَفْسِهَا لِحَاجَتِهَا إلَى ذَلِكَ فَيَكُونُ الْوَاجِبُ مَا رَضِيَتْ بِبَذْلِهِ ، فَأَمَّا إيجَابُ شَيْءٍ لَمْ تَرْضَ بِهِ فَلَا وَجْهَ لَهُ .\rفَعَلَى هَذَا ، إنْ خَالَعَهَا عَلَى مَا فِي يَدِهَا مِنْ الدَّرَاهِمَ ، صَحَّ ، فَإِنْ كَانَ فِي يَدِهَا دَرَاهِمُ فَهِيَ لَهُ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي يَدِهَا شَيْءٌ فَلَهُ عَلَيْهَا ثَلَاثَةٌ .\rنَصَّ","part":16,"page":123},{"id":7623,"text":"عَلَيْهِ أَحْمَدُ لِأَنَّهُ أَقَلُّ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الدَّرَاهِمِ حَقِيقَةً ، لَفْظُهَا دَلَّ عَلَى ذَلِكَ ، فَاسْتَحَقَّهُ كَمَا لَوْ وَصَّى لَهُ بِدَرَاهِمَ .\rوَإِنْ كَانَ فِي يَدِهَا أَقَلُّ مِنْ ثَلَاثَةٍ ، احْتَمَلَ أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ غَيْرُهُ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الدَّرَاهِمِ ، وَهُوَ فِي يَدِهَا .\rوَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ لَهُ ثَلَاثَةٌ كَامِلَةٌ ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ يَقْتَضِيهَا فِيمَا إذَا لَمْ يَكُنْ فِي يَدِهَا شَيْءٌ ، فَكَذَلِكَ إذَا كَانَ فِي يَدِهَا .","part":16,"page":124},{"id":7624,"text":"( 5765 ) فَصْلٌ : وَالْخُلْعُ عَلَى مَجْهُولٍ يَنْقَسِمُ أَقْسَامًا ؛ : أَحَدُهَا ، أَنْ يُخَالِعَهَا عَلَى عَدَدٍ مَجْهُولٍ مِنْ شَيْءٍ غَيْرِ مُخْتَلِفٍ ، كَالدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ ، كَاَلَّتِي يُخَالِعُهَا عَلَى مَا فِي يَدِهَا مِنْ الدَّرَاهِمِ ، فَهِيَ هَذِهِ الَّتِي ذَكَرَ الْخِرَقِيِّ حُكْمَهَا .\rوَالثَّانِي ، أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنْ شَيْءٍ مُخْتَلِفٍ لَا يَعْظُمُ اخْتِلَافُهُ ، مِثْلُ أَنْ يُخَالِعَهَا عَلَى عَبْدٍ مُطْلَقٍ أَوْ عَبِيدٍ ، أَوْ يَقُولَ : إنْ أَعْطَيْتِنِي عَبْدًا فَأَنْتِ طَالِقٌ .\rفَإِنَّهَا تَطْلُقُ بِأَيِّ عَبْدٍ أَعْطَتْهُ إيَّاهُ ، وَيَمْلِكُهُ بِذَلِكَ ، وَلَا يَكُونُ لَهُ غَيْرُهُ .\rوَكَذَلِكَ إنْ خَالَعَتْهُ عَلَيْهِ ، فَلَيْسَ لَهُ إلَّا مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الْعَبْدِ .\rوَإِنْ خَالَعَتْهُ عَلَى عَبِيدٍ فَلَهُ ثَلَاثَةٌ .\rهَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ وَقِيَاسُ قَوْلِهِ وَقَوْلِ الْخِرَقِيِّ فِي الْمَسْأَلَةِ الَّتِي قَبْلَهَا .\rوَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ فِيمَا إذَا قَالَ : إذَا أَعْطَيْتِنِي عَبْدًا فَأَنْتِ طَالِقٌ .\rفَأَعْطَتْهُ عَبْدًا : فَهِيَ طَالِقٌ .\rوَالظَّاهِرُ مِنْ كَلَامِهِ مَا قُلْنَاهُ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : لَهُ عَلَيْهَا عَبْدٌ وَسَطٌ .\rوَتَأَوَّلَ كَلَامَ أَحْمَدَ عَلَى أَنَّهَا أَعْطَتْهُ عَبْدًا وَسَطًا ، وَالظَّاهِرُ خِلَافُهُ .\rوَلَنَا ، أَنَّهَا خَالَعَتْهُ عَلَى مُسَمًّى مَجْهُولٍ ، فَكَانَ لَهُ أَقَلُّ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الِاسْمُ ، كَمَا لَوْ خَالَعَهَا عَلَى مَا فِي يَدِهَا مِنْ الدَّرَاهِمِ ، وَلِأَنَّهُ إذَا قَالَ : إنَّ أَعْطَيْتِنِي عَبْدًا فَأَنْتِ طَالِقٌ .\rفَأَعْطَتْهُ عَبْدًا ، فَقَدْ وُجِدَ شَرْطُهُ ، فَيَجِبُ أَنْ يَقَعَ الطَّلَاقُ ، كَمَا لَوْ قَالَ : إنْ رَأَيْت عَبْدًا فَأَنْتِ طَالِقٌ .\rوَلَا يَلْزَمُهَا أَكْثَرُ مِنْهُ ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَلْتَزِمْ لَهُ شَيْئًا فَلَا يَلْزَمُهَا شَيْءٌ ، كَمَا لَوْ طَلَّقَهَا بِغَيْرِ خُلْعٍ .\rالثَّالِثُ ، أَنْ يُخَالِعَهَا عَلَى مُسَمًّى تَعْظُمُ الْجَهَالَةُ فِيهِ ، مِثْلُ أَنْ يُخَالِعَهَا عَلَى دَابَّةٍ ، أَوْ بَعِيرٍ ، أَوْ بَقَرَةٍ ، أَوْ ثَوْبٍ ، أَوْ يَقُولَ : إنْ أَعْطَيْتِنِي ذَلِكَ فَأَنْتِ طَالِقٌ .\rفَالْوَاجِبُ فِي الْخُلْعِ مَا يَقَعُ","part":16,"page":125},{"id":7625,"text":"عَلَيْهِ الِاسْمُ مِنْ ذَلِكَ ، وَيَقَعُ الطَّلَاقُ بِهَا إذَا أَعْطَتْهُ إيَّاهُ ، فِيمَا إذَا عَلَّقَ طَلَاقَهَا عَلَى عَطِيَّتِهِ إيَّاهُ ، وَلَا يَلْزَمُهَا غَيْرُ ذَلِكَ ، فِي قِيَاسِ مَا قَبْلَهَا .\rوَقَالَ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ مِنْ الْفُقَهَاءِ : تَرُدُّ عَلَيْهِ مَا أَخَذَتْ مِنْ صَدَاقِهَا ؛ لِأَنَّهَا فَوَّتَتْ الْبُضْعَ ، وَلَمْ يَحْصُلْ لَهُ الْعِوَضُ ؛ لِجَهَالَتِهِ ، فَوَجَبَ عَلَيْهَا قِيمَةُ مَا فَوَّتَتْ ، وَهُوَ الْمَهْرُ .\rوَلَنَا ، مَا تَقَدَّمَ وَلِأَنَّهَا مَا الْتَزَمَتْ لَهُ الْمَهْرَ الْمُسَمَّى وَلَا مَهْرَ الْمِثْلِ ، فَلَمْ يَلْزَمْهَا ، كَمَا لَوْ قَالَ : إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ ، وَلِأَنَّ الْمُسَمَّى قَدْ اُسْتُوْفِيَ بَدَلُهُ بِالْوَطْءِ ، فَكَيْفَ يَجِبُ بِغَيْرِ رِضًى مِمَّنْ يَجِبُ عَلَيْهِ ، وَالْأَشْبَهُ بِمَذْهَبِ أَحْمَدَ ، أَنْ يَكُونَ الْخُلْعُ بِالْمَجْهُولِ كَالْوَصِيَّةِ بِهِ .\rوَمِنْ هَذَا الْقِسْمِ ، لَوْ خَالَعَهَا عَلَى مَا فِي بَيْتِهَا مِنْ الْمَتَاعِ ، فَإِنْ كَانَ فِيهِ مَتَاعٌ ، فَهُوَ لَهُ ، قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا ، مَعْلُومًا أَوْ مَجْهُولًا ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَتَاعٌ ، فَلَهُ أَقَلُّ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الْمَتَاعِ .\rوَعَلَى قَوْلِ الْقَاضِي ، عَلَيْهَا الْمُسَمَّى فِي الصَّدَاقِ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ .\rوَالْوَجْهُ لِلْقَوْلَيْنِ مَا تَقَدَّمَ .\rالرَّابِعُ ، أَنْ يُخَالِعَهَا عَلَى حَمْلِ أَمَتِهَا ، أَوْ غَنَمِهَا ، أَوْ غَيْرِهِمَا مِنْ الْحَيَوَانِ ، أَوْ قَالَ : عَلَى مَا فِي بُطُونِهَا أَوْ ضُرُوعِهَا ، فَيَصِحُّ الْخُلْعُ .\rوَحُكِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يَصِحُّ الْخُلْعُ عَلَى مَا فِي بَطْنِهَا ، وَلَا يَصِحُّ عَلَى حَمْلِهَا .\rوَلَنَا أَنَّ حَمْلَهَا هُوَ مَا فِي بَطْنِهَا ، فَصَحَّ الْخُلْعُ عَلَيْهِ ، كَمَا لَوْ قَالَ : عَلَى مَا فِي بَطْنِهَا .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّهُ إنَّ خَرَجَ الْوَلَدُ سَلِيمًا ، أَوْ كَانَ فِي ضُرُوعِهَا شَيْءٌ مِنْ اللَّبَنِ فَهُوَ لَهُ ، وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ شَيْءٌ ، فَقَالَ الْقَاضِي : لَا شَيْءَ لَهُ .\rوَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ ، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ : لَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ ، وَقَالَ أَبُو","part":16,"page":126},{"id":7626,"text":"الْخَطَّابِ : لَهُ الْمُسَمَّى .\rوَإِنْ خَالَعَهَا عَلَى مَا يُثْمِرُ نَخْلُهَا ، أَوْ تَحْمِلُ أَمَتُهَا ، صَحَّ .\rقَالَ أَحْمَدُ : إذَا خَالَعَ امْرَأَتَهُ عَلَى ثَمَرَةِ نَخْلِهَا سِنِينَ ، فَجَائِزٌ ، فَإِنْ لَمْ يَحْمِلْ نَخْلُهَا ، تُرْضِيهِ بِشَيْءِ ، قِيلَ لَهُ : فَإِنْ حَمَلَ نَخْلُهَا ؟ قَالَ : هَذَا أَجُودُ مِنْ ذَاكَ .\rقِيلَ لَهُ : يَسْتَقِيمُ هَذَا ؟ قَالَ : نَعَمْ جَائِزٌ .\rفَيَحْتَمِلُ قَوْلُ أَحْمَدَ : تُرْضِيهِ بِشَيْءِ .\rأَيْ : لَهُ أَقَلُّ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الثَّمَرَةِ أَوْ الْحَمْلُ ، فَتُعْطِيهِ عَنْ ذَلِكَ شَيْئًا ، أَيَّ شَيْءٍ كَانَ مِثْلُ مَا أَلْزَمْنَاهُ فِي مَسْأَلَةٍ الْمَتَاعِ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : لَا شَيْءَ لَهُ ، وَتَأَوَّلَ قَوْلَ أَحْمَدَ تُرْضِيهِ بِشَيْءٍ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَانَ وَاجِبًا ، لَتَقَدَّرَ بِتَقْدِيرٍ يُرْجَعُ إلَيْهِ .\rوَفَرْقٌ بَيْنَ هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ وَمَسْأَلَةُ الدَّرَاهِم وَالْمَتَاعِ ، حَيْثُ يَرْجِعُ فِيهِمَا بِأَقَلِّ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الِاسْمُ إذَا لَمْ يَجِدْ شَيْئًا ، وَهَا هُنَا لَا يَرْجِعُ بِشَيْءٍ إذَا لَمْ يَجِدْ حَمْلًا وَلَا ثَمَرَةً ثُمَّ أَوْهَمَتْهُ أَنَّ مَعَهَا دَرَاهِمَ ، وَفِي بَيْتِهَا مَتَاعٌ ؛ لِأَنَّهَا خَاطَبَتْهُ بِلَفْظٍ يَقْتَضِي الْوُجُودَ مَعَ إمْكَانِ عِلْمِهَا بِهِ ، فَكَانَ مَا دَلَّ عَلَيْهِ لَفْظُهَا ، كَمَا لَوْ خَالَعَتْهُ عَلَى عَبْدٍ فَوُجِدَ حُرًّا ، وَفِي هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ دَخَلَ مَعَهَا فِي الْعَقْدِ مَعَ تَسَاوِيهِمَا فِي الْعِلْمِ فِي الْحَالِ ، وَرِضَاهُمَا بِمَا فِيهِ مِنْ الِاحْتِمَالِ ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ غَيْرَهُ ، كَمَا لَوْ قَالَ : خَالَعْتك عَلَى هَذَا الْحُرِّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَصِحُّ الْعِوَضُ هَا هُنَا ؛ لِأَنَّهُ مَعْدُومٌ .\rوَلَنَا ، أَنَّ مَا جَازَ فِي الْحَمْلِ فِي الْبَطْنِ ، جَازَ فِيمَا كَانَ يَحْمِلُ ، كَالْوَصِيَّةِ .\rوَاخْتَارَ أَبُو الْخَطَّابِ أَنَّ لَهُ فِي هَذِهِ الْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ الْمُسَمَّى فِي الصَّدَاقِ .\rوَأَوْجَبَ لَهُ الشَّافِعِيُّ مَهْرَ الْمِثْلِ .\rوَلَمْ يُصَحِّحْ أَبُو بَكْرٍ الْخُلْعَ فِي هَذَا كُلِّهِ .\rوَقَدْ ذَكَرْنَا نُصُوصَ أَحْمَدَ عَلَى","part":16,"page":127},{"id":7627,"text":"جَوَازِهِ ، وَالدَّلِيلَ عَلَيْهِ .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":16,"page":128},{"id":7628,"text":"( 5766 ) فَصْلٌ : إذَا خَالَعَتْهُ عَلَى رَضَاعِ وَلَدِهِ سَنَتَيْنِ ، صَحَّ ، وَكَذَلِكَ إنْ جَعَلَا وَقْتًا مَعْلُومًا ، قَلَّ أَوْ كَثُرَ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ لِأَنَّ هَذَا مِمَّا تَصِحُّ الْمُعَاوَضَةُ عَلَيْهِ فِي غَيْرِ الْخُلْعِ ، فَفِي الْخُلْعِ أَوْلَى فَإِنْ خَالَعَتْهُ عَلَى رَضَاعِ وَلَدِهِ مُطْلَقًا ، وَلَمْ يَذْكُرَا مُدَّتَهُ ، صَحَّ أَيْضًا ، وَيَنْصَرِفُ إلَى مَا بَقِيَ مِنْ الْحَوْلَيْنِ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، قِيلَ لَهُ : وَيَسْتَقِيمُ هَذَا الشَّرْطُ رَضَاعُ وَلَدِهَا وَلَا يَقُولُ : تُرْضِعُهُ سَنَتَيْنِ ؟ قَالَ : نَعَمْ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ لَا يَصِحُّ حَتَّى يَذْكُرَا مُدَّةَ الرَّضَاعِ ، كَمَا لَا تَصِحُّ الْإِجَارَةُ حَتَّى يَذْكُرَا الْمُدَّةَ .\rوَلَنَا ، أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَيَّدَهُ بِالْحَوْلَيْنِ ، فَقَالَ تَعَالَى { وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ } .\rوَقَالَ سُبْحَانَهُ : { وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ } وَقَالَ { وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا } وَلَمْ يُبَيِّنْ مُدَّةَ الْحَمْلِ هَاهُنَا وَالْفِصَالِ ، فَحُمِلَ عَلَى مَا فَسَّرَتْهُ الْآيَةُ الْأُخْرَى وَجُعِلَ الْفِصَالُ عَامَيْنِ ، وَالْحَمْلُ سِتَّةَ أَشْهُرٍ ، وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَا رَضَاعَ بَعْدَ فِصَالٍ } يَعْنِي بَعْدَ الْعَامَيْنِ ، فَيُحْمَلُ الْمُطْلَقُ مِنْ كَلَامِ الْآدَمِيِّ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا ، وَلَا يَحْتَاجُ إلَى وَصْفِ الرَّضَاعِ ، لِأَنَّ جِنْسَهُ كَافٍ ، كَمَا لَوْ ذَكَرَ جِنْسَ الْخِيَاطَةِ فِي الْإِجَارَةِ ، فَإِنْ مَاتَتْ الْمُرْضِعَةُ ، أَوْ جَفَّ لَبَنُهَا ، فَعَلَيْهَا أَجْرُ الْمِثْلِ لِمَا بَقِيَ مِنْ الْمُدَّةِ .\rوَإِنْ مَاتَ الصَّبِيُّ فَكَذَلِكَ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ : لَا يَنْفَسِخُ ، وَيَأْتِيهَا بِصَبِيٍّ تُرْضِعُهُ مَكَانَهُ ؛ لِأَنَّ الصَّبِيَّ مُسْتَوْفَى بِهِ ، لَا مَعْقُودٌ عَلَيْهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ اسْتَأْجَرَ دَابَّةً لِيَرْكَبَهَا فَمَاتَ .\rوَلَنَا أَنَّهُ عَقْدٌ عَلَى فِعْلٍ فِي عَيْنٍ ، فَيَنْفَسِخُ بِتَلَفِهَا ، كَمَا لَوْ مَاتَتْ الدَّابَّةُ الْمُسْتَأْجَرَةُ ، وَلِأَنَّ مَا يَسْتَوْفِيه مِنْ","part":16,"page":129},{"id":7629,"text":"اللَّبَنِ إنَّمَا يَتَقَدَّرُ بِحَاجَةِ الصَّبِيِّ ، وَحَاجَاتُ الصِّبْيَانِ تَخْتَلِفُ وَلَا تَنْضَبِطُ ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَقُومَ غَيْرُهُ مَقَامَهُ ، كَمَا لَوْ أَرَادَ إبْدَالَهُ فِي حَيَاتِهِ ، وَلِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ إبْدَالُهُ فِي حَيَاتِهِ ، فَلَمْ يَجُزْ بَعْدَ مَوْتِهِ ، كَالْمُرْضِعَةِ ، بِخِلَافِ رَاكِبِ الدَّابَّةِ .\rوَإِنْ وُجِدَ أَحَدُ هَذِهِ الْأُمُورِ قَبْلَ مُضِيِّ شَيْءٍ مِنْ الْمُدَّةِ ، فَعَلَيْهَا أَجْرُ رَضَاعِ مِثْلِهِ .\rوَعَنْ مَالِكٍ كَقَوْلِنَا ، وَعَنْهُ : لَا يَرْجِعُ بِشَيْءٍ .\rوَعَنْ الشَّافِعِيِّ كَقَوْلِنَا ، وَعَنْهُ : يَرْجِعُ بِالْمَهْرِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ عِوَضٌ مُعَيَّنٌ تَلِفَ قَبْلَ قَبْضِهِ ، فَوَجَبَتْ قِيمَتُهُ أَوْ مِثْلُهَا ، كَمَا لَوْ خَالَعَهَا عَلَى قَفِيزٍ ، فَهَلَكَ قَبْلَ قَبْضِهِ .","part":16,"page":130},{"id":7630,"text":"فَصْلٌ : وَإِنْ خَالَعَهَا عَلَى كَفَالَةِ وَلَدِهِ عَشْرَ سِنِينَ ، صَحَّ ، وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ مُدَّةَ الرَّضَاعِ مِنْهَا ، وَلَا قَدْرَ الطَّعَامِ وَالْأُدْمِ ، وَيُرْجَعُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ إلَى نَفَقَةِ مِثْلِهِ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يَصِحُّ حَتَّى يَذْكُرَ مُدَّةَ الرَّضَاعِ ، وَقَدْرَ الطَّعَامِ وَجِنْسَهُ ، وَقَدْرَ الْإِدَامِ وَجِنْسَهُ ، وَيَكُونَ الْمَبْلَغُ مَعْلُومًا مَضْبُوطًا بِالصِّفَةِ كَالْمُسْلَمِ فِيهِ ، وَمَا يَحِلُّ مِنْهُ كُلَّ يَوْمٍ .\rوَمَبْنَى الْخِلَافِ عَلَى اشْتِرَاطِ الطَّعَامِ لِلْأَجِيرِ مُطْلَقًا ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي الْإِجَارَةِ وَدَلَلْنَا عَلَيْهِ بِقِصَّةِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : رَحِمَ اللَّهُ أَخِي مُوسَى ، آجَرَ نَفْسَهُ بِطَعَامِ بَطْنِهِ وَعِفَّةِ فَرْجِهِ } وَلِأَنَّ نَفَقَةَ الزَّوْجَةِ مُسْتَحَقَّةٌ بِطَرِيقِ الْمُعَاوَضَةِ ، وَهِيَ غَيْرُ مُقَدَّرَةٍ ، كَذَا هَاهُنَا .\rوَلِلْوَالِدِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهَا مَا يَسْتَحِقُّهُ مِنْ مُؤْنَةِ الصَّبِيِّ ، وَمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ بَدَلٌ ثَبَتَ لَهُ فِي ذِمَّتِهَا ، فَلَهُ أَنْ يَسْتَوْفِيَهُ بِنَفْسِهِ وَبِغَيْرِهِ ، فَإِنْ أَحَبَّ أَنْفَقَهُ بِعَيْنِهِ ، وَإِنْ أَحَبَّ أَخَذَهُ لِنَفْسِهِ ، وَأُنْفِقَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ .\rوَإِنْ أَذِنَ لَهَا فِي إنْفَاقِهِ عَلَى الصَّبِيِّ ، جَازَ فَإِنْ مَاتَ الصَّبِيُّ بَعْدَ انْقِضَاءِ مُدَّةِ الرَّضَاعِ ، فَلِأَبِيهِ أَنْ يَأْخُذَ مَا بَقِيَ مِنْ الْمُؤْنَةِ .\rوَهَلْ يَسْتَحِقُّهُ دَفْعَةً أَوْ يَوْمًا بِيَوْمٍ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا يَسْتَحِقُّهُ دَفْعَةً وَاحِدَةً .\rذَكَرَهُ الْقَاضِي ، فِي \" الْجَامِعِ \" ، وَاحْتَجَّ بِقَوْلِ أَحْمَدَ : إذَا خَالَعَهَا عَلَى رَضَاعِ وَلَدِهِ ، فَمَاتَ فِي أَثْنَاءِ الْحَوْلَيْنِ .\rقَالَ : يَرْجِعُ عَلَيْهَا بِبَقِيَّةِ ذَلِكَ .\rوَلَمْ يُعْتَبَرْ الْأَجَلُ .\rوَلِأَنَّهُ إنَّمَا فُرِّقَ لِحَاجَةِ الْوَلَدِ إلَيْهِ مُتَفَرِّقًا ، فَإِذَا زَالَتْ الْحَاجَةُ إلَى التَّفْرِيقِ اُسْتُحِقَّ جُمْلَةً وَاحِدَةً .\rوَالثَّانِي لَا يَسْتَحِقُّهُ إلَّا يَوْمًا بِيَوْمٍ .\rذَكَرَهُ الْقَاضِي ، فِي \" الْمُجَرَّدِ \" ، وَهُوَ","part":16,"page":131},{"id":7631,"text":"الصَّحِيحُ ؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ مُنَجَّمًا ، فَلَا يَسْتَحِقُّهُ مُعَجَّلًا ، كَمَا لَوْ أَسْلَمَ إلَيْهِ فِي خُبْزٍ يَأْخُذُهُ مِنْهُ كُلَّ يَوْمٍ أَرْطَالًا مَعْلُومَةً ، فَمَاتَ الْمُسْتَحِقُّ لَهُ ، وَلِأَنَّ الْحَقَّ لَا يَحِلُّ بِمَوْتِ الْمُسْتَوْفِي ، كَمَا لَوْ مَاتَ وَكِيلُ صَاحِبِ الْحَقِّ ، وَإِنْ وَقَعَ الْخِلَافُ فِي اسْتِحْقَاقِهِ بِمَوْتِ مَنْ هُوَ عَلَيْهِ .\rوَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ فِي هَذَا وَجْهَانِ ، كَهَذَيْنِ .\rوَإِنْ مَاتَتْ الْمَرْأَةُ خَرَجَ فِي اسْتِحْقَاقِهِ فِي الْحَالِ وَجْهَانِ ، كَهَذَيْنِ ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ الدَّيْنَ هَلْ يَحِلُّ بِمَوْتِ مَنْ هُوَ عَلَيْهِ أَمْ لَا ؟","part":16,"page":132},{"id":7632,"text":"( 5768 ) فَصْلٌ : وَالْعِوَضُ فِي الْخُلْعِ ، كَالْعِوَضِ فِي الصَّدَاقِ وَالْبَيْعِ ، إنْ كَانَ مَكِيلًا أَوْ مَوْزُونًا ، لَمْ يَدْخُلْ فِي ضَمَانِ الزَّوْجِ ، وَلَمْ يَمْلِكْ التَّصَرُّفَ فِيهِ إلَّا بِقَبْضِهِ ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَهُمَا ، دَخَلَ فِي ضَمَانِهِ بِمُجَرَّدِ الْخُلْعِ ، وَصَحَّ تَصَرُّفُهُ فِيهِ .\rقَالَ أَحْمَدُ ، فِي امْرَأَةٍ قَالَتْ لِزَوْجِهَا : اجْعَلْ أَمْرِي بِيَدِي ، وَلَك هَذَا الْعَبْدُ .\rفَفَعَلَ ، ثُمَّ خُيِّرَتْ فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا بَعْدَمَا مَاتَ الْعَبْدُ : جَائِزٌ ، وَلَيْسَ عَلَيْهَا شَيْءٌ .\rقَالَ : وَلَوْ أَعْتَقَتْ الْعَبْدَ ، ثُمَّ اخْتَارَتْ نَفْسَهَا ، لَمْ يَصِحَّ عِتْقُهَا لَهُ .\rفَلَمْ يُصَحِّحْ عِتْقَهَا لَهُ ؛ لِأَنَّ مِلْكَهَا زَالَ عَنْهُ بِجَعْلِهَا لَهُ عِوَضًا فِي الْخُلْعِ ، وَلَمْ يُضَمِّنْهَا إيَّاهُ إذَا تَلِفَ ؛ لِأَنَّهُ عِوَضٌ مُعَيَّنٌ غَيْرُ مَكِيلٍ وَلَا مَوْزُونٍ فَدَخَلَ فِي ضَمَانِ الزَّوْجِ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ .\rوَيُخَرَّجُ فِيهِ وَجْهٌ ، أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ فِي ضَمَانِهِ ، وَلَا يَصِحُّ تَصَرُّفُهُ فِيهِ ، حَتَّى يَقْبِضَهُ ، كَمَا ذَكَرْنَا فِي عِوَضِ الْبَيْعِ ، وَفِي الصَّدَاقِ .\rوَأَمَّا الْمَكِيلُ وَالْمَوْزُونُ ، فَلَا يَصِحُّ تَصَرُّفُهُ فِيهِ ، وَلَا يَدْخُلُ فِي ضَمَانِهِ حَتَّى يَقْبِضَهُ .\rفَإِنْ تَلِفَ قَبْلَ قَبْضِهِ ، فَالْوَاجِبُ مِثْلُهُ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ .\rوَقَدْ ذَكَرَ الْقَاضِي فِي الصَّدَاقِ ، أَنَّهُ يَجُوزُ التَّصَرُّفُ فِيهِ قَبْلَ قَبْضِهِ ، وَإِنْ كَانَ مَكِيلًا أَوْ مَوْزُونًا ؛ لِأَنَّهُ لَا يَنْفَسِخُ سَبَبُهُ بِتَلَفِهِ ، فَهَا هُنَا مِثْلُهُ .","part":16,"page":133},{"id":7633,"text":"مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِنْ خَالَعَهَا عَلَى غَيْرِ عِوَضٍ ، كَانَ خُلْعًا ، وَلَا شَيْءَ لَهُ ) اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ؛ فَرَوَى عَنْهُ ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ ، قَالَ : قُلْت لِأَبِي : رَجُلٌ عَلِقَتْ بِهِ امْرَأَتُهُ تَقُولُ : اخْلَعْنِي .\rقَالَ : قَدْ خَلَعْتُك .\rقَالَ يَتَزَوَّجُ بِهَا ، وَيُجَدِّدُ نِكَاحًا جَدِيدًا ، وَتَكُونُ عِنْدَهُ عَلَى ثِنْتَيْنِ .\rفَظَاهِرُ هَذَا صِحَّةُ الْخُلْعِ بِغَيْرِ عِوَضٍ .\rوَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ؛ لِأَنَّهُ قَطْعٌ لِلنِّكَاحِ ، فَصَحَّ مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ ، كَالطَّلَاقِ ، وَلِأَنَّ الْأَصْلَ فِي مَشْرُوعِيَّةِ الْخُلْعِ أَنْ تُوجَدَ مِنْ الْمَرْأَةِ رَغْبَةٌ عَنْ زَوْجِهَا ، وَحَاجَةٌ إلَى فِرَاقِهِ ، فَتَسْأَلَهُ فِرَاقَهَا ، فَإِذَا أَجَابَهَا ، حَصَلَ الْمَقْصُودُ مِنْ الْخُلْعِ ، فَصَحَّ ، كَمَا لَوْ كَانَ بِعِوَضٍ قَالَ أَبُو بَكْرٍ : لَا خِلَافَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ، أَنَّ الْخُلْعَ مَا كَانَ مِنْ قِبَلِ النِّسَاءِ ، فَإِذَا كَانَ مِنْ قِبَلِ الرِّجَالِ ، فَلَا نِزَاعَ فِي أَنَّهُ طَلَاقٌ تُمْلَكُ بِهِ الرَّجْعَةُ ، وَلَا يَكُونُ فَسْخًا .\rوَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ ، لَا يَكُونُ خُلْعٌ إلَّا بِعِوَضٍ .\rرَوَى عَنْهُ مُهَنَّا ، إذَا قَالَ لَهَا : اخْلَعِي نَفْسَك .\rفَقَالَتْ : خَلَعْت نَفْسِي .\rلَمْ يَكُنْ خُلْعًا إلَّا عَلَى شَيْءٍ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ نَوَى الطَّلَاقَ ، فَيَكُونُ مَا نَوَى .\rفَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ ، لَا يَصِحُّ الْخُلْعُ إلَّا بِعِوَضٍ ، فَإِنْ تَلَفَّظَ بِهِ بِغَيْرِ عِوَضٍ ، وَنَوَى الطَّلَاقَ ، كَانَ طَلَاقًا رَجْعِيًّا ؛ لِأَنَّهُ يَصْلُحُ كِنَايَةً عَنْ الطَّلَاقِ .\rوَإِنْ لَمْ يَنْوِ بِهِ الطَّلَاقَ ، لَمْ يَكُنْ شَيْئًا .\rوَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ الْخُلْعَ إنْ كَانَ فَسْخًا ، فَلَا يَمْلِكُ الزَّوْجُ فَسْخَ النِّكَاحِ إلَّا لِعَيْبِهَا .\rوَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ : فَسَخْت النِّكَاحَ .\rوَلَمْ يَنْوِ بِهِ الطَّلَاقَ ، لَمْ يَقَعْ شَيْءٌ ، بِخِلَافِ مَا إذَا دَخَلَهُ الْعِوَضُ ، فَإِنَّهُ يَصِيرُ مُعَاوَضَةً ، فَلَا يَجْتَمِعُ لَهُ الْعِوَضُ وَالْمُعَوَّضُ .\rوَإِنْ قُلْنَا : الْخُلْعُ طَلَاقٌ فَلَيْسَ بِصَرِيحٍ فِيهِ","part":16,"page":134},{"id":7634,"text":"اتِّفَاقًا ، وَإِنَّمَا هُوَ كِنَايَةٌ ، وَالْكِنَايَةُ لَا يَقَعُ بِهَا الطَّلَاقُ إلَّا بِنِيَّةٍ ، أَوْ بَذْلِ الْعِوَضِ ، فَيَقُومُ مَقَامَ النِّيَّةِ ، وَمَا وُجِدَ وَاحِدٌ مِنْهُمَا .\rثُمَّ إنْ وَقَعَ الطَّلَاقُ ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ بِعِوَضٍ ، لَمْ يَقْتَضِ الْبَيْنُونَةَ إلَّا أَنْ تَكْمُلَ الثَّلَاثُ .","part":16,"page":135},{"id":7635,"text":"( 5770 ) فَصْلٌ : إذَا قَالَتْ : بِعْنِي عَبْدَك هَذَا وَطَلِّقْنِي بِأَلْفٍ .\rفَفَعَلَ ، صَحَّ ، وَكَانَ بَيْعًا وَخُلْعًا بِعِوَضٍ وَاحِدٍ ؛ لِأَنَّهُمَا عَقْدَانِ ، يَصِحُّ إفْرَادُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِعِوَضٍ ، فَصَحَّ جَمْعُهُمَا ، كَبَيْعِ ثَوْبَيْنِ .\rوَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى الْجَمْعِ بَيْنَ بَيْعٍ وَصَرْفٍ ، أَنَّهُ يَصِحُّ ، وَهُوَ نَظِيرٌ لِهَذَا .\rوَذَكَرَ أَصْحَابُنَا فِيهِ وَجْهًا آخَرَ ، أَنَّهُ لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ أَحْكَامَ الْعَقْدَيْنِ تَخْتَلِفُ .\rوَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا وَلِلشَّافِعِيِّ فِيهِ قَوْلَانِ أَيْضًا .\rفَعَلَى قَوْلِنَا يَتَقَسَّطُ الْأَلْفُ عَلَى الصَّدَاقِ الْمُسَمَّى وَقِيمَةِ الْعَبْدِ ، فَيَكُونُ عِوَضُ الْخُلْعِ مَا يَخُصُّ الْمُسَمَّى ، وَعِوَضُ الْعَبْدِ مَا يَخُصُّ قِيمَتَهُ ، حَتَّى لَوْ رَدَّتْهُ بِعَيْبٍ رَجَعَتْ بِذَلِكَ ، وَإِنْ وَجَدَتْهُ حُرًّا أَوْ مَغْصُوبًا ، رَجَعَتْ بِهِ ؛ لِأَنَّهُ عِوَضُهُ .\rفَإِنْ كَانَ مَكَانَ الْعَبْدِ شِقْصٌ مَشْفُوعٌ ، فَفِيهِ الشُّفْعَةُ ، وَيَأْخُذُ الشَّفِيعُ بِحِصَّةِ قِيمَتِهِ مِنْ الْأَلْفِ ؛ لِأَنَّهَا عِوَضُهُ .","part":16,"page":136},{"id":7636,"text":"( 5771 ) فَصْلٌ : وَإِنْ خَالَعَهَا عَلَى نِصْفِ دَارٍ ، صَحَّ ، وَلَا شُفْعَةَ فِيهِ لِأَنَّهُ عِوَضٌ عَمَّا لَا قِيمَةَ لَهُ ، وَيَتَخَرَّجُ أَنَّ فِيهِ شُفْعَةً ، لِأَنَّ لَهُ عِوَضًا .\rوَهَلْ يَأْخُذُهُ الشَّفِيعُ بِقِيمَتِهِ أَوْ بِمِثْلِ الْمَهْرِ ، عَلَى وَجْهَيْنِ : فَأَمَّا إنْ خَالَعَهَا ، وَدَفَعَ إلَيْهَا أَلْفًا بِنِصْفِ دَارِهَا ، صَحَّ ، وَلَا شُفْعَةَ أَيْضًا .\rوَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ : تَجِبُ الشُّفْعَةُ فِيمَا قَابَلَ الْأَلْفَ ؛ لِأَنَّهُ عِوَضُ مَالٍ وَلَنَا ، أَنَّ إيجَابَ الشُّفْعَةِ تَقْوِيمٌ لِلْبُضْعِ فِي حَقِّ غَيْرِ الزَّوْجِ ، وَالْبُضْعُ لَا يَتَقَوَّمُ فِي حَقِّ غَيْرِهِ ، وَلِأَنَّ الزَّوْجَ مَلَكَ الشِّقْصَ صَفْقَةً وَاحِدَةً مِنْ شَخْصٍ وَاحِدٍ فَلَا يَجُوزُ لِلشَّفِيعِ أَخْذُ بَعْضِهِ ، كَمَا لَوْ اشْتَرَاهُ بِثَمَنٍ وَاحِدٍ .","part":16,"page":137},{"id":7637,"text":"( 5772 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَلَوْ خَالَعَهَا عَلَى ثَوْبٍ ، فَخَرَجَ مَعِيبًا ، فَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يَأْخُذَ أَرْشَ الْعَيْبِ ، أَوْ قِيمَةَ الثَّوْبِ وَيَرُدَّهُ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْخُلْعَ يَسْتَحِقُّ فِيهِ رَدَّ عِوَضِهِ بِالْعَيْبِ ، أَوْ أَخْذَ الْأَرْشِ ؛ لِأَنَّهُ عِوَضٌ فِي مُعَاوَضَةٍ ، فَيُسْتَحَقُّ فِيهِ ذَلِكَ ، كَالْبَيْعِ وَالصَّدَاقِ .\rوَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ عَلَى مُعَيَّنٍ ، مِثْلُ أَنْ تَقُولَ : اخْلَعْنِي عَلَى هَذَا الثَّوْبِ .\rفَيَقُولَ : خَلَعْتُك .\rثُمَّ يَجِدُ بِهِ عَيْبًا لَمْ يَكُنْ عَلِمَ بِهِ ، فَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ رَدِّهِ وَأَخْذِ قِيمَتِهِ ، وَبَيْنَ أَخْذِ أَرْشِهِ وَإِنْ قَالَ : إنْ أَعْطَيْتِنِي هَذَا الثَّوْبَ فَأَنْتِ طَالِقٌ .\rفَأَعْطَتْهُ إيَّاهُ ، طَلُقَتْ ، وَمَلَكَهُ .\rقَالَ أَصْحَابُنَا : وَالْحُكْمُ فِيهِ كَمَا لَوْ خَالَعَهَا عَلَيْهِ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ، إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ لَهُ الْمُطَالَبَةَ بِالْأَرْشِ مَعَ إمْكَانِ رَدِّهِ .\rوَهَذَا أَصْلٌ ذَكَرْنَاهُ فِي الْبَيْعِ .\rوَلَهُ أَيْضًا قَوْلٌ : إنَّهُ إذَا رَدَّهُ رَجَعَ بِمَهْرِ الْمِثْلِ .\rوَهَذَا الْأَصْلُ ذُكِرَ فِي الصَّدَاقِ .\rوَإِنْ خَالَعَهَا عَلَى ثَوْبٍ مَوْصُوفٍ فِي الذِّمَّةِ ، وَاسْتَقْصَى صِفَاتِ السَّلَمِ ، صَحَّ ، وَعَلَيْهَا أَنْ تُعْطِيَهُ إيَّاهُ سَلِيمًا ؛ لِأَنَّ إطْلَاقَ ذَلِكَ يَقْتَضِي السَّلَامَةَ ، كَمَا فِي الْبَيْعِ وَالصَّدَاقِ .\rفَإِنْ دَفَعَتْهُ إلَيْهِ مَعِيبًا ، أَوْ نَاقِصًا عَنْ الصِّفَاتِ الْمَذْكُورَةِ ، فَلَهُ الْخِيَارُ بَيْنَ إمْسَاكِهِ ، أَوْ رَدِّهِ وَالْمُطَالَبَةِ بِثَوْبٍ سَلِيمٍ عَلَى تِلْكَ الصِّفَةِ ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا وَجَبَ فِي الذِّمَّةِ سَلِيمًا تَامَّ الصِّفَاتِ ، فَيَرْجِعُ بِمَا وَجَبَ لَهُ ، لِأَنَّهَا مَا أَعْطَتْهُ الَّذِي وَجَبَ لَهُ عَلَيْهَا ، وَإِنْ قَالَ : إنْ أَعْطَيْتِنِي ثَوْبًا صِفَتُهُ كَذَا وَكَذَا .\rفَأَعْطَتْهُ ثَوْبًا عَلَى تِلْكَ الصِّفَاتِ ، طَلُقَتْ ، وَمَلَكَهُ .\rوَإِنْ أَعْطَتْهُ نَاقِصًا صِفَةً ، لَمْ يَقَعْ الطَّلَاقُ ، وَلَمْ يَمْلِكْهُ ؛ لِأَنَّهُ مَا وُجِدَ الشَّرْطُ .\rفَإِنْ كَانَ عَلَى الصِّفَةِ ، لَكِنْ بِهِ عَيْبٌ ، وَقَعَ","part":16,"page":138},{"id":7638,"text":"الطَّلَاقُ لِوُجُودِ شَرْطِهِ .\rقَالَ الْقَاضِي : وَيَتَخَيَّرُ بَيْنَ إمْسَاكِهِ ، وَرَدِّهِ وَالرُّجُوعِ بِقِيمَتِهِ .\rوَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، إلَّا أَنَّ لَهُ قَوْلًا ، أَنَّهُ يَرْجِعُ بِمَهْرِ الْمِثْلِ ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا .\rوَعَلَى مَا قُلْنَا نَحْنُ فِيمَا تَقَدَّمَ : أَنَّهُ إذَا قَالَ : إذَا أَعْطَيْتَنِي ثَوْبًا ، أَوْ عَبْدًا ، أَوْ هَذَا الثَّوْبَ ، أَوْ هَذَا الْعَبْدَ .\rفَأَعْطَتْهُ إيَّاهُ مَعِيبًا ، طَلُقَتْ ، وَلَيْسَ لَهُ شَيْءٌ سِوَاهُ .\rوَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى مِنْ قَالَ : إنْ أَعْطَيْتِنِي هَذَا الْأَلْفَ ، فَأَنْتِ طَالِقٌ فَأَعْطَتْهُ إيَّاهُ ، فَوَجَدَهُ مَعِيبًا ، فَلَيْسَ لَهُ الْبَدَلُ .\rوَقَالَ أَيْضًا : إذَا قَالَ : إنْ أَعْطَيْتِنِي عَبْدًا فَأَنْتِ طَالِقٌ .\rفَإِذَا أَعْطَتْهُ عَبْدًا ، فَهِيَ طَالِقٌ ، وَيَمْلِكُهُ .\rوَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ كُلَّ مَوْضِعٍ قَالَ : إنْ أَعْطَيْتِنِي كَذَا .\rفَأَعْطَتْهُ إيَّاهُ ، فَلَيْسَ لَهُ غَيْرُهُ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَلْزَمُهُ فِي ذِمَّتِهِ شَيْءٌ إلَّا بِإِلْزَامٍ ، أَوْ الْتِزَامٍ ، وَلَمْ يَرِدْ الشَّرْعُ بِإِلْزَامِهَا هَذَا ، وَلَا هِيَ الْتَزَمَتْهُ لَهُ ، وَإِنَّمَا عَلَّقَ طَلَاقَهَا عَلَى شَرْطٍ ، وَهُوَ عَطِيَّتُهَا لَهُ ذَلِكَ ، فَلَا يَلْزَمُهَا شَيْءٌ سِوَاهُ ، وَلِأَنَّهَا لَمْ تَدْخُلْ مَعَهُ فِي مُعَاوَضَةٍ ، وَإِنَّمَا حَقَّقَتْ شَرْطَ الطَّلَاقِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَالَ : إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ .\rفَدَخَلَتْ أَوْ مَا لَوْ قَالَ : إنْ أَعْطَيْت أَبَاك عَبْدًا فَأَنْتِ طَالِقٌ .\rفَأَعْطَتْهُ إيَّاهُ .","part":16,"page":139},{"id":7639,"text":"( 5773 ) فَصْلٌ إذَا قَالَ : إنْ أَعْطَيْتِنِي أَلْفَ دِرْهَمٍ فَأَنْتِ طَالِقٌ .\rفَأَعْطَتْهُ أَلْفًا أَوْ أَكْثَرَ ، طَلُقَتْ ؛ لِوُجُودِ الصِّفَةِ ، وَإِنْ أَعْطَتْهُ دُونَ ذَلِكَ ، لَمْ تَطْلُقْ ؛ لِعَدَمِهَا .\rوَإِنْ أَعْطَتْهُ أَلْفًا وَازِنَةً ، تَنْقُصُ فِي الْعَدَدِ ، طَلُقَتْ ، وَإِنْ أَعْطَتْهُ أَلْفًا عَدَدًا ، تَنْقُصُ فِي الْوَزْنِ ، لَمْ تَطْلُقْ ؛ لِأَنَّ إطْلَاقَ الدِّرْهَمِ يَنْصَرِفُ إلَى الْوَازِنِ مِنْ دَرَاهِمِ الْإِسْلَامِ ، وَهِيَ مَا كُلُّ عَشْرَةٍ مِنْهَا وَزْنُ سَبْعَةِ مَثَاقِيلَ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنَّ الدَّرَاهِمَ مَتَى كَانَتْ تَنْفُقُ بِرُءُوسِهَا مِنْ غَيْرِ وَزْنٍ ، طَلُقَتْ ؛ لِأَنَّهَا يَقَعُ عَلَيْهَا اسْمُ الدَّرَاهِمِ ، وَيَحْصُلُ مِنْهَا مَقْصُودُهَا ، وَلَا تَطْلُقُ إذَا أَعْطَتْهُ وَازِنَةً تَنْقُصُ فِي الْعَدَدِ ؛ لِذَلِكَ .\rوَإِنْ أَعْطَتْهُ أَلْفًا رَدِيئَةً ، كَنُحَاسٍ فِيهَا أَوْ رَصَاصٍ أَوْ نَحْوِهِ ، لَمْ تَطْلُقْ ؛ لِأَنَّ إطْلَاقَ الْأَلِفِ يَتَنَاوَلُ أَلْفًا مِنْ الْفِضَّةِ ، وَلَيْسَ فِي هَذِهِ أَلْفٌ مِنْ الْفِضَّةِ .\rوَإِنْ زَادَتْ عَلَى الْأَلِفِ بِحَيْثُ يَكُونُ فِيهَا أَلْفٌ فِضَّةٌ .\rطَلُقَتْ ؛ لِأَنَّهَا قَدْ أَعْطَتْهُ أَلْفًا فِضَّةً .\rوَإِنْ أَعْطَتْهُ سَبِيكَةً تَبْلُغُ أَلْفًا ، لَمْ تَطْلُقْ ؛ لِأَنَّهَا لَا تُسَمَّى دَرَاهِمَ ، فَلَمْ تُوجَدْ الصِّفَةُ ، بِخِلَافِ الْمَغْشُوشَةِ ، فَإِنَّهَا تُسَمَّى دَرَاهِمَ .\rوَإِنْ أَعْطَتْهُ أَلْفًا رَدِيءَ الْجِنْسِ لِخُشُونَةٍ ، أَوْ سَوَادٍ ، أَوْ كَانَتْ وَحْشَةَ السِّكَّةِ ، طَلُقَتْ ؛ لِأَنَّ الصِّفَةَ وُجِدَتْ .\rقَالَ الْقَاضِي : وَلَهُ رَدُّهَا ، وَأَخْذُ بَدَلِهَا .\rوَهَذَا قَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي الْمَسْأَلَةِ الَّتِي قَبْلَهَا .","part":16,"page":140},{"id":7640,"text":"( 5774 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَالَ : إنَّ أَعْطَيْتنِي ثَوْبًا مَرْوِيًّا فَأَنْتِ طَالِقٌ .\rفَأَعْطَتْهُ هَرَوِيًّا ، لَمْ تَطْلُقْ ؛ لِأَنَّ الصِّفَةَ الَّتِي عَلَّقَ الطَّلَاقَ عَلَيْهَا لَمْ تُوجَدْ ، وَإِنْ أَعْطَتْهُ مَرَوِيًّا طَلُقَتْ .\rوَإِنْ خَالَعَهَا عَلَى مَرْوِيٍّ ، فَأَعْطَتْهُ هَرَوِيًّا ، فَالْخُلْعُ وَاقِعٌ ، وَيُطَالِبُهَا بِمَا خَالَعَهَا عَلَيْهِ .\rوَإِنْ خَالَعَهَا عَلَى ثَوْبٍ بِعَيْنِهِ ، عَلَى أَنَّهُ مَرْوِيٌّ ، فَبَانَ هَرَوِيًّا ، فَالْخُلْعُ صَحِيحٌ ؛ لِأَنَّ جِنْسَهُمَا وَاحِدٌ ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ اخْتِلَافُ صِفَةٍ ، فَجَرَى مَجْرَى الْعَيْبِ فِي الْعِوَضِ ، وَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ إمْسَاكِهِ وَلَا شَيْءَ لَهُ غَيْرُهُ ، وَبَيْنَ رَدِّهِ وَأَخْذِ قِيمَتِهِ لَوْ كَانَ مَرَوِيًّا ؛ لِأَنَّ مُخَالَفَتَهُ الصِّفَةَ بِمَنْزِلَةِ الْعَيْبِ فِي جَوَازِ الرَّدِّ .\rوَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : وَعِنْدِي لَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا سِوَاهُ ؛ لِأَنَّ الْخُلْعَ عَلَى عَيْنِهِ ، وَقَدْ أَخَذَهُ .\rوَإِنْ خَالَعَهَا عَلَى ثَوْبٍ ، عَلَى أَنَّهُ قُطْنٌ ، فَبَانَ كَتَّانًا ، لَزِمَ رَدُّهُ ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ إمْسَاكُهُ ؛ لِأَنَّهُ جِنْسٌ آخَرُ ، وَاخْتِلَافُ الْأَجْنَاسِ كَاخْتِلَافِ الْأَعْيَانِ ، بِخِلَافِ مَا لَوْ خَالَعَهَا عَلَى مَرْوِيٍّ فَخَرَجَ هَرَوِيًّا ، فَإِنَّ الْجِنْسَ وَاحِدٌ .\r( 5775 ) فَصْلٌ : وَكُلُّ مَوْضِعٍ عَلَّقَ طَلَاقَهَا عَلَى عَطِيَّتِهَا إيَّاهُ ، فَمَتَى أَعْطَتْهُ عَلَى صِفَةٍ يُمْكِنُهُ الْقَبْضُ ، وَقَعَ الطَّلَاقُ ، سَوَاءٌ قَبَضَهُ مِنْهَا أَوْ لَمْ يَقْبِضْهُ ؛ لِأَنَّ الْعَطِيَّةَ وُجِدَتْ ، فَإِنَّهُ يُقَالُ : أَعْطَتْهُ فَلَمْ يَأْخُذْ .\rوَلِأَنَّهُ عَلَّقَ الْيَمِينَ عَلَى فِعْلٍ مِنْ جِهَتِهَا ، وَاَلَّذِي مِنْ جِهَتِهَا فِي الْعَطِيَّةِ الْبَذْلُ عَلَى وَجْهٍ يُمْكِنُهُ قَبْضُهُ ، فَإِنْ هَرَبَ الزَّوْجُ أَوْ غَابَ قَبْلَ عَطِيَّتِهَا ، أَوْ قَالَتْ : يَضْمَنُهُ لَك زَيْدٌ ، أَوْ اجْعَلْهُ قِصَاصًا مِمَّا لِي عَلَيْك .\rأَوْ أَعْطَتْهُ بِهِ رَهْنًا ، أَوْ أَحَالَتْهُ بِهِ لَمْ يَقَعْ الطَّلَاقُ ؛ لِأَنَّ الْعَطِيَّةَ مَا وُجِدَتْ ، وَلَا يَقَعُ الطَّلَاقُ بِدُونِ شَرْطِهِ .\rوَكَذَلِكَ كُلُّ مَوْضِعٍ تَعَذَّرَتْ","part":16,"page":141},{"id":7641,"text":"الْعَطِيَّةُ فِيهِ ، لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ ، سَوَاءٌ كَانَ التَّعَذُّرُ مِنْ جِهَتِهِ ، أَوْ مِنْ جِهَتِهَا ، أَوْ مِنْ جِهَةِ غَيْرِهِمَا ؛ لِانْتِفَاءِ الشَّرْطِ .\rوَلَوْ قَالَتْ : طَلَّقَنِي بِأَلْفٍ .\rفَطَلَّقَهَا ، اسْتَحَقَّ الْأَلْفَ .\rوَبَانَتْ وَإِنْ لَمْ يَقْبِضْ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .\rقَالَ أَحْمَدُ : وَلَوْ قَالَتْ : لَا أُعْطِيك شَيْئًا .\rيَأْخُذُهَا بِالْأَلْفِ .\rيَعْنِي وَيَقَعُ الطَّلَاقُ ؛ لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ بِتَعْلِيقٍ عَلَى شَرْطٍ ، بِخِلَافِ الْأَوَّلِ .","part":16,"page":142},{"id":7642,"text":"( 5776 ) فَصْلٌ : وَتَعْلِيقُ الطَّلَاقِ عَلَى شَرْطِ الْعَطِيَّةِ ، أَوْ الضَّمَانِ ، أَوْ التَّمْلِيكِ ، لَازِمٌ مِنْ جِهَةِ الزَّوْجِ لُزُومًا لَا سَبِيلَ إلَى دَفْعِهِ ؛ فَإِنَّ الْغَالِبَ فِيهَا حُكْمُ التَّعْلِيقِ الْمَحْضِ ؛ بِدَلِيلِ صِحَّةِ تَعْلِيقِهِ عَلَى الشُّرُوطِ .\rوَيَقَعُ الطَّلَاقُ بِوُجُودِ الشَّرْطِ ، سَوَاءٌ كَانَتْ الْعَطِيَّةُ عَلَى الْفَوْرِ أَوْ التَّرَاخِي .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : إنْ قَالَ : مَتَى أَعْطَيْتِنِي ، أَوْ مَتَى مَا أَعْطَيْتِنِي ، أَوْ أَيَّ حِينٍ أَوْ أَيَّ زَمَانٍ أَعْطَيْتِنِي أَلْفًا فَأَنْتِ طَالِقٌ .\rفَذَلِكَ عَلَى التَّرَاخِي .\rوَإِنْ قَالَ : إنْ أَعْطَيْتِنِي ، أَوْ إذَا أَعْطَيْتِنِي أَلْفًا فَأَنْتِ طَالِقٌ .\rفَذَلِكَ عَلَى الْفَوْرِ .\rفَإِنْ أَعْطَتْهُ جَوَابًا لِكَلَامِهِ ، وَقَعَ الطَّلَاقُ ، وَإِنْ تَأَخَّرَ الْعَطَاءُ لَمْ يَقَعْ الطَّلَاقُ ؛ لِأَنَّ قَبُولَ الْمُعَاوَضَاتِ عَلَى الْفَوْرِ ، فَإِذَا لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ تَصْرِيحٌ بِخِلَافِهِ ، وَجَبَ حَمْلُ ذَلِكَ عَلَى الْمُعَاوَضَاتِ ، بِخِلَافِ مَتَى وَأَيٍّ ، فَإِنَّ فِيهِمَا تَصْرِيحًا بِالتَّرَاخِي ، وَنَصًّا فِيهِ .\rوَإِنْ صَارَا مُعَاوَضَةً ، فَإِنَّ تَعْلِيقَهُ بِالصِّفَةِ جَائِزٌ ، أَمَّا إنْ وَإِذَا ، فَإِنَّهُمَا يَحْتَمِلَانِ الْفَوْرَ وَالتَّرَاخِيَ ، فَإِذَا تَعَلَّقَ بِهِمَا الْعِوَضُ ، حُمِلَا عَلَى الْفَوْرِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ عَلَّقَ الطَّلَاقَ بِشَرْطِ الْإِعْطَاءِ ، فَكَانَ عَلَى التَّرَاخِي ، كَسَائِرِ التَّعْلِيقِ .\rأَوْ نَقُولُ : عَلَّقَ الطَّلَاقَ بِحَرْفِ مُقْتَضَاهُ التَّرَاخِي ، فَكَانَ عَلَى التَّرَاخِيَ ، كَمَا لَوْ خَلَا عَنْ الْعِوَضِ ، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ مُقْتَضَاهُ التَّرَاخِي ، أَنَّهُ يَقْتَضِي التَّرَاخِيَ إذَا خَلَا عَنْ الْعِوَضِ ، وَمُقْتَضَيَاتُ الْأَلْفَاظِ لَا تَخْتَلِفُ بِالْعِوَضِ وَعَدَمِهِ ، وَهَذِهِ الْمُعَاوَضَةُ مَعْدُولٌ بِهَا عَنْ سَائِرِ الْمُعَاوَضَاتِ ؛ بِدَلِيلِ جَوَازِ تَعْلِيقهَا عَلَى الشُّرُوطِ ، وَيَكُونُ عَلَى التَّرَاخِي فِيمَا إذَا عَلَّقَهَا بِمَتَى أَوْ بِأَيِّ ، فَكَذَلِكَ فِي مَسْأَلَتِنَا ، وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُ مَا نَحْنُ فِيهِ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ الْمُعَاوَضَاتِ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ","part":16,"page":143},{"id":7643,"text":"الْفَرْقِ ، ثُمَّ يَبْطُلُ قِيَاسُهُمْ بِقَوْلِ السَّيِّدِ لِعَبْدِهِ : إنْ أَعْطَيْتَنِي أَلْفًا فَأَنْتَ حُرٌّ .\rفَإِنَّهُ كَمَسْأَلَتِنَا ، وَهُوَ عَلَى التَّرَاخِي ، عَلَى أَنَّنَا قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ حُكْمَ هَذَا اللَّفْظِ حُكْمُ الشَّرْطِ الْمُطْلَقِ .","part":16,"page":144},{"id":7644,"text":"( 5777 ) فَصْلٌ : إذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ : أَنْتِ طَالِقٌ بِأَلْفٍ إنْ شِئْت لَمْ تَطْلُقْ حَتَّى تَشَاءَ ، فَإِذَا شَاءَتْ وَقَعَ الطَّلَاقُ بَائِنًا ، وَيَسْتَحِقُّ الْأَلْفَ سَوَاءٌ سَأَلَتْهُ الطَّلَاقَ فَقَالَتْ : طَلِّقْنِي بِأَلْفٍ .\rفَأَجَابَهَا ، أَوْ قَالَ ذَلِكَ لَهَا ابْتِدَاءً ؛ لِأَنَّهُ عَلَّقَ طَلَاقَهَا عَلَى شَرْطٍ ، فَلَمْ يُوجَدْ قَبْلَ وُجُودِهِ .\rوَتُعْتَبَرُ مَشِيئَتُهَا بِالْقَوْلِ ، فَإِنَّهَا وَإِنْ كَانَ مَحِلُّهَا الْقَلْبَ ، فَلَا يُعْرَفُ مَا فِي الْقَلْبِ إلَّا بِالنُّطْقِ ، فَيُعَلَّقُ الْحُكْمُ بِهِ ، وَيَكُونُ ذَلِكَ عَلَى التَّرَاخِي ، فَمَتَى شَاءَتْ طَلُقَتْ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .\rوَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ كَذَلِكَ ، إلَّا فِي أَنَّهُ عَلَى الْفَوْرِ عِنْدَهُ .\rوَلَوْ أَنَّهُ قَالَ لِامْرَأَتِهِ : أَمْرُك بِيَدِك إنْ ضَمِنْت لِي أَلْفًا .\rفَقِيَاسُ قَوْلِ أَحْمَدَ أَنَّهُ عَلَى التَّرَاخِي ؛ لِأَنَّهُ نَصَّ عَلَى أَنَّ أَمْرَك بِيَدِك ، عَلَى التَّرَاخِي ، وَنَصَّ عَلَى أَنَّهُ إذَا قَالَ لَهَا : أَنْتِ طَالِقٌ إنْ شِئْت .\rأَنَّ لَهَا الْمَشِيئَةَ بَعْدَ مَجْلِسِهَا .\rوَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ عَلَى الْفَوْرِ ؛ لِمَا تَقَدَّمَ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ لَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ : إنْ ضَمِنْت لِي أَلْفًا فَأَنْتَ حُرٌّ كَانَ عَلَى التَّرَاخِي .\rوَلَوْ قَالَ لَهُ : أَنْتَ حُرٌّ عَلَى أَلْفٍ إنْ شِئْت .\rكَانَ عَلَى التَّرَاخِي .\rوَالطَّلَاقُ نَظِيرُ الْعِتْقِ .\rفَعَلَى هَذَا ، مَتَى ضَمِنَتْ لَهُ أَلْفًا ، كَانَ أَمْرُهَا بِيَدِهَا ، وَلَهُ الرُّجُوعُ فِيمَا جَعَلَ إلَيْهَا ؛ لِأَنَّ أَمْرَك بِيَدِك تَوْكِيلٌ مِنْهُ لَهَا ، فَلَهُ الرُّجُوعُ فِيهِ ، كَمَا يَرْجِعُ فِي الْوَكَالَةِ .\rوَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ : طَلِّقِي نَفْسَك إنْ ضَمِنْت لِي أَلْفًا .\rفَمَتَى ضَمِنَتْ لَهُ أَلْفًا ، وَطَلَّقَتْ نَفْسَهَا ، وَقَعَ ، مَا لَمْ يَرْجِعْ .\rوَإِنْ ضَمِنَتْ الْأَلْفَ وَلَمْ تَطْلُقْ ، أَوْ طَلُقَتْ وَلَمْ تَضْمَنْ ، لَمْ يَقَعْ الطَّلَاقُ .","part":16,"page":145},{"id":7645,"text":"( 5778 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِذَا خَالَعَهَا عَلَى عَبْدٍ ، فَخَرَجَ حُرًّا أَوْ اُسْتُحِقَّ ، فَلَهُ عَلَيْهَا قِيمَتُهُ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الرَّجُلَ إذَا خَالَعَ امْرَأَتَهُ عَلَى عِوَضٍ يَظُنُّهُ مَالًا ، فَبَانَ غَيْرَ مَالٍ ، مِثْلُ أَنْ يُخَالِعَهَا عَلَى عَبْدٍ تُعَيِّنُهُ فَيَبِينُ حُرًّا ، أَوْ مَغْصُوبًا ، أَوْ عَلَى خَلٍّ فَيَبِينُ خَمْرًا ، فَإِنَّ الْخُلْعَ صَحِيحٌ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ؛ لِأَنَّ الْخُلْعَ مُعَاوَضَةٌ بِالْبُضْعِ ، فَلَا يَفْسُدُ بِفَسَادِ الْعِوَضِ ، كَالنِّكَاحِ ، وَلَكِنَّهُ يَرْجِعُ عَلَيْهَا بِقِيمَتِهِ لَوْ كَانَ عَبْدًا وَبِهَذَا قَالَ أَبُو ثَوْرٍ ، وَصَاحِبَا أَبِي حَنِيفَةَ .\rوَإِنْ خَالَعَهَا عَلَى هَذَا الدَّنِّ الْخَلِّ ، فَبَانَ خَمْرًا ، رَجَعَ عَلَيْهَا بِمِثْلِهِ خَلًّا ؛ لِأَنَّ الْخَلَّ مِنْ ذَوَات الْأَمْثَالِ ، وَقَدْ دَخَلَ عَلَى أَنَّ هَذَا الْمُعَيَّنَ خَلٌّ ، فَكَانَ لَهُ مِثْلُهُ ، كَمَا لَوْ كَانَ خَلًّا فَتَلِفَ قَبْل قَبْضِهِ ، وَقَدْ قِيلَ : يَرْجِعُ بِقِيمَةِ مِثْلِهِ خَلًّا ؛ لِأَنَّ الْخَمْرَ لَيْسَ مِنْ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ .\rوَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا وَجَبَ عَلَيْهَا مِثْلُهُ لَوْ كَانَ خَلًّا ، كَمَا تُوجَبُ قِيمَةُ الْحُرِّ بِتَقْدِيرِ كَوْنِهِ عَبْدًا ، فَإِنَّ الْحُرَّ لَا قِيمَةَ لَهُ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي الْمَسْأَلَةِ كُلِّهَا : يَرْجِعُ بِالْمُسَمَّى .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يَرْجِعُ بِمَهْرِ الْمِثْلِ لِأَنَّهُ عَقْدٌ عَلَى الْبُضْعِ بِعِوَضٍ فَاسِدٍ ، فَأَشْبَهَ النِّكَاحَ بِخَمْرٍ .\rوَاحْتَجَّ أَبُو حَنِيفَةَ بِأَنَّ خُرُوجَ الْبُضْعِ لَا قِيمَةَ لَهُ ، فَإِذَا غُرَّ بِهِ ، رَجَعَ عَلَيْهَا بِمَا أَخَذَتْ .\rوَلَنَا ، أَنَّهَا عَيْنٌ يَجِبُ تَسْلِيمُهَا مَعَ سَلَامَتِهَا ، وَبَقَاءِ سَبَبِ الِاسْتِحْقَاقِ ، فَوَجَبَ بَدَلُهَا مُقَدَّرًا بِقِيمَتِهَا أَوْ مِثْلِهَا ، كَالْمَغْصُوبِ وَالْمُسْتَعَارِ .\rوَإِذَا خَالَعَهَا عَلَى عَبْدٍ ، فَخَرَجَ مَغْصُوبًا ، أَوْ أُمِّ وَلَدٍ ، فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ يُسَلِّمُهُ ، يُوَافِقُنَا فِيهِ .","part":16,"page":146},{"id":7646,"text":"( 5779 ) فَصْلٌ : وَإِنْ خَالَعَهَا عَلَى مُحَرَّمٍ يَعْلَمَانِ تَحْرِيمَهُ ، كَالْحُرِّ ، وَالْخَمْرِ ، وَالْخِنْزِيرِ ، وَالْمَيْتَةِ ، فَهُوَ كَالْخُلْعِ بِغَيْرِ عِوَضٍ سَوَاءٌ ، لَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا .\rوَبِهِ قَالَ مَالِكٌ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَهُ عَلَيْهَا مَهْرُ الْمِثْلِ ؛ لِأَنَّهُ مُعَاوَضَةٌ بِالْبُضْعِ ، فَإِذَا كَانَ الْعِوَضُ مُحَرَّمًا وَجَبَ مَهْرُ الْمِثْلِ ، كَالنِّكَاحِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ خُرُوجَ الْبُضْعِ مِنْ مِلْكِ الزَّوْجِ غَيْرُ مُتَقَوِّمٍ ، عَلَى مَا أَسْلَفْنَا ، فَإِذَا رَضِيَ بِغَيْرِ عِوَضٍ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ ، كَمَا لَوْ طَلَّقَهَا أَوْ عَلَّقَ طَلَاقَهَا عَلَى فِعْلِ شَيْءٍ ، فَفَعَلَتْهُ ، وَفَارَقَ النِّكَاحَ ؛ فَإِنَّ دُخُولَ الْبُضْعِ فِي مِلْكِ الزَّوْجِ مُتَقَوِّمٌ ، وَلَا يَلْزَمُ إذَا خَالَعَهَا عَلَى عَبْدٍ فَبَانَ حُرًّا لِأَنَّهُ لَمْ يَرْضَ بِغَيْرِ عِوَضٍ مُتَقَوِّمٍ ، فَيَرْجِعُ بِحُكْمِ الْغُرُورِ ، وَهَا هُنَا رَضِيَ بِمَا لَا قِيمَةَ لَهُ .\rإذَا تَقَرَّرَ هَذَا ، فَإِنْ كَانَ الْخُلْعُ بِلَفْظِ الطَّلَاقِ ، فَهُوَ طَلَاقٌ رَجْعِيٌّ ؛ لِأَنَّهُ خَلَا عَنْ عِوَضٍ ، وَإِنْ كَانَ بِلَفْظِ الْخُلْعِ وَكِنَايَاتِ الْخُلْعِ ، وَنَوَى بِهِ الطَّلَاقَ ، فَكَذَلِكَ لِأَنَّ الْكِنَايَةَ مَعَ النِّيَّةِ كَالصَّرِيحِ ، وَإِنْ كَانَ بِلَفْظِ الْخُلْعِ ، وَلَمْ يَنْوِ الطَّلَاقَ ، انْبَنَى عَلَى أَصْلٍ .\rوَهُوَ أَنَّهُ هَلْ يَصِحُّ الْخُلْعُ بِغَيْرِ عِوَضٍ ؟ وَفِيهِ رِوَايَتَانِ ؛ فَإِنْ قُلْنَا : يَصِحُّ .\rصَحَّ هَاهُنَا .\rوَإِنْ قُلْنَا : لَا يَصِحُّ .\rلَمْ يَصِحَّ ، وَلَمْ يَقَعْ شَيْئًا .\rوَإِنْ قَالَ : إنْ أَعْطَيْتِنِي خَمْرًا أَوْ مَيْتَةً ، فَأَنْتِ طَالِقٌ .\rفَأَعْطَتْهُ ذَلِكَ ، طَلُقَتْ ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهَا .\rوَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ ، عَلَيْهَا مَهْرُ الْمِثْلِ ، كَقَوْلِهِ فِي الَّتِي قَبْلَهَا .","part":16,"page":147},{"id":7647,"text":"( 5780 ) فَصْلٌ : فَإِنْ قَالَ : إنْ أَعْطَيْتِنِي عَبْدًا فَأَنْت طَالِقٌ .\rفَأَعْطَتْهُ مُدَبَّرًا أَوْ مُعْتَقًا نِصْفُهُ ، وَقَعَ الطَّلَاقُ بِهِمَا ؛ لِأَنَّهُمَا كَالْقِنِّ فِي التَّمْلِيكِ ، وَإِنْ أَعْطَتْهُ حُرًّا ، أَوْ مَغْصُوبًا ، أَوْ مَرْهُونًا ، لَمْ تَطْلُقْ ؛ لِأَنَّ الْعَطِيَّةَ إنَّمَا تَتَنَاوَلُ مَا يَصِحُّ تَمْلِيكُهُ ، وَمَا لَا يَصِحُّ تَمْلِيكُهُ لَا تَكُونُ مُعْطِيَةً لَهُ .\rوَإِنْ قَالَ : إنْ أَعْطَيْتِنِي هَذَا الْعَبْدَ ، فَأَنْتِ طَالِقٌ .\rفَأَعْطَتْهُ إيَّاهُ ، فَإِذَا هُوَ حُرٌّ أَوْ مَغْصُوبٌ ، لَمْ تَطْلُقْ أَيْضًا ؛ لِمَا ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ ، وَأَوْمَأَ إلَيْهِ أَحْمَدُ .\rوَذَكَرَ الْقَاضِي وَجْهًا آخَرَ ، أَنَّهُ يَقَعُ الطَّلَاقُ ؛ قَالَ : وَأَوْمَأَ إلَيْهِ أَحْمَدُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ لِأَنَّهُ إذَا عَيَّنَهُ فَقَدْ قَطَعَ اجْتِهَادَهَا فِيهِ ، فَإِذَا أَعْطَتْهُ إيَّاهُ ، وُجِدَتْ الصِّفَةُ ، فَوَقَعَ الطَّلَاقُ ، بِخِلَافِ غَيْرِ الْمُعَيَّنِ .\rوَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ أَيْضًا وَجْهَانِ كَذَلِكَ .\rوَعَلَى قَوْلِهِمْ : يَقَعُ الطَّلَاقُ ، هَلْ يَرْجِعُ بِقِيمَتِهِ أَوْ بِمَهْرِ الْمِثْلِ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الْعَطِيَّةَ إنَّمَا مَعْنَاهَا الْمُتَبَادِرُ إلَى الْفَهْمِ مِنْهَا عِنْدَ إطْلَاقِهَا التَّمْكِينُ مِنْ تَمَلُّكِهِ ، بِدَلِيلِ غَيْرِ الْمُعَيَّنِ ؛ وَلِأَنَّ الْعَطِيَّةَ هَا هُنَا التَّمْلِيكُ ، بِدَلِيلِ حُصُولِ الْمِلْكِ بِهَا فِيمَا إذَا كَانَ الْعَبْدُ مَمْلُوكًا لَهَا ، وَانْتِفَاءِ الطَّلَاقِ فِيمَا إذَا كَانَ غَيْرَ مُعَيَّنٍ .","part":16,"page":148},{"id":7648,"text":"( 5781 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ ( وَإِذَا قَالَتْ لَهُ : طَلِّقْنِي ثَلَاثًا بِأَلْفٍ فَطَلَّقَهَا وَاحِدَةً لَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ ، وَلَزِمَهَا التَّطْلِيقَةُ ) أَمَّا وُقُوعُ الطَّلَاقِ بِهَا ، فَلَا خِلَافَ فِيهِ وَأَمَّا الْأَلْفُ ، فَلَا يَسْتَحِقُّ مِنْهُ شَيْئًا .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ : لَهُ ثُلُثُ الْأَلْفِ ؛ لِأَنَّهَا اسْتَدْعَتْ مِنْهُ فِعْلًا بِعِوَضٍ ، فَإِذَا فَعَلَ بَعْضَهُ اسْتَحَقَّ بِقِسْطِهِ مِنْ الْعِوَضِ ، كَمَا لَوْ قَالَ : مَنْ رَدَّ عَبِيدِي فَلَهُ أَلْفٌ .\rفَرَدَّ ثُلُثَهُمْ ، اسْتَحَقَّ ثُلُثَ الْأَلْفِ ، وَكَذَلِكَ فِي بِنَاءِ الْحَائِطِ ، وَخِيَاطَةِ الثَّوْبِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهَا بَذَلَتْ الْعِوَضَ فِي مُقَابَلَةِ شَيْءٍ لَمْ يُجِبْهَا إلَيْهِ ، فَلَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا ، كَمَا لَوْ قَالَ فِي الْمُسَابَقَةِ : مَنْ سَبَقَ إلَى خَمْسِ إصَابَاتٍ فَلَهُ أَلْفٌ .\rفَسَبَقَ إلَى بَعْضِهَا .\rأَوْ قَالَتْ : بِعْنِي عَبْدَيْك بِأَلْفٍ .\rفَقَالَ : بِعْتُك أَحَدَهُمَا بِخَمْسِمِائَةٍ .\rوَكَمَا لَوْ قَالَتْ : طَلِّقْنِي ثَلَاثًا عَلَى أَلْفٍ فَطَلَّقَهَا وَاحِدَةً ، فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ وَافَقَنَا فِي هَذِهِ الصُّورَةِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا .\rفَإِنْ قِيلَ : الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْبَاءَ لِلْعِوَضِ دُونَ الشَّرْطِ ، وَعَلَى لِلشَّرْطِ ، فَكَأَنَّهَا شَرَطَتْ فِي اسْتِحْقَاقِهِ الْأَلْفَ أَنْ يُطَلِّقَهَا ثَلَاثًا .\rقُلْنَا : لَا نُسَلِّمُ أَنَّ عَلَى لِلشَّرْطِ ، فَإِنَّهَا لَيْسَتْ مَذْكُورَةً فِي حُرُوفِهِ ، وَإِنَّمَا مَعْنَاهَا وَمَعْنَى الْبَاءِ وَاحِدٌ ، وَقَدْ سُوِّيَ بَيْنَهُمَا فِيمَا إذَا قَالَتْ : طَلِّقْنِي وَضَرَّتِي بِأَلْفٍ ، أَوْ عَلَى أَلْفٍ .\rوَمُقْتَضَى اللَّفْظِ لَا يَخْتَلِفُ بِكَوْنِ الْمُطَلَّقَةِ وَاحِدَةً أَوْ اثْنَتَيْنِ .\r( 5782 ) فَصْلٌ : فَإِنْ : قَالَتْ : طَلِّقْنِي ثَلَاثًا وَلَك أَلْفٌ .\rفَهِيَ كَاَلَّتِي قَبْلَهَا ، إنْ طَلَّقَهَا أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ ، وَقَعَ الطَّلَاقُ ، وَلَا شَيْءَ لَهُ ، وَإِنْ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا ، اسْتَحَقَّ الْأَلْفَ .\rوَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ فِيهَا كَمَذْهَبِهِمْ فِي الَّتِي قَبْلَهَا .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ :","part":16,"page":149},{"id":7649,"text":"لَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا ، وَإِنْ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُعَلِّقْ الطَّلَاقَ بِالْعِوَضِ .\rوَلَنَا أَنَّهَا اسْتَدْعَتْ مِنْهُ الطَّلَاقَ بِالْعِوَضِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَالَتْ : رُدَّ عَبْدِي وَلَك أَلْفٌ .\rفَرَدَّهُ .\rوَقَوْلُهُ : لَمْ يُعَلِّقْ الطَّلَاقَ بِالْعِوَضِ .\rغَيْرُ مُسَلَّمٍ ؛ فَإِنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ ، وَلَك أَلْفٌ عِوَضًا عَنْ طَلَاقِي .\rفَإِنَّ قَرِينَةَ الْحَالِ دَالَّةٌ عَلَيْهِ .\rوَإِنْ قَالَتْ : طَلِّقْنِي وَضَرَّتِي بِأَلْفٍ ، أَوْ عَلَى أَلْفٍ عَلَيْنَا .\rفَطَلَّقَهَا وَحْدَهَا ، طَلُقَتْ ، وَعَلَيْهَا قِسْطُهَا مِنْ الْأَلْفِ ؛ لِأَنَّ عَقْدَ الْوَاحِدِ مَعَ الِاثْنَيْنِ بِمَنْزِلَةِ الْعَقْدَيْنِ ، وَخُلْعَهُ لِلْمَرْأَتَيْنِ بِعِوَضٍ عَلَيْهِمَا خُلْعَانِ ، فَجَازَ أَنْ يَنْعَقِدَ أَحَدُهُمَا صَحِيحًا مُوجِبًا لِلْعِوَضِ دُونَ الْآخِرِ .\rوَإِنْ كَانَ الْعِوَضُ مِنْهَا وَحْدَهَا ، فَلَا شَيْءَ لَهُ ، فِي قِيَاسِ الْمَذْهَبِ ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ لَا يَتَعَدَّدُ بِتَعَدُّدِ الْعِوَضِ ، وَكَذَلِكَ لَوْ اشْتَرَى مِنْهُ عَبْدَيْنِ بِثَمَنٍ وَاحِدٍ ، كَانَ عَقْدًا وَاحِدًا ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الْعَاقِدُ مِنْ أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ اثْنَيْنِ ، فَإِنَّهُ يَكُونُ عَقْدَيْنِ .","part":16,"page":150},{"id":7650,"text":"( 5783 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَالَتْ : طَلِّقْنِي ثَلَاثًا بِأَلْفٍ .\rوَلَمْ يَبْقَ مِنْ طَلَاقِهَا إلَّا وَاحِدَةٌ فَطَلَّقَهَا وَاحِدَةً أَوْ ثَلَاثًا ، بَانَتْ بِثَلَاثٍ .\rقَالَ أَصْحَابُنَا : وَيَسْتَحِقُّ الْأَلْفَ ، عَلِمَتْ أَوْ لَمْ تَعْلَمْ .\rوَهُوَ مَنْصُوصُ الشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ الْمُزَنِيّ : لَا يَسْتَحِقُّ إلَّا ثُلُثَ الْأَلْفِ لِأَنَّهُ إنَّمَا طَلَّقَهَا ثُلُثَ مَا طَلَبَتْ مِنْهُ ، فَلَا يَسْتَحِقُّ إلَّا ثُلُثَ الْأَلْفِ ، كَمَا لَوْ كَانَ طَلَاقُهَا ثَلَاثًا .\rوَقَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ : إنْ عَلِمَتْ أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنْ طَلَاقِهَا إلَّا طَلْقَةٌ ، اسْتَحَقَّ الْأَلْفَ ، وَإِنْ لَمْ تَعْلَمْ ، كَقَوْلِ الْمُزَنِيّ ؛ لِأَنَّهَا إنْ كَانَتْ عَالِمَةً ، كَانَ مَعْنَى كَلَامِهَا كَمِّلْ لِي الثَّلَاثَ ، وَقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ .\rوَوَجْهُ قَوْلِ أَصْحَابِنَا ، أَنَّ هَذِهِ الْوَاحِدَةَ كَمَّلَتْ الثَّلَاثَ ، وَحَصَّلَتْ مَا يَحْصُلُ بِالثَّلَاثِ مِنْ الْبَيْنُونَةِ ، وَتَحْرِيمِ الْعَقْدِ ، فَوَجَبَ بِهَا الْعِوَضُ ، كَمَا لَوْ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا .","part":16,"page":151},{"id":7651,"text":"( 5784 ) فَصْلٌ : فَإِنْ لَمْ يَبْقَ مِنْ طَلَاقِهَا إلَّا وَاحِدَةٌ ، فَقَالَتْ : طَلِّقْنِي بِأَلْفٍ وَاحِدَةً أَبِينُ بِهَا ، وَاثْنَتَيْنِ فِي نِكَاحٍ آخَرَ .\rفَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : قِيَاسُ قَوْلِ أَحْمَدَ ، أَنَّهُ إذَا طَلَّقَهَا وَاحِدَةً ، اسْتَحَقَّ الْعِوَضَ ، فَإِنْ تَزَوَّجَ بِهَا بَعْدَ ذَلِكَ ، وَلَمْ يُطَلِّقْهَا ، رَجَعَتْ عَلَيْهِ بِالْعِوَضِ ؛ لِأَنَّهَا بَذَلَتْ الْعِوَضَ فِي مُقَابَلَةِ ثَلَاثٍ ، فَإِذَا لَمْ يُوقِعْ الثَّلَاثَ ، لَمْ يَسْتَحِقَّ الْعِوَضَ ، كَمَا لَوْ كَانَتْ ذَاتَ طَلْقَاتٍ ثَلَاثٍ ، فَقَالَتْ : طَلِّقْنِي ثَلَاثًا .\rفَلَمْ يُطَلِّقْهَا إلَّا وَاحِدَةً ، وَمُقْتَضَى هَذَا ، أَنَّهُ إذَا لَمْ يَنْكِحْهَا نِكَاحًا آخَرَ ، أَنَّهَا تَرْجِعُ عَلَيْهِ بِالْعِوَضِ ، وَإِنَّمَا يَفُوتُ نِكَاحُهُ إيَّاهَا بِمَوْتِ أَحَدِهِمَا .\rوَإِنْ نَكَحَهَا نِكَاحًا آخَرَ وَطَلَّقَهَا اثْنَتَيْنِ ، لَمْ تَرْجِعْ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ ، وَإِنْ لَمْ يُطَلِّقْهَا إلَّا وَاحِدَةً ، رَجَعَتْ عَلَيْهِ بِالْعِوَضِ كُلِّهِ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : الصَّحِيحُ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّ هَذَا لَا يَصِحُّ فِي الطَّلْقَتَيْنِ الْآخِرَتَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ سَلَفٌ فِي طَلَاقٍ ، وَلَا يَصِحُّ السَّلَمُ فِي الطَّلَاقِ ، وَلِأَنَّهُ مُعَاوَضَةٌ عَلَى الطَّلَاقِ قَبْلَ النِّكَاحِ ، وَالطَّلَاقُ قَبْلَ النِّكَاحِ لَا يَصِحُّ ، فَالْمُعَاوَضَةُ عَلَيْهِ أَوْلَى ، فَإِذَا بَطَلَ فِيهِمَا انْبَنَى ذَلِكَ عَلَى تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ ، فَإِنْ قُلْنَا : تُفَرَّقُ .\rفَلَهُ ثُلُثُ الْأَلْفِ ، وَإِنْ قُلْنَا : لَا تُفَرَّقُ .\rفَسَدَ الْعِوَضُ فِي الْجَمِيعِ ، وَيَرْجِعُ بِالْمُسَمَّى فِي عَقْدِ النِّكَاحِ .","part":16,"page":152},{"id":7652,"text":"( 5785 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَالَتْ : طَلِّقْنِي وَاحِدَةً بِأَلْفٍ .\rفَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا .\rاسْتَحَقَّ الْأَلْفَ .\rوَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ : قِيَاسُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ إنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا ؛ لِأَنَّ الثَّلَاثَ مُخَالِفَةٌ لِلْوَاحِدَةِ ، لَأَنْ تَحْرِيمَهَا لَا يَرْتَفِعُ إلَّا بِزَوْجٍ وَإِصَابَةٍ ، وَقَدْ لَا تُرِيدُ ذَلِكَ ، وَلَا تَبْذُلُ الْعِوَضَ فِيهِ ، فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ إيقَاعًا لِمَا اسْتَدْعَتْهُ ، بَلْ هُوَ إيقَاعٌ مُبْتَدَأٌ ، فَلَمْ يَسْتَحِقَّ بِهِ عِوَضًا .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ أَوْقَعَ مَا اسْتَدْعَتْهُ وَزِيَادَةً ؛ لِأَنَّ الثَّلَاثَ وَاحِدَةٌ وَاثْنَتَانِ .\rوَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ : طَلِّقِي نَفْسَك ثَلَاثًا .\rفَطَلَّقَتْ نَفْسَهَا وَاحِدَةً ، وَقَعَ ، فَيَسْتَحِقُّ الْعِوَضَ بِالْوَاحِدَةِ ، وَمَا حَصَلَ مِنْ الزِّيَادَةِ الَّتِي لَمْ تَبْذُلْ الْعِوَضَ فِيهَا لَا يَسْتَحِقُّ بِهَا شَيْئًا .\rفَإِنْ قَالَ لَهَا : أَنْتِ طَالِقٌ بِأَلْفٍ ، وَطَالِقٌ ، وَطَالِقٌ .\rوَقَعَتْ الْأُولَى بَائِنَةً ، وَلَمْ تَقَعْ الثَّانِيَةُ ، وَلَا الثَّالِثَةُ ؛ لِأَنَّهُمَا جَاءَا بَعْدَ بَيْنُونَتِهَا .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rوَإِنْ قَالَ لَهَا : أَنْتِ طَالِقٌ وَطَالِقٌ وَطَالِقٌ بِأَلْفٍ .\rوَقَعَ الثَّلَاثُ .\rوَإِنْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ وَطَالِقٌ وَطَالِقٌ .\rوَلَمْ يَقُلْ بِأَلْفٍ .\rقِيلَ لَهُ أَيَّتُهُنَّ أَوْقَعَتْ بِالْأَلْفِ ؟ فَإِنْ قَالَ : الْأُولَى .\rبَانَتْ بِهَا ، وَلَمْ يَقَعْ مَا بَعْدَهَا .\rوَإِنْ قَالَ : الثَّانِيَةَ .\rبَانَتْ بِهَا ، وَوَقَعَتْ بِهَا طَلْقَتَانِ ، وَلَمْ تَقَعْ الثَّالِثَةُ .\rوَإِنْ قَالَ : الثَّالِثَةُ .\rوَقَعَ الْكُلُّ .\rوَإِنْ قَالَ : نَوَيْت أَنَّ الْأَلْفَ فِي مُقَابَلَةِ الْكُلِّ .\rبَانَتْ بِالْأُولَى وَحْدَهَا .\rوَلَمْ يَقَعْ بِهَا مَا بَعْدَهَا ؛ لِأَنَّ الْأُولَى حَصَلَ فِي مُقَابَلَتِهَا عِوَضٌ ، وَهُوَ قِسْطُهَا مِنْ الْأَلْفِ ، فَبَانَتْ بِهَا ، وَلَهُ ثُلُثُ الْأَلْفَ ؛ لِأَنَّهُ رَضِيَ بِأَنْ يُوقِعَهَا بِذَلِكَ ، مِثْلُ أَنْ تَقُولَ : طَلِّقْنِي بِأَلْفٍ .\rفَيَقُولَ : أَنْتِ طَالِقٌ بِخَمْسِمِائَةٍ .\rهَكَذَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ","part":16,"page":153},{"id":7653,"text":"يَسْتَحِقَّ الْأَلْفَ ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِمَا بَذَلْت الْعِوَضَ فِيهِ بِنِيَّةِ الْعِوَضِ ، فَلَمْ يَسْقُطْ بَعْضُهُ بِنِيَّتِهِ ، كَمَا لَوْ قَالَتْ : رُدَّ عَبْدِي بِأَلْفٍ فَرَدَّهُ يَنْوِي خَمْسَمِائَةٍ .\rوَإِنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا ، اسْتَحَقَّ الْأَلْفَ بِالْأُولَى ، وَلَمْ يَقَعْ بِهَا مَا بَعْدَهَا .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ تَقَعَ الثَّلَاثُ ؛ لِأَنَّ الْوَاوَ لِلْجَمْعِ ، وَلَا تَقْتَضِي تَرْتِيبًا ، فَهُوَ كَقَوْلِهِ : أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا بِأَلْفٍ .\rوَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ ذَلِكَ لِغَيْرِ مَدْخُولٍ بِهَا ، أَوْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ وَطَالِقٌ وَطَالِقٌ بِأَلْفٍ طَلُقَتْ ثَلَاثًا .","part":16,"page":154},{"id":7654,"text":"( 5786 ) فَصْلٌ : وَإِذَا قَالَتْ : طَلِّقْنِي بِأَلْفٍ ، أَوْ عَلَى أَنَّ لَك أَلْفًا ، أَوْ إنَّ طَلَّقْتَنِي فَلَكَ عَلَيَّ أَلْفٌ .\rفَقَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ .\rاسْتَحَقَّ الْأَلْفَ ، وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْهُ ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ جَوَابٌ لِمَا اسْتَدْعَتْهُ مِنْهُ ، وَالسُّؤَالُ مُعَادٌ فِي الْجَوَابِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَالَتْ : بِعْنِي عَبْدَك بِأَلْفٍ .\rفَقَالَ : بِعْتُكَهُ .\rوَإِنْ قَالَتْ : اخْلَعْنِي بِأَلْفٍ .\rفَقَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ .\rفَإِنْ قُلْنَا : الْخُلْعُ طَلْقَةٌ بَائِنَةٌ .\rوَقَعَ ، وَاسْتَحَقَّ الْعِوَضَ ؛ لِأَنَّهُ أَجَابَهَا إلَى مَا بَذَلَتْ الْعِوَضَ فِيهِ .\rوَإِنْ قُلْنَا : هُوَ فَسْخٌ .\rاحْتَمَلَ أَنْ يَسْتَحِقَّ الْعِوَضَ أَيْضًا ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ يَتَضَمَّنُ مَا طَلَبَتْهُ ، وَهُوَ بَيْنُونَتُهَا ، وَفِيهِ زِيَادَةُ نُقْصَانِ الْعَدَدِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَالَتْ : طَلِّقْنِي وَاحِدَةً بِأَلْفٍ .\rفَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا .\rاحْتَمَلَ أَنْ لَا يَسْتَحِقَّ شَيْئًا ؛ لِأَنَّهَا اسْتَدْعَتْ مِنْهُ فَسْخًا ، فَلَمْ يُجِبْهَا إلَيْهِ ، وَأَوْقَعَ طَلَاقًا مَا طَلَبَتْهُ ، وَلَا بَذَلَتْ فِيهِ عِوَضًا .\rفَعَلَى هَذَا ، يَحْتَمِلُ أَنْ يَقَعَ الطَّلَاقُ رَجْعِيًّا ؛ لِأَنَّهُ أَوْقَعَهُ مُبْتَدِئًا بِهِ ، غَيْرَ مَبْذُولٍ فِيهِ عِوَضٌ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ طَلَّقَهَا ابْتِدَاءً ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَقَعَ ؛ لِأَنَّهُ أَوْقَعَهُ بِعِوَضٍ ، فَإِذَا لَمْ يَحْصُلْ الْعِوَضُ لَمْ يَقَعْ ؛ لِأَنَّهُ كَالشَّرْطِ فِيهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَالَ : إنْ أَعْطَيْتِنِي أَلْفًا فَأَنْتِ طَالِقٌ .\rوَإِنْ قَالَتْ : طَلِّقْنِي بِأَلْفٍ .\rفَقَالَ : خَلَعْتُك .\rفَإِنْ قُلْنَا : هُوَ طَلَاقٌ .\rاسْتَحَقَّ الْأَلْفَ ؛ لِأَنَّهُ طَلَّقَهَا ، وَإِنْ نَوَى بِهِ الطَّلَاقَ ، فَكَذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ كِنَايَةٌ فِيهِ ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ الطَّلَاقَ ، وَقُلْنَا : لَيْسَ بِطَلَاقٍ .\rلَمْ يَسْتَحِقَّ عِوَضًا لِأَنَّهُ مَا أَجَابَهَا إلَى مَا بَذَلَتْ الْعِوَضَ فِيهِ ، وَلَا يَتَضَمَّنُهُ ؛ لِأَنَّهَا سَأَلَتْهُ طَلَاقًا يَنْقُصُ بِهِ عَدَدُ طَلَاقِهِ ، فَلَمْ يُجِبْهَا إلَيْهِ ، وَإِذَا لَمْ يَجِبْ الْعِوَضُ لَمْ يَصِحَّ الْخُلْعُ ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا خَالَعَهَا مُعْتَقِدًا","part":16,"page":155},{"id":7655,"text":"لِحُصُولِ الْعِوَضِ فَإِذَا لَمْ يَحْصُلْ لَمْ يَصِحَّ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ كَالْخُلْعِ بِغَيْرِ عِوَضٍ ، وَفِيهِ مِنْ الْخِلَافِ مَا فِيهِ .","part":16,"page":156},{"id":7656,"text":"( 5787 ) فَصْلٌ : وَلَوْ قَالَتْ لَهُ : طَلِّقْنِي عَشْرًا بِأَلْفٍ .\rفَطَلَّقَهَا وَاحِدَةً أَوْ اثْنَتَيْنِ ، فَلَا شَيْءَ لَهُ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُجِبْهَا إلَى مَا سَأَلَتْ ، فَلَمْ يَسْتَحِقَّ عَلَيْهَا مَا بَذَلَتْ .\rوَإِنْ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا ، اسْتَحَقَّ الْأَلْفَ ، عَلَى قِيَاسِ قَوْلِ أَصْحَابِنَا فِيمَا إذَا قَالَتْ : طَلِّقْنِي ثَلَاثًا بِأَلْفٍ .\rوَلَمْ يَبْقَ .\rمِنْ طَلَاقِهَا إلَّا وَاحِدَةٌ ، فَطَلَّقَهَا وَاحِدَةً ، اسْتَحَقَّ الْأَلْفَ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ حَصَلَ بِذَلِكَ جَمِيعُ الْمَقْصُودِ .","part":16,"page":157},{"id":7657,"text":"( 5788 ) فَصْلٌ : وَلَوْ : لَمْ يَبْقَ مِنْ طَلَاقِهَا إلَّا وَاحِدَةٌ ؛ فَقَالَتْ : طَلِّقْنِي ثَلَاثًا بِأَلْفٍ .\rفَقَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَتَيْنِ ، الْأُولَى بِأَلْفٍ ، وَالثَّانِيَةُ بِغَيْرِ شَيْءٍ .\rوَقَعْت الْأُولَى ، وَاسْتَحَقَّ الْأَلْفَ ، وَلَمْ تَقَعْ الثَّانِيَةُ .\rوَإِنْ قَالَ : الْأُولَى بِغَيْرِ شَيْءٍ .\rوَقَعَتْ وَحْدَهَا ، وَلَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ لَهَا عِوَضًا ، وَكَمَلَتْ الثَّلَاثُ .\rوَإِنْ قَالَ : إحْدَاهُمَا بِأَلْفٍ .\rلَزِمَهَا الْأَلْفُ ؛ لِأَنَّهَا طَلَبَتْ مِنْهُ طَلْقَةً بِأَلْفٍ ، فَأَجَابَهَا إلَيْهَا ، وَزَادَهَا أُخْرَى .","part":16,"page":158},{"id":7658,"text":"( 5789 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَالَتْ : طَلِّقْنِي بِأَلْفٍ إلَى شَهْرٍ .\rأَوْ أَعْطَتْهُ أَلْفًا عَلَى أَنْ يُطَلِّقَهَا إلَى شَهْرٍ ، فَقَالَ : إذَا جَاءَ رَأْسُ الشَّهْرِ فَأَنْتِ طَالِقٌ .\rصَحَّ ذَلِكَ ، وَاسْتَحَقَّ الْعِوَضَ وَوَقَعَ الطَّلَاقُ عِنْدَ رَأْسِ الشَّهْرِ بَائِنًا ؛ لِأَنَّهُ بِعِوَضٍ .\rوَإِنْ طَلَّقَهَا قَبْلَ مَجِيءِ الشَّهْرِ ، طَلُقَتْ وَلَا شَيْءَ لَهُ .\rذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ ، وَقَالَ : رَوَى ذَلِكَ عَنْ أَحْمَدَ عَلِيُّ بْنُ سَعِيدٍ .\rوَذَلِكَ لِأَنَّهُ إذَا طَلَّقَهَا قَبْلَ رَأْسِ الشَّهْرِ ، فَقَدْ اخْتَارَ إيقَاعَ الطَّلَاقِ مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : إذَا أَخَذَ مِنْهَا أَلْفًا عَلَى أَنْ يُطَلِّقَهَا إلَى شَهْرٍ ، فَطَلَّقَهَا بِأَلْفٍ ، بَانَتْ ، وَعَلَيْهَا مَهْرُ الْمِثْلِ ؛ لِأَنَّ هَذَا سَلَفٌ فِي طَلَاقٍ ، فَلَمْ يَصِحَّ ، لِأَنَّ الطَّلَاقَ لَا يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ ، وَلِأَنَّهُ عَقْدٌ تَعَلَّقَ بِعَيْنٍ ، فَلَا يَجُوزُ شَرْطُ تَأْخِيرِ التَّسْلِيمِ فِيهِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهَا جَعَلَتْ لَهُ عِوَضًا صَحِيحًا عَلَى طَلَاقِهَا ، فَإِذَا طَلَّقَهَا اسْتَحَقَّهُ ، كَمَا لَوْ لَمْ يَقُلْ : إلَى شَهْرٍ ، وَلِأَنَّهَا جَعَلَتْ لَهُ عِوَضًا صَحِيحًا عَلَى طَلَاقِهَا ، فَلَمْ يَسْتَحِقَّ أَكْثَرَ مِنْهُ ، كَالْأَصْلِ .\rوَإِنْ قَالَتْ : لَك أَلْفٌ عَلَى أَنْ تُطَلِّقَنِي أَيَّ وَقْتٍ شِئْت ، مِنْ الْآنَ إلَى شَهْرٍ .\rصَحَّ فِي قِيَاسِ الْمَسْأَلَةِ الَّتِي قَبْلَهَا .\rوَقَالَ الْقَاضِي : لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ زَمَنَ الطَّلَاقِ مَجْهُولٌ فَإِذَا طَلَّقَهَا فَلَهُ مَهْرُ الْمِثْلِ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ طَلَّقَهَا عَلَى عِوَضٍ لَمْ يَصِحَّ ، لِفَسَادِهِ .\rوَلَنَا ، مَا تَقَدَّمَ فِي الَّتِي قَبْلَهَا ، وَلَا تَضُرُّ الْجَهَالَةُ فِي وَقْتِ الطَّلَاقِ ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ عَلَى الشَّرْطِ ، فَصَحَّ بَذْلُ الْعِوَضِ فِيهِ مَجْهُولَ الْوَقْتِ كَالْجَعَالَةِ ، وَلِأَنَّهُ لَوْ قَالَ : مَتَى أَعْطَيْتِنِي أَلْفًا فَأَنْتِ طَالِقٌ .\rصَحَّ ، وَزَمَنُهُ مَجْهُولٌ أَكْثَرُ مِنْ الْجَهَالَةِ هَا هُنَا ، فَإِنَّ الْجَهَالَةَ هَا هُنَا فِي شَهْرٍ وَاحِدٍ ، وَثَمَّ فِي الْعُمْرِ كُلِّهِ .\rوَقَوْلُ","part":16,"page":159},{"id":7659,"text":"الْقَاضِي : لَهُ مَهْرُ الْمِثْلِ .\rمُخَالِفٌ لِقِيَاسِ الْمَذْهَبِ ؛ فَإِنَّهُ ذَكَرَ فِي الْمَوَاضِعِ الَّتِي يَفْسُدُ فِيهَا الْعِوَضُ ، أَنَّ لَهُ الْمُسَمَّى .\rفَكَذَلِكَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ هَا هُنَا إنْ حَكَمْنَا بِفَسَادِهِ .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":16,"page":160},{"id":7660,"text":"( 5790 ) فَصْلٌ : إذَا قَالَ لَهَا : أَنْتِ طَالِقٌ وَعَلَيْك أَلْفٌ .\rوَقَعَتْ طَلْقَةٌ رَجْعِيَّةٌ ؛ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهَا ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ لَهُ الْعِوَضَ فِي مُقَابَلَتِهَا ، وَلَا شَرْطًا فِيهَا ، وَإِنَّمَا عَطَفَ ذَلِكَ عَلَى طَلَاقِهَا ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ ، وَعَلَيْك الْحَجُّ فَإِنْ أَعَطَتْهُ الْمَرْأَةُ عَنْ ذَلِكَ عِوَضًا ، لَمْ يَكُنْ لَهُ عِوَضٌ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُقَابِلْهُ شَيْءٌ ، وَكَانَ ذَلِكَ هِبَةً مُبْتَدَأَةً ، يُعْتَبَرُ فِيهِ شَرَائِطُ الْهِبَةِ .\rوَإِنْ قَالَتْ الْمَرْأَةُ : ضَمِنْت لَك أَلْفًا .\rلَمْ يَصِحَّ ؛ لِأَنَّ الضَّمَانَ إنَّمَا يَكُونُ عَنْ غَيْرِ الضَّامِنِ لِحَقٍّ وَاجِبٍ ، أَوْ مَآلُهُ إلَى الْوُجُوبِ ، وَلَيْسَ هَا هُنَا شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ .\rوَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّهُ يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ ضَمَانَ مَا لَمْ يَجِبْ يَصِحُّ ، وَلَمْ أَعْرِفْ لِذَلِكَ وَجْهًا ، إلَّا أَنْ يَكُونَ أَرَادَ أَنَّهَا إذَا قَالَتْ قَبْلَ طَلَاقِهَا : ضَمِنْت لَك أَلْفًا ، عَلَى أَنْ تُطَلِّقَنِي .\rفَقَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ ، وَعَلَيْك أَلْفٌ .\rفَإِنَّهُ يَسْتَحِقُّ الْأَلْفَ .\rوَكَذَلِكَ إذَا قَالَتْ : طَلِّقْنِي طَلْقَةً بِأَلْفٍ .\rفَقَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ ، وَعَلَيْك أَلْفٌ .\rوَقَعَ الطَّلَاقُ ، وَعَلَيْهَا أَلْفٌ ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ : أَنْتِ طَالِقٌ .\rيَكْفِي فِي صِحَّةِ الْخُلْعِ ، وَاسْتِحْقَاقِ الْعِوَضِ ، وَمَا وُصِلَ بِهِ تَأْكِيدٌ .\rفَإِنْ اخْتَلَفَ فَقَالَ : أَنْتِ اسْتَدْعَيْت مِنِّي الطَّلَاقَ بِالْأَلْفِ .\rفَأَنْكَرَتْهُ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ ، فَإِذَا حَلَفَتْ بَرِئَتْ مِنْ الْعِوَضِ وَبَانَتْ ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ مَقْبُولٌ فِي بَيْنُونَتِهَا لِأَنَّهَا حَقُّهُ ، غَيْرُ مَقْبُولٍ فِي الْعِوَضِ لِأَنَّهُ عَلَيْهَا .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ .\rوَإِنْ قَالَ : مَا اسْتَدْعَيْت مِنِّي الطَّلَاقَ ، وَإِنَّمَا أَنَا ابْتَدَأْت بِهِ ، فَلِي عَلَيْك الرَّجْعَةُ .\rوَادَّعَتْ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ جَوَابًا لِاسْتِدْعَائِهَا ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الزَّوْجِ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ مَعَهُ ، وَلَا يَلْزَمُهَا الْأَلْفُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدَّعِيهِ .\rوَإِنْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ عَلَى","part":16,"page":161},{"id":7661,"text":"الْأَلْفِ .\rفَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّ الطَّلَاقَ يَقَعُ رَجْعِيًّا كَقَوْلِهِ : أَنْت طَالِقٌ ، وَعَلَيْك أَلْفٌ .\rفَإِنَّهُ قَالَ فِي رِوَايَةٍ مُهَنًّا ، فِي الرَّجُلِ يَقُولُ لِامْرَأَتِهِ أَنْتَ طَالِقٌ عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ فَلَمْ تَقُلْ هِيَ شَيْئًا : فَهِيَ طَالِقٌ يَمْلِكُ الرَّجْعَةَ ثَانِيًا .\rوَقَالَ الْقَاضِي ، فِي \" الْمُجَرَّدِ \" : ذَلِكَ لِلشَّرْطِ ، تَقْدِيرُهُ إنْ ضَمِنْت لِي أَلْفًا فَأَنْتِ طَالِقٌ فَإِنْ ضَمِنَتْ لَهُ أَلْفًا ، وَقَعَ الطَّلَاقُ بَائِنًا ، وَإِلَّا لَمْ يَقَعْ .\rوَكَذَلِكَ الْحُكْمُ إذَا قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ عَلَى أَنَّ عَلَيْك .\rفَقِيَاسُ قَوْلِ أَحْمَدَ ، الطَّلَاقُ يَقَعُ رَجْعِيًّا ، وَلَا شَيْءَ لَهُ .\rوَعَلَى قَوْلِ الْقَاضِي إنْ قَبِلَتْ ذَلِكَ لَزِمَهَا الْأَلْفُ ، وَكَانَ خُلْعَا وَإِلَّا لَمْ يَقَعْ الطَّلَاقُ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيِّ .\rوَهُوَ أَيْضًا ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ ، لِأَنَّهُ اسْتَعْمَلَ عَلَى بِمَعْنَى الشَّرْطِ فِي مَوَاضِعَ مِنْ كِتَابِهِ ، مِنْهَا قَوْلُهُ : وَإِذَا أَنْكَحَهَا عَلَى أَنْ لَا يَتَزَوَّجَ عَلَيْهَا ، فَلَهَا فِرَاقُهُ إنْ تَزَوَّجَ عَلَيْهَا .\rوَذَلِكَ أَنَّ عَلَى تُسْتَعْمَلُ بِمَعْنَى الشَّرْطِ ؛ بِدَلِيلِ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى فِي قِصَّةِ شُعَيْبٍ : { إنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ } .\rوَقَالَ { فَهَلْ نَجْعَلُ لَك خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا } وَقَالَ مُوسَى { هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِي مِمَّا عُلِّمْت رُشْدًا } وَلَوْ قَالَ فِي النِّكَاحِ : زَوَّجْتُك ابْنَتِي عَلَى صَدَاقِ كَذَا .\rصَحَّ ، وَإِذَا أَوْقَعَهُ بِعِوَضٍ لَمْ يَقَعْ بِدُونِهِ ، وَجَرَى مَجْرَى قَوْلِهِ : أَنْتِ طَالِقٌ ، إنْ أَعْطَيْتِنِي أَلْفًا ، أَوْ ضَمِنْت لِي أَلْفًا .\rوَوَجْهُ الْأَوَّلِ ، أَنَّهُ أَوْقَعَ الطَّلَاقَ غَيْرَ مُعَلَّقٍ بِشَرْطٍ ، وَجَعَلَ عَلَيْهَا عِوَضًا لَمْ تَبْذُلْهُ ، فَوَقَعَ رَجْعِيًّا مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ ، كَمَا لَوْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ ، وَعَلَيْك أَلْفٌ .\rوَلِأَنَّ عَلَى لَيْسَتْ لِلشَّرْطِ ، وَلَا لِلْمُعَاوَضَةِ ، وَلِذَلِكَ لَا","part":16,"page":162},{"id":7662,"text":"يَصِحُّ أَنْ يَقُولَ : بِعْتُك ثَوْبِي عَلَى دِينَارٍ .","part":16,"page":163},{"id":7663,"text":"( 5791 ) فَصْلٌ : وَإِذَا قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا بِأَلْفٍ .\rفَقَالَتْ : قَبِلْت وَاحِدَةً مِنْهَا بِأَلْفٍ .\rوَقَعَ الثَّلَاثُ ، وَاسْتَحَقَّ الْأَلْفَ ؛ لِأَنَّ إيقَاعَ الطَّلَاقِ إلَيْهِ إنَّمَا عَلَّقَهُ بِعِوَضٍ يَجْرِي مَجْرَى الشَّرْطِ مِنْ جِهَتِهَا ، وَقَدْ وُجِدَ الشَّرْطُ ، فَيَقَعُ الطَّلَاقُ .\rوَإِنْ قَالَتْ : قَبِلْت بِأَلْفَيْنِ وَقَعَ ، وَلَمْ يَلْزَمْهَا الْأَلْفُ الزَّائِدَةُ ؛ لِأَنَّ الْقَبُولَ لِمَا أَوْجَبَهُ دُونَ مَا لَمْ يُوجِبْهُ .\rوَإِنْ قَالَتْ : قَبِلْت بِخَمْسِمِائَةِ .\rلَمْ يَقَعْ لِأَنَّ الشَّرْطَ لَمْ يُوجَدْ .\rوَإِنْ قَالَتْ : قَبِلْت وَاحِدَةً مِنْ الثَّلَاثِ بِثُلُثِ الْأَلِفِ لَمْ يَقَعْ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرْضَ بِانْقِطَاعِ رَجْعَتِهِ عَنْهَا إلَّا بِأَلْفٍ .\rوَإِنْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَتَيْنِ ، إحْدَاهُمَا بِأَلْفٍ .\rوَقَعَتْ بِهَا وَاحِدَةٌ ؛ لِأَنَّهَا بِغَيْرِ عِوَضٍ ، وَوَقَعْت الْأُخْرَى عَلَى قَبُولِهَا ؛ لِأَنَّهَا بِعِوَضٍ .","part":16,"page":164},{"id":7664,"text":"( 5792 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِذَا خَالَعَتْهُ الْأَمَةُ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهَا عَلَى شَيْءٍ مَعْلُومٍ كَانَ الْخُلْعُ وَاقِعًا ، وَيَتْبَعُهَا إذَا عَتَقَتْ بِمِثْلِهِ ، إنْ كَانَ لَهُ مِثْلٌ ، وَإِلَّا فَقِيمَتُهُ ) فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثَةُ فُصُولٍ : ( 5793 ) الْفَصْلُ الْأَوَّلُ : أَنَّ الْخُلْعَ مَعَ الْأَمَةِ صَحِيحٌ ، سَوَاءٌ كَانَ بِإِذْنِ سَيِّدِهَا ، أَوْ بِغَيْرِ إذْنِهِ ؛ لِأَنَّ الْخُلْعَ يَصِحُّ مَعَ الْأَجْنَبِيِّ فَمَعَ الزَّوْجَةِ أَوْلَى ، يَكُونُ طَلَاقُهَا عَلَى عِوَضٍ بَائِنًا ، وَالْخُلْعُ مَعَهَا كَالْخُلْعِ مَعَ الْحُرَّةِ سَوَاءٌ .\r( 5794 ) الْفَصْلُ الثَّانِي : أَنَّ الْخُلْعَ إذَا كَانَ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهَا عَلَى شَيْءٍ فِي ذِمَّتِهَا ، فَإِنَّهُ يَتْبَعُهَا إذَا عَتَقَتْ ؛ لِأَنَّهُ رَضِيَ بِذِمَّتِهَا ، وَلَوْ كَانَ عَلَى عَيْنٍ ، فَاَلَّذِي ذَكَرَ الْخِرَقِيِّ ، أَنَّهُ يَثْبُتُ فِي ذِمَّتِهَا مِثْلُهُ أَوْ قِيمَتُهُ إنْ لَمْ يَكُنْ مِثْلِيًّا ؛ لِأَنَّهَا لَا تَمْلِكُ الْعَيْنَ ، وَمَا فِي يَدِهَا مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ لِسَيِّدِهَا ، فَيَلْزَمُهَا بِذَلُهُ ، كَمَا لَوْ خَالَعَهَا عَلَى عَبْدٍ فَخَرَجَ حُرًّا أَوْ مُسْتَحَقًّا .\rوَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا شَيْءَ لَهُ ؛ لِأَنَّهُ إذَا خَالَعَهَا عَلَى عَيْنٍ ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهَا أَمَةٌ ، فَقَدْ عَلِمَ أَنَّهَا لَا تَمْلِكُ الْعَيْنَ ، فَيَكُونُ رَاضِيًا بِغَيْرِ عِوَضٍ ، فَلَا يَكُونُ لَهُ شَيْءٌ ، كَمَا لَوْ قَالَ : خَالَعْتُكِ عَلَى هَذَا الْمَغْصُوبِ ، أَوْ هَذَا الْحُرِّ .\rوَكَذَلِكَ ذَكَرَ الْقَاضِي فِي \" الْمُجَرَّدِ \" قَالَ : هُوَ كَالْخُلْعِ عَلَى الْمَغْصُوبِ ؛ لِأَنَّهَا لَا تَمْلِكُهَا .\rوَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يَرْجِعُ عَلَيْهَا بِمَهْرِ الْمِثْلِ ، كَقَوْلِهِ فِي الْخُلْعِ عَلَى الْحُرِّ وَالْمَغْصُوبِ .\rوَيُمْكِنُ حَمْلُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ عَلَى أَنَّهَا ذَكَرَتْ لِزَوْجِهَا أَنَّ سَيِّدَهَا أَذِنَ لَهَا فِي هَذَا الْخُلْعِ بِهَذِهِ ، الْعَيْنِ وَلَمْ تَكُنْ صَادِقَةً ، أَوْ جَهِلَ أَنَّهَا لَا تَمْلِكُ الْعَيْنَ ، أَوْ يَكُونُ اخْتَارَهُ فِيمَا إذَا خَالَعَهَا عَلَى مَغْصُوبٍ أَنَّهُ يَرْجِعُ عَلَيْهَا بِقِيمَتِهِ","part":16,"page":165},{"id":7665,"text":"، وَيَكُونُ الرُّجُوعُ عَلَيْهَا فِي حَالِ عِتْقِهَا ؛ لِأَنَّهُ الْوَقْتُ الَّذِي تَمْلِكُ فِيهِ ، فَهِيَ كَالْمُعْسِرِ ، يُرْجَعُ عَلَيْهِ فِي حَالِ يَسَارِهِ ، وَيُرْجَعُ بِقِيمَتِهِ أَوْ مِثْلِهِ ، لِأَنَّهُ مُسْتَحَقٌّ تَعَذَّرَ تَسْلِيمُهُ مَعَ بَقَاءِ سَبَبِ الِاسْتِحْقَاقِ ، فَوَجَبَ الرُّجُوعُ بِمِثْلِهِ أَوْ قِيمَتِهِ ، كَالْمَغْصُوبِ .\r( 5795 ) الْفَصْلُ الثَّالِثُ : إذَا كَانَ الْخُلْعُ بِإِذْنِ السَّيِّدِ ، تَعَلَّقَ الْعِوَضُ بِذِمَّتِهِ .\rهَذَا قِيَاسُ الْمَذْهَبِ ، كَمَا لَوْ أَذِنَ لِعَبْدِهِ فِي الِاسْتِدَانَةِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِرَقَبَةِ الْأَمَةِ .\rوَإِنْ خَالَعَتْ عَلَى مُعَيَّنٍ بِإِذْنِ السَّيِّدِ فِيهِ ، مَلَكَهُ .\rوَإِنْ أَذِنَ فِي قَدْرِ الْمَالِ ، فَخَالَعَتْ بِأَكْثَرَ مِنْهُ فَالزِّيَادَةُ فِي ذِمَّتِهَا .\rوَإِنْ أَطْلَقَ الْإِذْنَ ، اقْتَضَى الْخُلْعُ بِالْمُسَمَّى لَهَا ، فَإِنْ خَالَعَتْ بِهِ أَوْ بِمَا دُونَهُ ، لَزِمَ السَّيِّدَ ، وَإِنْ كَانَ بِأَكْثَرَ مِنْهُ تَعَلَّقْت الزِّيَادَةُ بِذِمَّتِهَا ، كَمَا لَوْ عَيَّنَ لَهَا قَدْرًا فَخَالَعَتْ بِأَكْثَرَ مِنْهُ .\rوَإِنْ كَانَتْ مَأْذُونًا لَهَا فِي التِّجَارَةِ ، سَلَّمَتْ الْعِوَضَ مِمَّا فِي يَدِهَا .\r( 5796 ) فَصْلٌ : وَالْحُكْمُ فِي الْمُكَاتَبَةِ كَالْحُكْمِ فِي الْأَمَةِ الْقِنِّ سَوَاءٌ ؛ لِأَنَّهَا لَا تَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فِيمَا فِي يَدِهَا بِتَبَرُّعٍ ، وَمَا لَاحَظَ فِيهِ ، وَبَذْلُ الْمَالِ فِي الْخُلْعِ لَا فَائِدَةَ فِيهِ مِنْ حَيْثُ تَحْصِيلُ الْمَالِ ، بَلْ فِيهِ ضَرَرٌ بِسُقُوطِ نَفَقَتِهَا ، وَبَعْضِ مَهْرِهَا إنْ كَانَتْ غَيْرَ مَدْخُولٍ بِهَا .\rوَإِذَا كَانَ الْخُلْعُ بِغَيْرِ إذْنَ السَّيِّدِ ، فَالْعِوَضُ فِي ذِمَّتِهَا ، يَتْبَعُهَا بِهِ بَعْدَ الْعِتْقِ ، وَإِنْ كَانَ بِإِذْنِ السَّيِّدِ ، سَلَّمَهُ مِمَّا فِي يَدِهَا ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي يَدِهَا شَيْءٌ ، فَهُوَ عَلَى سَيِّدِهَا .","part":16,"page":166},{"id":7666,"text":"( 5797 ) فَصْلٌ : يَصِحُّ خُلْعُ الْمَحْجُورِ عَلَيْهَا لِفَلَسٍ ، وَبَذْلُهَا لِلْعِوَضِ صَحِيحٌ ؛ لِأَنَّ لَهَا ذِمَّةً يَصِحُّ تَصَرُّفُهَا فِيهَا ، وَيَرْجِعُ عَلَيْهَا بِالْعِوَضِ إذَا أَيْسَرَتْ وَفُكَّ الْحَجْرُ عَنْهَا ، وَلَيْسَ لَهُ مُطَالَبَتُهَا فِي حَالِ حَجْرِهَا ، كَمَا لَوْ اسْتَدَانَتْ مِنْهُ ، أَوْ بَاعَهَا شَيْئًا فِي ذِمَّتِهَا .\r( 5798 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا الْمَحْجُورُ عَلَيْهَا لَسَفَهٍ ، أَوْ صِغَرٍ ، أَوْ جُنُونٍ ، فَلَا يَصِحُّ بَذْلُ الْعِوَضِ مِنْهَا فِي الْخُلْعِ ؛ لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ فِي الْمَالِ ، وَلَيْسَ هِيَ مِنْ أَهْلِهِ ، وَسَوَاءٌ أَذِنَ فِيهِ الْوَلِيُّ أَوْ لَمْ يَأْذَنْ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ الْإِذْنُ فِي التَّبَرُّعَاتِ ، وَهَذَا كَالتَّبَرُّعِ .\rوَفَارَقَ الْأَمَةَ ، فَإِنَّهَا أَهْلُ التَّصَرُّفِ .\rوَلِهَذَا تَصِحُّ مِنْهَا الْهِبَةُ وَغَيْرُهَا مِنْ التَّصَرُّفَاتِ بِإِذْنِهِ ، وَيُفَارِقُ الْمُفْلِسَةَ ؛ لِأَنَّهَا مِنْ أَهْلِ التَّصَرُّفِ .\rفَإِنْ خَالَعَ الْمَحْجُورَ عَلَيْهَا بِلَفْظٍ يَكُونُ طَلَاقًا ، فَهُوَ طَلَاقٌ رَجْعِيٌّ ، وَلَا يَسْتَحِقُّ عِوَضًا ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ اللَّفْظُ مِمَّا يَقَعُ بِهِ الطَّلَاقُ ، كَانَ كَالْخُلْعِ بِغَيْرِ عِوَضٍ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَقَعَ الْخُلْعُ هَا هُنَا ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا رَضِيَ بِهِ بِعِوَضٍ ، لَمْ يَحْصُلْ لَهُ ، وَلَا أَمْكَنَ الرُّجُوعُ بِبَدَلِهِ .\rقَالَ أَصْحَابُنَا : وَلَيْسَ لِوَلِيِّ هَؤُلَاءِ الْمُخَالَعَةُ بِشَيْءٍ مِنْ مَالِهِنَّ ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ بِمَا لَهَا فِيهِ الْحَظُّ ، وَهَذَا لَا حَظَّ فِيهِ ، بَلْ فِيهِ إسْقَاطُ نَفَقَتِهَا وَمَسْكَنِهَا وَبَذْلُ مَالِهَا ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَمْلِكَ ذَلِكَ ، إذَا رَأَى الْحَظَّ فِيهِ ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْحَظُّ لَهَا فِيهِ بِتَخْلِيصِهَا مِمَّنْ يُتْلِفُ مَالَهَا ، وَتَخَافُ مِنْهُ عَلَى نَفْسِهَا وَعَقْلِهَا ، وَلِذَلِكَ لَمْ يُعَدَّ بَذْلُ الْمَالِ فِي الْخُلْعِ تَبْذِيرًا وَلَا سَفَهًا ، فَيَجُوزُ لَهُ بَذْلُ مَالِهَا لِتَحْصِيلِ حَظِّهَا ، وَحِفْظِ نَفْسِهَا وَمَالِهَا ، كَمَا يَجُوزُ بَذْلُهُ فِي مُدَاوَاتِهَا ، وَفَكِّهَا مِنْ الْأَسْرِ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ .\rوَالْأَبُ","part":16,"page":167},{"id":7667,"text":"وَغَيْرُهُ مِنْ أَوْلِيَائِهَا فِي هَذَا سَوَاءٌ .\rوَإِنْ خَالَعَهَا بِشَيْءِ مِنْ مَالِهِ ، جَازَ ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ مِنْ الْأَجْنَبِيِّ ، فَمِنْ الْوَلِيِّ أَوْلَى .","part":16,"page":168},{"id":7668,"text":"( 5799 ) فَصْلٌ : إذَا قَالَ الْأَبُ : طَلِّقْ ابْنَتِي ، وَأَنْت بَرِيءٌ مِنْ صَدَاقِهَا .\rفَطَلَّقَهَا ، وَقَعَ الطَّلَاقُ رَجْعِيًّا ، وَلَمْ يَبْرَأْ مِنْ شَيْءٍ ، وَلَمْ يَرْجِعْ عَلَى الْأَبِ ، وَلَمْ يَضْمَنْ لَهُ ؛ لِأَنَّهُ أَبْرَأْهُ مِمَّا لَيْسَ لَهُ الْإِبْرَاءُ مِنْهُ ، فَأَشْبَهَ الْأَجْنَبِيَّ .\rقَالَ الْقَاضِي : وَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ : إنَّهُ يَرْجِعُ عَلَى الْأَبِ .\rقَالَ وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ الزَّوْجَ كَانَ جَاهِلًا بِأَنَّ إبْرَاءَ الْأَبِ لَا يَصِحُّ ، فَكَانَ لَهُ الرُّجُوعُ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ غَرَّهُ ، فَرَجَعَ عَلَيْهِ ، كَمَا لَوْ غَرَّهُ فَزَوَّجَهُ مَعِيبَةً ، وَإِنْ عَلِمَ أَنَّ إبْرَاءَ الْأَبِ لَا يَصِحُّ ، لَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ ، وَيَقَعُ الطَّلَاقُ رَجْعِيًّا ؛ لِأَنَّهُ خَلَا عَنْ الْعِوَضِ .\rوَفِي الْمَوْضِعِ الَّذِي يَرْجِعُ ، عَلَيْهِ ، يَقَعُ الطَّلَاقُ بَائِنًا ؛ لِأَنَّهُ بِعِوَضٍ .\rفَإِنْ قَالَ الزَّوْجُ : هِيَ طَالِقٌ إنْ أَبْرَأَتْنِي مِنْ صَدَاقِهَا .\rفَقَالَتْ : قَدْ أَبْرَأْتُك .\rلَمْ يَقَعْ الطَّلَاقُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَبْرَأُ .\rوَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّ الطَّلَاقَ وَاقِعٌ .\rفَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَوْقَعَهُ إذَا قَصَدَ الزَّوْجُ تَعْلِيقَ الطَّلَاقِ عَلَى مُجَرَّدِ التَّلَفُّظِ بِالْإِبْرَاءِ ، دُونَ حَقِيقَةِ الْبَرَاءَةِ .\rوَإِنْ قَالَ الزَّوْجُ : هِيَ طَالِقٌ إنْ بَرِئْت مِنْ صَدَاقِهَا .\rلَمْ يَقَعْ ؛ لِأَنَّهُ عَلَّقَهُ عَلَى شَرْطٍ وَلَمْ يُوجَدْ .\rوَإِنْ قَالَ الْأَبُ : طَلِّقْهَا عَلَى أَلْفٍ مِنْ مَالِهَا ، وَعَلَيَّ الدَّرْكُ .\rفَطَلَّقَهَا ، طَلُقَتْ بَائِنًا ؛ لِأَنَّهُ بِعِوَضٍ ، وَهُوَ مَا لَزِمَ الْأَبَ مِنْ ضَمَانِ الدَّرْكِ ، وَلَا يَمْلِكُ الْأَلْفَ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ بَذْلُهَا .","part":16,"page":169},{"id":7669,"text":"( 5800 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَالَ لِامْرَأَتَيْهِ : أَنْتُمَا طَالِقَتَانِ بِأَلْفٍ إنْ شِئْتُمَا .\rفَقَالَتَا : قَدْ شِئْنَا .\rوَقَعَ الطَّلَاقُ بِهِمَا بَائِنًا ، وَلَزِمَهُمَا الْعِوَضُ بَيْنَهُمَا عَلَى قَدْرِ مَهْرَيْهِمَا .\rوَإِنْ شَاءَتْ إحْدَاهُمَا دُونَ الْأُخْرَى ، لَمْ يُطَلِّقْ وَاحِدَةً مِنْهُمَا ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ مَا شِئْتُمَا صِفَةً فِي طَلَاقِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا .\rوَيُخَالِفُ هَذَا مَا لَوْ قَالَ : أَنْتُمَا طَالِقَتَانِ بِأَلْفٍ .\rفَقَبِلَتْ إحْدَاهُمَا دُونَ الْأُخْرَى ، لَزِمَهُ الطَّلَاقُ بِعِوَضِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ فِي طَلَاقِهَا شَرْطًا ، وَهَاهُنَا عَلَّقَ طَلَاقَ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بِمَشِيئَتِهِمَا جَمِيعًا ، فَيَتَعَلَّقُ الْحُكْمُ بِقَوْلِهِمَا : قَدْ شِئْنَا لَفْظًا ؛ لِأَنَّ مَا فِي الْقَلْبِ لَا سَبِيلَ إلَى مَعْرِفَتِهِ ، فَلَوْ قَالَ الزَّوْجُ : مَا شِئْتُمَا وَإِنَّمَا قُلْتُمَا ذَلِكَ بِأَلْسِنَتِكُمَا .\rأَوْ قَالَتَا : مَا شِئْنَا بِقُلُوبِنَا .\rلَمْ يُقْبَلْ .\rفَإِذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّ الْعِوَضَ يَتَقَسَّطُ عَلَيْهِمَا عَلَى قَدْرِ مَهْرِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا ، فِي الصَّحِيحِ مِنْ الذَّهَبِ .\rوَهُوَ قَوْلُ ابْنِ حَامِدٍ ، وَمَذْهَبُ أَهْلِ الرَّأْي .\rوَأَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ فِي الْآخَرِ : يَلْزَمُ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مَهْرُ مِثْلِهَا .\rوَعَلَى قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ مِنْ أَصْحَابِنَا ، يَكُونُ ذَلِكَ عَلَيْهِمَا نِصْفَيْنِ .\rوَأَصِلُ هَذَا فِي النِّكَاحِ إذَا تَزَوَّجَ اثْنَتَيْنِ بِصَدَاقٍ وَاحِدٍ .\rوَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي مَوْضِعِهِ .\rفَإِنْ كَانَتْ إحْدَاهُمَا رَشِيدَةً ، وَالْأُخْرَى مَحْجُورًا عَلَيْهَا لِسَفَهٍ ، فَقَالَتَا : قَدْ شِئْنَا .\rوَقَعَ الطَّلَاقُ عَلَيْهِمَا ، وَوَجَبَ عَلَى الرَّشِيدَةِ قِسْطُهَا مِنْ الْعِوَضِ ، وَوَقَعَ طَلَاقُهَا بَائِنًا ، وَلَا شَيْءَ عَلَى الْمَحْجُورِ عَلَيْهَا ، وَيَكُونُ طَلَاقُهَا رَجْعِيًّا ؛ لِأَنَّ لَهَا مَشِيئَةً ، وَلَكِنَّ الْحَجْرَ مَعَ صِحَّةِ تَصَرُّفِهَا وَنُفُوذِهِ ، وَلِهَذَا يَرْجِعُ إلَى مَشِيئَةِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ فِي النِّكَاحِ ، وَفِيمَا تَأْكُلُهُ .\rوَكَذَلِكَ إنْ كَانَتْ غَيْرَ بَالِغَةٍ ، إلَّا أَنَّهَا","part":16,"page":170},{"id":7670,"text":"مُمَيِّزَةٌ ، فَإِنَّ لَهَا مَشِيئَةً صَحِيحَةً ، وَلِهَذَا يُخَيَّرُ الْغُلَامُ بَيْنَ أَبَوَيْهِ إذَا بَلَغَ سَبْعًا .\rوَإِنْ كَانَتْ إحْدَاهُمَا مَجْنُونَةً أَوْ صَغِيرَةً غَيْرَ مُمَيِّزَةٍ ، لَمْ تَصِحَّ الْمَشِيئَةُ مِنْهُمَا وَلَمْ يَقَعْ الطَّلَاقُ .\rوَفِي كُلِّ مَوْضِعٍ حَكَمْنَا بِوُقُوعِ الطَّلَاقِ ، فَإِنَّ الرَّشِيدَةَ يَلْزَمُهَا قِسْطُهَا مِنْ الْعِوَض ، وَهُوَ قِسْطُ مَهْرِهَا مِنْ الْعِوَضِ ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ ، وَفِي الْآخَرِ نِصْفُهُ .\rوَإِنَّ قَالَتْ لَهُ امْرَأَتَاهُ : طَلِّقْنَا بِأَلْفٍ بَيْنَنَا نِصْفَيْنِ .\rفَطَلَّقَهُمَا ، فَعَلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا نِصْفُهُ ، وَجْهًا وَاحِدًا .\rوَإِنْ طَلَّقَ إحْدَاهُمَا وَحْدَهَا ، فَعَلَيْهَا نِصْفُ الْأَلْفِ .\rوَإِنْ قَالَتَا : طَلِّقْنَا بِأَلْفٍ .\rفَطَلَّقَهُمَا ، فَالْأَلْفُ عَلَيْهِمَا عَلَى قَدْرِ صَدَاقَيْهِمَا ، فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ .\rوَإِنْ طَلَّقَ إحْدَاهُمَا ، فَعَلَيْهَا حِصَّتُهَا مِنْهُ .\rوَإِنْ كَانَتْ إحْدَاهُمَا غَيْرَ رَشِيدَةٍ ، فَطَلَّقَهُمَا ، فَعَلَى الرَّشِيدَةِ حِصَّتُهَا مِنْ الْأَلْفِ ، يَقَعُ طَلَاقُهَا بَائِنًا ، وَتَطْلُقُ الْأُخْرَى طَلَاقًا رَجْعِيًّا ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهَا .","part":16,"page":171},{"id":7671,"text":"( 5801 ) فَصْلٌ : وَيَصِحُّ الْخُلْعُ مَعَ الْأَجْنَبِيِّ ، بِغَيْرِ إذْنِ الْمَرْأَةِ ، مِثْلُ أَنْ يَقُولَ الْأَجْنَبِيُّ لِلزَّوْجِ : طَلِّقْ امْرَأَتَك بِأَلْفٍ عَلَيَّ .\rوَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rوَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ : لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّهُ سَفَهٌ ، فَإِنَّهُ يَبْذُلُ عِوَضًا فِي مُقَابَلَةِ مَا لَا مَنْفَعَةَ لَهُ فِيهِ ، فَإِنَّ الْمِلْكَ لَا يَحْصُلُ لَهُ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَالَ : بِعْ عَبْدَك لِزَيْدٍ بِأَلْفٍ عَلَيَّ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ بَذْلُ مَالٍ فِي مُقَابَلَةِ إسْقَاطِ حَقٍّ عَنْ غَيْرِهِ فَصَحَّ ، كَمَا لَوْ قَالَ : أَعْتِقْ عَبْدَك ، وَعَلَيَّ ثَمَنُهُ .\rوَلِأَنَّهُ لَوْ قَالَ : أَلْقِ مَتَاعَك فِي الْبَحْرِ وَعَلَيَّ ثَمَنُهُ .\rصَحَّ ، لَزِمَهُ ذَلِكَ ، مَعَ أَنَّهُ لَا يُسْقِطُ حَقًّا عَنْ أَحَدٍ ، فَهَاهُنَا أَوْلَى ؛ وَلِأَنَّهُ حَقٌّ عَلَى الْمَرْأَةِ ، يَجُوزُ أَنْ يَسْقُطَ عَنْهَا بِعِوَضٍ ، فَجَازَ لِغَيْرِهَا ، كَالدَّيْنِ .\rوَفَارَقَ الْبَيْعَ ، فَإِنَّهُ تَمْلِيكٌ ، فَلَا يَجُوزُ بِغَيْرِ رِضَاءِ مَنْ يَثْبُتُ لَهُ الْمِلْكُ .\rوَإِنْ قَالَ : طَلِّقْ امْرَأَتَك بِمَهْرِهَا ، وَأَنَا ضَامِنٌ لَهُ .\rصَحَّ .\rيَرْجِعُ عَلَيْهِ بِمَهْرِهَا .","part":16,"page":172},{"id":7672,"text":"( 5802 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ : طَلِّقْنِي وَضَرَّتِي بِأَلْفٍ .\rفَطَلَّقَهُمَا ، وَقَعَ الطَّلَاقُ بِهِمَا بَائِنًا ، وَاسْتَحَقَّ الْأَلْفَ عَلَى بَاذِلَتِهِ ؛ لِأَنَّ الْخُلْعَ مَعَ الْأَجْنَبِيِّ جَائِزٌ .\rوَإِنْ طَلَّقَ إحْدَاهُمَا ، فَقَالَ الْقَاضِي : تَطْلُقُ طَلَاقًا بَائِنًا ، وَلَزِمَ الْبَاذِلَةَ بِحِصَّتِهَا مِنْ الْأَلْفِ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ، إلَّا أَنَّ بَعْضَهُمْ قَالَ : يَلْزَمُهَا مَهْرُ مِثْلِ الْمُطَلَّقَةِ .\rوَقِيَاسُ قَوْلِ أَصْحَابِنَا ، فِيمَا إذَا قَالَتْ : طَلِّقْنِي ثَلَاثًا بِأَلْفٍ .\rفَطَلَّقَهَا وَاحِدَةً ، لَمْ يَلْزَمْهَا شَيْءٌ ، وَوَقَعَتْ بِهَا التَّطْلِيقَةُ ، أَنْ لَا يَلْزَمَ الْبَاذِلَةَ هَا هُنَا شَيْءٌ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُجِبْهَا إلَى مَا سَأَلَتْ ، فَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهَا مَا بَذَلَتْ ، وَلِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ غَرَضُهَا فِي بَيْنُونَتِهَا جَمِيعًا مِنْهُ ، فَإِذَا طَلَّقَ إحْدَاهُمَا ، لَمْ يَحْصُلْ غَرَضُهَا ، فَلَا يَلْزَمُهَا عِوَضُهَا .","part":16,"page":173},{"id":7673,"text":"( 5803 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَالَتْ : طَلِّقْنِي بِأَلْفٍ عَلَى أَنْ تُطَلِّقَ ضَرَّتِي ، أَوْ عَلَى أَنْ لَا تُطَلِّقَ ضَرَّتِي .\rفَالْخُلْعُ صَحِيحٌ ، وَالشَّرْطُ وَالْبَذْلُ لَازِمٌ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : الشَّرْطُ وَالْعِوَضُ بَاطِلَانِ ، وَيَرْجِعُ إلَى مَهْرِ الْمِثْلِ ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ سَلَفٌ فِي الطَّلَاقِ ، وَالْعِوَضُ بَعْضُهُ فِي مُقَابَلَةِ الشَّرْطِ الْبَاطِلِ ، فَيَكُونُ الْبَاقِي مَجْهُولًا .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : الشَّرْطُ بَاطِلٌ ، وَالْعِوَضُ صَحِيحٌ ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ يَسْتَقِلُّ بِذَلِكَ الْعِوَضِ .\rوَلَنَا أَنَّهَا بَذَلَتْ عِوَضًا فِي طَلَاقِهَا وَطَلَاقِ ضَرَّتِهَا ، فَصَحَّ ، كَمَا لَوْ قَالَتْ : طَلِّقْنِي وَضَرَّتِي بِأَلْفٍ .\rفَإِنْ لَمْ يَفِ لَهَا بِشَرْطِهَا ، فَعَلَيْهَا الْأَقَلُّ مِنْ الْمُسَمَّى ، أَوْ الْأَلْفُ الَّذِي شَرَطَتْهُ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَسْتَحِقَّ شَيْئًا مِنْ الْعِوَضِ ؛ لِأَنَّهَا إنَّمَا بَذَلَتْهُ بِشَرْطٍ لَمْ يُوجَدْ ، فَلَا يَسْتَحِقُّهُ ، كَمَا لَوْ طَلَّقَهَا بِغَيْرِ عِوَضٍ .","part":16,"page":174},{"id":7674,"text":"( 5804 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَمَا خَالَعَ الْعَبْدُ بِهِ زَوْجَتَهُ مِنْ شَيْءٍ ، جَازَ .\rوَهُوَ لِسَيِّدِهِ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ كُلَّ زَوْجٍ صَحَّ طَلَاقُهُ ، صَحَّ خُلْعُهُ ؛ لِأَنَّهُ إذَا مَلَكَ الطَّلَاقَ ، وَهُوَ مُجَرَّدُ إسْقَاطٍ مِنْ غَيْرِ تَحْصِيلِ شَيْءٍ ، فَلَأَنْ يَمْلِكَهُ مُحَصِّلًا لِلْعِوَضِ أَوْلَى ، وَالْعَبْدُ يَمْلِكُ الطَّلَاقَ ، فَمَلَك الْخُلْعَ ، وَكَذَلِكَ الْمُكَاتَبُ وَالسَّفِيهُ ، وَفِي الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ وَجْهَانِ ، بِنَاءً عَلَى صِحَّةِ طَلَاقِهِ .\rوَمِنْ لَا يَصِحُّ طَلَاقُهُ ، كَالطِّفْلِ وَالْمَجْنُونِ ، لَا يَصِحُّ خُلْعُهُ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ التَّصَرُّفِ ، فَلَا حُكْمَ لِكَلَامِهِ .\rوَمَتَى خَالَعَ الْعَبْدُ ، كَانَ الْعِوَضُ لِسَيِّدِهِ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ اكْتِسَابِهِ ، وَاكْتِسَابُهُ لِسَيِّدِهِ ، وَسَائِرُ مَنْ ذَكَرْنَا الْعِوَضُ لَهُمْ .\rوَيَجِبُ تَسْلِيمُ الْعِوَضِ إلَى سَيِّدِ الْعَبْدِ ، وَوَلِيِّ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ الْعِوَضَ فِي خُلْعِ الْعَبْدِ مِلْكٌ لِسَيِّدِهِ ، فَلَمْ يَجُزْ تَسْلِيمُهُ إلَى غَيْرِهِ إلَّا بِإِذْنِهِ ، وَوَلِيُّ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ هُوَ الَّذِي يَقْبِضُ حُقُوقَهُ وَأَمْوَالَهُ ، وَهَذَا مِنْ حُقُوقِهِ .\rوَأَمَّا الْمُكَاتَبُ ، فَيَدْفَعُ الْعِوَضَ إلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يَتَصَرَّفُ لِنَفْسِهِ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : يَصِحُّ قَبْضُ الْعَبْدِ وَالْمَحْجُورِ عَلَيْهِ الْعِوَضَ ؛ لِأَنَّ مَنْ صَحَّ خُلْعُهُ ، صَحَّ قَبْضُهُ لِلْعِوَضِ ، كَالْمَحْجُورِ عَلَيْهِ لِفَلْسٍ .\rوَاحْتَجَّ بِقَوْلِ أَحْمَدَ : مَا مَلَكَهُ الْعَبْدُ مِنْ خُلْعٍ فَهُوَ لِسَيِّدِهِ ، وَإِنْ اسْتَهْلَكَهُ لَمْ يَرْجِعْ عَلَى الْوَاهِبِ وَالْمُخْتَلِعَةِ بِشَيْءٍ ، وَالْمَحْجُورُ عَلَيْهِ فِي مَعْنَى الْعَبْدِ .\rوَالْأَوْلَى أَنْ لَا يَجُوزَ ؛ لِأَنَّ الْعِوَضَ فِي الْخُلْعِ لِسَيِّدِ الْعَبْدِ ، فَلَا يَجُوزُ دَفْعُهُ إلَى غَيْرِ مَنْ هُوَ لَهُ بِغَيْرِ إذْنِ مَالِكِهِ ، وَالْعِوَضُ فِي خُلْعِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ مِلْكٌ لَهُ ، إلَّا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَسْلِيمُهُ إلَيْهِ ؛ لِأَنَّ الْحَجْرَ أَفَادَ مَنْعَهُ مِنْ التَّصَرُّفِ ، وَكَلَامُ أَحْمَدَ يُحْمَلُ عَلَى مَا إذَا أَتْلَفَهُ","part":16,"page":175},{"id":7675,"text":"الْعَبْدُ قَبْلَ تَسْلِيمِهِ إلَيْهِ ، وَعَلَى أَنَّ عَدَمَ الرُّجُوعِ عَلَيْهَا لَا يَلْزَمُ مِنْهُ جَوَازُ الدَّفْعِ إلَيْهِ ، فَإِنَّهُ لَوْ رَجَعَ عَلَيْهَا لَرَجَعَتْ عَلَى الْعَبْدِ ، وَتَعَلَّقَ حَقُّهَا بِرَقَبَتِهِ ، وَهِيَ مِلْكٌ لِلسَّيِّدِ ، فَلَا فَائِدَةَ فِي الرُّجُوعِ عَلَيْهَا بِمَا تَرْجِعُ بِهِ عَلَى مَالِهِ .\rوَإِنْ أَسْلَمَتْ الْعِوَضَ إلَى الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ ، لَمْ تَبْرَأَ ، فَإِنْ أَخَذَهُ الْوَلِيُّ مِنْهُ ، بَرِئَتْ ، وَإِنْ أَتْلَفَهُ ، أَوْ تَلِفَ ، كَانَ لِوَلِيِّهِ الرُّجُوعُ عَلَيْهَا بِهِ .","part":16,"page":176},{"id":7676,"text":"( 5805 ) فَصْلٌ : وَقَدْ تَوَقَّفَ أَحْمَدُ فِي طَلَاقِ الْأَبِ زَوْجَةَ ابْنِهِ الصَّغِيرِ ، وَخُلْعِهِ إيَّاهَا ، وَسَأَلَهُ أَبُو الصَّقْرِ عَنْ ذَلِكَ ، فَقَالَ : قَدْ اُخْتُلِفَ فِيهِ .\rوَكَأَنَّهُ رَآهُ قَالَ أَبُو بَكْرٍ : لَمْ يَبْلُغْنِي فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إلَّا مَا رَوَاهُ أَبُو الصَّقْرِ ، فَيُخَرَّجُ عَلَى قَوْلَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، يَمْلِكُ ذَلِكَ .\rوَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ ، وَقَتَادَةَ ؛ لِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ طَلَّقَ عَلَى ابْنٍ لَهُ مَعْتُوهٍ .\rرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ .\rوَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، أَنَّ الْمَعْتُوهَ إذَا عَبَثَ بِأَهْلِهِ ، طَلَّقَ عَلَيْهِ وَلِيُّهُ .\rقَالَ عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ : وَجَدْنَا ذَلِكَ فِي كِتَابِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو .\rوَلِأَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يُزَوِّجَهُ ، فَصَحَّ أَنْ يُطَلِّقَ عَلَيْهِ ، إذَا لَمْ يَكُنْ مُتَّهَمًا ، كَالْحَاكِمِ يَفْسَخُ لِلْإِعْسَارِ ، وَيُزَوِّجُ الصَّغِيرَ .\rوَالْقَوْلُ الْآخِرُ ، لَا يَمْلِكُ ذَلِكَ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { الطَّلَاقُ لِمَنْ أَخَذَ بِالسَّاقِ .\r} رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ .\rوَعَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ : إنَّمَا الطَّلَاقُ بِيَدِ الَّذِي يَحِلُّ لَهُ الْفَرْجُ .\rوَلِأَنَّهُ إسْقَاطٌ لِحَقِّهِ .\rفَلَمْ يَمْلِكْهُ ، كَالْإِبْرَاءِ مِنْ الدَّيْنِ ، وَإِسْقَاطِ الْقِصَاصِ ، وَلِأَنَّ طَرِيقَهُ الشَّهْوَةُ ، فَلَمْ يَدْخُلْ فِي الْوِلَايَةِ .\rوَالْقَوْلُ فِي زَوْجَةِ عَبْدِهِ الصَّغِيرِ ، كَالْقَوْلِ فِي زَوْجَةِ ابْنِهِ الصَّغِيرِ ، لِأَنَّهُ فِي مَعْنَاهُ .","part":16,"page":177},{"id":7677,"text":"( 5806 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِذَا خَالَعَتْ الْمَرْأَةُ فِي مَرَضِ مَوْتِهَا بِأَكْثَرَ مِنْ مِيرَاثِهِ مِنْهَا ، فَالْخُلْعُ وَاقِعٌ ، وَلِلْوَرَثَةِ أَنْ يَرْجِعُوا عَلَيْهِ بِالزِّيَادَةِ ) وَجُمْلَةُ الْأَمْرِ أَنَّ الْمُخَالَعَةَ فِي الْمَرَضِ صَحِيحَةٌ ، سَوَاءٌ كَانَ الْمَرِيضُ الزَّوْجَ أَوْ الزَّوْجَةَ ، أَوْ هُمَا جَمِيعًا ؛ لِأَنَّهُ مُعَاوَضَةٌ ، فَصَحَّ فِي الْمَرَضِ ، كَالْبَيْعِ .\rوَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا .\rثُمَّ إذَا خَالَعَتْهُ الْمَرِيضَةُ بِمِيرَاثِهِ مِنْهَا فَمَا دُونَهُ ، صَحَّ ، وَلَا رُجُوعَ ، إنْ خَالَعَتْهُ بِزِيَادَةٍ ، بَطَلَتْ الزِّيَادَةُ .\rوَهَذَا قَوْلُ الثَّوْرِيِّ وَإِسْحَاقَ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَهُ الْعِوَضُ كُلُّهُ ، فَإِنْ حَابَتْهُ فَمِنْ الثُّلُثِ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِوَارِثٍ لَهَا ، فَصَحَّتْ مُحَابَاتُهَا لَهُ مِنْ الثُّلُثِ ، كَالْأَجْنَبِيِّ .\rوَعَنْ مَالِكٍ كَالْمَذْهَبَيْنِ .\rوَعَنْهُ : يُعْتَبَرُ بِخُلْعِ مِثْلِهَا .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : إنْ خَالَعَتْ بِمَهْرِ مِثْلِهَا ، جَازَ ، وَإِنْ زَادَ ، فَالزِّيَادَةُ مِنْ الثُّلُثِ .\rوَلَنَا ، عَلَى أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ مَهْرُ الْمِثْلِ ، أَنَّ خُرُوجَ الْبُضْعِ مِنْ مِلْكِ الزَّوْجِ غَيْرُ مُتَقَوِّمٍ بِمَا قَدَّمْنَا ، وَاعْتِبَارُ مَهْرِ الْمِثْلِ تَقْوِيمٌ لَهُ .\rوَعَلَى إبْطَالِ الزِّيَادَةِ ، أَنَّهَا مُتَّهَمَةٌ فِي أَنَّهَا قَصَدَتْ الْخُلْعَ لِتُوَصِّلَ إلَيْهِ شَيْئًا مِنْ مَالِهَا بِغَيْرِ عِوَضٍ ، عَلَى وَجْهٍ لَمْ تَكُنْ قَادِرَةً عَلَيْهِ وَهُوَ وَارِثٌ لَهَا ، فَبَطَلَ ، كَمَا لَوْ أَوْصَتْ لَهُ ، أَوْ أَقَرَّتْ لَهُ ، وَأَمَّا قَدْرُ الْمِيرَاثِ ، فَلَا تُهْمَةَ فِيهِ ، فَإِنَّهَا لَوْ لَمْ تُخَالِعْهُ لَوَرِثَ مِيرَاثَهُ .\rوَإِنْ صَحَّتْ مِنْ مَرَضِهَا ذَلِكَ ، صَحَّ الْخُلْعُ ، وَلَهُ جَمِيعُ مَا خَالَعَهَا بِهِ ؛ لِأَنَّنَا تَبَيَّنَّا أَنَّهُ لَيْسَ بِمَرَضِ الْمَوْتِ ، وَالْخُلْعُ فِي غَيْرِ مَرَضِ الْمَوْتِ ، كَالْخُلْعِ فِي الصِّحَّةِ .","part":16,"page":178},{"id":7678,"text":"( 5807 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَلَوْ خَالَعَهَا فِي مَرَضِ مَوْتِهِ ، وَأَوْصَى لَهَا بِأَكْثَرَ مِمَّا كَانَتْ تَرِثُ ، فَلِلْوَرَثَةِ أَنْ لَا يُعْطُوهَا أَكْثَرَ مِنْ مِيرَاثِهَا ) أَمَّا خُلْعَهُ لُزُوجَتِهِ ، فَلَا إشْكَالَ فِي صِحَّتِهِ ، سَوَاءٌ كَانَ بِمَهْرِ مِثْلِهَا ، أَوْ أَكْثَرَ ، أَوْ أَقَلَّ ، وَلَا يُعْتَبَرُ مِنْ الثُّلُثِ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ طَلَّقَ بِغَيْرِ عِوَضٍ لَصَحَّ ، فَلَأَنْ يَصِحَّ بِعِوَضٍ أَوْلَى ، وَلِأَنَّ الْوَرَثَةَ لَا يَفُوتُهُمْ بِخُلْعِهِ شَيْءٌ ، فَإِنَّهُ لَوْ مَاتَ وَلَهُ امْرَأَةٌ ، لَبَانَتْ بِمَوْتِهِ ، وَلَمْ تَنْتَقِلْ إلَى وَرَثَتِهِ .\rفَأَمَّا إنْ أَوْصَى لَهَا بِمِثْلِ مِيرَاثِهَا ، أَوْ أَقَلَّ ، صَحَّ ؛ لِأَنَّهُ لَا تُهْمَةَ فِي أَنَّهُ أَبَانَهَا لِيُعْطِيَهَا ذَلِكَ ، فَإِنَّهُ لَوْ لَمْ يُبِنْهَا لَأَخَذَتْهُ بِمِيرَاثِهَا .\rوَإِنْ أَوْصَى لَهَا بِزِيَادَةٍ عَلَيْهِ ، فَلِلْوَرَثَةِ مَنْعُهَا ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ اُتُّهِمَ فِي أَنَّهُ قَصَدَ إيصَالَ ذَلِكَ إلَيْهَا ، لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ سَبِيلٌ إلَى إيصَالِهِ إلَيْهَا وَهِيَ فِي حِبَالِهِ ، فَطَلَّقَهَا لِيُوصِلَ ذَلِكَ إلَيْهَا ، فَمُنِعَ مِنْهُ ، كَمَا لَوْ أَوْصَى لَوَارِثٍ .","part":16,"page":179},{"id":7679,"text":"( 5808 ) فَصْلٌ : وَإِذَا خَالَعَ امْرَأَتَهُ عَلَى نَفَقَةِ عِدَّتِهَا ، فَحُكِيَ عَنْ أَحْمَدَ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ، أَنَّهُ يَجُوزُ ذَلِكَ وَهَذَا إنَّمَا يُخَرَّجُ عَلَى أَصْلِ أَحْمَدَ إذَا كَانَتْ حَامِلًا ، أَمَّا غَيْرُ الْحَامِلِ فَلَا نَفَقَةَ لَهَا عَلَيْهِ ، فَلَا تَصِحُّ عِوَضًا .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا تَصِحُّ النَّفَقَةُ عِوَضًا ، فَإِنْ خَالَعَهَا بِهِ وَجَبَ مَهْرُ الْمِثْلِ ؛ لِأَنَّ النَّفَقَةَ لَمْ تَجِبْ ، فَلَا يَصِحُّ الْخُلْعُ عَلَيْهَا ، كَمَا لَوْ خَالَعَهَا عَلَى عِوَضِ مَا يُتْلِفُهُ عَلَيْهَا .\rوَلَنَا ، أَنَّهَا إحْدَى النَّفَقَتَيْنِ ، فَصَحَّتْ الْمُخَالَعَةُ عَلَيْهَا ، كَنَفَقَةِ الصَّبِيِّ فِيمَا إذَا خَالَعَتْهُ عَلَى كَفَالَةِ وَلَدِهِ وَقْتًا مَعْلُومًا .\rوَقَوْلُهُمْ : إنَّهَا لَمْ تَجِبْ .\rمَمْنُوعٌ ؛ فَإِنَّهُ قَدْ قِيلَ : إنَّ النَّفَقَةَ تَجِبُ بِالْعَقْدِ ، ثُمَّ إنَّهَا إنْ لَمْ تَجِبْ ، فَقَدْ وُجِدَ سَبَبُ وُجُوبِهَا ، كَنَفَقَةِ الصَّبِيِّ ، بِخِلَافِ عِوَضِ مَا يُتْلِفُهُ .","part":16,"page":180},{"id":7680,"text":"( 5809 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَلَوْ خَالَعَتْهُ بِمُحَرَّمٍ ، وَهُمَا كَافِرَانِ ، فَقَبَضَهُ ، ثُمَّ أَسْلَمَا ، أَوْ أَحَدُهُمَا ، لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهَا بِشَيْءٍ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْخُلْعَ مِنْ الْكُفَّارِ جَائِزٌ ، سَوَاءٌ كَانُوا أَهْلَ الذِّمَّةِ أَوْ أَهْلَ حَرْبٍ ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَنْ مَلَكَ الطَّلَاقَ ، مَلَكَ الْمُعَاوَضَةَ عَلَيْهِ ، كَالْمُسْلِمِ ، فَإِنْ تَخَالَعَا بِعِوَضٍ صَحِيحٍ ، ثُمَّ أَسْلَمَا وَتَرَافَعَا إلَى الْحَاكِمِ ، أَمْضَى ذَلِكَ عَلَيْهِمَا كَالْمُسْلِمَيْنِ ، وَإِنْ كَانَ بِمُحَرَّمٍ كَخَمْرٍ وَخِنْزِيرٍ فَقَبَضَهُ ، ثُمَّ أَسْلَمَا ، وَتَرَافَعَا إلَيْنَا ، أَوْ أَسْلَمَ أَحَدُهُمَا أَمْضَى ذَلِكَ عَلَيْهِمَا ، وَلَمْ يُعَوَّضْ لَهُ ، وَلَمْ يَرُدَّهُ ، وَلَا يَبْقَى لَهُ عَلَيْهَا شَيْءٌ ، كَمَا لَوْ أَصْدَقَهَا خَمْرًا ثُمَّ أَسْلَمَا ، أَوْ تَبَايَعَا خَمْرًا أَوْ تَقَابَضَا ثُمَّ أَسْلَمَا .\rوَإِنْ كَانَ إسْلَامُهُمَا أَوْ تَرَافُعُهُمَا قَبْلَ الْقَبْضِ ، لَمْ يُمْضِهِ الْحَاكِمُ ، وَلَمْ يَأْمُرْ بِإِقْبَاضِهِ ؛ لِأَنَّ الْخَمْرَ وَالْخِنْزِيرَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عِوَضًا لَمُسْلِمٍ أَوْ مِنْ مُسْلِمٍ ، فَلَا يَأْمُرُ الْحَاكِمُ بِإِقْبَاضِهِ .\rقَالَ الْقَاضِي ، فِي \" الْجَامِعِ \" : وَلَا شَيْءَ لَهُ ؛ لِأَنَّهُ رَضِيَ مِنْهَا بِمَا لَيْسَ بِمَالٍ ، كَالْمُسْلِمَيْنِ إذَا تَخَالَعَا بِخَمْرٍ وَقَالَ ، فِي \" الْمُجَرَّدِ \" : يَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ الْعِوَضَ فَاسِدٌ ، فَيَرْجِعُ إلَى قِيمَةِ الْمُتْلَفِ ، وَهُوَ مَهْرُ الْمِثْلِ .\rوَكَلَامُ الْخِرَقِيِّ يَدُلُّ بِمَفْهُومِهِ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ لَهُ شَيْءٌ ؛ لَأَنْ تَخْصِيصَهُ حَالَةَ الْقَبْضِ بِنَفْيِ الرُّجُوعِ ، يَدُلُّ عَلَى الرُّجُوعِ مَعَ عَدَمِ الْقَبْضِ ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُسْلِمِ ، أَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يَعْتَقِدُ الْخَمْرَ وَالْخِنْزِيرَ مَالًا ، فَإِذَا رَضِيَ بِهِ عِوَضًا ، فَقَدْ رَضِيَ بِالْخُلْعِ بِغَيْرِ مَالٍ ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ ، وَالْمُشْرِكُ يَعْتَقِدُهُ مَالًا ، فَلَمْ يَرْضَ بِالْخُلْعِ بِغَيْرِ عِوَضٍ ، فَيَكُونُ الْعِوَضُ وَاجِبًا لَهُ ، كَمَا لَوْ خَالَعَهَا عَلَى حُرٍّ","part":16,"page":181},{"id":7681,"text":"يَظُنُّهُ عَبْدًا ، أَوْ خَمْرٍ يَظُنُّهُ خَلًّا .\rإذَا ثَبَتَ أَنَّهُ يَجِبُ لَهُ الْعِوَضُ ، فَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّهُ مَهْرُ الْمِثْلِ ، كَمَا لَوْ تَزَوَّجَهَا عَلَى خَمْرٍ ثُمَّ أَسْلَمَا .\rوَعَلَى مَا عَلَّلْنَا بِهِ يَقْتَضِي وُجُوبَ قِيمَةِ مَا سَمَّى لَهَا ، عَلَى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ مَالًا ، فَإِنَّهُ رَضِيَ بِمَالِيَّةِ ذَلِكَ ، فَيَكُونُ لَهُ قَدْرُهُ مِنْ الْمَالِ ، كَمَا لَوْ خَالَعَهَا عَلَى خَمْرٍ يَظُنُّهُ خَلًّا .\rوَإِنْ حَصَلَ الْقَبْضُ فِي بَعْضِهِ دُونَ بَعْضٍ ، سَقَطَ مَا قَبَضَ ، وَفِيمَا لَمْ يَقْبِضْ الْوُجُوهُ الثَّلَاثَةُ .\rوَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى { وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنْ الرَّبَّا إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ } .","part":16,"page":182},{"id":7682,"text":"( 5810 ) فَصْلٌ : وَيَصِحُّ التَّوْكِيلُ فِي الْخُلْعِ ، مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الزَّوْجَيْنِ ، وَمِنْ أَحَدِهِمَا مُنْفَرِدًا .\rوَكُلُّ مَنْ صَحَّ أَنْ يَتَصَرَّفَ بِالْخُلْعِ لِنَفْسِهِ ، جَازَ تَوْكِيلُهُ وَوَكَالَتُهُ ؛ حُرًّا ؛ كَانَ أَوْ عَبْدًا ، ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى ، مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا ، مَحْجُورًا عَلَيْهِ أَوْ رَشِيدًا ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَجُوزُ أَنْ يُوجِبَ الْخُلْعَ ، فَصَحَّ أَنْ يَكُونَ وَكِيلًا وَمُوَكِّلًا فِيهِ ، كَالْحُرِّ الرَّشِيدِ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ ، وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا .\rيَكُونُ تَوْكِيلُ الْمَرْأَةِ فِي ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ اسْتِدْعَاءُ الْخُلْعِ أَوْ الطَّلَاقِ ، وَتَقْدِيرُ الْعِوَضِ ، وَتَسْلِيمُهُ .\rوَتَوْكِيلُ الرَّجُلِ فِي ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ ؛ شَرْطُ الْعِوَضِ ، وَقَبْضُهُ ، وَإِيقَاعُ الطَّلَاقِ أَوْ الْخُلْعِ .\rوَيَجُوزُ التَّوْكِيلُ مَعَ تَقْدِيرِ الْعِوَضِ ، وَمِنْ غَيْرِ تَقْدِيرٍ ؛ لِأَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ ، فَصَحَّ كَذَلِكَ ، كَالْبَيْعِ وَالنِّكَاحِ .\rوَالْمُسْتَحَبُّ التَّقْدِيرُ ؛ لِأَنَّهُ أَسْلَمُ مِنْ الْغَرَرِ ، وَأَسْهَلُ عَلَى الْوَكِيلِ ؛ لِاسْتِغْنَائِهِ عَنْ الِاجْتِهَادِ .\rفَإِنْ وَكَّلَ الزَّوْجُ ، لَمْ يَخْلُ مِنْ حَالَيْنِ : الْحَالُ الْأَوَّلُ ، أَنْ يُقَدِّرَ لَهُ الْعِوَضَ ، فَخَالَعَ بِهِ أَوْ بِمَا زَادَ ، صَحَّ ، وَلَزِمَ الْمُسَمَّى ؛ لِأَنَّهُ فَعَلَ مَا أُمِرَ بِهِ ، وَإِنْ خَالَعَ بِأَقَلَّ مِنْهُ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ : أَحَدُهُمَا ، لَا يَصِحُّ الْخُلْعُ وَهَذَا اخْتِيَارُ ابْنِ حَامِدٍ ، وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ خَالَفَ مُوَكِّلَهُ ، فَلَمْ يَصِحَّ تَصَرُّفُهُ ، كَمَا لَوْ وَكَّلَهُ فِي خُلْعِ امْرَأَةٍ فَخَالَعَ أُخْرَى ، وَلِأَنَّهُ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ فِي الْخُلْعِ بِهَذَا الْعِوَضِ ، فَلَمْ يَصِحَّ مِنْهُ ، كَالْأَجْنَبِيِّ .\rوَالثَّانِي ، يَصِحُّ ، وَيَرْجِعُ عَلَى الْوَكِيلِ بِالنَّقْصِ .\rوَهَذَا قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ ؛ لِأَنَّ الْمُخَالَفَةَ فِي قَدْرِ الْعِوَضِ لَا تُبْطِلُ الْخُلْعَ ، كَحَالَةِ الْإِطْلَاقِ ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى .\rوَأَمَّا إنْ خَالَفَ فِي الْجِنْسِ ، مِثْلُ أَنْ يَأْمُرَهُ بِالْخُلْعِ عَلَى","part":16,"page":183},{"id":7683,"text":"دَرَاهِمَ ، فَخَالَعَ عَلَى عَبْدٍ ، أَوْ بِالْعَكْسِ ، أَوْ يَأْمُرَهُ بِالْخُلْعِ حَالًّا ، فَخَالَعَ بِعِوَضٍ نَسِيئَةً ، فَالْقِيَاسُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِمُوَكِّلِهِ فِي جِنْسِ الْعِوَضِ ، فَلَمْ يَصِحَّ تَصَرُّفُهُ ، كَالْوَكِيلِ فِي الْبَيْعِ ، وَلِأَنَّ مَا خَالَعَ بِهِ لَا يَمْلِكُهُ الْمُوَكِّلُ ، لِكَوْنِهِ لَمْ يَأْذَنْ فِيهِ ، وَلَا الْوَكِيلُ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدُ السَّبَبُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ .\rوَفَارَقَ الْمُخَالَفَةَ فِي الْقَدْرِ ؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنَ جَبْرُهُ بِالرُّجُوعِ بِالنَّقْصِ عَلَى الْوَكِيلِ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : الْقِيَاسُ أَنْ يَلْزَمَ الْوَكِيلَ الْقَدْرُ الَّذِي أُذِنَ فِيهِ ، وَيَكُونَ لَهُ مَا خَالَعَ ، قِيَاسًا عَلَى الْمُخَالَفَةِ فِي الْقَدْرِ ، وَهَذَا يَبْطُلُ بِالْوَكِيلِ فِي الْبَيْعِ ، وَلِأَنَّ هَذَا خُلْعٌ لَمْ يَأْذَنْ فِيهِ الزَّوْجُ ، فَلَمْ يَصِحَّ ، كَمَا لَوْ لَمْ يُوَكِّلْهُ فِي شَيْءٍ ، وَلِأَنَّهُ يُفْضِي إلَى أَنْ يَمْلِكَ عِوَضًا مَا مَلَّكَتْهُ إيَّاهُ الْمَرْأَةُ ، وَلَا قَصَدَ هُوَ تَمَلُّكَهُ ، وَتَنْخَلِعُ الْمَرْأَةُ مِنْ زَوْجِهَا بِغَيْرِ عِوَضٍ لَزِمَهَا لَهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ .\rوَأَمَّا الْمُخَالَفَةُ فِي الْقَدْرِ ، فَلَا يَلْزَمُ فِيهَا ذَلِكَ ، مَعَ أَنَّ الصَّحِيحَ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ الْخُلْعُ فِيهَا أَيْضًا ، لِمَا قَدَّمْنَاهُ .\rوَالْحَالُ الثَّانِي ، إذَا أَطْلَقَ الْوَكَالَةَ ، فَإِنَّهُ يَقْتَضِي الْخُلْعَ بِمَهْرِهَا الْمُسَمَّى حَالًّا مِنْ جِنْسِ نَقْدِ الْبَلَدِ ، فَإِنْ خَالَعَ بِذَلِكَ فَمَا زَادَ ، صَحَّ ؛ لِأَنَّهُ زَادَهُ خَيْرًا ، وَإِنْ خَالَعَ بِدُونِهِ ، فَفِيهِ الْوَجْهَانِ الْمَذْكُورَانِ فِيمَا إذَا قَدَّرَ لَهُ الْعِوَضَ فَخَالَعَ بِدُونِهِ .\rوَذَكَرَ الْقَاضِي احْتِمَالَيْنِ آخَرَيْنِ : أَحَدُهُمَا ، أَنْ يَسْقُطَ الْمُسَمَّى ، وَيَجِبَ مَهْرُ الْمِثْلِ ؛ لِأَنَّهُ خَالَعَ بِمَا لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فِيهِ .\rوَالثَّانِي ، أَنْ يَتَخَيَّرَ الزَّوْجُ بَيْنَ قَبُولِ الْعِوَضِ نَاقِصًا وَلَا رَجْعَةَ لَهُ ، وَبَيْنَ رَدِّهِ وَلَهُ الرَّجْعَةُ .\rوَإِنْ خَالَعَ بِغَيْرِ نَقْدِ الْبَلَدِ ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ مَا لَوْ عَيَّنَ لَهُ عِوَضًا فَخَالَعَ بِغَيْرِ","part":16,"page":184},{"id":7684,"text":"جِنْسِهِ .\rوَإِنْ خَالَعَ الْوَكِيلُ بِمَا لَيْسَ بِمَالٍ كَالْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ ، لَمْ يَصِحَّ الْخُلْعُ ، وَلَمْ يَقَعْ الطَّلَاقُ ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَأْذُونٍ لَهُ فِيهِ إنَّمَا أُذِنَ لَهُ فِي الْخُلْعِ ، وَهُوَ إبَانَةُ الْمَرْأَةِ بِعِوَضٍ ، وَمَا أَتَى بِهِ ، وَإِنَّمَا أَتَى بِطَلَاقٍ غَيْرِ مَأْذُونٍ لَهُ فِيهِ .\rذَكَرَهُ الْقَاضِي ، فِي \" الْمُجَرَّدِ \" .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rوَسَوَاءٌ عَيَّنَ لَهُ الْعِوَضَ أَوْ أَطْلَقَ ، وَذَكَرَ ، فِي \" الْجَامِعِ \" أَنَّ الْخُلْعَ يَصِحُّ .\rوَيَرْجِعُ عَلَى الْوَكِيلِ بِالْمُسَمَّى ، وَلَا شَيْءَ عَلَى الْمَرْأَةِ .\rهَذَا إذَا قُلْنَا : الْخُلْعُ بِلَا عِوَضٍ يَصِحُّ .\rوَإِنْ قُلْنَا : لَا يَصِحُّ .\rلَمْ يَصِحَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ بِلَفْظِ الطَّلَاقِ ، فَيَقَعُ طَلْقَةً رَجْعِيَّةً .\rوَاحْتَجَّ بِأَنَّ وَكِيلَ الزَّوْجَةِ لَوْ خَالَعَ بِذَلِكَ صَحَّ ، فَكَذَلِكَ وَكِيلُ الزَّوْجِ .\rوَهَذَا الْقِيَاسُ غَيْرُ صَحِيحٍ ؛ فَإِنَّ وَكِيلَ الزَّوْجِ يُوقِعُ الطَّلَاقَ فَلَا يَصِحُّ أَنْ يُوقِعَهُ عَلَى غَيْرِ مَا أُذِنَ لَهُ فِيهِ ، وَوَكِيلُ الزَّوْجَةِ لَا يُوقِعُ ، وَإِنَّمَا يَقْبَلُ ، وَلِأَنَّ وَكِيلَ الزَّوْجِ إذَا خَالَعَ عَلَى مُحَرَّمٍ ، فَوَّتَ عَلَى مُوَكَّلِهِ الْعِوَضَ ، وَوَكِيلُ الزَّوْجَةِ يُخَلِّصُهَا مِنْهُ ، فَلَا يَلْزَمُ مِنْ الصِّحَّةِ فِي مَوْضِعٍ يُخَلِّصُ مُوَكَّلَهُ مِنْ وُجُوبِ الْعِوَضِ عَلَيْهِ ، الصِّحَّةُ فِي مَوْضِعٍ يُفَوِّتُهُ عَلَيْهِ ، أَلَا تَرَى أَنَّ وَكِيلَ الزَّوْجَةِ لَوْ صَالَحَ بِدُونِ الْعِوَضِ الَّذِي قَدَّرَتْهُ لَهُ ، صَحَّ وَلَزِمَهَا ، وَلَوْ خَالَعَ وَكِيلُ الزَّوْجِ بِدُونِ الْعِوَضِ الَّذِي قَدَّرَهُ لَهُ ، لَمْ يَلْزَمْهُ ، وَأَمَّا وَكِيلُ الزَّوْجَةِ فَلَهُ حَالَانِ ؛ : أَحَدُهُمَا ، أَنْ تُقَدِّرَ لَهُ الْعِوَضَ ، فَمَتَى خَالَعَ بِهِ فَمَا دُونَ ، صَحَّ ، وَلَزِمَهَا ذَلِكَ : لِأَنَّهُ زَادَهَا خَيْرًا ، وَإِنْ خَالَعَ بِأَكْثَرَ مِنْهُ ، صَحَّ وَلَمْ تَلْزَمْهَا الزِّيَادَةُ ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَأْذَنْ فِيهَا ، وَلَزِمَ الْوَكِيلَ ، لِأَنَّهُ الْتَزَمَهُ لِلزَّوْجِ ، فَلَزِمَهُ الضَّمَانُ ، كَالْمُضَارِبِ إذَا اشْتَرَى مَنْ يَعْتِقُ عَلَى رَبِّ","part":16,"page":185},{"id":7685,"text":"الْمَالِ .\rوَقَالَ الْقَاضِي ، فِي \" الْمُجَرَّدِ \" : عَلَيْهَا مَهْرُ مِثْلِهَا ، وَلَا شَيْءَ عَلَى وَكِيلِهَا ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْبَلُ الْعَقْدَ لِنَفْسِهِ ، إنَّمَا يَقْبَلُهُ لِغَيْرِهِ .\rوَلَعَلَّ هَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ، وَالْأَوْلَى أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهَا أَكْثَرُ مِمَّا بَذَلَتْهُ ؛ لِأَنَّهَا مَا الْتَزَمَتْ أَكْثَرَ مِنْهُ ، وَلَا وُجِدَ مِنْهَا تَغْرِيرٌ لِلزَّوْجِ ، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَجِبَ لِلزَّوْجِ أَيْضًا أَكْثَرُ مِمَّا بَذَلَ لَهُ الْوَكِيلُ ؛ لِأَنَّهُ رَضِيَ بِذَلِكَ عِوَضًا ، وَهُوَ عِوَضٌ صَحِيحٌ مَعْلُومٌ ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَكْثَرُ مِنْهُ ، كَمَا لَوْ بَذَلَتْهُ الْمَرْأَةُ .\rالثَّانِي ، أَنْ يُطْلِقَ الْوَكَالَةَ ، فَيَقْتَضِي خُلْعَهَا بِمَهْرِهَا مِنْ جِنْسِ نَقْدِ الْبَلَدِ ، فَإِنْ خَالَعَهَا بِذَلِكَ فَمَا دُونَ ، صَحَّ ، وَلَزِمَهَا ، وَإِنْ خَالَعَهَا بِأَكْثَرَ مِنْهُ ، فَهُوَ كَمَا لَوْ خَالَعَهَا بِأَكْثَرَ مِمَّا قَدَّرَتْ لَهُ ، عَلَى مَا مَضَى مِنْ الْقَوْلِ فِيهِ .","part":16,"page":186},{"id":7686,"text":"( 5811 ) فَصْلٌ : إذَا اخْتَلَفَا فِي الْخُلْعِ ، فَادَّعَاهُ الزَّوْجُ ، وَأَنْكَرَتْهُ الْمَرْأَةُ بَانَتْ بِإِقْرَارِهِ ، وَلَمْ يَسْتَحِقَّ عَلَيْهَا عِوَضًا ؛ لِأَنَّهَا مُنْكِرَةٌ ، وَعَلَيْهَا الْيَمِينُ ، وَإِنْ ادَّعَتْهُ الْمَرْأَةُ ، وَأَنْكَرَهُ الزَّوْجُ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ لِذَلِكَ ، وَلَا يَسْتَحِقُّ عَلَيْهَا عِوَضًا لِأَنَّهُ لَا يَدَّعِيهِ ، فَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى الْخُلْعِ ، وَاخْتَلَفَا فِي قَدْرِ الْعِوَضِ ، أَوْ جِنْسِهِ ، أَوْ حُلُولِهِ ، أَوْ تَأْجِيلِهِ ، أَوْ صِفَتِهِ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَرْأَةِ .\rحَكَاهُ أَبُو بَكْرٍ نَصًّا عَنْ أَحْمَدَ .\rوَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ وَذَكَرَ الْقَاضِي رِوَايَةً أُخْرَى عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الزَّوْجِ ؛ لِأَنَّ الْبُضْعَ يَخْرُجُ مِنْ مِلِكِهِ ، فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ فِي عِوَضِهِ ، كَالسَّيِّدِ مَعَ مُكَاتَبَتِهِ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يَتَحَالَفَانِ لِأَنَّهُ اخْتِلَافٌ فِي عِوَضِ الْعَقْدِ ، فَيَتَحَالَفَانِ فِيهِ ، كَالْمُتَبَايِعِينَ إذَا اخْتَلَفَا فِي الثَّمَنِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ أَحَدُ نَوْعَيْ الْخُلْعِ ، فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمَرْأَةِ ، كَالطَّلَاقِ عَلَى مَالٍ إذَا اخْتَلَفَا فِي قَدْرِهِ ، وَلِأَنَّ الْمَرْأَةَ مُنْكِرَةٌ لِلزِّيَادَةِ فِي الْقَدْرِ أَوْ الصِّفَةِ ، فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهَا ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ } .\rوَأَمَّا التَّحَالُفُ فِي الْبَيْعِ ، فَيُحْتَاجُ إلَيْهِ لِفَسْخِ الْعَقْدِ ، وَالْخُلْعُ فِي نَفْسِهِ فَسْخٌ ، فَلَا يُفْسَخُ .\rوَإِنْ قَالَ : خَالَعْتُكِ بِأَلْفٍ .\rفَقَالَتْ : إنَّمَا خَالَعَكَ غَيْرِي بِأَلْفٍ فِي ذِمَّتِهِ .\rبَانَتْ ، وَالْقَوْلُ قَوْلُهَا فِي نَفْيِ الْعِوَضِ عَنْهَا ؛ لِأَنَّهَا مُنْكِرَةٌ لَهُ .\rوَإِنْ قَالَتْ : نَعَمْ ، وَلَكِنْ ضَمِنَهَا لَك أَبِي أَوْ غَيْرُهُ .\rلَزِمَهَا الْأَلْفُ ، لِإِقْرَارِهَا بِهِ ، وَالضَّمَانُ لَا يُبْرِئُ ذِمَّتَهَا وَكَذَلِكَ إنْ قَالَتْ : خَالَعْتُكَ عَلَى أَلْفٍ يَزِنُهُ لَك أَبِي .\rلِأَنَّهَا اعْتَرَفَتْ بِالْأَلْفِ وَادَّعَتْ عَلَى أَبِيهَا دَعْوَى ، فَقُبِلَ قَوْلُهَا عَلَى نَفْسِهَا دُونَ","part":16,"page":187},{"id":7687,"text":"غَيْرِهَا .\rوَإِنْ قَالَ : سَأَلَتْنِي طَلْقَةً بِأَلْفٍ فَقَالَتْ : بَلْ سَأَلْتُك ثَلَاثًا بِأَلْفٍ ، فَطَلَّقْتَنِي وَاحِدَةً .\rبَانَتْ بِإِقْرَارٍ ، وَالْقَوْلُ قَوْلُهَا فِي سُقُوطِ الْعِوَضِ .\rوَعِنْدَ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ ، يَلْزَمُهَا ثُلْثُ الْأَلْفِ .\rبِنَاءً عَلَى أَصْلِهِمْ فِيمَا إذَا قَالَتْ : طَلِّقْنِي ثَلَاثًا بِأَلْفٍ .\rفَطَلَّقَهَا وَاحِدَةً ، أَنَّهُ يَلْزَمُهَا ثُلُثُ الْأَلْفِ ، وَإِنْ خَالَعَهَا عَلَى أَلْفٍ ، فَادَّعَى أَنَّهَا دَنَانِيرُ ، وَقَالَتْ : بَلْ هِيَ دَرَاهِمُ .\rفَالْقَوْلُ قَوْلُهَا ؛ لِمَا ذَكَرْنَا فِي أَوَّلِ الْفَصْلِ .\rوَلَوْ قَالَ أَحَدُهُمَا : كَانَتْ دَرَاهِمَ قِرَاضِيَّةً .\rوَقَالَ الْآخِرُ : مُطْلَقَةً .\rفَالْقَوْلُ قَوْلُهَا ، إلَّا عَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي حَكَاهَا الْقَاضِي ، فَإِنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الزَّوْجِ فِي هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ .\rوَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى الْإِطْلَاقِ لَزِمَ الْأَلْفُ مِنْ غَالِبِ نَقْدِ الْبَلَدِ .\rوَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى أَنَّهُمَا أَرَادَا دَرَاهِمَ قِرَاضِيَّةً ، لَزِمَهَا مَا اتَّفَقَتْ إرَادَتُهُمَا عَلَيْهِ .\rوَإِنْ اخْتَلَفَا فِي الْإِرَادَةِ ، كَانَ حُكْمُهَا حُكْمَ الْمُطْلَقَةِ ، يَرْجِعُ إلَى غَالِبِ نَقْدِ الْبَلَدِ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : إذَا اخْتَلَفَا فِي الْإِرَادَةِ ، وَجَبَ الْمَهْرُ الْمُسَمَّى فِي الْعَقْدِ ؛ لِأَنَّ اخْتِلَافَهُمَا يَجْعَلُ الْبَدَلَ مَجْهُولًا ، فَيَجِبُ الْمُسَمَّى فِي النِّكَاحِ .\rوَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ؛ لِأَنَّهُمَا لَوْ أَطْلَقَا ، لَصَحَّتْ التَّسْمِيَةُ ، وَوَجَبَ الْأَلْفُ مِنْ غَالِبِ نَقْدِ الْبَلَدِ ، وَلَمْ يَكُنْ إطْلَاقُهُمَا جَهَالَةً تَمْنَعُ صِحَّةَ الْعِوَضِ ، فَكَذَلِكَ إذَا اخْتَلَفَا ، وَلِأَنَّهُ يُجِيزُ الْعِوَضَ الْمَجْهُولَ إذَا لَمْ تَكُنْ جَهَالَتُهُ تَزِيدُ عَلَى جَهَالَةِ مَهْرِ الْمِثْلِ ، كَعَبْدٍ مُطْلَقٍ وَبَعِيرٍ وَفَرَسٍ ، وَالْجَهَالَةُ هَا هُنَا أَقَلُّ ، فَالصِّحَّةُ أَوْلَى .","part":16,"page":188},{"id":7688,"text":"( 5812 ) فَصْلٌ : إذَا عَلَّقَ طَلَاقَ امْرَأَتِهِ بِصِفَةٍ ، ثُمَّ أَبَانَهَا بِخُلْعٍ أَوْ طَلَاقٍ ، ثُمَّ عَادَ فَتَزَوَّجَهَا ، وَوُجِدَتْ .\rالصِّفَةُ ، طَلُقَتْ .\rوَمِثَالُهُ إذَا قَالَ : إنْ كَلَّمْت أَبَاك فَأَنْتِ طَالِقٌ .\rثُمَّ أَبَانَهَا بِخُلْعٍ ، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا ، فَكَلَّمَتْ أَبَاهَا ، فَإِنَّهَا تَطْلُقُ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .\rفَأَمَّا إنْ وُجِدَتْ الصِّفَةُ فِي حَالِ الْبَيْنُونَةِ ، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا ، ثُمَّ وُجِدَتْ مَرَّةً أُخْرَى ، فَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّهَا تَطْلُقُ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا لَا تَطْلُقُ .\rنَصَّ عَلَيْهِ فِي الْعِتْقِ ، فِي رَجُلٍ قَالَ لِعَبْدِهِ : أَنْتَ حُرٌّ إنْ دَخَلْت الدَّارَ .\rفَبَاعَهُ ، ثُمَّ رَجَعَ ، يَعْنِي فَاشْتَرَاهُ ، فَإِنْ رَجَعَ وَقَدْ دَخَلَ الدَّارَ لَمْ يَعْتِقْ .\rوَإِنْ لَمْ يَكُنْ دَخَلَ فَلَا يَدْخُلُ إذَا رَجَعَ إلَيْهِ ، فَإِنْ دَخَلَ عَتَقَ .\rفَإِذَا نَصَّ فِي الْعِتْقِ عَلَى أَنَّ الصِّفَةَ لَا تَعُودُ ، وَجَبَ أَنْ يَكُونَ فِي الطَّلَاقِ مِثْلُهُ ، بَلْ أَوْلَى ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ يَتَشَوَّفُ الشَّرْعُ إلَيْهِ ، وَلِذَلِكَ قَالَ الْخِرَقِيِّ : وَإِذَا قَالَ إنْ تَزَوَّجْت فُلَانَةَ فَهِيَ طَالِقٌ .\rلَمْ تَطْلُقْ إنْ تَزَوَّجَهَا .\rوَلَوْ قَالَ : إنْ مَلَكْت فُلَانًا فَهُوَ حُرٌّ .\rفَمَلَكَهُ صَارَ حُرًّا .\rوَهَذَا اخْتِيَارُ أَبِي الْحَسَنِ التَّمِيمِيِّ .\rوَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ يَرَوْنَ أَنَّ الصِّفَةَ لَا تَعُودُ إذَا أَبَانَهَا بِطَلَاقِ ثَلَاثٍ ، وَإِنْ لَمْ تُوجَدْ الصِّفَةُ فِي حَالِ الْبَيْنُونَةِ .\rهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَأَحَدُ أَقْوَالِ الشَّافِعِيِّ .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ، عَلَى أَنَّ الرَّجُلَ إذَا قَالَ لُزُوجَتِهِ : أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إنْ دَخَلْت الدَّارَ .\rفَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا ، ثُمَّ نَكَحَتْ غَيْرَهُ ، ثُمَّ نَكَحَهَا الْحَالِفُ ، ثُمَّ دَخَلْت الدَّارَ ، أَنَّهُ لَا يَقَعُ عَلَيْهَا الطَّلَاقُ .\rوَهَذَا عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ ، لِأَنَّ إطْلَاقَ الْمِلْكِ يَقْتَضِي ذَلِكَ فَإِنْ أَبَانَهَا دُونَ الثَّلَاثِ فَوُجِدَتْ","part":16,"page":189},{"id":7689,"text":"الصِّفَةُ ، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا ، انْحَلَّتْ يَمِينُهُ فِي قَوْلِهِمْ ، وَإِنْ لَمْ تُوجَدْ الصِّفَةُ فِي الْبَيْنُونَةِ ، ثُمَّ نَكَحَهَا ، لَمْ تَنْحَلَّ فِي قَوْلِ مَالِكٍ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ ، وَأَحَدِ أَقْوَالِ الشَّافِعِيِّ .\rوَلَهُ قَوْلٌ آخَرُ : لَا تَعُودُ الصِّفَةُ بِحَالٍ .\rوَهُوَ اخْتِيَارُ الْمُزَنِيّ ، وَأَبِي إِسْحَاقَ ؛ لِأَنَّ الْإِيقَاعَ وُجِدَ قَبْلَ النِّكَاحِ فَلَمْ يَقَعْ ، كَمَا لَوْ عَلَّقَهُ بِالصِّفَةِ قَبْلَ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِهَا ، فَإِنَّهُ لَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ لَوْ قَالَ لَأَجْنَبِيَّةٍ : أَنْتِ طَالِقٌ إذَا دَخَلْت الدَّارَ .\rثُمَّ تَزَوَّجَهَا ، وَدَخَلَتْ الدَّارَ لَمْ تَطْلُقْ .\rوَهَذَا فِي مَعْنَاهُ .\rفَأَمَّا إذَا وُجِدَتْ الصِّفَةُ فِي حَالِ الْبَيْنُونَةِ ، انْحَلَّتْ الْيَمِينُ ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ وُجِدَ فِي وَقْتٍ لَا يُمْكِنُ وُقُوعُ الطَّلَاق فِيهِ ، فَسَقَطَتْ الْيَمِينُ ، وَإِذَا انْحَلَّتْ مَرَّةً ، لَمْ يُمْكِنْ عَوْدُهَا إلَّا بِعَقْدٍ جَدِيدٍ .\rوَلَنَا أَنَّ عَقَدَ الصِّفَةِ وَوُقُوعَهَا وُجِدَا فِي النِّكَاحِ ، فَيَقَعُ ، كَمَا لَوْ لَمْ يَتَخَلَّلْهُ بَيْنُونَةٌ ، أَوْ كَمَا لَوْ بَانَتْ بِمَا دُونَ الثَّلَاثِ عِنْدَ مَالِكٍ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَلَمْ تَفْعَلْ الصِّفَةَ .\rوَقَوْلُهُمْ : أَنَّ هَذَا طَلَاقٌ قَبْلَ نِكَاحٍ .\rقُلْنَا : يَبْطُلُ بِمَا إذَا لَمْ يُكْمِلْ الثَّلَاثَ .\rوَقَوْلُهُمْ : تَنْحَلُ الصِّفَةُ بِفِعْلِهَا .\rقُلْنَا : إنَّمَا تَنْحَلُ بِفِعْلِهَا عَلَى وَجْهٍ يَحْنَثُ بِهِ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْيَمِينَ حُلَّ وَعُقِدَ ، ثُمَّ ثَبَتَ أَنَّ عَقْدَهَا يَفْتَقِرُ إلَى الْمِلْكِ ، فَكَذَلِكَ حَلُّهَا ، وَالْحِنْثُ لَا يَحْصُلُ بِفِعْلِ الصِّفَةِ حَالَ بَيْنُونَتِهَا ، فَلَا تَنْحَلُ الْيَمِينُ .\rوَأَمَّا الْعِتْقُ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ ؛ : إحْدَاهُمَا ، أَنَّ الْعِتْقَ كَالنِّكَاحِ فِي أَنَّ الصِّفَةَ لَا تَنْحَلُّ بِوُجُودِهَا بَعْدَ بَيْعِهِ ، فَيَكُونُ كَمَسْأَلَتِنَا .\rوَالثَّانِيَةُ ، تَنْحَلُّ ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ الثَّانِي لَا يُبْنَى عَلَى الْأَوَّلِ فِي شَيْءٍ مِنْ أَحْكَامِهِ .\rوَفَارَقَ النِّكَاحَ ، فَإِنَّهُ يُبْنَى عَلَى الْأَوَّلِ فِي بَعْضِ أَحْكَامِهِ ، وَهُوَ عَدَدُ الطَّلَاقِ ،","part":16,"page":190},{"id":7690,"text":"فَجَازَ أَنْ يُبْنَى عَلَيْهِ فِي عَوْدِ الصِّفَةِ ، وَلِأَنَّ هَذَا يَفْعَلُ حِيلَةً عَلَى إبْطَالِ الطَّلَاقِ الْمُعَلَّقِ ، وَالْحِيَلُ خِدَاعٌ لَا تُحِلُّ مَا حَرَّمَ اللَّهُ ، فَإِنَّ ابْنِ مَاجَهْ وَابْنَ بَطَّةَ رَوَيَا بِإِسْنَادِهِمَا ، عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَلْعَبُونَ بِحُدُودِ اللَّهِ ، وَيَسْتَهْزِئُونَ بِآيَاتِهِ : قَدْ طَلَّقْتُك ، قَدْ رَاجَعْتُك ، قَدْ طَلَّقْتُك } .\rوَفِي لَفْظٍ رَوَاهُ ابْنُ بَطَّةَ : \" خَالَعْتُكَ ، وَرَاجَعْتُك طَلَّقْتُك ، رَاجَعْتُك \" وَرَوَى بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : لَا تَرْتَكِبُوا مَا ارْتَكَبَتْ الْيَهُودُ ، فَتَسْتَحِلُّوا مَحَارِمَ اللَّهِ بِأَدْنَى الْحِيَلِ } .\r( 5813 ) فَصْلٌ : فَإِنْ كَانَتْ الصِّفَةُ لَا تَعُودُ بَعْدَ النِّكَاحِ الثَّانِي ، مِثْلُ إنْ قَالَ : إنْ أَكَلْت هَذَا الرَّغِيفَ فَأَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا .\rثُمَّ أَبَانَهَا ، فَأَكَلَتْهُ ، ثُمَّ نَكَحَهَا ، لَمْ يَحْنَثْ ؛ لِأَنَّ حِنْثَهُ بِوُجُودِ الصِّفَةِ فِي النِّكَاحِ الثَّانِي ، وَمَا وُجِدَتْ ، وَلَا يُمْكِنُ إيقَاعُ الطَّلَاقِ بِأَكْلِهَا لَهُ حَالَ الْبَيْنُونَةِ ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ لَا يَلْحَقُ الْبَائِنَ .\rوَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .","part":16,"page":191},{"id":7691,"text":"كِتَابُ الطَّلَاقِ الطَّلَاقُ : حِلُّ قَيْدِ النِّكَاحِ .\rوَهُوَ مَشْرُوعٌ ، وَالْأَصْلُ فِي مَشْرُوعِيَّتِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ ؛ أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى { : الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ } .\rوَقَالَ تَعَالَى { : يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ } .\rوَأَمَّا السُّنَّةُ فَمَا رَوَى { ابْنُ عُمَرَ أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ ، فَسَأَلَ عُمَرُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا ، ثُمَّ لِيَتْرُكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ ، ثُمَّ تَحِيضَ ، ثُمَّ تَطْهُرَ ، ثُمَّ إنْ شَاءَ أَمْسَكَ بَعْدُ ، وَإِنْ شَاءَ طَلَّقَ قَبْلَ أَنْ يَمَسَّ فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ أَنْ يَطْلُقَ لَهَا النِّسَاءُ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rفِي آيٍ وَأَخْبَارٍ سِوَى هَذَيْنِ كَثِيرٍ .\rوَأَجْمَعَ النَّاسُ عَلَى جَوَازِ الطَّلَاقِ ، وَالْعِبْرَةُ دَالَّةٌ عَلَى جَوَازِهِ ، فَإِنَّهُ رُبَّمَا فَسَدَتْ الْحَالُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ ، فَيَصِيرُ بَقَاءُ النِّكَاحِ مَفْسَدَةً مَحْضَةً ، وَضَرَرًا مُجَرَّدًا بِإِلْزَامِ الزَّوْجِ النَّفَقَةَ وَالسُّكْنَى ، وَحَبْسِ الْمَرْأَةِ ، مَعَ سُوءِ الْعِشْرَةِ ، وَالْخُصُومَةِ الدَّائِمَةِ مِنْ غَيْرِ فَائِدَةٍ ، فَاقْتَضَى ذَلِكَ شَرْعَ مَا يُزِيلُ النِّكَاحَ ، لِتَزُولَ الْمَفْسَدَةُ الْحَاصِلَةُ مِنْهُ .\r( 5814 ) فَصْلٌ : وَالطَّلَاقُ عَلَى خَمْسَةِ أَضْرُبٍ ؛ وَاجِبٌ ، وَهُوَ طَلَاقُ الْمُولِي بَعْدَ التَّرَبُّصِ إذَا أَبَى الْفَيْئَةَ ، وَطَلَاقُ الْحَكَمَيْنِ فِي الشِّقَاقِ ، إذَا رَأَيَا ذَلِكَ .\rوَمَكْرُوهٌ ، وَهُوَ الطَّلَاقُ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إلَيْهِ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : فِيهِ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا : أَنَّهُ مُحَرَّمٌ ؛ لِأَنَّهُ ضَرَرٌ بِنَفْسِهِ وَزَوْجَتِهِ ، وَإِعْدَامٌ لِلْمَصْلَحَةِ الْحَاصِلَةِ لَهُمَا مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إلَيْهِ ، فَكَانَ حَرَامًا ، كَإِتْلَافِ الْمَالِ ، وَلِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ } .","part":16,"page":192},{"id":7692,"text":"وَالثَّانِيَةُ ، أَنَّهُ مُبَاحٌ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَبْغَضُ الْحَلَالِ إلَى اللَّهِ الطَّلَاقُ .\r} وَفِي لَفْظٍ { : مَا أَحَلَّ اللَّهُ شَيْئًا أَبْغَضَ إلَيْهِ مِنْ الطَّلَاقِ .\r} رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَإِنَّمَا يَكُونُ مُبْغَضًا مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إلَيْهِ ، وَقَدْ سَمَّاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَلَالًا ، وَلِأَنَّهُ مُزِيلٌ لِلنِّكَاحِ الْمُشْتَمِلِ عَلَى الْمَصَالِحِ الْمَنْدُوبِ إلَيْهَا ، فَيَكُونُ مَكْرُوهًا .\rوَالثَّالِثُ ، مُبَاحٌ ، وَهُوَ عِنْدَ الْحَاجَةِ إلَيْهِ لِسُوءِ خُلُقِ الْمَرْأَةِ ، وَسُوءِ عِشْرَتِهَا ، وَالتَّضَرُّرِ بِهَا مِنْ غَيْرِ حُصُولِ الْغَرَضِ بِهَا .\rوَالرَّابِعُ ، مَنْدُوبٌ إلَيْهِ ، وَهُوَ عِنْد تَفْرِيطِ الْمَرْأَةِ فِي حُقُوقِ اللَّهِ الْوَاجِبَةِ عَلَيْهَا ، مِثْلُ الصَّلَاةِ وَنَحْوِهَا ، وَلَا يُمْكِنُهُ إجْبَارُهَا عَلَيْهَا ، أَوْ تَكُونُ لَهُ امْرَأَةٌ غَيْرُ عَفِيفَةٍ .\rقَالَ أَحْمَدُ : لَا يَنْبَغِي لَهُ إمْسَاكُهَا ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ فِيهِ نَقْصًا لِدِينِهِ ، وَلَا يَأْمَنُ إفْسَادَهَا لِفِرَاشِهِ ، وَإِلْحَاقَهَا بِهِ وَلَدًا لَيْسَ هُوَ مِنْهُ ، وَلَا بَأْسَ بِعَضْلِهَا فِي هَذِهِ الْحَالِ ، وَالتَّضْيِيقِ عَلَيْهَا ؛ لِتَفْتَدِيَ مِنْهُ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى { : وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ } .\rوَيَحْتَمِلُ أَنَّ الطَّلَاقَ فِي هَذَيْنِ الْمَوْضِعَيْنِ وَاجِبٌ .\rوَمِنْ الْمَنْدُوبِ إلَيْهِ الطَّلَاقُ فِي حَالِ الشِّقَاقِ ، وَفِي الْحَالِ الَّتِي تُحْوِجُ الْمَرْأَةَ إلَى الْمُخَالَعَةِ لِتُزِيلَ عَنْهَا الضَّرَرَ .\rوَأَمَّا الْمَحْظُورُ ، فَالطَّلَاقُ فِي الْحَيْضِ ، أَوْ فِي طُهْرٍ جَامَعَهَا فِيهِ ، أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ فِي جَمِيعِ الْأَمْصَارِ وَكُلِّ الْأَعْصَارِ عَلَى تَحْرِيمِهِ ، وَيُسَمَّى طَلَاقَ الْبِدْعَةِ ؛ لِأَنَّ الْمُطَلِّقَ خَالَفَ السُّنَّةَ ، وَتَرَكَ أَمْرَ اللَّهِ تَعَالَى وَرَسُولِهِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى { : فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ } .\rوَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : إنْ شَاءَ طَلَّقَ قَبْلَ أَنْ يَمَسَّ ، فَتِلْكَ","part":16,"page":193},{"id":7693,"text":"الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ أَنْ يُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ } وَفِي لَفْظٍ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ { ابْنِ عُمَرَ ، أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ تَطْلِيقَةً وَهِيَ حَائِضٌ ، ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُتْبِعَهَا بِتَطْلِيقَتَيْنِ آخِرَتَيْنِ عِنْدَ الْقُرْأَيْنِ ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا ابْنَ عُمَرَ ، مَا هَكَذَا أَمَرَك اللَّهُ ؛ إنَّك أَخْطَأْت السُّنَّةَ ، وَالسُّنَّةُ أَنْ تَسْتَقْبِلَ الطُّهْرَ ، فَتُطَلِّقَ لِكُلِّ قُرْءٍ .\r} وَلِأَنَّهُ إذَا طَلَّقَ فِي الْحَيْضِ طَوَّلَ الْعِدَّةَ عَلَيْهَا ؛ فَإِنَّ الْحَيْضَةَ الَّتِي طَلَّقَ فِيهَا لَا تُحْسَبُ مِنْ عِدَّتِهَا ، وَلَا الطُّهْرَ الَّذِي بَعْدَهَا عِنْدَ مَنْ يَجْعَلُ الْأَقْرَاءَ الْحَيْضَ ، وَإِذَا طَلَّقَ فِي طُهْرٍ أَصَابَهَا فِيهِ ، لَمْ يَأْمَنْ أَنْ تَكُونَ حَامِلًا ، فَيَنْدَمَ ، وَتَكُونَ مُرْتَابَةً لَا تَدْرِي أَتَعْتَدُّ بِالْحَمْلِ أَوْ الْأَقْرَاءِ ؟","part":16,"page":194},{"id":7694,"text":"( 5815 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَطَلَاقُ السُّنَّةِ أَنْ يُطَلِّقَهَا طَاهِرًا مِنْ غَيْرِ جِمَاعٍ وَاحِدَةً ، ثُمَّ يَدَعَهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا ) مَعْنَى طَلَاقِ السُّنَّةِ الطَّلَاقُ الَّذِي وَافَقَ أَمْرَ اللَّهِ تَعَالَى وَأَمْرَ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْآيَةِ وَالْخَبَرَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ ، وَهُوَ الطَّلَاقُ فِي طُهْرٍ لَمْ يُصِبْهَا فِيهِ ، ثُمَّ يَتْرُكُهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ إذَا طَلَّقَهَا فِي طُهْرٍ لَمْ يُصِبْهَا فِيهِ ، ثُمَّ تَرَكَهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا ، أَنَّهُ مُصِيبٌ لِلسُّنَّةِ ، مُطَلِّقٌ لِلْعِدَّةِ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ بِهَا .\rقَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ : طَلَاقُ السُّنَّةِ أَنْ يُطَلِّقَهَا مِنْ غَيْرِ جِمَاعٍ .\rوَقَالَ فِي قَوْله تَعَالَى { : فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ } .\rوَقَالَ : طَاهِرًا مِنْ غَيْرِ جِمَاعٍ .\rوَنَحْوُهُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ الَّذِي رَوَيْنَاهُ { : لِيَتْرُكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ ، ثُمَّ تَحِيضَ ، ثُمَّ تَطْهُرَ ، ثُمَّ إنْ شَاءَ أَمْسَكَ ، وَإِنْ شَاءَ طَلَّقَ قَبْلَ أَنْ يَمَسَّ ، فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ أَنْ يُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ } .\rفَأَمَّا قَوْلُهُ : ثُمَّ يَدَعَهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا .\rفَمَعْنَاهُ أَنَّهُ لَا يُتْبِعُهَا طَلَاقًا آخِرَ قَبْلَ قَضَاءِ عِدَّتِهَا ، وَلَوْ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا فِي ثَلَاثَةِ أَطْهَارٍ ، كَانَ حُكْمُ ذَلِكَ حُكْمَ جَمْعِ الثَّلَاثِ فِي طُهْرٍ وَاحِدٍ .\rقَالَ أَحْمَدُ : طَلَاقُ السُّنَّةِ وَاحِدَةٌ ، ثُمَّ يَتْرُكُهَا حَتَّى تَحِيضَ ثَلَاثَ حِيَضٍ .\rوَكَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو عُبَيْدٍ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالثَّوْرِيُّ : السُّنَّةُ أَنْ يُطَلِّقَهَا ثَلَاثًا ، فِي كُلِّ قُرْءٍ طَلْقَةٌ .\rوَهُوَ قَوْلُ سَائِرِ ، الْكُوفِيِّينَ وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ، حِينَ قَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { رَاجِعْهَا ، ثُمَّ أَمْسِكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ ، ثُمَّ تَحِيضَ ، ثُمَّ تَطْهُرَ .\r} قَالُوا : وَإِنَّمَا أَمَرَهُ","part":16,"page":195},{"id":7695,"text":"بِإِمْسَاكِهَا فِي هَذَا الطُّهْرِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَفْصِلْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الطَّلَاقِ طُهْرٌ كَامِلٌ ، فَإِذَا مَضَى وَمَضَتْ الْحَيْضَةُ الَّتِي بَعْدَهُ ، أَمَرَهُ بِطَلَاقِهَا ، وَقَوْلُهُ فِي حَدِيثِهِ الْآخَرِ : \" وَالسُّنَّةُ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الطُّهْرَ ، فَيُطَلِّقَ لِكُلِّ قُرْءٍ \" .\rوَرَوَى النَّسَائِيّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ، قَالَ : طَلَاقُ السُّنَّةِ أَنْ يُطَلِّقَهَا تَطْلِيقَةً ، وَهِيَ طَاهِرٌ ، فِي غَيْرِ جِمَاعٍ ، فَإِذَا حَاضَتْ وَطَهُرَتْ ، طَلَّقَهَا أُخْرَى ، فَإِذَا حَاضَتْ وَطَهُرَتْ طَلَّقَهَا أُخْرَى ، ثُمَّ تَعْتَدُّ بَعْدَ ذَلِكَ بِحَيْضَةِ .\rوَلَنَا ، مَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : لَا يُطَلِّقُ أَحَدٌ لِلسُّنَّةِ فَيَنْدَمُ .\rرَوَاهُ الْأَثْرَمُ .\rوَهَذَا إنَّمَا يَحْصُلُ فِي حَقِّ مَنْ لَمْ يُطَلِّقْ ثَلَاثًا .\rوَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ : أَنَّ عَلِيًّا كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ قَالَ : لَوْ أَنَّ النَّاسَ أَخَذُوا بِمَا أَمَرَ اللَّهُ مِنْ الطَّلَاقِ ، مَا يُتْبِعُ رَجُلٌ نَفْسَهُ امْرَأَةً أَبَدًا ، يُطَلِّقُهَا تَطْلِيقَةً ، ثُمَّ يَدَعُهَا مَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ أَنْ تَحِيضَ ثَلَاثَةً ، فَمَتَى شَاءَ رَاجَعَهَا .\rرَوَاهُ النَّجَّادُ بِإِسْنَادِهِ .\rوَرَوَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ : طَلَاقُ السُّنَّةِ أَنْ يُطَلِّقَهَا وَهِيَ طَاهِرٌ ، ثُمَّ يَدَعَهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا ، أَوْ يُرَاجِعَهَا إنْ شَاءَ .\rفَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ الْأَوَّلُ ، فَلَا حُجَّةَ فِيهِ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ جَمْعُ الثَّلَاثِ ، وَأَمَّا حَدِيثُهُ الْآخِرُ ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بَعْد ارْتِجَاعِهَا ، وَمَتَى ارْتَجَعَ بَعْدَ الطَّلْقَةِ ثُمَّ طَلَّقَهَا ، كَانَ لِلسُّنَّةِ عَلَى كُلِّ حَالٍ ، حَتَّى قَدْ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَوْ أَمْسَكَهَا بِيَدِهِ لَشَهْوَةٍ ، ثُمَّ وَالَى بَيْنَ الثَّلَاثِ ، كَانَ مُصِيبًا لِلسُّنَّةِ ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ مُرْتَجَعًا لَهَا .\rوَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّهُ إذَا ارْتَجَعَهَا ، سَقَطَ حُكْمُ الطَّلْقَةِ الْأُولَى ، فَصَارَتْ كَأَنَّهَا لَمْ تُوجَدْ ، وَلَا غِنَى بِهِ عَنْ الطَّلْقَةِ الْأُخْرَى إذَا احْتَاجَ","part":16,"page":196},{"id":7696,"text":"إلَى فِرَاقِ امْرَأَتِهِ ، بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَرْتَجِعْهَا ؛ فَإِنَّهُ مُسْتَغْنٍ عَنْهَا ، لِإِفْضَائِهَا إلَى مَقْصُودِهِ مِنْ إبَانَتِهَا ، فَافْتَرَقَا ، وَلِأَنَّ مَا ذَكَرُوهُ إرْدَافُ طَلَاقٍ مِنْ غَيْرِ ارْتِجَاعٍ ، فَلَمْ يَكُنْ لِلسُّنَّةِ ، كَجَمْعِ الثَّلَاثِ فِي طُهْرٍ وَاحِدٍ ، وَتَحْرِيمُ الْمَرْأَةِ لَا يَزُولُ إلَّا بِزَوْجٍ وَإِصَابَةٍ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ ، فَلَمْ يَكُنْ لِلسُّنَّةِ ، كَجَمْعِ الثَّلَاثِ .","part":16,"page":197},{"id":7697,"text":"( 5816 ) فَصْلٌ : فَإِنْ طَلَّقَ لِلْبِدْعَةِ ، وَهُوَ أَنْ يُطَلِّقَهَا حَائِضًا ، أَوْ فِي طُهْرٍ أَصَابَهَا فِيهِ ، أَثِمَ ، وَوَقَعَ طَلَاقُهُ .\rفِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ ، وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : لَمْ يُخَالِفْ فِي ذَلِكَ إلَّا أَهْلُ الْبِدَعِ وَالضَّلَالِ .\rوَحَكَاهُ أَبُو نَصْرٍ عَنْ ابْنِ عُلَيَّةَ ، وَهِشَامِ بْنِ الْحَكَمِ ، وَالشِّيعَةُ قَالُوا : لَا يَقَعُ طَلَاقُهُ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِهِ فِي قُبُلِ الْعِدَّةِ ، فَإِذَا طَلَّقَ فِي غَيْرِهِ لَمْ يَقَعَ ، كَالْوَكِيلِ إذَا أَوْقَعَهُ فِي زَمَنٍ أَمَرَهُ مُوَكِّلُهُ بِإِيقَاعِهِ فِي غَيْرِهِ .\rوَلَنَا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ ، أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ ، فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُرَاجِعَهَا .\rوَفِي رِوَايَةِ الدَّارَقُطْنِيّ قَالَ { : فَقُلْت : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَفَرَأَيْت لَوْ أَنِّي طَلَّقْتهَا ثَلَاثًا ، أَكَانَ يَحِلُّ لِي أَنْ أُرَاجِعَهَا ؟ قَالَ : لَا ، كَانَتْ تَبِينُ مِنْك ، وَتَكُونُ مَعْصِيَةً .\r} وَقَالَ نَافِعٌ : وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ طَلَّقَهَا تَطْلِيقَةً ، فَحُسِبَتْ مِنْ طَلَاقِهِ ، وَرَاجَعَهَا كَمَا أَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rوَمِنْ رِوَايَةِ يُونُسَ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ : قُلْت لِابْنِ عُمَرَ : أَفَتُعْتَدُّ عَلَيْهِ ، أَوْ تُحْتَسَبُ عَلَيْهِ ؟ قَالَ : نَعَمْ أَرَأَيْت إنْ عَجَزَ وَاسْتَحْمَقَ ، وَكُلُّهَا أَحَادِيثُ صِحَاحٌ .\rلِأَنَّهُ طَلَاقٌ مِنْ مُكَلَّفٍ فِي مَحَلِّ الطَّلَاقِ ، فَوَقَعَ ، كَطَلَاقِ الْحَامِلِ ، وَلِأَنَّهُ لَيْسَ بِقُرْبِهِ ، فَيَعْتَبِرُ لِوُقُوعِهِ مُوَافَقَةَ السُّنَّةِ ، بَلْ هُوَ إزَالَةُ عِصْمَةٍ ، وَقَطْعُ مِلْكٍ ، فَإِيقَاعُهُ فِي زَمَنِ الْبِدْعَةِ أَوْلَى ، تَغْلِيظًا عَلَيْهِ ، وَعُقُوبَةً لَهُ ، أَمَّا غَيْرُ الزَّوْجِ ، فَلَا يَمْلِكُ الطَّلَاقَ ، وَالزَّوْجُ يَمْلِكُهُ بِمِلْكِهِ مَحَلَّهُ .","part":16,"page":198},{"id":7698,"text":"( 5817 ) فَصْلٌ : وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُرَاجِعَهَا ، لَأَمْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمُرَاجَعَتِهَا ، وَأَقَلُّ أَحْوَالِ الْأَمْرِ الِاسْتِحْبَابُ ، وَلِأَنَّهُ بِالرَّجْعَةِ يُزِيلُ الْمَعْنَى الَّذِي حَرَّمَ الطَّلَاقَ .\rوَلَا يَجِبُ ذَلِكَ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ .\rوَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَابْنِ أَبِي لَيْلَى ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ .\rوَحَكَى ابْنُ أَبِي مُوسَى ، عَنْ أَحْمَدَ ، رِوَايَةً أُخْرَى ، أَنَّ الرَّجْعَةَ تَجِبُ .\rوَاخْتَارَهَا .\rوَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَدَاوُد ؛ لِظَاهِرِ الْأَمْرِ فِي الْوُجُوبِ ، وَلِأَنَّ الرَّجْعَةَ تَجْرِي مَجْرَى اسْتِبْقَاءِ النِّكَاحِ ، وَاسْتِبْقَاؤُهُ هَاهُنَا وَاجِبٌ ؛ بِدَلِيلِ تَحْرِيمِ الطَّلَاقِ ، وَلِأَنَّ الرَّجْعَةَ إمْسَاكٌ لِلزَّوْجَةِ ، بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى { : فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ } فَوَجَبَ ذَلِكَ كَإِمْسَاكِهَا قَبْلَ الطَّلَاقِ .\rوَقَالَ مَالِكٌ ، وَدَاوُد : يُجْبَرُ عَلَى رَجْعَتِهَا .\rقَالَ أَصْحَابُ مَالِكٍ : يُجْبَرُ عَلَى رَجْعَتِهَا مَا دَامَتْ فِي الْعِدَّةِ .\rإلَّا أَشْهَبَ ، قَالَ : مَا لَمْ تَطْهُرْ ، ثُمَّ تَحِيضُ ، ثُمَّ تَطْهُرُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ إمْسَاكُهَا فِي تِلْكَ الْحَالِ ، فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ رَجْعَتُهَا فِيهِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ طَلَاقٌ لَا يَرْتَفِعُ بِالرَّجْعَةِ ، فَلَمْ تَجِبُ عَلَيْهِ الرَّجْعَةُ فِيهِ ، كَالطَّلَاقِ فِي طُهْرٍ مَسَّهَا فِيهِ ، فَإِنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الرَّجْعَةَ لَا تَجِبُ .\rحَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ جَمِيعِ الْعُلَمَاءِ .\rوَمَا ذَكَرُوهُ مِنْ الْمَعْنَى يَنْتَقِضُ بِهَذِهِ الصُّورَةِ .\rوَأَمَّا الْأَمْرُ بِالرَّجْعَةِ فَمَحْمُولٌ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا .\r( 5818 ) فَصْلٌ : فَإِنْ رَاجَعَهَا ، وَجَبَ إمْسَاكُهَا حَتَّى تَطْهُرَ ، وَاسْتُحِبَّ إمْسَاكُهَا حَتَّى تَحِيضَ حَيْضَةً أُخْرَى ثُمَّ تَطْهُرَ ، عَلَى مَا أَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيث ابْنِ عُمَرَ الَّذِي رَوَيْنَاهُ .\rقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : ذَلِكَ مِنْ وُجُوهٍ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ ؛ مِنْهَا ، أَنَّ الرَّجْعَةَ لَا تَكَادُ","part":16,"page":199},{"id":7699,"text":"تُعْلَمُ صِحَّتُهَا ؛ إلَّا بِالْوَطْءِ ؛ لِأَنَّهُ الْمَبْغِيُّ مِنْ النِّكَاحِ ، وَلَا يَحْصُلُ الْوَطْءُ إلَّا فِي الطُّهْرِ ، فَإِذَا وَطِئَهَا حَرُمَ طَلَاقُهَا فِيهِ حَتَّى تَحِيضَ ثُمَّ تَطْهُرَ ، وَاعْتَبَرْنَا مَظِنَّةَ الْوَطْءِ وَمَحَلَّهُ لَا حَقِيقَتَهُ ، وَمِنْهَا أَنَّ الطَّلَاقَ كُرِهَ فِي الْحَيْضِ لِتَطْوِيلِ الْعِدَّةِ ، فَلَوْ طَلَّقَهَا عَقِيبَ الرَّجْعَةِ مِنْ غَيْرِ وَطْءٍ ، كَانَتْ فِي مَعْنَى الْمُطَلَّقَةِ قَبْلَ الدُّخُولِ ، وَكَانَتْ تَبْنِي عَلَى عِدَّتِهَا ، فَأَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَطْعَ حُكْمِ الطَّلَاقِ بِالْوَطْءِ ، وَاعْتُبِرَ الطُّهْرُ الَّذِي هُوَ مَوْضِعُ الْوَطْءِ ، فَإِذَا وَطِئَ حَرُمَ طَلَاقُهَا حَتَّى تَحِيضَ ثُمَّ تَطْهُرَ ، وَقَدْ جَاءَ فِي حَدِيثٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { : مُرْهُ أَنْ يُرَاجِعَهَا ، فَإِذَا طَهُرَتْ مَسَّهَا ، حَتَّى إذَا طَهُرَتْ أُخْرَى ، فَإِنْ شَاءَ طَلَّقَهَا ، وَإِنْ شَاءَ أَمْسَكَهَا } .\rرَوَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ .\rوَمِنْهَا ، أَنَّهُ عُوقِبَ عَلَى إيقَاعِهِ فِي الْوَقْتِ الْمُحَرَّمِ بِمَنْعِهِ مِنْهُ فِي الْوَقْتِ الَّذِي يُبَاحُ لَهُ .\rوَذَكَرَ غَيْرَ هَذَا .\rفَإِنْ طَلَّقَهَا فِي الطُّهْرِ الَّذِي يَلِي الْحَيْضَةَ قَبْلَ أَنْ يَمَسَّهَا ، فَهُوَ طَلَاقُ سُنَّةٍ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ مَالِكٍ : لَا يُطَلِّقُهَا حَتَّى تَطْهُرَ ، ثُمَّ تَحِيضَ ، ثُمَّ تَطْهُرَ ، عَلَى مَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ .\rوَلَنَا ، قَوْله تَعَالَى { : فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ .\r} وَهَذَا مُطَلِّقٌ لِلْعِدَّةِ ، فَيَدْخُلُ فِي الْأَمْرِ .\rوَقَدْ رَوَى يُونُسُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَابْنُ سِيرِينَ ، وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ ، وَأَبُو الزُّبَيْرِ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ { ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَهُ أَنْ يُرَاجِعَهَا حَتَّى تَطْهُرَ ، ثُمَّ إنْ شَاءَ طَلَّقَ ، وَإِنْ شَاءَ أَمْسَكَ .\rوَلَمْ يَذْكُرُوا تِلْكَ الزِّيَادَةَ } .\rوَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَلِأَنَّهُ طُهْرٌ لَمْ يَمَسَّهَا فِيهِ ، فَأَشْبَهَ الثَّانِيَ ، وَحَدِيثُهُمْ مَحْمُولٌ عَلَى","part":16,"page":200},{"id":7700,"text":"الِاسْتِحْبَابِ .","part":16,"page":201},{"id":7701,"text":"( 5819 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَلَوْ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا فِي طُهْرٍ لَمْ يُصِبْهَا فِيهِ ، كَانَ أَيْضًا لِلسُّنَّةِ ، وَكَانَ تَارِكًا لِلِاخْتِيَارِ ) اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ فِي جَمْعِ الثَّلَاثِ ؛ فَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ غَيْرُ مُحَرَّمٍ .\rاخْتَارَهُ الْخِرَقِيِّ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَدَاوُد ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ، وَالشَّعْبِيِّ { ؛ لِأَنَّ عُوَيْمِرَ الْعَجْلَانِيَّ لَمَّا لَاعَنَ امْرَأَتَهُ ، قَالَ : كَذَبْت عَلَيْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ إنْ أَمْسَكْتهَا .\rفَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا قَبْلَ أَنْ يَأْمُرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَلَمْ يُنْقَلْ إنْكَارُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rوَعَنْ عَائِشَةَ { أَنَّ امْرَأَةَ رِفَاعَةَ جَاءَتْ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنَّ رِفَاعَةَ طَلَّقَنِي ، فَبِتَّ طَلَاقِي } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَفِي حَدِيثِ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ ، أَنَّ زَوْجَهَا أَرْسَلَ إلَيْهَا بِثَلَاثِ تَطْلِيقَات .\rوَلِأَنَّهُ طَلَاقٌ جَازَ تَفْرِيقُهُ ، فَجَازَ جَمْعُهُ ، كَطَلَاقِ النِّسَاءِ .\rوَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ ، أَنَّ جَمْعَ الثَّلَاثِ طَلَاقُ بِدْعَةٍ ، مُحَرَّمٌ .\rاخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ ، وَأَبُو حَفْصٍ .\rرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ ، وَعَلِيٍّ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَابْنِ عُمَرَ .\rوَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ، .\rقَالَ عَلِيٌّ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : لَا يُطَلِّقُ أَحَدٌ لِلسُّنَّةِ فَيَنْدَمُ .\rوَفِي رِوَايَةٍ قَالَ : يُطَلِّقُهَا وَاحِدَةً ، ثُمَّ يَدَعُهَا مَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ أَنْ تَحِيضَ ثَلَاثَ حَيْض ، فَمَتَى شَاءَ رَاجَعَهَا ، .\rوَعَنْ ، عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ إذَا أُتِيَ بِرَجُلٍ طَلَّقَ ثَلَاثًا ، أَوْجَعَهُ ضَرْبًا .\rوَعَنْ مَالِكِ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ إلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَقَالَ : إنَّ عَمِّي طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا .\rفَقَالَ : إنَّ عَمَّك عَصَى اللَّهَ ، وَأَطَاعَ الشَّيْطَانَ ، فَلَمْ يَجْعَلْ اللَّهُ لَهُ","part":16,"page":202},{"id":7702,"text":"مَخْرَجًا ، وَوَجْهُ ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى { : يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ } إلَى قَوْلِهِ { : لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا } .\rثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ { : وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا } { .\rوَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا } .\rوَمَنْ جَمَعَ الثَّلَاثَ لَمْ يَبْقَ لَهُ أَمْرٌ يَحْدُثُ ، وَلَا يَجْعَلُ اللَّهُ لَهُ مَخْرَجًا وَلَا مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا .\rوَرَوَى النَّسَائِيّ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ قَالَ { : أُخْبِرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ رَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثَ تَطْلِيقَاتٍ جَمِيعًا ، فَغَضِبَ ، ثُمَّ قَالَ : أَيُلْعَبُ بِكِتَابِ اللَّهِ وَأَنَا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ ؟ .\rحَتَّى قَامَ رَجُلٌ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَلَا أَقْتُلُهُ } وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : { قُلْت : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَرَأَيْت لَوْ طَلَّقْتهَا ثَلَاثًا ؟ قَالَ : إذَا عَصَيْت رَبَّك ، وَبَانَتْ مِنْك امْرَأَتُك } .\rوَرَوَى الدَّارَقُطْنِيّ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَلِيٍّ ، قَالَ { : سَمِعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ أَلْبَتَّةَ ، فَغَضِبَ ، وَقَالَ : تَتَّخِذُونَ آيَاتِ اللَّهِ هُزْوًا ، أَوْ لَعِبًا ؟ مَنْ طَلَّقَ أَلْبَتَّةَ أَلْزَمْنَاهُ ثَلَاثًا ، لَا تَحِلُّ لَهُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ } .\rوَلِأَنَّهُ تَحْرِيمٌ لِلْبُضْعِ بِقَوْلِ الزَّوْجِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ ، فَحُرِّمَ كَالظِّهَارِ ، بَلْ هَذَا أَوْلَى ؛ لِأَنَّ الظِّهَارَ يَرْتَفِعُ تَحْرِيمُهُ بِالتَّكْفِيرِ ، وَهَذَا لَا سَبِيلَ لِلزَّوْجِ إلَى رَفْعِهِ بِحَالٍ ، وَلِأَنَّهُ ضَرَرٌ وَإِضْرَارٌ بِنَفْسِهِ وَبِامْرَأَتِهِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ ، فَيَدْخُلُ فِي عُمُومِ النَّهْيِ ، وَرُبَّمَا كَانَ وَسِيلَةً إلَى عَوْدِهِ إلَيْهَا حَرَامًا ، أَوْ بِحِيلَةٍ لَا تُزِيلُ التَّحْرِيمَ ، وَوُقُوعِ النَّدَمِ ، وَخَسَارَةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ، فَكَانَ أَوْلَى بِالتَّحْرِيمِ مِنْ الطَّلَاقِ فِي الْحَيْضِ ، الَّذِي ضَرَرُهُ بَقَاؤُهَا فِي الْعِدَّةِ أَيَّامًا يَسِيرَةً ،","part":16,"page":203},{"id":7703,"text":"أَوْ الطَّلَاقِ فِي طُهْرٍ مَسَّهَا فِيهِ ، الَّذِي ضَرَرُهُ احْتِمَالُ النَّدَمِ بِظُهُورِ الْحَمْلِ ؛ فَإِنَّ ضَرَرَ جَمْعِ الثَّلَاثِ يَتَضَاعَفُ عَلَى ذَلِكَ أَضْعَافًا كَثِيرَةً ، فَالتَّحَرِّي ثَمَّ تَنْبِيهٌ عَلَى التَّحْرِيمِ هَاهُنَا ، وَلِأَنَّهُ قَوْلُ مَنْ سَمَّيْنَا مِنْ الصَّحَابَةِ ، رَوَاهُ الْأَثْرَمُ وَغَيْرُهُ ، وَلَمْ يَصِحَّ عِنْدَنَا فِي عَصْرِهِمْ خِلَافُ قَوْلِهِمْ ، فَيَكُونُ ذَلِكَ إجْمَاعًا .\rوَأَمَّا حَدِيثُ الْمُتَلَاعِنَيْنِ فَغَيْرُ لَازِمٍ ؛ لِأَنَّ الْفُرْقَةَ لَمْ تَقَعْ بِالطَّلَاقِ ، فَإِنَّهَا وَقَعَتْ بِمُجَرَّدِ لِعَانِهِمَا .\rوَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ بِمُجَرَّدِ لِعَانِ الزَّوْجِ ، فَلَا حُجَّةَ فِيهِ .\rثُمَّ إنَّ اللِّعَانَ يُوجِبُ تَحْرِيمًا مُؤَبَّدًا ، فَالطَّلَاقُ بَعْدَهُ كَالطَّلَاقِ بَعْدَ انْفِسَاخِ النِّكَاحِ بِالرَّضَاعِ أَوْ غَيْرِهِ ، وَلِأَنَّ جَمْعَ الثَّلَاثِ إنَّمَا حَرُمَ لِمَا يَعْقُبُهُ مِنْ النَّدَمِ ، وَيَحْصُلُ بِهِ مِنْ الضَّرَرِ ، وَيَفُوتُ عَلَيْهِ مِنْ حِلِّ نِكَاحِهَا ، وَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ بِالطَّلَاقِ بَعْدَ اللِّعَانِ ، لِحُصُولِهِ بِاللِّعَانِ ، وَسَائِرُ الْأَحَادِيثِ لَمْ يَقَعْ فِيهَا جَمْعُ الثَّلَاثِ بَيْنَ يَدَيْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَكُونُ مُقِرًّا عَلَيْهِ ، وَلَا حَضَرَ الْمُطَلِّقُ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ أَخْبَرَ بِذَلِكَ لِيُنْكِرَ عَلَيْهِ .\rعَلَى أَنَّ حَدِيثَ فَاطِمَةَ ، قَدْ جَاءَ فِيهِ أَنَّهُ أَرْسَلَ إلَيْهَا بِتَطْلِيقَةٍ كَانَتْ بَقِيَتْ لَهَا مِنْ طَلَاقِهَا ، وَحَدِيثُ امْرَأَةِ رُفَاعَةَ جَاءَ فِيهِ أَنَّهُ طَلَّقَهَا آخِرَ ثَلَاثِ تَطْلِيقَاتٍ ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ، فَلَمْ يَكُنْ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ جَمْعُ الثَّلَاثِ ، وَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْجَمِيعِ فِي أَنَّ الِاخْتِيَارَ وَالْأَوْلَى أَنْ يُطَلِّقَ وَاحِدَةً ، ثُمَّ يَدَعَهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا ، إلَّا مَا حَكَيْنَا مِنْ قَوْلِ مَنْ قَالَ : إنَّهُ يُطَلِّقُهَا فِي كُلِّ قُرْءٍ طَلْقَةً .\rوَالْأَوَّلُ أَوْلَى ؛ فَإِنَّ فِي ذَلِكَ امْتِثَالًا لِأَمْرِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَمُوَافَقَةً لِقَوْلِ السَّلَفِ .\rوَأَمْنًا مِنْ النَّدَمِ ، فَإِنَّهُ","part":16,"page":204},{"id":7704,"text":"مَتَى نَدِمَ رَاجَعَهَا ، فَإِنْ فَاتَهُ ذَلِكَ بِانْقِضَاءِ عِدَّتِهَا ، فَلَهُ نِكَاحُهَا .\rقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ : إنَّ عَلِيًّا كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ قَالَ : لَوْ أَنَّ النَّاسَ أَخَذُوا بِمَا أَمَرَ اللَّهُ مِنْ الطَّلَاقِ ، مَا يُتْبِعُ رَجُلٌ نَفْسَهُ امْرَأَةً أَبَدًا ، يُطَلِّقُهَا تَطْلِيقَةً ثُمَّ يَدَعُهَا ، مَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ أَنْ تَحِيضَ ثَلَاثًا ، فَمَتَى شَاءَ رَاجَعَهَا .\rرَوَاهُ النَّجَّادُ بِإِسْنَادِهِ .\rوَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : مَنْ أَرَادَ أَنْ يُطَلِّقَ الطَّلَاقَ الَّذِي هُوَ الطَّلَاقُ ، فَلْيُمْهِلْ ، حَتَّى إذَا حَاضَتْ ثُمَّ طَهُرَتْ ، طَلَّقَهَا تَطْلِيقَةً فِي غَيْرِ جِمَاعٍ ، ثُمَّ يَدَعُهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا ، وَلَا يُطَلِّقْهَا ثَلَاثًا وَهِيَ حَامِلٌ ، فَيَجْمَعُ اللَّهُ عَلَيْهِ نَفَقَتَهَا وَأَجْرَ رَضَاعِهَا ، وَيَنْدَمُهُ اللَّهُ ، فَلَا يَسْتَطِيعُ إلَيْهَا سَبِيلًا .","part":16,"page":205},{"id":7705,"text":"( 5820 ) فَصْلٌ : وَإِنْ طَلَّقَ ثَلَاثًا بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ ، وَقَعَ الثَّلَاثُ ، وَحَرُمَتْ عَلَيْهِ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ قَبْلِ الدُّخُولِ وَبَعْدَهُ .\rرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ، وَابْنِ عُمَرَ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، وَابْنِ مَسْعُودٍ ، وَأَنَسٍ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ التَّابِعِينَ وَالْأَئِمَّةِ بَعْدَهُمْ .\rوَكَانَ عَطَاءٌ ، وَطَاوُسٌ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَأَبُو الشَّعْثَاءِ ، وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ ، يَقُولُونَ : مَنْ طَلَّقَ الْبِكْرَ ثَلَاثَةً فَهِيَ وَاحِدَةٌ .\rوَرَوَى طَاوُسٌ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ { : كَانَ الطَّلَاقُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبِي بَكْرٍ وَسَنَتَيْنِ مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ ، طَلَاقُ الثَّلَاثِ وَاحِدَةً } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَمَالِكُ بْنُ الْحَارِثِ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، خِلَافَ رِوَايَةِ طَاوُسٍ ، أَخْرَجَهُ أَيْضًا أَبُو دَاوُد .\rوَأَفْتَى ابْنُ عَبَّاسٍ بِخِلَافِ مَا رَوَاهُ عَنْهُ طَاوُسٌ .\rوَقَدْ ذَكَرْنَا حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ : أَرَأَيْت لَوْ طَلَّقْتهَا ثَلَاثًا .\rوَرَوَى الدَّارَقُطْنِيّ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ، قَالَ : { طَلَّقَ بَعْضُ آبَائِي امْرَأَتَهُ أَلْفًا ، فَانْطَلَقَ بَنُوهُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنَّ أَبَانَا طَلَّقَ أُمَّنَا أَلْفًا ، فَهَلْ لَهُ مَخْرَجٌ ؟ فَقَالَ : إنَّ أَبَاكُمْ لَمْ يَتَّقِ اللَّهَ فَيَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ مَخْرَجًا ، بَانَتْ مِنْهُ بِثَلَاثٍ عَلَى غَيْرِ السُّنَّةِ ، وَتِسْعُمِائَةٍ وَسَبْعَةٌ وَتِسْعُونَ إثْمًا فِي عُنُقِهِ } .\rوَلِأَنَّ النِّكَاحَ مِلْكٌ يَصِحُّ إزَالَتُهُ مُتَفَرِّقًا ، فَصَحَّ مُجْتَمِعًا ، كَسَائِرِ الْأَمْلَاكِ .\rفَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ ، فَقَدْ صَحَّتْ الرِّوَايَةُ عَنْهُ بِخِلَافِهِ ، وَأَفْتَى أَيْضًا بِخِلَافِهِ .\rقَالَ الْأَثْرَمُ : سَأَلْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، بِأَيِّ شَيْءٍ تَدْفَعُهُ ؟ فَقَالَ :","part":16,"page":206},{"id":7706,"text":"أَدْفَعُهُ بِرِوَايَةِ النَّاسِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ وُجُوهٍ خِلَافَهُ .\rثُمَّ ذَكَرَ عَنْ عِدَّةٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ وُجُوهٍ ، أَنَّهَا ثَلَاثٌ .\rوَقِيلَ : مَعْنَى حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّ النَّاسَ كَانُوا يُطَلِّقُونَ وَاحِدَةً عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبِي بَكْرٍ ، وَإِلَّا فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُخَالِفَ عُمَرُ مَا كَانَ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبِي بَكْرٍ ، وَلَا يَسُوغُ لِابْنِ عَبَّاسٍ أَنْ يَرْوِيَ هَذَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيُفْتِيَ بِخِلَافِهِ .","part":16,"page":207},{"id":7707,"text":"فَصْلٌ : وَإِنْ طَلَّقَ اثْنَتَيْنِ فِي طُهْرٍ ، ثُمَّ تَرَكَهَا حَتَّى انْقَضَتْ عِدَّتُهَا ، فَهُوَ لِلسُّنَّةِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُحَرِّمْهَا عَلَى نَفْسِهِ ، وَلَمْ يَسُدَّ عَلَى نَفْسِهِ الْمَخْرَجَ مِنْ النَّدَمِ ، وَلَكِنَّهُ تَرَكَ الِاخْتِيَارَ ؛ لِأَنَّهُ فَوَّتَ عَلَى نَفْسِهِ طَلْقَةً جَعَلَهَا اللَّهُ لَهُ مِنْ غَيْرِ فَائِدَةٍ تَحْصُلُ بِهَا ، فَكَانَ مَكْرُوهًا ، كَتَضْيِيعِ الْمَالِ .","part":16,"page":208},{"id":7708,"text":"( 5822 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِذَا قَالَ لَهَا : أَنْتِ طَالِقٌ لِلسُّنَّةِ .\rوَكَانَتْ حَامِلًا أَوْ طَاهِرًا لَمْ يُجَامِعْهَا فِيهِ ، فَقَدْ وَقَعَ الطَّلَاقُ ، وَإِنْ كَانَتْ حَائِضًا ، لَزِمَهَا الطَّلَاقُ إذَا طَهُرَتْ ، وَإِنْ كَانَتْ طَاهِرَة مُجَامَعَةً فِيهِ ، فَإِذَا طَهُرَتْ مِنْ الْحَيْضَةِ الْمُسْتَقْبَلَةِ ، لَزِمَهَا الطَّلَاقُ ) .\rوَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ : أَنْتِ طَالِقٌ لِلسُّنَّةِ .\rفَمَعْنَاهُ فِي وَقْتِ السُّنَّةِ ، فَإِنْ كَانَتْ طَاهِرًا غَيْرَ مُجَامَعَةٍ فِيهِ ، فَهُوَ وَقْتُ السُّنَّةِ عَلَى مَا أَسْلَفْنَاهُ ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَتْ حَامِلًا .\rقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : لَا خِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ الْحَمْلَ طَلَاقُهَا لِلسُّنَّةِ .\rوَقَالَ أَحْمَدُ : أَذْهَبُ إلَى حَدِيثِ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ : { ثُمَّ لِيُطَلِّقَهَا طَاهِرًا أَوْ حَامِلًا } .\rأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ .\rفَأَمَرَهُ بِالطَّلَاقِ فِي الطُّهْرِ أَوْ فِي الْحَمْلِ ، فَطَلَاقُ السُّنَّةِ مَا وَافَقَ الْأَمْرَ ، وَلِأَنَّ مُطَلِّقَ الْحَامِلِ الَّتِي اسْتَبَانَ حَمْلُهَا قَدْ دَخَلَ عَلَى بَصِيرَةٍ ، فَلَا يَخَافُ ظُهُورَ أَمْرٍ يَتَجَدَّدُ بِهِ النَّدَمُ ، وَلَيْسَتْ مُرْتَابَةً ؛ لِعَدَمِ اشْتِبَاهِ الْأَمْرِ عَلَيْهَا ، فَإِذَا قَالَ لَهَا : أَنْتِ طَالِقٌ لِلسُّنَّةِ .\rفِي هَاتَيْنِ الْحَالَتَيْنِ ، طَلُقَتْ ؛ لِأَنَّهُ وَصَفَ الطَّلْقَةَ بِصِفَتِهَا ، فَوَقَعَتْ فِي الْحَالِ .\rوَإِنْ قَالَ ذَلِكَ لَحَائِضٍ ، لَمْ تَقَعْ فِي الْحَالِ ؛ لِأَنَّ طَلَاقَهَا طَلَاقُ بِدْعَةٍ .\rلَكِنْ إذَا طَهُرَتْ طَلُقَتْ ؛ لِأَنَّ الصِّفَةَ وُجِدَتْ حِينَئِذٍ ، فَصَارَ كَأَنَّهُ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ فِي النَّهَارِ .\rفَإِنْ كَانَتْ فِي النَّهَارِ طَلُقَتْ ، وَإِنْ كَانَتْ فِي اللَّيْلِ طَلُقَتْ إذَا جَاءَ النَّهَارُ .\rوَإِنْ كَانَتْ فِي طُهْرٍ جَامَعَهَا فِيهِ ، لَمْ يَقَعْ حَتَّى تَحِيضَ ثُمَّ تَطْهُرَ ؛ لِأَنَّ الطُّهْرَ الَّذِي جَامَعَهَا فِيهِ وَالْحَيْضَ بَعْدَهُ زَمَانُ بِدْعَةٍ ، فَإِذَا طَهُرَتْ مِنْ الْحَيْضَةِ الْمُسْتَقْبَلَةِ ، طَلُقَتْ حِينَئِذٍ ، لِأَنَّ الصِّفَةَ وُجِدَتْ .\rوَهَذَا كُلُّهُ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي","part":16,"page":209},{"id":7709,"text":"حَنِيفَةَ ، وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا .\rفَإِنْ أَوْلَجَ فِي آخِرِ الْحَيْضَةِ ، وَاتَّصَلَ بِأَوَّلِ الطُّهْرِ ، أَوْ أَوْلَجَ مَعَ أَوَّلِ الطُّهْرِ ، لَمْ يَقَعْ الطَّلَاقُ فِي ذَلِكَ الطُّهْرِ ، لَكِنْ مَتَى جَاءَ طُهْرٌ لَمْ يُجَامِعْهَا فِيهِ ، طَلُقَتْ فِي أَوَّلِهِ .\rوَهَذَا كُلُّهُ .\rمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ، وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا .\r( 5823 ) فَصْلٌ : إذَا انْقَطَعَ الدَّمُ مِنْ الْحَيْضِ فَقَدْ دَخَلَ زَمَانُ السُّنَّةِ ، وَيَقَعُ عَلَيْهَا طَلَاقُ السُّنَّةِ وَإِنْ لَمْ تَغْتَسِلْ .\rكَذَلِكَ قَالَ أَحْمَدُ .\rوَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ .\rوَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إنْ طَهُرَتْ لِأَكْثَرِ الْحَيْضِ مِثْلَ ذَلِكَ ، وَإِنْ انْقَطَعَ الدَّمُ لِدُونِ أَكْثَرِهِ ، لَمْ يَقَعْ حَتَّى تَغْتَسِلَ ، أَوْ تَتَيَمَّمَ عِنْدَ عَدَمِ الْمَاءِ وَتُصَلِّيَ ، أَوْ يَخْرُجَ عَنْهَا وَقْتُ صَلَاةٍ ؛ لِأَنَّهُ مَتَى لَمْ يُوجَدْ ، فَمَا حَكَمْنَا بِانْقِطَاعِ حَيْضِهَا .\rوَلَنَا ، أَنَّهَا طَاهِرٌ .\rفَوَقَعَ بِهَا طَلَاقُ السُّنَّةِ ، كَاَلَّتِي طَهُرَتْ لِأَكْثَرِ الْحَيْضِ ؛ وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهَا طَاهِرٌ ، أَنَّهَا تُؤْمَرُ بِالْغُسْلِ ، وَيَلْزَمُهَا ذَلِكَ ، وَيَصِحُّ مِنْهَا ، وَتُؤْمَرُ بِالصَّلَاةِ ، وَتَصِحُّ صَلَاتُهَا ، وَلِأَنَّ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ : { فَإِذَا طَهُرَتْ ، طَلَّقَهَا إنْ شَاءَ } .\rوَمَا قَالَهُ غَيْرُ صَحِيحٍ ، فَإِنَّنَا لَوْ لَمْ نَحْكُمْ بِالطُّهْرِ ، لَمَا أَمَرْنَاهَا بِالْغُسْلِ ، وَلَا صَحَّ مِنْهَا .","part":16,"page":210},{"id":7710,"text":"( 5824 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَلَوْ قَالَ لَهَا : أَنْتِ طَالِقٌ لِلْبِدْعَةِ .\rوَهِيَ فِي طُهْرٍ لَمْ يُصِبْهَا فِيهِ ، لَمْ تَطْلُقْ حَتَّى يُصِيبَهَا أَوْ تَحِيضَ ) .\rهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ عَكْسُ تِلْكَ ؛ فَإِنَّهُ وَصَفَ الطَّلْقَةَ بِأَنَّهَا لِلْبِدْعَةِ ، إنْ قَالَ ذَلِكَ لَحَائِضٍ أَوْ طَاهِرٍ مُجَامَعَةٍ فِيهِ ، وَقَعَ الطَّلَاقُ فِي الْحَالِ ؛ لِأَنَّهُ وَصَفَ الطَّلْقَةَ بِصِفَتِهَا .\rوَإِنْ كَانَتْ فِي طُهْرٍ لَمْ يُصِبْهَا فِيهِ ، لَمْ يَقَعْ فِي الْحَالِ ، فَإِذَا حَاضَتْ طَلُقَتْ بِأَوَّلِ جُزْءٍ مِنْ الْحَيْضِ ، وَإِنْ أَصَابَهَا طَلُقَتْ بِالْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ ، فَإِنْ نَزَعَ مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهَا ، وَإِنْ أَوْلَجَ بَعْدَ النَّزْعِ ، فَقَدْ وَطِئَ مُطَلَّقَتَهُ ، وَيَأْتِي بَيَانُ حُكْمِ ذَلِكَ .\rوَإِنْ أَصَابَهَا ، وَاسْتَدَامَ ذَلِكَ ، فَسَنَذْكُرُهَا أَيْضًا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِيمَا بَعْدُ .","part":16,"page":211},{"id":7711,"text":"( 5825 ) فَصْلٌ : فَإِنْ قَالَ لَطَاهِرٍ : أَنْتِ طَالِقٌ لِلْبِدْعَةِ فِي الْحَالِ .\rفَقَدْ قِيلَ : إنَّ الصِّفَةَ تَلْغُو ، وَيَقَعُ الطَّلَاقُ ؛ لِأَنَّهُ وَصَفَهَا بِمَا لَا تَتَّصِفُ بِهِ ، فَلَغَتْ الصِّفَةُ دُونَ الطَّلَاقِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ تَطْلُقَ فِي الْحَالِ ثَلَاثًا ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ طَلَاقُ بِدْعَةٍ ، فَانْصَرَفَ الْوَصْفُ بِالْبِدْعَةِ إلَيْهِ ، لِتَعَذُّرِ صِفَةِ الْبِدْعَةِ مِنْ الْجِهَةِ الْأُخْرَى .\rوَإِنْ قَالَ لِحَائِضٍ : أَنْتِ طَالِقٌ لِلسُّنَّةِ فِي الْحَالِ ، لَغَتْ الصِّفَةُ ، وَوَقَعَ الطَّلَاقُ ؛ لِأَنَّهُ وَصَفَ الطَّلْقَةَ بِمَا لَا تَتَّصِفُ بِهِ .\rوَإِنْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا لِلسُّنَّةِ ، وَثَلَاثًا لِلْبِدْعَةِ .\rطَلُقَتْ ثَلَاثًا فِي الْحَالِ ، بِنَاءً عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ .","part":16,"page":212},{"id":7712,"text":"( 5826 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا لِلسُّنَّةِ .\rفَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّهَا تَطْلُقُ ثَلَاثًا إنْ كَانَتْ طَاهِرًا طُهْرًا غَيْرَ مُجَامَعَةٍ فِيهِ ، وَإِنْ كَانَتْ حَائِضًا ، طَلُقَتْ ثَلَاثًا إذَا طَهُرَتْ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ الْقَاضِي ، وَأَبُو الْخَطَّابِ : هَذَا عَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي قَالَ فِيهَا : إنَّ جَمْعَ الثَّلَاثِ يَكُونُ سُنَّةً ، فَأَمَّا عَلَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى ، فَإِذَا طَهُرَتْ طَلُقَتْ وَاحِدَةً ، وَتَطْلُقُ الثَّانِيَةَ وَالثَّالِثَةَ فِي نِكَاحَيْنِ آخَرَيْنِ ، أَوْ بَعْدَ رَجْعَتَيْنِ .\rوَقَدْ أَنْكَرَ أَحْمَدُ هَذَا ، فَقَالَ فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا : إذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ : أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا لِلسُّنَّةِ .\rقَدْ اخْتَلَفُوا فِيهِ ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ : يَقَعُ عَلَيْهَا السَّاعَةَ وَاحِدَةٌ ، فَلَوْ رَاجَعَهَا تَقَعُ عَلَيْهَا تَطْلِيقَةٌ أُخْرَى ، وَتَكُونُ عِنْدَهُ عَلَى أُخْرَى .\rوَمَا يُعْجِبُنِي قَوْلُهُمْ هَذَا .\rفَيَحْتَمِلُ أَنَّ أَحْمَدَ أَوْقَعَ الثَّلَاثَ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ عِنْدَهُ سُنَّةٌ ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَوْقَعَهَا لِوَصْفِهِ الثَّلَاثَ بِمَا لَا تَتَّصِفُ بِهِ فَأَلْغَى الصِّفَةَ ، وَأَوْقَعَ الطَّلَاقَ ، كَمَا لَوْ قَالَ لِحَائِضٍ : أَنْتِ طَالِقٌ فِي الْحَالِ لِلسُّنَّةِ .\rوَقَدْ قَالَ ، فِي رِوَايَةِ أَبِي الْحَارِثِ ، مَا يَدُلُّ عَلَى هَذَا ، قَالَ : يَقَعُ عَلَيْهَا الثَّلَاثُ ، وَلَا مَعْنَى لِقَوْلِهِ : لِلسُّنَّةِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَقَعُ فِي كُلِّ قُرْءٍ طَلْقَةٌ ، وَإِنْ كَانَتْ مِنْ ذَوَات الْأَشْهُرِ وَقَعَ فِي كُلِّ شَهْرٍ طَلْقَةٌ .\rوَبَنَاهُ عَلَى أَصْلِهِ فِي أَنَّ السُّنَّةَ تَفْرِيقُ الثَّلَاثِ عَلَى الْأَطْهَارِ ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ ذَلِكَ فِي حُكْمِ جَمْعِ الثَّلَاثِ .\rإنْ قَالَ : أَرَدْت بِقَوْلِي : لِلسُّنَّةِ إيقَاعَ وَاحِدَةٍ فِي الْحَالِ ، وَاثْنَتَيْنِ فِي نِكَاحَيْنِ آخَرَيْنِ .\rقُبِلَ مِنْهُ ، وَإِنْ قَالَ : أَرَدْت أَنْ يَقَعَ فِي كُلِّ قُرْءٍ طَلْقَةٌ .\rقُبِلَ أَيْضًا ؛ لِأَنَّهُ مَذْهَبُ طَائِفَةٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَقَدْ وَرَدَ بِهِ الْأَثَرُ ، فَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُرِيدَهُ .\rوَقَالَ","part":16,"page":213},{"id":7713,"text":"أَصْحَابُنَا : يَدِينُ .\rوَهَلْ يُقْبَلُ فِي الْحُكْمِ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ ؛ : أَحَدُهُمَا لَا يُقْبَلُ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِسُنَّةٍ .\rوَالثَّانِي ، يُقْبَلُ ؛ لِمَا قَدَّمْنَا .\rفَإِنْ كَانَتْ فِي زَمَنِ الْبِدْعَةِ ، فَقَالَ : سَبَقَ لِسَانِي إلَى قَوْلِ : لِلسُّنَّةِ ، وَلَمْ أُرِدْهُ ، وَإِنَّمَا أَرَدْت الْإِيقَاعَ فِي الْحَالِ .\rوَقَعَ فِي الْحَالِ ؛ لِأَنَّهُ مَالِكٌ لِإِيقَاعِهَا ، فَإِذَا اعْتَرَفَ بِمَا يُوقِعُهَا ، قُبِلَ مِنْهُ .","part":16,"page":214},{"id":7714,"text":"( 5827 ) فَصْلٌ : إذَا قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا بَعْضُهُنَّ لِلسُّنَّةِ ، وَبَعْضُهُنَّ لِلْبِدْعَةِ .\rطَلُقَتْ فِي الْحَالِ طَلْقَتَيْنِ وَتَأَخَّرْت الثَّالِثَةُ إلَى الْحَالِ الْأُخْرَى ؛ لِأَنَّهُ سَوَّى بَيْنَ الْحَالَيْنِ ، فَاقْتَضَى الظَّاهِرُ أَنْ يَكُونَا سَوَاءً فَيَقَعُ فِي الْحَالِ طَلْقَةٌ وَنِصْفٌ ثُمَّ يَكْمُلُ النِّصْفُ ؛ لِكَوْنِ الطَّلَاقِ لَا يَتَبَعَّضُ ، فَيَقَعُ طَلْقَتَانِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ تَقَعَ طَلْقَةٌ ، وَتَتَأَخَّرَ اثْنَتَانِ إلَى الْحَالِ الْأُخْرَى ؛ لِأَنَّ الْبَعْضَ يَقَعُ عَلَى مَا دُونَ الْكُلِّ ، وَيَتَنَاوَلُ الْقَلِيلَ مِنْ ذَلِكَ وَالْكَثِيرَ ، فَيَقَعُ أَقَلُّ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الِاسْمُ ؛ لِأَنَّهُ الْيَقِينُ ، وَمَا زَادَ لَا يَقَعُ بِالشَّكِّ ، فَيَتَأَخَّرُ إلَى الْحَالِ الْأُخْرَى .\rفَإِنْ قِيلَ : فَلِمَ لَا يَقَعُ مِنْ كُلِّ طَلْقَةٍ بَعْضُهَا ، ثُمَّ تَكْمُلُ ، فَيَقَعُ الثَّلَاثُ ؟ قُلْنَا : مَتَى أَمْكَنَتْ الْقِسْمَةُ مِنْ غَيْرِ تَكْسِيرٍ ، وَجَبَ الْقِسْمَةُ عَلَى الصِّحَّةِ .\rوَإِنْ قَالَ : نِصْفُهُنَّ لِلسُّنَّةِ ، وَنِصْفُهُنَّ لِلْبِدْعَةِ .\rوَقَعَ فِي الْحَالِ طَلْقَتَانِ ، وَتَأَخَّرَتْ الثَّالِثَةُ .\rوَإِنْ قَالَ : طَلْقَتَانِ لِلسُّنَّةِ ، وَوَاحِدَةٌ لِلْبِدْعَةِ ، أَوْ طَلْقَتَانِ لِلْبِدْعَةِ ، وَوَاحِدَةٌ لِلسُّنَّةِ .\rفَهُوَ عَلَى مَا قَالَ .\rوَإِنْ أَطْلَقَ ، ثُمَّ قَالَ : نَوَيْت ذَلِكَ .\rفَإِنْ فَسَّرَ نِيَّتَهُ بِمَا يُوقِعُ فِي الْحَالِ طَلْقَتَيْنِ ، قُبِلَ ؛ لِأَنَّهُ مُقْتَضَى الْإِطْلَاقِ ، وَلِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَّهَمٍ فِيهِ .\rوَإِنْ فَسَّرَهَا بِمَا يُوقِعُ طَلْقَةً وَاحِدَةً ، وَيُؤَخِّرُ اثْنَتَيْنِ ، دُيِّنَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى .\rوَهَلْ يُقْبَلُ فِي الْحُكْمِ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَظْهَرُهُمَا ، أَنَّهُ يُقْبَلُ ؛ لِأَنَّ الْبَعْضَ حَقِيقَةٌ فِي الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ ، فَمَا فَسَّرَ كَلَامَهُ بِهِ لَا يُخَالِفُ الْحَقِيقَةَ ، فَيَجِبُ أَنْ يُقْبَلَ .\rوَالثَّانِي ، لَا يُقْبَلُ ؛ لِأَنَّهُ فَسَّرَ كَلَامَهُ بِأَخَفِّ مِمَّا يَلْزَمُهُ حَالَةَ الْإِطْلَاق .\rوَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ عَلَى نَحْوِ هَذَا .\rفَإِنْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا ، بَعْضُهَا","part":16,"page":215},{"id":7715,"text":"لِلسُّنَّةِ .\rوَلَمْ يَذْكُرْ شَيْئًا آخَرَ ، احْتَمَلَ أَنْ تَكُونَ كَاَلَّتِي قَبْلَهَا ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ بَعْضُهَا لِلْبِدْعَةِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ صَرَّحَ بِهِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ لَا يَقَعُ فِي الْحَالِ إلَّا وَاحِدَةٌ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُسَوِّ بَيْنَ الْحَالَيْنِ ، وَالْبَعْضُ لَا يَقْتَضِي النِّصْفَ ، فَتَقَعُ الْوَاحِدَةُ ؛ لِأَنَّهَا الْيَقِينُ ، وَالزَّائِدُ لَا يَقَعُ بِالشَّكِّ .\rوَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ بَعْضُهَا لِلسُّنَّةِ وَبَاقِيهَا لِلْبِدْعَةِ ، أَوْ سَائِرُهَا لِلْبِدْعَةِ .","part":16,"page":216},{"id":7716,"text":"( 5828 ) فَصْلٌ : إذَا قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ إذَا قَدِمَ زَيْدٌ .\rفَقَدِمَ وَهِيَ حَائِضٌ ، طَلُقَتْ لِلْبِدْعَةِ ، وَلَمْ يَأْثَمْ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْهُ .\rوَإِنْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ إذَا قَدِمَ زَيْدٌ لِلسُّنَّةِ .\rفَقَدِمَ فِي زَمَانِ السُّنَّةِ ، طَلُقَتْ .\rوَإِنْ قَدِمَ فِي زَمَانِ الْبِدْعَةِ ، لَمْ يَقَعْ ، حَتَّى إذَا صَارَتْ إلَى زَمَانِ السُّنَّةِ وَقَعَ ، وَيَصِيرُ كَأَنَّهُ قَالَ حِينَ قَدِمَ زَيْدٌ : أَنْتِ طَالِقٌ لِلسُّنَّةِ ؛ لِأَنَّهُ أَوْقَعَ الطَّلَاقَ بِقُدُومِ زَيْدٍ عَلَى صِفَةٍ ، فَلَا يَقَعُ إلَّا عَلَيْهَا .\rوَإِنْ قَالَ لَهَا : أَنْتِ طَالِقٌ لِلسُّنَّةِ إذَا قَدِمَ زَيْدٌ .\rقَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا ، طَلُقَتْ عِنْدَ قُدُومِهِ ، حَائِضًا كَانَتْ أَوْ طَاهِرًا ؛ لِأَنَّهَا لَا سُنَّةَ لِطَلَاقِهَا وَلَا بِدْعَةَ .\rوَإِنْ قَدِمَ بَعْدَ دُخُولِهِ بِهَا ، وَهِيَ فِي طُهْرٍ لَمْ يُصِبْهَا فِيهِ ، طَلُقَتْ .\rوَإِنْ قَدِمَ فِي زَمَنِ الْبِدْعَةِ ، لَمْ تَطْلُقْ حَتَّى يَجِيءَ زَمَنُ السُّنَّةِ ؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ مِمَّنْ لِطَلَاقِهَا سُنَّةٌ وَبِدْعَةٌ .\rوَإِنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ : أَنْتِ طَالِقٌ إذَا جَاءَ رَأْسُ الشَّهْرِ لِلسُّنَّةِ .\rفَكَانَ رَأْسُ الشَّهْرِ فِي زَمَانِ السُّنَّةِ ، وَقَعَ ، وَإِلَّا وَقَعَ إذَا جَاءَ زَمَانُ السُّنَّةِ .","part":16,"page":217},{"id":7717,"text":"( 5829 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَلَوْ قَالَ لَهَا ، وَهِيَ حَائِضٌ ، وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا : أَنْتِ طَالِقٌ لِلسُّنَّةِ .\rطَلُقَتْ مِنْ وَقْتِهَا ؛ لِأَنَّهُ لَا سُنَّةَ فِيهِ وَلَا بِدْعَةَ ) قَالَ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ : أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ أَنَّ طَلَاقَ السُّنَّةِ إنَّمَا هُوَ لِلْمَدْخُولِ بِهَا ، أَمَّا غَيْرُ الْمَدْخُولِ بِهَا ، فَلَيْسَ لِطَلَاقِهَا سُنَّةٌ وَلَا بِدْعَةٌ ، إلَّا فِي عَدَدِ الطَّلَاقِ ، عَلَى اخْتِلَافٍ بَيْنَهُمْ فِيهِ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الطَّلَاقَ فِي حَقِّ الْمَدْخُولِ بِهَا إذَا كَانَتْ مِنْ ذَوَات الْأَقْرَاءِ إنَّمَا كَانَ لَهُ سُنَّةٌ وَبِدْعَةٌ ؛ لِأَنَّ الْعِدَّةَ تَطُولُ عَلَيْهَا بِالطَّلَاقِ فِي الْحَيْضِ ، وَتَرْتَابُ بِالطَّلَاقِ فِي الطُّهْرِ الَّذِي جَامَعَهَا فِيهِ ، وَيَنْتَفِي عَنْهَا الْأَمْرَانِ بِالطَّلَاقِ فِي الطُّهْرِ الَّذِي لَمْ يُجَامِعْهَا فِيهِ ، أَمَّا غَيْرُ الْمَدْخُولِ بِهَا ، فَلَا عِدَّةَ عَلَيْهَا تَنْفِي تَطْوِيلَهَا أَوْ الِارْتِيَابَ فِيهَا ، وَكَذَلِكَ ذَوَاتُ الْأَشْهُرِ ؛ كَالصَّغِيرَةِ الَّتِي لَمْ تَحِضْ ، وَالْآيِسَاتِ مِنْ الْمَحِيضِ لَا سُنَّةَ لِطَلَاقِهِنَّ وَلَا بِدْعَةَ ؛ لِأَنَّ الْعِدَّةَ لَا تَطُولُ بِطَلَاقِهَا فِي حَالٍ ، وَلَا تَحْمِلُ فَتَرْتَابُ .\rوَكَذَلِكَ الْحَامِلُ الَّتِي اسْتَبَانَ حَمْلُهَا ، فَهَؤُلَاءِ كُلُّهُنَّ لَيْسَ لَطَلَاقِهِنَّ سُنَّةٌ وَلَا بِدْعَةٌ مِنْ جِهَةِ الْوَقْتِ ، فِي قَوْلِ أَصْحَابِنَا .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ، وَكَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rفَإِذَا قَالَ لِإِحْدَى هَؤُلَاءِ : أَنْتِ طَالِقٌ لِلسُّنَّةِ أَوْ لِلْبِدْعَةِ .\rوَقَعَتْ الطَّلْقَةُ فِي الْحَالِ ، وَلَغَتْ الصِّفَةُ ؛ لِأَنَّ طَلَاقَهَا لَا يَتَّصِفُ بِذَلِكَ ، فَصَارَ كَأَنَّهُ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ .\rوَلَمْ يَزِدْ .\rوَكَذَلِكَ إنْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ لِلسُّنَّةِ وَالْبِدْعَةِ .\rأَوْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ لَا لِلسُّنَّةِ وَلَا لِلْبِدْعَةِ .\rطَلُقَتْ فِي الْحَالِ ؛ لِأَنَّهُ وَصَفَ الطَّلْقَةَ بِصِفَتِهَا .\rوَيَحْتَمِلُ كَلَامُ الْخِرَقِيِّ أَنْ يَكُونَ لِلْحَامِلِ طَلَاقُ سُنَّةٍ ؛ لِأَنَّهُ طَلَاقُ أُمِرَ بِهِ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : \" ثُمَّ لِيُطَلِّقْهَا","part":16,"page":218},{"id":7718,"text":"طَاهِرًا أَوْ حَامِلًا \" .\rوَهُوَ أَيْضًا ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ ، فَإِنَّهُ قَالَ : أَذْهَبُ إلَى حَدِيثِ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ .\rيَعْنِي هَذَا الْحَدِيثَ .\rوَلِأَنَّهَا فِي حَالٍ انْتَقَلَتْ إلَيْهَا بَعْدَ زَمَنِ الْبِدْعَةِ ، وَيُمْكِنُ أَنْ تَنْتَقِلَ عَنْهَا إلَى زَمَانِ الْبِدْعَةِ ، فَكَانَ طَلَاقُهَا طَلَاقَ سُنَّةٍ ، كَالطَّاهِرِ مِنْ الْحَيْضِ مِنْ غَيْرِ مُجَامَعَةٍ .\rوَيَتَفَرَّعُ مِنْ هَذَا ، أَنَّهُ لَوْ قَالَ لَهَا : أَنْتِ طَالِقٌ لِلْبِدْعَةِ .\rلَمْ تَطْلُقْ فِي الْحَالِ ، فَإِذَا وَضَعْت الْحَمْلَ طَلُقَتْ ؛ لِأَنَّ النِّفَاسَ زَمَانُ بِدْعَةٍ ، كَالْحَيْضِ .","part":16,"page":219},{"id":7719,"text":"( 5830 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَالَ لَصَغِيرَةٍ أَوْ غَيْرِ مَدْخُولٍ بِهَا : أَنْتِ طَالِقٌ لِلْبِدْعَةِ .\rثُمَّ قَالَ : أَرَدْت إذَا حَاضَتْ الصَّغِيرَةُ ، أَوْ أُصِيبَتْ غَيْرُ الْمَدْخُولِ بِهَا .\rأَوْ قَالَ لَهُمَا : أَنْتُمَا طَالِقَتَانِ لِلسُّنَّةِ .\rوَقَالَ : أَرَدْت طَلَاقَهُمَا فِي زَمَنٍ يَصِيرُ طَلَاقُهُمَا فِيهِ لِلسُّنَّةِ .\rدُيِّنَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى .\rوَهَلْ يُقْبَلُ فِي الْحُكْمِ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ ، ذَكَرَهُمَا الْقَاضِي ؛ أَحَدُهُمَا ، لَا يُقْبَلُ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ .\rثُمَّ قَالَ : أَرَدْت إذَا دَخَلْت الدَّارَ .\rوَالثَّانِي : يُقْبَلُ .\rوَهُوَ الْأَشْبَهُ بِمَذْهَبِ أَحْمَدَ ؛ لِأَنَّهُ فَسَّرَ كَلَامَهُ بِمَا يَحْتَمِلُهُ ، فَقُبِلَ : كَمَا لَوْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ ، أَنْتِ طَالِقٌ .\rوَقَالَ : أَرَدْت بِالثَّانِيَةِ إفْهَامَهَا .","part":16,"page":220},{"id":7720,"text":"( 5831 ) فَصْلٌ : وَإِذَا قَالَ لَهَا فِي طُهْرٍ جَامَعَهَا فِيهِ : أَنْتِ طَالِقٌ لِلسُّنَّةِ .\rفَيَئِسَتْ مِنْ الْمَحِيضِ ، لَمْ تَطْلُقْ ؛ لِأَنَّهُ وَصَفَ طَلَاقَهَا بِأَنَّهُ لِلسُّنَّةِ فِي زَمَنٍ يَصْلُحُ لَهُ ، فَإِذَا صَارَتْ آيِسَةً ، فَلَيْسَ لِطَلَاقِهَا سُنَّةٌ ، فَلَمْ تُوجَدْ الصِّفَةُ ، فَلَا يَقَعَ .\rوَكَذَلِكَ إنْ اسْتَبَانَ حَمْلُهَا ، لَمْ يَقَعْ أَيْضًا ، إلَّا عَلَى قَوْلِ مَنْ جَعَلَ طَلَاقَ الْحَامِلِ طَلَاقَ سُنَّةٍ ، فَإِنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَقَعَ ؛ لِوُجُودِ الصِّفَةِ ، كَمَا لَوْ حَاضَتْ ثُمَّ طَهُرَتْ .","part":16,"page":221},{"id":7721,"text":"( 5832 ) فَصْلٌ : إذَا قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ فِي كُلِّ قُرْءٍ طَلْقَةً .\rوَهِيَ مِنْ ذَوَاتِ الْقُرْءِ ، وَقَعَ فِي كُلِّ قُرْءٍ طَلْقَةٌ .\rفَإِنْ كَانَتْ فِي الْقُرْءِ ، وَقَعَتْ بِهَا وَاحِدَةٌ فِي الْحَالِ ، وَوَقَعَ بِهَا طَلْقَتَانِ فِي قُرْأَيْنِ آخَرَيْنِ فِي أَوَّلِهِمَا ، سَوَاءٌ قُلْنَا : الْقُرْءُ الْحَيْضُ أَوْ الْأَطْهَارُ .\rوَسَوَاءٌ كَانَتْ مَدْخُولًا بِهَا أَوْ غَيْرَ مَدْخُولٍ بِهَا ، إلَّا أَنَّ غَيْرَ الْمَدْخُولِ بِهَا تَبِينُ بِالطَّلْقَةِ الْأُولَى ، فَإِنْ تَزَوَّجَهَا ، وَقَعَ بِهَا فِي الْقُرْءِ الثَّانِي طَلْقَةٌ أُخْرَى .\rوَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي الثَّالِثَةِ .\rوَإِنْ كَانَتْ صَغِيرَةً ، وَقُلْنَا : الْقُرْءُ الْحَيْضُ .\rلَمْ تَطْلُقْ حَتَّى تَحِيضَ ، فَتَطْلُقُ فِي كُلِّ حَيْضَةٍ طَلْقَةً .\rوَإِنْ قُلْنَا : الْقُرْءُ الْأَطْهَارُ .\rاحْتَمَلَ أَنْ تَطْلُقَ فِي الْحَالِ وَاحِدَةً ، ثُمَّ لَا تَطْلُقُ حَتَّى تَحِيضَ ، ثُمَّ تَطْهُرَ فَتَطْلُقُ الثَّانِيَةَ ، ثُمَّ الثَّالِثَةَ فِي الطُّهْرِ الْآخَرِ ؛ لِأَنَّ الطُّهْرَ قَبْلَ الْحَيْضِ كُلَّهُ قُرْءٌ وَاحِدٌ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا تَطْلُقَ حَتَّى تَطْهُرَ بَعْدَ الْحَيْضِ ؛ لِأَنَّ الْقُرْءَ هُوَ الطُّهْرُ بَيْنَ الْحَيْضَتَيْنِ .\rوَكَذَلِكَ لَوْ حَاضَتْ الصَّغِيرَةُ فِي عِدَّتِهَا ، لَمْ تَحْتَسِبْ بِالطُّهْرِ الَّذِي قَبْلَ الْحَيْضِ مِنْ عِدَّتِهَا ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ .\rوَالْحُكْمُ فِي الْحَامِلِ كَالْحُكْمِ فِي الصَّغِيرَةِ ؛ لِأَنَّ زَمَنَ الْحَمْلِ كُلَّهُ قُرْءٌ وَاحِدٌ ، فِي أَحَدٍ الْوَجْهَيْنِ ، إذَا قُلْنَا : الْأَقْرَاءُ الْأَطْهَارُ .\rوَالْوَجْهُ الْآخَرُ ، لَيْسَ بِقُرْءٍ عَلَى كُلِّ حَالٍ .\rوَإِنْ كَانَتْ آيِسَةً ، فَقَالَ الْقَاضِي : تَطْلُقُ وَاحِدَةً عَلَى كُلِّ حَالٍ ؛ لِأَنَّهُ عَلَّقَ طَلَاقَهَا بِصِفَةِ تَسْتَحِيلُ فِيهَا ، فَلَغَتْ وَوَقَعَ بِهَا الطَّلَاقُ ، كَمَا لَوْ قَالَ لَهَا : أَنْتِ طَالِقٌ لِلْبِدْعَةِ .\rوَإِذَا طَلُقَتْ الْحَامِلُ فِي حَالِ حَمْلِهَا ، بَانَتْ بِوَضْعِهِ ؛ لِأَنَّ عِدَّتَهَا تَنْقَضِي بِهِ ، فَلَمْ يَلْحَقْهَا طَلَاقٌ آخَرُ .\rفَإِنْ اسْتَأْنَفَ نِكَاحَهَا ، أَوْ رَاجَعَهَا قَبْلَ وَضْعِ حَمْلِهَا ، ثُمَّ طَهُرَتْ مِنْ النِّفَاسِ ،","part":16,"page":222},{"id":7722,"text":"طَلُقَتْ أُخْرَى ، ثُمَّ إذَا حَاضَتْ ثُمَّ طَهُرَتْ ، وَقَعَتْ الثَّالِثَةُ .","part":16,"page":223},{"id":7723,"text":"( 5833 ) فَصْلٌ : فَإِنْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ لِلسُّنَّةِ ، إنْ كَانَ الطَّلَاقُ يَقَعُ عَلَيْك لِلسُّنَّةِ .\rوَهِيَ فِي زَمَنِ السُّنَّةِ ، طَلُقَتْ بِوُجُودِ الصِّفَةِ .\rوَإِنْ لَمْ تَكُنْ فِي زَمَنِ السُّنَّةِ ، انْحَلَّتْ الصِّفَةُ ، وَلَمْ يَقَعْ بِحَالٍ ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ مَا وُجِدَ .\rوَكَذَلِكَ إنْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ لِلْبِدْعَةِ ، إنْ كَانَ الطَّلَاقُ يَقَعُ عَلَيْك لِلْبِدْعَةِ .\rإنْ كَانَتْ فِي زَمَنِ الْبِدْعَةِ ، وَقَعَ ، وَإِلَّا لَمْ يَقَعْ بِحَالٍ .\rفَإِنْ كَانَتْ مِمَّنْ لَا سُنَّةَ لِطَلَاقِهَا وَلَا بِدْعَةَ ، فَذَكَرَ الْقَاضِي فِيهَا احْتِمَالَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، لَا يَقَعُ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ ؛ لِأَنَّ الصِّفَةَ مَا وُجِدَتْ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ ، إنْ كُنْت هَاشِمِيَّةً .\rوَلَمْ تَكُنْ هَاشِمِيَّةً .\rوَالثَّانِي ، تَطْلُقُ ؛ لِأَنَّهُ شَرَطَ لِوُقُوعِ الطَّلْقَةِ شَرْطًا مُسْتَحِيلًا ، فَلَغَى ، وَوَقَعَ الطَّلَاقُ ، كَمَا لَوْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ لِلسُّنَّةِ .\rوَالْأَوَّلُ أَشْبَهُ .\rوَلِلشَّافِعِيَّةِ وَجْهَانِ كَهَذَيْنِ .","part":16,"page":224},{"id":7724,"text":"( 5834 ) فَصْلٌ : فَإِنْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ أَحْسَنَ الطَّلَاقِ ، أَوْ أَجْمَلَهُ ، أَوْ أَعْدَلَهُ ، أَوْ أَكْمَلَهُ ، أَوْ أَتَمَّهُ ، أَوْ أَفْضَلَهُ ، أَوْ قَالَ : طَلْقَةً حَسَنَةً ، أَوْ جَمِيلَةً ، أَوْ عِدْلَةً أَوْ سُنِّيَّةً .\rكَانَ ذَلِكَ كُلُّهُ عِبَارَةً عَنْ طَلَاقِ السُّنَّةِ .\rوَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ : إذَا قَالَ : أَعْدَلَ الطَّلَاقِ أَوْ أَحْسَنَهُ ، وَنَحْوَهُ ، كَقَوْلِنَا .\rوَإِنْ قَالَ : طَلْقَةً سُنِّيَّةً أَوْ عِدْلَةً .\rوَقَعَ الطَّلَاقُ فِي الْحَالِ ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ لَا يَتَّصِفُ بِالْوَقْتِ ، وَالسُّنَّةُ وَالْبِدْعَةُ وَقْتٌ ، فَإِذَا وَصَفَهَا بِمَا لَا تَتَّصِفُ بِهِ ، سَقَطْت الصِّفَةُ ، كَمَا لَوْ قَالَ لِغَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا : أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً رَجْعِيَّةً .\rأَوْ قَالَ لَهَا : أَنْتِ طَالِقٌ لِلسُّنَّةِ أَوَالْبِدْعَةِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ ذَلِكَ عِبَارَةٌ عَنْ طَلَاقِ السُّنَّةِ ، وَيَصِحُّ وَصْفُ الطَّلَاقِ بِالسُّنَّةِ وَالْحُسْنِ ؛ لِكَوْنِهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ مُوَافِقًا لِلسُّنَّةِ ، مُطَابِقًا لِلشَّرْعِ ، فَهُوَ كَقَوْلِهِ : أَحْسَنَ الطَّلَاقِ .\rوَفَارَقَ قَوْلَهُ : طَلْقَةً رَجْعِيَّةً ؛ لِأَنَّ الرَّجْعَةَ لَا تَكُونُ إلَّا فِي عِدَّةٍ ، وَلَا عِدَّةَ لَهَا ، فَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ .\rفَإِنْ قَالَ : نَوَيْت بِقَوْلِي : أَعْدَلَ الطَّلَاقِ .\rوُقُوعَهُ فِي حَالِ الْحَيْضِ ؛ لِأَنَّهُ أَشْبَهُ بِأَخْلَاقِهَا الْقَبِيحَةِ ، وَلَمْ أُرِدْ الْوَقْتَ .\rوَكَانَتْ فِي الْحَيْضِ ، وَقَعَ الطَّلَاقُ ؛ لِأَنَّهُ إقْرَارٌ عَلَى نَفْسِهِ بِمَا فِيهِ تَغْلِيظٌ .\rوَإِنْ كَانَتْ فِي حَالِ السُّنَّةِ ، دُيِّنَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى .\rوَهَلْ يُقْبَلُ فِي الْحُكْمِ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ ، كَمَا تَقَدَّمَ .\r( 5835 ) فَصْلٌ : فَإِنْ عَكَسَ ، فَقَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ أَقْبَحَ الطَّلَاقِ ، وَأَسْمَجَهُ ، أَوْ أَفْحَشَهُ ، أَوْ أَنْتَنَهُ ، أَوْ أَرْدَأَهُ .\rحُمِلَ عَلَى طَلَاقِ الْبِدْعَةِ ، فَإِنْ كَانَتْ فِي وَقْتِ الْبِدْعَةِ ، وَإِلَّا وَقَفَ عَلَى مَجِيءِ زَمَانِ الْبِدْعَةِ .\rوَحُكِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهُ يَقَعُ ثَلَاثًا ، إنَّ قُلْنَا : إنَّ جَمْعَ","part":16,"page":225},{"id":7725,"text":"الثَّلَاثِ بِدْعَةٌ .\rوَيَنْبَغِي أَنْ تَقَعَ الثَّلَاثُ فِي وَقْتِ الْبِدْعَةِ ؛ لِيَكُونَ جَامِعًا لِبِدْعَتَيْ الطَّلَاقِ ، فَيَكُونُ أَقْبَحَ الطَّلَاقِ .\rوَإِنْ نَوَى بِذَلِكَ غَيْرَ طَلَاقِ الْبِدْعَةِ ، نَحْوُ أَنْ يَقُولَ : إنَّمَا أَرَدْت أَنَّ طَلَاقَك أَقْبَحُ الطَّلَاقِ ؛ لِأَنَّك لَا تَسْتَحِقِّينَهُ ؛ لِحُسْنِ عِشْرَتِك ، وَجَمِيلِ طَرِيقَتِك .\rوَقَعَ فِي الْحَالِ .\rوَإِنْ قَالَ : أَرَدْت بِذَلِكَ طَلَاقَ السُّنَّةِ ، لِيَتَأَخَّرَ الطَّلَاقُ عَنْ نَفْسِهِ إلَى زَمَنِ السُّنَّةِ .\rلَمْ يُقْبَلْ ؛ لِأَنَّ لَفْظَهُ لَا يَحْتَمِلُهُ .\rوَإِنْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً حَسَنَةً قَبِيحَةً ، فَاحِشَةً جَمِيلَةً ، تَامَّةً نَاقِصَةً .\rوَقَعَ فِي الْحَالِ ؛ لِأَنَّهُ وَصَفَهَا بِصِفَتَيْنِ مُتَضَادَّتَيْنِ ، فَلَغِيَا ، وَبَقِيَ مُجَرَّدُ الطَّلَاقِ .\rفَإِنْ قَالَ : أَرَدْت أَنَّهَا حَسَنَةٌ لِكَوْنِهَا فِي زَمَانِ السُّنَّةِ ، وَقَبِيحَةٌ لِإِضْرَارِهَا بِك .\rأَوْ قَالَ أَرَدْت أَنَّهَا حَسَنَةٌ لِتَخْلِيصِي مِنْ شَرِّك وَسُوءِ خُلُقِك ، وَقَبِيحَةٌ لِكَوْنِهَا فِي زَمَانِ الْبِدْعَةِ .\rوَكَانَ ذَلِكَ يُؤَخِّرُ وُقُوعَ الطَّلَاقِ عَنْهُ ، دُيِّنَ وَهَلْ يُقْبَلُ فِي الْحُكْمِ ؟ يُخَرَّجُ عَلَى وَجْهَيْنِ .","part":16,"page":226},{"id":7726,"text":"( 5836 ) فَصْلِ : فَإِنْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ طَلَاقَ الْحَرَجِ ، فَقَالَ الْقَاضِي : مَعْنَاهُ طَلَاقُ الْبِدْعَةِ ؛ لِأَنَّ الْحَرَجَ الضَّيِّقُ وَالْإِثْمُ ، فَكَأَنَّهُ قَالَ : طَلَاقُ الْإِثْم ، وَطَلَاقُ الْبِدْعَةِ طَلَاقُ إثْمٍ .\rوَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ يَقَعُ ثَلَاثًا ؛ لِأَنَّ الْحَرَجَ الضَّيِّقُ ، وَاَلَّذِي يُضَيِّقُ عَلَيْهِ ، وَيَمْنَعُهُ الرُّجُوعَ إلَيْهَا ، وَيَمْنَعُهَا الرُّجُوعَ إلَيْهِ ، هُوَ الثَّلَاثُ ، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ طَلَاقُ بِدْعَةٍ ، وَفِيهِ إثْمٌ ، فَيَجْتَمِعُ عَلَيْهِ الْأَمْرَانِ : الضَّيِّقُ وَالْإِثْمُ .\rوَإِنْ قَالَ : طَلَاقَ الْحَرَجِ وَالسُّنَّةِ .\rكَانَ كَقَوْلِهِ : طَلَاقَ الْبِدْعَةِ وَالسُّنَّةِ .","part":16,"page":227},{"id":7727,"text":"( 5837 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَطَلَاقُ الزَّائِلِ الْعَقْلُ بِلَا سُكْرٍ ، لَا يَقَعُ ) .\rأَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى الْعِلْمِ أَنَّ الزَّائِلَ الْعَقْلُ بِغَيْرِ سُكْرٍ ، أَوْ مَا فِي مَعْنَاهُ ، لَا يَقَعُ طَلَاقُهُ .\rكَذَلِكَ قَالَ عُثْمَانُ ، وَعَلِيٌّ ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ، وَالْحَسَنُ وَالنَّخَعِيُّ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَأَبُو قِلَابَةَ ، وَقَتَادَةُ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَيَحْيَى الْأَنْصَارِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الرَّجُلَ إذَا طَلَّقَ فِي حَالِ نَوْمِهِ ، لَا طَلَاقَ لَهُ .\rوَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { : رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ ؛ عَنْ النَّائِم حَتَّى يَسْتَيْقِظَ ، وَعَنْ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ ، وَعَنْ الْمَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ .\r} وَرُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ { : كُلُّ الطَّلَاقِ جَائِزٌ ، إلَّا طَلَاقَ الْمَعْتُوهِ الْمَغْلُوبِ عَلَى عَقْلِهِ .\r} رَوَاهُ النَّجَّادُ .\rوَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : لَا نَعْرِفُهُ إلَّا مِنْ حَدِيثِ عَطَاءِ بْنِ عَجْلَانَ ، وَهُوَ ذَاهِبُ الْحَدِيثِ .\rوَرُوِيَ بِإِسْنَادٍ عَنْ عَلِيٍّ مِثْلُ ذَلِكَ .\rوَلِأَنَّهُ قَوْلٌ يُزِيلُ الْمِلْكَ ، فَاعْتُبِرَ لَهُ الْعَقْلُ ، كَالْبَيْعِ .\rوَسَوَاءٌ زَالَ عَقْلُهُ لَجُنُونٍ ، أَوْ إغْمَاءٍ ، أَوْ نَوْمٍ ، أَوْ شُرْبِ دَوَاءٍ ، أَوْ إكْرَاهٍ عَلَى شُرْبِ خَمْرٍ ، أَوْ شَرِبَ مَا يُزِيلُ عَقْلَهُ شُرْبُهُ ، وَلَا يَعْلَمُ أَنَّهُ مُزِيلٌ لِلْعَقْلِ ، فَكُلُّ هَذَا يَمْنَعُ وُقُوعَ الطَّلَاقِ ، رِوَايَةً وَاحِدَةً ، وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا .\rفَأَمَّا إنْ شَرِبَ الْبَنْجَ وَنَحْوَهُ مِمَّا يُزِيلُ عَقْلَهُ ، عَالِمًا بِهِ ، مُتَلَاعِبًا ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ السَّكْرَانِ فِي طَلَاقِهِ .\rوَبِهَذَا قَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ ، وَقَالَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ : لَا يَقَع طَلَاقُهُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْتَذُّ بِشُرْبِهَا .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ زَالَ عَقْلُهُ بِمَعْصِيَةٍ ، فَأَشْبَهَ السَّكْرَانَ .","part":16,"page":228},{"id":7728,"text":"( 5838 ) فَصْلِ : قَالَ أَحْمَدُ ، فِي الْمُغْمَى عَلَيْهِ إذَا طَلَّقَ ، فَلَمَّا أَفَاقَ عَلِمَ أَنَّهُ كَانَ مُغْمًى عَلَيْهِ ، وَهُوَ ذَاكِرٌ لِذَلِكَ ، فَقَالَ : إذَا كَانَ ذَاكِرًا لِذَلِكَ ، فَلَيْسَ هُوَ مُغْمَى عَلَيْهِ ، يَجُوزُ طَلَاقُهُ .\rوَقَالَ ، فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ ، فِي الْمَجْنُونِ يُطَلِّقُ ، فَقِيلَ لَهُ بَعْدَمَا أَفَاقَ : إنَّك طَلَّقْت امْرَأَتَك .\rفَقَالَ : أَنَا أَذْكُرُ أَنِّي طَلَّقْت ، وَلَمْ يَكُنْ عَقْلِي مَعِي .\rفَقَالَ : إذَا كَانَ يَذْكُرُ أَنَّهُ طَلَّقَ ، فَقَدْ طَلُقَتْ .\rفَلَمْ يَجْعَلْهُ مَجْنُونًا إذَا كَانَ يَذْكُرُ الطَّلَاقَ ، وَيَعْلَمُ بِهِ .\rوَهَذَا ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ، فِي مَنْ جُنُونُهُ بِذَهَابِ مَعْرِفَتِهِ بِالْكُلِّيَّةِ ، وَبُطْلَانِ حَوَاسِّهِ ، فَأَمَّا مَنْ كَانَ جُنُونُهُ لِنُشَافٍ أَوْ كَانَ مبرسما ، فَإِنَّهُ يَسْقُطُ حُكْمُ تَصَرُّفِهِ ، مَعَ أَنَّ مَعْرِفَتَهُ غَيْرُ ذَاهِبَةٍ بِالْكُلِّيَّةِ ، فَلَا يَضُرُّهُ ذِكْرُهُ لِلطَّلَاقِ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .","part":16,"page":229},{"id":7729,"text":"( 5839 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَعَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ رَحِمَهُ اللَّهُ ، فِي السَّكْرَانِ رِوَايَاتٌ ؛ رِوَايَةٌ يَقَعُ الطَّلَاقُ .\rوَرِوَايَةٌ لَا يَقَعُ .\rوَرِوَايَةٌ يَتَوَقَّفُ عَنْ الْجَوَابِ ، وَيَقُولُ : قَدْ اخْتَلَفَ فِيهِ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَّا التَّوَقُّفُ عَنْ الْجَوَابِ ، فَلَيْسَ بِقَوْلٍ فِي الْمَسْأَلَةِ ، إنَّمَا هُوَ تَرْكٌ لِلْقَوْلِ فِيهَا ، وَتَوَقُّفٌ عَنْهَا ، لِتَعَارُضِ الْأَدِلَّةِ فِيهَا ، وَإِشْكَالِ دَلِيلِهَا .\rوَيَبْقَى فِي الْمَسْأَلَةِ رِوَايَتَانِ : إحْدَاهُمَا ، يَقَعُ طَلَاقُهُ .\rاخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ الْخَلَّالُ ، وَالْقَاضِي .\rوَهُوَ مَذْهَبُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، وَعَطَاءٍ ، وَمُجَاهِدٍ ، وَالْحَسَنِ ، وَابْنِ سِيرِينَ ، وَالشَّعْبِيِّ ، وَالنَّخَعِيِّ ، وَمَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ ، وَالْحَكَمِ ، وَمَالِكٍ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَالشَّافِعِيِّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ وَابْنِ شُبْرُمَةَ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَصَاحِبَيْهِ ، وَسُلَيْمَانَ بْنِ حَرْبٍ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : كُلُّ الطَّلَاقِ جَائِزٌ ، إلَّا طَلَاقَ الْمَعْتُوهِ .\r} وَمِثْلُ هَذَا عَنْ عَلِيٍّ ، وَمُعَاوِيَةَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : طَلَاقُ السَّكْرَانِ جَائِزٌ ، إنْ رَكِبَ مَعْصِيَةً مِنْ مَعَاصِي اللَّهِ نَفَعَهُ ذَلِكَ ، وَلِأَنَّ الصَّحَابَةَ جَعَلُوهُ كَالصَّاحِي فِي الْحَدِّ بِالْقَذْفِ ؛ بِدَلِيلِ مَا رَوَى أَبُو وَبَرَةَ الْكَلْبِيُّ ، قَالَ : أَرْسَلَنِي خَالِدٌ إلَى عُمَرَ ، فَأَتَيْتُهُ فِي الْمَسْجِدِ ، وَمَعَهُ عُثْمَانُ ، وَعَلِيٌّ ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ وَطَلْحَةُ ، وَالزُّبَيْرُ ، فَقُلْت : إنَّ خَالِدًا يَقُولُ : إنَّ النَّاسَ انْهَمَكُوا فِي الْخَمْرِ ، وَتَحَاقَرُوا الْعُقُوبَةَ .\rفَقَالَ عُمَرُ : هَؤُلَاءِ عِنْدَك فَسَلْهُمْ .\rفَقَالَ عَلِيٌّ : نَرَاهُ إذَا سَكِرَ هَذَى ، وَإِذَا هَذَى افْتَرَى ، وَعَلَى الْمُفْتَرِي ثَمَانُونَ .\rفَقَالَ عُمَرُ : أَبْلِغْ صَاحِبَك مَا قَالَ .\rفَجَعَلُوهُ كَالصَّاحِي ، وَلِأَنَّهُ إيقَاعٌ لِلطَّلَاقِ مِنْ مُكَلَّفٍ غَيْرِ مُكْرَهٍ صَادَفَ مِلْكَهُ ، فَوَجَبَ أَنْ يَقَعَ ، كَطَلَاقِ","part":16,"page":230},{"id":7730,"text":"الصَّاحِي ، وَيَدُلُّ عَلَى تَكْلِيفِهِ أَنَّهُ يُقْتَلُ بِالْقَتْلِ ، وَيُقْطَعُ بِالسَّرِقَةِ ، وَبِهَذَا فَارَقَ الْمَجْنُونَ .\rوَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ ، لَا يَقَعُ طَلَاقُهُ .\rاخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ .\rوَهُوَ قَوْلُ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .\rوَمَذْهَبُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَالْقَاسِمِ ، وَطَاوُسٍ ، وَرَبِيعَةَ ، وَيَحْيَى الْأَنْصَارِيِّ ، وَاللَّيْثِ ، وَالْعَنْبَرِيِّ ، وَإِسْحَاقَ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَالْمُزَنِيِّ .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : هَذَا ثَابِتٌ عَنْ عُثْمَانَ ، وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ الصَّحَابَةِ خَالَفَهُ .\rوَقَالَ أَحْمَدُ : حَدِيثُ عُثْمَانَ أَرْفَعُ شَيْءٍ فِيهِ ، وَهُوَ أَصَحُّ .\rيَعْنِي مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ ، وَحَدِيثُ الْأَعْمَشِ ، مَنْصُورٌ لَا يَرْفَعُهُ إلَى عَلِيٍّ .\rوَلِأَنَّهُ زَائِلُ الْعَقْلِ ، أَشْبَهَ الْمَجْنُونَ ، وَالنَّائِمَ ، وَلِأَنَّهُ مَفْقُودُ الْإِرَادَةِ ، أَشْبَهُ الْمُكْرَهُ ، وَلِأَنَّ الْعَقْلَ شَرْطٌ لِلتَّكْلِيفِ ؛ إذْ هُوَ عِبَارَةٌ عَنْ الْخِطَابِ بِأَمْرٍ أَوْ نَهْيٍ ، وَلَا يَتَوَجَّهُ ذَلِكَ إلَى مَنْ لَا يَفْهَمُهُ ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ زَوَالِ الشَّرْطِ بِمَعْصِيَةٍ أَوْ غَيْرِهَا ؛ بِدَلِيلِ أَنَّ مَنْ كَسَرَ سَاقَيْهِ جَازَ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ قَاعِدًا ، وَلَوْ ضَرَبَتْ الْمَرْأَةُ بَطْنَهَا ، فَنَفِسَتْ ، سَقَطَتْ عَنْهَا الصَّلَاةُ ، وَلَوْ ضَرَبَ رَأْسَهُ فَجُنَّ ، سَقَطَ التَّكْلِيفُ .\rوَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَة لَا يَثْبُتُ ، وَأَمَّا قَتْلُهُ وَسَرِقَتُهُ ، فَهُوَ كَمَسْأَلَتِنَا .\r( 5840 ) فَصْلٌ : وَالْحُكْمُ فِي عِتْقِهِ ، وَنَذْرِهِ ، وَبَيْعِهِ ، وَشِرَائِهِ ، وَرِدَّتِهِ ، وَإِقْرَارِهِ ، وَقَتْلِهِ ، وَقَذْفِهِ ، وَسَرِقَتِهِ ، كَالْحُكْمِ فِي طَلَاقِهِ ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى فِي الْجَمِيعِ وَاحِدٌ .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ فِي بَيْعِهِ وَشِرَائِهِ الرِّوَايَاتُ الثَّلَاثُ .\rوَسَأَلَهُ ابْنُ مَنْصُورٍ : إذَا طَلَّقَ السَّكْرَانُ ، أَوْ سَرَقَ ، أَوْ زَنَى ، أَوْ افْتَرَى ، أَوْ اشْتَرَى ، أَوْ بَاعَ فَقَالَ : أَجْبُنُ عَنْهُ ، لَا يَصِحُّ مِنْ أَمْرِ السَّكْرَانِ شَيْءٌ .\rوَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ حَامِدٍ : حُكْمُ السَّكْرَانِ حُكْمُ","part":16,"page":231},{"id":7731,"text":"الصَّاحِي فِيمَا لَهُ وَفِيمَا عَلَيْهِ ؛ فَأَمَّا فِيمَا لَهُ وَعَلَيْهِ ، كَالْبَيْعِ ، وَالنِّكَاحِ ، وَالْمُعَاوَضَات ، فَهُوَ كَالْمَجْنُونِ ، لَا يَصِحُّ لَهُ شَيْءٌ .\rوَقَدْ أَوْمَأَ إلَيْهِ أَحْمَدُ ، وَالْأَوْلَى أَنَّ مَالَهُ أَيْضًا لَا يَصِحُّ مِنْهُ ؛ لَأَنْ تَصْحِيحَ تَصَرُّفَاتِهِ فِيمَا عَلَيْهِ مُؤَاخَذَةٌ لَهُ ، وَلَيْسَ مِنْ الْمُؤَاخَذَةِ تَصْحِيحُ تَصَرُّفٍ لَهُ .","part":16,"page":232},{"id":7732,"text":"( 5841 ) فَصْلٌ : وَحَدُّ السُّكْرِ الَّذِي يَقَعُ الْخِلَافُ فِي صَاحِبِهِ ، هُوَ الَّذِي يَجْعَلُهُ يَخْلِطُ فِي كَلَامِهِ ، وَلَا يَعْرِفُ رِدَاءَهُ مِنْ رِدَاءِ غَيْرِهِ ، وَنَعْلَهُ مِنْ نَعْلِ غَيْرِهِ ، وَنَحْوَ ذَلِكَ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ { : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ .\r} فَجَعَلَ عَلَامَةَ زَوَالِ السُّكْرِ عِلْمَهُ مَا يَقُولُ .\rوَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : اسْتَقْرِئُوهُ الْقُرْآنَ ، أَوْ أَلْقُوا رِدَاءَهُ فِي الْأَرْدِيَةِ ، فَإِنْ قَرَأَ أُمَّ الْقُرْآنِ ، أَوْ عَرَفَ رِدَاءَهُ ، وَإِلَّا فَأَقِمْ عَلَيْهِ الْحَدَّ .\rوَلَا يُعْتَبَرُ أَنْ لَا يَعْرِفَ السَّمَاءَ مِنْ الْأَرْضِ ، وَلَا الذَّكَرَ مِنْ الْأُنْثَى ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَخْفَى عَلَى الْمَجْنُونِ ، فَعَلَيْهِ أَوْلَى .","part":16,"page":233},{"id":7733,"text":"( 5842 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِذَا عَقَلَ الصَّبِيُّ الطَّلَاقَ ، فَطَلَّقَ ، لَزِمَهُ ) وَأَمَّا الصَّبِيُّ الَّذِي لَا يَعْقِلُ ؛ فَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ لَا طَلَاقَ لَهُ ، وَأَمَّا الَّذِي يَعْقِلُ الطَّلَاقَ ، وَيَعْلَمُ أَنَّ زَوْجَتَهُ تَبِينُ بِهِ ، وَتَحْرُمُ عَلَيْهِ ، فَأَكْثَرُ الرِّوَايَات عَنْ أَحْمَدَ أَنَّ طَلَاقَهُ يَقَعُ .\rاخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ ، وَالْخِرَقِيُّ ، وَابْنُ حَامِدٍ .\rوَرُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، وَعَطَاءٍ ، وَالْحَسَنِ ، وَالشَّعْبِيِّ ، وَإِسْحَاقَ .\rوَرَوَى أَبُو طَالِبٍ ، عَنْ أَحْمَدَ : لَا يَجُوزُ طَلَاقُهُ حَتَّى يَحْتَلِمَ .\rوَهُوَ قَوْلُ النَّخَعِيِّ ، وَالزُّهْرِيِّ ، وَمَالِكٍ ، وَحَمَّادٍ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَأَبِي عُبَيْدٍ ، وَذَكَرَ أَبُو عُبَيْدٍ ، أَنَّهُ قَوْلُ أَهْلِ الْعِرَاقِ وَأَهْلِ الْحِجَازِ .\rوَرُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ .\r} وَلِأَنَّهُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ ، فَلَمْ يَقَعْ طَلَاقُهُ كَالْمَجْنُونِ .\rوَوَجْهُ الْأَوْلَى قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ { : الطَّلَاقُ لِمَنْ أَخَذَ بِالسَّاقِ } .\rوَقَوْلُهُ { : كُلُّ طَلَاقٍ جَائِزٌ إلَّا طَلَاقَ الْمَعْتُوهِ الْمَغْلُوبِ عَلَى عَقْلِهِ } .\rوَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : اُكْتُمُوا الصِّبْيَانَ النِّكَاحَ فَيُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ فَائِدَتَهُ أَنْ لَا يُطَلِّقُوا .\rوَلِأَنَّهُ طَلَاقٌ مِنْ عَاقِلٍ صَادَفَ مَحَلَّ الطَّلَاقِ ، فَوَقَعَ كَطَلَاقِ الْبَالِغِ .","part":16,"page":234},{"id":7734,"text":"( 5843 ) فَصْلٌ : وَأَكْثَرُ الرِّوَايَات عَنْ أَحْمَدَ ، تَحْدِيدُ مَنْ يَقَعُ طَلَاقُهُ مِنْ الصِّبْيَانِ بِكَوْنِهِ يَعْقِلُ وَهُوَ اخْتِيَارُ الْقَاضِي .\rوَرَوَى عَنْ أَحْمَدَ أَبُو الْحَارِثِ : إذَا عَقَلَ الطَّلَاقَ ، جَازَ طَلَاقُهُ ، مَا بَيْنَ عَشْرٍ إلَى اثْنَتَيْ عَشْرَةَ .\rوَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَقَعُ لِدُونِ الْعَشْرِ .\rوَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ ؛ لِأَنَّ الْعَشْرَ حَدٌّ لِلضَّرْبِ عَلَى الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ ، وَصِحَّةِ الْوَصِيَّةِ ، فَكَذَلِكَ هَذَا .\rوَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ : إذَا أَحْصَى الصَّلَاةَ ، وَصَامَ رَمَضَانَ ، جَازَ طَلَاقُهُ .\rوَقَالَ عَطَاءٌ إذَا بَلَغَ أَنْ يُصِيبَ النِّسَاءَ .\rوَعَنْ الْحَسَنِ : إذَا عَقَلَ ، وَحَفِظَ الصَّلَاةَ ، وَصَامَ رَمَضَانَ .\rوَقَالَ إِسْحَاقُ : إذَا جَاوَزَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ .","part":16,"page":235},{"id":7735,"text":"( 5844 ) فَصْلٌ : وَمَنْ أَجَازَ طَلَاقَ الصَّبِيِّ ، اقْتَضَى مَذْهَبُهُ أَنْ يَجُوزَ تَوْكِيلُهُ فِيهِ ، وَتَوَكُّلُهُ لِغَيْرِهِ .\rوَقَدْ أَوْمَأَ إلَيْهِ أَحْمَدُ ، فَقَالَ ، فِي رَجُلٍ قَالَ لَصَبِيٍّ : طَلِّقْ امْرَأَتِي .\rفَقَالَ : قَدْ طَلَّقْتُك ثَلَاثًا .\rلَا يَجُوزُ عَلَيْهَا حَتَّى يَعْقِلَ الطَّلَاقَ فَقِيلَ لَهُ : فَإِنْ كَانَتْ لَهُ زَوْجَةٌ صَبِيَّةٌ فَقَالَتْ : صَيِّرْ أَمْرِي إلَيَّ .\rفَقَالَ لَهَا : أَمْرُك بِيَدِك .\rفَقَالَتْ : قَدْ اخْتَرْت نَفْسِي .\rفَقَالَ أَحْمَدُ : لَيْسَ بِشَيْءٍ حَتَّى يَكُونَ مِثْلُهَا يَعْقِلُ الطَّلَاقَ .\rوَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : لَا يَصِحُّ أَنْ يُوَكِّلَ حَتَّى يَبْلُغَ .\rوَحَكَاهُ عَنْ أَحْمَدَ .\rوَلَنَا ، أَنَّ مَنْ صَحَّ تَصَرُّفُهُ فِي شَيْءٍ مِمَّا تَجُوزُ الْوِكَالَةُ فِيهِ بِنَفْسِهِ ، صَحَّ تَوْكِيلُهُ وَوَكَالَتُهُ فِيهِ ، كَالْبَالِغِ ، وَمَا رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ مِنْ مَنْعِ ذَلِكَ ، فَهُوَ عَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي لَا تُجِيزُ طَلَاقَهُ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .","part":16,"page":236},{"id":7736,"text":"( 5845 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا السَّفِيهُ ، فَيَقَعُ طَلَاقُهُ ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ رَأْي أَهْلِ الْعِلْمِ ؛ مِنْهُمْ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ .\rوَمَنَعَ مِنْهُ عَطَاءٌ .\rوَالْأَوْلَى صِحَّتُهُ ؛ لِأَنَّهُ مُكَلَّفٌ ، مَالِكٌ لِمَحَلِّ الطَّلَاقِ ، فَوَقَعَ طَلَاقُهُ كَالرَّشِيدِ ، وَالْحَجْرُ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ لَا يَمْنَعُ تَصَرُّفَهُ فِي غَيْرِ مَا هُوَ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ فِيهِ ، كَالْمُفْلِسِ .","part":16,"page":237},{"id":7737,"text":"( 5846 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَمَنْ أُكْرِهَ عَلَى الطَّلَاقِ ، لَمْ يَلْزَمْهُ ) لَا تَخْتَلِفُ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّ طَلَاقَ الْمُكْرَهِ لَا يَقَعُ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ ، وَعَلِيٍّ ، وَابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ ، وَجَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ .\rوَبِهِ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ ، وَعِكْرِمَةُ ، وَالْحَسَنُ ، وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ ، وَشُرَيْحٌ ، وَعَطَاءٌ ، وَطَاوُسٌ ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَابْنُ عَوْنٍ ، وَأَيُّوبُ السِّخْتِيَانِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ .\rوَأَجَازَهُ أَبُو قِلَابَةَ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَالزُّهْرِيُّ وَالثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ وَصَاحِبَاهُ ؛ لِأَنَّهُ طَلَاقٌ مِنْ مُكَلَّفٍ ، فِي مَحَلٍّ يَمْلِكُهُ ، فَيَنْفُذُ ، كَطَلَاقِ غَيْرِ الْمُكْرَهِ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : إنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ ، وَالنِّسْيَانَ ، وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ .\r} رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ .\rوَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ : سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ { : لَا طَلَاقَ فِي إغْلَاقٍ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَالْأَثْرَمُ ، قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ ، وَالْقُتَيْبِيُّ : مَعْنَاهُ : فِي إكْرَاهٍ .\rوَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : سَأَلْت ابْنَ دُرَيْدٍ وَأَبَا طَاهِرٍ النَّحْوِيَّيْنِ ، فَقَالَا : يُرِيدُ الْإِكْرَاهَ ؛ لِأَنَّهُ إذَا أُكْرِهَ انْغَلَقَ عَلَيْهِ رَأْيُهُ .\rوَيَدْخُلُ فِي هَذَا الْمَعْنَى المبرسم وَالْمَجْنُونُ وَلِأَنَّهُ قَوْلُ مَنْ سَمَّيْنَا مِنْ الصَّحَابَةِ وَلَا مُخَالِفَ لَهُمْ فِي عَصْرِهِمْ فَيَكُونُ إجْمَاعًا ؛ وَلِأَنَّهُ قَوْلٌ حُمِلَ عَلَيْهِ بِغَيْرِ حَقٍّ ، فَلَمْ يَثْبُتْ لَهُ حُكْمٌ ، كَكَلِمَةِ الْكُفْرِ إذَا أُكْرِهَ عَلَيْهَا .","part":16,"page":238},{"id":7738,"text":"( 5847 ) فَصْلٌ : وَإِنْ كَانَ الْإِكْرَاهُ بِحَقٍّ ، نَحْوُ إكْرَاهِ الْحَاكِمِ الْمُولِي عَلَى الطَّلَاقِ بَعْدَ التَّرَبُّصِ إذَا لَمْ يَفِيئْ ، وَإِكْرَاهِهِ الرَّجُلَيْنِ اللَّذَيْنِ زَوْجَهُمَا وَلِيَّانِ ، وَلَا يُعْلَمُ السَّابِقُ مِنْهُمَا عَلَى الطَّلَاقِ ، وَقَعَ الطَّلَاقُ ؛ لِأَنَّهُ قَوْلٌ حُمِلَ عَلَيْهِ بِحَقٍّ ، فَصَحَّ ، كَإِسْلَامِ الْمُرْتَدِّ إذَا أُكْرِهَ عَلَيْهِ ، وَلِأَنَّهُ إنَّمَا جَازَ إكْرَاهُهُ عَلَى الطَّلَاقِ لِيَقَعَ طَلَاقُهُ ، فَلَوْ لَمْ يَقَعْ لَمْ يَحْصُلْ الْمَقْصُودُ .","part":16,"page":239},{"id":7739,"text":"( 5848 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَلَا يَكُونُ مُكْرَهًا حَتَّى يُنَالَ بِشَيْءٍ مِنْ الْعَذَابِ ، مِثْلُ الضَّرْبِ أَوْ الْخَنْقِ أَوْ عَصْرِ السَّاقِ وَمَا أَشْبَهَ ، وَلَا يَكُونُ التَّوَاعُدُ إكْرَاهًا ) أَمَّا إذَا نِيلَ بِشَيْءٍ مِنْ الْعَذَابِ ، كَالضَّرْبِ ، وَالْخَنْقِ ، وَالْعَصْرِ ، وَالْحَبْسِ ، وَالَغَطِ فِي الْمَاءِ مَعَ الْوَعِيدِ ، فَإِنَّهُ يَكُونُ إكْرَاهًا بِلَا إشْكَالٍ ، لِمَا رُوِيَ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ أَخَذُوا عَمَّارًا ، فَأَرَادُوهُ عَلَى الشِّرْكِ ، فَأَعْطَاهُمْ ، فَانْتَهَى إلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَبْكِي ، فَجَعَلَ يَمْسَحُ الدُّمُوعَ عَنْ عَيْنَيْهِ ، وَيَقُولُ { : أَخَذَك الْمُشْرِكُونَ فَغَطُّوك فِي الْمَاءِ ، وَأَمَرُوك أَنْ تُشْرِكَ بِاَللَّهِ ، فَفَعَلْت ، فَإِنْ أَخَذُوك مَرَّةً أُخْرَى ، فَافْعَلْ ذَلِكَ بِهِمْ } رَوَاهُ أَبُو حَفْصٍ بِإِسْنَادِهِ ، وَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَيْسَ الرَّجُلُ أَمِينًا عَلَى نَفْسِهِ إذَا أَجَعْته ، أَوْ ضَرَبْته ، أَوْ أَوْثَقْته .\rوَهَذَا يَقْتَضِي وُجُودِ فِعْلٍ يَكُونُ بِهِ إكْرَاهًا .\rفَأَمَّا الْوَعِيدُ بِمُفْرَدِهِ ، فَعَنْ أَحْمَدَ فِيهِ رِوَايَتَانِ : إحْدَاهُمَا ، لَيْسَ بِإِكْرَاهِ ؛ لِأَنَّ الَّذِي وَرَدَ الشَّرْعُ بِالرُّخْصَةِ مَعَهُ ، هُوَ مَا وَرَدَ فِي حَدِيثِ عَمَّارٍ ، وَفِيهِ أَنَّهُمْ : \" أَخَذُوك فَغَطُّوك فِي الْمَاءِ \" .\rفَلَا يَثْبُتُ الْحُكْمُ إلَّا فِيمَا كَانَ مِثْلَهُ .\rوَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ ، أَنَّ الْوَعِيدَ بِمُفْرَدِهِ إكْرَاهٌ .\rقَالَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ : حَدُّ الْإِكْرَاهِ إذَا خَافَ الْقَتْلَ ، أَوْ ضَرْبًا شَدِيدًا .\rوَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ .\rوَبِهِ يَقُولُ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ ؛ لِأَنَّ الْإِكْرَاهَ لَا يَكُونُ إلَّا بِالْوَعِيدِ ، فَإِنَّ الْمَاضِيَ مِنْ الْعُقُوبَةِ لَا يَنْدَفِعُ بِفِعْلِ مَا أُكْرِهَ عَلَيْهِ ، وَلَا يَخْشَى مِنْ وُقُوعِهِ ، وَإِنَّمَا أُبِيحَ لَهُ فِعْلُ الْمُكْرَهِ عَلَيْهِ دَفْعًا لِمَا يَتَوَعَّدُهُ بِهِ مِنْ الْعُقُوبَةِ فِيمَا بَعْدُ ، وَهُوَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ وَاحِدٌ ، وَلِأَنَّهُ مَتَى تَوَعَّدَهُ بِالْقَتْلِ ، وَعَلِمَ أَنَّهُ يَقْتُلُهُ ،","part":16,"page":240},{"id":7740,"text":"فَلَمْ يُبَحْ لَهُ الْفِعْلُ ، أَفْضَى إلَى قَتْلِهِ ، وَإِلْقَائِهِ بِيَدِهِ إلَى التَّهْلُكَةِ ، وَلَا يُفِيدُ ثُبُوتُ الرُّخْصَةِ بِالْإِكْرَاهِ شَيْئًا ؛ لِأَنَّهُ إذَا طَلَّقَ فِي هَذِهِ الْحَالِ ، وَقَعَ طَلَاقُهُ ، فَيَصِلُ الْمُكْرِهُ إلَى مُرَادِهِ ، وَيَقَعُ الضَّرَرُ بِالْمُكْرَهِ ، وَثُبُوتُ الْإِكْرَاهِ فِي حَقِّ مَنْ نِيلَ بِشَيْءٍ مِنْ الْعَذَابِ لَا يَنْفِي ثُبُوتَهُ فِي حَقِّ غَيْرِهِ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي الَّذِي تَدَلَّى يَشْتَارُ عَسَلًا ، فَوَقَفْت امْرَأَتُهُ عَلَى الْحَبْلِ ، وَقَالَتْ : طَلَّقَنِي ثَلَاثًا ، وَإِلَّا قَطَعْته ، فَذَكَّرَهَا اللَّهَ وَالْإِسْلَامَ ، فَقَالَتْ : لَتَفْعَلْنَ أَوْ لَأَفْعَلْنَ .\rفَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا ، فَرَدَّهُ إلَيْهَا .\rرَوَاهُ سَعِيدٌ بِإِسْنَادِهِ .\rوَهَذَا كَانَ وَعِيدًا .","part":16,"page":241},{"id":7741,"text":"( 5849 ) فَصْلٌ : وَمِنْ شَرْطِ الْإِكْرَاهِ ثَلَاثَةُ أُمُورٍ ؛ أَحَدُهَا : أَنْ يَكُونَ مِنْ قَادِرٍ بِسُلْطَانِ أَوْ تَغَلُّبٍ ، كَاللِّصِّ وَنَحْوِهِ .\rوَحُكِيَ عَنْ الشَّعْبِيِّ : إنَّ أَكْرَهَهُ اللِّصُّ ، لَمْ يَقَعْ طَلَاقُهُ ، وَإِنْ أَكْرَهَهُ السُّلْطَانُ وَقَعَ .\rقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ : لِأَنَّ اللِّصَّ يَقْتُلُهُ .\rوَعُمُومُ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي دَلِيلِ الْإِكْرَاهِ يَتَنَاوَلُ الْجَمِيعَ ، وَاَلَّذِينَ أَكْرَهُوا عَمَّارًا لَمْ يَكُونُوا لُصُوصًا ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَعَمَّارٍ : { إنْ عَادُوا فَعُدْ } .\rوَلِأَنَّهُ إكْرَاهٌ ، فَمَنَعَ وُقُوعَ الطَّلَاقِ ، كَإِكْرَاهِ اللُّصُوصِ .\rالثَّانِي ، أَنْ يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ نُزُولُ الْوَعِيدِ بِهِ ، إنْ لَمْ يُجِبْهُ إلَى مَا طَلَبَهُ .\rالثَّالِثُ ، أَنْ يَكُونَ مِمَّا يَسْتَضِرُّ بِهِ ضَرَرًا كَثِيرًا ، كَالْقَتْلِ ، وَالضَّرْبِ الشَّدِيدِ ، وَالْقَيْدِ ، وَالْحَبْسِ الطَّوِيلِ ، فَأَمَّا الشَّتْمُ ، وَالسَّبُّ ، فَلَيْسَ بِإِكْرَاهٍ ، رِوَايَةً وَاحِدَةً ، وَكَذَلِكَ أَخْذُ الْمَالِ الْيَسِيرِ .\rفَأَمَّا الضَّرَرُ الْيَسِيرُ فَإِنْ كَانَ فِي حَقِّ مَنْ لَا يُبَالِي بِهِ ، فَلَيْسَ بِإِكْرَاهٍ ، وَإِنْ كَانَ فِي بَعْضِ ذَوِي الْمُرُوءَاتِ ، عَلَى وَجْهٍ يَكُونُ إخْرَاقًا بِصَاحِبِهِ ، وَغَضًّا لَهُ ، وَشُهْرَةً فِي حَقِّهِ ، فَهُوَ كَالضَّرْبِ الْكَثِيرِ فِي حَقِّ غَيْرِهِ .\rوَإِنْ تَوَعَّدَ بِتَعْذِيبِ وَلَدِهِ ، فَقَدْ قِيلَ : لَيْسَ بِإِكْرَاهٍ ؛ لِأَنَّ الضَّرَرَ لَا حَقَّ بِغَيْرِهِ ، وَالْأَوْلَى أَنْ يَكُونَ إكْرَاهًا ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ عِنْدَهُ أَعْظَمُ مِنْ أَخْذِ مَالِهِ ، وَالْوَعِيدُ بِذَلِكَ إكْرَاهٌ ، فَكَذَلِكَ هَذَا .","part":16,"page":242},{"id":7742,"text":"فَصْلٌ : وَإِنْ أُكْرِهَ عَلَى طَلَاقِ امْرَأَةٍ ، فَطَلَّقَ غَيْرَهَا ، وَقَعَ ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُكْرَهٍ عَلَيْهِ .\rوَإِنْ أُكْرِهَ عَلَى طَلْقَةٍ ، فَطَلَّقَ ثَلَاثًا ، وَقَعَ أَيْضًا ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُكْرَهُ عَلَى الثَّلَاثِ وَإِنْ طَلَّقَ مَنْ أُكْرِهَ عَلَى طَلَاقِهَا وَغَيْرَهَا ، وَقَعَ طَلَاقُ غَيْرِهَا دُونَهَا .\rوَإِنْ خَلَصَتْ نِيَّتُهُ فِي الطَّلَاقِ دُونَ دَفْعِ الْإِكْرَاهِ ، وَقَعَ ؛ لِأَنَّهُ قَصَدَهُ وَاخْتَارَهُ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَقَعَ ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ مَرْفُوعٌ عَنْهُ ، فَلَا يَبْقَى إلَّا مُجَرَّدُ النِّيَّةِ ، فَلَا يَقَعُ بِهَا طَلَاقٌ .\rوَإِنْ طَلَّقَ ، وَنَوَى بِقَلْبِهِ غَيْرَ امْرَأَتِهِ ، أَوْ تَأَوَّلَ فِي يَمِينِهِ ، فَلَهُ تَأْوِيلُهُ ، يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي نِيَّتِهِ ؛ لِأَنَّ الْإِكْرَاهَ دَلِيلٌ لَهُ عَلَى تَأْوِيلِهِ .\rوَإِنْ لَمْ يَتَأَوَّلْ وَقَصْدَهَا بِالطَّلَاقِ ، لَمْ يَقَعْ ؛ لِأَنَّهُ مَعْذُورٌ .\rوَذَكَرَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ وَجْهًا أَنَّهُ يَقَعُ ؛ لِأَنَّهُ لَا مُكْرِهَ لَهُ عَلَى نِيَّتِهِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ مُكْرَهٌ عَلَيْهِ ، فَلَمْ يَقَعْ ؛ لِعُمُومِ مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْأَدِلَّةِ ، وَلِأَنَّهُ قَدْ لَا يَحْضُرُهُ التَّأْوِيلُ فِي تِلْكَ الْحَالِ ، فَتَفُوتُ الرُّخْصَةُ .","part":16,"page":243},{"id":7743,"text":"بَابُ تَصْرِيحِ الطَّلَاقِ وَغَيْرِهِ وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الطَّلَاقَ لَا يَقَعُ إلَّا بِلَفْظٍ ، فَلَوْ نَوَاهُ بِقَلْبِهِ مِنْ غَيْرِ لَفْظٍ ، لَمْ يَقَعْ فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ ؛ مِنْهُمْ عَطَاءٌ ، وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَيَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ .\rوَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ الْقَاسِمِ ، وَسَالِمٍ ، وَالْحَسَنِ ، وَالشَّعْبِيِّ .\rوَقَالَ الزُّهْرِيُّ : إذَا عَزَمَ عَلَى ذَلِكَ طَلُقَتْ .\rوَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ ، فِي مِنْ طَلَّقَ فِي نَفْسِهِ : أَلَيْسَ قَدْ عَلِمَهُ اللَّهُ ؟ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : إنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لِأُمَّتِي عَمَّا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا ، مَا لَمْ تَتَكَلَّمْ بِهِ أَوْ تَعْمَلْ } .\rرَوَاهُ النَّسَائِيّ ، وَالتِّرْمِذِيُّ .\rوَقَالَ : هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ وَلِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ يُزِيلُ الْمِلْكَ ، فَلَمْ يَحْصُلْ بِالنِّيَّةِ كَالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ .\rوَإِنْ نَوَاهُ بِقَلْبِهِ ، وَأَشَارَ بِأَصَابِعِهِ ، لَمْ يَقَعْ أَيْضًا ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ .\rإذَا ثَبَتَ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ فِيهِ اللَّفْظُ ، فَاللَّفْظُ يَنْقَسِمُ فِيهِ إلَى صَرِيحٍ وَكِنَايَةٍ ، فَالصَّرِيحُ يَقَعُ بِهِ الطَّلَاقُ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ ، وَالْكِنَايَةُ لَا يَقَعُ بِهَا الطَّلَاقُ حَتَّى يَنْوِيَهُ ، أَوْ يَأْتِيَ بِمَا يَقُومُ مَقَامَ نِيَّتِهِ .","part":16,"page":244},{"id":7744,"text":"( 5851 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِذَا قَالَ : قَدْ طَلَّقْتُك ، أَوْ قَدْ فَارَقْتُك ، أَوْ قَدْ سَرَّحْتُك .\rلَزِمَهَا الطَّلَاقُ ) هَذَا يَقْتَضِي أَنَّ صَرِيحَ الطَّلَاقِ ثَلَاثَةُ أَلْفَاظٍ ؛ الطَّلَاقُ ، وَالْفِرَاقُ ، وَالسَّرَاحُ ، وَمَا تَصَرَّفَ مِنْهُنَّ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rوَذَهَبَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ حَامِدٍ ، إلَى أَنَّ صَرِيحَ الطَّلَاقِ لَفْظُ الطَّلَاقِ وَحْدَهُ ، وَمَا تَصَرَّفَ مِنْهُ لَا غَيْرُ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٍ ، إلَّا أَنَّ مَالِكًا يُوقِعُ الطَّلَاقَ بِهِ بِغَيْرِ نِيَّةٍ ؛ لِأَنَّ الْكِنَايَاتِ الظَّاهِرَةَ لَا تَفْتَقِرُ عِنْدَهُ إلَى النِّيَّةِ .\rوَحُجَّةُ هَذَا الْقَوْلِ أَنَّ لَفْظَ الْفِرَاقِ وَالسَّرَاحِ يُسْتَعْمَلَانِ فِي غَيْرِ الطَّلَاقِ كَثِيرًا ، فَلَمْ يَكُونَا صَرِيحَيْنِ فِيهِ كَسَائِرِ كِنَايَاتِهِ .\rوَوَجْهُ الْأَوَّلِ أَنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ وَرَدَ بِهَا الْكِتَابُ بِمَعْنَى الْفُرْقَةِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ ، فَكَانَا صَرِيحَيْنِ فِيهِ ، كَلَفْظِ الطَّلَاقِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى { : فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ .\r} وَقَالَ { : فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ .\r} وَقَالَ سُبْحَانَهُ { : وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ .\r} وَقَالَ سُبْحَانَهُ { : فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا .\r} وَقَوْلُ ابْنِ حَامِدٍ أَصَحُّ ؛ فَإِنَّ الصَّرِيحَ فِي الشَّيْءِ مَا كَانَ نَصَّا فِيهِ لَا يَحْتَمِلُ غَيْرَهُ ، إلَّا احْتِمَالًا بَعِيدًا ، وَلَفْظَةُ الْفِرَاقِ وَالسَّرَاحِ إنْ وَرَدَا فِي الْقُرْآنِ بِمَعْنَى الْفُرْقَةِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ ، فَقَدْ وَرَدَا لِغَيْرِ ذَلِكَ الْمَعْنَى وَفِي الْعُرْفِ كَثِيرًا ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى { : وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا .\r} وَقَالَ { : وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ } فَلَا مَعْنَى لِتَخْصِيصِهِ بِفُرْقَةِ الطَّلَاقِ ، عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ { : أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ .\r} لَمْ يُرِدْ بِهِ الطَّلَاقَ ، وَإِنَّمَا هُوَ تَرْكُ ارْتِجَاعِهَا ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ { : أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانِ .\r} وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُهُ","part":16,"page":245},{"id":7745,"text":"عَلَى لَفْظِ الطَّلَاقِ ، فَإِنَّهُ مُخْتَصٌّ بِذَلِكَ ، سَابِقٌ إلَى الْأَفْهَامِ مِنْ غَيْرِ قَرِينَةٍ وَلَا دَلَالَةٍ ، بِخِلَافِ الْفِرَاقِ وَالسَّرَاحِ .\rفَعَلَى كِلَا الْقَوْلَيْنِ ، إذَا قَالَ : طَلَّقْتُك ، أَوْ أَنْتِ طَالِقٌ ، أَوْ مُطَلَّقَةٌ .\rوَقَعَ الطَّلَاقُ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ .\rوَإِنْ قَالَ : فَارَقْتُك .\rأَوْ : أَنْتِ مُفَارَقَةٌ ، أَوْ سَرَّحْتُك ، أَوْ أَنْتِ مُسَرَّحَةٌ .\rفَمَنْ يَرَاهُ صَرِيحًا أَوْقَعَ بِهِ الطَّلَاقَ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ ، وَمَنْ لَمْ يَرَهُ صَرِيحًا لَمْ يُوقِعْهُ بِهِ ، إلَّا أَنْ يَنْوِيَهُ .\rفَإِنْ قَالَ : أَرَدْت بِقَوْلِي : فَارَقْتُك أَيْ بِجِسْمِي ، أَوْ بِقَلْبِي أَوْ بِمَذْهَبِي ، أَوْ سَرَّحْتُك مِنْ يَدِي ، أَوْ شُغْلِي ، أَوْ مِنْ حَبْسِي ، أَوْ أَيْ سَرَّحْت شَعْرَك .\rقُبِلَ قَوْلُهُ .\rوَإِنْ قَالَ : أَرَدْت بِقَوْلِي : أَنْتِ طَالِقٌ أَيْ : مِنْ وَثَاقِي .\rأَوْ قَالَ : أَرَدْت أَنْ أَقُولُ : طَلَبْتُك .\rفَسَبَقَ لِسَانِي ، فَقُلْت : طَلَّقْتُك .\rوَنَحْوُ ذَلِكَ ، دُيِّنَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى ، فَمَتَى عَلِمَ مِنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ ، لَمْ يَقَعْ عَلَيْهِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ .\rقَالَ أَبُو بَكْرٍ : لَا خِلَافَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ، أَنَّهُ إذَا أَرَادَ أَنْ يَقُولَ لِزَوْجَتِهِ : اسْقِينِي مَاءً .\rفَسَبَقَ لِسَانُهُ فَقَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ ، أَوْ أَنْتِ حُرَّةٌ .\rأَنَّهُ لَا طَلَاقَ فِيهِ .\rوَنَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ عَنْهُ ، أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ حَلَفَ ، فَجَرَى عَلَى لِسَانِهِ غَيْرُ مَا فِي قَلْبِهِ ، فَقَالَ : أَرْجُو أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ فِيهِ وَاسِعًا .\rوَهَلْ تُقْبَلُ دَعْوَاهُ فِي الْحُكْمِ ؟ يُنْظَرُ ؛ فَإِنْ كَانَ فِي حَالِ الْغَضَبِ ، أَوْ سُؤَالِهَا الطَّلَاقَ ، لَمْ يُقْبَلْ فِي الْحُكْمِ ؛ لِأَنَّ لَفْظَهُ ظَاهِرٌ فِي الطَّلَاقِ ، وَقَرِينَةُ حَالِهِ تَدُلُّ عَلَيْهِ ، فَكَانَتْ دَعْوَاهُ مُخَالِفَةً لِلظَّاهِرِ مِنْ وَجْهَيْنِ ، فَلَا تُقْبَلُ ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ فِي هَذِهِ الْحَالِ فَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ ، فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ ، وَأَبِي الْحَارِثِ ، أَنَّهُ يُقْبَلُ قَوْلُهُ .\rوَهُوَ قَوْلُ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ ، وَالشَّعْبِيِّ ،","part":16,"page":246},{"id":7746,"text":"وَالْحَكَمِ ، حَكَاهُ عَنْهُمْ أَبُو حَفْصٍ ؛ لِأَنَّهُ فَسَّرَ كَلَامَهُ بِمَا يَحْتَمِلُهُ احْتِمَالًا غَيْرَ بَعِيدٍ ، فَقِيلَ : كَمَا لَوْ قَالَ ؛ أَنْتِ طَالِقٌ ، أَنْتِ طَالِقٌ .\rوَقَالَ : أَرَدْت بِالثَّانِيَةِ إفْهَامَهَا .\rوَقَالَ الْقَاضِي : فِيهِ رِوَايَتَانِ ، هَذِهِ الَّتِي ذَكَرْنَا ، قَالَ : وَهِيَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ .\rوَالثَّانِيَةُ ، لَا يُقْبَلُ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ مَا يَقْتَضِيهِ الظَّاهِرُ فِي الْعُرْف ، فَلَمْ يُقْبَلْ فِي الْحُكْمِ ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِعَشْرَةِ ، ثُمَّ قَالَ : زُيُوفًا ، أَوْ صِغَارًا ، أَوْ إلَى شَهْرٍ .\rفَأَمَّا إِنْ صَرَّحَ بِذَلِكَ فِي اللَّفْظِ ، فَقَالَ : طَلَّقْتُك مِنْ وَثَاقِي ، أَوْ فَارَقْتُك بِجِسْمِي ، أَوْ سَرَّحْتُك مِنْ يَدِي .\rفَلَا شَكَّ فِي أَنَّ الطَّلَاقَ لَا يَقَعُ ؛ لِأَنَّ مَا يَتَّصِلُ بِالْكَلَامِ يَصْرِفُهُ عَنْ مُقْتَضَاهُ ، كَالِاسْتِثْنَاءِ وَالشَّرْطِ .\rوَذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ ، فِي قَوْلِهِ : أَنْتِ مُطَلَّقَةٌ .\rأَنَّهُ إنْ نَوَى أَنَّهَا مُطَلَّقَةٌ طَلَاقًا مَاضِيًا ، أَوْ مِنْ زَوْجٍ كَانَ قَبْلَهُ ، لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا ، فَعَلَى قَوْلَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا يَقَعُ .\rوَالثَّانِي ، لَا يَقَعُ .\rوَهَذَا مِنْ قَوْلِهِ يَقْتَضِي أَنْ تَكُونَ هَذِهِ اللَّفْظَةُ غَيْرَ صَرِيحَةٍ ، فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ .\rقَالَ الْقَاضِي : وَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّهُ صَرِيحٌ ، وَهُوَ الصَّحِيحُ ؛ لِأَنَّ هَذِهِ مُتَصَرِّفَةٌ مِنْ لَفْظِ الطَّلَاقِ ، فَكَانَتْ صَرِيحَةً فِيهِ ، كَقَوْلِهِ : أَنْتِ طَالِقٌ .\r( 5852 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا لَفْظَةُ الْإِطْلَاقِ ، فَلَيْسَتْ صَرِيحَةً فِي الطَّلَاقِ ؛ لِأَنَّهَا لَمْ يَثْبُتْ لَهَا عُرْفُ الشَّرْعِ ، وَلَا الِاسْتِعْمَالُ ، فَأَشْبَهَتْ سَائِرَ كِنَايَاتِهِ .\rوَذَكَرَ الْقَاضِي فِيهَا احْتِمَالًا ، أَنَّهَا صَرِيحَةٌ ؛ لِأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ فَعَلْت وَأَفْعَلْت ، نَحْوُ عَظَّمْته وَأَعْظَمْته ، وَكَرَّمْته وَأَكْرَمْته .\rوَلَيْسَ هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ بِمُطَّرِدٍ ؛ فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ : حَيَّيْته مِنْ التَّحِيَّةِ ، وَأَحْيَيْته مِنْ الْحَيَاةِ ، وَأَصْدَقْت الْمَرْأَةَ صَدَاقًا","part":16,"page":247},{"id":7747,"text":"، وَصَدَّقْت حَدِيثَهَا تَصْدِيقًا ، وَيُفَرِّقُونَ بَيْنَ أَقْبَلَ وَقَبِلَ ، وَأَدْبَرَ وَدَبَرَ ، وَأَبْصَرَ وَبَصُرَ ، وَيُفَرِّقُونَ بَيْنَ الْمَعَانِي الْمُخْتَلِفَةِ بِحَرَكَةٍ أَوْ حَرْفٍ ، فَيَقُولُونَ : حَمْلٌ لِمَا فِي الْبَطْنِ ، وَبِالْكَسْرِ لِمَا عَلَى الظَّهْرِ ، وَالْوَقْرُ بِالْفَتْحِ الثِّقَلُ فِي الْأُذُنِ ، وَبِالْكَسْرِ لِثِقَلِ الْحِمْلِ .\rوَهَا هُنَا فَرَّقَ بَيْنَ حَلِّ قَيْدِ النِّكَاحِ وَبَيْنَ غَيْرِهِ ، بِالتَّضْعِيفِ فِي أَحَدِهِمَا ، وَالْهَمْزَةِ فِي الْآخَرِ ، وَلَوْ كَانَ مَعْنَى اللَّفْظَيْنِ وَاحِدًا لَقِيلَ طَلَّقْت الْأَسِيرَيْنِ ، وَالْفَرَسَ ، وَالطَّائِرَ ، فَهُوَ طَالِقٌ ، وَطَلَّقْت الدَّابَّةَ ، فَهِيَ طَالِقٌ ، وَمُطَلَّقَةٌ .\rوَلَمْ يُسْمَعْ هَذَا فِي كَلَامِهِمْ ، وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .","part":16,"page":248},{"id":7748,"text":"فَصْلٌ : فَإِنْ قَالَ : أَنْتِ الطَّلَاقُ .\rفَقَالَ الْقَاضِي : لَا تَخْتَلِفُ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ فِي أَنَّ الطَّلَاقَ يَقَعُ بِهِ ، نَوَاهُ أَوْ لَمْ يَنْوِهِ .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٌ .\rوَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ فِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، أَنَّهُ غَيْرُ صَرِيحٍ ؛ لِأَنَّهُ مَصْدَرٌ ، وَالْأَعْيَانُ لَا تُوصَفُ بِالْمَصَادِرِ إلَّا مَجَازًا .\rوَالثَّانِي ، أَنَّ الطَّلَاقَ لَفْظٌ صَرِيحٌ ، فَلَمْ يَفْتَقِرْ إلَى نِيَّةٍ ، كَالْمُتَصَرِّفِ مِنْهُ ، وَهُوَ مُسْتَعْمَلٌ فِي عُرْفِهِمْ ، قَالَ الشَّاعِرُ : نَوَّهْت بِاسْمِي فِي الْعَالَمِينَ وَأَفْنَيْت عُمْرِي عَامًا فَعَامَا فَأَنْتِ الطَّلَاقُ وَأَنْتِ الطَّلَاقُ وَأَنْتِ الطَّلَاقُ ثَلَاثًا تَمَامًا وَقَوْلُهُمْ : إنَّهُ مَجَازٌ .\rقُلْنَا : نَعَمْ ، إلَّا أَنَّهُ يَتَعَذَّرُ حَمْلُهُ عَلَى الْحَقِيقَةِ ، وَلَا مَحْمَلَ لَهُ يَظْهَرُ سِوَى هَذَا الْمَحْمَلِ ، فَتَعَيَّنَ فِيهِ .","part":16,"page":249},{"id":7749,"text":"( 5854 ) فَصْلٌ : وَصَرِيحُ الطَّلَاقِ بِالْعَجَمِيَّةِ بهشتم ، فَإِذَا أَتَى بِهَا الْعَجَمِيُّ ، وَقَعَ الطَّلَاقُ مِنْهُ بِغَيْرِ نِيَّةٍ .\rوَقَالَ النَّخَعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ : هُوَ كِنَايَةٌ ، لَا يُطَلِّقُ بِهِ إلَّا بِنِيَّةٍ ؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُ خَلَّيْتُك ، وَهَذِهِ اللَّفْظَةُ كِنَايَةٌ .\rوَلَنَا ، أَنَّ هَذِهِ اللَّفْظَةَ بِلِسَانِهِمْ مَوْضُوعَةٌ لِلطَّلَاقِ ، يَسْتَعْمِلُونَهَا فِيهِ ، فَأَشْبَهَتْ لَفْظَ الطَّلَاقِ بِالْعَرَبِيَّةِ ، وَلَوْ لَمْ تَكُنْ هَذِهِ صَرِيحَةً ، لَمْ يَكُنْ فِي الْعَجَمِيَّةِ صَرِيحٌ لِلطَّلَاقِ ، وَهَذَا بَعِيدٌ ، وَلَا يَضُرُّ كَوْنُهَا بِمَعْنَى خَلَّيْتُك ، فَإِنَّ مَعْنَى طَلَّقْتُك خَلَّيْتُك أَيْضًا ، إلَّا أَنَّهُ لَمَّا كَانَ مَوْضُوعًا لَهُ ، يُسْتَعْمَلُ فِيهِ ، كَانَ صَرِيحًا ، كَذَا هَذِهِ ، وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ إذَا نَوَى بِهَا الطَّلَاقَ ، كَانَتْ طَلَاقًا ، كَذَلِكَ قَالَ الشَّعْبِيُّ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَالْحَسَنُ ، وَمَالِكٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَزُفَرُ ، وَالشَّافِعِيُّ .","part":16,"page":250},{"id":7750,"text":"( 5855 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِذَا قَالَ لَهَا فِي الْغَضَبِ : أَنْتِ حُرَّةٌ ، أَوْ لَطَمَهَا ، فَقَالَ : هَذَا طَلَاقُك فَقَدْ وَقَعَ الطَّلَاقُ ) الْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي فَصْلَيْنِ : ( 5856 ) الْفَصْلُ الْأَوَّلُ : فِي أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ كِنَايَةٌ فِي الطَّلَاقِ ، إذَا نَوَاهُ بِهِ وَقَعَ ، وَلَا يَقَعُ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ ، وَلَا دَلَالَةِ حَالٍ ، وَلَا نَعْلَمُ خِلَافًا فِي : أَنْتَ حُرَّةٌ ، أَنَّهُ كِنَايَةٌ .\rفَأَمَّا إذَا لَطَمَهَا ، وَقَالَ : هَذَا طَلَاقُك .\rفَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ الْفُقَهَاءِ قَالُوا : لَيْسَ هَذَا كِنَايَةً ، وَلَا يَقَعُ بِهِ طَلَاقٌ ، وَإِنْ نَوَى ؛ لِأَنَّ هَذَا لَا يُؤَدِّي مَعْنَى الطَّلَاقِ ، وَلَا هُوَ سَبَبٌ لَهُ ، وَلَا حُكْمٌ فَلَمْ يَصِحَّ التَّعْبِيرُ بِهِ عَنْهُ ، كَقَوْلِهِ : غَفَرَ اللَّهُ لَك .\rوَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ : يَقَعُ بِهِ الطَّلَاقُ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ ؛ لِأَنَّ تَقْدِيرَهُ : أَوْقَعْت عَلَيْك طَلَاقًا ، هَذَا الضَّرْبُ مِنْ أَجْلِهِ ، فَعَلَى قَوْلِهِ يَكُونُ هَذَا صَرِيحًا .\rوَقَوْلُ الْخِرَقِيِّ مُحْتَمِلٌ لِهَذَا أَيْضًا ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ إنَّمَا يُوقِعُهُ إذَا كَانَ فِي حَالِ الْغَضَبِ ، فَيَكُونُ الْغَضَبُ قَائِمًا مَقَامَ النِّيَّةِ ، كَمَا قَامَ مَقَامَهَا فِي قَوْلِهِ : أَنْتِ حُرَّةٌ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لَطْمُهُ لَهَا قَرِينَةً تَقُومُ مَقَامَ النِّيَّةِ ؛ لِأَنَّهُ يَصْدُرُ عَنْ الْغَضَبِ ، فَجَرَى مَجْرَاهُ .\rوَالصَّحِيحُ أَنَّهُ كِنَايَةٌ فِي الطَّلَاقِ ؛ لِأَنَّهُ مُحْتَمِلٌ بِالتَّقْدِيرِ الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ حَامِدٍ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ أَنَّهُ سَبَبٌ لِطَلَاقِك ، لِكَوْنِ الطَّلَاقِ مُعَلَّقًا عَلَيْهِ ، فَصَحَّ أَنْ يُعَبِّرَ بِهِ عَنْهُ ، وَلَيْسَ بِصَرِيحِ ؛ لِأَنَّهُ احْتَاجَ إلَى تَقْدِيرٍ ، وَلَوْ كَانَ صَرِيحًا لَمْ يَحْتَجْ إلَى ذَلِكَ ، وَلِأَنَّهُ غَيْرُ مَوْضُوعٍ لَهُ ، وَلَا مُسْتَعْمَلٌ فِيهِ شَرْعًا ، وَلَا عُرْفًا ، فَأَشْبَهَ سَائِرَ الْكِنَايَاتِ .\rوَعَلَى قِيَاسِهِ مَا لَوْ أَطْعَمَهَا ، أَوْ سَقَاهَا ، أَوْ كَسَاهَا ، وَقَالَ : هَذَا طَلَاقُك .\rأَوْ لَوْ فَعَلَتْ الْمَرْأَةُ فِعْلًا مِنْ قِيَامٍ ، أَوْ قُعُودٍ ، أَوْ فَعَلَ هُوَ","part":16,"page":251},{"id":7751,"text":"فِعْلًا ، وَقَالَ : هَذَا طَلَاقُك .\rفَهُوَ مِثْلُ لَطْمِهَا ، إلَّا فِي أَنَّ اللَّطْمَ يَدُلُّ عَلَى الْغَضَبِ الْقَائِمِ مَقَامَ النِّيَّةِ ، فَيَكُونُ هُوَ أَيْضًا قَائِمًا مَقَامَهَا فِي وَجْهٍ ، وَمَا ذَكَرْنَا لَا يَقُومُ مَقَامَ النِّيَّةِ عِنْدَ مَنْ اعْتَبَرَهَا .","part":16,"page":252},{"id":7752,"text":"( 5857 ) الْفَصْلُ الثَّانِي : أَنَّهُ إذَا أَتَى بِالْكِنَايَةِ فِي حَالِ الْغَضَبِ ، فَذَكَرَ الْخِرَقِيِّ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ أَنَّهُ يَقَعُ الطَّلَاقُ .\rوَذَكَرَ الْقَاضِي وَأَبُو بَكْرٍ ، وَأَبُو الْخَطَّابِ فِي ذَلِكَ رِوَايَتَيْنِ ؛ : إحْدَاهُمَا ، يَقَعُ الطَّلَاقُ .\rقَالَ فِي رِوَايَةِ الْمَيْمُونِي : إذَا قَالَ لِزَوْجَتِهِ : أَنْتِ حُرَّةٌ لِوَجْهِ اللَّهِ .\rفِي الرِّضَى ، لَا فِي الْغَضَبِ ، فَأَخْشَى أَنْ يَكُونَ طَلَاقًا .\rوَالرِّوَايَةُ الْأُخْرَى ، لَيْسَ بِطَلَاقٍ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيِّ ، إلَّا أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ يَقُولُ فِي : اعْتَدِّي ، وَاخْتَارِي ، وَأَمْرُك بِيَدِك .\rكَقَوْلِنَا فِي الْوُقُوعِ .\rوَاحْتَجَّا بِأَنَّ هَذَا لَيْسَ بِصَرِيحٍ فِي الطَّلَاقِ ، وَلَمْ يَنْوِهِ بِهِ ، فَلَمْ يَقَعْ بِهِ الطَّلَاقُ ، كَحَالِ الرِّضَى ، وَلِأَنَّ مُقْتَضَى اللَّفْظِ لَا يَتَغَيَّرُ بِالرِّضَى وَالْغَضَبِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنَّ مَا كَانَ مِنْ الْكِنَايَاتِ لَا يُسْتَعْمَلُ فِي غَيْرِ الْفُرْقَةِ إلَّا نَادِرًا ، نَحْوُ قَوْلِهِ : أَنْتِ حُرَّةٌ لِوَجْهِ اللَّهِ .\rوَاعْتَدِّي .\rوَاسْتَبْرِئِي .\rوَحَبْلُك عَلَى غَارِبِك .\rوَأَنْتَ بَائِنٌ .\rوَأَشْبَاهِ ذَلِكَ ، أَنَّهُ يَقَعُ فِي حَالِ الْغَضَبِ .\rوَجَوَابُ سُؤَالِ الطَّلَاقِ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ ، وَمَا كَثُرَ اسْتِعْمَالُهُ لِغَيْرِ ذَلِكَ ، نَحْوُ : اذْهَبِي .\rوَاخْرُجِي .\rوَرُوحِي .\rوَتَقَنَّعِي .\rلَا يَقَعُ الطَّلَاقُ بِهِ إلَّا بِنِيَّةٍ .\rوَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ قَرِيبٌ مِنْ هَذَا .\rوَكَلَامُ أَحْمَدَ ، وَالْخِرَقِيِّ فِي الْوُقُوعِ ، إنَّمَا وَرَدَ فِي قَوْلِهِ : أَنْتِ حُرَّةٌ .\rوَهُوَ مِمَّا لَا يَسْتَعْمِلُهُ الْإِنْسَانُ فِي حَقِّ زَوْجَتِهِ غَالِبًا إلَّا كِنَايَةً عَنْ الطَّلَاقِ ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ الِاكْتِفَاءِ بِذَلِكَ بِمُجَرَّدِ الْغَضَبِ وُقُوعُ غَيْرِهِ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ ؛ لِأَنَّ مَا كَثُرَ اسْتِعْمَالُهُ يُوجَدُ كَثِيرًا غَيْرَ مُرَادٍ بِهِ الطَّلَاقُ فِي حَالِ الرِّضَى ، فَكَذَلِكَ فِي حَالِ الْغَضَبِ ، إذْ لَا حَجْرَ عَلَيْهِ فِي اسْتِعْمَالِهِ ، وَالتَّكَلُّمِ بِهِ ، بِخِلَافِ مَا لَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِذِكْرِهِ ، فَإِنَّهُ لَمَّا قَلَّ","part":16,"page":253},{"id":7753,"text":"اسْتِعْمَالُهُ فِي غَيْرِ الطَّلَاقِ ، كَانَ مُجَرَّدُ ذِكْرِهِ يُظَنُّ مِنْهُ إرَادَةُ الطَّلَاقِ ، فَإِذَا انْضَمَّ إلَى ذَلِكَ مَجِيئُهُ عَقِيبَ سُؤَالِ الطَّلَاقِ ، أَوْ فِي حَالِ الْغَضَبِ ، قَوِيَ الظَّنُّ ، فَصَارَ ظَنًّا غَالِبًا .\rوَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى ، أَنَّ دَلَالَةَ الْحَالِ تُغَيِّرُ حُكْمَ الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ ؛ فَإِنَّ مَنْ قَالَ لَرَجُلٍ : يَا عَفِيفُ ابْنَ الْعَفِيفِ .\rحَالَ تَعْظِيمِهِ ، كَانَ مَدْحًا لَهُ ، وَإِنْ قَالَهُ فِي حَالِ شَتْمِهِ وَتَنْقُصهُ ، كَانَ قَذْفًا وَذَمًّا .\rوَلَوْ قَالَ : إنَّهُ لَا يَغْدِرُ بِذَمِّهِ ، وَلَا يَظْلِمُ حَبَّةَ خَرْدَلٍ ، وَمَا أَحَدٌ أَوْفَى ذِمَّةً مِنْهُ .\rفِي حَالِ الْمَدْحِ ، كَانَ مَدْحًا بَلِيغًا ، كَمَا قَالَ حَسَّانُ : فَمَا حَمَلَتْ مِنْ نَاقَةٍ فَوْقَ رَحْلِهَا أَبَرَّ وَأَوْفَى ذِمَّةً مِنْ مُحَمَّدِ وَلَوْ قَالَهُ فِي حَالِ الذَّمِّ كَانَ هِجَاءً قَبِيحًا ، كَقَوْلِ النَّجَاشِيِّ : قَبِيلَةٌ لَا يَغْدِرُونَ بِذِمَّةٍ وَلَا يَظْلِمُونَ النَّاسَ حَبَّةَ خَرْدَلٍ وَقَالَ آخَرُ : كَأَنَّ رَبِّي لَمْ يَخْلُقْ لِخَشْيَتِهِ سِوَاهُمْ مِنْ جَمِيعِ النَّاسِ إنْسَانَا وَهَذَا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ هِجَاءٌ قَبِيحٌ وَذَمٌّ ، حَتَّى حُكِيَ عَنْ حَسَّانَ أَنَّهُ قَالَ : مَا أَرَاهُ إلَّا قَدْ سَلَّحَ عَلَيْهِمْ .\rوَلَوْلَا الْقَرِينَةُ وَدَلَالَةُ الْحَالِ ، كَانَ مِنْ أَحْسَنِ الْمَدْحِ وَأَبْلَغِهِ .\rوَفِي الْأَفْعَالِ لَوْ أَنَّ رَجُلًا قَصْدَ رَجُلًا بِسَيْفٍ ، وَالْحَالُ يَدُلُّ عَلَى الْمَزْحِ وَاللَّعِبِ ، لَمْ يَجُزْ قَتْلُهُ ، وَلَوْ دَلَّتْ الْحَالُ عَلَى الْجِدِّ ، جَازَ دَفْعُهُ بِالْقَتْلِ .\rوَالْغَضَبُ هَاهُنَا يَدُلُّ عَلَى قَصْدِ الطَّلَاقِ ، فَيَقُومُ مَقَامَهُ .","part":16,"page":254},{"id":7754,"text":"( 5858 ) فَصْلٌ : وَإِنْ أَتَى بِالْكِنَايَةِ فِي حَالِ سُؤَالِ الطَّلَاقِ ، فَالْحُكْمُ فِيهِ كَالْحُكْمِ فِيمَا إذَا أَتَى بِهَا فِي حَالِ الْغَضَبِ ، عَلَى مَا فِيهِ مِنْ الْخِلَافِ وَالتَّفْصِيلِ .\rوَالْوَجْهُ لِذَلِكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ التَّوْجِيهِ ، إلَّا أَنَّ الْمَنْصُوصَ عَنْ أَحْمَدَ هَاهُنَا ، أَنَّهُ لَا يُصَدَّقُ فِي عَدَمِ النِّيَّةِ ، قَالَ ، فِي رِوَايَةِ أَبِي الْحَارِثِ : إذَا قَالَ : لَمْ أَنْوِهِ .\rصُدِّقَ فِي ذَلِكَ ، إذَا لَمْ تَكُنْ سَأَلْته الطَّلَاقَ ، فَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا غَضَبٌ قَبْلَ ذَلِكَ فَيُفَرَّقُ بَيْنَ كَوْنِهِ جَوَابًا لِلسُّؤَالِ ، وَكَوْنِهِ فِي حَالِ الْغَضَبِ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْجَوَابَ يَنْصَرِفُ إلَى السُّؤَالِ ، فَلَوْ قَالَ : لِي عِنْدَك دِينَارٌ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، أَوْ : صَدَقْت .\rكَانَ إقْرَارًا بِهِ ، وَلَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ تَفْسِيرُهُ بِغَيْرِ الْإِقْرَارِ .\rوَلَوْ قَالَ : زَوَّجْتُك ابْنَتِي أَوْ بِعْتُك ثَوْبِي هَذَا .\rفَقَالَ : قَبِلْت .\rصَحَّ وَكَفَى ، وَلَمْ يَحْتَجْ إلَى زِيَادَةٍ عَلَيْهِ .\rوَلَوْ أَرَادَ بِالْكِنَايَةِ حَالَ الْغَضَبِ ، أَوْ سُؤَالِ الطَّلَاقِ غَيْرَ الطَّلَاقِ ، لَمْ يَقَعْ الطَّلَاقُ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَرَادَهُ بِالصَّرِيحِ لَمْ يَقَعْ ، فَبِالْكِنَايَةِ أَوْلَى .\rوَإِذَا ادَّعَى ذَلِكَ دُيِّنَ .\rوَهَلْ يُقْبَلُ فِي الْحُكْمِ ؟ فَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ ، فِي رِوَايَةِ أَبِي الْحَارِثِ ، أَنَّهُ يُصَدَّقُ إنْ كَانَ فِي الْغَضَبِ ، وَلَا يُصَدَّقُ إنْ كَانَ جَوَابًا لِسُؤَالِ الطَّلَاقِ .\rوَنُقِلَ عَنْهُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ ، أَنَّهُ إذَا قَالَ : أَنْتِ خَلِيَّةٌ ، أَوْ بَرِيئَةٌ ، أَوْ بَائِنٌ .\rوَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا ذِكْرُ طَلَاقٍ وَلَا غَضَبٌ ، صُدِّقَ .\rفَمَفْهُومُهُ أَنَّهُ لَا يُصَدَّقُ مَعَ وُجُودِهِمَا .\rوَحُكِيَ هَذَا عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ، إلَّا فِي الْأَرْبَعَةِ الْمَذْكُورَةِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يُصَدَّقُ ؛ لِمَا رَوَى سَعِيدٌ بِإِسْنَادِهِ أَنَّ رَجُلًا خَطَبَ إلَى قَوْمٍ فَقَالُوا : لَا نُزَوِّجُك حَتَّى تُطَلِّقَ امْرَأَتَك .\rفَقَالَ : قَدْ طَلَّقْت ثَلَاثًا .\rفَزَوَّجُوهُ ، ثُمَّ أَمْسَكَ امْرَأَته ، فَقَالُوا : أَلَمْ تَقُلْ إنَّك طَلَّقْت ثَلَاثًا ؟ قَالَ : أَلَمْ","part":16,"page":255},{"id":7755,"text":"تَعْلَمُوا أَنِّي تَزَوَّجْت فُلَانَةَ وَطَلَّقْتهَا ، ثُمَّ تَزَوَّجْت فُلَانَةَ وَطَلَّقْتهَا ، ثُمَّ تَزَوَّجْت فُلَانَةَ وَطَلَّقْتهَا ؟ فَسُئِلَ عُثْمَانُ عَنْ ذَلِكَ ، فَقَالَ : لَهُ نِيَّتُهُ .\rوَلِأَنَّهُ أَمْرٌ يُعْتَبَرُ نِيَّتُهُ فِيهِ ، فَقُبِلَ قَوْلُهُ فِيمَا يَحْتَمِلُهُ ، كَمَا لَوْ كَرَّرَ لَفْظًا ، وَقَالَ : أَرَدْت التَّوْكِيدَ .","part":16,"page":256},{"id":7756,"text":"( 5859 ) مَسْأَلَةٌ ؛ ( قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ : وَإِذَا قَالَ لَهَا : أَنْتِ خَلِيَّةٌ ، أَوْ أَنْتِ بَرِيَّةٌ ، أَوْ أَنْتِ بَائِنٌ ، أَوْ حَبْلُك عَلَى غَارِبِك ، أَوْ الْحَقِي بِأَهْلِك .\rفَهُوَ عِنْدِي ثَلَاثٌ وَلَكِنِّي أَكْرَهُ أَنْ أُفْتِيَ بِهِ ، سَوَاءٌ دَخَلَ بِهَا أَوْ لَمْ يَدْخُلْ ) أَكْثَرُ الرِّوَايَاتِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ، كَرَاهِيَةُ الْفُتْيَا فِي هَذِهِ الْكِنَايَاتِ ، مَعَ مَيْلِهِ إلَى أَنَّهَا ثَلَاثٌ ، وَحَكَى ابْنُ أَبِي مُوسَى ، فِي \" الْإِرْشَادِ \" عَنْهُ رِوَايَتَيْنِ ؛ إحْدَاهُمَا ، أَنَّهَا ثَلَاثٌ .\rوَالثَّانِيَةُ ، يَرْجِعُ إلَى مَا نَوَاهُ .\rاخْتَارَهَا أَبُو الْخَطَّابِ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ، قَالَ : يُرْجَعُ إلَى مَا نَوَى ، فَإِنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا وَقَعَتْ وَاحِدَةٌ .\rوَنَحْوُهُ قَوْلُ النَّخَعِيِّ ، إلَّا أَنَّهُ قَالَ : يَقَعُ طَلْقَةٌ بَائِنَةٌ ؛ لِأَنَّ لَفْظَهُ يَقْتَضِي الْبَيْنُونَةَ ، وَلَا يَقْتَضِي عَدَدًا .\rوَرَوَى حَنْبَلٌ ، عَنْ أَحْمَدَ ، مَا يَدُلُّ عَلَى هَذَا ؛ فَإِنَّهُ قَالَ : يَزِيدُهَا فِي مَهْرِهَا إنْ أَرَادَ رَجْعَتَهَا .\rوَلَوْ وَقَعَ ثَلَاثًا لَمْ يُبَحْ لَهُ رَجْعَتُهَا ، وَلَوْ لَمْ تَبِنْ لَمْ يَحْتَجْ إلَى زِيَادَةٍ فِي مَهْرِهَا .\rوَاحْتَجَّ الشَّافِعِيُّ بِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادِهِ ، { أَنَّ رُكَانَةَ بْنَ عَبْدِ يَزِيدَ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ سُهَيْمَةَ أَلْبَتَّةَ ، فَأَخْبَرَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ ، وَقَالَ : وَاَللَّهِ مَا أَرَدْت إلَّا وَاحِدَةً .\rفَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاَللَّهِ مَا أَرَدْت إلَّا وَاحِدَةً ؟ فَقَالَ رُكَانَةُ : آللَّهِ مَا أَرَدْت إلَّا وَاحِدَةً .\rفَرَدَّهَا إلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَطَلَّقَهَا الثَّانِيَةَ فِي زَمَنِ عُمَرَ ، وَالثَّالِثَةَ فِي زَمَنِ عُثْمَانَ .\r} قَالَ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الطَّنَافِسِيُّ : مَا أَشْرَفَ هَذَا الْحَدِيثَ .\rوَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِابْنَةِ الْجَوْنِ : \" الْحَقِي بِأَهْلِك \" .\rوَلَمْ يَكُنْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيُطَلِّقَ ثَلَاثًا وَقَدْ نَهَى","part":16,"page":257},{"id":7757,"text":"عَنْ ذَلِكَ ، وَلِأَنَّ الْكِنَايَاتِ مَعَ النِّيَّةِ كَالصَّرِيحِ ، فَلَمْ يَقَعْ بِهِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ أَكْثَرُ مِنْ وَاحِدَةٍ ، كَقَوْلِهِ : أَنْتِ طَالِقٌ .\rوَقَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ : إنْ نَوَى ثَلَاثًا فَثَلَاثٌ ، وَإِنْ نَوَى اثْنَتَيْنِ أَوْ وَاحِدَةً وَقَعَتْ وَاحِدَةٌ ، وَلَا يَقَعُ اثْنَتَانِ ؛ لِأَنَّ الْكِنَايَةَ تَقْضِي الْبَيْنُونَةَ دُونَ الْعَدَدِ ، وَالْبَيْنُونَةُ بَيْنُونَتَانِ صُغْرَى وَكُبْرَى ، فَالصُّغْرَى بِالْوَاحِدَةِ ، وَالْكُبْرَى بِالثَّلَاثِ ، وَلَوْ أَوْقَعْنَا اثْنَتَيْنِ كَانَ مُوجِبُهُ الْعَدَدَ ، وَهِيَ لَا تَقْتَضِيهِ .\rوَقَالَ رَبِيعَةُ ، وَمَالِكٌ : يَقَعُ بِهَا الثَّلَاثُ ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ إلَّا فِي خُلْعٍ أَوْ قَبْلَ الدُّخُولِ ، فَإِنَّهَا تَطْلُقُ وَاحِدَةً ؛ لِأَنَّهَا تَقْتَضِي الْبَيْنُونَةَ ، وَالْبَيْنُونَةُ تَحْصُلُ فِي الْخُلْعِ وَقَبْلَ الدُّخُولِ بِوَاحِدَةٍ ، فَلَمْ يُزَدْ عَلَيْهَا ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ لَا يَقْتَضِي زِيَادَةً عَلَيْهَا ، وَفِي غَيْرِهِمَا يَقَعُ الثَّلَاثُ ضَرُورَةَ أَنَّ الْبَيْنُونَةَ لَا تَحْصُلُ إلَّا بِهَا ، وَوَجْهُ أَنَّهَا ثَلَاثٌ أَنَّهُ قَوْلُ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ، وَابْنِ عُمَرَ ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، أَنَّهَا ثَلَاثٌ .\rقَالَ أَحْمَدُ فِي الْخَلِيَّةِ وَالْبَرِيَّةِ وَالْبَتَّةِ : قَوْلُ عَلِيٍّ وَابْنِ عُمَرَ قَوْلٌ صَحِيحٌ ثَلَاثًا .\rوَقَالَ عَلِيٌّ ، وَالْحَسَنُ ، وَالزُّهْرِيُّ ، فِي الْبَائِنِ : إنَّهَا ثَلَاثٌ .\rوَرَوَى النَّجَّادُ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ نَافِعٍ ، أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إلَى عَاصِمٍ وَابْنِ الزُّبَيْرِ فَقَالَ : إنَّ ظِئْرِي هَذَا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ أَلْبَتَّةَ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا ، فَهَلْ تَجِدَانِ لَهُ رُخْصَةً ؟ فَقَالَا : لَا ، وَلَكِنَّا تَرَكْنَا ابْنَ عَبَّاسٍ وَأَبَا هُرَيْرَةَ عِنْدَ عَائِشَةَ ، فَسَلْهُمْ ، ثُمَّ ارْجِعْ إلَيْنَا ، فَأَخْبِرْنَا .\rفَسَأَلَهُمْ ، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : لَا تَحِلُّ لَهُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ .\rوَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ هِيَ ثَلَاثٌ .\rوَذَكَرَ عَنْ عَائِشَةَ مُتَابَعَتَهُمَا .\rوَرَوَى النَّجَّادُ بِإِسْنَادِهِ ، أَنَّ","part":16,"page":258},{"id":7758,"text":"عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ جَعَلَ أَلْبَتَّةَ وَاحِدَةً ، ثُمَّ جَعَلَهَا بَعْدَ ثَلَاثِ تَطْلِيقَاتٍ .\rوَهَذِهِ أَقْوَالُ عُلَمَاءِ الصَّحَابَةِ ، وَلَمْ يُعْرَفُ لَهُمْ مُخَالِفٌ فِي عَصْرِهِمْ ، فَكَانَ إجْمَاعًا ، وَلِأَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ بِلَفْظٍ يَقْتَضِي الْبَيْنُونَةَ ، فَوَجَبَ الْحُكْمُ بِطَلَاقٍ تَحْصُلُ بِهِ الْبَيْنُونَةُ ، كَمَا لَوْ طَلَّقَ ثَلَاثًا ، أَوْ نَوَى الثَّلَاثَ ، وَاقْتِضَاؤُهُ لِلْبَيْنُونَةِ ظَاهِرٌ فِي قَوْلِهِ : أَنْتِ بَائِنٌ .\rوَكَذَا فِي قَوْلِهِ : أَلْبَتَّةَ ؛ لِأَنَّ الْبَتَّ الْقَطْعُ ، فَكَأَنَّهُ قَطَعَ النِّكَاحَ كُلَّهُ ، وَلِذَلِكَ يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ الطَّلَاقِ الثَّلَاثِ ، كَمَا قَالَتْ امْرَأَةُ رِفَاعَةَ إنَّ رِفَاعَةَ طَلَّقَنِي فَبَتَّ طَلَاقِي .\rوَبَتَلَهُ هُوَ الْقَطْعُ أَيْضًا ؛ وَلِذَلِكَ قِيلَ فِي مَرْيَمَ الْبَتُولُ ؛ لِانْقِطَاعِهَا عَنْ النِّكَاحِ .\rوَنَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ التَّبَتُّلِ ، وَهُوَ الِانْقِطَاعُ عَنْ النِّكَاحِ بِالْكُلِّيَّةِ .\rوَكَذَلِكَ الْخَلِيَّةُ وَالْبَرِيَّةُ يَقْتَضِيَانِ الْخُلُوَّ مِنْ النِّكَاحِ وَالْبَرَاءَةَ مِنْهُ ، وَإِذَا كَانَ لِلَّفْظِ مَعْنَى ، فَاعْتَبَرَهُ الشَّرْعُ ، إنَّمَا يُعْتَبَرُ فِيمَا يَقْتَضِيهِ وَيُؤَدِّي مَعْنَاهُ ، وَلَا سَبِيلَ إلَى الْبَيْنُونَةِ بِدُونِ الثَّلَاثِ ، فَوَقَعَتْ ضَرُورَةُ الْوَفَاءِ بِمَا يَقْتَضِيهِ لَفْظُهُ ، وَلَا يُمْكِنُ إيقَاعُ وَاحِدَةٍ بَائِنٍ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ بِصَرِيحِ الطَّلَاقِ ، فَكَذَلِكَ بِكِنَايَاتِهِ ، وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ الْمَدْخُولِ بِهَا وَغَيْرِهَا ؛ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ لَمْ يُفَرِّقُوا ، وَلِأَنَّ كُلَّ لَفْظَةٍ أَوْجَبَتْ الثَّلَاثَ فِي الْمَدْخُولِ بِهَا ، أَوْجَبَتْهَا فِي غَيْرِهَا ، كَقَوْلِهِ : أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا .\rفَأَمَّا حَدِيثُ رُكَانَةَ ؛ فَإِنَّ أَحْمَدَ ضَعَّفَ إسْنَادَهُ ، فَلِذَلِكَ تَرَكَهُ .\rوَأَمَّا قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِابْنَةِ الْجَوْنِ : \" الْحَقِي بِأَهْلِك \" .\rفَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذِهِ اللَّفْظَةَ لَا تَقْتَضِي الثَّلَاثَ ، وَلَيْسَتْ مِنْ اللَّفَظَاتِ الَّتِي قَالَ الصَّحَابَةُ فِيهَا بِالثَّلَاثِ ، وَلَا هِيَ","part":16,"page":259},{"id":7759,"text":"مِثْلُهَا ، فَيُقْصَرُ الْحُكْمُ عَلَيْهَا .\rوَقَوْلُهُمْ : إنَّ الْكِنَايَةَ بِالنِّيَّةِ كَالصَّرِيحِ .\rقُلْنَا : نَعَمْ ، إلَّا أَنَّ الصَّرِيحَ يَنْقَسِمُ إلَى ثَلَاثٍ تَحْصُلُ بِهَا الْبَيْنُونَةُ ، وَإِلَى مَا دُونَهَا مِمَّا لَا تَحْصُلُ بِهِ الْبَيْنُونَةُ ، فَكَذَلِكَ الْكِنَايَةُ تَنْقَسِمُ كَذَلِكَ ، فَمِنْهَا مَا يَقُومُ مَقَامَ الصَّرِيحِ الْمُحَصِّلِ لِلْبَيْنُونَةِ ، وَهُوَ هَذِهِ الظَّاهِرَةُ ، وَمِنْهَا مَا يَقُومُ مَقَامَ الْوَاحِدَةِ ، وَهُوَ مَا عَدَاهَا ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .\r( 5860 ) فَصْلٌ : وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّ ظَاهِرَ كَلَامِ أَحْمَدَ ، وَالْخِرَقِيِّ ؛ أَنَّ الطَّلَاقَ يَقَعُ بِهَذِهِ الْكِنَايَاتِ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ ، كَقَوْلِ مَالِكٍ ؛ لِأَنَّهُ اشْتَهَرَ اسْتِعْمَالُهَا فِيهِ ، فَلَمْ تَحْتَجْ إلَى نِيَّةٍ كَالصَّرِيحِ .\rوَمَفْهُومُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ أَنَّهُ لَا يَقَعُ إلَّا بِنِيَّةٍ ؛ لِقَوْلِهِ : وَإِذَا أَتَى بِصَرِيحِ الطَّلَاقِ وَقَعَ نَوَاهُ أَوْ لَمْ يَنْوِهِ .\rفَمَفْهُومُهُ أَنَّ غَيْرَ الصَّرِيحِ لَا يَقَعُ إلَّا بِنِيَّةٍ ، وَلِأَنَّ هَذَا كِنَايَةٌ ، فَلَمْ يَثْبُتْ حُكْمُهُ بِغَيْرِ نِيَّةٍ ، كَسَائِرِ الْكِنَايَاتِ .","part":16,"page":260},{"id":7760,"text":"( 5861 ) فَصْلٌ : وَالْكِنَايَةُ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ ؛ ظَاهِرَةٌ ، وَهِيَ سِتَّةُ أَلْفَاظٍ ؛ خَلِيَّةٌ ، وَبَرِيَّةٌ ، وَبَائِنٌ ، وَبَتَّةٌ ، وَبَتْلَةٌ ، وَأَمْرُك بِيَدِك .\rالْحُكْمُ فِيهَا مَا بَيَّنَّاهُ فِي هَذَا الْفَصْلِ .\rوَإِنْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ بَائِنٌ ، أَوْ أَلْبَتَّةَ .\rفَكَذَلِكَ إلَّا أَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ ؛ لِأَنَّهُ وَصَفَ بِهَا الطَّلَاقَ الصَّرِيحَ .\rوَإِنْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ لَا رَجْعَةَ لِي عَلَيْك .\rوَهِيَ مَدْخُولٌ بِهَا ، فَهِيَ ثَلَاثٌ .\rقَالَ أَحْمَدُ : إذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ : أَنْتِ طَالِقٌ لَا رَجْعَةَ فِيهَا ، وَلَا مَثْنَوِيَّةَ .\rهَذِهِ مِثْلُ الْخَلِيَّةِ وَالْبَرِيَّةِ ثَلَاثًا ، هَكَذَا هُوَ عِنْدِي .\rوَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَإِنْ قَالَ : وَلَا رَجْعَةَ لِي فِيهَا .\rبِالْوَاوِ ، فَكَذَلِكَ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ : تَكُونُ رَجْعِيَّةً ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَصِفْ الطَّلْقَةَ بِذَلِكَ ، وَإِنَّمَا عَطَفَ عَلَيْهَا .\rوَلَنَا ، أَنَّ الصِّفَةَ تَصِحُّ مَعَ الْعِطْفِ ، كَمَا لَوْ قَالَ : بِعْتُك بِعَشْرَةِ وَهِيَ مَغْرِبِيَّةٌ صَحَّ ، وَكَانَ صِفَةً لِلثَّمَنِ .\rقَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { إلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ } .\rوَإِنْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً بَائِنًا أَوْ وَاحِدَةً بَتَّةً .\rفَفِيهَا ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ ؛ إحْدَاهُنَّ ، أَنَّهَا وَاحِدَةٌ رَجْعِيَّةٌ ، وَيَلْغُو مَا بَعْدَهَا .\rقَالَ أَحْمَدُ : لَا أَعْرِفُ شَيْئًا مُتَقَدِّمًا ، إنْ نَوَى وَاحِدَةً تَكُونُ بَائِنًا وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ وَصَفَ الطَّلْقَةَ بِمَا لَا تَتَّصِفُ بِهِ ، فَلَغَتْ الصِّفَةُ ، كَمَا لَوْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ لَا تَقَعُ عَلَيْك .\rوَالثَّانِيَةُ : هِيَ ثَلَاثٌ .\rقَالَهُ أَبُو بَكْرٍ ، وَقَالَ : هُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِمَا يَقْتَضِي الثَّلَاثَ ، فَوَقَعَ ، وَلَغَا قَوْلُهُ : وَاحِدَةً .\rكَمَا لَوْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً ثَلَاثًا .\rوَالثَّالِثَةُ ، رَوَاهَا حَنْبَلٌ عَنْ أَحْمَدَ ، إذَا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَاحِدَةً أَلْبَتَّةَ ، فَإِنَّ أَمْرَهَا بِيَدِهَا ، يَزِيدُهَا فِي مَهْرِهَا إنْ أَرَادَ رَجْعَتَهَا .\rفَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ","part":16,"page":261},{"id":7761,"text":"أَوْقَعَ بِهَا وَاحِدَةً بَائِنًا ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ أَمْرَهَا بِيَدِهَا ، وَلَوْ كَانَتْ رَجْعِيَّةً لَمَا كَانَ أَمْرُهَا بِيَدِهَا ، وَلَا احْتَاجَتْ إلَى زِيَادَةٍ فِي مَهْرِهَا ، وَلَوْ وَقَعَ ثَلَاثٌ لَمَا حَلَّتْ لَهُ رَجْعَتُهَا .\rوَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : هَذِهِ الرِّوَايَةُ تُخَرَّجُ فِي جَمِيعِ الْكِنَايَاتِ الظَّاهِرَةِ ، فَيَكُونُ ذَلِكَ مِثْلَ قَوْلِ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ .\rوَوَجْهُهُ أَنَّهُ أَوْقَعَ الطَّلَاقَ بِصِفَةِ الْبَيْنُونَةِ ، فَوَقَعَ عَلَى مَا أَوْقَعَهُ ، وَلَمْ يَزِدْ عَلَى وَاحِدَةٍ ؛ لِأَنَّ لَفْظَهُ لَمْ يَقْتَضِ عَدَدًا ، فَلَمْ يَقَعْ أَكْثَرُ مِنْ وَاحِدَةٍ ، كَمَا لَوْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ .\rوَحَمَلَ الْقَاضِي رِوَايَةَ حَنْبَلٍ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ .\rالْقَسَمُ الثَّانِي ، مُخْتَلَفٌ فِيهَا ، وَهِيَ ضَرْبَانِ ؛ مَنْصُوصٌ عَلَيْهَا ، وَهِيَ عَشْرَةٌ ؛ الْحَقِي بِأَهْلِك .\rوَحَبْلُك عَلَى غَارِبِك .\rوَلَا سَبِيلَ لِي عَلَيْك .\rوَأَنْتِ عَلَيَّ حَرَجٌ .\rوَأَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ .\rوَاذْهَبِي فَتَزَوَّجِي مَنْ شِئْت .\rوَغَطِّي شَعْرَك .\rوَأَنْتِ حُرَّةٌ .\rوَقَدْ أَعْتَقْتُك .\rفَهَذِهِ عَنْ أَحْمَدَ فِيهَا رِوَايَتَانِ ؛ : إحْدَاهُمَا ، أَنَّهَا ثَلَاثٌ .\rوَالثَّانِيَةُ ، تَرْجِعُ إلَى مَا نَوَاهُ ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا ، فَوَاحِدَةٌ ، كَسَائِرِ الْكِنَايَاتِ .\rوَالضَّرْبُ الثَّانِي ، مَقِيسٌ عَلَى هَذِهِ ، وَهِيَ اسْتَبْرِئِي رَحِمَك .\rوَحَلَلْت لِلْأَزْوَاجِ .\rوَتَقَنَّعِي .\rوَلَا سُلْطَانَ لِي عَلَيْك .\rفَهَذِهِ فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ عَلَيْهَا ، فَيَكُونُ حُكْمُهَا حُكْمَهَا .\rوَالصَّحِيحُ فِي قَوْلِهِ : الْحَقِي بِأَهْلِك .\rأَنَّهَا وَاحِدَةٌ ، وَلَا تَكُونُ ثَلَاثًا إلَّا بِنِيَّةٍ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِابْنَةِ الْجَوْنِ : { الْحَقِي بِأَهْلِك } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيُطَلِّقَ ثَلَاثًا وَقَدْ نَهَى أُمَّتَهُ عَنْ ذَلِكَ .\rقَالَ الْأَثْرَمُ : قُلْت لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ : إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِابْنَةِ الْجَوْنِ : \" الْحَقِي بِأَهْلِك \" .\rوَلَمْ يَكُنْ","part":16,"page":262},{"id":7762,"text":"طَلَاقًا غَيْرَ هَذَا ، وَلَمْ يَكُنْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيُطَلِّقَ ثَلَاثًا ، فَيَكُونَ غَيْرَ طَلَاقِ السُّنَّةِ .\rفَقَالَ : لَا أَدْرِي .\rوَكَذَلِكَ قَوْلُهُ : اعْتَدِّي وَاسْتَبْرِئِي رَحِمَك .\rلَا يَخْتَصُّ الثَّلَاثَ ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ يَكُونُ مِنْ الْوَاحِدَةِ ، كَمَا يَكُونُ مِنْ الثَّلَاثِ .\rوَقَدْ رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَنَّهُ قَالَ لِسَوْدَةِ ابْنَةِ زَمْعَةَ : اعْتَدِّي } ، فَجَعَلَهَا تَطْلِيقَةً .\rوَرَوَى هُشَيْمٌ أَنْبَأْنَا الْأَعْمَشُ ، عَنْ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو ، أَنَّ نُعَيْمَ بْنَ دَجَاجَةَ الْأَسَدِيُّ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ تَطْلِيقَتَيْنِ ، ثُمَّ قَالَ : هِيَ عَلَيَّ حَرَجٌ .\rوَكَتَبَ فِي ذَلِكَ إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، فَقَالَ : أَمَّا إنَّهَا لَيْسَتْ بِأَهْوَنِهِنَّ .\rوَأَمَّا سَائِرُ اللَّفَظَاتِ ، فَإِنْ قُلْنَا : هِيَ ظَاهِرَةٌ ؛ فَلِأَنَّ مَعْنَاهَا مَعْنَى الظَّاهِرَةِ ، فَإِنَّ قَوْلَهُ : لَا سَبِيلَ لِي عَلَيْك ، وَلَا سُلْطَانَ لِي عَلَيْك .\rإنَّمَا يَكُونُ فِي الْمَبْتُوتَةِ ، أَمَّا الرَّجْعِيَّةُ فَلَهُ عَلَيْهَا سَبِيلٌ وَسُلْطَانٌ .\rوَقَوْلُهُ : أَنْتِ حُرَّةٌ ، أَوْ أَعْتَقْتُك .\rيَقْتَضِي ذَهَابَ الرِّقِّ عَنْهَا ، وَخُلُوصَهَا مِنْهُ ، وَالرِّقُّ هَاهُنَا النِّكَاحُ .\rوَقَوْلُهُ : أَنْتِ حَرَامٌ يَقْتَضِي بَيْنُونَتَهَا مِنْهُ ؛ لِأَنَّ الرَّجْعِيَّةَ غَيْرُ مُحَرَّمَةٍ .\rوَكَذَلِكَ : حَلَلْت لِلْأَزْوَاجِ ، لِأَنَّك بِنْتِ مِنِّي .\rوَكَذَلِكَ سَائِرُهَا .\rوَإِنْ قُلْنَا : هِيَ وَاحِدَةٌ .\rفَلِأَنَّهَا مُحْتَمِلَةٌ ، فَإِنَّ قَوْلَهُ : حَلَلْت لِلْأَزْوَاجِ .\rأَيْ بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّتِك ، إذْ لَا يُمْكِنُ حِلُّهَا قَبْلَ ذَلِكَ ، وَالْوَاحِدَةُ تُحِلُّهَا .\rوَكَذَلِكَ : انْكِحِي مَنْ شِئْت .\rوَسَائِرُ الْأَلْفَاظِ ، يَتَحَقَّقُ مَعْنَاهَا بَعْدَ قَضَاءِ عِدَّتِهَا .\rالْقَسَمُ الثَّالِثُ ، الْخَفِيَّةُ نَحْوُ : اُخْرُجِي .\rوَاذْهَبِي .\rوَذُوقِي .\rوَتَجَرَّعِي .\rوَأَنْتِ مُخَلَّاةٌ .\rوَاخْتَارِي .\rوَوَهَبْتُك لِأَهْلِك .\rوَسَائِرُ مَا يَدُلُّ عَلَى الْفُرْقَةِ ، وَيُؤَدِّي مَعْنَى الطَّلَاقِ سِوَى مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ ، فَهَذِهِ","part":16,"page":263},{"id":7763,"text":"ثَلَاثٌ إنْ نَوَى ثَلَاثًا ، وَاثْنَتَانِ إنْ نَوَاهُمَا ، وَوَاحِدَةٌ إنْ نَوَاهَا أَوْ أَطْلَقَ .\rقَالَ أَحْمَدُ : مَا ظَهَرَ مِنْ الطَّلَاقِ فَهُوَ عَلَى مَا ظَهَرَ ، وَمَا عَنَى بِهِ الطَّلَاقَ فَهُوَ عَلَى مَا عَنَى ، مِثْلُ : حَبْلُك عَلَى غَارِبِك .\rإذَا نَوَى وَاحِدَةً ، أَوْ اثْنَتَيْنِ ، أَوْ ثَلَاثًا ، فَهُوَ عَلَى مَا نَوَى ، وَمِثْلُ : لَا سَبِيلَ لِي عَلَيْك .\rوَإِذَا نَصَّ فِي هَاتَيْنِ عَلَى أَنَّهُ يُرْجَعُ إلَى نِيَّتِهِ ، فَكَذَلِكَ سَائِرُ الْكِنَايَاتِ .\rوَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَقَعُ اثْنَتَانِ ، وَإِنْ نَوَاهُمَا وَقَعَ وَاحِدَةٌ .\rوَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ ذَلِكَ .\rوَإِنْ قَالَ : أَنْتِ وَاحِدَةٌ .\rفَهِيَ كِنَايَةٌ خَفِيَّةٌ ، لَكِنَّهَا لَا تَقَعُ بِهَا إلَّا وَاحِدَةٌ .\rوَإِنْ نَوَى ثَلَاثًا ؛ لِأَنَّهَا لَا تَحْتَمِلُ غَيْرَ الْوَاحِدَةِ .\rوَإِنْ قَالَ : أَغْنَاك اللَّهُ .\rفَهِيَ كِنَايَةٌ خَفِيَّةٌ ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ : أَغْنَاك اللَّهُ بِالطَّلَاقِ .\rلِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ } .","part":16,"page":264},{"id":7764,"text":"( 5862 ) فَصْلٌ : وَالطَّلَاقُ الْوَاقِعُ بِالْكِنَايَاتِ رَجْعِيٌّ ، مَا لَمْ يَقَعْ الثَّلَاثُ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ .\rوَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ كُلُّهَا بَوَائِنُ ، إلَّا : اعْتَدِّي .\rوَاسْتَبْرِئِي رَحِمَك .\rوَأَنْتِ وَاحِدَةٌ ؛ لِأَنَّهَا تَقْتَضِي الْبَيْنُونَةَ ، فَتَقَعُ الْبَيْنُونَةُ ، كَقَوْلِهِ : أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا .\rوَلَنَا أَنَّهُ طَلَاقٌ صَادَفَ مَدْخُولًا بِهَا مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ ، وَلَا اسْتِيفَاءِ عَدَدٍ ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ رَجْعِيًّا ، كَصَرِيحِ الطَّلَاقِ ، وَمَا سَلَّمُوهُ مِنْ الْكِنَايَاتِ .\rوَقَوْلُهُمْ : إنَّهَا تَقْتَضِي الْبَيْنُونَةَ قُلْنَا : فَيَنْبَغِي أَنْ تَبِينَ بِثَلَاثٍ ؛ لِأَنَّ الْمَدْخُولَ بِهَا لَا تَبِينُ إلَّا بِثَلَاثٍ أَوْ عِوَضٍ .","part":16,"page":265},{"id":7765,"text":"( 5863 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا مَا لَا يُشْبِهُ الطَّلَاقَ ، وَلَا يَدُلُّ عَلَى الْفِرَاقِ ، كَقَوْلِهِ : اُقْعُدِي .\rوَقُومِي .\rوَكُلِي .\rوَاشْرَبِي .\rوَاقْرَبِي .\rوَأَطْعِمِينِي وَاسْقِينِي .\rوَبَارَكَ اللَّهُ عَلَيْك .\rوَغَفَرَ اللَّهُ لَك .\rوَمَا أَحْسَنَك .\rوَأَشْبَاهِ ذَلِكَ ، فَلَيْسَ بِكِنَايَةٍ ، وَلَا تَطْلُقُ بِهِ ، وَإِنْ نَوَى ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ لَا يَحْتَمِلُ الطَّلَاقَ ، فَلَوْ وَقَعَ الطَّلَاقُ بِهِ لَوَقَعَ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهُ لَا يَقَعُ بِهَا .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ .\rوَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ فِي قَوْلِهِ : كُلِي .\rوَاشْرَبِي .\rفَقَالَ بَعْضُهُمْ : كَقَوْلِنَا ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ : هُوَ كِنَايَةٌ ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ : كُلِي أَلَمَ الطَّلَاقِ .\rوَاشْرَبِي كَأْسَ الْفِرَاقِ .\rفَوَقَعَ بِهِ ، كَقَوْلِنَا : ذُوقِي ، وَتَجَرَّعِي .\rوَلَنَا ، أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ لَا يُسْتَعْمَلُ بِمُفْرَدِهِ إلَّا فِيمَا لَا ضَرَرَ فِيهِ ، كَنَحْوِ قَوْله تَعَالَى : { كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } .\rوَقَالَ : { فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا } .\rفَلَمْ يَكُنْ كِنَايَةً ، كَقَوْلِهِ : أَطْعِمِينِي .\rوَفَارَقَ ذُوقِي .\rوَتَجَرَّعِي ؛ فَإِنَّهُ يُسْتَعْمَلُ فِي الْمَكَارِهِ ، كَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { ذُقْ إنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ .\r} { وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ } .\r{ وَذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ } .\rوَكَذَلِكَ التَّجَرُّعُ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ } .\rفَلَمْ يَصِحَّ أَنْ يَلْحَقَ بِهِمَا مَا لَيْسَ مِثْلَهُمَا .","part":16,"page":266},{"id":7766,"text":"( 5864 ) فَصْلٌ : فَإِنْ قَالَ : أَنَا مِنْك طَالِقٌ .\rأَوْ جَعَلَ أَمْرَ امْرَأَتِهِ بِيَدِهَا ، فَقَالَتْ : أَنْتِ طَالِقٌ .\rلَمْ تَطْلُقْ زَوْجَتُهُ .\rنَصَّ عَلَيْهِ ، فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ .\rوَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَأَبِي عُبَيْدٍ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .\rوَقَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ : تَطْلُقُ إذَا نَوَى بِهِ الطَّلَاقَ وَرُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ ، وَعَطَاءٍ ، وَالنَّخَعِيِّ ، وَالْقَاسِمِ ، وَإِسْحَاقَ ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ إزَالَةُ النِّكَاحِ ، وَهُوَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمَا ، فَإِذَا صَحَّ فِي أَحَدِهِمَا صَحَّ فِي الْآخَرِ .\rوَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ لَا يَقَعُ بِهِ الطَّلَاقُ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ مَحَلٌّ لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ بِإِضَافَتِهِ إلَيْهِ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ ، فَلَمْ يَقَعْ وَإِنْ نَوَى ، كَالْأَجْنَبِيِّ ، وَلِأَنَّهُ لَوْ قَالَ : أَنَا طَالِقٌ وَلَمْ يَقُلْ : مِنْك .\rلَمْ يَقَعْ ، وَلَوْ كَانَ مَحَلًّا لِلطَّلَاقِ لَوَقَعَ بِذَلِكَ ، كَالْمَرْأَةِ ، وَلِأَنَّ الرَّجُلَ مَالِكٌ فِي النِّكَاحِ ، وَالْمَرْأَةَ مَمْلُوكَةٌ ، فَلَمْ يَقَعْ إزَالَةُ الْمِلْكِ بِإِضَافَةِ الْإِزَالَةِ إلَى الْمَالِكِ ، كَالْعِتْقِ ، وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا أَنَّ الرَّجُلَ لَا يُوصَفُ بِأَنَّهُ مُطَلَّقٌ ، بِخِلَافِ الْمَرْأَةِ .\rوَجَاءَ رَجُلٌ إلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَقَالَ : مَلَّكْت امْرَأَتِي أَمْرَهَا ، فَطَلَّقَتْنِي ثَلَاثًا .\rفَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : خَطَّأَ اللَّهُ نَوَاهَا ، إنَّ الطَّلَاقَ لَك وَلَيْسَ لَهَا عَلَيْك .\rرَوَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ ، وَالْأَثْرَمُ ، وَاحْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ ( 5865 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَالَ : أَنَا مِنْك بَائِنٌ .\rأَوْ بَرِيءٌ .\rفَقَدْ تَوَقَّفَ أَحْمَدُ فِيهِ .\rقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ حَامِدٍ : يَتَخَرَّجُ عَلَى وَجْهَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، لَا يَقَعُ ؛ لِأَنَّ الرَّجُلَ مَحَلٌّ لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ بِإِضَافَةِ صَرِيحِهِ إلَيْهِ ، فَلَمْ يَقَعْ بِإِضَافَةِ كِنَايَتِهِ إلَيْهِ ، كَالْأَجْنَبِيِّ .\rوَالثَّانِي ، يَقَعُ ؛ لِأَنَّ لَفْظَ الْبَيْنُونَةِ وَالْبَرَاءَةِ","part":16,"page":267},{"id":7767,"text":"يُوصَفُ بِهِمَا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الزَّوْجَيْنِ ، يُقَالُ : بَانَ مِنْهَا ، وَبَانَتْ مِنْهُ .\rوَبَرِئَ مِنْهَا ، وَبَرِئَتْ مِنْهُ .\rوَكَذَلِكَ لَفْظُ الْفُرْقَةِ يُضَافُ إلَيْهِمَا ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ } .\rوَقَالَ تَعَالَى : { يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ } .\rوَيُقَالُ : فَارَقَتْهُ الْمَرْأَةُ وَفَارَقَهَا .\rوَلَا يُقَالُ : طَلَّقَتْهُ .\rوَلَا سَرَّحَتْهُ .\rوَلَا تَطْلُقَا .\rوَلَا تُسَرَّحَا .\rوَإِنْ قَالَ : أَنَا بَائِنٌ .\rوَلَمْ يَقُلْ : مِنْك .\rفَذَكَرَ الْقَاضِي فِيمَا إذَا قَالَ لَهَا : أَمْرُك بِيَدِك .\rفَقَالَتْ : أَنْتِ بَائِنٌ .\rوَلَمْ تَقُلْ : مِنِّي .\rأَنَّهُ لَا يَقَعُ ، وَجْهًا وَاحِدًا .\rوَإِنْ قَالَتْ : أَنَا بَائِنٌ .\rوَنَوَتْ ، وَقَعَ .\rوَإِنْ قَالَتْ : أَنْتِ مِنِّي بَائِنٌ .\rفَعَلَى الْوَجْهَيْنِ ، فَيُخَرَّجُ هَاهُنَا مِثْلُ ذَلِكَ .","part":16,"page":268},{"id":7768,"text":"( 5866 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِذَا أَتَى بِصَرِيحِ الطَّلَاقِ لَزِمَهُ ، نَوَاهُ ، أَوْ لَمْ يَنْوِهِ ) قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ صَرِيحَ الطَّلَاقِ لَا يَحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ ، بَلْ يَقَعُ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ ، وَلَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ .\rوَلِأَنَّ مَا يُعْتَبَرُ لَهُ الْقَوْلُ يَكْتَفِي فِيهِ بِهِ ، مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ ، إذَا كَانَ صَرِيحًا فِيهِ ، كَالْبَيْعِ .\rوَسَوَاءٌ قَصَدَ الْمَزْحَ أَوْ الْجِدَّ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { ثَلَاثٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ وَهَزْلُهُنَّ جِدٌّ النِّكَاحُ ، وَالطَّلَاقُ ، وَالرَّجْعَةُ } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَقَالَ : حَدِيثٌ حَسَنٌ .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ أَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ، عَلَى أَنَّ جِدَّ الطَّلَاقِ وَهَزْلَهُ سَوَاءٌ .\rرُوِيَ هَذَا عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ .\rوَنَحْوُهُ عَنْ عَطَاءٍ ، وَعُبَيْدَةَ .\rوَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ .\rقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ ، وَأَهْلِ الْعِرَاقِ .\rفَأَمَّا لَفْظُ الْفِرَاقِ وَالسَّرَاحِ ، فَيُنْبِي عَلَى الْخِلَافِ فِيهِ ؛ فَمَنْ جَعَلَهُ صَرِيحًا أَوْقَعَ بِهِ الطَّلَاقَ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ ، وَمَنْ لَمْ يَجْعَلْهُ صَرِيحًا لَمْ يُوقِعْ بِهِ الطَّلَاقَ حَتَّى يَنْوِيَهُ ، وَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الْكِنَايَاتِ الْخَفِيَّةِ .","part":16,"page":269},{"id":7769,"text":"( 5867 ) فَصْلٌ : فَإِنْ قَالَ الْأَعْجَمِيُّ لِامْرَأَتِهِ : أَنْتِ طَالِقٌ ، وَلَا يَفْهَمُ مَعْنَاهُ ، لَمْ تَطْلُقْ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُخْتَارٍ لِلطَّلَاقِ ، فَلَمْ يَقَعْ طَلَاقُهُ ، كَالْمُكْرَهِ .\rفَإِنْ نَوَى مُوجِبَهُ عِنْدَ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ ، لَمْ يَقَعْ أَيْضًا ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ مِنْهُ اخْتِيَارُ مَا لَا يَعْلَمُهُ ، وَلِذَلِكَ لَوْ نَطَقَ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ مَنْ لَا يَعْلَمُ مَعْنَاهَا لَمْ يَكْفُرْ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ تَطْلُقَ إذَا نَوَى مُوجِبَهَا ؛ لِأَنَّهُ لَفَظَ بِالطَّلَاقِ نَاوِيًا مُوجِبَهُ ، فَأَشْبَهَ الْعَرَبِيَّ .\rوَكَذَلِكَ الْحُكْمُ إذَا قَالَ الْعَرَبِيُّ : بهشتم .\rوَهُوَ لَا يَعْلَمُ مَعْنَاهَا .","part":16,"page":270},{"id":7770,"text":"( 5868 ) فَصْلٌ : فَإِنْ قَالَ لُزُوجَتِهِ وَأَجْنَبِيَّةٍ : إحْدَاكُمَا طَالِقٌ .\rأَوْ قَالَ لِحَمَاتِهِ : ابْنَتُك طَالِقٌ .\rوَلَهَا بِنْتٌ سِوَى امْرَأَتِهِ .\rأَوْ كَانَ اسْمُ زَوْجَتِهِ زَيْنَبَ ، فَقَالَ : زَيْنَبُ طَالِقٌ .\rطَلُقَتْ زَوْجَتُهُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ طَلَاقَ غَيْرِهَا .\rفَإِنْ قَالَ : أَرَدْت الْأَجْنَبِيَّةَ .\rلَمْ يُصَدَّقْ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، فِي رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً ، فَقَالَ لَحْمَاتِهِ : ابْنَتُك طَالِقٌ .\rوَقَالَ : أَرَدْت ابْنَتَك الْأُخْرَى ، الَّتِي لَيْسَتْ بِزَوْجَتِي ، فَقَالَ : يَحْنَثُ ، وَلَا يُقْبَلُ مِنْهُ .\rوَقَالَ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد ، فِي رَجُلٍ لَهُ امْرَأَتَانِ ، اسْمَاهُمَا فَاطِمَةُ ، فَمَاتَتْ إحْدَاهُمَا ، فَقَالَ : فَاطِمَةُ طَالِقٌ .\rيَنْوِي الْمَيِّتَةَ ، فَقَالَ : الْمَيِّتَةُ تَطْلُقُ ، قَالَ أَبُو دَاوُد : كَأَنَّهُ لَا يُصَدِّقُهُ فِي الْحُكْمِ .\rوَقَالَ الْقَاضِي ، فِيمَا إذَا نَظَرَ إلَى امْرَأَتِهِ ، وَأَجْنَبِيَّةٍ ، فَقَالَ : إحْدَاكُمَا طَالِقٌ .\rوَقَالَ : أَرَدْت الْأَجْنَبِيَّةَ .\rفَهَلْ يُقْبَلُ ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يُقْبَلُ هَاهُنَا ، وَلَا يُقْبَلُ فِيمَا إذَا قَالَ : زَيْنَبُ طَالِقٌ .\rوَقَالَ : أَرَدْت أَجْنَبِيَّةً اسْمُهَا زَيْنَبُ .\rلِأَنَّ زَيْنَبَ لَا يَتَنَاوَلُ الْأَجْنَبِيَّةَ بِصَرِيحِهِ ، بَلْ مِنْ جِهَةِ الدَّلِيلِ ، وَقَدْ عَارِضَهُ دَلِيلٌ آخِرُ وَهُوَ أَنَّهُ لَا يُطَلِّقُ غَيْرَ زَوْجَتِهِ أَظْهَرُ ، فَصَارَ اللَّفْظُ فِي زَوْجَتِهِ أَظْهَرَ ، فَلَمْ يُقْبَلْ خِلَافُهُ ، أَمَّا إذَا قَالَ : إحْدَاهُمَا .\rفَإِنَّهُ يَتَنَاوَلُ الْأَجْنَبِيَّةَ بِصَرِيحِهِ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ ، وَأَبُو ثَوْرٍ : يُقْبَلُ فِي الْجَمِيعِ ؛ لِأَنَّهُ فَسَّرَ كَلَامَهُ بِمَا يَحْتَمِلُهُ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ لَا يَحْتَمِلُ غَيْرَ امْرَأَتِهِ عَلَى وَجْهٍ صَحِيحٍ ، فَلَمْ يُقْبَلْ تَفْسِيرُهُ بِهَا ، كَمَا لَوْ فَسَّرَ كَلَامَهُ بِمَا لَا يَحْتَمِلُهُ ، وَكَمَا لَوْ قَالَ : زَيْنَبُ طَالِقٌ .\rعِنْدَ الشَّافِعِيِّ ، وَمَا ذَكَرُوهُ مِنْ الْفَرْقِ لَا يَصِحُّ ، فَإِنَّ إحْدَاكُمَا لَيْسَ بِصَرِيحٍ فِي وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا ، إنَّمَا يَتَنَاوَلُ","part":16,"page":271},{"id":7771,"text":"وَاحِدَةً لَا بِعَيْنِهَا ، وَزَيْنَبُ يَتَنَاوَلُ وَاحِدَةً لَا بِعَيْنِهَا ، ثُمَّ تَعَيَّنَتْ الزَّوْجَةُ لِكَوْنِهَا مَحَلَّ الطَّلَاقِ ، وَخِطَابُ غَيْرِهَا بِهِ عَبَثٌ ، كَمَا إذَا قَالَ : إحْدَاكُمَا طَالِقٌ .\rثُمَّ لَوْ تَنَاوَلَهَا بِصَرِيحِهِ لَكِنَّهُ صَرَفَهُ عَنْهَا دَلِيلٌ ، فَصَارَ ظَاهِرًا فِي غَيْرِهَا ، وَلَمَّا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْمُتَلَاعِنَيْنِ : \" أَحَدُكُمَا كَاذِبٌ \" .\rلَمْ يَنْصَرِفْ إلَّا إلَى الْكَاذِبِ مِنْهُمَا وَحْدَهُ ، وَلَمَّا قَالَ حَسَّانُ ، يَعْنِي النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبَا سُفْيَانَ : فَشَرُّكُمَا لِخَيْرِكُمَا الْفِدَاءُ لَمْ يَنْصَرِفْ شَرُّهُمَا إلَّا إلَى أَبِي سُفْيَان وَحْدَهُ ، وَخَيْرُهُمَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحْدَهُ .\rوَهَذَا فِي الْحُكْمِ ، فَأَمَّا فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى ، فَيَدِينُ فِيهِ ، فَمَتَى عَلِمَ مِنْ نَفْسِهِ أَنَّهُ أَرَادَ الْأَجْنَبِيَّةَ ، لَمْ تَطْلُقْ زَوْجَتُهُ ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ مُحْتَمِلٌ لَهُ ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُقَيَّدٍ .\rوَلَوْ كَانَتْ ثَمَّ قَرِينَةٌ دَالَّةٌ عَلَى إرَادَتِهِ الْأَجْنَبِيَّةَ ، مِثْلُ أَنْ يَدْفَعَ بِيَمِينِهِ ظُلْمًا ، أَوْ يَتَخَلَّصَ بِهَا مِنْ مَكْرُوهٍ ، قُبِلَ قَوْلُهُ فِي الْحُكْمِ ؛ لِوُجُودِ الدَّلِيلِ الصَّارِفِ إلَيْهَا .\rوَإِنْ لَمْ يَنْوِ زَوْجَتَهُ ، وَلَا الْأَجْنَبِيَّةَ ، طَلُقَتْ زَوْجَتُهُ ؛ لِأَنَّهَا مَحَلُّ الطَّلَاقِ ، وَاللَّفْظُ يَحْتَمِلُهَا وَيَصْلُحُ لَهَا ، وَلَمْ يَصْرِفْهُ عَنْهَا ، فَوَقَعَ بِهِ ، كَمَا لَوْ نَوَاهَا .","part":16,"page":272},{"id":7772,"text":"( 5869 ) فَصْلٌ : فَإِنْ كَانَتْ لَهُ امْرَأَتَانِ ؛ حَفْصَةُ وَعَمْرَةُ ، فَقَالَ : يَا حَفْصَةُ فَأَجَابَتْهُ عَمْرَةُ ، فَقَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ .\rفَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ ، أَوْ نَوَى الْمُجِيبَةَ وَحْدَهَا ، طَلُقَتْ وَحْدَهَا ؛ لِأَنَّهَا الْمُطَلَّقَةُ دُونَ غَيْرِهَا .\rوَإِنْ قَالَ : مَا خَاطَبْت بِقَوْلِي : أَنْتِ طَالِقٌ .\rإلَّا حَفْصَةَ ، وَكَانَتْ حَاضِرَةً ، طَلُقَتْ وَحْدَهَا .\rوَإِنْ قَالَ : عَلِمْت أَنَّ الْمُجِيبَةَ عَمْرَةُ ، فَخَاطَبْتهَا بِالطَّلَاقِ ، وَأَرَدْت طَلَاقَ حَفْصَةَ .\rطَلُقَتَا مَعًا ، فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا .\rوَإِنْ قَالَ : ظَنَنْت الْمُجِيبَةَ حَفْصَةَ فَطَلَّقْتهَا .\rطَلُقَتْ حَفْصَةُ ، رِوَايَةً وَاحِدَةً ، وَفِي عَمْرَةَ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، تَطْلُقُ أَيْضًا .\rوَهُوَ قَوْلُ النَّخَعِيِّ ، وَقَتَادَةَ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ .\rوَاخْتَارَهُ ابْنُ حَامِدٍ ؛ لِأَنَّهُ خَاطَبَهَا بِالطَّلَاقِ ، وَهِيَ مَحِلٌّ لَهُ ، فَطَلُقَتْ ، كَمَا لَوْ قَصَدَهَا .\rوَالثَّانِيَةُ ، لَا تَطْلُقُ .\rوَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ ، وَالزُّهْرِيِّ ، وَأَبِي عُبَيْدٍ ، قَالَ أَحْمَدُ ، فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا ، فِي رَجُلٍ لَهُ امْرَأَتَانِ ، فَقَالَ : فُلَانَةُ أَنْتِ طَالِقٌ .\rفَالْتَفَتَتْ ، فَإِذَا هِيَ غَيْرُ الَّتِي حَلَفَ عَلَيْهَا ، قَالَ : قَالَ إبْرَاهِيمُ : يَطْلُقَانِ .\rوَالْحَسَنُ يَقُولُ : تَطْلُقُ الَّتِي نَوَى .\rقِيلَ لَهُ : مَا تَقُولُ أَنْتَ ؟ قَالَ : تَطْلُقُ الَّتِي نَوَى .\rوَوَجْهُهُ أَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْهَا بِالطَّلَاقِ ، فَلَمْ تَطْلُقْ ، كَمَا لَوْ أَرَادَ أَنْ يَقُولَ : أَنْتَ طَاهِرٌ .\rفَسَبَقَ لِسَانُهُ ، فَقَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ .\rوَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : لَا يَخْتَلِفُ كَلَامُ أَحْمَدَ أَنَّهَا لَا تَطْلُقْ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : تَطْلُقُ الْمُجِيبَةُ وَحْدَهَا ؛ لِأَنَّهَا مُخَاطَبَةٌ بِالطَّلَاقِ ، فَطَلُقَتْ ، كَمَا لَوْ لَمْ يَنْوِ غَيْرَهَا ، وَلَا تَطْلُقُ الْمَنْوِيَّةُ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُخَاطِبْهَا بِالطَّلَاقِ ، وَلَمْ تَعْتَرِفْ بِطَلَاقِهَا ، وَهَذَا يَبْطُلُ بِمَا لَوْ عَلِمَ أَنَّ الْمُجِيبَةَ عَمْرَةُ ، فَإِنَّ الْمَنْوِيَّةَ تَطْلُقُ بِإِرَادَتِهَا بِالطَّلَاقِ ، وَلَوْ لَا ذَلِكَ","part":16,"page":273},{"id":7773,"text":"لَمْ تَطْلُقْ بِالِاعْتِرَافِ بِهِ ؛ لِأَنَّ الِاعْتِرَافَ بِمَا لَا يُوجِبُ لَا يُوجِبُ ، وَلِأَنَّ الْغَائِبَةَ مَقْصُودَةٌ بِلَفْظِ الطَّلَاقِ ، فَطَلُقَتْ كَمَا لَوْ عِلْمَ الْحَالَ .\r( 5870 ) فَصْلٌ : وَإِنْ أَشَارَ إلَى عَمْرَةَ ، فَقَالَ : يَا حَفْصَةُ ، أَنْتِ طَالِقٌ .\rوَأَرَادَ طَلَاقَ عَمْرَةَ ، فَسَبَقَ لِسَانُهُ إلَى نِدَاءِ حَفْصَةَ ، طَلُقَتْ عَمْرَةُ وَحْدَهَا ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِلَفْظِهِ إلَّا طَلَاقَهَا ، وَإِنَّمَا سَبَقَ لِسَانُهُ إلَى غَيْرِ مَا أَرَادَهُ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَرَادَ أَنْ يَقُولَ : أَنْتِ طَاهِرٌ .\rفَسَبَقَ لِسَانُهُ إلَى أَنْتِ طَالِقٌ .\rوَإِنْ أَتَى بِاللَّفْظِ مَعَ عِلْمِهِ أَنَّ الْمُشَارَ إلَيْهَا عَمْرَةُ ، طَلُقَتَا مَعًا ، عَمْرَةُ بِالْإِشَارَةِ إلَيْهَا ، وَإِضَافَةِ الطَّلَاقِ إلَيْهَا ، وَحَفْصَةُ بِنِيَّتِهِ ، وَبِلَفْظِهِ بِهَا .\rوَإِنْ ظَنَّ أَنَّ الْمُشَارَ إلَيْهَا حَفْصَةُ ، طَلُقَتْ حَفْصَةُ ، وَفِي عَمْرَةَ رِوَايَتَانِ ، كَاَلَّتِي قَبْلَهَا .","part":16,"page":274},{"id":7774,"text":"( 5871 ) فَصْلٌ : وَإِنْ لَقِيَ أَجْنَبِيَّةً ، ظَنَّهَا زَوْجَتَهُ ، فَقَالَ : فُلَانَةُ أَنْتِ طَالِقٌ .\rفَإِذَا هِيَ أَجْنَبِيَّةٌ ، طَلُقَتْ زَوْجَتُهُ ، نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا تَطْلُقُ ؛ لِأَنَّهُ خَاطَبَ بِالطَّلَاقِ غَيْرَهَا ، فَلَمْ يَقَعْ ، كَمَا لَوْ عَلِمَ أَنَّهَا أَجْنَبِيَّةٌ ، فَقَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ قَصَدَ زَوْجَتَهُ بِلَفْظِ الطَّلَاقِ ، فَطَلُقَتْ ، كَمَا لَوْ قَالَ : عَلِمْت أَنَّهَا أَجْنَبِيَّةٌ ، وَأَرَدْت طَلَاقَ زَوْجَتِي .\rوَإِنْ قَالَ لَهَا : أَنْتِ طَالِقٌ .\rوَلَمْ يَذْكُرْ اسْمَ زَوْجَتِهِ ، احْتَمَلَ ؛ وَذَلِكَ أَيْضًا لِأَنَّهُ قَصَدَ امْرَأَتَهُ بِلَفْظِ الطَّلَاقِ ، وَاحْتَمَلَ أَنْ لَا تَطْلُقَ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُخَاطِبْهَا بِالطَّلَاقِ ، وَلَا ذَكَرَ اسْمَهَا مَعَهُ .\rوَإِنْ عَلِمَهَا أَجْنَبِيَّةً ، وَأَرَادَ بِالطَّلَاقِ زَوْجَتَهُ ، طَلُقَتْ .\rوَإِنْ لَمْ يُرِدْهَا بِالطَّلَاقِ ، لَمْ تَطْلُقْ .","part":16,"page":275},{"id":7775,"text":"( 5872 ) فَصْلٌ : وَإِنْ لَقِيَ امْرَأَتَهُ ، فَظَنَّهَا أَجْنَبِيَّةً ، فَقَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ ، أَوْ تَنَحِّي يَا مُطَلَّقَةُ .\rأَوْ لَقِيَ أَمَتَهُ ، فَظَنَّهَا أَجْنَبِيَّةً ، فَقَالَ : أَنْتِ حُرَّةٌ ، أَوْ تَنَحِّي يَا حُرَّةُ .\rفَقَالَ أَبُو بَكْرٍ ، فِيمَنْ لَقِيَ امْرَأَتَهُ ، فَقَالَ : تَنَحِّي يَا مُطَلَّقَةُ ، أَوْ يَا حُرَّةُ .\rوَهُوَ لَا يَعْرِفُهَا ، فَإِذَا هِيَ زَوْجَتُهُ أَوْ أَمَتُهُ : لَا يَقَعُ بِهِمَا طَلَاقٌ وَلَا حُرِّيَّةٌ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِهِمَا ذَلِكَ ، فَلَمْ يَقَعْ بِهِمَا شَيْءٌ ، كَسَبْقِ اللِّسَانِ إلَى مَا لَمْ يُرِدْهُ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا تَعْتِقَ الْأَمَةُ ؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ مِنْ النَّاسِ مُخَاطَبَةُ مَنْ لَا يَعْرِفُهَا بِقَوْلِهِ : يَا حُرَّةُ .\rوَتَطْلُقُ الزَّوْجَةُ ؛ لِعَدَمِ الْعَادَةِ بِالْمُخَاطَبَةِ بِقَوْلِهِ : يَا مُطَلَّقَةُ .","part":16,"page":276},{"id":7776,"text":"( 5873 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا غَيْرُ الصَّرِيحِ ؛ فَلَا يَقَعُ الطَّلَاقُ بِهِ إلَّا بِنِيَّةٍ ، أَوْ دَلَالَةِ حَالٍ .\rوَقَالَ مَالِكٌ الْكِنَايَاتُ الظَّاهِرَةُ ، كَقَوْلِهِ : أَنْتِ بَائِنٌ ، وَبَتَّةٌ ، وَبَتْلَةٌ ، وَحَرَامٌ .\rيَقَعُ بِهَا الطَّلَاقُ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ .\rقَالَ الْقَاضِي ، فِي \" الشَّرْحِ \" : وَهَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ ، وَالْخِرَقِيِّ ؛ لِأَنَّهَا مُسْتَعْمَلَةٌ فِي الطَّلَاقِ فِي الْعُرْفِ ، فَصَارَتْ كَالصَّرِيحِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ هَذِهِ كِنَايَةٌ لَمْ تُعْرَفْ بِإِرَادَةِ الطَّلَاقِ بِهَا ، وَلَا اخْتَصَّتْ بِهِ ، فَلَمْ يَقَعْ الطَّلَاقُ بِهَا بِمُجَرَّدِ اللَّفْظِ ، كَسَائِرِ الْكِنَايَاتِ ، وَإِذَا ثَبَتَ اعْتِبَارُ النِّيَّةِ ، فَإِنَّهَا تُعْتَبَرُ مُقَارِنَةً لِلَّفْظِ ، فَإِنْ وُجِدَتْ فِي ابْتِدَائِهِ ، وَعَرِيَتْ عَنْهُ فِي سَائِرِهِ ، وَقَعَ الطَّلَاقُ .\rوَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ لَا يَقَعُ ، فَلَوْ قَالَ : أَنْتَ بَائِنٌ يَنْوِي الطَّلَاقَ ، وَعَرِيَتْ نِيَّتُهُ حِينَ قَالَ : أَنْتِ بَائِنٌ ، لَا يَقَعُ ؛ لِأَنَّ الْقَدْرَ الَّذِي صَاحَبَتْهُ النِّيَّةُ لَا يَقَعُ بِهِ شَيْءٌ .\rوَلَنَا أَنَّ مَا تُعْتَبَرُ لَهُ النِّيَّةُ يَكْتَفِي فِيهِ بِوُجُودِهَا فِي أَوَّلِهِ ، كَالصَّلَاةِ وَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ ، فَأَمَّا إنْ تَلَفَّظَ بِالْكِنَايَةِ غَيْرَ نَاوٍ ، ثُمَّ نَوَى بِهَا بَعْدَ ذَلِكَ ، لَمْ يَقَعْ بِهَا الطَّلَاقُ ، وَكَمَا لَوْ نَوَى الطَّهَارَةَ بِالْغُسْلِ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْهُ .","part":16,"page":277},{"id":7777,"text":"( 5874 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَلَوْ قِيلَ لَهُ : أَلِك امْرَأَةٌ ؟ فَقَالَ : لَا .\rوَأَرَادَ بِهِ الْكَذِبَ ، لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ .\rوَلَوْ قَالَ : قَدْ طَلَّقْتهَا .\rوَأَرَادَ بِهِ الْكَذِبَ ، لَزِمَهُ الطَّلَاقُ ) إنَّمَا لَمْ يَلْزَمْهُ إذَا أَرَادَ الْكَذِبَ ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ : مَا لِي امْرَأَةٌ .\rكِنَايَةٌ تَفْتَقِرُ إلَى نِيَّةِ الطَّلَاقِ ، وَإِذَا نَوَى الْكَذِبَ فَمَا نَوَى الطَّلَاقَ ، فَلَمْ يَقَعْ .\rوَهَكَذَا لَوْ نَوَى أَنَّهُ لَيْسَ لِي امْرَأَةٌ تَخْدُمُنِي ، أَوْ تُرْضِينِي ، أَوْ أَنِّي كَمَنْ لَا امْرَأَةَ لَهُ ، أَوْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا لَمْ تَطْلُقْ ؛ لِعَدَمِ النِّيَّةِ الْمُشْتَرَطَةِ فِي الْكِنَايَةِ ، وَإِنْ أَرَادَ بِهَذَا اللَّفْظِ طَلَاقَهَا ، طَلُقَتْ ؛ لِأَنَّهَا كِنَايَةٌ صَحِبَتْهَا النِّيَّةُ .\rوَبِهَذَا قَالَ الزُّهْرِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَحَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ : لَا تَطْلُقُ ؛ فَإِنَّ هَذَا لَيْسَ بِكِنَايَةٍ ، وَإِنَّمَا هُوَ خَبَرٌ هُوَ كَاذِبٌ فِيهِ ، وَلَيْسَ بِإِيقَاعٍ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ مُحْتَمِلُ الطَّلَاقِ ؛ لِأَنَّهُ إذَا طَلَّقَهَا فَلَيْسَتْ لَهُ بِامْرَأَةٍ ، فَأَشْبَهَ قَوْلَهُ : أَنْتِ بَائِنٌ .\rوَغَيْرَهَا مِنْ الْكِنَايَاتِ الظَّاهِرَةِ ، وَهَذَا يُبْطِلُ قَوْلَهُمْ .\rفَأَمَّا إنْ قَالَ : طَلَّقْتهَا .\rوَأَرَادَ الْكَذِبَ طَلُقَتْ ؛ لِأَنَّ لَفْظَ الطَّلَاقِ صَرِيحٌ ، يَقَعُ بِهِ الطَّلَاقُ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ .\rوَإِنْ قَالَ : خَلَّيْتهَا ، أَوْ أَبَنْتهَا .\rافْتَقَرَ إلَى النِّيَّةِ ؛ لِأَنَّهُ كِنَايَةٌ لَا يَقَعُ بِهِ الطَّلَاقُ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ .\r( 5875 ) فَصْلٌ : فَإِنْ قِيلَ لَهُ : أَطَلَّقْت امْرَأَتك ؟ فَقَالَ : نَعَمْ .\rأَوْ قِيلَ لَهُ : امْرَأَتُك طَالِقٌ ؟ فَقَالَ : نَعَمْ .\rطَلُقَتْ امْرَأَتُهُ ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ .\rوَهَذَا الصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ ، وَاخْتِيَارِ الْمُزَنِيّ ؛ لِأَنَّ نَعَمْ صَرِيحٌ فِي الْجَوَابِ ، وَالْجَوَابُ الصَّرِيحُ لِلَّفْظِ الصَّرِيحِ صَرِيحٌ ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قِيلَ لَهُ : أَلِفُلَانٍ عَلَيْك أَلْفٌ ؟ فَقَالَ : نَعَمْ .\rوَجَبَ عَلَيْهِ .\rوَإِنْ قِيلَ لَهُ :","part":16,"page":278},{"id":7778,"text":"طَلَّقْت امْرَأَتَك ؟ فَقَالَ : قَدْ كَانَ بَعْضُ ذَلِكَ .\rوَقَالَ : أَرَدْت الْإِيقَاعَ .\rوَقَعَ .\rوَإِنْ قَالَ : أَرَدْت أَنِّي عَلَّقْت طَلَاقَهَا بِشَرْطٍ .\rقُبِلَ ؛ لِأَنَّهُ مُحْتَمِلٌ لِمَا قَالَهُ .\rوَإِنْ قَالَ : أَرَدْت الْإِخْبَارَ عَنْ شَيْءٍ مَاضٍ .\rأَوْ قِيلَ لَهُ : أَلَك امْرَأَةٌ ؟ فَقَالَ : قَدْ طَلَّقْتهَا .\rثُمَّ قَالَ : إنَّمَا أَرَدْت أَنِّي طَلَّقْتهَا فِي نِكَاحٍ آخَرَ .\rدُيِّنَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى ، فَأَمَّا فِي الْحُكْمِ ؛ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ وُجِدَ مِنْهُ ، لَمْ يُقْبَلْ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْتَمِلُ مَا قَالَهُ ، وَإِنْ كَانَ وُجِدَ ، فَعَلَى وَجْهَيْنِ .","part":16,"page":279},{"id":7779,"text":"فَصْلٌ : فَإِنْ قَالَ : حَلَفْت بِالطَّلَاقِ .\rأَوْ قَالَ : عَلَيَّ يَمِينٌ بِالطَّلَاقِ .\rوَلَمْ يَكُنْ حَلَفَ ، لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى ، وَلَزِمَهُ مَا أَقَرَّ بِهِ فِي الْحُكْمِ .\rذَكَرَهُ الْقَاضِي ، وَأَبُو الْخَطَّابِ .\rوَقَالَ أَحْمَدُ ، فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَكَمِ ، فِي الرَّجُلِ يَقُولُ : حَلَفْت بِالطَّلَاقِ .\rوَلَمْ يَكُنْ حَلَفَ : هِيَ كِذْبَةٌ ، لَيْسَ عَلَيْهِ يَمِينٌ .\rوَذَلِكَ لِأَنَّ قَوْلَهُ : لَهُ حَلَفْت .\rلَيْسَ بِحَلِفٍ ، وَإِنَّمَا هُوَ خَبَرٌ عَنْ الْحَلِفِ ، فَإِذَا كَانَ كَاذِبًا فِيهِ ، لَمْ يَصِرْ حَالِفًا ، كَمَا لَوْ قَالَ : حَلَفْت بِاَللَّهِ .\rوَكَانَ كَاذِبًا .\rوَاخْتَارَ أَبُو بَكْرٍ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ مَا أَقَرَّ بِهِ فِي الْحُكْمِ .\rوَحَكَى فِي زَادِ الْمُسَافِرِ عَنْ الْمَيْمُونِي ، عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّهُ قَالَ : إذَا قَالَ : حَلَفْت بِالطَّلَاقِ .\rوَلَمْ يَكُنْ حَلَفَ ، يَلْزَمُهُ الطَّلَاقُ ، وَيُرْجَعُ إلَى نِيَّتِهِ فِي الطَّلَاقِ الثَّلَاثِ أَوْ الْوَاحِدِ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : مَعْنَى قَوْلِ أَحْمَدَ : يَلْزَمُهُ الطَّلَاقُ .\rأَيْ فِي الْحُكْمِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ يَلْزَمُهُ الطَّلَاقُ إذَا نَوَى بِهِ الطَّلَاقَ ، فَجَعَلَهُ كِنَايَةً عَنْهُ ؛ وَلِذَلِكَ قَالَ : يُرْجَعُ إلَى نِيَّتِهِ .\rأَمَّا الَّذِي قَصَدَ الْكَذِبَ ، فَلَا نِيَّةَ لَهُ فِي الطَّلَاقِ ، فَلَا يَقَعُ بِهِ شَيْءٌ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِصَرِيحِ فِي الطَّلَاقِ ، وَلَا نَوَى بِهِ الطَّلَاقَ ، فَلَمْ يَقَعْ بِهِ طَلَاقٌ كَسَائِرِ الْكِنَايَات .\rوَذَكَرَ الْقَاضِي ، فِي كِتَابِ الْأَيْمَانِ ، فِي مَنْ قَالَ : حَلَفْت بِالطَّلَاقِ .\rوَلَمْ يَكُنْ حَلَفَ ، فَهَلْ يَقَعُ بِهِ الطَّلَاقُ ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ .","part":16,"page":280},{"id":7780,"text":"( 5877 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِذَا وَهَبَ زَوْجَتَهُ لِأَهْلِهَا ، فَإِنْ قَبِلُوهَا فَوَاحِدَةٌ ، يَمْلِكُ الرَّجْعَةَ إنْ كَانَتْ مَدْخُولًا بِهَا ، وَإِنْ لَمْ يَقْبَلُوهَا فَلَا شَيْءَ ) هَذَا الْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ .\rوَبِهِ قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ ، وَعَطَاءٌ ، وَمَسْرُوقٌ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَمَكْحُولٌ ، وَمَالِكٌ ، وَإِسْحَاقُ .\rوَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَالنَّخَعِيّ : إنْ قَبِلُوهَا فَوَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ ، وَإِنْ لَمْ يَقْبَلُوهَا فَوَاحِدَةٌ رَجْعِيَّةٌ .\rوَعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، وَالْحَسَنِ : إنْ قَبِلُوهَا فَثَلَاثٌ ، وَإِنْ لَمْ يَقْبَلُوهَا فَوَاحِدَةٌ رَجْعِيَّةٌ .\rوَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ مِثْلُ ذَلِكَ .\rوَقَالَ رَبِيعَةُ ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، وَأَبُو الزِّنَادِ ، وَمَالِكٌ : هِيَ ثَلَاثٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ ، قَبِلُوهَا أَوْ رَدُّوهَا .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فِيهَا كَقَوْلِهِ فِي الْكِنَايَةِ الظَّاهِرَةِ ، قَبِلُوهَا أَوْ رَدُّوهَا .\rوَكَذَلِكَ قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَاخْتَلَفَا هَاهُنَا بِنَاءً عَلَى اخْتِلَافِهِمَا .\rوَلَنَا ، عَلَى أَنَّهَا لَا تَطْلُقُ إذَا لَمْ يَقْبَلُوهَا ، أَنَّهُ تَمْلِيكٌ لِلْبُضْعِ ، فَافْتَقَرَ إلَى الْقَبُولِ ، كَقَوْلِهِ : اخْتَارِي ، وَأَمْرُك بِيَدِك .\rوَكَالنِّكَاحِ .\rوَعَلَى أَنَّهَا لَا تَكُونُ ثَلَاثًا أَنَّهُ لَفْظٌ مُحْتَمِلٌ ، فَلَا يُحْمَلُ عَلَى الثَّلَاثِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ ، كَقَوْلِهِ : اخْتَارِي .\rوَعَلَى أَنَّهَا رَجْعِيَّةٌ ، أَنَّهَا طَلْقَةٌ لِمَنْ عَلَيْهَا عِدَّةٌ بِغَيْرِ عِوَضٍ ، قَبْلَ اسْتِيفَاءِ الْعَدَدِ ، فَكَانَتْ رَجْعِيَّةً ، كَقَوْلِهِ : أَنْتِ طَالِقٌ .\rوَقَوْلُهُ : إنَّهَا وَاحِدَةٌ .\rمَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا أَطْلَقَ النِّيَّةَ ، أَوْ نَوَى وَاحِدَةً ، فَأَمَّا إنْ نَوَى ثَلَاثًا ، أَوْ اثْنَتَيْنِ ، فَهُوَ عَلَى مَا نَوَى ؛ لِأَنَّهَا كِنَايَةٌ غَيْرُ ظَاهِرَةٍ فَيُرْجَعُ إلَى نِيَّتِهِ فِي عَدَدِهَا كَسَائِرِ الْكِنَايَاتِ .\rوَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَنْوِيَ بِذَلِكَ الطَّلَاقَ ، أَوْ تَكُونَ ثَمَّ دَلَالَةُ حَالٍ ، لِأَنَّهَا كِنَايَةٌ ، وَالْكِنَايَاتُ لَا بُدَّ فِيهَا مِنْ النِّيَّةِ كَذَلِكَ .\rقَالَ الْقَاضِي : وَيَنْبَغِي","part":16,"page":281},{"id":7781,"text":"أَنْ تُعْتَبَرَ النِّيَّةُ مِنْ الَّذِي يَقْبَلُ أَيْضًا ، كَمَا تُعْتَبَرُ فِي اخْتِيَارِ الزَّوْجَةِ إذَا قَالَ لَهَا : اخْتَارِي ، أَوْ أَمْرُك بِيَدِك .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ؛ فَإِنَّ صِيغَةَ الْقَبُولِ أَنْ يَقُولَ أَهْلُهَا : قَبِلْنَاهَا .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .\rوَالْحُكْمُ فِي هِبَتِهَا لِنَفْسِهَا ، أَوْ لِأَجْنَبِيِّ ، كَالْحُكْمِ فِي هِبَتِهَا لِأَهْلِهَا .","part":16,"page":282},{"id":7782,"text":"( 5878 ) فَصْلٌ : فَإِنْ بَاعَ امْرَأَتَهُ لِغَيْرِهِ ، لَمْ يَقَعْ بِهِ طَلَاقٌ ، وَإِنْ نَوَى .\rوَبِهَذَا قَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَإِسْحَاقُ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : تَطْلُقُ ، وَاحِدَةً ، وَهِيَ أَمْلَكُ بِنَفْسِهَا ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِمَا يَقْتَضِي خُرُوجَهَا عَنْ مِلْكِهِ ، أَشْبَهَ مَا لَوْ وَهَبَهَا .\rوَلَنَا ، أَنَّ الْبَيْعَ لَا يَتَضَمَّنُ مَعْنَى الطَّلَاقِ ؛ لِأَنَّهُ نَقْلُ مِلْكٍ بِعِوَضٍ ، وَالطَّلَاقُ مُجَرَّدُ إسْقَاطٍ لَا يَقْتَضِي الْعِوَضَ ، فَلَمْ يَقَعْ بِهِ طَلَاقٌ كَقَوْلِهِ : أَطْعِمِينِي ، وَاسْقِينِي .","part":16,"page":283},{"id":7783,"text":"( 5879 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِذَا قَالَ لَهَا : أَمْرُك بِيَدِك .\rفَهُوَ بِيَدِهَا ، وَإِنْ تَطَاوَلَ ، مَا لَمْ يَفْسَخْ أَوْ يَطَأْهَا ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الزَّوْجَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يُطَلِّقَ بِنَفْسِهِ ، وَبَيْنَ أَنْ يُوَكِّلَ فِيهِ ، وَبَيْنَ أَنْ يُفَوِّضَهُ إلَى الْمَرْأَةِ ، وَيَجْعَلَهُ إلَى اخْتِيَارِهَا ؛ بِدَلِيلِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَيَّرَ نِسَاءَهُ ، فَاخْتَرْنَهُ .\rوَمَتَى جَعَلَ أَمَرَ امْرَأَتِهِ بِيَدِهَا ، فَهُوَ بِيَدِهَا أَبَدًا ، لَا يَتَقَيَّدُ ذَلِكَ بِالْمَجْلِسِ .\rرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .\rوَبِهِ قَالَ الْحَكَمُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ .\rوَقَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْي : هُوَ مَقْصُورٌ عَلَى الْمَجْلِسِ ، وَلَا طَلَاقَ لَهَا بَعْدَ مُفَارَقَتِهِ ؛ لِأَنَّهُ تَخْيِيرٌ لَهَا ، فَكَانَ مَقْصُورًا عَلَى الْمَجْلِسِ ، كَقَوْلِهِ : اخْتَارِي .\rوَلَنَا ، قَوْلُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي رَجُلٍ جَعَلَ أَمْرَ امْرَأَتِهِ بِيَدِهَا ، قَالَ : هُوَ لَهَا حَتَّى تُنَكِّلَ .\rوَلَا نَعْرِفُ لَهُ فِي الصَّحَابَةِ مُخَالِفًا ، فَيَكُونُ إجْمَاعًا .\rوَلِأَنَّهُ نَوْعُ تَوْكِيلٍ فِي الطَّلَاقِ ، فَكَانَ عَلَى التَّرَاخِي ، كَمَا لَوْ جَعَلَهُ لِأَجْنَبِيٍّ ، وَفَارَقَ قَوْلَهُ : اخْتَارِي .\rفَإِنَّهُ تَخْيِيرٌ .\rفَإِنْ رَجَعَ الزَّوْجُ فِيمَا جَعَلَ إلَيْهَا ، أَوْ قَالَ : فَسَخْت مَا جَعَلْت إلَيْك .\rبَطَلَ .\rوَبِذَلِكَ قَالَ عَطَاءٌ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ .\rوَقَالَ الزُّهْرِيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ : لَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ ؛ لِأَنَّهُ مَلَّكَهَا ذَلِكَ ، فَلَمْ يَمْلِكْ الرُّجُوعَ ، كَمَا لَوْ طَلُقَتْ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ تَوْكِيلٌ ، فَكَانَ لَهُ الرُّجُوعُ فِيهِ كَالتَّوْكِيلِ فِي الْبَيْعِ ، وَكَمَا لَوْ خَاطَبَ بِذَلِكَ أَجْنَبِيًّا .\rوَقَوْلُهُمْ : تَمْلِيكٌ .\rلَا يَصِحُّ ؛ فَإِنَّ الطَّلَاقَ لَا يَصِحُّ تَمْلِيكُهُ ، وَلَا يَنْتَقِلُ عَنْ الزَّوْجِ ، وَإِنَّمَا يَنُوبُ فِيهِ غَيْرُهُ عَنْهُ ، فَإِذَا اسْتَنَابَ غَيْرَهُ فِيهِ كَانَ تَوْكِيلًا","part":16,"page":284},{"id":7784,"text":"لَا غَيْرَ ، ثُمَّ وَإِنْ سُلِّمَ أَنَّهُ تَمْلِيكٌ ، فَالتَّمْلِيكُ يَصِحُّ الرُّجُوعُ فِيهِ قَبْلَ اتِّصَالِ الْقَبُولِ بِهِ ، كَالْبَيْعِ .\rوَإِنْ وَطِئَهَا الزَّوْجُ كَانَ رُجُوعًا ؛ لِأَنَّهُ نَوْعُ تَوْكِيلٍ ، وَالتَّصَرُّفُ فِيمَا وَكَّلَ فِيهِ يُبْطِلُ الْوَكَالَةَ .\rوَإِنْ رَدَّتْ الْمَرْأَةُ مَا جُعِلَ إلَيْهَا بَطَلَ ، كَمَا تَبْطُلُ الْوَكَالَةُ بِفَسْخِ الْوَكِيلِ .\r( 5880 ) فَصْلٌ : وَلَا يَقَعُ الطَّلَاقُ بِمُجَرَّدِ هَذَا الْقَوْلِ ، مَا لَمْ يَنْوِ بِهِ إيقَاعَ طَلَاقِهَا فِي الْحَالِ ، أَوْ تُطَلِّقْ نَفْسَهَا .\rوَمَتَى رَدَّتْ الْأَمْرَ الَّذِي جُعِلَ إلَيْهَا ، بَطَلَ ، وَلَمْ يَقَعْ شَيْءٌ ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ؛ مِنْهُمْ ابْنُ عُمَرَ ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَمَسْرُوقٌ ، وَعَطَاءٌ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَالزُّهْرِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ قَتَادَةُ : إنْ رَدَّتْ ، فَوَاحِدَةٌ رَجْعِيَّةٌ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ تَوْكِيلٌ ، أَوْ تَمْلِيكٌ لَمْ يَقْبَلْهُ الْمُمَلَّكُ ، فَلَمْ يَقَعْ بِهِ شَيْءٌ ، كَسَائِرِ التَّوْكِيلِ وَالتَّمْلِيكِ ، فَأَمَّا إنْ نَوَى بِهَذَا تَطْلِيقَهَا فِي الْحَالِ ، طَلُقَتْ فِي الْحَالِ ، وَلَمْ يَحْتَجْ إلَى قَبُولِهَا ، كَمَا لَوْ قَالَ : حَبْلُك عَلَى غَارِبِك .","part":16,"page":285},{"id":7785,"text":"( 5881 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( فَإِنْ قَالَتْ : اخْتَرْت نَفْسِي .\rفَوَاحِدَةٌ ، تَمْلِكُ الرَّجْعَةَ ) .\rوَجُمْلَةُ الْأَمْرِ أَنَّ الْمُمَلَّكَةَ وَالْمُخَيَّرَةَ إذَا قَالَتْ : اخْتَرْت نَفْسِي .\rفَهِيَ وَاحِدَةٌ رَجْعِيَّةٌ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ .\rوَبِهِ قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ ، وَأَبُو ثَوْرٍ .\rوَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهَا وَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ .\rوَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ ؛ لِأَنَّ تَمْلِيكَهُ إيَّاهَا أَمَرَهَا يَقْتَضِي زَوَالَ سُلْطَانِهِ عَنْهَا ، وَإِذَا قَبِلَتْ ذَلِكَ بِالِاخْتِيَارِ ، وَجَبَ أَنْ يَزُولَ عَنْهَا ، وَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ مَعَ بَقَاءِ الرَّجْعَةِ .\rوَعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّهَا ثَلَاثٌ .\rوَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ ، وَمَالِكٌ ، وَاللَّيْثُ ، إلَّا أَنَّ مَالِكًا قَالَ : إذَا لَمْ تَكُنْ مَدْخُولًا بِهَا قُبِلَ مِنْهُ ، إذَا أَرَادَ وَاحِدَةً أَوْ اثْنَتَيْنِ ، وَحُجَّتُهُمْ أَنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي زَوَالَ سُلْطَانِهِ عَنْهَا ، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إلَّا بِثَلَاثٍ .\rوَفِي قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّ غَيْرَ الْمَدْخُولِ بِهَا يَزُولُ سُلْطَانُهُ عَنْهَا بِوَاحِدَةٍ ، فَاكْتُفِيَ بِهَا .\rوَلَنَا أَنَّهَا لَمْ تَطْلُقْ بِلَفْظِ الثَّلَاثِ ، وَلَا نَوَتْ ذَلِكَ ، فَلَمْ تَطْلُقْ ثَلَاثًا ، كَمَا لَوْ أَتَى الزَّوْجَ بِالْكِنَايَةِ الْخَفِيَّةِ .\r( 5882 ) فَصْلٌ : وَهَذَا إذَا لَمْ تَنْوِ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدَةٍ ، فَإِنْ نَوَتْ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدَةٍ ، وَقَعَ مَا نَوَتْ ؛ لِأَنَّهَا تَمْلِكُ الثَّلَاثَ بِالتَّصْرِيحِ ، فَتَمْلِكُهَا بِالْكِنَايَةِ ، كَالزَّوْجِ .\rوَهَكَذَا إنْ أَتَتْ بِشَيْءٍ مِنْ الْكِنَايَاتِ ، فَحُكْمُهَا فِيهَا حُكْمُ الزَّوْجِ ، إنْ كَانَتْ مِمَّا يَقَعُ بِهَا الثَّلَاثُ مِنْ الزَّوْجِ ، وَقَعَ بِهَا الثَّلَاثُ إذَا أَتَتْ بِهَا ، وَإِنْ كَانَتْ مِنْ الْكِنَايَاتِ الْخَفِيَّةِ ، نَحْوُ قَوْلِهَا : لَا يَدْخُلْ عَلَيَّ .\rوَنَحْوِهَا ، وَقَعَ مَا نَوَتْ .\rقَالَ أَحْمَدُ : إذَا قَالَ لَهَا : أَمْرُك بِيَدِك .\rفَقَالَتْ : لَا يَدْخُلْ عَلَيَّ إلَّا بِإِذْنٍ .","part":16,"page":286},{"id":7786,"text":"تَنْوِي فِي ذَلِكَ ، إنْ قَالَتْ : وَاحِدَةً ، فَوَاحِدَةٌ ، وَإِنْ قَالَتْ : أَرَدْت أَنْ أَغِيظَهُ .\rقُبِلَ مِنْهَا .\rيَعْنِي لَا يَقَعُ شَيْءٌ .\rوَكَذَلِكَ لَوْ جَعَلَ أَمْرَهَا فِي يَدِ أَجْنَبِيٍّ فَأَتَى بِهَذِهِ الْكِنَايَاتِ ، لَا يَقَعُ شَيْءٌ حَتَّى يَنْوِيَ الْوَكِيلُ الطَّلَاقَ .\rثُمَّ إنْ طَلَّقَ بِلَفْظٍ صَرِيحٍ ثَلَاثًا ، أَوْ بِكِنَايَةٍ ظَاهِرَةٍ .\rطَلُقَتْ ثَلَاثًا ، وَإِنْ كَانَ بِكِنَايَةٍ خَفِيَّةٍ ، وَقَعَ مَا نَوَاهُ .","part":16,"page":287},{"id":7787,"text":"( 5883 ) فَصْلٌ : وَقَوْلُهُ : أَمْرُك بِيَدِك .\rوَقَوْلُهُ : اخْتَارِي نَفْسَك كِنَايَةٌ فِي حَقِّ الزَّوْجِ ، يَفْتَقِرُ إلَى نِيَّةٍ أَوْ دَلَالَةِ حَالٍ ، كَمَا فِي سَائِرِ الْكِنَايَاتِ ، فَإِنْ عَدَمَ لَمْ يَقَعْ بِهِ طَلَاقٌ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِصَرِيحٍ ، وَإِنَّمَا هُوَ كِنَايَةٌ ، فَيَفْتَقِرُ إلَى مَا يَفْتَقِرُ إلَيْهِ سَائِرُ الْكِنَايَاتِ .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : لَا يَفْتَقِرُ إلَى نِيَّةٍ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْكِنَايَاتِ الظَّاهِرَةِ ، وَقَدْ سَبَقَ الْكَلَامُ مَعَهُ فِيهَا .\rوَهُوَ أَيْضًا كِنَايَةٌ فِي حَقِّ الْمَرْأَةِ ، إنْ قَبِلَتْهُ بِلَفْظِ الْكِنَايَةِ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَفْتَقِرُ وُقُوعُ الطَّلَاقِ إلَى نِيَّتِهَا ، إذَا نَوَى الزَّوْجُ ؛ لِأَنَّ الزَّوْجَ عَلَّقَ الطَّلَاقَ بِفِعْلٍ مِنْ جِهَتِهَا ، فَلَمْ يَفْتَقِرْ إلَى نِيَّتِهَا ، كَمَا لَوْ قَالَ : إنْ تَكَلَّمْت فَأَنْتِ طَالِقٌ فَتَكَلَّمَتْ ، وَقَالَ : لَا يَقَعُ إلَّا وَاحِدَةٌ بَائِنٌ .\rوَإِنْ نَوَتْ ثَلَاثًا ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ تَخْيِيرٌ ، وَالتَّخْيِيرُ لَا يَدْخُلُهُ عَدَدٌ ، كَخِيَارِ الْمُعْتَقَةِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهَا مُوقِعَةٌ لِلطَّلَاقِ بِلَفْظِ الْكِنَايَةِ ، فَافْتَقَرَ إلَى نِيَّتِهَا ، كَالزَّوْجِ .\rوَعَلَى أَنَّهُ يَقَعُ الثَّلَاثُ إذَا نَوَتْ ، أَنَّ اللَّفْظَ يَحْتَمِلُ الثَّلَاثَ ؛ لِأَنَّهَا تَخْتَارُ نَفْسَهَا بِالْوَاحِدَةِ ، وَبِالثَّلَاثِ ، فَإِذَا نَوَيَاهُ وَقَعَ ، كَقَوْلِهِ : أَنْتِ بَائِنٌ .","part":16,"page":288},{"id":7788,"text":"( 5884 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِنْ طَلَّقَتْ نَفْسَهَا ثَلَاثًا ، وَقَالَ : لَمْ أَجْعَلْ إلَيْهَا إلَّا وَاحِدَةً .\rلَمْ يُلْتَفَتْ إلَى قَوْلِهِ ، وَالْقَضَاءُ مَا قَضَتْ ) وَمِمَّنْ قَالَ : الْقَضَاءُ مَا قَضَتْ عُثْمَانُ ، وَابْنُ عُمَرَ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ ، وَفُضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ .\rوَبِهِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ، وَعَطَاءٌ ، وَالزُّهْرِيُّ .\rوَعَنْ عُمَرَ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ : أَنَّهَا تَطْلِيقَةٌ وَاحِدَةٌ .\rوَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ وَمُجَاهِدٌ ، وَالْقَاسِمُ ، وَرَبِيعَةُ ، وَمَالِكٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : إنْ نَوَى ثَلَاثًا ، فَلَهَا أَنْ تَطْلُقَ ثَلَاثًا ، وَإِنْ نَوَى غَيْرَ ذَلِكَ ، لَمْ تَطْلُقْ ثَلَاثَةً ، وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِي نِيَّتِهِ .\rقَالَ الْقَاضِي : وَنَقَلَ عَبْدُ اللَّهِ عَنْ أَحْمَدَ ، مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ إذَا نَوَى وَاحِدَةً ، فَهِيَ وَاحِدَةٌ ؛ لِأَنَّهُ نَوْعُ تَخْيِيرِ ، فَيُرْجَعُ إلَى نِيَّتِهِ فِيهِ ، كَقَوْلِهِ : اخْتَارِي .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ لَفْظٌ يَقْتَضِي الْعُمُومَ فِي جَمِيعِ أَمْرِهَا ؛ لِأَنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ مُضَافٌ ، فَيَتَنَاوَلُ الطَّلْقَاتِ الثَّلَاثَ ، كَمَا لَوْ قَالَ : طَلِّقِي نَفْسَك مَا شِئْت .\rوَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ : أَرَدْت وَاحِدَةً ؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ مَا يَقْتَضِيه اللَّفْظُ ، وَلَا يَدِنْ فِي هَذَا ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْكِنَايَاتِ الظَّاهِرَةِ ، وَالْكِنَايَاتُ الظَّاهِرَةُ تَقْتَضِي ثَلَاثًا .","part":16,"page":289},{"id":7789,"text":"( 5885 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ إذَا جَعَلَهُ فِي يَدِ غَيْرِهَا ) .\rوَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا جَعَلَ أَمْرَ امْرَأَتِهِ بِيَدِ غَيْرِهَا ، صَحَّ ، وَحُكْمُهُ حُكْمُ مَا لَوْ جَعَلَهُ بِيَدِهَا ، فِي أَنَّهُ بِيَدِهِ فِي الْمَجْلِسِ وَبَعْدَهُ .\rوَوَافَقَ الشَّافِعِيُّ عَلَى هَذَا فِي حَقِّ غَيْرِهَا ؛ لِأَنَّهُ تَوْكِيلٌ .\rوَسَوَاءٌ قَالَ لَهُ : أَمْرُ امْرَأَتِي بِيَدِك أَوْ قَالَ : جَعَلْت لَك الْخِيَارَ فِي طَلَاقِ امْرَأَتِي .\rأَوْ قَالَ : طَلِّقْ امْرَأَتِي .\rوَقَالَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ : ذَلِكَ مَقْصُورٌ عَلَى الْمَجْلِسِ ؛ لِأَنَّهُ نَوْعُ تَخْيِيرٍ ، أَشْبَهَ مَا لَوْ قَالَ : اخْتَارِي .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ تَوْكِيلٌ مُطْلَقٌ ، فَكَانَ عَلَى التَّرَاخِي ، كَالتَّوْكِيلِ فِي الْبَيْعِ .\rوَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَلَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا ، مَا لَمْ يَفْسَخْ أَوْ يَطَأْهَا ، وَلَهُ أَنْ يُطَلِّقَ وَاحِدَةً وَثَلَاثًا كَالْمَرْأَةِ ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَجْعَلَ الْأَمْرَ إلَّا بِيَدِ مَنْ يَجُوزُ تَوْكِيلُهُ ، وَهُوَ الْعَاقِلُ ، فَأَمَّا الطِّفْلُ وَالْمَجْنُونُ ، فَلَا يَصِحُّ أَنْ يَجْعَلَ الْأَمْرَ بِأَيْدِيهِمْ ، فَإِنْ فَعَلَ ، فَطَلَّقَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ ، لَمْ يَقَعْ طَلَاقُهُ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ : يَصِحُّ .\rوَلَنَا أَنَّهُمَا لَيْسَا مِنْ أَهْلِ التَّصَرُّفِ ، فَلَمْ يَصِحَّ تَصَرُّفُهُمْ ، كَمَا لَوْ وَكَّلَهُمْ فِي الْعِتْقِ .\rوَإِنْ جَعَلَهُ فِي يَدِ كَافِرٍ ، أَوْ عَبْدٍ صَحَّ ؛ لِأَنَّهُ مِمَّنْ يَصِحُّ طَلَاقُهُ لِنَفْسِهِ ، فَصَحَّ تَوْكِيلُهُمَا فِيهِ .\rوَإِنْ جَعَلَهُ فِي يَدِ امْرَأَةٍ ، صَحَّ ؛ لِأَنَّهُ يَصِحُّ تَوْكِيلُهَا فِي الْعِتْقِ ، فَصَحَّ فِي الطَّلَاقِ ، كَالرَّجُلِ .\rوَإِنْ جَعَلَهُ فِي يَدِ صَبِيٍّ يَعْقِلُ الطَّلَاقَ ، انْبَنَى ذَلِكَ عَلَى صِحَّةِ طَلَاقِهِ لِزَوْجَتِهِ ، وَقَدْ مَضَى ذَلِكَ .\rوَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ هَاهُنَا عَلَى اعْتِبَارِ وَكَالَتِهِ بِطَلَاقِهِ ، فَقَالَ : إذَا قَالَ الصَّبِيُّ : طَلِّقْ امْرَأَتِي ثَلَاثًا .\rفَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا ، لَا يَجُوزُ عَلَيْهَا حَتَّى يَعْقِلَ الطَّلَاقَ ، أَرَأَيْت لَوْ كَانَ لِهَذَا الصَّبِيِّ امْرَأَةٌ فَطَلَّقَهَا ، أَكَانَ يَجُوزُ طَلَاقُهُ","part":16,"page":290},{"id":7790,"text":"؟ فَاعْتَبَرَ طَلَاقَهُ بِالْوَكَالَةِ بِطَلَاقِهِ لِنَفْسِهِ .\rوَهَكَذَا لَوْ جَعَلَ أَمْرَ الصَّغِيرَةِ وَالْمَجْنُونَةِ بِيَدِهَا ، لَمْ تَمْلِكْ ذَلِكَ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، فِي امْرَأَةٍ صَغِيرَةٍ قَالَ لَهَا : أَمْرُك بِيَدِك .\rفَقَالَتْ : اخْتَرْت نَفْسِي .\rلَيْسَ بِشَيْءٍ حَتَّى يَكُونَ مِثْلُهَا يَعْقِلُ .\rوَهَذَا لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ بِحُكْمِ التَّوْكِيلِ ، وَلَيْسَتْ مِنْ أَهْلِ التَّصَرُّفِ وَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ أَنَّهَا إذَا عَقَلَتْ الطَّلَاقَ ، وَقَعَ طَلَاقُهَا .\rوَإِنْ لَمْ تَبْلُغْ ، كَمَا قَرَّرْنَاهُ فِي الصَّبِيِّ إذَا طَلَّقَ .\rوَفِي الصَّبِيِّ رِوَايَةٌ أُخْرَى : لَا يَقَعُ طَلَاقُهُ حَتَّى يَبْلُغَ ، فَكَذَلِكَ يُخَرَّجُ فِي هَذِهِ ؛ لِأَنَّهَا مِثْلُهُ فِي الْمَعْنَى .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .\r( 5886 ) فَصْلٌ : فَإِنْ جَعَلَهُ فِي يَدِ اثْنَيْنِ ، أَوْ وَكَّلَ اثْنَيْنِ فِي طَلَاقِ زَوْجَتِهِ ، صَحَّ ، وَلَيْسَ لَأَحَدِهِمَا أَنْ يُطَلِّقَ عَلَى الِانْفِرَادِ ، إلَّا أَنْ يَجْعَلَ إلَيْهِ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا رَضِيَ بِتَصَرُّفِهِمَا جَمِيعًا .\rوَبِهَذَا قَالَ الْحَسَنُ ، وَمَالِكٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ .\rوَإِنْ طَلَّقَ أَحَدُهُمَا وَاحِدَةً ، وَالْآخَرُ ثَلَاثًا ، وَقَعَتْ وَاحِدَةٌ ، وَبِهَذَا قَالَ إِسْحَاقُ .\rوَقَالَ الثَّوْرِيُّ : لَا يَقَعُ شَيْءٌ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُمَا طَلَّقَا جَمِيعًا وَاحِدَةً ، مَأْذُونًا فِيهَا ، فَصَحَّ لَوْ جَعَلَ إلَيْهِمَا وَاحِدَةً .","part":16,"page":291},{"id":7791,"text":"( 5887 ) فَصْلٌ : وَيَصِحُّ تَعْلِيقُ : أَمْرُك بِيَدِك ، وَاخْتَارِي نَفْسَك .\rبِالشُّرُوطِ ، وَكَذَلِكَ إنْ جَعَلَ ذَلِكَ إلَى أَجْنَبِيٍّ ، صَحَّ مُطْلَقًا وَمُقَيَّدًا وَمُعَلَّقًا ؛ نَحْوُ أَنْ يَقُولَ : اخْتَارِي نَفْسَك ، أَوْ أَمْرُك بِيَدِك ، شَهْرًا ، أَوْ إذَا قَدِمَ فُلَانٌ فَأَمْرُك بِيَدِك .\rأَوْ اخْتَارِي نَفْسَك يَوْمًا .\rأَوْ يَقُولَ ذَلِكَ لِأَجْنَبِيٍّ .\rقَالَ أَحْمَدُ : إذَا قَالَ : [ إذَا ] كَانَ سَنَةٌ ، أَوْ أَجَلٌ مُسَمًّى .\rفَأَمْرُك بِيَدِك .\rفَإِذَا وُجِدَ ذَلِكَ .\rفَأَمْرُهَا بِيَدِهَا ، وَلَيْسَ لَهَا قَبْلَ ذَلِكَ أَمْرٌ .\rوَقَالَ أَيْضًا : إذَا تَزَوَّجَ امْرَأَةً ، وَقَالَ لِأَبِيهَا : إنْ جَاءَك خَبَرِي إلَى ثَلَاثِ سِنِينَ ، وَإِلَّا فَأَمْرُ ابْنَتِك إلَيْك .\rفَلَمَّا مَضَتْ السُّنُونَ لَمْ يَأْتِ خَبَرُهُ ، فَطَلَّقَهَا الْأَبُ ، فَإِنْ كَانَ الزَّوْجُ لَمْ يَرْجِعْ فِيمَا جَعَلَ إلَى الْأَبِ ، فَطَلَاقُهُ جَائِزٌ ، وَرُجُوعُهُ أَنْ يُشْهِدَ أَنَّهُ قَدْ رَجَعَ فِيمَا جَعَلَ إلَيْهِ .\rوَوَجْهُ هَذَا أَنَّهُ فَوَّضَ أَمْرَ الطَّلَاقِ إلَى مَنْ يَمْلِكُهُ ، فَصَحَّ تَعْلِيقُهُ عَلَى شَرْطٍ ، كَالتَّوْكِيلِ الصَّرِيحِ ، فَإِذَا صَحَّ هَذَا ، فَإِنَّ الطَّلَاقَ إلَى مَنْ فَوَّضَ إلَيْهِ ، عَلَى حَسَبِ مَا جَعَلَهُ إلَيْهِ ، فِي الْوَقْتِ الَّذِي عَيَّنَهُ لَهُ ، لَا قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ ، وَلِلزَّوْجِ الرُّجُوعُ فِي هَذَا ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ جَائِزٌ .\rقَالَ أَحْمَدُ : وَلَا تُقْبَلُ دَعْوَاهُ لِلرُّجُوعِ إلَّا بِبَيِّنَةٍ ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا يُمْكِنُ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ .\rفَإِنْ طَلَّقَ الْوَكِيلُ وَالزَّوْجُ غَائِبٌ ، كُرِهَ لِلْمَرْأَةِ التَّزَوُّجُ ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنَّ الزَّوْجَ رَجَعَ فِي الْوَكَالَةِ .\rوَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى مَنْعِهَا مِنْ التَّزَوُّجِ لِهَذِهِ الْعِلَّةِ .\rوَحَمَلَهُ الْقَاضِي عَلَى الِاسْتِحْبَابِ وَالِاحْتِيَاطِ .\rفَإِنْ غَابَ الْوَكِيلُ ، كُرِهَ لِلزَّوْجِ الْوَطْءُ ، مَخَافَةَ أَنْ يَكُونَ الْوَكِيلُ طَلَّقَ ، وَمَنَعَ مِنْهُ أَحْمَدُ أَيْضًا ؛ لِهَذِهِ الْعِلَّةِ .\rوَحَمَلَهُ الْقَاضِي أَيْضًا عَلَى الِاسْتِحْبَابِ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ النِّكَاحِ ، فَحُمِلَ الْأَمْرُ فِيهِ","part":16,"page":292},{"id":7792,"text":"عَلَى الْيَقِينِ .\rوَقَوْلُ أَحْمَدَ : رُجُوعُهُ أَنْ يُشْهِدَ عَلَى أَنَّهُ قَدْ رَجَعَ فِيمَا جَعَلَ إلَيْهِ .\rمَعْنَاهُ أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ إنَّهُ قَدْ رَجَعَ ، إلَّا بِبَيِّنَةٍ .\rوَلَوْ صَدَّقَتْهُ الْمَرْأَةُ فِي أَنَّهُ قَدْ رَجَعَ ، قُبِلَ ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ .","part":16,"page":293},{"id":7793,"text":"( 5888 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَلَوْ خَيَّرَهَا ، فَاخْتَارَتْ فُرْقَتَهُ مِنْ وَقْتِهَا ، وَإِلَّا فَلَا خِيَارَ لَهَا ) أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ التَّخْيِيرَ عَلَى الْفَوْرِ ، إنْ اخْتَارَتْ فِي وَقْتِهَا ، وَإِلَّا فَلَا خِيَارَ لَهَا بَعْدَهُ .\rرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ ، وَعُثْمَانَ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ ، وَجَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ ، وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْي .\rوَقَالَ الزُّهْرِيُّ ، وَقَتَادَةُ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ ، وَمَالِكٌ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ : هُوَ عَلَى التَّرَاخِي ، وَلَهَا الِاخْتِيَارُ فِي الْمَجْلِسِ وَبَعْدَهُ ، مَا لَمْ يَفْسَخَ أَوْ يَطَأْ .\rوَاحْتَجَّ ابْنُ الْمُنْذِرِ { بِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَائِشَةَ لَمَّا خَيَّرَهَا : إنِّي ذَاكِرٌ لَك أَمْرًا ، فَلَا عَلَيْك أَنْ لَا تُعَجِّلِي حَتَّى تَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْك .\r} وَهَذَا يَمْنَعُ قَصْرَهُ عَلَى الْمَجْلِسِ ، وَلِأَنَّهُ جَعَلَ أَمْرَهَا إلَيْهَا ، فَأَشْبَهَ أَمْرُك بِيَدِك .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ قَوْلُ مَنْ سَمَّيْنَا مِنْ الصَّحَابَةِ .\rرَوَى النَّجَّادُ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، أَنَّهُ قَالَ : قَضَى عُمَرُ وَعُثْمَانُ ، فِي الرَّجُلِ يُخَيِّرُ امْرَأَتَهُ ، أَنَّ لَهَا الْخِيَارَ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا .\rوَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، قَالَ : مَا دَامَتْ فِي مَجْلِسِهَا .\rوَنَحْوُهُ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَجَابِرٍ ، وَلَمْ نَعْرِفْ لَهُمْ مُخَالِفًا فِي الصَّحَابَةِ ، فَكَانَ إجْمَاعًا .\rوَلِأَنَّهُ خِيَارُ تَمْلِيكٍ ، فَكَانَ عَلَى الْفَوْرِ ، كَخِيَارِ الْقَبُولِ .\rفَأَمَّا الْخَبَرُ ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَعَلَ لَهَا الْخِيَارَ عَلَى التَّرَاخِي ، وَخِلَافُنَا فِي الْمُطْلَقِ .\rوَأَمَّا أَمْرُك بِيَدِك ، فَهُوَ تَوْكِيلٌ ، وَالتَّوْكِيلُ يَعُمُّ الزَّمَانَ مَا لَمْ يُقَيِّدْهُ بِقَيْدٍ ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا .\r( 5889 ) فَصْلٌ : وَقَوْلُهُ فِي وَقْتِهَا .\rأَيْ عَقِيبَ كَلَامِهِ","part":16,"page":294},{"id":7794,"text":"، مَا لَمْ يَخْرُجَا مِنْ الْكَلَامِ الَّذِي كَانَا فِيهِ إلَى غَيْرِ ذِكْرِ الطَّلَاقِ ، فَإِنْ تَفَرَّقَا عَنْ ذَلِكَ الْكَلَامِ إلَى كَلَامٍ غَيْرِهِ ، بَطَلَ خِيَارُهَا .\rقَالَ أَحْمَدُ : إذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ : اخْتَارِي .\rفَلَهَا الْخِيَارُ مَا دَامُوا فِي ذَلِكَ الْكَلَامِ ، فَإِنْ طَالَ الْمَجْلِسُ ، وَأَخَذُوا فِي كَلَامٍ غَيْرِ ذَلِكَ ، وَلَمْ تَخْتَرْ ، فَلَا خِيَارَ لَهَا .\rوَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ .\rوَنَحْوِهِ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ، عَلَى اخْتِلَافٍ عَنْهُ ، فَقِيلَ عَنْهُ : إنَّهُ يَتَقَيَّدُ بِالْمَجْلِسِ .\rوَقِيلَ : هُوَ عَلَى الْفَوْرِ .\rوَقَالَ أَحْمَدُ أَيْضًا : الْخِيَارُ عَلَى مُخَاطَبَةِ الْكَلَامِ أَنْ تُجَاوِبَهُ وَيُجَاوِبَهَا ، إنَّمَا هُوَ جَوَابُ كَلَامٍ ، إنْ أَجَابَتْهُ مِنْ سَاعَتِهِ ، وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ .\rوَوَجْهُهُ أَنَّهُ تَمْلِيكٌ مُطْلَقٌ ، تَأَخَّرَ قَبُولُهُ عَنْ أَوَّلِ حَالِ الْإِمْكَانِ ، فَلَمْ يَصِحَّ ، كَمَا لَوْ قَامَتْ مِنْ مَجْلِسِهَا ، فَإِنْ قَامَ أَحَدُهُمَا عَنْ الْمَجْلِسِ قَبْلَ اخْتِيَارِهَا ، بَطَلَ خِيَارُهَا .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَبْطُلُ بِقِيَامِهَا دُونَ قِيَامِهِ ؛ بِنَاءً عَلَى أَصْلِهِ فِي أَنَّ الزَّوْجَ لَا يَمْلِكُ الرُّجُوعَ .\rوَعِنْدَنَا أَنَّهُ يَمْلِكُ الرُّجُوعَ ، فَبَطَلَ بِقِيَامِهِ ، كَمَا يَبْطُلُ بِقِيَامِهَا .\rوَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا قَائِمًا ، أَوْ مَشَى ، بَطَلَ الْخِيَارُ ، وَإِنْ قَعَدَ ، لَمْ يَبْطُلْ .\rوَالْفَرْقُ بَيْنَ الْقِيَامِ وَالْقُعُودِ ، أَنَّ الْقِيَامَ يُبْطِلُ الْفِكْرَ وَالِارْتِيَاءَ فِي الْخِيَارِ ، فَيَكُونُ إعْرَاضًا ، وَالْقُعُودَ بِخِلَافِهِ .\rوَلَوْ كَانَتْ قَاعِدَةً فَاتَّكَأَتْ ، أَوْ مُتَّكِئَةً فَقَعَدَتْ ، لَمْ يَبْطُلْ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُبْطِلُ الْفِكْرَةَ .\rوَإِنْ تَشَاغَلَ أَحَدُهُمَا بِالصَّلَاةِ ، بَطَلَ الْخِيَارُ .\rوَإِنْ كَانَتْ فِي صَلَاةٍ فَأَتَمَّتْهَا ، لَمْ يَبْطُلْ خِيَارُهَا .\rوَإِنْ أَضَافَتْ إلَيْهَا رَكْعَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ ، بَطَلَ خِيَارُهَا .\rوَإِنْ أَكَلَتْ شَيْئًا يَسِيرًا ، أَوْ قَالَتْ : بِسْمِ اللَّهِ .\rأَوْ سَبَّحَتْ شَيْئًا يَسِيرًا ، لَمْ يَبْطُلْ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِإِعْرَاضٍ .\rوَإِنْ قَالَتْ :","part":16,"page":295},{"id":7795,"text":"اُدْعُ لِي شُهُودًا أُشْهِدُهُمْ عَلَى ذَلِكَ .\rلَمْ يَبْطُلْ خِيَارُهَا .\rوَإِنْ كَانَتْ رَاكِبَةً فَسَارَتْ ، بَطَلَ خِيَارُهَا .\rوَهَذَا كُلُّهُ قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ .","part":16,"page":296},{"id":7796,"text":"( 5890 ) فَصْلٌ : فَإِنْ جَعَلَ لَهَا الْخِيَارَ مَتَى شَاءَتْ ، أَوْ فِي مُدَّةٍ ، فَلَهَا ذَلِكَ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ .\rوَإِذَا قَالَ : اخْتَارِي إذَا شِئْت أَوْ مَتَى شِئْت .\rفَلَهَا ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ هَذِهِ تُفِيدُ جَعْلَ الْخِيَارِ لَهَا فِي عُمُومِ الْأَوْقَاتِ .\rوَإِنْ قَالَ : اخْتَارِي الْيَوْمَ وَغَدًا وَبَعْدَ غَدٍ .\rفَلَهَا ذَلِكَ ، فَإِنْ رَدَّتْ الْخِيَارَ فِي الْأَوَّلِ ، بَطَلَ كُلُّهُ .\rوَكَذَلِكَ إنْ قَالَ لَا تُعَجِّلِي حَتَّى تَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْك .\rوَنَحْوُهُ ، فَلَهَا الْخِيَارُ عَلَى التَّرَاخِي ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ذَلِكَ لِعَائِشَةَ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ خِيَارَهَا لَا يَبْطُلُ بِالتَّأْخِيرِ .\rوَإِنْ قَالَ : اخْتَارِي نَفْسَك الْيَوْمَ ، وَاخْتَارِي نَفْسَك غَدًا .\rفَرَدَّتْهُ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ ، لَمْ يَبْطُلْ فِي الثَّانِي .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَبْطُلُ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى أَيْضًا ؛ لِأَنَّهُمَا خِيَارَانِ فِي زَمَنَيْنِ ، فَلَمْ يَبْطُلْ أَحَدُهُمَا بِرَدِّ الْآخِرِ ، قِيَاسًا عَلَى الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ خِيَارٌ وَاحِدٌ ، فِي مُدَّةٍ وَاحِدَةٍ ، فَإِذَا بَطَلَ أَوَّلُهُ بَطَلَ مَا بَعْدَهُ ، كَمَا لَوْ كَانَ الْخِيَارُ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ ، وَكَخِيَارِ الشَّرْطِ وَخِيَارِ الْمُعْتَقَةِ ، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهُمَا خِيَارَانِ ، وَإِنَّمَا هُوَ خِيَارٌ وَاحِدٌ فِي يَوْمَيْنِ ، وَفَارَقَ مَا إذَا قَالَ : اخْتَارِي نَفْسَك الْيَوْمَ ، وَاخْتَارِي نَفْسك غَدًا .\rفَإِنَّهُمَا خِيَارَانِ ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ ثَبَتَ بِسَبَبٍ مُفْرَدٍ .\rوَلَوْ خَيَّرَهَا شَهْرًا ، فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا ، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا ، لَمْ يَكُنْ لَهَا عَلَيْهِ خِيَارٌ ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَهَا الْخِيَارُ .\rوَلَنَا أَنَّهَا اسْتَوْفَتْ مَا جَعَلَ لَهَا فِي هَذَا الْعَقْدِ ، فَلَمْ يَكُنْ لَهَا فِي عَقْدٍ ثَانٍ ، كَمَا لَوْ اشْتَرَطَ الْخِيَارَ فِي سِلْعَةٍ مُدَّةً ، ثُمَّ فَسَخَ ، ثُمَّ اشْتَرَاهَا بِعَقْدٍ آخَرَ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ .\rوَلَوْ لَمْ تَخْتَرْ نَفْسَهَا ، أَوْ اخْتَارَتْ زَوْجَهَا ، وَطَلَّقَهَا الزَّوْجُ ، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا ، بَطَلَ خِيَارُهَا ؛ لِأَنَّ","part":16,"page":297},{"id":7797,"text":"الْخِيَارَ الْمَشْرُوطَ فِي عَقْدٍ لَا يَثْبُتُ فِي عَقْدٍ سِوَاهُ ، كَمَا فِي الْبَيْعِ .\rوَالْحُكْمُ فِي قَوْلِهِ : أَمْرُك بِيَدِك .\rفِي هَذَا كُلِّهِ ، كَالْحُكْمِ فِي التَّخْيِيرِ ؛ لِأَنَّهُ نَوْعُ تَخْيِيرٍ .\rوَلَوْ قَالَ لَهَا : اخْتَارِي ، أَوْ أَمْرُك بِيَدِك ، الْيَوْمَ وَبَعْدَ الْغَدِ ، فَرَدَّتْ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ ، لَمْ يَبْطُلْ بَعْدُ فِي غَدٍ ؛ لِأَنَّهُمَا خِيَارَانِ يَنْفَصِلُ أَحَدُهُمَا مِنْ صَاحِبِهِ ، فَلَمْ يَبْطُلْ أَحَدُهُمَا بِبُطْلَانِ الْآخِرِ ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الزَّمَانُ مُتَّصِلًا وَاللَّفْظُ وَاحِدًا ، فَإِنَّهُ خِيَارٌ وَاحِدٌ ، فَبَطَلَ كُلُّهُ بِبُطْلَانِ بَعْضِهِ .\rوَإِنْ قَالَ : لَك الْخِيَارُ يَوْمًا .\rأَوْ أَمْرُك بِيَدِك يَوْمًا .\rفَابْتِدَاؤُهُ مِنْ حِينَ نَطَقَ بِهِ إلَى مِثْلِهِ مِنْ الْغَدِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ اسْتِكْمَالُ يَوْمٍ بِتَمَامِهِ إلَّا بِذَلِكَ .\rوَإِنْ قَالَ شَهْرًا .\rفَمِنْ سَاعَةِ نَطَقَ إلَى اسْتِكْمَالِ ثَلَاثِينَ يَوْمًا إلَى مِثْلِ تِلْكَ السَّاعَةِ .\rوَإِنْ قَالَ : الشَّهْرَ .\rأَوْ الْيَوْمَ .\rأَوْ السَّنَةَ .\rفَهُوَ عَلَى مَا بَقِيَ مِنْ الْيَوْمِ وَالشَّهْرِ وَالسَّنَةِ .","part":16,"page":298},{"id":7798,"text":"( 5891 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَلَيْسَ لَهَا أَنْ تَخْتَارَ مِنْ وَاحِدَةٍ ، إلَّا أَنْ يَجْعَلَ إلَيْهَا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ ) وَجُمْلَةُ الْأَمْرِ أَنَّ لَفْظَةَ التَّخْيِيرِ لَا تَقْتَضِي بِمُطْلَقِهَا أَكْثَرَ مِنْ تَطْلِيقَةٍ رَجْعِيَّةٍ .\rقَالَ أَحْمَدُ هَذَا قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، وَعُمَرَ ، وَعَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ جَابِرٍ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : هِيَ وَاحِدَةٌ بَائِنٌ .\rوَهُوَ قَوْلُ ابْنِ شُبْرُمَةَ ، لِأَنَّ اخْتِيَارَهَا نَفْسَهَا يَقْتَضِي زَوَالَ سُلْطَانِهِ عَنْهَا ، وَلَا يَكُونُ إلَّا بِالْبَيْنُونَةِ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : هِيَ ثَلَاثٌ فِي الْمَدْخُولِ بِهَا ؛ لِأَنَّ الْمَدْخُولَ بِهَا لَا تَبِينُ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ ، إلَّا أَنْ تَكُونَ بِعِوَضٍ .\rوَلَنَا إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، فَإِنَّ مَنْ سَمَّيْنَا مِنْهُمْ قَالُوا : إنْ اخْتَارَتْ نَفْسَهَا ، فَهِيَ وَاحِدَةٌ ، وَهُوَ أَحَقُّ بِهَا .\rرَوَاهُ النَّجَّادُ عَنْهُمْ بِأَسَانِيدِهِ .\rوَلِأَنَّ قَوْلَهُ : اخْتَارِي تَفْوِيضٌ مُطْلَقٌ ، فَيَتَنَاوَلُ أَقَلَّ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الِاسْمُ ، وَذَلِكَ طَلْقَةٌ وَاحِدَةٌ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ بَائِنًا ؛ لِأَنَّهَا طَلْقَةٌ بِغَيْرِ عِوَضٍ ، لَمْ يُكَمَّلْ بِهَا الْعَدَدُ بَعْدَ الدُّخُولِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ طَلَّقَهَا وَاحِدَةً .\rوَيُخَالِفُ قَوْلَهُ : أَمْرُك بِيَدِك ، فَإِنَّهُ لِلْعُمُومِ ، فَإِنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ ، فَيَتَنَاوَلُ جَمِيعَ أَمْرِهَا ، لَكِنْ إنْ جَعَلَ إلَيْهَا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ ، فَلَهَا مَا جَعَلَ إلَيْهَا ، سَوَاءٌ جَعَلَهُ بِلَفْظِهِ ، مِثْلُ أَنْ يَقُولَ : اخْتَارِي مَا شِئْت .\rأَوْ اخْتَارِي الطَّلْقَاتِ الثَّلَاثَ إنْ شِئْت .\rفَلَهَا أَنْ تَخْتَارَ ذَلِكَ .\rفَإِنْ قَالَ : اخْتَارِي مِنْ الثَّلَاثِ مَا شِئْت .\rفَلَهَا أَنْ تَخْتَارَ وَاحِدَةً أَوْ اثْنَتَيْنِ ، وَلَيْسَ لَهَا اخْتِيَارُ الثَّلَاثِ بِكَمَالِهَا ؛ لِأَنَّ مِنْ لِلتَّبْعِيضِ ، فَقَدْ جَعَلَ لَهَا اخْتِيَارَ بَعْضِ الثَّلَاثِ ، فَلَا يَكُونُ لَهَا اخْتِيَارُ الْجَمِيعِ ، أَوْ جَعَلَهُ نِيَّتَهُ ، وَهُوَ أَنْ يَنْوِيَ","part":16,"page":299},{"id":7799,"text":"بِقَوْلِهِ : اخْتَارِي .\rعَدَدًا ، فَإِنَّهُ يَرْجِعُ إلَى مَا نَوَاهُ ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ : اخْتَارِي كِنَايَةٌ خَفِيَّةٌ ، فَيَرْجِعُ فِي قَدْرِ مَا يَقَعُ بِهَا إلَى نِيَّتِهِ ، كَسَائِرِ الْكِنَايَاتِ الْخَفِيَّةِ ، فَإِنْ نَوَى ثَلَاثًا ، أَوْ اثْنَتَيْنِ ، أَوْ وَاحِدَةً ، فَهُوَ عَلَى مَا نَوَى ، وَإِنْ أَطْلَقَ النِّيَّةَ ، فَهِيَ وَاحِدَةٌ ، وَإِنْ نَوَى ثَلَاثًا ، فَطَلُقَتْ أَقَلَّ مِنْهَا ، وَقَعَ مَا طَلَّقْته ؛ لِأَنَّهُ يُعْتَبَرُ قَوْلُهُمَا جَمِيعًا ، فَيَقَعُ مَا اجْتَمَعَا عَلَيْهِ ، كَالْوَكِيلَيْنِ إذَا طَلَّقَ وَاحِدٌ مِنْهُمَا وَاحِدَةً وَالْآخَرُ ثَلَاثًا .","part":16,"page":300},{"id":7800,"text":"( 5892 ) فَصْلٌ : وَإِنْ خَيَّرَهَا ، فَاخْتَارَتْ زَوْجَهَا ، أَوْ رَدَّتْ الْخِيَارَ ، أَوْ الْأَمْرَ ، لَمْ يَقَعْ شَيْءٌ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، فِي رِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ ، وَعَلِيٍّ ، وَزَيْدٍ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَعُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَابْنِ شُبْرُمَةَ ، وَابْنِ أَبِي لَيْلَى ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ .\rوَعَنْ الْحَسَنِ : تَكُونُ وَاحِدَةً رَجْعِيَّةً ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ .\rوَرَوَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ عَنْ أَحْمَدَ .\rقَالَ : فَإِنْ اخْتَارَتْ زَوْجَهَا ، فَوَاحِدَةٌ يَمْلِكُ الرَّجْعَةَ ، وَإِنْ اخْتَارَتْ نَفْسَهَا فَثَلَاثٌ .\rقَالَ أَبُو بَكْرٍ : انْفَرَدَ بِهَذَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ ، وَالْعَمَلُ عَلَى مَا رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ .\rوَوَجْهُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ ، أَنَّ التَّخْيِيرَ كِنَايَةٌ نَوَى بِهَا الطَّلَاقَ ، فَوَقَعَ بِهَا بِمُجَرَّدِهَا ، كَسَائِرِ كِنَايَاتِهِ .\rوَكَقَوْلِهِ : انْكِحِي مَنْ شِئْت .\rوَلَنَا ، قَوْلُ عَائِشَةَ : قَدْ خَيَّرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَفَكَانَ طَلَاقًا ، وَقَالَتْ : { لَمَّا أُمِرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِتَخْيِيرِ أَزْوَاجِهِ ، بَدَأَ بِي ، فَقَالَ : إنِّي لَمُخْبِرُك خَبَرًا ، فَلَا عَلَيْك أَنْ لَا تُعَجِّلِي حَتَّى تَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْك .\rثُمَّ قَالَ : إنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا } .\rحَتَّى بَلَغَ : { فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا } .\rفَقُلْت : فِي أَيِّ هَذَا اسْتَأْمِرُ أَبَوَيَّ ، فَإِنِّي أُرِيدُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ .\rقَالَتْ : ثُمَّ فَعَلَ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَ مَا فَعَلْت .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا .\r} قَالَ مَسْرُوقٌ : مَا أُبَالِي خَيَّرْت امْرَأَتِي وَاحِدَةً ، أَوْ مِائَةً ، أَوْ أَلْفًا ، بَعْدَ أَنْ تَخْتَارَنِي ، وَلِأَنَّهَا مُخَيَّرَةٌ اخْتَارَتْ النِّكَاحَ ، فَلَمْ يَقَعْ بِهَا الطَّلَاقُ ، كَالْمُعْتَقَةِ تَحْتَ عَبْدٍ .\rفَأَمَّا","part":16,"page":301},{"id":7801,"text":"إنْ قَالَتْ : اخْتَرْت نَفْسِي فَيَفْتَقِرُ إلَى نِيَّتِهَا ؛ لِأَنَّهُ لَفْظُ كِنَايَةٍ مِنْهَا .\rفَإِنْ نَوَى أَحَدُهُمَا دُونَ الْآخَرِ ، لَمْ يَقَعْ ؛ لِأَنَّ الزَّوْجَ إذَا لَمْ يَنْوِ فَمَا فَوَّضَ إلَيْهَا الطَّلَاقَ ، فَلَا يَصِحُّ أَنْ يُوقِعَهُ ، وَإِنْ نَوَى وَلَمْ تَنْوِ هِيَ ، فَقَدْ فَوَّضَ إلَيْهَا الطَّلَاقَ ، فَمَا أَوْقَعَتْهُ ، فَلَمْ يَقَعْ شَيْءٌ ، كَمَا لَوْ وَكَّلَ وَكِيلًا فِي الطَّلَاقِ ، فَلَمْ يُطَلِّقْ .\rوَإِنْ نَوَيَا جَمِيعًا ، وَقَعَ مَا نَوَيَاهُ مِنْ الْعَدَدِ إنْ اتَّفَقَا فِيهِ ، وَإِنْ نَوَى أَحَدُهُمَا أَقَلَّ مِنْ الْآخِرِ ، وَقَعَ الْأَقَلُّ ؛ لِأَنَّ مَا زَادَ انْفَرَدَ بِهِ أَحَدُهُمَا ، فَلَمْ يَقَعْ .","part":16,"page":302},{"id":7802,"text":"( 5893 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَالَ : أَمْرُك بِيَدِك ، أَوْ اخْتَارِي .\rفَقَالَتْ : قَبِلْت .\rلَمْ يَقَعْ شَيْءٌ ؛ لِأَنَّ أَمْرَك بِيَدِك .\rتَوْكِيلٌ ، فَقَوْلُهَا فِي جَوَابِهِ : قَبِلْت .\rيَنْصَرِفُ إلَى قَبُولِ الْوَكَالَةِ ، فَلَمْ يَقَعْ شَيْءٌ ، كَمَا لَوْ قَالَ لِأَجْنَبِيٍّ : أَمْرُ امْرَأَتِي بِيَدِك .\rفَقَالَ : قَبِلْت .\rوَقَوْلُهُ : اخْتَارِي .\rفِي مَعْنَاهُ .\rوَكَذَلِكَ إنْ قَالَتْ : أَخَذْت أَمْرِي .\rنَصَّ عَلَيْهِمَا أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ إبْرَاهِيمَ بْنِ هَانِئٍ ، إذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ : أَمْرُك بِيَدِك .\rفَقَالَتْ : قَبِلْت .\rلَيْسَ بِشَيْءٍ حَتَّى تَبِينَ .\rوَقَالَ : إذَا قَالَتْ : أَخَذْت أَمْرِي .\rلَيْسَ بِشَيْءٍ .\rقَالَ : وَإِذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ : اخْتَارِي .\rفَقَالَتْ : قَبِلْت نَفْسِي .\rأَوْ قَالَتْ : اخْتَرْت نَفْسِي .\rكَانَ أَبْيَنَ .\rقَالَ الْقَاضِي : وَلَوْ قَالَتْ : اخْتَرْت .\rوَلَمْ تَقُلْ : نَفْسِي .\rلَمْ تَطْلُقْ ، وَإِنْ نَوَتْ .\rوَلَوْ قَالَ الزَّوْجُ : اخْتَارِي .\rوَلَمْ يَقُلْ : نَفْسَك .\rوَلَمْ يَنْوِهِ ، لَمْ تَطْلُقْ ، مَا لَمْ تَذْكُرْ نَفْسَهَا ، مَا لَمْ يَكُنْ فِي كَلَامِ الزَّوْجِ أَوْ جَوَابِهَا مَا يَصْرِفُ الْكَلَامَ إلَيْهِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ فِي حُكْمِ التَّفْسِيرِ ، فَإِذَا عَرِيَ عَنْ ذَلِكَ لَمْ يَصِحَّ .\rوَإِنْ قَالَتْ : اخْتَرْت زَوْجِي .\rأَوْ اخْتَرْت الْبَقَاءَ عَلَى النِّكَاحِ .\rأَوْ رَدَدْت الْخِيَارَ ، أَوْ رَدَدْت عَلَيْك سَفِهْتَك .\rبَطَلَ الْخِيَارُ .\rوَإِنْ قَالَتْ : اخْتَرْت أَهْلِي .\rأَوْ أَبَوَيَّ .\rوَنَوَتْ ، وَقَعَ الطَّلَاقُ ؛ لِأَنَّ هَذَا يَصْلُحُ كِنَايَةً مِنْ الزَّوْجِ ، فِيمَا إذَا قَالَ : الْحَقِي بِأَهْلِك .\rفَكَذَلِكَ مِنْهَا .\rوَإِنْ قَالَتْ : اخْتَرْت الْأَزْوَاجَ .\rفَكَذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَحِلُّونَ إلَّا بِمُفَارِقَةِ هَذَا الزَّوْجِ ، وَلِذَلِكَ كَانَ كِنَايَةً مِنْهُ فِي قَوْلِهِ : انْكِحِي مَنْ شِئْت .\r( 5894 ) فَصْلٌ : فَإِنْ كَرَّرَ ، لَفْظَةَ الْخِيَارِ ، فَقَالَ : اخْتَارِي ، اخْتَارِي ، اخْتَارِي .\rفَقَالَ : أَحْمَدُ إنْ كَانَ إنَّمَا يُرَدِّدُ عَلَيْهَا لِيُفْهِمَهَا ، وَلَيْسَ نِيَّتُهُ ثَلَاثًا ، فَهِيَ وَاحِدَةٌ ، وَإِنْ كَانَ أَرَادَ بِذَلِكَ ثَلَاثًا ، فَهِيَ","part":16,"page":303},{"id":7803,"text":"ثَلَاثٌ ، فَرَدَّ الْأَمْرَ إلَى نِيَّتِهِ فِي ذَلِكَ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إذَا قَبِلَتْ ، وَقَعَ ثَلَاثًا ؛ لِأَنَّهُ كَرَّرَ مَا يَقَعُ بِهِ الطَّلَاقُ ، فَتَكَرَّرَ ، كَمَا لَوْ كَرَّرَ الطَّلَاقَ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ يَحْتَمِلُ التَّأْكِيدَ ، فَإِذَا قَصَدَهُ قُبِلَ مِنْهُ ، كَمَا لَوْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ الطَّلَاقَ .\rوَإِنْ أَطْلَقَ ، فَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا وَاحِدَةٌ يَمْلِكُ الرَّجْعَةَ .\rوَهَذَا اخْتِيَارُ الْقَاضِي ، وَمَذْهَبُ عَطَاءٍ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ؛ لِأَنَّ تَكْرِيرَ التَّخْيِيرِ لَا يَزِيدُ بِهِ الْخِيَارُ ، كَشَرْطِ الْخِيَارِ فِي الْبَيْعِ .\rوَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ ، إذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ : اخْتَارِي .\rفَقَالَتْ : اخْتَرْت نَفْسِي .\rهِيَ وَاحِدَةٌ ، إلَّا أَنْ يَقُولَ : اخْتَارِي ، اخْتَارِي ، اخْتَارِي .\rوَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا تَطْلُقُ ثَلَاثًا .\rوَنَحْوُهُ قَالَ الشَّعْبِيُّ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ وَمَالِكٌ ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَةَ الْوَاحِدَةَ تَقْتَضِي طَلْقَةً ، فَإِذَا تَكَرَّرَتْ اقْتَضَتْ ثَلَاثًا ، كَلَفْظَةِ الطَّلَاقِ .","part":16,"page":304},{"id":7804,"text":"( 5895 ) فَصْلٌ : فَإِنْ قَالَ لُزُوجَتِهِ : طَلِّقِي نَفْسَك .\rوَنَوَى عَدَدًا ، فَهُوَ عَلَى مَا نَوَى .\rوَإِنْ أَطْلَقَ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ ، لَمْ يَمْلِكْ إلَّا وَاحِدَةً ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ الْمُطْلَقَ يَتَنَاوَلُ أَقَلَّ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الِاسْمُ .\rوَكَذَلِكَ الْحُكْمُ لَوْ وَكَّلَ أَجْنَبِيًّا ، فَقَالَ : طَلِّقْ زَوْجَتِي .\rفَالْحُكْمُ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ .\rقَالَ أَحْمَدُ : إذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ : طَلِّقِي نَفْسَك .\rوَنَوَى ثَلَاثًا فَطَلَّقَتْ نَفْسَهَا ثَلَاثًا ، فَهِيَ ثَلَاثٌ ، وَإِنْ كَانَ نَوَى وَاحِدَةً ، فَهِيَ وَاحِدَةٌ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الطَّلَاقَ يَكُونُ وَاحِدَةً وَثَلَاثًا ، فَأَيُّهُمَا نَوَاهُ فَقَدْ نَوَى بِلَفْظِهِ مَا احْتَمَلَهُ ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ تَنَاوَلَ الْيَقِينَ ، وَهُوَ الْوَاحِدَةُ .\rفَإِنْ طَلَّقَتْ نَفْسَهَا ، أَوْ طَلَّقَهَا الْوَكِيلُ فِي الْمَجْلِسِ ، أَوْ بَعْدَهُ ، وَقَعَ الطَّلَاقُ ؛ لِأَنَّهُ تَوْكِيلٌ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : إذَا قَالَ لَهَا : طَلِّقِي نَفْسَك ، تَقَيَّدَ بِالْمَجْلِسِ ؛ لِأَنَّهُ تَفْوِيضٌ لِلطَّلَاقِ إلَيْهَا ، فَتَقَيَّدَ بِالْمَجْلِسِ ، كَقَوْلِهِ : اخْتَارِي .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ تَوْكِيلٌ فِي الطَّلَاقِ ، فَكَانَ عَلَى التَّرَاخِي ، كَتَوْكِيلِ الْأَجْنَبِيِّ ، وَكَقَوْلِهِ : أَمْرُك بِيَدِك .\rوَفَارَقَ : اخْتَارِي .\rفَإِنَّهُ تَخْيِيرٌ .\rوَمَا ذَكَرَهُ يَنْتَقِضُ بِقَوْلِهِ : أَمْرُك بِيَدِك .\rوَلَهَا أَنْ تُوقِعَ الطَّلَاقَ بِلَفْظِ الصَّرِيحِ ، وَبِالْكِنَايَةِ مَعَ النِّيَّةِ .\rوَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ : لَيْسَ لَهَا أَنْ تُوقِعَهُ بِالْكِنَايَةِ ؛ لِأَنَّهُ فَوَّضَهُ إلَيْهَا بِلَفْظِ الصَّرِيحِ ، فَلَا يَصِحُّ أَنْ تُوقِعَ غَيْرَ مَا فَوَّضَ إلَيْهَا .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ فَوَّضَ إلَيْهَا الطَّلَاقَ ، وَقَدْ أَوْقَعَتْهُ ، فَوَقَعَ ، كَمَا لَوْ أَوْقَعَتْهُ بِلَفْظِ الصَّرِيحِ .\rوَمَا ذَكَرَهُ غَيْرُ صَحِيحٍ ؛ فَإِنَّ التَّوْكِيلَ فِي شَيْءٍ لَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ إيقَاعُهُ بِلَفْظِ الْأَمْرِ مِنْ جِهَتِهِ ، كَمَا لَوْ قَالَ لِوَكِيلِهِ : بِعْ دَارِي .\rجَازَ لَهُ بَيْعُهَا بِلَفْظِ التَّمْلِيكِ .\rوَإِنْ قَالَ لَهَا : طَلِّقِي ثَلَاثًا فَطَلُقَتْ وَاحِدَةً ، وَقَعَ .","part":16,"page":305},{"id":7805,"text":"نَصَّ عَلَيْهِ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : لَا يَقَعُ شَيْءٌ ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَمْتَثِلْ أَمَرَهُ .\rوَلَنَا ، أَنَّهَا مَلَكَتْ إيقَاعَ ثَلَاثٍ ، فَمَلَكَتْ إيقَاعَ وَاحِدَةٍ ، كَالْمُوَكَّلِ ، وَلِأَنَّهُ لَوْ قَالَ : وَهَبْتُك هَؤُلَاءِ الْعَبِيدَ الثَّلَاثَةَ .\rفَقَالَتْ : قَبِلْت وَاحِدًا مِنْهُمْ .\rصَحَّ .\rكَذَا هَاهُنَا .\rوَإِنْ قَالَ : طَلِّقِي وَاحِدَةً .\rفَطَلَّقَتْ ثَلَاثًا ، وَقَعَتْ وَاحِدَةٌ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَيْضًا .\rوَبِهِ قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَقَعُ شَيْءٌ ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَأْتِ بِمَا يَصْلُحُ قَبُولًا ، فَلَمْ يَصِحَّ ، كَمَا لَوْ قَالَ : بِعْتُك نِصْفَ هَذَا الْعَبْدِ .\rفَقَالَ : قَبِلْت الْبِيعَةَ فِي جَمِيعِهِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهَا وَقَّعَتْ طَلَاقًا مَأْذُونًا فِيهِ ، وَغَيْرَهُ ، فَوَقَعَ الْمَأْذُونُ فِيهِ دُونَ غَيْرِهِ ، كَمَا لَوْ قَالَ : طَلِّقِي نَفْسَك .\rفَطَلَّقَتْ نَفْسَهَا وَضَرَائِرَهَا .\rفَإِنْ قَالَ : طَلِّقِي نَفْسَك .\rفَقَالَتْ : أَنَا طَالِقٌ إنْ قَدِمَ زَيْدٌ .\rلَمْ يَصِحَّ ؛ لِأَنَّ إذْنَهُ انْصَرَفَ إلَى الْمُنْجَزِ ، فَلَمْ يَتَنَاوَلْ الْمُعَلَّقَ عَلَى شَرْطٍ .\rوَحُكْمُ تَوْكِيلِ الْأَجْنَبِيِّ فِي الطَّلَاقِ ، كَحُكْمِهَا فِيمَا مَا ذَكَرْنَاهُ كُلِّهِ .","part":16,"page":306},{"id":7806,"text":"( 5896 ) فَصْلٌ : نَقَلَ عَنْهُ أَبُو الْحَارِثِ إذَا قَالَ : طَلِّقِي نَفْسَك طَلَاقَ السُّنَّةِ .\rقَالَتْ : قَدْ طَلَّقْت نَفْسِي ثَلَاثًا .\rهِيَ وَاحِدَةٌ ، وَهُوَ أَحَقُّ بِرَجْعَتِهَا .\rإنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ ؛ لِأَنَّ التَّوْكِيلَ بِلَفْظٍ يَتَنَاوَلُ أَقَلَّ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اللَّفْظُ ، وَهُوَ طَلْقَةٌ وَاحِدَةٌ لَا سِيَّمَا وَطَلَاقُ السُّنَّةِ فِي الصَّحِيحِ طَلْقَةٌ وَاحِدَةٌ ، فِي طُهْرٍ لَمْ يُصِبْهَا فِيهِ .","part":16,"page":307},{"id":7807,"text":"( 5897 ) فَصْلٌ : وَيَجُوزُ أَنْ يَجْعَلَ أَمْرَ امْرَأَتِهِ بِيَدِهَا بِعِوَضٍ ، وَحُكْمُهُ حُكْمُ مَا لَا عِوَضَ لَهُ ، فِي أَنَّ لَهُ الرُّجُوعَ فِيمَا جَعَلَ لَهَا ، وَأَنَّهُ يَبْطُلُ بِالْوَطْءِ .\rقَالَ أَحْمَدُ : إذَا قَالَتْ امْرَأَتُهُ : اجْعَلْ أَمْرِي بِيَدِي ، وَأُعْطِيك عَبْدِي هَذَا .\rقَبَضَ الْعَبْدَ ، وَجَعَلَ أَمَرَهَا بِيَدِهَا ، فَلَهَا أَنْ تَخْتَارَ مَا لَمْ يَطَأْهَا أَوْ يَنْقُضْهُ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ تَوْكِيلٌ ، وَالتَّوْكِيلُ لَا يَلْزَمُ بِدُخُولِ الْعِوَضِ فِيهِ ، وَكَذَلِكَ التَّمْلِيكُ بَعُوضٍ لَا يَلْزَمُ ، مَا لَمْ يَتَّصِلْ بِهِ الْقَبُولُ كَالْبَيْعِ .","part":16,"page":308},{"id":7808,"text":"( 5898 ) فَصْلٌ : إذَا اخْتَلَفَا ، فَقَالَ الزَّوْجُ : لَمْ أَنْوِ الطَّلَاقَ بِلَفْظِ الِاخْتِيَارِ وَأَمْرُك بِيَدِك .\rوَقَالَتْ : بَلْ نَوَيْت .\rكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ ؛ لِأَنَّهُ أَعْلَمُ بِنِيَّتِهِ ، وَلَا سَبِيلَ إلَى مَعْرِفَتِهِ إلَّا مِنْ جِهَتِهِ ، مَا لَمْ يَكُنْ جَوَابَ سُؤَالٍ ، أَوْ مَعَهَا دَلَالَةُ حَالٍ .\rوَإِنْ قَالَ : لَمْ تَنْوِ الطَّلَاقَ بِاخْتِيَارِ نَفْسِك .\rوَقَالَتْ : بَلْ نَوَيْت .\rفَالْقَوْلُ قَوْلُهَا ؛ لِمَا ذَكَرْنَا .\rوَإِنْ قَالَتْ : قَدْ اخْتَرْت نَفْسِي .\rوَأَنْكَرَ وُجُودَ الِاخْتِيَارِ مِنْهَا ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ ؛ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ لَهُ ، وَهُوَ مِمَّا يُمْكِنُهُ عِلْمُهُ ، وَيُمْكِنُهَا إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ عَلَّقَ طَلَاقَهَا عَلَى دُخُولِ الدَّارِ ، فَادَّعَتْهُ ، فَأَنْكَرَهُ .","part":16,"page":309},{"id":7809,"text":"( 5899 ) فَصْلٌ : إذَا قَالَ لِزَوْجَتِهِ : أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ .\rوَأَطْلَقَ ، فَهُوَ ظِهَارٌ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا شَيْءَ عَلَيْهِ .\rوَلَهُ قَوْلٌ آخَرُ : عَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ ، وَلَيْسَ بِيَمِينٍ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : هُوَ يَمِينٌ .\rوَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ ، وَعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ .\rوَقَالَ سَعِيدٌ : حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ جُوَيْبِرٍ ، عَنْ الضَّحَّاكِ ، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ، وَعُمَرَ ، وَابْنَ مَسْعُودٍ قَالُوا فِي الْحَرَامِ : يَمِينٌ .\rوَبِهِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : { لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَك } .\rثُمَّ قَالَ : { قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ } .\rوَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : { لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ } .\rوَلِأَنَّهُ تَحْرِيمٌ لِلْحَلَالِ ، أَشْبَهَ تَحْرِيمَ الْأَمَةِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ تَحْرِيمٌ لِلزَّوْجَةِ بِغَيْرِ طَلَاقٍ ، فَوَجَبَتْ بِهِ كَفَّارَةُ الظِّهَارِ ، كَمَا لَوْ قَالَ : أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ كَظَهْرِ أُمِّي .\rفَأَمَّا إنْ نَوَى غَيْرَ الظِّهَارِ ، فَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ جَمَاعَةٍ ، أَنَّهُ ظِهَارٌ ، نَوَى الطَّلَاقَ أَوْ لَمْ يَنْوِهِ .\rوَذَكَرَهُ الْخِرَقِيِّ فِي مَوْضِعٍ غَيْرِ هَذَا .\rوَمِمَّنْ قَالَ : إنَّهُ ظِهَارٌ ؛ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ ، وَأَبُو قِلَابَةَ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَمَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ ، وَالْبَتِّيُّ .\rرَوَى الْأَثْرَمُ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، فِي الْحَرَامِ ، أَنَّهُ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ ، أَوْ إطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا .\rوَلِأَنَّهُ صَرِيحٌ فِي تَحْرِيمِهَا ، فَكَانَ ظِهَارًا ، وَإِنْ نَوَى غَيْرَهُ ، كَقَوْلِهِ : أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي .\rوَعَنْ أَحْمَدَ ؛ أَنَّهُ إذَا نَوَى الطَّلَاقَ ، كَانَ طَلَاقًا .\rوَقَالَ : إذَا قَالَ : مَا أَحَلَّ اللَّهُ عَلَيَّ حَرَامٌ يَعْنِي بِهِ الطَّلَاقَ ،","part":16,"page":310},{"id":7810,"text":"أَخَافُ أَنْ يَكُونَ ثَلَاثًا ، وَلَا أُفْتِي بِهِ .\rوَهَذَا مِثْلُ قَوْلِهِ فِي الْكِنَايَاتِ الظَّاهِرَةِ ، فَكَأَنَّهُ جَعَلَهُ مِنْ كِنَايَاتِ الطَّلَاقِ ، يَقَعُ بِهِ الطَّلَاقُ إذَا نَوَاهُ .\rوَنَقَلَ عَنْهُ الْبَغَوِيّ فِي رَجُلٍ قَالَ لِامْرَأَتِهِ : أَمْرُك بِيَدِك .\rفَقَالَتْ : أَنَا عَلَيْك حَرَامٌ .\rفَقَدْ حُرِّمَتْ عَلَيْهِ .\rفَجَعَلَهُ مِنْهَا كِنَايَةً فِي الطَّلَاقِ ، فَكَذَلِكَ مِنْ الرَّجُلِ .\rوَاخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيِّ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ .\rوَمِمَّنْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ طَلَاقُ ثَلَاثٍ ؛ عَلِيٌّ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ ، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى .\rوَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ فِي الْمَدْخُولِ بِهَا ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ نَوْعُ تَحْرِيمٍ ، فَصَحَّ أَنْ يُكَنَّى بِهِ عَنْهُ ، كَقَوْلِهِ : أَنْتِ بَائِنٌ .\rفَأَمَّا إنْ لَمْ يَنْوِ الطَّلَاقَ ، فَلَا يَكُونُ طَلَاقًا بِحَالٍ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِصَرِيحٍ فِي الطَّلَاقِ ، فَإِذَا لَمْ يَنْوِ مَعَهُ ، لَمْ يَقَعْ بِهِ طَلَاقٌ كَسَائِرِ الْكِنَايَاتِ .\rوَإِنْ قُلْنَا : إنَّهُ كِنَايَةٌ فِي الطَّلَاقِ .\rوَنَوَى بِهِ ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْكِنَايَاتِ الظَّاهِرَةِ ، عَلَى مَا مَضَى مِنْ الِاخْتِلَافِ فِيهَا .\rوَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيِّ ، كُلٌّ عَلَى أَصْلِهِ ، وَيُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى الْكِنَايَاتِ الْخَفِيَّةِ إذَا قُلْنَا : إنَّ الرَّجْعَةَ مُحَرَّمَةٌ ؛ لِأَنَّ أَقَلَّ مَا تَحْرُمُ بِهِ الزَّوْجَةُ طَلْقَةٌ رَجْعِيَّةٌ ، فَحُمِلَ عَلَى الْيَقِينِ .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ ؛ فَإِنَّهُ قَالَ : إذَا قَالَ : أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ ، أَعْنِي بِهِ طَلَاقًا .\rفَهِيَ وَاحِدَةٌ .\rوَرُوِيَ هَذَا عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَالزُّهْرِيِّ .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَسْرُوقٍ ، وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَالشَّعْبِيِّ : لَيْسَ بِشَيْءٍ ؛ لِأَنَّهُ قَوْلٌ هُوَ كَاذِبٌ فِيهِ .\rوَهَذَا يَبْطُلُ بِالظِّهَارِ ؛ فَإِنَّهُ مُنْكَرٌ مِنْ الْقَوْلِ وَزُورٌ ، وَقَدْ وَجَبَتْ الْكَفَّارَةُ ، وَلِأَنَّ هَذَا إيقَاعٌ لِلطَّلَاقِ","part":16,"page":311},{"id":7811,"text":"فَأَشْبَهَ قَوْلَهُ : أَنْتِ بَائِنٌ .\rأَوْ أَنْتِ طَالِقٌ .\rوَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّهُ إذَا نَوَى الْيَمِينَ كَانَ يَمِينًا .\rفَإِنَّهُ قَالَ فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا : إنَّهُ إذَا قَالَ : أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ .\rوَنَوَى يَمِينًا ، ثُمَّ تَرَكَهَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ ، قَالَ : هُوَ يَمِينٌ ، وَإِنَّمَا الْإِيلَاءُ أَنْ يَحْلِفَ بِاَللَّهِ أَنْ لَا يَقْرَبَ امْرَأَتَهُ .\rفَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ إذَا نَوَى الْيَمِينَ كَانَتْ يَمِينًا .\rوَهَذَا مَذْهَبُ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَقَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيِّ .\rوَمِمَّنْ رُوِيَ عَنْهُ عَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ، وَعُمَرُ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ ، وَعَائِشَةُ ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ، وَالْحَسَنُ ، وَعَطَاءٌ ، وَطَاوُسٌ ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ ، وَقَتَادَةُ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ .\rوَفِي الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ : إذَا حَرَّمَ الرَّجُلُ عَلَيْهِ امْرَأَتَهُ ، فَهِيَ يَمِينٌ يُكَفِّرُهَا .\rوَقَالَ : { لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ } .\rوَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَك تَبْتَغِي مَرْضَاتِ أَزْوَاجِكَ وَاَللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ } .\rفَجَعَلَ الْحَرَامَ يَمِينًا .\rوَمَعْنَى قَوْلِهِ : نَوَى يَمِينًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهُ نَوَى بِقَوْلِهِ : أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ .\rتَرْكَ وَطْئِهَا ، وَاجْتِنَابَهَا ، وَأَقَامَ ذَلِكَ مُقَامَ قَوْلِهِ : وَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُك .","part":16,"page":312},{"id":7812,"text":"( 5900 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَالَ : أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ .\rأَعْنِي بِهِ الطَّلَاقَ .\rفَهُوَ طَلَاقٌ .\rرَوَاهُ الْجَمَاعَةُ عَنْ أَحْمَدَ .\rوَرَوَى عَنْهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ النَّيْسَابُورِيُّ ، أَنَّهُ قَالَ : إذَا قَالَ : أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ ، أُرِيدُ بِهِ الطَّلَاقَ .\rكُنْت أَقُولُ : إنَّهَا طَالِقٌ ، يُكَفِّرُ كَفَّارَةَ الظِّهَارِ .\rوَهَذَا كَأَنَّهُ رُجُوعٌ عَنْ قَوْلِهِ : إنَّهُ طَلَاقٌ .\rوَوَجْهُهُ أَنَّهُ صَرِيحٌ فِي الظِّهَارِ ، فَلَمْ يَصِرْ طَلَاقًا بِقَوْلِهِ : أُرِيدُ بِهِ الطَّلَاقَ .\rكَمَا لَوْ قَالَ : أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي ، أَعْنِي بِهِ الطَّلَاقَ .\rقَالَ الْقَاضِي : وَلَكِنْ جَمَاعَةُ أَصْحَابِنَا عَلَى أَنَّهُ طَلَاقٌ .\rوَهِيَ الرِّوَايَةُ الْمَشْهُورَةُ الَّتِي رَوَاهَا عَنْهُ الْجَمَاعَةُ ؛ لِأَنَّهُ صَرَّحَ بِلَفْظِ الطَّلَاقِ ، فَكَانَ طَلَاقًا ، كَمَا لَوْ ضَرَبَهَا ، وَقَالَ : هَذَا طَلَاقُك .\rوَلَيْسَ هَذَا صَرِيحًا فِي الظِّهَارِ ، إنَّمَا هُوَ صَرِيحٌ فِي التَّحْرِيمِ ، وَالتَّحْرِيمُ يَتَنَوَّعُ إلَى تَحْرِيمٍ بِالظِّهَارِ ، وَإِلَى تَحْرِيمٍ بِالطَّلَاقِ ، فَإِذَا بَيَّنَ بِلَفْظِهِ إرَادَةَ تَحْرِيمِ الطَّلَاقِ ، وَجَبَ صَرْفُهُ إلَيْهِ ، وَفَارَقَ قَوْلَهُ : أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي فَإِنَّهُ صَرِيحٌ فِي الظِّهَارِ ، وَهُوَ تَحْرِيمٌ لَا يَرْتَفِعُ إلَّا بِالْكَفَّارَةِ ، فَلَمْ يُمْكِنْ جَعْلُ ذَلِكَ طَلَاقًا ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا .\rثُمَّ إنْ قَالَ : أَعْنِي بِهِ الطَّلَاقَ .\rأَوْ نَوَى بِهِ ثَلَاثًا ، فَهِيَ ثَلَاثٌ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ الَّتِي لِلِاسْتِغْرَاقِ ، تَفْسِيرًا لِلتَّحْرِيمِ ، فَيَدْخُلُ فِيهِ الطَّلَاقُ كُلُّهُ ، وَإِذَا نَوَى الثَّلَاثَ فَقَدْ نَوَى بِلَفْظِهِ مَا يَحْتَمِلُهُ مِنْ الطَّلَاقِ ، فَوَقَعَ ، كَمَا لَوْ قَالَ : أَنْتِ بَائِنٌ .\rوَعَنْهُ : لَا يَكُونُ ثَلَاثًا حَتَّى يَنْوِيَهَا ، سَوَاءٌ كَانَتْ فِيهِ الْأَلِفُ وَاللَّامُ أَوْ لَمْ تَكُنْ ؛ لِأَنَّ الْأَلِفَ وَاللَّامَ تَكُونُ لِغَيْرِ الِاسْتِغْرَاقِ فِي أَكْثَرِ أَسْمَاءِ الْأَجْنَاسِ .\rوَإِنْ قَالَ : أَعْنِي بِهِ طَلَاقًا .\rفَهُوَ وَاحِدَةٌ ؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَهُ مُنَكَّرًا ، فَيَكُونُ","part":16,"page":313},{"id":7813,"text":"طَلَاقًا وَاحِدًا .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .\rوَقَالَ ، فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ ؛ إذَا قَالَ : أَعْنِي طَلَاقًا .\rفَهِيَ وَاحِدَةٌ أَوْ اثْنَتَانِ ، إذَا لَمْ تَكُنْ فِيهِ أَلِفٌ وَلَامٌ .","part":16,"page":314},{"id":7814,"text":"( 5901 ) فَصْلٌ : فَإِنْ قَالَ : أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي وَنَوَى بِهِ الطَّلَاقَ ، لَمْ يَكُنْ طَلَاقًا ؛ لِأَنَّهُ صَرِيحٌ فِي الظِّهَارِ ، فَلَمْ يَصْلُحْ كِنَايَةً فِي الطَّلَاقِ ، كَمَا لَا يَكُونُ الطَّلَاقُ كِنَايَةً فِي الظِّهَارِ ، وَلِأَنَّ الظِّهَارَ تَشْبِيهٌ بِمَنْ هِيَ مُحَرَّمَةٌ عَلَى التَّأْبِيدِ ، وَالطَّلَاقُ يُفِيدُ تَحْرِيمًا غَيْرَ مُؤَبَّدٍ ، فَلَمْ تَصْلُحْ الْكِنَايَةُ بِأَحَدِهِمَا عَنْ الْآخَرِ .\rوَلَوْ صَرَّحَ بِهِ فَقَالَ : أَعْنِي بِهِ الطَّلَاقَ .\rلَمْ يَصِرْ طَلَاقًا ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصْلُحُ الْكِنَايَةُ بِهِ عَنْهُ .","part":16,"page":315},{"id":7815,"text":"( 5902 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَالَ : أَنْتِ عَلَيَّ كَالْمَيْتَةِ وَالدَّمِ .\rوَنَوَى بِهِ الطَّلَاقَ ، كَانَ طَلَاقًا ؛ لِأَنَّهُ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ كِنَايَةً فِيهِ ، فَإِذَا اقْتَرَنَتْ بِهِ النِّيَّةُ وَقَعَ بِهِ الطَّلَاقُ ، وَيَقَعُ بِهِ مِنْ عَدَدِ الطَّلَاقِ مَا نَوَاهُ ، فَإِنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا وَقَعَتْ وَاحِدَةٌ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْكِنَايَاتِ الْخَفِيَّةِ ، وَهَذَا حُكْمُهَا .\rوَإِنْ نَوَى بِهِ الظِّهَارَ ، وَهُوَ أَنْ يَقْصِدَ تَحْرِيمَهَا عَلَيْهِ مَعَ بَقَاءِ نِكَاحِهَا ، احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ ظِهَارًا ، كَمَا قُلْنَا فِي قَوْلِهِ : أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ .\rوَاحْتَمَلَ أَنْ لَا يَكُونَ ظِهَارًا ، كَمَا لَوْ قَالَ : أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ الْبَهِيمَةِ ، أَوْ كَظَهْرِ أُمِّي .\rوَإِنْ نَوَى الْيَمِينَ ، وَهُوَ أَنْ يُرِيدَ بِذَلِكَ تَرْكَ وَطْئِهَا ، لَا تَحْرِيمَهَا ، وَلَا طَلَاقَهَا ، فَهُوَ يَمِينٌ وَإِنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا ، لَمْ يَكُنْ طَلَاقًا ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِصَرِيحٍ فِي الطَّلَاقِ ، وَلَا نَوَاهُ بِهِ .\rوَهَلْ يَكُونُ ظِهَارًا أَوْ يَمِينًا ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا ، يَكُونُ ظِهَارًا ؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُ أَنْتِ حَرَامٌ عَلَيَّ كَالْمَيْتَةِ وَالدَّمِ ، فَإِنَّ تَشْبِيهَهَا بِهِمَا يَقْتَضِي التَّشْبِيهَ بِهِمَا فِي الْأَمْرِ الَّذِي اشْتَهَرَا بِهِ ، وَهُوَ التَّحْرِيمُ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى فِيهَا : { حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ } .\rوَالثَّانِي ، يَكُونُ يَمِينًا ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ ، فَإِذَا أَتَى بِلَفْظٍ مُحْتَمِلٍ ، ثَبَتَ بِهِ أَقَلُّ الْحُكْمَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ الْيَقِينُ ، وَمَا زَادَ مَشْكُوكٌ فِيهِ ، فَلَا نُثْبِتُهُ بِالشَّكِّ ، وَلَا نَزُولُ عَنْ الْأَصْلِ إلَّا بِيَقِينٍ .\rوَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ ، هُوَ كَقَوْلِهِ : أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ سَوَاءً .","part":16,"page":316},{"id":7816,"text":"( 5903 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِذَا طَلَّقَهَا بِلِسَانِهِ ، وَاسْتَثْنَى شَيْئًا بِقَلْبِهِ ، وَقَعَ الطَّلَاقُ ، وَلَمْ يَنْفَعْهُ الِاسْتِثْنَاءُ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ مَا يَتَّصِلُ بِاللَّفْظِ مِنْ قَرِينَةٍ ، أَوْ اسْتِثْنَاءٍ ، عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ ؛ أَحَدُهَا ، مَا لَا يَصِحُّ نُطْقًا وَلَا نِيَّةً ، وَذَلِكَ نَوْعَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، مَا يَرْفَعُ حُكْمَ اللَّفْظِ كُلَّهُ ، مِثْلُ أَنْ يَقُولَ : أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إلَّا ثَلَاثًا .\rأَوْ : أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً لَا تَلْزَمُك .\rأَوْ : لَا تَقَعُ عَلَيْك .\rفَهَذَا لَا يَصِحُّ بِلَفْظِهِ وَلَا بِنِيَّتِهِ ؛ لِأَنَّهُ يَرْفَعُ حُكْمَ اللَّفْظِ كُلَّهُ ، فَيَصِيرُ الْجَمِيعُ لَغْوًا ، فَلَا يَصِحُّ هَذَا فِي اللُّغَةِ بِالِاتِّفَاقِ ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ سَقَطَ الِاسْتِثْنَاءُ وَالصِّفَةُ ، وَوَقَعَ الطَّلَاقُ .\rالضَّرْبُ الثَّانِي ، مَا يُقْبَلُ لَفْظًا ، وَلَا يُقْبَلُ نِيَّةً ، لَا فِي الْحُكْمِ وَلَا فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى ، وَهُوَ اسْتِثْنَاءُ الْأَقَلِّ ، فَهَذَا يَصِحُّ لَفْظًا ؛ لِأَنَّهُ مِنْ لِسَانِ الْعَرَبِ ، وَلَا يَصِحُّ بِالنِّيَّةِ ، مِثْلُ أَنْ يَقُولَ : أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا .\rوَيَسْتَثْنِيَ بِقَلْبِهِ : إلَّا وَاحِدَةً أَوْ أَكْثَرَ .\rفَهَذَا لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ الْعَدَدَ نَصٌّ فِيمَا تَنَاوَلَهُ ، لَا يَحْتَمِلُ غَيْرَهُ ، فَلَا يَرْتَفِعُ بِالنِّيَّةِ مَا ثَبَتَ بِنَصِّ اللَّفْظِ ، فَإِنَّ اللَّفْظَ أَقْوَى مِنْ النِّيَّةِ ، وَلَوْ نَوَى بِالثَّلَاثِ اثْنَتَيْنِ ، كَانَ مُسْتَعْمِلًا لِلَّفْظِ فِي غَيْرِ مَا يَصْلُحُ لَهُ فَوَقَعَ مُقْتَضَى اللَّفْظِ ، وَلَغَتْ نِيَّتُهُ .\rوَحُكِيَ عَنْ بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ ، أَنَّهُ يُقْبَلُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى ، كَمَا لَوْ قَالَ : نِسَائِي طَوَالِقُ .\rوَاسْتَثْنَى بِقَلْبِهِ : إلَّا فُلَانَةَ .\rوَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ نِسَائِي اسْمٌ عَامٌّ يَجُوزُ التَّعْبِيرُ بِهِ عَنْ بَعْضِ مَا وُضِعَ لَهُ ، وَقَدْ اُسْتُعْمِلَ الْعُمُومُ بِإِزَاءِ الْخُصُوصِ كَثِيرًا ، فَإِذَا أَرَادَ بِهِ الْبَعْضَ صَحَّ ، وَقَوْلُهُ : ثَلَاثًا .\rاسْمُ عَدَدٍ لِلثَّلَاثِ ، لَا يَجُوزُ التَّعْبِيرُ بِهِ عَنْ عَدَدِ","part":16,"page":317},{"id":7817,"text":"غَيْرِهَا ، وَلَا يَحْتَمِلُ سِوَاهَا بِوَجْهٍ ، فَإِذَا أَرَادَ بِذَلِكَ اثْنَتَيْنِ ، فَقَدْ أَرَادَ بِاللَّفْظِ مَالًا يَحْتَمِلُهُ ، وَإِنَّمَا تَعْمَلُ النِّيَّةُ فِي صَرْفِ اللَّفْظِ الْمُحْتَمِلِ إلَى أَحَدِ مُحْتَمَلَاتِهِ ، فَأَمَّا مَا لَا يَحْتَمِلُ فَلَا ، فَإِنَّا لَوْ عَمِلْنَا بِهِ فِيمَا لَا يَحْتَمِلُ ، كَانَ عَمَلًا بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ ، وَمُجَرَّدُ النِّيَّةِ لَا تَعْمَلُ فِي نِكَاحٍ ، وَلَا طَلَاقٍ ، وَلَا بَيْعٍ .\rوَلَوْ قَالَ : نِسَائِي الْأَرْبَعُ طَوَالِقُ .\rأَوْ قَالَ لَهُنًّ : أَرْبَعَتُكُنَّ طَوَالِقُ .\rوَاسْتَثْنَى بَعْضَهُنَّ بِالنِّيَّةِ ، لَمْ يُقْبَلْ ، عَلَى قِيَاسِ مَا ذَكَرْنَاهُ ، وَلَا يَدِينِ فِيهِ ؛ لِأَنَّهُ عَنَى بِاللَّفْظِ مَا لَا يَحْتَمِلُ .\rالضَّرْبُ الثَّالِثُ ، مَا يَصِحُّ نُطْقًا ، وَإِذَا نَوَاهُ دُيِّنَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى ، وَذَلِكَ مِثْلُ تَخْصِيصِ اللَّفْظِ الْعَامِ ، أَوْ اسْتِعْمَالِ اللَّفْظِ فِي مَجَازِهِ ، مِثْلُ قَوْلِهِ : نِسَائِي طَوَالِقُ .\rيُرِيدُ بَعْضَهُنَّ ، أَوْ يَنْوِي بِقَوْلِهِ : طَوَالِقُ .\rأَيْ مِنْ وَثَاقٍ ، فَهَذَا يُقْبَلُ إذَا كَانَ لَفْظًا .\rوَجْهًا وَاحِدًا ؛ لِأَنَّهُ وَصَلَ كَلَامَهُ بِمَا بَيَّنَ مُرَادَهُ ، وَإِنْ كَانَ بِنِيَّتِهِ ، قُبِلَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى ؛ لِأَنَّهُ أَرَادَ تَخْصِيصَ اللَّفْظِ الْعَامِ ، وَاسْتِعْمَالَهُ فِي الْخُصُوصِ ، وَهَذَا سَائِغٌ فِي اللُّغَةِ ، شَائِعٌ فِي الْكَلَامِ ، فَلَا يُمْنَعُ مِنْ اسْتِعْمَالِهِ وَالتَّكَلُّمِ بِهِ ، وَيَكُونُ اللَّفْظُ بِنِيَّتِهِ مُنْصَرِفًا إلَى مَا أَرَادَهُ ، دُونَ مَا لَمْ يُرِدْهُ .\rوَهَلْ يُقْبَلُ ذَلِكَ فِي الْحُكْمِ ؟ يُخَرَّجُ عَلَى رِوَايَتَيْنِ ؛ : إحْدَاهُمَا ، يُقْبَلُ ؛ لِأَنَّهُ فَسَّرَ كَلَامَهُ بِمَا يَحْتَمِلُهُ ، فَصَحَّ ، كَمَا لَوْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ ، أَنْتِ طَالِقٌ .\rوَأَرَادَ بِالثَّانِيَةِ إفْهَامَهَا .\rوَالثَّانِيَةُ ، لَا يُقْبَلُ ؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rوَمِنْ شَرْطِ هَذَا أَنْ تَكُونَ النِّيَّةُ مُقَارِنَةً لِلَّفْظِ ، وَهُوَ أَنْ يَقُولُ : نِسَائِي طَوَالِقُ .\rيَقْصِدُ بِهَذَا اللَّفْظِ بَعْضَهُنَّ ،","part":16,"page":318},{"id":7818,"text":"فَأَمَّا إنْ كَانَتْ النِّيَّةُ مُتَأَخِّرَةً عَنْ اللَّفْظِ ، فَقَالَ : نِسَائِي طَوَالِقُ .\rثُمَّ بَعْدَ فَرَاغِهِ نَوَى بِقَلْبِهِ بَعْضَهُنَّ ، لَمْ تَنْفَعْهُ النِّيَّةُ ، وَوَقَعَ الطَّلَاقُ بِجَمِيعِهِنَّ .\rوَكَذَلِكَ لَوْ طَلَّقَ نِسَاءَهُ ، وَنَوَى بَعْدَ طَلَاقِهِنَّ ، أَيْ مِنْ وَثَاقٍ ، لَزِمَهُ الطَّلَاقُ ؛ لِأَنَّهُ مُقْتَضَى اللَّفْظِ ، وَالنِّيَّةُ الْأَخِيرَةُ نِيَّةٌ مُجَرَّدَةٌ ، لَا لَفْظَ مَعَهَا ، فَلَا تَعْمَلُ .\rوَمِنْ هَذَا الضَّرْبِ تَخْصِيصُ حَالٍ دُونَ حَالٍ ، مِثْلُ أَنْ يَقُولَ : أَنْتِ طَالِقٌ .\rثُمَّ يَصِلُهُ بِشَرْطٍ أَوْ صِفَةٍ ، مِثْلُ قَوْلِهِ : إنْ دَخَلْت الدَّارَ ، أَوْ بَعْدَ شَهْرٍ ، أَوْ قَالَ : إنْ دَخَلْت الدَّارَ بَعْدَ شَهْرٍ .\rفَهَذَا يَصِحُّ إذَا كَانَ نُطْقًا ، بِغَيْرِ خِلَافٍ .\rوَإِنْ نَوَاهُ ، وَلَمْ يَلْفِظْ بِهِ دُيِّنَ .\rوَهَلْ يُقْبَلُ فِي الْحُكْمِ ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ .\rقَالَ فِي رِوَايَةِ إِسْحَاقَ بْنِ إبْرَاهِيمَ ، فِي مَنْ حَلَفَ لَا تَدْخُلُ الدَّارَ ، وَقَالَ : نَوَيْت شَهْرًا .\rيُقْبَلُ مِنْهُ .\rأَوْ قَالَ : إذَا دَخَلْت دَارَ فُلَانٍ فَأَنْتِ طَالِقٌ .\rوَنَوَى تِلْكَ السَّاعَةَ ، وَذَلِكَ الْيَوْمَ .\rقُبِلَتْ نِيَّتُهُ .\rوَالرِّوَايَةُ الْأُخْرَى ، لَا تُقْبَلُ ؛ فَإِنَّهُ قَالَ : إذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ : أَنْتِ طَالِقٌ .\rوَنَوَى فِي نَفْسِهِ إلَى سَنَةٍ ، تَطْلُقْ .\rلَيْسَ يُنْظَرُ إلَى نِيَّتِهِ .\rوَقَالَ : إذَا قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ .\rوَقَالَ : نَوَيْت إنْ دَخَلْت الدَّارَ .\rلَا يُصَدَّقُ .\rوَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَ هَاتَيْنِ الرِّوَايَتَيْنِ ، بِأَنْ يُحْمَلَ قَوْلُهُ فِي الْقَبُولِ ، عَلَى أَنَّهُ يَدِينِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى ، وَقَوْلُهُ فِي عَدَمِ الْقَبُولِ ، عَلَى الْحُكْمِ فَلَا يَكُونُ بَيْنَهُمَا اخْتِلَافٌ ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ الصُّورَةِ وَاَلَّتِي قَبْلَهَا ، أَنَّ إرَادَةَ الْخَاصِّ بِالْعَامِّ شَائِعٌ كَثِيرٌ ، وَإِرَادَةَ الشَّرْطِ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِهِ غَيْرُ سَائِغٍ ، فَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ الِاسْتِثْنَاءِ .\rوَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ : هَذَا كُلُّهُ مِنْ جُمْلَةِ التَّخْصِيصِ .","part":16,"page":319},{"id":7819,"text":"( 5904 ) فَصْلٌ : وَإِذَا قَالَتْ لَهُ امْرَأَةٌ مِنْ نِسَائِهِ : طَلِّقْنِي .\rفَقَالَ : نِسَائِي طَوَالِقُ .\rوَلَا نِيَّةَ لَهُ ، طَلُقْنَ كُلُّهُنَّ .\rبِغَيْرِ خِلَافٍ ؛ لِأَنَّ لَفْظَهُ عَامٌ .\rإنْ قَالَتْ لَهُ : طَلِّقْ نِسَاءَك .\rفَقَالَ : نِسَائِي طَوَالِقُ .\rفَكَذَلِكَ .\rوَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ ، أَنَّ السَّائِلَةَ لَا تَطْلُقُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ ؛ لِأَنَّ الْخِطَابَ الْعَامَ يُقْصَرُ عَلَى سَبَبِهِ الْخَاصِّ ، وَسَبَبُهُ سُؤَالُ طَلَاقِ مَنْ سِوَاهَا .\rوَلَنَا ، أَنَّ اللَّفْظَ عَامٌ فِيهَا ، وَلَمْ يُرَدْ بِهِ غَيْرُ مُقْتَضَاهُ ، فَوَجَبَ الْعَمَلُ بِعُمُومِهِ ، كَالصُّورَةِ الْأُولَى ، وَالْعَمَلُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ أَوْلَى مِنْ خُصُوصِ السَّبَبِ ؛ لِأَنَّ دَلِيلَ الْحُكْمِ هُوَ اللَّفْظُ ، فَيَجِبُ اتِّبَاعُهُ ، وَالْعَمَلُ بِمُقْتَضَاهُ فِي خُصُوصِهِ وَعُمُومِهِ ، وَلِذَلِكَ لَوْ كَانَ أَخَصَّ مِنْ السَّبَبِ ، لَوَجَبَ قَصْرُهُ عَلَى خُصُوصِهِ ، وَاتِّبَاعُ صِفَةِ اللَّفْظِ دُونَ صِفَةِ السَّبَبِ ، فَإِنْ أَخْرَجَ السَّائِلَةَ بِنِيَّتِهِ ، دُيِّنَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى فِي الصُّورَتَيْنِ ، وَقُبِلَ فِي الْحُكْمِ فِي الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ ؛ لِأَنَّ خُصُوصَ السَّبَبِ دَلِيلٌ عَلَى نِيَّتِهِ ، وَلَمْ يُقْبَلْ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى .\rقَالَهُ ابْنُ حَامِدٍ ؛ لِأَنَّ طَلَاقَهُ جَوَابٌ لِسُؤَالِهَا الطَّلَاقَ لِنَفْسِهَا ، فَلَا يُصَدَّقُ فِي صَرْفِهِ عَنْهَا لِأَنَّهُ يُخَالِفُ الظَّاهِرَ مِنْ وَجْهَيْنِ .\rوَلِأَنَّهَا سَبَبُ الطَّلَاقِ ، وَسَبَبُ الْحُكْمِ لَا يَجُوزُ إخْرَاجُهُ مِنْ الْعُمُومِ بِالتَّخْصِيصِ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : يَحْتَمِلُ أَنْ لَا تَطْلُقَ ؛ لِأَنَّ لَفْظَهُ عَامٌّ ، وَالْعَامُّ يَحْتَمِل التَّخْصِيصَ .","part":16,"page":320},{"id":7820,"text":"( 5905 ) فَصْلٌ : فَإِنْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ إنْ دَخَلْتِ الدَّارَ .\rثُمَّ قَالَ : إنَّمَا أَرَدْتُ الطَّلَاقَ فِي الْحَالِ ، لَكِنْ سَبَقَ لِسَانِي إلَى الشَّرْطِ .\rطَلَقَتْ فِي الْحَالِ ؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ عَلَى نَفْسِهِ بِمَا يُوجِبُ الطَّلَاقَ ، فَلَزِمَهُ ، كَمَا لَوْ قَالَ : قَدْ طَلَّقْتُهَا .\rفَإِنْ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ : كَذَبْتُ ، وَإِنَّمَا أَرَدْتُ طَلَاقَهَا عِنْدَ الشَّرْطِ .\rدُيِّنَ فِي ذَلِكَ ، وَلَمْ يُقْبَلْ فِي الْحُكْمِ ؛ لِأَنَّهُ رُجُوعٌ عَمَّا أَقَرَّ بِهِ .","part":16,"page":321},{"id":7821,"text":"( 5906 ) فَصْلٌ : وَقَوْلُ الْخِرَقِيِّ : وَاسْتَثْنَى شَيْئًا بِقَلْبِهِ .\rيَدُلُّ بِمَفْهُومِهِ عَلَى أَنَّهُ إذَا اسْتَثْنَى بِلِسَانِهِ صَحَّ ، وَلَمْ يَقَعْ مَا اسْتَثْنَاهُ .\rوَهُوَ قَوْلُ جَمَاعَةِ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ، عَلَى أَنَّ الرَّجُلَ إذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ : أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إلَّا وَاحِدَةً .\rأَنَّهَا تَطْلُقُ طَلْقَتَيْنِ .\rمِنْهُمْ ؛ الثَّوْرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَحُكِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ لَا يُؤَثِّرُ فِي عَدَدِ الطَّلْقَاتِ ، وَيَجُوزُ فِي الْمُطَلَّقَاتِ ، فَلَوْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إلَّا وَاحِدَةً .\rوَقَعَ الثَّلَاثُ .\rوَلَوْ قَالَ نِسَائِي طَوَالِقُ إلَّا فُلَانَةَ .\rلَمْ تَطْلُقْ ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ لَا يُمْكِنُ رَفْعُهُ بَعْدَ إيقَاعِهِ ، وَالِاسْتِثْنَاءُ يَرْفَعُهُ لَوْ صَحَّ .\rوَمَا ذَكَرَهُ مِنْ التَّعْلِيلِ بَاطِلٌ بِمَا سَلَّمَهُ مِنْ الِاسْتِثْنَاءِ فِي الْمُطَلَّقَات ، وَلَيْسَ الِاسْتِثْنَاءُ رَفْعًا لِمَا وَقَعَ ، إذْ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ ، لَمَا صَحَّ فِي الْمُطَلَّقَاتِ ، وَلَا الْإِعْتَاقِ ، وَلَا فِي الْإِقْرَارِ ، وَلَا الْإِخْبَارِ ، وَإِنَّمَا هُوَ مُبَيِّنٌ أَنَّ الْمُسْتَثْنَى غَيْرُ مُرَادٍ بِالْكَلَامِ ، فَهُوَ يَمْنَعُ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ مَا لَوْلَاهُ لَدَخَلَ ، فَقَوْلُهُ : { فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إلَّا خَمْسِينَ عَامًا } .\rعِبَارَةٌ عَنْ تِسْعِمِائَةٍ وَخَمْسِينَ .\rوَقَوْلُهُ : { إنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إلَّا الَّذِي فَطَرَنِي } .\rتَبَرُّؤٌ مِنْ غَيْرِ اللَّهِ ، فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ : أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إلَّا وَاحِدَةً .\rعِبَارَةٌ عَنْ اثْنَتَيْنِ لَا غَيْرُ ، وَحَرْفُ الِاسْتِثْنَاءِ الْمُسْتَوْلَى عَلَيْهِ إلَّا ، وَيُشَبَّهُ بِهِ أَسْمَاءٌ وَأَفْعَالٌ وَحُرُوفٌ ؛ فَالْأَسْمَاءُ غَيْرُ وَسِوَى ، وَالْأَفْعَالُ لَيْسَ وَلَا يَكُونُ وَعَدَا ، وَالْحُرُوفُ حَاشَا وَخَلَا ، فَبِأَيِّ كَلِمَةٍ اسْتَثْنَى بِهَا صَحَّ الِاسْتِثْنَاءُ .","part":16,"page":322},{"id":7822,"text":"( 5907 ) فَصْلٌ : وَلَا يَصِحُّ اسْتِثْنَاءُ الْأَكْثَرِ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .\rفَلَوْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إلَّا اثْنَتَيْنِ .\rوَقَعَ ثَلَاثٌ .\rوَالْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ .\rوَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي الْإِقْرَارِ .\rوَذَكَرْنَا أَنَّ أَهْلَ الْعَرَبِيَّةِ إنَّمَا أَجَازُوهُ فِي الْقَلِيلِ مِنْ الْكَثِيرِ ، وَحَكَيْنَا ذَلِكَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ أَئِمَّةِ أَهْلِ اللُّغَةِ .\rفَإِذَا قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إلَّا وَاحِدَةً .\rوَقَعَ اثْنَتَانِ .\rوَإِنْ قَالَ : إلَّا اثْنَتَيْنِ .\rوَقَعَ ثَلَاثٌ .\rوَإِنْ قَالَ : طَلْقَتَيْنِ إلَّا طَلْقَةً .\rفَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، يَقَعُ طَلْقَةٌ .\rوَالثَّانِي ، طَلْقَتَانِ ؛ بِنَاءً عَلَى اسْتِثْنَاءِ النِّصْفِ ، هَلْ يَصِحُّ أَوْ لَا ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ .\rوَإِنْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إلَّا ثَلَاثًا وَقَعَ ثَلَاثٌ .\rبِغَيْرِ خِلَافٍ ؛ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ لِرَفْعِ بَعْضِ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ ، فَلَا يَصِحُّ أَنْ يُرْفَعَ جَمِيعُهُ .\rوَإِنْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ خَمْسًا إلَّا ثَلَاثًا .\rوَقَعَ ثَلَاثٌ ؛ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ إنْ عَادَ إلَى الْخَمْسِ ، فَقَدْ اسْتَثْنَى الْأَكْثَرَ ، وَإِنْ عَادَ إلَى الثَّلَاثِ الَّتِي يَمْلِكُهَا ، فَقَدْ رَفَعَ جَمِيعَهَا .\rوَكِلَاهُمَا لَا يَصِحُّ .\rوَإِنْ قَالَ : خَمْسًا إلَّا طَلْقَةً .\rفَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، يَقَعُ ثَلَاثٌ ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ مَعَ الِاسْتِثْنَاءِ كَأَنَّهُ نَطَقَ بِمَا عَدَا الْمُسْتَثْنَى ، فَكَأَنَّهُ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ أَرْبَعًا .\rوَالثَّانِي ، يَقَعُ اثْنَتَانِ .\rذَكَرَهُ الْقَاضِي ؛ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ يَرْجِعُ إلَى مَا مَلَكَهُ مِنْ الطَّلْقَاتِ ، وَهِيَ الثَّلَاثُ ، وَمَا زَادَ عَلَيْهَا يَلْغُو ، وَقَدْ اسْتَثْنَى وَاحِدَةً مِنْ الثَّلَاثِ ، فَيَصِحُّ ، وَيَقَعُ طَلْقَتَانِ .\rوَإِنْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ أَرْبَعًا إلَّا اثْنَتَيْنِ ، فَعَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ ، يَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ ، وَيَقَعُ اثْنَتَانِ ، وَعَلَى قَوْلِ الْقَاضِي ، يَنْبَغِي أَنْ لَا يَصِحَّ الِاسْتِثْنَاءُ ، وَيَقَعُ ثَلَاثٌ ؛ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ يَرْجِعُ إلَى الثَّلَاثِ ، فَيَكُونُ اسْتِثْنَاءَ الْأَكْثَرِ .","part":16,"page":323},{"id":7823,"text":"( 5908 ) فَصْلٌ : فَإِنْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ اثْنَتَيْنِ وَوَاحِدَةً إلَّا وَاحِدَةً فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، لَا يَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ ؛ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ يَرْفَعُ الْجُمْلَة الْأَخِيرَةَ بِكَمَالِهَا مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ عَلَيْهَا ، فَيَصِيرُ ذِكْرُهَا وَاسْتِثْنَاؤُهَا لَغْوًا ، وَكُلُّ اسْتِثْنَاءٍ أَفْضَى تَصْحِيحُهُ إلَى الْغَايَةِ وَإِلْغَاءِ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ بَطَلَ ، كَاسْتِثْنَاءِ الْجَمِيعِ ، وَلِأَنَّ إلْغَاءَهُ وَحْدَهُ أَوْلَى مِنْ إلْغَائِهِ مَعَ إلْغَاءِ غَيْرِهِ ، وَلِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ يَعُودُ إلَى الْجُمْلَةِ الْأَخِيرَةِ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ ، فَيَكُونُ اسْتِثْنَاءً لِلْجَمِيعِ .\rوَالْوَجْهُ الثَّانِي ، يَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ ، وَيَقَعُ طَلْقَتَانِ ؛ لِأَنَّ الْعَطْفَ بِالْوَاوِ يَجْعَلُ الْجُمْلَتَيْنِ كَالْجُمْلَةِ الْوَاحِدَةِ ، فَيَصِيرُ مُسْتَثْنِيًا لَوَاحِدَةٍ مِنْ ثَلَاثٍ ، وَلِذَلِكَ لَوْ قَالَ لَهُ : عَلَيَّ مِائَةٌ وَعِشْرُونَ دِرْهَمًا إلَّا خَمْسِينَ .\rصَحَّ .\rوَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيِّ .\rوَإِنْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً وَاثْنَتَيْنِ إلَّا وَاحِدَةً .\rفَعَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي ، يَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ ، وَعَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ ، يُخَرَّجُ فِي صِحَّتِهِ وَجْهَانِ ؛ بِنَاءً عَلَى اسْتِثْنَاءِ النِّصْفِ .\rوَإِنْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ ، وَطَالِقٌ ، إلَّا طَلْقَةً .\rأَوْ قَالَ : طَالِقٌ طَلْقَتَيْنِ وَنِصْفًا إلَّا طَلْقَةً .\rفَالْحُكْمُ فِي ذَلِكَ كَالْحُكْمِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى سَوَاءً .\rوَإِنْ كَانَ الْعَطْفُ بِغَيْرِ وَاوٍ ، كَقَوْلِهِ : أَنْتِ طَالِقٌ فَطَالِقٌ فَطَالِقٌ ، أَوْ طَالِقٌ ثُمَّ طَالِقٌ ثُمَّ طَالِقٌ إلَّا طَلْقَةً ، لَمْ يَصِحَّ الِاسْتِثْنَاءُ ؛ لِأَنَّ هَذَا حَرْفٌ يَقْتَضِي التَّرْتِيبَ وَكَوْنَ الطَّلْقَةِ الْأَخِيرَةِ مُفْرَدَةً عَمَّا قَبْلَهَا ، فَيَعُودُ الِاسْتِثْنَاءُ إلَيْهَا وَحْدَهَا فَلَا يَصِحُّ .\rوَإِنْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ اثْنَتَيْنِ وَاثْنَتَيْنِ إلَّا اثْنَتَيْنِ .\rلَمْ يَصِحّ الِاسْتِثْنَاءُ ؛ لِأَنَّهُ إنْ عَادَ إلَى الْجُمْلَةِ الَّتِي تَلِيهِ ، فَهُوَ رَفْعٌ لِجَمِيعِهَا ، وَإِنْ عَادَ إلَى","part":16,"page":324},{"id":7824,"text":"الثَّلَاثِ الَّتِي يَمْلِكُهَا ، فَهُوَ رَفْعٌ لِأَكْثَرِهَا ، وَكِلَاهُمَا لَا يَصِحُّ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يَصِحَّ ؛ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْعَطْفَ بِالْوَاوِ يَجْعَلُ الْجُمْلَتَيْنِ جُمْلَةً وَاحِدَةً ، وَأَنَّ اسْتِثْنَاءَ النِّصْفِ يَصِحُّ ، فَكَأَنَّهُ قَالَ : أَرْبَعًا إلَّا اثْنَتَيْنِ .\rوَإِنْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ اثْنَتَيْنِ وَاثْنَتَيْنِ إلَّا وَاحِدَةً .\rاحْتَمَلَ أَنْ يَصِحَّ ؛ لِأَنَّهُ اسْتَثْنَى وَاحِدَةً مِنْ ثَلَاثٍ .\rوَاحْتَمَلَ أَنْ لَا يَصِحَّ ؛ لِأَنَّهُ إنْ عَادَ إلَى الرَّابِعَةِ ، فَقَدْ بَقِيَ بَعْدَهَا ثَلَاثٌ ، وَإِنْ عَادَ إلَى الْوَاحِدَةِ الْبَاقِيَةِ مِنْ الِاثْنَتَيْنِ ، فَهُوَ اسْتِثْنَاءُ الْجَمِيعِ .","part":16,"page":325},{"id":7825,"text":"( 5909 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إلَّا طَلْقَةً وَطَلْقَةً وَطَلْقَةً .\rفَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، يَلْغُو الِاسْتِثْنَاءُ ، وَيَقَعُ ثَلَاثٌ ؛ لِأَنَّ الْعَطْفَ يُوجِبُ اشْتَرَاكَ الْمَعْطُوفِ مَعَ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ ، فَيَصِيرُ مُسْتَثْنِيًا لَثَلَاثٍ مِنْ ثَلَاثٍ .\rوَهَذَا وَجْهٌ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ، وَقَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ .\rوَالثَّانِي ، يَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ فِي طَلْقَةٍ ؛ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ الْأَقَلَّ جَائِزٌ ، وَإِنَّمَا لَا يَصِحُّ اسْتِثْنَاءُ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ ، فَيَلْغُو وَحْدَهُ .\rوَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ : يَصِحُّ اسْتِثْنَاءُ اثْنَتَيْنِ ، وَيَلْغُو فِي الثَّالِثَةِ ؛ بِنَاءً عَلَى أَصْلِهِمْ فِي أَنَّ اسْتِثْنَاءَ الْأَكْثَرِ جَائِزٌ .\rوَهُوَ الْوَجْهُ الثَّانِي لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ .\rوَإِنْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَتَيْنِ إلَّا طَلْقَةً وَطَلْقَةً .\rفَفِيهِ الْوَجْهَانِ .\rوَإِنْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إلَّا طَلْقَةً وَنِصْفًا .\rاحْتَمَلَ وَجْهَيْنِ أَيْضًا ؛ أَحَدُهُمَا ، يَلْغُو الِاسْتِثْنَاءُ ؛ لِأَنَّ النِّصْفَ يُكَمَّلُ ، فَيَكُونُ مُسْتَثْنِيًا لِلْأَكْثَرِ ، فَيَلْغُو .\rوَالثَّانِي ، يَصِحُّ فِي طَلْقَةٍ ، فَتَقَعُ طَلْقَتَانِ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا فِي الَّتِي قَبْلَهَا .\rفَإِنْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إلَّا وَاحِدَةً وَإِلَّا وَاحِدَةً .\rكَانَ عَاطِفًا الِاسْتِثْنَاءَ عَلَى اسْتِثْنَاءٍ ، فَيَصِحُّ الْأَوَّلُ ، وَيَلْغُو الثَّانِي ؛ لِأَنَّنَا لَوْ صَحَّحْنَاهُ لَكَانَ مُسْتَثْنِيًا لِلْأَكْثَرِ ، فَيَقَعُ بِهِ طَلْقَتَانِ ، وَيَجِيءُ عَلَى قَوْلِ مَنْ أَجَازَ اسْتِثْنَاءَ الْأَكْثَرِ أَنْ يَصِحَّ فِيهِمَا ، فَتَقَعُ طَلْقَةٌ وَاحِدَةٌ .\rوَإِنْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إلَّا وَاحِدَةً ، إلَّا وَاحِدَةً .\rكَانَ مُسْتَثْنِيًا مِنْ الْوَاحِدَةِ الْمُسْتَثْنَاةِ وَاحِدَةً ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَلْغُوَ الِاسْتِثْنَاءُ الثَّانِي ، وَيَصِحَّ الْأَوَّلُ ، فَيَقَعَ بِهِ طَلْقَتَانِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يَقَعَ بِهِ الثَّلَاثُ ؛ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ الثَّانِيَ مَعْنَاهُ إثْبَاتُ طَلْقَةٍ فِي حَقِّهَا ؛ لِكَوْنِ الِاسْتِثْنَاءِ مِنْ النَّفْيِ إثْبَاتًا ،","part":16,"page":326},{"id":7826,"text":"فَيُقْبَلَ ذَلِكَ فِي إيقَاعِ طَلَاقِهِ ، وَإِنْ لَمْ يُقْبَلْ فِي نَفْيِهِ ، كَمَا لَوْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَتَيْنِ وَنِصْفًا .\rوَقَعَ بِهِ ثَلَاثٌ .\rوَلَوْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إلَّا نِصْفَ طَلْقَةٍ .\rوَقَعَ بِهِ ثَلَاثٌ ، فَكُمِّلَ النِّصْفُ فِي الْإِثْبَاتِ ، وَلَمْ يُكَمَّلْ فِي النَّفْيِ .","part":16,"page":327},{"id":7827,"text":"( 5910 ) فَصْلٌ : وَيَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ مِنْ الِاسْتِثْنَاءِ .\rوَلَا يَصِحُّ مِنْهُ فِي الطَّلَاقِ إلَّا مَسْأَلَةٌ وَاحِدَةٌ ، عَلَى اخْتِلَافٍ فِيهَا ، وَهِيَ قَوْلُهُ : أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إلَّا اثْنَتَيْنِ إلَّا وَاحِدَةً .\rفَإِنَّهُ يَصِحُّ إذَا أَجَزْنَا اسْتِثْنَاءَ النِّصْفِ ، فَيَقَعُ بِهِ طَلْقَتَانِ .\rفَإِنْ قِيلَ : فَكَيْفَ أَجَزْتُمْ اسْتِثْنَاءَ الِاثْنَتَيْنِ مِنْ الثَّلَاثِ ، وَهِيَ أَكْثَرُهَا ؟ قُلْنَا : لِأَنَّهُ لَمْ يَسْكُتْ عَلَيْهِمَا ، بَلْ وَصَلَهُمَا بِأَنْ اسْتَثْنَى مِنْهَا طَلْقَةً ، فَصَارَ عِبَارَةً عَنْ وَاحِدَةٍ .\rوَإِنْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إلَّا ثَلَاثًا إلَّا اثْنَتَيْنِ .\rلَمْ يَصِحَّ ؛ لِأَنَّ اسْتِثْنَاءَ الِاثْنَتَيْنِ مِنْ الثَّلَاثِ لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّهُمَا أَكْثَرُهَا ، وَاسْتِثْنَاءُ الثَّلَاثِ مِنْ الثَّلَاثِ لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّهَا جَمِيعُهَا .\rوَإِنْ قَالَ : ثَلَاثًا إلَّا ثَلَاثًا إلَّا وَاحِدَةً .\rلَمْ يَصِحَّ ، وَوَقَعَ ثَلَاثٌ ؛ لِأَنَّهُ إذَا اسْتَثْنَى وَاحِدَةً مِنْ ثَلَاثٍ ، بَقِيَ اثْنَتَانِ ، لَا يَصِحُّ اسْتِثْنَاؤُهُمَا مِنْ الثَّلَاثِ الْأُولَى ، فَيَقَعُ الثَّلَاثُ .\rوَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ فِيهَا وَجْهًا آخَرَ ، أَنَّهُ يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ الْأَوَّلَ يَلْغُو ؛ لِكَوْنِهِ اسْتِثْنَاءَ الْجَمِيعِ ، فَيَرْجِعُ قَوْلُهُ : إلَّا وَاحِدَةً إلَى الثَّلَاثِ الْمُثْبَتَةِ ، فَيَقَعُ مِنْهَا طَلْقَتَانِ .\rوَالْأَوَّلُ أَوْلَى ؛ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مِنْ الْإِثْبَاتِ نَفْيٌ ، وَمِنْ النَّفْيِ إثْبَاتٌ ، فَإِذَا اسْتَثْنَى مِنْ الثَّلَاثِ الْمَنْفِيَّةِ طَلْقَةً ، كَانَ مُثْبِتًا لَهَا ، فَلَا يَجُوزُ جَعْلُهَا مِنْ الثَّلَاثِ الْمُثْبَتَةِ ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ إثْبَاتًا مِنْ إثْبَاتٍ .\rوَلَا يَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ إلَّا مُتَّصِلًا بِالْكَلَامِ ، وَقَدْ ذُكِرَ فِي الْإِقْرَارِ .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":16,"page":328},{"id":7828,"text":"( 5911 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَإِذَا قَالَ لَهَا : أَنْتِ طَالِقٌ فِي شَهْرِ كَذَا ، لَمْ تَطْلُقْ حَتَّى تَغِيبَ شَمْسُ الْيَوْمِ الَّذِي يَلِي الشَّهْرَ الْمُشْتَرَطَ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ .\rفِي شَهْرٍ عَيَّنَهُ ، كَشَهْرِ رَمَضَانَ ، وَقَعَ الطَّلَاقُ فِي أَوَّلِ جُزْءٍ مِنْ اللَّيْلَةِ الْأُولَى مِنْهُ ، وَذَلِكَ حِينَ تَغْرُبُ الشَّمْسُ مِنْ آخِرِ يَوْمٍ مِنْ الشَّهْرِ الَّذِي قَبْلَهُ ، وَهُوَ شَهْرُ شَعْبَانَ .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ : يَقَعُ الطَّلَاقُ فِي آخِرِ رَمَضَانَ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَحْتَمِلُ وُقُوعَهُ فِي أَوَّلِهِ وَآخِرِهِ ، فَلَا يَقَعُ إلَّا بَعْدَ زَوَالِ الِاحْتِمَالِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ جَعَلَ الشَّهْرَ ظَرْفًا لِلطَّلَاقِ ، فَإِذَا وُجِدَ مَا يَكُونُ ظَرْفًا لَهُ طَلَقَتْ ، كَمَا لَوْ قَالَ : إذَا دَخَلْتِ الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ .\rفَإِذَا دَخَلَتْ أَوَّلَ جُزْءٍ مِنْهَا طَلَقَتْ .\rفَأَمَّا إنْ قَالَ : إنْ لَمْ أَقْضِكَ حَقَّكَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ فَامْرَأَتِي طَالِقٌ ، لَمْ تَطْلُقْ حَتَّى يَخْرُجَ رَمَضَانُ قَبْلَ قَضَائِهِ ؛ لِأَنَّهُ إذَا قَضَاهُ فِي آخِرِهِ لَمْ تُوجَدْ الصِّفَةُ ، وَفِي الْمَوْضِعَيْنِ لَا يُمْنَعُ مِنْ وَطْءِ زَوْجَتِهِ قَبْلَ الْحِنْثِ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : يُمْنَعُ .\rوَكَذَلِكَ كُلُّ يَمِينٍ عَلَى فِعْلٍ يَفْعَلُهُ ، يُمْنَعُ مِنْ الْوَطْءِ قَبْلَ فِعْلِهِ ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ عَلَى حِنْثٍ ، لِأَنَّ الْحِنْثَ بِتَرْكِ الْفِعْلِ ، وَلَيْسَ بِفَاعِلٍ .\rوَلَنَا ، أَنَّ طَلَاقَهُ لَمْ يَقَعْ ، فَلَا يُمْنَعُ مِنْ الْوَطْءِ لِأَجْلِ الْيَمِينِ ، كَمَا لَوْ حَلَفَ : لَا فَعَلْتُ كَذَا .\rوَلَوْ صَحَّ مَا ذَكَرَهُ لَوَجَبَ إيقَاعُ الطَّلَاقِ .\r( 5912 ) فَصْلٌ : وَمَتَى جَعَلَ زَمَنًا ظَرْفًا لِلطَّلَاقِ ، وَقَعَ الطَّلَاقُ فِي أَوَّلِ جُزْءٍ مِنْهُ ، مِثْلُ أَنْ يَقُولَ : أَنْتِ طَالِقٌ الْيَوْمَ ، أَوْ غَدًا ، أَوْ فِي سَنَةِ كَذَا ، أَوْ شَهْرِ الْمُحَرَّمِ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا .\rفَإِنْ قَالَ : أَرَدْت فِي آخِرِهِ ، أَوْ أَوْسَطِهِ ، أَوْ يَوْمِ كَذَا مِنْهُ ، أَوْ فِي النَّهَارِ دُونَ اللَّيْلِ .\rقُبِلَ مِنْهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ","part":16,"page":329},{"id":7829,"text":"تَعَالَى .\rوَهَلْ يُقْبَلُ فِي الْحُكْمِ ؟ يُخَرَّجُ عَلَى رِوَايَتَيْنِ .\rوَإِنْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ فِي أَوَّلِ رَمَضَانَ ، أَوْ غُرَّةِ رَمَضَانَ ، أَوْ فِي رَأْسِ شَهْرِ رَمَضَانَ ، أَوْ دُخُولِ شَهْرِ رَمَضَانَ ، أَوْ اسْتِقْبَالِ رَمَضَانَ ، أَوْ مَجِيءِ شَهْرِ رَمَضَانَ .\rطَلَقَتْ بِأَوَّلِ جُزْءٍ مِنْهُ ، وَلَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ : أَرَدْتُ أَوْسَطَهُ ، أَوْ آخِرَهُ .\rلَا ظَاهِرًا ، وَلَا بَاطِنًا ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْتَمِلُهُ لَفْظُهُ .\rوَإِنْ قَالَ : بِانْقِضَاءِ رَمَضَانَ ، أَوْ انْسِلَاخِهِ ، أَوْ نَفَادِهِ ، أَوْ مُضِيِّهِ .\rطَلَقَتْ فِي آخِرِ جُزْءٍ مِنْهُ .\rوَإِنْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ فِي أَوَّلِ نَهَارِ شَهْرِ رَمَضَانَ ، أَوْ فِي أَوَّلِ يَوْمٍ مِنْهُ .\rطَلَقَتْ بِطُلُوعِ فَجْرِ أَوَّلِ يَوْمٍ مِنْهُ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ أَوَّلُ النَّهَارِ وَالْيَوْمِ .\rوَلِهَذَا لَوْ نَذَرَ اعْتِكَافَ يَوْمٍ ، أَوْ صِيَامَ يَوْمٍ ، لَزِمَهُ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ .\rوَإِنْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ إذَا كَانَ رَمَضَانُ ، أَوْ إلَى رَمَضَانَ ، أَوْ إلَى هِلَالِ رَمَضَانَ ، أَوْ فِي هِلَالِ رَمَضَانَ ، طَلَقَتْ سَاعَةَ يَسْتَهِلُّ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ نَوَى مِنْ السَّاعَةِ إلَى الْهِلَالِ ، فَتَطْلُقُ فِي الْحَالِ .\rوَإِنْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ فِي مَجِيءِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ، طَلَقَتْ فِي أَوَّلِ الْيَوْمِ الثَّالِثِ .","part":16,"page":330},{"id":7830,"text":"( 5913 ) فَصْلٌ : وَإِذَا أَوْقَعَ الطَّلَاقَ فِي زَمَنٍ ، أَوْ عَلَّقَهُ بِصِفَةٍ ، تَعَلَّقَ بِهَا ، وَلَمْ يَقَعْ حَتَّى تَأْتِيَ الصِّفَةُ وَالزَّمَنُ .\rوَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَعَطَاءٍ ، وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ ، وَالنَّخَعِيِّ ، وَأَبِي هَاشِمٍ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَإِسْحَاقَ ، وَأَبِي عُبَيْدٍ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ .\rوَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ، وَالْحَسَنُ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَقَتَادَةُ ، وَيَحْيَى الْأَنْصَارِيُّ ، وَرَبِيعَةُ ، وَمَالِكٌ : إذَا عَلَّقَ الطَّلَاقَ بِصِفَةٍ ، تَأْتِي لَا مَحَالَةَ ، كَقَوْلِهِ : أَنْتِ طَالِقٌ إذَا طَلَعَتْ الشَّمْسُ ، أَوْ دَخَلَ رَمَضَانُ .\rطَلَقَتْ فِي الْحَالِ ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ لَا يَكُونُ مُؤَقَّتًا بِزَمَانٍ ، وَلِذَلِكَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا شَهْرًا .\rوَلَنَا ، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَانَ يَقُولُ ، فِي الرَّجُلِ يَقُولُ لِامْرَأَتِهِ : أَنْتِ طَالِقٌ إلَى رَأْسِ السَّنَةِ .\rقَالَ : يَطَأُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَأْسِ السَّنَةِ .\rوَلِأَنَّهُ إزَالَةُ مِلْكٍ يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ بِالصِّفَاتِ ، فَمَتَى عَلَّقَهُ بِصِفَةٍ لَمْ يَقَعْ قَبْلَهَا ، كَالْعِتْقِ ، فَإِنَّهُمْ سَلَّمُوهُ .\rوَقَدْ احْتَجَّ أَحْمَدُ بُقُولِ أَبِي ذَرٍّ : إنَّ لِي إبِلًا يَرْعَاهَا عَبْدٌ لِي ، وَهُوَ عَتِيقٌ إلَى الْحَوْلِ .\rوَلِأَنَّهُ تَعْلِيقٌ لِلطَّلَاقِ بِصِفَةٍ لَمْ تُوجَدْ ، فَلَمْ يَقَعْ ، كَمَا لَوْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ إذَا قَدِمَ الْحَاجُّ .\rوَلَيْسَ هَذَا تَوْقِيتًا لِلنِّكَاحِ ، وَإِنَّمَا هُوَ تَوْقِيتٌ لِلطَّلَاقِ .\rوَهَذَا لَا يَمْنَعُ ، كَمَا أَنَّ النِّكَاحَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُعَلَّقًا بِشَرْطٍ ، وَالطَّلَاقُ يَجُوزُ فِيهِ التَّعْلِيقُ .","part":16,"page":331},{"id":7831,"text":"فَصْلٌ : وَلَوْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ إلَى شَهْرِ كَذَا ، أَوْ سَنَةِ كَذَا .\rفَهُوَ كَمَا لَوْ قَالَ : فِي شَهْرِ كَذَا أَوْ سَنَةِ كَذَا .\rوَلَا يَقَعُ الطَّلَاقُ إلَّا فِي أَوَّلِ ذَلِكَ الْوَقْتِ ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَقَعُ فِي الْحَالِ ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ : أَنْتِ طَالِقٌ .\rإيقَاعٌ فِي الْحَالِ ، وَقَوْلُهُ : إلَى شَهْرِ كَذَا .\rتَأْقِيت لَهُ غَايَةٌ ، وَهُوَ لَا يَقْبَلُ التَّأْقِيتَ ، فَبَطَلَ التَّأْقِيتُ ، وَوَقَعَ الطَّلَاقُ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَقَوْلُ أَبِي ذَرٍّ ، وَلِأَنَّ هَذَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ تَوْقِيتًا لِإِيقَاعِهِ ، كَقَوْلِ الرَّجُلِ : أَنَا خَارِجٌ إلَى سَنَةٍ .\rأَيْ بَعْدَ سَنَةٍ .\rوَإِذَا احْتَمَلَ الْأَمْرَيْنِ ، لَمْ يَقَعْ الطَّلَاقُ بِالشَّكِّ .\rوَقَدْ تَرَجَّحَ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ وَجْهَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، أَنَّهُ جَعَلَ لِلطَّلَاقِ غَايَةً ، وَلَا غَايَةَ لِآخِرِهِ ، وَإِنَّمَا الْغَايَةُ لِأَوَّلِهِ .\rوَالثَّانِي ، أَنَّ مَا ذَكَرْنَاهُ عَمَلٌ بِالْيَقِينِ ، وَمَا ذَكَرُوهُ أَخْذٌ بِالشَّكِّ .\rفَإِنْ قَالَ : أَرَدْت أَنَّهَا طَالِقٌ فِي الْحَالِ إلَى سَنَةِ كَذَا .\rوَقَعَ فِي الْحَالِ ؛ لِأَنَّهُ يُقِرُّ عَلَى نَفْسِهِ بِمَا هُوَ أَغْلَظُ ، وَلَفْظُهُ يَحْتَمِلُهُ .\rوَإِنْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ مِنْ الْيَوْمِ إلَى سَنَةٍ .\rطَلَقَتْ فِي الْحَالِ ؛ لِأَنَّ مِنْ لِابْتِدَاءِ الْغَايَةِ ، فَيَقْتَضِي أَنَّ طَلَاقَهَا مِنْ الْيَوْمِ .\rفَإِنْ قَالَ : أَرَدْت أَنَّ عَقْدَ الصِّفَةِ مِنْ الْيَوْمِ ، وَوُقُوعَهُ بَعْدَ سَنَةٍ .\rلَمْ يَقَعْ إلَّا بَعْدَهَا .\rوَإِنْ قَالَ : أَرَدْت تَكْرِيرَ وُقُوعِ طَلَاقِهَا مِنْ حِينِ لَفَظْتُ بِهِ إلَى سَنَةٍ ، طَلَقَتْ مِنْ سَاعَتِهَا ثَلَاثًا ، إذَا كَانَتْ مَدْخُولًا بِهَا .\rقَالَ أَحْمَدُ : إذَا قَالَ لَهَا : أَنْتِ طَالِقٌ مِنْ الْيَوْمِ إلَى سَنَةٍ .\rيُرِيدُ التَّوْكِيدَ ، وَكَثْرَةَ الطَّلَاقِ ، فَتِلْكَ طَالِقٌ مِنْ سَاعَتِهَا .","part":16,"page":332},{"id":7832,"text":"( 5915 ) فَصْلٌ : إذَا قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ فِي آخِرِ أَوَّلِ الشَّهْرِ .\rطَلَقَتْ فِي آخِرِ أَوَّلِ يَوْمٍ مِنْهُ ، لِأَنَّهُ أَوَّلُهُ ، وَإِنْ قَالَ : فِي أَوَّلِ آخِرِهِ ، طَلَقَتْ فِي أَوَّلِ آخِرِ يَوْمٍ مِنْهُ ؛ لِأَنَّهُ آخِرُهُ .\rوَقَالَ أَبُو بَكْرٍ فِي الْأُولَى : تَطْلُقُ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ مِنْ الْيَوْمِ الْخَامِسَ عَشَرَ مِنْهُ .\rوَفِي الثَّانِيَةِ : تَطْلُقُ بِدُخُولِ أَوَّلِ لَيْلَةِ السَّادِسَ عَشَرَ مِنْهُ ؛ لِأَنَّ الشَّهْرَ نِصْفَانِ ، أَوَّلٌ ، وَآخِرٌ ، فَآخِرُ أَوَّلِهِ يَلِي أُولَ آخِرِهِ .\rوَهَذَا قَوْلُ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ سُرَيْجٍ .\rوَقَالَ أَكْثَرُهُمْ كَقَوْلِنَا ، وَهُوَ أَصَحُّ ؛ فَإِنَّ مَا عَدَا الْيَوْمَ الْأَوَّلَ لَا يُسَمَّى أُولَ الشَّهْرِ ، وَيَصِحُّ نَفْيُهُ عَنْهُ ، وَكَذَلِكَ لَا يُسَمَّى أَوْسَطُ الشَّهْرِ آخِرَهُ وَلَا يُفْهَمُ ذَلِكَ مِنْ إطْلَاقِ لَفْظِهِ ، فَوَجَبَ أَنْ لَا يُصْرَفَ كَلَامُ الْحَالِفِ إلَيْهِ ، وَلَا يُحْمَلَ كَلَامُهُ عَلَيْهِ .","part":16,"page":333},{"id":7833,"text":"( 5916 ) فَصْلٌ : وَإِذَا قَالَ : إذَا مَضَتْ سَنَةٌ فَأَنْتِ طَالِقٌ ، أَوْ أَنْتِ طَالِقٌ إلَى سَنَةٍ .\rفَإِنَّ ابْتِدَاءَ السَّنَةِ مِنْ حِينِ حَلَفَ إلَى تَمَامِ اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا بِالْأَهِلَّةِ ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { يَسْأَلُونَكَ عَنْ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ } .\rفَإِنْ حَلَفَ فِي أَوَّلِ شَهْرٍ ، فَإِذَا مَضَى اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا وَقَعَ طَلَاقُهُ .\rوَإِنْ حَلَفَ فِي أَثْنَاءِ شَهْرٍ ، عَدَدْتَ مَا بَقِيَ مِنْهُ ، ثُمَّ حَسَبْتَ بَعْدُ بِالْأَهِلَّةِ ، فَإِذَا مَضَتْ أَحَدَ عَشَرَ شَهْرًا نَظَرْتَ مَا بَقِيَ مِنْ الشَّهْرِ الْأَوَّلِ ، فَكَمَّلَتْهُ ثَلَاثِينَ يَوْمًا لِأَنَّ الشَّهْرَ اسْمٌ لِمَا بَيْنَ هِلَالَيْنِ .\rفَإِنْ تَفَرَّقَ كَانَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا .\rوَفِيهِ وَجْهٌ آخِرُ ، أَنَّهُ تُعْتَبَرُ الشُّهُورُ كُلُّهَا بِالْعَدَدِ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، فِي مَنْ نَذَرَ صِيَامَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ ، فَاعْتَرَضَ الْأَيَّامُ .\rقَالَ : يَصُومُ سِتِّينَ يَوْمًا .\rوَإِنْ ابْتَدَأَ مِنْ شَهْرٍ ، فَصَامَ شَهْرَيْنِ ، فَكَانَا ثَمَانِيَةً وَخَمْسِينَ يَوْمًا ، أَجْزَأَهُ ؛ وَذَلِكَ إنَّهُ لَمَّا صَامَ نِصْفَ شَهْرٍ ، وَجَبَ تَكْمِيلُهُ مِنْ الَّذِي يَلِيهِ ، فَكَانَ ابْتِدَاءُ الثَّانِي مِنْ نِصْفِهِ أَيْضًا ، فَوَجَبَ أَنْ يُكَمِّلَهُ بِالْعَدَدِ ، وَهَذَا الْمَعْنَى مَوْجُودٌ فِي السَّنَةِ .\rوَوَجْهُ الْأَوَّلِ أَنَّهُ أَمْكَنَ اسْتِيفَاءُ أَحَدَ عَشَرَ بِالْأَهِلَّةِ ، فَوَجَبَ الِاعْتِبَارُ بِهَا ، كَمَا لَوْ كَانَتْ يَمِينُهُ فِي أَوَّلِ شَهْرٍ ، وَلَا يَلْزَمُ أَنْ يُتِمَّ الْأَوَّلَ مِنْ الثَّانِي ، بَلْ يُتِمُّهُ مِنْ آخِرِ الشُّهُورِ .\rوَإِنْ قَالَ : أَرَدْتُ بِقَوْلِي : سَنَةً .\rإذَا انْسَلَخَ ذُو الْحِجَّةِ .\rقُبِلَ ؛ لِأَنَّهُ يُقِرُّ عَلَى نَفْسِهِ بِمَا هُوَ أَغْلَظُ .\rوَإِنْ قَالَ : إذَا مَضَتْ السَّنَةُ فَأَنْتِ طَالِقٌ .\rطَلَقَتْ بِانْسِلَاخِ ذِي الْحِجَّةِ ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا عَرَّفَهَا فَاللَّامُ التَّعْرِيفِ ، انْصَرَفَتْ إلَى السَّنَةِ الْمَعْرُوفَةِ ، الَّتِي آخِرُهَا ذُو الْحِجَّةِ .\rفَإِنْ قَالَ : أَرَدْتُ بِالسَّنَةِ اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا .\rقُبِلَ ؛ لِأَنَّ السَّنَةَ اسْمٌ لَهَا حَقِيقَةً","part":16,"page":334},{"id":7834,"text":".","part":16,"page":335},{"id":7835,"text":"( 5917 ) فَصْلٌ : فَإِنْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ ، فِي كُلِّ سَنَةٍ طَلْقَةً .\rفَهَذِهِ صِفَةٌ صَحِيحَةٌ ؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ إيقَاعَهُ فِي كُلِّ سَنَةٍ ، فَإِذَا جَعَلَ ذَلِكَ صِفَةً ، جَازَ ، وَيَكُونُ ابْتِدَاءُ الْمُدَّةِ عَقِيبَ يَمِينِهِ ؛ لِأَنَّ كُلَّ أَجَلٍ ثَبَتَ بِمُطْلَقِ الْعَقْدِ ، ثَبَتَ عَقِيبَهُ ، كَقَوْلِهِ : وَاَللَّهِ لَا كَلَّمْتُكِ سَنَةً .\rفَيَقَعُ فِي الْحَالِ طَلْقَةٌ ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ السَّنَةَ ظَرْفًا لِلطَّلَاقِ ، فَتَقَعُ فِي أَوَّلِ جُزْءٍ مِنْهَا ، وَتَقَعُ الثَّانِيَةُ فِي أَوَّلِ الثَّانِيَةِ ، وَالثَّالِثَةُ فِي أَوَّلِ الثَّالِثَةِ ، إنْ دَخَلَتَا عَلَيْهَا وَهِيَ فِي نِكَاحِهِ ، لِكَوْنِهَا لَمْ تَنْقَضِ عِدَّتُهَا ، أَوْ ارْتَجَعَهَا فِي عِدَّةِ الطَّلْقَةِ الْأُولَى وَعِدَّةِ الثَّانِيَةِ ، أَوْ جَدَّدَ نِكَاحَهَا بَعْدَ أَنْ بَانَتْ ، فَإِنْ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا فَبَانَتْ مِنْهُ ، وَدَخَلَتْ السَّنَةُ الثَّانِيَةُ وَهِيَ بَائِنٌ ، لَمْ تَطْلُقْ ؛ لِكَوْنِهَا غَيْرَ زَوْجَةٍ لَهُ .\rفَإِنْ تَزَوَّجَهَا فِي أَثْنَائِهَا ، اقْتَضَى قَوْلُ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا وُقُوعَ الطَّلَاقِ عَقِيبَ تَزْوِيجِهِ لَهَا ؛ لِأَنَّهُ جُزْءٌ مِنْ السَّنَةِ الثَّانِيَةِ الَّتِي جَعَلَهَا ظَرْفًا لِلطَّلَاقِ ، وَمَحَلًّا لَهُ ، وَكَانَ سَبِيلُهُ أَنْ تَقَعَ فِي أَوَّلِهَا ، فَمَنَعَ مِنْهُ كَوْنُهَا غَيْرَ مَحَلٍّ لِطَلَاقِهِ ؛ لِعَدَمِ نِكَاحِهِ حِينَئِذٍ ، فَإِذَا عَادَتْ الزَّوْجِيَّةُ ، وَقَعَ فِي أَوَّلِهَا .\rوَقَالَ الْقَاضِي : تَطْلُقُ بِدُخُولِ السَّنَةِ الثَّالِثَةِ .\rوَعَلَى قَوْلِ التَّمِيمِيِّ وَمَنْ وَافَقَهُ ، تَنْحَلُّ الصِّفَةُ بِوُجُودِهَا فِي حَالِ الْبَيْنُونَةِ ، فَلَا تَعُودُ بِحَالٍ .\rوَإِنْ لَمْ يَتَزَوَّجْهَا حَتَّى دَخَلْت السَّنَةُ الثَّالِثَةُ ، ثُمَّ نَكَحَهَا ، طَلَقَتْ عَقِيبَ تَزْوِيجِهَا ، ثُمَّ طَلَقَتْ الثَّالِثَةَ بِدُخُولِ السَّنَةِ الرَّابِعَةِ .\rوَعَلَى قَوْلِ الْقَاضِي ، لَا تَطْلُقُ إلَّا بِدُخُولِ الرَّابِعَةِ ، ثُمَّ تَطْلُقُ الثَّالِثَةَ بِدُخُولِ الْخَامِسَةِ .\rوَعَلَى قَوْلِ التَّمِيمِيِّ ، قَدْ انْحَلَّتْ الصِّفَةُ .\rوَاخْتُلِفَ فِي مَبْدَإِ السَّنَةِ الثَّانِيَةِ ؛ فَظَاهِرُ مَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي ، أَنَّ","part":16,"page":336},{"id":7836,"text":"أَوَّلَهَا بَعْدَ انْقِضَاءِ اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا مِنْ حِينِ يَمِينِهِ ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ ابْتِدَاءَ الْمُدَّةِ حِينَ يَمِينِهِ .\rوَكَذَلِكَ قَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : ابْتِدَاءُ السَّنَةِ الثَّانِيَةِ أَوَّلُ الْمُحَرَّمِ ؛ لِأَنَّهَا السَّنَةُ الْمَعْرُوفَةُ ، فَإِذَا عَلَّقَ مَا يَتَكَرَّرُ عَلَى تَكَرُّرِ السِّنِينَ ، انْصَرَفَ إلَى السِّنِينَ الْمَعْرُوفَةِ ، كَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ } .\rوَإِنْ قَالَ : أَرَدْت بِالسَّنَةِ اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا ؛ قُبِلَ ؛ لِأَنَّهَا سَنَةٌ حَقِيقَةً .\rوَإِنْ قَالَ : نَوَيْت أَنَّ ابْتِدَاءَ السِّنِينَ أَوَّلُ السَّنَةِ الْجَدِيدَةِ مِنْ الْمُحَرَّمِ .\rدُيِّنَ .\rقَالَ الْقَاضِي : وَلَا يُقْبَلُ مِنْهُ فِي الْحُكْمِ ؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ .\rوَالْأَوْلَى أَنْ يُخَرَّجَ عَلَى رِوَايَتَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ مُحْتَمِلٌ مُخَالِفٌ لِلظَّاهِرِ .","part":16,"page":337},{"id":7837,"text":"( 5918 ) فَصْلٌ : إذَا قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ إذَا رَأَيْتُ هِلَالَ رَمَضَانَ طَلَقَتْ بِرُؤْيَةِ النَّاسِ لَهُ فِي أَوَّلِ الشَّهْرِ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا تَطْلُقُ إلَّا أَنْ يَرَاهُ ؛ لِأَنَّهُ عَلَّقَ الطَّلَاقَ بِرُؤْيَةِ نَفْسِهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ عَلَّقَهُ عَلَى رُؤْيَةِ زَيْدٍ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الرُّؤْيَةَ لِلْهِلَالِ فِي عُرْفِ الشَّرْعِ الْعِلْمُ بِهِ فِي أَوَّلِ الشَّهْرِ ؛ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { إذَا رَأَيْتُمْ الْهِلَالِ فَصُومُوا ، وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا } .\rوَالْمُرَادُ بِهِ رُؤْيَةُ الْبَعْضِ ، وَحُصُولُ الْعِلْمِ ، فَانْصَرَفَ لَفْظُ الْحَالِفِ إلَى عُرْفِ الشَّرْعِ ، كَمَا لَوْ قَالَ : إذَا صَلَّيْتُ فَأَنْتِ طَالِقٌ .\rفَإِنَّهُ يَنْصَرِفُ إلَى الصَّلَاةِ الشَّرْعِيَّةِ ، لَا إلَى الدُّعَاءِ .\rوَفَارَقَ رُؤْيَةَ زَيْدٍ ، فَإِنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ لَهُ عُرْفٌ شَرْعِيٌّ يُخَالِفُ الْحَقِيقَةَ .\rوَكَذَلِكَ لَوْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ ، لَكِنْ ثَبَتَ الشَّهْرُ بِتَمَامِ الْعَدَدِ طَلَقَتْ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ عُلِمَ طُلُوعَهُ بِتَمَامِ الْعَدَدِ .\rوَإِنْ قَالَ : أَرَدْتُ إذَا رَأَيْتُهُ بِعَيْنِي .\rقُبِلَ ؛ لِأَنَّهَا رُؤْيَةٌ حَقِيقَةً .\rوَتَتَعَلَّقُ الرُّؤْيَةُ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ بَعْدَ الْغُرُوبِ ، فَإِنْ رَأَى قَبْلَ ذَلِكَ لَمْ تَطْلُقْ ؛ لِأَنَّ هِلَالَ الشَّهْرِ مَا كَانَ فِي أَوَّلِهِ ، وَلِأَنَّنَا جَعَلْنَا رُؤْيَةَ الْهِلَالِ عِبَارَةً عَنْ دُخُولِ أَوَّلِ الشَّهْرِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ تَطْلُقْ بِرُؤْيَتِهِ قَبْلَ الْغُرُوبِ ؛ لِأَنَّهُ يُسَمَّى رُؤْيَةً ، وَالْحُكْمُ مُتَعَلِّقٌ بِهِ فِي الشَّرْعِ .\rفَإِنْ قَالَ : أَرَدْتُ إذَا رَأَيْتُهُ أَنَا بِعَيْنِي .\rفَلَمْ يَرَهُ حَتَّى أَقْمَرَ ، لَمْ تَطْلُقْ ؛ لِأَنَّهُ لَيس بِهِلَالٍ .\rوَاخْتُلِفَ فِيمَا يَصِيرُ بِهِ قَمَرًا ، فَقِيلَ : بَعْدَ ثَالِثَةٍ .\rوَقِيلَ : إذَا اسْتَدَارَ .\rوَقِيلَ : إذَا بَهَرَ ضَوْءُهُ .","part":16,"page":338},{"id":7838,"text":"( 5919 ) فَصْلٌ : قَالَ أَحْمَدُ : إذَا قَالَ لَهَا : أَنْتِ طَالِقٌ لَيْلَةَ الْقَدْرِ .\rيَعْتَزِلُهَا إذَا دَخَلَ الْعَشْرُ وَقَبْلَ الْعَشْرِ ، أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَرَوْنَهَا فِي السَّبْعَ عَشْرَةَ ، إلَّا أَنَّ الْمُثْبَتَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ .\rإنَّمَا أَمَرَهُ بِاجْتِنَابِهَا فِي الْعَشْرِ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِالْتِمَاسِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ أَوَّلَ لَيْلَةٍ مِنْهُ ، وَيُمْكِنُ أَنَّ هَذَا مِنْهُ عَلَى سَبِيلِ الِاحْتِيَاطِ ، وَلَا يَتَحَقَّقُ حِنْثُهُ إلَى آخِرِ لَيْلَةٍ مِنْ الشَّهْرِ ؛ لِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُونَ هِيَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ .","part":16,"page":339},{"id":7839,"text":"( 5920 ) فَصْلٌ : وَإِذَا عَلَّقَ طَلَاقَهَا عَلَى شَرْطٍ مُسْتَقْبَلٍ ، ثُمَّ قَالَ : عَجَّلْتُ لَك تِلْكَ الطَّلْقَةَ .\rلَمْ تَتَعَجَّلْ ؛ لِأَنَّهَا مُعَلَّقَةٌ بِزَمَنٍ مُسْتَقْبَلٍ ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ إلَى تَغْيِيرِهَا سَبِيلٌ .\rوَإِنْ أَرَادَ تَعْجِيلَ طَلَاقٍ سِوَى تِلْكَ الطَّلْقَةِ ، وَقَعَتْ بِهَا طَلْقَةٌ ، فَإِذَا جَاءَ الزَّمَنُ الَّذِي عَلَّقَ الطَّلَاقَ بِهِ ، وَهِيَ فِي حِبَالِهِ ، وَقَعَ بِهَا الطَّلَاقُ الْمُعَلَّقُ .","part":16,"page":340},{"id":7840,"text":"( 5921 ) فَصْلٌ : إذَا قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ غَدًا إذَا قَدِمَ زَيْدٌ ، لَمْ تَطْلُقْ حَتَّى يَقْدَمَ ؛ لِأَنَّ إذَا اسْمُ زَمَنٍ مُسْتَقْبَلٍ ، فَمَعْنَاهُ أَنْتِ طَالِقٌ غَدًا وَقْتَ قُدُومِ زَيْدٍ .\rوَإِنْ لَمْ يَقْدَمْ زَيْدٌ فِي غَد لَمْ تَطْلُقْ ، وَإِنْ قَدِمَ بَعْدَهُ ؛ لِأَنَّهُ قَيَّدَ طَلَاقَهَا بِقُدُومِ مُقَيَّدٍ بِصِفَةٍ ، فَلَا تَطْلُقُ حَتَّى تُوجَدَ .\rوَإِنْ مَاتَتْ غَدْوَةً .\rوَقَدِمَ زَيْدٌ بَعْدَ مَوْتِهَا ، لَمْ تَطْلُقْ ؛ لِأَنَّ الْوَقْتَ الَّذِي أَوْقَعَ طَلَاقَهَا فِيهِ لَمْ يَأْتِ ، وَهِيَ مَحَلٌّ لِلطَّلَاقِ ، فَلَمْ تَطْلُقْ ، كَمَا لَوْ مَاتَتْ قَبْلَ دُخُولِ ذَلِكَ الْيَوْمِ .\rوَإِنْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ يَوْمَ يَقْدَمُ زَيْدٌ .\rفَقَدِمَ لَيْلًا ، لَمْ تَطْلُقْ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ الشَّرْطُ ، إلَّا أَنْ يُرِيدَ بِالْيَوْمِ الْوَقْتَ ، فَتَطْلُقْ وَقْتَ قُدُومِهِ ؛ لِأَنَّ الْوَقْتَ يُسَمَّى يَوْمًا ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى { وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ } .\rوَإِنْ مَاتَتْ الْمَرْأَةُ غَدْوَةً ، وَقَدِمَ زَيْدٌ ظُهْرًا ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، نَتَبَيَّنُ أَنَّ طَلَاقَهَا وَقَعَ مِنْ أَوَّلِ الْيَوْمِ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ يَوْمَ الْجُمُعَةِ .\rطَلَقَتْ مِنْ أَوَّلِهِ فَكَذَا إذَا قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ يَوْمَ يَقْدَمُ زَيْدٌ .\rفَيَنْبَغِي أَنْ تَطْلُقَ بِطُلُوعِ فَجْرِهِ .\rوَالثَّانِي ، لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ ؛ لِأَنَّ شَرْطَهُ قُدُومُ زَيْدٍ ، وَلَمْ يُوجَدْ إلَّا بَعْدَ مَوْتِ الْمَرْأَةِ ، فَلَمْ يَقَعْ ، بِخِلَافِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ ، فَإِنَّ شَرْطَ الطَّلَاقِ مَجِيءُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ ، وَقَدْ وُجِدَ ، وَهَا هُنَا شَرْطَانِ ، فَلَا يُؤْخَذُ بِأَحَدِهِمَا .\rوَالْأَوَّلُ أَوْلَى ، وَلَيْسَ هَذَا شَرْطًا ، إنَّمَا هُوَ بَيَانٌ لِلْوَقْتِ الَّذِي يَقَعُ فِيهِ الطَّلَاقُ مُعَرَّفًا بِفِعْلٍ يَقَعُ فِيهِ ، فَيَقَعُ فِي أَوَّلِهِ ، كَقَوْلِهِ : أَنْتِ طَالِقٌ الْيَوْمَ الَّذِي نُصَلِّي فِيهِ الْجُمُعَةَ .\rوَلَوْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ فِي الْيَوْمِ الَّذِي يَقْدَمُ فِيهِ زَيْدٌ .\rفَكَذَلِكَ .\rوَلَوْ مَاتَ الرَّجُلُ غَدْوَةً ، ثُمَّ قَدِمَ زَيْدٌ ، أَوْ مَاتَ الزَّوْجَانِ قَبْلَ قُدُومِ زَيْدٍ","part":16,"page":341},{"id":7841,"text":"، كَانَ الْحُكْمُ كَمَا لَوْ مَاتَتْ الْمَرْأَةُ .\rوَلَوْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ إنْ قَدِمَ زَيْدٌ .\rفَقَدِمَ فِيهِ ، خُرِّجَ فِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، لَا تَطْلُقُ حَتَّى يَقْدَمَ زَيْدٌ ؛ لِأَنَّ قُدُومَهُ شَرْطٌ ، فَلَا يَتَقَدَّمُهُ الْمَشْرُوطُ ، بِدَلِيلِ مَا لَوْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ إنْ قَدِمَ زَيْدٌ .\rفَإِنَّهَا لَا تَطْلُقُ قَبْلَ قُدُومِهِ بِالِاتِّفَاقِ .\rوَكَمَا لَوْ قَالَ : إذَا قَدِمَ زَيْدٌ .\rوَالثَّانِي ، أَنَّهُ إنْ قَدِمَ زَيْدٌ تَبَيَّنَّا وُقُوعَ الطَّلَاقِ مِنْ أَوَّلِ الشَّهْرِ ، قِيَاسًا عَلَى الْمَسْأَلَةِ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ .","part":16,"page":342},{"id":7842,"text":"( 5922 ) فَصْلٌ : إذَا قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ الْيَوْمَ وَطَالِقٌ غَدًا .\rطَلَقَتْ وَاحِدَةً ؛ لِأَنَّ مَنْ طَلَقَتْ الْيَوْمَ فَهِيَ طَالِقٌ غَدًا .\rوَإِنْ قَالَ : أَرَدْتُ أَنْ تَطْلُقَ الْيَوْمَ ، وَتَطْلُقَ غَدًا .\rطَلَقَتْ طَلْقَتَيْنِ فِي الْيَوْمَيْنِ .\rوَإِنْ قَالَ : أَرَدْتُ أَنَّهَا تَطْلُقُ فِي أَحَدِ الْيَوْمَيْنِ .\rطَلَقَتْ الْيَوْمَ ، وَلَمْ تَطْلُقْ غَدًا ، لِأَنَّهُ جَعَلَ الزَّمَانَ كُلَّهُ ظَرْفًا لِوُقُوعِ الطَّلَاقِ ، فَوَقَعَ فِي أَوَّلِهِ .\rوَإِنْ قَالَ : أَرَدْت نِصْفَ طَلْقَةٍ الْيَوْمَ وَنِصْفَ طَلْقَةٍ غَدًا ، طَلَقَتْ الْيَوْمَ وَاحِدَةً ، وَأُخْرَى غَدًا ؛ لِأَنَّ النِّصْفَ يُكَمَّلُ فَيَصِيرُ طَلْقَةً تَامَّةً .\rوَإِنْ قَالَ : أَرَدْت نِصْفَ طَلْقَةٍ الْيَوْمَ وَبَاقِيَهَا غَدًا .\rاحْتَمَلَ ذَلِكَ أَيْضًا ، وَاحْتَمَلَ أَنْ لَا تَطْلُقَ إلَّا وَاحِدَةً ؛ لِأَنَّهُ إذَا قَالَ : نِصْفَهَا ، كُمِّلَتْ الْيَوْمَ كُلُّهَا ، فَلَمْ يَبْقَ لَهَا بَقِيَّةٌ تَقَعُ غَدًا ، وَلَمْ يَقَعْ شَيْءٌ غَيْرَهَا ؛ لِأَنَّهُ مَا أَوْقَعَهُ .\rوَذَكَرَ الْقَاضِي هَذَا الِاحْتِمَالَ أَيْضًا فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى أَيْضًا .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ، ذَكَرَ أَصْحَابُهُ فِيهَا الْوَجْهَيْنِ .","part":16,"page":343},{"id":7843,"text":"( 5923 ) فَصْلٌ : إذَا قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ الْيَوْمَ إذَا جَاءَ غَدٌ .\rفَاخْتَارَ الْقَاضِي أَنَّ الطَّلَاقَ يَقَعُ فِي الْحَالِ ؛ لِأَنَّهُ عَلَّقَهُ بِشَرْطٍ مُحَالٍ ، فَلَغَا الشَّرْطُ ، وَوَقَعَ الطَّلَاقُ .\rكَمَا لَوْ قَالَ لِمَنْ لَا سُنَّة لِطَلَاقِهَا وَلَا بِدْعَة : أَنْتِ طَالِقٌ لِلسُّنَّةِ .\rوَقَالَ فِي \" الْمُجَرَّدِ \" : لَا يَقَعُ ؛ لِأَنَّ شَرْطَهُ لَمْ يَتَحَقَّقْ ، لِأَنَّ مُقْتَضَاهُ وُقُوعُ الطَّلَاقِ إذَا جَاءَ غَدٌ فِي الْيَوْمِ ، وَلَا يَأْتِي غَدٌ إلَّا بَعْدَ فَوَاتِ الْيَوْمِ وَذَهَابِ مَحَلِّ الطَّلَاقِ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ .","part":16,"page":344},{"id":7844,"text":"( 5924 ) فَصْلٌ : إذَا قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ أَمْسِ .\rوَلَا نِيَّةَ لَهُ ، فَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ ، أَنَّ الطَّلَاقَ لَا يَقَعُ فَرُوِيَ عَنْهُ فِي مَنْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ : أَنْتِ طَالِقٌ أَمْسِ .\rوَإِنَّمَا تَزَوَّجَهَا الْيَوْمَ : لَيْسَ بِشَيْءٍ وَهَذَا قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ .\rوَقَالَ الْقَاضِي فِي بَعْضِ كُتُبِهِ : يَقَعُ الطَّلَاقُ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ وَصَفَ الطَّلْقَةَ بِمَا لَا تَتَّصِفُ بِهِ ، فَلَغَتْ الصِّفَةُ ، وَوَقَعَ الطَّلَاقُ ، كَمَا لَوْ قَالَ لِمَنْ لَا سُنَّةَ لَهَا وَلَا بِدْعَة : أَنْتِ طَالِقٌ لِلسُّنَّةِ .\rأَوْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً لَا تَلْزَمُكِ .\rوَوَجْهُ الْأَوَّلِ أَنَّ الطَّلَاقَ رَفْعُ الِاسْتِبَاحَةِ ، وَلَا يُمْكِنُ رَفْعُهَا فِي الزَّمَنِ الْمَاضِي ، فَلَمْ يَقَعْ ، كَمَا لَوْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَ قُدُومِ زَيْدٍ بِيَوْمَيْنِ .\rفَقَدِمَ الْيَوْمَ ، فَإِنَّ أَصْحَابَنَا لَمْ يَخْتَلِفُوا فِي أَنَّ الطَّلَاقَ لَا يَقَعُ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ، وَهَذَا طَلَاقٌ فِي زَمَنٍ مَاضٍ ، وَلِأَنَّهُ عَلَّقَ الطَّلَاقَ بِمُسْتَحِيلٍ فَلَغَا ، كَمَا لَوْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ إنْ قَلَبْت الْحَجَرَ ذَهَبًا .\rوَإِنْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَ أَنْ أَتَزَوَّجَكِ .\rفَالْحُكْمُ فِيهِ كَمَا لَوْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ أَمْسِ .\rقَالَ الْقَاضِي : وَرَأَيْتُ بِخَطِّ أَبِي بَكْرٍ ، فِي \" جُزْءٍ مُفْرَدٍ \" ، أَنَّهُ قَالَ : إذَا قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَ أَنْ أَتَزَوَّجَكِ .\rطَلَقَتْ .\rوَلَوْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ أَمْسِ .\rلَمْ يَقَعْ ؛ لِأَنَّ أَمْسِ لَا يُمْكِنُ وُقُوعُ الطَّلَاقِ فِيهِ ، وَقَبْلَ تَزْوِيجِهَا مُتَصَوِّرُ الْوُجُودِ ، فَإِنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا ثَانِيًا ، وَهَذَا الْوَقْتُ قَبْلَهُ ، فَوَقَعَ فِي الْحَالِ ، كَمَا لَوْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَ قُدُومِ زَيْدٍ .\rوَإِنْ قَصَدَ بِقَوْلِهِ : أَنْتِ طَالِقٌ أُمْسِ ، أَوْ قَبْلَ أَنْ أَتَزَوَّجَكِ .\rإيقَاعَ الطَّلَاقِ فِي الْحَالِ ، مُسْتَنِدًا إلَى ذَلِكَ الزَّمَانِ ، وَقَعَ فِي الْحَالِ .\rوَإِنْ أَرَادَ الْإِخْبَارَ أَنَّهُ كَانَ قَدْ طَلَّقَهَا هُوَ ، أَوْ زَوْجٌ قَبْلَهُ ، فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ","part":16,"page":345},{"id":7845,"text":"الَّذِي ذَكَرَهُ ، وَكَانَ قَدْ وُجِدَ ذَلِكَ ، قُبِلَ مِنْهُ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ وُجِدَ ، وَقَعَ طَلَاقُهُ .\rذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : يُقْبَلُ عَلَى ظَاهِرِ كَلَامِ أَحْمَدَ ؛ لِأَنَّهُ فَسَّرَهُ بِمَا يَحْتَمِلُهُ ، وَلَمْ يَشْتَرِطْ الْوُجُودَ .\rوَإِنْ أَرَادَ أَنِّي كُنْتُ طَلَّقْتُك أَمْسِ .\rفَكَذَّبَتْهُ ، لَزِمَتْهُ الطَّلْقَةُ ، وَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ مِنْ يَوْمِهَا ؛ لِأَنَّهَا اعْتَرَفَتْ أَنَّ أَمْسِ لَمْ يَكُنْ مِنْ عِدَّتِهَا .\rوَإِنْ مَاتَ وَلَمْ يُبَيِّنْ مُرَادَهُ ، فَعَلَى وَجْهَيْنِ ؛ بِنَاءً عَلَى اخْتِلَافِ الْقَوْلَيْنِ فِي الْمُطَلِّقِ ، إنْ قُلْنَا : لَا يَقَعُ بِهِ شَيْءٌ .\rلَمْ يَلْزَمْهُ هَاهُنَا شَيْءٌ .\rوَإِنْ قُلْنَا بِوُقُوعِهِ ثَمَّ ، وَقَعَ هَاهُنَا .","part":16,"page":346},{"id":7846,"text":"( 5925 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ : أَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَ قُدُومِ زَيْدٍ بِشَهْرٍ .\rفَقَدِمَ بَعْدَ شَهْرٍ وَجُزْءٍ يَقَعُ الطَّلَاقُ فِيهِ ، تَبَيَّنَّا أَنَّ طَلَاقَهُ وَقَعَ قَبْلَ الشَّهْرِ ؛ لِأَنَّهُ إيقَاعٌ لِلطَّلَاقِ بَعْدَ عَقْدِهِ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَزُفَرُ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَصَاحِبَاهُ : يَقَعُ الطَّلَاقُ عِنْدَ قُدُومِ زَيْدٍ ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ الشَّهْرَ شَرْطًا لِوُقُوعِ الطَّلَاقِ ، فَلَا يَسْبِقُ الطَّلَاقُ شَرْطَهُ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ أَوْقَعَ الطَّلَاقَ فِي زَمَنٍ عَلَى صِفَةٍ ، فَإِذَا حَصَلَتْ الصِّفَةُ وَقَعَ فِيهِ ، كَمَا لَوْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَ رَمَضَانَ بِشَهْرٍ ، أَوْ قَبْلَ مَوْتِكَ بِشَهْرٍ .\rفَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ خَاصَّةً يُسَلِّمُ ذَلِكَ ، وَلَا يُسَلِّمُ أَنَّهُ جَعَلَ الشَّهْرَ شَرْطًا ، وَلَيْسَ فِيهِ حَرْفُ شَرْطٍ .\rوَإِنْ قَدِمَ قَبْلَ مُضِيِّ شَهْرٍ ، لَمْ يَقَعْ ، بِغَيْرِ اخْتِلَافٍ بَيْنَ أَصْحَابِنَا .\rوَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ تَعْلِيقٌ لِلطَّلَاقِ عَلَى صِفَةٍ كَانَ وُجُودُهَا مُمْكِنًا ، فَوَجَبَ اعْتِبَارُهَا .\rوَإِنْ قَدِمَ زَيْدٌ مَعَ مُضِيِّ الشَّهْرِ ، لَمْ تَطْلُقْ ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ جُزْءٍ يَقَعُ الطَّلَاقُ فِيهِ .\rفَإِنْ خَالَعَهَا بَعْدَ تَعْلِيقِ طَلَاقِهَا بِيَوْمٍ ، ثُمَّ قَدِمَ زَيْدٌ بَعْدَ الْخُلْعِ بِشَهْرٍ وَسَاعَةٍ ، تَبَيَّنَّا أَنَّ الْخُلْعَ وَقَعَ صَحِيحًا ، وَلَمْ يَقَعْ الطَّلَاقُ ؛ لِأَنَّهُ صَادَفَهَا بَائِنًا .\rوَإِنْ قَدِمَ بَعْدَ عَقْدِ الصِّفَةِ بِشَهْرٍ وَسَاعَةٍ ، وَقَعَ الطَّلَاقُ ، وَبَطَلَ الْخُلْعُ ، وَلَهَا الرُّجُوعُ بِالْعِوَضِ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الطَّلَاقُ رَجْعِيًّا ؛ لِأَنَّ الرَّجْعِيَّةَ يَصِحُّ خُلْعُهَا .\rوَإِنْ كَانَتْ بِحَالِهَا ، فَمَاتَ أَحَدُهُمَا بَعْدَ عَقْدِ الصِّفَةِ بِيَوْمٍ ، ثُمَّ قَدِمَ زَيْدٌ بَعْدَ شَهْرٍ وَسَاعَةٍ مِنْ حِينِ عَقْدِ الصِّفَةِ ، لَمْ يَرِثْ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ ، لِأَنَّا تَبَيَّنَّا أَنَّ الطَّلَاقَ كَانَ قَدْ وَقَعَ قَبْلَ مَوْتِ الْمَيِّتِ مِنْهُمَا ، فَلَمْ يَرِثْهُ صَاحِبُهُ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الطَّلَاقُ رَجْعِيًّا ، فَإِنَّهُ لَا يَقْطَعُ التَّوَارُثَ","part":16,"page":347},{"id":7847,"text":"، مَا دَامَتْ فِي الْعِدَّةِ .\rفَإِنْ قَدِمَ بَعْدَ الْمَوْتِ بِشَهْرٍ وَسَاعَةٍ ، تَبَيَّنَّا أَنَّ الْفُرْقَةَ وَقَعَتْ بِالْمَوْتِ ، وَلَمْ يَقَعْ طَلَاقٌ .\rفَإِنْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَ مَوْتِي بِشَهْرٍ .\rفَمَاتَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ مُضِيِّ شَهْرٍ ، لَمْ يَقَعْ طَلَاقٌ ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ لَا يَقَعُ فِي الْمَاضِي .\rوَإِنْ مَاتَ بَعْدَ عَقْدِ الْيَمِينِ بِشَهْرٍ وَسَاعَةٍ ، تَبَيَّنَّا وُقُوعَ الطَّلَاقِ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ ، وَلَمْ يَتَوَارَثَا ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الطَّلَاقُ رَجْعِيًّا ، وَيَمُوتَ فِي عِدَّتِهَا .\rوَإِنْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَ مَوْتِي .\rوَلَمْ يَزِدْ شَيْئًا ، طَلَقَتْ فِي الْحَالِ ؛ لِأَنَّ مَا قَبْلَ مَوْتِهِ مِنْ حِينِ عَقْدِ الصِّفَةِ مَحَلٌّ لِلطَّلَاقِ ، فَوَقَعَ فِي أَوَّلِهِ .\rوَإِنْ قَالَ : قَبْلَ مَوْتِكَ أَوْ مَوْتِ زَيْدٍ .\rفَكَذَلِكَ .\rوَإِنْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَ قُدُومِ زَيْدٍ ، أَوْ قَبْلَ دُخُولِكِ الدَّارَ .\rفَقَالَ الْقَاضِي : تَطْلُقُ فِي الْحَالِ ، سَوَاءٌ قَدِمَ زَيْدٌ أَوْ لَمْ يَقْدَمْ ؛ بِدَلِيلِ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا .\r} وَلَمْ يُوجَدْ الطَّمْسُ فِي الْمَأْمُورِينَ .\rوَلَوْ قَالَ لِغُلَامِهِ : اسْقِنِي قَبْلَ أَنْ أَضْرِبَكَ .\rفَسَقَاهُ فِي الْحَالِ ، عُدَّ مُمْتَثِلًا وَإِنْ لَمْ يَضْرِبْهُ .\rوَلَوْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ قُبَيْلَ مَوْتِي ، أَوْ قُبَيْلَ قُدُومِ زَيْدٍ .\rلَمْ يَقَعْ فِي الْحَالِ ، وَإِنَّمَا يَقَعُ ذَلِكَ فِي الْجُزْءِ الَّذِي يَلِي الْمَوْتَ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ تَصْغِيرٌ يَقْتَضِي الْجُزْءَ الْيَسِيرَ الَّذِي يَبْقَى .\rوَإِنْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَ مَوْتِ زَيْدٍ وَعَمْرٍو بِشَهْرٍ .\rفَقَالَ الْقَاضِي : تَتَعَلَّقُ الصِّفَةُ بِأَوَّلِهِمَا مَوْتًا ؛ لِأَنَّ اعْتِبَارَهُ بِالثَّانِي يُفْضِي إلَى وُقُوعِهِ بَعْدَ مَوْتِ الْأَوَّلِ ، وَاعْتِبَارُهُ بِالْأَوَّلِ لَا يُفْضِي إلَى ذَلِكَ فَكَانَ أَوْلَى .","part":16,"page":348},{"id":7848,"text":"( 5926 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَإِذَا قَالَ لَهَا : إذَا طَلَّقْتُكِ فَأَنْتِ طَالِقٌ .\rفَإِذَا طَلَّقَهَا لَزِمَهُ اثْنَتَانِ ، إذَا كَانَتْ مَدْخُولًا بِهَا ، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مَدْخُولٍ بِهَا ، لَزِمَتْهُ وَاحِدَةٌ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا قَالَ لِمَدْخُولٍ بِهَا : إذَا طَلَّقْتُكِ فَأَنْتِ طَالِقٌ .\rثُمَّ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ .\rوَقَعَتْ وَاحِدَةٌ بِالْمُبَاشَرَةِ ، وَأُخْرَى بِالصِّفَةِ ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ تَطْلِيقَهَا شَرْطًا لِوُقُوعِ طَلَاقِهَا ، فَإِذَا وُجِدَ الشَّرْطُ وَقَعَ الطَّلَاقُ .\rوَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مَدْخُولٍ بِهَا ، بَانَتْ بِالْأُولَى ، وَلَمْ تَقَعْ الثَّانِيَةُ ؛ لِأَنَّهَا لَا عِدَّةَ عَلَيْهَا ، وَلَا تُمْكِنُ رَجْعَتُهَا ، فَلَا يَقَعُ طَلَاقُهَا إلَّا بَائِنًا ، فَلَا يَقَعُ الطَّلَاقُ بِبَائِنٍ .\r( 5927 ) فَصْلٌ : فَإِنْ قَالَ : عَنَيْتُ بِقَوْلِي هَذَا ، أَنَّكِ تَكُونِينَ طَالِقًا بِمَا أَوْقَعْتُهُ عَلَيْكِ .\rوَلَمْ أُرِدْ إيقَاعَ طَلَاقٍ سِوَى مَا بَاشَرْتُكِ بِهِ .\rدُيِّنَ .\rوَهَلْ يُقْبَلُ فِي الْحُكْمِ ؟ يُخَرَّجُ عَلَى رِوَايَتَيْنِ ؛ إحْدَاهُمَا ، لَا يُقْبَلُ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ ، إذْ الظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا تَعْلِيقٌ لِلطَّلَاقِ بِشَرْطِ الطَّلَاقِ ، وَلِأَنَّ إخْبَارَهُ إيَّاهَا بِوُقُوعِ طَلَاقِهِ بِهَا لَا فَائِدَةَ فِيهِ .\rوَالْوَجْهُ الثَّانِي ، يُقْبَلُ قَوْلُهُ ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ مَا قَالَهُ ، فَقُبِلَ ، كَمَا لَوْ قَالَ لَهَا : أَنْتِ طَالِقٌ أَنْتِ طَالِقٌ .\rوَقَالَ أَرَدْتُ بِالثَّانِي التَّأْكِيدَ أَوْ إفْهَامَهَا .","part":16,"page":349},{"id":7849,"text":"( 5928 ) فَصْلٌ : فَإِنْ قَالَ : إذَا طَلَّقْتُكِ فَأَنْتِ طَالِقٌ .\rثُمَّ عَلَّقَ طَلَاقَهَا بِشَرْطٍ ، مِثْلُ قَوْلِهِ : إنْ خَرَجْتِ فَأَنْتِ طَالِقٌ .\rفَخَرَجَتْ ، طَلَقَتْ بِخُرُوجِهَا ، ثُمَّ طَلَقَتْ بِالصِّفَةِ أُخْرَى ؛ لِأَنَّهُ قَدْ طَلَّقَهَا بَعْدَ عَقْدِ الصِّفَةِ .\rوَلَوْ قَالَ أَوَّلًا : إنْ خَرَجْتِ فَأَنْتِ طَالِقٌ .\rثُمَّ قَالَ : إنْ طَلَّقْتُكِ فَأَنْتِ طَالِقٌ .\rفَخَرَجَتْ ، طَلَقَتْ بِالْخُرُوجِ ، وَلَمْ تَطْلُقْ بِتَعْلِيقِ الطَّلَاقِ بِطَلَاقِهَا ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُطَلِّقْهَا بَعْدَ ذَلِكَ ، وَلَمْ يُحْدِثْ عَلَيْهَا طَلَاقًا ؛ لِأَنَّ إيقَاعَهُ الطَّلَاقَ بِالْخُرُوجِ كَانَ قَبْلَ تَعْلِيقِهِ الطَّلَاقَ بِتَطْلِيقِهَا ، فَلَمْ تُوجَدْ الصِّفَةُ ، فَلَمْ يَقَعْ .\rوَإِنْ قَالَ : إنْ خَرَجْت فَأَنْتِ طَالِقٌ .\rثُمَّ قَالَ : إنْ وَقَعَ عَلَيْك طَلَاقِي فَأَنْتِ طَالِقٌ .\rفَخَرَجَتْ ، طَلَقَتْ بِالْخُرُوجِ ، ثُمَّ تَطْلُقُ الثَّانِيَةَ بِوُقُوعِ الطَّلَاقِ عَلَيْهَا ، إنْ كَانَتْ مَدْخُولًا بِهَا .","part":16,"page":350},{"id":7850,"text":"( 5929 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَالَ لَهَا : كُلَّمَا طَلَّقْتُك فَأَنْتِ طَالِقٌ .\rفَهَذَا حَرْفٌ يَقْتَضِي التَّكْرَارَ ، فَإِذَا قَالَ لَهَا بَعْدَ ذَلِكَ : أَنْتِ طَالِقٌ .\rوَقَعَ بِهَا طَلْقَتَانِ ، إحْدَاهُمَا بِالْمُبَاشَرَةِ ، وَالْأُخْرَى بِالصِّفَةِ .\rوَلَا تَقَعُ ثَالِثَةٌ ؛ لِأَنَّ الثَّانِيَةَ لَمْ تَقَعْ بِإِيقَاعِهِ بَعْدَ عَقْدِ الصِّفَةِ ، لِأَنَّ قَوْلَهُ : كُلَّمَا طَلَّقْتُك .\rيَقْتَضِي كُلَّمَا أَوْقَعْتُ عَلَيْكِ الطَّلَاقَ .\rوَهَذَا يَقْتَضِي تَجْدِيدَ إيقَاعِ طَلَاقٍ بَعْدَ هَذَا الْقَوْلِ ، وَإِنَّمَا وَقَعَتْ الثَّانِيَةُ بِهَذَا الْقَوْلِ .\rوَإِنْ قَالَ لَهَا بَعْدَ عَقْدِ الصِّفَةِ : إنْ خَرَجْت فَأَنْتِ طَالِقٌ .\rفَخَرَجَتْ ، طَلَقَتْ بِالْخُرُوجِ طَلْقَةً ، وَبِالصِّفَةِ أُخْرَى ؛ لِأَنَّهُ قَدْ طَلَّقَهَا ، وَلَمْ تَقَعْ الثَّالِثَةُ .\rوَإِنْ قَالَ لَهَا : كُلَّمَا أَوْقَعْت عَلَيْكِ طَلَاقًا فَأَنْتِ طَالِقٌ .\rفَهُوَ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ : كُلَّمَا طَلَّقْتُك فَأَنْتِ طَالِقٌ .\rوَذَكَرَ الْقَاضِي فِي هَذِهِ ، أَنَّهُ إذَا وَقَعَ عَلَيْهَا طَلَاقُهُ بِصِفَةٍ عَقَدَهَا بَعْدَ قَوْلِهِ : إذَا أَوْقَعْت عَلَيْك طَلَاقًا فَأَنْتِ طَالِقٌ .\rلَمْ تَطْلُقْ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِإِيقَاعٍ مِنْهُ .\rوَهَذَا قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ .\rوَفِيهِ نَظَرٌ ؛ فَإِنَّهُ قَدْ أَوْقَعَ الطَّلَاقَ عَلَيْهَا بِشَرْطٍ ، فَإِذَا وُجِدَ الشَّرْطُ فَهُوَ الْمُوقِعُ لِلطَّلَاقِ عَلَيْهَا ، فَلَا فَرْقَ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ قَوْلِهِ : إذَا طَلَّقْتُك فَأَنْتِ طَالِقٌ .\rوَإِنْ قَالَ : كُلَّمَا وَقَعَ عَلَيْك طَلَاقِي فَأَنْتِ طَالِقٌ .\rثُمَّ وَقَعَتْ عَلَيْهَا طَلْقَةٌ بِالْمُبَاشَرَةِ ، أَوْ بِصِفَةٍ عَقَدَهَا قَبْلَ ذَلِكَ أَوْ بَعْدَهُ ، طَلَقَتْ ثَلَاثًا .\rفَلَوْ قَالَ لَهَا : إنْ خَرَجْت فَأَنْتِ طَالِقٌ .\rثُمَّ قَالَ : كُلَّمَا وَقَعَ عَلَيْك طَلَاقِي فَأَنْتِ طَالِقٌ .\rثُمَّ خَرَجَتْ ، وَقَعَتْ عَلَيْهَا طَلْقَةٌ بِالْخُرُوجِ ، ثُمَّ وَقَعْت الثَّانِيَةُ بِوُقُوعِ الْأُولَى ، ثُمَّ وَقَعْت الثَّالِثَةُ بِوُقُوعِ الثَّانِيَةِ ؛ لِأَنَّ كُلَّمَا تَقْتَضِي التَّكْرَارَ ، وَقَدْ عَقَدَ الصِّفَةَ بِوُقُوعِ الطَّلَاقِ ، فَكَيْفَمَا وَقَعَ يَقْتَضِي","part":16,"page":351},{"id":7851,"text":"وُقُوعَ أُخْرَى .\rوَلَوْ قَالَ لَهَا : إذَا طَلَّقْتُك فَأَنْتِ طَالِقٌ ، ثُمَّ قَالَ : إذَا وَقَعَ عَلَيْك طَلَاقِي فَأَنْتِ طَالِقٌ .\rثُمَّ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ .\rطَلَقَتْ ثَلَاثًا ؛ وَاحِدَةً بِالْمُبَاشَرَةِ ، وَاثْنَتَيْنِ بِالصِّفَتَيْنِ ؛ لِأَنَّ تَطْلِيقَهُ لَهَا يَشْتَمِلُ عَلَى الصِّفَتَيْنِ ؛ هُوَ تَطْلِيقٌ مِنْهُ ، وَهُوَ وُقُوعُ طَلَاقِهِ ، وَلِأَنَّهُ إذَا قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ .\rطَلَقَتْ بِالْمُبَاشَرَةِ وَاحِدَةً ، فَتَطْلُقُ الثَّانِيَةَ بِكَوْنِهِ طَلَّقَهَا ، وَذَلِكَ طَلَاقٌ مِنْهُ وَاقِعٌ عَلَيْهَا ، فَتَطْلُقُ بِهِ الثَّالِثَةَ .\rوَهَذَا كُلُّهُ فِي الْمَدْخُولِ بِهَا .\rفَأَمَّا غَيْرُ الْمَدْخُولِ بِهَا ، فَلَا تَطْلُقُ إلَّا وَاحِدَةً فِي جَمِيعِ هَذَا .\rوَهَذَا كُلُّهُ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ ، وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا .","part":16,"page":352},{"id":7852,"text":"( 5930 ) فَصْلٌ : فَإِنْ قَالَ : كُلَّمَا طَلَّقْتُك طَلَاقًا أَمْلِكُ فِيهِ رَجْعَتَكِ ، فَأَنْتِ طَالِقٌ .\rثُمَّ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ .\rطَلَقَتْ اثْنَتَيْنِ ؛ إحْدَاهُمَا بِالْمُبَاشَرَةِ .\rوَالْأُخْرَى بِالصِّفَةِ ، إلَّا أَنْ تَكُونَ الطَّلْقَةُ بِعِوَضٍ ، أَوْ فِي غَيْرِ مَدْخُولٍ بِهَا ، فَلَا تَقَعُ بِهَا ثَانِيَةٌ ؛ لِأَنَّهَا تَبِينُ بِالطَّلْقَةِ الَّتِي بَاشَرَهَا بِهَا ، فَلَا يَمْلِكُ رَجْعَتَهَا ، فَإِنْ طَلَّقَهَا اثْنَتَيْنِ ، طَلَقَتْ الثَّالِثَةَ .\rوَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : قِيلَ : تَطْلُقُ ، وَقِيلَ : لَا تَطْلُقُ .\rوَاخْتِيَارِي أَنَّهَا تَطْلُقُ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ : لَا تَطْلُقُ الثَّالِثَةَ ؛ لِأَنَّا لَوْ أَوْقَعْنَاهَا ، لَمْ يَمْلِكْ الرَّجْعَةَ ، وَلَمْ يُوجَدْ شَرْطُ طَلَاقِهَا ، فَيُفْضِي ذَلِكَ إلَى الدَّوْرِ ، فَيَقْطَعُهُ بِمَنْعِ وُقُوعِهِ .\rوَلَنَا أَنَّهُ طَلَاقٌ لَمْ يُكَمَّلْ بِهِ الْعَدَدُ بِغَيْرِ عِوَضٍ فِي مَدْخُولٍ بِهَا ، فَيَقَعُ بِهَا الَّتِي بَعْدَهَا كَالْأُولَى ، وَامْتِنَاعُ الرَّجْعَةِ هَاهُنَا لِعَجْزِهِ عَنْهَا ، لَا لِعَدَمِ الْمِلْكِ ، كَمَا لَوْ طَلَّقَهَا وَاحِدَةً وَأُغْمِيَ عَلَيْهِ عَقِيبَهَا ، فَإِنَّ الثَّانِيَةَ تَقَعُ ، وَإِنْ امْتَنَعْت الرَّجْعَةُ ؛ لِعَجْزِهِ عَنْهَا .\rوَإِنْ كَانَ الطَّلَاقُ بِعِوَضٍ ، أَوْ فِي غَيْرِ مَدْخُولٍ بِهَا ، لَمْ يَقَعْ بِهَا إلَّا الطَّلْقَةُ الَّتِي بَاشَرَهَا بِهَا ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ رَجْعَتَهَا .\rوَإِنْ قَالَ : كُلَّمَا وَقَعَ عَلَيْك طَلَاقٌ أَمْلِكُ فِيهِ رَجْعَتَك ، فَأَنْتِ طَالِقٌ ، ثُمَّ وَقَعَ عَلَيْهَا طَلْقَةٌ بِمُبَاشَرَةٍ أَوْ صِفَةٍ ، طَلَقَتْ ثَلَاثًا .\rوَعِنْدَهُمْ لَا تَطْلُقُ ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ فِي الَّتِي قَبْلَهَا .\rوَلَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ : إذَا طَلَّقْتُك طَلَاقًا أَمْلِكُ فِيهِ الرَّجْعَةَ ، فَأَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا .\rثُمَّ طَلَّقَهَا ، طَلَقَتْ ثَلَاثًا .\rوَقَالَ الْمُزَنِيّ : لَا تَطْلُقُ .\rوَهُوَ قِيَاسُ قَوْلِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ؛ لِمَا تَقَدَّمَ .","part":16,"page":353},{"id":7853,"text":"فَصْلٌ : وَإِنْ قَالَ لُزُوجَتِهِ : إذَا طَلَّقْتُك ، أَوْ إذَا وَقَعَ عَلَيْك طَلَاقِي ، فَأَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَهُ ثَلَاثًا .\rفَلَا نَصَّ فِيهَا .\rوَقَالَ الْقَاضِي : تَطْلُقُ ثَلَاثًا ؛ وَاحِدَةً بِالْمُبَاشَرَةِ ، وَاثْنَتَانِ مِنْ الْمُعَلَّقِ .\rوَهُوَ قِيَاسُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ ، وَقَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِهِ .\rوَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ : تَطْلُقُ وَاحِدَةً بِالْمُبَاشَرَةِ ، وَيَلْغُو الْمُعَلَّقُ ؛ لِأَنَّهُ طَلَاقٌ فِي زَمَنٍ مَاضٍ ، فَلَا يُتَصَوَّرُ وُقُوعُ الطَّلَاقِ فِيهِ .\rوَهُوَ قِيَاسُ نَصِّ أَحْمَدَ وَأَبِي بَكْرٍ ، فِي أَنَّ الطَّلَاقَ لَا يَقَعُ فِي زَمَنٍ مَاضٍ ، وَبِهِ قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ الْقَاصِّ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ سُرَيْجٍ ، وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ : لَا تَطْلُقُ أَبَدًا ؛ لِأَنَّ وُقُوعَ الْوَاحِدَةِ يَقْتَضِي وُقُوعَ ثَلَاثٍ قَبْلَهَا ، وَذَلِكَ يَمْنَعُ وُقُوعَهَا ، فَإِثْبَاتُهَا يُؤَدِّي إلَى نَفْيِهَا ، فَلَا تَثْبُتُ ، وَلِأَنَّ إيقَاعَهَا يُفْضِي إلَى الدَّوْرِ ؛ لِأَنَّهَا إذَا وَقَعَتْ وَقَعَ قَبْلَهَا ثَلَاثٌ ، فَيَمْتَنِعُ وُقُوعُهَا ، وَمَا أَفْضَى إلَى الدَّوْرِ وَجَبَ قَطْعُهُ مِنْ أَصْلِهِ .\rوَلَنَا أَنَّهُ طَلَاقٌ مِنْ مُكَلَّفٍ مُخْتَارٍ ، فِي مَحَلٍّ لِنِكَاحٍ صَحِيحٍ ، فَيَجِبُ أَنْ يَقَعَ ، كَمَا لَوْ لَمْ يَعْقِدْ هَذِهِ الصِّفَةَ ، وَلِأَنَّ عُمُومَاتِ النُّصُوصِ تَقْتَضِي وُقُوعَ الطَّلَاقِ ، مِثْلُ قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ : { فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ } .\rوَقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ : { وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ } .\rوَكَذَلِكَ سَائِرُ النُّصُوصِ ، وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى شَرَعَ الطَّلَاقَ لِمَصْلَحَةٍ تَتَعَلَّقُ بِهِ ، وَمَا ذَكَرُوهُ يَمْنَعُهُ بِالْكُلِّيَّةِ ، وَيُبْطِلُ شَرْعِيَّتَهُ ، فَتَفُوتُ مَصْلَحَتُهُ ، فَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ بِمُجَرَّدِ الرَّأْيِ وَالتَّحَكُّمِ ، وَمَا ذَكَرُوهُ غَيْرُ مُسَلَّمٍ ؛ فَإِنَّا إنْ قُلْنَا : لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ الْمُعَلَّقُ ، فَلَهُ وَجْهٌ ؛ لِأَنَّهُ أَوْقَعَهُ فِي زَمَنٍ مَاضٍ ، وَلَا يُمْكِنُ وُقُوعُهُ فِي الْمَاضِي ، فَلَمْ يَقَعْ ،","part":16,"page":354},{"id":7854,"text":"كَمَا لَوْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَ قُدُومِ زَيْدٍ بِيَوْمٍ .\rفَقَدِمَ فِي الْيَوْمِ ، وَلِأَنَّهُ جَعَلَ الطَّلْقَةَ الْوَاقِعَةَ شَرْطًا لِوُقُوعِ الثَّلَاثِ ، وَلَا يُوجَدُ الْمَشْرُوطُ قَبْلَ شَرْطِهِ ، فَعَلَى هَذَا لَا يَمْتَنِعُ وُقُوعُ الطَّلْقَةِ الْمُبَاشَرَةِ ، وَلَا يُفْضِي إلَى دَوْرٍ وَلَا غَيْرِهِ .\rوَإِنْ قُلْنَا بِوُقُوعِ الثَّلَاثِ ، فَوَجْهُهُ أَنَّهُ وَصَفَ الطَّلَاقَ الْمُعَلَّقَ بِمَا يَسْتَحِيلُ وَصْفُهُ بِهِ ، فَلَغَتْ الصِّفَةُ ، وَوَقَعَ الطَّلَاقُ ، كَمَا لَوْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً لَا تُنْقِصُ عَدَدَ طَلَاقِك ، أَوْ لَا تَلْزَمُك .\rأَوْ قَالَ لِلْآيِسَةِ : أَنْتِ طَالِقٌ لِلسُّنَّةِ .\rأَوْ قَالَ : لِلْبِدْعَةِ .\rوَبَيَانُ اسْتِحَالَتِهِ ، أَنَّ تَعْلِيقَهُ بِالشَّرْطِ يَقْتَضِي وُقُوعَهُ بَعْدَهُ ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ يَتَقَدَّمُ مَشْرُوطَهُ ، وَلِذَلِكَ لَوْ أَطْلَقَ لَوَقَعَ بَعْدَهُ ، وَتَعْقِيبُهُ بِالْفَاءِ فِي قَوْله : فَأَنْتِ طَالِقٌ .\rيَقْتَضِي كَوْنَهُ عَقِيبَهُ ، وَكَوْنُ الطَّلَاقِ الْمُعَلَّقِ بَعْدَهُ قَبْلَهُ مُحَالٌ ، لَا يَصِحُّ الْوَصْفُ بِهِ ، فَلَغَتْ الصِّفَةُ ، وَوَقَعَ الطَّلَاقُ ، كَمَا لَوْ قَالَ : إذَا طَلَّقْتُك فَأَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا لَا تَلْزَمُك .\rثُمَّ يَبْطُلُ مَا ذَكَرُوهُ بِقَوْلِهِ : إذَا انْفَسَخَ نِكَاحُك فَأَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَهُ ثَلَاثًا .\rثُمَّ وُجِدَ مَا يَفْسَخُ نِكَاحَهَا ؛ مِنْ رَضَاعٍ ، أَوْ رِدَّةٍ ، أَوْ وَطْءِ أُمِّهَا أَوْ ابْنَتِهَا بِشُبْهَةٍ ، فَإِنَّهُ يَرِدُ عَلَيْهِ مَا ذَكَرُوهُ ، وَلَا خِلَافَ فِي انْفِسَاخِ النِّكَاحِ .\rقَالَ الْقَاضِي : مَا ذَكَرُوهُ ذَرِيعَةٌ إلَى أَنْ لَا يَقَعَ عَلَيْهَا الطَّلَاقُ جُمْلَةً .\rوَإِنْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا قُبَيْلَ وُقُوعِ طَلَاقِي بِك وَاحِدَةً .\rأَوْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ الْيَوْمَ ثَلَاثًا إنَّ طَلَّقْتُك غَدًا وَاحِدَةً .\rفَالْكَلَامُ عَلَيْهَا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ ، وَهُوَ وَارِدٌ عَلَى الْمَسْأَلَتَيْنِ جَمِيعًا ، وَذَلِكَ أَنَّ الطَّلْقَةَ الْمُوَقَّعَةَ يَقْتَضِي وُقُوعُهَا وُقُوعَ مَا لَا يُتَصَوَّرُ وُقُوعُهَا مَعَهُ ، فَيَجِبُ أَنْ يُقْضَى بِوُقُوعِ الطَّلْقَةِ الْمُوَقَّعَةِ دُونَ مَا تَعَلَّقَ بِهَا ؛","part":16,"page":355},{"id":7855,"text":"لِأَنَّ مَا تَعَلَّقَ بِهَا تَابِعٌ ، وَلَا يَجُوزُ إبْطَالُ الْمَتْبُوعِ لِامْتِنَاعِ حُصُولِ التَّبَعِ ، فَيَبْطُلُ التَّابِعُ وَحْدَهُ ، كَمَا لَوْ قَالَ فِي مَرَضِهِ : إذَا أَعْتَقْت سَالِمًا فَغَانِمٌ حُرٌّ .\rوَلَمْ يَخْرُجْ مِنْ ثُلُثِهِ إلَّا أَحَدُهُمَا ، فَإِنَّ سَالِمًا يَعْتِقُ وَحْدَهُ ، وَلَا يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ رُبَّمَا أَدَّى إلَى عِتْقِ الْمَشْرُوطِ دُونَ الشَّرْطِ ، وَذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَقُولَ : فَغَانِمٌ حُرٌّ قَبْلَهُ ، أَوْ مَعَهُ أَوْ بَعْدَهُ .\rأَوْ تَطْلُقُ .\rكَذَا هَاهُنَا .","part":16,"page":356},{"id":7856,"text":"( 5932 ) فَصْلٌ : اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي الْحَلِفِ بِالطَّلَاقِ ، فَقَالَ الْقَاضِي فِي \" الْجَامِعِ \" ، وَأَبُو الْخَطَّابِ : هُوَ تَعْلِيقُهُ عَلَى شَرْطٍ ، أَيِّ شَرْطٍ كَانَ ، إلَّا قَوْلَهُ : إذَا شِئْت فَأَنْتِ طَالِقٌ .\rوَنَحْوَهُ ، فَإِنَّهُ تَمْلِيكٌ .\rوَإِذَا حِضْت فَأَنْتِ طَالِقٌ .\rفَإِنَّهُ طَلَاقُ بِدْعَةٍ .\rوَإِذَا طَهُرْت فَأَنْتِ طَالِقٌ .\rفَإِنَّهُ طَلَاقُ سُنَّةٍ .\rوَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُسَمَّى حَلِفًا عُرْفًا ، فَيَتَعَلَّقُ الْحُكْمُ بِهِ ، كَمَا لَوْ قَالَ : إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ .\rوَلِأَنَّ فِي الشَّرْطِ مَعْنَى الْقَسَمِ ، مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ جُمْلَةً غَيْرَ مُسْتَقِلَّةٍ دُونَ الْجَوَابِ ، فَأَشْبَهَ قَوْلَهُ : وَاَللَّهِ ، وَبِاَللَّهِ ، وَتَاللَّهِ .\rوَقَالَ الْقَاضِي فِي \" الْمُجَرَّدِ \" هُوَ تَعْلِيقُهُ عَلَى شَرْطٍ يَقْصِدُ بِهِ الْحَثَّ عَلَى الْفِعْلِ ، أَوْ الْمَنْعَ مِنْهُ ، كَقَوْلِهِ : إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ ، وَإِنْ لَمْ تَدْخُلِي فَأَنْتِ طَالِقٌ .\rأَوْ عَلَى تَصْدِيقِ خَبَرِهِ ، مِثْلُ قَوْلِهِ : أَنْتِ طَالِقٌ لَقَدْ قَدِمَ زَيْدٌ أَوْ لَمْ يَقْدَمْ .\rفَأَمَّا التَّعْلِيقُ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ ، كَقَوْلِهِ : أَنْتِ طَالِقٌ إنْ طَلَعَتْ الشَّمْسُ ، أَوْ قَدِمَ الْحَاجُّ ، أَوْ إنْ لَمْ يَقْدَمْ السُّلْطَانُ .\rفَهُوَ شَرْطٌ مَحْضٌ لَيْسَ بِحَلِفٍ ؛ لِأَنَّ حَقِيقَةَ الْحَلِفِ الْقَسَمُ ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ تَعْلِيقُ الطَّلَاقِ عَلَى شَرْطٍ حَلِفًا تَجَوُّزًا ، لِمُشَارَكَتِهِ الْحَلِفَ فِي الْمَعْنَى الْمَشْهُورِ ، وَهُوَ الْحَثُّ ، أَوْ الْمَنْعُ ، أَوْ تَأْكِيدُ الْخَبَرِ ، نَحْوُ قَوْلِهِ : وَاَللَّهِ لَأَفْعَلَنَّ ، أَوْ لَا أَفْعَلُ ، أَوْ لَقَدْ فَعَلْت ، أَوْ لَمْ أَفْعَلْ .\rوَمَا لَمْ يُوجَدْ فِيهِ هَذَا الْمَعْنَى ، لَا يَصِحُّ تَسْمِيَتُهُ حَلِفًا .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rفَإِذَا قَالَ لِزَوْجَتِهِ : إذَا حَلَفْت بِطَلَاقِك فَأَنْتِ طَالِقٌ .\rثُمَّ قَالَ : إذَا طَلَعَتْ الشَّمْسُ فَأَنْتِ طَالِقٌ .\rلَمْ تَطْلُقْ فِي الْحَالِ ، عَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِحَلِفٍ ، وَتَطْلُقُ عَلَى الْأَوَّلِ ؛ لِأَنَّهُ حَلِفٌ .\rوَإِنْ قَالَ :","part":16,"page":357},{"id":7857,"text":"كُلَّمَا كَلَّمْت أَبَاك فَأَنْتِ طَالِقٌ .\rطَلَقَتْ عَلَى الْقَوْلَيْنِ جَمِيعًا ؛ لِأَنَّهُ عَلَّقَ طَلَاقَهَا عَلَى شَرْطٍ يُمْكِنُ فِعْلُهُ وَتَرْكُهُ ، فَكَانَ حَلِفًا ، كَمَا لَوْ قَالَ : إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ .\rوَإِنْ قَالَ : إنْ حَلَفْت بِطَلَاقِك فَأَنْتِ طَالِقٌ .\rثُمَّ أَعَادَ ذَلِكَ ، طَلَقَتْ وَاحِدَةً ، ثُمَّ كُلَّمَا أَعَادَهُ مَرَّةً طَلَقَتْ ، حَتَّى تَكْمُلَ الثَّلَاثُ ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَرَّةٍ يُوجَدُ بِهَا شَرْطُ الطَّلَاقِ ، وَيَنْعَقِدُ شَرْطُ طَلْقَةٍ أُخْرَى .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ : لَيْسَ ذَلِكَ بِحَلِفٍ ، وَلَا يَقَعُ الطَّلَاقُ بِتَكْرَارِهِ ؛ لِأَنَّهُ تَكْرَارٌ لِلْكَلَامِ ، فَيَكُونُ تَأْكِيدًا لَاحِقًا .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ تَعْلِيقٌ لِلطَّلَاقِ عَلَى شَرْطٍ يُمْكِنُ فِعْلُهُ وَتَرْكُهُ ، فَكَانَ حَلِفًا ، كَمَا لَوْ قَالَ : إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ .\rوَقَوْلُهُ : إنَّهُ تَكْرَارٌ لِلْكَلَامِ .\rحُجَّةٌ عَلَيْهِ ، فَإِنَّ تَكْرَارَ الشَّيْءِ عِبَارَةٌ عَنْ وُجُودِهِ مَرَّةً أُخْرَى ، فَإِذَا كَانَ فِي الْأَوَّلِ حَلِفًا ، فَوُجِدَ مَرَّةً أُخْرَى ، فَقَدْ وُجِدَ الْحَلِفُ مَرَّةً أُخْرَى ، وَأَمَّا التَّأْكِيدُ فَإِنَّمَا يُحْمَلُ عَلَيْهِ الْكَلَامُ الْمُكَرَّرُ إذَا قَصْدَهُ ، وَهَا هُنَا إنْ قَصَدَ إفْهَامَهَا ، لَمْ يَقَعْ بِالثَّانِي شَيْءٌ ، كَمَا لَوْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ أَنْتِ طَالِقٌ .\rيَعْنِي بِالثَّانِيَةِ إفْهَامَهَا ، فَأَمَّا إنْ كَرَّرَ ذَلِكَ لِغَيْرِ مَدْخُولٍ بِهَا ، بَانَتْ بِطَلْقَةٍ ، وَلَمْ يَقَعْ أَكْثَرُ مِنْهَا ، فَإِذَا قَالَ لَهَا ذَلِكَ ثَلَاثًا ، بَانَتْ بِالْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ ، وَلَمْ تَطْلُقْ بِالثَّالِثَةِ ، فَإِنْ جَدَّدَ نِكَاحَهَا ، ثُمَّ أَعَادَ ذَلِكَ لَهَا ، أَوْ قَالَ لَهَا : إنْ تَكَلَّمْت فَأَنْتِ طَالِقٌ ، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ ، لَمْ تَطْلُقْ بِذَلِكَ ؛ لِأَنَّ شَرْطَ طَلَاقِهَا إنَّمَا كَانَ بَعْدَ بَيْنُونَتِهَا .","part":16,"page":358},{"id":7858,"text":"( 5933 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَالَ لِامْرَأَتَيْهِ : كُلَّمَا حَلَفْت بِطَلَاقِكُمَا ، فَأَنْتُمَا طَالِقَتَانِ .\rثُمَّ أَعَادَ ذَلِكَ ثَلَاثًا ، طَلَقَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا ثَلَاثًا ؛ لِمَا ذَكَرْنَا .\rفَإِنْ كَانَتْ إحْدَاهُمَا غَيْرَ مَدْخُولٍ بِهَا بَانَتْ بِالْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ ، فَإِذَا أَعَادَهُ مَرَّةً ثَالِثَةً ، لَمْ تَطْلُقْ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا ؛ لِأَنَّ غَيْرَ الْمَدْخُولِ بِهَا بَائِنٌ ، فَلَمْ تَكُنْ إعَادَةُ هَذَا الْقَوْلِ حَلِفًا بِطَلَاقِهَا .\rوَهِيَ غَيْرُ زَوْجِهِ ، فَلَمْ يُوجَدْ الشَّرْطُ ، فَإِنَّ شَرْطَ طَلَاقِهِمَا الْحَلِفُ بِطَلَاقِهِمَا جَمِيعًا ، فَإِنْ جَدَّدَ نِكَاحَ الْبَائِنِ ، ثُمَّ قَالَ لَهَا : إنْ تَكَلَّمْت فَأَنْتِ طَالِقٌ .\rفَقَدْ قِيلَ : يَطْلُقَانِ حِينَئِذٍ ؛ لِأَنَّهُ صَارَ بِهَذَا حَالِفًا بِطَلَاقِهَا ، وَقَدْ حَلَفَ بِطَلَاقِ الْمَدْخُولِ بِهَا بِإِعَادَةِ قَوْلِهِ فِي الْمَرَّةِ الثَّالِثَةِ ، فَطَلَقَتَا حِينَئِذٍ ، يَقْوَى عِنْدِي أَنَّهُ لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ بِهَذِهِ الَّتِي جَدَّدَ نِكَاحَهَا ؛ لِأَنَّهَا حِينَ إعَادَتِهِ الْمَرَّةَ الثَّالِثَةَ بَائِنٌ ، فَلَمْ تَنْعَقِدْ الصِّفَةُ بِالْإِضَافَةِ إلَيْهَا ، كَمَا لَوْ قَالَ لَأَجْنَبِيَّةٍ : إنْ حَلَفْت بِطَلَاقِك فَأَنْتِ طَالِقٌ .\rثُمَّ تَزَوَّجَهَا ، وَحَلَفَ بِطَلَاقِهَا .\rوَلَكِنْ تَطْلُقُ الْمَدْخُولُ بِهَا حِينَئِذٍ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ حَلَفَ بِطَلَاقِهَا فِي الْمَرَّةِ الثَّالِثَةِ ، وَحَلَفَ بِطَلَاقِ هَذِهِ حِينَئِذٍ ، فَكَمَّلَ شَرْطَ طَلَاقِهَا .\rفَطَلَقَتْ وَحْدَهَا .","part":16,"page":359},{"id":7859,"text":"( 5934 ) فَصْلٌ : فَإِنْ كَانَتْ لَهُ امْرَأَتَانِ ، حَفْصَةُ وَعَمْرَةُ ، فَقَالَ : إنْ حَلَفْت بِطَلَاقِكُمَا فَعَمْرَةُ طَالِقٌ .\rثُمَّ أَعَادَهُ ، لَمْ تَطْلُقْ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا ؛ لِأَنَّ هَذَا حَلِفٌ بِطَلَاقِ عَمْرَةَ وَحْدَهَا فَلَمْ يُوجَدْ الْحَلِفُ بِطَلَاقِهِمَا .\rوَإِنْ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ : إنْ حَلَفْت بِطَلَاقِكُمَا فَحَفْصَةُ طَالِقٌ .\rطَلَقَتْ عَمْرَةُ ؛ لِأَنَّهُ حَلَفَ بِطَلَاقِهِمَا بَعْدَ تَعْلِيقِهِ طَلَاقَهَا عَلَى الْحَلِفِ بِطَلَاقِهِمَا ، وَلَمْ تَطْلُقْ حَفْصَةُ لِأَنَّهُ مَا حَلَفَ بِطَلَاقِهِمَا بَعْدَ تَعْلِيقِهِ طَلَاقَهَا عَلَيْهِ .\rفَإِنْ قَالَ بَعْدَ هَذَا : إنْ حَلَفْت بِطَلَاقِكُمَا ، فَعَمْرَةُ طَالِقٌ .\rلَمْ تَطْلُقْ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَحْلِفْ بِطَلَاقِهِمَا ، إنَّمَا حَلَفَ بِطَلَاقِ عَمْرَةَ وَحْدَهَا .\rفَإِنْ قَالَ بَعْدَ هَذَا : إنْ حَلَفْت بِطَلَاقِكُمَا ، فَحَفْصَةُ طَالِقٌ .\rطَلَقَتْ حَفْصَةُ .\rوَعَلَى هَذَا الْقِيَاسُ .","part":16,"page":360},{"id":7860,"text":"( 5935 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَالَ لِإِحْدَاهُمَا : إنْ حَلَفْت بِطَلَاقِك ، فَضَرَّتُك طَالِقٌ .\rثُمَّ قَالَ لِلْأُخْرَى مِثْلَ ذَلِكَ طَلَقَتْ الثَّانِيَةُ ؛ لِأَنَّ إعَادَتَهُ لِلثَّانِيَةِ هُوَ حَلِفٌ بِطَلَاقِ الْأُولَى ، وَذَلِكَ شَرْطُ وُقُوعِ طَلَاقِ الثَّانِيَةِ ، ثُمَّ إنْ أَعَادَ لِلْأُولَى ، طَلَقَتْ ، ثُمَّ كُلَّمَا أَعَادَهُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ لَامْرَأَةٍ طَلَقَتْ ، حَتَّى يَكْمُلَ لِلثَّانِيَةِ ثَلَاثٌ ، ثُمَّ إذَا أَعَادَهُ لِلْأُولَى لَمْ تَطْلُقْ ؛ لِأَنَّ الثَّانِيَةَ قَدْ بَانَتْ مِنْهُ ، فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ حَلِفًا بِطَلَاقِهَا .\rوَلَوْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ لَامْرَأَةٍ ، ثُمَّ أَعَادَهُ لَهَا ، لَمْ تَطْلُقْ بِهِ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِحَلِفٍ بِطَلَاقِهَا ، إنَّمَا هُوَ حَلِفٌ بِطَلَاقِ ضَرَّتِهَا ، وَلَمْ يُعَلَّقْ عَلَى ذَلِكَ طَلَاقًا .\rوَإِنْ قَالَ لِلْأُولَى ؛ إنْ حَلَفْت بِطَلَاقِ ضَرَّتِك ، فَأَنْتِ طَالِقٌ .\rثُمَّ قَالَ لِلْأُخْرَى مِثْلَ ذَلِكَ .\rطَلَقَتْ الْأُولَى ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ ذَلِكَ لِلثَّانِيَةِ حَلِفٌ بِطَلَاقِهَا ، وَشَرْطٌ لِوُقُوعِ الطَّلَاقِ بِالْأُولَى .\rثُمَّ إنْ أَعَادَهُ لِلْأُولَى .\rطَلَقَتْ الثَّانِيَةُ ، ثُمَّ كُلَّمَا أَعَادَهُ لَامْرَأَةٍ مِنْهُمَا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ ، طَلَقَتْ الْأُخْرَى .\rفَإِنْ كَانَتْ إحْدَاهُمَا غَيْرَ مَدْخُولٍ بِهَا ، فَطَلَقَتْ مَرَّةً ، بَانَتْ ، وَلَمْ تَطْلُقْ صَاحِبَتُهَا بِإِعَادَةِ ذَلِكَ لَهَا ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِحَلِفٍ بِطَلَاقِهَا ، لِكَوْنِهَا بَائِنًا ، فَهِيَ كَسَائِرِ الْأَجْنَبِيَّاتِ .\rإنْ قَالَ لِإِحْدَاهُمَا : إذَا حَلَفْت بِطَلَاقِ ضَرَّتِك ، فَهِيَ طَالِقٌ .\rثُمَّ قَالَ لِلْأُخْرَى مِثْلَ ذَلِكَ .\rلَمْ تَطْلُقْ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا .\rثُمَّ إنَّ أَعَادَ ذَلِكَ لِإِحْدَاهُمَا ، طَلَقَتْ الْأُخْرَى ، ثُمَّ إنْ أَعَادَهُ لِلْأُخْرَى ، طَلَقَتْ صَاحِبَتُهَا ، ثُمَّ كُلَّمَا أَعَادَهُ لَامْرَأَةٍ ، طَلَقَتْ الْأُخْرَى ، إلَّا أَنْ تَكُونَ إحْدَاهُمَا غَيْرَ مَدْخُولٍ بِهَا ، أَوْ لَمْ يَبْقَ مِنْ طَلَاقِهَا إلَّا دُونَ الثَّلَاثِ ، فَإِنَّهَا إذَا بَانَتْ صَارَتْ كَالْأَجْنَبِيَّةِ .\rوَلَوْ قَالَ ذَلِكَ لَامْرَأَةٍ ابْتِدَاءً ، ثُمَّ أَعَادَهُ لَهَا","part":16,"page":361},{"id":7861,"text":"، طَلَقَتْ ضَرَّتُهَا بِكُلِّ إعَادَةٍ مَرَّةً ، حَتَّى تَكْمُلَ الثَّلَاثُ .\rوَإِنْ قَالَ لَامْرَأَةٍ : إذَا حَلَفْت بِطَلَاقِ ضَرَّتِك ، فَهِيَ طَالِقٌ .\rثُمَّ قَالَ لِلْأُخْرَى : إذَا حَلَفْت بِطَلَاقِك ، فَأَنْتِ طَالِقٌ .\rطَلَقَتْ فِي الْحَالِ .\rثُمَّ إنْ قَالَ لِلْأُولَى مِثْلَ مَا قَالَ لَهَا ، أَوْ قَالَ لِلثَّانِيَةِ مِثْلَ مَا قَالَ لَهَا طَلَقَتْ الثَّانِيَةُ ، وَكَذَلِكَ الثَّالِثَةُ ، وَلَا يَقَعُ بِالْأُولَى بِهَذَا طَلَاقٌ ؛ لِأَنَّ الْحَلِفَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ إنَّمَا هُوَ بِطَلَاقِ الثَّانِيَةِ .\rوَلَوْ قَالَ لِلْأُولَى : إنْ حَلَفْت بِطَلَاقِك ، فَأَنْتِ طَالِقٌ .\rثُمَّ قَالَ لِلثَّانِيَةِ : إنْ حَلَفْت بِطَلَاقِ ضَرَّتِك فَهِيَ طَالِقٌ .\rطَلَقَتْ الْأُولَى ، ثُمَّ مَتَى أَعَادَ أَحَدَ هَذَيْنِ الشَّرْطَيْنِ مَرَّةً أُخْرَى ، طَلَقَتْ الْأُولَى مَرَّةً ثَانِيَةً ، وَكَذَلِكَ الثَّالِثَةُ ، وَلَا يَقَعُ بِالثَّانِيَةِ بِهَذَا طَلَاقٌ .\rوَلَوْ قَالَ لِإِحْدَاهُمَا : إذَا حَلَفْت بِطَلَاقِك ، فَضَرَّتُك طَالِقٌ .\rثُمَّ قَالَ لِلْأُخْرَى : إذَا حَلَفْت بِطَلَاقِ ضَرَّتِك ، فَأَنْتِ طَالِقٌ .\rلَمْ تَطْلُقْ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا ؛ لِأَنَّهُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ عَلَّقَ طَلَاقَ الثَّانِيَةِ عَلَى الْحَلِفِ بِطَلَاقِ الْأُولَى ، وَلَمْ يَحْلِفْ بِطَلَاقِهَا .\rوَلَوْ أَعَادَ ذَلِكَ لَهُمَا ، لَمْ يَقَعْ طَلَاقٌ بِوَاحِدَةٍ مِنْهُمَا ، وَسَوَاءٌ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ لِلثَّانِيَةِ عَلَى الْقَوْلِ لِلْأُولَى ، أَوْ تَأَخَّرَ عَنْهُ .","part":16,"page":362},{"id":7862,"text":"( 5936 ) فَصْلٌ : وَإِنْ كَانَ لَهُ ثَلَاثُ نِسْوَةٍ فَقَالَ : إنْ حَلَفْت بِطَلَاقِ زَيْنَبَ فَعَمْرَةُ طَالِقٌ .\rثُمَّ قَالَ : إنْ حَلَفْت بِطَلَاقِ عَمْرَةَ فَحَفْصَةُ طَالِقٌ .\rثُمَّ قَالَ : إنْ حَلَفْت بِطَلَاقِ حَفْصَةَ فَزَيْنَبُ طَالِقٌ .\rطَلَقَتْ عَمْرَةُ .\rوَإِنْ جَعَلَ مَكَانَ زَيْنَبَ عَمْرَةَ ، طَلَقَتْ حَفْصَةُ .\rثُمَّ مَتَى أَعَادَهُ بَعْدَ ذَلِكَ طَلَقَتْ مِنْهُنَّ وَاحِدَةٌ ، عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ .\rوَإِنْ قَالَ : إنْ حَلَفْت بِطَلَاقِ زَيْنَبَ ، فَنِسَائِي طَوَالِقُ .\rثُمَّ قَالَ : إنْ حَلَفْت بِطَلَاقِ عَمْرَةَ فَنِسَائِي طَوَالِقُ .\rثُمَّ قَالَ : إنْ حَلَفْت بِطَلَاقِ حَفْصَةَ ، فَنِسَائِي طَوَالِقُ .\rطَلَقَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ طَلْقَتَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا قَالَ : إنْ حَلَفْت بِطَلَاقِ عَمْرَةَ فَنِسَائِي طَوَالِقُ .\rفَقَدْ حَلَفَ بِطَلَاقِ زَيْنَبَ بَعْدَ تَعْلِيقِهِ طَلَاقَ نِسَائِهِ عَلَى الْحَلِفِ بِطَلَاقِهَا ، فَطَلَقَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ طَلْقَةً ، وَلَمَّا قَالَ : إنْ حَلَفْت بِطَلَاقِ حَفْصَةَ فَنِسَائِي طَوَالِقُ .\rفَقَدْ حَلَفَ بِطَلَاقِ عَمْرَةَ وَزَيْنَبَ ، فَطَلَقَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ طَلْقَةً بِحَلِفِهِ بِطَلَاقِ عَمْرَةَ ، وَلَمْ يَقَعْ بِحَلِفِهِ بِطَلَاقِ زَيْنَبَ شَيْءٌ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ حَنِثَ بِهِ مَرَّةً فَلَا يَحْنَثُ ثَانِيَةً .\rوَلَوْ كَانَ مَكَانَ قَوْلِهِ : إنْ - كُلَّمَا ، طَلَقَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ ثَلَاثًا ؛ لِأَنَّ \" كُلَّمَا \" تَقْتَضِي التَّكْرَارَ .\rوَلَوْ قَالَ : كُلَّمَا حَلَفْت بِطَلَاقِ وَاحِدَةٍ مِنْكُنَّ ، فَأَنْتُنَّ طَوَالِقُ .\rثُمَّ أَعَادَ ذَلِكَ مَرَّةً ثَانِيَةً ، طَلَقْنَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا ؛ لِأَنَّهُ بِإِعَادَتِهِ حَالِفٌ بِطَلَاقِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ ، وَحَلِفُهُ بِطَلَاقِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ شَرْطٌ لَطَلَاقِهِنَّ جَمِيعًا .\rوَإِنْ قَالَ : إنْ حَلَفْت بِطَلَاقِ وَاحِدَةٍ مِنْكُنَّ ، فَأَنْتُن طَوَالِقُ .\rثُمَّ أَعَادَ ذَلِكَ ، طَلَقَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ طَلْقَةً ؛ لِأَنَّ \" إنْ \" لَا تَقْتَضِي التَّكْرَارَ .\rوَإِنْ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ لِإِحْدَاهُنَّ : إنْ قُمْت فَأَنْتِ طَالِقٌ .\rطَلَقَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ طَلْقَةً أُخْرَى","part":16,"page":363},{"id":7863,"text":".\rوَلَوْ قَالَ : كُلَّمَا حَلَفْت بِطَلَاقِكُنَّ ، فَأَنْتُنَّ طَوَالِقُ .\rثُمَّ أَعَادَ ذَلِكَ ، طَلَقَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ طَلْقَةً .\rوَإِنْ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ لِإِحْدَاهُنَّ : إنْ قُمْت فَأَنْتِ طَالِقٌ .\rلَمْ تَطْلُقْ وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ .\rوَإِنْ قَالَ ذَلِكَ لِلِاثْنَتَيْنِ الْبَاقِيَتَيْنِ ، طَلَقَ الْجَمِيعُ طَلْقَةً طَلْقَةً .","part":16,"page":364},{"id":7864,"text":"( 5937 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَالَ لُزُوجَتِهِ : إنْ حَلَفْت بِعِتْقِ عَبْدِي ، فَأَنْتِ طَالِقٌ .\rثُمَّ قَالَ : إنْ حَلَفْت بِطَلَاقِك ، فَعَبْدِي حُرٌّ .\rطَلَقَتْ .\rثُمَّ إنْ قَالَ لِعَبْدِهِ : إنْ حَلَفْت بِعِتْقِك ، فَامْرَأَتِي طَالِقٌ .\rعَتَقَ الْعَبْدُ .\rوَإِنْ قَالَ لَهُ : إنْ حَلَفْت بِطَلَاقِ امْرَأَتِي ، فَأَنْتَ حُرٌّ .\rثُمَّ قَالَ لَهَا : إنْ حَلَفْت بِعِتْقِ عَبْدِي ، فَأَنْتِ طَالِقٌ .\rعَتَقَ الْعَبْدُ .\rوَلَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ : إنْ حَلَفْت بِعِتْقِك ، فَأَنْتَ حُرٌّ ، ثُمَّ أَعَادَ ذَلِكَ ، عَتَقَ الْعَبْدُ .","part":16,"page":365},{"id":7865,"text":"( 5938 ) فَصْلٌ : وَقَدْ اُسْتُعْمِلَ الطَّلَاقُ وَالْعَتَاقُ اسْتِعْمَالَ الْقَسَمِ ، جَوَابًا لَهُ ، فَإِذَا قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ لَأَقُومَنَّ .\rوَقَامَ ، لَمْ تَطْلُقْ زَوْجَتُهُ ، فَإِنْ لَمْ يَقُمْ فِي الْوَقْتِ الَّذِي عَيَّنَهُ حَنِثَ .\rهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ؛ مِنْهُمْ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ، وَالْحَسَنُ ، وَعَطَاءٌ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَقَالَ شُرَيْحٌ : يَقَعُ طَلَاقُهُ وَإِنْ قَامَ ؛ لِأَنَّهُ طَلَّقَ طَلَاقًا غَيْرَ مُعَلَّقٍ بِشَرْطٍ ، فَوَقَعَ ، كَمَا لَوْ لَمْ يَقُمْ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ حَلِفٌ بَرَّ فِيهِ ، فَلَمْ يَحْنَثْ ، كَمَا لَوْ حَلَفَ بِاَللَّهِ تَعَالَى .\rوَإِنْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ إنَّ أَخَاك لَعَاقِلٌ .\rوَكَانَ أَخُوهَا عَاقِلًا ، لَمْ يَحْنَثْ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَاقِلًا ، حَنِثَ ، كَمَا لَوْ قَالَ : وَاَللَّهِ إنَّ أَخَاك لَعَاقِلٌ ، وَإِنْ شُكَّ فِي عَقْلِهِ لَمْ يَقَعْ الطَّلَاقُ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ النِّكَاحِ ، فَلَا يَزُولُ بِالشَّكِّ .\rوَإِنْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ لَا أَكَلْتُ هَذَا الرَّغِيفَ .\rفَأَكَلَهُ ، حَنِثَ ، وَإِلَّا فَلَا .\rوَإِنْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ مَا أَكَلْته .\rوَكَانَ صَادِقًا ، لَمْ يَحْنَثْ ، وَإِنْ كَانَ كَاذِبًا ، حَنِثَ كَمَا لَوْ قَالَ : وَاَللَّهِ مَا أَكَلْته .\rوَإِنْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ لَوْلَا أَبُوك لَطَلَّقْتُك .\rوَكَانَ صَادِقًا ، لَمْ تَطْلُقْ ، وَإِنْ كَانَ كَاذِبًا طَلَقَتْ .\rوَلَوْ قَالَ : إنْ حَلَفْت بِطَلَاقِك ، فَأَنْتِ طَالِقٌ .\rثُمَّ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ لَأُكْرِمَنَّك .\rطَلَقَتْ فِي الْحَالِ .\rوَلَوْ قَالَ : إنْ حَلَفْت بِعِتْقِ عَبْدِي ، فَأَنْتِ طَالِقٌ .\rثُمَّ قَالَ : عَبْدِي حُرٌّ لَأَقُومَنَّ .\rطَلَقَتْ الْمَرْأَةُ .\rوَإِنْ قَالَ : إنْ حَلَفْت بِطَلَاقِ امْرَأَتِي ، فَعَبْدِي حُرٌّ .\rثُمَّ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ لَقَدْ صُمْت أَمْسِ .\rعَتَقَ الْعَبْدِ .","part":16,"page":366},{"id":7866,"text":"( 5939 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَالَ : إنْ طَلَّقْت حَفْصَةَ فَعَمْرَةُ طَالِقٌ .\rثُمَّ قَالَ : إنْ طَلَّقْت عَمْرَةَ فَحَفْصَةُ طَالِقٌ .\rثُمَّ طَلَّقَ حَفْصَةَ .\rطَلَقَتَا مَعًا ؛ حَفْصَةُ بِالْمُبَاشَرَةِ ، وَعَمْرَةُ بِالصِّفَةِ ، وَلَمْ تَزِدْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عَلَى طَلْقَةٍ .\rوَإِنْ بَدَأَ بِطَلَاقِ عَمْرَةَ ، طَلَقَتْ طَلْقَتَيْنِ ، وَطَلَقَتْ حَفْصَةُ طَلْقَةً وَاحِدَةً ؛ لِأَنَّهُ إذَا طَلَّقَ حَفْصَةَ طَلَقَتْ عَمْرَةُ بِالصِّفَةِ ؛ لِكَوْنِهِ عَلَّقَ طَلَاقَهَا عَلَى طَلَاقِ حَفْصَةَ ، وَلَمْ يَعُدْ عَلَى حَفْصَةَ طَلَاقٌ آخَرُ ؛ لِأَنَّهُ مَا أَحْدَثَ فِي عَمْرَةَ طَلَاقًا ، إنَّمَا طَلَقَتْ بِالصِّفَةِ السَّابِقَةِ عَلَى تَعْلِيقِهِ طَلَاقَهَا .\rوَإِنْ بَدَأَ بِطَلَاقِ عَمْرَةَ ، طَلَقَتْ حَفْصَةُ ؛ لِكَوْنِ طَلَاقِهَا مُعَلَّقًا عَلَى طَلَاقِ عَمْرَةَ ، وَوُقُوعُ الطَّلَاقِ بِهَا تَطْلِيقٌ مِنْهُ لَهَا ؛ لِأَنَّهُ أَحْدَثَ فِيهَا طَلَاقًا ، بِتَعْلِيقِهِ طَلَاقَهَا عَلَى تَطْلِيقِ عَمْرَةَ ، بَعْدَ قَوْلِهِ : إنْ طَلَّقْت حَفْصَةَ فَعَمْرَةُ طَالِقٌ .\rوَمَتَى وُجِدَ التَّعْلِيقُ وَالْوُقُوعُ مَعًا ، فَهُوَ تَطْلِيقٌ .\rفَإِنْ وُجِدَا مَعًا بَعْدَ تَعْلِيقِ الطَّلَاقِ بِطَلَاقِهَا ، وَقَعَ الطَّلَاقُ الْمُعَلَّقُ بِطَلَاقِهَا .\rوَطَلَاقُ عَمْرَةَ هَاهُنَا مُعَلَّقٌ بِطَلَاقِهَا ، فَوَجَبَ الْقَوْلُ بِوُقُوعِهِ .\rوَلَوْ قَالَ لِعَمْرَةَ : كُلَّمَا طَلَّقْت حَفْصَةَ ، فَأَنْتِ طَالِقٌ .\rثُمَّ قَالَ لِحَفْصَةَ : كُلَّمَا طَلَّقْت عَمْرَةَ ، فَأَنْتِ طَالِقٌ .\rثُمَّ قَالَ لِعَمْرَةَ : أَنْتِ طَالِقٌ .\rطَلَقَتْ طَلْقَتَيْنِ ، وَطَلَقَتْ حَفْصَةُ طَلْقَةً وَاحِدَةً .\rوَإِنْ طَلَّقَ حَفْصَةَ ابْتِدَاءً ، لَمْ يَقَعْ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا إلَّا طَلْقَةٌ ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ كَالَّتِي قَبْلَهَا سَوَاءً ، فَإِنَّهُ بَدَأَ بِتَعْلِيقِ طَلَاقِ عَمْرَةَ عَلَى تَطْلِيقِ حَفْصَةَ ، ثُمَّ ثَنَّى بِتَعْلِيقِ طَلَاقِ حَفْصَةَ عَلَى تَطْلِيقِ عَمْرَةَ .\rوَلَوْ قَالَ لِعَمْرَةَ : إنْ طَلَّقْتُك ، فَحَفْصَةُ طَالِقٌ .\rثُمَّ قَالَ لِحَفْصَةَ : إنْ طَلَّقْتُك ، فَعَمْرَةُ طَالِقٌ .\rثُمَّ طَلَّقَ حَفْصَةَ ، طَلَقَتْ طَلْقَتَيْنِ ، وَطَلَقَتْ عَمْرَةُ","part":16,"page":367},{"id":7867,"text":"طَلْقَةً .\rوَإِنْ طَلَّقَ عَمْرَةَ ، طَلَقَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا طَلْقَةً ؛ لِأَنَّهَا عَكْسُ الَّتِي قَبْلَهَا .\rذَكَر هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ الْقَاضِي ، فِي \" الْمُجَرَّدِ \" .\rوَلَوْ قَالَ لِإِحْدَى زَوْجَتَيْهِ : كُلَّمَا طَلَّقْت ضَرَّتَكِ ، فَأَنْتِ طَالِقٌ .\rثُمَّ قَالَ لِلْأُخْرَى مِثْلَ ذَلِكَ ، ثُمَّ طَلَّقَ الْأُولَى ، طَلَقَتْ طَلْقَتَيْنِ ، وَطَلَقَتْ الثَّانِيَةُ طَلْقَةً .\rوَإِنْ طَلَّقَ الثَّانِيَةَ ، طَلَقَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا طَلْقَةً .\rوَإِنْ قَالَ : كُلَّمَا طَلَّقْتُك فَضَرَّتُك طَالِقٌ .\rثُمَّ قَالَ لِلْأُخْرَى مِثْلَ ذَلِكَ ، ثُمَّ طَلَّقَ الْأُولَى ، طَلَقَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا طَلْقَةً طَلْقَةً .\rوَإِنْ طَلَّقَ الثَّانِيَةَ ، طَلَقَتْ طَلْقَتَيْنِ ، وَطَلَقَتْ الْأُولَى طَلْقَةً ، وَتَعْلِيلُ ذَلِكَ عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى .","part":16,"page":368},{"id":7868,"text":"( 5940 ) فَصْلٌ : وَإِنْ كَانَ لَهُ ثَلَاثُ نِسْوَةٍ ، فَقَالَ : إنْ طَلَّقْت زَيْنَبَ فَعَمْرَة طَالِقٌ ، وَإِنْ طَلَّقْت عَمْرَةَ فَحَفْصَةُ طَالِقٌ ، وَإِنْ طَلَّقْت حَفْصَةَ فَزَيْنَبُ طَالِقٌ .\rثُمَّ طَلَّقَ زَيْنَبَ ، طَلَقَتْ عَمْرَةُ ، وَلَمْ تَطْلُقْ حَفْصَةُ ؛ لِأَنَّهُ مَا أَحْدَثَ فِي عَمْرَةَ طَلَاقًا بَعْدَ تَعْلِيقِ طَلَاقِ حَفْصَةَ بِتَطْلِيقِهَا ، وَإِنَّمَا طَلَقَتْ بِالصِّفَةِ السَّابِقَةِ عَلَى ذَلِكَ ، فَيَكُونُ وُقُوعًا لِلطَّلَاقِ ، وَلَيْسَ بِتَطْلِيقِ .\rوَإِنْ طَلَّقَ عَمْرَةَ ، طَلَقَتْ حَفْصَةُ ، وَلَمْ تَطْلُقْ زَيْنَبُ لِذَلِكَ .\rوَإِنْ طَلَّقَ حَفْصَةَ ، طَلَقَتْ زَيْنَبُ ، ثُمَّ طَلَقَتْ عَمْرَةُ ، فَيَقَعُ الطَّلَاقُ بِالثَّلَاثِ ؛ لِأَنَّهُ أَحْدَثَ فِي زَيْنَبَ طَلَاقًا بَعْدَ تَعْلِيقِهِ طَلَاقَ عَمْرَةَ بِطَلَاقِهَا ، فَإِنَّهُ عَلَّقَ طَلَاقَهَا بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى تَطْلِيقِ حَفْصَةَ ، ثُمَّ طَلَّقَ حَفْصَةَ ، وَالتَّعْلِيقُ مَعَ تَحَقُّقِ شَرْطِهِ تَطْلِيقٌ ، وَقَدْ وُجِدَ التَّعْلِيقُ وَشَرْطُهُ مَعًا بَعْدَ تَعْلِيقِهِ طَلَاقَ عَمْرَةَ بِتَطْلِيقِهَا ، فَكَانَ وُقُوعُ الطَّلَاقِ بِزَيْنَبِ تَطْلِيقًا ، فَطَلَقَتْ بِهِ عَمْرَةُ ، بِخِلَافِ غَيْرِهَا .\rوَإِنْ قَالَ لِزَيْنَبِ : إنْ طَلَّقْت عَمْرَةَ فَأَنْتِ طَالِقٌ .\rثُمَّ قَالَ لِعَمْرَةَ : إنْ طَلَّقْت حَفْصَةَ فَأَنْتِ طَالِقٌ .\rثُمَّ قَالَ لِحَفْصَةَ : إنْ طَلَّقْت زَيْنَبَ فَأَنْتِ طَالِقٌ .\rثُمَّ طَلَّقَ زَيْنَبَ ، طَلَقَ الثَّلَاثُ ؛ زَيْنَبُ بِالْمُبَاشَرَةِ ، وَحَفْصَةُ بِالصِّفَةِ ، وَوُقُوعُ الطَّلَاقِ بِحَفْصَةَ تَطْلِيقٌ لَهَا ، وَتَطْلِيقُهَا شَرْطُ طَلَاقِ عَمْرَةَ ، فَتَطْلُقُ بِهِ أَيْضًا .\rوَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ تَطْلِيقٌ لِحَفْصَةَ ، أَنَّهُ أَحْدَثَ فِيهَا طَلَاقًا ، بِتَعْلِيقِهِ طَلَاقَهَا عَلَى تَطْلِيقِ زَيْنَبَ ، بَعْدَ تَعْلِيقِ طَلَاقِ عَمْرَةَ بِتَطْلِيقِهَا ، وَتَحَقُّقِ شَرْطِهِ ، وَالتَّعْلِيقُ مَعَ شَرْطِهِ تَطْلِيقٌ ، وَقَدْ وُجِدَا مَعًا بَعْدَ جَعْلِ تَطْلِيقِهَا صِفَةً لِطَلَاقِ عَمْرَةَ .\rوَإِنْ طَلَّقَ عَمْرَةَ ، طَلَقَتْ هِيَ وَزَيْنَبُ ، وَلَمْ تَطْلُقْ حَفْصَةُ .\rوَإِنْ طَلَّقَ حَفْصَةَ ، طَلَقَتْ هِيَ وَعَمْرَةُ ، وَلَمْ تَطْلُقْ","part":16,"page":369},{"id":7869,"text":"زَيْنَبُ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا فِي الْمَسْأَلَةِ الَّتِي قَبْلَهَا .\rوَإِنْ قَالَ لِزَيْنَبِ : إنَّ طَلَّقْتُك فَضَرَّتَاكِ طَالِقَتَانِ ، ثُمَّ قَالَ لِعَمْرَةَ مِثْلَ ذَلِكَ ، ثُمَّ قَالَ لِحَفْصَةَ مِثْلَ ذَلِكَ ، ثُمَّ طَلَّقَ زَيْنَبَ ، طَلَقَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ طَلْقَةً وَاحِدَةً ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُحْدِثْ فِي غَيْرِ زَيْنَبَ طَلَاقًا ، إنَّمَا طَلَقَتَا بِالصِّفَةِ السَّابِقَةِ عَلَى تَعْلِيقِ الطَّلَاقِ بِطَلَاقِهَا .\rوَإِنْ طَلَّقَ عَمْرَةَ ، طَلَقَتْ زَيْنَبُ طَلْقَةً ، وَطَلَقَتْ عَمْرَةُ وَحَفْصَةُ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا طَلْقَتَيْنِ ؛ لِأَنَّ عَمْرَةَ طَلَقَتْ وَاحِدَةً بِالْمُبَاشَرَةِ ، وَطَلَقَتْ زَيْنَبُ وَحَفْصَةُ بِطَلَاقِهَا وَاحِدَةً وَاحِدَةً ، وَطَلَاقُ زَيْنَبَ تَطْلِيقٌ لَهُمَا ؛ لِأَنَّهُ وَقَعَ بِهَا بِصِفَةٍ أَحْدَثَهَا بَعْدَ تَعْلِيقِ طَلَاقِهِمَا بِتَطْلِيقِهَا ، فَعَادَ عَلَى عَمْرَةَ وَحَفْصَةَ بِذَلِكَ طَلْقَتَانِ ، وَلَمْ يَعُدْ عَلَى زَيْنَبَ بِطَلَاقِهِمَا طَلَاقٌ ؛ لِمَا تَقَدَّمَ .\rوَإِنْ طَلَّقَ حَفْصَةَ ، طَلَقَتْ ثَلَاثًا ؛ لِأَنَّهَا طَلَقَتْ وَاحِدَةً بِالْمُبَاشَرَةِ ، فَطَلَقَتْ بِهَا ضَرَّتَاهَا ، وَوُقُوعُ الطَّلَاقِ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا تَطْلِيقٌ ، لِأَنَّهُ بِصِفَةٍ أَحْدَثَهَا فِيهِمَا بَعْدَ تَعْلِيقِ طَلَاقِهَا بِطَلَاقِهِمَا ، فَعَادَ عَلَيْهَا مِنْ طَلَاقِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا طَلْقَةٌ ، فَكَمُلَ لَهَا ثَلَاثٌ ، وَطَلَقَتْ عَمْرَةُ طَلْقَتَيْنِ ، وَاحِدَةً بِتَطْلِيقِ حَفْصَةَ ، وَأُخْرَى بِوُقُوعِ الطَّلَاقِ عَلَى زَيْنَبَ ؛ لِأَنَّهُ تَطْلِيقٌ لِزَيْنَبِ ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ ، وَطَلَقَتْ زَيْنَبُ وَاحِدَةً ؛ لِأَنَّ طَلَاقَ ضَرَّتِهَا بِالصِّفَةِ ، لَيْسَ بِتَطْلِيقٍ فِي حَقِّهَا .\rوَإِنْ قَالَ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ : كُلَّمَا طَلَقَتْ إحْدَى ضَرَّتَيْك ، فَأَنْتِ طَالِقٌ .\rثُمَّ طَلَّقَ الْأُولَى ، طَلَقَتْ ثَلَاثًا ، وَطَلَقَتْ الثَّانِيَةُ طَلْقَتَيْنِ ، وَالثَّالِثَةُ طَلْقَةً وَاحِدَةً ؛ لِأَنَّ تَطْلِيقَهُ لِلْأُولَى شَرْطٌ لِطَلَاقِ ضَرَّتَيْهَا ، وَوُقُوعَ الطَّلَاقِ بِهِمَا تَطْلِيقٌ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهَا ، لِكَوْنِهِ وَاقِعًا بِصِفَةٍ أَحْدَثَهَا بَعْدَ تَعْلِيقِ طَلَاقِهَا","part":16,"page":370},{"id":7870,"text":"بِطَلَاقِهِمَا ، فَعَادَ عَلَيْهَا مِنْ تَطْلِيقِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا طَلْقَةً ، فَكَمُلَ لَهَا الثَّلَاثُ ، وَعَادَ عَلَى الثَّانِيَةِ مِنْ طَلَاقِ الثَّالِثَةِ طَلْقَةٌ ثَانِيَةٌ لِذَلِكَ ، وَلَمْ يَعُدْ عَلَى الثَّالِثَةِ مِنْ طَلَاقِهِمَا الْوَاقِعِ بِالصِّفَةِ شَيْءٌ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِتَطْلِيقٍ فِي حَقِّهَا .\rوَإِنْ طَلَّقَ الثَّانِيَةَ طَلَقَتْ أَيْضًا طَلْقَتَيْنِ ، وَطَلَقَتْ الْأُولَى ثَلَاثًا ، وَالثَّالِثَةُ طَلْقَةً .\rوَإِنْ طَلَّقَ الثَّالِثَةَ ، طَلَقَتْ الْأُولَى طَلْقَتَيْنِ ، وَطَلَقَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْ الْبَاقِيَتَيْنِ طَلْقَةً طَلْقَةً .","part":16,"page":371},{"id":7871,"text":"( 5941 ) فَصْلٌ : وَلَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ : إنْ طَلَّقْتُك فَعَبْدِي حُرٌّ .\rثُمَّ قَالَ لِعَبْدِهِ : إنْ قُمْت فَامْرَأَتِي طَالِقٌ .\rفَقَامَ ، طَلَقَتْ الْمَرْأَةُ ، وَعَتَقَ الْعَبْدُ .\rوَلَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ : إنْ قُمْتَ فَامْرَأَتِي طَالِقٌ .\rثُمَّ قَالَ لِامْرَأَتِهِ : إنْ طَلَّقْتُك فَعَبْدِي حُرٌّ .\rفَقَامَ الْعَبْدُ ، طَلَقَتْ الْمَرْأَةُ ، وَلَمْ يَعْتِقْ الْعَبْدُ ؛ لِأَنَّ وُقُوعَ الطَّلَاقِ بِالصِّفَةِ إنَّمَا يَكُونُ تَطْلِيقًا مَعَ وُجُودِ الصِّفَةِ ، فَفِي الصُّورَةِ الْأُولَى وُجِدَتْ الصِّفَةُ وَالْوُقُوعُ بَعْدَ قَوْلِهِ : إنْ طَلَّقْتُك فَعَبْدِي حُرٌّ .\rوَفِي الصُّورَةِ الْأُخْرَى لَمْ يُوجَدْ بَعْدَ ذَلِكَ إلَّا الْوُقُوعُ وَحْدَهُ ، فَكَانَتْ الصِّفَةُ سَابِقَةً ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَعْتِقْ الْعَبْدُ .\rوَلَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ : إنْ أَعْتَقْتُك فَامْرَأَتِي طَالِقٌ .\rثُمَّ قَالَ لِامْرَأَتِهِ : إنْ حَلَفْت بِطَلَاقِك فَعَبْدِي حُرٌّ .\rثُمَّ قَالَ لِعَبْدِهِ : إنْ لَمْ أَضْرِبْك فَامْرَأَتِي طَالِقٌ .\rعَتَقَ الْعَبْدُ ، وَطَلَقَتْ الْمَرْأَةُ .","part":16,"page":372},{"id":7872,"text":"( 5942 ) فَصْلٌ : وَمَتَى عَلَّقَ الطَّلَاقَ عَلَى صِفَاتٍ ، فَاجْتَمَعْنَ فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ ، وَقَعَ بِكُلِّ صِفَةٍ مَا عُلِّقَ عَلَيْهَا ، كَمَا لَوْ وُجِدَتْ مُفْتَرِقَةً ، وَكَذَلِكَ الْعَتَاقُ ، فَلَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ : إنْ كَلَّمْت رَجُلًا فَأَنْتِ طَالِقٌ ، وَإِنْ كَلَّمْت طَوِيلًا فَأَنْتِ طَالِقٌ ، وَإِنْ كَلَّمْت أَسْوَدَ فَأَنْتِ طَالِقٌ .\rفَكَلَّمَتْ رَجُلًا أُسُودَ طَوِيلًا ، طَلَقَتْ ثَلَاثًا .\rوَإِنْ قَالَ : إنْ وَلَدْتِ بِنْتًا فَأَنْتِ طَالِقٌ ، وَإِنْ وَلَدْتِ سَوْدَاءَ فَأَنْتِ طَالِقٌ ، وَإِنْ وَلَدْتِ وَلَدًا فَأَنْتِ طَالِقٌ .\rفَوَلَدَتْ بِنْتًا سَوْدَاء ، طَلَقَتْ ثَلَاثًا .\rوَإِنْ قَالَ : إنْ أَكَلْتِ رُمَّانَةً فَأَنْتِ طَالِقٌ ، وَإِنْ أَكَلْتِ نِصْفَ رُمَّانَةٍ فَأَنْتِ طَالِقٌ .\rفَأَكَلَتْ رُمَّانَةً ، طَلَقَتْ اثْنَتَيْنِ .\rوَإِنْ قَالَ : كُلَّمَا أَكَلْتِ رُمَّانَةً فَأَنْتِ طَالِقٌ ، وَكُلَّمَا أَكَلْتِ نِصْفَ رُمَّانَةٍ فَأَنْتِ طَالِقٌ .\rفَأَكَلَتْ رُمَّانَةً ، طَلَقَتْ ثَلَاثًا ؛ لِأَنَّ كُلَّمَا تَقْتَضِي التَّكْرَارَ ، وَفِي الرُّمَّانَةِ نِصْفَانِ ، فَتَطْلُقُ بِأَكْلِهِمَا طَلْقَتَيْنِ ، وَبِأَكْلِ الرُّمَّانَةِ طَلْقَةً .\rفَإِنْ نَوَى بِقَوْلِهِ : نِصْفَ رُمَّانَةٍ .\rنِصْفًا مُفْرَدًا عَنْ الرُّمَّانَةِ الْمَشْرُوطَةِ ، أَوْ كَانَتْ مَعَ الْكَلَامِ قَرِينَةٌ تَقْتَضِي ذَلِكَ ، لَمْ يَحْنَثْ حَتَّى تَأْكُلَ مَا نَوَى تَعْلِيقَ الطَّلَاقِ بِهِ ؛ لِأَنَّ مَبْنَى الْأَيْمَانِ عَلَى النِّيَّةِ .","part":16,"page":373},{"id":7873,"text":"( 5943 ) فَصْلٌ : فَإِنْ قَالَ : إنْ دَخَلَ الدَّارَ رَجُلٌ فَعَبْدٌ مِنْ عَبِيدِي حُرٌّ ، وَإِنْ دَخَلَهَا طَوِيلٌ فَعَبْدَانِ حُرَّانِ ، وَإِنْ دَخَلَهَا أَسْوَدُ فَثَلَاثَةُ أَعْبُدٍ أَحْرَارٌ ، وَإِنْ دَخَلَهَا فَقِيهٌ فَأَرْبَعَةُ أَعْبُدٍ أَحْرَارٌ .\rفَدَخَلَهَا فَقِيهٌ طَوِيلٌ أَسْوَدُ ، عَتَقَ مِنْ عَبِيدِهِ عَشَرَةٌ .\rوَإِنْ كَانَ لَهُ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ ، فَقَالَ : إنْ طَلَّقْت امْرَأَةً مِنْكُنَّ فَعَبْدٌ مِنْ عَبِيدِي حُرٌّ ، وَإِنْ طَلَّقْت اثْنَتَيْنِ فَعَبْدَانِ حُرَّانِ ، وَإِنْ طَلَّقْت ثَلَاثَةً ، فَثَلَاثَةُ أَعْبُدٍ أَحْرَارٌ ، وَإِنْ طَلَّقْت أَرْبَعًا ، فَأَرْبَعَةُ أَعْبُدٍ أَحْرَارٌ ، ثُمَّ طَلَّقَ الْأَرْبَعَ مُجْتَمِعَاتٍ أَوْ مُتَفَرِّقَاتٍ عَتَقَ مِنْ عَبِيدِهِ عَشَرَةٌ ؛ بِالْوَاحِدَةِ وَاحِدٌ ، وَبِالِاثْنَتَيْنِ اثْنَانِ ، وَبِالثَّلَاثِ ثَلَاثَةٌ ، وَبِالْأَرْبَعِ أَرْبَعَةٌ ؛ لِاجْتِمَاعِ هَذِهِ الصِّفَاتِ الْأَرْبَعِ فِيهِنَّ .\rوَلَوْ عَلَّقَ ذَلِكَ بِلَفْظَةِ \" كُلَّمَا \" ، فَقَدْ قِيلَ : يَعْتِقُ عَشَرَةٌ أَيْضًا .\rوَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَعْتِقُ خَمْسَةَ عَشَرَ عَبْدًا ؛ لِأَنَّ فِيهِنَّ أَرْبَعَ صِفَاتٍ ، هُنَّ أَرْبَعٌ ، فَيَعْتِقُ أَرْبَعَةٌ ، وَهُنَّ أَرْبَعَةُ آحَادٍ ، فَيَعْتِقُ بِذَلِكَ أَرْبَعَةٌ ، وَهُنَّ اثْنَتَانِ وَاثْنَتَانِ ، فَيَعْتِقُ بِذَلِكَ أَرْبَعَةٌ ، وَفِيهِنَّ ثَلَاثٌ ، فَيَعْتِقُ بِهِنَّ ثَلَاثَةٌ .\rوَإِنْ شِئْت قُلْت : يَعْتِقُ بِالْوَاحِدَةِ وَاحِدٌ ، وَبِالثَّانِيَةِ ثَلَاثَةٌ ؛ لِأَنَّ فِيهَا صِفَتَيْنِ هِيَ وَاحِدَةٌ ، وَهِيَ مَعَ الْأُولَى اثْنَتَانِ ، وَيَعْتِقُ بِالثَّالِثَةِ أَرْبَعَةٌ ؛ لِأَنَّهَا وَاحِدَةٌ ، وَهِيَ مَعَ الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ ثَلَاثٌ ، وَيَعْتِقُ بِالرَّابِعَةِ سَبْعَةٌ ؛ لِأَنَّ فِيهَا ثَلَاثَ صِفَاتٍ ، هِيَ وَاحِدَةٌ ، وَهِيَ مَعَ الثَّالِثَةِ اثْنَتَانِ ، وَهِيَ مَعَ الثَّلَاثِ الَّتِي قَبْلَهَا أَرْبَعٌ .\rوَهَذَا أَوْلَى مِنْ الْأَوَّلِ ؛ لِأَنَّ قَائِلَهُ لَا يَعْتَبِرُ صِفَةَ طَلَاقِ الْوَاحِدَةِ فِي غَيْرِ الْأُولَى ، وَلَا صِفَةَ التَّثْنِيَةِ فِي الثَّالِثَةِ وَالرَّابِعَةِ ، وَلَفْظُ \" كُلَّمَا \" يَقْتَضِي التَّكْرَارَ ، فَيَجِبُ تَكْرَارُ الطَّلَاقِ بِتَكْرَارِ","part":16,"page":374},{"id":7874,"text":"الصِّفَاتِ .\rوَقِيلَ : يَعْتِقُ سَبْعَةَ عَشَرَ ؛ لِأَنَّ صِفَةَ التَّثْنِيَةِ قَدْ وُجِدَتْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، فَإِنَّهَا تُوجَدُ بِضَمِّ الثَّانِيَةِ إلَى الثَّالِثَةِ .\rوَقِيلَ : يَعْتِقُ عِشْرُونَ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّ صِفَةَ الثَّلَاثِ وُجِدَتْ مَرَّةً ثَانِيَةً بِضَمِّ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ إلَى الرَّابِعَةِ ، وَكِلَا الْقَوْلَيْنِ غَيْرُ سَدِيدٍ ؛ لِأَنَّهُمَا عَدُّوا الثَّانِيَةَ مَعَ الْأُولَى فِي صِفَةِ التَّثْنِيَةِ مَرَّةً ، ثُمَّ عَدُّوهَا مَعَ الثَّالِثَةِ مَرَّةً أُخْرَى ، وَعَدُّوا الثَّانِيَةَ وَالثَّالِثَةَ فِي صِفَةِ التَّثْلِيثِ مَرَّتَيْنِ ، مَرَّةً مَعَ الْأُولَى ، وَمَرَّةً مَعَ الرَّابِعَةِ ، وَمَا عُدَّ فِي صِفَةٍ مَرَّةً ، لَا يَجُوزُ عَدُّهُ فِي تِلْكَ الصِّفَةِ مَرَّةً أُخْرَى .\rوَلِذَلِكَ لَوْ قَالَ : كُلَّمَا أَكَلْتِ نِصْفَ رُمَّانَةٍ فَأَنْتِ طَالِقٌ .\rفَأَكَلَتْ رُمَّانَةً ، لَمْ تَطْلُقْ إلَّا اثْنَتَيْنِ ؛ لِأَنَّ الرُّمَّانَةَ نِصْفَانِ .\rوَلَا يُقَالُ : إنَّهَا تَطْلُقُ ثَالِثَةً ، بِأَنْ يُضَمَّ الرُّبْعُ الثَّانِي إلَى الرُّبْعِ الثَّالِثِ فَيَصِيرَانِ نِصْفًا ثَالِثًا ، وَكَذَلِكَ فِي مَسْأَلَتِنَا ، لَمْ تُضَمَّ الْأُولَى إلَى الرَّابِعَةِ ، فَيَصِيرَانِ اثْنَتَيْنِ .\rوَعَلَى سِيَاقِ هَذَا الْقَوْلِ ، يَنْبَغِي أَنْ يَعْتِقَ اثْنَانِ وَثَلَاثُونَ ؛ وَاحِدٌ بِطَلَاقِ وَاحِدَةٍ ، وَثَلَاثَةٌ بِطَلَاقِ الثَّانِيَةِ ، وَثَمَانِيَةٌ بِطَلَاقِ الثَّالِثَةِ ؛ لِأَنَّهَا وَاحِدَةٌ وَهِيَ مَعَ مَا قَبْلَهَا ثَلَاثَةٌ ، وَهِيَ مَعَ ضَمِّهَا إلَى الْأُولَى اثْنَتَانِ ، وَمَعَ ضَمِّهَا إلَى الثَّانِيَةِ اثْنَتَانِ ، فَفِيهَا صِفَةُ التَّثْنِيَةِ مَرَّتَانِ ، وَيَعْتِقَ بِطَلَاقِ الرَّابِعَةِ عِشْرُونَ ؛ لِأَنَّ فِيهَا ثَمَانِي صِفَاتٍ ، هِيَ وَاحِدَةٌ ، وَهِيَ مَعَ مَا قَبْلَهَا أَرْبَعٌ ، وَفِيهَا صِفَةُ التَّثْلِيثِ ثَلَاثُ مَرَّاتٍ ، هِيَ مَعَ الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ ثَلَاثٌ ، وَمَعَ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ ثَلَاثٌ ، وَمَعَ الْأُولَى وَالثَّالِثَةِ ثَلَاثٌ ، فَيَعْتِقُ بِذَلِكَ تِسْعَةٌ ، وَفِيهَا صِفَةُ التَّثْنِيَةِ ثَلَاثُ مَرَّاتٍ ، هِيَ مَعَ الْأُولَى اثْنَتَانِ ، وَهِيَ مَعَ الثَّانِيَةِ","part":16,"page":375},{"id":7875,"text":"اثْنَتَانِ ، وَهِيَ مَعَ الثَّالِثَةِ اثْنَتَانِ ، فَيَعْتِقُ بِذَلِكَ سِتَّةٌ ، وَيَصِيرُ الْجَمِيعُ اثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ ، وَمَا نَعْلَمُ بِهَذَا قَائِلًا .\rوَهَذَا مَعَ الْإِطْلَاقِ .\rفَأَمَّا إنْ نَوَى بِلَفْظِهِ غَيْرَ مَا يَقْتَضِيهِ الْإِطْلَاقُ ، مِثْلُ أَنْ يَنْوِيَ بِقَوْلِهِ : اثْنَتَيْنِ .\rغَيْرَ الْوَاحِدَةِ ، فَيَمِينُهُ عَلَى مَا نَوَاهُ ، وَمَتَى لَمْ يُعَيِّنْ الْعَبِيدَ الْمُعْتَقِينَ ، أُخْرِجُوا بِالْقُرْعَةِ .\rوَلَوْ قَالَ : كُلَّمَا أَعْتَقْت عَبْدًا مِنْ عَبِيدِي فَامْرَأَةٌ مِنْ نِسَائِي طَالِقٌ ، وَكُلَّمَا أَعْتَقْت اثْنَيْنِ فَامْرَأَتَانِ طَالِقَتَانِ .\rثُمَّ أَعْتَقَ اثْنَيْنِ ، طَلَقَ الْأَرْبَعُ ، عَلَى الْقَوْلِ الصَّحِيحِ ، وَعَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ ، يَطْلُقُ ثَلَاثٌ ، وَيَخْرُجْنَ بِالْقُرْعَةِ .\rوَلَوْ قَالَ : كُلَّمَا أَعْتَقْت عَبْدًا مِنْ عَبِيدِي فَجَارِيَةٌ مِنْ جَوَارِيَّ حُرَّةٌ ، وَكُلَّمَا أَعْتَقْت اثْنَيْنِ فَجَارِيَتَانِ حُرَّتَانِ ، وَكُلَّمَا أَعْتَقْت ثَلَاثَةً فَثَلَاثٌ أَحْرَارٌ ، وَكُلَّمَا أَعْتَقْت أَرْبَعَةً فَأَرْبَعٌ أَحْرَارٌ ، ثُمَّ أَعْتَقَ أَرْبَعَةً ، عَتَقَ مِنْ جَوَارِيهِ بِعَدَدِ مَا طَلَّقَ مِنْ النِّسَاءِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا .\rوَإِنْ أَعْتَقَ خَمْسًا فَعَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ ، يَعْتِقُ مِنْ جَوَارِيهِ هَاهُنَا خَمْسَ عَشْرَةَ .\rوَعَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي ، يَعْتِقُ إحْدَى وَعِشْرُونَ ؛ لِأَنَّ عِتْقَ الْخَامِسِ عَتَقَ بِهِ سِتٌّ ، لِكَوْنِهِ وَاحِدًا ، وَهُوَ مَعَ مَا قَبْلَهُ خَمْسَةٌ ، وَلَمْ يُمْكِنْ عَدُّهُ فِي سَائِرِ الصِّفَاتِ ، لِأَنَّ مَا قَبْلَهُ قَدْ عُدَّ فِي ذَلِكَ مَرَّةً ، فَلَا يُعَدُّ ثَانِيَةً .","part":16,"page":376},{"id":7876,"text":"( 5944 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَإِذَا قَالَ : إنْ لَمْ أُطَلِّقْك فَأَنْتِ طَالِقٌ .\rوَلَمْ يَنْوِ وَقْتًا ، وَلَمْ يُطَلِّقْهَا حَتَّى مَاتَ أَوْ مَاتَتْ ، وَقَعَ الطَّلَاقُ بِهَا فِي آخِرِ أَوْقَاتِ الْإِمْكَانِ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ حَرْفَ \" إنْ \" مَوْضُوعٌ لِلشَّرْطِ ، لَا يَقْتَضِي زَمَنًا ، وَلَا يَدُلُّ عَلَيْهِ إلَّا مِنْ حَيْثُ إنَّ الْفِعْلَ الْمُعَلَّقَ بِهِ مِنْ ضَرُورَتِهِ الزَّمَانُ ، وَمَا حَصَلَ ضَرُورَةً لَا يَتَقَيَّدُ بِزَمَنٍ مُعَيَّنٍ ، وَلَا يَقْتَضِي تَعْجِيلًا ، فَمَا عُلِّقَ عَلَيْهِ كَانَ عَلَى التَّرَاخِي ، سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الْإِثْبَاتُ وَالنَّفْيُ .\rفَعَلَى هَذَا إذَا قَالَ : إنْ لَمْ أُطَلِّقْك فَأَنْتِ طَالِقٌ .\rوَلَمْ يَنْوِ وَقْتًا ، وَلَمْ يُطَلِّقْهَا ، كَانَ ذَلِكَ عَلَى التَّرَاخِي ، وَلَمْ يَحْنَثْ بِتَأْخِيرِهِ ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَقْتٍ يُمْكِنُ أَنْ يَفْعَلَ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ ، فَلَمْ يَفُتْ الْوَقْتُ ، فَإِذَا مَاتَ أَحَدُهُمَا عَلِمْنَا حِنْثَهُ حِينَئِذٍ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ إيقَاعُ الطَّلَاقِ بِهَا بَعْدَ مَوْتِ أَحَدِهِمَا ، فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ وَقَعَ ، إذْ لَمْ يَبْقَ مِنْ حَيَاتِهِ مَا يَتَّسِعُ لِتَطْلِيقِهَا .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ خِلَافًا .\rوَلَوْ قَالَ : إنْ لَمْ أُطَلِّقْ عَمْرَةَ فَحَفْصَةُ طَالِقٌ .\rفَأَيُّ الثَّلَاثَةِ مَاتَ أَوَّلًا ، وَقَعَ الطَّلَاقُ قُبَيْلَ مَوْتِهِ ؛ لِأَنَّ تَطْلِيقَهُ لِحَفْصَةَ عَلَى وَجْهٍ تَنْحَلُّ بِهِ يَمِينُهُ ، إنَّمَا يَكُونُ فِي حَيَاتِهِمْ جَمِيعًا .\rوَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ : إنْ لَمْ أَعْتِقْ عَبْدِي ، أَوْ إنْ لَمْ أَضْرِبْهُ ، فَامْرَأَتِي طَالِقٌ .\rوَقَعَ بِهَا الطَّلَاقُ فِي آخِرِ جُزْءٍ مِنْ حَيَاةِ أَوَّلِهِمْ مَوْتًا .\rفَأَمَّا إنْ عَيَّنَ وَقْتًا بِلَفْظِهِ ، أَوْ بِنِيَّتِهِ ، تَعَيَّنَ ، وَتَعَلَّقَتْ يَمِينُهُ بِهِ .\rقَالَ أَحْمَدُ ، رَحِمَهُ اللَّهُ : إذَا قَالَ : إنْ لَمْ أَضْرِبْ فُلَانًا ، فَأَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا .\rفَهُوَ عَلَى مَا أَرَادَ مِنْ ذَلِكَ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الزَّمَانَ الْمَحْلُوفَ عَلَى تَرْكِ الْفِعْلِ فِيهِ تَعَيَّنَ بِنِيَّتِهِ وَإِرَادَتِهِ ، فَصَارَ","part":16,"page":377},{"id":7877,"text":"كَالْمُصَرِّحِ بِهِ فِي لَفْظِهِ ؛ فَإِنَّ مَبْنَى الْأَيْمَانِ عَلَى النِّيَّةِ ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إنَّمَا لِامْرِئٍ مَا نَوَى } .\r( 5945 ) فَصْلٌ : وَلَا يُمْنَعُ مِنْ وَطْءِ زَوْجَتِهِ قَبْلَ فِعْلِ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ، وَالْحَسَنُ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَيَحْيَى الْأَنْصَارِيُّ ، وَرَبِيعَةُ ، وَمَالِكٌ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ : لَا يَطَأُ حَتَّى يَفْعَلَ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْفِعْلِ ، وَوُقُوعُ الطَّلَاقِ .\rوَرَوَى الْأَثْرَمُ عَنْ أَحْمَدَ مِثْلَ ذَلِكَ .\rوَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ ، وَرَبِيعَةُ ، وَمَالِكٌ : يُضْرَبُ لَهُ أَجَلُ الْمُولِي ، كَمَا لَوْ حَلَفَ أَنْ لَا يَطَأَهَا .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ نِكَاحٌ صَحِيحٌ ، لَمْ يَقَعْ فِيهِ طَلَاقٌ وَلَا غَيْرُهُ مِنْ أَسْبَابِ التَّحْرِيمِ ، فَحَلَّ لَهُ الْوَطْءُ فِيهِ ، كَمَا لَوْ قَالَ : إنْ طَلَّقْتُك فَأَنْتِ طَالِقٌ .\rوَقَوْلُهُمْ : الْأَصْلُ عَدَمُ الْفِعْلِ وَوُقُوعُ الطَّلَاقِ .\rقُلْنَا : هَذَا الْأَصْلُ لَمْ يَقْتَضِ وُقُوعَ الطَّلَاقِ ، فَلَمْ يَقْتَضِ حُكْمَهُ ، وَلَوْ وَقَعَ الطَّلَاقُ بَعْدَ وَطْئِهِ لَمْ يَضُرَّ ، كَمَا لَوْ طَلَّقَهَا نَاجِزًا ، وَعَلَى أَنَّ الطَّلَاقَ هَاهُنَا إنَّمَا يَقَعُ فِي زَمَنٍ لَا يُمْكِنُ الْوَطْءُ بَعْدَهُ ، بِخِلَافِ قَوْلِهِ : إنْ وَطِئْتُك فَأَنْتِ طَالِقٌ .","part":16,"page":378},{"id":7878,"text":"( 5946 ) فَصْلٌ : إذَا كَانَ الْمُعَلَّقُ طَلَاقًا بَائِنًا فَمَاتَتْ ، لَمْ يَرِثْهَا ؛ لِأَنَّ طَلَاقَهُ أَبَانَهَا مِنْهُ ، فَلَمْ يَرِثْهَا ، كَمَا لَوْ طَلَّقَهَا نَاجِزًا عِنْدَ مَوْتِهَا .\rوَإِنْ مَاتَ وَرِثَتْهُ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ ، إذَا قَالَ لِزَوْجَتِهِ : أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إنْ لَمْ أَتَزَوَّجْ عَلَيْك .\rوَمَاتَ وَلَمْ يَتَزَوَّجْ عَلَيْهَا ، وَرِثَتْهُ ، وَإِنْ مَاتَتْ لَمْ يَرِثْهَا ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهَا تَطْلُقُ فِي آخِرِ حَيَاتِهِ ، فَأَشْبَهَ طَلَاقَهُ لَهَا فِي تِلْكَ الْحَالِ .\rوَنَحْوُ هَذَا قَالَ عَطَاءٌ ، وَيَحْيَى الْأَنْصَارِيُّ .\rوَيَتَخَرَّجُ لَنَا أَنَّهَا لَا تَرِثُهُ أَيْضًا .\rوَهَذَا قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، وَالْحَسَنِ ، وَالشَّعْبِيِّ ، وَأَبِي عُبَيْدٍ ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا طَلَّقَهَا فِي صِحَّتِهِ ، وَإِنَّمَا تَحَقَّقَ شَرْطُ وُقُوعِهِ فِي الْمَرَضِ ، فَلَمْ تَرِثْهُ ، كَمَا لَوْ عَلَّقَهُ عَلَى فِعْلِهَا ، فَفَعَلَتْهُ فِي مَرَضِهِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إنْ حَلَفَ إنْ لَمْ تَأْتِ الْبَصْرَةَ فَأَنْتِ طَالِقٌ .\rفَلَمْ تَفْعَلْ ، فَإِنَّهُمَا لَا يَتَوَارَثَانِ .\rوَإِنْ قَالَ : إنْ لَمْ آتِ الْبَصْرَةَ فَأَنْتِ طَالِقٌ .\rفَمَاتَ ، وَرِثَتْهُ ، وَإِنْ مَاتَتْ لَمْ يَرِثْهَا ؛ لِأَنَّهُ فِي الْأُولَى عَلَّقَ الطَّلَاقَ عَلَى فِعْلِهَا ، فَإِذَا امْتَنَعَتْ مِنْهُ فَقَدْ حَقَّقَتْ شَرْطَ الطَّلَاقِ ، فَلَمْ تَرِثْهُ ، كَمَا لَوْ قَالَ : إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ .\rفَدَخَلَتْهَا .\rوَإِذَا عَلَّقَهُ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ ، فَامْتَنَعَ ، كَانَ الطَّلَاقُ مِنْهُ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ نَجَّزَهُ فِي الْحَالِ .\rوَوَجْهُ الْأَوَّلِ أَنَّهُ طَلَاقٌ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ ، فَمَنَعَهُ مِيرَاثَهُ ، وَلَمْ يَمْنَعْهَا ، كَمَا لَوْ طَلَّقَهَا ابْتِدَاءً ، وَلِأَنَّ الزَّوْجَ أَخَّرَ الطَّلَاقَ اخْتِيَارًا مِنْهُ حَتَّى وَقَعَ مَا عَلَّقَ عَلَيْهِ فِي مَرَضِهِ ، فَصَارَ كَالْمُبَاشِرِ لَهُ .\rفَأَمَّا مَا ذُكِرَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ، فَحَسَنٌ إذَا كَانَ الْفِعْلُ مِمَّا لَا مَشَقَّةَ عَلَيْهَا فِيهِ ؛ لِأَنَّ تَرْكَهَا لَهُ كَفِعْلِهَا لِمَا حَلَفَ عَلَيْهَا لِتَتْرُكَهُ ، وَإِنْ كَانَ","part":16,"page":379},{"id":7879,"text":"مِمَّا فِيهِ مَشَقَّةٌ ، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَسْقُطَ مِيرَاثُهَا بِتَرْكِهِ ، كَمَا لَوْ حَلَفَ عَلَيْهَا لِتَرْكِ مَا لَا بُدَّ لَهَا مِنْ فِعْلِهِ ، فَفَعَلَتْهُ .","part":16,"page":380},{"id":7880,"text":"( 5947 ) فَصْلٌ إذَا حَلَفَ لَيَفْعَلَنَّ شَيْئًا ، وَلَمْ يُعَيِّنْ لَهُ وَقْتًا بِلَفْظِهِ وَلَا بِنِيَّتِهِ ، فَهُوَ عَلَى التَّرَاخِي أَيْضًا ؛ فَإِنَّ لَفْظَهُ مُطْلَقٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى الزَّمَانِ كُلِّهِ ، فَلَا يَتَقَيَّدُ بِدُونِ تَقْيِيدِهِ ، وَلِذَلِكَ لَمَّا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي السَّاعَةِ : { قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ } .\rوَقَالَ : { قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ } .\rوَلَمَّا قَالَ : { لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ } كَانَ ذَلِكَ عَلَى التَّرَاخِي ؛ فَإِنَّ الْآيَةَ أُنْزِلَتْ فِي نَوْبَةِ الْحُدَيْبِيَةِ فِي سَنَةِ سِتٍّ ، وَتَأَخَّرَ الْفَتْحُ إلَى سَنَةِ ثَمَانٍ .\rوَلِذَلِكَ رُوِيَ { عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ : قُلْت لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَوْ لَيْسَ كُنْت تُحَدِّثُنَا أَنَّا سَنَأْتِي الْبَيْتَ وَنَطُوفُ بِهِ ؟ قَالَ بَلَى ، فَأَخْبَرْتُك أَنَّك آتِيهِ الْعَامَ ؟ .\rقُلْت : لَا .\rقَالَ : فَإِنَّك آتِيهِ ، وَمُطَوِّفٌ بِهِ } .\rوَهَذَا مِمَّا لَا خِلَافَ فِيهِ نَعْلَمُهُ .","part":16,"page":381},{"id":7881,"text":"( 5948 ) فَصْلٌ : إذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ : أَنْتِ طَالِقٌ الْيَوْمَ ، إنْ لَمْ أُطَلِّقْك الْيَوْمَ .\rوَلَمْ يُطَلِّقْهَا ، طَلَقَتْ إذَا بَقِيَ مِنْ الْيَوْمِ مَا لَا يَتَّسِعُ لِتَطْلِيقِهَا فِيهِ ، عَلَى مُقْتَضَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ .\rوَهَذَا اخْتِيَارُ أَبِي الْخَطَّابِ ، وَقَوْلُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ .\rوَحَكَى الْقَاضِي فِيهَا وَجْهَيْنِ ؛ هَذَا ، وَوَجْهًا آخَرَ أَنَّ الطَّلَاقَ لَا يَقَعُ .\rوَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ ، وَابْنِ سُرَيْجٍ ، لِأَنَّ مَحِلَّ الطَّلَاقِ الْيَوْمُ ، وَلَا يُوجَدُ شَرْطُ طَلَاقِهَا إلَّا بِخُرُوجِهِ ، فَلَا يَبْقَى مِنْ مَحِلِّ طَلَاقِهَا مَا يَقَعُ الطَّلَاقُ فِيهِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ خُرُوجَ الْيَوْمِ يَفُوتُ بِهِ طَلَاقُهَا ، فَوَجَبَ وُقُوعُهُ قَبْلَهُ فِي آخِرِ وَقْتِ الْإِمْكَانِ كَمَوْتِ أَحَدِهِمَا فِي الْيَوْمِ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ مَعْنَى يَمِينِهِ ؛ إنْ فَاتَنِي طَلَاقُك الْيَوْمَ فَأَنْتِ طَالِقٌ فِيهِ .\rفَإِذَا بَقِيَ مِنْ الْيَوْمِ مَا لَا يَتَّسِعُ لِتَطْلِيقِهَا ، فَقَدْ فَاتَهُ طَلَاقُهَا فِيهِ ، فَوَقَعَ حِينَئِذٍ ، كَمَا يَقَعُ طَلَاقُهُ فِي مَسْأَلَتِنَا فِي آخِرِ حَيَاةِ أَوَّلِهِمَا مَوْتًا .\rوَمَا ذَكَرُوهُ بَاطِلٌ بِمَا لَوْ مَاتَ أَحَدُهُمَا فِي الْيَوْمِ ؛ فَإِنَّ مَحِلَّ طَلَاقِهَا يَفُوتُ بِمَوْتِهِ ، وَمَعَ ذَلِكَ فَإِنَّ الطَّلَاقَ يَقَعُ قُبَيْلَ مَوْتِهِ ، كَذَا هَاهُنَا .\rوَلَوْ قَالَ لَهَا : أَنْتِ طَالِقٌ الْيَوْمَ ، إنْ لَمْ أَتَزَوَّجْ عَلَيْك الْيَوْمَ ، أَوْ إنْ لَمْ اشْتَرِ لَك الْيَوْمَ ثَوْبًا .\rفَفِيهِ الْوَجْهَانِ .\rوَالصَّحِيحُ مِنْهُمَا وُقُوعُ الطَّلَاقِ بِهَا ، إذَا بَقِيَ مِنْ الْيَوْمَ مَا لَا يَتَّسِعُ لِفِعْلِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ فِيهِ .\rوَإِنْ قَالَ لَهَا : أَنْتِ طَالِقٌ إنْ لَمْ أُطَلِّقْك الْيَوْمَ طَلَقَتْ ، بِغَيْرِ خِلَافٍ .\rوَفِي مَحِلِّ وُقُوعِهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، فِي آخِرِ الْيَوْمِ .\rوَالثَّانِي ، بَعْدَ خُرُوجِهِ .\rوَإِنْ قَالَ لَهَا : أَنْتِ طَالِقٌ الْيَوْمَ ، إنْ لَمْ أُطَلِّقْك .\rفَهُوَ كَقَوْلِهِ : أَنْتِ طَالِقٌ الْيَوْمَ ، إنْ لَمْ أُطَلِّقْك الْيَوْمَ .\rلِأَنَّهُ جَعَلَ عَدَمَ طَلَاقِهَا شَرْطًا لِطَلَاقِهَا الْيَوْمَ ، وَالشَّرْطُ","part":16,"page":382},{"id":7882,"text":"يَتَقَدَّمُ الْمَشْرُوطَ .","part":16,"page":383},{"id":7883,"text":"( 5949 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَالَ لِعَبْدِهِ : [ إنْ ] لَمْ أَبِعْك الْيَوْمَ ، فَامْرَأَتِي طَالِقٌ الْيَوْمَ .\rوَلَمْ يَبِعْهُ حَتَّى خَرَجَ الْيَوْمُ ، فَفِيهِ الْوَجْهَانِ .\rوَإِنْ أَعْتَقَ الْعَبْدَ ، أَوْ مَاتَ ، أَوْ مَاتَ الْحَالِفُ ، أَوْ الْمَرْأَةُ ، فِي الْيَوْمِ ، طَلَقَتْ زَوْجَتُهُ حِينَئِذٍ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ فَاتَ بَيْعُهُ ، وَإِنْ دَبَّرَهُ ، أَوْ كَاتَبَهُ ، لَمْ تَطْلُقْ امْرَأَتُهُ ؛ لِأَنَّ بَيْعَهُ جَائِزٌ .\rوَمَنْ مَنَعَ بَيْعَهُمَا قَالَ : يَقَعُ الطَّلَاقُ بِذَلِكَ ، كَمَا لَوْ مَاتَ .\rوَإِنْ وَهَبَ الْعَبْدَ لَإِنْسَانٍ ، لَمْ يَقَعْ الطَّلَاقُ ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ عَوْدُهُ إلَيْهِ ، فَيَبِيعُهُ ، فَلَمْ يَفُتْ بَيْعُهُ .\rوَلَوْ قَالَ : إنْ لَمْ أَبِعْ عَبْدِي ، فَامْرَأَتِي طَالِقٌ .\rوَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِالْيَوْمِ ، فَكَاتَبَ الْعَبْدَ ، لَمْ يَقَعْ الطَّلَاقُ ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ عَجْزُهُ ، فَلَمْ يُعْلَمْ فَوَاتُ الْبَيْعِ ، فَإِنْ عَتَقَ بِالْكِتَابَةِ أَوْ غَيْرِهَا ، وَقَعَ الطَّلَاقُ حِينَئِذٍ ، لِأَنَّهُ فَاتَ بَيْعُهُ .","part":16,"page":384},{"id":7884,"text":"مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَإِنْ قَالَ : كُلَّمَا لَمْ أُطَلِّقْك فَأَنْتِ طَالِقٌ ) .\r( وَقَعَ بِهَا الثَّلَاثُ فِي الْحَالِ ، إذَا كَانَ مَدْخُولًا بِهَا ) إنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ ، لِأَنَّ كُلَّمَا تَقْتَضِي التَّكْرَارَ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { كُلَّمَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ } .\rوَقَالَ : { كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا } .\rفَيَقْتَضِي تَكْرَارَ الطَّلَاقِ بِتَكَرُّرِ الصِّفَةِ ، وَالصِّفَةُ عَدَمُ تَطْلِيقِهِ لَهَا ، فَإِذَا مَضَى بَعْدَ يَمِينِهِ زَمَنٌ يُمْكِنُ أَنْ يُطَلِّقَهَا فِيهِ ، فَلَمْ يُطَلِّقْهَا ، فَقَدْ وُجِدَتْ الصِّفَةُ ، فَيَقَعُ طَلْقَةٌ ، وَتَتْبَعُهَا الثَّانِيَةُ وَالثَّالِثَةُ ، إنْ كَانَتْ مَدْخُولًا بِهَا ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مَدْخُولًا بِهَا ، بَانَتْ بِالْأُولَى ، وَلَمْ يَلْزَمْهَا مَا بَعْدَهَا ؛ لِأَنَّ الْبَائِنَ لَا يَلْحَقُهَا طَلَاقٌ .\rفَأَمَّا إنْ قَالَ : إذَا لَمْ أُطَلِّقْك فَأَنْتِ طَالِقٌ .\rأَوْ : مَتَى لَمْ أُطَلِّقْك فَأَنْتِ طَالِقٌ .\rأَوْ : أَيَّ وَقْتٍ لَمْ أُطَلِّقْك فَأَنْتِ طَالِقٌ .\rفَإِنَّهَا تَطْلُقُ وَاحِدَةً ، وَلَا يَتَكَرَّرُ إلَّا عَلَى قَوْل أَبِي بَكْرٍ فِي \" مَتَى \" ، فَإِنَّهُ يَرَاهَا لِلتَّكْرَارِ ، فَيَتَكَرَّرُ الطَّلَاقُ بِهَا مِثْلُ \" كُلَّمَا \" إلَّا أَنَّ \" مَتَى \" و \" أَيَّ وَقْتٍ \" يَقْتَضِيَانِ الطَّلَاقَ عَلَى الْفَوْرِ فَمَتَى مَضَى زَمَنٌ يُمْكِنُ أَنْ يُطَلِّقَهَا فِيهِ ، وَلَمْ يُطَلِّقْهَا فِي الْحَالِ .\rوَأَمَّا \" إذَا \" فَفِيهَا وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، هِيَ عَلَى الْفَوْرِ ؛ لِأَنَّهَا اسْمُ وَقْتٍ فَهِيَ كَمَتَى .\rوَالثَّانِي ، أَنَّهَا عَلَى التَّرَاخِي ؛ لِأَنَّهَا كَثُرَ اسْتِعْمَالُهَا فِي الشَّرْطِ ، فَهِيَ كَإِنْ .\rفَعَلَى هَذَا إذَا قَالَ : إذَا لَمْ أُطَلِّقْك فَأَنْتِ طَالِقٌ .\rوَلَمْ يَنْوِ وَقْتًا ، لَمْ تَطْلُقْ إلَّا فِي آخِرِ جُزْءٍ مِنْ حَيَاةِ أَحَدِهِمَا .\rوَإِنْ قَالَ : مَتَى لَمْ أَحْلِفْ بِطَلَاقِك فَأَنْتِ طَالِقٌ .\rأَوْ : أَيَّ وَقْتٍ لَمْ أَحْلِفْ بِطَلَاقِك فَأَنْتِ طَالِقٌ .\rوَكَرَّرَهُ ثَلَاثًا مُتَوَالِيَاتٍ ، طَلَقَتْ مَرَّةً وَاحِدَةً ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَحْنَثْ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى ، وَلَا الثَّانِيَةِ ؛ لِكَوْنِهِ حَلَفَ","part":16,"page":385},{"id":7885,"text":"عَقِيبَيْهِمَا ، وَحَنِثَ فِي الثَّالِثَةِ .\rوَإِنْ سَكَتَ بَيْنَ كُلِّ يَمِينَيْنِ سُكُوتًا يُمْكِنْهُ الْحَلِفُ فِيهِ ، طَلَقَتْ ثَلَاثًا .\rوَإِنْ قَالَ ذَلِكَ بِلَفْظَةِ إذَا ، وَقُلْنَا : هِيَ عَلَى الْفَوْرِ .\rفَهِيَ كَمَتَى ، وَإِلَّا لَمْ تَطْلُقْ إلَّا وَاحِدَةً فِي آخِرِ حَيَاةِ أَحَدِهِمَا .","part":16,"page":386},{"id":7886,"text":"( 5951 ) فَصْلٌ : وَالْحُرُوفُ الْمُسْتَعْمَلَةُ لِلشَّرْطِ وَتَعْلِيقِ الطَّلَاقِ بِهَا سِتَّةٌ ؛ إنْ ، وَإِذَا ، وَمَتَى ، وَمَنْ ، وَأَيُّ وَكُلَّمَا .\rفَمَتَى عَلَّقَ الطَّلَاقَ بِإِيحَادِ فِعْلٍ بِوَاحِدٍ مِنْهَا كَانَ عَلَى التَّرَاخِي ، مِثْلُ قَوْلِهِ : إنْ خَرَجْت ، وَإِذَا خَرَجْت ، وَمَتَى خَرَجْت ، وَأَيَّ حِينٍ ، وَأَيَّ زَمَانٍ ، وَأَيَّ وَقْتٍ خَرَجْت ، وَكُلَّمَا خَرَجْت ، وَمَنْ خَرَجَتْ مِنْكُنَّ ، وَأَيَّتُكُنَّ خَرَجَتْ فَهِيَ طَالِقٌ .\rفَمَتَى وُجِدَ الْخُرُوجُ طَلَقَتْ .\rوَإِنْ مَاتَ أَحَدُهُمَا ، سَقَطْت الْيَمِينُ .\rفَأَمَّا إنْ عَلَّقَ الطَّلَاقَ بِالنَّفْيِ بِوَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْحُرُوفِ ، كَانَتْ \" إنْ \" عَلَى التَّرَاخِي ، وَمَتَى ، وَأَيُّ ، وَمَنْ ، وَكُلَّمَا ، عَلَى الْفَوْرِ ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ : مَتَى دَخَلْت فَأَنْتِ طَالِقٌ .\rيَقْتَضِي أَيَّ زَمَانٍ دَخَلْت فَأَنْتِ طَالِقٌ .\rوَذَلِكَ شَائِعٌ فِي الزَّمَانِ كُلِّهِ ، فَأَيَّ زَمَنٍ دَخَلَتْ وُجِدَتْ الصِّفَةُ .\rوَإِذَا قَالَ : مَتَى لَمْ تَدْخُلِي فَأَنْتِ طَالِقٌ .\rفَإِذَا مَضَى عَقِيبَ الْيَمِين زَمَنٌ لَمْ تَدْخُلْ فِيهِ ، وُجِدَتْ الصِّفَةُ ؛ لِأَنَّهَا اسْمٌ لِوَقْتِ الْفِعْلِ ، فَيُقَدَّرُ بِهِ ، وَلِهَذَا يَصِحُّ السُّؤَالُ بِهِ ، فَيُقَالُ : مَتَى دَخَلْت ؟ أَيْ : أَيَّ وَقْتٍ دَخَلْت .\rوَأَمَّا \" إنْ \" فَلَا تَقْتَضِي وَقْتًا ، فَقَوْلُهُ : إنْ لَمْ تَدْخُلِي .\rلَا يَقْتَضِي وَقْتًا ، إلَّا ضَرُورَةَ أَنَّ الْفِعْلَ لَا يَقَعُ إلَّا فِي وَقْتٍ ، فَهِيَ مُطْلَقَةٌ فِي الزَّمَانِ كُلِّهِ .\rوَأَمَّا إذَا ، فَفِيهَا وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، هِيَ عَلَى التَّرَاخِي .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ .\rوَنَصَرَهُ الْقَاضِي ؛ لِأَنَّهَا تُسْتَعْمَلُ شَرْطًا بِمَعْنَى إنْ ، قَالَ الشَّاعِرُ : اسْتَغْنِ مَا أَغْنَاكَ رَبُّك بِالْغِنَى وَإِذَا تُصِبْكَ خَصَاصَةٌ فَتَجَمَّلْ فَجَزَمَ بِهَا كَمَا يَجْزِمُ بِأَنْ ، وَلِأَنَّهَا تُسْتَعْمَلُ بِمَعْنَى مَتَى وَإِنْ ، وَإِذَا احْتَمَلَتْ الْأَمْرَيْنِ ، فَالْيَقِينُ بَقَاءُ النِّكَاحِ ، فَلَا يَزُولُ بِالِاحْتِمَالِ .\rوَالْوَجْهُ الْآخَرُ أَنَّهَا عَلَى الْفَوْرِ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٍ .\rوَهُوَ الْمَنْصُوصُ عَنْ","part":16,"page":387},{"id":7887,"text":"الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهَا اسْمٌ لَزَمَنٍ مُسْتَقْبَلٍ ، فَتَكُونُ كَمَتَى .\rوَأَمَّا الْمُجَازَاةُ بِهَا فَلَا تُخْرِجُهَا عَنْ مَوْضُوعِهَا ، فَإِنَّ مَتَى يُجَازَى بِهَا أَلَا تَرَى إلَى قَوْلِ الشَّاعِرِ : مَتَى تَأْتِهِ تَعْشُو إلَى ضَوْءِ نَارِهِ تَجِدْ خَيْرَ نَارٍ عِنْدَهَا خَيْرُ مُوقِدِ و \" مَنْ \" يُجَازَى بِهَا أَيْضًا ، وَكَذَلِكَ \" أَيُّ \" وَسَائِرُ الْحُرُوفِ ، وَلَيْسَ فِي هَذِهِ الْحُرُوفِ مَا يَقْتَضِي التَّكْرَارَ إلَّا كُلَّمَا ، وَذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ فِي \" مَتَى \" أَنَّهَا تَقْتَضِي التَّكْرَارَ أَيْضًا ؛ لِأَنَّهَا تُسْتَعْمَلُ لِلتَّكْرَارِ ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ : مَتَى تَأْتِهِ تَعْشُو إلَى ضَوْءِ نَارِهِ تَجِدْ خَيْرَ نَارٍ عِنْدَهَا خَيْرُ مُوقِد أَيْ : فِي كُلِّ وَقْتٍ .\rوَلِأَنَّهَا تُسْتَعْمَلُ فِي الشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ ، وَمَتَى وُجِدَ الشَّرْطُ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ جَزَاؤُهُ .\rوَالصَّحِيحُ أَنَّهَا لَا تَقْتَضِيه ؛ لِأَنَّهَا اسْمُ زَمَنٍ بِمَعْنَى أَيَّ وَقْتٍ ، وَبِمَعْنَى إذَا ، فَلَا تَقْتَضِي مَا لَا يَقْتَضِيَانِهِ ، وَكَوْنُهَا تُسْتَعْمَلُ لِلتَّكْرَارِ فِي بَعْضِ أَحْيَانِهَا ، لَا يَمْنَعُ اسْتِعْمَالَهَا فِي غَيْرِهِ ، مِثْلُ إذَا وَأَيَّ وَقْتٍ ، فَإِنَّهُمَا يُسْتَعْمَلَانِ فِي الْأَمْرَيْنِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَإِذَا رَأَيْت الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ .\rوَإِذَا جَاءَك الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ } .\r{ وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا } .\rوَقَالَ الشَّاعِرُ : قَوْمٌ إذَا الشَّرُّ أَبْدَى نَاجِذَيْهِ لَهُمْ سَارُوا إلَيْهِ زَرَافَاتٍ وَوُحْدَانَا وَكَذَلِكَ أَيَّ وَقْتٍ وَأَيَّ زَمَانٍ ، فَإِنَّهُمَا يُسْتَعْمَلَانِ لِلتَّكْرَارِ ، وَسَائِرُ الْحُرُوفِ يُجَازَى بِهَا ، إلَّا أَنَّهَا لَمَّا كَانَتْ تُسْتَعْمَلُ لِلتَّكْرَارِ وَغَيْرِهِ ، لَا تُحْمَلُ عَلَى التَّكْرَارِ إلَّا بِدَلِيلٍ ، كَذَلِكَ مَتَى .","part":16,"page":388},{"id":7888,"text":"( 5952 ) فَصْلٌ : وَهَذِهِ الْحُرُوفُ إذَا تَقَدَّمَ جَزَاؤُهَا عَلَيْهَا ، لَمْ تَحْتَجْ إلَى حَرْفٍ فِي الْجَزَاءِ ، كَقَوْلِهِ : أَنْتِ طَالِقٌ إنْ دَخَلْتِ الدَّارَ .\rوَإِنْ تَأَخَّرَ جَزَاؤُهَا ، احْتَاجَتْ فِي الْجَزَاءِ إلَى حَرْفِ الْفَاءِ إذَا كَانَ جُمْلَةً مِنْ مُبْتَدَإٍ وَخَبَرٍ ، كَقَوْلِهِ : إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ .\rوَإِنَّمَا اُخْتُصَّتْ بِالْفَاءِ لِأَنَّهَا لِلتَّعْقِيبِ ، فَتَرْبِطُ بَيْنَ الْجَزَاءِ وَشَرْطِهِ ، وَتَدُلُّ عَلَى تَعْقِيبِهِ بِهِ .\rفَإِنْ قَالَ : إنْ دَخَلْت الدَّارَ أَنْتِ طَالِقٌ .\rلَمْ تَطْلُقْ حَتَّى تَدْخُلَ .\rوَبِهِ قَالَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ ، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ : تَطْلُقُ فِي الْحَالِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُعَلِّقْهُ بِدُخُولِ الدَّارِ ، لِأَنَّهُ إنَّمَا يُعَلَّقُ بِالْفَاءِ ، وَهَذِهِ لَا فَاءَ فِيهَا ، فَيَكُونُ كَلَامًا مُسْتَأْنَفًا غَيْرَ مُعَلَّقٍ بِشَرْطٍ ، فَيَثْبُتُ حُكْمُهُ فِي الْحَالِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ أُتِيَ بِحَرْفِ الشَّرْطِ ، فَيَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ التَّعْلِيقَ بِهِ ، وَإِنَّمَا حَذَفَ الْفَاءَ وَهِيَ مُرَادَةٌ ، كَمَا يُحْذَفُ الْمُبْتَدَأُ تَارَةً ، وَيُحْذَفُ الْخَبَرُ أُخْرَى ، لِدَلَالَةِ بَاقِي الْكَلَامِ عَلَى الْمَحْذُوفِ ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَذْفُ الْفَاءِ عَلَى التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ ، فَكَأَنَّهُ أَرَادَ : أَنْتِ طَالِقٌ إنْ دَخَلْت الدَّارَ .\rفَقَدَّمَ الشَّرْطَ ، وَمُرَادُهُ التَّأْخِيرُ ، وَمَهْمَا أَمْكَنَ حَمْلُ كَلَامِ الْعَاقِلِ عَلَى فَائِدَةٍ ، وَتَصْحِيحُهُ عَنْ الْفَسَادِ ، وَجَبَ ، وَفِيمَا ذَكَرْنَا تَصْحِيحُهُ ، وَفِيمَا ذَكَرُوهُ إلْغَاؤُهُ .\rوَإِنْ قَالَ : أَرَدْت الْإِيقَاعَ فِي الْحَالِ .\rوَقَعَ لِأَنَّهُ يُقِرُّ عَلَى نَفْسِهِ بِمَا هُوَ أَغْلَظُ .\rوَإِنْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ وَإِنْ دَخَلْت الدَّارَ .\rوَقَعَ الطَّلَاقُ فِي الْحَالِ ؛ لَأَنْ مَعْنَاهُ أَنْتِ طَالِقٌ فِي كُلِّ حَالٍ ، وَلَا يَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ دُخُولُك الدَّارَ ، كَقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : \" مَنْ قَالَ : لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ ، وَإِنْ زَنَى ، وَإِنْ سَرَقَ \" .\rوَقَالَ : \" صِلْهُمْ وَإِنْ قَطَعُوك ،","part":16,"page":389},{"id":7889,"text":"وَأَعْطِهِمْ وَإِنْ حَرَمُوك \" .\rوَإِنْ قَالَ : أَرَدْت الشَّرْطَ ، دُيِّنَ .\rوَهَلْ يُقْبَلُ فِي الْحُكْمِ ؟ يُخَرَّجُ عَلَى رِوَايَتَيْنِ .\rفَإِذَا قَالَ : إنْ دَخَلَتْ الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ وَإِنْ دَخَلَتْ الْأُخْرَى .\rفَمَتَى دَخَلَتْ الْأُولَى طَلَقَتْ ، سَوَاءٌ دَخَلَتْ الْأُخْرَى أَوْ لَمْ تَدْخُلْ ، وَلَا تَطْلُقُ بِدُخُولِ الْأُخْرَى .\rوَقَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ : تَطْلُقُ بِدُخُولِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا .\rوَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مُقْتَضَيْ اللُّغَةِ مَا قُلْنَاهُ .\rوَإِنْ قَالَ : أَرَدْت جَعْلَ الثَّانِي شَرْطًا لِطَلَاقِهَا أَيْضًا .\rطَلَقَتْ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ؛ لِأَنَّهُ يُقِرُّ عَلَى نَفْسِهِ بِمَا هُوَ أَغْلَظُ .\rوَإِنْ قَالَ : أَرَدْت أَنَّ دُخُولَ الثَّانِيَةِ شَرْطٌ لِطَلَاقِ الثَّانِيَةِ ، فَهُوَ عَلَى مَا أَرَادَهُ .\rوَإِنْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ إنْ دَخَلَتْ الدَّارَ وَإِنْ دَخَلَتْ الْأُخْرَى .\rطَلَقَتْ بِدُخُولِ إحْدَاهُمَا ؛ لِأَنَّهُ عَطَفَ شَرْطًا عَلَى شَرْطٍ .\rفَإِنْ قَالَ : أَرَدْت أَنَّ دُخُولَ الثَّانِيَةِ يَمْنَعُ وُقُوعَ الطَّلَاقِ .\rقُبِلَ مِنْهُ ؛ لِأَنَّهُ مُحْتَمِلٌ ، وَطَلَقَتْ بِدُخُولِ الْأُولَى وَحْدَهَا .\rوَإِنْ قَالَ : إنْ دَخَلَتْ الدَّارَ وَإِنْ دَخَلَتْ هَذِهِ الْأُخْرَى فَأَنْتِ طَالِقٌ .\rفَقَدْ قِيلَ : لَا تَطْلُقُ إلَّا بِدُخُولِهِمَا ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ طَلَاقَهَا جَزَاءً لِهَذَيْنِ الشَّرْطَيْنِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ تَطْلُقْ بِأَحَدِهِمَا أَيِّهِمَا كَانَ ؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَ شَرْطَيْنِ بِحَرْفَيْنِ ، فَيَقْتَضِي كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا جَزَاءً ، فَتَرَكَ ذِكْرَ جَزَاءِ الْأَوَّلِ ، وَكَانَ الْجَزَاءُ الْآخَرُ دَالًّا عَلَيْهِ ، كَمَا لَوْ قَالَ : ضَرَبْت وَضَرَبَنِي زَيْدٌ .\rقَالَ الْفَرَزْدَقُ : وَلَكِنَّ نِصْفًا لَوْ سَبَبْت وَسَبَّنِي بَنُو عَبْدِ شَمْسٍ مِنْ قُرَيْشٍ ، وَهَاشِمِ وَالتَّقْدِيرُ سَبَّنِي هَؤُلَاءِ وَسَبَبْتهمْ .\rوَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { عَنْ الْيَمِينِ وَعَنْ الشِّمَالِ قَعِيدٌ } .\rأَيْ عَنْ الْيَمِينِ قَعِيدٌ وَعَنْ الشِّمَالِ قَعِيدٌ .\rوَإِنْ قَالَ : إنْ دَخَلْت الدَّارَ وَأَنْتِ طَالِقٌ طَلَقَتْ ؛ لِأَنَّ الْوَاوَ لَيْسَتْ لِلْجَزَاءِ ، وَقَدْ تَكُونُ لِلِابْتِدَاءِ .\rفَإِنْ","part":16,"page":390},{"id":7890,"text":"قَالَ : أَرَدْت بِهَا الْجَزَاءَ .\rأَوْ قَالَ : أَرَدْت أَنْ أَجْعَلَ دُخُولَهَا فِي حَالِ كَوْنِهَا طَالِقًا شَرْطًا لِشَيْءٍ ، ثُمَّ أَمْسَكْت .\rدُيِّنَ .\rوَهَلْ يُقْبَلُ فِي الْحُكْمِ ؟ يُخَرَّجُ عَلَى رِوَايَتَيْنِ .\rوَإِنْ جَعَلَ لِهَذَا جَزَاءً ، فَقَالَ : إنْ دَخَلْت الدَّارَ وَأَنْتِ طَالِقٌ فَعَبْدِي حُرٌّ .\rصَحَّ ، وَلَمْ يَعْتِقْ الْعَبْدُ حَتَّى تَدْخُلَ الدَّارَ .\rوَهِيَ طَالِقٌ ؛ لِأَنَّ الْوَاوَ هَاهُنَا لِلْحَالِ ، كَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ } .\rوَقَوْلِهِ : { فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ } .\rوَلَوْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ إنْ دَخَلْت الدَّارَ طَالِقًا .\rفَدَخَلَتْ وَهِيَ طَالِقٌ ، طَلَقَتْ أُخْرَى ، وَإِنْ دَخَلَتْهَا غَيْرَ طَالِقٍ ، لَمْ تَطْلُقْ ؛ لِأَنَّ هَذَا حَالٌ ، فَجَرَى مَجْرَى قَوْلِهِ : أَنْتِ طَالِقٌ إنْ دَخَلْت الدَّارَ رَاكِبَةً .\rوَإِنْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ لَوْ قُمْتِ .\rكَانَ ذَلِكَ شَرْطًا بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ : إنْ قُمْتِ .\rوَهَذَا يُحْكَى عَنْ أَبِي يُوسُفَ ، وَلِأَنَّهَا لَوْ لَمْ تَكُنْ لِلشَّرْطِ كَانَتْ لَغْوًا ، وَالْأَصْلُ اعْتِبَارُ كَلَامِ الْمُكَلَّفِ .\rوَقِيلَ : يَقَعُ الطَّلَاقُ فِي الْحَالِ .\rوَهَذَا قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهَا بَعْدَ الْإِثْبَاتِ تُسْتَعْمَلُ لِغَيْرِ الْمَنْعِ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ } ، { وَرَأَوْا الْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ } .\rوَإِنْ قَالَ : أَرَدْت أَنْ أَجْعَلَ لَهَا جَوَابًا .\rدُيِّنَ .\rوَهَلْ يُقْبَلُ فِي الْحُكْمِ ؟ يُخَرَّجُ عَلَى رِوَايَتَيْنِ .","part":16,"page":391},{"id":7891,"text":"( 5953 ) فَصْلٌ : فَإِنْ قَالَ : إنْ أَكَلَتْ وَلَبِسْت فَأَنْتِ طَالِقٌ .\rلَمْ تَطْلُقْ إلَّا بِوُجُودِهِمَا جَمِيعًا سَوَاءٌ تَقَدَّمَ الْأَكْلُ أَوْ تَأَخَّرَ ؛ لِأَنَّ الْوَاوَ لِلْعَطْفِ وَلَا تَقْتَضِي تَرْتِيبًا .\rوَإِنْ قَالَ : إنْ أَكَلْتِ أَوْ لَبِسْتِ فَأَنْتِ طَالِقٌ .\rطَلَقَتْ بِوُجُودِ أَحَدِهِمَا ؛ لِأَنَّ أَوْ لِأَحَدِ الشَّيْئَيْنِ .\rوَكَذَلِكَ إنْ قَالَ : إنْ أَكَلْتِ ، أَوْ إنْ لَبِسْتِ ، أَوْ لَا أَكَلْتِ وَلَا لَبِسْتِ .\rوَإِنْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ لَا أَكَلْتِ وَلَبِسْتِ .\rلَمْ تَطْلُقْ إلَّا بِفِعْلِهِمَا ، إلَّا عَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي تَقُولُ : يَحْنَثُ بِفِعْلِ بَعْضِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ .\rفَإِنَّهُ يَحْنَثُ بِأَحَدِهِمَا هَاهُنَا .\rوَإِنْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ إنْ أَكَلْتِ فَلَبِسْتِ ، أَوْ إنْ أَكَلْتِ ثُمَّ لَبِسْتِ .\rلَمْ تَطْلُقْ حَتَّى تَأْكُلَ ثُمَّ تَلْبَسَ ، لِأَنَّ الْفَاءَ وَثَمَّ لِلتَّرْتِيبِ .\rوَإِنْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ إنْ أَكَلْتِ إذَا لَبِسْتِ .\rأَوْ : إنْ أَكَلْتِ مَتَى لَبِسْتِ .\rأَوْ : إنْ أَكَلْتِ إنْ لَبِسْتِ .\rلَمْ تَطْلُقْ حَتَّى تَلْبَسَ ثُمَّ تَأْكُلَ ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ اقْتَضَى تَعْلِيقَ الطَّلَاقِ بِالْأَكْلِ بَعْدَ اللُّبْسِ ، وَيُسَمِّيهِ النَّحْوِيُّونَ اعْتِرَاضَ الشَّرْطِ عَلَى الشَّرْطِ ، فَيَقْتَضِي تَقْدِيمَ الْمُتَأَخِّرِ وَتَأْخِيرَ الْمُتَقَدِّمِ ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ الثَّانِيَ فِي اللَّفْظِ شَرْطًا لِلَّذِي قَبْلَهُ ، وَالشَّرْطُ يَتَقَدَّمُ الْمَشْرُوطَ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إنْ أَرَدْت أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ } .\rفَلَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ : إنْ أَعْطَيْتُك ، إنْ وَعَدْتُك ، إنْ سَأَلْتنِي ، فَأَنْتِ طَالِقٌ .\rلَمْ تَطْلُقْ حَتَّى تَسْأَلَهُ ، ثُمَّ يَعِدَهَا ثُمَّ يُعْطِيَهَا ؛ لِأَنَّهُ شَرَطَ فِي الْعَطِيَّةِ الْوَعْدَ ، وَفِي الْوَعْدِ السُّؤَالَ ، فَكَأَنَّهُ قَالَ : إنْ سَأَلْتنِي ، فَوَعَدْتُك ، فَأَعْطَيْتُك ، فَأَنْتِ طَالِقٌ .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ الْقَاضِي إذَا كَانَ الشَّرْطُ بِإِذَا كَقَوْلِنَا ، وَفِيمَا إذَا كَانَ بِإِنْ مِثْلَ قَوْلِهِ : إنْ شَرِبْت إنْ أَكَلْت","part":16,"page":392},{"id":7892,"text":".\rأَنَّهَا تَطْلُقُ بِوُجُودِهِمَا كَيْفَمَا وُجِدَا ؛ لِأَنَّ أَهْلَ الْعُرْفِ لَا يَعْرِفُونَ مَا يَقُولهُ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي هَذَا ، فَتَعَلَّقْت الْيَمِينُ بِمَا يَعْرِفُهُ أَهْلُ الْعُرْف ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الشَّرْطُ بِإِذَا .\rوَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ ، وَلَيْسَ لِأَهْلِ الْعُرْفِ فِي هَذَا عُرْفٌ ؛ فَإِنْ هَذَا الْكَلَامَ غَيْرُ مُتَدَاوَلٍ بَيْنَهُمْ ، وَلَا يَنْطِقُونَ بِهِ إلَّا نَادِرًا ، فَيَجِبُ الرُّجُوعُ فِيهِ إلَى مُقْتَضَاهُ عِنْدَ أَهْلِ الشَّأْنِ ، كَسَائِرِ مَسَائِلِ هَذَا الْفَصْلِ .","part":16,"page":393},{"id":7893,"text":"( 5954 ) فَصْلٌ : فَإِنْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ أَنْ قُمْت .\rبِفَتْحِ الْهَمْزَةِ ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : تَطْلُقُ فِي الْحَالِ ؛ لِأَنَّ \" أَنْ \" الْمَفْتُوحَةَ لَيْسَتْ لِلشَّرْطِ ، وَإِنَّمَا هِيَ لِلتَّعْلِيلِ ، فَمَعْنَاهُ : أَنْتِ طَالِقٌ لِأَنَّك قُمْت ، أَوْ لِقِيَامِك .\rكَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا } .\r{ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا } .\r{ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاَللَّهِ رَبِّكُمْ } .\rوَقَالَ الْقَاضِي : قِيَاسُ قَوْلِ أَحْمَدَ ، أَنَّهُ إنْ كَانَ نَحْوِيًّا وَقَعَ طَلَاقُهُ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ نَحْوِيًّا فَهِيَ لِلشَّرْطِ ؛ لِأَنَّ الْعَامِّيَّ لَا يُرِيدُ بِذَلِكَ إلَّا الشَّرْطَ ، وَلَا يَعْرِفُ أَنَّ مُقْتَضَاهَا التَّعْلِيلُ ، فَلَا يُرِيدُهُ فَلَا يَثْبُتُ لَهُ حُكْمُ مَا لَا يَعْرِفُهُ ، وَلَا يُرِيدُهُ ، كَمَا لَوْ نَطَقَ بِكَلِمَةِ الطَّلَاقِ بِلِسَانٍ لَا يَعْرِفُهُ .\rوَحُكِيَ عَنْ ابْنِ حَامِدٍ ، أَنَّهُ قَالَ فِي النَّحْوِيِّ أَيْضًا : لَا يَقَعُ طَلَاقُهُ بِذَلِكَ ، إلَّا أَنْ يَنْوِيَهُ ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ يُحْمَلُ عَلَى الْعُرْفِ فِي حَقِّهِمَا جَمِيعًا .\rوَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ ؛ أَحَدُهَا ، يَقَعُ طَلَاقُهُ فِي الْحَالِ .\rوَالثَّانِي ، يَكُونُ شَرْطًا فِي حَقِّ الْعَامِّيِّ ، وَتَعْلِيلًا فِي حَقِّ النَّحْوِيِّ .\rوَالثَّالِثُ ، يَقَعُ الطَّلَاقُ إلَّا أَنْ لَا يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْإِعْرَابِ ، فَيَقُولُ : أَرَدْت الشَّرْطَ .\rفَيُقْبَلُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ صَرْفُ الْكَلَامِ عَمَّا يَقْتَضِيه إلَّا بِقَصْدِهِ .\rوَإِنْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ إذْ دَخَلْت الدَّارَ .\rطَلَقَتْ فِي الْحَالِ ؛ لِأَنَّ إذْ لِلْمَاضِي .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَقَعَ ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ لَا يَقَعُ فِي زَمَنٍ مَاضٍ ، فَأَشْبَهَ قَوْلَهُ : أَنْتِ طَالِقٌ أَمْسِ .","part":16,"page":394},{"id":7894,"text":"( 5955 ) فَصْلٌ : وَإِذَا عَلَّقَ الطَّلَاقَ بِشَرْطَيْنِ ، لَمْ يَقَعْ قَبْلَ وُجُودِهِمَا جَمِيعًا ، فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rوَخَرَّجَ الْقَاضِي وَجْهًا فِي وُقُوعِهِ بِوُجُودِ أَحَدِهِمَا ، بِنَاءً عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي مَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَفْعَلَ شَيْئًا ، فَفَعَلَ بَعْضَهُ .\rوَهَذَا بَعِيدٌ جِدًّا ، يُخَالِفُ الْأُصُولَ وَمُقْتَضَى اللُّغَةِ وَالْعُرْفَ ، وَعَامَّةَ أَهْلِ الْعِلْمِ ؛ فَإِنَّهُ لَا خِلَافَ بَيْنهمْ فِي الْمَسَائِلِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا فِي الشَّرْطَيْنِ جَمِيعًا ، وَإِذَا اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَقَعُ طَلَاقُهُ ؛ لِإِخْلَالِهِ بِالتَّرْتِيبِ فِي الشَّرْطَيْنِ الْمُرَتَّبَيْنِ فِي مِثْلِ قَوْلِهِ : إنْ أَكَلْت ثُمَّ لَبِسْت .\rفَلِإِخْلَالِهِ بِالشَّرْطِ كُلِّهِ أَوْلَى ، ثُمَّ يَلْزَمُ عَلَى هَذَا مَا لَوْ قَالَ : إنْ أَعْطَيْتنِي دِرْهَمَيْنِ فَأَنْتِ طَالِقٌ ، وَإِذَا مَضَى شَهْرَانِ فَأَنْتِ طَالِقٌ .\rفَإِنَّهُ لَا خِلَافَ فِي أَنَّهَا لَا تَطْلُقُ قَبْلَ وُجُودِهِمَا جَمِيعًا ، وَكَانَ قَوْلُهُ يَقْتَضِي أَنْ يَقَعَ الطَّلَاقُ بِإِعْطَائِهِ بَعْضَ دِرْهَمٍ وَمُضِيِّ بَعْضِ يَوْمٍ ، وَأُصُولُ الشَّرْعِ تَشْهَدُ بِأَنَّ الْحُكْمَ الْمُعَلَّقَ بِشَرْطَيْنِ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِهِمَا ، وَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى أَنَّهُ إذَا قَالَ : إنْ حِضْت حَيْضَةً فَأَنْتِ طَالِقٌ .\rوَإِذَا قَالَ : إذَا صُمْتِ يَوْمًا فَأَنْتِ طَالِقٌ .\rأَنَّهَا لَا تَطْلُقُ حَتَّى تَحِيضَ حَيْضَةً كَامِلَةً ، وَإِذَا غَابَتْ الشَّمْسُ مِنْ الْيَوْمِ الَّذِي تَصُومُ فِيهِ طَلَقَتْ ، وَأَمَّا الْيَمِينُ ، فَإِنَّهُ مَتَى كَانَ فِي لَفْظِهِ أَوْ نِيَّتِهِ مَا يَقْتَضِي جَمِيعَ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ ، لَمْ يَحْنَثْ إلَّا بِفِعْلِ جَمِيعِهِ .\rوَفِي مَسْأَلَتِنَا مَا يَقْتَضِي تَعْلِيقَ الطَّلَاقِ بِالشَّرْطَيْنِ مَعًا ؛ لِتَصْرِيحِهِ بِهِمَا ، وَجَعْلِهِمَا شَرْطًا لِلطَّلَاقِ ، وَالْحُكْمُ لَا يَثْبُتُ بِدُونِ شَرْطِهِ ، عَلَى أَنَّ الْيَمِينَ مُقْتَضَاهَا الْمَنْعُ مِمَّا حَلَفَ عَلَيْهِ ، فَيَقْتَضِي الْمَنْعَ مِنْ فِعْلِ جَمِيعِهِ ، لِنَهْيِ الشَّارِعِ عَنْ شَيْءٍ يَقْتَضِي الْمَنْعَ مِنْ كُلِّ جُزْءٍ مِنْهُ ، كَمَا يَقْتَضِي","part":16,"page":395},{"id":7895,"text":"الْمَنْعَ مِنْ جُمْلَتِهِ ، وَمَا عُلِّقَ عَلَى شَرْطٍ جُعِلَ جَزَاءً وَحُكْمًا لَهُ ، وَالْجَزَاءُ لَا يُوجَدُ بِدُونِ شَرْطِهِ ، وَالْحُكْمُ لَا يَتَحَقَّقُ قَبْلَ تَمَامِ شَرْطِهِ ، لُغَةً وَعُرْفًا وَشَرْعًا .","part":16,"page":396},{"id":7896,"text":"( 5956 ) فُصُولٌ فِي تَعْلِيقِ الطَّلَاقِ : إذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ : إنْ حِضْت فَأَنْتِ طَالِقٌ ، فَقَالَتْ : قَدْ حِضْت .\rفَصَدَّقَهَا ، طَلَقَتْ ، وَإِنْ كَذَّبَهَا ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، يُقْبَلُ قَوْلُهَا ؛ لِأَنَّهَا أَمِينَةٌ عَلَى نَفْسِهَا .\rوَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيِّ .\rوَهُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : { وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ } .\rقِيلَ : هُوَ الْحَيْضُ وَالْحَمْلُ .\rوَلَوْلَا أَنَّ قَوْلَهَا فِيهِ مَقْبُولٌ ، لَمَا حَرُمَ عَلَيْهَا كِتْمَانُهُ ، وَصَارَ هَذَا كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ } .\rلَمَّا حَرَّمَ كِتْمَانَهَا دَلَّ عَلَى قَبُولِهَا ، كَذَا هَاهُنَا .\rوَلِأَنَّهُ مَعْنًى فِيهَا لَا يُعْرَفُ إلَّا مِنْ جِهَتِهَا ، فَوَجَبَ الرُّجُوعُ إلَى قَوْلِهَا فِيهِ ، كَقَضَاءِ عِدَّتِهَا .\rوَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ ، لَا يُقْبَلُ قَوْلُهَا ، وَيَخْتَبِرُهَا النِّسَاءُ ، بِإِدْخَالِ قُطْنَةٍ فِي الْفَرْجِ فِي الزَّمَانِ الَّذِي ادَّعَتْ الْحَيْضَ فِيهِ ، فَإِنْ ظَهَرَ الدَّمُ فَهِيَ حَائِضٌ ، وَإِلَّا فَلَا .\rقَالَ أَحْمَدُ ، فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا ، فِي رَجُلٍ قَالَ لِامْرَأَتِهِ : إذَا حِضْت فَأَنْتِ طَالِقٌ وَعَبْدِي حُرٌّ .\rفَقَالَتْ : قَدْ حِضْت : يَنْظُرُ إلَيْهَا النِّسَاءُ ، فَتُعْطَى قُطْنَةً وَتُخْرِجُهَا ، فَإِنْ خَرَجَ الدَّمُ فَهِيَ حَائِضٌ ، تَطْلُقُ وَيَعْتِقُ الْعَبْدُ .\rوَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : وَبِهَذَا أَقُولُ .\rوَهَذَا لِأَنَّ الْحَيْضَ يُمْكِنُ التَّوَصُّلُ إلَى مَعْرِفَتِهِ مِنْ غَيْرِهَا ، فَلَمْ يُقْبَلْ فِيهِ مُجَرَّدُ قَوْلِهَا ، كَدُخُولِ الدَّارِ .\rوَالْأَوَّلُ الْمَذْهَبُ ، وَلَعَلَّ أَحْمَدَ إنَّمَا اعْتَبَرَ الْبَيِّنَةَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ مِنْ أَجْلِ عِتْقِ الْعَبْدِ ، فَإِنَّ قَوْلَهَا إنَّمَا يُقْبَلُ فِي حَقِّ نَفْسِهَا دُونَ غَيْرِهَا .\rوَهَلْ يُعْتَبَرُ يَمِينُهَا إذَا قُلْنَا : الْقَوْلُ قَوْلُهَا ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ ، بِنَاءً عَلَى مَا إذَا ادَّعَتْ أَنَّ زَوْجَهَا طَلَّقَهَا ، فَأَنْكَرَهَا وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهَا إلَّا فِي حَقِّ نَفْسِهَا خَاصَّةً دُونَ","part":16,"page":397},{"id":7897,"text":"غَيْرِهَا ، مِنْ طَلَاقِ أُخْرَى ، أَوْ عِتْقِ عَبْدٍ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، فِي رَجُلٍ قَالَ لِامْرَأَتِهِ : إذَا حِضْت فَأَنْتِ طَالِقٌ وَهَذِهِ مَعَك .\rلِامْرَأَتِهِ الْأُخْرَى .\rقَالَتْ : قَدْ حِضْت .\rمِنْ سَاعَتِهَا أَوْ بَعْدَ سَاعَةٍ ، تَطْلُقُ هِيَ ، وَلَا تَطْلُقُ هَذِهِ حَتَّى تَعْلَمَ ؛ لِأَنَّهَا مُؤْتَمَنَةٌ عَلَى نَفْسِهَا ، وَلَا يُجْعَلُ طَلَاقُ هَذِهِ بِيَدِهَا .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ ؛ لِأَنَّهَا مُؤْتَمَنَةٌ فِي حَقِّ نَفْسِهَا ، دُونَ غَيْرِهَا ، فَصَارَتْ كَالْمُودَعِ يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي الرَّدِّ عَلَى الْمُودِعِ دُونَ غَيْرِهِ .\rوَلَوْ قَالَ : قَدْ حِضْت .\rفَأَنْكَرَتْ .\rطَلُقَتْ بِإِقْرَارِهِ .\rفَإِنْ قَالَ : إنْ حِضْت فَأَنْتِ وَضَرَّتُك طَالِقَتَانِ .\rفَقَالَتْ : قَدْ حِضْت .\rفَصَدَّقَهَا ، طَلُقَتَا بِإِقْرَارِهِ .\rوَإِنْ كَذَّبَهَا ، طَلُقَتْ وَحْدَهَا .\rوَإِنْ ادَّعَتْ الضَّرَّةُ أَنَّهَا قَدْ حَاضَتْ ، لَمْ يُقْبَلْ ؛ لِأَنَّ مَعْرِفَتهَا بِحَيْضِ غَيْرِهَا كَمَعْرِفَةِ الزَّوْجِ بِهِ ، وَإِنَّمَا اُؤْتُمِنَتْ عَلَى نَفْسِهَا فِي حَيْضِهَا .\rوَإِنْ قَالَ : قَدْ حِضْت .\rفَأَنْكَرَتْ ، طَلُقَتَا بِإِقْرَارِهِ .\rوَلَوْ قَالَ لِامْرَأَتَيْهِ : إنْ حِضْتُمَا فَأَنْتُمَا طَالِقَتَانِ .\rفَقَالَتَا : قَدْ حِضْنَا .\rفَصَدَّقَهُمَا ، طَلُقَتَا ، وَإِنْ كَذَّبَهُمَا ، لَمْ تَطْلُقْ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا ؛ لِأَنَّ طَلَاقَ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مُعَلَّقٌ عَلَى شَرْطَيْنِ ، حَيْضِهَا ، وَحَيْضِ ضَرَّتِهَا ، وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُ ضَرَّتِهَا عَلَيْهَا ، فَلَمْ يُوجَدْ الشَّرْطَانِ .\rوَإِنْ صَدَّقَ إحْدَاهُمَا ، وَكَذَّبَ الْأُخْرَى ، طَلُقَتْ الْمُكَذَّبَةُ وَحْدَهَا ؛ لِأَنَّ قَوْلَهَا مَقْبُولٌ فِي حَقِّهَا .\rوَقَدْ صَدَّقَ الزَّوْجُ ضَرَّتَهَا ، فَوُجِدَ الشَّرْطَانِ فِي طَلَاقِهَا ، وَلَمْ تَطْلُقْ الْمُصَدَّقَةُ ؛ لِأَنَّ قَوْلَ ضَرَّتِهَا غَيْرُ مَقْبُولٍ فِي حَقِّهَا ، وَمَا صَدَّقَهَا الزَّوْجُ ، فَلَمْ يُوجَدْ شَرْطُ طَلَاقِهَا .","part":16,"page":398},{"id":7898,"text":"فَصْلٌ : فَإِنْ قَالَ لَأَرْبَعٍ : إنْ حِضْتُنَّ فَأَنْتُنَّ طَوَالِقُ .\rفَقُلْنَ : قَدْ حِضْنَا .\rفَصَدَّقَهُنَّ ، طَلُقْنَ وَإِنْ كَذَّبَهُنَّ ، لَمْ تَطْلُقْ وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ ؛ لِأَنَّ شَرْطَ طَلَاقِهِنَّ حَيْضُ الْأَرْبَعِ ، وَلَمْ يُوجَدْ .\rوَإِنْ صَدَّقَ وَاحِدَةً أَوْ اثْنَتَيْنِ ، لَمْ تَطْلُقْ ، وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ الشَّرْطُ .\rوَإِنْ صَدَّقَ ثَلَاثًا ، طَلُقَتْ الْمُكَذَّبَةُ وَحْدَهَا ؛ لِأَنَّ قَوْلَهَا مَقْبُولٌ فِي حَيْضِهَا ، وَقَدْ صَدَّقَ الزَّوْجُ صَوَاحِبَهَا ، فَوَجَدَ حَيْضُ الْأَرْبَعِ فِي حَقِّهَا ، فَطَلُقَتْ ، وَلَا يُطَلِّقُ الْمُصَدَّقَاتُ ؛ لِأَنَّ قَوْلَ الْمُكَذِّبَةِ غَيْرُ مَقْبُولٍ فِي حَقِّهِنَّ .","part":16,"page":399},{"id":7899,"text":"( 5958 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَالَ لَهُنًّ : كُلَّمَا حَاضَتْ إحْدَاكُنَّ ، أَوْ أَيَّتُكُنَّ حَاضَتْ ، فَضَرَّاتُهَا طَوَالِقُ .\rفَقُلْنَ : قَدْ حِضْنَا ، فَصَدَّقَهُنَّ ، طَلُقَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ ثَلَاثًا ثَلَاثًا .\rوَإِنْ كَذَّبَهُنَّ ، لَمْ تَطْلُقْ وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ .\rوَإِنْ صَدَّقَ وَاحِدَةً ، طَلُقَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْ ضَرَائِرِهَا طَلْقَةً طَلْقَةً ، وَلَمْ تَطْلُقْ هِيَ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ حَيْضُ ضَرَّةٍ لَهَا .\rوَإِنْ صَدَّقَ اثْنَتَيْنِ ، طَلُقَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْ الْمُصَدَّقَتَيْنِ طَلْقَةً طَلْقَةً ؛ لِأَنَّ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا ضَرَّةً مُصَدَّقَةً ، وَطَلُقَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْ الْمُكَذَّبَتَيْنِ طَلْقَتَيْنِ .\rوَإِنْ صَدَّقَ ثَلَاثًا ، طَلُقَتْ الْمُكَذَّبَةُ ثَلَاثًا ، وَطَلُقَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْ الْمُصَدَّقَاتِ طَلْقَتَيْنِ طَلْقَتَيْنِ .","part":16,"page":400},{"id":7900,"text":"( 5959 ) فَصْلٌ : إذَا قَالَ لِطَاهِرٍ : إذَا حِضْت فَأَنْتِ طَالِقٌ .\rفَرَأَتْ الدَّمَ فِي وَقْتٍ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ حَيْضًا ، حَكَمْنَا بِوُقُوعِ الطَّلَاقِ ، كَمَا يُحْكَمُ بِكَوْنِهِ حَيْضًا فِي الْمَنْعِ مِنْ الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا مِمَّا يَمْنَعُ مِنْهُ الْحَيْضُ .\rوَإِنْ بَانَ أَنَّهُ لَيْسَ بِحَيْضِ ، لِانْقِطَاعِهِ لِدُونِ أَقَلِّ الْحَيْضِ ، بَانَ أَنَّ الطَّلَاقَ لَمْ يَقَعْ .\rوَبِهَذَا قَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : لَا نَعْلَمُ أَحَدًا قَالَ غَيْرَ ذَلِكَ إلَّا مَالِكًا فَإِنَّ ابْنَ الْقَاسِمِ رَوَى عَنْهُ ، أَنَّهُ يَحْنَثُ حِينَ تَكَلَّمَ بِهِ .\rوَقَدْ سَبَقَ الْكَلَامُ مَعَهُ فِي هَذَا .\rوَإِنْ قَالَ لِحَائِضٍ : إذَا حِضْت فَأَنْتِ طَالِقٌ .\rلَمْ تَطْلُقْ حَتَّى تَطْهُرَ ثُمَّ تَحِيضَ .\rوَلَوْ قَالَ لِطَاهِرٍ : إذَا طَهُرْت فَأَنْتِ طَالِقٌ .\rلَمْ تَطْلُقْ حَتَّى تَحِيضَ ثُمَّ تَطْهُرَ .\rوَهَذَا يُحْكَى عَنْ أَبِي يُوسُفَ .\rوَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ : الَّذِي يَقْتَضِيه مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ أَنَّهَا تَطْلُقُ بِمَا يَتَجَدَّدُ مِنْ حَيْضِهَا وَطُهْرِهَا فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ وُجِدَ مِنْهَا الْحَيْضُ وَالطُّهْر ، فَوَقَعَ الطَّلَاقُ لِوُجُودِ صِفَتِهِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ إذَا اسْمُ زَمَنٍ مُسْتَقْبَلٍ ، يَقْتَضِي فِعْلًا مُسْتَقْبَلًا ، وَهَذَا الْحَيْضُ وَالطُّهْرُ مُسْتَدَامٌ غَيْرُ مُتَجَدِّدٍ ، وَلَا يُفْهَمُ مِنْ إطْلَاقِ : حَاضَتْ الْمَرْأَةُ وَطَهُرَتْ .\rإلَّا ابْتِدَاءُ ذَلِكَ ، فَتَعَلَّقَتْ الصِّفَةُ بِهِ .\rوَلَوْ قَالَ لِطَاهِرٍ : إذَا حِضْت حَيْضَةً فَأَنْتِ طَالِقٌ .\rلَمْ تَطْلُقْ حَتَّى تَحِيضَ ثُمَّ تَطْهُرَ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ؛ لِأَنَّهُ لَا تُوجَدُ حَيْضَةٌ كَامِلَةٌ إلَّا بِذَلِكَ .\rوَلَوْ قَالَ لِحَائِضٍ : إذَا طَهُرْت فَأَنْتِ طَالِقٌ .\rطَلُقَتْ بِأَوَّلِ الطُّهْرِ ، وَتَطْلُقْ فِي الْمَوْضِعَيْنِ بِانْقِطَاعِ دَمِ الْحَيْضِ قَبْلَ الْغُسْلِ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، فِي رِوَايَةِ إبْرَاهِيمَ الْحَرْبِيِّ .\rوَذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ ، فِي \" التَّنْبِيهِ \" فِيهَا قَوْلًا ، أَنَّهَا لَا تَطْلُقُ حَتَّى تَغْتَسِلَ ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ","part":16,"page":401},{"id":7901,"text":"الْعِدَّةَ لَا تَنْقَضِي بِانْقِطَاعِ الدَّمِ حَتَّى تَغْتَسِلَ .\rوَلَنَا ، أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : { وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ } .\rأَيْ : يَنْقَطِعَ دَمُهُنَّ ، { فَإِذَا تَطَهَّرْنَ } .\rأَيْ : اغْتَسَلْنَ .\rوَلِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ لَهَا أَحْكَامُ الطَّاهِرَاتِ فِي وُجُوبِ الصَّلَاةِ وَصِحَّةِ الطَّهَارَةِ وَالصِّيَامِ ، وَإِنَّمَا بَقِيَ بَعْضُ الْأَحْكَامِ مَوْقُوفًا عَلَى وُجُودِ الْغُسْلِ ، وَلِأَنَّهَا لَيْسَتْ حَائِضًا فَيَلْزَمُ أَنْ تَكُونَ طَاهِرًا ؛ لِأَنَّهُمَا ضِدَّانِ عَلَى التَّعْيِينِ ، فَيَلْزَمُ مِنْ انْتِفَاءِ أَحَدِهِمَا وُجُودُ الْآخِرِ .","part":16,"page":402},{"id":7902,"text":"( 5960 ) فَصْلٌ : فَإِنْ قَالَ لَهَا : إذَا حِضْت حَيْضَةً فَأَنْتِ طَالِقٌ ، وَإِذَا حِضْت حَيْضَتَيْنِ فَأَنْتِ طَالِقٌ .\rفَحَاضَتْ حَيْضَةً ، طَلُقَتْ وَاحِدَةً ، فَإِذَا حَاضَتْ الثَّانِيَةَ ، طَلُقَتْ الثَّانِيَةَ عِنْدَ طُهْرِهَا مِنْهَا .\rوَإِنْ قَالَ إذَا حِضْت حَيْضَةً فَأَنْتِ طَالِقٌ ، ثُمَّ إذَا حِضْت حَيْضَتَيْنِ فَأَنْتِ طَالِقٌ .\rلَمْ تَطْلُق الثَّانِيَةَ حَتَّى تَطْهُرَ مِنْ الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ ؛ لِأَنَّ ثُمَّ لِلتَّرْتِيبِ ، فَتَقْتَضِي حَيْضَتَيْنِ بَعْدَ الطَّلْقَةِ الْأُولَى ، لِكَوْنِهِمَا مُرَتَّبَتَيْنِ عَلَيْهَا .","part":16,"page":403},{"id":7903,"text":"( 5961 ) فَصْلٌ : فَإِنْ قَالَ : إذَا حِضْت نِصْفَ حَيْضَةٍ فَأَنْتِ طَالِقٌ .\rطَلُقَتْ إذَا ذَهَبَ نِصْفُ الْحَيْضَةِ ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُحْكَمَ بِوُقُوعِ الطَّلَاقِ إذَا حَاضَتْ نِصْفَ عَادَتِهَا ، لِأَنَّ الْأَحْكَامَ تَعَلَّقَتْ بِالْعَادَةِ ، فَيَتَعَلَّقُ بِهَا وُقُوعُ الطَّلَاقِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ لَا يُحْكَمُ بِوُقُوعِ الطَّلَاقِ حَتَّى يَمْضِيَ سَبْعَةُ أَيَّامٍ وَنِصْفٌ ؛ لِأَنَّنَا لَا نَتَيَقَّنُ مُضِيَّ نِصْفِ الْحَيْضَةِ إلَّا بِذَلِكَ ، إلَّا أَنْ تَطْهُرَ لِأَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ ، وَمَتَى طَهُرَتْ تَبَيَّنَّا وُقُوعَ الطَّلَاقِ فِي نِصْفِ الْحَيْضَةِ .\rوَقِيلَ : يَلْغُو قَوْلُهُ : نِصْفِ حَيْضَةٍ .\rوَيَبْقَى طَلَاقُهَا مُعَلَّقًا بِوُجُودِ الْحَيْضِ .\rوَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ؛ فَإِنَّ الْحَيْضَ لَهُ مُدَّةٌ ، أَقَلُّهَا يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ ، وَلَهُ نِصْفٌ حَقِيقَةً ، وَالْجَهْلُ بِقَدْرِ ذَلِكَ لَا يَمْنَعُ وُجُودَهُ ، وَتَعَلُّقَ الْحُكْمِ بِهِ ، كَالْحَمْلِ .","part":16,"page":404},{"id":7904,"text":"( 5962 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَالَ لِامْرَأَتَيْهِ : إذَا حِضْتُمَا حَيْضَةً وَاحِدَةً ، فَأَنْتُمَا طَالِقَتَانِ .\rلَمْ تَطْلُقْ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا حَتَّى تَحِيضَ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا حَيْضَةً وَاحِدَةً ، وَيَكُونُ التَّقْدِيرُ : إنْ حَاضَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْكُمَا حَيْضَةً وَاحِدَةً ، فَأَنْتُمَا طَالِقَتَانِ .\rكَقَوْلِ اللَّه تَعَالَى : { فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً } .\rأَيْ : اجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ثَمَانِينَ وَيَحْتَمِل أَنْ يَتَعَلَّقَ الطَّلَاقُ بِحَيْضِ إحْدَاهُمَا حَيْضَةً ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا تَعَذَّرَ وُجُودُ الْفِعْلِ مِنْهُمَا ، وَجَبَتْ إضَافَته إلَى إحْدَاهُمَا ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى { : يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ } .\rوَإِنَّمَا يَخْرُجُ مِنْ أَحَدِهِمَا .\rوَقَالَ الْقَاضِي : يَلْغُو قَوْلُهُ : حَيْضَةً وَاحِدَةً ؛ لِأَنَّ حَيْضَةً وَاحِدَةً مِنْ امْرَأَتَيْنِ مُحَالٌ ، فَيَبْقَى كَأَنَّهُ قَالَ : إنْ حِضْتُمَا فَأَنْتُمَا طَالِقَتَانِ .\rوَهَذَا أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ، وَالْوَجْهُ الْآخَرُ ، لَا تَنْعَقِدُ هَذِهِ الصِّفَةُ ؛ لِأَنَّهَا مُسْتَحِيلَةٌ ، فَتَصِيرُ كَتَعْلِيقِ الطَّلَاقِ بِالْمُسْتَحِيلَاتِ .\rوَالْوَجْهُ الْأَوَّلُ أَوْلَى ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَصْحِيحَ كَلَامِ الْمُكَلَّفِ بِحَمْلِهِ عَلَى مَحْمَلٍ سَائِغٍ ، وَتَبْعِيد لِوُقُوعِ الطَّلَاقِ ، وَالْيَقِينُ بَقَاءُ النِّكَاحِ ، فَلَا يَزُولُ حَتَّى يُوجَدَ مَا يَقَعُ بِهِ الطَّلَاقُ يَقِينًا ، وَغَيْرُ هَذَا الْوَجْهِ لَا يَحْصُلُ بِهِ الْيَقِينُ .\rفَإِنْ أَرَادَ بِكَلَامِهِ أَحَدَ هَذِهِ الْوُجُوهِ ، حُمِلَ عَلَيْهِ ، وَإِذَا ادَّعَى ذَلِكَ ، قُبِلَ مِنْهُ .\rوَإِذَا قَالَ : أَرَدْت أَنْ تَكُونَ الْحَيْضَةُ الْوَاحِدَةُ مِنْهُمَا ، فَهُوَ تَعْلِيقٌ لِلطَّلَاقِ بِمُسْتَحِيلِ ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَلْغُوَ قَوْلُهُ : حَيْضَةً .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَقَعَ الطَّلَاقُ ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الصِّفَةَ لَا تُوجَدُ ، فَلَا يُوجَدُ مَا عُلِّقَ عَلَيْهَا ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَقَعَ الطَّلَاقُ فِي الْحَالِ ، وَيَلْغُوَ الشَّرْطُ ، بِنَاءً عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فِي تَعْلِيقِ الطَّلَاقِ عَلَى الْمُسْتَحِيلِ .","part":16,"page":405},{"id":7905,"text":"فَصْلٌ : وَإِذَا كَانَ لَهُ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ ، فَقَالَ : أَيَّتُكُنَّ لَمْ أَطَأْهَا ، فَضَرَائِرُهَا طَوَالِقُ .\rوَقَيَّدَهُ بِوَقْتٍ ، فَمَضَى الْوَقْتُ وَلَمْ يَطَأْهُنَّ ، طَلُقْنَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا ؛ لِأَنَّ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ ثَلَاثَ ضَرَائِرَ غَيْرَ مَوْطُوءَاتٍ .\rوَإِنْ وَطِئَ ثَلَاثًا وَتَرَكَ وَاحِدَةً ، لَمْ تَطْلُقْ الْمَتْرُوكَةُ ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ لَهَا ضَرَّةٌ غَيْرُ مَوْطُوءَةٍ ، وَتَطْلُقُ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْ الْمَوْطُوآت طَلْقَةً طَلْقَةً .\rوَإِنْ وَطِئَ اثْنَتَيْنِ طَلُقَتَا طَلْقَتَيْنِ طَلْقَتَيْنِ ، وَطَلُقَتْ الْمَتْرُوكَتَانِ طَلْقَةً طَلْقَةً .\rوَإِنْ وَطِئَ وَاحِدَةً طَلُقَتْ ثَلَاثًا ، وَطَلُقَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْ الْمَتْرُوكَات طَلْقَتَيْنِ طَلْقَتَيْنِ .\rوَإِنْ لَمْ يُقَيِّدْهُ بِوَقْتٍ ، كَانَ وَقْتُ الطَّلَاقِ مُقَيَّدًا بِعُمْرِهِ وَعُمْرِهِنَّ ، فَأَيَّتُهُنَّ مَاتَتْ طَلُقَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْ ضَرَائِرِهَا طَلْقَةً طَلْقَةً ، وَإِذَا مَاتَتْ أُخْرَى فَكَذَلِكَ ، وَإِنْ مَاتَ هُوَ طَلُقْنَ كُلُّهُنَّ فِي آخِرِ جُزْءٍ مِنْ حَيَاتِهِ .","part":16,"page":406},{"id":7906,"text":"( 5964 ) فَصْلٌ : فَإِنْ قَالَ : إنْ لَمْ تَكُونِي حَامِلًا فَأَنْتِ طَالِقٌ .\rوَلَمْ تَكُنْ حَامِلًا ، طَلُقَتْ .\rوَإِنْ أَتَتْ بِوَلَدٍ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ حِينِ الْيَمِينِ ، أَوْ لِأَقَلَّ مِنْ أَرْبَعِ سِنِينَ ، وَلَمْ يَكُنْ يَطَؤُهَا ، لَمْ تَطْلُقْ ؛ لِأَنَّا تَبَيَّنَّا أَنَّهَا كَانَتْ حَامِلًا بِذَلِكَ الْوَلَدِ .\rوَإِنْ مَضَتْ أَرْبَعُ سِنِينَ وَلَمْ تَلِدْ ، تَبَيَّنَّا أَنَّهَا طَلُقَتْ حِين عَقْدِ الْيَمِينِ .\rوَإِنْ كَانَ يَطَؤُهَا ، وَأَتَتْ بِوَلَدٍ لِأَكْثَرَ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ وَأَقَلَّ مِنْ أَرْبَعِ سِنِينَ ، نَظَرْت ؛ فَإِنْ ظَهَرَتْ عَلَامَاتُ الْحَمْلِ ، مِنْ انْقِطَاعِ الْحَيْضِ وَنَحْوِهِ ، قَبْلَ وَطْئِهِ ، أَوْ قَرِيبًا مِنْهُ ، بِحَيْثُ لَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ الْوَطْءِ الثَّانِي ، لَمْ تَطْلُقْ .\rوَإِنْ حَاضَتْ أَوْ وُجِدَ مَا يَدُلُّ عَلَى بَرَاءَتهَا مِنْ الْحَمْلِ طَلُقَتْ .\rوَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ ذَلِكَ ، وَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ مِنْ الثَّانِي ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، تَطْلُقُ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْحَمْلِ قَبْلَ الْوَطْءِ .\rوَالثَّانِي ، لَا تَطْلُقُ ؛ لِأَنَّ الْيَقِينَ بَقَاءُ النِّكَاحِ ، فَلَا يَزُولُ بِشَكٍّ وَاحْتِمَالٍ ، وَلَا يَجُوزُ لِلزَّوْجِ وَطْؤُهَا قَبْلَ الِاسْتِبْرَاءِ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْحَمْلِ وَوُقُوعُ الطَّلَاقِ ، وَالِاسْتِبْرَاءُ هَاهُنَا بِحَيْضَةٍ ، فَإِنْ وُجِدَتْ الْحَيْضَةُ عَلَى عَادَتِهَا ، تَبَيَّنَّا وُقُوعَ طَلَاقِهَا ، وَإِنْ لَمْ تَأْتِ فِي عَادَتِهَا ، كَانَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى حَمْلِهَا وَحِلِّ وَطْئِهَا .\rوَإِنْ قَالَ : إنْ كُنْت حَامِلًا فَأَنْتِ طَالِقٌ .\rفَهِيَ عَكْسُ الْمَسْأَلَةِ الَّتِي قَبْلَهَا ، فَفِي الْمَوْضِعِ الَّذِي يَقَعُ الطَّلَاقُ ثَمَّ لَا يَقَعُ هَاهُنَا ، وَفِي الْمَوْضِعِ الَّذِي لَا يَقَعُ ثَمَّ يَقَعُ هَاهُنَا ، إلَّا أَنَّهَا إذَا أَتَتْ بِوَلَدٍ لِأَكْثَرَ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ ، مِنْ حِينِ وَطْءِ الزَّوْجِ بَعْدَ الْيَمِينِ ، وَلِأَقَلَّ مِنْ أَرْبَع سِنِينَ مِنْ حِينِ عَقْدِ الصِّفَةِ ، لَمْ تَطْلُقْ ؛ لِأَنَّ تَعَيُّنَ النِّكَاحِ بَاقٍ ، وَالظَّاهِرُ حُدُوثُ الْوَلَدِ مِنْ الْوَطْءِ ، لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ","part":16,"page":407},{"id":7907,"text":"قَبْلَهُ .\rوَلَا يَحِلُّ لَهُ الْوَطْءُ حَتَّى يَسْتَبْرِئَهَا .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .\rقَالَ الْقَاضِي : يَحْرُمُ الْوَطْءُ سَوَاءٌ قُلْنَا : الرَّجْعِيَّةُ مُبَاحَةٌ أَوْ مُحَرَّمَةٌ ؛ لِأَنَّهُ يَمْنَعُ الْمَعْرِفَةَ بِوُقُوعِ الطَّلَاقِ وَعَدَمِهِ .\rوَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : فِيهِ رِوَايَةٌ أُخْرَى ، لَا يَحْرُمُ الْوَطْءُ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ النِّكَاحِ ، وَبَرَاءَةُ الرَّحِمِ مِنْ الْحَمْلِ .\rوَإِذَا اسْتَبْرَأَهَا ، حَلَّ وَطْؤُهَا عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ .\rوَيَكُونُ الِاسْتِبْرَاءُ بِحَيْضَةٍ .\rقَالَ أَحْمَدُ ، فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ : إذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ : مَتَى حَمَلْت فَأَنْتِ طَالِقٌ .\rلَا يَقْرَبُهَا حَتَّى تَحِيضَ ، فَإِذَا طَهُرَتْ وَطِئَهَا ، فَإِنْ تَأَخَّرَ حَيْضُهَا أُرِيَتْ النِّسَاءَ مِنْ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْنَ أَوْ خَفِيَ عَلَيْهِنَّ ، انْتَظَرَ عَلَيْهَا تِسْعَةَ أَشْهُرٍ غَالِبَ مُدَّةِ الْحَمْلِ .\rوَذَكَرَ الْقَاضِي فِيهَا رِوَايَةً أُخْرَى ، أَنَّهَا تُسْتَبْرَأُ بِثَلَاثَةِ قُرُوءٍ ؛ وَلِأَنَّهُ اسْتِبْرَاءُ الْحُرَّةِ .\rوَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ .\rوَالصَّحِيحُ مَا ذَكَرْنَاهُ ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مَعْرِفَةُ بَرَاءَةِ رَحِمِهَا ، وَقَدْ حَصَلَ بِحَيْضَةٍ ، وَلِهَذَا قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { لَا تُوطَأُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ ، وَلَا حَائِلٌ حَتَّى تُسْتَبْرَأَ بِحَيْضَةٍ } .\rيَعْنِي : تُعْلَمُ بَرَاءَتُهَا بِحَيْضَةٍ ، وَلِأَنَّ مَا يُعْلَمُ بِهِ الْبَرَاءَةُ فِي حَقِّ الْأَمَةِ وَالْحُرَّةِ وَاحِدٌ ؛ لِأَنَّهُ أَمْرٌ حَقِيقِيٌّ لَا يَخْتَلِفُ بِالْحُرِّيَّةِ وَالرِّقِّ .\rوَأَمَّا الْعِدَّةُ ، فَفِيهَا نَوْعُ تَعَبُّدٍ لَا يَجُوزُ أَنْ يُعَدَّى بِالْقِيَاسِ .\rوَهَلْ تَعْتَدُّ بِالِاسْتِبْرَاءِ قَبْلَ عَقْدِ الْيَمِينِ ، أَوْ بِالْحَيْضَةِ الَّتِي حَلَفَ فِيهَا ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ ، أَصَحُّهُمَا الِاعْتِدَادُ بِهِ ؛ لِأَنَّهُ يَحْصُلُ بِهِ مَا يَحْصُلُ بِالِاسْتِبْرَاءِ بَعْدَ الْيَمِينِ .\rوَالثَّانِي ، لَا يُعْتَدُّ بِهِ ؛ لِأَنَّ الِاسْتِبْرَاءَ لَا يَتَقَدَّمُ عَلَى سَبَبِهِ ، وَلِأَنَّهُ لَا يُعْتَدُّ بِهِ فِي اسْتِبْرَاءِ الْأَمَةِ .\rقَالَ أَحْمَدُ إذَا قَالَ","part":16,"page":408},{"id":7908,"text":"لِامْرَأَتِهِ : إذَا حَبِلْت فَأَنْتِ طَالِقٌ .\rيَطَؤُهَا فِي كُلِّ طُهْرٍ مَرَّةً .\rيَعْنِي إذَا حَاضَتْ ثُمَّ طَهُرَتْ حَلَّ وَطْؤُهَا ؛ لِأَنَّ الْحَيْضَ عَلَمٌ عَلَى بَرَاءَتِهَا مِنْ الْحَمْلِ ، وَوَطْؤُهَا سَبَبٌ لَهُ ، فَإِذَا وَطِئَهَا اعْتَزَلَهَا ، لِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُونَ قَدْ حَمَلَتْ مِنْ وَطْئِهِ ، فَطَلُقَتْ بِهِ .","part":16,"page":409},{"id":7909,"text":"( 5965 ) فَصْلٌ : إذَا قَالَ : إنَّ كُنْت حَامِلًا بِغُلَامِ فَأَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً ، وَإِنْ وَلَدْت أُنْثَى فَأَنْتِ طَالِقٌ اثْنَتَيْنِ .\rفَوَلَدَتْ غُلَامًا ، كَانَتْ حَامِلًا بِهِ وَقْتَ الْيَمِينِ .\rتَبَيَّنَّا أَنَّهَا طَلُقَتْ وَاحِدَةً حِينَ حَلَفَ ، وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا بِوَضْعِهِ .\rوَإِنْ وَلَدَتْ أُنْثَى ، طَلُقَتْ بِوِلَادَتِهَا طَلْقَتَيْنِ ، وَاعْتَدَّتْ بِالْقُرُوءِ .\rوَإِنْ وَلَدَتْ غُلَامًا وَجَارِيَةً ، وَكَانَ الْغُلَامُ أَوَّلَهُمَا وِلَادَةً ، تَبَيَّنَّا أَنَّهَا طَلُقَتْ وَاحِدَةً ، وَبَانَتْ بِوَضْعِ الْجَارِيَةِ ، وَلَمْ تَطْلُقْ بِهَا ، وَإِنْ كَانَتْ الْجَارِيَةُ أَوَّلَهُمَا وِلَادَةً ، طَلُقَتْ ثَلَاثًا ؛ وَاحِدَةً بِحَمْلِ الْغُلَامِ ، وَاثْنَتَيْنِ بِوِلَادَةِ الْجَارِيَةِ ، وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا بِوَضْعِ الْغُلَامِ .\rوَإِنْ قَالَ لَهَا : إنْ كُنْت حَامِلًا بِغُلَامِ فَأَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً ، وَإِنْ كُنْت حَامِلًا بِجَارِيَةِ ، فَأَنْتِ طَالِقٌ اثْنَتَيْنِ .\rفَوَلَدَتْ غُلَامًا وَجَارِيَةً ، طَلُقَتْ ثَلَاثًا .\rوَإِنْ قَالَ : إنْ كَانَ حَمْلُك غُلَامًا فَأَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً ، وَإِنْ كَانَ حَمْلُك جَارِيَةً فَأَنْتِ طَالِقٌ اثْنَتَيْنِ .\rفَوَلَدَتْ غُلَامًا وَجَارِيَةً ، لَمْ تَطْلُقْ ؛ لِأَنَّ حَمْلَهَا كُلَّهُ لَيْسَ بِغُلَامٍ وَلَا هُوَ جَارِيَةٌ .\rذَكَرَهُ الْقَاضِي ، فِي \" الْمُجَرَّدِ \" ، وَأَبُو الْخَطَّابِ .\rوَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَقَالَ : الْقَاضِي ، فِي \" الْجَامِع \" : فِي وُقُوعِ الطَّلَاقِ وَجْهَانِ ؛ بِنَاءً عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي مَنْ حَلَفَ : لَا لَبِسْت ثَوْبًا مِنْ غَزْلِهَا .\rفَلَبِسَ ثَوْبًا فِيهِ مِنْ غَزْلِهَا .","part":16,"page":410},{"id":7910,"text":"( 5966 ) فَصْلٌ : فَإِنْ قَالَ : كُلَّمَا وَلَدْت وَلَدًا فَأَنْتِ طَالِقٌ .\rفَوَلَدَتْ ثَلَاثًا ، دَفْعَةً وَاحِدَةً ، طَلُقَتْ ثَلَاثًا ؛ لِأَنَّ صِفَةَ الثَّلَاثِ وُجِدَتْ وَهِيَ زَوْجَةٌ .\rوَإِنْ وَلَدَتْهُمْ فِي دَفَعَاتٍ مِنْ حَمْلٍ وَاحِدٍ ، طَلُقَتْ بِالْأَوَّلَيْنِ ، وَبَانَتْ بِالثَّالِثِ ، وَلَمْ تَطْلُقْ .\rذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ .\rوَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَحُكِيَ عَنْ ابْنِ حَامِدٍ أَنَّهَا تَطْلُق ؛ لِأَنَّ زَمَانَ الْبَيْنُونَةِ زَمَنُ الْوُقُوعِ ، وَلَا تَنَافِي بَيْنَهُمَا .\rوَلَنَا ، أَنَّ الْعِدَّةَ انْقَضَتْ بِوَضْعِ الْحَمْلِ ، فَصَادَفَهَا الطَّلَاقُ بَائِنًا وَلَمْ يَقَعْ ، كَمَا لَوْ قَالَ : إذَا مِتّ فَأَنْتِ طَالِقٌ .\rوَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ ، فِي مَنْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ مَعَ مَوْتِي .\rأَنَّهَا لَا تَطْلُقُ .\rفَهَذَا أَوْلَى .\rوَإِنْ قَالَ : إنْ وَلَدْت ذَكَرًا فَأَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً ، وَإِنْ وَلَدْت أُنْثَى فَأَنْتِ طَالِقٌ اثْنَتَيْنِ .\rفَوَلَدَتْهُمَا دَفْعَةً وَاحِدَةً ، طَلُقَتْ ثَلَاثًا .\rوَإِنْ وَلَدَتْهُمَا فِي دَفْعَتَيْنِ ، وَقَعَ بِالْأَوَّلِ مَا عُلِّقَ عَلَيْهِ ، وَبَانَتْ بِالثَّانِي ، وَلَمْ يَقَعْ بِهِ شَيْءٌ ، إلَّا عَلَى قَوْلِ ابْنِ حَامِدٍ .\rفَإِنْ أَشْكَلَ الْأَوَّلُ مِنْهُمَا ، أَوْ كَيْفِيَّةُ وَضْعِهِمَا ، طَلُقَتْ وَاحِدَةً بِيَقِينٍ ، وَلَا تَلْزَمُهُ الثَّانِيَةُ ، وَالْوَرَعُ أَنْ يَلْتَزِمَهَا .\rوَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : قِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنْ يُقْرِعَ بَيْنَهُمَا .\rوَإِنْ قَالَ : إنْ كَانَ أَوَّلُ مَا تَلِدِينَ ذَكَرًا فَأَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً ، وَإِنْ كَانَ أُنْثَى فَأَنْتِ طَالِقٌ اثْنَتَيْنِ .\rفَوَلَدَتْهُمَا دَفْعَةً وَاحِدَةً ، لَمْ يَقَعْ بِهَا شَيْءٌ ؛ لِأَنَّهُ لَا أَوَّلَ فِيهِمَا ، فَلَمْ تُوجَدْ الصِّفَةُ .\rوَإِنْ وَلَدَتْهُمَا فِي دَفْعَتَيْنِ ، وَقَعَ بِالْأَوَّلِ مَا عُلِّقَ عَلَيْهِ ، وَلَمْ يَقَعْ بِالثَّانِي شَيْءٌ .","part":16,"page":411},{"id":7911,"text":"( 5967 ) فَصْلٌ : فَإِنْ كَانَ لَهُ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ ، فَقَالَ : كُلَّمَا وَلَدَتْ وَاحِدَةٌ مِنْكُنَّ ، فَضَرَائِرُهَا طَوَالِقُ .\rفَوَلَدْنَ دَفْعَةً وَاحِدَةً ، طَلُقْنَ كُلُّهُنَّ ثَلَاثًا ثَلَاثًا .\rوَإِنْ وَلَدْنَ فِي دَفَعَاتٍ ، وَقَعَ بِضَرَائِرِ الْأُولَى طَلْقَةً طَلْقَةً ، فَإِذَا وَلَدَتْ الثَّانِيَةُ بَانَتْ بِوَضْعِهِ ، وَلَمْ تَطْلُقْ .\rوَهَلْ يُطَلِّقُ سَائِرُهُنَّ ؟ فِيهِ احْتِمَالَانِ أَحَدُهُمَا ، لَا يَقَعُ بِهِنَّ طَلَاقٌ ؛ لِأَنَّهَا لَمَّا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا بَانَتْ ، فَلَمْ يَبْقَيْنَ ضَرَائِرَهَا ، وَالزَّوْجُ إنَّمَا عَلَّقَ عَلَى وِلَادَتِهَا طَلَاقَ ضَرَائِرِهَا .\rوَالْوَجْهُ الثَّانِي : يَقَعُ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ طَلْقَةٌ ؛ لِأَنَّهُنَّ ضَرَائِرُهَا فِي حَالِ وِلَادَتِهَا .\rفَعَلَى هَذَا يَقَعُ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ اللَّتَيْنِ لَمْ يَلِدْنَ طَلْقَتَانِ طَلْقَتَانِ ، وَتَبِينُ هَذِهِ ، وَتَقَعُ بِالْوَالِدَةِ الْأُولَى طَلْقَةٌ ، فَإِذَا وَلَدْت الثَّالِثَةُ بَانَتْ .\rوَفِي وُقُوعِ الطَّلَاقِ بِالْبَاقِيَتَيْنِ وَجْهَانِ ؛ فَإِذَا قُلْنَا : يَقَعُ بِهِنَّ .\rطَلُقَتْ الرَّابِعَةُ ثَلَاثًا ، وَالْأُولَى طَلْقَتَيْنِ ، وَبَانَتْ الثَّانِيَةُ وَالثَّالِثَةُ ، وَلَيْسَ فِيهِنَّ مَنْ لَهُ رَجْعَتُهَا إلَّا الْأُولَى ، مَا لَمْ تَنْقَضِ عِدَّتُهَا ، وَإِذَا وَلَدَتْ الرَّابِعَةُ لَمْ تَطْلُقْ وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ ، وَتَنْقَضِي عِدَّتُهَا بِذَلِكَ .\rوَإِنْ قَالَ : كُلَّمَا وَلَدَتْ وَاحِدَةٌ مِنْكُنَّ ، فَسَائِرُكُنَّ طَوَالِقُ .\rأَوْ : فَبَاقِيكُنَّ طَوَالِقُ .\rفَكُلَّمَا وَلَدَتْ وَاحِدَةٌ ، وَقَعَ بِبَاقِيهِنَّ طَلْقَةٌ طَلْقَةٌ ، وَتَبِينُ الْوَالِدَةُ بِوَضْعِ وَلَدِهَا إلَّا الْأُولَى .\rوَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ وَبَيْنَ الَّتِي قَبْلَهَا ، أَنَّ الثَّانِيَةَ وَالثَّالِثَةَ يَقَعُ الطَّلَاقُ بِبَاقِيهِنَّ بِوِلَادَتِهِمَا هَاهُنَا ، وَفِي الْأُولَى لَا يَقَعُ ؛ لِأَنَّهُنَّ لَمْ يَبْقَيْنَ ضَرَائِرَهَا ، وَهَاهُنَا لَمْ يُعَلِّقْهُ بِذَلِكَ .\rوَإِنْ قَالَ : كُلَّمَا وَلَدَتْ وَاحِدَةٌ مِنْكُنَّ فَأَنْتُنَّ طَوَالِقُ .\rفَكَذَلِكَ ، إلَّا أَنَّهُ يَقَعُ عَلَى الْأُولَى طَلْقَةٌ بِوِلَادَتِهَا ، فَإِنْ كَانَتْ الثَّانِيَةُ حَامِلًا","part":16,"page":412},{"id":7912,"text":"بِاثْنَيْنِ ، فَوَضَعْت الْأَوَّلَ مِنْهُمَا ، وَقَعَ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ ضَرَائِرِهَا طَلْقَةٌ فِي الْمَسَائِلِ كُلِّهَا ، وَوَقَعَ بِهَا طَلْقَةٌ فِي الْمَسْأَلَة الثَّالِثَةِ .\rوَإِذَا وَضَعْت الثَّالِثَةُ ، أَوْ كَانَتْ حَامِلًا بِاثْنَيْنِ ، فَكَذَلِكَ ، فَتَطْلُقُ الرَّابِعَةُ ثَلَاثًا ، وَتَطْلُقُ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْ الْوَالِدَاتِ طَلْقَتَيْنِ طَلْقَتَيْنِ ، فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ ، وَثَلَاثًا ثَلَاثًا ، فِي الْمَسْأَلَةِ الثَّالِثَةِ ، ثُمَّ كُلَّمَا وَضَعَتْ وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ تَمَامَ حَمْلِهَا ، انْقَضَتْ بِهِ عِدَّتُهَا .\rقَالَ الْقَاضِي : إذَا كَانَتْ لَهُ زَوْجَتَانِ ، فَقَالَ : كُلَّمَا وَلَدَتْ وَاحِدَةٌ مِنْكُمَا ، فَأَنْتُمَا طَالِقَتَانِ .\rفَوَلَدَتْ إحْدَاهُمَا يَوْمَ الْخَمِيسِ ، طَلُقَتَا جَمِيعًا ، ثُمَّ وَلَدَتْ الثَّانِيَةُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ، بَانَتْ ، وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا ، وَلَمْ تَطْلُقْ ، وَطَلُقَتْ الْأُولَى ثَانِيَةً ، فَإِنْ كَانَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا حَامِلًا بِاثْنَيْنِ ، طَلُقَتَا بِوَضْعِ الثَّانِيَةِ طَلْقَةً طَلْقَةً أَيْضًا ، ثُمَّ إذَا وَلَدَتْ الْأُولَى تَمَامَ حَمْلِهَا ، انْقَضَتْ عِدَّتُهَا بِهِ ، وَطَلُقَتْ الثَّانِيَةُ ثَلَاثًا ، فَإِذَا وَلَدَتْ الثَّانِيَةُ تَمَامَ حَمْلِهَا ، انْقَضَتْ عِدَّتُهَا بِهِ ، وَطَلُقَتْ الثَّانِيَةُ ثَلَاثًا .","part":16,"page":413},{"id":7913,"text":"( 5968 ) فَصْلٌ : وَإِذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ : إنْ كَلَّمْتُك فَأَنْتِ طَالِقٌ .\rثُمَّ أَعَادَ ذَلِكَ ثَانِيَةً ، طَلُقَتْ وَاحِدَةً ؛ لِأَنَّ إعَادَتَهُ تَكْلِيمٌ لَهَا وَشَرْطٌ لِطَلَاقِهَا ، فَإِنْ أَعَادَهُ ثَالِثَةً ، طَلُقَتْ ثَانِيَةً ، إلَّا أَنْ يَكُونَ غَيْرَ مَدْخُولِ بِهَا فَتَبِينُ بِالْأُولَى ، وَلَا يَلْحَقُهَا طَلَاقٌ ثَانٍ ، وَإِنْ أَعَادَهُ رَابِعَةً ، طَلُقَتْ الثَّالِثَةَ .\rوَإِنْ قَالَ : إنْ كَلَّمْتُك فَأَنْتِ طَالِقٌ ، فَاعْلَمِي ذَلِكَ ، أَوْ فَتُحَقَّقِي ذَلِكَ .\rحَنِثَ لِأَنَّهُ كَلَّمَهَا بَعْدَ عَقْدِ الْيَمِينِ ، إلَّا أَنْ يَنْوِيَ كَلَامًا مُبْتَدَأً ، وَإِنْ زَجَرَهَا ، فَقَالَ : تَنَحِّي ، أَوْ اُسْكُتِي أَوْ اذْهَبِي .\rحَنِثَ ؛ لِأَنَّهُ كَلَامٌ .\rوَإِنْ سَمِعَهَا تَذْكُرُهُ ، فَقَالَ : الْكَاذِبُ عَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ .\rحَنِثَ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ؛ لِأَنَّهُ كَلَّمَهَا .\rوَإِنْ كَلَّمَهَا وَهِيَ نَائِمَةٌ ، أَوْ مَغْلُوبَةٌ عَلَى عَقْلِهَا بِإِغْمَاءٍ أَوْ جُنُونٍ ، لَا تَسْمَعُ ، أَوْ بَعِيدَةٌ لَا تَسْمَعُ كَلَامَهُ ، أَوْ صَمَّاءُ بِحَيْثُ لَا تَفْهَمُ كَلَامَهُ وَلَا تَسْمَعُ ، أَوْ حَلَفَ لَا يُكَلِّمُ فُلَانًا ، فَكَلَّمَهُ مَيِّتًا ، لَمْ يَحْنَثْ .\rوَقَالَ أَبُو بَكْرٍ يَحْنَثُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ ؛ لِقَوْلِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : كَيْفَ تُكَلِّمُ أَجْسَادًا لَا أَرْوَاحَ فِيهَا ؟ .\rوَلَنَا ، أَنَّ التَّكَلُّمَ فِعْلٌ يَتَعَدَّى إلَى الْمُتَكَلَّمِ ، وَقَدْ قِيلَ : إنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ الْكَلِمِ ، وَهُوَ الْجَرْحُ ؛ لِأَنَّهُ يُؤَثِّرُ فِيهِ كَتَأْثِيرِ الْجَرْحِ ، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إلَّا بِإِسْمَاعِهِ ، فَأَمَّا تَكْلِيمُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَوْتَى ، فَمِنْ مُعْجِزَاتِهِ ، فَإِنَّهُ قَالَ : { مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ } وَلَمْ يَثْبُتْ هَذَا لِغَيْرِهِ ، وَقَوْلُ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : كَيْف تُكَلِّمُ أَجْسَادًا لَا أَرْوَاحَ فِيهَا ؟ حُجَّةٌ لَنَا ، فَإِنَّهُمْ قَالُوا ذَلِكَ اسْتِبْعَادًا ، أَوْ سُؤَالًا عَمَّا خَفِيَ عَنْهُمْ سَبَبُهُ وَحِكْمَتُهُ ، حَتَّى كَشَفَ لَهُمْ النَّبِيُّ صَلَّى","part":16,"page":414},{"id":7914,"text":"اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِكْمَةَ ذَلِكَ بِأَمْرٍ مُخْتَصٍّ بِهِ ، فَيَبْقَى الْأَمْرُ فِي حَقِّ مَنْ سِوَاهُ عَلَى النَّفْيِ .\rوَإِنْ حَلَفَ : لَا كَلَّمْت فُلَانًا .\rفَكَلَّمَتْهُ سَكْرَانَ ، حَنِثَ ؛ لِأَنَّ السَّكْرَانَ يُكَلَّمُ وَيَحْنَثُ ، وَرُبَّمَا كَانَ تَكْلِيمُهُ فِي حَالِ سُكْرِهِ أَضَرَّ مِنْ تَكْلِيمِهِ فِي صَحْوِهِ ، وَإِنْ كَلَّمَتْهُ سَكْرَانَةَ ، حَنِثَ ؛ لِأَنَّ حُكْمَهَا حُكْمُ الصَّاحِي ، وَإِنْ كَلَّمَتْهُ ، وَهُوَ صَبِيٌّ أَوْ مَجْنُونٌ يَسْمَعُ ، وَيَعْلَمُ أَنَّهُ مُكَلَّمُ حَنِثَ .\rوَإِنْ جُنَّتْ هِيَ ، ثُمَّ كَلَّمَتْهُ ، لَمْ يَحْنَثْ ؛ لِأَنَّ الْقَلَمَ مَرْفُوعٌ عَنْهَا ، وَلَمْ يَبْقَ لِكَلَامِهَا حُكْمٌ .","part":16,"page":415},{"id":7915,"text":"( 5969 ) فَصْلٌ : فَإِنْ حَلَفَ لَا يُكَلِّمُ إنْسَانًا ، فَكَلَّمَهُ بِحَيْثُ يَسْمَعُ ، فَلَمْ يَسْمَعْ لِتَشَاغُلِهِ أَوْ غَفْلَتِهِ ، حَنِثَ ؛ لِأَنَّهُ كَلَّمَهُ ، وَإِنَّمَا لَمْ يَسْمَعْ لِغَفْلَتِهِ ، أَوْ شُغْلِ قَلْبِهِ .\rوَإِنْ كَلَّمَهُ ، وَلَمْ يَعْرِفْهُ ؛ فَإِنْ كَانَتْ يَمِينُهُ بِالطَّلَاقِ ، حَنِثَ .\rقَالَ أَحْمَدُ ، فِي رَجُلٍ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ ، أَنْ لَا يُكَلِّمَ حَمَاتَهُ ، فَرَآهَا بِاللَّيْلِ ، فَقَالَ : مَنْ هَذَا ؟ : حَنِثَ ، قَدْ كَلَّمَهَا .\rوَإِنْ كَانَتْ يَمِينُهُ بِاَللَّهِ تَعَالَى ، أَوْ يَمِينًا مُكَفِّرَة ، فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ تَكْلِيمَهُ ، فَأَشْبَهَ النَّاسِيَ ، وَلِأَنَّهُ ظَنَّ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ غَيْرَهُ ، فَأَشْبَهَ لَغْوَ الْيَمِينِ .\rوَإِنْ سَلَّمَ عَلَيْهِ ، حَنِثَ ؛ لِأَنَّهُ كَلَّمَهُ بِالسَّلَامِ .\rوَإِنْ سَلَّمَ عَلَى جَمَاعَةٍ هُوَ فِيهِمْ ، وَأَرَادَ جَمِيعَهُمْ بِالسَّلَامِ ، حَنِثَ ؛ لِأَنَّهُ كَلَّمَهُمْ كُلَّهُمْ ، وَإِنْ قَصْدَ بِالسَّلَامِ مَنْ عَدَاهُ ، لَمْ يَحْنَثْ ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا كَلَّمَ غَيْرَهُ وَهُوَ يَسْمَعُ ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ فِيهِمْ ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا : يَحْنَثُ ؛ لِأَنَّهُ كَلَّمَهُمْ جَمِيعَهُمْ وَهُوَ فِيهِمْ .\rوَالثَّانِيَةُ ، لَا يَحْنَثُ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْهُ .\rوَيُمْكِنُ حَمْلُ قَوْلِهِ فِي الْحِنْثِ عَلَى الْيَمِينِ بِالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْذَرُ فِيهِمَا بِالنِّسْيَانِ وَالْجَهْلِ ، فِي الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ ، وَعَدَمِ الْحِنْثِ عَلَى الْيَمِينِ الْمُكَفِّرَة .\rفَإِنْ كَانَ الْحَالِفُ إمَامًا ، وَالْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ مَأْمُومًا ، لَمْ يَحْنَثْ بِتَسْلِيمِ الصَّلَاةِ ؛ لِأَنَّهُ لِلْخُرُوجِ مِنْهَا ، إلَّا أَنْ يَنْوِيَ بِتَسْلِيمِهِ الْمَأْمُومِينَ فَيَكُونَ حُكْمُهُ حُكْمَ مَا لَوْ سَلَّمَ عَلَيْهِمْ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَحْنَثَ بِحَالٍ ؛ لِأَنَّ هَذَا لَا يُعَدُّ تَكْلِيمًا ، وَلَا يُرِيدُهُ الْحَالِفُ .\rوَإِنْ حَلَفَ لَا يُكَلِّمُ فُلَانًا ، فَكَلَّمَ إنْسَانًا ، وَفُلَانًا يَسْمَعُ ، يَقْصِدُ بِذَلِكَ إسْمَاعَهُ ، كَمَا قَالَ : إيَّاكِ أَعْنِي","part":16,"page":416},{"id":7916,"text":"وَاسْمَعِي يَا جَارَهُ حَنِثَ نَصَّ .\rعَلَيْهِ أَحْمَدُ ، قَالَ : إذَا حَلَفَ لَا يُكَلِّمُ فُلَانًا ، فَكَلَّمَ إنْسَانًا ، وَفُلَانٌ يَسْمَعُ ، يُرِيدُ بِكَلَامِهِ إيَّاهُ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ ، حَنِثَ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَرَادَ تَكْلِيمَهُ .\rوَرُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ ، فَإِنَّهُ كَانَ حَلَفَ أَنْ لَا يُكَلِّمَ أَخَاهُ زِيَادًا ، فَعَزَمَ زِيَادٌ عَلَى الْحَجِّ ، فَجَاءَ أَبُو بَكْرَةَ فَدَخَلَ قَصْرَهُ ، وَأَخَذَ ابْنَهُ فِي حِجْرِهِ ، فَقَالَ : إنَّ أَبَاكِ يُرِيدُ الْحَجَّ وَالدُّخُولَ عَلَى زَوْجِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَذَا السَّبَبِ ، وَقَدْ عِلْمَ أَنَّهُ غَيْرُ صَحِيحٍ .\rثُمَّ خَرَجَ ، وَلَمْ يَرَ أَنَّهُ كَلَّمَهُ .\rوَالْأَوَّلُ الصَّحِيحُ ؛ لِأَنَّهُ أَسْمَعَهُ كَلَامَهُ يُرِيدُهُ بِهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ خَاطِبَهُ بِهِ ، وَلِأَنَّ بِهِ مَقْصُودَ تَكْلِيمِهِ قَدْ حَصَلَ بِإِسْمَاعِهِ كَلَامَهُ .","part":16,"page":417},{"id":7917,"text":"فَصْلٌ : فَإِنْ كَتَبَ إلَيْهِ ، أَوْ أَرْسَلَ إلَيْهِ رَسُولًا ، حَنِثَ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ قَصَدَ أَنْ لَا يُشَافِهَهُ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، وَذَكَرَهُ الْخِرَقِيِّ [ فِي ] مَوْضِعٍ آخَرَ ، وَذَلِكَ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا } .\rوَلِأَنَّ الْقَصْدَ بِالتَّرْكِ لِكَلَامِهِ هِجْرَانُهُ ، وَلَا يَحْصُلُ مَعَ مُوَاصَلَتِهِ بِالرُّسُلِ وَالْكُتُبِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَحْنَثَ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ تَرْكَ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ بِتَكْلِيمٍ حَقِيقَةً ، وَلَوْ حَلَفَ لِيُكَلِّمْنَهُ ، لَمْ يَبَرَّ بِذَلِكَ ، إلَّا أَنْ يَنْوِيَهُ ، فَكَذَلِكَ لَا يَحْنَث بِهِ .\rوَلَوْ حَلَفَ لَا يُكَلِّمُهُ ، فَأَرْسَلَ إنْسَانًا يَسْأَلُ أَهْلَ الْعِلْمِ عَنْ مَسْأَلَةٍ أَوْ حَدِيثٍ ، فَجَاءَ الرَّسُولُ ، فَسَأَلَ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ ، لَمْ يَحْنَثْ بِذَلِكَ .\rوَإِنْ حَلَفَ لَا يُكَلِّمُ امْرَأَتَهُ ، فَجَامِعَهَا ، لَمْ يَحْنَثْ ، إلَّا أَنْ تَكُونَ نِيَّتُهُ هِجْرَانَهَا .\rقَالَ أَحْمَدُ ، فِي رَجُلٍ قَالَ لِامْرَأَتِهِ : إنْ كَلَّمْتُك خَمْسَةَ أَيَّامٍ فَأَنْتِ طَالِقٌ .\rأَلَهُ أَنْ يُجَامِعَهَا وَلَا يُكَلِّمَهَا ؟ فَقَالَ : أَيُّ شَيْءٍ كَانَ بَدْو هَذَا أَيَسُوءُهَا أَوْ يَغِيظُهَا ؟ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ ، فَلَهُ أَنْ يُجَامِعَهَا وَلَا يُكَلِّمَهَا .\rوَإِنْ حَلَفَ لَا يَقْرَأُ كِتَابَ فُلَانٍ .\rفَقَرَأَهُ فِي نَفْسه ، وَلَمْ يُحَرِّكْ شَفَتَيْهِ بِهِ ، حَنِثَ ؛ لِأَنَّ هَذَا قِرَاءَةُ الْكُتُبِ فِي عُرْفِ النَّاسِ ، فَتَنْصَرِفُ يَمِينُهُ إلَيْهِ ، إلَّا أَنْ يَنْوِيَ حَقِيقَةَ الْقِرَاءَةِ .\rقَالَ أَحْمَدُ : إذَا حَلَفَ : لَا قَرَأْت لِفُلَانٍ كِتَابًا .\rفَفَتْحَهُ حَتَّى اسْتَقْصَى آخِرَهُ ، إلَّا أَنَّهُ لَمْ يُحَرِّكْ شَفَتَيْهِ ، فَإِنْ أَرَادَ أَنْ لَا يَعْلَمَ مَا فِيهِ ، فَقَدْ عَلِمَ مَا فِيهِ وَقَرَأَهُ .","part":16,"page":418},{"id":7918,"text":"( 5971 ) فَصْلٌ : فَإِنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ : إنْ بَدَأْتُك بِالْكَلَامِ فَأَنْتِ طَالِقٌ .\rفَقَالَتْ : إنْ بَدَأْتُك بِالْكَلَامِ فَعَبْدِي حُرٌّ .\rانْحَلَّتْ يَمِينُهُ ؛ لِأَنَّهَا لَمَّا خَاطِبَتِهِ بِيَمِينِهَا ، فَاتَتْهُ الْبِدَايَةُ بِكَلَامِهَا ، وَبَقِيَتْ يَمِينُهَا مُعَلَّقَةً ، فَإِنْ بَدَأَهَا بِكَلَامِ انْحَلَّتْ يَمِينُهَا أَيْضًا ، وَإِنْ بَدَأَتْهُ هِيَ ، عَتَقَ عَبْدُهَا .\rهَكَذَا ذَكَرَهُ أَصْحَابُنَا .\rوَيَحْتَمِل أَنَّهُ إنْ بَدَأَهَا بِالْكَلَامِ فِي وَقْتٍ آخَر ، حَنِثَ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُسَمَّى بِدَايَةً ، فَتَنَاوَلَتْهُ يَمِينُهُ ، إلَّا أَنْ يَنْوِيَ تَرَكَ الْبِدَايَةِ فِي هَذَا الْوَقْتِ ، أَوْ هَذَا الْمَجْلِسِ ، فَيَتَقَيَّد بِهِ .","part":16,"page":419},{"id":7919,"text":"( 5972 ) فَصْلٌ : فَإِنْ قَالَ لِامْرَأَتَيْهِ : إنْ كَلَّمْتُمَا هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ فَأَنْتُمَا طَالِقَتَانِ .\rفَكَلَّمَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ رَجُلًا ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، يَحْنَثُ ؛ لِأَنَّ تَكْلِيمَهُمَا وُجِدَ مِنْهُمَا ، فَحَنِثَ ، كَمَا لَوْ قَالَ : إنْ حِضْتُمَا فَأَنْتُمَا طَالِقَتَانِ .\rفَحَاضَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ حَيْضَةً .\rوَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ : إنْ رَكِبْتُمَا دَابَّتَيْكُمَا فَأَنْتُمَا طَالِقَتَانِ .\rفَرَكِبَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ دَابَّتَهَا .\rوَالْوَجْهُ الثَّانِي ، لَا يَحْنَثُ حَتَّى تُكَلِّمَ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا الرَّجُلَيْنِ مَعًا ؛ لِأَنَّهُ عَلَّقَ طَلَاقَهُمَا بِكَلَامِهِمَا لَهُمَا فَلَا تَطْلُقُ وَاحِدَةٌ بِكَلَامِ الْأُخْرَى وَحْدَهَا .\rوَهَذَا أَظْهَرُ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ .\rوَهَكَذَا لَوْ قَالَ : إنْ دَخَلْتُمَا هَاتَيْنِ الدَّارَيْنِ .\rفَالْحُكْمُ فِيهَا كَالْأُولَى .\rوَهَذَا فِيمَا لَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِانْفِرَادِ الْوَاحِدِ بِهِ ، فَأَمَّا مَا جَرَى الْعُرْفُ فِيهِ بِانْفِرَادِ الْوَاحِدِ فِيهِ بِالْوَاحِدِ ، كَنَحْوِ : رَكِبَا دَابَّتَيْهِمَا ، وَلَبِسَا ثَوْبَيْهِمَا ، وَتَقَلَّدَا سَيْفَيْهِمَا ، وَاعْتَقَلَا رُمْحَيْهِمَا ، وَدَخَلَا بِزَوْجَيْهِمَا .\rوَأَشْبَاه هَذَا ، فَإِنَّهُ يَحْنَثُ إذَا وُجِدَ مِنْهُمَا مُنْفَرِدَيْنِ ، وَمَا لَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ فِيهِ بِذَلِكَ ، فَهُوَ عَلَى الْوَجْهَيْنِ .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .\rوَلَوْ قَالَ : إنْ أَكَلْتُمَا هَذَيْنِ الرَّغِيفَيْنِ .\rفَأَكَلَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا رَغِيفًا ، حَنِثَ ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَحِيلُ أَنْ تَأْكُلَ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا الرَّغِيفَيْنِ ، بِخِلَافِ الرَّجُلَيْنِ وَالدَّارَيْنِ .","part":16,"page":420},{"id":7920,"text":"فَصْلٌ : فَإِنْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ إنْ كَلَّمْت زَيْدًا ، وَمُحَمَّدٌ مَعَ خَالِدٍ .\rلَمْ تَطْلُقْ حَتَّى تُكَلِّمَ زَيْدًا فِي حَالٍ يَكُونُ فِيهِ مُحَمَّدٌ مَعَ خَالِدٍ .\rوَذَكَر الْقَاضِي أَنَّهُ يَحْنَثُ بِكَلَامِ زَيْدٍ فَقَطْ ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ : مُحَمَّدٌ مَعَ خَالِدٍ اسْتِئْنَافُ كَلَامٍ ؛ بِدَلِيلِ أَنَّهُ مَرْفُوعٌ .\rوَالصَّحِيحُ مَا قُلْنَا ؛ لِأَنَّهُ مَتَى أَمْكَنَ جَعْلُ الْكَلَامِ مُتَّصِلًا كَانَ أَوْلَى مِنْ قَطْعِهِ ، وَالرَّفْعُ لَا يَنْفِي كَوْنَهُ حَالًا ، فَإِنَّ الْجُمْلَةَ مِنْ الْمُبْتَدَإِ وَالْخَبَرِ تَكُونُ حَالًا ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : { اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ } .\rوَقَالَ : { إلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ } .\r{ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ } .\rوَهَذَا كَثِيرٌ ، فَلَا يَجُوزُ قَطْعُهُ عَنْ الْكَلَامِ الَّذِي هُوَ فِي سِيَاقِهِ مَعَ إمْكَانِ وَصْلِهِ بِهِ ، وَلَوْ قَالَ : إنْ كَلَّمْت زَيْدًا وَمُحَمَّدٌ مَعَ خَالِدٍ فَأَنْتِ طَالِقٌ .\rلَمْ تَطْلُق حَتَّى تُكَلِّمَ زَيْدًا فِي حَالِ كَوْنِ مُحَمَّدٍ مَعَ خَالِدٍ ، فَكَذَلِكَ إذَا تَأَخَّرَ قَوْلُهُ : مُحَمَّدٌ مَعَ خَالِدٍ .\rوَلَوْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ إنْ كَلَّمْت زَيْدًا وَأَنَا غَائِبٌ ، لَمْ تَطْلُقْ حَتَّى تُكَلِّمَهُ فِي حَالِ غَيْبَتِهِ .\rوَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ إنْ كَلَّمْت زَيْدًا وَأَنْتِ رَاكِبَةٌ .\rأَوْ وَهُوَ رَاكِبٌ .\rأَوْ : وَمُحَمَّدٌ رَاكِبٌ .\rلَمْ تَطْلُقْ حَتَّى تُكَلِّمَهُ فِي تِلْكَ الْحَالِ .\rوَلَوْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ إنْ كَلَّمْت زَيْدًا وَمُحَمَّدٌ أَخُوهُ مَرِيضٌ .\rلَمْ تَطْلُقْ حَتَّى تُكَلِّمَهُ وَأَخُوهُ مُحَمَّدٌ مَرِيضٌ .","part":16,"page":421},{"id":7921,"text":"( 5974 ) فَصْلٌ : فَإِنْ قَالَ : إنْ كَلَّمْتنِي إلَى أَنْ يَقْدَمَ زَيْدٌ .\rأَوْ : حَتَّى يَقْدَمَ زَيْدٌ ، فَأَنْتِ طَالِقٌ .\rفَكَلَّمَتْهُ قَبْلَ قُدُومِهِ ، حَنِثَ ؛ لِأَنَّهُ مَدَّ الْمَنْعَ إلَى غَايَةٍ هِيَ قُدُومُ زَيْدٍ ، فَلَا يَحْنَثُ بَعْدَهَا .\rفَإِنْ قَالَ : أَرَدْت إنْ اسْتَدَمْت كَلَامِي مِنْ الْآن إلَى أَنْ يَقْدَمَ زَيْدٌ .\rدُيِّنَ .\rوَهَلْ يُقْبَلُ فِي الْحُكْمِ ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ .","part":16,"page":422},{"id":7922,"text":"( 5975 ) فَصْلٌ : فَإِنْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ إنْ شِئْت .\rأَوْ : إذَا شِئْت .\rأَوْ : مَتَى شِئْت .\rأَوْ : كُلَّمَا شِئْت .\rأَوْ : كَيْفَ شِئْت .\rأَوْ : حَيْثُ شِئْت .\rأَوْ : أَنَّى شِئْت .\rلَمْ تَطْلُقْ حَتَّى تَشَاءَ ، وَتَنْطِقَ بِالْمَشِيئَةِ بِلِسَانِهَا ، فَتَقُولَ : قَدْ شِئْت .\rلِأَنَّ مَا فِي الْقَلْبِ لَا يُعْلَمُ حَتَّى يُعَبِّرَ عَنْهُ اللِّسَانُ ، فَتَعَلَّقَ الْحُكْمُ بِمَا يَنْطِقُ بِهِ ، دُونَ مَا فِي الْقَلْبِ ، فَلَوْ شَاءَتْ بِقَلْبِهَا دُونَ نُطْقِهَا ، لَمْ يَقَعْ طَلَاقٌ ، وَلَوْ قَالَتْ : قَدْ شِئْت .\rبِلِسَانِهَا وَهِيَ كَارِهَةٌ ، لَوَقَعَ الطَّلَاقُ ، اعْتِبَارًا بِالنُّطْقِ .\rوَكَذَلِكَ إنْ عَلَّقَ الطَّلَاقَ بِمَشِيئَةِ غَيْرِهَا .\rوَمَتَى وَجَدَتْ الْمَشِيئَةُ بِاللِّسَانِ ، وَقَعَ الطَّلَاقُ ، سَوَاءٌ كَانَ عَلَى الْفَوْرِ أَوْ التَّرَاخِي .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، فِي تَعْلِيقِ الطَّلَاقِ بِمَشِيئَةِ فُلَانٍ ، وَفِيمَا إذَا قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ حَيْثُ شِئْت .\rأَوْ : أَنَّى شِئْت .\rوَنَحْوَ هَذَا قَالَ الزُّهْرِيُّ ، وَقَتَادَةُ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ دُونَ صَاحِبَيْهِ : إذَا قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ كَيْف شِئْت .\rتَطْلُقُ فِي الْحَالِ طَلْقَةً رَجْعِيَّةً ؛ لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ بِشَرْطٍ ، وَإِنَّمَا هُوَ صِفَةٌ لِلطَّلَاقِ الْوَاقِعِ بِمَشِيئَتِهَا .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ أَضَافَ الطَّلَاقَ إلَى مَشِيئَتِهَا ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَالَ : حَيْثُ شِئْت .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي جَمِيعِ الْحُرُوفِ : إنْ شَاءَتْ فِي الْحَالِ ، وَإِلَّا فَلَا تَطْلُقُ ؛ لِأَنَّ هَذَا تَمْلِيكٌ لِلطَّلَاقِ ، فَكَانَ عَلَى الْفَوْرِ ، كَقَوْلِهِ : اخْتَارِي .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ فِي \" إنْ \" كَقَوْلِهِ ، وَفِي سَائِرِ الْحُرُوفِ كَقَوْلِنَا ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْحُرُوفَ صَرِيحَةٌ فِي التَّرَاخِي ، فَحُمِلَتْ عَلَى مُقْتَضَاهَا ، بِخِلَافِ \" إنْ \" ، فَإِنَّهَا لَا تَقْتَضِي زَمَانًا ، وَإِنَّمَا هِيَ لِمُجَرَّدِ الشَّرْطِ فَتُقَيَّدُ ، بِالْفَوْرِ بِقَضِيَّةِ التَّمْلِيكِ .\rوَقَالَ الْحَسَنُ ، وَعَطَاءٌ : إذَا قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ إنَّ شِئْت .\rإنَّمَا ذَلِكَ لَهَا مَا دَامَا فِي مَجْلِسِهِمَا .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ تَعْلِيقٌ لِلطَّلَاقِ عَلَى شَرْطٍ ،","part":16,"page":423},{"id":7923,"text":"فَكَانَ عَلَى التَّرَاخِي ، كَسَائِرِ التَّعْلِيقِ ، وَلِأَنَّهُ إزَالَةُ مِلْكٍ مُعَلَّقٍ عَلَى الْمَشِيئَةِ ، فَكَانَ عَلَى التَّرَاخِي كَالْعِتْقِ ، وَفَارَقَ : اخْتَارِي .\rفَإِنَّهُ لَيْسَ بِشَرْطِ ، إنَّمَا هُوَ تَخْيِيرٌ ، فَتَقَيَّدَ بِالْمَجْلِسِ ، كَخِيَارِ الْمَجْلِسِ .\rوَإِنْ مَاتَ مَنْ لَهُ الْمَشِيئَةُ ، أَوْ جُنَّ ، لَمْ يَقَعْ الطَّلَاقُ ؛ لِأَنَّ شَرْطَ الطَّلَاقِ لَمْ يُوجَد .\rوَحُكِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ ، أَنَّهُ يَقَعُ .\rوَلَيْسَ بِصَحِيحٍ ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ الْمُعَلَّقَ عَلَى شَرْطٍ لَا يَقَعُ إذَا تَعَذَّرَ شَرْطُهُ ، كَمَا لَوْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ إنْ دَخَلْت الدَّارَ ، وَإِنْ شَاءَ .\rوَهُوَ مَجْنُونٌ ، لَمْ يَقَعْ طَلَاقُهُ ؛ لِأَنَّهُ لَا حُكْمَ لِكَلَامِهِ .\rوَإِنْ شَاءَ ، وَهُوَ سَكْرَانُ .\rفَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَقَعُ ؛ لِأَنَّهُ زَائِلُ الْعَقْلِ ، فَهُوَ كَالْمَجْنُونِ .\rوَقَالَ أَصْحَابُنَا : يُخَرَّجُ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي طَلَاقِهِ ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ إيقَاعَ طَلَاقِهِ تَغْلِيظٌ عَلَيْهِ ، كَيْ لَا تَكُونَ الْمَعْصِيَةُ سَبَبًا لِلتَّخْفِيفِ عَنْهُ ، وَهَاهُنَا إنَّمَا يَقَعُ الطَّلَاقُ بِغَيْرِهِ ، فَلَا يَصِحُّ مِنْهُ فِي حَالِ زَوَالِ عَقْلِهِ ، وَإِنْ شَاءَ ، وَهُوَ طِفْلٌ ، لَمْ يَقَعْ ؛ لِأَنَّهُ كَالْمَجْنُونِ .\rوَإِنْ كَانَ يَعْقِلُ الطَّلَاقَ ، وَقَعَ ؛ لِأَنَّ لَهُ مَشِيئَةً ، وَلِذَلِكَ صَحَّ اخْتِيَارُهُ لِأَحَدِ أَبَوَيْهِ .\rوَإِنْ كَانَ أَخْرَسَ ، فَشَاءَ بِالْإِشَارَةِ ، وَقَعَ الطَّلَاقُ ؛ لِأَنَّ إشَارَتَهُ تَقُومُ مَقَامَ نُطْقِ النَّاطِقِ ، وَلِذَلِكَ وَقَعَ طَلَاقُهُ بِهَا ، وَإِنْ كَانَ نَاطِقًا حَالَ التَّعْلِيقِ ، فَخَرِسَ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، يَقَعُ الطَّلَاقُ بِهَا ؛ لِأَنَّ طَلَاقَهُ فِي نَفْسِهِ يَقَعُ بِهَا ، فَكَذَلِكَ طَلَاقُ مَنْ عَلَّقَهُ بِمَشِيئَةٍ .\rوَالثَّانِي ، لَا يَقَعُ بِهَا ؛ لِأَنَّهُ حَالَ التَّعْلِيقِ ، كَانَ لَا يَقَعُ إلَّا بِالنُّطْقِ ، فَلَمْ يَقَعْ بِغَيْرِهِ ، كَمَا لَوْ قَالَ فِي التَّعْلِيقِ : إنْ نَطَقَ فُلَانٌ بِمَشِيئَتِهِ فَهِيَ طَالِقٌ .","part":16,"page":424},{"id":7924,"text":"( 5976 ) فَصْلٌ : فَإِنْ قَيَّدَ الْمَشِيئَةَ بِوَقْتٍ ، فَقَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ إنْ شِئْت الْيَوْمَ .\rتَقَيَّدَ بِهِ ، فَإِنْ خَرَجَ الْيَوْمُ قَبْلَ مَشِيئَتهَا لَمْ تَطْلُقْ .\rوَإِنْ عَلَّقَهُ عَلَى مَشِيئَةِ اثْنَيْنِ ، لَمْ يَقَعْ حَتَّى تُوجَدَ مَشِيئَتُهُمَا ، وَخَرَّجَ الْقَاضِي وَجْهًا أَنَّهُ يَقَعُ بِمَشِيئَةِ أَحَدِهِمَا ، كَمَا يَحْنَثُ بِفِعْلِ بَعْضِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ ، وَقَدْ بَيَّنَّا فَسَادَ هَذَا .\rفَإِنْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ إنْ شِئْت وَشَاءَ أَبُوك .\rفَقَالَتْ : قَدْ شِئْت إنْ شَاءَ أَبِي .\rفَقَالَ أَبُوهَا : قَدْ شِئْت .\rلَمْ تَطْلُقْ ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَشَأْ ، فَإِنَّ الْمَشِيئَةَ أَمْرٌ خَفِيٌّ ، لَا يَصِحُّ تَعْلِيقُهَا عَلَى شَرْطٍ .\rوَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ إنْ شِئْت .\rفَقَالَتْ : قَدْ شِئْت إنْ شِئْت .\rفَقَالَ : قَدْ شِئْت .\rأَوْ قَالَتْ : قَدْ شِئْت إنْ طَلَعَتْ الشَّمْسُ .\rلَمْ يَقَعْ .\rنَصَّ أَحْمَدُ ، عَلَى مَعْنَى هَذَا ، وَهُوَ قَوْلُ سَائِرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ؛ مِنْهُمْ الشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الرَّجُلَ إذَا قَالَ لِزَوْجَتِهِ : أَنْتِ طَالِقٌ إنْ شِئْت .\rفَقَالَتْ : قَدْ شِئْت إنْ شَاءَ فُلَانٌ .\rأَنَّهَا قَدْ رَدَّتْ الْأَمْرَ ، وَلَا يَلْزَمُهَا الطَّلَاقُ وَإِنْ شَاءَ فُلَانٌ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمْ تُوجَدْ مِنْهَا مَشِيئَةٌ ، وَإِنَّمَا وُجِدَ مِنْهَا تَعْلِيقُ مَشِيئَتِهَا بِشَرْطٍ ، وَلَيْسَ تَعْلِيقُ الْمَشِيئَةِ بِشَرْطِ مَشِيئَةٍ .\rوَإِنْ عَلَّقَ الطَّلَاقَ عَلَى مَشِيئَةِ اثْنَيْنِ ، فَشَاءَ أَحَدُهُمَا عَلَى الْفَوْرِ ، وَالْآخَرُ عَلَى التَّرَاخِي ، وَقَعَ الطَّلَاقُ ؛ لِأَنَّ الْمَشِيئَةَ قَدْ وُجِدَتْ مِنْهُمَا جَمِيعًا .","part":16,"page":425},{"id":7925,"text":"( 5977 ) فَصْلٌ : فَإِنْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ إلَّا أَنْ تَشَائِي .\rأَوْ : يَشَاءَ زَيْدٌ .\rفَقَالَتْ : قَدْ شِئْت .\rلَمْ تَطْلُقْ .\rوَإِنْ أَخَّرَا ذَلِكَ طَلُقَتْ وَإِنْ .\rجُنَّ مَنْ عَلَّقَ الطَّلَاقَ بِمَشِيئَتِهِ ، طَلُقَتْ فِي الْحَالِ ؛ لِأَنَّهُ أَوْقَعَ الطَّلَاقَ وَعَلَّقَ رَفْعَهُ بِشَرْطٍ لَمْ يُوجَدْ ، وَكَذَلِكَ إنْ مَاتَ .\rفَإِنْ خَرِسَ فَشَاءَ بِالْإِشَارَةِ ، خُرِّجَ فِيهِ وَجْهَانِ ، بِنَاءً عَلَى وُقُوعِ الطَّلَاقِ بِإِشَارَتِهِ إذَا عَلَّقَهُ عَلَى مَشِيئَته .","part":16,"page":426},{"id":7926,"text":"فَصْلٌ : فَإِنْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً إلَّا أَنْ تَشَائِي ثَلَاثًا .\rفَلَمْ تَشَأْ ، أَوْ شَاءَتْ أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ ، طَلُقَتْ وَاحِدَةً .\rوَإِنْ قَالَتْ : قَدْ شِئْت ثَلَاثًا .\rفَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : تَطْلُق ثَلَاثًا .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ : لَا تَطْلُقُ إذَا شَاءَتْ ثَلَاثًا ؛ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مِنْ الْإِثْبَاتِ نَفْيٌ ، فَتَقْدِيرُهُ : أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً إلَّا أَنْ تَشَائِي ثَلَاثًا فَلَا تَطْلُقِي ، وَلِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَقُلْ : ثَلَاثًا لَمَا طَلُقَتْ بِمَشِيئَتِهَا ثَلَاثًا ، فَكَذَلِكَ إذَا قَالَ : ثَلَاثًا ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا ذَكَرَ الثَّلَاثَ صِفَةً لِمَشِيئَتِهَا الرَّافِعَة لِطَلَاقِ الْوَاحِدَةِ ، فَيَصِيرُ كَمَا لَوْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ إلَّا أَنْ تُكَرِّرِي بِمَشِيئَتِك ثَلَاثًا .\rوَقَالَ الْقَاضِي : فِيهَا وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، لَا تَطْلُق ؛ لِمَا ذَكَرْنَا .\rوَالثَّانِي ، تَطْلُقُ ثَلَاثًا ؛ لِأَنَّ السَّابِقَ إلَى الْفَهْمِ مِنْ هَذَا الْكَلَامِ إيقَاعُ الثَّلَاثِ إذَا شَاءَتْهَا ، كَمَا لَوْ قَالَ : لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمٌ إلَّا أَنْ يُقِيمَ الْبَيِّنَةَ بِثَالِثَةٍ ، وَخُذْ دِرْهَمًا إلَّا أَنْ تُرِيدَ أَكْثَرَ مِنْهُ .\rوَمِنْهُ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا ، إلَّا بَيْعَ الْخِيَارِ } .\rأَيْ إنَّ بِيعَ الْخِيَارِ ثَبَتَ الْخِيَارُ فِيهِ بَعْدَ تَفَرُّقِهِمَا .\rوَإِنْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا ، إلَّا أَنْ تَشَائِي وَاحِدَةً .\rفَقَالَتْ : قَدْ شِئْت وَاحِدَةً .\rطَلُقَتْ وَاحِدَةً ، عَلَى قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ .\rوَعَلَى قَوْلِهِمْ : لَا تَطْلُقُ شَيْئًا .","part":16,"page":427},{"id":7927,"text":"( 5979 ) فَصْلٌ : فَإِنْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ لِمَشِيئَةِ فُلَانٍ .\rأَوْ : لِرِضَاهُ .\rأَوْ : لَهُ .\rطَلُقَتْ فِي الْحَالِ ؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُ أَنْتِ طَالِقٌ لِكَوْنِهِ قَدْ شَاءَ ذَلِكَ ، أَوْ رَضِيَهُ ، أَوْ لِيَرْضَى بِهِ ، كَقَوْلِهِ : هُوَ حُرٌّ لِوَجْهِ اللَّهِ ، أَوْ لِرِضَى اللَّهِ .\rفَإِنْ قَالَ : أَرَدْت بِهِ الشَّرْطَ .\rدُيِّنَ .\rقَالَ الْقَاضِي : يُقْبَلُ فِي الْحُكْمِ ؛ لِأَنَّهُ مُحْتَمِلٌ ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ يُسْتَعْمَلُ لِلشَّرْطِ ، كَقَوْلِهِ : أَنْتِ طَالِقٌ لِلسُّنَّةِ .\rوَهَذَا أَظْهَرُ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ .","part":16,"page":428},{"id":7928,"text":"( 5980 ) فَصْلٌ : فَإِنْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ إنْ أَحْبَبْت .\rأَوْ : إنْ أَرَدْت .\rأَوْ : إنْ كَرِهْت .\rاحْتَمَلَ أَنْ يَتَعَلَّقَ الطَّلَاقُ بُقُولِهَا بِلِسَانِهَا : قَدْ أَحْبَبْت .\rأَوْ : أَرَدْت .\rأَوْ : كَرِهْت .\rلِأَنَّ هَذِهِ الْمَعَانِيَ فِي الْقَلْبِ ، لَا يُمْكِنُ الِاطِّلَاعُ عَلَيْهَا إلَّا مِنْ قِبَلِهَا ، فَتَعَلَّقَ الْحُكْمُ بِقَوْلِهَا ، كَالْمَشِيئَةِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يَتَعَلَّقَ الْحُكْمُ بِمَا فِي الْقَلْبِ مِنْ ذَلِكَ ، وَيَكُونَ اللِّسَانُ دَلِيلًا عَلَيْهِ .\rفَعَلَى هَذَا ، لَوْ أَقَرَّ الزَّوْجُ بِوُجُودِهِ ، وَقَعَ طَلَاقُهُ ، وَإِنْ لَمْ يَتَلَفَّظْ بِهِ ، وَلَوْ قَالَتْ : أَنَا أُحِبُّ ذَلِكَ .\rثُمَّ قَالَتْ : كُنْت كَاذِبَةً .\rلَمْ تَطْلُقْ .\rوَإِنْ قَالَ : إنْ كُنْت تُحِبِّينَ أَنْ يُعَذِّبَك اللَّهُ بِالنَّارِ فَأَنْتِ طَالِقٌ .\rفَقَالَتْ : أَنَا أُحِبُّ ذَلِكَ .\rفَقَدْ سُئِلَ أَحْمَدُ عَنْهَا ، فِلْمُ يُجِبْ فِيهَا بِشَيْءٍ ، وَفِيهَا احْتِمَالَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، لَا تَطْلُقُ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ ؛ لِأَنَّ الْمَحَبَّةَ فِي الْقَلْبِ ، وَلَا تُوجَدُ مِنْ أَحَدٍ مَحَبَّةُ ذَلِكَ ، وَخَبَرُهَا بِحُبِّهَا لَهُ كَذِبٌ مَعْلُومٌ ، فَلَمْ يَصْلُحْ دَلِيلًا عَلَى مَا فِي قَلْبِهَا .\rوَالِاحْتِمَالُ الثَّانِي ، أَنَّهَا تَطْلُقُ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ ؛ لِأَنَّ مَا فِي الْقَلْبِ لَا يُوقَف عَلَيْهِ إلَّا مِنْ لِسَانِهَا ، فَاقْتَضَى تَعْلِيقَ الْحُكْمِ بِلَفْظِهَا بِهِ ، كَاذِبَةً كَانَتْ أَوْ صَادِقَةً ، كَالْمَشِيئَةِ ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ قَوْلِهِ : إنْ كُنْت تُحِبِّينَ ذَلِكَ .\rوَبَيْن قَوْلِهِ : إنْ كُنْت تُحِبِّينَهُ بِقَلْبِكِ .\rلِأَنَّ الْمَحَبَّةَ لَا تَكُونُ إلَّا بِالْقَلْبِ .","part":16,"page":429},{"id":7929,"text":"( 5981 ) فَصْلٌ : فَإِنْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .\rطَلُقَتْ .\rوَكَذَلِكَ إنْ قَالَ : عَبْدِي حُرٌّ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .\rعَتَقَ ، نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، فِي رِوَايَةِ جَمَاعَةٍ ، وَقَالَ : لَيْسَ هُمَا مِنْ الْأَيْمَانِ .\rوَبِهَذَا قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ، وَالْحَسَنُ وَمَكْحُولٌ ، وَقَتَادَةُ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَاللَّيْثُ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الطَّلَاقَ لَا يَقَعُ ، وَكَذَلِكَ الْعَتَاقُ .\rوَهُوَ قَوْلُ طَاوُسٍ ، وَالْحَكَمِ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيِّ لِأَنَّهُ عَلَّقَهُ عَلَى مَشِيئَةٍ لَمْ يَعْلَمْ وُجُودَهَا ، فَلَمْ يَقَعْ ، كَمَا لَوْ عَلَّقَهُ عَلَى مَشِيئَةِ زَيْدٍ ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ ، فَقَالَ : إنْ شَاءَ اللَّهُ .\rلَمْ يَحْنَثْ } .\rرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ .\rوَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى أَبُو جَمْرَةَ ، قَالَ : سَمِعْت ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُول : إذَا قَالَ الرَّجُلُ لِامْرَأَتِهِ : أَنْتِ طَالِقٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ .\rفَهِيَ طَالِقٌ .\rرَوَاهُ أَبُو حَفْصٍ بِإِسْنَادِهِ .\rوَعَنْ أَبِي بُرْدَةَ نَحْوُهُ .\rوَرَوَى ابْنُ عُمَرَ ، وَأَبُو سَعِيدٍ قَالَا : كُنَّا مَعَاشِرَ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَرَى الِاسْتِثْنَاءَ جَائِزًا فِي كُلِّ شَيْءٍ ، إلَّا فِي الْعَتَاقِ وَالطَّلَاقِ .\rذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ .\rوَهَذَا نَقْلٌ لِلْإِجْمَاعِ ، وَإِنْ قُدِّرَ أَنَّهُ قَوْلُ بَعْضِهِمْ فَانْتَشَرَ ، وَلَمْ يُعْلَمْ لَهُ مُخَالِفٌ ، فَهُوَ إجْمَاعٌ ، وَلِأَنَّهُ اسْتِثْنَاءٌ يَرْفَعُ جُمْلَةَ الطَّلَاقِ ، فَلَمْ يَصِحَّ ، كَقَوْلِهِ : أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إلَّا ثَلَاثًا .\rوَلِأَنَّهُ اسْتِثْنَاءُ حُكْمٍ فِي مَحَلٍّ ، فَلَمْ يَرْتَفِعْ بِالْمَشِيئَةِ ، كَالْبَيْعِ وَالنِّكَاحِ ، وَلِأَنَّهُ إزَالَةُ مِلْكٍ ، فَلَمْ يَصِحَّ تَعْلِيقُهُ عَلَى مَشِيئَةِ اللَّهِ ، كَمَا لَوْ قَالَ : أَبْرَأْتُك إنْ شَاءَ اللَّهُ ، أَوْ تَعْلِيقٌ عَلَى مَا لَا سَبِيلَ إلَى عِلْمِهِ ، فَأَشْبَهَ تَعْلِيقَهُ عَلَى الْمُسْتَحِيلَاتِ .\rوَالْحَدِيثُ","part":16,"page":430},{"id":7930,"text":"لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ ؛ فَإِنَّ الطَّلَاقَ وَالْعَتَاقَ إنْشَاءٌ ، وَلَيْسَ بِيَمِينٍ حَقِيقَةً ، وَإِنْ سُمِّيَ بِذَلِكَ فَمَجَازٌ ، لَا تُتْرَكُ الْحَقِيقَةُ مِنْ أَجْلِهِ ، ثُمَّ إنَّ الطَّلَاقَ إنَّمَا سُمِّيَ يَمِينًا إذَا كَانَ مُعَلَّقًا عَلَى شَرْطٍ يُمْكِنُ تَرْكُهُ وَفِعْلُهُ ، وَمُجَرَّدُ قَوْلِهِ : أَنْتِ طَالِقٌ .\rلَيْسَ بِيَمِينٍ حَقِيقَةً ، وَلَا مَجَازًا ، فَلَمْ يُمْكِنْ الِاسْتِثْنَاءُ بَعْدَ يَمِينٍ .\rوَقَوْلُهُمْ : عَلَّقَهُ عَلَى مَشِيئَةٍ لَا تُعْلَمُ .\rقُلْنَا : قَدْ عُلِمَتْ مَشِيئَةُ اللَّهِ الطَّلَاقَ بِمُبَاشَرَةِ الْآدَمِيِّ سَبَبَهُ .\rقَالَ قَتَادَةُ : قَدْ شَاءَ اللَّهُ حِينَ أَذِنَ أَنْ يُطَلِّقَ .\rوَلَوْ سَلَّمْنَا أَنَّهَا لَمْ ، تُعْلَمْ ، لَكِنْ قَدْ عَلَّقَهُ عَلَى شَرْطٍ يَسْتَحِيلُ عِلْمُهُ ، فَيَكُونُ كَتَعْلِيقِهِ عَلَى الْمُسْتَحِيلَاتِ ، يَلْغُو ، وَيَقَعُ الطَّلَاقُ فِي الْحَالِ .","part":16,"page":431},{"id":7931,"text":"( 5982 ) فَصْلٌ : فَإِنْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ إنْ دَخَلْت الدَّارَ إنْ شَاءَ اللَّهُ .\rفَعَنْ أَحْمَدَ فِيهِ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، يَقَعُ الطَّلَاقُ بِدُخُولِ الدَّارِ ، وَلَا يَنْفَعُهُ الِاسْتِثْنَاءُ ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ وَالْعَتَاقَ لَيْسَا مِنْ الْأَيْمَانِ ، وَلِمَا ذَكَرْنَاهُ فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ .\rوَالثَّانِيَةُ ، لَا تَطْلُقُ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدٍ ؛ لِأَنَّهُ إذَا عَلَّقَ الطَّلَاقَ بِشَرْطٍ صَارَ يَمِينًا وَحَلِفًا ، فَصَحَّ الِاسْتِثْنَاءُ فِيهِ ، لِعُمُومِ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ ؛ فَقَالَ : إنْ شَاءَ اللَّهُ لَمْ يَحْنَثْ } .\rوَفَارَقَ مَا إذَا لَمْ يُعَلِّقْهُ ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بِيَمِينٍ ، فَلَا يَدْخُلُ فِي الْعُمُومِ .","part":16,"page":432},{"id":7932,"text":"( 5983 ) فَصْلٌ : فَإِنْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ إلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ .\rطَلُقَتْ ، وَوَافَقَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ عَلَى هَذَا فِي الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ ؛ لِأَنَّهُ أَوْقَعَ الطَّلَاقَ .\rوَعَلَّقَ رَفْعَهُ بِمَشِيئَةٍ لَمْ تُعْلَمْ .\rوَإِنْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ إنْ لَمْ يَشَأْ اللَّهُ .\rأَوْ : مَا لَمْ يَشَأْ اللَّهُ .\rوَقَعَ أَيْضًا فِي الْحَالِ ؛ لِأَنَّ وُقُوعَ طَلَاقِهَا إذَا لَمْ يَشَأْ اللَّهُ مُحَالٌ ، فَلَغَتْ هَذِهِ الصِّفَةُ ، وَوَقَعَ الطَّلَاقُ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَقَعَ ، بِنَاءً عَلَى تَعْلِيقِ الطَّلَاقِ عَلَى الْمُحَالِ ، مِثْل قَوْلِهِ : أَنْتِ طَالِقٌ إنْ جَمَعْت بَيْنَ الضِّدَّيْنِ .\rأَوْ : شَرِبْت الْمَاءَ الَّذِي فِي الْكُوزِ .\rوَلَا مَاءَ فِيهِ .\rوَإِنْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ لَتَدْخُلَنَّ الدَّارَ إنْ شَاءَ اللَّهُ .\rلَمْ تَطْلُقْ ، دَخَلَتْ أَوْ لَمْ تَدْخُلْ ؛ لِأَنَّهَا إنْ دَخَلَتْ ، فَقَدْ فَعَلْت الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ ، وَإِنْ لَمْ تَدْخُلْ ، عَلِمْنَا أَنَّ اللَّه لَمْ يَشَأْهُ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ شَاءَهُ لَوُجِدَ ، فَإِنَّ مَا شَاءَ اللَّهُ كَانَ .\rوَكَذَلِكَ إنْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ لَا تَدْخُلِي الدَّارَ إنْ شَاءَ اللَّهُ .\rلِمَا ذَكَرْنَا .\rوَإِنْ أَرَادَ بِالِاسْتِثْنَاءِ وَالشَّرْطِ رَدَّهُ إلَى الطَّلَاقِ دُونَ الدُّخُولِ ، خُرِّجَ فِيهِ مِنْ الْخِلَافِ مَا ذَكَرْنَا فِي الْمُنْجَزِ .\rوَإِنْ لَمْ تُعْلَمْ نِيَّتُهُ ، فَالظَّاهِرُ رُجُوعُهُ إلَى الدُّخُولِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَرْجِعَ إلَى الطَّلَاقِ .","part":16,"page":433},{"id":7933,"text":"( 5984 ) فَصْلٌ : فَإِنْ عَلَّقَ الطَّلَاقَ عَلَى مُسْتَحِيلٍ ، فَقَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ إنْ قَتَلْت الْمَيِّتَ .\rأَوْ شَرِبْت الْمَاءَ الَّذِي فِي الْكُوزِ .\rوَلَا مَاءَ فِيهِ .\rأَوْ : جَمَعْت بَيْنَ الضِّدَّيْنِ .\rأَوْ : كَانَ الْوَاحِدُ أَكْثَرَ مِنْ اثْنَيْنِ .\rأَوْ عَلَى مَا يَسْتَحِيلُ عَادَةً ، كَقَوْلِهِ : إنْ طِرْت .\rأَوْ : صَعِدْت إلَى السَّمَاءِ .\rأَوْ : قَلَبْت الْحَجَرَ ذَهَبًا .\rأَوْ : شَرِبْت هَذَا النَّهْرَ كُلَّهُ .\rأَوْ : حَمَلْت الْجَبَلَ .\rأَوْ : شَاءَ الْمَيِّتُ .\rفَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، يَقَعُ الطَّلَاقُ فِي الْحَالِ ؛ لِأَنَّهُ أَرْدَفَ الطَّلَاقَ بِمَا يَرْفَعُ جُمْلَتَهُ ، وَيَمْنَعُ وُقُوعَهُ فِي الْحَالِ وَفِي الثَّانِي ، فَلَمْ يَصِحَّ ، كَاسْتِثْنَاءِ الْكُلِّ ، كَمَا لَوْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً لَا تَقَعُ عَلَيْك .\rأَوْ : لَا تَنْقُصُ عَدَدَ طَلَاقِك .\rوَالثَّانِي ، لَا يَقَعُ ؛ لِأَنَّهُ عَلَّقَ الطَّلَاقَ بِصِفَةٍ لَمْ تُوجَدْ ، وَلِأَنَّ مَا يُقْصَدُ تَبْعِيدُهُ يُعَلَّقُ عَلَى الْمُحَالِ ، كَقَوْلِهِ : إذَا شَابَ الْغُرَابُ أَتَيْت أَهْلِي وَصَارَ الْقَارُ كَاللَّبَنِ الْحَلِيبِ أَيْ لَا آتِيهِمْ أَبَدًا .\rوَقِيلَ : إنْ عَلَّقَهُ عَلَى مَا يَسْتَحِيلُ عَقْلًا ، وَقَعَ فِي الْحَالِ ؛ لِأَنَّهُ لَا وُجُودَ لَهُ ، فَلَمْ تُعَلَّقْ بِهِ الصِّفَةُ ، وَبَقِيَ مُجَرَّدُ الطَّلَاقِ ، فَوَقَعَ .\rوَإِنْ عَلَّقَهُ عَلَى مُسْتَحِيلٍ عَادَةً ، كَالطَّيَرَانِ ، وَصُعُودِ السَّمَاءِ ، لَمْ يَقَعْ ؛ لِأَنَّ لَهُ وُجُودًا ، وَقَدْ وُجِدَ جِنْسُ ذَلِكَ فِي مُعْجِزَات الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمْ السَّلَامُ ، وَكَرَامَاتِ الْأَوْلِيَاءِ ، فَجَازَ تَعْلِيقُ الطَّلَاقِ بِهِ ، وَلَمْ يَقَعْ قَبْلَ وُجُودِهِ .\rفَأَمَّا إنْ عَلَّقَ طَلَاقَهَا عَلَى نَفْيِ فِعْلِ الْمُسْتَحِيلِ ، فَقَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ إنْ لَمْ تَقْتُلِي الْمَيِّتَ .\rأَوْ : تَصْعَدِي السَّمَاءَ .\rطَلُقَتْ فِي الْحَالِ ؛ لِأَنَّهُ عَلَّقَهُ عَلَى عَدَمِ ذَلِكَ ، وَعَدَمُهُ مَعْلُومٌ فِي الْحَالِ وَفِي الثَّانِي ، فَوَقَعَ الطَّلَاقُ ، كَمَا لَوْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ إنْ لَمْ أَبِعْ عَبْدِي .\rفَمَاتَ الْعَبْدُ .\rوَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ لَأَشْرَبَنَّ","part":16,"page":434},{"id":7934,"text":"الْمَاءَ الَّذِي فِي الْكُوزِ .\rوَلَا مَاءَ فِيهِ .\rأَوْ : لَأَقْتُلَنَّ الْمَيِّتَ .\rوَقَعَ الطَّلَاقُ فِي الْحَالِ ، لِمَا ذَكَرْنَاهُ .\rوَحَكَى أَبُو الْخَطَّابِ ، عَنْ الْقَاضِي ، أَنَّهُ لَا يَقَعُ طَلَاقُهُ ، كَمَا لَوْ حَلَفَ لَيَصْعَدَنَّ السَّمَاءَ ، أَوْ لَيُطِيرَنَّ ، فَإِنَّهُ لَا يَحْنَثُ .\rوَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَحْنَثُ ؛ فَإِنَّ الْحَالِفَ عَلَى فِعْلِ الْمُمْتَنِعِ كَاذِبٌ حَانِثٌ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَأَقْسَمُوا بِاَللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ } إلَى قَوْلِهِ : { وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ } .\rوَلَوْ حَلَفَ عَلَى فِعْلٍ مُتَصَوَّرٍ ، فَصَارَ مُمْتَنِعًا ، حَنِثَ بِذَلِكَ ، فَلَأَنْ يَحْنَثَ بِكَوْنِهِ مُمْتَنِعًا حَالَ يَمِينِهِ أَوْلَى .","part":16,"page":435},{"id":7935,"text":"( 5985 ) فَصْلٌ : وَإِذَا حَلَفَ : لَا شَرِبْت مِنْ هَذَا النَّهْرِ .\rفَاغْتَرَفَ مِنْهُ ، وَشَرِبَ ، حَنِثَ .\rوَإِنْ حَلَفَ : لَا شَرِبْت مِنْ هَذَا الْإِنَاءِ .\rفَصَبَّ مِنْهُ فِي إنَاءٍ آخَرَ ، وَشَرِبَ ، وَكَانَ الْإِنَاءُ كَبِيرًا لَا يُمْكِنُ الشُّرْبُ بِهِ ، حَنِثَ أَيْضًا ، وَإِنْ كَانَ الشُّرْبُ بِهِ مُمْكِنًا ، لَمْ يَحْنَثْ ؛ لِأَنَّ الْإِنَاءَ الصَّغِيرَ آلَةٌ لِلشُّرْبِ ، فَتَنْصَرِفُ يَمِينُهُ إلَى الشُّرْبِ بِهِ ، بِخِلَافِ النَّهْرِ وَالْإِنَاءِ الْكَبِيرِ ، فَإِنَّهُ لَا تَنْصَرِفُ يَمِينُهُ إلَّا إلَى الشُّرْبِ مِنْ مَائِهِ .\rوَلَوْ حَلَفَ لَا يَشْرَبُ مِنْ بَرَدَى ، فَشَرِبَ مِنْ نَهْرٍ يَأْخُذُ مِنْهُ ، لَمْ يَحْنَثْ .\rوَإِنْ حَلَفَ لَا يَشْرَبُ مِنْ مَاءِ بَرَدَى ، فَشَرِبَ مِنْ نَهْرٍ يَأْخُذُ مِنْهُ ، حَنِثَ .\rذَكَرَ نَحْوَ ذَلِكَ الْقَاضِي ؛ لِأَنَّ بَرَدَى اسْمٌ لَمَكَانٍ خَاصٍّ ، فَإِذَا تَجَاوَزَهُ إلَى مَكَان سِوَاهُ ، فَشَرِبَ مِنْهُ ، فَمَا شَرِبَ مِنْ بَرَدَى ، وَإِذَا كَانَتْ يَمِينُهُ عَلَى مَائِهِ ، فَمَاؤُهُ مَاؤُهُ حَيْثُ كَانَ ، وَأَيْنَ نُقِلَ .\rوَكَذَلِكَ لَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ مِنْ تَمْرِ الْبَصْرَةِ ، فَأَكَلَهُ فِي غَيْرِهَا ، حَنِثَ .\rوَإِنْ اغْتَرَفَ مِنْ بَرَدَى بِإِنَاءٍ ، وَنَقَلَهُ إلَى مَكَان آخَرَ ، فَشَرِبَهُ ، حَنِثَ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ جَمِيعًا ؛ لِأَنَّ اغْتِرَافَ الْمَاءِ مِنْ بَرَدَى .\rوَلَوْ حَلَفَ لَا يَشْرَبُ مِنْ مَاءِ الْفُرَاتِ ، لَمْ يَحْنَثْ إلَّا بِالشُّرْبِ مِنْ مَاءِ النَّهْرِ الْمَعْرُوفِ بِالْفُرَاتِ .\rوَإِنْ حَلَفَ لَا يَشْرَبُ مِنْ مَاءِ فُرَاتٍ ، حَنِثَ بِالشُّرْبِ مِنْ كُلِّ مَاءٍ عَذْبٍ ؛ لِأَنَّهُ إذَا عَرَّفَهُ فَاللَّامُ التَّعْرِيفِ انْصَرَفَ إلَى النَّهْرِ الْمَعْرُوفِ ، وَإِذَا أَنْكَرَهُ صَارَ لِلْعُمُومِ ، فَيَتَنَاوَلُ كُلَّ مَا يُسَمَّى فُرَاتًا ، وَكُلُّ عَذْبٍ فُرَاتٌ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا } .\rوَقَالَ : { وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ } .\rوَمَتَى نَوَى بِيَمِينِهِ الْمُحْتَمَلَ الْآخَرَ ، انْصَرَفَ إلَيْهِ ، وَيُقْبَلُ مِنْهُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ قَرِيبٌ لَا تَبْعُدُ إرَادَتُهُ .","part":16,"page":436},{"id":7936,"text":"( 5986 ) فَصْلٌ : وَلَوْ حَلَفَ لَا يَشْتُمُهُ ، وَلَا يُكَلِّمُهُ فِي الْمَسْجِدِ ، فَفَعَلَ ذَلِكَ فِي الْمَسْجِدِ ، وَالْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ فِي غَيْرِهِ ، حَنِثَ ، وَإِنْ فَعَلَهُ فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ ، وَالْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ فِي الْمَسْجِدِ ، لَمْ يَحْنَثْ .\rوَلَوْ حَلَفَ لَا يَضْرِبُهُ ، وَلَا يَشُجُّهُ ، وَلَا يَقْتُلُهُ فِي الْمَسْجِدِ ، فَفَعَلَهُ ، وَالْحَالِفُ فِي الْمَسْجِدِ ، وَالْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ فِي غَيْرِهِ ، لَمْ يَحْنَثْ ، وَإِنْ كَانَ الْحَالِفُ فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ ، وَالْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ فِي الْمَسْجِدِ ، حَنِثَ ؛ لِأَنَّ الشَّتْمَ وَالْكَلَامَ قَوْلٌ يَسْتَقِلُّ بِهِ الْقَائِلُ ، فَلَا يُعْتَبَرُ فِيهِ حُضُورُ الْمَشْتُومِ ، فَيُوجَدُ مِنْ الشَّاتِم فِي الْمَسْجِدِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْمَشْتُومُ فِيهِ ، وَالْكَلَامُ قَوْلٌ ؛ فَهُوَ كَالشَّتْمِ ، وَسَائِرِ الْأَفْعَالِ الْمَذْكُورَةِ فِعْلٌ مُتَعَدٍّ مَحِلُّهُ الْمَضْرُوبُ وَالْمَقْتُولُ وَالْمَشْجُوجُ ، فَإِذَا كَانَ مَحَلُّهُ فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ كَانَ الْفِعْلُ فِي غَيْرِهِ ، فَيُعْتَبَرُ مَحَلُّ الْمَفْعُولِ بِهِ .\rوَلَوْ حَلَفَ لَيَقْتُلَنَّهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ، فَجَرَحَهُ يَوْمَ الْخَمِيسِ ، وَمَاتَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ .\rفَقَالَ الْقَاضِي : لَا يَحْنَثُ .\rوَإِنْ جَرَحَهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَمَاتَ يَوْمَ السَّبْتِ ، فَقَالَ : يَحْنَثُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ مَقْتُولًا حَتَّى يَمُوتَ ، فَاعْتُبِرَ يَوْمُ مَوْتِهِ لَا يَوْمُ ضَرْبِهِ .\rوَيَتَوَجَّهُ أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ بِالْعَكْسِ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ ، فَيُعْتَبَرَ يَوْمُ جَرْحِهِ لَا يَوْمُ مَوْتِهِ ؛ لِأَنَّ الْقَتْلَ فِعْلُ الْقَاتِلِ ، وَلِهَذَا يَصِحُّ الْأَمْرُ بِهِ وَالنَّهْيُ عَنْهُ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ } .\r{ وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ } .\rوَالْأَمْرُ وَالنَّهْيُ إنَّمَا يَتَوَجَّهُ إلَى فِعْلٍ مُمْكِنٍ فِعْلُهُ وَتَرْكُهُ ، وَذَلِكَ فِعْلُ الْآدَمِيِّ مِنْ الْجَرْحِ وَنَحْوِهِ ، أَمَّا الزَّهُوقُ فَفِعْلُ اللَّهِ تَعَالَى لَا يُؤْمَرُ بِهِ ، وَلَا يُنْهَى عَنْهُ ، وَلَا سَبِيلَ لِلْآدَمِيِّ إلَّا تَعَاطِي سَبَبِهِ ، وَهُوَ شَرْطٌ فِي الْقَتْلِ ، فَإِذَا وُجِدَ تَبَيَّنَّا","part":16,"page":437},{"id":7937,"text":"أَنَّ الْفِعْلَ الْمُفْضِيَ إلَيْهِ كَانَ قَتْلًا ، وَلِذَلِكَ جَازَ تَقْدِيمُ الْكَفَّارَةِ بَعْدَ الْجَرْحِ ، وَقَبْلَ الزَّهُوق .\rوَلَوْ حَلَفَ لَأَقْتُلَنَّهُ ، فَمَاتَ مِنْ جُرْحٍ كَانَ جَرَحَهُ ، لَمْ يَبَرَّ .\rوَلَوْ حَلَفَ لَا يَقْتُلُهُ ، لَمْ يَحْنَثْ بِذَلِكَ أَيْضًا .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَبَرَّ حَتَّى يُوجَدَ السَّبَبُ وَالزَّهُوقُ مَعًا فِي يَوْمٍ ؛ لِأَنَّ الْقَتْلَ لَا يَتِمُّ إلَّا بِسَبَبِهِ وَشَرْطِهِ ، فَأَمَّا بِنِسْبَتِهِ إلَى الشَّرْطِ وَحْدَهُ دُونَ السَّبَبِ ، فَبَعِيدٌ .","part":16,"page":438},{"id":7938,"text":"( 5987 ) فَصْلٌ : إذَا قَالَ : مَنْ بَشَّرَتْنِي بِقُدُومِ أَخِي ، فَهِيَ طَالِقٌ ، فَبَشَّرَتْهُ إحْدَاهُنَّ ، وَهِيَ صَادِقَةٌ ، طَلُقَتْ ، وَإِنْ كَانَتْ كَاذِبَةً ، لَمْ تَطْلُقْ ؛ لِأَنَّ التَّبْشِيرَ خَبَرُ صِدْقٍ ، يَحْصُلُ بِهِ مَا يُغَيِّرُ الْبَشَرَةَ مِنْ سُرُورٍ أَوْ غَمٍّ .\rوَإِنْ أَخْبَرَتْهُ بِهِ أُخْرَى ، لَمْ تَطْلُقْ ؛ لِأَنَّ السُّرُورَ إنَّمَا يَحْصُلُ بِالْخَبَرِ الْأَوَّلِ ، فَإِنْ كَانَتْ الْأُولَى كَاذِبَةً ، وَالثَّانِيَةُ صَادِقَةً ، طَلُقَتْ الثَّانِيَةُ ؛ لِأَنَّ السُّرُورَ إنَّمَا يَحْصُلُ بِخَبَرِهَا ، فَكَانَ هُوَ الْبِشَارَةَ .\rوَإِنْ بَشَّرَهُ بِذَلِكَ اثْنَتَانِ ، أَوْ ثَلَاثٌ ، أَوْ الْأَرْبَعُ فِي دَفْعَةٍ وَاحِدَةٍ ، طَلُقْنَ كُلُّهُنَّ ؛ لِأَنَّ \" مَنْ \" تَقَعُ عَلَى الْوَاحِدِ فَمَا زَادَ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ } .\rوَقَالَ { وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ } .\rوَلَوْ قَالَ : مَنْ أَخْبَرَتْنِي بِقُدُومِ أَخِي ، فَهِيَ طَالِقٌ .\rفَقَالَ الْقَاضِي : هُوَ كَالْبِشَارَةِ ، لَا تَطْلُقُ إلَّا الْمُخْبِرَةُ الْأُولَى الصَّادِقَةُ دُونَ غَيْرِهَا ؛ لِأَنَّ مُرَادَهُ خَبَرٌ يَحْصُلُ لَهُ بِهِ الْعِلْمُ بِقُدُومِهِ ، وَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ بِكَذِبٍ ، وَلَا بِغَيْرِ الْأَوَّلِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ تَطْلُقَ كُلُّ مُخْبِرَةٍ ، صَادِقَةً كَانَتْ أَوْ كَاذِبَةً ، أَوَّلًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ ؛ لِأَنَّ الْخَبَرَ يَكُونُ صِدْقًا وَكَذِبًا ، وَأَوَّلًا وَمُكَرَّرًا .\rوَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي الْخَطَّابِ .\rوَالْأَوَّلُ قَوْلُ الْقَاضِي .\rوَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ عَلَى نَحْوِ هَذَا التَّفْصِيلِ .","part":16,"page":439},{"id":7939,"text":"( 5988 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَالَ : أَوَّلُ مَنْ تَقُومُ مِنْكُنَّ ، فَهِيَ طَالِقٌ .\rأَوْ قَالَ لِعَبِيدِهِ : أَوَّلُ مَنْ قَامَ مِنْكُمْ ، فَهُوَ حُرٌّ .\rفَقَامَ الْكُلُّ دَفْعَةً وَاحِدَةً ، لَمْ يَقَعْ طَلَاقٌ وَلَا عِتْقٌ ؛ لِأَنَّهُ لَا أَوَّلَ فِيهِمْ .\rوَإِنْ قَامَ وَاحِدٌ أَوْ وَاحِدَةٌ ، وَلَمْ يَقُمْ بَعْدَهُ أَحَدٌ ، احْتَمَلَ وَجْهَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، يَقَعُ الطَّلَاقُ وَالْعِتْقُ ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ مَا لَمْ يَسْبِقْهُ شَيْءٌ ، وَهَذَا كَذَلِكَ .\rوَالثَّانِي ، لَا يَقَعُ طَلَاقٌ وَلَا عِتْقٌ ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ مَا كَانَ بَعْدَهُ شَيْءٌ ، وَلَمْ يُوجَدْ .\rفَعَلَى هَذَا لَا يُحْكَمُ بِوُقُوعِ ذَلِكَ وَلَا انْتِفَائِهِ ، حَتَّى يَتَبَيَّنَ مِنْ قِيَامِ أَحَدٍ مِنْهُمْ بَعْدَهُ ، فَتَنْحَلُّ يَمِينُهُ ، وَإِنْ قَامَ اثْنَانِ ، أَوْ ثَلَاثَةٌ ، دَفْعَةً وَاحِدَةً ، وَقَامَ بَعْدَهُمْ آخَرُ ، وَقَعَ الطَّلَاقُ وَالْعِتْقُ بِالْجَمَاعَةِ الَّذِينَ قَامُوا فِي الْأَوَّلِ ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ يَقَعُ عَلَى الْكَثِيرِ وَالْقَلِيلِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ } .\rوَحُكِيَ عَنْ الْقَاضِي فِي مَنْ قَالَ : أَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ مِنْ عَبِيدِي ، فَهُوَ حُرٌّ .\rفَدَخَلَ اثْنَانِ دَفْعَةً وَاحِدَةً ، ثُمَّ دَخَلَ بَعْدَهُمَا ، ثَالِثٌ ، لَمْ يَعْتِقْ وَاحِدٌ مِنْهُمْ .\rوَهَذَا بَعِيدٌ ؛ فَإِنَّهُمْ قَدْ دَخَلَ بَعْضُهُمْ بَعْدَ بَعْضٍ ، وَلَا أَوَّلَ فِيهِمْ ، وَهَذَا لَا يَسْتَقِيمُ إلَّا أَنْ يَكُونَ قَالَ : أَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ مِنْكُمْ وَحْدَهُ .\rوَلَمْ يَدْخُلْ بَعْدَ الثَّالِثِ أَحَدٌ ؛ فَإِنَّهُ لَوْ دَخَلَ بَعْدَ الثَّالِثِ أَحَدٌ ، عَتَقَ الثَّالِثُ ، لِكَوْنِهِ أَوَّلِ مَنْ دَخَلَ وَحْدَهُ ، وَإِذَا لَمْ يَقُلْ وَحْدَهُ ، فَإِنَّ لَفْظَةَ \" الْأَوَّلِ \" تَتَنَاوَلُ الْجَمَاعَةَ كَمَا ذَكَرْنَا وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { أَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ فُقَرَاءُ الْمُهَاجِرِينَ } .\rوَلَوْ قَالَ : آخِرُ مَنْ يَدْخُلُ مِنْكُنَّ الدَّارَ ، فَهِيَ طَالِقٌ .\rفَدَخَلَ بَعْضُهُنَّ ، لَمْ يُحْكَمْ بِطَلَاقِ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ ، حَتَّى يَتَبَيَّنَ مِنْ دُخُولِ غَيْرِهَا بِمَوْتِهِ ، أَوْ مَوْتِهِنَّ","part":16,"page":440},{"id":7940,"text":"، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ ، فَيَتَبَيَّنُ وُقُوعُ الطَّلَاقِ بِآخِرِهِنَّ دُخُولًا ، مِنْ حِينَ دَخَلَتْ ، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي الْعِتْقِ .","part":16,"page":441},{"id":7941,"text":"( 5989 ) فَصْلٌ : وَإِذَا حَلَفَ يَمِينًا عَلَى فِعْلٍ بِلَفْظٍ عَامٍّ ، وَأَرَادَ بِهِ شَيْئًا خَاصًّا ؛ مِثْل إنْ حَلَفَ لَا يَغْتَسِلُ اللَّيْلَةَ ، وَأَرَادَ الْجَنَابَة ، أَوْ : لَا قَرُبْت لِي فِرَاشًا .\rوَأَرَادَ تَرْكَ جِمَاعِهَا .\rأَوْ قَالَ : إنْ تَزَوَّجْت ، فَعَبْدِي حُرٌّ .\rوَأَرَادَ امْرَأَةً مُعَيَّنَةً .\rأَوْ قَالَ : إنْ دَخَلَ إلَيَّ رَجُلٌ .\rأَوْ قَالَ : أَحَدٌ ، فَامْرَأَتِي طَالِقٌ .\rوَأَرَادَ رَجُلًا بِعَيْنِهِ .\rأَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ خُبْزًا .\rيُرِيدُ خُبْزَ الْبُرِّ .\rأَوْ لَا يَدْخُلُ دَارًا ، يُرِيدُ دَارَ فُلَانٍ .\rأَوْ قَالَ : إنْ خَرَجْت فَأَنْتِ طَالِقٌ .\rيُرِيدُ الْخُرُوجَ إلَى الْحَمَّامِ .\rأَوْ قَالَ : إنْ مَشَيْت .\rوَأَرَادَ اسْتِطْلَاقَ الْبَطْنِ ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ يُسَمَّى مَشْيًا ، { قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِامْرَأَةٍ : ثُمَّ تَسْتَمْشِينَ } .\rوَيُقَالُ : شَرِبَتْ مَشْيًا ، وَمَشْوًا .\rإذَا شَرِبَ دَوَاءً يُمْشِيهِ ، فَإِنَّ يَمِينَهُ فِي ذَلِكَ عَلَى مَا نَوَاهُ ، وَيَدِينُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى .\rوَهَلْ يُقْبَلُ فِي الْحُكْمِ ؟ يُخَرَّجُ عَلَى رِوَايَتَيْنِ .\rقَالَ أَحْمَدُ فِي الظِّهَارِ ، فِي مَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ : إنْ قَرُبْت لِي فِرَاشًا ، فَأَنْتِ عَلَيَّ كَظُهْرِ أُمِّي ، فَجَاءَتْ فَقَامَتْ عَلَى فِرَاشِهِ ، فَقَالَ : أَرَدْت الْجِمَاعَ .\rلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ : لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي الْحُكْمِ فِي هَذَا كُلِّهِ ؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ فَسَّرَ كَلَامَهُ بِمَا يَحْتَمِلُهُ ، فَقُبِلَ ، كَمَا لَوْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ ، أَنْتِ طَالِقٌ .\rوَقَالَ : أَرَدْت بِالثَّانِيَةِ التَّوْكِيدَ .","part":16,"page":442},{"id":7942,"text":"( 5990 ) فَصْلٌ : وَإِنْ حَلَفَ يَمِينًا عَامَّةً ، لِسَبَبٍ خَاصٍّ ، وَلَهُ نِيَّةٌ ، حُمِلَ عَلَيْهَا ، وَيُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي الْحُكْمِ ؛ لِأَنَّ السَّبَبَ دَلِيلٌ عَلَى صِدْقِهِ .\rوَإِنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا ، فَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَد مَا يَدُلُّ عَلَى أَنْ يَمِينَهُ تَخْتَصُّ بِمَا وُجِدَ فِيهِ السَّبَبُ .\rوَذَكَرَهُ الْخِرَقِيِّ ، فَقَالَ : فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ ، رُجِعَ إلَى سَبَبِ الْيَمِينِ وَمَا هَيَّجَهَا .\rفَظَاهِرُ هَذَا أَنَّ يَمِينَهُ مَقْصُورَةٌ عَلَى مَحَلِّ السَّبَبِ .\rوَهَذَا قَوْلُ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ .\rوَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ يَمِينَهُ تُحْمَلُ عَلَى الْعُمُومِ ؛ فَإِنَّهُ قَالَ ، فِي مَنْ قَالَ : لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ لَا أَصِيدَ فِي هَذَا النَّهْرِ .\rلِظُلْمٍ رَآهُ ، فَتَغَيَّرَ حَالُهُ ، فَقَالَ : النَّذْرُ يُوَفَّى بِهِ .\rوَذَلِكَ لِأَنَّ اللَّفْظَ دَلِيلُ الْحُكْمِ ، فَيَجِبُ الِاعْتِبَارُ بِهِ فِي الْخُصُوصِ وَالْعُمُومِ ، كَمَا فِي لَفْظِ الشَّارِعِ .\rوَوَجْهُ الْأَوَّلِ ، أَنَّ السَّبَبَ الْخَاصَّ يَدُلُّ عَلَى قَصْدِ الْخُصُوصِ ، وَيَقُومُ مَقَامَ النِّيَّةِ عِنْدَ عَدَمِهَا ؛ لِدَلَالَتِهِ عَلَيْهَا ، فَوَجَبَ أَنْ يَخْتَصَّ بِهِ اللَّفْظُ الْعَامُّ كَالنِّيَّةِ ، وَفَارَقَ لَفْظَ الشَّارِعِ ؛ فَإِنَّهُ يُرِيدُ بَيَانَ الْأَحْكَامِ ، فَلَا يَخْتَصُّ بِمَحَلِّ السَّبَبِ ، لِكَوْنِ الْحَاجَةِ دَاعِيَةً إلَى مَعْرِفَةِ الْحُكْمِ فِي غَيْرِ مَحَلِّ السَّبَبِ .\rفَعَلَى هَذَا ، لَوْ قَامَتْ امْرَأَتُهُ لِتَخْرُجَ ، فَقَالَ : إنْ خَرَجْت فَأَنْتِ طَالِقٌ .\rفَرَجَعَتْ ، ثُمَّ خَرَجَتْ بَعْد ذَلِكَ ، أَوْ دَعَاهُ إنْسَانٌ إلَى غَدَائِهِ ، فَقَالَ : امْرَأَتِي طَالِقٌ إنْ تَغَدَّيْت .\rثُمَّ رَجَعَ فَتَغَدَّى فِي مَنْزِلِهِ ، لَمْ يَحْنَثْ عَلَى الْأَوَّلِ ، وَيَحْنَثُ عَلَى الثَّانِي .\rوَإِنْ حَلَفَ لِعَامِلٍ أَنْ لَا يَخْرُجَ إلَّا بِإِذْنِهِ ، أَوْ حَلَفَ بِذَلِكَ عَلَى امْرَأَتِهِ أَوْ مَمْلُوكِهِ ، فَعَزَلَ الْعَامِلَ ، وَطَلَّقَ الْمَرْأَةَ ، وَبَاعَ الْمَمْلُوكَ ، أَوْ حَلَفَ عَلَى وَكِيلٍ فَعَزَلَهُ ، خُرِّجَ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ وَجْهَانِ .","part":16,"page":443},{"id":7943,"text":"( 5991 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَالَ : إنْ دَخَلَ دَارِي أَحَدٌ ، فَامْرَأَتِي طَالِقٌ .\rفَدَخَلَهَا هُوَ .\rأَوْ قَالَ لِإِنْسَانٍ : إنْ دَخَلَ دَارَك أَحَدٌ ، فَعَبْدِي حُرٌّ .\rفَدَخَلَهَا صَاحِبُهَا ، فَقَالَ الْقَاضِي : لَا يَحْنَثُ ؛ لِأَنَّ قَرِينَةَ حَالِ الْمُتَكَلِّم تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ إنَّمَا يَحْلِفُ عَلَى غَيْرِهِ ، وَيَمْنَعُ مَنْ سِوَاهُ ، فَيَخْرُجُ هُوَ مِنْ الْعُمُومِ بِالْقَرِينَةِ ، وَيَخْرُجُ الْمُخَاطَبُ مِنْ الْيَمِينِ بِهَا أَيْضًا .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يَحْنَثَ أَخْذًا بِعُمُومِ اللَّفْظِ ، وَإِعْرَاضًا عَنْ السَّبَبِ ، كَمَا فِي الَّتِي قَبْلَهَا .","part":16,"page":444},{"id":7944,"text":"( 5992 ) فَصْلٌ : وَإِذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ : إنْ وَطِئْتُك فَأَنْتِ طَالِقٌ .\rانْصَرَفَتْ يَمِينُهُ إلَى جِمَاعِهَا .\rوَقَالَ مُحَمَّدُ بْن الْحَسَنِ يَمِينُهُ عَلَى الْوَطْءِ بِالْقَدَمِ ؛ لِأَنَّهُ الْحَقِيقَةُ .\rوَحُكِيَ عَنْهُ أَنَّهُ لَوْ قَالَ : أَرَدْت بِهِ الْجِمَاعَ .\rلَمْ يُقْبَلْ فِي الْحُكْمِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الْوَطْءَ إذَا أُضِيفَ إلَى الْمَرْأَةِ ، كَانَ فِي الْعُرْفِ عِبَارَةً عَنْ الْجِمَاعِ ؛ وَلِهَذَا يُفْهَمُ مِنْهُ الْجِمَاعُ فِي لَفْظِ الشَّارِعِ ، فِي مِثْلِ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا تُوطَأُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ ، وَلَا حَائِلٌ حَتَّى تُسْتَبْرَأَ بِحَيْضَةٍ } .\rفَيَجِبُ حَمْلُهُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ عَلَيْهِ ، كَسَائِرِ الْأَسْمَاءِ الْعُرْفِيَّةِ ، مِنْ الظَّعِينَةِ ، وَالرَّاوِيَةِ ، وَأَشْبَاهِهِمَا .\rوَلَا يَحْنَثُ حَتَّى تَغِيبَ الْحَشَفَةُ فِي الْفَرْجِ .\rوَإِنْ حَلَفَ لَيُجَامِعَهَا ، أَوْ لَا يُجَامِعُهَا ، انْصَرَفَ إلَى الْوَطْءِ فِي الْفَرْجِ ، وَلَمْ يَحْنَثْ بِالْجِمَاعِ دُونَ الْفَرْجِ ، وَإِنْ أَنْزَلَ ؛ لِأَنَّ مَبْنَى الْأَيْمَانِ عَلَى الْعُرْفِ ، وَالْعُرْفُ مَا قُلْنَاهُ .\rوَإِنْ حَلَفَ لَافْتَضَضْتُك ، فَافْتَضَّهَا بِأُصْبُعٍ ، لَمْ يَحْنَثْ ؛ لِأَنَّ الْمَعْهُودَ مِنْ إطْلَاقِ هَذِهِ اللَّفْظَةِ وَطْءُ الْبِكْرِ .\rوَإِنْ حَلَفَ عَلَى امْرَأَةٍ لَا يَمْلِكُهَا ، أَنْ لَا يَنْكِحَهَا ، فَيَمِينُهُ عَلَى الْعَقْدِ ؛ لِأَنَّ إطْلَاقَ النِّكَاحِ يَنْصَرِفُ إلَيْهِ .\rوَإِنْ كَانَ مَالِكًا لَهَا بِنِكَاحٍ أَوْ مِلْكِ يَمِينٍ ، فَهُوَ عَلَى وَطْئِهَا ؛ لِأَنَّ قَرِينَةَ الْحَالِ صَارِفَةٌ عَنْ الْعَقْدِ عَلَيْهَا ؛ لِكَوْنِهَا مَعْقُودًا عَلَيْهَا .","part":16,"page":445},{"id":7945,"text":"( 5993 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَالَ : إنْ أَمَرْتُك فَخَالَفْتنِي ، فَأَنْتِ طَالِقٌ .\rثُمَّ نَهَاهَا ، فَخَالَفَتْهُ ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : لَا يَحْنَثُ .\rوَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهَا خَالَفَتْ نَهْيَهُ لَا أَمْرَهُ .\rوَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : يَحْنَثُ ، إذَا قَصَدَ أَنْ لَا تُخَالِفَهُ ، أَوْ لَمْ يَكُنْ مِمَّنْ يَعْرِفُ حَقِيقَةَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ كَذَلِكَ ، فَإِنَّمَا يُرِيدُ نَفْيَ الْمُخَالَفَةِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ تَطْلُقَ بِكُلِّ حَالٍ ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ بِالشَّيْءِ نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ ، وَالنَّهْيَ عَنْهُ أَمْرٌ بِضِدِّهِ ، فَقَدْ خَالَفَتْ أَمْرَهُ .\rوَإِنْ قَالَ لَهَا : إنْ نَهَيْتنِي عَنْ نَفْعِ أُمِّي ، فَأَنْتِ طَالِقٌ .\rفَقَالَتْ لَهُ : لَا تُعْطِهَا مِنْ مَالِي شَيْئًا .\rلَمْ يَحْنَثْ ؛ لِأَنَّ إعْطَاءَهَا مِنْ مَالِهَا لَا يَجُوزُ ، وَلَا يَجُوزُ النَّفْعُ بِهِ ، فَيَكُونُ هَذَا النَّفْعُ مُحَرَّمًا ، فَلَا يَتَنَاوَلُهُ يَمِينُهُ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يَحْنَثَ ؛ لِأَنَّهُ نَفْعٌ ، وَلَفْظُهُ عَامٌّ ، فَيَدْخُلُ الْمُحَرَّمُ فِيهِ .","part":16,"page":446},{"id":7946,"text":"( 5994 ) فَصْلٌ : فَإِنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ : إنْ خَرَجْت إلَى غَيْرِ الْحَمَّامِ ، فَأَنْتِ طَالِقٌ .\rفَخَرَجَتْ إلَى غَيْرِ الْحَمَّامِ ، طَلُقَتْ ، سَوَاءٌ عَدَلَتْ إلَى الْحَمَّامِ ، أَوْ لَمْ تَعْدِل .\rوَإِنْ خَرَجَتْ إلَى الْحَمَّامِ ، ثُمَّ عَدَلَتْ إلَى غَيْرِهِ ، فَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يَحْنَثُ ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَ هَذِهِ الْيَمِينِ الْمَنْعُ مِنْ غَيْرِ الْحَمَّامِ ، فَكَيْفَمَا صَارَتْ إلَيْهِ حَنِثَ ، كَمَا لَوْ خَالَفَتْ لَفْظَهُ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَحْنَثَ .\rوَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَفْعَلْ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ وَيَتَنَاوَلُهُ لَفْظُهُ .\rوَإِنْ خَرَجَتْ إلَى الْحَمَّامِ وَغَيْرِهِ ، وَجَمَعَتْهُمَا فِي الْقَصْدِ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، يَحْنَثُ ؛ لِأَنَّهَا خَرَجَتْ إلَى غَيْرِ الْحَمَّامِ ، وَانْضَمَّ إلَيْهِ غَيْرُهُ ، فَحِنْث بِمَا حَلَفَ عَلَيْهِ ، كَمَا لَوْ حَلَفَ لَا يُكَلِّمُ زَيْدًا ، فَكَلَّمَ زَيْدًا وَعَمْرًا .\rوَالثَّانِي ، لَا يَحْنَثُ ؛ لِأَنَّهَا مَا خَرَجَتْ إلَى غَيْرِ الْحَمَّامِ ، بَلْ الْخُرُوجُ مُشْتَرَكٌ .\rوَنَقَلَ الْفَضْلُ بْنُ زِيَادٍ ، عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّهُ سُئِلَ : إذَا حَلَفَ بِالطَّلَاقِ أَنْ لَا يَخْرُجَ مِنْ بَغْدَادَ إلَّا لِنُزْهَةٍ .\rفَخَرَجَ إلَى النُّزْهَةِ ، ثُمَّ مَرَّ إلَى مَكَّةَ ، فَقَالَ : النُّزْهَةُ لَا تَكُونُ إلَى مَكَّةَ .\rفَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ أَحْنَثَهُ ، وَوَجْهُهُ مَا تَقَدَّمَ ، وَقَالَ ، فِي رَجُلٍ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ أَنْ لَا يَأْتِي أَرْمِينِيَةَ إلَّا بِإِذْنِ امْرَأَتِهِ .\rفَقَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ : اذْهَبْ حَيْثُ شِئْت .\rفَقَالَ : لَا ، حَتَّى تَقُولَ : إلَى أَرْمِينِيَةَ .\rوَالصَّحِيحُ أَنَّهُ مَتَى أَذِنَتْ لَهُ إذْنًا عَامًّا ، لَمْ يَحْنَثْ .\rقَالَ الْقَاضِي : وَهَذَا مِنْ كَلَامِ أَحْمَدَ ، مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ هَذَا خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَضَبِ وَالْكَرَاهَةِ ، وَلَوْ قَالَتْ هَذَا بِطِيبِ قَلْبِهَا ، كَانَ إذْنًا مِنْهَا ، وَلَهُ الْخُرُوجُ ، وَإِنْ كَانَ بِلَفْظٍ عَامٍّ .","part":16,"page":447},{"id":7947,"text":"( 5995 ) فَصْلٌ : فَإِنْ حَلَفَ لَيَرْحَلَنَّ مِنْ هَذِهِ الدَّارِ ، أَوْ لَيَخْرُجَنَّ مِنْ هَذِهِ الْمَدِينَةِ .\rفَفَعَلَ ثُمَّ عَادَ إلَيْهَا ، لَمْ يَحْنَثْ ، إلَّا أَنْ تَكُونَ نِيَّتُهُ أَوْ سَبَبُ يَمِينِهِ يَقْتَضِي عَدَمَ الرُّجُوعِ إلَيْهَا ؛ لِأَنَّ الْحَلِفَ عَلَى الْخُرُوجِ وَالرَّحِيلِ ، وَقَدْ فَعَلَهُمَا .\rوَقَدْ نَقَلَ عَنْهُ إسْمَاعِيلُ بْنُ سَعِيدٍ ، إذَا حَلَفَ عَلَى رَجُلٍ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ بَغْدَادَ ، فَخَرَجَ ثُمَّ رَجَعَ : قَدْ مَضَتْ يَمِينُهُ ، لَا شَيْءَ عَلَيْهِ .\rوَنَقَلَ عَنْهُ مُثَنَّى بْنُ جَامِعٍ ، فِي مَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ : أَنْتِ طَالِقٌ ، إنْ لَمْ نَرْحَلْ مِنْ هَذِهِ الدَّارِ : إنْ لَمْ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ ، وَلَمْ يَنْوِ شَيْئًا ، هِيَ إلَى أَنْ تَمُوتَ ، فَإِنْ رَحَلَ لَمْ يَرْجِعْ .\rوَمَعْنَى هَذَا ، أَنَّهُ إنْ أَدْرَكَهُ الْمَوْتُ قَبْلَ إمْكَانِ الرَّحِيلِ ، لَمْ يَحْنَثْ ، وَإِنْ أَمْكَنَهُ الرَّحِيلُ ، فَلَمْ يَفْعَلْ ، لَمْ يَحْنَثْ حَتَّى يَمُوتَ أَحَدُهُمَا ، فَيَقَعَ بِهَا الطَّلَاقُ فِي آخِرِ أَوْقَاتِ الْإِمْكَانِ .\rوَأَمَّا قَوْلُهُ : إنْ رَحَلَ لَمْ يَرْجِعْ .\rفَمَحْمُولٌ عَلَى مَنْ كَانَ لِيَمِينِهِ سَبَبٌ يَقْتَضِي هِجْرَانَ الدَّارِ عَلَى الدَّوَامِ .\rوَنَقَلَ مُهَنَّا ، فِي رَجُلٍ قَالَ لِامْرَأَتِهِ : إنْ وَهَبْت كَذَا فَأَنْتِ طَالِقٌ .\rفَإِذَا هِيَ قَدْ وَهَبَتْ .\rقَالَ : أَخَافُ أَنْ يَكُونَ قَدْ حَنِثَ .\rقَالَ الْقَاضِي : هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ قَالَ : إنْ كُنْت وَهَبْته .\rوَإِلَّا فَلَا يَحْنَثُ حَتَّى تَبْتَدِئَ هِبَتَهُ ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ تَقْتَضِي فِعْلًا مُسْتَقْبِلًا يَحْنَثُ بِهِ ، وَمَا فَعَلَتْ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ بَعْدَ يَمِينِهِ .\rوَنُقِلَ عَنْهُ أَيْضًا ، فِي رَجُلٍ قَالَ لِامْرَأَتِهِ : إنْ رَأَيْتُك تَدْخُلِينَ الدَّارِ ، فَأَنْتِ طَالِقٌ : فَهُوَ عَلَى نِيَّتِهِ ، إنْ أَرَادَ أَنْ لَا تَدْخُلَهَا حَنِثَ ، وَإِنْ كَانَ نَوَى إذَا رَآهَا ، لَمْ يَحْنَثْ حَتَّى يَرَاهَا تَدْخُلُ .\rوَهُوَ كَمَا قَالَ ؛ فَإِنَّ مَبْنَى الْيَمِينِ عَلَى النِّيَّات ، سِيَّمَا وَالرُّؤْيَةُ تُطْلَقُ عَلَى الْعِلْمِ ، كَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ } .","part":16,"page":448},{"id":7948,"text":"وَنَحْوِهِ .\rوَمَتَى لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ وَلَا هُنَاكَ سَبَبٌ يَدُلُّ عَلَى إرَادَتِهِ مَعَ الدُّخُولِ بِمُجَرَّدِهِ ، لَمْ يَحْنَثْ حَتَّى يَرَاهَا تَدْخُلُ الدَّارَ ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي تَنَاوَلَهُ لَفْظُهُ .\rوَنَقَلَ عَنْهُ الْمَرْوِيُّ ، فِي رَجُلٍ أَقْرَضَ رَجُلًا دَرَاهِمَ ، فَحَلَفَ أَنْ لَا يَقْبَلَهَا ، وَكَانَ الرَّجُلُ مَيِّتًا : تُعْطَى الْوَرَثَةُ .\rيَعْنِي إذَا مَاتَ الْحَالِفُ يُوَفَّى الْوَرَثَةُ ، وَلَا يَبْرَأُ بِيَمِينِهِ ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ إبْرَاءً ، فَلَا يَسْقُطُ الْحَقُّ بِهَا .","part":16,"page":449},{"id":7949,"text":"( 5996 ) فَصْلٌ : وَلَوْ قَالَ : امْرَأَتِي طَالِقٌ ، إنْ كُنْت أَمْلِكُ إلَّا مِائَةً .\rوَكَانَ يَمِلْك أَكْثَرَ مِنْ مِائَةٍ ، أَوْ أَقَلِّ ، حَنِثَ .\rفَإِنْ نَوَى أَنِّي لَا أَمْلِكُ أَكْثَرَ مِنْ مِائَةٍ ، لَمْ يَحْنَثْ بِمِلْكِ مَا دُونَهَا .\rوَإِنْ قَالَ : إنْ كُنْت أَمْلِكُ أَكْثَرَ مِنْ مِائَةٍ ، فَامْرَأَتِي طَالِقٌ .\rوَكَانَ يَمْلِكُ أَقَلَّ مِنْ الْمِائَةِ ، لَمْ يَحْنَثْ ؛ لِأَنَّهُ صَادِقٌ .","part":16,"page":450},{"id":7950,"text":"( 5997 ) فَصْلٌ : فَإِنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ : يَا طَالِقُ ، أَنْتِ طَالِقٌ إنْ دَخَلْت الدَّارَ طَلُقَتْ وَاحِدَةً بِقَوْلِهِ : يَا طَالِقُ .\rوَبَقِيَتْ أُخْرَى مُعَلَّقَةً بِدُخُولِ الدَّارِ .\rوَلَوْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا يَا طَالِقُ ، إنْ دَخَلْت الدَّارَ .\rفَإِنْ كَانَتْ لَهُ نِيَّةٌ ، رَجَعَ إلَيْهَا ، وَإِلَّا وَقَعَتْ وَاحِدَةً بِالنِّدَاءِ ، وَبَقِيت الثَّلَاثُ مُعَلَّقَةً عَلَى دُخُولِ الدَّارِ .\rوَكَذَا لَوْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ يَا زَانِيَةُ ، إنْ دَخَلْت الدَّارَ .\rوَعَادَ الشَّرْطُ إلَى الطَّلَاقِ ، دُونَ الْقَذْفِ .\rوَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ : يَرْجِعُ الشَّرْطُ إلَيْهِمَا فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ ، فَلَا يَقَعُ بِهَا فِي الْحَالِ شَيْءٌ .\rوَالْأَوْلَى أَنْ يَرْجِعَ الشَّرْطُ إلَى الْخَبَرِ الَّذِي يَصِحُّ فِيهِ التَّصْدِيقُ وَالتَّكْذِيبُ ، وَجَرَتْ الْعَادَةُ بِتَعْلِيقِهِ بِالشَّرْطِ ، بِخِلَافِ النِّدَاءِ وَالْقَذْفِ ، الَّذِي لَا يُوجَدُ ذَلِكَ فِيهِ .","part":16,"page":451},{"id":7951,"text":"( 5998 ) فَصْلٌ : فَإِنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ : أَنْتِ طَالِقٌ مَرِيضَةً .\rبِالنَّصْبِ ، أَوْ الرَّفْعِ ، وَنَوَى بِهِ وَصْفَهَا بِالْمَرَضِ فِي الْحَالِ ، طَلُقَتْ فِي الْحَالِ .\rوَإِنْ نَوَى بِهِ أَنْتِ طَالِقٌ فِي حَالِ مَرَضِك .\rلَمْ تَطْلُقْ حَتَّى تُمَرَّضَ ؛ لِأَنَّ هَذَا حَالٌ ، وَالْحَالُ مَفْعُولٌ فِيهِ ، كَالظَّرْفِ ، وَيَكُونُ الرَّفْعُ لَحْنًا ؛ لِأَنَّ الْحَالَ مَنْصُوبٌ .\rوَإِنْ أَطْلَقَ وَنَصَبَ ، انْصَرَفَ إلَى الْحَالِ ؛ لِأَنَّ مَرِيضَةً اسْمٌ نَكِرَةٌ ، جَاءَ بَعْدَ تَمَامِ الْكَلَامِ وَصْفًا لِمَعْرِفَةٍ ، فَيَكُونُ حَالًا ، وَإِنْ رَفَعَ ، فَالْأَوْلَى وُقُوعُ الطَّلَاقِ فِي الْحَالِ ، وَيَكُونُ ذَلِكَ وَصْفًا لِطَالِقٍ ، الَّذِي هُوَ خَبَرُ الْمُبْتَدَأِ ، وَإِنْ أَسْكَنَ احْتَمَلَ وَجْهَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ؛ وُقُوعُ الطَّلَاقِ فِي الْحَالِ ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ : أَنْتِ طَالِقٌ .\rيَقْتَضِي وُقُوعَ الطَّلَاقِ فِي الْحَالِ ، فَقَدْ تَيَقَّنَّا وُجُودَ الْمُقْتَضِي ، وَشَكَكْنَا فِيمَا يَمْنَعُ حُكْمَهُ ، فَلَا نَزُولَ عَنْ الْيَقِينِ بِالشَّكِّ .\rوَالثَّانِي ، لَا يَقَعُ إلَّا فِي حَالِ مَرَضِهَا ؛ لِأَنَّ ذِكْرَهُ لِلْمَرَضِ فِي سِيَاقِ الطَّلَاقِ يَدُلُّ عَلَى تَعْلِيقِهِ بِهِ ، وَتَأْثِيرِهِ فِيهِ ، وَلَا يُؤَثِّرُ فِيهِ إلَّا إذَا كَانَ حَالًا .","part":16,"page":452},{"id":7952,"text":"( 5999 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِذَا قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ إذَا قَدِمَ فُلَانٌ .\rفَقَدِمَ بِهِ مَيِّتًا ، أَوْ مُكْرَهًا ، لَمْ تَطْلُقْ ) أَمَّا إذَا قَدِمَ بِهِ مَيِّتًا ، أَوْ مُكْرَهًا مَحْمُولًا ، فَلَا تَطْلُقُ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْدَمْ ، إنَّمَا قَدِمَ بِهِ .\rوَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ .\rوَنُقِلَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ ، أَنَّهُ يَحْنَثُ ؛ لِأَنَّ الْفِعْلَ يُنْسَبُ إلَيْهِ ، وَلِذَلِكَ يُقَالُ : دَخَلَ الطَّعَامُ الْبَلَدَ .\rإذَا حُمِلَ إلَيْهِ .\rوَلَوْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ إذَا دَخَلَ الطَّعَامُ الْبَلَدَ .\rطَلُقَتْ إذَا حُمِلَ إلَيْهِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الْفِعْلَ لَيْسَ مِنْهُ ، وَالْفِعْلُ لَا يُنْسَبُ إلَى غَيْرِ فَاعِله إلَّا مَجَازًا ، وَالْكَلَامُ عِنْدَ إطْلَاقِهِ لِحَقِيقَتِهِ إذَا أَمْكَنَ ، وَأَمَّا الطَّعَامُ ، فَلَا يُمْكِنُ وُجُودُ الْفِعْلِ مِنْهُ حَقِيقَةً ، فَتَعَيَّنَ حَمْلُ الدُّخُولِ فِيهِ عَلَى مَجَازِهِ .\rوَأَمَّا إنْ قَدِمَ بِنَفْسِهِ لَإِكْرَاهٍ ، فَعَلَى قَوْلِ الْخِرَقِيِّ : لَا يَحْنَثُ .\rوَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : يَحْنَثُ .\rوَحَكَاهُ عَنْ أَحْمَدَ ؛ لِأَنَّ الْفِعْلَ مِنْهُ حَقِيقَةً ، وَيُنْسَبُ إلَيْهِ ، قَالَ اللَّه تَعَالَى : { وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إذَا جَاءُوهَا } .\rوَيَصِحُّ أَمْرُ الْمُكْرَهِ بِالْفِعْلِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { اُدْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ } .\rوَلَوْلَا أَنَّ الْفِعْلَ يَتَحَقَّقُ مِنْهُ ، لَمَا صَحَّ أَمْرُهُ بِهِ .\rوَوَجْهُ الْأَوَّلِ ، أَنَّهُ بِالْإِكْرَاهِ زَالَ اخْتِيَارُهُ ، فَإِذَا وُجِدَتْ الصِّفَةُ مِنْهُ ، كَانَ كَوُجُودِ الطَّلَاقِ مِنْهُ مُكْرَهًا ، وَهَذَا فِيمَا إذَا أَطْلَقَ .\rوَإِنْ كَانَتْ لَهُ نِيَّةٌ ، حُمِلَ عَلَيْهَا كَلَامُهُ ، وَتَقَيَّدَ بِهَا .\r( 6000 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَدِمَ مُخْتَارًا ، حَنِثَ الْحَالِفُ ، سَوَاءٌ عَلِمَ الْقَادِمُ بِالْيَمِينِ أَوْ جَهِلَهَا .\rقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْخَلَّالُ : يَقَعُ الطَّلَاقُ ، قَوْلًا وَاحِدًا .\rوَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ حَامِدٍ : إنْ كَانَ الْقَادِمُ مِمَّنْ لَا يَمْتَنِعُ مِنْ الْقُدُومِ بِيَمِينِهِ ، كَالسُّلْطَانِ ، وَالْحَاجِّ ،","part":16,"page":453},{"id":7953,"text":"وَالرَّجُلِ الْأَجْنَبِيِّ ، حَنِثَ الْحَالِفُ ، وَلَا يُعْتَبَرُ عِلْمُهُ وَلَا جَهْلُهُ ، وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يَمْتَنِعُ بِالْيَمِينِ مِنْ الْقُدُومِ ، كَقَرَابَةٍ لَهُمَا ، أَوْ لِأَحَدِهِمَا ، أَوْ غُلَامٍ لِأَحَدِهِمَا ، فَجَهِلَ الْيَمِينَ ، أَوْ نَسِيَهَا ، فَالْحُكْمُ فِيهِ كَمَا لَوْ حَلَفَ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ ، فَفَعَلَهُ نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا ، وَفِي ذَلِكَ رِوَايَتَانِ ، كَذَلِكَ هَاهُنَا ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ مِمَّنْ تَمْنَعُهُ الْيَمِينُ ، كَانَ تَعْلِيقًا لِلطَّلَاقِ عَلَى صِفَةٍ ، وَلَمْ يَكُنْ يَمِينًا ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ عَلَّقَهُ عَلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ ، وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يَمْتَنِعُ ، كَانَ يَمِينًا ، فَيُعْذَرُ فِيهَا بِالنِّسْيَانِ وَالْجَهْلِ ، وَيَنْبَغِي أَنْ تُعْتَبَرَ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ نِيَّةُ الْحَالِفِ ، وَقَرَائِنُ أَحْوَالِهِ ، الدَّالَّةُ عَلَى قَصْدِهِ ، فَإِنْ كَانَ قَصْدُهُ بِيَمِينِهِ مَنْعَ الْقَادِمِ مِنْ الْقُدُومِ ، كَانَ يَمِينًا ، وَإِنْ كَانَ قَصْدُهُ جَعْلَهُ صِفَةً فِي مُطْلَقَةٍ ، لَمْ يَكُنْ يَمِينًا ، وَيَسْتَوِي فِيهِ عِلْمُ الْقَادِمِ وَجَهْلُهُ ، وَنِسْيَانُهُ ، وَجُنُونُهُ وَإِفَاقَتُهُ ، مِثْل أَنْ يَقْصِدَ طَلَاقَهَا إذَا حَصَلَ مَعَهَا مَحْرَمُهَا ، وَلَا يُطَلِّقُهَا وَحْدَهَا ، وَتُعْتَبَرُ قَرَائِنُ الْأَحْوَالِ ؛ فَمَتَى عَلَّقَ الْيَمِينَ عَلَى قُدُومِ غَائِبٍ بَعِيدٍ ، يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ الْيَمِينَ وَلَا يَمْتَنِعُ بِهَا ، أَوْ عَلَى فِعْلِ صَغِيرٍ ، أَوْ مَجْنُونٍ ، أَوْ مَنْ لَا يَمْتَنِعُ بِهَا ، لَمْ تَكُنْ يَمِينًا .\rوَإِنْ عَلَّقَ ذَلِكَ عَلَى فِعْلِ حَاضِرٍ يَعْلَمُ بِيَمِينِهِ ، وَيَمْتَنِعُ لِأَجَلِهَا مِنْ فِعْلِ مَا عَلَّقَ الطَّلَاقَ عَلَيْهِ ، كَانَ يَمِينًا .\rوَمَتَى أَشْكَلَتْ الْحَالُ ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَقَعَ الطَّلَاقُ ؛ لِأَنَّ لَفْظَهُ يَقْتَضِي وُقُوعَ الطَّلَاقِ عِنْدَ وُجُودِ هَذِهِ الصِّفَةِ عَلَى الْعُمُومِ ، وَإِنَّمَا يَنْصَرِفُ عَنْ ذَلِكَ بِدَلِيلٍ ، فَمَتَى شَكَكْنَا فِي الدَّلِيلِ الْمُخَصِّصِ ، وَجَبَ الْعَمَلُ بِمُقْتَضَى الْعُمُومِ .","part":16,"page":454},{"id":7954,"text":"( 6001 ) فَصْلٌ : فَإِنْ قَالَ : إنْ تَرَكْت هَذَا الصَّبِيَّ يَخْرُجُ ، فَأَنْتِ طَالِقٌ .\rفَانْفَلَتَ الصَّبِيُّ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهَا ، فَخَرَجَ ، فَإِنْ كَانَ نَوَى أَنْ لَا يَخْرُجَ فَقَدْ حَنِثَ ، وَإِنْ نَوَى أَنْ لَا تَدَعَهُ ، لَمْ يَحْنَثْ .\rنَصَّ أَحْمَدُ عَلَى مَعْنَى هَذَا ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْيَمِينَ إذَا وَقَعَتْ عَلَى فِعْلِهَا ، فَقَدْ فَعَلَ الْخُرُوجَ عَلَى غَيْرِ اخْتِيَارٍ مِنْهَا ، فَكَانَتْ كَالْمُكْرَهِ إذْ لَمْ يُمْكِنْهَا حِفْظُهُ وَمَنْعُهُ .\rوَإِنْ نَوَى فِعْلَهُ ، فَقَدْ وُجِدَ ، وَحَنِثَ .\rوَإِنْ لَمْ تُعْلَمْ نِيَّتُهُ ، انْصَرَفَتْ يَمِينُهُ إلَى فِعْلِهَا ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي تَنَاوَلَهُ لَفْظُهُ ، فَلَا يَحْنَثُ إلَّا إذَا خَرَجَ بِتَفْرِيطِهَا فِي حِفْظِهِ أَوْ اخْتِيَارِهَا .","part":16,"page":455},{"id":7955,"text":"( 6002 ) فَصْلٌ : فَإِنْ حَلَفَ لَا تَأْخُذُ حَقَّك مِنِّي ، فَأُكْرِهَ عَلَى دَفْعِهِ إلَيْهِ ، وَأَخَذَهُ مِنْهُ قَهْرًا ، حَنِثَ ؛ لِأَنَّ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ فِعْلُ الْأَخْذِ ، وَقَدْ أَخَذَهُ مُخْتَارًا .\rوَإِنْ أُكْرِهَ صَاحِبُ الْحَقِّ عَلَى أَخْذِهِ ، خُرِّجَ عَلَى الْوَجْهَيْنِ ، فِي مَنْ أُكْرِهَ عَلَى الْقُدُومِ .\rوَإِنْ وَضَعَهُ الْحَالِفُ فِي حِجْرِهِ ، أَوْ بَيْنَ يَدَيْهِ ، أَوْ إلَى جَنْبِهِ ، فَلَمْ يَأْخُذْهُ ، لَمْ يَحْنَثْ ؛ لِأَنَّ الْأَخْذَ مَا وُجِدَ .\rوَإِنْ أَخَذَهُ الْحَاكِمُ أَوْ السُّلْطَانُ مِنْ الْغَرِيمِ ، فَدَفَعَهُ إلَى الْمُسْتَحِقِّ فَأَخَذَهُ ، فَقَالَ الْقَاضِي : لَا يَحْنَثُ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ مَا أَخَذَهُ مِنْهُ .\rوَإِنْ قَالَ : لَا تَأْخُذْ حَقَّك عَلَيَّ .\rحَنِثَ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَخَذَ حَقَّهُ الَّذِي عَلَيْهِ .\rوَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّهُ يَحْنَثُ فِي الصُّورَتَيْنِ .\rقَالَهُ أَبُو بَكْرٍ وَهُوَ الَّذِي يَقْتَضِيه مَذْهَبُهُ ؛ لِأَنَّ الْأَيْمَانَ عِنْدَهُ عَلَى الْأَسْبَابِ ، لَا عَلَى الْأَسْمَاءِ ، وَلِأَنَّهُ لَوْ وَكَّلَ وَكِيلًا ، فَأَخَذَهُ مِنْهُ ، كَانَ آخِذًا لِحَقِّهِ مِنْهُ عُرْفًا ، وَيُسَمَّى آخِذًا ؛ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا } .\rوَقَالَ : { وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمْ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا } .\rوَإِنْ كَانَتْ الْيَمِينُ مِنْ صَاحِبِ الْحَقِّ ، فَحَلَفَ : لَا أَخَذْت حَقِّي مِنْك .\rفَالتَّفْرِيعُ فِيهَا كَاَلَّتِي قَبْلَهَا .\rفَإِنْ تَرَكَهَا الْغَرِيمُ فِي أَثْنَاءِ مَتَاعٍ فِي خُرْجٍ ، ثُمَّ دَفَعَ الْخُرْجَ إلَى الْحَالِفِ ، فَأَخَذَهُ وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّهَا فِيهِ ، لَمْ يَحْنَثْ ؛ لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ بِمَعْدُودٍ أَخْذًا ، وَلَا يَبْرَأُ بِهِ الْغَرِيمُ مِنْهَا .\rفَإِنْ كَانَتْ الْيَمِينُ : لَا أُعْطِيتُك حَقَّك ، فَأَخَذَهُ الْحَاكِمُ مِنْهُ كُرْهًا ، فَدَفَعَهُ إلَى الْغَرِيم ، لَمْ يَحْنَثْ .\rوَإِنْ أَكْرَهَهُ عَلَى دَفْعِهِ إلَيْهِ ، فَدَفَعَهُ ، خُرِّجَ عَلَى الْوَجْهَيْنِ فِي الْمُكْرَهِ .\rوَإِنْ أَعْطَاهُ بِاخْتِيَارِهِ ، حَنِثَ .\rوَإِنْ وَضَعَهُ فِي حِجْرِهِ ، أَوْ","part":16,"page":456},{"id":7956,"text":"جَيْبِهِ ، أَوْ صُنْدُوقِهِ ، وَهُوَ يَعْلَمُ ، حَنِثَ ؛ لِأَنَّهُ أَعْطَاهُ .\rوَإِنْ دَفَعَهُ إلَى الْحَاكِمِ اخْتِيَارًا ، لِيَدْفَعَهُ إلَى الْغَرِيمِ ، فَدَفَعَهُ ، أَوْ أَخَذَهُ مِنْ مَالِهِ بِاخْتِيَارِهِ ، فَدَفَعَهُ إلَى الْغَرِيمِ ، حَنِثَ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : لَا يَحْنَثُ .\rوَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يَحْنَثُ ؛ لِأَنَّهُ أَوْصَلَهُ إلَيْهِ مُخْتَارًا ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ دَفَعَهُ إلَى وَكِيله ، فَأَعْطَاهُ إيَّاهُ ، وَلِأَنَّ الْأَيْمَانَ عَلَى الْأَسْبَابِ ، لَا عَلَى الْأَسْمَاءِ ، عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فِيمَا مَضَى .","part":16,"page":457},{"id":7957,"text":"( 6003 ) فَصْلٌ : فَإِنْ قَالَ : إنْ رَأَيْت أَبَاكِ ، فَأَنْتِ طَالِقٌ .\rفَرَأَتْهُ مَيِّتًا ، أَوْ نَائِمًا ، أَوْ مُغْمًى عَلَيْهِ ، أَوْ رَأَتْهُ مِنْ خَلْفِ زُجَاجٍ ، أَوْ جِسْمٍ شَفَّافٍ ، طَلُقَتْ ؛ لِأَنَّهَا رَأَتْهُ ، وَإِنْ رَأَتْ خَيَالَهُ فِي مَاءٍ ، أَوْ مِرْآةٍ ، أَوْ صُورَتَهُ عَلَى حَائِطٍ ، أَوْ غَيْرِهِ ، لَمْ تَطْلُقْ ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَرَهُ ، وَإِنْ أُكْرِهَتْ عَلَى رُؤْيَتِهِ ، خُرِّجَ عَلَى الْوَجْهَيْنِ .","part":16,"page":458},{"id":7958,"text":"( 6004 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِذَا قَالَ لِمَدْخُولٍ بِهَا : أَنْتِ طَالِقٌ ، أَنْتِ طَالِقٌ .\rلَزِمَهُ تَطْلِيقَتَانِ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ أَرَادَ بِالثَّانِيَةِ إفْهَامَهَا أَنْ قَدْ وَقَعَتْ بِهَا الْأُولَى ، فَتَلْزَمُهُ وَاحِدَةٌ .\rوَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مَدْخُولٍ بِهَا ، بَانَتْ بِالْأُولَى ، وَلَمْ يَلْزَمْهَا مَا بَعْدَهَا ؛ لِأَنَّهُ ابْتِدَاءُ كَلَامٍ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ الْمَدْخُولِ بِهَا : أَنْتِ طَالِقٌ .\rمَرَّتَيْنِ .\rوَنَوَى بِالثَّانِيَةِ إيقَاعَ طَلْقَةٍ ثَانِيَةٍ ، وَقَعَتْ بِهَا طَلْقَتَانِ بِلَا خِلَافٍ ، وَإِنْ نَوَى بِهَا إفْهَامَهَا أَنَّ الْأُولَى قَدْ وَقَعَتْ بِهَا ، أَوْ التَّأْكِيدَ ، لَمْ تَطْلُقْ إلَّا وَاحِدَةً .\rوَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ ، وَقَعَ طَلْقَتَانِ .\rوَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٌ .\rوَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ ، وَقَالَ فِي الْآخَرِ : تَطْلُقُ وَاحِدَةً ؛ لِأَنَّ التَّكْرَارَ يَكُونُ لِلتَّأْكِيدِ وَالْإِفْهَامِ ، وَيَحْتَمِلُ الْإِيقَاعَ ، فَلَا تُوقَعُ طَلْقَةٌ بِالشَّكِّ .\rوَلَنَا ، أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ لِلْإِيقَاعِ ، وَيَقْتَضِي الْوُقُوعَ ، بِدَلِيلِ مَا لَوْ لَمْ يَتَقَدَّمْهُ مِثْلُهُ ، وَإِنَّمَا يَنْصَرِفُ عَنْ ذَلِكَ بِنِيَّةِ التَّأْكِيدِ وَالْإِفْهَامِ ، فَإِذَا لَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ وَقَعَ مُقْتَضَاهُ ، كَمَا يَجِب الْعَمَلُ بِالْعُمُومِ .\rفِي الْعَامِّ إذَا لَمْ يُوجَدْ الْمُخَصِّصُ ، وَبِالْإِطْلَاقِ فِي الْمُطْلَقِ إذَا لَمْ يُوجَدْ الْمُقَيِّدُ .\rفَأَمَّا غَيْرُ الْمَدْخُولِ بِهَا ، فَلَا تَطْلُقُ إلَّا طَلْقَةً وَاحِدَةً ، سَوَاءٌ نَوَى الْإِيقَاعَ أَوْ غَيْرَهُ ، وَسَوَاءٌ قَالَ ذَلِكَ مُنْفَصِلًا ، أَوْ مُتَّصِلًا .\rوَهَذَا قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ ، وَعِكْرِمَةَ ، وَالنَّخَعِيِّ ، وَحَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ ، وَالْحَكَمِ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ وَأَبِي عُبَيْدٍ ، وَابْن الْمُنْذِرِ .\rوَذَكَرُهُ الْحَكَمُ عَنْ عَلِيٍّ ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ .\rوَقَالَ مَالِكٌ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَاللَّيْثُ يَقَعُ بِهَا تَطْلِيقَتَانِ ، وَإِنْ قَالَ","part":16,"page":459},{"id":7959,"text":"ذَلِكَ ثَلَاثًا ، طَلُقَتْ ثَلَاثًا ، إذَا كَانَ مُتَّصِلًا ؛ لِأَنَّهُ طَلَّقَ ثَلَاثًا بِكَلَامٍ مُتَّصِلٍ ، أَشْبَهَ قَوْلَهُ : أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ طَلَاقٌ مُفَرَّقٌ ، فِي غَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا ، فَلَمْ تَقَعْ الْأُولَى ، كَمَا لَوْ فَرَّقَ كَلَامَهُ ، وَلِأَنَّ غَيْرَ الْمَدْخُولِ بِهَا تَبِينُ بِطَلْقَةٍ ، لِأَنَّهُ لَا عِدَّةَ عَلَيْهَا ، فَتُصَادِفُهَا الطَّلْقَةُ الثَّانِيَةُ بَائِنًا ، فَلَمْ يُمْكِنْ وُقُوعُ الطَّلَاقِ بِهَا ؛ لِأَنَّهَا غَيْرُ زَوْجَةٍ ، وَإِنَّمَا تَطْلُق الزَّوْجَةُ ، وَلِأَنَّهُ قَوْلُ مَنْ سَمَّيْنَا مِنْ الصَّحَابَة ، وَلَا نَعْلَمُ لَهُمْ مُخَالِفًا فِي عَصْرِهِمْ ، فَيَكُونُ إجْمَاعًا .","part":16,"page":460},{"id":7960,"text":"( 6005 ) فَصْلٌ : فَإِنْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ .\rثُمَّ مَضَى زَمَنٌ طَوِيلٌ ، ثُمَّ أَعَادَ ذَلِكَ لِلْمَدْخُولِ بِهَا ، طَلُقَتْ ثَانِيَةً ، وَلَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ : نَوَيْت التَّوْكِيدَ ؛ لِأَنَّ التَّوْكِيدَ تَابِعٌ لِلْكَلَامِ ، فَشَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا بِهِ ، كَسَائِرِ التَّوَابِعِ ؛ مِنْ الْعِطْفِ ، وَالصِّفَةِ ، وَالْبَدَلِ .","part":16,"page":461},{"id":7961,"text":"فَصْلٌ : وَكُلُّ طَلَاقٍ يَتَرَتَّبُ فِي الْوُقُوعِ ، وَيَأْتِي بَعْضُهُ بَعْدَ بَعْضٍ ، لَا يَقَعُ بِغَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا مِنْهُ أَكْثَرُ مِنْ طَلْقَةٍ وَاحِدَةٍ ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ .\rوَيَقَعُ بِالْمَدْخُولِ بِهَا ثَلَاثٌ إذَا أَوْقَعَهَا ، مِثْل قَوْلِهِ : أَنْتِ طَالِقٌ ، فَطَالِقٌ ، فَطَالِقٌ .\rأَوْ : أَنْتِ طَالِقٌ ، ثُمَّ طَالِقٌ ، ثُمَّ طَالِقٌ .\rأَوْ : أَنْتِ طَالِقٌ ثُمَّ طَالِقٌ وَطَالِقٌ .\rأَوْ : فَطَالِقٌ .\rوَأَشْبَاهُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ هَذِهِ حُرُوفٌ تَقْتَضِي التَّرْتِيبَ ، فَتَقَعُ بِهَا الْأُولَى فَتُبِينُهَا ، فَتَأْتِي الثَّانِيَةُ فَتُصَادِفُهَا بَائِنًا غَيْرَ زَوْجَةٍ ، فَلَا تَقَعُ بِهَا .\rوَأَمَّا الْمَدْخُولُ بِهَا ، فَتَأْتِي الثَّانِيَةُ فَتُصَادِفُ مَحَلَّ النِّكَاحِ ، فَتَقَعُ ، وَكَذَلِكَ الثَّالِثَةُ .\rوَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ ، بَلْ ، طَالِقٌ ، وَطَالِقٌ .\rذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ .\rوَلَوْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً قَبْلَ طَلْقَةٍ .\rأَوْ : بَعْدَ طَلْقَةٍ .\rأَوْ بَعْدَهَا طَلْقَةٌ .\rأَوْ : طَلْقَةً فَطَلْقَةً .\rأَوْ : طَلْقَةً ثُمَّ طَلْقَةً .\rوَقَعَ بِغَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا طَلْقَةٌ ، وَبِالْمَدْخُولِ بِهَا طَلْقَتَانِ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّ هَذَا يَقْتَضِي طَلْقَةً بَعْدَ طَلْقَةٍ .","part":16,"page":462},{"id":7962,"text":"( 6007 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً قَبْلَهَا طَلْقَةٌ .\rفَكَذَلِكَ ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي .\rوَهَذَا ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ بَعْضُهُمْ : لَا يَقَعُ بِغَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا شَيْءٌ ، بِنَاءً عَلَى قَوْلِهِمْ فِي الْمَسْأَلَةِ السُّرَيْجِيَّةِ .\rوَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : يَقَعُ طَلْقَتَانِ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّهُ اسْتَحَالَ وُقُوعُ الطَّلْقَةِ الْأُخْرَى قَبْلَ الطَّلْقَةِ الْمُوَقَّعَةِ ، فَوَقَعَتْ مَعَهَا ، لِأَنَّهَا لَمَّا تَأَخَّرَتْ عَنْ الزَّمَنِ الَّذِي قَصْدَ إيقَاعَهَا فِيهِ لِكَوْنِهِ زَمَنًا مَاضِيًا ، وَجَبَ إيقَاعُهَا فِي أَقْرَبِ الْأَزْمِنَةِ إلَيْهِ ، وَهُوَ مَعَهَا ، وَلَا يَلْزَمُ تَأَخُّرُهَا إلَى مَا بَعْدَهَا ؛ لِأَنَّ قَبْلَهُ زَمَنٌ يُمْكِنُ الْوُقُوعُ فِيهِ ، وَهُوَ زَمَنٌ قَرِيبٌ ، فَلَا يُؤَخَّرُ إلَى الْبَعِيدِ مَعَ إمْكَانِ الْقَرِيبِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ هَذَا طَلَاقٌ بَعْضُهُ قَبْلَ بَعْضٍ ، فَلَمْ يَقَعْ بِغَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا جَمِيعُهُ ، كَمَا لَوْ قَالَ : طَلْقَةً بَعْدَ طَلْقَةٍ .\rوَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَقَعَ الْمُتَأَخِّرُ فِي لَفْظِهِ مُتَقَدِّمًا ، كَمَا لَوْ قَالَ : طَلْقَةً بَعْدَ طَلْقَةٍ .\rأَوْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً غَدًا ، وَطَلْقَةً الْيَوْمَ .\rوَلَوْ قَالَ : جَاءَ زَيْدٌ بَعْد عَمْرٍو .\rأَوْ : جَاءَ زَيْدٌ وَقَبْلَهُ عَمْرٌو .\rأَوْ : أُعْطِ زَيْدًا بَعْدَ عَمْرٍو .\rوَكَانَ كَلَامًا صَحِيحًا ، يُفِيدُ تَأْخِيرَ الْمُتَقَدِّمِ لَفْظًا ، عَنْ الْمَذْكُورِ بَعْدَهُ ، وَلَيْسَ هَذَا طَلَاقًا فِي زَمَنٍ مَاضٍ ، وَإِنَّمَا يَقَعُ إيقَاعُهُ فِي الْمُسْتَقْبِلِ مُرَتَّبًا عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي رَتَّبَهُ ، وَلَوْ قُدِّرَ أَنَّ إحْدَاهُمَا مُوَقَّعَةٌ فِي زَمَنٍ مَاضٍ ، لَامْتَنَعَ وُقُوعُهَا وَحْدَهَا ، وَوَقَعْت الْأُخْرَى وَحْدَهَا ، وَهَذَا تَعْلِيلُ الْقَاضِي ، لِكَوْنِهِ لَا يَقَعُ إلَّا وَاحِدَةٌ ، وَالْأَوَّلُ مِنْ التَّعْلِيلِ أَصَحُّ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .","part":16,"page":463},{"id":7963,"text":"( 6008 ) فَصْلٌ : فَإِنْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً مَعَهَا طَلْقَةٌ .\rوَقَعَ بِهَا طَلْقَتَانِ .\rوَإِنْ قَالَ : مَعَهَا اثْنَتَانِ .\rوَقَعَ بِهَا ثَلَاثٌ ، فِي قِيَاسِ الْمَذْهَبِ .\rوَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ : يَقَعُ طَلْقَةٌ ؛ لِأَنَّ الطَّلْقَةَ إذَا وَقَعَتْ مُفْرَدَةً ، لَمْ يُمْكِنْ أَنْ يَكُونَ مَعَهَا شَيْءٌ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ أَوْقَعَ ثَلَاثَ طَلْقَاتٍ ، بِلَفْظِ يَقْتَضِي وُقُوعَهُنَّ مَعًا ، فَوَقَعْنَ كُلُّهُنَّ ، كَمَا لَوْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا .\rوَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ الطَّلْقَةَ تَقَعُ مُفْرَدَةً ، فَإِنَّ الطَّلَاقَ لَا يَقَعُ بِمُجَرَّدِ التَّلَفُّظِ بِهِ ، إذْ لَوْ وَقَعَ بِذَلِكَ ، لَمَا صَحَّ تَعْلِيقُهُ بِشَرْطٍ ، وَلَا صَحَّ وَصْفُهُ بِالثَّلَاثِ ، وَلَا بِغَيْرِهَا ، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ لَوْ قَالَ : إذَا طَلَّقْتُك فَأَنْتِ طَالِقٌ مَعَهَا طَلْقَةٌ .\rثُمَّ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ .\rفَإِنَّهَا تَطْلُقُ طَلْقَتَيْنِ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا .","part":16,"page":464},{"id":7964,"text":"فَصْلٌ : فَإِنْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً بَعْدَهَا طَلْقَةٌ .\rثُمَّ قَالَ : أَرَدْت أَنِّي أُوقِعُ بَعْدَهَا طَلْقَةً .\rدِينَ ، وَهَلْ يُقْبَلُ فِي الْحُكْمِ ؟ يُخَرَّجُ عَلَى رِوَايَتَيْنِ .\rوَإِنْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً قَبْلَهَا طَلْقَةٌ .\rوَقَالَ : أَرَدْت أَنِّي طَلَّقْتهَا قَبْلَ هَذَا فِي نِكَاحٍ آخَرِ ، أَوْ أَنَّ زَوْجًا قَبْلِي طَلَّقَهَا .\rدُيِّنَ ، وَهَلْ يُقْبَلُ فِي الْحُكْمِ ؟ عَلَى ثَلَاثَة أَوْجُهٍ ؛ أَحَدُهَا ، يُقْبَلُ .\rوَالْآخَرُ ، لَا يُقْبَلُ .\rوَالثَّالِثُ ، يُقْبَلُ إنْ كَانَ وُجِدَ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ وُجِدَ لَمْ يُقْبَلْ .\rوَالصَّحِيحُ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ وُجِدَ لَا يُقْبَلْ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْتَمِلُ مَا قَالَهُ .","part":16,"page":465},{"id":7965,"text":"( 6010 ) فَصْلٌ : فَإِنْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ طَالِقٌ طَالِقٌ .\rوَقَالَ : أَرَدْت التَّوْكِيدَ .\rقُبِلَ مِنْهُ ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ يُكَرَّرُ لِلتَّوْكِيدِ ، كَقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : \" فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ بَاطِلٌ بَاطِلٌ \" .\rوَإِنْ قَصَدَ الْإِيقَاعَ ، وَكَرَّرَ الطَّلْقَاتِ ، طَلُقَتْ ثَلَاثًا .\rوَإِنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا ، لَمْ يَقَعْ إلَّا وَاحِدَةٌ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بَيْنَهُمَا بِحَرْفٍ يَقْتَضِي الْمُغَايَرَةَ ، فَلَا يَكُنَّ مُتَغَايِرَاتٍ .\rوَإِنْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ وَطَالِقٌ وَطَالِقٌ .\rوَقَالَ : أَرَدْت بِالثَّانِيَةِ التَّأْكِيدَ .\rلَمْ يُقْبَلْ ؛ لِأَنَّهُ غَايَرَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْأُولَى بِحَرْفٍ يَقْتَضِي الْعِطْفَ وَالْمُغَايِرَةَ ، وَهَذَا يَمْنَعُ التَّأْكِيدَ ، وَأَمَّا الثَّالِثَةُ فَهِيَ كَالثَّانِيَةِ فِي لَفْظِهَا .\rفَإِنْ قَالَ : أَرَدْت بِهَا التَّوْكِيدَ .\rدُيِّنَ ، وَهَلْ يُقْبَلُ فِي الْحُكْمِ ؟ يُخَرَّجُ عَلَى رِوَايَتَيْنِ ؛ إحْدَاهُمَا ، يُقْبَلُ .\rوَهِيَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ كَرَّرَ لَفْظَ الطَّلَاقِ مِثْلَ الْأَوَّلِ ، فَقُبِلَ تَفْسِيرُهُ بِالتَّأْكِيدِ .\rكَمَا لَوْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ ، أَنْتِ طَالِقٌ .\rوَالثَّانِيَةُ ، لَا يُقْبَلُ ؛ لِأَنَّ حَرْفَ الْعِطْفِ لِلْمُغَايَرَةِ ، فَلَا يُقْبَلُ مَا يُخَالِفُ ذَلِكَ ، كَمَا لَا يُقْبَلُ فِي الثَّانِيَةِ .\rوَلَوْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ فَطَالِقٌ فَطَالِقٌ .\rأَوْ : أَنْتِ طَالِقٌ ، ثُمَّ طَالِقٌ ، ثُمَّ طَالِقٌ .\rفَالْحُكْمُ فِيهَا كَاَلَّتِي عَطَفَهَا بِالْوَاوِ .\rوَإِنْ غَايَرَ بَيْنَ الْحُرُوفِ ، فَقَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ وَطَالِقٌ ، ثُمَّ طَالِقٌ .\rأَوْ : طَالِقٌ ثُمَّ طَالِقٌ وَطَالِقٌ .\rأَوْ : طَالِقٌ وَطَالِقٌ فَطَالِقٌ .\rوَنَحْوُ ذَلِكَ ، لَمْ يُقْبَلْ فِي شَيْءٍ مِنْهَا إرَادَةَ التَّوْكِيدِ ؛ لِأَنَّ كُلَّ كَلِمَةٍ مُغَايِرَةٌ لِمَا قَبْلَهَا ، مُخَالِفَةٌ لَهَا فِي لَفْظِهَا ، وَالتَّوْكِيدُ إنَّمَا يَكُونُ بِتَكْرِيرِ الْأَوَّلِ بِصُورَتِهِ .","part":16,"page":466},{"id":7966,"text":"( 6011 ) فَصْلٌ : وَلَوْ قَالَ : أَنْتِ مُطَلَّقَةٌ ، أَنْتِ مُسَرَّحَةٌ ، أَنْتِ مُفَارَقَةٌ .\rوَقَالَ : أَرَدْت التَّوْكِيدَ بِالثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ .\rقُبِلَ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُغَايِرْ بَيْنَهُمَا بِالْحُرُوفِ الْمَوْضُوعَةِ لِلْمُغَايَرَةِ بَيْنَ الْأَلْفَاظِ ، بَلْ أَعَادَ اللَّفْظَةَ بِمَعْنَاهَا ، وَمِثْلُ هَذَا يُعَادُ تَوْكِيدًا .\rوَإِنْ قَالَ : أَنْتِ مُطَلَّقَةٌ ، وَمُسَرَّحَةٌ ، وَمُفَارَقَةٌ .\rوَقَالَ : أَرَدْت التَّوْكِيدَ .\rاحْتَمَلَ أَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ الْمُخْتَلِفَ يُعْطَفُ بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ تَوْكِيدًا ، كَقَوْلِهِ : فَأَلْفَى قَوْلَهَا كَذِبًا وَمَيْنَا وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يُقْبَلَ ؛ لِأَنَّ الْوَاوَ تَقْتَضِي الْمُغَايَرَةَ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ .","part":16,"page":467},{"id":7967,"text":"( 6012 ) مَسْأَلَة ؛ قَالَ : ( وَإِذَا قَالَ لِغَيْرِ مَدْخُولٍ بِهَا : أَنْتِ طَالِقٌ وَطَالِقٌ وَطَالِقٌ .\rلَزِمَهُ الثَّلَاثُ ؛ لِأَنَّهُ نَسَقٌ ، وَهُوَ مِثْلُ قَوْلِهِ : أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا ) وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَاللَّيْثُ ، وَرَبِيعَةُ ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى .\rوَحُكِيَ عَنْ الشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيم مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ .\rوَقَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ : لَا يَقَعُ إلَّا وَاحِدَةٌ ؛ لِأَنَّهُ أَوْقَعَ الْأُولَى قَبْلَ الثَّانِيَةِ ، فَلَمْ يَقَعْ عَلَيْهَا شَيْءٌ آخَرُ ، كَمَا لَوْ فَرَّقَهَا .\rوَلَنَا ، أَنَّ الْوَاوَ تَقْتَضِي الْجَمْعَ ، وَلَا تَرْتِيبَ فِيهَا ، فَيَكُونُ مُوقِعًا لِلثَّلَاثِ جَمِيعًا ، فَيَقَعْنَ عَلَيْهَا ، كَقَوْلِهِ : أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا .\rأَوْ : طَلْقَةً مَعَهَا طَلْقَتَانِ .\rوَيُفَارِق مَا إذَا فَرَّقَهَا ، فَإِنَّهَا لَا تَقَعُ جَمِيعًا ، وَكَذَلِكَ إذَا عَطَفَ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ بِحَرْفِ يَقْتَضِي التَّرْتِيبَ ، فَإِنَّ الْأُولَى تَقَعُ قَبْلَ الثَّانِيَةِ بِمُقْتَضَى إيقَاعِهِ ، وَهَاهُنَا لَا تَقَعُ الْأُولَى حِينَ نُطْقِهِ بِهَا حَتَّى يَتِمَّ كَلَامُهُ ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ أَلْحَقَهُ اسْتِثْنَاءً ، أَوْ شَرْطًا ، أَوْ صِفَةً ، لَحِقَ بِهِ ، وَلَمْ يَقَعْ الْأَوَّلُ مُطْلَقًا ، وَلَوْ كَانَ يَقَعُ حِينَ تَلَفَّظَهُ ، لَمْ يَلْحَقْهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ ، وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ يَقِفُ وُقُوعُهُ عَلَى تَمَامِ الْكَلَامِ ، فَإِنَّهُ يَقَعُ عِنْدَ تَمَامِ كَلَامِهِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي اقْتَضَاهُ لَفْظُهُ ، وَلَفْظُهُ يَقْتَضِي وُقُوعَ الطَّلَقَاتِ الثَّلَاثِ مُجْتَمِعَاتٍ ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ الْخِرَقِيِّ : لِأَنَّهُ نَسَقٌ .\rأَيْ غَيْرُ مُفْتَرِقٍ .\rفَإِنْ قِيلَ : إنَّمَا وَقَفَ أَوَّلُ الْكَلَامِ عَلَى آخِرِهِ ، مَعَ الشَّرْطِ وَالِاسْتِثْنَاءِ ؛ لِأَنَّهُ مُغَيِّرٌ لَهُ ، وَالْعَطْفُ لَا يُغَيِّرُ فَلَا يَقِفُ عَلَيْهِ ، وَنَتَبَيَّنُ أَنَّهُ وَقَعَ أَوَّلَ مَا لَفِظَ بِهِ ، وَلِذَلِكَ لَوْ قَالَ لَهَا : أَنْتِ طَالِقٌ ، أَنْتِ طَالِقٌ .\rلَمْ يَقَعْ إلَّا وَاحِدَةٌ .\rقُلْنَا : مَا لَمْ يَتِمَّ الْكَلَامُ ، فَهُوَ عُرْضَةٌ","part":16,"page":468},{"id":7968,"text":"لِلتَّغْيِيرِ ، إمَّا بِمَا يَخُصُّهُ بِزَمَنِ ، أَوْ يُقَيِّدُهُ بِقَيْدٍ كَالشَّرْطِ ، وَإِمَّا بِمَا يَمْنَعُ بَعْضَهُ كَالِاسْتِثْنَاءِ ، وَإِمَّا بِمَا يُبَيِّنُ عَدَدَ الْوَاقِعِ ، كَالصِّفَةِ بِالْعَدَدِ ، وَأَشْبَاهِ هَذَا ، فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ وَاقِعًا ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمَا وَقَعَ بِغَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا ثَلَاثٌ بِحَالِ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ لَهَا : أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا .\rفَوَقَعَتْ بِهَا طَلْقَةٌ قَبْلَ قَوْلِهِ ثَلَاثًا .\rلَمْ يُمْكِنْ أَنْ يَقَعَ بِهَا شَيْءٌ آخَرُ .\rوَأَمَّا إذَا قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ ، أَنْتِ طَالِقٌ .\rفَهَاتَانِ جُمْلَتَانِ لَا تَتَعَلَّقُ إحْدَاهُمَا بِالْأُخْرَى ، وَلَوْ تَعَقَّبَ إحْدَاهُمَا شَرْطٌ أَوْ اسْتِثْنَاءٌ أَوْ صِفَةٌ ، لَمْ يَتَنَاوَلْ الْأُخْرَى ، وَلَا وَجْهَ لِوُقُوفِ إحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى ، وَالْمَعْطُوفُ مَعَ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ شَيْءٌ وَاحِدٌ ، لَوْ تَعَقَّبَهُ شَرْطٌ لَعَادَ إلَى الْجَمِيعِ ، وَلِأَنَّ الْمَعْطُوفَ لَا يَسْتَقِلُّ بِنَفْسِهِ ، وَلَا يُفِيدُ بِمُفْرَدِهِ ، بِخِلَافِ قَوْلِهِ : أَنْتِ طَالِقٌ .\rفَإِنَّهَا جُمْلَةٌ مُفِيدَةٌ ، لَا تَعَلُّقَ لَهَا بِالْأُخْرَى ، فَلَا يَصِحُّ قِيَاسُهَا عَلَيْهَا .","part":16,"page":469},{"id":7969,"text":"( 6013 ) فَصْلٌ : فَإِنْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَتَيْنِ وَنِصْفًا .\rفَهِيَ عِنْدَنَا كَاَلَّتِي قَبْلَهَا ، يَقَعُ الثَّلَاثُ .\rوَقَالَ مُخَالِفُونَا : يَقَعُ طَلْقَتَانِ .\rوَإِنْ قَالَ : إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ .\rوَكَرَّرَ ذَلِكَ ثَلَاثًا ، فَدَخَلَتْ ، طَلُقَتْ ، فِي قَوْلِ الْجَمِيعِ ؛ لِأَنَّ الصِّفَةَ وُجِدَتْ ، فَاقْتَضَى وُقُوعَ دَفْعَةً وَاحِدَةً .\rوَإِنْ قَالَ : إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ وَطَالِقٌ وَطَالِقٌ ، فَدَخَلْت الدَّارَ ، طَلُقَتْ ثَلَاثًا .\rوَبِهِ قَالَ أَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ ، وَأَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَقَعُ وَاحِدَةً ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ الْمُعَلَّقَ إذَا وُجِدْت الصِّفَةُ ، يَكُونُ كَأَنَّهُ أَوْقَعَهُ فِي تِلْكَ الْحَالِ عَلَى صِفَتِهِ ، وَلَوْ أَوْقَعَهُ كَذَلِكَ ، لَمْ يَقَعْ إلَّا وَاحِدَةٌ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ وُجِدَ شَرْطُ وُقُوعِ ثَلَاثِ طَلَقَاتٍ ، غَيْرِ مُرَتَّبَاتٍ ، فَوَقَعَ الثَّلَاثُ ، كَاَلَّتِي قَبْلَهَا .\rوَإِنْ قَالَ : إذَا دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً مَعَهَا طَلْقَتَانِ .\rفَدَخَلَتْ ، طَلُقَتْ ثَلَاثًا .\rوَذَكَرَ مِثْلَ هَذَا بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ، وَلَمْ يَحْكِ عَنْهُمْ فِيهِ خِلَافًا .","part":16,"page":470},{"id":7970,"text":"( 6014 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَالَ لِغَيْرِ مَدْخُولٍ بِهَا : أَنْتِ طَالِقٌ ثُمَّ طَالِقٌ ثُمَّ طَالِقٌ ، إنْ دَخَلْت الدَّارَ .\rأَوْ : إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ ثُمَّ طَالِقٌ ثُمَّ طَالِقٌ .\rأَوْ : إنْ دَخَلْت فَأَنْتِ طَالِقٌ فَطَالِقٌ فَطَالِقٌ .\rفَدَخَلَتْ ، طَلُقَتْ وَاحِدَةً ، فَبَانَتْ بِهَا ، وَلَمْ يَقَعْ غَيْرُهَا .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَذَهَبَ الْقَاضِي إلَى أَنَّهَا تَطْلُقُ فِي الْحَالِ وَاحِدَةً ، تَبِينُ بِهَا .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى ؛ لِأَنَّ \" ثُمَّ \" تَقْطَعُ الْأُولَى عَمَّا بَعْدَهَا ، لِأَنَّهَا لِلْمُهْلَةِ ، فَتَكُونُ الْأُولَى مُوَقَّعَةً ، وَالثَّانِيَةُ مُعَلَّقَةً بِالشَّرْطِ .\rوَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ : لَا يَقَعُ حَتَّى تَدْخُلَ الدَّارَ ، فَيَقَعَ بِهَا ثَلَاثٌ ؛ لِأَنَّ دُخُولَ الدَّارِ شَرْطٌ لِثَلَاثٍ ، فَوَقَعَتْ ، كَمَا لَوْ قَالَ : إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ وَطَالِقٌ وَطَالِقٌ .\rوَلَنَا ، أَنَّ \" ثُمَّ \" لِلْعَطْفِ ، وَفِيهَا تَرْتِيبٌ ، فَتَعَلَّقْت التَّطْلِيقَاتُ كُلُّهَا بِالدُّخُولِ ؛ لِأَنَّ الْعِطْفَ لَا يَمْنَعُ تَعْلِيقَ الشَّرْطِ بِالْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ ، وَيَجِبُ التَّرْتِيبُ فِيهَا ، كَمَا يَجِبُ لَوْ لَمْ يُعَلِّقْهُ بِالشَّرْطِ ، وَفِي هَذَا انْفِصَالٌ عَمَّا ذَكَرُوهُ ، وَلِأَنَّ الْأُولَى تَلِي الشَّرْطَ ، فَلَمْ يَجُزْ وُقُوعُهَا بِدُونِهِ ، كَمَا لَوْ لَمْ يَعْطِفْ عَلَيْهَا ، وَلِأَنَّهُ جَعَلَ الْأُولَى جَزَاءً لِلشَّرْطِ ، وَعَقَّبَهُ إيَّاهَا بِفَاءِ التَّعْقِيبِ ، الْمَوْضُوعَةِ لِلْجَزَاءِ ، فَلَمْ يَجُزْ تَقْدِيمُهَا عَلَيْهِ كَسَائِرِ نَظَائِرِهِ ، وَلِأَنَّهُ لَوْ قَالَ : إنْ دَخَلَ زَيْدٌ دَارِي ، فَأَعْطِهِ دِرْهَمًا لَمْ يَجُزْ أَنْ يُعْطِيَهُ قَبْلَ دُخُولِهِ ، فَكَذَا هَاهُنَا .\rوَمَا ذَكَرُوهُ تَحَكُّمٌ ، لَيْسَ لَهُ شَاهِدٌ فِي اللُّغَةِ ، وَلَا أَصْلٌ فِي الشَّرْعِ .","part":16,"page":471},{"id":7971,"text":"( 6015 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَالَ لِمَدْخُولٍ بِهَا : إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ ثُمَّ طَالِقٌ ثُمَّ طَالِقٌ .\rلَمْ يَقَعْ بِهَا شَيْءٌ حَتَّى تَدْخُلَ الدَّارَ ، فَتَقَعَ بِهَا الثَّلَاثُ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ .\rوَذَهَبَ الْقَاضِي إلَى وُقُوعِ طَلْقَتَيْنِ فِي الْحَالِ ، وَتَبْقَى الثَّالِثَةُ مُعَلَّقَةً بِالدُّخُولِ .\rوَهُوَ ظَاهِرُ الْفَسَادِ ، فَإِنَّهُ يَجْعَلُ الشَّرْطَ الْمُتَقَدِّمَ لِلْمَعْطُوفِ ، دُونَ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ ، وَيُعَلِّقُ بِهِ مَا يَبْعُدُ عَنْهُ ، دُونَ مَا يَلِيهِ ، وَيَجْعَلُ جَزَاءَهُ مَا لَمْ تُوجَدْ فِيهِ الْفَاءُ الَّتِي يُجَازَى بِهَا ، دُونَ مَا وُجِدَتْ فِيهِ ، تَحَكُّمًا لَا يَعْرِفُ عَلَيْهِ دَلِيلًا ، وَلَا نَعْلَمُ لَهُ نَظِيرًا .\rوَإِنْ قَالَ لَهَا : إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ فَطَالِقٌ فَطَالِقٌ .\rفَدَخَلَتْ ، طَلُقَتْ ثَلَاثًا .\rفِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا .","part":16,"page":472},{"id":7972,"text":"( 6016 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِذَا طَلَّقَ ثَلَاثًا ، وَهُوَ يَنْوِي وَاحِدَةً ، فَهِيَ ثَلَاثٌ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الرَّجُلَ إذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ : أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا .\rفَهِيَ ثَلَاثٌ ، وَإِنْ نَوَى وَاحِدَةً ، لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ صَرِيحٌ فِي الثَّلَاثِ ، وَالنِّيَّةُ لَا تُعَارِضُ الصَّرِيحَ ؛ لِأَنَّهَا أَضْعَفُ مِنْ اللَّفْظِ ، وَلِذَلِكَ لَا نَعْمَلُ بِمُجَرَّدِهَا ، وَالصَّرِيحُ قَوِيٌّ يُعْمَلُ بِمُجَرَّدِهِ ، مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ ، فَلَا يُعَارَضُ الْقَوِيُّ بِالضَّعِيفِ ، كَمَا لَا يُعَارَضُ النَّصُّ بِالْقِيَاسِ ، وَلِأَنَّ النِّيَّةَ إنَّمَا تَعْمَلُ فِي صَرْفِ اللَّفْظِ إلَى بَعْضِ مُحْتَمِلَاتِهِ ، وَالثَّلَاثُ نَصٌّ فِيهَا ، لَا يَحْتَمِلُ الْوَاحِدَةَ بِحَالٍ ، فَإِذَا نَوَى وَاحِدَةً ، فَقَدْ نَوَى مَا لَا يَحْتَمِلُهُ ، فَلَا يَصِحُّ ، كَمَا لَوْ قَالَ : لَهُ عَلَيَّ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ .\rوَقَالَ : أَرَدْت وَاحِدًا .","part":16,"page":473},{"id":7973,"text":"( 6017 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِنْ طَلَّقَ وَاحِدَةً ، وَهُوَ يَنْوِي ثَلَاثًا ، فَهِيَ وَاحِدَةٌ ) أَمَّا إذَا قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً .\rوَنَوَى ثَلَاثًا ، لَمْ يَقَعْ إلَّا وَاحِدَةٌ ؛ لِأَنَّ لَفْظَهُ لَا يَحْتَمِلُ أَكْثَرَ مِنْهَا ، فَإِذَا نَوَى ثَلَاثًا ، فَقَدْ نَوَى مَا لَا يَحْتَمِلُهُ لَفْظُهُ ، فَلَوْ وَقَعَ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ ، لَوَقَعَ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ ، وَمُجَرَّدُ النِّيَّةِ لَا يَقَعُ بِهَا طَلَاقٌ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ : يَقَعُ ثَلَاثٌ ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ وَاحِدَةً مَعَهَا اثْنَتَانِ .\rوَهَذَا فَاسِدٌ ، فَإِنَّ قَوْلَهُ : مَعَهَا اثْنَتَانِ .\rلَا يُؤَدِّيهِ مَعْنَى الْوَاحِدَةِ ، وَلَا يَحْتَمِلُهُ ، فَنِيَّتُهُ فِيهِ نِيَّةٌ مُجَرَّدَةٌ ، فَلَا تَعْمَلُ ، كَمَا لَوْ نَوَى الطَّلَاقَ مِنْ غَيْرِ لَفْظٍ .\rوَأَمَّا إذَا قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ .\rوَنَوَى ثَلَاثًا ، فَهَذَا فِيهِ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، لَا يَقَعُ إلَّا وَاحِدَةٌ ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ ، وَعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ ؛ لِأَنَّ هَذَا اللَّفْظَ لَا يَتَضَمَّنُ عَدَدًا ، وَلَا بَيْنُونَةً ، فَلَمْ تَقَعْ بِهِ الثَّلَاثُ ، كَمَا لَوْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً .\rبَيَانُهُ أَنَّ قَوْلَهُ : أَنْتِ طَالِقٌ .\rإخْبَارٌ عَنْ صِفَةٍ هِيَ عَلَيْهَا ، فَلَمْ يَتَضَمَّنْ الْعَدَدَ ، كَقَوْلِهِ : قَائِمَةٌ ، وَحَائِضٌ ، وَطَاهِرٌ .\rوَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ ، إذَا نَوَى ثَلَاثًا ، وَقَعَ الثَّلَاثُ .\rوَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي عُبَيْدٍ ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ ؛ لِأَنَّهُ لَفْظٌ لَوْ قَرَنَ بِهِ لَفْظَ الثَّلَاثِ ، كَانَ ثَلَاثًا ، فَإِذَا نَوَى بِهِ الثَّلَاثَ ، كَانَ ثَلَاثًا ، كَالْكِنَايَاتِ ، وَلِأَنَّهُ نَوَى بِلَفْظِهِ مَا يَحْتَمِلُهُ ، فَوَقَعَ ذَلِكَ بِهِ ، كَالْكِنَايَةِ .\rوَبَيَانُ احْتِمَالِ اللَّفْظِ لِلْعَدَدِ ، أَنَّهُ يَصِحُّ تَفْسِيرُهُ بِهِ ؛ فَيَقُولُ : أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا .\rوَلِأَنَّ قَوْلَهُ : طَالِقٌ .\rاسْمُ فَاعِلٍ ، وَاسْمُ الْفَاعِلِ يَقْتَضِي الْمَصْدَرَ ، كَمَا يَقْتَضِيه الْفِعْلُ ، وَالْمَصْدَرُ يَقَعُ عَلَى","part":16,"page":474},{"id":7974,"text":"الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ ، وَفَارَقَ قَوْلَهُ : أَنْتِ حَائِضٌ وَطَاهِرٌ ؛ لِأَنَّ الْحَيْضَ وَالطُّهْرَ لَا يُمْكِنُ تَعَدُّدُهُ فِي حَقِّهَا ، وَالطَّلَاقُ يُمْكِنُ تَعَدُّدُهُ .","part":16,"page":475},{"id":7975,"text":"( 6018 ) فَصْلٌ : فَإِنْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ طَلَاقًا .\rوَنَوَى ثَلَاثًا ، وَقَعَ ؛ لِأَنَّهُ صَرَّحَ بِالْمَصْدَرِ ، وَالْمَصْدَرُ يَقَعُ عَلَى الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ ، فَقَدْ نَوَى بِلَفْظِهِ مَا يَحْتَمِلُهُ ، وَإِنْ نَوَى وَاحِدَةً ، فَهِيَ وَاحِدَةٌ ، وَإِنْ أَطْلَقَ فَهِيَ وَاحِدَةٌ ؛ لِأَنَّهُ الْيَقِينُ .\rوَإِنْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ الطَّلَاقَ .\rوَقَعَ مَا نَوَاهُ ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا ، فَحَكَى فِيهَا الْقَاضِي رِوَايَتَيْنِ ؛ إحْدَاهُمَا : يَقَعُ الثَّلَاثَ .\rنَصَّ عَلَيْهَا أَحْمَدُ ، فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا ؛ لِأَنَّ الْأَلِفَ وَاللَّامَ لِلِاسْتِغْرَاقِ ، فَيَقْتَضِي اسْتِغْرَاقَ الْكُلِّ ، وَهُوَ ثَلَاثٌ .\rوَالثَّانِيَةُ ، إنَّهَا وَاحِدَةٌ ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ تَعُودَ الْأَلِفُ وَاللَّامُ إلَى مَعْهُودٍ ، يُرِيدُ الطَّلَاقَ الَّذِي أَوْقَعَتْهُ .\rوَلِأَنَّ اللَّامَ فِي أَسْمَاءِ الْأَجْنَاسِ تُسْتَعْمَلُ لِغَيْرِ الِاسْتِغْرَاقِ كَثِيرًا ، كَقَوْلِهِ : وَمِنْ أُكْرِهَ عَلَى الطَّلَاقِ .\rوَإِذَا عَقَلَ الصَّبِيُّ الطَّلَاقَ .\rوَاغْتَسَلْت بِالْمَاءِ .\rوَتَيَمَّمْت بِالتُّرَابِ .\rوَقَرَأَتْ الْعِلْمَ وَالْحَدِيثَ وَالْفِقْهَ .\rهَذَا مِمَّا يُرَادُ بِهِ ذَلِكَ الْجِنْسُ ، وَلَا يُفْهَمُ مِنْهُ الِاسْتِغْرَاقُ ، فَعِنْدَ ذَلِكَ لَا يُحْمَلُ عَلَى التَّعْمِيمِ ، إلَّا بِنِيَّةٍ صَارِفَةٍ إلَيْهِ .\rوَهَكَذَا لَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ : أَنْتِ الطَّلَاقُ .\rفَإِنَّ أَحْمَدَ قَالَ : إنْ أَرَادَ ثَلَاثًا ، فَهِيَ ثَلَاثٌ ، وَإِنْ نَوَى وَاحِدَةً ، فَهِيَ وَاحِدَةٌ ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا ، فَكَلَامُ أَحْمَدَ يَقْتَضِي أَنْ تَكُونَ ثَلَاثًا ؛ لِأَنَّهُ إذَا قَالَ : أَنْتِ الطَّلَاقُ .\rفَهَذَا قَدْ بَيَّنَ .\rأَيَّ شَيْءٍ بَقِيَ .\rهِيَ ثَلَاثٌ .\rوَهَذَا اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ .\rوَيُخَرَّجُ فِيهَا أَنَّهَا وَاحِدَةٌ ، بِنَاءً عَلَى الْمَسْأَلَةِ قَبْلَهَا .\rوَوَجْهُ الْقَوْلَيْنِ مَا تَقَدَّمَ ، وَمِمَّا يُبَيِّنُ أَنَّهُ يُرَادُ بِهَا الْوَاحِدُ قَوْلُ الشَّاعِرِ : فَأَنْتِ الطَّلَاقُ وَأَنْتِ الطَّلَاقُ وَأَنْتِ الطَّلَاقُ ثَلَاثًا تَمَامًا فَجَعَلَ الْمُكَرَّرَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا ، وَلَوْ كَانَ لِلِاسْتِغْرَاقِ لَكَانَ ذَلِكَ تِسْعًا .","part":16,"page":476},{"id":7976,"text":"( 6019 ) فَصْلٌ : وَلَوْ قَالَ : الطَّلَاقُ يَلْزَمُنِي .\rأَوْ : الطَّلَاقُ لِي لَازِمٌ .\rفَهُوَ صَرِيحٌ ؛ فَإِنَّهُ يُقَالُ لِمَنْ وَقَعَ طَلَاقُهُ : لَزِمَهُ الطَّلَاقُ .\rوَقَالُوا : إذَا عَقَلَ الصَّبِيُّ الطَّلَاقَ ، فَطَلَّقَ ، لَزِمَهُ .\rوَلَعَلَّهُمْ أَرَادُوا : لَزِمَهُ حُكْمُهُ .\rفَحَذَفُوا الْمُضَافَ ، وَأَقَامُوا الْمُضَافَ إلَيْهِ مُقَامَهُ ، ثُمَّ اشْتَهَرَ ذَلِكَ ، حَتَّى صَارَ مِنْ الْأَسْمَاءِ الْعُرْفِيَّةِ ، وَانْغَمَرَتْ الْحَقِيقَةُ فِيهِ .\rوَيَقَعُ بِهِ مَا نَوَاهُ مِنْ وَاحِدَةٍ ، أَوْ اثْنَتَيْنِ ، أَوْ ثَلَاثٍ .\rوَإِنْ أَطْلَقَ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ ، وَجْهُهُمَا مَا تَقَدَّمَ .\rوَإِنْ قَالَ : عَلَيَّ الطَّلَاقُ .\rفَهُوَ بِمَثَابَةِ قَوْلِهِ : الطَّلَاقُ يَلْزَمُنِي ، لِأَنَّ مَنْ لَزِمَهُ شَيْءٌ فَهُوَ عَلَيْهِ كَالدَّيْنِ ، وَقَدْ اشْتَهَرَ اسْتِعْمَالُ هَذَا فِي إيقَاعِ الطَّلَاقِ .\rوَيُخَرَّجُ فِيهِ فِي حَالَةِ الْإِطْلَاقِ الرِّوَايَتَانِ ؛ هَلْ هُوَ ثَلَاثٌ أَوْ وَاحِدَةٌ ؟ وَالْأَشْبَهُ فِي هَذَا جَمِيعِهِ أَنْ يَكُونَ وَاحِدَةً ؛ لِأَنَّ أَهْلَ الْعُرْفِ لَا يَعْتَقِدُونَهُ ثَلَاثًا ، وَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ الْأَلِفَ وَاللَّامَ لِلِاسْتِغْرَاقِ ، وَلِهَذَا يُنْكِرُ أَحَدُهُمْ أَنْ يَكُونَ طَلَّقَ ثَلَاثًا ، وَلَا يَعْتَقِدُ أَنَّهُ طَلَّقَ إلَّا وَاحِدَةً ، فَمُقْتَضَى اللَّفْظِ فِي ظَنِّهِمْ وَاحِدَةً ، فَلَا يُرِيدُونَ إلَّا مَا يَعْتَقِدُونَهُ مُقْتَضَى لِلَفْظِهِمْ ، فَيَصِيرُ كَأَنَّهُمْ نَوَوْا الْوَاحِدَةَ .","part":16,"page":477},{"id":7977,"text":"( 6020 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ لِلسُّنَّةِ .\rطَلُقَتْ وَاحِدَةً فِي وَقْتِ السُّنَّةِ .\rوَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إلَى أَنَّهَا تَطْلُقُ ثَلَاثًا ، فِي ثَلَاثَةِ قُرُوءٍ ، بِنَاءً مِنْهُ عَلَى أَنَّ هَذَا هُوَ السُّنَّةُ .\rوَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ طَلَاقَ السُّنَّةِ طَلْقَةٌ وَاحِدَةٌ ، فِي طُهْرٍ لَمْ يُصِبْهَا فِيهِ .\rوَإِنْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ طَلَاقَ السُّنَّةِ .\rوَقَعَتْ بِهَا وَاحِدَةً فِي طُهْرٍ لَمْ يُصِبْهَا فِيهِ أَيْضًا ، إلَّا أَنْ يَنْوِيَ الثَّلَاثَ ، فَتَكُونَ ثَلَاثًا ؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَ الْمَصْدَرَ ، وَالْمَصْدَرُ يَقَعُ عَلَى الْكَثِيرِ وَالْقَلِيلِ ، بِخِلَافِ الَّتِي قَبْلَهَا .","part":16,"page":478},{"id":7978,"text":"( 6021 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَالَ الْعَجَمِيُّ : بهشتم لبسيار .\rطَلُقَتْ امْرَأَتُهُ ثَلَاثًا .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُ : أَنْتِ طَالِقٌ كَثِيرًا .\rوَإِنْ قَالَ : بهشتم .\rفَحَسْبُ ، طَلُقَتْ وَاحِدَةً ، إلَّا أَنْ يَنْوِيَ ثَلَاثًا ، فَتَكُونَ ثَلَاثًا .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : يَتَخَرَّجُ فِيهِ رِوَايَتَانِ ؛ بِنَاءً عَلَى قَوْلِهِ : أَنْتِ طَالِقٌ ؛ لِأَنَّ هَذَا صَرِيحٌ ، وَذَاكَ صَرِيحٌ ، فَهُمَا سَوَاءٌ .\rوَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَقَعُ مَا نَوَاهُ ؛ لِأَنَّ مَعْنَاهَا خَلَّيْتُك ، وَخَلَّيْتُك يَقَعُ بِهَا مَا نَوَاهُ ، وَكَذَا هَاهُنَا ، وَإِنَّمَا صَارَتْ صَرِيحَةً لِشُهْرَةِ اسْتِعْمَالِهَا فِي الطَّلَاقِ ، وَتَعَيُّنِهَا لَهُ ، وَذَلِكَ لَا يَنْفِي مَعْنَاهَا ، وَلَا يَمْنَعُ الْعَمَلَ بِهِ إذَا أَرَادَهُ .\rوَإِنْ قَالَ : فَارَقَتْك .\rأَوْ : سَرَّحْتُكِ .\rوَنَوَى وَاحِدَةً ، أَوْ أَطْلَقَ ، فَهِيَ وَاحِدَةٌ .\rوَإِنْ نَوَى ثَلَاثًا ، فَهِيَ ثَلَاثٌ ؛ لِأَنَّهُ فِعْلٌ يُمْكِنُ أَنْ يُعَبَّرَ بِهِ عَنْ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ : طَلَّقْتُكِ .","part":16,"page":479},{"id":7979,"text":"( 6022 ) فَصْلٌ : وَلَا يَقَعُ الطَّلَاقُ بِغَيْرِ لَفْظِ الطَّلَاقِ ، إلَّا فِي مَوْضِعَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، مَنْ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْكَلَامِ ، كَالْأَخْرَسِ إذَا طَلَّقَ بِالْإِشَارَةِ ، طَلُقَتْ زَوْجَتُهُ .\rوَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَلَا نَعْلَمُ عَنْ غَيْرِهِمْ خِلَافَهُمْ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا طَرِيقَ لَهُ إلَى الطَّلَاقِ إلَّا بِالْإِشَارَةِ ، فَقَامَتْ إشَارَتُهُ مَقَامَ الْكَلَامِ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ ، كَالنِّكَاحِ ، فَأَمَّا الْقَادِرُ ، فَلَا يَصِحُّ طَلَاقُهُ بِالْإِشَارَةِ ، كَمَا لَا يَصِحُّ نِكَاحُهُ بِهَا ، فَإِنْ أَشَارَ الْأَخْرَسُ بِأَصَابِعِهِ الثَّلَاثِ إلَى الطَّلَاقِ ، طَلُقَتْ ثَلَاثًا ؛ لِأَنَّ إشَارَتَهُ جَرَتْ مَجْرَى نُطْقِ غَيْرِهِ .\rوَلَوْ قَالَ النَّاطِقُ : أَنْتِ طَالِقٌ .\rوَأَشَارَ بِأَصَابِعِهِ الثَّلَاثِ .\rلَمْ يَقَعْ إلَّا وَاحِدَةٌ ؛ لِأَنَّ إشَارَتَهُ لَا تَكْفِي .\rوَإِنْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ هَكَذَا .\rوَأَشَارَ بِأَصَابِعِهِ الثَّلَاثِ ، طَلُقَتْ ثَلَاثًا ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ هَكَذَا تَصْرِيحٌ بِالتَّشْبِيهِ بِالْأَصَابِعِ فِي الْعَدَدِ ، وَذَلِكَ يَصْلُحُ بَيَانًا ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا } .\rوَأَشَارَ بِيَدَيْهِ مَرَّةً ثَلَاثِينَ ، وَمَرَّةً تِسْعًا وَعِشْرِينَ .\rوَإِنْ قَالَ : أَرَدْت الْإِشَارَةَ بِالْأُصْبُعَيْنِ الْمَقْبُوضَتَيْنِ قُبِلَ مِنْهُ ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ مَا يَدَّعِيهِ الْمَوْضِعُ الثَّانِي ، إذَا كَتَبَ الطَّلَاقَ ، فَإِنْ نَوَاهُ طَلُقَتْ زَوْجَتُهُ وَبِهَذَا قَالَ الشَّعْبِيُّ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَالْحَكَمُ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٌ وَهُوَ الْمَنْصُوصُ عَنْ الشَّافِعِيِّ وَذَكَرَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ ، أَنَّ لَهُ قَوْلًا آخَرَ ، أَنَّهُ لَا يَقَعُ بِهِ طَلَاقٌ ، وَإِنْ نَوَاهُ ؛ لِأَنَّهُ فِعْلٌ مِنْ قَادِرٍ عَلَى النُّطْقِ ، فَلَمْ يَقَعْ بِهِ الطَّلَاقُ ، كَالْإِشَارَةِ وَلَنَا أَنَّ الْكِتَابَةَ حُرُوفٌ ، يُفْهَمُ مِنْهَا الطَّلَاقُ ، فَإِذَا أَتَى فِيهَا بِالطَّلَاقِ ، وَفُهِمَ مِنْهَا ، وَنَوَاهُ ، وَقَعَ كَاللَّفْظِ ، وَلِأَنَّ الْكِتَابَةَ تَقُومُ مَقَامَ","part":16,"page":480},{"id":7980,"text":"قَوْلِ الْكَاتِبِ ؛ بِدَلَالَةِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ مَأْمُورًا بِتَبْلِيغِ رِسَالَتِهِ ، فَحَصَلَ ذَلِكَ فِي حَقِّ الْبَعْضِ بِالْقَوْلِ ، وَفِي حَقِّ آخَرِينَ بِالْكِتَابَةِ إلَى مُلُوكِ الْأَطْرَافِ ، وَلِأَنَّ كِتَابَ الْقَاضِي يَقُومُ مَقَامَ لَفْظِهِ فِي إثْبَاتِ الدُّيُونِ وَالْحُقُوقِ ؛ فَأَمَّا إنْ كَانَ كَتَبَ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ ، فَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : قَدْ خَرَّجَهَا الْقَاضِي الشَّرِيفُ فِي \" الْإِرْشَادِ \" عَلَى رِوَايَتَيْنِ ؛ إحْدَاهُمَا ، يَقَعُ وَهُوَ قَوْلُ الشَّعْبِيِّ ، وَالنَّخَعِيِّ ، وَالزُّهْرِيِّ ، وَالْحَكَمِ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا وَالثَّانِيَةُ : لَا يَقَعُ إلَّا بِنِيَّةٍ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٍ ، وَمَنْصُوصُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ الْكِتَابَةَ مُحْتَمِلَةٌ ، فَإِنَّهُ يُقْصَدُ بِهَا تَجْرِبَةُ الْقَلَمِ ، وَتَجْوِيدُ الْخَطِّ ، وَغَمُّ الْأَهْلِ ، مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ ، كَكِنَايَاتِ الطَّلَاقِ فَإِنْ نَوَى بِذَلِكَ تَجْوِيدَ خَطِّهِ ، أَوْ تَجْرِبَةَ قَلَمِهِ ، لَمْ يَقَعْ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ نَوَى بِاللَّفْظِ غَيْرَ الْإِيقَاعِ ، لَمْ يَقَعْ ، فَالْكِتَابَةُ أُولَى وَإِذَا ادَّعَى ذَلِكَ دُيِّنَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى ، وَيُقْبَلُ أَيْضًا فِي الْحُكْمِ فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ يُقْبَلُ ذَلِكَ فِي اللَّفْظ الصَّرِيحِ ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ ؛ فَهَاهُنَا مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ بِلَفْظِ أُولَى وَإِنْ قَالَ : نَوَيْت غُمَّ أَهْلِي فَقَدْ قَالَ ، فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ ، فِي مَنْ كَتَبَ طَلَاقَ زَوْجَتِهِ ، وَنَوَى الطَّلَاقَ : وَقَعَ ، وَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَغُمَّ أَهْلَهُ ، فَقَدْ عَمِلَ فِي ذَلِكَ أَيْضًا يَعْنِي أَنَّهُ يُؤَاخَذُ بِهِ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إنَّ اللَّهَ عَفَا لِأُمَّتِي عَمَّا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَكَلَّمْ أَوْ تَعْمَلْ بِهِ } فَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ أَوْقَعَ الطَّلَاقَ ؛ لِأَنَّ غَمَّ أَهْلِهِ يَحْصُلُ بِالطَّلَاقِ ، فَيَجْتَمِعُ غَمُّ أَهْلِهِ وَوُقُوعُ طَلَاقِهِ ، كَمَا لَوْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ يُرِيدُ بِهِ غَمَّهَا وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَقَعَ ؛ لِأَنَّهُ أَرَادَ","part":16,"page":481},{"id":7981,"text":"غَمَّ أَهْلِهِ بِتَوَهُّمِ الطَّلَاقِ ، دُونَ حَقِيقَتِهِ ، فَلَا يَكُونُ نَاوِيًا لِلطَّلَاقِ ، وَالْخَبَرُ إنَّمَا يَدُلُّ عَلَى مُؤَاخَذَتِهِ بِمَا نَوَاهُ عِنْدَ الْعَمَلِ بِهِ ، أَوْ الْكَلَامِ ، وَهَذَا لَمْ يَنْوِ طَلَاقًا ، فَلَا يُؤَاخَذُ بِهِ","part":16,"page":482},{"id":7982,"text":"( 6023 ) فَصْلٌ : وَإِنْ كَتَبَهُ بِشَيْءٍ لَا يَبِينُ مِثْلُ أَنْ كَتَبَ بِأُصْبُعِهِ عَلَى وِسَادَةٍ ، أَوْ فِي الْهَوَاءِ ، فَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ ، أَنَّهُ لَا يَقَعُ وَقَالَ أَبُو حَفْصٍ الْعُكْبَرِيُّ : يَقَعُ وَرَوَاهُ الْأَثْرَمُ عَنْ الشَّعْبِيِّ ؛ لِأَنَّهُ كَتَبَ حُرُوفَ الطَّلَاقِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ كَتَبَهُ بِشَيْءٍ يَبِينُ وَالْأَوَّلُ أَوْلَى ؛ لِأَنَّ الْكِتَابَةَ الَّتِي لَا تَبِينُ ، كَالْهَمْسِ بِالْفَمِ ، بِمَا لَا يَتَبَيَّنُ ، وَثَمَّ لَا يَقَعُ ، فَهَاهُنَا أَوْلَى .","part":16,"page":483},{"id":7983,"text":"( 6024 ) فَصْلٌ : إذَا كَتَبَ لِزَوْجَتِهِ : أَنْتِ طَالِقٌ ثُمَّ اسْتَمَدَّ ، فَكَتَبَ : إذَا أَتَاك كِتَابِي أَوْ عَلَّقَهُ بِشَرْطٍ ، أَوْ اسْتِثْنَاءٍ ، وَكَانَ فِي حَالِ كِتَابَتِهِ لِلطَّلَاقِ مُرِيدًا لِلشَّرْطِ ، لَمْ يَقَعْ طَلَاقُهُ فِي الْحَالِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْوِ الطَّلَاقَ فِي الْحَالِ ، بَلْ نَوَاهُ فِي وَقْتٍ آخَرَ ، وَإِنْ كَانَ نَوَى الطَّلَاقَ فِي الْحَالِ ، غَيْرَ مُعَلَّقٍ بِشَرْطِ ، طَلُقَتْ لِلْحَالِ وَإِنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا ، وَقُلْنَا : إنَّ الْمُطْلَقَ يَقَعُ بِهِ الطَّلَاقُ نَظَرْنَا ، فَإِنْ كَانَ اسْتِمْدَادًا لِحَاجَةٍ ، أَوْ عَادَةٍ ، لَمْ يَقَعْ طَلَاقٌ قَبْلَ وُجُودِ الشَّرْطِ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ ثُمَّ أَدْرَكَهُ النَّفَسُ ، أَوْ شَيْءٌ يُسْكِتُهُ ، فَسَكَتَ لِذَلِكَ ، ثُمَّ أَتَى بِشَرْطِ تَعَلَّقَ بِهِ ، فَالْكِتَابَةُ أَوْلَى وَإِنْ اسْتَمَدَّ لِغَيْرِ حَاجَةٍ وَلَا عَادَةٍ ، وَقَعَ الطَّلَاقُ ، كَمَا لَوْ سَكَتَ بَعْدَ قَوْلِهِ : أَنْتِ طَالِقٌ لِغَيْرِ حَاجَةٍ ، ثُمَّ ذَكَرَ شَرْطًا وَإِنْ قَالَ : إنَّنِي كَتَبْتُهُ مُرِيدًا لِلشَّرْطِ فَقِيَاسُ قَوْلِ أَصْحَابِنَا ، أَنَّهَا لَا تَطْلُقُ قَبْلَ الشَّرْط إلَّا أَنَّهُ يَدِينُ وَهَلْ يُقْبَلُ فِي الْحُكْمِ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ بِنَاءً عَلَى قَوْلِهِمْ فِي مَنْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ ثُمَّ قَالَ : أَرَدْت تَعْلِيقَهُ عَلَى شَرْطٍ وَإِنْ كَتَبَ إلَى امْرَأَتِهِ : أَمَّا بَعْدُ ، فَأَنْتِ طَالِقٌ طَلُقَتْ فِي الْحَالِ ، سَوَاءٌ وَصَلَ إلَيْهَا الْكِتَابُ ، أَوْ لَمْ يَصِلْ وَعِدَّتُهَا مِنْ حِينَ كَتَبَهُ وَإِنْ كَتَبَ إلَيْهَا : إذَا وَصَلَكِ كِتَابِي فَأَنْتِ طَالِقٌ فَأَتَاهَا الْكِتَابُ ، طَلُقَتْ عِنْدَ وُصُولِهِ إلَيْهَا ، وَإِنْ ضَاعَ وَلَمْ يَصِلْهَا ، لَمْ تَطْلُقْ ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ وُصُولُهُ وَإِنْ ذَهَبَتْ كِتَابَتُهُ بِمَحْوٍ ، أَوْ غَيْرِهِ ، وَوَصَلَ الْكَاغَدُ ، لَمْ تَطْلُقْ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِكِتَابٍ وَكَذَلِكَ إنْ انْطَمَسَ مَا فِيهِ لِعَرَقٍ ، أَوْ غَيْرِهِ ؛ لِأَنَّ الْكِتَابَ عِبَارَةٌ عَمَّا فِيهِ الْكِتَابَةُ وَإِنْ ذَهَبَتْ حَوَاشِيهِ ، أَوْ تَخَرَّقَ مِنْهُ شَيْءٌ لَا يُخْرِجُهُ عَنْ كَوْنِهِ كِتَابًا ، وَوَصَلَ بَاقِيهِ طَلُقَتْ","part":16,"page":484},{"id":7984,"text":"؛ لِأَنَّ الْبَاقِيَ كِتَابٌ وَإِنْ تَخَرَّقَ بَعْضُ مَا فِيهِ الْكِتَابَةُ سِوَى مَا فِيهِ ذِكْرُ الطَّلَاقِ فَوَصَلَ طَلُقَتْ ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بَاقٍ ، فَيَنْصَرِفُ الِاسْمُ إلَيْهِ وَإِنْ تَخَرَّقَ مَا فِيهِ ذِكْرُ الطَّلَاقِ فَذَهَبَ ، وَوَصَلَ بَاقِيهِ ، لَمْ تَطْلُقْ ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ ذَاهِبٌ فَإِنْ قَالَ لَهَا : إذَا أَتَاكِ طَلَاقِي فَأَنْتِ طَالِقٌ ثُمَّ كَتَبَ إلَيْهَا : إذَا أَتَاك كِتَابِي فَأَنْتِ طَالِقٌ فَأَتَاهَا الْكِتَابُ ، طَلُقَتْ طَلْقَتَيْنِ ؛ لِوُجُودِ الصِّفَتَيْنِ فِي مَجِيءِ الْكِتَابِ فَإِنْ قَالَ : أَرَدْت إذَا أَتَاك كِتَابِي ، فَأَنْتِ طَالِقٌ بِذَلِكَ الطَّلَاقِ الَّذِي عَلَّقْته دُيِّنَ وَهَلْ يُقْبَلُ فِي الْحُكْمِ ؟ يُخَرَّجُ عَلَى رِوَايَتَيْنِ .","part":16,"page":485},{"id":7985,"text":"( 6025 ) فَصْلٌ : وَلَا يَثْبُتُ الْكِتَابُ بِالطَّلَاقِ إلَّا بِشَاهِدَيْنِ عَدْلَيْنِ ، أَنَّ هَذَا كِتَابُهُ قَالَ أَحْمَدُ ، فِي رِوَايَةِ حَرْبٍ فِي امْرَأَةٍ أَتَاهَا كِتَابُ زَوْجِهَا بِخَطِّهِ وَخَاتَمِهِ بِالطَّلَاقِ : لَا تَتَزَوَّجُ حَتَّى يَشْهَدَ عِنْدَهَا شُهُودٌ عُدُولٌ قِيلَ لَهُ : فَإِنْ شَهِدَ حَامِلُ الْكِتَابِ ؟ قَالَ : لَا ، إلَّا شَاهِدَانِ فَلَمْ يَقْبَلْ قَوْلَ حَامِلِ الْكِتَابِ وَحْدَهُ حَتَّى يَشْهَدَ مَعَهُ غَيْرُهُ ؛ لِأَنَّ الْكُتُبَ الْمُثْبِتَةَ لِلْحُقُوقِ لَا تَثْبُتُ إلَّا بِشَاهِدَيْنِ ، كَكِتَابِ الْقَاضِي وَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ ، أَنَّ الْكِتَابَ يَثْبُتُ عِنْدَهَا بِشَهَادَتِهِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا ، وَإِنْ لَمْ يَشْهَدَا بِهِ عِنْدَ الْحَاكِمِ ؛ لِأَنَّ أَثَرَهُ فِي حَقِّهَا فِي الْعِدَّةِ ، وَجَوَازِ التَّزْوِيجِ بَعْدَ انْقِضَائِهَا ، وَهَذَا مَعْنًى يَخْتَصُّ بِهِ لَا يَثْبُتُ بِهِ حَقٌّ عَلَى الْغَيْرِ ، فَاكْتُفِيَ فِيهِ بِسَمَاعِهَا لِلشَّهَادَةِ وَلَوْ شَهِدَ شَاهِدَانِ ، أَنَّ هَذَا خَطُّ فُلَانٍ ، لَمْ يُقْبَلْ ؛ لِأَنَّ الْخَطَّ يُشَبَّهُ بِهِ وَيُزَوَّرُ ، وَلِهَذَا لَمْ يَقْبَلْهُ الْحَاكِمُ ، وَلَوْ اُكْتُفِيَ بِمَعْرِفَةِ الْخَطِّ ، لَاكْتُفِيَ بِمَعْرِفَتِهَا لَهُ مِنْ غَيْرِ شَهَادَةٍ وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّهُ لَا يَصِحُّ شَهَادَةُ الشَّاهِدَيْنِ ، حَتَّى يُشَاهِدَاهُ يَكْتُبُهُ ، ثُمَّ لَا يَغِيبُ عَنْهُمَا حَتَّى يُؤَدِّيَا الشَّهَادَةَ وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَالصَّحِيحُ أَنَّ هَذَا لَيْسَ بِشَرْطِ فَإِنَّ كِتَابَ الْقَاضِي لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ ذَلِكَ فَهَذَا أَوْلَى ، وَقَدْ يَكُونُ صَاحِبُ الْكِتَابِ لَا يَعْرِفُ الْكِتَابَةَ وَإِنَّمَا يَسْتَنِيبُ فِيهَا وَقَدْ يَسْتَنِيبُ فِيهَا مِنْ يَعْرِفُهَا بَلْ مَتَى أَتَاهَا بِكِتَابٍ وَقَرَأَهُ عَلَيْهِمَا وَقَالَ : هَذَا كِتَابِي كَانَ لَهُمَا أَنْ يَشْهَدَا بِهِ .","part":16,"page":486},{"id":7986,"text":"مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَإِذَا قَالَ لَهَا : نِصْفُك طَالِقٌ أَوْ يَدُك أَوْ عُضْوٌ مِنْ أَعْضَائِك طَالِقٌ أَوْ قَالَ لَهَا : أَنْتِ طَالِقٌ نِصْفَ تَطْلِيقَةٍ أَوْ رُبْعَ تَطْلِيقَةٍ وَقَعَتْ بِهَا وَاحِدَةٌ ) الْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَة فِي فَصْلَيْنِ : ( 6027 ) الْفَصْلُ الْأَوَّلُ أَنَّهُ إذَا طَلَّقَ جُزْءًا مِنْهَا وَالثَّانِي إذَا طَلَّقَ جُزْءًا مِنْ طَلْقَةٍ فَأَمَّا الْأَوَّلُ فَإِنَّهُ مَتَى طَلَّقَ مِنْ الْمَرْأَةِ جُزْءًا مِنْ أَجْزَائِهَا الثَّابِتَةِ طَلُقَتْ كُلُّهَا سَوَاءٌ كَانَ جُزْءًا شَائِعًا كَنِصْفِهَا أَوْ سُدْسِهَا أَوْ جُزْءًا مِنْ أَلْفِ جُزْءٍ مِنْهَا أَوْ جُزْءًا مُعَيَّنًا كَيَدِهَا أَوْ رَأْسِهَا أَوْ أُصْبُعِهَا وَهَذَا قَوْلُ الْحَسَنِ وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي ثَوْرٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ صَاحِبِ مَالِك وَذَهَبَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ إلَى أَنَّهُ إنْ أَضَافَهُ إلَى جُزْءٍ شَائِعٍ أَوْ وَاحِدٍ مِنْ أَعْضَاءٍ خَمْسَةٍ ؛ الرَّأْسِ وَالْوَجْهِ وَالرَّقَبَةِ وَالظَّهْرِ وَالْفَرْجِ طَلُقَتْ وَإِنْ أَضَافَهُ إلَى جُزْءٍ مُعَيَّنٍ غَيْرِ هَذِهِ الْخَمْسَةِ لَمْ تَطْلُقْ ؛ لِأَنَّهُ جُزْءٌ تَبْقَى الْجُمْلَةُ مِنْهُ بِدُونِهِ أَوْ جُزْءٌ لَا يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ الْجُمْلَةِ فَلَمْ تَطْلُقُ الْمَرْأَةُ بِإِضَافَةِ الطَّلَاقِ إلَيْهِ كَالسِّنِّ وَالظُّفْرِ وَلَنَا أَنَّهُ أَضَافَ الطَّلَاقَ إلَى جُزْءٍ ثَابِتٍ اسْتَبَاحَهُ بِعَقْدِ النِّكَاحِ فَأَشْبَهَ الْجُزْءَ الشَّائِعَ وَالْأَعْضَاءَ الْخَمْسَةَ وَلِأَنَّهَا جُمْلَةٌ لَا تَتَبَعَّضُ فِي الْحِلِّ وَالْحُرْمَةِ وُجِدَ فِيهَا مَا يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ وَالْإِبَاحَةَ فَغَلَبَ فِيهَا حُكْمُ التَّحْرِيمِ كَمَا لَوْ اشْتَرَكَ مُسْلِمٌ وَمَجُوسِيٌّ فِي قَتْلِ صَيْدٍ وَفَارَقَ مَا قَاسُوا عَلَيْهِ ؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِثَابِتِ وَالشَّعْرُ وَالظُّفْرُ لَيْسَ بِثَابِتِ فَإِنَّهُمَا يَزُولَانِ وَيَخْرُجُ غَيْرُهُمَا وَلَا يَنْقُضُ مَسُّهُمَا الطَّهَارَةَ .","part":16,"page":487},{"id":7987,"text":"( 6028 ) الْفَصْلُ الثَّانِي : إذَا طَلَّقَهَا نِصْفَ تَطْلِيقَةٍ أَوْ جُزْءًا مِنْهَا وَإِنْ قَلَّ فَإِنَّهُ يَقَعُ بِهَا طَلْقَةٌ كَامِلَةٌ فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ إلَّا دَاوُد قَالَ : لَا تَطْلُقْ بِذَلِكَ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ أَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّهَا تَطْلُقُ بِذَلِكَ ؛ مِنْهُمْ الشَّعْبِيُّ وَالْحَارِثُ الْعُكْلِيُّ وَالزُّهْرِيُّ وَقَتَادَةُ وَالشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ وَأَبُو عُبَيْدٍ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَهْلِ الْحِجَازِ وَالثَّوْرِيِّ وَأَهْلِ الْعِرَاقِ وَذَلِكَ لِأَنَّ ذِكْرَ بَعْضِ مَا لَا يَتَبَعَّضُ فِي الطَّلَاقِ ذِكْرٌ لِجَمِيعِهِ كَمَا لَوْ قَالَ : نِصْفُك طَالِقٌ .","part":16,"page":488},{"id":7988,"text":"( 6029 ) فَصْلٌ : فَإِنْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ نِصْفَيْ طَلْقَةٍ وَقَعَتْ طَلْقَةٌ ؛ لِأَنَّ نِصْفَيْ الشَّيْءِ كُلُّهُ وَإِنْ قَالَ : ثَلَاثَةَ أَنْصَافِ طَلْقَةٍ طَلُقَتْ طَلْقَتَيْنِ ؛ لِأَنَّ ثَلَاثَةَ أَنْصَافٍ طَلْقَةٌ وَنِصْفٌ فَكُمِّلَ النِّصْفُ فَصَارَا طَلْقَتَيْنِ وَهَذَا وَجْهٌ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَلَهُمْ وَجْهٌ آخَرُ أَنَّهَا لَا تَطْلُقُ إلَّا وَاحِدَةً ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ الْأَنْصَافَ مِنْ طَلْقَةٍ وَاحِدَةً فَيَسْقُطُ مَا لَيْسَ مِنْهَا وَتَقَعُ طَلْقَةٌ وَلَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ إسْقَاطَ الطَّلَاقِ الْمُوقَعِ مِنْ الْأَهْلِ فِي الْمَحِلِّ لَا سَبِيلَ إلَيْهِ وَإِنَّمَا الْإِضَافَةُ إلَى الطَّلْقَة الْوَاحِدَةِ غَيْرُ صَحِيحَةٍ فَلَغَتْ الْإِضَافَةُ وَإِنْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ نِصْفَ طَلْقَتَيْنِ طَلُقَتْ وَاحِدَةً ؛ لِأَنَّ نِصْفَ الطَّلْقَتَيْنِ طَلْقَةٌ وَذَكَرَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ وَجْهًا آخَرَ أَنَّهُ يَقَعُ طَلْقَتَانِ ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ يَقْتَضِي النِّصْفَ مِنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا ثُمَّ يُكَمَّلُ وَمَا ذَكَرْنَاهُ أَوْلَى ؛ لِأَنَّ التَّنْصِيفَ يَتَحَقَّقُ بِهِ وَفِيهِ عَمَلٌ بِالْيَقِينِ وَإِلْغَاءُ الشَّكِّ وَإِيقَاعُ مَا أَوْقَعَهُ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ فَكَانَ أَوْلَى وَإِنْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ نِصْفَيْ طَلْقَتَيْنِ وَقَعَتْ طَلْقَتَانِ ؛ لِأَنَّ نِصْفَيْ الشَّيْءِ جَمِيعُهُ فَهُوَ كَمَا لَوْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَتَيْنِ وَإِنْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ نِصْفَ ثَلَاثِ طَلَقَاتٍ طَلُقَتْ طَلْقَتَيْنِ ؛ لِأَنَّ نِصْفَهَا طَلْقَةٌ وَنِصْفٌ ثُمَّ يُكَمَّلُ النِّصْفُ فَتَصِيرُ طَلْقَتَيْنِ .","part":16,"page":489},{"id":7989,"text":"( 6030 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ نِصْفَ وَثُلُثَ وَسُدْسَ طَلْقَةٍ وَقَعَتْ طَلْقَةٌ ؛ لِأَنَّهَا أَجْزَاءُ الطَّلْقَةِ وَلَوْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ نِصْفَ طَلْقَةٍ وَثُلُثَ طَلْقَةٍ وَسُدْسَ طَلْقَةٍ فَقَالَ أَصْحَابُنَا : يَقَعُ ثَلَاثٌ ؛ لِأَنَّهُ عَطَفَ جُزْءًا مِنْ طَلْقَةٍ عَلَى جُزْءٍ مِنْ طَلْقَةٍ فَظَاهِرُهُ أَنَّهَا طَلَقَاتٌ مُتَغَايِرَةٌ وَلِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ الثَّانِيَةُ هِيَ الْأُولَى لَجَاءَ بِهَا فَاللَّامُ التَّعْرِيفِ فَقَالَ : ثُلُثَ الطَّلْقَةِ وَسُدْسَ الطَّلْقَةِ فَإِنَّ أَهْلَ الْعَرَبِيَّةِ قَالُوا : إذَا ذُكِرَ لَفْظٌ ثُمَّ أُعِيدَ مُنَكَّرًا فَالثَّانِي غَيْرُ الْأَوَّلِ وَإِنْ أُعِيدَ مُعَرَّفًا بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ فَالثَّانِي هُوَ الْأَوَّلُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : { فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا } فَالْعُسْرُ الثَّانِي هُوَ الْأَوَّلُ ؛ لِإِعَادَتِهِ مُعَرَّفًا وَالْيُسْرُ الثَّانِي غَيْرُ الْأَوَّلِ ؛ لِإِعَادَتِهِ مُنْكَرًا وَلِهَذَا قِيلَ : لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنَ وَقِيلَ : لَوْ أَرَادَ بِالثَّانِيَةِ الْأُولَى لَذَكَرَهَا بِالضَّمِيرِ ؛ لِأَنَّهُ الْأَوْلَى وَإِنْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ نِصْفَ طَلْقَةٍ ثُلُثَ طَلْقَةٍ سُدْسَ طَلْقَةٍ طَلُقَتْ طَلْقَةً ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَعْطِفْ بِوَاوِ الْعَطْفِ فَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْأَجْزَاءَ مِنْ طَلْقَةٍ غَيْرِ مُتَغَايِرَةٍ وَلِأَنَّهُ يَكُونُ الثَّانِي هَاهُنَا بَدَلًا مِنْ الْأَوَّلِ وَالثَّالِثُ مِنْ الثَّانِي وَالْبَدَلُ هُوَ الْمُبْدَلُ أَوْ بَعْضُهُ فَلَمْ يَقْتَضِ الْمُغَايَرَةَ وَعَلَى هَذَا التَّعْلِيلِ لَوْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً نِصْفَ طَلْقَةٍ أَوْ طَلْقَةً طَلْقَةً لَمْ تَطْلُقْ إلَّا طَلْقَةً فَإِنْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ نِصْفًا وَثُلُثًا وَسُدْسًا لَمْ يَقَعْ إلَّا طَلْقَةٌ ؛ لِأَنَّ هَذِهِ أَجْزَاءُ الطَّلْقَةِ إلَّا أَنْ يُرِيدَ مِنْ كُلِّ طَلْقَةٍ جُزْءًا فَتَطْلُقُ ثَلَاثًا وَلَوْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ نِصْفًا وَثُلُثًا وَرُبْعًا طَلُقَتْ طَلْقَتَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ يَزِيدُ عَلَى الطَّلْقَةِ نِصْفَ سُدْسٍ ثُمَّ يُكَمَّلُ وَإِنْ أَرَادَ مِنْ كُلِّ طَلْقَةٍ جُزْءًا طَلُقَتْ ثَلَاثًا وَإِنْ قَالَ : أَنْتِ","part":16,"page":490},{"id":7990,"text":"طَلْقَةٌ أَوْ : أَنْتِ نِصْفُ طَلْقَةٍ أَوْ أَنْتِ نِصْفُ طَلْقَةٍ ثُلُثُ طَلْقَةٍ سُدُسُ طَلْقَةٍ أَوْ أَنْتِ نِصْفُ طَالِقٍ وَقَعَ بِهَا طَلْقَةٌ ؛ بِنَاءً عَلَى قَوْلِنَا فِي : أَنْتِ الطَّلَاقُ أَنَّهُ صَرِيحٌ فِي الطَّلَاقِ وَهَاهُنَا مِثْلُهُ .","part":16,"page":491},{"id":7991,"text":"( 6031 ) فَصْلٌ : فَإِنْ قَالَ لِأَرْبَعِ نِسْوَةٍ لَهُ : أَوْقَعْت بَيْنَكُنَّ طَلْقَةً طَلُقَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ طَلْقَةً كَذَلِكَ قَالَ الْحَسَنُ وَالشَّافِعِيُّ وَابْنُ الْقَاسِمِ وَأَبُو عُبَيْدٍ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ اقْتَضَى قَسَمَهَا بَيْنِهِنَّ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ رُبْعُهَا ثُمَّ تَكَمَّلَتْ وَإِنْ قَالَ : بَيْنَكُنَّ طَلْقَةٌ فَكَذَلِكَ نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُ أَوْقَعْت بَيْنَكُنَّ طَلْقَةً وَإِنْ قَالَ : أَوْقَعْت بَيْنَكُنَّ طَلْقَتَيْنِ وَقَعَ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ طَلْقَةٌ ذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ وَالْقَاضِي : تَطْلُقُ كُلُّ وَاحِدَةٍ طَلْقَتَيْنِ وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ رُوِيَ عَنْهُ فِي رَجُلٍ قَالَ : أَوْقَعْت بَيْنَكُنَّ ثَلَاثَ تَطْلِيقَاتٍ : مَا أَرَى إلَّا قَدْ بِنَّ مِنْهُ ؛ لِأَنَّنَا إذَا قَسَمْنَا كُلَّ طَلْقَةٍ بَيْنِهِنَّ حَصَلَ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ جُزْءَانِ مِنْ طَلْقَتَيْنِ ثُمَّ تُكَمَّلُ وَالْأَوَّلُ أَوْلَى ؛ لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ نِصْفَ طَلْقَتَيْنِ طَلُقَتْ وَاحِدَةً وَيُكَمَّلُ نَصِيبُهَا مِنْ الطَّلَاقِ فِي وَاحِدَةٍ فَيَكُونُ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ نِصْفٌ ثُمَّ يُكَمَّلُ طَلْقَةً وَاحِدَةً وَإِنَّمَا يُقْسَمُ بِالْأَجْزَاءِ مَعَ الِاخْتِلَافِ كَالدُّورِ وَنَحْوِهَا مِنْ الْمُخْتَلِفَاتِ أَمَّا الْجُمَلُ الْمُتَسَاوِيَةُ مِنْ جِنْسٍ كَالنُّقُودِ فَإِنَّمَا تُقْسَمُ بِرُءُوسِهَا وَيُكَمَّلُ نَصِيبُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ وَاحِدٍ كَأَرْبَعَةِ لَهُمْ دِرْهَمَانِ صَحِيحَانِ فَإِنَّهُ يُجْعَلُ لِكُلِّ وَاحِدٍ نِصْفٌ مِنْ دِرْهَمٍ وَاحِدٍ وَالطَّلَقَاتُ لَا اخْتِلَافَ فِيهَا ؛ وَلِأَنَّ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ أَخْذًا بِالْيَقِينِ فَكَانَ أَوْلَى مِنْ إيقَاعِ طَلْقَةٍ زَائِدَةٍ بِالشَّكِّ فَإِنْ أَرَادَ قِسْمَةَ كُلِّ طَلْقَةٍ بَيْنِهِنَّ فَهُوَ عَلَى مَا قَالَ أَبُو بَكْرٍ وَإِنْ قَالَ : أَوْقَعْت بَيْنَكُنَّ ثَلَاثَ طَلَقَاتٍ أَوْ أَرْبَعَ طَلَقَاتٍ فَعَلَى قَوْلِنَا : تَطْلُقُ كُلُّ وَاحِدَةٍ طَلْقَةً وَعَلَى قَوْلِهِمَا يَطْلُقْنَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا ، وَإِنْ قَالَ : أَوْقَعْت بَيْنَكُنَّ","part":16,"page":492},{"id":7992,"text":"خَمْسَ طَلَقَاتٍ وَقَعَ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ طَلْقَتَانِ كَذَلِكَ قَالَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ؛ لِأَنَّ نَصِيبَ كُلِّ وَاحِدَةٍ طَلْقَةٌ وَرُبْعٌ ثُمَّ تُكَمَّلُ وَكَذَلِكَ إنْ قَالَ : سِتًّا أَوْ سَبْعًا أَوْ ثَمَانِيًا وَإِنْ قَالَ : أَوْقَعْت بَيْنكُنَّ تِسْعًا طَلُقْنَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا .","part":16,"page":493},{"id":7993,"text":"( 6032 ) فَصْلٌ : فَإِنْ قَالَ : أَوْقَعْت بَيْنَكُنَّ طَلْقَةً وَطَلْقَةً وَطَلْقَةً وَقَعَ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ ثَلَاثٌ ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا عَطَفَ وَجَبَ قَسَمُ كُلِّ طَلْقَةٍ عَلَى حِدَتِهَا وَيَسْتَوِي فِي ذَلِكَ الْمَدْخُولُ بِهَا وَغَيْرُهَا فِي قِيَاسِ الْمَذْهَبِ ؛ لِأَنَّ الْوَاوَ لَا تَقْتَضِي تَرْتِيبًا وَإِنْ قَالَ : أَوْقَعْت بَيْنَكُنَّ نِصْفَ طَلْقَةٍ وَثُلُثَ طَلْقَةٍ وَسُدْسَ طَلْقَةٍ فَكَذَلِكَ ؛ لِأَنَّ هَذَا يَقْتَضِي وُقُوعَ ثَلَاثٍ عَلَى مَا قَدَّمْنَا وَإِنْ قَالَ : أَوْقَعْت بَيْنَكُنَّ طَلْقَةً فَطَلْقَةً فَطَلْقَةً أَوْ طَلْقَةً ثُمَّ طَلْقَةً ثُمَّ طَلْقَةً أَوْ أَوْقَعْت بَيْنَكُنَّ طَلْقَةً وَأَوْقَعْت بَيْنَكُنَّ طَلْقَةً وَأَوْقَعْت بَيْنكُنَّ طَلْقَةً طَلُقْنَ ثَلَاثًا إلَّا الَّتِي لَمْ يَدْخُلْ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَطْلُقُ إلَّا وَاحِدَةً ؛ لِأَنَّهَا بَانَتْ بِالْأُولَى فَلَمْ يَلْحَقْهَا مَا بَعْدَهَا .","part":16,"page":494},{"id":7994,"text":"( 6033 ) فَصْلٌ : فَإِنْ قَالَ لِنِسَائِهِ : أَنْتُنَّ طَوَالِقُ ثَلَاثًا أَوْ : طَلَّقْتُكُنَّ ثَلَاثًا طَلُقْنَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ طَلَّقْتُكُنَّ يَقْتَضِي تَطْلِيقَ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ وَتَعْمِيمَهُنَّ بِهِ ثُمَّ وَصَفَ مَا عَمّهنَّ بِهِ مِنْ الطَّلَاقِ بِأَنَّهُ ثَلَاثٌ فَصَارَ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ ثَلَاثٌ بِخِلَافِ قَوْلِهِ : أَوْقَعْت بَيْنَكُنَّ ثَلَاثًا فَإِنَّهُ يَقْتَضِي قِسْمَةَ الثَّلَاثِ عَلَيْهِنَّ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ جُزْءٌ مِنْهَا وَجُزْءُ الْوَاحِدَةِ مِنْ الثَّلَاثِ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ تَطْلِيقَةٍ .","part":16,"page":495},{"id":7995,"text":"( 6034 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَإِنْ قَالَ لَهَا : شَعْرُك أَوْ ظُفْرُك طَالِقٌ لَمْ تَطْلُقْ ) لِأَنَّ الشَّعْرَ وَالظُّفْرَ يَزُولَانِ وَيَخْرُجُ غَيْرُهُمَا فَلَيْسَ هُمَا كَالْأَعْضَاءِ الثَّابِتَةِ وَبِهَذَا قَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ : تَطْلُقُ بِذَلِكَ ، وَنَحْوُهُ عَنْ الْحَسَنِ ؛ لِأَنَّهُ جُزْءٌ يُسْتَبَاحُ بِنِكَاحِهَا فَتَطْلُقُ بِطَلَاقِهِ كَالْأُصْبُعِ وَلَنَا أَنَّهُ جُزْءٌ يَنْفَصِلُ عَنْهَا فِي حَالِ السَّلَامَةِ فَلَمْ تَطْلُقْ بِطَلَاقِهِ كَالْحَمْلِ وَالرِّيقِ فَإِنَّهُ لَا خِلَافَ فِيهِمَا وَفَارَقَ الْأُصْبُعَ فَإِنَّهَا لَا تَنْفَصِلُ فِي حَالِ السَّلَامَةِ وَلِأَنَّ الشَّعْرَ لَا رُوحَ فِيهِ وَلَا يُنَجَّسُ بِمَوْتِ الْحَيَوَانِ وَلَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ مَسُّهُ فَأَشْبَهَ الْعَرَقَ وَالرِّيقَ وَاللَّبَنَ وَلِأَنَّ الْحَمْلَ مُتَّصِلٌ بِهَا وَإِنَّمَا لَمْ تَطْلُقْ بِطَلَاقِهِ ؛ لِأَنَّ مَآلَهُ إلَى الِانْفِصَالِ وَهَذِهِ كَذَلِكَ وَالسِّنُّ فِي مَعْنَاهُمَا ؛ لِأَنَّهَا تَزُولُ مِنْ الصَّغِيرِ وَيَخْلُفُ غَيْرُهَا وَتَنْقَلِعُ مِنْ الْكَبِيرِ .","part":16,"page":496},{"id":7996,"text":"فَصْلٌ : وَإِنْ أَضَافَهُ إلَى الرِّيقِ وَالدَّمْعِ وَالْعَرَقِ وَالْحَمْلِ لَمْ تَطْلُقْ لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا ؛ لِأَنَّ هَذِهِ لَيْسَتْ مِنْ جِسْمِهَا وَإِنَّمَا الرِّيقُ وَالدَّمْعُ وَالْعَرَقُ فَضَلَاتٌ تَخْرُجُ مِنْ جِسْمِهَا فَهُوَ كَلَبَنِهَا وَالْحَمْلُ مُودَعٌ فِيهَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ } قِيلَ : مُسْتَوْدَعٌ فِي بَطْنِ الْأُمِّ وَإِنْ أَضَافَهُ إلَى الزَّوْجِ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : لَا يَخْتَلِفُ قَوْلُ أَحْمَدَ فِي الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَالظِّهَارِ وَالْحَرَامِ أَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ لَا تَقَعُ إذَا ذَكَرَ أَرْبَعَةَ أَشْيَاءَ ؛ الشَّعْرَ وَالسِّنَّ وَالظُّفْرَ وَالرُّوحَ جَرَّدَ الْقَوْلَ عَنْهُ مُهَنَّا بْنُ يَحْيَى وَالْفَضْلُ بْنُ زِيَادٍ الْقَطَّانُ فَبِذَلِكَ أَقُولُ وَوَجْهُهُ أَنَّ الرُّوحَ لَيْسَتْ عُضْوًا وَلَا شَيْئًا يُسْتَمْتَعُ بِهِ .","part":16,"page":497},{"id":7997,"text":"( 6036 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِذَا لَمْ يَدْرِ أَطَلَّقَ أَمْ لَا فَلَا يَزُولُ يَقِينُ النِّكَاحِ بِشَكِّ الطَّلَاقِ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ مَنْ شَكَّ فِي طَلَاقِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ حُكْمُهُ نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ ثَابِتٌ بِيَقِينٍ فَلَا يَزُولُ بِشَكٍّ وَالْأَصْلُ فِي هَذَا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ { النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الرَّجُلِ يُخَيَّلُ إلَيْهِ أَنَّهُ يَجِدُ الشَّيْءَ فِي الصَّلَاةِ فَقَالَ : لَا يَنْصَرِفُ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فَأَمَرَهُ بِالْبِنَاءِ عَلَى الْيَقِينِ وَاطِّرَاحِ الشَّكِّ وَلِأَنَّهُ شَكٌّ طَرَأَ عَلَى يَقِينٍ فَوَجَبَ اطِّرَاحُهُ كَمَا لَوْ شَكَّ الْمُتَطَهِّرُ فِي الْحَدَثِ أَوْ الْمُحْدِثُ فِي الطَّهَارَةِ ، وَالْوَرَعُ الْتِزَامُ الطَّلَاقِ ، فَإِنْ كَانَ الْمَشْكُوكُ فِيهِ طَلَاقًا رَجْعِيًّا رَاجَعَ امْرَأَتَهُ إنْ كَانَتْ مَدْخُولًا بِهَا أَوْ جَدَّدَ نِكَاحَهَا إنْ كَانَتْ غَيْرَ مَدْخُولٍ بِهَا أَوْ قَدْ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا وَإِنْ شَكَّ فِي طَلَاقِ ثَلَاثٍ طَلَّقَهَا وَاحِدَةً وَتَرَكَهَا ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يُطَلِّقْهَا فَيَقِينُ نِكَاحِهِ بَاقٍ فَلَا تَحِلُّ لِغَيْرِهِ ، وَحُكِيَ عَنْ شَرِيكٍ أَنَّهُ إذَا شَكَّ فِي طَلَاقِهِ طَلَّقَهَا وَاحِدَةً ثُمَّ رَاجَعَهَا ؛ لِتَكُونَ الرَّجْعَةُ عَنْ طَلْقَةٍ فَتَكُونَ صَحِيحَةً فِي الْحُكْمِ وَلَيْسَ بِشَيْءٍ ؛ لِأَنَّ التَّلَفُّظَ بِالرَّجْعَةِ مُمْكِنٌ مَعَ الشَّكِّ فِي الطَّلَاقِ وَلَا يَفْتَقِرُ إلَى مَا تَفْتَقِرُ إلَيْهِ الْعِبَادَاتُ مِنْ النِّيَّةِ وَلِأَنَّهُ لَوْ شَكَّ فِي طَلْقَتَيْنِ فَطَلَّقَ وَاحِدَةً لَصَارَ شَاكًّا فِي تَحْرِيمِهَا عَلَيْهِ فَلَا تُفِيدُهُ الرَّجْعَةُ .","part":16,"page":498},{"id":7998,"text":"( 6037 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَإِذَا طَلَّقَ فَلَمْ يَدْرِ أَوَاحِدَةً طَلَّقَ أَمْ ثَلَاثًا اعْتَزَلَهَا وَعَلَيْهِ نَفَقَتُهَا مَا دَامَتْ فِي الْعِدَّةِ ، فَإِنْ رَاجَعَهَا فِي الْعِدَّةِ لَزِمَتْهُ النَّفَقَةُ وَلَمْ يَطَأْهَا حَتَّى يَتَيَقَّنَ كَمْ الطَّلَاقُ ؛ لِأَنَّهُ مُتَيَقِّنٌ لِلتَّحْرِيمِ شَاكٌّ فِي التَّحْلِيلِ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا طَلَّقَ وَشَكَّ فِي عَدَدِ الطَّلَاقِ فَإِنَّهُ يَبْنِي عَلَى الْيَقِينِ نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ فِي رَجُلٍ لَفَظَ بِطَلَاقِ امْرَأَتِهِ لَا يَدْرِي وَاحِدَةً أَمْ ثَلَاثًا ؟ قَالَ : أَمَّا الْوَاحِدَةُ فَقَدْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ وَهِيَ عِنْدَهُ حَتَّى يَسْتَيْقِنَ وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ ؛ لِأَنَّ مَا زَادَ عَلَى الْقَدْرِ الَّذِي تَيَقَّنَهُ طَلَاقٌ مَشْكُوكٌ فِيهِ فَلَمْ يَلْزَمْهُ كَمَا لَوْ شَكَّ فِي أَصْلِ الطَّلَاقِ ، وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِنَّهُ تَبْقَى أَحْكَامُ الْمُطَلِّقِ دُونَ الثَّلَاثِ مِنْ إبَاحَةِ الرَّجْعَةِ .\rوَإِذَا رَاجَعَ وَجَبَتْ النَّفَقَةُ وَحُقُوقُ الزَّوْجِيَّةِ قَالَ الْخِرَقِيِّ : وَيَحْرُمُ وَطْؤُهَا وَنَحْوُهُ قَوْلُ مَالِكٍ إلَّا أَنَّهُ حُكِيَ عَنْهُ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ الْأَكْثَرُ مِنْ الطَّلَاقِ الْمَشْكُوكِ فِيهِ وَقَوْلُهُمَا : تَيَقَّنَ فِي التَّحْرِيمِ ؛ لِأَنَّهُ تَيَقَّنَ وُجُودَهُ بِالطَّلَاقِ وَشَكَّ فِي رَفْعِهِ بِالرَّجْعَةِ فَلَا يَرْتَفِعُ بِالشَّكِّ كَمَا لَوْ أَصَابَ ثَوْبَهُ نَجَاسَةٌ وَشَكَّ فِي مَوْضِعِهَا فَإِنَّهُ لَا يَزُولُ حُكْمُ النَّجَاسَةِ بِغَسْلِ مَوْضِعٍ مِنْ الثَّوْبِ وَلَا يَزُولُ إلَّا بِغَسْلِ جَمِيعِهِ وَفَارَقَ لُزُومَ النَّفَقَةِ فَإِنَّهَا لَا تَزُولُ بِالطَّلْقَةِ الْوَاحِدَةِ فَهِيَ بَاقِيَةٌ ؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ بَاقِيَةً وَلَمْ يَتَيَقَّنْ زَوَالَهَا وَظَاهِرُ قَوْلِ غَيْرِ الْخِرَقِيِّ مِنْ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ إذَا رَاجَعَهَا حَلَّتْ لَهُ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ ؛ لِأَنَّ التَّحْرِيمَ الْمُتَعَلِّقَ بِمَا يَنْفِيهِ يَزُولُ بِالرَّجْعَةِ يَقِينًا فَإِنَّ التَّحْرِيمَ أَنْوَاعٌ ؛ تَحْرِيمٌ","part":16,"page":499},{"id":7999,"text":"تُزِيلُهُ الرَّجْعَةُ وَتَحْرِيمٌ يُزِيلُهُ نِكَاحٌ جَدِيدٌ وَتَحْرِيمٌ يُزِيلُهُ نِكَاحٌ بَعْدَ زَوْجٍ وَإِصَابَةٍ وَمَنْ تَيَقَّنَ الْأَدْنَى لَا يَثْبُتُ فِيهِ حُكْمُ الْأَعْلَى كَمَنْ تَيَقَّنَ الْحَدَثَ الْأَصْغَرَ لَا يَثْبُت فِيهِ حُكْمُ الْأَكْبَرِ وَيَزُولُ تَحْرِيمُ الصَّلَاةِ بِالطَّهَارَةِ الصُّغْرَى ، وَيُخَالِفُ الثَّوْبَ فَإِنَّ غَسْلَ بَعْضِهِ لَا يَرْفَعُ مَا تَيَقَّنَهُ مِنْ النَّجَاسَةِ فَنَظِيرُ مَسْأَلَتِنَا أَنْ يَتَيَقَّنَ نَجَاسَةَ كُمِّ الثَّوْبِ وَيَشُكَّ فِي نَجَاسَةِ سَائِرِهِ فَإِنَّ حُكْمَ النَّجَاسَةِ فِيهِ يَزُولُ بِغَسْلِ الْكُمِّ وَحْدَهَا كَذَا هَاهُنَا وَيُمْكِنُ مَنْعُ حُصُولِ التَّحْرِيمِ هَاهُنَا وَمَنْعُ يَقِينِهِ فَإِنَّ الرَّجْعَةَ مُبَاحَةٌ لِزَوْجِهَا فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ فَمَا هُوَ إذًا مُتَيَقِّنٌ لِلتَّحْرِيمِ بَلْ شَاكٌّ فِيهِ مُتَيَقِّنٌ لِلْإِبَاحَةِ .","part":16,"page":500},{"id":8000,"text":"( 6038 ) فَصْلٌ : إذَا رَأَى رَجُلَانِ طَائِرًا فَحَلَفَ أَحَدُهُمَا بِالطَّلَاقِ أَنَّهُ غُرَابٌ وَحَلَفَ الْآخَرُ بِالطَّلَاقِ أَنَّهُ حَمَامٌ فَطَارَ وَلَمْ يَعْلَمَا لَمْ يُحْكَمْ بِحِنْثِ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ؛ لِأَنَّ يَقِينَ النِّكَاحِ ثَابِتٌ وَوُقُوعَ الطَّلَاقِ مَشْكُوكٌ فِيهِ ، فَإِنْ ادَّعَتْ امْرَأَةُ أَحَدِهِمَا حِنْثَهُ فِيهَا فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ مَعَهُ وَالْيَقِينَ فِي جَانِبِهِ وَلَوْ كَانَ الْحَالِفُ وَاحِدًا فَقَالَ : إنْ كَانَ غُرَابًا فَنِسَاؤُهُ طَوَالِقُ وَإِنْ كَانَ حَمَامًا فَعَبِيدُهُ أَحْرَارٌ أَوْ قَالَ : إنْ كَانَ غُرَابًا فَزَيْنَبُ طَالِقٌ وَإِنْ كَانَ حَمَامًا فَهِنْدُ طَالِقٌ وَلَمْ يَعْلَمْ مَا هُوَ لَمْ يُحْكَمْ بِحِنْثِهِ فِي شَيْءٍ ؛ لِأَنَّهُ مُتَيَقِّنٌ لِلنِّكَاحِ شَاكٌّ فِي الْحِنْثِ فَلَا يَزُولُ عَنْ يَقِينِ النِّكَاحِ وَالْمِلْكِ بِالشَّكِّ فَأَمَّا إنْ قَالَ أَحَدُ الرَّجُلَيْنِ : إنْ كَانَ غُرَابًا فَامْرَأَتُهُ طَالِقٌ ثَلَاثًا وَقَالَ الْآخَرُ : إنْ لَمْ يَكُنْ غُرَابًا فَامْرَأَتُهُ طَالِقٌ ثَلَاثًا فَطَارَ وَلَمْ يَعْلَمَا فَقَدْ حَنِثَ أَحَدُهُمَا لَا بِعَيْنِهِ وَلَا يُحْكَمُ بِهِ فِي حَقِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِعَيْنِهِ بَلْ تَبْقَى فِي حَقِّهِ أَحْكَامُ النِّكَاحِ مِنْ النَّفَقَةِ وَالْكُسْوَةِ وَالسُّكْنَى ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَقِينُ نِكَاحِهِ بَاقٍ وَوُقُوعُ طَلَاقِهِ مَشْكُوكٌ فِيهِ فَأَمَّا الْوَطْءُ فَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِمَا ؛ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا حَانِثٌ بِيَقِينٍ ، وَامْرَأَتُهُ مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِ وَقَدْ أَشْكَلَ فَحَرُمَ عَلَيْهِمَا جَمِيعًا كَمَا لَوْ حَنِثَ فِي إحْدَى امْرَأَتَيْهِ لَا بِعَيْنِهَا وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ وَالشَّافِعِيُّ : لَا يَحْرُمُ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَطْءُ امْرَأَتِهِ ؛ لِأَنَّهُ مَحْكُومٌ بِبَقَاءِ نِكَاحِهِ وَلَمْ يُحْكَمْ بِوُقُوعِ الطَّلَاقِ عَلَيْهِ وَفَارَقَ الْحَانِثَ فِي إحْدَى امْرَأَتَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ زَوَالُ نِكَاحِهِ عَنْ إحْدَى زَوْجَتَيْهِ قُلْنَا : إنَّمَا تَحَقَّقَ حِنْثُهُ فِي وَاحِدَةٍ غَيْرِ مُعَيَّنَةٍ وَبِالنَّظَرِ إلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ مُفْرَدَةٍ فَيَقِينُ نِكَاحِهَا بَاقٍ وَطَلَاقُهَا","part":17,"page":1},{"id":8001,"text":"مَشْكُوكٌ فِيهِ لَكِنْ لَمَّا تَحَقَّقْنَا أَنَّ إحْدَاهُمَا حَرَامٌ وَلَمْ يُمْكِنْ تَمْيِيزُهَا حَرُمَتَا عَلَيْهِ جَمِيعًا وَكَذَلِكَ هَاهُنَا قَدْ عَلِمْنَا أَنَّ أَحَدَ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ قَدْ طَلُقَتْ امْرَأَتُهُ وَحَرُمَتْ عَلَيْهِ وَتَعَذَّرَ التَّمْيِيزُ فَيَحْرُمُ الْوَطْءُ عَلَيْهِمَا وَيَصِيرُ كَمَا لَوْ تَنَجَّسَ أَحَدُ الْإِنَاءَيْنِ لَا بِعَيْنِهِ فَإِنَّهُ يَحْرُمُ اسْتِعْمَالُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا سَوَاءٌ كَانَا لِرَجُلَيْنِ أَوْ لَرَجُلٍ وَاحِدٍ وَقَالَ مَكْحُولٌ : يُحْمَلُ الطَّلَاقُ عَلَيْهِمَا جَمِيعًا ، وَمَالَ إلَيْهِ أَبُو عُبَيْدٍ فَإِنْ ادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّهُ عَلِمَ الْحَالَ وَأَنَّهُ لَمْ يَحْنَثْ دُيِّنَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى وَنَحْوَ هَذَا قَالَ عَطَاءٌ وَالشَّعْبِيُّ وَالزُّهْرِيُّ وَالْحَارِثُ الْعُكْلِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَالشَّافِعِيُّ ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُمْكِنُ صِدْقُهُ فِيمَا ادَّعَاهُ وَإِنْ أَقَرَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّهُ الْحَانِثُ طَلُقَتْ زَوْجَتَاهُمَا بِإِقْرَارِهِمَا عَلَى أَنْفُسِهِمَا وَإِنْ أَقَرَّ أَحَدُهُمَا حَنِثَ وَحْدَهُ ، وَإِنْ ادَّعَتْ امْرَأَةُ أَحَدِهِمَا عَلَيْهِ الْحِنْثَ فَأَنْكَرَ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ وَهَلْ يَحْلِفُ ؟ يُخَرَّجُ عَلَى رِوَايَتَيْنِ .","part":17,"page":2},{"id":8002,"text":"( 6039 ) فَصْلٌ : فَإِنْ قَالَ أَحَدُهُمَا : إنْ كَانَ هَذَا غُرَابًا فَعَبْدِي حُرٌّ ، وَقَالَ الْآخَرُ : إنْ لَمْ يَكُنْ غُرَابًا فَعَبْدِي حُرٌّ ، فَطَارَ وَلَمْ يَعْلَمَا لَمْ نَحْكُمْ بِعِتْقِ وَاحِدٍ مِنْ الْعَبْدَيْنِ ، فَإِنْ اشْتَرَى أَحَدُهُمَا عَبْدَ صَاحِبِهِ بَعْدَ أَنْ أَنْكَرَ حِنْثَ نَفْسِهِ عَتَقَ الَّذِي اشْتَرَاهُ ؛ لِأَنَّ إنْكَارَهُ حِنْثَ نَفْسِهِ اعْتِرَافٌ مِنْهُ بِحِنْثِ صَاحِبِهِ وَإِقْرَارٌ بِعِتْقِ الَّذِي اشْتَرَاهُ .\rوَإِذَا اشْتَرَى مَنْ أَقَرَّ بِحُرِّيَّتِهِ عَتَقَ عَلَيْهِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْهُ إنْكَارٌ وَلَا اعْتِرَافٌ فَقَدْ صَارَ الْعَبْدَانِ فِي يَدِهِ وَأَحَدُهُمَا حُرٌّ وَلَمْ يُعْلَمْ بِعَيْنِهِ ، وَيُرْجَعُ فِي تَعْيِينِهِ إلَى الْقُرْعَةِ وَهَذَا قَوْلُ أَبِي الْخَطَّابِ ، وَذَهَبَ الْقَاضِي إلَى أَنَّهُ يَعْتِقُ الَّذِي اشْتَرَاهُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ ؛ لِأَنَّ تَمَسُّكَهُ بِعَبْدِهِ اعْتِرَافٌ مِنْهُ بِرِقِّهِ وَحُرِّيَّةِ صَاحِبِهِ ، وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَلَنَا أَنَّهُ لَمْ يَعْتَرِفْ لَفْظًا وَلَا فَعَلَ مَا يَلْزَمُ مِنْهُ الِاعْتِرَافُ فَإِنَّ الشَّرْعَ يُسَوِّغُ لَهُ إمْسَاكَ عَبْدِهِ مَعَ الْجَهْلِ اسْتِنَادًا إلَى الْأَصْلِ فَكَيْفَ يَكُونُ مُعْتَرِفًا مَعَ تَصْرِيحِهِ بِأَنَّنِي لَا أَعْلَمُ الْحُرَّ مِنْهُمَا ؟ وَإِنَّمَا اكْتَفَيْنَا فِي إبْقَاءِ رِقِّ عَبْدِهِ بِاحْتِمَالِ الْحِنْثِ فِي حَقِّ صَاحِبِهِ فَإِذَا صَارَ الْعَبْدَانِ لَهُ وَأَحَدُهُمَا حُرٌّ لَا بِعَيْنِهِ صَارَ كَأَنَّهُمَا كَانَا لَهُ فَحَلَفَ بِعِتْقِ أَحَدِهِمَا وَحْدَهُ فَيُقْرِعُ بَيْنَهُمَا حِينَئِذٍ وَلَوْ كَانَ الْحَالِفُ وَاحِدًا فَقَالَ : إنْ كَانَ غُرَابًا فَعَبْدِي حُرٌّ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ غُرَابًا فَأَمَتِي حُرَّةٌ ، وَلَمْ يَعْلَمْ ، فَإِنَّهُ يُقْرِعُ بَيْنَهُمَا فَيُعْتِقُ أَحَدَهُمَا فَإِنْ ادَّعَى أَحَدُهُمَا أَنَّهُ الَّذِي عَتَقَ أَوْ ادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ذَلِكَ فَالْقَوْلُ قَوْلُ السَّيِّدِ مَعَ يَمِينِهِ .","part":17,"page":3},{"id":8003,"text":"( 6040 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَالَ : إنْ كَانَ غُرَابًا فَهَذِهِ طَالِقٌ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ غُرَابًا فَهَذِهِ الْأُخْرَى طَالِقٌ فَطَارَ وَلَمْ يَعْلَمْ فَقَدْ طَلُقَتْ إحْدَاهُمَا فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ قُرْبَانُهُمَا وَيُؤْخَذُ بِنَفَقَتِهِمَا حَتَّى تَبِينَ الْمُطَلَّقَةُ مِنْهُمَا ؛ لِأَنَّهُمَا مَحْبُوسَتَانِ عَلَيْهِ لِحَقِّهِ وَذَهَبَ أَصْحَابُنَا إلَى أَنَّهُ يُقْرِعُ بَيْنَهُمَا فَتَخْرُجُ بِالْقُرْعَةِ الْمُطَلَّقَةُ مِنْهُمَا كَقَوْلِنَا فِي الْعَبِيدِ وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْقُرْعَةَ لَا مَدْخَلَ لَهَا هَاهُنَا ؛ لِمَا سَنَذْكُرُهُ فِيمَا إذَا طَلَّقَ وَاحِدَةً وَأُنْسِيَهَا وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ فَعَلَى هَذَا يَبْقَى التَّحْرِيمُ فِيهِمَا إلَى أَنْ يَعْلَمَ الْمُطَلَّقَةَ مِنْهُمَا وَيُؤْخَذُ بِنَفَقَتِهِمَا ، فَإِنْ قَالَ : هَذِهِ الَّتِي حَنِثْت فِيهَا حَرُمَتْ عَلَيْهِ وَيُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي حِلِّ الْأُخْرَى فَإِنْ ادَّعَتْ الَّتِي لَمْ يَعْتَرِفْ بِطَلَاقِهَا أَنَّهَا الْمُطَلَّقَةُ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ ؛ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ ، وَهَلْ يَحْلِفُ ؟ يُخَرَّجُ عَلَى رِوَايَتَيْنِ .","part":17,"page":4},{"id":8004,"text":"( 6041 ) فَصْلٌ : فَإِنْ قَالَ : إنْ كَانَ غُرَابًا فَنِسَاؤُهُ طَوَالِقُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ غُرَابًا فَعَبِيدُهُ أَحْرَارٌ وَطَارَ وَلَمْ يَعْلَمْ مُنِعَ مِنْ التَّصَرُّفِ فِي الْمِلْكَيْنِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ وَعَلَيْهِ نَفَقَةُ الْجَمِيعِ ، فَإِنْ قَالَ : كَانَ غُرَابًا طَلُقَ نِسَاؤُهُ وَرُقَّ عَبِيدُهُ ، فَإِنْ ادَّعَى الْعَبِيدُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ غُرَابًا لَيَعْتِقُوا فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ وَهَلْ يَحْلِفُ ؟ يُخَرَّجُ عَلَى رِوَايَتَيْنِ وَإِنْ قَالَ : لَمْ يَكُنْ غُرَابًا عَتَقَ عَبِيدُهُ وَلَمْ تَطْلُقْ النِّسَاءُ ، فَإِنْ ادَّعَيْنَ أَنَّهُ كَانَ غُرَابًا لِيَطْلُقْنَ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ ، وَفِي تَحْلِيفِهِ وَجْهَانِ وَكُلُّ مَوْضِعٍ قُلْنَا : يَسْتَحْلِفُ ، فَنَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ قُضِيَ عَلَيْهِ بِنُكُولِهِ .\rوَإِنْ قَالَ : لَا أَعْلَمُ مَا الطَّائِرُ ؟ فَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنْ يُقْرِعَ بَيْنَهُمَا ، فَإِنْ وَقَعْت الْقُرْعَةُ عَلَى الْغُرَابِ طَلُقَ النِّسَاءُ ، وَرُقَّ الْعَبِيدُ ، وَإِنْ وَقَعَتْ عَلَى الْعَبِيدِ عَتَقُوا وَلَمْ تَطْلُقْ النِّسَاءُ ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ : إنْ وَقَعْت الْقُرْعَةُ عَلَى الْعَبِيدِ عَتَقُوا وَإِنْ وَقَعَتْ عَلَى النِّسَاءِ لَمْ يَطْلُقْنَ ، وَلَمْ يَعْتِقْ الْعَبِيدُ ؛ لِأَنَّ الْقُرْعَةَ لَهَا مَدْخَلٌ فِي الْعِتْقِ لِكَوْنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقْرَعَ بَيْنَ الْعَبِيدِ السِّتَّةِ وَلَا مَدْخَلَ لَهَا فِي الطَّلَاقِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ مِثْلُ ذَلِكَ فِيهِ وَلَا يُمْكِنُ قِيَاسُهُ عَلَى الْعِتْقِ ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ حَلُّ قَيْدِ النِّكَاحِ ، وَالْقُرْعَةُ لَا تَدْخُلُ فِي النِّكَاحِ ، وَالْعِتْقَ حَلُّ الْمِلْكِ وَالْقُرْعَةُ تَدْخُلُ فِي تَمْيِيزِ الْأَمْلَاكِ قَالُوا : وَلَا يُقْرَعُ بَيْنَهُمْ إلَّا بَعْدَ مَوْتِهِ وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ عَلَى هَذَا : إنَّ مَا لَا يَصْلُحُ لِلتَّعْيِينِ فِي حَقِّ الْمَوْرُوثِ لَا يَصْلُحُ فِي حَقِّ الْوَارِثِ كَمَا لَوْ كَانَتْ الْيَمِينُ فِي زَوْجَتَيْنِ وَلِأَنَّ الْإِمَاءَ مُحَرَّمَاتٌ عَلَى الْمَوْرُوثِ تَحْرِيمًا لَا تُزِيلُهُ الْقُرْعَةُ فَلَمْ يُنَجَّزْ لِلْوَارِثِ بِهَا كَمَا لَوْ تَعَيَّنَ","part":17,"page":5},{"id":8005,"text":"الْعِتْقُ فِيهِنَّ .","part":17,"page":6},{"id":8006,"text":"( 6042 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِذَا قَالَ لِزَوْجَاتِهِ : إحْدَاكُنَّ طَالِقٌ وَلَمْ يَنْوِ وَاحِدَةً بِعَيْنِهَا أَقْرَعَ بَيْنَهُنَّ فَأُخْرِجَتْ بِالْقُرْعَةِ الْمُطَلَّقَةُ مِنْهُنَّ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ إذَا طَلَّقَ امْرَأَةً مِنْ نِسَائِهِ لَا بِعَيْنِهَا فَإِنَّهَا تَخْرُجُ بِالْقُرْعَةِ نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ جَمَاعَةٍ وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَقَالَ قَتَادَةُ وَمَالِكٌ : يَطْلُقْنَ جَمِيعًا وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ وَالثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ : لَهُ أَنْ يَخْتَارَ أَيَّتَهُنَّ شَاءَ فَيُوقِعَ عَلَيْهَا الطَّلَاقَ ؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ إيقَاعَهُ ابْتِدَاءً وَتَعْيِينَهُ ، فَإِذَا أَوْقَعَهُ وَلَمْ يُعَيِّنْهُ مَلَكَ تَعْيِينَهُ ؛ لِأَنَّهُ اسْتِيفَاءُ مَا مَلَكَهُ وَلَنَا أَنَّ مَا ذَكَرْنَاهُ مَرْوِيٌّ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَلَا مُخَالِفَ لَهُمَا فِي الصَّحَابَةِ ؛ وَلِأَنَّهُ إزَالَةُ مِلْكٍ بُنِيَ عَلَى التَّغْلِيبِ وَالسِّرَايَةِ فَتَدْخُلُهُ الْقُرْعَةُ كَالْعِتْقِ وَقَدْ ثَبَتَ الْأَصْلُ ؛ بِكَوْنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقْرَعَ بَيْنَ الْعَبِيدِ السِّتَّةِ وَلِأَنَّ الْحَقَّ لِوَاحِدٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ فَوَجَبَ تَعْيِينُهُ بِالْقُرْعَةِ كَالْحُرِّيَّةِ فِي الْعَبِيدِ إذَا أَعْتَقَهُمْ فِي مَرَضِهِ وَلَمْ يَخْرُجَ جَمِيعُهُمْ مِنْ الثُّلْثِ وَكَالسَّفَرِ بِإِحْدَى نِسَائِهِ وَالْبِدَايَةِ بِإِحْدَاهُنَّ فِي الْقَسَمِ وَكَالشَّرِيكَيْنِ إذَا اقْتَسَمَا وَلِأَنَّهُ طَلَّقَ وَاحِدَةً مِنْ نِسَائِهِ لَا يَعْلَمُ عَيْنَهَا فَلَمْ يَمْلِكْ تَعْيِينَهَا بِاخْتِيَارِهِ كَالْمَنْسِيَّةِ ، وَأَمَّا الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُنَّ لَا يَطْلُقْنَ جَمِيعًا ؛ أَنَّهُ أَضَافَ الطَّلَاقَ إلَى وَاحِدَةٍ فَلَمْ يُطَلِّقْ الْجَمِيعَ كَمَا لَوْ عَيَّنَهَا قَوْلُهُمْ : إنَّهُ كَانَ يَمْلِكُ الْإِيقَاعَ وَالتَّعْيِينَ قُلْنَا : مِلْكُهُ لِلتَّعْيِينِ بِالْإِيقَاعِ لَا يَلْزَمُ أَنْ يَمْلِكَهُ بَعْدَهُ كَمَا لَوْ طَلَّقَ وَاحِدَةً بِعَيْنِهَا وَأُنْسِيَهَا ، وَأَمَّا إنْ نَوَى وَاحِدَةً بِعَيْنِهَا طَلُقَتْ وَحْدَهَا ؛ لِأَنَّهُ عَيَّنَهَا بِنِيَّتِهِ فَأَشْبَهَ","part":17,"page":7},{"id":8007,"text":"مَا لَوْ عَيَّنَهَا بِلَفْظِهِ وَإِنْ قَالَ : إنَّمَا أَرَدْت فُلَانَةَ قُبِلَ مِنْهُ ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ مَا قَالَهُ ، وَإِنْ مَاتَ قَبْلَ الْقُرْعَةِ وَالتَّعْيِينِ أَقْرَعَ الْوَرَثَةُ بَيْنَهُنَّ فَمَنْ وَقَعَتْ عَلَيْهَا قُرْعَةُ الطَّلَاقِ فَحُكْمُهَا فِي الْمِيرَاثِ حُكْمُ مَا لَوْ عَيَّنَهَا بِالتَّطْلِيقِ .","part":17,"page":8},{"id":8008,"text":"( 6043 ) فَصْلٌ : وَإِذَا قَالَ لِنِسَائِهِ : إحْدَاكُنَّ طَالِقٌ غَدًا فَجَاءَ غَدٌ طَلُقَتْ وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ ، وَأُخْرِجَتْ بِالْقُرْعَةِ ، فَإِنْ مَاتَ قَبْلَ الْغَدِ وَرِثْنَهُ كُلُّهُنَّ ، وَإِنْ مَاتَتْ إحْدَاهُنَّ وَرِثَهَا ؛ لِأَنَّهَا مَاتَتْ قَبْلَ وُقُوعِ الطَّلَاقِ ، فَإِذَا جَاءَ غَدٌ أَقْرَعَ بَيْنَ الْمَيِّتَةِ وَالْأَحْيَاءِ ، فَإِنْ وَقَعَتْ الْقُرْعَةُ عَلَى الْمَيِّتَةِ لَمْ يَطْلُقْ شَيْءٌ مِنْ الْأَحْيَاءِ وَصَارَتْ كَالْمُعَيَّنَةِ بِقَوْلِهِ : أَنْتِ طَالِقٌ غَدًا وَقَالَ الْقَاضِي : قِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنْ يَتَعَيَّنَ الطَّلَاقُ فِي الْأَحْيَاءِ فَلَوْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَمَاتَتْ إحْدَاهُمَا طَلُقَتْ الْأُخْرَى كَمَا لَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ وَأَجْنَبِيَّةٍ : إحْدَاكُمَا طَالِقٌ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالْفَرْقُ بَيْنهمَا ظَاهِرٌ فَإِنَّ الْأَجْنَبِيَّةَ لَيْسَتْ مَحَلًّا لِلطَّلَاقِ وَقْتَ قَوْلِهِ فَلَا يَنْصَرِفْ قَوْلُهُ إلَيْهَا وَهَذِهِ قَدْ كَانَتْ مَحَلًّا لِلطَّلَاقِ ، وَإِرَادَتُهَا بِالطَّلَاقِ مُمْكِنَةٌ وَإِرَادَتُهَا بِالطَّلَاقِ كَإِرَادَةِ الْأُخْرَى ، وَحُدُوثُ الْمَوْتِ بِهَا لَا يَقْتَضِي فِي حَقِّ الْأُخْرَى طَلَاقًا فَتَبْقَى عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ وَالْقَوْلُ فِي تَعْلِيقِ الْعِتْقِ كَالْقَوْلِ فِي تَعْلِيقِ الطَّلَاقِ ، وَإِذَا جَاءَ غَدٌ وَقَدْ بَاعَ بَعْضَ الْعَبِيدِ أَقْرَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعَبِيدِ الْأُخَرِ ، فَإِنْ وَقَعَتْ عَلَى الْمَبِيعِ لَمْ يَعْتِقْ مِنْهُمْ شَيْءٌ .\rوَعَلَى قَوْلِ الْقَاضِي يَنْبَغِي أَنْ يَتَعَيَّنَ الْعِتْقُ فِي الْبَاقِينَ وَكَذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ لَهُ تَعْيِينَ الْعِتْقِ عِنْدَهُمْ بِقَوْلِهِ : فَبَيْعُ أَحَدِهِمْ صَرْفٌ لِلْعِتْقِ عَنْهُ فَيَتَعَيَّنُ فِي الْبَاقِينَ ، وَإِنْ بَاعَ نِصْفَ الْعَبْدِ أَقْرَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَاقِينَ ، فَإِنْ وَقَعَتْ قُرْعَةُ الْعِتْقِ عَلَيْهِ عَتَقَ نِصْفُهُ وَسَرَى إلَى بَاقِيهِ إنْ كَانَ الْمُعْتَقُ مُوسِرًا ، وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا لَمْ يَعْتِقْ إلَّا نِصْفُهُ .","part":17,"page":9},{"id":8009,"text":"( 6044 ) فَصْلٌ : وَإِذَا قَالَ : امْرَأَتِي طَالِقٌ وَأَمَتِي حُرَّةٌ ، وَلَهُ نِسَاء وَإِمَاءٌ وَنَوَى بِذَلِكَ مُعَيَّنَةً انْصَرَفَ إلَيْهَا ، وَإِنْ نَوَى وَاحِدَةً مُبْهَمَةً فَهِيَ مُبْهَمَةٌ فِيهِنَّ ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا ؛ فَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : يَطْلُقُ نِسَاؤُهُ كُلُّهُنَّ ، وَيَعْتِقُ إمَاؤُهُ ؛ لِأَنَّ الْوَاحِدَ الْمُضَافَ يُرَادُ بِهِ الْكُلُّ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا } و { أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ } وَلِأَنَّ ذَلِكَ يُرْوَى عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَقَالَ الْجَمَاعَةُ : يَقَعُ عَلَى وَاحِدَةٍ مُبْهَمَةٍ وَحُكْمُهُ حُكْمُ مَا لَوْ قَالَ : إحْدَاكُنَّ طَالِقٌ وَإِحْدَاكُنَّ حُرَّةٌ ؛ لِأَنَّ لَفْظَ الْوَاحِدِ لَا يُسْتَعْمَلُ فِي الْجَمْعِ إلَّا مَجَازًا وَالْكَلَامُ لِحَقِيقَتِهِ مَا لَمْ يَصْرِفْهُ عَنْهَا دَلِيلٌ وَلَوْ تَسَاوَى الِاحْتِمَالَانِ لَوَجَبَ قَصْرُهُ عَلَى الْوَاحِدَةِ ؛ لِأَنَّهَا الْيَقِينُ فَلَا يَثْبُتُ الْحُكْمُ فِيمَا زَادَ عَلَيْهَا بِأَمْرٍ مَشْكُوكٍ فِيهِ ، وَهَذَا أَصَحُّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":17,"page":10},{"id":8010,"text":"( 6045 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِذَا طَلَّقَ وَاحِدَةً مِنْ نِسَائِهِ وَأُنْسِيَهَا أُخْرِجَتْ بِالْقُرْعَةِ ) أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا عَلَى أَنَّهُ إذَا طَلَّقَ امْرَأَةً مِنْ نِسَائِهِ وَأُنْسِيَهَا أَنَّهَا تَخْرُجُ بِالْقُرْعَةِ فَيَثْبُتُ حُكْمُ الطَّلَاقِ فِيهَا وَيَحِلُّ لَهُ الْبَاقِيَاتُ وَقَدْ رَوَى إسْمَاعِيلُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ أَحْمَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْقُرْعَةَ لَا تُسْتَعْمَلُ هَاهُنَا لِمَعْرِفَةِ الْحِلِّ وَإِنَّمَا تُسْتَعْمَلُ لِمَعْرِفَةِ الْمِيرَاثِ ، فَإِنَّهُ قَالَ : سَأَلْت أَحْمَدَ عَنْ الرَّجُلِ يُطَلِّقُ امْرَأَةً مِنْ نِسَائِهِ وَلَا يَعْلَمُ أَيَّتَهُنَّ طَلَّقَ ؟ قَالَ : أَكْرَهُ أَنْ أَقُولَ فِي الطَّلَاقِ بِالْقُرْعَةِ قُلْت : أَرَأَيْت إنْ مَاتَ هَذَا ؟ قَالَ : أَقُولُ بِالْقُرْعَةِ ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ تَصِيرُ الْقُرْعَةُ عَلَى الْمَالِ وَجَمَاعَةُ مَنْ رُوِيَ عَنْهُ الْقُرْعَةُ فِي الْمُطَلَّقَةِ الْمَنْسِيَّةِ إنَّمَا هُوَ فِي التَّوْرِيثِ فَأَمَّا فِي الْحِلِّ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَثْبُتَ بِالْقُرْعَةِ وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ فَالْكَلَامُ إذَنْ فِي الْمَسْأَلَةِ فِي شَيْئَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا فِي اسْتِعْمَالِ الْقُرْعَةِ فِي الْمَنْسِيَّةِ لِلتَّوْرِيثِ ، وَالثَّانِي فِي اسْتِعْمَالِهَا فِيهَا لِلْحِلِّ أَمَّا الْأَوَّلُ فَوَجْهُهُ مَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : سَأَلْت أَبَا جَعْفَرٍ عَنْ رَجُلٍ قَدِمَ مِنْ خُرَاسَانَ وَلَهُ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ قَدِمَ الْبَصْرَةَ فَطَلَّقَ إحْدَاهُنَّ ، وَنَكَحَ ثُمَّ مَاتَ لَا يَدْرِي الشُّهُودُ أَيَّتَهُنَّ طَلَّقَ ؟ فَقَالَ : قَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : أُقْرِعَ بَيْنَ الْأَرْبَعِ وَأُنْذِرَ مِنْهُنَّ وَاحِدَةٌ وَأُقْسِمَ بَيْنَهُنَّ الْمِيرَاثُ وَلِأَنَّ الْحُقُوقَ إذَا تَسَاوَتْ عَلَى وَجْهٍ لَا يُمْكِنُ التَّمْيِيزُ إلَّا بِالْقُرْعَةِ صَحَّ اسْتِعْمَالُهَا كَالشُّرَكَاءِ فِي الْقِسْمَةِ وَالْعَبِيدِ فِي الْحُرِّيَّةِ وَأَمَّا الْقُرْعَةُ فِي الْحِلِّ فِي الْمَنْسِيَّةِ فَلَا يَصِحُّ اسْتِعْمَالُهَا ؛ لِأَنَّهُ اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِ زَوْجَتُهُ فَلَمْ تَحِلَّ لَهُ إحْدَاهُمَا بِالْقُرْعَةِ كَمَا لَوْ اشْتَبَهَتْ بِأَجْنَبِيَّةٍ لَمْ يَكُنْ","part":17,"page":11},{"id":8011,"text":"لَهُ عَلَيْهَا عَقْدٌ وَلِأَنَّ الْقُرْعَةَ لَا تُزِيلُ التَّحْرِيمَ مِنْ الْمُطَلَّقَةِ وَلَا تَرْفَعُ الطَّلَاقَ عَمَّنْ وَقَعَ عَلَيْهِ وَلَا احْتِمَالَ كَوْنِ الْمُطَلَّقَةِ غَيْرَ مَنْ خَرَجَتْ عَلَيْهَا الْقُرْعَةُ وَلِهَذَا لَوْ ذَكَرَ أَنَّ الْمُطَلَّقَةَ غَيْرُهَا حَرُمَتْ عَلَيْهِ وَلَوْ ارْتَفَعَ التَّحْرِيمُ أَوْ زَالَ الطَّلَاقُ لَمَا عَادَ بِالذِّكْرِ فَيَجِبُ بَقَاءُ التَّحْرِيمِ بَعْدَ الْقُرْعَةِ كَمَا كَانَ قَبْلَهَا وَقَدْ قَالَ الْخِرَقِيِّ فِي مَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ فَلَمْ يَدْرِ أَوَاحِدَةً طَلَّقَ أَمْ ثَلَاثًا ؟ وَمَنْ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ أَنْ لَا يَأْكُلَ تَمْرَةً فَوَقَعَتْ فِي تَمْرٍ فَأَكَلَ مِنْهُ وَاحِدَةً : لَا تَحِلُّ لَهُ امْرَأَتُهُ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّهَا لَيْسَتْ الَّتِي وَقَعَتْ عَلَيْهَا الْيَمِينُ فَحَرَّمَهَا مَعَ أَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ النِّكَاحِ وَلَمْ يُعَارِضْهُ يَقِينُ التَّحْرِيمِ فَهَاهُنَا أَوْلَى وَهَكَذَا الْحُكْمُ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ وَقَعَ الطَّلَاقُ عَلَى امْرَأَةٍ بِعَيْنِهَا ثُمَّ اشْتَبَهَتْ بِغَيْرِهَا ؛ مِثْلُ أَنْ يَرَى امْرَأَةً فِي رَوْزَنَةٍ أَوْ مُوَلِّيَةً فَيَقُولَ : أَنْتِ طَالِقٌ وَلَا يَعْلَمُ عَيْنَهَا مِنْ نِسَائِهِ ، وَكَذَلِكَ إذَا أَوْقَعَ الطَّلَاقَ عَلَى إحْدَى نِسَائِهِ فِي مَسْأَلَةِ الطَّائِرِ وَشِبْهِهَا ، فَإِنَّهُ يَحْرُمُ جَمِيعُ نِسَائِهِ عَلَيْهِ حَتَّى تَتَبَيَّنَ الْمُطَلَّقَةُ وَيُؤْخَذُ بِنَفَقَةِ الْجَمِيعِ ؛ لِأَنَّهُنَّ مَحْبُوسَاتٌ عَلَيْهِ ، وَإِنْ أَقْرَعَ بَيْنَهُنَّ لَمْ تَفِدْ الْقُرْعَةُ شَيْئًا وَلَا يَحِلُّ لِمَنْ وَقَعَتْ عَلَيْهَا الْقُرْعَةُ التَّزَوُّجُ ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ غَيْرَ الْمُطَلَّقَةِ وَلَا يَحِلُّ لِلزَّوْجِ غَيْرُهَا ؛ لِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُونَ الْمُطَلَّقَةَ ، وَقَالَ أَصْحَابُنَا : إذَا أَقْرَعَ بَيْنَهُنَّ ، فَخَرَجَتْ الْقُرْعَةُ عَلَى إحْدَاهُنَّ ثَبَتَ حُكْمُ الطَّلَاقِ فِيهَا فَحَلَّ لَهَا النِّكَاحُ بَعْدَ قَضَاءِ عِدَّتِهَا وَحَلَّ لِلزَّوْجِ مَنْ سِوَاهَا كَمَا لَوْ كَانَ الطَّلَاقُ فِي وَاحِدَةٍ غَيْرِ مُعَيَّنَةٍ وَاحْتَجُّوا بِمَا ذَكَرْنَا مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ وَلِأَنَّهَا مُطَلَّقَةٌ لَمْ تُعْلَمْ بِعَيْنِهَا فَأَشْبَهَ","part":17,"page":12},{"id":8012,"text":"مَا لَوْ قَالَ : إحْدَاكُنَّ طَالِقٌ وَلِأَنَّهُ إزَالَةُ أَحَدِ الْمِلْكَيْنِ الْمَبْنِيَّيْنِ عَلَى التَّغْلِيبِ وَالسِّرَايَةِ أَشْبَهَ الْعِتْقَ وَالصَّحِيحُ إنْ شَاءَ اللَّهُ أَنَّ الْقُرْعَةَ لَا تَدْخُلُ هَاهُنَا لِمَا قَدَّمْنَا وَفَارَقَ مَا قَاسُوا عَلَيْهِ ، فَإِنَّ الْحَقَّ لَمْ يَثْبُتْ لِوَاحِدٍ بِعَيْنِهِ فَجَعَلَ الشَّرْعُ الْقُرْعَةَ مُعِينَةً ، فَإِنَّهَا تَصْلُحُ لِلتَّعْيِينِ وَفِي مَسْأَلَتِنَا ؛ الطَّلَاقُ وَاقِعٌ فِي مُعَيَّنَةٍ لَا مَحَالَةَ ، وَالْقُرْعَةُ لَا تَرْفَعُهُ عَنْهَا ، وَلَا تُوقِعُهُ عَلَى غَيْرِهَا وَلَا يُؤْمَنُ وُقُوعُ الْقُرْعَةِ عَلَى غَيْرِهَا وَاحْتِمَالُ وُقُوعِ الْقُرْعَةِ عَلَى غَيْرِهَا كَاحْتِمَالِ وُقُوعِهَا عَلَيْهَا بَلْ هُوَ أَظْهَرُ فِي غَيْرِهَا ؛ فَإِنَّهُنَّ إذَا كُنَّ أَرْبَعًا فَاحْتِمَالُ وُقُوعِهِ فِي وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ بِعَيْنِهَا أَنْدَرُ مِنْ احْتِمَالِ وُقُوعِهِ فِي وَاحِدَةٍ مِنْ ثَلَاثٍ وَلِذَلِكَ لَوْ اشْتَبَهَتْ أُخْتُهُ بِأَجْنَبِيَّةِ أَوْ مَيْتَةٌ بِمُذَكَّاةٍ أَوْ زَوْجَتُهُ بِأَجْنَبِيَّةٍ أَوْ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ لَا يَأْكُلُ تَمْرَةً فَوَقَعَتْ فِي تَمْرٍ وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ مِمَّا يَطُولُ ذِكْرُهُ لَا تَدْخُلُهُ قُرْعَةٌ فَكَذَا هَاهُنَا وَأَمَّا حَدِيثُ عَلِيٍّ فَهُوَ فِي الْمِيرَاثِ لَا فِي الْحِلِّ وَمَا نَعْلَمُ بِالْقَوْلِ بِهَا فِي الْحِلِّ مِنْ الصَّحَابَةِ قَائِلًا ( 6046 ) فَصْلٌ : فَعَلَى قَوْلِ أَصْحَابِنَا إذَا ذَكَرَ أَنَّ الْمُطَلَّقَةَ غَيْرُ الَّتِي وَقَعَتْ عَلَيْهَا الْقُرْعَةُ فَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّهَا كَانَتْ مُحَرَّمَةً عَلَيْهِ وَيَكُونُ وُقُوعُ الطَّلَاقِ مِنْ حِينِ طَلَّقَ لَا مِنْ حِينِ ذَكَرَ ، وَقَوْلُهُ فِي هَذَا مَقْبُولٌ ؛ لِأَنَّهُ يُقِرُّ عَلَى نَفْسِهِ وَتُرَدُّ إلَيْهِ الَّتِي خَرَجَتْ عَلَيْهَا الْقُرْعَةُ ؛ لِأَنَّنَا تَبَيَّنَّا أَنَّهَا غَيْرُ مُطَلَّقَةٍ ، وَالْقُرْعَةُ لَيْسَتْ بِطَلَاقٍ لَا صَرِيحٍ وَلَا كِنَايَةٍ ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَزَوَّجَتْ رُدَّتْ إلَيْهِ وَقُبِلَ قَوْلُهُ فِي هَذَا ؛ لِأَنَّهُ أَمْرٌ مِنْ جِهَتِهِ لَا يُعْرَفُ إلَّا مِنْ قِبَلِهِ إلَّا أَنْ تَكُونَ قَدْ تَزَوَّجَتْ أَوْ يَكُونَ بِحُكْمِ حَاكِمٍ ؛ لِأَنَّهَا إذَا","part":17,"page":13},{"id":8013,"text":"تَزَوَّجَتْ تَعَلَّقَ بِهَا حَقُّ الزَّوْجِ الثَّانِي فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي فَسْخِ نِكَاحِهِ ، وَالْقُرْعَةُ مِنْ جِهَةِ الْحَاكِمِ بِالْفُرْقَةِ لَا يُمْكِنُ الزَّوْجَ رَفْعُهَا فَتَقَعَ الْفُرْقَةُ بِالزَّوْجَيْنِ قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ الْمَيْمُونِيِّ : إذَا كَانَ لَهُ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ فَطَلَّقَ وَاحِدَةً مِنْهُنَّ وَلَمْ يَدْرِ أَيَّتَهنَّ طَلَّقَ يُقْرِعُ بَيْنَهُنَّ ، فَإِنْ أَقْرَعَ بَيْنَهُنَّ فَوَقَعَتْ الْقُرْعَةُ عَلَى وَاحِدَةٍ ثُمَّ ذَكَرَ الَّتِي طَلَّقَ ، فَقَالَ : هَذِهِ تَرْجِعُ إلَيْهِ وَاَلَّتِي ذَكَرَ أَنَّهُ طَلَّقَ يَقَعُ الطَّلَاقُ عَلَيْهَا ، فَإِنْ تَزَوَّجَتْ فَهَذَا شَيْءٌ قَدْ مَرَّ ، فَإِنْ كَانَ الْحَاكِمُ أَقْرَعَ بَيْنَهُنَّ فَلَا أُحِبُّ أَنْ تَرْجِعَ إلَيْهِ ؛ لِأَنَّ الْحَاكِمَ فِي ذَلِكَ أَكْبَرُ مِنْهُ وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ وَابْنُ حَامِدٍ : مَتَى أَقْرَعَ ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ : إنَّ الْمُطَلَّقَةَ غَيْرُهَا وَقَعَ الطَّلَاقُ بِهِمَا جَمِيعًا وَلَا تَرْجِعُ إلَيْهِ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا ؛ إلَّا أَنَّ الَّتِي عَيَّنَهَا بِالطَّلَاقِ تَحْرُمُ بِقَوْلِهِ : وَتَرِثُهُ إنْ مَاتَ وَلَا يَرِثُهَا وَيَجِيءُ عَلَى قِيَاسِ قَوْلِهِمَا أَنْ تَلْزَمَهُ نَفَقَتُهَا وَلَا يَحِلُّ وَطْؤُهَا ( 6047 ) فَصْلٌ : فَإِنْ قَالَ : هَذِهِ الْمُطَلَّقَةُ قُبِلَ مِنْهُ ، وَإِنْ قَالَ : هَذِهِ الْمُطَلَّقَةُ بَلْ هَذِهِ طَلُقَتَا ؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِطَلَاقِ الْأُولَى فَقُبِلَ إقْرَارُهُ ثُمَّ قُبِلَ إقْرَارُهُ بِطَلَاقِ الثَّانِيَةِ وَلَمْ يُقْبَلْ رُجُوعُهُ عَمَّا أَقَرَّ بِهِ مِنْ طَلَاقِ الْأُولَى وَكَذَلِكَ لَوْ كُنَّ ثَلَاثًا فَقَالَ : هَذِهِ بَلْ هَذِهِ بَلْ هَذِهِ طَلُقْنَ كُلُّهُنَّ ، وَإِنْ قَالَ : هَذِهِ أَوْ هَذِهِ بَلْ هَذِهِ طَلُقَتْ الثَّالِثَةُ وَإِحْدَى الْأُولَيَيْنِ وَإِنْ قَالَ : طَلُقْت هَذِهِ بَلْ هَذِهِ أَوْ هَذِهِ طَلُقَتْ الْأُولَى وَإِحْدَى الْآخِرَتَيْنِ ، وَإِنْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ وَهَذِهِ أَوْ هَذِهِ فَقَالَ الْقَاضِي : هِيَ كَذَلِكَ ، وَذَكَرَ أَنَّهُ قَوْلُ الْكِسَائِيّ ، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ : تَطْلُقُ الثَّانِيَةُ وَيَبْقَى الشَّكُّ فِي الْأُولَى وَالثَّالِثَةِ ، وَجْهُ الْأَوَّلِ أَنَّهُ","part":17,"page":14},{"id":8014,"text":"عَطَفَ الثَّانِيَةَ عَلَى الْأُولَى بِغَيْرِ شَكٍّ ثُمَّ فَصَلَ بَيْنَ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ بِحَرْفِ الشَّكِّ فَيَكُونُ الشَّكُّ فِيهِمَا وَلَوْ قَالَ : طَلُقْت هَذِهِ أَوْ هَذِهِ وَهَذِهِ طَلُقَتْ الثَّالِثَةُ ، وَكَانَ الشَّكُّ فِي الْأُولَيَيْنِ وَيَحْتَمِلُ فِي هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ أَنْ يَكُونَ الشَّكُّ فِي الْجَمِيعِ ؛ لِأَنَّهُ فِي الْأُولَى أَتَى بِحَرْفِ الشَّكِّ بَعْدَهُمَا فَيَعُودُ إلَيْهِمَا وَفِي الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ عَطَفَ الثَّالِثَةَ عَلَى الشَّكِّ فَعَلَى هَذَا إذَا قَالَ : طَلُقْت هَذِهِ وَهَذِهِ أَوْ هَذِهِ طُولِبَ بِالْبَيَانِ ، فَإِنْ قَالَ : هِيَ الثَّالِثَةُ طَلُقَتْ وَحْدَهَا ، وَإِنْ قَالَ : لَمْ أُطَلِّقْهَا طَلُقَتْ الْأُولَيَانِ ، وَإِنْ لَمْ يُبَيِّنْ أُقْرِعَ بَيْنَ الْأُولَيَيْنِ وَالثَّالِثَةِ قَالَ الْقَاضِي فِي \" الْمُجَرَّدِ \" : وَهَذَا أَصَحُّ ، وَإِنْ قَالَ : طَلُقْت هَذِهِ أَوْ هَذِهِ وَهَذِهِ أُخِذَ بِالْبَيَانِ فَإِنْ قَالَ : هِيَ الْأُولَى طَلُقَتْ وَحْدَهَا وَإِنْ قَالَ : لَيْسَتْ الْأُولَى طَلُقَتْ الْأُخْرَيَانِ كَمَا لَوْ قَالَ : طَلُقْت هَذِهِ أَوْ هَاتَيْنِ وَلَيْسَ لَهُ الْوَطْءُ قَبْلَ التَّعْيِينِ ، فَإِنْ وَطِئَ لَمْ يَكُنْ تَعْيِينًا وَإِنْ مَاتَتْ إحْدَاهُمَا لَمْ يَتَعَيَّنْ الطَّلَاقُ فِي الْأُخْرَى وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَتَعَيَّنُ الطَّلَاقُ فِي الْأُخْرَى ؛ لِأَنَّهَا مَاتَتْ قَبْلَ ثُبُوتِ طَلَاقِهَا وَلَنَا أَنَّ مَوْتَ إحْدَاهُمَا أَوْ وَطْأَهَا لَا يَنْفِي احْتِمَالَ كَوْنِهَا مُطَلَّقَةً فَلَمْ يَكُنْ تَعْيِينًا لِغَيْرِهَا كَمَرَضِهَا وَإِنْ قَالَ : طَلُقْت هَذِهِ وَهَذِهِ أَوْ هَذِهِ وَهَذِهِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ طَلَّقَ اثْنَتَيْنِ لَا يَدْرِي أَهُمَا الْأُولَيَانِ أَمْ الْآخِرَتَانِ كَمَا لَوْ قَالَ : طَلَّقْت هَاتَيْنِ أَوْ هَاتَيْنِ ، فَإِنْ قَالَ : هُمَا الْأُولَيَانِ تَعَيَّنَ الطَّلَاقُ فِيهِمَا ، وَإِنْ قَالَ : لَمْ أُطَلِّقْ الْأُولَيَيْنِ تَعَيَّنَ الْآخِرَتَانِ وَإِنْ قَالَ : إنَّمَا أَشُكُّ فِي طَلَاقِ الثَّانِيَةِ وَالْآخِرَتَيْنِ طَلُقَتْ الْأُولَى وَبَقِيَ الشَّكُّ فِي الثَّلَاثِ ، وَمَتَى فَسَّرَ كَلَامَهُ بِشَيْءٍ مُحْتَمَلٍ قُبِلَ مِنْهُ .","part":17,"page":15},{"id":8015,"text":"( 6048 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( فَإِنْ مَاتَ قَبْلَ ذَلِكَ أَقْرَعَ الْوَرَثَةُ ، وَكَانَ الْمِيرَاثُ لِلْبَوَاقِي مِنْهُنَّ ) نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى هَذَا وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يُقْسَمُ الْمِيرَاثُ بَيْنَهُنَّ كُلِّهِنَّ ؛ لِأَنَّهُنَّ تَسَاوَيْنَ فِي احْتِمَالِ اسْتِحْقَاقِهِ وَلَا يَخْرُجُ الْحَقُّ عَنْهُنَّ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يُوقَفُ الْمِيرَاتُ الْمُخْتَصُّ بِهِنَّ حَتَّى يَصْطَلِحْنَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ الْمُسْتَحِقُّ مِنْهُنَّ وَوَجْهُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ قَوْلُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَلِأَنَّهُنَّ قَدْ تَسَاوَيْنَ وَلَا سَبِيلَ إلَى التَّعْيِينِ فَوَجَبَ الْمَصِيرُ إلَى الْقُرْعَةِ كَمَنْ أَعْتَقَ عَبِيدًا فِي مَرَضِهِ لَا مَالَ لَهُ سِوَاهُمْ وَقَدْ ثَبَتَ الْحُكْمُ فِيهِمْ بِالنَّصِّ وَلِأَنَّ تَوْرِيثَ الْجَمِيعِ تَوْرِيثٌ لِمَنْ لَا يَسْتَحِقُّ يَقِينًا وَالْوَقْفُ لَا إلَى غَايَةٍ حِرْمَانٌ لِمَنْ يَسْتَحِقُّ يَقِينًا وَالْقُرْعَةُ يُسْلَمُ بِهَا مِنْ هَذَيْنِ الْمَحْذُورَيْنِ وَلَهَا نَظِيرٌ فِي الشَّرْعِ ( 6049 ) فَصْلٌ : فَإِنْ مَاتَ بَعْضُهُنَّ أَوْ جَمِيعُهُنَّ قَرَعْنَا بَيْنَ الْجَمِيعِ فَمَنْ خَرَجَتْ الْقُرْعَةُ لَهَا حَرَمْنَاهُ مِيرَاثَهَا وَإِنْ مَاتَ بَعْضُهُنَّ قَبْلَهُ وَبَعْضُهُنَّ بَعْدَهُ وَخَرَجَتْ الْقُرْعَةُ لِمَيِّتَةٍ قَبْلَهُ حَرَمْنَاهُ مِيرَاثَهَا ، وَإِنْ خَرَجَتْ لِمَيِّتَةٍ بَعْدَهُ حَرَمْنَاهَا مِيرَاثَهُ ، وَالْبَاقِيَاتُ يَرِثُهُنَّ وَيَرِثْنَهُ ، فَإِنْ قَالَ الزَّوْجُ بَعْدَ مَوْتِهَا : هَذِهِ الَّتِي طَلَّقْتهَا أَوْ قَالَ فِي غَيْرِ الْمُعَيَّنَةِ : هَذِهِ الَّتِي أَرَدْتهَا حُرِمَ مِيرَاثَهَا ؛ لِأَنَّهُ يُقِرُّ عَلَى نَفْسِهِ وَيَرِثُ الْبَاقِيَاتِ سَوَاءٌ صَدَّقَهُ وَرَثَتُهُنَّ أَوْ كَذَّبُوهُ ؛ لِأَنَّ عِلْمَ ذَلِكَ إنَّمَا يُعْرَفُ مِنْ جِهَتِهِ وَلِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ النِّكَاحِ بَيْنَهُمَا وَهُمْ يَدَّعُونَ طَلَاقَهُ لَهَا وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ وَهَلْ يُسْتَحْلَفُ عَلَى ذَلِكَ ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ ؛ فَإِنْ قُلْنَا : يُسْتَحْلَفُ فَنَكَلَ حَرَمْنَاهُ مِيرَاثَهَا ؛ لِنُكُولِهِ وَلَمْ يَرِثْ الْأُخْرَى لِإِقْرَارِهِ بِطَلَاقِهَا ، فَإِنْ مَاتَ فَقَالَ وَرَثَتُهُ لِإِحْدَاهُنَّ :","part":17,"page":16},{"id":8016,"text":"هَذِهِ الْمُطَلَّقَةُ فَأَقَرَّتْ أَوْ أَقَرَّ وَرَثَتُهَا بَعْدَ مَوْتِهَا حَرَمْنَاهَا مِيرَاثَهُ وَإِنْ أَنْكَرَتْ أَوْ أَنْكَرَ وَرَثَتُهَا فَقِيَاسُ مَا ذَكَرْنَاهُ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُهَا ؛ لِأَنَّهَا تَدَّعِي بَقَاءَ نِكَاحِهَا وَهُمْ يَدَّعُونَ زَوَالَهُ وَالْأَصْلُ مَعَهَا فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُمْ عَلَيْهَا إلَّا بِبَيِّنَةٍ ، وَإِنْ شَهِدَ اثْنَانِ مِنْ وَرَثَتِهِ أَنَّهُ طَلَّقَهَا قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمَا إذَا لَمْ يَكُونَا مِمَّنْ يَتَوَفَّرُ عَلَيْهِمَا مِيرَاثُهَا وَلَا عَلَى مَنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمَا لَهُ كَأُمِّهِمَا وَجَدَّتِهِمَا ؛ لِأَنَّ مِيرَاثَ إحْدَى الزَّوْجَاتِ لَا يَرْجِعُ إلَى وَرَثَةِ الزَّوْجِ وَإِنَّمَا يَتَوَفَّرُ عَلَى ضَرَائِرِهَا وَإِنْ ادَّعَتْ إحْدَى الزَّوْجَاتِ أَنَّهُ طَلَّقَهَا طَلَاقًا تَبِينُ بِهِ فَأَنْكَرَهَا فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ ، وَإِنْ مَاتَ لَمْ تَرِثْهُ لِإِقْرَارِهِمَا بِأَنَّهَا لَا تَسْتَحِقُّ مِيرَاثَهُ فَقَبِلْنَا قَوْلَهَا فِيمَا عَلَيْهَا دُونَ مَا لَهَا وَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ ؛ لِأَنَّنَا لَمْ نَقْبَلْ قَوْلَهَا فِيمَا عَلَيْهَا ، وَهَذَا التَّفْرِيعُ فِيمَا إذَا كَانَ الطَّلَاقُ يُبِينُهَا ، فَأَمَّا إنْ كَانَ رَجْعِيًّا وَمَاتَ فِي عِدَّتِهَا أَوْ مَاتَتْ وَرَّتْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ .","part":17,"page":17},{"id":8017,"text":"( 6050 ) فَصْلٌ : وَإِذَا كَانَ لَهُ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ فَطَلَّقَ إحْدَاهُنَّ ثُمَّ نَكَحَ أُخْرَى بَعْدَ قَضَاءِ عِدَّتِهَا ثُمَّ مَاتَ وَلَمْ يُعْلَمْ أَيَّتَهنَّ طَلَّقَ فَلِلَّتِي تَزَوَّجَهَا رُبْعُ مِيرَاثِ النِّسْوَةِ نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ وَلَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ ثُمَّ يُقْرَعُ بَيْنَ الْأَرْبَعِ فَأَيَّتُهُنَّ خَرَجَتْ قُرْعَتُهَا خَرَجَتْ وَوَرِثَ الْبَاقِيَاتُ نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ أَيْضًا وَذَهَبَ الشَّعْبِيُّ وَالنَّخَعِيُّ وَعَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ إلَى أَنَّ الْبَاقِيَ بَيْنَ الْأَرْبَعِ وَزَعَمَ أَبُو عُبَيْدٍ أَنَّهُ قَوْلُ أَهْلِ الْحِجَازِ وَأَهْلِ الْعِرَاقِ جَمِيعًا وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يُوقَفُ الْبَاقِي بَيْنَهُنَّ حَتَّى يَصْطَلِحْنَ وَوَجْهُ الْأَقْوَالِ مَا تَقَدَّمَ وَقَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ فِي رَجُلٍ لَهُ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ طَلَّقَ وَاحِدَةً مِنْهُنَّ ثَلَاثًا وَوَاحِدَةً اثْنَتَيْنِ وَوَاحِدَةً وَاحِدَةً وَمَاتَ عَلَى أَثَرِ ذَلِكَ وَلَا يَدْرِي أَيَّتُهُنَّ طَلَّقَ ثَلَاثًا وَأَيَّتُهُنَّ طَلَّقَ اثْنَتَيْنِ وَأَيَّتُهُنَّ وَاحِدَةً : يُقْرَعُ بَيْنَهُنَّ فَاَلَّتِي أَبَانَهَا تَخْرُجُ وَلَا مِيرَاثَ لَهَا هَذَا فِيمَا إذَا مَاتَ فِي عِدَّتِهِنَّ ، وَكَانَ طَلَاقُهُ فِي صِحَّتِهِ ، فَإِنَّهُ لَا يُحْرَمُ الْمِيرَاثَ إلَّا الْمُطَلَّقَةُ ثَلَاثًا وَالْبَاقِيَتَانِ رَجْعِيَّتَانِ يَرِثْنَهُ فِي الْعِدَّةِ وَيَرِثُهُنَّ وَمَنْ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا مِنْهُنَّ لَمْ تَرِثْهُ وَلَمْ يَرِثْهَا وَلَوْ كَانَ طَلَاقُهُ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ لَوَرِثَهُ الْجَمِيعُ فِي الْعِدَّةِ وَفِيمَا بَعْدَهَا قَبْلَ التَّزْوِيجِ رِوَايَتَانِ .","part":17,"page":18},{"id":8018,"text":"( 6051 ) فَصْلٌ : إذَا طَلَّقَ وَاحِدَةً مِنْ نِسَائِهِ لَا يُعَيِّنُهَا أَوْ يُعَيِّنُهَا فَأُنْسِيَهَا فَانْقَضَتْ عِدَّةُ الْجَمِيعِ فَلَهُ نِكَاحُ خَامِسَةٍ قَبْلَ الْقُرْعَةِ وَخَرَّجَ ابْنُ حَامِدٍ وَجْهًا فِي أَنَّهُ لَا يَصِحُّ نِكَاحُ الْخَامِسَةِ ؛ لِأَنَّ الْمُطَلَّقَةَ فِي حُكْمِ نِسَائِهِ بِالنِّسْبَةِ إلَى وُجُوبِ الْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا وَحُرْمَةِ النِّكَاحِ فِي حَقِّهَا وَلَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّنَا عَلِمْنَا أَنَّ مِنْهُنَّ وَاحِدَةً بَائِنًا مِنْهُ لَيْسَتْ فِي نِكَاحِهِ وَلَا فِي عِدَّةٍ مِنْ نِكَاحِهِ فَكَيْفَ تَكُونُ زَوْجَتَهُ ؟ وَإِنَّمَا الْإِنْفَاقُ عَلَيْهَا لِأَجْلِ حَبْسِهَا وَمَنْعِهَا مِنْ التَّزَوُّجِ بِغَيْرِهِ ؛ لِأَجْلِ اشْتِبَاهِهَا وَمَتَى عَلِمْنَاهَا بِعَيْنِهَا إمَّا بِتَعْيِينِهِ أَوْ قُرْعَةٍ فَعِدَّتُهَا مِنْ حِينِ طَلَّقَهَا لَا مِنْ حِينِ عَيَّنَهَا وَذَكَرَ أَبُو حَنِيفَةَ وَبَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ عِدَّتَهَا مِنْ حِينِ التَّعْيِينِ وَهَذَا فَاسِدٌ ؛ فَإِنَّ الطَّلَاقَ وَقَعَ حِينَ إيقَاعِهِ وَثَبَتَ حُكْمُهُ فِي تَحْرِيمِ الْوَطْءِ وَحِرْمَانِ الْمِيرَاثِ مِنْ الزَّوْجِ وَحِرْمَانِهِ مِنْهَا قَبْلَ التَّعْيِينِ فَكَذَلِكَ الْعِدَّةُ وَإِنَّمَا التَّعْيِينُ تَبَيُّنٌ لِمَا كَانَ وَاقِعًا وَإِنْ مَاتَ الزَّوْجُ قَبْلَ الْبَيَانِ فَعَلَى الْجَمِيعِ عِدَّةُ الْوَفَاةِ فِي قَوْلِ الشَّعْبِيِّ وَالنَّخَعِيِّ وَعَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : وَهُوَ قَوْلُ أَهْلِ الْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ يَحْتَمِلُ أَنَّهَا بَاقِيَةٌ عَلَى النِّكَاحِ وَالْأَصْلُ بَقَاؤُهُ فَتَلْزَمُهَا عِدَّتُهُ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَلْزَمُ كُلَّ وَاحِدَةٍ أَطُولُ الْأَجَلَيْنِ مِنْ عِدَّةِ الْوَفَاةِ وَعِدَّةِ الطَّلَاقِ لَكِنَّ عِدَّةَ الطَّلَاقِ مِنْ حِينِ طَلَّقَ وَعِدَّةَ الْوَفَاةِ مِنْ حِينِ مَوْتِهِ ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهَا عِدَّةُ الْوَفَاةِ وَيَحْتَمِلُ أَنَّهَا الْمُطَلَّقَةُ فَعَلَيْهَا عِدَّةُ الطَّلَاقِ فَلَا تَبْرَأُ يَقِينًا إلَّا بِأَطْوَلِهِمَا وَهَذَا فِي الطَّلَاقِ الْبَائِنِ فَأَمَّا الرَّجْعِيُّ ؛ فَعَلَيْهَا عِدَّةُ الْوَفَاةِ","part":17,"page":19},{"id":8019,"text":"بِكُلِّ حَالٍ ؛ لِأَنَّ الرَّجْعِيَّةَ زَوْجَةٌ .","part":17,"page":20},{"id":8020,"text":"( 6052 ) فَصْلٌ : إذَا ادَّعَتْ الْمَرْأَةُ أَنَّ زَوْجَهَا طَلَّقَهَا فَأَنْكَرَهَا فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ النِّكَاحِ وَعَدَمُ الطَّلَاقِ إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهَا بِمَا ادَّعَتْهُ بَيِّنَةٌ وَلَا يُقْبَلُ فِيهِ إلَّا عَدْلَانِ وَنَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ سُئِلَ : أَتَجُوزُ شَهَادَةُ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ فِي الطَّلَاقِ ؟ قَالَ : لَا وَاَللَّهِ إنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ لِأَنَّ الطَّلَاقَ لَيْسَ بِمَالٍ ، وَلَا الْمَقْصُودُ مِنْهُ الْمَالُ وَيَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ فِي غَالِبِ الْأَحْوَالِ فَلَمْ يُقْبَلْ فِيهِ إلَّا عَدْلَانِ كَالْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ فَهَلْ يُسْتَحْلَفُ ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ ؛ نَقَلَ أَبُو الْخَطَّابِ أَنَّهُ يُسْتَحْلَفُ وَهُوَ الصَّحِيحُ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { وَلَكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ } وَقَوْلُهُ : { الْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ } وَلِأَنَّهُ يَصِحُّ مِنْ الزَّوْجِ بَذْلُهُ فَيُسْتَحْلَفُ فِيهِ كَالْمَهْرِ وَنَقَلَ أَبُو طَالِبٍ عَنْهُ : لَا يُسْتَحْلَفُ فِي الطَّلَاقِ وَالنِّكَاحِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُقْضَى فِيهِ بِالنُّكُولِ فَلَا يُسْتَحْلَفُ فِيهِ كَالنِّكَاحِ إذَا ادَّعَى زَوْجِيَّتَهَا فَأَنْكَرَتْهُ ، وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي عَدَدِ الطَّلَاقِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ فَإِذَا طَلَّقَ ثَلَاثًا وَسَمِعَتْ ذَلِكَ وَأَنْكَرَ أَوْ ثَبَتَ ذَلِكَ عِنْدَهَا بِقَوْلِ عَدْلَيْنِ لَمْ يَحِلَّ لَهَا تَمْكِينُهُ مِنْ نَفْسِهَا وَعَلَيْهَا أَنْ تَفِرَّ مِنْهُ مَا اسْتَطَاعَتْ وَتَمْتَنِعَ مِنْهُ إذَا أَرَادَهَا وَتَفْتَدِيَ مِنْهُ إنْ قَدَرَتْ قَالَ أَحْمَدُ : لَا يَسَعُهَا أَنْ تُقِيمَ مَعَهُ وَقَالَ أَيْضًا : تَفْتَدِي مِنْهُ بِمَا تَقْدِرُ عَلَيْهِ ، فَإِنْ أُجْبِرَتْ عَلَى ذَلِكَ فَلَا تَزَّيَّنُ لَهُ وَلَا تُقِرُّ بِهِ وَتَهْرُبُ إنْ قَدَرَتْ وَإِنْ شَهِدَ عِنْدَهَا عَدْلَانِ غَيْرُ مُتَّهَمَيْنِ فَلَا تُقِيمُ مَعَهُ وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ قَالَ جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ وَحَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ وَابْنُ سِيرِينَ : تَفِرُّ مِنْهُ مَا اسْتَطَاعَتْ وَتَفْتَدِي مِنْهُ بِكُلِّ مَا","part":17,"page":21},{"id":8021,"text":"يُمْكِنُ وَقَالَ الثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ وَأَبُو عُبَيْدٍ : تَفِرُّ مِنْهُ وَقَالَ مَالِكٌ : لَا تَتَزَيَّنُ لَهُ وَلَا تُبْدِي لَهُ شَيْئًا مِنْ شَعْرِهَا وَلَا عَرِيَّتِهَا وَلَا يُصِيبُهَا إلَّا وَهِيَ مُكْرَهَةٌ ، وَرُوِيَ عَنْ الْحَسَنِ وَالزُّهْرِيِّ وَالنَّخَعِيِّ يُسْتَحْلَفُ ثُمَّ يَكُونُ الْإِثْمُ عَلَيْهِ وَالصَّحِيحُ مَا قَالَهُ الْأَوَّلُونَ ؛ لِأَنَّ هَذِهِ تَعْلَمُ أَنَّهَا أَجْنَبِيَّةٌ مِنْهُ مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِ فَوَجَبَ عَلَيْهَا الِامْتِنَاعُ وَالْفِرَارُ مِنْهُ كَسَائِرِ الْأَجْنَبِيَّاتِ وَهَكَذَا لَوْ ادَّعَى نِكَاحَ امْرَأَةٍ كَذِبًا وَأَقَامَ بِذَلِكَ شَاهِدَيْ زُورٍ فَحَكَمَ لَهُ الْحَاكِمُ بِالزَّوْجِيَّةِ أَوْ لَوْ تَزَوَّجَهَا تَزْوِيجًا بَاطِلًا وَسُلِّمَتْ إلَيْهِ بِذَلِكَ فَالْحُكْمُ فِي هَذَا كُلِّهِ كَالْحُكْمِ فِي الْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا .","part":17,"page":22},{"id":8022,"text":"( 6053 ) فَصْلٌ : وَلَوْ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا ثُمَّ جَحَدَ طَلَاقَهَا لَمْ تَرِثْهُ نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ وَبِهِ قَالَ قَتَادَةُ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ وَالشَّافِعِيُّ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَقَالَ الْحَسَنُ : تَرِثُهُ ؛ لِأَنَّهَا فِي حُكْمِ الزَّوْجَاتِ ظَاهِرًا وَلَنَا أَنَّهَا تَعْلَمُ أَنَّهَا أَجْنَبِيَّةٌ فَلَمْ تَرِثْهُ كَسَائِرِ الْأَجْنَبِيَّاتِ ، وَقَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ : تَهْرُبُ مِنْهُ وَلَا تَتَزَوَّجُ حَتَّى يُظْهِرَ طَلَاقَهَا وَتَعْلَمَ ذَلِكَ يَجِيءُ فَيَدَّعِيهَا فَتُرَدُّ عَلَيْهِ وَتُعَاقَبُ وَإِنْ مَاتَ وَلَمْ يُقِرَّ بِطَلَاقِهَا لَا تَرِثُهُ لَا تَأْخُذُ مَا لَيْسَ لَهَا تَفِرُّ مِنْهُ وَلَا تَخْرُجُ مِنْ الْبَلَدِ وَلَكِنْ تَخْتَفِي فِي بَلَدِهَا قِيلَ لَهُ : فَإِنَّ بَعْضَ النَّاسِ قَالَ : تَقْتُلُهُ هِيَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ يَدْفَعُ عَنْ نَفْسِهِ فَلَمْ يُعْجِبْهُ ذَلِكَ فَمَنَعَهَا مِنْ التَّزْوِيجِ قَبْلَ ثُبُوتِ طَلَاقِهَا لِأَنَّهَا فِي ظَاهِرِ الْحُكْمِ زَوْجَةُ هَذَا الْمُطَلِّقِ فَإِذَا تَزَوَّجَتْ غَيْرَهُ وَجَبَ عَلَيْهَا فِي ظَاهِرِ الشَّرْعِ الْعُقُوبَةُ وَالرَّدُّ إلَى الْأَوَّلِ وَيَجْتَمِعُ عَلَيْهَا زَوْجَانِ هَذَا بِظَاهِرِ الْأَمْرِ وَذَاكَ بِبَاطِنِهِ وَلَمْ يَأْذَنْ لَهَا فِي الْخُرُوجِ مِنْ الْبَلَدِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُقَوِّي التُّهْمَةَ فِي نُشُوزِهَا وَلِأَنَّ فِي قَتْلِهِ قَصْدًا ؛ لِأَنَّ الدَّافِعَ عَنْ نَفْسِهِ لَا يَقْتُلُ قَصْدًا فَأَمَّا إنْ قَصَدَتْ الدَّفْعَ عَنْ نَفْسِهَا فَآلَ إلَى نَفْسِهِ فَلَا إثْمَ عَلَيْهَا وَلَا ضَمَانَ فِي الْبَاطِنِ فَأَمَّا فِي الظَّاهِرِ ، فَإِنَّهَا تُؤْخَذُ بِحُكْمِ الْقَتْلِ مَا لَمْ يَثْبُتْ صِدْقُهَا .","part":17,"page":23},{"id":8023,"text":"( 6054 ) فَصْلٌ : قَالَ أَحْمَدُ : إذَا طَلَّقَهَا ثَلَاثًا فَشَهِدَ عَلَيْهِ أَرْبَعَةٌ أَنَّهُ وَطِئَهَا أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ إنَّمَا أَوْجَبَهُ لِأَنَّهَا صَارَتْ بِالطَّلَاقِ أَجْنَبِيَّةً فَهِيَ كَسَائِرِ الْأَجْنَبِيَّاتِ بَلْ هِيَ أَشَدُّ تَحْرِيمًا ؛ لِأَنَّهَا مُحَرَّمَةٌ وَطْئًا وَنِكَاحًا ، فَإِنْ جَحَدَ طَلَاقَهَا وَوَطِئَهَا ثُمَّ قَامَتْ الْبَيِّنَةُ بِطَلَاقِهِ فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ وَبِهَذَا قَالَ الشَّعْبِيُّ وَمَالِكٌ وَأَهْلُ الْحِجَازِ وَالثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَرَبِيعَةُ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ ؛ لِأَنَّ جَحَدَهُ لِطَلَاقِهِ يُوهِمُنَا أَنَّهُ نَسِيَهُ وَذَلِكَ شُبْهَةٌ فِي دَرْءِ الْحَدِّ عَنْهُ وَلَا سَبِيلَ لَنَا إلَى عِلْمِ مَعْرِفَتِهِ بِالطَّلَاقِ حَالَةَ وَطْئِهِ إلَّا بِإِقْرَارِهِ بِذَلِكَ ، فَإِنْ قَالَ : وَطِئْتهَا عَالِمًا بِأَنَّنِي كُنْت طَلَّقْتهَا ثَلَاثًا كَانَ إقْرَارًا مِنْهُ بِالزِّنَى فَيُعْتَبَرُ فِيهِ مَا يُعْتَبَرُ فِي الْإِقْرَارِ بِالزِّنَى .","part":17,"page":24},{"id":8024,"text":"( 6055 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِذَا طَلَّقَ زَوْجَتَهُ أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ فَقَضَتْ الْعِدَّةَ ثُمَّ تَزَوَّجَتْ غَيْرَهُ ثُمَّ أَصَابَهَا ثُمَّ طَلَّقَهَا أَوْ مَاتَ عَنْهَا وَقَضَتْ الْعِدَّةَ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا الْأَوَّلُ فَهِيَ عِنْدَهُ عَلَى مَا بَقِيَ مِنْ الثَّلَاثِ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْمُطَلِّقَ إذَا بَانَتْ زَوْجَتُهُ مِنْهُ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا لَمْ يَخْلُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ ؛ أَحَدُهَا أَنْ تَنْكِحَ غَيْرَهُ وَيُصِيبَهَا ثُمَّ يَتَزَوَّجَهَا الْأَوَّلُ فَهَذِهِ تَرْجِعُ إلَيْهِ عَلَى طَلَاقِ ثَلَاثٍ بِإِجْمَاعِ أَهْلِ الْعِلْمِ قَالَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَالثَّانِي أَنْ يُطَلِّقَهَا دُونَ الثَّلَاثِ ثُمَّ تَعُودَ إلَيْهِ بِرَجْعَةٍ ، أَوْ نِكَاحٍ جَدِيدٍ قَبْلَ زَوْجٍ ثَانٍ فَهَذِهِ تَرْجِعُ إلَيْهِ عَلَى مَا بَقِيَ مِنْ طَلَاقِهَا بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ ، وَالثَّالِثُ طَلَّقَهَا دُونَ الثَّلَاثِ فَقَضَتْ عِدَّتَهَا ثُمَّ نَكَحَتْ غَيْرَهُ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا الْأَوَّلُ فَعَنْ أَحْمَدَ فِيهَا رِوَايَتَانِ إحْدَاهُمَا تَرْجِعُ إلَيْهِ عَلَى مَا بَقِيَ مِنْ طَلَاقِهَا وَهَذَا قَوْلُ الْأَكَابِرِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَأُبَيٍّ وَمُعَاذٍ وَعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ زَيْدٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَبِهِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَعُبَيْدَةُ وَالْحَسَنُ وَمَالِكٌ وَالثَّوْرِيُّ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى وَالشَّافِعِيُّ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو عُبَيْدَةَ وَأَبُو ثَوْرٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهَا تَرْجِعُ إلَيْهِ عَلَى طَلَاقِ ثَلَاثٍ وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَعَطَاءٍ وَالنَّخَعِيِّ وَشُرَيْحٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ ؛ لِأَنَّ وَطْءَ الزَّوْجِ الثَّانِي مُثْبِتٌ لِلْحِلِّ فَيُثْبِتُ حِلًّا يَتَّسِعُ لِثَلَاثِ تَطْلِيقَاتٍ كَمَا بَعْدَ الثَّلَاثِ لِأَنَّ وَطْءَ الثَّانِي يَهْدِمُ الطَّلَقَاتِ الثَّلَاثَ فَأَوْلَى أَنْ يَهْدِمَ مَا دُونَهَا وَلَنَا أَنَّ وَطْءَ الثَّانِي لَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ فِي الْإِحْلَالِ لِلزَّوْجِ","part":17,"page":25},{"id":8025,"text":"الْأَوَّلِ فَلَا يُغَيِّرُ حُكْمَ الطَّلَاقِ كَوَطْءِ السَّيِّدِ وَلِأَنَّهُ تَزْوِيجٌ قَبْلَ اسْتِيفَاءِ الثَّلَاثِ فَأَشْبَهَ مَا لَوْ رَجَعَتْ إلَيْهِ قَبْلَ وَطْءِ الثَّانِي وَقَوْلُهُمْ : إنَّ وَطْءَ الثَّانِي يُثْبِتُ الْحِلَّ لَا يَصِحُّ ؛ لِوَجْهَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا : مَنْعُ كَوْنِهِ مُثْبِتًا لِلْحِلِّ أَصْلًا وَإِنَّمَا هُوَ فِي الطَّلَاقِ الثَّلَاثِ غَايَةُ التَّحْرِيمِ بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى : { فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ } وَحَتَّى لِلْغَايَةِ ، وَإِنَّمَا سَمَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الزَّوْجَ الَّذِي قَصَدَ الْحِيلَةَ مُحَلِّلًا تَجَوُّزًا بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَعَنَهُ وَمَنْ أَثْبَتَ حَلَالًا يَسْتَحِقُّ لَعْنًا ، وَالثَّانِي أَنَّ الْحِلَّ إنَّمَا يَثْبُتُ فِي مَحَلٍّ فِيهِ تَحْرِيمٌ وَهِيَ الْمُطَلَّقَةُ ثَلَاثًا وَهَاهُنَا هِيَ حَلَالٌ لَهُ فَلَا يَثْبُتُ فِيهَا حِلٌّ ، وَقَوْلُهُمْ : إنَّهُ يَهْدِمُ الطَّلَاقَ قُلْنَا : بَلْ هُوَ غَايَةٌ لِتَحْرِيمِهِ وَمَا دُونَ الثَّلَاثِ لَا تَحْرِيمَ فِيهَا فَلَا يَكُونُ غَايَةً لَهُ .","part":17,"page":26},{"id":8026,"text":"( 6056 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِذَا كَانَ الْمُطَلِّقُ عَبْدًا وَكَانَ طَلَاقُهُ اثْنَتَيْنِ لَمْ تَحِلَّ لَهُ زَوْجَتُهُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ حُرَّةً كَانَتْ الزَّوْجَةُ أَوْ مَمْلُوكَةً ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ بِالرِّجَالِ وَالْعِدَّةَ بِالنِّسَاءِ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الطَّلَاقَ مُعْتَبَرٌ بِالرِّجَالِ ، فَإِنْ كَانَ الزَّوْجُ حُرًّا ؛ فَطَلَاقُهُ ثَلَاثٌ حُرَّةً كَانَتْ الزَّوْجَةُ أَوْ أَمَةً وَإِنْ كَانَ عَبْدًا ؛ فَطَلَاقُهُ اثْنَتَانِ حُرَّةً كَانَتْ زَوْجَتُهُ أَوْ أَمَةً فَإِذَا طَلَّقَ اثْنَتَيْنِ حَرُمَتْ عَلَيْهِ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَزَيْدٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَبِهِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَإِسْحَاقُ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ : أَيُّهُمَا رَقَّ نَقَصَ الطَّلَاقُ بِرِقِّهِ فَطَلَاقُ الْعَبْدِ اثْنَتَانِ وَإِنْ كَانَ تَحْتَهُ حُرَّةٌ وَطَلَاقُ الْأَمَةِ اثْنَتَانِ وَإِنْ كَانَ زَوْجُهَا حُرًّا .\rوَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ الطَّلَاقَ مُعْتَبَرٌ بِالنِّسَاءِ فَطَلَاقُ الْأَمَةِ اثْنَتَانِ حُرًّا كَانَ الزَّوْجُ أَوْ عَبْدًا وَطَلَاقُ الْحُرَّةِ ثَلَاثٌ حُرًّا كَانَ زَوْجُهَا أَوْ عَبْدًا وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ وَابْنُ سِيرِينَ وَعِكْرِمَةُ وَعُبَيْدَةُ وَمَسْرُوقٌ وَالزُّهْرِيُّ وَالْحَكَمُ وَحَمَّادٌ وَالثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ ؛ لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { طَلَاقُ الْأَمَةِ تَطْلِيقَتَانِ وَقُرْؤُهَا حَيْضَتَانِ } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ وَلِأَنَّ الْمَرْأَةَ مَحَلٌّ لِلطَّلَاقِ فَيُعْتَبَرُ بِهَا كَالْعِدَّةِ وَلَنَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَاطَبَ الرِّجَالَ بِالطَّلَاقِ فَكَانَ حُكْمُهُ مُعْتَبَرًا بِهِمْ وَلِأَنَّ الطَّلَاقَ خَالِصُ حَقِّ الزَّوْجِ وَهُوَ مِمَّا يَخْتَلِفُ بِالرِّقِّ وَالْحُرِّيَّةِ فَكَانَ اخْتِلَافُهُ بِهِ كَعَدَدِ الْمَنْكُوحَاتِ ، وَحَدِيثُ عَائِشَةَ قَالَ أَبُو دَاوُد : رَاوِيهِ مُظَاهِرُ بْنُ أَسْلَمَ وَهُوَ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ وَقَدْ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي \" سُنَنِهِ \" عَنْ","part":17,"page":27},{"id":8027,"text":"عَائِشَةَ قَالَتْ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { طَلَاقُ الْعَبْدِ اثْنَتَانِ فَلَا تَحِلُّ لَهُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ وَقُرْءُ الْأَمَةِ حَيْضَتَانِ وَتَتَزَوَّجُ الْحُرَّةُ عَلَى الْأَمَةِ وَلَا تَتَزَوَّجُ الْأَمَةُ عَلَى الْحُرَّةِ } وَهَذَا نَصٌّ وَلِأَنَّ الْحُرَّ يَمْلِكُ أَنْ يَتَزَوَّجَ أَرْبَعًا فَمَلَكَ طَلَقَاتٍ ثَلَاثًا كَمَا لَوْ كَانَ تَحْتَهُ حُرَّةٌ وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ الْحُرَّ الَّذِي زَوْجَتُهُ حُرَّةٌ طَلَاقُهُ ثَلَاثٌ وَأَنَّ الْعَبْدَ الَّذِي تَحْتَهُ أَمَةٌ طَلَاقُهُ اثْنَتَانِ ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِيمَا إذَا كَانَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ حُرًّا وَالْآخَرُ رَقِيقًا .","part":17,"page":28},{"id":8028,"text":"( 6057 ) فَصْلٌ : قَالَ أَحْمَدُ : الْمَكَاتِبُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ وَطَلَاقُهُ وَأَحْكَامُهُ كُلُّهَا أَحْكَامُ الْعَبِيدِ ، وَهَذَا صَحِيحٌ ؛ فَإِنَّهُ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ : { الْمُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ } وَلِأَنَّهُ يَصِحُّ عِتْقُهُ وَلَا يَنْكِحُ إلَّا اثْنَتَيْنِ وَلَا يَتَزَوَّجُ وَلَا يَتَسَرَّى إلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ ، وَهَذِهِ أَحْكَامُ الْعَبِيدِ فَيَكُونُ طَلَاقُهُ كَطَلَاقِ سَائِرِ الْعَبِيدِ ، وَقَدْ رَوَى الْأَثْرَمُ فِي \" سُنَنِهِ \" عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ نُفَيْعًا مُكَاتَبَ أُمِّ سَلَمَةَ طَلَّقَ امْرَأَةً حُرَّةً تَطْلِيقَتَيْنِ فَسَأَلَ عُثْمَانَ وَزَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَا : حَرُمَتْ عَلَيْكَ وَالْمُدَبَّرُ كَالْعَبْدِ الْقِنِّ فِي نِكَاحِهِ وَطَلَاقِهِ ، وَكَذَلِكَ الْمُعَلَّقُ عِتْقُهُ بِصِفَةٍ ؛ لِأَنَّهُ عَبْدٌ فَتَثْبُتُ فِيهِ أَحْكَامُ الْعَبِيدِ .","part":17,"page":29},{"id":8029,"text":"( 6058 ) فَصْلٌ : قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَكَمِ : الْعَبْدُ إذَا كَانَ نِصْفُهُ حُرًّا وَنِصْفُهُ عَبْدًا يَتَزَوَّجُ ثَلَاثًا وَيُطَلِّقُ ثَلَاثَ تَطْلِيقَاتٍ ، وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا تَجَزَّأَ بِالْحِسَابِ إنَّمَا جَعَلَ لَهُ نِكَاحَ ثَلَاثٍ لِأَنَّ عَدَدَ الْمَنْكُوحَاتِ يَتَبَعَّضُ فَوَجَبَ أَنْ يَتَبَعَّضَ فِي حَقِّهِ كَالْحَدِّ فَلِذَلِكَ كَانَ لَهُ أَنْ يَنْكِحَ نِصْفَ مَا يَنْكِحُ الْحُرُّ وَنِصْفَ مَا يَنْكِحُ الْعَبْدُ وَذَلِكَ ثَلَاثٌ ، وَأَمَّا الطَّلَاقُ فَلَا يُمْكِنُ قِسْمَتُهُ فِي حَقِّهِ ؛ لِأَنَّ مُقْتَضَى حَالِهِ أَنْ يَكُونَ لَهُ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الطَّلَاقِ وَلَيْسَ لَهُ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعٍ فَكَمُلَ فِي حَقِّهِ وَلِأَنَّ الْأَصْلَ إثْبَاتُ الطَّلَقَاتِ الثَّلَاثِ فِي حَقِّ كُلِّ مُطَلِّقٍ ، وَإِنَّمَا خُولِفَ فِي مَنْ كَمُلَ الرِّقُّ فِي حَقِّهِ فَفِي مَنْ عَدَاهُ يَبْقَى عَلَى الْأَصْلِ .","part":17,"page":30},{"id":8030,"text":"( 6059 ) فَصْلٌ : إذَا طَلَّقَ الْعَبْدُ زَوْجَتَهُ اثْنَتَيْنِ ثُمَّ عَتَقَ لَمْ تَحِلَّ لَهُ زَوْجَتُهُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ ؛ لِأَنَّهَا حُرِّمَتْ عَلَيْهِ بِالطَّلَاقِ تَحْرِيمًا لَا يَنْحَلُّ إلَّا بِزَوْجٍ وَإِصَابَةٍ وَلَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ فَلَا يَزُولُ التَّحْرِيمُ وَهَذَا ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا وَتَبْقَى عِنْدَهُ عَلَى وَاحِدَةٍ ، وَذَكَرَ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَمْلُوكَيْنِ : { إذَا طَلَّقَهَا تَطْلِيقَتَيْنِ ثُمَّ عَتَقَا فَلَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا } وَقَالَ : لَا أَرَى شَيْئًا يَدْفَعُهُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ يَقُولُ بِهِ ؛ أَبُو سَلَمَةَ وَجَابِرٌ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ، وَرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي \" الْمُسْنَدِ \" وَأَكْثَرُ الرِّوَايَاتِ عَنْ أَحْمَدَ الْأَوَّلُ ، وَقَالَ : حَدِيثُ عُثْمَانَ وَزَيْدٍ فِي تَحْرِيمِهَا عَلَيْهِ جَيِّدٌ وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ يَرْوِيهِ عَمْرُو بْنُ مُغِيثٍ وَلَا أَعْرِفُهُ وَقَدْ قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ : مَنْ أَبُو حَسَنٍ هَذَا ؟ لَقَدْ حَمَلَ صَخْرَةً عَظِيمَةً مُنْكِرًا لِهَذَا الْحَدِيثِ ، قَالَ أَحْمَدُ : أَمَّا أَبُو حَسَنٍ فَهُوَ عِنْدِي مَعْرُوفٌ وَلَكِنْ لَا أَعْرِفُ عَمْرَو بْنَ مُغِيثٍ قَالَ أَبُو بَكْرٍ : إنْ صَحَّ الْحَدِيثُ فَالْعَمَلُ عَلَيْهِ ، وَإِنْ لَمْ يَصِحَّ فَالْعَمَلُ عَلَى حَدِيثِ عُثْمَانَ وَزَيْدٍ وَبِهِ أَقُولُ قَالَ أَحْمَدُ : وَلَوْ طَلَّقَ عَبْدٌ زَوْجَتَهُ الْأَمَةَ تَطْلِيقَتَيْنِ ثُمَّ عَتَقَ وَاشْتَرَاهَا لَمْ تَحِلَّ لَهُ وَلَوْ تَزَوَّجَ وَهُوَ عَبْدٌ فَلَمْ يُطَلِّقْهَا أَوْ طَلَّقَهَا وَاحِدَةً ثُمَّ عَتَقَ فَلَهُ عَلَيْهَا ثَلَاثُ تَطْلِيقَاتٍ أَوْ طَلْقَتَانِ إنْ كَانَ طَلَّقَهَا وَاحِدَةً ؛ لِأَنَّهُ فِي حَالِ الطَّلَاقِ حُرٌّ فَاعْتُبِرَ حَالُهُ حِينَئِذٍ كَمَا يُعْتَبَرُ حَالُ الْمَرْأَةِ فِي الْعِدَّةِ حِينَ وُجُودِهَا ، وَلَوْ تَزَوَّجَهَا وَهُوَ حُرٌّ كَافِرٌ فَسُبِيَ وَاسْتُرِقَّ ثُمَّ أَسْلَمَا جَمِيعًا لَمْ يَمْلِكْ إلَّا طَلَاقَ الْعَبِيدِ اعْتِبَارًا بِحَالِهِ حِينَ الطَّلَاقِ وَلَوْ طَلَّقَهَا فِي كُفْرِهِ وَاحِدَةً","part":17,"page":31},{"id":8031,"text":"وَرَاجَعَهَا ثُمَّ سُبِيَ وَاسْتُرِقَّ لَمْ يَمْلِكْ إلَّا طَلْقَةً وَاحِدَةً وَلَوْ طَلَّقَهَا فِي كُفْرِهِ طَلْقَتَيْنِ ثُمَّ اُسْتُرِقَّ وَأَرَادَ التَّزَوُّجَ بِهَا جَازَ وَلَهُ طَلْقَةٌ وَاحِدَةٌ ؛ لِأَنَّ الطَّلْقَتَيْنِ وَقَعَتَا غَيْرَ مُحَرِّمَتَيْنِ فَلَا يُعْتَبَرُ حُكْمُهُمَا بِمَا يَطْرَأُ بَعْدَهُمَا كَمَا أَنَّ الطَّلْقَتَيْنِ مِنْ الْعَبْدِ لَمَّا أَنَّ وَقَعَتَا مُحَرِّمَتَيْنِ لَمْ يُعْتَبَرْ ذَلِكَ بِالْعِتْقِ بَعْدَهُمَا .","part":17,"page":32},{"id":8032,"text":"( 6060 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِذَا قَالَ لِزَوْجَتِهِ : أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثَةَ أَنْصَافِ تَطْلِيقَتَيْنِ طَلُقَتْ بِثَلَاثٍ ) نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى هَذَا فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ حَامِدٍ : تَقَعُ طَلْقَتَانِ ؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُ ثَلَاثَةُ أَنْصَافٍ مِنْ طَلْقَتَيْنِ وَذَلِكَ طَلْقَةٌ وَنِصْفٌ ثُمَّ تَكْمُلُ فَتَصِيرُ طَلْقَتَيْنِ وَقِيلَ : بَلْ ثَلَاثٌ ؛ لِأَنَّ النِّصْفَ الثَّالِثَ مِنْ طَلْقَتَيْنِ مُحَالٌ وَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَجْهَانِ كَهَذَيْنِ وَلَنَا أَنَّ نِصْفَ الطَّلْقَتَيْنِ طَلْقَةٌ وَقَدْ أَوْقَعَهُ ثَلَاثًا فَيَقَعُ ثَلَاثًا كَمَا لَوْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثَ طَلَقَاتٍ ، وَقَوْلُهُمْ : مَعْنَاهُ ثَلَاثَةُ أَنْصَافٍ مِنْ طَلْقَتَيْنِ تَأْوِيلٌ يُخَالِفُهُ ظَاهِرُ اللَّفْظِ ، فَإِنَّهُ عَلَى مَا ذَكَرُوهُ يَكُونُ ثَلَاثَةَ أَنْصَافِ طَلْقَةٍ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ ثَلَاثَةَ أَنْصَافِ طَلْقَتَيْنِ مُخَالِفَةً لِثَلَاثَةِ أَنْصَافِ طَلْقَةٍ وَقَوْلُهُمْ : إنَّهُ مُحَالٌ قُلْنَا : وُقُوعُ نِصْفِ الطَّلْقَتَيْنِ عَلَيْهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ لَيْسَ بِمُحَالِ فَيَجِبُ أَنْ يَقَعَ .","part":17,"page":33},{"id":8033,"text":"( 6061 ) فَصْلٌ : ، فَإِنْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ مِلْءَ الدُّنْيَا وَنَوَى الثَّلَاثَ وَقَعَ الثَّلَاثُ ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا أَوْ نَوَى وَاحِدَةً فَهِيَ وَاحِدَةٌ قَالَ أَحْمَدُ فِي مَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ : أَنْتِ طَالِقٌ مِلْءَ الْبَيْتِ : فَإِنْ أَرَادَ الْغِلْظَةَ عَلَيْهَا - يَعْنِي يُرِيدُ أَنْ تَبِينَ مِنْهُ - فَهِيَ ثَلَاثٌ فَاعْتَبَرَ نِيَّتَهُ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ إذَا لَمْ يَنْوِ يَقَعُ وَاحِدَةٌ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْوَصْفَ لَا يَقْتَضِي عَدَدًا وَهَذَا لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا إلَّا أَنَّ الْوَاحِدَةَ إذَا وَقَعَتْ كَانَتْ رَجْعِيَّةً ، وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ : تَكُونُ بَائِنًا ؛ لِأَنَّهُ وَصَفَ الطَّلَاقَ بِصِفَةٍ زَائِدَةٍ تَقْتَضِي الزِّيَادَةَ عَلَيْهَا ، وَذَلِكَ هُوَ الْبَيْنُونَةُ .\rوَلَنَا أَنَّهُ طَلَاقٌ صَادَفَ مَدْخُولًا بِهَا مِنْ غَيْرِ اسْتِيفَاءِ عَدَدٍ وَلَا عِوَضٍ فَكَانَ رَجْعِيًّا كَقَوْلِهِ : أَنْتِ طَالِقٌ وَمَا ذَكَرُوهُ لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ حُكْمٌ فَإِذَا ثَبَتَ ثَبَتَ فِي الدُّنْيَا كُلِّهَا فَلَا يَقْتَضِي ذَلِكَ زِيَادَةً ، وَإِنْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ أَشَدَّ الطَّلَاقِ أَوْ أَغْلَظَهُ أَوْ أَطْوَلَ الطَّلَاقِ أَوْ أَعْرَضَهُ أَوْ أَقْصَرَهُ أَوْ مِثْلَ الْجَبَلِ أَوْ مِثْلَ عِظَمِ الْجَبَلِ وَلَا نِيَّةَ لَهُ وَقَعَتْ طَلْقَةٌ رَجْعِيَّةٌ ، وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي جَمِيعِهَا : يَقَعُ بَائِنًا وَقَالَ صَاحِبَاهُ : إنْ قَالَ : مِثْلَ الْجَبَلِ كَانَتْ رَجْعِيَّةً وَإِنْ قَالَ : مِثْلَ عِظَمِ الْجَبَلِ كَانَتْ بَائِنًا وَوَجْهُ الْقَوْلَيْنِ مَا تَقَدَّمَ وَلِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ إيقَاعَ الْبَيْنُونَةِ ، فَإِنَّهَا حُكْمٌ وَلَيْسَ ذَلِكَ إلَيْهِ وَإِنَّمَا تَثْبُتُ الْبَيْنُونَةُ بِأَسْبَابٍ مُعَيَّنَةٍ كَالْخَلْعِ وَالطَّلَاقِ الثَّلَاثِ وَالطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ فَيَمْلِكُ مُبَاشَرَةَ سَبَبِهَا فَيَثْبُتُ وَإِنْ أَرَادَ إثْبَاتَهَا بِدُونِ ذَلِكَ لَمْ يَثْبُتْ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَشَدَّ الطَّلَاقِ عَلَيْهِ أَوْ عَلَيْهَا وَأَغْلَظَ ؛ لِتَعَجُّلِهِمَا أَوْ لِحُبِّ أَحَدِهِمَا صَاحِبَهُ وَمَشَقَّةِ فِرَاقِهِ","part":17,"page":34},{"id":8034,"text":"عَلَيْهِ فَلَمْ يَقَعْ أَمْرٌ زَائِدٌ بِالشَّكِّ ، وَإِنْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ أَقْصَى الطَّلَاقِ أَوْ أَكْبَرَهُ فَكَذَلِكَ فِي قِيَاسِ الْمَذْهَبِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَقْصَى الطَّلَاقِ ثَلَاثًا ؛ لِأَنَّ أَقْصَاهُ آخِرُهُ وَآخِرُ الطَّلَاقِ الثَّالِثَةُ ، وَمِنْ ضَرُورَةِ كَوْنِهَا ثَالِثَةً وُقُوعُ اثْنَتَيْنِ وَإِنْ قَالَ : أَتَمَّ الطَّلَاقِ أَوْ أَكْمَلَهُ فَوَاحِدَةٌ إلَّا أَنَّهَا تَكُونُ سُنِّيَّةً ؛ لِأَنَّهَا أَكْمَلُ الطَّلَاقِ وَأَتَمُّهُ .","part":17,"page":35},{"id":8035,"text":"( 6062 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ أَكْثَرَ الطَّلَاقِ أَوْ كُلَّهُ ، أَوْ جَمِيعَهُ أَوْ مُنْتَهَاهُ ، أَوْ مِثْلَ عَدَدِ الْحَصَى أَوْ الرَّمْلِ أَوْ الْقَطْرِ طَلُقَتْ ثَلَاثًا ؛ لِأَنَّ هَذَا يَقْتَضِي عَدَدًا وَلِأَنَّ لِلطَّلَاقِ أَقَلَّ وَأَكْثَرَ فَأَقَلُّهُ وَاحِدَةٌ وَأَكْثَرُهُ ثَلَاثٌ وَإِنْ قَالَ : كَعَدَدِ التُّرَابِ أَوْ الْمَاءِ وَقَعَ ثَلَاثًا وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَقَعُ وَاحِدَةٌ بَائِنٌ ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ وَالتُّرَابَ مِنْ أَسْمَاءِ الْأَجْنَاسِ لَا عَدَدَ لَهُ .\rوَلَنَا أَنَّ الْمَاءَ تَتَعَدَّدُ أَنْوَاعُهُ وَقَطَرَاتُهُ وَالتُّرَابُ تَتَعَدَّدُ أَنْوَاعُهُ وَأَجْزَاؤُهُ فَأَشْبَهَ الْحَصَا ، وَإِنْ قَالَ : يَا مِائَةَ طَالِقٍ أَوْ : أَنْتِ مِائَةُ طَالِقٍ طَلُقَتْ ثَلَاثًا وَإِنْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ كَمِائَةٍ أَوْ أَلْفٍ فَهِيَ ثَلَاثٌ قَالَ أَحْمَدُ فِي مَنْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ كَأَلْفِ تَطْلِيقَةٍ : فَهِيَ ثَلَاثٌ ، وَبِهِ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ وَبَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ : إنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ وَقَعَتْ وَاحِدَةٌ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُصَرِّحْ بِالْعَدَدِ وَإِنَّمَا شَبَّهَهَا بِالْأَلْفِ وَلَيْسَ الْمَوْقِعُ الشَّبَهَ بِهِ وَلَنَا أَنَّ قَوْلَهُ : كَأَلْفٍ تَشْبِيهٌ بِالْعَدَدِ خَاصَّةً ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ إلَّا ذَلِكَ فَوَقَعَ الْعَدَدُ كَقَوْلِهِ : أَنْتِ طَالِقٌ كَعَدَدِ أَلْفٍ وَفِي هَذَا انْفِصَالٌ عَمَّا قَالَ وَإِنْ قَالَ : أَرَدْت أَنَّهَا طَلْقَةٌ كَأَلْفٍ فِي صُعُوبَتِهَا دُيِّنَ ، وَهَلْ يُقْبَلُ فِي الْحُكْمِ ؟ يُخَرَّجُ عَلَى رِوَايَتَيْنِ .","part":17,"page":36},{"id":8036,"text":"( 6063 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ مِنْ وَاحِدَةٍ إلَى ثَلَاثٍ وَقَعَ طَلْقَتَانِ وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّ مَا بَعْدَ الْغَايَةِ لَا يَدْخُلُ فِيهَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى : { ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إلَى اللَّيْلِ } وَإِنَّمَا يَدْخُلُ إذَا كَانَتْ بِمَعْنَى مَعَ وَذَلِكَ خِلَافُ مَوْضُوعِهَا وَقَالَ زَفَرُ : يَقَعُ طَلْقَةٌ ؛ لِأَنَّ ابْتِدَاءَ الْغَايَةِ لَيْسَ مِنْهَا كَقَوْلِهِ : بِعْتُك مِنْ هَذَا الْحَائِطِ إلَى هَذَا الْحَائِطِ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ : يَقَعُ الثَّلَاثُ ؛ لِأَنَّهُ نَطَقَ بِهَا فَلَمْ يَجُزْ إلْغَاؤُهَا وَلَنَا أَنَّ ابْتِدَاءَ الْغَايَةِ يَدْخُلُ كَمَا لَوْ قَالَ : خَرَجْت مِنْ الْبَصْرَةِ ، فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ فِيهَا وَأَمَّا انْتِهَاءُ الْغَايَةِ فَلَا يَدْخُلُ بِمُقْتَضَى اللَّفْظِ وَلَوْ احْتَمَلَ دُخُولَهُ وَعَدَمَ دُخُولِهِ لَمْ نُجِزْ الطَّلَاقَ بِالشَّكِّ وَإِنْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ مَا بَيْنَ وَاحِدَةٍ وَثَلَاثٍ وَقَعَتْ وَاحِدَةٌ ؛ لِأَنَّهَا الَّتِي بَيْنَهُمَا .","part":17,"page":37},{"id":8037,"text":"( 6064 ) فَصْلٌ : فَإِنْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً فِي اثْنَتَيْنِ أَوْ وَاحِدَةً فِي اثْنَتَيْنِ وَنَوَى بِهِ ثَلَاثًا فَهِيَ ثَلَاثٌ ؛ لِأَنَّهُ يُعَبَّرُ ؛ بِفِي عَنْ \" مَعَ \" كَقَوْلِهِ : { فَادْخُلِي فِي عِبَادِي } فَتَقْدِيرُ الْكَلَامِ أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً مَعَ طَلْقَتَيْنِ فَإِذَا أَقَرَّ بِذَلِكَ عَلَى نَفْسِهِ قُبِلَ مِنْهُ وَإِنْ قَالَ : أَرَدْت وَاحِدَةً قُبِلَ أَيْضًا حَاسِبًا كَانَ أَوْ غَيْرَ حَاسِبٍ وَقَالَ الْقَاضِي : إذَا كَانَ عَارِفًا بِالْحِسَابِ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ وَوَقَعَ طَلْقَتَانِ ؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ مَا اقْتَضَاهُ اللَّفْظُ وَلَنَا أَنَّهُ فَسَّرَ كَلَامَهُ بِمَا يَحْتَمِلُهُ فَإِنَّهُ لَا يَبْعُدُ أَنْ يُرِيدَ بِكَلَامِهِ مَا يُرِيدُهُ الْعَامِّيُّ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ وَكَانَ عَارِفًا بِالْحِسَابِ وَقَعَ طَلْقَتَانِ وَقَالَ الْقَاضِي : إنْ أَطْلَقَ لَمْ يَقَعُ إلَّا وَاحِدَةٌ ؛ لِأَنَّ لَفْظَ الْإِيقَاعِ إنَّمَا هُوَ بِلَفْظِ الْوَاحِدَةِ وَمَا زَادَ عَلَيْهَا لَمْ يَحْصُلْ فِيهِ لَفْظُ الْإِيقَاعِ وَإِنَّمَا يَقَعُ الزَّائِدُ بِالْقَصْدِ فَإِذَا خَلَا عَنْ الْقَصْدِ لَمْ يَقَعْ إلَّا مَا أَوْقَعَهُ وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ كَقَوْلِنَا وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَقَعُ إلَّا وَاحِدَةٌ سَوَاءٌ قَصَدَ بِهِ الْحِسَابَ أَوْ لَمْ يَقْصِدْ إذَا لَمْ يَقْصِدْ بِهِ وَاحِدَةً مَعَ اثْنَتَيْنِ ؛ لِأَنَّ الضَّرْبَ إنَّمَا يَصِحُّ فِيمَا لَهُ مِسَاحَةٌ فَأَمَّا مَا لَا مِسَاحَةَ لَهُ فَلَا حَقِيقَةَ فِيهِ لِلْحِسَابِ وَإِنَّمَا حَصَلَ مِنْهُ الْإِيقَاعُ فِي وَاحِدَةٍ فَوَقَعَتْ دُونَ غَيْرِهَا ، وَلَنَا أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ مَوْضُوعٌ فِي اصْطِلَاحِهِمْ لِاثْنَتَيْنِ فَإِذَا لَفَظَ بِهِ وَأَطْلَقَ وَقَعَ كَمَا لَوْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ اثْنَتَيْنِ وَبِهَذَا يَحْصُلُ الِانْفِصَالُ عَمَّا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ ، فَإِنَّ اللَّفْظَ الْمَوْضُوعَ لَا يُحْتَاجُ مَعَهُ إلَى نِيَّةٍ ، فَأَمَّا مَا قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ ، فَإِنَّمَا ذَلِكَ فِي وَضْعِ الْحِسَابِ فِي الْأَصْلِ ثُمَّ صَارَ مُسْتَعْمَلًا فِي كُلِّ مَا لَهُ عَدَدٌ فَصَارَ حَقِيقَةً فِيهِ فَأَمَّا الْجَاهِلُ بِمُقْتَضَى ذَلِكَ فِي الْحِسَابِ إذَا أَطْلَقَ وَقَعَتْ","part":17,"page":38},{"id":8038,"text":"طَلْقَةٌ وَاحِدَةٌ ؛ لِأَنَّ لَفْظَ الْإِيقَاعِ إنَّمَا هُوَ لَفْظَةٌ وَاحِدَةٌ وَإِنَّمَا صَارَ مَصْرُوفًا إلَى الِاثْنَتَيْنِ بِوَضْعِ أَهْلِ الْحِسَابِ وَاصْطِلَاحِهِمْ فَمَنْ لَا يَعْرِفُ اصْطِلَاحَهُمْ لَا يَلْزَمُهُ مُقْتَضَاهُ كَالْعَرَبِيِّ يَنْطِقُ بِالطَّلَاقِ بِالْعَجَمِيَّةِ وَهُوَ لَا يَعْرِفُ مَعْنَاهَا .\rوَلَمْ يُفَرِّقْ أَصْحَابُنَا فِي ذَلِكَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْمُتَكَلِّمُ بِذَلِكَ مِمَّنْ لَهُمْ عُرْفٌ فِي هَذَا اللَّفْظِ أَوَّلًا وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ إنْ كَانَ الْمُتَكَلِّمُ بِذَلِكَ مِمَّنْ عُرْفُهُمْ أَنَّ \" فِي \" هَاهُنَا بِمَعْنَى \" مَعَ \" وَقَعَ بِهِ ثَلَاثٌ ؛ لِأَنَّ كَلَامَهُ يُحْمَلُ عَلَى عُرْفِهِمْ وَالظَّاهِرُ مِنْهُ إرَادَتُهُ وَهُوَ الْمُتَبَادِرُ إلَى الْفَهْمِ مِنْ كَلَامِهِ فَإِنْ نَوَى مُوجَبَهُ عِنْدَ أَهْلِ الْحِسَابِ فَقَالَ الْقَاضِي : لَا يَلْزَمُهُ مُقْتَضَاهُ كَالْعَرَبِيِّ يَنْطِقُ بِالطَّلَاقِ بِالْعَجَمِيَّةِ وَلَا يَعْرِفُ مَعْنَاهَا ، وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ مُوجَبَهُ فَلَمْ يَقْصِدْ إيقَاعَهُ وَلَا يَصِحُّ مِنْهُ قَصْدُ مَا لَا يَعْرِفُهُ .","part":17,"page":39},{"id":8039,"text":"( 6065 ) فَصْلٌ : فَإِنْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً بَلْ طَلْقَتَيْنِ وَقَعَ طَلْقَتَانِ نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ : يَقَعُ ثَلَاثًا فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ : أَنْتِ طَالِقٌ إيقَاعٌ فَلَا يَجُوزُ إيقَاعُ الْوَاحِدَةِ مَرَّتَيْنِ فَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَوْقَعَهَا ثُمَّ أَرَادَ رَفْعَهَا وَأَوْقَعَ اثْنَتَيْنِ آخِرَتَيْنِ فَتَقَعُ الثَّلَاثُ وَلَنَا أَنَّ مَا لَفَظَ بِهِ قَبْلَ الْإِضْرَابِ بَعْضُ مَا لَفَظَ بِهِ بَعْدَهُ فَلَمْ يَلْزَمْهُ أَكْثَرُ مِمَّا بَعْدَهُ كَقَوْلِهِ : لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمٌ بَلْ دِرْهَمَانِ وَقَوْلُهُمْ : لَا يَجُوزُ إيقَاعُ مَا أَوْقَعَهُ قُلْنَا : يَجُوزُ أَنْ يُخْبِرَ بِوُقُوعِهِ مَعَ وُقُوعِ غَيْرِهِ فَلَا يَقَعُ الزَّائِدُ بِالشَّكِّ قَالَ أَحْمَدُ : فَإِنْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ لَا بَلْ أَنْتِ طَالِقٌ : هِيَ وَاحِدَةٌ وَهَذَا اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ وَاخْتَارَ الْقَاضِي أَنَّهُ يَقَعُ طَلْقَتَانِ ؛ لِأَنَّهُ أَرَادَ رَفْعَ الْأُولَى وَإِيقَاعَ الثَّانِيَةِ فَلَمْ تَرْتَفِعْ الْأُولَى وَوَقَعَتْ الثَّانِيَةُ وَوَجْهُ الْأَوَّلِ أَنَّهُ لَوْ قَالَ : لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمٌ بَلْ دِرْهَمٌ لَزِمَهُ دِرْهَمٌ وَاحِدٌ كَذَا هَاهُنَا فَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ إنْ نَوَى بِقَوْلِهِ : بَلْ أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً أُخْرَى وَقَعَ اثْنَتَانِ ؛ لِأَنَّهُ قَصَدَ إيقَاعَ طَلْقَتَيْنِ بِلَفْظَيْنِ فَوَقَعَ كَمَا لَوْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ أَنْتِ طَالِقٌ وَذَكَرَ الْقَاضِي احْتِمَالًا آخَرَ ؛ أَنَّهُ لَا يَقَعُ إلَّا طَلْقَةٌ ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ مَوْضُوعٌ لِوَاحِدَةٍ فَلَا يَصِحُّ أَنْ يَنْوِيَ بِهِ اثْنَتَيْنِ قَالَ أَحْمَدُ : وَلَوْ كَانَ لَهُ امْرَأَتَانِ فَقَالَ لِإِحْدَاهُمَا : أَنْتِ طَالِقٌ ثُمَّ قَالَ لِلْأُخْرَى : لَا بَلْ أَنْتِ طَالِقٌ طَلُقَتَا جَمِيعًا وَوَجْهُهُ أَنَّهُ أَوْقَعَ طَلَاقَ الْأُولَى ثُمَّ أَضْرَبَ عَنْهُ وَأَوْقَعَ طَلَاقَ الْأُخْرَى فَوَقَعَ بِهَا وَلَمْ يَرْتَفِعْ عَنْ الْأُولَى وَفَارَقَ مَا إذَا قَالَ ذَلِكَ لِوَاحِدَةٍ ؛ لِأَنَّ الطَّلْقَةَ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ هِيَ الثَّانِيَةَ كَرَّرَ الْإِخْبَارَ بِهَا وَلَا يَجُوزُ فِي الْمَرْأَتَيْنِ أَنْ يَكُونَ طَلَاقُ","part":17,"page":40},{"id":8040,"text":"إحْدَاهُمَا هُوَ طَلَاقَ الْأُخْرَى وَنَظِيرُهُ فِي الْإِقْرَارِ مَا لَوْ قَالَ : لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمٌ بَلْ دِرْهَمٌ لَزِمَهُ دِرْهَمٌ وَلَوْ قَالَ : لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمٌ بَلْ دِينَارٌ لَزِمَاهُ جَمِيعًا ، وَلَوْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً بَلْ هَذِهِ ثَلَاثًا طَلُقَتْ الْأُولَى وَاحِدَةٌ وَالثَّانِيَةُ ثَلَاثًا وَلَوْ قَالَ لِامْرَأَةٍ غَيْرِ مَدْخُولٍ بِهَا : أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً بَلْ ثَلَاثًا طَلُقَتْ وَاحِدَةً ؛ لِأَنَّهَا بَانَتْ الْأُولَى فَلَمْ يَقَعْ بِهَا مَا بَعْدَهَا وَإِنْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً بَلْ ثَلَاثًا إنْ دَخَلْت الدَّارَ ، وَنَوَى تَعْلِيقَ الْجَمِيعِ بِدُخُولِ الدَّارِ تَعَلَّقَ ، وَإِنْ نَوَى تَعْلِيقَ الثَّلَاثِ حَسْبُ ، وَقَعَتْ الْوَاحِدَةُ فِي الْحَالِ وَإِنْ أَطْلَقَ فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا يَتَعَلَّقُ الْجَمِيعُ بِالشَّرْطِ ؛ لِأَنَّهُ بَعْدَهُمَا فَيَعُودُ إلَيْهِمَا وَالثَّانِي تَقَعُ الْوَاحِدَةُ فِي الْحَالِ وَتَبْقَى الثَّلَاثُ مُعَلَّقَةً بِدُخُولِ الدَّارِ ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا ذَكَرَ الشَّرْطَ عَقِيبَهَا فَتَخْتَصُّ بِهِ ، وَإِنْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ إنْ دَخَلْت الدَّارَ ؛ بَلْ هَذِهِ فَدَخَلَتْ الْأُولَى طَلُقَتَا وَإِنْ دَخَلَتْ الثَّانِيَةُ لَمْ تَطْلُقْ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا ، فَإِنْ قَالَ : أَرَدْت أَنَّ الثَّانِيَةَ تَطْلُقُ إنْ دَخَلَتْ الدَّارَ قُبِلَ مِنْهُ ؛ لِأَنَّهُ مُحْتَمِلٌ لِمَا قَالَهُ ، وَإِنْ قَالَ : أَرَدْت أَنَّك تَطْلُقِينَ إذَا دَخَلَتْ الثَّانِيَةُ الدَّارَ قُبِلَ مِنْهُ ؛ لِأَنَّهُ مُحْتَمِلٌ لِمَا قَالَهُ ، وَكَانَ طَلَاقُ الْأُولَى وَحْدَهَا مُعَلَّقًا عَلَى دُخُولِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا .","part":17,"page":41},{"id":8041,"text":"( 6066 ) فَصْلٌ : إذَا قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً لَا تَقَعُ عَلَيْك أَوْ : طَالِقٌ لَا أَوْ : طَالِقٌ طَلْقَةً لَا يَنْقُصُ بِهَا عَدَدُ طَلَاقِك أَوْ : طَالِقٌ لَا شَيْءَ أَوْ : لَيْسَ بِشَيْءٍ طَلُقَتْ وَاحِدَةً ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ رَفْعٌ لِجَمِيعِ مَا أَوْقَعَهُ فَلَمْ يَصِحَّ كَاسْتِثْنَاءِ الْجَمِيعِ وَإِنْ قَالَ ذَلِكَ خَبَرًا فَهُوَ كَذِبٌ ؛ لِأَنَّ الْوَاحِدَةَ إذَا أَوْقَعَهَا وَقَعَتْ وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا وَإِنْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ أَوْ لَا ؟ لَمْ يَقَعْ ؛ لِأَنَّ هَذَا اسْتِفْهَامٌ فَإِذَا اتَّصَلَ بِهِ خَرَجَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَفْظًا لَإِيقَاعٍ وَيُخَالِفُ مَا قَبْلَ ذَلِكَ ؛ فَإِنَّهُ إيقَاعٌ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَقَعَ ؛ لِأَنَّ لَفْظَهُ لَفْظُ الْإِيقَاعِ لَا لَفْظُ الِاسْتِفْهَامِ ؛ لِكَوْنِ الِاسْتِفْهَامِ يَكُونُ بِالْهَمْزَةِ أَوْ نَحْوِهَا فَيَقَعُ مَا أَوْقَعَهُ وَلَا يَرْتَفِعُ بِمَا ذَكَرَهُ بَعْدَهُ كَالَّتِي قَبْلَهَا وَإِنْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً أَوْ لَا ؟ فَكَذَلِكَ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ وَهُوَ قِيَاسُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ وَقَالَ مُحَمَّدٌ : يَقَعُ وَاحِدَةٌ ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ : أَوْ لَا يَرْجِعُ إلَى مَا يَلِيهِ مِنْ اللَّفْظِ وَهُوَ وَاحِدَةٌ دُونَ لَفْظِ الْإِيقَاعِ ، وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ ؛ لِأَنَّ الْوَاحِدَةَ صِفَةٌ لِلطَّلْقَةِ الْوَاقِعَةِ فَمَا اتَّصَلَ بِهَا يَرْجِعْ إلَيْهَا فَصَارَ كَقَوْلِهِ : أَنْتِ طَالِقٌ أَوْ لَا شَيْءَ .","part":17,"page":42},{"id":8042,"text":"( 6067 ) فَصْلٌ : فَإِنْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ بَعْدَ مَوْتِي أَوْ مَوْتِك أَوْ مَعَ مَوْتِي أَوْ مَوْتِك لَمْ تَطْلُقْ نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا ؛ لِأَنَّهَا تَبِينُ بِمَوْتِ أَحَدِهِمَا فَلَا يُصَادِفُ الطَّلَاقُ نِكَاحًا يُزِيلُهُ ، وَإِنْ تَزَوَّجَ أَمَةَ أَبِيهِ ثُمَّ قَالَ : إذَا مَاتَ أَبِي فَأَنْتِ طَالِقٌ فَمَاتَ أَبُوهُ لَمْ يَقَعْ الطَّلَاقُ اخْتَارَهُ الْقَاضِي ؛ لِأَنَّهُ بِالْمَوْتِ يَمْلِكُهَا فَيَنْفَسِخُ نِكَاحُهَا بِالْمِلْكِ وَهُوَ زَمَنُ الطَّلَاقِ فَلَمْ يَقَعْ كَمَا لَوْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ مَعَ مَوْتِي وَاخْتَارَ أَبُو الْخَطَّابِ أَنَّهُ يَقَعُ ؛ لِأَنَّ الْمَوْتَ سَبَبُ مِلْكِهَا وَطَلَاقِهَا وَفَسْخُ النِّكَاحِ يَتَرَتَّبُ عَلَى الْمِلْكِ فَيُوجَدُ الطَّلَاقُ فِي زَمَنِ الْمِلْكِ السَّابِقِ عَلَى الْفَسْخِ فَيَثْبُتُ حُكْمُهُ .\rوَإِنْ قَالَ : إنْ اشْتَرَيْتُك فَأَنْتِ طَالِقٌ ثُمَّ اشْتَرَاهَا خُرِّجَ عَلَى الْوَجْهَيْنِ ، وَإِنْ قَالَ الْأَبُ : إذَا مِتُّ فَأَنْتِ حُرَّةٌ وَقَالَ الِابْنُ : إذَا مَاتَ أَبِي فَأَنْتِ طَالِقٌ وَكَانَتْ تَخْرُجْ مِنْ الثُّلُثِ ثُمَّ مَاتَ الْأَبُ وَقَعَ الْعِتْقُ وَالطَّلَاقُ مَعًا وَإِنْ لَمْ تَخْرُجْ مِنْ الثُّلُثِ ، فَإِنَّ بَعْضَهَا يَنْتَقِلُ إلَى الْوَرَثَةِ فَيَمْلِكُ الِابْنُ جُزْءًا مِنْهَا يَنْفَسِخُ بِهِ النِّكَاحُ فَيَكُونُ كَمِلْكِ جَمِيعِهَا فِي فَسْخِ النِّكَاحِ وَمَنْعِ وُقُوعِ الطَّلَاقِ ، فَإِنْ أَجَازَ الْوَرَثَةُ عِتْقَهَا فَذَكَرَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ هَذَا يَنْبَنِي عَلَى الْإِجَازَةِ هَلْ هِيَ تَنْفِيذٌ أَوْ عَطِيَّةٌ مُبْتَدَأَةٌ ؟ فَإِنْ قُلْنَا : هِيَ عَطِيَّةٌ مُبْتَدَأَةٌ ، فَقَدْ انْفَسَخَ النِّكَاحُ قَبْلَهَا فَلَمْ يَقَعْ الطَّلَاقُ ، وَإِنْ قُلْنَا : هِيَ تَنْفِيذٌ لِمَا فَعَلَ السَّيِّدُ وَقَعَ الطَّلَاقُ وَهَكَذَا إنْ أَجَازَ الزَّوْجُ وَحْدَهُ عِتْقَ أَبِيهِ ، فَإِنْ كَانَ عَلَى الْأَبِ دَيْنٌ يَسْتَغْرِقُ تَرِكَتَهُ لَمْ يَعْتِقْ وَالصَّحِيحُ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَمْنَعُ نَقْلَ التَّرِكَةِ إلَى الْوَرَثَةِ فَهُوَ كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ فِي فَسْخِ النِّكَاحِ وَإِنْ كَانَ الدَّيْنُ لَا","part":17,"page":43},{"id":8043,"text":"يَسْتَغْرِقُ التَّرِكَةَ وَكَانَتْ تَخْرُجُ مِنْ الثُّلُثِ بَعْدَ أَدَاءِ الدَّيْنِ عَتَقَتْ وَطَلُقَتْ ، وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ الثُّلُثِ لَمْ تَعْتِقْ كُلُّهَا فَيَكُونُ حُكْمُهَا فِي فَسْخِ النِّكَاحِ وَمَنْعِ الطَّلَاقِ كَمَا لَوْ اسْتَغْرَقَ الدَّيْنُ التَّرِكَةَ ، وَإِنْ أَسْقَطَ الْغَرِيمُ الدَّيْنَ بَعْدَ الْمَوْتِ لَمْ يَقَعْ الطَّلَاقُ ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ انْفَسَخَ قَبْلَ إسْقَاطِهِ .","part":17,"page":44},{"id":8044,"text":"( 6068 ) فَصْلٌ : فِي مَسَائِلَ تَنْبَنِي عَلَى نِيَّةِ الْحَالِفِ وَتَأْوِيلِهِ ؛ إذَا قَالَ : إنْ لَمْ تُخْبِرِينِي بِعَدَدِ حَبِّ هَذِهِ الرُّمَّانَةِ فَأَنْتِ طَالِقٌ أَوْ أَكَلَ تَمْرًا فَقَالَ : إنْ لَمْ تُخْبِرِينِي بِعَدَدِ مَا أَكَلَتْ فَأَنْتِ طَالِقٌ وَلَمْ تَعْلَمْ ذَلِكَ ، فَإِنَّهَا تَعُدُّ لَهُ عَدَدًا يَعْلَمُ أَنَّهُ قَدْ أَتَى عَلَى عَدَدِ ذَلِكَ مِثْلُ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ عَدَدَ ذَلِكَ مَا بَيْنَ مِائَةٍ إلَى أَلْفٍ فَتَعُدُّ ذَلِكَ كُلَّهُ وَلَا يَحْنَثُ إذَا كَانَتْ نِيَّتُهُ ذَلِكَ وَإِنْ نَوَى الْإِخْبَارَ بِكَمِّيَّتِهِ مِنْ غَيْرِ نَقْصٍ وَلَا زِيَادَةٍ لَمْ يَبْرَأْ إلَّا بِذَلِكَ وَإِنْ أَطْلَقَ فَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا يَبْرَأُ إلَّا بِذَلِكَ أَيْضًا ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَ حَالِ الْحَالِفِ إرَادَتُهُ فَتَنْصَرِفُ يَمِينُهُ إلَيْهِ كَالْأَسْمَاءِ الْعُرْفِيَّةِ الَّتِي تَنْصَرِفُ الْيَمِينُ إلَى مُسَمَّاهَا عُرْفًا دُونَ مُسَمَّاهَا حَقِيقَةً وَلَوْ أَكَلَا تَمْرًا فَقَالَ : إنْ لَمْ تُمَيِّزِي نَوَى مَا أَكَلْتُ مِنْ نَوَى مَا أَكَلْتِ فَأَنْتِ طَالِقٌ فَأَفْرَدَتْ كُلَّ نَوَاةٍ وَحْدَهَا فَالْقَوْلُ فِيهَا كَاَلَّتِي قَبْلَهَا وَإِنْ وَقَعَتْ فِي مَاءٍ جَارٍ فَحَلَفَ عَلَيْهَا : إنْ خَرَجْت مِنْهُ أَوْ أَقَمْت فِيهِ فَأَنْتِ طَالِقٌ فَقَالَ الْقَاضِي : قِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يَحْنَثُ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ عَيْنَ الْمَاءِ الَّذِي هِيَ فِيهِ ؛ لِأَنَّ إطْلَاقَ يَمِينِهِ يَقْتَضِي خُرُوجَهَا مِنْ النَّهْرِ أَوْ إقَامَتَهَا فِيهِ وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : لَا يَحْنَثُ ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ جَرَى عَنْهَا وَصَارَتْ فِي غَيْرِهِ فَلَمْ يَحْنَثْ سَوَاءٌ أَقَامَتْ أَوْ خَرَجَتْ ؛ لِأَنَّهَا إنَّمَا تَقِفُ فِي غَيْرِهِ أَوْ تَخْرُجُ مِنْهُ وَكَذَلِكَ قَالَ الْقَاضِي فِي \" الْمُجَرَّدِ \" وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ الْأَيْمَانَ عِنْدَهُمْ تَنْبَنِي عَلَى اللَّفْظِ لَا عَلَى الْقَصْدِ وَكَذَلِكَ قَالُوا : لَا يَحْنَثُ فِي هَذِهِ الْأَيْمَانِ السَّابِقَةِ كُلِّهَا وَلَوْ قَالَ : إنْ كَانَتْ امْرَأَتِي فِي السُّوقِ فَعَبْدِي حُرٌّ ، وَإِنْ كَانَ عَبْدِي فِي السُّوقِ فَامْرَأَتِي طَالِقٌ فَكَانَا جَمِيعًا فِي","part":17,"page":45},{"id":8045,"text":"السُّوقِ فَقِيلَ : يَعْتِقُ الْعَبْدُ وَلَا تَطْلُقُ الْمَرْأَةُ ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا حَنِثَ فِي الْيَمِينِ الْأُولَى عَتَقَ الْعَبْدُ فَلَمْ يَبْقَ لَهُ فِي السُّوقِ عَبْدٌ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَحْنَثَ ؛ بِنَاءً عَلَى قَوْلِنَا فِي مَنْ حَلَفَ عَلَى مُعَيَّنٍ تَعَلَّقَتْ الْيَمِينُ بِعَيْنِهِ دُونَ صِفَتِهِ كَمَنْ قَالَ : إنْ كَلَّمْت عَبْدِي سَعْدًا فَأَنْتِ طَالِقٌ ثُمَّ أَعْتَقَهُ وَكَلَّمَتْهُ طَلُقَتْ فَكَذَلِكَ هَاهُنَا ؛ لِأَنَّ يَمِينَهُ تَعَلَّقَتْ بِعَبْدٍ مُعَيَّنٍ وَإِنْ لَمْ يُرِدْ عَبْدًا بِعَيْنِهِ لَمْ تَطْلُقْ الْمَرْأَةُ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ لَهُ عَبْدٌ فِي السُّوقِ وَلَوْ كَانَ فِي فِيهَا تَمْرَةٌ فَقَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ إنْ أَكَلْتهَا أَوْ أَلْقَيْتهَا أَوْ أَمْسَكْتهَا فَأَكَلَتْ بَعْضَهَا وَأَلْقَتْ بَعْضَهَا لَمْ يَحْنَثْ إلَّا عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ : إنَّهُ يَحْنَثُ بِفِعْلِ بَعْضِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ ، وَإِنْ نَوَى الْجَمِيعَ لَمْ يَحْنَثْ بِحَالٍ ، وَلَوْ كَانَتْ عِنْدَهُ وَدِيعَةٌ لَإِنْسَانٍ فَأَحْلَفَهُ ظَالِمٌ أَنْ لَيْسَ لِفُلَانِ عِنْدَك وَدِيعَةٌ فَإِنَّهُ يَحْلِفُ : مَا لِفُلَانِ عِنْدِي وَدِيعَةٌ وَيَنْوِي بِمَا \" الَّذِي \" وَيَبَرُّ فِي يَمِينِهِ وَكَذَلِكَ لَوْ سَرَقَتْ امْرَأَتُهُ مِنْهُ شَيْئًا فَحَلَفَ عَلَيْهَا بِالطَّلَاقِ : لَتَصْدُقنِي أَسَرَقْت مِنِّي أَمْ لَا ؟ وَخَافَتْ أَنْ تَصْدُقَهُ ، فَإِنَّهَا تَقُولُ : سَرَقْت مِنْك مَا سَرَقْت مِنْك ، وَتَعْنِي الَّذِي سَرَقْت مِنْك : وَلَوْ اسْتَحْلَفَهُ ظَالِمٌ : هَلْ رَأَيْت فُلَانًا أَوْ لَا ؟ ، فَإِنَّهُ يَعْنِي بِرَأَيْتُ أَيْ ضَرَبْت رِئَتَهُ وَذَكَرْتُهُ أَيْ قَطَعْت ذَكَرَهُ ، وَمَا طَلَبْت مِنْهُ حَاجَةً أَيْ الشَّجَرَةَ الَّتِي حَبَسَهَا الْحَاجُّ وَلَا أَخَذْت مِنْهُ فَرُّوجًا يَعْنِي الْقَبَاءَ ، وَلَا حَصِيرًا وَهُوَ الْحَبْسُ وَأَشْبَاهُ هَذَا فَمَتَى لَمْ يَكُنْ ظَالِمًا فَحَلَفَ وَعَنَى بِهِ هَذَا تَعَلَّقَتْ يَمِينُهُ بِمَا عَنَاهُ وَلَوْ كَانَتْ لَهُ امْرَأَةٌ عَلَى دَرَجَةٍ فَحَلَفَ عَلَيْهَا أَنْ لَا تَنْزِلَ عَنْهَا وَلَا تَصْعَدَ مِنْهَا وَلَا تَقِفَ عَلَيْهَا ، فَإِنَّهَا تَنْتَقِلُ عَنْهَا إلَى سُلَّمٍ آخَرَ ، وَتَنْزِلُ إنْ شَاءَتْ أَوْ تَصْعَدُ","part":17,"page":46},{"id":8046,"text":"أَوْ تَقِفُ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ نُزُولَهَا إنَّمَا حَصَلَ مِنْ غَيْرِهَا إنْ كَانَ فِي يَمِينِهِ وَلَا انْتَقَلَتْ عَنْهَا فَإِنَّهَا تُحْمَلُ مُكْرَهَةً وَلَوْ كَانَ فِي سُلَّمٍ وَلَهُ امْرَأَتَانِ إحْدَاهُمَا فِي الْغُرْفَةِ وَالْأُخْرَى فِي الْبَيْتِ السُّفْلَانِيِّ فَحَلَفَ : لَا صَعِدْت إلَى هَذِهِ وَلَا نَزَلْت إلَى الْأُخْرَى ، فَإِنَّ السُّفْلَى تَصْعَدُ وَتَنْزِلُ الْعُلْيَا ثُمَّ يَنْزِلُ إنْ شَاءَ أَوْ يَصْعَدُ .","part":17,"page":47},{"id":8047,"text":"( 6069 ) فَصْلٌ : قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ : سَأَلْت أَبِي عَنْ رَجُلٍ قَالَ لِامْرَأَتِهِ : أَنْتِ طَالِقٌ إنْ لَمْ أُجَامِعْك الْيَوْمَ وَأَنْت طَالِقٌ إنْ اغْتَسَلْت مِنْك الْيَوْمَ قَالَ : يُصَلِّي الْعَصْرَ ثُمَّ يُجَامِعُهَا فَإِذَا غَابَتْ الشَّمْسُ اغْتَسَلَ إنْ لَمْ يَكُنْ أَرَادَ بِقَوْلِهِ : اغْتَسَلْت الْمُجَامَعَةَ وَقَالَ فِي رَجُلٍ قَالَ لِامْرَأَتِهِ : أَنْتِ طَالِقٌ إنْ لَمْ أَطَأْك فِي رَمَضَانَ فَسَافَرَ مَسِيرَةَ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ أَوْ ثَلَاثَةٍ ثُمَّ وَطِئَهَا قَالَ : لَا يُعْجِبُنِي ؛ لِأَنَّهَا حِيلَةٌ وَلَا تُعْجِبُنِي الْحِيلَةُ فِي هَذَا وَلَا فِي غَيْرِهِ قَالَ الْقَاضِي : إنَّمَا كَرِهَ أَحْمَدُ هَذَا ؛ لِأَنَّ السَّفَرَ الَّذِي يُبِيحُ الْفِطْرَ أَنْ يَكُونَ سَفَرًا مَقْصُودًا مُبَاحًا وَهَذَا لَا يَقْصِدُ بِهِ غَيْرَ حِلِّ الْيَمِينِ وَالصَّحِيحُ أَنَّ هَذَا تَنْحَلُّ بِهِ الْيَمِينُ وَيُبَاحُ لَهُ الْفِطْرُ فِيهِ ؛ لِأَنَّهُ سَفَرٌ بَعِيدٌ مُبَاحٌ لِقَصْدٍ صَحِيحٍ ، وَإِرَادَةُ حِلِّ يَمِينِهِ مِنْ الْمَقَاصِدِ الصَّحِيحَةِ وَقَدْ أَبَحْنَا لَمَنْ لَهُ طَرِيقَانِ قَصِيرَةٌ لَا تُقْصَرُ فِيهَا الصَّلَاةُ ، وَبَعِيدَةٌ أَنْ يَسْلُكَ الْبَعِيدَةَ لِيَقْصُرَ فِيهَا الصَّلَاةَ وَيُفْطِرَ مَعَ أَنَّهُ لَا قَصْدَ لَهُ سِوَى التَّرَخُّصِ فَهَاهُنَا أَوْلَى .","part":17,"page":48},{"id":8048,"text":"كِتَابُ الرَّجْعَةِ وَهِيَ ثَابِتَةٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ ؛ أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى : { وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ } إلَى قَوْلِهِ : { وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إنْ أَرَادُوا إصْلَاحًا } وَالْمُرَادُ بِهِ الرَّجْعَةُ عِنْدَ جَمَاعَةِ الْعُلَمَاءِ وَأَهْلِ التَّفْسِيرِ وَقَالَ تَعَالَى : { وَإِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ } أَيْ بِالرَّجْعَةِ وَمَعْنَاهُ إذَا قَارَبْنَ بُلُوغَ أَجَلِهِنَّ أَيْ انْقِضَاءَ عِدَّتِهِنَّ وَأَمَّا السُّنَّةُ ، فَمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ قَالَ { طَلُقْت امْرَأَتِي وَهِيَ حَائِضٌ فَسَأَلَ عُمَرُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَرَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ عُمَرَ قَالَ : { إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَلَّقَ حَفْصَةَ ثُمَّ رَاجَعَهَا } وَأَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ أَنَّ الْحُرَّ إذَا طَلَّقَ الْحُرَّةَ دُونَ الثَّلَاثِ أَوْ الْعَبْدَ إذَا طَلَّقَ دُونَ الِاثْنَتَيْنِ أَنَّ لَهُمَا الرَّجْعَةَ فِي الْعِدَّةِ ذَكَرَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ ( 6070 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَالزَّوْجَةُ إذَا لَمْ يُدْخَلْ بِهَا تُبِينُهَا تَطْلِيقَةٌ وَتُحَرِّمُهَا الثَّلَاثُ مِنْ الْحُرِّ وَالِاثْنَتَانِ مِنْ الْعَبْدِ ) أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ غَيْرَ الْمَدْخُولِ بِهَا تَبِينُ بِطَلْقَةٍ وَاحِدَةٍ وَلَا يَسْتَحِقُّ مُطَلِّقُهَا رَجْعَتَهَا ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الرَّجْعَةَ إنَّمَا تَكُونُ فِي الْعِدَّةِ وَلَا عِدَّةَ قَبْلَ الدُّخُولِ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا نَكَحْتُمْ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا } فَبَيَّنَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ أَنَّهُ لَا عِدَّةَ عَلَيْهَا فَتَبِينُ بِمُجَرَّدِ طَلَاقِهَا وَتَصِيرُ كَالْمَدْخُولِ بِهَا بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا لَا رَجْعَةَ عَلَيْهَا وَلَا نَفَقَةَ لَهَا وَإِنْ رَغِبَ","part":17,"page":49},{"id":8049,"text":"مُطَلِّقُهَا فِيهَا فَهُوَ خَاطِبٌ مِنْ الْخُطَّابِ يَتَزَوَّجُهَا بِرِضَاهَا بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ وَتَرْجِعُ إلَيْهِ بِطَلْقَتَيْنِ وَإِنْ طَلَّقَهَا اثْنَتَيْنِ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا رَجَعَتْ إلَيْهِ بِطَلْقَةٍ وَاحِدَةٍ بِغَيْرِ خِلَافٍ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ وَإِنْ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا بِلَفْظٍ وَاحِدٍ حَرُمَتْ عَلَيْهِ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ فِيمَا مَضَى وَلَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ فِي أَنَّ الْمُطَلَّقَةَ ثَلَاثًا بَعْدَ الدُّخُولِ لَا تَحِلُّ لَهُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ لِقَوْلِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ : { فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ } وَرَوَتْ عَائِشَةُ : { أَنَّ رِفَاعَةَ الْقُرَظِيَّ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ فَبَتَّ طَلَاقَهَا فَتَزَوَّجَتْ بَعْدَهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الزُّبَيْرِ فَجَاءَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ : إنَّهَا كَانَتْ عِنْدَ رِفَاعَةَ فَطَلَّقَهَا آخِرَ ثَلَاثِ تَطْلِيقَاتٍ فَتَزَوَّجَتْ بَعْدَهُ بِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الزُّبَيْرِ وَإِنَّهُ وَاَللَّهِ مَا مَعَهُ إلَّا مِثْلُ هَذِهِ الْهُدْبَةِ ، وَأَخَذَتْ بِهُدْبَةٍ مِنْ جِلْبَابِهَا قَالَتْ : فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضَاحِكًا وَقَالَ : لَعَلَّك تُرِيدِينَ أَنْ تَرْجِعِي إلَى رِفَاعَةَ ؟ لَا حَتَّى يَذُوقَ عُسَيْلَتَك وَتَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَفِي إجْمَاعِ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى هَذَا غَنِيَّةٌ عَنْ الْإِطَالَةِ فِيهِ ، وَجُمْهُورُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّهَا لَا تَحِلُّ لِلْأَوَّلِ حَتَّى يَطَأَهَا الزَّوْجُ الثَّانِي وَطْئًا يُوجَدُ فِيهِ الْتِقَاءُ الْخِتَانَيْنِ إلَّا أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ مِنْ بَيْنِهِمْ قَالَ : إذَا تَزَوَّجَهَا تَزْوِيجًا صَحِيحًا لَا يُرِيدُ بِهِ إحْلَالًا فَلَا بَأْسَ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا الْأَوَّلُ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : لَا نَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ قَالَ بِقَوْلِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ هَذَا إلَّا الْخَوَارِجَ أَخَذُوا بِظَاهِرِ قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ : { حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ } وَمَعَ تَصْرِيحِ النَّبِيِّ","part":17,"page":50},{"id":8050,"text":"صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِبَيَانِ الْمُرَادِ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَأَنَّهَا لَا تَحِلُّ لِلْأَوَّلِ حَتَّى يَذُوقَ الثَّانِي عُسَيْلَتَهَا وَتَذُوقَ عُسَيْلَتَهُ لَا يَعْرُجُ عَلَى شَيْءٍ سِوَاهُ ، وَلَا يَسُوغُ لِأَحَدٍ الْمَصِيرُ إلَى غَيْرِهِ مَعَ مَا عَلَيْهِ جُمْلَةُ أَهْلِ الْعِلْمِ ؛ مِنْهُمْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَجَابِرٌ وَعَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَمِمَّنْ بَعْدَهُمْ مَسْرُوقٌ وَالزُّهْرِيُّ وَمَالِكٌ وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ وَالثَّوْرِيُّ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَأَهْلُ الشَّامِ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو عُبَيْدَةَ وَغَيْرُهُمْ .","part":17,"page":51},{"id":8051,"text":"( 6071 ) فَصْلٌ : وَيُشْتَرَطُ لِحِلِّهَا لِلْأَوَّلِ ثَلَاثَةُ شُرُوطٍ ؛ أَحَدُهَا أَنْ تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَلَوْ كَانَتْ أَمَةً فَوَطِئَهَا سَيِّدُهَا لَمْ يُحِلَّهَا ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ } وَهَذَا لَيْسَ بِزَوْجٍ ، وَلَوْ وُطِئَتْ بِشُبْهَةٍ لَمْ تُبَحْ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا ، وَلَوْ كَانَتْ أَمَةً فَاسْتَبْرَأَهَا مُطَلِّقُهَا لَمْ يَحِلَّ لَهُ وَطْؤُهَا فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ : تَحِلُّ لَهُ ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ يَخْتَصُّ الزَّوْجِيَّةَ فَأَثَّرَ فِي التَّحْرِيمِ بِهَا وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ } صَرِيحٌ فِي تَحْرِيمِهَا فَلَا يُعَوَّلُ عَلَى مَا خَالَفَهُ وَلِأَنَّ الْفَرْجَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُحَرَّمًا مُبَاحًا فَسَقَطَ هَذَا الشَّرْطُ الثَّانِي أَنْ يَكُونَ النِّكَاحُ صَحِيحًا ، فَإِنْ كَانَ فَاسِدًا لَمْ يُحِلَّهَا الْوَطْءُ فِيهِ وَبِهَذَا قَالَ الْحَسَنُ وَالشَّعْبِيُّ وَحَمَّادٌ وَمَالِكٌ وَالثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو عُبَيْدٍ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ وَالشَّافِعِيُّ فِي الْجَدِيدِ وَقَالَ فِي الْقَدِيمِ : يُحِلُّهَا ذَلِكَ وَهُوَ قَوْلُ الْحَكَمِ وَخَرَّجَهُ أَبُو الْخَطَّابِ وَجْهًا فِي الْمَذْهَبِ ؛ لِأَنَّهُ زَوْجٌ فَيَدْخُلُ فِي عُمُومِ النَّصِّ وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَعَنَ الْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ فَسَمَّاهُ مُحَلِّلًا مَعَ فَسَادِ نِكَاحِهِ وَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ } ، وَإِطْلَاقُ النِّكَاحِ يَقْتَضِي الصَّحِيحَ وَلِذَلِكَ لَوْ حَلَفَ لَا يَتَزَوَّجُ فَتَزَوَّجَ تَزْوِيجًا فَاسِدًا لَمْ يَحْنَثْ وَلَوْ حَلَفَ لَيَتَزَوَّجَنَّ لَمْ يَبَرَّ بِالتَّزَوُّجِ الْفَاسِدِ وَلِأَنَّ أَكْثَرَ أَحْكَامِ الزَّوْجِ غَيْرُ ثَابِتَةٍ فِيهِ مِنْ الْإِحْصَانِ وَاللِّعَانِ ، وَالظِّهَارِ ، وَالْإِيلَاءِ وَالنَّفَقَةِ وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ ، وَأَمَّا تَسْمِيَتُهُ مُحَلِّلًا فَلِقَصْدِهِ التَّحْلِيلَ فِيمَا لَا يَحِلُّ وَلَوْ أَحَلَّ حَقِيقَةً لَمَا لُعِنَ وَلَا لُعِنَ الْمُحَلَّلُ لَهُ","part":17,"page":52},{"id":8052,"text":"وَإِنَّمَا هَذَا كَقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَا آمَنَ بِالْقُرْآنِ مَنْ اسْتَحَلَّ مَحَارِمَهُ } وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا } وَلِأَنَّهُ وَطْءٌ فِي غَيْرِ نِكَاحٍ صَحِيحٍ أَشْبَهَ وَطْءَ الشُّبْهَةِ الشَّرْطُ الثَّالِثُ ؛ أَنْ يَطَأَهَا فِي الْفَرْجِ فَلَوْ وَطِئَهَا دُونَهُ أَوْ فِي الدُّبُرِ لَمْ يُحِلّهَا ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَّقَ الْحِلَّ عَلَى ذَوْقِ الْعُسَيْلَةِ مِنْهُمَا وَلَا يَحْصُلُ إلَّا بِالْوَطْءِ فِي الْفَرْجِ وَأَدْنَاهُ تَغْيِيبُ الْحَشَفَةِ فِي الْفَرْجِ ؛ لِأَنَّ أَحْكَامَ الْوَطْءِ تَتَعَلَّقُ بِهِ وَلَوْ أَوْلَجَ الْحَشَفَةَ مِنْ غَيْرِ انْتِشَارٍ لَمْ تَحِلَّ لَهُ ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ يَتَعَلَّقُ بِذَوَّاقِ الْعُسَيْلَةِ وَلَا تَحْصُلُ مِنْ غَيْرِ انْتِشَارٍ وَإِنْ كَانَ الذَّكَرُ مَقْطُوعًا ، فَإِنْ بَقِيَ مِنْهُ قَدْرُ الْحَشَفَةِ فَأَوْلَجَهُ أَحَلَّهَا وَإِلَّا فَلَا ، فَإِنْ كَانَ خَصِيًّا أَوْ مَسْلُولًا أَوْ مَوْجُوءًا حَلَّتْ بِوَطْئِهِ ؛ لِأَنَّهُ يَطَأُ كَالْفَحْلِ وَلَمْ يَفْقِدْ إلَّا الْإِنْزَالَ وَهُوَ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ فِي الْإِحْلَالِ وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ قَالَ أَبُو بَكْرٍ : وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ فِي الْخَصِيِّ أَنَّهُ لَا يُحِلُّهَا ؛ فَإِنَّ أَبَا طَالِبٍ سَأَلَهُ فِي الْمَرْأَةِ تَتَزَوَّجُ الْخَصِيَّ تُسْتَحَلُّ بِهِ ؟ قَالَ : لَا خَصِيَّ يَذُوقُ الْعُسَيْلَةَ قَالَ أَبُو بَكْرٍ : وَالْعَمَلُ عَلَى مَا رَوَاهُ مُهَنَّا أَنَّهَا تَحِلُّ وَوَجْهُ الْأَوَّلِ أَنَّ الْخَصِيَّ لَا يَحْصُلُ مِنْهُ الْإِنْزَالُ فَلَا يَنَالُ لَذَّةَ الْوَطْءِ فَلَا يَذُوقُ الْعُسَيْلَةَ وَيَحْتَمِلُ أَنَّ أَحْمَدَ قَالَ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الْخَصِيَّ فِي الْغَالِبِ لَا يَحْصُلُ مِنْهُ الْوَطْءُ أَوْ لَيْسَ بِمَظِنَّةِ الْإِنْزَالِ فَلَا يَحْصُلُ الْإِحْلَالُ بِوَطْئِهِ كَالْوَطْءِ مِنْ غَيْرِ انْتِشَارٍ .","part":17,"page":53},{"id":8053,"text":"( 6072 ) فَصْلٌ : وَاشْتَرَطَ أَصْحَابُنَا أَنْ يَكُونَ الْوَطْءُ حَلَالًا ، فَإِنْ وَطِئَهَا فِي حَيْضٍ ، أَوْ نِفَاسٍ ، أَوْ إحْرَامٍ مِنْ أَحَدِهِمَا ، أَوْ مِنْهُمَا ، أَوْ وَأَحَدُهُمَا صَائِمٌ فَرْضًا ، لَمْ تَحِلَّ .\rوَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ ؛ لِأَنَّهُ وَطْءٌ حَرَامٌ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى فَلَمْ يَحْصُلْ بِهِ الْإِحْلَالُ ، كَوَطْءِ الْمُرْتَدَّةِ .\rوَظَاهِرُ النَّصِّ حِلُّهَا وَهُوَ قَوْله تَعَالَى : { حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ } .\rوَهَذِهِ قَدْ نَكَحَتْ زَوْجًا غَيْرَهُ ، وَأَيْضًا قَوْلُهُ { حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ ، وَيَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ } .\rوَهَذَا قَدْ وُجِدَ ، وَلِأَنَّهُ وَطْءٌ فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ فِي مَحَلِّ الْوَطْءِ عَلَى سَبِيلِ التَّمَامِ ، فَأَحَلَّهَا ، كَالْوَطْءِ الْحَلَالِ ، وَكَمَا لَوْ وَطِئَهَا وَقَدْ ضَاقَ وَقْتُ الصَّلَاةِ ، أَوْ وَطِئَهَا مَرِيضَةً يَضُرُّهَا الْوَطْءُ .\rوَهَذَا أَصَحُّ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .\rوَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيِّ .\rوَأَمَّا وَطْءُ الْمُرْتَدَّةِ ، فَلَا يُحِلُّهَا ، سَوَاءٌ وَطِئَهَا فِي حَالِ رِدَّتِهِمَا ، أَوْ رِدَّتِهَا ، أَوْ وَطِئَ الْمُرْتَدُّ الْمُسْلِمَةَ ؛ لِأَنَّهُ إنْ لَمْ يَعُدْ الْمُرْتَدُّ مِنْهُمَا إلَى الْإِسْلَامِ ، تَبَيَّنَ أَنَّ الْوَطْءَ فِي غَيْرِ نِكَاحٍ ، وَإِنْ عَادَ إلَى الْإِسْلَامِ فِي الْعِدَّةِ ، فَقَدْ كَانَ الْوَطْءُ فِي نِكَاحٍ غَيْرِ تَامٍّ ؛ لِأَنَّ سَبَبَ الْبَيْنُونَةِ حَاصِلٌ فِيهِ .\rوَهَكَذَا لَوْ أَسْلَمَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ ، فَوَطِئَهَا الزَّوْجُ قَبْلَ إسْلَامِ الْآخَرِ ، لَمْ يُحِلَّهَا لِذَلِكَ .","part":17,"page":54},{"id":8054,"text":"( 6073 ) فَصْلٌ : فَإِنْ تَزَوَّجَهَا مَمْلُوكٌ ، وَوَطِئَهَا ، أَحَلَّهَا .\rوَبِذَلِكَ قَالَ عَطَاءٌ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَلَا نَعْلَمُ لَهُمْ مُخَالِفًا ، وَلِأَنَّهُ دَخَلَ فِي عُمُومِ النَّصِّ ، وَوَطْؤُهُ كَوَطْءِ الْحُرِّ .\rوَإِنْ تَزَوَّجَهَا مُرَاهِقٌ ، فَوَطِئَهَا ، أَحَلَّهَا فِي قَوْلِهِمْ ، إلَّا مَالِكًا وَأَبَا عُبَيْدٍ ، فَإِنَّهُمَا قَالَا : لَا يُحِلُّهَا .\rوَيُرْوَى ذَلِكَ عَنْ الْحَسَنِ ؛ لِأَنَّهُ وَطْءٌ مِنْ غَيْرِ بَالِغٍ ، فَأَشْبَهَ وَطْءَ الصَّغِيرِ .\rوَلَنَا ، ظَاهِرُ النَّصِّ ، وَأَنَّهُ وَطْءٌ مِنْ زَوْجٍ فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ ، فَأَشْبَهَ الْبَالِغَ ، وَيُخَالِفُ الصَّغِيرَ ؛ فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُ الْوَطْءُ مِنْهُ ، وَلَا تُذَاقُ عُسَيْلَتُهُ .\rقَالَ الْقَاضِي : وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ لَهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ سَنَةً ؛ لِأَنَّ مَنْ دُونَ ذَلِكَ لَا يُمْكِنُهُ الْمُجَامَعَةُ .\rوَلَا مَعْنَى لِهَذَا ؛ فَإِنَّ الْخِلَافَ فِي الْمُجَامِعِ ، وَمَتَى أَمْكَنَهُ الْجِمَاعُ ، فَقَدْ وُجِدَ مِنْهُ الْمَقْصُودُ فَلَا مَعْنَى لِاعْتِبَارِ سِنٍّ مَا وَرَدَ الشَّرْعُ بِاعْتِبَارِهَا ، وَتَقْدِيرُهُ بِمُجَرَّدِ الرَّأْيِ وَالتَّحَكُّمِ .\rوَإِنْ كَانَتْ ذِمِّيَّةً ، فَوَطِئَهَا زَوْجُهَا الذِّمِّيُّ ، أَحَلَّهَا لِمُطَلِّقِهَا الْمُسْلِمِ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .\rوَقَالَ : هُوَ زَوْجٌ ، وَبِهِ تَجِبُ الْمُلَاعَنَةُ وَالْقَسَمُ .\rوَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ وَابْنُ الْمُنْذِرِ .\rوَقَالَ رَبِيعَةُ ، وَمَالِكٌ : لَا يُحِلُّهَا .\rوَلَنَا ، ظَاهِرُ الْآيَةِ ، وَلِأَنَّهُ وَطْءٌ مِنْ زَوْجٍ فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ تَامٍّ ، أَشْبَهَ وَطْءَ الْمُسْلِمِ .\rوَإِنْ كَانَا مَجْنُونَيْنِ ، أَوْ أَحَدُهُمَا ، فَوَطِئَهَا ، أَحَلَّهَا وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَامِدٍ : لَا يُحِلُّهَا ؛ لِأَنَّهُ لَا يَذُوقُ الْعُسَيْلَةَ .\rوَلَنَا ، ظَاهِرُ الْآيَةِ ، وَلِأَنَّهُ وَطْءٌ مُبَاحٌ فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ ، أَشْبَهَ الْعَاقِلَ .\rوَقَوْلُهُ : لَا يَذُوقُ الْعُسَيْلَةَ .\rلَا يَصِحُّ ، فَإِنَّ الْجُنُونَ إنَّمَا هُوَ تَغْطِيَةُ الْعَقْلِ .","part":17,"page":55},{"id":8055,"text":"وَلَيْسَ الْعَقْلُ شَرْطًا فِي الشَّهْوَةِ وَحُصُولِ اللَّذَّةِ ، بِدَلِيلِ الْبَهَائِمِ ، لَكِنْ إنْ كَانَ الْمَجْنُونُ ذَاهِبَ الْحِسِّ ، كَالْمَصْرُوعِ ، وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ ، لَمْ يَحْصُلْ الْحِلُّ بِوَطْئِهِ ، وَلَا بِوَطْءِ مَجْنُونَةٍ فِي هَذِهِ الْحَالِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَذُوقُ الْعُسَيْلَةَ وَلَا تَحْصُلُ لَهُ لَذَّةٌ .\rوَلَعَلَّ ابْنَ حَامِدٍ إنَّمَا أَرَادَ الْمَجْنُونَ الَّذِي هَذِهِ حَالُهُ ، فَلَا يَكُونُ هَاهُنَا اخْتِلَافٌ وَلَوْ وَطِئَ مُغْمًى عَلَيْهَا ، أَوْ نَائِمَةً لَا تُحِسُّ بِوَطْئِهِ ، فَيَنْبَغِي أَنْ لَا تَحِلَّ بِهَذَا ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ .\rوَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ .\rوَيُحْتَمَلُ حُصُولُ الْحِلِّ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ ، أَخْذًا مِنْ عُمُومِ النَّصِّ .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":17,"page":56},{"id":8056,"text":"( 6074 ) فَصْلٌ : وَلَوْ وَجَدَ عَلَى فِرَاشِهِ امْرَأَةً ، فَظَنَّهَا أَجْنَبِيَّةً ، أَوْ ظَنَّهَا جَارِيَتَهُ فَوَطِئَهَا ، فَإِذَا هِيَ امْرَأَتُهُ ، أَحَلَّهَا ، لِأَنَّهُ صَادَفَ نِكَاحًا صَحِيحًا .\rوَلَوْ وَطِئَهَا فَأَفْضَاهَا ، أَوْ وَطِئَهَا - وَهِيَ مَرِيضَةٌ - تَتَضَرَّرُ بِوَطْئِهِ ، أَحَلَّهَا ؛ لِأَنَّ التَّحْرِيمَ هَاهُنَا لِحَقِّهَا .\rوَإِنْ اسْتَدْخَلَتْ ذَكَرَهُ وَهُوَ نَائِمٌ ، أَوْ مُغْمًى عَلَيْهِ ، لَمْ تَحِلَّ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَذُوقُ عُسَيْلَتَهَا .\rوَيُحْتَمَلُ أَنْ تَحِلَّ ؛ لِعُمُومِ الْآيَةِ .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":17,"page":57},{"id":8057,"text":"( 6075 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : ( وَإِذَا طَلَّقَ الْحُرُّ زَوْجَتَهُ أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ ، فَلَهُ عَلَيْهَا الرَّجْعَةُ مَا كَانَتْ فِي الْعِدَّةِ ) أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْحُرَّ إذَا طَلَّقَ الْحُرَّةَ بَعْدَ دُخُولِهِ بِهَا أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ ، بِغَيْرِ عِوَضٍ ، وَلَا أَمْرٍ يَقْتَضِي بَيْنُونَتَهَا ، فَلَهُ عَلَيْهَا الرَّجْعَةُ مَا كَانَتْ فِي عِدَّتِهَا ، وَعَلَى أَنَّهُ لَا رَجْعَةَ لَهُ عَلَيْهَا بَعْدَ قَضَاءِ عِدَّتِهَا ؛ لِمَا ذَكَرْنَا فِي أَوَّلِ الْبَابِ .\rوَإِنْ طَلَّقَ الْحُرُّ امْرَأَتَهُ الْأَمَةَ ، فَهُوَ كَطَلَاقِ الْحُرَّةِ ، إلَّا أَنَّ فِيهِ خِلَافًا ذَكَرْنَاهُ فِيمَا مَضَى ، وَذَكَرْنَا أَنَّ الطَّلَاقَ مُعْتَبَرٌ بِالرِّجَالِ ، فَيَكُونُ لَهُ رَجْعَتُهَا مَا لَمْ يُطَلِّقْهَا ثَلَاثًا كَالْحُرَّةِ .","part":17,"page":58},{"id":8058,"text":"( 6076 ) فَصْلٌ : وَلَا يُعْتَبَرُ فِي الرَّجْعَةِ رِضَى الْمَرْأَةِ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { : وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إنْ أَرَادُوا إصْلَاحًا } .\rفَجَعَلَ الْحَقَّ لَهُمْ .\rوَقَالَ سُبْحَانَهُ : { فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ } .\rفَخَاطَبَ الْأَزْوَاجَ بِالْأَمْرِ ، وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُنَّ اخْتِيَارًا .\rوَلِأَنَّ الرَّجْعَةَ إمْسَاكٌ لِلْمَرْأَةِ بِحُكْمِ الزَّوْجِيَّةِ ، فَلَمْ يُعْتَبَرْ رِضَاهَا فِي ذَلِكَ ، كَاَلَّتِي فِي صُلْبِ نِكَاحِهِ .\rوَأَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى هَذَا .","part":17,"page":59},{"id":8059,"text":"( 6077 ) فَصْلٌ : وَالرَّجْعِيَّةُ زَوْجَةٌ يَلْحَقُهَا طَلَاقُهُ ، وَظِهَارُهُ ، وَإِيلَاؤُهُ ، وَلِعَانُهُ ، وَيَرِثُ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ ، بِالْإِجْمَاعِ .\rوَإِنْ خَالَعَهَا صَحَّ خُلْعُهُ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ : لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّهُ يُرَادُ لِلتَّحْرِيمِ ، وَهِيَ مُحَرَّمَةٌ .\rوَلَنَا ، أَنَّهَا زَوْجَةٌ صَحَّ طَلَاقُهَا ، فَصَحَّ خُلْعُهَا ، كَمَا قَبْلَ الطَّلَاقِ ، وَلَيْسَ مَقْصُودُ الْخُلْعِ التَّحْرِيمَ ، بَلْ الْخَلَاصَ مِنْ مَضَرَّةِ الزَّوْجِ وَنِكَاحِهِ الَّذِي هُوَ سَبَبُهَا ، وَالنِّكَاحُ بَاقٍ ، وَلَا نَأْمَنُ رَجْعَتَهُ ، وَعَلَى أَنَّنَا نَمْنَعُ كَوْنَهَا مُحَرَّمَةً ( 6078 ) فَصْلٌ : وَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ ، أَنَّ الرَّجْعِيَّةَ مُحَرَّمَةٌ ؛ لِقَوْلِهِ : \" وَإِذَا لَمْ يَدْرِ أَوَاحِدَةً طَلَّقَ أَمْ ثَلَاثًا ؟ فَهُوَ مُتَيَقِّنٌ لِلتَّحْرِيمِ ، شَاكٌّ فِي التَّحْلِيلِ \" .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى هَذَا .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rوَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ عَطَاءٍ ، وَمَالِكٍ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّهَا مُبَاحَةٌ .\rقَالَ أَحْمَدُ ، فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ : لَا تَحْتَجِبُ عَنْهُ .\rوَفِي رِوَايَةِ أَبِي الْحَارِثِ : تَتَشَرَّفُ لَهُ مَا كَانَتْ فِي الْعِدَّةِ .\rفَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهَا مُبَاحَةٌ ، وَلَهُ أَنْ يُسَافِرَ بِهَا ، وَيَخْلُوَ بِهَا ، وَيَطَأَهَا .\rوَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّهَا فِي حُكْمِ الزَّوْجَاتِ ، فَأُبِيحَتْ لَهُ كَمَا قَبْلَ الطَّلَاقِ .\rوَوَجْهُ الْأُولَى ، أَنَّهَا طَلْقَةٌ وَاقِعَةٌ ، فَأَثْبَتَتْ التَّحْرِيمَ ، كَاَلَّتِي بِعِوَضِ .\rوَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ لَا حَدَّ عَلَيْهِ بِالْوَطْءِ .\rوَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَلْزَمَهُ مَهْرٌ ، سَوَاءٌ رَاجَعَ أَوْ لَمْ يُرَاجِعْ ؛ لِأَنَّهُ وَطِئَ زَوْجَتَهُ الَّتِي يَلْحَقُهَا طَلَاقُهُ ، فَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ مَهْرٌ ، كَسَائِرِ الزَّوْجَاتِ .\rوَيُفَارِقُ مَا لَوْ وَطِئَ الزَّوْجُ بَعْدَ إسْلَامِ أَحَدِهِمَا فِي الْعِدَّةِ ؛ حَيْثُ يَجِبُ الْمَهْرُ إذَا لَمْ يُسْلِمْ الْآخَرُ فِي الْعِدَّةِ ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يُسْلِمْ ، تَبَيَّنَّا أَنَّ الْفُرْقَةَ وَقَعَتْ مِنْ حِينِ إسْلَامِ","part":17,"page":60},{"id":8060,"text":"الْمُسْلِمِ الْأَوَّلِ مِنْهُمَا ، وَهِيَ فُرْقَةُ فَسْخٍ تَبِينُ بِهِ مِنْ نِكَاحِهِ ، فَأَشْبَهَتْ الَّتِي أَرْضَعَتْ مَنْ يَنْفَسِخُ نِكَاحُهَا بِرَضَاعِهِ ، وَفِي مَسْأَلَتِنَا لَا تَبِينُ إلَّا بِانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ ، فَافْتَرَقَا .\rوَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : إذَا أَكْرَهَهَا عَلَى الْوَطْءِ ، وَجَبَ عَلَيْهِ الْمَهْرُ عِنْدَ مَنْ حَرَّمَهَا .\rوَهُوَ الْمَنْصُوصُ عَنْ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ وَطْءٌ حَرَّمَهُ الطَّلَاقُ ، فَوَجَبَ بِهِ الْمَهْرُ ، كَوَطْءِ الْبَائِنِ .\rوَالْفَرْقُ ظَاهِرٌ ؛ فَإِنَّ الْبَائِنَ لَيْسَتْ زَوْجَةً لَهُ وَهَذِهِ زَوْجَتُهُ ، وَقِيَاسُ الزَّوْجَةِ عَلَى الْأَجْنَبِيَّةِ فِي الْوَطْءِ وَأَحْكَامِهِ بَعِيدٌ .","part":17,"page":61},{"id":8061,"text":"( 6079 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : ( وَلِلْعَبْدِ بَعْدَ الْوَاحِدَةِ ، مَا لِلْحُرِّ قَبْلَ الثَّلَاثِ ) أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ لِلْعَبْدِ رَجْعَةَ امْرَأَتِهِ بَعْدَ الطَّلْقَةِ الْوَاحِدَةِ ، إذَا وُجِدَتْ شُرُوطُهَا .\rفَإِنْ طَلَّقَهَا ثَانِيَةً ، فَلَا رَجْعَةَ لَهُ ، سَوَاءٌ كَانَتْ امْرَأَتُهُ حُرَّةً ، أَوْ أَمَةً ؛ لِأَنَّ طَلَاقَ الْعَبْدِ اثْنَتَانِ ، وَفِي هَذَا خِلَافٌ ذَكَرْنَاهُ فِيمَا مَضَى .","part":17,"page":62},{"id":8062,"text":"( 6080 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : ( وَلَوْ كَانَتْ حَامِلًا بِاثْنَيْنِ ، فَوَضَعَتْ أَحَدَهُمَا ، فَلَهُ مُرَاجَعَتُهَا ، مَا لَمْ تَضَعْ الثَّانِيَ ) هَذَا قَوْلُ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ ، إلَّا أَنَّهُ حُكِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ ، أَنَّ الْعِدَّةَ تَنْقَضِي بِوَضْعِ الْأَوَّلِ .\rوَمَا عَلَيْهِ سَائِرُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَصَحُّ ؛ فَإِنَّ الْعِدَّةَ لَا تَنْقَضِي إلَّا بِوَضْعِ الْحَمْلِ كُلِّهِ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ } وَاسْمُ الْحَمْلِ مُتَنَاوِلٌ لِكُلِّ مَا فِي الْبَطْنِ ، فَتَبْقَى الْعِدَّةُ مُسْتَمِرَّةً إلَى حِينِ وَضْعِ بَاقِي الْحَمْلِ ، فَتَبْقَى الرَّجْعَةُ بِبَقَائِهَا .\rوَلَوْ انْقَضَتْ الْعِدَّةُ بِوَضْعِ بَعْضِ الْحَمْلِ ، لَحَلَّ لَهَا التَّزْوِيجُ وَهِيَ حَامِلٌ مِنْ زَوْجٍ آخَرَ ، وَلَا قَائِلَ بِهِ .\rوَأَظُنُّ أَنَّ قَتَادَةَ نَاظَرَ عِكْرِمَةَ فِي هَذَا فَقَالَ عِكْرِمَةُ : تَنْقَضِي عِدَّتُهَا بِوَضْعِ أَحَدِ الْوَلَدَيْنِ .\rفَقَالَ لَهُ قَتَادَةُ : أَيَحِلُّ لَهَا بِأَنْ تَتَزَوَّجَ ؟ .\rقَالَ : لَا قَالَ : خُصِمَ الْعَبْدُ .\rوَلَوْ خَرَجَ بَعْضُ الْوَلَدِ ، فَارْتَجَعَهَا قَبْلَ أَنْ تَضَعَ بَاقِيَهُ صَحَّ ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَضَعْ جَمِيعَ حَمْلِهَا ، فَصَارَتْ كَمَنْ وَلَدَتْ أَحَدَ الْوَلَدَيْنِ .","part":17,"page":63},{"id":8063,"text":"( 6081 ) فَصْلٌ : إذَا انْقَطَعَ حَيْضُ الْمَرْأَةِ فِي الْمَرَّةِ الثَّالِثَةِ ، وَلَمَّا تَغْتَسِلْ ، فَهَلْ تَنْقَضِي عِدَّتُهَا بِطُهْرِهَا ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ ، ذَكَرَهُمَا ابْنُ حَامِدٍ ؛ إحْدَاهُمَا ، لَا تَنْقَضِي عِدَّتُهَا حَتَّى تَغْتَسِلَ ، وَلِزَوْجِهَا رَجْعَتُهَا فِي ذَلِكَ .\rوَهَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي الْعِدَّةِ : فَإِذَا اغْتَسَلَتْ مِنْ الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ ، أُبِيحَتْ لِلْأَزْوَاجِ .\rوَهَذَا قَوْلُ كَثِيرٍ مِنْ أَصْحَابِنَا ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَأَبِي عُبَيْدٍ وَرُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ، وَأَبِي مُوسَى ، وَعُبَادَةَ ، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ وَرُوِيَ عَنْ شَرِيكٍ : لَهُ الرَّجْعَةُ وَإِنْ فَرَّطَتْ فِي الْغُسْلِ عِشْرِينَ سَنَةً .\rوَوَجْهُ هَذَا قَوْلُ مَنْ سَمَّيْنَا مِنْ الصَّحَابَةِ ، وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُمْ مُخَالِفٌ فِي عَصْرِهِمْ ، فَيَكُونُ إجْمَاعًا ، وَلِأَنَّ أَكْثَرِ أَحْكَامِ الْحَيْضِ لَا تَزُولُ إلَّا بِالْغُسْلِ ، وَكَذَلِكَ هَذَا .\rوَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ ، أَنَّ الْعِدَّةَ تَنْقَضِي بِمُجَرَّدِ الطُّهْرِ قَبْلَ الْغُسْلِ .\rوَهُوَ قَوْلُ طَاوُسٍ ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ .\rوَاخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ } .\rوَالْقُرْءُ : الْحَيْضُ .\rوَقَدْ زَالَتْ ، فَيَزُولُ التَّرَبُّصُ .\rوَفِيمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ { : وَقُرْءُ الْأَمَةِ حَيْضَتَانِ .\rوَقَالَ : دَعِي الصَّلَاةَ أَيَّامَ أَقْرَائِكَ } .\rيَعْنِي أَيَّامَ حَيْضِكِ .\rوَلِأَنَّ انْقِضَاءَ الْعِدَّةِ تَتَعَلَّقُ بِهِ بَيْنُونَتهَا مِنْ الزَّوْجِ ، وَحِلُّهَا لِغَيْرِهِ ، فَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِفِعْلٍ اخْتِيَارِيٍّ مِنْ جِهَةِ الْمَرْأَةِ بِغَيْرِ تَعْلِيقِ الزَّوْجِ ، كَالطَّلَاقِ وَسَائِرِ الْعَدَدِ ، وَلِأَنَّهَا لَوْ تَرَكَتْ الْغُسْلَ اخْتِيَارًا أَوْ لِجُنُونٍ أَوْ نَحْوِهِ ، لَمْ تَحِلَّ ؛ أَمَّا أَنْ يُقَالَ بِقَوْلِ شَرِيكٍ ، أَنَّهَا تَبْقَى مُعْتَدَّةً وَلَوْ بَقِيَتْ","part":17,"page":64},{"id":8064,"text":"عِشْرِينَ سَنَةً .\rوَذَلِكَ خِلَافُ قَوْلِ اللَّهِ : { ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ } .\rفَإِنَّهَا تَصِيرُ عِدَّتُهَا أَكْثَرَ مِنْ مِائَتَيْ قُرْءٍ .\rأَوْ يُقَالُ : تَنْقَضِي الْعِدَّةُ قَبْلَ الْغُسْلِ ، فَيَكُونُ رُجُوعًا عَنْ قَوْلِهِمْ وَيُحْمَلُ قَوْلُ الصَّحَابَةِ فِي قَوْلِهِمْ : حَتَّى تَغْتَسِلَ .\rأَيْ : يَلْزَمُهَا الْغُسْلُ .","part":17,"page":65},{"id":8065,"text":"( 6082 ) فَصْلٌ : إذَا تَزَوَّجَتْ الرَّجْعِيَّةُ فِي عِدَّتِهَا ، وَحَمَلَتْ مِنْ الزَّوْجِ الثَّانِي ، انْقَطَعَتْ عِدَّتُهَا مِنْ الْأَوَّلِ بِوَطْءِ الثَّانِي .\rوَهَلْ يَمْلِكُ الزَّوْجُ رَجْعَتَهَا فِي عِدَّةِ الْحَمْلِ ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ : أَوَّلُهُمَا ، أَنَّهُ لَهُ رَجْعَتُهَا ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَقْضِ عِدَّتَهُ ، فَحُكْمُ نِكَاحِهِ بَاقٍ ، يَلْحَقُهَا طَلَاقُهُ وَظِهَارُهُ ، وَإِنَّمَا انْقَطَعَتْ عِدَّتُهُ لِعَارِضٍ ، فَهُوَ كَمَا لَوْ وُطِئَتْ فِي صُلْبِ نِكَاحِهِ ، فَإِنَّهَا تَحْرُمُ عَلَيْهِ وَتَبْقَى سَائِرُ أَحْكَامِ الزَّوْجِيَّةِ ، وَلِأَنَّهُ يَمْلِكُ ارْتِجَاعَهَا إذَا عَادَتْ إلَى عِدَّتِهِ ، فَمَلَكَهُ قَبْلَ ذَلِكَ ، كَمَا لَوْ ارْتَفَعَ حَيْضُهَا فِي أَثْنَاءِ عِدَّتِهَا .\rوَالْوَجْهُ الثَّانِي ، لَيْسَ لَهُ رَجْعَتُهَا ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ فِي عِدَّتِهِ ، فَإِذَا وَضَعَتْ الْحَمْلَ ، انْقَضَتْ عِدَّةُ الثَّانِي ، وَبَنَتْ عَلَى مَا مَضَى مِنْ عِدَّةِ الْأَوَّلِ ، وَلَهُ ارْتِجَاعُهَا حِينَئِذٍ وَجْهًا وَاحِدًا ، وَلَوْ كَانَتْ فِي نِفَاسِهَا ؛ لِأَنَّهَا بَعْدَ الْوَضْعِ تَعُودُ إلَى عِدَّةِ الْأَوَّلِ ، وَإِنْ لَمْ تَحْتَسِبْ بِهِ ، فَكَانَ لَهُ الرَّجْعَةُ فِيهِ ، كَمَا لَوْ طَلَّقَ حَائِضًا ، فَإِنَّ لَهُ رَجْعَتَهَا فِي حَيْضِهَا ، وَإِنْ كَانَتْ لَا تَعْتَدُّ بِهَا وَإِنْ حَمَلَتْ حَمْلًا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مِنْهُمَا ، فَعَلَى الْوَجْهِ الَّذِي لَا يَمْلِكُ رَجْعَتَهَا فِي حَمْلِهَا مِنْ الثَّانِي ، إذَا رَاجَعَهَا فِي هَذَا الْحَمْلِ ، ثُمَّ بَانَ أَنَّهُ مِنْ الثَّانِي ، لَمْ يَصِحَّ ؛ وَإِنْ بَانَ مِنْ الْأَوَّلِ ، اُحْتُمِلَ أَنْ يَصِحَّ ؛ لِأَنَّهُ رَاجَعَهَا فِي عِدَّتِهَا مِنْهُ ، وَاحْتُمِلَ أَنْ لَا يَصِحَّ ؛ لِأَنَّهُ رَاجَعَهَا مَعَ الشَّكِّ فِي إبَاحَةِ الرَّجْعَةِ .\rوَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ؛ فَإِنَّ الرَّجْعَةَ لَيْسَتْ بِعِبَادَةٍ يُبْطِلُهَا الشَّكُّ فِي صِحَّتِهَا ، وَعَلَى أَنَّ الْعِبَادَةَ تَصِحُّ مَعَ الشَّكِّ فِيمَا إذَا نَسِيَ صَلَاةً مِنْ يَوْمٍ لَا يَعْلَمُ عَيْنَهَا ، فَصَلَّى خَمْسَ صَلَوَاتٍ ، فَإِنَّ كُلَّ صَلَاةٍ يَشُكُّ فِي أَنَّهَا هَلْ هِيَ الْمَنْسِيَّةُ أَوْ غَيْرُهَا ؟ وَلَوْ شَكَّ فِي الْحَدَثِ","part":17,"page":66},{"id":8066,"text":"، فَتَطَهَّرَ يَنْوِي رَفْعَ الْحَدَثِ ، صَحَّتْ طَهَارَتُهُ ، وَارْتَفَعَ حَدَثُهُ ، فَهُنَا أَوْلَى .\rفَإِنْ رَاجَعَهَا بَعْدَ الْوَضْعِ ، وَبَانَ أَنَّ الْحَمْلَ مِنْ الثَّانِي صَحَّتْ رَجْعَتُهُ ، وَإِنْ بَانَ مِنْ الْأَوَّلِ ، لَمْ تَصِحَّ الرَّجْعَةُ ؛ لِأَنَّ الْعِدَّةَ انْقَضَتْ بِوَضْعِهِ .","part":17,"page":67},{"id":8067,"text":"( 6083 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : ( وَالْمُرَاجَعَةُ أَنْ يَقُولَ لِرَجُلَيْنِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ : اشْهَدَا أَنِّي قَدْ رَاجَعْت امْرَأَتِي .\rبِلَا وَلَيٍّ يَحْضُرُهُ ، وَلَا صَدَاقٍ يَزِيدُهُ .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - رِوَايَةٌ أُخْرَى ، أَنَّهُ تَجُوزُ الرَّجْعَةُ بِلَا شَهَادَةٍ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الرَّجْعَةَ لَا تَفْتَقِرُ إلَى وَلِيٍّ ، وَلَا صَدَاقٍ ، وَلَا رِضَى الْمَرْأَةِ ، وَلَا عِلْمِهَا .\rبِإِجْمَاعِ أَهْلِ الْعِلْمِ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّ الرَّجْعِيَّةَ فِي أَحْكَامِ الزَّوْجَاتِ ، وَالرَّجْعَةُ إمْسَاكٌ لَهَا ، وَاسْتِبْقَاءٌ لِنِكَاحِهَا ، وَلِهَذَا سَمَّى اللَّهُ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - الرَّجْعَةَ إمْسَاكًا ، وَتَرْكَهَا فِرَاقًا وَسَرَاحًا ، فَقَالَ : { فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ } .\rوَفِي آيَةٍ أُخْرَى : { فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ } .\rوَإِنَّمَا تَشَعَّثَ النِّكَاحُ بِالطَّلْقَةِ وَانْعَقَدَ بِهَا سَبَبُ زَوَالِهِ ، فَالرَّجْعَةُ تُزِيلُ شُعْثَهُ ، وَتَقْطَعُ مُضِيَّهُ ، إلَى الْبَيْنُونَةِ ، فَلَمْ يَحْتَجْ لِذَلِكَ إلَى مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ ابْتِدَاءُ النِّكَاحِ .\rفَأَمَّا الشَّهَادَةُ فَفِيهَا رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، تَجِبُ .\rوَهَذَا أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : { فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ } .\rوَظَاهِرُ الْأَمْرِ الْوُجُوبُ ، وَلِأَنَّهُ اسْتِبَاحَةُ بُضْعٍ مَقْصُودٍ ، فَوَجَبَتْ الشَّهَادَةُ فِيهِ ، كَالنِّكَاحِ ، وَعَكْسُهُ الْبَيْعُ .\rوَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ ، لَا تَجِبُ الشَّهَادَةُ .\rوَهِيَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ ، وَقَوْلُ مَالِكٍ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّهَا لَا تَفْتَقِرُ إلَى قَبُولٍ ، فَلَمْ تَفْتَقِرْ إلَى شَهَادَةٍ ، كَسَائِرِ حُقُوقِ الزَّوْجِ ، وَلِأَنَّ مَا لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْوَلِيُّ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْإِشْهَادُ ، كَالْبَيْعِ .\rوَعِنْدَ ذَلِكَ يُحْمَلُ الْأَمْرُ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ .\rوَلَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ ، فِي أَنَّ السُّنَّةَ الْإِشْهَادُ .\rفَإِنْ","part":17,"page":68},{"id":8068,"text":"قُلْنَا : هِيَ شَرْطٌ .\rفَإِنَّهُ يُعْتَبَرُ وُجُودُهَا حَالَ الرَّجْعَةِ ، فَإِنْ ارْتَجَعَ بِغَيْرِ شَهَادَةٍ ، لَمْ يَصِحَّ ؛ لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ وُجُودُهَا فِي الرَّجْعَةِ ، دُونَ الْإِقْرَارِ بِهَا ، إلَّا أَنْ يُقْصَدَ بِذَلِكَ الْإِقْرَارِ الِارْتِجَاعَ ، فَيَصِحُّ .","part":17,"page":69},{"id":8069,"text":"( 6084 ) فَصْلٌ : وَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ ، أَنَّ الرَّجْعَةَ لَا تَحْصُلُ إلَّا بِالْقَوْلِ ؛ لِقَوْلِهِ : الْمُرَاجَعَةُ أَنْ يَقُولَ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهَا اسْتِبَاحَةُ بُضْعٌ مَقْصُودٍ ، أُمِرَ بِالْإِشْهَادِ فِيهِ ، فَلَمْ تَحْصُلْ مِنْ الْقَادِرِ بِغَيْرِ قَوْلٍ ، كَالنِّكَاحِ ، وَلِأَنَّ غَيْرَ الْقَوْلِ فِعْلٌ مِنْ قَادِرٍ عَلَى الْقَوْلِ ، فَلَمْ تَحْصُلْ بِهِ الرَّجْعَةُ ، كَالْإِشَارَةِ مِنْ النَّاطِقِ ، وَهَذِهِ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ .\rوَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ ، تَحْصُلُ الرَّجْعَةُ بِالْوَطْءِ ، سَوَاءٌ نَوَى بِهِ الرَّجْعَةَ ، أَوْ لَمْ يَنْوِ .\rاخْتَارَهَا ابْنُ حَامِدٍ ، وَالْقَاضِي وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، وَالْحَسَنِ ، وَابْنِ سِيرِينَ ، وَعَطَاءٍ ، وَطَاوُسٍ ، وَالزُّهْرِيِّ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَابْنِ أَبِي لَيْلَى ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ .\rقَالَ بَعْضُهُمْ .\rوَيُشْهِدُ .\rوَقَالَ مَالِكٌ ، وَإِسْحَاقُ : تَكُونُ رَجْعَةً إذَا أَرَادَ بِهِ الرَّجْعَةَ ؛ لِأَنَّ هَذِهِ مُدَّةٌ تُفْضِي إلَى بَيْنُونَةٍ ، فَتَرْتَفِعُ بِالْوَطْءِ ، كَمُدَّةِ الْإِيلَاءِ ، وَلِأَنَّ الطَّلَاقَ سَبَبٌ لِزَوَالِ الْمِلْكِ وَمَعَهُ خِيَارٌ ، فَتَصَرُّفُ الْمَالِكِ بِالْوَطْءِ يَمْنَعُ عَمَلَهُ ، كَوَطْءِ الْبَائِعِ الْأَمَةَ الْمَبِيعَةَ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ .\rوَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ أَنَّنَا إذَا قُلْنَا : الْوَطْءُ مُبَاحٌ .\rحَصَلَتْ الرَّجْعَةُ بِهِ ، كَمَا يَنْقَطِعُ بِهِ التَّوْكِيلُ فِي طَلَاقِهَا .\rوَإِنْ قُلْنَا : هُوَ مُحَرَّمٌ .\rلَمْ تَحْصُلْ الرَّجْعَةُ بِهِ ؛ لِأَنَّهُ فِعْلٌ مُحَرَّمٌ ، فَلَا يَكُونُ سَبَبًا لِلْحِلِّ ، كَوَطْءِ الْمُحَلِّلِ .","part":17,"page":70},{"id":8070,"text":"( 6085 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا إنْ قَبَّلَهَا ، أَوْ لَمَسَهَا لِشَهْوَةٍ ، أَوْ كَشَفَ فَرْجَهَا وَنَظَرَ إلَيْهِ ، فَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ لَيْسَ بِرَجْعَةٍ .\rوَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ : فِيهِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا ، هُوَ رَجْعَةٌ .\rوَهَذَا قَوْلُ الثَّوْرِيِّ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ ؛ لِأَنَّهُ اسْتِمْتَاعٌ يُسْتَبَاحُ بِالزَّوْجِيَّةِ ، فَحَصَلَتْ الرَّجْعَةُ بِهِ كَالْوَطْءِ .\rوَالثَّانِي ، أَنَّهُ لَيْسَ بِرَجْعَةٍ ؛ لِأَنَّهُ أَمْرٌ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ إيجَابُ عِدَّةٍ وَلَا مَهْرٍ ، فَلَا تَحْصُلُ بِهِ الرَّجْعَةُ ، كَالنَّظَرِ .\rفَأَمَّا الْخَلْوَةُ بِهَا ، فَلَيْسَ بِرَجْعَةٍ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِاسْتِمْتَاعٍ .\rوَهَذَا اخْتِيَارُ أَبِي الْخَطَّابِ .\rوَحُكِيَ عَنْ غَيْرِهِ مِنْ أَصْحَابِنَا ، أَنَّ الرَّجْعَةَ تَحْصُلُ بِهِ ؛ لِأَنَّهُ مَعْنًى يَحْرُمُ مِنْ الْأَجْنَبِيَّةِ ، وَيَحِلُّ مِنْ الزَّوْجَةِ ، فَحَصَلَتْ بِهِ الرَّجْعَةُ ، كَالِاسْتِمْتَاعِ .\rوَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا تَحْصُلُ الرَّجْعَةُ بِهَا ؛ لِأَنَّهَا لَا تُبْطِلُ اخْتِيَارَ الْمُشْتَرِي لِلْأَمَةِ ، فَلَمْ تَكُنْ رَجْعَةً ، كَاللَّمْسِ لِغَيْرِ شَهْوَةٍ ، فَأَمَّا اللَّمْسُ لِغَيْرِ شَهْوَةٍ ، وَالنَّظَرُ لِذَلِكَ وَنَحْوِهِ ، فَلَيْسَ بِرَجْعَةٍ لِأَنَّهُ يَجُوزُ فِي غَيْرِ الزَّوْجَةِ عِنْدَ الْحَاجَةِ ، فَأَشْبَهَ الْحَدِيثَ مَعَهَا .","part":17,"page":71},{"id":8071,"text":"( 6086 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا الْقَوْلُ فَتَحْصُلُ بِهِ الرَّجْعَةُ .\rبِغَيْرِ خِلَافٍ .\rوَأَلْفَاظُهُ : رَاجَعْتُك ، وَارْتَجَعْتُك ، وَرَدَدْتُك ، وَأَمْسَكْتُك .\rلِأَنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ وَرَدَ بِهَا الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ ، فَالرَّدُّ وَالْإِمْسَاكُ وَرَدَ بِهِمَا الْكِتَابُ بِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ : { وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ } .\rوَقَالَ : { فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ } يَعْنِي : الرَّجْعَةَ .\rوَالرَّجْعَةُ وَرَدَتْ بِهَا السُّنَّةُ بِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا } .\rوَقَدْ اُشْتُهِرَ هَذَا الِاسْمُ فِيهَا بَيْنَ أَهْلِ الْعُرْفِ ، كَاشْتِهَارِ اسْمِ الطَّلَاقِ فِيهِ ، فَإِنَّهُمْ يُسَمُّونَهَا رَجْعَةً ، وَالْمَرْأَةَ رَجْعِيَّةً .\rوَيَتَخَرَّجُ أَنْ يَكُونَ لَفْظُهَا هُوَ الصَّرِيحُ وَحْدَهُ ، لِاشْتِهَارِهِ دُونَ غَيْرِهِ ، كَقَوْلِنَا فِي صَرِيحِ الطَّلَاقِ ، وَالِاحْتِيَاطُ أَنْ يَقُولَ : رَاجَعْت امْرَأَتِي إلَى نِكَاحِي أَوْ زَوْجَتِي .\rأَوْ رَاجَعْتهَا لِمَا وَقَعَ عَلَيْهَا مِنْ طَلَاقِي .\rفَإِنْ قَالَ : نَكَحْتُهَا .\rأَوْ : تَزَوَّجْتُهَا .\rفَهَذَا لَيْسَ بِصَرِيحٍ فِيهَا ؛ لِأَنَّ الرَّجْعَةَ لَيْسَتْ بِنِكَاحٍ .\rوَهَلْ تَحْصُلُ بِهِ الرَّجْعَةُ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، لَا تَحْصُلُ بِهِ الرَّجْعَةُ ؛ لِأَنَّ هَذَا كِنَايَةٌ ، وَالرَّجْعَةُ اسْتِبَاحَةُ بُضْعٍ مَقْصُودٍ ، وَلَا تَحْصُلُ بِالْكِنَايَةِ ، كَالنِّكَاحِ .\rوَالثَّانِي ، تَحْصُلُ بِهِ الرَّجْعَةُ .\rأَوْمَأَ إلَيْهِ أَحْمَدُ .\rوَاخْتَارَهُ ابْنُ حَامِدٍ ؛ لِأَنَّهُ تُبَاحُ بِهِ الْأَجْنَبِيَّةُ ، فَالرَّجْعِيَّةُ أَوْلَى .\rوَعَلَى هَذَا ، يَحْتَاجُ أَنْ يَنْوِيَ بِهِ الرَّجْعَةَ ؛ لِأَنَّ مَا كَانَ كِنَايَةً تُعْتَبَرُ لَهُ النِّيَّةُ ، كَكِنَايَاتِ الطَّلَاقِ .","part":17,"page":72},{"id":8072,"text":"( 6087 ) فَصْلٌ : فَإِنْ قَالَ : رَاجَعْتُك لِلْمَحَبَّةِ .\rأَوْ قَالَ : لِلْإِهَانَةِ .\rوَقَالَ : أَرَدْت أَنَّنِي رَاجَعْتُك لِمَحَبَّتِي إيَّاكِ ، أَوْ إهَانَةً لَك .\rصَحَّتْ الرَّجْعَةُ ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِالرَّجْعَةِ ، وَبَيَّنَ سَبَبَهَا .\rوَإِنْ قَالَ : أَرَدْت أَنَّنِي كُنْت أَهَنْتُك ، أَوْ أُحِبُّك ، وَقَدْ رَدَدْتُك بِفِرَاقِي إلَى ذَلِكَ .\rفَلَيْسَ بِرَجْعَةٍ .\rوَإِنْ أَطْلَقَ وَلَمْ يَنْوِ شَيْئًا ، صَحَّتْ الرَّجْعَةُ .\rذَكَرَهُ الْقَاضِي ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِصَرِيحِ الرَّجْعَةِ ، وَضَمَّ إلَيْهِ مَا يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ بَيَانًا لِسَبَبِهَا ، وَيَحْتَمِلُ غَيْرَهُ ، فَلَا يَزُولُ اللَّفْظُ عَنْ مُقْتَضَاهُ بِالشَّكِّ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .","part":17,"page":73},{"id":8073,"text":"( 6088 ) فَصْلٌ : وَلَا يَصِحُّ تَعْلِيقُ الرَّجْعَةِ عَلَى شَرْطٍ ؛ لِأَنَّهُ اسْتِبَاحَةُ فَرْجٍ مَقْصُودٍ ، فَأَشْبَهَ النِّكَاحَ ، وَلَوْ قَالَ : رَاجَعْتُك إنْ شِئْت .\rلَمْ يَصِحَّ كَذَلِكَ .\rوَلَوْ قَالَ : كُلَّمَا طَلَّقْتُك فَقَدْ رَاجَعْتُك .\rلَمْ يَصِحَّ كَذَلِكَ .\rوَلِأَنَّهُ رَاجَعَهَا قَبْلَ أَنْ يَمْلِكَ الرَّجْعَةَ ، فَأَشْبَهَ الطَّلَاقَ قَبْلَ النِّكَاحِ .\rوَإِنْ قَالَ : إنْ قَدِمَ أَبُوك ، فَقَدْ رَاجَعْتُك .\rلَمْ يَصِحَّ ؛ لِأَنَّهُ تَعْلِيقٌ عَلَى شَرْطٍ .\r( 6089 ) فَصْلٌ : فَإِنْ رَاجَعَهَا فِي الرِّدَّةِ مِنْ أَحَدِهِمَا ، فَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ .\rوَهُوَ صَحِيحُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ اسْتِبَاحَةُ بُضْعٍ مَقْصُودٍ ، فَلَمْ يَصِحَّ مَعَ الرِّدَّةِ ، كَالنِّكَاحِ ، وَلِأَنَّ الرَّجْعَةَ تَقْرِيرُ النِّكَاحِ ، وَالرِّدَّةَ تُنَافِي ذَلِكَ ، فَلَمْ يَصِحَّ اجْتِمَاعُهُمَا .\rوَقَالَ الْقَاضِي : إنْ قُلْنَا : تَتَعَجَّلُ الْفُرْقَةُ بِالرِّدَّةِ .\rلَمْ تَصِحَّ الرَّجْعَةُ ؛ لِأَنَّهَا قَدْ بَانَتْ بِهَا .\rوَإِنْ قُلْنَا : لَا تَتَعَجَّلُ الْفُرْقَةُ .\rفَالرَّجْعَةُ مَوْقُوفَةٌ ، إنْ أَسْلَمَ الْمُرْتَدُّ مِنْهُمَا فِي الْعِدَّةِ صَحَّتْ الرَّجْعَةُ ؛ لِأَنَّنَا تَبَيَّنَّا أَنَّهُ ارْتَجَعَهَا فِي نِكَاحِهِ ، وَلِأَنَّهُ نَوْعُ إمْسَاكٍ ، فَلَمْ تَمْنَعْ مِنْهُ الرِّدَّةُ ، كَمَا لَوْ لَمْ يُطَلِّقْ ، وَإِنْ لَمْ يُسْلِمْ فِي الْعِدَّةِ تَبَيَّنَّا أَنَّ الْفُرْقَةَ وَقَعَتْ قَبْلَ الرَّجْعَةِ .\rوَهَذَا قَوْلُ الْمُزَنِيّ .\rوَاخْتِيَارُ أَبِي حَامِدٍ وَهَكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِيمَا إذَا رَاجَعَهَا بَعْدَ إسْلَامِ أَحَدِهِمَا .","part":17,"page":74},{"id":8074,"text":"( 6090 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : ( وَإِذَا قَالَ : قَدْ ارْتَجَعْتُك .\rفَقَالَتْ : قَدْ انْقَضَتْ عِدَّتِي قَبْلَ رَجْعَتِك .\rفَالْقَوْلُ قَوْلُهَا مَا ادَّعَتْ مِنْ ذَلِكَ مُمْكِنًا ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا ادَّعَتْ انْقِضَاءَ عِدَّتِهَا ، فِي مُدَّةٍ يُمْكِنُ انْقِضَاؤُهَا فِيهَا ، قُبِلَ قَوْلُهَا ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ } .\rقِيلَ فِي التَّفْسِيرِ : هُوَ الْحَيْضُ وَالْحَمْلُ .\rفَلَوْلَا أَنَّ قَوْلَهُنَّ مَقْبُولٌ ، لَمْ يُحْرِجْنَ بِكِتْمَانِهِ ، وَلِأَنَّهُ أَمْرٌ تَخْتَصُّ بِمَعْرِفَتِهِ ، فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلُهَا فِيهِ ، كَالنِّيَّةِ مِنْ الْإِنْسَانِ فِيمَا تُعْتَبَرُ فِيهِ النِّيَّةُ ، أَوْ أَمْرٍ لَا يُعْرَفُ إلَّا مِنْ جِهَتِهَا ، فَقُبِلَ قَوْلُهَا فِيهِ ، كَمَا يَجِبُ عَلَى التَّابِعِيِّ قَبُولُ خَبَرِ الصَّحَابِيِّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rفَأَمَّا مَا تَنْقَضِي بِهِ الْعِدَّةُ ، فَلَا يَخْلُو مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ ؛ : الْقِسْمُ الْأَوَّلُ أَنْ تَدَّعِيَ انْقِضَاءَ عِدَّتِهَا بِالْقُرُوءِ ، وَأَقَلُّ ذَلِكَ يَنْبَنِي عَلَى الْخِلَافِ فِي أَقَلِّ الطُّهْرِ بَيْنَ الْحَيْضَتَيْنِ ، وَعَلَى الْخِلَافِ فِي الْقُرُوءِ ، هَلْ هِيَ الْحَيْضُ أَوْ الْأَطْهَارُ ؟ فَإِنْ قُلْنَا : هِيَ الْحَيْضُ ، وَأَقَلُّ الطُّهْرِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ يَوْمًا ، فَأَقَلُّ مَا تَنْقَضِي بِهِ الْعِدَّةُ تِسْعَةٌ وَعِشْرُونَ يَوْمًا وَلَحْظَةٌ ، وَذَلِكَ أَنْ يُطَلِّقَهَا مَعَ آخِرِ الطُّهْرِ ، ثُمَّ تَحِيضَ بَعْدَهُ يَوْمًا وَلَيْلَةً ، ثُمَّ تَطْهُرَ ثَلَاثَةَ عَشَرَ يَوْمًا ، ثُمَّ تَحِيضَ يَوْمًا وَلَيْلَةً ، ثُمَّ تَطْهُرَ ثَلَاثَةَ عَشْرَ يَوْمًا ، ثُمَّ تَحِيضَ يَوْمًا وَلَيْلَةً ، ثُمَّ تَطْهُرَ لَحْظَةً ، لِيُعْرَفَ بِهَا انْقِطَاعُ الْحَيْضِ ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ هَذِهِ اللَّحْظَةُ مِنْ عِدَّتِهَا فَلَا بُدَّ مِنْهَا ، لِمَعْرِفَةِ انْقِطَاعِ حَيْضِهَا ، وَلَوْ صَادَفَتْهَا رَجْعَتُهُ لَمْ تَصِحَّ .\rوَمَنْ اعْتَبَرَ الْغُسْلَ فِي قَضَاء الْعِدَّةِ ، فَلَا بُدَّ مِنْ وَقْتٍ يُمْكِنُ الْغُسْلُ فِيهِ بَعْدَ انْقِطَاعِ الْحَيْضِ .\rوَإِنْ","part":17,"page":75},{"id":8075,"text":"قُلْنَا : الْقُرْءُ الْحَيْضُ ، وَالطُّهْرُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا .\rفَأَقَلُّ مَا تَنْقَضِي بِهِ الْعِدَّةُ ثَلَاثَةٌ وَثَلَاثُونَ يَوْمًا وَلَحْظَةٌ تَزِيدُ أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ فِي الطُّهْرَيْنِ .\rوَإِنْ قُلْنَا : الْقُرُوءُ الْأَطْهَارُ .\rوَأَقَلُّ الطُّهْرِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ يَوْمًا ، فَإِنَّ عِدَّتَهَا تَنْقَضِي بِثَمَانِيَةٍ وَعِشْرِينَ يَوْمًا وَلَحْظَتَيْنِ ، وَهُوَ أَنْ يُطَلِّقَهَا فِي آخِرِ لَحْظَةٍ مِنْ طُهْرِهَا ، فَتَحْتَسِبُ بِهَا قُرْءًا ، ثُمَّ تَحْتَسِبُ طُهْرَيْنِ آخَرَيْنِ سِتَّةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا ، وَبَيْنَهُمَا حَيْضَتَانِ يَوْمَيْنِ ، فَإِذَا طَعَنَتْ فِي الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ لَحْظَةً ، انْقَضَتْ عِدَّتُهَا .\rوَإِنْ قُلْنَا : الطُّهْرُ خَمْسَةَ عَشْرَ يَوْمًا .\rزِدْنَا عَلَى هَذَا أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ فِي الطُّهْرَيْنِ ، فَيَكُونُ اثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ يَوْمًا وَلَحْظَتَيْنِ .\rوَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فَإِنْ كَانَتْ أَمَةً ، انْقَضَتْ عِدَّتُهَا بِخَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا وَلَحْظَةٍ عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ ، وَتِسْعَةَ عَشَرِ يَوْمًا وَلَحْظَةٍ عَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي ، وَبِأَرْبَعَةَ عَشَرَ يَوْمًا وَلَحْظَتَيْنِ عَلَى الْوَجْهِ الثَّالِثِ ، وَبِسِتَّةَ عَشَرَ يَوْمًا وَلَحْظَتَيْنِ عَلَى الْوَجْهِ الرَّابِعِ .\rفَمَتَى ادَّعَتْ انْقِضَاءَ عِدَّتِهَا بِالْقُرُوءِ فِي أَقَلَّ مِنْ هَذَا ، لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهَا عِنْدَ أَحَدٍ فِيمَا أَعْلَمُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُحْتَمَلُ صِدْقُهَا .\rوَإِنْ ادَّعَتْ انْقِضَاءَ عِدَّتِهَا فِي أَقَلَّ مِنْ شَهْرٍ ، لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهَا إلَّا بِبَيِّنَةٍ ؛ لِأَنَّ شُرَيْحًا قَالَ : إذَا ادَّعَتْ أَنَّهَا حَاضَتْ ثَلَاثَ حِيَضٍ فِي شَهْرٍ ، وَجَاءَتْ بِبَيِّنَةِ مِنْ النِّسَاءِ الْعُدُولِ مِنْ بِطَانَةِ أَهْلِهَا ، مِمَّنْ يُرْضَى صِدْقُهُ وَعَدْلُهُ ، أَنَّهَا رَأَتْ مَا يُحَرِّمُ عَلَيْهَا الصَّلَاةَ مِنْ الطَّمْثِ ، وَتَغْتَسِلُ عِنْدَ كُلِّ قُرْءٍ وَتُصَلِّي ، فَقَدْ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا ، وَإِلَّا فَهِيَ كَاذِبَةٌ .\rفَقَالَ لَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : قالون .\rوَمَعْنَاهُ بِالرُّومِيَّةِ : أَصَبْت أَوْ أَحْسَنْت .\rفَأَخَذَ أَحْمَدُ بِقَوْلِ عَلِيٍّ فِي الشَّهْرِ .","part":17,"page":76},{"id":8076,"text":"فَإِنْ ادَّعَتْ ذَلِكَ فِي أَكْثَرَ مِنْ شَهْرٍ ، صَدَّقَهَا ، عَلَى حَدِيثِ : { إنَّ الْمَرْأَةَ اُؤْتُمِنَتْ عَلَى فَرْجِهَا } .\rوَلِأَنَّ حَيْضَهَا فِي الشَّهْرِ ثَلَاثُ حِيَضٍ يَنْدُرُ جِدًّا ، فَرُجِّحَ بِبَيِّنَةٍ وَلَا يَنْدُرُ فِيمَا زَادَ عَلَى الشَّهْرِ كَنُدْرَتِهِ فِيهِ ، فَقُبِلَ قَوْلُهَا مِنْ غَيْرِ بَيِّنَةٍ .\rوَقَالَ : الشَّافِعِيِّ : لَا يُقْبَلُ قَوْلُهَا فِي أَقَلَّ مِنْ اثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ يَوْمًا وَلَحْظَتَيْنِ ، وَلَا يُقْبَلُ فِي أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ بِحَالٍ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ عِدَّةٌ أَقَلُّ مِنْ ذَلِكَ .\rوَقَالَ النُّعْمَانُ : لَا تُصَدَّقُ فِي أَقَلَّ مِنْ سِتِّينَ يَوْمًا .\rوَقَالَ صَاحِبَاهُ : لَا تُصَدَّقُ فِي أَقَلَّ مِنْ تِسْعَةٍ وَثَلَاثِينَ يَوْمًا ؛ لِأَنَّ أَقَلَّ الْحَيْضِ عِنْدَهُمْ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ ، فَثَلَاثُ حِيَضٍ تِسْعَةُ أَيَّامٍ ، وَطُهْرَانِ ثَلَاثُونَ يَوْمًا .\rوَالْخِلَافُ فِي هَذَا يَنْبَنِي عَلَى الْخِلَافِ فِي أَقَلِّ الْحَيْضِ ، وَأَقَلُّ الطُّهْرِ ، وَفِي الْقُرُوءِ مَا هِيَ ، وَقَدْ سَبَقَ وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَيْهِ فِي الْجُمْلَةِ قَبُولُ عَلِيٍّ وَشُرَيْحٍ بَيِّنَتَهَا عَلَى انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا فِي شَهْرٍ .\rوَلَوْلَا تَصَوُّرُهُ لَمَا قُبِلَتْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ ، وَلَا سُمِعَتْ فِيهِ دَعْوًى ، وَلَا يُتَصَوَّرُ إلَّا بِمَا قُلْنَاهُ .\rفَأَمَّا إنْ ادَّعَتْ انْقِضَاءَ الْعِدَّةِ فِي أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ ، لَمْ تُسْمَعْ دَعْوَاهَا ، وَلَا يُصْغَى إلَى بَيِّنَتِهَا ؛ لِأَنَّنَا نَعْلَمُ كَذِبَهَا .\rفَإِنْ بَقِيَتْ عَلَى دَعْوَاهَا حَتَّى أَتَى عَلَيْهَا مَا يُمْكِنُ صِدْقُهَا فِيهِ نَظَرْنَا ؛ فَإِنْ بَقِيَتْ عَلَى دَعْوَاهَا الْمَرْدُودَةِ ، لَمْ يُسْمَعْ قَوْلُهَا ؛ لِأَنَّهَا تَدَّعِي مُحَالًا ، وَإِنْ ادَّعَتْ أَنَّهَا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ كُلِّهَا ، أَوْ فِيمَا يُمْكِنُ مِنْهَا ، قُبِلَ قَوْلُهَا ؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنَ صِدْقُهَا .\rوَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْفَاسِقَةِ وَالْمَرْضِيَّةِ ، وَالْمُسْلِمَةِ وَالْكَافِرَةِ ؛ لِأَنَّ مَا يُقْبَلُ فِيهِ قَوْلُ الْإِنْسَانِ عَلَى نَفْسِهِ ، لَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ حَالِهِ ، كَإِخْبَارِهِ عَنْ بَيِّنَةٍ فِيمَا تُعْتَبَرُ","part":17,"page":77},{"id":8077,"text":"فِيهِ بَيِّنَةٌ .","part":17,"page":78},{"id":8078,"text":"الْقِسْمُ الثَّانِي ، أَنْ تَدَّعِيَ انْقِضَاءَ عِدَّتِهَا بِوَضْعِ الْحَمْلِ ، فَلَا يَخْلُو ؛ إمَّا أَنْ تَدَّعِيَ وَضْعَ الْوَلَدِ لِتَمَامٍ ، أَوْ أَنَّهَا أَسْقَطَتْهُ قَبْلَ كَمَالِهِ ، فَإِنْ ادَّعَتْ وَضْعَهُ لِتَمَامٍ ، فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهَا فِي أَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ حِينِ إمْكَانِ الْوَطْءِ بَعْدَ الْعَقْدِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَكْمُلُ فِي أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ ، وَإِنْ ادَّعَتْ أَنَّهَا أَسْقَطَتْهُ ، لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهَا فِي أَقَلَّ مِنْ ثَمَانِينَ يَوْمًا مِنْ حِينِ إمْكَانِ الْوَطْءِ بَعْدَ عَقْدِ النِّكَاحِ ؛ لِأَنَّ أَقَلَّ سَقْطٍ تَنْقَضِي بِهِ الْعِدَّةُ مَا أَتَى عَلَيْهِ ثَمَانُونَ يَوْمًا ، لِأَنَّهُ يَكُونُ نُطْفَةً أَرْبَعِينَ يَوْمًا ، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً أَرْبَعِينَ يَوْمًا ، ثُمَّ يَصِيرُ مُضْغَةً بَعْدَ الثَّمَانِينَ ، وَلَا تَنْقَضِي بِهِ الْعِدَّةُ قَبْلَ أَنْ يَصِيرَ مُضْغَةً بِحَالٍ .\rوَهَذَا ظَاهِرُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ .\rالْقِسْمُ الثَّالِثُ ، أَنْ تَدَّعِيَ انْقِضَاءَ عِدَّتِهَا بِالشُّهُورِ ، فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهَا فِيهِ ؛ لِأَنَّ الْخِلَافِ فِي ذَلِكَ يَنْبَنِي عَلَى الِاخْتِلَافِ فِي وَقْتِ الطَّلَاقِ ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الزَّوْجِ فِيهِ ، فَيَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَهُ فِيمَا يَنْبَنِي عَلَيْهِ ، إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ الزَّوْجُ انْقِضَاءَ عِدَّتِهَا ؛ لِيُسْقِطَ عَنْ نَفْسِهِ نَفَقَتَهَا ، مِثْلُ أَنْ يَقُولَ : طَلَّقْتُكِ فِي شَوَّالٍ .\rفَتَقُولَ هِيَ : بَلْ فِي ذِي الْحِجَّةِ .\rفَالْقَوْلُ قَوْلُهَا ؛ لِأَنَّهُ يَدَّعِي مَا يُسْقِطُ النَّفَقَةَ ، وَالْأَصْلُ وُجُوبُهَا ، فَلَا يُقْبَلُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ .\rوَلَوْ ادَّعَتْ ذَلِكَ ، وَلَمْ يَكُنْ لَهَا نَفَقَةٌ ، قُبِلَ قَوْلُهَا ؛ لِأَنَّهَا تُقِرُّ عَلَى نَفْسِهَا بِمَا هُوَ أَغْلَظُ .\rوَلَوْ انْعَكَسَتْ الدَّعْوَى ، فَقَالَ : طَلَّقْتُك فِي ذِي الْحِجَّةِ ، فَلِي رَجْعَتُك .\rفَقَالَتْ : بَلْ طَلَّقْتَنِي فِي شَوَّالٍ ، فَلَا رَجْعَةَ لَك .\rفَالْقَوْلُ قَوْلُهُ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ نِكَاحِهِ ، وَلِأَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُهُ ، فِي إثْبَاتِ الطَّلَاقِ وَنَفْيِهِ فَكَذَلِكَ فِي وَقْتِهِ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَكُلُّ مَوْضِعٍ قُلْنَا : الْقَوْلُ قَوْلُهَا .","part":17,"page":79},{"id":8079,"text":"فَأَنْكَرَهَا الزَّوْجُ ، فَقَالَ الْخِرَقِيِّ : عَلَيْهَا الْيَمِينُ .\rوَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ .\rوَقَدْ أَوْمَأَ إلَيْهِ أَحْمَدُ ، فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : قِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنْ لَا يَجِبَ عَلَيْهَا يَمِينٌ .\rوَقَدْ أَوْمَأَ إلَيْهِ أَحْمَدُ ، فَقَالَ : لَا يَمِينَ فِي نِكَاحٍ وَلَا طَلَاقٍ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّ الرَّجْعَةَ لَا يَصِحُّ بَذْلُهَا ، فَلَا يُسْتَحْلَفُ فِيهَا ، كَالْحُدُودِ .\rوَالْأَوَّلُ ؛ أَوْلَى ؛ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ } .\rوَلِأَنَّهُ حَقُّ آدَمِيٍّ يُمْكِنُ صِدْقُ مُدَّعِيهِ ، فَيَجِبُ الْيَمِينُ فِيهِ ، كَالْأَمْوَالِ .\rفَإِنْ نَكَلَتْ عَنْ الْيَمِينِ ، فَقَالَ الْقَاضِي : لَا يُقْضَى بِالنُّكُولِ ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا لَا يَصِحُّ بَذْلُهُ .\rوَيُحْتَمَلُ أَنْ يُسْتَحْلَفُ الزَّوْجُ ، وَلَهُ رَجْعَتُهَا ، بِنَاءً عَلَى الْقَوْلِ بِرَدِّ الْيَمِينِ عَلَى الْمُدَّعِي ؛ وَذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا وُجِدَ النُّكُولُ مِنْهَا ، ظَهَرَ صِدْقُ الزَّوْجِ ، وَقَوِيَ جَانِبُهُ ، وَالْيَمِينُ تُشْرَعُ فِي حَقِّ مَنْ قَوِيَ جَانِبُهُ ، وَلِذَلِكَ شُرِعَتْ فِي حَقِّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لِقُوَّةِ جَانِبِهِ بِالْيَدِ فِي الْعَيْنِ ، وَبِالْأَصْلِ فِي بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ فِي الدَّيْنِ .\rهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .","part":17,"page":80},{"id":8080,"text":"( 6091 ) فَصْلٌ : وَإِذَا ادَّعَى الزَّوْجُ فِي عِدَّتِهَا أَنَّهُ كَانَ رَاجَعَهَا أَمْسِ ، أَوْ مُنْذُ شَهْرٍ قُبِلَ قَوْلُهُ ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا مَلَكَ الرَّجْعَةَ ، مَلَكَ الْإِقْرَارَ بِهَا ، كَالطَّلَاقِ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ، وَغَيْرُهُمْ .\rوَإِنْ قَالَ بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا : كُنْت رَاجَعْتُك فِي عِدَّتِك .\rفَأَنْكَرَتْهُ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا بِإِجْمَاعِهِمْ ؛ لِأَنَّهُ ادَّعَاهَا فِي زَمَنٍ لَا يَمْلِكُهَا ، وَالْأَصْلُ عَدَمُهَا وَحُصُولُ الْبَيْنُونَةِ .\rفَإِنْ كَانَ اخْتِلَافُهُمَا فِي زَمَنٍ يُمْكِنُ فِيهِ انْقِضَاءُ عِدَّتِهَا ، وَبَقَاؤُهَا ، فَبَدَأَتْ فَقَالَتْ : انْقَضَتْ عِدَّتِي .\rفَقَالَ : قَدْ كُنْت رَاجَعْتُك .\rفَأَنْكَرَتْهُ ، لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ ؛ لِأَنَّ خَبَرَهَا بِانْقِضَاءِ عِدَّتِهَا مَقْبُولٌ ؛ لِإِمْكَانِهِ ، فَصَارَتْ دَعْوَاهُ لِلرَّجْعَةِ بَعْدَ الْحُكْمِ بِانْقِضَاءِ عِدَّتِهَا ، فَلَمْ تُقْبَلْ .\rفَإِنْ سَبَقَهَا بِالدَّعْوَى ، فَقَالَ : قَدْ كُنْت رَاجَعْتُك أَمْسِ .\rفَقَالَتْ : قَدْ انْقَضَتْ عِدَّتِي قَبْلَ دَعْوَاك .\rفَالْقَوْلُ قَوْلُهُ ؛ لِأَنَّ دَعْوَاهُ لِلرَّجْعَةِ قَبْلَ الْحُكْمِ بِانْقِضَاءِ عِدَّتِهَا فِي زَمَنٍ الظَّاهِرُ قَبُولُ قَوْلِهِ فِيهِ ، فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهَا بَعْدَ ذَلِكَ فِي إبْطَالِهِ .\rوَلَوْ سَبَقَ فَقَالَ : قَدْ رَاجَعْتُكِ .\rفَقَالَتْ : قَدْ انْقَضَتْ عِدَّتِي قَبْلَ رَجْعَتِكَ .\rفَأَنْكَرَهَا ، فَقَالَ الْقَاضِي : الْقَوْلُ قَوْلُهُ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا .\rوَهَذَا أَحَدُ الْوُجُوهِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ .\rوَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ ، أَنَّ قَوْلَهَا مَقْبُولٌ ، سَوَاءٌ سَبَقَهَا بِالدَّعْوَى ، أَوْ سَبَقَتْهُ .\rوَهُوَ وَجْهٌ ثَانٍ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ الْبَيْنُونَةُ ، وَالْأَصْلَ عَدَمُ الرَّجْعَةِ ، فَكَانَ الظَّاهِرُ مَعَهَا ، وَلِأَنَّ مَنْ قُبِلَ قَوْلُهُ سَابِقًا ، قُبِلَ قَوْلُهُ مَسْبُوقًا ، كَسَائِرِ مَنْ يُقْبَلُ قَوْلُهُ .\rوَلَهُمْ وَجْهٌ ثَالِثٌ ، أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الزَّوْجِ بِكُلِّ حَالٍ ؛ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ تَدَّعِي مَا يَرْفَعُ النِّكَاحَ وَهُوَ يُنْكِرُهُ ، فَكَانَ الْقَوْلَ قَوْلَهُ ، كَمَا لَوْ","part":17,"page":81},{"id":8081,"text":"ادَّعَى الْمُولِي وَالْعِنِّينُ إصَابَةَ امْرَأَتِهِ ، فَأَنْكَرَتْهُ .\rوَهَذَا لَا يَصِحُّ ، فَإِنَّهُ قَدْ انْعَقَدَ سَبَبُ الْبَيْنُونَةِ ، وَهُوَ مُفْضٍ إلَيْهَا ، مَا لَمْ يُوجَدْ مَا يَرْفَعُهُ وَيُزِيلُ حُكْمَهُ ، وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ ، فَكَانَ الْقَوْلُ [ قَوْلَ ] مَنْ يُنْكِرُهُ ، بِخِلَافِ مَا قَاسُوا عَلَيْهِ .\rوَإِنْ وَقَعَ الْقَوْلُ مِنْهُمَا جَمِيعًا ، فَلَا رَجْعَةَ ؛ لِأَنَّ خَبَرَهَا بِانْقِضَاءِ عِدَّتِهَا يَكُونُ بَعْدَهَا ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ بَعْدَ الْعِدَّةِ ، فَلَا يُقْبَلُ .\rقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقْرَعَ بَيْنَهُمَا فَيَكُونَ الْقَوْلُ قَوْلَ مَنْ تَقَعُ لَهُ الْقُرْعَةُ .\rوَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ .","part":17,"page":82},{"id":8082,"text":"( 6092 ) فَصْلٌ : وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي الْإِصَابَةِ فَقَالَ : قَدْ أَصَبْتُك ، فَلِي رَجْعَتُك .\rفَأَنْكَرَتْهُ ، أَوْ قَالَتْ : قَدْ أَصَابَنِي ، فَلِي الْمَهْرُ كَامِلًا .\rفَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ مِنْهُمَا ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ مَعَهُ ، فَلَا يَزُولُ إلَّا بِيَقِينٍ ، وَلَيْسَ لَهُ رَجْعَتُهَا فِي الْمَوْضِعَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ أَنْكَرَ الْإِصَابَةَ ، فَهُوَ يُقِرُّ عَلَى نَفْسِهِ بِبَيْنُونَتِهَا ، وَأَنَّهُ لَا رَجْعَةَ لَهُ عَلَيْهَا .\rوَإِنْ أَنْكَرَتْهَا هِيَ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا ، وَلَا تَسْتَحِقُّ إلَّا نِصْفَ الْمَهْرِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ ؛ لِأَنَّهَا إنْ أَنْكَرَتْهَا ، فَهِيَ مُقِرَّةٌ أَنَّهَا لَا تَسْتَحِقُّ إلَّا نِصْفَ الْمَهْرِ ، وَإِنْ أَنْكَرَهَا ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ .\rهَذَا إنْ كَانَ غَيْرَ مَقْبُوضٍ ، فَإِنْ كَانَ اخْتِلَافُهُمَا بَعْدَ قَبْضِهَا لَهُ وَادَّعَى إصَابَتَهَا فَأَنْكَرَتْهُ ، لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهَا بِشَيْءٍ ؛ لِأَنَّهُ يُقِرُّ لَهَا بِهِ وَلَا يَدَّعِيهِ .\rوَإِنْ كَانَ هُوَ الْمُنْكِرَ ، رَجَعَ عَلَيْهَا بِنِصْفِهِ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rفَإِنْ قِيلَ : فَلِمَ قَبِلْتُمْ قَوْلَ الْمُولِي وَالْعِنِّينِ فِي الْإِصَابَةِ ، وَلَمْ تَقْبَلُوهُ هَاهُنَا ؟ قُلْنَا : لِأَنَّ الْمُولِيَ وَالْعِنِّينَ يَدَّعِيَانِ مَا يُبْقِي النِّكَاحَ عَلَى الصِّحَّةِ ، وَيَمْنَعُ فَسْخَهُ ، وَالْأَصْلُ صِحَّةُ الْعَقْدِ وَسَلَامَتُهُ ، فَكَانَ قَوْلُهُمَا مُوَافِقًا لِلْأَصْلِ ، فَقُبِلَ ، وَفِي مَسْأَلَتِنَا قَدْ وَقَعَ مَا يَرْفَعُ النِّكَاحَ وَيُزِيلُهُ ، وَهُوَ مَا وَالَى بَيْنُونَةً ، وَقَدْ اخْتَلَفَا فِيمَا يَرْفَعُ حُكْمَ الطَّلَاقِ وَيُثْبِتُ لَهُ الرَّجْعَةَ ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ ذَلِكَ ، فَكَانَ قَوْلُهُ مُخَالِفًا لِلْأَصْلِ ، فَلَمْ يُقْبَلْ ، وَلِأَنَّ الْمُولِيَ وَالْعِنِّينَ يَدَّعِيَانِ الْإِصَابَةَ فِي مَوْضِعٍ تَحَقَّقَتْ فِيهِ الْخَلْوَةُ وَالتَّمْكِينُ مِنْ الْوَطْءِ ، لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ لَمَا اسْتَحَقَّتَا الْفَسْخَ بِعَدَمِ الْوَطْءِ ، فَكَانَ الِاخْتِلَافُ فِيمَا يَخْتَصُّ بِهِ ، وَفِي مَسْأَلَتِنَا لَمْ تَتَحَقَّقْ خَلْوَةٌ وَلَا تَمْكِينٌ ، لِأَنَّهُ لَوْ تَحَقَّقَ ذَلِكَ","part":17,"page":83},{"id":8083,"text":"لَوَجَبَ الْمَهْرُ كَامِلًا ، فَكَانَ الِاخْتِلَافُ فِي أَمْرٍ ظَاهِرٍ لَا يَخْتَصُّ بِهِ ، فَلَمْ يُقْبَلُ فِيهِ قَوْلُ مُدَّعِيهِ إلَّا بِبَيِّنَةٍ .\rوَهَلْ يُشْرَعُ الْيَمِينُ فِي حَقِّ مَنْ الْقَوْلُ قَوْلُهُ هَاهُنَا ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ .","part":17,"page":84},{"id":8084,"text":"( 6093 ) فَصْلٌ : وَالْخَلْوَةُ كَالْإِصَابَةِ ، فِي إثْبَاتِ الرَّجْعَةِ لِلزَّوْجِ عَلَى الْمَرْأَةِ الَّتِي خَلَا بِهَا ، فِي ظَاهِرِ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ ؛ لِقَوْلِهِ : حُكْمُهَا حُكْمُ الدُّخُولِ فِي جَمِيعِ أُمُورِهَا .\rوَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، فِي الْقَدِيمِ .\rوَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : لَا رَجْعَةَ لَهُ عَلَيْهَا إلَّا أَنْ يُصِيبَهَا .\rوَبِهِ قَالَ النُّعْمَانُ ، وَصَاحِبَاهُ وَالشَّافِعِيُّ فِي الْجَدِيدِ ؛ لِأَنَّهَا غَيْرُ مُصَابَةٍ ، فَلَا تَسْتَحِقُّ رَجْعَتَهَا ، كَغَيْرِ الَّتِي خَلَا بِهَا .\rوَلَنَا قَوْله تَعَالَى : { وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إلَى قَوْلِهِ : وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ } .\rوَلِأَنَّهَا مُعْتَدَّةٌ مِنْ طَلَاقٍ لَا عِوَضَ فِيهِ ، وَلَمْ تَسْتَوْفِ عَدَدَهُ ، فَثَبَتَ عَلَيْهَا الرَّجْعَةُ كَالْمُصَابَةِ ، وَلِأَنَّهَا مُعْتَدَّةٌ يَلْحَقُهَا طَلَاقُهُ ، فَمَلَكَ رَجْعَتَهَا ، كَالَّتِي أَصَابَهَا .\rوَفَارَقَ الَّتِي لَمْ يَخْلُ بِهَا ، فَإِنَّهَا بَائِنٌ مِنْهُ لَا عِدَّةَ لَهَا ، وَلَا يَلْحَقُهَا طَلَاقُهُ ، وَإِنَّمَا تَكُونُ الرَّجْعَةُ لِلْمُعْتَدَّةِ الَّتِي يَلْحَقُهَا طَلَاقُهُ .","part":17,"page":85},{"id":8085,"text":"( 6094 ) فَصْلٌ : وَإِنْ ادَّعَى زَوْجُ الْأَمَةِ بَعْدَ عِدَّتِهَا أَنَّهُ كَانَ رَاجَعَهَا فِي عِدَّتِهَا ، فَكَذَّبَتْهُ وَصَدَّقَهُ مَوْلَاهَا ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، وَبِذَلِكَ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٌ .\rوَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ : الْقَوْلُ قَوْلُ الزَّوْجِ ، وَهُوَ أَحَقُّ بِهَا ؛ لِأَنَّ إقْرَارَ مَوْلَاهَا مَقْبُولٌ فِي نِكَاحِهَا ، فَقُبِلَ قَوْلُهُ فِي رَجْعَتِهَا ، كَالْحُرَّةِ إذَا أَقَرَّتْ .\rوَلَنَا أَنَّ قَوْلَهَا فِي انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا مَقْبُولٌ ، فَقُبِلَ فِي إنْكَارِهَا لِلرَّجْعَةِ كَالْحُرَّةِ ، وَلِأَنَّهُ اخْتِلَافٌ مِنْهُمَا فِيمَا يَثْبُتُ بِهِ النِّكَاحُ ، فَيَكُونُ الْمُنَازِعُ هِيَ دُونَ سَيِّدِهَا ، كَمَا لَوْ اخْتَلَفَا فِي الْإِصَابَةِ ، وَإِنَّمَا قُبِلَ قَوْلُ السَّيِّدِ فِي النِّكَاحِ ؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ إنْشَاءَهُ ، فَمَلَكَ الْإِقْرَارَ بِهِ ، بِخِلَافِ الرَّجْعَةِ .\rوَإِنْ صَدَّقَتْهُ هِيَ وَكَذَّبَهُ مَوْلَاهَا ، لَمْ يُقْبَلْ إقْرَارُهَا ؛ لِأَنَّ حَقَّ السَّيِّدِ يَتَعَلَّقَ بِهَا ، وَحَلَّتْ لَهُ بِانْقِضَاءِ عِدَّتِهَا ، فَلَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهَا فِي إبْطَالِ حَقِّهِ ، كَمَا لَوْ تَزَوَّجَتْ ثُمَّ أَقَرَّتْ أَنَّ مُطَلِّقَهَا كَانَ رَاجَعَهَا ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ قَبُولِ إنْكَارِهَا قَبُولُ تَصْدِيقِهَا ، كَالَّتِي تَزَوَّجَتْ ، فَإِنَّهُ يُقْبَلُ إنْكَارُهَا ، وَلَا يُقْبَلُ تَصْدِيقُهَا .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّ مَوْلَاهَا إذَا عَلِمَ صِدْقَ الزَّوْجِ فِي رَجْعَتِهَا ، لَمْ يَحِلَّ لَهُ وَطْؤُهَا ، وَلَا تَزْوِيجُهَا .\rوَإِنْ عَلِمَتْ هِيَ صِدْقَ الزَّوْجِ فِي رَجْعَتِهَا ، فَهِيَ حَرَامٌ عَلَى سَيِّدِهَا ، وَلَا يَحِلُّ لَهَا تَمْكِينُهُ مِنْ وَطْئِهَا إلَّا مُكْرَهَةً ، كَمَا قَبْلَ طَلَاقِهَا .","part":17,"page":86},{"id":8086,"text":"( 6095 ) فَصْلٌ : وَلَوْ قَالَتْ : انْقَضَتْ عِدَّتِي .\rثُمَّ قَالَتْ : مَا انْقَضَتْ بَعْدُ .\rفَلَهُ رَجْعَتُهَا ؛ لِأَنَّهَا أَقَرَّتْ بِكَذِبِهَا فِيمَا يَثْبُتُ بِهِ حَقٌّ عَلَيْهَا ، فَقُبِلَ إقْرَارُهَا .\rوَلَوْ قَالَ : أَخْبَرَتْنِي بِانْقِضَاءِ عِدَّتِهَا ، ثُمَّ رَاجَعْتهَا .\rثُمَّ أَقَرَّتْ بِكَذِبِهَا فِي انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا ، وَأَنْكَرَتْ مَا ذَكَرَ عَنْهَا ، وَأَقَرَّتْ أَنَّ عِدَّتَهَا ، لَمْ تَنْقَضِ ، فَالرَّجْعَةُ صَحِيحَةٌ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُقِرَّ بِانْقِضَاءِ عِدَّتِهَا ، وَإِنَّمَا أَخْبَرَ بِخَبَرِهَا عَنْ ذَلِكَ ، وَقَدْ رَجَعَتْ عَنْ خَبَرِهَا ، فَقُبِلَ رُجُوعُهَا ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ .","part":17,"page":87},{"id":8087,"text":"( 6096 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : ( وَإِذَا طَلَّقَهَا وَاحِدَةً ، فَلَمْ تَنْقَضِ عِدَّتُهَا حَتَّى طَلَّقَهَا ثَانِيَةً ، بَنَتْ عَلَى مَا مَضَى مِنْ الْعِدَّةِ ) وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَلَهُ قَوْلٌ ثَانٍ ، أَنَّهَا تَسْتَأْنِفُ الْعِدَّةَ ؛ لِأَنَّهَا طَلْقَةٌ وَاقِعَةٌ فِي حَقِّ مَدْخُولٍ بِهَا ، فَاقْتَضَتْ عِدَّةً كَامِلَةً ، كَالْأُولَى .\rوَلَنَا ، أَنَّهُمَا طَلَاقَانِ لَمْ يَتَخَلَّلْهُمَا إصَابَةٌ ، وَلَا خَلْوَةٌ ، فَلَمْ يَجِبْ بِهِمَا أَكْثَرُ مِنْ عِدَّةٍ ، كَمَا لَوْ وَالَى بَيْنَهُمَا ، أَوْ كَمَا لَوْ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا ثُمَّ نَكَحَهَا وَطَلَّقَهَا قَبْلَ دُخُولِهِ بِهَا .\rوَهَكَذَا الْحُكْمُ لَوْ طَلَّقَهَا ، ثُمَّ فُسِخَ نِكَاحُهَا لِعَيْبٍ فِي أَحَدِهِمَا ، أَوْ لِعِتْقِهَا تَحْتَ عَبْدٍ أَوْ غَيْرِهِ ، أَوْ انْفَسَخَ نِكَاحُهَا لِرَضَاعٍ أَوْ اخْتِلَافِ دِينٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الْفَسْخَ فِي مَعْنَى الطَّلَاقِ .","part":17,"page":88},{"id":8088,"text":"( 6097 ) فَصْلٌ : وَإِنْ طَلَّقَهَا ، ثُمَّ رَاجَعَهَا ، ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ دُخُولِهِ بِهَا ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، تَبْنِي عَلَى مَا مَضَى مِنْ الْعِدَّةِ .\rنَقَلَهَا الْمَيْمُونِي .\rوَهِيَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ ، وَقَوْلُ عَطَاءٍ ، وَأَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُمَا طَلَاقَانِ لَمْ يَتَخَلَّلْهُمَا دُخُولٌ بِهَا ، فَكَانَتْ الْعِدَّةُ مِنْ الْأَوَّلِ مِنْهُمَا ، كَمَا لَوْ لَمْ يَرْتَجِعْهَا ، وَلِأَنَّ الرَّجْعَةَ لَمْ يَتَّصِلْ بِهَا دُخُولٌ ، فَلَمْ يَجِبْ بِالطَّلَاقِ مِنْهَا عِدَّةٌ ، كَمَا لَوْ نَكَحَهَا ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ .\rوَالثَّانِيَةُ ، تَسْتَأْنِفُ الْعِدَّةَ .\rنَقَلَهَا ابْنُ مَنْصُورٍ .\rوَهِيَ أَصَحُّ .\rوَهَذَا قَوْلُ طَاوُسٍ ، وَأَبِي قِلَابَةَ ، وَعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، وَجَابِرٍ ، وَسَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَإِسْحَاقَ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَأَبِي عُبَيْدٍ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ .\rوَقَالَ الثَّوْرِيُّ : أَجْمَع الْفُقَهَاءُ عَلَى هَذَا .\rوَحَكَى أَبُو الْخَطَّابِ ، عَنْ مَالِكٍ ، إنْ قَصَدَ الْإِضْرَارَ بِهَا بَنَتْ ، وَإِلَّا اسْتَأْنَفَتْ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إنَّمَا جَعَلَ الرَّجْعَةَ لِمَنْ أَرَادَ الْإِصْلَاحَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إنْ أَرَادُوا إصْلَاحًا } .\rوَاَلَّذِي قَصَدَ الْإِضْرَارَ لَمْ يَقْصِدْ الْإِصْلَاحَ .\rوَلَنَا أَنَّهُ طَلَاقٌ فِي نِكَاحِ مَدْخُولٍ بِهَا فِيهِ ، فَأَوْجَبَ عِدَّةً كَامِلَةً ، كَمَا لَوْ لَمْ يَتَقَدَّمْهُ طَلَاقٌ ؛ وَهَذَا لِأَنَّ الطَّلْقَةَ الْأُولَى شَعَّثَتْ النِّكَاحَ ، وَالرَّجْعَةَ لَمَّتْ شُعْثَهُ ، وَقَطَعَتْ عَمَلَ الطَّلَاقِ ، فَصَارَ الطَّلَاقُ الثَّانِي فِي نِكَاحٍ غَيْرِ مُشَعَّثٍ مَدْخُولٍ بِهَا فِيهِ ، فَأَوْجَبَ عِدَّةً كَالْأَوَّلِ ، وَكَمَا لَوْ ارْتَدَّتْ ثُمَّ أَسْلَمَتْ ثُمَّ طَلَّقَهَا ، فَإِنَّهَا تَسْتَأْنِفُ عِدَّةً ، كَذَا هَاهُنَا .\rوَيُفَارِقُ الطَّلَاقَ قَبْلَ الرَّجْعَةِ .\rفَإِنَّهُ جَاءَ بَعْدَ طَلَاقٍ مُفْضٍ إلَى بَيْنُونَةٍ .\rفَإِنْ رَاجَعَهَا ثُمَّ دَخَلَ بِهَا ، ثُمَّ طَلَّقَهَا ، فَإِنَّهَا تَسْتَأْنِفُ عِدَّةً بِغَيْرِ اخْتِلَافٍ بَيْنَ","part":17,"page":89},{"id":8089,"text":"أَهْلِ الْعِلْمِ ؛ لِأَنَّهُ بِالْوَطْءِ بَعْدَ الرَّجْعَةِ صَارَ كَالنَّاكِحِ ابْتِدَاءً إذَا وَطِئَ .","part":17,"page":90},{"id":8090,"text":"( 6098 ) فَصْلٌ : وَإِنْ خَالَعَ زَوْجَتَهُ ، أَوْ فُسِخَ النِّكَاحُ ثُمَّ نَكَحَهَا فِي عِدَّتِهَا ، ثُمَّ طَلَّقَهَا ؛ فَإِنْ كَانَ دَخَلَ بِهَا ، فَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ ، بِلَا خِلَافٍ ؛ لِأَنَّهُ طَلَاقٌ فِي نِكَاحِ مَدْخُولٍ بِهَا فِيهِ ، لَمْ يَتَقَدَّمْهُ طَلَاقٌ سِوَاهُ .\rوَإِنْ لَمْ يَكُنْ دَخَلَ بِهَا ، بَنَتْ عَلَى الْعِدَّةِ الْأُولَى ، فِي الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ .\rوَعَنْهُ ، أَنَّهَا تَسْتَأْنِفُ الْعِدَّةَ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ أَقْوَى مِنْ الرَّجْعَةِ ، وَلَوْ طَلَّقَهَا بَعْدَ الرَّجْعَةِ ، اسْتَأْنَفَتْ الْعِدَّةَ ، فَهَاهُنَا أَوْلَى .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ طَلَاقٌ مِنْ نِكَاحٍ لَمْ يُصِبْهَا فِيهِ ، فَلَمْ تَجِبْ بِهِ عِدَّةٌ ، كَمَا لَوْ نَكَحَهَا بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا .\rوَفَارَقَ الرَّجْعَةَ ؛ لِأَنَّهَا رَدَّتْ الْمَرْأَةَ إلَى النِّكَاحِ الْأَوَّلِ ، فَكَانَ الطَّلَاقُ الثَّانِي فِي نِكَاحٍ اتَّصَلَ بِهِ الدُّخُولُ ، وَهَذَا النِّكَاحُ جَدِيدٌ بَعْدَ الْبَيْنُونَةِ مِنْ الْأَوَّلِ ، وَلَمْ يُوجَدْ فِيهِ دُخُولٌ ، فَأَشْبَهَ التَّزْوِيجَ بَعْدَ قَضَاءِ الْعِدَّةِ .\rوَأَمَّا بِنَاؤُهَا عَلَى الْعِدَّةِ الْأُولَى ، فَلِأَنَّهَا إنَّمَا قُطِعَ فِي حُكْمِهَا النِّكَاحُ ، وَقَدْ زَالَ ، فَيَعُودُ إلَيْهَا .\rوَلَوْ أَسْلَمَتْ زَوْجَتُهُ ثُمَّ أَسْلَمَ فِي عِدَّتِهَا ، أَوْ أَسْلَمَ هُوَ ثُمَّ أَسْلَمَتْ هِيَ فِي عِدَّتِهَا ، وَطَلَّقَهَا قَبْلَ وَطْئِهِ أَوْ بَعْدَهُ ، أَوْ ارْتَدَّتْ ثُمَّ أَسْلَمَتْ ثُمَّ طَلَّقَهَا ، فَعَلَيْهَا عِدَّةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ ، بِلَا خِلَافٍ ؛ لِأَنَّهُ طَلَاقٌ فِي نِكَاحٍ وَطِئَ فِيهِ ، أَشْبَهَ الطَّلَاقَ فِي النِّكَاحِ الْأَوَّلِ .","part":17,"page":91},{"id":8091,"text":"( 6099 ) فَصْلٌ : وَمَتَى وَطِئَ الرَّجْعِيَّةَ ، وَقُلْنَا : إنَّ الْوَطْءَ لَا تَحْصُلُ بِهِ الرَّجْعَةُ ، فَعَلَيْهَا أَنْ تَسْتَأْنِفَ الْعِدَّةَ مِنْ الْوَطْءِ ، وَيَدْخُلَ فِيهَا بَقِيَّةُ عِدَّةِ الطَّلَاقِ ؛ لِأَنَّهُمَا عِدَّتَانِ مِنْ رَجُلٍ وَاحِدٍ ، فَتَدَاخَلَتَا ، كَمَا لَوْ طَلَّقَهَا وَاحِدَةً فَلَمْ تَنْقَضِ عِدَّتُهَا حَتَّى طَلَّقَهَا ، وَلَهُ ارْتِجَاعُهَا فِي بَقِيَّةِ الْعِدَّةِ الْأُولَى ؛ لِأَنَّهَا عِدَّةٌ مِنْ الطَّلَاقِ ، فَإِذَا مَضَتْ الْبَقِيَّةُ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ ارْتِجَاعُهَا فِي بَقِيَّةِ عِدَّةِ الْوَطْءِ ؛ لِأَنَّهَا عِدَّةٌ مِنْ وَطْءِ شُبْهَةٍ ، فَإِنْ حَبِلَتْ مِنْ الْوَطْءِ ، صَارَتْ فِي عِدَّةِ الْوَطْءِ ، وَتَدْخُلُ فِيهَا الْبَقِيَّةُ الْأُولَى ؛ لِأَنَّهُمَا عِدَّتَانِ لِوَاحِدٍ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَا بِالْأَقْرَاءِ ، وَتَنْقَضِي الْعِدَّتَانِ جَمِيعًا بِوَضْعِ الْحَمْلِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَبَعَّضُ ، وَلَهُ مُرَاجَعَتُهَا قَبْلَ وَضْعِهِ ؛ لِأَنَّهَا فِي عِدَّةٍ مِنْ الطَّلَاقِ .\rوَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَتَدَاخَلَا ؛ لِأَنَّهُمَا مِنْ جِنْسَيْنِ .\rفَعَلَى هَذَا تَصِيرُ مُعْتَدَّةً مِنْ الْوَطْءِ خَاصَّةً .\rوَهَلْ لَهُ رَجْعَتُهَا فِي مُدَّةِ الْحَمْلِ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ ، مَضَى تَوْجِيهُهُمَا فِيمَا إذَا حَمَلَتْ مِنْ وَطْءِ زَوْجٍ ثَانٍ ، فَإِذَا وَضَعَتْ أَتَمَّتْ عِدَّةَ الطَّلَاقِ ، وَلَهُ ارْتِجَاعُهَا فِي هَذِهِ الْبَقِيَّةِ ؛ لِأَنَّهَا مِنْ عِدَّةِ الطَّلَاقِ .\rوَلَوْ طَلَّقَهَا حَامِلًا ، ثُمَّ وَطِئَهَا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا بِوَضْعِ الْحَمْلِ مِنْهُمَا جَمِيعًا .\rوَيُحْتَمَلُ أَنْ تَسْتَأْنِفَ عِدَّةً لِلْوَطْءِ بَعْدَ وَضَعَ الْحَمْلِ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا .\rوَلَا رَجْعَةَ لَهُ بَعْدَ وَضْعِ الْحَمْلِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ بِكُلِّ حَالٍ .\rوَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فِي هَذَا الْفَصْلِ كُلِّهِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا سَوَاءً .","part":17,"page":92},{"id":8092,"text":"( 6100 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : وَإِذَا طَلَّقَهَا ، ثُمَّ أَشْهَدْ عَلَى الْمُرَاجَعَةِ مِنْ حَيْثُ لَا تَعْلَمُ ، فَاعْتَدَّتْ ، ثُمَّ نَكَحَتْ مَنْ أَصَابَهَا ، رُدَّتْ إلَيْهِ ، وَلَا يُصِيبُهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ ، وَالْأُخْرَى هِيَ زَوْجَةُ الثَّانِي وَجُمْلَةُ ذَلِكَ ، أَنَّ زَوْجَ الرَّجْعِيَّةِ إذَا رَاجَعَهَا ، وَهِيَ لَا تَعْلَمُ ، صَحَّتْ الْمُرَاجَعَةُ ؛ لِأَنَّهَا لَا تَفْتَقِرُ إلَى رِضَاهَا ، فَلَمْ تَفْتَقِرْ إلَى عِلْمِهَا كَطَلَاقِهَا .\rفَإِذَا رَاجَعَهَا وَلَمْ تَعْلَمْ ، فَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا ، وَتَزَوَّجَتْ ، ثُمَّ جَاءَ وَادَّعَى أَنَّهُ كَانَ رَاجَعَهَا قَبْلَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا ، وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى ذَلِكَ ، ثَبَتَ أَنَّهَا زَوْجَتُهُ ، وَأَنَّ نِكَاحَ الثَّانِي فَاسِدٌ ؛ لِأَنَّهُ تَزَوَّجَ امْرَأَةَ غَيْرِهِ ، وَتُرَدُّ إلَى الْأَوَّلِ ، سَوَاءٌ دَخَلَ بِهَا الثَّانِي أَوْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا .\rهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ ؛ مِنْهُمْ الثَّوْرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .\rوَعَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ، - رَحِمَهُ اللَّهُ - ، رِوَايَةٌ ثَانِيَةٌ ، إنْ دَخَلَ بِهَا الثَّانِي فَهِيَ امْرَأَتُهُ ، وَيَبْطُلُ نِكَاحُ الْأَوَّلِ .\rرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .\rوَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ .\rوَرُوِيَ مَعْنَاهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ ، وَنَافِعٍ ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَقَدَ عَلَيْهَا ، وَهِيَ مِمَّنْ يَجُوزُ لَهُ الْعَقْدُ فِي الظَّاهِرِ ، وَمَعَ الثَّانِي مَزِيَّةُ الدُّخُولِ ، فَقُدِّمَ بِهَا .\rوَلَنَا أَنَّ الرَّجْعَةَ قَدْ صَحَّتْ ، وَتَزَوَّجَتْ وَهِيَ زَوْجَةُ الْأَوَّلِ ، فَلَمْ يَصِحَّ نِكَاحُهَا ، كَمَا لَوْ لَمْ يُطَلِّقْهَا .\rفَإِذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنْ كَانَ الثَّانِي مَا دَخَلَ بِهَا ، فُرِّقَ بَيْنَهُمَا ، وَرُدَّتْ إلَى الْأَوَّلِ ، وَلَا شَيْءَ عَلَى الثَّانِي .\rوَإِنْ كَانَ دَخَلَ بِهَا ، فَلَهَا عَلَيْهِ مَهْرُ الْمِثْلِ ؛ لِأَنَّ هَذَا وَطْءُ شُبْهَةٍ ، وَتَعْتَدُّ ،","part":17,"page":93},{"id":8093,"text":"وَلَا تَحِلُّ لِلْأَوَّلِ حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا مِنْهُ .\rوَإِنْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ قَبْلَ دُخُولِ الثَّانِي بِهَا ، رُدَّتْ إلَى الْأَوَّلِ ، بِغَيْرِ خِلَافٍ فِي الْمَذْهَبِ .\rوَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ مَالِكٍ .\rوَأَمَّا إنْ تَزَوَّجَهَا مَعَ عِلْمِهَا بِالرَّجْعَةِ ، أَوْ عِلْمِ أَحَدِهِمَا ، فَالنِّكَاحُ بَاطِلٌ بِغَيْرِ خِلَافٍ ، وَالْوَطْءُ مُحَرَّمٌ عَلَى مَنْ عَلِمَ مِنْهُمَا ، وَحُكْمُهُ حُكْمُ الزَّانِي فِي الْحَدِّ وَغَيْرِهِ ؛ لِأَنَّهُ وَطِئَ امْرَأَةَ غَيْرِهِ مَعَ عِلْمِهِ .\rفَأَمَّا إنْ لَمْ يَكُنْ لِمُدَّعِي الرَّجْعَةِ بَيِّنَةٌ ، فَأَنْكَرَهُ أَحَدُهُمَا ، لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ ، وَلَكِنْ إنْ أَنْكَرَاهُ جَمِيعًا ، فَالنِّكَاحُ صَحِيحٌ فِي حَقِّهِمَا ، وَإِنْ اعْتَرَفَا لَهُ بِالرَّجْعَةِ ، ثَبَتَتْ ، وَالْحُكْمُ فِيهِ كَمَا لَوْ قَامَتْ بِهِ الْبَيِّنَةُ سَوَاءً .\rوَإِنْ أَقَرَّ لَهُ الزَّوْجُ وَحْدَهُ ، فَقَدْ اعْتَرَفَ بِفَسَادِ نِكَاحِهِ ، فَتَبِينُ مِنْهُ ، وَعَلَيْهِ مَهْرُهَا إنْ كَانَ بَعْدَ الدُّخُولِ ، أَوْ نِصْفُهُ إنْ كَانَ قَبْلَهُ ، لِأَنَّهُ لَا يُصَدَّقُ عَلَى الْمَرْأَةِ فِي إسْقَاطِ حَقِّهَا عَنْهُ ، وَلَا تُسَلَّمُ الْمَرْأَةُ إلَى الْمُدَّعِي ؛ لِأَنَّهُ لَا يُقْبَلُ قَوْلُ الزَّوْجِ الثَّانِي عَلَيْهَا ، وَإِنَّمَا يَلْزَمُهُ فِي حَقِّهِ ، وَيَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَهَا .\rوَهَلْ هُوَ مَعَ يَمِينِهَا أَوْ لَا ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ .\rوَالصَّحِيحُ أَنَّهَا لَا تَسْتَحْلِفُ ؛ لِأَنَّهَا لَوْ أَقَرَّتْ ، لَمْ يُقْبَلْ إقْرَارُهَا ، فَإِذَا أَنْكَرَتْ لَمْ تَجِبْ الْيَمِينُ بِإِنْكَارِهَا .\rوَإِنْ اعْتَرَفَتْ الْمَرْأَةُ وَأَنْكَرَ الزَّوْجُ ، لَمْ يُقْبَلْ اعْتِرَافُهَا عَلَى الزَّوْجِ فِي فَسْخِ النِّكَاحِ ؛ لِأَنَّ قَوْلَهَا إنَّمَا يُقْبَلُ عَلَى نَفْسِهَا فِي حَقِّهَا .\rوَهَلْ يُسْتَحْلَفُ ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : لَا يُسْتَحْلَفُ .\rاخْتَارَهُ الْقَاضِي ؛ لِأَنَّهُ دَعْوَى فِي النِّكَاحِ ، فَلَمْ يُسْتَحْلَفْ ، كَمَا لَوْ ادَّعَى زَوْجِيَّةَ امْرَأَةٍ فَأَنْكَرَتْهُ .\rوَالثَّانِي ، يُسْتَحْلَفُ .\rقَالَ الْقَاضِي : وَهُوَ قَوْلُ الْخِرَقِيِّ ؛ لِعُمُومِ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ { : وَلَكِنَّ","part":17,"page":94},{"id":8094,"text":"الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ } .\rوَلِأَنَّهُ دَعْوَى فِي حَقِّ آدَمِيٍّ ، فَيُسْتَحْلَفُ فِيهِ كَالْمَالِ .\rفَإِنْ حَلَفَ فَيَمِينُهُ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ ؛ لِأَنَّهُ عَلَى نَفْيِ فِعْلِ الْغَيْرِ .\rفَإِنْ زَالَ نِكَاحُهُ بِطَلَاقٍ ، أَوْ فَسْخٍ ، أَوْ مَوْتٍ ، رُدَّتْ إلَى الْأَوَّلِ مِنْ غَيْرِ عَقْدٍ ؛ لِأَنَّ الْمَنْعَ مِنْ رَدِّهَا إنَّمَا كَانَ لِحَقِّ الثَّانِي ، فَإِذَا زَالَ ، زَالَ الْمَانِعُ ، وَحُكِمَ بِأَنَّهَا زَوْجَةُ الْأَوَّلِ ، كَمَا لَوْ شَهِدَ بِحُرِّيَّةِ عَبْدٍ ثُمَّ اشْتَرَاهُ ، عَتَقَ عَلَيْهِ .\rوَلَا يَلْزَمُهَا لِلْأَوَّلِ مَهْرٌ بِحَالٍ .\rوَذَكَرَ الْقَاضِي ، أَنَّ عَلَيْهَا لَهُ مَهْرًا .\rوَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهَا أَقَرَّتْ أَنَّهَا حَالَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ بُضْعِهَا بِغَيْرِ حَقٍّ ، فَأَشْبَهَ شُهُودَ الطَّلَاقِ إذَا رَجَعُوا .\rوَلَنَا أَنَّ مِلْكَهَا اسْتَقَرَّ عَلَى الْمَهْرِ ، فَلَمْ يَرْجِعْ بِهِ عَلَيْهَا ، كَمَا لَوْ ارْتَدَّتْ ، أَوْ أَسْلَمَتْ ، أَوْ قَتَلَتْ نَفْسَهَا ، فَإِنْ مَاتَ الْأَوَّلُ وَهِيَ فِي نِكَاحِ الثَّانِي ، فَيَنْبَغِي أَنْ تَرِثَهُ ؛ لِإِقْرَارِهِ بِزَوْجِيَّتِهَا ، أَوْ إقْرَارِهَا بِذَلِكَ .\rوَإِنْ مَاتَتْ ، لَمْ يَرِثْهَا ، لِأَنَّهَا لَا تُصَدَّقُ فِي إبْطَالِ مِيرَاثِ الزَّوْجِ الثَّانِي ، كَمَا لَمْ تُصَدَّقْ فِي إبْطَالِ نِكَاحِهِ ، وَيَرِثُهَا الزَّوْجُ الثَّانِي ؛ لِذَلِكَ .\rوَإِنْ مَاتَ الزَّوْجُ الثَّانِي ، لَمْ تَرِثْهُ ؛ لِأَنَّهَا تُنْكِرُ صِحَّةَ نِكَاحِهِ فَتُنْكِرُ مِيرَاثَهُ .","part":17,"page":95},{"id":8095,"text":"( 6101 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : وَإِذَا طَلَّقَهَا ثَلَاثًا ، وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا مِنْهُ ، ثُمَّ أَتَتْهُ فَذَكَرَتْ أَنَّهَا نَكَحَتْ مَنْ أَصَابَهَا ، ثُمَّ طَلَّقَهَا ، أَوْ مَاتَ عَنْهَا ، وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا مِنْهُ ، وَكَانَ ذَلِكَ مُمْكِنًا ، فَلَهُ أَنْ يَنْكِحهَا إذَا كَانَ يَعْرِفُ مِنْهَا الصِّدْقَ وَالصَّلَاحَ ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ عِنْدَهُ فِي هَذِهِ الْحَالِ ، لَمْ يَنْكِحْهَا حَتَّى يَصِحَّ عِنْدَهُ قَوْلُهَا وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْمُطَلَّقَةَ الْمَبْتُوتَةَ ، إذَا مَضَى زَمَنٌ بَعْدَ طَلَاقِهَا ، يُمْكِنُ فِيهِ انْقِضَاءُ عِدَّتَيْنِ بَيْنَهُمَا نِكَاحٌ وَوَطْءٌ ، فَأَخْبَرَتْهُ بِذَلِكَ ، وَغَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ صِدْقُهَا ؛ إمَّا لِمَعْرِفَتِهِ بِأَمَانَتِهَا ، أَوْ بِخَبَرِ غَيْرِهَا مِمَّنْ يَعْرِفُ حَالَهَا ، فَلَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا ، فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ ؛ مِنْهُمْ الْحَسَنُ ، وَقَتَادَةُ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ مُؤْتَمَنَةٌ عَلَى نَفْسِهَا ، وَعَلَى مَا أَخْبَرَتْ بِهِ عَنْهَا ، وَلَا سَبِيلَ إلَى مَعْرِفَةِ هَذِهِ الْحَالِ عَلَى الْحَقِيقَةِ إلَّا مِنْ جِهَتِهَا ، فَيَجِبُ الرُّجُوعُ إلَى قَوْلِهَا ، كَمَا لَوْ أَخْبَرَتْ بِانْقِضَاءِ عِدَّتِهَا .\rفَأَمَّا إنْ لَمْ يَعْرِفْ مَا يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ صِدْقُهَا ، لَمْ يَحِلَّ لَهُ نِكَاحُهَا .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَهُ نِكَاحُهَا ؛ لِمَا ذَكَرْنَا أَوَّلًا ، وَالْوَرَعُ أَنْ لَا يَنْكِحَهَا .\rوَلَنَا أَنَّ الْأَصْلَ التَّحْرِيمُ ، وَلَمْ يُوجَدْ غَلَبَةُ ظَنٍّ تَنْقُلُ عَنْهُ ، فَوَجَبَ الْبَقَاءُ عَلَيْهِ ، كَمَا لَوْ أَخْبَرَهُ فَاسِقٌ عَنْهَا .","part":17,"page":96},{"id":8096,"text":"فَصْلٌ : وَإِذَا أَخْبَرَتْ أَنَّ الزَّوْجَ أَصَابَهَا ، فَأَنْكَرَ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا فِي حِلِّهَا لِلْأَوَّلِ ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الزَّوْجِ فِي الْمَهْرِ ، وَلَا يَلْزَمُهُ إلَّا نِصْفُهُ إذَا لَمْ يُقِرَّ بِالْخَلْوَةِ بِهَا .\rفَإِنْ قَالَ الزَّوْجُ الْأَوَّلُ : أَنَا أَعْلَمُ أَنَّهُ مَا أَصَابَهَا .\rلَمْ يَحِلَّ لَهُ نِكَاحُهَا ؛ لِأَنَّهُ يُقِرُّ عَلَى نَفْسِهِ بِتَحْرِيمِهَا .\rفَإِنْ عَادَ فَأَكْذَبَ نَفْسَهُ وَقَالَ : قَدْ عَلِمْت صِدْقَهَا .\rدُيِّنَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْن اللَّه تَعَالَى ؛ لِأَنَّ الْحِلَّ وَالْحُرْمَةَ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى .\rفَإِذَا عَلِمَ حِلَّهَا لَهُ ، لَمْ تَحْرُمْ بِكَذِبِهِ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rوَلِأَنَّهُ قَدْ يَعْلَمُ مَا لَمْ يَكُنْ عَلِمَهُ .\rوَلَوْ قَالَ : مَا أَعْلَمُ أَنَّهُ أَصَابَهَا .\rلَمْ تَحْرُمْ عَلَيْهِ بِهَذَا ؛ لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي حِلِّهَا لَهُ خَبَرٌ يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ صِدْقُهُ ، لَا حَقِيقَةُ الْعِلْمِ .","part":17,"page":97},{"id":8097,"text":"( 6103 ) فَصْلٌ : وَإِذَا طَلَّقَهَا طَلَاقًا رَجْعِيًّا ، وَغَابَ ، وَقَضَتْ عِدَّتَهَا ، وَأَرَادَتْ التَّزَوُّجَ ، فَقَالَ وَكِيلُهُ : تَوَقَّفِي كَيْ لَا يَكُونَ رَاجَعَك .\rلَمْ يَجِبْ عَلَيْهَا التَّوَقُّفُ ، لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الرَّجْعَةِ ، وَحِلُّ النِّكَاحِ ، فَلَا يَجِبُ الزَّوَالُ عَنْهُ بِأَمْرِ مَشْكُوكٍ فِيهِ ، وَلِأَنَّهُ أَمْرٌ لَوْ وَجَبَ عَلَيْهَا التَّوَقُّفُ فِي هَذِهِ الْحَالِ ، لَوَجَبَ عَلَيْهَا التَّوَقُّفُ قَبْلَ قَوْلِهِ ؛ لِأَنَّ احْتِمَالَ الرَّجْعَةِ مَوْجُودٌ ، سَوَاءٌ قَالَ أَوْ لَمْ يَقُلْ ، فَيُفْضِي إلَى تَحْرِيمِ النِّكَاحِ عَلَى كُلِّ رَجْعِيَّةٍ غَابَ عَنْهَا زَوْجُهَا أَبَدًا .","part":17,"page":98},{"id":8098,"text":"( 6104 ) فَصْلٌ : فَإِذَا قَالَتْ : قَدْ تَزَوَّجْت مَنْ أَصَابَنِي .\rثُمَّ رَجَعَتْ عَنْ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَعْقِدَ عَلَيْهَا ، لَمْ يَجُزْ الْعَقْدُ ، لِأَنَّ الْخَبَرَ الْمُبِيحَ لِلْعَقْدِ قَدْ زَالَ ، فَزَالَتْ الْإِبَاحَةُ .\rوَإِنْ كَانَ بَعْدَ مَا عَقَدَ عَلَيْهَا ، لَمْ يُقْبَلْ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ إبْطَالٌ لِلْعَقْدِ الَّذِي لَزِمَهَا بِقَوْلِهَا ، فَلَمْ يُقْبَلْ ، كَمَا لَوْ ادَّعَى زَوْجِيَّةَ امْرَأَةٍ ، فَأَقَرَّتْ لَهُ بِذَلِكَ ، ثُمَّ رَجَعَتْ عَنْ الْإِقْرَارِ .","part":17,"page":99},{"id":8099,"text":"كِتَابُ الْإِيلَاءِ الْإِيلَاءُ فِي اللُّغَةِ : الْحَلِفُ .\rيُقَالُ : آلَى يُولِي إيلَاءً وَأَلِيَّةً .\rوَجَمْعُ الْأَلِيَّةِ أَلَايَا ، قَالَ الشَّاعِرُ : قَلِيلُ الْأَلَايَا حَافِظٌ لِيَمِينِهِ إذَا صَدَرَتْ مِنْهُ الْأَلِيَّةُ بَرَّتْ وَيُقَالُ : تَأَلَّى يَتَأَلَّى .\rوَفِي الْخَبَرِ : { مَنْ يَتَأَلَّ عَلَى اللَّهِ يُكْذِبُهُ } .\rفَأَمَّا الْإِيلَاءُ فِي الشَّرْعِ ، فَهُوَ الْحَلِفُ عَلَى تَرْكِ وَطْءِ الْمَرْأَةِ .\rوَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى { : لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ } .\rوَكَانَ أُبَيّ بْنُ كَعْبٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ يَقْرَآنِ : \" يُقْسِمُونَ \" .\r( 6105 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : وَالْمُولِي الَّذِي يَحْلِفُ بِاَللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ لَا يَطَأَ زَوْجَتَهُ أَكْثَرِ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَجُمْلَتُهُ أَنَّ شُرُوطَ الْإِيلَاءِ أَرْبَعَةٌ أَحَدُهَا ، أَنْ يَحْلِفَ بِاَللَّهِ تَعَالَى أَوْ بِصِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ .\rوَلَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي أَنَّ الْحَلِفَ بِذَلِكَ إيلَاءٌ .\rفَأَمَّا إنْ حَلَفَ عَلَى تَرْكِ الْوَطْءِ بِغَيْرِ هَذَا ، مِثْلُ أَنْ حَلَفَ بِطَلَاقِ ، أَوْ عَتَاقٍ ، أَوْ صَدَقَةِ الْمَالِ ، أَوْ الْحَجِّ ، أَوْ الظِّهَارِ ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، لَا يَكُونُ مُولِيًا وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ الْقَدِيمِ .\rوَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ ، هُوَ مُولٍ .\rوَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّهُ قَالَ : كُلُّ يَمِينٍ مَنَعَتْ جِمَاعَهَا ، فَهِيَ إيلَاءٌ .\rوَبِذَلِكَ قَالَ الشَّعْبِيُّ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَأَهْلُ الْحِجَازِ وَالثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَهْلُ الْعِرَاقِ وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ ، وَغَيْرُهُمْ ؛ لِأَنَّهَا يَمِينٌ مَنَعَتْ جِمَاعَهَا فَكَانَتْ إيلَاءً ، كَالْحَلِفِ بِاَللَّهِ تَعَالَى ، وَلِأَنَّ تَعْلِيقَ الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ عَلَى وَطْئِهَا حَلِفٌ ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ قَالَ : مَتَى حَلَفْت بِطَلَاقِك ، فَأَنْتِ طَالِقٌ .\rثُمَّ قَالَ : إنْ وَطِئْتُك ، فَأَنْتِ طَالِقٌ .\rطَلُقَتْ فِي الْحَالِ .\rوَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : كُلُّ يَمِينٍ مِنْ حَرَامٍ أَوْ غَيْرِهَا ، يَجِبُ بِهَا كَفَّارَةٌ ، يَكُونُ","part":17,"page":100},{"id":8100,"text":"الْحَالِفُ بِهَا مُولِيًا .\rوَأَمَّا الطَّلَاقُ وَالْعَتَاقُ ، فَلَيْسَ الْحَلِفُ بِهِ إيلَاءً ؛ لِأَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّ آدَمِيٍّ ، وَمَا أَوْجَبَ كَفَّارَةً تَعَلَّقَ بِهَا حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى .\rوَالرِّوَايَةُ الْأُولَى هِيَ الْمَشْهُورَةُ ؛ لِأَنَّ الْإِيلَاءَ الْمُطْلَقَ إنَّمَا هُوَ الْقَسَمُ ، وَلِهَذَا قَرَأَ أُبَيٍّ وَابْنُ عَبَّاسٍ \" يُقْسِمُونَ \" .\rمَكَانَ : يُؤْلُونَ .\rوَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي تَفْسِيرِ يُؤْلُونَ .\rقَالَ : يَحْلِفُونَ بِاَللَّهِ .\rهَكَذَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالتَّعْلِيقُ بِشَرْطٍ لَيْسَ بِقَسَمٍ وَلِهَذَا لَا يُؤْتَى فِيهِ بِحَرْفِ الْقَسَمِ ، وَلَا يُجَابُ بِجَوَابِهِ ، وَلَا يَذْكُرُهُ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي بَابِ الْقَسَمِ ، فَلَا يَكُونُ إيلَاءً ، وَإِنَّمَا يُسَمَّى حَلِفًا تَجَوُّزًا ، لِمُشَارَكَتِهِ الْقَسَمَ فِي الْمَعْنَى الْمَشْهُورِ فِي الْقَسَمِ ، وَهُوَ الْحَثُّ عَلَى الْفِعْلِ أَوْ الْمَنْعِ مِنْهُ ، أَوْ تَوْكِيدُ الْخَبَرِ ، وَالْكَلَامُ عِنْدَ إطْلَاقِهِ لِحَقِيقَتِهِ ؛ وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى { : فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ } .\rوَإِنَّمَا يَدْخُلُ الْغُفْرَانُ فِي الْيَمِينِ بِاَللَّهِ .\rوَأَيْضًا قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ أَشْرَكَ } .\rوَقَوْلُهُ : { إِن اللَّه يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَإِنْ سَلَّمْنَا أَنَّ غَيْرَ الْقَسَمِ حَلِفٌ ، لَكِنَّ الْحَلِفُ بِإِطْلَاقِهِ إنَّمَا يَنْصَرِفُ إلَى الْقَسَمِ ، وَإِنَّمَا يُصْرَفُ إلَى غَيْرِ الْقَسَمِ بِدَلِيلٍ ، وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ الْقَسَمَ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَصِفَاتِهِ لَا يَكُونُ إيلَاءً ؛ لِأَنَّهُ لَا يُوجِبُ كَفَّارَةً وَلَا شَيْئًا يَمْنَعُ مِنْ الْوَطْءِ ، فَلَا يَكُونُ إيلَاءً ، كَالْخَبَرِ بِغَيْرِ الْقَسَمِ .\rوَإِذَا قُلْنَا بِالرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ فَلَا يَكُونُ مُولِيًا إلَّا أَنْ يَحْلِفَ بِمَا يَلْزَمُهُ بِالْحِنْثِ فِيهِ حَقٌّ كَقَوْلِهِ : إنْ وَطِئْتُك فَعَبْدِي حُرٌّ .\rأَوْ : فَأَنْتِ طَالِقٌ .\rأَوْ : فَأَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي .\rأَوْ : فَأَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ","part":17,"page":101},{"id":8101,"text":".\rأَوْ : فَلِلَّهِ عَلَيَّ صَوْمُ سَنَةٍ أَوْ الْحَجُّ أَوْ صَدَقَةٌ .\rفَهَذَا يَكُونُ إيلَاءً ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ بِوَطْئِهَا حَقٌّ يَمْنَعُهُ مِنْ وَطْئِهَا خَوْفُهُ مِنْ وُجُوبِهِ .\rوَإِنْ قَالَ : إنْ وَطِئْتُك فَأَنْتِ زَانِيَةٌ .\rلَمْ يَكُنْ مُولِيًا ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ بِالْوَطْءِ حَقٌّ ، وَلَا يَصِيرُ قَاذِفًا بِالْوَطْءِ ؛ لِأَنَّ الْقَذْفَ لَا يَتَعَلَّقُ بِالشَّرْطِ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ تَصِيرَ زَانِيَةً بِوَطْئِهِ لَهَا ، كَمَا لَا تَصِيرُ زَانِيَةً بِطُلُوعِ الشَّمْسِ .\rوَإِنْ قَالَ : إنْ وَطِئْتُك ، فَلِلَّهِ عَلَيَّ صَوْمُ هَذَا الشَّهْرِ .\rلَمْ يَكُنْ مُولِيًا ؛ لِأَنَّهُ لَوْ وَطِئَهَا بَعْدَ مُضِيِّهِ ، لَمْ يَلْزَمْهُ حَقٌّ ، فَإِنَّ صَوْمُ هَذَا الشَّهْرِ لَا يُتَصَوَّرُ بَعْدَ مُضِيِّهِ ، فَلَا يُلْزَمُ بِالنَّذْرِ ، كَمَا لَوْ قَالَ : إنْ وَطِئْتُك ، فَلِلَّهِ عَلَيَّ صَوْمُ أَمْسِ .\rوَإِنْ قَالَ : إنْ وَطِئْتُك ، فَلِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أُصَلِّيَ عِشْرِينَ رَكْعَةً .\rكَانَ مُولِيًا .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَكُونُ مُولِيًا ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ لَا يَتَعَلَّقُ بِهَا مَالٌ ، وَلَا تَتَعَلَّقُ بِمَالٍ ، فَلَا يَكُونُ الْحَالِفُ بِهَا مُولِيًا ، كَمَا لَوْ قَالَ : إنْ وَطِئْتُك ، فَلِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَمْشِيَ فِي السُّوقِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الصَّلَاةَ تَجِبُ بِالنَّذْرِ ، فَكَانَ الْحَالِفُ بِهَا مُولِيًا ، كَالصَّوْمِ وَالْحَجِّ ، وَمَا ذَكَرَهُ لَا يَصِحُّ ؛ فَإِنَّ الصَّلَاةَ تَحْتَاجُ إلَى الْمَاءِ وَالسُّتْرَةِ .\rوَأَمَّا الْمَشْيُ فِي السُّوقِ ، فَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ ، أَنَّهُ يَكُونُ مُولِيًا ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ بِالْحِنْثِ فِي هَذَا النَّذْرِ أَحَدُ شَيْئَيْنِ ؛ : إمَّا الْكَفَّارَةُ ، وَإِمَّا الْمَشْيُ ، فَقَدْ صَارَ الْحِنْثُ مُوجِبًا لِحَقٍّ عَلَيْهِ ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ مُولِيًا بِنَذْرِ فِعْلِ الْمُبَاحَاتِ وَالْمَعَاصِي أَيْضًا ، فَإِنَّ نَذْرَ الْمَعْصِيَةِ مُوجِبٌ لِلْكَفَّارَةِ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ ، وَإِنْ سَلَّمْنَا ، فَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْمَشْيَ لَا يَجِبُ بِالنَّذْرِ ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا .\rوَإِذَا اسْتَثْنَى فِي يَمِينِهِ ، لَمْ يَكُنْ مُولِيًا فِي قَوْلِ","part":17,"page":102},{"id":8102,"text":"الْجَمِيعِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ كَفَّارَةٌ بِالْحِنْثِ ، فَلَمْ يَكُنْ الْحِنْثُ مُوجِبًا لِحَقٍّ عَلَيْهِ .\rوَهَذَا إذَا كَانَتْ الْيَمِينُ بِاَللَّهِ تَعَالَى ، أَوْ كَانَتْ يَمِينًا مُكَفِّرَةً ، فَأَمَّا الطَّلَاقُ وَالْعَتَاقُ ، فَمَنْ جَعَلَ الِاسْتِثْنَاءَ فِيهِمَا غَيْرَ مُؤَثِّرٍ ، فَوُجُودُهُ كَعَدَمِهِ ، وَيَكُونُ مُولِيًا بِهِمَا ، سَوَاءٌ اسْتَثْنَى أَوْ لَمْ يَسْتَثْنِ .","part":17,"page":103},{"id":8103,"text":"( 6106 ) فَصْلٌ : الشَّرْطُ الثَّانِي ، أَنْ يَحْلِفَ عَلَى تَرْكِ الْوَطْءِ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ .\rوَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَطَاوُسٍ ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَمَالِكٍ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَأَبِي عُبَيْدٍ .\rوَقَالَ عَطَاءٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ : إذَا حَلَفَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَمَا زَادَ ، كَانَ مُولِيًا .\rوَحَكَى ذَلِكَ الْقَاضِي وَأَبُو الْحُسَيْنِ رِوَايَةً عَنْ أَحْمَدَ ؛ لِأَنَّهُ مُمْتَنِعٌ مِنْ الْوَطْءِ بِالْيَمِينِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ ، فَكَانَ مُولِيًا ، كَمَا لَوْ حَلَفَ عَلَى مَا زَادَ .\rوَقَالَ النَّخَعِيُّ ، وَقَتَادَةُ ، وَحَمَّادٌ ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى ، وَإِسْحَاقُ : مَنْ حَلَفَ عَلَى تَرْكِ الْوَطْءِ فِي قَلِيلٍ مِنْ الْأَوْقَاتِ أَوْ كَثِيرٍ ، وَتَرَكَهَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ ، فَهُوَ مُولٍ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى { : لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ } .\rوَهَذَا مُولٍ ؛ فَإِنَّ الْإِيلَاءَ الْحَلِفُ ، وَهَذَا حَالِفٌ وَلَنَا أَنَّهُ لَمْ يَمْنَعْ نَفْسَهُ مِنْ الْوَطْءِ بِالْيَمِينِ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ ، فَلَمْ يَكُنْ مُولِيًا ، كَمَا لَوْ حَلَفَ عَلَى تَرْكِ قُبْلَتِهَا .\rوَالْآيَةُ حُجَّةٌ لَنَا ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ لَهُ تَرَبُّصَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ ، فَإِذَا حَلَفَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ أَوْ مَا دُونَهَا ، فَلَا مَعْنَى لِلتَّرَبُّصِ ؛ لِأَنَّ مُدَّةَ الْإِيلَاءِ تَنْقَضِي قَبْلَ ذَلِكَ وَمَعَ انْقِضَائِهِ .\rوَتَقْدِيرُ التَّرَبُّصِ بِأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ يَقْتَضِي كَوْنَهُ فِي مُدَّةٍ تَنَاوَلَهَا الْإِيلَاءُ ، وَلِأَنَّ الْمُطَالَبَةَ إنَّمَا تَكَوُّنُ بَعْدَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ ، فَإِذَا انْقَضَتْ الْمُدَّةُ بِأَرْبَعَةِ فَمَا دُونَ ، لَمْ تَصِحَّ الْمُطَالَبَةُ مِنْ غَيْرِ إيلَاءٍ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَمَنْ وَافَقَهُ بَنَوْا ذَلِكَ عَلَى قَوْلِهِمْ فِي الْفَيْئَةِ إنَّهَا تَكُونُ فِي مُدَّةِ الْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُرِ ، وَظَاهِرُ الْآيَةِ خِلَافُهُ ؛ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ { : لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ ، فَإِنْ فَاءُوا } .\rفَعَقَّبَ الْفَيْءَ عَقِيبَ","part":17,"page":104},{"id":8104,"text":"التَّرَبُّصِ بِفَاءِ التَّعْقِيبِ ، فَيَدُلُّ عَلَى تَأَخُّرِهَا عَنْهُ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَحُكِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّ الْمُولِيَ مَنْ يَحْلِفُ عَلَى تَرْكِ الْوَطْءِ أَبَدًا أَوْ مُطْلَقًا ؛ لِأَنَّهُ إذَا حَلَفَ عَلَى مَا دُونَ ذَلِكَ ، أَمْكَنَهُ التَّخَلُّصُ بِغَيْرِ حِنْثٍ ، فَلَمْ يَكُنْ مُولِيًا ، كَمَا لَوْ حَلَفَ لَا وَطِئَهَا فِي مَدِينَةٍ بِعَيْنِهَا .\rوَلَنَا أَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ التَّخَلُّصُ بَعْدَ التَّرَبُّصِ مِنْ يَمِينِهِ بِغَيْرِ حِنْثٍ ، فَأَشْبَهَ الْمُطَلَّقَةَ ، بِخِلَافِ الْيَمِينِ عَلَى مَدِينَةٍ مُعَيَّنَةٍ ، فَإِنَّهُ يُمْكِنُ التَّخَلُّصُ بِغَيْرِ الْحِنْثِ ، وَلِأَنَّ الْأَرْبَعَةَ الْأَشْهُرَ مُدَّةٌ تَتَضَرَّرُ الْمَرْأَةُ بِتَأْخِيرِ الْوَطْءِ عَنْهَا ، فَإِذَا حَلَفَ عَلَى أَكْثَرَ مِنْهَا كَانَ مُولِيًا كَالْأَبَدِ .\rوَدَلِيلُ الْوَصْفِ مَا رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَانَ يَطُوفُ لَيْلَةً فِي الْمَدِينَةِ ، فَسَمِعَ امْرَأَةً تَقُولُ : تَطَاوَلَ هَذَا اللَّيْلُ وَازْوَرَّ جَانِبُهْ وَلَيْسَ إلَى جَنْبِي خَلِيلٌ أُلَاعِبُهْ فَوَاَللَّهِ لَوْلَا اللَّهُ لَا شَيْءَ غَيْرُهُ لَزُعْزِعَ مِنْ هَذَا السَّرِيرِ جَوَانِبُهْ مَخَافَةُ رَبِّي وَالْحَيَاءُ يَكُفُّنِي وَأُكْرِمُ بَعْلِي أَنْ تُنَالَ مَرَاكِبُهْ فَسَأَلَ عُمَرُ نِسَاءً : كَمْ تَصْبِرُ الْمَرْأَةُ عَنْ الزَّوْجِ ؟ فَقُلْنَ : شَهْرَيْنِ ، وَفِي الثَّالِثِ يَقِلُّ الصَّبْرُ ، وَفِي الرَّابِعِ يَنْفَدُ الصَّبْرُ .\rفَكَتَبَ إلَى أُمَرَاءِ الْأَجْنَادِ ، أَنْ لَا تَحْبِسُوا رَجُلًا عَنْ امْرَأَتِهِ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ .","part":17,"page":105},{"id":8105,"text":"( 6107 ) فَصْلٌ : وَإِذَا عَلَّقَ الْإِيلَاء بِشَرْطِ مُسْتَحِيلٍ ، كَقَوْلِهِ : وَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُك حَتَّى تَصْعَدِي السَّمَاءَ ، أَوْ تَقْلِبِي الْحَجَرَ ذَهَبًا ، أَوْ يَشِيبَ الْغُرَابُ .\rفَهُوَ مُولٍ ؛ لِأَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ تَرْكُ وَطْئِهَا ؛ فَإِنَّ مَا يُرَادُ إحَالَةُ وُجُودِهِ يُعَلَّقُ عَلَى الْمُسْتَحِيلَاتِ .\rقَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْكُفَّارِ { : وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ } .\rوَمَعْنَاهُ لَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ أَبَدًا .\rوَقَالَ بَعْضُهُمْ : إذَا شَابَ الْغُرَابُ أَتَيْت أَهْلِي وَصَارَ الْقَارُ كَاللَّبَنِ الْحَلِيبِ وَإِنْ قَالَ : وَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُك حَتَّى تَحْبَلِي .\rفَهُوَ مُولٍ ؛ لِأَنَّ حَبَلَهَا بِغَيْرِ وَطْءٍ مُسْتَحِيلٌ عَادَةً ، فَهُوَ كَصُعُودِ السَّمَاءِ .\rوَقَالَ الْقَاضِي وَأَبُو الْخَطَّابِ ، وَأَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ : لَيْسَ بِمُولٍ إلَّا أَنْ تَكُونَ صَغِيرَةً يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهَا لَا تَحْمِلُ فِي أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ ، أَوْ آيِسَةً ، فَأَمَّا إنْ كَانَتْ مِنْ ذَوَاتِ الْأَقْرَاءِ ، فَلَا يَكُونُ مُولِيًا ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ حَمْلُهَا .\rقَالَ الْقَاضِي وَإِذَا كَانَتْ الصَّغِيرَةُ بِنْتَ تِسْعِ سِنِينَ ، لَمْ يَكُنْ مُولِيًا ؛ لِأَنَّ حَمْلَهَا مُمْكِنٌ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الْحَمْلَ بِدُونِ الْوَطْءِ مُسْتَحِيلٌ عَادَةً ، فَكَانَ تَعْلِيقُ الْيَمِينِ عَلَيْهِ إيلَاءً ، كَصُعُودِ السَّمَاءِ .\rوَدَلِيلُ اسْتِحَالَتِهِ قَوْلُ مَرْيَمَ { : أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا } .\rوَقَوْلُهُمْ { : يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا } وَلَوْلَا اسْتِحَالَتُهُ لَمَا نَسَبُوهَا إلَى الْبِغَاءِ بِوُجُودِ الْوَلَدِ ، وَأَيْضًا قَوْلُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : الرَّجْمُ حَقٌّ عَلَى مَنْ زَنَى وَقَدْ أَحْصَنَ ، إذَا قَامَتْ بِهِ الْبَيِّنَةُ ، أَوْ كَانَ الْحَبَلُ ، أَوْ الِاعْتِرَافُ .\rوَلِأَنَّ الْعَادَةَ أَنَّ الْحَبَلَ لَا يُوجَدُ مِنْ غَيْرِ وَطْءٍ .\rفَإِنْ قَالُوا : يُمْكِنُ حَبَلُهَا مِنْ وَطْءِ غَيْرِهِ ، أَوْ بِاسْتِدْخَالِ مَنِيِّهِ .\rقُلْنَا : أَمَّا الْأَوَّلُ فَلَا","part":17,"page":106},{"id":8106,"text":"يَصِحُّ ؛ فَإِنَّهُ لَوْ صَرَّحَ بِهِ فَقَالَ : لَا وَطِئْتُك حَتَّى تَحْبَلِي مِنْ غَيْرِي ، أَوْ : مَا دُمْت فِي نِكَاحِي .\rأَوْ : حَتَّى تَزْنِي .\rكَانَ مُولِيًا ، وَلَوْ صَحَّ مَا ذَكَرُوهُ لَمْ يَكُنْ مُولِيًا .\rوَأَمَّا الثَّانِي فَهُوَ مِنْ الْمُسْتَحِيلَاتِ عَادَةً ، إنْ وُجِدَ كَانَ مِنْ خَوَارِقِ الْعَادَاتِ ، بِدَلِيلِ مَا ذَكَرْنَاهُ .\rوَقَدْ قَالَ أَهْلُ الطِّبِّ : إنَّ الْمَنِيَّ إذَا بَرَدَ لَمْ يُخْلَقْ مِنْهُ وَلَدٌ .\rوَصَحَّحَ قَوْلَهُمْ قِيَامُ الْأَدِلَّةِ الَّتِي ذَكَرْنَا بَعْضَهَا ، وَجَرَيَانُ الْعَادَةِ عَلَى وَفْقِ مَا قَالُوهُ .\rوَإِذَا كَانَ تَعْلِيقُهُ عَلَى مَوْتِهِ أَوْ مَوْتِهَا أَوْ مَوْتِ زَيْدٍ إيلَاءً ، فَتَعْلِيقُهُ عَلَى حَبَلِهَا بِغَيْرِ وَطْءٍ أَوْلَى .\rوَإِنْ قَالَ : أَرَدْتُ بِقَوْلِي : حَتَّى تَحْبَلِي .\rالسَّبَبِيَّةَ ، وَلَمْ أُرِدْ الْغَايَةَ .\rوَمَعْنَاهُ لَا أَطَؤُكِ لِتَحْبَلِي .\rقُبِلَ مِنْهُ ، وَلَمْ يَكُنْ مُولِيًا ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِحَالِفٍ عَلَى تَرْكِ الْوَطْءِ ، وَإِنَّمَا هُوَ حَالِفٌ عَلَى قَصْدِ تَرْكِ الْحَبَلِ بِهِ ، فَإِنَّ حَتَّى تُسْتَعْمَلُ بِمَعْنَى السَّبَبِيَّةِ .","part":17,"page":107},{"id":8107,"text":"( 6108 ) فَصْلٌ : وَإِنْ عَلَّقَهُ عَلَى غَيْرِ مُسْتَحِيلٍ ، فَذَلِكَ عَلَى خَمْسَةِ أَضْرُبٍ : أَحَدُهَا ، مَا يُعْلَمُ أَنَّهُ لَا يُوجَدُ قَبْلَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ ، كَقِيَامِ السَّاعَةِ ، فَإِنَّ لَهَا عَلَامَاتٍ تَسْبِقُهَا ، فَلَا يُوجَدُ ذَلِكَ فِي أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ .\rوَكَذَلِكَ إنْ قَالَ : حَتَّى تَأْتِي الْهِنْدَ .\rأَوْ نَحْوَهُ .\rفَهَذَا مُولٍ ؛ لِأَنَّ يَمِينَهُ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ .\rالثَّانِي ، مَا الْغَالِبُ أَنَّهُ لَا يُوجَدُ فِي أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ ، كَخُرُوجِ الدَّجَّالِ ، وَالدَّابَّةِ ، وَغَيْرِهِمَا مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ ، أَوْ يَقُولُ : حَتَّى أَمُوتَ .\rأَوْ : تَمُوتِي .\rأَوْ : يَمُوتَ وَلَدُك .\rأَوْ : زَيْدٌ .\rأَوْ : حَتَّى يَقْدَمَ زَيْدٌ مِنْ مَكَّةَ .\rوَالْعَادَةُ أَنَّهُ لَا يَقْدَمُ فِي أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ ، فَيَكُونُ مُولِيًا ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّ ذَلِكَ لَا يُوجَدُ فِي أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَالَ : وَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُك فِي نِكَاحِي هَذَا .\rوَكَذَلِكَ لَوْ عَلَّقَ الطَّلَاقَ عَلَى مَرَضِهَا ، أَوْ مَرَضِ إنْسَانٍ بِعَيْنِهِ .\rالثَّالِثُ - أَنْ يُعَلِّقَهُ عَلَى أَمْرٍ يَحْتَمِلُ الْوُجُودَ فِي أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يُوجَدَ ، احْتِمَالًا مُتَسَاوِيًا ، كَقُدُومِ زَيْدٍ مِنْ سَفَرٍ قَرِيبٍ ، أَوْ مِنْ سَفَرٍ لَا يُعْلَمُ قَدْرُهُ ، فَهَذَا لَيْسَ بِإِيلَاءٍ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ حَلِفُهُ عَلَى أَكْثَرِ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ ، وَلَا يُظَنُّ ذَلِكَ .\rالرَّابِعُ أَنْ يُعَلِّقَهُ عَلَى مَا يُعْلَمُ أَنَّهُ يُوجَدُ فِي أَقَلَّ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ ، أَوْ يُظَنُّ ذَلِكَ ، كَذُبُولِ بَقْلٍ ، وَجَفَافِ ثَوْبٍ ، وَمَجِيءِ الْمَطَرِ فِي أَوَانِهِ ، وَقُدُومِ الْحَاجِّ فِي زَمَانِهِ .\rفَهَذَا لَا يَكُونُ مُولِيًا ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ ، وَلِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ الْإِضْرَارَ بِتَرْكِ وَطْئِهَا أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَالَ : وَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُك شَهْرًا .\rالْخَامِسُ - أَنْ يُعَلِّقَهُ عَلَى فِعْلٍ مِنْهَا ، هِيَ قَادِرَةٌ عَلَيْهِ ، أَوْ فِعْلٍ مِنْ غَيْرِهَا .\rوَذَلِكَ يَنْقَسِمُ أَقْسَامًا ثَلَاثَةً : أَحَدُهَا ، أَنْ","part":17,"page":108},{"id":8108,"text":"يُعَلِّقَهُ عَلَى فِعْلٍ مُبَاحٍ لَا مَشَقَّةَ فِيهِ ، كَقَوْلِهِ : وَاَللَّهِ لَا أَطَؤُكِ حَتَّى تَدْخُلِي الدَّارَ .\rأَوْ : تَلْبَسِي هَذَا الثَّوْبَ .\rأَوْ : حَتَّى أَتَنَفَّلُ بِصَوْمِ يَوْمٍ .\rأَوْ : حَتَّى أَكْسُوَك فَهَذَا لَيْسَ بِإِيلَاءٍ ؛ لِأَنَّهُ مُمْكِنُ الْوُجُودِ بِغَيْرِ ضَرَرٍ عَلَيْهَا فِيهِ ، فَأَشْبَهَ الَّذِي قَبْلَهُ .\rوَالثَّانِي ، أَنْ يُعَلِّقَهُ عَلَى مُحَرَّمٍ ، كَقَوْلِهِ : وَاَللَّهِ لَا أَطَؤُكِ حَتَّى تَشْرَبِي الْخَمْرَ .\rأَوْ : تَزْنِي .\rأَوْ : تُسْقِطِي وَلَدَك .\rأَوْ : تَتْرُكِي صَلَاةَ الْفَرْضِ .\rأَوْ : حَتَّى أَقْتُلَ زَيْدًا .\rأَوْ نَحْوَهُ .\rفَهَذَا إيلَاءٌ ؛ لِأَنَّهُ عَلَّقَهُ بِمُمْتَنِعٍ شَرْعًا ، فَأَشْبَهَ الْمُمْتَنِعَ حِسًّا .\rالثَّالِثُ ، أَنْ يُعَلِّقَهُ عَلَى مَا عَلَى فَاعِلِهِ فِيهِ مَضَرَّةٌ ، مِثْلُ أَنْ يَقُولَ : وَاَللَّهِ لَا أَطَؤُكِ حَتَّى تُسْقِطِي صَدَاقَك عَنِّي .\rأَوْ : حَتَّى تَكْفُلِي وَلَدِي .\rأَوْ : تَهَبِينِي دَارَك .\rأَوْ : حَتَّى يَبِيعَنِي أَبُوك دَارِهِ .\rأَوْ : نَحْوَ ذَلِكَ .\rفَهَذَا إيلَاءٌ ؛ لِأَنَّ أَخْذَهُ لِمَالِهَا أَوْ مَالِ غَيْرِهَا مِنْ غَيْرِ رِضَى صَاحِبِهِ مُحَرَّمٌ ، فَجَرَى مَجْرَى شُرْبِ الْخَمْرِ .\rوَإِنْ قَالَ : وَاَللَّهِ لَا أَطَؤُكِ حَتَّى أُعْطِيَك مَالًا .\rأَوْ : أَفْعَلَ فِي حَقِّك جَمِيلًا .\rلَمْ يَكُنْ إيلَاءً ؛ لِأَنَّ فِعْلَهُ لِذَلِكَ لَيْسَ بِمُحْرِمِ وَلَا مُمْتَنِعٍ ، فَجَرَى مَجْرَى قَوْلِهِ : حَتَّى أَصُومَ يَوْمًا .","part":17,"page":109},{"id":8109,"text":"( 6109 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَالَ : وَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُك إلَّا بِرِضَاك .\rلَمْ يَكُنْ مُولِيًا ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ وَطْؤُهَا بِغَيْرِ حِنْثٍ ، وَلِأَنَّهُ مُحْسِنٌ فِي كَوْنِهِ أَلْزَمَ نَفْسَهُ اجْتِنَابَ سَخَطِهَا .\rوَعَلَى قِيَاسِ ذَلِكَ كُلُّ حَالٍ يُمْكِنُهُ الْوَطْءُ فِيهَا بِغَيْرِ حِنْثٍ ، كَقَوْلِهِ : وَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُك مُكْرَهَةً ، أَوْ مَحْزُونَةً .\rوَنَحْوَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ مُولِيًا .\rوَإِنْ قَالَ : وَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُك مَرِيضَةً .\rلَمْ يَكُنْ مُولِيًا لِذَلِكَ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ بِهَا مَرَضٌ لَا يُرْجَى بُرْؤُهُ ، أَوْ لَا يَزُولُ فِي أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مُولِيًا ؛ لِأَنَّهُ حَالِفٌ عَلَى تَرْكِ وَطْئِهَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ .\rفَإِنْ قَالَ ذَلِكَ لَهَا وَهِيَ صَحِيحَةٌ ، فَمَرِضَتْ مَرَضًا يُمْكِنُ بُرْؤُهُ قَبْلَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ ، لَمْ يَصِرْ مُولِيًا ، وَإِنْ لَمْ يُرْجَ بُرْؤُهُ فِيهَا ، صَارَ مُولِيًا .\rوَكَذَلِكَ إنْ كَانَ الْغَالِبُ أَنَّهُ لَا يَزُولُ فِي أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ ، صَارَ مُولِيًا ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَا يُرْجَى زَوَالُهُ .\rوَإِنْ قَالَ : وَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُك حَائِضًا .\rوَلَا نُفَسَاء ، وَلَا مُحْرِمَةً ، وَلَا صَائِمَةً .\rوَنَحْوَ هَذَا ، لَمْ يَكُنْ مُولِيًا ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مُحَرَّمٌ مَمْنُوعٌ مِنْهُ شَرْعًا ، فَقَدْ أَكَّدَ مَنْعَ نَفْسِهِ مِنْهُ بِيَمِينِهِ .\rوَإِنْ قَالَ : وَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُك طَاهِرًا .\rأَوْ : لَا وَطِئْتُك وَطْئًا مُبَاحًا .\rصَارَ مُولِيًا ؛ لِأَنَّهُ حَالِفٌ عَلَى تَرْكِ الْوَطْءِ الَّذِي يُطَالِبُ بِهِ فِي الْفَيْئَةِ ، فَكَانَ مُولِيًا ، كَمَا لَوْ قَالَ : وَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُك فِي قُبُلِك .\rوَإِنْ قَالَ : وَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُك لَيْلًا .\rأَوْ : وَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُك نَهَارًا .\rلَمْ يَكُنْ مُولِيًا ؛ لِأَنَّ الْوَطْءَ يُمْكِنُ بِدُونِ الْحِنْثِ .\rوَإِنْ قَالَ : وَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُك فِي هَذِهِ الْبَلْدَةِ .\rأَوْ : فِي هَذَا الْبَيْتِ .\rأَوْ نَحْوِ ذَلِكَ مِنْ الْأَمْكِنَةِ الْمُعَيَّنَةِ ، لَمْ يَكُنْ مُولِيًا .\rوَهَذَا قَوْلُ الثَّوْرِيِّ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَالنُّعْمَانِ ، وَصَاحِبَيْهِ .","part":17,"page":110},{"id":8110,"text":"وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى ، وَإِسْحَاقُ : هُوَ مُولٍ ؛ لِأَنَّهُ حَالِفٌ عَلَى تَرْكِ وَطْئِهَا .\rوَلَنَا أَنَّهُ يُمْكِنُ وَطْؤُهَا بِغَيْرِ حِنْثٍ ، فَلَمْ يَكُنْ مُولِيًا ، كَمَا لَوْ اسْتَثْنَى فِي يَمِينِهِ .","part":17,"page":111},{"id":8111,"text":"( 6110 ) فَصْلٌ : وَإِنْ حَلَفَ عَلَى تَرْكِ وَطْئِهَا عَامًا ، ثُمَّ كَفَّرَ عَنْ يَمِينِهِ ، انْحَلَّ الْإِيلَاءُ .\rقَالَ الْأَثْرَمُ : قِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ : الْمُولِي يُكَفِّرُ عَنْ يَمِينِهِ قَبْلَ مُضِيِّ الْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُرِ ؟ قَالَ يَذْهَبُ عَنْهُ الْإِيلَاءُ ، وَلَا يُوقَفُ بَعْدَ الْأَرْبَعَةِ ، وَذَهَبَ الْإِيلَاءُ حِينَ ذَهَبَتْ الْيَمِينُ .\rوَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ مَمْنُوعًا مِنْ الْوَطْءِ بِيَمِينِهِ ، فَأَشْبَهَ مَنْ حَلَفَ وَاسْتَثْنَى .\rفَإِنْ كَانَ تَكْفِيرُهُ قَبْلَ مُضِيِّ الْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُرِ ، انْحَلَّ الْإِيلَاءُ حِينَ التَّكْفِيرِ ، وَصَارَ كَالْحَالِفِ عَلَى تَرْكِ الْوَطْءِ أَقَلَّ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ .\rوَإِنْ كَفَّرَ بَعْدَ الْأَرْبَعَةِ وَقَبْلَ الْوُقُوفِ ، صَارَ كَالْحَالِفِ عَلَى أَكْثَرِ مِنْهَا ، إذَا مَضَتْ مُدَّةُ يَمِينِهِ قَبْلَ وَقْفِهِ .","part":17,"page":112},{"id":8112,"text":"( 6111 ) فَصْلٌ : فَإِنْ قَالَ : وَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُك إنْ شَاءَ فُلَانٌ .\rلَمْ يَصِرْ مُولِيًا حَتَّى يَشَاءَ ، فَإِذَا شَاءَ صَارَ مُولِيًا .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ مُمْتَنِعًا مِنْ الْوَطْءِ حَتَّى يَشَاءَ ، فَلَا يَكُونُ مُولِيًا حَتَّى يَشَاءَ .\rوَإِنْ قَالَ : وَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُك إنْ شِئْت .\rفَكَذَلِكَ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ : إنْ شَاءَتْ عَلَى الْفَوْرِ جَوَابًا لِكَلَامِهِ صَارَ مُولِيًا ، وَإِنْ أَخَّرَتْ الْمَشِيئَةَ ، انْحَلَّتْ يَمِينُهُ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ تَخْيِيرٌ لَهَا ، فَكَانَ عَلَى الْفَوْرِ ، كَقَوْلِهِ : اخْتَارِي فِي الطَّلَاقِ .\rوَلَنَا أَنَّهُ عَلَّقَ الْيَمِينَ عَلَى الْمَشِيئَةِ بِحَرْفِ إنْ ، فَكَانَ عَلَى التَّرَاخِي ، كَمَشِيئَةِ غَيْرِهَا .\rفَإِنْ قِيلَ : فَهَلَّا قُلْتُمْ : لَا يَكُونُ مُولِيًا ؛ فَإِنَّهُ عَلَّقَ ذَلِكَ بِإِرَادَتِهَا ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَالَ : لَا وَطِئْتُك إلَّا بِرِضَاك .\rقُلْنَا : الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا ، أَنَّهَا إذَا شَاءَتْ ، انْعَقَدَتْ يَمِينُهُ مَانِعَةً مِنْ وَطْئِهَا ، بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُهُ بَعْدَ ذَلِكَ الْوَطْءُ بِغَيْرِ حِنْثٍ .\rوَإِذَا قَالَ : وَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُك إلَّا بِرِضَاك .\rفَمَا حَلَفَ إلَّا عَلَى تَرْكِ وَطْئِهَا فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ ، وَهُوَ حَالُ سَخَطِهَا ، فَيُمْكِنُهُ الْوَطْءُ فِي الْحَالِ الْأُخْرَى بِغَيْرِ حِنْثٍ .\rوَإِذَا طَالَبَتْهُ بِالْفَيْئَةِ ، فَهُوَ بِرِضَاهَا .\rوَلَوْ قَالَ : وَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُك حَتَّى تَشَائِي .\rفَهُوَ كَقَوْلِهِ : إلَّا بِرِضَاك .\rوَلَا يَكُونُ مُولِيًا بِذَلِكَ .\rوَإِنْ قَالَ : وَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُك إلَّا أَنْ يَشَاءَ أَبُوك .\rأَوْ : فُلَانٌ .\rلَمْ يَكُنْ مُولِيًا ؛ لِأَنَّهُ عَلَّقَهُ بِفِعْلٍ مِنْهُ يُمْكِنُ وُجُودُهُ فِي الْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُرِ إمْكَانًا غَيْرَ بَعِيدٍ ، وَلَيْسَ بِمُحَرَّمٍ ، وَلَا فِيهِ مَضَرَّةٌ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَالَ : وَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُك إلَّا أَنْ تَدْخُلِي الدَّارَ .\rوَإِنْ قَالَ : وَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُك إلَّا أَنْ تَشَائِي .\rلَمْ يَكُنْ مُولِيًا ، وَكَانَ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ : إلَّا بِرِضَاك .\rأَوْ : حَتَّى","part":17,"page":113},{"id":8113,"text":"تَشَائِي .\rوَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : إنْ شَاءَتْ فِي الْمَجْلِسِ ، لَمْ يَصِرْ مُولِيًا ، وَإِلَّا صَارَ مُولِيًا .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ : إنْ شَاءَتْ عَلَى الْفَوْرِ عَقِيبَ كَلَامِهِ ، لَمْ يَصِرْ مُولِيًا ، وَإِلَّا صَارَ مُولِيًا ؛ لِأَنَّ الْمَشِيئَةَ عِنْدَهُمْ عَلَى الْفَوْرِ ، وَقَدْ فَاتَتْ بِتَرَاخِيهَا .\rوَقَالَ الْقَاضِي : تَنْعَقِدُ يَمِينُهُ ، فَإِنْ شَاءَتْ انْحَلَّتْ ، وَإِلَّا فَهِيَ مُنْعَقِدَةٌ .\rوَلَنَا أَنَّهُ مَنَعَ نَفْسَهُ بِيَمِينِهِ مِنْ وَطْئِهَا إلَّا عِنْدَ إرَادَتِهَا ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَالَ : إلَّا بِرِضَاك .\rأَوْ : حَتَّى تَشَائِي .\rوَلِأَنَّهُ عَلَّقَهُ عَلَى وُجُودِ الْمَشِيئَةِ ، أَشْبَهَ مَا لَوْ عَلَّقَهُ عَلَى مَشِيئَةِ غَيْرِهَا .\rفَأَمَّا قَوْلُ الْقَاضِي : فَإِنْ أَرَادَ وُجُودَ الْمَشِيئَةِ عَلَى الْفَوْرِ .\rفَهُوَ كَقَوْلِهِمْ .\rوَإِنْ أَرَادَ وُجُودَ الْمَشِيئَةِ عَلَى التَّرَاخِي ، تَنْحَلُ بِهِ الْيَمِينُ ، لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ إيلَاءً ؛ لِأَنَّ تَعْلِيقَ الْيَمِينِ عَلَى فِعْلٍ يُمْكِنُ وُجُودُهُ فِي مُدَّةِ الْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُرِ ، إمْكَانًا غَيْرَ بَعِيدٍ ، لَيْسَ بِإِيلَاءٍ .\rوَاَللَّه أَعْلَمُ .","part":17,"page":114},{"id":8114,"text":"( 6112 ) فَصْلٌ : فَإِنْ قَالَ : وَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُك .\rفَهُوَ إيلَاءٌ ؛ لِأَنَّهُ قَوْلٌ يَقْتَضِي التَّأْبِيدَ .\rوَإِنْ قَالَ : وَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُك مُدَّةً .\rأَوْ : لَيَطُولَنَّ تَرْكِي لِجِمَاعِكِ .\rوَنَوَى مُدَّةً تَزِيدُ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ ، فَهُوَ إيلَاءٌ ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ يَحْتَمِلُهُ ، فَانْصَرَفَ إلَيْهِ بِنِيَّتِهِ .\rوَإِنْ نَوَى مُدَّةً قَصِيرَةً ، لَمْ يَكُنْ إيلَاءً لِذَلِكَ .\rوَإِنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا ، لَمْ يَكُنْ إيلَاءً ؛ لِأَنَّهُ يَقَعُ عَلَى الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ ، فَلَا يَتَعَيَّنُ لِلْكَثِيرِ .\rفَإِنْ قَالَ : وَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُك أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ ، فَإِذَا مَضَتْ ، فَوَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُك أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ .\rأَوْ : فَإِذَا مَضَتْ ، فَوَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُك شَهْرَيْنِ .\rأَوْ : لَا وَطِئْتُك شَهْرَيْنِ ، فَإِذَا مَضَتْ ، فَوَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُك أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ .\rفَفِيهِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا : لَيْسَ بِمُولٍ ؛ لِأَنَّهُ حَالِفٌ بِكُلِّ يَمِينٍ عَلَى مُدَّةٍ نَاقِصَةٍ عَنْ مُدَّةِ الْإِيلَاءِ ، فَلَمْ يَكُنْ مُولِيًا ، كَمَا لَوْ لَمْ يَنْوِ إلَّا مُدَّتَهَا ، وَلِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ الْوَطْءُ بِالنِّسْبَةِ إلَى كُلِّ يَمِينٍ عَقِيبَ مُدَّتِهَا مِنْ غَيْرِ حِنْثٍ فِيهَا ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ اقْتَصَرَ عَلَيْهَا وَالثَّانِي ، يَصِيرُ مُولِيًا ؛ لِأَنَّهُ مَنَعَ نَفْسَهُ مِنْ الْوَطْءِ بِيَمِينِهِ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ مُتَوَالِيَةٍ ، فَكَانَ مُولِيًا ، كَمَا لَوْ مَنَعَهَا بِيَمِينِ وَاحِدَةٍ ، وَلِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ الْوَطْءُ بَعْدَ الْمُدَّةِ إلَّا بِحِنْثٍ فِي يَمِينِهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ حَلَفَ عَلَى ذَلِكَ بِيَمِينٍ وَاحِدَةٍ ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ هَذَا إيلَاءً ، أَفْضَى إلَى أَنْ يُمْنَعَ مِنْ الْوَطْءِ طُولَ دَهْرِهِ بِالْيَمِينِ ، فَلَا يَكُونُ مُولِيًا .\rوَهَكَذَا الْحُكْمُ فِي كُلِّ مُدَّتَيْنِ مُتَوَالِيَتَيْنِ يَزِيدُ مَجْمُوعُهُمَا عَلَى أَرْبَعَةٍ ، كَثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ وَثَلَاثَةٍ ، أَوْ ثَلَاثَةٍ وَشَهْرَيْنِ ، لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ التَّعْلِيلَيْنِ .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":17,"page":115},{"id":8115,"text":"( 6113 ) فَصْلٌ : فَإِنْ قَالَ : إنْ وَطِئْتُك ، فَوَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُك .\rلَمْ يَكُنْ مُولِيًا فِي الْحَالِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ بِالْوَطْءِ حَقٌّ ، لَكِنْ إنْ وَطِئَهَا صَارَ مُولِيًا ؛ لِأَنَّهَا تَبْقَى يَمِينًا تَمْنَعُ الْوَطْءَ عَلَى التَّأْبِيدِ .\rوَهَذَا الصَّحِيحُ عَنْ الشَّافِعِيِّ وَحُكِيَ عَنْهُ قَوْلٌ قَدِيمٌ ، أَنَّهُ يَكُونُ مُولِيًا مِنْ الْأَوَّلِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ الْوَطْءُ إلَّا بِأَنْ يَصِيرَ مُولِيًا ، فَيَلْحَقُهُ بِالْوَطْءِ ضَرَرٌ .\rوَكَذَلِكَ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ ، إنْ قَالَ : وَطِئْتُك فَوَاَللَّهِ لَا دَخَلْت الدَّارَ .\rلَمْ يَكُنْ مُولِيًا مِنْ الْأَوَّلِ ، فَإِنْ وَطِئَهَا انْحَلَّ الْإِيلَاءُ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ مُمْتَنِعًا مِنْ وَطْئِهَا بِيَمِينٍ وَلَا غَيْرِهَا ، وَإِنَّمَا بَقِيَ مُمْتَنِعًا بِالْيَمِينِ مِنْ دُخُولِ الدَّارِ .\rوَلَنَا أَنَّ يَمِينَهُ مُعَلَّقَةٌ بِشَرْطٍ ، فَفِيمَا قَبْلَهُ لَيْسَ بِحَالِفٍ ، فَلَا يَكُونُ مُولِيًا ، وَلِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ الْوَطْءُ مِنْ غَيْرِ حِنْثٍ ، فَلَمْ يَكُنْ مُولِيًا ، كَمَا لَوْ لَمْ يَقُلْ شَيْئًا .\rوَكَوْنُهُ يَصِيرُ مُولِيًا ، لَا يَلْزَمُهُ بِهِ شَيْءٌ ، وَإِنَّمَا يَلْزَمُهُ بِالْحِنْثِ .\rوَلَوْ قَالَ : وَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُك فِي السَّنَةِ إلَّا مَرَّةً .\rلَمْ يَصِرْ مُولِيًا فِي الْحَالِ ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ الْوَطْءُ مَتَى شَاءَ بِغَيْرِ حِنْثٍ ، فَلَمْ يَكُنْ مَمْنُوعًا مِنْ الْوَطْءِ بِحُكْمِ يَمِينِهِ ، فَإِذَا وَطِئَهَا وَقَدْ بَقِيَ مِنْ السَّنَةِ أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ ، صَارَ مُولِيًا .\rوَهَذَا قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ ، وَظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ .\rوَفِي قَوْلِهِ الْقَدِيمِ ، يَكُونُ مُولِيًا فِي الِابْتِدَاءِ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا فِي الَّتِي قَبْلَهَا .\rوَقَدْ أَجَبْنَا عَنْهُ .\rوَإِنْ قَالَ : وَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُك سَنَةً إلَّا يَوْمًا .\rفَكَذَلِكَ .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّ الْيَوْمَ مُنَكَّرٌ ، فَلَمْ يَخْتَصَّ يَوْمًا دُونَ يَوْمٍ ، وَلِذَلِكَ لَوْ قَالَ : صُمْت رَمَضَانَ إلَّا يَوْمًا .\rلَمْ يَخْتَصَّ الْيَوْمَ الْآخِرَ .\rوَلَوْ قَالَ : لَا أُكَلِّمُك فِي السَّنَةِ إلَّا يَوْمًا .\rلَمْ","part":17,"page":116},{"id":8116,"text":"يَخْتَصَّ يَوْمًا مِنْهَا .\rوَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ ، أَنَّهُ يَصِيرُ مُولِيًا فِي الْحَالِ .\rوَهُوَ قَوْلُ زُفَرُ ؛ لِأَنَّ الْيَوْمَ الْمُسْتَثْنَى يَكُونُ مِنْ آخِرِ الْمُدَّةِ ، كَالتَّأْجِيلِ وَمُدَّةِ الْخِيَارِ ، بِخِلَافِ قَوْلِهِ : لَا وَطِئْتُك فِي السَّنَةِ إلَّا مَرَّةً ، فَإِنَّ الْمَرَّةَ لَا تَخْتَصُّ وَقْتًا بِعَيْنِهِ .\rوَمَنْ نَصَرَ الْأَوَّلَ فَرَّقَ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ التَّأْجِيلِ وَمُدَّةِ الْخِيَارِ ، مِنْ حَيْثُ إنَّ التَّأْجِيلَ وَمُدَّةَ الْخِيَارِ ، تَجِبُ الْمُوَالَاةُ فِيهِمَا ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَخَلَّلَهُمَا يَوْمٌ لَا أَجَلَ فِيهِ وَلَا خِيَارَ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ جَازَتْ لَهُ الْمُطَالَبَةُ فِي أَثْنَاءِ الْأَجْلِ ، لَزِمَ قَضَاءُ الدَّيْنِ ، فَيَسْقُطُ التَّأْجِيلُ بِالْكُلِّيَّةِ ، وَلَوْ لَزِمَ الْعَقْدُ فِي أَثْنَاءِ مُدَّةِ الْخِيَارِ ، لَمْ يَعُدْ إلَى الْجَوَازِ ، فَتَعَيَّنَ جَعْلُ الْيَوْمِ الْمُسْتَثْنَى مِنْ آخِرِ الْمُدَّةِ ، بِخِلَافِ مَا نَحْنُ فِيهِ ، فَإِنَّ جَوَازَ الْوَطْءِ فِي يَوْمٍ مِنْ أَوَّلِ السَّنَةِ أَوْ أَوْسَطِهَا ، لَا يَمْنَعُ ثُبُوتَ حُكْمِ الْيَمِينِ فِيمَا بَقِيَ مِنْ الْمُدَّةِ ، فَصَارَ ذَلِكَ كَقَوْلِهِ : لَا وَطِئْتُك فِي السَّنَةِ إلَّا مَرَّةً .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":17,"page":117},{"id":8117,"text":"( 6114 ) فَصْلٌ : فَإِنْ قَالَ : وَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُك عَامًا .\rثُمَّ قَالَ : وَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُك عَامًا .\rفَهُوَ إيلَاءٌ وَاحِدٌ ، حَلَفَ عَلَيْهِ بِيَمِينَيْنِ ، إلَّا أَنْ يَنْوِيَ عَامًا آخَرَ سِوَاهُ .\rوَإِنْ قَالَ : وَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُك عَامًا .\rثُمَّ قَالَ : وَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُك نِصْفَ عَامٍ .\rأَوْ قَالَ : وَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُك نِصْفَ عَامٍ .\rثُمَّ قَالَ : وَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُك عَامًا .\rدَخَلَتْ الْمُدَّةُ الْقَصِيرَةُ فِي الطَّوِيلَةِ ؛ لِأَنَّهَا بَعْضُهَا ، وَلَمْ يَجْعَلْ إحْدَاهُمَا بَعْدَ الْأُخْرَى ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَقَرَّ بِدِرْهَمٍ ، ثُمَّ أَقَرَّ بِنِصْفِ دِرْهَمٍ ، أَوْ أَقَرَّ بِنِصْفِ دِرْهَمٍ ، ثُمَّ أَقَرَّ بِدِرْهَمٍ ، فَيَكُونُ إيلَاءً وَاحِدًا ، لَهُمَا وَقْتُ وَاحِدٌ ، وَكَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ .\rوَإِنْ نَوَى بِإِحْدَى الْمُدَّتَيْنِ غَيْرَ الْأُخْرَى فِي هَذِهِ أَوْ فِي الَّتِي قَبْلَهَا ، أَوْ قَالَ : وَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُك عَامًا .\rثُمَّ : وَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُك عَامًا آخَرَ .\rأَوْ : نِصْفَ عَامٍ آخَرَ .\rأَوْ قَالَ : وَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُك عَامًا ، فَإِذَا مَضَى فَوَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُك عَامًا .\rفَهُمَا إيلَاءَانِ فِي زَمَانَيْنِ ، لَا يَدْخُلُ حُكْمُ أَحَدِهِمَا فِي الْآخَرِ ، أَحَدُهُمَا مُنَجَّزٌ ، وَالْآخَرُ مُتَأَخِّرٌ ، فَإِذَا مَضَى حُكْمُ أَحَدِهِمَا ، بَقِيَ حُكْمُ الْآخَرِ ؛ لِأَنَّهُ أَفْرَدَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِزَمَنٍ غَيْرِ زَمَنِ صَاحِبِهِ ، فَيَكُونُ لَهُ حُكْمٌ يَنْفَرِدُ بِهِ .\rفَإِنْ قَالَ فِي الْمُحَرَّمِ : وَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُك هَذَا الْعَامَ .\rثُمَّ قَالَ : وَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُك عَامًا مِنْ رَجَبٍ إلَى تَمَامِ اثْنَيْ عَشْرَ شَهْرًا .\rأَوْ قَالَ فِي الْمُحَرَّمِ : وَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُك عَامًا .\rثُمَّ قَالَ فِي رَجَبٍ : وَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُك عَامًا .\rفَهُمَا إيلَاءَانِ فِي مُدَّتَيْنِ ، بَعْضُ إحْدَاهُمَا دَاخِلٌ فِي الْأُخْرَى .\rفَإِنْ فَاءَ فِي رَجَبٍ ، أَوْ فِيمَا بَعْدَهُ مِنْ بَقِيَّةِ الْعَامِ الْأَوَّلِ ، حَنِثَ فِي الْيَمِينَيْنِ ، وَتُجْزِئُهُ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ ، وَيَنْقَطِعُ حُكْمُ الْإِيلَاءَيْنِ .\rوَإِنْ فَاءَ قَبْلَ رَجَبٍ ، أَوْ بَعْدَ الْعَامِ","part":17,"page":118},{"id":8118,"text":"الْأَوَّلِ ، حَنِثَ فِي إحْدَى الْيَمِينَيْنِ دُونَ الْأُخْرَى .\rوَإِنْ فَاءَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ حَنِثَ فِي الْيَمِينَيْنِ ، وَعَلَيْهِ كَفَّارَتَانِ .","part":17,"page":119},{"id":8119,"text":"( 6115 ) فَصْلٌ : فَإِنْ قَالَ لِأَرْبَعِ نِسْوَةٍ : وَاَللَّهِ لَا أَقْرَبُكُنَّ .\rانْبَنَى ذَلِكَ عَلَى أَصْلٍ ، وَهُوَ الْحِنْثُ بِفِعْلِ بَعْضِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ أَوَّلًا ، فَإِنْ قُلْنَا : يَحْنَثُ .\rفَهُوَ مُولٍ مِنْهُنَّ كُلِّهِنَّ فِي الْحَالِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ وَطْءُ وَاحِدَةٍ بِغَيْرِ حِنْثٍ ، فَصَارَ مَانِعًا لِنَفْسِهِ مِنْ وَطْءِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ فِي الْحَالِ ، فَإِنْ وَطِئَ وَاحِدَةً مِنْهُنَّ ، حَنِثَ ، وَانْحَلَّتْ يَمِينُهُ ، وَزَالَ الْإِيلَاءُ مِنْ الْبَوَاقِي .\rوَإِنْ طَلُقَ بَعْضُهُنَّ أَوْ مَاتَ ، لَمْ يَنْحَلَّ الْإِيلَاءُ فِي الْبَوَاقِي .\rوَإِنْ قُلْنَا : لَا يَحْنَثُ بِفِعْلِ الْبَعْضِ .\rلَمْ يَكُنْ مُولِيًا مِنْهُنَّ فِي الْحَالِ ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ وَطْءُ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ مِنْ غَيْرِ حِنْثٍ ، فَلَمْ يَمْنَعْ نَفْسَهُ بِيَمِينِهِ مِنْ وَطْئِهَا ، فَلَمْ يَكُنْ مُولِيًا مِنْهَا .\rفَإِنْ وَطِئَ ثَلَاثًا ، صَارَ مُولِيًا مِنْ الرَّابِعَةِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ وَطْؤُهَا مِنْ غَيْرِ حِنْثٍ فِي يَمِينِهِ .\rوَإِنْ مَاتَ بَعْضُهُنَّ ، أَوْ طَلَّقَهَا ، انْحَلَّتْ يَمِينُهُ ، وَزَالَ الْإِيلَاءُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْنَثُ بِوَطْئِهِنَّ ، وَإِنَّمَا يَحْنَثُ بِوَطْءِ الْأَرْبَعِ .\rفَإِنْ رَاجَعَ الْمُطَلَّقَةَ ، أَوْ تَزَوَّجَهَا بَعْدَ بَيْنُونَتِهَا ، عَادَ حُكْمُ يَمِينِهِ .\rوَذَكَرَ الْقَاضِي ، أَنَّا إذَا قُلْنَا : يَحْنَثُ بِفِعْلِ الْبَعْضِ .\rفَوَطِئَ وَاحِدَةً ، حَنِثَ ، وَلَمْ يَنْحَلَّ الْإِيلَاءُ فِي الْبَوَاقِي ؛ لِأَنَّ الْإِيلَاءَ مِنْ امْرَأَةٍ لَا يَنْحَلُّ بِوَطْءِ غَيْرِهَا .\rوَلَنَا أَنَّهَا يَمِينٌ وَاحِدَةٌ حَنِثَ فِيهَا ، فَوَجَبَ أَنْ تَنْحَلَّ ، كَسَائِرِ الْأَيْمَانِ ، وَلِأَنَّهُ إذَا وَطِئَ وَاحِدَةً حَنِثَ ، وَلَزِمَتْهُ الْكَفَّارَةُ ، فَلَا يَلْزَمُهُ بِوَطْءِ الْبَاقِيَاتِ شَيْءٌ ، فَلَمْ يَبْقَ مُمْتَنِعًا مِنْ وَطْئِهِنَّ بِحُكْمِ يَمِينِهِ ، فَانْحَلَّ الْإِيلَاءُ ، كَمَا لَوْ كَفَّرَهَا .\rوَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : لَا يَكُونُ مُولِيًا مِنْهُنَّ حَتَّى يَطَأَ ثَلَاثًا ، فَيَصِيرَ مُولِيًا مِنْ الرَّابِعَةِ .\rوَحَكَى الْمُزَنِيّ ، عَنْ","part":17,"page":120},{"id":8120,"text":"الشَّافِعِيِّ ، أَنَّهُ يَكُونُ مُولِيًا مِنْهُنَّ كُلِّهِنَّ ، يُوقَفُ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ ، فَإِذَا أَصَابَ بَعْضَهُنَّ ، خَرَجَتْ مِنْ حُكْمِ الْإِيلَاءِ ، وَيُوقَفُ لِمَنْ بَقِيَ حَتَّى يَفِيءَ أَوْ يُطَلِّقَ ، وَلَا يَحْنَثُ حَتَّى يَطَأَ الْأَرْبَعَ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ : يَكُونُ مُولِيًا مِنْهُنَّ كُلِّهِنَّ ، فَإِنْ تَرَكَهُنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ ، بِنَّ مِنْهُ جَمِيعًا بِالْإِيلَاءِ ، وَإِنْ وَطِئَ بَعْضَهُنَّ ، سَقَطَ الْإِيلَاءُ فِي حَقِّهَا ، وَلَا يَحْنَثُ إلَّا بِوَطْئِهِنَّ جَمِيعًا .\rوَلَنَا ، أَنَّ مَنْ لَا يَحْنَثُ بِوَطْئِهَا ، لَا يَكُونُ مُولِيًا مِنْهَا ، كَاَلَّتِي لَمْ يَحْلِفْ عَلَيْهَا .","part":17,"page":121},{"id":8121,"text":"( 6116 ) فَصْلٌ : فَإِنْ قَالَ : وَاَللَّهِ لَا وَطِئْت وَاحِدَةً مِنْكُنَّ .\rوَنَوَى وَاحِدَةً بِعَيْنِهَا ، تَعَلَّقَتْ يَمِينُهُ بِهَا وَحْدَهَا ، وَصَارَ مُولِيًا مِنْهَا دُونَ غَيْرِهَا .\rوَإِنْ نَوَى وَاحِدَةً مُبْهَمَةً مِنْهُنَّ ، لَمْ يَصِرْ مُولِيًا مِنْهُنَّ فِي الْحَالِ ، فَإِذَا وَطِئَ ثَلَاثًا ، كَانَ مُولِيًا مِنْ الرَّابِعَةِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَخْرُجَ الْمُولَى مِنْهَا بِالْقُرْعَةِ ، كَالطَّلَاقِ إذَا أَوْقَعَهُ فِي مُبْهَمَةٍ مِنْ نِسَائِهِ .\rوَإِنْ أَطْلَقَ ، صَارَ مُولِيًا مِنْهُنَّ كُلِّهِنَّ فِي الْحَالِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ وَطْءُ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ إلَّا بِالْحِنْثِ ، فَإِنْ طَلَّقَ وَاحِدَةً مِنْهُنَّ ، أَوْ مَاتَتْ ، كَانَ مُولِيًا مِنْ الْبَوَاقِي .\rوَإِنْ وَطِئَ وَاحِدَةً مِنْهُنَّ ، حَنِثَ وَانْحَلَّتْ يَمِينُهُ .\rوَسَقَطَ حُكْمُ الْإِيلَاءِ فِي الْبَاقِيَاتِ ؛ لِأَنَّهَا يَمِينٌ وَاحِدَةٌ ، فَإِذَا حَنِثَ فِيهَا مَرَّةً ، لَمْ يَحْنَثْ مَرَّةً ثَانِيَةً .\rوَلَا يَبْقَى حُكْمُ الْيَمِينِ بَعْدَ حِنْثِهِ فِيهَا ، بِخِلَافِ مَا إذَا طَلَّقَ وَاحِدَةً أَوْ مَاتَتْ ، فَإِنَّهُ لَمْ يَحْنَثْ ، فَبَقِيَ حُكْمُ يَمِينِهِ فِي مَنْ بَقِيَ مِنْهُنَّ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rوَذَكَرَ الْقَاضِي ، أَنَّهُ إذَا أَطْلَقَ ، كَانَ الْإِيلَاءُ فِي وَاحِدَةٍ غَيْرِ مُعَيَّنَةٍ .\rوَهُوَ اخْتِيَارُ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ لَفْظَهُ تَنَاوَلَ وَاحِدَةً مُنْكَرَةً ، فَلَا يَقْتَضِي الْعُمُومَ .\rوَلَنَا أَنَّ النَّكِرَةَ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ تَعُمُّ ، كَقَوْلِهِ { : مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً } .\rوَقَوْلِهِ { : وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ } .\rوَقَوْلِهِ { : وَمَنْ لَمْ يَجْعَلْ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ } .\rوَلَوْ قَالَ إنْسَانٌ : وَاَللَّهِ لَا شَرِبْت مَاءً مِنْ إدَاوَةٍ .\rحَنِثَ بِالشُّرْبِ مِنْ أَيِّ إدَاوَةٍ كَانَتْ ، فَيَجِبُ حَمْلُ اللَّفْظِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ عَلَى مُقْتَضَاهُ فِي الْعُمُومِ .\rوَإِنْ قَالَ : نَوَيْتُ وَاحِدَةً مُعَيَّنَةً ، أَوْ وَاحِدَةً مُبْهَمَةً .\rقُبِلَ مِنْهُ ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ يَحْتَمِلُهُ احْتِمَالًا غَيْرَ بَعِيدٍ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ، إلَّا أَنَّهُ إذَا","part":17,"page":122},{"id":8122,"text":"أَبْهَمَ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهَا ، فَلَهُ أَنْ يُعَيِّنَهَا بِقَوْلِهِ .\rوَأَصْلُ هَذَا مَذْكُورٌ فِي الطَّلَاقِ .","part":17,"page":123},{"id":8123,"text":"( 6117 ) فَصْلٌ : فَإِنْ قَالَ : وَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْكُنَّ .\rصَارَ مُولِيًا مِنْهُنَّ كُلِّهِنَّ فِي الْحَالِ ، وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ : نَوَيْت وَاحِدَةً مِنْهُنَّ مُعَيَّنَةً ، وَلَا مُبْهَمَةً ؛ لِأَنَّ لَفْظَةَ كُلِّ أَزَالَتْ احْتِمَالَ الْخُصُوصِ ، وَمَتَى حَنِثَ فِي الْبَعْضِ ، انْحَلَّ الْإِيلَاءُ فِي الْجَمِيعِ ، كَاَلَّتِي قَبْلَهَا .\rوَقَالَ الْقَاضِي ، وَبَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ : لَا تَنْحَلُّ فِي الْبَاقِيَاتِ .\rوَلَنَا أَنَّهَا يَمِينٌ وَاحِدَةٌ حَنِثَ فِيهَا ، فَسَقَطَ حُكْمُهَا ، كَمَا لَوْ حَلَفَ عَلَى وَاحِدَةٍ ، وَلِأَنَّ الْيَمِينَ الْوَاحِدَةَ إذَا حَنِثَ فِيهَا مَرَّةً ، لَمْ يُمْكِنْ الْحِنْثُ فِيهَا مَرَّةً أُخْرَى ، فَلَمْ يَبْقَ مُمْتَنِعًا مِنْ وَطْءِ الْبَاقِيَاتِ بِحُكْمِ الْيَمِينِ ، فَلَمْ يَبْقَ الْإِيلَاءُ كَسَائِرِ الْأَيْمَانِ الَّتِي حَنِثَ فِيهَا ، وَفِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ الَّتِي قُلْنَا بِكَوْنِهِ مُولِيًا مِنْهُنَّ كُلِّهِنَّ إذَا طَالَبْنَ كُلُّهُنَّ بِالْفَيْئَةِ ، وُقِفَ لَهُنَّ كُلِّهِنَّ ، وَإِنْ طَالَبْنَ فِي أَوْقَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، يُوقَفُ لِلْجَمِيعِ وَقْتَ مُطَالَبَةِ أُولَاهُنَّ .\rقَالَ الْقَاضِي : وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ .\rوَالثَّانِيَةُ ، يُوقَفُ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ عِنْدَ مُطَالَبَتِهَا .\rاخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ، فَإِذَا وُقِفَ لِلْأُولَى ، وَطَلَّقَهَا وَوُقِفَ لِلثَّانِيَةِ ، فَإِنْ طَلَّقَهَا ، وُقِفَ لِلثَّالِثَةِ ، فَإِنْ طَلَّقَهَا ، وُقِفَ لِلرَّابِعَةِ .\rوَكَذَلِكَ مَنْ مَاتَ مِنْهُنَّ ، لَمْ يَمْنَعْ مِنْ وَقْفِهِ لِلْأُخْرَى ؛ لِأَنَّ يَمِينَهُ لَمْ تَنْحَلَّ ، وَإِيلَاؤُهُ بَاقٍ ؛ لِعَدَمِ حِنْثِهِ فِيهِنَّ .\rوَإِنْ وَطِئَ إحْدَاهُنَّ حِينَ وُقِفَ لَهَا ، أَوْ قَبْلَهُ انْحَلَّتْ يَمِينُهُ ، وَسَقَطَ حُكْمُ الْإِيلَاءِ فِي الْبَاقِيَاتِ ، عَلَى مَا قُلْنَاهُ .\rوَعَلَى قَوْلِ الْقَاضِي ، وَمَنْ وَافَقَهُ يُوقَفُ لِلْبَاقِيَاتِ ، كَمَا لَوْ طَلَّقَ الَّتِي وُقِفَ لَهَا .","part":17,"page":124},{"id":8124,"text":"( 6118 ) فَصْلٌ : فَإِنْ قَالَ : كُلَّمَا وَطِئْت وَاحِدَةً مِنْكُنَّ فَضَرَائِرُهَا طَوَالِقُ .\rفَإِنْ قُلْنَا : لَيْسَ هَذَا بِإِيلَا .\rفَلَا كَلَامَ .\rوَإِنْ قُلْنَا : هُوَ إيلَاءٌ .\rفَهُوَ مُولٍ مِنْهُنَّ جَمِيعًا ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ وَطْءُ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ إلَّا بِطَلَاقِ ضَرَائِرِهَا ، فَيُوقَفُ لَهُنَّ ، فَإِنْ فَاءَ إلَى وَاحِدَةٍ ، طَلَّقَ ضَرَائِرَهَا ، فَإِنْ كَانَ الطَّلَاقُ بَائِنًا ، انْحَلَّ الْإِيلَاءُ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ مَمْنُوعًا مِنْ وَطْئِهَا بِحُكْمِ يَمِينِهِ .\rوَإِنْ كَانَ رَجْعِيًّا ، فَرَاجَعَهُنَّ ، بَقِيَ حُكْمُ الْإِيلَاءِ فِي حَقّهنَّ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ وَطْءُ وَاحِدَةٍ إلَّا بِطَلَاقِ ضَرَائِرِهَا .\rوَكَذَلِكَ إنْ رَاجَعَ بَعْضَهُنَّ لِذَلِكَ ، إلَّا أَنَّ الْمُدَّةَ تُسْتَأْنَفُ مِنْ حِينِ الرَّجْعَةِ .\rوَلَوْ كَانَ الطَّلَاقُ بَائِنًا ، فَعَادَ فَتَزَوَّجَهُنَّ ، أَوْ تَزَوَّجَ بَعْضَهُنَّ ، عَادَ حُكْمُ الْإِيلَاءِ ، وَاسْتُؤْنِفَتْ الْمُدَّةُ مِنْ حِينِ النِّكَاحِ .\rوَسَوَاءٌ تَزَوَّجَهُنَّ فِي الْعِدَّةِ ، أَوْ بَعْدَهَا ، أَوْ بَعْدَ زَوْجٍ آخَرَ وَإِصَابَةٍ ؛ لِمَا سَنَذْكُرُهُ فِيمَا بَعْدُ .\rوَإِنْ قَالَ : نَوَيْتُ وَاحِدَةً بِعَيْنِهَا .\rقُبِلَ مِنْهُ ، وَتَعَلَّقَتْ يَمِينُهُ بِهَا ، فَإِذَا وَطِئَهَا طَلَّقَ ضَرَائِرَهَا ، وَإِنْ وَطِئَ غَيْرَهَا ، لَمْ يُطَلَّقْ مِنْهُنَّ شَيْءٌ ، وَيَكُونُ مُولِيًا مِنْ الْمُعَيَّنَةِ دُونَ غَيْرِهَا ؛ لِأَنَّهَا الَّتِي يَلْزَمُهُ بِوَطْئِهَا الطَّلَاقُ دُونَ غَيْرِهَا .","part":17,"page":125},{"id":8125,"text":"( 6119 ) فَصْلٌ : الشَّرْطُ الثَّالِثُ أَنْ يَحْلِفَ عَلَى تَرْكِ الْوَطْءِ فِي الْفَرْجِ .\rوَلَوْ قَالَ : وَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُك فِي الدُّبُرِ .\rلَمْ يَكُنْ مُولِيًا ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتْرُكْ الْوَطْءَ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ ، وَلَا تَتَضَرَّرُ الْمَرْأَةُ بِتَرْكِهِ ، وَإِنَّمَا هُوَ وَطْءٌ مُحَرَّمٌ ، وَقَدْ أَكَّدَ مَنْعَ نَفْسِهِ مِنْهُ بِيَمِينِهِ .\rوَإِنْ قَالَ : وَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُك دُونَ الْفَرْجِ .\rلَمْ يَكُنْ مُولِيًا ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَحْلِفْ عَلَى الْوَطْءِ الَّذِي يُطَالَبُ بِهِ فِي الْفَيْئَةِ ، وَلَا ضَرَرَ عَلَى الْمَرْأَةِ فِي تَرْكِهِ .\rوَإِنْ قَالَ : وَاَللَّهِ لَا جَامَعْتُك إلَّا جِمَاعَ سَوْءٍ .\rسُئِلَ عَمَّا أَرَادَ فَإِنْ قَالَ أَرَدْتُ الْجِمَاعَ فِي الدُّبُرِ .\rفَهُوَ مُولٍ ؛ لِأَنَّهُ حَلَفَ عَلَى تَرْكِ الْوَطْءِ فِي الْفَرْجِ .\rوَكَذَلِكَ إنْ قَالَ أَرَدْتُ أَنْ لَا أَطَأَهَا إلَّا دُونَ الْفَرْجِ .\rوَإِنْ قَالَ : أَرَدْتُ جِمَاعًا ضَعِيفًا ، لَا يَزِيدُ عَلَى الْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ .\rلَمْ يَكُنْ مُولِيًا ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ الْوَطْءُ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ فِي الْفَيْئَةِ بِغَيْرِ حِنْثٍ .\rوَإِنْ قَالَ : أَرَدْتُ وَطْئًا لَا يَبْلُغُ الْتِقَاءَ الْخِتَانَيْنِ .\rفَهُوَ مُولٍ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ الْوَطْءُ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ فِي الْفَيْئَةِ بِغَيْرِ حِنْثٍ .\rوَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ ، فَلَيْسَ بِمُولٍ ؛ لِأَنَّهُ مُحْتَمِلٌ ، فَلَا يَتَعَيَّنُ مَا يَكُونُ بِهِ مُولِيًا .\rوَإِنْ قَالَ : وَاَللَّهِ لَا جَامَعْتُك جِمَاعَ سَوْءٍ .\rلَمْ يَكُنْ مُولِيًا بِحَالٍ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَحْلِفْ عَلَى تَرْكِ الْوَطْءِ ، إنَّمَا حَلَفَ عَلَى تَرْكِ صِفَتِهِ الْمَكْرُوهَةِ .","part":17,"page":126},{"id":8126,"text":"( 6120 ) فَصْلٌ : الشَّرْطُ الرَّابِعُ ، أَنْ يَكُونَ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهَا امْرَأَةً ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى { : لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ } .\rوَلِأَنَّ غَيْرَ الزَّوْجَةِ لَا حَقَّ لَهَا فِي وَطْئِهِ ، فَلَا يَكُونُ مُولِيًا مِنْهَا ، كَالْأَجْنَبِيَّةِ .\rفَإِنْ حَلَفَ عَلَى تَرْكِ وَطْءِ أَمَتِهِ ، لَمْ يَكُنْ مُولِيًا ؛ لِمَا ذَكَرْنَا .\rوَإِنْ حَلَفَ عَلَى تَرْكِ وَطْءِ أَجْنَبِيَّةٍ ، ثُمَّ نَكَحَهَا ، لَمْ يَكُنْ مُولِيًا ؛ لِذَلِكَ .\rوَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : يَصِيرُ مُولِيًا إذَا بَقِيَ مِنْ مُدَّةِ يَمِينِهِ أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ ؛ لِأَنَّهُ مُمْتَنِعٌ مِنْ وَطْءِ امْرَأَتِهِ بِحُكْمِ يَمِينِهِ مُدَّةَ الْإِيلَاءِ ، فَكَانَ مُولِيًا ، كَمَا لَوْ حَلَفَ فِي الزَّوْجِيَّةِ .\rوَحُكِيَ عَنْ أَصْحَابِ الرَّأْيِ ، أَنَّهُ إنْ مَرَّتْ بِهِ امْرَأَةٌ ، فَحَلَفَ أَنْ لَا يَقْرَبَهَا ، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا ، لَمْ يَكُنْ مُولِيًا .\rوَإِنْ قَالَ : إنْ تَزَوَّجْتُ فُلَانَةَ ، فَوَاَللَّهِ لَا قَرَبْتُهَا .\rصَارَ مُولِيًا ؛ لِأَنَّهُ أَضَافَ الْيَمِينَ إلَى حَالِ الزَّوْجِيَّةِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ حَلَفَ بَعْدَ تَزْوِيجِهَا .\rوَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى { : لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ } .\rوَهَذِهِ لَيْسَتْ مِنْ نِسَائِهِ ، وَلِأَنَّ الْإِيلَاءَ حُكْمٌ مِنْ أَحْكَامِ النِّكَاحِ ، فَلَمْ يَتَقَدَّمْهُ كَالطَّلَاقِ وَالْقَسَمِ ، وَلِأَنَّ الْمُدَّةَ تُضْرَبُ لَهُ لِقَصْدِهِ الْإِضْرَارَ بِهَا بِيَمِينِهِ ، وَإِذَا كَانَتْ الْيَمِينُ قَبْلَ النِّكَاحِ ، لَمْ يَكُنْ قَاصِدًا لِلْإِضْرَارِ ، فَأَشْبَهَ الْمُمْتَنِعَ بِغَيْرِ يَمِينٍ .\rقَالَ الشَّرِيفُ أَبُو جَعْفَرٍ : وَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ : يَصِحُّ الظِّهَارُ قَبْلَ النِّكَاحِ ؛ لِأَنَّهُ يَمِينٌ .\rفَعَلَى هَذَا التَّعْلِيلِ يَصِحُّ الْإِيلَاءُ قَبْلَ النِّكَاحِ .\rوَالْمَنْصُوصُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ .","part":17,"page":127},{"id":8127,"text":"( 6121 ) فَصْلٌ : فَإِنْ آلَى مِنْ الرَّجْعِيَّةِ ، صَحَّ إيلَاؤُهُ .\rوَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ ؛ وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ .\rوَذَكَرَ ابْنُ حَامِدٍ ، أَنَّ فِيهِ رِوَايَةً أُخْرَى ، أَنَّهُ لَا يَصِحُّ إيلَاؤُهُ ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ يَقْطَعُ مُدَّةَ الْإِيلَاءِ إذَا طَرَأَ ، فَلَأَنْ يَمْنَعَ صِحَّتَهُ ابْتِدَاءً أَوْلَى .\rوَلَنَا ، أَنَّهَا زَوْجَةٌ يَلْحَقُهَا طَلَاقُهُ ، فَصَحَّ إيلَاؤُهُ مِنْهَا ، كَغَيْرِ الْمُطَلَّقَةِ .\rوَإِذَا آلَى مِنْهَا احْتَسَبَ بِالْمُدَّةِ مِنْ حِينِ آلَى ، وَإِنْ كَانَتْ فِي الْعِدَّةِ .\rذَكَرَهُ ابْنُ حَامِدٍ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ .\rوَيَجِيءُ عَلَى قَوْلِ الْخِرَقِيِّ أَنْ لَا يُحْتَسَبَ عَلَيْهِ بِالْمُدَّةِ إلَّا مِنْ حِينِ رَاجَعَهَا ، لِأَنَّ ظَاهِرَ كَلَامِهِ أَنَّ الرَّجْعِيَّةَ مُحَرَّمَةٌ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهَا مُعْتَدَّةٌ مِنْهُ ، فَأَشْبَهَتْ الْبَائِنَ ، وَلِأَنَّ الطَّلَاقَ إذَا طَرَأَ قَطَعَ الْمُدَّةَ ، ثُمَّ لَا يُحْتَسَبُ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ مِنْ الْمُدَّةِ قَبْلَ رَجْعَتِهَا ، فَأَوْلَى أَنْ لَا يَسْتَأْنِفَ الْمُدَّةَ فِي الْعِدَّةِ .\rوَوَجْهُ الْأَوَّلِ ، أَنَّ مَنْ صَحَّ إيلَاؤُهُ ، اُحْتُسِبَ عَلَيْهِ بِالْمُدَّةِ مِنْ حِينِ إيلَائِهِ ، كَمَا لَوْ لَمْ تَكُنْ مُطَلَّقَةً ، وَلِأَنَّهَا مُبَاحَةٌ ، فَاحْتُسِبَ عَلَيْهِ بِالْمُدَّةِ فِيهَا ، كَمَا لَوْ لَمْ يُطَلِّقْهَا .\rوَفَارَقَ الْبَائِنَ ، فَإِنَّهَا لَيْسَتْ زَوْجَةً ، وَلَا يَصِحُّ الْإِيلَاءُ مِنْهَا بِحَالٍ ، فَهِيَ كَسَائِرِ الْأَجْنَبِيَّات .","part":17,"page":128},{"id":8128,"text":"( 6122 ) فَصْلٌ : وَيَصِحُّ الْإِيلَاءُ مِنْ كُلِّ زَوْجَةٍ ، مُسْلِمَةً كَانَتْ أَوْ ذِمِّيَّةً ، حُرَّةً كَانَتْ أَوْ أَمَةً ؛ لِعُمُومِ قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ { : لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ } .\rوَلِأَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ زَوْجَةٌ ، فَصَحَّ الْإِيلَاءُ مِنْهَا كَالْحُرَّةِ الْمُسْلِمَةِ .\rوَيَصِحُّ الْإِيلَاءُ قَبْلَ الدُّخُولِ وَبَعْدَهُ .\rوَبِهَذَا قَالَ النَّخَعِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ عَطَاءٌ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ : إنَّمَا يَصِحُّ الْإِيلَاءُ بَعْدَ الدُّخُولِ .\rوَلَنَا عُمُومُ الْآيَةِ وَالْمَعْنَى ، لِأَنَّهُ مُمْتَنِعٌ مِنْ جِمَاعِ زَوْجَتِهِ بِيَمِينِهِ ، فَأَشْبَهَ مَا بَعْدَ الدُّخُولِ .\rوَيَصِحُّ الْإِيلَاءُ مِنْ الْمَجْنُونَةِ وَالصَّغِيرَةِ ، إلَّا أَنَّهُ لَا يُطَالَبُ بِالْفَيْئَةِ فِي الصِّغَرِ وَالْجُنُونِ ؛ لِأَنَّهُمَا لَيْسَا مِنْ أَهْلِ الْمُطَالَبَةِ .\rفَأَمَّا الرَّتْقَاءُ وَالْقَرْنَاءُ ، فَلَا يَصِحُّ الْإِيلَاءُ مِنْهُمَا ؛ لِأَنَّ الْوَطْءَ مُتَعَذِّرٌ دَائِمًا ، فَلَمْ تَنْعَقِدْ الْيَمِينُ عَلَى تَرْكِهِ ، كَمَا لَوْ حَلَفَ لَا يَصْعَدُ السَّمَاءَ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يَصِحَّ ، وَتُضْرَبَ لَهُ الْمُدَّةُ ؛ لِأَنَّ الْمَنْعَ بِسَبَبِ مِنْ جِهَتِهَا ، فَهِيَ كَالْمَرِيضَةِ .\rفَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَفِيءَ فَيْئَةَ الْمَعْذُورِ ؛ لِأَنَّ الْفَيْئَةَ بِالْوَطْءِ فِي حَقِّهَا مُتَعَذِّرَةٌ ، فَلَا تُمْكِنُ الْمُطَالَبَةُ بِهِ ، فَأَشْبَهَ الْمَجْبُوبَ .","part":17,"page":129},{"id":8129,"text":"( 6123 ) فَصْلٌ : وَيَصِحُّ الْإِيلَاءُ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ مُكَلَّفٍ قَادِرٍ عَلَى الْوَطْءِ .\rوَأَمَّا الصَّبِيُّ وَالْمَجْنُونُ ، فَلَا يَصِحُّ إيلَاؤُهُمَا ؛ لِأَنَّ الْقَلَمَ مَرْفُوعٌ عَنْهُمَا ، وَلِأَنَّهُ قَوْلٌ تَجِبُ بِمُخَالَفَتِهِ كَفَّارَةٌ أَوْ حَقٌّ ، فَلَمْ يَنْعَقِدْ مِنْهُمَا كَالنَّذْرِ .\rوَأَمَّا الْعَاجِزُ عَنْ الْوَطْءِ ، فَإِنْ كَانَ لِعَارِضٍ مَرْجُوٍّ زَوَالُهُ كَالْمَرَضِ وَالْحَبْسِ ، صَحَّ إيلَاؤُهُ ؛ لِأَنَّهُ يَقْدِرُ عَلَى الْوَطْءِ ، فَصَحَّ مِنْهُ الِامْتِنَاعُ مِنْهُ ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَرْجُوِّ الزَّوَالِ كَالْجُبِّ وَالشَّلَلِ ، لَمْ يَصِحَّ إيلَاؤُهُ ؛ لِأَنَّهَا يَمِينٌ عَلَى تَرْكِ مُسْتَحِيلٍ ، فَلَمْ تَنْعَقِدْ ، كَمَا لَوْ حَلَفَ أَنْ لَا يَقْلِبَ الْحِجَارَةَ ذَهَبًا ، وَلِأَنَّ الْإِيلَاءَ الْيَمِينُ الْمَانِعَةُ مِنْ الْوَطْءِ ، وَهَذَا لَا يَمْنَعُهُ يَمِينُهُ ، فَإِنَّهُ مُتَعَذَّرٌ مِنْهُ ، وَلَا تَضُرُّ الْمَرْأَةَ يَمِينُهُ .\rقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَصِحَّ الْإِيلَاءُ مِنْهُ قِيَاسًا عَلَى الْعَاجِزِ بِمَرَضٍ أَوْ حَبْسٍ وَلِلشَّافِعِيِّ فِي ذَلِكَ قَوْلَانِ .\rوَالْأَوَّلُ أَوْلَى ؛ لِمَا ذَكَرْنَا .\rفَأَمَّا الْخَصِيُّ الَّذِي سُلَّتْ بَيْضَتَاهُ ، أَوْ رُضَّتْ ، فَيُمْكِنُ مِنْهُ الْوَطْءُ ، وَيُنْزِلُ مَاءً رَقِيقًا فَيَصِحُّ إيلَاؤُهُ .\rوَكَذَلِكَ الْمَجْبُوبُ الَّذِي بَقِيَ مِنْ ذَكَرِهِ مَا يُمْكِنُ الْجِمَاعُ بِهِ .","part":17,"page":130},{"id":8130,"text":"( 6124 ) فَصْلٌ : وَيَصِحُّ إيلَاءُ الذِّمِّيِّ وَيَلْزَمُهُ مَا يَلْزَمُ الْمُسْلِمَ إذَا تَقَاضَوْا إلَيْنَا .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ .\rوَإِنْ أَسْلَمَ ، لَمْ يَنْقَطِعْ حُكْمُ إيلَائِهِ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : إنْ أَسْلَمَ ، سَقَطَ حُكْمُ يَمِينِهِ .\rوَقَالَ أَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ : إنْ حَلَفَ بِاَللَّهِ ، لَمْ يَكُنْ مُولِيًا ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْنَثُ إذَا جَامَعَ ، لِكَوْنِهِ غَيْرَ مُكَلَّفٍ ، وَإِنْ كَانَتْ يَمِينُهُ بِطَلَاقٍ أَوْ عَتَاقٍ ، فَهُوَ مُولٍ ؛ لِأَنَّهُ يَصِحُّ عِتْقُهُ وَطَلَاقُهُ .\rوَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى { : لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ } .\rوَلِأَنَّهُ مَانِعٌ نَفْسَهُ بِالْيَمِينِ مِنْ جِمَاعِهَا ، فَكَانَ مُولِيًا كَالْمُسْلِمِ ، وَلِأَنَّ مَنْ صَحَّ طَلَاقُهُ ، صَحَّ إيلَاؤُهُ ، كَالْمُسْلِمِ ، وَمَنْ صَحَّتْ يَمِينُهُ عِنْدَ الْحَاكِمِ ، صَحَّ إيلَاؤُهُ كَالْمُسْلِمِ .","part":17,"page":131},{"id":8131,"text":"( 6125 ) فَصْلٌ : وَلَا يُشْتَرَطُ فِي الْإِيلَاءِ الْغَضَبُ ، وَلَا قَصْدُ الْإِضْرَارِ .\rرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ .\rوَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيَّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَهْلُ الْعِرَاقِ وَابْنُ الْمُنْذِرِ .\rوَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : لَيْسَ فِي إصْلَاحٍ إيلَاءٌ .\rوَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : إنَّمَا الْإِيلَاءُ فِي الْغَضَبِ .\rوَنَحْوُ ذَلِكَ عَنْ الْحَسَنِ ، وَالنَّخَعِيِّ ، وَقَتَادَةَ .\rوَقَالَ مَالِكٌ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ : مَنْ حَلَفَ لَا يَطَأُ زَوْجَتَهُ حَتَّى تَفْطِمَ وَلَدَهُ ، لَا يَكُونُ إيلَاءً ، إذَا أَرَادَ الْإِصْلَاحَ لِوَلَدِهِ .\rوَلَنَا عُمُومُ الْآيَةِ ، وَلِأَنَّهُ ، مَانِعٌ نَفْسَهُ عَنْ جِمَاعِهَا بِيَمِينِهِ فَكَانَ مُولِيًا ، كَحَالِ الْغَضَبِ ، يُحَقِّقُهُ أَنَّ حُكْمَ الْإِيلَاءِ يَثْبُتُ لِحَقِّ الزَّوْجَةِ ، فَيَجِبُ أَنْ يَثْبُتَ سَوَاءٌ قَصَدَ الْإِضْرَارَ أَوْ لَمْ يَقْصِدْ ، كَاسْتِيفَاءِ دُيُونِهَا ، وَإِتْلَافِ مَالِهَا ، وَلِأَنَّ الطَّلَاقَ وَالظِّهَارَ وَسَائِرَ الْأَيْمَانِ سَوَاءٌ فِي الْغَضَبِ وَالرِّضَى ، فَكَذَلِكَ الْإِيلَاءُ ، وَلِأَنَّ حُكْمَ الْيَمِينِ فِي الْكَفَّارَةِ وَغَيْرِهَا سَوَاءٌ فِي الْغَضَبِ وَالرِّضَى ، فَكَذَلِكَ فِي الْإِيلَاءِ .\rوَأَمَّا إذَا حَلَفَ أَنْ لَا يَطَأَهَا حَتَّى تَفْطِمَ وَلَدَهُ ، فَإِنْ أَرَادَ وَقْتَ الْفِطَامِ ، وَكَانَتْ مُدَّتُهُ تَزِيدُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ ، فَهُوَ مُولٍ ، وَإِنْ أَرَادَ فِعْلَ الْفِطَامِ ، لَمْ يَكُنْ مُولِيًا ؛ لِأَنَّهُ مُمْكِنٌ قَبْلَ الْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُرِ ، وَلَيْسَ بِمُحَرَّمٍ ، وَلَا فِيهِ تَفْوِيتُ حَقٍّ لَهَا ، فَلَمْ يَكُنْ مُولِيًا ، كَمَا لَوْ حَلَفَ لَا يَطَأهَا حَتَّى تَدْخُلَ الدَّارَ .","part":17,"page":132},{"id":8132,"text":"( 6126 ) فَصْلٌ : فِي الْأَلْفَاظِ الَّتِي يَكُونُ بِهَا مُولِيًا ، وَهِيَ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ : أَحَدُهَا - مَا هُوَ صَرِيحٌ فِي الْحُكْمِ وَالْبَاطِنِ جَمِيعًا ، وَهِيَ ثَلَاثَةُ أَلْفَاظٍ قَوْلُهُ : وَاَللَّهِ لَا آتِيك ، وَلَا أُدْخِلُ ، وَلَا أُغَيِّبُ أَوْ أُولِجُ ذَكَرِي فِي فَرْجِكِ .\rوَلَا افْتَضَضْتُك .\rلِلْبِكْرِ خَاصَّةً ، فَهَذِهِ صَرِيحَةٌ ، وَلَا يُدَيَّنْ فِيهَا ؛ لِأَنَّهَا لَا تَحْتَمِلُ غَيْرَ الْإِيلَاءِ .\rالْقِسْمُ الثَّانِي ، صَرِيحٌ فِي الْحُكْمِ ، وَيُدَيَّنُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى ، وَهِيَ عَشَرَةُ أَلْفَاظٍ : لَا وَطِئْتُك ، وَلَا جَامَعْتُك ، وَلَا أَصَبْتُك ، وَلَا بَاشَرْتُك ، وَلَا مَسِسْتُك ، وَلَا قَرَبْتُك ، وَلَا أَتَيْتُك ، وَلَا بَاضَعْتُكِ ، وَلَا بَاعَلْتُكِ ، وَلَا اغْتَسَلْتُ مِنْك .\rفَهَذِهِ صَرِيحَةٌ فِي الْحُكْمِ ؛ لِأَنَّهَا تُسْتَعْمَلُ فِي الْعُرْفِ فِي الْوَطْءِ .\rوَقَدْ وَرَدَ الْقُرْآنُ بِبَعْضِهَا فَقَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ { : وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ } .\rوَقَالَ { : وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ } .\rوَقَالَ تَعَالَى { : مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ } .\rوَأَمَّا الْجِمَاعُ وَالْوَطْءُ ، فَهُمَا أَشْهَرُ الْأَلْفَاظِ فِي الِاسْتِعْمَالِ ، فَلَوْ قَالَ : أَرَدْتُ بِالْوَطْءِ الْوَطْءَ بِالْقَدَمِ ، وَبِالْجِمَاعِ اجْتِمَاعَ الْأَجْسَامِ ، وَبِالْإِصَابَةِ الْإِصَابَةَ بِالْيَدِ .\rدُيِّنَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى ، وَلَمْ يُقْبَلْ فِي الْحُكْمِ ؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ وَالْعُرْفِ .\rوَقَدْ اخْتَلَفَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِيمَا عَدَا الْوَطْءَ وَالْجِمَاعَ مِنْ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ ، فَقَالَ فِي مَوْضِعٍ : لَيْسَ بِصَرِيحٍ فِي الْحُكْمِ ؛ لِأَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي غَيْرِ الْجِمَاعِ .\rوَقَالَ فِي : لَا بَاضَعْتُكِ : لَيس بِصَرِيحٍ ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ الْتِقَاءِ الْبَضْعَتَيْنِ ، الْبَضْعَةُ مِنْ الْبَدَنِ بِالْبَضْعَةِ مِنْهُ ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { : فَاطِمَةُ بَضْعَةٌ مِنِّي } .\rوَلَنَا أَنَّهُ مُسْتَعْمَلٌ فِي الْوَطْءِ عُرْفًا ، وَقَدْ","part":17,"page":133},{"id":8133,"text":"وَرَدَ بِهِ الْقُرْآنُ وَالسُّنَّةُ ، فَكَانَ صَرِيحًا ، كَلَفْظِ الْوَطْءِ وَالْجِمَاعِ ، وَكَوْنُهُ حَقِيقَةً فِي غَيْرِ الْجِمَاعِ يَبْطُلُ بِلَفْظَةِ الْوَطْءِ وَالْجِمَاعِ ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ : فَارَقْتُك ، وَسَرَّحْتُك .\rفِي أَلْفَاظِ الطَّلَاقِ ، فَإِنَّهُمْ قَالُوا : هِيَ صَرِيحَةٌ فِي الطَّلَاقِ ، مَعَ كَوْنِهَا حَقِيقَةً فِي غَيْرِهِ ، وَأَمَّا قَوْلُهُ : بَاضَعْتُكِ .\rفَهُوَ مُشْتَقٌّ مِنْ الْبَضْعِ ، وَلَا يُسْتَعْمَلُ هَذَا اللَّفْظُ فِي غَيْرِ الْوَطْءِ ، فَهُوَ أَوْلَى أَنْ يَكُونَ صَرِيحًا مِنْ سَائِرِ الْأَلْفَاظِ ؛ لِأَنَّهَا تُسْتَعْمَلُ فِي غَيْرِهِ .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ .\rالْقِسْمُ الثَّالِثُ ، مَا لَا يَكُونُ إيلَاءً إلَّا بِالنِّيَّةِ ، وَهُوَ مَا عَدَا هَذِهِ الْأَلْفَاظَ ، مِمَّا يَحْتَمِلُ الْجِمَاعَ ، كَقَوْلِهِ : وَاَللَّهِ لَا يَجْمَعُ رَأْسِي وَرَأْسَكِ شَيْءٌ .\rلَا سَاقَفَ رَأْسِي رَأْسَك .\rلَأَسُوأَنَّكِ .\rلَأَغِيظَنَّكِ .\rلَتَطُولَنَّ غَيْبَتِي عَنْكِ .\rلَا مَسَّ جِلْدِي جِلْدَكِ .\rلَا قَرَبْتُ فِرَاشَك .\rلَا آوَيْتُ مَعَك .\rلَا نِمْتُ عِنْدَك .\rفَهَذِهِ إنْ أَرَادَ بِهَا الْجِمَاعَ ، وَاعْتَرَفَ بِذَلِكَ ، كَانَ مُولِيًا ، وَإِلَّا فَلَا ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ لَيْسَتْ ظَاهِرَةً فِي الْجِمَاعِ ، كَظُهُورِ الَّتِي قَبْلَهَا ، وَلَمْ يَرِدْ النَّصُّ بِاسْتِعْمَالِهَا فِيهِ ، إلَّا أَنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ مُنْقَسِمَةٌ إلَى مَا يُفْتَقَرُ فِيهِ إلَى نِيَّةِ الْجِمَاعِ وَالْمُدَّةِ مَعًا ، وَهِيَ قَوْلُهُ : لَأَسُوأَنَّكِ ، وَلَأَغِيظَنَّكِ ، وَلَتَطُولَنَّ غَيْبَتِي عَنْك .\rفَلَا يَكُونُ مُولِيًا حَتَّى يَنْوِيَ تَرْكَ الْجِمَاعِ فِي مُدَّةٍ تَزِيدُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ ؛ لِأَنَّ غَيْظَهَا يَكُونُ بِتَرْكِ الْجِمَاعِ فِيمَا دُونَ ذَلِكَ ، وَفِي سَائِرِ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ يَكُونُ مُولِيًا بِنِيَّةِ الْجِمَاعِ فَقَطْ .\rوَإِنْ قَالَ : وَاَللَّهِ لَيَطُولَنَّ تَرْكِي لَجِمَاعِك ، أَوْ لِوَطْئَتِكِ ، أَوْ لِإِصَابَتِكِ .\rفَهَذَا صَرِيحٌ فِي تَرْكِ الْجِمَاعِ ، وَتُعْتَبَرُ نِيَّةُ الْمُدَّةِ دُونَ نِيَّةِ الْوَطْءِ ؛ لِأَنَّهُ صَرِيحٌ فِيهِ .\rوَإِنْ قَالَ : وَاَللَّهِ لَا جَامَعْتُك إلَّا جِمَاعًا ضَعِيفًا .","part":17,"page":134},{"id":8134,"text":"لَمْ يَكُنْ مُولِيًا ، إلَّا أَنْ يَنْوِيَ جِمَاعًا لَا يَبْلُغُ الْتِقَاءَ الْخِتَانَيْنِ .\rوَإِنْ قَالَ : وَاَللَّهِ لَا أَدْخَلْتُ جَمِيعَ ذَكَرِي فِي فَرْجِك .\rلَمْ يَكُنْ مُولِيًا ؛ لِأَنَّ الْوَطْءَ الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ الْفَيْئَةُ ، يَحْصُلُ بِدُونِ إيلَاجِ جَمِيعِ الذَّكَرِ .\rوَإِنْ قَالَ : وَاَللَّهِ لَا أَوْلَجْتُ حَشَفَتِي فِي فَرْجِك .\rكَانَ مُولِيًا ؛ لِأَنَّ الْفَيْئَةَ لَا تَحْصُلُ بِدُونِ ذَلِكَ .","part":17,"page":135},{"id":8135,"text":"( 6127 ) فَصْلٌ : وَإِذَا قَالَ لِإِحْدَى زَوْجَتَيْهِ : وَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُك .\rثُمَّ قَالَ لِلْأُخْرَى : أَشْرَكْتُك مَعَهَا .\rلَمْ يَصِرْ مُولِيًا مِنْ الثَّانِيَةِ ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ بِاَللَّهِ لَا يَصِحُّ إلَّا بِلَفْظِ صَرِيحٍ مِنْ اسْمٍ أَوْ صِفَةٍ ، وَالتَّشْرِيكُ بَيْنَهُمَا كِنَايَةٌ ، فَلَمْ تَصِحَّ بِهِ الْيَمِينُ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : يَكُونُ مُولِيًا مِنْهُمَا .\rوَإِنْ قَالَ : إنْ وَطِئْتُك ، فَأَنْتِ طَالِقٌ .\rثُمَّ قَالَ لِلْأُخْرَى : أَشْرَكْتُك مَعَهَا .\rوَنَوَى ، فَقَدْ صَارَ طَلَاقُ الثَّانِيَةِ مُعَلَّقًا عَلَى وَطْئِهَا أَيْضًا ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ يَصِحُّ بِالْكِنَايَةِ ، فَإِنْ قُلْنَا : إنَّ ذَلِكَ إيلَاءٌ فِي الْأُولَى .\rصَارَ إيلَاءً فِي الثَّانِيَةِ ؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ فِي مَعْنَاهَا ، وَإِلَّا فَلَيْسَ بِإِيلَاءٍ فِي وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا .\rوَكَذَلِكَ لَوْ آلَى رَجُلٌ مِنْ زَوْجَتِهِ ، فَقَالَ آخَرُ لِامْرَأَتِهِ : أَنْتِ مِثْلُ فُلَانَةَ .\rلَمْ يَكُنْ مُولِيًا .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ : هُوَ مُولٍ .\rوَلَنَا أَنَّهُ لَيْسَ بِصَرِيحٍ فِي الْقَسَمِ ، فَلَا يَكُونُ مُولِيًا بِهِ ، كَمَا لَوْ لَمْ يُشْبِهَا بِهَا .","part":17,"page":136},{"id":8136,"text":"( 6128 ) فَصْلٌ : وَيَصِحُّ الْإِيلَاءُ بِكُلِّ لُغَةٍ مِنْ الْعَجَمِيَّةِ وَغَيْرِهَا ، مِمَّنْ يُحْسِنُ الْعَرَبِيَّةَ ، وَمِمَّنْ لَا يُحْسِنُهَا ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ تَنْعَقِدُ بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ ، وَتَجِبُ بِهَا الْكَفَّارَةُ .\rوَالْمُولِي هُوَ الْحَالِفُ بِاَللَّهِ عَلَى تَرْكِ وَطْءِ زَوْجَتِهِ ، الْمُمْتَنِعُ مِنْ ذَلِكَ بِيَمِينِهِ .\rفَإِنْ آلَى بِالْعَجَمِيَّةِ مَنْ لَا يُحْسِنُهَا ، وَهُوَ لَا يَدْرِي مَعْنَاهَا ، لَمْ يَكُنْ مُولِيًا ، وَإِنْ نَوَى مُوجِبَهَا عِنْدَ أَهْلِهَا .\rوَكَذَلِكَ الْحُكْمُ إذَا آلَى بِالْعَرَبِيَّةِ مَنْ لَا يُحْسِنُهَا ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ مِنْهُ قَصْدُ الْإِيلَاءِ بِلَفْظٍ لَا يَدْرِي مَعْنَاهُ .\rفَإِنْ اخْتَلَفَ الزَّوْجَانِ فِي مَعْرِفَتِهِ بِذَلِكَ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ إذَا كَانَ مُتَكَلِّمًا بِغَيْرِ لِسَانِهِ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ مَعْرِفَتِهِ بِهَا .\rفَأَمَّا إنْ آلَى الْعَرَبِيُّ بِالْعَرَبِيَّةِ ، ثُمَّ قَالَ : جَرَى عَلَى لِسَانِي مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ .\rأَوْ قَالَ ذَلِكَ الْعَجَمِيُّ فِي إيلَائِهِ بِالْعَجَمِيَّةِ ، لَمْ يُقْبَلْ فِي الْحُكْمِ ؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ .","part":17,"page":137},{"id":8137,"text":"( 6129 ) فَصْلٌ : وَمُدَّةُ الْإِيلَاءِ فِي حَقِّ الْأَحْرَارِ وَالْعَبِيدِ وَالْمُسْلِمِينَ وَأَهْلِ الذِّمَّةِ سَوَاءٌ ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْحُرَّةِ وَالْأَمَةِ ، وَالْمُسْلِمَةِ وَالذِّمِّيَّةِ ، وَالصَّغِيرَةِ وَالْكَبِيرَةِ ، فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ .\rوَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ ، رِوَايَةٌ أُخْرَى ، أَنَّ مُدَّةَ إيلَاءِ الْعَبِيدِ شَهْرَانِ .\rوَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ .\rوَقَوْلُ عَطَاءٍ ، وَالزُّهْرِيِّ ، وَمَالِكٍ ، وَإِسْحَاقَ ؛ لِأَنَّهُمْ عَلَى النِّصْفِ فِي الطَّلَاقِ ، وَعَدَدِ الْمَنْكُوحَاتِ ، فَكَذَلِكَ فِي مُدَّةِ الْإِيلَاءِ .\rوَقَالَ الْحَسَنُ ، وَالشَّعْبِيُّ : إيلَاؤُهُ مِنْ الْأَمَةِ شَهْرَانِ ، وَمِنْ الْحُرَّةِ أَرْبَعَةٌ .\rوَقَالَ الشَّعْبِيُّ : إيلَاءُ الْأَمَةِ نِصْفُ إيلَاءِ الْحُرَّةِ .\rوَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ تَتَعَلَّقُ بِهِ الْبَيْنُونَةُ عِنْدَهُ ، فَاخْتُلِفَ بِالرِّقِّ وَالْحُرِّيَّةِ كَالطَّلَاقِ ، وَلِأَنَّهَا مُدَّةٌ يَثْبُتُ ابْتِدَاؤُهَا بِقَوْلِ الزَّوْجِ ، فَوَجَبَ أَنْ يَخْتَلِفَ بِرِقِّ الْمَرْأَةِ وَحُرِّيَّتِهَا ، كَمُدَّةِ الْعِدَّةِ .\rوَلَنَا ، عُمُومُ الْآيَةِ ، وَلِأَنَّهَا مُدَّةٌ ضُرِبَتْ لِلْوَطْءِ ، فَاسْتَوَى فِيهَا الرِّقُّ وَالْحُرِّيَّةُ ، كَمُدَّةِ الْعُنَّةِ ، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْبَيْنُونَةَ تَتَعَلَّقُ بِهَا ، ثُمَّ يَبْطُلُ ذَلِكَ بِمُدَّةِ الْعُنَّةِ ، وَيُخَالِفُ مُدَّةَ الْعِدَّةِ ؛ لِأَنَّ الْعِدَّةَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْكَمَالِ ، بِدَلِيلِ أَنَّ الِاسْتِبْرَاءَ يَحْصُلُ بِقُرْءٍ وَاحِدٍ ، وَأَمَّا مُدَّةُ الْإِيلَاءِ فَإِنَّ الِاسْتِمْتَاعَ بِالْحُرَّةِ أَكْثَرُ ، وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ تَتَقَدَّمَ مُطَالَبَتُهَا مُطَالَبَةَ الْأَمَةِ ، وَالْحَقُّ عَلَى الْحُرِّ فِي الِاسْتِمْتَاعِ - أَكْثَرُ مِنْهُ عَلَى الْعَبْدِ ، فَلَا تَجُوزُ الزِّيَادَةُ فِي مُطَالَبَةِ الْعَبْدِ عَلَيْهِ .","part":17,"page":138},{"id":8138,"text":"( 6130 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : ( فَإِذَا مَضَتْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَرَافَعَتْهُ ، أُمِرَ بِالْفَيْئَةِ ، وَالْفَيْئَةُ الْجِمَاعُ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْمَوْلَى يَتَرَبَّصُ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ ، كَمَا أَمَرَ اللَّه تَعَالَى ، وَلَا يُطَالَبُ فِيهِنَّ ، فَإِذَا مَضَتْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ ، وَرَافَعَتْهُ امْرَأَتُهُ إلَى الْحَاكِمِ ، وَقَفَهُ ، وَأَمَرَهُ بِالْفَيْئَةِ ، فَإِنْ أَبَى أَمَرَهُ بِالطَّلَاقِ ، وَلَا تَطْلُقُ زَوْجَتُهُ بِنَفْسِ مُضِيِّ الْمُدَّةِ .\rقَالَ أَحْمَدُ فِي الْإِيلَاءِ : يُوقَفُ ، عَنْ الْأَكَابِرِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ عَنْ عُمَرَ شَيْءٌ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ ، وَعَنْ عُثْمَانَ ، وَعَلِيٍّ وَجَعَلَ يُثْبِتُ حَدِيثَ عَلِيٍّ .\rوَبِهِ قَالَ ابْنُ عُمَرَ ، وَعَائِشَةُ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ .\rوَقَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ : كَانَ تِسْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُوقِفُونَ فِي الْإِيلَاءِ .\rوَقَالَ سُهَيْلُ بْن أَبِي صَالِحٍ : سَأَلْت اثْنَيْ عَشَرَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكُلُّهُمْ يَقُولُ : لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ ، حَتَّى يَمْضِيَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ ، فَيُوقَفُ ، فَإِنْ فَاءَ ، وَإِلَّا طَلَّقَ .\rوَبِهَذَا قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ، وَعُرْوَةُ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَطَاوُسٌ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ .\rوَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ ، وَعِكْرِمَةُ ، وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ ، وَعَطَاءٌ ، وَالْحَسَنُ ، وَمَسْرُوقٌ ، وَقَبِيصَةُ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ : إذَا مَضَتْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ ، فَهِيَ تَطْلِيقَةٌ بَائِنَةٌ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُثْمَانَ ، وَعَلِيٍّ ، وَزَيْدٍ ، وَابْنِ عُمَرَ ، وَرُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَمَكْحُولٍ ، وَالزُّهْرِيَّ ، تَطْلِيقَةٌ رَجْعِيَّةٌ .\rوَيُحْكَى عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ { : فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } .\rوَلِأَنَّ هَذِهِ مُدَّةٌ ضُرِبَتْ","part":17,"page":139},{"id":8139,"text":"لِاسْتِدْعَاءِ الْفِعْلِ مِنْهُ ، فَكَانَ ذَلِكَ فِي الْمُدَّةِ كَمُدَّةِ الْعُنَّةِ .\rوَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى { : لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } .\rوَظَاهِرُ ذَلِكَ أَنَّ الْفَيْئَةَ بَعْدَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ ؛ لِذِكْرِهِ الْفَيْئَةَ بَعْدَهَا بِالْفَاءِ الْمُقْتَضِيَةِ لِلتَّعْقِيبِ ، ثُمَّ قَالَ { : وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } .\rوَلَوْ وَقَعَ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ ، لَمْ يَحْتَجْ إلَى عَزْمٍ عَلَيْهِ ، وَقَوْلُهُ { : سَمِيعٌ عَلِيمٌ } يَقْتَضِي أَنَّ الطَّلَاقَ مَسْمُوعٌ ، وَلَا يَكُونُ الْمَسْمُوعُ إلَّا كَلَامًا ، وَلِأَنَّهَا مُدَّةٌ ضُرِبَتْ لَهُ تَأْجِيلًا ، فَلَمْ يَسْتَحِقَّ الْمُطَالَبَةَ فِيهَا ، كَسَائِرِ الْآجَالِ ، وَلِأَنَّ هَذِهِ مُدَّةٌ لَمْ يَتَقَدَّمْهَا إيقَاعٌ ، فَلَا يَتَقَدَّمُهَا وُقُوعٌ ، كَمُدَّةِ الْعُنَّةِ .\rوَمُدَّةُ الْعُنَّةِ حُجَّةٌ لَنَا ؛ فَإِنَّ الطَّلَاقَ لَا يَقَعُ إلَّا بِمُضِيِّهَا ، وَلِأَنَّ مُدَّةَ الْعُنَّةِ ضُرِبَتْ لَهُ لِيُخْتَبَرَ فِيهَا ، وَيُعْرَفَ عَجْزُهُ عَنْ الْوَطْءِ بِتَرْكِهِ فِي مُدَّتِهَا ، وَهَذِهِ ضُرِبَتْ تَأْخِيرًا لَهُ وَتَأْجِيلًا ، وَلَا يَسْتَحِقُّ الْمُطَالَبَةَ إلَّا بَعْدَ مُضِيَّ الْأَجَلِ ، كَالدَّيْنِ .","part":17,"page":140},{"id":8140,"text":"( 6131 ) فَصْلٌ : وَابْتِدَاءُ الْمُدَّةِ مِنْ حِينِ الْيَمِينِ ، وَلَا يَفْتَقِرُ إلَى ضَرْبِ مُدَّةٍ ؛ لِأَنَّهَا ثَبَتَتْ بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ ، فَلَمْ تَفْتَقِرْ إلَى ضَرْبٍ ، كَمُدَّةِ الْعُنَّةِ .\rوَلَا يُطَالَبُ بِالْوَطْءِ فِيهَا ؛ لِمَا ذَكَرْنَا ، فَإِنْ وَطِئَهَا فِيهَا فَقَدْ عَجَّلَ حَقَّهَا قَبْلَ مَحِلَّهُ ، وَخَرَجَ مِنْ الْإِيلَاءِ ، كَمَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ دَفَعَهُ قَبْلَ الْأَجَلِ .\rوَهَكَذَا إنْ وَطِئَ بَعْدَ الْمُدَّةِ ، قَبْلَ الْمُطَالَبَةِ أَوْ بَعْدَهَا ، خَرَجَ مِنْ الْإِيلَاءِ .\rوَسَوَاءٌ وَطِئَهَا وَهِيَ عَاقِلَةٌ أَوْ مَجْنُونَةٌ ، أَوْ يَقْظَانَةُ أَوْ نَائِمَةٌ ؛ لِأَنَّهُ فَعَلَ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ ، فَإِنْ وَطِئَهَا وَهُوَ مَجْنُونٌ ، لَمْ يَحْنَثْ .\rذَكَرَهُ ابْنُ حَامِدٍ .\rوَهُوَ قَوْلُ الشَّعْبِيِّ .\rوَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : يَحْنَثُ ، وَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ ؛ لِأَنَّهُ فَعَلَ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ .\rوَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ ، وَالْقَلَمُ عَنْهُ مَرْفُوعٌ ، وَيَخْرُجُ بِوَطْئِهِ عَنْ الْإِيلَاءِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ وَفَّاهَا حَقَّهَا ، وَحَصَلَ مِنْهُ فِي حَقِّهَا مَا يَحْصُلُ مِنْ الْعَاقِلِ ، وَإِنَّمَا تَسْقُطُ الْكَفَّارَةُ عَنْهُ لِرَفْعِ الْقَلَمِ عَنْهُ .\rذَكَرَ هَذَا ابْنُ حَامِدٍ .\rوَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيَّ .\rوَذَكَرَ الْقَاضِي مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَبْقَى مُولِيًا ؛ فَإِنَّهُ قَالَ : إذَا وَطِئَ بَعْدَ إفَاقَتِهِ ، تَجِبُ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ ؛ لِأَنَّ وَطْأَهُ الْأَوَّلَ مَا حَنِثَ بِهِ ، وَإِذَا بَقِيَتْ يَمِينُهُ ، بَقِيَ الْإِيلَاءُ ، كَمَا لَوْ لَمْ يَطَأْ .\rوَهَذَا قَوْلُ الْمُزَنِيّ .\rوَيَنْبَغِي أَنْ يُسْتَأْنَفَ لَهُ مُدَّةُ الْإِيلَاءِ مِنْ حِينِ وَطِئَ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُطَالَبَ بِالْفَيْئَةِ مَعَ وُجُودِهَا مِنْهُ ، وَلَا يُطَلَّقُ عَلَيْهِ ؛ لِانْتِفَائِهَا وَهِيَ مَوْجُودَةٌ ، وَلَكِنْ تُضْرَبُ لَهُ مُدَّةٌ لِبَقَاءِ حُكْمِ يَمِينِهِ .\rوَقِيلَ : تُضْرَبُ لَهُ الْمُدَّةُ إذَا عَقَلَ ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يُمْنَعُ مِنْ الْوَطْءِ بِحُكْمِ يَمِينِهِ .\rوَمَنْ قَالَ بِالْأَوَّلِ قَالَ : قَدْ وَفَّاهَا حَقَّهَا ، فَلَمْ يَبْقَ الْإِيلَاءُ ،","part":17,"page":141},{"id":8141,"text":"كَمَا لَوْ حَنِثَ ، وَلَا يَمْتَنِعُ انْتِفَاءُ الْإِيلَاءِ مَعَ الْيَمِينِ ، كَمَا لَوْ حَلَفَ لَا يَطَأُ أَجْنَبِيَّةً ، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا .","part":17,"page":142},{"id":8142,"text":"( 6132 ) فَصْلٌ : وَإِنْ وَطِئَ الْعَاقِلُ نَاسِيًا لِيَمِينِهِ ، فَهَلْ يَحْنَثُ ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ .\rفَإِنْ قُلْنَا : يَحْنَثُ .\rانْحَلَّ إيلَاؤُهُ ، وَذَهَبَتْ يَمِينُهُ .\rوَإِنْ قُلْنَا : لَا يَحْنَثُ .\rفَهَلْ يَنْحَلُّ إيلَاؤُهُ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ ، قِيَاسًا عَلَى الْمَجْنُونِ .\rوَكَذَلِكَ يُخَرَّجُ فِيمَا إذَا آلَى مِنْ إحْدَى زَوْجَتَيْهِ ، ثُمَّ وَجَدَهَا عَلَى فِرَاشِهِ ، فَظَنَّهَا الْأُخْرَى ، فَوَطِئَهَا ؛ لِأَنَّهُ جَاهِلٌ بِهَا ، وَالْجَاهِلُ كَالنَّاسِي فِي الْحِنْثِ .\rوَكَذَلِكَ إنْ ظَنَّهَا أَجْنَبِيَّةً فَبَانَتْ زَوْجَتَهُ .\rوَإِنْ اسْتَدْخَلَتْ ذَكَرَهُ وَهُوَ نَائِمٌ ، لَمْ يَحْنَثْ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ ، وَلِأَنَّ الْقَلَمَ مَرْفُوعٌ عَنْهُ .\rوَهَلْ يَخْرُجُ مِنْ حُكْمِ الْإِيلَاءِ ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا ، يَخْرُجُ ؛ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ وَصَلَتْ إلَى حَقِّهَا ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ وَطِئَ .\rوَالثَّانِي ، لَا يَخْرُجُ مِنْ حُكْمِ الْإِيلَاءِ ؛ لِأَنَّهُ مَا وَفَّاهَا حَقَّهَا ، وَهُوَ بَاقٍ عَلَى الِامْتِنَاعِ مِنْ الْوَطْءِ بِحُكْمِ الْيَمِينِ ، فَكَانَ مُولِيًا ، كَمَا لَوْ لَمْ يُفْعَلْ بِهِ ذَلِكَ .\rوَالْحُكْمُ فِيمَا إذَا وَطِئَ وَهُوَ نَائِمٌ كَذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْنَث بِهِ .","part":17,"page":143},{"id":8143,"text":"( 6133 ) فَصْلٌ : وَإِنْ وَطِئَهَا وَطْئًا مُحَرَّمًا ، مِثْلُ أَنْ وَطِئَهَا حَائِضًا ، أَوْ نُفَسَاءَ ، أَوْ مُحْرِمَةً ، أَوْ صَائِمَةً صَوْمَ فَرْضٍ ، أَوْ كَانَ مُحْرِمًا ، أَوْ صَائِمًا ، أَوْ مُظَاهِرًا ، حَنِثَ ، وَخَرَجَ مِنْ الْإِيلَاءِ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : قِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنْ لَا يَخْرُجَ مِنْ الْإِيلَاءِ ؛ لِأَنَّهُ وَطْءٌ لَا يُؤْمَرُ بِهِ فِي الْفَيْئَةِ ، فَلَمْ يَخْرُجْ بِهِ مِنْ الْإِيلَاءِ ، كَالْوَطْءِ فِي الدُّبُرِ .\rوَلَا يَصِحُّ هَذَا ؛ لِأَنَّ يَمِينَهُ انْحَلَّتْ ، وَلَمْ يَبْقَ مُمْتَنِعًا مِنْ الْوَطْءِ بِحُكْمِ الْيَمِينِ ، فَلَمْ يَبْقَ الْإِيلَاءُ ، كَمَا لَوْ كَفَّرَ عَنْ يَمِينِهِ ، أَوْ كَمَا لَوْ وَطِئَهَا مَرِيضَةً .\rوَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ ، فِي مِنْ حَلَفَ ، ثُمَّ كَفَّرَ يَمِينَهُ ؛ أَنَّهُ لَا يَبْقَى مُولِيًا ، لِعَدَمِ حُكْمِ الْيَمِينِ مَعَ أَنَّهُ مَا وَفَّاهَا حَقَّهَا ، فَلَأَنْ يَزُولَ بِزَوَالِ الْيَمِينِ بِحِنْثِهِ فِيهَا أَوْلَى .\rوَقَدْ ذَكَرَ الْقَاضِي فِي الْمُحْرِمِ وَالْمُظَاهِرِ ، أَنَّهُمَا إذَا وَطِئَا فَقَدْ وَفَّيَاهَا حَقَّهَا .\rوَفَارَقَ الْوَطْءَ فِي الدُّبُرِ ؛ فَإِنَّهُ لَا يَحْنَثُ بِهِ ، وَلَيْسَ بِمَحَلٍّ لِلْوَطْءِ ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا .","part":17,"page":144},{"id":8144,"text":"( 6134 ) فَصْلٌ : وَإِذَا آلَى مِنْهَا ، وَثَمَّ عُذْرٌ يَمْنَعُ الْوَطْءَ مِنْ جِهَةِ الزَّوْجِ ، كَمَرَضِهِ ، أَوْ حَبْسِهِ ، أَوْ إحْرَامِهِ ، أَوْ صِيَامِهِ ، حُسِبَتْ عَلَيْهِ الْمُدَّةُ مِنْ حِينِ إيلَائِهِ ؛ لِأَنَّ الْمَانِعَ مِنْ جِهَتِهِ ، وَقَدْ وُجِدَ التَّمْكِينُ الَّذِي عَلَيْهَا .\rوَلِذَلِكَ لَوْ أَمْكَنَتْهُ مِنْ نَفْسِهَا ، وَكَانَ مُمْتَنِعًا لِعُذْرٍ ، وَجَبَتْ لَهَا النَّفَقَةُ .\rوَإِنْ طَرَأَ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ الْأَعْذَارِ بَعْدَ الْإِيلَاءِ ، أَوْ جُنَّ ، لَمْ تَنْقَطِعْ الْمُدَّةُ ؛ لِلْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرْنَاهُ .\rوَإِنْ كَانَ الْمَانِعُ مِنْ جِهَتِهَا ، نَظَرْنَا ؛ فَإِنْ كَانَ حَيْضًا ، لَمْ يَمْنَعْ ضَرْبُ الْمُدَّةِ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ مَنَعَ لَمْ يُمْكِنْ ضَرْبُ الْمُدَّةِ ؛ لِأَنَّ الْحَيْضَ فِي الْغَالِبِ لَا يَخْلُو مِنْهُ شَهْرٌ ، فَيُؤَدِّي ذَلِكَ إلَى إسْقَاطِ حُكْمِ الْإِيلَاءِ ، وَإِنْ طَرَأَ الْحَيْضُ ، لَمْ يَقْطَعْ الْمُدَّةَ ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ .\rوَفِي النِّفَاسِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، هُوَ كَالْحَيْضِ ؛ لِأَنَّ أَحْكَامَهُ أَحْكَامُ الْحَيْضِ .\rوَالثَّانِي ، هُوَ كَسَائِرِ الْأَعْذَارِ الَّتِي مِنْ جِهَتِهَا ؛ لِأَنَّهُ نَادِرٌ غَيْرُ مُعْتَادٍ ، فَأَشْبَهَ سَائِرَ الْأَعْذَارِ .\rوَأَمَّا سَائِرُ الْأَعْذَارِ الَّتِي مِنْ جِهَتِهَا ؛ كَصِغَرِهَا وَمَرَضِهَا ، وَحَبْسِهَا ، وَإِحْرَامِهَا ، وَصِيَامِهَا وَاعْتِكَافِهَا الْمَفْرُوضَيْنِ ، وَنُشُوزِهَا ، وَغَيْبَتِهَا ، فَمَتَى وُجِدَ مِنْهَا شَيْءٌ حَالَ الْإِيلَاءِ ، لَمْ تُضْرَبْ لَهُ الْمُدَّةُ حَتَّى يَزُولَ ؛ لِأَنَّ الْمُدَّةَ تُضْرَبُ لِامْتِنَاعِهِ مِنْ وَطْئِهَا ، وَالْمَنْعُ هَاهُنَا مِنْ قِبَلِهَا .\rوَإِنْ وُجِدَ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ الْأَسْبَابِ ، اُسْتُؤْنِفَتْ الْمُدَّةُ ، وَلَمْ يَبْنِ عَلَى مَا مَضَى ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ سُبْحَانَهُ { : تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ } يَقْتَضِي مُتَوَالِيَةً .\rفَإِذَا قَطَعَتْهَا ، وَجَبَ اسْتِئْنَافُهَا ، كَمُدَّةِ الشَّهْرَيْنِ فِي صَوْمِ الْكَفَّارَةِ .\rوَإِنْ حَنِثَ وَهَرَبَتْ مِنْ يَدِهِ ، انْقَطَعَتْ الْمُدَّةُ .\rوَإِنْ بَقِيَتْ فِي يَدِهِ وَأَمْكَنَهُ وَطْؤُهَا ، اُحْتُسِبَ عَلَيْهِ بِهَا .\rفَإِنْ قِيلَ : فَهَذِهِ","part":17,"page":145},{"id":8145,"text":"الْأَسْبَابُ مِنْهَا مَا لَا صُنْعَ لَهَا فِيهِ ، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ تُقْطَعَ الْمُدَّةُ ، كَالْحَيْضِ .\rقُلْنَا : إذَا كَانَ الْمَنْعُ لِمَعْنًى فِيهَا ، فَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِهِ بِفِعْلِهَا ، أَوْ بِغَيْرِ فِعْلِهَا .\rكَمَا أَنَّ الْبَائِعَ إذَا تَعَذَّرَ عَلَيْهِ تَسْلِيمُ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ ، لَمْ يَتَوَجَّهْ لَهُ الْمُطَالَبَةُ بِعِوَضِهِ ، سَوَاءٌ كَانَ لَعُذْرٍ أَوْ غَيْرِ عُذْرٍ .\rوَإِنْ آلَى فِي الرِّدَّةِ ، لَمْ تُضْرَبْ لَهُ الْمُدَّةُ إلَّا مِنْ حِينِ رُجُوعِ الْمُرْتَدِّ مِنْهُمَا إلَى الْإِسْلَامِ .\rوَإِنْ طَرَأَتْ الرِّدَّةُ فِي أَثْنَاءِ الْمُدَّةِ ، انْقَطَعْت ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ قَدْ تَشَعَّثَ وَحَرُمَ الْوَطْءُ ، فَإِذَا عَادَ إلَى الْإِسْلَامِ ، اُسْتُؤْنِفَتْ الْمُدَّةُ ، سَوَاءٌ كَانَتْ الرِّدَّةُ مِنْهُمَا أَوْ مِنْ أَحَدِهِمَا .\rوَكَذَلِكَ إنْ أَسْلَمَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ الْكَافِرَيْنِ ، أَوْ خَالَعَهَا ، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":17,"page":146},{"id":8146,"text":"( 6135 ) فَصْلٌ : وَإِذَا انْقَضَتْ الْمُدَّةُ ، فَلَهَا الْمُطَالَبَةُ بِالْفَيْئَةِ إنْ لَمْ يَكُنْ عُذْرٌ .\rفَإِنْ طَالَبَتْهُ ، فَطَلَبَ الْإِمْهَالَ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عُذْرٌ ، لَمْ يُمْهَلْ ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ تَوَجَّهَ عَلَيْهِ ، لَا عُذْرَ لَهُ فِيهِ ، فَلَمْ يُمْهَلْ بِهِ ، كَالدَّيْنِ الْحَالِ ، وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ الْمُدَّة أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ ، فَلَا تَجُوزُ الزِّيَادَةُ عَلَيْهَا بِغَيْرِ عُذْرٍ ، وَإِنَّمَا يُؤَخَّرُ قَدْرَ مَا يَتَمَكَّنُ مِنْ الْجِمَاعِ فِي حُكْمِ الْعَادَةِ ؛ فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الْوَطْءُ فِي مَجْلِسِهِ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِإِمْهَالٍ .\rفَإِنْ قَالَ : أَمْهِلُونِي حَتَّى آكُلَ فَإِنِّي جَائِعٌ ، أَوْ حَتَّى يَنْهَضِمَ الطَّعَامُ فَإِنِّي كَظِيظٌ .\rأَوْ أُصَلِّيَ الْفَرْضَ ، أَوْ أُفْطِرَ مِنْ صَوْمِي .\rأُمْهِلَ بِقَدْرِ ذَلِكَ ؛ فَإِنَّهُ يُعْتَبَرُ أَنْ يَصِيرَ إلَى حَالٍ يُجَامِعُ فِي مِثْلِهَا فِي الْعَادَةِ .\rوَكَذَلِكَ يُمْهَلُ حَتَّى يَرْجِعَ إلَى بَيْتِهِ ؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ فِعْلُ ذَلِكَ فِي بَيْتِهِ .\rوَإِنْ كَانَ لَهَا عُذْرٌ يَمْنَعُ مِنْ وَطْئِهَا ، لَمْ يَكُنْ لَهَا الْمُطَالَبَةُ بِالْفَيْئَةِ ؛ لِأَنَّ الْوَطْءَ مُمْتَنِعٌ مِنْ جِهَتِهَا ، فَلَمْ يَكُنْ لَهَا مُطَالَبَتُهُ بِمَا يَمْنَعُهُ مِنْهُ ، وَلِأَنَّ الْمُطَالَبَةَ مَعَ الِاسْتِحْقَاقِ ، وَهِيَ لَا تَسْتَحِقُّ الْوَطْءَ فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ ، وَلَيْسَ لَهَا الْمُطَالَبَةُ بِالطَّلَاقِ ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُسْتَحَقُّ عِنْدَ امْتِنَاعِهِ مِنْ الْفَيْئَةِ الْوَاجِبَةِ ، وَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ شَيْءٌ ، وَلَكِنْ تَتَأَخَّرُ الْمُطَالَبَةُ إلَى حَالِ زَوَالِ الْعُذْرِ ، إنْ لَمْ يَكُنْ الْعُذْرُ قَاطِعًا لِلْمُدَّةِ كَالْحَيْضِ ، أَوْ كَانَ الْعُذْرُ حَدَثَ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ .","part":17,"page":147},{"id":8147,"text":"( 6136 ) فَصْلٌ : فَإِنْ عَفَتْ عَنْ الْمُطَالَبَةِ بَعْدَ وُجُوبِهَا ، فَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا : يَسْقُطُ حَقُّهَا ، وَلَيْسَ لَهَا الْمُطَالَبَةُ بَعْدَهُ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : هَذَا قِيَاسُ الْمَذْهَبِ ؛ لِأَنَّهَا رَضِيَتْ بِإِسْقَاطِ حَقِّهَا مِنْ الْفَسْخِ لِعَدَمِ الْوَطْءِ ، فَسَقَطَ حَقُّهَا مِنْهُ ، كَامْرَأَةِ الْعِنِّينِ إذَا رَضِيَتْ بِعُنَّتِهِ .\rوَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَسْقُطَ حَقُّهَا ، وَلَهَا الْمُطَالَبَةُ مَتَى شَاءَتْ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهَا تَثْبُتُ لِرَفْعِ الضَّرَرِ بِتَرْكِ مَا يَتَجَدَّدُ مَعَ الْأَحْوَالِ ، فَكَانَ لَهَا الرُّجُوعُ ، كَمَا لَوْ أَعْسَرَ بِالنَّفَقَةِ ، فَعَفَتْ عَنْ الْمُطَالَبَةِ بِالْفَسْخِ ، ثُمَّ طَالَبَتْ ، وَفَارَقَ الْفَسْخَ لِلْعُنَّةِ ؛ فَإِنَّهُ فَسْخٌ لِعَيْبِهِ ، فَمَتَى رَضِيَتْ بِالْعَيْبِ ، سَقَطَ حَقُّهَا ، كَمَا لَوْ عَفَا الْمُشْتَرِي عَنْ عَيْبِ الْمَبِيعِ ، وَإِنْ سَكَتَتْ عَنْ الْمُطَالَبَةِ ، ثُمَّ طَالَبَتْ بَعْدُ ، فَلَهَا ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ حَقَّهَا يَثْبُتُ عَلَى التَّرَاخِي ، فَلَمْ يَسْقُطْ بِتَأْخِيرِ الْمُطَالَبَةِ ، كَاسْتِحْقَاقِ النَّفَقَةِ .","part":17,"page":148},{"id":8148,"text":"( 6137 ) فَصْلٌ : وَالْأَمَةُ كَالْحُرَّةِ فِي اسْتِحْقَاقِ الْمُطَالَبَةِ ، سَوَاءٌ عَفَا السَّيِّدُ عَنْ ذَلِكَ أَوْ لَمْ يَعْفُ ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهَا ، حَيْثُ كَانَ الِاسْتِمْتَاعُ يَحْصُلُ لَهَا .\rفَإِنْ تَرَكَتْ الْمُطَالَبَةَ ، لَمْ يَكُنْ لِمَوْلَاهَا الطَّلَبُ ؛ لِأَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ .\rفَإِنْ قِيلَ : حَقُّهُ فِي الْوَلَدِ ، وَلِهَذَا لَمْ يَجُزْ الْعَزْلُ عَنْهَا إلَّا بِإِذْنِهِ .\rقُلْنَا : لَا يَسْتَحِقُّ عَلَى الزَّوْجِ اسْتِيلَادُ الْمَرْأَةِ ؛ وَلِذَلِكَ لَوْ حَلَفَ لِيَعْزِلَنَّ عَنْهَا أَوْ لَا يَسْتَوْلِدُهَا ، لَمْ يَكُنْ مُولِيًا ، وَلَوْ أَنَّ الْمُولِيَ وَطِئَ بِحَيْثُ يُوجَدُ الْتِقَاءُ الْخِتَانَيْنِ ، حَصَلَتْ الْفَيْئَةُ ، وَزَالَتْ عَنْهُ الْمُطَالَبَةُ ، وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ ، وَإِنَّمَا اُسْتُؤْذِنَ السَّيِّدُ فِي الْعَزْلِ ؛ لِأَنَّهُ يَضُرُّ بِالْأَمَةِ ، فَرُبَّمَا نَقَصَ قِيمَتَهَا .","part":17,"page":149},{"id":8149,"text":"( 6138 ) فَصْلٌ : فَإِنْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ صَغِيرَةً ، أَوْ مَجْنُونَةً ، فَلَيْسَ لَهُمَا الْمُطَالَبَةُ ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُمَا غَيْرُ مُعْتَبَرٍ ، وَلَيْسَ لِوَلِيِّهِمَا الْمُطَالَبَةُ لَهُمَا ؛ لِأَنَّ هَذَا طَرِيقَهُ الشَّهْوَةُ ، فَلَا يَقُومُ غَيْرُهُمَا مَقَامَهُمَا فِيهِ .\rفَإِنْ كَانَتَا مِمَّنْ لَا يُمْكِنُ وَطْؤُهُمَا ، لَمْ يُحْتَسَبْ عَلَيْهِ بِالْمُدَّةِ ؛ لِأَنَّ الْمَنْعَ مِنْ جِهَتِهِمَا .\rوَإِنْ كَانَ وَطْؤُهُمَا مُمْكِنًا .\rفَإِنْ أَفَاقَتْ الْمَجْنُونَةُ ، أَوْ بَلَغَتْ الصَّغِيرَةُ ، قَبْلَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ ، تَمَّمَتْ الْمُدَّةَ ، ثُمَّ لَهَا الْمُطَالَبَةُ ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ ، فَلَهُمَا الْمُطَالَبَةُ يَوْمئِذٍ ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمَا ثَابِتٌ ، وَإِنَّمَا تَأَخَّرَ لِعَدَمِ إمْكَانِ الْمُطَالَبَةِ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا تُضْرَبُ الْمُدَّةُ فِي الصَّغِيرَةِ حَتَّى تَبْلُغَ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : تُضْرَبُ الْمُدَّةُ ، سَوَاءٌ أَمْكَنَ الْوَطْءُ أَوْ لَمْ يُمْكِنْ الْوَطْءُ ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ فَاءَ بِلِسَانِهِ ، وَإِلَّا بَانَتْ بِانْقِضَاءِ الْمُدَّةِ .\rوَكَذَلِكَ الْحُكْمُ عِنْدَهُ فِي النَّاشِزِ ، وَالرَّتْقَاءِ ، وَالْقَرْنَاءُ ، وَاَلَّتِي غَابَتْ فِي الْمُدَّةِ ؛ لِأَنَّ هَذَا إيلَاءٌ صَحِيحٌ ، فَوَجَبَ أَنْ تَتَعَقَّبَهُ الْمُدَّةُ ، كَالَّتِي يُمْكِنُهُ جِمَاعُهَا .\rوَلَنَا أَنَّ حَقَّهَا مِنْ الْوَطْءِ يَسْقُطُ بِتَعَذُّرِ جِمَاعِهَا ، فَوَجَبَ أَنْ تَسْقُطَ الْمُدَّةُ الْمَضْرُوبَةُ لَهُ ، كَمَا يَسْقُطُ أَجَلُ الدَّيْنِ بِسُقُوطِهِ .\rوَأَمَّا الَّتِي أَمْكَنَهُ جِمَاعُهَا ، فَتُضْرَبُ لَهُ الْمُدَّةُ فِي حَقِّهَا ؛ لِأَنَّهُ إيلَاءٌ صَحِيحٌ مِمَّنْ يُمْكِنُهُ جِمَاعُهَا ، فَتُضْرَبُ لَهُ الْمُدَّةُ كَالْبَالِغَةِ ، وَمَتَى قَصَدَ الْإِضْرَارَ بِهَا بِتَرْكِ الْوَطْءِ أَثِمَ ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُقَالَ لَهُ : اتَّقِ اللَّهَ فَإِمَّا أَنْ تَفِيئَ ، وَإِمَّا أَنْ تُطَلِّقَ ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ { : وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ } .\rوَقَالَ تَعَالَى { : فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحُ بِإِحْسَانٍ } .\rوَلَيْسَ الْإِضْرَارُ مِنْ الْمُعَاشَرَةِ بِالْمَعْرُوفِ .","part":17,"page":150},{"id":8150,"text":"( 6139 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : ( وَالْفَيْئَةُ : الْجِمَاعُ ) لَيْسَ فِي هَذَا اخْتِلَافٌ بِحَمْدِ اللَّهِ .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ، عَلَى أَنَّ الْفَيْءَ الْجِمَاعُ .\rكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ .\rوَبِهِ قَالَ مَسْرُوقٌ ، وَعَطَاءٌ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَالنَّخَعِيُّ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَالثَّوْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ، إذَا لَمْ يَكُنْ عُذْرٌ .\rوَأَصْلُ الْفَيْءِ الرُّجُوعُ ، وَلِذَلِكَ يُسَمَّى الظِّلُّ بَعْدَ الزَّوَالِ فَيْئًا ؛ لِأَنَّهُ رَجَعَ مِنْ الْمَغْرِبِ إلَى الْمَشْرِقِ ، فَسُمِّيَ الْجِمَاعُ مِنْ الْمُولِي فَيْئَةً ؛ لِأَنَّهُ رَجَعَ إلَى فِعْلِ مَا تَرَكَهُ .\rوَأَدْنَى الْوَطْءِ الَّذِي تَحْصُلُ بِهِ الْفَيْئَةُ ، أَنْ تَغِيبَ الْحَشَفَةُ فِي الْفَرْجِ ؛ فَإِنَّ أَحْكَامَ الْوَطْءِ تَتَعَلَّقُ بِهِ .\rوَلَوْ وَطِئَ دُونَ الْفَرْجِ ، أَوْ فِي الدُّبُرِ ، لَمْ يَكُنْ فَيْئَةً ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَحْلُوفٍ عَلَى تَرْكِهِ ، وَلَا يَزُولُ الضَّرَرُ بِفِعْلِهِ .","part":17,"page":151},{"id":8151,"text":"( 6140 ) فَصْلٌ : وَإِذَا فَاءَ ، لَزِمَتْهُ الْكَفَّارَةُ ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ زَيْدٍ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ .\rوَبِهِ قَالَ ابْنُ سِيرِينَ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَقَتَادَةُ ، وَمَالِكٌ ، وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ .\rوَهُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ .\rوَلَهُ قَوْلٌ آخَرُ : لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ .\rوَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ .\rوَقَالَ النَّخَعِيُّ : كَانُوا يَقُولُونَ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ { فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } .\rقَالَ قَتَادَةُ : هَذَا خَالَفَ النَّاسَ .\rيَعْنِي قَوْلَ الْحَسَنِ .\rوَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى { : وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمْ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ .\r} الْآيَةَ إلَى قَوْلِهِ : { ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إذَا حَلَفْتُمْ } .\rوَقَالَ سُبْحَانَهُ { : قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ } .\rوَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إذَا حَلَفْت عَلَى يَمِينٍ ، فَرَأَيْت غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا ، فَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ ، وَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِك } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَلِأَنَّهُ حَالِفٌ حَانِثٌ فِي يَمِينِهِ ، فَلَزِمَتْهُ الْكَفَّارَةُ كَمَا لَوْ حَلَفَ عَلَى تَرْكِ فَرِيضَةٍ ثُمَّ فَعَلَهَا ، وَالْمَغْفِرَةُ لَا تُنَافِي الْكَفَّارَةَ ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ غَفَرَ لِرَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ ، وَقَدْ كَانَ يَقُولُ { : إنِّي وَاَللَّهِ لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا ، إلَّا أَتَيْت الَّذِي هُوَ خَيْرٌ ، وَتَحَلَّلْتُهَا } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .","part":17,"page":152},{"id":8152,"text":"( 6141 ) فَصْلٌ : وَإِنْ كَانَ الْإِيلَاءُ بِتَعْلِيقِ عِتْقٍ أَوْ طَلَاقٍ ، وَقَعَ بِنَفْسِ الْوَطْءِ ؛ لِأَنَّهُ مُعَلَّقٌ بِصِفَةٍ ، وَقَدْ وُجِدَتْ .\rوَإِنْ كَانَ عَلَى نَذْرٍ ، أَوْ عِتْقٍ ، أَوْ صَوْمٍ ، أَوْ صَلَاةٍ ، أَوْ صَدَقَةٍ ، أَوْ حَجٍّ ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الطَّاعَاتِ أَوْ الْمُبَاحَاتِ ، فَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْن الْوَفَاءِ بِهِ وَبَيْنَ كَفَّارَةِ يَمِينٍ ؛ لِأَنَّهُ نَذْرُ لَجَاجٍ وَغَضَبٍ ، فَهَذَا حُكْمُهُ .\rوَإِنْ عَلَّقَ طَلَاقَهَا الثَّلَاثَ بِوَطْئِهَا ، لَمْ يُؤْمَرْ بِالْفَيْئَةِ ، وَأُمِرَ بِالطَّلَاقِ ؛ لِأَنَّ الْوَطْءَ غَيْرُ مُمْكِنٍ ؛ لِكَوْنِهَا تَبِينُ مِنْهُ بِإِيلَاجِ الْحَشَفَةِ ، فَيَصِيرُ مُسْتَمْتِعًا بِأَجْنَبِيَّةٍ .\rوَهَذَا قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ .\rوَأَكْثَرُهُمْ قَالُوا : تَجُوزُ الْفَيْئَةُ ؛ لِأَنَّ النَّزْعَ تَرْكٌ لِلْوَطْءِ ، وَتَرْكُ الْوَطْءِ لَيْسَ بِوَطْءٍ .\rوَقَدْ ذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّ كَلَامَ أَحْمَدَ يَقْتَضِي رِوَايَتَيْنِ ، كَهَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ .\rوَاللَّائِقُ بِمَذْهَبِ أَحْمَدَ تَحْرِيمُهُ ؛ لَوُجُوهٍ ثَلَاثَةٍ : أَحَدُهَا أَنَّ آخِرَ الْوَطْءِ حَصَلَ فِي أَجْنَبِيَّةٍ كَمَا ذَكَرْنَا ؛ فَإِنَّ النَّزْعَ يُلْتَذُّ بِهِ كَمَا يُلْتَذُّ بِالْإِيلَاجِ ، فَيَكُونُ فِي حُكْمِ الْوَطْءِ ، وَلِذَلِكَ قُلْنَا فِي مَنْ طَلَعَ عَلَيْهِ الْفَجْرُ وَهُوَ مُجَامِعٌ ، فَنَزَعَ : أَنَّهُ يُفْطِرُ .\rوَالتَّحْرِيمُ هَاهُنَا أَوْلَى ؛ لِأَنَّ الْفِطْرَ بِالْوَطْءِ .\rوَيُمْكِنُ مَنْعُ كَوْنِ النَّزْعِ وَطْئًا ، وَالْمُحَرَّمُ هَاهُنَا الِاسْتِمْتَاعُ ، وَالنَّزْعُ اسْتِمْتَاعٌ ، فَكَانَ مُحَرَّمًا ، وَلِأَنَّ لَمْسَهَا عَلَى وَجْهِ التَّلَذُّذِ بِهَا مُحَرَّمٌ ، فَلَمْسُ الْفَرْجِ بِالْفَرْجِ أَوْلَى بِالتَّحْرِيمِ .\rفَإِنْ قِيلَ : فَهَذَا إنَّمَا يَحْصُلُ ضَرُورَةَ تَرْكِ الْوَطْءِ الْمُحَرَّمِ .\rقُلْنَا : فَإِذَا لَمْ يُمْكِنْ الْوَطْءُ إلَّا بِفِعْلِ مُحَرَّمٍ حَرُمَ ضَرُورَةَ تَرْكِ الْحَرَامِ .\rكَمَا لَوْ اخْتَلَطَ لَحْمُ الْخِنْزِيرِ بِلَحْمٍ مُبَاحٍ ، لَا يُمْكِنُهُ أَكْلُهُ إلَّا بِأَكْلِ لَحْمِ الْخِنْزِيرِ ، حَرُمَ ، وَلَوْ اشْتَبَهَتْ مَيْتَةٌ بِمُذَكَّاةٍ ، أَوْ امْرَأَتُهُ بِأَجْنَبِيَّةِ ،","part":17,"page":153},{"id":8153,"text":"حَرُمَ الْكُلُّ .\rالْوَجْهُ الثَّانِي ، أَنَّهُ بِالْوَطْءِ يَحْصُلُ الطَّلَاقُ بَعْدَ الْإِصَابَةِ ، وَهُوَ طَلَاقُ بِدْعَةٍ ، وَكَمَا يَحْرُمُ إيقَاعُهُ بِلِسَانِهِ ، يَحْرُمُ تَحْقِيقُ سَبَبِهِ .\rالثَّالِثُ ، أَنْ يَقَعُ بِهِ طَلَاقُ الْبِدْعَةِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ ، وَهُوَ جَمْعُ الثَّلَاثِ ، فَإِنْ وَطِئَ فَعَلَيْهِ أَنْ يَنْزِعَ حِينَ يُولِجُ الْحَشَفَةَ ، وَلَا يَزِيدَ عَلَى ذَلِكَ ، وَلَا يَلْبَثَ وَلَا يَتَحَرَّكَ عِنْدَ النَّزْعِ ؛ لِأَنَّهَا أَجْنَبِيَّةٌ ، فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ ، فَلَا حَدَّ وَلَا مَهْرَ ؛ لِأَنَّهُ تَارِكٌ لِلْوَطْءِ ، وَإِنْ لَبِثَ أَوْ تَمَّمَ الْإِيلَاجَ ، فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ ، لِتَمَكُّنِ الشُّبْهَةِ مِنْهُ ، لِكَوْنِهِ وَطْئًا بَعْضُهُ فِي زَوْجَتِهِ ، وَفِي الْمَهْرِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا - يَلْزَمُهُ ؛ لِأَنَّهُ حَصَلَ مِنْهُ وَطْءٌ مُحَرَّمٌ فِي مَحِلٍّ غَيْرِ مَمْلُوكٍ ، فَأَوْجَبَ الْمَهْرَ ، كَمَا لَوْ أَوْلَجَ بَعْدَ النَّزْعِ .\rوَالثَّانِي - لَا يَجِبُ ؛ لِأَنَّهُ تَابَعَ الْإِيلَاجَ فِي مَحَلٍّ مَمْلُوكٍ ، فَكَانَ تَابِعًا لَهُ فِي سُقُوطِ الْمَهْرِ .\rوَإِنْ نَزَعَ ، ثُمَّ أَوْلَجَ ، وَكَانَا جَاهِلَيْنِ بِالتَّحْرِيمِ ، فَلَا حَدَّ عَلَيْهِمَا ، وَعَلَيْهِ الْمَهْرُ لَهَا ، وَيَلْحَقُهُ النَّسَبُ .\rوَإِنْ كَانَا عَالِمَيْنِ بِالتَّحْرِيمِ ، فَعَلَيْهِمَا الْحَدُّ ؛ لِأَنَّهُ إيلَاجٌ فِي أَجْنَبِيَّةٍ بِغَيْرِ شُبْهَةٍ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا ، ثُمَّ وَطِئَهَا ، وَلَا مَهْرَ لَهَا ؛ لِأَنَّهَا مُطَاوِعَةٌ عَلَى الزِّنَا ، وَلَا يَلْحَقُهُ النَّسَبُ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ زِنَا لَا شُبْهَةَ فِيهِ .\rوَذَكَرَ الْقَاضِي وَجْهًا ، أَنَّهُ لَا حَدَّ عَلَيْهِمَا ؛ لِأَنَّ هَذَا مِمَّا يَخْفَى عَلَى كَثِيرٍ مِنْ النَّاس ، وَهُوَ وَجْهٌ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ .\rوَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي الْعَالِمَيْنِ ، وَلَيْسَ هُوَ فِي مَظِنَّةِ الْخَفَاءِ ؛ فَإِنَّ أَكْثَرِ الْمُسْلِمِينَ يَعْلَمُونَ أَنَّ الطَّلَاقَ الثَّلَاثَ مُحَرِّمٌ لِلْمَرْأَةِ .\rوَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا عَالِمًا ، وَالْآخَرُ جَاهِلًا ، نُظِرَتْ ؛ فَإِنْ كَانَ هُوَ الْعَالِمَ ، فَعَلَيْهِ الْحَدُّ ، وَلَهَا الْمَهْرُ ، وَلَا","part":17,"page":154},{"id":8154,"text":"يَلْحَقُهُ النَّسَبُ ؛ لِأَنَّهُ زَانٍ مَحْدُودٌ .\rوَإِنْ كَانَتْ هِيَ الْعَالِمَةَ دُونَهُ ، فَعَلَيْهَا الْحَدُّ وَحْدَهَا ، وَلَا مَهْرَ لَهَا ، وَالنَّسَبُ لَاحِقٌ بِالزَّوْجِ ، لِأَنَّ وَطْأَهُ وَطْءُ شُبْهَةٍ .","part":17,"page":155},{"id":8155,"text":"( 6142 ) فَصْلٌ : فَإِنْ قَالَ : إنْ وَطِئْتُك ، فَأَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي .\rفَقَالَ أَحْمَدُ : لَا يَقْرَبُهَا حَتَّى يُكَفِّرَ .\rوَهَذَا نَصٌّ فِي تَحْرِيمِهَا قَبْلَ التَّكْفِيرِ ، وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِ الْوَطْءِ فِي الْمَسْأَلَةِ الَّتِي قَبْلَهَا بِطَرِيقِ التَّنْبِيهِ ؛ لِأَنَّ الْمُطَلَّقَةَ ثَلَاثًا أَعْظَمُ تَحْرِيمًا مِنْ الْمُظَاهَرِ مِنْهَا .\rوَإِذَا وَطِئَ هَاهُنَا ، فَقَدْ صَارَ مُظَاهِرًا مِنْ زَوْجَتِهِ ، وَزَالَ حُكْمُ الْإِيلَاءِ .\rوَيُحْتَمَلُ أَنَّ أَحْمَدَ إنَّمَا أَرَادَ ، إذَا وَطِئَهَا مَرَّةً ، فَلَا يَطَأَهَا حَتَّى يُكَفِّرَ ؛ لِكَوْنِهِ صَارَ بِالْوَطْءِ مُظَاهِرًا ، إذْ لَا يَصِحُّ تَقْدِيمُ الْكَفَّارَةِ عَلَى الظِّهَارِ ؛ لِأَنَّهُ سَبَبُهَا ، وَلَا يَجُوزُ تَقْدِيمُ الْحُكْمِ عَلَى سَبَبِهِ .\rوَلَوْ كَفَّرَ قَبْلَ الظِّهَارِ لَمْ يُجْزِئْهُ .\rوَقَدْ رَوَى إِسْحَاقُ ، قَالَ : قُلْت لِأَحْمَدَ ، فِي مَنْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ : أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي إنَّ قَرُبْتُك إلَى سَنَةٍ .\rقَالَ : إنْ جَاءَتْ تَطْلُبُ ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَعْضُلَهَا بَعْدَ مُضِيِّ الْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُرِ ، يُقَالُ لَهُ : إمَّا أَنْ تَفِيءَ ، وَإِمَّا أَنْ تُطَلِّقَ .\rفَإِنْ وَطِئَهَا ، فَقَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ ، وَإِنْ أَبَى ، وَأَرَادَتْ مُفَارَقَتَهُ ، طَلَّقَهَا الْحَاكِمُ عَلَيْهِ .\rفَيَنْبَغِي أَنْ تُحْمَلَ الرِّوَايَةُ الْأُولَى عَلَى الْمَنْعِ مِنْ الْوَطْءِ بَعْدَ الْوَطْءِ الَّذِي صَارَ بِهِ مُظَاهِرًا ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ ، فَتَكُونُ الرِّوَايَتَانِ مُتَّفِقَتَيْنِ .\rوَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .","part":17,"page":156},{"id":8156,"text":"( 6143 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : ( أَوْ يَكُونُ لَهُ عُذْرٌ مِنْ مَرَضٍ ، أَوْ إحْرَامٍ ، أَوْ شَيْءٍ لَا يُمْكِنُ مَعَهُ الْجِمَاعُ ، فَيَقُولُ : مَتَى قَدَرْت جَامَعْتهَا .\rفَيَكُونُ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ فَيْئَةً لِلْعُذْرِ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا مَضَتْ الْمُدَّةُ ، وَبِالْمُولِي عُذْرٌ يَمْنَعُ الْوَطْءَ مِنْ مَرَضٍ ، أَوْ حَبْسٍ بِغَيْرِ حَقٍّ ، أَوْ غَيْرِهِ ، لَزِمَهُ أَنْ يَفِيءَ بِلِسَانِهِ ، فَيَقُولَ : مَتَى قَدَرْت جَامَعْتُهَا .\rوَنَحْوَ هَذَا .\rوَمِمَّنْ قَالَ : يَفِيءُ بِلِسَانِهِ إذَا كَانَ ذَا عُذْرٍ .\rابْنُ مَسْعُودٍ ، وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَالْحَسَنُ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَعِكْرِمَةُ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ : لَا يَكُونُ الْفَيْءُ إلَّا بِالْجِمَاعِ ، فِي حَالِ الْعُذْر وَغَيْرِهِ .\rوَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ : إذَا لَمْ يَقْدِرْ ، لَمْ يُوقَفْ حَتَّى يَصِحَّ ، أَوْ يَصِلَ إنْ كَانَ غَائِبًا ، وَلَا تَلْزَمُهُ الْفَيْئَةُ بِلِسَانِهِ ؛ لِأَنَّ الضَّرَرَ بِتَرْكِ الْوَطْءِ لَا يَزُولُ بِالْقَوْلِ .\rوَقَالَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ : يَحْتَاجُ أَنْ يَقُولَ : قَدْ نَدِمْت عَلَى مَا فَعَلْت ، إنْ قَدَرْت وَطِئْت .\rوَلَنَا أَنَّ الْقَصْدَ بِالْفَيْئَةِ تَرْكُ مَا قَصَدَهُ مِنْ الْإِضْرَارِ ، وَقَدْ تَرَكَ قَصْدَ الْإِضْرَارِ بِمَا أَتَى بِهِ مِنْ الِاعْتِذَارِ ، وَالْقَوْلُ مَعَ الْعُذْرِ يَقُومُ مَقَامَ فِعْلِ الْقَادِرِ ، بِدَلِيلِ أَنَّ إشْهَادَ الشَّفِيعِ عَلَى الطَّلَبِ بِالشُّفْعَةِ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْ طَلَبِهَا ، يَقُومُ مَقَامَ طَلَبِهَا فِي الْحُضُورِ فِي إثْبَاتِهَا .\rوَلَا يَحْتَاجُ أَنْ يَقُولَ : نَدِمْتُ ؛ لِأَنَّ الْغَرَضَ أَنْ يُظْهِرَ رُجُوعَهُ عَنْ الْمُقَامِ عَلَى الْيَمِينِ ، وَقَدْ حَصَلَ بِظُهُورِ عَزْمِهِ عَلَيْهِ .\rوَحَكَى أَبُو الْخَطَّابِ عَنْ الْقَاضِي ، أَنَّ فَيْئَةَ الْمَعْذُورِ أَنْ يَقُولَ : فِئْتُ إلَيْك .\rوَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ ، وَأَبِي عُبَيْدٍ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ .\rوَاَلَّذِي ذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي \" الْمُجَرَّدِ \" مِثْلُ مَا ذَكَرَ الْخِرَقِيِّ ، وَهُوَ أَحْسَنُ ؛ لِأَنَّ وَعْدَهُ بِالْفِعْلِ عِنْدَ","part":17,"page":157},{"id":8157,"text":"الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ ، دَلِيلٌ عَلَى تَرْكِ قَصْدِ الْإِضْرَارِ ، وَفِيهِ نَوْعٌ مِنْ الِاعْتِذَارِ ، وَإِخْبَارٌ بِإِزَالَتِهِ لِلضَّرَرِ عِنْدَ إمْكَانِهِ ، وَلَا يَحْصُلُ بِقَوْلِهِ : فِئْتُ إلَيْك شَيْءٌ مِنْ هَذَا .\rفَأَمَّا الْعَاجِزُ لِجُبٍّ أَوْ شَلَلٍ ، فَفَيْئَتُهُ أَنْ يَقُولَ : لَوْ قَدَرْت لَجَامَعْتُهَا ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُزِيلُ مَا حَصَلَ بِإِيلَائِهِ .","part":17,"page":158},{"id":8158,"text":"( 6144 ) فَصْلٌ : وَالْإِحْرَامُ كَالْمَرَضِ فِي ظَاهِرُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ .\rوَكَذَلِكَ عَلَى قِيَاسِهِ الِاعْتِكَافُ الْمَنْذُورُ وَالظِّهَارُ .\rوَذَكَر أَصْحَابُنَا أَنَّ الْمُظَاهِرَ لَا يُمْهَلُ ، وَيُؤْمَرُ بِالطَّلَاقِ .\rفَيُخَرَّجُ مِنْ هَذَا أَنَّ كُلَّ عُذْرٍ مِنْ فِعْلِهِ يَمْنَعُهُ الْوَطْءَ لَا يُمْهَلُ مِنْ أَجْلِهِ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ الِامْتِنَاعَ بِسَبَبِ مِنْهُ ، فَلَا يُسْقِطُ حُكْمًا وَاجِبًا عَلَيْهِ .\rفَعَلَى هَذَا لَا يُؤْمَرُ بِالْوَطْءِ ؛ لِأَنَّهُ مُحَرَّمٌ عَلَيْهِ ، وَلَكِنْ يُؤْمَرُ بِالطَّلَاقِ .\rوَوَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ ، أَنَّهُ عَاجِزٌ عَنْ الْوَطْءِ بِأَمْرٍ لَا يُمْكِنُهُ الْخُرُوجُ مِنْهُ ، فَأَشْبَهَ الْمَرِيضَ .\rفَأَمَّا الْمُظَاهِرُ ، فَيُقَالُ لَهُ : إمَّا أَنْ تُكَفِّرَ وَتَفِيءَ ، وَإِمَّا أَنْ تُطَلِّقَ .\rفَإِنْ قَالَ : أَمْهِلُونِي حَتَّى أَطْلُبَ رَقَبَةً ، أَوْ أُطْعِمَ .\rفَإِنْ عُلِمَ أَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى التَّكْفِيرِ فِي الْحَالِ ، وَإِنَّمَا يَقْصِدُ الْمُدَافَعَةَ وَالتَّأْخِيرَ ، لَمْ يُمْهَلْ ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ حَالٌ عَلَيْهِ .\rوَإِنَّمَا يُمْهَلُ لِلْحَاجَةِ ، وَلَا حَاجَةَ .\rوَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ ذَلِكَ ، أُمْهِلَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ؛ لِأَنَّهَا قَرِيبَةٌ ، وَلَا يُزَادُ عَلَى ذَلِكَ .\rوَإِنْ كَانَ فَرْضُهُ الصِّيَامَ ، فَطَلَبَ الْإِمْهَالَ لِيَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ ، لَمْ يُمْهَلْ ؛ لِأَنَّهُ كَثِيرٌ .\rوَيَتَخَرَّجُ أَنْ يَفِيءَ بِلِسَانِهِ فَيْئَةَ الْمَعْذُورِ ، وَيُمْهَلَ حَتَّى يَصُومَ ، كَقَوْلِنَا فِي الْمُحْرِمِ .\rفَإِنْ وَطِئَهَا فَقَدْ عَصَى ، وَانْحَلَّ إيلَاؤُهُ .\rوَلَهَا مَنْعُهُ مِنْهُ ؛ لِأَنَّ هَذَا الْوَطْءَ مُحَرَّمٌ عَلَيْهِمَا .\rوَقَالَ الْقَاضِي : يَلْزَمُهَا التَّمْكِينُ ، وَإِنْ امْتَنَعَتْ سَقَطَ حَقُّهَا ؛ لِأَنَّ حَقَّهَا فِي الْوَطْءِ ، وَقَدْ بَذَلَهُ لَهَا ، وَمَتَى وَطِئَهَا فَقَدْ وَفَّاهَا حَقَّهَا ، وَالتَّحْرِيمُ عَلَيْهِ دُونَهَا .\rوَلَنَا أَنَّهُ وَطْءٌ حَرَامٌ ، فَلَا يَلْزَمُ التَّمْكِينُ مِنْهُ ، كَالْوَطْءِ فِي الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ .\rوَهَذَا يَنْقُضُ دَلِيلَهُمْ .\rوَلَا نُسَلِّمُ كَوْنَ التَّحْرِيمِ عَلَيْهِ دُونَهَا ؛ فَإِنَّ","part":17,"page":159},{"id":8159,"text":"الْوَطْءَ مَتَى حَرُمَ عَلَى أَحَدِهِمَا حَرُمَ عَلَى الْآخَرِ ؛ لِكَوْنِهِ فِعْلًا وَاحِدًا ، وَلَوْ جَازَ اخْتِصَاصُ أَحَدِهِمَا بِالتَّحْرِيمِ ، لَاخْتَصَّتْ الْمَرْأَةُ بِتَحْرِيمِ الْوَطْءِ فِي الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ وَإِحْرَامِهَا وَصِيَامِهَا ؛ لِاخْتِصَاصِهَا بِسَبَبِهِ .","part":17,"page":160},{"id":8160,"text":"( 6145 ) فَصْلٌ : وَإِنْ انْقَضَتْ الْمُدَّةُ وَهُوَ مَحْبُوسٌ بِحَقٍّ يُمْكِنُ أَدَاؤُهُ ، طُولِبَ بِالْفَيْئَةِ ؛ لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَيْهَا بِأَدَاءِ مَا عَلَيْهِ .\rفَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ ، أُمِرَ بِالطَّلَاقِ .\rوَإِنْ كَانَ عَاجِزًا عَنْ أَدَائِهِ ، أَوْ حُبِسَ ظُلْمًا ، أُمِرَ بِفَيْئَةِ الْمَعْذُورِ .\rوَإِنْ انْقَضَتْ وَهُوَ غَائِبٌ ، وَالطَّرِيقُ آمِنٌ ، فَلَهَا أَنْ تُوَكِّلَ مَنْ يُطَالِبُهُ بِالْمَسِيرِ إلَيْهَا ، أَوْ حَمْلِهَا إلَيْهِ ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ ، أُخِذَ بِالطَّلَاقِ .\rوَإِنْ كَانَ الطَّرِيقُ مَخُوفًا ، أَوْ لَهُ عُذْرٌ يَمْنَعُهُ ، فَاءَ فَيْئَةَ الْمَعْذُورِ .","part":17,"page":161},{"id":8161,"text":"( 6146 ) فَصْلٌ : فَإِنْ كَانَ مَغْلُوبًا عَلَى عَقْلِهِ بِجُنُونٍ أَوْ إغْمَاءٍ لَمْ يُطَالَبْ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصْلُحُ لِلْخِطَابِ ، وَلَا يَصِحُّ مِنْهُ الْجَوَابُ ، وَتَتَأَخَّرُ الْمُطَالَبَةُ إلَى حَالِ الْقُدْرَةِ ، وَزَوَالِ الْعُذْرِ ، ثُمَّ يُطَالَبُ حِينَئِذٍ .\rوَإِنْ كَانَ مَجْبُوبًا ، وَقُلْنَا : يَصِحُّ إيلَاؤُهُ .\rفَاءَ فَيْئَةَ الْمَعْذُورِ ، فَيَقُولُ : لَوْ قَدَرْت جَامَعْتُهَا .","part":17,"page":162},{"id":8162,"text":"( 6147 ) فَصْلٌ : وَإِذَا انْقَضَتْ الْمُدَّةُ ، فَادَّعَى أَنَّهُ عَاجِزٌ عَنْ الْوَطْءِ ، فَإِذَا كَانَ قَدْ وَطِئَهَا مَرَّةً ، لَمْ تُسْمَعْ دَعْوَاهُ الْعُنَّةَ ، كَمَا لَا تُسْمَعُ دَعْوَاهَا عَلَيْهِ ، وَيُؤْخَذُ بِالْفَيْئَةِ ، أَوْ بِالطَّلَاقِ ، كَغَيْرِهِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَطِئَهَا ، وَلَمْ تَكُنْ حَالُهُ مَعْرُوفَةً ، فَقَالَ الْقَاضِي : تُسْمَعُ دَعْوَاهُ ، وَيُقْبَلُ قَوْلُهُ ؛ لِأَنَّ التَّعْنِينَ مِنْ الْعُيُوبِ الَّتِي لَا يَقِفُ عَلَيْهَا غَيْرُهُ .\rوَهَذَا ظَاهِرُ نَصِّ الشَّافِعِيِّ .\rوَلَهَا أَنْ تَسْأَلَ الْحَاكِمَ ، فَيَضْرِبَ لَهُ مُدَّةَ الْعُنَّةِ بَعْدَ أَنْ يَفِيءَ فَيْئَةَ أَهْلِ الْأَعْذَارِ .\rوَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ ، أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ ؛ لِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ فِي دَعْوَى مَا يُسْقِطُ عَنْهُ حَقًّا تَوَجَّهَ عَلَيْهِ الطَّلَبُ بِهِ ، وَالْأَصْلُ سَلَامَتُهُ مِنْهُ .\rوَإِنْ ادَّعَتْ أَنَّهُ قَدْ أَصَابَهَا مَرَّةً ، وَأَنْكَرَ ذَلِكَ ، لَمْ يَكُنْ لَهَا الْمُطَالَبَةُ بِضَرْبِ مُدَّةِ الْعُنَّةِ ، لِاعْتِرَافِهَا بِعَدَمِ عُنَّتِهِ ، وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِي عَدَمِ الْإِصَابَةِ .","part":17,"page":163},{"id":8163,"text":"( 6148 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : ( فَمَتَى قَدَرَ ، فَلَمْ يَفْعَلْ ، أُمِرَ بِالطَّلَاقِ ) وَجُمْلَةُ الْأَمْرِ أَنَّ الْمُولِيَ إذَا وُقِفَ ، وَطُولِبَ بِالْفَيْئَةِ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَيْهَا ، فَلَمْ يَفْعَلْ ، أُمِرَ بِالطَّلَاقِ .\rوَهَذَا قَوْلُ كُلِّ مَنْ يَقُولُ : يُوقَفُ الْمُولِي ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ { فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ } .\rفَإِذَا امْتَنَعَ مِنْ أَدَاءِ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ ، فَقَدْ امْتَنَعَ مِنْ الْإِمْسَاكِ بِالْمَعْرُوفِ ، فَيُؤْمَرُ بِالتَّسْرِيحِ بِالْإِحْسَانِ .\rوَإِنْ كَانَ مَعْذُورًا ، فَفَاءَ بِلِسَانِهِ ، ثُمَّ قَدَرَ عَلَى الْوَطْءِ ، أُمِرَ بِهِ ، فَإِنْ فَعَلَ ، وَإِلَّا أُمِرَ بِالطَّلَاقِ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : إذَا فَاءَ بِلِسَانِهِ ، لَمْ يُطَالَبْ بِالْفَيْئَةِ مَرَّةً أُخْرَى ، وَخَرَجَ مِنْ الْإِيلَاءِ .\rوَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ ، وَعِكْرِمَةَ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ فَاءَ مَرَّةً ، فَخَرَجَ مِنْ الْإِيلَاءِ ، وَلَمْ تَلْزَمْهُ فَيْئَةٌ ثَانِيَةٌ ، كَمَا لَوْ فَاءَ بِالْوَطْءِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : تُسْتَأْنَفُ لَهُ مُدَّةُ الْإِيلَاءِ ؛ لِأَنَّهُ وَفَّاهَا حَقَّهَا بِمَا أَمْكَنَهُ مِنْ الْفَيْئَةِ ، فَلَا يُطَالَبُ إلَّا بَعْدَ اسْتِئْنَافِ مُدَّةِ الْإِيلَاءِ ، كَمَا لَوْ طَلَّقَهَا .\rوَلَنَا أَنَّهُ أَخَّرَ حَقَّهَا لِعَجْزِهِ عَنْهُ ، فَإِذَا قَدَرَ عَلَيْهِ ، لَزِمَهُ أَنْ يُوَفِّيَهَا إيَّاهُ ، كَالدَّيْنِ عَلَى الْمُعْسِرِ إذَا قَدَرَ عَلَيْهِ .\rوَمَا ذَكَرُوهُ فَلَيْسَ بِحَقِّهَا ، وَلَا يَزُولُ الضَّرَرُ عَنْهَا بِهِ ، وَإِنَّمَا وَعَدَهَا بِالْوَفَاءِ ، وَلَزِمَهَا الصَّبْرُ عَلَيْهِ وَإِنْظَارُهُ .\rكَالْغَرِيمِ الْمُعْسِرِ .\r( 6149 ) فَصْلٌ : وَلَيْسَ عَلَى مَنْ فَاءَ بِلِسَانِهِ كَفَّارَةٌ ، وَلَا حِنْثٌ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ ، وَإِنَّمَا وَعَدَ بِفِعْلِهِ ، فَهُوَ كَمَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ حَلَفَ أَنْ لَا يُوَفِّيَهُ ، ثُمَّ أَعْسَرِ بِهِ ، فَقَالَ : مَتَى قَدَرْتُ وَفَّيْتُهُ .","part":17,"page":164},{"id":8164,"text":"( 6150 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : ( فَإِنْ لَمْ يُطَلِّقْ ، طَلَّقَ الْحَاكِمُ عَلَيْهِ ) وَجُمْلَةُ الْأَمْرِ أَنَّ الْمُولِيَ إذَا امْتَنَعَ مِنْ الْفَيْئَةِ بَعْدَ التَّرَبُّصِ ، أَوْ امْتَنَعَ الْمَعْذُورُ مِنْ الْفَيْئَةِ بِلِسَانِهِ ، أَوْ امْتَنَعَ مِنْ الْوَطْءِ بَعْدَ زَوَالِ عُذْرِهِ ، أُمِرَ بِالطَّلَاقِ .\rفَإِنْ طَلَّقَ ، وَقَعَ طَلَاقُهُ الَّذِي أَوْقَعَهُ ، وَاحِدَةً كَانَتْ أَوْ أَكْثَرَ .\rوَلَيْسَ لِلْحَاكِمِ إجْبَارُهُ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ طَلْقَةٍ ؛ لِأَنَّهُ يَحْصُلُ الْوَفَاءُ بِحَقِّهَا بِهَا ؛ فَإِنَّهَا تُفْضِي إلَى الْبَيْنُونَةِ ، وَالتَّخَلُّصِ مِنْ ضَرَرِهِ .\rوَإِنْ امْتَنَعَ مِنْ الطَّلَاقِ ، طَلَّقَ الْحَاكِمُ عَلَيْهِ .\rوَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ ، رِوَايَةٌ أُخْرَى ، لَيْسَ لِلْحَاكِمِ الطَّلَاقُ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ مَا خُيِّرَ الزَّوْجُ فِيهِ بَيْن أَمْرَيْنِ ، لَمْ يَقُمْ الْحَاكِمُ مَقَامَهُ فِيهِ كَالِاخْتِيَارِ لِبَعْضِ الزَّوْجَاتِ فِي حَقِّ مَنْ أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ ، أَوْ أُخْتَانِ .\rفَعَلَى هَذَا يَحْبِسُهُ ، وَيُضَيِّقُ عَلَيْهِ ، حَتَّى يَفِيءَ ، أَوْ يُطَلِّقَ .\rوَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ ، كَالرِّوَايَتَيْنِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ مَا دَخَلَتْهُ النِّيَابَةُ ، وَتَعَيَّنَ مُسْتَحِقُّهُ ، وَامْتَنَعَ مَنْ هُوَ عَلَيْهِ ، قَامَ الْحَاكِمُ مَقَامَهُ فِيهِ ، كَقَضَاءِ الدَّيْنِ ، وَفَارَقَ الِاخْتِيَارَ ، فَإِنَّهُ مَا تَعَيَّنَ مُسْتَحِقُّهُ .\rوَهَذَا أَصَحُّ فِي الْمَذْهَبِ .\rوَلَيْسَ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَأْمُرَ بِالطَّلَاقِ وَلَا يُطَلِّقَ إلَّا أَنْ تَطْلُبَ الْمَرْأَةُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ لَهَا ، وَإِنَّمَا الْحَاكِمُ يَسْتَوْفِي لَهَا الْحَقَّ ، فَلَا يَكُونُ إلَّا عِنْدَ طَلَبِهَا .","part":17,"page":165},{"id":8165,"text":"( 6151 ) فَصْلٌ : وَالطَّلَاقُ الْوَاجِبُ عَلَى الْمُولِي رَجْعِيٌّ ، سَوَاءٌ أَوْقَعَهُ بِنَفْسِهِ ، أَوْ طَلَّقَ الْحَاكِمُ عَلَيْهِ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rقَالَ الْأَثْرَمُ : قُلْت لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ فِي الْمُولِي : فَإِنْ طَلَّقَهَا .\rقَالَ : تَكُونُ وَاحِدَةً ، وَهُوَ أَحَقُّ بِهَا .\rوَعَنْ أَحْمَدَ ، رِوَايَةٌ أُخْرَى ، أَنَّ فُرْقَةَ الْحَاكِمِ تَكُونُ بَائِنًا .\rذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ الرِّوَايَتَيْنِ جَمِيعًا .\rوَقَالَ الْقَاضِي : الْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ ، فِي فُرْقَةِ الْحَاكِمِ ، أَنَّهَا تَكُونُ بَائِنًا ؛ فَإِنَّ فِي رِوَايَة الْأَثْرَمِ : وَقَدْ سُئِلَ إذَا طَلَّقَ عَلَيْهِ السُّلْطَانُ ، أَتَكُونُ وَاحِدَةً ؟ فَقَالَ : إذَا طَلَّقَ فَهِيَ وَاحِدَةٌ ، وَهُوَ أَحَقُّ بِهَا ، فَأَمَّا تَفْرِيقُ السُّلْطَانِ ، فَلَيْسَ فِيهِ رَجْعَةٌ .\rوَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ : طَلَاقُ الْمُولِي بَائِنٌ ، سَوَاءٌ طَلَّقَ هُوَ ، أَوْ طَلَّقَ عَلَيْهِ الْحَاكِمُ ؛ لِأَنَّهَا فُرْقَةٌ لِرَفْعِ الضَّرَرِ ، فَكَانَ بَائِنًا ، كَفُرْقَةِ الْعُنَّةِ ، وَلِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ رَجْعِيَّةً ، لَمْ يَنْدَفِعْ الضَّرَرُ ؛ لِأَنَّهُ يَرْتَجِعُهَا ، فَيَبْقَى الضَّرَرُ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَقَعُ الطَّلَاقُ بِانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ بَائِنًا .\rوَوَجْهُ الْأَوَّلِ ؛ أَنَّهُ طَلَاقٌ صَادَفَ مَدْخُولًا بِهَا مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ ، وَلَا اسْتِيفَاءِ عَدَدٍ ، فَكَانَ رَجْعِيًّا ، كَالطَّلَاقِ فِي غَيْرِ الْإِيلَاءِ .\rوَيُفَارِقُ فُرْقَةَ الْعُنَّةِ ؛ لِأَنَّهَا فَسْخٌ لِعَيْبٍ ، وَهَذِهِ طَلْقَةٌ ، وَلِأَنَّهُ لَوْ أُبِيحَ لَهُ ارْتِجَاعُهَا ، لَمْ يَنْدَفِعْ عَنْهَا الضَّرَرُ ، وَهَذِهِ يَنْدَفِعُ عَنْهَا الضَّرَرُ ؛ فَإِنَّهُ إذَا ارْتَجَعَهَا ، ضُرِبَتْ لَهُ مُدَّةٌ أُخْرَى ، وَلِأَنَّ الْعِنِّينَ قَدْ يُئِسَ مِنْ وَطْئِهِ ، فَلَا فَائِدَةَ فِي رَجْعَتِهِ ، وَهَذَا غَيْرُ عَاجِزٍ ، وَرَجْعَتُهُ دَلِيلٌ عَلَى رَغْبَتِهِ وَإِقْلَاعِهِ عَنْ الْإِضْرَارِ بِهَا ، فَافْتَرَقَا .\rوَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .","part":17,"page":166},{"id":8166,"text":"( 6152 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : ( فَإِنْ طَلَّقَ عَلَيْهِ ثَلَاثًا ، فَهِيَ ثَلَاثٌ ) وَجُمْلَةُ الْأَمْرِ أَنَّ الْمُولِيَ إذَا امْتَنَعَ مِنْ الْفَيْئَةِ وَالطَّلَاقِ مَعًا ، وَقَامَ الْحَاكِمُ مَقَامَهُ ، فَإِنَّهُ يَمْلِكُ مِنْ الطَّلَاقِ مَا يَمْلِكُهُ الْمُولِي ، وَإِلَيْهِ الْخِيرَةُ فِيهِ ، إنْ شَاءَ طَلَّقَ وَاحِدَةً ، وَإِنْ شَاءَ اثْنَتَيْنِ ، وَإِنْ شَاءَ ثَلَاثًا ، وَإِنْ شَاءَ فَسَخَ .\rقَالَ الْقَاضِي : هَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَيْسَ لَهُ إلَّا وَاحِدَةٌ ؛ لِأَنَّ إيفَاءَ الْحَقِّ يَحْصُلُ بِهَا ، فَلَمْ يَمْلِكْ زِيَادَةً عَلَيْهَا ، كَمَا لَمْ يَمْلِكْ الزِّيَادَةَ عَلَى وَفَاءِ الدَّيْنِ فِي حَقِّ الْمُمْتَنِعِ .\rوَلَنَا أَنَّ الْحَاكِمَ قَائِمٌ مَقَامَهُ ، فَمَلَكَ مِنْ الطَّلَاقِ مَا يَمْلِكُهُ ، كَمَا لَوْ وَكَّلَهُ فِي ذَلِكَ .\rوَلَيْسَ ذَلِكَ زِيَادَةً عَلَى حَقِّهَا ؛ فَإِنَّ حَقَّهَا الْفُرْقَةُ ، غَيْرَ أَنَّهَا تَتَنَوَّعُ ، وَقَدْ يَرَى الْحَاكِمُ الْمَصْلَحَةَ فِي تَحْرِيمِهَا عَلَيْهِ ، وَمَنْعِهِ رَجْعَتَهَا ؛ لِعِلْمِهِ بِسُوءِ قَصْدِهِ ، وَحُصُولِ الْمَصْلَحَةِ بِبُعْدِهِ .\rقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ : إذَا قَالَ : فَرَّقْتُ بَيْنَكُمَا .\rفَإِنَّمَا هُوَ فَسْخٌ .\rوَإِذَا قَالَ : طَلَّقْتُ وَاحِدَةً .\rفَهِيَ وَاحِدَةٌ .\rوَإِذَا قَالَ : ثَلَاثًا .\rفَهِيَ ثَلَاثٌ .","part":17,"page":167},{"id":8167,"text":"( 6153 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : ( وَإِنْ طَلَّقَ وَاحِدَةً ، وَرَاجَعَ ، وَقَدْ بَقِيَ مِنْ مُدَّةِ الْإِيلَاءِ أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ ، كَانَ الْحُكْمُ كَمَا حَكَمْنَا فِي الْأَوَّلِ ) وَجُمْلَةُ الْأَمْرِ أَنَّهُ إذَا طَلَّقَ الْمُولِي ، أَوْ ؛ طَلَّقَ الْحَاكِمُ عَلَيْهِ أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ ، فَلَهُ رَجْعَتُهَا .\rوَعَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - رِوَايَةٌ أُخْرَى ، أَنَّ تَفْرِيقَ الْحَاكِمِ لَيْسَ فِيهِ رَجْعَةٌ ؛ فَإِنَّهُ قَالَ : وَأَمَّا تَفْرِيقُ السُّلْطَانِ ، فَلَيْسَ فِيهِ رَجْعَةٌ فِي الْعِدَّةِ ، وَلَا بَعْدَهَا .\rفَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ ، يَكُونُ طَلَاقُ الْحَاكِمِ بَائِنًا ، لَيْسَ فِيهِ رَجْعَةٌ .\rوَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : فِي كُلَّ فُرْقَةٍ فَرَّقَهَا الْحَاكِمُ رِوَايَتَانِ ، لِعَانًا كَانَتْ أَوْ غَيْرَهُ ؛ إحْدَاهُمَا ، تَحْرُمُ عَلَى التَّأْبِيدِ .\rوَاخْتَارَهَا .\rوَالثَّانِيَةُ ، لَهُ الْمُرَاجَعَةُ فِيهَا بِعَقْدٍ جَدِيدٍ .\rوَهَذَا الصَّحِيحُ .\rوَلَيْسَ فِي كَلَامِ أَحْمَدَ مَا يَقْتَضِي تَحْرِيمَهَا عَلَيْهِ .\rوَقَوْلُهُ : لَيْسَ فِيهِ رَجْعَةٌ فِي الْعِدَّةِ وَلَا بَعْدَهَا .\rيُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ رَجْعَتُهَا بِغَيْرِ نِكَاحٍ جَدِيدٍ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ صَرَّحَ فِي سَائِرِ الرِّوَايَاتِ بِهِ ، وَلِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ سَبَبٌ يَقْتَضِي تَحْرِيمَهَا عَلَيْهِ ، وَتَفْرِيقُ الْحَاكِمِ لَا يَقْتَضِي سِوَى التَّفْرِيقِ بَيْنَهُمَا فِي هَذَا النِّكَاحِ ، وَلِذَلِكَ لَوْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا لِأَجْلِ الْعُنَّةِ ، لَمْ تَحْرُمْ عَلَيْهِ .\rوَأَمَّا فُرْقَةُ اللِّعَانِ ، فَإِنَّهَا تَحْصُلُ بِدُونِ تَفْرِيقِ الْحَاكِمِ .\rوَلَوْ حَصَلَتْ بِتَفْرِيقِ الْحَاكِمِ غَيْرَ أَنَّ الْمُقْتَضِيَ لِلتَّفْرِيقِ وَالتَّحْرِيمِ اللِّعَانُ ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إقْرَارُهُمَا عَلَى النِّكَاحِ وَإِنْ تَرَاضَوْا بِهِ ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا .\rوَأَمَّا عَلَى قَوْلِ الْخِرَقِيِّ ، فَإِنَّ الطَّلَاقَ إذَا كَانَ دُونَ الثَّلَاثِ ، فَهُوَ رَجْعِيٌّ ، سَوَاءٌ كَانَ مِنْ الْمُولِي ، أَوْ الْحَاكِمِ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ الْحَاكِمَ نَائِبُهُ ، فَلَا يَقَعُ طَلَاقُهُ مُفِيدًا ، كَمَا لَمْ يُفِدْهُ","part":17,"page":168},{"id":8168,"text":"طَلَاقُ الْمُولِي كَالْوَكِيلِ .\rفَإِنْ لَمْ يُرَاجِعْ حَتَّى انْقَضَتْ عِدَّتُهَا ، بَانَتْ ، وَلَمْ يَلْحَقْهَا طَلَاقٌ ثَانٍ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ، وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ : إذَا سَبَقَ حَدُّ الْإِيلَاءِ حَدَّ الطَّلَاقِ ، فَهُمَا تَطْلِيقَتَانِ ، وَإِنْ سَبَقَ حَدُّ الطَّلَاقِ حَدَّ الْإِيلَاءِ ، فَهِيَ وَاحِدَةٌ .\rوَيَقْتَضِيهِ مَذْهَبُ الزُّهْرِيِّ .\rوَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الطَّلَاقَ يَقَعُ بِانْقِضَاءِ مُدَّةِ الْإِيلَاءِ ، مِنْ غَيْرِ إيقَاعٍ .\rوَقَدْ سَبَقَ ذِكْرُ ذَلِكَ .\rفَأَمَّا إنَّ فَسَخَ الْحَاكِمُ النِّكَاحَ ، فَلَيْسَ لِلْمُولِي الرُّجُوعُ عَلَيْهَا إلَّا بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ ، سَوَاءٌ كَانَ فِي الْعِدَّةِ أَوْ بَعْدَهَا .\rوَلَا يَنْقُصُ بِهِ عَدَدُ طَلَاقِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِطَلَاقٍ ، فَأَشْبَهَ فَسْخَ النِّكَاحِ لِعَيْبِهِ أَوْ عُنَّتِهِ .\rوَإِنْ طَلَّقَ الْمُولِي أَوْ الْحَاكِمُ ثَلَاثًا ، لَمْ تَحِلَّ لَهُ إلَّا بَعْدَ زَوْجٍ ثَانٍ وَإِصَابَةٍ وَنِكَاحٍ جَدِيدٍ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّهُ إذَا طَلَّقَ دُونَ الثَّلَاثِ ، فَرَاجَعَهَا فِي عِدَّتِهَا ، فَإِنَّ مُدَّةَ الْإِيلَاءِ تَنْقَطِعُ بِالطَّلَاقِ ، وَلَا يُحْتَسَبُ عَلَيْهِ بِمَا قَبْلَ الرَّجْعَةِ مِنْ الْمُدَّةِ ؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ مَمْنُوعَةً مِنْهُ بِغَيْرِ الْيَمِينِ ، فَانْقَطَعْت الْمُدَّةُ كَمَا لَوْ كَانَ الطَّلَاقُ بَائِنًا ، فَإِنْ رَاجَعَ اُسْتُؤْنِفَتْ الْمُدَّةُ مِنْ حِينِ رَجْعَتِهِ ، فَإِنْ كَانَ الْبَاقِي مِنْهَا أَقَلَّ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ ، سَقَطَ الْإِيلَاءُ ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْهَا تَرَبَّصْنَا بِهِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ ، ثُمَّ وَقَفْنَاهُ لِيَفِيءَ أَوْ يُطَلِّقَ ، ثُمَّ يَكُونُ الْحُكْمُ هَاهُنَا كَالْحُكْمِ فِي وَقْفِهِ الْأَوَّلِ ، فَإِنْ طَلَّقَ أَوْ طَلَّقَ الْحَاكِمُ عَلَيْهِ وَاحِدَةً ، ثُمَّ رَاجَعَ ، وَقَدْ بَقِيَ مِنْ مُدَّةِ الْإِيلَاءِ أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ ، انْتَظَرْنَاهُ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ ، ثُمَّ طُولِبَ بِالْفَيْئَةِ أَوْ الطَّلَاقِ ، فَإِنْ طَلَّقَ ، فَقَدْ كَمُلَتْ الثَّلَاثُ ، وَحَرُمَتْ عَلَيْهِ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rوَيَقْتَضِي مَذْهَبُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَامِدٍ ، أَنَّهُ إذَا","part":17,"page":169},{"id":8169,"text":"طَلَّقَ اُسْتُؤْنِفَتْ الْمُدَّةُ الْأُخْرَى مِنْ حِينَ طَلَّقَ ، فَلَوْ تَمَّتْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ قَبْلَ انْقِضَاءِ عِدَّةِ الطَّلَاقِ ، وُقِفَ ثَانِيًا ، فَإِنْ فَاءَ ، وَإِلَّا أُمِرَ بِالطَّلَاقِ .\rوَنَحْوُ هَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ ، وَأَبِي عُبَيْدٍ .\rوَإِنْ انْقَضَتْ الْعِدَّةُ قَبْلَ مُدَّةِ الْإِيلَاءِ ، بَانَتْ ، وَانْقَطَعَ الْإِيلَاءُ ، فَإِنْ رَاجَعَ فِي الْعِدَّةِ قَبْلَ مُدَّةِ الْإِيلَاءِ ، تَرَبَّصَ بِهِ تَمَامَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ مِنْ حِينِ طَلَّقَ .\rوَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَعَطَاءٍ ، وَالْحَسَنِ ، وَالنَّخَعِيِّ ، وَقَتَادَةَ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، أَنَّ الطَّلَاقَ يَهْدِمُ الْإِيلَاءَ .\rوَهَذَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ يَقْطَعُ مُدَّتَهُ ، فَلَا يُحْتَسَبُ بِمُدَّتِهِ قَبْلَ الرَّجْعَةِ ؛ فَيَكُونُ قَوْلُ الْخِرَقِيِّ مِثْلَهُ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ يُزِيلُ حُكْمَهُ بِالْكُلِّيَّةِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ وَفَّاهَا حَقَّهَا بِالطَّلَاقِ ، فَسَقَطَ حُكْمُ الْإِيلَاءِ ، كَمَا لَوْ وَطِئَهَا .\rوَالْجَوَابُ عَنْ هَذَا ، أَنَّ حُكْمَ الْيَمِينِ بَاقٍ فِي الْمَنْعِ مِنْ الْوَطْءِ فَيَبْقَى الْإِيلَاءُ ، كَمَا لَوْ لَمْ يُطَلِّقْ ، بِخِلَافِ الْفَيْئَةِ ، فَإِنَّهَا تَرْفَعُ الْيَمِينَ ، لِحُصُولِ الْحِنْثِ فِيهَا .","part":17,"page":170},{"id":8170,"text":"( 6154 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : ( وَلَوْ وَقَفْنَاهُ بَعْدَ الْأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ ، فَقَالَ : قَدْ أَصَبْتهَا .\rفَإِنْ كَانَتْ ثَيِّبًا ، كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ مَعَ يَمِينِهِ ) وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ النِّكَاحِ ، وَالْمَرْأَةُ تَدَّعِي مَا يَلْزَمُهُ بِهِ رَفْعُهُ ، وَهُوَ يَدَّعِي مَا يُوَافِقُ الْأَصْلَ ، وَيُبْقِيهِ ، فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ .\rكَمَا لَوْ ادَّعَى الْوَطْءَ فِي الْعُنَّةِ ، وَلِأَنَّ هَذَا أَمْرٌ خَفِيٌّ وَلَا يُعْلَمْ إلَّا مِنْ جِهَتِهِ ، فَقُبِلَ قَوْلُهُ فِيهِ ، كَقَوْلِ الْمَرْأَةِ فِي حَيْضِهَا .\rوَتَلْزَمُهُ الْيَمِينُ ؛ لِأَنَّ مَا تَدَّعِيهِ الْمَرْأَةُ مُحْتَمِلٌ ، فَوَجَبَ نَفْيُهُ بِالْيَمِينِ .\rوَنَصَّ أَحْمَدُ ، فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ ، عَلَى أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ يَمِينٌ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُقْضَى فِيهِ بِالنُّكُولِ .\rوَهَذَا اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ .\rفَأَمَّا إنْ كَانَتْ بِكْرًا ، وَاخْتَلَفَا فِي الْإِصَابَةِ ، أُرِيَتْ النِّسَاءُ الثِّقَاتُ ، فَإِنْ شَهِدْنَ بِثُيُوبَتِهَا ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ ، وَإِنْ شَهِدْنَ بِبَكَارَتِهَا ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا ؛ لِأَنَّهُ لَوْ وَطِئَهَا زَالَتْ بَكَارَتُهَا .\rوَظَاهِرُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ ، أَنَّهُ لَا يَمِينَ هَاهُنَا ؛ لِقَوْلِهِ فِي بَابِ الْعِنِّينِ : فَإِنْ شَهِدْنَ بِمَا قَالَتْ ، أُجِّلَ سَنَةً .\rوَلَمْ يَذْكُرْ يَمِينَهُ .\rوَهَذَا قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ ؛ لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ تَشْهَدُ لَهَا ، فَلَا تَجِبُ الْيَمِينُ مَعَهَا .\r( 6155 ) فَصْلٌ : وَلَوْ كَانَتْ هَذِهِ الْمَرْأَةُ غَيْرَ مَدْخُولٍ بِهَا ، فَادَّعَى أَنَّهُ أَصَابَهَا ، وَكَذَّبَتْهُ ، ثُمَّ طَلَّقَهَا ، وَأَرَادَ رَجْعَتَهَا ، كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهَا ، فَنَقْبَلُ قَوْلَهُ فِي الْإِصَابَةِ فِي الْإِيلَاءِ ، وَلَا نَقْبَلُهُ فِي إثْبَاتِ الرَّجْعَةِ لَهُ ، وَقَدْ سَبَقَ تَعْلِيلُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الرَّجْعَةِ .","part":17,"page":171},{"id":8171,"text":"( 6156 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : ( وَلَوْ آلَى مِنْهَا ، فَلَمْ يُصِبْهَا حَتَّى طَلَّقَهَا ، وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا مِنْهُ ؛ ثُمَّ نَكَحَهَا ، وَقَدْ بَقِيَ مِنْ مُدَّةِ الْإِيلَاءِ أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ ، وُقِفَ لَهَا ، كَمَا وَصَفْتُ ) وَجُمْلَةُ الْأَمْرِ أَنَّ الْمُولِيَ إذَا أَبَانَ زَوْجَتَهُ ، انْقَطَعَتْ مُدَّةُ الْإِيلَاءِ ، بِغَيْرِ خِلَافٍ عَلِمْنَاهُ سَوَاءٌ بَانَتْ بِفَسْخٍ ، أَوْ طَلَاقٍ ثَلَاثٍ ، أَوْ بِخُلْعٍ ، أَوْ بِانْقِضَاءِ عِدَّتِهَا مِنْ الطَّلَاقِ الرَّجْعِيِّ ؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ أَجْنَبِيَّةً مِنْهُ ، وَلَمْ يَبْقَ شَيْءٌ مِنْ أَحْكَامِ نِكَاحِهَا .\rفَإِنْ عَادَ فَتَزَوَّجَهَا ، عَادَ حُكْمُ الْإِيلَاءِ مِنْ حِينَ تَزَوَّجَهَا ، وَاسْتُؤْنِفَتْ الْمُدَّةُ حِينَئِذٍ ، فَإِنْ كَانَ الْبَاقِي مِنْ مُدَّةِ يَمِينِهِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ فَمَا دُونَ ، لَمْ يَثْبُتْ حُكْمُ الْإِيلَاءِ ؛ لِأَنَّ مُدَّةَ التَّرَبُّصِ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ ، تَرَبَّصَ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ ، ثُمَّ وُقِفَ لَهَا ، فَإِمَّا أَنْ يَفِيءَ ، أَوْ يُطَلِّقَ ، وَإِنْ لَمْ يُطَلِّقْ ، طَلَّقَ الْحَاكِمُ عَلَيْهِ .\rوَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إنْ كَانَ الطَّلَاقُ أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثِ ، ثُمَّ تَرَكَهَا حَتَّى انْقَضَتْ عِدَّتُهَا ، ثُمَّ نَكَحَهَا ، عَادَ الْإِيلَاءُ ، وَإِنْ اسْتَوْفَى عَدَدَ الطَّلَاقِ ، لَمْ يَعُدْ الْإِيلَاءُ ؛ لِأَنَّ حُكْمَ النِّكَاحِ الْأَوَّلِ زَالَ بِالْكُلِّيَّةِ ، وَلِهَذَا تَرْجِعُ إلَيْهِ عَلَى طَلَاقٍ ثَلَاثٍ ، فَصَارَ إيلَاؤُهُ فِي النِّكَاحِ الْأَوَّلِ كَإِيلَائِهِ مِنْ أَجْنَبِيَّةٍ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ : يَتَحَصَّلُ مِنْ أَقْوَالِهِ ثَلَاثَةُ أَقَاوِيلَ : قَوْلَانِ كَالْمَذْهَبَيْنِ ، وَقَوْلٌ ثَالِثٌ : لَا يَعُودُ حُكْمُ الْإِيلَاءِ بِحَالِ .\rوَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْمُنْذِرِ ؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ بِحَالٍ لَوْ آلَى مِنْهَا لَمْ يَصِحَّ إيلَاؤُهُ ، فَبَطَلَ حُكْمُ الْإِيلَاءِ مِنْهَا ، كَالْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا .\rوَلَنَا أَنَّهُ مُمْتَنِعٌ مِنْ وَطْءِ امْرَأَتِهِ بِيَمِينٍ فِي حَالِ نِكَاحِهَا ، فَثَبَتَ لَهُ حُكْمُ الْإِيلَاءِ ، كَمَا لَوْ لَمْ يُطَلِّقْ ،","part":17,"page":172},{"id":8172,"text":"وَفَارَقَ الْإِيلَاءَ مِنْ الْأَجْنَبِيَّةِ ؛ فَإِنَّهُ لَا يَقْصِدُ بِالْيَمِينِ عَلَيْهَا الْإِضْرَارَ بِهَا ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا .","part":17,"page":173},{"id":8173,"text":"( 6157 ) فَصْلٌ : وَلَوْ آلَى مِنْ امْرَأَتِهِ الْأَمَةِ ، ثُمَّ اشْتَرَاهَا ، ثُمَّ أَعْتَقَهَا ، وَتَزَوَّجَهَا ، عَادَ الْإِيلَاءُ .\rوَلَوْ كَانَ الْمُولِي عَبْدًا ، فَاشْتَرَتْهُ امْرَأَتُهُ ، ثُمَّ أَعْتَقَتْهُ ، وَتَزَوَّجَتْهُ ، عَادَ الْإِيلَاءُ .\rوَلَوْ بَانَتْ الزَّوْجَةُ بِرِدَّةٍ ، أَوْ إسْلَامٍ مِنْ أَحَدِهِمَا أَوْ غَيْرِهِ ، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا تَزْوِيجًا جَدِيدًا ، عَادَ الْإِيلَاءُ ، وَتُسْتَأْنَفُ الْمُدَّةُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ .\rوَسَوَاءٌ عَادَتْ إلَيْهِ بَعْدَ زَوْجٍ ثَانٍ أَوْ قَبْلَهُ ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ كَانَتْ مِنْهُ فِي حَالِ الزَّوْجِيَّةِ ، فَيَبْقَى حُكْمُهَا مَا وَجَدَتْ الزَّوْجِيَّةُ .\rوَهَكَذَا لَوْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ : إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَوَاَللَّهِ لَا جَامَعْتُك .\rثُمَّ طَلَّقَهَا ، ثُمَّ نَكَحَتْ غَيْرَهُ ، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا الْأَوَّلُ ، عَادَ حُكْمُ الْإِيلَاءِ ؛ لِأَنَّ الصِّفَةَ الْمَعْقُودَةَ فِي حَالِ الزَّوْجِيَّةِ لَا تَنْحَلُّ بِزَوَالِ الزَّوْجِيَّةِ ، فَإِنْ دَخَلَتْ الدَّارَ فِي حَالِ الْبَيْنُونَةِ ، ثُمَّ عَادَ فَتَزَوَّجَهَا ، لَمْ يَثْبُتْ حُكْمُ الْإِيلَاءِ فِي حَقِّهِ ؛ لِأَنَّ الصِّفَةَ وُجِدَتْ فِي حَالِ كَوْنِهَا أَجْنَبِيَّةً ، وَلَا يَنْعَقِدُ الْإِيلَاءُ بِالْحَلِفِ عَلَى الْأَجْنَبِيَّةِ بِخِلَافِ مَا إذَا دَخَلَتْ وَهِيَ امْرَأَتُهُ .","part":17,"page":174},{"id":8174,"text":"( 6158 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : ( وَلَوْ آلَى مِنْهَا ، وَاخْتَلَفَا فِي مُضِيِّ الْأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ ، كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ فِي أَنَّهَا لَمْ تَمْضِ مَعَ يَمِينِهِ ) إنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الِاخْتِلَافَ فِي مُضِيِّ الْمُدَّةِ يَنْبَنِي عَلَى الْخِلَافِ فِي وَقْتِ يَمِينِهِ ؛ فَإِنَّهُمَا لَوْ اتَّفَقَا عَلَى وَقْتِ الْيَمِينِ ، حُسِبَ مِنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ ، فَعُلِمَ هَلْ انْقَضَتْ الْمُدَّةُ أَوْ لَا .\rوَزَالَ الْخِلَافُ .\rأَمَّا إذَا اخْتَلَفَا فِي وَقْتِ الْيَمِينِ ، فَقَالَ : حَلَفْتُ فِي غُرَّةِ رَمَضَانَ .\rوَقَالَتْ : بَلْ حَلَفْتَ فِي غُرَّةِ شَعْبَانَ .\rفَالْقَوْلُ قَوْلُهُ ؛ لِأَنَّهُ صَدَرَ مِنْ جِهَتِهِ ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِ .\rفَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ ، كَمَا لَوْ اخْتَلَفَا فِي أَصْلِ الْإِيلَاءِ وَلِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْحَلِفِ فِي غُرَّةِ شَعْبَانَ ، فَكَانَ قَوْلُهُ فِي نَفْيِهِ مُوَافِقًا لِلْأَصْلِ .\rقَالَ الْخِرَقِيِّ : وَيَكُونُ ذَلِكَ مَعَ يَمِينِهِ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيَّ .\rوَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ ، إلَى أَنَّهُ لَا يَمِينَ عَلَيْهِ .\rقَالَ الْقَاضِي : وَهُوَ أَصَحُّ ؛ لِأَنَّهُ اخْتِلَافٌ فِي أَحْكَامِ النِّكَاحِ ، فَلَمْ تُشْرَعْ فِيهِ يَمِينٌ ، كَمَا لَوْ ادَّعَى زَوْجِيَّةَ امْرَأَةٍ فَأَنْكَرَتْهُ .\rوَوَجْهُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ ، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ } .\rوَلِأَنَّهُ حَقٌّ لِآدَمِيٍّ يَجُوزُ بَذْلُهُ ، فَيُسْتَحْلَفُ فِيهِ ، كَالدُّيُونِ .","part":17,"page":175},{"id":8175,"text":"( 6159 ) فَصْلٌ : فَإِنْ تَرَكَ الْوَطْءَ بِغَيْرِ يَمِينٍ ، لَمْ يَكُنْ مُولِيًا ؛ لِأَنَّ الْإِيلَاءَ الْحَلِفُ .\rوَلَكِنْ إنْ تَرَكَ ذَلِكَ لِعُذْرٍ مِنْ مَرَضٍ ، أَوْ غَيْبَةٍ ، وَنَحْوِهِ ، لَمْ تُضْرَبْ لَهُ مُدَّةٌ ، وَإِنْ تَرَكَهُ مُضِرًّا بِهَا ، فَهَلْ تُضْرَبُ لَهُ مُدَّةٌ ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ ؛ إحْدَاهُمَا ، تُضْرَبُ لَهُ مُدَّةُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ ، فَإِنْ وَطِئَهَا ، وَإِلَّا دُعِيَ بَعْدَهَا إلَى الْوَطْءِ ، فَإِنْ امْتَنَعَ مِنْهُ ، أُمِرَ بِالطَّلَاقِ ، كَمَا يُفْعَلُ فِي الْإِيلَاءِ ، سَوَاءٌ ؛ لِأَنَّهُ أَضَرَّ بِهَا بِتَرْكِ الْوَطْءِ فِي مُدَّةِ الْإِيلَاءِ ، فَيَلْزَمُ حُكْمُهُ ، كَمَا لَوْ حَلَفَ ، وَلِأَنَّ مَا وَجَبَ أَدَاؤُهُ إذَا حَلَفَ عَلَى تَرْكِهِ ، وَجَبَ أَدَاؤُهُ إذَا لَمْ يَحْلِفْ ، كَالنَّفَقَةِ وَسَائِرِ الْوَاجِبَاتِ ، يُحَقِّقُهُ أَنَّ الْيَمِينَ لَا تَجْعَلُ غَيْرَ الْوَاجِبِ وَاجِبًا إذَا أَقْسَمَ عَلَى تَرْكِهِ ، فَوُجُوبُهُ مَعَهَا يَدُلُّ عَلَى ، وُجُوبِهِ قَبْلَهَا ، وَلِأَنَّ وُجُوبَهُ فِي الْإِيلَاءِ إنَّمَا كَانَ لِدَفْعِ حَاجَةِ الْمَرْأَةِ ، وَإِزَالَةِ الضَّرَرِ عَنْهَا ، وَضَرَرُهَا لَا يَخْتَلِفُ بِالْإِيلَاءِ وَعَدَمِهِ ، فَلَا يَخْتَلِفُ الْوُجُوبُ .\rفَإِنْ قِيلَ : فَلَا يَبْقَى لِلْإِيلَاءِ أَثَرٌ ، فَلِمَ أَفْرَدْتُمْ لَهُ بَابًا ؟ قُلْنَا : بَلْ لَهُ أَثَرٌ ؛ فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى قَصْدِ الْإِضْرَارِ ، فَيَتَعَلَّقُ الْحُكْمُ بِهِ ، وَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ مِنْهُ قَصْدُ الْإِضْرَارِ ، اُكْتُفِيَ بِدَلَالَتِهِ ، وَإِذَا لَمْ تُوجَدْ الْيَمِينُ ، احْتَجْنَا إلَى دَلِيلٍ سِوَاهُ يَدُلُّ عَلَى الْمُضَارَّةِ ، فَيُعْتَبَرُ الْإِيلَاءُ لِدَلَالَتِهِ عَلَى الْمُقْتَضَى لَا لِعَيْنِهِ .\rوَالثَّانِيَةُ ، لَا تُضْرَبُ لَهُ مُدَّةٌ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُولٍ ، فَلَمْ تُضْرَبْ لَهُ مُدَّةٌ ، كَمَا لَوْ لَمْ يَقْصِدْ الْإِضْرَارَ ، وَلِأَنَّ تَعْلِيقَ الْحُكْمِ بِالْإِيلَاءِ يَدُلُّ عَلَى انْتِفَائِهِ عِنْدَ عَدَمِهِ ، إذْ لَوْ ثَبَتَ هَذَا الْحُكْمُ بِدُونِهِ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَثَرٌ .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":17,"page":176},{"id":8176,"text":"كِتَابُ الظِّهَارِ الظِّهَارُ : مُشْتَقُّ مِنْ الظَّهْرِ ، وَإِنَّمَا خَصُّوا الظَّهْرَ بِذَلِكَ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الْأَعْضَاءِ ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَرْكُوبٍ يُسَمَّى ظَهْرًا ، لِحُصُولِ الرُّكُوبِ عَلَى ظَهْرِهِ فِي الْأَغْلَبِ ، فَشَبَّهُوا الزَّوْجَةَ بِذَلِكَ .\rوَهُوَ مُحَرَّمٌ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنْ الْقَوْلِ وَزُورًا } .\rوَمَعْنَاهُ أَنَّ الزَّوْجَةَ لَيْسَتْ كَالْأُمِّ فِي التَّحْرِيمِ .\rقَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ } .\rوَقَالَ تَعَالَى : { وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمْ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ } .\rوَالْأَصْلُ فِي الظِّهَارِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ ؛ أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى : { الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ } .\rوَالْآيَةُ الَّتِي بَعْدَهَا .\rوَأَمَّا السُّنَّةُ ، فَرَوَى أَبُو دَاوُد ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ { خُوَيْلَةَ بِنْتِ مَالِكٍ بْنِ ثَعْلَبَةَ ، قَالَتْ : ظَاهَرَ مِنِّي أَوْسُ بْنُ الصَّامِتِ ، فَجِئْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَشْكُو ، وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُجَادِلُنِي فِيهِ ، وَيَقُولُ : اتَّقِي اللَّهَ ؛ فَإِنَّهُ ابْنُ عَمِّكِ .\rفَمَا بَرِحْت حَتَّى نَزَلَ الْقُرْآنُ : { قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا } .\rفَقَالَ : يُعْتِقُ رَقَبَةً .\rفَقُلْت : لَا يَجِدُ .\rقَالَ : فَيَصُومُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ .\rفَقُلْت : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنَّهُ شَيْخٌ كَبِيرٌ ، مَا بِهِ مِنْ صِيَامٍ .\rقَالَ : فَلْيُطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا .\rقُلْت : مَا عِنْدَهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَصَدَّقُ بِهِ .\rقَالَ : فَإِنِّي سَأُعِينُهُ بِعَرَقٍ مِنْ تَمْرٍ .\rفَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَإِنِّي أُعِينُهُ بِعَرَقٍ آخَرَ .\rقَالَ : قَدْ أَحْسَنْتِ ، اذْهَبِي فَأَطْعِمِي عَنْهُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ، وَارْجِعِي إلَى ابْنِ عَمِّكِ .\r} قَالَ الْأَصْمَعِيُّ : الْعَرَقُ ، بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَالرَّاءِ : هُوَ مَا سُفَّ مِنْ خُوصٍ ، كَالزِّنْبِيلِ الْكَبِيرِ .\rوَرَوَى أَيْضًا ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ { سَلَمَةَ بْنِ صَخْرٍ","part":17,"page":177},{"id":8177,"text":"الْبَيَاضِيِّ ، قَالَ : كُنْت أُصِيبُ مِنْ النِّسَاءِ مَا لَا يُصِيبُ غَيْرِي ، فَلَمَّا دَخَلَ شَهْرُ رَمَضَانَ ، خِفْت أَنْ أُصِيبَ مِنْ امْرَأَتِي شَيْئًا يَتَتَابَعُ حَتَّى أُصْبِحَ ، فَظَاهَرْتُ مِنْهَا حَتَّى يَنْسَلِخَ شَهْرُ رَمَضَانَ ، فَبَيْنَا هِيَ تَخْدِمُنِي ذَاتَ لَيْلَةٍ ، إذْ تَكَشَّفَ لِي مِنْهَا شَيْءٌ ، فَلَمْ أَلْبَثْ أَنْ نَزَوْت عَلَيْهَا ، فَلَمَّا أَصْبَحْت خَرَجْت إلَى قَوْمِي ، فَأَخْبَرْتُهُمْ الْخَبَرَ ، وَقُلْت : امْشُوا مَعِي إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rقَالُوا : لَا وَاَللَّهِ .\rفَانْطَلَقْت إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرْتُهُ الْخَبَرَ ، فَقَالَ : أَنْتَ بِذَاكَ يَا سَلَمَةُ ؟ .\rفَقُلْت : أَنَا بِذَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَأَنَا صَابِرٌ لِحُكْمِ اللَّهِ ، فَاحْكُمْ فِي مَا أَرَاك اللَّهُ .\rقَالَ : حَرِّرْ رَقَبَةً .\rقُلْت : وَاَلَّذِي بَعَثَك بِالْحَقِّ مَا أَمْلِكُ رَقَبَةً غَيْرَهَا .\rوَضَرَبْت صَفْحَةَ رَقَبَتِي .\rقَالَ : فَصُمْ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ .\rقُلْت : وَهَلْ أَصَبْت الَّذِي أَصَبْت إلَّا مِنْ الصِّيَامِ ؟ .\rقَالَ : فَأَطْعِمْ وَسْقًا مِنْ تَمْرٍ بَيْنَ سِتِّينَ مِسْكِينًا .\rقُلْت : وَاَلَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ ، لَقَدْ بِتْنَا وَحْشَيْنِ ، مَا لَنَا طَعَامٌ .\rقَالَ : فَانْطَلِقْ إلَى صَاحِبِ صَدَقَةِ بَنِي زُرَيْقٍ ، فَلْيَدْفَعْهَا إلَيْك .\rقَالَ : فَأَطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا وَسْقًا مِنْ تَمْرٍ ، وَكُلْ أَنْتَ وَعِيَالُكَ بَقِيَّتَهَا .\rفَرَجَعْت إلَى قَوْمِي ، فَقُلْت : وَجَدْت عِنْدَكُمْ الضِّيقَ وَسُوءَ الرَّأْيِ ، وَوَجَدْت عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ السَّعَةَ وَحُسْنَ الرَّأْيِ ، وَقَدْ أَمَرَ لِي بِصَدَقَتِكُمْ .\r}","part":17,"page":178},{"id":8178,"text":"( 6160 ) فَصْلٌ : وَكُلُّ زَوْجٍ صَحَّ طَلَاقُهُ صَحَّ ظِهَارُهُ ، وَهُوَ الْبَالِغُ الْعَاقِلُ ، سَوَاءٌ كَانَ مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا ، حُرًّا أَوْ عَبْدًا .\rقَالَ أَبُو بَكْرٍ : وَظِهَارُ السَّكْرَانِ مَبْنِيٌّ عَلَى طَلَاقِهِ .\rقَالَ الْقَاضِي : وَكَذَلِكَ ظِهَارُ الصَّبِيِّ مَبْنِيٌّ عَلَى طَلَاقِهِ .\rوَالصَّحِيحُ أَنَّ ظِهَارَ الصَّبِيِّ غَيْرُ صَحِيحٍ ؛ لِأَنَّهَا يَمِينٌ مُوجِبَةٌ لِلْكَفَّارَةِ ، فَلَمْ تَنْعَقِدْ مِنْهُ ، كَالْيَمِينِ بِاَللَّهِ تَعَالَى ، وَلِأَنَّ الْكَفَّارَةَ وَجَبَتْ لِمَا فِيهِ مِنْ قَوْلِ الْمُنْكَرِ وَالزُّورِ ، وَذَلِكَ مَرْفُوعٌ عَنْ الصَّبِيِّ ؛ لِكَوْنِ الْقَلَمِ مَرْفُوعًا عَنْهُ .\rوَقَدْ قِيلَ : لَا يَصِحُّ ظِهَارُ الْعَبْدِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : { فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ } .\rوَالْعَبْدُ لَا يَمْلِكُ الرِّقَابَ ، وَلَنَا ، عُمُومُ الْآيَةِ ، وَلِأَنَّهُ يَصِحُّ طَلَاقُهُ ، فَصَحَّ ظِهَارُهُ ، كَالْحُرِّ .\rفَأَمَّا إيجَابُ الرَّقَبَةِ ، فَإِنَّمَا هُوَ عَلَى مَنْ يَجِدُهَا ، وَلَا يَبْقَى الظِّهَارُ فِي حَقِّ مَنْ لَا يَجِدُهَا ، كَالْمُعْسِرِ ، فَرْضُهُ الصِّيَامُ .\rوَيَصِحُّ ظِهَارُ الذِّمِّيِّ .\rوَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ لَا يَصِحُّ مِنْهُ ؛ لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ لَا تَصِحُّ مِنْهُ ، وَهِيَ الرَّافِعَةُ لِلتَّحْرِيمِ ، فَلَا يَصِحُّ مِنْهُ التَّحْرِيمُ ، وَدَلِيلُ أَنَّ الْكَفَّارَةَ لَا تَصِحُّ مِنْهُ ، أَنَّهَا عِبَادَةٌ تَفْتَقِرُ إلَى النِّيَّةِ ، فَلَا تَصِحُّ مِنْهُ ، كَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ .\rوَلَنَا أَنَّ مَنْ صَحَّ طَلَاقُهُ صَحَّ ظِهَارُهُ ، كَالْمُسْلِمِ .\rفَأَمَّا مَا ذَكَرُوهُ فَيَبْطُلُ بِكَفَّارَةِ الصَّيْدِ إذَا قَتَلَهُ فِي الْحَرَمِ ، وَكَذَلِكَ الْحَدُّ يُقَامُ عَلَيْهِ .\rوَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ التَّكْفِيرَ لَا يَصِحُّ مِنْهُ ؛ فَإِنَّهُ يَصِحُّ مِنْهُ الْعِتْقُ وَالْإِطْعَامُ ، وَإِنَّمَا لَا يَصِحُّ مِنْهُ الصَّوْمُ ، فَلَا تَمْتَنِعُ صِحَّةُ الظِّهَارِ بِامْتِنَاعِ بَعْضِ أَنْوَاعِ الْكَفَّارَةِ ، كَمَا فِي حَقِّ الْعَبْدِ .\rوَالنِّيَّةُ إنَّمَا تُعْتَبَرُ لِتَعْيِينِ الْفِعْلِ لِلْكَفَّارَةِ ، فَلَا يَمْتَنِعُ ذَلِكَ فِي حَقِّ الْكَافِرِ ، كَالنِّيَّةِ فِي","part":17,"page":179},{"id":8179,"text":"كِنَايَاتِ الطَّلَاقِ .\rوَمَنْ يُخْنَقُ فِي الْأَحْيَانِ ، يَصِحُّ ظِهَارُهُ فِي إفَاقَتِهِ ، كَمَا يَصِحُّ طَلَاقُهُ فِيهِ .","part":17,"page":180},{"id":8180,"text":"( 6161 ) فَصْلٌ : وَمَنْ لَا يَصِحُّ طَلَاقُهُ لَا يَصِحُّ ظِهَارُهُ ، كَالطِّفْلِ ، وَالزَّائِلِ الْعَقْلِ بِجُنُونٍ ، أَوْ إغْمَاءٍ ، أَوْ نَوْمٍ ، أَوْ غَيْرِهِ .\rلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَلَا يَصِحُّ ظِهَارُ الْمُكْرَهِ .\rوَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ يَصِحُّ ظِهَارُهُ .\rوَالْخِلَافُ فِي ذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلَى الْخِلَافِ فِي صِحَّةِ طَلَاقِهِ .\rوَقَدْ مَضَى ذَلِكَ .","part":17,"page":181},{"id":8181,"text":"( 6162 ) فَصْلٌ : وَيَصِحُّ الظِّهَار مِنْ كُلِّ زَوْجَةٍ ، كَبِيرَةً كَانَتْ أَوْ صَغِيرَةً ، مُسْلِمَةً كَانَتْ أَوْ ذِمِّيَّةً ، مُمْكِنًا وَطْؤُهَا أَوْ غَيْرَ مُمْكِنٍ .\rوَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ : لَا يَصِحُّ الظِّهَارُ مِنْ الَّتِي لَا يُمْكِنُ وَطْؤُهَا لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ وَطْؤُهَا ، وَالظِّهَارُ لِتَحْرِيمِ وَطْئِهَا .\rوَلَنَا عُمُومُ الْآيَةِ ، وَلِأَنَّهَا زَوْجَةٌ يَصِحُّ طَلَاقُهَا ، فَصَحَّ الظِّهَارُ مِنْهَا ، كَغَيْرِهَا .","part":17,"page":182},{"id":8182,"text":"( 6163 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : ( وَإِذَا قَالَ لِزَوْجَتِهِ : أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي ، أَوْ كَظَهْرِ امْرَأَةٍ أَجْنَبِيَّةٍ ، أَوْ أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ .\rأَوْ حَرَّمَ عُضْوًا مِنْ أَعْضَائِهَا ، فَلَا يَطَؤُهَا حَتَّى يَأْتِيَ بِالْكَفَّارَةِ ) ( 6164 ) فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فُصُولٌ خَمْسَةٌ : أَحَدُهَا أَنَّهُ مَتَى شَبَّهَ امْرَأَتَهُ بِمَنْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ عَلَى التَّأْبِيدِ : أَحَدُهَا : أَنَّهُ مَتَى شَبَّهَ امْرَأَتَهُ بِمَنْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ عَلَى التَّأْبِيدِ ، فَقَالَ : أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي ، أَوْ أُخْتِي ، أَوْ غَيْرِهِمَا .\rفَهُوَ مُظَاهِرٌ .\rوَهَذَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ : أَحَدُهَا ، أَنْ يَقُولَ : أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي .\rفَهَذَا ظِهَارٌ إجْمَاعًا ، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ تَصْرِيحَ الظِّهَارِ أَنْ يَقُولَ : أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّيِّ .\rوَفِي حَدِيثِ خُوَيْلَةَ امْرَأَةِ أَوْسِ بْنِ الصَّامِتِ ، أَنَّهُ قَالَ لَهَا : أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي .\rفَذَكَرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَمَرَهُ بِالْكَفَّارَةِ .\rالضَّرْبُ الثَّانِي ، أَنْ يُشَبِّهَهَا بِظَهْرِ مَنْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ مِنْ ذَوِي رَحِمِهِ ، كَجَدَّتِهِ وَعَمَّتِهِ وَخَالَتِهِ وَأُخْتِهِ .\rفَهَذَا ظِهَارٌ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ؛ مِنْهُمْ الْحَسَنُ ، وَعَطَاءٌ ، وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَهُوَ جَدِيدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ فِي الْقَدِيمِ : لَا يَكُونُ الظِّهَارُ إلَّا بِأُمٍّ أَوْ جَدَّةٍ ؛ لِأَنَّهَا أُمٌّ أَيْضًا ، لِأَنَّ اللَّفْظَ الَّذِي وَرَدَ بِهِ الْقُرْآنُ مُخْتَصٌّ بِالْأُمِّ ، فَإِذَا عَدَلَ عَنْهُ ، لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ مَا أَوْجَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ .\rوَلَنَا أَنَّهُنَّ مُحَرَّمَاتٌ بِالْقَرَابَةِ ، فَأَشْبَهْنَ الْأُمَّ فَأَمَّا الْآيَةُ فَقَدْ قَالَ فِيهَا : { وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنْ الْقَوْلِ وَزُورًا } .\rوَهَذَا مَوْجُودٌ فِي مَسْأَلَتِنَا ،","part":17,"page":183},{"id":8183,"text":"فَجَرَى مَجْرَاهُ .\rوَتَعْلِيقُ الْحُكْمِ بِالْأُمِّ لَا يَمْنَعُ ثُبُوتَ الْحُكْمِ فِي غَيْرِهَا إذَا كَانَتْ مِثْلَهَا .\rالضَّرْبُ الثَّالِثُ ، أَنْ يُشَبِّهَهَا بِظَهْرِ مِنْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ عَلَى التَّأْبِيدِ سِوَى الْأَقَارِبِ ، كَالْأُمَّهَاتِ الْمُرْضِعَاتِ ، وَالْأَخَوَاتِ مِنْ الرَّضَاعَةِ ، وَحَلَائِلِ الْآبَاءِ وَالْأَبْنَاءِ ، وَأُمَّهَاتِ النِّسَاءِ ، وَالرَّبَائِبِ اللَّائِي دَخَلَ بِأُمِّهِنَّ ، فَهُوَ ظِهَارٌ أَيْضًا .\rوَالْخِلَافُ فِيهَا كَالَّتِي قَبْلَهَا .\rوَوَجْهُ الْمَذْهَبَيْنِ مَا تَقَدَّمَ ، وَيَزِيدُ فِي الْأُمَّهَاتِ الْمُرْضِعَاتِ دُخُولُهَا فِي عُمُومِ الْأُمَّهَاتِ ، فَتَكُونُ دَاخِلَةً فِي النَّصِّ ، وَسَائِرُهُنَّ فِي مَعْنَاهَا ، فَيَثْبُتُ فِيهِنَّ حُكْمُهَا .","part":17,"page":184},{"id":8184,"text":"( 6165 ) الْفَصْلُ الثَّانِي : إذَا شَبَّهَهَا بِظَهْرِ مَنْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ تَحْرِيمًا مُؤَقَّتًا ؛ كَأُخْتِ امْرَأَتِهِ ، وَعَمَّتِهَا ، أَوْ الْأَجْنَبِيَّةِ .\rفَعَنْ أَحْمَدَ فِيهِ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، أَنَّهُ ظِهَارٌ .\rوَهُوَ اخْتِيَارُ الْخِرَقِيِّ وَقَوْلُ أَصْحَابِ مَالِكٍ .\rوَالثَّانِيَةُ ، لَيْسَ بِظِهَارٍ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ لِأَنَّهَا غَيْرُ مُحَرَّمَةٍ عَلَى التَّأْبِيدِ ، فَلَا يَكُونُ التَّشْبِيهُ بِهَا ظِهَارًا ، كَالْحَائِضِ ، وَالْمُحْرِمَةِ مِنْ نِسَائِهِ .\rوَوَجْهُ الْأَوَّلِ ، أَنَّهُ شَبَّهَهَا بِمُحَرَّمَةٍ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ شَبَّهَهَا بِالْأُمِّ ، وَلِأَنَّ مُجَرَّدَ قَوْلِهِ : أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ .\rظِهَارٌ إذَا نَوَى بِهِ الظِّهَارَ ، وَالتَّشْبِيهُ بِالْمُحَرَّمَةِ تَحْرِيمٌ ، فَكَانَ ظِهَارًا ، فَأَمَّا الْحَائِضُ فَيُبَاحُ الِاسْتِمْتَاعُ بِهَا فِي غَيْرِ الْفَرْجِ ، وَالْمُحَرَّمَةُ يَحِلُّ لَهُ النَّظَرُ إلَيْهَا ، وَلَمْسُهَا مِنْ غَيْرِ شَهْوَةٍ ، ، وَلَيْسَ فِي وَطْءِ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا حَدٌّ بِخِلَافِ مَسْأَلَتنَا .\rوَاخْتَارَ أَبُو بَكْرٍ أَنَّ الظِّهَارَ لَا يَكُونُ إلَّا مِنْ ذَوَاتِ الْمَحَارِمِ مِنْ النِّسَاءِ ، قَالَ : فَبِهَذَا أَقُولُ .","part":17,"page":185},{"id":8185,"text":"( 6166 ) فَصْلٌ : وَإِنْ شَبَّهَهَا بِظَهْرِ أَبِيهِ ، أَوْ بِظَهْرِ غَيْرِهِ مِنْ الرِّجَالِ ، أَوْ قَالَ : أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ الْبَهِيمَةِ .\rأَوْ : أَنْتِ عَلَيَّ كَالْمَيْتَةِ وَالدَّمِ .\rفَفِي ذَلِكَ كُلِّهِ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، أَنَّهُ ظِهَارٌ .\rقَالَ الْمَيْمُونِي : قُلْت لِأَحْمَدَ : إنْ ظَاهَرَ مِنْ ظَهْرِ الرَّجُلِ ؟ .\rقَالَ : فَظَهْرُ الرَّجُلِ حَرَامٌ ، يَكُونُ ظِهَارًا .\rوَبِهَذَا قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ صَاحِبُ مَالِكٍ ، فِيمَا إذَا قَالَ : أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أَبِي .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ .\rوَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ ، لَيْسَ بِظِهَارٍ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ ؛ لِأَنَّهُ تَشْبِيهٌ بِمَا لَيْسَ بِمَحَلٍّ لِلِاسْتِمْتَاعِ ، أَشْبَهَ مَا لَوْ قَالَ : أَنْتِ عَلَيَّ كَمَالِ زَيْدٍ .\rوَهَلْ فِيهِ كَفَّارَةٌ ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ إحْدَاهُمَا - فِيهِ كَفَّارَةٌ ؛ لِأَنَّهُ نَوْعُ تَحْرِيمٍ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ حَرَّمَ مَالَهُ .\rوَالثَّانِيَةُ ، لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ .\rنَقَلَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ أَحْمَدَ ، فِي مَنْ شَبَّهَ امْرَأَتَهُ بِظَهْرِ الرَّجُلِ : لَا يَكُونُ ظِهَارًا .\rوَلَمْ أَرَهُ يَلْزَمُهُ فِيهِ شَيْءٌ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ تَشْبِيهٌ لِامْرَأَتِهِ بِمَا لَيْسَ بِمَحَلٍّ لِلِاسْتِمْتَاعِ ، أَشْبَهَ التَّشْبِيهَ بِمَالِ غَيْرِهِ .\rوَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ فِي قَوْلِهِ : أَنْتِ عَلَيَّ كَالْمَيِّتَةِ وَالدَّمِ : إنْ نَوَى بِهِ الطَّلَاقَ كَانَ طَلَاقًا ، وَإِنْ نَوَى الظِّهَارَ كَانَ ظِهَارًا ، وَإِنْ نَوَى الْيَمِينَ كَانَ يَمِينًا ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا فَفِيهِ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، هُوَ ظِهَارٌ .\rوَالْأُخْرَى ، هُوَ يَمِينٌ .\rوَلَمْ يَتَحَقَّقْ عِنْدِي مَعْنَى إرَادَتِهِ الظِّهَارَ وَالْيَمِينَ .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":17,"page":186},{"id":8186,"text":"( 6167 ) فَصْلٌ : فَإِنْ قَالَ : أَنْتِ عِنْدِي ، أَوْ مِنِّي ، أَوْ مَعِي ، كَظَهْرِ أُمِّي .\rكَانَ ظِهَارًا بِمَنْزِلَةِ عَلَيَّ ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ فِي مَعْنَاهُ .\rوَإِنْ قَالَ : جُمْلَتُكِ ، أَوْ بَدَنُك ، أَوْ جِسْمُكِ ، أَوْ ذَاتُك ، أَوْ كُلُّك عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي .\rكَانَ ظِهَارًا ؛ لِأَنَّهُ أَشَارَ إلَيْهَا .\rفَهُوَ كَقَوْلِهِ : أَنْتِ .\rوَإِنْ قَالَ : أَنْتِ كَظَهْرِ أُمِّي .\rكَانَ ظِهَارًا ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِمَا يَقْتَضِي تَحْرِيمَهَا عَلَيْهِ فَانْصَرَفَ الْحُكْمُ إلَيْهِ ، كَمَا لَوْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ .\rوَقَالَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ : لَيْسَ بِظِهَارٍ ؛ لِأَنَّهُ فِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ فِي حَقِّهِ .\rوَلَيْسَ بِصَحِيحٍ ، فَإِنَّهَا إذَا كَانَتْ كَظَهْرِ أُمِّهِ ، فَظَهْرُ أُمِّهِ ، مُحَرَّمٌ عَلَيْهِ .","part":17,"page":187},{"id":8187,"text":"( 6168 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَالَ : أَنْتِ عَلَيَّ كَأُمِّي .\rأَوْ : مِثْلُ أُمِّي .\rوَنَوَى بِهِ الظِّهَارَ ، فَهُوَ ظِهَارٌ ، فِي قَوْلِ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ ؛ مِنْهُمْ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَصَاحِبَاهُ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ .\rوَإِنْ نَوَى بِهِ الْكَرَامَةَ وَالتَّوْقِيرَ ، أَوْ أَنَّهَا مِثْلُهَا فِي الْكِبَرِ ، أَوْ الصِّفَةِ ، فَلَيْسَ بِظِهَارٍ .\rوَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِي نِيَّتِهِ .\rوَإِنْ أَطْلَقَ ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : هُوَ صَرِيحٌ فِي الظِّهَارِ .\rوَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ .\rوَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى : فِيهِ رِوَايَتَانِ ، أَظْهَرُهُمَا أَنَّهُ لَيْسَ بِظِهَارٍ حَتَّى يَنْوِيَهُ .\rوَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ هَذَا اللَّفْظَ يُسْتَعْمَلُ فِي الْكَرَامَةِ أَكْثَرَ مِمَّا يُسْتَعْمَلُ فِي التَّحْرِيمِ ، فَلَمْ يَنْصَرِفْ إلَيْهِ بِغَيْرِ نِيَّةٍ ، كَكِنَايَاتِ الطَّلَاقِ .\rوَوَجْهُ الْأَوَّلِ أَنَّهُ شَبَّهَ امْرَأَتَهُ بِجُمْلَةِ أُمِّهِ ، فَكَانَ مُشَبِّهًا لَهَا بِظَهْرِهَا ، فَيَثْبُتُ الظِّهَارُ كَمَا لَوْ شَبَّهَهَا بِهِ مُنْفَرِدًا .\rوَاَلَّذِي يَصِحُّ عِنْدِي فِي قِيَاسِ الْمَذْهَبِ ، أَنَّهُ إنْ وُجِدَتْ قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلَى الظِّهَارِ ، مِثْلَ أَنْ يُخْرِجَهُ مَخْرَجَ الْحَلِفِ ، فَيَقُولُ : إنْ فَعَلْت كَذَا فَأَنْتِ عَلَيَّ مِثْلُ أُمِّي .\rأَوْ قَالَ ذَلِكَ حَالَ الْخُصُومَةِ وَالْغَضَبِ ، فَهُوَ ظِهَارٌ ؛ لِأَنَّهُ إذَا خَرَجَ مَخْرَجَ الْحَلِفِ ، فَالْحَلِفُ يُرَادُ لِلِامْتِنَاعِ مِنْ شَيْءٍ ، أَوْ الْحَثِّ عَلَيْهِ ، وَإِنَّمَا يَحْصُلُ ذَلِكَ بِتَحْرِيمِهَا عَلَيْهِ ، وَلِأَنَّ كَوْنَهَا مِثْلُ أُمِّهِ فِي صِفَتِهَا أَوْ كَرَامَتِهَا .\rلَا يَتَعَلَّقُ عَلَى شَرْطٍ ، فَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ إنَّمَا أَرَادَ الظِّهَارَ ، وَوُقُوعُ ذَلِكَ فِي حَالِ الْخُصُومَةِ وَالْغَضَبِ ، دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ مَا يَتَعَلَّقُ بِأَذَاهَا ، وَيُوجِبُ اجْتِنَابَهَا ، وَهُوَ الظِّهَارُ .\rوَإِنْ عَدِمَ هَذَا فَلَيْسَ بِظِهَارٍ ؛ لِأَنَّهُ مُحْتَمِلٌ لِغَيْرِ الظِّهَارِ احْتِمَالًا كَثِيرًا ، فَلَا يَتَعَيَّنُ الظِّهَارُ فِيهِ بِغَيْرِ دَلِيلٍ .\rوَنَحْوُ هَذَا قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ .","part":17,"page":188},{"id":8188,"text":"وَهَكَذَا لَوْ قَالَ : أَنْتِ عَلَيَّ كَأُمِّي أَوْ : مِثْلُ أُمِّي .\rأَوْ قَالَ : أَنْتِ أُمِّي ، أَوْ : امْرَأَتِي أُمِّي .\rمَعَ الدَّلِيلِ الصَّارِفِ لَهُ إلَى الظِّهَارِ ، كَانَ ظِهَارًا ؛ إمَّا بِنِيَّةٍ ، أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهَا .\rوَإِنْ قَالَ : أُمِّي امْرَأَتِي .\rأَوْ : مِثْلُ امْرَأَتِي .\rلَمْ يَكُنْ ظِهَارًا ؛ لِأَنَّهُ تَشْبِيهٌ لِأُمِّهِ ، وَوَصْفٌ لَهَا ، وَلَيْسَ بِوَصْفٍ لِامْرَأَتِهِ .","part":17,"page":189},{"id":8189,"text":"الْفَصْلُ الثَّالِثُ : أَنَّهُ إذَا قَالَ : أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ .\rفَإِنْ نَوَى بِهِ الظِّهَارَ ، فَهُوَ ظِهَارٌ ، فِي قَوْلِ عَامَّتِهِمْ .\rوَبِهِ يَقُولُ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ .\rوَإِنْ نَوَى بِهِ الطَّلَاقَ ، فَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي بَابِ الطَّلَاقِ ، وَإِنْ أَطْلَقَ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، هُوَ ظِهَارٌ .\rذَكَرَهُ الْخِرَقِيِّ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ .\rوَنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، فِي رِوَايَةِ جَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ .\rوَذَكَرَهُ إبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ عَنْ عُثْمَانَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَأَبِي قِلَابَةَ ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَمَيْمُونَ بْنِ مِهْرَانَ ، وَالْبَتِّيِّ ، أَنَّهُمْ قَالُوا : الْحَرَامُ ظِهَارٌ .\rوَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّحْرِيمَ يَمِينٌ .\rوَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّهُ قَالَ : إنَّ التَّحْرِيمَ يَمِينٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ } ثُمَّ قَالَ : { قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ } وَأَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّ التَّحْرِيمَ إذَا لَمْ يَنْوِ بِهِ الظِّهَارَ ، لَيْسَ بِظِهَارٍ .\rوَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيِّ وَوَجْهُ ذَلِكَ الْآيَةُ الْمَذْكُورَةُ ، وَأَنَّ التَّحْرِيمَ يَتَنَوَّعُ ، مِنْهُ مَا هُوَ بِظِهَارٍ وَبِطَلَاقٍ وَبِحَيْضٍ وَإِحْرَامٍ وَصِيَامٍ ، فَلَا يَكُونُ التَّحْرِيمُ صَرِيحًا فِي وَاحِدٍ مِنْهَا ، وَلَا يَنْصَرِفُ إلَيْهِ بِغَيْرِ نِيَّةٍ ، كَمَا لَا يَنْصَرِفُ إلَى تَحْرِيمِ الطَّلَاقِ .\rوَوَجْهُ الْأَوَّلِ ، أَنَّهُ تَحْرِيمٌ أَوْقَعَهُ فِي امْرَأَتِهِ ، فَكَانَ بِإِطْلَاقِهِ ظِهَارًا ، كَتَشْبِيهِهَا بِظَهْرِ أُمِّهِ .\rوَقَوْلُهُمْ : إنَّ التَّحْرِيمَ يَتَنَوَّعُ .\rقُلْنَا : إلَّا أَنَّ تِلْكَ الْأَنْوَاعَ مُنْتَفِيَةٌ ، وَلَا يَحْصُلُ بِقَوْلِهِ مِنْهَا إلَّا الطَّلَاقُ ، وَهَذَا أَوْلَى مِنْهُ ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ تَبِينُ بِهِ الْمَرْأَةُ ، وَهَذَا يُحَرِّمُهَا مَعَ بَقَاءِ الزَّوْجِيَّةِ ، فَكَانَ أَدْنَى التَّحْرِيمَيْنِ ، فَكَانَ أَوْلَى .\rفَأَمَّا إنْ قَالَ ذَلِكَ لَمُحَرَّمَةٍ عَلَيْهِ بِحَيْضِ أَوْ","part":17,"page":190},{"id":8190,"text":"نَحْوِهِ ، وَقَصَدَ الظِّهَارَ ، فَهُوَ ظِهَارٌ ، وَإِنْ قَصَدَ أَنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِ بِذَلِكَ السَّبَبِ ، فَلَا شَيْءَ فِيهِ .\rوَإِنْ أَطْلَقَ ، فَلَيْسَ بِظِهَارٍ ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ الْخَبَرَ عَنْ حَالهَا ، وَيَحْتَمِلُ إنْشَاءَ التَّحْرِيمِ فِيهَا بِالظِّهَارِ ، فَلَا يَتَعَيَّنُ أَحَدُهُمَا بِغَيْرِ تَعْيِينٍ .","part":17,"page":191},{"id":8191,"text":"( 6170 ) فَصْلٌ : فَإِنْ قَالَ : الْحِلُّ عَلَيَّ حَرَامٌ .\rأَوْ : مَا أَحَلَّ اللَّهُ عَلَيَّ حَرَامٌ .\rأَوْ : مَا أَنْقَلِبُ إلَيْهِ حَرَامٌ .\rوَلَهُ امْرَأَةٌ ، فَهُوَ مُظَاهِرٌ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي الصُّوَرِ الثَّلَاثِ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ لَفْظَهُ يَقْتَضِي الْعُمُومَ ، فَيَتَنَاوَلُ الْمَرْأَةَ بِعُمُومِهِ .\rوَإِنْ صَرَّحَ بِتَحْرِيمِ الْمَرْأَةِ ، أَوْ نَوَاهَا ، فَهُوَ آكُدُ .\rقَالَ أَحْمَدُ ، فِي مَنْ قَالَ : مَا أَحَلَّ اللَّهُ عَلَيَّ حَرَامٌ مِنْ أَهْلٍ وَمَالٍ : عَلَيْهِ كَفَّارَةُ الظِّهَارِ ، هُوَ يَمِينٌ .\rوَتُجْزِئُهُ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ ، فِي ظَاهِرِ كَلَامِ أَحْمَدَ هَذَا .\rوَاخْتَارَ ابْنُ عَقِيلٍ ، أَنَّهُ يَلْزَمُهُ كَفَّارَتَانِ لِلظِّهَارِ وَلِتَحْرِيمِ الْمَالِ ؛ لِأَنَّ التَّحْرِيمَ تَنَاوَلَهُمَا ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَوْ انْفَرَدَ أَوْجَبَ كَفَّارَةً ، فَكَذَلِكَ إذَا اجْتَمَعَا .\rوَلَنَا أَنَّهَا يَمِينٌ وَاحِدَةٌ فَلَا تُوجِبُ كَفَارَتَيْنِ ، كَمَا لَوْ تَظَاهَرَ مِنْ امْرَأَتَيْنِ ، أَوْ حَرَّمَ مِنْ مَالِهِ شَيْئَيْنِ .\rوَمَا ذَكَرَهُ يَنْتَقِضُ بِهَذَا .\rوَفِي قَوْلِ أَحْمَدَ : هُوَ يَمِينٌ .\rإشَارَةً إلَى التَّعْلِيلِ بِمَا ذَكَرْنَاهُ ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ الْوَاحِدَةَ لَا تُوجِبُ أَكْثَرَ مِنْ كَفَّارَةٍ .\rوَإِنْ نَوَى بِقَوْلِهِ : مَا أَحَلَّ اللَّهُ عَلَيَّ حَرَامٌ .\rوَغَيْرِهِ مِنْ لَفْظَاتِ الْعُمُومِ الْمَالَ ، لَمْ يَلْزَمْهُ إلَّا كَفَّارَةُ يَمِينٍ ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ الْعَامَ يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ فِي الْخَاصِّ .\rوَعَلَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى الَّتِي تَقُولُ : إنَّ الْحَرَامَ بِإِطْلَاقِهِ لَيْسَ بِظِهَارٍ .\rلَا يَكُونُ هَاهُنَا مُظَاهِرًا إلَّا أَنْ يَنْوِيَ الظِّهَارَ .","part":17,"page":192},{"id":8192,"text":"( 6171 ) فَصْلٌ : وَإِنْ ` قَالَ : أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي حَرَامٌ .\rفَهُوَ صَرِيحٌ فِي الظِّهَارِ ، لَا يَنْصَرِفُ إلَى غَيْرِهِ ، سَوَاءٌ نَوَى الطَّلَاقَ أَوْ لَمْ يَنْوِهِ .\rوَلَيْسَ فِيهِ اخْتِلَافٌ بِحَمْدِ اللَّهِ ؛ لِأَنَّهُ صَرَّحَ بِالظِّهَارِ ، وَبَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ : حَرَامٌ .\rوَإِنْ قَالَ : أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ كَظَهْرِ أُمِّي .\rأَوْ : كَأُمِّي .\rفَكَذَلِكَ .\rوَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ .\rوَالْقَوْلُ الثَّانِي ، إذَا نَوَى الطَّلَاقَ فَهُوَ طَلَاقٌ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ إلَّا أَنَّ أَبَا يُوسُفَ قَالَ : لَا أَقْبَلُ قَوْلَهُ فِي نَفْيِ الظِّهَارِ .\rوَوَجْهُ قَوْلِهِمْ ، أَنَّ قَوْلَهُ : أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ .\rإذَا نَوَى بِهِ الطَّلَاقَ فَهُوَ طَلَاقٌ ، وَزِيَادَةُ قَوْلِهِ : كَظَهْرِ أُمِّي .\rبَعْدَ ذَلِكَ لَا يَنْفِي الطَّلَاقَ ، كَمَا لَوْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ كَظَهْرِ أُمِّي .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ أَتَى بِصَرِيحِ الظِّهَارِ ، فَلَمْ يَكُنْ طَلَاقًا ، كَاَلَّتِي قَبْلَهَا .\rوَقَوْلُهُمْ : إنَّ التَّحْرِيمَ مَعَ نِيَّةِ الطَّلَاقِ طَلَاقٌ .\rلَا نُسَلِّمُهُ .\rوَإِنْ سَلَّمْنَاهُ لَكِنَّهُ فَسَّرَ لَفْظَهُ هَاهُنَا بِصَرِيحِ الظِّهَارِ بِقَوْلِهِ ، فَكَانَ الْعَمَلُ بِصَرِيحِ الْقَوْلِ أَوْلَى مِنْ الْعَمَلِ بِالنِّيَّةِ .","part":17,"page":193},{"id":8193,"text":"( 6172 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ كَظَهْرِ أُمِّي .\rطَلُقَتْ ، وَسَقَطَ قَوْلُهُ : كَظَهْرِ أُمِّي .\rلِأَنَّهُ أَتَى بِصَرِيحِ الطَّلَاقِ أَوَّلًا ، وَجَعَلَ قَوْلَهُ : كَظَهْرِ أُمِّي صِفَةً لَهُ .\rفَإِنْ نَوَى بِقَوْلِهِ : كَظَهْرِ أُمِّي .\rتَأْكِيدَ الطَّلَاقِ ، لَمْ يَكُنْ ظِهَارًا ، كَمَا لَوْ أَطْلَقَ ، وَإِنْ نَوَى بِهِ الظِّهَارَ ، وَكَانَ الطَّلَاقُ بَائِنًا ، فَهُوَ كَالظِّهَارِ مِنْ الْأَجْنَبِيَّةِ ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِهِ بَعْدَ بَيْنُونَتِهَا بِالطَّلَاقِ .\rوَإِنْ كَانَ رَجْعِيًّا ، كَانَ ظِهَارًا صَحِيحًا .\rذَكَرَهُ الْقَاضِي .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِلَفْظِ الظِّهَارِ فِي مَنْ هِيَ زَوْجَةٌ .\rوَإِنْ نَوَى بِقَوْلِهِ : أَنْتِ طَالِقٌ .\rالظِّهَارَ ، لَمْ يَكُنْ ظِهَارًا ؛ لِأَنَّهُ نَوَى الظِّهَارَ بِصَرِيحِ الطَّلَاقِ .\rوَإِنْ قَالَ : أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي طَالِقٌ .\rوَقَعَ الظِّهَارُ وَالطَّلَاقُ مَعًا ، سَوَاءٌ كَانَ الطَّلَاقُ بَائِنًا ، أَوْ رَجْعِيًّا ؛ لِأَنَّ الظِّهَارَ سَبَقَ الطَّلَاقَ .","part":17,"page":194},{"id":8194,"text":"( 6173 ) فَصْلٌ : فَإِنْ قَالَ : أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ .\rوَنَوَى الطَّلَاقَ وَالظِّهَارَ مَعًا ، كَانَ ظِهَارًا ، وَلَمْ يَكُنْ طَلَاقًا ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ الْوَاحِدَ لَا يَكُونُ ظِهَارًا وَطَلَاقًا ، وَالظِّهَارُ أَوْلَى بِهَذَا اللَّفْظِ فَيَنْصَرِفُ إلَيْهِ .\rوَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ : يُقَالُ لَهُ : اخْتَرْ أَيَّهُمَا شِئْت .\rوَقَالَ بَعْضُهُمْ : إنْ قَالَ : أَرَدْت الطَّلَاقَ وَالظِّهَارَ .\rكَانَ طَلَاقًا ؛ لِأَنَّهُ بَدَأَ بِهِ .\rوَإِنْ قَالَ : أَرَدْت الظِّهَارَ وَالطَّلَاقَ ، كَانَ ظِهَارًا ؛ لِأَنَّهُ بَدَأَ بِهِ ، فَيَكُونُ ذَلِكَ اخْتِيَارًا لَهُ ، وَيَلْزَمُهُ مَا بَدَأَ بِهِ .\rوَلَنَا أَنَّهُ أَتَى بِلَفْظَةِ الْحَرَامِ يَنْوِي بِهَا الظِّهَارَ ، فَكَانَتْ ظِهَارًا ، كَمَا لَوْ انْفَرَدَ الظِّهَارُ بِنِيَّتِهِ ، وَلَا يَكُونُ طَلَاقًا ؛ لِأَنَّهُ زَاحَمَتْ نِيَّتُهُ نِيَّةَ الظِّهَارِ ، وَتَعَذَّرَ الْجَمْعُ ، وَالظِّهَارُ أَوْلَى بِهَذِهِ اللَّفْظَةِ ؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ ، وَهُوَ التَّحْرِيمُ ، فَيَجِبُ أَنْ يُغَلَّبَ مَا هُوَ الْأَوْلَى ، أَمَّا الطَّلَاقُ فَإِنَّ مَعْنَاهُ الْإِطْلَاقُ ، وَهُوَ حَلُّ قَيْدِ النِّكَاحِ ، وَإِنَّمَا التَّحْرِيمُ حُكْمٌ لَهُ فِي بَعْضِ أَحْوَالِهِ ، وَقَدْ يَنْفَكُّ عَنْهُ ؛ فَإِنَّ الرَّجْعِيَّةَ مُطَلَّقَةٌ مُبَاحَةٌ .\rوَأَمَّا التَّخْيِيرُ فَلَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ هَذِهِ اللَّفْظَةَ قَدْ ثَبَتَ حُكْمُهَا حِينَ لَفَظَ بِهَا ؛ لِكَوْنِهِ أَهْلًا وَالْمَحَلِّ قَابِلًا ، وَلِهَذَا لَوْ حَكَمْنَا بِأَنَّهُ طَلَاقٌ ، لَكَانَتْ عِدَّتُهَا مِنْ حِينِ أَوْقَعَ الطَّلَاقَ ، وَلَيْسَ إلَيْهِ رَفْعُ حُكْمٍ ثَبَتَ فِي الْمَحَلِّ بِاخْتِيَارِهِ ، وَإِبْدَالُهُ بِإِرَادَتِهِ ، وَالْقَوْلُ الْآخَرُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ لَهُ الِاخْتِيَارَ .\rوَهُوَ فَاسِدٌ عَلَى مَا ذَكَرْنَا .\rثُمَّ إنَّ الِاعْتِبَارَ بِجَمِيعِ لَفْظِهِ ، لَا بِمَا بَدَأَ بِهِ ، وَلِذَلِكَ لَوْ قَالَ : طَلَّقْتُ هَذِهِ أَوْ هَذِهِ .\rلَمْ يَلْزَمْ طَلَاقُ الْأُولَى .","part":17,"page":195},{"id":8195,"text":"( 6174 ) الْفَصْلُ الرَّابِعُ : أَنَّهُ إذَا شَبَّهَ عُضْوًا مِنْ امْرَأَتِهِ بِظَهْرِ أُمِّهِ أَوْ عُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهَا ، فَهُوَ مُظَاهِرٌ ، فَلَوْ قَالَ : فَرْجُك ، أَوْ ظَهْرُك ، أَوْ رَأْسُك ، أَوْ جِلْدُك عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي ، أَوْ بَدَنِهَا ، أَوْ رَأْسِهَا ، أَوْ يَدِهَا .\rفَهُوَ مُظَاهِرٌ .\rوَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ .\rوَهُوَ نَصُّ الشَّافِعِيِّ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ ، رِوَايَةٌ أُخْرَى ، أَنَّهُ لَيْسَ بِمُظَاهِرٍ حَتَّى يُشَبِّهَ جُمْلَةَ امْرَأَتِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ حَلَفَ بِاَللَّهِ لَا يَمَسُّ عُضْوًا مِنْهَا ، لَمْ يَسْرِ إلَى غَيْرِهِ ، فَكَذَلِكَ الْمُظَاهَرَةُ ، وَلِأَنَّ هَذَا لَيْسَ بِمَنْصُوصٍ عَلَيْهِ ، وَلَا هُوَ فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ ؛ لِأَنَّ تَشْبِيهَ جُمْلَتِهَا تَشْبِيهٌ لِمَحَلِّ الِاسْتِمْتَاعِ بِمَا يَتَأَكَّدُ تَحْرِيمُهُ ، وَفِيهِ تَحْرِيمٌ لِجُمْلَتِهَا ، فَيَكُونُ آكَدُ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إنْ شَبَّهَهَا بِمَا يَحْرُمُ النَّظَرُ إلَيْهِ مِنْ الْأُمِّ ، كَالْفَرْجِ ، وَالْفَخِذِ ، وَنَحْوِهِمَا ، فَهُوَ مُظَاهِرٌ ، وَإِنْ لَمْ يَحْرُمْ النَّظَرُ إلَيْهِ ، كَالرَّأْسِ ، وَالْوَجْهِ ، لَمْ يَكُنْ مُظَاهِرًا ؛ لِأَنَّهُ شَبَّهَهَا بِعُضْوِ لَا يَحْرُمُ النَّظَرُ إلَيْهِ ، فَلَمْ يَكُنْ مُظَاهِرًا ، كَمَا لَوْ شَبَّهَهَا بِعُضْوِ زَوْجَةٍ لَهُ أُخْرَى .\rوَلَنَا أَنَّهُ شَبَّهَهَا بِعُضْوٍ مِنْ أُمِّهِ ، فَكَانَ مُظَاهِرًا ، كَمَا لَوْ شَبَّهَهَا بِظَهْرِهَا ، وَفَارَقَ الزَّوْجَةَ ؛ فَإِنَّهُ لَوْ شَبَّهَهَا بِظَهْرِهَا لَمْ يَكُنْ مُظَاهِرًا ، وَالنَّظَرُ إنْ لَمْ يَحْرُمْ ، فَإِنَّ التَّلَذُّذَ يَحْرُمُ ، وَهُوَ الْمُسْتَفَادُ بِعَقْدِ النِّكَاحِ .","part":17,"page":196},{"id":8196,"text":"( 6175 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَالَ : كَشَعْرِ أُمِّي ، أَوْ سِنِّهَا ، أَوْ ظُفْرِهَا .\rأَوْ شَبَّهَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ مِنْ امْرَأَتِهِ بِأُمِّهِ ، أَوْ بِعُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهَا ، لَمْ يَكُنْ مُظَاهِرًا ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ أَعْضَاءِ الْأُمِّ الثَّابِتَةِ ، وَلَا يَقَعُ الطَّلَاقُ بِإِضَافَتِهِ إلَيْهَا ، فَكَذَلِكَ الظِّهَارُ .\rوَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ : كَزَوْجِ أُمِّي .\rفَإِنَّ الزَّوْجَ لَا يُوصَفُ بِالتَّحْرِيمِ ، وَلَا هُوَ مَحَلٌّ لِلِاسْتِمْتَاعِ .\rوَكَذَلِكَ الرِّيقُ ، وَالْعَرَقُ ، وَالدَّمْعُ .\rوَإِنْ قَالَ : وَجْهِي مِنْ وَجْهِك حَرَامٌ .\rفَلَيْسَ بِظِهَارٍ ، نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، وَقَالَ : هَذَا شَيْءٌ يَقُولُهُ النَّاسُ ، لَيْسَ بِشَيْءٍ .\rوَذَلِكَ لِأَنَّ هَذَا يُسْتَعْمَلُ كَثِيرًا فِي غَيْرِ الظِّهَارِ ، وَلَا يُؤَدِّي مَعْنَى الظِّهَارِ ، فَلَمْ يَكُنْ ظِهَارًا ، كَمَا لَوْ قَالَ : لَا أُكَلِّمُك .","part":17,"page":197},{"id":8197,"text":"( 6176 ) فَصْلٌ : فَإِنْ قَالَ : أَنَا مُظَاهِرٌ ، أَوْ عَلَيَّ الظِّهَارُ ، أَوْ عَلَيَّ الْحَرَامُ ، أَوْ الْحَرَامُ لِي لَازِمٌ .\rوَلَا نِيَّةَ لَهُ ، لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِصَرِيحٍ فِي الظِّهَارِ ، وَلَا نَوَى بِهِ الظِّهَارَ .\rوَإِنْ نَوَى بِهِ الظِّهَارَ ، أَوْ اقْتَرَنَتْ بِهِ قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلَى إرَادَتِهِ الظِّهَارَ ، مِثْلَ أَنْ يُعَلِّقَهُ عَلَى شَرْطٍ ، فَيَقُولَ : عَلَيَّ الْحَرَامُ إنْ كَلَّمْتُك .\rاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ ظِهَارًا ؛ لِأَنَّهُ أَحَدُ نَوْعَيْ تَحْرِيمِ الزَّوْجَةِ ، فَصَحَّ بِالْكِنَايَةِ مَعَ النِّيَّةِ ، كَالطَّلَاقِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَثْبُتَ بِهِ الظِّهَارُ ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ إنَّمَا وَرَدَ بِهِ بِصَرِيحِ لَفْظِهِ ، وَهَذَا لَيْسَ بِصَرِيحٍ فِيهِ ، وَلِأَنَّهُ يَمِينٌ مُوجِبَةٌ لِلْكَفَّارَةِ ، فَلَمْ يَثْبُتْ حُكْمُهُ بِغَيْرِ الصَّرِيحِ ، كَالْيَمِينِ بِاَللَّهِ تَعَالَى .","part":17,"page":198},{"id":8198,"text":"( 6177 ) فَصْلٌ : يُكْرَهُ أَنْ يُسَمِّي الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ بِمَنْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ ، كَأُمِّهِ ، أَوْ أُخْتِهِ ، أَوْ بِنْتِهِ ؛ لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي تَمِيمَةَ الْهُجَيْمِيِّ ، { أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِامْرَأَتِهِ : يَا أُخَيَّةُ .\rفَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أُخْتُك هِيَ ، .\rفَكَرِهَ ذَلِكَ ، وَنَهَى عَنْهُ .\r} وَلِأَنَّهُ لَفْظٌ يُشْبِهُ لَفْظَ الظِّهَارِ .\rوَلَا تَحْرُمُ بِهَذَا ، وَلَا يَثْبُتُ حُكْمُ الظِّهَارِ ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَقُلْ لَهُ : حَرُمَتْ عَلَيْك .\rوَلِأَنَّ هَذَا اللَّفْظَ لَيْسَ بِصَرِيحٍ فِي الظِّهَارِ وَلَا نَوَاهُ بِهِ ، فَلَا يَثْبُتُ التَّحْرِيمُ .\rوَفِي الْحَدِيثِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ إبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَرْسَلَ إلَيْهِ جَبَّارٌ ، فَسَأَلَهُ عَنْهَا يَعْنِي عَنْ سَارَةَ فَقَالَ : إنَّهَا أُخْتِي .\rوَلَمْ يَعُدَّ ذَلِكَ ظِهَارًا .","part":17,"page":199},{"id":8199,"text":"( 6178 ) الْفَصْلُ الْخَامِسُ : أَنَّ الْمُظَاهِرَ يَحْرُمُ عَلَيْهِ وَطْءُ امْرَأَتِهِ قَبْلَ أَنْ يُكَفِّرَ .\rوَلَيْسَ فِي ذَلِكَ اخْتِلَافٌ إذَا كَانَتْ الْكَفَّارَةُ عِتْقًا أَوْ صَوْمًا ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا } .\rوَقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ : { فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا } .\rوَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ التَّكْفِيرَ بِالْإِطْعَامِ مِثْلُ ذَلِكَ ، وَأَنَّهُ يَحْرُمُ وَطْؤُهَا قَبْلَ التَّكْفِيرِ ؛ مِنْهُمْ عَطَاءٌ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَذَهَبَ أَبُو ثَوْرٍ إلَى إبَاحَةِ الْجِمَاعِ قَبْلَ التَّكْفِيرِ بِالْإِطْعَامِ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ مَا يَقْتَضِي ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَمْنَعْ الْمَسِيسَ قَبْلَهُ ، كَمَا فِي الْعِتْقِ وَالصِّيَامِ .\rوَلَنَا مَا رَوَى عِكْرِمَةُ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، { أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنِّي تَظَاهَرْت مِنْ امْرَأَتِي ، فَوَقَعْت عَلَيْهَا قَبْلَ أَنْ أُكَفِّرَ .\rفَقَالَ : مَا حَمَلَك عَلَى ذَلِكَ ، يَرْحَمُكَ اللَّهُ ؟ قَالَ : رَأَيْتُ خَلْخَالَهَا فِي ضَوْءِ الْقَمَرِ .\rقَالَ : فَلَا تَقْرَبْهَا حَتَّى تَفْعَلَ مَا أَمَرَكَ اللَّهُ .\r} رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَقَالَ : حَدِيثٌ حَسَنٌ .\rوَلِأَنَّهُ مُظَاهِرٌ لَمْ يُكَفِّرْ ، فَحَرُمَ عَلَيْهِ جِمَاعُهَا ، كَمَا لَوْ كَانَتْ كَفَّارَتُهُ الْعِتْقَ أَوْ الصِّيَامَ ، وَتَرْكُ النَّصِّ عَلَيْهَا لَا يَمْنَعُ قِيَاسَهَا عَلَى الْمَنْصُوصِ الَّذِي فِي مَعْنَاهَا .\r( 6179 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا التَّلَذُّذَ بِمَا دُونَ الْجِمَاعِ ، مِنْ الْقُبْلَةِ ، وَاللَّمْسِ ، وَالْمُبَاشَرَةِ فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ : إحْدَاهُمَا يَحْرُمُ .\rوَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ وَهُوَ قَوْلُ الزُّهْرِيِّ ، وَمَالِكٍ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَأَبِي عُبَيْدٍ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ النَّخَعِيِّ ، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ مَا حَرَّمَ الْوَطْءَ مِنْ الْقَوْلِ حَرَّمَ دَوَاعِيَهُ ،","part":17,"page":200},{"id":8200,"text":"كَالطَّلَاقِ وَالْإِحْرَامِ .\rوَالثَّانِيَةُ ، لَا يَحْرُمُ .\rقَالَ أَحْمَدُ : أَرْجُو أَنْ لَا يَكُونَ بِهِ بَأْسٌ .\rوَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ ، وَإِسْحَاقَ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ .\rوَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ .\rوَهُوَ الْقَوْلُ الثَّانِي لِلشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ وَطْءٌ يَتَعَلَّقُ بِتَحْرِيمِهِ مَالٌ ، فَلَمْ يَتَجَاوَزْهُ التَّحْرِيمُ ، كَوَطْءِ الْحَائِضِ .","part":17,"page":201},{"id":8201,"text":"( 6180 ) فَصْلٌ : وَلَا يَصِحُّ الظِّهَارُ مِنْ أَمَتِهِ ، وَلَا أُمِّ وَلَدِهِ .\rرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، وَمُجَاهِدٍ ، وَالشَّعْبِيِّ ، وَرَبِيعَةَ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ .\rوَرُوِيَ عَنْ الْحَسَنِ ، وَعِكْرِمَةَ ، وَالنَّخَعِيِّ ، وَعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ ، وَالزُّهْرِيِّ ، وَقَتَادَةَ ، وَالْحَكَمِ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَمَالِكٍ ، فِي الظِّهَارِ مِنْ الْأَمَةِ كَفَّارَةٌ تَامَّةٌ ؛ لِأَنَّهَا مُبَاحَةٌ لَهُ ، فَصَحَّ الظِّهَارُ مِنْهَا كَالزَّوْجَةِ .\rوَعَنْ الْحَسَنِ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، إنْ كَانَ يَطَؤُهَا فَهُوَ ظِهَارٌ ، وَإِلَّا فَلَا ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَطَأْهَا فَهُوَ كَتَحْرِيمِ مَالِهِ .\rوَقَالَ عَطَاءٌ : عَلَيْهِ نِصْفُ كَفَّارَةِ حُرَّةٍ ؛ لِأَنَّ الْأَمَةَ عَلَى النِّصْفِ مِنْ الْحُرَّةِ فِي كَثِيرٍ مِنْ أَحْكَامِهَا ، وَهَذَا مِنْ أَحْكَامِهَا ، فَتَكُونُ عَلَى النِّصْفِ .\rوَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { وَاَلَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ } فَخَصَّهُنَّ بِهِ ؛ وَلِأَنَّهُ لَفْظٌ يَتَعَلَّقُ بِهِ تَحْرِيمُ الزَّوْجَةِ ، فَلَا تَحْرُمُ بِهِ الْأَمَةُ ، كَالطَّلَاقِ ، وَلِأَنَّ الظِّهَارَ كَانَ طَلَاقًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، فَنُقِلَ حُكْمُهُ وَبَقِيَ مَحَلُّهُ .\rقَالَ أَحْمَدُ : قَالَ أَبُو قِلَابَةَ ، وَقَتَادَةُ : إنَّ الظِّهَارَ كَانَ طَلَاقًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ .\rوَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّ عَلَى الْمُظَاهِرِ مِنْ أَمَتِهِ كَفَّارَةَ ظِهَارٍ .\rوَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : لَا يَتَوَجَّهُ هَذَا عَلَى مَذْهَبِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَتْ عَلَيْهِ كَفَّارَةُ ظِهَارٍ كَانَ ظِهَارًا ، وَلَكِنْ عَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ ؛ لِأَنَّهُ تَحْرِيمٌ لَمُبَاحٍ مِنْ مَالِهِ ، فَكَانَتْ فِيهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ ، كَتَحْرِيمِ سَائِرِ مَالِهِ .\rقَالَ نَافِعٌ : { حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَارِيَتَهُ ، فَأَمَرَهُ اللَّهُ أَنْ يُكَفِّرَ يَمِينَهُ .\r} وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَلْزَمَهُ شَيْءٌ ، بِنَاءً عَلَى قَوْلِهِ فِي الْمَرْأَةِ إذَا قَالَتْ لِزَوْجِهَا : أَنْتَ عَلَيَّ","part":17,"page":202},{"id":8202,"text":"كَظَهْرِ أَبِي .\rلَا يَلْزَمُهَا شَيْءٌ .\rوَإِنْ قَالَ لِأَمَتِهِ : أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ .\rفَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ } .\rإلَى قَوْله تَعَالَى : { قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ } نَزَلَتْ فِي تَحْرِيمِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِجَارِيَتِهِ فِي قَوْلِ بَعْضِهِمْ .\rوَيُخَرَّجُ عَلَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى أَنْ تَلْزَمهُ كَفَّارَةُ ظِهَارٍ ؛ لِأَنَّ التَّحْرِيمَ ظِهَارٌ .\rوَالْأَوَّلُ هُوَ الصَّحِيحُ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .","part":17,"page":203},{"id":8203,"text":"( 6181 ) فَصْلٌ : وَيَصِحُّ الظِّهَارُ مُؤَقَّتًا ، مِثْلَ أَنْ يَقُولَ : أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي شَهْرًا ، أَوْ حَتَّى يَنْسَلِخَ شَهْرُ رَمَضَانَ .\rفَإِذَا مَضَى الْوَقْتُ زَالَ الظِّهَارُ ، وَحَلَّتْ الْمَرْأَةُ بِلَا كَفَّارَةٍ ، وَلَا يَكُونُ عَائِدًا إلَّا بِالْوَطْءِ فِي الْمُدَّةِ .\rوَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَعَطَاءٍ ، وَقَتَادَةَ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَإِسْحَاقَ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَأَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ .\rوَقَوْلُهُ الْآخَرُ : لَا يَكُونُ ظِهَارًا .\rوَبِهِ قَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى ، وَاللَّيْثُ ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ وَرَدَ بِلَفْظِ الظِّهَارِ مُطْلَقًا ، وَهَذَا لَمْ يُطْلِقْ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ شَبَّهَهَا بِمَنْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ فِي وَقْتٍ دُونَ وَقْتٍ .\rوَقَالَ طَاوُسٌ : إذَا ظَاهَرَ فِي وَقْتٍ ، فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ ، وَإِنْ بَرَّ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : يَسْقُطُ التَّأْقِيتُ ، وَيَكُونُ ظِهَارًا مُطْلَقًا ؛ لِأَنَّ هَذَا لَفْظٌ يُوجِبُ تَحْرِيمَ الزَّوْجَةِ ، فَإِذَا وَقَّتَهُ لَمْ يَتَوَقَّتْ كَالطَّلَاقِ .\rوَلَنَا حَدِيثُ سَلَمَةَ بْنِ صَخْرٍ ، وَقَوْلُهُ : ظَاهَرْت مِنْ امْرَأَتِي حَتَّى يَنْسَلِخَ شَهْرُ رَمَضَانَ .\rوَأَخْبَرَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ أَصَابَهَا فِي الشَّهْرِ ، فَأَمَرَهُ بِالْكَفَّارَةِ .\rوَلَمْ يَعْتَبِرْ عَلَيْهِ تَقْيِيدَهُ ، وَلِأَنَّهُ مَنَعَ نَفْسَهُ مِنْهَا بِيَمِينٍ لَهَا كَفَّارَةٌ ، فَصَحَّ مُؤَقَّتًا كَالْإِيلَاءِ ، وَفَارَقَ الطَّلَاقَ ؛ فَإِنَّهُ يُزِيلُ الْمِلْكَ ، وَهُوَ يُوقِعُ تَحْرِيمًا يَرْفَعُهُ التَّكْفِيرُ ، فَجَازَ تَأْقِيتُهُ .\rوَلَا يَصِحُّ قَوْلُ مَنْ أَوْجَبَ الْكَفَّارَةَ وَإِنْ بَرَّ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إنَّمَا أَوْجَبَ الْكَفَّارَةَ عَلَى الَّذِينَ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا ، وَمَنْ بَرَّ وَتَرَك الْعَوْدَ فِي الْوَقْتِ الَّذِي ظَاهَرَ فَلَمْ يَعُدْ لِمَا قَالَ ، فَلَا تَجِبُ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ .\rوَفَارَقَ التَّشْبِيهَ بِمَنْ لَا تَحْرُمُ عَلَى التَّأْبِيدِ ؛ لِأَنَّ تَحْرِيمَهَا غَيْرُ كَامِلٍ ، وَهَذِهِ حَرَّمَهَا فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ تَحْرِيمًا مُشَبَّهًا بِتَحْرِيمِ ظَهْرِ أُمِّهِ .\rعَلَى أَنَّنَا نَمْنَعُ الْحُكْمَ فِيهَا .\rإذَا ثَبَتَ","part":17,"page":204},{"id":8204,"text":"هَذَا ، فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ عَائِدًا إلَّا بِالْوَطْءِ فِي الْمُدَّةِ .\rوَهَذَا هُوَ الْمَنْصُوصُ عَنْ الشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ : إنْ لَمْ يُطَلِّقْهَا عَقِيبَ الظِّهَارِ ، فَهُوَ عَائِدٌ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ .\rوَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : إذَا أَجْمَعَ عَلَى غَشَيَانهَا فِي الْوَقْتِ ، لَزِمَتْهُ الْكَفَّارَةُ .\rوَإِلَّا فَلَا ؛ لِأَنَّ الْعَوْدَ الْعَزْمُ عَلَى الْوَطْءِ .\rوَلَنَا حَدِيثُ سَلَمَةَ بْنِ صَخْرٍ ، وَأَنَّهُ لَمْ يُوجِبْ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةَ إلَّا بِالْوَطْءِ ، وَلِأَنَّهَا يَمِينٌ لَمْ يَحْنَثْ فِيهَا ، فَلَا يَلْزَمُهُ كَفَّارَتُهَا ، كَالْيَمِينِ بِاَللَّهِ تَعَالَى ، وَلِأَنَّ الْمُظَاهِرَ فِي وَقْتٍ ، عَازِمٌ عَلَى إمْسَاكِ زَوْجَتِهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ ، فَمَنْ أَوْجَبَ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةَ بِذَلِكَ ، كَانَ قَوْلُهُ كَقَوْلِ طَاوُسٍ ، فَلَا مَعْنَى لِقَوْلِهِ : يَصِحُّ الظِّهَارُ مُؤَقَّتًا لِعَدَمِ تَأْثِيرِ الْوَقْتِ .","part":17,"page":205},{"id":8205,"text":"( 6182 ) فَصْلٌ : وَيَصِحُّ تَعْلِيقُ الظِّهَارِ بِالشُّرُوطِ ، نَحْوُ أَنْ يَقُولَ : إنْ دَخَلْتِ الدَّارَ ، فَأَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي ، وَإِنْ شَاءَ زَيْدٌ ، فَأَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي .\rفَمَتَى شَاءَ زَيْدٌ أَوْ دَخَلَتْ الدَّارَ ، صَارَ مُظَاهِرًا ، وَإِلَّا فَلَا .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ؛ لِأَنَّهُ يَمِينٌ ، فَجَازَ تَعْلِيقُهُ عَلَى شَرْطٍ كَالْإِيلَاءِ ، وَلِأَنَّ أَصْلَ الظِّهَارِ أَنَّهُ كَانَ طَلَاقًا ، وَالطَّلَاقُ يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ بِالشَّرْطِ ، فَكَذَلِكَ الظِّهَارُ ، وَلِأَنَّهُ قَوْلٌ تَحْرُمُ بِهِ الزَّوْجَةُ ، فَصَحَّ تَعْلِيقُهُ عَلَى شَرْطٍ كَالطَّلَاقِ .\rوَلَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ : إنْ تَظَاهَرْت مِنْ امْرَأَتِي الْأُخْرَى ، فَأَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي .\rثُمَّ تَظَاهَرَ مِنْ الْأُخْرَى ، صَارَ مُظَاهِرًا مِنْهُمَا جَمِيعًا .\rوَإِنْ قَالَ : إنْ تَظَاهَرْت مِنْ فُلَانَةَ الْأَجْنَبِيَّةِ ، فَأَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي .\rثُمَّ قَالَ لِلْأَجْنَبِيَّةِ : أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي .\rصَارَ مُظَاهِرًا مِنْ امْرَأَتِهِ ، عِنْدَ مَنْ يَرَى الظِّهَارَ مِنْ الْأَجْنَبِيَّةِ ، وَمَنْ لَا فَلَا .\rوَسَنَذْكُرُ ذَلِكَ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .","part":17,"page":206},{"id":8206,"text":"( 6183 ) فَصْلٌ : فَإِنْ قَالَ : أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي إنْ شَاءَ اللَّهُ .\rلَمْ يَنْعَقِدْ ظِهَارُهُ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، فَقَالَ : إذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ : هِيَ عَلَيْهِ كَظَهْرِ أُمِّهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ ، هِيَ يَمِينٌ .\rوَإِذَا قَالَ : مَا أَحَلَّ اللَّهُ عَلَيَّ حَرَامٌ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ .\rوَلَهُ أَهْلٌ ، هِيَ يَمِينٌ ، لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَلَا نَعْلَمُ عَنْ غَيْرِهِمْ خِلَافَهُمْ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهَا يَمِينٌ مُكَفَّرَةٌ ، فَصَحَّ الِاسْتِثْنَاءُ فِيهَا ، كَالْيَمِينِ بِاَللَّهِ تَعَالَى ، أَوْ كَتَحْرِيمِ مَالِهِ .\rوَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ ، فَقَالَ : إنْ شَاءَ اللَّهُ .\rفَلَا حِنْثَ عَلَيْهِ } .\rرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَقَالَ : حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ .\rوَفِي لَفْظٍ { : مَنْ حَلَفَ فَاسْتَثْنَى ، فَإِنْ شَاءَ فَعَلَ ، وَإِنْ شَاءَ رَجَعَ غَيْرَ حِنْثٍ } .\rرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ، وَأَبُو دَاوُد ، وَالنَّسَائِيُّ .\rوَإِنْ قَالَ : \" أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ \" ، \" وَوَاللَّهِ لَا أُكَلِّمُك إنْ شَاءَ اللَّهُ \" .\rعَادَ الِاسْتِثْنَاءُ إلَيْهِمَا ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ ؛ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ إذَا تَعَقَّبَ جُمَلًا ، عَادَ إلَى جَمِيعِهَا ، إلَّا أَنْ يَنْوِيَ الِاسْتِثْنَاءَ فِي بَعْضِهَا ، فَيَعُودَ إلَيْهِ وَحْدَهُ .\rوَإِنْ قَالَ : أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ إذَا شَاءَ اللَّهُ ، أَوْ إلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ ، أَوْ إلَى أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ ، أَوْ مَا شَاءَ اللَّهُ .\rفَكُلُّهُ اسْتِثْنَاءٌ يَرْفَعُ حُكْمَ الظِّهَارِ .\rوَإِنْ قَالَ : إنْ شَاءَ اللَّهُ فَأَنْتِ حَرَامٌ .\rفَهُوَ اسْتِثْنَاءٌ يَرْفَعُ حُكْمَ الظِّهَارِ ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ إذَا تَقَدَّمَ يُجَابُ بِالْفَاءِ .\rوَإِنْ قَالَ : إنْ شَاءَ اللَّهُ أَنْتِ حَرَامٌ .\rفَهُوَ اسْتِثْنَاءٌ ؛ لِأَنَّ الْفَاءَ مُقَدَّرَةٌ .\rوَإِنْ قَالَ : إنْ شَاءَ اللَّهُ فَأَنْتِ حَرَامٌ .\rصَحَّ أَيْضًا ، وَالْفَاءُ زَائِدَةٌ .\rوَإِنْ قَالَ : أَنْتِ حَرَامٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ ، وَشَاءَ زَيْدٌ .\rفَشَاءَ زَيْدٌ ، لَمْ يَصِرْ مُظَاهِرًا ؛","part":17,"page":207},{"id":8207,"text":"لِأَنَّهُ عَلَّقَهُ عَلَى مَشِيئَتَيْنِ ، فَلَا يَحْصُلُ بِإِحْدَاهُمَا .","part":17,"page":208},{"id":8208,"text":"( 6184 ) مَسْأَلَةٌ ، قَالَ : فَإِنْ مَاتَ ، أَوْ مَاتَتْ ، أَوْ طَلَّقَهَا ، لَمْ تَلْزَمْهُ الْكَفَّارَةُ .\rفَإِنْ عَادَ فَتَزَوَّجَهَا ، لَمْ يَطَأْهَا حَتَّى يُكَفِّرَ ؛ لِأَنَّ الْحِنْثَ بِالْعَوْدِ ، وَهُوَ الْوَطْءُ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَوْجَبَ الْكَفَّارَةَ عَلَى الْمُظَاهِرِ قَبْلَ الْحِنْثِ الْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي ثَلَاثَةِ فُصُولٍ : ( 6185 ) أَحَدُهَا أَنَّ الْكَفَّارَةَ لَا تَجِبُ بِمُجَرَّدِ الظِّهَارِ أَحَدُهَا : أَنَّ الْكَفَّارَةَ لَا تَجِبُ بِمُجَرَّدِ الظِّهَارِ ، فَلَوْ مَاتَ أَحَدُهُمَا أَوْ فَارَقَهَا قَبْلَ الْعَوْدِ ، فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ .\rوَهَذَا قَوْلُ عَطَاءٍ ، وَالنَّخَعِيِّ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَالْحَسَنِ وَالثَّوْرِيِّ ، وَمَالِكٍ ، وَأَبِي عُبَيْدٍ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ .\rوَقَالَ طَاوُسٌ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَقَتَادَةُ : عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ بِمُجَرَّدِ الظِّهَارِ ؛ لِأَنَّهُ سَبَبٌ لِلْكَفَّارَةِ وَقَدْ وُجِدَ ، وَلِأَنَّ الْكَفَّارَةَ وَجَبَتْ لِقَوْلِ الْمُنْكَرِ وَالزُّورِ ، وَهَذَا يَحْصُلُ بِمُجَرَّدِ الظِّهَارِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : مَتَى أَمْسَكَهَا بَعْدَ ظِهَارِهِ زَمَنًا يُمْكِنُهُ طَلَاقُهَا فِيهِ ، فَلَمْ يُطَلِّقْهَا ، فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ .\rلِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْعَوْدُ عِنْدَهُ .\rوَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { وَاَلَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ } .\rفَأَوْجَبَ الْكَفَّارَةَ بِأَمْرَيْنِ ، ظِهَارٍ وَعَوْدٍ ، فَلَا تَثْبُتُ بِأَحَدِهِمَا ، وَلِأَنَّ الْكَفَّارَةَ فِي الظِّهَارِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ بِغَيْرِ الْحِنْثِ ، كَسَائِرِ الْأَيْمَانِ ، وَالْحِنْثُ فِيهَا هُوَ الْعَوْدُ ، وَذَلِكَ فِعْلُ مَا حَلَفَ عَلَى تَرْكِهِ وَهُوَ الْجِمَاعُ ، وَتَرْكُ طَلَاقِهَا لَيْسَ بِحِنْثٍ فِيهَا ، وَلَا فِعْلٍ لَا حَلَفَ عَلَى تَرْكِهِ ، فَلَا تَجِبُ بِهِ الْكَفَّارَةُ ، وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْإِمْسَاكُ عَوْدًا ، لَوَجَبَتْ الْكَفَّارَةُ عَلَى الْمُظَاهِرِ الْمُوَقِّتِ وَإِنْ بَرَّ .\rوَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيُّ عَلَى أَنَّهَا لَا تَجِبُ عَلَيْهِ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّهُ لَا كَفَّارَةَ","part":17,"page":209},{"id":8209,"text":"عَلَيْهِ إذَا مَاتَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ وَطْئِهَا .\rوَكَذَلِكَ إنْ فَارَقَهَا ، سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ مُتَرَاخِيًا عَنْ يَمِينِهِ ، أَوْ عَقِيبَهُ وَأَيُّهُمَا مَاتَ وَرِثَهُ صَاحِبُهُ فِي قَوْلِ الْجُمْهُورِ .\rوَقَالَ قَتَادَةُ : إنْ مَاتَتْ ، لَمْ يَرِثْهَا حَتَّى يُكَفِّرَ .\rوَلَنَا أَنَّ مَنْ وَرِثَهَا إذَا كَفَّرَ وَرِثَهَا وَإِنْ لَمْ يُكَفِّرْ ، كَالْمُولِي مِنْهَا .","part":17,"page":210},{"id":8210,"text":"( 6186 ) الْفَصْلُ الثَّانِي : أَنَّهُ إذَا طَلَّقَ مَنْ ظَاهَرَ مِنْهَا ، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا ، لَمْ يَحِلَّ لَهُ وَطْؤُهَا حَتَّى يُكَفِّرَ .\rسَوَاءٌ كَانَ الطَّلَاقُ ثَلَاثًا ، أَوْ أَقَلَّ مِنْهُ .\rوَسَوَاءٌ رَجَعَتْ إلَيْهِ بَعْدَ زَوْجٍ آخَرَ ، أَوْ قَبْلَهُ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .\rوَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ ، وَالْحَسَنِ ، وَالزُّهْرِيِّ ، وَالنَّخَعِيِّ ، وَمَالِكٍ وَأَبِي عُبَيْدٍ .\rوَقَالَ قَتَادَةُ : إذَا بَانَتْ سَقَطَ الظِّهَارُ ، فَإِذَا عَادَ فَنَكَحَهَا ، فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ .\rوَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ كَالْمَذْهَبَيْنِ ، وَقَوْلٌ ثَالِثٌ ، إنْ كَانَتْ الْبَيْنُونَةُ بِالثَّلَاثِ ، لَمْ يَعُدْ الظِّهَارُ ، وَإِلَّا عَادَ .\rوَبَنَاهُ عَلَى الْأَقَاوِيلِ فِي عَوْدِ صِفَةِ الطَّلَاقِ فِي النِّكَاحِ الثَّانِي .\rوَلَنَا ، عُمُومُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَاَلَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا } .\rوَهَذَا قَدْ ظَاهَرَ مِنْ امْرَأَتِهِ ، فَلَا يَحِلُّ أَنْ يَتَمَاسَّا حَتَّى يُكَفِّرَ ، وَلِأَنَّهُ ظَاهَرَ مِنْ امْرَأَتِهِ ، فَلَا يَحِلُّ لَهُ مَسُّهَا قَبْلَ التَّكْفِيرِ ، كَاَلَّتِي لَمْ يُطَلِّقْهَا ، وَيَمِينُ الظِّهَارَ يَمِينٌ مُكَفَّرَةٌ ، فَلَمْ يَبْطُلْ حُكْمُهَا بِالطَّلَاقِ ، كَالْإِيلَاءِ .","part":17,"page":211},{"id":8211,"text":"( 6187 ) الْفَصْلُ الثَّالِثُ : أَنَّ الْعَوْدَ هُوَ الْوَطْءُ ، فَمَتَى وَطِئَ لَزِمَتْهُ الْكَفَّارَةُ ، وَلَا تَجِبُ قَبْلَ ذَلِكَ ، إلَّا أَنَّهَا شَرْطٌ لِحِلِّ الْوَطْءِ ، فَيُؤْمَرُ بِهَا مَنْ أَرَادَهُ لِيَسْتَحِلَّهُ بِهَا ، كَمَا يُؤْمَرُ بِعَقْدِ النِّكَاحِ مَنْ أَرَادَ حِلَّ الْمَرْأَةِ .\rوَحُكِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ الْحَسَنِ ، وَالزُّهْرِيِّ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ .\rإلَّا أَنَّهُ لَا يُوجِبُ الْكَفَّارَةَ عَلَى مَنْ وَطِئَ ، وَهِيَ عِنْدَهُ فِي حَقِّ مَنْ وَطِئَ كَمَنْ لَمْ يَطَأْ .\rوَقَالَ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ : الْعَوْدُ الْعَزْمُ عَلَى الْوَطْءِ .\rإلَّا أَنَّهُمْ لَمْ يُوجِبُوا الْكَفَّارَةَ عَلَى الْعَازِمِ عَلَى الْوَطْءِ ، إذَا مَاتَ أَحَدُهُمَا أَوْ طَلَّقَ قَبْلَ الْوَطْءِ ، إلَّا أَبَا الْخَطَّابِ ، فَإِنَّهُ قَالَ : إذَا مَاتَ بَعْدَ الْعَزْمِ ، أَوْ طَلَّقَ ، فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ .\rوَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ ، وَأَبِي عُبَيْدٍ .\rوَقَدْ أَنْكَرَ أَحْمَدُ هَذَا ، فَقَالَ : مَالِكٌ يَقُولُ : إذَا أَجْمَعَ لَزِمَتْهُ الْكَفَّارَةُ .\rفَكَيْفَ يَكُونُ هَذَا ، إذَا طَلَّقَهَا بَعْدَمَا يُجْمِعُ كَانَ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ يَذْهَبُ إلَى قَوْلِ طَاوُسٍ : إذَا تَكَلَّمَ بِالظِّهَارِ لَزِمَهُ مِثْلُ الطَّلَاقِ .\rوَلَمْ يُعْجِبْ أَحْمَدَ قَوْلُ طَاوُسٍ .\rوَقَالَ أَحْمَدُ ، فِي قَوْله تَعَالَى : { ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا } .\rقَالَ : الْعَوْدُ الْغَشَيَانُ ، إذَا أَرَادَ أَنْ يَغْشَى كَفَّرَ .\rوَاحْتَجَّ مَنْ ذَهَبَ إلَى هَذَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا } .\rفَأَوْجَبَ الْكَفَّارَةَ بَعْدَ الْعَوْدِ قَبْلَ التَّمَاسِّ ، وَمَا حَرُمَ قَبْلَ الْكَفَّارَةِ ، لَا يَجُوزُ كَوْنُهُ مُتَقَدِّمًا عَلَيْهَا ، وَلِأَنَّهُ قَصَدَ بِالظِّهَارِ تَحْرِيمَهَا ، فَالْعَزْمُ عَلَى وَطْئِهَا عَوْدٌ فِيمَا قَصَدَهُ ، وَلِأَنَّ الظِّهَارَ تَحْرِيمٌ ، فَإِذَا أَرَادَ اسْتِبَاحَتَهَا ، فَقَدْ رَجَعَ فِي ذَلِكَ التَّحْرِيمِ ، فَكَانَ عَائِدًا .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : الْعَوْدُ إمْسَاكُهَا بَعْدَ ظِهَارِهِ زَمَنًا يُمْكِنُهُ طَلَاقُهَا فِيهِ ؛ لِأَنَّ ظِهَارَهُ","part":17,"page":212},{"id":8212,"text":"مِنْهَا يَقْتَضِي إبَانَتَهَا ، فَإِمْسَاكُهَا عَوْدٌ فِيمَا قَالَ .\rوَقَالَ دَاوُد : الْعَوْدُ ، تَكْرَارُ الظِّهَارِ مَرَّةً ثَانِيَةً ؛ لِأَنَّ الْعَوْدَ فِي الشَّيْءِ إعَادَتُهُ .\rوَلَنَا أَنَّ الْعَوْدَ فِعْلُ ضِدِّ قَوْلِهِ ، وَمِنْهُ الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ ، هُوَ الرَّاجِعُ فِي الْمَوْهُوبِ ، وَالْعَائِدُ فِي عِدَتِهِ ، التَّارِكُ لِلْوَفَاءِ بِمَا وَعَدَ ، وَالْعَائِدُ فِيمَا نُهِيَ عَنْهُ فَاعِلُ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ .\rقَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ } .\rفَالْمُظَاهِرُ مُحَرِّمٌ لِلْوَطْءِ عَلَى نَفْسِهِ ، وَمَانِعٌ لَهَا مِنْهُ ، فَالْعَوْدُ فِعْلُهُ .\rوَقَوْلُهُمْ : إنَّ الْعَوْدَ يَتَقَدَّمُ التَّكْفِيرَ ، وَالْوَطْءَ يَتَأَخَّرُ عَنْهُ .\rقُلْنَا : الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ : ثُمَّ يَعُودُونَ .\rأَيْ يُرِيدُونَ الْعَوْدَ ، كَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { إذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلَاةِ } .\rأَيْ أَرَدْتُمْ ذَلِكَ .\rوقَوْله تَعَالَى : { فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ } .\rفَإِنْ قِيلَ : فَهَذَا تَأْوِيلٌ ، ثُمَّ هُوَ رُجُوعٌ إلَى إيجَابِ الْكَفَّارَةِ بِالْعَزْمِ الْمُجَرَّدِ .\rقُلْنَا : دَلِيلُ التَّأْوِيلِ ، مَا ذَكَرْنَا .\rوَأَمَّا الْأَمْرُ بِالْكَفَّارَةِ عِنْدَ الْعَزْمِ فَإِنَّمَا أَمَرَ بِهَا شَرْطًا لِلْحِلِّ ، كَالْأَمْرِ بِالطَّهَارَةِ لِمَنْ أَرَادَ صَلَاةَ النَّافِلَةِ ، وَالْأَمْرِ بِالنِّيَّةِ لِمَنْ أَرَادَ الصِّيَامَ .\rفَأَمَّا الْإِمْسَاكُ فَلَيْسَ بِعَوْدٍ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِعَوْدٍ فِي الظِّهَارِ الْمُؤَقَّتِ ، فَكَذَلِكَ فِي الْمُطْلَقِ ، وَلِأَنَّ الْعَوْدَ فِعْلُ ضِدِّ مَا قَالَهُ ، وَالْإِمْسَاكُ لَيْسَ بِضِدٍّ لَهُ ، وَقَوْلُهُمْ : إنَّ الظِّهَارَ يَقْتَضِي إبَانَتَهَا .\rلَا يَصِحُّ ، وَإِنَّمَا يَقْتَضِي تَحْرِيمَهَا وَاجْتِنَابَهَا ، وَلِذَلِكَ صَحَّ تَوْقِيتُهُ ، وَلِأَنَّهُ قَالَ : { ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا } .\rوَثُمَّ لِلتَّرَاخِي ، وَالْإِمْسَاكُ غَيْرُ مُتَرَاخٍ .\rوَأَمَّا قَوْلُ دَاوُد فَلَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ أَوْسًا وَسَلَمَةَ بْنَ صَخْرٍ بِالْكَفَّارَةِ مِنْ غَيْرِ إعَادَةِ اللَّفْظِ ، وَلِأَنَّ الْعَوْدَ إنَّمَا هُوَ فِي","part":17,"page":213},{"id":8213,"text":"مَقُولِهِ دُونَ قَوْلِهِ ، كَالْعَوْدِ فِي الْهِبَةِ وَالْعِدَةِ ، وَالْعَوْدِ لِمَا نُهِيَ عَنْهُ ، وَيَدُلُّ عَلَى إبْطَالِ هَذِهِ الْأَقْوَالِ كُلِّهَا أَنَّ الظِّهَارَ يَمِينٌ مُكَفَّرَةٌ ، فَلَا تَجِبُ الْكَفَّارَةُ إلَّا بِالْحِنْثِ فِيهَا ، وَهُوَ فِعْلُ مَا حَلَفَ عَلَى تَرْكِهِ كَسَائِرِ الْأَيْمَانِ ، وَتَجِبُ الْكَفَّارَةُ بِذَلِكَ كَسَائِرِ الْأَيْمَانِ ، وَلِأَنَّهَا يَمِينٌ تَقْتَضِي تَرْكَ الْوَطْءِ ، فَلَا تَجِبُ كَفَّارَتُهَا إلَّا بِهِ ، كَالْإِيلَاءِ .","part":17,"page":214},{"id":8214,"text":"( 6188 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : ( وَإِذَا قَالَ لِامْرَأَةِ أَجْنَبِيَّةٍ : أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أَمِّي .\rلَمْ يَطَأْهَا إنْ تَزَوَّجَهَا حَتَّى يَأْتِيَ بِالْكَفَّارَةِ ) وَجُمْلَتُهُ ، أَنَّ الظِّهَارَ مِنْ الْأَجْنَبِيَّةِ يَصِحُّ ، سَوَاءٌ قَالَ ذَلِكَ لَامْرَأَةٍ بِعَيْنِهَا ، أَوْ قَالَ : كُلُّ النِّسَاءِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي .\rوَسَوَاءٌ أَوْقَعَهُ مُطْلَقًا ، أَوْ عَلَّقَهُ عَلَى التَّزْوِيجِ ، فَقَالَ : كُلُّ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا ، فَهِيَ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي .\rوَمَتَى تَزَوَّجَ الَّتِي ظَاهَرَ مِنْهَا ، لَمْ يَطَأْهَا حَتَّى يُكَفِّرَ .\rيُرْوَى نَحْوُ هَذَا عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .\rوَبِهِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ، وَعُرْوَةُ ، وَعَطَاءٌ ، وَالْحَسَنُ ، وَمَالِكٌ ، وَإِسْحَاقُ .\rوَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَثْبُتَ حُكْمُ الظِّهَارِ قَبْلَ التَّزْوِيجِ .\rوَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيِّ .\rوَيُرْوَى ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَاَلَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ } .\rوَالْأَجْنَبِيَّةُ لَيْسَتْ مِنْ نِسَائِهِ ، وَلِأَنَّ الظِّهَارَ يَمِينٌ وَرَدَ الشَّرْعُ بِحُكْمِهَا مُقَيَّدًا بِنِسَائِهِ ، فَلَمْ يَثْبُتْ حُكْمُهَا فِي الْأَجْنَبِيَّةِ ، كَالْإِيلَاءِ ؛ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : { وَاَلَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ } .\rكَمَا قَالَ : { لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ } وَلِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِزَوْجَةٍ ، فَلَمْ يَصِحَّ الظِّهَارُ مِنْهَا ، كَأَمَتِهِ ، وَلِأَنَّهُ حَرَّمَ مُحَرَّمَةً ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ ، كَمَا لَوْ قَالَ : أَنْتِ حَرَامٌ .\rوَلِأَنَّهُ نَوْعُ تَحْرِيمٍ ، فَلَمْ يَتَقَدَّمْ النِّكَاحَ ، كَالطَّلَاقِ .\rوَلَنَا مَا رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، أَنَّهُ قَالَ فِي رَجُلٍ قَالَ : إنْ تَزَوَّجْت فُلَانَةَ ، فَهِيَ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي .\rفَتَزَوَّجَهَا .\rقَالَ : عَلَيْهِ كَفَّارَةُ الظِّهَارِ .\rوَلِأَنَّهَا يَمِينٌ مُكَفَّرَةٌ ، فَصَحَّ انْعِقَادُهَا قَبْلَ النِّكَاحِ ، كَالْيَمِينِ بِاَللَّهِ تَعَالَى .\rأَمَّا الْآيَةُ ، فَإِنَّ التَّخْصِيصَ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ ؛","part":17,"page":215},{"id":8215,"text":"فَإِنَّ الْغَالِبَ أَنَّ الْإِنْسَانَ إنَّمَا يُظَاهِرُ مِنْ نِسَائِهِ ، فَلَا يُوجِبُ تَخْصِيصَ الْحُكْمِ بِهِنَّ ، كَمَا أَنْ تَخْصِيصَ الرَّبِيبَةِ الَّتِي فِي حِجْرِهِ بِالذِّكْرِ ، لَمْ يُوجِبْ اخْتِصَاصَهَا بِالتَّحْرِيمِ ، وَأَمَّا الْإِيلَاءُ ، فَإِنَّمَا اخْتَصَّ حُكْمُهُ بِنِسَائِهِ ؛ لِكَوْنِهِ يَقْصِدُ الْإِضْرَارَ بِهِنَّ دُونَ غَيْرِهِنَّ وَالْكَفَّارَةُ وَجَبَتْ هَاهُنَا لِقَوْلِ الْمُنْكَرِ وَالزُّورِ ، وَلَا يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِنِسَائِهِ ، وَيُفَارِقُ الظِّهَارُ الطَّلَاقَ مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا ، أَنَّ الطَّلَاقَ حَلُّ قَيْدِ النِّكَاحِ ، وَلَا يُمْكِنُ حَلُّهُ قَبْلَ عَقْدِهِ وَالظِّهَارُ تَحْرِيمٌ لِلْوَطْءِ ، فَيَجُوزُ تَقْدِيمُهُ عَلَى الْعَقْدِ كَالْحَيْضِ .\rالثَّانِي ، أَنَّ الطَّلَاقَ يَرْفَعُ الْعَقْدَ ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَسْبِقَهُ ، وَهَذَا لَا يَرْفَعُهُ ، وَإِنَّمَا تَتَعَلَّقُ الْإِبَاحَةُ عَلَى شَرْطٍ ، فَجَازَ تَقَدُّمُهُ .\rوَأَمَّا الظِّهَارُ مِنْ الْأَمَةِ ، فَقَدْ انْعَقَدَ يَمِينًا وَجَبَتْ بِهِ الْكَفَّارَةُ ، وَلَمْ تَجِبْ بِهِ كَفَّارَةُ الظِّهَارِ ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ امْرَأَةً لَهُ حَالَ التَّكْفِيرِ ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا .","part":17,"page":216},{"id":8216,"text":"( 6189 ) فَصْلٌ : وَإِذَا قَالَ : كُلّ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا ، فَهِيَ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي .\rثُمَّ تَزَوَّجَ نِسَاءً وَأَرَادَ الْعَوْدَ ، فَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ ، سَوَاءٌ تَزَوَّجَهُنَّ فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ أَوْ فِي عُقُودٍ مُتَفَرِّقَةٍ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .\rوَهُوَ قَوْلُ عُرْوَةَ ، وَإِسْحَاقَ ؛ لِأَنَّهَا يَمِينٌ وَاحِدَةٌ ، فَكَفَّارَتُهَا وَاحِدَةٌ .\rكَمَا لَوْ ظَاهَرَ مِنْ أَرْبَعِ نِسَاءٍ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ .\rوَعَنْهُ أَنَّ لِكُلِّ عَقْدٍ كَفَّارَةً ؛ فَلَوْ تَزَوَّجَ اثْنَتَيْنِ فِي عَقْدٍ ، وَأَرَادَ الْعَوْدَ فَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ ، ثُمَّ إذَا تَزَوَّجَ أُخْرَى ، وَأَرَادَ الْعَوْدَ ، فَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ أُخْرَى .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ إِسْحَاقَ ؛ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ الثَّالِثَةَ وُجِدَ الْعَقْدُ عَلَيْهَا الَّذِي يَثْبُتُ بِهِ الظِّهَارُ ، وَأَرَادَ الْعَوْدَ إلَيْهَا بَعْدَ التَّكْفِيرِ عَنْ الْأُولَيَيْنِ ، فَكَانَتْ عَلَيْهِ لَهَا كَفَّارَةٌ ، كَمَا لَوْ ظَاهَرَ مِنْهَا ابْتِدَاءً .\rوَلَوْ قَالَ لَأَجْنَبِيَّةٍ : أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي .\rوَقَالَ : أَرَدْتُ أَنَّهَا مِثْلُهَا فِي التَّحْرِيمِ فِي الْحَالِ .\rدُيِّنَ فِي ذَلِكَ .\rوَهَلْ يُقْبَلُ فِي الْحُكْمِ ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا ، لَا يُقْبَلُ ؛ لِأَنَّهُ صَرِيحٌ لِلظِّهَارِ ، فَلَا يُقْبَلُ صَرْفُهُ إلَى غَيْرِهِ .\rوَالثَّانِي : يُقْبَلُ ؛ لِأَنَّهَا حَرَامٌ عَلَيْهِ ، كَمَا أَنَّ أُمَّهُ حَرَامٌ عَلَيْهِ .","part":17,"page":217},{"id":8217,"text":"( 6190 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : وَلَوْ قَالَ : أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ .\rوَأَرَادَ فِي تِلْكَ الْحَالِ ، لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ وَإِنْ تَزَوَّجَهَا ؛ لِأَنَّهُ صَادِقٌ .\rوَإِنْ أَرَادَ فِي كُلِّ حَالٍ ، لَمْ يَطَأْهَا إنْ تَزَوَّجَهَا حَتَّى يَأْتِيَ بِكَفَّارَةِ الظِّهَارِ أَمَّا إذَا أَرَادَ بِقَوْلِهِ لَهَا : أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ .\rالْإِخْبَارَ عَنْ حُرْمَتِهَا فِي الْحَالِ ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ صَادِقٌ ؛ لِكَوْنِهِ وَصَفَهَا بِصِفَتِهَا ، وَلَمْ يَقُلْ مُنْكَرًا وَلَا زُورًا .\rوَكَذَلِكَ لَوْ أَطْلَقَ هَذَا الْقَوْلَ ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِذَلِكَ .\rوَإِنْ أَرَادَ تَحْرِيمَهَا فِي كُلِّ حَالٍ ، فَهُوَ ظِهَارٌ ؛ لِأَنَّ لَفْظَةَ الْحَرَامِ ، إذَا أُرِيدَ بِهَا الظِّهَارُ ، ظِهَارٌ فِي الزَّوْجَةِ ، فَكَذَلِكَ فِي الْأَجْنَبِيَّةِ ، فَصَارَ كَقَوْلِهِ : أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي .","part":17,"page":218},{"id":8218,"text":"مَسْأَلَةٌ قَالَ : ( وَلَوْ ظَاهَرَ مِنْ زَوْجَتِهِ ، وَهِيَ أَمَةٌ ، فَلَمْ يُكَفِّرْ حَتَّى مَلَكَهَا ، انْفَسَخَ النِّكَاحُ ، وَلَمْ يَطَأْهَا حَتَّى يُكَفِّرَ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الظِّهَارَ يَصِحُّ مِنْ كُلِّ زَوْجَةٍ ، أَمَةً كَانَتْ أَوْ حُرَّةً .\rفَإِذَا ظَاهَرَ مِنْ زَوْجَتِهِ الْأَمَةِ ، ثُمَّ مَلَكَهَا .\rانْفَسَخَ النِّكَاحُ .\rوَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي بَقَاءِ حُكْمِ الظِّهَارِ ؛ فَذَكَرَ الْخِرَقِيِّ هَاهُنَا أَنَّهُ بَاقٍ ، وَلَا يَحِلُّ لَهُ الْوَطْءُ حَتَّى يُكَفِّرَ .\rوَبِهِ يَقُولُ مَالِكٌ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَنَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : الْمَذْهَبُ مَا ذَكَرَ الْخِرَقِيِّ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَامِدٍ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَاَلَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا } .\rوَهَذَا قَدْ ظَاهَرَ مِنْ امْرَأَتِهِ ، فَلَمْ يَحِلَّ لَهُ مَسُّهَا حَتَّى يُكَفِّرَ ، وَلِأَنَّ الظِّهَارَ قَدْ صَحَّ فِيهَا ، وَحُكْمُهُ لَا يَسْقُطُ بِالطَّلَاقِ الْمُزِيلِ لِلْمِلْكِ وَالْحِلِّ ، فَبِمِلْكِ الْيَمِينِ أَوْلَى ، وَلِأَنَّهَا يَمِينٌ انْعَقَدَتْ مُوجِبَةً لَكَفَّارَةٍ ، فَوَجَبَتْ دُونَ غَيْرِهَا ، كَسَائِرِ الْأَيْمَانِ .\rوَقَالَ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ : يَسْقُطُ الظِّهَارُ بِمِلْكِهِ لَهَا ، وَإِنْ وَطِئَهَا حَنِثَ ، وَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ ، كَمَا لَوْ تَظَاهَرَ مِنْهَا ، وَهِيَ أَمَتُهُ ؛ لِأَنَّهَا خَرَجَتْ عَنْ الزَّوْجَاتِ ، وَصَارَ وَطْؤُهُ لَهَا بِمِلْكِ الْيَمِينِ ، فَلَمْ يَكُنْ مُوجِبًا لِكَفَّارَةِ الظِّهَارِ ، كَمَا لَوْ تَظَاهَرَ مِنْهَا وَهِيَ أَمَتُهُ .\rوَيَقْتَضِي قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ هَذَا أَنْ تُبَاحَ قَبْلَ التَّكْفِيرِ ؛ لِأَنَّهُ أَسْقَطَ الظِّهَارَ ، وَجَعَلَهُ يَمِينًا ، كَتَحْرِيمِ أَمَتِهِ .\rفَإِنْ أَعْتَقَهَا عَنْ كَفَّارَتِهِ ، صَحَّ عَلَى الْقَوْلَيْنِ .\rفَإِنْ تَزَوَّجَهَا بَعْدَ ذَلِكَ ، حَلَّتْ لَهُ بِغَيْرِ كَفَّارَةٍ ؛ لِأَنَّهُ كَفَّرَ عَنْ ظِهَارِهِ بِإِعْتَاقِهَا ، وَلَا يَمْتَنِعُ إجْزَاؤُهَا عَنْ الْكَفَّارَةِ الَّتِي وَجَبَتْ بِسَبَبِهَا ، كَمَا لَوْ","part":17,"page":219},{"id":8219,"text":"قَالَ : إنْ مَلَكْتُ أَمَةً ، فَلِلَّهِ عَلَيَّ عِتْقُ رَقَبَةٍ فَمَلَكَ أَمَةً ، فَأَعْتَقَهَا .\rوَإِنْ أَعْتَقَهَا عَنْ غَيْرِ الْكَفَّارَةِ ، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا ، عَادَ حُكْمُ الظِّهَارِ ، وَلَمْ تَحِلّ لَهُ حَتَّى يُكَفِّرَ .","part":17,"page":220},{"id":8220,"text":"( 6192 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : وَلَوْ تَظَاهَرَ مِنْ أَرْبَعِ نِسَائِهِ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ ، لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَكْثَرَ مِنْ كَفَّارَةٍ وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ إذَا ظَاهَرَ مِنْ نِسَائِهِ الْأَرْبَعِ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ ، فَقَالَ : أَنْتُنَّ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي .\rفَلَيْسَ عَلَيْهِ أَكْثَرُ مِنْ كَفَّارَةٍ .\rبِغَيْرِ خِلَافٍ فِي الْمَذْهَبِ .\rوَهُوَ قَوْلُ عَلِيٍّ ، وَعُمَرَ وَعُرْوَةَ ، وَطَاوُسٍ ، وَعَطَاءٍ ، وَرَبِيعَةَ ، وَمَالِكٍ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَإِسْحَاقَ ، وَأَبِي ثَوْرٍ وَالشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيمِ .\rوَقَالَ الْحَسَنُ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَيَحْيَى الْأَنْصَارِيُّ ، وَالْحَكَمُ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ، وَالشَّافِعِيُّ ، فِي الْجَدِيدِ : عَلَيْهِ لِكُلِّ امْرَأَةٍ كَفَّارَةٌ ؛ لِأَنَّهُ وُجِدَ الظِّهَارُ وَالْعَوْدُ فِي حَقِّ كُلِّ امْرَأَةٍ مِنْهُنَّ ، فَوَجَبَ عَلَيْهِ عَنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ كَفَّارَةٌ ، كَمَا لَوْ أَفْرَدَهَا بِهِ .\rوَلَنَا ، عُمُومُ قَوْلِ عُمَرَ وَعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا رَوَاهُ عَنْهُمَا الْأَثْرَمُ ، وَلَا نَعْرِفُ لَهُمَا فِي الصَّحَابَةِ مُخَالِفًا ، فَكَانَ إجْمَاعًا ، وَلِأَنَّ الظِّهَارَ كَلِمَةٌ تَجِبُ بِمُخَالَفَتِهَا الْكَفَّارَةُ ، فَإِذَا وُجِدَتْ فِي جَمَاعَةٍ أَوْجَبَتْ كَفَّارَةً وَاحِدَةً ، كَالْيَمِينِ بِاَللَّهِ تَعَالَى .\rوَفَارَقَ مَا إذَا ظَاهَرَ بِكَلِمَاتٍ ؛ فَإِنَّ كُلَّ كَلِمَةٍ تَقْتَضِي كَفَّارَةً تَرْفَعُهَا ، وَتُكَفِّرُ إثْمَهَا .\rوَهَاهُنَا الْكَلِمَةُ وَاحِدَةٌ ، فَالْكَفَّارَةُ الْوَاحِدَةُ تَرْفَعُ حُكْمَهَا ، وَتَمْحُوا إثْمَهَا ، فَلَا يَبْقَى لَهَا حُكْمٌ .","part":17,"page":221},{"id":8221,"text":"( 6193 ) فَصْلٌ : وَمَفْهُومُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ ، أَنَّهُ إذَا ظَاهَرَ مِنْهُنَّ بِكَلِمَاتٍ ، فَقَالَ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ : أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي .\rفَإِنَّ لِكُلِّ يَمِينٍ كَفَّارَةً .\rوَهَذَا قَوْلُ عُرْوَةَ ، وَعَطَاءٍ .\rقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ حَامِدٍ : الْمَذْهَبُ رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ فِي هَذَا .\rقَالَ الْقَاضِي : الْمَذْهَبُ عِنْدِي مَا ذَكَرَ الشَّيْخُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : فِيهِ رِوَايَةٌ أُخْرَى ، أَنَّهُ يُجْزِئُهُ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ .\rوَاخْتَارَ ذَلِكَ ، وَقَالَ : هَذَا الَّذِي قُلْنَاهُ اتِّبَاعًا لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، وَالْحَسَنِ ، وَعَطَاءٍ ، وَإِبْرَاهِيمَ ، وَرَبِيعَةَ ، وَقَبِيصَةَ ، وَإِسْحَاقَ ؛ لِأَنَّ كَفَّارَةَ الظِّهَارِ حَقُّ لِلَّهِ تَعَالَى ، فَلَمْ تَتَكَرَّرْ بِتَكَرُّرِ سَبَبِهَا ، كَالْحَدِّ ، وَعَلَيْهِ يُخَرَّجُ الطَّلَاقُ .\rوَلَنَا أَنَّهَا أَيْمَانٌ مُتَكَرِّرَةٌ عَلَى أَعْيَانٍ مُتَفَرِّقَةٍ ، فَكَانَ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ كَفَّارَةٌ ، كَمَا لَوْ كَفَّرَ ثُمَّ ظَاهَرَ ، وَلِأَنَّهَا أَيْمَانٌ لَا يَحْنَثُ فِي إحْدَاهَا بِالْحِنْثِ فِي الْأُخْرَى ، فَلَا تُكَفِّرُهَا كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ ، كَالْأَصْلِ ، وَلِأَنَّ الظِّهَارَ مَعْنًى يُوجِبُ الْكَفَّارَةَ ، فَتَتَعَدَّدُ الْكَفَّارَةُ بِتَعَدُّدِهِ فِي الْمَحَالِّ الْمُخْتَلِفَةِ ، كَالْقَتْلِ ، وَيُفَارِقُ الْحَدَّ ، فَإِنَّهُ عُقُوبَةٌ تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ .\rفَأَمَّا إنْ ظَاهَرَ مِنْ زَوْجَتِهِ مِرَارًا وَلَمْ يُكَفِّرْ ، فَكَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ ؛ لِأَنَّ الْحِنْثَ وَاحِدٌ ، فَوَجَبَتْ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ ، كَمَا لَوْ كَانَتْ الْيَمِينُ وَاحِدَةً .","part":17,"page":222},{"id":8222,"text":"( 6194 ) فَصْلٌ : إذَا ظَاهَرَ مِنْ امْرَأَةٍ ، ثُمَّ قَالَ لِأُخْرَى : أَشْرَكْتُك مَعَهَا ، أَوْ أَنْتِ شَرِيكَتُهَا ، أَوْ كَهِيَ .\rوَنَوَى الْمُظَاهَرَةَ مِنْ الثَّانِيَةِ ، صَارَ مُظَاهِرًا مِنْهَا .\rبِغَيْرِ خِلَافٍ عَلِمْنَاهُ .\rوَبِهِ يَقُولُ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ .\rوَإِنْ أَطْلَقَ صَارَ مُظَاهِرًا أَيْضًا ، إذَا كَانَ عَقِيبَ مُظَاهَرَتِهِ مِنْ الْأُولَى ، ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ .\rوَبِهِ قَالَ مَالِكٌ قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَكُونَ مُظَاهِرًا .\rوَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِصَرِيحٍ فِي الظِّهَارِ ، وَلَا نَوَى بِهِ الظِّهَارَ فَلَمْ يَكُنْ ظِهَارًا ، كَمَا لَوْ قَالَ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُظَاهِرَ مِنْ الْأُولَى ، وَلِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنَّهَا شَرِيكَتُهَا فِي دِينِهَا ، أَوْ فِي الْخُصُومَةِ ، أَوْ فِي النِّكَاحِ ، أَوْ سُوءِ الْخُلُقِ ، فَلَمْ تُخَصَّصْ بِالظِّهَارِ إلَّا بِالنِّيَّةِ ، كَسَائِرِ الْكِنَايَاتِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الشَّرِكَةَ وَالتَّشْبِيهَ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ فِي شَيْءٍ ، فَوَجَبَ تَعْلِيقُهُ بِالْمَذْكُورِ مَعَهُ ، كَجَوَابِ السُّؤَالِ فِيمَا إذَا قِيلَ لَهُ : أَلَكَ امْرَأَةٌ ؟ فَقَالَ : قَدْ طَلَّقْتُهَا .\rوَكَالْعَطْفِ مَعَ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ ، وَالصِّفَةِ مَعَ الْمَوْصُوفِ وَقَوْلُهُمْ : إنَّهُ كِنَايَةٌ لَمْ يَنْوِ بِهَا الظِّهَارَ .\rقُلْنَا : قَدْ وُجِدَ دَلِيلُ النِّيَّةِ ، فَيُكْتَفَى بِهَا .\rوَقَوْلُهُمْ : إنَّهُ يَحْتَمِلُ .\rقُلْنَا : مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْقَرِينَةِ يُزِيلُ الِاحْتِمَالَ .\rوَإِنْ بَقِيَ احْتِمَالٌ مَا ، كَانَ مَرْجُوحًا ، فَلَا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ ، كَالِاحْتِمَالِ فِي اللَّفْظِ الصَّرِيحِ .","part":17,"page":223},{"id":8223,"text":"( 6195 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : ( وَالْكَفَّارَةُ عِتْقُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ سَالِمَةٍ مِنْ الْعُيُوبِ الْمُضِرَّةِ بِالْعَمَلِ ) فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثُ مَسَائِلَ ( 6196 ) الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : أَنَّ كَفَّارَةَ الْمُظَاهِرِ الْقَادِرِ عَلَى الْإِعْتَاقِ ، عِتْقُ رَقَبَةٍ ، لَا يُجْزِئُهُ غَيْرُ ذَلِكَ .\rبِغَيْرِ خِلَافٍ عَلِمْنَاهُ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rوَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { وَاَلَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا } إلَى قَوْلُهُ : { فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا } .\r{ وَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَوْسِ بْنِ الصَّامِتِ ، حِينَ ظَاهَرَ مِنْ امْرَأَتِهِ : يَعْتِقُ رَقَبَةً .\rقُلْتُ : لَا يَجِدُ .\rقَالَ : فَيَصُومُ } .\rوَقَوْلُهُ لِسَلَمَةَ بْنِ صَخْرٍ مِثْلَ ذَلِكَ .\rفَمَنْ وَجَدَ رَقَبَةً يَسْتَغْنِي عَنْهَا ، أَوْ وَجَدَ ثَمَنَهَا فَاضِلًا عَنْ حَاجَتِهِ ، وَوَجَدَهَا بِهِ ، لَمْ يُجْزِئْهُ إلَّا الْإِعْتَاقُ ؛ لِأَنَّ وُجُودَ الْمُبْدَلِ إذَا مُنِعَ الِانْتِقَالُ إلَى الْبَدَلِ ، كَانَتْ الْقُدْرَةُ عَلَى ثَمَنِهِ تَمْنَعُ الِانْتِقَالَ ، كَالْمَاءِ وَثَمَنِهِ ، يَمْنَعُ الِانْتِقَالَ إلَى التَّيَمُّمِ .\r( 6197 ) الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ إلَّا عِتْقُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ ، وَسَائِرِ الْكَفَّارَاتِ .\rهَذَا ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ .\rوَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ ، وَمَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَإِسْحَاقَ ، وَأَبِي عُبَيْدٍ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ ، رِوَايَةٌ ثَانِيَةٌ ، أَنَّهُ يُجْزِئُ فِيمَا عَدَا كَفَّارَةَ الْقَتْلِ مِنْ الظِّهَارِ وَغَيْرِهِ ، عِتْقُ رَقَبَةٍ ذِمِّيَّةٍ .\rوَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ ، وَالنَّخَعِيِّ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَطْلَقَ الرَّقَبَةَ فِي هَذِهِ الْكَفَّارَةِ ، فَوَجَبَ أَنْ يُجْزِئَ مَا تَنَاوَلَهُ الْإِطْلَاقُ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى { مُعَاوِيَةُ بْنُ الْحَكَمِ ، قَالَ : كَانَتْ لِي جَارِيَةٌ ، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ","part":17,"page":224},{"id":8224,"text":"صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ : عَلَيَّ رَقَبَةٌ أَفَأَعْتِقُهَا ؟ فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَيْنَ اللَّهُ ؟ قَالَتْ : فِي السَّمَاءِ .\rقَالَ : مَنْ أَنَا ؟ .\rقَالَتْ : أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ .\rفَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَعْتِقْهَا ؛ فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ } .\rأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، وَالنَّسَائِيُّ .\rفَعَلَّلَ جَوَازَ إعْتَاقِهَا عَنْ الرَّقَبَةِ الَّتِي عَلَيْهِ بِأَنَّهَا مُؤْمِنَةٌ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ عَنْ الرَّقَبَةِ الَّتِي عَلَيْهِ إلَّا مُؤْمِنَةٌ ، وَلِأَنَّهُ تَكْفِيرٌ بِعِتْقٍ ، فَلَمْ يَجُزْ إلَّا مُؤْمِنَةً ، كَكَفَّارَةِ الْقَتْلِ .\rوَالْمُطْلَقُ يُحْمَلُ عَلَى الْمُقَيَّدِ مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ إذَا وُجِدَ الْمَعْنَى فِيهِ ، وَلَا بُدَّ مِنْ تَقْيِيدِهِ ، فَإِنَّا أَجْمَعْنَا عَلَى أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ إلَّا رَقَبَةٌ سَلِيمَةٌ مِنْ الْعُيُوبِ الْمُضِرَّةِ بِالْعَمَلِ ضَرَرًا بَيِّنًا ، فَالتَّقْيِيدُ بِالسَّلَامَةِ مِنْ الْكُفْرِ أَوْلَى .","part":17,"page":225},{"id":8225,"text":"( 6198 ) الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ إلَّا رَقَبَةٌ سَالِمَةٌ مِنْ الْعُيُوبِ الْمُضِرَّةِ بِالْعَمَلِ ضَرَرًا بَيِّنًا ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ تَمْلِيكُ الْعَبْدِ مَنَافِعَهُ ، وَيُمْكِنُهُ مِنْ التَّصَرُّفِ لِنَفْسِهِ ، وَلَا يَحْصُلُ هَذَا مَعَ مَا يَضُرُّ بِالْعَمَلِ ضَرَرًا بَيِّنًا ، فَلَا يُجْزِئُ الْأَعْمَى ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ الْعَمَلُ فِي أَكْثَرِ الصَّنَائِعِ ، وَلَا الْمُقْعَدُ ، وَلَا الْمَقْطُوعُ الْيَدَيْنِ أَوْ الرِّجْلَيْنِ ؛ لِأَنَّ الْيَدَيْنِ آلَةُ الْبَطْشِ ، فَلَا يُمْكِنْهُ الْعَمَلُ مَعَ فَقْدِهِمَا ، وَالرِّجْلَانِ آلَةُ الْمَشْيِ ، فَلَا يَتَهَيَّأُ لَهُ كَثِيرٌ مِنْ الْعَمَلِ مَعَ تَلَفِهِمَا .\rوَالشَّلَلُ كَالْقَطْعِ فِي هَذَا .\rوَلَا يُجْزِئُ الْمَجْنُونَ جُنُونًا مُطْبِقًا ، لِأَنَّهُ وُجِدَ فِيهِ الْمَعْنَيَانِ ، ذَهَابُ مَنْفَعَةِ الْجِنْسِ ، وَحُصُولُ الضَّرَرِ بِالْعَمَلِ .\rوَبِهَذَا كُلِّهِ قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْي .\rوَحُكِيَ عَنْ دَاوُد ، أَنَّهُ جَوَّزَ عِتْقَ كُلِّ رَقَبَةٍ يَقَعُ عَلَيْهَا الِاسْمُ ، أَخْذًا بِإِطْلَاقِ اللَّفْظِ .\rوَلَنَا أَنَّ هَذَا نَوْعُ كَفَّارَةٍ ، فَلَمْ يُجْزِئْ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الِاسْمُ كَالْإِطْعَامِ ؛ فَإِنَّهُ لَا يُجْزِئُ أَنْ يُطْعِمَ مُسَوَّسًا وَلَا عَفِنًا ، وَإِنْ كَانَ يُسَمَّى طَعَامًا .\rوَالْآيَةُ مُقَيَّدَةٌ بِمَا ذَكَرْنَاهُ .\r( 6199 ) فَصْلٌ : وَلَا يُجْزِئُ مَقْطُوعُ الْيَدِ ، أَوْ الرِّجْلِ ، وَلَا أَشَلُّهَا ، وَلَا مَقْطُوعُ إبْهَامِ الْيَدِ ، أَوْ سَبَّابَتِهَا ، أَوْ الْوُسْطَى ؛ لِأَنَّ نَفْعَ الْيَدِ يَذْهَبُ بِذَهَابِ هَؤُلَاءِ ، وَلَا يُجْزِئُ مَقْطُوعُ الْخِنْصَرِ وَالْبِنْصِرِ مِنْ يَدٍ وَاحِدَةٍ ؛ لِأَنَّ نَفْعَ الْيَدَيْنِ يَزُولُ أَكْثَرُهُ بِذَلِكَ .\rوَإِنْ قُطِعَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْ يَدٍ جَازَ ؛ لِأَنَّ نَفْعَ الْكَفَّيْنِ بَاقٍ ، وَقَطْعُ أُنْمُلَةِ الْإِبْهَامِ كَقَطْعِ جَمِيعِهَا ؛ فَإِنَّ نَفْعَهَا يَذْهَبُ بِذَلِكَ ؛ لِكَوْنِهَا أُنْمُلَتَيْنِ ، وَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ الْإِبْهَامِ لَمْ يَمْنَعْ ؛ لِأَنَّ مَنْفَعَتَهَا لَا تَذْهَبُ ؛ فَإِنَّهَا تَصِيرُ كَالْأَصَابِعِ الْقِصَارِ ،","part":17,"page":226},{"id":8226,"text":"حَتَّى لَوْ كَانَتْ أَصَابِعُهُ كُلُّهَا غَيْرَ الْإِبْهَامِ قَدْ قُطِعَتْ مِنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا أُنْمُلَةٌ ، لَمْ يَمْنَعْ .\rوَإِنْ قُطِعَ مِنْ الْإِصْبَعِ أُنْمُلَتَانِ ، فَهُوَ كَقَطْعِهَا ؛ لِأَنَّهُ يَذْهَبُ بِمَنْفَعَتِهَا .\rوَهَذَا جَمِيعُهُ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يُجْزِئُ مَقْطُوعُ إحْدَى الْيَدَيْنِ أَوْ إحْدَى الرِّجْلَيْنِ ، وَلَوْ قُطِعَتْ يَدُهُ وَرِجْلُهُ جَمِيعًا مِنْ خِلَافٍ أَجْزَأَتْ ؛ لِأَنَّ مَنْفَعَةَ الْجِنْسِ بَاقِيَةٌ ، فَأَجْزَأَتْ فِي الْكَفَّارَةِ ، كَالْأَعْوَرِ ، فَأَمَّا إنْ قُطِعَتَا مِنْ وِفَاقٍ ، أَيْ مِنْ جَانِبٍ وَاحِدٍ ، لَمْ يُجْزِئْ ؛ لِأَنَّ مَنْفَعَةَ الشَّيْءِ تَذْهَبُ .\rوَلَنَا أَنَّ هَذَا يُؤَثِّرُ فِي الْعَمَلِ ، وَيَضُرُّ ضَرَرًا بَيِّنًا ، فَوَجَبَ أَنْ يَمْنَعَ إجْزَاءَهَا ، كَمَا لَوْ قُطِعَتَا مِنْ وِفَاقٍ وَيُخَالِفُ الْعَوَرَ ؛ فَإِنَّهُ لَا يَضُرُّ ضَرَرًا بَيِّنًا .\rوَالِاعْتِبَارُ بِالضَّرَرِ أَوْلَى مِنْ الِاعْتِبَارِ بِمَنْفَعَةِ الْجِنْسِ ؛ فَإِنَّهُ لَوْ ذَهَبَ شَمُّهُ ، أَوْ قُطِعَتْ أُذُنَاهُ مَعًا ، أَجْزَأَ مَعَ ذَهَابِ مَنْفَعَةِ الْجِنْسِ ، وَلَا يُجْزِئُ الْأَعْرَجُ إذَا كَانَ عَرَجًا كَثِيرًا فَاحِشًا ؛ لِأَنَّهُ يَضُرُّ بِالْعَمَلِ ، فَهُوَ كَقَطْعِ الرِّجْلِ .\rوَإِنْ كَانَ عَرَجًا يَسِيرًا ، لَمْ يَمْنَعْ الْإِجْزَاءَ ؛ لِأَنَّهُ قَلِيلُ الضَّرَرِ .\r( 6200 ) فَصْلٌ : وَيُجْزِئُ الْأَعْوَرُ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا .\rوَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : فِيهِ قَوْلٌ آخَرُ ، لَا يُجْزِئُ ؛ لِأَنَّهُ نَقْصٌ يَمْنَعُ التَّضْحِيَةَ وَالْإِجْزَاءَ فِي الْهَدْيِ ، فَأَشْبَهَ الْعَمَى .\rوَالصَّحِيحُ مَا ذَكَرْنَاهُ ؛ فَإِنَّ الْمَقْصُودَ تَكْمِيلُ الْأَحْكَامِ ، وَتَمْلِيكُ الْعَبْدِ الْمَنَافِعَ ، وَالْعَوَرُ لَا يَمْنَعُ ذَلِكَ ، وَلِأَنَّهُ لَا يَضُرُّ بِالْعَمَلِ ، فَأَشْبَهَ قَطْعَ إحْدَى الْأُذُنَيْنِ .\rوَيُفَارِقُ الْعَمَى ؛ فَإِنَّهُ يَضُرُّ بِالْعَمَلِ ضَرَرًا بَيِّنًا ، وَيَمْنَعُ كَثِيرًا مِنْ الصَّنَائِعِ ، وَيَذْهَبُ بِمَنْفَعَةِ الْجِنْسِ .\rوَيُفَارِقُ قَطْعَ إحْدَى الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ ؛ فَإِنَّهُ لَا يَعْمَلُ بِإِحْدَاهُمَا مَا يَعْمَلُ بِهِمَا ، وَالْأَعْوَرُ","part":17,"page":227},{"id":8227,"text":"يُدْرِكُ بِإِحْدَى الْعَيْنَيْنِ مَا يُدْرِكُ بِهِمَا .\rوَأَمَّا الْأُضْحِيَّةُ وَالْهَدْيُ ، فَإِنَّهُ لَا يَمْنَعُ مِنْهُمَا مُجَرَّدُ الْعَوَرِ ، وَإِنَّمَا يَمْنَعُ انْخِسَافُ الْعَيْنِ ، وَذَهَابُ الْعُضْوِ الْمُسْتَطَابِ ، وَلِأَنَّ الْأُضْحِيَّةَ يُمْنَعُ فِيهَا قَطْعُ الْأُذُنِ وَالْقَرْنِ ، وَالْعِتْقُ لَا يُمْنَعُ فِيهِ إلَّا مَا يَضُرُّ بِالْعَمَلِ .\rوَيُجْزِئُ الْمَقْطُوعُ الْأُذُنَيْنِ .\rوَبِذَلِكَ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ مَالِكٌ ، وَزُفَرُ : لَا يُجْزِئُ .\rلِأَنَّهُمَا عُضْوَانِ فِيهِمَا الدِّيَةُ ، أَشْبَهَا الْيَدَيْنِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ قَطْعَهُمَا لَا يَضُرُّ بِالْعَمَلِ الضَّرَرَ الْبَيِّنَ ، فَلَمْ يَمْنَعْ ، كَنَقْصِ السَّمْعِ ، بِخِلَافِ قَطْعِ الْيَدَيْنِ .\rوَيُجْزِئُ مَقْطُوعُ الْأَنْفِ كَذَلِكَ .\rوَيُجْزِئُ الْأَصَمُّ إذَا فَهِمَ بِالْإِشَارَةِ .\rوَيُجْزِئُ الْأَخْرَسُ إذَا فُهِمَتْ إشَارَتُهُ وَفَهِمَ بِالْإِشَارَةِ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي ثَوْرٍ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ : لَا يُجْزِئُ ؛ لِأَنَّ مَنْفَعَةَ الْجِنْسِ ذَاهِبَةٌ ، فَأَشْبَهَ زَائِلَ الْعَقْلِ .\rوَهَذَا الْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ عَنْ أَحْمَدَ ؛ لِأَنَّ الْخَرَسَ نَقْصٌ كَثِيرٌ ، يَمْنَعُ كَثِيرًا مِنْ الْأَحْكَامِ ، مِثْلُ الْقَضَاءِ ، وَالشَّهَادَةِ ، وَأَكْثَرُ النَّاسِ لَا يَفْهَمُ إشَارَتَهُ ، فَيَتَضَرَّرُ فِي تَرْكِ اسْتِعْمَالِهِ .\rوَإِنْ اجْتَمَعَ الْخَرَسُ وَالصَّمَمُ ، فَقَالَ الْقَاضِي : لَا يُجْزِئُ .\rوَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ ؛ لِاجْتِمَاعِ النَّقْصَيْنِ فِيهِ ، وَذَهَابِ مَنْفَعَتَيْ الْجِنْسِ .\rوَوَجْهُ الْإِجْزَاءِ ، أَنَّ الْإِشَارَةَ تَقُومُ مَقَامَ الْكَلَامِ فِي الْإِفْهَامِ ، وَيَثْبُتُ فِي حَقِّهِ أَكْثَرُ الْأَحْكَامِ فَيُجْزِئُ فِي الْعِتْقِ ، كَاَلَّذِي ذَهَبَ شَمُّهُ .\rفَأَمَّا الَّذِي ذَهَبَ شَمُّهُ فَيُجْزِئُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَضُرُّ بِالْعَمَلِ وَلَا بِغَيْرِهِ فَأَمَّا الْمَرِيضُ ، فَإِنْ كَانَ مَرْجُوَّ الْبُرْءِ كَالْحُمَّى وَمَا أَشْبَهَهَا ، أَجْزَأَ فِي الْكَفَّارَةِ .\rوَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَرْجُوِّ الزَّوَالِ ، كَالسِّلِّ ، وَنَحْوِهِ ، لَمْ يُجْزِئْ ؛ لِأَنَّ زَوَالَهُ يَنْدُرُ ، وَلَا","part":17,"page":228},{"id":8228,"text":"يَتَمَكَّنُ مِنْ الْعَمَلِ مَعَ بَقَائِهِ .\rوَأَمَّا نِضْوُ الْخَلْقِ ، فَإِنْ كَانَ يَتَمَكَّنُ مَعَهُ مِنْ الْعَمَلِ أَجْزَأَ ، وَإِلَّا فَلَا .\rوَيُجْزِئُ الْأَحْمَقُ ، وَهُوَ الَّذِي يُخْطِئُ عَلَى بَصِيرَةٍ ، وَيَصْنَعُ الْأَشْيَاءَ لِغَيْرِ فَائِدَةٍ ، وَيَرَى الْخَطَأَ صَوَابًا ، وَمَنْ يُخْنَقُ فِي الْأَحْيَانِ ، وَالْخَصِيُّ ، وَالْمَجْبُوبُ ، وَالرَّتْقَاءُ ، وَالْكَبِيرُ الَّذِي يَقْدِرُ عَلَى الْعَمَلِ ؛ لِأَنَّ مَا لَا يَضُرُّ بِالْعَمَلِ ، لَا يَمْنَعُ تَمْلِيكَ الْعَبْدِ مَنَافِعَهُ ، وَتَكْمِيلَ أَحْكَامِهِ ، فَيَحْصُلُ الْإِجْزَاءُ بِهِ كَالسَّالِمِ مِنْ الْعُيُوبِ .","part":17,"page":229},{"id":8229,"text":"( 6201 ) فَصْلٌ : وَيُجْزِئُ عِتْقُ الْجَانِي وَالْمَرْهُونِ ، وَعِتْقُ الْمُفْلِسِ عَبْدَهُ ، إذَا قُلْنَا بِصِحَّةِ عِتْقِهِمْ ، وَعِتْقُ الْمُدَبَّرِ ، وَالْخَصِيِّ ، وَوَلَدِ الزِّنَا ؛ لِكَمَالِ الْعِتْقِ فِيهِمْ .","part":17,"page":230},{"id":8230,"text":"( 6202 ) فَصْلٌ : وَلَا يُجْزِئُ عِتْقُ الْمَغْصُوبِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى تَمْكِينِهِ مِنْ مَنَافِعِهِ ، وَلَا غَائِبٍ غَيْبَةً مُنْقَطِعَةً لَا يُعْلَمُ خَبَرُهُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ حَيَاتُهُ ، فَلَا يُعْلَمُ صِحَّةُ عِتْقِهِ .\rوَإِنْ لَمْ يَنْقَطِعْ خَبَرُهُ ، أَجْزَأَ عِتْقُهُ ؛ لِأَنَّهُ عِتْقٌ صَحِيحٌ .\rوَلَا يُجْزِئُ عِتْقُ الْحَمْلِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ تَثْبُتْ لَهُ أَحْكَامُ الدُّنْيَا ، وَلِذَلِكَ لَمْ تَجِبْ فِطْرَتُهُ ، وَلَا يُتَيَقَّنُ أَيْضًا وُجُودُهُ ، وَحَيَاتُهُ ، وَلَا عِتْقُ أُمِّ الْوَلَدِ ؛ لِأَنَّ عِتْقَهَا مُسْتَحَقٌّ بِسَبَبٍ غَيْرِ الْكَفَّارَةِ ، وَالْمِلْكُ فِيهَا غَيْرُ كَامِلٍ ، وَلِهَذَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهَا .\rوَقَالَ طَاوُسٌ ، وَالْبَتِّيُّ : يُجْزِئُ عِتْقُهَا ؛ لِأَنَّهُ عِتْقٌ صَحِيحٌ .\rوَلَا يُجْزِئُ عِتْقُ مُكَاتَبٍ أَدَّى مِنْ كِتَابَتِهِ شَيْئًا .\rوَسَنَذْكُرُ هَذَا فِي الْكَفَّارَاتِ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .","part":17,"page":231},{"id":8231,"text":"( 6203 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : { فَمَنْ لَمْ يَجِدْ ، فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ } أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْمُظَاهِرَ إذَا لَمْ يَجِدْ رَقَبَةً ، أَنَّ فَرْضَهُ صِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ ؛ وَذَلِكَ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا } .\rوَحَدِيثُ أَوْسِ بْنِ الصَّامِتِ ، وَسَلَمَةَ بْنِ صَخْرٍ .\rوَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ مَنْ وَجَدَ رَقَبَةً فَاضِلَةً عَنْ حَاجَتِهِ ، فَلَيْسَ لَهُ الِانْتِقَالُ إلَى الصِّيَامِ ، وَإِنْ كَانَتْ لَهُ رَقَبَةٌ يَحْتَاجُ إلَى خِدْمَتِهَا لِزَمَنٍ ، أَوْ كِبَرٍ ، أَوْ مَرَضٍ ، أَوْ عِظَمِ خَلْقٍ ، وَنَحْوِهِ مِمَّا يُعْجِزُهُ عَنْ خِدْمَةِ نَفْسِهِ ، أَوْ يَكُونُ مِمَّنْ لَا يَخْدُمُ نَفْسَهُ فِي الْعَادَةِ ، وَلَا يَجِدُ رَقَبَةً فَاضِلَةً عَنْ خِدْمَتِهِ ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ الْإِعْتَاقُ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٌ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ : مَتَى وَجَدَ رَقَبَةً ، لَزِمَهُ إعْتَاقُهَا ، وَلَمْ يَجُزْ لَهُ الِانْتِقَالُ إلَى الصِّيَامِ ، سَوَاءٌ كَانَ مُحْتَاجًا إلَيْهَا ، أَوْ لَمْ يَكُنْ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى شَرَطَ فِي الِانْتِقَالِ إلَى الصِّيَامِ أَنْ لَا يَجِدَ رَقَبَةً ، بِقَوْلِهِ : { فَمَنْ لَمْ يَجِدْ } .\rوَهَذَا وَاجِدٌ .\rوَإِنْ وَجَدَ ثَمَنَهَا ، وَهُوَ مُحْتَاجٌ إلَيْهِ ، لَمْ يَلْزَمْهُ شِرَاؤُهَا .\rوَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : يَلْزَمُهُ ؛ لِأَنَّ وِجْدَانَ ثَمَنِهَا كَوِجْدَانِهَا .\rوَلَنَا أَنَّ مَا اسْتَغْرَقَتْهُ حَاجَةُ الْإِنْسَانِ ، فَهُوَ كَالْمَعْدُومِ ، فِي جَوَازِ الِانْتِقَالِ إلَى الْبَدَلِ ، كَمَنْ وَجَدَ مَاءً يَحْتَاجُ إلَيْهِ لِلْعَطَشِ ، يَجُوزُ لَهُ الِانْتِقَالُ إلَى التَّيَمُّمِ .\rوَإِنْ كَانَ لَهُ خَادِمٌ ، وَهُوَ مِمَّنْ يَخْدِمُ نَفْسَهُ عَادَةً ، لَزِمَهُ إعْتَاقُهَا ؛ لِأَنَّهُ فَاضِلٌ عَنْ حَاجَتِهِ .\rبِخِلَافِ مَنْ لَمْ تَجْرِ عَادَتُهُ بِخِدْمَةِ نَفْسِهِ ، فَإِنَّ عَلَيْهِ مَشَقَّةً فِي إعْتَاقِ خَادِمِهِ ، وَتَضْيِيعًا لِكَثِيرٍ مِنْ حَوَائِجِهِ .\rوَإِنْ كَانَ لَهُ خَادِمٌ يَخْدِمُ امْرَأَتَهُ ، وَهِيَ مِمَّنْ عَلَيْهِ","part":17,"page":232},{"id":8232,"text":"إخْدَامُهَا ، أَوْ كَانَ لَهُ رَقِيقٌ يَتَقَوَّتُ بِخَرَاجِهِمْ ، أَوْ دَارٌ يَسْكُنُهَا ، أَوْ عَقَارٌ يَحْتَاجُ إلَى غَلَّتِهِ لِمُؤْنَتِهِ ، أَوْ عَرْضٍ لِلتِّجَارَةِ لَا يَسْتَغْنِي عَنْ رِبْحِهِ فِي مُؤْنَتِهِ ، لَمْ يَلْزَمْهُ الْعِتْقُ .\rوَإِنْ اسْتَغْنَى عَنْ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ مِمَّا يُمْكِنُهُ أَنْ يَشْتَرِيَ بِهِ رَقَبَةً ، لَزِمَهُ ؛ لِأَنَّهُ وَاجِدُ لِلرَّقَبَةِ .\rوَإِنْ كَانَتْ لَهُ رَقَبَةٌ تَخْدِمُهُ ، يُمْكِنُهُ بَيْعُهَا وَشِرَاءُ رَقَبَتَيْنِ بِثَمَنِهَا ، يَسْتَغْنِي بِخِدْمَةِ إحْدَاهُمَا ، وَيَعْتِقُ الْأُخْرَى ، لَزِمَهُ ؛ لِأَنَّهُ لَا ضَرَرَ فِي ذَلِكَ .\rوَهَكَذَا لَوْ كَانَتْ لَهُ ثِيَابٌ فَاخِرَةٌ ، تَزِيدُ عَلَى مَلَابِسِ مِثْلِهِ ، يُمْكِنُهُ بَيْعُهَا ، وَشِرَاءُ مَا يَكْفِيهِ فِي لِبَاسِهِ وَرَقَبَةٍ ، لَزِمَهُ ذَلِكَ .\rوَإِنْ كَانَتْ لَهُ دَارٌ ، يُمْكِنُهُ بَيْعُهَا ، وَشِرَاءُ مَا يَكْفِيهِ لِسُكْنَى مِثْلِهِ وَرَقَبَةٍ ، أَوْ ضَيْعَةٍ يَفْضُلُ مِنْهَا عَنْ كِفَايَتِهِ مَا يُمْكِنُهُ شِرَاءُ رَقَبَةٍ ، لَزِمَهُ .\rوَيُرَاعَى فِي ذَلِكَ الْكِفَايَةُ الَّتِي يَحْرُمُ مَعَهَا أَخْذُ الزَّكَاةِ ، فَإِذَا فَضَلَ عَنْ ذَلِكَ شَيْءٌ ، وَجَبَتْ فِيهِ الْكَفَّارَةُ .\rوَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فِي هَذَا الْفَصْلِ جَمِيعِهِ عَلَى نَحْوٍ مِمَّا قُلْنَا .\rوَإِنْ كَانَتْ لَهُ سُرِّيَّةٌ ، لَمْ يَلْزَمْهُ إعْتَاقُهَا ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَيْهَا .\rوَإِنْ أَمْكَنَهُ بَيْعُهَا ، وَشِرَاءُ سُرِّيَّةٍ أُخْرَى ، وَرَقَبَةٍ يَعْتِقُهَا ، لَمْ يَلْزَمْهُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الْفَرْضَ قَدْ يَتَعَلَّقُ بِعَيْنِهَا ، فَلَا يَقُومُ غَيْرُهَا مَقَامَهَا ، سِيَّمَا إذَا كَانَ بِدُونِ ثَمَنِهَا .","part":17,"page":233},{"id":8233,"text":"فَصْلٌ : فَإِنْ كَانَ مُوسِرًا حِين وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ ، إلَّا أَنَّ مَالَهُ غَائِبٌ ، فَإِنْ كَانَ مَرْجُوَّ الْحُضُورِ قَرِيبًا ، لَمْ يَجُزْ الِانْتِقَالُ إلَى الصِّيَامِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الِانْتِظَارِ لِشِرَاءِ الرَّقَبَةِ ، وَإِنْ كَانَ بَعِيدًا ، لَمْ يَجُزْ الِانْتِقَالُ إلَى الصِّيَامِ فِي غَيْرِ كَفَّارَةِ الظِّهَارِ ؛ لِأَنَّهُ لَا ضَرَرَ فِي الِانْتِظَارِ وَهَلْ يَجُوزُ ذَلِكَ فِي كَفَّارَة الظِّهَارِ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا ، لَا يَجُوزُ ؛ لِوُجُودِ الْأَصْلِ فِي مَالِهِ ، فَأَشْبَهَ سَائِرَ الْكَفَّارَاتِ .\rوَالثَّانِي ، يَجُوزُ ؛ لِأَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِ الْمَسِيسُ ، فَجَازَ لَهُ الِانْتِقَالُ لِمَوْضِعِ الْحَاجَةِ .\rفَإِنْ قِيلَ : فَلَوْ عَدِمَ الْمَاءَ وَثَمَنَهُ ، جَازَ لَهُ الِانْتِقَالُ إلَى التَّيَمُّمِ وَإِنْ كَانَ قَادِرًا عَلَيْهِمَا فِي بَلَدِهِ .\rقُلْنَا : الطَّهَارَةُ تَجِبُ لِأَجْلِ الصَّلَاةِ ، وَلَيْسَ لَهُ تَأْخِيرُهَا عَنْ وَقْتِهَا ، فَدَعَتْ الْحَاجَةُ إلَى الِانْتِقَالِ ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا ، وَلِأَنَّنَا لَوْ مَنَعْنَاهُ مِنْ التَّيَمُّمِ لِوُجُودِ الْقُدْرَةِ فِي بَلَدِهِ ، بَطَلَتْ رُخْصَةُ التَّيَمُّمِ ، فَإِنَّ كُلَّ أَحَدٍ يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ .","part":17,"page":234},{"id":8234,"text":"( 6205 ) فَصْلٌ : إنْ وَجَدَ ثَمَنَ الرَّقَبَةِ ، وَلَمْ يَجِدْ رَقَبَةً يَشْتَرِيهَا ، فَلَهُ الِانْتِقَالُ إلَى الصِّيَامِ ، كَمَا لَوْ وَجَدَ ثَمَنَ الْمَاءِ وَلَمْ يَجِدْ مَا يَشْتَرِيهِ .\rوَإِنْ وَجَدَ رَقَبَةً تُبَاعُ بِزِيَادَةٍ عَلَى ثَمَنِ الْمِثْلِ تُجْحِفُ بِمَالِهِ ، لَمْ يَلْزَمْهُ شِرَاؤُهَا ؛ لِأَنَّ فِيهِ ضَرَرًا ، وَإِنْ كَانَتْ لَا تُجْحِفُ بِمَالِهِ ، احْتَمَلَ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا ، يَلْزَمُهُ ؛ لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى الرَّقَبَةِ بِثَمَنٍ يَقْدِرُ عَلَيْهِ ، لَا يُجْحِفُ بِهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ بِيعَتْ بِثَمَنِ مِثْلِهَا .\rوَالثَّانِي ، لَا يَلْزَمُهُ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَجِدْ رَقَبَةً بِثَمَنِ مِثْلِهَا ، أَشْبَهَ الْعَادِمَ .\rوَأَصْلُ الْوَجْهَيْنِ ، الْعَادِمُ لِلْمَاءِ إذَا وَجَدَهُ بِزِيَادَةٍ عَلَى ثَمَنِ مِثْلِهِ ، فَإِنْ وَجَدَ رَقَبَتَهُ بِثَمَنِ مِثْلِهَا ، إلَّا أَنَّهَا رَقَبَةٌ رَفِيعَةٌ ، يُمْكِنُ أَنْ يَشْتَرِيَ بِثَمَنِهَا رِقَابًا مِنْ غَيْرِ جِنْسِهَا ، لَزِمَهُ شِرَاؤُهَا ؛ لِأَنَّهَا بِثَمَنِ مِثْلِهَا ، وَلَا يُعَدُّ شِرَاؤُهَا بِذَلِكَ الثَّمَنِ ضَرَرًا ، وَإِنَّمَا الضَّرَرُ فِي إعْتَاقِهَا ، وَذَلِكَ لَا يَمْنَعُ الْوُجُوبَ ، كَمَا لَوْ كَانَ مَالِكًا لَهَا .","part":17,"page":235},{"id":8235,"text":"( 6206 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : ( فَإِنْ أَفْطَرَ فِيهَا مِنْ عُذْرٍ بَنَى ، وَإِنْ أَفْطَرَ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ ابْتَدَأَ ) أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى وُجُوبِ التَّتَابُعِ فِي الصِّيَامِ فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ ، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ مَنْ صَامَ بَعْضَ الشَّهْرِ ، ثُمَّ قَطَعَهُ لِغَيْرِ عُذْرٍ ، وَأَفْطَرَ ، أَنَّ عَلَيْهِ اسْتِئْنَافَ الشَّهْرَيْنِ ؛ وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ لِوُرُودِ لَفْظِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ بِهِ ، وَمَعْنَى التَّتَابُعِ الْمُوَالَاةُ بَيْنَ صِيَامِ أَيَّامِهَا ، فَلَا يُفْطِرُ فِيهِمَا ، وَلَا يَصُومُ عَنْ غَيْرِ الْكَفَّارَةِ .\rوَلَا يَفْتَقِرُ التَّتَابُعُ إلَى نِيَّةٍ ، وَيَكْفِي فِعْلُهُ ؛ لِأَنَّهُ شَرْطٌ ، وَشَرَائِطُ الْعِبَادَاتِ لَا تَحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ ، وَإِنَّمَا تَجِبُ النِّيَّةُ لِأَفْعَالِهَا .\rوَهَذَا أَحَدُ الْوُجُوهِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ، وَالْوَجْهُ الْآخَرُ ، أَنَّهَا وَاجِبَةٌ لِكُلِّ لَيْلَةٍ ؛ لِأَنَّ ضَمَّ الْعِبَادَةِ إلَى الْعِبَادَةِ إذَا كَانَ شَرْطًا ، وَجَبَتْ النِّيَّةُ فِيهِ ، كَالْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ .\rوَالثَّالِثُ ، يَكْفِي نِيَّةُ التَّتَابُعِ فِي اللَّيْلَةِ الْأُولَى .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ تَتَابُعٌ وَاجِبُ فِي الْعِبَادَةِ ، فَلَمْ يَفْتَقِرْ إلَى نِيَّةٍ ، كَالْمُتَابَعَةِ بَيْنَ الرَّكَعَاتِ .\rوَيُفَارِقُ الْجَمْعَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ ، فَإِنَّ ذَلِكَ رُخْصَةٌ ، فَافْتَقَرَ إلَى نِيَّةِ التَّرَخُّصِ .\rوَمَا ذَكَرُوهُ يَنْتَقِضُ بِالْمُتَابَعَةِ بَيْنَ الرَّكَعَاتِ .\rوَأَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الصَّائِمَةَ مُتَتَابِعًا ، إذَا حَاضَتْ قَبْلَ إتْمَامِهِ ، تَقْضِي إذَا طَهُرَتْ ، وَتَبْنِي .\rوَذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الْحَيْضَ لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ فِي الشَّهْرَيْنِ إلَّا بِتَأْخِيرِهِ إلَى الْإِيَاسِ ، وَفِيهِ تَغْرِيرٌ بِالصَّوْمِ ؛ لِأَنَّهَا رُبَّمَا مَاتَتْ قَبْلَهُ .\rوَالنِّفَاسُ كَالْحَيْضِ ، فِي أَنَّهُ لَا يَقْطَعُ التَّتَابُعَ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَتِهِ فِي أَحْكَامِهِ ، وَلِأَنَّ الْفِطْرَ لَا يَحْصُلُ فِيهِمَا بِفِعْلِهِمَا ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ الزَّمَانُ كَزَمَانِ اللَّيْلِ فِي حَقِّهِمَا .\rوَالْوَجْهُ الثَّانِي ، أَنَّ","part":17,"page":236},{"id":8236,"text":"النِّفَاسَ يَقْطَعُ التَّتَابُعَ ؛ لِأَنَّهُ فِطْرُ أَمْكَنَ التَّحَرُّزُ مِنْهُ ، لَا يَتَكَرَّرُ كُلَّ عَامٍ .\rفَقَطَعَ التَّتَابُعَ ، كَالْفِطْرِ لِغَيْرِ عُذْرٍ .\rوَلَا يَصِحُّ قِيَاسُهُ عَلَى الْحَيْضِ ؛ لِأَنَّهُ أَنْدَرُ مِنْهُ ، وَيُمْكِنُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ .\rوَإِنْ أَفْطَرَ لِمَرَضٍ مَخُوفٍ ، لَمْ يَنْقَطِعْ التَّتَابُعُ أَيْضًا .\rرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ .\rوَبِهِ قَالَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ ، وَالْحَسَنُ ، وَعَطَاءٌ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَطَاوُسٌ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَمَالِكٌ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ ، وَالشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ .\rوَقَالَ فِي الْجَدِيدِ : يَنْقَطِعُ التَّتَابُعُ .\rوَهَذَا قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَالنَّخَعِيِّ ، وَالْحَكَمِ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ ؛ لِأَنَّهُ أَفْطَرَ بِفِعْلِهِ ، فَلَزِمَهُ الِاسْتِئْنَافُ ، كَمَا لَوْ أَفْطَرَ لِسَفَرٍ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ أَفْطَرَ لِسَبَبٍ لَا صُنْعَ لَهُ فِيهِ ، فَلَمْ يَقْطَعْ التَّتَابُعَ ، كَإِفْطَارِ الْمَرْأَةِ لِلْحَيْضِ .\rوَمَا ذَكَرُوهُ مِنْ الْأَصْلِ مَمْنُوعٌ .\rوَإِنْ كَانَ الْمَرَضُ غَيْرَ مَخُوفٍ ، لَكِنَّهُ يُبِيحُ الْفِطْرَ ، فَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : فِيهِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا ، لَا يَقْطَعُ التَّتَابُعَ ؛ لِأَنَّهُ مَرَضٌ أَبَاحَ الْفِطْرَ ، أَشْبَهَ الْمَخُوفَ .\rوَالثَّانِي ، يَقْطَعُ التَّتَابُعَ ؛ لِأَنَّهُ أَفْطَرَ اخْتِيَارًا ، فَانْقَطَعَ التَّتَابُعُ ، كَمَا لَوْ أَفْطَرَ لِغَيْرِ عُذْرٍ .\rفَأَمَّا الْحَامِلُ وَالْمُرْضِعُ ، فَإِنْ أَفْطَرَتَا خَوْفًا عَلَى أَنْفُسِهِمَا ، فَهُمَا كَالْمَرِيضِ ، وَإِنْ أَفْطَرَتَا خَوْفًا عَلَى وَلَدَيْهِمَا .\rفَفِيهِمَا وَجْهَانِ أَحَدهمَا ، لَا يَنْقَطِعُ التَّتَابُعُ .\rاخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ ؛ لِأَنَّهُ فِطْرٌ أُبِيحَ لَهُمَا بِسَبَبٍ لَا يَتَعَلَّقُ بِاخْتِيَارِهِمَا ، فَلَمْ يَنْقَطِعْ التَّتَابُعُ ، كَمَا لَوْ أَفْطَرَتَا خَوْفًا عَلَى أَنْفُسِهِمَا .\rوَالثَّانِي ، يَنْقَطِعُ ؛ لِأَنَّ الْخَوْفَ عَلَى غَيْرِهِمَا ، وَلِذَلِكَ يَلْزَمُهُمَا الْفِدْيَةُ مَعَ الْقَضَاءِ .\rوَإِنْ أَفْطَرَ لِجُنُونٍ ، أَوْ إغْمَاءٍ ، لَمْ يَنْقَطِعْ التَّتَابُعُ ؛ لِأَنَّهُ","part":17,"page":237},{"id":8237,"text":"عُذْرٌ لَا صُنْعَ لَهُ فِيهِ ، فَهُوَ كَالْحَيْضِ .","part":17,"page":238},{"id":8238,"text":"( 6207 ) فَصْلٌ : وَإِنْ أَفْطَرَ لِسَفَرٍ مُبِيحٍ لِلْفِطْرِ ، فَكَلَامُ أَحْمَدَ يَحْتَمِلُ الْأَمْرَيْنِ ؛ وَأَظْهَرُهُمَا ، أَنَّهُ لَا يَقْطَعُ التَّتَابُعَ ؛ فَإِنَّهُ قَالَ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ : كَانَ السَّفَرُ غَيْرَ الْمَرَضِ ، وَمَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ أَوْكَدَ مِنْ رَمَضَانَ .\rفَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ لَا يَقْطَعُ التَّتَابُعَ .\rوَهَذَا قَوْلُ الْحَسَنِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يَنْقَطِعَ بِهِ التَّتَابُعُ .\rوَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ .\rوَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : فِيهِ قَوْلَانِ كَالْمَرَضِ .\rوَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ : يَنْقَطِعُ التَّتَابُعُ ، وَجْهًا وَاحِدًا ؛ لِأَنَّ السَّفَرَ يَحْصُلُ بِاخْتِيَارِهِ ، فَقَطَعَ التَّتَابُعَ ، كَمَا لَوْ أَفْطَرَ لِغَيْرِ عُذْرٍ .\rوَوَجْهُ الْأَوَّلِ ، أَنَّهُ فِطْرٌ لَعُذْرٍ مُبِيحٍ لِلْفِطْرِ ، فَلَمْ يَنْقَطِعْ بِهِ التَّتَابُعُ ، كَإِفْطَارِ الْمَرْأَةِ بِالْحَيْضِ ، وَفَارَقَ الْفِطْرَ لِغَيْرِ عُذْرٍ ، فَإِنَّهُ لَا يُبَاحُ .\rوَإِنْ أَكَلَ يَظُنُّ أَنَّ الْفَجْرَ لَمْ يَطْلُعْ ، وَقَدْ كَانَ طَلَعَ ، أَوْ أَفْطَرَ يَظُنُّ أَنَّ الشَّمْسَ قَدْ غَابَتْ ، وَلَمْ تَغِبْ ، أَفْطَرَ .\rوَيَتَخَرَّجُ فِي انْقِطَاعِ التَّتَابُعِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا ، لَا يَنْقَطِعْ ؛ لِأَنَّهُ فِطْرٌ لَعُذْرٍ .\rوَالثَّانِي - يَقْطَع التَّتَابُعَ ؛ لِأَنَّهُ بِفِعْلٍ أَخْطَأَ فِيهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ ظَنَّ أَنَّهُ قَدْ أَتَمَّ الشَّهْرَيْنِ فَبَانَ خِلَافُهُ .\rوَإِنْ أَفْطَرَ نَاسِيًا لِوُجُوبِ التَّتَابُعِ ، أَوْ جَاهِلًا بِهِ أَوْ ظَنًّا مِنْهُ أَنَّهُ قَدْ أَتَمَّ الشَّهْرَيْنِ ، انْقَطَعَ التَّتَابُعُ ؛ لِأَنَّهُ أَفْطَرَ لِجَهْلِهِ ، فَقَطَعَ التَّتَابُعَ ، كَمَا لَوْ ظَنَّ أَنَّ الْوَاجِبَ شَهْرٌ وَاحِدٌ .\rوَإِنْ أُكْرِهَ عَلَى الْأَكْلِ أَوْ الشُّرْبِ ، بِأَنْ أَوْجَرَ الطَّعَامَ أَوْ الشَّرَابَ ، لَمْ يُفْطِرْ .\rوَإِنْ أَكَلَ خَوْفًا ، فَقَالَ الْقَاضِي : لَا يُفْطِرُ .\rوَلَمْ يَذْكُرْ غَيْرَ ذَلِكَ .\rوَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ ، أَنَّهُ يُفْطِرُ .\rفَعَلَى ذَلِكَ هَلْ يَقْطَعُ التَّتَابُعَ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا ، لَا يَقْطَعُهُ ؛ لِأَنَّهُ عُذْرٌ مُبِيحٌ لِلْفِطْرِ ،","part":17,"page":239},{"id":8239,"text":"فَأَشْبَهَ الْمَرَضَ .\rوَالثَّانِي : يَنْقَطِعُ التَّتَابُعُ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ أَفْطَرَ بِفِعْلِهِ لَعُذْرٍ نَادِرٍ .","part":17,"page":240},{"id":8240,"text":"( 6208 ) فَصْلٌ : وَإِنْ أَفْطَرَ فِي أَثْنَاءِ الشَّهْرَيْنِ لِغَيْرِ عُذْرٍ ، أَوْ قَطَعَ التَّتَابُعَ بِصَوْمِ نَذْرٍ ، أَوْ قَضَاءٍ ، أَوْ تَطَوُّعٍ ، أَوْ كَفَّارَةٍ أُخْرَى ، لَزِمَهُ اسْتِئْنَافُ الشَّهْرَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ أَخَلَّ بِالتَّتَابُعِ الْمَشْرُوطِ ، وَيَقَعُ صَوْمُهُ عَمَّا نَوَاهُ ، لِأَنَّ هَذَا الزَّمَانَ لَيْسَ بِمُسْتَحَقٍّ مُتَعَيَّنٍ لِلْكَفَّارَةِ ، وَلِهَذَا يَجُوزُ صَوْمُهَا فِي غَيْرِهِ ، بِخِلَافِ شَهْرِ رَمَضَانَ ، فَإِنَّهُ مُتَعَيَّنٌ لَا يَصْلُحُ لِغَيْرِهِ .\rوَإِذَا كَانَ عَلَيْهِ صَوْمُ نَذْرٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ ، أَخَّرَهُ إلَى فَرَاغِهِ مِنْ الْكَفَّارَةِ .\rوَإِنْ كَانَ مُتَعَيَّنًا فِي وَقْتٍ بِعَيْنِهِ ، أَخَّرَ الْكَفَّارَةَ عَنْهُ ، أَوْ قَدَّمَهَا عَلَيْهِ إنْ أَمْكَنَ .\rوَإِنْ كَانَ أَيَّامًا مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ، كَيَوْمِ الْخَمِيسِ ، أَوْ أَيَّامِ الْبِيضِ ، قَدَّمَ الْكَفَّارَةَ عَلَيْهِ ، وَقَضَاهُ بَعْدَهَا ؛ لِأَنَّهُ لَوْ وَفَّى بِنَذْرِهِ لَانْقَطَعَ التَّتَابُعُ ، وَلَزِمَهُ الِاسْتِئْنَافُ ، فَيُفْضِي إلَى أَنْ لَا يَتَمَكَّنَ مِنْ التَّكْفِيرِ ، وَالنَّذْرُ يُمْكِنُ قَضَاؤُهُ ، فَيَكُونُ هَذَا عُذْرًا فِي تَأْخِيرِهِ كَالْمَرَضِ .","part":17,"page":241},{"id":8241,"text":"( 6209 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : ( وَإِنْ أَصَابَهَا فِي لَيَالِي الصَّوْمِ ، أَفْسَدَ مَا مَضَى مِنْ صِيَامِهِ ، وَابْتَدَأَ الشَّهْرَيْنِ ) وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : { فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا } .\rفَأَمَرَ بِهِمَا خَالِيَيْنِ عَنْ وَطْءٍ ، وَلَمْ يَأْتِ بِهِمَا عَلَى مَا أُمِرَ ، فَلَمْ يُجْزِئْهُ ، كَمَا لَوْ وَطِئَ نَهَارًا ، وَلِأَنَّهُ تَحْرِيمٌ لِلْوَطْءِ لَا يَخْتَصُّ النَّهَارَ ، فَاسْتَوَى فِيهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ كَالِاعْتِكَافِ .\rوَرَوَى الْأَثْرَمُ عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّ التَّتَابُعَ لَا يَنْقَطِعُ بِهَذَا ، وَيَبْنِي .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ ؛ لِأَنَّهُ وَطْءٌ لَا يُبْطِلُ الصَّوْمَ ، فَلَا يُوجِبُ الِاسْتِئْنَافَ ، كَوَطْءِ غَيْرِهَا ، وَلِأَنَّ التَّتَابُعَ فِي الصِّيَامِ عِبَارَةٌ عَنْ إتْبَاعِ صَوْمِ يَوْمٍ لِلَّذِي قَبْلَهُ ، مِنْ غَيْرِ فَارِقٍ ، وَهَذَا مُتَحَقِّقٌ ، وَإِنْ وَطِئَ لَيْلًا ، وَارْتِكَابُ النَّهْيِ فِي الْوَطْءِ قَبْلَ إتْمَامِهِ إذَا لَمْ يُخِلَّ بِالتَّتَابُعِ الْمُشْتَرَطِ ، لَا يَمْنَعُ صِحَّتَهُ وَإِجْزَاءَهُ ، كَمَا لَوْ وَطِئَ قَبْلَ الشَّهْرَيْنِ ، أَوْ وَطِئَ لَيْلَةَ أَوَّلِ الشَّهْرَيْنِ وَأَصْبَحَ صَائِمًا ، وَالْإِتْيَانُ بِالصِّيَامِ قَبْلَ التَّمَاسِّ فِي حَقِّ هَذَا لَا سَبِيلَ إلَيْهِ ، سَوَاءٌ بَنَى أَوْ اسْتَأْنَفَ .\rوَإِنْ وَطِئَهَا ، أَوْ وَطِئَ ، غَيْرَهَا ، فِي نَهَارِ الشَّهْرَيْنِ عَامِدًا ، أَفْطَرَ ، وَانْقَطَعَ التَّتَابُعُ إجْمَاعًا ، إذَا كَانَ غَيْرَ مَعْذُورٍ وَإِنْ وَطِئَهَا ، أَوْ وَطِئَ غَيْرَهَا ، نَهَارًا نَاسِيًا أَفْطَرَ ، وَانْقَطَعَ التَّتَابُعُ ، فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ ؛ لِأَنَّ الْوَطْءَ لَا يُعْذَرُ فِيهِ بِالنِّسْيَانِ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ ، رِوَايَةٌ أُخْرَى ، أَنَّهُ لَا يُفْطِرُ ، وَلَا يَنْقَطِعُ التَّتَابُعُ .\rوَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ ؛ لِأَنَّهُ فَعَلَ الْمُفْطِرَ نَاسِيًا ، أَشْبَهَ مَا لَوْ أَكَلَ نَاسِيًا .\rوَإِنْ أُبِيحَ لَهُ الْفِطْرُ لِعُذْرٍ ، فَوَطِئَ","part":17,"page":242},{"id":8242,"text":"غَيْرَهَا نَهَارًا لَمْ يَنْقَطِعْ التَّتَابُعُ ؛ لِأَنَّ الْوَطْءَ لَا أَثَرَ لَهُ فِي قَطْعِ التَّتَابُعِ .\rوَإِنْ وَطِئَهَا ، كَانَ كَوَطْئِهَا لَيْلًا ، هَلْ يَنْقَطِعْ التَّتَابُعُ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ .\rوَإِنْ وَطِئَ غَيْرَهَا لَيْلًا ، لَمْ يَنْقَطِعْ التَّتَابُعُ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِمُحَرَّمٍ عَلَيْهِ ، وَلَا هُوَ مُخِلٌّ بِإِتْبَاعِ الصَّوْمِ الصَّوْمَ ، فَلَمْ يَنْقَطِعْ التَّتَابُعَ ، كَالْأَكْلِ لَيْلًا .\rوَلَيْسَ فِي هَذَا اخْتِلَافٌ نَعْلَمُهُ .\rوَإِنْ لَمَسَ الْمُظَاهِرُ مِنْهَا ، أَوْ بَاشَرَهَا دُونَ الْفَرْجِ عَلَى وَجْهٍ يُفْطِرُ بِهِ ، قَطَعَ التَّتَابُعَ ؛ لِإِخْلَالِهِ بِمُوَالَاةِ الصِّيَامِ ، وَإِلَّا فَلَا يَنْقَطِعُ .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":17,"page":243},{"id":8243,"text":"( 6210 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : { فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ ، فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا } ، أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْمُظَاهِرَ إذَا لَمْ يَجِدْ الرَّقَبَةَ ، وَلَمْ يَسْتَطِعْ الصِّيَامَ ، أَنَّ فَرْضَهُ إطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ، عَلَى مَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ ، وَجَاءَ فِي سُنَّةِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَوَاءٌ عَجَزَ عَنْ الصِّيَامِ لِكِبَرٍ ، أَوْ مَرَضٍ يَخَافُ بِالصَّوْمِ تَبَاطُؤَهُ أَوْ الزِّيَادَةَ فِيهِ ، أَوْ الشَّبَقِ فَلَا يَصْبِرُ فِيهِ عَنْ الْجِمَاعِ { ، فَإِنَّ أَوْسَ بْنَ الصَّامِتِ ، لَمَّا أَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالصِّيَامِ ، قَالَتْ امْرَأَتُهُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنَّهُ شَيْخٌ كَبِيرٌ ، مَا بِهِ مِنْ صِيَامٍ .\rقَالَ : فَلْيُطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا } .\r{ وَلَمَّا أَمَرَ سَلَمَةَ بْنَ صَخْرٍ بِالصِّيَامِ قَالَ : وَهَلْ أَصَبْت الَّذِي أَصَبْت إلَّا مِنْ الصِّيَامِ ، قَالَ : فَأَطْعِمْ } .\rفَنَقَلَهُ إلَى الْإِطْعَامِ لَمَّا أَخْبَرَ أَنَّ بِهِ مِنْ الشَّبَقِ وَالشَّهْوَةِ مَا يَمْنَعُهُ مِنْ الصِّيَامِ .\rوَقِسْنَا عَلَى هَذَيْنِ مَا يُشْبِهُهُمَا فِي مَعْنَاهُمَا .\rوَيَجُوزُ أَنْ يَنْتَقِلَ إلَى الْإِطْعَامِ إذَا عَجَزَ عَنْ الصِّيَامِ لِلْمَرَضِ ، وَإِنْ كَانَ مَرْجُوَّ الزَّوَالِ ؛ لِدُخُولِهِ فِي قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى : { فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا } .\rوَلِأَنَّهُ لَا يَعْلَمُ أَنَّ لَهُ نِهَايَةً ، فَأَشْبَهَ الشَّبَقَ .\rوَلَا يَجُوزُ أَنْ يَنْتَقِلَ لِأَجْلِ السَّفَرِ ؛ لِأَنَّ السَّفَرَ لَا يُعْجِزُهُ عَنْ الصِّيَامِ ، وَلَهُ نِهَايَةٌ يَنْتَهِي إلَيْهَا ، وَهُوَ مِنْ أَفْعَالِهِ الِاخْتِيَارِيَّةِ .\rوَالْوَاجِبُ فِي الْإِطْعَامِ إطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ، لَا يُجْزِئُهُ أَقَلُّ مِنْ ذَلِكَ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَوْ أَطْعَمَ مِسْكِينًا وَاحِدًا فِي سِتِّينَ يَوْمًا ، أَجْزَأَهُ .\rوَحَكَاهُ الْقَاضِي أَبُو الْحُسَيْنِ رِوَايَةً عَنْ أَحْمَدَ ؛ لِأَنَّ هَذَا الْمِسْكِينَ لَمْ يَسْتَوْفِ قُوتَ يَوْمِهِ مِنْ هَذِهِ الْكَفَّارَةِ ، فَجَازَ أَنْ يُعْطَى مِنْهَا ،","part":17,"page":244},{"id":8244,"text":"كَالْيَوْمِ الْأَوَّلِ .\rوَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا } .\rوَهَذَا لَمْ يُطْعِمْ إلَّا وَاحِدًا ، فَلَمْ يَمْتَثِلْ الْأَمْرَ ، وَلِأَنَّهُ لَمْ يُطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا ، فَلَمْ يُجْزِئْهُ ، كَمَا لَوْ دَفَعَهَا إلَيْهِ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ ، وَلِأَنَّهُ لَوْ جَازَ الدَّفْعُ إلَيْهِ فِي أَيَّامٍ ، لَجَازَ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ ، كَالزَّكَاةِ وَصَدَقَةِ الْفِطْرِ ، يُحَقِّقُ هَذَا أَنَّ اللَّهَ أَمَرَ بِعَدَدِ الْمَسَاكِينِ ، لَا بِعَدَدِ الْأَيَّامِ ، وَقَائِلُ هَذَا يَعْتَبِرُ عَدَدَ الْأَيَّامِ دُونَ عَدَدِ الْمَسَاكِينِ ، وَالْمَعْنَى فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ لَمْ يَسْتَوْفِ حَقَّهُ مِنْ هَذِهِ الْكَفَّارَةِ ، وَفِي الْيَوْمِ الثَّانِي قَدْ اسْتَوْفَى حَقَّهُ مِنْهَا ، وَأَخَذَ مِنْهَا قُوتَ يَوْمٍ ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي ، كَمَا لَوْ أَوْصَى إنْسَانٌ بِشَيْءٍ لِسِتِّينَ مِسْكِينًا .","part":17,"page":245},{"id":8245,"text":"( 6211 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : ( لِكُلِّ مِسْكِينٍ مُدٌّ مِنْ بُرٍّ أَوْ نِصْفُ صَاعٍ مِنْ تَمْرٍ أَوْ شَعِيرٍ ) وَجُمْلَةُ الْأَمْرِ ، أَنَّ قَدْرَ الطَّعَامِ فِي الْكَفَّارَاتِ كُلِّهَا مُدٌّ مِنْ بُرٍّ لِكُلِّ مِسْكِينٍ ، أَوْ نِصْفُ صَاعٍ مِنْ تَمْرٍ أَوْ شَعِيرٍ .\rوَمِمَّنْ قَالَ : مُدُّ بُرٍّ .\rزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ ، وَابْنُ عُمَرَ .\rحَكَاهُ عَنْهُمْ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ، وَرَوَاهُ عَنْهُمْ الْأَثْرَمُ ، وَعَنْ عَطَاءٍ ، وَسُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى .\rوَقَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ : أَدْرَكْت النَّاسَ إذَا أَعْطَوْا فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ مُدًّا مِنْ حِنْطَةٍ بِالْمُدِّ الْأَصْغَرِ ، مُدِّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rوَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : يُطْعِمُ مُدًّا مِنْ أَيِّ الْأَنْوَاعِ كَانَ .\rوَبِهَذَا قَالَ عَطَاءٌ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ؛ لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَطَاءٍ ، عَنْ { أَوْسٍ ابْنِ أَخِي عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْطَاهُ يَعْنِي الْمُظَاهِرَ خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ ، إطْعَامَ سِتِّينَ مِسْكِينًا .\r} وَرَوَى الْأَثْرَمُ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي حَدِيثِ الْمُجَامِعِ فِي رَمَضَانَ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُتِيَ بِعَرَقٍ فِيهِ خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا ، فَقَالَ : خُذْهُ وَتَصَدَّقْ بِهِ } .\rوَإِذَا ثَبَتَ فِي الْمُجَامِعِ بِالْخَبَرِ ، ثَبَتَ فِي الْمُظَاهِرِ بِالْقِيَاسِ عَلَيْهِ ، وَلِأَنَّهُ إطْعَامٌ وَاجِبٌ ، فَلَمْ يَخْتَلِفْ بِاخْتِلَافِ أَنْوَاعِ الْمُخْرَجِ ، كَالْفِطْرَةِ وَفِدْيَةِ الْأَذَى .\rوَقَالَ مَالِكٌ : لِكُلِّ مِسْكِينٍ مُدَّانِ مِنْ جَمِيعِ الْأَنْوَاعِ .\rوَمِمَّنْ قَالَ : مُدَّانِ مِنْ قَمْحٍ ؛ مُجَاهِدٌ ، وَعِكْرِمَةُ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَالنَّخَعِيُّ ؛ لِأَنَّهَا كَفَّارَةٌ تَشْتَمِلُ عَلَى صِيَامٍ وَإِطْعَامٍ ، فَكَانَ لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صَاعٍ ، كَفِدْيَةِ الْأَذَى .\rوَقَالَ الثَّوْرِيُّ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ : مِنْ الْقَمْحِ مُدَّانِ ، وَمِنْ التَّمْرِ وَالشَّعِيرِ صَاعٌ ، لِكُلِّ مِسْكِينٍ ؛ { لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ","part":17,"page":246},{"id":8246,"text":"وَسَلَّمَ فِي حَدِيثِ سَلَمَةَ بْنِ صَخْرٍ : فَأَطْعِمْ وَسْقًا مِنْ تَمْرٍ } .\rرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ، فِي الْمُسْنَدِ ، وَأَبُو دَاوُد ، وَغَيْرُهُمَا .\rوَرَوَى الْخَلَّالُ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ يُوسُفَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ ، عَنْ { خُوَيْلَةَ : فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَلْيُطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا وَسْقًا مِنْ تَمْرٍ } .\rوَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد : وَالْعَرَقُ سِتُّونَ صَاعًا .\rوَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ ابْن عَبَّاسٍ ، قَالَ : { كَفَّرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِصَاعٍ مِنْ تَمْرٍ ، وَأَمَرَ النَّاسَ : فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَنِصْفُ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ } .\rوَرَوَى الْأَثْرَمُ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : أَطْعِمْ عَنِّي صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ شَعِيرٍ ، أَوْ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ .\rوَلِأَنَّهُ إطْعَامٌ لِلْمَسَاكِينِ ، فَكَانَ صَاعًا مِنْ التَّمْرِ وَالشَّعِيرِ ، أَوْ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ ، كَصَدَقَةِ الْفِطْرِ .\rوَلَنَا مَا رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ ، ثنا إسْمَاعِيلُ ، ثنا أَيُّوبُ ، عَنْ أَبِي يَزِيدَ الْمَدَنِيِّ قَالَ : { جَاءَتْ امْرَأَةٌ مِنْ بَنِي بَيَاضَةَ بِنِصْفِ وَسْقٍ شَعِيرٍ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْمُظَاهِرِ : أَطْعِمْ هَذَا ؛ فَإِنَّ مُدَّيْ شَعِيرٍ مَكَانَ مُدِّ بُرٍّ } .\rوَهَذَا نَصٌّ .\rوَيَدُلّ عَلَى أَنَّهُ مُدُّ بُرٍّ ، أَنَّهُ قَوْلُ زَيْدٍ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَابْنِ عُمَرَ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ، وَلَمْ نَعْرِفْ لَهُمْ فِي الصَّحَابَةِ مُخَالِفًا ، فَكَانَ إجْمَاعًا ، وَعَلَى أَنَّهُ نِصْفُ صَاعٍ مِنْ التَّمْرِ أَوْ الشَّعِيرِ ، مَا رَوَى عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ ، { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِخُوَيْلَةَ امْرَأَةِ أَوْسِ بْنِ الصَّامِتِ اذْهَبِي إلَى فُلَانٍ الْأَنْصَارِيِّ ، فَإِنَّ عِنْدَهُ شَطْرَ وَسْقٍ مِنْ تَمْرٍ ، أَخْبَرَنِي أَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ ، فَلْتَأْخُذِيهِ ، فَلْيَتَصَدَّقْ بِهِ عَلَى سِتِّينَ مِسْكِينًا } .\rوَفِي حَدِيثِ أَوْسِ بْنِ الصَّامِتِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { إنِّي","part":17,"page":247},{"id":8247,"text":"سَأُعِينُهُ بِعَرَقٍ مِنْ تَمْرٍ .\rقُلْت : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَإِنِّي سَأُعِينُهُ بِعَرَقٍ آخَرَ .\rقَالَ : قَدْ أَحْسَنْتِ ، اذْهَبِي فَأَطْعِمِي بِهَا عَنْهُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ، وَارْجِعِي إلَى ابْنِ عَمِّكِ } .\rوَرَوَى أَبُو دَاوُد ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، أَنَّهُ قَالَ : الْعَرَقُ زِنْبِيلٌ يَأْخُذُ خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا .\rفَعَرَقَانِ يَكُونَانِ ثَلَاثِينَ صَاعًا ، لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صَاعٍ ، وَلِأَنَّهَا كَفَّارَةٌ تَشْتَمِلُ عَلَى صِيَامٍ وَإِطْعَامٍ ، فَكَانَ لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صَاعٍ مِنْ التَّمْرِ وَالشَّعِيرِ ، كَفِدْيَةِ الْأَذَى .\rفَأَمَّا رِوَايَةُ أَبِي دَاوُد أَنَّ \" الْعَرَقَ سِتُّونَ صَاعًا \" .\rفَقَدْ ضَعَّفَهَا وَقَالَ : غَيْرُهَا أَصَحُّ مِنْهَا .\rوَفِي الْحَدِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَى الضَّعْفِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ فِي سِيَاقِ قَوْلِهِ : ( إنِّي سَأُعِينُهُ بِعَرَقٍ ) .\rفَقَالَتْ امْرَأَتُهُ : إنِّي سَأُعِينُهُ بِعَرَقٍ آخَرَ .\rقَالَ : ( فَأَطْعِمِي بِهَا عَنْهُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ) .\rفَلَوْ كَانَ الْعَرَقُ سِتِّينَ صَاعًا ، لَكَانَتْ الْكَفَّارَةُ مِائَةً وَعِشْرِينَ صَاعًا ، وَلَا قَائِلَ بِهِ .\rوَأَمَّا حَدِيثُ الْمُجَامِعِ الَّذِي أَعْطَاهُ خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا ، فَقَالَ : ( تَصَدَّقْ بِهِ ) .\rفَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ اقْتَصَرَ عَلَيْهِ إذْ لَمْ يَجِدْ سِوَاهُ ، وَلِذَلِكَ لَمَّا أَخْبَرَهُ بِحَاجَتِهِ إلَيْهِ أَمَرَهُ بِأَكْلِهِ .\rوَفِي الْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ : ( قَرِيبٌ مِنْ عِشْرِينَ صَاعًا ) .\rوَلَيْسَ ذَلِكَ مَذْهَبًا لِأَحْمَدَ ، فَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ اقْتَصَرَ عَلَى الْبَعْضِ الَّذِي لَمْ يَجِدْ سِوَاهُ .\rوَحَدِيثُ أَوْسٍ بْن أَخِي عُبَادَةَ مُرْسَلٌ ، يَرْوِيهِ عَنْهُ عَطَاءٌ وَلَمْ يُدْرِكْهُ ، عَلَى أَنَّهُ حُجَّةٌ لَنَا ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْطَاهُ عَرَقًا ، وَأَعَانَتْهُ امْرَأَتُهُ بِآخَرَ ، فَصَارَا جَمِيعًا ثَلَاثِينَ صَاعًا .\rوَسَائِرُ الْأَخْبَارِ نَجْمَعُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ أَخْبَارِنَا بِحَمْلِهَا عَلَى الْجَوَازِ ، وَأَخْبَارِنَا عَلَى الْإِجْزَاءِ ، وَقَدْ عَضَّدَ هَذَا أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ رَاوِي بَعْضِهَا ، وَمَذْهَبُهُ أَنَّ","part":17,"page":248},{"id":8248,"text":"الْمُدَّ مِنْ الْبُرِّ يُجْزِئُ ، وَكَذَلِكَ أَبُو هُرَيْرَةَ ، وَسَائِرُ مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْأَخْبَارِ ، مَعَ الْإِجْمَاعِ الَّذِي نَقَلَهُ سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":17,"page":249},{"id":8249,"text":"( 6212 ) فَصْلٌ : وَبَقِيَ الْكَلَامُ فِي الْإِطْعَامِ فِي أُمُورٍ ثَلَاثَة : كَيْفِيَّتُهُ ، وَجِنْسُ الطَّعَامِ ، وَمُسْتَحِقُّهُ .\rفَأَمَّا كَيْفِيَّتُهُ فَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّ الْوَاجِبَ تَمْلِيكُ كُلِّ إنْسَانٍ مِنْ الْمَسَاكِينِ الْقَدْرَ الْوَاجِبَ لَهُ مِنْ الْكَفَّارَةِ ، وَلَوْ غَدَّى الْمَسَاكِينَ أَوْ عَشَّاهُمْ لَمْ يُجْزِئُهُ ، سَوَاءٌ فَعَلَ ذَلِكَ بِالْقَدْرِ الْوَاجِبِ ، أَوْ أَقَلَّ ، أَوْ أَكْثَرَ ، وَلَوْ غَدَّى كُلَّ وَاحِدٍ بِمُدٍّ ، لَمْ يُجْزِئْهُ ، إلَّا أَنْ يُمَلِّكَهُ إيَّاهُ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَعَنْ أَحْمَدَ ، رِوَايَةٌ أُخْرَى ، أَنَّهُ يُجْزِئُهُ إذَا أَطْعَمَهُمْ الْقَدْرَ الْوَاجِبَ لَهُمْ .\rوَهُوَ قَوْلُ النَّخَعِيِّ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ .\rوَأَطْعَمَ أَنَسٌ فِي فِدْيَةِ الصِّيَامِ .\rقَالَ أَحْمَدُ : أَطْعَمَ شَيْئًا كَثِيرًا ، وَصَنَعَ الْجِفَانَ .\rوَذَكَرَ حَدِيثَ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ ، عَنْ ثَابِتٍ ، عَنْ أَنَسٍ ، وَذَلِكَ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا } .\rوَهَذَا قَدْ أَطْعَمَهُمْ ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُجْزِئُهُ ، وَلِأَنَّهُ أَطْعَمَ الْمَسَاكِينَ ، فَأَجْزَأَهُ ، كَمَا لَوْ مَلَّكَهُمْ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الْمَنْقُولَ عَنْ الصَّحَابَةِ إعْطَاؤُهُمْ ؛ فَفِي قَوْلِ زَيْدٍ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَابْنِ عُمَرَ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ، مُدٌّ لِكُلِّ فَقِيرٍ .\r{ وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَكَعْبٍ فِي فِدْيَةِ الْأَذَى : أَطْعِمْ ثَلَاثَةَ آصُعٍ مِنْ تَمْرٍ ، بَيْنَ سِتَّةِ مَسَاكِينَ } .\rوَلِأَنَّهُ مَالٌ وَجَبَ لِلْفُقَرَاءِ شَرْعًا ، فَوَجَبَ تَمْلِيكُهُمْ إيَّاهُ كَالزَّكَاةِ .\rفَإِنْ قُلْنَا : يُجْزِئُ .\rاُشْتُرِطَ أَنْ يُغَدِّيَهُمْ بِسِتِّينَ مُدًّا فَصَاعِدًا ؛ لِيَكُونَ قَدْ أَطْعَمَهُمْ قَدْرَ الْوَاجِبِ .\rوَإِنْ قُلْنَا : لَا يُجْزِئُهُ أَنْ يُغَدِّيَهُمْ ، فَقَدَّمَ إلَيْهِمْ سِتِّينَ مُدًّا ، وَقَالَ : هَذَا بَيْنَكُمْ بِالسَّوِيَّةِ .\rفَقَبِلُوهُ ، أَجْزَأَ ؛ لِأَنَّهُ مَلَّكَهُمْ التَّصَرُّفَ فِيهِ وَالِانْتِفَاعَ قَبْلَ الْقِسْمَةِ .\rوَهَذَا ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَامِدٍ : يُجْزِئُهُ ، وَإِنْ لَمْ","part":17,"page":250},{"id":8250,"text":"يَقُلْ : بِالسَّوِيَّةِ ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ : خُذُوهَا عَنْ كَفَّارَتِي .\rيَقْتَضِي التَّسْوِيَةَ ، لِأَنَّ ذَلِكَ حُكْمُهَا .\rوَقَالَ الْقَاضِي : إنْ عَلِمَ أَنَّهُ وَصَلَ إلَى كُلِّ وَاحِدٍ قَدْرُ حَقِّهِ أَجْزَأَ ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ لَمْ يُجْزِئْهُ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ شَغْلُ ذِمَّتِهِ ، مَا لَمْ يَعْلَمْ وُصُولَ الْحَقِّ إلَى مُسْتَحِقِّهِ .\rوَوَجْهُ الْأَوَّلِ ، أَنَّهُ دَفَعَ الْحَقَّ إلَى مُسْتَحِقِّهِ مُشَاعًا ، فَقَبِلُوهُ ، فَبَرِئَ مِنْهُ ، كَدُيُونِ غُرَمَائِهِ .","part":17,"page":251},{"id":8251,"text":"( 6213 ) فَصْلٌ : وَلَا يَجِبُ التَّتَابُعُ فِي الْإِطْعَامِ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ ، وَقِيلَ لَهُ : تَكُونُ عَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ ، فَيُطْعِمُ الْيَوْمَ وَاحِدًا ، وَآخَرَ بَعْدَ أَيَّامٍ ، وَآخَرَ بَعْدُ حَتَّى يَسْتَكْمِلَ عَشْرَةً ؟ فَلَمْ يَرَ بِذَلِكَ بَأْسًا ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَشْتَرِطْ التَّتَابُعَ فِيهِ .\rوَلَوْ وَطِئَ فِي أَثْنَاءِ الْإِطْعَامِ ، لَمْ تَلْزَمْهُ إعَادَةُ مَا مَضَى مِنْهُ .\rوَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : يَسْتَأْنِفُ ؛ لِأَنَّهُ وَطِئَ فِي أَثْنَاءِ كَفَّارَةِ الظِّهَارِ ، فَوَجَبَ الِاسْتِئْنَافُ ، كَالصِّيَامِ .\rوَلَنَا أَنَّهُ وَطِئَ فِي أَثْنَاءِ مَا لَا يُشْتَرَطُ التَّتَابُعُ فِيهِ ، فَلَمْ يُوجِبْ الِاسْتِئْنَافَ ، كَوَطْءِ غَيْرِ الْمُظَاهِرِ مِنْهَا ، أَوْ كَالْوَطْءِ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ ، وَبِهَذَا فَارَقَ الصِّيَامَ .","part":17,"page":252},{"id":8252,"text":"مَسْأَلَةٌ قَالَ : ( وَلَوْ أَعْطَى مِسْكِينًا مُدَّيْنِ مِنْ كَفَّارَتَيْنِ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ ، أَجْزَأَ ، فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ ) وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ، لِأَنَّهُ دَفَعَ الْقَدْرَ الْوَاجِبَ إلَى الْعَدَدِ الْوَاجِبِ ، فَأَجْزَأَ ، كَمَا لَوْ دَفَعَ إلَيْهِ الْمُدَّيْنِ فِي يَوْمَيْنِ .\rوَالْأُخْرَى ، لَا يُجْزِئُهُ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّهُ اسْتَوْفَى قُوتَ يَوْمٍ مِنْ كَفَّارَةٍ ، فَلَمْ يُجْزِئْهُ الدَّفْعُ إلَيْهِ ثَانِيًا فِي يَوْمِهِ ، كَمَا لَوْ دَفَعَهُمَا إلَيْهِ مِنْ كَفَّارَةٍ وَاحِدَةٍ .\rفَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ ، يُجْزِئُهُ عَنْ إحْدَى الْكَفَّارَتَيْنِ .\rوَهَلْ لَهُ الرُّجُوعُ فِي الْأُخْرَى ؟ يُنْظَرُ ؛ فَإِذَا كَانَ أَعْلَمَهُ أَنَّهَا عَنْ كَفَّارَةٍ ، فَلَهُ الرُّجُوعُ ، وَإِلَّا فَلَا .\rوَيَتَخَرَّجُ أَنْ لَا يَرْجِعَ بِشَيْءٍ ، عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فِي الزَّكَاةِ .\rوَالرِّوَايَةُ الْأُولَى أَقْيَسُ وَأَصَحُّ ، فَإِنَّ اعْتِبَارَ عَدَدِ الْمَسَاكِينِ ، أَوْلَى مِنْ اعْتِبَارِ عَدَدِ الْأَيَّامِ ، وَلَوْ دَفَعَ إلَيْهِ ذَلِكَ فِي يَوْمَيْنِ أَجْزَأَ ، وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الدَّافِعُ اثْنَيْنِ ، أَجْزَأَ عَنْهُمَا ، فَكَذَلِكَ إذَا كَانَ الدَّافِعُ وَاحِدًا .\rوَلَوْ دَفَعَ سِتِّينَ مُدًّا إلَى ثَلَاثِينَ فَقِيرًا مِنْ كَفَّارَةٍ وَاحِدَةٍ ، أَجْزَأَهُ مِنْ ذَلِكَ ثَلَاثُونَ ، وَيُطْعِمُ ثَلَاثِينَ آخَرِينَ ، وَإِنْ دَفَعَ السِّتِّينَ مِنْ كَفَّارَتَيْنِ .\rأَجْزَأَهُ ذَلِكَ .\rعَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ ، وَلَا يُجْزِئُ فِي الْأُخْرَى إلَّا عَنْ ثَلَاثِينَ .\rوَالْأَمْرُ الثَّانِي ، أَنَّ الْمُجْزِئَ فِي الْإِطْعَامِ مَا يُجْزِئُ فِي الْفِطْرَةِ ، وَهُوَ الْبُرُّ ، وَالشَّعِيرُ ، وَالتَّمْرُ ، وَالزَّبِيبُ ، سَوَاءٌ كَانَتْ قُوتَهُ أَوْ لَمْ تَكُنْ ، وَمَا عَدَاهَا .\rفَقَالَ الْقَاضِي : لَا يُجْزِئُ إخْرَاجُهُ ، سَوَاءٌ كَانَ قُوتَ بَلَدِهِ أَوْ لَمْ يَكُنْ ؛ لِأَنَّ الْخَبَرَ وَرَدَ بِإِخْرَاجِ هَذِهِ الْأَصْنَافِ ، عَلَى مَا جَاءَ فِي الْأَحَادِيثِ الَّتِي رَوَيْنَاهَا ، وَلِأَنَّهُ الْجِنْسُ الْمُخْرَجُ فِي الْفِطْرَةِ ، فَلَمْ يُجْزِئْ غَيْرُهُ ، كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ قُوتَ بَلَدِهِ .\rوَقَالَ أَبُو","part":17,"page":253},{"id":8253,"text":"الْخَطَّابِ : عِنْدِي أَنَّهُ يُجْزِئُهُ الْإِخْرَاجُ مِنْ جَمِيعِ الْحُبُوبِ الَّتِي هِيَ قُوتُ بَلَدِهِ ، كَالذُّرَةِ ، وَالدُّخْنِ ، وَالْأَرُزِّ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : { مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ } .\rوَهَذَا مِمَّا يُطْعِمُهُ أَهْلَهُ ، فَوَجَبَ أَنْ يُجْزِئَهُ بِظَاهِرِ النَّصِّ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rفَإِنْ أَخْرَجَ غَيْرَ قُوتِ بَلَدِهِ ، أَجْوَدَ مِنْهُ ، فَقَدْ زَادَ خَيْرًا ، وَإِنْ كَانَ أَنْقَصَ ، لَمْ يُجْزِئْهُ ، وَهَذَا أَجْوَدُ .\r( 6215 ) فَصْلٌ : وَالْأَفْضَلُ عِنْدَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ، إخْرَاجُ الْحَبِّ ؛ لِأَنَّهُ يَخْرُجُ بِهِ مِنْ الْخِلَافِ ، وَهِيَ حَالَةُ كَمَالِهِ ، لِأَنَّهُ يُدَّخَرُ فِيهَا ، وَيَتَهَيَّأُ لِمَنَافِعِهِ كُلِّهَا ، بِخِلَافِ غَيْرِهِ .\rفَإِنْ أَخْرَجَ دَقِيقًا جَازَ ، لَكِنْ يَزِيدُ عَلَى قَدْرِ الْمُدِّ قَدْرًا يَبْلُغُ الْمُدَّ حَبًّا ، أَوْ يُخْرِجُهُ بِالْوَزْنِ ؛ لِأَنَّ لِلْحَبِّ رَيْعًا ، فَيَكُونُ فِي مِكْيَالِ الْحَبِّ أَكْثَرُ مِمَّا فِي مِكْيَالِ الدَّقِيقِ .\rقَالَ الْأَثْرَمُ : قِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ : فَيُعْطِي الْبُرَّ وَالدَّقِيقَ ؟ فَقَالَ : أَمَّا الَّذِي جَاءَ فَالْبُرُّ ، وَلَكِنْ إنْ أَعْطَاهُمْ الدَّقِيقَ بِالْوَزْنِ ، جَازَ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يُجْزِئُ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِحَالِ الْكَمَالِ ، لِأَجْلِ مَا يَفُوتُ بِهِ مِنْ وُجُوهِ الِانْتِفَاعِ ، فَلَمْ يَجُزْ ، كَالْهَرِيسَةِ .\rوَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { فَكَفَّارَتُهُ إطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ } .\rوَالدَّقِيقُ مِنْ أَوْسَطِ مَا يُطْعِمُهُ أَهْلَهُ ، وَلِأَنَّ الدَّقِيقَ أَجْزَاءُ الْحِنْطَةِ ، وَقَدْ كَفَاهُمْ مُؤْنَتَهُ وَطَحْنَهُ ، وَهَيَّأَهُ وَقَرَّبَهُ مِنْ الْأَكْلِ ، وَفَارَقَ الْهَرِيسَةَ ، فَإِنَّهَا تَتْلَفُ عَلَى قُرْبٍ ، وَلَا يُمْكِنْ الِانْتِفَاعُ بِهَا فِي غَيْرِ الْأَكْلِ فِي تِلْكَ الْحَالِ ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا .\rوَعَنْ أَحْمَدَ فِي إخْرَاجِ الْخُبْزِ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، يُجْزِئُ .\rاخْتَارَهَا الْخِرَقِيِّ .\rوَنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ ، فَإِنَّهُ قَالَ : قُلْت لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ","part":17,"page":254},{"id":8254,"text":": رَجُلٌ أَخَذَ ثَلَاثَةَ عَشْرَ رِطْلًا وَثُلُثًا دَقِيقًا ، وَهُوَ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ ، فَخَبَزَهُ لِلْمَسَاكِينِ ، وَقَسَمَ الْخُبْزَ عَلَى عَشْرَةِ مَسَاكِينَ ، أَيُجْزِئُهُ ذَلِكَ ؟ قَالَ ذَلِكَ أَعْجَبُ إلَيَّ ، وَهُوَ الَّذِي جَاءَ فِيهِ الْحَدِيثُ أَنْ يُطْعِمَهُمْ مُدَّ بُرٍّ ، وَهَذَا إنْ فَعَلَ فَأَرْجُو أَنْ يُجْزِئَهُ .\rقُلْت : إنَّمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { إطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ } .\rفَهَذَا قَدْ أَطْعَمَ عَشَرَةَ مَسَاكِينَ ، وَأَوْفَاهُمْ الْمُدَّ .\rقَالَ : أَرْجُو أَنْ يُجْزِئَهُ .\rوَهَذَا قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ .\rوَنَقَلَ الْأَثْرَمُ ، فِي مَوْضِعٍ آخَرَ ، أَنَّ أَحْمَدَ سَأَلَهُ رَجُلٌ عَنْ الْكَفَّارَةِ ، قَالَ : أَطْعِمْهُمْ خُبْزًا وَتَمْرًا ؟ قَالَ : لَيْسَ فِيهِ تَمْرٌ .\rقَالَ : فَخُبْزٌ ؟ .\rقَالَ : لَا ، وَلَكِنْ بُرًّا أَوْ دَقِيقًا بِالْوَزْنِ ، رِطْلٌ وَثُلُثٌ لِكُلِّ مِسْكِينٍ .\rفَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ خَرَجَ عَنْ حَالَةِ الْكَمَالِ وَالِادِّخَارِ فَأَشْبَهَ الْهَرِيسَةَ .\rوَالْأَوَّلُ أَحْسَنُ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : { إطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ } .\rوَهَذَا مِنْ أَوْسَطِ مَا يُطْعِمُ أَهْلَهُ ، وَلَيْسَ الِادِّخَارُ مَقْصُودًا فِي الْكَفَّارَةِ ، فَإِنَّهَا مُقَدَّرَةٌ بِمَا يَقُوتُ الْمِسْكِينَ فِي يَوْمِهِ ، فَيَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْمَقْصُودَ كِفَايَتُهُ فِي يَوْمِهِ ، وَهَذَا قَدْ هَيَّأَهُ لِلْأَكْلِ الْمُعْتَادِ لِلِاقْتِيَاتِ ، وَكَفَاهُمْ مُؤْنَتَهُ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ نَقَّى الْحِنْطَةَ وَغَسَلَهَا .\rوَأَمَّا الْهَرِيسَةُ وَالْكُبُولُ وَنَحْوُهُمَا ، فَلَا يُجْزِئُ ؛ لِأَنَّهُمَا خَرَجَا عَنْ الِاقْتِيَاتِ الْمُعْتَادِ إلَى حَيِّزِ الْإِدَامِ .\rوَأَمَّا السَّوِيقُ ، فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ ؛ لِذَلِكَ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يُجْزِئَ ؛ لِأَنَّهُ يُقْتَاتُ فِي بَعْضِ الْبُلْدَانِ ، وَلَا يُجْزِئُهُ مِنْ الْخُبْزِ وَالسَّوِيقِ أَقَلُّ مِنْ شَيْءٍ يُعْمَلُ مِنْ مُدٍّ ، فَإِنْ أَخَذَ مُدَّ حِنْطَةٍ ، أَوْ رِطْلًا وَثُلُثًا مِنْ الدَّقِيقِ ، وَصَنَعَهُ خُبْزًا ، أَجْزَأَهُ .","part":17,"page":255},{"id":8255,"text":"وَقَالَ الْخِرَقِيِّ : يُجْزِئُهُ رِطْلَانِ .\rقَالَ الْقَاضِي : الْمُدُّ يَجِيءُ مِنْهُ رِطْلَانِ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّ رِطْلَيْنِ مِنْ الْخُبْزِ لَا تَكُونُ إلَّا مِنْ مُدٍّ ، وَذَلِكَ بِالرِّطْلِ الدِّمَشْقِيِّ خَمْسُ أَوَاقٍ وَأَقَلُّ مِنْ خُمْسِ أُوقِيَّةٍ ، وَهَذَا فِي الْبُرِّ ، فَأَمَّا إنْ كَانَ الْمُخْرَجُ مِنْ الشَّعِيرِ ، فَلَا يُجْزِئُهُ إلَّا ضِعْفُ ذَلِكَ ، عَلَى مَا قَرَّرْنَاهُ .","part":17,"page":256},{"id":8256,"text":"( 6216 ) فَصْلٌ : وَلَا تُجْزِئُ الْقِيمَةُ فِي الْكَفَّارَةِ .\rنَقَلَهَا الْمَيْمُونِي ، وَالْأَثْرَمُ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَخَرَّجَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا مِنْ كَلَامِ أَحْمَدَ ، رِوَايَةً أُخْرَى ، أَنَّهُ يُجْزِئُهُ .\rوَهُوَ مَا رَوَى الْأَثْرَمُ ، أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ أَحْمَدَ ، قَالَ أَعْطَيْت فِي كَفَّارَةٍ خَمْسَةَ دَوَانِيقَ ؟ فَقَالَ : لَوْ اسْتَشَرْتَنِي قَبْلَ أَنْ تُعْطِيَ لَمْ أُشِرْ عَلَيْك ، وَلَكِنْ أَعْطِ مَا بَقِيَ مِنْ الْأَثْمَانِ عَلَى مَا قُلْت لَك .\rوَسَكَتَ عَنْ الَّذِي أَعْطَى .\rوَهَذَا لَيْسَ بِرِوَايَةٍ ، وَإِنَّمَا سَكَتَ عَنْ الَّذِي أَعْطَى ؛ [ لِأَنَّهُ ] مُخْتَلَفٌ فِيهِ ، فَلَمْ يَرَ التَّضْيِيقَ عَلَيْهِ فِيهِ .\rالْأَمْرُ الثَّالِثُ ، أَنَّ مُسْتَحِقَّ الْكَفَّارَةِ هُمْ الْمَسَاكِينَ الَّذِينَ يُعْطَوْنَ مِنْ الزَّكَاةِ ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { إطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا } .\rوَالْفُقَرَاءُ يَدْخُلُونَ فِيهِمْ ؛ لِأَنَّ فِيهِمْ الْمَسْكَنَةَ وَزِيَادَةً ، وَلَا خِلَافَ فِي هَذَا .\rفَأَمَّا الْأَغْنِيَاءُ فَلَا حَقَّ لَهُمْ فِي الْكَفَّارَةِ ، سَوَاءٌ كَانُوا مِنْ أَصْنَافِ الزَّكَاةِ ، كَالْغُزَاةِ وَالْمُؤَلَّفَةِ ، أَوْ لَمْ يَكُونُوا ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَصَّ بِهَا الْمَسَاكِينَ ، وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي الْمُكَاتَبِ ؛ فَقَالَ الْقَاضِي فِي ( الْمُجَرَّدِ ) ، وَأَبُو الْخَطَّابِ ، فِي ( الْهِدَايَةِ ) : لَا يَجُوزُ دَفْعُهَا إلَيْهِ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ الشَّرِيفُ أَبُو جَعْفَرٍ ، وَأَبُو الْخَطَّابِ ، فِي ( مَسَائِلِهِمَا ) : يَجُوزُ الدَّفْعُ إلَيْهِ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ؛ لِأَنَّهُ يَأْخُذُ مِنْ الزَّكَاةِ لِحَاجَتِهِ ، فَأَشْبَهَ الْمِسْكِينَ .\rوَوَجْهُ الْأُولَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَصَّ بِهَا الْمَسَاكِينَ ، وَالْمُكَاتِبُونَ صِنْفٌ آخَرُ ، فَلَمْ يَجُزْ الدَّفْعُ إلَيْهِمْ ، كَالْغُزَاةِ وَالْمُؤَلَّفَةِ ، وَلِأَنَّ الْكَفَّارَةَ قُدِّرَتْ بِقُوتِ يَوْمٍ لِكُلِّ مِسْكِينٍ ، وَصُرِفَتْ إلَى مَنْ يَحْتَاجُ إلَيْهَا لِلِاقْتِيَاتِ ، وَالْمُكَاتَبُ لَا يَأْخُذُ لِذَلِكَ ، فَلَا يَكُونُ فِي مَعْنَى الْمِسْكِينِ .\rوَيُفَارِقُ الزَّكَاةَ ،","part":17,"page":257},{"id":8257,"text":"فَإِنَّ الْأَغْنِيَاءَ يَأْخُذُونَ مِنْهَا ، وَهُمْ الْغُزَاةُ ، وَالْعَامِلُونَ عَلَيْهَا ، وَالْمُؤَلَّفَةُ ، وَالْغَارِمُونَ ، وَلِأَنَّهُ غَنِيٌّ بِكَسْبِهِ أَوْ بِسَيِّدِهِ ، فَأَشْبَهَ الْعَامِلَ .\rوَلَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ فِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ دَفْعُهَا إلَى عَبْدٍ ؛ لِأَنَّ نَفَقَتَهُ وَاجِبَةٌ عَلَى سَيِّدِهِ ، وَلَيْسَ هُوَ مِنْ أَصْنَافِ الزَّكَاةِ ، وَلَا إلَى أُمِّ وَلَدٍ ؛ لِأَنَّهَا أَمَةٌ نَفَقَتُهَا عَلَى سَيِّدِهَا ، وَكَسْبُهَا لَهُ ، وَلَا إلَى مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ .\rوَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ فِي الزَّكَاةِ ، وَفِي دَفْعِهَا إلَى الزَّوْجِ وَجْهَانِ ؛ بِنَاءً عَلَى دَفْعِ الزَّكَاةِ إلَيْهِ .\rوَلَا يَجُوزُ دَفْعُهَا إلَى كَافِرٍ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَخَرَّجَ أَبُو الْخَطَّابِ وَجْهًا فِي إعْطَائِهِمْ ، بِنَاءً عَلَى الرِّوَايَةِ فِي إعْتَاقِهِمْ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : { إطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ } .\rوَأَطْلَقَ فَيَدْخُلُونَ فِي الْإِطْلَاقِ .\rوَلَنَا أَنَّهُ كَافِرٌ ، فَلَمْ يَجُزْ الدَّفْعُ إلَيْهِ ، كَمَسَاكِينِ أَهْلِ الْحَرْبِ ، وَقَدْ سَلَّمَهُ أَصْحَابُ الرَّأْيِ ، وَالْآيَةُ مَخْصُوصَةٌ بِأَهْلِ الْحَرْبِ ، فَنَقِيسُ عَلَيْهِمْ سَائِرَ الْكُفَّارِ ، وَيَجُوزُ صَرْفُهَا إلَى الْكَبِيرِ ، وَالصَّغِيرِ ، إنْ كَانَ مِمَّنْ يَأْكُلُ الطَّعَامَ .\rوَإِذَا أَرَادَ صَرْفَهُ إلَى الصَّغِيرِ ، فَإِنَّهُ يَدْفَعُهُ إلَى وَلِيِّهِ ، يَقْبِضُ لَهُ ؛ فَإِنَّ الصَّغِيرَ لَا يَصِحُّ مِنْهُ الْقَبْضُ .\rفَأَمَّا مَنْ لَا يَأْكُلُ الطَّعَامَ ، فَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الدَّفْعُ إلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَأْكُلُهُ ، فَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ دَفْعِ الْقِيمَةِ .\rوَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : يُجْزِئُ ؛ لِأَنَّهُ مِسْكِينٌ يُدْفَعُ إلَيْهِ مِنْ الزَّكَاةِ ، فَأَشْبَهَ الْكَبِيرَ .\rوَإِذَا قُلْنَا : يَجُوزُ الدَّفْعُ إلَى الْمُكَاتَبِ ، جَازَ لِلسَّيِّدِ الدَّفْعُ مِنْ كَفَّارَتِهِ إلَى مُكَاتِبِهِ ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ مِنْ زَكَاتِهِ ( 6217 ) فَصْلٌ : وَيَجُوزُ دَفْعُ الْكَفَّارَةِ إلَى مَنْ ظَاهِرُهُ الْفَقْرُ ، فَإِنْ بَانَ غَنِيًّا","part":17,"page":258},{"id":8258,"text":"، فَهَلْ تُجْزِئُهُ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ ؛ بِنَاءً عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي الزَّكَاةِ .\rوَإِنْ بَانَ كَافِرًا ، أَوْ عَبْدًا ، لَمْ يُجْزِئْهُ ، وَجْهًا وَاحِدًا .","part":17,"page":259},{"id":8259,"text":"( 6218 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : وَمِنْ ابْتَدَأَ صَوْمَ الظِّهَارِ مِنْ أَوَّلِ شَعْبَانَ ، أَفْطَرَ يَوْمَ الْفِطْرِ ، وَبَنَى ، وَكَذَلِكَ إنَّ ابْتَدَأَ مِنْ أَوَّلِ ذِي الْحِجَّةِ ، أَفْطَرَ يَوْمَ النَّحْرِ وَأَيَّامَ التَّشْرِيقِ .\rوَبَنَى عَلَى مَا مَضَى مِنْ صِيَامِهِ وَجُمْلَةُ ذَلِكَ ، أَنَّهُ إذَا تَخَلَّلَ صَوْمَ الظِّهَارِ زَمَانٌ لَا يَصِحُّ صَوْمُهُ عَنْ الْكَفَّارَةِ ، مِثْلُ أَنْ يَبْتَدِئَ الصَّوْمَ مِنْ أَوَّلِ شَعْبَانَ ، فَيَتَخَلَّلَهُ رَمَضَانُ وَيَوْمُ الْفِطْرِ ، أَوْ يَبْتَدِئَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ ، فَيَتَخَلَّلَهُ يَوْمُ النَّحْرِ وَأَيَّامُ التَّشْرِيقِ ، فَإِنَّ التَّتَابُعَ لَا يَنْقَطِعُ بِهَذَا ، وَيَبْنِي عَلَى مَا مَضَى مِنْ صِيَامِهِ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يَنْقَطِعُ التَّتَابُعُ ، وَيَلْزَمُهُ الِاسْتِئْنَافُ ؛ لِأَنَّهُ أَفْطَرَ فِي أَثْنَاءِ الشَّهْرَيْنِ بِمَا كَانَ يُمْكِنُهُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ ، فَأَشْبَهَ إذَا أَفْطَرَ بِغَيْرِ ذَلِكَ ، أَوْ صَامَ عَنْ نَذْرٍ ، أَوْ كَفَّارَةٍ أُخْرَى .\rوَلَنَا أَنَّهُ زَمَنٌ مَنَعَهُ الشَّرْعُ عَنْ صَوْمِهِ فِي الْكَفَّارَةِ ، فَلَمْ يَقْطَعْ التَّتَابُعَ ، كَالْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ .\rفَإِنْ قَالَ : الْحَيْضُ وَالنِّفَاسُ غَيْرُ مُمْكِنٍ التَّحَرُّزُ مِنْهُ .\rقُلْنَا : قَدْ يُمْكِنْ التَّحَرُّزُ مِنْ النِّفَاسِ بِأَنْ لَا تَبْتَدِئَ الصَّوْمَ فِي حَالِ الْحَمْلِ ، وَمِنْ الْحَيْضِ إذَا كَانَ طُهْرُهَا يَزِيدُ عَلَى الشَّهْرَيْنِ ، بِأَنْ تَبْتَدِئَ الصَّوْمَ عَقِيبَ طُهْرِهَا مِنْ الْحَيْضَةِ ، وَمَعَ هَذَا فَإِنَّهُ لَا يَنْقَطِعُ التَّتَابُعُ بِهِ ، وَلَا يَجُوزُ لِلْمَأْمُومِ مُفَارَقَةُ إمَامِهِ لِغَيْرِ عُذْرٍ ، وَيَجُوزُ أَنْ يَدْخُلَ مَعَهُ الْمَسْبُوقُ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ ، مَعَ عِلْمِهِ بِلُزُومِ مُفَارَقَتِهِ قَبْلَ إتْمَامِهَا .\rوَيَتَخَرَّجُ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ رِوَايَةٌ أُخْرَى ، أَنَّهُ يَصُومُهَا عَنْ الْكَفَّارَةِ ، وَلَا يُفْطِرُ إلَّا يَوْمَ النَّحْرِ وَحْدَهُ .\rفَعَلَى هَذَا ، إنْ أَفْطَرَهَا اسْتَأْنَفَ ؛ لِأَنَّهَا أَيَّامٌ أَمْكَنَهُ صِيَامُهَا فِي الْكَفَّارَةِ ، فَفِطْرُهَا يَقْطَعُ التَّتَابُعَ كَغَيْرِهَا .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّهُ إنْ ابْتَدَأَ","part":17,"page":260},{"id":8260,"text":"الصَّوْمَ مِنْ أَوَّلِ شَعْبَانَ ، أَجْزَأَهُ صَوْمُ شَعْبَانَ عَنْ شَهْرٍ ، نَاقِصًا كَانَ أَوْ تَامًّا .\rوَأَمَّا شَوَّالٌ ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَبْدَأَ بِهِ مِنْ أَوَّلِهِ ؛ لِأَنَّ أَوَّلَهُ يَوْمُ الْفِطْرِ ، وَصَوْمُهُ حَرَامٌ ، فَيَشْرَعُ فِي صَوْمِهِ مِنْ الْيَوْمِ الثَّانِي ، وَيُتَمِّمُ شَهْرًا بِالْعَدَدِ ثَلَاثِينَ يَوْمًا .\rوَإِنْ بَدَأَ مِنْ أَوَّلِ ذِي الْحِجَّةِ إلَى آخِرِ الْمُحَرَّمِ ، قَضَى أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ ، وَأَجْزَأَهُ ؛ لِأَنَّهُ بَدَأَ بِالشَّهْرَيْنِ مِنْ أَوَّلِهِمَا .\rوَلَوْ ابْتَدَأَ صَوْمَ الشَّهْرَيْنِ مِنْ يَوْمِ الْفِطْرِ ، لَمْ يَصِحَّ صَوْمُ يَوْمٍ الْفِطْرِ ، وَصَحَّ صَوْمُ بَقِيَّةِ الشَّهْرِ ، وَصَوْمُ ذِي الْقَعْدَةِ ، وَيُحْتَسَبُ لَهُ بِذِي الْقَعْدَةِ ، نَاقِصًا كَانَ أَوْ تَامًّا ؛ لِأَنَّهُ بَدَأَهُ مِنْ أَوَّلِهِ .\rوَأَمَّا شَوَّالٌ ، فَإِنْ كَانَ تَامًّا صَامَ يَوْمًا مِنْ ذِي الْحِجَّةِ ، مَكَانَ يَوْمِ الْفِطْر ، وَأَجْزَأَهُ ، وَإِنْ كَانَ نَاقِصًا ، صَامَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ يَوْمَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْدَأْهُ مِنْ أَوَّلِهِ .\rوَإِنْ بَدَأَ بِالصِّيَامِ مِنْ أَوَّلِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ ، وَقُلْنَا : يَصِحُّ صَوْمُهَا عَنْ الْفَرْضِ .\rفَإِنَّهُ يُحْتَسَبُ لَهُ بِالْمُحَرَّمِ ، وَيُكْمِلُ صَوْمِ ذِي الْحِجَّةِ بِتَمَامِ ثَلَاثِينَ يَوْمًا مِنْ صَفَرٍ .\rوَإِنْ قُلْنَا : لَا يَصِحُّ صَوْمُهَا عَنْ الْفَرْضِ .\rصَامَ مَكَانَهَا مِنْ صَفَرٍ .\r( 6219 ) فَصْلٌ : وَيَجُوزُ أَنْ يَبْتَدِئَ صَوْمِ الشَّهْرَيْنِ مِنْ أَوَّلِ شَهْرٍ ، وَمِنْ أَثْنَائِهِ ، لَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا ؛ لِأَنَّ الشَّهْرَ اسْمٌ لِمَا بَيْنَ الْهِلَالَيْنِ وَلِثَلَاثِينَ يَوْمًا ، فَأَيُّهُمَا صَامَ فَقَدْ أَدَّى الْوَاجِبَ ، فَإِنْ بَدَأَ مِنْ أَوَّلِ شَهْرٍ ، فَصَامَ شَهْرَيْنِ بِالْأَهِلَّةِ ، أَجْزَأَهُ ذَلِكَ ، تَامَّيْنِ كَانَا أَوْ نَاقِصَيْنِ ، إجْمَاعًا .\rوَبِهَذَا قَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَأَهْلُ الْعِرَاقِ ، وَمَالِكٌ فِي أَهْلِ الْحِجَازِ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ ، وَغَيْرُهُمْ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : { فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ } .\rوَهَذَانِ شَهْرَانِ مُتَتَابِعَانِ .\rوَإِنْ","part":17,"page":261},{"id":8261,"text":"بَدَأَ مِنْ أَثْنَاءِ شَهْرٍ ، فَصَامَ سِتِّينَ يَوْمًا .\rأَجْزَأَهُ ، بِغَيْرِ خِلَافٍ أَيْضًا .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعَ عَلَى هَذَا مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rفَأَمَّا إنْ صَامَ شَهْرًا بِالْهِلَالِ ، وَشَهْرًا بِالْعَدَدِ ، فَصَامَ خَمْسَةَ عَشْرَ يَوْمًا مِنْ الْمُحَرَّمِ ، وَصَفَرَ جَمِيعَهُ ، وَخَمْسَةَ عَشْرَ يَوْمًا مِنْ رَبِيعٍ ، فَإِنَّهُ يُجْزِئُهُ ، سَوَاءٌ كَانَ صَفَرٌ تَامًّا أَوْ نَاقِصًا ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ اعْتِبَارُ الشُّهُورِ بِالْأَهِلَّةِ ، لَكِنْ تَرَكْنَاهُ فِي الشَّهْرِ الَّذِي بَدَأَ مِنْ وَسَطِهِ لِتَعَذُّرِهِ ، فَفِي الشَّهْرِ الَّذِي أَمْكَنَ اعْتِبَارُهُ يَجِبُ أَنْ يُعْتَبَرَ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ .\rوَيَتَوَجَّهُ أَنْ يُقَالُ : لَا يُجْزِئُهُ إلَّا شَهْرَانِ بِالْعَدَدِ ؛ لِأَنَّنَا لَمَّا ضَمَمْنَا إلَى الْخَمْسَةَ عَشْرَ مِنْ الْمُحَرَّمِ خَمْسَةَ عَشْرَ مِنْ صَفَرٍ ، فَصَارَ ذَلِكَ شَهْرًا صَارَ ابْتِدَاءُ صَوْمِ الشَّهْرِ الثَّانِي مِنْ أَثْنَاءِ شَهْرٍ أَيْضًا .\rوَهَذَا قَوْلُ الزُّهْرِيِّ .","part":17,"page":262},{"id":8262,"text":"فَصْلٌ : فَإِنْ نَوَى صَوْمِ شَهْرِ رَمَضَانَ عَنْ الْكَفَّارَةِ ، لَمْ يُجْزِئْهُ عَنْ رَمَضَانَ ، وَلَا عَنْ الْكَفَّارَةِ ، وَانْقَطَعَ التَّتَابُعُ ، حَاضِرًا كَانَ أَوْ مُسَافِرًا ؛ لِأَنَّهُ تَخَلَّلَ صَوْمَ الْكَفَّارَةِ فِطْرٌ غَيْرُ مَشْرُوعٍ .\rوَقَالَ مُجَاهِدٌ ، وَطَاوُسٌ : يُجْزِئُهُ عَنْهُمَا .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إنْ كَانَ حَاضِرًا ، أَجْزَأَهُ عَنْ رَمَضَانَ دُونَ الْكَفَّارَةِ ؛ لِأَنَّ تَعْيِينَ النِّيَّةِ غَيْرُ مُشْتَرَطٍ لِرَمَضَانَ ، وَإِنْ كَانَ فِي سَفَرٍ ، أَجْزَأَهُ عَنْ الْكَفَّارَةِ دُونَ رَمَضَانَ .\rوَقَالَ صَاحِبَاهُ : يُجْزِئُ عَنْ رَمَضَانَ دُونَ الْكَفَّارَةِ ، سَفَرًا وَحَضَرًا .\rوَلَنَا ، أَنَّ رَمَضَانَ مُتَعَيِّنٌ لِصَوْمِهِ ، مُحَرَّمٌ صَوْمُهُ عَنْ غَيْرِهِ ، فَلَمْ يُجْزِئْهُ عَنْ غَيْرِهِ ، كَيَوْمَيْ الْعِيدَيْنِ ، وَلَا يُجْزِئُ عَنْ رَمَضَانَ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ ، وَإِنَّمَا لِامْرِئٍ مَا نَوَى } .\rوَهَذَا مَا نَوَى رَمَضَانَ ، فَلَا يُجْزِئُهُ ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ ؛ لِأَنَّ الزَّمَانَ مُتَعَيَّنٌ ، وَإِنَّمَا جَازَ فِطْرُهُ فِي السَّفَرِ رُخْصَةً ، فَإِذَا تَكَلَّفَ وَصَامَ ، رَجَعَ إلَى الْأَصْلِ .\rفَإِنْ سَافَرَ فِي رَمَضَانَ الْمُتَخَلِّلِ لِصَوْمِ الْكَفَّارَةِ وَأُفْطِرَ ، لَمْ يَنْقَطِعْ التَّتَابُعُ ؛ لِأَنَّهُ زَمَنٌ لَا يَسْتَحِقُّ صَوْمَهُ عَنْ الْكَفَّارَةِ ، فَلَمْ يَنْقَطِعْ التَّتَابُعُ بِفِطْرِهِ كَاللَّيْلِ .","part":17,"page":263},{"id":8263,"text":"( 6221 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : وَإِذَا كَانَ الْمُظَاهِرُ عَبْدًا ، لَمْ يُكَفِّرْ إلَّا بِالصِّيَامِ ، وَإِذَا صَامَ ، فَلَا يُجْزِئُهُ إلَّا شَهْرَانِ مُتَتَابِعَانِ قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ ظِهَارَ الْعَبْدِ صَحِيحٌ وَكَفَّارَتَهُ بِالصِّيَامِ ؛ لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى قَالَ : { فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ } .\rوَالْعَبْدُ لَا يَسْتَطِيعُ الْإِعْتَاقَ ، فَهُوَ كَالْحُرِّ الْمُعْسِرِ ، وَأَسْوَأُ مِنْهُ حَالًا ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ غَيْرُ الصِّيَامِ ، سَوَاءٌ أَذِنَ لَهُ سَيِّدُهُ فِي التَّكْفِيرِ بِالْعِتْقِ ، أَوْ لَمْ يَأْذَنْ .\rوَحُكِيَ هَذَا عَنْ الْحَسَنِ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيِّ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ ، رِوَايَةٌ أُخْرَى ، إنْ أَذِنَ لَهُ سَيِّدُهُ فِي التَّكْفِيرِ بِالْمَالِ جَازَ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الْأَوْزَاعِيِّ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ؛ لِأَنَّهُ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ يَصِيرُ قَادِرًا عَلَى التَّكْفِيرِ بِالْمَالِ ، فَجَازَ لَهُ ذَلِكَ ، كَالْحُرِّ .\rوَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ ، يَجُوزُ لَهُ التَّكْفِيرُ بِالْإِطْعَامِ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْ الصِّيَامِ .\rوَهَلْ لَهُ الْعِتْقُ ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ ؛ إحْدَاهُمَا ، لَا يَجُوزُ .\rوَحُكِيَ هَذَا عَنْ مَالِكٍ ، وَقَالَ : أَرْجُو أَنْ يُجْزِئَهُ الْإِطْعَامُ .\rوَأَنْكَرَ ذَلِكَ ابْنُ الْقَاسِمِ صَاحِبُهُ ، وَقَالَ : لَا يُجْزِئُهُ إلَّا الصِّيَامُ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْعِتْقَ يَقْتَضِي الْوَلَاءَ ، وَالْوِلَايَةَ ، وَالْإِرْثَ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لِلْعَبْدِ .\rوَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ ، لَهُ الْعِتْقُ .\rوَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ .\rوَاخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ ؛ لِأَنَّ مَنْ صَحَّ تَكْفِيرُهُ بِالْإِطْعَامِ ، صَحَّ بِالْعِتْقِ ، وَلَا يَمْتَنِعُ صِحَّةُ الْعِتْقِ مَعَ انْتِفَاءِ الْإِرْثِ .\rكَمَا لَوْ أَعْتَقَ مَنْ يُخَالِفُهُ فِي دِينِهِ ، وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِالْعِتْقِ إسْقَاطُ الْمِلْكِيَّةِ عَنْ الْعَبْدِ ، وَتَمْلِيكُهُ نَفْعَ نَفْسِهِ ، وَخُلُوصُهُ مِنْ ضَرَرِ الرِّقِّ ، وَمَا يَحْصُلُ مِنْ تَوَابِعِ ذَلِكَ لَيْسَ هُوَ الْمَقْصُودَ ، فَلَا يَمْنَعُ مِنْ صِحَّتِهِ مَا يَحْصُلُ مِنْهُ الْمَقْصُودُ ، لِامْتِنَاعِ بَعْضِ تَوَابِعِهِ .\rوَوَجْهُ","part":17,"page":264},{"id":8264,"text":"الْأُولَى ، أَنَّ الْعَبْدَ مَالٌ ، لَا يَمْلِكُ الْمَالَ ، فَيَقَعُ تَكْفِيرُهُ بِالْمَالِ بِمَالِ غَيْرِهِ ، فَلَمْ يُجْزِئْهُ ، كَمَا لَوْ أَعْتَقَ عَبْدَ غَيْرِهِ عَنْ كَفَّارَتِهِ .\rوَعَلَى كِلْتَا الرِّوَايَتَيْنِ ، لَا يَلْزَمُهُ التَّكْفِيرُ بِالْمَالِ ، وَإِنْ أَذِنَ لَهُ سَيِّدُهُ فِيهِ ؛ لِأَنَّ فَرْضَهُ الصِّيَامُ ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ غَيْرُهُ ، كَمَا لَوْ أَذِنَ مُوسِرٌ لِحُرٍّ مُعْسِرٍ فِي التَّكْفِيرِ مِنْ مَالِهِ .\rوَإِنْ كَانَ عَاجِزًا عَنْ الصِّيَامِ ، فَأَذِنَ لَهُ سَيِّدُهُ فِي التَّكْفِيرِ بِمَا شَاءَ مِنْ الْعِتْقِ وَالْإِطْعَامِ ، فَإِنَّ لَهُ التَّكْفِيرَ بِالْإِطْعَامِ ؛ لِأَنَّ مَنْ لَا يَلْزَمُهُ الْإِعْتَاقُ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى الصِّيَامِ ، لَا يَلْزَمُهُ مَعَ عَجْزِهِ عَنْهُ ، كَالْحُرِّ الْمُعْسِرِ ، وَلِأَنَّ عَلَيْهِ ضَرَرًا فِي الْتِزَامِ الْمِنَّةِ الْكَبِيرَةِ فِي قَبُولِ الرَّقَبَةِ ، وَلَا يَلْزَمُ مِثْلُ ذَلِكَ فِي الطَّعَامِ ؛ لِقِلَّةِ الْمِنَّةِ فِيهِ .\rوَهَذَا فِيمَا إذَا أَذِنَ لَهُ سَيِّدُهُ فِي التَّكْفِيرِ قَبْلَ الْعَوْدِ ، فَإِنْ عَادَ وَجَبَتْ الْكَفَّارَةُ فِي ذِمَّتِهِ ، ثُمَّ أَذِنَ لَهُ سَيِّدُهُ فِي التَّكْفِيرِ ، انْبَنِي مَعَ ذَلِكَ عَلَى أَصْلٍ آخَرَ ، وَهُوَ أَنَّ التَّكْفِيرَ هَلْ هُوَ مُعْتَبَرٌ بِحَالَةِ الْوُجُوبِ ، أَوْ بِأَغْلَظِ الْأَحْوَالِ ؟ وَسَنَذْكُرُ ذَلِكَ - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - .\rوَعَلَى كُلِّ حَالٍ ، فَإِذَا صَامَ ، لَا يُجْزِئُهُ إلَّا شَهْرَانِ مُتَتَابِعَانِ ؛ لِدُخُولِهِ فِي عُمُومِ قَوْله تَعَالَى : { فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ } .\rوَلِأَنَّهُ صَوْمٌ فِي كَفَّارَةٍ فَاسْتَوَى فِيهِ الْحُرُّ وَالْعَبْدُ ، كَكَفَّارَةِ الْيَمِينِ .\rوَبِهَذَا قَالَ الْحَسَنُ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ .\rوَلَا نَعْلَمُ لَهُمْ مُخَالِفًا ، إلَّا مَا رُوِيَ عَنْ عَطَاءٍ ، أَنَّهُ : لَوْ صَامَ شَهْرًا ، أَجْزَأَهُ .\rوَقَالَهُ النَّخَعِيُّ ، ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ إلَى قَوْلِ الْجَمَاعَةِ .","part":17,"page":265},{"id":8265,"text":"( 6222 ) فَصْلٌ : وَالِاعْتِبَارُ فِي الْكَفَّارَةِ بِحَالَةِ الْوُجُوبِ ، فِي أَظْهَرْ الرِّوَايَتَيْنِ ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ ؛ لِأَنَّهُ قَالَ : إذَا حَنِثَ وَهُوَ عَبْدٌ ، فَلَمْ يُكَفِّرْ حَتَّى عَتَقَ ، فَعَلَيْهِ الصَّوْمُ لَا يُجْزِئُهُ غَيْرُهُ .\rوَكَذَلِكَ قَالَ الْأَثْرَمُ : سَمِعْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يُسْأَلُ عَنْ عَبْدٍ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ ، فَحَنِثَ فِيهَا وَهُوَ عَبْدٌ ، فَلَمْ يُكَفِّرْ حَتَّى عَتَقَ ، أَيُكَفِّرُ كَفَّارَةَ حُرٍّ أَوْ كَفَّارَةَ عَبْدٍ ؟ قَالَ : يُكَفِّرُ كَفَّارَةَ عَبْدٍ ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُكَفِّرُ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ يَوْمَ حَنِثَ ، لَا يَوْمَ حَلَفَ .\rقُلْت لَهُ : حَلَفَ وَهُوَ عَبْدٌ ، وَحَنِثَ وَهُوَ حُرٌّ ؟ قَالَ : يَوْمَ حَنِثَ .\rوَاحْتَجَّ فَقَالَ : افْتَرَى وَهُوَ عَبْدٌ أَيْ ثُمَّ أُعْتِقْ فَإِنَّمَا يُجْلَدُ جَلْدَ الْعَبْدِ .\rوَهُوَ أَحَدُ أَقْوَالِ الشَّافِعِيِّ .\rفَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ يُعْتَبَرُ يَسَارُهُ وَإِعْسَارُهُ حَالَ وُجُوبِهَا عَلَيْهِ ، فَإِنْ كَانَ مُوسِرًا حَالَ الْوُجُوبِ ، اسْتَقَرَّ وُجُوبُ الرَّقَبَةِ عَلَيْهِ ، فَلَمْ يَسْقُطْ بِإِعْسَارِهِ بَعْدَ ذَلِكَ .\rوَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا ، فَفَرْضُهُ الصَّوْمُ ، فَإِذَا أَيْسَرَ بَعْدَ ذَلِكَ ، لَمْ يَلْزَمْهُ الِانْتِقَالُ إلَى الرَّقَبَةِ .\rوَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ ، الِاعْتِبَارُ بِأَغْلَظِ الْأَحْوَالِ مِنْ حِينِ الْوُجُوبِ إلَى حِينِ التَّكْفِيرِ ، فَمَتَى وَجَدَ رَقَبَةً فِيمَا بَيْنَ الْوُجُوبِ إلَى حِينِ التَّكْفِيرِ ، لَمْ يُجْزِئْهُ إلَّا الْإِعْتَاقُ .\rوَهَذَا قَوْلٌ ثَانٍ لِلشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ يَجِبُ فِي الذِّمَّةِ بِوُجُودِ مَالٍ ، فَاعْتُبِرَ فِيهِ أَغْلَظُ الْحَالَيْنِ كَالْحَجِّ .\rوَلَهُ قَوْلٌ ثَالِثٌ ، أَنَّ الِاعْتِبَارَ بِحَالَةِ الْأَدَاءِ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٍ ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ لَهُ بَدَلٌ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ ، فَكَانَ الِاعْتِبَارُ فِيهِ بِحَالَةِ الْأَدَاءِ ، كَالْوُضُوءِ .\rوَلَنَا أَنَّ الْكَفَّارَةَ تَجِبُ عَلَى وَجْهِ الطَّهَارَةِ ، فَكَانَ الِاعْتِبَارُ فِيهَا بِحَالَةِ الْوُجُوبِ كَالْحَدِّ ، أَوْ نَقُولُ : مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الصِّيَامُ فِي الْكَفَّارَةِ ، لَمْ","part":17,"page":266},{"id":8266,"text":"يَلْزَمْهُ غَيْرُهُ ، كَالْعَبْدِ إذَا أُعْتِقَ ، وَيُفَارِقُ الْوُضُوءَ ، فَإِنَّهُ لَوْ تَيَمَّمَ ثُمَّ وَجَدَ الْمَاءَ ، بَطَلِ تَيَمُّمُهُ ، وَهَاهُنَا لَوْ صَامَ ، ثُمَّ قَدَرِ عَلَى الرَّقَبَةِ ، لَمْ يَبْطُلْ صَوْمُهُ ، وَلَيْسَ الِاعْتِبَارُ فِي الْوُضُوءِ بِحَالَةِ الْأَدَاءِ ، فَإِنَّ أَدَاءَهُ فِعْلُهُ ، وَلَيْسَ الِاعْتِبَارُ بِهِ ، وَإِنَّمَا الِاعْتِبَارُ بِأَدَاءِ الصَّلَاةِ ، وَهِيَ غَيْرُ الْوُضُوءِ .\rوَأَمَّا الْحَجُّ فَهُوَ عِبَادَةُ الْعُمْرِ ، وَجَمِيعُهُ وَقْتٌ لَهَا ، فَمَتَى قَدَرِ عَلَيْهِ فِي جُزْءٍ مِنْ وَقْتِهِ وَجَبَ ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا .\rثُمَّ يَبْطُلُ مَا ذَكَرُوهُ بِالْعَبْدِ إذَا أَعْتَقَ ، فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الِانْتِقَالُ إلَى الْعِتْقِ مَعَ مَا ذَكَرُوهُ .\rفَإِنْ قِيلَ : الْعَبْدُ لَمْ يَكُنْ مِمَّنْ تَجِبُ عَلَيْهِ الرَّقَبَةُ ، وَلَا تُجْزِئُهُ ، فَلَمَّا لَمْ تُجْزِئْهُ الزِّيَادَةُ ، لَمْ تَلْزَمْهُ بِتَغَيُّرِ الْحَالِ ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا .\rقُلْنَا : هَذَا لَا أَثَرَ لَهُ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّهُ إذَا أَيْسَرِ ، فَأَحَبَّ أَنْ يَنْتَقِلَ إلَى الْإِعْتَاقِ ، جَازَ لَهُ ، فِي ظَاهِرِ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ ؛ فَإِنَّهُ قَالَ : وَمَنْ دَخَلَ فِي الصَّوْمِ ، ثُمَّ قَدَرَ عَلَى الْهَدْيِ ، لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ الْخُرُوجُ إلَّا أَنْ يَشَاءَ .\rوَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ إذَا شَاءَ فَلَهُ الِانْتِقَالُ إلَيْهِ ، وَيُجْزِئُهُ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْحَانِثُ عَبْدًا ، فَلَيْسَ لَهُ إلَّا الصَّوْمُ وَإِنْ عَتَقَ .\rوَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، عَلَى الْقَوْلِ الَّذِي تَوَافَقْنَا فِيهِ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْعِتْقَ هُوَ الْأَصْلُ ، فَوَجَبَ أَنْ يُجْزِئَهُ كَسَائِرِ الْأُصُولِ .\rفَأَمَّا إنْ اسْتَمَرَّ بِهِ الْعَجْزُ حَتَّى شَرَعَ فِي الصِّيَامِ ، لَمْ يَلْزَمْهُ الِانْتِقَالُ إلَى الْعِتْقِ .\rبِغَيْرِ خِلَافٍ فِي الْمَذْهَبِ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّعْبِيِّ ، وَقَتَادَةَ ، وَمَالِكٍ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَاللَّيْثِ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ .\rوَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الْحَسَن .\rوَذَهَبَ ابْنُ سِيرِينَ ، وَعَطَاءٌ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَالْحَكَمُ ، وَحَمَّادٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو","part":17,"page":267},{"id":8267,"text":"عُبَيْدٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ، إلَى أَنَّهُ يَلْزَمُهُ الْعِتْقُ ؛ لِأَنَّهُ قَدَرَ عَلَى الْأَصْلِ قَبْلَ أَدَاءِ فَرْضِهِ بِالْبَدَلِ ، فَلَزِمَهُ الْعَوْدُ إلَيْهِ ، كَالْمُتَيَمِّمِ يَجِدُ الْمَاءَ قَبْلَ الصَّلَاةِ ، أَوْ فِي أَثْنَائِهَا .\rوَلَنَا أَنَّهُ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْعِتْق قَبْلَ تَلَبُّسِهِ بِالصِّيَامِ ، فَلَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ ، كَمَا لَوْ اسْتَمَرَّ الْعَجْزُ إلَى بَعْدِ الْفَرَاغِ ، وَلَا يُشْبِهُ الْوُضُوءَ ، فَإِنَّهُ لَوْ وَجَدَ الْمَاءَ بَعْدَ التَّيَمُّمِ بَطَلَ ، وَهَاهُنَا بِخِلَافِهِ ، وَلِأَنَّهُ وَجَدَ الْمُبْدَلَ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي صَوْمِ الْبَدَلِ .\rفَلَمْ يَلْزَمْهُ الِانْتِقَالُ إلَيْهِ ، كَالْمُتَمَتِّعِ يَجِدُ الْهَدْيَ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي صِيَامِ السَّبْعَةِ .\r( 6223 ) فَصْلٌ : إذَا قُلْنَا : الِاعْتِبَارُ بِحَالَةِ الْوُجُوبِ ، فَوَقْتُهُ فِي الظِّهَارِ زَمَنَ الْعَوْدِ ، لَا وَقْتَ الْمُظَاهَرَةِ ؛ لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ لَا تَجِبُ حَتَّى يَعُودَ ، وَقْتُهُ فِي الْيَمِينِ زَمَنَ الْحِنْثِ ، لَا وَقْتَ الْيَمِينِ ، وَفِي الْقَتْلِ زَمَنَ الزُّهُوقِ ، لَا زَمَنَ الْجُرْحِ ، وَتَقْدِيمُ الْكَفَّارَةِ قَبْلَ الْوُجُوبِ تَعْجِيلٌ لَهَا قَبْلَ وُجُوبِهَا ، لِوُجُودِ سَبَبِهَا ، كَتَعْجِيلِ الزَّكَاةِ قَبْلَ الْحَوْلِ وَبَعْدَ وُجُوبِ النِّصَابِ .","part":17,"page":268},{"id":8268,"text":"( 6224 ) فَصْلٌ : وَإِذَا كَانَ الْمُظَاهِرُ ذِمِّيًّا ، فَتَكْفِيرُهُ بِالْعِتْقِ ، أَوْ الْإِطْعَامِ ؛ لِأَنَّهُ يَصِحُّ مِنْهُ فِي غَيْرِ الْكَفَّارَةِ ، فَصَحَّ مِنْهُ فِيهَا ، وَلَا يَجُوزُ بِالصِّيَامِ ؛ لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ مَحْضَةٌ ، وَالْكَافِرُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا ، وَلِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ مِنْهُ فِي غَيْرِ الْكَفَّارَةِ ، فَلَا يَصِحُّ مِنْهُ فِيهَا ، وَلَا يُجْزِئُهُ فِي الْعِتْقِ إلَّا عِتْقُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ، فَإِنْ كَانَتْ فِي مِلْكِهِ ، أَوْ وَرِثَهَا ، أَجْزَأَتْ عَنْهُ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ ، فَلَا سَبِيلَ لَهُ إلَى شِرَاءِ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ؛ لِأَنَّ الْكَافِرَ لَا يَصِحُّ مِنْهُ شِرَاءُ الْمُسْلِمِ ، وَيَتَعَيَّنُ تَكْفِيرُهُ بِالْإِطْعَامِ ، إلَّا أَنْ يَقُولَ لِمُسْلِمِ : أَعْتِقْ عَبْدَك عَنْ كَفَّارَتِي ، وَعَلَيَّ ثَمَنُهُ .\rفَيَصِحُّ ، فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ .\rوَإِنْ أَسْلَمَ الذِّمِّيُّ قَبْلَ التَّكْفِيرِ بِالْإِطْعَامِ ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْعَبْدِ ، يَعْتِقُ قَبْلَ التَّكْفِيرِ بِالصِّيَامِ ، عَلَى مَا مَضَى ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَاهُ .\rوَإِنْ ظَاهَرَ وَهُوَ مُسْلِمٌ ، ثُمَّ ارْتَدَّ ، فَصَامَ فِي رِدَّتِهِ عَنْ كَفَّارَتِهِ ، لَمْ يَصِحَّ .\rوَإِنْ كَفَّرَ بِعِتْقٍ أَوْ إطْعَامٍ ، فَقَدْ أَطْلَقَ أَحْمَدُ الْقَوْلَ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : الْمَذْهَبُ أَنَّ ذَلِكَ مَوْقُوفٌ .\rفَإِنْ أَسْلَمَ تَبَيَّنَّا أَنَّهُ أَجْزَأَهُ ، وَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ تَبَيَّنَّا أَنَّهُ لَمْ يَصِحَّ مِنْهُ ، كَسَائِرِ تَصَرُّفَاتِهِ .","part":17,"page":269},{"id":8269,"text":"( 6225 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : وَمَنْ وَطِئَ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ بِالْكَفَّارَةِ ، كَانَ عَاصِيًا ، وَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ الْمَذْكُورَةُ قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْمُظَاهِرَ يَحْرُمُ عَلَيْهِ وَطْءُ زَوْجَتِهِ قَبْلَ التَّكْفِيرِ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْعِتْقِ وَالصِّيَامِ : { مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا } .\rفَإِنْ وَطِئَ عَصَى رَبَّهُ لِمُخَالَفَةِ أَمْرِهِ ، وَتَسْتَقِرُّ الْكَفَّارَةُ فِي ذِمَّتِهِ ، فَلَا تَسْقُطُ بَعْدَ ذَلِكَ بِمَوْتٍ ، وَلَا طَلَاقٍ ، وَلَا غَيْرِهِ ، وَتَحْرِيمُ زَوْجَتِهِ عَلَيْهِ بَاقٍ بِحَالِهِ ، حَتَّى يُكَفِّرَ .\rهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، وَعَطَاءٍ ، وَطَاوُسٍ ، وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ ، وَمُوَرِّقٍ الْعِجْلِيّ ، وَأَبِي مِجْلَزٍ ، وَالنَّخَعِيِّ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُذَيْنَةَ ، وَمَالِكٍ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَإِسْحَاقَ ، وَأَبِي ثَوْرٍ .\rوَرَوَى الْخَلَّالُ عَنْ الصَّلْتِ بْنِ دِينَارٍ ، قَالَ : سَأَلْتُ عَشَرَةً مِنْ الْفُقَهَاءِ عَنْ الْمُظَاهِرِ يُجَامِعُ قَبْلَ أَنْ يُكَفِّرَ ؟ قَالُوا : لَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ .\rالْحَسَنُ ، وَابْنُ سِيرِينَ ، وَبَكْرُ الْمُزَنِيّ ، وَمُوَرِّقُ الْعِجْلِيّ ، وَعَطَاءٌ ، وَطَاوُسٌ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَعِكْرِمَةُ ، وَقَتَادَةُ ، وَقَالَ وَكِيعٌ : وَأَظُنُّ الْعَاشِرَ نَافِعًا .\rوَحُكِيَ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ، أَنَّ عَلَيْهِ كَفَّارَتَيْنِ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ قَبِيصَةَ ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَالزُّهْرِيِّ ، وَقَتَادَةَ ؛ لِأَنَّ الْوَطْءَ يُوجِبُ كَفَّارَةً ، وَالظِّهَارُ مُوجِبٌ لِلْأُخْرَى .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا تَثْبُتُ الْكَفَّارَةُ فِي ذِمَّتِهِ ، وَإِنَّمَا هِيَ شَرْطٌ لِلْإِبَاحَةِ بَعْدَ الْوَطْءِ .\rكَمَا كَانَتْ قَبْلَهُ .\rوَحُكِيَ عَنْ بَعْضِ النَّاسِ أَنَّ الْكَفَّارَةَ تَسْقُطُ ؛ لِأَنَّهُ فَاتَ وَقْتهَا ؛ لِكَوْنِهَا وَجَبَتْ قَبْلَ الْمَسِيسِ .\rوَلَنَا حَدِيثُ { سَلَمَةَ بْنِ صَخْرٍ حِينَ ظَاهَرَ ثُمَّ وَطِئَ قَبْلَ التَّكْفِيرِ ، فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِكَفَّارَةٍ وَاحِدَةٍ } .\rوَلِأَنَّهُ وُجِدَ","part":17,"page":270},{"id":8270,"text":"الظِّهَارُ وَالْعَوْدُ ، فَيَدْخُلُ فِي عُمُومِ قَوْله تَعَالَى : { ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ } .\rفَأَمَّا قَوْلُهُمْ : فَاتَ وَقْتُهَا .\rفَيَبْطُلُ بِمَا ذَكَرْنَاهُ ، وَبِالصَّلَاةِ ، وَسَائِرُ الْعِبَادَاتِ يَجِبُ قَضَاؤُهَا بَعْدَ فَوَاتِ وَقْتِهَا .","part":17,"page":271},{"id":8271,"text":"( 6226 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : وَإِذَا قَالَتْ الْمَرْأَةُ لِزَوْجِهَا : أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أَبِي .\rلَمْ تَكُنْ مُظَاهِرَةً ، وَلَزِمَتْهَا كَفَّارَةُ الظِّهَارِ ؛ لِأَنَّهَا قَدْ أَتَتْ بِالْمُنْكَرِ مِنْ الْقَوْلِ وَالزُّورِ وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا قَالَتْ لِزَوْجِهَا : أَنْتَ عَلَيَّ كَظَهْرِ أَبِي .\rأَوْ قَالَتْ : إنْ تَزَوَّجْت فُلَانًا ، فَهُوَ عَلَيَّ كَظَهْرِ أَبِي .\rفَلَيْسَ ذَلِكَ بِظِهَارٍ .\rقَالَ الْقَاضِي : لَا تَكُونُ مُظَاهِرَةً ، رِوَايَةً وَاحِدَةً .\rوَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ؛ مِنْهُمْ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَقَالَ الزُّهْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ : هُوَ ظِهَارٌ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ الْحَسَنِ ، وَالنَّخَعِيِّ ، إلَّا أَنَّ النَّخَعِيّ قَالَ : إذَا قَالَتْ ذَلِكَ بَعْدَمَا تَزَوَّجَ ، فَلَيْسَ بِشَيْءِ .\rوَلَعَلَّهمْ يَحْتَجُّونَ بِأَنَّهَا أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ ظَاهَرَ مِنْ الْآخَرِ ، فَكَانَ مُظَاهِرًا كَالرَّجُلِ .\rوَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { وَاَلَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ } .\rفَخَصَّهُمْ بِذَلِكَ ، وَلِأَنَّهُ قَوْلٌ يُوجِبُ تَحْرِيمًا فِي الزَّوْجَةِ ، يَمْلِكُ الزَّوْجُ رَفْعَهُ ، فَاخْتَصَّ بِهِ الرَّجُلُ ، كَالطَّلَاقِ ، وَلِأَنَّ الْحِلَّ فِي الْمَرْأَةِ حَقٌّ لِلرَّجُلِ ، فَلَمْ تَمْلِكْ الْمَرْأَةُ إزَالَتَهُ ، كَسَائِرِ حُقُوقِهِ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَاخْتُلِفَ عَنْ أَحْمَدَ فِي الْكَفَّارَةِ ، فَنَقَلَ عَنْهُ جَمَاعَةٌ : عَلَيْهَا كَفَّارَةُ الظِّهَارِ .\rلِمَا رَوَى الْأَثْرَمُ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ إبْرَاهِيمَ ، أَنَّ عَائِشَةَ بِنْتَ طَلْحَةَ قَالَتْ : إنْ تَزَوَّجْت مُصْعَبَ بْنَ الزُّبَيْرِ ، فَهُوَ عَلَيَّ كَظَهْرِ أَبِي .\rفَسَأَلَتْ أَهْلَ الْمَدِينَةِ ، فَرَأَوْا أَنَّ عَلَيْهَا الْكَفَّارَةَ .\rوَرَوَى عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ ، عَنْ الشَّيْبَانِيِّ ، قَالَ : كُنْتُ جَالِسًا فِي الْمَسْجِدِ ، أَنَا وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُغَفَّلٍ الْمُزَنِيّ ، فَجَاءَ رَجُلٌ حَتَّى جَلَسَ إلَيْنَا ، فَسَأَلْتُهُ مَنْ أَنْتَ ؟ فَقَالَ : أَنَا مَوْلًى لِعَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ ، الَّتِي أَعْتَقَتْنِي عَنْ ظِهَارِهَا ، خَطَبَهَا","part":17,"page":272},{"id":8272,"text":"مُصْعَبُ بْنُ الزُّبَيْرِ ، فَقَالَتْ : هُوَ عَلَيَّ كَظَهْرِ أَبِي إنْ تَزَوَّجْتُهُ .\rثُمَّ رَغِبَتْ فِيهِ بَعْدُ ، فَاسْتَفْتَتْ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُمْ يَوْمئِذٍ كَثِيرٌ ، فَأَمَرُوهَا أَنْ تَعْتِقَ رَقَبَةً وَتَتَزَوَّجَهُ ، فَأَعْتَقَتْنِي وَتَزَوَّجَتْهُ .\rوَرَوَى سَعِيدٌ هَذَيْنِ الْخَبَرَيْنِ مُخْتَصَرَيْنِ ، وَلِأَنَّهَا زَوْجٌ أَتَى بِالْمُنْكَرِ مِنْ الْقَوْلِ وَالزُّورِ ، فَلَزِمَهُ كَفَّارَةُ الظِّهَارِ كَالْآخَرِ ، وَلِأَنَّ الْوَاجِبَ كَفَّارَةُ يَمِينٍ ، فَاسْتَوَى فِيهَا الزَّوْجَانِ ، كَالْيَمِينِ بِاَللَّهِ تَعَالَى .\rوَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ : لَيْسَ عَلَيْهَا كَفَّارَةٌ .\rوَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَإِسْحَاقَ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ؛ لِأَنَّهُ قَوْلٌ مُنْكَرٌ وَزُورٌ ، وَلَيْسَ بِظِهَارٍ ، فَلَمْ يُوجِبْ كَفَّارَةً ، كَالسَّبِّ وَالْقَذْفِ .\rوَلِأَنَّهُ قَوْلٌ لَيس بِظِهَارٍ ، فَلَمْ يُوجِبْ كَفَّارَةَ الظِّهَارِ ، كَسَائِرِ الْأَقْوَالِ ، أَوْ تَحْرِيمٌ مِمَّا لَا يَصِحُّ مِنْهُ الظِّهَارُ ، فَأَشْبَهَ الظِّهَارَ مِنْ أَمَتِهِ .\rوَالرِّوَايَةُ الثَّالِثَةُ : عَلَيْهَا كَفَّارَةُ الْيَمِينِ .\rقَالَ أَحْمَدُ : قَدْ ذَهَبَ عَطَاءٌ مَذْهَبًا حَسَنًا ، جَعَلَهُ بِمَنْزِلَةِ مَنْ حَرَّمَ عَلَى نَفْسِهِ شَيْئًا مِثْلَ الطَّعَامِ وَمَا أَشْبَهَ .\rوَهَذَا أَقْيَسُ عَلَى مَذْهَبِ أَحْمَدَ ، وَأَشْبَهُ بِأُصُولِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِظِهَارٍ ، وَمُجَرَّدُ الْقَوْلِ مِنْ الْمُنْكَرِ وَالزُّورِ لَا يُوجِبُ كَفَّارَةَ الظِّهَارِ ، بِدَلِيلِ سَائِرِ الْكَذِبِ ، وَالظِّهَارِ قَبْلَ الْعَوْدِ ، وَالظِّهَارِ مِنْ أَمَتِهِ وَأُمِّ وَلَدِهِ ، وَلِأَنَّهُ تَحْرِيمٌ لَا يُثْبِتُ التَّحْرِيمَ فِي الْمَحَلِّ ، فَلَمْ يُوجِبْ كَفَّارَةَ الظِّهَارِ ، كَتَحْرِيمِ سَائِرِ الْحَلَالِ .\rوَلِأَنَّهُ ظِهَارٌ مِنْ غَيْرِ امْرَأَتِهِ ، فَأَشْبَهَ الظِّهَارَ مِنْ أَمَتِهِ ، وَمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ ، فِي عِتْقِ الرَّقَبَةِ ، فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ إعْتَاقُهَا تَكْفِيرًا لَيَمِينِهَا ، فَإِنَّ عِتْقَ الرَّقَبَةِ أَحَدُ خِصَالِ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ ، وَيَتَعَيَّنُ حَمْلُهُ عَلَى هَذَا ؛ لِكَوْنِ","part":17,"page":273},{"id":8273,"text":"الْمَوْجُودِ مِنْهَا لَيْسَ بِظِهَارٍ ، وَكَلَامُ أَحْمَدَ ، فِي رِوَايَةٍ الْأَثْرَمِ ، لَا يَقْتَضِي وُجُوبَ كَفَّارَةِ الظِّهَارِ ، إنَّمَا قَالَ : الْأَحْوَطُ أَنْ تُكَفِّرَ .\rوَكَذَا حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ .\rوَلَا شَكَّ فِي أَنَّ الْأَحْوَطَ التَّكْفِيرُ بِأَغْلَظِ الْكَفَّارَاتِ ، لِيَخْرُجَ مِنْ الْخِلَافِ ، وَلَكِنْ لَيْسَ ذَلِكَ بِوَاجِبٍ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَنْصُوصٍ عَلَيْهِ ، وَلَا هُوَ فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ ، وَإِنَّمَا هُوَ تَحْرِيمٌ لِلْحَلَالِ مِنْ غَيْرِ ظِهَارٍ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ حَرَّمَ أَمَتَهُ ، أَوْ طَعَامَهُ .\rوَهَذَا قَوْلُ عَطَاءٍ .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .\r( 6227 ) فَصْلٌ : وَإِذَا قُلْنَا بِوُجُوبِ الْكَفَّارَةِ عَلَيْهَا ، فَلَا تَجِبُ عَلَيْهَا حَتَّى يَطَأَهَا وَهِيَ مُطَاوِعَةٌ ، فَإِنْ طَلَّقَهَا ، أَوْ مَاتَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ وَطْئِهَا ، أَوْ إكْرَاهِهَا عَلَى الْوَطْءِ ، فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهَا ؛ لِأَنَّهَا يَمِينٌ ، فَلَا تَجِبُ كَفَّارَتُهَا قَبْلَ الْحِنْثِ فِيهَا ، كَسَائِرِ الْأَيْمَانِ .\rوَلَا يَجِبُ تَقْدِيمُهَا قَبْلَ الْمَسِيسِ ، كَكَفَّارَاتِ سَائِرِ الْأَيْمَانِ ، وَيَجُوزُ تَقْدِيمُهَا لِذَلِكَ ، وَعَلَيْهَا تَمْكِينُ زَوْجِهَا مِنْ وَطْئِهَا قَبْلَ التَّكْفِيرِ ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ لَهُ عَلَيْهَا ، فَلَا يَسْقُطُ بِيَمِينِهَا ، وَلِأَنَّهُ لَيْسَ بِظِهَارٍ ، وَإِنَّمَا هُوَ تَحْرِيمٌ لَحَلَالٍ ، فَلَا يُثْبِتُ تَحْرِيمًا ، كَمَا لَوْ حَرَّمَ طَعَامَهُ .\rوَحُكِيَ أَنَّ ظَاهِرَ كَلَامِ أَبِي بَكْرٍ ، أَنَّهَا لَا تُمَكِّنُهُ قَبْلُ التَّكْفِيرِ ، إلْحَاقًا بِالرَّجُلِ .\rوَلَيْسَ ذَلِكَ بِجَيِّدٍ ؛ لِأَنَّ الرَّجُلَ الظِّهَارُ مِنْهُ صَحِيحٌ ، وَلَا يَصِحُّ ظِهَارُ الْمَرْأَةِ ، وَلِأَنَّ الْحِلَّ حَقُّ الرَّجُلِ ، فَمَلَكَ رَفْعَهُ ، وَالْحِلُّ حَقٌّ عَلَيْهَا ، فَلَا تَمْلِكُ إزَالَتَهُ .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":17,"page":274},{"id":8274,"text":"( 6228 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : وَإِذَا ظَاهَرَ مِنْ زَوْجَتِهِ مِرَارًا ، فَلَمْ يُكَفِّرْ ، فَكَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ هَذَا ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ ، سَوَاءٌ كَانَ فِي مَجْلِسٍ أَوْ مَجَالِسَ ، يَنْوِي بِذَلِكَ التَّأْكِيدَ ، أَوْ الِاسْتِئْنَافَ ، أَوْ أَطْلَقَ .\rنَقَلَهُ عَنْ أَحْمَدَ جَمَاعَةٌ .\rوَاخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ ، وَابْنُ حَامِدٍ ، وَالْقَاضِي .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .\rوَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ ، وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ ، وَطَاوُسٌ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ ، وَأَبُو ثَوْرٍ .\rوَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ الْقَدِيمُ وَنُقِلَ عَنْ أَحْمَدَ ، فِي مَنْ حَلَفَ أَيْمَانًا كَثِيرَةً ، فَإِنْ أَرَادَ تَأْكِيدَ الْيَمِينِ ، فَكَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ .\rفَمَفْهُومُهُ أَنَّهُ إنْ نَوَى الِاسْتِئْنَافَ فَكَفَّارَتَانِ .\rوَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ فِي الْجَدِيدِ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ : إنْ كَانَ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ ، فَكَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ ، وَإِنْ كَانَ فِي مَجَالِسَ ، فَكَفَّارَاتٌ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ ، وَعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، وَقَتَادَةَ ؛ لِأَنَّهُ قَوْلٌ يُوجِبُ تَحْرِيمَ الزَّوْجَةِ ، فَإِذَا نَوَى الِاسْتِئْنَافَ تَعَلَّقَ بِكُلِّ مَرَّةٍ حُكْمُ حَالِهَا ، كَالطَّلَاقِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ قَوْلٌ لَمْ يُؤَثِّرْ تَحْرِيمًا فِي الزَّوْجَةِ ، فَلَمْ تَجِبْ بِهِ كَفَّارَةُ الظِّهَارِ ، كَالْيَمِينِ بِاَللَّهِ تَعَالَى ، وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ لَمْ يُؤَثِّرْ تَحْرِيمًا ، فَإِنَّهَا قَدْ حُرِّمَتْ بِالْقَوْلِ الْأَوَّلِ ، وَلَمْ يَزِدْ تَحْرِيمُهَا ، وَلِأَنَّهُ لَفْظٌ يَتَعَلَّقُ بِهِ كَفَّارَةٌ ، فَإِذَا كَرَّرَهُ كَفَاهُ وَاحِدَةٌ ، كَالْيَمِينِ بِاَللَّهِ تَعَالَى .\rوَأَمَّا الطَّلَاقُ ، فَمَا زَادَ عَنْ ثَلَاثٍ ، لَا يَثْبُتُ لَهُ حُكْمٌ بِالْإِجْمَاعِ ، وَبِهَذَا يَنْتَقِضُ مَا ذَكَرُوهُ .\rوَأَمَّا الثَّالِثَةُ ، فَإِنَّهَا تُثْبِتُ تَحْرِيمًا زَائِدًا ، وَهُوَ التَّحْرِيمُ قَبْلَ زَوْجٍ وَإِصَابَةٍ ، بِخِلَافِ الظِّهَارِ الثَّانِي ، فَإِنَّهُ لَا يَثْبُتُ بِهِ تَحْرِيمٌ ، فَنَظِيرُهُ مَا زَادَ عَلَى الطَّلْقَةِ الثَّالِثَةِ ، لَا يَثْبُتُ لَهُ حُكْمٌ ،","part":17,"page":275},{"id":8275,"text":"فَكَذَلِكَ الظِّهَارُ الثَّانِي .\rفَأَمَّا إنْ كَفَّرَ عَنْ الْأَوَّلِ ، ثُمَّ ظَاهَرَ ، لَزِمَتْهُ لِلثَّانِي كَفَّارَةٌ ، بِلَا خِلَافٍ ؛ لِأَنَّ الظِّهَارَ الثَّانِيَ مِثْلُ الْأَوَّلِ ، فَإِنَّهُ حَرَّمَ الزَّوْجَةَ الْمُحَلَّلَةَ ، فَأَوْجَبَ الْكَفَّارَةَ كَالْأَوَّلِ ، بِخِلَافِ مَا قَبْلَ التَّكْفِيرِ .","part":17,"page":276},{"id":8276,"text":"( 6229 ) فَصْلٌ : وَالنِّيَّةُ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الْكَفَّارَةِ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ } .\rوَلِأَنَّ الْعِتْقَ يَقَعُ مُتَبَرَّعًا بِهِ ، وَعَنْ كَفَّارَةٍ أُخْرَى ، أَوْ نَذْرٍ ، فَلَمْ يَنْصَرِفْ إلَى هَذِهِ الْكَفَّارَةِ إلَّا بِنِيَّةٍ ، وَصِفَتُهَا أَنْ يَنْوِيَ الْعِتْقَ ، أَوْ الصِّيَامَ ، أَوْ الْإِطْعَامَ عَنْ الْكَفَّارَةِ ، فَإِنْ زَادَ الْوَاجِبَةَ كَانَ تَأْكِيدًا ، وَإِلَّا أَجْزَأَتْ نِيَّتُهُ الْكَفَّارَةَ .\rوَإِنْ نَوَى وُجُوبَهَا ، وَلَمْ يَنْوِ الْكَفَّارَةَ ، لَمْ يُجْزِئْهُ ؛ لِأَنَّ الْوُجُوبَ يَتَنَوَّعُ عَنْ كَفَّارَةٍ وَنَذْرٍ ، فَوَجَبَ تَمْيِيزُهُ .\rوَمَوْضِعُ النِّيَّةِ مَعَ التَّكْفِيرِ ، أَوْ قَبْلَهُ بِيَسِيرٍ .\rوَهَذَا الَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ ، وَقَالَ بِهِ بَعْضُ أَصْحَابِهِ .\rوَقَالَ بَعْضُهُمْ : لَا يُجْزِئُ حَتَّى يَسْتَصْحِبَ النِّيَّةَ ، وَإِنْ كَانَتْ الْكَفَّارَةُ صِيَامًا اُشْتُرِطَ نِيَّةُ الصِّيَامِ عَنْ الْكَفَّارَةِ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ ؛ لِقَوْلِهِ : عَلَيْهِ السَّلَامُ { لَا صِيَامَ لِمَنْ لَمْ يُبَيِّتْ الصِّيَامَ مِنْ اللَّيْلِ } .\rوَإِنْ اجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ كَفَّارَاتٌ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ ، لَمْ يَجِبْ تَعْيِينُ سَبَبِهَا .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَلَا نَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا .\rفَعَلَى هَذَا ، لَوْ كَانَ مُظَاهِرًا مِنْ أَرْبَعِ نِسَاءٍ ، فَأَعْتَقَ عَبْدًا عَنْ ظِهَارِهِ ، أَجْزَأَهُ عَنْ إحْدَاهُنَّ ، وَحَلَّتْ لَهُ وَاحِدَةٌ غَيْرُ مُعَيَّنَةٍ ؛ لِأَنَّهُ وَاجِبٌ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ ، فَأَجْزَأَتْهُ نِيَّةٌ مُطْلَقَةٌ ، كَمَا لَوْ كَانَ عَلَيْهِ صَوْمُ يَوْمَيْنِ مِنْ رَمَضَانَ .\rوَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنْ يُقْرِعَ بَيْنَهُنَّ ، فَتَخْرُجَ بِالْقُرْعَةِ الْمُحَلَّلَةُ مِنْهُنَّ .\rوَهَذَا قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَهُ أَنْ يَصْرِفَهَا إلَى أَيَّتِهِنَّ شَاءَ ، فَتَحِلُّ .\rوَهَذَا يُفْضِي إلَى أَنَّهُ يَتَخَيَّرُ بَيْنَ كَوْنِ هَذِهِ الْمَرْأَةِ مُحَلَّلَةً لَهُ ، أَوْ مُحَرَّمَةً عَلَيْهِ .\rوَإِنْ كَانَ الظِّهَارُ مِنْ ثَلَاثِ نِسْوَةٍ ، فَأَعْتَقَ عَبْدًا عَنْ","part":17,"page":277},{"id":8277,"text":"إحْدَاهُنَّ ، ثُمَّ صَامَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ عَنْ أُخْرَى ، ثُمَّ مَرِضَ ، فَأَطْعَمَ سِتِّينَ مِسْكِينًا عَنْ أُخْرَى ، أَجْزَأَهُ ، وَحَلَّ لَهُ الْجَمِيعُ ، مِنْ غَيْرِ قُرْعَةٍ وَلَا تَعْيِينٍ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ : يُقْرِعُ بَيْنَهُنَّ ، فَمَنْ تَقَعُ لَهَا الْقُرْعَةُ ، فَالْعِتْقُ لَهَا ، ثُمَّ يُقْرِعُ بَيْنَ الْبَاقِيَتَيْنِ ، فَمَنْ تَقَعُ لَهَا الْقُرْعَةُ فَالصِّيَامُ لَهَا ، وَالْإِطْعَامُ عَنْ الثَّالِثَةِ ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْ هَذِهِ الْخِصَالِ لَوْ انْفَرَدَتْ ، احْتَاجَتْ إلَى قُرْعَةٍ ، فَكَذَلِكَ إذَا اجْتَمَعَتْ .\rوَلَنَا أَنَّ التَّكْفِيرَ قَدْ حَصَلَ عَنْ الثَّلَاثِ ، وَزَالَتْ حُرْمَةُ الظِّهَارِ ، فَلَمْ يَحْتَجْ إلَى قُرْعَةٍ ، كَمَا لَوْ أَعْتَقَ ثَلَاثَةَ أَعْبُدٍ عَنْ ظِهَارِهِنَّ دَفْعَةً وَاحِدَةً .\rفَأَمَّا إنْ كَانَتْ الْكَفَّارَةُ مِنْ أَجْنَاسٍ ؛ كَظِهَارٍ ، وَقَتْلٍ ، وَجِمَاعٍ فِي رَمَضَانَ ، وَيَمِينٍ ، فَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : لَا يَفْتَقِرُ إلَى تَعْيِينِ السَّبَبِ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ وَاجِبَةٌ ، فَلَمْ تَفْتَقِرْ صِحَّةُ أَدَائِهَا إلَى تَعْيِينِ سَبَبِهَا ، كَمَا لَوْ كَانَتْ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : يَحْتَمِلُ أَنْ يَشْتَرِطَ تَعْيِينَ سَبَبِهَا ، وَلَا تُجْزِئُ نِيَّةٌ مُطْلَقَةٌ .\rوَحَكَاهُ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ عَنْ أَحْمَدَ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةِ ؛ لِأَنَّهُمَا عِبَادَتَانِ مِنْ جِنْسَيْنِ ، فَوَجَبَ تَعْيِينُ النِّيَّةِ لَهُمَا ، كَمَا لَوْ وَجَبَ عَلَيْهِ صَوْمٌ مِنْ قَضَاءٍ وَنَذْرٍ ، فَعَلَى هَذَا لَوْ كَانَتْ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ ، لَا يُعْلَمُ سَبَبُهَا ، فَكَفَّرَ كَفَّارَةً وَاحِدَةً ، أَجْزَأَهُ ، عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ .\rقَالَهُ أَبُو بَكْرٍ .\rوَعَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي ، يَنْبَغِي أَنْ يَلْزَمَهُ التَّكْفِيرُ بِعَدَدِ أَسْبَابِ الْكَفَّارَاتِ ، كُلُّ وَاحِدَةٍ عَنْ سَبَبٍ ، كَمَنْ نَسِيَ صَلَاةً مِنْ يَوْمٍ لَا يَعْلَمُ عَيْنَهَا ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ خَمْسُ صَلَوَاتٍ ، وَلَوْ عَلِمَ أَنَّ عَلَيْهِ صَوْمَ يَوْمٍ ، لَا يَعْلَمُ أَمِنَ قَضَاءٍ هُوَ ،","part":17,"page":278},{"id":8278,"text":"أَوْ نَذْرٍ ، لَزِمَهُ صَوْمُ يَوْمَيْنِ .\rفَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ صَوْمُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ، لَا يَدْرِي أَهِيَ مِنْ كَفَّارَةِ يَمِينٍ ، أَوْ قَضَاءٍ ، أَوْ نَذْرٍ ، لَزِمَهُ صَوْمُ تِسْعَةِ أَيَّامٍ ، كُلُّ ثَلَاثَةٍ عَنْ وَاحِدَةٍ مِنْ الْجِهَاتِ الثَّلَاثِ .","part":17,"page":279},{"id":8279,"text":"( 6230 ) فَصْلٌ : وَإِذَا كَانَتْ عَلَى رَجُلٍ كَفَّارَتَانِ ، فَأَعْتَقَ عَنْهُمَا عَبْدَيْنِ ، لَمْ يَخْلُ مِنْ أَرْبَعَةِ أَحْوَالٍ : أَحَدهَا ، أَنْ يَقُولَ : أَعْتَقْت هَذَا عَنْ هَذِهِ الْكَفَّارَةِ ، وَهَذَا عَنْ هَذِهِ .\rفَيُجْزِئُهُ ، إجْمَاعًا .\rالثَّانِي ، أَنْ يَقُولَ : أَعْتَقْت هَذَا عَنْ إحْدَى الْكَفَّارَتَيْنِ ، وَهَذَا عَنْ الْأُخْرَى .\rمِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ ، فَيَنْظُرُ ؛ فَإِنْ كَانَا مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ ، كَكَفَّارَتَيْ ظِهَارٍ ، أَوْ كَفَّارَتَيْ قَتْلٍ ، أَجْزَأَهُ .\rوَإِنْ كَانَتَا مِنْ جِنْسَيْنِ ، كَكَفَّارَةِ ظِهَارٍ ، وَكَفَّارَةِ قَتْلٍ ، خُرِّجَ عَلَى الْوَجْهَيْنِ فِي اشْتِرَاطِ تَعْيِينِ السَّبَبِ ؛ إنْ قُلْنَا : يُشْتَرَطُ .\rلَمْ يُجْزِئْهُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا .\rوَإِنْ قُلْنَا : لَا يُشْتَرَطُ .\rأَجْزَأَهُ عَنْهُمَا .\rالثَّالِثُ ، أَنْ يَقُولَ : أَعْتَقْتُهُمَا عَنْ الْكَفَّارَتَيْنِ .\rفَإِنْ كَانَتَا مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ أَجْزَأَ عَنْهُمَا ، وَيَقَعُ كُلُّ وَاحِدٍ عَنْ كَفَّارَةٍ ، وَلِأَنَّ عُرْفَ الشَّرْعِ وَالِاسْتِعْمَالِ إعْتَاقُ الرَّقَبَةِ عَنْ الْكَفَّارَةِ ، فَإِذَا أَطْلَقَ ذَلِكَ وَجَبَ حَمْلُهُ عَلَيْهِ ، وَإِنْ كَانَتَا مِنْ جِنْسَيْنِ ، خُرِّجَ عَلَى الْوَجْهَيْنِ .\rالرَّابِعُ - أَنْ يَعْتِقَ كُلَّ وَاحِدَةٍ عَنْهُمَا جَمِيعًا ، فَيَكُونَ مُعْتِقًا عَنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ الْكَفَّارَتَيْنِ نِصْفَ الْعَبْدَيْنِ ، فَيَنْبَنِي ذَلِكَ عَلَى أَصْلٍ آخَرَ ، وَهُوَ إذَا أَعْتَقَ نِصْفَ رَقَبَتَيْنِ عَنْ كَفَّارَةٍ ، هَلْ يُجْزِئُهُ أَوْ لَا ؟ فَعَلَى قَوْلِ الْخِرَقِيِّ يُجْزِئُهُ ؛ لِأَنَّ الْأَشْقَاصَ بِمَنْزِلَةِ الْأَشْخَاصِ ، فِيمَا لَا يَمْنَعُ مِنْهُ الْعَيْبُ الْيَسِيرُ ، بِدَلِيلِ الزَّكَاةِ ، فَإِنَّ مَنْ مَلَكَ نِصْفَ ثَمَانِينَ شَاةً ، كَانَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ مَلَكِ أَرْبَعِينَ ، وَلَا تَلْزَمُ الْأُضْحِيَّةُ ، فَإِنَّهُ يَمْنَعُ مِنْهُ الْعَيْبُ الْيَسِيرُ .\rوَقَالَ أَبُو بَكْرٍ ، وَابْنُ حَامِدٍ : لَا يُجْزِئُهُ .\rوَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّ مَا أُمِرَ بِصَرْفِهِ إلَى شَخْصٍ فِي الْكَفَّارَةِ ، لَمْ يَجُزْ تَفْرِيقُهُ عَلَى اثْنَيْنِ ، كَالْمُدِّ فِي الْإِطْعَامِ وَلِأَصْحَابِ","part":17,"page":280},{"id":8280,"text":"الشَّافِعِيِّ كَهَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ ، وَلَهُمْ وَجْهٌ ثَالِثٌ ، وَهُوَ أَنَّهُ إنْ كَانَ بَاقِيهِمَا حُرًّا أَجْزَأَ ، وَإِلَّا فَلَا ؛ لِأَنَّهُ مَتَى كَانَ بَاقِيهِمَا حُرًّا ، حَصَلَ تَكْمِيلُ الْأَحْكَامِ وَالتَّصَرُّفُ .\rوَخَرَّجَهُ الْقَاضِي وَجْهًا لَنَا أَيْضًا ، إلَّا أَنَّ لِلْمُعْتَرِضِ عَلَيْهِ أَنْ يَقُولَ : إنَّ تَكْمِيلَ الْأَحْكَامِ مَا حَصَلَ بِعِتْقِ هَذَا ، وَإِنَّمَا حَصَلَ بِانْضِمَامِهِ إلَى عِتْقِ النِّصْفِ الْآخَرِ ، فَلَمْ يُجْزِئْهُ .\rفَإِذَا قُلْنَا : لَا يُجْزِئُ .\rعِتْقُ النِّصْفَيْنِ .\rلَمْ يُجْزِئْ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَنْ شَيْءٍ مِنْ الْكَفَّارَتَيْنِ .\rوَإِنْ قُلْنَا : يُجْزِئُ .\rوَكَانَتْ الْكَفَّارَتَانِ مِنْ جِنْسٍ ، أَجْزَأَ الْعِتْقُ عَنْهُمَا .\rوَإِنْ كَانَتَا مِنْ جِنْسَيْنِ ، فَقَدْ قِيلَ : يُخَرَّجُ عَلَى الْوَجْهَيْنِ .\rوَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يُجْزِئُ وَجْهًا وَاحِدًا ؛ لِأَنَّ عِتْقَ النِّصْفَيْنِ عَنْهُمَا كَعِتْقِ عَبْدَيْنِ عَنْهُمَا .","part":17,"page":281},{"id":8281,"text":"( 6231 ) فَصْلٌ : وَلَا يَجُوزُ تَقْدِيمُ كَفَّارَةِ الظِّهَارِ قَبْلَهُ ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ لَا يَجُوزُ تَقْدِيمُهُ عَلَى سَبَبِهِ ، فَلَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ : أَنْتَ حُرٌّ السَّاعَةَ عَنْ ظِهَارِي إنْ تَظَاهَرْتُ عَتَقَ وَلَمْ يُجْزِئْهُ عَنْ ظِهَارِهِ إنْ ظَاهَرَ ؛ لِأَنَّهُ قَدَّمَ الْكَفَّارَةَ عَلَى سَبَبِهَا الْمُخْتَصِّ ، فَلَمْ يَجُزْ ، كَمَا لَوْ قَدَّمَ كَفَّارَةَ الْيَمِينِ عَلَيْهَا ، أَوْ كَفَّارَةَ الْقَتْلِ عَلَى الْجُرْحِ .\rوَلَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ : إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي .\rلَمْ يَجُزْ التَّكْفِيرُ قَبْلَ دُخُولِ الدَّارِ ؛ لِأَنَّهُ تَقْدِيمٌ لِلْكَفَّارَةِ قَبْلَ الظِّهَارِ .\rفَإِنْ أَعْتَقَ عَبْدًا عَنْ ظِهَارِهِ ، ثُمَّ دَخَلَتْ الدَّارَ ، عَتَقَ الْعَبْدُ ، وَصَارَ مُظَاهِرًا ، وَلَمْ يُجْزِئْهُ ؛ لِأَنَّ الظِّهَارَ مُعَلَّقٌ عَلَى شَرْطٍ ، فَلَا يُوجَدُ قَبْلَ وُجُودِ شَرْطِهِ .\rوَإِنْ قَالَ لِعَبْدِهِ : إنْ تَظَاهَرْتُ ، فَأَنْتَ حُرٌّ عَنْ ظِهَارِي .\rثُمَّ قَالَ لِامْرَأَتِهِ : أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي .\rعَتَقَ الْعَبْدُ ، لِوُجُودِ الشَّرْطِ ، وَهَلْ يُجْزِئُهُ عَنْ الظِّهَارِ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا - يُجْزِئُهُ ؛ لِأَنَّهُ عَتَقَ بَعْدَ الظِّهَارِ ، وَقَدْ نَوَى إعْتَاقَهُ عَنْ الْكَفَّارَةِ .\rوَالثَّانِي - لَا يُجْزِئُهُ ؛ لِأَنَّ عِتْقَهُ مُسْتَحَقٌّ بِسَبَبٍ آخَرَ ، وَهُوَ الشَّرْطُ ، وَلِأَنَّ النِّيَّةَ لَمْ تُوجَدْ عِنْدَ الْعِتْقِ ، وَالنِّيَّةُ عِنْدَ التَّعْلِيقِ لَا تُجْزِئُ ؛ لِأَنَّهُ تَقْدِيمٌ لَهَا عَلَى سَبَبِهَا .\rوَإِنْ قَالَ لِعَبْدِهِ : إنْ تَظَاهَرْت فَأَنْتَ حُرٌّ عَنْ ظِهَارِي .\rفَالْحُكْمُ فِيهِ كَذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ تَعْلِيقٌ لِعِتْقِهِ عَلَى الْمُظَاهَرَةِ .","part":17,"page":282},{"id":8282,"text":"كِتَابُ اللِّعَانِ قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَهُوَ مُشْتَقٌّ مِنْ اللَّعْنِ ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الزَّوْجَيْنِ يَلْعَنُ نَفْسَهُ فِي الْخَامِسَةِ إنْ كَانَ كَاذِبًا .\rوَقَالَ الْقَاضِي : سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّ الزَّوْجَيْنِ لَا يَنْفَكَّانِ مِنْ أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا كَاذِبًا ، فَتَحْصُلُ اللَّعْنَةُ عَلَيْهِ ، وَهِيَ الطَّرْدُ وَالْإِبْعَادُ .\rوَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { وَاَلَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إلَّا أَنْفُسُهُمْ } الْآيَاتِ .\rوَرَوَى سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ السَّاعِدِيُّ ، { أَنَّ عُوَيْمِرًا الْعَجْلَانِيَّ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَرَأَيْت رَجُلًا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا فَيَقْتُلُهُ فَتَقْتُلُونَهُ ، أَمْ كَيْفَ يَفْعَلُ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ فِيك وَفِي صَاحِبَتِك ، فَاذْهَبْ فَائْتِ بِهَا .\rقَالَ سَهْلٌ : فَتَلَاعَنَا ، وَأَنَا مَعَ النَّاسِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا فَرَغَا ، قَالَ عُوَيْمِرٌ : كَذَبْت عَلَيْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ إنْ أَمْسَكْتُهَا .\rفَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا بِحَضْرَةِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\r} مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَرَوَى أَبُو دَاوُد ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ { ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ : جَاءَ هِلَالُ بْنُ أُمَيَّةَ ، وَهُوَ أَحَدُ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ، فَجَاءَ مِنْ أَرْضِهِ عِشَاءً ، فَوَجَدَ عِنْدَ أَهْلِهِ رَجُلًا فَرَأَى بِعَيْنَيْهِ ، وَسَمِعَ بِأُذُنَيْهِ ، فَلَمْ يَهِجْهُ حَتَّى أَصْبَحَ ، ثُمَّ غَدَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنِّي جِئْت أَهْلِي ، فَوَجَدْت عِنْدَهُمْ رَجُلًا ، فَرَأَيْت بِعَيْنَيَّ ، وَسَمِعْتُ بِأُذُنِيَّ .\rفَكَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا جَاءَ بِهِ ، وَاشْتَدَّ عَلَيْهِ ، فَنَزَلَتْ { وَاَلَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ","part":17,"page":283},{"id":8283,"text":"شَهَادَاتٍ بِاَللَّهِ } الْآيَتَيْنِ كِلْتَيْهِمَا فَسُرِّيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : أَبْشِرْ يَا هِلَالُ ، فَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَكَ فَرَجًا وَمَخْرَجًا قَالَ هِلَالٌ : قَدْ كُنْت أَرْجُو ذَلِكَ مِنْ رَبِّي تَبَارَكَ وَتَعَالَى .\rفَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَرْسِلُوا إلَيْهَا .\rفَأَرْسَلُوا إلَيْهَا ، فَتَلَاهَا عَلَيْهِمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَذَكَّرَهُمَا ، وَأَخْبَرَهُمَا أَنَّ عَذَابَ الْآخِرَةِ أَشَدُّ مِنْ عَذَابِ الدُّنْيَا .\rفَقَالَ هِلَالٌ : وَاَللَّهِ لَقَدْ صَدَقْت عَلَيْهَا .\rفَقَالَتْ : كَذَبَ .\rفَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَاعِنُوا بَيْنَهُمَا .\rفَقِيلَ لَهِلَالٍ : اشْهَدْ .\rفَشَهِدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاَللَّهِ إنَّهُ لَمِنْ الصَّادِقِينَ ، فَلَمَّا كَانَتْ الْخَامِسَةُ قِيلَ : يَا هِلَالُ اتَّقِ اللَّهَ ، فَإِنَّ عَذَابَ الدُّنْيَا أَهْوَنُ مِنْ عَذَابِ الْآخِرَةِ ، وَإِنَّ هَذِهِ الْمُوجِبَةُ الَّتِي تُوجِبُ عَلَيْكَ الْعَذَابَ .\rفَقَالَ : وَاَللَّهِ لَا يُعَذِّبُنِي اللَّهُ عَلَيْهَا ، كَمَا لَمْ يَجْلِدْنِي عَلَيْهَا .\rفَشَهِدَ الْخَامِسَةَ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إنْ كَانَ مِنْ الْكَاذِبِينَ .\rثُمَّ قِيلَ لَهَا : اشْهَدِي .\rفَشَهِدَتْ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاَللَّهِ إنَّهُ لَمِنْ الْكَاذِبِينَ ، فَلَمَّا كَانَتْ الْخَامِسَةُ قِيلَ لَهَا : اتَّقِي اللَّهَ ، فَإِنَّ عَذَابَ الدُّنْيَا أَهْوَنُ مِنْ عَذَابِ الْآخِرَةِ ، وَإِنَّ هَذِهِ الْمُوجِبَةُ الَّتِي تُوجِبُ عَلَيْكِ الْعَذَابَ .\rفَتَلَكَّأَتْ سَاعَةً ، ثُمَّ قَالَتْ : وَاَللَّهِ لَا أَفْضَحُ قَوْمِي .\rفَشَهِدَتْ الْخَامِسَةَ ، أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إنْ كَانَ مِنْ الصَّادِقِينَ .\rفَفَرَّقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَهُمَا ، وَقَضَى أَنْ لَا بَيْتَ لَهَا عَلَيْهِ ، وَلَا قُوتَ ، مِنْ أَجْلِ أَنَّهُمَا يَتَفَرَّقَانِ مِنْ غَيْرِ طَلَاقٍ ، وَلَا مُتَوَفَّى عَنْهَا ، وَقَالَ : إنْ جَاءَتْ بِهِ أُصَيْهِبَ أُرَيْصِحَ أُثَيْبِجَ حَمْشَ السَّاقَيْنِ ، فَهُوَ لِهِلَالٍ ، وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أَوْرَقَ جَعْدًا جُمَالِيًّا","part":17,"page":284},{"id":8284,"text":"خَدَلَّجَ السَّاقَيْنِ سَابِغَ الْأَلْيَتَيْنِ ، فَهُوَ لِلَّذِي رُمِيَتْ بِهِ .\rفَجَاءَتْ بِهِ أَوْرَقَ ، جَعْدًا ، جُمَالِيًّا ، خَدَلَّجَ السَّاقَيْنِ ، سَابِغَ الْأَلْيَتَيْنِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَوْلَا الْأَيْمَانُ ، لَكَانَ لِي وَلَهَا شَأْنٌ .\rقَالَ عِكْرِمَةُ : فَكَانَ بَعْدَ ذَلِكَ أَمِيرًا عَلَى مِصْرَ ، وَمَا يُدْعَى لِأَبٍ .\rوَلِأَنَّ الزَّوْجَ يُبْتَلَى بِقَذْفِ امْرَأَتِهِ لِيَنْفِيَ الْعَارَ وَالنَّسَبَ الْفَاسِدَ ، وَتَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ ، فَجُعِلَ اللِّعَانُ بَيِّنَةً لَهُ ، وَلِهَذَا لَمَّا نَزَلَتْ آيَةُ اللِّعَانِ ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَبْشِرْ يَا هِلَالُ ، فَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَكَ فَرَجًا وَمَخْرَجًا .\r}","part":17,"page":285},{"id":8285,"text":"( 6232 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - : ( وَإِذَا قَذَفَ الرَّجُلُ زَوْجَتَهُ الْبَالِغَةَ الْحُرَّةَ الْمُسْلِمَةَ ، فَقَالَ لَهَا : زَنَيْتِ .\rأَوْ : يَا زَانِيَةُ .\rأَوْ : رَأَيْتُك تَزْنِينَ .\rوَلَمْ يَأْتِ بِالْبَيِّنَةِ ، لَزِمَهُ الْحَدُّ ، إنْ لَمْ يَلْتَعْنَ ، مُسْلِمًا كَانَ أَوْ كَافِرًا ، حُرًّا كَانَ أَوْ عَبْدًا ) .\rالْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي فُصُولٍ : ( 6233 ) الْفَصْلُ الْأَوَّلُ فِي صِفَةِ الزَّوْجَيْنِ اللَّذَيْنِ يَصِحُّ اللِّعَانُ بَيْنَهُمَا .\rوَقَدْ اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ فِيهِمَا ، فَرُوِيَ أَنَّهُ يَصِحُّ مِنْ كُلِّ زَوْجَيْنِ مُكَلَّفَيْنِ ، سَوَاءٌ كَانَا مُسْلِمَيْنِ أَوْ كَافِرَيْنِ ، أَوْ عَدْلَيْنِ أَوْ فَاسِقَيْنِ ، أَوْ مَحْدُودَيْنِ فِي قَذْفٍ ، أَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا كَذَلِكَ .\rوَبِهِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ ، وَالْحَسَنُ ، وَرَبِيعَةُ ، وَمَالِكٍ ، وَإِسْحَاقُ .\rقَالَ أَحْمَدُ ، فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ : جَمِيعُ الْأَزْوَاجِ يَلْتَعِنُونَ ؛ الْحُرُّ مِنْ الْحُرَّةِ وَالْأَمَةِ إذَا كَانَتْ زَوْجَةً ، وَكَذَلِكَ الْعَبْدُ مِنْ الْحُرَّةِ وَالْأَمَةِ إذَا كَانَتْ زَوْجَةً .\rوَكَذَلِكَ الْمُسْلِمُ مِنْ الْيَهُودِيَّةِ وَالنَّصْرَانِيَّةِ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ ، رِوَايَةٌ أُخْرَى : لَا يَصِحُّ اللِّعَانُ إلَّا مِنْ زَوْجَيْنِ مُسْلِمَيْنِ ، عَدْلَيْنِ ، حُرَّيْنِ ، غَيْرِ مَحْدُودَيْنِ فِي قَذْفٍ .\rوَرُوِيَ هَذَا عَنْ الزُّهْرِيِّ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَحَمَّادٍ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ .\rوَعَنْ مَكْحُولٍ : لَيْسَ بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالذِّمِّيَّةِ لِعَانٌ .\rوَعَنْ عَطَاءٍ ، وَالنَّخَعِيِّ ، فِي الْمَحْدُودِ فِي الْقَذْفِ : يُضْرَبُ الْحَدَّ ، وَلَا يُلَاعِنُ .\rوَرُوِيَ فِيهِ حَدِيثٌ لَا يَثْبُتُ .\rكَذَلِكَ قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَالسَّاجِيُّ .\rلِأَنَّ اللِّعَانَ شَهَادَةٌ ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ : { وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إلَّا أَنْفُسُهُمْ } .\rفَاسْتَثْنَى أَنْفُسَهُمْ مِنْ الشُّهَدَاءِ .\rوَقَالَ تَعَالَى : { فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ } .\rفَلَا يُقْبَلُ مِمَّنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ .\rوَإِنْ","part":17,"page":286},{"id":8286,"text":"كَانَتْ الْمَرْأَةُ مِمَّنْ لَا يُحَدُّ بِقَذْفِهَا ، لَمْ يَجِبْ اللِّعَانُ ؛ لِأَنَّهُ يُرَادُ لِإِسْقَاطِ الْحَدِّ ، بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى : { وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاَللَّهِ } .\rوَلَا حَدَّ هَاهُنَا ، فَيَنْتَفِي اللِّعَانُ لِانْتِفَائِهِ .\rوَذَكَرَ الْقَاضِي فِي ( الْمُجَرَّدِ ) أَنَّ مَنْ لَا يَجِبُ الْحَدُّ بِقَذْفِهَا ، وَهِيَ الْأَمَةُ ، وَالذِّمِّيَّةُ ، وَالْمَحْدُودَةُ فِي الزِّنَا ، لِزَوْجِهَا لِعَانُهَا ؛ لِنَفْيِ الْوَلَدِ خَاصَّةً ، وَلَيْسَ لَهُ لِعَانُهَا لِإِسْقَاطِ الْقَذْفِ وَالتَّعْزِيرِ ، لِأَنَّ الْحَدَّ لَا يَجِبُ ، وَاللِّعَانُ إنَّمَا يُشْرَعُ لِإِسْقَاطِ حَدٍّ ، أَوْ نَفْيِ وَلَدٍ ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا لَمْ يُشْرَعْ اللِّعَانُ .\rوَلَنَا ، عُمُومُ قَوْله تَعَالَى : { وَاَلَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ } .\rالْآيَةَ ، وَلِأَنَّ اللِّعَانَ يَمِينٌ ، فَلَا يَفْتَقِرُ إلَى مَا شَرَطُوهُ ، كَسَائِرِ الْأَيْمَانِ ، وَدَلِيلُ أَنَّهُ يَمِينٌ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَوْلَا الْأَيْمَانُ ، لَكَانَ لِي وَلَهَا شَأْنٌ } .\rوَأَنَّهُ يَفْتَقِرُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى ، وَيَسْتَوِي فِيهِ الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى .\rوَأَمَّا تَسْمِيَتُهُ شَهَادَةً ، فَلِقَوْلِهِ فِي يَمِينِهِ : أَشْهَدُ بِاَللَّهِ .\rفَسَمَّى ذَلِكَ شَهَادَةً وَإِنْ كَانَ يَمِينًا ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { إذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ } وَلِأَنَّ الزَّوْجَ يَحْتَاجُ إلَى نَفْيِ الْوَلَدِ ، فَيُشْرَعُ لَهُ طَرِيقًا إلَى نَفْيِهِ ، كَمَا لَوْ كَانَتْ امْرَأَتُهُ مِمَّنْ يُحَدُّ بِقَذْفِهَا وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ هِيَ الْمَنْصُوصَةُ عَنْ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ وَمَا يُخَالِفُهَا شَاذٌّ فِي النَّقْلِ .\rوَأَمَّا قَوْلُ الْخِرَقِيِّ : وَإِذَا قَذَفَ زَوْجَتَهُ الْبَالِغَةَ الْحُرَّةَ الْمُسْلِمَةَ .\rفَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ شَرَطَ هَذَا لِوُجُوبِ الْحَدِّ عَلَيْهِ ، لَا لِنَفْيِ اللِّعَانِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا شَرْطًا عِنْدَهُ فِي الْمَرْأَةِ ، لِتَكُونَ مِمَّنْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَدُّ بِقَذْفِهَا ، فَيَنْفِيَهُ بِاللِّعَانِ ،","part":17,"page":287},{"id":8287,"text":"وَلَا يُشْتَرَطُ فِي الزَّوْجِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الْحَدَّ يَجِبُ عَلَيْهِ بِقَذْفِ الْمُحْصَنَةِ ، وَإِنْ كَانَ ذِمِّيًّا أَوْ فَاسِقًا .\rفَأَمَّا قَوْلُهُ : مُسْلِمًا كَانَ أَوْ كَافِرًا .\rفَفِيهِ نَظَرٌ ؛ لِأَنَّهُ أُوجِبَ عَلَيْهِ بِقَذْفِ زَوْجَتِهِ الْمُسْلِمَةِ ، وَالْكَافِرُ لَا يَكُونُ زَوْجًا لَمُسْلِمَةٍ ، فَيَحْتَاجُ إلَى تَأْوِيلِ لَفْظِهِ بِحَمْلِهِ عَلَى أَحَدِ شَيْئَيْنِ أَحَدِهِمَا : أَنَّهُ أَرَادَ أَنَّ الزَّوْجَ يُلَاعِنُ زَوْجَتَهُ ، وَإِنْ كَانَ كَافِرًا ، فَرَدَّ ذَلِكَ إلَى اللِّعَانِ ، لَا إلَى الْحَدِّ .\rالثَّانِي ، أَنَّهُ أَرَادَ مَا إذَا أَسْلَمَتْ زَوْجَتُهُ ، فَقَذَفَهَا فِي عِدَّتِهَا ، ثُمَّ أَسْلَمْ الزَّوْجُ ، فَإِنَّهُ يُلَاعِنُ .\r( 6234 ) فَصْلٌ : وَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ الزَّوْجَةِ مَدْخُولًا بِهَا ، أَوْ غَيْرَ مَدْخُولٍ بِهَا ، فِي أَنَّهُ يُلَاعِنُهَا .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعَ عَلَى هَذَا كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ عُلَمَاءِ الْأَمْصَارِ ؛ مِنْهُمْ عَطَاءٌ ، وَالْحَسَنُ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ ، وَقَتَادَةُ ، وَمَالِكٌ ، وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَأَهْلُ الْعِرَاقِ ، وَالشَّافِعِيُّ ، بِظَاهِرِ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَاَلَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ } .\rفَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مَدْخُولٍ بِهَا ، فَلَهَا نِصْفُ الصَّدَاقِ ؛ لِأَنَّهَا فُرْقَةٌ مِنْهُ .\rكَذَلِكَ قَالَ الْحَسَنُ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَقَتَادَةُ ، وَمَالِكٌ .\rوَفِيهِ رِوَايَةٌ أُخْرَى ، لَا صَدَاقَ لَهَا ؛ لِأَنَّ الْفُرْقَةَ حَصَلَتْ بِلِعَانِهِمَا جَمِيعًا ، فَأَشْبَهَ الْفُرْقَةَ لَعَيْبٍ فِي أَحَدِهِمَا .","part":17,"page":288},{"id":8288,"text":"( 6235 ) فَصْلٌ : فَإِنْ كَانَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ غَيْرَ مُكَلَّفٍ ، فَلَا لِعَانَ بَيْنَهُمَا ؛ لِأَنَّهُ قَوْلٌ تَحْصُلُ بِهِ الْفُرْقَةُ ، وَلَا يَصِحُّ مِنْ غَيْرِ مُكَلَّفٍ ، كَالطَّلَاقِ ، أَوْ يَمِينٌ ، فَلَا تَصِحُّ مِنْ غَيْرِ الْمُكَلَّفِ ، كَسَائِرِ الْأَيْمَانِ .\rوَلَا يَخْلُو غَيْرُ الْمُكَلَّفِ مِنْ أَنْ يَكُونَ الزَّوْجَ ، أَوْ الزَّوْجَةَ ، أَوْ هُمَا ؛ فَإِنْ كَانَ الزَّوْجَ فَلَهُ حَالَانِ : أَحَدِهِمَا ، أَنْ يَكُونَ طِفْلًا .\rوَالثَّانِي ، أَنْ يَكُونُ بَالِغًا زَائِلَ الْعَقْلِ .\rفَإِنْ كَانَ طِفْلًا لَمْ يَصِحَّ مِنْهُ الْقَذْفُ ، وَلَا يَلْزَمُهُ بِهِ حَدٌّ ؛ لِأَنَّ الْقَلَمَ مَرْفُوعٌ عَنْهُ ، وَقَوْلَهُ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ ، وَإِنْ أَتَتْ امْرَأَتُهُ بِوَلَدٍ نَظَرْنَا ، فَإِنْ كَانَ لِدُونِ عَشْرِ سِنِينَ ، لَمْ يَلْحَقْهُ الْوَلَدُ ، وَيَكُونُ مَنْفِيًّا عَنْهُ ؛ لِأَنَّ الْعِلْمَ يُحِيطُ بِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْهُ ، فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يُجْرِ الْعَادَةَ بِأَنْ يُولَدَ لَهُ لِدُونِ ذَلِكَ ، فَيَنْتَفِي عَنْهُ ، كَمَا لَوْ أَتَتْ بِهِ الْمَرْأَةُ لِدُونِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مُنْذُ تَزَوَّجَهَا .\rوَإِنْ كَانَ ابْنَ عَشْرٍ فَصَاعِدًا ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : لَا يُلْحَقُ بِهِ إلَّا بَعْدَ الْبُلُوغِ أَيْضًا ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ لَا يُخْلَقُ إلَّا مِنْ مَاء الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ ، وَلَوْ أَنْزَلَ لَبَلَغَ .\rوَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ : يُلْحَقُ بِهِ .\rقَالَ الْقَاضِي : وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ يُلْحَقُ بِالْإِمْكَانِ ، وَإِنْ خَالَفَ الظَّاهِرَ ، وَلِهَذَا لَوْ أَتَتْ بِوَلَدٍ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ حِينِ الْعَقْدِ ، لَحِقَ بِالزَّوْجِ ، وَإِنْ كَانَ خِلَافَ الظَّاهِرِ ، وَكَذَلِكَ يُلْحَقُ بِهِ إذَا أَتَتْ بِهِ لِأَرْبَعِ سِنِينَ ، مَعَ نُدْرَتِهِ .\rوَلَيْسَ لَهُ نَفْيُهُ فِي الْحَالِ ، حَتَّى يَتَحَقَّقَ بُلُوغُهُ بِأَحَدِ أَسْبَابِ الْبُلُوغِ ، فَلَهُ نَفْيُ الْوَلَدِ وَاسْتِلْحَاقُهُ .\rفَإِنْ قِيلَ : فَإِذَا أَلْحَقْتُمْ بِهِ الْوَلَدَ ، فَقَدْ حَكَمْتُمْ بِبُلُوغِهِ ، فَهَلَّا سَمِعْتُمْ نَفْيَهُ وَلِعَانَهُ ؟ قُلْنَا : إلْحَاقُ الْوَلَدِ يَكْفِي فِيهِ الْإِمْكَانُ ،","part":17,"page":289},{"id":8289,"text":"وَالْبُلُوغُ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِسَبَبٍ ظَاهِرٍ ، وَلِأَنَّ إلْحَاقَ الْوَلَدِ بِهِ حَقٌّ عَلَيْهِ ، وَاللِّعَانُ حَقٌّ لَهُ ، فَلَمْ يَثْبُتْ مَعَ الشَّكِّ .\rفَإِنْ قِيلَ : فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَالِغًا انْتَفَى عَنْهُ الْوَلَدُ ، وَإِنْ كَانَ بَالِغًا انْتَفَى عَنْهُ اللِّعَانُ .\rقُلْنَا : إلَّا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَبْتَدِئَ الْيَمِينَ مَعَ الشَّكِّ فِي صِحَّتِهَا ، فَسَقَطَتْ لِلشَّكِّ فِيهَا .\rالثَّانِي ، إذَا كَانَ زَائِلَ الْعَقْلِ لَجُنُونٍ ، فَلَا حُكْمَ لِقَذْفِهِ ؛ لِأَنَّ الْقَلَمَ عَنْهُ مَرْفُوعٌ أَيْضًا ، وَإِنْ أَتَتْ امْرَأَتُهُ بِوَلَدٍ ، فَنَسَبُهُ لَاحِقٌ بِهِ ، لِإِمْكَانِهِ ، وَلَا سَبِيلَ إلَى نَفْيِهِ مَعَ زَوَالِ عَقْلِهِ ، فَإِذَا عَقَلَ ، فَلَهُ نَفْيُ الْوَلَدِ حِينَئِذٍ وَاسْتِلْحَاقُهُ .\rوَإِنْ ادَّعَى أَنَّهُ كَانَ ذَاهِبَ الْعَقْلِ حِينَ قَذَفَهُ ، وَأَنْكَرَتْ ذَلِكَ ، وَلِأَحَدِهِمَا بَيِّنَةٌ بِمَا قَالَ ، ثَبَتَ قَوْلُهُ .\rوَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَوَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ حَالَةٌ عُلِمَ فِيهَا زَوَالُ عَقْلِهِ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا مَعَ يَمِينِهَا ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ وَالظَّاهِرَ الصِّحَّةُ وَالسَّلَامَةُ .\rوَإِنْ عُرِفَتْ لَهُ حَالَةُ جُنُونٍ ، وَلَمْ تُعْرَفْ لَهُ حَالَةُ إفَاقَةٍ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ ، وَإِنْ عُرِفَتْ لَهُ حَالَةُ جُنُونٍ وَحَالَةُ إفَاقَةٍ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا ، الْقَوْلُ قَوْلُهَا .\rقَالَ الْقَاضِي : هَذَا قِيَاسُ قَوْلِ أَصْحَابِنَا فِي الْمَلْفُوفِ إذَا ضَرَبَهُ فَقَدَّهُ ، ثُمَّ ادَّعَى أَنَّهُ كَانَ مَيِّتًا ، وَقَالَ الْوَلِيُّ : كَانَ حَيًّا .\rوَالْوَجْهُ الثَّانِي ، أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُهُ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ مِنْ الْحَدِّ ، فَلَا يَجِبُ بِالشَّكِّ ، وَلِأَنَّ الْحَدَّ يَسْقُطُ بِالشُّبْهَةِ ، وَلَا يُشْبِهُ هَذَا الْمَلْفُوفَ ، لِأَنَّ الْمَلْفُوفَ قَدْ عُلِمَ أَنَّهُ كَانَ حَيًّا ، وَلَمْ يُعْلَمْ مِنْهُ ضِدُّ ذَلِكَ ، فَنَظِيرُهُ فِي مَسْأَلَتِنَا أَنَّهُ يُعْرَفُ لَهُ حَالَةُ إفَاقَةٍ ، وَلَا يُعْلَمُ مِنْهُ ضِدُّهَا ، وَفِي مَسْأَلَتِنَا قَدْ تَقَدَّمَ لَهُ حَالَةُ جُنُونٍ ، فَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ قَدْ اسْتَمَرَّتْ إلَى","part":17,"page":290},{"id":8290,"text":"حِينِ قَذْفِهِ .\rوَأَمَّا إنْ كَانَتْ الزَّوْجَةُ غَيْرَ مُكَلَّفَةٍ ، فَقَذَفَهَا الزَّوْجُ ؛ نَظَرْنَا ، فَإِنْ كَانَتْ طِفْلَةً لَا يُجَامَعُ مِثْلُهَا ، فَلَا حَدَّ عَلَى قَاذِفِهَا ؛ لِأَنَّهُ قَوْلٌ يُتَيَقَّنُ كَذِبُهُ فِيهِ ، وَبَرَاءَةُ عِرْضِهَا مِنْهُ ، فَلَمْ يَجِبْ بِهِ حَدٌّ كَمَا لَوْ قَالَ : أَهْلُ الدُّنْيَا زُنَاةٌ .\rوَلَكِنَّهُ يُعَزَّرُ لِلسَّبِّ ، لَا لِلْقَذْفِ ، وَلَا يُحْتَاجُ فِي التَّعْزِيرِ إلَى مُطَالَبَةٍ ؛ لِأَنَّهُ مَشْرُوعٌ لَتَأْدِيبِهِ ، وَلِلْإِمَامِ فِعْلُهُ إذَا رَأَى ذَلِكَ .\rفَإِنْ كَانَتْ يُجَامَعُ مِثْلُهَا ، كَابْنَةِ تِسْعِ سِنِينَ ، فَعَلَيْهِ الْحَدُّ ، وَلَيْسَ لِوَلِيِّهَا وَلَا لَهَا الْمُطَالَبَةُ بِهِ حَتَّى تَبْلُغَ ، فَإِذَا بَلَغَتْ فَطَالَبَتْ ، فَلَهَا الْحَدُّ ، وَلَهُ إسْقَاطُهُ بِاللِّعَانِ ، وَلَيْسَ لَهُ لِعَانُهَا قَبْلَ الْبُلُوغِ ؛ لِأَنَّ اللِّعَانَ يُرَادُ لِإِسْقَاطِ الْحَدِّ أَوْ نَفْي الْوَلَدِ ، وَلَا حَدَّ عَلَيْهِ قَبْلَ بُلُوغِهَا ، وَلَا وَلَدَ فَيَنْفِيَهُ ، فَإِنْ أَتَتْ بِوَلَدٍ حُكِمَ بِبُلُوغِهَا ؛ لِأَنَّ الْحَمْلَ أَحَدُ أَسْبَابِ الْبُلُوغِ ، وَلِأَنَّهُ لَا يَكُونُ إلَّا مِنْ نُطْفَتِهَا ، فَمِنْ ضَرُورَتِهِ إنْزَالُهَا ، وَهُوَ مِنْ أَسْبَابِ بُلُوغِهَا .\rوَإِنْ قَذَفَ امْرَأَتَهُ الْمَجْنُونَةَ بِزِنًا أَضَافَهُ إلَى حَالِ إفَاقَتِهَا ، أَوْ قَذَفَهَا وَهِيَ عَاقِلَةٌ ، ثُمَّ حَنِثَ ، لَمْ يَكُنْ لَهَا الْمُطَالَبَةُ ، وَلَا لِوَلِيِّهَا قَبْلَ إفَاقَتِهَا ؛ لِأَنَّ هَذَا طَرِيقُهُ التَّشَفِّي ، فَلَا يَنُوبُ عَنْهُ الْوَلِيُّ فِيهِ ، كَالْقِصَاصِ ، فَإِذَا أَفَاقَتْ فَلَهَا الْمُطَالَبَةُ بِالْحَدِّ ، وَلِلزَّوْجِ إسْقَاطُهُ بِاللِّعَانِ ، وَإِنْ أَرَادَ لِعَانَهَا فِي حَالِ جُنُونِهَا ، وَلَا وَلَدَ يَنْفِيهِ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ ؛ لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ ، لِأَنَّهُ لَمْ يَتَوَجَّهْ عَلَيْهِ حَدٌّ فَيُسْقِطَهُ ، وَلَا نَسَبٌ فَيَنْفِيَهُ .\rوَإِنْ كَانَ هُنَاكَ وَلَدٌ يُرِيدُ نَفْيَهُ ، فَاَلَّذِي يَقْتَضِيهِ الْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَا يُلَاعِنُ ، وَيَلْحَقُهُ الْوَلَدُ ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ إنَّمَا يَنْتَفِي بِاللِّعَانِ مِنْ الزَّوْجَيْنِ ، وَهَذِهِ لَا يَصِحُّ مِنْهَا","part":17,"page":291},{"id":8291,"text":"لِعَانٌ وَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ ، فِي الْخَرْسَاءِ ، أَنَّ زَوْجَهَا لَا يُلَاعِنُ .\rفَهَذِهِ أَوْلَى .\rوَقَالَ الْخِرَقِيِّ فِي الْعَاقِلَةِ : لَا يُعْرَضُ لَهُ حَتَّى تُطَالِبَهُ زَوْجَتُهُ .\rوَهَذَا قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ ؛ لِأَنَّهَا أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ ، فَلَمْ يُشْرَعْ اللِّعَانُ مَعَ جُنُونِهِ ، كَالزَّوْجِ ، وَلِأَنَّ لِعَانَ الزَّوْجِ وَحْدَهُ لَا يَنْتَفِي بِهِ الْوَلَدُ ، فَلَا فَائِدَةَ فِي مَشْرُوعِيَّتِهِ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : لَهُ أَنْ يُلَاعِنَ لِنَفْيِ الْوَلَدِ ؛ لِأَنَّهُ مُحْتَاجٌ إلَى نَفْيِهِ ، فَشُرِعَ لَهُ طَرِيقٌ إلَى نَفْيِهِ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَهُ أَنْ يُلَاعِنَ .\rوَظَاهِرُ مَذْهَبِهِ أَنَّ لَهُ لِعَانَهَا مَعَ عَدَمِ الْوَلَدِ ، لِدُخُولِهِ فِي عُمُومِ قَوْله تَعَالَى : { وَاَلَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ } .\rوَلِأَنَّهُ زَوْجٌ مُكَلَّفٌ ، قَاذِفٌ لِامْرَأَتِهِ ، الَّتِي يُولَدُ لِمِثْلِهَا ، فَكَانَ لَهُ أَنْ يُلَاعِنَهَا ، كَمَا لَوْ كَانَتْ عَاقِلَةً .","part":17,"page":292},{"id":8292,"text":"( 6236 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا الْأَخْرَسُ وَالْخَرْسَاءُ ؛ فَإِنْ كَانَا غَيْرَ مَعْلُومَيْ الْإِشَارَةِ وَالْكِتَابَةِ ، فَهُمَا كَالْمَجْنُونَيْنِ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ مِنْهُمَا لِعَانٌ ، وَلَا يُعْلَمُ مِنْ الزَّوْجِ قَذْفٌ ، وَلَا مِنْ الْمَرْأَةِ مُطَالَبَةٌ .\rوَإِنْ كَانَا مَعْلُومَيْ الْإِشَارَةِ وَالْكِتَابَةِ ، فَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ ؛ إذَا كَانَتْ الْمَرْأَةُ خَرْسَاءُ لَمْ تُلَاعَنَ ؛ لِأَنَّهُ لَا تُعْلَمُ مُطَالَبَتُهَا .\rوَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ أَحْمَدَ ، وَأَبِي عُبَيْدٍ ، وَإِسْحَاقَ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ .\rوَكَذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِي الْأَخْرَسِ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ اللِّعَانَ لَفْظٌ يَفْتَقِرُ إلَى الشَّهَادَةِ ، فَلَمْ يَصِحَّ مِنْ الْأَخْرَسِ ، كَالشَّهَادَةِ الْحَقِيقِيَّةِ ، وَلِأَنَّ الْحَدَّ يُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ ، وَالْإِشَارَةُ لَيْسَتْ صَرِيحَةً كَالنُّطْقِ ، فَلَا تَخْلُو مِنْ احْتِمَالٍ وَتَرَدُّدٍ ، فَلَا يَجِبُ الْحَدُّ بِهَا ، كَمَا لَا يَجِبُ عَلَى أَجْنَبِيٍّ بِشَهَادَتِهِ .\rوَقَالَ الْقَاضِي ، وَأَبُو الْخَطَّابِ : هُوَ كَالنَّاطِقِ فِي قَذْفِهِ وَلِعَانِهِ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ يَصِحُّ طَلَاقُهُ ، فَصَحَّ قَذْفُهُ وَلِعَانُهُ ، كَالنَّاطِقِ ، وَيُفَارِقُ الشَّهَادَةَ ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنْ حُصُولُهَا مِنْ غَيْرِهِ ، فَلَمْ تَدْعُ الْحَاجَةُ إلَى الْأَخْرَسِ ، وَفِي اللِّعَانِ لَا يَحْصُلُ إلَّا مِنْهُ ، فَدَعَتْ الْحَاجَةُ إلَى قَبُولِهِ مِنْهُ ، كَالطَّلَاقِ .\rوَالْأَوَّلُ أَحْسَنُ ؛ لِأَنَّ مُوجِبَ الْقَذْفِ وُجُوبُ الْحَدِّ ، وَهُوَ يُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ ، وَمَقْصُودُ اللِّعَانِ الْأَصْلِيُّ نَفْيُ النَّسَبِ ، وَهُوَ يَثْبُتُ بِالْإِمْكَانِ ، مَعَ ظُهُورِ انْتِفَائِهِ ، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُشْرَعَ مَا يَنْفِيهِ ، وَلَا مَا يُوجِبُ الْحَدَّ مَعَ الشُّبْهَةِ الْعَظِيمَةِ ، وَلِذَلِكَ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ .\rوَقَوْلُهُمْ : إنَّ الشَّهَادَةَ تَحْصُلُ مِنْ غَيْرِهِ .\rقُلْنَا : قَدْ لَا تَحْصُلُ إلَّا مِنْهُ ؛ لِاخْتِصَاصِهِ بِرُؤْيَةِ الْمَشْهُودِ بِهِ ، أَوْ سَمَاعِهِ إيَّاهُ .","part":17,"page":293},{"id":8293,"text":"( 6237 ) فَصْلٌ : فَإِنْ قَذَفَ الْأَخْرَسُ أَوْ لَاعَنَ ثُمَّ تَكَلَّمَ ، فَأَنْكَرَ الْقَذْفَ وَاللِّعَانَ ، لَمْ يُقْبَلْ إنْكَارُهُ لِلْقَذْفِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَعَلَّقَ بِهِ حَقٌّ لِغَيْرِهِ بِحُكْمِ الظَّاهِرِ ، فَلَا يُقْبَلُ إنْكَارُهُ لَهُ ، وَيُقْبَلُ إنْكَارُهُ لِلِّعَانِ فِيمَا عَلَيْهِ ، فَيُطَالَبُ بِالْحَدِّ ، وَيَلْحَقُهُ النَّسَبُ ، وَلَا تَعُودُ الزَّوْجِيَّةُ ، فَإِنْ قَالَ : أَنَا أُلَاعِنُ لِلْحَدِّ وَنَفْيِ النَّسَبِ .\rكَانَ لَهُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا لَزِمَهُ بِإِقْرَارِهِ أَنَّهُ لَمْ يُلَاعِنْ ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يُلَاعِنَ كَانَ لَهُ ذَلِكَ .","part":17,"page":294},{"id":8294,"text":"( 6238 ) فَصْلٌ : فَإِنْ قَذَفَهَا وَهُوَ نَاطِقٌ ، ثُمَّ خَرِسَ ، وَأَيِسَ مِنْ نُطْقِهِ ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْأَخْرَسِ الْأَصْلِيِّ ، وَإِنْ رُجِيَ عَوْدُ نُطْقِهِ ، وَزَوَالُ خَرَسِهِ ، اُنْتُظِرَ بِهِ ذَلِكَ ، وَيُرْجَعُ فِي مَعْرِفَةِ ذَلِكَ إلَى قَوْلِ عَدْلَيْنِ مِنْ أَطِبَّاءِ الْمُسْلِمِينَ .\rوَهَذَا قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ .\rوَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ يُلَاعِنُ فِي الْحَالَيْنِ بِالْإِشَارَةِ ؛ لِأَنَّ أُمَامَةَ بِنْتَ أَبِي الْعَاصِ أُصْمِتَتْ ، فَقِيلَ لَهَا : لِفُلَانٍ كَذَا ، وَلَفُلَانً كَذَا ؟ فَأَشَارَتْ أَنْ نَعَمْ ، فَرَأَوْا أَنَّهَا وَصِيَّةٌ .\rوَهَذَا لَا حُجَّةَ فِيهِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُذْكَرْ مَنْ الرَّاوِي لِذَلِكَ ، وَلَمْ يُعْلَم أَنَّهُ قَوْلُ مَنْ قَوْلُهُ حُجَّةٌ ، وَلَا عُلِمَ هَلْ كَانَ ذَلِكَ لَخَرَسٍ يُرْجَى زَوَالُهُ أَوْ لَا ؟ وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ فِي مَنْ اُعْتُقِلَ لِسَانُهُ ، وَأَيِسَ مِنْ نُطْقِهِ : هَلْ يَصِحُّ لِعَانُهُ بِالْإِشَارَةِ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ .","part":17,"page":295},{"id":8295,"text":"( 6239 ) فَصْلٌ : وَكُلُّ مَوْضِعٍ لَا لِعَانَ فِيهِ ، فَالنَّسَبُ لَاحِقٌ فِيهِ ، وَيَجِبُ بِالْقَذْفِ مُوجَبُهُ مِنْ الْحَدِّ وَالتَّعْزِيرِ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْقَاذِفُ صَبِيًّا ، أَوْ مَجْنُونًا ، فَلَا ضَرْبَ فِيهِ ، وَلَا لِعَانَ .\rكَذَلِكَ قَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ ، وَقَالَ : وَلَا أَحْفَظُ عَنْ غَيْرِهِمْ خِلَافَهُمْ .","part":17,"page":296},{"id":8296,"text":"( 6240 ) الْفَصْلُ الثَّانِي : أَنَّهُ لَا لِعَانَ بَيْنَ غَيْرِ الزَّوْجَيْنِ ، فَإِذَا قَذَفَ أَجْنَبِيَّةً مُحْصَنَةً ، حُدَّ وَلَمْ يُلَاعَنْ ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مُحْصَنَةً عُزِّرَ ، وَلَا لِعَانَ أَيْضًا .\rوَلَا خِلَافَ فِي هَذَا ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : { وَاَلَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً } .\rثُمَّ خَصَّ الزَّوْجَاتِ مِنْ عُمُومِ هَذِهِ الْآيَةِ بِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى : { وَاَلَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ } .\rفَفِيمَا عَدَاهُنَّ يَبْقَى عَلَى قَضِيَّةِ الْعُمُومِ .\rوَإِنْ مَلَكَ أَمَةً ، ثُمَّ قَذَفَهَا ، فَلَا لِعَانَ ، سَوَاءٌ كَانَتْ فِرَاشًا لَهُ ، أَوْ لَمْ تَكُنْ ، وَلَا حَدَّ عَلَيْهِ بِقَذْفِهَا ، وَيُعَزَّرُ .\rفَإِنْ أَتَتْ بِوَلَدٍ نَظَرْنَا ؛ فَإِنْ لَمْ يَعْتَرِفْ بِوَطْئِهَا ، لَمْ يَلْحَقْهُ نَسَبُهُ ، وَلَمْ يَحْتَجْ إلَى نَفْيِهِ ، وَإِنْ اعْتَرَفَ بِوَطْئِهَا ، صَارَتْ فِرَاشًا لَهُ .\rوَإِذَا أَتَتْ بِوَلَدٍ لِمُدَّةِ الْحَمْلِ مِنْ يَوْمِ الْوَطْءِ لَحِقَهُ .\rوَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ : لَا تَصِيرُ فِرَاشًا لَهُ حَتَّى يُقِرّ بِوَلَدِهَا ، فَإِذَا أَقَرَّ بِهِ صَارَتْ فِرَاشًا لَهُ ، وَلَحِقَهُ أَوْلَادُهَا بَعْدَ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهَا لَوْ صَارَتْ فِرَاشًا بِالْوَطْءِ ، لَصَارَتْ فِرَاشًا بِإِبَاحَتِهِ ، كَالزَّوْجَةِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ سَعْدًا نَازَعَ عَبْدَ بْنَ زَمْعَةَ فِي ابْنِ وَلِيدَةِ زَمْعَةَ ، فَقَالَ : هُوَ أَخِي ، وَابْنُ وَلِيدَةِ أَبِي ، وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ .\rفَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { هُوَ لَكَ يَا عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ ، الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ ، وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَرَوَى ابْنُ عُمَرَ ، أَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : مَا بَالُ رِجَالٍ يَطَئُونَ وَلَائِدَهُمْ ، ثُمَّ يَعْزِلُونَهُنَّ ، لَا تَأْتِينِي وَلِيدَةٌ يَعْتَرِفُ سَيِّدُهَا أَنَّهُ أَلَمَّ بِهَا ، إلَّا أَلْحَقْت بِهِ وَلَدَهَا ، فَاعْزِلُوا بَعْدَ ذَلِكَ ، أَوْ اُتْرُكُوا .\rوَلِأَنَّ الْوَطْءَ يَتَعَلَّقُ بِهِ تَحْرِيمُ","part":17,"page":297},{"id":8297,"text":"الْمُصَاهَرَةِ ، فَإِذَا كَانَ مَشْرُوعًا صَارَتْ بِهِ الْمَرْأَةُ فِرَاشًا ، كَالنِّكَاحِ ، وَلِأَنَّ الْمَرْأَةَ إنَّمَا سُمِّيَتْ فِرَاشًا تَجَوُّزًا ، إمَّا لِمُضَاجَعَتِهِ لَهَا عَلَى الْفِرَاشِ ، وَإِمَّا لِكَوْنِهَا تَحْتَهُ فِي حَالِ الْمُجَامَعَةِ ، وَكِلَا الْأَمْرَيْنِ يَحْصُلُ فِي الْجِمَاعِ ، وَقِيَاسُهُمْ الْوَطْءَ عَلَى الْمِلْكِ لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ تَحْرِيمُ الْمُصَاهَرَةِ ، وَلَا يَحْصُلُ مِنْهُ الْوَلَدُ بِدُونِ الْوَطْءِ ، وَيُفَارِقُ النِّكَاحَ ؛ فَإِنَّهُ لَا يُرَدْ إلَّا لِلْوَطْءِ ، وَيَتَعَلَّقُ بِهِ تَحْرِيمُ الْمُصَاهَرَةِ ، وَلَا يَنْعَقِدُ فِي مَحَلٍّ يَحْرُمُ الْوَطْءُ فِيهِ ، كَالْمَجُوسِيَّةِ وَالْوَثَنِيَّةِ وَذَوَاتِ مَحَارِمِهِ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنْ أَرَادَ نَفْيَ وَلَدِ أَمَتِهِ الَّتِي يَلْحَقهُ وَلَدُهَا ، فَطَرِيقُهُ أَنْ يَدَّعِيَ أَنَّهُ اسْتَبْرَأَهَا بَعْدَ وَطْئِهِ لَهَا بِحَيْضَةٍ ، فَيَنْتَفِي بِذَلِكَ .\rوَإِنْ ادَّعَى أَنَّهُ كَانَ يَعْزِلُ عَنْهَا ، لَمْ يَنْتَفِ عَنْهُ بِذَلِكَ ؛ لِمَا رَوَى جَابِرٌ قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : إنَّ لِي جَارِيَةً ، وَأَنَا أَطُوفُ عَلَيْهَا ، وَأَنَا أَكْرَهُ أَنْ تَحْمِلَ .\rفَقَالَ : { اعْزِلْ عَنْهَا إنْ شِئْت ، فَإِنَّهُ سَيَأْتِيهَا مَا قُدِّرَ لَهَا .\rقَالَ : فَلَبِثَ الرَّجُلُ ، ثُمَّ أَتَاهُ ، فَقَالَ : إنَّ الْجَارِيَةَ قَدْ حَمَلَتْ .\rقَالَ : قَدْ أَخْبَرْتُك أَنَّهُ سَيَأْتِيهَا مَا قُدِّرَ لَهَا } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَرُوِيَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ، أَنَّهُ قَالَ : كُنْت أَعْزِلُ عَنْ جَارِيَتِي ، فَوَلَدَتْ أَحَبَّ الْخَلْقِ إلَيَّ .\rيَعْنِي ابْنَهُ .\rوَلِحَدِيثِ عُمَرَ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ .\rوَلِأَنَّهُ حُكْمٌ تَعَلَّقَ بِالْوَطْءِ ، فَلَمْ يُعْتَبَرْ مَعَهُ الْإِنْزَالُ ، كَسَائِرِ الْأَحْكَامِ .\rوَقَدْ قِيلَ : إنَّهُ يَنْزِلُ مِنْ الْمَاءِ مَا لَا يُحِسُّ بِهِ .\rوَإِنْ أَقَرَّ بِالْوَطْءِ دُونَ الْفَرْجِ ، أَوْ فِي الدُّبُرِ ، لَمْ تَصِرْ بِذَلِكَ فِرَاشًا ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَنْصُوصٍ عَلَيْهِ ، وَلَا فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ ، وَلِأَنَّهُ يَنْتَفِي","part":17,"page":298},{"id":8298,"text":"عَنْهُ الْوَلَدُ بِدَعْوَى الِاسْتِبْرَاءِ إذَا أَتَتْ بِهِ بَعْدَ الِاسْتِبْرَاءِ بِمُدَّةِ الْحَمْلِ ، فَهَاهُنَا أَوْلَى .\rوَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهَا تَصِيرُ فِرَاشًا ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُجَامِعُ ، فَيَسْبِقُ الْمَاءُ إلَى الْفَرْجِ .\rوَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَجْهَانِ كَهَذَيْنِ ، وَإِذَا ادَّعَى الِاسْتِبْرَاءَ ، قُبِلَ قَوْلُهُ بِغَيْرِ يَمِينٍ ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ ؛ لِأَنَّ مِنْ قُبِلَ قَوْلُهُ فِي الِاسْتِبْرَاءِ ، قُبِلَ بِغَيْرِ يَمِينٍ ، كَالْمَرْأَةِ تَدَّعِي انْقِضَاءَ عِدَّتِهَا .\rوَفِي الْآخَرِ ، يُسْتَحْلَفُ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِعُمُومِ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : \" وَلَكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ \" .\rوَلِأَنَّ الِاسْتِبْرَاءَ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِهِ ، فَلَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ فِيهِ بِغَيْرِ يَمِينٍ ، كَسَائِرِ الْحُقُوقِ ، بِخِلَافِ الْعِدَّةِ .\rوَمَتَى لَمْ يَدَّعِ الِاسْتِبْرَاءَ ، لَحِقَهُ وَلَدُهَا ، وَلَمْ يَنْتَفِ عَنْهُ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ : لَهُ نَفْيُهُ بِاللِّعَانِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرْضَ بِهِ ، فَأَشْبَهَ وَلَدَ الْمَرْأَةِ .\rوَلَنَا ، قَوْله تَعَالَى : { وَاَلَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ } .\rفَخَصَّ بِذَلِكَ الْأَزْوَاجَ ، وَلِأَنَّهُ وَلَدٌ يَلْحَقُهُ نَسَبُهُ مِنْ غَيْرِ الزَّوْجَةِ ، فَلَمْ يَمْلِكْ نَفْيَهُ بِاللِّعَانِ ، كَمَا لَوْ وَطِئَ أَجْنَبِيَّةً بِشُبْهَةٍ ، فَأَلْحَقَتْ الْقَافَةُ وَلَدَهَا بِهِ ، وَلِأَنَّ لَهُ طَرِيقًا إلَى نَفْيِ الْوَلَدِ بِغَيْرِ اللِّعَانِ ، فَلَمْ يَحْتَجْ إلَى نَفْيِهِ بِاللِّعَانِ ، فَلَا يُشْرَعُ ، وَلِأَنَّهُ إذَا وَطِئَ أَمَتَهُ وَلَمْ يَسْتَبْرِئْهَا ، فَأَتَتْ بِوَلَدٍ ، اُحْتُمِلَ أَنْ يَكُونَ مِنْهُ ، فَلَمْ يَجُزْ لَهُ نَفْيُهُ ؛ لِكَوْنِ النَّسَبِ يَلْحَقُ بِالْإِمْكَانِ ، فَكَيْفَ مَعَ ظُهُورِ وُجُودِ سَبَبِهِ ، وَلَوْ ادَّعَى الِاسْتِبْرَاءَ .\rفَأَتَتْ بِوَلَدَيْنِ ، فَأَقَرَّ بِأَحَدِهِمَا وَنَفَى الْآخَرَ ، لَحِقَاهُ مَعًا ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ جَعْلُ أَحَدِهِمَا مِنْهُ وَالْآخَرِ مِنْ غَيْرِهِ ، وَهُمَا حَمْلٌ وَاحِدٌ ، وَلَا يَجُوزُ نَفْيُ الْوَلَدِ الْمُقَرِّ بِهِ عَنْهُ مَعَ إقْرَارِهِ بِهِ ، فَوَجَبَ","part":17,"page":299},{"id":8299,"text":"إلْحَاقُهُمَا بِهِ مَعًا .\rوَكَذَلِكَ إنْ أَتَتْ أَمَتُهُ الَّتِي لَمْ يَعْتَرِفْ بِوَطْئِهَا بِتَوْأَمَيْنِ ، فَاعْتَرَفَ بِأَحَدِهِمَا ، وَنَفَى الْآخَرَ .","part":17,"page":300},{"id":8300,"text":"( 6241 ) فَصْلٌ : وَإِذَا نَكَحَ امْرَأَةً نِكَاحًا فَاسِدًا ، ثُمَّ قَذَفَهَا ، وَبَيْنَهُمَا وَلَدٌ يُرِيدُ نَفْيَهُ ، فَلَهُ أَنْ يُلَاعِنَ لِنَفْيِهِ ، وَلَا حَدَّ عَلَيْهِ .\rوَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ ، حُدَّ وَلَا لِعَانَ بَيْنَهُمَا .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَلْحَقُهُ الْوَلَدُ ، وَلَيْسَ لَهُ نَفْيُهُ ، وَلَا اللِّعَانُ ؛ لِأَنَّهَا أَجْنَبِيَّةٌ ، فَأَشْبَهَتْ سَائِرَ الْأَجْنَبِيَّاتِ ، أَوْ إذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ .\rوَلَنَا ، أَنَّ هَذَا وَلَدٌ يَلْحَقُهُ بِحُكْمِ عَقْدِ النِّكَاحِ ، فَكَانَ لَهُ نَفْيُهُ ، كَمَا لَوْ كَانَ النِّكَاحُ صَحِيحًا ، وَيُفَارِقُ إذَا لَمْ يَكُنْ وَلَدٌ ، فَإِنَّهُ لَا حَاجَةَ إلَى الْقَذْفِ ؛ لِكَوْنِهَا أَجْنَبِيَّةً ، وَيُفَارِقُ سَائِرَ الْأَجْنَبِيَّاتِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْحَقُهُ وَلَدُهُنَّ ، فَلَا حَاجَةَ بِهِ إلَى قَذْفِهِنَّ ، وَيُفَارِقُ الزَّوْجَةَ .\rفَإِنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى قَذْفِهَا مَعَ عَدَمِ الْوَلَدِ ، لِكَوْنِهَا خَانَتْهُ وَغَاظَتْهُ وَأَفْسَدَتْ فِرَاشَهُ ، فَإِذَا كَانَ لَهُ مِنْهَا وَلَدٌ ، فَالْحَاجَةُ مَوْجُودَةٌ فِيهِمَا ، وَإِذَا لَاعَنَ سَقَطَ الْحَدُّ ؛ لِأَنَّهُ لِعَانٌ مَشْرُوعٌ لِنَفْيِ الْحَدِّ ، فَأَسْقَطَ الْحَدَّ ، كَاللِّعَانِ فِي النِّكَاحِ الصَّحِيحِ .\rوَهَلْ يُثْبِتُ التَّحْرِيمَ الْمُؤَبَّدَ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا ، يُثْبِتُهُ ؛ لِأَنَّهُ لِعَانٌ صَحِيحٌ ، أَشْبَهَ لِعَانَ الزَّوْجَةِ .\rوَالثَّانِي ، لَا يُثْبِتُهُ ؛ لِأَنَّ الْفُرْقَةَ لَمْ تَحْصُلْ بِهِ ، فَإِنَّهُ لَا نِكَاحَ بَيْنَهُمَا يَحْصُلُ قَطْعُهُ بِهِ ، بِخِلَافِ لِعَانِ الزَّوْجَةِ ، فَإِنَّ الْفُرْقَةَ حَصَلَتْ بِهِ .\rوَلَوْ لَاعَنَهَا مِنْ غَيْرِ وَلَدٍ ، لَمْ يَسْقُطْ الْحَدُّ ، وَلَمْ يَثْبُتْ التَّحْرِيمُ الْمُؤَبَّدُ ؛ لِأَنَّهُ لِعَانٌ فَاسِدٌ ، فَلَمْ تَثْبُتْ أَحْكَامُهُ .\rوَسَوَاءٌ اعْتَقَدَ أَنَّ النِّكَاحَ صَحِيحٌ أَوْ لَمْ يَعْتَقِدْ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ فِي نَفْسِهِ لَيْسَ بِنِكَاحٍ صَحِيحٍ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ لَاعَنَ أَجْنَبِيَّةً يَظُنُّهَا زَوْجَتَهُ .","part":17,"page":301},{"id":8301,"text":"( 6242 ) فَصْلٌ : فَلَوْ أَبَانَ زَوْجَتَهُ ، ثُمَّ قَذَفَهَا بِزِنًا أَضَافَهُ إلَى حَالِ الزَّوْجِيَّةِ ، فَهِيَ كَالْمَسْأَلَةِ قَبْلَهَا ؛ إنْ كَانَ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ يُرِيدُ نَفْيَهُ ، فَلَهُ أَنْ يَنْفِيَهُ بِاللِّعَانِ ، وَإِلَّا حُدَّ وَلَمْ يُلَاعِنْ .\rوَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يُحَدُّ ، وَيَلْحَقُهُ الْوَلَدُ ، وَلَا يُلَاعِنُ .\rوَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ .\rوَوَجْهُ الْمَذْهَبَيْنِ مَا تَقَدَّمَ فِي الَّتِي قَبْلَهَا .\rوَقَالَ عُثْمَانُ الْبَتِّيُّ : لَهُ أَنْ يُلَاعِنَ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ .\rوَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَالْحَسَنِ ، أَنَّهُ يُلَاعِنُهَا ؛ لِأَنَّهُ قَذْفٌ مُضَافٌ إلَى حَالِ الزَّوْجِيَّةِ ، أَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَتْ زَوْجَتَهُ .\rوَلَنَا أَنَّهُ إذَا كَانَ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ فَبِهِ حَاجَةٌ إلَى الْقَذْفِ ، فَشُرِعَ ، كَمَا لَوْ قَذَفَهَا وَهِيَ زَوْجَتُهُ ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ ، فَلَا حَاجَةَ بِهِ إلَيْهِ ، وَقَدْ قَذَفَهَا وَهِيَ أَجْنَبِيَّةٌ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ يُضِفْهُ إلَى حَالِ الزَّوْجِيَّةِ .\rوَمَتَى لَاعَنَهَا لِنَفْيِ وَلَدِهَا انْتَفَى ، وَسَقَطَ عَنْهُ الْحَدُّ .\rوَفِي ثُبُوتِ التَّحْرِيمِ الْمُؤَبَّدِ وَجْهَانِ .\rوَهَلْ لَهُ أَنْ يُلَاعِنَهَا قَبْلَ وَضْعِ الْوَلَدِ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا ، لَهُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ مَنْ كَانَ لَهُ لِعَانُهَا بَعْدَ الْوَضْعِ ، كَانَ لَهُ لِعَانُهَا قَبْلَهُ ، كَالزَّوْجَةِ .\rوَالثَّانِي ، لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ ، وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ عِنْدَهُ لَا يَنْتَفِي فِي حَالِ الْحَمْلِ ، وَلِأَنَّ اللِّعَانَ إنَّمَا يَثْبُتُ هَاهُنَا لِأَجْلِ الْوَلَدِ ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُلَاعِنَ إلَّا بَعْدَ تَحَقُّقِهِ بِوَضْعِهِ ، بِخِلَافِ الزَّوْجَةِ ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ لِعَانِهَا مَعَ عَدَمِ الْوَلَدِ .\rوَهَكَذَا الْحُكْمُ فِي نَفْيِ الْحَمْلِ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ .","part":17,"page":302},{"id":8302,"text":"( 6243 ) فَصْلٌ : إذَا اشْتَرَى زَوْجَتَهُ الْأَمَةَ ، ثُمَّ أَقَرَّ بِوَطْئِهَا ، ثُمَّ أَتَتْ بِوَلَدٍ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ ، كَانَ لَاحِقًا بِهِ ، وَلَمْ يَنْتَفِ عَنْهُ إلَّا بِدَعْوَى الِاسْتِبْرَاءِ ؛ لِأَنَّهُ مُلْحَقٌ بِهِ بِالْوَطْءِ فِي الْمِلْكِ دُونَ النِّكَاحِ ، لِكَوْنِ الْمِلْكِ حَاضِرًا ، فَصَارَ كَالزَّوْجِ الثَّانِي ، يَلْحَقُ بِهِ الْوَلَدُ وَإِنْ أَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ مِنْ الْأَوَّلِ .\rوَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَقَرَّ بِوَطْئِهَا ، أَوْ أَقَرَّ بِهِ فَأَتَتْ بِوَلَدٍ لِدُونِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مُنْذُ وَطِئَ ، كَانَ مُلْحَقًا بِالنِّكَاحِ ، إنْ أَمْكَنَ ذَلِكَ ، وَلَهُ نَفْيُهُ بِاللِّعَانِ ، وَهَلْ يُثْبِتُ هَذَا اللِّعَانُ التَّحْرِيمَ الْمُؤَبَّدَ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ .","part":17,"page":303},{"id":8303,"text":"( 6244 ) فَصْلٌ : إذَا قَذَفَ مُطَلَّقَتَهُ الرَّجْعِيَّةَ ، فَلَهُ لِعَانُهَا ، سَوَاءٌ كَانَ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ .\rقَالَ أَبُو طَالِبٍ : سَأَلْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ الرَّجُلِ يُطَلِّقُ تَطْلِيقَةً أَوْ تَطْلِيقَتَيْنِ ، ثُمَّ يَقْذِفُهَا .\rقَالَ : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : لَا يُلَاعِنُ ، وَيُجْلَدُ .\rوَقَالَ ابْنُ عُمَرَ : يُلَاعِنُ مَا دَامَتْ فِي الْعِدَّةِ .\rقَالَ : وَقَوْلُ ابْنِ عُمَرَ أَجْوَدُ ؛ لِأَنَّهَا زَوْجَتُهُ ، وَهُوَ يَرِثُهَا وَتَرِثُهُ ، فَهُوَ يُلَاعِنُ .\rوَبِهَذَا قَالَ جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَقَتَادَةُ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ؛ لِأَنَّ الرَّجْعِيَّةَ زَوْجَةٌ فَكَانَ لَهُ لِعَانُهَا ، كَمَا لَوْ لَمْ يُطَلِّقْهَا .","part":17,"page":304},{"id":8304,"text":"( 6245 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَذَفَ زَوْجَتَهُ ثُمَّ أَبَانَهَا ، فَلَهُ لِعَانُهَا .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، سَوَاءٌ كَانَ لَهُ وَلَدٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ .\rوَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ ، وَالْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، وَمَكْحُولٌ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ .\rوَقَالَ الْحَارِثُ الْعُكْلِيُّ ، وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ ، وَقَتَادَةُ ، وَالْحَكَمُ : يُجْلَدُ .\rوَقَالَ حَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ : لَا حَدَّ وَلَا لِعَانَ ؛ لِأَنَّ اللِّعَانَ إنَّمَا يَكُونُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ ، وَلَيْسَ هَذَانِ بِزَوْجَيْنِ ، وَلَا يُحَدُّ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْذِفْ أَجْنَبِيَّةً .\rوَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { وَاَلَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ } .\rوَهَذَا قَدْ رَمَى زَوْجَتَهُ ، فَيَدْخُلُ فِي عُمُوم الْآيَةِ ، وَإِذَا لَمْ يُلَاعِنْ وَجَبَ الْحَدُّ بِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى : { وَاَلَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً } .\rوَلِأَنَّهُ قَاذِفٌ لِزَوْجَتِهِ ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَنْ يُلَاعِنَ ، كَمَا لَوْ كَانَا عَلَى النِّكَاحِ إلَى حَالَةِ اللِّعَانِ .","part":17,"page":305},{"id":8305,"text":"( 6246 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَالَتْ : قَذَفَنِي قَبْلَ أَنْ يَتَزَوَّجَنِي .\rوَقَالَ : بَلْ بَعْدَهُ .\rأَوْ قَالَتْ : قَذَفَنِي بَعْدَ مَا بِنْتُ مِنْهُ .\rوَقَالَ : بَلْ قَبْلَهُ .\rفَالْقَوْلُ قَوْلُهُ ؛ لِأَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُهُ فِي أَصْلِ الْقَذْفِ ، فَكَذَلِكَ فِي وَقْتِهِ .\rوَإِنْ قَالَتْ أَجْنَبِيَّةٌ : قَذَفَنِي .\rفَقَالَ : كُنْت زَوْجَتِي حِينَئِذٍ .\rفَأَنْكَرَتْ الزَّوْجِيَّةَ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهَا .","part":17,"page":306},{"id":8306,"text":"( 6247 ) فَصْلٌ : وَلَوْ قَذَفَ أَجْنَبِيَّةً ، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا ، فَعَلَيْهِ الْحَدُّ ، وَلَا يُلَاعِنُ ؛ لِأَنَّهُ وَجَبَ فِي حَالِ كَوْنِهَا أَجْنَبِيَّةً ، فَلَمْ يَمْلِكْ اللِّعَانَ مِنْ أَجْلِهِ ، كَمَا لَوْ لَمْ يَتَزَوَّجْهَا .\rوَإِنْ قَذَفَهَا بَعْدَ تَزَوُّجِهَا بِزِنًا أَضَافَهُ إلَى مَا قَبْلَ النِّكَاحِ ، حُدَّ ، وَلَمْ يُلَاعِنْ ، سَوَاءٌ كَانَ ثَمَّ وَلَدٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ .\rوَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَبِي ثَوْرٍ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، وَالشَّعْبِيِّ .\rوَقَالَ الْحَسَنُ ، وَزُرَارَةُ بْنُ أَبِي أَوْفَى ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ : لَهُ أَنْ يُلَاعِنَ ؛ لِأَنَّهُ قَذَفَ امْرَأَتَهُ ، فَيَدْخُلُ فِي عُمُومِ قَوْله تَعَالَى : { وَاَلَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ } .\rوَلِأَنَّهُ قَذَفَ امْرَأَتَهُ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَذَفَهَا وَلَمْ يُضِفْهُ إلَى مَا قَبْلَ النِّكَاحِ .\rوَحَكَى الشَّرِيفُ أَبُو جَعْفَرٍ عَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةً أُخْرَى كَذَلِكَ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : إنْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ وَلَدٌ ، لَمْ يُلَاعِنْ ، وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ .\rوَلَنَا أَنَّهُ قَذَفَهَا قَذْفًا مُضَافًا إلَى حَالِ الْبَيْنُونَةِ ، أَشْبَهَ مَا لَوْ قَذَفَهَا وَهِيَ بَائِنٌ ، وَفَارَقَ قَذْفَ الزَّوْجَةِ ، لِأَنَّهُ مُحْتَاجٌ إلَيْهِ لِأَنَّهَا غَاظَتْهُ وَخَانَتْهُ ، وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ ، فَهُوَ مُحْتَاجٌ إلَى نَفْيِهِ ، وَهَاهُنَا إذَا تَزَوَّجَهَا وَهُوَ يَعْلَمُ زِنَاهَا ، فَهُوَ الْمُفَرِّطُ فِي نِكَاحِ حَامِلٍ مِنْ الزِّنَا ، فَلَا يُشْرَعُ لَهُ طَرِيقٌ إلَى نَفْيِهِ .","part":17,"page":307},{"id":8307,"text":"( 6248 ) فَصْلٌ : وَلَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ : أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا يَا زَانِيَةُ .\rفَنَقَلَ مُهَنَّا ، قَالَ : سَأَلْت أَحْمَدَ ، عَنْ رَجُلٍ قَالَ لِامْرَأَتِهِ : أَنْتِ طَالِقٌ يَا زَانِيَةُ .\rثَلَاثًا ، فَقَالَ : يُلَاعِنُ .\rقُلْت : فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ : يُحَدُّ ، وَلَا يَلْزَمُهَا إلَّا وَاحِدَةٌ .\rقَالَ : بِئْسَ مَا يَقُولُونَ .\rفَهَذَا يُلَاعِنُ ؛ لِأَنَّهُ قَذَفَهَا قَبْلَ الْحُكْمِ بِبَيْنُونَتِهَا ، فَأَشْبَهَ قَذْفَ الرَّجْعِيَّةِ .\rوَأَمَّا فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى ، فَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ ، فَإِنَّهُ يُلَاعِنُ ؛ لِنَفْيِهِ ، وَإِلَّا حُدَّ وَلَمْ يُلَاعِنْ ؛ لِأَنَّهُ يَتَعَيَّنُ إضَافَةُ الْقَذْفِ إلَى حَالِ الزَّوْجِيَّةِ ؛ لِاسْتِحَالَةِ الزِّنَا مِنْهَا بَعْدَ طَلَاقِهِ لَهَا ، فَصَارَ كَأَنَّهُ قَالَ لَهَا بَعْدَ إبَانَتِهَا : زَنَيْت إذْ كُنْت زَوْجَتِي .\rعَلَى مَا قَرَّرْنَاهُ .","part":17,"page":308},{"id":8308,"text":"( 6249 ) الْفَصْلُ الثَّالِثُ : أَنَّ كُلَّ قَذْفٍ لِلزَّوْجَةِ يَجِبُ بِهِ اللِّعَانُ ، سَوَاءٌ قَالَ لَهَا : زَنَيْت .\rأَوْ : رَأَيْتُك تَزْنِينَ .\rسَوَاءٌ كَانَ الْقَاذِفُ أَعْمًى أَوْ بَصِيرًا .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .\rوَبِهَذَا قَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ ، وَأَبُو ثَوْرٍ .\rوَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ .\rوَقَالَ يَحْيَى الْأَنْصَارِيُّ ، وَأَبُو الزِّنَادِ ، وَمَالِكٌ : لَا يَكُونُ اللِّعَانُ إلَّا بِأَحَدِ أَمْرَيْنِ : إمَّا رُؤْيَةٍ ، وَإِمَّا إنْكَارٍ لِلْحَمْلِ ؛ لِأَنَّ آيَةَ اللِّعَانِ نَزَلَتْ فِي هِلَالِ بْنِ أُمَيَّةَ ، وَكَانَ قَالَ : رَأَيْت بِعَيْنَيَّ ، وَسَمِعْت بِأُذُنَيَّ .\rفَلَا يَثْبُتُ اللِّعَانُ إلَّا فِي مِثْلِهِ .\rوَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { وَاَلَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ } الْآيَةَ .\rوَهَذَا رَامٍ لِزَوْجَتِهِ ، فَيَدْخُلُ فِي عُمُومِ الْآيَةِ ، وَلِأَنَّ اللِّعَانَ مَعْنًى يَتَخَلَّصُ بِهِ مِنْ مُوجَبِ الْقَذْفِ ، فَيُشْرَعُ فِي حَقِّ كُلِّ رَامٍ لِزَوْجَتِهِ ، كَالْبَيِّنَةِ .\rوَالْأَخْذُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ أَوْلَى مِنْ خُصُوصِ السَّبَبِ ، ثُمَّ لَمْ يَعْمَلُوا بِهِ فِي قَوْلِهِ : وَسَمِعْت بِأُذُنَيَّ .\rوَسَوَاءٌ قَذَفَهَا بِزِنًا فِي الْقُبُلِ أَوْ فِي الدُّبُرِ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَثْبُتُ اللِّعَانُ بِالْقَذْفِ بِالْوَطْءِ فِي الدُّبُرِ .\rوَبَنَاهُ عَلَى أَصْلِهِ ، فِي أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجِبُ بِهِ الْحَدُّ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ رَامٍ لِزَوْجَتِهِ بِوَطْءٍ فِي فَرْجِهَا ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَذَفَهَا بِالْوَطْءِ فِي قُبُلِهَا .\rوَأَمَّا إنْ قَذَفَهَا بِالْوَطْءِ دُونَ الْفَرْجِ ، أَوْ بِشَيْءٍ مِنْ الْفَوَاحِشِ غَيْرِ الزِّنَا ، فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ ، وَلَا لِعَانَ ؛ لِأَنَّهُ قَذَفَهَا بِمَا لَا يَجِبُ بِهِ الْحَدُّ فَلَمْ يَثْبُتْ بِهِ الْحَدُّ وَاللِّعَانُ ، كَمَا لَوْ قَذَفَهَا بِضَرْبِ النَّاسِ وَأَذَاهُمْ .","part":17,"page":309},{"id":8309,"text":"( 6250 ) الْفَصْلُ الرَّابِعُ : أَنَّهُ إذَا قَذَفَ زَوْجَتَهُ الْمُحْصَنَةَ ، وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَدُّ ، وَحُكِمَ بِفِسْقِهِ ، وَرَدِّ شَهَادَتِهِ ، إلَّا أَنْ يَأْتِيَ بِبَيِّنَةٍ أَوْ يُلَاعِنَ ، فَإِنْ لَمْ يَأْتِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ ، أَوْ امْتَنَعَ مِنْ اللِّعَانِ ، لَزِمَهُ ذَلِكَ كُلُّهُ .\rوَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَجِبُ اللِّعَانُ دُونَ الْحَدِّ ، فَإِنْ أَبَى حُبِسَ حَتَّى يُلَاعِنَ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : { وَاَلَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ } الْآيَاتِ .\rفَلَمْ يُوجِبْ بِقَذْفِ الْأَزْوَاجِ إلَّا اللِّعَانَ .\rوَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { وَاَلَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ } وَهَذَا عَامٌّ فِي الزَّوْجِ وَغَيْرِهِ ، وَإِنَّمَا خَصَّ الزَّوْجَ بِأَنْ أَقَامَ لِعَانَهُ مَقَامَ الشَّهَادَةِ ، فِي نَفْيِ الْحَدِّ وَالْفِسْقِ وَرَدِّ الشَّهَادَةِ عَنْهُ .\rوَأَيْضًا قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الْبَيِّنَةُ وَإِلَّا حَدٌّ فِي ظَهْرِك } .\rوَقَوْلُهُ لَمَّا لَاعَنَ : \" عَذَابُ الدُّنْيَا أَهْوَنُ مِنْ عَذَابِ الْآخِرَةِ \" .\rوَلِأَنَّهُ قَاذِفٌ يَلْزَمُهُ الْحَدُّ لَوْ أَكْذَبَ نَفْسَهُ ، فَلَزِمَهُ إذَا لَمْ يَأْتِ بِالْبَيِّنَةِ الْمَشْرُوعَةِ ، كَالْأَجْنَبِيِّ .\rفَأَمَّا إنْ قَذَفَ غَيْرَهَا كَالْكِتَابِيَّةِ وَالْأَمَةِ ، وَالْمَجْنُونَةِ ، وَالطِّفْلَةِ ، فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ التَّعْزِيرُ بِذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ أَدْخَلَ عَلَيْهِنَّ الْمَعَرَّةَ بِالْقَذْفِ ، وَلَا يُحَدُّ لَهُنَّ حَدًّا كَامِلًا لِنُقْصَانِهِنَّ بِذَلِكَ ، وَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ فِسْقٌ ، وَلَا رَدُّ شَهَادَةٍ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُوجِبُ الْحَدَّ .\rقَالَ الْقَاضِي : وَلَيْسَ لَهُ إسْقَاطُ هَذَا التَّعْزِيرِ بِاللِّعَانِ ؛ لِأَنَّ اللِّعَانَ إمَّا لِنَفْيِ النَّسَبِ ، أَوْ لِدَرْءِ الْحَدِّ ، وَلَيْسَ هَاهُنَا وَاحِدٌ مِنْهُمَا .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَهُ","part":17,"page":310},{"id":8310,"text":"إسْقَاطُهُ بِاللِّعَانِ ؛ لِأَنَّهُ إذَا مَلَكَ إسْقَاطَ الْحَدِّ الْكَامِلِ بِاللِّعَانِ ، فَإِسْقَاطُ مَا دُونَهُ أَوْلَى .\rوَلِلْقَاضِي أَنْ يَقُولَ : لَا يَلْزَمُ مِنْ مَشْرُوعِيَّتِهِ لِدَفْعِ الْحَدِّ الَّذِي يَعْظُمُ ضَرَرُهُ ، مَشْرُوعِيَّتُهُ لِدَفْعِ مَا يَقِلُّ ضَرَرُهُ ، كَمَا لَوْ قَذَفَ طِفْلَةً لَا يُتَصَوَّرُ وَطْؤُهَا ، فَإِنَّهُ يُعَزَّرُ تَعْزِيرَ السَّبِّ وَالْأَذَى ، وَلَيْسَ لَهُ إسْقَاطُهُ بِاللِّعَانِ .\rكَذَا هَاهُنَا .\rوَأَمَّا إنْ كَانَ لِأَحَدِ هَؤُلَاءِ ، وَلَا يُرِيدُ نَفْيَهُ ، فَقَالَ الْقَاضِي : لَهُ أَنْ يُلَاعِنَ لِنَفْيِهِ .\rوَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ ، فِي الْأَمَةِ وَالْكِتَابِيَّةِ ، سَوَاءٌ كَانَ لَهُمَا وَلَدٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ .\rوَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ فِيمَا مَضَى .","part":17,"page":311},{"id":8311,"text":"( 6251 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : ( وَلَا يُعْرَضُ لَهُ ، حَتَّى تُطَالِبَهُ زَوْجَتُهُ ) .\rيَعْنِي لَا يُتَعَرَّضُ لَهُ بِإِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ ، وَلَا طَلَبِ اللِّعَانِ مِنْهُ ، حَتَّى تُطَالِبَهُ زَوْجَتُهُ بِذَلِكَ ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ حَقٌّ لَهَا ، فَلَا يُقَامُ مِنْ غَيْرِ طَلَبِهَا ، كَسَائِرِ حُقُوقِهَا .\rوَلَيْسَ لِوَلِيِّهَا الْمُطَالَبَةُ عَنْهَا إنْ كَانَتْ مَجْنُونَةً أَوْ مَحْجُورًا عَلَيْهَا ، وَلَا لِوَلِيِّ الصَّغِيرَةِ وَسَيِّدِ الْأَمَةِ الْمُطَالَبَةُ بِالتَّعْزِيرِ مِنْ أَجْلِهِمَا ؛ لِأَنَّ هَذَا حَقٌّ ثَبَتَ لِلتَّشَفِّي ، فَلَا يَقُومُ الْغَيْرُ فِيهِ مَقَامَ الْمُسْتَحِقِّ ، كَالْقِصَاصِ .\rفَإِنْ أَرَادَ الزَّوْجُ اللِّعَانَ مِنْ غَيْرِ مُطَالَبَةٍ ، نَظَرْنَا ؛ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ نَسَبٌ يُرِيدُ نَفْيَهُ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُلَاعِنَ ، وَكَذَلِكَ كُلُّ مَوْضِعٍ سَقَطَ فِيهِ الْحَدُّ ، مِثْلُ إنْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ بِزِنَاهَا ، أَوْ أَبْرَأَتْهُ مِنْ قَذْفِهَا ، أَوْ حُدَّ لَهَا ثُمَّ أَرَادَ لِعَانَهَا ، وَلَا نَسَبَ هُنَاكَ يُنْفَى ، فَإِنَّهُ لَا يُشْرَعُ اللِّعَانُ .\rوَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا ، إلَّا بَعْضَ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ قَالُوا : لَهُ الْمُلَاعَنَةُ ؛ لِإِزَالَةِ الْفِرَاشِ .\rوَالصَّحِيحُ عِنْدَهُمْ مِثْلُ قَوْلِ الْجَمَاعَةِ ؛ لِأَنَّ إزَالَةَ الْفِرَاشِ تُمَكِّنُهُ بِالطَّلَاقِ ، وَالتَّحْرِيمُ الْمُؤَبَّدُ لَيْسَ بِمَقْصُودٍ يُشْرَعُ اللِّعَانُ مِنْ أَجْلِهِ ، وَإِنَّمَا حَصَلَ ذَلِكَ ضِمْنًا .\rفَأَمَّا إنْ كَانَ هُنَاكَ وَلَدٌ يُرِيدُ نَفْيَهُ ، فَقَالَ الْقَاضِي : لَهُ أَنْ يُلَاعِنَ لِنَفْيِهِ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ هِلَالَ بْنَ أُمَيَّةَ لَمَّا قَذَفَ امْرَأَتَهُ ، وَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرَهُ ، أَرْسَلَ إلَيْهَا ، فَلَاعَنَ بَيْنَهُمَا ، وَلَمْ تَكُنْ طَالَبَتْهُ .\rوَلِأَنَّهُ مُحْتَاجٌ إلَى نَفْيِهِ ، فَشُرِعَ لَهُ طَرِيقٌ إلَيْهِ ، كَمَا لَوْ طَالَبَتْهُ ، وَلِأَنَّ نَفْيَ النَّسَبِ الْبَاطِلِ حَقٌّ لَهُ ، فَلَا يَسْقُطُ بِرِضَاهَا بِهِ ، كَمَا لَوْ طَالَبَتْ بِاللِّعَانِ وَرَضِيَتْ بِالْوَلَدِ .","part":17,"page":312},{"id":8312,"text":"وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يُشْرَعَ اللِّعَانُ هَاهُنَا ، كَمَا لَوْ قَذَفَهَا فَصَدَّقَتْهُ ، وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ ؛ لِأَنَّهُ أَحَدُ مُوجَبَيْ الْقَذْفِ فَلَا يُشْرَعُ مَعَ عَدَمِ الْمُطَالَبَةِ ، كَالْحَدِّ .","part":17,"page":313},{"id":8313,"text":"( 6252 ) فَصْلٌ : وَإِذَا قَذَفَهَا ثُمَّ مَاتَ قَبْلَ لِعَانِهِمَا ، أَوْ قَبْلَ إتْمَامِ لِعَانِهِ ، سَقَطَ اللِّعَانُ ، وَلَحِقَهُ الْوَلَدُ ، وَوَرِثَتْهُ ، فِي قَوْلِ الْجَمِيعِ ؛ لِأَنَّ اللِّعَانَ لَمْ يُوجَدْ ، فَلَمْ يَثْبُتْ حُكْمُهُ .\rوَإِنْ مَاتَ بَعْدَ أَنْ أَكْمَلَ لِعَانَهُ ، وَقَبْلَ لِعَانِهَا ، فَكَذَلِكَ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : تَبِينُ بِلِعَانِهِ ، وَيَسْقُطُ التَّوَارُثُ ، وَيَنْتَفِي الْوَلَدُ ، وَيَلْزَمُهَا الْحَدُّ ، إلَّا أَنْ تَلْتَعِنَ .\rوَلَنَا أَنَّهُ مَاتَ قَبْلَ إكْمَالِ اللِّعَانِ ، أَشْبَهَ مَا لَوْ مَاتَ قَبْلَ إكْمَالِ الْتِعَانِهِ ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الشَّرْعَ إنَّمَا رَتَّبَ هَذِهِ الْأَحْكَامَ عَلَى اللِّعَان التَّامِّ ، وَالْحُكْمُ لَا يَثْبُتُ قَبْلَ كَمَالِ سَبَبِهِ .\rوَإِنْ مَاتَتْ الْمَرْأَةُ قَبْلَ اللِّعَانِ ، فَقَدْ مَاتَتْ عَلَى الزَّوْجِيَّةِ ، وَيَرِثُهَا فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rوَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ : إنْ الْتَعَنَ ، لَمْ يَرِثْ .\rوَنَحْوُ ذَلِكَ عَنْ الشَّعْبِيِّ ، وَعِكْرِمَةَ ؛ لِأَنَّ اللِّعَانَ يُوجِبُ فُرْقَةً تَبِينُ بِهَا ، فَيَمْنَعُ التَّوَارُثَ ، كَمَا لَوْ الْتَعَنَ فِي حَيَاتِهَا .\rوَلَنَا ، أَنَّهَا مَاتَتْ عَلَى الزَّوْجِيَّةِ ، فَوَرِثَهَا ، كَمَا لَوْ لَمْ يَلْتَعِنْ ، وَلِأَنَّ اللِّعَانَ سَبَبُ الْفُرْقَةِ فَلَمْ يَثْبُتْ حُكْمٌ بَعْدَ مَوْتِهَا كَالطَّلَاقِ ، وَفَارَقَ اللِّعَانُ فِي الْحَيَاةِ ، فَإِنَّهُ يَقْطَعُ الزَّوْجِيَّةَ ، عَلَى أَنَّنَا قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهُ لَوْ لَاعَنَهَا وَلَمْ تَلْتَعِنْ هِيَ ، لَمْ تَنْقَطِعْ الزَّوْجِيَّةُ أَيْضًا ، فَهَاهُنَا أَوْلَى .\rفَإِنْ قِيلَ : أَلَيْسَ قَدْ قُلْتُمْ : لَوْ الْتَعَنَ مِنْ الْوَلَدِ الْمَيِّتِ وَنَفَاهُ لَمْ يَرِثْهُ فَكَذَلِكَ الزَّوْجَةُ ؟ قُلْنَا : لَوْ الْتَعَنَ الزَّوْجُ وَحْدَهُ دُونَهَا ، لَمْ يَنْتَفِ الْوَلَدُ ، وَلَمْ يَثْبُتْ حُكْمُ اللِّعَانِ ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا ، ثُمَّ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّهُ إذَا نَفَى الْوَلَدَ ، تَبَيَّنَّا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْهُ أَصْلًا فِي حَالٍ مِنْ الْأَحْوَالِ ، وَالزَّوْجَةُ قَدْ كَانَتْ امْرَأَتَهُ فِيمَا قَبْلَ اللِّعَانِ ، وَإِنَّمَا يُزِيلُ نِكَاحَهَا اللِّعَانُ","part":17,"page":314},{"id":8314,"text":"، كَمَا يُزِيلُهُ الطَّلَاقُ .\rفَإِذَا مَاتَتْ قَبْلَهُ ، فَقَدْ مَاتَتْ قَبْلَ وُجُودِ مَا يُزِيلُهُ ، فَيَكُونُ مَوْجُودًا حَالَ الْمَوْتِ ، فَيُوجِبُ التَّوَارُثَ ، وَيَنْقَطِعُ بِالْمَوْتِ ، فَلَا يُمْكِنُ انْقِطَاعُهُ مَرَّةً أُخْرَى .\rوَإِنْ أَرَادَ الزَّوْجُ اللِّعَانَ ، وَلَمْ تَكُنْ طَالَبَتْ بِالْحَدِّ فِي حَيَاتِهَا ، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَلْتَعِنَ ، سَوَاءٌ كَانَ ثَمَّ وَلَدٌ يُرِيدُ نَفْيَهُ أَوْ لَمْ يَكُنْ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : إنْ كَانَ ثَمَّ وَلَدٌ يُرِيدُ نَفْيَهُ ، فَلَهُ أَنْ يَلْتَعِنَ .\rوَهَذَا يَنْبَنِي عَلَى أَصْلٍ ، وَهُوَ أَنَّ اللِّعَانَ إنَّمَا يَكُونُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ ، فَإِنَّ لِعَانَ الرَّجُلِ وَحْدَهُ لَا يَثْبُتُ بِهِ حُكْمٌ ، وَعِنْدَهُمْ بِخِلَافِ ذَلِكَ .\rفَأَمَّا إنْ كَانَتْ طَالَبَتْ بِالْحَدِّ فِي حَيَاتِهَا ، فَإِنَّ أَوْلِيَاءَهَا يَقُومُونَ فِي الطَّلَبِ بِهِ مَقَامَهَا ، فَإِنْ طُولِبَ بِهِ ، فَلَهُ إسْقَاطُهُ بِاللِّعَانِ .\rذَكَرَهُ الْقَاضِي ، وَإِلَّا فَلَا ؛ لِأَنَّهُ لَا حَاجَةَ إلَيْهِ مَعَ عَدَمِ الطَّلَبِ ، فَإِنَّهُ لَا حَدَّ عَلَيْهِ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ : إنْ كَانَ لِلْمَرْأَةِ وَارِثٌ غَيْرَ الزَّوْجِ ، فَلَهُ اللِّعَانُ ، لِيُسْقِطَ الْحَدَّ عَنْ نَفْسِهِ ، وَإِلَّا فَلَا ؛ لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ .","part":17,"page":315},{"id":8315,"text":"( 6253 ) فَصْلٌ : وَإِذَا مَاتَ الْمَقْذُوفُ قَبْلَ الْمُطَالَبَةِ بِالْحَدِّ ، سَقَطَ ، وَلَمْ يَكُنْ لِوَرَثَتِهِ الطَّلَبُ بِهِ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ يُورَثُ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ طَالَبَ بِهِ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ تَرَكَ حَقًّا فَلِوَرَثَتِهِ } .\rوَلِأَنَّهُ حَقٌّ ثَبَتَ لَهُ فِي الْحَيَاةِ ، يُورَثُ إذَا طَالَبَ بِهِ ، فَيُورَثُ وَإِنْ لَمْ يُطَالِبْ بِهِ ، كَحَقِّ الْقِصَاصِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ حَدٌّ تُعْتَبَرُ فِيهِ الْمُطَالَبَةُ ، فَإِذَا لَمْ يُوجَدْ الطَّلَبُ مِنْ الْمَالِكِ ، لَمْ يَجِبْ ، كَحَدِّ الْقَطْعِ فِي السَّرِقَةِ ، وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْحَقَّ الْمَتْرُوكَ يُورَثُ ، وَهَذَا لَيْسَ بِمَتْرُوكٍ ، وَأَمَّا حَقُّ الْقِصَاصِ ، فَإِنَّهُ حَقٌّ يَجُوزُ الِاعْتِيَاضُ عَنْهُ ، وَيَنْتَقِلُ إلَى الْمَالِ ، بِخِلَافِ مَا نَحْنُ فِيهِ ، فَأَمَّا إنْ طَالَبَ بِهِ ثُمَّ مَاتَ ، فَإِنَّهُ تَرِثُهُ الْعَصَبَاتُ مِنْ النَّسَبِ دُونَ غَيْرِهِمْ ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ يَثْبُتُ لِدَفْعِ الْعَارِ ، فَاخْتَصَّ بِهِ الْعَصَبَاتُ ، كَوِلَايَةِ النِّكَاحِ .\rوَهَذَا أَحَدُ الْوُجُوهِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ .\rوَمَتَى ثَبَتَ لِلْعَصَبَاتِ ، فَلَهُمْ اسْتِيفَاؤُهُ .\rوَإِنْ طَلَبَ أَحَدُهُمْ وَحْدَهُ ، فَلَهُ اسْتِيفَاؤُهُ .\rوَإِنْ عَفَى بَعْضُهُمْ ، لَمْ يَسْقُطْ ، وَكَانَ لِلْبَاقِينَ اسْتِيفَاؤُهُ .\rوَلَوْ بَقِيَ وَاحِدٌ ، كَانَ لَهُ اسْتِيفَاءُ جَمِيعِهِ ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ يُرَادُ لِلرَّدْعِ وَالزَّجْرِ ، فَلَمْ يَتَبَعَّضْ ، كَسَائِرِ الْحُدُودِ ، وَلَا يَسْقُطُ بِإِسْقَاطِ الْبَعْضِ ؛ لِأَنَّهُ يُرَادُ لِدَفْعِ الْعَارِ عَنْ الْمَقْذُوفِ ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْعَصَبَاتِ يَقُومُ مَقَامَهُ فِي اسْتِيفَائِهِ ، فَيَثْبُتُ لَهُ جَمِيعُهُ ، كَوِلَايَةِ النِّكَاحِ ، وَيُفَارِقُ حَقَّ الْقِصَاصِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَفُوتُ إلَى بَدَلٍ ، وَلَوْ أَسْقَطْنَاهُ هَاهُنَا ، لَسَقَطَ حَقُّ غَيْرِ الْعَافِي إلَى غَيْرِ بَدَلٍ .\rفَعَلَى هَذَا ، لَوْ قَذَفَ امْرَأَتَهُ فَمَاتَتْ بَعْدَ الْمُطَالَبَةِ ، وَلَهَا أَحَدٌ مِنْ عَصَبَاتهَا غَيْرُهُ ، فَلَهُ اسْتِيفَاؤُهُ ، وَإِنْ كَانَ زَوْجُهَا عَصَبَتَهَا ، وَلَيْسَ لَهَا","part":17,"page":316},{"id":8316,"text":"أَحَدٌ سِوَاهُ ، سَقَطَ .\rوَإِنْ كَانَ لَهَا مِنْ عَصَبَتهَا غَيْرُهُ ، فَلَهُ الطَّلَبُ بِهِ ، وَلَا يَسْقُطُ ؛ بِمَا ذَكَرْنَا ، مِنْ أَنَّهُ يَكْمُلُ لِكُلِّ وَاحِدٍ ، بِخِلَافِ الْقِصَاصِ .","part":17,"page":317},{"id":8317,"text":"( 6254 ) فَصْلٌ : وَإِذَا قَذَفَ امْرَأَتَهُ ، وَلَهُ بَيِّنَةٌ ، تَشْهَدُ بِزِنَاهَا ، فَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ لِعَانِهَا وَبَيْنَ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ ؛ لِأَنَّهُمَا بَيِّنَتَانِ ، فَكَانَتْ لَهُ الْخِيرَةُ فِي إقَامَةِ أَيَّتِهِمَا شَاءَ ، كَمَنْ لَهُ بِدَيْنٍ شَاهِدَانِ وَشَاهِدٌ وَامْرَأَتَانِ ، وَلِأَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا يَحْصُلُ بِهَا مَا لَا يَحْصُلُ بِالْأُخْرَى ، فَإِنَّهُ يَحْصُلُ بِاللِّعَانِ نَفْيُ النَّسَبِ الْبَاطِلِ ، وَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ بِالْبَيِّنَةِ ، وَيَحْصُلُ بِالْبَيِّنَةِ ثُبُوتُ زِنَاهَا ، وَإِقَامَةُ الْحَدِّ عَلَيْهَا ، وَلَا يَحْصُلُ بِاللِّعَانِ ، فَإِنْ لَاعَنَهَا وَنَفَى وَلَدَهَا ، ثُمَّ أَرَادَ إقَامَةَ الْبَيِّنَةِ ، فَلَهُ ذَلِكَ ، فَإِذَا أَقَامَهَا ، ثَبَتَ مُوجَبُ اللِّعَانِ وَمُوجَبُ الْبَيِّنَةِ ، وَإِنْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَوَّلًا ، ثَبَتَ الزِّنَا وَمُوجَبُهُ ، وَلَمْ يَنْتَفِ عَنْهُ الْوَلَدُ ؛ فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ الزِّنَا كَوْنُ الْوَلَدِ مِنْهُ .\rوَإِنْ أَرَادَ لِعَانَهَا بَعْدَ ذَلِكَ ، وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ يُرِيدُ نَفْيَهُ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الْحَدَّ قَدْ انْتَفَى عَنْهُ بِإِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ ، فَلَا حَاجَةَ إلَيْهِ ، وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ يُرِيدُ نَفْيَهُ ، فَعَلَى قَوْلِ الْقَاضِي ، لَهُ أَنْ يُلَاعِنَ وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ فِيمَا مَضَى .","part":17,"page":318},{"id":8318,"text":"( 6255 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَذَفَهَا ، فَطَالَبَتْهُ بِالْحَدِّ ، فَأَقَامَ شَاهِدَيْنِ عَلَى إقْرَارِهَا بِالزِّنَا ، سَقَطَ عَنْهُ الْحَدُّ ؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ تَصْدِيقُهَا إيَّاهُ ، وَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهَا الْحَدُّ ؛ لِأَنَّ الْحَدَّ لَا يَجِبُ إلَّا بِالْإِقْرَارِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ ، وَيَسْقُطُ بِالرُّجُوعِ عَنْ الْإِقْرَارِ ، وَهَلْ يَثْبُتُ الْإِقْرَارُ بِالزِّنَا بِشَاهِدَيْنِ ؟ قَالَ أَبُو بَكْرٍ : فِيهِ قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا ، يَثْبُتُ بِشَاهِدَيْنِ ، كَسَائِرِ الْأَقَارِيرِ .\rوَاخْتَارَهُ .\rوَالثَّانِي ، لَا يَثْبُتُ لِأَنَّهُ لَا يَثْبُتُ بِهِ الْمُقَرُّ بِهِ ، فَلَا يَثْبُتُ بِهِ الْإِقْرَارُ بِهِ ، كَرَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ .\rوَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ حَاضِرَةٌ ، فَقَالَ : لِي بَيِّنَةٌ غَائِبَةٌ ، أُقِيمُهَا عَلَى الزِّنَا .\rأُمْهِلَ الْيَوْمَيْنِ وَالثَّلَاثَةِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ قَرِيبٌ ، فَإِنْ أَتَى بِالْبَيِّنَةِ ، وَإِلَّا حُدَّ ، إلَّا أَنْ يُلَاعِنَ إذَا كَانَ زَوْجًا .\rفَإِنْ قَالَ : قَذَفْتُهَا وَهِيَ صَغِيرَةٌ .\rوَقَالَتْ : قَذَفَنِي وَأَنَا كَبِيرَةٌ .\rوَأَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةً بِمَا قَالَ ، فَهُمَا قَذْفَانِ .\rوَكَذَلِكَ إنْ اخْتَلَفَا فِي الْكُفْرِ وَالرِّقِّ أَوْ الْوَقْتِ ؛ لِأَنَّهُ لَا تَنَافِي بَيْنَهُمَا ، إلَّا أَنْ يَكُونَا مُؤَرَّخَيْنِ تَأْرِيخًا وَاحِدًا ، فَيَسْقُطَانِ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ ، وَفِي الْآخَرِ ، يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا ، فَمَنْ خَرَجَتْ قُرْعَتُهُ ، قُدِّمَتْ بَيِّنَتُهُ .","part":17,"page":319},{"id":8319,"text":"( 6256 ) فَصْلٌ : فَإِنْ شَهِدَ شَاهِدَانِ أَنَّهُ قَذَفَ فُلَانَةَ وَقَذَفَنَا .\rلَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُمَا ؛ لَاعْتِرَافِهِمَا بِعَدَاوَتِهِ لَهُمَا ، وَشَهَادَةُ الْعَدُوِّ لَا تُقْبَلُ عَلَى عَدُوِّهِ .\rفَإِنْ أَبْرَآهُ وَزَالَتْ الْعَدَاوَةُ ، ثُمَّ شَهِدَا عَلَيْهِ بِذَلِكَ الْقَذْفِ ، لَمْ تُقْبَلْ ؛ لِأَنَّهَا رُدَّتْ لِلتُّهْمَةِ ، فَلَمْ تُقْبَلْ بَعْدُ ، كَالْفَاسِقِ إذَا شَهِدَ فَرُدَّتْ شَهَادَتُهُ لِفِسْقِهِ ثُمَّ تَابَ وَأَعَادَهَا .\rوَلَوْ أَنَّهُمَا ادَّعَيَا عَلَيْهِ أَنَّهُ قَذَفَهُمَا ، ثُمَّ أَبْرَآهُ وَزَالَتْ الْعَدَاوَةُ ، ثُمَّ شَهِدَا عَلَيْهِ بِقَذْفِ زَوْجَتِهِ ، قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمَا ؛ لِأَنَّهُمَا لَمْ يُرَدَّا فِي هَذِهِ الشَّهَادَةِ .\rوَلَوْ شَهِدَا أَنَّهُ قَذَفَ امْرَأَتَهُ ، ثُمَّ ادَّعَيَا بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّهُ قَذَفَهُمَا ، فَإِنْ أَضَافَا دَعْوَاهُمَا إلَى مَا قَبْلَ شَهَادَتِهِمَا ، بَطَلَتْ شَهَادَتُهُمَا ؛ لَاعْتِرَافِهِمَا أَنَّهُ كَانَ عَدُوًّا لَهُمَا حِينَ شَهِدَا عَلَيْهِ .\rوَإِنْ لَمْ يُضِيفَاهَا إلَى ذَلِكَ الْوَقْتِ ، وَكَانَ ذَلِكَ قَبْلَ الْحُكْمِ بِشَهَادَتِهِمَا ، لَمْ يُحْكَمْ بِهَا ؛ لِأَنَّهُ لَا يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِشَهَادَةِ عَدُوَّيْنِ ، وَإِنْ كَانَا بَعْدَ الْحُكْمِ ، لَمْ يَبْطُلْ ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ تَمَّ قَبْلَ وُجُودِ الْمَانِعِ ، كَظُهُورِ الْفِسْقِ .\rوَإِنْ شَهِدَا أَنَّهُ قَذَفَ امْرَأَتَهُ وَأُمَّنَا ، لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُمَا ؛ لِأَنَّهَا رُدَّتْ فِي الْبَعْضِ لِلتُّهْمَةِ ، فَوَجَبَ أَنْ تُرَدَّ لِلْكُلِّ .\rوَإِنْ شَهِدَا عَلَى أَبِيهِمَا أَنَّهُ قَذَفَ ضَرَّةَ أُمِّهِمَا ، قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمَا .\rوَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ فِي الْجَدِيدِ .\rوَقَالَ فِي الْقَدِيمِ : لَا تُقْبَلُ ؛ لِأَنَّهُمَا يَجُرَّانِ إلَى أُمِّهِمَا نَفْعًا ، وَهُوَ أَنَّهُ يُلَاعِنُهَا ، فَتَبِينُ ، وَيَتَوَفَّرُ عَلَى أُمِّهِمَا .\rوَلَيْسَ بِشَيْءٍ ، لِأَنَّ لِعَانَهُ لَهَا يَنْبَنِي عَلَى مَعْرِفَتِهِ بِزِنَاهَا ، لَا عَلَى الشَّهَادَةِ عَلَيْهِ بِمَا لَا يَعْتَرِفُ بِهِ .\rوَإِنْ شَهِدَا بِطَلَاقِ الضَّرَّةِ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا ، لَا تُقْبَلُ ؛ لِأَنَّهُمَا","part":17,"page":320},{"id":8320,"text":"يَجُرَّانِ إلَى أُمِّهِمَا نَفْعًا ، وَهُوَ تَوْفِيرُهُ عَلَى أُمِّهِمَا .\rوَالثَّانِي ، تُقْبَلُ ، لِأَنَّهُمَا لَا يَجُرَّانِ إلَى أَنْفُسِهِمَا نَفْعًا .","part":17,"page":321},{"id":8321,"text":"( 6257 ) فَصْلٌ : وَلَوْ شَهِدَ شَاهِدٌ أَنَّهُ أَقَرَّ بِالْعَرَبِيَّةِ أَنَّهُ قَذَفَهَا ، وَشَهِدَ آخَرُ أَنَّهُ أَقَرَّ بِذَلِكَ بِالْعَجَمِيَّةِ ، تَمَّتْ الشَّهَادَةُ ، لِأَنَّ الِاخْتِلَافَ فِي الْعَرَبِيَّةِ وَالْعَجَمِيَّةِ عَائِدٌ إلَى الْإِقْرَارِ دُونَ الْقَذْفِ ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْقَذْفُ وَاحِدًا وَالْإِقْرَارُ بِهِ فِي مَرَّتَيْنِ ، وَكَذَلِكَ لَوْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ أَقَرَّ يَوْمَ الْخَمِيسِ بِقَذْفِهَا ، وَشَهْدَ آخَرُ أَنَّهُ أَقَرَّ بِذَلِكَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ، تَمَّتْ الشَّهَادَةُ ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ .\rوَإِنْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ قَذَفَهَا بِالْعَرَبِيَّةِ ، وَشَهِدَ الْآخَرُ أَنَّهُ قَذَفَهَا بِالْعَجَمِيَّةِ ، أَوْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ قَذَفَهَا يَوْمَ الْخَمِيسِ ، وَشَهِدَ الْآخَرُ أَنَّهُ قَذَفَهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ ، أَوْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ أَقَرَّ أَنَّهُ قَذَفَهَا بِالْعَرَبِيَّةِ أَوْ يَوْمَ الْخَمِيسِ ، وَشَهِدَ الْآخَرُ أَنَّهُ أَقَرَّ أَنَّهُ قَذَفَهَا بِالْعَجَمِيَّةِ أَوْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا ، تَكْمُلُ الشَّهَادَةُ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ ، وَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّ الْوَقْتَ لَيْسَ ذِكْرُهُ شَرْطًا فِي الشَّهَادَةِ بِالْقَذْفِ ، وَكَذَلِكَ اللِّسَانُ ، فَلَمْ يُؤَثِّرْ الِاخْتِلَافُ ، كَمَا لَوْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ أَقَرَّ بِقَذْفِهَا يَوْمَ الْخَمِيسِ بِالْعَرَبِيَّةِ ، وَشَهِدَ الْآخَرُ أَنَّهُ أَقَرَّ بِقَذْفِهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ بِالْعَجَمِيَّةِ .\rوَالْآخَرُ لَا تَكْمُلُ الشَّهَادَةُ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُمَا قَذْفَانِ لَمْ تَتِمَّ الشَّهَادَةُ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا ، فَلَمْ تَثْبُتْ ، كَمَا لَوْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا يَوْمَ الْخَمِيسِ ، وَشَهْدَ الْآخَرُ أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ ، وَفَارَقَ الْإِقْرَارَ بِالْقَذْفِ ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُقَرُّ بِهِ وَاحِدًا ، أَقَرَّ بِهِ فِي وَقْتَيْنِ بِلِسَانَيْنِ .","part":17,"page":322},{"id":8322,"text":"( 6258 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : ( فَمَتَى تَلَاعَنَا وَفَرَّقَ الْحَاكِمُ بَيْنَهُمَا ، لَمْ يَجْتَمِعَا أَبَدًا ) .\rفِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَسْأَلَتَانِ : ( 6259 ) الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : أَنَّ الْفُرْقَةَ بَيْنَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ لَا تَحْصُلُ إلَّا بِلِعَانِهِمَا جَمِيعًا ، وَهَلْ يُعْتَبَرُ تَفْرِيقُ الْحَاكِمِ بَيْنَهُمَا ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ : إحْدَاهُمَا ، أَنَّهُ مُعْتَبَرٌ فَلَا تَحْصُلُ الْفُرْقَةُ حَتَّى يُفَرِّقَ الْحَاكِمُ بَيْنَهُمَا .\rوَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ ، وَقَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ ؛ لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي حَدِيثِهِ : فَفَرَّقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَهُمَا .\rوَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ الْفُرْقَةَ لَمْ تَحْصُلْ قَبْلَهُ .\rوَفِي حَدِيثِ عُوَيْمِرٍ ، قَالَ : كَذَبْت عَلَيْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنْ أَمْسَكْتهَا .\rفَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا قَبْلَ أَنْ يَأْمُرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rوَهَذَا يَقْتَضِي إمْكَانَ إمْسَاكِهَا ، وَأَنَّهُ وَقَعَ طَلَاقُهُ ، وَلَوْ كَانَتْ الْفُرْقَةُ وَقَعَتْ قَبْلَ ذَلِكَ ، لَمَا وَقَعَ طَلَاقُهُ ، وَلَا أَمْكَنَهُ إمْسَاكُهَا .\rوَلِأَنَّ سَبَبَ هَذِهِ الْفُرْقَةِ يَقِفُ عَلَى الْحَاكِمِ ، فَالْفُرْقَةُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِهِ لَمْ تَقَعْ إلَّا بِحُكْمِ الْحَاكِمِ ، كَفُرْقَةِ الْعُنَّةِ .\rوَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ ، تَحْصُلُ الْفُرْقَةُ بِمُجَرَّدِ لِعَانِهِمَا .\rوَهِيَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ ، وَقَوْلُ مَالِكٍ ، وَأَبِي عُبَيْدٍ ، عَنْهُ وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَدَاوُد ، وَزُفَرَ ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : الْمُتَلَاعِنَانِ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا ، وَلَا يَجْتَمِعَانِ أَبَدًا .\rرَوَاهُ سَعِيدٌ .\rوَلِأَنَّهُ مَعْنًى يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ الْمُؤَبَّدَ ، فَلَمْ يَقِفْ عَلَى حُكْمِ الْحَاكِمِ ، كَالرَّضَاعِ ، وَلِأَنَّ الْفُرْقَةَ لَوْ لَمْ تَحْصُلْ إلَّا بِتَفْرِيقِ الْحَاكِمِ ، لَسَاغَ تَرْكُ التَّفْرِيقِ إذَا كَرِهَاهُ ، كَالتَّفْرِيقِ لِلْعَيْبِ وَالْإِعْسَارِ ، وَلَوَجَبَ أَنَّ الْحَاكِمَ إذَا لَمْ يُفَرِّقْ","part":17,"page":323},{"id":8323,"text":"بَيْنَهُمَا ، أَنْ يَبْقَى النِّكَاحُ مُسْتَمِرًّا ، وَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا سَبِيلَ لَكَ عَلَيْهَا } .\rيَدُلُّ عَلَى هَذَا ، وَتَفْرِيقُهُ بَيْنَهُمَا ، بِمَعْنَى إعْلَامِهِ لَهُمَا بِحُصُولِ الْفُرْقَةِ ، وَعَلَى كِلْتَا الرِّوَايَتَيْنِ ، لَا تَحْصُلُ الْفُرْقَةُ قَبْلَ تَمَامِ اللِّعَانِ مِنْهُمَا .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - : تَحْصُلُ الْفُرْقَةُ بِلِعَانِ الزَّوْجِ وَحْدَهُ ، وَإِنْ لَمْ تَلْتَعِنْ الْمَرْأَةُ ؛ لِأَنَّهَا فُرْقَةٌ حَاصِلَةٌ بِالْقَوْلِ ، فَتَحْصُلُ بِقَوْلِ الزَّوْجِ وَحْدَهُ ، كَالطَّلَاقِ .\rوَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا وَافَقَ الشَّافِعِيَّ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ ، وَحُكِيَ عَنْ الْبَتِّيِّ أَنَّهُ لَا يَتَعَلَّقُ بِاللِّعَانِ فُرْقَةٌ ؛ لِمَا رُوِيَ أَنَّ الْعَجْلَانِيَّ لَمَّا لَاعَنَ امْرَأَتَهُ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا ، فَأَنْفَذَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَوْ وَقَعَتْ الْفُرْقَةُ ، لَمَا نَفَذَ طَلَاقُهُ ، وَكِلَا الْقَوْلَيْنِ لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَّقَ بَيْنَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ .\rرَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ، وَسَهْلُ بْنُ سَعْدٍ ، وَأَخْرَجَهُمَا مُسْلِمٌ .\rوَقَالَ سَهْلٌ : فَكَانَتْ سُنَّةً لِمَنْ كَانَ بَعْدَهُمَا ، أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ .\rوَقَالَ عُمَرُ : الْمُتَلَاعِنَانِ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا ، ثُمَّ لَا يَجْتَمِعَانِ أَبَدًا .\rوَأَمَّا الْقَوْلُ الْآخَرُ ، فَلَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ إنَّمَا وَرَدَ بِالتَّفْرِيقِ بَيْنَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ ، وَلَا يَكُونَانِ مُتَلَاعِنَيْنِ بِلِعَانِ أَحَدِهِمَا ، وَإِنَّمَا فَرَّقَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَهُمَا بَعْدَ تَمَامِ اللِّعَانِ مِنْهُمَا ، فَالْقَوْلُ بِوُقُوعِ الْفُرْقَةِ قَبْلَهُ ، تَحَكُّمٌ يُخَالِفُ مَدْلُولَ السُّنَّةِ وَفِعْلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلِأَنَّ لَفْظَ اللِّعَانِ لَا يَقْتَضِي فُرْقَةً ؛ فَإِنَّهُ إمَّا أَيْمَانٌ عَلَى زِنَاهَا ، أَوْ شَهَادَةٌ بِذَلِكَ ، وَلَوْلَا وُرُودُ الشَّرْعِ بِالتَّفْرِيقِ بَيْنَهُمَا ، لَمْ يَحْصُلْ التَّفْرِيقُ ، وَإِنَّمَا","part":17,"page":324},{"id":8324,"text":"وَرَدَ الشَّرْعُ بِهِ بَعْدَ لِعَانِهِمَا ، فَلَا يَجُوزُ تَعْلِيقُهُ عَلَى بَعْضِهِ ، كَمَا لَمْ يَجُزْ تَعْلِيقُهُ عَلَى بَعْضِ لِعَانِ الزَّوْجِ ، وَلِأَنَّهُ فَسْخٌ ثَبَتَ بِأَيْمَانِ مُخْتَلِفَيْنِ ، فَلَمْ يَثْبُتْ بِيَمِينِ أَحَدِهِمَا ، كَالْفَسْخِ لِتَحَالُفِ الْمُتَبَايِعَيْنِ عِنْدَ الِاخْتِلَافِ ، وَيَبْطُلُ مَا ذَكَرُوهُ بِالْفَسْخِ بِالْعَيْبِ أَوْ الْعِتْقِ ، وَقَوْلِ الزَّوْجِ : اخْتَارِي .\rوَأَمْرُك بِيَدِك .\rأَوْ : وَهَبْتُك لِأَهْلِك أَوْ لِنَفْسِك .\rوَأَشْبَاهُ ذَلِكَ كَثِيرٌ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنْ قُلْنَا : إنَّ الْفُرْقَةَ تَحْصُلُ بِلِعَانِهِمَا .\rفَلَا تَحْصُلُ إلَّا بَعْدَ إكْمَالِ اللِّعَانِ مِنْهُمَا .\rوَإِنْ قُلْنَا : لَا تَحْصُلُ إلَّا بِتَفْرِيقِ الْحَاكِمِ .\rلَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَهُمَا إلَّا بَعْدَ كَمَالِ لِعَانِهِمَا ، فَإِنْ فَرَّقَ قَبْلَ ذَلِكَ كَانَ تَفْرِيقُهُ بَاطِلًا ، وُجُودُهُ كَعَدَمِهِ .\rوَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا تَقَعُ الْفُرْقَةُ حَتَّى يُكْمِلَ الزَّوْجُ لِعَانَهُ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ : إذَا فَرَّقَ بَيْنَهُمَا بَعْدَ أَنْ لَاعَنَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، أَخْطَأَ السُّنَّةَ ، وَالْفُرْقَةُ جَائِزَةٌ ، وَإِنْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ ، فَالْفُرْقَةُ بَاطِلَةٌ ؛ لِأَنَّ مَنْ أَتَى بِالثَّلَاثِ فَقَدْ أَتَى بِالْأَكْثَرِ ، فَيَتَعَلَّقُ الْحُكْمُ بِهِ .\rوَلَنَا أَنَّهُ تَفْرِيقٌ قَبْلَ تَمَامِ اللِّعَانِ ، فَلَمْ يَصِحَّ ، كَمَا لَوْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا لِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ ، أَوْ قَبْلَ لِعَانِ الْمَرْأَةِ ، وَلِأَنَّهَا أَيْمَانٌ مَشْرُوعَةٌ ، لَا يَجُوزُ لِلْحَاكِمِ الْحُكْمُ قَبْلَهَا بِالْإِجْمَاعِ ، فَإِذَا حَكَمَ ، لَمْ يَصِحَّ حُكْمُهُ .\rكَأَيْمَانِ الْمُخْتَلِفَيْنِ فِي الْبَيْعِ .\rوَكَمَا قَبْلَ الثَّلَاثِ ، وَلِأَنَّ الشَّرْعَ إنَّمَا وَرَدَ بِالتَّفْرِيقِ بَعْدَ كَمَالِ السَّبَبِ فَلَمْ يَجُزْ قَبْلَهُ ، كَسَائِرِ الْأَسْبَابِ ، وَمَا ذَكَرُوهُ تَحَكُّمٌ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ ، وَلَا أَصْلَ لَهُ ، ثُمَّ يَبْطُلُ بِمَا إذَا شَهِدَ بِالدَّيْنِ رَجُلٌ وَامْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ .\rأَوْ بِمَنْ","part":17,"page":325},{"id":8325,"text":"تَوَجَّهَتْ عَلَيْهِ الْيَمِينُ إذَا أَتَى بِأَكْثَرِ حُرُوفِهَا ، وَبِالْمُسَابِقَةِ إذَا قَالَ : مَنْ سَبَقَ إلَى خَمْسِ إصَابَاتٍ .\rفَسَبَقَ إلَى ثَلَاثَةٍ ، وَبِسَائِرِ الْأَسْبَابِ ، فَأَمَّا إذَا تَمَّ اللِّعَانُ فَلِلْحَاكِمِ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَهُمَا مِنْ غَيْرِ اسْتِئْذَانِهِمَا ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَّقَ بَيْنَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ ، وَلَمْ يَسْتَأْذِنْهُمَا .\rوَرَوَى مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، { أَنَّ رَجُلًا لَاعَنَ امْرَأَتَهُ فِي زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَانْتَفَى مِنْ وَلَدِهَا ، فَفَرَّقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَهُمَا ، وَأَلْحَقَ الْوَلَدَ بِالْمَرْأَةِ } .\rوَرَوَى سُفْيَانُ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ، قَالَ : { شَهِدْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَّقَ بَيْن الْمُتَلَاعِنَيْنِ } .\rأَخْرَجَهُمَا سَعِيدٌ .\rوَمَتَى قُلْنَا : إنَّ الْفُرْقَةَ لَا تَحْصُلُ إلَّا بِتَفْرِيقِ الْحَاكِمِ .\rفَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَهُمَا ، فَالنِّكَاحُ بَاقٍ بِحَالِهِ ؛ لِأَنَّ مَا يُبْطِلُ النِّكَاحَ لَمْ يُوجَدْ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ يُلَاعِنْ .","part":17,"page":326},{"id":8326,"text":"( 6260 ) فَصْلٌ : وَفُرْقَةُ اللِّعَانِ فَسْخٌ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : هِيَ طَلَاقٌ ؛ لِأَنَّهَا فُرْقَةٌ مِنْ جِهَةِ الزَّوْجِ ، تَخْتَصُّ النِّكَاحَ ، فَكَانَتْ طَلَاقًا ، كَالْفُرْقَةِ بِقَوْلِهِ : أَنْتِ طَالِقٌ .\rوَلَنَا أَنَّهَا فُرْقَةٌ تُوجِبُ تَحْرِيمًا مُؤَبَّدًا ، فَكَانَتْ فَسْخًا ، كَفُرْقَةِ الرَّضَاعِ ، وَلِأَنَّ اللِّعَانَ لَيْسَ بِصَرِيحٍ فِي الطَّلَاقِ ، وَلَا نَوَى بِهِ الطَّلَاقَ ، فَلَمْ يَكُنْ طَلَاقًا ، كَسَائِرِ مَا يَنْفَسِخُ بِهِ النِّكَاحُ ، وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ طَلَاقًا ، لَوَقَعَ بِلِعَانِ الزَّوْجِ دُونَ لِعَانِ الْمَرْأَةِ .","part":17,"page":327},{"id":8327,"text":"( 6261 ) فَصْلٌ : وَذَكَرَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ ، أَنَّ الْفُرْقَةَ إنَّمَا حَصَلَتْ بِاللِّعَانِ ؛ لِأَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ وَغَضَبَهُ قَدْ وَقَعَ بِأَحَدِهِمَا لَتَلَاعُنِهِمَا ، فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ عِنْدَ الْخَامِسَةِ : { إنَّهَا الْمُوجِبَةُ } .\rأَيْ إنَّهَا تُوجِبُ لَعْنَةَ اللَّهِ وَغَضَبَهُ ، وَلَا نَعْلَمُ مَنْ هُوَ مِنْهُمَا يَقِينًا ، فَفَرَّقْنَا بَيْنَهُمَا خَشْيَةَ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْمَلْعُونَ ، فَيَعْلُوَ امْرَأَةً غَيْرَ مَلْعُونَةٍ ، وَهَذَا لَا يَجُوزُ ، كَمَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَعْلُوَ الْمُسْلِمَةَ كَافِرٌ ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ عَلَى هَذَا : لَوْ كَانَ هَذَا الِاحْتِمَالُ مَانِعًا مِنْ دَوَامِ نِكَاحِهِمَا ، لَمَنَعَهُ مِنْ نِكَاحِ غَيْرِهَا ، فَإِنَّ هَذَا الِاحْتِمَالَ مُتَحَقِّقٌ فِيهِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُوجِبُ لِلْفُرْقَةِ وُقُوعَ اللَّعْنَةِ وَالْغَضَبِ بِأَحَدِهِمَا غَيْرَ مُعَيَّنٍ ، فَيُفْضِي إلَى عُلُوِّ مَلْعُونٍ لِغَيْرِ مَلْعُونَةٍ ، أَوْ إلَى إمْسَاكِهِ لِمَلْعُونَةٍ مَغْضُوبٍ عَلَيْهَا .\rوَيَحْتَمِلُ أَنَّ سَبَبَ الْفُرْقَةِ النَّفْرَةُ الْحَاصِلَةُ مِنْ إسَاءَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إلَى صَاحِبِهِ ، فَإِنَّ الرَّجُلَ إنْ كَانَ صَادِقًا ، فَقَدْ أَشَاعَ فَاحِشَتَهَا ، وَفَضَحَهَا عَلَى رُءُوسِ الْأَشْهَادِ ، وَأَقَامَهَا مُقَامَ خِزْيٍ ، وَحَقَّقَ عَلَيْهَا اللَّعْنَةَ وَالْغَضَبَ ، وَقَطَعَ نَسَبَ وَلَدِهَا ، وَإِنْ كَانَ كَاذِبًا ، فَقَدْ أَضَافَ إلَى ذَلِكَ بَهْتَهَا وَقَذْفَهَا بِهَذِهِ الْفِرْيَةِ الْعَظِيمَةِ ، وَالْمَرْأَةُ إنْ كَانَتْ صَادِقَةً ، فَقَدْ أَكْذَبَتْهُ عَلَى رُءُوسِ الْأَشْهَادِ ، وَأَوْجَبَتْ عَلَيْهِ لَعْنَةَ اللَّهِ ، وَإِنْ كَانَتْ كَاذِبَةً ، فَقَدْ أَفْسَدَتْ فِرَاشَهُ ، وَخَانَتْهُ فِي نَفْسِهَا ، وَأَلْزَمَتْهُ الْعَارَ وَالْفَضِيحَةَ ، وَأَحْوَجَتْهُ إلَى هَذَا الْمَقَامِ الْمُخْزِي ، فَحَصَلَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نَفْرَةً مِنْ صَاحِبِهِ ، لِمَا حَصَلَ إلَيْهِ مِنْ إسَاءَةٍ لَا يَكَادُ يَلْتَئِمُ لَهُمَا مَعَهَا حَالٌ ، فَاقْتَضَتْ حِكْمَةُ الشَّارِعِ انْحِتَامَ الْفُرْقَةِ بَيْنَهُمَا ، وَإِزَالَةَ الصُّحْبَةِ الْمُتَمَحِّضَةِ","part":17,"page":328},{"id":8328,"text":"مَفْسَدَةً ، وَلِأَنَّهُ إنْ كَانَ كَاذِبًا عَلَيْهَا ، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُسَلَّطَ عَلَى إمْسَاكِهَا ، مَعَ مَا صَنَعَ مِنْ الْقَبِيحِ إلَيْهَا ، وَإِنْ كَانَ صَادِقًا ، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُمْسِكَهَا مَعَ عِلْمِهِ بِحَالِهَا ، وَلِهَذَا قَالَ الْعَجْلَانِيُّ : كَذَبْت عَلَيْهَا إنْ أَمْسَكْتهَا .","part":17,"page":329},{"id":8329,"text":"( 6262 ) الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ ، أَنَّهَا تَحْرُمُ عَلَيْهِ بِاللِّعَانِ تَحْرِيمًا مُؤَبَّدًا ، فَلَا تَحِلُّ لَهُ ، وَإِنْ أَكْذَبَ نَفْسَهُ ، فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ .\rوَلَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ ، فِي أَنَّهُ إذَا لَمْ يُكْذِبْ نَفْسَهُ لَا تَحِلُّ لَهُ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ قَوْلًا شَاذًّا ، وَأَمَّا إذَا أَكْذَبَ نَفْسَهُ ، فَاَلَّذِي رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّهَا لَا تَحِلُّ لَهُ أَيْضًا .\rوَجَاءَتْ الْأَخْبَارُ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، وَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، أَنَّ الْمُتَلَاعِنَيْنِ لَا يَجْتَمِعَانِ أَبَدًا .\rوَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ ، وَعَطَاءٌ ، وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَالْحَكَمُ ، وَمَالِكٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَبُو يُوسُفَ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى : إنْ أَكْذَبَ نَفْسَهُ ، حَلَّتْ لَهُ ، وَعَادَ فِرَاشُهُ بِحَالِهِ .\rوَهِيَ رِوَايَةٌ شَاذَّةٌ .\rشَذَّ بِهَا حَنْبَلٌ عَنْ أَصْحَابِهِ .\rقَالَ أَبُو بَكْرٍ : لَا نَعْلَمُ أَحَدًا رَوَاهَا غَيْرَهُ .\rوَيَنْبَغِي أَنْ تُحْمَلَ هَذِهِ الرِّوَايَةُ عَلَى مَا إذَا لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَهُمَا الْحَاكِمُ ، فَأَمَّا مَعَ تَفْرِيقِ الْحَاكِمِ بَيْنَهُمَا ، فَلَا وَجْهَ لِبَقَاءِ النِّكَاحِ بِحَالِهِ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَ الْبَتِّيِّ ، أَنَّ اللِّعَانَ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ فُرْقَةٌ .\rوَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ : إنْ أَكْذَبَ نَفْسَهُ ، فَهُوَ خَاطِبٌ مِنْ الْخُطَّابِ ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ ؛ لِأَنَّ فُرْقَةَ اللِّعَانِ عِنْدَهُمَا طَلَاقٌ .\rوَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ : إنْ أَكْذَبَ نَفْسَهُ ، رُدَّتْ إلَيْهِ مَا دَامَتْ فِي الْعِدَّةِ .\rوَلَنَا مَا رَوَى سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ ، قَالَ : مَضَتْ السُّنَّةُ فِي الْمُتَلَاعِنَيْنِ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُمَا ، ثُمَّ لَا يَجْتَمِعَانِ أَبَدًا .\rرَوَاهُ الْجُوزَجَانِيُّ ، فِي كِتَابِهِ بِإِسْنَادِهِ .\rوَرُوِيَ مِثْلُ هَذَا عَنْ الزُّهْرِيِّ وَمَالِكٍ ، وَلِأَنَّهُ تَحْرِيمٌ لَا يَرْتَفِعُ قَبْلَ الْحَدِّ وَالتَّكْذِيبِ","part":17,"page":330},{"id":8330,"text":"، فَلَمْ يَرْتَفِعْ بِهِمَا ، كَتَحْرِيمِ الرَّضَاعِ .","part":17,"page":331},{"id":8331,"text":"( 6263 ) فَصْلٌ : فَإِنْ كَانَتْ أَمَةً ، فَاشْتَرَاهَا مُلَاعِنُهَا ، لَمْ تَحِلَّ لَهُ ؛ لِأَنَّ تَحْرِيمَهَا تَحْرِيمٌ مُؤَبَّدٌ ، فَحَرُمَتْ بِهِ عَلَى مُشْتَرِيهَا ، كَالرَّضَاعِ ، وَلِأَنَّ الْمُطَلِّقَ ثَلَاثًا إذَا اشْتَرَى مُطَلَّقَتَهُ ، لَا تَحِلُّ لَهُ قَبْلَ زَوْجٍ وَإِصَابَةٍ ، فَهَاهُنَا أَوْلَى ؛ لِأَنَّ هَذَا التَّحْرِيمَ مُؤَبَّدٌ ، وَتَحْرِيمُ الطَّلَاقِ لَيْسَ بِمُؤَبَّدٍ ، وَلِأَنَّ تَحْرِيمَ الطَّلَاقِ يَخْتَصُّ النِّكَاحَ ، وَهَذَا لَا يَخْتَصُّ بِهِ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .","part":17,"page":332},{"id":8332,"text":"( 6264 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : ( فَإِنْ أَكْذَبَ نَفْسَهُ ، فَلَهَا عَلَيْهِ الْحَدُّ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الرَّجُلَ إذَا قَذَفَ امْرَأَتَهُ ، ثُمَّ أَكْذَبَ نَفْسَهُ ، فَلَهَا عَلَيْهِ الْحَدُّ ، سَوَاءٌ أَكْذَبَهَا قَبْلَ لِعَانِهَا أَوْ بَعْدَهُ .\rوَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ ، وَلَا نَعْلَمُ لَهُمْ مُخَالِفًا ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ اللِّعَانَ أُقِيمَ مُقَامَ الْبَيِّنَةِ فِي حَقِّ الزَّوْجِ ، فَإِذَا أَكْذَبَ نَفْسَهُ بَانَ أَنَّ لِعَانَهَا كَذِبٌ ، وَزِيَادَةٌ فِي هَتْكِهَا ، وَتَكْرَارٌ لِقَذْفِهَا ، فَلَا أَقَلَّ مِنْ أَنْ يَجِبَ الْحَدُّ الَّذِي كَانَ وَاجِبًا بِالْقَذْفِ الْمُجَرَّدِ .\rفَإِنْ عَادَ عَنْ إكْذَابِ نَفْسِهِ ، وَقَالَ : لِي بَيِّنَةٌ أُقِيمُهَا بِزِنَاهَا .\rأَوْ أَرَادَ إسْقَاطَ الْحَدِّ عَنْهُ بِاللِّعَانِ ، لَمْ يُسْمَعْ مِنْهُ ؛ لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ وَاللِّعَانَ لِتَحْقِيقِ مَا قَالَهُ ، وَقَدْ أَقَرَّ بِكَذِبِ نَفْسِهِ ، فَلَا يُسْمَعُ مِنْهُ خِلَافُهُ ، وَهَذَا فِيمَا إذَا كَانَتْ الْمَقْذُوفَةُ مُحْصَنَةً ، فَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مُحْصَنَةٍ ، فَعَلَيْهِ التَّعْزِيرُ .","part":17,"page":333},{"id":8333,"text":"( 6265 ) فَصْلٌ : وَيَلْحَقُهُ نَسَبُ الْوَلَدِ ، سَوَاءٌ كَانَ الْوَلَدُ حَيًّا أَوْ مَيِّتًا ، غَنِيًّا كَانَ أَوْ فَقِيرًا .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ .\rوَقَالَ الثَّوْرِيُّ : إذَا اسْتَلْحَقَ الْوَلَدَ الْمَيِّتَ نَظَرْنَا ؛ فَإِنْ كَانَ ذَا مَالٍ ، لَمْ يَلْحَقْهُ ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَدَّعِي مَالًا ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَا مَالٍ ، لَحِقَهُ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ : إنْ كَانَ الْوَلَدُ الْمَيِّتُ تَرَكَ وَلَدًا ، ثَبَتَ نَسَبُهُ مِنْ الْمُسْتَلْحِقِ ، وَتَبِعَهُ نَسَبُ ابْنِهِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ تَرَكَ وَلَدًا ، لَمْ يَصِحَّ اسْتِلْحَاقُهُ ، وَلَمْ يَثْبُتْ نَسَبُهُ ، وَلَا يَرِثُ مِنْهُ الْمُدَّعِي شَيْئًا ؛ لِأَنَّ نَسَبَهُ مُنْقَطِعٌ بِالْمَوْتِ ، فَلَمْ يَصِحَّ اسْتِلْحَاقُهُ ، فَإِذَا كَانَ لَهُ وَلَدٌ كَانَ مُسْتَلْحِقًا لِوَلَدِهِ ، وَتَبِعَهُ نَسَبُ الْمَيِّتِ .\rوَلَنَا أَنَّ هَذَا وَلَدٌ نَفَاهُ بِاللِّعَانِ ، فَكَانَ لَهُ اسْتِلْحَاقُهُ ، كَمَا لَوْ كَانَ حَيًّا ، أَوْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ ، وَلِأَنَّ وَلَدَ الْوَلَدِ يَتْبَعُ نَسَبَ الْوَلَدِ ، وَقَدْ جَعَلَ أَبُو حَنِيفَةَ نَسَبَ الْوَلَدِ تَابِعًا لِنَسَبِ ابْنِهِ ، فَجَعَلَ الْأَصْلَ تَابِعًا لِلْفَرْعِ ، وَذَلِكَ بَاطِلٌ .\rفَأَمَّا قَوْلُ الثَّوْرِيِّ : إنَّهُ إنَّمَا يَدَّعِي مَالًا .\rقُلْنَا : إنَّمَا يَدَّعِي النَّسَبَ وَالْمِيرَاثَ ، وَالْمَالُ تَبَعٌ لَهُ .\rفَإِنْ قِيلَ : فَهُوَ مُتَّهَمٌ فِي أَنَّ غَرَضَهُ حُصُولُ الْمِيرَاثِ .\rقُلْنَا : إنَّ النَّسَبَ لَا تَمْنَعُ التُّهْمَةُ لُحُوقَهُ ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ لَهُ أَخٌ يُعَادِيهِ ، فَأَقَرَّ بِابْنٍ ، لَزِمَهُ ، وَسَقَطَ مِيرَاثُ أَخِيهِ ، وَلَوْ كَانَ الِابْنُ حَيًّا وَهُوَ غَنِيٌّ ، وَالْأَبُ فَقِيرٌ ، فَاسْتَلْحَقَهُ ، فَهُوَ مُتَّهَمٌ فِي إيجَابِ نَفَقَتِهِ عَلَى ابْنِهِ ، وَيُقْبَلُ قَوْلُهُ ، فَكَذَلِكَ هَاهُنَا ، ثُمَّ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَثْبُتَ النَّسَبُ هَاهُنَا ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ لِلْوَلَدِ ، وَلَا تُهْمَةَ فِيهِ ، وَلَا يَثْبُتُ الْمِيرَاثُ الْمُخْتَصُّ بِالتُّهْمَةِ ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ انْقِطَاعِ التَّبَعِ انْقِطَاعُ الْأَصْلِ .\rقَالَ الْقَاضِي : وَيَتَعَلَّقُ بِاللِّعَانِ أَرْبَعَةُ","part":17,"page":334},{"id":8334,"text":"أَحْكَامٍ : حَقَّانِ عَلَيْهِ ، وُجُوبُ الْحَدِّ ، وَلُحُوقُ النَّسَبِ .\rوَحَقَّانِ لَهُ : الْفُرْقَةُ ، وَالتَّحْرِيمُ الْمُؤَبَّدُ ، فَإِذَا أَكْذَبَ نَفْسَهُ ، قُبِلَ قَوْلُهُ فِيمَا عَلَيْهِ ، فَلَزِمَهُ الْحَدُّ وَالنَّسَبُ ، وَلَمْ يُقْبَلْ فِيمَا لَهُ ، فَلَمْ تَزُلْ الْفُرْقَةُ ، وَلَا التَّحْرِيمُ الْمُؤَبَّدُ .","part":17,"page":335},{"id":8335,"text":"( 6266 ) فَصْلٌ : فَإِنْ لَمْ يُكْذِبْ نَفْسَهُ ، وَلَكِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ ، وَلَا لَاعَنَ ، أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ .\rفَإِنْ أُقِيمَ عَلَيْهِ بَعْضَهُ ، فَبَذَلَ اللِّعَانَ ، وَقَالَ : أَنَا أُلَاعِنُ .\rقُبِلَ مِنْهُ ؛ لِأَنَّ اللِّعَانَ يُسْقِطُ جَمِيعَ الْحَدِّ ، فَيُسْقِطُ بَعْضَهُ ، كَالْبَيِّنَةِ .\rفَإِنْ ادَّعَتْ زَوْجَتُهُ أَنَّهُ قَذَفَهَا بِالزِّنَا ، فَأَنْكَرَ ، فَأَقَامَتْ عَلَيْهِ بَيِّنَةً أَنَّهُ قَذَفَهَا بِالزِّنَا ، فَقَالَ : صَدَقَتْ الْبَيِّنَةُ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ قَذْفًا ؛ لِأَنَّ الْقَذْفَ الرَّمْيُ بِالزِّنَا كَذِبًا ، وَأَنَا صَادِقٌ فِيمَا رَمَيْتهَا بِهِ .\rلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ إكْذَابًا لِنَفْسِهِ ؛ لِأَنَّهُ مُصِرٌّ عَلَى رَمْيِهَا بِالزِّنَا ، وَلَهُ إسْقَاطُ الْحَدِّ بِاللِّعَانِ .\rوَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فِي هَذَا الْفَصْلِ كَمَذْهَبِنَا .\rفَإِنْ قَالَ : مَا زَنَتْ ، وَلَا رَمَيْتهَا بِالزِّنَا .\rفَقَامَتْ الْبَيِّنَةُ عَلَيْهِ بِقَذْفِهَا ، لَزِمَهُ الْحَدُّ ، وَلَمْ تُسْمَعْ بَيِّنَتُهُ وَلَا لِعَانُهُ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ : مَا زَنَتْ .\rتَكْذِيبٌ لِلْبَيِّنَةِ وَاللِّعَانِ ، فَلَا تَثْبُتُ لَهُ حُجَّةٌ قَدْ أَكْذَبَهَا .\rوَجَرَى هَذَا مَجْرَى قَوْلِهِ فِي الْوَدِيعَةِ إذَا اُدُّعِيَتْ عَلَيْهِ ، فَقَالَ : مَا أَوْدَعْتَنِي .\rفَقَامَتْ : عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ الْوَدِيعَةِ ، فَادَّعَى الرَّدَّ أَوْ التَّلَفَ ، لَمْ يُقْبَلْ .\rوَلَوْ أَجَابَ بِأَنَّهُ مَا لَهُ عِنْدِي شَيْءٌ .\rوَلَا يَسْتَحِقُّ عَلَيَّ شَيْئًا .\rفَقَامَتْ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ فَادَّعَى الرَّدّ أَوْ التَّلَفَ ، قُبِلَ مِنْهُ .","part":17,"page":336},{"id":8336,"text":"( 6267 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : ( وَإِنْ قَذَفَهَا ، وَانْتَفَى مِنْ وَلَدِهَا ، وَتَمَّ اللِّعَانُ بَيْنَهُمَا بِتَفْرِيقِ الْحَاكِمِ ، نُفِيَ عَنْهُ ، إذَا ذَكَرَهُ فِي اللِّعَانِ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الزَّوْجَ إذَا وَلَدْت امْرَأَتُهُ وَلَدًا يُمْكِنُ كَوْنُهُ مِنْهُ ، فَهُوَ وَلَدُهُ فِي الْحُكْمِ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ } .\rوَلَا يَنْتَفِي عَنْهُ إلَّا أَنْ يَنْفِيَهُ بِاللِّعَانِ التَّامِّ ، الَّذِي اجْتَمَعَتْ شُرُوطُهُ ، وَهِيَ أَرْبَعَةٌ : أَحَدُهَا ، أَنْ يُوجَدَ اللِّعَانُ مِنْهُمَا جَمِيعًا .\rوَهَذَا قَوْلُ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يَنْتَفِي بِلِعَانِ الزَّوْجِ وَحْدَهُ ؛ لِأَنَّ نَفْيَ الْوَلَدِ إنَّمَا كَانَ بِيَمِينِهِ وَالْتِعَانِهِ ، لَا بِيَمِينِ الْمَرْأَةِ عَلَى تَكْذِيبِهِ ، وَلَا مَعْنَى لِيَمِينِ الْمَرْأَةِ فِي نَفْيِ النَّسَبِ ، وَهِيَ تُثْبِتُهُ وَتُكَذِّبُ قَوْلَ مَنْ يَنْفِيهِ ، وَإِنَّمَا لِعَانُهَا لِدَرْءِ الْحَدِّ عَنْهَا ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَيَدْرَءُوا عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاَللَّهِ إنَّهُ لَمِنْ الْكَاذِبِينَ } .\rوَلَنَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّمَا نَفَى الْوَلَدَ عَنْهُ بَعْدَ تَلَاعُنِهِمَا ، فَلَا يَجُوزُ النَّفْيُ بِبَعْضِهِ ، كَبَعْضِ لِعَانِ الزَّوْجِ .\rوَالثَّانِي : أَنْ تَكْمُلَ أَلْفَاظُ اللِّعَانِ مِنْهُمَا جَمِيعًا .\rالشَّرْطُ الثَّالِثُ ، أَنْ يَبْدَأَ بِلِعَانِ الزَّوْجِ قَبْلَ الْمَرْأَةِ ، فَإِنْ بَدَأَ بِلِعَانِ الْمَرْأَةِ لَمْ يُعْتَدَّ بِهِ .\rوَبِهِ قَالَ أَبُو ثَوْرٍ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ .\rوَقَالَ مَالِكٌ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ : إنْ فَعَلَ أَخْطَأَ السُّنَّةَ ، وَالْفُرْقَةُ جَائِزَةٌ ، وَيَنْتَفِي الْوَلَدُ عَنْهُ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَطَفَ لِعَانِهَا عَلَى لِعَانِهِ بِالْوَاوِ ، وَهِيَ لَا تَقْتَضِي تَرْتِيبًا ، وَلِأَنَّ اللِّعَانَ قَدْ وُجِدَ مِنْهُمَا جَمِيعًا ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ رَتَّبَتْ .\rوَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ ، لَا يَتِمُّ اللِّعَانُ إلَّا بِالتَّرْتِيبِ ، إلَّا أَنَّهُ يَكْفِي عِنْدَهُ لِعَانُ الرَّجُلِ وَحْدَهُ لِنَفْيِ","part":17,"page":337},{"id":8337,"text":"الْوَلَدِ ، وَذَلِكَ حَاصِلٌ مَعَ إخْلَالِهِ بِالتَّرْتِيبِ ، وَعَدَمِ كَمَالِ أَلْفَاظِ اللِّعَانِ مِنْ الْمَرْأَةِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ أَتَى بِاللِّعَانِ عَلَى غَيْرِ مَا وَرَدَ بِهِ الْقُرْآنُ وَالسُّنَّةُ ، فَلَمْ يَصِحَّ ، كَمَا لَوْ اقْتَصَرَ عَلَى لَفْظَةٍ وَاحِدَةٍ ، وَلِأَنَّ لِعَانَ الرَّجُلِ بَيِّنَتُهُ لِإِثْبَاتِ زِنَاهَا وَنَفْيِ وَلَدِهَا ، وَلِعَانَ الْمَرْأَةِ لِلْإِنْكَارِ ، فَقُدِّمَتْ بَيِّنَةُ الْإِثْبَاتِ ، كَتَقْدِيمِ الشُّهُودِ عَلَى الْأَيْمَانِ ، وَلِأَنَّ لِعَانِ الْمَرْأَةِ لِدَرْءِ الْعَذَابِ عَنْهَا ، وَلَا يَتَوَجَّهُ عَلَيْهَا ذَلِكَ إلَّا بِلِعَانِ الرَّجُلِ ، فَإِذَا قَدَّمَتْ لِعَانَهَا عَلَى لِعَانِهِ ، فَقَدْ قَدَّمَتْهُ عَلَى وَقْتِهِ ، فَلَمْ يَصِحَّ ، كَمَا لَوْ قَدَّمَتْهُ عَلَى الْقَذْفِ .\rالشَّرْطُ الرَّابِعُ : أَنْ يَذْكُرَ نَفْيَ الْوَلَدِ فِي اللِّعَانِ ، فَإِذَا لَمْ يَذْكُرْ ، لَمْ يَنْتَفِ ، إلَّا أَنْ يُعِيدَ اللِّعَانَ وَيَذْكُرَ نَفْيَهُ .\rوَهَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ ، وَاخْتِيَارُ الْقَاضِي ، وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : وَلَا يَحْتَاجُ إلَى ذِكْرِ الْوَلَدِ وَنَفْيِهِ ، وَيَنْتَفِي بِزَوَالِ الْفِرَاشِ ؛ وَلِأَنَّ حَدِيثَ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ، الَّذِي وَصَفَ فِيهِ اللِّعَانَ ، لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ الْوَلَدَ ، وَقَالَ فِيهِ : فَفَرَّقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَهُمَا ، وَقَضَى أَنْ لَا يُدْعَى وَلَدُهَا لِأَبٍ ، وَلَا يُرْمَى وَلَدُهَا .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَفِي حَدِيثٍ رَوَاهُ مُسْلِمٌ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ، أَنَّ { رَجُلًا لَاعَنَ امْرَأَتَهُ عَلَى عَهْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَفَرَّقَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَهُمَا ، وَأَلْحَقَ الْوَلَدَ بِأُمِّهِ } .\rوَلَنَا ، أَنَّ مَنْ سَقَطَ حَقُّهُ بِاللِّعَانِ ، كَانَ ذِكْرُهُ شَرْطًا ، كَالْمَرْأَةِ ، وَلِأَنَّ غَايَةَ مَا فِي اللِّعَانِ أَنْ يُثْبِتَ زِنَاهَا ، وَذَلِكَ لَا يُوجِبُ نَفْيَ الْوَلَدِ ، كَمَا لَوْ أَقَرَّتْ بِهِ ، أَوْ قَامَتْ بِهِ بَيِّنَةٌ ، فَأَمَّا حَدِيثُ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ، فَقَدْ رُوِيَ فِيهِ : وَكَانَتْ حَامِلًا ، فَأَنْكَرَ","part":17,"page":338},{"id":8338,"text":"حَمْلَهَا .\rمِنْ رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ .\rوَرَوَى ابْنُ عُمَرَ أَنَّ { رَجُلًا لَاعَنَ امْرَأَتَهُ فِي زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَانْتَفَى مِنْ وَلَدِهَا ، فَفَرَّقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَهُمَا ، وَأَلْحَقَ الْوَلَدَ بِالْمَرْأَةِ } .\rوَالزِّيَادَةُ مِنْ الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ .\rفَعَلَى هَذَا ، لَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ الْوَلَدِ فِي كُلِّ لَفْظَةٍ ، وَمَعَ اللَّعْنِ فِي الْخَامِسَةِ ؛ لِأَنَّهَا مِنْ لَفْظَاتِ اللِّعَانِ .\rوَذَكَرَ الْخِرَقِيِّ شَرْطًا خَامِسًا ، وَهُوَ تَفْرِيقُ الْحَاكِمِ بَيْنَهُمَا .\rوَهَذَا عَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي تَشْتَرِطُ تَفْرِيقَ الْحَاكِمِ لِوُقُوعِ الْفُرْقَةِ ، فَأَمَّا عَلَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى ، فَلَا يُشْتَرَطُ تَفْرِيقُ الْحَاكِمِ لِنَفْيِ الْوَلَدِ ، كَمَا لَا يُشْتَرَطُ لِدَرْءِ الْحَدِّ عَنْهُ ، وَلَا لِفَسْخِ النِّكَاحِ .\rوَشَرَطَ أَيْضًا شَرْطًا سَادِسًا ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ قَدْ قَذَفَهَا .\rوَهَذَا شَرْطُ اللِّعَانِ ، فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ إلَّا بَعْدَ الْقَذْفِ ، وَسَنَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .","part":17,"page":339},{"id":8339,"text":"( 6268 ) فَصْلٌ : وَإِنْ وَلَدْت امْرَأَتُهُ تَوْأَمَانٍ ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا دُونَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ .\rفَاسْتَلْحَقَ أَحَدَهُمَا ، وَنَفَى الْآخَرَ ، لَحِقَا بِهِ ؛ لِأَنَّ الْحَمْلَ الْوَاحِدَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بَعْضُهُ مِنْهُ وَبَعْضُهُ مِنْ غَيْرِهِ ، فَإِذَا ثَبَتَ نَسَبُ أَحَدِهِمَا مِنْهُ ، ثَبَتَ نَسَبُ الْآخَرِ ضَرُورَةً ، فَجَعَلْنَا مَا نَفَاهُ تَابِعًا لِمَا اسْتَلْحَقَهُ ، وَلَمْ نَجْعَلْ مَا أَقَرَّ بِهِ تَابِعًا لِمَا نَفَاهُ ؛ لِأَنَّ النَّسَبَ يُحْتَاطُ لِإِثْبَاتِهِ لَا لِنَفْيِهِ ، وَلِهَذَا لَوْ أَتَتْ امْرَأَتُهُ بِوَلَدٍ يُمْكِن كَوْنُهُ مِنْهُ ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مِنْ غَيْرِهِ ، أَلْحَقْنَاهُ بِهِ احْتِيَاطًا ، وَلَمْ نَقْطَعْهُ عَنْهُ احْتِيَاطًا لِنَفْيِهِ .\rفَإِنْ كَانَ قَدْ قَذَفَ أُمَّهُمَا وَطَالَبَتْهُ بِالْحَدِّ ، فَلَهُ إسْقَاطُهُ بِاللِّعَانِ .\rوَحُكِيَ عَنْ الْقَاضِي ، أَنَّهُ يُحَدُّ ، وَلَا يَمْلِكُ إسْقَاطَهُ بِاللِّعَانِ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ بِاسْتِلْحَاقِهِ اعْتَرَفَ بِكَذِبِهِ فِي قَذْفِهِ ، فَلَمْ يُسْمَعْ إنْكَارُهُ بَعْدَ ذَلِكَ .\rوَوَجْهُ الْأَوَّلِ ، أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ الْوَلَدِ مِنْهُ ، انْتِفَاءُ الزِّنَا عَنْهَا ، كَمَا لَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِ الزِّنَا مِنْهَا كَوْنُ الْوَلَدِ مِنْهُ ، وَلِذَلِكَ لَوْ أَقَرَّتْ بِالزِّنَا ، أَوْ قَامَتْ بِهِ بَيِّنَةٌ ، لَمْ يَنْتَفِ الْوَلَدُ عَنْهُ ، فَلَا تَنَافِي بَيْنَ لِعَانِهِ وَبَيْنَ اسْتِلْحَاقِهِ لِلْوَلَدِ .\rوَإِنْ اسْتَلْحَقَ أَحَدَ التَّوْأَمَيْنِ وَسَكَتَ عَنْ الْآخَرِ ، لَحِقَهُ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ نَفَاهُ لَلَحِقَهُ ، فَإِذَا سَكَتَ عَنْهُ كَانَ أَوْلَى ، وَلِأَنَّ امْرَأَتَهُ مَتَى أَتَتْ بِوَلَدٍ ، لَحِقَهُ مَا لَمْ يَنْفِهِ عَنْهُ بِاللِّعَانِ .\rوَإِنْ نَفَى أَحَدَهُمَا ، وَسَكَتَ عَنْ الْآخَرِ ، لَحِقَاهُ جَمِيعًا .\rفَإِنْ قِيلَ : أَلَا نَفَيْتُمْ الْمَسْكُوتَ عَنْهُ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ نَفَى أَخَاهُ ، وَهُمَا حَمْلٌ وَاحِدٌ ؟ قُلْنَا لُحُوقُ النَّسَبِ مَبْنِيٌّ عَلَى التَّغْلِيبِ ، وَهُوَ يَثْبُتُ بِمُجَرَّدِ الْإِمْكَانِ ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يَثْبُتْ الْوَطْءُ ، وَلَا يَنْتَفِي الْإِمْكَانُ لِلنَّفْيِ ،","part":17,"page":340},{"id":8340,"text":"فَافْتَرَقَا .\rفَإِنْ أَتَتْ بِوَلَدٍ ، فَنَفَاهُ ، وَلَاعَنَ لِنَفْيِهِ ، ثُمَّ وَلَدَتْ آخَرَ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ ، لَمْ يَنْتَفِ الثَّانِي بِاللِّعَانِ الْأَوَّلِ ؛ لِأَنَّ اللِّعَانَ تَنَاوَلَ الْأَوَّلَ وَحْدَهُ ، وَيَحْتَاجُ فِي نَفْيِ الثَّانِي إلَى لِعَانٍ ثَانٍ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ يَنْتَفِي بِنَفْيِهِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إلَى لِعَانٍ ثَانٍ ؛ لِأَنَّهُمَا حَمْلٌ وَاحِدٌ ، وَقَدْ لَاعَنَ لِنَفْيِهِ مَرَّةً ، فَلَا يَحْتَاجُ إلَى لِعَانٍ ثَانٍ .\rذَكَرَهُ الْقَاضِي .\rفَإِنْ أَقَرَّ بِالثَّانِي ، لَحِقَهُ هُوَ وَالْأَوَّلُ ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ ، وَإِنْ سَكَتَ عَنْ نَفْيِهِ ، لَحِقَاهُ أَيْضًا .\rفَأَمَّا إنْ نَفَى الْوَلَدَ بِاللِّعَانِ ، ثُمَّ أَتَتْ بِوَلَدٍ آخَرَ بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ ، فَهَذَا مِنْ حَمْلٍ آخَرَ ، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ وَلَدَيْنِ مِنْ حَمْلٍ وَاحِدٍ مُدَّةُ الْحَمْلِ ، وَلَوْ أَمْكَنَ لَمْ تَكُنْ هَذِهِ مُدَّةَ حَمْلٍ كَامِلٍ .\rفَإِنْ نَفَى هَذَا الْوَلَدَ بِاللِّعَانِ انْتَفَى ، وَلَا يَنْتَفِي بِغَيْرِ اللِّعَانِ ؛ لِأَنَّهُ حَمْلٌ مُنْفَرِدٌ ، وَإِنْ اسْتَلْحَقَهُ ، أَوْ تَرَكَ نَفْيَهُ ، لَحِقَهُ وَإِنْ كَانَتْ قَدْ بَانَتْ بِاللِّعَانِ ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ قَدْ وَطِئَهَا بَعْدَ وَضْعِ الْأَوَّلِ .\rوَإِنْ لَاعَنَهَا قَبْلَ وَضْعِ الْأَوَّلِ ، فَأَتَتْ بِوَلَدٍ ، ثُمَّ وَلَدَتْ آخَرَ بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ ، لَمْ يَلْحَقْهُ الثَّانِي ؛ لِأَنَّهَا بَانَتْ بِاللِّعَانِ ، وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا بِوَضْعِ الْأَوَّلِ ، وَكَانَ حَمْلُهَا الثَّانِي بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا فِي غَيْرِ نِكَاحٍ ، فَلَمْ يَحْتَجْ إلَى نَفْيِهِ .","part":17,"page":341},{"id":8341,"text":"( 6269 ) فَصْلٌ : وَإِنْ مَاتَ أَحَدُ التَّوْأَمَيْنِ ، أَوْ مَاتَا مَعًا ، فَلَهُ أَنْ يُلَاعِنَ لِنَفْيِ نَسَبِهِمَا .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَلْزَمُهُ نَسَبُ الْحَيِّ ، وَلَا يُلَاعِنُ إلَّا لِنَفْيِ الْحَدِّ ؛ لِأَنَّ الْمَيِّتَ لَا يَصِحُّ نَفْيُهُ بِاللِّعَانِ ، فَإِنَّ نَسَبَهُ قَدْ انْقَطَعَ بِمَوْتِهِ ، فَلَا حَاجَةَ إلَى نَفْيِهِ بِاللِّعَانِ ، كَمَا لَوْ مَاتَتْ امْرَأَتُهُ ، فَإِنَّهُ لَا يُلَاعِنُهَا بَعْدَ مَوْتِهَا ، لِقَطْعِ النِّكَاحِ ، لِكَوْنِهِ قَدْ انْقَطَعَ ، وَإِذَا لَمْ يَنْتَفِ الْمَيِّتُ لَمْ يَنْتَفِ الْحَيُّ ؛ لِأَنَّهُمَا حَمْلٌ وَاحِدٌ .\rوَلَنَا أَنَّ الْمَيِّتَ يُنْسَبُ إلَيْهِ ، فَيُقَالُ : ابْنُ فُلَانٍ .\rوَيَلْزَمُهُ تَجْهِيزُهُ ، وَتَكْفِينُهُ ، فَكَانَ لَهُ نَفْيُ نَسَبِهِ ، وَإِسْقَاطُ مُؤْنَتِهِ ، كَالْحَيِّ ، وَكَمَا لَوْ كَانَ لِلْمَيِّتِ وَلَدٌ .","part":17,"page":342},{"id":8342,"text":"( 6270 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : ( وَإِنْ أَكْذَبَ نَفْسَهُ بَعْدَ ذَلِكَ ، لَحِقَهُ الْوَلَدُ ) .\rوَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الرَّجُلَ إذَا لَاعَنَ امْرَأَتَهُ ، وَنَفَى وَلَدَهَا ، ثُمَّ أَكْذَبَ نَفْسَهُ ، لَحِقَهُ الْوَلَدُ إذَا كَانَ حَيًّا .\rبِغَيْرِ خِلَافٍ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rوَإِنْ كَانَ مَيِّتًا ، لَحِقَهُ نَسَبُهُ أَيْضًا .\rفِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، سَوَاءٌ كَانَ لَهُ وَلَدٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ ، وَسَوَاءٌ خَلَّفَ مَالًا أَوْ لَمْ يُخَلِّفْ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ النَّسَبَ حَقٌّ لِلْوَلَدِ ، فَإِذَا أَقَرَّ بِهِ ، لَزِمَهُ ، وَسَوَاءٌ تَقَدَّمَ إنْكَارُهُ لَهُ أَوْ لَمْ يَكُنْ ، وَلِأَنَّ سَبَبَ نَفْيِهِ عَنْهُ نَفْيُهُ لَهُ ، فَإِذَا أَكْذَبَ نَفْسَهُ .\rفَقَدْ زَالَ سَبَبُ النَّفْيِ ، وَبَطَلَ ، فَوَجَبَ أَنْ يَلْحَقَهُ نَسَبُهُ بِحُكْمِ النِّكَاحِ الْمُوجِبِ لِلُحُوقِ نَسَبِهِ بِهِ .","part":17,"page":343},{"id":8343,"text":"( 6271 ) فَصْلٌ : وَالْقَذْفُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ : وَاجِبٌ ، وَهُوَ أَنْ يَرَى امْرَأَتَهُ تَزْنِي فِي طُهْرٍ لَمْ يَطَأْهَا فِيهِ ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ اعْتِزَالُهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا ، فَإِذَا أَتَتْ بِوَلَدٍ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ حِينِ الزِّنَا ، وَأَمْكَنَهُ نَفْيُهُ عَنْهُ ، لَزِمَهُ قَذْفُهَا ، وَنَفْيُ وَلَدِهَا ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَجْرِي مَجْرَى الْيَقِينِ فِي أَنَّ الْوَلَدَ مِنْ الزَّانِي ، فَإِذَا لَمْ يَنْفِهِ لَحِقَهُ الْوَلَدُ ، وَوَرِثَهُ ، وَوَرِثَ أَقَارِبَهُ ، وَوَرِثُوا مِنْهُ ، وَنَظَرَ إلَى بَنَاتِهِ وَأَخَوَاتِهِ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِجَائِزٍ ، فَيَجِبُ نَفْيُهُ لِإِزَالَةِ ذَلِكَ .\rوَلَوْ أَقَرَّتْ بِالزِّنَا ، وَوَقَعَ فِي قَلْبِهِ صِدْقُهَا ، فَهُوَ كَمَا لَوْ رَآهَا .\rالثَّانِي - أَنْ يَرَاهَا تَزْنِي ، أَوْ يَثْبُتَ عِنْدَهُ زِنَاهَا ، وَلَيْسَ ثَمَّ وَلَدٌ يَلْحَقُهُ نَسَبُهُ ، أَوْ ثَمَّ وَلَدٌ لَكِنْ لَا يَعْلَمُ أَنَّهُ مِنْ الزِّنَا ، أَوْ يُخْبِرَهُ بِزِنَاهَا ثِقَةٌ يُصَدِّقُهُ ، أَوْ يَشِيعَ فِي النَّاسِ أَنَّ فُلَانًا يَفْجُرُ بِفُلَانَةَ ، وَيُشَاهِدُهُ عِنْدَهَا ، أَوْ دَاخِلًا إلَيْهَا أَوْ خَارِجًا مِنْ عِنْدِهَا ، أَوْ يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ فُجُورُهَا ، فَهَذَا لَهُ قَذْفُهَا ؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ، { أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : أَرَأَيْت رَجُلًا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا ، فَتَكَلَّمَ جَلَدْتُمُوهُ ، أَوْ قَتَلَ قَتَلْتُمُوهُ ، أَوْ سَكَتَ سَكَتَ عَلَى غَيْظٍ .\rفَذَكَرَ أَنَّهُ يَتَكَلَّمُ أَوْ يَسْكُتُ ، وَلَمْ يُنْكِرُ عَلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\r} وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُنْكِرْ عَلَى هِلَالٍ وَالْعَجْلَانِيِّ قَذْفَهُمَا حِينَ رَأَيَا .\rوَإِنْ سَكَتَ جَازَ ، وَهُوَ أَحْسَنُ ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ فِرَاقُهَا بِطَلَاقِهَا ، وَيَكُونُ فِيهِ سَتْرُهَا وَسَتْرُ نَفْسِهِ ، وَلَيْسَ ثَمَّ وَلَدٌ يَحْتَاجُ إلَى نَفْيِهِ .\rالْحَالُ الثَّالِثُ ، مُحَرَّمٌ ، وَهُوَ مَا عَدَا ذَلِكَ ، مِنْ قَذْفِ أَزْوَاجِهِ وَالْأَجَانِبِ ؛ فَإِنَّهُ مِنْ الْكَبَائِرِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : {","part":17,"page":344},{"id":8344,"text":"إنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ } .\rوَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { أَيُّمَا امْرَأَةٍ أَدْخَلَتْ عَلَى قَوْمٍ مَنْ لَيْسَ مِنْهُمْ ، فَلَيْسَتْ مِنْ اللَّهِ فِي شَيْءٍ ، وَلَنْ يُدْخِلَهَا اللَّهُ جَنَّتَهُ ، وَأَيُّمَا رَجُلٍ جَحَدَ وَلَدَهُ وَهُوَ يَنْظُرُ إلَيْهِ ، احْتَجَبَ اللَّهُ مِنْهُ ، وَفَضَحَهُ عَلَى رُءُوسِ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rقَوْلُهُ : \" وَهُوَ يَنْظُرُ إلَيْهِ \" .\rيَعْنِي يَرَاهُ مِنْهُ ، فَكَمَا حَرَّمَ عَلَى الْمَرْأَةِ أَنْ تُدْخِلَ عَلَى قَوْمٍ مَنْ لَيْسَ مِنْهُمْ ، حَرَّمَ عَلَى الرَّجُلِ جَحْدَ وَلَدِهِ .\rوَلَا يَجُوزُ قَذْفُهَا بِخَبَرِ مَنْ لَا يُوثَقُ بِخَبَرِهِ ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَأْمُونٍ عَلَى الْكَذِبِ عَلَيْهَا ، وَلَا بِرُؤْيَتِهِ رَجُلًا خَارِجًا مِنْ عِنْدِهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَسْتَفِيضَ زِنَاهَا ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ دَخَلَ سَارِقًا ، أَوْ هَارِبًا ، أَوْ لِحَاجَةٍ ، أَوْ لِغَرَضٍ فَاسِدٍ ، فَلَمْ يُمْكِنْهُ ، وَلَا لِاسْتِفَاضَةِ ذَلِكَ فِي النَّاسِ مِنْ غَيْرِ قَرِينَةٍ تَدُلُّ عَلَى صِدْقِهِمْ ؛ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ أَعْدَاؤُهَا أَشَاعُوا ذَلِكَ عَنْهَا .\rوَفِيهِ وَجْهٌ آخِرُ ، أَنَّهُ يَجُوزُ ؛ لِأَنَّ الِاسْتِفَاضَةَ أَقْوَى مِنْ خَبَرِ الثِّقَةِ .\rوَلَا بِمُخَالَفَةِ الْوَلَدِ لَوْنَ وَالِدَيْهِ أَوْ شَبَهِهِمَا ، وَلَا لِشَبَهِهِ بِغَيْرِ وَالِدَيْهِ ؛ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ : { جَاءَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي فَزَارَةَ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : إنَّ امْرَأَتِي جَاءَتْ بِوَلَدٍ أَسْوَدَ .\rيُعَرِّضُ بِنَفْيِهِ ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هَلْ لَكَ مِنْ إبِلٍ ؟ قَالَ : نَعَمْ .\rقَالَ : فَمَا أَلْوَانُهَا ؟ .\rقَالَ : حُمْرٌ .\rقَالَ : هَلْ فِيهَا مِنْ أَوْرَقَ ؟ .\rقَالَ : إنَّ فِيهَا أَوْرَقَ .\rقَالَ : فَأَنَّى أَتَاهَا ذَلِكَ ؟ قَالَ : عَسَى أَنْ يَكُونَ نَزَعَهُ عِرْقٌ .\rقَالَ : فَهَذَا عَسَى أَنْ يَكُونَ نَزَعَهُ عِرْقٌ } .\rقَالَ : \" وَلَمْ يُرَخِّصْ لَهُ فِي الِانْتِفَاءِ مِنْهُ","part":17,"page":345},{"id":8345,"text":".\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَلِأَنَّ النَّاسَ كُلَّهُمْ مِنْ آدَمَ وَحَوَّاءَ ، وَأَلْوَانُهُمْ وَخَلْقُهُمْ مُخْتَلِفَةٌ ، فَلَوْلَا مُخَالَفَتُهُمْ شَبَهَ وَالِدَيْهِمْ ، لَكَانُوا عَلَى خِلْقَةٍ وَاحِدَةٍ ، وَلِأَنَّ دَلَالَةَ الشَّبَهِ ضَعِيفَةٌ ، وَدَلَالَةَ وِلَادَتِهِ عَلَى الْفِرَاشِ قَوِيَّةٌ ، فَلَا يَجُوزُ تَرْكُ الْقَوِيِّ لِمُعَارَضَةِ الضَّعِيفِ ، وَلِذَلِكَ لَمَّا تَنَازَعَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ ، وَعَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ ، فِي ابْنِ وَلِيدَةِ زَمْعَةَ ، وَرَأَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِ شَبَهًا بَيِّنًا بِعُتْبَةَ ، أَلْحَقَ الْوَلَدَ بِالْفِرَاشِ ، وَتَرَكَ الشَّبَهَ .\rوَهَذَا اخْتِيَارُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَامِدٍ ، وَأَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ .\rوَذَكَرَ الْقَاضِي ، وَأَبُو الْخَطَّابِ ، أَنَّ ظَاهِرَ كَلَامِ أَحْمَدَ ، جَوَازُ نَفْيِهِ .\rوَهُوَ الْوَجْهُ الثَّانِي لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثِ اللِّعَانِ : { إنْ جَاءَتْ بِهِ أَوْرَقَ جَعْدًا جُمَالِيًّا خَدَلَّجَ السَّاقَيْنِ سَابِغَ الْأَلْيَتَيْنِ ، فَهُوَ لِلَّذِي رُمِيَتْ بِهِ .\rفَأَتَتْ بِهِ عَلَى النَّعْتِ الْمَكْرُوهِ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَوْلَا الْأَيْمَانُ ، لَكَانَ لِي وَلَهَا شَأْنٌ } .\rفَجَعَلَ الشَّبَهَ دَلِيلًا عَلَى نَفْيِهِ عَنْهُ ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ .\rوَهَذَا الْحَدِيثُ إنَّمَا يَدُلُّ عَلَى نَفْيِهِ عَنْهُ ، مَعَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ لِعَانِهِ وَنَفْيِهِ إيَّاهُ عَنْ نَفْسِهِ ، فَجَعَلَ الشَّبَهَ مُرَجِّحًا لِقَوْلِهِ ، وَدَلِيلًا عَلَى تَصْدِيقِهِ ، وَمَا تَقَدَّمَ مِنْ الْأَحَادِيثِ يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ اسْتِقْلَالِ الشَّبَهِ بِالنَّفْيِ ، وَلِأَنَّ هَذَا كَانَ فِي مَوْضِعٍ زَالَ الْفِرَاشُ ، وَانْقَطَعَ نَسَبُ الْوَلَدِ عَنْ صَاحِبِهِ ، فَلَا يَثْبُتُ مَعَ بَقَاءِ الْفِرَاشِ الْمُقْتَضِي لُحُوقَ نَسَبِ الْوَلَدِ بِصَاحِبِهِ .\rوَإِنْ كَانَ يَعْزِلُ عَنْ امْرَأَتِهِ ، فَأَتَتْ بِوَلَدٍ ، لَمْ يُبَحْ لَهُ نَفْيُهُ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ وَأَبِي سَعِيدٍ .\rوَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ ، أَنَّهُ قَالَ : يَا رَسُولَ","part":17,"page":346},{"id":8346,"text":"اللَّهِ ، إنَّا نُصِيبُ مِنْ النِّسَاءِ ، وَنُحِبُّ الْأَثْمَانَ ، أَفَنَعْزِلُ عَنْهُنَّ ؟ قَالَ : { إنَّ اللَّهَ إذَا قَضَى خَلْقَ نَسَمَةٍ خَلَقَهَا } .\rوَلِأَنَّهُ قَدْ يَسْبِقُ مِنْ الْمَاءِ مَا لَا يُحِسُّ بِهِ فَتَعْلَقُ .\rوَأَمَّا إنْ كَانَ لَا يَطَؤُهَا إلَّا دُونَ الْفَرْجِ ، أَوْ فِي الدُّبُرِ ، فَأَتَتْ بِوَلَدٍ ، فَذَكَرَ أَصْحَابُنَا أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ نَفْيُهُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَأْمَنُ أَنْ يَسْبِقَ الْمَاءُ إلَى الْفَرْجِ فَيَعْلَقَ بِهِ .\rوَهَذَا أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ .\rوَهُوَ بَعِيدٌ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَحْكَامِ الْوَطْءِ فِي الْفَرْجِ ، فَلَا يَتَعَلَّقُ بِمَا دُونَهُ كَسَائِرِ الْأَحْكَامِ ، وَدَلَالَةُ عَدَمِ الْوَطْءِ فِي الْفَرْجِ عَلَى انْتِفَاءِ الْوَلَدِ أَشَدُّ مِنْ دَلَالَةِ مُخَالَفَةِ الْوَلَدِ لَوْنَ وَالِدَيْهِ .\rفَأَمَّا إنْ وُجِدَ أَحَدُ هَذِهِ الْوُجُوهِ الَّتِي ذَكَرْنَا مَعَ الزِّنَا ، وَيُحْتَمَلُ كَوْنُهُ مِنْهُ أَوْ مِنْ الزَّانِي ، مِثْلُ إنْ زَنَتْ فِي طُهْرٍ أَصَابَهَا فِيهِ ، أَوْ زَنَتْ فَلَمْ يَعْتَزِلْهَا ، وَلَكِنَّهُ كَانَ يَعْزِلُ عَنْهَا ، أَوْ كَانَ لَا يَطَؤُهَا إلَّا دُونَ الْفَرْجِ ، لَوْ كَانَ الْوَلَدُ شَبِيهًا بِالزَّانِي دُونَهُ ، لَزِمَهُ نَفْيُهُ ؛ لِأَنَّ هَذَا مَعَ الزِّنَا يُوجِبُ نِسْبَتَهُ إلَى الزَّانِي ، بِدَلِيلِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَكَمَ بِوَلَدِ امْرَأَةِ هِلَالٍ لِشَرِيكِ ابْنِ سَحْمَاءَ ، بِشَبَهِهِ لَهُ ، مَعَ لِعَانِ هِلَالٍ لَهَا ، وَقَذْفِهِ إيَّاهَا .\rوَأَمَّا إذَا أَتَتْ زَوْجَتُهُ بِوَلَدٍ ، فَشَكَّ فِيهِ مِنْ غَيْرِ مَعْرِفَتِهِ لِزِنَاهَا ، فَلَا يَحِلُّ لَهُ قَذْفُهَا ، وَلَا لِعَانُهَا ؛ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ الْفَزَارِيِّ .\rوَكَذَلِكَ إنْ عَرَفَ زِنَاهَا ، وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ الْوَلَدَ مِنْ الزَّانِي ، وَلَا وُجِدَ دَلِيلٌ عَلَيْهِ ، فَلَيْسَ لَهُ نَفْيُهُ ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ .","part":17,"page":347},{"id":8347,"text":"( 6272 ) فَصْلٌ : فَإِنْ أُكْرِهَتْ زَوْجَتُهُ عَلَى الزِّنَا فِي طُهْرٍ لَمْ يُصِبْهَا فِيهِ ، فَأَتَتْ بِوَلَدٍ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مِنْ الْوَاطِئِ ، فَهُوَ مِنْهُ ، وَلَيْسَ لِلزَّوْجِ قَذْفُهَا بِالزِّنَا ؛ لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ بِزِنًا مِنْهَا .\rوَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ نَفْيُهُ ، وَيَلْحَقُهُ النَّسَبُ ؛ لِأَنَّ نَفْيَ الْوَلَدِ لَا يَكُونُ إلَّا بِاللِّعَانِ ، وَمِنْ شَرْطِ اللِّعَانِ الْقَذْفُ ، وَلِأَنَّ اللِّعَانَ لَا يَتِمُّ إلَّا بِلِعَانِ الْمَرْأَةِ ، وَلَا يَصِحُّ اللِّعَانُ مِنْ الْمَرْأَةِ هَاهُنَا ؛ لِأَنَّهَا لَا تُكَذِّبُ الزَّوْجَ فِي إكْرَاهِهَا عَلَى ذَلِكَ .\rوَهَذَا قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ .\rوَذَكَرَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا فِي ذَلِكَ رِوَايَتَيْنِ ؛ إحْدَاهُمَا ، لَهُ نَفْيُهُ بِاللِّعَانِ ؛ لِأَنَّهُ مُحْتَاجٌ إلَى نَفْيِهِ ، فَكَانَ لَهُ نَفْيُهُ ، كَمَا لَوْ زَنَتْ مُطَاوِعَةً .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rوَهَذَا إنَّمَا يَصِحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ لِأَنَّهُ يَرَى نَفْيَ الْوَلَدِ بِلِعَانِ الزَّوْجِ وَحْدَهُ .\rوَأَمَّا مَنْ لَا يَرَى ذَلِكَ ، فَلَا يَصِحُّ عِنْدَهُ النَّفْيُ بِاللِّعَانِ هَاهُنَا .\rوَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَم .","part":17,"page":348},{"id":8348,"text":"( 6273 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : ( وَإِنْ نَفَى الْحَمْلَ فِي الْتِعَانِهِ ، لَمْ يَنْتَفِ عَنْهُ حَتَّى يَنْفِيَهُ عِنْدَ وَضْعِهَا لَهُ وَيُلَاعِنَ ) اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيمَا إذَا لَاعَنَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَامِلٌ ، وَنَفَى حَمْلَهَا فِي لِعَانُهُ ، فَقَالَ الْخِرَقِيِّ وَجَمَاعَةٌ : لَا يَنْتَفِي الْحَمْلُ بِنَفْيِهِ قَبْلَ الْوَضْعِ ، وَلَا يَنْتَفِي حَتَّى يُلَاعِنَهَا بَعْدَ الْوَضْعِ ، وَيَنْتَفِي الْوَلَدُ فِيهِ .\rوَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَجَمَاعَةٍ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ ؛ لِأَنَّ الْحَمْلَ غَيْرُ مُسْتَيْقَنٍ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ رِيحًا ، أَوْ غَيْرهَا ، فَيَصِيرُ نَفْيُهُ مَشْرُوطًا بِوُجُودِهِ ، وَلَا يَجُوزُ تَعْلِيقُ اللِّعَانِ بِشَرْطٍ .\rوَقَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْحِجَازِ : يَصِحُّ نَفْيُ الْحَمْلِ ، وَيَنْتَفِي عَنْهُ ، مُحْتَجِّينَ بِحَدِيثِ هِلَالٍ ، وَأَنَّهُ نَفَى حَمْلَهَا فَنَفَاهُ عَنْهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَلْحَقَهُ بِالْأَوَّلِ .\rوَلَا خَفَاءَ بِأَنَّهُ كَانَ حَمْلًا ، وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { اُنْظُرُوهَا ، فَإِنْ جَاءَتْ بِهِ كَذَا وَكَذَا } .\rقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : الْآثَارُ الدَّالَّةُ عَلَى صِحَّةِ هَذَا الْقَوْلِ كَثِيرَةٌ .\rوَأَوْرَدَهَا .\rوَلِأَنَّ الْحَمْلَ مَظْنُونٌ بِأَمَارَاتٍ تَدُلُّ عَلَيْهِ ، وَلِهَذَا ثَبَتَتْ لِلْحَامِلِ أَحْكَامٌ تُخَالِفُ بِهَا الْحَائِلَ : مِنْ النَّفَقَةِ ، وَالْفِطْرِ فِي الصِّيَامِ ، وَتَرْكِ إقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهَا ، وَتَأْخِيرِ الْقِصَاصِ عَنْهَا ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَطُولُ ذِكْرُهُ .\rوَيَصِحُّ اسْتِلْحَاقُ الْحَمْلِ ، فَكَانَ كَالْوَلَدِ بَعْدَ وَضْعِهِ .\rوَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الصَّحِيحُ ؛ لِمُوَافَقَتِهِ ظَوَاهِرَ الْأَحَادِيثِ وَمَا خَالَفَ الْحَدِيثَ لَا يُعْبَأُ بِهِ كَائِنًا مَا كَانَ .\rوَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : يَنْتَفِي الْوَلَدُ بِزَوَالِ الْفِرَاشِ ، وَلَا يَحْتَاجُ إلَى ذِكْرِهِ فِي اللِّعَانِ احْتِجَاجًا بِظَاهِرِ الْأَحَادِيثِ ، حَيْثُ لَمْ يُنْقَلْ فِيهَا نَفْيُ الْحَمْلِ ، وَلَا التَّعَرُّضُ لِنَفْيِهِ .\rوَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ ، فَأَمَّا مَنْ قَالَ : إنَّ","part":17,"page":349},{"id":8349,"text":"الْوَلَدَ لَا يَنْتَفِي إلَّا بِنَفْيِهِ بَعْدَ الْوَضْعِ ، فَإِنَّهُ يَحْتَاجُ فِي نَفْيِهِ إلَى إعَادَةِ اللِّعَانِ بَعْدَ الْوَضْعِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَنْ وَافَقَهُ : إنْ لَاعَنَهَا حَامِلًا ، ثُمَّ أَتَتْ بِالْوَلَدِ لَزِمَهُ ، وَلَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ نَفْيِهِ ؛ لِأَنَّ اللِّعَانَ لَا يَكُونُ إلَّا بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ ، وَهَذِهِ قَدْ بَانَتْ بِلِعَانِهَا فِي حَالِ حَمْلِهَا .\rوَهَذَا فِيهِ إلْزَامُهُ وَلَدًا لَيْسَ مِنْهُ ، وَسَدُّ بَابِ الِانْتِفَاءِ مِنْ أَوْلَادِ الزِّنَا - وَاَللَّهُ تَعَالَى قَدْ جَعَلَ لَهُ إلَى ذَلِكَ طَرِيقًا ، فَلَا يَجُوزُ سَدُّهُ وَإِنَّمَا تُعْتَبَرُ الزَّوْجِيَّةُ فِي الْحَالِ الَّتِي أَضَافَ الزِّنَا إلَيْهَا فِيهِ ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ الَّذِي تَأْتِي بِهِ يَلْحَقُهُ إذَا لَمْ يَنْفِهِ ، فَيَحْتَاجُ إلَى نَفْيِهِ ، وَهَذِهِ كَانَتْ زَوْجَةً فِي تِلْكَ الْحَالِ ، فَمَلَكَ نَفْيَ وَلَدِهَا .\rوَاَللَّهُ أَعْلَم .","part":17,"page":350},{"id":8350,"text":"( 6274 ) فَصْلٌ : وَإِنْ اسْتَلْحَقَ الْحَمْلَ ، فَمَنْ قَالَ : لَا يَصِحُّ نَفْيُهُ .\rقَالَ : لَا يَصِحُّ اسْتِلْحَاقُهُ .\rوَهُوَ الْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ .\rوَمِنْ أَجَازَ نَفْيَهُ ، قَالَ : لَا يَصِحُّ اسْتِلْحَاقُهُ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ مَحْكُومٌ بِوُجُودِهِ ، بِدَلِيلِ وُجُوبِ النَّفَقَةِ ، وَوَقْفِ الْمِيرَاثِ ، فَصَحَّ الْإِقْرَارُ بِهِ كَالْمَوْلُودِ ، وَإِذَا اسْتَلْحَقَهُ لَمْ يَمْلِكْ نَفْيَهُ بَعْدَ ذَلِكَ ، كَمَا لَوْ اسْتَلْحَقَهُ بَعْدَ الْوَضْعِ .\rوَمَنْ قَالَ : لَا يَصِحُّ اسْتِلْحَاقُهُ .\rقَالَ : لَوْ صَحَّ اسْتِلْحَاقُهُ لَزِمَهُ بِتَرْكِ نَفْيِهِ كَالْمَوْلُودِ ، وَلَا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ بِالْإِجْمَاعِ .\rوَلِأَنَّ لِلشَّبَهِ أَثَرًا فِي الْإِلْحَاقِ ، بِدَلِيلِ حَدِيثِ الْمُلَاعَنَةِ ، وَذَلِكَ مُخْتَصٌّ بِمَا بَعْدَ الْوَضْعِ ، فَاخْتُصَّ صِحَّةُ الِاسْتِلْحَاقِ بِهِ .\rفَعَلَى هَذَا ، لَوْ اسْتَلْحَقَهُ ثُمَّ نَفَاهُ بَعْدَ وَضْعِهِ ، كَانَ لَهُ ذَلِكَ ، فَأَمَّا إنْ سَكَتَ عَنْهُ ، فَلَمْ يَنْفِهِ ، وَلَمْ يَسْتَلْحِقْهُ ، لَمْ يَلْزَمْهُ عِنْدَ أَحَدٍ عَلِمْنَا قَوْلَهُ ؛ لِأَنَّ تَرْكَهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لِأَنَّهُ لَا يَتَحَقَّقُ وُجُودَهُ إلَّا أَنْ يُلَاعِنَهَا ، فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ أَلْزَمَهُ الْوَلَدَ ، عَلَى مَا أَسْلَفْنَاهُ .","part":17,"page":351},{"id":8351,"text":"( 6275 ) فَصْلٌ : وَإِذَا وَلَدْت امْرَأَتُهُ وَلَدًا ، فَسَكَتَ عَنْ نَفْيِهِ ، مَعَ إمْكَانِهِ ، لَزِمَهُ نَسَبُهُ ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ نَفْيُهُ بَعْدَ ذَلِكَ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ : لَا يَتَقَدَّرُ ذَلِكَ بِثَلَاثٍ ، بَلْ هُوَ عَلَى مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ ، إنْ كَانَ لَيْلًا فَحَتَّى يُصْبِحَ وَيَنْتَشِرَ النَّاسُ ، وَإِنْ كَانَ جَائِعًا أَوْ ظَمْآنَ فَحَتَّى يَأْكُلَ أَوْ يَشْرَبَ ، أَوْ يَنَامَ إنْ كَانَ نَاعِسًا ، أَوْ يَلْبَسَ ثِيَابَهُ وَيُسْرِجَ دَابَّتَهُ وَيَرْكَبَ وَيُصَلِّيَ إنْ حَضَرَتْهُ الصَّلَاةُ ، وَيُحْرِزَ مَالَهُ إنْ كَانَ غَيْرَ مُحْرَزٍ ، وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ مِنْ أَشْغَالِهِ ، فَإِنْ أَخَّرَهُ بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ نَفْيُهُ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَهُ تَأْخِيرُ نَفْيِهِ يَوْمًا وَيَوْمَيْنِ اسْتِحْسَانًا ؛ لِأَنَّ النَّفْيَ عَقِيبَ الْوِلَادَةِ يَشُقُّ ، فَقُدِّرَ بِالْيَوْمَيْنِ لِقِلَّتِهِ .\rوَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ : يَتَقَدَّرُ بِمُدَّةِ النِّفَاسِ ؛ لِأَنَّهَا جَارِيَةٌ مَجْرَى الْوِلَادَةِ فِي الْحُكْمِ .\rوَحُكِيَ عَنْ عَطَاءٍ ، وَمُجَاهِدٍ ، أَنَّ لَهُ نَفْيَهُ مَا لَمْ يَعْتَرِفْ بِهِ فَكَانَ لَهُ نَفْيُهُ ، كَحَالَةِ الْوِلَادَةِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ خِيَارٌ لِدَفْعِ ضَرَرٍ مُتَحَقِّقٍ ، فَكَانَ عَلَى الْفَوْرِ ، كَخِيَارِ الشُّفْعَةِ ، وَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ } .\rعَامٌّ خَرَجَ مِنْهُ مَا اتَّفَقْنَا عَلَيْهِ مَعَ السُّنَّةِ الثَّابِتَةِ ، فَمَا عَدَاهُ يَبْقَى عَلَى عُمُومِ الْحَدِيثِ ، وَمَا ذَكَرَهُ أَبُو حَنِيفَةَ يَبْطُلُ بِخِيَارِ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ ، وَالْأَخْذِ بِالشُّفْعَةِ ، وَتَقْدِيرُهُ بِمُدَّةِ النِّفَاسِ تَحَكُّمٌ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ ، وَمَا قَالَهُ عَطَاءٌ يَبْطُلُ أَيْضًا بِمَا ذَكَرْنَاهُ ، وَلَا يَلْزَمُ الْقِصَاصُ ؛ لِأَنَّهُ لِاسْتِيفَاءِ حَقٍّ لَا لِدَفْعِ ضَرَرٍ ، وَلَا الْحَمْلُ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَحَقَّقْ ضَرَرُهُ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَهَلْ يَتَقَدَّرُ الْخِيَارُ فِي النَّفْيِ بِمَجْلِسِ الْعِلْمِ ، أَوْ بِإِمْكَانِ النَّفْيِ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ : بِنَاءً عَلَى الْمُطَالَبَةِ","part":17,"page":352},{"id":8352,"text":"بِالشُّفْعَةِ ، فَإِنْ أَخَّرَ نَفْيَهُ عَنْ ذَلِكَ ، ثُمَّ ادَّعَى أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ بِالْوِلَادَةِ ، وَأَمْكَنَ صِدْقُهُ ، بِأَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعٍ يَخْفَى عَلَيْهِ ذَلِكَ ، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ فِي مَحَلَّةٍ أُخْرَى ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْعِلْمِ ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ ، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ مَعَهَا فِي الدَّارِ ، لَمْ يُقْبَلْ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَكَادُ يَخْفَى عَلَيْهِ .\rوَإِنْ قَالَ : عَلِمْت وِلَادَتَهُ ، وَلَمْ أَعْلَمْ أَنَّ لِي نَفْيَهُ .\rأَوْ عَلِمْت ذَلِكَ ، وَلَمْ أَعْلَمْ أَنَّهُ عَلَى الْفَوْرِ .\rوَكَانَ مِمَّنْ يَخْفَى عَلَيْهِ ذَلِكَ ، كَعَامَّةِ النَّاسِ ، قُبِلَ مِنْهُ ؛ لِأَنَّ هَذَا مِمَّا يَخْفَى عَلَيْهِمْ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَ حَدِيثَ عَهْدٍ بِإِسْلَامٍ ، وَإِنْ كَانَ فَقِيهًا ، لَمْ يُقْبَلْ ذَلِكَ مِنْهُ ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا لَا يَخْفَى عَلَيْهِ ذَلِكَ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ ؛ لِأَنَّ الْفَقِيهَ يَخْفَى عَلَيْهِ كَثِيرٌ مِنْ الْأَحْكَامِ .\rوَقَالَ أَصْحَابُنَا : لَا يُقْبَلُ ذَلِكَ مِنْ الْفَقِيهِ ، وَيُقْبَلُ مِنْ النَّاشِئِ بِبَادِيَةٍ ، وَحَدِيثِ الْعَهْدِ بِالْإِسْلَامِ ، وَهَلْ يُقْبَلُ مِنْ سَائِرِ الْعَامَّةِ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ .\rوَإِنْ كَانَ لَهُ عُذْرٌ يَمْنَعُهُ مِنْ الْحُضُورِ لِنَفْيِهِ ، كَالْمَرَضِ وَالْحَبْسِ ، أَوْ الِاشْتِغَالِ بِحِفْظِ مَالٍ يَخَافُ ضَيْعَتَهُ ، أَوْ بِمُلَازَمَةِ غَرِيمٍ يَخَافُ فَوْتَهُ أَوْ غَيْبَتَهُ ، نُظِرَتْ ؛ فَإِنْ كَانَتْ مُدَّةُ ذَلِكَ قَصِيرَةً فَأَخَّرَهُ إلَى الْحُضُورِ لِيَزُولَ عُذْرُهُ ، لَمْ يَبْطُلْ نَفْيُهُ ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ مَنْ عَلِمَ ذَلِكَ لَيْلًا فَأَخَّرَهُ إلَى الصُّبْحِ ، وَإِنْ كَانَتْ تَتَطَاوَلُ ، فَأَمْكَنَهُ التَّنْفِيذُ إلَى الْحَاكِمِ لِيَبْعَثَ إلَيْهِ مَنْ يَسْتَوْفِي عَلَيْهِ اللِّعَانَ وَالنَّفْيَ ، فَلَمْ يَفْعَلْ ، سَقَطَ نَفْيُهُ ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ ، أَشْهَدَ عَلَى نَفْسِهِ أَنَّهُ نَافٍ لِوَلَدِ امْرَأَتِهِ ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ ، بَطَلَ خِيَارُهُ ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى نَفْيِهِ كَانَ الْإِشْهَادُ قَائِمًا مَقَامَهُ ، كَمَا يُقِيمُ الْمَرِيضُ الْفَيْئَةَ بِقَوْلِهِ ،","part":17,"page":353},{"id":8353,"text":"بَدَلًا عَنْ الْفَيْئَةِ بِالْجِمَاعِ .\rفَإِنْ قَالَ : لَمْ أُصَدِّقْ الْمُخْبِرَ عَنْهُ .\rنُظِرَتْ ؛ فَإِنْ كَانَ مُسْتَفِيضًا مُنْتَشِرًا ، لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُسْتَفِيضًا ، وَكَانَ الْمُخْبِرُ مَشْهُورَ الْعَدَالَةِ ، لَمْ يُقْبَلْ ، وَإِلَّا قُبِلَ .\rوَإِنْ قَالَ : لَمْ أَعْلَمْ أَنَّ عَلَيَّ ذَلِكَ .\rقُبِلَ قَوْلُهُ ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا يَخْفَى ، وَإِنْ عَلِمَ وَهُوَ غَائِبٌ ، فَأَمْكَنَهُ السَّيْرُ ، فَاشْتَغَلَ بِهِ ، لَمْ يَبْطُلْ خِيَارُهُ ، وَإِنْ أَقَامَ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ بَطَلَ ؛ لِأَنَّهُ أَخَّرَهُ لِغَيْرِ عُذْرٍ ، وَإِنْ كَانَتْ لَهُ حَاجَةٌ تَمْنَعُهُ مِنْ السَّيْرِ ، فَهُوَ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ قَبْلُ .\rوَإِنْ أَخَّرَ نَفْيَهُ لِغَيْرِ عُذْرٍ ، وَقَالَ : أَخَّرْت نَفْيَهُ رَجَاءَ أَنْ يَمُوتَ ، فَأَسْتُرَ عَلَيْهِ وَعَلَيَّ .\rبَطَلَ خِيَارُهُ ؛ لِأَنَّهُ أَخَّرَ نَفْيَهُ مَعَ الْإِمْكَانِ لِغَيْرِ عُذْرٍ .","part":17,"page":354},{"id":8354,"text":"( 6276 ) فَصْلٌ : فَإِنْ هُنِّئَ بِهِ ، فَأَمَّنَ عَلَى الدُّعَاءِ ، لَزِمَهُ .\rفِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا .\rوَإِنْ قَالَ : أَحْسَنَ اللَّهُ جَزَاءَك .\rأَوْ : بَارَكَ اللَّهُ عَلَيْك .\rأَوْ : رَزَقَكَ اللَّهُ مِثْلَهُ .\rلَزِمَهُ الْوَلَدُ .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يَلْزَمُهُ ؛ لِأَنَّهُ جَازَاهُ عَلَى قَصْدِهِ .\rوَإِذَا قَالَ : رَزَقَكَ اللَّهُ مِثْلَهُ .\rفَلَيْسَ ذَلِكَ إقْرَارًا ، وَلَا مُتَضَمِّنًا لَهُ .\rوَلَنَا ، أَنَّ ذَلِكَ جَوَابُ الرَّاضِي فِي الْعَادَةِ ، فَكَانَ إقْرَارًا ، كَالتَّأْمِينِ عَلَى الدُّعَاءِ .\rوَإِنْ سَكَتَ ، كَانَ إقْرَارًا .\rذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ ؛ لِأَنَّ السُّكُوتَ صُلْحٌ دَالًّا عَلَى الرِّضَى فِي حَقِّ الْبِكْرِ ، وَفِي مَوَاضِعَ أُخَرَ ، فَهَاهُنَا أَوْلَى .\rوَفِي كُلِّ مَوْضِعٍ لَزِمَهُ الْوَلَدُ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ نَفْيُهُ بَعْدَ ذَلِكَ .\rفِي قَوْلِ جَمَاعَةٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ؛ مِنْهُمْ الشَّعْبِيُّ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ ؛ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَقَالَ الْحَسَنُ : لَهُ أَنْ يُلَاعِنَ لِنَفْيِهِ مَا دَامَتْ أُمُّهُ عِنْدَهُ يَصِيرُ لَهَا الْوَلَدُ ، وَلَوْ أَقَرَّ بِهِ ، وَاَلَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ أَوْلَى ؛ فَإِنَّهُ أَقَرَّ بِهِ ، فَلَمْ يَمْلِكْ جَحْدَهُ ، كَمَا لَوْ بَانَتْ مِنْهُ أُمُّهُ ، وَلِأَنَّهُ أَقَرَّ بِحَقٍّ عَلَيْهِ ، فَلَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ جَحْدُهُ ، كَسَائِرِ الْحُقُوقِ .","part":17,"page":355},{"id":8355,"text":"( 6277 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : ( وَلَوْ جَاءَتْ امْرَأَتُهُ بِوَلَدٍ ، فَقَالَ : لَمْ تَزْنِ ، وَلَكِنْ لَيْسَ هَذَا الْوَلَدُ مِنِّي .\rفَهُوَ وَلَدُهُ فِي الْحُكْمِ ، وَلَا حَدَّ عَلَيْهِ لَهَا ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا وَلَدَتْ .\rفَقَالَ زَوْجُهَا : لَيْسَ هَذَا الْوَلَدُ مِنِّي .\rأَوْ قَالَ لَيْسَ هَذَا وَلَدِي .\rفَلَا حَدَّ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ بِقَذْفٍ بِظَاهِرِهِ ، لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ يُرِيدُ أَنَّهُ مِنْ زَوْجٍ آخَرَ ، أَوْ مِنْ وَطْءٍ بِشُبْهَةٍ ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ ، وَلَكِنَّهُ يُسْأَلُ ، فَإِنْ قَالَ : زَنَتْ ، فَوَلَدَتْ هَذَا مِنْ الزِّنَا .\rفَهَذَا قَذْفٌ يَثْبُتُ بِهِ اللِّعَانُ ، وَإِنْ قَالَ : أَرَدْت أَنَّهُ لَا يُشْبِهُنِي خَلْقًا وَلَا خُلُقًا .\rفَقَالَتْ : بَلْ أَرَدْتَ قَذْفِي .\rفَالْقَوْلُ قَوْلُهُ ؛ لِأَنَّهُ أَعْلَمُ بِمُرَادِهِ ، لَا سِيَّمَا إذَا صَرَّحَ بِقَوْلِهِ : لَمْ تَزْنِ .\rوَإِنْ قَالَ : وُطِئَتْ بِشُبْهَةٍ ، وَالْوَلَدُ مِنْ الْوَاطِئِ .\rفَلَا حَدَّ عَلَيْهِ أَيْضًا ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْذِفْهَا ، وَلَا قَذَفَ وَاطِئَهَا .\rوَإِنْ قَالَ : أُكْرِهَتْ عَلَى الزِّنَا .\rفَلَا حَدَّ أَيْضًا ، لِأَنَّهُ لَمْ يَقْذِفْهَا ، وَلَا لِعَانَ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْذِفْهَا ، وَمِنْ شَرْطِ اللِّعَانِ الْقَذْفُ ، وَيَلْحَقُهُ نَسَبُ الْوَلَدِ .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ .\rوَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ الْآخِرَةِ رِوَايَةً أُخْرَى ، أَنَّ لَهُ اللِّعَانَ ؛ لِأَنَّهُ مُحْتَاجٌ إلَى نَفْيِ الْوَلَدِ ، بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ : وُطِئْتِ بِشُبْهَةٍ .\rفَإِنَّهُ يُمْكِنُ نَفْيُ النَّسَبِ بِعَرْضِ الْوَلَدِ عَلَى الْقَافَةِ ، فَيُسْتَغْنَى بِذَلِكَ عَنْ اللِّعَانِ .\rفَلَا يُشْرَعُ ، كَمَا لَا يُشْرَعُ لِعَانُ أَمَتِهِ ، لَمَّا أَمْكَنَ نَفْيُ نَسَبِ وَلَدِهَا بِدَعْوَى الِاسْتِبْرَاءِ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rوَلَنَا أَنَّ اللِّعَانَ إنَّمَا وَرَدَ بِهِ الشَّرْعُ بَعْدَ الْقَذْفِ ، فِي قَوْله تَعَالَى { وَاَلَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إلَّا أَنْفُسُهُمْ } الْآيَةَ .\rوَلَمَّا لَاعَنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ","part":17,"page":356},{"id":8356,"text":"هِلَالٍ وَامْرَأَتِهِ كَانَ بَعْدَ قَذْفِهِ إيَّاهَا ، وَكَذَلِكَ لَمَّا لَاعَنَ بَيْنَ عُوَيْمِرٍ الْعَجْلَانِيُّ وَامْرَأَتِهِ كَانَ بَعْدَ قَذْفِهِ إيَّاهَا ، وَلَا يَثْبُتُ الْحُكْمُ إلَّا فِي مِثْلِهِ ، وَلِأَنَّ نَفْيَ اللِّعَانِ إنَّمَا يَنْتَفِي بِهِ الْوَلَدُ بِتَمَامِهِ مِنْهُمَا ، وَلَا يَتَحَقَّقُ اللِّعَانُ مِنْ الْمَرْأَةِ هَاهُنَا .\rفَأَمَّا إنْ قَالَ : وَطِئَك فُلَانٌ بِشُبْهَةٍ ، وَأَنْتَ تَعْلَمِينَ الْحَالَ .\rفَقَدْ قَذَفَهَا ، وَلَهُ لِعَانُهَا ، وَنَفْيُ نَسَبِ وَلَدِهَا ، وَقَالَ الْقَاضِي : لَيْسَ لَهُ نَفْيُهُ بِاللِّعَانِ .\rوَكَذَلِكَ قَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ نَفْيُ نَسَبِهِ بِعَرْضِهِ عَلَى الْقَافَةِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَالَ : وَاشْتَبَهَ عَلَيْك أَيْضًا .\rوَلَنَا أَنَّهُ رَامٍ لِزَوْجَتِهِ ، فَيَدْخُلُ فِي عُمُومِ قَوْله تَعَالَى { وَاَلَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ } وَلِأَنَّهُ رَامٍ لِزَوْجَتِهِ بِالزِّنَا ، فَمَلَكَ لِعَانَهَا وَنَفَى وَلَدَهَا ، كَمَا لَوْ قَالَ : زَنَى بِكِ فُلَانٌ .\rوَمَا ذَكَرُوهُ لَا يَصِحُّ ؛ فَإِنَّهُ قَدْ لَا يُوجَدُ قَافَةٌ ، وَقَدْ لَا يَعْتَرِفُ الرَّجُلُ بِمَا نُسِبَ إلَيْهِ ، أَوْ يَغِيبُ أَوْ يَمُوتُ ، فَلَا يَنْتَفِي الْوَلَدُ .\rوَإِنْ قَالَ : مَا وَلَدَتْهُ وَإِنَّمَا الْتَقَطْتُهُ أَوْ اسْتَعَرْتُهُ فَقَالَتْ : بَلْ هُوَ وَلَدِي مِنْك .\rلَمْ يُقْبَلْ قَوْلُ الْمَرْأَةِ إلَّا بِبَيِّنَةٍ .\rوَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي ثَوْرٍ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ ؛ لِأَنَّ الْوِلَادَةَ يُمْكِنُ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهَا ، وَالْأَصْلُ عَدَمُهَا ، فَلَمْ تُقْبَلْ دَعْوَاهَا مِنْ غَيْرِ بَيِّنَةٍ ، كَالدَّيْنِ .\rقَالَ الْقَاضِي : وَكَذَلِكَ لَا تُقْبَلُ دَعْوَاهَا لِلْوِلَادَةِ ، فِيمَا إذَا عَلَّقَ طَلَاقَهَا بِهَا ، وَلَا دَعْوَى الْأَمَةِ لَهَا لِتَصِيرَ بِهَا أُمَّ وَلَدٍ ، وَيُقْبَلُ قَوْلُهَا فِيهَا لِتَقْضِيَ عِدَّتَهَا بِهَا .\rفَعَلَى هَذَا لَا يَلْحَقُهُ الْوَلَدُ إلَّا أَنْ تُقِيمَ بَيِّنَةً ، وَهِيَ امْرَأَةٌ مَرْضِيَّةٌ ، تَشْهَدُ بِوِلَادَتِهَا لَهُ فَإِذَا ثَبَتَتْ وِلَادَتُهَا لَهُ ، لَحِقَهُ نَسَبُهُ ؛ لِأَنَّهُ وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ ، وَالْوَلَدُ","part":17,"page":357},{"id":8357,"text":"لِلْفِرَاشِ .\rوَذَكَرَ الْقَاضِي ، فِي مَوْضِعٍ آخَرَ ، أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْمَرْأَةِ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى { : وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ } .\rوَتَحْرِيمُ كِتْمَانِهِ دَلِيلٌ عَلَى قَبُولِ قَوْلِهَا فِيهِ ، وَلِأَنَّهُ خَارِجٌ مِنْ الْمَرْأَةِ ، تَنْقَضِي بِهِ عِدَّتُهَا ، فَقُبِلَ قَوْلُهَا فِيهِ ، كَالْحَيْضِ ، وَلِأَنَّهُ حُكْمٌ يَتَعَلَّقُ بِالْوِلَادَةِ ، فَقُبِلَ قَوْلُهَا فِيهِ ، كَالْحَيْضِ .\rفَعَلَى هَذَا ، النَّسَبُ لَاحِقٌ بِهِ ، وَهَلْ نَفْيُهُ بِاللِّعَانِ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا ، لَيْسَ لَهُ نَفْيُهُ ؛ لِأَنَّ إنْكَارَهُ لِوِلَادَتِهَا إيَّاهُ ، إقْرَارٌ بِأَنَّهَا لَمْ تَلِدْهُ مِنْ زِنًا ، فَلَا يُقْبَلُ إنْكَارُهُ لِذَلِكَ ، لِأَنَّهُ تَكْذِيبٌ لِنَفْسِهِ .\rوَالثَّانِي ، لَهُ نَفْيُهُ ؛ لِأَنَّهُ رَامٍ لِزَوْجَتِهِ ، وَنَافٍ لِوَلَدِهَا ، فَكَانَ لَهُ نَفْيُهُ بِاللِّعَانِ ، كَغَيْرِهِ .","part":17,"page":358},{"id":8358,"text":"( 6278 ) فَصْلٌ : وَمَنْ وَلَدَتْ امْرَأَتُهُ وَلَدًا لَا يُمْكِنُ كَوْنُهُ مِنْهُ فِي النِّكَاحِ ، لَمْ يَلْحَقْهُ نَسَبُهُ ، وَلَمْ يَحْتَجْ إلَى نَفْيِهِ ؛ لِأَنَّهُ يُعْلَمُ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْهُ ، فَلَمْ يَلْحَقْهُ ، كَمَا لَوْ أَتَتْ بِهِ عَقِيبَ نِكَاحِهِ لَهَا ، وَذَلِكَ مِثْلُ أَنْ تَأْتِيَ بِهِ لِدُونِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ حِينِ تَزَوَّجَهَا ، فَلَا يَلْحَقُ بِهِ ، فِي قَوْلِ كُلِّ مَنْ عَلِمْنَا قَوْلَهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ؛ لِأَنَّنَا نَعْلَمُ أَنَّهَا عَلِقَتْ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا .\rوَإِنْ كَانَ الزَّوْجُ طِفْلًا لَهُ أَقَلُّ مِنْ عَشْرِ سِنِينَ ، فَأَتَتْ امْرَأَتُهُ بِوَلَدٍ ، لَمْ يَلْحَقْهُ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدُ وَلَدٌ لِمِثْلِهِ ، وَلَا يُمْكِنُهُ الْوَطْءُ .\rوَإِنْ كَانَ لَهُ عَشْرٌ ، فَحَمَلْت امْرَأَتُهُ ، لَحِقَهُ وَلَدُهَا ؛ لِقَوْلِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { وَاضْرِبُوهُمْ عَلَى الصَّلَاةِ لِعَشْرٍ ، وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ } وَقَالَ الْقَاضِي : يَلْحَقُ بِهِ ، إذَا أَتَتْ بِهِ لِتِسْعَةِ أَعْوَامٍ وَنِصْفِ عَامٍ مُدَّةِ الْحَمْلِ ؛ لِأَنَّ الْجَارِيَةَ يُولَدُ لَهَا لِتِسْعٍ ، فَكَذَلِكَ الْغُلَامُ .\rوَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : لَا يَلْحَقُهُ حَتَّى يَبْلُغَ ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ إنَّمَا يَكُونُ مِنْ الْمَاءِ ، وَلَا يَنْزِلُ حَتَّى يَبْلُغَ .\rوَلَنَا أَنَّهُ زَمَنٌ يُمْكِنُ الْبُلُوغُ فِيهِ ، فَيَلْحَقُهُ الْوَلَدُ ، كَالْبَالِغِ ، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ ، وَابْنَهُ عَبْدَ اللَّهِ ، لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا إلَّا اثْنَا عَشَرَ عَامًا ، وَأَمْرُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالتَّفْرِيقِ بَيْنَهُمْ ، دَلِيلٌ عَلَى إمْكَانِ الْوَطْءِ الَّذِي هُوَ سَبَبُ الْوِلَادَةِ ، وَأَمَّا قِيَاسُ الْغُلَامِ عَلَى الْجَارِيَةِ ، فَغَيْرُ صَحِيحٍ ، فَإِنَّ الْجَارِيَةَ يُمْكِنُ الِاسْتِمْتَاعُ بِهَا لِتِسْعٍ عَادَةً ، وَالْغُلَامُ لَا يُمْكِنُهُ الِاسْتِمْتَاعُ لَتِسْعٍ ، وَقَدْ تَحِيضُ لَتِسْعٍ ، وَمَا عُهِدَ بُلُوغُ غُلَامٍ لَتِسْعٍ .\rوَلَوْ تَزَوَّجَ رَجُلٌ امْرَأَةً فِي مَجْلِسٍ ، ثُمَّ طَلَّقَهَا فِيهِ قَبْلَ غَيْبَتِهِ عَنْهُمْ ، ثُمَّ أَتَتْ امْرَأَتُهُ بِوَلَدٍ","part":17,"page":359},{"id":8359,"text":"لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ حِينِ الْعَقْدِ ، أَوْ تَزَوَّجَ مَشْرِقِيٌّ بِمَغْرِبِيَّةٍ ، ثُمَّ مَضَتْ سِتَّةُ أَشْهُرٍ ، وَأَتَتْ بِوَلَدٍ ، لَمْ يَلْحَقْهُ .\rوَبِذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَلْحَقُهُ نَسَبُهُ ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ إنَّمَا يَلْحَقُهُ بِالْعَقْدِ ، وَمُدَّةِ الْحَمْلِ ، أَلَا تَرَى أَنَّكُمْ قُلْتُمْ : إذَا مَضَى زَمَانُ الْإِمْكَانِ ، لَحِقَ الْوَلَدُ ، وَإِنْ عُلِمَ أَنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ مِنْهُ الْوَطْءُ .\rوَلَنَا أَنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ إمْكَانُ الْوَطْءِ بِهَذَا الْعَقْدِ ، فَلَمْ يَلْحَقْ بِهِ الْوَلَدُ ، كَزَوْجَةِ ابْنِ سَنَةٍ ، أَوْ كَمَا لَوْ وَلَدَتْهُ لِدُونِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ ، وَفَارَقَ مَا قَاسُوا عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ الْإِمْكَانَ إذَا وُجِدَ لَمْ يُعْلَمْ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْهُ قَطْعًا ، لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ وَطِئَهَا مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُ ، وَلَا سَبِيلَ لَنَا إلَى مَعْرِفَةِ حَقِيقَةِ الْوَطْءِ ، فَعَلَّقْنَا الْحُكْمَ عَلَى إمْكَانِهِ فِي النِّكَاحِ ، وَلَمْ يَجُزْ حَذْفُ الْإِمْكَانِ عَنْ الِاعْتِبَارِ ، لِأَنَّهُ إذَا انْتَفَى حَصَلَ الْيَقِينُ بِانْتِفَائِهِ عَنْهُ ، فَلَمْ يَحُزْ إلْحَاقُهُ بِهِ مَعَ يَقِينِ كَوْنِهِ لَيْسَ مِنْهُ .\rوَإِنْ وَلَدَتْ امْرَأَةُ مَقْطُوعِ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَيَيْنِ ، لَمْ يَلْحَقْ نَسَبُهُ بِهِ .\rفِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَحِيلُ مِنْهُ الْإِنْزَالُ وَالْإِيلَاجُ .\rوَإِنْ قُطِعَتْ أُنْثَيَاهُ دُونَ ذَكَرِهِ ، فَكَذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُنْزِلُ مَا يُخْلَقُ مِنْهُ الْوَلَدُ .\rوَقَالَ أَصْحَابُنَا : يَلْحَقُهُ النَّسَبُ ؛ لِأَنَّهُ يُتَصَوَّرُ مِنْهُ الْإِيلَاجُ ، وَيُنْزِلُ مَاءً رَقِيقًا .\rوَلَنَا .\rأَنَّ هَذَا لَا يُخْلَقُ مِنْهُ وَلَدٌ عَادَةً ، وَلَا وُجِدَ ذَلِكَ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قُطِعَ ذَكَرُهُ مَعَهُمَا ، وَلَا اعْتِبَارَ بِإِيلَاجٍ لَا يُخْلَقُ مِنْهُ الْوَلَدُ ، كَمَا لَوْ أَوْلَجَ إصْبَعَهُ .\rوَأَمَّا قَطْعُ ذَكَرِهِ وَحْدَهُ ، فَإِنَّهُ يَلْحَقُهُ الْوَلَدُ ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يُسَاحِقَ ، فَيُنْزِلَ مَاءً يُخْلَقُ مِنْهُ الْوَلَدُ .\rوَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ اخْتِلَافٌ فِي ذَلِكَ ، عَلَى نَحْو مَا ذَكَرْنَا مِنْ","part":17,"page":360},{"id":8360,"text":"الْخِلَافِ عِنْدَنَا .\rقَالَ ابْنُ اللَّبَّانِ : لَا يَلْحَقُهُ الْوَلَدُ فِي هَاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ .\rفِي قَوْلِ الْجُمْهُورِ .\rوَقَالَ بَعْضُهُمْ : يَلْحَقُهُ بِالْفِرَاشِ .\rوَهُوَ غَلَطٌ ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ إنَّمَا يَلْحَقُ بِالْفِرَاشِ إذَا أَمْكَنَ ، أَلَا تَرَى أَنَّهَا إذَا وَلَدَتْ بَعْدَ شَهْرٍ مُنْذُ تَزَوَّجَهَا لَمْ يَلْحَقْهُ ، وَهَاهُنَا لَا يُمْكِنُ ؛ لِفَقْدِ الْمَنِيِّ مِنْ الْمَسْلُولِ ، وَتَعَذُّرِ إيصَالِ الْمَنِيِّ إلَى قَعْرِ الرَّحِمِ مِنْ الْمَجْبُوبِ .\rوَلَا مَعْنَى لِقَوْلِ مَنْ قَالَ : يَجُوزُ أَنْ تَسْتَدْخِلَ الْمَرْأَةُ مَنِيَّ الرَّجُلِ ، فَتَحْمِلَ ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ مَخْلُوقٌ مِنْ مَنِيِّ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ جَمِيعًا ، وَلِذَلِكَ يَأْخُذُ الشَّبَهَ مِنْهُمَا ، وَإِذَا اسْتَدْخَلَتِ الْمَنِيَّ بِغَيْرِ جِمَاعٍ ، لَمْ تَحْدُثْ لَهَا لَذَّةٌ تُمْنِي بِهَا ، فَلَا يَخْتَلِطُ نَسَبُهُمَا ، وَلَوْ صَحَّ ذَلِكَ لَكَانَ الْأَجْنَبِيَّانِ الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ إذَا تَصَادَقَا أَنَّهَا اسْتَدْخَلَتْ مَنِيَّهُ ، وَأَنَّ الْوَلَدَ مِنْ ذَلِكَ الْمَنِيِّ ، يَلْحَقُهُ نَسَبُهُ ، وَمَا قَالَ ذَلِكَ أَحَدٌ .","part":17,"page":361},{"id":8361,"text":"( 6279 ) فَصْلٌ : وَإِنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَامِلٌ ، فَوَضَعَتْ وَلَدًا ، ثُمَّ وَلَدَتْ آخِرَ قَبْلَ مُضِيِّ سِتَّةِ أَشْهُرٍ ، فَهُوَ مِنْ الزَّوْجِ ؛ لِأَنَّنَا نَعْلَمُ أَنَّهُمَا حَمْلٌ وَاحِدٌ ، فَإِذَا كَانَ أَحَدُهُمَا مِنْهُ ، فَالْآخَرُ مِنْهُ .\rوَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا أَكْثَرُ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ ، لَمْ يَلْحَقْ الزَّوْجَ ، وَانْتَفَى عَنْهُ مِنْ غَيْرِ لِعَانٍ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْوَلَدَانِ حَمْلًا وَاحِدًا وَبَيْنَهُمَا مُدَّةُ الْحَمْلِ ، فَعُلِمَ أَنَّهَا عَلِقَتْ بِهِ بَعْدَ زَوَالِ الزَّوْجِيَّةِ ، وَانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ ، وَكَوْنِهَا أَجْنَبِيَّةً ، فَهِيَ كَسَائِرِ الْأَجْنَبِيَّاتِ .\rوَإِنْ طَلَّقَهَا ، فَاعْتَدَّتْ بِالْأَقْرَاءِ ، ثُمَّ وَلَدَتْ وَلَدًا قَبْلَ مُضِيِّ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ آخِرِ إقْرَائِهَا ، لَحِقَهُ ؛ لِأَنَّنَا تَيَقَّنَّا أَنَّهَا لَمْ تَحْمِلْهُ بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا ، وَنَعْلَمُ أَنَّهَا كَانَتْ حَامِلًا بِهِ فِي زَمَنِ رُؤْيَةِ الدَّمِ ، فَيَلْزَمُ أَنْ لَا يَكُونَ الدَّمُ حَيْضًا ، فَلَمْ تَنْقَضِ عِدَّتُهَا بِهِ وَإِنْ أَتَتْ بِهِ لِأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ ، لَمْ يَلْحَقْ بِالزَّوْجِ .\rوَهَذَا قَوْلُ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ سُرَيْجٍ .\rوَقَالَ غَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ : يَلْحَقُ بِهِ ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مِنْهُ ، وَالْوَلَدُ يَلْحَقُ بِالْإِمْكَانِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهَا أَتَتْ بِهِ بَعْدَ الْحُكْمِ بِانْقِضَاءِ عِدَّتِهَا ، فِي وَقْتٍ يُمْكِنُ أَنْ لَا يَكُونَ مِنْهُ ، فَلَمْ يَلْحَقْهُ ، كَمَا لَوْ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا بِوَضْعِ الْحَمْلِ ، وَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ الْإِمْكَانُ مَعَ بَقَاءِ الزَّوْجِيَّةِ أَوْ الْعِدَّةِ ، وَأَمَّا بَعْدَهُمَا ، فَلَا يُكْتَفَى بِالْإِمْكَانِ لِلَحَاقِهِ ، وَإِنَّمَا يُكْتَفَى بِالْإِمْكَانِ لِنَفْيِهِ ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْفِرَاشَ سَبَبٌ ، وَمَعَ وُجُودِ السَّبَبِ يُكْتَفَى بِإِمْكَانِ الْحِكْمَةِ وَاحْتِمَالِهَا ، فَإِذَا انْتَفَى السَّبَبُ وَآثَارُهُ ، فَيَنْتَفِي الْحُكْمُ لِانْتِفَائِهِ ، وَلَا يُلْتَفَتُ إلَى مُجَرَّدِ الْإِمْكَانِ .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .\rفَأَمَّا إنْ وَضَعَتْهُ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ لِأَقَلَّ مِنْ","part":17,"page":362},{"id":8362,"text":"أَرْبَعِ سِنِينَ ، لَحِقَ بِالزَّوْجِ ، وَلَمْ يَنْتَفِ عَنْهُ إلَّا بِاللِّعَانِ .\rوَإِنْ وَضَعَتْهُ لِأَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِ سِنِينَ مِنْ حِينِ الطَّلَاقِ ، وَكَانَ بَائِنًا ، انْتَفَى عَنْهُ بِغَيْرِ لِعَانٍ ؛ لِأَنَّنَا عَلِمْنَا أَنَّهَا عَلِقَتْ بِهِ بَعْدَ زَوَالِ الْفِرَاشِ .\rوَإِنْ كَانَ رَجْعِيًّا ، فَوَضَعَتْهُ لِأَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِ سِنِينَ مُنْذُ انْقَضَتْ الْعِدَّةُ ، فَكَذَلِكَ ؛ لِأَنَّهَا عَلِقَتْ بِهِ بَعْدَ الْبَيْنُونَةِ .\rوَإِنْ وَضَعَتْهُ لِأَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِ سِنِينَ مُنْذُ الطَّلَاقِ ، وَلِأَقَلَّ مِنْهَا مُنْذُ انْقَضَتْ الْعِدَّةُ ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ : إحْدَاهُمَا - لَا يَلْحَقُهُ ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَعْلَقْ بِهِ قَبْلَ طَلَاقِهَا ، فَأَشْبَهَتْ الْبَائِنَ .\rوَالثَّانِيَةُ ، يَلْحَقُهُ ؛ لِأَنَّهَا فِي حُكْمِ الزَّوْجَاتِ فِي السُّكْنَى وَالنَّفَقَةِ وَالطَّلَاقِ وَالظِّهَارِ وَالْإِيلَاءِ وَالْحِلِّ ، فِي رِوَايَةٍ ، فَأَشْبَهَ مَا قَبْلَ الطَّلَاقِ .","part":17,"page":363},{"id":8363,"text":"( 6280 ) فَصْلٌ : فَإِنْ غَابَ عَنْ زَوْجَتِهِ سِنِينَ ، فَبَلَغَتْهَا وَفَاتُهُ ، فَاعْتَدَّتْ ، وَنَكَحَتْ نِكَاحًا صَحِيحًا فِي الظَّاهِرِ ، وَدَخَلَ بِهَا الثَّانِي ، وَأَوْلَدَهَا أَوْلَادًا ، ثُمَّ قَدِمَ الْأَوَّلُ ، فُسِخَ نِكَاحُ الثَّانِي ، وَرُدَّتْ إلَى الْأَوَّلِ ، وَتَعْتَدُّ مِنْ الثَّانِي ، وَلَهَا عَلَيْهِ صَدَاقُ مِثْلِهَا ، وَالْأَوْلَادُ لَهُ ؛ لِأَنَّهُمْ وُلِدُوا عَلَى فِرَاشِهِ .\rرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ ، وَأَهْلِ الْعِرَاقِ ، وَابْنِ أَبِي لَيْلَى ، وَمَالِكٍ ، وَأَهْلِ الْحِجَازِ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَإِسْحَاقَ ، وَأَبِي يُوسُفَ ، وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ إلَّا أَبَا حَنِيفَةَ ، قَالَ : الْوَلَدُ لِلْأَوَّلِ ؛ لِأَنَّهُ صَاحِبُ الْفِرَاشِ ، لِأَنَّ نِكَاحَهُ صَحِيحٌ ثَابِتٌ ، وَنِكَاحُ الثَّانِي غَيْرُ ثَابِتٍ ، فَأَشْبَهَ الْأَجْنَبِيَّ .\rوَلَنَا أَنَّ الثَّانِي انْفَرَدَ بِوَطْئِهَا فِي نِكَاحٍ يَلْحَقُ النَّسَبُ فِي مِثْلِهِ ، فَكَانَ الْوَلَدُ لَهُ دُونَ غَيْرِهِ ، كَوَلَدِ الْأَمَةِ مِنْ زَوْجِهَا يَلْحَقُهُ دُونَ سَيِّدِهَا ، وَفَارَقَ الْأَجْنَبِيَّ ، فَإِنَّهُ لَيْسَ لَهُ نِكَاحٌ .","part":17,"page":364},{"id":8364,"text":"( 6281 ) فَصْلٌ : وَإِنْ وَطِئَ رَجُلٌ امْرَأَةً لَا زَوْجَ لَهَا بِشُبْهَةٍ ، فَأَتَتْ بِوَلَدٍ ، لَحِقَهُ نَسَبُهُ .\rوَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : وَجَدْت بِخَطِّ أَبِي بَكْرٍ ، أَنَّهُ لَا يَلْحَقُ بِهِ ؛ لِأَنَّ النَّسَبَ لَا يَلْحَقُ إلَّا فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ ، أَوْ فَاسِدٍ ، أَوْ مِلْكٍ ، أَوْ شُبْهَةٍ مِلْكٍ ، وَلَمْ يُوجَدْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ ، وَلِأَنَّهُ وَطْءٌ لَا يَسْتَنِدُ إلَى عَقْدٍ ، فَلَمْ يَلْحَقْ الْوَلَدُ فِيهِ بِالْوَطْءِ ، كَالزِّنَا .\rوَالصَّحِيحُ فِي الْمَذْهَبِ الْأَوَّلِ .\rقَالَ أَحْمَدُ : كُلُّ مِنْ دَرَأْت عَنْهُ الْحَدَّ أَلْحَقْت بِهِ الْوَلَدَ .\rوَلِأَنَّهُ وَطْءٌ اعْتَقَدَ الْوَاطِئُ حِلَّهُ ، فَلَحِقَ بِهِ النَّسَبُ ، كَالْوَطْءِ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ .\rوَفَارَقَ وَطْءَ الزِّنَا ، فَإِنَّهُ لَا يَعْتَقِدُ الْحِلَّ فِيهِ .\rوَلَوْ تَزَوَّجَ رَجُلَانِ أُخْتَيْنِ ، فَغَلِطَ بِهِمَا عِنْدَ الدُّخُولِ ، فَزُفَّتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا إلَى زَوْجِ الْأُخْرَى ، فَوَطِئَهَا ، وَحَمَلَتْ مِنْهُ ، لَحِقَ الْوَلَدُ بِالْوَاطِئِ ؛ لِأَنَّهُ وَطْءٌ يَعْتَقِدُ حِلَّهُ ، فَلَحِقَ بِهِ النَّسَبُ ، كَالْوَطْءِ فِي نِكَاحٍ فَاسِدٍ وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : لَا يَكُونُ الْوَلَدُ لِلْوَاطِئِ ، وَإِنَّمَا يَكُونُ لِلزَّوْجِ .\rوَهَذَا الَّذِي يَقْتَضِيهِ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ ، لِأَنَّ الْوَلَدَ لِلْفِرَاشِ .\rوَلَنَا أَنَّ الْوَاطِئَ انْفَرَدَ بِوَطْئِهَا فِيمَا يَلْحَقُ بِهِ النَّسَبُ ، فَلَحِقَ بِهِ كَمَا لَوْ لَمْ تَكُنْ ذَاتَ زَوْجٍ ، وَكَمَا لَوْ تَزَوَّجَتْ امْرَأَةُ الْمَفْقُودِ عِنْدَ الْحُكْمِ بِوَفَاتِهِ ثُمَّ بَانَ حَيًّا ، وَالْخَبَرُ مَخْصُوصٌ بِهَذَا ، فَنَقِيسُ عَلَيْهِ مَا كَانَ فِي مَعْنَاهُ .\rوَإِنْ وُطِئَتْ امْرَأَتُهُ أَوْ أَمَتُهُ بِشُبْهَةٍ فِي طُهْرٍ لَمْ يُصِبْهَا فِيهِ ، فَاعْتَزَلَهَا حَتَّى أَتَتْ بِوَلَدٍ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ حِينِ الْوَطْءِ ، لَحِقَ الْوَاطِئَ ، وَانْتَفَى عَنْ الزَّوْجِ مِنْ غَيْرِ لِعَانٍ ، وَعَلَى قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ يَلْحَقُ بِالزَّوْجِ ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ لِلْفِرَاشِ .\rوَإِنْ أَنْكَرَ الْوَاطِئُ الْوَطْءَ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ بِغَيْرِ","part":17,"page":365},{"id":8365,"text":"يَمِينٍ ، وَيَلْحَقُ نَسَبُ الْوَلَدِ بِالزَّوْجِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ إلْحَاقُهُ بِالْمُنْكِرِ ، وَلَا تُقْبَلُ دَعْوَى الزَّوْجِ فِي قَطْعِ نَسَبِ الْوَلَدِ .\rوَإِنْ أَتَتْ بِالْوَلَدِ لِدُونِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ حِينِ الْوَطْءِ لَحِقَ الزَّوْجَ بِكُلِّ حَالٍ ؛ لِأَنَّنَا نَعْلَمُ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْوَاطِئِ .\rوَإِنْ اشْتَرَكَا فِي وَطْئِهَا فِي طُهْرٍ ، فَأَتَتْ بِوَلَدٍ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مِنْهُمَا ، لَحِقَ الزَّوْجَ ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ لِلْفِرَاشِ ، وَقَدْ أَمْكَنَ كَوْنُهُ مِنْهُ .\rوَإِنْ ادَّعَى الزَّوْجُ أَنَّهُ مِنْ الْوَاطِئِ .\rفَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا : يُعْرَضُ عَلَى الْقَافَةِ مَعَهُمَا فَيُلْحَقُ بِمِنْ أَلْحَقَتْهُ مِنْهُمَا ، فَإِنْ أَلْحَقَتْهُ بِالْوَاطِئِ لَحِقَهُ ، وَلَمْ يَمْلِكْ نَفْيَهُ عَنْ نَفْسِهِ ، وَانْتَفَى عَنْ الزَّوْجِ بِغَيْرِ لِعَانٍ ، وَإِنْ أَلْحَقَتْهُ بِالزَّوْجِ لَحِقَهُ ، وَلَمْ يَمْلِكْ نَفْيَهُ بِاللِّعَانِ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ .\rوَالْأُخْرَى ، لَهُ ذَلِكَ .\rوَإِنْ أَلْحَقَتْهُ بِهِمَا ، لَحِقَ بِهِمَا ، وَلَمْ يَمْلِكْ الْوَاطِئُ نَفْيَهُ عَنْ نَفْسِهِ .\rوَهَلْ يَمْلِكُ الزَّوْجُ نَفْيَهُ بِاللِّعَانِ ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ .\rوَإِنْ لَمْ تُوجَدْ قَافَةٌ ، أَوْ أَنْكَرَ الْوَاطِئُ الْوَطْءَ ، أَوْ اشْتَبَهَ عَلَى الْقَافَةِ ، لَحِقَ الزَّوْجَ ؛ لِأَنَّ الْمُقْتَضِيَ لِلِحَاقِ النَّسَبِ بِهِ مُتَحَقِّقٌ ، وَلَمْ يُوجَدْ مَا يُعَارِضُهُ ، فَوَجَبَ إثْبَاتُ حُكْمِهِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يَلْحَقَ الزَّوْجَ بِكُلِّ حَالٍ ؛ لِأَنَّ دَلَالَةَ قَوْلِ الْقَافَةِ ضَعِيفَةٌ ، وَدَلَالَةَ الْفِرَاشِ قَوِيَّةٌ ، فَلَا يَجُوزُ تَرْكُ دَلَالَتِهِ لِمُعَارَضَةِ دَلَالَةٍ ضَعِيفَةٍ .","part":17,"page":366},{"id":8366,"text":"( 6282 ) فَصْلٌ : وَإِنْ أَتَتْ بِوَلَدٍ ، فَادَّعَى أَنَّهُ مِنْ زَوْجٍ قَبْلَهُ ، نَظَرْنَا ؛ فَإِنْ كَانَتْ تَزَوَّجَتْ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ ، لَمْ يَلْحَقْ بِالْأَوَّلِ بِحَالٍ ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ أَرْبَعِ سِنِينَ مُنْذُ بَانَتْ مِنْ الْأَوَّلِ ، لَمْ يَلْحَقْ بِهِ أَيْضًا ، وَإِنْ وَضَعَتْهُ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مُنْذُ تَزَوَّجَهَا الثَّانِي ، لَمْ يَلْحَقْ بِهِ ، وَيَنْتَفِي عَنْهُمَا ، وَإِنْ كَانَ لِأَكْثَرِ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ ، فَهُوَ وَلَدُهُ ، وَإِنْ كَانَ لِأَكْثَرَ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مُنْذُ تَزَوَّجَهَا الثَّانِي ، وَلِأَقَلَّ مِنْ أَرْبَعِ سِنِينَ مِنْ طَلَاقِ الْأَوَّلِ ، وَلَمْ يَعْلَمْ انْقِضَاءَ الْعِدَّةِ ، عُرِضَ عَلَى الْقَافَةِ ، وَلَحِقَ بِمِنْ أَلْحَقَتْهُ بِهِ مِنْهُمَا ، فَإِنْ أَلْحَقَتْهُ بِالْأَوَّلِ ، انْتَفَى عَنْ الزَّوْجِ بِغَيْرِ لِعَانٍ ، وَإِنْ أَلْحَقَتْهُ بِالزَّوْجِ انْتَفَى عَنْ الْأَوَّلِ وَلَحِقَ الزَّوْجَ .\rوَهَلْ لَهُ نَفْيُهُ بِاللِّعَانِ ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ .","part":17,"page":367},{"id":8367,"text":"( 6283 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : ( وَاللِّعَانُ الَّذِي يَبْرَأُ بِهِ مِنْ الْحَدِّ أَنْ يَقُولَ الزَّوْجُ بِمَحْضَرٍ مِنْ الْحَاكِمِ : أَشْهَدُ بِاَللَّهِ لَقَدْ زَنَتْ .\rوَيُشِيرَ إلَيْهَا .\rوَإِنْ لَمْ تَكُنْ حَاضِرَةً سَمَّاهَا ، وَنَسَبَهَا ، حَتَّى يُكْمِلَ ذَلِكَ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ ، ثُمَّ يُوقَفُ عِنْدَ الْخَامِسَةِ ، وَيُقَالُ لَهُ : اتَّقِ اللَّهَ ، فَإِنَّهَا الْمُوجِبَةُ ، وَعَذَابُ الدُّنْيَا أَهْوَنُ مِنْ عَذَابِ الْآخِرَةِ .\rفَإِنْ أَبَى إلَّا أَنْ يُتِمَّ ، فَلْيَقُلْ : وَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ إنْ كَانَ مِنْ الْكَاذِبِينَ فِيمَا رَمَاهَا بِهِ مِنْ الزِّنَا ، وَتَقُولُ هِيَ : أَشْهَدُ بِاَللَّهِ لَقَدْ كَذَبَ .\rأَرْبَعَ مَرَّاتٍ ، ثُمَّ تُوقَفُ عِنْدَ الْخَامِسَةِ ، وَتُخَوَّفُ كَمَا خُوِّفَ الرَّجُلُ ، فَإِنْ أَبَتْ إلَّا أَنْ تُتِمَّ ، فَلْتَقُلْ : وَغَضَبُ اللَّهِ عَلَيْهَا إنْ كَانَ مِنْ الصَّادِقِينَ فِيمَا رَمَانِي بِهِ مِنْ الزِّنَا ) فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَسْأَلَتَانِ : ( 6284 ) الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : أَنَّ اللِّعَانَ لَا يَصِحُّ إلَّا بِمَحْضَرٍ مِنْ الْحَاكِمِ ، أَوْ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ هِلَالَ بْنَ أُمَيَّةَ أَنْ يَسْتَدْعِيَ زَوْجَتَهُ إلَيْهِ ، وَلَاعَنَ بَيْنَهُمَا .\rوَلِأَنَّهُ إمَّا يَمِينٌ ، وَإِمَّا شَهَادَةٌ ، وَأَيُّهُمَا كَانَ ، فَمِنْ شَرْطِهِ الْحَاكِمُ .\rوَإِنْ تَرَاضَى الزَّوْجَانِ بِغَيْرِ الْحَاكِمِ يُلَاعِنُ بَيْنَهُمَا ، لَمْ يَصِحَّ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ اللِّعَانَ مَبْنِيٌّ عَلَى التَّغْلِيظِ وَالتَّأْكِيدِ ، فَلَمْ يَجُزْ بِغَيْرِ الْحَاكِمِ ، كَالْحَدِّ .\rوَسَوَاءٌ كَانَ الزَّوْجَانِ حُرَّيْنِ أَوْ مَمْلُوكَيْنِ ، فِي ظَاهِرِ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ : لِلسَّيِّدِ أَنْ يُلَاعِنَ بَيْنَ عَبْدِهِ وَأَمَتِهِ ؛ لِأَنَّ لَهُ إقَامَةَ الْحَدِّ عَلَيْهِمَا .\rوَلَنَا أَنَّهُ لِعَانٌ بَيْنَ زَوْجَيْنِ ، فَلَمْ يَجُزْ لِغَيْرِ الْحَاكِمِ أَوْ نَائِبِهِ ، كَاللِّعَانِ بَيْنَ الْحُرَّيْنِ .\rوَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ السَّيِّدَ يَمْلِكُ إقَامَةَ الْحَدِّ عَلَى أَمَتِهِ الْمُزَوَّجَةِ ، ثُمَّ لَا يُشْبِهُ","part":17,"page":368},{"id":8368,"text":"اللِّعَانُ الْحَدَّ ؛ لِأَنَّ الْحَدَّ زَجْرٌ وَتَأْدِيبٌ ، وَاللِّعَانُ إمَّا شَهَادَةٌ وَإِمَّا يَمِينٌ ، فَافْتَرَقَا ، وَلِأَنَّ اللِّعَانَ دَارِئٌ لِلْحَدِّ ، وَمُوجِبٌ لَهُ ، فَجَرَى مَجْرَى إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَى الزِّنَا وَالْحُكْمِ بِهِ أَوْ بِنَفْيِهِ وَإِنْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ خَفِرَةً لَا تَبْرُزُ لِحَوَائِجِهَا ، بَعَثَ الْحَاكِمُ نَائِبَهُ ، وَبَعَثَ مَعَهُ عُدُولًا ، لِيُلَاعِنُوا بَيْنَهُمَا ، وَإِنْ بَعَثَ نَائِبَهُ وَحْدَهُ جَازَ ؛ لِأَنَّ الْجَمْعَ غَيْرُ وَاجِبٍ .","part":17,"page":369},{"id":8369,"text":"( 6285 ) فَصْلٌ : وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ اللِّعَانُ بِمَحْضَرِ جَمَاعَةٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ، لِأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ وَابْنَ عُمَرَ وَسَهْلَ بْنَ سَعْدٍ حَضَرُوهُ مَعَ حَدَاثَةِ أَسْنَانِهِمْ ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ حَضَرَهُ جَمْعٌ كَثِيرٌ ؛ لِأَنَّ الصِّبْيَانَ إنَّمَا يَحْضُرُونَ الْمَجَالِسَ تَبَعًا لِلرِّجَالِ ، وَلِأَنَّ اللِّعَانَ بُنِيَ عَلَى التَّغْلِيظِ ، مُبَالَغَةً فِي الرَّدْعِ بِهِ وَالزَّجْرِ ، وَفِعْلُهُ فِي الْجَمَاعَةِ أَبْلَغُ فِي ذَلِكَ .\rوَيُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَنْقُصُوا عَنْ أَرْبَعَةٍ ، لِأَنَّ بَيِّنَةَ الزِّنَا الَّذِي شُرِعَ اللِّعَانُ مِنْ أَجْلِ الرَّمْيِ بِهِ أَرْبَعَةٌ ، وَلَيْسَ شَيْءٌ مِنْ هَذَا وَاجِبًا ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَلَاعَنَا قِيَامًا ، فَيَبْدَأُ الزَّوْجُ فَيَلْتَعِنُ وَهُوَ قَائِمٌ ، فَإِذَا فَرَغَ قَامَتْ الْمَرْأَةُ فَالْتَعَنَتْ وَهِيَ قَائِمَةٌ ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ لِهِلَالِ بْنِ أُمَيَّةَ : { قُمْ فَاشْهَدْ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ } وَلِأَنَّهُ إذَا قَامَ شَاهَدَهُ النَّاسُ ، فَكَانَ أَبْلَغَ فِي شُهْرَتِهِ ، فَاسْتُحِبَّ كَثْرَةُ الْجَمْعِ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ وَاجِبًا .\rوَبِهَذَا كُلِّهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا .","part":17,"page":370},{"id":8370,"text":"( 6286 ) فَصْلٌ : قَالَ الْقَاضِي : وَلَا يُسْتَحَبُّ التَّغْلِيظُ فِي اللِّعَانِ بِمَكَانٍ ، وَلَا زَمَانٍ .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَطْلَقَ الْأَمْرَ بِذَلِكَ ، وَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِزَمَانٍ وَلَا مَكَان ، فَلَا يَجُوزُ تَقْيِيدُهُ إلَّا بِدَلِيلٍ ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ الرَّجُلَ بِإِحْضَارِ امْرَأَتِهِ ، وَلَمْ يَخُصّهُ بِزَمَنٍ ، وَلَوْ خَصَّهُ بِذَلِكَ لَنُقِلَ وَلَمْ يُهْمَلْ .\rوَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَلَاعَنَا فِي الْأَزْمَانِ وَالْأَمَاكِنِ الَّتِي تُعَظَّمُ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ، إلَّا أَنَّ عِنْدَهُ فِي التَّغْلِيظِ بِالْمَكَانِ قَوْلَيْنِ : أَحَدُهُمَا ، أَنَّ التَّغْلِيظَ بِهِ مُسْتَحَبُّ كَالزَّمَانِ .\rوَالثَّانِي ، أَنَّهُ وَاجِبٌ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَاعَنَ عِنْدَ الْمِنْبَرِ ، فَكَانَ فِعْلُهُ بَيَانًا لِلِّعَانِ .\rوَمَعْنَى التَّغْلِيظِ بِالْمَكَانِ ، أَنَّهُمَا إذَا كَانَا بِمَكَّةَ لَاعَنَ بَيْنَهُمَا بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْمَقَامِ ، فَإِنَّهُ أَشْرَفُ الْبِقَاعِ ، وَإِنْ كَانَ فِي الْمَدِينَةِ فَعِنْدَ مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ عَنَدَ الصَّخْرَةِ ، وَفِي سَائِرِ الْبُلْدَانِ فِي جَوَامِعِهَا .\rوَأَمَّا الزَّمَانُ فَبَعْدَ الْعَصْرِ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاَللَّهِ } .\rوَأَجْمَعَ الْمُفَسِّرُونَ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالصَّلَاةِ صَلَاةُ الْعَصْرِ .\rقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ فِي مَوْضِعٍ أَوْ بَيْنَ الْأَذَانَيْنِ ؛ لِأَنَّ الدُّعَاءَ بَيْنَهُمَا لَا يُرَدُّ .\rوَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ ، وَلَوْ اُسْتُحِبَّ ذَلِكَ لَفَعَلَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَوْ فَعَلَهُ لَنُقِلَ ، وَلَمْ يَسُغْ تَرْكُهُ وَإِهْمَالُهُ .\rوَأَمَّا قَوْلُهُمْ : إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَاعَنَ بَيْنَهُمَا عِنْدَ الْمِنْبَرِ .\rفَلَيْسَ هَذَا فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَحَادِيثِ الْمَشْهُورَةِ .\rوَإِنْ ثَبَتَ هَذَا ، فَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ كَانَ بِحُكْمِ الِاتِّفَاقِ ؛ لِأَنَّ","part":17,"page":371},{"id":8371,"text":"مَجْلِسَهُ كَانَ عِنْدَهُ ، فَلَاعَنَ بَيْنَهُمَا فِي مَجْلِسِهِ .\rوَإِنْ كَانَ اللِّعَانُ بَيْنَ كَافِرَيْنِ ، فَالْحُكْمُ فِيهِ كَالْحُكْمِ فِي اللِّعَانِ بَيْنَ الْمُسْلِمَيْنِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يُغَلَّظَ فِي الْمَكَانِ ؛ لِقَوْلِهِ فِي الْأَيْمَانِ : وَإِنْ كَانَ لَهُمْ مَوَاضِعُ يُعَظِّمُونَهَا ، وَيَتَوَقَّوْنَ أَنْ يَحْلِفُوا فِيهَا كَاذِبِينَ ، حُلِّفُوا فِيهَا .\rفَعَلَى هَذَا ، يُلَاعَنُ بَيْنَهُمَا فِي مَوَاضِعِهِمْ اللَّاتِي يُعَظِّمُونَهَا ؛ النَّصْرَانِيُّ فِي الْكَنِيسَةِ ، وَالْيَهُودِيُّ فِي الْبِيعَةِ وَالْمَجُوسِيُّ فِي بَيْتِ النَّارِ .\rوَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مَوَاضِعُ يُعَظِّمُونَهَا ، حَلَّفَهُمْ الْحَاكِمُ فِي مَجْلِسِهِ ؛ لِتَعَذُّرِ التَّغْلِيظِ بِالْمَكَانِ .\rوَإِنْ كَانَتْ الْمُسْلِمَةُ حَائِضًا ، وَقُلْنَا : إنَّ اللِّعَانَ بَيْنَهُمَا يَكُونُ فِي الْمَسْجِدِ .\rوَقَفَتْ عَلَى بَابِهِ ، وَلَمْ تَدْخُلْهُ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ أَقْرَبُ الْمَوَاضِعِ إلَيْهِ .","part":17,"page":372},{"id":8372,"text":"( 6287 ) الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : فِي أَلْفَاظِ اللِّعَانِ وَصِفَتِهِ ، أَمَّا أَلْفَاظُهُ فَهِيَ خَمْسَةٌ فِي حَقِّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا .\rوَصِفَتُهُ أَنَّ الْإِمَامَ يَبْدَأُ بِالزَّوْجِ ، فَيُقِيمُهُ ، لَهُ : وَيَقُولُ لَهُ : قُلْ أَرْبَعَ مَرَّات : أَشْهَدُ بِاَللَّهِ إنِّي لَمِنْ الصَّادِقِينَ فِيمَا رَمَيْت بِهِ زَوْجَتِي هَذِهِ مِنْ الزِّنَا .\rوَيُشِيرُ إلَيْهَا إنْ كَانَتْ حَاضِرَةً ، وَلَا يَحْتَاجُ مَعَ الْحُضُورِ وَالْإِشَارَةِ إلَى نَسَبِهِ وَتَسْمِيَتِهِ ، كَمَا لَا يَحْتَاجُ إلَى ذَلِكَ فِي سَائِرِ الْعُقُودِ ، وَإِنْ كَانَتْ غَائِبَةً أَسْمَاهَا وَنَسَبَهَا ، فَقَالَ : امْرَأَتِي فُلَانَةُ بِنْتُ فُلَانٍ .\rوَيَرْفَعُ فِي نَسَبِهَا حَتَّى يَنْفِي الْمُشَارَكَةُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ غَيْرهَا .\rفَإِذَا شَهِدَ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ ، وَقَفَهُ الْحَاكِمُ ، وَقَالَ لَهُ : اتَّقِ اللَّهَ ، فَإِنَّهَا الْمُوجِبَةُ ، وَعَذَابُ الدُّنْيَا أَهْوَنُ مِنْ عَذَابِ الْآخِرَةِ ، وَكُلُّ شَيْءٍ أَهْوَنُ مِنْ لَعْنَةِ اللَّهِ .\rوَيَأْمُرُ رَجُلًا فَيَضَعُ يَدَهُ عَلَى فِيهِ ، حَتَّى لَا يُبَادِرَ بِالْخَامِسَةِ قَبْلَ الْمَوْعِظَةِ ، ثُمَّ يَأْمُرُ الرَّجُلَ ، فَيُرْسِلُ يَدَهُ عَنْ فِيهِ ، فَإِنْ رَآهُ يَمْضِي فِي ذَلِكَ ، قَالَ لَهُ : قُلْ : وَإِنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيَّ إنْ كُنْت مِنْ الْكَاذِبِينَ فِيمَا رَمَيْت بِهِ زَوْجَتِي هَذِهِ مِنْ الزِّنَا .\rثُمَّ يَأْمُرُ الْمَرْأَةَ بِالْقِيَامِ ، وَيَقُولُ لَهَا قُولِي : أَشْهَدُ بِاَللَّهِ أَنَّ زَوْجِي هَذَا لَمِنْ الْكَاذِبِينَ فِيمَا رَمَانِي بِهِ مِنْ الزِّنَا .\rوَتُشِيرُ إلَيْهِ ، وَإِنْ كَانَ غَائِبًا أَسْمَتْهُ وَنَسَبَتْهُ ، فَإِذَا كَرَّرَتْ ذَلِكَ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ ، وَقَفَهَا ، وَوَعَظَهَا كَمَا ذَكَرْنَا فِي حَقِّ الزَّوْجِ ، وَيَأْمُرُ امْرَأَةً فَتَضَعُ يَدَهَا عَلَى فِيهَا ، فَإِنْ رَآهَا تَمْضِي عَلَى ذَلِكَ ، قَالَ لَهَا : قُولِي : وَإِنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيَّ إنْ كَانَ زَوْجِي هَذَا مِنْ الصَّادِقِينَ فِيمَا رَمَانِي بِهِ مِنْ الزِّنَا .\rقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ : قُلْت لِأَحْمَدَ : كَيْفَ يُلَاعِنُ ؟ قَالَ : عَلَى مَا فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى ، يَقُولُ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ : أَشْهَدُ","part":17,"page":373},{"id":8373,"text":"بِاَللَّهِ إنِّي فِيمَا رَمَيْتُهَا بِهِ لَمِنْ الصَّادِقِينَ .\rثُمَّ يُوقَفُ عِنْدَ الْخَامِسَةِ ، فَيَقُولُ : لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ إنْ كَانَ مِنْ الْكَاذِبِينَ .\rوَالْمَرْأَةُ مِثْلُ ذَلِكَ ، تُوقَفُ عِنْدَ الْخَامِسَةِ ، فَيُقَالُ لَهَا اتَّقِ اللَّهَ ، فَإِنَّهَا الْمُوجِبَةُ ، تُوجِبُ عَلَيْكِ الْعَذَابَ .\rفَإِنْ حَلَفَتْ ، قَالَتْ : غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهَا إنْ كَانَ مِنْ الصَّادِقِينَ .\rوَعَدَدُ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ الْخَمْسَةِ شَرْطٌ فِي اللِّعَانِ ، فَإِنْ أَخَلَّ بِوَاحِدَةٍ مِنْهَا ، لَمْ يَصِحَّ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فِيمَا مَضَى ، وَإِنْ أَبْدَلَ لَفْظًا مِنْهَا ، فَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُبَدِّلَ قَوْلَهُ : إنِّي لَمِنْ الصَّادِقِينَ .\rبِقَوْلِهِ : لَقَدْ زَنَتْ .\rلِأَنَّ مَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ ، وَيَجُوزُ لَهَا إبْدَالُ : إنَّهُ لَمِنْ الْكَاذِبِينَ .\rبِقَوْلِهَا : لَقَدْ كَذَبَ .\rلِأَنَّهُ ذَكَرَ صِفَةَ اللِّعَانِ كَذَلِكَ .\rوَاتِّبَاعُ لَفْظِ النَّصِّ أَوْلَى وَأَحْسَنُ .\rوَإِنْ أَبْدَلَ لَفْظَةَ : ( أَشْهَدُ ) بِلَفْظٍ مِنْ أَلْفَاظِ الْيَمِينِ ، فَقَالَ : أَحْلِفُ أَوْ أُقْسِمُ أَوْ أُولِي .\rلَمْ يُعْتَدَّ بِهِ .\rوَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : فِيهِ وَجْهٌ آخَرُ ، أَنَّهُ يُعْتَدُّ بِهِ ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِالْمَعْنَى ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَبْدَلَ : إنِّي لَمِنْ الصَّادِقِينَ .\rبِقَوْلِهِ : لَقَدْ زَنَتْ .\rوَلِلشَّافِعِيِّ وَجْهَانِ فِي هَذَا .\rوَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ مَا اُعْتُبِرَ فِيهِ لَفْظُ الشَّهَادَةِ ، لَمْ يَقُمْ غَيْرُهُ مَقَامَهُ ، كَالشَّهَادَاتِ فِي الْحُقُوقِ ، وَلِأَنَّ اللِّعَانَ يُقْصَدُ فِيهِ التَّغْلِيظُ ، وَاعْتِبَارُ لَفْظِ الشَّهَادَاتِ أَبْلَغُ فِي التَّغْلِيظِ ، فَلَمْ يَجُزْ تَرْكُهُ ، وَلِهَذَا لَمْ يَجُزْ أَنْ يُقْسِمَ بِاَللَّهِ مِنْ غَيْرِ كَلِمَةٍ تَقُومُ مَقَامَ أَشْهَدُ .\rوَالثَّانِي ، يُعْتَدُّ بِهِ ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِالْمَعْنَى ، أَشْبَهَ مَا قَبْلَهُ .\rوَلِلشَّافِعِيِّ وَجْهَانِ كَهَذَيْنِ .\rوَإِنْ أَبْدَلَ لَفْظَةَ اللَّعْنَةِ بِالْإِبْعَادِ ، لَمْ يَجُزْ ؛ لِأَنَّ لَفْظَ اللَّعْنَةِ أَبْلَغُ فِي الزَّجْرِ وَأَشَدُّ فِي أَنْفُسِ النَّاسِ ، وَلِأَنَّهُ عَدَلَ عَنْ","part":17,"page":374},{"id":8374,"text":"الْمَنْصُوصِ .\rوَقِيلَ : يَجُوزُ ؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ .\rوَإِنْ أَبْدَلَتْ الْمَرْأَةُ لَفْظَةَ الْغَضَبِ بِاللَّعْنَةِ ، لَمْ يَجُزْ ؛ لِأَنَّ الْغَضَبَ أَغْلَظُ ، وَلِهَذَا خُصَّتْ الْمَرْأَةُ بِهِ ؛ لِأَنَّ الْمَعَرَّةَ بِزِنَاهَا أَقْبَحُ ، وَإِثْمُهَا بِفِعْلِ الزِّنَا أَعْظَمُ مِنْ إثْمِهِ بِالْقَذْفِ .\rوَإِنْ أَبْدَلَتْهَا بِالسَّخَطِ ، خُرِّجَ عَلَى وَجْهَيْنِ فِيمَا إذَا أَبْدَلَ الرَّجُلُ لَفْظَ اللَّعْنَةِ بِالْإِبْعَادِ .\rوَإِنْ أَبْدَلَ الرَّجُلُ لَفْظَةَ اللَّعْنَةِ بِالْغَضَبِ احْتَمَلَ أَنْ يَجُوزَ لِأَنَّهُ أَبْلَغُ ، وَاحْتَمَلَ أَنْ لَا يَجُوزَ ؛ لِمُخَالَفَتِهِ الْمَنْصُوصَ .\rقَالَ الْوَزِيرُ يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ هُبَيْرَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - : مِنْ الْفُقَهَاءِ مَنْ اشْتَرَطَ أَنْ يُزَادَ بَعْدَ قَوْلِهِ : مِنْ الصَّادِقِينَ : فِيمَا رَمَيْتُهَا بِهِ مِنْ الزِّنَا .\rوَاشْتَرَطَ فِي نَفْيِهَا عَنْ نَفْسِهَا : فِيمَا رَمَانِي بِهِ مِنْ الزِّنَى .\rوَلَا أَرَاهُ يَحْتَاجُ إلَيْهِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ أَنْزَلَ ذَلِكَ وَبَيَّنَهُ ، وَلَمْ يَذْكُرْ هَذَا الِاشْتِرَاطَ .\rوَأَمَّا مَوْعِظَةُ الْإِمَامِ لَهُمَا بَعْدَ الرَّابِعَةِ وَقَبْلَ الْخَامِسَةِ فَهِيَ مُسْتَحَبَّةٌ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ : لَمَّا كَانَتْ الْخَامِسَةُ ، قِيلَ : يَا هِلَالُ ، اتَّقِ اللَّهَ ، فَإِنَّهَا الْمُوجِبَةُ الَّتِي تُوجِبُ عَلَيْك الْعَذَابَ .\rفَقَالَ : وَاَللَّهِ لَا يُعَذِّبُنِي اللَّهُ عَلَيْهَا ، كَمَا لَمْ يَجْلِدْنِي عَلَيْهَا .\rفَشَهِدَ الْخَامِسَةَ .\rفَلَمَّا كَانَتْ الْخَامِسَةُ ، قِيلَ لَهَا : اتَّقِ اللَّهَ ، فَإِنَّ عَذَابَ الدُّنْيَا أَهْوَنُ مِنْ عَذَابِ الْآخِرَةِ ، وَإِنَّ هَذِهِ الْمُوجِبَةُ الَّتِي تُوجِبُ عَلَيْك الْعَذَابَ .\rفَتَلَكَّأَتْ سَاعَةً ، ثُمَّ قَالَتْ : وَاَللَّهِ لَا أَفْضَحُ قَوْمِي .\rفَشَهِدَتْ الْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إنْ كَانَ مِنْ الصَّادِقِينَ .\rوَرَوَى أَبُو إِسْحَاقَ الْجُوزَجَانِيُّ ، بِإِسْنَادِهِ ، حَدِيثَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ ، قَالَ : { فَشَهِدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاَللَّهِ إنَّهُ لَمِنْ الصَّادِقِينَ ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ","part":17,"page":375},{"id":8375,"text":"فَأُمْسِكَ عَلَى فِيهِ فَوَعَظَهُ ، وَقَالَ : وَيْحَكَ كُلُّ شَيْءٍ أَهْوَنُ عَلَيْكَ مِنْ لَعْنَةِ اللَّهِ ثُمَّ أُرْسِلَ ، فَقَالَ : لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ إنْ كَانَ مِنْ الْكَاذِبِينَ .\rثُمَّ دَعَاهَا ، فَقَرَأَ عَلَيْهَا ، فَشَهِدَتْ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاَللَّهِ إنَّهُ لَمِنْ الْكَاذِبِينَ ، ثُمَّ أُمِرَ بِهَا فَأُمْسِكَ عَلَى فِيهَا ، وَقَالَ : وَيْحَكِ كُلُّ شَيْءٍ أَهْوَنُ عَلَيْكِ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ } وَذَكَرَ الْحَدِيثَ .","part":17,"page":376},{"id":8376,"text":"( 6288 ) فَصْلٌ : وَيُشْتَرَطُ فِي صِحَّةِ اللِّعَانِ شُرُوطٌ سِتَّةٌ : أَحَدهَا ، أَنْ يَكُونَ بِمَحْضَرِ الْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ .\rالثَّانِي ، أَنْ يَأْتِيَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِاللِّعَانِ بَعْدَ إلْقَائِهِ عَلَيْهِ ، فَإِنْ بَادَرَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يُلْقِيَهُ الْإِمَامُ عَلَيْهِ ، لَمْ يَصِحَّ ، كَمَا لَوْ حَلَفَ قَبْلَ أَنْ يُحَلِّفَهُ الْحَاكِمُ .\rالثَّالِثُ ، اسْتِكْمَالُ لَفْظَاتِ اللِّعَانِ الْخَمْسَةِ ، فَإِنْ نَقَصَ مِنْهَا لَفْظَةً ، لَمْ يَصِحَّ .\rالرَّابِعُ أَنْ يَأْتِيَ بِصُورَتِهِ ، إلَّا مَا ذَكَرْنَا مِنْ الِاخْتِلَافِ فِي إبْدَالِ لَفْظَةٍ بِمِثْلِهَا فِي الْمَعْنَى .\rالْخَامِسُ ، التَّرْتِيبُ ، فَإِنْ قَدَّمَ لَفْظَةَ اللَّعْنَةِ عَلَى شَيْءٍ مِنْ الْأَلْفَاظِ الْأَرْبَعَةِ ، أَوْ قَدَّمَتْ الْمَرْأَةُ لِعَانَهَا عَلَى لِعَانِ الرَّجُلِ ، لَمْ يُعْتَدَّ بِهِ .\rالسَّادِسُ ، الْإِشَارَةُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إلَى صَاحِبِهِ إنْ كَانَ حَاضِرًا ، وَتَسْمِيَتُهُ وَنِسْبَتُهُ إنْ كَانَ غَائِبًا .\rوَلَا يُشْتَرَطُ حُضُورُهُمَا مَعًا ، بَلْ لَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا غَائِبًا عَنْ صَاحِبِهِ ، مِثْلُ إنْ لَاعَنَ الرَّجُلُ فِي الْمَسْجِدِ وَالْمَرْأَةُ عَلَى بَابِهِ ، لِعَدَمِ إمْكَانِ دُخُولِهَا ، جَازَ .","part":17,"page":377},{"id":8377,"text":"( 6289 ) فَصْلٌ : وَإِنْ كَانَ الزَّوْجَانِ يَعْرِفَانِ الْعَرَبِيَّةَ ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يَلْتَعِنَا بِغَيْرِهَا ؛ لِأَنَّ اللِّعَانَ وَرَدَ فِي الْقُرْآنِ بِلَفْظِ الْعَرَبِيَّةِ .\rوَإِنْ كَانَا لَا يُحْسِنَانِ ذَلِكَ ، جَازَ لَهُمَا الِالْتِعَانُ بِلِسَانِهِمَا ؛ لِمَوْضِعِ الْحَاجَةِ ، فَإِنْ كَانَ الْحَاكِمُ يُحْسِنُ لِسَانَهُمَا ، أَجْزَأَ ذَلِكَ ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَحْضُرَ مَعَهُ أَرْبَعَةٌ يُحْسِنُونَ لِسَانَهُمَا ، وَإِنْ كَانَ الْحَاكِمُ لَا يُحْسِنُ لِسَانَهُمَا ، فَلَا بُدَّ مِنْ تُرْجُمَانٍ .\rقَالَ الْقَاضِي : وَلَا يُجْزِئُ فِي التَّرْجَمَةِ أَقَلُّ مِنْ اثْنَيْنِ عَدْلَيْنِ .\rوَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَظَاهِرُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ ؛ لِأَنَّهُ قَالَ : وَلَا يُقْبَلُ فِي التَّرْجَمَةِ عَنْ أَعْجَمِيٍّ حَاكَمَ إلَيْهِ ، إذَا لَمْ يَعْرِفْ لِسَانَهُ ؛ أَقَلُّ مِنْ عَدْلَيْنِ يَعْرِفَانِ لِسَانَهُ .\rوَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ رِوَايَةً أُخْرَى ، أَنَّهُ يُجْزِئُ قَوْلُ عَدْلٍ وَاحِدٍ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَسَنَذْكُرُ ذَلِكَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .","part":17,"page":378},{"id":8378,"text":"( 6290 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : ( وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمْ فِي اللِّعَانِ وَلَدٌ ، ذَكَرَ الْوَلَدَ ، فَإِذَا قَالَ : أَشْهَدُ بِاَللَّهِ ، لَقَدْ زَنَتْ .\rيَقُولُ : وَمَا هَذَا الْوَلَدُ وَلَدِي .\rوَتَقُولُ هِيَ : أَشْهَدُ بِاَللَّهِ لَقَدْ كَذَبَ ، وَهَذَا الْوَلَدُ وَلَدُهُ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ ، أَنَّهُ مَتَى كَانَ اللِّعَانُ لِنَفْيِ وَلَدٍ ، فَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِهِ فِي لِعَانِهِمَا .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا تَحْتَاجُ الْمَرْأَةُ إلَى ذِكْرِهِ ؛ لِأَنَّهَا لَا تَنْفِيهِ ، وَإِنَّمَا احْتَاجَ الزَّوْجُ إلَى ذِكْرِهِ لِنَفْيِهِ .\rوَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : لَا يَحْتَاجُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا إلَى ذِكْرِهِ ، وَيَنْتَفِي بِزَوَالِ الْفِرَاشِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ مَنْ سَقَطَ حَقُّهُ بِاللِّعَانِ ، اُشْتُرِطَ ذِكْرُهُ فِيهِ ، كَالْمَرْأَةِ ، وَالْمَرْأَةُ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ ، فَكَانَ ذِكْرُ الْوَلَدِ شَرْطًا فِي لِعَانِهَا كَالزَّوْجِ ، وَلِأَنَّهُمَا مُتَحَالِفَانِ عَلَى شَيْءٍ ، فَاشْتُرِطَ ذِكْرُهُ فِي تَحَالُفِهِمَا كَالْمُخْتَلِفِينَ فِي الْيَمِينِ .\rوَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ أَنَّهُ يُكْتَفَى بِقَوْلِ الزَّوْجِ : وَمَا هَذَا الْوَلَدُ وَلَدِي .\rوَمِنْ الْمَرْأَةِ بِقَوْلِهَا : وَهَذَا الْوَلَدُ وَلَدُهُ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : يُشْتَرَطُ أَنْ يَقُولَ : هَذَا الْوَلَدُ مِنْ زِنًا ، وَلَيْسَ هُوَ مِنِّي .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُرِيدُ بِقَوْلِهِ : لَيْسَ هُوَ مِنِّي .\rيَعْنِي خَلْقًا وَخُلُقًا .\rوَلَمْ تَقْتَصِرْ عَلَى قَوْلِهِ : مِنْ زِنًا ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَعْتَقِدُ أَنَّ الْوَطْءَ فِي نِكَاحٍ فَاسِدٍ زِنًا ، فَأَكَّدْنَا بِذِكْرِهِمَا جَمِيعًا .\rوَلَنَا أَنَّهُ نَفَى الْوَلَدَ فِي اللِّعَانِ فَاكْتُفِيَ بِهِ ، كَمَا لَوْ ذَكَرَ اللَّفْظَيْنِ ، وَمَا ذَكَرُوهُ مِنْ التَّأْكِيدِ تَحَكُّمٌ بِغَيْرِ دَلِيلٍ ، وَلَا يَنْتَفِي الِاحْتِمَالُ بِضَمِّ إحْدَى اللَّفْظَتَيْنِ إلَى الْأُخْرَى ، فَإِنَّهُ إذَا اعْتَقَدَ أَنَّهُ مِنْ وَطْءٍ فَاسِدٍ ، وَاعْتَقَدَ أَنَّ ذَلِكَ زِنًا صَحَّ مِنْهُ أَنْ يَقُولَ اللَّفْظَيْنِ جَمِيعًا ، وَقَدْ يُرِيدُ أَنَّهُ لَا يُشْبِهُنِي خَلْقًا وَخُلُقًا ، أَوْ أَنَّهُ مِنْ وَطْءٍ فَاسِدٍ .\rفَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ الْوَلَدَ","part":17,"page":379},{"id":8379,"text":"فِي اللِّعَانِ ، لَمْ يَنْتَفِ عَنْهُ .\rفَإِنْ أَرَادَ نَفْيَهُ ، أَعَادَ اللِّعَانَ ، وَيَذْكُرُ نَفْيَ الْوَلَدِ فِيهِ .","part":17,"page":380},{"id":8380,"text":"( 6291 ) فَصْلٌ : وَإِذَا قَذَفَ امْرَأَتَهُ بِالزِّنَا بِرَجُلٍ بِعَيْنِهِ ، فَقَدْ قَذَفَهُمَا ، وَإِذَا لَاعَنَهَا سَقَطَ الْحَدُّ عَنْهُ لَهُمَا ، سَوَاءٌ ذَكَرَ الرَّجُلَ فِي لِعَانِهِ أَوْ لَمْ يَذْكُرْهُ ، وَإِنْ لَمْ يُلَاعِنْ ، فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْمُطَالَبَةُ ، وَأَيُّهُمَا طَالَبَ ، حُدَّ لَهُ ، وَمَنْ لَمْ يُطَالِبْ ، فَلَا يُحَدُّ لَهُ ، كَمَا لَوْ قَذَفَ رَجُلًا بِالزِّنَا بِامْرَأَةٍ مُعَيَّنَةٍ .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٍ ، إلَّا فِي أَنَّهُ لَا يَسْقُطُ حَدُّهُ بِلِعَانِهَا .\rوَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا : الْقَذْفُ لِلزَّوْجَةِ وَحْدَهَا ، وَلَا يَتَعَلَّقُ بِغَيْرِهَا حَقٌّ فِي الْمُطَالَبَةِ وَلَا الْحَدِّ ؛ لِأَنَّ هِلَالَ بْنَ أُمَيَّةَ قَذَفَ زَوْجَتَهُ بِشَرِيكِ ابْنِ سَحْمَاءَ ، فَلَمْ يَحُدَّهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا عَزَّرَهُ لَهُ .\rوَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ : يَجِبُ الْحَدُّ لَهُمَا ، وَهَلْ يَجِبُ حَدٌّ وَاحِدٌ أَوْ حَدَّانِ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ .\rوَقَالَ بَعْضُهُمْ : لَا يَجِبُ إلَّا حَدٌّ وَاحِدٌ ، قَوْلًا وَاحِدًا .\rوَلَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ أَنَّهُ إذَا لَاعَنَ ، وَذَكَرَ الْأَجْنَبِيَّ فِي لِعَانِهِ ، أَنَّهُ يَسْقُطُ عَنْهُ حُكْمُهُ ، وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْهُ ، فَعَلَى وَجْهَيْنِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ اللِّعَانَ بَيِّنَةٌ فِي أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ ، فَكَانَ بَيِّنَةً فِي الطَّرَفِ الْآخَرِ ، كَالشَّهَادَةِ ، وَلِأَنَّ بِهِ حَاجَةً إلَى قَذْفِ الزَّانِي ، لِمَا أَفْسَدَ عَلَيْهِ مِنْ فِرَاشِهِ ، وَرُبَّمَا يَحْتَاجُ إلَى ذِكْرِهِ لِيَسْتَدِلَّ بِشَبَهِ الْوَلَدِ لِلْمَقْذُوفِ عَلَى صِدْقِ قَاذِفِهِ .\rكَمَا اسْتَدَلَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى صِدْقِ هِلَالٍ بِشَبَهِ الْوَلَدِ لِشَرِيكِ ابْنِ سَحْمَاءَ ، فَوَجَبَ أَنْ يُسْقِطَ حُكْمَ قَذْفِهِ مَا أَسْقَطَ حُكْمَ قَذْفِهَا ، قِيَاسًا لَهُ عَلَيْهَا .","part":17,"page":381},{"id":8381,"text":"( 6292 ) فَصْلٌ : وَلَوْ قَذَفَ امْرَأَتَهُ وَأَجْنَبِيَّةً أَوْ أَجْنَبِيًّا بِكَلِمَتَيْنِ ، فَعَلَيْهِ حَدَّانِ لَهُمَا ، فَيَخْرُجُ مِنْ حَدِّ الْأَجْنَبِيَّةِ بِالْبَيِّنَةِ خَاصَّةً ، وَمِنْ حَدِّ الزَّوْجَةِ بِالْبَيِّنَةِ أَوْ اللِّعَانِ .\rوَإِنْ قَذَفَهُمَا بِكَلِمَةٍ ، فَكَذَلِكَ ، إلَّا أَنَّهُ إذَا لَمْ يُلَاعِنْ ، وَلَمْ تَقُمْ بَيِّنَةٌ ، فَهَلْ يُحَدُّ لَهُمَا حَدًّا وَاحِدًا أَوْ حَدَّيْنِ ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ : إحْدَاهُمَا ، يُحَدُّ حَدًّا وَاحِدًا .\rوَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ .\rوَزَادَ أَبُو حَنِيفَةَ : سَوَاءٌ كَانَ بِكَلِمَةٍ أَوْ بِكَلِمَاتٍ ؛ لِأَنَّهُمَا حُدُودٌ مِنْ جِنْسٍ ، فَوَجَبَ أَنْ تَتَدَاخَلَ ، كَحُدُودِ الزِّنَا .\rوَالثَّانِيَةُ : إنْ طَالَبُوا مُجْتَمِعِينَ فَحَدٌّ وَاحِدٌ ، وَإِنْ طَالَبُوا مُتَفَرِّقِينَ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ حَدٌّ ؛ لِأَنَّهُمْ إذَا اجْتَمَعُوا فِي الطَّلَبِ ، أَمْكَنَ إيفَاؤُهُمْ بِالْحَدِّ الْوَاحِدِ ، وَإِذَا تَفَرَّقُوا لَمْ يُمْكِنْ جَعْلُ الْحَدِّ الْوَاحِدِ إيفَاءً لِمَنْ لَمْ يُطَالِبْ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ إقَامَةُ الْحَدِّ لَهُ قَبْلَ الْمُطَالَبَةِ مِنْهُ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، فِي الْجَدِيدِ : يُقَامُ لِكُلِّ وَاحِدٍ حَدٌّ بِكُلِّ حَالٍ ؛ لِأَنَّهَا حُقُوقٌ لِآدَمِيِّينَ ، فَلَمْ تَتَدَاخَلْ ، كَالدُّيُونِ .\rوَلَنَا أَنَّهُ إذَا قَذَفَهُمَا بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ يُجْزِئُ حَدٌّ وَاحِدٌ ، أَنَّهُ يَظْهَرُ كَذِبُهُ فِي قَذْفِهِ ، وَبَرَاءَةُ عِرْضِهِمَا مِنْ رَمْيِهِ بِحَدٍّ وَاحِدٍ ، فَأَجْزَأَ ، كَمَا لَوْ كَانَ الْقَذْفُ لَوَاحِدٍ .\rوَإِذَا قَذَفَهُمَا بِكَلِمَتَيْنِ ، وَجَبَ حَدَّانِ ؛ لِأَنَّهُمَا قَذْفَانِ لِشَخْصَيْنِ ، فَوَجَبَ لِكُلِّ وَاحِدٍ حَدٌّ ، كَمَا لَوْ قَذَفَ الثَّانِي بَعْدَ حَدِّ الْأَوَّلِ .\rوَهَكَذَا الْحُكْمُ فِيمَا إذَا قَذَفَ أَجْنَبِيَّتَيْنِ أَوْ أَجْنَبِيَّاتٍ ، فَالتَّفْصِيلُ فِيهِ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ .\rوَإِنْ قَذَفَ أَرْبَعَ نِسَائِهِ ، فَالْحُكْمُ فِي الْحَدِّ كَذَلِكَ .\rوَإِنْ أَرَادَ اللِّعَانَ ، فَعَلَيْهِ أَنْ يُلَاعِنَ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ لِعَانًا مُفْرَدًا ، وَيَبْدَأُ بِلِعَانِ الَّتِي تَبْدَأُ بِالْمُطَالَبَةِ ، فَإِنْ طَالَبْنَ","part":17,"page":382},{"id":8382,"text":"جَمِيعًا ، وَتَشَاحَحْنَ ، بَدَأَ بِإِحْدَاهُنَّ بِالْقُرْعَةِ ، وَإِنْ لَمْ يَتَشَاحَحْنَ ، بَدَأَ بِلِعَانِ مَنْ شَاءَ مِنْهُنَّ ، وَلَوْ بَدَأَ بِوَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ مِنْ غَيْرِ قُرْعَةٍ مَعَ الْمُشَاحَّةِ صَحَّ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يُجْزِئَهُ لِعَانٌ وَاحِدٌ ، فَيَقُولُ : أَشْهَدُ بِاَللَّهِ إنِّي لَمِنْ الصَّادِقِينَ فِيمَا رَمَيْت بِهِ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْ زَوْجَاتِي هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعِ مِنْ الزِّنَا .\rوَتَقُولُ كُلُّ وَاحِدَةٍ : أَشْهَدُ بِاَللَّهِ إنَّهُ لَمِنْ الْكَاذِبِينَ فِيمَا رَمَانِي بِهِ مِنْ الزِّنَى .\rلِأَنَّهُ يَحْصُلُ الْمَقْصُودُ بِذَلِكَ .\rوَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ؛ لِأَنَّ اللِّعَانَ أَيْمَانٌ فَلَا تَتَدَاخَلُ لِجَمَاعَةٍ ، كَالْأَيْمَانِ فِي الدُّيُونِ .","part":17,"page":383},{"id":8383,"text":"( 6293 ) فَصْلٌ : وَلَوْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ : يَا زَانِيَةُ بِنْتَ الزَّانِيَةِ .\rفَقَدْ قَذَفَهَا ، وَقَذَفَ أُمَّهَا بِكَلِمَتَيْنِ ، وَالْحُكْمُ فِي الْحَدِّ لَهُمَا عَلَى مَا مَضَى مِنْ التَّفْصِيلِ فِيهِ ، فَإِنْ اجْتَمَعَا فِي الْمُطَالَبَةِ ، فَفِي أَيَّتِهِمَا يُقَدَّمُ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا الْأُمُّ ؛ لِأَنَّ حَقَّهَا آكَدُ ، لِكَوْنِهِ لَا يَسْقُطُ إلَّا بِالْبَيِّنَةِ ، وَلِأَنَّ لَهَا فَضِيلَةَ الْأُمُومَةِ .\rوَالثَّانِي ، تَقْدِيمُ الْبِنْتُ ؛ لِأَنَّهُ بَدَأَ بِقَذْفِهَا .\rوَمَتَى حُدَّ لِإِحْدَاهُمَا ، ثُمَّ وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَدُّ لِلْأُخْرَى ، لَمْ يُحَدَّ حَتَّى يَبْرَأَ جِلْدُهُ مِنْ حَدِّ الْأُولَى .\rفَإِنْ قِيلَ : إنَّ الْحَدَّ هَاهُنَا حَقٌّ لِآدَمِيٍّ ، فَلَمْ لَا يُوَالَى بَيْنَهُمَا كَالْقِصَاصِ ، فَإِنَّهُ لَوْ قَطَعَ يَدَيْ رَجُلَيْنِ ، قَطَعْنَا يَدَيْهِ لَهُمَا ، وَلَمْ نُؤَخِّرْهُ ؟ قُلْنَا : لِأَنَّ حَدَّ الْقَذْفِ لَا يَتَكَرَّرُ بِتَكَرُّرِ سَبَبِهِ قَبْلَ إقَامَةِ حَدِّهِ ، فَالْمُوَالَاةُ بَيْنَ حَدَّيْنِ فِيهِ تُخْرِجُهُ عَنْ مَوْضُوعِهِ ، وَالْقِصَاصُ يَجُوزُ أَنْ تُقْطَعَ الْأَطْرَافُ كُلُّهَا فِي قِصَاصٍ وَاحِدٍ ، فَإِذَا جَازَ لِوَاحِدٍ ، فَلِاثْنَيْنِ أَوْلَى .","part":17,"page":384},{"id":8384,"text":"( 6294 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَذَفَ مُحْصَنًا مَرَّاتٍ ، فَحَدٌّ وَاحِدٌ ، رِوَايَةً وَاحِدَةً ، سَوَاءٌ قَذَفَهُ بِزِنًا آخَرَ ، أَوْ كَرَّرَ الْقَذْفَ بِالْأَوَّلِ ؛ لِأَنَّهُمَا حَدَّانِ تَرَادَفَ سَبَبُهُمَا ، فَتَدَاخَلَا ، كَالزِّنَا مِرَارًا .\rوَإِنْ قَذَفَهُ فَحُدَّ لَهُ ، ثُمَّ قَذَفَهُ مَرَّةً أُخْرَى بِذَلِكَ الزِّنَا ، فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ تُحُقِّقَ كَذِبُهُ فِيهِ بِالْحَدِّ ، فَلَا حَاجَةَ إلَى إظْهَارِ كَذِبِهِ فِيهِ ثَانِيًا ، وَلَمَّا جَلَدَ عُمَرُ أَبَا بَكْرَةَ حِينَ شَهِدَ عَلَى الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ، أَعَادَ قَذْفَهُ ، فَهَمَّ عُمَرُ بِإِعَادَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ ، فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ : إنْ جَلَدْتَهُ فَارْجُمْ صَاحِبَهُ .\rفَتَرَكَهُ .\rوَلَكِنَّهُ يُعَزَّرُ تَعْزِيرَ السَّبِّ وَالشَّتْمِ .\rوَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّ فِيهِ رِوَايَةً أُخْرَى ، أَنَّ عَلَيْهِ الْحَدَّ ثَانِيًا ؛ لِأَنَّهُ قَذْفٌ ثَانٍ بَعْدَ إقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَذَفَهُ بِزِنًا ثَانٍ .\rوَأَمَّا إنْ قَذَفَهُ بِزِنًا آخَرَ ، فَعَلَيْهِ حَدٌّ آخَرُ ؛ لِأَنَّهُ قَذْفٌ لِمُحْصَنٍ لَمْ يُحَدَّ فِيهِ ، فَوَجَبَ أَنْ يَتَعَقَّبَهُ الْحَدُّ كَالْأَوَّلِ ، وَلِأَنَّ سَبَبَ الْحَدِّ وُجِدَ بَعْدَ إقَامَتِهِ ، فَأُعِيدَ عَلَيْهِ ، كَالزِّنَا وَالسَّرِقَةِ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى ، لَا حَدَّ عَلَيْهِ فِي الثَّانِي ؛ لِأَنَّهُ حُدَّ لِصَاحِبِهِ مَرَّةً ، فَلَا يُعَادُ عَلَيْهِ الْحَدُّ ، كَمَا لَوْ قَذَفَهُ بِالزِّنَا الْأَوَّلِ .\rوَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ يُعَزَّرُ تَعْزِيرَ السَّبِّ وَالشَّتْمِ .\rوَهَذِهِ الرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ فِيمَا إذَا تَقَارَبَ الْقَذْفُ الثَّانِي مِنْ الْحَدِّ ، فَأَمَّا إذَا تَبَاعَدَ زَمَانُهُمَا ، وَجَبَ الْحَدُّ بِكُلِّ حَالٍ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَدُّهُ مَرَّةً مِنْ أَجْلِهِ فَوَجَبَ إطْلَاقَ عِرْضِهِ لَهُ .\rوَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فِي هَذَا كَمَذْهَبِنَا ، إلَّا أَنَّهُمْ حَكَوْا عَنْ الشَّافِعِيِّ ، فِيمَا إذَا أَعَادَ الْقَذْفَ بِزِنًا ثَانٍ قَبْلَ إقَامَةِ الْحَدِّ ، قَوْلَيْنِ : أَحَدُهُمَا ، يَجِبُ حَدٌّ وَاحِدٌ .\rوَالثَّانِي ، يَجِبُ حَدَّانِ .\rفَأَمَّا إنْ قَذَفَ أَجْنَبِيَّةً ،","part":17,"page":385},{"id":8385,"text":"ثُمَّ تَزَوَّجَهَا ، ثُمَّ قَذَفَهَا ، فَعَلَيْهِ الْحَدُّ لِلْقَذْفِ الْأَوَّلِ ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِلثَّانِي .\rفِي قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ وَحُكِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ الزُّهْرِيِّ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ قَذَفَ أَجْنَبِيَّةً قَذْفَيْنِ ، لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ أَكْثَرُ مِنْ حَدٍّ وَاحِدٍ .\rوَاخْتَارَ الْقَاضِي أَنَّهُ إنْ قَذَفَهَا بِالزِّنَا الْأَوَّلِ ، لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَكْثَرُ مِنْ حَدٍّ وَاحِدٍ ، وَلَيْسَ لَهُ إسْقَاطُهُ إلَّا بِالْبَيِّنَةِ ، وَإِنْ قَذَفَهَا بِزِنًا آخَرَ ، فَهُوَ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِيمَا إذَا قَذَفَ الْأَجْنَبِيَّةَ ، ثُمَّ حُدَّ لَهَا ، ثُمَّ قَذَفَهَا بِزِنَا آخَرَ ، فَإِنْ قُلْنَا : يَجِبُ حَدَّانِ .\rفَطَالَبَتْ الْمَرْأَةُ بِمُوجَبِ الْقَذْفِ الْأَوَّلِ ، فَأَقَامَ بِهِ بَيِّنَةً ، سَقَطَ عَنْهُ حَدُّهُ ، وَلَمْ يَجِبْ فِي الثَّانِي حَدُّ ؛ لِأَنَّهَا غَيْرُ مُحْصَنَةٍ ، وَإِنْ لَمْ يُقِمْ بَيِّنَةً ، حُدَّ لَهَا .\rوَمَتَى طَالَبَتْهُ بِمُوجَبِ الثَّانِي ، فَأَقَامَ بِهِ بَيِّنَةً ، أَوْ لَاعَنَهَا ، سَقَطَ ، وَإِلَّا وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَدُّ أَيْضًا ؛ لِأَنَّ هَذَا الْقَذْفَ مُوجَبُهُ غَيْرُ مُوجَبِ الْأَوَّلِ ، فَإِنَّ الْأَوَّلَ مُوجَبُهُ الْحَدُّ عَلَى الْخُصُوصِ ، وَالثَّانِي مُوجَبُهُ اللِّعَانُ أَوْ الْحَدُّ .\rوَإِنْ بَدَأَتْ بِالْمُطَالَبَةِ بِمُوجَبِ الثَّانِي ، فَأَقَامَ بَيِّنَةً بِهِ ، أَوْ لَاعَنَ ، سَقَطَ حَدُّهُ ، وَلَهَا الْمُطَالَبَةُ بِمُوجَبِ الْأَوَّلِ ، فَإِنْ أَقَامَ بِهِ بَيِّنَةً ، وَإِلَّا حُدَّ .\rقَالَ الْقَاضِي : إنْ أَقَامَ بِالثَّانِي بَيِّنَةً ، سَقَطَ مُوجَبُ الْأَوَّلِ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ غَيْرَ مُحْصَنَةٍ ، فَلَا يَثْبُتُ لَهَا حَدُّ الْمُحْصَنَاتِ .\rوَلَنَا أَنَّ سُقُوطَ إحْصَانِهَا فِي الثَّانِي ، لَا يُوجِبُ سُقُوطَهُ فِيمَا قَبْلَ ذَلِكَ ، كَمَا لَوْ اسْتَوْفَى حَدَّهُ قَبْلَ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ .\rوَلَعَلَّ هَذَا يَنْبَنِي عَلَى مَا إذَا قَذَفَ رَجُلًا فَلَمْ يُقِمْ الْحَدَّ عَلَى الْقَاذِفِ حَتَّى زَنَى الْمَقْذُوفُ .\rوَإِنْ لَمْ يُقِمْ بَيِّنَةً عَلَيْهِمَا ، وَلَمْ يَلْتَعِنَ لِلثَّانِي ، لَمْ يَجِبْ إلَّا حَدٌّ","part":17,"page":386},{"id":8386,"text":"وَاحِدٌ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ؛ وَلِأَنَّهُمَا حَدَّانِ مِنْ جِنْسَيْنِ تَرَادَفَا ، فَلَمْ يَقُمْ أَحَدُهُمَا ، فَتَدَاخَلَا ، كَمَا لَوْ قَذَفَهَا وَهِيَ أَجْنَبِيَّةٌ قَذْفَيْنِ .\rوَلَوْ قَذَفَ زَوْجَتَهُ ، فَحُدَّ لَهَا ، ثُمَّ أَعَادَ قَذْفَهَا بِذَلِكَ الزِّنَا ، لَمْ يُحَدَّ لَهَا ؛ لِمَا ذَكَرْنَا فِي إعَادَةِ قَذْفِ الْأَجْنَبِيِّ ، لَكِنْ يُعَزَّرُ لِلْأَذَى وَالسَّبِّ ، وَلَيْسَ لَهُ إسْقَاطُ التَّعْزِيرِ بِاللِّعَانِ ؛ لِأَنَّهُ تَعْزِيرُ سَبٍّ ، لَا تَعْزِيرُ قَذْفٍ ، إلَّا عَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي تُلْزِمُ الْأَجْنَبِيَّ حَدًّا ثَانِيًا بِإِعَادَةِ الْقَذْفِ ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ هَاهُنَا حَدٌّ ، وَلَهُ إسْقَاطُهُ بِاللِّعَانِ .\rوَإِنْ وُلِدَ لَهُ وَلَدٌ بَعْدَ حَدِّهِ ، فَذَكَرَ أَنَّهُ مِنْ ذَلِكَ الزِّنَا ، فَلَهُ اللِّعَانُ لِإِسْقَاطِهِ ، عَلَى كِلْتَا الرِّوَايَتَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ مُحْتَاجٌ إلَى نَفْيِهِ .\rوَإِنْ قَذَفَهَا فِي الزَّوْجِيَّةِ قَذْفَيْنِ بِزِنَاءَيْنِ ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا حَدٌّ وَاحِدٌ ، وَيَكْفِيهِ لِعَانٌ وَاحِدٌ ؛ لِأَنَّهُ يَمِينٌ ، فَإِذَا كَانَ الْحَقَّانِ لِوَاحِدٍ كَفَتْهُ ، يَمِينٌ وَاحِدَةٌ ، لَكِنَّهُ يَحْتَاجُ أَنْ يَقُولَ : أَشْهَدُ بِاَللَّهِ إنِّي لَمِنْ الصَّادِقِينَ فِيمَا رَمَيْتُهَا بِهِ مِنْ الزِّنَاءَيْنِ .\rوَفَارَقَ مَا إذَا قَذَفَ زَوْجَتَيْنِ ، حَيْثُ لَا يَكْفِيهِ لِعَانٌ وَاحِدٌ ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ وَجَبَتْ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ، فَلَا تَتَدَاخَلُ ، كَسَائِرِ الْأَيْمَانِ .\rوَإِنْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ بِالْأَوَّلِ ، سَقَطَ عَنْهُ مُوجَبُ الثَّانِي ؛ لِأَنَّهُ زَالَ إحْصَانُهَا ، وَلَا لِعَانَ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ فِيهِ نَسَبٌ يُرِيدُ نَفْيَهُ .\rوَإِنْ أَقَامَهَا بِالثَّانِي لَمْ يَسْقُطْ الْحَدُّ الْأَوَّلُ ، وَلَهُ إسْقَاطُهُ بِاللِّعَانِ ، إلَّا عَلَى قَوْلِ الْقَاضِي ، فَإِنَّهُ يَسْقُطُ بِإِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَى الثَّانِي .\rوَإِنْ قَذَفَهَا فِي الزَّوْجِيَّةِ وَلَاعَنَهَا ثُمَّ قَذَفَهَا بِالزِّنَا الْأَوَّلِ ، فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ حَقَّقَهُ بِلِعَانِهِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُحَدَّ ، كَمَا لَوْ قَذَفَهَا بِهِ أَجْنَبِيٌّ .\rوَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي .\rوَلَوْ","part":17,"page":387},{"id":8387,"text":"قَذَفَهَا بِهِ أَجْنَبِيٌّ ، أَوْ بِزِنَا غَيْرِهِ ، فَعَلَيْهِ الْحَدُّ ، فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، مِنْهُمْ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَقَتَادَةُ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ وَذَكَرَ أَبُو عُبَيْدٍ عَنْ أَصْحَابِ الرَّأْيِ ، أَنَّهُمْ قَالُوا : إنْ لَمْ يَنْفِ بِلِعَانِهَا وَلَدًا ، حُدَّ قَاذِفُهَا ، وَإِنْ نَفَاهُ ، فَلَا حَدَّ عَلَى قَاذِفِهَا ؛ لِأَنَّهُ مُنْتَفٍ عَنْ زَوْجِهَا بِالشَّرْعِ .\rوَلَنَا مَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { مَنْ رَمَاهَا ، أَوْ وَلَدَهَا ، فَعَلَيْهِ الْحَدُّ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَهَذَا نَصٌّ ، فَإِنَّهُ نَصَّ عَلَى مَنْ رَمَاهَا ، مَعَ أَنَّ وَلَدَهَا مَنْفِيٌّ عَنْ الْمُلَاعِنِ شَرْعًا ، وَلِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ زِنَاهَا ، وَلَا زَالَ إحْصَانُهَا ، فَيَلْزَمُ قَاذِفَهَا الْحَدُّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى { وَاَلَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً } ، وَكَمَا لَوْ لَمْ يَنْفِ وَلَدَهَا .\rفَأَمَّا إنْ أَقَامَ بَيِّنَةً ، فَقَذَفَهَا قَاذِفٌ بِذَلِكَ الزِّنَا ، أَوْ بِغَيْرِهِ ، فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ زَالَ إحْصَانُهَا ، وَلِأَنَّ هَذَا الْقَذْفَ لَمْ يُدْخِلْ الْمَعَرَّةَ عَلَيْهَا ، وَإِنَّمَا دَخَلَتْ الْمَعَرَّةُ بِقِيَامِ الْبَيِّنَةِ ، وَلَكِنَّهُ يُعَزَّرُ تَعْزِيرَ السَّبِّ وَالْأَذَى .\rوَهَكَذَا كُلُّ مَنْ قَامَتْ الْبَيِّنَةُ بِزِنَاهُ ، لَا حَدَّ عَلَى قَاذِفِهِ .\rوَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَلَكِنَّهُ يُعَزَّرُ تَعْزِيرَ السَّبِّ وَالْأَذَى ، وَلَا يَمْلِكُ الزَّوْجُ إسْقَاطَهُ عَنْ نَفْسِهِ بِاللِّعَانِ ؛ لِمَا قَدَّمْنَاهُ .\rوَإِنْ قَذَفَ زَوْجَتَهُ وَلَاعَنَهَا ، ثُمَّ قَذَفَهَا بِزِنًا آخَرَ ، فَعَلَيْهِ الْحَدُّ ؛ لِأَنَّهَا بَانَتْ مِنْهُ بِاللِّعَانِ ، وَصَارَتْ أَجْنَبِيَّةً ، إلَّا أَنْ يُضِيفَ الزِّنَا إلَى حَالِ الزَّوْجِيَّةِ ، فَعِنْدَ ذَلِكَ إنْ كَانَ ثَمَّ نَسَبٌ يُرِيدُ نَفْيَهُ ، فَلَهُ الْمُلَاعَنَةُ لِنَفْيِهِ ، وَإِلَّا لَزِمَهُ الْحَدُّ ، وَلَا","part":17,"page":388},{"id":8388,"text":"لِعَانَ بَيْنَهُمَا .","part":17,"page":389},{"id":8389,"text":"( 6295 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : ( فَإِنْ الْتَعَنَ هُوَ ، وَلَمْ تَلْتَعِنْ هِيَ ، فَلَا حَدَّ عَلَيْهَا ، وَالزَّوْجِيَّةُ بِحَالِهَا ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا لَاعَنَهَا ، وَامْتَنَعَتْ هِيَ مِنْ الْمُلَاعَنَةِ ، فَلَا حَدَّ عَلَيْهَا .\rوَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ الْحَارِثِ الْعُكْلِيِّ وَعَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ وَذَهَبَ مَكْحُولٌ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَبُو إِسْحَاقَ الْجُوزَجَانِيُّ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ ، إلَى أَنَّ عَلَيْهَا الْحَدَّ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ } وَالْعَذَابُ الَّذِي يَدْرَؤُهُ لِعَانُهَا ، هُوَ الْحَدُّ الْمَذْكُورُ فِي قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ : { وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ } وَلِأَنَّهُ بِلِعَانِهِ حَقَّقَ زِنَاهَا ، فَوَجَبَ عَلَيْهَا الْحَدُّ ، كَمَا لَوْ شَهِدَ عَلَيْهَا أَرْبَعَةٌ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ لَمْ يَتَحَقَّقْ مِنْ زِنَاهَا ، فَلَا يَجِبُ عَلَيْهَا الْحَدُّ ، كَمَا لَوْ لَمْ يُلَاعِنْ ، وَدَلِيلُ ذَلِكَ أَنَّ تَحَقُّقَ زِنَاهَا لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ بِلِعَانِ الزَّوْجِ ، أَوْ بِنُكُولِهَا ، أَوْ بِهِمَا ، لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِلِعَانِ الزَّوْجِ وَحْدَهُ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ ثَبَتَ زِنَاهَا بِهِ ، لَمَا سُمِعَ لِعَانُهَا ، وَلَا وَجَبَ الْحَدُّ عَلَى قَاذِفِهَا ، وَلِأَنَّهُ إمَّا يَمِينٌ ، وَإِمَّا شَهَادَةٌ ، وَكِلَاهُمَا لَا يُثْبِتُ لَهُ الْحَقَّ عَلَى غَيْرِهِ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَثْبُتَ بِنُكُولِهَا ؛ لِأَنَّ الْحَدَّ لَا يَثْبُتُ بِالنُّكُولِ ، فَإِنَّهُ يُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ ، فَلَا يَثْبُتُ بِهَا ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ النُّكُولَ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لِشِدَّةِ خَفَرِهَا ، أَوْ لِعُقْلَةِ عَلَى لِسَانِهَا ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ ، فَلَا يَجُوزُ إثْبَاتُ الْحَدِّ الَّذِي اُعْتُبِرَ فِي بَيِّنَتِهِ مِنْ الْعَدَدِ ضِعْفُ مَا اُعْتُبِرَ فِي سَائِرِ الْحُدُودِ ، وَاعْتُبِرَ فِي حَقِّهِمْ أَنْ يَصِفُوا صُورَةَ الْفِعْلِ ، وَأَنْ يُصَرِّحُوا بِلَفْظِهِ ، وَغَيْرُ ذَلِكَ ، مُبَالَغَةً فِي نَفْيِ","part":17,"page":390},{"id":8390,"text":"الشُّبُهَاتِ عَنْهُ ، وَتَوَسُّلًا إلَى إسْقَاطِهِ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقْضَى فِيهِ بِالنُّكُولِ الَّذِي هُوَ فِي نَفْسِهِ شُبْهَةٌ ، لَا يُقْضَى بِهِ فِي شَيْءٍ مِنْ الْحُدُودِ وَلَا الْعُقُوبَاتِ ، وَلَا مَا عَدَا الْأَمْوَالَ ، مَعَ أَنَّ الشَّافِعِيَّ لَا يَرَى الْقَضَاءَ بِالنُّكُولِ فِي شَيْءٍ ، فَكَيْفَ يَقْضِي بِهِ فِي أَعْظَمِ الْأُمُورِ وَأَبْعَدِهَا ثُبُوتًا ، وَأَسْرَعِهَا سُقُوطًا ، وَلِأَنَّهَا لَوْ أَقَرَّتْ بِلِسَانِهَا ، ثُمَّ رَجَعَتْ ، لَمْ يَجِبْ عَلَيْهَا الْحَدُّ فَلَأَنْ لَا يَجِبَ بِمُجَرَّدِ امْتِنَاعِهَا مِنْ الْيَمِينِ عَلَى بَرَاءَتِهَا أَوْلَى ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقْضَى فِيهِ بِهِمَا ؛ لِأَنَّ مَا لَا يُقْضَى فِيهِ بِالْيَمِينِ الْمُفْرَدَةِ ، لَا يُقْضَى فِيهِ بِالْيَمِينِ مَعَ النُّكُولِ ، كَسَائِرِ الْحُقُوقِ ، وَلِأَنَّ مَا فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ الشُّبْهَةِ لَا يَنْتَفِي بِضَمِّ أَحَدِهِمَا إلَى الْآخِرِ ، فَإِنَّ احْتِمَالَ نُكُولِهَا ، لِفَرْطِ حَيَائِهَا وَعَجْزِهَا عَنْ النُّطْقِ بِاللِّعَانِ فِي مَجْمَعِ النَّاسِ ، لَا يَزُولُ بِلِعَانِ الزَّوْجِ ، وَالْعَذَابُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْحَبْسَ أَوْ غَيْرَهُ ، فَلَا يَتَعَيَّنُ فِي الْحَدِّ ، وَإِنْ احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْمُرَادَ ، فَلَا يَثْبُتُ الْحَدُّ بِالِاحْتِمَالِ ، وَقَدْ يُرَجَّحُ مَا ذَكَرْنَاهُ بِقَوْلِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، إنَّ الْحَدَّ عَلَى مَنْ زَنَى وَقَدْ أَحْصَنَ ، إذَا كَانَتْ بَيِّنَةٌ ، أَوْ كَانَ الْحَمْلُ ، أَوْ الِاعْتِرَافُ .\rفَذَكَرَ مُوجِبَاتِ الْحَدِّ ، وَلَمْ يَذْكُرْ اللِّعَانَ .\rوَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ فِيمَا يُصْنَعُ بِهَا ؛ فَرُوِيَ أَنَّهَا تُحْبَسُ حَتَّى تَلْتَعِنَ أَوْ تُقِرَّ أَرْبَعًا .\rقَالَ أَحْمَدُ : فَإِنْ أَبَتِ الْمَرْأَةُ أَنْ تَلْتَعِنَ بَعْدَ الْتِعَانِ الرَّجُلِ ، أَجْبَرْتُهَا عَلَيْهِ ، وَهِبْت أَنْ أَحْكُمَ عَلَيْهَا بِالرَّجْمِ ؛ لِأَنَّهَا لَوْ أَقَرَّتْ بِلِسَانِهَا لَمْ أَرْجُمْهَا إذَا رَجَعَتْ ، فَكَيْفَ إذَا أَبَتِ اللِّعَانَ ، وَلَا يَسْقُطُ النَّسَبُ إلَّا بِالْتِعَانِهِمَا جَمِيعًا ؛ لِأَنَّ الْفِرَاشَ قَائِمٌ حَتَّى تَلْتَعِنَ ، وَالْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ .\rقَالَ الْقَاضِي : هَذِهِ","part":17,"page":391},{"id":8391,"text":"الرِّوَايَةُ أَصَحُّ .\rوَهَذَا قَوْلُ مَنْ وَافَقَنَا فِي أَنَّهُ لَا حَدَّ عَلَيْهَا ؛ وَذَلِكَ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاَللَّهِ } فَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا إذَا لَمْ تَشْهَدْ لَا يُدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابُ .\rوَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ ، يُخْلَى سَبِيلُهَا .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهَا الْحَدُّ ، فَيَجِبُ تَخْلِيَةُ سَبِيلِهَا ، كَمَا لَوْ لَمْ تَكْمُلْ الْبَيِّنَةُ .\rفَأَمَّا الزَّوْجِيَّةُ ، فَلَا تَزُولُ ، وَالْوَلَدُ لَا يَنْتَفِي مَا لَمْ يَتِمَّ اللِّعَانُ بَيْنَهُمَا ، فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، إلَّا الشَّافِعِيَّ ، فَإِنَّهُ قَضَى بِالْفُرْقَةِ وَنَفْيِ الْوَلَدِ بِمُجَرَّدِ لِعَانِ الرَّجُلِ .\rوَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ .","part":17,"page":392},{"id":8392,"text":"مَسْأَلَةٌ قَالَ : ( وَكَذَلِكَ إنْ أَقَرَّتْ دُونَ الْأَرْبَعِ مَرَّاتٍ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الرَّجُلَ إذَا قَذَفَ امْرَأَتَهُ ، فَصَدَّقَتْهُ ، وَأَقَرَّتْ بِالزِّنَا مَرَّةً ، أَوْ مَرَّتَيْنِ ، أَوْ ثَلَاثًا ، لَمْ يَجِبْ عَلَيْهَا الْحَدُّ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِإِقْرَارِ أَرْبَعِ مَرَّاتٍ ، عَلَى مَا يُذْكَرُ فِي الْحُدُودِ ، ثُمَّ إنْ كَانَ تَصْدِيقُهَا لَهُ قَبْلَ لِعَانِهِ ، فَلَا لِعَانَ بَيْنَهُمَا ؛ لِأَنَّ اللِّعَانَ كَالْبَيِّنَةِ ، إنَّمَا يُقَامُ مَعَ الْإِنْكَارِ ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ لِعَانِهِ ، لَمْ تُلَاعِنْ هِيَ ؛ لِأَنَّهَا لَا تَحْلِفُ مَعَ الْإِقْرَارِ ، وَحُكْمُهَا حُكْمُ مَا لَوْ امْتَنَعَتْ مِنْ غَيْرِ إقْرَارٍ .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : إنْ صَدَّقَتْهُ قَبْلَ لِعَانِهِ ، فَعَلَيْهَا الْحَدُّ ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُلَاعِنَ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ ثَمَّ نَسَبٌ يَنْفِيهِ ، فَيُلَاعِنُ وَحْدَهُ ، وَيَنْتَفِي النَّسَبُ بِمُجَرَّدِ لِعَانِهِ ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ لِعَانِهِ ، فَقَدْ انْتَفَى النَّسَبُ ، وَلَزِمَهَا الْحَدُّ ؛ بِنَاءً عَلَى أَنَّ النَّسَبَ يَنْتَفِي بِمُجَرَّدِ لِعَانِهِ ، وَتَقَعُ الْفُرْقَةُ ، وَيَجِبُ الْحَدُّ ، فَإِنَّ الْحَدَّ يَجِبُ بِإِقْرَارِ مَرَّةٍ .\rوَهَذِهِ الْأُصُولُ قَدْ مَضَى أَكْثَرُهَا .\rوَلَوْ أَقَرَّتْ أَرْبَعًا ، وَجَبَ الْحَدُّ ، وَلَا لِعَانَ بَيْنَهُمَا إذَا لَمْ يَكُنْ ثَمَّ نَسَبٌ يُنْفَى .\rوَإِنْ رَجَعَتْ سَقَطَ الْحَدُّ عَنْهَا ، بِغَيْرِ خِلَافٍ عَلِمْنَاهُ .\rوَبِهِ يَقُولُ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rفَإِنَّ الرُّجُوعَ عَنْ الْإِقْرَارِ بِالْحَدِّ مَقْبُولٌ ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُلَاعِنَ لِلْحَدِّ ، فَإِنَّهُ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ لِتَصْدِيقِهَا إيَّاهُ .\rوَإِنْ أَرَادَ لِعَانَهَا لِنَفْيِ نَسَبٍ ، فَظَاهِرُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ ، أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الصُّوَرِ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَهُ لِعَانُهَا لِنَفْيِ النَّسَبِ فِيهَا كُلِّهَا ؛ لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ عَفِيفَةً صَالِحَةً فَكَذَّبَتْهُ ، مَلَكَ نَفْيَ وَلَدِهَا ، فَإِذَا كَانَتْ فَاجِرَةً فَصَدَّقَتْهُ ، فَلَأَنْ","part":17,"page":393},{"id":8393,"text":"يَمْلِكَ نَفْيَ وَلَدِهَا أَوْلَى ، وَوَجْهُ الْأَوَّلِ ، أَنَّ نَفْيَ الْوَلَدِ إنَّمَا يَكُونُ بِلِعَانِهِمَا مَعًا ، وَقَدْ تَعَذَّرَ اللِّعَانُ مِنْهُمَا ؛ وَلِأَنَّهَا لَا تُسْتَحْلَفُ عَلَى نَفْيِ مَا تَقْرَبُهُ ، فَتَعَذَّرَ نَفْيُ الْوَلَدِ لِتَعَذُّرِ سَبَبِهِ ، كَمَا لَوْ مَاتَ بَعْدَ الْقَذْفِ وَقَبْلَ اللِّعَانِ .","part":17,"page":394},{"id":8394,"text":"( 6297 ) فَصْلٌ : وَلَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ : يَا زَانِيَةُ .\rفَقَالَتْ : بِك زَنَيْت .\rفَلَا حَدَّ عَلَيْهَا ، وَلَا عَلَيْهِ وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ : عَلَيْهِ حَدُّ الْقَذْفِ ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنَّهَا أَرَادَتْ بِذَلِكَ نَفْيَ الزِّنَا عَنْ نَفْسِهَا ، كَمَا يَسْتَعْمِلُ أَهْلُ الْعُرْفِ فِيمَا إذَا قَالَ قَائِلٌ : سَرَقْت .\rقَالَ : مَعَك سَرَقْت .\rأَيْ أَنَا لَمْ أَسْرِقْ ؛ لِكَوْنِك أَنْتَ لَمْ تَسْرِقْ .\rوَلَنَا أَنَّهَا صَدَّقَتْهُ فِي قَذْفِهِ إيَّاهَا ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَالَتْ : صَدَقْت .\rوَلَا حَدَّ عَلَيْهَا ؛ لِأَنَّ حَدَّ الزِّنَا لَا يَثْبُتُ إلَّا بِالْإِقْرَارِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ ، وَلَيْسَ عَلَيْهَا حَدُّ الْقَذْفِ ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَقْذِفْهُ ، وَإِنَّمَا أَقَرَّتْ عَلَى نَفْسِهَا بِزِنَاهَا بِهِ ، وَيُمْكِنُ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ كَوْنِهِ زَانِيًا ، بِأَنْ يَظُنَّهَا زَوْجَتَهُ وَهِيَ عَالِمَةٌ أَنَّهُ أَجْنَبِيٌّ ، وَلِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ تُرِيدَ نَفْيَ ذَلِكَ عَنْهُمَا ، كَمَا ذَكَرُوهُ ، أَوْ أَنَّهُ لَمْ يَطَأْنِي سِوَاكَ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ زِنًا فَأَنْتَ شَرِيكِي فِيهِ .\rوَلَا يَجِبُ الْحَدُّ مَعَ الِاحْتِمَالِ ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ سُقُوطِهِ عَنْ الرَّجُلِ بِظَاهِرِ تَصْدِيقِهَا ، وُجُوبُهُ عَلَيْهَا مَعَ الِاحْتِمَالِ ؛ فَإِنَّ الْحَدَّ يُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ ، وَلَا يَجِبُ بِهَا .\rوَلَوْ قَالَ : يَا زَانِيَةُ .\rفَقَالَتْ : أَنْتِ أَزْنَى مِنِّي .\rفَقَالَ أَبُو بَكْرٍ فِيهَا كَاَلَّتِي قَبْلَهَا : لَا حَدَّ عَلَى الزَّوْجِ ؛ بِتَصْدِيقِهَا لَهُ ، وَلَا عَلَى الْمَرْأَةِ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا فِي الَّتِي قَبْلَهَا .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ : لَيْسَ قَوْلُهَا قَذْفًا .\rقَالَ الشَّافِعِيُّ : إلَّا أَنْ تُرِيدَ الْقَذْفَ ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ تُرِيدَ أَنَّهُ أَصَابَنِي وَهُوَ زَوْجِي ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ ، فَهُوَ أَبْلَغُ مِنِّي فِيهِ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : عَلَيْهَا حَدٌّ لِقَذْفِهَا ، وَلَا حَدَّ عَلَيْهِ لِتَصْدِيقِهَا إيَّاهُ ، وَقَدْ أَتَتْ بِصَرِيحِ قَذْفِهِ بِالزِّنَا ، فَوَجَبَ عَلَيْهَا الْحَدُّ ، كَمَا لَوْ قَالَتْ : أَنْتَ زَانٍ .\rوَالِاحْتِمَالُ مَعَ التَّصْرِيحِ","part":17,"page":395},{"id":8395,"text":"بِالْقَذْفِ ، لَا يَمْنَعُ الْحَدَّ ، كَمَا لَوْ قَالَتْ : أَنْتَ زَانٍ .\rفَأَمَّا إنْ قَالَ : يَا زَانِيَةُ .\rفَقَالَتْ : بَلْ أَنْتَ زَانٍ .\rفَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَاذِفٌ لِصَاحِبِهِ ، عَلَيْهِ حَدُّ الْقَذْفِ ؛ إلَّا أَنَّ الْمَرْأَةَ لَا تَمْلِكُ إسْقَاطَ حَدِّهَا إلَّا بِالْبَيِّنَةِ ، وَالزَّوْجُ يَمْلِكُ إسْقَاطَهُ بِبَيِّنَةِ أَوْ لِعَانٍ .","part":17,"page":396},{"id":8396,"text":"كِتَابُ الْعِدَدِ الْأَصْلُ فِي وُجُوبِ الْعِدَّةِ : الْكِتَابُ وَالسَّنَةُ وَالْإِجْمَاعُ ؛ أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى { وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ } وَقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ : { وَاَللَّائِي يَئِسْنَ مِنْ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إنْ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاَللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ } وقَوْله تَعَالَى : { وَاَلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا } .\rوَأَمَّا السُّنَّةُ ، فَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ، أَنْ تُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ ، إلَّا عَلَى زَوْجٍ ، أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا } .\r{ وَقَالَ لَفَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ : اعْتَدِّي فِي بَيْتِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ } فِي آيٍ وَأَحَادِيثَ كَثِيرَةٍ .\rوَأَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى وُجُوبِ الْعِدَّةِ فِي الْجُمْلَةِ ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي أَنْوَاعٍ مِنْهَا .\rوَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْمُطَلَّقَةَ قَبْلَ الْمَسِيسِ لَا عِدَّةَ عَلَيْهَا ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا نَكَحْتُمْ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا } وَلِأَنَّ الْعِدَّةَ تَجِبُ لِبَرَاءَةِ الرَّحِمِ ، وَقَدْ تَيَقَّنَّاهَا هَاهُنَا .\rوَهَكَذَا كُلّ فُرْقَةٍ فِي الْحَيَاةِ ، كَالْفَسْخِ لِرَضَاعٍ ، أَوْ عَيْبٍ ، أَوْ عِتْقٍ ، أَوْ لِعَانٍ ، أَوْ اخْتِلَافِ دِينٍ .","part":17,"page":397},{"id":8397,"text":"( 6298 ) فَصْلٌ : وَتَجِبُ الْعِدَّةُ عَلَى الذِّمِّيَّةِ مِنْ الذِّمِّيِّ وَالْمُسْلِمِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إنْ لَمْ تَكُنْ مِنْ دِينِهِمْ ، لَمْ تَلْزَمْهَا ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يُخَاطَبُونَ بِفُرُوعِ الدِّينِ .\rوَلَنَا عُمُومُ الْآيَاتِ ، وَلِأَنَّهَا بَائِنٌ بَعْدَ الدُّخُولِ ، أَشْبَهَ الْمُسْلِمَةَ .\rوَعِدَّتُهَا كَعِدَّةِ الْمُسْلِمَةِ ، فِي قَوْلِ عُلَمَاءِ الْأَمْصَارِ ؛ مِنْهُمْ مَالِكٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْي وَمَنْ تَبِعَهُمْ ، إلَّا مَا رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ ، أَنَّهُ قَالَ : تَعْتَدُّ مِنْ الْوَفَاةِ بِحَيْضَةِ .\rوَلَنَا عُمُومُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَاَلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا } وَلِأَنَّهَا مُعْتَدَّةٌ مِنْ الْوَفَاةِ ، أَشْبَهَتْ الْمُسْلِمَةَ .","part":17,"page":398},{"id":8398,"text":"( 6299 ) فَصْلٌ : وَالْمُعْتَدَّاتُ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ : مُعْتَدَّةٌ بِالْحَمْلِ ، وَهِيَ كُلُّ امْرَأَةٍ حَامِلٍ مِنْ زَوْجٍ ، إذَا فَارَقَتْ زَوْجَهَا بِطَلَاقٍ أَوْ فَسْخٍ أَوْ مَوْتِهِ عَنْهَا ، حُرَّةً كَانَتْ أَوْ أَمَةً ، مُسْلِمَةً أَوْ كَافِرَةً ، فَعِدَّتُهَا بِوَضْعِ الْحَمْلِ ، وَلَوْ بَعْدَ سَاعَةٍ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ } .\rوَالثَّانِي ، مُعْتَدَّةٌ بِالْقُرُوءِ ، وَهِيَ كُلُّ مُعْتَدَّةٍ مِنْ فُرْقَةٍ فِي الْحَيَاةِ ، أَوْ وَطْءٍ فِي غَيْرِ نِكَاحٍ ، إذَا كَانَتْ ذَاتَ قُرْءٍ ، فَعِدَّتُهَا الْقُرْءُ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى { وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ } .\rوَالثَّالِثُ ، مُعْتَدَّةٌ بِالشُّهُورِ ، وَهِيَ كُلّ مَنْ تَعْتَدُّ بِالشَّهْرِ إذَا لَمْ تَكُنْ ذَاتَ قُرْءٍ ؛ لِصِغَرٍ ، أَوْ يَأْسٍ ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَاَللَّائِي يَئِسْنَ مِنْ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إنْ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاَللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ } .\rوَذَوَاتُ الْقُرْءِ إذَا ارْتَفَعَ حَيْضُهَا لَا تَدْرِي مَا رَفَعَهُ ، اعْتَدَّتْ بِتِسْعَةِ أَشْهُرٍ لِلْحَمْلِ .\rوَعِدَّةُ الْآيِسَةِ ، وَكُلُّ مَنْ تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا وَلَا حَمْلَ بِهَا قَبْلَ الدُّخُولِ أَوْ بَعْدَهُ ، حُرَّةً أَوْ أَمَةً ، فَعِدَّتُهَا بِالشُّهُورِ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَاَلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا .\r}","part":17,"page":399},{"id":8399,"text":"( 6300 ) فَصْلٌ : وَكَّلَ فُرْقَةٍ بَيْنَ زَوْجَيْنِ فَعِدَّتُهَا عِدَّةُ الطَّلَاقِ ، سَوَاءٌ كَانَتْ بِخُلْعٍ أَوْ لِعَانٍ أَوْ رَضَاعٍ ، أَوْ فَسْخٍ بِعَيْبٍ ، أَوْ إعْسَارٍ ، أَوْ إعْتَاقٍ ، أَوْ اخْتِلَافِ دِينٍ ، أَوْ غَيْرِهِ ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rوَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّ عِدَّةَ الْمُلَاعَنَةِ تِسْعَةُ أَشْهُرٍ .\rوَأَبَى ذَلِكَ سَائِرُ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَقَالُوا : عِدَّتُهَا عِدَّةُ الطَّلَاقِ ؛ لِأَنَّهَا مُفَارِقَةٌ فِي الْحَيَاةِ ، فَأَشْبَهَتْ الْمُطَلَّقَةَ .\rوَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ يَقُولُونَ : عِدَّةُ الْمُخْتَلِعَةِ عِدَّةُ الْمُطَلَّقَةِ ؛ مِنْهُمْ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ، وَسَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، وَعُرْوَةُ ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَالْحَسَنُ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَقَتَادَةُ وَخِلَاسُ بْنُ عَمْرٍو ، وَأَبُو عِيَاضٍ وَمَالِكٌ ، وَاللَّيْثُ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَرُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ، وَابْنِ عُمَرَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَأَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ ، وَإِسْحَاقَ ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ ، أَنَّ عِدَّةَ الْمُخْتَلِعَةِ حَيْضَةٌ .\rوَرَوَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ أَحْمَدَ لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ امْرَأَةَ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ اخْتَلَعَتْ مِنْهُ ، فَجَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِدَّتَهَا حَيْضَةً .\rرَوَاهُ النَّسَائِيّ .\rوَعَنْ رُبَيِّعٍ بِنْتِ مُعَوِّذٍ مِثْلُ ذَلِكَ ، وَأَنْ عُثْمَانَ قَضَى بِهِ .\rرَوَاهُ النَّسَائِيّ ، وَابْنُ مَاجَهْ .\rوَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ } .\rوَلِأَنَّهَا فُرْقَةٌ بَعْدَ الدُّخُولِ فِي الْحَيَاةِ ، فَكَانَتْ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ ، كَغَيْرِ الْخُلْعِ ، وَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { قُرْءُ الْأَمَةِ حَيْضَتَانِ } .\rعَامٌ ، وَحَدِيثُهُمْ يَرْوِيهِ عِكْرِمَةُ مُرْسَلًا ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ : هُوَ ضَعِيفٌ مُرْسَلٌ وَقَوْلُ عُثْمَانَ وَابْنِ عَبَّاسٍ ، قَدْ خَالَفَهُ قَوْلُ عُمَرَ وَعَلِيٌّ ، فَإِنَّهُمَا قَالَا : عِدَّتُهَا ثَلَاثُ حِيَضٍ .\rوَقَوْلُهُمَا","part":17,"page":400},{"id":8400,"text":"أَوْلَى .\rوَأَمَّا ابْنُ عُمَرَ ، فَقَدْ رَوَى مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ ، أَنَّهُ قَالَ : عِدَّةُ الْمُخْتَلِعَةِ عِدَّةُ مُطَلَّقَةٍ .\rوَهُوَ أَصَحُّ عَنْهُ .","part":17,"page":401},{"id":8401,"text":"( 6301 ) فَصْلٌ : وَالْمَوْطُوءَةُ بِشُبْهَةٍ تَعْتَدُّ عِدَّةَ الْمُطَلَّقَةِ ، وَكَذَلِكَ الْمَوْطُوءَةُ فِي نِكَاحٍ فَاسِدٍ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ؛ لِأَنَّ وَطْءَ الشُّبْهَةِ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ ، فِي شَغْلِ الرَّحِمِ وَلُحُوقِ النَّسَبِ ، كَالْوَطْءِ فِي النِّكَاحِ الصَّحِيحِ ، فَكَانَ مِثْلَهُ فِيمَا تَحْصُلُ بِهِ الْبَرَاءَةُ .\rوَإِنْ وُطِئَتْ الْمُزَوِّجَة بِشُبْهَةٍ ، لَمْ يَحِلَّ لِزَوْجِهَا وَطْؤُهَا قَبْلَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا ، كَيْ لَا يُفْضِيَ إلَى اخْتِلَاطِ الْمِيَاهِ وَاشْتِبَاهِ الْأَنْسَابِ ، وَلَهُ الِاسْتِمْتَاعُ مِنْهَا بِمَا دُونَ الْفَرْجِ ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ ؛ لِأَنَّهَا زَوْجَةٌ حَرُمَ وَطْؤُهَا لِعَارِضٍ مُخْتَصٍّ بِالْفَرْجِ ، فَأُبِيحَ الِاسْتِمْتَاعُ مِنْهَا بِمَا دُونَهُ ، كَالْحَائِضِ .","part":17,"page":402},{"id":8402,"text":"( 6302 ) فَصْلٌ : وَالْمَزْنِيُّ بِهَا ، كَالْمَوْطُوءَةِ بِشُبْهَةٍ فِي الْعِدَّةِ .\rوَبِهَذَا قَالَ الْحَسَنُ ، وَالنَّخَعِيُّ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى ، أَنَّهَا تُسْتَبْرَأُ بِحَيْضَةٍ ذَكَرهَا ابْنُ أَبِي مُوسَى .\rوَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ ، وَرُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا لَا عِدَّةَ عَلَيْهَا .\rوَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ ؛ لِأَنَّ الْعِدَّةَ لِحِفْظِ النَّسَبِ ، وَلَا يَلْحَقُهُ نَسَبٌ .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ .\rوَلَنَا أَنَّهُ وَطْءٌ يَقْتَضِي شَغْلَ الرَّحِمِ ، فَوَجَبَتْ الْعِدَّةُ مِنْهُ ، كَوَطْءِ الشُّبْهَةِ .\rوَأَمَّا وُجُوبُهَا كَعِدَّةِ الْمُطَلَّقَةِ ، فَلِأَنَّهَا حُرَّةٌ فَوَجَبَ اسْتِبْرَاؤُهَا بِعِدَّةٍ كَامِلَةٍ ، كَالْمَوْطُوءَةِ بِشُبْهَةٍ .\rوَقَوْلُهُمْ : إنَّمَا تَجِبُ لِحِفْظِ النَّسَبِ .\rلَا يَصِحُّ ، فَإِنَّهَا لَوْ اخْتَصَّتْ بِذَلِكَ ، لَمَا وَجَبَتْ عَلَى الْمُلَاعَنَةِ الْمَنْفِيِّ وَلَدُهَا ، وَالْآيِسَةِ ، وَالصَّغِيرَةِ ، وَلَمَا وَجَبَ اسْتِبْرَاءُ الْأَمَةِ الَّتِي لَا يَلْحَقُ وَلَدُهَا بِالْبَائِعِ ، وَلَوْ وَجَبَتْ لِذَلِكَ ، لَكَانَ اسْتِبْرَاءُ الْأَمَهِ عَلَى الْبَائِعِ ، ثُمَّ لَوْ ثَبَتَ أَنَّهَا وَجَبَتْ لِذَلِكَ ، فَالْحَاجَةُ إلَيْهَا دَاعِيَةٌ ؛ فَإِنَّ الْمَزْنِيَّ بِهَا إذَا تَزَوَّجَتْ قَبْلَ الِاعْتِدَادِ ، اشْتَبَهَ وَلَدُ الزَّوْجِ بِالْوَلَدِ مِنْ الزِّنَا ، فَلَا يَحْصُلُ حِفْظُ النَّسَبِ .","part":17,"page":403},{"id":8403,"text":"( 6303 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - : ( وَإِذَا طَلَّقَ الرَّجُلُ زَوْجَتَهُ وَقَدْ خَلَا بِهَا ، فَعِدَّتُهَا ثَلَاثُ حِيَضٍ غَيْرَ الْحَيْضَةِ الَّتِي طَلَّقَهَا فِيهَا ) فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثَةُ فُصُولٍ : ( 6304 ) الْفَصْلُ الْأَوَّلُ : أَنَّ الْعِدَّةَ تَجِبُ عَلَى كُلِّ مَنْ خَلَا بِهَا زَوْجُهَا ، وَإِنْ لَمْ يَمَسَّهَا .\rوَلَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي وُجُوبِهَا عَلَى الْمُطَلَّقَةِ بَعْدَ الْمَسِيسِ ، فَأَمَّا إنْ خَلَا بِهَا وَلَمْ يُصِبْهَا ، ثُمَّ طَلَّقَهَا ، فَإِنَّ مَذْهَبَ أَحْمَدَ وُجُوبُ الْعِدَّةِ عَلَيْهَا .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ وَزَيْدٍ ، وَابْنِ عُمَرَ .\rوَبِهِ قَالَ عُرْوَةُ ، وَعَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ ، وَعَطَاءٌ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ، وَالشَّافِعِيُّ فِي قَدِيمِ قَوْلَيْهِ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْجَدِيدِ : لَا عِدَّةَ عَلَيْهَا ؛ وقَوْله تَعَالَى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا نَكَحْتُمْ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا } وَهَذَا نَصٌّ ، وَلِأَنَّهَا مُطَلَّقَةٌ لَمْ تُمَسَّ ، فَأَشْبَهَتْ مَنْ لَمْ يُخْلَ بِهَا .\rوَلَنَا إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ ، رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ ، الْأَثْرَمُ ، بِإِسْنَادِهِمَا عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى ، قَالَ : قَضَى الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ أَنَّ مَنْ أَرْخَى سِتْرًا ، أَوْ أَغْلَقَ بَابًا ، فَقَدْ وَجَبَ الْمَهْرُ ، وَوَجَبَتْ الْعِدَّةُ .\rوَرَوَاهُ الْأَثْرَمُ أَيْضًا عَنْ الْأَحْنَفِ ، عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ ، وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، عَنْ عُمَرَ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ .\rوَهَذِهِ قَضَايَا اشْتَهَرَتْ ، فَلَمْ تُنْكَرْ ، فَصَارَتْ إجْمَاعًا .\rوَضَعَّفَ أَحْمَدُ مَا رُوِيَ فِي خِلَافِ ذَلِكَ ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي كِتَابِ الصَّدَاقِ .\rوَلِأَنَّهُ عَقْدٌ عَلَى الْمَنَافِعِ ، وَالتَّمْكِينُ فِيهِ يَجْرِي مَجْرَى الِاسْتِيفَاءِ فِي الْأَحْكَامِ الْمُتَعَلِّقَةِ ، كَعَقْدِ الْإِجَارَةِ ، وَالْآيَةُ مَخْصُوصَةٌ بِمَا ذَكَرْنَاهُ ، وَلَا يَصِحُّ الْقِيَاسُ عَلَى","part":17,"page":404},{"id":8404,"text":"مَنْ لَمْ يَخْلُ بِهَا ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْهَا التَّمْكِينُ .","part":17,"page":405},{"id":8405,"text":"( 6305 ) فَصْلٌ : وَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ ، أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَخْلُوَ بِهَا مَعَ الْمَانِعِ مِنْ الْوَطْءِ ، أَوْ مَعَ عَدَمِهِ ، سَوَاءٌ كَانَ الْمَانِعُ حَقِيقِيًّا ، كَالْجُبِّ وَالْعُنَّةِ وَالْفَتْقِ وَالرَّتْقُ ، أَوْ شَرْعِيًّا كَالصَّوْمِ وَالْإِحْرَامِ وَالْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ وَالظِّهَارِ ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ عُلِّقَ هَاهُنَا عَلَى الْخَلْوَةِ الَّتِي هِيَ مَظِنَّةُ الْإِصَابَةِ دُونَ حَقِيقَتِهَا ، وَلِهَذَا لَوْ خَلَا بِهَا فَأَتَتْ بِوَلَدٍ لِمُدَّةِ الْحَمْلِ ، لَحِقَهُ نَسَبُهُ ، وَإِنْ لَمْ يَطَأْ .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّ الصَّدَاقَ لَا يَكْمُلُ مَعَ وُجُودِ الْمَانِعِ ، فَكَذَلِكَ يُخَرَّجُ فِي الْعِدَّةِ .\rوَرُوِيَ عَنْهُ ، أَنَّ صَوْمَ شَهْرِ رَمَضَانَ يَمْنَعُ كَمَالَ الصَّدَاقِ مَعَ الْخَلْوَةِ ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مَتَى كَانَ الْمَانِعُ مُتَأَكِّدًا ، كَالْإِحْرَامِ وَشِبْهِهِ ، مَنَعَ كَمَالَ الصَّدَاقِ ، وَلَمْ تَجِبْ الْعِدَّةُ ؛ لِأَنَّ الْخَلْوَةَ إنَّمَا أُقِيمَتْ مُقَامَ الْمَسِيسِ ؛ لِأَنَّهَا مَظِنَّةٌ لَهُ ، وَمَعَ الْمَانِعِ لَا تَتَحَقَّقُ الْمَظِنَّةُ .\rفَأَمَّا إنْ خَلَا بِهَا ، وَهِيَ صَغِيرَةٌ لَا يُمْكِنُ وَطْؤُهَا ، أَوْ كَانَ أَعْمَى فَلَمْ يَعْلَمْ بِهَا ، فَلَا عِدَّةَ عَلَيْهَا ، وَلَا يَكْمُلُ صَدَاقُهَا ؛ لِأَنَّ الْمَظِنَّةَ لَا تَتَحَقَّقُ مَعَ ظُهُورِ اسْتِحَالَةِ الْمَسِيسِ .","part":17,"page":406},{"id":8406,"text":"( 6306 ) الْفَصْلُ الثَّانِي : إنَّ عِدَّةَ الْمُطَلَّقَةِ ، إذَا كَانَتْ حُرَّةً وَهِيَ مِنْ ذَوَاتِ الْقُرُوءِ ، ثَلَاثَةُ قُرُوءٍ .\rبِلَا خِلَافٍ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ ؛ وَذَلِكَ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ } .\rوَالْقُرْءُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ يَقَعُ عَلَى الْحَيْضِ وَالطُّهْرِ جَمِيعًا ، فَهُوَ مِنْ الْأَسْمَاءِ الْمُشْتَرَكَةِ ، قَالَ أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ ثَعْلَبٍ : الْقُرُوءُ الْأَوْقَاتُ ، الْوَاحِدُ قُرْءٌ ، وَقَدْ يَكُونُ حَيْضًا وَقَدْ يَكُونُ طُهْرًا ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَأْتِي لِوَقْتٍ .\rقَالَ الشَّاعِرُ : كَرِهْت الْعَقْرَ عَقْرَ بَنِي تَمِيمٍ إذَا هَبَّتْ لِقَارِيهَا الرِّيَاحُ يَعْنِي : لِوَقْتِهَا .\rوَقَالَ الْخَلِيلُ بْنُ أَحْمَدَ يُقَالُ : أَقْرَأَتْ الْمَرْأَةُ : إذَا دَنَا حَيْضُهَا وَأَقْرَأَتْ : إذَا دَنَا طُهْرُهَا ، وَفِي الْحَدِيثِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { دَعِي الصَّلَاةَ أَيَّامَ أَقْرَائِك .\rفَهَذَا الْحَيْضُ .\r} وَقَالَ الشَّاعِرُ : مُوَرِّثَةً عِزًّا وَفِي الْحَيِّ رِفْعَةً لِمَا ضَاعَ فِيهَا مِنْ قُرُوءِ نِسَائِكَا فَهَذَا الطُّهْرُ .\rوَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي الْمُرَادِ بِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ : { يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ } .\rوَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ فِي ذَلِكَ عَنْ أَحْمَدَ ، فَرُوِيَ أَنَّهَا الْحَيْضُ .\rرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ ، وَعَلِيٍّ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَالْعَنْبَرِيِّ ، وَإِسْحَاقَ وَأَبِي عُبَيْدٍ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ، وَعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَأَبِي مُوسَى ، وَعُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ .\rقَالَ الْقَاضِي : الصَّحِيحُ عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّ الْأَقْرَاءَ الْحَيْضُ .\rوَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَصْحَابُنَا ، وَرَجَعَ عَنْ قَوْلِهِ بِالْأَطْهَارِ ، فَقَالَ : فِي رِوَايَةِ النَّيْسَابُورِيِّ : كُنْتُ أَقُولُ : إنَّهُ الْأَطْهَارُ ، وَأَنَا أَذْهَبُ الْيَوْمَ إلَى أَنَّ الْأَقْرَاءَ الْحَيْضُ .\rوَقَالَ فِي رِوَايَةِ","part":17,"page":407},{"id":8407,"text":"الْأَثْرَمِ : كُنْتُ أَقُولُ الْأَطْهَارَ ، ثُمَّ وَقَفْتُ لِقَوْلِ الْأَكَابِرِ .\rوَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّ الْقُرُوءَ الْأَطْهَارُ .\rوَهُوَ قَوْلُ زَيْدٍ ، وَابْنِ عُمَرَ ، وَعَائِشَةَ ، وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ ، وَالْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، وَسَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، وَأَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَالزُّهْرِيِّ وَمَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي ثَوْرٍ .\rوَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ : مَا أَدْرَكْت أَحَدًا مِنْ فُقَهَائِنَا إلَّا وَهُوَ يَقُولُ ذَلِكَ .\rقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : رَجَعَ أَحْمَدُ إلَى أَنَّ الْقُرُوءَ الْأَطْهَارُ ، قَالَ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ : رَأَيْت الْأَحَادِيثَ عَمَّنْ قَالَ : الْقُرُوءُ الْحَيْضُ .\rتَخْتَلِفُ ، وَالْأَحَادِيثُ عَمَّنْ قَالَ : إنَّهُ أَحَقُّ بِهَا حَتَّى تَدْخُلَ فِي الْحَيْضَةَ الثَّالِثَةَ .\rأَحَادِيثُهَا صِحَاحٌ وَقَوِيَّةٌ .\rوَاحْتَجَّ مَنْ قَالَ ذَلِكَ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ } .\rأَيْ فِي عِدَّتِهِنَّ .\rكَقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ .\rأَيْ : فِي يَوْمِ الْقِيَامَةِ .\r} وَإِنَّمَا أَمَرَ بِالطَّلَاقِ فِي الطُّهْرِ لَا فِي الْحَيْضِ .\rوَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ : مُرْهُ { فَلْيُرَاجِعْهَا حَتَّى تَطْهُرَ ، ثُمَّ تَحِيضَ ، ثُمَّ تَطْهُرَ ، فَإِنْ شَاءَ طَلَّقَ ، وَإِنْ شَاءَ أَمْسَكَ ، فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ تُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ : ( فَطَلِّقُوهُنَّ فِي قُبُلِ عِدَّتِهِنَّ ) .\rوَلِأَنَّهَا عِدَّةٌ عَنْ طَلَاقٍ مُجَرَّدٍ مُبَاحٍ ، فَوَجَبَ أَنْ يُعْتَبَرَ عَقِيبَ الطَّلَاقِ ، وَكَعِدَّةِ الْآيِسَةِ وَالصَّغِيرَةِ وَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { وَاَللَّائِي يَئِسْنَ مِنْ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إنْ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاَللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ } .\rفَنَقَلَهُنَّ عِنْدَ عَدَمِ الْحَيْضِ إلَى الِاعْتِدَادِ بِالْأَشْهُرِ ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْأَصْلَ","part":17,"page":408},{"id":8408,"text":"الْحَيْضُ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : { فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا } .\rالْآيَةَ ، وَلِأَنَّ الْمَعْهُودَ فِي لِسَانِ الشَّرْعِ اسْتِعْمَالُ الْقُرْءِ بِمَعْنَى الْحَيْضِ ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { تَدَعُ الصَّلَاةَ أَيَّامَ أَقْرَائِهَا .\r} رَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَقَالَ لَفَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حُبَيْشٍ : { اُنْظُرِي ، فَإِذَا أَتَى قُرْؤُكِ ، فَلَا تُصَلِّي ، وَإِذَا مَرَّ قُرْؤُك ، فَتَطَهَّرِي ، ثُمَّ صَلِّي مَا بَيْنَ الْقُرْءِ إلَى الْقُرْءِ } رَوَاهُ النَّسَائِيّ .\rوَلَمْ يُعْهَدْ فِي لِسَانِهِ اسْتِعْمَالُهُ بِمَعْنَى الطُّهْرِ فِي مَوْضِعٍ ، فَوَجَبَ أَنْ يُحْمَلَ كَلَامُهُ عَلَى الْمَعْهُودِ فِي لِسَانِهِ .\rوَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { طَلَاقُ الْأَمَةِ طَلْقَتَانِ ، وَقُرْؤُهَا حَيْضَتَانِ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَغَيْرُهُ .\rفَإِنْ قَالُوا : هَذَا يَرْوِيهِ مُظَاهِرُ بْنُ مُسْلِمٍ ، وَهُوَ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ .\rقُلْنَا : قَدْ رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عِيسَى ، عَنْ عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، كَذَلِكَ أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ ، فِي ( سُنَنِهِ ) ، وَأَبُو بَكْرٍ الْخَلَّالُ ، فِي ( جَامِعِهِ ) ، وَهُوَ نَصٌّ فِي عِدَّةِ الْأَمَةِ ، فَكَذَلِكَ عِدَّةُ الْحُرَّةِ .\rوَلِأَنَّ ظَاهِرَ قَوْله تَعَالَى : { يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ } .\rوُجُوبُ التَّرَبُّصِ ثَلَاثَةً كَامِلَةً ، وَمَنْ جَعَلَ الْقُرُوءَ الْأَطْهَارَ ، لَمْ يُوجِبْ ثَلَاثَةً ؛ لِأَنَّهُ يَكْتَفِي بِطُهْرَيْنِ وَبَعْضِ الثَّالِثِ ، فَيُخَالِفُ ظَاهِرَ النَّصِّ ، وَمَنْ جَعَلَهُ الْحَيْضَ ، أَوْجَبَ ثَلَاثَةً كَامِلَةً ، فَيُوَافِقُ ظَاهِرَ النَّصِّ ، فَيَكُونُ أَوْلَى مِنْ مُخَالَفَتِهِ ، وَلِأَنَّ الْعِدَّةَ اسْتِبْرَاءٌ ، فَكَانَتْ بِالْحَيْضِ ، كَاسْتِبْرَاءِ الْأَمَةِ ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الِاسْتِبْرَاءَ لِمَعْرِفَةِ بَرَاءَةِ الرَّحِمِ مِنْ الْحَمْلِ ، وَاَلَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ الْحَيْضُ ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الِاسْتِبْرَاءُ بِهِ .\rفَإِنْ قِيلَ : لَا نُسَلِّمُ أَنَّ اسْتِبْرَاءَ الْأَمَةِ بِالْحَيْضَةِ ، وَإِنَّمَا هُوَ بِالطُّهْرِ الَّذِي قَبْلَ","part":17,"page":409},{"id":8409,"text":"الْحَيْضَةِ .\rكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، وَقَالَ : قَوْلُهُمْ : إنَّ اسْتِبْرَاءَ الْأَمَةِ حَيْضَةٌ بِإِجْمَاعٍ .\rلَيْسَ كَمَا ظَنُّوا ، بَلْ جَائِزٌ لَهَا عِنْدَنَا أَنْ تَنْكِحَ إذَا دَخَلَتْ فِي الْحَيْضَةِ ، وَاسْتَيْقَنَتْ أَنَّ دَمَهَا دَمُ حَيْضٍ ، كَذَلِكَ قَالَ إسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ لِيَحْيَى بْنِ أَكْثَمِ حِينَ دَخَلَ عَلَيْهِ فِي مُنَاظَرَتِهِ إيَّاهُ .\rقُلْنَا : هَذَا يَرُدُّهُ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا تُوطَأُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ ، وَلَا حَائِلٌ حَتَّى تُسْتَبْرَأَ بِحَيْضَةٍ } .\rوَلِأَنَّ الِاسْتِبْرَاءَ تَعَرُّفُ بَرَاءَةِ الرَّحِمِ ، وَإِنَّمَا يَحْصُلُ بِالْحَيْضَةِ ، لَا بِالطُّهْرِ الَّذِي قَبْلَهَا ، وَلِأَنَّ الْعِدَّةَ تَتَعَلَّقُ بِخُرُوجِ خَارِجٍ مِنْ الرَّحِمِ ، فَوَجَبَ أَنْ تَتَعَلَّقَ بِالطُّهْرِ ، كَوَضْعِ الْحَمْلِ ، يُحَقِّقُهُ أَنَّ الْعِدَّةَ مَقْصُودُهَا مَعْرِفَةُ بَرَاءَةِ الْمَرْأَةِ مِنْ الْحَمْلِ ، فَتَارَةً تَحْصُلُ بِوَضْعِهِ ، وَتَارَةً تَحْصُلُ بِمَا يُنَافِيهِ ، وَهُوَ الْحَيْضُ الَّذِي لَا يُتَصَوَّرُ وُجُودُهُ مَعَهُ .\rفَأَمَّا قَوْله تَعَالَى : { فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ } فَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ قَبْلَ عِدَّتِهِنَّ ، إذْ لَا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى الطَّلَاقِ فِي الْعِدَّةِ ، ضَرُورَةَ أَنَّ الطَّلَاقَ سَبَقَ الْعِدَّةَ ، لِكَوْنِهِ سَبَبَهَا ، وَالسَّبَبُ يَتَقَدَّمُ عَلَى الْحُكْمِ ، فَلَا يُوجَدْ قَبْلَهُ ، وَالطَّلَاقُ فِي الطُّهْرِ تَطْلِيقٌ قَبْلَ الْعِدَّةِ إذَا كَانَتْ الْأَقْرَاءُ الْحَيْضَ .","part":17,"page":410},{"id":8410,"text":"الْفَصْلُ الثَّالِثُ : أَنَّ الْحَيْضَةَ الَّتِي تَطْلُقُ فِيهَا ، لَا تُحْسَبُ مِنْ عِدَّتِهَا .\rبِغَيْرِ خِلَافٍ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِثَلَاثَةِ قُرُوءٍ ، فَتَنَاوَلَ ثَلَاثَةً كَامِلَةً ، وَاَلَّتِي طَلَّقَ فِيهَا لَمْ يَبْقَ مِنْهَا مَا تَتِمُّ بِهِ مَعَ اثْنَتَيْنِ ثَلَاثَةٌ كَامِلَةٌ ، فَلَا يُعْتَدُّ بِهَا .\rوَلِأَنَّ الطَّلَاقَ إنَّمَا حُرِّمَ فِي الْحَيْضِ ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ تَطْوِيلِ الْعِدَّةِ عَلَيْهَا ، فَلَوْ احْتَسَبَتْ بِتِلْكَ الْحَيْضَةِ قُرْءًا ، كَانَ أَقْصَرَ لِعِدَّتِهَا ، وَأَنْفَعَ لَهَا ، فَلَمْ يَكُنْ مُحَرَّمًا ، وَمَنْ قَالَ : الْقُرُوءُ الْأَطْهَارُ .\rاحْتَسَبَ لَهَا بِالطُّهْرِ الَّذِي طَلَّقَهَا فِيهِ قُرْءًا ، فَلَوْ طَلَّقَهَا وَقَدْ بَقِيَ مِنْ قُرْئِهَا لَحْظَةٌ ، حَسَبَهَا قُرْءًا ، وَهَذَا قَوْلُ كُلِّ مَنْ قَالَ : الْقُرُوءُ الْأَطْهَارُ .\rإلَّا الزُّهْرِيَّ وَحْدَهُ ، قَالَ : تَعْتَدُّ بِثَلَاثَةِ قُرُوءٍ سِوَى الطُّهْرِ الَّذِي طَلَّقَهَا فِيهِ .\r.\rوَحُكِيَ عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ ، أَنَّهُ إنْ كَانَ جَامَعَهَا فِي الطُّهْرِ ، لَمْ يَحْتَسِبْ بِبَقِيَّتِهِ ؛ لِأَنَّهُ زَمَنٌ حُرِّمَ فِيهِ الطَّلَاقُ ، فَلَمْ يَحْتَسِبْ بِهِ مِنْ الْعِدَّةِ ، كَزَمَنِ الْحَيْضِ .\rوَلَنَا أَنَّ الطَّلَاقَ حُرِّمَ فِي زَمَنِ الْحَيْضِ دَفْعًا لِضَرَرِ تَطْوِيلِ الْعِدَّةِ عَلَيْهَا ، فَلَوْ لَمْ يَحْتَسِبْ بِبَقِيَّةِ الطُّهْرِ قُرْءًا ، كَانَ الطَّلَاقُ فِي الطُّهْرِ أَضَرَّ بِهَا ، وَأَطْوَلَ عَلَيْهَا ، وَمَا ذُكِرَ عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ تَحْرِيمَ الطَّلَاقِ فِي الْحَيْضِ لِكَوْنِهَا لَا تَحْتَسِبُ بِبَقِيَّتِهِ ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ تُجْعَلَ الْعِلَّةُ فِي عَدَمِ الِاحْتِسَابِ تَحْرِيمَ الطَّلَاقِ ، فَتَصِيرَ الْعِلَّةُ مَعْلُولًا ، وَإِنَّمَا تَحْرِيمُ الطَّلَاقِ فِي الطُّهْرِ الَّذِي أَصَابَهَا فِيهِ ، لِكَوْنِهَا مُرْتَابَةً ، وَلِكَوْنِهِ لَا يَأْمَنُ النَّدَمَ بِظُهُورِ حَمْلِهَا ، فَأَمَّا إنْ انْقَضَتْ حُرُوفُ الطَّلَاقِ مَعَ انْقِضَاءِ الطُّهْرِ ، فَإِنَّ الطَّلَاقَ يَقَعُ فِي أَوَّلِ الْحَيْضَةِ ، وَيَكُونُ مُحَرَّمًا ، وَلَا تَحْتَسِبُ بِتِلْكَ الْحَيْضَةِ مِنْ عِدَّتِهَا ،","part":17,"page":411},{"id":8411,"text":"وَتَحْتَاجُ أَنْ تَعْتَدَّ بِثَلَاثِ حِيَضٍ بَعْدَهَا ، أَوْ ثَلَاثَةِ أَطْهَارٍ ، عَلَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى .\rوَلَوْ قَالَ لَهَا : أَنْتِ طَالِقٌ فِي آخِرِ طُهْرِكِ .\rأَوْ فِي آخِرِ جُزْءٍ مِنْ طُهْرِك .\rأَوْ انْقَضَتْ حُرُوفُ الْإِيقَاعِ ، وَلَمْ يَبْقَ مِنْ الطُّهْرِ إلَّا زَمَنُ الْوُقُوعِ ، فَإِنَّهَا لَا تَحْتَسِبُ بِالطُّهْرِ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ الطَّلَاقُ ؛ لِأَنَّ الْعِدَّةَ لَا تَكُونُ إلَّا بَعْدَ وُقُوعِ الطَّلَاقِ ، وَلَيْسَ بَعْدَهُ طُهْرٌ تَعْتَدُّ بِهِ ، وَلَا يَجُوزُ الِاعْتِدَادُ بِمَا قَبْلَهُ .\rوَلَا بِمَا قَارَبَهُ ، وَمَنْ جَعَلَ الْقُرْءَ الْحَيْضَ ، اعْتَدَّ لَهَا بِالْحَيْضَةِ الَّتِي تَلِي الطَّلَاقَ ؛ لِأَنَّهَا حَيْضَةٌ كَامِلَةٌ ، لَمْ يَقَعْ فِيهَا طَلَاقٌ ، فَوَجَبَ أَنْ تَعْتَدَّ بِهَا قُرْءًا .\rوَإِنْ اخْتَلَفَا ، فَقَالَ الزَّوْجُ : وَقَعَ الطَّلَاقُ فِي أَوَّلِ الْحَيْضِ .\rوَقَالَتْ : بَلْ فِي آخِرِ الطُّهْرِ .\rأَوْ قَالَ : انْقَضَتْ حُرُوفُ الطَّلَاقِ مَعَ انْقِضَاءِ الطُّهْرِ .\rوَقَالَتْ : بَلْ قَدْ بَقِيَ مِنْهُ بَقِيَّةٌ .\rفَالْقَوْلُ قَوْلُهَا ؛ لِأَنَّ قَوْلَهَا مَقْبُولٌ فِي الْحَيْضِ ، وَفِي انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ .","part":17,"page":412},{"id":8412,"text":"( 6308 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( فَإِذَا اغْتَسَلَتْ مِنْ الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ ، أُبِيحَتْ لِلْأَزْوَاجِ ) حَكَى أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ حَامِدٍ ، فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ رِوَايَتَيْنِ : إحْدَاهُمَا ، أَنَّهَا فِي الْعِدَّةِ مَا لَمْ تَغْتَسِلْ ، فَيُبَاحُ لِزَوْجِهَا ارْتِجَاعُهَا ، وَلَا يَحِلُّ لِغَيْرِهِ نِكَاحُهَا .\rقَالَ أَحْمَدُ عُمَرُ وَعَلِيُّ وَابْنُ مَسْعُودٍ يَقُولُونَ : قَبْلَ أَنْ تَغْتَسِلَ مِنْ الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَالثَّوْرِيِّ وَإِسْحَاقَ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وَعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ وَأَبِي مُوسَى وَعُبَادَةَ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ قَالَ شَرِيكٌ لَهُ الرَّجْعَةُ وَإِنْ فَرَّطَتْ فِي الْغُسْلِ عِشْرِينَ سَنَةً .\rقَالَ أَبُو بَكْرٍ وَرُوِيَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهَا فِي عِدَّتِهَا ، وَلِزَوْجِهَا رَجْعَتُهَا حَتَّى يَمْضِيَ وَقْتُ الصَّلَاةِ الَّتِي طَهُرَتْ فِي وَقْتِهَا .\rوَهَذَا قَوْلُ الثَّوْرِيِّ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إذَا انْقَطَعَ الدَّمُ لِدُونِ أَكْثَرِ الْحَيْضِ .\rفَإِنْ انْقَطَعَ لِأَكْثَرِهِ ، انْقَضَتْ الْعِدَّةُ بِانْقِطَاعِهِ .\rوَوَجْهُ اعْتِبَارِ الْغُسْلِ قَوْلُ الْأَكَابِرِ مِنْ الصَّحَابَةِ ، وَلَا مُخَالِفَ لَهُمْ فِي عَصْرِهِمْ ، فَيَكُونُ إجْمَاعًا .\rوَلِأَنَّهَا مَمْنُوعَةٌ مِنْ الصَّلَاةِ بِحُكْمِ حَدَثِ الْحَيْضِ ، فَأَشْبَهَتْ الْحَائِضَ ، وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ أَنَّ الْعِدَّةَ تَنْقَضِي بِطُهْرِهَا مِنْ الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ وَانْقِطَاعِ دَمِهَا .\rاخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَالشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيمِ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : { يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ } .\rوَقَدْ كَمَّلَتْ الْقُرُوءُ ، بِدَلِيلِ وُجُوبِ الْغُسْلِ عَلَيْهَا ، وَوُجُوبِ الصَّلَاةِ ، وَفِعْلِ الصِّيَامِ ، وَصِحَّتِهِ مِنْهَا ، وَلِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ حُكْمُ الْعِدَّةِ فِي الْمِيرَاثِ ، وَوُقُوعِ الطَّلَاقِ بِهَا ، وَاللِّعَانِ ، وَالنَّفَقَةِ ، فَكَذَلِكَ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ .\rقَالَ الْقَاضِي : إذَا شَرَطْنَا الْغُسْلَ ، أَفَادَ عَدَمُهُ","part":17,"page":413},{"id":8413,"text":"إبَاحَةَ الرَّجْعَةِ وَتَحْرِيمَهَا عَلَى الْأَزْوَاجِ ، فَأَمَّا سَائِرُ الْأَحْكَامِ ، فَإِنَّهَا تَنْقَطِعُ بِانْقِطَاعِ دَمِهَا .\rفَصْلٌ : ( 6309 ) وَإِنْ قُلْنَا : الْقُرُوءُ الْأَطْهَارُ .\rفَطَلَّقَهَا وَهِيَ طَاهِرٌ ، انْقَضَتْ عِدَّتُهَا بِرُؤْيَةِ الدَّمِ مِنْ الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ ، وَإِنْ طَلَّقَهَا حَائِضًا ، انْقَضَتْ عِدَّتُهَا بِرُؤْيَةِ الدَّمِ مِنْ الْحَيْضَةِ الرَّابِعَةِ .\rوَهَذَا قَوْلُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَابْنِ عُمَرَ وَعَائِشَةَ وَالْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ وَسَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَأَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ وَمَالِكٍ ، وَأَبِي ثَوْرٍ .\rوَهُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ .\rوَحُكِيَ عَنْهُ قَوْلٌ آخَرُ ، لَا تَنْقَضِي الْعِدَّةُ حَتَّى يَمْضِيَ مِنْ الدَّمِ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ ؛ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الدَّمُ دَمَ فَسَادٍ ، فَلَا نَحْكُمُ بِانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ حَتَّى يَزُولَ الِاحْتِمَالُ .\rوَحَكَى الْقَاضِي هَذَا احْتِمَالًا فِي مَذْهَبِنَا أَيْضًا .\rوَلَنَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ الْعِدَّةَ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ ، فَالزِّيَادَةُ عَلَيْهَا مُخَالِفَةٌ لِلنَّصِّ ، فَلَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ ، وَلِأَنَّهُ قَوْلُ مِنْ سَمَّيْنَا مِنْ الصَّحَابَةِ ، رَوَاهُ الْأَثْرَمُ عَنْهُمْ بِإِسْنَادِهِ ، وَلَفْظُ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ { إذَا دَخَلَتْ فِي الدَّمِ مِنْ الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ ، فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ ، وَبَرِئَ مِنْهَا ، وَلَا تَرِثُهُ وَلَا يَرِثُهَا .\r} وَقَوْلُهُمْ : إنَّ الدَّمَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ دَمَ فَسَادٍ .\rقُلْنَا : قَدْ حُكِمَ بِكَوْنِهِ حَيْضًا فِي تَرْكِ الصَّلَاةِ ، وَتَحْرِيمِهَا عَلَى الزَّوْجِ ، وَسَائِرِ أَحْكَامِ الْحَيْضِ ، فَكَذَلِكَ فِي انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ .\rثُمَّ إنْ كَانَ التَّوَقُّفُ عَنْ الْحُكْمِ بِانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ لِلِاحْتِمَالِ ، فَإِذَا تَبَيَّنَ أَنَّهُ حَيْضٌ ، عَلِمْنَا أَنَّ الْعِدَّةَ قَدْ انْقَضَتْ حِينَ رَأَتْ الدَّمَ ، كَمَا لَوْ قَالَ لَهَا : إنْ حِضْتِ فَأَنْتِ طَالِقٌ .\rاخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِهَذَا الْقَوْلِ ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : الْيَوْمُ وَاللَّيْلَةُ مِنْ الْعِدَّةِ ؛ لِأَنَّهُ دَمٌ تَكْمُلُ بِهِ الْعِدَّةُ ، فَكَانَ مِنْهَا ، كَاَلَّذِي فِي أَثْنَاءِ الْأَطْهَارِ .","part":17,"page":414},{"id":8414,"text":"وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : لَيْسَ مِنْهَا ، إنَّمَا يَتَبَيَّنُ بِهِ انْقِضَاؤُهَا ، وَلِأَنَّنَا لَوْ جَعَلْنَاهُ مِنْهَا ، أَوْجَبْنَا الزِّيَادَةَ عَلَى ثَلَاثَةِ قُرُوءٍ ، وَلَكِنَّا نَمْنَعُهَا مِنْ النِّكَاحِ حَتَّى يَمْضِيَ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ ، وَلَوْ رَاجَعَهَا زَوْجُهَا فِيهَا ، لَمْ تَصِحَّ الرَّجْعَةُ .\rوَهَذَا أَصَحُّ الْوَجْهَيْنِ .","part":17,"page":415},{"id":8415,"text":"( 6310 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : ( وَإِنْ كَانَتْ أَمَةً ، فَإِذَا اغْتَسَلَتْ مِنْ الْحَيْضَةِ الثَّانِيَةِ ) .\rأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ يَقُولُونَ : عِدَّةُ الْأَمَةِ بِالْقُرْءِ قُرْءَانِ .\rمِنْهُمْ ؛ عُمَرُ وَعَلِيُّ وَابْنُ عُمَرَ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَعَطَاءٌ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُتْبَةَ وَالْقَاسِمُ وَسَالِمٌ وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ وَالزُّهْرِيُّ وَقَتَادَةُ وَمَالِكٌ وَالثَّوْرِيُّ وَالشَّافِعِيُّ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\r، وَعَنْ ابْنِ سِيرِينَ ، عِدَّتُهَا عِدَّةُ الْحُرَّةِ ، إلَّا أَنْ تَكُونَ قَدْ مَضَتْ بِذَلِكَ سُنَّةٌ .\rوَهُوَ قَوْلُ دَاوُد لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى { : وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ .\r} .\rوَلَنَا قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { قُرْءُ الْأَمَةِ حَيْضَتَانِ } .\rوَقَدْ ذَكَرْنَاهُ ، وَقَوْلُ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ عُمَرَ ، وَلَمْ نَعْرِفْ لَهُمْ مُخَالِفًا فِي الصَّحَابَةِ ، فَكَانَ إجْمَاعًا ، وَهَذَا يَخُصُّ عُمُومَ الْآيَةِ .\rوَلِأَنَّهُ مَعْنًى ذُو عَدَدٍ ، بُنِيَ عَلَى التَّفَاضُلِ ، فَلَا تُسَاوِي فِيهِ الْأَمَةُ الْحُرَّةَ ، كَالْحَدِّ .\rوَكَانَ الْقِيَاسُ يَقْتَضِي أَنْ تَكُونَ حَيْضَةً وَنِصْفًا ، كَمَا كَانَ حَدُّهَا عَلَى النِّصْفِ مِنْ حَدِّ الْحُرَّةِ ، إلَّا أَنَّ الْحَيْضَ لَا يَتَبَعَّضُ ، فَكَمَّلَ حَيْضَتَيْنِ ، وَلِهَذَا قَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : لَوْ أَسْتَطِيعُ أَنْ أَجْعَلَ الْعِدَّةَ حَيْضَةً وَنِصْفًا لَفَعَلْت .\rفَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا ، فَانْقِضَاءُ عِدَّتِهَا بِالْغُسْلِ مِنْ الْحَيْضَةِ الثَّانِيَةِ ، فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ ، وَفِي الْأُخْرَى ، بِانْقِطَاعِ الدَّمِ مِنْ الْحَيْضَةِ الثَّانِيَةِ .\rوَعَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي تَقُولُ : إنَّ الْقُرُوءَ الْأَطْهَارُ .\rفَانْقِضَاءُ عِدَّتِهَا بِرُؤْيَةِ الدَّمِ مِنْ الْحَيْضَةِ الثَّانِيَةِ .","part":17,"page":416},{"id":8416,"text":"( 6311 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : ( وَإِنْ كَانَتْ مِنْ الْآيِسَاتِ ، أَوْ مِمَّنْ لَمْ يَحِضْنَ ، فَعِدَّتُهَا ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ ) أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى هَذَا ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذَكَرَهُ فِي كِتَابِهِ بِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ : { وَاَللَّائِي يَئِسْنَ مِنْ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إنْ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاَللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ } فَإِنْ كَانَ الطَّلَاقُ فِي أَوَّلِ الْهِلَالِ ، اُعْتُبِرَ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ بِالْأَهِلَّةِ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { يَسْأَلُونَكَ عَنْ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ } .\rوَقَالَ سُبْحَانَهُ : { إنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ } .\rوَلَمْ يَخْتَلِفْ النَّاسُ فِي أَنَّ الْأَشْهُرَ الْحُرُمَ مُعْتَبَرَةٌ بِالْأَهِلَّةِ .\rوَإِنْ وَقَعَ الطَّلَاقُ فِي أَثْنَاءِ شَهْرٍ اعْتَدَّتْ بَقِيَّتَهُ ، ثُمَّ اعْتَدَّتْ شَهْرَيْنِ بِالْأَهِلَّةِ ، ثُمَّ اعْتَدَّتْ مِنْ الشَّهْرِ الثَّالِثِ تَمَامَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا .\rوَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ تَحْتَسِبُ بَقِيَّةَ الْأَوَّلِ ، وَتَعْتَدُّ مِنْ الرَّابِعِ بِقَدْرِ مَا فَاتَهَا مِنْ الْأَوَّلِ ، تَامَّا كَانَ أَوْ نَاقِصًا ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مِنْ أَوَّلِ الْهِلَالِ ، كَانَتْ الْعِدَّةُ بِالْأَهِلَّةِ ، فَإِذَا كَانَ مِنْ بَعْضِ الشَّهْرِ ، وَجَبَ قَضَاءُ مَا فَاتَ مِنْهُ .\rوَخَرَّجَ أَصْحَابُنَا وَجْهًا ثَانِيًا ، أَنَّ جَمِيعَ الشُّهُورِ مَحْسُوبَةٌ بِالْعَدَدِ .\rوَهُوَ قَوْلُ ابْنِ بِنْتِ الشَّافِعِيِّ لِأَنَّهُ إذَا حَسَبَ الْأَوَّلَ بِالْعَدَدِ ، كَانَ ابْتِدَاءُ الثَّانِي مِنْ بَعْضِ الشَّهْرِ ، فَيَجِبُ أَنْ يَحْسِبَ بِالْعَدَدِ ، وَكَذَلِكَ الثَّالِثُ .\rوَلَنَا أَنَّ الشَّهْرَ يَقَعُ عَلَى مَا بَيْنَ الْهِلَالَيْنِ وَعَلَى الثَّلَاثِينَ ، وَلِذَلِكَ إذَا غُمَّ الشَّهْرُ كُمِّلَ ثَلَاثِينَ ، وَالْأَصْلُ الْهِلَالُ ، فَإِذَا أَمْكَنَ اعْتِبَارُ الْهِلَالِ ، اُعْتُبِرُوا ، وَإِذَا تَعَذَّرَ ، رُجِعَ إلَى الْعَدَدِ .\rوَفِي هَذَا انْفِصَالٌ عَمَّا ذُكِرَ لِأَبِي حَنِيفَةَ .","part":17,"page":417},{"id":8417,"text":"وَأَمَّا التَّخْرِيجُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ ، فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُ إتْمَامُ الشَّهْرِ الْأَوَّلِ مِنْ الثَّانِي ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ تَمَامُهُ مِنْ الرَّابِعِ .","part":17,"page":418},{"id":8418,"text":"( 6312 ) فَصْلٌ : وَتُحْسَبُ الْعِدَّةُ مِنْ السَّاعَةِ الَّتِي فَارَقَهَا زَوْجُهَا فِيهَا ، فَلَوْ فَارَقَهَا نِصْفَ اللَّيْلِ ، أَوْ نِصْفَ النَّهَارِ ، اعْتَدَّتْ مِنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ إلَى مِثْلِهِ .\rفِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rوَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ حَامِدٍ : لَا تَحْتَسِبُ بِالسَّاعَاتِ ، وَإِنَّمَا تَحْتَسِبُ بِأَوَّلِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ، فَإِذَا طَلَّقَهَا نَهَارًا ، احْتَسَبَتْ مِنْ أَوَّلِ اللَّيْلِ الَّذِي يَلِيهِ ، وَإِنْ طَلَّقَهَا لَيْلًا ، احْتَسَبَتْ بِأَوَّلِ النَّهَارِ الَّذِي يَلِيهِ ، وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ ؛ لِأَنَّ حِسَابَ السَّاعَاتِ يَشُقُّ ، فَسَقَطَ اعْتِبَارُهُ .\rوَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى { فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ } فَلَا تَجُوزُ الزِّيَادَةُ عَلَيْهَا بِغَيْرِ دَلِيلٍ ، وَحِسَابُ السَّاعَاتِ مُمْكِنٌ ، إمَّا يَقِينًا ، وَإِمَّا اسْتِظْهَارًا ، فَلَا وَجْهَ لِلزِّيَادَةِ عَلَى مَا أَوْجَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى .","part":17,"page":419},{"id":8419,"text":"( 6313 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : وَالْأَمَةُ شَهْرَانِ اخْتَلَفْت الرِّوَايَاتُ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ فِي عِدَّةِ الْأَمَةِ ، فَأَكْثَرُ الرِّوَايَاتِ عَنْهُ ، أَنَّهَا شَهْرَانِ .\rرَوَاهُ عَنْهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ ، وَاحْتَجَّ فِيهِ بِقَوْلِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : عِدَّةُ أُمِّ الْوَلَدِ حَيْضَتَانِ ، وَلَوْ لَمْ تَحِضْ كَانَ عِدَّتُهَا شَهْرَيْنِ .\rرَوَاهُ الْأَثْرَمُ عَنْهُ بِإِسْنَادِهِ .\rوَهَذَا قَوْلُ عَطَاءٍ ، وَالزُّهْرِيِّ وَإِسْحَاقَ وَأَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ لِأَنَّ الْأَشْهُرَ بَدَلٌ مِنْ الْقُرُوءِ ، وَعِدَّةُ ذَاتِ الْقُرُوءِ قُرْءَانِ ، فَبَدَلُهُمَا شَهْرَانِ ، وَلِأَنَّهَا مُعْتَدَّةٌ بِالشُّهُورِ عَنْ غَيْرِ الْوَفَاةِ ، فَكَانَ عَدَدُهَا كَعَدَدِ الْقُرُوءِ ، لَوْ كَانَتْ ذَاتَ قُرُوءٍ ، كَالْحُرَّةِ .\rوَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ ، أَنَّ عِدَّتَهَا شَهْرٌ وَنِصْفٌ .\rنَقَلَهَا الْمَيْمُونِيُّ ، وَالْأَثْرَمُ ، وَاخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ .\rوَهَذَا قَوْلُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ الْمُسَيِّبِ وَسَالِمٍ وَالشَّعْبِيِّ وَالثَّوْرِيِّ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ .\rوَهُوَ قَوْلٌ ثَانٍ لِلشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ عِدَّةَ الْأَمَةِ نِصْفُ عِدَّةِ الْحُرَّةِ ، وَعِدَّةُ الْحُرَّةِ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ ، فَنِصْفُهَا شَهْرٌ وَنِصْفٌ ، وَإِنَّمَا كَمَّلْنَا لِذَاتِ الْحَيْضِ حَيْضَتَيْنِ ، لِتَعَذُّرِ تَبْعِيضِ الْحَيْضَةِ ، فَإِذَا صِرْنَا إلَى الشُّهُورِ ، أَمْكَنَ التَّنْصِيفُ ، فَوَجَبَ الْمَصِيرُ إلَيْهِ ، كَمَا فِي عِدَّةِ الْوَفَاةِ ، وَيَصِيرُ هَذَا كَالْمُحْرِمِ ، إذَا وَجَبَ عَلَيْهِ فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ نِصْفُ مُدٍّ ، أَجْزَأَهُ إخْرَاجُهُ ، فَإِنْ أَرَادَ الصِّيَامَ مَكَانَهُ ، صَامَ يَوْمًا كَامِلًا .\rوَلِأَنَّهَا عِدَّةٌ أَمْكَنَ تَنْصِيفُهَا ، فَكَانَتْ عَلَى النِّصْفِ مِنْ عِدَّةِ الْحُرَّةِ ، كَعِدَّةِ الْوَفَاةِ ، وَلِأَنَّهَا مُعْتَدَّةً بِالشُّهُورِ فَكَانَتْ عَلَى النِّصْفِ مِنْ عِدَّةِ الْحُرَّةِ كَالْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا .\rوَالرِّوَايَةُ الثَّالِثَةُ ، أَنَّ عِدَّتَهَا ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ الْحَسَنِ وَمُجَاهِدٍ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ","part":17,"page":420},{"id":8420,"text":"وَالنَّخَعِيِّ وَيَحْيَى الْأَنْصَارِيِّ وَرَبِيعَةَ وَمَالِكٍ ، وَهُوَ الْقَوْلُ الثَّالِثُ لِلشَّافِعِيِّ لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى { فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ .\r} .\rوَلِأَنَّهُ اسْتِبْرَاءٌ لِلْأَمَةِ الْآيِسَةِ بِالشُّهُورِ ، فَكَانَ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ ، كَاسْتِبْرَاءِ الْأَمَةِ إذَا مَلَكَهَا ، أَوْ مَاتَ سَيِّدُهَا ، وَلِأَنَّ اعْتِبَارَ الشُّهُورِ هَاهُنَا لِلْعِلْمِ بِبَرَاءَةِ رَحِمِهَا ، وَلَا يَحْصُلُ هَذَا بِدُونِ ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ فِي الْحُرَّةِ وَالْأَمَةِ جَمِيعًا ، لِأَنَّ الْحَمْلَ يَكُونُ نُطْفَةً أَرْبَعِينَ يَوْمًا ، وَعَلَقَةً أَرْبَعِينَ يَوْمًا ، ثُمَّ يَصِيرُ مُضْغَةً ، ثُمَّ يَتَحَرَّكُ ، وَيَعْلُو بَطْنُ الْمَرْأَةِ ، فَيَظْهَرُ الْحَمْلُ ، وَهَذَا مَعْنًى لَا يَخْتَلِفُ بِالرِّقِّ وَالْحُرِّيَّةِ ، وَلِذَلِكَ كَانَ اسْتِبْرَاءُ الْأَمَةِ فِي حَقِّ سَيِّدهَا ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ .\rوَمَنْ رَدَّ هَذِهِ الرِّوَايَةِ قَالَ : هِيَ مُخَالِفَةٌ لِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ ؛ لِأَنَّهُمْ اخْتَلَفُوا عَلَى الْقَوْلَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ ، وَمَتَى اخْتَلَفَ الصَّحَابَةُ عَلَى قَوْلَيْنِ ، لَمْ يَجُزْ إحْدَاثُ قَوْلٍ ثَالِثٍ ؛ لِأَنَّهُ يُفْضِي إلَى تَخْطِئَتِهِمْ ، وَخُرُوجِ الْحَقِّ عَنْ قَوْلِ جَمِيعِهِمْ ، وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ ، وَلِأَنَّهَا مُعْتَدَّةٌ لِغَيْرِ الْحَمْلِ ، فَكَانَتْ دُونَ عِدَّةِ الْحُرَّةِ ، كَذَاتِ الْقُرُوءِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا .","part":17,"page":421},{"id":8421,"text":"( 6314 ) فَصْلٌ : وَاخْتُلِفَ عَنْ أَحْمَدَ فِي السِّنِّ الَّذِي تَصِيرُ بِهِ الْمَرْأَةُ مِنْ الْآيِسَاتِ ، فَعَنْهُ : أَوَّلُهُ خَمْسُونَ سَنَةً ؛ لِأَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ : لَنْ تَرَى الْمَرْأَةُ فِي بَطْنِهَا وَلَدًا بَعْدَ خَمْسِينَ سَنَةً .\rوَعَنْهُ : إنْ كَانَتْ مِنْ نِسَاءِ الْعَجَمِ فَخَمْسُونَ ، وَإِنْ كَانَتْ مِنْ نِسَاءِ الْعَرَبِ فَسِتُّونَ ؛ لِأَنَّهُنَّ أَقْوَى طَبِيعَةً .\rوَقَدْ ذَكَرَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارَ فِي كِتَابِ \" النَّسَبِ \" ، أَنَّ هِنْدًا بِنْتَ أَبِي عُبَيْدَةَ ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَمْعَةَ ، وَلَدَتْ مُوسَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَسَنِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَلَهَا سِتُّونَ سَنَةً .\rوَقَالَ : يُقَالُ : إنَّهُ لَنْ تَلِدَ بَعْدَ خَمْسِينَ سَنَةً إلَّا عَرَبِيَّةٌ ، وَلَا تَلِدَ لِسِتِّينَ إلَّا قُرَشِيَّةٌ .\rوَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا ، يُعْتَبَرُ السِّنُّ الَّذِي يُتَيَقَّنُ أَنَّهُ إذَا بَلَغَتْهُ لَمْ تَحِضْ .\rقَالَ بَعْضُهُمْ : هُوَ اثْنَانِ وَسِتُّونَ سَنَةً .\rوَالثَّانِي ، يُعْتَبَرُ السِّنُّ الَّذِي يَيْأَسُ فِيهِ نِسَاءُ عَشِيرَتِهَا ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ نَشْأَهَا كَنَشْئِهِنَّ ، وَطَبْعَهَا كَطَبْعِهِنَّ .\rوَالصَّحِيحُ - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ مَتَى بَلَغَتْ الْمَرْأَةُ خَمْسِينَ سَنَةً ، فَانْقَطَعَ حَيْضُهَا عَنْ عَادَتِهَا مَرَّاتٍ لِغَيْرِ سَبَبٍ ، فَقَدْ صَارَتْ آيِسَةً ؛ لِأَنَّ وُجُودَ الْحَيْضِ فِي حَقِّ هَذِهِ نَادِرٌ ، بِدَلِيلِ قَوْلِ عَائِشَةَ وَقِلَّةِ وُجُودِهِ ، فَإِذَا انْضَمَّ إلَى هَذَا انْقِطَاعُهُ عَنْ الْعَادَاتِ مَرَّاتٍ ، حَصَلَ الْيَأْسُ مِنْ وُجُودِهِ ، فَلَهَا حِينَئِذٍ أَنْ تَعْتَدَّ بِالْأَشْهُرِ ، وَإِنْ انْقَطَعَ قَبْلَ ذَلِكَ ، فَحُكْمُهَا حُكْمُ مَنْ ارْتَفَعَ حَيْضُهَا لَا تَدْرِي مَا رَفَعَهُ .\rعَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .\rوَإِنْ رَأَتْ الدَّمَ بَعْدَ الْخَمْسِينَ ، عَلَى الْعَادَةِ الَّتِي كَانَتْ تَرَاهُ فِيهَا ، فَهُوَ حَيْضٌ فِي الصَّحِيحِ ؛ لِأَنَّ دَلِيلَ الْحَيْضِ الْوُجُودُ فِي زَمَنِ الْإِمْكَانِ ، وَهَذَا يُمْكِنُ وُجُودُ الْحَيْضِ فِيهِ ، وَإِنْ كَانَ نَادِرًا .\rوَإِنْ رَأَتْهُ بَعْدَ","part":17,"page":422},{"id":8422,"text":"السِّتِّينَ ، فَقَدْ تُيُقِّنَ أَنَّهُ لَيْسَ بِحَيْضٍ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ .\rقَالَ الْخِرَقِيِّ وَإِذَا رَأَتْهُ بَعْدَ السِّتِّينَ ، فَقَدْ تُيُقِّنَ أَنَّهُ لَيْسَ بِحَيْضٍ .\rفَعِنْدَ ذَلِكَ لَا تَعْتَدُّ بِهِ ، وَتَعْتَدُّ بِالْأَشْهُرِ ، كَاَلَّتِي لَا تَرَى دَمًا .","part":17,"page":423},{"id":8423,"text":"( 6315 ) فَصْلٌ : وَأَقَلُّ سِنٍّ تَحِيضُ فِيهِ الْمَرْأَةُ تِسْعُ سِنِينَ ؛ لِأَنَّ الْمَرْجِعَ فِيهِ إلَى الْوُجُودِ ، وَقَدْ وُجِدَ مَنْ تَحِيضُ لِتِسْعٍ .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَالَ : رَأَيْت جَدَّةً لَهَا إحْدَى وَعِشْرُونَ سَنَةً .\rفَهَذِهِ إذَا أَسْقَطْتَ مِنْ عُمْرِهَا مُدَّةَ الْحَمْلَيْنِ فِي الْغَالِبِ عَامًا وَنِصْفًا ، وَقَسَمْت الْبَاقِي بَيْنَهَا وَبَيْنَ ابْنَتِهَا ، كَانَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا قَدْ حَلَمَتْ لِدُونِ عَشْرِ سِنِينَ .\rفَإِنْ رَأَتْ دَمًا قَبْلَ ذَلِكَ ، فَلَيْسَ بِحَيْضٍ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِثْلُهَا مُتَكَرِّرًا ، وَالْمُعْتَبَرُ مِنْ ذَلِكَ مَا تَكَرَّرَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فِي حَالِ الصِّحَّةِ ، وَلَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ ، فَلَا يُعْتَدُّ بِهِ .\r( 6316 ) فَصْلٌ : فَإِنْ بَلَغَتْ سِنًّا تَحِيضُ فِيهِ النِّسَاءُ فِي الْغَالِبِ ، فَلَمْ تَحِضْ ، كَخَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً ، فَعِدَّتُهَا ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ ، فِي ظَاهِرِ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَضَعَّفَ أَبُو بَكْرٍ الرِّوَايَةَ الْمُخَالِفَةَ لِهَذَا ، وَقَالَ : رَوَاهَا أَبُو طَالِبٍ فَخَالَفَ فِيهَا أَصْحَابَهُ ، وَذَلِكَ مَا رَوَى أَبُو طَالِبٍ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهَا تَعْتَدُّ سَنَةً .\rقَالَ الْقَاضِي : هَذِهِ الرِّوَايَةُ أَصَحُّ ؛ لِأَنَّهُ مَتَى أَتَى عَلَيْهَا زَمَانُ الْحَيْضِ فَلَمْ تَحِضْ ، صَارَتْ مُرْتَابَةً ، يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِهَا حَمْلٌ مَنَعَ حَيْضَهَا ، فَيَجِبُ أَنْ تَعْتَدَّ بِسَنَةٍ ، كَاَلَّتِي ارْتَفَعَ حَيْضُهَا بَعْدَ وُجُودِهِ .\rوَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { وَاَللَّائِي يَئِسْنَ مِنْ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إنْ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاَللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ } وَهَذِهِ مِنْ اللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ ، وَلِأَنَّ الِاعْتِبَارَ بِحَالِ الْمُعْتَدَّةِ ، لَا بِحَالِ غَيْرِهَا ، وَلِهَذَا لَوْ حَاضَتْ قَبْلَ بُلُوغِ سِنٍّ يَحِيضُ لِمِثْلِهِ النِّسَاءُ فِي الْغَالِبِ ، مِثْلُ أَنْ تَحِيضَ وَلَهَا عَشْرُ سِنِينَ ، اعْتَدَّتْ بِالْحَيْضِ ، وَفَارَقَ مَنْ ارْتَفَعَ حَيْضُهَا وَلَا تَدْرِي مَا رَفَعَهُ ؛ فَإِنَّهَا مِنْ ذَوَات","part":17,"page":424},{"id":8424,"text":"الْقُرُوءِ ، وَهَذِهِ لَمْ تَكُنْ مِنْهُنَّ .","part":17,"page":425},{"id":8425,"text":"مَسْأَلَةٌ قَالَ : وَإِذَا طَلَّقَهَا طَلَاقًا يَمْلِكُ فِيهِ الرَّجْعَةَ ، وَهِيَ أَمَةٌ ، فَلَمْ تَنْقَضِ عِدَّتُهَا حَتَّى أُعْتِقَتْ ، بَنَتْ عَلَى عِدَّةِ حُرَّةٍ .\rوَإِنْ طَلَّقَهَا طَلَاقًا لَا يَمْلِكُ فِيهِ الرَّجْعَةَ ، فَأُعْتِقَتْ ، اعْتَدَّتْ عِدَّةَ أَمَةٍ هَذَا قَوْلُ الْحَسَنِ وَالشَّعْبِيِّ وَالضَّحَّاكِ وَإِسْحَاقَ وَأَصْحَابِ الرَّأْي .\rوَهُوَ أَحَدُ أَقْوَالِ .\rالشَّافِعِيِّ وَالْقَوْلُ الثَّانِي ، تُكْمِلُ عِدَّةَ أَمَةٍ ، سَوَاءٌ كَانَتْ بَائِنًا أَوْ رَجْعِيَّةً .\rوَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَبِي ثَوْرٍ ؛ لِأَنَّ الْحُرِّيَّةَ طَرَأَتْ بَعْدَ وُجُوبِ الْعِدَّةِ عَلَيْهَا ، فَلَا يُعْتَبَرُ حُكْمُهَا ، كَمَا لَوْ كَانَتْ بَائِنًا .\rأَوْ كَمَا لَوْ طَرَأَتْ بَعْدَ وُجُوبِ الِاسْتِبْرَاءِ ، وَلِأَنَّهُ مَعْنًى يَخْتَلِفُ بِالرِّقِّ وَالْحُرِّيَّةِ ، فَكَانَ الِاعْتِبَارُ بِحَالَةِ الْوُجُوبِ ، كَالْحَدِّ .\rوَقَالَ عَطَاءٌ وَالزُّهْرِيُّ وَقَتَادَةُ تَبْنِي عَلَى عِدَّةِ حُرَّةٍ بِكُلِّ حَالٍ .\rوَهُوَ الْقَوْلُ الثَّالِثُ لِلشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ سَبَبَ الْعِدَّةِ الْكَامِلَةِ إذَا وُجِدَ فِي أَثْنَاءِ الْعِدَّةِ ، انْتَقَلَتْ إلَيْهَا وَإِنْ كَانَتْ بَائِنًا ، كَمَا لَوْ اعْتَدَّتْ بِالشُّهُورِ ثُمَّ رَأَتْ الدَّمَ .\rوَلَنَا أَنَّهَا إذَا أُعْتِقَتْ وَهِيَ رَجْعِيَّةٌ ، فَقَدْ وُجِدَتْ الْحُرِّيَّةُ ، وَهِيَ زَوْجَةٌ تَعْتَدُّ عِدَّةَ الْوَفَاةِ لَوْ مَاتَ ، فَوَجَبَ أَنْ تَعْتَدَّ عِدَّةَ الْحَرَائِرِ ، كَمَا لَوْ أُعْتِقَتْ قَبْلَ الطَّلَاقِ .\rوَإِنْ أُعْتِقَتْ وَهِيَ بَائِنٌ ، فَلَمْ تُوجَدْ الْحُرِّيَّةُ فِي الزَّوْجِيَّةِ ، فَلَمْ تَجِبْ عَلَيْهَا عِدَّةُ الْحَرَائِرِ ، كَمَا لَوْ أُعْتِقَتْ بَعْدَ مُضِيِّ الْقُرْأَيْنِ .\rوَلِأَنَّ الرَّجْعِيَّةَ تَنْتَقِلُ إلَى عِدَّةِ الْوَفَاةِ لَوْ مَاتَ ، فَتَنْتَقِلُ إلَى عِدَّةِ الْحَرَائِرِ ، وَالْبَائِنُ لَا تَنْتَقِلُ إلَى عِدَّةِ الْوَفَاةِ ، فَلَا تَنْتَقِلُ إلَى عِدَّةِ الْحَرَائِرِ ، كَمَا لَوْ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا .\rوَمَا ذَكَرْنَاهُ لِمَالِكٍ يَبْطُلُ بِمَا إذَا مَاتَ زَوْجُ الرَّجْعِيَّةِ ، فَإِنَّهَا تَنْتَقِلُ إلَى عِدَّةِ الْوَفَاةِ ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ مَا نَحْنُ فِيهِ وَبَيْنَ مَا إذَا","part":17,"page":426},{"id":8426,"text":"حَاضَتْ الصَّغِيرَةُ ، أَنَّ الشُّهُورَ بَدَلٌ عَنْ الْحَيْضِ ، فَإِذَا وُجِدَ الْمُبْدَلُ ، زَالَ حُكْمُ الْبَدَلِ ، كَالْمُتَيَمِّمِ يَجِدُ الْمَاءَ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ هَاهُنَا ، فَإِنْ عِدَّةَ الْأَمَةِ لَيْسَتْ بِبَدَلٍ ، وَلِذَلِكَ تَبْنِي الْأَمَةُ عَلَى مَا مَضَى مِنْ عِدَّتِهَا اتِّفَاقًا ، وَإِذَا حَاضَتْ الصَّغِيرَةُ اسْتَأْنَفَتْ الْعِدَّةَ فَافْتَرَقَا ، وَتُخَالِفُ الِاسْتِبْرَاءَ ؛ فَإِنَّ الْحُرِّيَّةَ لَوْ قَارَنَتْ سَبَبَ وُجُوبِهِ ، لَمْ تَكْمُلْ ، أَلَا تَرَى أَنَّ أُمَّ الْوَلَدِ إذَا مَاتَ سَيِّدُهَا عَتَقَتْ لِمَوْتِهِ ، وَوَجَبَ الِاسْتِبْرَاءُ ، كَمَا يَجِبُ عَلَى الَّتِي لَمْ تَعْتِقْ ، وَلِأَنَّ الِاسْتِبْرَاءَ لَا يَخْتَلِفُ بِالرِّقِّ وَالْحُرِّيَّةِ ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا .","part":17,"page":427},{"id":8427,"text":"( 6318 ) فَصْلٌ : إذَا عَتَقَتْ الْأَمَةُ تَحْتَ الْعَبْدِ ، فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا ، اعْتَدَّتْ عِدَّةَ الْحُرَّةِ ؛ لِأَنَّهَا بَانَتْ مِنْ زَوْجِهَا وَهِيَ حُرَّةٌ .\rوَقَدْ رَوَى الْحَسَنُ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { ، أَمَرَ بَرِيرَةَ أَنْ تَعْتَدَّ عِدَّةَ الْحُرَّةِ .\r} وَإِنْ طَلَّقَهَا الْعَبْدُ طَلَاقًا رَجْعِيًّا ، فَأَعْتَقَهَا سَيِّدُهَا ، بَنَتْ عَلَى عِدَّةِ الْحُرَّةِ .\rسَوَاءٌ فَسَخَتْ ، أَوْ أَقَامَتْ عَلَى النِّكَاحِ ؛ لِأَنَّهَا عَتَقَتْ فِي عِدَّةِ رَجْعِيَّةٍ .\rوَإِنْ لَمْ تَفْسَخْ ، فَرَاجَعَهَا فِي عِدَّتِهَا ، فَلَهَا الْخِيَارُ بَعْدَ رَجْعَتِهَا ، فَإِنْ اخْتَارَتْ الْفَسْخَ قَبْلَ الْمَسِيسِ ، فَهَلْ تَسْتَأْنِفُ الْعِدَّةَ ، أَمْ تَبْنِي عَلَى مَا مَضَى مِنْ عِدَّتِهَا ؟ .\rعَلَى وَجْهَيْنِ .\rفَإِنْ قُلْنَا : تَسْتَأْنِفُ .\rفَإِنَّهَا تَسْتَأْنِفُ عِدَّةَ حُرَّةٍ .\rوَإِنْ قُلْنَا : تَبْنِي .\rبَنَتْ عَلَى عِدَّةِ حُرَّةٍ .","part":17,"page":428},{"id":8428,"text":"( 6319 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : وَإِذَا طَلَّقَهَا وَهِيَ مِمَّنْ قَدْ حَاضَتْ ، فَارْتَفَعَ حَيْضُهَا ، لَا تَدْرِي مَا رَفَعَهُ ، اعْتَدَّتْ سَنَةً وَجُمْلَةُ ذَلِكَ ، أَنَّ الرَّجُلَ إذَا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ، وَهِيَ مِنْ ذَوَاتِ الْأَقْرَاءِ ، فَلَمْ تَرَ الْحَيْضَ فِي عَادَتِهَا ، وَلَمْ تَدْرِ مَا رَفَعَهُ ، فَإِنَّهَا تَعْتَدُّ سَنَةً ؛ تِسْعَةَ أَشْهُرٍ مِنْهَا تَتَرَبَّصُ فِيهَا لِتَعْلَمَ بَرَاءَةَ رَحِمِهَا ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْمُدَّةَ هِيَ غَالِبُ مُدَّةُ الْحَمْلِ ، فَإِذَا لَمْ يَبْنِ الْحَمْلُ فِيهَا ، عُلِمَ بَرَاءَةُ الرَّحِمِ ظَاهِرًا ، فَتَعْتَدَّ بَعْدَ ذَلِكَ عِدَّةَ الْآيِسَاتِ ، ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ .\rهَذَا قَوْلُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ الشَّافِعِيُّ هَذَا قَضَاءُ عُمَرَ بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ ، لَا يُنْكِرُهُ مِنْهُمْ مُنْكِرٌ عَلِمْنَاهُ .\rوَبِهِ قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ الْحَسَنِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي قَوْلٍ آخَرَ : تَتَرَبَّصُ أَرْبَعَ سِنِينَ ، أَكْثَرَ مُدَّةِ الْحَمْلِ ، ثُمَّ تَعْتَدُّ بِثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْمُدَّةَ هِيَ الَّتِي يُتَيَقَّنُ بِهَا بَرَاءَةُ رَحِمِهَا ، فَوَجَبَ اعْتِبَارُهَا احْتِيَاطًا .\rوَقَالَ فِي الْجَدِيدِ : تَكُونُ فِي عِدَّةٍ أَبَدًا ، حَتَّى تَحِيضَ ، أَوْ تَبْلُغَ سِنَّ الْإِيَاسِ ، تَعْتَدُّ حِينَئِذٍ بِثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ .\rوَهَذَا قَوْلُ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ وَعَطَاءٍ وَطَاوُسٍ وَالشَّعْبِيِّ وَالنَّخَعِيِّ وَالزُّهْرِيِّ وَأَبِي الزِّنَادِ وَالثَّوْرِيِّ وَأَبِي عُبَيْدٍ وَأَهْلِ الْعِرَاقِ ؛ لِأَنَّ الِاعْتِدَادَ بِالْأَشْهُرِ جُعِلَ بَعْدَ الْإِيَاسِ ، فَلَمْ يَجُزْ قَبْلَهُ ، وَهَذِهِ لَيْسَتْ آيِسَةً ، وَلِأَنَّهَا تَرْجُو عَوْدَ الدَّمِ ، فَلَمْ تَعْتَدَّ بِالشُّهُورِ ، كَمَا لَوْ تَبَاعَدَ حَيْضُهَا لِعَارِضٍ وَلَنَا الْإِجْمَاعُ الَّذِي حَكَاهُ الشَّافِعِيُّ ، وَلِأَنَّ الْغَرَضَ بِالِاعْتِدَادِ مَعْرِفَةُ بَرَاءَةِ رَحِمِهَا ، وَهَذَا تَحْصُلُ بِهِ بَرَاءَةُ رَحِمِهَا ، فَاكْتُفِيَ بِهِ ، وَلِهَذَا اكْتَفِي فِي حَقِّ ذَاتِ الْقُرْءِ بِثَلَاثَةِ قُرُوءٍ ، وَفِي حَقِّ الْآيِسَةِ بِثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ ، وَلَوْ","part":17,"page":429},{"id":8429,"text":"رُوعِيَ الْيَقِينُ ، لَاعْتُبِرَ أَقْصَى مُدَّةِ الْحَمْلِ ، وَلِأَنَّ عَلَيْهَا فِي تَطْوِيلِ الْعِدَّةِ ضَرَرًا ، فَإِنَّهَا تُمْنَعُ مِنْ الْأَزْوَاجِ ، وَتُحْبَسُ دَائِمًا ، وَيَتَضَرَّرُ الزَّوْجُ بِإِيجَابِ السُّكْنَى وَالنَّفَقَةِ عَلَيْهِ .\rوَقَدْ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : لَا تُطَوِّلُوا عَلَيْهَا الشُّقَّةَ ، كَفَاهَا تِسْعَةُ أَشْهُرٍ .\rفَإِنْ قِيلَ : فَإِذَا مَضَتْ تِسْعَةُ أَشْهُرٍ ، فَقَدْ عُلِمَ بَرَاءَةُ رَحِمِهَا ظَاهِرًا ، فَلِمَ اعْتَبَرْتُمْ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ بَعْدَهَا ؟ قُلْنَا : الِاعْتِدَادُ بِالْقُرُوءِ وَالْأَشْهُرِ إنَّمَا يَكُونُ عِنْدَ عَدَمِ الْحَمْلِ ، وَقَدْ تَجِبُ الْعِدَّةُ مَعَ الْعِلْمِ بِبَرَاءَةِ الرَّحِمِ ، بِدَلِيلِ مَا لَوْ عَلَّقَ طَلَاقَهَا بِوَضْعِ الْحَمْلِ ، فَوَضَعَتْهُ ، وَقَعَ الطَّلَاقُ ، وَلَزِمَتْهَا الْعِدَّةُ .","part":17,"page":430},{"id":8430,"text":"( 6320 ) فَصْلٌ : فَإِنْ عَادَ الْحَيْضُ إلَيْهَا فِي السَّنَةِ ، وَلَوْ فِي آخِرهَا ، لَزِمَهَا الِانْتِقَالُ إلَى الْقُرُوءِ ؛ لِأَنَّهَا الْأَصْلُ ، فَبَطَلِ بِهَا حُكْمُ الْبَدَلِ .\rوَإِنْ عَادَ بَعْدَ مُضِيِّهَا وَنِكَاحِهَا ، لَمْ تَعُدْ إلَى الْقُرُوءِ ؛ لِأَنَّ عِدَّتَهَا انْقَضَتْ وَحَكَمْنَا بِصِحَّةِ نِكَاحِهَا ، فَلَمْ تَبْطُلْ ، كَمَا لَوْ اعْتَدَّتْ الصَّغِيرَةُ بِثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ ، وَتَزَوَّجَتْ ، ثُمَّ حَاضَتْ .\rوَإِنْ حَاضَتْ بَعْدَ السَّنَةِ ، وَقَبْلَ نِكَاحهَا ، فَفِيهِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا ، لَا تَعُودُ ؛ لِأَنَّ الْعِدَّةَ انْقَضَتْ بِالشُّهُورِ ، فَلَمْ تَعُدْ ، كَالصَّغِيرَةِ .\rوَالثَّانِي ، تَعُودُ ؛ لِأَنَّهَا مِنْ ذَوَاتِ الْقُرُوءِ ، وَقَدْ قَدَرَتْ عَلَى الْمُبْدَلِ قَبْلَ تَعَلُّقِ حَقِّ زَوْجٍ بِهَا ، فَلَزِمَهَا الْعَوْدُ ، كَمَا لَوْ حَاضَتْ فِي السَّنَةِ .","part":17,"page":431},{"id":8431,"text":"( 6321 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : وَإِنْ كَانَتْ أَمَةً ، اعْتَدَّتْ بِأَحَدَ عَشَرَ شَهْرًا ، تِسْعَةُ أَشْهُرٍ لِلْحَمْلِ ، وَشَهْرَانِ لِلْعِدَّةِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى أَصْلَيْنِ : أَحَدُهُمَا ، أَنَّ الْحُرَّةَ تَعْتَدُّ بِسَنَةٍ إذَا ارْتَفَعَ حَيْضُهَا لَا تَدْرِي مَا رَفَعَهُ .\rالثَّانِي أَنَّ عِدَّةَ الْأَمَةِ الْآيِسَةِ شَهْرَانِ ، فَتَتَرَبَّصُ تِسْعَةَ أَشْهُرٍ ؛ لِأَنَّ مُدَّةَ الْحَمْلِ تَتَسَاوَى فِيهَا الْحُرَّةُ وَالْأَمَةُ ، لِكَوْنِهِ أَمْرًا حَقِيقِيًّا ، فَإِذَا يَئِسَتْ مِنْ الْحَمْلِ ، اعْتَدَّتْ عِدَّةَ الْآيِسَةِ شَهْرَيْنِ .\rوَعَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي جَعَلَ عِدَّتَهَا شَهْرًا وَنِصْفًا ، تَكُونُ عِدَّتُهَا عَشَرَةَ أَشْهُرٍ وَنِصْفًا .\rوَمَنْ جَعَلَهَا ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ ، فَعِدَّتُهَا سَنَةٌ كَالْحُرَّةِ .","part":17,"page":432},{"id":8432,"text":"( 6322 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : وَإِنْ عَرَفَتْ مَا رَفَعَ الْحَيْضَ ، كَانَتْ فِي عِدَّةٍ حَتَّى يَعُودَ الْحَيْضُ ، فَتَعْتَدُّ بِهِ ، إلَّا أَنْ تَصِيرَ مِنْ الْآيِسَاتِ ، فَتَعْتَدُّ بِثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ مِنْ وَقْتٍ تَصِيرُ فِي عِدَادِ الْآيِسَاتِ أَمَّا إذَا عَرَفَتْ أَنَّ ارْتِفَاعَ الْحَيْضِ بِعَارِضٍ ؛ مِنْ مَرَضٍ ، أَوْ نِفَاسٍ ، أَوْ رَضَاعٍ ، فَإِنَّهَا تَنْتَظِرُ زَوَالَ الْعَارِضِ ، وَعَوْدَ الدَّمِ وَإِنْ طَالَ ، إلَّا أَنْ تَصِيرَ فِي سِنِّ الْإِيَاسِ ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ .\rفَعِنْدَ ذَلِكَ تَعْتَدَّ عِدَّةَ الْآيِسَاتِ .\rوَقَدْ رَوَى الشَّافِعِيُّ ، فِي مُسْنَدِهِ بِإِسْنَادِهِ عَنْ حِبَّانَ بْنِ مُنْقِذٍ أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ طَلْقَةً وَاحِدَةً ، وَكَانَتْ لَهَا مِنْهُ بُنَيَّةً تُرْضِعُهَا ، فَتَبَاعَدَ حَيْضُهَا ، وَمَرِضَ حِبَّانُ ، فَقِيلَ لَهُ : إنَّك إنْ مِتَّ وَرِثَتْك .\rفَمَضَى إلَى عُثْمَانَ وَعِنْدَهُ عَلِيٌّ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ فَسَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ ، فَقَالَ عُثْمَانُ لِعَلِيٍّ وَزَيْدٍ مَا تَرَيَانِ ؟ فَقَالَا : نَرَى أَنَّهَا إنْ مَاتَتْ وَرِثَهَا ، وَإِنْ مَاتَ وَرِثَتْهُ ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ الْقَوَاعِدِ اللَّائِي يَئِسْنَ مِنْ الْمَحِيضِ ، وَلَا مِنْ الْأَبْكَارِ اللَّائِي لَمْ يَبْلُغْنَ الْمَحِيضَ .\rفَرَجَعَ حِبَّانُ إلَى أَهْلِهِ ، فَانْتَزَعَ الْبِنْتَ مِنْهَا ، فَعَادَ إلَيْهَا الْحَيْضُ ، فَحَاضَتْ حَيْضَتَيْنِ ، وَمَاتَ حِبَّانُ قَبْلَ انْقِضَاءِ الثَّالِثَةِ ، فَوَرَّثَهَا عُثْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .\rوَرَوَى الْأَثْرَمُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حِبَّانَ ، أَنَّهُ كَانَتْ عِنْدَ جَدِّهِ امْرَأَتَانِ ؛ هَاشِمِيَّةٌ ، وَأَنْصَارِيَّةٌ ، فَطَلَّقَ الْأَنْصَارِيَّةَ وَهِيَ مُرْضِعٌ ، فَمَرَّتْ بِهَا سَنَةٌ ، ثُمَّ هَلَكَ وَلَمْ تَحِضْ ، فَقَالَتْ الْأَنْصَارِيَّةُ : لَمْ أَحِضْ .\rفَاخْتَصَمُوا إلَى عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَضَى لَهَا بِالْمِيرَاثِ ، فَلَامَتْ الْهَاشِمِيَّةُ عُثْمَانَ فَقَالَ : هَذَا عَمَلُ ابْنِ عَمِّكِ ، هُوَ أَشَارَ عَلَيْنَا بِهَذَا .\rيَعْنِي عَلَيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .","part":17,"page":433},{"id":8433,"text":"( 6323 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : وَإِنْ حَاضَتْ حَيْضَةً أَوْ حَيْضَتَيْنِ ، ثُمَّ ارْتَفَعَ حَيْضُهَا لَا تَدْرِي مَا رَفَعَهُ ، لَمْ تَنْقَضِ عِدَّتُهَا إلَّا بَعْدَ سَنَةٍ بَعْدَ انْقِطَاعِ الْحَيْضِ وَذَلِكَ لِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ ، فِي رَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ فَحَاضَتْ حَيْضَةً أَوْ حَيْضَتَيْنِ ، فَارْتَفَعَ حَيْضُهَا ، لَا تَدْرِي مَا رَفَعَهُ : تَجْلِسُ تِسْعَةَ أَشْهُرٍ ، فَإِذَا لَمْ يَسْتَبِنْ بِهَا حَمْلٌ ، تَعْتَدُّ بِثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ ، فَذَلِكَ سَنَةٌ .\rوَلَا نَعْرِفُ لَهُ مُخَالِفًا .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : قَضَى بِهِ عُمَرُ بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ ، وَلَمْ يُنْكِرْهُ مُنْكِرٌ .\rوَقَالَ الْأَثْرَمُ : سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ، يُسْأَلُ عَنْ الرَّجُلِ يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ ، فَتَحِيضُ حَيْضَةً ، ثُمَّ يَرْتَفِعُ حَيْضُهَا .\rقَالَ : أَذْهَبُ إلَى حَدِيثِ عُمَرَ إذَا رُفِعَتْ حَيْضَتُهَا فَلَمْ تَدْرِ مِمَّا ارْتَفَعَتْ ، فَإِنَّهَا تَنْتَظِرُ سَنَةً .\rقِيلَ لَهُ : فَحَاضَتْ دُونَ السَّنَةِ .\rفَقَالَ : تَرْجِعُ إلَى الْحَيْضَةِ ، قِيلَ لَهُ : فَإِنْ ارْتَفَعَتْ حَيْضَتهَا أَيْضًا لَا تَدْرِي مِمَّا ارْتَفَعَتْ ؟ قَالَ : تَقْعُدُ سَنَةً أُخْرَى .\rوَهَذَا قَوْلُ كُلِّ مَنْ وَافَقَنَا فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهَا لَمَّا ارْتَفَعَتْ حَيْضَتُهَا ، حَصَلَتْ مُرْتَابَةً ، فَوَجَبَ أَنْ تَنْتَقِلَ إلَى الِاعْتِدَادِ بِسَنَةٍ ، كَمَا لَوْ ارْتَفَعَ حَيْضُهَا حِينَ طَلَّقَهَا ، ، وَوَجَبَ عَلَيْهَا سَنَةٌ كَامِلَةٌ ؛ لِأَنَّ الْعِدَّةَ لَا تَنْبَنِي عَلَى عِدَّةٍ أُخْرَى ، وَلِذَلِكَ لَوْ حَاضَتْ حَيْضَةً أَوْ حَيْضَتَيْنِ ، ثُمَّ يَئِسَتْ ، انْتَقَلَتْ إلَى ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ كَامِلَةٍ ، وَلَوْ اعْتَدَّتْ الصَّغِيرَةُ شَهْرًا أَوْ شَهْرَيْنِ ، ثُمَّ حَاضَتْ ، انْتَقَلَتْ إلَى ثَلَاثَةِ قُرُوءٍ .","part":17,"page":434},{"id":8434,"text":"( 6324 ) فَصْلٌ : فَإِنْ كَانَتْ عَادَةُ الْمَرْأَةِ أَنْ يَتَبَاعَدَ مَا بَيْنَ حَيْضَتَيْهَا ، لَمْ تَنْقَضِ عِدَّتُهَا حَتَّى تَحِيضَ ثَلَاثَ حِيَضٍ ، وَإِنْ طَالَتْ ؛ لِأَنَّ هَذِهِ لَمْ يَرْتَفِعْ حَيْضُهَا ، وَلَمْ تَتَأَخَّرْ عَنْ عَادَتِهَا ، فَهِيَ مِنْ ذَوَاتِ الْقُرُوءِ ، بَاقِيَةٌ عَلَى عَادَتِهَا ، فَأَشْبَهَتْ مَنْ لَمْ يَتَبَاعَدْ حَيْضُهَا .\rوَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا مُخَالِفًا .","part":17,"page":435},{"id":8435,"text":"( 6325 ) فَصْلٌ : فِي عِدَّةِ الْمُسْتَحَاضَةِ لَا تَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ لَهَا حَيْضٌ مَحْكُومٌ بِهِ بِعَادَةٍ أَوْ تَمْيِيزٍ ، أَوْ لَا تَكُونَ كَذَلِكَ ، فَإِنْ كَانَ لَهَا حَيْضٌ مَحْكُومٌ بِهِ بِذَلِكَ ، فَحُكْمُهَا فِيهِ حُكْمُ غَيْرِ الْمُسْتَحَاضَةِ ، إذَا مَرَّتْ لَهَا ثَلَاثَةُ قُرُوءٍ ، فَقَدْ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا .\rقَالَ أَحْمَدُ الْمُسْتَحَاضَةُ تَعْتَدُّ أَيَّامَ أَقْرَائِهَا الَّتِي كَانَتْ تَعْرِفُ .\rوَإِنْ عَلِمَتْ أَنَّ لَهَا فِي كُلِّ شَهْرٍ حَيْضَةً ، وَلَمْ تَعْلَمْ مَوْضِعَهَا ، فَعِدَّتُهَا ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ .\rوَإِنْ شَكَّتْ فِي شَيْءٍ ، تَرَبَّصَتْ حَتَّى تَسْتَيْقِنَ أَنَّ الْقُرُوءَ الثَّلَاثَ قَدْ انْقَضَتْ .\rوَإِنْ كَانَتْ مُبْتَدَأَةً لَا تَمْيِيزَ لَهَا ، أَوْ نَاسِيَةً لَا تَعْرِفُ لَهَا وَقْتًا وَلَا تَمْيِيزًا ، فَعَنْ أَحْمَدْ فِيهَا رِوَايَتَانِ : إحْدَاهُمَا ، أَنَّ عِدَّتَهَا ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ .\rوَهُوَ قَوْلِ عِكْرِمَةَ وَقَتَادَةَ وَأَبِي عُبَيْدٍ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ حَمْنَةَ بِنْتَ جَحْشٍ أَنْ تَجْلِسَ فِي كُلّ شَهْرٍ سِتَّةَ أَيَّامٍ أَوْ سَبْعَةً ، فَجَعَلَ لَهَا حَيْضَةً فِي كُلِّ شَهْرٍ تَتْرُكُ فِيهَا الصَّلَاةَ وَالصِّيَامَ ، وَيَثْبُتُ فِيهَا سَائِرُ أَحْكَامِ الْحَيْضِ ، فَيَجِبُ أَنْ تَنْقَضِيَ بِهِ الْعِدَّةُ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ أَحْكَامِ الْحَيْضِ .\rوَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ ، تَعْتَدُّ سَنَةً بِمَنْزِلَةِ مَنْ رُفِعَتْ حَيْضَتُهَا لَا تَدْرِي مَا رَفَعَهَا .\rقَالَ أَحْمَدُ إذَا كَانَتْ قَدْ اخْتَلَطَتْ ، وَلَمْ تَعْلَمْ إقْبَالَ الدَّمِ وَإِدْبَارَهُ ، اعْتَدَّتْ سَنَةً ؛ لِحَدِيثِ عُمَرَ ؛ لِأَنَّ بِهِ يَتَبَيَّنُ الْحَمْلُ .\rوَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَإِسْحَاقَ لِأَنَّهَا لَمْ تَتَيَقَّنْ لَهَا حَيْضًا ، مَعَ أَنَّهَا مِنْ ذَوَاتِ الْقُرُوءِ ، فَكَانَتْ عِدَّتُهَا سَنَةً ، كَاَلَّتِي ارْتَفَعَ حَيْضُهَا .\rوَعَلَى الرِّوَايَةِ الْأُولَى ، يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ : إنَّنَا مَتَى حَكَمْنَا بِأَنَّ حَيْضَهَا سَبْعَةُ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ، فَمَضَى لَهَا شَهْرَانِ بِالْهِلَالِ وَسَبْعَةُ أَيَّامٍ مِنْ أَوَّلِ الثَّالِثِ ، فَقَدْ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا .\rوَإِنْ قُلْنَا","part":17,"page":436},{"id":8436,"text":": الْقُرُوءُ الْأَطْهَارُ .\rفَطَلَّقَهَا فِي آخِرِ شَهْرٍ ، ثُمَّ مَرَّ لَهَا شَهْرَانِ وَهَلَّ الثَّالِثُ ، انْقَضَتْ عِدَّتُهَا .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .","part":17,"page":437},{"id":8437,"text":"( 6326 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : وَلَوْ طَلَّقَهَا وَهِيَ مِنْ اللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ ، فَلَمْ تَنْقَضِ عِدَّتُهَا بِالشُّهُورِ حَتَّى حَاضَتْ ، اسْتَقْبَلَتْ الْعِدَّةَ بِثَلَاثِ حِيَضٍ إنْ كَانَتْ حُرَّةً ، وَبِحَيْضَتَيْنِ إنْ كَانَتْ أَمَةً وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الصَّغِيرَةَ الَّتِي لَمْ تَحِضْ أَوْ الْبَالِغَ الَّتِي لَمْ تَحِضْ إذَا اعْتَدَّتْ بِالشُّهُورِ ، فَحَاضَتْ قَبْلَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا وَلَوْ بِسَاعَةٍ ، لَزِمَهَا اسْتِئْنَافُ الْعِدَّةِ .\rفِي قَوْلِ عَامَّةِ عُلَمَاءِ الْأَمْصَارِ ، مِنْهُمْ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَالْحَسَنُ وَمُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ وَالشَّعْبِيُّ وَالنَّخَعِيُّ وَالزُّهْرِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو عُبَيْدٍ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ ، وَأَهْلُ الْبَصْرَةِ وَذَلِكَ لِأَنَّ الشُّهُورَ بَدَلٌ عَنْ الْحَيْضِ ، فَإِذَا وُجِدَ الْمُبْدَلُ بَطَلَ حُكْمُ الْبَدَلِ ، كَالتَّيَمُّمِ مَعَ الْمَاءِ .\rوَيَلْزَمُهَا أَنْ تَعْتَدَّ بِثَلَاثِ حِيَضٍ إنْ قُلْنَا : الْقُرُوءُ الْحَيْضُ .\rوَإِنْ قُلْنَا : الْقُرُوءُ الْأَطْهَارُ .\rفَهَلْ تَعْتَدُّ بِمَا مَضَى مِنْ الطُّهْرِ قَبْلَ الْحَيْضِ قُرْءًا ؟ فِيهِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا ، تَعْتَدُّ بِهِ ؛ لِأَنَّهُ طُهْرٌ انْتَقَلَتْ مِنْهُ إلَى حَيْضٍ ، فَأَشْبَهَ الطُّهْرَ بَيْنَ الْحَيْضَتَيْنِ .\rوَالثَّانِي ، لَا تَعْتَدُّ بِهِ .\rوَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ لِأَنَّ الْقُرْءَ هُوَ الطُّهْرُ بَيْنَ حَيْضَتَيْنِ .\rوَهَذَا لَمْ يَتَقَدَّمْهُ حَيْضٌ ، فَلَمْ يَكُنْ قُرْءًا .\rفَأَمَّا إنْ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا بِالشُّهُورِ ، ثُمَّ حَاضَتْ بَعْدَهَا وَلَوْ بِلَحْظَةٍ ، لَمْ يَلْزَمْهَا اسْتِئْنَافُ الْعِدَّةِ ؛ لِأَنَّهُ مَعْنًى حَدَثَ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ ، كَاَلَّتِي حَاضَتْ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ بِزَمَنٍ طَوِيلٍ ، وَلَا يُمْكِنُ مَنْعُ هَذَا الْأَصْلِ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ صَحَّ مَنْعُهُ ، لَمْ يَحْصُلْ لِمَنْ لَمْ تَحِضْ الِاعْتِدَادُ بِالشُّهُورِ بِحَالٍ .","part":17,"page":438},{"id":8438,"text":"( 6327 ) فَصْلٌ : وَلَوْ حَاضَتْ حَيْضَةً أَوْ حَيْضَتَيْنِ ، ثُمَّ صَارَتْ مِنْ الْآيِسَاتِ ، اسْتَأْنَفَتْ الْعِدَّةَ بِثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ ؛ لِأَنَّ الْعِدَّةَ لَا تُلَفَّقُ مِنْ جِنْسَيْنِ ، وَقَدْ تَعَذَّرَ إتْمَامُهَا بِالْحَيْضِ ، فَوَجَبَ تَكْمِيلُهَا بِالْأَشْهُرِ .\rوَإِنْ ظَهَرَ بِهَا حَمْلٌ مِنْ الزَّوْجِ ، سَقَطَ حُكْمُ مَا مَضَى وَتَبَيَّنَ أَنَّ مَا رَأَتْهُ مِنْ الدَّمِ لَمْ يَكُنْ حَيْضًا ؛ لِأَنَّ الْحَامِلَ لَا تَحِيضُ .\rوَلَوْ حَاضَتْ ثَلَاثَ حِيَضٍ ، ثُمَّ ظَهَرَ بِهَا حَمْلٌ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مُنْذُ انْقَضَتْ الْحَيْضَةُ الثَّالِثَةُ ، تَبَيَّنَّا أَنَّ الدَّمَ لَيْسَ بِحَيْضٍ ؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ حَامِلًا مَعَ رُؤْيَةِ الدَّمِ ، وَالْحَامِلُ لَا تَحِيضُ .\rوَلَوْ حَاضَتْ ثَلَاثَ حِيَضٍ ، ثُمَّ ظَهَرَ بِهَا حَمْلٌ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ حَادِثًا بَعْدَ قَضَاءِ الْعِدَّةِ ، بِأَنْ تَأْتِيَ بِهِ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ مُنْذُ فَرَغَتْ مِنْ عِدَّتِهَا ، لَمْ تَلْحَقْ بِالزَّوْجِ ، وَحَكَمْنَا بِصِحَّةِ الِاعْتِدَادِ ، وَكَانَ هَذَا الْوَلَدُ حَادِثًا .\rوَإِنْ أَتَتْ بِهِ لِدُونِ ذَلِكَ ، تَبَيَّنَّا أَنَّ الدَّمَ لَيْسَ بِحَيْضٍ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ وُجُودُهُ فِي مُدَّةِ الْحَمْلِ .","part":17,"page":439},{"id":8439,"text":"( 6328 ) فَصْلٌ وَإِذَا ارْتَابَتْ الْمُعْتَدَّةُ ، وَمَعْنَاهُ أَنْ تَرَى أَمَارَاتِ الْحَمْلِ مِنْ حَرَكَةٍ أَوْ نَفْخَةٍ وَنَحْوِهِمَا وَشَكَّتْ هَلْ هُوَ حَمْلٌ أَمْ لَا ؟ فَلَا يَخْلُو مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ : أَحَدُهَا ، أَنْ تَحْدُثَ بِهَا الرِّيبَةُ قَبْلَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا ، فَإِنَّمَا تَبْقَى فِي حُكْمِ الِاعْتِدَادِ حَتَّى تَزُولَ الرِّيبَةُ ، فَإِنْ بَانَ حَمْلًا ، انْقَضَتْ عِدَّتُهَا بِوَضْعِهِ ، فَإِنْ زَالَتْ وَبَانَ أَنَّهُ لَيْسَ بِحَمْلٍ ، تَبَيَّنَّا أَنَّ عِدَّتَهَا انْقَضَتْ بِالْقُرُوءِ أَوْ الشُّهُورِ .\rفَإِنْ زُوِّجَتْ قَبْلَ زَوَالِ الرِّيبَةِ ، فَالنِّكَاحُ بَاطِلٌ ؛ لِأَنَّهَا تَزَوَّجَتْ وَهِيَ فِي حُكْمِ الْمُعْتَدَّاتِ فِي الظَّاهِرِ .\rوَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ إذَا تَبَيَّنَ عَدَمُ الْحَمْلِ ، أَنَّهُ يَصِحُّ النِّكَاحُ ؛ لِأَنَّا تَبَيَّنَّا أَنَّهَا تَزَوَّجَتْ بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا .\rالثَّانِي : أَنْ تَظْهَرَ الرِّيبَةُ بَعْدَ قَضَاءِ عِدَّتِهَا وَالتَّزَوُّجِ ، فَالنِّكَاحُ صَحِيحٌ ؛ لِأَنَّهُ وُجِدَ بَعْدَ قَضَاءِ الْعِدَّةِ ظَاهِرًا ، وَالْحَمْلُ مَعَ الرِّيبَةِ مَشْكُوكٌ فِيهِ ، فَلَا يَزُولُ بِهِ مَا حُكِمَ بِصِحَّتِهِ ، لَكِنَّ ، لَا يَحِلُّ لِزَوْجِهَا وَطْؤُهَا ؛ لِأَنَّنَا شَكَكْنَا فِي صِحَّةِ النِّكَاحِ ، وَلِأَنَّهُ لَا يَحِلُّ لِمَنْ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يَسْقِيَ مَاءَهُ زَرْعَ غَيْرِهِ ، ثُمَّ نَنْظُرُ ؛ فَإِنْ وَضَعَتْ الْوَلَدَ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مُنْذُ تَزَوَّجَهَا الثَّانِي وَوَطِئَهَا ، فَنِكَاحُهُ بَاطِلٌ ؛ لِأَنَّهُ نَكَحَهَا وَهِيَ حَامِلٌ ، وَإِنْ أَتَتْ بِهِ لِأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ ، فَالْوَلَدُ لَاحِقٌ بِهِ ، وَنِكَاحُهُ صَحِيحٌ .\rالْحَالُ الثَّالِثُ ، ظَهَرَتْ الرِّيبَةُ بَعْدَ قَضَاءِ الْعِدَّةِ وَقَبْلَ النِّكَاحِ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا ، لَا يَحِلُّ لَهَا أَنْ تَتَزَوَّجَ ، وَإِنْ تَزَوَّجَتْ فَالنِّكَاحُ بَاطِلٌ ؛ لِأَنَّهَا تَتَزَوَّجُ مَعَ الشَّكِّ فِي انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ ، فَلَمْ يَصِحَّ ، كَمَا لَوْ وُجِدَتْ الرِّيبَةُ فِي الْعِدَّةِ ، وَلِأَنَّنَا لَوْ صَحَّحْنَا النِّكَاحَ ، لَوَقَعَ مَوْقُوفًا ، وَلَا يَجُوزُ كَوْنُ النِّكَاحِ مَوْقُوفًا ،","part":17,"page":440},{"id":8440,"text":"وَلِهَذَا لَوْ أَسْلَمَ وَتَخَلَّفَتْ امْرَأَتُهُ فِي الشِّرْكِ ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يَتَزَوَّجَ أُخْتَهَا ؛ لِأَنَّ نِكَاحَهَا يَكُونُ مَوْقُوفًا عَلَى إسْلَامِ الْأُولَى .\rوَالثَّانِي ، يَحِلُّ لَهَا النِّكَاحُ وَيَصِحُّ ؛ لِأَنَّنَا حَكَمْنَا بِانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ ، وَحِلِّ النِّكَاحِ ، وَسُقُوطِ النَّفَقَةِ وَالسُّكْنَى ، فَلَا يَجُوزُ زَوَالُ مَا حُكِمَ بِهِ بِالشَّكِّ الطَّارِئِ ، وَلِهَذَا لَا يَنْقُضُ الْحَاكِمُ مَا حَكَمَ بِهِ بِتَغَيُّرِ اجْتِهَادِهِ وَرُجُوعِ الشُّهُودِ .","part":17,"page":441},{"id":8441,"text":"فَصْلٌ : وَإِذَا طَلَّقَ وَاحِدَةً مِنْ نِسَائِهِ لَا بِعَيْنِهَا ، أُخْرِجَتْ بِالْقُرْعَةِ ، وَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ دُونَ غَيْرِهَا ، وَتُحْسَبُ عِدَّتُهَا مِنْ حِينِ طَلَّقَ ، لَا مِنْ حِينِ الْقُرْعَةِ .\rوَإِنْ طَلَّقَ وَاحِدَةً بِعَيْنِهَا وَأُنْسِيَهَا ، فَفِي قَوْلِ أَصْحَابنَا ، الْحُكْمُ فِيهَا كَذَلِكَ .\rوَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِ الْجَمِيعُ ، فَإِنْ مَاتَ فَعَلَى الْجَمِيعِ الِاعْتِدَادُ بِأَقْصَى الْأَجَلَيْنِ ، مِنْ عِدَّةِ الطَّلَاقِ وَالْوَفَاةِ ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ كَانَ ثَابِتًا بِيَقِينٍ ، وَكُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ هِيَ الْمُطَلَّقَةَ ، وَأَنْ تَكُونَ زَوْجَةً ، فَوَجَبَ أَقْصَى الْأَجَلَيْنِ إنْ كَانَ الطَّلَاقُ بَائِنًا ، لِيَسْقُطَ الْفَرْضُ بِيَقِينٍ ، كَمَنْ نَسِيَ صَلَاةً مِنْ يَوْمٍ لَا يَعْلَمُ عَيْنَهَا ، لَزِمَهُ أَنْ يُصَلِّيَ خَمْسَ صَلَوَاتٍ ، لَكِنَّ ابْتِدَاءَ الْقُرْءِ مِنْ حِينِ طَلَّقَ ، وَابْتِدَاءُ عِدَّةِ الْوَفَاةِ مِنْ حِينِ الْمَوْتِ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَإِنْ طَلَّقَ الْجَمِيعَ ثَلَاثًا بَعْدَ ذَلِكَ ، فَعَلَيْهِنَّ كُلِّهِنَّ تَكْمِيلُ عِدَّةِ الطَّلَاقِ مِنْ حِينِ طَلَّقَهُنَّ .\rوَإِنْ طَلَّقَ ثَلَاثًا وَأُنْسِيَهُنَّ ، فَهُوَ كَمَا لَوْ طَلَّقَ وَاحِدَةً .","part":17,"page":442},{"id":8442,"text":"( 6330 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : ( وَلَوْ مَاتَ عَنْهَا ، وَهُوَ حُرٌّ أَوْ عَبْدٌ ، قَبْلَ الدُّخُولِ أَوْ بَعْدَهُ ، انْقَضَتْ عِدَّتُهَا لِتَمَامِ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرٍ ، إنْ كَانَتْ حُرَّةً ، وَلِتَمَامِ شَهْرَيْنِ وَخَمْسَةِ أَيَّامٍ ، إنْ كَانَتْ أَمَةً ) أَجْمَعْ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ عِدَّةَ الْحُرَّةِ الْمُسْلِمَةِ غَيْرِ ذَاتِ الْحَمْلِ مِنْ وَفَاةِ زَوْجِهَا أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ ، مَدْخُولًا بِهَا ، أَوْ غَيْرَ مَدْخُولٍ بِهَا ، سَوَاءٌ كَانَتْ كَبِيرَةً بَالِغَةً أَوْ صَغِيرَةً لَمْ تَبْلُغْ ؛ وَذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَاَلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا } .\rوَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ تُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ ، إلَّا عَلَى زَوْجٍ ، أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rفَإِنْ قِيلَ : أَلَا حَمَلْتُمْ الْآيَةَ عَلَى الْمَدْخُولِ بِهَا ، كَمَا قُلْتُمْ فِي قَوْله تَعَالَى : { وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ } .\rقُلْنَا : إنَّمَا خَصَّصْنَا هَذِهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا نَكَحْتُمْ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا } .\rوَلَمْ يَرِدْ تَخْصِيصُ عِدَّةِ الْوَفَاةِ ، وَلَا أَمْكَنَ قِيَاسُهَا عَلَى الْمُطَلَّقَةِ فِي التَّخْصِيصِ لِوَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا ، أَنَّ النِّكَاحَ عَقْدُ عُمْرٍ ، فَإِذَا مَاتَ انْتَهَى ، وَالشَّيْءُ إذَا انْتَهَى تَقَرَّرَتْ أَحْكَامُهُ ، كَتَقَرُّرِ أَحْكَامِ الصِّيَامِ بِدُخُولِ اللَّيْلِ ، وَأَحْكَامِ الْإِجَارَةِ بِانْقِضَائِهَا ، وَالْعِدَّةُ مِنْ أَحْكَامِهِ .\rالثَّانِي أَنَّ الْمُطَلَّقَةَ إذَا أَتَتْ بِوَلَدٍ يُمْكِنُ الزَّوْجُ تَكْذِيبَهَا وَنَفْيَهُ بِاللِّعَانِ ، وَهَذَا مُمْتَنِعٌ فِي حَقِّ الْمَيِّتِ ، فَلَا يُؤْمَنُ أَنْ تَأْتِيَ بِوَلَدٍ ، فَيَلْحَقَ الْمَيِّتَ نَسَبُهُ ، وَمَا لَهُ مَنْ يَنْفِيهِ ، فَاحْتَطْنَا بِإِيجَابِ الْعِدَّةِ","part":17,"page":443},{"id":8443,"text":"عَلَيْهَا لِحِفْظِهَا عَنْ التَّصَرُّفِ وَالْمَبِيتِ فِي غَيْرِ مَنْزِلهَا ، حِفْظًا لَهَا .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ وُجُودُ الْحَيْضِ فِي عِدَّةِ الْوَفَاةِ .\rفِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rوَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهَا إذَا كَانَتْ مَدْخُولًا بِهَا ، وَجَبَتْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ فِيهَا حَيْضَةٌ ، وَاتِّبَاعُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ أَوْلَى ، وَلِأَنَّهُ لَوْ اُعْتُبِرَ الْحَيْضُ فِي حَقِّهَا ، لَاعْتُبِرَ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ ، كَالْمُطَلَّقَةِ .\rوَهَذَا الْخِلَافُ يَخْتَصُّ بِذَاتِ الْقُرْءِ ، فَأَمَّا الْآيِسَةُ وَالصَّغِيرَةُ ، فَلَا خِلَافَ فِيهِمَا ، وَأَمَّا الْأَمَةُ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا ، فَعِدَّتُهَا شَهْرَانِ وَخَمْسَةُ أَيَّامٍ .\rفِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ ؛ مِنْهُمْ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَعَطَاءٌ وَسُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ ، وَالزُّهْرِيُّ وَقَتَادَةُ وَمَالِكٌ وَالثَّوْرِيُّ وَالشَّافِعِيُّ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ، وَغَيْرُهُمْ ، إلَّا ابْنَ سِيرِينَ فَإِنَّهُ قَالَ : مَا أَرَى عِدَّةَ الْأَمَةِ إلَّا كَعِدَّةِ الْحُرَّةِ ، إلَّا أَنْ تَكُونَ قَدْ مَضَتْ فِي ذَلِكَ سُنَّةٌ ، فَإِنَّ السُّنَّةَ أَحَقُّ أَنْ تُتَّبَعَ .\rوَأَخَذَ بِظَاهِرِ النَّصِّ وَعُمُومِهِ .\rوَلَنَا ، اتِّفَاقُ الصَّحَابَةِ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ عَلَى أَنَّ عِدَّةَ الْأَمَةِ الْمُطَلَّقَةِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ عِدَّةِ الْحُرَّةِ ، فَكَذَلِكَ عِدَّةُ الْوَفَاةِ .","part":17,"page":444},{"id":8444,"text":"( 6331 ) فَصْلٌ : وَالْعَشْرُ الْمُعْتَبَرَةُ فِي الْعِدَّةِ هِيَ عَشْرُ لَيَالٍ بِأَيَّامِهَا ، فَتَجِبُ عَشْرَةُ أَيَّامٍ مَعَ اللَّيَالِي .\rوَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو عُبَيْدٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\r، وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ يَجِبُ عَشْرُ لَيَالٍ وَتِسْعَةُ أَيَّامٍ ؛ لِأَنَّ الْعَشْرَ تُسْتَعْمَلُ فِي اللَّيَالِي دُونَ الْأَيَّامِ ، ، وَإِنَّمَا دَخَلَتْ الْأَيَّامُ اللَّاتِي فِي أَثْنَاءِ اللَّيَالِي تَبَعًا .\rقُلْنَا : الْعَرَبُ تُغَلِّبُ اسْمَ التَّأْنِيثِ فِي الْعَدَدِ خَاصَّةً عَلَى الْمُذَكَّرِ ، فَتُطْلِقُ لَفْظَ اللَّيَالِي وَتُرِيدُ اللَّيَالِيَ بِأَيَّامِهَا ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِزَكَرِيَّا : { آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا } .\rيُرِيدُ بِأَيَّامِهَا ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ قَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ : { آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إلَّا رَمْزًا } .\rيُرِيدُ بِلَيَالِيِهَا .\rوَلَوْ نَذَرَ اعْتِكَافَ الْعَشْرِ الْأَخِيرِ مِنْ رَمَضَانَ ، لَزِمَهُ ، اللَّيَالِي وَالْأَيَّامُ .\rوَيَقُولُ الْقَائِلُ : سِرْنَا عَشْرًا ، يُرِيدُ اللَّيَالِي بِأَيَّامِهَا .\rفَلَمْ يَجُزْ نَقْلُهَا عَنْ الْعِدَّةِ إلَى الْإِبَاحَة بِالشَّكِّ .","part":17,"page":445},{"id":8445,"text":"( 6332 ) فَصْلٌ : وَإِذَا مَاتَ زَوْجَ الرَّجْعِيَّةِ ، اسْتَأْنَفَتْ عِدَّةَ الْوَفَاةِ ، أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ، بِلَا خِلَافٍ .\rوَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى ذَلِكَ .\rوَذَلِكَ لِأَنَّ الرَّجْعِيَّةَ زَوْجَةٌ يَلْحَقُهَا طَلَاقُهُ ، وَيَنَالُهَا مِيرَاثُهُ ، فَاعْتَدَّتْ لِلْوَفَاةِ ، كَغَيْرِ الْمُطَلَّقَةِ .\rوَإِنْ مَاتَ مُطَلِّقُ الْبَائِنِ فِي عِدَّتِهَا ، بَنَتْ عَلَى عِدَّةِ الطَّلَاقِ ، إلَّا أَنْ يُطَلِّقَهَا فِي مَرَضِ مَوْتِهِ ، فَإِنَّهَا تَعْتَدُّ أَطْوَلَ الْأَجَلَيْنِ مِنْ عِدَّةِ الْوَفَاةِ أَوْ ثَلَاثَةِ قُرُوءٍ .\rنَصَّ عَلَى هَذَا أَحْمَدُ وَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ ، وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو عُبَيْدٍ وَأَبُو ثَوْرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ تَبْنِي عَلَى عِدَّةِ الطَّلَاقِ ؛ لِأَنَّهُ مَاتَ وَلَيْسَتْ زَوْجَةً لَهُ ، لِأَنَّهَا بَائِنٌ مِنْ النِّكَاحِ ، فَلَا تَكُونُ مَنْكُوحَةً .\rوَلَنَا أَنَّهَا وَارِثَةٌ لَهُ ، فَيَجِبُ عَلَيْهَا عِدَّةُ الْوَفَاةِ ، كَالرَّجْعِيَّةِ ، وَتَلْزَمُهَا عِدَّةُ الطَّلَاقِ ؛ لِمَا ذَكَرُوهُ فِي دَلِيلِهِمْ ، وَإِنْ مَاتَ الْمَرِيضُ الْمُطَلِّقُ بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا بِالْحَيْضِ ، أَوْ بِالشُّهُورِ ، أَوْ بِوَضْعِ الْحَمْلِ ، أَوْ كَانَ طَلَاقُهُ قَبْلَ الدُّخُولِ ، فَلَيْسَ عَلَيْهَا عِدَّةٌ لِمَوْتِهِ ، وَقَالَ الْقَاضِي : عَلَيْهِنَّ عِدَّةُ الْوَفَاةِ إذَا قُلْنَا : يَرِثْنَهُ .\rلِأَنَّهُنَّ يَرِثْنَهُ بِالزَّوْجِيَّةِ ، فَتَجِبُ عَلَيْهِنَّ عِدَّةُ الْوَفَاةِ ، كَمَا لَوْ مَاتَ بَعْدَ الدُّخُولِ وَقَبْلَ قَضَاءِ الْعِدَّةِ .\rوَرَوَاهُ أَبُو طَالِبٍ عَنْ أَحْمَدَ ، فِي الَّتِي انْقَضَتْ عِدَّتُهَا .\rوَذَكَرَ ابْنُ أَبِي مُوسَى فِيهَا رِوَايَتَيْنِ .\rوَالصَّحِيحُ أَنَّهَا لَا عِدَّةَ عَلَيْهَا ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : { إذَا نَكَحْتُمْ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا } .\rوَقَالَ { وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ } .\rوَقَالَ : { وَاَللَّائِي يَئِسْنَ","part":17,"page":446},{"id":8446,"text":"مِنْ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إنْ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاَللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ } فَلَا يَجُوزُ تَخْصِيصُ هَذِهِ النُّصُوصِ بِالتَّحَكُّمِ ، وَلِأَنَّهَا أَجْنَبِيَّةٌ تَحِلّ لِلْأَزْوَاجِ ، وَيَحِلُّ لِلْمُطَلِّقِ نِكَاحُ أُخْتِهَا وَأَرْبَعٍ سِوَاهَا ، فَلَمْ تَجِبْ عَلَيْهَا عِدَّةٌ لِمَوْتِهِ ، كَمَا لَوْ تَزَوَّجَتْ ، وَتُخَالِفُ الَّتِي مَاتَ فِي عِدَّتِهَا ، فَإِنَّهَا لَا تَحِلُّ لِغَيْرِهِ فِي هَذِهِ الْحَالِ ، وَلَمْ تَنْقَضِ عِدَّتُهَا ، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهَا تَرِثُهُ ، فَإِنَّهَا لَوْ وَرِثَتْهُ لَأَفْضَى إلَى أَنْ يَرِثَ الرَّجُلَ ثَمَانِيَ زَوْجَاتٍ .\rفَأَمَّا إنْ تَزَوَّجَتْ إحْدَى هَؤُلَاءِ ، فَلَا عِدَّةَ عَلَيْهَا ، بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ ، وَلَا تَرِثُهُ أَيْضًا .\rوَإِنْ كَانَتْ الْمُطَلَّقَةُ الْبَائِنُ لَا تَرِثُ ، كَالْأَمَةِ أَوْ الْحَرَّةِ يُطَلِّقُهَا الْعَبْدُ ، أَوْ الذِّمِّيَّةُ يُطَلِّقُهَا الْمُسْلِمُ ، وَالْمُخْتَلِعَةُ أَوْ فَاعِلَةُ مَا يَفْسَخُ نِكَاحَهَا ، لَمْ تَلْزَمْهَا عِدَّةٌ ، سَوَاءٌ مَاتَ زَوْجُهَا فِي عِدَّتِهَا أَوْ بَعْدَهَا ، عَلَى قِيَاسِ قَوْلِ أَصْحَابِنَا ، فَهُمْ عَلَّلُوا نَقْلَهَا إلَى عِدَّةِ الْوَفَاةِ بِإِرْثِهَا وَهَذِهِ لَيْسَتْ وَارِثَةً ، فَأَشْبَهَتْ الْمُطَلَّقَةَ فِي الصِّحَّةِ ، وَأَمَّا الْمُطَلَّقَةُ فِي الصِّحَّة إذَا كَانَتْ بَائِنًا ، فَمَاتَ زَوْجُهَا ، فَإِنَّهَا تَبْنِي عَلَى عِدَّةِ الطَّلَاقِ ، وَلَا تَعْتَدُّ لِلْوَفَاةِ .\rوَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَبِي عُبَيْدٍ وَأَبِي ثَوْرٍ وَابْنِ الْمُنْذِرِ وَقَالَ الثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ عَلَيْهَا أَطْوَلُ الْأَجَلَيْنِ ، كَمَا لَوْ طَلَّقَهَا فِي مَرَضِ مَوْتِهِ .\rوَلَنَا قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ { وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ } وَلِأَنَّهَا أَجْنَبِيَّةٌ مِنْهُ فِي نِكَاحِهِ ، وَمِيرَاثِهِ ، وَالْحِلِّ لَهُ وَوُقُوعِ طَلَاقِهِ ، وَظِهَارِهِ ، وَتَحِلُّ لَهُ أُخْتُهَا وَأَرْبَعٌ سِوَاهَا ، فَلَمْ تَعْتَدَّ لِوَفَاتِهِ كَمَا لَوْ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا .\rوَذَكَرَ الْقَاضِي ، فِي الْمُطَلَّقَةِ فِي الْمَرَضِ ، أَنَّهَا إذَا كَانَتْ حَامِلًا ، تَعْتَدُّ","part":17,"page":447},{"id":8447,"text":"أَطْوَلَ الْأَجَلَيْنِ .\rوَلَيْسَ هَذَا بِشَيْءٍ ؛ لِأَنَّ وَضْعَ الْحَمْلِ تَنْقَضِي بِهِ كُلُّ عِدَّةٍ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَجِبَ عَلَيْهَا الِاعْتِدَادُ بِغَيْرِ الْحَمْلِ ، عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ فِي الْمَسْأَلَةِ الَّتِي تَلِي هَذِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .","part":17,"page":448},{"id":8448,"text":"( 6333 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : وَلَوْ طَلَّقَهَا ، أَوْ مَاتَ عَنْهَا ، وَهِيَ حَامِلٌ مِنْهُ ، لَمْ تَنْقَضِ عِدَّتُهَا إلَّا بِوَضْعِ الْحَمْلِ ، أَمَةً كَانَتْ أَوْ حُرَّةً أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي جَمِيعِ الْأَعْصَارِ ، عَلَى أَنَّ الْمُطَلَّقَةَ الْحَامِلَ تَنْقَضِي عِدَّتُهَا بِوَضْعِ حَمْلِهَا .\rوَكَذَلِكَ كُلُّ مُفَارِقَةٍ فِي الْحَيَاةِ .\rوَأَجْمَعُوا أَيْضًا عَلَى أَنَّ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا إذَا كَانَتْ حَامِلًا ، أَجَلُهَا وَضْعُ حَمْلِهَا ، إلَّا ابْنَ عَبَّاسٍ ، وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ مِنْ وَجْهٍ مُنْقَطِعٍ ، أَنَّهَا تَعْتَدُّ بِأَقْصَى الْأَجَلَيْنِ .\rوَقَالَهُ أَبُو السَّنَابِلِ بْنُ بَعْكَكٍ ، فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَدَّ عَلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَوْلَهُ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنَ عَبَّاسٍ أَنَّهُ رَجَعَ إلَى قَوْلِ الْجَمَاعَةِ لَمَّا بَلَغَهُ حَدِيثُ سُبَيْعَةَ ، وَكَرِهَ الْحَسَنُ وَالشَّعْبِيُّ أَنْ تَنْكِحَ فِي دَمِهَا .\rوَيُحْكَى عَنْ حَمَّادٍ وَإِسْحَاقَ أَنَّ عِدَّتَهَا لَا تَنْقَضِي حَتَّى تَطْهُرَ .\rوَأَبَى سَائِرُ أَهْلِ الْعِلْمِ هَذَا الْقَوْلَ ، وَقَالُوا : لَوْ وَضَعَتْ بَعْدَ سَاعَةٍ مِنْ وَفَاةِ زَوْجهَا ، حَلَّ لَهَا أَنْ تَتَزَوَّجَ ، وَلَكِنْ ، لَا يَطَؤُهَا زَوْجُهَا حَتَّى تَطْهُرَ مِنْ نِفَاسِهَا وَتَغْتَسِلَ ؛ وَذَلِكَ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى { : وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ } وَرُوِيَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ، قَالَ : { قُلْتُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ لِلْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا أَوْ لِلْمُتَوَفَّى عَنْهَا ؟ قَالَ هِيَ لِلْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا ، وَلِلْمُتَوَفَّى عَنْهَا } وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ مَنْ شَاءَ بَاهَلْتُهُ أَوْ لَاعَنْتُهُ : إنَّ الْآيَةَ الَّتِي فِي سُورَةِ النِّسَاءِ الْقُصْرَى : { وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ } نَزَلَتْ بَعْدَ الَّتِي فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ : { وَاَلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا } يَعْنِي أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ هِيَ الْأَخِيرَةُ ، فَتُقَدَّمُ","part":17,"page":449},{"id":8449,"text":"عَلَى مَا خَالَفَهَا مِنْ عُمُومِ الْآيَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ ، وَيُخَصُّ بِهَا عُمُومُهَا .\rوَرَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنِ الْأَرْقَمِ ، { أَنَّ سُبَيْعَةَ الْأَسْلَمِيَّةَ أَخْبَرَتْهُ ، أَنَّهَا كَانَتْ تَحْتَ سَعْدِ بْنِ خَوْلَةَ ، وَتُوُفِّيَ عَنْهَا فِي حِجَّةِ الْوَدَاعِ وَهِيَ حَامِلٌ ، فَلَمْ تَنْشَبْ أَنْ وَضَعَتْ حَمْلَهَا بَعْدَ وَفَاتِهِ ، فَلَمَّا تَعَلَّتْ مِنْ نِفَاسِهَا ، تَجَمَّلَتْ لِلْخُطَّابِ ، فَدَخَلَ عَلَيْهَا أَبُو السَّنَابِلِ بْنُ بَعْكَكٍ ، فَقَالَ : مَا لِي أَرَاك مُتَجَمِّلَةً ، لَعَلَّكِ تَرْجِينَ النِّكَاحَ ؟ إنَّك وَاَللَّهِ مَا أَنْتِ بِنَاكِحٍ حَتَّى تَمُرَّ عَلَيْك أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ .\rقَالَتْ سُبَيْعَةُ : فَلَمَّا قَالَ لِي ذَلِكَ ، جَمَعْتُ عَلَيَّ ثِيَابِي حِينَ أَمْسَيْتُ ، فَأَتَيْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ ، فَأَفْتَانِي ، بِأَنِّي قَدْ حَلَلْت حِينَ وَضَعْتُ حَمْلِي ، فَأَمَرَنِي بِالتَّزْوِيجِ إنْ بَدَا لِي } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ ، قَدْ جَاءَ مِنْ وُجُوهٍ شَتَّى ، كُلُّهَا ثَابِتَةٌ ، إلَّا مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ مِنْ وَجْهٍ مُنْقَطِعٍ .\rوَلِأَنَّهَا مُعْتَدَّةٌ حَامِلٌ ، فَتَنْقَضِي عِدَّتُهَا بِوَضْعِهِ كَالْمُطَلَّقَةِ ، يُحَقِّقُهُ أَنَّ الْعِدَّةَ إنَّمَا شُرِعَتْ لِمَعْرِفَةِ بَرَاءَتِهَا مِنْ الْحَمْلِ ، وَوَضْعُهُ أَدَلُّ الْأَشْيَاءِ عَلَى الْبَرَاءَةِ مِنْهُ ، فَوَجَبَ أَنْ تَنْقَضِيَ بِهِ الْعِدَّةُ ، وَلِأَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي بَقَاءِ الْعِدَّةِ بِبَقَاءِ الْحَمْلِ ، فَوَجَبَ أَنْ تَنْقَضِيَ بِهِ ، كَمَا فِي حَقِّ الْمُطَلَّقَةِ .","part":17,"page":450},{"id":8450,"text":"( 6334 ) فَصْلٌ : وَإِذَا كَانَ الْحَمْلُ وَاحِدًا ، انْقَضَتْ الْعِدَّةُ بِوَضْعِهِ ، وَانْفِصَالِ جَمِيعِهِ ، وَإِنْ ظَهَرَ بَعْضُهُ ، فَهِيَ فِي عِدَّتِهَا حَتَّى يَنْفَصِلَ بَاقِيهِ ؛ لِأَنَّهَا لَا تَكُونُ وَاضِعَةً لِحَمْلِهَا مَا لَمْ يَخْرُجَ كُلُّهُ .\rوَإِنْ كَانَ الْحَمْلُ اثْنَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ ، لَمْ تَنْقَضِ عِدَّتُهَا إلَّا بِوَضْعِ الْآخَرِ ؛ لِأَنَّ الْحَمْلَ هُوَ الْجَمِيعُ .\rهَذَا قَوْلُ جَمَاعَةِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، إلَّا أَبَا قِلَابَةَ وَعِكْرِمَةَ ، فَإِنَّهُمَا قَالَا : تَنْقَضِي عِدَّتُهَا بِوَضْعِ الْأَوَّلِ ، وَلَا تَتَزَوَّجُ حَتَّى تَضَعَ الْآخَرَ .\rوَذَكَرَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ عِكْرِمَةَ أَنَّهُ قَالَ : إذَا وَضَعَتْ أَحَدَهُمَا ، فَقَدْ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا .\rقِيلَ لَهُ : فَتَتَزَوَّجُ ؟ قَالَ لَا .\rقَالَ قَتَادَةُ خُصِمَ الْعَبْدُ .\r.\rوَهَذَا قَوْلٌ شَاذٌّ ، يُخَالِفُ ظَاهِرَ الْكِتَابِ وَقَوْلَ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَالْمَعْنَى فَإِنَّ الْعِدَّةَ شُرِعَتْ لِمَعْرِفَةِ الْبَرَاءَةِ مِنْ الْحَمْلِ ، فَإِذَا عُلِمَ وُجُودُ الْحَمْلِ ، فَقَدْ تُيُقِّنَ وُجُودُ الْمُوجِبِ لِلْعِدَّةِ ، وَانْتَفَتْ الْبَرَاءَةُ الْمُوجِبَةُ لِانْقِضَائِهَا ، وَلِأَنَّهَا لَوْ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا بِوَضْعِ الْأَوَّلِ ، لَأُبِيحَ لَهَا النِّكَاحُ ، كَمَا لَوْ وَضَعَتْ الْآخَرَ .\rفَإِنْ وَضَعَتْ وَلَدًا ، وَشَكَّتْ فِي وُجُودِ ثَانٍ ، لَمْ تَنْقَضِ عِدَّتُهَا حَتَّى تَزُولَ الرِّيبَةُ ، وَتَتَيَقَّنَ أَنَّهَا لَمْ يَبْقَ مَعَهَا حَمْلٌ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاؤُهَا ، فَلَا يَزُولُ بِالشَّكِّ .","part":17,"page":451},{"id":8451,"text":"( 6335 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : وَالْحَمْلُ الَّذِي تَنْقَضِي بِهِ الْعِدَّةُ ، مَا يَتَبَيَّنُ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ خَلْقِ الْإِنْسَانِ ، حُرَّةً كَانَتْ أَوْ أَمَةً وَجُمْلَةُ ذَلِكَ ، أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا أَلْقَتْ بَعْدَ فُرْقَةِ زَوْجِهَا شَيْئًا ، لَمْ يَخْلُ مِنْ خَمْسَةِ أَحْوَالٍ : أَحَدُهَا ، أَنْ تَضَعَ مَا بَانَ فِيهِ خَلْقُ الْآدَمِيِّ ، مِنْ الرَّأْسِ وَالْيَدِ وَالرِّجْلِ ، فَهَذَا تَنْقَضِي بِهِ الْعِدَّةُ ، بِلَا خِلَافٍ بَيْنَهُمْ .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ، عَلَى أَنَّ عِدَّةَ الْمَرْأَةِ تَنْقَضِي بِالسَّقْطِ إذَا عُلِمَ أَنَّهُ وَلَدٌ ، وَمِمَّنْ نَحْفَظُ عَنْهُ ذَلِكَ : الْحَسَنُ وَابْنُ سِيرِينَ وَشُرَيْحٌ وَالشَّعْبِيُّ وَالنَّخَعِيُّ وَالزُّهْرِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ قَالَ الْأَثْرَمُ : قُلْت لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ : إذَا نُكِّسَ فِي الْخَلْقِ الرَّابِعِ ؟ يَعْنِي تَنْقَضِي بِهِ الْعِدَّةُ .\rفَقَالَ : إذَا نُكِّسَ فِي الْخَلْقِ الرَّابِعِ ، فَلَيْسَ فِيهِ اخْتِلَافٌ ، وَلَكِنْ إذَا تَبَيَّنَ خَلْقُهُ هَذَا أَدَلُّ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ إذَا بَانَ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ خَلْقِ الْآدَمِيِّ ، عُلِمَ أَنَّهُ حَمْلٌ ، فَيَدْخُلُ فِي عُمُومِ قَوْله تَعَالَى : { وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ } .\rالْحَالُ الثَّانِي ، أَلْقَتْ نُطْفَةً أَوْ دَمًا ، لَا تَدْرِي هَلْ هُوَ مَا يُخْلَقُ مِنْهُ الْآدَمِيُّ أَوْ لَا ؟ فَهَذَا لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ شَيْءٌ مِنْ الْأَحْكَامِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ أَنَّهُ وَلَدٌ ، لَا بِالْمُشَاهَدَةِ وَلَا بِالْبَيِّنَةِ .\rالْحَالُ الثَّالِثُ أَلْقَتْ مُضْغَةً لَمْ تَبِنْ فِيهَا الْخِلْقَةُ ، فَشَهِدَ ثِقَاتٌ مِنْ الْقَوَابِلِ ، أَنَّ فِيهِ صُورَةً خَفِيَّةً ، بَانَ بِهَا أَنَّهَا خِلْقَةُ آدَمِيٍّ ، فَهَذَا فِي حُكْمِ الْحَالِ الْأَوَّلِ ، لِأَنَّهُ قَدْ تَبَيَّنَ بِشَهَادَةِ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ أَنَّهُ وَلَدٌ .\rالْحَالُ الرَّابِعُ ، إذَا أَلْقَتْ مُضْغَةً لَا صُورَةَ فِيهَا ، فَشَهِدَ ثِقَاتٌ مِنْ الْقَوَابِلِ أَنَّهُ مُبْتَدَأُ خَلْقِ آدَمِيٍّ ، فَاخْتُلِفَ عَنْ أَحْمَدَ فَنَقَلَ أَبُو طَالِبٍ أَنَّ","part":17,"page":452},{"id":8452,"text":"عِدَّتَهَا لَا تَنْقَضِي بِهِ ، وَلَكِنْ تَصِيرُ بِهِ أُمَّ وَلَدٍ ؛ لِأَنَّهُ مَشْكُوكٌ فِي كَوْنِهِ وَلَدًا ، فَلَمْ يُحْكَمْ بِانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ الْمُتَيَقَّنَةِ بِأَمْرٍ مَشْكُوكٍ فِيهِ ، وَلَمْ يَجُزْ بَيْعُ الْأَمَةِ الْوَالِدَةِ لَهُ مَعَ الشَّكِّ فِي رِقِّهَا ، فَيَثْبُتُ كَوْنُهَا أُمَّ وَلَدٍ احْتِيَاطًا ، وَلَا تَنْقَضِي الْعِدَّةُ احْتِيَاطًا .\rوَنَقَلَ حَنْبَلٌ أَنَّهَا تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ ، وَلَمْ يَذْكُرْ الْعِدَّةَ ، فَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابنَا : عَلَى هَذَا تَنْقَضِي بِهِ الْعِدَّةُ .\rوَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ وَظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ لِأَنَّهُمْ شَهِدُوا بِأَنَّهُ خِلْقَةُ آدَمِيٍّ ، أَشْبَهَ مَا لَوْ تَصَوَّرَ .\r.\rوَالصَّحِيحُ أَنَّ هَذَا لَيْسَ بِرِوَايَةٍ فِي الْعِدَّةِ ، لِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْهَا ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لَهَا .\rالْحَالُ الْخَامِسُ ، أَنْ تَضَعَ مُضْغَةً لَا صُورَةَ فِيهَا ، وَلَمْ تَشْهَدْ الْقَوَابِلُ بِأَنَّهَا مُبْتَدَأُ خَلْقِ آدَمِيٍّ ، فَهَذَا لَا تَنْقَضِي بِهِ عِدَّةٌ ، وَلَا تَصِيرُ بِهِ أُمَّ وَلَدٍ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ كَوْنُهُ وَلَدًا بِبَيِّنَةٍ وَلَا مُشَاهَدَةٍ ، فَأَشْبَهَ الْعَلَقَةَ ، فَلَا تَنْقَضِي الْعِدَّةُ بِوَضْعِ مَا قَبْلَ الْمُضْغَةِ بِحَالٍ ، سَوَاءٌ كَانَ نُطْفَةً أَوْ عَلَقَةً ، وَسَوَاءٌ قِيلَ : إنَّهُ مُبْتَدَأُ خَلْقِ آدَمِيٍّ أَوْ لَمْ يُقَلْ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فَقَالَ : أَمَّا إذَا كَانَ عَلَقَةً ، فَلَيْسَ بِشَيْءٍ ، إنَّمَا هِيَ دَمٌ ، لَا تَنْقَضِي بِهِ عِدَّةٌ ، وَلَا تَعْتِقُ بِهِ أَمَةٌ .\rوَلَا نَعْلَمُ مُخَالِفًا فِي هَذَا ، إلَّا الْحَسَنَ ، فَإِنَّهُ قَالَ : إذَا عُلِمَ أَنَّهَا حَمْلٌ ، انْقَضَتْ بِهِ الْعِدَّةُ ، وَفِيهِ الْغُرَّةُ .\rوَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ، وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ .\rوَأَقَلُّ مَا تَنْقَضِي بِهِ الْعِدَّةُ مِنْ الْحَمْلِ ، أَنْ تَضَعَهُ بَعْدَ ثَمَانِينَ يَوْمًا مُنْذُ أَمْكَنَهُ وَطْؤُهَا ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : \" إنَّ خَلْقَ أَحَدِكُمْ لَيُجْمَعُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ ، فَيَكُونُ نُطْفَةً أَرْبَعِينَ يَوْمًا ، ثَمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ \" .\rوَلَا تَنْقَضِي","part":17,"page":453},{"id":8453,"text":"الْعِدَّةُ بِمَا دُونِ الْمُضْغَةِ ، فَوَجَبَ أَنْ تَكُونَ بَعْدَ الثَّمَانِينَ ، فَأَمَّا مَا بَعْدَ الْأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ ، فَلَيْسَ فِيهِ إشْكَالٌ ؛ لِأَنَّهُ مُنَكَّسٌ فِي الْخَلْقِ الرَّابِعِ .","part":17,"page":454},{"id":8454,"text":"( 6336 ) فَصْلٌ : وَأَقَلُّ مُدَّةِ الْحَمْلِ سِتَّةُ أَشْهُرٍ ؛ لِمَا رَوَى الْأَثْرَمُ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ ، أَنَّهُ رُفِعَ إلَى عُمَرَ أَنَّ امْرَأَةً وَلَدَتْ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ ، فَهَمَّ عُمُرُ بِرَجْمِهَا ، فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ : لَيْسَ لَكَ ذَلِكَ .\rقَالَ اللَّهُ تَعَالَى { : وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ } وَقَالَ تَعَالَى : { وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا } فَحَوْلَانِ وَسِتَّةُ أَشْهُرٍ ثَلَاثُونَ شَهْرًا ، لَا رَجْمَ عَلَيْهَا .\rفَخَلَّى عُمَرُ سَبِيلَهَا ، وَوَلَدَتْ مَرَّةً أُخْرَى لِذَلِكَ الْحَدِّ وَرَوَاهُ الْأَثْرَمُ أَيْضًا عَنْ عِكْرِمَةَ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ ذَلِكَ .\rقَالَ عَاصِمٌ الْأَحْوَلُ : فَقُلْت لِعِكْرِمَةَ إنَّا بَلَغَنَا أَنَّ عَلِيًّا قَالَ هَذَا .\rفَقَالَ عِكْرِمَةُ لَا ، مَا قَالَ هَذَا إلَّا ابْنُ عَبَّاسٍ وَذَكَرَ ابْنُ قُتَيْبَةَ ، فِي \" الْمَعَارِفِ \" أَنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ وُلِدَ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ .\rوَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ ، وَغَيْرِهِمْ .","part":17,"page":455},{"id":8455,"text":"( 6337 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : ( وَلَوْ طَلَّقَهَا ، أَوْ مَاتَ عَنْهَا ، فَلَمْ تَنْكِحْ حَتَّى أَتَتْ بِوَلَدٍ بَعْدَ طَلَاقِهِ أَوْ مَوْتِهِ بِأَرْبَعِ سِنِينَ ، لَحِقَهُ الْوَلَدُ ، وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا بِهِ ) ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّ أَقْصَى مُدَّةِ الْحَمْلِ أَرْبَعُ سِنِينَ .\rوَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ مَالِكٍ .\rوَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّ أَقْصَى مُدَّتِهِ سَنَتَانِ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَائِشَةَ وَهُوَ مَذْهَبُ الثَّوْرِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ ؛ لِمَا رَوَتْ جَمِيلَةُ بِنْتُ سَعْدٍ ، عَنْ عَائِشَةَ لَا تَزِيدُ الْمَرْأَةُ عَلَى السَّنَتَيْنِ فِي الْحَمْلِ ، وَلِأَنَّ التَّقْدِيرَ إنَّمَا يُعْلَمُ بِتَوْقِيفٍ أَوْ اتِّفَاقٍ ، وَلَا تَوْقِيفَ هَاهُنَا وَلَا اتِّفَاقَ ، إنَّمَا هُوَ عَلَى مَا ذَكَرْنَا ، وَقَدْ وُجِدَ ذَلِكَ ، فَإِنَّ الضَّحَّاكَ بْنَ مُزَاحِمٍ ، وَهَرِمَ بْنَ حَيَّانَ حَمَلَتْ أُمُّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِهِ سَنَتَيْنِ ، وَقَالَ اللَّيْثُ أَقْصَاهُ ثَلَاثُ سِنِينَ .\rحَمَلَتْ مَوْلَاةٌ لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ثَلَاثَ سِنِينَ .\rوَقَالَ عَبَّادُ بْنُ الْعَوَّامِ : خَمْسُ سِنِينَ .\rوَعَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ : قَدْ تَحْمِلُ الْمَرْأَةُ سِتَّ سِنِينَ وَسَبْعَ سِنِينَ .\rوَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : لَيْسَ لِأَقْصَاهُ وَقْتٌ يُوقَفُ عَلَيْهِ .\rوَلَنَا أَنَّ مَا لَا نَصَّ فِيهِ ، يُرْجَعُ فِيهِ إلَى الْوُجُودِ ، وَقَدْ وُجِدَ الْحَمْلُ لِأَرْبَعِ سِنِينَ ، فَرَوَى الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ قَالَ : قُلْت لِمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ : حَدِيثُ جَمِيلَةَ بِنْتِ سَعْدٍ ، عَنْ عَائِشَةَ : لَا تَزِيدُ الْمَرْأَةُ عَلَى السَّنَتَيْنِ فِي الْحَمْلِ .\rقَالَ مَالِكٌ : سُبْحَانَ اللَّهِ ، مَنْ يَقُولُ هَذَا ؟ هَذِهِ جَارَتُنَا امْرَأَةُ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ تَحْمِلُ أَرْبَعَ سِنِينَ قَبْلَ أَنْ تَلِدَ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ بَقِيَ مُحَمَّدُ بْنُ عَجْلَانِ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعَ سِنِينَ .\rوَقَالَ أَحْمَدُ نِسَاءُ بَنِي عَجْلَانَ يَحْمِلْنَ أَرْبَعَ سِنِينَ وَامْرَأَةُ عَجْلَانَ حَمَلَتْ ثَلَاثَ بُطُونٍ ، كُلَّ دَفْعَةٍ أَرْبَعَ سِنِينَ .\rوَبَقِيَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ فِي بَطْنِ","part":17,"page":456},{"id":8456,"text":"أُمِّهِ أَرْبَعَ سِنِينَ .\rوَهَكَذَا إبْرَاهِيمُ بْنُ نَجِيحٍ الْعُقَيْلِيُّ ، حَكَى ذَلِكَ أَبُو الْخَطَّابِ وَإِذَا تَقَرَّرَ وُجُودُهُ ، وَجَبَ أَنْ يُحْكَمَ بِهِ ، وَلَا يُزَادَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ مَا وُجِدَ ، وَلِأَنَّ عُمَرَ ضَرَبَ لِامْرَأَةِ الْمَفْقُودِ أَرْبَعَ سِنِينَ ، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ إلَّا لِأَنَّهُ غَايَةُ الْحَمْلِ ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَغَيْرِهِمَا إذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّ الْمَرْأَةَ إذَا وَلَدَتْ لِأَرْبَعِ سِنِينَ فَمَا دُونَ ، مِنْ يَوْمِ مَوْتِ الزَّوْجِ أَوْ طَلَاقِهِ ، وَلَمْ تَكُنْ تَزَوَّجَتْ ، وَلَا وُطِئَتْ ، وَلَا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا بِالْقُرُوءِ ، وَلَا بِوَضْعِ الْحَمْلِ ، فَإِنَّ الْوَلَدَ لَاحِقٌ بِالزَّوْجِ ، وَعِدَّتُهَا مُنْقَضِيَةٌ بِهِ .","part":17,"page":457},{"id":8457,"text":"( 6338 ) فَصْلٌ : وَإِنْ أَتَتْ بِالْوَلَدِ لِأَرْبَعِ سِنِينَ مُنْذُ مَاتَ ، أَوْ بَانَتْ مِنْهُ بِطَلَاقٍ أَوْ فَسْخٍ أَوْ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا إنْ كَانَتْ رَجْعِيَّةً لَمْ يَلْحَقْهُ وَلَدُهَا ؛ لِأَنَّنَا نَعْلَمُ أَنَّهَا عَلِقَتْ بِهِ بَعْدَ زَوَالِ النِّكَاحِ ، وَالْبَيْنُونَةِ مِنْهُ ، وَكَوْنِهَا قَدْ صَارَتْ مِنْهُ أَجْنَبِيَّةً ، فَأَشْبَهَتْ سَائِرَ الْأَجْنَبِيَّاتِ .\rوَمَفْهُومُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ أَنَّ عِدَّتَهَا لَا تَنْقَضِي بِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَنْتَفِي عَنْهُ بِغَيْرِ لِعَانٍ ، فَلَمْ تَنْقَضِ عِدَّتُهَا مِنْهُ بِوَضْعِهِ ، كَمَا لَوْ أَتَتْ بِهِ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مُنْذُ نَكَحَهَا .\rوَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : هَلْ تَنْقَضِي بِهِ الْعِدَّةُ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ .\rوَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّ عِدَّتَهَا تَنْقَضِي بِهِ ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ لِأَنَّهُ وَلَدٌ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مِنْهُ بَعْدَ نِكَاحِهِ ، بِأَنْ يَكُونَ قَدْ وَطِئَهَا بِشُبْهَةٍ ، أَوْ جَدَّدَ نِكَاحَهَا ، فَوَجَبَ أَنْ تَنْقَضِيَ بِهِ الْعِدَّةُ ، وَإِنْ لَمْ يَلْحَقْ بِهِ ، كَالْوَلَدِ الْمَنْفِيِّ بِاللِّعَانِ ، وَبِهَذَا فَارَقَ الَّذِي أَتَتْ بِهِ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ ، فَإِنَّهُ يَنْتَفِي عَنْهُ يَقِينًا .\rثُمَّ نَاقَضُوا قَوْلَهُمْ ، فَقَالُوا : لَوْ تَزَوَّجَتْ فِي عِدَّتِهَا ، وَأَتَتْ بِوَلَدٍ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ حِينِ دَخَلَ بِهَا الثَّانِي ، وَلِأَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِ سِنِينَ مِنْ حِينِ بَانَتْ مِنْ الْأَوَّلِ ، فَالْوَلَدُ مُنْتَفٍ عَنْهُمَا ، وَلَا تَنْقَضِي عِدَّتُهَا بِوَضْعِهِ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا .\rوَهَذَا أَصَحُّ ؛ فَإِنَّ احْتِمَالَ كَوْنِهِ مِنْهُ ، لَمْ يَكْفِ فِي إثْبَاتِ نَسَبِ الْوَلَدِ مِنْهُ ، مَعَ أَنَّهُ يَثْبُتُ بِمُجَرَّدِ الْإِمْكَانِ ، فَلَأَنْ لَا يَكْفِيَ فِي انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ أَوْلَى وَأَحْرَى .\rوَمَا ذَكَرُوهُ مُنْتَقِضٌ بِمَا سَلَّمُوهُ .\rوَمَا ذَكَرُوهُ مِنْ الْفَرْقِ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ الَّذِي أَتَتْ بِهِ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ غَيْرُ صَحِيحٍ ؛ فَإِنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَصَابَهَا قَبْلَ نِكَاحِهَا بِشُبْهَةٍ ، أَوْ بِنِكَاحٍ غَيْرِ هَذَا النِّكَاحِ الَّذِي أَتَتْ","part":17,"page":458},{"id":8458,"text":"بِالْوَلَدِ فِيهِ ، فَاسْتَوَيَا .\rوَأَمَّا الْمَنْفِيُّ بِاللِّعَانِ فَإِنَّا نَفَيْنَا الْوَلَدَ عَنْ الزَّوْجِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ ، وَنَفَيْنَا حُكْمَهُ فِي كَوْنِهِ مِنْهُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهَا ، حَتَّى أَوْجَبْنَا الْحَدَّ عَلَى قَاذِفِهَا وَقَاذِفِ وَلَدِهَا ، وَانْقِضَاءُ عِدَّتِهَا مِنْ الْأَحْكَامِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِهَا دُونَهُ ، فَثَبَتَتْ .","part":17,"page":459},{"id":8459,"text":"( 6339 ) فَصْلٌ : وَإِنْ أَقَرَّتْ الْمَرْأَةُ بِانْقِضَاءِ عِدَّتِهَا بِالْقُرُوءِ ، ثُمَّ أَتَتْ بِوَلَدٍ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَصَاعِدًا مِنْ بَعْدِ انْقِضَائِهَا ، لَمْ يَلْحَقْ نَسَبُهُ بِالزَّوْجِ .\rوَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَابْنُ سُرَيْجٍ ، وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ يَلْحَقُ بِهِ ، مَا لَمْ تَتَزَوَّجْ ، أَوْ يَبْلُغْ أَرْبَعَ سِنِينَ .\rوَكَلَامُ الْخِرَقِيِّ يَحْتَمِلُ ذَلِكَ ؛ فَإِنَّهُ أَطْلَقَ قَوْلَهُ : إذَا أَتَتْ بِوَلَدٍ بَعْدَ طَلَاقِهِ أَوْ مَوْتِهِ بِأَرْبَعِ سِنِينَ لَحِقَهُ الْوَلَدُ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ وَلَدٌ يُمْكِنُ كَوْنُهُ مِنْهُ ، وَلَيْسَ مَعَهُ مَنْ هُوَ أَوْلَى مِنْهُ ، وَلَا مَنْ يُسَاوِيهِ ، فَوَجَبَ أَنْ يَلْحَقَ بِهِ ، كَمَا لَوْ أَتَتْ بِهِ بَعْدَ عَقْدِ النِّكَاحِ .\rوَلَنَا أَنَّهَا أَتَتْ بِهِ بَعْدَ الْحُكْمِ بِقَضَاءِ عِدَّتِهَا ، وَحِلِّ النِّكَاحِ لَهَا بِمُدَّةِ الْحَمْلِ ، فَلَمْ يَلْحَقْ بِهِ ، كَمَا لَوْ أَتَتْ بِهِ بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا بِوَضْعِ حَمَلِهَا لِمُدَّةِ الْحَمْلِ ، وَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ الْإِمْكَانُ مَعَ بَقَاءِ النِّكَاحِ أَوْ آثَارِهِ ، وَقَدْ زَالَ ذَلِكَ .\rوَإِنْ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا بِالشُّهُورِ ، ثُمَّ أَتَتْ بِوَلَدٍ لِدُونِ أَرْبَعِ سِنِينَ ، لَحِقَهُ نَسَبُهُ ؛ لِأَنَّهَا إنْ كَانَتْ تَدَّعِي الْإِيَاسَ ، تَبَيَّنَّا كَذِبَهَا ، فَإِنَّ مَنْ تَحْمِلُ لَيْسَتْ بِآيِسَةٍ ، وَإِنْ كَانَتْ مِنْ اللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ ، أَوْ مُتَوَفَّى عَنْهَا ، لَحِقَهُ وَلَدُهَا ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ فِي حَقِّهَا مَا يُنَافِي كَوْنَهَا حَامِلًا .","part":17,"page":460},{"id":8460,"text":"( 6340 ) فَصْلٌ : وَإِذَا مَاتَ الصَّغِيرُ الَّذِي لَا يُولَدُ لِمِثْلِهِ عَنْ زَوْجَتِهِ ، فَأَتَتْ بِوَلَدٍ ، لَمْ يَلْحَقْهُ نَسَبُهُ ، وَلَمْ تَنْقَضِ الْعِدَّةُ بِوَضْعِهِ ، وَتَعْتَدُّ بِالْأَشْهُرِ وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إنْ مَاتَ وَبِهَا حَمْلٌ ظَاهِرٌ ، اعْتَدَّتْ عَنْهُ بِالْوَضْعِ ، وَإِنْ ظَهَرَ الْحَمْلُ بِهَا بَعْدَ مَوْتِهِ ، لَمْ تَعْتَدَّ بِهِ .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ فِي الصَّبِيِّ مِثْلُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ .\rوَذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ وَفِيهِ بُعْدٌ .\rوَهَكَذَا الْخِلَافُ فِيمَا إذَا تَزَوَّجَ بِامْرَأَةٍ ، وَدَخَلَ بِهَا ، وَأَتَتْ بِوَلَدٍ لِدُونِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ حِينِ عَقْدِ النِّكَاحِ ، فَإِنَّهَا لَا تَعْتَدُّ بِوَضْعِهِ عِنْدَنَا ، وَعِنْدَهُ تَعْتَدُّ بِهِ ، وَاحْتَجَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ } .\rوَلَنَا أَنَّ هَذَا حَمْلٌ مَنْفِيٌّ عَنْهُ يَقِينًا ، فَلَمْ تَعْتَدَّ بِوَضْعِهِ ، كَمَا لَوْ ظَهَرَ بَعْدَ مَوْتِهِ ، وَالْآيَةُ وَارِدَةٌ فِي الْمُطَلَّقَاتِ ، ثُمَّ هِيَ مَخْصُوصَةٌ بِالْقِيَاسِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّ عِدَّتَهَا تَنْقَضِي بِوَضْعِ الْحَمْلِ مِنْ الْوَطْءِ الَّذِي عَلِقَتْ بِهِ مِنْهُ ، سَوَاءٌ كَانَ هَذَا الْوَلَدُ مُلْحَقًا بِغَيْرِ الصَّغِيرِ ، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ عَقْدٍ فَاسِدٍ ، أَوْ وَطْءِ شُبْهَةٍ ، أَوْ كَانَ مِنْ زِنًا لَا يَلْحَقُ بِأَحَدٍ ؛ لِأَنَّ الْعِدَّةَ تَجِبُ مِنْ كُلِّ وَطْءٍ ، فَإِذَا وَضَعَتْهُ اعْتَدَّتْ مِنْ الصَّبِيِّ بِأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرٍ ؛ لِأَنَّ الْعِدَّتَيْنِ مِنْ رَجُلَيْنِ لَا يَتَدَاخَلَانِ .\rوَإِنْ كَانَتْ الْفُرْقَةُ فِي الْحَيَاةِ بَعْدَ الدُّخُولِ ، كَزَوْجَةِ كَبِيرٍ دَخَلَ بِهَا ، ثُمَّ طَلَّقَهَا ، وَأَتَتْ بِوَلَدٍ لِدُونِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مُنْذُ تَزَوَّجَهَا ، فَإِنَّهَا تَعْتَدُّ بَعْدَ وَضْعِهِ بِثَلَاثَةِ قُرُوءٍ .\rوَكَذَلِكَ إذَا طَلَّقَ الْخَصِيُّ الْمَجْبُوبُ امْرَأَتَهُ ، أَوْ مَاتَ عَنْهَا ، فَأَتَتْ بِوَلَدٍ لَمْ يَلْحَقْهُ نَسَبُهُ ، وَلَمْ تَنْقَضِ عِدَّتُهَا بِوَضْعِهِ ، وَتَنْقَضِي بِهِ","part":17,"page":461},{"id":8461,"text":"عِدَّةُ الْوَطْءِ ، ثُمَّ تَسْتَأْنِفُ عِدَّةَ الطَّلَاقِ ، أَوْ عِدَّةَ الْوَفَاةِ ، عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ .\rوَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّ ظَاهَرَ كَلَامِ أَحْمَدَ أَنَّ الْوَلَدَ يَلْحَقُ بِهِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُتَصَوَّرُ مِنْهُ الْإِنْزَالُ ، بِأَنْ يَحُكَّ مَوْضِعَ ذَكَرِهِ بِفَرْجِهَا فَيُنْزِلَ .\rفَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ يَلْحَقُ بِهِ ؛ الْوَلَدُ ، وَتَنْقَضِي بِهِ الْعِدَّةُ .\rوَالصَّحِيحُ أَنَّ هَذَا لَا يَلْحَقُ بِهِ وَلَدٌ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ تَجْرِ بِهِ عَادَةٌ ، فَلَا يَلْحَقُ بِهِ وَلَدُهَا ، كَالصَّبِيِّ الَّذِي لَمْ يَبْلُغْ عَشْرَ سِنِينَ .\rوَلَوْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً فِي مَجْلِسِ الْحَاكِمِ ، ثُمَّ طَلَّقَهَا فِي الْمَجْلِسِ ، أَوْ تَزَوَّجَ الْمَشْرِقِيُّ بِالْمَغْرِبِيَّةِ ثُمَّ أَتَتْ بِوَلَدٍ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مِنْهُ بَعْدَ اجْتِمَاعِهِمَا بِمُدَّةِ الْحَمْلِ ، فَإِنَّهُ لَا يَلْحَقُهُ نَسَبُهُ ، وَلَا تَنْقَضِي الْعِدَّةُ بِوَضْعِهِ .","part":17,"page":462},{"id":8462,"text":"( 6341 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : ( وَلَوْ طَلَّقَهَا ، أَوْ مَاتَ عَنْهَا ، فَلَمْ تَنْقَضِ عِدَّتُهَا حَتَّى تَزَوَّجَتْ مَنْ أَصَابَهَا ، فُرِّقَ بَيْنَهُمَا ، وَبَنَتْ عَلَى مَا مَضَى مِنْ عِدَّةِ الْأَوَّلِ ، ثُمَّ اسْتَقْبَلَتْ الْعِدَّةَ مِنْ الثَّانِي ) وَجُمْلَةُ الْأَمْرِ أَنَّ الْمُعْتَدَّةَ لَا يَجُوزُ لَهَا أَنْ تَنْكِحَ فِي عِدَّتِهَا ، إجْمَاعًا ، أَيَّ عِدَّةٍ كَانَتْ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ } .\rوَلِأَنَّ الْعِدَّةَ إنَّمَا اُعْتُبِرَتْ لِمَعْرِفَةِ بَرَاءَةِ الرَّحِمِ لِئَلَّا يُفْضِيَ إلَى اخْتِلَاطِ الْمِيَاهِ ، وَامْتِزَاجِ الْأَنْسَابِ .\rوَإِنْ تَزَوَّجَتْ ، فَالنِّكَاحُ بَاطِلٌ ؛ لِأَنَّهَا مَمْنُوعَةٌ مِنْ النِّكَاحِ لِحَقِّ الزَّوْجِ الْأَوَّلِ ، فَكَانَ نِكَاحًا بَاطِلًا ، كَمَا لَوْ تَزَوَّجَتْ وَهِيَ فِي نِكَاحِهِ ، وَيَجِبُ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا ، فَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا فَالْعِدَّةُ بِحَالِهَا ، وَلَا تَنْقَطِعُ بِالْعَقْدِ الثَّانِي ؛ لِأَنَّهُ بَاطِلٌ لَا تَصِيرُ بِهِ الْمَرْأَةُ فِرَاشًا ، وَلَا يُسْتَحَقُّ عَلَيْهِ بِالْعَقْدِ شَيْءٌ ، وَتَسْقُطُ سُكْنَاهَا وَنَفَقَتُهَا عَنْ الزَّوْجِ الْأَوَّلِ ؛ لِأَنَّهَا نَاشِزٌ ، وَإِنْ وَطِئَهَا ، انْقَطَعَتْ الْعِدَّةُ سَوَاءٌ عَلِمَ التَّحْرِيمَ أَوْ جَهِلَهُ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا تَنْقَطِعُ ؛ لِأَنَّ كَوْنَهَا فِرَاشًا لِغَيْرِ مَنْ لَهُ الْعِدَّةُ لَا يَمْنَعُهَا ، كَمَا لَوْ وُطِئَتْ بِشُبْهَةٍ وَهِيَ زَوْجَةٌ ، فَإِنَّهَا تَعْتَدُّ ، وَإِنْ كَانَتْ فِرَاشًا لِلزَّوْجِ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : إنْ وَطِئَهَا عَالِمًا بِأَنَّهَا مُعْتَدَّةٌ ، وَأَنَّهَا تَحْرُمُ ، فَهُوَ زَانٍ ، فَلَا تَنْقَطِعُ الْعِدَّةُ بِوَطْئِهِ ؛ لِأَنَّهَا لَا تَصِيرُ بِهِ فِرَاشًا ، وَلَا يَلْحَقُ بِهِ نَسَبٌ ، وَإِنْ كَانَ جَاهِلًا أَنَّهَا مُعْتَدَّةٌ ، أَوْ بِالتَّحْرِيمِ ، انْقَطَعَتْ الْعِدَّةُ بِالْوَطْءِ ؛ لِأَنَّهَا تَصِيرُ بِهِ فِرَاشًا ، وَالْعِدَّةُ تُرَادُ لِلِاسْتِبْرَاءِ ، وَكَوْنُهَا فِرَاشًا يُنَافِي ذَلِكَ ، فَوَجَبَ أَنْ يَقْطَعَهَا ، فَأَمَّا طَرَيَانُهُ عَلَيْهَا ، فَلَا يَجُوزُ .\rوَلَنَا أَنَّ هَذَا","part":17,"page":463},{"id":8463,"text":"وَطْءٌ بِشُبْهَةِ نِكَاحٍ ، فَتَنْقَطِعُ بِهِ الْعِدَّةُ ، كَمَا لَوْ جَهِلَ .\rوَقَوْلُهُمْ : إنَّهَا لَا تَصِيرُ بِهِ فِرَاشًا .\rقُلْنَا : لَكِنَّهُ لَا يَلْحَقُ نَسَبُ الْوَلَدِ الْحَادِثِ مِنْ وَطْئِهِ بِالزَّوْجِ الْأَوَّلِ ، فَهُمَا شَيْئَانِ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَعَلَيْهِ فِرَاقُهَا ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ ، وَجَبَ التَّفْرِيقُ بَيْنَهُمَا ، فَإِنْ فَارَقَهَا أَوْ فُرِّقَ بَيْنَهُمَا ، وَجَبَ عَلَيْهَا أَنْ تُكْمِلَ عِدَّةَ الْأَوَّلِ ؛ لِأَنَّ حَقَّهُ أَسْبَقُ ، وَعِدَّتُهُ وَجَبَتْ عَنْ وَطْءٍ فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ ، فَإِذَا أَكْمَلَتْ عِدَّةَ الْأَوَّلِ ، وَجَبَ عَلَيْهَا أَنْ تَعْتَدَّ مِنْ الثَّانِي ، وَلَا تَتَدَاخَلُ الْعِدَّتَانِ ؛ لِأَنَّهُمَا مِنْ رَجُلَيْنِ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَتَدَاخَلَانِ ، فَتَأْتِي بِثَلَاثَةِ قُرُوءٍ بَعْدَ مُفَارَقَةِ الثَّانِي ، تَكُونُ عَنْ بَقِيَّةِ عِدَّةِ الْأَوَّلِ وَعِدَّةِ الثَّانِي ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ مَعْرِفَةُ بَرَاءَةِ الرَّحِمِ ، وَهَذَا تَحْصُلُ بِهِ بَرَاءَةُ الرَّحِمِ مِنْهُمَا جَمِيعًا وَلَنَا مَا رَوَى مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ طُلَيْحَةَ كَانَتْ تَحْتَ رَشِيدٍ الثَّقَفِيِّ ، فَطَلَّقَهَا ، وَنَكَحَهَا غَيْرُهُ فِي عِدَّتِهَا ، فَضَرَبَهَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَضَرَبَ زَوْجَهَا ضَرْبَاتٍ بِمِخْفَقَةٍ ، وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا .\rثُمَّ قَالَ : أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ فِي عِدَّتِهَا ، فَإِنْ كَانَ زَوْجُهَا الَّذِي تَزَوَّجَهَا لَمْ يَدْخُلْ بِهَا ، فَرَّقَ بَيْنَهُمَا ، ثُمَّ اعْتَدَّتْ بَقِيَّةَ عِدَّتِهَا مِنْ زَوْجِهَا الْأَوَّلِ ، وَكَانَ خَاطِبًا مِنْ الْخُطَّابِ ، وَإِنْ كَانَ دَخَلَ بِهَا ، فُرِّقَ بَيْنَهُمَا ، ثُمَّ اعْتَدَّتْ بَقِيَّةَ عِدَّتِهَا مِنْ الْأَوَّلِ ، ثُمَّ اعْتَدَّتْ مِنْ الْآخَرِ ، وَلَا يَنْكِحُهَا أَبَدًا .\rوَرَوَى ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ قَضَى فِي الَّتِي تَزَوَّجُ فِي عِدَّتِهَا ، أَنَّهُ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا ، وَلَهَا الصَّدَاقُ بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجِهَا ، وَتُكْمِلُ مَا أَفْسَدَتْ مِنْ عِدَّةِ الْأَوَّلِ ، وَتَعْتَدُّ مِنْ الْآخَرِ وَهَذَانِ قَوْلَا","part":17,"page":464},{"id":8464,"text":"سَيِّدَيْنِ مِنْ الْخُلَفَاءِ لَمْ يُعْرَفْ لَهُمَا فِي الصَّحَابَةِ مُخَالِفٌ ، وَلِأَنَّهُمَا حَقَّانِ مَقْصُودَانِ لِآدَمِيَّيْنِ ، فَلَمْ يَتَدَاخَلَا ، كَالدَّيْنَيْنِ وَالْيَمِينَيْنِ ، وَلِأَنَّهُ حَبْسٌ يَسْتَحِقُّهُ الرِّجَالُ عَلَى النِّسَاءِ ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ تَكُونَ الْمَرْأَةُ فِي حَبْسِ رَجُلَيْنِ كَحَبْسِ الزَّوْجَةِ .","part":17,"page":465},{"id":8465,"text":"( 6342 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : وَلَهُ أَنْ يَنْكِحَهَا بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّتَيْنِ يَعْنِي لِلزَّوْجِ الثَّانِي أَنْ يَتَزَوَّجهَا بَعْدَ قَضَاءِ الْعِدَّتَيْنِ .\rفَأَمَّا الزَّوْجُ الْأَوَّلُ ، فَإِنْ كَانَ طَلَاقُهُ ثَلَاثًا ، لَمْ تَحِلّ لَهُ بِهَذَا النِّكَاحِ وَإِنْ وَطِئَ فِيهِ ؛ لِأَنَّهُ نِكَاحٌ بَاطِلٌ ، وَإِنْ كَانَ طَلَاقُهُ دُونَ الثَّلَاثِ ، فَلَهُ نِكَاحُهَا أَيْضًا بَعْدَ الْعِدَّتَيْنِ .\rوَإِنْ كَانَتْ رَجْعِيَّةً ، فَلَهُ رَجْعَتُهَا فِي عِدَّتِهَا مِنْهُ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى ، أَنَّهَا تَحْرُمُ عَلَى الزَّوْجِ الثَّانِي عَلَى التَّأْبِيدِ .\rوَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَقَدِيمُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ لِقَوْلِ عُمَرَ لَا يَنْكِحُهَا أَبَدًا .\rوَلِأَنَّهُ اسْتَعْجَلَ الْحَقَّ قَبْلَ وَقْتِهِ فَحُرِمَهُ فِي وَقْتِهِ ، كَالْوَارِثِ إذَا قَتَلَ مَوْرُوثَهُ ، وَلِأَنَّهُ يُفْسِدُ النَّسَبَ فَيُوقِعُ التَّحْرِيمَ الْمُؤَبَّدَ ، كَاللِّعَانِ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْجَدِيدِ : لَهُ نِكَاحُهَا بَعْدَ قَضَاءِ عِدَّةِ الْأَوَّلِ ، وَلَا يُمْنَعُ مِنْ نِكَاحِهَا فِي عِدَّتِهَا مِنْهُ ؛ وَلِأَنَّهُ وَطْءٌ يَلْحَقُ بِهِ النَّسَبُ ، فَلَا يُمْنَعُ مِنْ نِكَاحِهَا فِي عِدَّتِهَا مِنْهُ ، كَالْوَطْءِ فِي النِّكَاحِ ، وَلِأَنَّ الْعِدَّةَ إنَّمَا شُرِعَتْ حِفْظًا لِلنَّسَبِ ، وَصِيَانَةً لِلْمَاءِ ، وَالنَّسَبُ ، لَاحِقٌ بِهِ هَاهُنَا ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ خَالَعَهَا ثُمَّ نَكَحَهَا فِي عِدَّتِهَا ، وَهَذَا حَسَنٌ مُوَافِقٌ لِلنَّظَرِ .\rوَلَنَا عَلَى إبَاحَتِهَا بَعْدَ الْعِدَّتَيْنِ ، أَنَّهُ لَا يَخْلُو ؛ إمَّا أَنْ يَكُونَ تَحْرِيمُهَا بِالْعَقْدِ أَوْ بِالْوَطْءِ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ أَوْ بِهِمَا ، وَجَمِيعُ ذَلِكَ لَا يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ ، بِدَلِيلِ مَا لَوْ نَكَحَهَا بِلَا وَلِيٍّ وَوَطِئَهَا ، وَلِأَنَّهُ لَوْ زَنَى بِهَا ، لَمْ تُحَرِّمْ عَلَيْهِ عَلَى التَّأْبِيدِ ، فَهَذَا أَوْلَى ، وَلِأَنَّ آيَاتِ الْإِبَاحَةِ عَامَّةٌ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى { وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ } وَقَوْلُهُ { وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الْمُؤْمِنَاتِ } .\rفَلَا يَجُوزُ تَخْصِيصُهَا بِغَيْرِ دَلِيلٍ ، وَمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ فِي تَحْرِيمِهَا ، فَقَدْ","part":17,"page":466},{"id":8466,"text":"خَالَفَهُ عَلِيٌّ فِيهِ ، وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ ، أَنَّهُ رَجَعَ عَنْ قَوْلِهِ فِي التَّحْرِيمِ إلَى قَوْلِ عَلِيٍّ ، فَإِنَّ عَلِيًّا قَالَ : إذَا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا ، فَهُوَ خَاطِبٌ مِنْ الْخُطَّابِ .\rفَقَالَ عُمَرُ رُدُّوا الْجَهَالَاتِ إلَى السُّنَّةِ .\rوَرَجَعَ إلَى قَوْلِ عَلِيٍّ .\rوَقِيَاسُهُمْ يَبْطُلُ بِمَا إذَا زَنَى بِهَا ، فَإِنَّهُ قَدْ اسْتَعْجَلَ وَطْأَهَا ، وَلَا تَحْرُمُ عَلَيْهِ عَلَى التَّأْبِيدِ .\rوَوَجْهُ تَحْرِيمِهَا قَبْلَ قَضَاءِ عِدَّةِ الثَّانِي عَلَيْهِ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ } وَلِأَنَّهُ وَطْءٌ يَفْسُدُ بِهِ النَّسَبُ ، فَلَمْ يَجُزْ النِّكَاحُ فِي الْعِدَّةِ مِنْهُ ، كَوَطْءِ الْأَجْنَبِيِّ .","part":17,"page":467},{"id":8467,"text":"( 6343 ) فَصْلٌ : وَكُلُّ مُعْتَدَّةٍ مِنْ غَيْرِ النِّكَاحِ الصَّحِيحِ كَالزَّانِيَةِ ، وَالْمَوْطُوءَةِ بِشُبْهَةٍ ، أَوْ فِي نِكَاحٍ فَاسِدٍ ، فَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ تَحْرِيمُ نِكَاحِهَا عَلَى الْوَاطِئِ وَغَيْرِهِ .\rوَالْأَوْلَى حِلُّ نِكَاحِهَا لِمَنْ هِيَ مُعْتَدَّةٌ مِنْهُ ، إنْ كَانَ يَلْحَقُهُ نَسَبُ وَلَدِهَا ؛ لِأَنَّ الْعِدَّةَ لِحِفْظِ مَائِهِ ، وَصِيَانَةِ نَسَبِهِ ، وَلَا يُصَانُ مَاؤُهُ الْمُحَرَّمُ عَنْ مَائِهِ الْمُحْتَرَمِ ، وَلَا يُحْفَظُ نَسَبَهُ عَنْهُ ، وَلِذَلِكَ أُبِيحَ لِلْمُخْتَلِعَةِ نِكَاحُ مَنْ خَالِعهَا ، وَمَنْ لَا يَلْحَقُهُ نَسَبُ وَلَدِهَا كَالزَّانِيَةِ ، لَا يَحِلُّ لَهُ نِكَاحُهَا ؛ لِأَنَّ نِكَاحَهَا يُفْضِي إلَى اشْتِبَاهِ النَّسَبِ ، فَالْوَاطِئُ كَغَيْرِهِ ، فِي أَنَّ الْوَلَدَ لَا يَلْحَقُ نَسَبُهُ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا .","part":17,"page":468},{"id":8468,"text":"( 6344 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : وَإِنْ أَتَتْ بِوَلَدٍ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مِنْهُمَا ، أُرِيَ الْقَافَةَ وَأُلْحِقَ بِمَنْ أَلْحَقُوهُ مِنْهُمَا وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا مِنْهُ ، وَاعْتَدَّتْ لِلْآخَرِ وَجُمْلَتُهُ أَنَّهَا إذَا كَانَتْ حَامِلًا ، انْقَضَتْ عِدَّتُهَا مِنْهُ بِوَضْعِ حَمْلِهَا ؛ لِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ { وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ } .\rثُمَّ نَنْظُرُ ؛ فَإِنْ كَانَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مِنْ الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي ، وَهُوَ أَنْ تَأْتِيَ بِهِ لِدُونِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ وَطْءِ الثَّانِي ، وَأَرْبَعِ سِنِينَ فَمَا دُونَهَا مِنْ فِرَاقِ الْأَوَّلِ ، فَإِنَّهُ يَلْحَقُ بِالْأَوَّلِ ، وَتَنْقَضِي عِدَّتُهَا بِهِ مِنْهُ بِوَضْعِهِ ، ثُمَّ تَعْتَدُّ بِثَلَاثَةِ قُرُوءٍ عَنْ الثَّانِي .\rوَإِنْ أَمْكَنَ كَوْنُهُ مِنْ الثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ وَهُوَ أَنْ تَأْتِيَ بِهِ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَمَا زَادَ إلَى أَرْبَعِ سِنِينَ مِنْ وَطْءِ الثَّانِي ، وَلِأَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِ سِنِينَ مُنْذُ بَانَتْ مِنْ الْأَوَّلِ فَهُوَ مُلْصَقٌ بِالثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ ، فَتَنْقَضِي بِهِ عِدَّتُهَا مِنْ الثَّانِي ، ثُمَّ تُتِمُّ عِدَّةَ الْأَوَّلِ .\rوَتَقَدُّمُ عِدَّةِ الثَّانِي هَاهُنَا عَلَى عِدَّةُ الْأَوَّلِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْحَمْلُ مِنْ إنْسَانٍ وَالْعِدَّةُ مِنْ غَيْرِهِ .\rوَإِنْ أَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ مِنْهُمَا ، وَهُوَ أَنْ تَأْتِيَ بِهِ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَصَاعِدًا مِنْ وَطْءِ الثَّانِي ، وَلِأَرْبَعِ سِنِينَ فَمَا دُونَهَا مِنْ بَيْنُونَتِهَا مِنْ الْأَوَّلِ ، أُرِيَ الْقَافَةَ ، فَإِنْ أَلْحَقَتْهُ بِالْأَوَّلِ ، لَحِقَ بِهِ ، كَمَا لَوْ أَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ مِنْهُ دُونِ الثَّانِي ، وَإِنْ أَلْحَقَتْهُ بِالثَّانِي ، لَحِقَ بِهِ ، وَكَانَ الْحُكْمُ كَمَا لَوْ أَمْكَنَ كَوْنُهُ مِنْ الثَّانِي دُونِ الْأَوَّلِ فَإِنْ أَشْكَلَ أَمْرُهُ عَلَى الْقَافَةِ ، أَوْ لَمْ تَكُنْ قَافَةٌ لَزِمَهَا أَنْ تَعْتَدَّ بَعْدَ وَضْعِهِ بِثَلَاثَةِ قُرُوءٍ ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ مِنْ الْأَوَّلِ فَقَدْ أَتَتْ بِمَا عَلَيْهَا مِنْ عِدَّةِ الثَّانِي ، وَإِنْ كَانَ مِنْ الثَّانِي ، فَعَلَيْهَا أَنْ تُكْمِلَ عِدَّةَ الْأَوَّلِ ،","part":17,"page":469},{"id":8469,"text":"لِيَسْقُطَ الْفَرْضُ بِيَقِينٍ .\rفَأَمَّا الْوَلَدُ ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : يَضِيعُ نَسَبُهُ ؛ لِأَنَّهُ لَا دَلِيلَ عَلَى نِسْبَتِهِ إلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَ مَجْنُونًا ، لَمْ يَنْتَسِبْ إلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا .\rوَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ حَامِدٍ : يُتْرَكُ حَتَّى يَبْلُغَ ، فَيَنْتَسِبَ إلَى أَحَدِهِمَا ، وَإِنْ أَلْحَقَتْهُ الْقَافَةُ بِهِمَا ، لَحِقَ بِهِمَا .\rوَمُقْتَضَى الْمَذْهَبِ أَنْ تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا بِهِ مِنْهُمَا جَمِيعًا ؛ لِأَنَّ نَسَبَهُ ثَبَتَ مِنْهُمَا ، كَمَا تَنْقَضِي عِدَّتُهَا بِهِ مِنْ الْوَاحِدِ الَّذِي يَثْبُتُ نَسَبُهُ مِنْهُمَا .\rوَإِنْ نَفَتْهُ الْقَافَةُ عَنْهُمَا ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ مَا لَوْ أَشْكَلَ أَمْرُهُ ، وَتَعْتَدُّ بَعْدَ وَضْعِهِ بِثَلَاثِ قُرُوءٍ ، وَلَا يَنْتَفِي عَنْهُمَا بِقَوْلِ الْقَافَةِ ؛ لِأَنَّ عَمَلَ الْقَافَةِ فِي تَرْجِيحِ أَحَدِ صَاحِبَيْ الْفِرَاشِ ، لَا فِي النَّفْيِ عَنْ الْفِرَاشِ كُلِّهِ ، وَلِهَذَا لَوْ كَانَ صَاحِبُ الْفِرَاشِ وَاحِدًا فَنَفَتْهُ الْقَافَةُ عَنْهُ ، لَمْ يَنْتِفَ عَنْهُ بِقَوْلِهَا .\rفَأَمَّا إنْ وَلَدَتْ لِدُونِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ وَطْءِ الثَّانِي ، وَلِأَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِ سِنِينَ مِنْ فِرَاقِ الْأَوَّلِ ، لَمْ يَلْحَقْ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا ، وَلَا تَنْقَضِي بِهِ عِدَّتُهَا مِنْهُ ؛ لِأَنَّنَا نَعْلَمُ أَنَّهُ مِنْ وَطْءٍ آخَرَ ، فَتَنْقَضِي بِهِ عِدَّتُهَا مِنْ ذَلِكَ الْوَطْءِ ، ثُمَّ تُتِمُّ عِدَّةَ الْأَوَّلِ ، وَتَسْتَأْنِفُ عِدَّةَ الثَّانِي ؛ لِأَنَّهُ قَدْ وُجِدَ مَا يَقْتَضِي عِدَّةً ثَالِثَةً ، وَهُوَ الْوَطْءُ الَّذِي حَمَلَتْ مِنْهُ ، فَتَجِبُ عَلَيْهَا عِدَّتَانِ ، وَإِتْمَامُ الْعِدَّةِ الْأُولَى .","part":17,"page":470},{"id":8470,"text":"( 6345 ) فَصْلٌ : وَإِذَا تَزَوَّجَ مُعْتَدَّةً ، وَهُمَا عَالِمَانِ بِالْعِدَّةِ ، وَتَحْرِيمِ النِّكَاحِ فِيهَا ، وَوَطِئَهَا ، فَهُمَا زَانِيَانِ ، عَلَيْهِمَا حَدُّ الزِّنَا ، وَلَا مَهْرَ لَهَا ، وَلَا يَلْحَقُهُ النَّسَبُ .\rوَإِنْ كَانَا جَاهِلِينَ بِالْعِدَّةِ ، أَوْ بِالتَّحْرِيمِ ، ثَبَتَ النَّسَبُ ، وَانْتَفَى الْحَدُّ ، وَوَجَبَ الْمَهْرُ .\rوَإِنْ عَلِمَ هُوَ دُونَهَا ، فَعَلَيْهِ الْحَدُّ وَالْمَهْرُ ، وَلَا نَسَبَ لَهُ .\rوَإِنْ عَلِمَتْ هِيَ دُونَهُ ، فَعَلَيْهَا الْحَدُّ ، وَلَا مَهْرَ لَهَا ، وَالنَّسَبُ لَاحِقٌ بِهِ .\rوَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ ؛ لِأَنَّ هَذَا نِكَاحٌ مُتَّفَقٌ عَلَى بُطْلَانِهِ ، فَأَشْبَهَ نِكَاحَ ذَوَاتِ مَحَارِمِهِ .","part":17,"page":471},{"id":8471,"text":"( 6346 ) فَصْلٌ : وَإِذَا خَالَعَ الرَّجُلُ زَوْجَتَهُ ، أَوْ فَسَخَ نِكَاحَهُ ، فَلَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا فِي عِدَّتِهَا .\rفِي قَوْلِ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ .\rوَبِهِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ، وَعَطَاءٌ ، وَطَاوُسٌ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَالْحَسَنُ ، وَقَتَادَةُ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَشَذَّ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ ، فَقَالَ : لَا يَحِلُّ لَهُ نِكَاحُهَا ، وَلَا خِطْبَتُهَا ؛ لِأَنَّهَا مُعْتَدَّةٌ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الْعِدَّةَ لِحِفْظِ نَسَبِهِ ، وَصِيَانَةِ مَائِهِ ، وَلَا يُصَانُ مَاؤُهُ عَنْ مَائِهِ إذَا كَانَا مِنْ نِكَاحٍ صَحِيحٍ ، فَإِذَا تَزَوَّجَهَا ، انْقَطَعْت الْعِدَّةُ ؛ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ تَصِيرُ فِرَاشًا لَهُ بِعَقْدِهِ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ زَوْجَتُهُ مُعْتَدَّةً .\rفَإِنْ وَطِئَهَا ، ثُمَّ طَلَّقَهَا ، لَزِمَتْهَا عِدَّةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهَا مِنْ الْأُولَى ؛ لِأَنَّهَا قَدْ انْقَطَعَتْ وَارْتَفَعَتْ .\rوَإِنْ طَلَّقَهَا قَبْلَ أَنْ يَمَسَّهَا ، فَهَلْ تَسْتَأْنِفُ الْعِدَّةَ ، أَوْ تَبْنِي عَلَى مَا مَضَى ؟ قَالَ الْقَاضِي : فِيهِ رِوَايَتَانِ : إحْدَاهُمَا ، تَسْتَأْنِفُ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّهُ طَلَاقٌ لَا يَخْلُو مِنْ عِدَّةٍ ، فَأَوْجَبَ عِدَّةً مُسْتَأْنَفَةً ، كَالْأَوَّلِ .\rوَالثَّانِيَةُ ، لَا يَلْزَمُهَا اسْتِئْنَافُ عِدَّةٍ .\rوَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ ؛ لِأَنَّهُ طَلَاقٌ فِي نِكَاحٍ قَبْلَ الْمَسِيسِ ، فَلَمْ يُوجِبْ عِدَّةً ، لِعُمُومِ قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ : { ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا } .\rوَذَكَرَ الْقَاضِي ، فِي \" كِتَابِ الرِّوَايَتَيْنِ \" أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهَا اسْتِئْنَافُ الْعِدَّةِ ، رِوَايَةً وَاحِدَةً ، لَكِنْ يَلْزَمُهَا إتْمَامُ بَقِيَّةِ الْعِدَّةِ الْأُولَى ؛ لِأَنَّ إسْقَاطَهَا يُفْضِي إلَى اخْتِلَاطِ الْمِيَاهِ ، لِأَنَّهُ يَتَزَوَّجُ امْرَأَةً وَيَطَؤُهَا وَيَخْلَعُهَا ، ثُمَّ يَتَزَوَّجُهَا وَيُطَلِّقُهَا فِي الْحَالِ ، وَيَتَزَوَّجُهَا الثَّانِي ، فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ .\rفَإِنْ خَلَعَهَا حَامِلًا ثُمَّ تَزَوَّجَهَا حَامِلًا ،","part":17,"page":472},{"id":8472,"text":"ثُمَّ طَلَّقَهَا وَهِيَ حَامِلٌ ، انْقَضَتْ عِدَّتُهَا بِوَضْعِ الْحَمْلِ ، عَلَى كِلْتَا الرِّوَايَتَيْنِ ، وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا ، وَلَا تَنْقَضِي عِدَّتُهَا قَبْلَ وَضْعِهَا بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ .\rوَإِنْ وَضَعَتْ حَمْلَهَا قَبْلَ النِّكَاحِ الثَّانِي ، فَلَا عِدَّةَ عَلَيْهَا لِلطَّلَاقِ مِنْ النِّكَاحِ الثَّانِي ، بِغَيْرِ خِلَافٍ أَيْضًا ؛ لِأَنَّهُ نَكَحَهَا بِعَدِّ قَضَاءِ عِدَّةِ الْأَوَّلِ .\rوَإِنْ وَضَعَتْهُ بَعْدَ النِّكَاحِ الثَّانِي ، وَقَبْلَ طَلَاقِهِ ، فَمَنْ قَالَ : يَلْزَمُهَا اسْتِئْنَافُ عِدَّةٍ .\rأَوْجَبَ عَلَيْهَا الِاعْتِدَادَ بَعْدَ طَلَاقِ الثَّانِي بِثَلَاثَةِ قُرُوءٍ .\rوَمَنْ قَالَ : لَا يَلْزَمُهَا اسْتِئْنَافُ عِدَّةٍ .\rلَمْ يُوجِبْ عَلَيْهَا هَاهُنَا عِدَّةً ؛ لِأَنَّ الْعِدَّةَ الْأُولَى انْقَضَتْ بِوَضْعِ الْحَمْلِ ، إذْ لَا يَجُوزُ أَنْ تَعْتَدَّ الْحَامِلُ بِغَيْرِ وَضْعِهِ .\rوَإِنْ كَانَتْ مِنْ ذَوَات الْقُرُوءِ أَوْ الشُّهُورِ ، فَنَكَحَهَا الثَّانِي بَعْدَ مُضِيِّ قُرْءٍ أَوْ شَهْرٍ ، ثُمَّ مَضَى قُرْءَانِ أَوْ شَهْرَانِ قَبْلَ طَلَاقِهِ مِنْ النِّكَاحِ الثَّانِي ، فَقَدْ انْقَطَعْت الْعِدَّةُ بِالنِّكَاحِ الثَّانِي ، فَإِنْ قُلْنَا : تَسْتَأْنِفُ الْعِدَّةَ .\rفَعَلَيْهَا عِدَّةٌ تَامَّةٌ ، بِثَلَاثَةِ قُرُوءٍ ، أَوْ ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ .\rوَإِنْ قُلْنَا : تَبْنِي .\rأَتَمَّتْ الْعِدَّةَ الْأُولَى بِقُرْأَيْنِ أَوْ شَهْرَيْنِ .","part":17,"page":473},{"id":8473,"text":"( 6347 ) فَصْلٌ : وَإِنْ طَلَّقَهَا طَلَاقًا رَجْعِيًّا ، ثُمَّ ارْتَجَعَهَا فِي عِدَّتِهَا وَوَطِئَهَا ، ثُمَّ طَلَّقَهَا ، انْقَطَعْت الْعِدَّةُ الْأُولَى بِرَجْعَتِهِ ؛ لِأَنَّهُ زَالَ حُكْمُ الطَّلَاقِ ، وَتَسْتَأْنِفُ عِدَّةً مِنْ الطَّلَاقِ الثَّانِي ؛ لِأَنَّهُ طَلَاقٌ مِنْ نِكَاحٍ اتَّصَلَ بِهِ الْمَسِيسُ .\rوَإِنْ طَلَّقَهَا قَبْلَ أَنْ يَمَسّهَا ، فَهَلْ تَسْتَأْنِفُ عِدَّةً ، أَوْ تَبْنِي عَلَى الْعِدَّةِ الْأُولَى ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ : أُولَاهُمَا : أَنَّهَا تَسْتَأْنِفُ ؛ لِأَنَّ الرَّجْعَةَ أَزَالَتْ شُعْثَ الطَّلَاقِ الْأَوَّلِ .\rوَرَدَّتْهَا إلَى النِّكَاحِ الْأَوَّلِ ، فَصَارَ الطَّلَاقُ الثَّانِي طَلَاقًا مِنْ نِكَاحٍ اتَّصَلَ بِهِ الْمَسِيسُ .\rوَالثَّانِيَةُ ، تَبْنِي ؛ لِأَنَّ الرَّجْعَةَ لَا تَزِيدُ عَلَى النِّكَاحِ الْجَدِيدِ ، وَلَوْ نَكَحَهَا ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ الْمَسِيسِ ، لَمْ يَلْزَمْهَا لِذَلِكَ الطَّلَاقِ عِدَّةٌ ، فَكَذَلِكَ الرَّجْعَةُ .\rفَإِنْ فَسَخَ نِكَاحَهَا قَبْلَ الرَّجْعَةِ بِخَلْعِ أَوْ غَيْرِهِ ، احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ حُكْمُهُ حُكْمَ الطَّلَاقِ ؛ لِأَنَّ مُوجَبَهُ فِي الْعِدَّةِ مُوجَبُ الطَّلَاقِ ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا ، وَاحْتَمَلَ أَنْ تَسْتَأْنِفَ الْعِدَّةَ ؛ لِأَنَّهُمَا جِنْسَانِ ، بِخِلَافِ الطَّلَاقِ ، وَإِنْ لَمْ يَرْتَجِعْهَا بِلَفْظِهِ ، لَكِنَّهُ وَطِئَهَا فِي عِدَّتِهَا ، فَهَلْ تَحْصُلُ بِذَلِكَ رَجْعَةٌ أَوْ لَا ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ : إحْدَاهُمَا ، تَحْصُلُ بِهِ الرَّجْعَةُ ، فَيَكُونُ حُكْمُهَا حُكْمَ مَنْ ارْتَجَعَهَا بِلَفْظِهِ ثُمَّ وَطِئَهَا ، سَوَاءً .\rوَالثَّانِيَةُ ، لَا تَحْصُلُ الرَّجْعَةُ بِهِ ، وَيَلْزَمُهَا اسْتِئْنَافُ عِدَّةٍ ؛ لِأَنَّهُ وَطْءٌ فِي نِكَاحٍ تَشَعَّثَ ، فَهُوَ كَوَطْءِ الشُّبْهَةِ .\rوَتَدْخُلُ بَقِيَّةُ عِدَّةِ الطَّلَاقِ فِيهَا ؛ لِأَنَّهُمَا مِنْ رَجُلٍ وَاحِدٍ .\rوَإِنْ حَمَلَتْ مِنْ هَذَا الْوَطْءِ ، فَهَلْ تَدْخُلُ فِيهَا بَقِيَّةُ الْأُولَى ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا ، تَدْخُلُ ؛ لِأَنَّهُمَا مِنْ رَجُلٍ وَاحِدٍ .\rوَالثَّانِي ، لَا تَدْخُلُ ؛ لِأَنَّهُمَا مِنْ جِنْسَيْنِ .\rفَعَلَى هَذَا ، إذَا وَضَعَتْ حَمْلَهَا ، أَتَمَّتْ عِدَّةَ الطَّلَاقِ .\rوَإِنْ","part":17,"page":474},{"id":8474,"text":"وَطِئَهَا وَهِيَ حَامِلٌ ، فَفِي تَدَاخُلِ الْعِدَّتَيْنِ وَجْهَانِ ؛ فَإِنْ قُلْنَا : يَتَدَاخَلَانِ .\rفَانْقِضَاؤُهُمَا مَعًا بِوَضْعِ الْحَمْلِ .\rوَإِنْ قُلْنَا : لَا يَتَدَاخَلَانِ .\rفَانْقِضَاءُ عِدَّةِ الطَّلَاقِ بِوَضْعِ الْحَمْلِ ، وَتَسْتَأْنِفُ عِدَّةَ الْوَطْءِ بِالْقُرُوءِ .\r( 6348 ) فَصْلٌ : فَإِنْ طَلَّقَهَا طَلَاقًا رَجْعِيًّا ، فَنَكَحَتْ فِي عِدَّتِهَا مَنْ وَطِئَهَا ، فَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهَا تَبْنِي عَلَى عِدَّةِ الْأَوَّلِ ، ثُمَّ تَسْتَأْنِفُ عِدَّةً لِلثَّانِي ، وَلِزَوْجِهَا الْأَوَّلِ رَجْعَتُهَا فِي بَقِيَّةِ عِدَّتِهَا مِنْهُ ؛ لِأَنَّ الرَّجْعَةَ إمْسَاكٌ لِلزَّوْجَةِ ، وَطَرَيَانُ الْوَطْءِ مِنْ أَجْنَبِيٍّ عَلَى النِّكَاحِ ، لَا يَمْنَعُ الزَّوْجَ إمْسَاكَ زَوْجَتِهِ ، كَمَا لَوْ كَانَتْ فِي صُلْبِ النِّكَاحِ .\rوَقِيلَ : لَيْسَ لَهُ رَجْعَتُهَا ؛ لِأَنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِ ، فَلَمْ يَصِحَّ لَهُ ارْتِجَاعُهَا ، كَالْمُرْتَدَّةِ .\rوَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ ؛ فَإِنَّ التَّحْرِيمَ لَا يَمْنَعُ الرَّجْعَةَ ، كَالْإِحْرَامِ .\rوَيُفَارِقُ الرِّدَّةَ ؛ لِأَنَّهَا جَارِيَةٌ إلَى بَيْنُونَةٍ بَعْدَ الرَّجْعَةِ ، بِخِلَافِ الْعِدَّةِ .\rوَإِذَا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا مِنْهُ ، فَلَيْسَ لَهُ رَجْعَتُهَا فِي عِدَّةِ الثَّانِي ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْهُ .\rوَإِذَا ارْتَجَعَهَا فِي عِدَّتِهَا مِنْ نَفْسِهِ ، وَكَانَتْ بِالْقُرُوءِ أَوْ بِالْأَشْهُرِ ، انْقَطَعَتْ عِدَّتُهُ بِالرَّجْعَةِ ، وَابْتَدَأَتْ عِدَّةً مِنْ الثَّانِي ، وَلَا يَحِلُّ لَهُ وَطْؤُهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّةُ الثَّانِي ، كَمَا لَوْ وُطِئَتْ بِشُبْهَةٍ فِي صُلْبِ نِكَاحِهِ .\rوَإِنْ كَانَتْ مُعْتَدَّةً بِالْحَمْلِ ، لَمْ يُمْكِنْ شُرُوعُهَا فِي عِدَّةِ الثَّانِي قَبْلَ وَضَعَ الْحَمْلِ ؛ لِأَنَّهَا بِالْقُرُوءِ ، فَإِذَا وَضَعَتْ حَمْلَهَا ، شَرَعَتْ فِي عِدَّةِ الثَّانِي ، وَإِنْ كَانَ الْحَمْلُ مُلْحَقًا بِالثَّانِي ، فَإِنَّهَا تَعْتَدُّ بِهِ عَنْ الثَّانِي وَتُقَدِّمُ عِدَّةَ الثَّانِي عَلَى عِدَّةِ الْأَوَّلِ ، فَإِذَا أَكْمَلَتْهَا ، شَرَعَتْ فِي إتْمَامِ عِدَّةِ الْأَوَّلِ ، وَلَهُ حِينَئِذٍ أَنْ يَرْتَجِعَهَا ؛ لِأَنَّهَا فِي عِدَّتِهِ .\rوَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يَرْتَجِعَهَا","part":17,"page":475},{"id":8475,"text":"فِي حَالِ حَمْلِهَا ، فَفِيهِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا ، لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ فِي عِدَّتِهِ ، وَهِيَ مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِ ، فَأَشْبَهْت الْأَجْنَبِيَّةَ أَوْ الْمُرْتَدَّةَ .\rوَالثَّانِي ، لَهُ رَجْعَتُهَا ؛ لِأَنَّ عِدَّتَهَا مِنْهُ لَمْ تَنْقَضِ ، وَتَحْرِيمُهَا لَا يَمْنَعُ رَجْعَتَهَا ، كَالْمُحَرَّمَةِ .","part":17,"page":476},{"id":8476,"text":"( 6349 ) فَصْلٌ : إذَا تَزَوَّجَ رَجُلٌ امْرَأَةً لَهَا وَلَدٌ مِنْ غَيْرِهِ ، فَمَاتَ وَلَدُهَا ، فَإِنَّ أَحْمَدَ قَالَ : يَعْتَزِلُ امْرَأَتَهُ حَتَّى تَحِيضَ حَيْضَةً .\rوَهَذَا يُرْوَى عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ، وَالْحَسَنِ ابْنِهِ ، وَنَحْوُهُ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، وَعَنْ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ ، وَالصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ .\rوَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ .\rقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ : لَا يَقْرَبُهَا حَتَّى يَنْظُرَ بِهَا حَمْلٌ أَمْ لَا ؟ وَإِنَّمَا قَالُوا ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهَا إنْ كَانَتْ حَامِلًا حِينَ مَوْتِهِ ، وَرِثَهُ حَمْلُهَا ، وَإِنْ حَدَثَ الْحَمْلُ بَعْدَ الْمَوْتِ ، لَمْ يَرِثْهُ .\rفَإِنْ كَانَ لِلْمَيِّتِ وَلَدٌ أَوْ أَبٌ أَوْ جَدٌّ ، لَمْ يَحْتَجْ إلَى اسْتِبْرَائِهَا ؛ لِأَنَّ الْحَمْلَ لَا مِيرَاثَ لَهُ ، وَإِنْ كَانَتْ حَامِلًا قَدْ تَبَيَّنَ حَمْلُهَا ، لَمْ يَحْتَجْ إلَى اسْتِبْرَائِهَا ؛ لِأَنَّ الْحَمْلَ مَعْلُومٌ ، وَإِنْ كَانَتْ آيِسَةً ، لَمْ يَحْتَجْ إلَى اسْتِبْرَائِهَا ؛ لِلْيَأْسِ مِنْ حَمْلِهَا ، وَإِنْ كَانَتْ مِمَّنْ يُمْكِنُ حَمْلُهَا ، وَلَمْ يَبِنْ بِهَا حَمْلٌ ، وَلَمْ يَعْتَزِلْهَا زَوْجُهَا ، فَأَتَتْ بِوَلَدٍ قَبْلَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ ، وَرِثَ ، وَإِنْ أَتَتْ بِهِ بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُرِ مِنْ حِينِ وَطِئَهَا بَعْدَ مَوْتِ وَلَدِهَا ، لَمْ يَرِثْ ، لِأَنَّا لَا نَتَيَقَّنُ وُجُودَهُ حَالَ مَوْتِهِ .\rهَذَا يُرْوَى عَنْ سُفْيَانَ .\rوَهُوَ قِيَاسُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ .","part":17,"page":477},{"id":8477,"text":"( 6350 ) فَصْلٌ : فِي أَحْكَامِ الْمَفْقُودِ .\rإذَا غَابَ الرَّجُلُ عَنْ امْرَأَتِهِ ، لَمْ يَخْلُ مِنْ حَالَيْنِ : أَحَدُهُمَا ، أَنْ تَكُونَ غَيْبَةً غَيْرَ مُنْقَطِعَةٍ ، يُعْرَفُ خَبَرُهُ ، وَيَأْتِي كِتَابُهُ ، فَهَذَا لَيْسَ لِامْرَأَتِهِ أَنْ تَتَزَوَّجَ فِي قَوْلِ أَهْلِ الْعِلْمِ أَجْمَعِينَ ، إلَّا أَنْ يَتَعَذَّرَ الْإِنْفَاقُ عَلَيْهَا مِنْ مَالِهِ ، فَلَهَا أَنْ تَطْلُبَ فَسْخَ النِّكَاحِ ، فَيُفْسَخَ نِكَاحُهُ .\rوَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ زَوْجَةَ الْأَسِيرِ لَا تُنْكَحُ حَتَّى تَعْلَمَ يَقِينَ وَفَاتِهِ .\rوَهَذَا قَوْلُ النَّخَعِيِّ ، وَالزُّهْرِيِّ ، وَيَحْيَى الْأَنْصَارِيِّ ، وَمَكْحُولٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي عُبَيْدٍ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَإِسْحَاقَ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ .\rوَإِنْ أَبَقَ الْعَبْدُ ، فَزَوْجَتُهُ عَلَى الزَّوْجِيَّةِ ، حَتَّى تَعْلَمَ مَوْتَهُ أَوْ رِدَّتَهُ .\rوَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ وَقَالَ الْحَسَنُ : إبَاقُهُ طَلَاقُهُ .\rوَلَنَا أَنَّهُ لَيْسَ بِمَفْقُودٍ ، فَلَمْ يَنْفَسِخْ نِكَاحُهُ ، كَالْحُرِّ ، وَمَنْ تَعَذُّرَ الْإِنْفَاقُ مِنْ مَالِهِ عَلَى زَوْجَتِهِ ، فَحُكْمُهَا فِي الْفَسْخِ حُكْمُ مَا ذَكَرْنَا ، إلَّا أَنَّ الْعَبْدَ نَفَقَةُ زَوْجَتِهِ عَلَى سَيِّدِهِ ، أَوْ فِي كَسْبِهِ ، فَيُعْتَبَرُ تَعَذُّرُ الْإِنْفَاقِ مِنْ مَحَلِّ الْوُجُوبِ .\rالْحَالُ الثَّانِي ، أَنْ يُفْقَدَ ، وَيَنْقَطِعَ خَبَرُهُ ، وَلَا يُعْلَمَ لَهُ مَوْضِعٌ ، فَهَذَا يَنْقَسِمُ قِسْمَيْنِ : أَحَدُهُمَا ، أَنْ يَكُونَ ظَاهِرُ غَيْبَتِهِ السَّلَامَةَ ، كَسَفَرِ التِّجَارَةِ فِي غَيْرِ مَهْلَكَةٍ ، وَإِبَاقِ الْعَبْدِ ، وَطَلَبِ الْعِلْمِ وَالسِّيَاحَةِ ، فَلَا تَزُولُ الزَّوْجِيَّةُ أَيْضًا ، مَا لَمْ يَثْبُتْ مَوْتُهُ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ .\rوَإِلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ شُبْرُمَةَ ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ فِي الْجَدِيدِ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ ، وَالنَّخَعِيِّ ، وَأَبِي عُبَيْدٍ .\rوَقَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ : تَتَرَبَّصُ أَرْبَعَ سِنِينَ ، وَتَعْتَدُّ لِلْوَفَاةِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ،","part":17,"page":478},{"id":8478,"text":"وَتَحِلُّ لِلْأَزْوَاجِ ؛ لِأَنَّهُ إذَا جَازَ الْفَسْخُ لِتَعَذُّرِ الْوَطْءِ بِالْعُنَّةِ ، وَتَعَذُّرِ النَّفَقَةِ بِالْإِعْسَارِ ، فَلَأَنْ يَجُوزَ هَاهُنَا لِتَعَذُّرِ الْجَمِيعِ أَوْلَى ، وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ عُمَرَ فِي الْمَفْقُودِ ، مَعَ مُوَافَقَةِ الصَّحَابَةِ لَهُ ، وَتَرْكِهِمْ إنْكَارَهُ .\rوَنَقَلَ أَحْمَدُ بْنُ أَصْرَمَ ، عَنْ أَحْمَدَ : إذَا مَضَى عَلَيْهِ تِسْعُونَ سَنَةً ، قُسِّمَ مَالُهُ .\rوَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ زَوْجَتَهُ تَعْتَدُّ عِدَّةَ الْوَفَاةِ ثُمَّ تَتَزَوَّجُ .\rقَالَ أَصْحَابُنَا : إنَّمَا اعْتَبَرَ تِسْعِينَ سَنَةً مِنْ يَوْمِ وِلَادَتِهِ ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ لَا يَعِيشُ أَكْثَرَ مِنْ هَذَا الْعُمْرِ ، فَإِذَا اقْتَرَنَ بِهِ انْقِطَاعُ خَبَرِهِ ، وَجَبَ الْحُكْمُ بِمَوْتِهِ ، كَمَا لَوْ كَانَ فَقْدُهُ بِغِيبَةٍ ظَاهِرُهَا الْهَلَاكُ .\rوَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ ؛ لِأَنَّ هَذِهِ غَيْبَةٌ ظَاهِرُهَا السَّلَامَةُ ، فَلَمْ يُحْكَمْ بِمَوْتِهِ ، كَمَا قَبْلَ الْأَرْبَعِ سِنِينَ ، أَوْ كَمَا قَبْلَ التِّسْعِينَ ، وَلِأَنَّ هَذَا التَّقْدِيرَ بِغَيْرِ تَوْقِيفٍ ، وَالتَّقْدِيرُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُصَارَ إلَيْهِ إلَّا بِالتَّوْقِيفِ ؛ لِأَنَّ تَقْدِيرَهَا بِتِسْعِينَ سَنَةً مِنْ يَوْمِ وِلَادَتِهِ ، يُفْضِي إلَى اخْتِلَافِ الْعِدَّةِ فِي حَقِّ الْمَرْأَةِ بِاخْتِلَافِ عُمْرِ الزَّوْجِ ، وَلَا نَظِيرَ لِهَذَا ، وَخَبَرُ عُمَرَ وَرَدَ فِي مَنْ ظَاهِرُ غَيْبَتِهِ الْهَلَاكُ ، فَلَا يُقَاسُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ .\rالْقِسْمُ الثَّانِي ، أَنْ تَكُونَ غَيْبَتُهُ ظَاهِرُهَا الْهَلَاكُ ، كَاَلَّذِي يُفْقَدُ مِنْ بَيْنِ أَهْلِهِ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا ، أَوْ يَخْرُجُ إلَى الصَّلَاةِ فَلَا يَرْجِعُ ، أَوْ يَمْضِي إلَى مَكَان قَرِيبٍ لِيَقْضِيَ حَاجَتَهُ وَيَرْجِعَ ، فَلَا يَظْهَرُ لَهُ خَبَرٌ ، أَوْ يُفْقَدُ بَيْنِ الصَّفَّيْنِ ، أَوْ يَنْكَسِرُ بِهِمْ مَرْكَبٌ فَيَغْرَقُ بَعْضُ رُفْقَتِهِ ، أَوْ يُفْقَدَ فِي مَهْلَكَةٍ ، كَبَرِّيَّةِ الْحِجَازِ وَنَحْوِهَا ، فَمَذْهَبُ أَحْمَدَ الظَّاهِرُ عَنْهُ ، أَنَّ زَوْجَتَهُ تَتَرَبَّصُ أَرْبَعَ سِنِينَ ، أَكْثَرَ مُدَّةِ الْحَمْلِ ، ثُمَّ تَعْتَدُّ لِلْوَفَاةِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا .\rوَتَحِلُّ","part":17,"page":479},{"id":8479,"text":"لِلْأَزْوَاجِ قَالَ الْأَثْرَمُ : قِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ : تَذْهَبُ إلَى حَدِيثِ عُمَرَ ؟ قَالَ : هُوَ أَحْسَنُهَا يُرْوَى عَنْ عُمَرَ مِنْ ثَمَانِيَةِ وُجُوهٍ .\rثُمَّ قَالَ : زَعَمُوا أَنَّ عُمَرَ رَجَعَ عَنْ هَذَا .\rهَؤُلَاءِ الْكَذَّابِينَ .\rقُلْت : فَرُوِيَ مِنْ وَجْهٍ ضَعِيفٍ أَنَّ عُمَرَ قَالَ بِخِلَافِ هَذَا ؟ قَالَ : لَا ، إلَّا أَنْ يَكُونَ إنْسَانٌ يَكْذِبُ .\rوَقُلْت لَهُ مَرَّةً : إنَّ إنْسَانًا قَالَ لِي : إنَّ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ قَدْ تَرَكَ قَوْلَهُ فِي الْمَفْقُودِ بَعْدَكَ .\rفَضَحِكَ ، ثُمَّ قَالَ : مَنْ تَرَكَ هَذَا الْقَوْلَ أَيَّ شَيْءٍ يَقُولُ ، وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ الزُّبَيْرِ .\rقَالَ أَحْمَدُ : خَمْسَةٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rوَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَالْحَسَنُ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَقَتَادَةُ ، وَاللَّيْثُ ، وَعَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ ، وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ .\rوَبِهِ يَقُولُ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ ، إلَّا أَنَّ مَالِكًا قَالَ : لَيْسَ فِي انْتِظَارِ مَنْ يُفْقَدُ فِي الْقِتَالِ وَقْتٌ .\rوَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ، فِي امْرَأَةِ الْمَفْقُودِ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ : تَتَرَبَّصُ سَنَةً ؛ لِأَنَّ غَلَبَةَ هَلَاكِهِ هَاهُنَا أَكْثَرُ مِنْ غَلَبَةِ غَيْرِهِ ، لِوُجُودِ سَبَبِهِ .\rوَقَدْ نُقِلَ عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّهُ قَالَ : كُنْت أَقُولُ : إذَا تَرَبَّصَتْ أَرْبَعَ سِنِينَ ، ثُمَّ اعْتَدَّتْ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا .\rتَزَوَّجَتْ .\rوَقَدْ ارْتَبْت فِيهَا ، وَهِبْت الْجَوَابَ فِيهَا ، لَمَّا اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهَا ، فَكَأَنِّي أُحِبُّ السَّلَامَةَ .\rوَهَذَا تَوَقُّفٌ يَحْتَمِلُ الرُّجُوعَ عَمَّا قَالَهُ ، وَتَتَرَبَّصُ أَبَدًا ، وَيَحْتَمِلُ التَّوَرُّعَ ، وَيَكُونُ الْمَذْهَبُ مَا قَالَهُ أَوَّلًا .\rقَالَ الْقَاضِي : أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا عَلَى أَنَّ الْمَذْهَبَ رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ ، وَعِنْدِي أَنَّ الْمَسْأَلَةَ عَلَى رِوَايَتَيْنِ .\rوَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : الَّذِي أَقُولُ بِهِ - إنْ صَحَّ الِاخْتِلَافُ فِي الْمَسْأَلَةِ - أَنْ لَا يُحْكَمَ بِحُكْمٍ ثَانٍ إلَّا بِدَلِيلٍ","part":17,"page":480},{"id":8480,"text":"عَلَى الِانْتِقَالِ ، وَإِنْ ثَبَتَ الْإِجْمَاعُ ، فَالْحُكْمُ فِيهِ عَلَى مَا نَصَّ عَلَيْهِ .\rوَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ عَلَى مَا حَكَيْنَاهُ أَوَّلًا .\rنَقَلَهُ عَنْ أَحْمَدَ الْجَمَاعَةُ ، وَقَدْ أَنْكَرَ أَحْمَدُ رِوَايَةَ مَنْ رَوَى عَنْهُ الرُّجُوعَ ، عَلَى مَا حَكَيْنَاهُ مِنْ رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ .\rوَقَالَ أَبُو قِلَابَةَ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى ، وَابْنُ شُبْرُمَةَ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ، وَالشَّافِعِيُّ فِي الْجَدِيدِ : لَا تَتَزَوَّجُ امْرَأَةُ الْمَفْقُودِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ مَوْتُهُ أَوْ فِرَاقُهُ ؛ لِمَا رَوَى الْمُغِيرَةُ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { امْرَأَةُ الْمَفْقُودِ امْرَأَتُهُ ، حَتَّى يَأْتِيَهَا الْخَبَرُ } .\r.\rوَرَوَى الْحَكَمُ وَحَمَّادٌ عَنْ عَلِيٍّ : لَا تَتَزَوَّجُ امْرَأَةُ الْمَفْقُودِ ، حَتَّى يَأْتِيَ مَوْتُهُ أَوْ طَلَاقُهُ .\rلِأَنَّهُ شَكٌّ فِي زَوَالِ الزَّوْجِيَّةِ ، فَلَمْ تَثْبُتْ بِهِ الْفُرْقَةُ ، كَمَا لَوْ كَانَ ظَاهِرُ غَيْبَتِهِ السَّلَامَةَ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى الْأَثْرَمُ .\rوَالْجُوزَجَانِيُّ ، بِإِسْنَادِهِمَا عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ ، قَالَ : فُقِدَ رَجُلٌ فِي عَهْدِ عُمَرَ ، فَجَاءَتْ امْرَأَتُهُ إلَى عُمَرَ ، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ ، فَقَالَ : انْطَلِقِي ، فَتَرَبَّصِي أَرْبَعَ سِنِينَ .\rفَفَعَلَتْ ، ثُمَّ أَتَتْهُ ، فَقَالَ : انْطَلِقِي ، فَاعْتَدِّي أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا .\rفَفَعَلَتْ ، ثُمَّ أَتَتْهُ ، فَقَالَ : أَيْنَ وَلِيُّ هَذَا الرَّجُلِ ؟ فَجَاءَ وَلِيُّهُ ، فَقَالَ : طَلِّقْهَا .\rفَفَعَلَ ، فَقَالَ لَهَا عُمَرُ : انْطَلِقِي ، فَتَزَوَّجِي مَنْ شِئْت .\rفَتَزَوَّجَتْ ، ثُمَّ جَاءَ زَوْجُهَا الْأَوَّلُ ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ : أَيْنَ كُنْت ؟ قَالَ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، اسْتَهْوَتْنِي الشَّيَاطِينُ ، فَوَاَللَّهِ مَا أَدْرِي فِي أَيِّ أَرْضِ اللَّهِ ، كُنْت ؟ عِنْدَ قَوْمٍ يَسْتَعْبِدُونَنِي ، حَتَّى اغْتَزَاهُمْ مِنْهُمْ قَوْمٌ مُسْلِمُونَ ، فَكُنْت فِي مَا غَنِمُوهُ ، فَقَالُوا لِي : أَنْتَ رَجُلٌ مِنْ الْإِنْسِ ، وَهَؤُلَاءِ مِنْ الْجِنِّ ، فَمَا لَكَ وَمَا لَهُمْ ؟ فَأَخْبَرْتُهُمْ خَبَرِي ، فَقَالُوا : بِأَيِّ","part":17,"page":481},{"id":8481,"text":"أَرْضِ اللَّهِ تُحِبُّ أَنْ تُصْبِحَ ؟ قُلْت : الْمَدِينَةُ هِيَ أَرْضِي .\rفَأَصْبَحْتُ وَأَنَا أَنْظُرُ إلَى الْحَرَّةِ .\rفَخَيَّرَهُ عُمَرُ ؛ إنْ شَاءَ امْرَأَتَهُ ، وَإِنْ شَاءَ الصَّدَاقَ ، فَاخْتَارَ الصَّدَاقَ ، وَقَالَ : قَدْ حَبِلَتْ ، لَا حَاجَةَ لِي فِيهَا .\rقَالَ أَحْمَدُ : يُرْوَى عَنْ عُمَرَ ، مِنْ ثَلَاثَةِ وُجُوهٍ ، وَلَمْ يُعْرَفْ فِي الصَّحَابَةِ لَهُ مُخَالِفٌ .\rوَرَوَى الْجُوزَجَانِيُّ وَغَيْرُهُ ، بِإِسْنَادِهِمْ عَنْ عَلِيٍّ فِي امْرَأَةِ الْمَفْقُودِ : تَعْتَدُّ أَرْبَعَ سِنِينَ ، ثُمَّ يُطَلِّقُهَا وَلِيُّ زَوْجِهَا ، وَتَعْتَدُّ بَعْدَ ذَلِكَ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ، فَإِنْ جَاءَ زَوْجُهَا الْمَفْقُودُ بَعْدَ ذَلِكَ ، خُيِّرَ بَيْنَ الصَّدَاقِ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ .\rوَقَضَى بِهِ عُثْمَانُ أَيْضًا ، وَقَضَى بِهِ ابْنُ الزُّبَيْرِ فِي مَوْلَاةٍ لَهُمْ .\rوَهَذِهِ قَضَايَا انْتَشَرَتْ فِي الصَّحَابَةِ فَلَمْ تُنْكَرْ ، فَكَانَتْ إجْمَاعًا .\rفَأَمَّا الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَوْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يَثْبُتْ ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ .\rوَمَا رَوَوْهُ عَنْ عَلِيٍّ ، فَيَرْوِيهِ الْحَكَمُ وَحَمَّادٌ مُرْسَلًا ، وَالْمُسْنَدُ عَنْهُ مِثْلُ قَوْلِنَا ، ثُمَّ يُحْمَلُ مَا رَوَوْهُ عَلَى الْمَفْقُودِ الَّذِي ظَاهِرُ غَيْبَتِهِ السَّلَامَةُ ، جَمْعًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا رَوَيْنَاهُ .\rوَقَوْلُهُمْ : إنَّهُ شَكٌّ فِي زَوَالِ الزَّوْجِيَّةِ .\rمَمْنُوعٌ ، فَإِنَّ الشَّكَّ مَا تَسَاوَى فِيهِ الْأَمْرَانِ ، وَالظَّاهِرُ فِي مَسْأَلَتِنَا هَلَاكُهُ .","part":17,"page":482},{"id":8482,"text":"( 6351 ) فَصْلٌ : وَهَلْ يُعْتَبَرُ أَنْ يُطَلِّقَهَا وَلِيُّ زَوْجِهَا ، ثُمَّ تَعْتَدّ بَعْدَ ذَلِكَ بِثَلَاثَةِ قُرُوءٍ ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، يَعْتَبِرُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ فِي حَدِيثِ عُمَرَ الَّذِي رَوَيْنَاهُ ، وَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ : هُوَ أَحْسَنُهَا .\rوَذَكَرَ فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ ، أَنَّهُ يُطَلِّقُهَا وَلِيُّ زَوْجِهَا .\rوَالثَّانِيَةُ ، لَا يُعْتَبَرُ ذَلِكَ ، كَذَلِكَ قَالَ ابْنُ عُمَرَ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ .\rوَهُوَ الْقِيَاسُ ؛ فَإِنَّ وَلِيَّ الرَّجُلِ لَا وِلَايَةَ لَهُ فِي طَلَاقِ امْرَأَتِهِ ، وَلِأَنَّنَا حَكَمْنَا عَلَيْهَا بِعِدَّةِ الْوَفَاةِ ، فَلَا يَجِبُ عَلَيْهَا مَعَ ذَلِكَ عِدَّةُ الطَّلَاقِ ، كَمَا لَوْ تَيَقَّنَتْ وَفَاتَهُ ، وَلِأَنَّهُ قَدْ وُجِدَ دَلِيلُ هَلَاكِهِ عَلَى وَجْهٍ أَبَاحَ لَهَا التَّزْوِيجَ ، وَأَوْجَبَ عَلَيْهَا عِدَّةَ الْوَفَاةِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ شَهِدَ بِهِ شَاهِدَانِ .","part":17,"page":483},{"id":8483,"text":"( 6352 ) فَصْلٌ : وَهَلْ يُعْتَبَرُ ابْتِدَاءُ الْمُدَّةِ مِنْ حِينِ الْغَيْبَةِ أَوْ مِنْ حِينِ ضَرَبَ الْحَاكِمُ الْمُدَّةَ ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ : إحْدَاهُمَا ، يُعْتَبَرُ ابْتِدَاؤُهَا مِنْ حِينِ ضَرَبَهَا الْحَاكِمُ ؛ لِأَنَّهَا مُدَّةٌ مُخْتَلَفٌ فِيهَا ، فَافْتَقَرَتْ إلَى ضَرْبِ الْحَاكِمِ كَمُدَّةِ الْعُنَّةِ .\rوَالثَّانِيَةُ ، مِنْ حِينِ انْقَطَعَ خَبَرُهُ ، وَبَعُدَ أَثَرُهُ ؛ لِأَنَّ هَذَا ظَاهِرٌ فِي مَوْتِهِ ، فَكَانَ ابْتِدَاءُ الْمُدَّةِ مِنْهُ ، كَمَا لَوْ شَهِدَ بِهِ شَاهِدَانِ .\rوَلِلشَّافِعِيِّ وَجْهَانِ ، كَالرِّوَايَتَيْنِ .","part":17,"page":484},{"id":8484,"text":"( 6353 ) فَصْلٌ : فَإِنْ قَدِمَ زَوْجُهَا الْأَوَّلُ قَبْلَ أَنْ تَتَزَوَّجَ ، فَهِيَ امْرَأَتُهُ .\rوَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ : إذَا ضُرِبَتْ لَهَا الْمُدَّةُ ، فَانْقَضَتْ ، بَطَلَ نِكَاحُ الْأَوَّلِ .\rوَاَلَّذِي ذَكَرْنَا أَوْلَى ؛ لِأَنَّنَا إنَّمَا أَبَحْنَا لَهَا التَّزْوِيجَ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مَوْتُهُ ، فَإِذَا بَانَ حَيًّا ، انْخَرَمَ ذَلِكَ الظَّاهِرُ ، وَكَانَ النِّكَاحُ بِحَالِهِ ، كَمَا لَوْ شَهِدَتْ الْبَيِّنَةُ بِمَوْتِهِ ثُمَّ بَانَ حَيًّا ، وَلِأَنَّهُ أَحَدُ الْمِلْكَيْنِ ، فَأَشْبَهَ مِلْكَ الْمَالِ .\rفَأَمَّا إنْ قَدِمَ بَعْدَ أَنْ تَزَوَّجَتْ نَظَرْنَا ؛ فَإِنْ كَانَ قَبْلَ دُخُولِ الثَّانِي بِهَا ، فَهِيَ زَوْجَةُ الْأَوَّلِ ، تُرَدُّ إلَيْهِ ، وَلَا شَيْءَ قَالَ أَحْمَدُ : أَمَّا قَبْلَ الدُّخُولِ ، فَهِيَ امْرَأَتُهُ ، وَإِنَّمَا التَّخْيِيرُ بَعْدَ الدُّخُولِ .\rوَهَذَا قَوْلُ الْحَسَنِ ، وَعَطَاءٍ ، وَخِلَاسِ بْنِ عَمْرٍو ، وَالنَّخَعِيِّ ، وَقَتَادَةَ ، وَمَالِكٍ وَإِسْحَاقَ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : فِيهِ رِوَايَةٌ أُخْرَى ، أَنَّهُ يُخَيَّرُ .\rوَأَخَذَهُ مِنْ عُمُومِ قَوْلِ أَحْمَدَ : إذَا تَزَوَّجْت امْرَأَتُهُ فَجَاءَ ، خُيِّرَ بَيْنَ الصَّدَاقِ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ .\rوَالصَّحِيحُ أَنَّ عُمُومَ كَلَامِ أَحْمَدَ يُحْمَلُ عَلَى خَاصِّهِ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ ، وَأَنَّهُ لَا تَخْيِيرَ إلَّا بَعْدَ الدُّخُولِ ، فَتَكُونُ زَوْجَةَ الْأَوَّلِ ، رِوَايَةً وَاحِدَةً ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ إنَّمَا صَحَّ فِي الظَّاهِرِ دُونَ الْبَاطِنِ ، فَإِذَا قَدِمَ تَبَيَّنَّا أَنَّ النِّكَاحَ كَانَ بَاطِلًا ؛ لِأَنَّهُ صَادَفَ امْرَأَةً ذَاتَ زَوْجٍ ، فَكَانَ بَاطِلًا ، كَمَا لَوْ شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ بِمَوْتِهِ ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ صَدَاقٌ ؛ لِأَنَّهُ نِكَاحٌ فَاسِدٌ لَمْ يَتَّصِلْ بِهِ دُخُولٌ ، وَتَعُودُ إلَى الزَّوْجِ بِالْعَقْدِ الْأَوَّلِ ، كَمَا لَوْ لَمْ تَتَزَوَّجْ .\rوَإِنْ قَدِمَ بَعْدَ دُخُولِ الثَّانِي بِهَا .\rخُيِّرَ الْأَوَّلُ بَيْنَ أَخْذِهَا ، فَتَكُونُ زَوْجَتُهُ بِالْعَقْدِ الْأَوَّلِ ، وَبَيْنَ أَخْذِ صَدَاقِهَا ، وَتَكُونُ زَوْجَةَ الثَّانِي .\rوَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ ؛ لِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ عَلَيْهِ ، فَرَوَى مَعْمَرٌ ، عَنْ","part":17,"page":485},{"id":8485,"text":"الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، أَنَّ عُمَرَ وَعُثْمَانَ قَالَا : إنْ جَاءَ زَوْجُهَا الْأَوَّلُ ، خُيِّرَ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَبَيْنَ الصَّدَاقِ الَّذِي سَاقَ هُوَ ، رَوَاهُ الْجُوزَجَانِيُّ ، وَالْأَثْرَمُ ، وَقَضَى بِهِ ابْنُ الزُّبَيْرُ فِي مَوْلَاةٍ .\rلَهُمْ وَقَالَ عَلِيٌّ ذَلِكَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَيْنَاهُ .\rوَلَمْ يُعْرَفْ لَهُمْ مُخَالِفٌ فِي عَصْرِهِمْ ، فَكَانَ إجْمَاعًا .\rفَعَلَى هَذَا ، إنْ أَمْسَكَهَا الْأَوَّلُ ، فَهِيَ زَوْجَتُهُ بِالْعَقْدِ الْأَوَّلِ .\rوَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ الثَّانِي إلَى طَلَاقٍ ؛ لِأَنَّ نِكَاحَهُ كَانَ بَاطِلًا فِي الْبَاطِنِ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : قِيَاسُ قَوْلِهِ ، أَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى طَلَاقٍ ؛ لِأَنَّ هَذَا نِكَاحٌ مُخْتَلَفٌ فِي صِحَّتِهِ ، فَكَانَ مَأْمُورًا بِالطَّلَاقِ لِيَقْطَعَ حُكْمَ الْعَقْدِ الثَّانِي ، كَسَائِرِ الْأَنْكِحَةِ الْفَاسِدَةِ ، وَيَجِبُ عَلَى الْأَوَّلِ اعْتِزَالُهَا حَتَّى تَقْضِيَ عِدَّتَهَا مِنْ الثَّانِي .\rوَإِنْ لَمْ يَخْتَرْهَا الْأَوَّلُ ، فَإِنَّهَا تَكُونُ مَعَ الثَّانِي ، وَلَمْ يَذْكُرُوا لَهَا عَقْدًا جَدِيدًا .\rوَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَسْتَأْنِفَ لَهَا عَقْدًا ، لِأَنَّنَا تَبَيَّنَّا بُطْلَانَ عَقْدِهِ بِمَجِيءِ الْأَوَّلِ ، وَيُحْمَلُ قَوْلُ الصَّحَابَةِ عَلَى هَذَا ، لِقِيَامِ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ ، فَإِنَّ زَوْجَةَ الْإِنْسَانِ لَا تَصِيرُ زَوْجَةً لِغَيْرِهِ بِمُجَرَّدِ تَرْكِهِ لَهَا .\rوَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : الْقِيَاسُ أَنَّنَا إنْ حَكَمْنَا بِالْفُرْقَةِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا ، فَهِيَ امْرَأَةُ الثَّانِي ، وَلَا خِيَارَ لِلْأَوَّلِ ؛ لِأَنَّهَا بَانَتْ مِنْهُ بِفُرْقَةِ الْحَاكِمِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ فَسَخَ نِكَاحَهَا لِعُسْرَتِهِ ، وَإِنْ لَمْ نَحْكُمْ بِفُرْقَتِهِ بَاطِنًا ، فَهِيَ امْرَأَةُ الْأَوَّلِ ، وَلَا خِيَارَ لَهُ .","part":17,"page":486},{"id":8486,"text":"( 6354 ) فَصْلٌ : وَمَتَى اخْتَارَ الْأَوَّلُ تَرْكَهَا ، فَإِنَّهُ يَرْجِعُ عَلَى الثَّانِي بِصَدَاقِهَا ؛ لِقَضَاءِ الصَّحَابَةِ بِذَلِكَ ، وَلِأَنَّهُ حَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا بِعَقْدِهِ عَلَيْهَا ، وَدُخُولِهِ بِهَا .\rوَاخْتُلِفَ عَنْ أَحْمَد فِيمَا يَرْجِعُ بِهِ ؛ فَرُوِيَ عَنْهُ ، أَنَّهُ يَرْجِعُ بِالصَّدَاقِ الَّذِي أَصْدَقَهَا هُوَ .\rوَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ وَقَوْلُ الْحَسَنِ ، وَالزُّهْرِيِّ ، وَقَتَادَةَ ، وَعَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ ، لِقَضَاءِ عَلِيٍّ وَعُثْمَانَ أَنَّهُ يُخَيَّرُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الصَّدَاقِ الَّذِي سَاقَ هُوَ ، وَلِأَنَّهُ أَتْلَفَ عَلَيْهِ الْمُعَوَّضَ ، فَرَجَعَ عَلَيْهِ بِالْعِوَضِ ، كَشُهُودِ الطَّلَاقِ إذَا رَجَعُوا عَنْ الشَّهَادَةِ .\rفَعَلَى هَذَا ، إنْ كَانَ لَمْ يَدْفَعْ إلَيْهَا الصَّدَاقَ ، لَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ ، وَإِنْ كَانَ قَدْ دَفَعَ بَعْضَهُ ، رَجَعَ بِمَا دَفَعَ .\rوَيُحْتَمَلُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَيْهِ بِالصَّدَاقِ ، وَتَرْجِعَ الْمَرْأَةُ بِمَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ صَدَاقِهَا .\rوَعَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِالْمَهْرِ الَّذِي أَصْدَقَهَا الثَّانِي ؛ لِأَنَّ إتْلَافَ الْبُضْعِ مِنْ جِهَتِهِ ، وَالرُّجُوعُ عَلَيْهِ بِقِيمَتِهِ ، وَالْبُضْعُ لَا يَتَقَوَّمُ إلَّا عَلَى زَوْجٍ أَوْ مَنْ جَرَى مَجْرَاهُ ، فَيَجِبُ الرُّجُوعُ عَلَيْهِ بِالْمُسَمَّى الثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ ؛ وَهَلْ يَرْجِعُ الزَّوْجُ الثَّانِي عَلَى الزَّوْجَةِ بِمَا أُخِذَ مِنْهُ ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ .\rذَكَرَ ذَلِكَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ حَامِدٍ : إحْدَاهُمَا ، يَرْجِعُ بِهِ ؛ لِأَنَّهَا غَرَامَةٌ لَزِمَتْ الزَّوْجَ بِسَبَبِ وَطْئِهِ لَهَا ، فَرَجَعَ بِهَا ، كَالْمَغْرُورِ .\rوَالثَّانِيَةُ لَا يَرْجِعُ بِهَا .\rوَهُوَ أَظْهَرُ ؛ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ لَمْ يَقْضُوا بِالرُّجُوعِ ، فَإِنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ رَوَى ، أَنَّ عُمَرَ وَعُثْمَانَ قَضَيَا فِي الْمَرْأَةِ الَّتِي لَا تَدْرِي مَا مَهْلِكُ زَوْجِهَا ، أَنْ تَرَبَّصَ أَرْبَعَ سِنِينَ ، ثُمَّ تَعْتَدُّ عِدَّةَ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ، ثُمَّ تَزَوَّجُ إنْ بَدَا لَهَا ، فَإِنْ جَاءَ زَوْجُهَا خُيِّرَ ؛ إمَّا امْرَأَتَهُ ، وَإِمَّا","part":17,"page":487},{"id":8487,"text":"الصَّدَاقَ ، فَإِنْ اخْتَارَ الصَّدَاقَ ، فَالصَّدَاقُ عَلَى زَوْجِهَا الْآخَرِ ، وَتَثْبُتُ عِنْدَهُ ، وَإِنْ اخْتَارَ امْرَأَتَهُ ، عُزِلَتْ عَنْ زَوْجِهَا الْآخَرِ حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا ، وَإِنْ قَدِمَ زَوْجُهَا وَقَدْ تُوُفِّيَ زَوْجُهَا الْآخَرُ ، وَرِثَتْ ، وَاعْتَدَّتْ عِدَّةَ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا ، وَتَرْجِعُ إلَى الْأَوَّلِ .\rرَوَاهُ الْجُوزَجَانِيُّ .\rوَلِأَنَّ الْمَرْأَةَ لَا تَغْرِيرَ مِنْهَا ، فَلَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهَا بِشَيْءٍ ، كَغَيْرِهَا .\rفَإِنْ قُلْنَا : يَرْجِعُ عَلَيْهَا .\rفَإِنْ كَانَ قَدْ دَفَعَ إلَيْهَا الصَّدَاقَ ، رَجَعَ بِهِ ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يَدْفَعْهُ إلَيْهَا ، دَفَعَهُ إلَى الْأَوَّلِ ، وَلَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهَا بِشَيْءٍ ، وَإِنْ كَانَ قَدْ دَفَعَ بَعْضُهُ ، رَجَعَ بِمَا دَفَعَ .\rوَإِنْ قُلْنَا : لَا يَرْجِعُ عَلَيْهَا .\rوَكَانَ قَدْ دَفَعَ إلَيْهَا الصَّدَاقَ ، لَمْ يَرْجِعْ بِهِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ دَفَعَهُ إلَيْهَا ، لَزِمَهُ دَفْعُهُ وَيَدْفَعُ إلَى الْأَوَّلِ صَدَاقًا آخَرَ .","part":17,"page":488},{"id":8488,"text":"( 6355 ) فَصْلٌ : وَإِنْ اخْتَارَتْ امْرَأَةُ الْمَفْقُودِ الْمُقَامَ وَالصَّبْرَ حَتَّى يَتَبَيَّنَ أَمْرُهُ ؛ فَلَهَا النَّفَقَةُ مَا دَامَ حَيًّا ، وَيُنْفَقُ عَلَيْهَا مِنْ مَالِهِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ أَمْرُهُ ؛ لِأَنَّهَا مَحْكُومٌ لَهَا بِالزَّوْجِيَّةِ ، فَتَجِبُ لَهَا النَّفَقَةُ ، كَمَا لَوْ عَلِمَتْ حَيَاتَهُ .\rفَإِذَا تَبَيَّنَ أَنَّهُ كَانَ حَيًّا ، وَقِدَمَ ، فَلَا كَلَامَ ، وَإِنْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ مَاتَ ، أَوْ فَارَقَهَا ، فَلَهَا النَّفَقَةُ إلَى يَوْمِ مَوْتِهِ أَوْ بَيْنُونَتِهَا مِنْهُ ، وَيَرْجِعُ عَلَيْهَا بِالْبَاقِي ؛ لِأَنَّا تَبَيَّنَّا أَنَّهَا أَنْفَقَتْ مَالَ غَيْرِهِ ، أَوْ أَنْفَقَتْ مِنْ مَالِهِ وَهِيَ غَيْرُ زَوْجَةٍ لَهُ .\rوَإِنْ رَفَعَتْ أَمْرَهَا إلَى الْحَاكِمِ ، فَضَرَبَ لَهَا مُدَّةً ، فَلَهَا النَّفَقَةُ فِي مُدَّةِ التَّرَبُّصِ وَمُدَّةِ الْعِدَّةِ ؛ لِأَنَّ مُدَّةَ التَّرَبُّصِ لَمْ يُحْكَمْ فِيهِ بِبَيْنُونَتِهَا مِنْ زَوْجِهَا ، فَهِيَ مَحْبُوسَةٌ عَلَيْهِ بِحُكْمِ الزَّوْجِيَّةِ ، فَأَشْبَهَ مَا قَبْلَ الْمُدَّةِ .\rوَأَمَّا مُدَّةُ الْعِدَّةِ ، فَلِأَنَّهَا غَيْرُ مُتَيَقِّنَةٍ ، بِخِلَافِ عِدَّةِ الْوَفَاةِ ، فَإِنَّ مَوْتَهُ مُتَيَقَّنٌ ، وَمَا بَعْدَ الْعِدَّةِ إنْ تَزَوَّجَتْ أَوْ فَرَّقَ الْحَاكِمُ بَيْنَهُمَا ، سَقَطَتْ نَفَقَتُهَا ؛ لِأَنَّهَا أَسْقَطَتْهَا بِخُرُوجِهَا عَنْ حُكْمِ نِكَاحِهِ ، وَإِنْ لَمْ تَتَزَوَّجَ وَلَا فَرَّقَ الْحَاكِمُ بَيْنَهُمَا ، فَنَفَقَتُهَا بَاقِيَةٌ ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَخْرُجْ بَعْدُ مِنْ نِكَاحِهِ .\rوَإِنْ قَدِمَ الزَّوْجُ بَعْدَ ذَلِكَ ، وَرُدَّتْ إلَيْهِ ، عَادَتْ نَفَقَتُهَا مِنْ حِينِ الرَّدِّ .\rوَقَدْ رَوَى الْأَثْرَمُ ، وَالْجُوزَجَانِيُّ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَا : تَنْتَظِرُ امْرَأَةُ الْمَفْقُودِ أَرْبَعَ سِنِينَ .\rقَالَ ابْنُ عُمَرَ : يُنْفَقُ عَلَيْهَا مِنْ مَالِ زَوْجِهَا .\rوَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : إذًا يُجْحِفَ ذَلِكَ بِالْوَرَثَةِ ، وَلَكِنَّهَا تَسْتَدِينُ ، فَإِنْ جَاءَ زَوْجُهَا أَخَذَتْ مِنْ مَالِهِ ، وَإِنْ مَاتَ أَخَذَتْ مِنْ نَصِيبهَا مِنْ الْمِيرَاثِ .\rوَقَالَا : يُنْفَقُ عَلَيْهَا بَعْدُ فِي الْعِدَّةِ بَعْدَ الْأَرْبَعِ سِنِينَ مِنْ مَالِ","part":17,"page":489},{"id":8489,"text":"زَوْجِهَا جَمِيعِهِ ، أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا وَإِنْ قُلْنَا : لَيْسَ لَهَا أَنْ تَتَزَوَّجَ .\rلَمْ تَسْقُطْ نَفَقَتُهَا ، مَا لَمْ تَتَزَوَّجْ ، فَإِنْ تَزَوَّجَتْ ، سَقَطَتْ نَفَقَتُهَا ؛ لِأَنَّهَا بِالتَّزْوِيجِ تَخْرُجُ عَنْ يَدَيْهِ ، وَتَصِيرُ نَاشِزًا ، وَإِنْ فُرِّقَ بَيْنَهُمَا ، فَلَا نَفَقَةَ لَهَا مَا دَامَتْ فِي الْعِدَّةِ ، فَإِذَا انْقَضَتْ ، فَلَمْ تَعُدْ إلَى مَسْكَنِ زَوْجِهَا ، فَلَا نَفَقَةَ لَهَا أَيْضًا ؛ لِأَنَّهَا بَاقِيَةٌ عَلَى النُّشُوزِ .\rوَإِنْ عَادَتْ إلَى مَسْكَنِهِ ، احْتَمَلَ أَنْ تَعُودَ النَّفَقَةُ ؛ لِأَنَّ النُّشُوزَ الْمُسْقِطَ لِنَفَقَتِهَا قَدْ زَالَ ، وَيُحْتَمَلُ أَلَّا تَعُودَ ؛ لِأَنَّهَا مَا سَلَّمَتْ نَفْسَهَا إلَيْهِ .\rوَإِنْ عَادَ فَتَسَلَّمَهَا ، عَادَتْ نَفَقَتُهَا .\rوَمَتَى أُنْفِقَ عَلَيْهَا ، ثُمَّ بَانَ أَنَّ الزَّوْجَ كَانَ قَدْ مَاتَ قَبْلَ ذَلِكَ ، حُسِبَ عَلَيْهَا مَا أُنْفِقَ عَلَيْهَا مِنْ حِينِ مَوْتِهِ مِنْ مِيرَاثِهَا ، فَإِنْ لَمْ تَرِثْ شَيْئًا ، فَهُوَ عَلَيْهَا ؛ لِأَنَّهَا أَنْفَقَتْ مِنْ مَالِ الْوَارِثِ مَا لَا تَسْتَحِقُّهُ ، فَأَمَّا نَفَقَتُهَا عَلَى الزَّوْجِ الثَّانِي ، فَإِنْ قُلْنَا : لَهَا أَنْ تَتَزَوَّجَ .\rفَنِكَاحُهَا صَحِيحٌ ، حُكْمُهُ فِي النَّفَقَةِ حُكْمُ غَيْرِهِ مِنْ الْأَنْكِحَةِ الصَّحِيحَةِ .\rوَإِنْ قُلْنَا : لَيْسَ لَهَا أَنْ تَتَزَوَّجَ .\rفَلَا نَفَقَةَ لَهَا ، فَإِنْ أَنْفَقَ عَلَيْهَا ، لَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ ؛ لِأَنَّهُ تَطَوَّعَ بِهِ ، إلَّا أَنْ يُجْبِرَهُ عَلَى ذَلِكَ حَاكِمٌ ، فَيَحْتَمِلَ أَنْ يَرْجِعَ بِهَا ؛ لِأَنَّهُ أَلْزَمَهُ أَدَاءَ مَا لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا عَلَيْهِ ، وَيَحْتَمِلَ أَلَّا يَرْجِعَ بِهِ ؛ لِأَنَّ مَا حَكَمَ بِهِ الْحَاكِمُ لَا يَجُوزُ نَقْضُهُ ، مَا لَمْ يُخَالِفْ كِتَابًا أَوْ سُنَّةً أَوْ إجْمَاعًا .\rفَإِنْ فَارَقَهَا بِتَفْرِيقِ الْحَاكِمِ أَوْ غَيْرِهِ ، فَلَا نَفَقَةَ لَهَا ، إلَّا أَنْ تَكُونَ حَامِلًا ، فَيَنْبَنِي وُجُوبُ النَّفَقَةِ ، عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي النَّفَقَةِ ؛ هَلْ هِيَ لِلْحَمْلِ ، أَوْ لَهَا مِنْ أَجْلِهِ ؟ فَإِنْ قُلْنَا : هِيَ لِلْحَمْلِ .\rفَلَهَا النَّفَقَةُ ؛ لِأَنَّ نَسَبَ الْحَمْلِ لَاحِقٌ بِهِ ، فَيَجِبُ","part":17,"page":490},{"id":8490,"text":"عَلَيْهِ الْإِنْفَاقُ عَلَى وَلَدِهِ .\rوَإِنْ قُلْنَا : لَهَا مِنْ أَجْلِهِ .\rفَلَا نَفَقَةَ لَهَا ؛ لِأَنَّهُ فِي غَيْرِ نِكَاحٍ صَحِيحٍ ، فَأَشْبَهَ حَمْلَ الْمَوْطُوءَةِ بِشُبْهَةٍ .\rوَإِذَا أَتَتْ بِوَلَدٍ يُمْكِنُ كَوْنُهُ مِنْ الثَّانِي ، لَحِقَهُ نَسَبُهُ ؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ فِرَاشًا لَهُ ، وَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّ الْوَلَدَ لَيْسَ مِنْ الْأَوَّلِ ؛ لِأَنَّهَا تَرَبَّصَتْ بَعْدَ فَقْدِهِ أَكْثَرَ مِنْ مُدَّةِ الْحَمْلِ ، وَتَنْقَضِي عِدَّتُهَا مِنْ الثَّانِي بِوَضْعِهِ ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ مِنْهُ ، وَعَلَيْهَا أَنْ تُرْضِعَهُ اللِّبَأَ ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ لَا يَقُومُ بَدَنُهُ إلَّا بِهِ ، فَإِنْ رُدَّتْ إلَى الْأَوَّلِ ، فَلَهُ مَنْعُهَا مِنْ إرْضَاعِهِ ، كَمَا لَهُ أَنْ يَمْنَعَهَا مِنْ رَضَاعِ أَجْنَبِيٍّ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَشْغَلُهَا عَنْ حُقُوقِهِ ، إلَّا أَنْ يُضْطَرَّ إلَيْهَا ، وَيُخْشَى عَلَيْهِ التَّلَفُ ، فَلَيْسَ لَهُ مَنْعُهَا مِنْ إرْضَاعِهِ ؛ لِأَنَّ هَذَا حَالُ ضَرُورَةٍ .\rفَإِنْ أَرْضَعَتْهُ فِي بَيْتِ الزَّوْجِ الْأَوَّلِ ، لَمْ تَسْقُطْ نَفَقَتُهَا ؛ لِأَنَّهَا فِي قَبْضَتِهِ وَيَدِهِ ، وَإِنْ أَرْضَعَتْهُ فِي غَيْرِ بَيْتِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ ، فَلَا نَفَقَةَ لَهَا ؛ لِأَنَّهَا نَاشِزٌ ، وَإِنْ كَانَ بِإِذْنِهِ ، خُرِّجَ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِيمَا إذَا سَافَرَتْ لِحَاجَتِهَا بِإِذْنِهِ .","part":17,"page":491},{"id":8491,"text":"( 6356 ) فَصْلٌ : فِي مِيرَاثِهَا مِنْ الزَّوْجَيْنِ ، وَتَوْرِيثِهِمَا مِنْهَا ، مَتَى مَاتَ زَوْجُهَا الْأَوَّلُ ، أَوْ مَاتَتْ قَبْلَ تَزَوُّجِهَا بِالثَّانِي ، وَرِثَتْهُ وَوَرِثَهَا ، وَكَذَلِكَ إنْ تَزَوَّجَتْ الثَّانِي فَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا ؛ لِأَنَّنَا قَدْ تَبَيَّنَّا أَنَّهُ مَتَى قَدِمَ قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا ، رُدَّتْ إلَيْهِ بِغَيْرِ تَخْيِيرٍ .\rوَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْقَاضِيَ ذَكَرَ أَنَّ فِيهَا رِوَايَةً أُخْرَى ، أَنَّهُ يُخَيَّرُ فِيهَا .\rفَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ ، حُكْمُهُ حُكْمُ مَا لَوْ دَخَلَ بِهَا الثَّانِي .\rفَأَمَّا إنْ دَخَلَ الثَّانِي بِهَا نَظَرْنَا ؛ فَإِنْ قَدِمَ الْأَوَّلُ ، فَاخْتَارَهَا رُدَّتْ إلَيْهِ ، وَرِثَهَا وَوَرِثَتْهُ ، وَلَمْ تَرِثْ الثَّانِي وَلَمْ يَرِثْهَا ؛ لِأَنَّهُ لَا زَوْجِيَّةَ بَيْنَهُمَا .\rوَإِنْ مَاتَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ اخْتِيَارِهَا ؛ إمَّا فِي الْغَيْبَةِ ، أَوْ بَعْدَ قُدُومِهِ ، فَإِنْ قُلْنَا : لَهَا أَنْ تَتَزَوَّجَ .\rوَرِثَتْ الزَّوْجَ الثَّانِي وَوَرِثَهَا ، وَلَمْ تَرِثْ الْأَوَّلَ وَلَمْ يَرِثْهَا ؛ لِأَنَّ مَنْ خُيِّرَ بَيْنَ شَيْئَيْنِ ، فَتَعَذُّرَ أَحَدُهُمَا ، تَعَيَّنَ الْآخَرُ .\rوَإِنْ مَاتَتْ قَبْلَ اخْتِيَارِ الْأَوَّلِ ، خُيِّرَ ، فَإِنْ اخْتَارَهَا وَرِثَهَا وَإِنْ لَمْ يَخْتَرْهَا وَرِثَهَا الثَّانِي .\rهَذَا ظَاهِرُ قَوْلِ أَصْحَابِنَا .\rوَأَمَّا عَلَى مَا أَخْتَارُهُ ، فَإِنَّهَا لَا تَرِثُ الثَّانِي وَلَا يَرِثُهَا بِحَالٍ ، إلَّا أَنْ يُجَدِّدَ لَهَا عَقْدًا ، أَوْ لَا يَعْلَمَ أَنَّ الْأَوَّلَ كَانَ حَيًّا ، وَمَتَى عَلِمَ أَنَّ الْأَوَّلَ كَانَ حَيًّا ، وَرِثَهَا وَوَرِثَتْهُ ، إلَّا أَنْ يَخْتَارَ تَرْكَهَا ، فَتَبِينَ مِنْهُ بِذَلِكَ ، فَلَا تَرِثُهُ وَلَا يَرِثُهَا .\rوَعَلَى قَوْلِ أَبِي الْخَطَّابِ ، إنْ حَكَمْنَا بِوُقُوعِ الْفُرْقَةِ بِتَفْرِيقِ الْحَاكِمِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا ، وَرِثَتْ الثَّانِي وَوَرِثَهَا ، وَلَمْ تَرِثْ الْأَوَّلَ وَلَمْ يَرِثْهَا ، وَإِنْ لَمْ نَحْكُمْ بِوُقُوعِ الْفُرْقَةِ بَاطِنًا ، وَرِثْت الْأَوَّلَ وَوَرِثَهَا ، وَلَمْ تَرِثْ الثَّانِي وَلَمْ يَرِثْهَا .\rفَأَمَّا عِدَّتُهَا مِنْهُمَا ، فَمَنْ وَرِثَتْهُ اعْتَدَّتْ لِوَفَاتِهِ عِدَّةَ الْوَفَاةِ ،","part":17,"page":492},{"id":8492,"text":"وَإِنْ مَاتَ الثَّانِي فِي مَوْضِعٍ لَا تَرِثُهُ ، فَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّهَا تَعْتَدُّ عِدَّةَ الْوَفَاةِ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ .\rفَعَلَى هَذَا ، عَلَيْهَا عِدَّةُ الْوَفَاةِ لِوَفَاتِهِ .\rوَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ .\rوَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ : لَا عِدَّةَ عَلَيْهَا لِوَفَاتِهِ ، لَكِنْ تَعْتَدُّ مِنْ وَطْئِهِ بِثَلَاثَةِ قُرُوءٍ ؛ فَإِنْ مَاتَا مَعًا ، اعْتَدَّتْ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ، وَبَدَأَتْ بِعِدَّةِ الْأَوَّلِ ، فَإِذَا أَكْمَلَتْهَا ، اعْتَدَّتْ لِلْآخَرِ ، وَإِنْ مَاتَ الْأَوَّلُ أَوَّلًا ، فَكَذَلِكَ ، وَإِنْ مَاتَ الثَّانِي أَوَّلًا ، بَدَأَتْ بِعِدَّتِهِ ، فَإِذَا مَاتَ الْأَوَّلُ ، انْقَطَعَتْ عِدَّةُ الثَّانِي ، ثُمَّ ابْتَدَأَتْ عِدَّةَ الْأَوَّلِ ، فَإِذَا أَكْمَلَتْهَا ، أَتَمَّتْ عِدَّةَ الثَّانِي .\rوَإِنْ عُلِمَ مَوْتُ أَحَدِهِمَا ، وَجُهِلَ وَقْتُ مَوْتِ الْآخَرِ ، أَوْ جُهِلَ مَوْتُهُمَا ، فَعَلَيْهَا أَنْ تَعْتَدَّ عِدَّتَيْنِ مِنْ حِينِ تَيَقَّنَتْ الْمَوْتَ ، وَتَبْدَأُ بِعِدَّةِ الْأَوَّلِ ؛ لِأَنَّهُ أَسْبَقُ وَأَوْلَى ، وَإِنْ كَانَتْ حَامِلًا ، فَبِوَضْعِ الْحَمْلِ تَنْقَضِي عِدَّةُ الثَّانِي ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ مِنْهُ ، ثُمَّ تَبْتَدِئُ بَعْدَهُ بِعِدَّةِ الْوَفَاةِ ، أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا .","part":17,"page":493},{"id":8493,"text":"( 6357 ) فَصْلٌ : وَإِذَا تَزَوَّجَتْ امْرَأَةُ الْمَفْقُودِ ، فِي وَقْتٍ لَيْسَ لَهَا أَنْ تَتَزَوَّجَ فِيهِ ، مِثْلُ أَنْ تَتَزَوَّجَ قَبْلَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ الَّتِي يُبَاحُ لَهَا التَّزْوِيجُ بَعْدَهَا ، أَوْ كَانَتْ غَيْبَةُ زَوْجِهَا ظَاهِرُهَا السَّلَامَةُ ، أَوْ مَا أَشْبَهَ هَذَا ، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : إنْ تَبَيَّنَ أَنَّ زَوْجَهَا قَدْ مَاتَ ، وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا مِنْهُ ، أَوْ فَارَقَهَا وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا ، فَفِي صِحَّةِ نِكَاحِهَا وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا ، هُوَ صَحِيحٌ ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ فِي نِكَاحٍ وَلَا عِدَّةٍ ، فَصَحَّ تَزْوِيجُهَا ، كَمَا لَوْ عَلِمَتْ ذَلِكَ .\rوَالثَّانِي ، لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّهَا مُعْتَقِدَةٌ تَحْرِيمَ نِكَاحِهَا وَبُطْلَانَهُ .\rوَأَصْلُ هَذَا مَنْ بَاعَ عَيْنًا فِي يَدِهِ يَعْتَقِدُهَا لِمَوْرُوثِهِ ، فَبَانَ مَوْرُوثُهُ مَيِّتًا وَالْعَيْنُ مَمْلُوكَةً لَهُ بِالْإِرْثِ ، هَلْ يَصِحُّ الْبَيْعُ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ .\rكَذَا هَاهُنَا .\rوَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ مِثْلُ هَذَا .\rوَلَنَا أَنَّهَا تَزَوَّجَتْ فِي مُدَّةٍ مَنَعَهَا الشَّرْعُ مِنْ النِّكَاحِ فِيهَا ، فَلَمْ يَصِحَّ ، كَمَا لَوْ تَزَوَّجَتْ الْمُعْتَدَّةُ فِي عِدَّتِهَا ، أَوْ الْمُرْتَابَةُ قَبْلَ زَوَالِ رِيبَتِهَا .","part":17,"page":494},{"id":8494,"text":"( 6358 ) فَصْلٌ : وَيُقَسَّمُ مَالُ الْمَفْقُودِ فِي الْوَقْتِ الَّذِي تُؤْمَرُ زَوْجَتُهُ بِعِدَّةِ الْوَفَاةِ فِيهِ .\rوَبِهَذَا قَالَ قَتَادَةُ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ لَا يُقَسَّمُ مَالُهُ حَتَّى تُعْلَمَ وَفَاتُهُ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ الْبَقَاءُ ، فَلَا يَزُولُ عَنْهُ بِالشَّكِّ ، وَإِنَّمَا صِرْنَا إلَى إبَاحَةِ التَّزْوِيجِ لِامْرَأَتِهِ ، لِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ ، ، وَلِأَنَّ بِالْمَرْأَةِ حَاجَةً إلَى النِّكَاحِ ، وَضَرَرًا فِي الِانْتِظَارِ ، فَاخْتَصَّ ذَلِكَ بِهَا .\rوَلَنَا أَنَّ مَنْ اعْتَدَّتْ زَوْجَتُهُ لِلْوَفَاةِ قُسِّمَ مَالُهُ ، كَمَنْ قَامَتْ الْبَيِّنَةُ بِمَوْتِهِ وَمَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ يُقَاسُ عَلَيْهِ مَا كَانَ فِي مَعْنَاهُ ، وَتَأْخِيرُ الْقِسْمَةِ ضَرَرٌ بِالْوَرَثَةِ ، وَتَعْطِيلٌ لِمَنَافِعِ الْمَالِ ، وَرُبَّمَا تَلِفَ أَوْ قَلَّتْ قِيمَتُهُ ، فَهُوَ فِي مَعْنَى الضَّرَرِ بِتَأْخِيرِ التَّزْوِيجِ .","part":17,"page":495},{"id":8495,"text":"( 6359 ) فَصْلٌ : وَإِنْ تَصَرَّفَ الزَّوْجُ الْمَفْقُودُ فِي زَوْجَتِهِ ، بِطَلَاقٍ ، أَوْ ظِهَارٍ ، أَوْ إيلَاءٍ ، أَوْ قَذْفٍ ، صَحَّ تَصَرُّفُهُ ؛ لِأَنَّ نِكَاحَهُ بَاقٍ ، وَلِهَذَا خُيِّرَ فِي أَخْذِهَا ، وَإِنَّمَا حَكَمْنَا بِإِبَاحَةِ تَزْوِيجِهَا ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مَوْتُهُ ، فَلَا يَبْطُلُ فِي الْبَاطِنِ ، كَمَا لَوْ شَهِدَتْ بِمَوْتِهِ بَيِّنَةٌ كَاذِبَةٌ .","part":17,"page":496},{"id":8496,"text":"( 6360 ) فَصْلٌ : وَإِذَا فَقَدَتْ الْأَمَةُ زَوْجَهَا ، تَرَبَّصَتْ أَرْبَعَ سِنِينَ ، ثُمَّ اعْتَدَّتْ لِلْوَفَاةِ شَهْرَيْنِ وَخَمْسَةَ أَيَّامٍ .\rوَهَذَا اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : تَتَرَبَّصُ نِصْفَ تَرَبُّصِ الْحُرَّةِ .\rوَرَوَاهُ أَبُو طَالِبٍ عَنْ أَحْمَدَ .\rوَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ وَاللَّيْثِ ؛ لِأَنَّهَا مُدَّةٌ مَضْرُوبَةٌ لِلْمَرْأَةِ لِعَدَمِ زَوْجِهَا ، فَكَانَتْ الْأَمَةُ فِيهِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ الْحُرَّةِ ، كَالْعِدَّةِ .\rوَلَنَا أَنَّ الْأَرْبَعَ سِنِينَ مَضْرُوبَةٌ لِكَوْنِهَا أَكْثَرَ مُدَّةِ الْحَمْلِ ، وَمُدَّةُ الْحَمْلِ فِي الْحُرَّةِ وَالْأَمَةِ سَوَاءٌ ، فَاسْتَوَيَا فِي التَّرَبُّصِ لَهَا ، كَالتِّسْعَةِ الْأَشْهُرِ فِي حَقِّ مَنْ ارْتَفَعَ حَيْضُهَا لَا تَدْرِي مَا رَفَعَهُ ، وَكَالْحَمْلِ نَفْسِهِ ، وَبِهَذَا يَنْتَقِضُ قِيَاسُهُمْ .\rفَأَمَّا الْعَبْدُ ، فَإِنْ كَانَتْ زَوْجَتُهُ حُرَّةً ، فَتَرَبُّصُهَا كَتَرَبُّصِ الْحُرَّةِ تَحْتَ الْحُرِّ ، وَإِنْ كَانَتْ أَمَةً ، فَهِيَ كَالْأَمَةِ تَحْتَ الْحُرِّ ؛ لِأَنَّ الْعِدَّةَ مُعْتَبَرَةٌ بِالنِّسَاءِ دُونَ الرِّجَالِ ، وَكَذَلِكَ مُدَّةُ التَّرَبُّصِ .\rوَحُكِيَ عَنْ الزُّهْرِيِّ ، وَمَالِكٍ ، أَنَّهُ يُضْرَبُ لَهُ نِصْفُ أَجَلِ الْحُرِّ .\rوَالْأَوْلَى مَا قُلْنَاهُ ؛ لِأَنَّهُ تَرَبُّصٌ مَشْرُوعٌ فِي حَقِّ الْمَرْأَةِ لِفُرْقَةِ زَوْجِهَا ، فَأَشْبَهَ الْعِدَّةَ .","part":17,"page":497},{"id":8497,"text":"( 6361 ) فَصْلٌ : فَإِنْ غَابَ رَجُلٌ عَنْ زَوْجَتِهِ ، فَشَهِدَ ثِقَاتٌ بِوَفَاتِهِ ، فَاعْتَدَّتْ زَوْجَتُهُ لِلْوَفَاةِ ، أُبِيحَ لَهَا أَنْ تَتَزَوَّجَ .\rفَإِنْ عَادَ الزَّوْجُ بَعْدَ ذَلِكَ ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْمَفْقُودِ ، يُخَيَّرُ زَوْجُهَا بَيْنَ أَخْذِهَا ، وَتَرْكِهَا وَلَهُ الصَّدَاقُ .\rوَكَذَلِكَ إنْ تَظَاهَرَتْ الْأَخْبَارُ بِمَوْتِهِ .\rوَقَدْ رَوَى الْأَثْرَمُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي الْمَلِيحِ ، عَنْ سُهَيَّةَ ، أَنَّ زَوْجَهَا صَيْفِيَّ بْنَ فُسَيْلٍ ، نُعِيَ لَهَا مِنْ قَنْدَابِيلَ ، فَتَزَوَّجَتْ بَعْدَهُ ، ثُمَّ إنَّ زَوْجَهَا الْأَوَّلَ قَدِمَ ، فَأَتَيْنَا عُثْمَانَ وَهُوَ مَحْصُورٌ ، فَأَشْرَفَ عَلَيْنَا ، فَقَالَ : كَيْفَ أَقْضِي بَيْنَكُمْ وَأَنَا عَلَى هَذَا الْحَالِ ، فَقُلْنَا : قَدْ رَضِينَا بِقَوْلِكَ .\rفَقَضَى أَنْ يُخَيَّرَ الزَّوْجُ الْأَوَّلُ بَيْنَ الصَّدَاقِ وَبَيْنَ الْمَرْأَةِ .\rفَرَجَعْنَا .\rفَلَمَّا قُتِلَ عُثْمَانُ أَتَيْنَا عَلِيًّا ، فَخَيَّرَ الزَّوْجَ الْأَوَّلَ بَيْنَ الصَّدَاقِ وَبَيْنَ الْمَرْأَةِ ، فَاخْتَارَ الصَّدَاقَ ، فَأَخَذَ مِنِّي أَلْفَيْنِ ، وَمِنْ زَوْجِي الْآخَرِ أَلْفَيْنِ .\rفَإِنْ حَصَلَتْ الْفُرْقَةُ بِشَهَادَةِ مَحْصُورَةٍ ، فَمَا حَصَلَ مِنْ غَرَامَةٍ فَعَلَيْهِمَا ؛ لِأَنَّهُمَا سَبَبٌ فِي إيجَابِهَا .\rوَإِنْ شَهِدُوا بِمَوْتِ رَجُلٍ ، فَقُسِّمَ مَالُهُ ، ثُمَّ قَدِمَ ، فَمَا وَجَدَ مِنْ مَالِهِ أَخَذَهُ .\rوَمَا تَلِفَ مِنْهُ أَوْ تَعَذَّرَ رُجُوعُهُ فِيهِ ، فَلَهُ تَضْمِينُ الشَّاهِدَيْنِ ؛ لِأَنَّهُمَا سَبَبُ الِاسْتِيلَاءِ عَلَيْهِ ، وَلِلْمَالِكِ تَضْمِينُ الْمُتْلِفِ ؛ لِأَنَّهُ أَتْلَفَ مَالَهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ .","part":17,"page":498},{"id":8498,"text":"( 6362 ) فَصْلٌ : وَإِذَا نَكَحَ رَجُلٌ امْرَأَةً نِكَاحًا مُتَّفَقًا عَلَى بُطْلَانِهِ ، مِثْلُ أَنْ يَنْكِحَ ذَاتَ مَحْرَمِهِ ، أَوْ مُعْتَدَّةً يَعْلَمُ حَالَهَا وَتَحْرِيمَهَا ، فَلَا حُكْمَ لِعَقْدِهِ ، وَالْخَلْوَةُ بِهَا كَالْخَلْوَةِ بِالْأَجْنَبِيَّةِ ، لَا تُوجِبُ عِدَّةً ، وَكَذَلِكَ الْمَوْتُ عَنْهَا لَا يُوجِبُ عِدَّةَ الْوَفَاةِ .\rوَإِنْ وَطِئَهَا ، اعْتَدَّتْ لِوَطْئِهِ بِثَلَاثَةِ قُرُوءٍ مُنْذُ وَطِئَهَا ، سَوَاءٌ فَارَقَهَا ، أَوْ مَاتَ عَنْهَا ، كَمَا لَوْ زَنَى بِهَا مِنْ غَيْرِ عَقْدٍ .\rوَإِنْ نَكَحَهَا نِكَاحًا مُخْتَلَفًا فِيهِ ، فَهُوَ فَاسِدٌ ، فَإِنْ مَاتَ عَنْهَا ، فَنَقَلَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، أَنَّ عَلَيْهَا عِدَّةَ الْوَفَاةِ .\rوَهَذَا اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ .\rوَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ حَامِدٍ : لَيْسَ عَلَيْهَا عِدَّةُ الْوَفَاةِ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ نِكَاحٌ لَا يُثْبِتُ الْحِلَّ ، فَأَشْبَهَ الْبَاطِلَ .\rفَعَلَى هَذَا ، إنْ كَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ ، فَلَا عِدَّةَ عَلَيْهَا ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ ، اعْتَدَّتْ بِثَلَاثَةِ قُرُوءٍ .\rوَوَجْهُ الْأَوَّلِ ، أَنَّهُ نِكَاحٌ يَلْحَقُ بِهِ النَّسَبُ ، فَوَجَبَتْ بِهِ عِدَّةُ الْوَفَاةِ ، كَالنِّكَاحِ الصَّحِيحِ ، وَفَارَقَ الْبَاطِلَ ، فَإِنَّهُ لَا يَلْحَقُ بِهِ النَّسَبُ .\rوَإِنْ فَارَقَهَا فِي الْحَيَاةِ بَعْدَ الْإِصَابَةِ ، اعْتَدَّتْ بَعْدَ فُرْقَتِهِ بِثَلَاثَةِ قُرُوءٍ ، وَلَا اخْتِلَافَ فِيهِ .\rوَإِنْ كَانَ قَبْلَ الْخَلْوَةِ ، فَلَا عِدَّةَ عَلَيْهَا ، بِلَا خِلَافٍ ؛ لِأَنَّ الْمُفَارِقَةَ فِي الْحَيَاةِ فِي النِّكَاحِ الصَّحِيحِ لَا عِدَّةَ عَلَيْهَا ، بِلَا خِلَافٍ ، فَفِي الْفَاسِدِ أَوْلَى .\rوَإِنْ كَانَ بَعْدَ الْخَلْوَةِ قَبْلَ الْإِصَابَةِ ، فَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّ عَلَيْهَا الْعِدَّةَ ؛ لِأَنَّهُ يَجْرِي مَجْرَى النِّكَاحِ الصَّحِيحِ فِي لُحُوقِ النَّسَبِ ، فَكَذَلِكَ فِي الْعِدَّةِ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا عِدَّةَ عَلَيْهَا ؛ لِوَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا ، أَنَّهَا خَلْوَةٌ فِي غَيْرِ نِكَاحٍ صَحِيحٍ ، أَشْبَهْت الَّتِي نِكَاحُهَا بَاطِلٌ .\rوَالثَّانِي ، أَنَّ الْخَلْوَةَ عِنْدَهُ فِي النِّكَاحِ الصَّحِيحِ لَا تُوجِبُ","part":17,"page":499},{"id":8499,"text":"الْعِدَّةَ ، فَفِي الْفَاسِدِ أَوْلَى .\rوَهَذَا مُقْتَضَى قَوْلِ ابْنِ حَامِدٍ .","part":17,"page":500},{"id":8500,"text":"( 6363 ) فَصْلٌ : فِي عِدَّةِ الْمُعْتَقِ بَعْضُهَا .\rوَمَتَى كَانَتْ مُعْتَدَّةً بِالْحَمْلِ أَوْ بِالْقُرُوءِ ، فَعِدَّتُهَا كَعِدَّةِ الْحُرَّةِ ؛ لِأَنَّ عِدَّةَ الْحَامِلِ لَا تَخْتَلِفُ بِالرِّقِّ وَالْحُرِّيَّةِ ، وَعِدَّةُ الْأَمَةِ بِالْقُرُوءِ قُرْءَانِ ، فَأَدْنَى مَا يَكُونُ فِيهَا مِنْ الْحُرِّيَّةِ يُوجِبُ قُرْءًا ثَالِثًا ، لِأَنَّهُ لَا يَتَبَعَّضُ .\rوَإِنْ كَانَتْ مُعْتَدَّةً بِالشُّهُورِ ؛ إمَّا لِلْوَفَاةِ ، وَإِمَّا لِلْإِيَاسِ أَوْ الصِّغَرِ ، فَعِدَّتُهَا بِالْحِسَابِ مِنْ عِدَّةِ حُرَّةٍ وَأَمَةٍ ، فَإِذَا كَانَ نِصْفُهَا حُرًّا ، فَاعْتَدَّتْ لِلْوَفَاةِ ، فَعَلَيْهَا ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَثَمَانِ لَيَالٍ ؛ لِأَنَّ اللَّيْلَ يُحْسَبُ مَعَ النَّهَارِ ، فَيَكُونُ عَلَيْهَا ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ ذَلِكَ ، وَإِنْ كَانَتْ مُعْتَدَّةً بِالشُّهُورِ عَنْ الطَّلَاقِ ، وَقُلْنَا : إنَّ عِدَّةَ الْأَمَةِ شَهْرٌ وَنِصْفٌ .\rكَانَ عِدَّةُ الْمُعْتَقِ نِصْفُهَا شَهْرَيْنِ وَرُبْعًا .\rوَإِنْ قُلْنَا : عِدَّةُ الْأَمَةِ شَهْرَانِ أَوْ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ .\rفَعِدَّةُ الْمُعْتَقِ بَعْضُهَا ، كَعِدَّةِ الْحُرَّةِ ، سَوَاءً .\rوَأُمُّ الْوَلَدِ ، وَالْمُدَبَّرَةُ ، وَالْمُكَاتَبَةُ ، عِدَّتُهُنَّ كَعِدَّةِ الْأَمَةِ ، سَوَاءً ؛ لِأَنَّهُنَّ إمَاءٌ .","part":18,"page":1},{"id":8501,"text":"( 6364 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : ( وَأُمُّ الْوَلَدِ إذَا مَاتَ سَيِّدُهَا ، فَلَا تُنْكَحُ حَتَّى تَحِيضَ حَيْضَةً كَامِلَةً ) هَذَا الْمَشْهُورُ عَنْ أَحْمَدَ .\rوَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُثْمَانَ ، وَعَائِشَةَ ، وَالْحَسَنِ ، وَالشَّعْبِيِّ ، وَالْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، وَأَبِي قِلَابَةَ ، وَمَكْحُولٍ ، وَمَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي عُبَيْدٍ ، وَأَبِي ثَوْرٍ .\rوَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّهَا تَعْتَدُّ عِدَّةَ الْوَفَاةِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا .\rوَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، وَأَبِي عِيَاضٍ ، وَابْنِ سِيرِينَ ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَمُجَاهِدٍ ، وَخِلَاسِ بْنِ عَمْرٍو ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَالزُّهْرِيِّ ، وَيَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَإِسْحَاقَ ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ، أَنَّهُ قَالَ : لَا تُفْسِدُوا عَلَيْنَا سُنَّةَ نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِدَّةُ أُمُّ الْوَلَدِ إذَا تُوُفِّيَ عَنْهَا سَيِّدُهَا أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَلِأَنَّهَا حُرَّةٌ تَعْتَدُّ لِلْوَفَاةِ ، فَكَانَتْ عِدَّتُهَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ، كَالزَّوْجَةِ الْحُرَّةِ .\rوَحَكَى أَبُو الْخَطَّابِ ، رِوَايَةً ثَالِثَةً ، أَنَّهَا تَعْتَدُّ شَهْرَيْنِ وَخَمْسَةَ أَيَّامٍ .\rوَلَمْ أَجِدْ هَذِهِ الرِّوَايَةَ عَنْ أَحْمَدَ ، فِي ( الْجَامِعِ ) ، وَلَا أَظُنُّهَا صَحِيحَةً عَنْ أَحْمَدَ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَطَاءٍ ، وَطَاوُسٍ ، وَقَتَادَةَ ؛ وَلِأَنَّهَا حِينَ الْمَوْتِ أَمَةٌ ، فَكَانَتْ عِدَّتُهَا عِدَّةَ الْأَمَةِ ، كَمَا لَوْ مَاتَ رَجُلٌ عَنْ زَوْجَتِهِ الْأَمَةِ ، فَعَتَقَتْ بَعْد مَوْتِهِ وَيُرْوَى عَنْ عَلِيٍّ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ ، وَعَطَاءٍ ، وَالنَّخَعِيِّ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ ، أَنَّ عِدَّتَهَا ثَلَاثُ حِيَضٍ ؛ لِأَنَّهَا حُرَّةٌ تُسْتَبْرَأُ ، فَكَانَ اسْتِبْرَاؤُهَا بِثَلَاثِ حِيَضٍ ، كَالْحُرَّةِ الْمُطَلَّقَةِ وَلَنَا أَنَّهُ اسْتِبْرَاءٌ لِزَوَالِ الْمِلْكِ عَنْ الرَّقَبَةِ ، فَكَانَ حَيْضَةً فِي حَقِّ مَنْ تَحِيضُ ، كَسَائِرِ اسْتِبْرَاءِ الْمُعْتَقَاتِ وَالْمَمْلُوكَاتِ ، وَلِأَنَّهُ","part":18,"page":2},{"id":8502,"text":"اسْتِبْرَاءٌ لِغَيْرِ الزَّوْجَاتِ وَالْمَوْطُوآت بِشُبْهَةٍ ، فَأَشْبَهَ مَا ذَكَرْنَا .\rقَالَ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ : سُبْحَانَ اللَّهِ ، يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ : { وَاَلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا } .\rمَا هُنَّ بِأَزْوَاجٍ .\rفَأَمَّا حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ، فَضَعِيفٌ .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : ضَعَّفَ أَحْمَدُ وَأَبُو عُبَيْدٍ حَدِيثَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ .\rوَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى : سَأَلْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ، فَقَالَ : لَا يَصِحُّ .\rوَقَالَ الْمَيْمُونِيُّ : رَأَيْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يَعْجَبُ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ هَذَا ، ثُمَّ قَالَ : أَيْنَ سُنَّةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا ؟ وَقَالَ : أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ إنَّمَا هِيَ عِدَّةُ الْحُرَّةِ مِنْ النِّكَاحِ ، وَإِنَّمَا هَذِهِ أَمَةٌ خَرَجَتْ مِنْ الرِّقِّ إلَى الْحُرِّيَّةِ .\rوَيَلْزَمُ مَنْ قَالَ بِهَذَا أَنْ يُوَرِّثَهَا .\rوَلَيْسَ لِقَوْلِ : تَعْتَدُّ بِثَلَاثِ حِيَضٍ وَجْهٌ ، وَإِنَّمَا تَعْتَدُّ بِذَلِكَ الْمُطَلَّقَةُ ، وَلَيْسَتْ هَذِهِ مُطَلَّقَةً ، وَلَا فِي مَعْنَى الْمُطَلَّقَةِ .\rوَأَمَّا قِيَاسُهُمْ إيَّاهَا عَلَى الزَّوْجَاتِ ، فَلَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ هَذِهِ لَيْسَتْ زَوْجَةً ، وَلَا فِي حُكْمِ الزَّوْجَةِ ، وَلَا مُطَلَّقَةً ، وَلَا فِي حُكْمِ الْمُطَلَّقَةِ .","part":18,"page":3},{"id":8503,"text":"( 6365 ) فَصْلٌ : وَلَا يَكْفِي فِي الِاسْتِبْرَاءِ طُهْرٌ وَاحِدٌ ، وَلَا بَعْضُ حَيْضَةٍ .\rوَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rوَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ مَالِكٍ : مَتَى طَعَنَتْ فِي الْحَيْضَةِ ، فَقَدْ تَمَّ اسْتِبْرَاؤُهَا .\rوَزَعَمَ أَنَّهُ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ : يَكْفِي طُهْرٌ وَاحِدٌ إذَا كَانَ كَامِلًا ، وَهُوَ أَنْ يَمُوتَ فِي حَيْضِهَا ، فَإِذَا رَأَتْ الدَّمَ مِنْ الْحَيْضَةِ الثَّانِيَةِ ، حَلَّتْ ، وَتَمَّ اسْتِبْرَاؤُهَا .\rوَهَكَذَا الْخِلَافُ فِي الِاسْتِبْرَاءِ كُلِّهِ ، وَبَنَوْا هَذَا عَلَى أَنَّ الْقُرُوءَ الْأَطْهَارُ ، وَهَذَا يَرُدُّهُ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا تُوطَأُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ ، وَلَا حَائِلٌ حَتَّى تُسْتَبْرَأَ بِحَيْضَةٍ } .\rوَقَالَ رُوَيْفِعُ بْنُ ثَابِتٍ : سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ يَوْمَ خَيْبَرَ : { مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ، فَلَا يَطَأْ جَارِيَةً مِنْ السَّبْيِ حَتَّى يَسْتَبْرِئَهَا بِحَيْضَةٍ } .\rرَوَاهُ الْأَثْرَمُ .\rوَهَذَا صَرِيحٌ فَلَا يُعَوَّلُ عَلَى مَا خَالَفَهُ .\rوَلِأَنَّ الْوَاجِبَ اسْتِبْرَاءٌ ، وَاَلَّذِي يَدُلُّ عَلَى الْبَرَاءَةِ هُوَ الْحَيْضُ ، فَإِنَّ الْحَامِلَ لَا تَحِيضُ .\rفَأَمَّا الطُّهْرُ فَلَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى الْبَرَاءَةِ ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُعَوَّلَ فِي الِاسْتِبْرَاءِ عَلَى مَا لَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَيْهِ ، دُونَ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ .\rوَبِنَاؤُهُمْ قَوْلَهُمْ هَذَا عَلَى قَوْلِهِمْ : إنَّ الْقُرُوءَ الْأَطْهَارُ .\rبِنَاءٌ لِلْخِلَافِ عَلَى الْخِلَافِ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِحُجَّةٍ ، ثُمَّ لَمْ يُمْكِنْهُمْ بِنَاءُ هَذَا عَلَى ذَاكَ حَتَّى خَالَفُوهُ ، فَجَعَلُوا الطُّهْرَ الَّذِي طَلَّقَهَا فِيهِ قُرْءًا ، وَلَمْ يَجْعَلُوا الطُّهْرَ الَّذِي مَاتَ فِيهِ سَيِّدُ أُمِّ الْوَلَدِ قُرْءًا ، وَخَالَفُوا الْحَدِيثَ وَالْمَعْنَى .\rفَإِنْ قَالُوا : إنَّ بَعْضَ الْحَيْضَةِ الْمُقْتَرِنَ بِالطُّهْرِ يَدُلُّ عَلَى الْبَرَاءَةِ .\rقُلْنَا : فَيَكُونُ الِاعْتِمَادُ حِينَئِذٍ عَلَى بَعْضِ الْحَيْضَةِ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ قُرْءًا عِنْدَ أَحَدٍ .\rفَإِذَا","part":18,"page":4},{"id":8504,"text":"تُقَرَّرَ هَذَا ، فَإِنْ مَاتَ عَنْهَا وَهِيَ طَاهِرٌ ، فَإِذَا طَهُرَتْ مِنْ الْحَيْضَةِ الْمُسْتَقْبَلَةِ حَلَّتْ ، وَإِنْ كَانَتْ حَائِضًا ، لَمْ تَعْتَدَّ بِبَقِيَّةِ تِلْكَ الْحَيْضَةِ ، وَلَكِنْ مَتَى طَهُرَتْ مِنْ الْحَيْضَةِ الثَّانِيَةِ حَلَّتْ ؛ لِأَنَّ اسْتِبْرَاءَ هَذِهِ بِحَيْضَةٍ ، فَلَا بُدَّ مِنْ حَيْضَةٍ كَامِلَةٍ .","part":18,"page":5},{"id":8505,"text":"( 6366 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : ( وَإِنْ كَانَتْ آيِسًا ، فَبِثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ ) وَهَذَا الْمَشْهُورُ عَنْ أَحْمَدَ أَيْضًا .\rوَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ ، وَابْنِ سِيرِينَ ، وَالنَّخَعِيِّ ، وَأَبِي قِلَابَةَ ، وَأَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ .\rوَسَأَلَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَهْلَ الْمَدِينَةِ وَالْقَوَابِلَ ، فَقَالُوا : لَا تُسْتَبْرَأُ الْحُبْلَى فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ .\rفَأَعْجَبَهُ قَوْلُهُمْ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ ، رِوَايَةٌ أُخْرَى ، أَنَّهَا تُسْتَبْرَأُ بِشَهْرٍ .\rوَهُوَ قَوْلٌ ثَانٍ لِلشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ الشَّهْرَ قَائِمٌ مَقَامَ الْقُرْءِ فِي حَقِّ الْحُرَّةِ وَالْأَمَةِ الْمُطَلَّقَةِ ، فَكَذَلِكَ فِي الِاسْتِبْرَاءِ .\rوَذَكَرَ الْقَاضِي رِوَايَةً ثَالِثَةً ، أَنَّهَا تُسْتَبْرَأُ بِشَهْرَيْنِ .\rكَعِدَّةِ الْأَمَةِ الْمُطَلَّقَةِ .\rوَلَمْ أَرَ لِذَلِكَ وَجْهًا ، وَلَوْ كَانَ اسْتِبْرَاؤُهَا بِشَهْرَيْنِ ، لَكَانَ اسْتِبْرَاءُ ذَاتِ الْقُرْءِ بِقُرْأَيْنِ ، وَلَمْ نَعْلَمْ بِهِ قَائِلًا .\rوَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ، وَعَطَاءٌ ، وَالضَّحَّاكُ ، وَالْحَكَمُ ، فِي الْأَمَةِ الَّتِي لَا تَحِيضُ : تُسْتَبْرَأُ بِشَهْرٍ وَنِصْفٍ .\rوَرَوَاهُ حَنْبَلٌ عَنْ أَحْمَدَ ، فَإِنَّهُ قَالَ : قَالَ عَطَاءٌ : إنْ كَانَتْ لَا تَحِيضُ ، فَخَمْسٌ وَأَرْبَعُونَ لَيْلَةً .\rقَالَ عَمِّي : كَذَلِكَ أَذْهَبُ ؛ لِأَنَّ عِدَّةَ الْأَمَةِ الْمُطَلَّقَةِ الْآيِسَةِ كَذَلِكَ .\rوَالْمَشْهُورُ عَنْ أَحْمَدَ الْأَوَّلُ .\rقَالَ أَحْمَدُ بْنُ الْقَاسِمِ : قُلْت لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ : كَيْفَ جَعَلْت ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ مَكَانَ حَيْضَةٍ ، وَإِنَّمَا جَعَلَ اللَّهُ فِي الْقُرْآنِ مَكَانَ كُلِّ حَيْضَةٍ شَهْرًا ؟ فَقَالَ : إنَّمَا قُلْنَا بِثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ مِنْ أَجْلِ الْحَمْلِ ، فَإِنَّهُ لَا يَتَبَيَّنُ فِي أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ ، فَإِنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ سَأَلَ عَنْ ذَلِكَ ، وَجَمَعَ أَهْلَ الْعِلْمِ وَالْقَوَابِلَ ، فَأَخْبَرُوهُ أَنَّ الْحَمْلَ لَا يَتَبَيَّنُ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ ، فَأَعْجَبَهُ ذَلِكَ .\rثُمَّ قَالَ : أَلَا تَسْمَعُ قَوْلَ ابْنِ مَسْعُودٍ : إنَّ النُّطْفَةَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا ، ثُمَّ عَلَقَةً أَرْبَعِينَ يَوْمًا ،","part":18,"page":6},{"id":8506,"text":"ثُمَّ مُضْغَةً بَعْدَ ذَلِكَ .\rقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ : فَإِذَا خَرَجَتْ الثَّمَانُونَ ، صَارَ بَعْدَهَا مُضْغَةً ، وَهِيَ لَحْمٌ ، فَتَبَيَّنَ حِينَئِذٍ .\rوَقَالَ لِي : هَذَا مَعْرُوفٌ عِنْدَ النِّسَاءِ .\rفَأَمَّا شَهْرٌ ، فَلَا مَعْنَى فِيهِ ، وَلَا نَعْلَمُ بِهِ قَائِلًا .\rوَوَجْهُ اسْتِبْرَائِهَا بِشَهْرٍ ، أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ الشَّهْرَ مَكَانَ الْحَيْضَةِ ، وَلِذَلِكَ اخْتَلَفَتْ الشُّهُورُ بِاخْتِلَافِ الْحَيْضَاتِ ، فَكَانَتْ عِدَّةُ الْحُرَّةِ الْآيِسَةِ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ ، مَكَانَ ثَلَاثَةِ قُرُوءٍ ، وَعِدَّةُ الْأَمَةِ شَهْرَيْنِ ، مَكَانَ قُرْأَيْنِ ، وَلِلْأَمَةِ الْمُسْتَبْرَأَةِ الَّتِي ارْتَفَعَ حَيْضُهَا عَشْرَةُ أَشْهُرٍ ؛ تِسْعَةٌ لِلْحَمْلِ ، وَشَهْرٌ مَكَانَ الْحَيْضَةِ ، فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَكَانَ الْحَيْضَةِ هَاهُنَا شَهْرٌ ، كَمَا فِي حَقِّ مَنْ ارْتَفَعَ حَيْضُهَا .\rفَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ وُجِدَ ثَمَّ مَا دَلَّ عَلَى الْبَرَاءَةِ ، وَهُوَ تَرَبُّصُ تِسْعَةِ أَشْهُرٍ .\rقُلْنَا : وَهَاهُنَا مَا يَدُلُّ عَلَى الْبَرَاءَةِ ، وَهُوَ الْإِيَاسُ ، فَاسْتَوَيَا .","part":18,"page":7},{"id":8507,"text":"( 6367 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : ( وَإِنْ ارْتَفَعَ حَيْضُهَا لَا تَدْرِي مَا رَفَعَهُ ، اعْتَدَّتْ بِتِسْعَةِ أَشْهُرٍ ، وَشَهْرٍ مَكَانَ الْحَيْضَةِ ) فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَيْضًا رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، أَنَّهَا تُسْتَبْرَأُ بِعَشْرَةِ أَشْهُرٍ .\rوَالثَّانِيَةُ بِسَنَةٍ ؛ تِسْعَةُ أَشْهُرِ لِلْحَمْلِ ، لِأَنَّهَا غَالِبُ مُدَّتِهِ ، وَثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ مَكَانَ الثَّلَاثَةِ الَّتِي تُسْتَبْرَأُ بِهَا الْآيِسَاتُ .\rوَقَدْ ذَكَرْنَا الرِّوَايَتَيْنِ فِي الْآيِسَةِ ، وَذَكَرْنَا أَنَّ الْمُخْتَارَ عَنْ أَحْمَدَ اسْتِبْرَاؤُهَا بِثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ ، وَهَاهُنَا جَعَلَ مَكَانَ الْحَيْضَةِ شَهْرًا ؛ لِأَنَّ اعْتِبَارَ تَكْرَارِهَا فِي الْآيِسَةِ ، لِتُعْلَمَ بَرَاءَتُهَا مِنْ الْحَمْلِ ، وَقَدْ عُلِمَ بَرَاءَتُهَا مِنْهُ هَاهُنَا بِمُضِيِّ غَالِبِ مُدَّتِهِ ، فَجُعِلَ الشَّهْرُ مَكَانَ الْحَيْضَةِ عَلَى وَفْقِ الْقِيَاسِ .","part":18,"page":8},{"id":8508,"text":"( 6368 ) فَصْلٌ : وَإِنْ عَلِمَتْ مَا رَفَعَ الْحَيْضَ ، لَمْ تَزَلْ فِي الِاسْتِبْرَاءِ حَتَّى يَعُودَ الْحَيْضُ ، فَتَسْتَبْرِئَ نَفْسَهَا بِحَيْضَةٍ ، إلَّا أَنْ تَصِيرَ آيِسَةً ، فَتَسْتَبْرِئَ نَفْسَهَا اسْتِبْرَاءَ الْآيِسَاتِ .\rوَإِنْ ارْتَابَتْ بِنَفْسِهَا ، فَهِيَ كَالْحُرَّةِ الْمُسْتَرِيبَةِ .\rوَقَدْ ذَكَرْنَا حُكْمَهَا فِيمَا مَضَى مِنْ هَذَا الْبَابِ .\rوَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .","part":18,"page":9},{"id":8509,"text":"( 6369 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : ( وَإِنْ كَانَتْ حَامِلًا ، فَحَتَّى تَضَعَ ) وَهَذِهِ ، بِحَمْدِ اللَّهِ ، لَا خِلَافَ فِيهَا ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : { وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ } .\rوَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا تُوطَأُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ } .\rوَلِأَنَّ عِدَّةَ الْحُرَّةِ وَالْأَمَةِ وَالْمُتَوَفَّى عَنْهَا وَالْمُطَلَّقَةِ وَاسْتِبْرَاءَ كُلِّ أَمَةٍ إذَا كَانَتْ حَامِلًا بِوَضْعِ حَمْلِهَا ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْعِدَّةِ وَالِاسْتِبْرَاءِ مَعْرِفَةُ بَرَاءَةِ الرَّحِمِ مِنْ الْحَمْلِ ، وَهَذَا يَحْصُلُ بِوَضْعِهِ ، وَمَتَى كَانَتْ حَامِلًا بِاثْنَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ .\rفَلَا يَنْقَضِي اسْتِبْرَاؤُهَا حَتَّى تَضَعَ آخِرَ حَمْلِهَا ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي الْمُعْتَدَّةِ .","part":18,"page":10},{"id":8510,"text":"( 6370 ) فَصْلٌ : وَإِذَا زَوَّجَ أُمَّ وَلَدِهِ ، ثُمَّ مَاتَ ، عَتَقَتْ ، وَلَمْ يَلْزَمْهَا اسْتِبْرَاءٌ ؛ لِأَنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَى الْمَوْلَى ، وَلَيْسَتْ لَهُ فِرَاشًا ، وَإِنَّمَا هِيَ فِرَاشٌ لِلزَّوْجِ ، فَلَمْ يَلْزَمْهَا الِاسْتِبْرَاءُ مِمَّنْ لَيْسَتْ لَهُ فِرَاشًا ، وَلِأَنَّهُ لَمْ يُزَوِّجْهَا حَتَّى اسْتَبْرَأَهَا ، فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهُ تَزْوِيجُهَا قَبْلَ اسْتِبْرَائِهَا .\rفَإِنْ طَلَّقَهَا الزَّوْجُ قَبْلَ دُخُولِهِ بِهَا ، فَلَا عِدَّةَ عَلَيْهَا أَيْضًا ، وَإِنْ طَلَّقَهَا بَعْدَ الْمَسِيسِ ، أَوْ مَاتَ عَنْهَا قَبْلَ ذَلِكَ أَوْ بَعْدَهُ ، فَعَلَيْهَا عِدَّةُ حُرَّةٍ كَامِلَةٍ ؛ لِأَنَّهَا قَدْ صَارَتْ حُرَّةً فِي حَالِ وُجُوبِ الْعِدَّةِ عَلَيْهَا .\rوَإِنْ مَاتَ سَيِّدُهَا وَهِيَ فِي عِدَّةِ الزَّوْجِ ، عَتَقَتْ ، وَلَمْ يَلْزَمْهَا اسْتِبْرَاءٌ ، لِمَا ذَكَرْنَاهُ ، وَلِأَنَّهُ زَالَ فِرَاشُهُ عَنْهَا قَبْلَ مَوْتِهِ ، فَلَمْ يَلْزَمْهَا اسْتِبْرَاءٌ مِنْ أَجْلِهِ ، كَغَيْرِ أُمِّ الْوَلَدِ إذَا بَاعَهَا ثُمَّ مَاتَ .\rوَتَبْنِي عَلَى عِدَّةِ أَمَةٍ إنْ كَانَ طَلَاقُهَا بَائِنًا ، أَوْ كَانَتْ مُتَوَفَّى عَنْهَا ، وَإِنْ كَانَتْ رَجْعِيَّةً ، بَنَتْ عَلَى عِدَّةِ حُرَّةٍ ، عَلَى مَا مَضَى .\rوَإِنْ بَانَتْ مِنْ الزَّوْجِ قَبْلَ الدُّخُولِ بِطَلَاقٍ ، أَوْ بَانَتْ بِمَوْتِ زَوْجِهَا ، أَوْ طَلَاقِهِ بَعْدَ الدُّخُولِ ، فَقَضَتْ عِدَّتَهُ ، ثُمَّ مَاتَ سَيِّدُهَا ، فَعَلَيْهَا الِاسْتِبْرَاءُ ؛ لِأَنَّهَا عَادَتْ إلَى فِرَاشِهِ .\rوَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : لَا يَلْزَمُهَا اسْتِبْرَاءٌ ، إلَّا أَنْ يَرُدَّهَا السَّيِّدُ إلَى نَفْسِهِ ؛ لِأَنَّ فِرَاشَهُ قَدْ زَالَ بِتَزْوِيجِهَا ، وَلَمْ يَتَجَدَّدْ لَهَا مَا يَرُدُّهَا إلَيْهِ ، فَأَشْبَهَتْ الْأَمَةَ غَيْرَ الْمَوْطُوءَةِ .","part":18,"page":11},{"id":8511,"text":"( 6371 ) فَصْلٌ : فَإِنْ مَاتَ زَوْجُهَا وَسَيِّدُهَا ، وَلَمْ تَعْلَمْ أَيَّهُمَا مَاتَ أَوَّلًا ، فَعَلَى قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ ، لَيْسَ عَلَيْهَا اسْتِبْرَاءٌ ؛ لِأَنَّ فِرَاشَ سَيِّدِهَا قَدْ زَالَ عَنْهَا ، وَلَمْ تَعُدْ إلَيْهِ ، وَعَلَيْهَا أَنْ تَعْتَدَّ لِوَفَاةِ زَوْجِهَا عِدَّةَ الْحَرَائِرِ ؛ وَلِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّ سَيِّدَهَا مَاتَ أَوَّلًا ، ثُمَّ مَاتَ زَوْجُهَا وَهِيَ حُرَّةً فَلَزِمَهَا عِدَّةُ الْحُرَّةِ ، لِتَخْرُجَ مِنْ الْعِدَّةِ بِيَقِينٍ .\rوَعَلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ ، إنْ كَانَ بَيْنَ مَوْتِهِمَا شَهْرَانِ وَخَمْسَةُ أَيَّامٍ فَمَا دُونُ ، فَلَيْسَ عَلَيْهَا اسْتِبْرَاءٌ ؛ لِأَنَّ السَّيِّدَ إنْ كَانَ مَاتَ أَوَّلًا ، فَقَدْ مَاتَ وَهِيَ زَوْجَتُهُ ، وَإِنْ كَانَ مَاتَ آخِرًا ، فَقَدْ مَاتَ وَهِيَ مُعْتَدَّةٌ ، وَلَيْسَ عَلَيْهَا اسْتِبْرَاءٌ فِي هَاتَيْنِ الْحَالَتَيْنِ ، وَعَلَيْهَا أَنْ تَعْتَدَّ بَعْدَ مَوْتِ الْآخَرِ مِنْهُمَا عِدَّةَ الْحُرَّةِ ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ .\rوَإِنْ كَانَ بَيْنَ مَوْتِهِمَا أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ ، فَعَلَيْهَا بَعْد مَوْتِ الْآخَرِ مِنْهُمَا أَطْوَلُ الْأَجَلَيْنِ ، مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرٍ ، وَاسْتِبْرَاءٍ بِحَيْضَةٍ ؛ لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّ السَّيِّدَ مَاتَ أَوَّلًا ، فَيَكُونُ عَلَيْهَا عِدَّةُ الْحُرَّةِ مِنْ الْوَفَاةِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ مَاتَ آخِرًا ، بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا مِنْ الزَّوْجِ ، وَعَوْدِهَا إلَى فِرَاشِهِ ، فَلَزِمَهَا الِاسْتِبْرَاءُ بِحَيْضَةٍ ، فَوَجَبَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا لِيَسْقُطَ الْفَرْضُ بِيَقِينٍ .\rقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : وَعَلَى هَذَا جَمِيعُ الْقَائِلِينَ مِنْ الْعُلَمَاءِ بِأَنَّ عِدَّةَ الْأَمَةِ مِنْ سَيِّدِهَا بِحَيْضَةٍ ، وَمِنْ زَوْجِهَا شَهْرَانِ وَخَمْسُ لَيَالٍ ، فَإِنْ جُهِلَ مَا بَيْنَ مَوْتِهِمَا ، فَالْحُكْمُ فِيهِ كَمَا لَوْ عَلِمْنَا أَنَّ بَيْنَهُمَا شَهْرَيْنِ وَخَمْسَ لَيَالٍ ، احْتِيَاطًا لِإِسْقَاطِ الْفَرْضِ بِيَقِينٍ ، كَمَا أَخَذْنَا بِالِاحْتِيَاطِ فِي الْإِيجَابِ بَيْنَ عِدَّةِ حُرَّةٍ وَحَيْضَةٍ ، فِيمَا إذَا عَلِمْنَا أَنَّ بَيْنَهُمَا شَهْرَيْنِ وَخَمْسَ لَيَالٍ .\rوَقَوْلُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ فِي هَذَا الْفَصْلِ مِثْلُ","part":18,"page":12},{"id":8512,"text":"قَوْلِنَا ، وَكَذَلِكَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ ، إلَّا أَنَّهُمْ جَعَلُوا مَكَانَ الْحَيْضَةِ ثَلَاثَ حَيْضَاتٍ ، بِنَاءً عَلَى أَصْلِهِمْ فِي اسْتِبْرَاءِ أُمِّ الْوَلَدِ .\rوَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ حُكْمُهَا حُكْمُ الْإِمَاءِ ، وَعَلَيْهَا شَهْرَانِ وَخَمْسَةُ أَيَّامٍ ، وَلَا أَنْقُلُهَا إلَى حُكْمِ الْحَرَائِرِ إلَّا بِإِحَاطَةِ أَنَّ الزَّوْجَ مَاتَ بَعْدَ الْمَوْلَى .\rوَقِيلَ : إنَّ هَذَا قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَيْضًا .\rوَاَلَّذِي ذَكَرْنَاهُ أَحْوَطُ .\rفَأَمَّا الْمِيرَاثُ ، فَإِنَّهَا لَا تَرِثُ مِنْ زَوْجِهَا شَيْئًا ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ الرِّقُّ ، وَالْحُرِّيَّةُ مَشْكُوكٌ فِيهَا ، فَلَمْ تَرِثْ مَعَ الشَّكِّ ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْإِرْثِ وَالْعِدَّةِ ، أَنَّ إيجَابَ الْعِدَّةِ عَلَيْهَا اسْتِظْهَارٌ لَا ضَرَرَ فِيهِ عَلَى غَيْرِهَا ، وَإِيجَابَ الْإِرْثِ إسْقَاطٌ لِحَقِّ غَيْرِهَا ، وَلِأَنَّ الْأَصْلَ تَحْرِيمُ النِّكَاحِ عَلَيْهَا ، فَلَا يَزُولُ إلَّا بِيَقِينٍ ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ الْمِيرَاثِ لَهَا ، فَلَا تَرِثُ إلَّا بِيَقِينٍ .\rفَإِنْ قِيلَ : أَفَلَيْسَ زَوْجَةُ الْمَفْقُودِ لَوْ مَاتَتْ وُقِفَ مِيرَاثُهُ مِنْهَا مَعَ الشَّكِّ فِي إرْثِهِ ؟ قُلْنَا : الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْأَصْلَ هَاهُنَا الرِّقُّ ، وَالشَّكُّ فِي زَوَالِهِ وَحُدُوثِ الْحَالِ الَّتِي يَرِثُ فِيهَا ، وَالْمَفْقُودُ الْأَصْلُ حَيَاتُهُ ، وَالشَّكُّ فِي مَوْتِهِ وَخُرُوجِهِ عَنْ كَوْنِهِ وَارِثًا ، فَافْتَرَقَا .","part":18,"page":13},{"id":8513,"text":"( 6372 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : ( وَإِنْ أَعْتَقَ أُمَّ وَلَدِهِ ، أَوْ أَمَةً كَانَ يُصِيبُهَا ) ، ( لَمْ تَنْكِحْ حَتَّى تَحِيضَ حَيْضَةً كَامِلَةً ، وَكَذَلِكَ إنْ أَرَادَ أَنْ يُزَوِّجَهَا ، وَهِيَ فِي مِلْكِهِ ، اسْتَبْرَأَهَا بِحَيْضَةٍ ، ثُمَّ زَوَّجَهَا ) لَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ فِي أَنَّ الِاسْتِبْرَاءَ هَاهُنَا بِحَيْضَةٍ فِي ذَاتِ الْقُرُوءِ .\rوَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ .\rوَهُوَ قَوْلُ الزُّهْرِيِّ وَالثَّوْرِيِّ ، فِي مَنْ أَرَادَ تَزْوِيجَ أَمَةٍ كَانَ يُصِيبُهَا .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ : لَيْسَ عَلَيْهَا اسْتِبْرَاءٌ ؛ لِأَنَّ لَهُ بَيْعَهَا ، فَكَانَ لَهُ تَزْوِيجُهَا ، كَاَلَّتِي لَا يُصِيبُهَا .\rوَقَالَ عَطَاءٌ ، وَقَتَادَةُ : عِدَّتُهَا حَيْضَتَانِ ، كَعِدَّةِ الْأَمَةِ الْمُطَلَّقَةِ .\rوَلَنَا أَنَّهَا فِرَاشٌ لِسَيِّدِهَا ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ تَنْتَقِلَ إلَى فِرَاشِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ اسْتِبْرَاءٍ ، كَمَا لَوْ مَاتَ عَنْهَا ، وَلِأَنَّ هَذِهِ مَوْطُوءَةٌ وَطْئًا لَهُ حُرْمَةٌ ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ تَتَزَوَّجَ قَبْلَ الِاسْتِبْرَاءِ ، كَالْمَوْطُوءَةِ بِشُبْهَةٍ ، وَهَذَا لِأَنَّهُ إذَا وَطِئَهَا سَيِّدُهَا الْيَوْمَ ، ثُمَّ زَوَّجَهَا ، فَوَطِئَهَا الزَّوْجُ فِي آخِرِ الْيَوْمِ ، أَفْضَى إلَى اخْتِلَاطِ الْمِيَاهِ ، وَامْتِزَاجِ الْأَنْسَابِ ، وَهَذَا لَا يَحِلُّ ، وَيُخَالِفُ الْبَيْعَ ؛ فَإِنَّهَا لَا تَصِيرُ بِهِ فِرَاشًا ، وَلَا يَحِلُّ لِمُشْتَرِيهَا وَطْؤُهَا حَتَّى يَسْتَبْرِئَهَا ، فَلَا يُفْضِي إلَى اخْتِلَاطِ الْمِيَاهِ ، وَلِهَذَا يَصِحُّ فِي الْمُعْتَدَّةِ وَالْمُزَوَّجَةِ ، بِخِلَافِ التَّزْوِيجِ .","part":18,"page":14},{"id":8514,"text":"( 6373 ) فَصْلٌ : فَإِنْ لَمْ تَكُنْ مِنْ ذَوَاتِ الْقُرُوءِ ، فَاسْتِبْرَاؤُهَا بِمَا ذَكَرْنَا فِي أُمِّ الْوَلَدِ ، عَلَى مَا شَرَحْنَا .\rوَمَفْهُومُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ ، أَنَّهَا إذَا كَانَتْ أَمَةً لَا يَطَؤُهَا سَيِّدُهَا ، لَمْ يَلْزَمْهَا اسْتِبْرَاءٌ ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ فِرَاشًا لِسَيِّدِهَا ، فَلَمْ يَلْزَمْهَا الِاسْتِبْرَاءُ ، كَالْمُزَوَّجَةِ وَالْمُعْتَدَّةِ ، وَلِأَنَّ تَرْكَهَا بِالِاسْتِبْرَاءِ لَا يُفْضِي إلَى اخْتِلَاطِ الْمِيَاهِ ، وَامْتِزَاجِ الْأَنْسَابِ ، بِخِلَافِ الْمَوْطُوءَةِ .","part":18,"page":15},{"id":8515,"text":"( 6374 ) فَصْلٌ : وَإِنْ مَاتَ عَنْ أَمَةٍ كَانَ يُصِيبُهَا ، فَاسْتِبْرَاؤُهَا بِمَا ذَكَرْنَا فِي أُمِّ الْوَلَدِ ؛ لِأَنَّهَا فِرَاشٌ لِسَيِّدِهَا ، فَأَشْبَهَتْ أُمَّ الْوَلَدِ ، إلَّا أَنَّهَا إذَا كَانَتْ مِنْ ذَوَاتِ الْقُرُوءِ ، فَاسْتِبْرَاؤُهَا بِحَيْضَةٍ وَاحِدَةٍ ، رِوَايَةً وَاحِدَةً ؛ لِأَنَّهَا لَا تَصِيرُ حُرَّةً .","part":18,"page":16},{"id":8516,"text":"فَصْلٌ : وَإِنْ أَعْتَقَ أُمَّ وَلَدِهِ ، أَوْ أَمَتَهُ الَّتِي كَانَ يُصِيبُهَا ، أَوْ غَيْرَهَا مِمَّنْ تَحِلُّ لَهُ إصَابَتُهَا ، فَلَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا فِي الْحَالِ ، مِنْ غَيْرِ اسْتِبْرَاءٍ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَعْتَقَ صَفِيَّةَ ، وَتَزَوَّجَهَا ، وَجَعَلَ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا } .\rوَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { ثَلَاثَةٌ يُوَفَّوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ ؛ رَجُلٌ كَانَتْ لَهُ أَمَةٌ ، فَأَدَّبَهَا فَأَحْسَنَ تَأْدِيبَهَا ، وَعَلَّمَهَا فَأَحْسَنِ تَعْلِيمَهَا ، ثُمَّ أَعْتَقَهَا وَتَزَوَّجَهَا } .\rوَلَمْ يَذْكُرْ اسْتِبْرَاءً ، وَلِأَنَّ الِاسْتِبْرَاء لِصِيَانَةِ مَائِهِ وَحِفْظِهِ عَنْ الِاخْتِلَاطِ بِمَاءِ غَيْرِهِ ، وَلَا يُصَانُ مَاؤُهُ عَنْ مَائِهِ ، وَلِهَذَا كَانَ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ مُخْتَلِعَتَهُ فِي عِدَّتِهَا .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ ، فِي الْأَمَةِ الَّتِي لَا يَطَؤُهَا إذَا أَعْتَقَهَا : لَا يَتَزَوَّجُهَا بِغَيْرِ اسْتِبْرَاءٍ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ بَاعَهَا لَمْ تَحِلّ لِلْمُشْتَرِي بِغَيْرِ اسْتِبْرَاءٍ .\rوَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَحِلُّ لَهُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ يَحِلُّ لَهُ وَطْؤُهَا بِمِلْكِ الْيَمِينِ ، فَكَذَلِكَ بِالنِّكَاحِ ، كَاَلَّتِي كَانَ يُصِيبُهَا ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْتَقَ صَفِيَّةَ وَتَزَوَّجَهَا ، وَلَمْ يَنْقَلْ أَنَّهُ كَانَ أَصَابَهَا ، وَالْحَدِيثُ الْآخَرُ يَدُلُّ عَلَى حِلِّهَا لَهُ بِظَاهِرِهِ ، لِدُخُولِهَا فِي الْعُمُومِ ، وَلِأَنَّهَا تَحِلُّ لِمَنْ تَزَوَّجَهَا سِوَاهُ ، فَلَهُ أَوْلَى ، وَلِأَنَّهُ لَوْ اسْتَبْرَأَهَا ، ثُمَّ أَعْتَقَهَا وَتَزَوَّجَهَا فِي الْحَالِ ، كَانَ جَائِزًا حَسَنًا ، فَكَذَلِكَ هَذِهِ ، فَإِنَّهُ تَارِكٌ لِوَطْئِهَا ، وَلِأَنَّ وُجُوبَ الِاسْتِبْرَاءِ فِي حَقِّ غَيْرِهِ ، إنَّمَا كَانَ لِصِيَانَةِ مَائِهِ عَنْ الِاخْتِلَاطِ بِغَيْرِهِ ، وَلَا يُوجَدُ ذَلِكَ هَاهُنَا .\rوَكَلَامُ أَحْمَدَ ، مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ اشْتَرَاهَا ، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا قَبْلَ أَنْ يَسْتَبْرِئَهَا .","part":18,"page":17},{"id":8517,"text":"( 6376 ) فَصْلٌ : وَإِنْ اشْتَرَى أَمَةً ، فَأَعْتَقَهَا قَبْلَ اسْتِبْرَائِهَا ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا حَتَّى يَسْتَبْرِئَهَا .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ : لَهُ ذَلِكَ .\rوَيُحْكَى أَنَّ الرَّشِيدَ اشْتَرَى جَارِيَةً ، فَتَاقَتْ نَفْسُهُ إلَى جِمَاعهَا قَبْلَ اسْتِبْرَائِهَا ، فَأَمَرَهُ أَبُو يُوسُفَ أَنْ يَعْتِقَهَا وَيَتَزَوَّجَهَا وَيَطَأَهَا .\rقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ : وَبَلَغَنِي أَنَّ الْمَهْدِيَّ اشْتَرَى جَارِيَةً ، فَأَعْجَبَتْهُ ، فَقِيلَ لَهُ : اعْتِقْهَا وَتَزَوَّجْهَا .\rقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ : سُبْحَانَ اللَّهِ ، مَا أَعْظَمِ هَذَا ، أَبْطَلُوا الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ ، جَعَلَ اللَّهُ عَلَى الْحَرَائِرِ الْعِدَّةَ مِنْ أَجْلِ الْحَمْلِ ، فَلَيْسَ مِنْ امْرَأَةٍ تَطْلُقُ أَوْ يَمُوتُ زَوْجُهَا إلَّا تَعْتَدُّ مِنْ أَجْلِ الْحَمْلِ ، وَسَنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتِبْرَاءَ الْأَمَةِ بِحَيْضَةٍ مِنْ أَجْلِ الْحَمْلِ ، فَفَرْجٌ يُوطَأُ يَشْتَرِيهِ ، ثُمَّ يَعْتِقُهَا عَلَى الْمَكَانِ ، فَيَتَزَوَّجهَا ، فَيَطَؤُهَا ، يَطَؤُهَا رَجُلٌ الْيَوْمَ وَيَطَؤُهَا الْآخَرُ غَدًا ، فَإِنْ كَانَتْ حَامِلًا كَيْفَ يَصْنَعُ ؟ هَذَا نَقْضُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا تُوطَأُ الْحَامِلُ حَتَّى تَضَعَ ، وَلَا غَيْرُ الْحَامِلِ حَتَّى تَحِيضَ } .\rوَهَذَا لَا يَدْرِي أَهِيَ حَامِلٌ أَمْ لَا .\rمَا أَسْمَجَ هَذَا ، قِيلَ لَهُ : إنَّ قَوْمًا يَقُولُونَ هَذَا : فَقَالَ : قَبَّحَ اللَّهُ هَذَا ، وَقَبَّحَ مَنْ يَقُولُهُ .\rوَفِيمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مِنْ الْأَحَادِيثِ كِفَايَةٌ مَعَ مَا ذَكَرْنَا فِيمَا قَبْلَ هَذَا الْفَصْلِ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَلَيْسَ لَهُ تَزْوِيجُهَا لِغَيْرِهِ قَبْلَ اسْتِبْرَائِهَا ، إذَا لَمْ يَعْتِقْهَا ؛ لِأَنَّهَا مِمَّنْ يَجِبُ اسْتِبْرَاؤُهَا ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَتَزَوَّجَ ، كَالْمُعْتَدَّةِ ، وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الْمُشْتَرَاةُ مِنْ رَجُلٍ يَطَؤُهَا ، أَوْ مِنْ رَجُلٍ قَدْ اسْتَبْرَأَهَا وَلَمْ يَطَأْهَا ، أَوْ مِمَّنْ لَا يُمْكِنُهُ الْوَطْءُ ، كَالصَّبِيِّ وَالْمَرْأَةِ وَالْمَجْبُوبِ","part":18,"page":18},{"id":8518,"text":".\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : إذَا اشْتَرَاهَا مِمَّنْ لَا يَطَؤُهَا ، فَلَهُ تَزْوِيجُهَا ، سَوَاءٌ أَعْتَقَهَا أَوْ لَمْ يُعْتِقْهَا ، وَلَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا إذَا أَعْتَقَهَا ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ فِرَاشًا ، وَقَدْ كَانَ لِسَيِّدِهَا تَزْوِيجُهَا قَبْلَ بَيْعِهَا ، فَجَازَ ذَلِكَ بَعْدَ بَيْعِهَا ، وَلِأَنَّهَا لَوْ عَتَقَتْ عَلَى الْبَائِعِ بِإِعْتَاقِهِ أَوْ غَيْرِهِ ، لَجَازَ لِكُلِّ أَحَدٍ نِكَاحُهَا ، فَكَذَلِكَ إذَا أَعْتَقَهَا الْمُشْتَرِي .\rوَلَنَا عُمُومُ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { لَا تُوطَأُ حَائِلٌ حَتَّى تُسْتَبْرَأَ بِحَيْضَةٍ } .\rوَلِأَنَّهَا أَمَةٌ يَحْرُمُ عَلَيْهِ وَطْؤُهَا قَبْلَ اسْتِبْرَائِهَا ، فَحَرُمَ عَلَيْهِ تَزْوِيجُهَا وَالتَّزَوُّجُ بِهَا ، كَمَا لَوْ كَانَ بَائِعُهَا يَطَؤُهَا .\rفَأَمَّا إنْ أَعْتَقَهَا فِي هَذِهِ الصُّورَةِ ، فَلَهُ تَزْوِيجُهَا لِغَيْرِهِ ؛ لِأَنَّهَا حُرَّةٌ لَمْ تَكُنْ فِرَاشًا ، فَأُبِيحَ لَهَا النِّكَاحُ ، كَمَا لَوْ أَعْتَقَهَا الْبَائِعُ ، وَفَارَقَ الْمَوْطُوءَةَ ؛ فَإِنَّهَا فِرَاشٌ يَجِبُ عَلَيْهَا اسْتِبْرَاءُ نَفْسِهَا إذَا عَتَقَتْ ، فَحَرُمَ عَلَيْهَا النِّكَاحُ ، كَالْمُعْتَدَّةِ ، وَفَارَقَ مَا إذَا أَرَادَ سَيِّدُهَا نِكَاحَهَا ، فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَطْؤُهَا بِمِلْكِ الْيَمِينِ ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا ، كَالْمُعْتَدَّةِ ، وَلِأَنَّ هَذَا يُتَّخَذُ حِيلَةً عَلَى إبْطَالِ الِاسْتِبْرَاءِ ، فَمُنِعَ مِنْهُ ، بِخِلَافِ تَزْوِيجِهَا لِغَيْرِهِ .","part":18,"page":19},{"id":8519,"text":"( 6377 ) فَصْلٌ : وَإِذَا كَانَتْ لَهُ أَمَةٌ يَطَؤُهَا ، فَاسْتَبْرَأَهَا ، ثُمَّ أَعْتَقَهَا ، لَمْ يَلْزَمْهَا اسْتِبْرَاءٌ ؛ لِأَنَّهَا خَرَجَتْ عَنْ كَوْنِهَا فِرَاشًا بِاسْتِبْرَائِهِ لَهَا .\rوَإِنْ بَاعَهَا ، فَأَعْتَقَهَا الْمُشْتَرِي قَبْلَ وَطْئِهَا ، لَمْ تَحْتَجْ إلَى اسْتِبْرَاء لِذَلِكَ .\rوَإِنْ بَاعَهَا قَبْلَ اسْتِبْرَائِهَا ، فَأَعْتَقَهَا الْمُشْتَرِي قَبْلَ وَطْئِهَا وَاسْتِبْرَائِهَا ، فَعَلَيْهَا اسْتِبْرَاءُ نَفْسِهَا .\rوَإِنْ مَضَى بَعْضُ الِاسْتِبْرَاءِ فِي مِلْكِ الْمُشْتَرِي ، لَزِمَهَا إتْمَامُهُ بَعْدَ عِتْقِهَا ، وَلَا يَنْقَطِعُ بِانْتِقَالِ الْمِلْكِ فِيهَا ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَصِرْ فِرَاشًا لِلْمُشْتَرِي ، وَلَمْ يَلْزَمْهَا اسْتِبْرَاءٌ بِإِعْتَاقِهِ .","part":18,"page":20},{"id":8520,"text":"( 6378 ) فَصْلٌ : وَإِذَا كَانَتْ الْأَمَةُ بَيْنَ شَرِيكَيْنِ ، فَوَطِئَاهَا ، لَزِمَهَا اسْتِبْرَاءَانِ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ : يَلْزَمُهَا اسْتِبْرَاءٌ وَاحِدٌ ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ مَعْرِفَةُ بَرَاءَةِ الرَّحِمِ ، وَلِذَلِكَ لَا يَجِبُ الِاسْتِبْرَاءُ بِأَكْثَرَ مِنْ حَيْضَةٍ وَاحِدَةٍ ، وَبَرَاءَةُ الرَّحِمِ تُعْلَمُ بِاسْتِبْرَاءٍ وَاحِدٍ .\rوَلَنَا أَنَّهُمَا حَقَّانِ مَقْصُودَانِ لِآدَمِيَّيْنِ ، فَلَمْ يَتَدَاخَلَا ، كَالْعِدَّتَيْنِ ، وَلِأَنَّهُمَا اسْتِبْرَاءَانِ مِنْ رَجُلَيْنِ ، فَأَشْبَهَا الْعِدَّتَيْنِ ، وَمَا ذَكَرُوهُ يَبْطُلُ بِالْعِدَّتَيْنِ مِنْ رَجُلَيْنِ .","part":18,"page":21},{"id":8521,"text":"( 6379 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : ( وَمَنْ مَلَكَ أَمَةً ، لَمْ يُصِبْهَا وَلَمْ يُقَبِّلْهَا حَتَّى يَسْتَبْرِئَهَا بَعْدَ تَمَامِ مِلْكِهِ لَهَا بِحَيْضَةٍ ، إنْ كَانَتْ مِمَّنْ تَحِيضُ ، أَوْ بِوَضْعِ الْحَمْلِ ، إنْ كَانَتْ حَامِلًا ، أَوْ بِمُضِيِّ ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ ، إنْ كَانَتْ مِنْ الْآيِسَاتِ أَوْ مِنْ اللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ ) وَجُمْلَتُهُ ، أَنَّ مَنْ مَلَكَ أَمَةً بِسَبَبٍ مِنْ أَسْبَابِ الْمِلْكِ ؛ كَالْبَيْعِ ، وَالْهِبَةِ ، وَالْإِرْثِ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ .\rلَمْ يَحِلَّ لَهُ وَطْؤُهَا حَتَّى يَسْتَبْرِئَهَا ، بِكْرًا كَانَتْ أَوْ ثَيِّبًا ، صَغِيرَةً كَانَتْ أَوْ كَبِيرَةً ، مِمَّنْ تَحْمِلُ أَوْ مِمَّنْ لَا تَحْمِلُ .\rوَبِهَذَا قَالَ الْحَسَنُ ، وَابْنُ سِيرِينَ ، وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ ؛ مِنْهُمْ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ : لَا يَجِبُ اسْتِبْرَاءُ الْبِكْرِ .\rوَهُوَ قَوْلُ دَاوُد ؛ لِأَنَّ الْغَرَضَ بِالِاسْتِبْرَاءِ مَعْرِفَةُ بَرَاءَتِهَا مِنْ الْحَمْلِ ، وَهَذَا مَعْلُومٌ فِي الْبِكْرِ ، فَلَا حَاجَةَ إلَى الِاسْتِبْرَاءِ .\rوَقَالَ اللَّيْثُ : إنْ كَانَتْ مِمَّنْ لَا يَحْمِلُ مِثْلُهَا ، لَمْ يَجِبْ اسْتِبْرَاؤُهَا لِذَلِكَ .\rوَقَالَ عُثْمَانُ الْبَتِّيُّ : يَجِبُ الِاسْتِبْرَاءُ عَلَى الْبَائِعِ دُونَ الْمُشْتَرِي ، لِأَنَّهُ لَوْ زَوَّجَهَا ، لَكَانَ الِاسْتِبْرَاءُ عَلَى الْمُزَوِّجِ دُونَ الزَّوْجِ ، كَذَلِكَ هَاهُنَا وَلَنَا مَا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { نَهَى عَامَ أَوْطَاسٍ أَنْ تُوطَأَ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ ، وَلَا غَيْرُ حَامِلٍ حَتَّى تَحِيضَ .\r} رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي الْمُسْنَدِ .\rوَعَنْ رُوَيْفِعِ بْنِ ثَابِتٍ ، قَالَ : إنَّنِي لَا أَقُولُ إلَّا مَا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ : { لَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ، أَنْ يَقَعَ عَلَى امْرَأَةٍ مِنْ السَّبْيِ ، حَتَّى يَسْتَبْرِئَهَا بِحَيْضَةٍ } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَفِي لَفْظٍ ، قَالَ : سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ خَيْبَرَ يَقُولُ : { مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ","part":18,"page":22},{"id":8522,"text":"وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ، فَلَا يَسْقِي مَاءَهُ زَرْعَ غَيْرِهِ ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يَطَأُ جَارِيَةً مِنْ السَّبْيِ حَتَّى يَسْتَبْرِئَهَا بِحَيْضَةٍ } رَوَاهُ الْأَثْرَمُ .\rوَلِأَنَّهُ مَلَكَ جَارِيَةً مُحَرَّمَةً عَلَيْهِ ، فَلَمْ تَحِلَّ لَهُ قَبْلَ اسْتِبْرَائِهَا ، كَالثَّيِّبِ الَّتِي تَحْمِلُ ، وَلِأَنَّهُ سَبَبٌ مُوجِبٌ لِلِاسْتِبْرَاءِ ، فَلَمْ يَفْتَرِقْ الْحَالُ فِيهِ بَيْنَ الْبِكْرِ وَالثَّيِّبِ ، وَاَلَّتِي تَحْمِلُ وَاَلَّتِي لَا تَحْمِلُ ، كَالْعِدَّةِ .\rقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ : قَدْ بَلَغَنِي أَنَّ الْعَذْرَاءَ تَحْمِلُ .\rفَقَالَ لَهُ بَعْضُ أَهْلِ الْمَجْلِسِ : نَعَمْ ، قَدْ كَانَ فِي جِيرَانِنَا .\rوَذَكَرَ ذَلِكَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ .\rوَمَا ذَكَرُوهُ يَبْطُلُ بِمَا إذَا اشْتَرَاهَا مِنْ امْرَأَةٍ أَوْ صَبِيِّ ، أَوْ مِمَّنْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ بِرَضَاعِ أَوْ غَيْرِهِ ، وَمَا ذَكَرَهُ الْبَتِّيُّ لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ قَدْ يَكُونُ بِالسَّبْيِ وَالْإِرْثِ وَالْوَصِيَّةِ ، فَلَوْ لَمْ يَسْتَبْرِئْهَا الْمُشْتَرِي ، أَفْضَى إلَى اخْتِلَاطِ الْمِيَاهِ ، وَاشْتِبَاهِ الْأَنْسَابِ ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْبَيْعِ وَالتَّزْوِيجِ ، أَنَّ النِّكَاحَ لَا يُرَادُ إلَّا لِلِاسْتِمْتَاعِ ، فَلَا يَجُوزُ إلَّا فِي مِنْ تَحِلُّ لَهُ ، فَوَجَبَ أَنْ يَتَقَدَّمَهُ الِاسْتِبْرَاءُ ، وَلِهَذَا لَا يَصِحُّ تَزْوِيجُ مُعْتَدَّةٍ ، وَلَا مُرْتَدَّةٍ ، وَلَا مَجُوسِيَّةٍ ، وَلَا وَثَنِيَّةٍ ، وَلَا مُحَرَّمَةٍ بِالرَّضَاعِ وَلَا الْمُصَاهَرَةِ ، وَالْبَيْعُ يُرَادُ لِغَيْرِ ذَلِكَ ، فَصَحَّ قَبْلَ الِاسْتِبْرَاءِ ، وَلِهَذَا صَحَّ فِي هَذِهِ الْمُحَرَّمَاتِ ، وَوَجَبَ الِاسْتِبْرَاءُ عَلَى الْمُشْتَرِي ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ .\rفَأَمَّا الصَّغِيرَةُ الَّتِي لَا يُوطَأُ مِثْلُهَا ، فَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ تَحْرِيمُ قُبْلَتِهَا وَمُبَاشَرَتِهَا لِشَهْوَةٍ قَبْلَ اسْتِبْرَائِهَا .\rوَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ ، وَفِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ عَنْهُ ، قَالَ : تُسْتَبْرَأُ ، وَإِنْ كَانَتْ فِي الْمَهْدِ .\rوَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : إنْ كَانَتْ صَغِيرَةً بِأَيِّ شَيْءٍ تُسْتَبْرَأُ إذَا كَانَتْ رَضِيعَةً .","part":18,"page":23},{"id":8523,"text":"وَقَالَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى : تُسْتَبْرَأُ بِحَيْضَةٍ إذَا كَانَتْ مِمَّنْ تَحِيضُ ، وَإِلَّا بِثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ إنْ كَانَتْ مِمَّنْ تُوطَأُ وَتَحْبَلُ .\rفَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ لَا يَجِبُ اسْتِبْرَاؤُهَا ، وَلَا تَحْرُمُ مُبَاشَرَتُهَا .\rوَهَذَا اخْتِيَارُ ابْنِ أَبِي مُوسَى ، وَقَوْلُ مَالِكٍ ، وَهُوَ الصَّحِيحُ ؛ لِأَنَّ سَبَبَ الْإِبَاحَةِ مُتَحَقِّقٌ .\rوَلَيْسَ عَلَى تَحْرِيمِهَا دَلِيلٌ ، فَإِنَّهُ لَا نَصَّ فِيهِ ، وَلَا مَعْنَى نَصٍّ ؛ لِأَنَّ تَحْرِيمَ مُبَاشَرَةِ الْكَبِيرَةِ إنَّمَا كَانَ لِكَوْنِهِ دَاعِيًا إلَى الْوَطْءِ الْمُحَرَّمِ ، أَوْ خَشْيَةَ أَنْ تَكُونَ أُمَّ وَلَدٍ لِغَيْرِهِ ، وَلَا يُتَوَهَّمُ هَذَا فِي هَذِهِ ، فَوَجَبَ الْعَمَلُ بِمُقْتَضَى الْإِبَاحَةِ .\rفَأَمَّا مَنْ يُمْكِنُ وَطْؤُهَا ، فَلَا تَحِلُّ قُبْلَتُهَا ، وَلَا الِاسْتِمْتَاعُ مِنْهَا بِمَا دُونَ الْفَرْجِ قَبْلَ الِاسْتِبْرَاءِ ، إلَّا الْمَسْبِيَّةَ ، عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ .\rوَقَالَ الْحَسَنُ : لَا يَحْرُمُ مِنْ الْمُشْتَرَاةِ إلَّا فَرْجُهَا ، وَلَهُ أَنْ يَسْتَمْتِعَ مِنْهَا بِمَا شَاءَ ، مَا لَمْ يَمَسَّ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّمَا نَهَى عَنْ الْوَطْءِ ، وَلِأَنَّهُ تَحْرِيمٌ لِلْوَطْءِ مَعَ ثُبُوتِ الْمِلْكِ ، فَاخْتُصَّ بِالْفَرْجِ ، كَالْحَيْضِ .\rوَلَنَا أَنَّهُ اسْتِبْرَاءٌ يُحَرِّمُ الْوَطْءَ ، فَحَرَّمَ الِاسْتِمْتَاعَ ، كَالْعِدَّةِ ، وَلِأَنَّهُ لَا يَأْمَنُ مِنْ كَوْنِهَا حَامِلًا مِنْ بَائِعِهَا ، فَتَكُونُ أُمَّ وَلَدٍ ، وَالْبَيْعُ بَاطِلٌ ، فَيَكُونُ مُسْتَمْتِعًا بِأُمِّ وَلَدِ غَيْرِهِ ، وَبِهَذَا فَارَقَ تَحْرِيمَ الْوَطْءِ لِلْحَيْضِ .\rفَأَمَّا الْمَسْبِيَّةُ ، فَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ تَحْرِيمُ مُبَاشَرَتِهَا فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ لِشَهْوَةٍ .\rوَهُوَ الظَّاهِرُ عَنْ أَحْمَدَ ؛ لِأَنَّ كُلَّ اسْتِبْرَاءٍ حَرَّمَ الْوَطْءَ حَرَّمَ دَوَاعِيَهُ ، كَالْعِدَّةِ ، وَلِأَنَّهُ دَاعِيَةٌ إلَى الْوَطْءِ الْمُحَرَّمِ ، لِأَجْلِ اخْتِلَاطِ الْمِيَاهِ ، وَاشْتِبَاهِ الْأَنْسَابِ ، فَأَشْبَهَتْ الْمَبِيعَةَ .\rوَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، أَنَّهُ قَالَ : وَقَعَ","part":18,"page":24},{"id":8524,"text":"فِي سَهْمِي يَوْمَ جَلُولَاءَ جَارِيَةٌ ، كَأَنَّ عُنُقَهَا إبْرِيقُ فِضَّةٍ ، فَمَا مَلَكْت نَفْسِي أَنْ قُمْت إلَيْهَا فَقَبَّلْتُهَا ، وَالنَّاسُ يَنْظُرُونَ .\rوَلِأَنَّهُ لَا نَصَّ فِي الْمَسْبِيَّةِ ، وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُهَا عَلَى الْمَبِيعَةِ ؛ لِأَنَّهَا تَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ أُمَّ وَلَدٍ لِلْبَائِعِ ، فَيَكُونَ مُسْتَمْتِعًا بِأُمِّ وَلَدِ غَيْرِهِ ، وَمُبَاشِرًا لِمَمْلُوكَةِ غَيْرِهِ ، وَالْمَسْبِيَّةُ مَمْلُوكَةٌ لَهُ عَلَى كُلِّ حَالٍ ، وَإِنَّمَا حُرِّمَ وَطْؤُهَا لِئَلَّا يَسْقِيَ مَاءَهُ زَرْعَ غَيْرِهِ .\rوَقَوْلُ الْخِرَقِيِّ بَعْدَ تَمَامِ مِلْكِهِ لَهَا .\rيَعْنِي أَنَّ الِاسْتِبْرَاءَ لَا يَكُونُ إلَّا بَعْدَ مِلْكِ الْمُشْتَرِي لِجَمِيعِهَا ، وَلَوْ مَلَكَ بَعْضَهَا ، ثُمَّ مَلَكَ بَاقِيَهَا ، لَمْ يُحْتَسَب الِاسْتِبْرَاءُ إلَّا مِنْ حِينِ مَلَكَ بَاقِيهَا .\rوَإِنْ مَلَكَهَا بِبَيْعِ فِيهِ الْخِيَارُ ، انْبَنَى عَلَى نَقْلِ الْمِلْكِ فِي مُدَّتِهِ ، فَإِنْ قُلْنَا : يَنْتَقِلُ .\rفَابْتِدَاءُ الِاسْتِبْرَاءِ مِنْ حِينِ الْبَيْعِ .\rوَإِنْ قُلْنَا : لَا يَنْتَقِلُ .\rفَابْتِدَاؤُهُ مِنْ حِينِ انْقَطَعَ الْخِيَارُ .\rوَإِنْ كَانَ الْمَبِيعُ مَعِيبًا ، فَابْتِدَاء الْخِيَارَ مِنْ حِينِ الْبَيْعِ ؛ لِأَنَّ الْعَيْبَ لَا يَمْنَعُ نَقْلَ الْمِلْكِ بِغَيْرِ خِلَافٍ .\rوَهَلْ يُبْتَدَأُ الِاسْتِبْرَاءُ مِنْ حِينِ الْبَيْعِ قَبْلَ الْقَبْضِ ، أَوْ مِنْ حِينِ الْقَبْضِ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا ، مِنْ حِينِ الْبَيْعِ ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ يَنْتَقِلُ بِهِ .\rوَالثَّانِي ، مِنْ حِينِ الْقَبْضِ ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ مَعْرِفَةُ بَرَاءَتِهَا مِنْ مَاءِ الْبَائِعِ ، وَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ مَعَ كَوْنِهَا فِي يَدِهِ .\rوَإِنْ اشْتَرَى عَبْدُهُ التَّاجِرُ أَمَةً ، فَاسْتَبْرَأَهَا ، ثُمَّ صَارَتْ إلَى السَّيِّدِ ، حَلَّتْ لَهُ بِغَيْرِ اسْتِبْرَاءٍ ؛ لِأَنَّ مِلْكَهُ ثَابِتٌ عَلَى مَا فِي يَدِ عَبْدِهِ ، فَقَدْ حَصَلَ اسْتِبْرَاؤُهَا فِي مِلْكِهِ .\rوَإِنْ اشْتَرَى مُكَاتِبُهُ أَمَةً ، فَاسْتَبْرَأَهَا ، ثُمَّ صَارَتْ إلَى سَيِّدِهِ ، فَعَلَيْهِ اسْتِبْرَاؤُهَا ؛ لِأَنَّ مِلْكَهُ تَجَدَّدَ عَلَيْهَا ، إذْ لَيْسَ لِلسَّيِّدِ مِلْكٌ عَلَى مَا فِي يَدِ مُكَاتِبِهِ ،","part":18,"page":25},{"id":8525,"text":"إلَّا أَنْ تَكُونَ الْجَارِيَةُ مِنْ ذَوَات مَحَارِمِ الْمُكَاتِبِ ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا : تُبَاحُ لِلسَّيِّدِ بِغَيْرِ اسْتِبْرَاءٍ ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ حُكْمُهَا حُكْمَ الْمُكَاتِبِ ، إنْ رَقَّ رَقَّتْ ، وَإِنْ عَتَقَ عَتَقَتْ ، وَالْمُكَاتِبُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ ، وَالِاسْتِبْرَاءُ الْوَاجِبُ هَاهُنَا فِي حَقِّ الْحَامِلِ بِوَضْعِهِ بِلَا خِلَافٍ ، وَفِي ذَاتِ الْقُرُوءِ بِحَيْضَةٍ ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rوَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ، وَعَطَاءٌ : بِحَيْضَتَيْنِ .\rوَهُوَ مُخَالِفٌ لِلْحَدِيثِ الَّذِي رَوَيْنَاهُ ، وَلِلْمَعْنَى ؛ فَإِنَّ الْمَقْصُودَ مَعْرِفَةُ بَرَاءَتِهَا مِنْ الْحَمْلِ ، وَهُوَ حَاصِلٌ بِحَيْضَةٍ ، وَفِي الْآيِسَةِ وَاَلَّتِي لَمْ تَحِضْ وَاَلَّتِي ارْتَفَعَ حَيْضُهَا بِمَا ذَكَرْنَاهُ فِي أُمِّ الْوَلَدِ ، عَلَى مَا مَضَى مِنْ الْخِلَافِ فِيهِ .","part":18,"page":26},{"id":8526,"text":"( 6380 ) فَصْلٌ : وَمَنْ مَلَكَ مَجُوسِيَّةً ، أَوْ وَثَنِيَّةً ، فَأَسْلَمَتْ قَبْلَ اسْتِبْرَائِهَا ، لَمْ تَحِلَّ لَهُ حَتَّى يَسْتَبْرِئَهَا ، أَوْ تُتِمَّ مَا بَقِيَ مِنْ اسْتِبْرَائِهَا ؛ لِمَا مَضَى .\rوَإِنْ اسْتَبْرَأَهَا ثُمَّ أَسْلَمَتْ ، حَلَّتْ لَهُ بِغَيْرِ اسْتِبْرَائِهَا .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا تَحِلُّ لَهُ حَتَّى تُجَدِّدَ اسْتِبْرَاءَهَا بَعْدَ إسْلَامِهَا ؛ لِأَنَّ مِلْكَهُ تَجَدَّدَ عَلَى اسْتِمْتَاعِهَا ، فَأَشْبَهَتْ مَنْ تَجَدَّدَ مِلْكُهُ عَلَى رَقَبَتِهَا .\rوَلَنَا قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { لَا تُوطَأُ حَائِلٌ حَتَّى تُسْتَبْرَأَ بِحَيْضَةٍ } .\rوَهَذَا وَرَدَ فِي سَبَايَا أَوْطَاسٍ ، وَكُنَّ مُشْرِكَاتٍ ، وَلَمْ يَأْمُرْ فِي حَقِّهِنَّ بِأَكْثَرَ مِنْ حَيْضَةٍ ، وَلِأَنَّهُ لَمْ يَتَجَدَّدْ مِلْكُهُ عَلَيْهَا ، وَلَا أَصَابَهَا وَطْءٌ مِنْ غَيْرِهِ ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ اسْتِبْرَاؤُهَا ، كَمَا لَوْ حَلَّتْ الْمُحَرَّمَةُ ، وَلِأَنَّ الِاسْتِبْرَاءَ إنَّمَا وَجَبَ كَيْ لَا يُفْضِيَ إلَى اخْتِلَاطِ الْمِيَاهِ ، وَامْتِزَاجِ الْأَنْسَابِ ، وَمَظِنَّةُ ذَلِكَ تَجَدُّدُ الْمِلْكِ عَلَى رَقَبَتِهَا ، وَلَمْ يُوجَدْ .\rوَلَوْ بَاعَ أَمَتَهُ ، ثُمَّ رُدَّتْ عَلَيْهِ بِفَسْخٍ أَوْ إقَالَةٍ بَعْدَ قَبْضِهَا أَوْ افْتِرَاقِهِمَا ، لَزِمَهُ اسْتِبْرَاؤُهَا ؛ لِأَنَّهُ تَجْدِيدُ مِلْكٍ ، سَوَاءٌ كَانَ الْمُشْتَرِي لَهَا امْرَأَةً أَوْ غَيْرَهَا .\rوَإِنْ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ افْتِرَاقِهِمَا ، أَوْ قَبْلَ غَيْبَةِ الْمُشْتَرِي بِالْجَارِيَةِ ، فَفِيهَا رِوَايَتَانِ : إحْدَاهُمَا ، عَلَيْهِ الِاسْتِبْرَاءُ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ تَجْدِيدُ مِلْكٍ .\rوَالثَّانِيَةُ ، لَيْسَ عَلَيْهِ اسْتِبْرَاءٌ ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ إذَا تَقَابَلَا قَبْلَ الْقَبْضِ ؛ لِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِي الِاسْتِبْرَاءِ مَعَ تَعَيُّنِ الْبَرَاءَةِ .","part":18,"page":27},{"id":8527,"text":"( 6381 ) فَصْلٌ : وَإِذَا زَوَّجَ الرَّجُلُ أَمَتَهُ ، فَطَلَّقَهَا الزَّوْجُ ، لَمْ يَلْزَمْ السَّيِّدَ اسْتِبْرَاؤُهَا ، وَلَكِنْ إنْ طَلُقَتْ بَعْدَ الدُّخُولِ ، أَوْ مَاتَ عَنْهَا ، فَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ .\rوَلَوْ ارْتَدَّتْ أَمَتَهُ ، أَوْ كَاتَبَهَا ، ثُمَّ أَسْلَمَتْ الْمُرْتَدَّةُ ، وَعَجَزَتْ الْمُكَاتَبَةُ ، حَلَّتْ لِسَيِّدِهَا بِغَيْرِ اسْتِبْرَاءٍ ، وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يَجِبُ عَلَيْهِ الِاسْتِبْرَاءُ فِي هَذَا كُلِّهِ ؛ لِأَنَّهُ زَالَ مِلْكُهُ عَنْ اسْتِمْتَاعِهَا ، ثُمَّ عَادَ ، فَأَشْبَهَتْ الْمُشْتَرَاةَ .\rوَلَنَا أَنَّهُ لَمْ يَتَجَدَّدْ مِلْكُهُ عَلَيْهَا ، فَأَشْبَهَتْ الْمُحَرَّمَةَ إذَا حَلَّتْ ، وَالْمَرْهُونَةَ إذَا فُكَّتْ ، فَإِنَّهُ لَا خِلَافَ فِي حِلِّهِمَا بِغَيْرِ اسْتِبْرَاءٍ ، وَلِأَنَّ الِاسْتِبْرَاءَ شُرِعَ لِمَعْنًى مَظِنَّتُهُ تَجَدُّدُ الْمِلْكِ ، فَلَا يُشْرَعُ مَعَ تَخَلُّفِ الْمَظِنَّةِ وَالْمَعْنَى .","part":18,"page":28},{"id":8528,"text":"( 6382 ) فَصْلٌ : وَإِنْ اشْتَرَى أَمَةً مُزَوَّجَةً ، فَطَلَّقَهَا الزَّوْجُ قَبْلَ الدُّخُولِ ، لَمْ تُبَحْ بِغَيْرِ اسْتِبْرَاءٍ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، وَقَالَ : هَذِهِ حِيلَةٌ وَضَعَهَا أَهْلُ الرَّأْيِ ، لَا بُدَّ مِنْ اسْتِبْرَاءٍ .\rوَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ تَجَدَّدَ الْمِلْكُ فِيهَا ، وَلَمْ يَحْصُلْ اسْتِبْرَاؤُهَا فِي مِلْكِهِ ، فَلَمْ تَحِلَّ بِغَيْرِ اسْتِبْرَاءٍ ، كَمَا لَوْ لَمْ تَكُنْ مُزَوَّجَةً ، وَلِأَنَّ إسْقَاطَ الِاسْتِبْرَاءِ هَاهُنَا ذَرِيعَةٌ إلَى إسْقَاطِهِ فِي حَقِّ مَنْ أَرَادَ إسْقَاطَهُ ، بِأَنْ يُزَوِّجَهَا عِنْدَ بَيْعِهَا ، ثُمَّ يُطَلِّقَهَا زَوْجُهَا بَعْدَ تَمَامِ الْبَيْعِ ، وَالْحِيَلُ حَرَامٌ .\rفَأَمَّا إنْ كَانَ الزَّوْجُ دَخَلَ بِهَا ، ثُمَّ طَلَّقَهَا .\rفَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ ، وَلَا يَلْزَمُ الْمُشْتَرِيَ اسْتِبْرَاؤُهَا ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ قَدْ حَصَلَ بِالْعِدَّةِ ، وَلِأَنَّهَا لَوْ عَتَقَتْ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهَا مَعَ الْعِدَّةِ اسْتِبْرَاءٌ ، وَلِأَنَّهَا قَدْ اسْتَبْرَأَتْ نَفْسَهَا مِمَّنْ كَانَتْ فِرَاشًا لَهُ ، فَأَجْزَأَ ذَلِكَ ، كَمَا لَوْ كَانَتْ اسْتَبْرَأَتْ نَفْسَهَا مِنْ سَيِّدِهَا إذَا كَانَتْ خَالِيَةً مِنْ زَوْجٍ .\rوَإِنْ اشْتَرَاهَا ، وَهِيَ مُعْتَدَّةٌ مِنْ زَوْجِهَا ، لَمْ يَجِبْ عَلَيْهَا اسْتِبْرَاءٌ ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ فِرَاشًا لِسَيِّدِهَا ، وَقَدْ حَصَلَ الِاسْتِبْرَاءُ مِنْ الزَّوْجِ بِالْعِدَّةِ ، وَلِذَلِكَ لَوْ عَتَقَتْ فِي هَذِهِ الْحَالِ ، لَمْ يَجِبْ عَلَيْهَا اسْتِبْرَاءٌ .\rوَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ ، فِي الْمُزَوَّجَةِ : هَلْ يَدْخُلُ الِاسْتِبْرَاءُ فِي الْعِدَّةِ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ .\rوَقَالَ الْقَاضِي ، فِي الْمُعْتَدَّةِ : يَلْزَمُ السَّيِّدَ اسْتِبْرَاؤُهَا بَعْدَ قَضَاءِ الْعِدَّةِ ، وَلَا يَتَدَاخَلَانِ ؛ لِأَنَّهُمَا مِنْ رَجُلَيْنِ .\rوَمَفْهُومُ كَلَامِ أَحْمَدَ مَا ذَكَرْنَاهُ أَوَّلًا ؛ لِأَنَّهُ عَلَّلَ فِيمَا قَبْلَ الدُّخُولِ بِأَنَّهَا حِيلَةٌ وَضَعَهَا أَهْلُ الرَّأْيِ ، وَلَا يُوجَدُ ذَلِكَ هَاهُنَا ، وَلَا يَصِحُّ قَوْلُهُمْ : إنَّ الِاسْتِبْرَاءَ مِنْ رَجُلَيْنِ .\rفَإِنَّ السَّيِّدَ هَاهُنَا لَيْسَ لَهُ اسْتِبْرَاءٌ .","part":18,"page":29},{"id":8529,"text":"( 6383 ) فَصْلٌ : وَإِنْ كَانَتْ الْأَمَةُ لِرَجُلَيْنِ ، فَوَطِئَاهَا ، ثُمَّ بَاعَاهَا لِرَجُلٍ ، أَجْزَأَهُ اسْتِبْرَاءٌ وَاحِدٌ ؛ لِأَنَّهُ يَحْصُلُ بِهِ مَعْرِفَةُ الْبَرَاءَةِ .\rفَإِنْ قِيلَ : فَلَوْ أَعْتَقَهَا لَأَلْزَمْتُمُوهَا اسْتِبْرَاءَيْنِ .\rقُلْنَا : وُجُوبُ الِاسْتِبْرَاءِ فِي حَقِّ الْمُعْتَقَةِ مُعَلَّلٌ بِالْوَطْءِ ، وَلِذَلِكَ لَوْ أَعْتَقَهَا وَهِيَ مِمَّنْ لَا يَطَؤُهَا ، لَمْ يَلْزَمْهَا اسْتِبْرَاءٌ ، وَقَدْ وُجِدَ الْوَطْءُ مِنْ اثْنَيْنِ ، فَلَزِمَهَا حُكْمُ وَطْئِهِمَا ، وَفِي مَسْأَلَتِنَا هُوَ مُعَلَّلٌ بِتَجْدِيدِ الْمِلْكِ لَا غَيْرُ ، وَلِهَذَا يَجِبُ عَلَى الْمُشْتَرِي الِاسْتِبْرَاءُ ، سَوَاءٌ كَانَ سَيِّدُهَا يَطَؤُهَا أَوْ لَمْ يَكُنْ ، وَالْمِلْكُ وَاحِدٌ ، فَوَجَبَ أَنْ يَتَجَدَّدَ الِاسْتِبْرَاءُ .","part":18,"page":30},{"id":8530,"text":"( 6384 ) فَصْلٌ : وَإِذَا اشْتَرَى الرَّجُلُ زَوْجَتَهُ الْأَمَةَ ، لَمْ يَلْزَمْهُ اسْتِبْرَاؤُهَا ؛ لِأَنَّهَا فِرَاشٌ لَهُ ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ اسْتِبْرَاؤُهَا مِنْ مَائِهِ ، لَكِنْ يُسْتَحَبُّ ذَلِكَ ؛ لِيَعْلَمَ هَلْ الْوَلَدُ مِنْ النِّكَاحِ فَيَكُونُ عَلَيْهِ وَلَاءٌ لَهُ ، لِأَنَّهُ عَتَقَ بِمِلْكِهِ لَهُ ، وَلَا تَصِيرُ بِهِ الْأَمَةُ أُمَّ وَلَدٍ ، أَوْ هُوَ حَادِثٌ فِي مِلْكِ يَمِينِهِ ، فَلَا يَكُونُ عَلَيْهِ وَلَاءٌ ، وَتَصِيرُ بِهِ الْأَمَةُ أُمَّ وَلَدٍ ؟ وَمَتَى تَبَيَّنَ حَمْلُهَا فَلَهُ وَطْؤُهَا ؛ لِأَنَّهُ قَدْ عُلِمَ الْحَمْلُ ، وَزَالَ الِاشْتِبَاهُ .","part":18,"page":31},{"id":8531,"text":"( 6385 ) فَصْلٌ : وَإِنْ وَطِئَ الْجَارِيَةَ الَّتِي يَلْزَمُهُ اسْتِبْرَاؤُهَا قَبْلَ اسْتِبْرَائِهَا ، أَثِمَ ، وَالِاسْتِبْرَاءُ بَاقٍ بِحَالِهِ ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ عَلَيْهِ ، فَلَا يَسْقُطُ بِعُدْوَانِهِ .\rفَإِنْ لَمْ تَعْلَقْ مِنْهُ ، اسْتَبْرَأَهَا بِمَا كَانَ يَسْتَبْرِئُهَا بِهِ قَبْلَ الْوَطْءِ ، وَتَبْنِي عَلَى مَا مَضَى مِنْ الِاسْتِبْرَاءِ ، وَإِنْ عَلِقَتْ مِنْهُ ، فَمَتَى وَضَعَتْ حَمْلَهَا ، اسْتَبْرَأَهَا بِحَيْضَةٍ ، وَلَا يَحِلُّ لَهُ الِاسْتِمْتَاعُ مِنْهَا فِي حَالِ حَمْلِهَا ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَبْرِئْهَا .\rوَإِنْ وَطِئَهَا ، وَهِيَ حَامِلٌ حَمْلًا كَانَ مَوْجُودًا حِينَ الْبَيْعِ مِنْ غَيْرِ الْبَائِعِ ، فَمَتَى وَضَعَتْ حَمْلَهَا انْقَضَى اسْتِبْرَاؤُهَا .\rقَالَ أَحْمَدُ : وَلَا يَلْحَقُ بِالْمُشْتَرِي ، وَلَا يَتْبَعُهُ ، وَلَكِنْ يَعْتِقُهُ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ شَرِكَ فِيهِ ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ يَزِيدُ فِي الْوَلَدِ .\rوَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { ، أَنَّهُ مَرَّ بِامْرَأَةِ مُجِحٍّ ، عَلَى بَابِ فُسْطَاطٍ ، فَقَالَ : لَعَلَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُلِمَّ بِهَا .\rفَقَالُوا : نَعَمْ .\rفَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَقَدْ هَمَمْت أَنْ أَلْعَنَهُ لَعْنًا يَدْخُلُ مَعَهُ قَبْرَهُ ، كَيْفَ يُوَرِّثُهُ وَهُوَ لَا يَحِلُّ لَهُ ، أَوْ كَيْفَ يَسْتَخْدِمُهُ وَهُوَ لَا يَحِلُّ لَهُ ، } وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ إنَّ اسْتَلْحَقَهُ وَشَرَكَهُ فِي مِيرَاثِهِ ، لَمْ يَحِلَّ لَهُ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِوَلَدِهِ ، وَإِنْ اتَّخَذَهُ مَمْلُوكًا ، لَمْ يَحِلَّ لَهُ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ شَرَكَ فِيهِ ، لِكَوْنِ الْوَطْءِ يَزِيدُ فِي الْوَلَدِ .\rوَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : { نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ وَطْءِ الْحَبَالَى حَتَّى يَضَعْنَ مَا فِي بُطُونِهِنَّ } .\rرَوَاهُ النَّسَائِيّ ، وَالتِّرْمِذِيُّ .\r( 6386 ) فَصْلٌ : وَمَنْ أَرَادَ بَيْعَ أَمَتِهِ ، فَإِنْ كَانَ لَا يَطَؤُهَا ، لَمْ يَلْزَمْهُ اسْتِبْرَاؤُهَا ، لَكِنْ يُسْتَحَبُّ ذَلِكَ ، لِيُعْلَمَ خُلُوُّهَا مِنْ الْحَمْلِ ، فَيَكُونَ أَحْوَطَ لِلْمُشْتَرِي ، وَأَقْطَعَ","part":18,"page":32},{"id":8532,"text":"لِلنِّزَاعِ قَالَ أَحْمَدُ : وَإِنْ كَانَتْ لِامْرَأَةٍ ، فَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ لَا تَبِيعَهَا حَتَّى تَسْتَبْرِئَهَا بِحَيْضَةٍ ، فَهُوَ أَحْوَطُ لَهَا .\rوَإِنْ كَانَ يَطَؤُهَا ، وَكَانَتْ آيِسَةً ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ اسْتِبْرَاؤُهَا ؛ لِأَنَّ انْتِفَاءَ الْحَمْلِ مَعْلُومٌ .\rوَإِنْ كَانَتْ مِمَّنْ تَحْمِلُ ، وَجَبَ عَلَيْهِ اسْتِبْرَاؤُهَا .\rوَبِهِ قَالَ النَّخَعِيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى ، لَا يَجِبُ عَلَيْهِ اسْتِبْرَاؤُهَا .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ بَاعَ جَارِيَةً كَانَ يَطَؤُهَا قَبْلَ اسْتِبْرَائِهَا .\rوَلِأَنَّ الِاسْتِبْرَاءَ عَلَى الْمُشْتَرِي ، فَلَا يَجِبُ عَلَى الْبَائِعِ ، فَإِنَّ الِاسْتِبْرَاءَ فِي حَقِّ الْحُرَّةِ آكَدُ ، وَلَا يَجِبُ قَبْلَ النِّكَاحِ وَبَعْدَهُ ، كَذَلِكَ لَا يَجِبُ فِي الْأَمَةِ قَبْلَ الْبَيْعِ وَبَعْدَهُ .\rوَلَنَا ، أَنَّ عُمَرَ أَنْكَرَ عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ بَيْعَ جَارِيَةٍ كَانَ يَطَؤُهَا قَبْلَ اسْتِبْرَائِهَا ، فَرَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ ، قَالَ : بَاعَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ جَارِيَةً كَانَ يَقَعُ عَلَيْهَا قَبْلَ أَنْ يَسْتَبْرِئَهَا ، فَظَهَرَ بِهَا حَمْلٌ عِنْدَ الَّذِي اشْتَرَاهَا ، فَخَاصَمُوهُ إلَى عُمَرَ ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ : كُنْت تَقَعُ عَلَيْهَا ؟ قَالَ : نَعَمْ .\rقَالَ : فَبِعْتهَا قَبْلَ أَنْ تَسْتَبْرِئَهَا ؟ قَالَ : نَعَمْ .\rقَالَ : مَا كُنْت لِذَلِكَ بِخَلِيقٍ .\rقَالَ : فَدَعَا الْقَافَةَ ، فَنَظَرُوا إلَيْهِ ، فَأَلْحَقُوهُ بِهِ .\rوَلِأَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْمُشْتَرِي الِاسْتِبْرَاءُ لِحِفْظِ مَائِهِ ، فَكَذَلِكَ الْبَائِعُ ؛ وَلِأَنَّهُ قَبْلَ الِاسْتِبْرَاءِ مَشْكُوكٌ فِي صِحَّةِ الْبَيْعِ وَجَوَازِهِ ، لِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُونَ أُمَّ وَلَدٍ ، فَيَجِبُ الِاسْتِبْرَاءِ لِإِزَالَةِ الِاحْتِمَالِ ، فَإِنْ خَالَفَ وَبَاعَ ، فَالْبَيْعُ صَحِيحٌ فِي الظَّاهِرِ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْحَمْلِ ؛ وَلِأَنَّ عُمَرَ وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ ، لَمْ يَحْكُمَا بِفَسَادِ الْبَيْعِ فِي الْأَمَةِ الَّتِي بَاعَهَا قَبْلَ اسْتِبْرَائِهَا إلَّا بِلَحَاقِ الْوَلَدِ بِهِ","part":18,"page":33},{"id":8533,"text":"، وَلَوْ كَانَ الْبَيْعُ بَاطِلًا قَبْلَ ذَلِكَ ، لَمْ يَحْتَجْ إلَى ذَلِكَ .\rوَذَكَرَ أَصْحَابُنَا الرِّوَايَتَيْنِ فِي كُلِّ أَمَةٍ يَطَؤُهَا ، مِنْ غَيْرِ تَفْرِيقٍ بَيْنَ الْآيِسَةِ وَغَيْرِهَا .\rوَالْأُولَى أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجِبُ فِي الْآيِسَةِ ؛ لِأَنَّ عِلَّةَ الْوُجُوبِ احْتِمَالُ الْحَمْلِ ، وَهُوَ وَهْمٌ بَعِيدٌ ، وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ ، فَلَا نُثْبِتُ بِهِ حُكْمًا بِمُجَرَّدِهِ .","part":18,"page":34},{"id":8534,"text":"( 6387 ) فَصْلٌ : وَإِذَا اشْتَرَى جَارِيَةً ، فَظَهَرَ بِهَا حَمْلٌ ، لَمْ يَخْلُ مِنْ أَحْوَالٍ خَمْسَةٍ : أَحَدُهَا : أَنْ يَكُونَ الْبَائِعُ أَقَرَّ بِوَطْئِهَا عِنْدَ الْبَيْعِ أَوْ قَبْلَهُ ، وَأَتَتْ بِوَلَدٍ لِدُونِ السِّتَّةِ أَشْهُرٍ ، أَوْ يَكُونَ الْبَائِعُ ادَّعَى الْوَلَدَ ، فَصَدَّقَهُ الْمُشْتَرِي ، فَإِنَّ الْوَلَدَ يَكُونُ لِلْبَائِعِ ، وَالْجَارِيَةُ أُمُّ وَلَدٍ لَهُ ، وَالْبَيْعُ بَاطِلٌ .\rالْحَالُ الثَّانِي ، أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا اسْتَبْرَأَهَا ، ثُمَّ أَتَتْ بِوَلَدٍ لِأَكْثَرَ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ حِينَ وَطِئَهَا الْمُشْتَرِي ، فَالْوَلَدُ لِلْمُشْتَرِي ، وَالْجَارِيَةُ أُمُّ وَلَدٍ لَهُ .\rالْحَالُ الثَّالِثُ : أَنْ تَأْتِيَ بِهِ لِأَكْثَرَ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ بَعْدَ اسْتِبْرَاءِ أَحَدِهِمَا لَهَا ، وَلِأَقَلِّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مُنْذُ وَطِئَهَا الْمُشْتَرِي ، فَلَا يَلْحَقُ نَسَبُهُ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا ، وَيَكُونُ مِلْكًا لِلْمُشْتَرِي ، وَلَا يَمْلِكُ فَسْخَ الْبَيْعِ ؛ لِأَنَّ الْحَمْلَ تَجَدَّدَ فِي مِلْكِهِ ظَاهِرًا .\rفَإِنْ ادَّعَاهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَهُوَ لِلْمُشْتَرِي ؛ لِأَنَّهُ وُلِدَ فِي مِلْكِهِ مَعَ احْتِمَالِ كَوْنِهِ مِنْهُ ، وَإِنْ ادَّعَاهُ الْبَائِعُ وَحْدَهُ ، فَصَدَّقَهُ الْمُشْتَرِي ، لَحِقَهُ ، وَكَانَ الْبَيْعُ بَاطِلًا ، وَإِنْ كَذَّبَهُ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي فِي مِلْكِ الْوَلَدِ ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ انْتَقَلَ إلَيْهِ ظَاهِرًا ، فَلَمْ تُقْبَلْ دَعْوَى الْبَائِعِ فِيمَا يُبْطِلُ حَقَّهُ كَمَا لَوْ أَقَرَّ بَعْدَ الْبَيْعِ أَنَّ الْجَارِيَةَ مَغْصُوبَةٌ أَوْ مُعْتَقَةٌ .\rوَهَلْ يَثْبُتُ نَسَبُ الْوَلَدِ مِنْ الْبَائِعِ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا ، يَثْبُتُ ؛ لِأَنَّهُ نَفْعٌ لِلْوَلَدِ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ عَلَى الْمُشْتَرِي ، فَيُقْبَلُ قَوْلُهُ فِيهِ ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ لِوَلَدِهِ بِمَالٍ .\rوَالثَّانِي ، لَا يُقْبَلُ ؛ لِأَنَّ فِيهِ ضَرَرًا عَلَى الْمُشْتَرِي ، فَإِنَّهُ لَوْ أَعْتَقَهُ كَانَ أَبُوهُ أَحَقَّ بِمِيرَاثِهِ مِنْهُ ؛ وَلِذَلِكَ لَوْ أَقَرَّ عَبْدَانِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّهُ أَخُو صَاحِبِهِ ، لَمْ يُقْبَلْ إلَّا بِبَيِّنَةٍ .\rالْحَالُ الرَّابِعُ : أَنْ تَأْتِيَ","part":18,"page":35},{"id":8535,"text":"بِهِ بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مُنْذُ وَطِئَهَا الْمُشْتَرِي قَبْلَ اسْتِبْرَائِهَا ، فَنَسَبُهُ لَاحِقٌ بِالْمُشْتَرِي ، فَإِنْ ادَّعَاهُ الْبَائِعُ ، فَأَقَرَّ لَهُ الْمُشْتَرِي ، لَحِقَهُ ، وَبَطَلِ الْبَيْعُ ، وَإِنْ كَذَّبَهُ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي .\rوَإِنْ ادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّهُ مِنْ الْآخَرِ ، عُرِضَ عَلَى الْقَافَةِ ، فَأُلْحِقَ بِمَنْ أَلْحَقَتْهُ بِهِ ، لِحَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْن عَوْفٍ ؛ وَلِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ كَوْنَهُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَإِنْ أَلْحَقَتْهُ الْقَافَةُ بِهِمَا لَحِقَ بِهِمَا ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَبْطُلَ الْبَيْعُ ، وَتَكُونَ أُمَّ وَلَدٍ لِلْبَائِعِ ؛ لِأَنَّنَا نَتَبَيَّنُ أَنَّهَا كَانَتْ حَامِلًا مِنْهُ قَبْلَ بَيْعِهَا .\rالْحَالُ الْخَامِسُ ، إذَا أَتَتْ بِهِ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مُنْذُ بَاعَهَا ، وَلَمْ يَكُنْ أَقَرَّ بِوَطْئِهَا ، فَالْبَيْعُ صَحِيحٌ فِي الظَّاهِرِ ، وَالْوَلَدُ مَمْلُوكٌ لِلْمُشْتَرِي ، فَإِنْ ادَّعَاهُ الْبَائِعُ ، فَالْحُكْمُ فِيهِ كَمَا ذَكَرْنَا فِي الْحَالِ الثَّالِثِ ، سَوَاءٌ .","part":18,"page":36},{"id":8536,"text":"( 6388 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ وَتَجْتَنِبُ الزَّوْجَةِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا الطِّيبَ وَالزِّينَةَ ، وَالْبَيْتُوتَةَ فِي غَيْرِ مَنْزِلِهَا ، وَالْكُحْلَ بِالْإِثْمِدِ ، وَالنِّقَابَ هَذَا يُسَمَّى الْإِحْدَادَ ، وَلَا نَعْلَمُ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ خِلَافًا فِي وُجُوبِهِ عَلَى الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا ، إلَّا عَنْ الْحَسَنِ ، فَإِنَّهُ قَالَ : لَا يَجِبُ الْإِحْدَادُ .\rوَهُوَ قَوْلٌ شَذَّ بِهِ أَهْلَ الْعِلْمِ وَخَالَفَ بِهِ السُّنَّةَ ، فَلَا يُعَرَّجُ عَلَيْهِ ، وَيَسْتَوِي فِي وُجُوبِهِ الْحُرَّةُ وَالْأَمَةُ ، وَالْمُسْلِمَةُ وَالذِّمِّيَّةُ ، وَالْكَبِيرَةُ وَالصَّغِيرَةُ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ : لَا إحْدَادَ عَلَى ذِمِّيَّةٍ وَلَا صَغِيرَةٍ ؛ لِأَنَّهُمَا غَيْرُ مُكَلَّفَتَيْنِ .\rوَلَنَا ، عُمُومُ الْأَحَادِيثِ الَّتِي سَنَذْكُرُهَا ؛ وَلِأَنَّ غَيْرَ الْمُكَلَّفَةِ تُسَاوِي الْمُكَلَّفَةَ فِي اجْتِنَابِ الْمُحَرَّمَات ، كَالْخَمْرِ وَالزِّنَى ، وَإِنَّمَا يَفْتَرِقَانِ فِي الْإِثْمِ ، فَكَذَلِكَ الْإِحْدَادُ ، وَلِأَنَّ حُقُوقَ الذِّمِّيَّةِ فِي النِّكَاحِ كَحُقُوقِ الْمُسْلِمَةِ ، فَكَذَلِكَ فِيمَا عَلَيْهَا .\r( 6389 ) فَصْلٌ : وَلَا إحْدَادَ عَلَى غَيْرِ الزَّوْجَاتِ ، كَأُمِّ الْوَلَدِ إذَا مَاتَ سَيِّدُهَا ، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : لَا أَعْلَمُهُمْ يَخْتَلِفُونَ فِي ذَلِكَ .\rوَكَذَلِكَ الْأَمَةُ الَّتِي يَطَؤُهَا سَيِّدُهَا ، إذَا مَاتَ عَنْهَا ، وَلَا الْمَوْطُوءَةُ بِشُبْهَةٍ ، وَالْمَزْنِيُّ بِهَا ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ، أَنْ تُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ ، إلَّا عَلَى زَوْجٍ ، أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا } .\rوَلَا إحْدَادَ عَلَى الرَّجْعِيَّةِ .\rبِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ ؛ لِأَنَّهَا فِي حُكْمِ الزَّوْجَاتِ ، لَهَا أَنْ تَتَزَيَّنَ لِزَوْجِهَا ، وَتَسْتَشْرِفَ لَهُ ، لِيَرْغَبَ فِيهَا ، وَتَتَّفِقَ عِنْدَهُ ، كَمَا تَفْعَلُ فِي صُلْبِ النِّكَاحِ .\rوَلَا إحْدَادَ عَلَى الْمَنْكُوحَةِ نِكَاحًا فَاسِدًا ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ زَوْجَةً عَلَى الْحَقِيقَةِ ، وَلَا لَهَا مَنْ كَانَتْ تَحِلُّ لَهُ وَيَحِلُّ لَهَا ،","part":18,"page":37},{"id":8537,"text":"فَتَحْزَنَ عَلَى فَقْدِهِ .","part":18,"page":38},{"id":8538,"text":"( 6390 ) فَصْلٌ : وَتَجْتَنِبُ الْحَادَّةُ مَا يَدْعُو إلَى جِمَاعِهَا ، وَيُرَغِّبُ فِي النَّظَرِ إلَيْهَا ، وَيُحَسِّنُهَا ، وَذَلِكَ أَرْبَعَةُ أَشْيَاءَ ؛ أَحَدُهَا الطِّيبُ ، وَلَا خِلَافَ فِي تَحْرِيمِهِ عِنْدَ مَنْ أَوْجَبَ الْإِحْدَادَ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : لَا تَمَسُّ طِيبًا ، إلَّا عِنْدَ أَدْنَى طُهْرِهَا ، إذَا طَهُرَتْ مِنْ حَيْضِهَا بِنُبْذَةٍ مِنْ قُسْطٍ أَوْ أَظْفَارٍ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَرَوَتْ زَيْنَبُ بِنْتُ أُمِّ سَلَمَةَ ، قَالَتْ : { دَخَلْتُ عَلَى أُمِّ حَبِيبَةَ ، زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ تُوُفِّيَ أَبُوهَا أَبُو سُفْيَانَ ، فَدَعَتْ بِطِيبٍ فِيهِ صُفْرَةٌ ، خَلُوقٌ أَوْ غَيْرُهُ ، فَدَهَنَتْ مِنْهُ جَارِيَةً ، ثُمَّ مَسَّتْ بِعَارِضِهَا ، ثُمَّ قَالَتْ : وَاَللَّهِ مَا لِي بِالطِّيبِ مِنْ حَاجَةٍ ، غَيْرَ أَنِّي سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ، أَنْ تُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ ، إلَّا عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَلِأَنَّ الطِّيبَ يُحَرِّكُ الشَّهْوَةَ ، وَيَدْعُو إلَى الْمُبَاشَرَةِ .\rوَلَا يَجُوزُ لَهَا اسْتِعْمَالُ الْأَدْهَانِ الْمُطَيِّبَةِ ، كَدُهْنِ الْوَرْدِ وَالْبَنَفْسَجِ وَالْيَاسَمِينِ وَالْبَانِ ، وَمَا أَشْبَهُهُ ؛ لِأَنَّهُ اسْتِعْمَالٌ لِلطِّيبِ .\rفَأَمَّا الْأَدْهَانُ بِغَيْرِ الْمُطَيَّبِ ، كَالزَّيْتِ وَالشَّيْرَجِ وَالسَّمْنِ ، فَلَا بَأْسَ بِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِطِيبٍ .\rالثَّانِي : اجْتِنَابُ الزِّينَةِ ، وَذَلِكَ وَاجِبٌ فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ ؛ مِنْهُمْ ابْنُ عُمَرَ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ ، وَعَطَاءٌ .\rوَجَمَاعَةُ أَهْلِ الْعِلْمِ يَكْرَهُونَ ذَلِكَ ، وَيَنْهَوْنَ عَنْهُ ، وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ : أَحَدُهَا الزِّينَةُ فِي نَفْسِهَا ، فَيَحْرُمُ عَلَيْهَا أَنْ تَخْتَضِبَ ، وَأَنْ تُحَمِّرَ وَجْهَهَا بالكلكون ، وَأَنْ تُبَيِّضَهُ بأسفيداج الْعَرَائِسِ ، وَأَنْ تَجْعَلَ عَلَيْهِ صَبْرًا يُصَفِّرُهُ ، وَأَنْ تَنْقُشَ وَجْهَهَا وَيَدَيْهَا ، وَأَنْ تُحَفِّفَ وَجْهَهَا ،","part":18,"page":39},{"id":8539,"text":"وَمَا أَشْبَهَهُ مِمَّا يُحْسِنهَا ، وَأَنْ تَكْتَحِلَ بِالْإِثْمِدِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ ؛ وَذَلِكَ لِمَا رَوَتْ أُمُّ سَلَمَةَ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا ، لَا تَلْبَسُ الْمُعَصْفَرَ مِنْ الثِّيَابِ ، وَلَا الْمُمَشَّقَ ، وَلَا الْحُلِيَّ ، وَلَا تَخْتَضِبُ ، وَلَا تَكْتَحِلُ } .\rرَوَاهُ النَّسَائِيّ ، وَأَبُو دَاوُد .\rوَرَوَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { لَا تُحِدُّ الْمَرْأَةُ فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ، إلَّا عَلَى زَوْجٍ ، فَإِنَّهَا تُحِدُّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ، وَلَا تَلْبَسُ ثَوْبًا مَصْبُوغًا ، إلَّا ثَوْبَ عَصْبٍ ، وَلَا تَكْتَحِلُ ، وَلَا تَمَسُّ طِيبًا إلَّا عِنْدَ أَدْنَى طُهْرِهَا ، إذَا طَهُرَتْ مِنْ حَيْضِهَا ، بِنُبْذَةٍ مِنْ قُسْطٍ أَوْ أَظْفَارٍ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ، قَالَتْ : { جَاءَتْ امْرَأَةٌ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنَّ ابْنَتِي تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا ، وَقَدْ اشْتَكَتْ عَيْنَهَا ، أَفَتَكْحُلُهَا ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا .\rمَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَرَوَتْ أُمُّ سَلَمَةَ ، قَالَتْ : { دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ تُوُفِّيَ أَبُو سَلَمَةَ ، وَقَدْ جَعَلْت عَلَى عَيْنِيَّ صَبْرًا ، فَقَالَ : مَاذَا يَا أُمَّ سَلَمَةَ ؟ .\rقُلْت : إنَّمَا هُوَ صَبْرٌ ، لَيْسَ فِيهِ طِيبٌ .\rقَالَ : إنَّهُ يَشِبُّ الْوَجْهَ ، لَا تَجْعَلِيهِ إلَّا بِاللَّيْلِ ، وَتَنْزِعِينَهُ بِالنَّهَارِ ، وَلَا تَمْتَشِطِي بِالطِّيبِ ، وَلَا بِالْحِنَّاءِ ، فَإِنَّهُ خِضَابٌ .\rقَالَتْ : قُلْت : بِأَيِّ شَيْءٍ أَمْتَشِطُ ؟ قَالَ : بِالسِّدْرِ ، تُغَلِّفِينَ بِهِ رَأْسَك } .\rوَلِأَنَّ الْكُحْلَ مِنْ أَبْلَغِ الزِّينَةِ ، وَالزِّينَةُ تَدْعُو إلَيْهَا ، وَتُحَرِّكَ الشَّهْوَةَ ، فَهِيَ كَالطِّيبِ وَأَبْلَغَ مِنْهُ .\rوَحُكِيَ عَنْ بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ ، أَنَّ لِلسَّوْدَاءِ أَنْ تَكْتَحِلَ .\rوَهُوَ مُخَالِفٌ لِلْخَبَرِ وَالْمَعْنَى ، فَإِنَّهُ","part":18,"page":40},{"id":8540,"text":"يُزَيِّنُهَا وَيُحَسِّنُهَا .\rوَإِنْ اُضْطُرَّتْ الْحَادَّةُ إلَى الْكُحْلِ بِالْإِثْمِدِ لِلتَّدَاوِي ، فَلَهَا أَنْ تَكْتَحِلَ لَيْلًا ، وَتَمْسَحَهُ نَهَارًا .\rوَرَخَّصَ فِيهِ عِنْد الضَّرُورَةِ عَطَاءٌ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ؛ لِمَا رَوَتْ أُمُّ حَكِيمٍ بِنْتُ أَسِيدٍ ، عَنْ أُمِّهَا ، أَنَّ زَوْجَهَا تُوُفِّيَ ، وَكَانَتْ تَشْتَكِي عَيْنَيْهَا ، فَتَكْتَحِلُ بِالْجَلَاءِ ، فَأَرْسَلَتْ مَوْلَاةً لَهَا إلَى أُمِّ سَلَمَةَ ، تَسْأَلُهَا عَنْ كُحْلِ الْجَلَاءِ ، فَقَالَتْ : لَا تَكْتَحِلِي إلَّا لِمَا لَا بُدَّ مِنْهُ ، يَشْتَدُّ عَلَيْك ، فَتَكْتَحِلِينَ بِاللَّيْلِ ، وَتَغْسِلِينَهُ بِالنَّهَارِ .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَالنَّسَائِيُّ .\rوَإِنَّمَا مَنَعَ مِنْ الْكُحْلِ بِالْإِثْمِدِ ، لِأَنَّهُ الَّذِي تَحْصُلُ بِهِ الزِّينَةُ ، فَأَمَّا الْكُحْلُ بِالتُّوتْيَا والعنزروت وَنَحْوِهِمَا ، فَلَا بَأْسَ بِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا زِينَةَ فِيهِ ، بَلْ يُقَبِّحُ الْعَيْنَ ، وَيَزِيدُهَا مُرَّهَا .\rوَلَا تُمْنَعُ مِنْ جَعْلِ الصَّبْرِ عَلَى غَيْرِ وَجْهِهَا مِنْ بَدَنِهَا ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا مَنَعَ مِنْهُ فِي الْوَجْهِ لِأَنَّهُ يُصَفِّرُهُ ، فَيُشْبِهُ الْخِضَابَ ، وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إنَّهُ يَشِبُّ الْوَجْهَ } ، وَلَا تُمْنَعُ مِنْ التَّنْظِيفِ بِتَقْلِيمِ الْأَظْفَارِ ، وَنَتْفِ الْإِبْطِ ، وَحَلْقِ الشَّعْرِ الْمَنْدُوبِ إلَى حَلْقِهِ ، وَلَا مِنْ الِاغْتِسَالِ بِالسِّدْرِ ، وَالِامْتِشَاطِ بِهِ ، لِحَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ ، وَلِأَنَّهُ يُرَادُ لِلتَّنْظِيفِ لَا لِلطِّيبِ .\rالْقِسْمُ الثَّانِي : زِينَةُ الثِّيَابِ ، فَتَحْرُمُ عَلَيْهَا الثِّيَابُ الْمُصْبَغَةُ لِلتَّحْسِينِ ، كَالْمُعَصْفَرِ ، وَالْمُزَعْفَرِ ، وَسَائِرِ الْأَحْمَرِ ، وَسَائِرِ الْمُلَوَّنِ لِلتَّحْسِينِ ، كَالْأَزْرَقِ الصَّافِي ، وَالْأَخْضَرِ الصَّافِي ، وَالْأَصْفَرِ ، فَلَا يَجُوزُ لُبْسُهُ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا تَلْبَسُ ثَوْبًا مَصْبُوغًا } .\rوَقَوْلُهُ : { لَا تَلْبَسُ الْمُعَصْفَرَ مِنْ الثِّيَابِ وَلَا الْمُمَشَّقَ } .\rفَأَمَّا مَا لَا يُقْصَدُ بِصَبْغِهِ حُسْنُهُ ،","part":18,"page":41},{"id":8541,"text":"كَالْكُحْلِيِّ ، وَالْأَسْوَدِ ، وَالْأَخْضَرِ الْمُشْبَعِ ، فَلَا تُمْنَعُ مِنْهُ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِزِينَةٍ .\rوَمَا صُبِغَ غَزْلُهُ ثُمَّ نُسِجَ فِيهِ احْتِمَالَانِ ؛ أَحَدُهُمَا : يَحْرُمُ لُبْسُهُ ؛ لِأَنَّهُ أَرْفَعُ وَأَحْسَنُ ؛ وَلِأَنَّهُ مَصْبُوغٌ لِلْحُسْنِ ، فَأَشْبَهَ مَا صُبِغَ بَعْدَ نَسْجِهِ .\rوَالثَّانِي لَا يَحْرُمُ ؛ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ : { إلَّا ثَوْبَ عَصْبٍ } .\rوَهُوَ مَا صُبِغَ غَزْلُهُ قَبْلَ نَسْجِهِ .\rذَكَرَهُ الْقَاضِي ؛ وَلِأَنَّهُ لَمْ يُصْبَغْ وَهُوَ ثَوْبٌ ، فَأَشْبَهَ مَا كَانَ حَسَنًا مِنْ الثِّيَابِ غَيْرَ مَصْبُوغٍ ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ، وَأَمَّا الْعَصْبُ ، فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ نَبْتٌ تُصْبَغُ بِهِ الثِّيَابُ .\rقَالَ صَاحِبُ الرَّوْضِ الْأَنِفِ الْوَرْسُ وَالْعَصْبُ نَبَتَانِ بِالْيَمَنِ ، لَا يَنْبُتَانِ إلَّا بِهِ .\rفَأَرْخَصَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْحَادَّةِ فِي لُبْسِ مَا صُبِغَ بِالْعَصْبِ ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى مَا صُبِغَ لِغَيْرِ التَّحْسِينِ ، أَمَّا مَا صُبِغَ غَزْلُهُ لِلتَّحْسِينِ ، كَالْأَحْمَرِ وَالْأَصْفَرِ ، فَلَا مَعْنَى لِتَجْوِيزِ لُبْسِهِ ، مَعَ حُصُولِ الزِّينَةِ بِصَبْغِهِ ، كَحُصُولِهَا بِمَا صُبِغَ بَعْدَ نَسْجِهِ .\rوَلَا تُمْنَعُ مِنْ حِسَانِ الثِّيَابِ غَيْرِ الْمَصْبُوغَةِ ، وَإِنْ كَانَ رَقِيقًا ، سَوَاءٌ كَانَ مِنْ قُطْنٍ أَوْ كَتَّانٍ أَوْ إبْرَيْسَمٍ ؛ لِأَنَّ حُسْنَهُ مِنْ أَصْلِ خِلْقَتِهِ ، فَلَا يَلْزَمُ تَغْيِيرُهُ ، كَمَا أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا كَانَتْ حَسَنَةَ الْخِلْقَةِ ، لَا يَلْزَمُهَا أَنْ تُغَيِّرَ لَوْنَهَا ، وَتُشَوِّهَ نَفْسَهَا .\rالْقِسْمُ الثَّالِثُ : الْحُلِيُّ ، فَيَحْرُمُ عَلَيْهَا لُبْسُ الْحُلِيِّ كُلِّهِ ، حَتَّى الْخَاتَمِ ، فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { وَلَا الْحُلِيُّ } .\rوَقَالَ عَطَاءٌ : يُبَاحُ حُلِيُّ الْفِضَّةِ دُونَ الذَّهَبِ .\rوَلَيْسَ بِصَحِيحِ ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ عَامٌّ ؛ وَلِأَنَّ الْحُلِيَّ يَزِيدُ حُسْنَهَا ، وَيَدْعُو إلَى مُبَاشَرَتِهَا ، قَالَتْ امْرَأَةٌ : وَمَا الْحُلِيُّ إلَّا زِينَةٌ","part":18,"page":42},{"id":8542,"text":"لِنَقِيصَةِ تُتَمِّمُ مِنْ حُسْنٍ إذَا الْحُسْنُ قَصَّرَا ( 6391 ) فَصْلٌ : وَالثَّالِثُ مِمَّا تَجْتَنِبُهُ الْحَادَّةُ النِّقَابُ ، وَمَا فِي مَعْنَاهُ ، مِثْلُ الْبُرْقُعِ وَنَحْوِهِ ؛ لِأَنَّ الْمُعْتَدَّةَ مُشَبَّهَةٌ بِالْمُحْرِمَةِ وَالْمُحْرِمَةُ تُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ ، وَإِذَا احْتَاجَتْ إلَى سَتْرِ وَجْهِهَا أَسْدَلَتْ عَلَيْهِ كَمَا تَفْعَلُ الْمُحْرِمَةُ .","part":18,"page":43},{"id":8543,"text":"( 6392 ) فَصْلٌ : وَالرَّابِعُ الْمَبِيتُ فِي غَيْرِ مَنْزِلِهَا .\rوَمِمَّنْ أَوْجَبَ عَلَى الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا الِاعْتِدَادَ فِي مَنْزِلِهَا ، عُمَرُ ، وَعُثْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ ، وَأُمِّ سَلَمَةَ ، وَبِهِ يَقُولُ مَالِكٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : وَبِهِ يَقُولُ جَمَاعَةُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ ، بِالْحِجَازِ ، وَالشَّامِ ، وَالْعِرَاقِ ، وَمِصْرَ وَقَالَ جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ ، وَالْحَسَنُ ، وَعَطَاءٌ تَعْتَدُّ حَيْثُ شَاءَتْ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَجَابِرٍ ، وَعَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : نَسَخَتْ هَذِهِ الْآيَةُ عِدَّتَهَا عِنْدَ أَهْلِهِ ، وَسَكَنَتْ فِي وَصِيَّتِهَا ، وَإِنْ شَاءَتْ خَرَجَتْ ؛ لِقَوْلِ اللَّه تَعَالَى : { فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ } .\rقَالَ عَطَاءٌ : ثُمَّ جَاءَ الْمِيرَاثُ ، فَنَسَخَ السُّكْنَى ، تَعْتَدُّ حَيْثُ شَاءَتْ .\rرَوَاهُمَا أَبُو دَاوُد .\rوَلَنَا ، مَا رَوَتْ فُرَيْعَةُ بِنْتُ مَالِكِ بْنِ سِنَانٍ ، أُخْتُ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، { أَنَّهَا جَاءَتْ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرَتْهُ أَنَّ زَوْجَهَا خَرَجَ فِي طَلَبِ أَعْبُدٍ لَهُ ، فَقَتَلُوهُ بِطَرَفِ الْقَدُومِ ، فَسَأَلْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ أَرْجِعَ إلَى أَهْلِي ، فَإِنَّ زَوْجِي لَمْ يَتْرُكْنِي فِي مَسْكَنٍ يَمْلِكُهُ ، وَلَا نَفَقَةٍ .\rقَالَتْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : نَعَمْ .\rقَالَتْ : فَخَرَجْت حَتَّى إذَا كُنْت فِي الْحُجْرَةِ أَوْ فِي الْمَسْجِدِ ، دَعَانِي ، أَوْ أَمَرَ بِي فَدُعِيتُ لَهُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : كَيْفَ قُلْتِ فَرَدَّدْت عَلَيْهِ الْقِصَّةَ ، فَقَالَ : اُمْكُثِي فِي بَيْتِكِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ .\rفَاعْتَدَدْت فِيهِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ، فَلَمَّا كَانَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ أَرْسَلَ إلَيَّ ، فَسَأَلَنِي عَنْ","part":18,"page":44},{"id":8544,"text":"ذَلِكَ ، فَأَخْبَرْتُهُ فَاتَّبَعَهُ ، وَقَضَى بِهِ } .\rرَوَاهُ مَالِكٌ ، فِي مُوَطَّئِهِ ، وَالْأَثْرَمُ ، وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ ، قَضَى بِهِ عُثْمَانُ فِي جَمَاعَةِ الصَّحَابَةِ فَلَمْ يُنْكِرُوهُ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّهُ يَجِبُ الِاعْتِدَادُ فِي الْمَنْزِلِ الَّذِي مَاتَ زَوْجُهَا وَهِيَ سَاكِنَةٌ بِهِ ، سَوَاءٌ كَانَ مَمْلُوكًا لِزَوْجِهَا ، أَوْ بِإِجَارَةٍ ، أَوْ عَارِيَّةٍ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { قَالَ لِفُرَيْعَةَ : اُمْكُثِي فِي بَيْتِك } .\rوَلَمْ تَكُنْ فِي بَيْتٍ يَمْلِكُهُ زَوْجُهَا .\rوَفِي بَعْضِ أَلْفَاظِهِ : { اعْتَدِّي فِي الْبَيْتِ الَّذِي أَتَاك فِيهِ نَعْيُ زَوْجِك } وَفِي لَفْظٍ : { اعْتَدِّي حَيْثُ أَتَاك الْخَبَرُ } فَإِنْ أَتَاهَا الْخَبَرُ فِي غَيْرِ مَسْكَنِهَا ، رَجَعَتْ إلَى مَسْكَنِهَا فَاعْتَدَّتْ فِيهِ .\rوَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ، وَالنَّخَعِيُّ : لَا تَبْرَحُ مِنْ مَكَانِهَا الَّذِي أَتَاهَا فِيهِ نَعْيُ زَوْجِهَا ، اتِّبَاعًا لِلَفْظِ الْخَبَرِ الَّذِي رَوَيْنَاهُ .\rوَلَنَا قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ { : اُمْكُثِي فِي بَيْتِك } وَاللَّفْظُ الْآخَرُ قَضِيَّةٌ فِي عَيْنٍ ، وَالْمُرَادُ بِهِ هَذَا ، فَإِنَّ قَضَايَا الْأَعْيَانِ لَا عُمُومَ لَهَا ، ثُمَّ لَا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى الْعُمُومِ ؛ فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُهَا الِاعْتِدَادُ فِي السُّوقِ وَالطَّرِيقِ وَالْبَرِّيَّةِ ، إذَا أَتَاهَا الْخَبَرُ وَهِيَ فِيهَا .\r( 6393 ) فَصْلٌ : فَإِنْ خَافَتْ هَدْمًا أَوْ غَرَقًا أَوْ عَدُوًّا أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ ، أَوْ حَوَّلَهَا صَاحِبُ الْمَنْزِلِ لِكَوْنِهِ عَارِيَّةً رَجَعَ فِيهَا ، أَوْ بِإِجَارَةٍ انْقَضَتْ مُدَّتُهَا ، أَوْ مَنَعَهَا السُّكْنَى تَعَدِّيًا ، أَوْ امْتَنَعَ مِنْ إجَارَتِهِ ، أَوْ طَلَبَ بِهِ أَكْثَرَ مِنْ أُجْرَةِ الْمِثْلِ ، أَوْ لَمْ تَجِدْ مَا تَكْتَرِي بِهِ ، أَوْ لَمْ تَجِدْ إلَّا مِنْ مَالِهَا ، فَلَهَا أَنْ تَنْتَقِلَ ؛ لِأَنَّهَا حَالُ عُذْرٍ ، وَلَا يَلْزَمُهَا بِذَلِكَ أَجْرِ الْمَسْكَنِ ، وَإِنَّمَا الْوَاجِبُ عَلَيْهَا فِعْلُ السُّكْنَى ، لَا تَحْصِيلُ الْمَسْكَنِ ، وَإِذَا تَعَذَّرَتْ السُّكْنَى ، سَقَطَتْ ، وَلَهَا أَنْ تَسْكُنَ حَيْثُ شَاءَتْ .\rذَكَرَهُ","part":18,"page":45},{"id":8545,"text":"الْقَاضِي وَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ ، أَنَّهَا تَنْتَقِلُ إلَى أَقْرَبِ مَا يُمْكِنُهَا النَّقْلَةُ إلَيْهِ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى مَوْضِعِ الْوُجُودِ ، فَأَشْبَهَ مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ فِي مَوْضِعٍ لَا يَجِدُ فِيهِ أَهْلَ السُّهْمَانِ ، فَإِنَّهُ يَنْقُلُهَا إلَى أَقْرَبِ مَوْضِعٍ يَجِدُهُمْ فِيهِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الْوَاجِبَ سَقَطَ لِعُذْرٍ ، وَلَمْ يَرِدَ الشَّرْعُ لَهُ بِبَدَلٍ ، فَلَا يَجِبُ ، كَمَا لَوْ سَقَطَ الْحَجُّ لِلْعَجْزِ عَنْهُ وَفَوَاتِ شَرْطٍ ، وَالْمُعْتَكِفُ إذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الِاعْتِكَافِ فِي الْمَسْجِدِ ؛ وَلِأَنَّ مَا ذَكَرُوهُ إثْبَاتُ حُكْمٍ بِلَا نَصٍّ ، وَلَا مَعْنَى نَصٍّ ، فَإِنَّ مَعْنَى الِاعْتِدَادِ فِي بَيْتِهَا لَا يُوجَدُ فِي السُّكْنَى فِيمَا قَرُبَ مِنْهُ ، وَيُفَارِقُ أَهْلَ السُّهْمَانِ ؛ فَإِنَّ الْقَصْدَ نَفْعُ الْأَقْرَبِ ، وَفِي نَقْلِهَا إلَى أَقْرَبِ مَوْضِعٍ يَجِدُهُ نَفْعُ الْأَقْرَبِ ، فَوَجَبَ لِذَلِكَ .","part":18,"page":46},{"id":8546,"text":"( 6394 ) فَصْلٌ : قَالَ أَصْحَابُنَا : وَلَا سُكْنَى لِلْمُتَوَفَّى عَنْهَا ، إذَا كَانَتْ حَائِلًا .\rرِوَايَةً وَاحِدَةً .\rوَإِنْ كَانَتْ حَامِلًا ، فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ .\rوَلِلشَّافِعِيِّ فِي سُكْنَى الْمُتَوَفَّى عَنْهَا قَوْلَانِ .\rوَجْهُ الْوُجُوبِ قَوْله تَعَالَى : { وَاَلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إخْرَاجٍ } .\rفَنُسِخَ بَعْضُ الْمُدَّةِ ، وَبَقِيَ بَاقِيهَا عَلَى الْوُجُوبِ .\rوَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ فُرَيْعَةَ بِالسُّكْنَى فِي بَيْتِهَا ، مِنْ غَيْرِ اسْتِئْذَانِ الْوَرَثَةِ ، وَلَوْ لَمْ تَجِبْ السُّكْنَى ، لَمْ يَكُنْ لَهَا أَنْ تَسْكُنَ إلَّا بِإِذْنِهِمْ ، كَمَا أَنَّهَا لَيْسَ لَهَا أَنْ تَتَصَرَّفَ فِي شَيْءٍ مِنْ مَالِ زَوْجِهَا بِغَيْرِ إذْنِهِمْ .\rوَلَنَا ، أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إنَّمَا جَعَلَ لِلزَّوْجَةِ ثُمْنَ التَّرِكَةَ أَوْ رُبْعَهَا ، وَجَعَلَ بَاقِيَهَا لِسَائِرِ الْوَرَثَةِ ، وَالْمَسْكَنُ مِنْ التَّرِكَةِ ، فَوَجَبَ أَنْ لَا يُسْتَحَقَّ مِنْهُ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ ؛ وَلِأَنَّهَا بَائِنٌ مِنْ زَوْجِهَا ، فَأَشْبَهْت الْمُطَلَّقَةَ ثَلَاثًا .\rوَأَمَّا إذَا كَانَتْ حَامِلًا ، وَقُلْنَا : لَهَا السُّكْنَى .\rفَلِأَنَّهَا حَامِلٌ مِنْ زَوْجِهَا ، فَوَجَبَ لَهَا السُّكْنَى .\rقِيَاسًا عَلَى الْمُطَلَّقَةِ .\rفَأَمَّا الْآيَةُ الَّتِي احْتَجُّوا بِهَا ، فَإِنَّهَا مَنْسُوخَةٌ ، وَأَمَّا أَمْرُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فُرَيْعَةَ بِالسُّكْنَى ، فَقَضِيَّةٌ فِي عَيْنٍ ، يَحْتَمِلُ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلِمَ أَنَّ الْوَارِثَ يَأْذَنُ فِي ذَلِكَ ، أَوْ يَكُونُ الْأَمْرُ يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ السُّكْنَى عَلَيْهَا ، وَيَتَقَيَّدُ ذَلِكَ بِالْإِمْكَانِ ، وَإِذْنُ الْوَارِثِ مِنْ جُمْلَةِ مَا يَحْصُلُ الْإِمْكَانُ بِهِ ، فَإِذَا قُلْنَا لَهَا السُّكْنَى فَهِيَ أَحَقُّ بِسُكْنَى الْمَسْكَنِ الَّذِي كَانَتْ تَسْكُنُهُ مِنْ الْوَرَثَةِ وَالْغُرَمَاءِ ، مِنْ رَأْسِ مَالِ الْمُتَوَفَّى ، وَلَا يُبَاعُ فِي دَيْنِهِ بَيْعًا يَمْنَعُهَا السُّكْنَى ، فِيهِ حَتَّى تَقْضِيَ الْعِدَّةَ ، وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ ،","part":18,"page":47},{"id":8547,"text":"وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ ، وَإِنْ تَعَذَّرَ الْمَسْكَنُ ، فَعَلَى الْوَارِثِ أَنْ يَكْتَرِيَ لَهَا مَسْكَنًا مِنْ مَالِ الْمَيِّتِ ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ ، أَجْبَرَهُ الْحَاكِمُ ، وَلَيْسَ لَهَا أَنْ تَنْتَقِلَ مِنْ مَسْكَنِهَا إلَّا لِعُذْرِ ، كَمَا ذَكَرْنَا .\rوَإِنْ اتَّفَقَ الْوَارِثُ وَالْمَرْأَةُ عَلَى نَقْلِهَا عَنْهُ ، لَمْ يَجُزْ ؛ لِأَنَّ هَذِهِ السُّكْنَى يَتَعَلَّقُ بِهَا حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى ، لِأَنَّهَا تَجِبُ لِلْعِدَّةِ ، وَالْعِدَّةُ يَتَعَلَّقُ بِهَا حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى ، فَلَمْ يَجُزْ اتِّفَاقُهُمَا عَلَى إبْطَالِهَا ، بِخِلَافِ سُكْنَى النِّكَاحِ ؛ فَإِنَّهَا حَقٌّ لَهُمَا ؛ وَلِأَنَّ السُّكْنَى هَاهُنَا مِنْ الْإِحْدَادِ ، فَلَمْ يَجُزْ الِاتِّفَاقُ عَلَى تَرْكِهَا ، كَسَائِرِ خِصَالِ الْإِحْدَادِ .\rوَلَيْسَ لَهُمْ أَنْ يُخْرِجُوهَا ، إلَّا أَنْ تَأْتِيَ بِفَاحِشَةِ مُبَيِّنَةٍ .\rلِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ } .\rوَهِيَ أَنْ تُطَوِّلْ لِسَانَهَا عَلَى أَحْمَائِهَا وَتُؤْذِيهِمْ بِالسَّبِّ وَنَحْوِهِ .\rرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ .\rوَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِينَ .\rوَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ ، وَالْحَسَنُ : هِيَ الزِّنَى لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَاَللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ } .\rوَإِخْرَاجُهُنَّ هُوَ الْإِخْرَاجُ لِإِقَامَةِ حَدِّ الزِّنَى ، ثُمَّ تُرَدُّ إلَى مَكَانِهَا .\rوَلَنَا أَنَّ الْآيَةَ تَقْتَضِي الْإِخْرَاجَ عَنْ السُّكْنَى ، وَهَذَا لَا يَتَحَقَّقُ فِيمَا قَالَاهُ .\rوَأَمَّا الْفَاحِشَةُ فَهِيَ اسْمٌ لِلزِّنَى وَغَيْرِهِ مِنْ الْأَقْوَالِ الْفَاحِشَةِ ، يُقَال : أَفْحَشَ فُلَانٌ فِي مَقَالِهِ .\rوَلِهَذَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ { قَالَتْ لَهُ عَائِشَةُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قُلْت لَفُلَانٍ : بِئْسَ أَخُو الْعَشِيرَةِ .\rفَلَمَّا دَخَلَ أَلَنْتَ لَهُ الْقَوْلَ .\rفَقَالَ : يَا عَائِشَةُ ، إنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفُحْشَ وَلَا التَّفَحُّشَ } .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّ","part":18,"page":48},{"id":8548,"text":"الْوَرَثَةَ يُخْرِجُونَهَا عَنْ ذَلِكَ الْمَسْكَنِ ، إلَى مَسْكَنٍ آخَرَ مِنْ الدَّارِ إنْ كَانَتْ كَبِيرَةً تَجْمَعُهُمْ ، فَإِنْ كَانَتْ لَا تَجْمَعُهُمْ ، أَوْ لَمْ يُمْكِنْ نَقْلُهَا إلَى غَيْرِهِ فِي الدَّارِ ، وَلَمْ يَتَخَلَّصُوا مِنْ أَذَاهَا بِذَلِكَ ، فَلَهُمْ نَقْلُهَا .\rوَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا : يَنْتَقِلُونَ هُمْ عَنْهَا ؛ لِأَنَّ سُكْنَاهَا وَاجِبٌ فِي الْمَكَانِ ، وَلَيْسَ بِوَاجِبِ عَلَيْهِمْ .\rوَالنَّصُّ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا تُخْرَجُ ، فَلَا يُعَرَّجُ عَلَى مَا خَالَفَهُ ؛ وَلِأَنَّ الْفَاحِشَةَ مِنْهَا ، فَكَانَ الْإِخْرَاجُ لَهَا .\rوَإِنْ كَانَ أَحْمَاؤُهَا هُمْ الَّذِينَ يُؤْذُونَهَا ، وَيُفْحِشُونَ عَلَيْهَا ، نُقِلُوا هُمْ دُونَهَا ، فَإِنَّهَا لَمْ تَأْتِ بِفَاحِشَةٍ ، فَلَا تُخْرَجُ بِمُقْتَضَى النَّصِّ ، وَلِأَنَّ الذَّنْبِ لَهُمْ فَيَخُصُّونَ بِالْإِخْرَاجِ .\rوَإِنْ كَانَ الْمَسْكَنُ لِغَيْرِ الْمَيِّتِ فَتَبَرَّعَ صَاحِبُهُ بِإِسْكَانِهَا فِيهِ ، لَزِمَهَا الِاعْتِدَادُ بِهِ ، وَإِنْ أَبَى أَنْ يُسْكِنَهَا إلَّا بِأُجْرَةٍ ، وَجَبَ بَذْلُهَا مِنْ مَالِ الْمَيِّتِ ، إلَّا أَنْ يَتَبَرَّعَ إنْسَانٌ بِبَذْلِهَا ، فَيَلْزَمُهَا الِاعْتِدَادُ بِهِ ، فَإِنْ حَوَّلَهَا صَاحِبُ الْمَكَانِ ، أَوْ طَلَبَ أَكْثَرَ مِنْ أُجْرَةِ الْمِثْلِ ، فَعَلَى الْوَرَثَةِ إسْكَانُهَا إنْ كَانَ لِلْمَيِّتِ تَرِكَةٌ يُسْتَأْجَرُ لَهَا بِهِ مَسْكَنٌ ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ لَهَا يُقَدَّمُ عَلَى الْمِيرَاثِ ، فَإِنْ اخْتَارَتْ النَّقْلَةَ عَنْ هَذَا الْمَسْكَنِ الَّذِي يَنْقُلُونَهَا إلَيْهِ ، فَلَهَا ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ سُكْنَاهَا بِهِ حَقٌّ لَهَا ، وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ عَلَيْهَا ، فَإِنَّ الْمَسْكَنَ الَّذِي كَانَ يَجِبُ عَلَيْهَا السُّكْنَى بِهِ ، هُوَ الَّذِي كَانَتْ تَسْكُنُهُ حِينَ مَوْتِ زَوْجِهَا ، وَقَدْ سَقَطَتْ عَنْهَا السُّكْنَى بِهِ ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْمَسْكَنُ الَّذِي كَانَتْ بِهِ لِأَبَوَيْهَا ، أَوْ لَأَحَدِهِمَا ، أَوْ لَغَيْرِهِمْ .\rوَإِنْ كَانَتْ تَسْكُنُ فِي دَارِهَا فَاخْتَارَتْ الْإِقَامَةَ فِيهَا ، وَالسُّكْنَى بِهَا مُتَبَرِّعَةً أَوْ بِأُجْرَةٍ تَأْخُذُهَا مِنْ التَّرِكَةِ ، جَازَ ، وَيَلْزَمُ الْوَرَثَةَ بَذْلُ الْأُجْرَةِ إذَا طَلَبَتْهَا ،","part":18,"page":49},{"id":8549,"text":"وَإِنْ طَلَبَتْ أَنْ تُسْكِنَهَا غَيْرَهَا ، وَتَنْتَقِلَ عَنْهَا ، فَلَهَا ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهَا أَنْ تُؤْجِرَ دَارَهَا وَلَا تُعِيرَهَا ، وَعَلَيْهِمْ إسْكَانُهَا .","part":18,"page":50},{"id":8550,"text":"( 6395 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا إذَا قُلْنَا : لَيْسَ لَهَا السُّكْنَى .\rفَتَطَوَّعَ الْوَرَثَةُ بِإِسْكَانِهَا فِي مَسْكَنِ زَوْجِهَا ، أَوْ السُّلْطَانِ أَوْ أَجْنَبِيٌّ ، لَزِمَهَا الِاعْتِدَادُ بِهِ ، وَإِنْ مُنِعَتْ السُّكْنَى بِهِ ، أَوْ طَلَبُوا مِنْهَا الْأُجْرَةَ ، فَلَهَا أَنْ تَنْتَقِلَ عَنْهُ إلَى غَيْرِهِ ، كَمَا ذَكَرْنَا فِيمَا إذَا أَخْرَجَهَا الْمُؤَجِّرُ عِنْدَ انْقِضَاءِ الْإِجَارَةِ ، وَسَوَاءٌ قَدَرَتْ عَلَى الْأُجْرَةِ ، أَوْ عَجَزَتْ عَنْهَا لِأَنَّهُ إنَّمَا تَلْزَمُهَا السُّكْنَى لَا تَحْصِيلُ الْمَسْكَنِ .\rوَإِنْ كَانَتْ فِي مَسْكَنٍ لِزَوْجِهَا ، فَأَخْرَجَهَا الْوَرَثَةُ مِنْهُ ، وَبَذَلُوا لَهَا مَسْكَنًا آخَرَ ، لَمْ تَلْزَمْهَا السُّكْنَى .\rوَكَذَلِكَ إنْ أُخْرِجَتْ مِنْ الْمَسْكَنِ الَّذِي هِيَ بِهِ ، أَوْ خَرَجَتْ لِأَيِّ عَارِضٍ كَانَ ، لَمْ تَلْزَمْهَا السُّكْنَى فِي مَوْضِعٍ مُعَيَّنٍ سِوَاهُ ، سَوَاءٌ بَذَلَهُ الْوَرَثَةُ أَوْ غَيْرُهُمْ لِأَنَّهَا إنَّمَا يَلْزَمُهَا الِاعْتِدَادُ فِي بَيْتِهَا الَّذِي كَانَتْ فِيهِ ، لَا فِي غَيْرِهِ .\rوَكَذَلِكَ إذَا قُلْنَا لَهَا السُّكْنَى ، فَتَعَذَّرَ سُكْنَاهَا فِي مَسْكَنِهَا وَبُذِلَ لَهَا سِوَاهُ .\rوَإِنْ طَلَبَتْ مَسْكَنًا سِوَاهُ ، لَزِمَ الْوَرَثَةَ تَحْصِيلُهُ ، بِأُجْرَةٍ أَوْ بِغَيْرِهَا ، إنْ خَلَّفَ الْمَيِّتُ تَرِكَةً تَفِي بِذَلِكَ ، وَيُقَدَّمُ ذَلِكَ عَلَى الْمِيرَاثِ ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ عَلَى الْمَيِّتِ ، فَأَشْبَهَ الدَّيْنَ ؛ فَإِنْ كَانَ عَلَى الْمَيِّتِ دَيْنٌ يَسْتَغْرِقُ مَالَهُ ، ضَرَبَتْ بِأُجْرَةِ الْمَسْكَنِ مَعَ الْغُرَمَاءِ ؛ لِأَنَّ حَقَّهَا مُسَاوٍ لِحُقُوقِ الْغُرَمَاءِ ، وَتَسْتَأْجِرُ بِمَا يُصِيبُهَا مَوْضِعًا تَسْكُنُهُ .\rوَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي الْمُطَلَّقَةِ إذَا حُجِرَ عَلَى الزَّوْجِ قَبْلَ أَنْ يُطَلِّقَهَا ، ثُمَّ طَلَّقَهَا ، فَإِنَّهَا تَضْرِبُ بِأُجْرَةِ الْمَسْكَنِ لِمُدَّةِ الْعِدَّةِ مَعَ الْغُرَمَاءِ ، إذَا كَانَتْ حَامِلًا .\rفَإِنْ قِيلَ : فَهَلَّا قَدَّمْتُمْ حَقَّ الْغُرَمَاءِ ؛ لِأَنَّهُ أَسْبَقُ ؟ قُلْنَا : لِأَنَّ حَقَّهَا ثَبَتَ عَلَيْهِ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهَا ، فَشَارَكْت الْغُرَمَاءَ فِيهِ ، كَمَا لَوْ أَتْلَفَ الْمُفْلِسُ مَالًا","part":18,"page":51},{"id":8551,"text":"لَإِنْسَانٍ أَوْ جَنَى عَلَيْهِ ، وَإِنْ مَاتَ ، وَهِيَ فِي مَسْكَنِهِ ، لَمْ يَجُزْ إخْرَاجُهَا مِنْهُ ؛ لِأَنَّ حَقَّهَا تَعَلَّقَ بِعَيْنِ الْمَسْكَنِ ، قَبْلَ تَعَلُّقِ حُقُوقِ الْغُرَمَاءِ بِعَيْنِهِ ، فَكَانَ حَقُّهَا مُقَدَّمًا كَحَقِّ الْمُرْتَهِنِ .\rوَإِنْ طَلَبَ الْغُرَمَاءُ بَيْعَ هَذَا الْمَسْكَنِ ، وَتُتْرَكُ السُّكْنَى لَهَا مُدَّةَ الْعِدَّةِ ، لَمْ يَجُزْ ؛ لِأَنَّهَا إنَّمَا تَسْتَحِقُّ السُّكْنَى إذَا كَانَتْ حَامِلًا ، وَمُدَّةُ الْحَمْلِ مَجْهُولَةٌ ، فَتَصِيرُ كَمَا لَوْ بَاعَهَا وَاسْتَثْنَى نَفْعَهَا مُدَّةً مَجْهُولَةً .\rوَإِنْ أَرَادَ الْوَرَثَةُ قِسْمَةَ مَسْكَنِهَا عَلَى وَجْهٍ يَضُرُّ بِهَا فِي السُّكْنَى ، لَمْ يَكُنْ لَهُمْ ذَلِكَ .\rوَإِنْ أَرَادُوا التَّعْلِيمَ بِخُطُوطٍ ، مِنْ غَيْرِ نَقْضٍ وَلَا بِنَاءٍ ، جَازَ ؛ لِأَنَّهُ لَا ضَرَرَ عَلَيْهَا فِيهِ .\r( 6396 ) فَصْلٌ : وَإِذَا قُلْنَا : إنَّهَا تَضْرِبُ مَعَ الْغُرَمَاءِ بِقَدْرِ مُدَّةِ عِدَّتِهَا .\rفَإِنَّهَا تَضْرِبُ بِمُدَّةِ عَادَتِهَا فِي وَضْعِ الْحَمْلِ ، إنْ كَانَتْ حَامِلًا ، وَإِنْ كَانَتْ مُطَلَّقَةً مِنْ ذَوَاتِ الْقُرُوءِ ، وَقُلْنَا : لَهَا السُّكْنَى .\rضَرَبَتْ بِمُدَّةِ عَادَتِهَا فِي الْقُرُوءِ ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهَا عَادَةٌ ، ضَرَبَتْ بِغَالِبِ عَادَاتِ النِّسَاءِ ، وَهُوَ تِسْعَةُ أَشْهُرٍ لِلْحَمْلِ ، وَثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ ، لِكُلِّ قُرْءٍ شَهْرٌ ، أَوْ بِمَا بَقِيَ مِنْ ذَلِكَ ، إنْ كَانَ قَدْ مَضَى مِنْ مُدَّةِ حَمْلِهَا شَيْءٌ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ تَأْخِيرُ الْقِسْمَةِ لِحَقِّ الْغُرَمَاءِ ، فَإِذَا ضَرَبَتْ بِذَلِكَ ، فَوَافَقَ الصَّوَابَ ، فَلَمْ تَزِدْ وَلَمْ تَنْقُصْ ، اسْتَقَرَّ الْحُكْمُ ، وَتَسْتَأْجِرُ بِمَا يَحْصُلُ لَهَا مَكَانًا تَسْكُنُهُ .\rوَإِذَا تَعَذَّرَ ذَلِكَ ، سَكَنَتْ حَيْثُ شَاءَتْ .\rوَإِنْ كَانَتْ الْمُدَّةُ أَقَلَّ مِمَّا ضَرَبَتْ بِهِ ، مِثْلَ إنْ وَضَعَتْ حَمْلَهَا لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ ، أَوْ تَرَبَّصَتْ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ فِي شَهْرَيْنِ ، فَعَلَيْهَا رَدُّ الْفَضْلِ وَتَضْرِبُ فِيهِ بِحِصَّتِهَا مِنْهُ .\rوَإِنْ طَالَتْ الْعِدَّةُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ ، مِثْلَ ذَلِكَ مِثْلَ إنْ وَضَعَتْ حَمْلَهَا فِي عَامٍ ، أَوْ رَأَتْ ثَلَاثَةَ","part":18,"page":52},{"id":8552,"text":"قُرُوءٍ فِي نِصْفِ عَامٍ ، رَجَعَتْ بِذَلِكَ عَلَى الْغُرَمَاءِ ، كَمَا يَرْجِعُونَ عَلَيْهَا فِي صُورَةِ النَّقْصِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا تَرْجِعَ بِهِ ، وَيَكُونَ فِي ذِمَّةِ زَوْجِهَا ؛ لِأَنَّنَا قَدَّرْنَا ذَلِكَ مَعَ تَجْوِيزِ الزِّيَادَةِ ، فَلَمْ تَكُنْ لَهَا الزِّيَادَةُ عَلَيْهِ .","part":18,"page":53},{"id":8553,"text":"( 6397 ) فَصْلٌ : وَلِلْمُعْتَدَّةِ الْخُرُوجُ فِي حَوَائِجِهَا نَهَارًا ، سَوَاءٌ كَانَتْ مُطَلَّقَةً أَوْ مُتَوَفًّى عَنْهَا .\rلِمَا رَوَى { جَابِرٌ قَالَ طَلُقَتْ خَالَتِي ثَلَاثًا ، فَخَرَجَتْ تَجُذُّ نَخْلَهَا ، فَلَقِيَهَا رَجُلٌ ، فَنَهَاهَا ، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ اُخْرُجِي ، فَجُذِّي نَخْلَك ، لَعَلَّك أَنْ تَصَّدَّقِي مِنْهُ ، أَوْ تَفْعَلِي خَيْرًا } .\rرَوَاهُ النَّسَائِيّ ، وَأَبُو دَاوُد .\rوَرَوَى مُجَاهِدٌ ، قَالَ : { اُسْتُشْهِدَ رِجَالٌ يَوْمَ أُحُدٍ فَجَاءَتْ نِسَاؤُهُمْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقُلْنَ ، يَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَسْتَوْحِشُ بِاللَّيْلِ ، أَفَنَبِيتُ عِنْدَ إحْدَانَا ، فَإِذَا أَصْبَحْنَا بَادَرْنَا إلَى بُيُوتِنَا ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : تَحَدَّثْنَ عِنْدَ إحْدَاكُنَّ ، حَتَّى إذَا أَرَدْتُنَّ النَّوْمَ ، فَلْتَؤُبْ كُلُّ وَاحِدَةٍ إلَى بَيْتِهَا } .\rوَلَيْسَ لَهَا الْمَبِيتُ فِي غَيْرِ بَيْتِهَا ، وَلَا الْخُرُوجُ لَيْلًا ، إلَّا لِضَرُورَةٍ ؛ لِأَنَّ اللَّيْلَ مَظِنَّةُ الْفَسَادِ ، بِخِلَافِ النَّهَارِ ، فَإِنَّهُ مَظِنَّةُ قَضَاءِ الْحَوَائِج وَالْمَعَاشِ ، وَشِرَاءِ مَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ .\rوَإِنْ وَجَبَ عَلَيْهَا حَقٌّ لَا يُمْكِنُ اسْتِيفَاؤُهُ إلَّا بِهَا ، كَالْيَمِينِ وَالْحَدِّ ، وَكَانَتْ ذَاتَ خِدْرٍ ، بَعَثَ إلَيْهَا الْحَاكِمُ مَنْ يَسْتَوْفِي الْحَقَّ مِنْهَا فِي مَنْزِلِهَا ، وَإِنْ كَانَتْ بَرْزَةً جَازَ إحْضَارُهَا لِاسْتِيفَائِهِ ، فَإِذَا فَرَغَتْ رَجَعَتْ إلَى مَنْزِلِهَا .\r( 6398 ) فَصْلٌ : وَالْأَمَةُ كَالْحُرَّةِ فِي الْإِحْدَادِ وَالِاعْتِدَادِ فِي الْمَنْزِلِ ، إلَّا أَنَّ سُكْنَاهَا فِي الْعِدَّةِ كَسُكْنَاهَا فِي حَيَاةِ زَوْجِهَا ، لِلسَّيِّدِ إمْسَاكُهَا نَهَارًا ، وَإِرْسَالُهَا لَيْلًا ، فَإِنْ أَرْسَلَهَا لَيْلًا وَنَهَارًا ، اعْتَدَّتْ زَمَانَهَا كُلَّهُ فِي الْمَنْزِلِ ، وَعَلَى الْوَرَثَةِ سُكْنَاهَا فِيهِمَا كَالْحُرَّةِ سَوَاءٌ .\r( 6399 ) فَصْلٌ : وَالْبَدَوِيَّةُ كَالْحَضَرِيَّةِ فِي الِاعْتِدَادِ فِي مَنْزِلهَا الَّذِي مَاتَ زَوْجُهَا وَهِيَ","part":18,"page":54},{"id":8554,"text":"سَاكِنَةٌ فِيهِ ، فَإِنْ انْتَقَلْت الْحِلَّةُ ، انْتَقَلَتْ مَعَهُمْ ؛ لِأَنَّهَا لَا يُمْكِنُهَا الْمُقَامُ وَحْدَهَا ، وَإِنْ انْتَقَلَ غَيْرُ أَهْلِهَا لَزِمَهَا الْمُقَامُ مَعَهُمْ ، وَإِنْ انْتَقَلَ أَهْلُهَا انْتَقَلَتْ مَعَهُمْ إلَّا أَنْ يَبْقَى مِنْ الْحِلَّةِ مِنْ لَا تَخَافُ عَلَى نَفْسِهَا مَعَهُمْ ، فَتَكُونَ مُخَيَّرَةً بَيْنَ الْإِقَامَةِ وَالرَّحِيلِ .\rوَإِنْ هَرَبَ أَهْلُهَا فَخَافَتْ هَرَبَتْ مَعَهُمْ ، وَإِنْ أَمِنَتْ أَقَامَتْ لِقَضَاءِ الْعِدَّةِ فِي مَنْزِلِهَا .","part":18,"page":55},{"id":8555,"text":"( 6400 ) فَصْلٌ فَإِنْ : مَاتَ صَاحِبُ السَّفِينَةِ وَامْرَأَتُهُ فِي السَّفِينَةِ ، وَلَهَا مَسْكَنٌ فِي الْبَرِّ ، فَحُكْمُهَا حُكْمُ الْمُسَافِرَةِ فِي الْبَرِّ عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا مَسْكَنٌ سِوَاهَا ، وَكَانَ فِيهَا بَيْتٌ يُمْكِنُهَا السُّكْنَى فِيهِ ، بِحَيْثُ لَا تَجْتَمِعُ مَعَ الرِّجَالِ ، وَأَمْكَنَهَا الْمُقَامُ فِيهِ ، بِحَيْثُ تَأْمَنُ عَلَى نَفْسِهَا وَمَعَهَا مَحْرَمُهَا ، لَزِمَهَا أَنْ تَعْتَدَّ بِهِ ، فَإِنْ كَانَتْ ضَيِّقَةً وَلَيْسَ مَعَهَا مَحْرَمُهَا ، أَوْ لَا يُمْكِنُهَا الْإِقَامَةُ فِيهَا إلَّا بِحَيْثُ تَخْتَلِطُ بِالرِّجَالِ ، لَزِمَهَا الِانْتِقَالُ مِنْهَا إلَى مَوْضِعٍ سِوَاهَا .","part":18,"page":56},{"id":8556,"text":"( 6401 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَالْمُطَلَّقَةُ ثَلَاثًا ، تَتَوَقَّى الطِّيبَ ، وَالزِّينَةَ ، وَالْكُحْلَ بِالْإِثْمِدِ ) اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ ، فِي وُجُوبِ الْإِحْدَادِ عَلَى الْمُطَلَّقَةِ الْبَائِنِ ؛ فَعَنْهُ ، يَجِبُ عَلَيْهَا .\rوَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، وَأَبِي عُبَيْدٍ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ .\rوَالثَّانِيَةُ ، لَا يَجِبُ عَلَيْهَا .\rوَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ ، وَرَبِيعَةَ ، وَمَالِكٍ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَنَحْوُهُ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ، أَنْ تُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ ، إلَّا عَلَى زَوْجٍ ، أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا } .\rوَهَذِهِ عِدَّةُ الْوَفَاةِ ، فَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْإِحْدَادَ إنَّمَا يَجِبُ فِي عِدَّةِ الْوَفَاةِ ؛ وَلِأَنَّهَا مُعْتَدَّةٌ عَنْ غَيْرِ وَفَاةٍ ، فَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهَا الْإِحْدَادُ ، كَالرَّجْعِيَّةِ ، وَالْمَوْطُوءَةِ بِشُبْهَةٍ ، وَلِأَنَّ الْإِحْدَادَ فِي عِدَّةِ الْوَفَاةِ لِإِظْهَارِ الْأَسَفِ عَلَى فِرَاقِ زَوْجِهَا وَمَوْتِهِ ، فَأَمَّا الطَّلَاقُ فَإِنَّهُ فَارَقَهَا بِاخْتِيَارِ نَفْسِهِ ، وَقَطَعَ نِكَاحَهَا ، فَلَا مَعْنَى لَتَكْلِيفِهَا الْحُزْنَ عَلَيْهِ ؛ وَلِأَنَّ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا لَوْ أَتَتْ بِوَلَدِ ، لَحِقَ الزَّوْجَ ، وَلَيْسَ لَهُ مَنْ يَنْفِيه ، فَاحْتِيطَ عَلَيْهَا بِالْإِحْدَادِ ، لِئَلَّا يَلْحَقَ بِالْمَيِّتِ مَنْ لَيْسَ مِنْهُ ، بِخِلَافِ الْمُطَلَّقَةِ ، فَإِنَّ زَوْجَهَا بَاقٍ ، فَهُوَ يُحْتَاطُ عَلَيْهَا بِنَفْسِهِ ، وَيَنْفِي وَلَدَهَا إذَا كَانَ مِنْ غَيْرِهِ .\rوَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى ، أَنَّهَا مُعْتَدَّةٌ بَائِنٌ مِنْ نِكَاحٍ ، فَلَزِمَهَا الْإِحْدَادُ ، كَالْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْعِدَّةَ تُحَرِّمُ النِّكَاحَ ، فَحَرَّمَتْ دَوَاعِيَهُ .\rوَيُخَرَّجُ عَلَى هَذَا الرَّجْعِيَّةُ ، فَإِنَّهَا زَوْجَةٌ ، وَالْمَوْطُوءَةُ بِشُبْهَةٍ لَيْسَتْ مُعْتَدَّةً مِنْ نِكَاحٍ ، فَلَمْ تَكْمُلْ الْحُرْمَةُ .\rفَأَمَّا الْحَدِيثُ ، فَإِنَّمَا مَدْلُولُهُ تَحْرِيمُ الْإِحْدَادِ","part":18,"page":57},{"id":8557,"text":"عَلَى مَيِّتٍ غَيْرِ الزَّوْجِ ، وَنَحْنُ نَقُولُ بِهِ ؛ وَلِهَذَا جَازَ الْإِحْدَادُ هَاهُنَا بِالْإِجْمَاعِ ، فَإِذَا قُلْنَا يَلْزَمُهَا الْإِحْدَادُ ، لَزِمَهَا شَيْئَانِ ؛ تَوَقِّي الطِّيبِ ، وَالزِّينَةِ فِي نَفْسِهَا ، عَلَى مَا قَدَّمْنَا فِيهَا ، وَلَا تُمْنَعُ مِنْ النِّقَابِ ، وَلَا مِنْ الِاعْتِدَادِ فِي غَيْرِ مَنْزِلِهَا ، وَلِذَلِكَ أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ ، أَنْ تَعْتَدَّ فِي بَيْتِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ .\rعَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .\r( 6402 ) فَصْلٌ : وَإِذَا كَانَتْ الْمَبْتُوتَةُ حَامِلًا ، وَجَبَ لَهَا السُّكْنَى ، رِوَايَةً وَاحِدَةً .\rوَلَا نَعْلَمُ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ خِلَافًا فِيهِ ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ حَامِلًا فَفِيهَا رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، لَا يَجِبُ لَهَا ذَلِكَ .\rوَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَجَابِرٍ .\rوَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ ، وَطَاوُوسٌ ، وَالْحَسَنُ ، وَعَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ ، وَعِكْرِمَةُ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَدَاوُد .\rوَالثَّانِيَةُ يَجِبُ لَهَا ذَلِكَ ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَابْنِ عُمَرَ ، وَعَائِشَةَ ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، وَالْقَاسِمِ ، وَسَالِمٍ ، وَأَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَخَارِجَةَ بْنِ زَيْدٍ ، وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ وَمَالِكٍ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ } .\rوَقَالَ تَعَالَى { أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ } .\rفَأَوْجَبَ لَهُنَّ السُّكْنَى مُطْلَقًا ، ثُمَّ خَصَّ الْحَامِلَ بِالْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا .\rوَلَنَا مَا رَوَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ قَيْسٍ ، { أَنَّ أَبَا عَمْرِو بْنِ حَفْصٍ طَلَّقَهَا أَلْبَتَّةَ ، وَهُوَ غَائِبٌ ، فَأَرْسَلَ إلَيْهَا وَكِيلَهُ بِشَعِيرٍ ، فَتَسَخَّطَتْهُ ، فَقَالَ وَاَللَّهِ مَا لَكِ عَلَيْنَا مِنْ شَيْءٍ .\rفَجَاءَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ","part":18,"page":58},{"id":8558,"text":"عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ ، فَقَالَ لَهَا : لَيْسَ لَك عَلَيْهِ نَفَقَةٌ وَلَا سُكْنَى .\rفَأَمَرَهَا أَنْ تَعْتَدَّ فِي بَيْتِ أُمِّ شَرِيكٍ ، ثُمَّ قَالَ : إنَّ تِلْكَ امْرَأَةٌ يَغْشَاهَا أَصْحَابِي اعْتَدِّي فِي بَيْتِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rفَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ أَنْكَرَ عَلَيْهَا عُمَرُ ، وَقَالَ مَا كُنَّا لِنَدَعَ كِتَابَ رَبِّنَا ، وَسُنَّةَ نَبِيَّنَا ، لِقَوْلِ امْرَأَةٍ ، لَا نَدْرِي أَصَدَقَتْ أَمْ كَذَبَتْ .\rوَقَالَ عُرْوَةُ : لَقَدْ عَابَتْ عَائِشَةُ ذَلِكَ أَشَدَّ الْعَيْبِ ، ؟ وَقَالَ : إنَّهَا كَانَتْ فِي مَكَان وَحْشٍ ، فَخِيفَ عَلَى نَاحِيَتِهَا .\r؟ وَقَالَ : سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ، تِلْكَ امْرَأَةٌ فَتَنَتْ النَّاسَ ، إنَّهَا كَانَتْ لَسِنَةً ، فَوُضِعَتْ عَلَى يَدَيْ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ الْأَعْمَى .\rقُلْنَا : أَمَّا مُخَالَفَةُ الْكِتَابِ ، فَإِنَّ فَاطِمَةَ لَمَّا أَنْكَرُوا عَلَيْهَا ، قَالَتْ : بَيْنِي وَبَيْنكُمْ كِتَابُ اللَّهِ ، قَالَ اللَّه تَعَالَى : { لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا } .\rفَأَيُّ أَمْرٍ يَحْدُثُ بَعْدَ الثَّلَاثِ ؟ فَكَيْفَ تَقُولُونَ : لَا نَفَقَةَ لَهَا ، إذَا لَمْ تَكُنْ حَامِلًا فَعَلَامَ تَحْبِسُونَهَا ؟ فَكَيْفَ تُحْبَسُ امْرَأَةٌ بِغَيْرِ نَفَقَةٍ ؟ وَأَمَّا قَوْلُهُمْ : إنَّ عُمَرَ قَالَ : لَا نَدَعُ كِتَابَ رَبِّنَا .\rفَقَدْ أَنْكَرَ أَحْمَدُ هَذَا الْقَوْلَ عَنْ عُمَرَ ، قَالَ وَلَكِنَّهُ قَالَ : لَا نُجِيزُ فِي دِينِنَا قَوْلَ امْرَأَةٍ .\rوَهَذَا مُجْمَعٌ عَلَى خِلَافِهِ ، وَقَدْ أَخَذْنَا بِخَبَرِ فُرَيْعَةَ ، وَهِيَ امْرَأَةٌ ، وَبِرِوَايَةِ عَائِشَةَ وَأَزْوَاجِ رَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْأَحْكَامِ ، وَصَارَ أَهْلُ الْعِلْمِ إلَى خَبَرِ فَاطِمَةَ هَذَا فِي كَثِيرٍ مِنْ الْأَحْكَامِ ، مِثْلَ سُقُوطِ نَفَقَةِ الْمَبْتُوتَةِ إذَا لَمْ تَكُنْ حَامِلًا ، وَنَظَرِ الْمَرْأَةِ إلَى الرِّجَالِ ، وَخِطْبَةِ الرَّجُلِ ، عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ إذَا لَمْ تَكُنْ سَكَنَتْ إلَى الْأَوَّلِ .\rوَأَمَّا تَأْوِيلُ مِنْ تَأَوَّلَ حَدِيثَهَا ، فَلَيْسَ بِشَيْءٍ فَإِنَّهَا تُخَالِفُهُمْ فِي ذَلِكَ ، وَهِيَ أَعْلَمُ","part":18,"page":59},{"id":8559,"text":"بِحَالِهَا ، وَلَمْ يَتَّفِقْ الْمُتَأَوِّلُونَ عَلَى شَيْءٍ ، وَقَدْ رُدَّ عَلَى مَنْ رَدَّ عَلَيْهَا ، فَقَالَ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ لِسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، لَمَّا قَالَ : تِلْكَ امْرَأَةٌ فَتَنَتْ النَّاسَ : لَئِنْ كَانَتْ إنَّمَا أَخَذَتْ بِمَا أَفْتَاهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا فَتَنَتْ النَّاسَ ، وَإِنَّ لَنَا فِي رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُسْوَةً حَسَنَةً ، مَعَ أَنَّهَا أَحْرَمُ النَّاسِ عَلَيْهِ ، لَيْسَ لَهُ عَلَيْهَا رَجْعَةٌ ، وَلَا بَيْنهمَا مِيرَاثٌ .\rوَقَوْلُ عَائِشَةَ : إنَّهَا كَانَتْ فِي مَكَان وَحْشٍ .\rلَا يَصِحُّ ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَّلَ بِغَيْرِ ذَلِكَ ، فَقَالَ : { يَا ابْنَةَ آلِ قَيْسٍ ، إنَّمَا السُّكْنَى وَالنَّفَقَةُ مَا كَانَ لِزَوْجِك عَلَيْك الرَّجْعَةُ } .\rهَكَذَا رَوَاهُ الْحُمَيْدِيُّ ، وَالْأَثْرَمُ .\rوَلِأَنَّهُ لَوْ صَحَّ مَا قَالَتْهُ عَائِشَةُ أَوْ غَيْرُهَا مِنْ التَّأْوِيلِ ، مَا احْتَاجَ عُمَرُ فِي رَدِّهِ إلَى أَنْ يَعْتَذِرَ بِأَنَّهُ قَوْلُ امْرَأَةٍ .\rثُمَّ فَاطِمَةُ صَاحِبَةُ الْقِصَّةِ ، وَهِيَ أَعْرَفُ بِنَفْسِهَا وَبِحَالِهَا ، وَقَدْ أَنْكَرَتْ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ عَلَيْهَا ، وَرَدَّتْ عَلَى مِنْ رَدَّ خَبَرَهَا ، أَوْ تَأَوَّلَهُ بِخِلَافِ ظَاهِرِهِ ، فَيَجِبُ تَقْدِيمُ قَوْلِهَا ؛ لِمَعْرِفَتِهَا بِنَفْسِهَا ، وَمُوَافَقَتِهَا ظَاهِرَ الْخَبَرِ ، كَمَا فِي سَائِرِ مَا هَذَا سَبِيلُهُ .","part":18,"page":60},{"id":8560,"text":"( 6403 ) فَصْلٌ : قَالَ أَصْحَابُنَا : وَلَا يَتَعَيَّنُ الْمَوْضِعُ الَّذِي تَسْكُنُهُ فِي الطَّلَاقِ ، سَوَاءٌ قُلْنَا : لَهَا السُّكْنَى .\rأَوْ لَمْ نَقُلْ ، بَلْ يَتَخَيَّرُ الزَّوْجُ بَيْن إقْرَارِهَا فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي طَلَّقَهَا فِيهِ ، وَبَيْنَ نَقْلِهَا إلَى مَسْكَنِ مِثْلِهَا ، وَالْمُسْتَحَبُّ إقْرَارُهَا ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى { لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةِ مُبَيِّنَةٍ } .\rوَلِأَنَّ فِيهِ خُرُوجًا مِنْ الْخِلَافِ ، فَإِنَّ الَّذِينَ ذَكَرْنَا عَنْهُمْ أَنَّ لَهَا السُّكْنَى ، يَرَوْنَ وُجُوبَ الِاعْتِدَادِ عَلَيْهَا فِي مَنْزِلِهَا ، فَإِنْ كَانَتْ فِي بَيْتٍ يَمْلِكُ الزَّوْجُ سُكْنَاهُ ، وَيَصْلُحُ لِمِثْلِهَا ، اعْتَدَّتْ فِيهِ ، فَإِنْ ضَاقَ عَنْهُمَا ، انْتَقَلَ عَنْهَا وَتَرَكَهُ لَهَا ؛ لِأَنَّهُ يُسْتَحَبُّ سُكْنَاهَا فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي طَلَّقَهَا فِيهِ ، وَإِنْ اتَّسَعَ الْمَوْضِعُ لَهُمَا ، وَفِي الدَّارِ مَوْضِعٌ لَهَا مُنْفَرِدٌ كَالْحُجْرَةِ أَوْ عُلْوِ الدَّارِ أَوْ سُفْلِهَا ، وَبَيْنهمَا بَابٌ مُغْلَقٌ ، سَكَنَتْ فِيهِ ، وَسَكَنَ الزَّوْجُ فِي الْبَاقِي ، لِأَنَّهُمَا كَالْحُجْرَتَيْنِ الْمُتَجَاوِرَتَيْنِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنهمَا بَابٌ مُغْلَقٌ ، لَكِنَّ لَهَا مَوْضِعٌ تَتَسَتَّرُ فِيهِ ، بِحَيْثُ لَا يَرَاهَا ، وَمَعَهَا مَحْرَمٌ تَتَحَفَّظُ بِهِ ، جَازَ ؛ لِأَنَّ مَعَ الْمُحْرِمِ يُؤْمَنُ الْفَسَادُ ، وَيُكْرَهُ فِي الْجُمْلَةِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ النَّظَرُ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهَا مَحْرَمٌ ، لَمْ يَجُزْ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ لَيْسَتْ لَهُ بِمَحْرَمٍ ؛ فَإِنَّ ثَالِثَهُمَا الشَّيْطَانُ } وَإِنْ امْتَنَعَ مِنْ إسْكَانِهَا ، وَكَانَتْ مِمَّنْ لَهَا عَلَيْهِ السُّكْنَى ، أَجْبَرَهُ الْحَاكِمُ ، فَإِنْ كَانَ الْحَاكِمُ مَعْدُومًا ، رَجَعَتْ عَلَى الزَّوْجِ ، وَإِنْ كَانَ الْحَاكِمُ مَوْجُودًا ، فَهَلْ تَرْجِعُ ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ .\rوَإِنْ كَانَ الزَّوْجُ حَاضِرًا ، وَلَمْ يَمْنَعْهَا مِنْ الْمَسْكَنِ ، فَاكْتَرَتْ لِنَفْسِهَا مَوْضِعًا ، أَوْ سَكَنَتْ فِي مَوْضِعٍ تَمْلِكُهُ ، لَمْ","part":18,"page":61},{"id":8561,"text":"تَرْجِعْ بِالْأُجْرَةِ لِأَنَّهَا تَبَرَّعَتْ بِذَلِكَ فَلَمْ تَرْجِعْ بِهِ عَلَى أَحَدٍ .\rوَإِنَّ عَجَزَ الزَّوْجُ عَنْ إسْكَانِهَا ؛ لِعُسْرَتِهِ ، أَوْ غَيْبَتِهِ ، أَوْ امْتَنَعَ مِنْ ذَلِكَ مَعَ قُدْرَتِهِ ؛ سَكَنَتْ حَيْثُ شَاءَتْ .\rوَكَذَلِكَ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا ، إذَا لَمْ يُسْكِنْهَا وَرَثَتُهُ ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا تَلْزَمُهَا السُّكْنَى فِي مَنْزِلِهِ لِتَحْصِينِ مَائِهِ ، فَإِذَا لَمْ تَفْعَلْ ، لَمْ يَلْزَمْهَا ذَلِكَ .","part":18,"page":62},{"id":8562,"text":"( 6404 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَإِذَا خَرَجَتْ إلَى الْحَجِّ فَتُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا ، وَهِيَ بِالْقُرْبِ ، رَجَعَتْ لِتَقْضِيَ الْعِدَّةَ ، فَإِنْ كَانَتْ قَدْ تَبَاعَدَتْ ، مَضَتْ فِي سَفَرِهَا ، فَإِنْ رَجَعَتْ وَقَدْ بَقِيَ مِنْ عِدَّتِهَا شَيْءٌ ، أَتَتْ بِهِ فِي مَنْزِلِهَا ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْمُعْتَدَّةَ مِنْ الْوَفَاةِ لَيْسَ لَهَا أَنْ تَخْرُجَ إلَى الْحَجِّ ، وَلَا إلَى غَيْرِهِ .\rرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ ، وَعُثْمَانَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا .\rوَبِهِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ، وَالْقَاسِمُ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ، وَالثَّوْرِيُّ .\rوَإِنْ خَرَجَتْ ، فَمَاتَ زَوْجُهَا فِي الطَّرِيقِ ، رَجَعَتْ إنْ كَانَتْ قَرِيبَةً ؛ لِأَنَّهَا فِي حُكْمِ الْإِقَامَةِ ، وَإِنْ تَبَاعَدَتْ ، مَضَتْ فِي سَفَرِهَا .\rوَقَالَ مَالِكٌ : تُرَدُّ مَا لَمْ تُحْرِمْ .\rوَالصَّحِيحُ أَنَّ الْبَعِيدَةَ لَا تُرَدُّ ؛ لِأَنَّهُ يَضُرُّ بِهَا ، وَعَلَيْهَا مَشَقَّةٌ ، وَلَا لَهَا مِنْ سَفَرٍ وَإِنْ رَجَعَتْ .\rقَالَ الْقَاضِي : يَنْبَغِي أَنْ يُحَدَّ الْقَرِيبُ بِمَا لَا تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ ، وَالْبَعِيدُ مَا تُقْصَرُ فِيهِ ؛ لِأَنَّ مَا لَا تُقْصَرُ الصَّلَاةُ فِيهِ أَحْكَامُهُ أَحْكَامُ الْحَضَرِ .\rوَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، إلَّا أَنَّهُ لَا يَرَى الْقَصْرَ إلَّا فِي مَسِيرَةِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ .\rفَقَالَ : مَتَى كَانَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَسْكَنِهَا دُونِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ، فَعَلَيْهَا الرُّجُوعُ إلَيْهِ ، وَإِنْ كَانَ فَوْقَ ذَلِكَ لَزِمَهَا الْمُضِيُّ إلَى مَقْصِدِهَا ، وَالِاعْتِدَادُ فِيهِ إذَا كَانَ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ دُونَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ، وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ ، وَفِي مَوْضِعِهَا الَّذِي هِيَ بِهِ مَوْضِعٌ يُمْكِنُهَا الْإِقَامَةُ فِيهِ ، لَزِمَهَا الْإِقَامَةُ ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهَا الْإِقَامَةُ ، مَضَتْ إلَى مَقْصِدِهَا .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : إنْ فَارَقَتْ الْبُنْيَانَ ، فَلَهَا الْخِيَارُ بَيْنَ الرُّجُوعِ وَالتَّمَامِ ؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ فِي مَوْضِعٍ أَذِنَ لَهَا زَوْجُهَا فِيهِ ، وَهُوَ السَّفَرُ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَتْ قَدْ بَعُدَتْ .","part":18,"page":63},{"id":8563,"text":"وَلَنَا ، عَلَى وُجُوبِ الرُّجُوعِ إذَا كَانَتْ قَرِيبَةً ، مَا رَوَى سَعِيدٌ ، ثنا جَرِيرٌ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَ : تُوُفِّيَ أَزْوَاجٌ ، نِسَاؤُهُنَّ حَاجَّاتٌ أَوْ مُعْتَمِرَاتٌ ، فَرَدَّهُنَّ عُمَرُ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ ، حَتَّى يَعْتَدِدْنَ فِي بُيُوتِهِنَّ .\rوَلِأَنَّهُ أَمْكَنَهَا الِاعْتِدَادُ فِي مَنْزِلهَا قَبْلَ أَنْ يَبْعُدَ سَفَرُهَا ، فَلَزِمَهَا ، كَمَا لَوْ لَمْ تُفَارِقْ الْبُنْيَانَ .\rوَعَلَى أَنَّ الْبَعِيدَةَ لَا يَلْزَمُهَا الرُّجُوعُ ؛ لِأَنَّ عَلَيْهَا مَشَقَّةً وَتَحْتَاجُ إلَى سَفَرٍ فِي رُجُوعِهَا ، فَأَشْبَهَتْ مَنْ بَلَغَتْ مَقْصِدَهَا .\rوَإِنْ اخْتَارَتْ الْبَعِيدَةُ الرُّجُوعَ ، فَلَهَا ذَلِكَ إذَا كَانَتْ تَصِلُ إلَى مَنْزِلهَا قَبْلَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا ، وَمَتَى كَانَ عَلَيْهَا فِي الرُّجُوعِ خَوْفٌ أَوْ ضَرَرٌ ، فَلَهَا الْمُضِيُّ فِي سَفَرِهَا ، كَمَا لَوْ بَعُدَتْ ، وَمَتَى رَجَعَتْ ، وَقَدْ بَقِيَ عَلَيْهَا شَيْءٌ ، مِنْ عِدَّتِهَا ، لَزِمَهَا أَنْ تَأْتِيَ بِهِ فِي مَنْزِلِ زَوْجِهَا ، بِلَا خِلَافٍ نَعْلَمُهُ بَيْنَهُمْ فِي ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنَهَا الِاعْتِدَادُ فِيهِ ، فَلَزِمَهَا كَمَا لَوْ لَمْ تُسَافِرْ مِنْهُ .\r( 6405 ) فَصْلٌ : وَلَوْ كَانَتْ عَلَيْهَا حِجَّةُ الْإِسْلَامِ ، فَمَاتَ زَوْجُهَا ، لَزِمَتْهَا الْعِدَّةُ فِي مَنْزِلِهَا وَإِنْ فَاتَهَا الْحَجُّ ؛ لِأَنَّ الْعِدَّةَ فِي الْمَنْزِلِ تَفُوتُ ، وَلَا بَدَلَ لَهَا ، وَالْحَجُّ يُمْكِنُ الْإِتْيَانُ بِهِ فِي غَيْرِ هَذَا الْعَامِ .\rوَإِنْ مَاتَ زَوْجُهَا بَعْدَ إحْرَامِهَا بِحَجِّ الْفَرْضِ ، أَوْ بِحَجِّ أَذِنَ لَهَا زَوْجُهَا فِيهِ ، نَظَرْت ؛ فَإِنْ كَانَ وَقْتُ الْحَجِّ مُتَّسِعًا ، لَا تَخَافُ فَوْتَهُ ، وَلَا فَوْتَ الرُّفْقَةِ ، لَزِمَهَا الِاعْتِدَادُ فِي مَنْزِلِهَا ؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْحَقَّيْنِ ، فَلَمْ يَجُزْ إسْقَاطُ أَحَدِهِمَا ، وَإِنْ خَشِيَتْ فَوَاتَ الْحَجِّ ، لَزِمَهَا الْمُضِيُّ فِيهِ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَلْزَمُهَا الْمُقَامُ وَإِنْ فَاتَهَا الْحَجُّ ؛ لِأَنَّهَا مُعْتَدَّةٌ ، فَلَمْ يَجُزْ لَهَا أَنْ تُنْشِئَ سَفَرًا ، كَمَا لَوْ أَحْرَمَتْ","part":18,"page":64},{"id":8564,"text":"بَعْدَ وُجُوبِ الْعِدَّةِ عَلَيْهَا .\rوَلَنَا ، أَنَّهُمَا عِبَادَتَانِ اسْتَوَيَا فِي الْوُجُوبِ ، وَضِيقِ الْوَقْتِ ، فَوَجَبَ تَقْدِيمُ الْأَسْبَقِ مِنْهُمَا ، كَمَا لَوْ كَانَتْ الْعِدَّةُ أَسْبَقَ ؛ وَلِأَنَّ الْحَجَّ آكَدُ ؛ لِأَنَّهُ أَحَدُ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ ، وَالْمَشَقَّةُ بِتَفْوِيتِهِ تَعْظُمُ ، فَوَجَبَ تَقْدِيمُهُ كَمَا لَوْ مَاتَ زَوْجُهَا بَعْدَ أَنْ بَعُدَ سَفَرُهَا إلَيْهِ .\rوَإِنْ أَحْرَمَتْ بِالْحَجِّ بَعْدَ مَوْتِ زَوْجِهَا ، وَخَشِيَتْ فَوَاتَهُ ، احْتَمَلَ أَنْ يَجُوزَ لَهَا الْمُضِيُّ إلَيْهِ ؛ لِمَا فِي بَقَائِهَا فِي الْإِحْرَامِ مِنْ الْمَشَقَّةِ ، وَاحْتُمِلَ أَنْ يَلْزَمَهَا الِاعْتِدَادُ فِي مَنْزِلِهَا ؛ لِأَنَّ الْعِدَّةَ أَسْبَقُ ؛ وَلِأَنَّهَا فَرَّطَتْ وَغَلِطَتْ عَلَى نَفْسِهَا ، فَإِذَا قَضَتْ الْعِدَّةَ ، وَأَمْكَنَهَا السَّفَرُ إلَى الْحَجِّ ، لَزِمَهَا ذَلِكَ ، فَإِنْ أَدْرَكَتْهُ ، وَإِلَّا تَحَلَّلَتْ بِعَمَلِ عُمْرَةٍ ، وَحُكْمُهَا فِي الْقَضَاءِ حُكْمُ مَنْ فَاتَهُ الْحَجُّ ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهَا السَّفَرُ ، فَحُكْمُهَا حُكْمُ الْمُحْصَرِ ، كَاَلَّتِي يَمْنَعُهَا زَوْجُهَا مِنْ السَّفَرِ .\rوَحُكْمُ الْإِحْرَامِ بِالْعُمْرَةِ كَذَلِكَ ، إذَا خِيفَ فَوَاتُ الرُّفْقَةِ أَوْ لَمْ يُخَفْ .","part":18,"page":65},{"id":8565,"text":"( 6406 ) فَصْلٌ : وَإِذَا أَذِنَ لَهَا زَوْجُهَا لِلسَّفَرِ لِغَيْرِ النَّقْلَةِ ، فَخَرَجَتْ ثُمَّ مَاتَ زَوْجُهَا ، فَالْحُكْمُ فِي ذَلِكَ كَالْحُكْمِ فِي سَفَرِ الْحَجِّ ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ التَّفْصِيلِ .\rوَإِذَا مَضَتْ إلَى مَقْصِدِهَا ، فَلَهَا الْإِقَامَةُ حَتَّى تَقْضِيَ مَا خَرَجَتْ إلَيْهِ ، وَتَنْقَضِيَ حَاجَتُهَا مِنْ تِجَارَةٍ أَوْ غَيْرِهَا .\rوَإِنْ كَانَ خُرُوجُهَا لَنُزْهَةٍ أَوْ زِيَارَةٍ ، أَوْ لَمْ يَكُنْ قَدَّرَ لَهَا مُدَّةً ، فَإِنَّهَا تُقِيمُ إقَامَةَ الْمُسَافِرِ ثَلَاثًا ، وَإِنْ قَدَّرَ لَهَا مُدَّةً ، فَلَهَا إقَامَتُهَا ؛ لِأَنَّ سَفَرَهَا بِحُكْمِ إذْنِهِ ، فَكَانَ لَهَا إقَامَةُ مَا أَذِنَ لَهَا فِيهِ ، فَإِذَا مَضَتْ مُدَّتُهَا ، أَوْ قَضَتْ حَاجَتَهَا ، وَلَمْ يُمْكِنْهَا الرُّجُوعُ ؛ لَخَوْفٍ أَوْ غَيْرِهِ ، أَتَمَّتْ الْعِدَّةَ فِي مَكَانِهَا ، وَإِنْ أَمْكَنَهَا الرُّجُوعُ ، لَكِنْ لَا يُمْكِنُهَا الْوُصُولُ إلَى مَنْزِلهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا ، لَزِمَتْهَا الْإِقَامَةُ فِي مَكَانِهَا ؛ لِأَنَّ الِاعْتِدَادَ وَهِيَ مُقِيمَةٌ أَوْلَى مِنْ الْإِتْيَانِ بِهَا فِي السَّفَرِ .\rوَإِنْ كَانَتْ تَصِلُ وَقَدْ بَقِيَ مِنْ عِدَّتِهَا شَيْءٌ ، لَزِمَهَا الْعَوْدُ ؛ لِتَأْتِيَ بِالْعِدَّةِ فِي مَكَانِهَا .\r( 6407 ) فَصْلٌ : وَإِنْ أَذِنَ الزَّوْجُ لَهَا فِي الِانْتِقَالِ إلَى دَارٍ أُخْرَى ، أَوْ بَلَدٍ آخَرَ ، فَمَاتَ قَبْلَ انْتِقَالِهَا ، لَزِمَهَا الِاعْتِدَادُ فِي الدَّارِ الَّتِي هِيَ بِهَا ؛ لِأَنَّهَا بَيْتُهَا ، وَسَوَاءٌ مَاتَ قَبْلَ نَقْلِ مَتَاعِهَا أَوْ بَعْدَهُ ؛ لِأَنَّهَا مَسْكَنُهَا ، مَا لَمْ تَنْتَقِلْ عَنْهُ .\rوَإِنْ مَاتَ بَعْدَ انْتِقَالِهَا إلَى الثَّانِيَةِ ، اعْتَدَّتْ فِيهَا ؛ لِأَنَّهَا مَسْكَنُهَا ، وَسَوَاءٌ كَانَتْ قَدْ نَقَلَتْ مَتَاعَهَا ، أَوْ لَمْ تَنْقُلْهُ .\rوَإِنْ مَاتَ وَهِيَ بَيْنَهُمَا ، فَهِيَ مُخَيَّرَةٌ ؛ لِأَنَّهَا لَا مَسْكَنَ لَهَا مِنْهُمَا .\rفَإِنَّ الْأُولَى قَدْ خَرَجَتْ عَنْهَا مُنْتَقِلَةً ، فَخَرَجَتْ عَنْ كَوْنِهَا مَسْكَنًا لَهَا ، وَالثَّانِيَةُ لَمْ تَسْكُنْ بِهَا ، فَهُمَا سَوَاءٌ .\rوَقِيلَ : يَلْزَمُهَا الِاعْتِدَادُ فِي الثَّانِيَةِ ؛ لِأَنَّهَا الْمَسْكَنُ الَّذِي","part":18,"page":66},{"id":8566,"text":"أَذِنَ لَهَا زَوْجُهَا فِي السُّكْنَى بِهِ .\rوَهَذَا يُمْكِنُ فِي الدَّارَيْنِ ، فَأَمَّا إذَا كَانَا بَلَدَيْنِ ، لَمْ يَلْزَمْهَا الِانْتِقَالُ إلَى الْبَلَدِ الثَّانِي بِحَالٍ ؛ لِأَنَّهَا إنَّمَا كَانَتْ تَنْتَقِلُ لِغَرَضِ زَوْجِهَا فِي صُحْبَتِهَا إيَّاهُ ، وَإِقَامَتِهَا مَعَهُ ، فَلَوْ أَلْزَمْنَاهَا ذَلِكَ بَعْدَ مَوْتِهِ ، لَكَلَّفْنَاهَا السَّفَرَ الشَّاقَّ ، وَالتَّغَرُّبَ عَنْ وَطَنِهَا وَأَهْلِهَا ، وَالْمُقَامَ مَعَ غَيْرِ مَحْرَمِهَا ، وَالْمُخَاطَرَةَ بِنَفْسِهَا ، مَعَ فَوَاتِ الْغَرَضِ ، وَظَاهِرُ حَالِ الزَّوْجِ أَنَّهُ لَوْ عَلِمَ أَنَّهُ يَمُوتُ ، لَمَا نَقَلَهَا ، فَصَارَتْ الْحَيَاةُ مَشْرُوطَةً فِي النَّقْلَةِ .\rفَأَمَّا إنْ انْتَقَلَتْ إلَى الثَّانِيَةِ ، ثُمَّ عَادَتْ إلَى الْأُولَى لِنَقْلِ مَتَاعِهَا ، فَمَاتَ زَوْجُهَا وَهِيَ بِهَا ، فَعَلَيْهَا الرُّجُوعُ إلَى الثَّانِيَةِ ؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ مَسْكَنَهَا بِانْتِقَالِهَا إلَيْهَا ، وَإِنَّمَا عَادَتْ إلَى الْأُولَى لَحَاجَةٍ ، وَالِاعْتِبَارُ بِمَسْكَنِهَا دُونَ مَوْضِعِهَا .\rوَإِنْ مَاتَ وَهِيَ فِي الثَّانِيَةِ ، فَقَالَتْ : أَذِنَ لِي زَوْجِي فِي السُّكْنَى بِهَذَا الْمَكَانِ .\rوَأَنْكَرَ ذَلِكَ الْوَرَثَةُ ، أَوْ قَالَتْ : إنَّمَا أَذِنَ لِي زَوْجِي فِي الْمَجِيءِ إلَيْهِ ، لَا فِي الْإِقَامَةِ بِهِ .\rوَأَنْكَرَ ذَلِكَ الْوَرَثَةُ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا ؛ لِأَنَّهَا أُعْرَفُ بِذَلِكَ مِنْهُمْ .\rوَكُلُّ مَوْضِعٍ قُلْنَا : يَلْزَمُهَا السَّفَرُ عَنْ بَلَدِهَا .\rفَهُوَ مَشْرُوطٌ بِوُجُودِ مَحْرَمِهَا مُسَافِرًا مَعَهَا ، وَالْأَمْنِ عَلَى نَفْسِهَا ؛ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةِ تُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ، أَنْ تُسَافِرَ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ ، إلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ مِنْ أَهْلِهَا } .\rأَوْ كَمَا قَالَ .\r( 6408 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَإِذَا طَلَّقَهَا زَوْجُهَا ، أَوْ مَاتَ عَنْهَا ، وَهُوَ نَاءٍ عَنْهَا ، فَعِدَّتُهَا مِنْ يَوْمِ مَاتَ أَوْ طَلَّقَ ، إذَا صَحَّ ذَلِكَ عِنْدَهَا ، وَإِنْ لَمْ تَجْتَنِبْ مَا تَجْتَنِبُهُ الْمُعْتَدَّةُ ) هَذَا الْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ ، وَأَنَّهُ مَتَى مَاتَ","part":18,"page":67},{"id":8567,"text":"زَوْجُهَا أَوْ طَلَّقَهَا ، فَعِدَّتُهَا مِنْ يَوْمِ مَوْتِهِ وَطَلَاقِهِ .\rقَالَ أَبُو بَكْرٍ لَا خِلَافَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ أَعْلَمُهُ ، أَنَّ الْعِدَّةَ تَجِبُ مِنْ حِينِ الْمَوْتِ وَالطَّلَاقِ ، إلَّا مَا رَوَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ ، وَمَسْرُوقٍ ، وَعَطَاءٍ ، وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ ، وَابْنِ سِيرِينَ ، وَمُجَاهِدٍ ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَعِكْرِمَةَ ، وَطَاوُسٍ ، وَسُلَيْمَانِ بْنِ يَسَارٍ ، وَأَبِي قِلَابَةَ ، وَأَبِي الْعَالِيَةِ ، وَالنَّخَعِيِّ ، وَنَافِعٍ ، وَمَالِكٍ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَإِسْحَاقَ ، وَأَبِي عُبَيْدٍ ، وَأَبِي ثَوْرٍ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ وَعَنْ .\rأَحْمَدَ : إنَّ قَامَتْ بِذَلِكَ بَيِّنَةٌ ، فَكَمَا ذَكَرْنَا .\rوَإِلَّا فَعِدَّتُهَا مِنْ يَوْمِ يَأْتِيهَا الْخَبَرُ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ .\rوَيُرْوَى عَنْ عَلِيٍّ ، وَالْحَسَنِ ، وَقَتَادَةَ ، وَعَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ ، وَخِلَاسِ بْنِ عَمْرٍو ، أَنَّ عِدَّتَهَا مِنْ يَوْم يَأْتِيهَا الْخَبَرُ ؛ لِأَنَّ الْعِدَّةَ اجْتِنَابُ أَشْيَاءَ ، وَمَا اجْتَنَبَتْهَا .\rوَلَنَا ، أَنَّهَا لَوْ كَانَتْ حَامِلًا ، فَوَضَعَتْ حَمْلَهَا غَيْرَ عَالِمَةٍ بِفُرْقَةِ زَوْجِهَا ، لَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا ، فَكَذَلِكَ سَائِرُ أَنْوَاعِ الْعَدَدِ ؛ وَلِأَنَّهُ زَمَانٌ عَقِيبَ الْمَوْتِ أَوْ الطَّلَاقِ ، فَوَجَبَ أَنْ تَعْتَدَّ بِهِ ، كَمَا لَوْ كَانَ حَاضِرًا ، وَلِأَنَّ الْقَصْدَ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ فِي الْعِدَّةِ ، بِدَلِيلِ أَنَّ الصَّغِيرَةَ وَالْمَجْنُونَةَ تَنْقَضِي عِدَّتُهُمَا مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ ، وَلَمْ يُعْدَمْ هَاهُنَا إلَّا الْقَصْدُ ، وَسَوَاءٌ فِي هَذَا اجْتَنَبَتْ مَا تَجْتَنِبُهُ الْمُعْتَدَّاتُ ، أَوْ لَمْ تَجْتَنِبُهُ ، فَإِنَّ الْإِحْدَادَ الْوَاجِبَ لَيْسَ بِشَرْطٍ فِي الْعِدَّةِ ، فَلَوْ تَرَكَتْهُ قَصْدًا ، أَوْ عَنْ غَيْرِ قَصْدٍ ، لَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا ، فَإِنَّ اللَّه تَعَالَى قَالَ : { يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ } .\rوَقَالَ : { فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ } .\rوَقَالَ : { وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ","part":18,"page":68},{"id":8568,"text":"أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ } .\rوَفِي اشْتِرَاطِ الْإِحْدَادِ مُخَالَفَةُ هَذِهِ النُّصُوصِ ، فَوَجَبَ أَنْ لَا يُشْتَرَطَ .","part":18,"page":69},{"id":8569,"text":"كِتَابُ الرَّضَاعِ الْأَصْلُ فِي التَّحْرِيمِ بِالرَّضَاعِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ ؛ وَأَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { وَأُمَّهَاتُكُمْ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنْ الرَّضَاعَةِ } .\rذَكَرهمَا اللَّهُ سُبْحَانَهُ فِي جُمْلَةِ الْمُحَرَّمَاتِ .\rوَأَمَّا السُّنَّةُ ، فَمَا رَوَتْ عَائِشَةُ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { إنَّ الرَّضَاعَةَ تُحَرِّمُ مَا تُحَرِّمُ الْوِلَادَةُ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ، وَفِي لَفْظٍ : { يَحْرُمُ مِنْ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنْ النَّسَبِ } .\rرَوَاهُ النَّسَائِيّ .\rوَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : { قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بِنْتِ حَمْزَةَ : لَا تَحِلُّ لِي ، يَحْرُمُ مِنْ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنْ النَّسَبِ ، وَهِيَ ابْنَةُ أَخِي مِنْ الرَّضَاعَةِ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rفِي أَخْبَارٍ كَثِيرَةٍ ، نَذْكُرُ أَكْثَرَهَا إنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى فِي تَضَاعِيفِ الْبَابِ .\rوَأَجْمَعَ عُلَمَاءُ الْأُمَّةِ عَلَى التَّحْرِيمِ بِالرَّضَاعِ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّ تَحْرِيمَ الْأُمِّ وَالْأُخْتِ ثَبَتَ بِنَصِّ الْكِتَابِ ، وَتَحْرِيمَ الْبِنْتِ ثَبَتَ بِالتَّنْبِيهِ ، فَإِنَّهُ إذَا حُرِّمَتْ الْأُخْتُ فَالْبِنْتُ أُولَى ، وَسَائِرُ الْمُحَرَّمَاتِ ثَبَتَ تَحْرِيمُهُنَّ بِالسُّنَّةِ .\rوَتَثْبُتُ الْمَحْرَمِيَّةُ ؛ لِأَنَّهَا فَرْعٌ عَلَى التَّحْرِيمِ إذَا كَانَ بِسَبَبٍ مُبَاحٍ ، فَأَمَّا بَقِيَّةُ أَحْكَامِ النَّسَبِ ؛ مِنْ النَّفَقَةِ ، وَالْعِتْقِ ، وَرَدِّ الشَّهَادَةِ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ ، فَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ ؛ لِأَنَّ النَّسَبَ أَقْوَى مِنْهُ ، فَلَا يُقَاسُ عَلَيْهِ فِي جَمِيعِ أَحْكَامِهِ ، وَإِنَّمَا يُشَبَّه بِهِ فِيمَا نَصَّ عَلَيْهِ فِيهِ .","part":18,"page":70},{"id":8570,"text":"( 6409 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ ، رَحِمَهُ اللَّهُ : ( وَالرَّضَاعُ الَّذِي لَا يُشَكُّ فِي تَحْرِيمِهِ ، أَنْ يَكُونَ خَمْسَ رَضَعَاتٍ فَصَاعِدًا ) فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَسْأَلَتَانِ : ( 6410 ) الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى ، أَنَّ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ التَّحْرِيمُ خَمْسُ رَضَعَاتٍ فَصَاعِدًا .\rهَذَا الصَّحِيحُ فِي الْمَذْهَبِ .\rوَرُوِيَ هَذَا عَنْ عَائِشَةَ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ ، وَعَطَاءٍ ، وَطَاوُسٍ .\rوَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ ثَانِيَةٌ أَنَّ قَلِيلَ الرَّضَاعِ وَكَثِيرَهُ يُحَرِّمُ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَبِهِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ، وَالْحَسَنُ ، وَمَكْحُولٌ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَقَتَادَةُ ، وَالْحَكَمُ ، وَحَمَّادٌ ، وَمَالِكٌ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَاللَّيْثُ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَزَعَمَ اللَّيْثُ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ قَلِيلَ الرَّضَاعِ وَكَثِيرَهُ يُحَرِّمُ فِي الْمَهْدِ مَا يُفْطِرُ بِهِ الصَّائِمُ .\rوَاحْتَجُّوا بُقُولِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَأُمَّهَاتُكُمْ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنْ الرَّضَاعَةِ } .\rوَقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { يَحْرُمُ مِنْ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنْ النَّسَبِ } .\rوَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ ، { أَنَّهُ تَزَوَّجَ أُمَّ يَحْيَى بِنْتَ أَبِي إهَابٍ ، فَجَاءَتْ أَمَةٌ سَوْدَاءُ ، فَقَالَتْ : قَدْ أَرْضَعْتُكُمَا .\rفَذَكَرْت ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : كَيْفَ ، وَقَدْ زَعَمَتْ أَنْ قَدْ أَرْضَعَتْكُمَا ، } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَلِأَنَّ ذَلِكَ فِعْلٌ يَتَعَلَّقُ بِهِ تَحْرِيمٌ مُؤَبَّدٌ ، فَلَمْ يُعْتَبَرْ فِيهِ الْعَدَدُ ، كَتَحْرِيمِ أُمَّهَاتِ النِّسَاءِ ، وَلَا يَلْزَمُ اللِّعَانُ ؛ لِأَنَّهُ قَوْلٌ .\rوَالرِّوَايَةُ الثَّالِثَةُ لَا يَثْبُتُ التَّحْرِيمُ إلَّا بِثَلَاثِ رَضَعَاتٍ .\rوَبِهِ قَالَ أَبُو ثَوْرٍ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ ، وَدَاوُد ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا تُحَرِّمُ الْمَصَّةُ وَلَا الْمَصَّتَانِ } .\rوَعَنْ أُمِّ الْفَضْلِ بِنْتِ الْحَارِثِ ، قَالَتْ :","part":18,"page":71},{"id":8571,"text":"قَالَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا تُحَرِّمُ الْإِمْلَاجَةُ وَلَا الْإِمْلَاجَتَانِ } .\rرَوَاهُمَا مُسْلِمٌ .\rوَلِأَنَّ مَا يُعْتَبَرُ فِيهِ الْعَدَدُ وَالتَّكْرَارُ ، يَعْتَبِرُ فِيهِ الثَّلَاثُ .\rوَرُوِيَ عَنْ حَفْصَةَ : لَا يُحَرِّمُ دُونَ عَشْرِ رَضَعَاتٍ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَائِشَةَ ؛ لِأَنَّ عُرْوَةَ رَوَى فِي حَدِيثِ سَهْلَةَ بِنْتِ سُهَيْلٍ : فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا بَلَغَنَا : { أَرْضِعِيهِ عَشْرَ رَضَعَاتٍ ، فَيُحَرَّمُ بِلَبَنِهَا } .\rوَوَجْهُ الْأُولَى ، مَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ ، أَنَّهَا قَالَتْ : أُنْزِلَ فِي الْقُرْآنِ \" عَشْرُ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ يُحَرِّمْنَ \" .\rفَنُسِخَ مِنْ ذَلِكَ خَمْسٌ ، وَصَارَ إلَى خَمْسِ رَضَعَاتِ مَعْلُومَاتٍ يُحَرِّمْنَ ، فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ .\rرَوَاهُ مُسْلِمٌ .\rوَرَوَى مَالِكٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ ، عَنْ سَهْلَةَ بِنْتِ سُهَيْلٍ : { أَرْضِعِي سَالِمًا خَمْسَ رَضَعَاتٍ ، فَيَحْرُمُ بِلَبَنِهَا } وَالْآيَةُ فَسَّرَتْهَا السُّنَّةُ ، وَبَيَّنَتْ الرَّضَاعَةَ الْمُحَرِّمَةَ ، وَصَرِيحُ مَا رَوَيْنَاهُ يَخُصُّ مَفْهُومَ مَا رَوَوْهُ ، فَنَجْمَعُ بَيْنَ الْأَخْبَارِ ، وَنَحْمِلُهَا عَلَى الصَّرِيحِ الَّذِي رَوَيْنَاهُ .\r( 6411 ) فَصْلٌ : وَإِذَا وَقَعَ الشَّكُّ فِي وُجُودِ الرَّضَاعِ ، أَوْ فِي عَدَدِ الرَّضَاعِ الْمُحَرِّمِ ، هَلْ كَمُلَا أَوْ لَا ؟ لَمْ يَثْبُتْ التَّحْرِيمُ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ ، فَلَا نُزُولَ عَنْ الْيَقِينِ بِالشَّكِّ ، كَمَا لَوْ شَكَّ فِي وُجُودِ الطَّلَاقِ وَعَدَدِهِ .\r( 6412 ) الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : أَنْ تَكُونَ الرَّضَعَاتُ مُتَفَرِّقَاتٍ ، وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَالْمَرْجِعُ فِي مَعْرِفَةِ الرَّضْعَةِ إلَى الْعُرْفِ لِأَنَّ الشَّرْعَ وَرَدَ بِهَا مُطْلَقًا ، وَلَمْ يَحُدَّهَا بِزَمَنِ وَلَا مِقْدَارٍ ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ رَدَّهُمْ إلَى الْعُرْفِ ، فَإِذَا ارْتَضَعَ الصَّبِيُّ ، وَقَطَعَ قَطْعًا بَيِّنًا بِاخْتِيَارِهِ ، كَانَ ذَلِكَ رَضْعَةً ، فَإِذَا عَادَ كَانَتْ رَضْعَةً ، أُخْرَى .","part":18,"page":72},{"id":8572,"text":"فَأَمَّا إنْ قَطَعَ لِضِيقِ نَفَسٍ ، أَوْ لِلِانْتِقَالِ مِنْ ثَدْيٍ إلَى ثَدْيٍ ، أَوْ لَشَيْءٍ يُلْهِيه ، أَوْ قَطَعَتْ عَلَيْهِ الْمُرْضِعَةُ ، نَظَرْنَا ؛ فَإِنْ لَمْ يَعُدْ قَرِيبًا فَهِيَ رَضْعَةٌ ، وَإِنْ عَادَ فِي الْحَالِ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا ، أَنَّ الْأُولَى رَضْعَةٌ ، فَإِذَا عَادَ فَهِيَ رَضْعَةٌ أُخْرَى .\rوَهَذَا اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ ، وَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ ، فَإِنَّهُ قَالَ : أَمَا تَرَى الصَّبِيَّ يَرْتَضِعُ مِنْ الثَّدْيِ ، فَإِذَا أَدْرَكَهُ النَّفَسُ أَمْسَكَ عَنْ الثَّدْيِ لِيَتَنَفَّسَ أَوْ يَسْتَرِيحَ ، فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ فَهِيَ رَضْعَةٌ ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْأُولَى رَضْعَةٌ لَوْ لَمْ يَعُدْ ، فَكَانَتْ رَضْعَةً وَإِنْ عَادَ ، كَمَا لَوْ قَطَعَ بِاخْتِيَارِهِ .\rوَالْوَجْهُ الْآخَرُ ، أَنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ رَضْعَةٌ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ، إلَّا فِيمَا إذَا قَطَعَتْ عَلَيْهِ الْمُرْضِعَةُ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ حَلَفَ : لَا أَكَلْت الْيَوْمَ إلَّا أَكْلَةً وَاحِدَةً .\rفَاسْتَدَامَ الْأَكْلَ زَمَنًا ، أَوْ قَطَعَ لِشُرْبِ الْمَاءِ أَوْ انْتِقَالٍ مِنْ لَوْنٍ إلَى لَوْنٍ ، أَوْ انْتِظَارٍ لِمَا يُحْمَلُ إلَيْهِ مِنْ الطَّعَامِ ، لَمْ يُعَدَّ إلَّا أَكْلَةً وَاحِدَةً ، فَكَذَا هَاهُنَا .\rوَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ؛ لِأَنَّ الْيَسِيرَ مِنْ السَّعُوطِ وَالْوَجُورِ رَضْعَةٌ ، فَكَذَا هَذَا .","part":18,"page":73},{"id":8573,"text":"( 6413 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : الشَّافِعِيُّ : ( وَالسَّعُوطُ كَالرَّضَاعِ ، وَكَذَلِكَ الْوَجُورُ ) مَعْنَى السَّعُوطِ : أَنْ يُصَبَّ اللَّبَنَ فِي أَنْفِهِ مِنْ إنَاءٍ أَوْ غَيْرِهِ .\rوَالْوَجُورُ : أَنْ يُصَبَّ فِي حَلْقِهِ صَبًّا مِنْ غَيْرِ الثَّدْيِ .\rوَاخْتَلَفْت الرِّوَايَةُ فِي التَّحْرِيمِ بِهِمَا ، فَأَصَحُّ الرِّوَايَتَيْنِ أَنَّ التَّحْرِيمَ يَثْبُتُ بِذَلِكَ ، كَمَا يَثْبُتُ بِالرَّضَاعِ .\rوَهُوَ قَوْلُ الشَّعْبِيِّ وَالثَّوْرِيِّ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ .\rوَبِهِ قَالَ مَالِكٌ فِي الْوَجُورِ .\rوَالثَّانِيَةُ لَا يَثْبُتُ بِهِمَا التَّحْرِيمُ .\rوَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ ، وَمَذْهَبُ دَاوُد وَقَوْلُ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيُّ فِي السَّعُوطِ ؛ لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ بِرَضَاعِ ، وَإِنَّمَا حَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى وَرَسُولُهُ بِالرَّضَاعِ ، وَلِأَنَّهُ حَصَلَ مِنْ غَيْرِ ارْتِضَاعٍ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ دَخَلَ مِنْ جُرْحٍ فِي بَدَنَهُ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى ابْنُ مَسْعُودٍ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا رَضَاعَ ، إلَّا مَا أَنْشَزَ الْعَظْمَ ، وَأَنْبَتَ اللَّحْمَ } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَلِأَنَّ هَذَا يَصِلُ بِهِ اللَّبَنُ إلَى حَيْثُ يَصِلُ بِالِارْتِضَاعِ ، وَيَحْصُلُ بِهِ مِنْ إنْبَاتِ اللَّحْمِ وَإِنْشَازِ الْعَظْمِ مَا يَحْصُلُ مِنْ الِارْتِضَاعِ ، فَيَجِبُ أَنْ يُسَاوِيَهُ فِي التَّحْرِيمِ ، وَالْأَنْفُ سَبِيلُ الْفِطْرِ لِلصَّائِمِ .\rفَكَانَ سَبِيلًا لِلتَّحْرِيمِ ، كَالرَّضَاعِ بِالْفَمِ .\r( 6414 ) فَصْلٌ : وَإِنَّمَا يَحْرُمُ مِنْ ذَلِكَ مِثْلُ الَّذِي يَحْرُمُ بِالرَّضَاعِ ، وَهُوَ خَمْسٌ فِي الرِّوَايَةِ الْمَشْهُورَةِ ، فَإِنَّهُ فَرْعٌ عَلَى الرَّضَاعِ ، فَيَأْخُذُ حُكْمَهُ ، فَإِنْ ارْتَضَعَ وَكَمَّلَ الْخَمْسَ بِسَعُوطٍ أَوْ وَجُورٍ ، أَوْ اسْتَعَطَ أَوْ أُوجِرَ ، وَكَمَّلَ الْخَمْسَ بِرَضَاعٍ ، ثَبَتَ التَّحْرِيمُ ؛ لِأَنَّا جَعَلْنَاهُ كَالرَّضَاعِ فِي أَصْلِ التَّحْرِيمِ ، فَكَذَلِكَ فِي إكْمَالِ الْعَدَدِ ، وَلَوْ حَلَبَتْ فِي إنَاءٍ دَفْعَةً وَاحِدَةً ، ثُمَّ سَقَتْهُ غُلَامًا فِي خَمْسَةِ أَوْقَاتٍ ، فَهُوَ خَمْسُ رَضَعَاتٍ ، فَإِنَّهُ لَوْ أَكَلَ مِنْ طَعَامٍ خَمْسَ أَكَلَاتٍ مُتَفَرِّقَاتٍ ، لَكَانَ","part":18,"page":74},{"id":8574,"text":"قَدْ أَكَلَ خَمْسَ أَكَلَاتٍ .\rوَإِنْ حَلَبَتْ فِي إنَاءٍ حَلَبَاتٍ فِي خَمْسَةِ أَوْقَاتٍ ، ثُمَّ سَقَتْهُ دَفْعَةً وَاحِدَةً كَانَ رَضْعَةً وَاحِدَةً ، كَمَا لَوْ جُعِلَ الطَّعَامُ فِي إنَاءٍ وَاحِدٍ فِي خَمْسَةِ أَوْقَاتٍ ، ثُمَّ أَكَلَهُ دَفْعَةً وَاحِدَةً ، كَانَ أَكْلَةً وَاحِدَةً .\rوَحُكِيَ عَنْ الشَّافِعِيِّ قَوْلٌ فِي الصُّورَتَيْنِ عَكْسُ مَا قُلْنَا اعْتِبَارًا لِخُرُوجِهِ مِنْهَا ؛ لِأَنَّ الِاعْتِبَارَ بِالرَّضَاعِ ، وَالْوَجُورُ فَرْعُهُ .\rوَلَنَا أَنَّ ، الِاعْتِبَارَ بِشُرْبِ الصَّبِيِّ لَهُ ؛ لِأَنَّهُ الْمُحَرِّمُ ، وَلِهَذَا ثَبَتَ التَّحْرِيمُ بِهِ مِنْ غَيْرِ رَضَاعٍ ، وَلَوْ ارْتَضَعَ بِحَيْثُ يَصِلُ إلَى فِيهِ ، ثُمَّ مَجَّهُ ، لَمْ يَثْبُتْ التَّحْرِيمُ ، فَكَانَ الِاعْتِبَارُ بِهِ ، وَمَا وُجِدَ مِنْهُ إلَّا دَفْعَةً وَاحِدَةً ، فَكَانَ رَضْعَةً وَاحِدَةً ، وَإِنْ سَقَتْهُ فِي أَوْقَاتٍ ، فَقَدْ وُجِدَ فِي خَمْسَةِ أَوْقَاتٍ ، فَكَانَ خَمْسَ رَضَعَاتٍ ، فَأَمَّا إنْ سَقَتْهُ اللَّبَنَ الْمَجْمُوعَ جَرْعَةً بَعْدَ جَرْعَةٍ مُتَتَابِعَةٍ ، فَظَاهِرُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ أَنَّهُ رَضْعَةٌ وَاحِدَةٌ ؛ لِاعْتِبَارِهِ خَمْسَ رَضَعَاتٍ مُتَفَرِّقَاتٍ ؛ وَلِأَنَّ الْمَرْجِعَ فِي الرَّضْعَةِ إلَى الْعُرْفِ ، وَهُمْ لَا يَعُدُّونَ هَذَا رَضَعَاتٍ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَكَلَ الْآكِلُ الطَّعَامَ لُقْمَةً بَعْدَ لُقْمَةٍ ، فَإِنَّهُ لَا يُعَدُّ أَكَلَاتٌ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرْجِعَ عَلَى مَا إذَا قَطَعَتْ عَلَيْهِ الْمُرْضِعَةُ الرَّضَاعَ ، عَلَى مَا قَدَّمْنَا .","part":18,"page":75},{"id":8575,"text":"( 6415 ) فَصْلٌ : وَإِنْ عَمِلَ اللَّبَنَ جُبْنًا ثُمَّ أَطْعَمَهُ الصَّبِيَّ ، ثَبَتَ بِهِ التَّحْرِيمُ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يُحَرَّمُ بِهِ ؛ لِزَوَالِ الِاسْمِ .\rوَكَذَلِكَ عَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي تَقُولُ : لَا يَثْبُتُ التَّحْرِيمُ بِالْوَجُورِ .\rلَا يَثْبُتُ هَاهُنَا بِطَرِيقِ الْأَوْلَى .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ وَاصِلٌ مِنْ الْحَلْقِ ، يَحْصُلُ بِهِ إنْبَاتُ اللَّحْمِ وَإِنْشَازُ الْعَظْمِ ، فَحَصَلَ بِهِ التَّحْرِيمُ ، كَمَا لَوْ شَرِبَهُ .\r( 6416 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا الْحُقْنَةُ ، فَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : الْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ ؛ أَنَّهَا لَا تُحَرِّمُ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٍ .\rوَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ ، وَابْنُ أَبِي مُوسَى : تُحَرِّمُ ، وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ سَبِيلٌ يَحْصُلُ بِالْوَاصِلِ مِنْهُ الْفِطْرُ ، فَتَعَلَّقَ بِهِ التَّحْرِيمُ ، كَالرَّضَاعِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ هَذَا لَيْسَ بِرَضَاعِ ، وَلَا يَحْصُلُ بِهِ التَّغَذِّي ، فَلَمْ يَنْشُر الْحُرْمَةَ ، كَمَا لَوْ قَطَّرَ فِي إحْلِيلِهِ ؛ وَلِأَنَّهُ لَيْسَ بِرَضَاعِ ، وَلَا فِي مَعْنَاهُ ، فَلَمْ يَجُزْ إثْبَاتُ حُكْمِهِ فِيهِ ، وَيُفَارِقُ فِطْرَ الصَّائِمِ ، فَإِنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ فِيهِ إنْبَاتُ اللَّحْمِ ، وَلَا إنْشَازُ الْعَظْمِ ، وَهَذَا لَا يُحَرِّمُ فِيهِ إلَّا مَا أَنْبَتَ اللَّحْمَ وَأَنْشَزَ الْعَظْمَ ؛ وَلِأَنَّهُ وَصَلَ اللَّبَنُ إلَى الْبَاطِنِ مِنْ غَيْرِ الْحَلْقِ ، أَشْبَهَ مَا لَوْ وَصَلَ مِنْ جُرْحٍ .","part":18,"page":76},{"id":8576,"text":"( 6417 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَاللَّبَنُ الْمَشُوبُ كَالْمَحْضِ ) الْمَشُوبُ : الْمُخْتَلِطُ بِغَيْرِهِ .\rوَالْمَحْضُ : الْخَالِصُ الَّذِي لَا يُخَالِطُهُ سِوَاهُ .\rوَسَوَّى الْخِرَقِيِّ بَيْنهمَا ، سَوَاءٌ شِيبَ بِطَعَامِ أَوْ شَرَابٍ أَوْ غَيْرِهِ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : قِيَاسُ قَوْلِ أَحْمَدَ ، أَنَّهُ لَا يُحَرِّمُ ؛ لِأَنَّهُ وَجُورٌ .\rوَحُكِيَ عَنْ ابْنِ حَامِدٍ أَنَّهُ قَالَ : إنْ كَانَ الْغَالِبُ اللَّبَنَ حَرَّمَ ، وَإِلَّا فَلَا .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ ، وَالْمُزَنِيِّ ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ لِلْأَغْلَبِ ، وَلِأَنَّهُ يَزُولُ بِذَلِكَ الِاسْمُ وَالْمَعْنَى الْمُرَادُ بِهِ .\rوَنَحْوُ هَذَا قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ ، وَزَادُوا ، فَقَالُوا : إنْ كَانَتْ النَّارُ قَدْ مَسَّتْ اللَّبَنَ حَتَّى أَنْضَجَتْ الطَّعَامَ ، أَوْ حَتَّى تَغَيَّرَ ، فَلَيْسَ بِرَضَاعٍ .\rوَوَجْهُ الْأَوَّلِ ، أَنَّ اللَّبَنَ مَتَى كَانَ ظَاهِرًا ، فَقَدْ حَصَلَ شُرْبُهُ ، وَيَحْصُلُ مِنْهُ إنْبَاتُ اللَّحْمِ وَإِنْشَازُ الْعَظْمِ ، فَحَرَّمَ ، كَمَا لَوْ كَانَ غَالِبًا ، وَهَذَا فِيمَا إذَا كَانَتْ صِفَاتُ اللَّبَنِ بَاقِيَةً ، فَأَمَّا إنْ صُبَّ فِي مَاءٍ كَثِيرٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ بِهِ ، لَمْ يَثْبُتْ بِهِ التَّحْرِيمُ ؛ لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ بِلَبَنٍ مَشُوبٍ ، وَلَا يَحْصُلُ بِهِ التَّغَذِّي ، وَلَا إنْبَاتُ اللَّحْمِ وَلَا إنْشَازُ الْعَظْمِ .\rوَحُكِيَ عَنْ الْقَاضِي ، أَنَّ التَّحْرِيمَ يَثْبُتُ بِهِ .\rوَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ أَجْزَاءَ اللَّبَنِ حَصَلَتْ فِي بَطْنِهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَ لَوْنُهُ ظَاهِرًا .\rوَلَنَا ، أَنَّ هَذَا لَيْسَ بِرَضَاعِ ، وَلَا فِي مَعْنَاهُ ، فَوَجَبَ أَنْ لَا يَثْبُتَ حُكْمُهُ فِيهِ .\r( 6418 ) فَصْلٌ : وَإِنْ حُلِبَ مِنْ نِسْوَةٍ ، وَسُقِيَهُ الصَّبِيَّ ، فَهُوَ كَمَا لَوْ ارْتَضَعَ مِنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ شِيبَ بِمَاءٍ أَوْ عَسَلٍ ، لَمْ يَخْرُجْ عَنْ كَوْنِهِ رَضَاعًا مُحَرِّمًا ، فَكَذَلِكَ ، إذَا شِيبَ بِلَبَنٍ آخَرَ .","part":18,"page":77},{"id":8577,"text":"( 6419 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَيُحَرِّمُ لَبَنُ الْمَيِّتَةِ ، كَمَا يُحَرِّمُ لَبَنُ الْحَيَّةِ ؛ لِأَنَّ اللَّبَنَ لَا يَمُوتُ ) الْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ ، فِي رِوَايَةِ إبْرَاهِيمِ الْحَرْبِيِّ ، أَنَّهُ يَنْشُرُ الْحُرْمَةَ .\rوَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَابْنِ الْقَاسِمِ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ .\rوَقَالَ الْخَلَّالُ : لَا يَنْشُرُ الْحُرْمَةَ .\rوَتَوَقَّفَ عَنْهُ أَحْمَدُ ، فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ لَبَنٌ مِمَّنْ لَيْسَ بِمَحَلٍّ لِلْوِلَادَةِ ، فَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ التَّحْرِيمُ .\rكَلَبَنِ الرَّجُلِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ وُجِدَ الِارْتِضَاعُ ، عَلَى وَجْهٍ يُنْبِتُ اللَّحْمَ وَيُنْشِزُ الْعَظْمَ مِنْ امْرَأَةٍ ، فَأَثْبَتِ التَّحْرِيمَ ، كَمَا لَوْ كَانَتْ حَيَّةً ؛ وَلِأَنَّهُ لَا فَارِقَ بَيْنَ شُرْبِهِ فِي حَيَاتِهَا وَمَوْتِهَا إلَّا الْحَيَاةُ وَالْمَوْتُ أَوْ النَّجَاسَةُ ، وَهَذَا لَا أَثَرَ لَهُ ، فَإِنَّ اللَّبَنَ لَا يَمُوتُ ، وَالنَّجَاسَةُ لَا تَمْنَعُ ، كَمَا لَوْ حُلِبَ فِي وِعَاءٍ نَجِسٍ ؛ وَلِأَنَّهُ لَوْ حُلِبَ مِنْهَا فِي حَيَاتِهَا ، فَشَرِبَهُ بَعْدَ مَوْتِهَا ، لَنَشَرَ الْحُرْمَةَ ، وَبَقَاؤُهُ فِي ثَدْيِهَا لَا يَمْنَعُ ثُبُوتَ الْحُرْمَةِ ؛ لِأَنَّ ثَدْيَهَا لَا يَزِيدُ عَلَى الْإِنَاءِ فِي عَدَمِ الْحَيَاةِ ، وَهِيَ لَا تَزِيدُ عَلَى عَظْمِ الْمَيْتَةِ فِي ثُبُوتِ النَّجَاسَةِ .\r( 6420 ) فَصْلٌ : وَلَوْ حَلَبَتْ الْمَرْأَةُ لَبَنهَا فِي إنَاءٍ ، ثُمَّ مَاتَتْ ، فَشَرِبَهُ صَبِيٌّ ، نَشَرَ الْحُرْمَةَ .\rفِي قَوْلِ كُلِّ مَنْ جَعَلَ الْوَجُورَ مُحَرِّمًا .\rوَبِهِ قَالَ أَبُو ثَوْرٍ ، وَالشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ، وَغَيْرُهُمْ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَبَنُ امْرَأَةٍ فِي حَيَاتِهَا ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ شَرِبَهُ وَهِيَ فِي الْحَيَاةِ .","part":18,"page":78},{"id":8578,"text":"( 6421 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِذَا حَلَبَتْ مِمَّنْ يَلْحَقُ نَسَبُ وَلَدِهَا بِهِ ، فَثَابَ لَهَا لَبَنٌ ، فَأَرْضَعَتْ بِهِ طِفْلًا خَمْسَ رَضَعَاتٍ مُتَفَرِّقَاتٍ ، فِي حَوْلَيْنِ ، حُرِّمَتْ عَلَيْهِ ، وَبَنَاتُهَا مِنْ أَبِي هَذَا الْحَمْلِ ، وَمِنْ غَيْرِهِ ، وَبَنَاتُ أَبِي هَذَا الْحَمْلِ مِنْهَا وَمِنْ غَيْرِهَا .\rوَإِنْ أَرْضَعَتْ صَبِيَّةً ، فَقَدْ صَارَتْ ابْنَةً لَهَا وَلِزَوْجِهَا ؛ لِأَنَّ اللَّبَنَ مِنْ الْحَمْلِ الَّذِي هُوَ مِنْهُ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا حَمَلَتْ مِنْ رَجُلٍ وَثَابَ لَهَا لَبَنٌ فَأَرْضَعَتْ بِهِ طِفْلًا رَضَاعًا مُحَرِّمًا ، صَارَ الطِّفْلُ الْمُرْتَضِعُ ابْنًا لِلْمُرْضِعَةِ ، بِغَيْرِ خِلَافٍ ، وَصَارَ أَيْضًا ابْنًا لِمَنْ يُنْسَبُ الْحَمْلُ إلَيْهِ ، فَصَارَ فِي التَّحْرِيمِ وَإِبَاحَةِ الْخَلْوَةِ ابْنًا لَهُمَا ، وَأَوْلَادُهُ مِنْ الْبَنِينَ وَالْبَنَاتِ أَوْلَادَ أَوْلَادِهِمَا ، وَإِنْ نَزَلَتْ دَرَجَتُهُمْ ، وَجَمِيعُ أَوْلَادِ الْمُرْضِعَةِ مِنْ زَوْجِهَا وَمِنْ غَيْرِهِ ، وَجَمِيعُ أَوْلَادِ الرَّجُلِ الَّذِي انْتَسَبَ الْحَمْلُ إلَيْهِ مِنْ الْمُرْضِعَةِ وَمِنْ غَيْرِهَا ، إخْوَةَ الْمُرْتَضِعِ ، وَأَخَوَاتِهِ ، وَأَوْلَادُ أَوْلَادِهَا أَوْلَادَ إخْوَتِهِ وَأَخَوَاتِهِ ، وَإِنْ نَزَلَتْ دَرَجَتُهُمْ ، وَأُمُّ الْمُرْضِعَةِ جَدَّتَهُ وَأَبُوهَا جَدَّهُ ، وَإِخْوَتُهَا أَخْوَالَهُ ، وَأَخَوَاتُهَا خَالَاتِهِ ، وَأَبُو الرَّجُلِ جَدَّهُ ، وَأُمُّهُ جَدَّتَهُ ، وَإِخْوَتُهُ أَعْمَامَهُ ، وَأَخَوَاتُهُ عَمَّاتُهُ ، وَجَمِيعُ أَقَارِبِهِمَا يَنْتَسِبُونَ إلَى الْمُرْتَضِعِ كَمَا يَنْتَسِبُونَ إلَى وَلَدِهِمَا مِنْ النَّسَبِ ؛ لِأَنَّ اللَّبَنَ الَّذِي ثَابَ لِلْمَرْأَةِ مَخْلُوقٌ مِنْ مَاءِ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ ، فَنَشَرَ التَّحْرِيمَ إلَيْهِمَا ، وَنَشَرَ الْحُرْمَةَ إلَى الرَّجُلِ وَإِلَى أَقَارِبِهِ ، وَهُوَ الَّذِي يُسَمَّى لَبَنَ الْفَحْلِ .\rوَفِي التَّحْرِيمِ بِهِ اخْتِلَافٌ ، ذَكَرْنَاهُ فِي بَابِ مَا يَحْرُمُ نِكَاحُهُ ، وَالْجَمْعُ بَيْنَهُ ، وَالْحُجَّةُ الْقَاطِعَةُ فِيهِ ، مَا رَوَتْ عَائِشَةُ { ، أَنَّ أَفْلَحَ أَخَا أَبِي الْقُعَيْسِ ، اسْتَأْذَنَ عَلَيَّ بَعْدَ مَا أُنْزِلَ","part":18,"page":79},{"id":8579,"text":"الْحِجَابُ ، فَقُلْت : وَاَللَّهِ لَا آذَنُ لَهُ حَتَّى أَسْتَأْذِنَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّ أَخَا أَبِي الْقُعَيْسِ لَيْسَ هُوَ أَرْضَعَنِي ، وَلَكِنْ أَرْضَعَتْنِي امْرَأَةُ أَبِي الْقُعَيْسِ .\rفَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْت : يَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّ الرَّجُلَ لَيْسَ هُوَ أَرْضَعَنِي ، وَلَكِنْ أَرْضَعَتْنِي امْرَأَتُهُ .\rقَالَ : ائْذَنِي لَهُ ، فَإِنَّهُ عَمُّك ، تَرِبَتْ يَمِينُك .\rقَالَ عُرْوَةُ : فَبِذَلِكَ كَانَتْ عَائِشَةُ تَأْخُذُ بِقَوْلِ : حَرِّمُوا مِنْ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنْ النَّسَبِ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَسُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ ، عَنْ رَجُلِ تَزَوَّجَ امْرَأَتَيْنِ ، فَأَرْضَعَتْ إحْدَاهُمَا جَارِيَةً ، وَالْأُخْرَى غُلَامًا ، هَلْ يَتَزَوَّجُ الْغُلَامُ الْجَارِيَةَ ؟ فَقَالَ : لَا ، اللِّقَاحُ وَاحِدٌ .\rقَالَ مَالِكٌ : اُخْتُلِفَ قَدِيمًا فِي الرَّضَاعَةِ مِنْ قِبَلِ الْأَبِ ، وَنَزَلَ بِرِجَالِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ فِي أَزْوَاجِهِمْ ؛ مِنْهُمْ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ ، وَابْنُ أَبِي حَبِيبَةَ ، فَاسْتَفْتَوْا فِي ذَلِكَ ، فَاخْتُلِفَ عَلَيْهِمْ ، فَفَارَقُوا زَوْجَاتِهِمْ .\rفَأَمَّا الْمُرْتَضِعُ ، فَإِنَّ الْحُرْمَةَ تَنْتَشِرُ إلَيْهِ وَإِلَى أَوْلَادِهِ وَإِنْ نَزَلُوا ، وَلَا تَنْتَشِرُ إلَى مَنْ فِي دَرَجَتِهِ مِنْ إخْوَتِهِ وَأَخَوَاتِهِ ، وَلَا إلَى أَعْلَى مِنْهُ ، كَأَبِيهِ وَأُمِّهِ وَأَعْمَامِهِ وَعَمَّاتِهِ وَأَخْوَالِهِ وَخَالَاتِهِ وَأَجْدَادِهِ وَجَدَّاتِهِ ، فَلَا يَحْرُمُ عَلَى الْمُرْضِعَةِ نِكَاحُ أَبِي الطِّفْلِ الْمُرْتَضِعِ ، وَلَا أَخِيهِ ، وَلَا عَمِّهِ ، وَلَا خَالِهِ ، وَلَا يَحْرُمُ عَلَى زَوْجِهَا نِكَاحُ أُمِّ الطِّفْلِ الْمُرْتَضِعِ ، وَلَا أُخْتِهِ ، وَلَا عَمَّتِهِ ، وَلَا خَالَتِهِ ، وَلَا بَأْسَ أَنْ يَتَزَوَّجَ أَوْلَادُ الْمُرْضِعَةِ ، وَأَوْلَادُ زَوْجِهَا إخْوَةَ الطِّفْلِ الْمُرْتَضِعِ وَأَخَوَاتِهِ .\rقَالَ أَحْمَدُ : لَا بَأْسَ أَنْ يَتَزَوَّجَ الرَّجُلُ أُخْتَ أُخْتِهِ مِنْ الرَّضَاعِ ، لَيْسَ بَيْنهمَا رَضَاعٌ وَلَا نَسَبٌ ، وَإِنَّمَا الرَّضَاعُ بَيْن الْجَارِيَةِ وَأُخْتِهِ","part":18,"page":80},{"id":8580,"text":".","part":18,"page":81},{"id":8581,"text":"إذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّ مِنْ شَرْطِ تَحْرِيمِ الرَّضَاعِ أَنْ يَكُونَ فِي الْحَوْلَيْنِ .\rوَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، رُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ ، وَعَلِيٍّ ، وَابْنِ عُمَرَ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ .\rوَأَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سِوَى عَائِشَةَ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّعْبِيُّ ، وَابْنُ شُبْرُمَةَ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَرِوَايَةٌ عَنْ مَالِكٍ ، وَرُوِيَ عَنْهُ ، إنْ زَادَ شَهْرًا جَازَ ، وَرُوِيَ شَهْرَانِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يُحَرِّمُ الرَّضَاعُ فِي ثَلَاثِينَ شَهْرًا ؛ لِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ : { وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا } .\rوَلَمْ يُرِدْ بِالْحَمْلِ حَمْلَ الْأَحْشَاءِ ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ سَنَتَيْنِ فَعُلِمَ أَنَّهُ أَرَادَ الْحَمْلَ فِي الْفِصَالِ .\rوَقَالَ زُفَرُ : مُدَّةُ الرَّضَاعِ ثَلَاثُ سِنِينَ .\rوَكَانَتْ عَائِشَةُ تَرَى رَضَاعَةَ الْكَبِيرِ تُحَرِّمُ .\rوَيُرْوَى هَذَا عَنْ عَطَاءٍ وَاللَّيْثِ ، وَدَاوُد ؛ لِمَا رُوِيَ { أَنَّ سَهْلَةَ بِنْتَ سُهَيْلٍ قَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنَّا كُنَّا نَرَى سَالِمًا وَلَدًا ، فَكَانَ يَأْوِي مَعِي وَمَعَ أَبِي حُذَيْفَةَ فِي بَيْتٍ وَاحِدٍ ، وَيَرَانِي فَضْلًا ، وَقَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ مَا قَدْ عَلِمْت فَكَيْفَ تَرَى فِيهِ ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَرْضِعِيهِ .\rفَأَرْضَعَتْهُ خَمْسَ رَضَعَاتٍ ، فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ وَلَدِهَا .\rفَبِذَلِكَ كَانَتْ عَائِشَةُ تَأْخُذُ ، تَأْمُرُ بَنَاتِ أَخَوَاتِهَا ، وَبَنَاتِ إخْوَتِهَا يُرْضِعْنَ مَنْ أَحَبَّتْ عَائِشَةُ أَنْ يَرَاهَا ، وَيَدْخُلَ عَلَيْهَا ، وَإِنْ كَانَ كَبِيرًا خَمْسَ رَضَعَاتٍ ، وَأَبَتْ ذَلِكَ أُمُّ سَلَمَةَ ، وَسَائِرُ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْهِنَّ بِتِلْكَ الرَّضَاعَةِ أَحَدٌ مِنْ النَّاسِ ، حَتَّى يَرْضَعَ فِي الْمَهْدِ ، وَقُلْنَ لِعَائِشَةَ : وَاَللَّهِ مَا نَدْرِي ، لَعَلَّهَا رُخْصَةٌ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِسَالِمٍ دُونَ النَّاسِ } .\rرَوَاهُ","part":18,"page":82},{"id":8582,"text":"النَّسَائِيّ ، وَأَبُو دَاوُد ، وَغَيْرُهُمَا .\rوَلَنَا ، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ } .\rفَجَعَلَ تَمَامَ الرَّضَاعَةِ حَوْلَيْنِ ، فَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا حُكْمَ لَهَا بَعْدَهُمَا .\rوَعَنْ عَائِشَةَ ، { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ عَلَيْهَا وَعِنْدَهَا رَجُلٌ ، فَتَغَيَّرَ وَجْهُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنَّهُ أَخِي مِنْ الرَّضَاعَةِ .\rفَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اُنْظُرْنَ مَنْ إخْوَانُكُنَّ ، فَإِنَّمَا الرَّضَاعَةُ مِنْ الْمَجَاعَةِ } الشَّافِعِيُّ .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ، قَالَتْ : قَالَ رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا يُحَرِّمُ مِنْ الرَّضَاعِ ، إلَّا مَا فَتَقَ الْأَمْعَاءَ ، وَكَانَ قَبْلَ الْفِطَامِ } .\rأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَقَالَ : حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ .\rوَعِنْدَ هَذَا يَتَعَيَّنُ حَمْلُ خَبَرِ أَبِي حُذَيْفَة عَلَى أَنَّهُ خَاصٌّ لَهُ دُونَ النَّاسِ ، كَمَا قَالَ سَائِرُ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rوَقَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، تَحَكُّمٌ يُخَالِفُ ظَاهِرَ الْكِتَابِ وَقَوْلَ الصَّحَابَةِ ، فَقَدْ رَوَيْنَا عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّ الْمُرَادَ بِالْحَمْلِ حَمْلُ الْبَطْنِ .\rوَبِهِ اسْتَدَلَّ عَلِيٌّ أَنَّ أَقَلَّ مُدَّةِ الْحَمْلِ سِتَّةُ أَشْهُرٍ ، وَقَدْ دَلَّ عَلَى هَذَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ } .\rفَلَوْ حُمِلَ عَلَى مَا قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ ، لَكَانَ مُخَالِفًا لِهَذِهِ الْآيَةِ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَالِاعْتِبَارُ بِالْعَامَيْنِ لَا بِالْفِطَامِ ، فَلَوْ فُطِمَ قَبْلَ الْحَوْلَيْنِ ، ثُمَّ ارْتَضَعَ فِيهِمَا ، لَحَصَلَ التَّحْرِيمُ ، وَلَوْ لَمْ يُفْطَمْ حَتَّى تَجَاوَزَ الْحَوْلَيْنِ ، ثُمَّ ارْتَضَعَ بَعْدَهُمَا قَبْلَ الْفِطَامِ .\rلَمْ يَثْبُتْ التَّحْرِيمُ .\rوَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ ، صَاحِبُ مَالِكٍ : لَوْ ارْتَضَعَ بَعْدَ الْفِطَامِ فِي الْحَوْلَيْنِ ، لَمْ تُحَرِّمْ ؛ لِقَوْلِهِ","part":18,"page":83},{"id":8583,"text":"عَلَيْهِ السَّلَامُ : { وَكَانَ قَبْلَ الْفِطَامِ } .\rوَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ } .\rوَرُوِيَ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { لَا رَضَاعَ إلَّا مَا كَانَ فِي الْحَوْلَيْنِ } .\rوَالْفِطَامُ مُعْتَبَرٌ بِمُدَّتِهِ لَا بِنَفْسِهِ ، قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : لَوْ ارْتَضَعَ بَعْدَ الْحَوْلَيْنِ بِسَاعَةٍ ، لَمْ يُحَرِّمْ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : لَوْ شَرَعَ فِي الْخَامِسَةِ ، فَحَالَ الْحَوْلُ قَبْلَ كَمَالِهَا ، لَمْ يَثْبُتْ التَّحْرِيمُ .\rوَلَا يَصِحُّ هَذَا ؛ لِأَنَّ مَا وُجِدَ مِنْ الرَّضْعَةِ فِي الْحَوْلَيْنِ كَافٍ فِي التَّحْرِيمِ ، بِدَلِيلِ مَا لَوْ انْفَصَلَ مِمَّا بَعْدَهُ ، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَسْقُطَ حُكْمٌ بِإِيصَالِ مَا لَا أَثَرَ لَهُ بِهِ .\rوَاشْتَرَطَ الْخِرَقِيِّ فِي نَشْرِ الْحُرْمَةِ بَيْنَ الْمُرْتَضِعِ وَبَيْنَ الرَّجُلِ الَّذِي ثَابَ اللَّبَنُ بِوَطْئِهِ ، أَنْ يَكُونَ لَبَنَ حَمْلٍ يَنْتَسِبُ إلَى الْوَاطِئِ ، إمَّا لِكَوْنِ الْوَطْءِ فِي نِكَاحٍ أَوْ مِلْكِ يَمِينٍ ، أَوْ بِشُبْهَةٍ ، فَأَمَّا لَبَنُ الزَّانِي أَوْ النَّافِي لِلْوَلَدِ بِاللِّعَانِ ، فَلَا يَنْشُرُ الْحُرْمَةَ بَيْنَهُمَا ، فِي مَفْهُومِ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَامِدٍ ، وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيز : تَنْتَشِرُ الْحُرْمَةُ بَيْنَهُمَا ؛ لِأَنَّهُ مَعْنَى يَنْشُرُ الْحُرْمَةَ ، فَاسْتَوَى فِي ذَلِكَ مُبَاحُهُ وَمَحْظُورُهُ ، كَالْوَطْءِ ، يُحَقِّقُهُ أَنَّ الْوَاطِئَ حَصَلَ مِنْهُ لَبَنٌ وَوَلَدٌ ، ثُمَّ إنَّ الْوَلَدَ يَنْشُرُ الْحُرْمَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْوَاطِئِ ، كَذَلِكَ اللَّبَنُ ، وَلِأَنَّهُ رَضَاعٌ يَنْشُرُ الْحُرْمَةَ إلَى الْمُرْضِعَةِ ، فَنَشْرِهَا إلَى الْوَاطِئِ ، كَصُورَةِ الْإِجْمَاعِ .\rوَوَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ ، أَنَّ التَّحْرِيمَ بَيْنَهُمَا فَرْعٌ لِحُرْمَةِ الْأُبُوَّةِ ، فَلَمَّا لَمْ تَثْبُتْ حُرْمَةُ الْأُبُوَّةِ ، لَمْ يَثْبُتْ مَا هُوَ فَرْعٌ لَهَا .\rوَيُفَارِقُ تَحْرِيمَ ابْنَتِهِ مِنْ الزِّنَى ؛ لِأَنَّهَا مِنْ نُطْفَتِهِ حَقِيقَةً ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا .\rوَيُفَارِقُ تَحْرِيمَ الْمُصَاهَرَةِ ؛","part":18,"page":84},{"id":8584,"text":"فَإِنَّ التَّحْرِيمَ ثَمَّ لَا يَقِفُ عَلَى ثُبُوتِ النَّسَبِ ، وَلِهَذَا تَحْرُمُ أُمُّ زَوْجَتِهِ وَابْنَتُهَا مِنْ غَيْرِ نَسَبٍ ، وَتَحْرِيمُ الرَّضَاعِ مَبْنِيٌّ عَلَى النَّسَبِ ، وَلِهَذَا قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { يَحْرُمُ مِنْ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنْ النَّسَبِ } .\rفَأَمَّا الْمُرْضِعَةُ ، فَإِنَّ الطِّفْلَ الْمُرْتَضِعَ مُحَرَّمٌ عَلَيْهَا ، وَمَنْسُوبٌ إلَيْهَا عِنْدَ الْجَمِيعِ .\rوَكَذَلِكَ يَحْرُمُ جَمِيعُ أَوْلَادِهَا ، وَأَقَارِبهَا الَّذِينَ يَحْرُمُونَ عَلَى أَوْلَادِهَا ، عَلَى هَذَا الْمُرْتَضِعِ ، كَمَا فِي الرَّضَاعِ بِاللَّبَنِ الْمُبَاحِ .\rوَإِنْ كَانَ الْمُرْتَضِعُ جَارِيَةً ، حَرُمَتْ عَلَى الْمُلَاعِنِ ، بِغَيْرِ خِلَافٍ أَيْضًا ؛ لِأَنَّهَا رَبِيبَتُهُ ، فَإِنَّهَا بِنْتُ امْرَأَتِهِ مِنْ الرَّضَاعِ ، وَتَحْرُمُ عَلَى الزَّانِي ، عِنْدَ مَنْ يَرَى تَحْرِيمَ الْمُصَاهَرَةِ ، وَكَذَلِكَ يَحْرُمُ بَنَاتُهَا وَبَنَاتُ الْمُرْتَضِعِ مِنْ الْغِلْمَانِ لِذَلِكَ .","part":18,"page":85},{"id":8585,"text":"( 6422 ) فَصْلٌ : وَإِذَا وَطِئَ رَجُلَانِ امْرَأَةً ، فَأَتَتْ بِوَلَدٍ ، فَأَرْضَعَتْ بِلَبَنِهِ طِفْلًا ، صَارَ ابْنًا لِمَنْ ثَبَتَ نَسَبُ الْمَوْلُودِ مِنْهُ ، سَوَاءٌ ثَبَتَ نَسَبُهُ مِنْهُ بِالْقَافَةِ أَوْ بِغَيْرِهَا .\rوَإِنْ أَلْحَقَتْهُ الْقَافَةُ بِهِمَا ، صَارَ الْمُرْتَضِعُ ابْنًا لَهُمَا ، فَالْمُرْتَضِعُ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ تَبَعٌ لِلْمُنَاسِبِ ، فَمَتَى لَحِقَ الْمُنَاسِبُ بِشَخْصٍ ، فَالْمُرْتَضِعُ مِثْلُهُ ، وَإِنْ انْتَفَى الْمُنَاسِبُ عَنْ أَحَدِهِمَا ، فَالْمُرْتَضِعُ مِثْلُهُ ، لِأَنَّهُ بِلَبَنِهِ ارْتَضَعَ ، وَحُرْمَتُهُ فَرْعٌ عَلَى حُرْمَتِهِ .\rوَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ نَسَبُهُ مِنْهُمَا ؛ لِتَعَذُّرِ الْقَافَةِ ، أَوْ لِاشْتِبَاهِهِ عَلَيْهِمْ ، وَنَحْوِ ذَلِكَ ، حَرُمَ عَلَيْهِمَا ، تَغْلِيبًا لِلْحَظْرِ ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مِنْهُمَا ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ابْنَ أَحَدِهِمَا ، فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ أَقَارِبُهُ دُونَ أَقَارِبِ الْآخَرِ ، وَقَدْ اخْتَلَطَتْ أُخْتُهُ بِغَيْرِهَا ، فَحَرُمَ الْجَمِيعُ ، كَمَا لَوْ عَلِمَ أُخْتَهُ بِعَيْنِهَا ، ثُمَّ اخْتَلَطَتْ بِأَجْنَبِيَّاتِ .\rوَإِنْ انْتَفَى عَنْهُمَا جَمِيعًا ، بِأَنْ تَأْتِيَ بِهِ لِدُونِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ وَطْئِهِمَا ، أَوْ لِأَكْثَرِ مِنْ أَرْبَعِ سِنِينَ ، أَوْ لِدُونِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ وَطْءِ أَحَدِهِمَا ، أَوْ لِأَكْثَرِ مِنْ أَرْبَعِ سِنِينَ مِنْ وَطْءِ الْآخَرِ ، انْتَفَى الْمُرْتَضِعُ عَنْهُمَا أَيْضًا ؛ فَإِنْ كَانَ الْمُرْتَضِعُ جَارِيَةً ، حَرُمَتْ عَلَيْهِمَا تَحْرِيمَ الْمُصَاهَرَةِ ، وَيَحْرُمُ أَوْلَادُهَا عَلَيْهَا أَيْضًا ؛ لِأَنَّهَا ابْنَةُ مَوْطُوءَتهمَا ، فَهِيَ رَبِيبَةٌ لَهُمَا .","part":18,"page":86},{"id":8586,"text":"( 6423 ) فَصْلٌ : وَلَا تَنْتَشِرُ الْحُرْمَةُ بِغَيْرِ لَبَنِ الْآدَمِيَّةِ بِحَالٍ ، فَلَوْ ارْتَضَعَ اثْنَانِ مِنْ لَبَنِ بَهِيمَةٍ ، لَمْ يَصِيرَا أَخَوَيْنِ ، فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ ؛ مِنْهُمْ الشَّافِعِيُّ ، وَابْنُ الْقَاسِمِ وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَلَوْ ارْتَضَعَا مِنْ رَجُلٍ ، لَمْ يَصِيرَا أَخَوَيْنِ ، وَلَمْ تَنْتَشِرْ الْحُرْمَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمَا ، فِي قَوْل عَامَّتِهِمْ .\rوَقَالَ الْكَرَابِيسِيُّ : يَتَعَلَّقُ بِهِ التَّحْرِيمُ ؛ لِأَنَّهُ لَبَنُ آدَمِيٍّ ، أَشْبَهَ لَبَنَ الْآدَمِيَّةِ .\rوَحُكِيَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ ، أَنَّهُمَا إذَا ارْتَضَعَا مِنْ لَبَنِ بَهِيمَةٍ ، صَارَا أَخَوَيْنِ .\rوَلَيْسَ بِصَحِيحِ ؛ لِأَنَّ هَذَا لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ تَحْرِيمُ الْأُمُومَةِ ، فَلَا يَثْبُتُ بِهِ تَحْرِيمُ الْأُخُوَّةِ ، لِأَنَّ الْأُخُوَّةَ فَرْعٌ عَلَى الْأُمُومَةِ ، وَكَذَلِكَ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ تَحْرِيمُ الْأُبُوَّةِ لِذَلِكَ ، وَلِأَنَّ هَذَا اللَّبَنَ لَمْ يُخْلَقْ لِغِذَاءِ الْمَوْلُودِ ، فَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ التَّحْرِيمُ ، كَسَائِرِ الطَّعَامِ .\rفَإِنْ ثَابَ لِخُنْثَى مُشْكِلٍ لَبَنٌ ، لَمْ يَثْبُتْ بِهِ التَّحْرِيمُ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ كَوْنُهُ امْرَأَةً ، فَلَا يَثْبُتُ التَّحْرِيمُ مَعَ الشَّكِّ .\rوَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ : : يَقِفُ الْأَمْرُ حَتَّى يَنْكَشِفَ أَمْرُ الْخُنْثَى .\rفَعَلَى قَوْلِهِ يَثْبُتُ التَّحْرِيمُ ، إلَّا أَنْ يَتَبَيَّنَ كَوْنُهُ رَجُلًا ؛ لِأَنَّهُ لَا يَأْمَنُ كَوْنَهُ مُحَرِّمًا .\r( 6424 ) فَصْلٌ : وَإِنْ ثَابَ لَامْرَأَةٍ لَبَنٌ مِنْ غَيْرِ وَطْءٍ ، فَأَرْضَعَتْ بِهِ طِفْلًا ، نَشَرَ الْحُرْمَةَ ، فِي أَظْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ .\rوَهُوَ قَوْلُ ابْنِ حَامِدٍ ، وَمَذْهَبُ مَالِكٍ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ ، وَكُلِّ مَنْ يَحْفَظُ عَنْهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَأُمَّهَاتُكُمْ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ } .\rوَلِأَنَّهُ لَبَنُ امْرَأَةٍ فَتَعَلَّقَ بِهِ التَّحْرِيمُ ، كَمَا لَوْ ثَابَ بِوَطْءٍ ، وَلِأَنَّ أَلْبَانَ النِّسَاءِ خُلِقَتْ لِغِذَاءِ الْأَطْفَالِ ، وَإِنْ كَانَ هَذَا نَادِرًا ، فَجِنْسُهُ مُعْتَادٌ","part":18,"page":87},{"id":8587,"text":".\rوَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ ، لَا يَنْشُرُ الْحُرْمَةَ ؛ لِأَنَّهُ نَادِرٌ ، لَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِهِ لِتَغْذِيَةِ الْأَطْفَالِ ، فَأَشْبَهَ لَبَنَ الرِّجَالِ .\rوَالْأَوَّلُ أَصَحُّ .","part":18,"page":88},{"id":8588,"text":"( 6425 ) فَصْلٌ : إذَا كَانَ لَرَجُلٍ خَمْسُ أُمَّهَاتِ أَوْلَادٍ ، لَهُ مِنْهُنَّ لَبَنٌ ، فَارْتَضَعَ طِفْلٌ مِنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ رَضْعَةً ، لَمْ يَصِرْنَ أُمَّهَاتٍ لَهُ ، وَصَارَ الْمَوْلَى أَبًا لَهُ .\rوَهَذَا قَوْلُ ابْنِ حَامِدٍ ؛ لِأَنَّهُ ارْتَضَعَ مِنْ لَبَنِهِ خَمْسَ رَضَعَاتٍ .\rوَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ ، لَا تَثْبُتُ الْأُبُوَّةُ ؛ لِأَنَّهُ رَضَاعٌ لَمْ يُثْبِتْ الْأُمُومَةَ ، فَلَمْ يُثْبِتْ الْأُبُوَّةَ ، كَالِارْتِضَاعِ بِلَبَنِ الرَّجُلِ .\rوَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ؛ فَإِنَّ الْأُبُوَّةَ إنَّمَا تَثْبُتُ لِكَوْنِهِ رَضَعَ مِنْ لَبَنِهِ ، لَا لِكَوْنِ الْمُرْضِعَةِ أُمًّا لَهُ .\rوَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَجْهَانِ ، كَهَذَيْنِ .\rوَإِذَا قُلْنَا بِثُبُوتِ الْأُبُوَّةِ ، حَرُمَتْ عَلَيْهِ الْمُرْضِعَاتُ ؛ لِأَنَّهُ رَبِيبُهُنَّ ، وَهُنَّ مَوْطُوءَاتُ أَبِيهِ .\rوَإِنْ كَانَ لِرَجُلٍ خَمْسُ بَنَاتٍ ، فَأَرْضَعْنَ طِفْلًا ، كُلُّ وَاحِدَةٍ رَضْعَةً ، لَمْ يَصِرْنَ أُمَّهَاتٍ لَهُ .\rوَهَلْ يَصِيرُ الرَّجُلُ جَدًّا لَهُ ، وَأَوْلَادُهُ أَخْوَالًا لَهُ وَخَالَاتٌ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ : أَحَدِهِمَا : يَصِيرُ جَدًّا ، وَأَخُوهُنَّ خَالًا ؛ لِأَنَّهُ قَدْ كَمَّلَ لِلْمُرْتَضِعِ خَمْسُ رَضَعَاتٍ مِنْ لَبَنِ بَنَاتِهِ أَوْ أَخَوَاتِهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَ مِنْ وَاحِدَةٍ .\rوَالْآخَرُ : لَا يَثْبُتُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ كَوْنَهُ جَدًّا فَرْعُ كَوْنِ ابْنَتِهِ أُمًّا ، وَكَوْنَهُ خَالًا فَرْعُ كَوْنِ أُخْتِهِ أُمًّا ، وَلَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ ، فَلَا يَثْبُتُ الْفَرْعُ .\rوَهَذَا الْوَجْهُ يَتَرَجَّحُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ؛ لِأَنَّ الْفَرْعِيَّةَ مُتَحَقِّقَةٌ ، بِخِلَافِ الَّتِي قَبْلَهَا .\rفَإِنْ قُلْنَا : يَصِيرُ أَخُوهُنَّ خَالًا .\rلَمْ تَثْبُتْ الْخُئُولَةُ فِي حَقِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرْتَضِعْ مِنْ لَبَنِ أَخَوَاتِهَا خَمْسَ رَضَعَاتٍ ، وَلَكِنْ يَحْتَمِلُ التَّحْرِيمَ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ اجْتَمَعَ مِنْ اللَّبَنِ الْمُحَرِّمِ خَمْسُ رَضَعَاتٍ .\rوَلَوْ كَمَّلَ لِلطِّفْلِ خَمْسَ رَضَعَاتٍ مِنْ أُمِّهِ وَأُخْتِهِ وَابْنَتِهِ وَزَوْجَتِهِ وَزَوْجَةِ أَبِيهِ ، مِنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ رَضْعَةٌ ، خُرِّجَ عَلَى الْوَجْهَيْنِ .\r( 6426 ) فَصْلٌ :","part":18,"page":89},{"id":8589,"text":"إذَا كَانَ لِامْرَأَةٍ لَبَنٌ مِنْ زَوْجٍ ، فَأَرْضَعَتْ طِفْلًا ثَلَاثَ رَضَعَاتٍ ، وَانْقَطَعَ لَبَنُهَا ، فَتَزَوَّجَتْ آخَرَ ، فَصَارَ لَهَا مِنْهُ لَبَنٌ ، فَأَرْضَعَتْ مِنْهُ الصَّبِيَّ رَضْعَتَيْنِ ، صَارَتْ أُمًّا لَهُ ، بِغَيْرِ خِلَافٍ عَلِمْنَاهُ عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ الْخَمْسَ مُحَرِّمَاتٌ ، وَلَمْ يَصِرْ وَاحِدٌ مِنْ الزَّوْجَيْنِ أَبًا لَهُ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُكْمِلْ عَدَدَ الرَّضَاعِ مِنْ لَبَنِهِ ، وَيَحْرُمُ عَلَى الرَّجُلَيْنِ ؛ لِكَوْنِهِ رَبِيبَهَا ، لَا لِكَوْنِهِ وَلَدَهُمَا .","part":18,"page":90},{"id":8590,"text":"( 6427 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَلَوْ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ ثَلَاثًا ، وَهِيَ تُرْضِعُ مِنْ لَبَنِ وَلَدِهِ ، فَتَزَوَّجَتْ بِصَبِيٍّ مُرْضِعٍ ، فَأَرْضَعَتْهُ ، فَحَرُمَتْ عَلَيْهِ ، ثُمَّ تَزَوَّجَتْ بِآخَرَ ، وَدَخَلَ بِهَا وَوَطِئَهَا ، ثُمَّ طَلَّقَهَا ، أَوْ مَاتَ عَنْهَا ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا الْأَوَّلُ ؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ مِنْ حَلَائِلِ الْأَبْنَاءِ لَمَّا أَرْضَعَتْ الصَّبِيَّ الَّذِي تَزَوَّجَتْ بِهِ ) هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مِنْ فُرُوعِ الْمَسْأَلَةِ الَّتِي قَبْلَهَا ، وَهُوَ أَنَّ الْمُرْتَضِعَ يَصِيرُ ابْنًا لِلرَّجُلِ الَّذِي ثَابَ اللَّبَنُ بِوَطْئِهِ .\rفَهَذِهِ الْمَرْأَةُ لَمَّا تَزَوَّجَتْ صَبِيًّا ، ثُمَّ أَرْضَعَتْهُ بِلَبَنِ مُطَلِّقِهَا ، صَارَ ابْنًا لِمُطَلِّقِهَا فَحَرُمَتْ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهَا أُمُّهُ ، وَبَانَتْ مِنْهُ ، وَكَانَتْ زَوْجَةً لَهُ ، فَصَارَتْ زَوْجَةً لِابْنِ مُطَلِّقِهَا ، فَحَرُمَتْ عَلَى الْأَوَّلِ عَلَى التَّأْبِيدِ ؛ لِكَوْنِهَا صَارَتْ مِنْ حَلَائِلِ أَبْنَائِهِ .\rوَلَوْ تَزَوَّجَتْ امْرَأَةٌ صَبِيًّا ، فَوَجَدَتْ بِهِ عَيْبًا ، فَفَسَخَتْ نِكَاحَهُ ، ثُمَّ تَزَوَّجَتْ كَبِيرًا ، فَصَارَ لَهَا مِنْهُ لَبَنٌ ، فَأَرْضَعَتْ بِهِ الصَّبِيَّ خَمْسَ رَضَعَات ، حَرُمَتْ عَلَى زَوْجِهَا ؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ مِنْ حَلَائِل أَبْنَائِهِ .\rوَلَوْ زَوَّجَ الرَّجُلُ أُمَّ وَلَدِهِ أَوْ أَمَتَهُ بِصَبِيٍّ مَمْلُوكٍ ، فَأَرْضَعَتْهُ بِلَبَنِ سَيِّدِهَا خَمْسَ رَضَعَاتٍ ، انْفَسَخَ نِكَاحُهُ ، وَحَرُمَتْ عَلَى سَيِّدِهَا عَلَى التَّأْبِيدِ ؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ مِنْ حَلَائِل أَبْنَائِهِ .\rفَإِنْ كَانَ الصَّبِيُّ حُرًّا ، لَمْ يُتَصَوَّرْ هَذَا الْفَرْعُ ، لَمْ يَصِحَّ نِكَاحُهُ ؛ لِأَنَّ مِنْ شَرْطِ جَوَازِ نِكَاحِ الْحُرِّ الْأَمَةَ ، خَوْفَ الْعَنَتِ ، وَلَا يُوجَدُ ذَلِكَ فِي الطِّفْلِ ، فَإِنْ تَزَوَّجَ بِهَا كَانَ النِّكَاحُ فَاسِدًا ، وَإِنْ أَرْضَعَتْهُ ، لَمْ تَحْرُمْ عَلَى سَيِّدِهَا ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِزَوْجٍ فِي الْحَقِيقَةِ .","part":18,"page":91},{"id":8591,"text":"( 6428 ) فَصْلٌ : وَإِذَا طَلَّقَ الرَّجُلُ زَوْجَتَهُ ، وَلَهَا مِنْهُ لَبَنٌ فَتَزَوَّجَتْ آخَرَ ، لَمْ يَخْلُ مِنْ خَمْسَةِ أَحْوَالٍ ؛ أَحَدهَا ، أَنْ يَبْقَى لَبَنُ الْأَوَّلِ بِحَالِهِ ، لَمْ يَزِدْ وَلَمْ يَنْقُصْ ، وَلَمْ تَلِدْ مِنْ الثَّانِي ، فَهُوَ لِلْأَوَّلِ ، سَوَاءٌ حَمَلَتْ مِنْ الثَّانِي أَوْ لَمْ تَحْمِلْ .\rلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا ؛ لِأَنَّ اللَّبَنَ كَانَ لِلْأَوَّلِ ، وَلَمْ يَتَجَدَّدْ مَا يَجْعَلُهُ مِنْ الثَّانِي ، فَبَقِيَ لِلْأَوَّلِ .\rالثَّانِي : أَنْ لَا تَحْمِلَ مِنْ الثَّانِي ، فَهُوَ لِلْأَوَّلِ ، سَوَاءٌ زَادَ أَوْ لَمْ يَزِدْ ، أَوْ انْقَطَعَ ثُمَّ عَادَ ، أَوْ لَمْ يَنْقَطِعْ .\rالثَّالِثُ : أَنْ تَلِدَ مِنْ الثَّانِي ، فَاللَّبَنُ لَهُ خَاصَّةً .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعَ عَلَى هَذَا كُلُّ مَنْ أَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ ، سَوَاءٌ زَادَ أَوْ لَمْ يَزِدْ ، انْقَطَعَ أَوْ اتَّصَلَ ؛ لِأَنَّ لَبَنَ الْأَوَّلِ يَنْقَطِعُ بِالْوِلَادَةِ مِنْ الثَّانِي ، فَإِنَّ حَاجَةَ الْمَوْلُودِ إلَى اللَّبَنِ تَمْنَعُ كَوْنَهُ لِغَيْرِهِ .\rالْحَالُ الرَّابِعُ : أَنْ يَكُونَ لَبَنُ الْأَوَّلِ بَاقِيًا ، وَزَادَ بِالْحَمْلِ مِنْ الثَّانِي ، فَاللَّبَنُ مِنْهُمَا جَمِيعًا ، فِي قَوْلِ أَصْحَابِنَا .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : هُوَ لِلْأَوَّلِ ، مَا لَمْ تَلِدْ مِنْ الثَّانِي .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : إنْ لَمْ يَنْتَهِ الْحَمْلُ إلَى حَالٍ يَنْزِلُ مِنْهُ اللَّبَنُ ، فَهُوَ لِلْأَوَّلِ ، فَإِنْ بَلَغَ إلَى حَالٍ يَنْزِلُ بِهِ اللَّبَنُ ، فَزَادَ بِهِ ، فَفِيهِ قَوْلَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، هُوَ لِلْأَوَّلِ .\rوَالثَّانِي ، هُوَ لَهُمَا .\rوَلَنَا ، أَنَّ زِيَادَتَهُ عِنْدَ حُدُوثِ الْحَمْلِ ظَاهِرٌ فِي أَنَّهَا مِنْهُ ، وَبَقَاءُ لَبَنِ الْأَوَّلِ يَقْتَضِي كَوْنَ أَصْلِهِ مِنْهُ ، فَيَجِبُ أَنْ يُضَافَ إلَيْهِمَا ، كَمَا لَوْ كَانَ الْوَلَدُ مِنْهُمَا .\rالْحَالُ الْخَامِسُ : انْقَطَعَ مِنْ الْأَوَّلِ ، ثُمَّ ثَابَ بِالْحَمْلِ مِنْ الثَّانِي .\rفَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : هُوَ مِنْهُمَا .\rوَهُوَ أَحَدُ أَقْوَالِ الشَّافِعِيِّ إذَا انْتَهَى الْحَمْلُ إلَى حَالٍ يَنْزِلُ بِهِ اللَّبَنُ ؛ وَذَلِكَ","part":18,"page":92},{"id":8592,"text":"لِأَنَّ اللَّبَنَ كَانَ لِلْأَوَّلِ ، فَلَمَّا عَادَ بِحُدُوثِ الْحَمْلِ ، فَالظَّاهِرُ أَنَّ لَبَنَ الْأَوَّلِ ثَابَ بِسَبَبِ الْحَمْلِ الثَّانِي ، فَكَانَ مُضَافًا إلَيْهِمَا ، كَمَا لَوْ لَمْ يَنْقَطِعْ .\rوَاخْتَارَ أَبُو الْخَطَّابِ أَنَّهُ مِنْ الثَّانِي .\rوَهُوَ الْقَوْلُ الثَّانِي لِلشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ لَبَنَ الْأَوَّلِ انْقَطَعَ ، فَزَالَ حُكْمُهُ بِانْقِطَاعِهِ ، وَحَدَثَ بِالْحَمْلِ مِنْ الثَّانِي ، فَكَانَ لَهُ ، كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ لَهَا لَبَنٌ مِنْ الْأَوَّلِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : هُوَ لِلْأَوَّلِ ، مَا لَمْ تَلِدْ مِنْ الثَّانِي .\rوَهُوَ الْقَوْلُ الثَّالِثُ لِلشَّافِعِي ؛ لِأَنَّ الْحَمْلَ لَا يَقْتَضِي اللَّبَنَ ، وَإِنَّمَا يَخْلُقُهُ اللَّهُ تَعَالَى لِلْوَلَدِ عِنْدَ وُجُودِهِ لِحَاجَتِهِ إلَيْهِ ، وَالْكَلَامُ عَلَيْهِ قَدْ سَبَقَ .","part":18,"page":93},{"id":8593,"text":"( 6429 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَلَوْ تَزَوَّجَ كَبِيرَةً وَصَغِيرَةً ، فَلَمْ يَدْخُلْ بِالْكَبِيرَةِ حَتَّى أَرْضَعَتْ الصَّغِيرَةَ فِي الْحَوْلَيْنِ ، حَرُمَتْ عَلَيْهِ الْكَبِيرَةُ ، وَثَبَتَ نِكَاحُ الصَّغِيرَةِ .\rوَإِنْ كَانَ قَدْ دَخَلَ بِالْكَبِيرَةِ ، حَرُمَتَا عَلَيْهِ جَمِيعًا ، وَيَرْجِعُ بِنِصْفِ مَهْرِ الصَّغِيرَةِ عَلَى الْكَبِيرَةِ ) نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى هَذَا كُلِّهِ .\rفِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فُصُولٌ أَرْبَعَةٌ : ( 6430 ) الْفَصْلُ الْأَوَّلُ : أَنَّهُ مَتَى تَزَوَّجَ كَبِيرَةً وَصَغِيرَةً ، فَأَرْضَعَتْ الْكَبِيرَةُ الصَّغِيرَةَ قَبْلَ دُخُولِهِ بِهَا ، فَسَدَ نِكَاحُ الْكَبِيرَةِ فِي الْحَالِ ، وَحَرُمَتْ عَلَى التَّأْبِيدِ .\rوَبِهَذَا قَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : نِكَاحُ الْكَبِيرَةِ ثَابِتٌ ، وَتُنْزَعُ مِنْهُ الصَّغِيرَةُ .\rوَلَيْسَ بِصَحِيحٍ ؛ فَإِنَّ الْكَبِيرَةَ صَارَتْ مِنْ أُمَّهَاتِ النِّسَاءِ ، فَتَحْرُمُ أَبَدًا ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ سُبْحَانه : { وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ } .\rوَلَمْ يَشْتَرِطْ دُخُولَهُ بِهَا ، فَأَمَّا الصَّغِيرَةُ ، فَفِيهَا رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، نِكَاحُهَا ثَابِتٌ ؛ لِأَنَّهَا رَبِيبَةٌ ، وَلَمْ يَدْخُلْ بِأُمِّهَا ، فَلَا تَحْرُمُ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ : { فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ } .\rوَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ ، يَنْفَسِخُ نِكَاحُهَا .\rوَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّهُمَا صَارَتَا أُمًّا وَبِنْتًا ، وَاجْتَمَعَتَا فِي نِكَاحِهِ ، وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا مُحَرَّمٌ ، فَانْفَسَخَ نِكَاحُهُمَا ، كَمَا لَوْ صَارَتَا أُخْتَيْنِ ، وَكَمَا لَوْ عَقَدَ عَلَيْهِمَا بَعْدَ الرَّضَاعِ عَقْدًا وَاحِدًا .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ أَمْكَنَ إزَالَةُ الْجَمْعِ بِانْفِسَاخِ نِكَاحِ الْكَبِيرَةِ ، وَهِيَ أَوْلَى بِهِ ؛ لِأَنَّ نِكَاحَهَا مُحَرَّمٌ عَلَى التَّأْبِيدِ ، فَلَمْ يَبْطُلْ نِكَاحُهُمَا بِهِ ، كَمَا لَوْ ابْتَدَأَ الْعَقْدَ عَلَى أُخْتِهِ وَأَجْنَبِيَّةٍ ، وَلِأَنَّ الْجَمْعَ طَرَأَ عَلَى نِكَاحِ الْأُمِّ وَالْبِنْتِ ، فَاخْتَصَّ الْفَسْخُ بِنِكَاحِ الْأُمِّ ، كَمَا لَوْ","part":18,"page":94},{"id":8594,"text":"أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ امْرَأَةٌ وَبِنْتُهَا .\rوَفَارَقَ الْأُخْتَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَتْ إحْدَاهُمَا أَوْلَى بِالْفَسْخِ مِنْ الْأُخْرَى ، وَفَارَقَ مَا لَوْ ابْتَدَأَ الْعَقْدَ عَلَيْهِمَا ؛ لِأَنَّ الدَّوَامَ أَقْوَى مِنْ الِابْتِدَاءِ .\r( 6431 ) الْفَصْلُ الثَّانِي : أَنَّهُ إنْ كَانَ دَخَلَ بِالْكَبِيرَةِ ، حَرُمَتَا جَمِيعًا عَلَى الْأَبَدِ ، وَانْفَسَخَ نِكَاحُهُمَا ؛ لِأَنَّ الْكَبِيرَةَ صَارَتْ مِنْ أُمَّهَاتِ النِّسَاءِ ، وَالصَّغِيرَةَ رَبِيبَةٌ قَدْ دَخَلَ بِأُمِّهَا ، فَتَحْرُمُ تَحْرِيمًا مُؤَبَّدًا ، وَإِنْ كَانَ الرَّضَاعُ بِلَبَنِهِ ، صَارَتْ الصَّغِيرَةُ بِنْتًا مُحَرَّمَةً عَلَيْهِ لِوَجْهَيْنِ ؛ لِكَوْنِهَا بِنْتَه ، وَرَبِيبَتَهُ الَّتِي دَخَلَ بِأُمِّهَا .\r( 6432 ) الْفَصْلُ الثَّالِثُ : أَنَّ عَلَيْهِ نِصْفَ مَهْرِ الصَّغِيرَةِ ؛ لِأَنَّ نِكَاحَهَا انْفَسَخَ قَبْلَ دُخُولِهِ بِهَا مِنْ غَيْرِ جِهَتِهَا ، وَالْفَسْخُ إذَا جَاءَ مِنْ أَجْنَبِيٍّ كَانَ كَطَلَاقِ الزَّوْجِ فِي وُجُوبِ الصَّدَاقِ عَلَيْهِ ، وَلَا مَهْرَ لِلْكَبِيرَةِ إنْ لَمْ يَكُنْ دَخَلَ بِهَا ؛ لِأَنَّ فَسْخَ نِكَاحِهَا بِسَبَبٍ مِنْ جِهَتِهَا ، فَسَقَطَ صَدَاقُهَا ، كَمَا لَوْ ارْتَدَّتْ .\rوَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا .\rوَإِنْ كَانَ دَخَلَ بِالْكَبِيرَةِ ، لَمْ يَسْقُطْ مَهْرُهَا ؛ لِأَنَّهُ اسْتَقَرَّ بِدُخُولِهِ بِهَا اسْتِقْرَارًا لَا يُسْقِطُهُ شَيْءٌ ، وَلِذَلِكَ لَا يَسْقُطُ بِرِدَّتِهَا وَلَا بِغَيْرِهَا .\r( 6433 ) الْفَصْلُ الرَّابِعُ : أَنَّهُ يَرْجِعُ عَلَى الْكَبِيرَةِ بِمَا لَزِمَهُ مِنْ صَدَاقِ الصَّغِيرَةِ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَحُكِيَ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ ، أَنَّهُ يَرْجِعُ بِجَمِيعِ صَدَاقِهَا ؛ لِأَنَّهَا أَتْلَفَتْ الْبُضْعَ ، فَوَجَبَ ضَمَانُهُ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ : إنْ كَانَتْ الْمُرْضِعَةُ أَرَادَتْ الْفَسَادَ ، رَجَعَ عَلَيْهَا بِنِصْفِ الصَّدَاقِ ، وَإِلَّا فَلَا يَرْجِعُ بِشَيْءِ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : لَا يَرْجِعُ بِشَيْءٍ .\rوَلَنَا أَنَّهُ يَرْجِعُ عَلَيْهَا بِالنِّصْفِ ، أَنَّهَا قَرَّرَتْهُ عَلَيْهِ ، وَأَلْزَمَتْهُ إيَّاهُ ، وَأَتْلَفَتْ","part":18,"page":95},{"id":8595,"text":"عَلَيْهِ مَا فِي مُقَابَلَتِهِ ، فَوَجَبَ عَلَيْهَا الضَّمَانُ ، كَمَا لَوْ أَتْلَفَتْ عَلَيْهِ الْمَبِيعَ .\rوَلَنَا ، عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ ، أَنَّ مَا ضَمِنَ فِي الْعَمْدِ ضَمِنَ فِي الْخَطَأِ ، كَالْمَالِ ، وَلِأَنَّهَا أَفْسَدَتْ نِكَاحَهُ ، وَقَرَّرَتْ عَلَيْهِ نِصْفَ الصَّدَاقِ ، فَلَزِمَهَا ضَمَانُهُ ، كَمَا لَوْ قَصَدَتْ الْإِفْسَادَ .\rوَلَنَا ، عَلَى أَنَّ الزَّوْجَ إنَّمَا يَرْجِعُ بِالنِّصْفِ ، أَنَّ الزَّوْجَ لَمْ يَغْرَمْ إلَّا النِّصْفَ ، فَلَمْ يَجِبْ لَهُ أَكْثَرُ مِمَّا غَرِمَ ، وَلِأَنَّهُ بِالْفَسْخِ يُرْجَعُ إلَيْهِ بَدَلُ النِّصْفِ الْآخَرِ ، فَلَمْ يَجِبْ لَهُ بَدَلُ مَا أَخَذَ بَدَلَهُ مَرَّةً أُخْرَى ، وَلِأَنَّ خُرُوجَ الْبُضْعِ مِنْ مِلْكِ الزَّوْجِ لَا قِيمَةَ لَهُ ، وَإِنَّمَا ضَمِنَتْ الْمُرْضِعَةُ هَاهُنَا لَمَّا أَلْزَمَتْ الزَّوْجَ مَا كَانَ مُعَرَّضًا لِلسُّقُوطِ بِسَبَبٍ يُوجَدُ مِنْ الزَّوْجَةِ ، فَلَمْ يَرْجِعْ هَاهُنَا بِأَكْثَرَ مِمَّا أَلْزَمَتْهُ .\rفَصْلٌ : وَالْوَاجِبُ نِصْفُ الْمُسَمَّى ، لَا نِصْفُ مَهْرِ الْمِثْلِ ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَرْجِعُ بِمَا غَرِمَ ، وَاَلَّذِي غَرِمَ نِصْفُ مَا فَرَضَ لَهَا ، فَرَجَعَ بِهِ .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يَرْجِعُ بِنِصْفِ مَهْرِ الْمِثْلِ ؛ لِأَنَّهُ ضَمَانُ مُتْلَفٍ ، فَكَانَ الِاعْتِبَارُ بِقِيمَتِهِ ، دُونَ مَا مَلَكَهُ بِهِ ، كَسَائِرِ الْأَعْيَانِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ خُرُوجَ الْبُضْعِ مِنْ مِلْكِ الزَّوْجِ لَا قِيمَةَ لَهُ ، بِدَلِيلِ مَا لَوْ قَتَلَتْ نَفْسَهَا ، أَوْ ارْتَدَّتْ ، أَوْ أَرْضَعَتْ مَنْ يَنْفَسِخُ نِكَاحُهَا بِإِرْضَاعِهِ ، فَإِنَّهَا لَا تَغْرَمُ لَهُ شَيْئًا ، وَإِنَّمَا الرُّجُوعُ هَاهُنَا بِمَا غَرِمَ ، فَلَا يَرْجِعُ بِغَيْرِهِ ؛ وَلِأَنَّهُ لَوْ رَجَعَ بِقِيمَةِ الْمُتْلَفِ ، لَرَجَعَ بِمَهْرِ الْمِثْلِ كُلِّهِ ، وَلَمْ يَخْتَصَّ بِنِصْفِهِ ؛ لِأَنَّ التَّلَفَ لَمْ يَخْتَصَّ بِالنِّصْفِ ، وَلِأَنَّ شُهُودَ الطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ إذَا رَجَعُوا لَزِمَهُمْ نِصْفُ الْمُسَمَّى ، كَذَا هَاهُنَا .","part":18,"page":96},{"id":8596,"text":"( 6435 ) فَصْلٌ : وَكُلُّ امْرَأَةٍ تَحْرُمُ ابْنَتُهَا إذَا أَرْضَعَتْ زَوْجَتَهُ الصَّغِيرَةَ ، أَفْسَدَتْ نِكَاحَهُ ، وَحَرَّمَتْهَا عَلَيْهِ ، وَلَزِمَهَا نِصْفُ الصَّدَاقِ ، فَإِنْ أَرْضَعَتْهَا أُمُّهُ ، صَارَتْ أُخْتَهُ ، وَإِنْ أَرْضَعَتْهَا جَدَّتُهُ ، صَارَتْ عَمَّتَهُ أَوْ خَالَتَهُ ، وَإِنْ أَرْضَعَتْهَا بِنْتُهُ ، صَارَتْ بِنْتَ بِنْتِهِ ، وَإِنْ أَرْضَعَتْهَا أُخْتُهُ ، صَارَتْ بِنْتَ أُخْتِهِ وَكُلُّ امْرَأَةٍ تَحْرُمُ بِنْتُ زَوْجِهَا عَلَيْهِ ، إذَا أَرْضَعَتْهَا بِلَبَنِ زَوْجِهَا ، حَرَّمَتْهَا عَلَيْهِ ، وَعَلَيْهَا نِصْفُ مَهْرِهَا ، كَامْرَأَةِ ابْنِهِ ، وَامْرَأَةِ أَبِيهِ ، وَامْرَأَةِ أَخِيهِ ، وَامْرَأَةِ جَدِّهِ ؛ لِأَنَّهَا إنْ أَرْضَعَتْهَا امْرَأَةُ أَبِيهِ بِلَبَنِهِ ، صَارَتْ أُخْتَهُ ، وَإِنْ أَرْضَعَتْهَا امْرَأَةُ ابْنِهِ ، صَارَتْ بِنْتَ ابْنِهِ ، وَإِنْ أَرْضَعَتْهَا امْرَأَةُ أَخِيهِ ، صَارَتْ بِنْتَ أَخِيهِ ، وَإِنْ أَرْضَعَتْهَا امْرَأَةُ جَدِّهِ بِلَبَنِهِ ، صَارَتْ عَمَّتَهُ أَوْ خَالَتَهُ .\rوَإِنْ أَرْضَعَتْهَا امْرَأَةُ أَحَدِ هَؤُلَاءِ بِلَبَنِ غَيْرِهِ ، لَمْ تَحْرُمْ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ رَبِيبَةَ زَوْجِهَا .\rوَإِنْ أَرْضَعَتْهَا مَنْ لَا تُحَرَّمُ بِنْتُهَا ، كَعَمَّتِهِ وَخَالَتِهِ ، لَمْ تُحَرِّمْهَا عَلَيْهِ .\rوَلَوْ تَزَوَّجَ ابْنَةَ عَمِّهِ ، فَأَرْضَعَتْ جَدَّتُهُمَا أَحَدَهُمَا صَغِيرًا ، انْفَسَخَ النِّكَاحُ ؛ لِأَنَّهَا إنْ أَرْضَعَتْ الزَّوْجَ صَارَ عَمَّ زَوْجَتِهِ ، وَإِنْ أَرْضَعْت الزَّوْجَةَ صَارَتْ عَمَّةً ، وَإِنْ أَرْضَعَتْهُمَا جَمِيعًا صَارَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَمَّ الْآخَرِ .\rوَإِنْ تَزَوَّجَ بِنْتَ عَمَّتِهِ ، فَأَرْضَعَتْ جَدَّتُهُمَا أَحَدَهُمَا صَغِيرًا ، انْفَسَخَ النِّكَاحُ ؛ لِأَنَّهَا إنْ أَرْضَعْت الزَّوْجَ صَارَ خَالًا لَهَا ، وَإِنْ أَرْضَعْت الزَّوْجَةَ صَارَتْ عَمَّتَهُ .\rوَإِنْ تَزَوَّجَ ابْنَةَ خَالِهِ ، فَأَرْضَعَتْ جَدَّتُهُمَا الزَّوْجَ صَارَ عَمَّ زَوْجَتِهِ ، وَإِنْ أَرْضَعَتْهَا صَارَتْ خَالَتَهُ .\rوَإِنْ تَزَوَّجَ ابْنَةَ خَالَتِهِ ، فَأَرْضَعَتْ جَدَّتُهُمَا الزَّوْجَ صَارَ خَالَ زَوْجَتِهِ ، وَإِنْ أَرْضَعَتْهَا صَارَتْ خَالَةَ زَوْجِهَا .","part":18,"page":97},{"id":8597,"text":"( 6436 ) فَصْلٌ : وَإِنْ تَزَوَّجَ كَبِيرَةً ، ثُمَّ طَلَّقَهَا ، فَأَرْضَعَتْ صَغِيرَةً بِلَبَنِهِ ، صَارَتْ بِنْتًا لَهُ ، وَإِنْ أَرْضَعَتْهَا بِلَبَنِ غَيْرِهِ صَارَتْ رَبِيبَةً ، فَإِنْ كَانَ قَدْ دَخَلَ بِالْكَبِيرَةِ ، حَرُمَتْ الصَّغِيرَةُ عَلَى التَّأْبِيدِ ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا لَمْ تَحْرُمْ ؛ لِأَنَّهَا رَبِيبَةٌ لَمْ يَدْخُلْ بِأُمِّهَا .\rوَإِنْ تَزَوَّجَ صَغِيرَةً ، ثُمَّ طَلَّقَهَا ، فَأَرْضَعَتْهَا امْرَأَةٌ ، حَرُمَتْ الْمُرْضِعَةُ عَلَى التَّأْبِيدِ ؛ لِأَنَّهَا مِنْ أُمَّهَاتِ نِسَائِهِ .\rوَإِنْ تَزَوَّجَ كَبِيرَةً وَصَغِيرَةً ، ثُمَّ طَلَّقَ الصَّغِيرَةَ ، فَأَرْضَعَتْهَا الْكَبِيرَةُ ، حَرُمَتْ الْكَبِيرَةُ ، وَانْفَسَخَ نِكَاحُهَا ، فَإِنْ كَانَ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا ، فَلَا مَهْرَ لَهَا ، وَلَهُ نِكَاحُ الصَّغِيرَةِ ، وَإِنْ كَانَ دَخَلَ بِهَا ، فَلَهَا مَهْرُهَا ، وَتَحْرُمُ هِيَ وَالصَّغِيرَةُ عَلَى التَّأْبِيدِ .\rوَإِنْ طَلَّقَ الْكَبِيرَةَ وَحْدَهَا قَبْلَ الرَّضَاعِ ، فَأَرْضَعَتْ الصَّغِيرَةَ ، وَلَمْ يَكُنْ دَخَلَ بِالْكَبِيرَةِ ، ثَبَتَ نِكَاحُ الصَّغِيرَةِ ، وَإِنْ كَانَ دَخَلَ بِهَا ، حَرُمَتْ الصَّغِيرَةُ ، وَانْفَسَخَ نِكَاحُهَا ، وَيَرْجِعُ عَلَى الْكَبِيرَةِ بِنِصْفِ صَدَاقِهَا .\rوَإِنْ طَلَّقَهُمَا جَمِيعًا فَالْحُكْمُ فِي التَّحْرِيمِ عَلَى مَا مَضَى .\rوَلَوْ تَزَوَّجَ رَجُلٌ كَبِيرَةً ، وَآخَرُ صَغِيرَةً ، ثُمَّ طَلَّقَاهُمَا ، وَنَكَحَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا زَوْجَةَ الْآخَرِ ، ثُمَّ أَرْضَعَتْ الْكَبِيرَةُ الصَّغِيرَةَ ، حَرُمَتْ عَلَيْهِمَا الْكَبِيرَةُ ، وَانْفَسَخَ نِكَاحُهَا ، وَإِنْ كَانَ زَوْجُ الصَّغِيرَةِ دَخَلَ بِالْكَبِيرَةِ ، حَرُمَتْ عَلَيْهِ ، وَانْفَسَخَ نِكَاحُهَا ، وَإِلَّا فَلَا .\r( 6437 ) فَصْلٌ : وَإِنْ أَرْضَعَتْ بِنْتُ الْكَبِيرَةِ الصَّغِيرَةَ ، فَالْحُكْمُ فِي التَّحْرِيمِ وَالْفَسْخِ حُكْمُ مَا لَوْ أَرْضَعَتْهَا الْكَبِيرَةُ ؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ جَدَّتَهَا ، وَالرُّجُوعُ بِالصَّدَاقِ عَلَى الْمُرْضِعَةِ الَّتِي أَفْسَدَتْ النِّكَاحَ .\rوَإِنْ أَرْضَعَتْهَا أُمُّ الْكَبِيرَةِ ، انْفَسَخَ نِكَاحُهُمَا مَعًا ؛ لِأَنَّهُمَا صَارَتَا أُخْتَيْنِ ، فَإِنْ كَانَ لَمْ يَدْخُلْ بِالْكَبِيرَةِ ،","part":18,"page":98},{"id":8598,"text":"فَلَهُ أَنْ يَنْكِحَ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا ، وَيَرْجِعَ عَلَى الْمُرْضِعَةِ بِنِصْفِ صَدَاقِهِمَا ، وَإِنْ كَانَ قَدْ دَخَلَ بِالْكَبِيرَةِ ، فَلَهُ نِكَاحُهَا ؛ لِأَنَّ الصَّغِيرَةَ لَا عِدَّةَ عَلَيْهَا ، وَلَيْسَ لَهُ نِكَاحُ الصَّغِيرَةِ حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّةُ الْكَبِيرَةِ ؛ لِأَنَّهَا قَدْ صَارَتْ أُخْتَهَا ، فَلَا يَنْكِحُهَا فِي عِدَّتِهَا .\rوَكَذَلِكَ الْحُكْمُ إنْ أَرْضَعَتْهَا جَدَّةُ الْكَبِيرَةِ ؛ لِأَنَّهَا تَصِيرُ عَمَّةَ الْكَبِيرَةِ أَوْ خَالَتَهَا ، وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا مُحَرَّمٌ .\rوَكَذَلِكَ الْحُكْمُ إنْ أَرْضَعَتْهَا أُخْتُهَا أَوْ زَوْجَةُ أَخِيهَا بِلَبَنِهِ ؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ بِنْتَ أُخْتِ الْكَبِيرَةِ أَوْ بِنْتَ أَخِيهِ .\rوَكَذَلِكَ إنْ أَرْضَعَتْهَا بِنْتُ أَخِيهَا أَوْ بِنْتُ أُخْتِهَا .\rوَلَا يَحْرُمُ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذَا وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ عَلَى التَّأْبِيدِ ؛ لِأَنَّهُ تَحْرِيمُ جَمْعٍ ، إلَّا إذَا أَرْضَعَتْهَا بِنْتُ الْكَبِيرَةِ وَقَدْ دَخَلَ بِأُمِّهَا .","part":18,"page":99},{"id":8599,"text":"( 6438 ) فَصْلٌ : وَمَنْ أَفْسَدَ نِكَاحَ امْرَأَةٍ بِالرَّضَاعِ قَبْلَ الدُّخُولِ ، غَرِمَ نِصْفَ صَدَاقِهَا ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الدُّخُولِ ، فَنَصَّ أَحْمَدُ عَلَى أَنَّهُ يُرْجَعُ عَلَيْهِ بِالْمَهْرِ كُلِّهِ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ تَسْتَحِقُّ الْمَهْرَ كُلَّهُ عَلَى زَوْجِهَا ، فَيَرْجِعُ بِمَا لَزِمَهُ ، كَنِصْفِ الْمَهْرِ فِي غَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا .\rوَالصَّحِيحُ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ، أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ عَلَى الْمُرْضِعَةِ بَعْدَ الدُّخُولِ بِشَيْءٍ ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تُقَرِّرْ عَلَى الزَّوْجِ شَيْئًا ، وَلَمْ تُلْزِمْهُ إيَّاهُ ، فَلَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهَا بِشَيْءٍ ، كَمَا لَوْ أَفْسَدَتْ نِكَاحَ نَفْسِهَا ، وَلِأَنَّهُ لَوْ مَلَكَ الرُّجُوعَ بِالصَّدَاقِ بَعْدَ الدُّخُولِ ، لَسَقَطَ إذَا كَانَتْ الْمَرْأَةُ هِيَ الْمُفْسِدَةَ لِلنِّكَاحِ ، كَالنِّصْفِ قَبْلَ الدُّخُولِ ؛ وَلِأَنَّ خُرُوجَ الْبُضْعِ مِنْ مِلْكِ الزَّوْجِ غَيْرُ مُتَقَوِّمٍ ، عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فِيمَا مَضَى ، وَلِذَلِكَ لَا يَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ ، وَإِنَّمَا رَجَعَ الزَّوْجُ بِنِصْفِ الْمُسَمَّى قَبْلَ الدُّخُولِ ؛ لِأَنَّهَا قَرَّرَتْهُ عَلَيْهِ ، وَلِذَلِكَ يَسْقُطُ إذَا كَانَتْ هِيَ الْمُفْسِدَةَ لِنِكَاحِهَا ، وَلَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ هَاهُنَا .\rوَهَذَا قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ .\rوَلِأَنَّهُ لَوْ رَجَعَ بِالْمَهْرِ بَعْدَ الدُّخُولِ ، لَمْ يَخْلُ إمَّا أَنْ يَكُونَ رُجُوعُهُ بِبَدَلِ الْبُضْعِ الَّذِي فَوَّتَتْهُ ، أَوْ بِالْمَهْرِ الَّذِي أَدَّاهُ ، لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِبَدَلِ الْبُضْعِ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ وَجَبَ بَدَلُهُ ، لَوَجَبَ لَهُ عَلَى الزَّوْجَةِ إذَا فَاتَ بِفِعْلِهَا أَوْ بِقَتْلِهَا ، وَلَكَانَ الْوَاجِبُ لَهُ مَهْرَ مِثْلِهَا ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَجِبَ لَهُ بَدَلُ مَا أَدَّاهُ إلَيْهَا لِذَلِكَ ؛ وَلِأَنَّهَا مَا أَوْجَبَتْهُ ، وَلَا لَهَا أَثَرٌ فِي إيجَابِهِ وَلَا أَدَائِهِ وَلَا تَقْرِيرِهِ ، وَلَا نَعْلَمُ بَيْنَهُمْ خِلَافًا فِي أَنَّهَا إذَا أَفْسَدَتْ نِكَاحَ نَفْسِهَا بَعْدَ الدُّخُولِ أَنَّهُ لَا يَسْقُطُ مَهْرُهَا ، وَلَا يَرْجِعُ عَلَيْهَا بِشَيْءٍ إنْ كَانَ أَدَّاهُ إلَيْهَا ، وَلَا فِي أَنَّهَا إذَا","part":18,"page":100},{"id":8600,"text":"أَفْسَدَتْهُ قَبْلَ الدُّخُولِ أَنَّهُ يَسْقُطُ صَدَاقُهَا ، وَأَنَّهُ يَرْجِعُ عَلَيْهَا بِمَا أَعْطَاهَا ، فَلَوْ دَبَّتْ صَغِيرَةٌ إلَى كَبِيرَةٍ ، فَارْتَضَعَتْ مِنْهَا خَمْسَ رَضَعَاتٍ وَهِيَ نَائِمَةٌ ، وَهُمَا زَوْجَتَا رَجُلٍ ، انْفَسَخَ نِكَاحُ الْكَبِيرَةِ ، وَحَرُمَتْ عَلَى التَّأْبِيدِ ، فَإِنْ كَانَ دَخَلَ بِالْكَبِيرَةِ ، حَرُمَتْ الصَّغِيرَةُ ، وَانْفَسَخَ نِكَاحُهَا ، وَلَا مَهْرَ لِلصَّغِيرَةِ ؛ لِأَنَّهَا فَسَخَتْ نِكَاحَ نَفْسِهَا ، وَعَلَيْهِ مَهْرُ الْكَبِيرَةِ ، يَرْجِعُ بِهِ عَلَى الصَّغِيرَةِ ، عِنْدَ أَصْحَابِنَا ، وَلَا يَرْجِعُ بِهِ ، عَلَى مَا اخْتَرْنَاهُ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ دَخَلَ بِالْكَبِيرَةِ ، فَعَلَيْهِ نِصْفُ صَدَاقِهَا ، يَرْجِعُ بِهِ عَلَى مَالِ الصَّغِيرَةِ ؛ لِأَنَّهَا فَسَخَتْ نِكَاحَهَا .\rوَإِنْ ارْتَضَعَتْ الصَّغِيرَةُ مِنْهَا رَضْعَتَيْنِ ، وَهِيَ نَائِمَةٌ ، ثُمَّ انْتَبَهْت الْكَبِيرَةُ ، فَأَتَمَّتْ لَهَا ثَلَاثَ رَضَعَات ، فَقَدْ حَصَلَ الْفَسَادُ { بِفِعْلِهِمَا ، فَيَتَقَسَّطُ الْوَاجِبُ عَلَيْهِمَا ، وَعَلَيْهِ مَهْرُ الْكَبِيرَةِ ، وَثَلَاثَةُ أَعْشَارِ مَهْرِ الصَّغِيرَةِ ، يَرْجِعُ بِهِ عَلَى الْكَبِيرَةِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ دَخَلَ بِالْكَبِيرَةِ ، فَعَلَيْهِ خُمْسُ مَهْرِهَا ، يَرْجِعُ بِهِ عَلَى الصَّغِيرَةِ .\rوَهَلْ يَنْفَسِخُ نِكَاحُ الصَّغِيرَةِ ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ .","part":18,"page":101},{"id":8601,"text":"( 6439 ) فَصْلٌ : وَإِنْ أَفْسَدَ النِّكَاحَ جَمَاعَةٌ ، تُقَسَّطْ الْمَهْرُ عَلَيْهِمْ ، فَلَوْ جَاءَ خَمْسٌ فَسَقَيْنَ زَوْجَةً صَغِيرَةً مِنْ لَبَنِ أُمِّ الزَّوْجِ خَمْسَ مَرَّاتٍ ، انْفَسَخَ نِكَاحُهَا ، وَلَزِمَهُنَّ نِصْفُ مَهْرِهَا بَيْنَهُنَّ .\rفَإِنْ سَقَتْهَا وَاحِدَةٌ شَرْبَتَيْنِ ، وَأُخْرَى ثَلَاثًا ، فَعَلَى الْأُولَى الْخُمْسُ ، وَعَلَى الثَّانِيَة خُمْسٌ وَعُشْرٌ .\rوَإِنْ سَقَتْهَا وَاحِدَةٌ شَرْبَتَيْنِ ، وَسَقَاهَا ثَلَاثٌ ثَلَاثَ شَرَبَاتٍ ، فَعَلَى الْأُولَى الْخُمْسُ ، وَعَلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ الثَّلَاثِ عُشْرٌ .\rوَإِنْ كَانَ لَهُ ثَلَاثُ نِسْوَةٍ كِبَارٌ ، وَوَاحِدَةٌ صَغِيرَةٌ ، فَأَرْضَعَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْ الثَّلَاثِ الصَّغِيرَةَ أَرْبَعَ رَضَعَاتٍ ، ثُمَّ حَلَبْنَ فِي إنَاءٍ ، وَسَقَيْنَهُ الصَّغِيرَةَ ، حَرُمَ الْكِبَارُ ، وَانْفَسَخَ نِكَاحُهُنَّ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ دَخَلَ بِهِنَّ ، فَنِكَاحُ الصَّغِيرَةِ ثَابِتٌ ، عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ ، وَعَلَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ ثُلُثُ صَدَاقِهَا ، تَرْجِعُ بِهِ عَلَى ضَرَّتَيْهَا ؛ لِأَنَّ فَسَادَ نِكَاحِهَا حَصَلَ بِفِعْلِهَا وَفِعْلِهِمَا ، فَسَقَطَ مَا قَابَلَ فَعَلَهَا ، وَهُوَ سُدُسُ الصَّدَاقِ ، وَبَقِيَ عَلَيْهِ الثُّلُثُ ، فَرَجَعَ بِهِ عَلَى ضَرَّتَيْهَا ، فَإِنْ كَانَ صَدَاقُهُنَّ مُتَسَاوِيًا ، سَقَطَ ، وَلَمْ يَجِبْ شَيْءٌ ؛ لِأَنَّهُ يَتَقَاصُّ مَا لَهَا عَلَى الزَّوْجِ ، بِمَا يَرْجِعُ بِهِ عَلَيْهَا ، إذْ لَا فَائِدَةَ فِي أَنْ يَجِبَ لَهَا عَلَيْهِ مَا يَرْجِعُ بِهِ عَلَيْهَا ، وَإِنْ كَانَ مُخْتَلِفًا ، وَهُوَ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ ، تَقَاصَّا مِنْهُ بِقَدْرِ أَقَلِّهِمَا ، وَوَجَبَتْ الْفَضْلَةُ بِهِ لِصَاحِبِهَا ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَجْنَاسٍ ، ثَبَتَ التَّرَاجُعُ ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا .\rوَإِنْ كَانَ قَدْ دَخَلَ بِإِحْدَى الْكِبَارِ ، حُرِّمَتْ الصَّغِيرَةُ أَيْضًا ، وَانْفَسَخَ نِكَاحُهَا ، وَوَجَبَ لَهَا نِصْفُ صَدَاقِهَا ، تَرْجِعُ بِهِ عَلَيْهِنَّ أَثْلَاثًا ، وَلِلَّتِي دَخَلَ بِهَا الْمَهْرُ كَامِلًا ، وَفِي الرُّجُوعِ بِهِ مَا أَسْلَفْنَاهُ مِنْ الْخِلَافِ .\rوَإِنْ حَلَبْنَ فِي إنَاءٍ ، فَسَقَتْهُ إحْدَاهُنَّ الصَّغِيرَةَ خَمْسَ مَرَّاتٍ ، كَانَ","part":18,"page":102},{"id":8602,"text":"صَدَاقُ ضَرَّاتِهَا يَرْجِعُ بِهِ عَلَيْهَا ، إنْ كَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ بِهِنَّ ؛ لِأَنَّهَا أَفْسَدَتْ نِكَاحَهُنَّ ، وَيَسْقُطُ مَهْرُهَا إنْ لَمْ يَكُنْ دَخَلَ بِهَا ، وَإِنْ كَانَ دَخَلَ بِهَا ، فَلَهَا مَهْرُهَا ، وَلَا تَرْجِعُ بِهِ عَلَى أَحَدٍ .\rوَإِنْ كَانَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْ الْكِبَارِ أَرْضَعَتْ الصَّغِيرَةَ خَمْسَ رَضَعَاتٍ ، حَرُمَ الثَّلَاثُ ، فَإِنْ كَانَ لَمْ يَدْخُلْ بِهِنَّ ، فَلَا مَهْرَ لَهُنَّ عَلَيْهِ ، وَإِنْ كَانَ دَخَلَ بِهِنَّ ، فَعَلَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مَهْرُهَا ، لَا يَرْجِعُ بِهِ عَلَى أَحَدٍ ، وَتَحْرُمُ الصَّغِيرَةُ ، وَيَرْجِعُ بِمَا لَزِمَهُ مِنْ صَدَاقِهَا عَلَى الْمُرْضِعَة الْأُولَى ؛ لِأَنَّهَا الَّتِي حَرَّمَتْهَا عَلَيْهِ ، وَفَسَخَتْ نِكَاحَهَا .\rوَلَوْ أَرْضَعَ الثَّلَاثُ الصَّغِيرَةَ بِلَبَنِ الزَّوْجِ ، فَأَرْضَعَتْهَا كُلُّ وَاحِدَةٍ رَضْعَتَيْنِ ، صَارَتْ بِنْتًا لِزَوْجِهَا ، فِي الصَّحِيحِ ، وَيَنْفَسِخُ نِكَاحُهَا ، وَيَرْجِعُ بِنِصْفِ صَدَاقِهَا عَلَيْهِنَّ ، عَلَى الْمُرْضِعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ مِنْهُ أَرْبَعَةُ أَخْمَاسِهِ ، وَعَلَى الثَّالِثَةِ خُمْسُهُ ؛ لِأَنَّ رَضْعَتَهَا الْأُولَى حَصَلَ بِهَا التَّحْرِيمُ ، لِكَمَالِ الْخَمْسِ بِهَا ، وَالثَّانِيَةُ لَا أَثَرَ لَهَا فِي التَّحْرِيمِ ، فَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهَا بِهَا شَيْءٌ ، وَلَا يَنْفَسِخُ نِكَاحُ الْأَكَابِرِ ، لِأَنَّهُنَّ لَمْ يَصِرْنَ أُمَّهَاتٍ لَهَا .\rوَلَوْ كَانَ لِامْرَأَتِهِ الْكَبِيرَةِ خَمْسُ بَنَاتٍ ، لَهُنًّ لَبَنٌ ، فَأَرْضَعْنَ امْرَأَتَهُ الصَّغِيرَةَ رَضَاعًا تَصِيرُ بِهِ إحْدَاهُنَّ أُمًّا لَهَا ، لَحَرُمَتْ أُمُّهَا ، وَانْفَسَخَ نِكَاحُهَا ، وَهَلْ يَنْفَسِخُ نِكَاحُ الصَّغِيرَةِ ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ .\rوَإِنْ أَرْضَعَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ الصَّغِيرَةَ رَضْعَةً ، فَالصَّحِيحُ أَنَّ الْكَبِيرَةَ لَا تَحْرُمُ بِهَذَا ؛ لِأَنَّ كَوْنَهَا جَدَّةً يَنْبَنِي عَلَى كَوْنِ ابْنَتِهَا أُمًّا ، وَمَا صَارَتْ وَاحِدَةٌ مِنْ بَنَاتِهَا أُمًّا ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَحْرُمَ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ كَمُلَ لَهَا مِنْ بَنَاتِهَا خَمْسُ رَضَعَاتٍ .\rوَكَذَلِكَ الْحُكْمُ لَوْ أَرْضَعَتْهَا بِنْتُهَا رَضْعَةً ، وَبِنْتُ ابْنِهَا رَضْعَةً ،","part":18,"page":103},{"id":8603,"text":"وَبَنَاتُ بَنَاتِهَا ثَلَاثَ رَضَعَاتٍ .\rوَلَوْ كَمُلَ لَهَا مِنْ زَوْجَتِهِ بِلَبَنِهِ وَمِنْ أُمِّهِ وَأُخْتِهِ وَابْنَتِهِ وَابْنَةِ ابْنِهِ خَمْسُ رَضَعَاتٍ ، فَعَلَى الْوَجْهَيْنِ ؛ أَصَحُّهُمَا ، لَا يَثْبُتُ تَحْرِيمُهَا .\rوَفِي الْآخَرِ ، يَثْبُتُ .\rفَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ ، يَنْفَسِخُ نِكَاحُهَا ، وَيَرْجِعُ عَلَيْهِنَّ بِمَا غَرِمَ مِنْ صَدَاقِهَا ، عَلَى قَدْرِ رَضَاعِهِنَّ .\rفَإِنْ قِيلَ : فَلِمَ لَا يَرْجِعُ عَلَيْهِنَّ عَلَى عَدَدِ رُءُوسِهِنَّ ؛ لِكَوْنِ الرَّضَاعِ مُفْسِدًا ، فَيَسْتَوِي قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ ، كَمَا لَوْ طَرَحَ النَّجَاسَةَ جَمَاعَةٌ فِي مَائِعٍ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ ؟ قُلْنَا : لِأَنَّ التَّحْرِيمَ يَتَعَلَّقُ بِعَدَدِ الرَّضَعَاتِ ، فَكَانَ الضَّمَانُ مُتَعَلِّقًا بِالْعَدَدِ ، بِخِلَافِ النَّجَاسَةِ ، فَإِنَّ التَّنْجِيسَ لَا يَتَعَلَّقُ بِقَدْرٍ ، فَيَسْتَوِي قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ ؛ لِكَوْنِ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ سَوَاءً فِي الْإِفْسَادِ ، فَنَظِيرُ ذَلِكَ أَنْ يَشْرَبَ فِي الرَّضْعَةِ مِنْ إحْدَاهُمَا أَكْثَرَ مِمَّا يَشْرَبُ مِنْ الْأُخْرَى .","part":18,"page":104},{"id":8604,"text":"( 6440 ) فَصْلٌ : إذَا كَانَتْ لَهُ زَوْجَةٌ أَمَةٌ ، فَأَرْضَعَتْ امْرَأَتَهُ الصَّغِيرَةَ ، فَحَرَّمَتْهَا عَلَيْهِ ، وَفَسَخَتْ نِكَاحَهَا ، كَانَ مَا لَزِمَهُ مِنْ صَدَاقِ الصَّغِيرَةِ لَهُ فِي رَقَبَةِ الْأَمَةِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ جِنَايَتِهَا .\rوَإِنْ أَرْضَعَتْهَا أُمُّ وَلَدِهِ ، أَفْسَدَتْ نِكَاحَهَا ، وَحَرَّمَتْهَا عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهَا رَبِيبَةٌ دَخَلَ بِأُمِّهَا ، وَتَحْرُمُ أُمُّ الْوَلَدِ عَلَيْهِ أَبَدًا ؛ لِأَنَّهَا مِنْ أُمَّهَاتِ نِسَائِهِ ، وَلَا غَرَامَةَ عَلَيْهَا ؛ لِأَنَّهَا أَفْسَدَتْ عَلَى سَيِّدِهَا ، فَإِنْ كَانَ قَدْ كَاتَبَهَا ، رَجَعَ عَلَيْهَا ؛ لِأَنَّ الْمُكَاتَبَةَ يَلْزَمُهَا أَرْشُ جِنَايَتِهَا .\rوَإِنْ أَرْضَعَتْ أُمُّ وَلَدِهِ امْرَأَةَ ابْنِهِ بِلَبَنِهِ ، فَسَخَتْ نِكَاحَهَا وَحَرَّمَتْهَا عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ أُخْتَهُ .\rوَإِنْ أَرْضَعَتْ زَوْجَةَ أَبِيهِ بِلَبَنِهِ ، حَرَّمَتْهَا عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ بِنْتَ ابْنِهِ ، وَيَرْجِعُ الْأَبُ عَلَى ابْنِهِ بِأَقَلِّ الْأَمْرَيْنِ مِمَّا غَرِمَهُ لِزَوْجَتِهِ أَوْ قِيمَتِهَا ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ جِنَايَةِ أُمِّ وَلَدِهِ .\rوَإِنْ أَرْضَعَتْ وَاحِدَةً مِنْهُمَا بِغَيْرِ لَبَنِ سَيِّدِهَا ، لَمْ تُحَرِّمْهَا ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا صَارَتْ بِنْتَ أُمِّ وَلَدِهِ .","part":18,"page":105},{"id":8605,"text":"( 6441 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَلَوْ تَزَوَّجَ بِكَبِيرَةٍ وَصَغِيرَتَيْنِ ، فَأَرْضَعَتْ الْكَبِيرَةُ الصَّغِيرَتَيْنِ ، حَرُمَتْ عَلَيْهِ الْكَبِيرَةُ ، وَانْفَسَخَ نِكَاحُ الصَّغِيرَتَيْنِ ، وَلَا مَهْرَ عَلَيْهِ لِلْكَبِيرَةِ ، وَيَرْجِعُ عَلَيْهَا بِنِصْفِ صَدَاقِ الصَّغِيرَتَيْنِ ، وَلَهُ أَنْ يَنْكِحَ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا ) أَمَّا تَحْرِيمُ الْكَبِيرَةِ فَلِأَنَّهَا صَارَتْ مِنْ أُمَّهَاتِ النِّسَاءِ ، وَأَمَّا انْفِسَاخُ نِكَاحِ الصَّغِيرَتَيْنِ ، فَلِأَنَّهُمَا صَارَتَا أُخْتَيْنِ ، وَاجْتَمَعَتَا فِي الزَّوْجِيَّةِ ، فَيَنْفَسِخُ نِكَاحُهُمَا ، كَمَا لَوْ ارْتَضَعَتَا مَعًا ، وَلَا مَهْرَ لِلْكَبِيرَةِ ؛ لِأَنَّ الْفَسَادَ جَاءَ مِنْ قِبَلِهَا ، وَيَرْجِعُ عَلَيْهَا بِنِصْفِ صَدَاقِ الصَّغِيرَتَيْنِ ؛ لِأَنَّهَا أَفْسَدَتْ نِكَاحَهُمَا ، وَلَهُ أَنْ يَنْكِحَ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا ؛ لِأَنَّ انْفِسَاخَ نِكَاحِهِمَا لِلْجَمْعِ ، وَلَا يُوجِبُ تَحْرِيمًا مُؤَبَّدًا .\rوَهَذَا عَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي قُلْنَا : إنَّهَا إذَا أَرْضَعَتْ الصَّغِيرَةَ ، اخْتَصَّ الْفَسْخُ بِالْكَبِيرَةِ .\rفَأَمَّا عَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي تَقُولُ : يَنْفَسِخُ نِكَاحُهُمَا مَعًا .\rفَإِنَّهُ يَثْبُتُ نِكَاحُ الْأَخِيرَةِ مِنْ الصَّغِيرَتَيْنِ ؛ لِأَنَّ الْكَبِيرَةَ لَمَّا أَرْضَعَتْ الْأُولَى ، انْفَسَخَ نِكَاحُهُمَا ، ثُمَّ أَرْضَعَتْ الْأُخْرَى ، فَلَمْ تَجْتَمِعْ مَعَهُمَا فِي النِّكَاحِ ، فَلَمْ يَنْفَسِخْ نِكَاحُهَا .\rفَأَمَّا إنْ كَانَ دَخَلَ بِالْكَبِيرَةِ ، حَرُمَتْ ، وَحَرُمَتْ الصَّغِيرَتَانِ عَلَى التَّأْبِيدِ ؛ لِأَنَّهُمَا رَبِيبَتَانِ قَدْ دَخَلَ بِأُمِّهِمَا .\r( 6442 ) فَصْلٌ : فَإِنْ أَرْضَعَتْ الصَّغِيرَتَيْنِ أَجْنَبِيَّةٌ ، انْفَسَخَ نِكَاحُهُمَا أَيْضًا .\rوَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالْمُزَنِيِّ ، وَأَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ ، وَقَالَ فِي الْآخَرِ : يَنْفَسِخُ نِكَاحُ الْأَخِيرَة وَحْدَهَا ؛ لِأَنَّ سَبَبَ الْبُطْلَانِ حَصَلَ بِهَا ، وَهُوَ الْجَمْعُ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ تَزَوَّجَ إحْدَى الْأُخْتَيْنِ بَعْدَ الْأُخْرَى .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ جَامِعٌ بَيْن الْأُخْتَيْنِ فِي النِّكَاحِ ، فَانْفَسَخَ نِكَاحُهُمَا ، كَمَا لَوْ أَرْضَعَتْهُمَا مَعًا ،","part":18,"page":106},{"id":8606,"text":"وَفَارَقَ مَا لَوْ عَقَدَ عَلَى وَاحِدَةٍ بَعْدَ الْأُخْرَى ، فَإِنَّ عَقْدَ الثَّانِيَةِ لَمْ يَصِحَّ ، فَلَمْ يَصِرْ بِهِ جَامِعًا بَيْنَهُمَا ، وَهَاهُنَا حَصَلَ الْجَمْعُ بِرَضَاعِ الثَّانِيَةِ ، وَلَا يُمْكِنُ الْقَوْلُ بِأَنَّهُ لَمْ يَصِحَّ ، فَحَصَلَتَا مَعًا فِي نِكَاحِهِ ، وَهُمَا أُخْتَانِ لَا مَحَالَةَ .\r( 6443 ) فَصْلٌ : وَإِنْ أَرْضَعَتْهُمَا بِنْتُ الْكَبِيرَةِ ، فَالْحُكْمُ فِي الْفَسْخِ كَمَا لَوْ أَرْضَعَتْهُنَّ الْكَبِيرَةُ نَفْسُهَا ؛ لِأَنَّ الْكَبِيرَةَ تَصِيرُ جَدَّةً لَهُمَا ، وَلَكِنَّ الرُّجُوعَ يَكُونُ عَلَى الْمُرْضِعَةِ الْمُفْسِدَةِ لِنِكَاحِهِنَّ .","part":18,"page":107},{"id":8607,"text":"( 6444 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِنْ كُنَّ الْأَصَاغِرُ ثَلَاثًا ، فَأَرْضَعَتْهُنَّ مُنْفَرِدَاتٍ ، حَرُمَتْ الْكَبِيرَةُ ، وَانْفَسَخَ نِكَاحُ الْمُرْتَضِعَتَيْنِ أَوَّلًا ، وَثَبَتَ نِكَاحُ آخِرِهِنَّ رَضَاعًا .\rفَإِنْ أَرْضَعَتْ إحْدَاهُنَّ مُنْفَرِدَةً ، وَاثْنَتَيْنِ بَعْدَ ذَلِكَ مَعًا ، حَرُمَتْ الْكَبِيرَةُ ، وَانْفَسَخَ نِكَاحُ الْأَصَاغِرِ ، وَتَزَوَّجَ مَنْ شَاءَ مِنْ الْأَصَاغِرِ .\rوَإِنْ كَانَ دَخَلَ بِالْكَبِيرَةِ ، حَرُمَ الْكُلُّ عَلَيْهِ عَلَى الْأَبَدِ ) إنَّمَا حَرُمَتْ الْكَبِيرَةُ ؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ مِنْ أُمَّهَاتِ النِّسَاءِ ، وَانْفَسَخَ نِكَاحُ الْمُرْضِعَتَيْنِ أَوَّلًا ؛ لِأَنَّهُمَا صَارَتَا أُخْتَيْنِ فِي نِكَاحِهِ ، وَثَبَتَ نِكَاحُ الْأَخِيرَةِ ؛ لِأَنَّ رَضَاعَهَا بَعْدَ انْفِسَاخِ نِكَاحِ الصَّغِيرَتَيْنِ اللَّتَيْنِ قَبْلَهَا ، فَلَمْ يُصَادِفْ إخْوَتُهَا جَمْعًا فِي النِّكَاحِ .\rوَإِنْ أَرْضَعَتْ إحْدَاهُنَّ مُنْفَرِدَةً ، وَاثْنَتَيْنِ بَعْدَ ذَلِكَ مَعًا ، بِأَنْ تُلْقِمَ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا ثَدْيًا ، فَيَمْتَصَّانِ مَعًا ، أَوْ تَحْلُبَ مِنْ لَبَنِهَا فِي إنَاءٍ فَتَسْقِيَهُمَا ، انْفَسَخَ نِكَاحُ الْجَمِيعِ ؛ لِأَنَّهُنَّ صِرْنَ أَخَوَاتٍ فِي نِكَاحِهِ ، وَلَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ مَنْ شَاءَ مِنْ الْأَصَاغِرِ ؛ لِأَنَّ تَحْرِيمَهُنَّ تَحْرِيمُ جَمْعٍ ، لَا تَحْرِيمُ تَأْبِيدٍ ، فَإِنَّهُنَّ رَبَائِبُ لَمْ يَدْخُلْ بِأُمِّهِنَّ .\rوَإِنْ دَخَلَ بِالْكَبِيرَةِ ، حَرُمَ الْكُلُّ عَلَى الْأَبَدِ ؛ لِأَنَّهُنَّ رَبَائِبُ مَدْخُولٌ بِأُمِّهِنَّ .\rهَذَا عَلَى الرِّوَايَةِ الْأُولَى .\rوَعَلَى الْأُخْرَى ، لَمَّا أَرْضَعَتْ الْأُولَى ، انْفَسَخَ نِكَاحُهَا وَنِكَاحُ الْكَبِيرَةِ ؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ أُمَّهَا ، وَاجْتَمَعَتَا فِي نِكَاحِهِ ، ثُمَّ أَرْضَعَتْ الثَّانِيَةَ ، فَلَمْ يَنْفَسِخْ نِكَاحُهَا ؛ لِأَنَّهَا مُنْفَرِدَةٌ بِالرَّضَاعِ فِي النِّكَاحِ ، ، فَلَمَّا أَرْضَعَتْ الثَّالِثَةَ ، صَارَتَا أُخْتَيْنِ ، فَانْفَسَخَ نِكَاحُهُمَا .\r( 6445 ) فَصْلٌ : فَإِنْ أَرْضَعَتْهُنَّ بِنْتُ الْكَبِيرَةِ ، فَهُوَ كَمَا لَوْ أَرْضَعَتْهُنَّ أُمُّهَا .\rوَإِنْ كَانَ لَهَا ثَلَاثُ بَنَاتٍ ، فَأَرْضَعَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ زَوْجَةً","part":18,"page":108},{"id":8608,"text":"مِنْ الْأَصَاغِرِ ، حَرُمَتْ الْكَبِيرَةُ بِإِرْضَاعِ أُولَاهُنَّ ، وَيَرْجِعُ عَلَى مُرْضِعَتِهَا بِمَا لَزِمَهُ مِنْ مَهْرِهَا ؛ لِأَنَّهَا أَفْسَدَتْ نِكَاحَهَا ، وَلَا يَنْفَسِخُ نِكَاحُ الْأَصَاغِرِ ؛ لِأَنَّهُنَّ لَمْ يَصِرْنَ أَخَوَاتٍ ، وَإِنَّمَا هُنَّ بَنَاتُ خَالَاتٍ .\rوَعَلَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى ، يَنْفَسِخُ نِكَاحُ الْمُرْضِعَةِ الْأُولَى ؛ لِاجْتِمَاعِهَا مَعَ جَدَّتِهَا فِي النِّكَاحِ ، وَيَثْبُتُ نِكَاحُ الْأَخِيرَتَيْنِ ، وَيَرْجِعُ بِمَا لَزِمَهُ مِنْ مَهْرِ الَّتِي فَسَدَ نِكَاحُهَا عَلَى الَّتِي أَرْضَعَتْهَا .\rوَإِنْ كَانَ دَخَلَ بِالْكَبِيرَةِ ، حَرُمَ الْكُلُّ عَلَيْهِ عَلَى الْأَبَدِ ، وَرَجَعَ عَلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ بِمَا لَزِمَهُ مِنْ مَهْرِ الَّتِي أَرْضَعَتْهَا .\rوَإِنْ قُلْنَا : إنَّهُ يَرْجِعُ بِمَهْرِ الْكَبِيرَةِ .\rرَجَعَ بِهِ عَلَى الْمُرْضِعَةِ الْأُولَى ؛ لِأَنَّهَا الَّتِي أَفْسَدَتْ نِكَاحَهَا .","part":18,"page":109},{"id":8609,"text":"( 6446 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَإِذَا شَهِدَتْ امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ عَلَى الرَّضَاعِ ، حَرُمَ النِّكَاحُ إذَا كَانَتْ مُرْضِيَةً .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، رِوَايَةٌ أُخْرَى : إنْ كَانَتْ مُرْضِيَةً اُسْتُحْلِفَتْ ، فَإِنْ كَانَتْ كَاذِبَةً ، لَمْ يَحُلْ الْحَوْلُ حَتَّى تَبْيَضَّ ثَدْيَاهَا ، وَذَهَبَ فِي ذَلِكَ إلَى قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ شَهَادَةَ الْمَرْأَةِ الْوَاحِدَةِ مَقْبُولَةٌ فِي الرَّضَاعِ ، إذَا كَانَتْ مُرْضِيَةً .\rوَبِهَذَا قَالَ طَاوُسٌ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَابْنُ أَبِي ذِئْبٍ ، وَسَعِيدُ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ ، رِوَايَةٌ أُخْرَى : لَا يُقْبَلُ إلَّا شَهَادَةُ امْرَأَتَيْنِ .\rوَهُوَ قَوْلُ الْحَكَمِ ؛ لِأَنَّ الرِّجَالَ أَكْمَلُ مِنْ النِّسَاءِ ؛ وَلَا يُقْبَلُ إلَّا شَهَادَةُ رَجُلَيْنِ ، فَالنِّسَاءُ أَوْلَى .\rوَعَنْ أَحْمَدَ ، رِوَايَةٌ ثَالِثَةٌ ، أَنَّ شَهَادَةَ الْمَرْأَةِ الْوَاحِدَةِ مَقْبُولَةٌ ، وَتُسْتَحْلَفُ مَعَ شَهَادَتِهَا .\rوَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَإِسْحَاقَ ؛ لِأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ ، فِي امْرَأَةٍ زَعَمَتْ أَنَّهَا أَرْضَعَتْ رَجُلًا وَأَهْلَهُ ، فَقَالَ : إنْ كَانَتْ مُرْضِيَةً ، اُسْتُحْلِفَتْ ، وَفَارَقَ امْرَأَتَهُ .\rوَقَالَ : إنْ كَانَتْ كَاذِبَةً ، لَمْ يَحُلْ الْحَوْلُ حَتَّى يَبْيَضَّ ثَدْيَاهَا .\rيَعْنِي يُصِيبُهَا فِيهَا بَرَصٌ ، عُقُوبَةً عَلَى كَذِبِهَا .\rوَهَذَا لَا يَقْتَضِيه قِيَاسٌ ، وَلَا يَهْتَدِي إلَيْهِ رَأْيٌ ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَقُولُهُ إلَّا تَوْقِيفًا .\rوَقَالَ عَطَاءٌ ، وَقَتَادَةُ ، وَالشَّافِعِيُّ : لَا يُقْبَلُ مِنْ النِّسَاءِ أَقَلُّ مِنْ أَرْبَعٍ ؛ لِأَنَّ كُلَّ امْرَأَتَيْنِ كَرَجُلِ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ : لَا يُقْبَلُ فِيهِ إلَّا رَجُلَانِ ، أَوْ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ } .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى عُقْبَةُ بْنُ الْحَارِثِ ، قَالَ { : تَزَوَّجْت أُمُّ يَحْيَى بِنْتَ أَبِي إهَابٍ ، فَجَاءَتْ أَمَةٌ","part":18,"page":110},{"id":8610,"text":"سَوْدَاءُ ، فَقَالَتْ : قَدْ أَرْضَعْتُكُمَا .\rفَأَتَيْت النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَذَكَرْت ذَلِكَ لَهُ ، فَقَالَ : وَكَيْفَ ، وَقَدْ زَعَمَتْ ذَلِكَ ، } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَفِي لَفْظٍ رَوَاهُ النَّسَائِيّ ، قَالَ : { فَأَتَيْته مِنْ قِبَلِ وَجْهِهِ ، فَقُلْت : إنَّهَا كَاذِبَةٌ .\rقَالَ : كَيْفَ ، وَقَدْ زَعَمَتْ أَنَّهَا قَدْ أَرْضَعَتْكُمَا ، خَلِّ سَبِيلَهَا } .\rوَهَذَا يَدُلُّ عَلَى الِاكْتِفَاءِ بِالْمَرْأَةِ الْوَاحِدَةِ .\rوَقَالَ الزُّهْرِيُّ : فُرِّقَ بَيْنَ أَهْلِ أَبْيَاتٍ فِي زَمَنِ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِشَهَادَةِ امْرَأَةٍ فِي الرَّضَاعِ .\rوَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : فَرَّقَ عُثْمَانُ بَيْنَ أَرْبَعَةٍ وَبَيْنَ نِسَائِهِمْ ، بِشَهَادَةِ امْرَأَةٍ فِي الرَّضَاعِ .\rوَقَالَ الشَّعْبِيُّ : كَانَتْ الْقُضَاةُ يُفَرِّقُونَ بَيْنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ ، بِشَهَادَةِ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ فِي الرَّضَاعِ .\rوَلِأَنَّ هَذَا شَهَادَةٌ عَلَى عَوْرَةٍ ، فَيُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ النِّسَاءِ الْمُنْفَرِدَاتِ ، كَالْوِلَادَةِ .\rوَعَلَّلَ الشَّافِعِيُّ ، بِأَنَّهُ مَعْنًى يُقْبَلُ فِيهِ قَوْلُ النِّسَاءِ الْمُنْفَرِدَاتِ ، فَيُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ الْمَرْأَةِ الْمُنْفَرِدَةِ ، كَالْخَبَرِ .","part":18,"page":111},{"id":8611,"text":"( 6447 ) فَصْلٌ : وَيُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ الْمُرْضِعَةِ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهَا ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ حَدِيثِ عُقْبَةَ ، مِنْ أَنَّ الْأَمَةَ السَّوْدَاءَ قَالَتْ : قَدْ أَرْضَعْتُكُمَا .\rفَقَبِلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَهَادَتَهَا .\rوَلِأَنَّهُ فِعْلٌ لَا يَحْصُلُ لَهَا بِهِ نَفْعٌ مَقْصُودٌ ، وَلَا تَدْفَعُ عَنْهَا بِهِ ضَرَرًا ، فَقُبِلَتْ شَهَادَتُهَا بِهِ ، كَفِعْلِ غَيْرِهَا .\rفَإِنْ قِيلَ : فَإِنَّهَا تَسْتَبِيحُ الْخَلْوَةَ بِهِ ، وَالسَّفَرَ مَعَهُ ، وَتَصِيرُ مَحْرَمًا لَهُ .\rقُلْنَا : لَيْسَ هَذَا مِنْ الْأُمُورِ الْمَقْصُودَةِ ، الَّتِي تُرَدُّ بِهَا الشَّهَادَةُ ، أَلَا تَرَى أَنَّ رَجُلَيْنِ لَوْ شَهِدَا أَنَّ فُلَانًا طَلَّقَ زَوْجَتَهُ ، وَأَعْتَقَ أَمَتَهُ ، قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمَا ، وَإِنْ كَانَ يَحِلُّ لَهُمَا نِكَاحُهُمَا بِذَلِكَ .","part":18,"page":112},{"id":8612,"text":"( 6448 ) فَصْلٌ : وَلَا تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ عَلَى الرَّضَاعِ إلَّا مُفَسَّرَةً ، فَلَوْ قَالَتْ : أَشْهَدُ أَنَّ هَذَا ابْنُ هَذِهِ مِنْ الرَّضَاعِ .\rلَا تُقْبَلُ ، لِأَنَّ الرَّضَاعَ الْمُحَرَّمَ يَخْتَلِفُ النَّاسُ فِيهِ ، مِنْهُمْ مَنْ يُحَرِّمُ بِالْقَلِيلِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُحَرِّمُ بَعْدَ الْحَوْلَيْنِ ، فَلَزِمَ الشَّاهِدَ تَبْيِينُ كَيْفِيَّتِهِ ، لِيَحْكُمَ الْحَاكِمُ فِيهِ بِاجْتِهَادِهِ ، فَيَحْتَاجُ الشَّاهِدُ أَنْ يَشْهَدَ أَنَّ هَذَا ارْتَضَعَ مِنْ ثَدْيِ هَذِهِ خَمْسَ رَضَعَاتٍ مُتَفَرِّقَاتٍ ، خَلَصَ اللَّبَنُ فِيهِنَّ إلَى جَوْفِهِ ، فِي الْحَوْلَيْنِ .\rفَإِنْ قِيلَ : خُلُوصُ اللَّبَنِ إلَى جَوْفِهِ لَا طَرِيقَ لَهُمْ إلَى مُشَاهَدَتِهِ ، فَكَيْفَ تَجُوزُ الشَّهَادَةُ ؟ قُلْنَا : إذَا عَلِمَ أَنَّ هَذِهِ الْمَرْأَةَ ذَاتُ لَبَنٍ ، وَرَأْي الصَّبِيَّ قَدْ الْتَقَمَ ثَدْيَهَا ، وَحَرَّكَ فَمَه فِي الِامْتِصَاصِ ، وَحَلْقَهُ فِي الِاجْتِرَاعِ ، حَصَلَ ظَنٌّ يَقْرُبُ إلَى الْيَقِينِ أَنَّ اللَّبَنَ قَدْ وَصَلَ إلَى جَوْفِهِ ، وَمَا يَتَعَذَّرُ الْوُقُوفُ عَلَيْهِ بِالْمُشَاهَدَةِ ، اُكْتُفِيَ فِيهِ بِالظَّاهِرِ ، كَالشَّهَادَةِ بِالْمِلْكِ ، وَثُبُوتِ الدَّيْنِ فِي الذِّمَّةِ ، وَالشَّهَادَةِ عَلَى النَّسَبِ بِالِاسْتِفَاضَةِ .\rوَلَوْ قَالَ الشَّاهِدُ : أَدْخَلَ رَأْسَهُ تَحْتَ ثِيَابِهَا ، وَالْتَقَمَ ثَدْيَهَا .\rلَا يُقْبَلُ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُدْخِلُ رَأْسَهُ وَلَا يَأْخُذُ الثَّدْيَ ، وَقَدْ يَأْخُذُ الثَّدْيَ وَلَا يَمُصُّ ، فَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ .\rوَإِنْ قَالَ : أَشْهَدُ أَنَّ هَذِهِ أَرْضَعَتْ هَذَا .\rفَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَكْتَفِي بِهِ فِي ثُبُوتِ أَصْلِ الرَّضَاعِ ؛ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ الَّتِي قَالَتْ : قَدْ أَرْضَعْتُكُمَا .\rاُكْتُفِيَ بِقَوْلِهَا .","part":18,"page":113},{"id":8613,"text":"( 6449 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَإِذَا تَزَوَّجَ امْرَأَةً ، ثُمَّ قَالَ قَبْلَ الدُّخُولِ : هِيَ أُخْتِي مِنْ الرَّضَاعَةِ .\rانْفَسَخَ النِّكَاحُ ، فَإِنْ صَدَّقَتْهُ الْمَرْأَةُ ، فَلَا مَهْرَ لَهَا ، وَإِنْ أَكْذَبَتْهُ ، فَلَهَا نِصْفُ الْمَهْرِ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الزَّوْجَ إذَا أَقَرَّ أَنَّ زَوْجَتَهُ أُخْتُهُ مِنْ الرَّضَاعَةِ ، انْفَسَخَ نِكَاحُهُ ، وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إذَا قَالَ : وَهَمَّتْ ، أَوْ أَخْطَأَتْ .\rقُبِلَ قَوْلُهُ ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ ذَلِكَ يَتَضَمَّنُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا نِكَاحٌ ، وَلَوْ جَحَدَ النِّكَاحَ ، ثُمَّ أَقَرَّ بِهِ ، قُبِلَ ، كَذَلِكَ هَاهُنَا .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ أَقَرَّ بِمَا يَتَضَمَّنُ تَحْرِيمَهَا عَلَيْهِ ، فَلَمْ يُقْبَلْ رُجُوعُهُ عَنْهُ ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِالطَّلَاقِ ثُمَّ رَجَعَ ، أَوْ أَقَرَّ أَنَّ أَمَتَهُ أُخْتُهُ مِنْ النَّسَبِ ، وَمَا قَاسُوا عَلَيْهِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ ، وَهَذَا الْكَلَامُ فِي الْحُكْمِ ، فَأَمَّا فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ ، فَيَنْبَنِي ذَلِكَ عَلَى عِلْمِهِ بِصِدْقِهِ ، فَإِنْ عَلِمَ أَنَّ الْأَمْرَ كَمَا قَالَ ، فَهِيَ مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِ ، وَلَا نِكَاحَ بَيْنَهُمَا ، وَإِنْ عَلِمَ كَذِبَ نَفْسِهِ فَالنِّكَاحُ بَاقٍ بِحَالِهِ ، وَقَوْلُهُ كَذِبٌ لَا يُحَرِّمُهَا عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ الْمُحَرِّمَ حَقِيقَةُ الرَّضَاعِ ، لَا الْقَوْلُ .\rوَإِنْ شَكَّ فِي ذَلِكَ ، لَمْ تَزُلْ عَنْ الْيَقِينِ بِالشَّكِّ .\rوَقِيلَ فِي حِلِّهَا لَهُ إذَا عَلِمَ كَذِبَ نَفْسِهِ رِوَايَتَانِ .\rوَالصَّحِيحُ مَا قُلْنَاهُ ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ ذَلِكَ إذَا كَانَ كَذِبًا ، لَمْ يُثْبِتْ التَّحْرِيمَ ، كَمَا لَوْ قَالَ لَهَا وَهِيَ أَكْبَرُ مِنْهُ : هِيَ ابْنَتِي مِنْ الرَّضَاعَةِ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّهُ إنْ كَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ ، وَصَدَّقَتْهُ الْمَرْأَةُ ، فَلَا شَيْءَ لَهَا ؛ لِأَنَّهُمَا اتَّفَقَا عَلَى أَنَّ النِّكَاحَ فَاسِدٌ مِنْ أَصْلِهِ ، لَا يُسْتَحَقُّ فِيهِ مَهْرٌ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ ثَبَتَ ذَلِكَ بِبَيِّنَةِ ، وَإِنْ أَكْذَبَتْهُ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ غَيْرُ مَقْبُولٍ عَلَيْهَا فِي إسْقَاطِ حُقُوقِهَا ،","part":18,"page":114},{"id":8614,"text":"فَلَزِمَهُ إقْرَارُهُ فِيمَا هُوَ حَقٌّ لَهُ ، وَهُوَ تَحْرِيمُهَا عَلَيْهِ ، وَفَسْخُ نِكَاحِهِ ، وَلَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ فِيمَا عَلَيْهِ مِنْ الْمَهْرِ .\r( 6450 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَالَ : هِيَ عَمَّتِي ، أَوْ خَالَتِي أَوْ ابْنَةُ أَخِي أَوْ أُخْتِي أَوْ أُمِّيِّ مِنْ الرَّضَاعِ .\rوَأَمْكَنَ صِدْقُهُ ، فَالْحُكْمُ فِيهِ كَمَا لَوْ قَالَ : هِيَ أُخْتِي .\rوَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ صِدْقُهُ ، مِثْلَ أَنْ يَقُولَ لِأَصْغَرِ مِنْهُ أَوْ لِمِثْلِهِ : هَذِهِ أُمِّيِّ .\rأَوْ لِأَكْبَرِ مِنْهُ أَوْ لِمِثْلِهِ : هَذِهِ ابْنَتِي .\rلَمْ تَحْرُمْ عَلَيْهِ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ : تَحْرُمُ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِمَا يُحَرِّمُهَا عَلَيْهِ ، فَوَجَبَ أَنْ يُقْبَلَ ، كَمَا لَوْ أَمْكَنَ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ أَقَرَّ بِمَا تَحَقَّقَ كَذِبُهُ فِيهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَالَ : أَرْضَعَتْنِي وَإِيَّاهَا حَوَّاءُ .\rأَوْ كَمَا لَوْ قَالَ : هَذِهِ حَوَّاءُ .\rوَمَا ذَكَرُوهُ مُنْتَقِضٌ بِهَذِهِ الصُّوَرِ ، وَيُفَارِقُ مَا إذَا أَمْكَنَ ، فَإِنَّهُ لَا يَتَحَقَّقُ كَذِبُهُ ، وَالْحُكْمُ فِي الْإِقْرَارِ بِقَرَابَةٍ مِنْ النَّسَبِ تُحَرِّمُهَا عَلَيْهِ ، كَالْحُكْمِ فِي الْإِقْرَارِ بِالرَّضَاعِ ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَاهُ .","part":18,"page":115},{"id":8615,"text":"فَصْلٌ : إذَا ادَّعَى أَنَّ زَوْجَتَهُ أُخْتُهُ مِنْ الرَّضَاعِ ، فَأَنْكَرَتْهُ ، فَشَهِدَتْ بِذَلِكَ أُمُّهُ أَوْ ابْنَتُهُ ، لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُمَا ؛ لِأَنَّ شَهَادَةَ الْوَالِدَةِ لِوَلَدِهَا وَالْوَالِدِ لِوَلَدِهِ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ .\rوَإِنْ شَهِدَتْ بِذَلِكَ أُمُّهَا أَوْ ابْنَتُهَا ، قُبِلَتْ .\rوَعَنْهُ ، لَا يُقْبَلُ ؛ بِنَاءً عَلَى شَهَادَةِ الْوَالِدِ عَلَى وَلَدِهِ وَالْوَلَدِ عَلَى وَالِدِهِ .\rوَفِي ذَلِكَ رِوَايَتَانِ .\rوَإِنْ ادَّعَتْ ذَلِكَ الْمَرْأَةُ ، وَأَنْكَرَهُ الزَّوْجُ ، فَشَهِدَتْ لَهَا أُمُّهَا أَوْ ابْنَتُهَا ، لَمْ تُقْبَلْ ، وَإِنْ شَهِدَتْ لَهَا أُمُّ الزَّوْجِ أَوْ ابْنَتُهُ ، فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ .\r( 6452 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَإِنْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ هِيَ الَّتِي قَالَتْ : هُوَ أَخِي مِنْ الرَّضَاعَةِ .\rفَأَكْذَبَهَا ، وَلَمْ تَأْتِ بِالْبَيِّنَةِ عَلَى مَا وَصَفَتْ ، فَهِيَ زَوْجَتُهُ فِي الْحُكْمِ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا أَقَرَّتْ أَنَّ زَوْجَهَا أَخُوهَا مِنْ الرَّضَاعَةِ فَأَكْذَبَهَا ، لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهَا فِي فَسْخِ النِّكَاحِ ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ عَلَيْهَا ، فَإِنْ كَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ ، فَلَا مَهْرَ لَهَا ؛ لِأَنَّهَا تُقِرُّ بِأَنَّهَا لَا تَسْتَحِقُّهُ ، فَإِنْ كَانَتْ قَدْ قَبَضَتْهُ ، لَمْ يَكُنْ لِلزَّوْجِ أَخْذُهُ مِنْهَا ؛ لِأَنَّهُ يُقِرُّ بِأَنَّهُ حَقٌّ لَهَا ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الدُّخُولِ ، فَأَقَرَّتْ أَنَّهَا كَانَتْ عَالِمَةً بِأَنَّهَا أُخْتُهُ وَبِتَحْرِيمِهَا عَلَيْهِ ، وَمُطَاوِعَةً لَهُ فِي الْوَطْءِ ، فَلَا مَهْرَ لَهَا أَيْضًا ، لِإِقْرَارِهَا بِأَنَّهَا زَانِيَةٌ مُطَاوِعَةٌ ، وَإِنْ أَنْكَرَتْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ ، فَلَهَا الْمَهْرُ ؛ لِأَنَّهُ وَطْءٌ بِشُبْهَةِ ، وَهِيَ زَوْجَتُهُ فِي ظَاهِرِ الْحُكْمِ ؛ لِأَنَّ قَوْلَهَا عَلَيْهِ غَيْرُ مَقْبُولٍ ، فَأَمَّا فِيمَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى ، فَإِنْ عَلِمَتْ صِحَّةَ مَا أَقَرَّتْ بِهِ ، لَمْ يَحِلَّ لَهَا مُسَاكَنَتُهُ وَتَمْكِينُهُ مِنْ وَطْئِهَا ، وَعَلَيْهَا أَنْ تَفِرَّ مِنْهُ ، وَتَفْتَدِيَ نَفْسَهَا بِمَا أَمْكَنَهَا ؛ لِأَنَّ وَطْأَهُ لَهَا زِنًى ، فَعَلَيْهَا التَّخَلُّصُ مِنْهُ مَهْمَا أَمْكَنَهَا ،","part":18,"page":116},{"id":8616,"text":"كَمَا قُلْنَا فِي الَّتِي عَلِمَتْ أَنَّ زَوْجَهَا طَلَّقَهَا ثَلَاثًا ، وَجَحَدَهَا ذَلِكَ .\rوَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْوَاجِبُ لَهَا مِنْ الْمَهْرِ بَعْدَ الدُّخُولِ أَقَلَّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ الْمُسَمَّى أَوْ مَهْرِ الْمِثْلِ ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ الْمُسَمَّى أَقَلَّ ، فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهَا فِي وُجُوبِ زَائِدٍ عَلَيْهِ ، وَإِنْ كَانَ الْأَقَلُّ مَهْرَ الْمِثْلِ ، لَمْ تَسْتَحِقَّ أَكْثَرَ مِنْهُ ؛ لِاعْتِرَافِهَا بِأَنَّ اسْتِحْقَاقَهَا لَهُ بِوَطْئِهَا لَا بِالْعَقْدِ ، فَلَا تَسْتَحِقُّ أَكْثَرَ مِنْهُ .\rوَإِنْ كَانَ إقْرَارُهَا بِأُخُوَّتِهِ قَبْلَ النِّكَاحِ لَمْ يَجُزْ لَهَا نِكَاحُهُ ، وَلَا يُقْبَلُ رُجُوعُهَا عَنْ إقْرَارِهَا ، فِي ظَاهِرِ الْحُكْمِ ؛ لِأَنَّ إقْرَارَهَا لَمْ يُصَادِفْ زَوْجِيَّةً عَلَيْهَا يُبْطِلُهَا ، فَقُبِلَ إقْرَارُهَا عَلَى نَفْسِهَا بِتَحْرِيمِهِ عَلَيْهَا .\rوَكَذَلِكَ لَوْ أَقَرَّ الرَّجُلُ أَنَّ هَذِهِ أُخْتُهُ مِنْ الرَّضَاعِ ، أَوْ مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِ بِرِضَاعٍ أَوْ غَيْرِهِ ، وَأَمْكَنَ صِدْقُهُ ، لَمْ يَحِلَّ لَهُ تَزَوُّجُهَا فِيمَا بَعْدَ ذَلِكَ ، فِي ظَاهِرِ الْحُكْمِ ، وَأَمَّا فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى ، فَيَنْبَنِي عَلَى عِلْمِهِ بِحَقِيقَةِ الْحَالِ ، عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ .\r( 6453 ) فَصْلٌ : وَإِنْ ادَّعَى أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ عَلَى الْآخَرِ ، أَنَّهُ أَقَرَّ أَنَّهُ أَخُو صَاحِبِهِ مِنْ الرَّضَاعِ ، فَأَنْكَرَ ، لَمْ يُقْبَلْ فِي ذَلِكَ شَهَادَةُ النِّسَاءِ الْمُنْفَرِدَاتِ ؛ لِأَنَّهَا شَهَادَةٌ عَلَى الْإِقْرَارِ ، وَالْإِقْرَارُ مِمَّا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ ، فَلَمْ يَحْتَجْ فِيهِ إلَى شَهَادَةِ النِّسَاءِ الْمُنْفَرِدَاتِ ، فَلَمْ يُقْبَلْ ذَلِكَ ، بِخِلَافِ الرَّضَاعِ نَفْسه .","part":18,"page":117},{"id":8617,"text":"( 6454 ) فَصْلٌ : كَرِهَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الِارْتِضَاعَ بِلَبَنِ الْفُجُورِ وَالْمُشْرِكَاتِ .\rوَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا : اللَّبَنُ يُشْتَبَهُ ، فَلَا تَسْتَقِ مِنْ يَهُودِيَّةٍ وَلَا نَصْرَانِيَّةٍ وَلَا زَانِيَةٍ .\rوَلَا يَقْبَلُ أَهْلُ الذِّمَّةِ الْمُسْلِمَةَ ، وَلَا يَرَى شُعُورَهُنَّ وَلِأَنَّ لَبَنَ الْفَاجِرَةِ رُبَّمَا أَفْضَى إلَى شَبَهِ الْمُرْضِعَةِ فِي الْفُجُورِ ، وَيَجْعَلُهَا أُمًّا لِوَلَدِهِ ، فَيَعْتَبِرُ بِهَا ، وَيَتَضَرَّرُ طَبْعًا وَتَعَيُّرًا ، وَالِارْتِضَاعُ مِنْ الْمُشْرِكَةِ يَجْعَلُهَا أُمًّا ، لَهَا حُرْمَةُ الْأُمِّ مَعَ شِرْكِهَا ، وَرُبَّمَا مَالَ إلَيْهَا فِي مَحَبَّةِ دِينهَا .\rوَيُكْرَهُ الِارْتِضَاعُ بِلَبَنِ الْحَمْقَاءِ ، كَيْلًا يُشْبِهَهَا الْوَلَدُ فِي الْحُمْقِ ، فَإِنَّهُ يُقَالُ : إنَّ الرَّضَاعَ يُغَيِّرُ الطِّبَاعَ .\rوَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .","part":18,"page":118},{"id":8618,"text":"كِتَابُ النَّفَقَاتِ نَفَقَةُ الزَّوْجَةِ وَاجِبَةٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ ؛ أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُ اللَّه تَعَالَى : { لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلَّا مَا آتَاهَا } .\rوَمَعْنَى : ( قُدِرَ عَلَيْهِ ) أَيْ : ضُيِّقَ عَلَيْهِ .\rوَمِنْهُ قَوْلُهُ سُبْحَانه : { يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ } .\rأَيْ : يُوَسِّعُ لِمَنْ يَشَاءُ ، وَيُضَيِّقُ عَلَى مَنْ يَشَاء .\rوَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ } .\rوَأَمَّا السُّنَّةُ فَمَا رَوَى جَابِرٌ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ ، فَقَالَ : { اتَّقُوا اللَّهَ فِي النِّسَاءِ ، فَإِنَّهُنَّ عَوَانٌ عِنْدَكُمْ ، أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ اللَّهِ وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ } .\rرَوَاهُ مُسْلِمٌ ، وَأَبُو دَاوُد ، وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْأَحْوَصِ ، وَقَالَ : { أَلَا إنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا ، وَلِنِسَائِكُمْ عَلَيْكُمْ حَقًّا ؛ فَأَمَّا حَقُّكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ ، فَلَا يُوَطِّئْنَ فُرُشَكُمْ مَنْ تَكْرَهُونَ ، وَلَا يَأْذَنَّ فِي بُيُوتِكُمْ لِمَنْ تَكْرَهُونَ ، أَلَا وَحَقُّهُنَّ عَلَيْكُمْ أَنْ تُحْسِنُوا إلَيْهِنَّ فِي كِسْوَتِهِنَّ وَطَعَامِهِنَّ } .\rوَقَالَ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ .\r{ وَجَاءَتْ هِنْدٌ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ ، وَلَيْسَ يُعْطِينِي مِنْ النَّفَقَةِ مَا يَكْفِينِي وَوَلَدِي .\rفَقَالَ : خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى وُجُوبِ النَّفَقَةِ لَهَا عَلَى زَوْجِهَا ، وَأَنَّ ذَلِكَ مُقَدَّرٌ بِكِفَايَتِهَا ، وَأَنَّ نَفَقَةَ وَلَدِهِ عَلَيْهِ دُونَهَا مُقَدَّرٌ بِكِفَايَتِهِمْ ، وَأَنَّ ذَلِكَ بِالْمَعْرُوفِ ، وَأَنَّ لَهَا أَنْ تَأْخُذَ ذَلِكَ","part":18,"page":119},{"id":8619,"text":"بِنَفْسِهَا مِنْ غَيْر عِلْمِهِ إذَا لَمْ يُعْطِهَا إيَّاهُ .\rوَأَمَّا الْإِجْمَاعُ ، فَاتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى وُجُوبِ نَفَقَاتِ الزَّوْجَات عَلَى أَزْوَاجِهِنَّ ، إذَا كَانُوا بَالِغِينَ ، إلَّا النَّاشِزَ مِنْهُنَّ .\rذَكَرَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ ، وَغَيْرُهُ .\rوَفِيهِ ضَرْبٌ مِنْ الْعِبْرَةِ ، وَهُوَ أَنَّ الْمَرْأَةَ مَحْبُوسَةٌ عَلَى الزَّوْجِ ، يَمْنَعُهَا مِنْ التَّصَرُّفِ وَالِاكْتِسَابِ ، فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يُنْفِقَ عَلَيْهَا ، كَالْعَبْدِ مَعَ سَيِّدِهِ .","part":18,"page":120},{"id":8620,"text":"( 6455 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى : ( وَعَلَى الزَّوْجِ نَفَقَةُ زَوْجَتِهِ ، مَا لَا غِنَاءَ بِهَا عَنْهُ ، وَكِسْوَتُهَا ) وَجُمْلَةُ الْأَمْرِ أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا سَلَّمَتْ نَفْسَهَا إلَى الزَّوْجِ ، عَلَى الْوَجْهِ الْوَاجِبِ عَلَيْهَا ، فَلَهَا عَلَيْهِ جَمِيعُ حَاجَتِهَا ؛ مِنْ مَأْكُولٍ ، وَمَشْرُوبٍ ، وَمَلْبُوسٍ ، وَمَسْكَنٍ .\rقَالَ أَصْحَابُنَا : وَنَفَقَتُهَا مُعْتَبَرَةٌ بِحَالِ الزَّوْجَيْنِ جَمِيعًا ؛ فَإِنْ كَانَا مُوسِرَيْنِ ، فَعَلَيْهِ لَهَا نَفَقَةُ الْمُوسِرِينَ ، وَإِنْ كَانَا مُعْسِرِينَ ، فَعَلَيْهِ نَفَقَةُ الْمُعْسِرِينَ ، وَإِنْ كَانَا مُتَوَسِّطَيْنِ ، فَلَهَا عَلَيْهِ نَفَقَةُ الْمُتَوَسِّطِينَ ، وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا مُوسِرًا ، وَالْآخَرُ مُعْسِرًا ، فَعَلَيْهِ نَفَقَةُ الْمُتَوَسِّطِينَ ، أَيُّهُمَا كَانَ الْمُوسِرَ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ : يُعْتَبَرُ حَالُ الْمَرْأَةِ عَلَى قَدْرِ كِفَايَتِهَا ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ } .\rوَالْمَعْرُوفُ الْكِفَايَةُ ، وَلِأَنَّهُ سَوَّى بَيْنَ النَّفَقَةِ وَالْكِسْوَةِ ، وَالْكِسْوَةُ عَلَى قَدْرِ حَالِهَا ، فَكَذَلِكَ النَّفَقَةُ ، { وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِهِنْدٍ : خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ } .\rفَاعْتَبَرَ كِفَايَتَهَا دُونَ حَالِ زَوْجِهَا ، وَلِأَنَّ نَفَقَتَهَا وَاجِبَةٌ لِدَفْعِ حَاجَتِهَا ، فَكَانَ الِاعْتِبَارُ بِمَا تَنْدَفِعُ بِهِ حَاجَتُهَا ، دُونَ حَالِ مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ ، كَنَفَقَةِ الْمَمَالِيكِ ، وَلِأَنَّهُ وَاجِبٌ لِلْمَرْأَةِ عَلَى زَوْجِهَا بِحُكْمِ الزَّوْجِيَّةِ لَمْ يُقَدَّرْ ، فَكَانَ مُعْتَبَرًا بِهَا ، كَمَهْرِهَا وَكِسْوَتِهَا .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : الِاعْتِبَارُ بِحَالِ الزَّوْجِ وَحْدَهُ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلَّا مَا آتَاهَا } .\rوَلَنَا ، أَنَّ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ جَمْعًا بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ ، وَعَمَلًا بِكِلَا النَّصَّيْنِ ، وَرِعَايَةً","part":18,"page":121},{"id":8621,"text":"لِكِلَا الْجَانِبَيْنِ ، فَيَكُونُ أَوْلَى .","part":18,"page":122},{"id":8622,"text":"( 6456 ) فَصْلٌ : وَالنَّفَقَةُ مُقَدَّرَةٌ بِالْكِفَايَةِ ، وَتَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ مَنْ تَجِبُ لَهُ النَّفَقَةُ فِي مِقْدَارِهَا .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٌ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : هِيَ مُقَدَّرَةٌ بِمِقْدَارٍ لَا يَخْتَلِفُ فِي الْقِلَّةِ وَالْكَثْرَةِ ، وَالْوَاجِبُ رِطْلَانِ مِنْ الْخُبْزِ فِي كُلِّ يَوْمٍ ، فِي حَقِّ الْمُوسِرِ وَالْمُعْسِرِ ، اعْتِبَارًا بِالْكَفَّارَاتِ ، وَإِنَّمَا يَخْتَلِفَانِ فِي صِفَتِهِ وَجَوْدَتِهِ ؛ لِأَنَّ الْمُوسِرَ وَالْمُعْسِرُ سَوَاءٌ فِي قَدْرِ الْمَأْكُولِ ، وَفِيمَا تَقُومُ بِهِ الْبِنْيَةُ ، وَإِنَّمَا يَخْتَلِفَانِ فِي جَوْدَتِهِ ، فَكَذَلِكَ النَّفَقَةُ الْوَاجِبَةُ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : نَفَقَةُ الْمُقْتِرِ مُدٌّ بِمُدِّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَنَّ أَقَلَّ مَا يُدْفَعُ فِي الْكَفَّارَةِ إلَى الْوَاحِدِ مُدٌّ .\rوَاَللَّه سُبْحَانَهُ اعْتَبَرَ الْكَفَّارَةَ بِالنَّفَقَةِ عَلَى الْأَهْلِ ، فَقَالَ سُبْحَانه : { مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ } .\rوَعَلَى الْمُوسِرِ مُدَّانِ ؛ لِأَنَّ أَكْثَرَ مَا أَوْجَبَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ لِلْوَاحِدِ مُدَّيْنِ فِي كَفَّارَةِ الْأَذَى ، وَعَلَى الْمُتَوَسِّطِ مُدٌّ وَنِصْفٌ ، نِصْفُ نَفَقَةِ الْمُوسِرِ ، وَنِصْفُ نَفَقَةِ الْفَقِيرِ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِهِنْدٍ : { خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ } .\rفَأَمَرَهَا بِأَخْذِ مَا يَكْفِيهَا مِنْ غَيْرِ تَقْدِيرٍ ، وَرَدَّ الِاجْتِهَادَ فِي ذَلِكَ إلَيْهَا ، وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ قَدْرَ كِفَايَتِهَا لَا يَنْحَصِرُ فِي الْمُدَّيْنِ ، بِحَيْثُ لَا يَزِيدُ عَنْهُمَا وَلَا يَنْقُصُ ، وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : { وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ } .\rوَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ } .\rوَإِيجَابُ أَقَلِّ مِنْ الْكِفَايَةِ مِنْ الرِّزْقِ تَرْكٌ لِلْمَعْرُوفِ ، وَإِيجَابُ قَدْرِ الْكِفَايَةِ ، وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ مُدٍّ أَوْ مِنْ رِطْلَيْ خُبْزٍ ، إنْفَاقٌ بِالْمَعْرُوفِ ، فَيَكُونُ ذَلِكَ هُوَ","part":18,"page":123},{"id":8623,"text":"الْوَاجِبَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ .\rوَاعْتِبَارُ النَّفَقَةِ بِالْكَفَّارَةِ فِي الْقَدْرِ لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ لَا تَخْتَلِفُ بِالْيَسَارِ وَالْإِعْسَارِ ، وَلَا هِيَ مُقَدَّرَةٌ بِالْكِفَايَةِ ، وَإِنَّمَا اعْتَبَرَهَا الشَّرْعُ بِهَا فِي الْجِنْسِ دُونَ الْقَدْرِ ، وَلِهَذَا لَا يَجِبُ فِيهَا الْأُدْمُ .","part":18,"page":124},{"id":8624,"text":"( 6457 ) فَصْلٌ : وَلَا يَجِبُ فِيهَا الْحَبُّ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : الْوَاجِبُ فِيهَا الْحَبُّ ، اعْتِبَارًا بِالْإِطْعَامِ فِي الْكَفَّارَةِ ، حَتَّى لَوْ دَفَعَ إلَيْهَا دَقِيقًا أَوْ سَوِيقًا أَوْ خُبْزًا ، لَمْ يَلْزَمْهَا قَبُولُهُ ، كَمَا لَا يَلْزَمُ ذَلِكَ الْمِسْكِينَ فِي الْكَفَّارَةِ .\rقَالَ بَعْضُهُمْ : يَجِيءُ عَلَى قَوْلِ أَصْحَابِنَا ، أَنَّهُ لَا يَجُوزُ وَإِنْ تَرَاضَيَا ؛ لِأَنَّهُ بَيْعُ حِنْطَةٍ بِجِنْسِهَا مُتَفَاضِلًا .\rوَلَنَا ، قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ ، فِي قَوْله تَعَالَى : { مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ } .\rقَالَ : الْخُبْزُ وَالزَّيْتُ .\rوَعَنْ ابْنِ عُمَرَ : الْخُبْزُ وَالسَّمْنُ ، وَالْخُبْزُ وَالزَّيْتُ ، وَالْخُبْزُ وَالتَّمْرُ ، وَمِنْ أَفْضَلِ مَا تُطْعِمُونَهُنَّ الْخُبْزُ وَاللَّحْمُ .\rفَفَسَّرَ إطْعَامَ الْأَهْلِ بِالْخُبْزِ مَعَ غَيْرِهِ مِنْ الْأُدْمِ .\rوَلِأَنَّ الشَّرْعَ وَرَدَ بِالْإِنْفَاقِ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ وَلَا تَقْدِيرٍ ، فَوَجَبَ أَنْ يُرَدَّ إلَى الْعُرْفِ ، كَمَا فِي الْقَبْضِ وَالْإِحْرَازِ ، وَأَهْلُ الْعُرْفِ إنَّمَا يَتَعَارَفُونَ فِيمَا بَيْنهمْ فِي الْإِنْفَاقِ عَلَى أَهْلَيْهِمْ الْخُبْزَ وَالْأُدْمَ ، دُونَ الْحَبِّ ، وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصَحَابَتُهُ إنَّمَا كَانُوا يُنْفِقُونَ ذَلِكَ ، دُونَ مَا ذَكَرُوهُ ، فَكَانَ ذَلِكَ هُوَ الْوَاجِبَ ، وَلِأَنَّهَا نَفَقَةٌ قَدَّرَهَا الشَّرْعُ بِالْكِفَايَةِ ، فَكَانَ الْوَاجِبُ الْخُبْزَ ، كَنَفَقَةِ الْعَبِيدِ ، وَلِأَنَّ الْحَبَّ تَحْتَاجُ فِيهِ إلَى طَحْنِهِ وَخَبْزِهِ ، فَمَتَى احْتَاجَتْ إلَى تَكَلُّفِ ذَلِكَ مِنْ مَالِهَا لَمْ تَحْصُلْ الْكِفَايَةُ بِنَفَقَتِهِ ، وَفَارَقَ الْإِطْعَامَ فِي الْكَفَّارَةِ ، لِأَنَّهَا لَا تُقَدَّرُ بِالْكِفَايَةِ ، وَلَا يَجِبُ فِيهَا الْأُدْمُ .\rفَعَلَى هَذَا لَوْ طَلَبَتْ مَكَانَ الْخُبْزِ دَرَاهِمَ ، أَوْ حَبًّا ، أَوْ دَقِيقًا ، أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ ، لَمْ يَلْزَمْهُ بَذْلُهُ ، وَلَوْ عَرَضَ عَلَيْهَا بَدَلَ الْوَاجِبِ لَهَا ، لَمْ يَلْزَمْهَا قَبُولُهُ ؛ لِأَنَّهَا مُعَاوَضَةٌ ، فَلَا يُجْبَرُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا عَلَى قَبُولِهِ ، كَالْبَيْعِ .\rوَإِنْ تَرَاضَيَا عَلَى","part":18,"page":125},{"id":8625,"text":"ذَلِكَ ، جَازَ ؛ لِأَنَّهُ طَعَامٌ وَجَبَ فِي الذِّمَّةِ ، لِآدَمِيٍّ مُعَيَّنٍ ، فَجَازَتْ الْمُعَاوَضَةُ عَنْهُ ، كَالطَّعَامِ فِي الْقَرْضِ ، وَيُفَارِقُ الطَّعَامَ فِي الْكَفَّارَةِ ؛ لِأَنَّهُ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى ، وَلَيْسَ هُوَ لِآدَمِيٍّ مُعَيَّنٍ ، فَيَرْضَى بِالْعِوَضِ عَنْهُ .\rوَإِنْ أَعْطَاهَا مَكَانَ الْخُبْزِ حَبًّا ، أَوْ دَقِيقًا ، جَازَ إذَا تَرَاضَيَا عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ بِمُعَاوَضَةٍ حَقِيقَةً ، فَإِنَّ الشَّارِعَ لَمْ يُعَيِّنْ الْوَاجِبَ بِأَكْثَرَ مِنْ الْكِفَايَةِ ، فَبِأَيِّ شَيْءٍ حَصَلَتْ الْكِفَايَةُ ، كَانَ ذَلِكَ هُوَ الْوَاجِبَ ، وَإِنَّمَا صِرْنَا إلَى إيجَابِ الْخُبْزِ عِنْدَ الِاخْتِلَافِ ، لِتَرَجُّحِهِ بِكَوْنِهِ الْقُوتَ الْمُعْتَادَ .","part":18,"page":126},{"id":8626,"text":"( 6458 ) فَصْلٌ : وَيُرْجَعُ فِي تَقْدِيرِ الْوَاجِبِ إلَى اجْتِهَادِ الْحَاكِمِ ، أَوْ نَائِبِهِ ، إنْ لَمْ يَتَرَاضَيَا عَلَى شَيْءٍ ، فَيَفْرِضُ لِلْمَرْأَةِ قَدْرَ كِفَايَتِهَا مِنْ الْخُبْزِ وَالْأُدْمِ ، فَيَفْرِضُ لِلْمُوسِرَةِ تَحْتَ الْمُوسِرِ قَدْرَ حَاجَتِهَا ، مِنْ أَرْفَعِ خُبْزِ الْبَلَدِ الَّذِي يَأْكُلهُ أَمْثَالُهُمَا ، وَلِلْمُعْسِرَةِ تَحْتَ الْمُعْسِرِ قَدْرَ كِفَايَتِهَا ، مِنْ أَدْنَى خُبْزِ الْبَلَدِ ، وَلِلْمُتَوَسِّطَةِ تَحْتَ الْمُتَوَسِّطِ مِنْ أَوْسَطِهِ ، لِكُلِّ أَحَدٍ عَلَى حَسَبِ حَالِهِ ، عَلَى مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ فِي حَقِّ أَمْثَالِهِ .\rوَكَذَلِكَ الْأُدْمُ لِلْمُوسِرَةِ تَحْتَ الْمُوسِرِ قَدْرَ حَاجَتِهَا مِنْ أَرْفَعِ الْأُدْمِ ، مِنْ اللَّحْمِ وَالْأُرْزِ وَاللَّبَنِ ، وَمَا يُطْبَخُ بِهِ اللَّحْمُ ، وَالدُّهْنُ عَلَى اخْتِلَافِ أَنْوَاعِهِ فِي بُلْدَانِهِ ؛ السَّمْنُ فِي مَوْضِعٍ ، وَالزَّيْتُ فِي آخَرَ ، وَالشَّحْمُ ، وَالشَّيْرَجُ فِي آخَرَ .\rوَلِلْمُعْسِرَةِ تَحْتَ الْمُعْسِرِ مِنْ الْأُدْمِ أَدْوَنُهُ ، كَالْبَاقِلَّا ، وَالْخَلِّ ، وَالْبَقْلِ ، وَالْكَامَخِ ، وَمَا جَرَتْ بِهِ عَادَةُ أَمْثَالِهِمْ ، وَمَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ الدُّهْنِ ، وَلِلْمُتَوَسِّطَةِ تَحْتَ الْمُتَوَسِّطِ أَوْسَطِ ذَلِكَ ، مِنْ الْخُبْزِ ، وَالْأُدْمِ ، كُلٌّ عَلَى حَسَبِ عَادَتِهِ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : الْوَاجِبُ مِنْ جِنْسِ قُوتِ الْبَلْدَةِ ، لَا يَخْتَلِفُ بِالْيَسَارِ وَالْإِعْسَارِ سِوَى الْمِقْدَارِ .\rوَالْأُدْمُ هُوَ الدُّهْنُ خَاصَّةً ؛ لِأَنَّهُ أَصْلَحُ لِلْأَبْدَانِ ، وَأَجْوَدُ فِي الْمُؤْنَةِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى طَبْخٍ وَكُلْفَةٍ ، وَيُعْتَبَرُ الْأُدْمُ بِغَالِبِ عَادَةِ أَهْلِ الْبَلَدِ ، كَالزَّيْتِ بِالشَّامِ ، وَالشَّيْرَجِ بِالْعِرَاقِ ، وَالسَّمْنِ بِخُرَاسَانَ .\rوَيُعْتَبَرُ قَدْرُ الْأُدْمِ بِالْقُوتِ ، فَإِذَا قِيلَ : إنَّ الرِّطْلَ تَكْفِيه الْأُوقِيَّةُ مِنْ الدُّهْنِ .\rفَرَضَ ذَلِكَ .\rوَفِي كُلِّ يَوْمِ جُمُعَةٍ رِطْلُ لَحْمٍ ، فَإِنْ كَانَ فِي مَوْضِعٍ يَرْخُصُ اللَّحْمُ ، زَادَهَا عَلَى الرِّطْلِ شَيْئًا .\rوَذَكَرَ الْقَاضِي فِي الْأُدْمِ مِثْلَ هَذَا .\rوَهَذَا مُخَالِفٌ لِقَوْلِ اللَّهِ","part":18,"page":127},{"id":8627,"text":"سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى : { لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ } .\rوَلِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ } .\rوَمَتَى أَنْفَقَ الْمُوسِرُ نَفَقَةَ الْمُعْسِرِ ، فَمَا أَنْفَقَ مِنْ سَعَتِهِ ، وَلَا رَزَقَهَا بِالْمَعْرُوفِ .\rوَقَدْ فَرَّقَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بَيْنَ الْمُوسِرِ وَالْمُعْسِرِ فِي الْإِنْفَاقِ ، وَفِي هَذَا جَمْعٌ بَيْنَ مَا فَرَّقَ اللَّهُ تَعَالَى ، وَتَقْدِيرُ الْأُدْمِ بِمَا ذَكَرُوهُ تَحَكُّمٌ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ ، وَخِلَافُ الْعَادَةِ وَالْعُرْفِ بَيْنَ النَّاسِ فِي إنْفَاقِهِمْ ، فَلَا يُعَرَّجُ عَلَى مِثْلِ هَذَا ، وَقَدْ قَالَ ابْنُ عُمَرَ : مِنْ أَفْضَلِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ ، الْخُبْزُ وَاللَّحْمُ .\rوَالصَّحِيحُ مَا ذَكَرْنَاهُ ، مِنْ رَدِّ النَّفَقَةِ الْمُطْلَقَةِ فِي الشَّرْعِ إلَى الْعُرْفِ فِيمَا بَيْنَ النَّاسِ فِي نَفَقَاتِهِمْ ، فِي حَقِّ الْمُوسِرِ وَالْمُعْسِرِ وَالْمُتَوَسِّطِ ، كَمَا رَدَدْنَاهُمْ فِي الْكِسْوَةِ إلَى ذَلِكَ ، وَلِأَنَّ النَّفَقَةَ مِنْ مُؤْنَةِ الْمَرْأَةِ عَلَى الزَّوْجِ ، فَاخْتَلَفَ جِنْسُهَا بِالْإِيسَارِ وَالْإِعْسَارِ ، كَالْكِسْوَةِ .\r( 6459 ) فَصْلٌ : وَحُكْمُ الْمُكَاتَبِ وَالْعَبْدِ حُكْمُ الْمُعْسِرِ ؛ لِأَنَّهُمَا لَيْسَ بِأَحْسَنِ حَالًا مِنْهُ .\rوَمَنْ نِصْفُهُ حُرٌّ ، إنْ كَانَ مُوسِرًا ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْمُتَوَسِّطِ ؛ لِأَنَّهُ مُتَوَسِّطٌ ، نِصْفُهُ مُوسِرٌ ، وَنِصْفُهُ مُعْسِرٌ .","part":18,"page":128},{"id":8628,"text":"( 6460 ) فَصْل : وَيَجِبُ لِلْمَرْأَةِ مَا تَحْتَاجُ إلَيْهِ ، مِنْ الْمُشْطِ ، وَالدُّهْنِ لِرَأْسِهَا ، وَالسِّدْرِ ، أَوْ نَحْوِهِ مِمَّا تَغْسِلُ بِهِ رَأْسَهَا ، وَمَا يَعُودُ بِنَظَافَتِهَا ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُرَادُ لِلتَّنْظِيفِ ، فَكَانَ عَلَيْهِ ، كَمَا أَنَّ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ كَنْسَ الدَّارِ وَتَنْظِيفَهَا .\rفَأَمَّا الْخِضَابُ ، فَإِنَّهُ إنْ لَمْ يَطْلُبْهُ الزَّوْجُ مِنْهَا ، لَمْ يَلْزَمْهُ ؛ لِأَنَّهُ يُرَادُ لِلزِّينَةِ ، وَإِنْ طَلَبَهُ مِنْهَا ، فَهُوَ عَلَيْهِ .\rوَأَمَّا الطِّيبُ ، فَمَا يُرَادُ مِنْهُ لِقَطْعِ السُّهُولَةِ ، كَدَوَاءِ الْعَرَقِ ، لَزِمَهُ ؛ لِأَنَّهُ يُرَادُ لِلتَّطَيُّبِ ، وَمَا يُرَادُ مِنْهُ لِلتَّلَذُّذِ وَالِاسْتِمْتَاعِ ، لَمْ يَلْزَمْهُ ؛ لِأَنَّ الِاسْتِمْتَاعَ حَقٌّ لَهُ ، فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ مَا يَدْعُوهُ إلَيْهِ .\rوَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ شِرَاءُ الْأَدْوِيَةِ ، وَلَا أُجْرَةُ الطَّبِيبِ ؛ لِأَنَّهُ يُرَادُ لِإِصْلَاحِ الْجِسْمِ ، فَلَا يَلْزَمُهُ ، كَمَا لَا يَلْزَمُ الْمُسْتَأْجِرَ بِنَاءُ مَا يَقَعُ مِنْ الدَّارِ ، وَحِفْظُ أُصُولِهَا ، وَكَذَلِكَ أُجْرَةُ الْحَجَّامِ وَالْفَاصِدِ .\r( 6461 ) فَصْلٌ : وَتَجِبُ عَلَيْهِ كِسْوَتُهَا ، بِإِجْمَاعِ أَهْلِ الْعِلْمِ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ النُّصُوصِ ، وَلِأَنَّهَا لَا بُدَّ مِنْهَا عَلَى الدَّوَامِ ، فَلَزِمَتْهُ ، كَالنَّفَقَةِ ، وَهِيَ مُعْتَبَرَةٌ بِكِفَايَتِهَا ، وَلَيْسَتْ مُقَدَّرَةً بِالشَّرْعِ ، كَمَا قُلْنَا فِي النَّفَقَةِ ، وَوَافَقَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ عَلَى هَذَا ، وَيُرْجَعُ فِي ذَلِكَ إلَى اجْتِهَادِ الْحَاكِمِ ، فَيَفْرِضُ لَهَا عَلَى قَدْرِ كِفَايَتِهَا ، عَلَى قَدْرِ يُسْرِهِمَا وَعُسْرِهِمَا ، وَمَا جَرَتْ عَادَةُ أَمْثَالِهِمَا بِهِ ، مِنْ الْكِسْوَةِ ، فَيَجْتَهِدُ الْحَاكِمُ فِي ذَلِكَ عِنْدَ نُزُولِ الْأَمْرِ ، كَنَحْوِ اجْتِهَادِهِ فِي الْمُتْعَةِ لِلْمُطَلَّقَةِ ، وَكَمَا قُلْنَا فِي النَّفَقَةِ ، فَيَفْرِضُ لِلْمُوسِرَةِ تَحْتَ الْمُوسِرِ مِنْ أَرْفَعَ ثِيَابِ الْبَلَدِ ، مِنْ الْكَتَّانِ وَالْخَزِّ وَالْإِبْرَيْسَمِ ، وَلِلْمُعْسِرَةِ تَحْتَ الْمُعْسِرِ ، غَلِيظُ الْقُطْنِ وَالْكَتَّانِ ، وَلِلْمُتَوَسِّطَةِ تَحْتَ الْمُتَوَسِّطِ ، مِنْ","part":18,"page":129},{"id":8629,"text":"ذَلِكَ ، فَأَقَلُّ مَا يَجِبُ مِنْ ذَلِكَ قَمِيصٌ ، وَسَرَاوِيلُ ، وَمُقَنَّعَة ، وَمَدَاسٌ ، وَجُبَّةٌ لِلشِّتَاءِ ، وَيَزِيدُ مِنْ عَدَدِ الثِّيَابِ مَا جَرَتْ الْعَادَةُ بِلُبْسِهِ ، مِمَّا لَا غِنَى عَنْهُ ، دُونَ مَا لِلتَّجَمُّلِ وَالزِّينَةِ ، وَالْأَصْلُ فِي هَذَا قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : { وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ } .\rوَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ } .\rوَالْكِسْوَةُ بِالْمَعْرُوفِ هِيَ الْكِسْوَةُ الَّتِي جَرَتْ عَادَةُ أَمْثَالِهَا بِلُبْسِهِ ، وَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِهِنْدٍ : { خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ } ( 6462 ) فَصْلٌ : وَعَلَيْهِ لَهَا مَا تَحْتَاجُ إلَيْهِ لِلنَّوْمِ ، مِنْ الْفِرَاشِ وَاللِّحَافِ وَالْوِسَادَةِ ، كُلٌّ عَلَى حَسَبِ عَادَتِهِ ؛ فَإِنْ كَانَتْ مِمَّنْ عَادَتُهُ النَّوْمُ فِي الْأَكْسِيَةِ وَالْبِسَاطِ ، فَعَلَيْهِ لَهَا لِنَوْمِهَا مَا جَرَتْ عَادَتُهُمْ بِهِ ، وَلِجُلُوسِهَا بِالنَّهَارِ الْبِسَاطُ ، وَالزُّلِّي ، وَالْحَصِيرُ الرَّفِيعُ أَوْ الْخَشِنُ ، الْمُوسِرُ عَلَى حَسَبِ يَسَارِهِ ، وَالْمُعْسِرُ عَلَى قَدْرِ إعْسَارِهِ ، عَلَى حَسَبِ الْعَوَائِدِ .\rفَصْلٌ : وَيَجِبُ لَهَا مَسْكَنٌ ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى : { أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ } .\rفَإِذَا وَجَبَتْ السُّكْنَى لِلْمُطَلَّقَةِ ، فَلِلَّتِي فِي صُلْبِ النِّكَاحِ أَوْلَى ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ } .\rوَمِنْ الْمَعْرُوفِ أَنْ يُسْكِنَهَا فِي مَسْكَنٍ ، وَلِأَنَّهَا لَا تَسْتَغْنِي عَنْ الْمَسْكَنِ لِلِاسْتِتَارِ عَنْ الْعُيُونِ ، وَفِي التَّصَرُّفِ ، وَالِاسْتِمْتَاعِ ، وَحِفْظِ الْمَتَاعِ ، وَيَكُونُ الْمَسْكَنُ عَلَى قَدْرِ يَسَارِهِمَا وَإِعْسَارِهِمَا ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { مِنْ وُجْدِكُمْ } .\rوَلِأَنَّهُ وَاجِبٌ لَهَا لِمَصْلَحَتِهَا فِي الدَّوَامِ ، فَجَرَى مَجْرَى النَّفَقَةِ وَالْكِسْوَةِ .","part":18,"page":130},{"id":8630,"text":"( 6464 ) فَصْلٌ : فَإِنْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ مِمَّنْ لَا تَخْدِمُ نَفْسَهَا ؛ لِكَوْنِهَا مِنْ ذَوِي الْأَقْدَارِ ، أَوْ مَرِيضَةً ، وَجَبَ لَهَا خَادِمٌ : { وَعَاشِرُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ } .\rوَمِنْ الْعِشْرَةِ بِالْمَعْرُوفِ ، أَنْ يُقِيمَ لَهَا خَادِمًا ، وَلِأَنَّهُ مِمَّا تَحْتَاجُ إلَيْهِ فِي الدَّوَامِ ، فَأَشْبَهَ النَّفَقَةَ .\rوَلَا يَجِبُ لَهَا أَكْثَرُ مِنْ خَادِمٍ وَاحِدٍ ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَحَقَّ خِدْمَتُهَا فِي نَفْسِهَا ، وَيَحْصُلُ ذَلِكَ بِوَاحِدٍ .\rوَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ .\rإلَّا أَنَّ مَالِكًا قَالَ : إنْ كَانَ لَا يَصْلُحُ لِلْمَرْأَةِ إلَّا أَكْثَرُ مِنْ خَادِمٍ ، فَعَلَيْهِ أَنْ يُنْفِقَ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ .\rوَنَحْوَهُ قَالَ أَبُو ثَوْرٍ : إذَا احْتَمَلَ الزَّوْجُ ذَلِكَ ، فَرَضَ لِخَادِمَيْنِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الْخَادِمَ الْوَاحِدَ يَكْفِيهَا لِنَفْسِهَا ، وَالزِّيَادَةُ تُرَادُ لِحِفْظِ مِلْكِهَا ، أَوْ لِلتَّجَمُّلِ ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ ذَلِكَ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَلَا يَكُونُ الْخَادِمُ إلَّا مِمَّنْ يَحِلُّ لَهُ النَّظَرُ إلَيْهَا ، إمَّا امْرَأَةٌ ، وَإِمَّا ذُو رَحِمٍ مَحْرَمٌ ؛ لِأَنَّ الْخَادِمَ يَلْزَمُ الْمَخْدُومَ فِي غَالِبِ أَحْوَالِهِ ، فَلَا يَسْلَمُ مِنْ النَّظَرِ .\rوَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ .\rالصَّحِيحُ مِنْهُمَا جَوَازُهُ ؛ لِأَنَّ اسْتِخْدَامَهُمْ مُبَاحٌ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا فِيمَا مَضَى أَنَّ الصَّحِيحَ إبَاحَةُ النَّظَرِ لَهُمْ .\rوَالثَّانِي ، لَا يَجُوزُ ؛ لِأَنَّ فِي إبَاحَةِ نَظَرِهِمْ اخْتِلَافًا ، وَتَعَافُهُمْ النَّفْسُ ، وَلَا يَتَنَظَّفُونَ مِنْ النَّجَاسَةِ ، وَلَا يَلْزَمُ الزَّوْجَ أَنْ يُمَلِّكَهَا خَادِمًا ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ الْخِدْمَةُ ، فَإِذَا حَصَلَتْ مِنْ غَيْرِ تَمْلِيكٍ ، جَازَ كَمَا أَنَّهُ إذَا أُسْكَنْهَا دَارًا بِأُجْرَةِ جَازَ ، وَلَا يَلْزَمُهُ تَمْلِيكُهَا مَسْكَنًا ، فَإِنْ مَلَّكَهَا الْخَادِمَ ، فَقَدْ زَادَ خَيْرًا ، وَإِنْ أَخْدَمَهَا مَنْ يُلَازِمُ خِدْمَتهَا مِنْ غَيْرِ تَمْلِيكٍ ، جَازَ ، سَوَاءٌ كَانَ لَهُ ، أَوْ اسْتَأْجَرَهُ ، حُرًّا كَانَ أَوْ عَبْدًا .\rوَإِنْ كَانَ الْخَادِمُ لَهَا ،","part":18,"page":131},{"id":8631,"text":"فَرَضِيَتْ بِخِدْمَتِهِ لَهَا ، وَنَفَقَتُهُ عَلَى الزَّوْجِ ، جَازَ .\rوَإِنْ طَلَبَتْ مِنْهُ أَجْرَ خَادِمِهَا فَوَافَقَهَا ، جَازَ .\r` وَإِنْ قَالَ : لَا أُعْطِيك أَجْرَ هَذَا ، وَلَكِنْ أَنَا آتِيك بِخَادِمٍ سِوَاهُ .\rفَلَهُ ذَلِكَ إذَا أَتَاهَا بِمَنْ يَصْلُحُ لَهَا .\rوَإِنْ قَالَتْ : أَنَا أَخْدِمُ نَفْسِي ، وَآخُذُ أَجْرَ الْخَادِمِ .\rلَمْ يَلْزَمْ الزَّوْجَ قَبُولُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الْأَجْرَ عَلَيْهِ ، فَتَعْيِينُ الْخَادِمِ إلَيْهِ ، وَلِأَنَّ فِي إخْدَامِهَا تَوْفِيرَهَا عَلَى حُقُوقِهِ ، وَتَرْفِيهَهَا ، وَرَفْعَ قَدْرِهَا ، وَذَلِكَ يَفُوتُ بِخِدْمَتِهَا لِنَفْسِهَا .\rوَإِنْ قَالَ الزَّوْجُ : أَنَا أَخْدُمُك بِنَفْسِي .\rلَمْ يَلْزَمْهَا ؛ لِأَنَّهَا تَحْتَشِمُهُ ، وَفِيهِ غَضَاضَةٌ عَلَيْهَا ، لِكَوْنِ زَوْجِهَا خَادِمًا .\rوَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ ، أَنَّهُ يَلْزَمُهَا الرِّضَى بِهِ ؛ لِأَنَّ الْكِفَايَةَ تَحْصُلُ بِهِ .\r( 6465 ) فَصْلٌ : وَعَلَى الزَّوْجِ نَفَقَةُ الْخَادِمِ ، وَمُؤْنَتُهُ مِنْ الْكِسْوَةِ وَالنَّفَقَةِ ، مِثْلَ مَا لِامْرَأَةِ الْمُعْسِرِ ، إلَّا أَنَّهُ لَا يَجِبُ لَهَا الْمُشْطُ ، وَالدُّهْنُ لِرَأْسِهَا ، وَالسِّدْرُ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُرَادُ لِلزِّينَةِ وَالتَّنْظِيفِ ، وَلَا يُرَادُ ذَلِكَ مِنْ الْخَادِمِ ، لَكِنْ إنْ احْتَاجَتْ إلَى خُفٍّ لِتَخْرُجَ إلَى شِرَاءِ الْحَوَائِجِ ، لَزِمَهُ ذَلِكَ .","part":18,"page":132},{"id":8632,"text":"مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( فَإِنْ مَنَعَهَا مَا يَجِبُ لَهَا ، أَوْ بَعْضَهُ ، وَقَدَرَتْ لَهُ عَلَى مَالٍ ، أَخَذَتْ مِنْهُ مِقْدَارَ حَاجَتِهَا بِالْمَعْرُوفِ ، كَمَا { قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِهِنْدٍ حِينَ قَالَتْ : إنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ ، وَلَيْسَ يُعْطِينِي مِنْ النَّفَقَةِ مَا يَكْفِينِي وَوَلَدِي .\rفَقَالَ : خُذِي مَا يَكْفِيك وَوَلَدَك بِالْمَعْرُوفِ } ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الزَّوْجَ إذَا لَمْ يَدْفَعْ إلَى امْرَأَتِهِ مَا يَجِبُ لَهَا عَلَيْهِ مِنْ النَّفَقَةِ وَالْكِسْوَةِ ، أَوْ دَفَعَ إلَيْهَا أَقَلَّ مِنْ كِفَايَتِهَا ، فَلَهَا أَنْ تَأْخُذَ مِنْ مَالِهِ الْوَاجِبَ أَوْ تَمَامَهُ ، بِإِذْنِهِ وَبِغَيْرِ إذْنِهِ ؛ بِدَلِيلِ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِهِنْدٍ : { خُذِي مَا يَكْفِيك وَوَلَدَك بِالْمَعْرُوفِ } .\rوَهَذَا إذْنٌ لَهَا فِي الْأَخْذِ مِنْ مَالِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ ، وَرَدٌّ لَهَا إلَى اجْتِهَادِهَا فِي قَدْرِ كِفَايَتِهَا وَكِفَايَةِ وَلَدِهَا ، وَهُوَ مُتَنَاوِلٌ لِأَخْذِ تَمَامِ الْكِفَايَةِ ، فَإِنَّ ظَاهِرَ الْحَدِيثِ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ قَدْ كَانَ يُعْطِيهَا بَعْضَ الْكِفَايَةِ ، وَلَا يُتَمِّمُهَا لَهَا ، فَرَخَّصَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهَا فِي أَخْذِ تَمَامِ الْكِفَايَةِ بِغَيْرِ عِلْمِهِ ؛ لِأَنَّهُ مَوْضِعُ حَاجَةٍ ، فَإِنَّ النَّفَقَةَ لَا غِنَى عَنْهَا ، وَلَا قَوَامَ إلَّا بِهَا ، فَإِذَا لَمْ يَدْفَعْهَا الزَّوْجُ وَلَمْ تَأْخُذْهَا ، أَفْضَى إلَى ضَيَاعِهَا وَهَلَاكِهَا ، فَرَخَّصَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهَا فِي أَخْذِ قَدْرِ نَفَقَتِهَا ، دَفْعًا لِحَاجَتِهَا ، وَلِأَنَّ النَّفَقَةَ تَتَجَدَّدُ بِتَجَدُّدِ الزَّمَانِ شَيْئًا فَشَيْئًا ، فَتَشُقُّ الْمُرَافَعَةُ إلَى الْحَاكِمِ ، وَالْمُطَالَبَةُ بِهَا فِي كُلِّ الْأَوْقَاتِ ؛ فَلِذَلِكَ رَخَّصَ لَهَا فِي أَخْذِهَا بِغَيْرِ إذْنِ مَنْ هِيَ عَلَيْهِ .\rوَذَكَرَ الْقَاضِي بَيْنَهَا وَبَيْنَ الدَّيْنِ فَرْقًا آخَرَ ، وَهُوَ أَنَّ نَفَقَةَ الزَّوْجَةِ تَسْقُطُ بِفَوَاتِ وَقْتِهَا عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، مَا لَمْ يَكُنْ الْحَاكِمُ فَرَضَهَا لَهَا ، فَلَوْ لَمْ تَأْخُذْ","part":18,"page":133},{"id":8633,"text":"حَقَّهَا أَفْضَى إلَى سُقُوطِهَا ، وَالْإِضْرَارِ بِهَا ، بِخِلَافِ الدَّيْنِ ، فَإِنَّهُ لَا يَسْقُطُ عِنْدَ أَحَدٍ بِتَرْكِ الْمُطَالَبَةِ ، فَلَا يُؤَدِّي تَرْكُ الْأَخْذِ إلَى الْإِسْقَاطِ .","part":18,"page":134},{"id":8634,"text":"( 6467 ) فَصْلٌ : وَيَجِبُ عَلَيْهِ دَفْعُ نَفَقَتِهَا إلَيْهَا فِي صَدْرِ نَهَارِ كُلِّ يَوْمٍ إذَا طَلَعْت الشَّمْسُ ، لِأَنَّهُ أَوَّلُ وَقْتِ الْحَاجَةِ ، فَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى تَأْخِيرِهَا جَازَ ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهَا ، فَإِذَا رَضِيَتْ بِتَأْخِيرِهِ جَازَ ، كَالدَّيْنِ .\rوَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى تَعْجِيلِ نَفَقَةِ عَامٍ أَوْ شَهْرٍ ، أَوْ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ أَوْ أَكْثَرَ ، أَوْ تَأْخِيرِهِ ، جَازَ ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمَا ، لَا يَخْرُجُ عَنْهُمَا ، فَجَازَ مِنْ تَعْجِيلِهِ وَتَأْخِيرِهِ مَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ ، كَالدَّيْنِ .\rوَلَيْسَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي هَذَا خِلَافٌ عَلِمْنَاهُ .\rفَإِنْ سَلَّمَ إلَيْهَا نَفَقَةَ يَوْمٍ ، ثُمَّ مَاتَتْ فِيهِ ، لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهَا بِهَا ؛ لِأَنَّهُ دَفَعَ إلَيْهَا مَا وَجَبَ عَلَيْهِ دَفْعُهُ إلَيْهَا ، وَإِنْ أَبَانَهَا بَعْدَ وُجُوبِ الدَّفْعِ إلَيْهَا ، لَمْ تَسْقُطْ نَفَقَتُهَا فِيهِ ، وَلَهَا مُطَالَبَتُهُ بِهَا ؛ لِأَنَّهَا قَدْ وَجَبَتْ ، فَلَمْ تَسْقُطْ بِالطَّلَاقِ ، كَالدَّيْنِ .\rوَإِنْ عَجَّلَ لَهَا نَفَقَةَ شَهْرٍ أَوْ عَامٍ ، ثُمَّ طَلَّقَهَا ، أَوْ مَاتَتْ قَبْلَ انْقِضَائِهِ ، أَوْ بَانَتْ بِفَسْخِ أَوْ إسْلَامِ أَحَدِهِمَا أَوْ رِدَّتِهِ ، فَلَهُ أَنْ يَسْتَرْجِعَ نَفَقَةَ سَائِرِ الشَّهْرِ .\rوَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَبُو يُوسُفَ : لَا يَسْتَرْجِعُهَا ؛ لِأَنَّهَا صِلَةٌ ، فَإِذَا قَبَضَتْهَا ، لَمْ يَكُنْ لَهُ الرُّجُوعُ فِيهَا ، كَصَدَقَةِ التَّطَوُّعِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ سَلَّمَ إلَيْهَا النَّفَقَةَ سَلَفًا عَمَّا يَجِبُ فِي الثَّانِي ، فَإِذَا وُجِدَ مَا يَمْنَعُ الْوُجُوبَ ، ثَبَتَ الرُّجُوعُ ، كَمَا لَوْ أَسْلَفَهَا إيَّاهَا فَنَشَزَتْ ، أَوْ عَجَّلَ الزَّكَاةَ إلَى السَّاعِي فَتَلَفَ مَالُهُ قَبْلَ الْحَوْلِ .\rوَقَوْلُهُمْ : إنَّهَا صِلَةٌ .\rقُلْنَا : بَلْ هِيَ عِوَضٌ عَنْ التَّمْكِينِ ، وَقَدْ فَاتَ التَّمْكِينُ .\rوَذَكَرَ الْقَاضِي ، أَنَّ زَوْجَ الْوَثَنِيَّةِ وَالْمَجُوسِيَّةِ ، إذَا دَفَعَ إلَيْهَا نَفَقَةَ سَنَتَيْنِ ، ثُمَّ بَانَتْ بِإِسْلَامِهِ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَعْلَمَهَا أَنَّهَا نَفَقَةٌ عَجَّلَهَا لَهَا ، لَمْ","part":18,"page":135},{"id":8635,"text":"يَرْجِعْ عَلَيْهَا ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ تَطَوَّعَ بِهَا ، وَإِنْ أَعْلَمَهَا ذَلِكَ ، انْبَنَى عَلَى مُعَجِّلِ الزَّكَاةِ إذَا أَعْلَمَ الْفَقِيرَ أَنَّهَا زَكَاةٌ مُعَجَّلَةٌ ثُمَّ تَلِفَ الْمَالُ ، وَفِي الرُّجُوعِ بِهَا وَجْهَانِ ، كَذَلِكَ هَاهُنَا .\rوَكَذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِي سَائِرِ الصُّوَرِ مِثْلُ هَذَا ؛ لِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ بِدَفْعِ مَا لَا يَلْزَمُهُ مِنْ غَيْرِ إعْلَامِ الْآخِذِ بِتَعْجِيلِهِ ، فَلَمْ يَرْجِعْ بِهِ ، كَمُعَجِّلِ الزَّكَاةِ .\rوَلَوْ سَلَّمَ إلَيْهَا نَفَقَةَ الْيَوْمِ ، فَسُرِقَتْ أَوْ تَلِفَتْ ، لَمْ يَلْزَمْهُ عِوَضُهَا ؛ لِأَنَّهُ بَرِئَ مِنْ الْوَاجِبِ بِدَفْعِهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ تَلْفِت الزَّكَاةُ بَعْدَ قَبْضِ السَّاعِي لَهَا ، أَوْ الدَّيْنُ بَعْدَ أَخْذِ صَاحِبِهِ لَهُ .\r( 6468 ) فَصْلٌ : وَإِذَا دَفَعَ إلَيْهَا نَفَقَتَهَا ، فَلَهَا أَنْ تَتَصَرَّفَ فِيهَا بِمَا أَحَبَّتْ ، مِنْ الصَّدَقَةِ وَالْهِبَةِ وَالْمُعَاوَضَةِ ، مَا لَمْ يَعُدْ ذَلِكَ عَلَيْهَا بِضَرَرٍ فِي بَدَنِهَا ، وَضَعْفٍ فِي جِسْمِهَا ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ لَهَا ، فَلَهَا التَّصَرُّفُ فِيهِ بِمَا شَاءَتْ كَالْمَهْرِ ، وَلَيْسَ لَهَا التَّصَرُّفُ فِيهَا عَلَى وَجْهٍ يَضُرُّ بِهَا ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَفْوِيتَ حَقِّهِ مِنْهَا ، وَنَقْصًا فِي اسْتِمْتَاعِهِ بِهَا .","part":18,"page":136},{"id":8636,"text":"( 6469 ) فَصْلٌ : وَعَلَيْهِ دَفْعُ الْكِسْوَةِ إلَيْهَا فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً ؛ لِأَنَّهَا الْعَادَةُ ، وَيَكُونُ الدَّفْعُ إلَيْهَا فِي أَوَّلِهِ ؛ لِأَنَّهُ أَوَّلُ وَقْتِ الْوُجُوبِ .\rفَإِنْ بَلِيَتْ الْكِسْوَةُ فِي الْوَقْتِ الَّذِي يَبْلَى فِيهِ مِثْلُهَا ، لَزِمَهُ أَنَّ يَدْفَعَ إلَيْهَا كِسْوَةً أُخْرَى ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ وَقْتُ الْحَاجَةِ إلَيْهَا ، وَإِنْ بَلِيَتْ قَبْلَ ذَلِكَ ، لِكَثْرَةِ دُخُولِهَا وَخُرُوجِهَا أَوْ اسْتِعْمَالِهَا ، لَمْ يَلْزَمْهُ إبْدَالُهَا ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِوَقْتِ الْحَاجَةِ إلَى الْكِسْوَةِ فِي الْعُرْفِ .\rوَإِنْ مَضَى الزَّمَانُ الَّذِي تَبْلَى فِي مِثْلِهِ بِالِاسْتِعْمَالِ الْمُعْتَادِ وَلَمْ تَبْلَ ، فَهَلْ يَلْزَمُهُ بَدَلُهَا ؟ فِيهِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا : لَا يَلْزَمُهُ بَدَلُهَا ؛ لِأَنَّهَا غَيْرُ مُحْتَاجَةٍ إلَى الْكِسْوَةِ .\rوَالثَّانِي ، يَلْزَمُهُ ؛ لِأَنَّ الِاعْتِبَارَ بِمُضِيِّ الزَّمَانِ دُونَ حَقِيقَةِ الْحَاجَةِ ، بِدَلِيلِ أَنَّهَا لَوْ بَلِيَتْ قَبْلَ ذَلِكَ لَمْ يَلْزَمْهُ بَدَلُهَا .\rوَلَوْ أُهْدِيَ إلَيْهَا كِسْوَةٌ ، لَمْ تَسْقُطْ كِسْوَتُهَا .\rوَإِنْ أُهْدِيَ إلَيْهَا طَعَامٌ فَأَكَلَتْهُ ، وَبَقِيَ قُوتُهَا إلَى الْغَدِ ، لَمْ يَسْقُطْ قُوتُهَا فِيهِ وَإِنْ كَسَاهَا ، ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ أَنْ تَبْلَى ، فَهَلْ لَهُ أَنْ يَسْتَرْجِعَهَا ؟ فِيهِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا ، لَهُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ دَفَعَهَا لِلزَّمَانِ الْمُسْتَقْبَلِ ، فَإِذَا طَلَّقَهَا قَبْلَ مُضِيِّهِ ، كَانَ لَهُ اسْتِرْجَاعُهَا ، كَمَا لَوْ دَفَعَ إلَيْهَا نَفَقَةَ مُدَّةٍ ، ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ انْقِضَائِهَا .\rوَالثَّانِي ، لَيْسَ لَهُ الِاسْتِرْجَاعُ ؛ لِأَنَّهُ دَفَعَ إلَيْهَا الْكِسْوَةَ بَعْدَ وُجُوبِهَا عَلَيْهِ ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ الرُّجُوعُ فِيهَا ، كَمَا لَوْ دَفَعَ إلَيْهَا النَّفَقَةَ بَعْدَ وُجُوبِهَا ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ أَكْلِهَا ، بِخِلَافِ النَّفَقَةِ الْمُسْتَقْبَلَةِ .\r( 6470 ) فَصْلٌ : وَإِذَا دَفَعَ إلَيْهَا كِسْوَتَهَا ، فَأَرَادَتْ بَيْعهَا ، أَوْ التَّصَدُّقَ بِهَا ، وَكَانَ ذَلِكَ يَضُرُّ بِهَا ، أَوْ يُخِلُّ بِتَجَمُّلِهَا بِهَا ، أَوْ بِسُتْرَتِهَا ، لَمْ تَمْلِكْ ذَلِكَ ، كَمَا لَوْ","part":18,"page":137},{"id":8637,"text":"أَرَادَتْ الصَّدَقَةَ بِقُوتِهَا عَلَى وَجْهٍ يَضُرُّ بِهَا ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ ضَرَرٌ ، احْتَمَلَ الْجَوَازَ ؛ لِأَنَّهَا تَمْلِكُهَا ، فَأَشْبَهَتْ النَّفَقَةَ ، وَاحْتَمَلَ الْمَنْعَ ؛ لِأَنَّ لَهُ اسْتِرْجَاعَهَا لَوْ طَلَّقَهَا ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ ، بِخِلَافِ النَّفَقَة .\r( 6471 ) فَصْلٌ : وَالذِّمِّيَّةُ كَالْمُسْلِمَةِ فِي النَّفَقَةِ وَالْمَسْكَنِ وَالْكِسْوَةِ ، فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rوَبِهِ يَقُولُ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ؛ لِعُمُومِ النُّصُوصِ وَالْمَعْنَى .","part":18,"page":138},{"id":8638,"text":"( 6472 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( فَإِذَا مَنَعَهَا ، وَلَمْ تَجِدْ مَا تَأْخُذُهُ ، وَاخْتَارَتْ فِرَاقَهُ ، فَرَّقَ الْحَاكِمُ بَيْنَهُمَا ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الرَّجُلَ إذَا مَنَعَ امْرَأَتَهُ النَّفَقَةَ ، لِعُسْرَتِهِ ، وَعَدَمِ مَا يُنْفِقُهُ ، فَالْمَرْأَةُ مُخَيَّرَةٌ بَيْنَ الصَّبْرِ عَلَيْهِ ، وَبَيْنَ فِرَاقِهِ .\rوَرُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ ، وَعَلِيٍّ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ .\rوَبِهِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ، وَالْحَسَنُ ، وَعُمَرُ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَرَبِيعَةُ ، وَحَمَّادٌ ، وَمَالِكٌ ، وَيَحْيَى الْقَطَّانُ ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ ، وَأَبُو ثَوْرٍ .\rوَذَهَبَ عَطَاءٌ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَابْنُ شُبْرُمَةَ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ وَصَاحِبَاهُ ، إلَى أَنَّهَا لَا تَمْلِكُ فِرَاقَهُ بِذَلِكَ ، وَلَكِنْ يَرْفَعُ يَدَهُ عَنْهَا لِتَكْتَسِبَ ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ لَهَا عَلَيْهِ ، فَلَا يُفْسَخُ النِّكَاحُ لِعَجْزِهِ عَنْهُ ، كَالدَّيْنِ .\rوَقَالَ الْعَنْبَرِيُّ : يُحْبَسُ إلَى أَنْ يُنْفِقَ وَلَنَا ، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ } .\rوَلَيْسَ الْإِمْسَاكُ مَعَ تَرْكِ الْإِنْفَاقِ إمْسَاكًا بِمَعْرُوفٍ ، فَيَتَعَيَّنُ التَّسْرِيحُ .\rوَرَوَى سَعِيدٌ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ ابْنِ أَبِي الزِّنَادِ ، قَالَ : سَأَلْت سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ عَنْ الرَّجُلِ لَا يَجِدُ مَا يُنْفِقُ عَلَى امْرَأَتِهِ ، أَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا ؟ قَالَ : نَعَمْ .\rقُلْت : سُنَّةٌ ؟ قَالَ : سُنَّةٌ .\rوَهَذَا يَنْصَرِفُ إلَى سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rوَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ ثَبَتَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَتَبَ إلَى أُمَرَاءِ الْأَجْنَادِ ، فِي رِجَالٍ غَابُوا عَنْ نِسَائِهِمْ ، فَأَمَرَهُمْ بِأَنْ يُنْفِقُوا أَوْ يُطَلِّقُوا ، فَإِنْ طَلَّقُوا بَعَثُوا بِنَفَقَةِ مَا مَضَى .\rوَلِأَنَّهُ إذَا ثَبَتَ الْفَسْخُ بِالْعَجْزِ عَنْ الْوَطْءِ ، وَالضَّرَرُ فِيهِ ، أَقَلُّ ، لِأَنَّهُ إنَّمَا هُوَ فَقْدُ لَذَّةٍ وَشَهْوَةٍ يَقُومُ الْبَدَنُ بِدُونِهِ ، فَلَأَنْ يَثْبُتَ بِالْعَجْزِ عَنْ النَّفَقَةِ الَّتِي لَا يَقُومُ الْبَدَنُ إلَّا","part":18,"page":139},{"id":8639,"text":"بِهَا أَوْلَى .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّهُ مَتَى ثَبَتَ الْإِعْسَارُ بِالنَّفَقَةِ عَلَى الْإِطْلَاقِ ، فَلِلْمَرْأَةِ الْمُطَالَبَةُ بِالْفَسْخِ ، مِنْ غَيْرِ إنْظَارٍ .\rوَهَذَا أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ حَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ : يُؤَجَّلُ سَنَةً قِيَاسًا عَلَى الْعِنِّينِ .\rوَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ : اضْرِبُوا لَهُ شَهْرًا أَوْ شَهْرَيْنِ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : الشَّهْرُ وَنَحْوُهُ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْقَوْلِ الْآخَرِ : يُؤَجَّلُ ثَلَاثًا ؛ لِأَنَّهُ قَرِيبٌ .\rوَلَنَا ، ظَاهِرُ حَدِيثِ عُمَرَ ، وَلِأَنَّهُ مَعْنَى يُثْبِتُ الْفَسْخَ ، وَلَمْ يَرِدْ الشَّرْعُ بِالْإِنْظَارِ فِيهِ ، فَوَجَبَ ، أَنْ يَثْبُتَ الْفَسْخُ فِي الْحَالِ ، كَالْعَيْبِ ، وَلِأَنَّ سَبَبَ الْفَسْخِ الْإِعْسَارُ ، وَقَدْ وُجِدَ ، فَلَا يَلْزَمُ التَّأْخِيرُ .","part":18,"page":140},{"id":8640,"text":"( 6473 ) فَصْلٌ : وَإِنْ لَمْ يَجِدْ النَّفَقَةَ إلَّا يَوْمًا بِيَوْمٍ ، فَلَيْسَ ذَلِكَ إعْسَارًا يَثْبُتُ بِهِ الْفَسْخُ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ ، وَقَدْ قَدَرَ عَلَيْهِ .\rوَإِنْ وَجَدَ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ مَا يُغَدِّيهَا ، وَفِي آخِرِهِ مَا يُعَشِّيهَا ، لَمْ يَكُنْ لَهَا الْفَسْخُ ؛ لِأَنَّهَا تَصِلُ إلَى كِفَايَتِهَا ، وَمَا يَقُومُ بِهِ بَدَنُهَا .\rوَإِنْ كَانَ صَانِعًا يَعْمَلُ فِي الْأُسْبُوعِ مَا يَبِيعُهُ فِي يَوْمٍ بِقَدْرِ كِفَايَتهَا فِي الْأُسْبُوعِ كُلِّهِ ، لَمْ يَثْبُتْ الْفَسْخُ ؛ لِأَنَّ هَذَا يَحْصُلُ الْكِفَايَةُ بِهِ فِي جَمِيعِ زَمَانِهِ .\rوَإِنْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ الْكَسْبُ فِي بَعْضِ زَمَانِهِ ، أَوْ تَعَذَّرَ الْبَيْعُ لَمْ يَثْبُتْ الْفَسْخُ ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ الِاقْتِرَاضُ إلَى زَوَالِ الْعَارِضِ ، وَحُصُولِ الِاكْتِسَابِ .\rوَإِنْ عَجَزَ عَنْ الِاقْتِرَاضِ أَيَّامًا يَسِيرَةً لَمْ يَثْبُتْ الْفَسْخُ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَزُولُ عَنْ قُرْبٍ ، وَلَا يَكَادُ يَسْلَمُ مِنْهُ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ .\rوَإِنْ مَرِضَ مَرَضًا يُرْجَى زَوَالُهُ فِي أَيَّامٍ يَسِيرَةٍ ، لَمْ يُفْسَخْ ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ .\rوَإِنْ كَانَ ذَلِكَ يَطُولُ ، فَلَهَا الْفَسْخُ ؛ لِأَنَّ الضَّرَرَ الْغَالِبَ يَلْحَقُهَا ، وَلَا يُمْكِنُهَا الصَّبْرُ .\rوَكَذَلِكَ إنْ كَانَ لَا يَجِدُ مِنْ النَّفَقَةِ إلَّا يَوْمًا دُونَ يَوْمٍ ، فَلَهَا الْفَسْخُ ؛ لِأَنَّهَا لَا يُمْكِنُهَا الصَّبْرُ عَلَى هَذَا ، وَيَكُونُ بِمَثَابَةِ مَنْ لَا يَجِدُ إلَّا بَعْضَ الْقُوتِ .\rوَإِنْ أَعْسَرَ بِبَعْضِ نَفَقَةِ الْمُعْسِرِ ، ثَبَتَ لَهَا الْخِيَارُ ؛ لِأَنَّ الْبَدَنَ لَا يَقُومُ بِمَا دُونَهَا .\rوَإِنْ أَعْسَرَ بِمَا زَادَ عَلَى نَفَقَةِ الْمُعْسِرِ ، فَلَا خِيَارَ لَهَا ؛ لِأَنَّ تِلْكَ الزِّيَادَةَ تَسْقُطُ بِإِعْسَارِهِ ، وَيُمْكِنُ الصَّبْرُ عَنْهَا ، وَيَقُومُ الْبَدَنُ بِمَا دُونِهَا .\rوَإِنْ أَعْسَرَ بِنَفَقَةِ الْخَادِمِ ، لَمْ يَثْبُتْ لَهَا خِيَارٌ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا ، وَكَذَلِكَ إنْ أَعْسَرَ بِالْأُدْمِ .\rوَإِنْ أَعْسَرَ بِالْكِسْوَةِ ، فَلَهَا الْفَسْخُ ؛ لِأَنَّ الْكِسْوَةَ لَا بُدَّ مِنْهَا ، وَلَا يُمْكِنُ الصَّبْرُ عَنْهَا ، وَلَا يَقُومُ الْبَدَنُ بِدُونِهَا","part":18,"page":141},{"id":8641,"text":".\rوَإِنْ أَعْسَرَ بِأُجْرَةِ الْمَسْكَنِ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا : لَهَا الْخِيَارُ ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا لَا بُدَّ مِنْهُ ، فَهُوَ كَالنَّفَقَةِ وَالْكِسْوَةِ .\rوَالثَّانِي ، لَا خِيَارَ لَهَا ؛ لِأَنَّ الْبِنْيَةَ تَقُومُ بِدُونِهِ .\rوَهَذَا الْوَجْهُ هُوَ الَّذِي ذَكَره الْقَاضِي .\rوَإِنْ أَعْسَرَ بِالنَّفَقَةِ الْمَاضِيَةِ ، لَمْ يَكُنْ لَهَا الْفَسْخُ ؛ لِأَنَّهَا دَيْنٌ يَقُومُ الْبَدَنُ بِدُونِهَا ، فَأَشْبَهَتْ سَائِرَ الدُّيُونِ .\rالْحَالُ الثَّانِي ، أَنْ يَمْتَنِعَ مِنْ الْإِنْفَاقِ مَعَ يَسَارِهِ ؛ فَإِنْ قَدَرَتْ لَهُ عَلَى مَالٍ ، أَخَذَتْ مِنْهُ قَدْرَ حَاجَتِهَا ، وَلَا خِيَارَ لَهَا ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ هِنْدًا بِالْأَخْذِ ، وَلَمْ يَجْعَلْ لَهَا الْفَسْخَ ، وَإِنْ لَمْ تَقْدِرْ ، رَافَعَتْهُ إلَى الْحَاكِمِ ، فَيَأْمُرُهُ بِالْإِنْفَاقِ ، وَيُجْبِرُهُ عَلَيْهِ ، فَإِنْ أَبَى حَبَسَهُ ، فَإِنْ صَبَرَ عَلَى الْحَبْسِ ، أَخَذَ الْحَاكِمُ النَّفَقَةَ مِنْ مَالِهِ ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ إلَّا عُرُوضًا أَوْ عَقَارًا ، بَاعَهَا فِي ذَلِكَ .\rوَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ ، وَأَبُو ثَوْرٍ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : النَّفَقَةُ فِي مَالِهِ مِنْ الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ ، وَلَا يَبِيعُ عَرْضًا إلَّا بِتَسْلِيمٍ ؛ لِأَنَّ بَيْعَ مَالِ الْإِنْسَانِ لَا يَنْفُذُ إلَّا بِإِذْنِهِ ، أَوْ إذْنِ وَلِيِّهِ ، وَلَا وِلَايَةَ عَلَى الرَّشِيدِ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِهِنْدٍ \" خُذِي مَا يَكْفِيك \" .\rوَلَمْ يُفَرِّقْ ، وَلِأَنَّ ذَلِكَ مَالٌ لَهُ ، فَتُؤْخَذُ مِنْهُ النَّفَقَةُ ، كَالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ ، وَلِلْحَاكِمِ وِلَايَةٌ عَلَيْهِ إذَا امْتَنَعَ ، بِدَلِيلِ وِلَايَته عَلَى دَرَاهِمِهِ وَدَنَانِيرِهِ .\rوَإِنْ تَعَذَّرَتْ النَّفَقَةُ فِي حَالِ غَيْبَتِهِ ، وَلَهُ وَكِيلٌ ، فَحُكْمُ وَكِيلِهِ حُكْمُهُ فِي الْمُطَالَبَةِ وَالْأَخْذِ مِنْ الْمَالِ عِنْدَ امْتِنَاعِهِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَكِيلٌ ، وَلَمْ تَقْدِرْ الْمَرْأَةُ عَلَى الْأَخْذِ ، أَخَذَ لَهَا الْحَاكِمُ مِنْ مَالِهِ ، وَيَجُوزُ بَيْعُ عَقَارِهِ وَعُرُوضِهِ","part":18,"page":142},{"id":8642,"text":"فِي ذَلِكَ ، إذَا لَمْ تَجِدْ مَا تُنْفِقُ سِوَاهُ .\rوَيُنْفِقُ عَلَى الْمَرْأَةِ يَوْمًا بِيَوْمٍ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَيَحْيَى بْنُ آدَمَ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ : يَفْرِضُ لَهَا فِي كُلِّ شَهْرٍ .\rوَلَنَا ، أَنَّ هَذَا تَعْجِيلٌ لِلنَّفَقَةِ قَبْلَ وُجُوبِهَا ، فَلَمْ يَجُزْ ، كَمَا لَوْ عَجَّلَ لَهَا نَفَقَةً زِيَادَةً عَلَى شَهْرٍ .","part":18,"page":143},{"id":8643,"text":"( 6474 ) فَصْل : وَإِنْ غَيَّبَ مَالُهُ ، وَصَبَرَ عَلَى الْحَبْسِ ، وَلَمْ يَقْدِرْ الْحَاكِمُ لَهُ عَلَى مَالٍ يَأْخُذُهُ ، أَوْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى أَخْذِ النَّفَقَةِ مِنْ مَالِ الْغَائِبِ ، فَلَهَا الْخِيَارُ فِي الْفَسْخِ ، فِي ظَاهِرِ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ ، وَاخْتِيَارِ أَبِي الْخَطَّابِ .\rوَاخْتَارَ الْقَاضِي أَنَّهَا لَا تَمْلِكُ الْفَسْخَ ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ الْفَسْخَ فِي الْمُعْسِرِ لِعَيْبِ الْإِعْسَارِ ، وَلَمْ يُوجَدْ هَاهُنَا ، وَلِأَنَّ الْمُوسِرَ فِي مَظِنَّةِ إمْكَانِ الْأَخْذِ مِنْ مَالِهِ ، وَإِذَا امْتَنَعَ فِي يَوْمٍ ، فَرُبَّمَا لَا يَمْتَنِعُ فِي الْغَدِ ، بِخِلَافِ الْمُعْسِرِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَتَبَ فِي رِجَالٍ غَابُوا عَنْ نِسَائِهِمْ ، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يُنْفِقُوا أَوْ يُطَلِّقُوا .\rوَهَذَا إجْبَارٌ عَلَى الطَّلَاقِ عِنْدَ الِامْتِنَاعِ مِنْ الْإِنْفَاقِ ، وَلِأَنَّ الْإِنْفَاقَ عَلَيْهَا مِنْ مَالِهِ مُتَعَذِّرٌ ، فَكَانَ لَهَا الْخِيَارُ ، كَحَالِ الْإِعْسَارِ ، بَلْ هَذَا أَوْلَى بِالْفَسْخِ ، فَإِنَّهُ إذَا جَازَ الْفَسْخُ عَلَى الْمَعْذُورِ ، فَعَلَى غَيْرِهِ أَوْلَى ، وَلِأَنَّ فِي الصَّبْرِ ضَرَرًا أَمْكَنَ إزَالَتُهُ بِالْفَسْخِ ، فَوَجَبَتْ إزَالَتُهُ ، وَلِأَنَّهُ نَوْعُ تَعَذُّرٍ يَجُوزُ الْفَسْخُ ، فَلَمْ يَفْتَرِقْ الْحَالُ بَيْن الْمُوسِرِ وَالْمُعْسِرِ ، كَأَدَاءِ ثَمَنِ الْمَبِيعِ ، فَإِنَّهُ لَا فَرْقَ فِي جَوَازِ الْفَسْخِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْمُشْتَرِي مُعْسِرًا ، وَبَيْنَ أَنْ يَهْرُبَ قَبْلَ أَدَاءِ الثَّمَنِ ، وَعَيْبُ الْإِعْسَارِ إنَّمَا جَوَّزَ الْفَسْخَ لِتَعَذُّرِ الْإِنْفَاقِ ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ اقْتَرَضَ مَا يُنْفِقُ عَلَيْهَا ، أَوْ تَبَرَّعَ لَهُ إنْسَانٌ بِدَفْعِ مَا يُنْفِقُهُ لَمْ تَمْلِكْ الْفَسْخَ .\rوَقَوْلُهُمْ : إنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يُنْفِقَ فِيمَا بَعْدَ هَذَا .\rقُلْنَا : وَكَذَلِكَ الْمُعْسِرُ يَحْتَمِلُ أَنْ يُغْنِيَهُ اللَّهُ ، وَأَنْ يَقْتَرِضَ ، أَوْ يُعْطَى مَا يُنْفِقُهُ ، فَاسْتَوَيَا .","part":18,"page":144},{"id":8644,"text":"( 6475 ) فَصْلٌ : وَمَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ نَفَقَةُ امْرَأَتِهِ ، وَكَانَ لَهُ عَلَيْهَا دَيْنٌ ، فَأَرَادَ أَنْ يَحْتَسِبَ عَلَيْهَا بِدَيْنِهِ مَكَانَ نَفَقَتِهَا ، فَإِنْ كَانَتْ مُوسِرَةً ، فَلَهُ ذَلِكَ لِأَنَّ مَنْ عَلَيْهِ حَقٌّ فَلَهُ أَنْ يَقْضِيَهُ مِنْ أَيِّ أَمْوَالِهِ شَاءَ ، وَهَذَا مِنْ مَالِهِ ، وَإِنْ كَانَتْ مُعْسِرَةً ، لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ قَضَاءَ الدَّيْنِ إنَّمَا يَجِبُ فِي الْفَاضِلِ مِنْ قُوتِهِ ، وَهَذَا لَا يَفْضُلُ عَنْهَا ، وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِإِنْظَارِ الْمُعْسِرِ ، بِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ : { وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إلَى مَيْسَرَةٍ } .\rفَيَجِبُ إنْظَارُهَا بِمَا عَلَيْهَا .","part":18,"page":145},{"id":8645,"text":"( 6476 ) فَصْلٌ : وَكُلُّ مَوْضِعٍ ثَبَتَ لَهَا الْفَسْخُ لِأَجْلِ النَّفَقَةِ ، لَمْ يَجُزْ إلَّا بِحُكْمِ الْحَاكِمِ ؛ لِأَنَّهُ فَسْخٌ مُخْتَلَفٌ فِيهِ ، فَافْتَقَرَ إلَى الْحَاكِمِ ، كَالْفَسْخِ بِالْعُنَّةِ ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ التَّفْرِيقُ إلَّا أَنْ تَطْلُبَ الْمَرْأَةُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ لِحَقِّهَا ، فَلَمْ يَجُزْ مِنْ غَيْرِ طَلَبِهَا ، كَالْفَسْخِ لِلْعُنَّةِ .\rفَإِذَا فَرَّقَ الْحَاكِمُ بَيْنَهُمَا ، فَهُوَ فَسْخٌ لَا رَجْعَةَ لَهُ فِيهِ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَابْنُ الْمُنْذِرِ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : هُوَ تَطْلِيقَةٌ ، وَهُوَ أَحَقُّ بِهَا إنْ أَيْسَرَ فِي عِدَّتِهَا ؛ لِأَنَّهُ تَفْرِيقٌ لِامْتِنَاعِهِ مِنْ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ لَهَا ، فَأَشْبَهَ تَفْرِيقَهُ بَيْنَ الْمَوْلَى وَامْرَأَتِهِ إذَا امْتَنَعَ مِنْ الْفَيْئَةِ وَالطَّلَاقِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهَا فُرْقَةٌ لِعَجْزِهِ عَنْ الْوَاجِبِ لَهَا عَلَيْهِ أَشْبَهَتْ فُرْقَةَ الْعُنَّةِ .\rفَأَمَّا إنْ أَجْبَرَهُ الْحَاكِمُ عَلَى الطَّلَاقِ ، فَطَلَّقَ أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ ، فَلَهُ الرَّجْعَةُ عَلَيْهَا مَا دَامَتْ فِي الْعِدَّةِ ، فَإِنْ رَاجَعَهَا ، وَهُوَ مُعْسِرٌ ، أَوْ امْتَنَعَ مِنْ الْإِنْقَاقِ عَلَيْهَا ، وَلَمْ يُمْكِنْ الْأَخْذُ مِنْ مَالِهِ ، فَطَلَبْت الْمَرْأَةُ الْفَسْخَ ، فَلِلْحَاكِمِ الْفَسْخُ ؛ لِأَنَّ الْمُقْتَضِيَ لَهُ بَاقٍ ، أَشْبَهَ مَا قَبْلَ الطَّلَاقِ .","part":18,"page":146},{"id":8646,"text":"( 6477 ) فَصْلٌ : وَإِنْ رَضِيَتْ بِالْمُقَامِ مَعَهُ مَعَ عُسْرَتِهِ أَوْ تَرْكِ إنْفَاقِهِ ، ثُمَّ بَدَا لَهَا الْفَسْخُ ، أَوْ تَزَوَّجَتْ مُعْسِرًا عَالِمَةً بِحَالِهِ ، رَاضِيَةً بِعُسْرَتِهِ ، وَتَرْكِ إنْفَاقِهِ ، أَوْ شَرَطَ عَلَيْهَا أَنْ لَا يُنْفِقَ عَلَيْهَا ، ثُمَّ عَنَّ لَهَا الْفَسْخُ ، فَلَهَا ذَلِكَ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ الْقَاضِي : ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ ، لَيْسَ لَهَا الْفَسْخُ ، وَيَبْطُلُ خِيَارُهَا فِي الْمَوْضِعَيْنِ .\rوَهُوَ قَوْلُ مَالِكٌ ؛ لِأَنَّهَا رَضِيَتْ بِعَيْبِهِ ، وَدَخَلَتْ فِي الْعَقْدِ عَالِمَةً بِهِ ، فَلَمْ تَمْلِكْ الْفَسْخَ ، كَمَا لَوْ تَزَوَّجَتْ عِنِّينًا .\rعَالِمَةً بِعُنَّتِهِ ، أَوْ قَالَتْ بَعْدَ الْعَقْدِ : قَدْ رَضِيت بِهِ عِنِّينًا .\rوَلَنَا ، أَنَّ وُجُوبَ النَّفَقَةِ يَتَجَدَّدُ فِي كُلِّ يَوْمٍ ، فَيَتَجَدَّدُ لَهَا الْفَسْخُ ، وَلَا يَصِحُّ إسْقَاطُ حَقِّهَا فِيمَا لَمْ يَجِبْ لَهَا ، كَإِسْقَاطِ شُفْعَتِهَا قَبْلَ الْبَيْعِ ، وَلِذَلِكَ لَوْ أَسْقَطَتْ ، النَّفَقَةَ الْمُسْتَقْبَلَةَ لَمْ تَسْقُطْ ، وَلَوْ أَسْقَطَتْهَا أَوْ أَسْقَطَتْ الْمَهْرَ قَبْلَ النِّكَاحِ لَمْ يَسْقُطْ ، وَإِذَا لَمْ يَسْقُطْ وُجُوبُهَا ، لَمْ يَسْقُطْ الْفَسْخُ الثَّابِتُ بِهِ .\rوَإِنْ أَعْسَرَ بِالْمَهْرِ ، وَقُلْنَا : لَهَا الْفَسْخُ لِإِعْسَارِهِ بِهِ .\rفَرَضِيَتْ بِالْمُقَامِ ، لَمْ يَكُنْ لَهَا الْفَسْخُ ؛ لِأَنَّ وُجُوبَهُ لَمْ يَتَجَدَّدْ بِخِلَافِ النَّفَقَةِ ، وَلَوْ تَزَوَّجَتْهُ ، عَالِمَةً بِإِعْسَارِهِ بِالْمَهْرِ ، رَاضِيَةً بِذَلِكَ ، فَيَنْبَغِي أَنْ لَا تَمْلِكَ الْفَسْخَ بِإِعْسَارِهِ بِهِ ؛ لِأَنَّهَا رَضِيَتْ بِذَلِكَ فِي وَقْتٍ لَوْ أَسْقَطَتْهُ فِيهِ سَقَطَ .\r( 6478 ) فَصْلٌ : إذَا رَضِيَتْ بِالْمُقَامِ مَعَ ذَلِكَ ، لَمْ يَلْزَمْهَا التَّمْكِينُ مِنْ الِاسْتِمْتَاعِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُسَلِّمْ إلَيْهَا عِوَضَهُ ، فَلَمْ يَلْزَمْهَا تَسْلِيمُهُ ، كَمَا لَوْ أَعْسَرَ الْمُشْتَرِي بِثَمَنِ الْمَبِيعِ ، لَمْ يَجِبْ تَسْلِيمُهُ إلَيْهِ ، وَعَلَيْهِ تَخْلِيَةُ سَبِيلِهَا ، لِتَكْتَسِبَ لَهَا ، وَتُحَصِّلَ مَا تُنْفِقُهُ عَلَى نَفْسِهَا ؛ لِأَنَّ فِي حَبْسِهَا بِغَيْرِ نَفَقَةٍ إضْرَارًا بِهَا .","part":18,"page":147},{"id":8647,"text":"وَلَوْ كَانَتْ مُوسِرَةً ، لَمْ يَكُنْ لَهُ حَبْسُهَا ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَمْلِكُ حَبْسهَا إذَا كَفَاهَا الْمُؤْنَةَ ، وَأَغْنَاهَا عَمَّا لَا بُدَّ لَهَا مِنْهُ ، وَلِحَاجَتِهِ إلَى الِاسْتِمْتَاعِ الْوَاجِبِ عَلَيْهَا ، فَإِذَا انْتَفَى الْأَمْرَانِ ، لَمْ يَمْلِكْ حَبْسِهَا .","part":18,"page":148},{"id":8648,"text":"( 6479 ) فَصْلٌ : وَمَنْ تَرَكَ الْإِنْفَاقَ الْوَاجِبَ لَامْرَأَته مُدَّةً ، لَمْ يَسْقُطْ بِذَلِكَ ، وَكَانَتْ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِ ، سَوَاءٌ تَرَكَهَا لَعُذْرٍ أَوْ غَيْرِ عُذْرٍ ، فِي أَظْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ .\rوَهَذَا قَوْلُ الْحَسَنِ وَمَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَإِسْحَاقَ ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ .\rوَالرِّوَايَةُ الْأُخْرَى : تَسْقُطُ نَفَقَتُهَا ، مَا لَمْ يَكُنْ الْحَاكِمُ قَدْ فَرَضَهَا لَهَا .\rوَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّهَا نَفَقَةٌ تَجِبْ يَوْمًا فَيَوْمًا ، فَتَسْقُطُ بِتَأْخِيرِهَا إذَا لَمْ يَفْرِضْهَا الْحَاكِمُ كَنَفَقَةِ الْأَقَارِبِ ، لِأَنَّ نَفَقَةَ الْمَاضِي قَدْ اُسْتُغْنِيَ عَنْهَا بِمُضِيِّ وَقْتِهَا ، فَتَسْقُطُ ، كَنَفَقَةِ الْأَقَارِبِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَتَبَ إلَى أُمَرَاءِ الْأَجْنَادِ ، فِي رِجَالٍ غَابُوا عَنْ نِسَائِهِمْ ، يَأْمُرُهُمْ بِأَنْ يُنْفِقُوا أَوْ يُطَلِّقُوا ، فَإِنْ طَلَّقُوا بَعَثُوا بِنَفَقَةِ مَا مَضَى .\rوَلِأَنَّهَا حَقٌّ يَجِبُ مَعَ الْيَسَارِ وَالْإِعْسَارِ ، فَلَمْ يَسْقُطْ بِمُضِيِّ الزَّمَانِ ، كَأُجْرَةِ الْعَقَارِ وَالدُّيُونِ .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ هَذِهِ نَفَقَةٌ وَجَبَتْ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ ، وَلَا يَزُولُ مَا وَجَبَ بِهَذِهِ الْحُجَجِ إلَّا بِمِثْلِهَا .\rوَلِأَنَّهَا عِوَضٌ وَاجِبٌ فَأَشْبَهْت الْأُجْرَةَ .\rوَفَارَقَ نَفَقَةَ الْأَقَارِبِ ، فَإِنَّهَا صِلَةٌ يَعْتَبِرُ فِيهَا الْيَسَارُ مِنْ الْمُنْفِقِ وَالْإِعْسَارُ مِمَّنْ تَجِبُ لَهُ ، وَجَبَتْ لِتَزْجِيَةِ الْحَالِ ، فَإِذَا مَضَى زَمَنُهَا اسْتَغْنَى عَنْهَا ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ اسْتَغْنَى عَنْهَا بِيَسَارِهِ ، وَهَذِهِ بِخِلَافِ ذَلِكَ إذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّهُ إنْ تَرَكَ الْإِنْفَاقَ عَلَيْهَا مَعَ يَسَارِهِ ، فَعَلَيْهِ النَّفَقَةُ بِكَمَالِهَا ، وَإِنْ تَرَكَهَا لِإِعْسَارِهِ ، لَمْ يَلْزَمْهُ [ إلَّا ] نَفَقَةُ الْمُعْسِرِ ؛ لِأَنَّ الزَّائِدَ سَقَطَ بِإِعْسَارِهِ .","part":18,"page":149},{"id":8649,"text":"( 6480 ) فَصْلٌ : وَيَصِحُّ ضَمَانُ النَّفَقَةِ ، مَا وَجَبَ مِنْهَا وَمَا يَجِبُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ ، إذَا قُلْنَا : إنَّهَا تَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيِّ يَصِحُّ ضَمَانُ مَا وَجَبَ ، وَفِي ضَمَانِ الْمُسْتَقْبَلِ وَجْهَانِ ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ النَّفَقَةَ هَلْ تَجِبُ بِالْعَقْدِ أَوْ بِالتَّمْكِينِ ؟ وَمَبْنَى الْخِلَافِ عَلَى ضَمَانِ مَا لَمْ يَجِبْ إذَا كَانَ مَالُهُ إلَى الْوُجُوبِ ، فَعِنْدنَا يَصِحُّ ، وَعِنْدَهُمْ لَا يَصِحُّ .\rوَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ فِي بَابِ الضَّمَانِ .","part":18,"page":150},{"id":8650,"text":"( 6481 ) فَصْلٌ : وَإِنْ أَعْسَرَ بِنَفَقَةِ الْخَادِمِ أَوْ الْأُدْمِ أَوْ الْمَسْكَنِ ، ثَبَتَ ذَلِكَ فِي ذِمَّتِهِ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : لَا يَثْبُتُ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الزَّوَائِدِ ، فَلَمْ يَثْبُتْ فِي ذِمَّتِهِ ، كَالزَّائِدِ عَنْ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهَا نَفَقَةٌ تَجِبُ عَلَى سَبِيلِ الْعِوَضِ فَتَثْبُتُ فِي الذِّمَّة ، كَالنَّفَقَةِ الْوَاجِبَةِ لِلْمَرْأَةِ قُوتًا ، وَفَارَقَ الزَّائِدَ عَنْ نَفَقَةِ الْمُعْسِرِ ، فَإِنَّهُ يَسْقُطُ بِالْإِعْسَارِ .","part":18,"page":151},{"id":8651,"text":"( 6482 ) فَصْلٌ : وَإِذَا أَنْفَقْت الْمَرْأَةُ عَلَى نَفْسِهَا مِنْ مَالِ زَوْجِهَا الْغَائِبِ ، ثُمَّ بَانَ أَنَّهُ قَدْ مَاتَ قَبْلَ إنْفَاقِهَا ، حُسِبَ عَلَيْهَا مَا أَنْفَقَتْهُ مِنْ مِيرَاثِهَا ، سَوَاءٌ أَنْفَقَتْهُ بِنَفْسِهَا ، أَوْ بِأَمْرِ الْحَاكِمِ .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ وَمُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ ، وَلَا أَعْلَمُ عَنْ غَيْرِهِمْ خِلَافَهُمْ ؛ لِأَنَّهَا أَنْفَقَتْ مَا لَا تَسْتَحِقُّ .\rوَإِنْ فَضَلَ لَهَا شَيْءٌ فَهُوَ لَهَا وَإِنْ فَضَلَ عَلَيْهَا شَيْءٌ ، وَكَانَ لَهَا صَدَاقٌ أَوْ دَيْنٌ عَلَى زَوْجِهَا ، حُسِبَ مِنْهُ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ ، كَانَ الْفَضْلُ دَيْنًا عَلَيْهَا ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":18,"page":152},{"id":8652,"text":"( 6483 ) فَصْلٌ : وَإِنْ أَعْسَرَ الزَّوْجُ بِالصَّدَاقِ ، فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ ؛ أَصَحُّهَا ، لَيْسَ لَهَا الْفَسْخُ .\rوَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ حَامِدٍ .\rوَالثَّانِي ، لَهَا الْفَسْخُ .\rوَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ ؛ لِأَنَّهُ أَعْسَرَ بِالْعِوَضِ ، فَكَانَ لَهَا الرُّجُوعُ فِي الْمُعَوَّضِ ، كَمَا لَوْ أَعْسَرَ بِثَمَنِ مَبِيعِهَا .\rوَالثَّالِثُ ، إنْ أَعْسَرَ قَبْلَ الدُّخُولِ ، فَلَهَا الْفَسْخُ كَمَا لَوْ أَفْلَسَ الْمُشْتَرِي وَالْمَبِيعُ بِحَالِهِ ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الدُّخُولِ ، لَمْ تَمْلِكْ الْفَسْخَ ؛ لِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ قَدْ اُسْتُوْفِيَ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَفْلَسَ الْمُشْتَرِي بَعْدَ تَلَفِ الْمَبِيعِ أَوْ بَعْضِهِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ دَيْنٌ ، فَلَمْ يُفْسَخْ النِّكَاحُ لِلْإِعْسَارِ بِهِ ، كَالنَّفَقَةِ الْمَاضِيَةِ ، وَلِأَنَّ تَأْخِيرَهُ لَيْسَ فِيهِ ضَرَرٌ مُجْحِفٌ ، فَأَشْبَهَ نَفَقَةَ الْخَادِمِ وَالنَّفَقَةَ الْمَاضِيَةَ ، وَلِأَنَّهُ لَا نَصَّ فِيهِ ، وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُهُ عَلَى الثَّمَنِ فِي الْمَبِيعِ ؛ لِأَنَّ الثَّمَنَ كُلُّ مَقْصُودِ الْبَائِعِ ، وَالْعَادَةُ تَعْجِيلُهُ ، وَالصَّدَاقُ فَضْلَةٌ وَنِحْلَةٌ ، لَيْسَ هُوَ الْمَقْصُودَ فِي النِّكَاحِ ، وَلِذَلِكَ لَا يَفْسُدُ النِّكَاحُ بِفَسَادِهِ ، وَلَا بِتَرْكِ ذِكْرِهِ ، وَالْعَادَةُ تَأْخِيرُهُ ، وَلِأَنَّ أَكْثَرَ مَنْ يَشْتَرِي بِثَمَنٍ حَالٍّ يَكُونُ مُوسِرًا بِهِ ، وَلَيْسَ الْأَكْثَرُ أَنَّ مَنْ تَزَوَّجَ بِمَهْرٍ يَكُونُ مُوسِرًا بِهِ ، وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُهُ عَلَى النَّفَقَةِ ؛ لِأَنَّ الضَّرُورَةَ لَا تَنْدَفِعُ إلَّا بِهَا ، بِخِلَافِ الصَّدَاقِ ، فَأَشْبَهُ شَيْءٍ بِهِ النَّفَقَةُ الْمَاضِيَةُ .\rوَلِلشَّافِعِيِّ نَحْوُ هَذِهِ الْوُجُوهِ .\rوَإِذَا قُلْنَا : لَهَا الْفَسْخُ لِلْإِعْسَارِ بِهِ .\rفَتَزَوَّجَتْهُ عَالِمَةً بِعُسْرَتِهِ ، فَلَا خِيَارَ لَهَا ، وَجْهًا وَاحِدًا ؛ لِأَنَّهَا رَضِيَتْ بِهِ كَذَلِكَ .\rوَكَذَلِكَ إنْ عَلِمَتْ عُسْرَتَهُ بَعْدَ الْعَقْدِ ، فَرَضِيَتْ بِالْمُقَامِ سَقَطَ حَقُّهَا مِنْ الْفَسْخِ ، لِأَنَّهَا رَضِيَتْ بِإِسْقَاطِ حَقِّهَا بَعْدَ وُجُوبِهِ ، فَسَقَطَ كَمَا لَوْ رَضِيَتْ بِعُنَّتِهِ .","part":18,"page":153},{"id":8653,"text":"( 6484 ) فَصْلٌ : وَنَفَقَةُ الْأَمَةِ الْمُزَوَّجَةِ حَقٌّ لَهَا وَلِسَيِّدِهَا ؛ لِأَنَّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَنْتَفِعُ بِهَا ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا طَلَبُهَا إنْ امْتَنَعَ الزَّوْجُ مِنْ أَدَائِهَا ، وَلَا يَمْلِكُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا إسْقَاطَهَا ؛ لِأَنَّ فِي سُقُوطِهَا بِإِسْقَاطِ أَحَدِهِمَا ضَرَرًا بِالْآخَرِ .\rوَإِنْ أَعْسَرَ الزَّوْجُ بِهَا ، فَلَهَا الْفَسْخُ ؛ لِأَنَّهُ عَجَزَ عَنْ نَفَقَتِهَا ، فَمَلَكَتْ الْفَسْخَ ، كَالْحُرَّةِ ، وَإِنْ لَمْ تَفْسَخْ ، فَقَالَ الْقَاضِي : لِسَيِّدِهَا الْفَسْخُ ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ ضَرَرًا فِي عَدَمِهَا ، لِمَا يَتَعَلَّقُ بِفَوَاتِهَا مِنْ فَوَاتِ مِلْكِهِ وَتَلَفِهِ ، فَإِنْ أَنْفَقَ عَلَيْهَا سَيِّدُهَا مُحْتَسِبًا بِالرُّجُوعِ ، فَلَهُ الرُّجُوعُ بِهَا عَلَى الزَّوْجِ ، رَضِيَتْ بِذَلِكَ أَوْ كَرِهَتْ ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ خَالِصُ حَقِّهِ ، لَا حَقَّ لَهَا فِيهِ ، وَإِنَّمَا تَعَلَّقَ حَقُّهَا بِالنَّفَقَةِ الْحَاضِرَةِ ، لِوُجُوبِ صَرْفِهَا إلَيْهَا ، وَقِوَامِ بَدَنِهَا بِهَا ، بِخِلَافِ الْمَاضِيَةِ .\rوَقَالَ أَبُو الْخَطَّاب ، وَأَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ : لَيْسَ لِسَيِّدِهَا الْفَسْخُ لِعُسْرَةِ زَوْجِهَا بِالنَّفَقَةِ ؛ لِأَنَّهَا حَقٌّ لَهَا ، فَلَمْ يَمْلِكْ سَيِّدُهَا الْفَسْخَ دُونَهَا ، كَالْفَسْخِ لِلْعَيْبِ ، فَإِنْ كَانَتْ مَعْتُوهَةً ، أَنْفَقَ الْمَوْلَى ، وَتَكُونُ النَّفَقَةُ دَيْنًا فِي ذِمَّةِ الزَّوْجِ ، وَإِنْ كَانَتْ عَاقِلَةً قَالَ لَهَا السَّيِّدُ : إنْ أَرَدْت النَّفَقَةَ ، فَافْسَخِي النِّكَاحَ ، وَإِلَّا فَلَا نَفَقَةَ لَك عِنْدِي .","part":18,"page":154},{"id":8654,"text":"( 6485 ) فَصْلٌ : وَإِنْ اخْتَلَفَ الزَّوْجَانِ فِي الْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا ، أَوْ فِي تَقْبِيضِهَا نَفَقَتَهَا ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَرْأَةِ ؛ لِأَنَّهَا مُنْكِرَةٌ ، وَالْأَصْلُ مَعَهَا .\rوَإِنْ اخْتَلَفَا فِي التَّمْكِينِ الْمُوجِبِ لِلنَّفَقَةِ ، أَوْ فِي وَقْتِهِ ، فَقَالَتْ : كَانَ ذَلِكَ مِنْ شَهْرٍ .\rفَقَالَ : بَلْ مِنْ يَوْمٍ .\rفَالْقَوْلُ قَوْلُهُ ؛ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ ، وَالْأَصْلُ مَعَهُ .\rوَإِنْ اخْتَلَفَا فِي يَسَارِهِ فَادَّعَتْهُ الْمَرْأَةُ لِيَفْرِضَ لَهَا نَفَقَةَ الْمُوسِرِينَ ، أَوْ قَالَتْ : كُنْت مُوسِرًا .\rوَأَنْكَرَ ذَلِكَ ، فَإِنْ عُرِفَ لَهُ مَالٌ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا ، وَإِلَّا فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ .\rوَبِهَذَا كُلِّهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَإِنْ اخْتَلَفَا فِي فَرْضِ الْحَاكِمِ لِلنَّفَقَةِ ، أَوْ فِي وَقْتِهَا ، فَقَالَ : فَرَضَهَا مُنْذُ شَهْرٍ .\rفَقَالَتْ : بَلْ مُنْذُ عَامٍ .\rفَالْقَوْلُ قَوْلُهُ ، وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : إنْ كَانَ مُقِيمًا مَعَهَا ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ ، وَإِنْ كَانَ غَائِبًا عَنْهَا ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَرْأَةِ مِنْ يَوْمِ رَفَعَتْ أَمْرَهَا إلَى الْحَاكِمِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ قَوْلَهُ يُوَافِقُ الْأَصْلَ ، فَقُدِّمَ ، كَمَا لَوْ كَانَ مُقِيمًا مَعَهَا ، وَكُلُّ مَنْ قُلْنَا : الْقَوْلُ قَوْلُهُ فَلِخَصْمِهِ عَلَيْهِ الْيَمِينُ ؛ لِأَنَّهَا دَعَاوَى فِي الْمَالِ ، فَأَشْبَهَتْ دَعْوَى الدَّيْنِ ، وَلِأَنَّ { النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : وَلَكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ .\r} وَإِنْ دَفَعَ الزَّوْجُ إلَى امْرَأَتِهِ نَفَقَةً وَكِسْوَةً ، أَوْ بَعَثَ بِهِ إلَيْهَا فَقَالَتْ إنَّمَا فَعَلْت ذَلِكَ تَبَرُّعًا وَهِبَةً .\rوَقَالَ : بَلْ وَفَاءً لِلْوَاجِبِ عَلَيَّ .\rفَالْقَوْلُ قَوْلُهُ ؛ لِأَنَّهُ أَعْلَمُ بِنِيَّتِهِ ، أَشْبَهَ مَا لَوْ قَضَى دَيْنَهُ وَاخْتَلَفَ هُوَ وَغَرِيمُهُ فِي نِيَّتِهِ .\rوَإِنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ، وَكَانَتْ حَامِلًا فَوَضَعَتْ ، فَقَالَ : طَلَّقْتُك حَامِلًا ، فَانْقَضَتْ عِدَّتُك بِوَضْعِ الْحَمْلِ ، وَانْقَطَعَتْ نَفَقَتُك وَرَجْعَتُك .\rوَقَالَتْ : بَلْ","part":18,"page":155},{"id":8655,"text":"بَعْدَ الْوَضْعِ ، فَلِيَ النَّفَقَةُ ، وَلَك الرَّجْعَةُ .\rفَالْقَوْلُ قَوْلُهَا ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ النَّفَقَةِ ، وَعَدَمُ الْمُسْقِطِ لَهَا ، وَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ ، وَلَا رَجْعَةَ لِلزَّوْجِ ؛ لِإِقْرَارِهِ بِعَدَمِهَا .\rوَإِنْ رَجَعَ فَصَدَّقَهَا ، فَلَهُ الرَّجْعَةُ ؛ لِأَنَّهَا مُقِرَّةٌ لَهُ بِهَا .\rوَلَوْ قَالَ : طَلَّقْتُك بَعْدَ الْوَضْعِ ، فَلِيَ الرَّجْعَةُ ، وَلَك النَّفَقَةُ .\rوَقَالَتْ : بَلْ وَأَنَا حَامِلٌ .\rفَالْقَوْلُ قَوْلُهُ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الرَّجْعَةِ ، وَلَا نَفَقَةَ لَهَا ، وَلَا عِدَّةَ عَلَيْهَا ؛ لِأَنَّهَا حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا فِيهَا .\rوَإِنْ عَادَ فَصَدَّقَهَا ، سَقَطَتْ رَجْعَتُهُ ، وَوَجَبَ لَهَا النَّفَقَةُ .\rهَذَا فِي ظَاهِرِ الْحُكْمِ ، فَأَمَّا فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى ، فَيَنْبَنِي عَلَى مَا يَعْلَمُهُ مِنْ حَقِيقَةِ الْأَمْرِ دُونَ مَا قَالَهُ .","part":18,"page":156},{"id":8656,"text":"( 6486 ) فَصْلٌ : وَإِنْ طَلَّقَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ ، فَادَّعَتْ أَنَّهَا حَامِلٌ ، لِتَكُونَ لَهَا النَّفَقَةُ أَنْفَقَ عَلَيْهَا ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ ، ثُمَّ تُرَى الْقَوَابِلَ بَعْدَ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الْحَمْلَ يَبِينُ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ ، إلَّا أَنْ تَظْهَرَ بَرَاءَتُهَا مِنْ الْحَمْلِ بِالْحَيْضِ أَوْ بِغَيْرِهِ فَتَنْقَطِعَ نَفَقَتُهَا ، كَمَا تَنْقَطِعُ إذَا قَالَ الْقَوَابِلُ : لَيْسَتْ حَامِلًا .\rوَيَرْجِعُ عَلَيْهَا بِمَا أُنْفِقَ ؛ لِأَنَّهَا أَخَذَتْ مِنْهُ مَا لَا تَسْتَحِقُّهُ ، فَرَجَعَ عَلَيْهَا ، كَمَا لَوْ ادَّعَتْ عَلَيْهِ دَيْنًا وَأَخَذَتْهُ مِنْهُ ، ثُمَّ تَبَيَّنَ كَذِبُهَا .\rوَعَنْ أَحْمَدَ ، رِوَايَةٌ أُخْرَى : لَا يَرْجِعُ عَلَيْهَا ؛ لِأَنَّهُ أَنْفَقَ عَلَيْهَا بِحُكْمِ آثَارِ النِّكَاحِ ، فَلَمْ يَرْجِعْ بِهِ ، كَالنَّفَقَةِ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ إذَا تَبَيَّنَ فَسَادُهُ وَإِنْ عَلِمَتْ بَرَاءَتَهَا مِنْ الْحَمْلِ بِالْحَيْضِ ، فَكَتَمَتْهُ ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَرْجِعَ عَلَيْهَا ، قَوْلًا وَاحِدًا ؛ لِأَنَّهَا أَخَذَتْ النَّفَقَةَ مَعَ عِلْمِهَا بِبَرَاءَتِهِ مِنْهَا كَمَا لَوْ أَخَذَتْهَا مِنْ مَالِهِ بِغَيْرِ عِلْمِهِ .\rوَإِنْ ادَّعَتْ الرَّجْعِيَّةُ الْحَمْلَ ، فَأَنْفَقَ عَلَيْهَا أَكْثَرَ مِنْ مُدَّةِ عِدَّتِهَا ، رَجَعَ عَلَيْهَا بِالزِّيَادَةِ ، وَيُرْجَعُ فِي مُدَّةِ الْعِدَّةِ إلَيْهَا ؛ لِأَنَّهَا أَعْلَمُ بِهَا فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا فِيهَا مَعَ يَمِينِهَا .\rفَإِنْ قَالَتْ : قَدْ ارْتَفَعَ حَيْضِي ، وَلَمْ أَدْرِ مَا رَفَعَهُ .\rفَعِدَّتُهَا سَنَةٌ إنْ كَانَتْ حُرَّةً .\rوَإِنْ قَالَتْ : قَدْ انْقَضَتْ بِثَلَاثَةِ قُرُوءٍ .\rوَذَكَرَتْ آخِرَهَا ، فَلَهَا النَّفَقَةُ إلَى ذَلِكَ ، وَيَرْجِعُ عَلَيْهَا بِالزَّائِدِ .\rوَإِنْ قَالَتْ : لَا أَدْرِي مَتَى آخِرُهَا .\rرَجَعْنَا إلَى عَادَتِهَا ، فَحَسَبَنَا لَهَا بِهَا .\rوَإِنْ قَالَتْ : عَادَتِي تَخْتَلِفُ فَتَطُولُ وَتَقْصُرُ .\rانْقَضَتْ الْعِدَّةُ بِالْأَقْصَرِ ؛ لِأَنَّهُ الْيَقِينُ .\rوَإِنْ قَالَتْ : عَادَتِي تَخْتَلِفُ ، وَلَا أَعْلَمُ .\rرَدَدْنَاهَا إلَى غَالِبِ عَادَاتِ النِّسَاءِ ، فِي كُلِّ شَهْرٍ قُرْءٌ ؛ لِأَنَّا رَدَدْنَا الْمُتَحَيِّرَةَ إلَى ذَلِكَ فِي","part":18,"page":157},{"id":8657,"text":"أَحْكَامِهَا ، فَكَذَلِكَ هَذِهِ .\rوَإِنْ بَانَ أَنَّهَا حَامِلٌ مِنْ غَيْرِهِ ، مِثْلَ أَنْ تَلِدَهُ بَعْدَ أَرْبَعِ سِنِينَ ، فَلَا نَفَقَةَ عَلَيْهِ لِمُدَّةِ حَمْلِهَا ؛ لِأَنَّهُ مِنْ غَيْرِهِ .\rوَإِنْ كَانَتْ رَجْعِيَّةً ، فَلَهَا النَّفَقَةُ فِي مُدَّةِ عِدَّتِهَا ، فَإِنْ كَانَتْ انْقَضَتْ قَبْلَ حَمْلِهَا ، فَلَهَا النَّفَقَةُ إلَى انْقِضَائِهَا ، وَإِنْ حَمَلَتْ فِي أَثْنَاءِ عِدَّتِهَا ، فَلَهَا النَّفَقَةُ إلَى الْوَطْءِ الَّذِي حَمَلَتْ ، ثُمَّ لَا نَفَقَةَ لَهَا حَتَّى تَضَعَ حَمْلَهَا ، ثُمَّ تَكُونُ لَهَا النَّفَقَةُ فِي تَمَامِ عِدَّتِهَا .\rوَإِنْ وَطِئَهَا زَوْجُهَا فِي الْعِدَّةِ الرَّجْعِيَّةِ ، حَصَلَتْ الرَّجْعَةُ .\rوَإِنْ قُلْنَا : لَا تَحْصُلُ .\rفَالنَّسَبُ لَاحِقٌ بِهِ ، وَعَلَيْهِ النَّفَقَةُ لِمُدَّةِ حَمْلِهَا .\rوَإِنْ وَطِئَهَا بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا ، أَوْ وَطِئَ الْبَائِنَ ، عَالِمًا بِذَلِكَ وَبِتَحْرِيمِهِ ، فَهُوَ زِنًى ، لَا يَلْحَقُهُ نَسَبُ الْوَلَدِ ، وَلَا نَفَقَةَ عَلَيْهِ مِنْ أَجْلِهِ .\rوَإِنْ جَهِلَ بَيْنُونَتَهَا ، أَوْ انْقِضَاءَ عِدَّةِ الرَّجْعِيَّةِ ، أَوْ تَحْرِيمَ ذَلِكَ وَهُوَ مِمَّنْ يَجْهَلُهُ ، لَحِقَهُ نَسَبُهُ ، وَفِي وُجُوبِ النَّفَقَةِ عَلَيْهِ رِوَايَتَانِ .","part":18,"page":158},{"id":8658,"text":"( 6487 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : ( وَيُجْبَرُ الرَّجُلُ عَلَى نَفَقَةِ وَالِدَيْهِ ، وَوَلَدِهِ ، الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ ، إذَا كَانُوا فُقَرَاءَ ، وَكَانَ لَهُ مَا يُنْفِقُ عَلَيْهِمْ ) الْأَصْلُ فِي وُجُوبِ نَفَقَةِ الْوَالِدَيْنِ وَالْمَوْلُودِينَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ ؛ أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ } .\rأَوْجَبَ أَجْرَ رَضَاعِ الْوَلَدِ عَلَى أَبِيهِ ، وَقَالَ سُبْحَانَهُ : { وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ } .\rوَقَالَ سُبْحَانَهُ : { وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إلَّا إيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إحْسَانًا } .\rوَمِنْ الْإِحْسَانِ الْإِنْفَاقُ عَلَيْهِمَا عِنْدَ حَاجَتِهِمَا .\rوَمِنْ السُّنَّةِ { قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِهِنْدٍ : خُذِي مَا يَكْفِيك وَوَلَدَك بِالْمَعْرُوفِ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَرَوَتْ عَائِشَةُ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { إنَّ أَطْيَبَ مَا أَكَلَ الرَّجُلُ مِنْ كَسْبِهِ ، وَإِنَّ وَلَدَهُ مِنْ كَسْبِهِ .\r} رَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَأَمَّا الْإِجْمَاعُ ، فَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ قَالَ : أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ نَفَقَةَ الْوَالِدَيْنِ الْفَقِيرَيْنِ اللَّذَيْنِ لَا كَسْبَ لَهُمَا ، وَلَا مَالَ ، وَاجِبَةٌ فِي مَالِ الْوَلَدِ ، وَأَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مَنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ، عَلَى أَنَّ عَلَى الْمَرْءِ نَفَقَةَ أَوْلَادِهِ الْأَطْفَالِ الَّذِينَ لَا مَالَ لَهُمْ .\rوَلِأَنَّ وَلَدَ الْإِنْسَانِ بَعْضُهُ ، وَهُوَ بَعْضُ وَالِدِهِ ، فَكَمَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُنْفِقَ عَلَى نَفْسِهِ وَأَهْلِهِ كَذَلِكَ عَلَى بَعْضِهِ وَأَصْلِهِ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّ الْأُمَّ تَجِبُ نَفَقَتُهَا ، وَيَجِبُ عَلَيْهَا أَنْ تُنْفِقَ عَلَى وَلَدِهَا إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَبٌ وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ ، وَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ ، أَنَّهُ لَا نَفَقَةَ عَلَيْهَا ، وَلَا لَهَا لِأَنَّهَا لَيْسَتْ عَصَبَةً لِوَلَدِهَا .\rوَلَنَا ، قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ : { وَبِالْوَالِدَيْنِ إحْسَانًا } .\r{ وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ","part":18,"page":159},{"id":8659,"text":"وَسَلَّمَ لِرَجُلٍ سَأَلَهُ : مَنْ أَبَرُّ ؟ قَالَ أُمَّك ، ثُمَّ أُمَّك ، ثُمَّ أُمَّك ، ثُمَّ أَبَاك ، ثُمَّ الْأَقْرَبَ فَالْأَقْرَبَ } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَلِأَنَّهَا أَحَدُ الْوَالِدَيْنِ ، فَأَشْبَهَتْ الْأَبَ ، وَلِأَنَّ بَيْنَهُمَا قَرَابَةً تُوجِبُ رَدَّ الشَّهَادَةِ ، وَوُجُوبَ الْعِتْقِ ، فَأَشْبَهْت الْأَبَ .\rفَإِنْ أَعْسَرَ الْأَبُ ، وَجَبَتْ النَّفَقَةُ عَلَى الْأُمِّ ، وَلَمْ تَرْجِعْ بِهَا عَلَيْهِ إنْ أَيْسَرَ .\rوَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ : تَرْجِعُ عَلَيْهِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْإِنْفَاقُ بِالْقَرَابَةِ ، لَمْ يَرْجِعْ بِهِ ، كَالْأَبِ .","part":18,"page":160},{"id":8660,"text":"( 6488 ) فَصْلٌ : وَيَجِبُ الْإِنْفَاقُ عَلَى الْأَجْدَادِ وَالْجَدَّاتِ وَإِنْ عَلَوْا ، وَوَلَدِ الْوَلَدِ وَإِنْ سَفَلُوا ، وَبِذَلِكَ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : لَا تَجِبْ النَّفَقَةُ عَلَيْهِمْ وَلَا لَهُمْ ؛ لِأَنَّ الْجَدَّ لَيْسَ بِأَبٍ حَقِيقِيٍّ .\rوَلَنَا ، قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ : { وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ } .\rوَلِأَنَّهُ يَدْخُلُ فِي مُطْلَقِ اسْمِ الْوَلَدِ وَالْوَالِدِ ، بِدَلِيلِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : { يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ } .\rفَيَدْخُلُ فِيهِمْ وَلَدُ الْبَنِينَ .\rوَقَالَ تَعَالَى : وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ .\rوَقَالَ : { مِلَّةَ أَبِيكُمْ إبْرَاهِيمَ } .\rوَلِأَنَّ بَيْنَهُمَا قَرَابَةً تُوجِبُ الْعِتْقَ وَرَدَّ الشَّهَادَةَ ، فَأَشْبَهَ الْوَلَدَ وَالْوَالِدَ الْقَرِيبَيْنِ .","part":18,"page":161},{"id":8661,"text":"( 6489 ) فَصْلٌ : وَيُشْتَرَطُ لِوُجُوبِ الْإِنْفَاقِ ثَلَاثَةُ شُرُوطٍ : أَحَدُهَا ، أَنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ ، لَا مَالَ لَهُمْ ، وَلَا كَسْبَ يَسْتَغْنُونَ بِهِ عَنْ إنْفَاقِ غَيْرِهِمْ ، فَإِنْ كَانُوا مُوسِرِينَ بِمَالٍ أَوْ كَسْبٍ يَسْتَغْنُونَ بِهِ ، فَلَا نَفَقَةَ لَهُمْ ؛ لِأَنَّهَا تَجِبُ عَلَى سَبِيلِ الْمُوَاسَاةِ ، وَالْمُوسِرُ مُسْتَغْنٍ عَنْ الْمُوَاسَاةِ .\rالثَّانِي ، أَنْ يَكُونَ لِمَنْ تَجِبْ عَلَيْهِ النَّفَقَةُ مَا يُنْفِقُ عَلَيْهِمْ ، فَاضِلًا عَنْ نَفَقَةِ نَفْسِهِ ، إمَّا مِنْ مَالِهِ ، وَإِمَّا مِنْ كَسْبِهِ .\rفَأَمَّا مَنْ لَا يَفْضُلُ عَنْهُ شَيْءٌ ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ ؛ لِمَا رَوَى جَابِرٌ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { إذَا كَانَ أَحَدُكُمْ فَقِيرًا ، فَلْيَبْدَأْ بِنَفْسِهِ ، فَإِنْ فَضَلَ ، فَعَلَى عِيَالِهِ ، فَإِنْ كَانَ فَضْلٌ ، فَعَلَى قَرَابَتِهِ .\r} وَفِي لَفْظٍ : { ابْدَأْ بِنَفْسِك ، ثُمَّ بِمَنْ تَعُولُ } .\rحَدِيثٌ صَحِيحٌ .\rوَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ، { أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، عِنْدِي دِينَارٌ .\rقَالَ : تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى نَفْسِك قَالَ : عِنْدِي آخَرُ .\rقَالَ : تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى وَلَدِك .\rقَالَ : عِنْدِي آخَرُ .\rقَالَ : تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى زَوْجِك .\rقَالَ : عِنْدِي آخَرُ .\rقَالَ : تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى خَادِمِك .\rقَالَ : عِنْدِي آخَرُ .\rقَالَ : أَنْتَ أَبْصَرُ .\r} رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَلِأَنَّهَا مُوَاسَاةٌ ، فَلَا تَجِبُ عَلَى الْمُحْتَاجِ ، كَالزَّكَاةِ .\rالثَّالِثُ ، أَنْ يَكُونَ الْمُنْفِقُ وَارِثًا ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ } .\rوَلِأَنَّ بَيْنَ الْمُتَوَارِثِينَ قَرَابَةً تَقْتَضِي كَوْنَ الْوَارِثِ أَحَقَّ بِمَالِ الْمَوْرُوثِ مِنْ سَائِرِ النَّاسِ ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَخْتَصَّ بِوُجُوبِ صِلَتِهِ بِالنَّفَقَةِ دُونَهُمْ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَارِثًا لِعَدَمِ الْقَرَابَةِ ، لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ النَّفَقَةُ لِذَلِكَ .\rوَإِنْ امْتَنَعَ الْمِيرَاثُ مَعَ وُجُودِ الْقَرَابَةِ ، لَمْ يَخْلُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ ؛ أَحَدُهَا ، أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا رَقِيقًا","part":18,"page":162},{"id":8662,"text":"، فَلَا نَفَقَةَ لَأَحَدِهِمَا عَلَى صَاحِبِهِ ، بِغَيْرِ خِلَافٍ ؛ لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ بَيْنَهُمَا وَلَا إرْثَ ، فَأَشْبَهَا الْأَجْنَبِيَّيْنِ ، وَلِأَنَّ الْعَبْدَ لَا مَالَ لَهُ فَتَجِبُ عَلَيْهِ النَّفَقَةُ وَكَسْبُهُ لِسَيِّدِهِ ، وَنَفَقَتُهُ عَلَى سَيِّدِهِ فَيَسْتَغْنِي بِهَا عَنْ نَفَقَةِ غَيْرِهِ .\rالثَّانِي : أَنْ يَكُونَ دِينُهُمَا مُخْتَلِفًا ، فَلَا نَفَقَة لَأَحَدِهِمَا عَلَى صَاحِبِهِ .\rوَذَكَرَ الْقَاضِي فِي عَمُودِي النَّسَبِ رِوَايَتَيْنِ ؛ إحْدَاهُمَا ، تَجِبُ النَّفَقَةُ مَعَ اخْتِلَافِ الدِّينِ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهَا نَفَقَةٌ تَجِبُ مَعَ اتِّفَاقِ الدِّينِ ، فَتَجِبُ مَعَ اخْتِلَافِهِ ، كَنَفَقَةِ الزَّوْجَةِ وَالْمَمْلُوكِ ، وَلِأَنَّهُ يَعْتِقُ عَلَى قَرِيبِهِ ، فَيَجِبُ عَلَيْهِ الْإِنْفَاقُ عَلَيْهِ ، كَمَا لَوْ اتَّفَقَ دِينُهُمَا .\rوَلَنَا ، أَنَّهَا مُوَاسَاةٌ عَلَى سَبِيلِ الْبِرِّ وَالصِّلَةِ ، فَلَمْ تَجِبْ مَعَ اخْتِلَافِ الدِّينِ ، كَنَفَقَةِ غَيْرِ عَمُودَيْ النَّسَبِ ، وَلِأَنَّهُمَا غَيْرُ مُتَوَارِثَيْنِ فَلَمْ يَجِبْ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ نَفَقَةٌ بِالْقَرَابَةِ ، كَمَا لَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا رَقِيقًا ، وَتُفَارِقُ نَفَقَةَ الزَّوْجَاتِ ؛ لِأَنَّهَا عِوَضٌ يَجِبُ مَعَ الْإِعْسَارِ ، فَلَمْ يُنَافِهَا اخْتِلَافُ الدِّينِ ، كَالصَّدَاقِ وَالْأُجْرَةِ ، وَكَذَلِكَ تَجِبُ مَعَ الرِّقِّ فِيهِمَا أَوْ فِي أَحَدِهِمَا ، وَكَذَلِكَ نَفَقَةُ الْمَمَالِيكِ ، وَالْعِتْقُ عَلَيْهِ يَبْطُلُ بِسَائِرِ ذَوِي الرَّحِمِ الْمَحْرَمِ ، فَإِنَّهُمْ يَعْتِقُونَ مَعَ اخْتِلَافِ الدِّينِ ، وَلَا نَفَقَةَ لَهُمْ مَعَهُ ، وَلِأَنَّ هَذِهِ صِلَةٌ وَمُوَاسَاةٌ ، فَلَا تَجِبُ مَعَ اخْتِلَافِ الدِّينِ ، كَأَدَاءِ زَكَاتِهِ إلَيْهِ ، وَعَقْلِهِ عَنْهُ ، وَإِرْثِهِ مِنْهُ .\rالثَّالِثُ : أَنْ يَكُونَ الْقَرِيبُ مَحْجُوبًا عَنْ الْمِيرَاثِ بِمَنْ هُوَ أَقْرَبُ مِنْهُ ، فَيُنْظَرُ ؛ فَإِنْ كَانَ الْأَقْرَبُ مُوسِرًا فَالنَّفَقَةُ عَلَيْهِ ، وَلَا شَيْءَ عَلَى الْمَحْجُوبِ بِهِ ؛ لِأَنَّ الْأَقْرَبَ أَوْلَى بِالْمِيرَاثِ مِنْهُ ، فَيَكُونُ أَوْلَى بِالْإِنْفَاقِ وَإِنْ كَانَ الْأَقْرَبُ مُعْسِرًا ، وَكَانَ مَنْ يُنْفِقُ","part":18,"page":163},{"id":8663,"text":"عَلَيْهِ مِنْ عَمُودَيْ النَّسَبِ ، وَجَبَتْ نَفَقَتُهُ عَلَى الْمُوسِرِ .\rذَكَرَ الْقَاضِي ، فِي أَبِ مُعْسِرٍ وَجَدٍّ مُوسِرٍ ، أَنَّ النَّفَقَةَ عَلَى الْجَدِّ .\rوَقَالَ ، فِي أُمٍّ مُعْسِرَةٍ وَجَدَّةٍ مُوسِرَةٍ : النَّفَقَةُ عَلَى الْجَدَّةِ .\rوَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ : لَا يَدْفَعُ الزَّكَاةَ إلَى وَلَدِ ابْنَتِهِ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ } .\rفَسَمَّاهُ ابْنَهُ ، وَهُوَ ابْنُ ابْنَتِهِ ، وَإِذَا مُنِعَ مِنْ دَفْعِ الزَّكَاةِ إلَيْهِمْ لَقَرَابَتِهِمْ ، يَجِبْ أَنْ تَلْزَمَهُ نَفَقَتُهُمْ عِنْدَ حَاجَتِهِمْ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rوَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ عَمُودِي النَّسَبِ ، لَمْ تَجِبْ النَّفَقَةُ عَلَيْهِ إذَا كَانَ مَحْجُوبًا .\rقَالَ الْقَاضِي ، وَأَبُو الْخَطَّابِ ، فِي ابْنٍ فَقِيرٍ وَأَخٍ مُوسِرٍ لَا نَفَقَةَ عَلَيْهِمَا ؛ لِأَنَّ الِابْنَ لَا نَفَقَةَ عَلَيْهِ لِعُسْرَتِهِ وَالْأَخَ لَا نَفَقَةَ عَلَيْهِ لِعَدَمِ إرْثه ؛ وَلِأَنَّ قَرَابَتَهُ ضَعِيفَةٌ لَا تَمْنَعُ شَهَادَتَهُ لَهُ ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ وَارِثًا لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ النَّفَقَةُ كَذَوِي الرَّحِمِ .\rوَيَتَخَرَّجُ فِي كُلِّ وَارِثٍ ، لَوْلَا الْحُجُب ، إذَا كَانَ مَنْ يَحْجُبُهُ مُعْسِرًا وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا : لَا نَفَقَةَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِوَارِثٍ ، أَشْبَهَ الْأَجْنَبِيَّ .\rوَالثَّانِي ، عَلَيْهِ النَّفَقَةُ لِوُجُودِ الْقَرَابَةِ الْمُقْتَضِيَةِ لِلْإِرْثِ وَالْإِنْفَاقِ ، وَالْمَانِعُ مِنْ الْإِرْثِ لَا يَمْنَعُ مِنْ الْإِنْفَاقِ ؛ لِأَنَّهُ مُعْسِرٌ لَا يُمْكِنُهُ الْإِنْفَاقُ ، فَوُجُودُهُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْإِنْفَاقِ كَعَدَمِهِ .","part":18,"page":164},{"id":8664,"text":"( 6490 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا ذَوُو الْأَرْحَامِ الَّذِينَ لَا يَرِثُونَ بِفَرْضٍ وَلَا تَعْصِيبٍ ، فَإِنْ كَانُوا مِنْ غَيْرِ عَمُودِي النَّسَبِ ، فَلَا نَفَقَةَ عَلَيْهِمْ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، فَقَالَ : الْخَالَةُ وَالْعَمَّةُ لَا نَفَقَةَ عَلَيْهِمَا .\rقَالَ الْقَاضِي : لَا نَفَقَةَ لَهُمْ رِوَايَةً وَاحِدَةً ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ قَرَابَتَهُمْ ضَعِيفَةٌ ، وَإِنَّمَا يَأْخُذُونَ مَالَهُ عِنْدَ عَدَمِ الْوَارِثِ ، فَهُمْ كَسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ ، فَإِنَّ الْمَالَ يُصْرَفُ إلَيْهِمْ إذَا لَمْ يَكُنْ لِلْمَيِّتِ وَارِثٌ ، وَذَلِكَ الَّذِي يَأْخُذُهُ بَيْتُ الْمَالِ ؛ وَلِذَلِكَ يُقَدَّمُ الرَّدُّ عَلَيْهِمْ .\rوَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : يُخَرَّجُ فِيهِمْ رِوَايَةٌ أُخْرَى : أَنَّ النَّفَقَةَ تَلْزَمُهُمْ عِنْدَ عَدَمِ الْعَصَبَاتِ وَذَوِي الْفُرُوضِ ؛ لِأَنَّهُمْ وَارِثُونَ فِي تِلْكَ الْحَالِ .\rقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى : هَذَا يَتَوَجَّهُ عَلَى مَعْنَى قَوْلِهِ ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَنْصُوصُ عَنْهُ .\rفَأَمَّا عَمُودُ النَّسَبِ ، فَذَكَرَ الْقَاضِي مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ الْإِنْفَاقُ عَلَيْهِمْ ، سَوَاءٌ كَانُوا مِنْ ذَوِي الْأَرْحَامِ ، كَأَبِي الْأُمِّ وَابْنِ الْبِنْتِ ، أَوْ مِنْ غَيْرِهِمْ ، وَسَوَاءٌ كَانُوا مَحْجُوبِينَ أَوْ وَارِثِينَ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ قَرَابَتَهُمْ قَرَابَةٌ جُزْئِيَّةٌ وَبَعْضِيَّةٌ ، وَتَقْتَضِي رَدَّ الشَّهَادَةِ ، وَتَمْنَعُ جَرَيَانَ الْقِصَاصِ عَلَى الْوَالِدِ بِقَتْلِ الْوَلَدِ وَإِنْ سَفَلَ ، فَأَوْجَبَتْ النَّفَقَةَ عَلَى كُلِّ حَالٍ ، كَقَرَابَةِ الْأَبِ الْأَدْنَى .","part":18,"page":165},{"id":8665,"text":"( 6491 ) فَصْلٌ : وَلَا يُشْتَرَطُ فِي وُجُوبِ نَفَقَةِ الْوَالِدَيْنِ وَالْمَوْلُودِينَ نَقْصُ الْخِلْقَةِ ، وَلَا نَقْصُ الْأَحْكَامِ ، فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ ، وَظَاهِرِ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ ؛ فَإِنَّهُ أَوْجَبَ نَفَقَتَهُمْ مُطْلَقًا إذَا كَانُوا فُقَرَاءَ وَلَهُ مَا يُنْفِقُ عَلَيْهِمْ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : لَا يُشْتَرَطُ فِي الْوَالِدَيْنِ .\rوَهَلْ يُشْتَرَطُ ذَلِكَ فِي الْوَلَدِ ؟ فَكَلَامُ أَحْمَدَ يَقْتَضِي رِوَايَتَيْنِ ؛ إحْدَاهُمَا ، تَلْزَمهُ نَفَقَتُهُ ؛ لِأَنَّهُ فَقِيرٌ .\rوَالثَّانِيَةُ : إنْ كَانَ يَكْتَسِبُ فَيُنْفِقُ عَلَى نَفْسِهِ ، لَمْ تَلْزَمْ نَفَقَتُهُ .\rوَهَذَا الْقَوْلُ يَرْجِعُ إلَى أَنَّ الَّذِي لَا يَقْدِرُ عَلَى كَسْبِ مَا يَقُومُ بِهِ تَلْزَمُ نَفَقَتُهُ ، رِوَايَةً ، وَاحِدَةً ، سَوَاءٌ كَانَ نَاقِصَ الْأَحْكَامِ ، كَالصَّغِيرِ وَالْمَجْنُونِ ، أَوْ نَاقِصَ الْخِلْقَةِ كَالزَّمِنِ ، وَإِنَّمَا الرِّوَايَتَانِ فِي مَنْ لَا حِرْفَةَ لَهُ مِمَّنْ يَقْدِرُ عَلَى الْكَسْبِ بِبَدَنِهِ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يُشْتَرَطُ نُقْصَانُهُ ، إمَّا ، مِنْ طَرِيقِ الْحُكْمِ أَوْ مِنْ طَرِيقِ الْخِلْقَةِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يُنْفَقُ عَلَى الْغُلَامِ حَتَّى يَبْلُغَ ، فَإِذَا بَلَغَ صَحِيحًا ، انْقَطَعَتْ نَفَقَتُهُ ، وَلَا تَسْقُطُ نَفَقَةُ الْجَارِيَةِ حَتَّى تَتَزَوَّجَ .\rوَنَحْوَهُ قَالَ مَالِكٌ ، إلَّا أَنَّهُ قَالَ : يُنْفَقُ عَلَى النِّسَاءِ حَتَّى يَتَزَوَّجْنَ ، وَيَدْخُلَ بِهِنَّ الْأَزْوَاجُ ، ثُمَّ لَا نَفَقَةَ لَهُنَّ ، وَإِنْ طُلِّقْنَ ، وَلَوْ طُلِّقْنَ قَبْلَ الْبِنَاءِ بِهِنَّ ، فَهُنَّ عَلَى نَفَقَتِهِنَّ .\rوَلَنَا ، { قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِهِنْدٍ : خُذِي مَا يَكْفِيك وَوَلَدَك بِالْمَعْرُوفِ .\r} لَمْ يَسْتَثْنِ مِنْهُمْ بَالِغًا وَلَا صَحِيحًا ، وَلِأَنَّهُ وَالِدٌ أَوْ وَلَدٌ فَقِيرٌ ، فَاسْتَحَقَّ النَّفَقَةَ عَلَى وَالِدِهِ أَوْ وَلَدِهِ الْغَنِيِّ ، كَمَا لَوْ كَانَ زَمِنًا أَوْ مَكْفُوفًا ، فَأَمَّا الْوَالِدُ ، فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ وَافَقَنَا عَلَى وُجُوب نَفَقَتِهِ صَحِيحًا إذَا لَمْ يَكُنْ ذَا كَسْبٍ ، وَلِلشَّافِعِي فِي ذَلِكَ قَوْلَانِ .\rوَلَنَا أَنَّهُ وَالِدٌ مُحْتَاجٌ ،","part":18,"page":166},{"id":8666,"text":"فَأَشْبَهَ الزَّمِنَ .","part":18,"page":167},{"id":8667,"text":"( 6492 ) فَصْلٌ : وَمَنْ كَانَ لَهُ أَبٌ مِنْ أَهْلِ الْإِنْفَاقِ ، لَمْ تَجِبْ نَفَقَتُهُ عَلَى سِوَاهُ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : { فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ } .\rوَقَالَ : { وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ } .\r{ وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِهِنْدٍ : خُذِي مَا يَكْفِيك وَوَلَدَك بِالْمَعْرُوفِ .\r} فَجَعَلَ النَّفَقَةَ عَلَى أَبِيهِمْ دُونَهَا .\rوَلَا خِلَافَ فِي هَذَا نَعْلَمُهُ ، إلَّا أَنَّ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ، فِيمَا إذَا اجْتَمَعَ لِلْفَقِيرِ أَبٌ وَابْنٌ مُوسِرَانِ ، وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا ، أَنَّ النَّفَقَةَ عَلَى الْأَب وَحْدَهُ .\rوَالثَّانِي ، عَلَيْهِمَا جَمِيعًا ؛ لِتَسَاوِيهِمَا فِي الْقُرْب .\rوَلَنَا ، أَنَّ النَّفَقَةَ عَلَى الْأَبِ مَنْصُوصٌ عَلَيْهَا ، فَيَجِبُ اتِّبَاعُ النَّصِّ ، وَتَرْكُ مَا عَدَاهُ .","part":18,"page":168},{"id":8668,"text":"( 6493 ) فَصْلٌ : وَيَلْزَمُ الرَّجُلَ إعْفَافُ أَبِيهِ ، إذَا احْتَاجَ إلَى النِّكَاحِ .\rوَهَذَا ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ .\rوَلَهُمْ فِي إعْفَافِ الْأَبِ الصَّحِيحِ وَجْهٌ آخَرُ ، أَنَّهُ لَا يَجِبُ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَلْزَمُ الرَّجُلَ إعْفَافُ أَبِيهِ ، سَوَاءٌ وَجَبَتْ نَفَقَتُهُ أَوْ لَمْ تَجِبْ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ أَعْظَمِ الْمَلَاذِ ، فَلَمْ تَجِبْ لِلْأَبِ ، كَالْحَلْوَاءِ ، وَلِأَنَّهُ أَحَدُ الْأَبَوَيْنِ ، فَلَمْ يَجِبْ لَهُ ذَلِكَ كَالْأُمِّ .\rوَلَنَا ، أَنَّ ذَلِكَ مِمَّا تَدْعُو حَاجَتُهُ إلَيْهِ ، وَيَسْتَضِرُّ بِفَقْدِهِ ، فَلَزِمَ ابْنَهُ لَهُ ، كَالنَّفَقَةِ ، وَلَا يُشْبِهُ الْحَلْوَاءَ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَضِرُّ بِفَقْدِهَا ، وَإِنَّمَا يُشْبِهُ الطَّعَامَ وَالْأُدْمَ ، وَأَمَّا الْأُمُّ فَإِنْ إعْفَافَهَا إنَّمَا هُوَ تَزْوِيجُهَا إذَا طَلَبَتْ ذَلِكَ ، وَخَطَبَهَا كُفْؤُهَا ، وَنَحْنُ نَقُولُ بِوُجُوبِ ذَلِكَ عَلَيْهِ ، وَهُمْ يُوَافِقُونَنَا فِي ذَلِكَ إذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّهُ يَجِبُ إعْفَافُ مَنْ لَزِمَتْ نَفَقَتُهُ مِنْ الْآبَاءِ وَالْأَجْدَادِ ، فَإِنْ اجْتَمَعَ جَدَّانِ ، وَلَمْ يُمْكِنْ إلَّا إعْفَافُ أَحَدِهِمَا ، قُدِّمَ الْأَقْرَبُ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا مِنْ جِهَةِ الْأَبِ وَالْآخَرُ مِنْ جِهَةِ الْأُمِّ ، فَيُقَدَّمُ الَّذِي مِنْ جِهَةِ الْأَبِ ، وَإِنْ بَعُدَ ؛ لِأَنَّهُ عَصَبَةٌ وَالشَّرْعُ قَدْ اعْتَبَرَ جِهَتَهُ فِي التَّوْرِيثِ وَالتَّعْصِيبِ ، فَكَذَلِكَ فِي الْإِنْفَاقِ وَالِاسْتِحْقَاقِ .\r( 6494 ) فَصْلٌ : وَإِذَا وَجَبَ عَلَيْهِ إعْفَافُ أَبِيهِ ، فَهُوَ مُخَيَّرٌ ، إنْ شَاءَ زَوَّجَهُ حُرَّةً ، وَإِنْ شَاءَ مَلَّكَهُ أَمَةً ، أَوْ دَفَعَ إلَيْهِ مَا يَتَزَوَّجُ بِهِ حُرَّةً أَوْ يَشْتَرِي بِهِ أَمَةً ، وَلَيْسَ لِلْأَبِ التَّخْيِيرُ عَلَيْهِ ، إلَّا أَنَّ الْأَبَ إذَا عَيَّنَ امْرَأَةً ، وَعَيَّنَ الِابْنُ أُخْرَى ، وَصَدَاقُهُمَا وَاحِدٌ ، قُدِّمَ تَعْيِينُ الْأَبِ ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ لَهُ ، وَالْمُؤْنَةَ وَاحِدَةٌ ، فَقُدِّمَ قَوْلُهُ كَمَا لَوْ عَيَّنَتْ الْبِنْتُ كُفُؤًا ، وَعَيَّنَ الْأَبُ كُفُؤًا ، قُدِّمَ تَعْيِينُهَا .\rوَإِنْ اخْتَلَفَا فِي الصَّدَاقِ لَمْ يَلْزَمْ الِابْنَ","part":18,"page":169},{"id":8669,"text":"الْأَكْثَرُ ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَلْزَمُ أَقَلُّ مَا تَحْصُلُ بِهِ الْكِفَايَةُ ، وَلَكِنْ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُزَوِّجَهُ أَوْ يُمَلِّكَهُ قَبِيحَةً أَوْ كَبِيرَةً لَا اسْتِمْتَاعَ فِيهَا ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُزَوِّجَهُ أَمَةً ؛ لِأَنَّ فِيهِ ضَرَرًا عَلَيْهِ ، وَهُوَ إرْقَاقُ وَلَدِهِ ، وَالنَّقْصُ فِي اسْتِمْتَاعِهِ .\rوَإِنْ رَضِيَ الْأَبُ بِذَلِكَ لَمْ يَجُزْ ، لِأَنَّ الضَّرَرَ يَلْحَقُ بِغَيْرِهِ ، وَهُوَ الْوَلَدُ ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لِلْمُوسِرِ أَنْ يَتَزَوَّجَ أَمَةً .\rوَإِذَا زَوَّجَهُ زَوْجَةً أَوْ مَلَّكَهُ أَمَةً ، فَعَلَيْهِ نَفَقَتُهُ وَنَفَقَتُهَا .\rوَمَتَى أَيْسَرَ الْأَبُ ، لَمْ يَكُنْ لِلْوَلَدِ اسْتِرْجَاعُ مَا دَفَعَهُ إلَيْهِ ، وَلَا عِوَضَ مَا زَوَّجَهُ بِهِ ؛ لِأَنَّهُ دَفَعَهُ إلَيْهِ فِي حَالِ وُجُوبِهِ عَلَيْهِ ، فَلَمْ يَمْلِكْ اسْتِرْجَاعَهُ ، كَالزَّكَاةِ .\rوَإِنْ زَوَّجَهُ أَوْ مَلَّكَهُ أَمَةً فَطَلَّقَ الزَّوْجَةَ أَوْ أَعْتَقَ الْأَمَةَ ، لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَنْ يُزَوِّجَهُ أَوْ يُمَلِّكَهُ ثَانِيًا ؛ لِأَنَّهُ فَوَّتَ ذَلِكَ عَلَى نَفْسِهِ .\rوَإِنْ مَاتَتَا ، فَعَلَيْهِ إعْفَافُهُ ثَانِيًا لِأَنَّهُ لَا صُنْعَ لَهُ فِي ذَلِكَ .","part":18,"page":170},{"id":8670,"text":"فَصْلٌ : قَالَ أَصْحَابُنَا : وَعَلَى الْأَبِ إعْفَافُ ابْنِهِ إذَا كَانَتْ عَلَيْهِ ، نَفَقَتُهُ ، وَكَانَ مُحْتَاجًا إلَى إعْفَافِهِ .\rوَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ بَعْضُهُمْ : لَا يَجِبُ ذَلِكَ عَلَيْهِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ مِنْ عَمُودَيْ نَسَبِهِ ، وَتَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ ، فَيَلْزَمُهُ إعْفَافُهُ عِنْدَ حَاجَتِهِ إلَيْهِ ، كَأَبِيهِ .\rقَالَ الْقَاضِي : وَكَذَلِكَ يَجِيءُ فِي كُلِّ مَنْ لَزِمَتْهُ نَفَقَتُهُ ؛ مِنْ أَخٍ ، أَوْ عَمٍّ ، أَوْ غَيْرِهِمْ ؛ لِأَنَّ أَحْمَدَ قَدْ نَصَّ فِي الْعَبْدِ : يَلْزَمُهُ أَنْ يُزَوِّجَهُ إذَا طَلَبَ ذَلِكَ ، وَإِلَّا بِيعَ عَلَيْهِ .\rوَكُلُّ مِنْ لَزِمَهُ إعْفَافُهُ لَزِمَتْهُ نَفَقَةُ زَوْجَتِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ الْإِعْفَافِ إلَّا بِذَلِكَ .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ الْأَبَ نَفَقَةُ زَوْجَةِ الِابْنِ .\rوَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ الِابْنَ كَانَ يَجِدُ نَفَقَتَهَا .","part":18,"page":171},{"id":8671,"text":"( 6496 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : ( وَكَذَلِكَ الصَّبِيُّ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَبٌ ، أُجْبِرَ وَارِثُهُ عَلَى نَفَقَتِهِ ، عَلَى قَدْرِ مِيرَاثِهِمْ مِنْهُ ) ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّ النَّفَقَةَ تَجِبُ عَلَى كُلِّ وَارِثٍ لِمَوْرُوثِهِ ، إذَا اجْتَمَعْت الشُّرُوطُ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُنَا لَهَا .\rوَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَقَتَادَةُ ، وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى ، وَأَبُو ثَوْرٍ .\rوَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ ، عَنْ أَحْمَدَ ، فِي الصَّبِيِّ الْمُرْضِعِ لَا أَبَ لَهُ وَلَا جَدَّ ، نَفَقَتَهُ وَأَجْرَ رَضَاعِهِ عَلَى الرِّجَالِ دُونَ النِّسَاءِ .\rوَكَذَلِكَ رَوَى بَكْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَحْمَدَ : النَّفَقَةُ عَلَى الْعَصَبَاتِ .\rوَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ .\rوَذَلِكَ لِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَضَى عَلَى بَنِي عَمِّ مَنْفُوسٍ بِنَفَقَتِهِ .\rاحْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ .\rوَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : رُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ حَبَسَ عَصَبَةً يُنْفِقُونَ عَلَى صَبِيِّ الرِّجَالِ دُونَ النِّسَاءِ .\rوَلِأَنَّهَا مُوَاسَاةٌ وَمَعُونَةٌ تَخْتَصُّ الْقَرَابَةَ ، فَاخْتَصَّتْ بِهَا الْعَصَبَاتُ ، كَالْعَقْلِ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ : تَجِبُ النَّفَقَةُ عَلَى كُلِّ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ ، وَلَا تَجِبُ عَلَى غَيْرِهِمْ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَأُولُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ } .\rوَقَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ : لَا نَفَقَةَ إلَّا عَلَى الْمَوْلُودِينَ وَالْوَالِدَيْنِ ؛ { لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَرَجُلٍ سَأَلَهُ : عِنْدِي دِينَارٌ ؟ قَالَ : أَنْفِقْهُ عَلَى نَفْسِك .\rقَالَ : عِنْدِي آخَرُ ؟ قَالَ : أَنْفِقْهُ عَلَى وَلَدِك .\rقَالَ : عِنْدِي آخَرُ ؟ قَالَ : أَنْفِقْهُ عَلَى أَهْلِك .\rقَالَ : عِنْدِي آخَرُ ؟ قَالَ : أَنْفِقْهُ عَلَى خَادِمِك .\rقَالَ : عِنْدِي آخَرُ ؟ .\rقَالَ : أَنْتَ أَعْلَمُ } .\rوَلَمْ يَأْمُرْهُ بِإِنْفَاقِهِ عَلَى غَيْرِ هَؤُلَاءِ ، وَلِأَنَّ الشَّرْعَ إنَّمَا وَرَدَ بِنَفَقَةِ الْوَالِدَيْنِ وَالْمَوْلُودِينَ ، وَمَنْ سِوَاهُمْ لَا يَلْحَقُ","part":18,"page":172},{"id":8672,"text":"بِهِمْ فِي الْوِلَادَةِ وَأَحْكَامِهَا ، فَلَا يَصِحُّ قِيَاسُهُ عَلَيْهِمْ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ } .\rثُمَّ قَالَ : { وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ } .\rفَأَوْجَبَ عَلَى الْأَبِ نَفَقَةَ الرَّضَاعِ ، ثُمَّ عَطَفَ الْوَارِثَ عَلَيْهِ ، فَأَوْجَبَ عَلَى الْوَارِثِ مِثْلَ مَا أَوْجَبَ عَلَى الْوَالِدِ .\rوَرُوِيَ { أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَنْ أَبَرُّ ؟ قَالَ : أُمَّك وَأَبَاك ، وَأُخْتَك وَأَخَاك .\rوَفِي لَفْظٍ : وَمَوْلَاك الَّذِي هُوَ أَدْنَاك ، حَقًّا وَاجِبًا ، وَرَحِمًا مَوْصُولًا .\r} رَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَهَذَا نَصٌّ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَلْزَمَهُ الصِّلَةَ وَالْبِرَّ وَالنَّفَقَةُ مِنْ الصِّلَةِ ، جَعَلَهَا حَقًّا وَاجِبًا ، وَمَا احْتَجَّ بِهِ أَبُو حَنِيفَةَ حُجَّةٌ عَلَيْهِ ، فَإِنَّ اللَّفْظَ عَامٌّ فِي كُلِّ ذِي رَحِمٍ فَيَكُونُ حُجَّةً عَلَيْهِ فِي عِدَادِ الرَّحِمِ الْمَحْرَمِ ، وَقَدْ اخْتَصَّتْ بِالْوَارِثِ فِي الْإِرْثِ فَكَذَلِكَ فِي الْإِنْفَاقِ .\rوَأَمَّا خَبَرُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ، فَقَضِيَّةٌ فِي عَيْنٍ ، يَحْتَمِلُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ غَيْرُ مِنْ أُمِرَ بِالْإِنْفَاقِ عَلَيْهِ ؛ وَلِهَذَا لَمْ يَذْكُرْ الْوَالِدَ وَالْأَجْدَادَ وَأَوْلَادَ الْأَوْلَادِ .\rوَقَوْلُهُمْ : لَا يَصِحُّ الْقِيَاسُ .\rقُلْنَا : إنَّمَا أَثْبَتْنَاهُ بِالنَّصِّ ، ثُمَّ إنَّهُمْ قَدْ أَلْحَقُوا أَوْلَادَ الْأَوْلَادِ بِالْأَوْلَادِ ، مَعَ التَّفَاوُتِ ، فَبَطَلَ مَا قَالُوهُ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّهُ يَخْتَصُّ بِالْوَارِثِ بِفَرْضٍ أَوْ تَعْصِيبٍ ، لِعُمُومِ الْآيَةِ ، وَلَا يَتَنَاوَلُ ذَوِي الْأَرْحَامِ ، عَلَى مَا مَضَى بَيَانُهُ ، فَإِنْ كَانَ اثْنَانِ يَرِثُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ وَلَا يَرِثُهُ الْآخَرُ ، كَالرَّجُلِ مَعَ عَمَّتِهِ أَوْ ابْنَةِ عَمِّهِ وَابْنَةِ أَخِيهِ ، وَالْمَرْأَةِ مَعَ ابْنَةِ بِنْتِهَا وَابْنِ بِنْتِهَا ، فَالنَّفَقَةُ عَلَى الْوَارِثِ دُونَ الْمَوْرُوثِ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، فِي رِوَايَةِ ابْنِ زِيَادٍ ، فَقَالَ : يَلْزَمُ الرَّجُلَ نَفَقَةُ بِنْتِ","part":18,"page":173},{"id":8673,"text":"عَمِّهِ ، وَلَا يَلْزَمُهُ نَفَقَةُ بِنْتِ أُخْتِهِ .\rوَذَكَرَ أَصْحَابُنَا رِوَايَةً أُخْرَى لَا تَجِبُ النَّفَقَةُ عَلَى الْوَارِثِ هَاهُنَا ؛ لِقَوْلِ أَحْمَدَ : الْعَمَّةُ وَالْخَالَةُ لَا نَفَقَةَ لَهُمَا .\rإلَّا أَنَّ الْقَاضِيَ قَالَ : هَذِهِ الرِّوَايَةُ مَحْمُولَةٌ عَلَى الْعَمَّةِ مِنْ الْأُمِّ فَإِنَّهُ لَا يَرِثُهَا ؛ لِكَوْنِهِ ابْنَ أَخِيهَا مِنْ أُمِّهَا .\rوَقَدْ ذَكَرَ الْخِرَقِيِّ ، أَنَّ عَلَى الرَّجُلِ نَفَقَةَ مُعْتِقِهِ ؛ لِأَنَّهُ وَارِثُهُ .\rوَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمُعْتَقَ لَا يَرِثُ مُعْتِقَهُ ، وَلَا تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ .\rفَعَلَى هَذَا ، يَلْزَمُ الرَّجُلَ نَفَقَةُ عَمَّتِهِ لِأَبَوَيْهِ أَوْ لِأَبِيهِ وَابْنَةِ عَمِّهِ وَابْنَةِ أُخْتِهِ كَذَلِكَ ، وَلَا يَلْزَمُهُنَّ نَفَقَتُهُ .\rوَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ } .\rوَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ وَارِثٌ .","part":18,"page":174},{"id":8674,"text":"( 6497 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( فَإِنْ كَانَ لِلصَّبِيِّ أُمٌّ وَجَدٌّ فَعَلَى الْأُمِّ ثُلُثُ النَّفَقَةِ ، وَعَلَى الْجَدِّ ثُلُثَا النَّفَقَةِ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ لِلصَّبِيِّ أَبٌ ، فَالنَّفَقَةُ عَلَى وَارِثِهِ .\rفَإِنْ كَانَ لَهُ وَارِثَانِ ، فَالنَّفَقَةُ عَلَيْهِمَا عَلَى قَدْرِ إرْثِهِمَا مِنْهُ ، وَإِنْ كَانُوا ثَلَاثَةً أَوْ أَكْثَرَ ، فَالنَّفَقَةُ بَيْنَهُمْ عَلَى قَدْرِ إرْثِهِمْ مِنْهُ ؛ فَإِذَا كَانَ لَهُ أُمٌّ وَجَدٌّ ، فَعَلَى الْأُمِّ الثُّلُثُ وَالْبَاقِي عَلَى الْجَدِّ ؛ لِأَنَّهُمَا يَرِثَانِهِ كَذَلِكَ .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : النَّفَقَةُ كُلُّهَا عَلَى الْجَدِّ ؛ لِأَنَّهُ يَنْفَرِدَ بِالتَّعْصِيبِ ، فَأَشْبَهَ الْأَبَ .\rوَقَدْ ذَكَرْنَا رِوَايَةً أُخْرَى عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّ النَّفَقَةَ عَلَى الْعَصَبَاتِ خَاصَّةً .\rوَلَنَا ، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ } وَالْأُمُّ وَارِثَةٌ ، فَكَانَ عَلَيْهَا بِالنَّصِّ ، وَلِأَنَّهُ مَعْنًى يُسْتَحَقُّ بِالنَّسَبِ ، فَلَمْ يَخْتَصَّ بِهِ الْجَدُّ دُونَ الْأُمِّ كَالْوِرَاثَةِ .","part":18,"page":175},{"id":8675,"text":"( 6498 ) فَصْلٌ : وَإِنْ اجْتَمَعَ ابْنٌ وَبِنْتٌ ، فَالنَّفَقَةُ بَيْنَهُمَا أَثْلَاثًا ، كَالْمِيرَاثِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : النَّفَقَةُ عَلَيْهِمَا سَوَاءٌ ؛ لِأَنَّهُمَا سَوَاءٌ فِي الْقُرْبِ .\rوَإِنْ كَانَ أُمٌّ وَابْنٌ ، فَعَلَى الْأُمِّ السُّدُسُ وَالْبَاقِي عَلَى الِابْنِ .\rوَإِنْ كَانَتْ بِنْتٌ وَابْنُ ابْنٍ ، فَالنَّفَقَةُ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : النَّفَقَةُ عَلَى الْبِنْتِ ؛ لِأَنَّهَا أَقْرَبُ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ الثَّلَاثِ : النَّفَقَةُ عَلَى الِابْنِ ؛ لِأَنَّهُ الْعَصْبَةُ .\rوَإِنْ كَانَتْ لَهُ أُمٌّ وَبِنْتٌ ، فَالنَّفَقَةُ بَيْنَهُمَا أَرْبَاعًا ؛ لِأَنَّهُمَا يَرِثَانِهِ كَذَلِكَ .\rوَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : النَّفَقَةُ عَلَى الْبِنْتِ ؛ لِأَنَّهَا تَكُونُ عَصَبَةً مَعَ أَخِيهَا .\rوَإِنْ كَانَتْ لَهُ بِنْتٌ وَابْنُ بِنْتٍ فَالنَّفَقَةُ عَلَى الْبِنْتِ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ : النَّفَقَةُ عَلَى ابْنِ الْبِنْتِ ؛ لِأَنَّهُ ذَكَرٌ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ } .\rفَرَتَّبَ النَّفَقَةَ عَلَى الْإِرْثِ ، فَيَجِبُ أَنْ تَتَرَتَّبَ فِي الْمِقْدَارِ عَلَيْهِ ، وَإِيجَابُهَا عَلَى ابْنِ الْبِنْتِ يُخَالِفُ النَّصَّ وَالْمَعْنَى ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بِعَصَبَةٍ وَلَا وَارِثٍ ، فَلَا مَعْنَى لِإِيجَابِهَا عَلَيْهِ دُونَ الْبِنْتِ الْوَارِثَةِ .","part":18,"page":176},{"id":8676,"text":"( 6499 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( فَإِنْ كَانَتْ جَدَّةً وَأَخًا ، فَعَلَى الْجَدَّةِ سُدُسُ النَّفَقَةِ وَالْبَاقِي عَلَى الْأَخِ ، وَعَلَى هَذَا الْمَعْنَى حِسَابُ النَّفَقَات ) يَعْنِي أَنَّ تَرْتِيبَ النَّفَقَاتِ عَلَى تَرْتِيبِ الْمِيرَاثِ ، فَكَمَا أَنَّ لِلْجَدَّةِ هَاهُنَا سُدُسَ الْمِيرَاثِ ، فَعَلَيْهَا سُدُسُ النَّفَقَةِ ، وَكَمَا أَنَّ الْبَاقِيَ لِلْأَخِ فَكَذَلِكَ الْبَاقِي مِنْ النَّفَقَةِ عَلَيْهِ .\rوَعَنَدَ مَنْ لَا يَرَى النَّفَقَةَ عَلَى غَيْر عَمُودِي النَّسَبِ ، يَجْعَلُ النَّفَقَةَ كُلَّهَا عَلَى الْجَدَّةِ .\rوَهَذَا أَصْلٌ قَدْ سَبَقَ الْكَلَامُ فِيهِ .\rفَإِنْ اجْتَمَعَ بِنْتٌ وَأُخْتٌ ، أَوْ بِنْتٌ وَأَخٌ ، أَوْ بِنْتٌ وَعَصَبَةٌ ، أَوْ أُخْتٌ وَعَصَبَةٌ ، أَوْ أُخْتٌ وَأُمٌّ ، أَوْ بِنْتٌ وَبِنْتُ ابْنٍ ، أَوْ أُخْتٌ لِأَبَوَيْنِ وَأُخْتٌ لِأَبٍ ، أَوْ ثَلَاثُ أَخَوَاتٍ مُفْتَرِقَاتٍ ، فَالنَّفَقَةُ بَيْنهمْ عَلَى قَدْرِ الْمِيرَاثِ فِي ذَلِكَ ، سَوَاءٌ كَانَ فِي الْمَسْأَلَةِ رَدٌّ أَوْ عَوْلٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ .\rوَعَلَى هَذَا تَحْسِبُ مَا أَتَاك مِنْ الْمَسَائِلِ .\rوَإِنْ اجْتَمَعَ أُمُّ أُمٍّ وَأُمُّ أَبٍ ، فَهُمَا سَوَاءٌ فِي النَّفَقَةِ ؛ لِاسْتِوَائِهِمَا فِي الْمِيرَاثِ .","part":18,"page":177},{"id":8677,"text":"( 6500 ) فَصْلٌ : فَإِنْ اجْتَمَعَ أَبَوَا أُمٍّ ، فَالنَّفَقَةُ عَلَى أُمِّ الْأُمِّ ؛ لِأَنَّهَا الْوَارِثَةُ .\rوَإِنْ اجْتَمَعَ أَبَوَا أَبٍ ، فَعَلَى أُمِّ الْأَبِ السُّدُسُ ، وَالْبَاقِي عَلَى الْجَدِّ .\rوَإِنْ اجْتَمَعَ جَدٌّ وَأَخٌ ، فَهُمَا سَوَاءٌ .\rوَإِنْ اجْتَمَعَتْ أُمٌّ وَأَخٌ وَجَدٌّ ، فَالنَّفَقَةُ بَيْنَهُمْ أَثْلَاثًا .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ النَّفَقَةُ عَلَى الْجَدِّ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ كُلِّهَا ، إلَّا الْمَسْأَلَةَ الْأُولَى ، فَالنَّفَقَةُ عَلَيْهِمَا بِالسَّوِيَّةِ .\rوَقَدْ مَضَى الْكَلَامُ عَلَى أَصْلِ هَذَا فِيمَا تَقَدَّمَ .","part":18,"page":178},{"id":8678,"text":"( 6501 ) فَصْلٌ : فَإِنْ كَانَ فِيمَنْ عَلَيْهِ النَّفَقَةُ خُنْثَى مُشْكِلٌ ، فَالنَّفَقَةُ عَلَيْهِ بِقَدْرِ مِيرَاثِهِ ، فَإِنْ انْكَشَفَ بَعْدَ ذَلِكَ حَالُهُ ، فَبَانَ أَنَّهُ أَنْفَقَ أَكْثَرَ مِنْ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ ، رَجَعَ بِالزِّيَادَةِ عَلَى شَرِيكِهِ فِي الْإِنْفَاقِ ، وَإِنْ بَانَ أَنَّهُ أَنْفَقَ أَقَلَّ ، رَجَعَ عَلَيْهِ ، فَلَوْ كَانَ لِلرَّجُلِ ابْنٌ وَوَلَدٌ خُنْثَى ، عَلَيْهِمَا نَفَقَتُهُ ، فَأَنْفَقَا عَلَيْهِ ، ثُمَّ بَانَ أَنَّ الْخُنْثَى ابْنٌ رَجَعَ عَلَيْهِ أَخُوهُ بِالزِّيَادَةِ ، وَإِنْ بَانَ بِنْتًا ، رَجَعَتْ عَلَى أَخِيهَا بِفَضْلِ نَفَقَتِهَا ؛ لِأَنَّ مَنْ لَهُ الْفَضْلُ أَدَّى مَا لَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَدَاؤُهُ ، مُعْتَقِدًا وُجُوبَهُ ، فَإِذَا تَبَيَّنَ خِلَافُهُ ، رَجَعَ بِذَلِكَ كَمَا لَوْ أَدَّى مَا يَعْتَقِدُهُ دَيْنًا فَبَانَ خِلَافُهُ .","part":18,"page":179},{"id":8679,"text":"( 6502 ) فَصْلٌ : فَإِنْ كَانَ لَهُ قَرَابَتَانِ مُوسِرَانِ ، وَأَحَدُهُمَا مَحْجُوبٌ عَنْ مِيرَاثِهِ بِفَقِيرٍ ، فَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهُ إنْ كَانَ الْمَحْجُوبُ مِنْ عَمُودِي النَّسَبِ ، فَالظَّاهِرُ أَنَّ الْحَجْبَ لَا يُسْقِطُ النَّفَقَةَ عَنْهُ ، وَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِهِمَا فَلَا نَفَقَةَ عَلَيْهِ .\rفَعَلَى هَذَا ، إذَا كَانَ لَهُ أَبَوَانِ وَجَدٌّ ، وَالْأَبُ مُعْسِرٌ ، كَانَ الْأَبُ كَالْمَعْدُومِ ، فَيَكُونُ عَلَى الْأُمِّ ثُلُثُ النَّفَقَةِ ، وَالْبَاقِي عَلَى الْجَدِّ .\rوَإِنْ كَانَ مَعَهُمْ زَوْجَةٌ ، فَكَذَلِكَ .\rوَإِنْ قُلْنَا : لَا نَفَقَةَ عَلَى الْمَحْجُوبِ .\rفَلَيْسَ عَلَى الْأُمِّ هَاهُنَا إلَّا رُبْعُ النَّفَقَةِ ، وَلَا شَيْءَ عَلَى الْجَدِّ .\rوَإِنْ كَانَ أَبَوَانِ وَأَخَوَانِ وَجَدٌّ ، وَالْأَبُ مُعْسِرٌ ، فَلَا شَيْءَ عَلَى الْأَخَوَيْنِ ؛ لِأَنَّهُمَا مَحْجُوبَانِ ، وَلَيْسَا مِنْ عَمُودِي النَّسَبِ ، وَيَكُونُ عَلَى الْأُمِّ الثُّلُثُ ، وَالْبَاقِي عَلَى الْجَدِّ ، كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ غَيْرَهُمَا .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَجِبَ عَلَى الْأُمِّ إلَّا السُّدُسُ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْأَبُ مَعْدُومًا ، لَمْ تَرِثْ إلَّا السُّدُسَ .\rوَإِنْ قُلْنَا : إنَّ كُلَّ مَحْجُوبٍ لَا نَفَقَةَ عَلَيْهِ .\rفَلَيْسَ عَلَى الْأُمِّ إلَّا السُّدُسُ ، وَلَا شَيْءَ عَلَى غَيْرِهَا .\rوَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْمَسْأَلَةِ جَدٌّ ، فَالنَّفَقَةُ كُلُّهَا عَلَى الْأُمِّ .\rعَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ .\rوَعَلَى الثَّانِي ، لَيْسَ عَلَيْهَا إلَّا السُّدُسُ .\rوَإِنْ قُلْنَا : إنَّ عَلَى الْمَحْجُوبِ بِالْمُعْسِرِ النَّفَقَةَ ، وَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ عَمُودِي النَّسَبِ .\rفَعَلَى الْأُمِّ السُّدُسُ ، وَالْبَاقِي عَلَى الْجَدِّ وَالْأَخَوَيْنِ أَثْلَاثًا ، كَمَا يَرِثُونَ إذَا كَانَ الْأَبُ مَعْدُومًا .\rوَإِنْ كَانَ بَعْضُ مَنْ عَلَيْهِ النَّفَقَةُ غَائِبًا ، وَلَهُ مَالٌ حَاضِرٌ ، أَنْفَقَ الْحَاكِمُ مِنْهُ حِصَّتَهُ ، وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ لَهُ مَالٌ حَاضِرٌ ، فَأَمْكَنَ الْحَاكِمَ الِاقْتِرَاضُ عَلَيْهِ ، اقْتَرَضَ ، فَإِذَا قَدِمَ ، فَعَلَيْهِ وَفَاؤُهُ .","part":18,"page":180},{"id":8680,"text":"( 6503 ) فَصْلٌ : وَمَنْ لَمْ يَفْضُلْ عَنْ قُوتِهِ إلَّا نَفَقَةُ شَخْصٍ ، وَلَهُ امْرَأَةٌ ، فَالنَّفَقَةُ لَهَا دُونَ الْأَقَارِبِ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ : { إذَا كَانَ أَحَدُكُمْ فَقِيرًا ، فَلْيَبْدَأْ بِنَفْسِهِ ، فَإِنْ كَانَ لَهُ فَضْلٌ ، فَعَلَى عِيَالِهِ ، فَإِنْ كَانَ لَهُ فَضْلٌ ، فَعَلَى قَرَابَتِهِ .\r} وَلِأَنَّ نَفَقَةَ الْقَرِيبِ مُوَاسَاةٌ ، وَنَفَقَةَ الْمَرْأَةِ تَجِبُ عَلَى سَبِيلِ الْمُعَاوَضَةِ ، فَقُدِّمَتْ عَلَى مُجَرَّدِ الْمُوَاسَاةِ ، وَلِذَلِكَ وَجَبَتْ مَعَ يَسَارِهِمَا وَإِعْسَارِهِمَا ، وَنَفَقَةُ الْقَرِيبِ بِخِلَافِ ذَلِكَ ، وَلِأَنَّ نَفَقَةَ الزَّوْجَةِ تَجِبُ لِحَاجَتِهِ ، فَقُدِّمَتْ عَلَى نَفَقَةِ الْقَرِيبِ ، كَنَفَقَةِ نَفْسِهِ ، ثُمَّ مِنْ بَعْدِهَا نَفَقَةُ الرَّقِيقِ ؛ لِأَنَّهَا تَجِبُ مَعَ الْيَسَارِ وَالْإِعْسَارِ ، فَقُدِّمَتْ عَلَى مُجَرَّدِ الْمُوَاسَاةِ ، ثُمَّ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ .\rفَإِنْ اجْتَمَعَ أَبٌ وَجَدٌّ ، أَوْ وَابْنٌ وَابْنُ ابْنٍ ، قُدِّمَ الْأَبُ عَلَى الْجَدِّ ، وَالِابْنُ عَلَى ابْنِهِ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ : يَسْتَوِي الْأَبُ وَالْجَدُّ ، وَالِابْنُ وَابْنُهُ ؛ لِتَسَاوِيهِمْ فِي الْوِلَادَةِ وَالتَّعْصِيبِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الْأَبَ وَالِابْنَ أَقْرَبُ وَأَحَقُّ بِمِيرَاثِهِ ، فَكَانَا أَحَقَّ ، كَالْأَبِ مَعَ الْأَخِ .\rوَإِنْ اجْتَمَعَ ابْنٌ وَجَدٌّ ، أَوْ أَبٌ وَابْنُ ابْنٍ ، احْتَمَلَ وَجْهَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، تَقْدِيمُ الِابْنِ ؛ وَالْأَبِ ؛ لِأَنَّهُمَا أَقْرَبُ ، فَإِنَّهُمَا يَلِيَانِهِ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ ، وَلَا يَسْقُطُ إرْثُهُمَا بِحَالٍ ، وَالْجَدُّ وَابْنُ الِابْنِ بِخِلَافِهِمَا ، وَيَحْتَمِلُ التَّسْوِيَةَ بَيْنَهُمَا ؛ لِأَنَّهُمَا سَوَاءٌ فِي الْإِرْثِ وَالتَّعْصِيبِ وَالْوِلَادَةِ .\rوَإِنْ اجْتَمَعَ جَدٌّ وَابْنُ ابْنٍ ، فَهُمَا سَوَاءٌ لِتَسَاوِيهِمَا فِي الْقُرْبِ وَالْإِرْثُ وَالْوِلَادَةِ وَالتَّعْصِيبِ .\rوَيَحْتَمِلُ فِيهِمَا مَا يَحْتَمِلُ فِي الْأَبِ وَالِابْنِ ، عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ .","part":18,"page":181},{"id":8681,"text":"( 6504 ) فَصْلٌ : وَإِنْ اجْتَمَعَ أَبٌ وَابْنٌ ، فَقَالَ الْقَاضِي : إنْ كَانَ الِابْنُ صَغِيرًا ، أَوْ مَجْنُونًا ، قُدِّمَ لِأَنَّ نَفَقَتَهُ وَجَبَتْ بِالنَّصِّ ، مَعَ أَنَّهُ عَاجِزٌ عَنْ الْكَسْبِ ، وَالْأَبُ قَدْ يَقْدِرُ عَلَيْهِ ، وَإِنْ كَانَ الِابْنُ كَبِيرًا ، وَالْأَبُ زَمِنٌ ، فَهُوَ أَحَقُّ ؛ لِأَنَّ حُرْمَتَهُ آكَدُ ، وَحَاجَتَهُ أَشَدُّ .\rوَيَحْتَمِلُ تَقْدِيمَ الِابْنِ ؛ لِأَنَّ نَفَقَتَهُ وَجَبَتْ بِالنَّصِّ .\rوَإِنْ كَانَا صَحِيحَيْنِ فَقِيرَيْنِ ، فَفِيهِمَا ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ ، أَحَدُهَا ، التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُمَا ؛ لِتَسَاوِيهِمَا فِي الْقُرْبِ ، وَتَقَابُلِ مَرْتَبَتِهِمَا .\rوَالثَّانِي ، تَقْدِيمُ الِابْنِ ؛ لِوُجُوبِ نَفَقَتِهِ بِالنَّصِّ .\rوَالثَّالِثُ .\rتَقْدِيمُ الْأَبِ ، لِتَأَكُّدِ حُرْمَتِهِ .\rوَإِنْ اجْتَمَعَ أَبَوَانِ ، فَفِيهِمَا الْوُجُوهُ الثَّلَاثَةُ ؛ أَحَدُهَا ، التَّسْوِيَةُ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا .\rوَالثَّانِي ، تَقْدِيمُ الْأُمِّ ؛ لِأَنَّهَا أَحَقُّ بِالْبِرِّ ، وَلَهَا فَضِيلَةُ الْحَمْلِ وَالرَّضَاعِ وَالتَّرْبِيَةِ ، وَزِيَادَةُ الشَّفَقَةِ ، وَهِيَ أَضْعَفُ وَأَعْجَزُ .\rوَالثَّالِثُ ، تَقْدِيمُ الْأَبِ ، لِفَضِيلَتِهِ ، وَانْفِرَادِهِ بِالْوِلَايَةِ عَلَى وَلَدِهِ ، وَاسْتِحْقَاقِ الْأَخْذِ مِنْ مَالِهِ ، وَإِضَافَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْوَلَدَ وَمَالَهُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ : { أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيك .\r} وَالْأَوَّلُ أَوْلَى .\rوَإِنْ اجْتَمَعَ جَدٌّ وَأَخٌ احْتَمَلَ التَّسْوِيَةَ بَيْنَهُمَا ؛ لِاسْتِوَائِهِمَا فِي اسْتِحْقَاقِ مِيرَاثِهِ ، وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْجَدَّ أَحَقُّ ؛ لِأَنَّ لَهُ مَزِيَّةَ الْوِلَادَةِ وَالْأُبُوَّةِ ، وَلِأَنَّ ابْنَ ابْنِهِ يَرِثُهُ مِيرَاثَ ابْنٍ ، وَيَرِثُ الْأَخُ مِيرَاثَ أَخٍ ، وَمِيرَاثُ الِابْنِ آكَدُ فَالنَّفَقَةُ الْوَاجِبَةُ بِهِ تَكُونُ آكَدَ .\rوَإِنْ كَانَ مَكَانَ الْأَخِ ابْنُ أَخٍ أَوْ عَمٌّ فَالْجَدُّ أَوْلَى بِكُلِّ حَالٍ .","part":18,"page":182},{"id":8682,"text":"( 6505 ) فَصْلٌ : وَالْوَاجِبُ فِي نَفَقَةِ الْقَرِيبِ قَدْرُ الْكِفَايَةِ مِنْ الْخُبْزِ وَالْأُدْمِ وَالْكِسْوَةِ ، بِقَدْرِ الْعَادَةِ ، عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فِي الزَّوْجَةِ لِأَنَّهَا وَجَبَتْ لِلْحَاجَةِ ، فَتَقَدَّرَتْ بِمَا تَنْدَفِعُ بِهِ الْحَاجَةُ ، وَقَدْ { قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهِنْدٍ : خُذِي مَا يَكْفِيك وَوَلَدَك بِالْمَعْرُوفِ فَقَدَّرَ نَفَقَتَهَا وَنَفَقَةَ وَلَدِهَا بِالْكِفَايَةِ .\rفَإِنْ احْتَاجَ إلَى خَادِمٍ فَعَلَيْهِ إخْدَامُهُ } ، كَمَا قُلْنَا فِي الزَّوْجَةِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ تَمَامِ كِفَايَتِهِ .","part":18,"page":183},{"id":8683,"text":"( 6506 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَعَلَى الْمُعْتِقِ نَفَقَةُ مُعْتَقِهِ ، إذَا كَانَ فَقِيرًا ؛ لِأَنَّهُ وَارِثُهُ ) هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى الْأَصْلِ الَّذِي تَقَدَّمَ ، وَأَنَّ النَّفَقَةَ تَجِبُ عَلَى الْوَارِثِ ، وَالْمُعْتِقُ وَارِثُ عَتِيقِهِ ، فَتَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ إذَا كَانَ فَقِيرًا ، وَلِمَوْلَاهُ يَسَارٌ يُنْفِقُ عَلَيْهِ مِنْهُ .\rوَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ : لَا تَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَةٌ ، بِنَاءً عَلَى أُصُولِهِمْ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا .\rوَلَنَا ، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ } .\r{ وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُمَّك وَأَبَاك ، وَأُخْتَك وَأَخَاك ، ثُمَّ أَدْنَاك أَدْنَاك ، وَمَوْلَاك الَّذِي يَلِي ذَاكَ ، حَقًّا وَاجِبًا ، وَرَحِمًا مَوْصُولًا } .\rوَلِأَنَّهُ يَرِثُهُ بِالتَّعْصِيبِ ، فَكَانَتْ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ كَالْأَبِ .\rوَيُشْتَرَطُ فِي وُجُوبِ الْإِنْفَاقِ عَلَيْهِ الشُّرُوطُ الْمَذْكُورَةُ فِي غَيْرِهِ .\r( 6507 ) فَصْلٌ : فَإِنْ مَاتَ مَوْلَاهُ ، فَالنَّفَقَةُ عَلَى الْوَارِثِ مِنْ عَصَبَاتِهِ ، عَلَى مَا بُيِّنَ فِي بَاب الْوَلَاءِ وَيَجِبُ عَلَى السَّيِّدِ نَفَقَةُ أَوْلَادِ عَتِيقِهِ ، إذَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ وَلَاءٌ ؛ لِأَنَّهُ عَصَبَتُهُمْ وَوَارِثُهُمْ ، وَعَلَيْهِ نَفَقَةُ أَوْلَادِ مُعْتَقَتِهِ إذَا كَانَ أَبُوهُمْ عَبْدًا كَذَلِكَ ، فَإِنْ أُعْتِقَ أَبُوهُمْ فَانْجَرَّ الْوَلَاءُ إلَى مُعْتَقِهِ ، صَارَ وَلَاؤُهُمْ لِمُعْتِقِ أَبِيهِمْ ، وَنَفَقَتُهُمْ عَلَيْهِ ، إذَا كَمُلَتْ الشُّرُوطُ ، وَلَيْسَ عَلَى الْعَتِيقَ نَفَقَةُ مُعْتِقِهِ وَإِنْ كَانَ فَقِيرًا ؛ لِأَنَّهُ لَا يَرِثُهُ ، فَإِنْ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَوْلَى صَاحِبِهِ ، مِثْلَ أَنْ يَعْتِقَ الْحَرْبِيُّ عَبْدًا ، ثُمَّ يَسْبِي الْعَبْدُ سَيِّدَهُ فَيَعْتِقُهُ ، فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نَفَقَةُ الْآخَرِ ؛ لِأَنَّهُ يَرِثُهُ .","part":18,"page":184},{"id":8684,"text":"( 6508 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَإِذَا زُوِّجَتْ الْأَمَةُ ، لَزِمَ زَوْجَهَا أَوْ سَيِّدَهُ ، إنْ كَانَ مَمْلُوكًا ، نَفَقَتُهَا ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ زَوْجَ الْأَمَةِ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ حُرًّا أَوْ عَبْدًا ، أَوْ بَعْضُهُ حُرًّا وَبَعْضُهُ عَبْدًا ، فَإِنْ كَانَ حُرًّا ، فَنَفَقَتُهَا عَلَيْهِ ، لِلنَّصِّ ، وَاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى وُجُوبِ نَفَقَةِ الزَّوْجَاتِ عَلَى أَزْوَاجِهِنَّ الْبَالِغِينَ ، وَالْأَمَةُ دَاخِلَةٌ فِي عُمُومِهِنَّ ، وَلِأَنَّهَا زَوْجَةٌ مُمَكِّنَةٌ مِنْ نَفْسِهَا ، فَوَجَبَ عَلَى زَوْجِهَا نَفَقَتُهَا ، كَالْحُرَّةِ ، وَإِنْ كَانَ زَوْجُهَا مَمْلُوكًا ، فَالنَّفَقَةُ وَاجِبَةٌ لِزَوْجَتِهِ لِذَلِكَ .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ أَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ، عَلَى أَنَّ عَلَى الْعَبْدِ نَفَقَةَ زَوْجَتِهِ .\rهَذَا قَوْلُ الشَّعْبِيِّ ، وَالْحَكَمِ ، وَالشَّافِعِيِّ .\rوَبِهِ قَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ إذَا بَوَّأَهَا بَيْتًا .\rوَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ ، أَنَّهُ قَالَ : لَيْسَ عَلَيْهِ نَفَقَتُهَا ؛ لِأَنَّ النَّفَقَةَ مُوَاسَاةٌ ، وَلَيْسَ هُوَ مِنْ أَهْلِهَا ، وَلِذَلِكَ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَةُ أَقَارِبِهِ ، وَلَا زَكَاةُ مَالِهِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهَا عِوَضٌ وَاجِبٌ فِي النِّكَاحِ فَوَجَبَتْ عَلَى الْعَبْدِ كَالْمَهْرِ ، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهَا عِوَضٌ ، أَنَّهَا تَجِبُ فِي مُقَابَلَةِ التَّمْكِينِ ؛ وَلِهَذَا تَسْقُطُ عَنْ الْحُرِّ بِفَوَاتِ التَّمْكِينِ ، وَفَارَقَ نَفَقَةَ الْأَقَارِبِ .\rإذَا ثَبَتَ وُجُوبُهَا عَلَى الْعَبْدِ ، فَإِنَّهَا تَلْزَمُ سَيِّدَهُ ؛ لِأَنَّ السَّيِّدَ أَذِنَ لَهُ فِي النِّكَاحِ الْمُفْضِي إلَى إيجَابِهَا .\rوَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى : فِيهِ رِوَايَةٌ أُخْرَى ، أَنَّهَا تَجِبُ فِي كَسْبِ الْعَبْدِ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُمْكِنْ إيجَابُهَا فِي ذِمَّتِهِ ، وَلَا رَقَبَتِهِ ، وَلَا ذِمَّةِ سَيِّدِهِ ، وَلَا إسْقَاطُهَا ، فَلَمْ يَبْقَ إلَّا أَنْ تَتَعَلَّقَ بِكَسْبِهِ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : تَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِهِ ؛ لِأَنَّ الْوَطْءَ فِي النِّكَاحِ بِمَنْزِلَةِ الْجِنَايَةِ ، وَأَرْشُ جِنَايَةِ الْعَبْدِ يَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِهِ ،","part":18,"page":185},{"id":8685,"text":"يُبَاعُ فِيهَا ، أَوْ يَفْدِيه سَيِّدُهُ .\rوَهَذَا قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْي .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ دَيْنٌ أَذِنَ السَّيِّدُ فِيهِ ، فَلَزِمَ ذِمَّتَهُ ، كَاَلَّذِي اسْتَدَانَهُ وَكِيلُهُ .\rوَقَوْلُهُمْ : إنَّهُ فِي مُقَابَلَةِ الْوَطْءِ غَيْرُ صَحِيحٍ ؛ فَإِنَّهُ يَجِبُ مِنْ غَيْرِ وَطْءٍ ، وَيَجِبُ لِلرَّتْقَاءِ ، وَالْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ ، وَزَوْجَةِ الْمَجْبُوبِ وَالصَّغِيرِ ، وَإِنَّمَا يَجِبُ بِالتَّمْكِينِ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِجِنَايَةٍ وَلَا قَائِمٍ مَقَامَهَا .\rوَقَوْلُ مَنْ قَالَ : إنَّهُ تَعَذَّرَ إيجَابُهُ فِي ذِمَّةِ السَّيِّدِ .\rغَيْرُ صَحِيحٍ ، فَإِنَّهُ لَا مَانِعَ مِنْ إيجَابِهِ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا وُجُودَ مُقْتَضِيه ، فَلَا مَعْنَى لِدَعْوَى التَّعَذُّرِ .","part":18,"page":186},{"id":8686,"text":"( 6509 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : ( وَإِنْ كَانَتْ أَمَةً تَأْوِي بِاللَّيْلِ عِنْدَ الزَّوْجِ ، وَبِالنَّهَارِ عِنْدَ الْمَوْلَى ، أَنْفَقَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُدَّةَ مُقَامِهَا عِنْدَهُ ) هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ قَدْ تَقَدَّمَتْ ، وَذَكَرْنَا أَنَّ النَّفَقَةَ فِي مُقَابَلَةِ التَّمْكِينِ ، وَقَدْ وُجِدَ مِنْهَا فِي اللَّيْلِ ، فَتَجِبُ عَلَى الزَّوْجِ النَّفَقَةُ فِيهِ ، وَالْبَاقِي مِنْهَا عَلَى السَّيِّدِ ، بِحُكْمِ أَنَّهَا مَمْلُوكَتُهُ لَمْ تَجِبْ لَهَا نَفَقَةٌ عَلَى غَيْرِهِ فِي هَذَا الزَّمَنِ ، فَيَكُونُ عَلَى هَذَا عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفُ النَّفَقَةِ .\rوَهَذَا أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ فِي الْآخَرِ : لَا نَفَقَةَ لَهَا عَلَى الزَّوْجِ ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تُمَكِّنْ مِنْ نَفْسِهَا فِي جَمِيعِ الزَّمَانِ ، فَلَمْ يَجِبْ لَهَا شَيْءٌ مِنْ النَّفَقَةِ ، كَالْحُرَّةِ إذَا بَذَلَتْ نَفْسَهَا فِي أَحَدِ الزَّمَانَيْنِ دُونَ الْآخَرِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ وُجِدَ التَّمْكِينُ الْوَاجِبُ بِعَقْدِ النِّكَاحِ فَاسْتَحَقَّتْ النَّفَقَةَ كَالْحُرَّةِ إذَا مَكَّنَتْ مِنْ نَفْسِهَا فِي غَيْرِ أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ الْمَفْرُوضَاتِ وَالصَّوْمِ الْوَاجِبِ ، وَالْحَجِّ الْمَفْرُوضِ .\rوَفَارَقَ الْحُرَّةَ إذَا امْتَنَعَتْ فِي أَحَدِ الزَّمَانَيْنِ ، فَإِنَّهَا لَمْ تَبْذُلْ الْوَاجِبَ ، فَتَكُونَ نَاشِزًا ، وَهَذِهِ لَيْسَتْ نَاشِزًا وَلَا عَاصِيَةً .\r( 6510 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : ( فَإِنْ كَانَ لَهَا وَلَدٌ ، لَمْ تَلْزَمْهُ نَفَقَةُ وَلَدِهِ ، حُرًّا كَانَ أَوْ عَبْدًا ، وَنَفَقَتُهُمْ عَلَى سَيِّدِهِمْ ) يَعْنِي الْأَمَةَ لَيْسَ عَلَى زَوْجِهَا نَفَقَةُ وَلَدِهَا مِنْهَا ، وَإِنْ كَانَ حُرًّا ؛ لِأَنَّ وَلَدَ الْأَمَةِ عَبْدٌ لِسَيِّدِهَا ، فَإِنَّ الْوَلَدَ يَتْبَعُ أُمَّهُ فِي الرِّقِّ وَالْحُرِّيَّةِ ، فَتَكُونُ نَفَقَتُهُمْ عَلَى سَيِّدِهِمْ دُونَ أَبِيهِمْ ، فَإِنَّ الْعَبْدَ أَخَصُّ بِسَيِّدِهِ مِنْ أَبِيهِ ؛ وَلِذَلِكَ لَا وِلَايَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَبِيهِ ، وَلَا مِيرَاثَ ، وَلَا إنْفَاقَ ، وَكُلُّ ذَلِكَ لِلسَّيِّدِ ، وَقَدْ رُوِيَتْ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ رَحِمَهُ اللَّهُ رِوَايَةٌ أُخْرَى ، أَنَّ وَلَدَ الْعَرَبِيِّ يَكُونُ حُرًّا ،","part":18,"page":187},{"id":8687,"text":"وَعَلَى أَبِيهِ فِدَاؤُهُ .\rفَعَلَى هَذَا تَكُونُ نَفَقَتُهُمْ عَلَيْهِ .\rوَلَوْ أَعْتَقَ الْوَلَدَ سَيِّدُهُ ، أَوْ عَلَّقَ عِتْقَهُ بِوِلَادَتِهِ ، أَوْ تَزَوَّجَ الْأَمَةَ عَلَى أَنَّهَا حُرَّةٌ ، فَوَلَدُهُ مِنْهَا أَحْرَارٌ ، وَعَلَى أَبِيهِمْ نَفَقَتُهُمْ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ كُلِّهَا ، إذَا كَانَ حُرًّا ، وَتَحَقَّقَتْ فِيهِ شَرَائِطُ الْإِنْفَاقِ .","part":18,"page":188},{"id":8688,"text":"فَصْلٌ : وَإِذَا طَلَّقَ الْأَمَةَ طَلَاقًا رَجْعِيًّا ، فَلَهَا النَّفَقَةُ فِي الْعِدَّةِ ؛ لِأَنَّهَا زَوْجَةٌ .\rوَإِنْ أَبَانَهَا وَهِيَ حَائِلٌ ، فَلَا نَفَقَةَ لَهَا ؛ لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ حُرَّةً ، لَمْ يَكُنْ لَهَا نَفَقَةٌ فَالْأَمَةُ أَوْلَى ، وَإِنْ كَانَتْ حَامِلًا ، فَلَهَا النَّفَقَةُ ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ } .\rنَصَّ عَلَى هَذَا أَحْمَدُ .\rوَبِهِ قَالَ إِسْحَاقُ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، فِي نَفَقَةِ الْحَامِلِ رِوَايَتَانِ ، هَلْ هِيَ لِلْحَمْلِ أَوْ لِلْحَامِلِ بِسَبَبِهِ ؟ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، هِيَ لِلْحَمْلِ .\rفَعَلَى هَذَا لَا تَجِبُ لِلْمَمْلُوكَةِ الْحَامِلِ الْبَائِنِ نَفَقَةٌ ؛ لِأَنَّ الْحَمْلَ مَمْلُوكٌ لِسَيِّدِهَا ، فَنَفَقَتُهُ عَلَيْهِ .\rوَلِلشَّافِعِيِّ فِي هَذَا قَوْلَانِ ، كَالرِّوَايَتَيْنِ .","part":18,"page":189},{"id":8689,"text":"( 6512 ) فَصْلٌ : وَإِنْ طَلَّقَ الْعَبْدُ زَوْجَتَهُ الْحَامِلَ طَلَاقًا بَائِنًا ، انْبَنَى عَلَى وُجُوبِ النَّفَقَةِ ، عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي النَّفَقَةِ ، هَلْ هِيَ لِلْحَمْلِ أَوْ لِلْحَامِلِ ؟ فَإِنْ قُلْنَا : هِيَ لِلْحَمْلِ .\rفَلَا نَفَقَةَ عَلَى الْعَبْدِ .\rوَبِهِ قَالَ مَالِكٌ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ الشَّعْبِيِّ ؛ لِأَنَّهُ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَةُ وَلَدِهِ .\rوَإِنْ قُلْنَا : هِيَ لِلْحَامِلِ بِسَبَبِهِ .\rوَجَبَتْ لَهَا النَّفَقَةُ .\rوَهَذَا قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : { وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ } .\rوَلِأَنَّهَا حَامِلٌ ، فَوَجَبَتْ لَهَا النَّفَقَةُ ، كَمَا لَوْ كَانَ زَوْجُهَا حُرًّا .","part":18,"page":190},{"id":8690,"text":"( 6513 ) فَصْلٌ : وَالْمُعْتَقُ بَعْضُهُ عَلَيْهِ مِنْ نَفَقَةِ امْرَأَتِهِ بِقَدْرِ مَا فِيهِ مِنْ الْحُرِّيَّةِ ، وَبَاقِيهَا عَلَى سَيِّدِهِ ، أَوْ فِي ضَرِيبَتِهِ ، أَوْ فِي رَقَبَتِهِ ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي الْعَبْدِ .\rوَالْقَدْرُ الَّذِي يَجِبُ عَلَيْهِ بِالْحُرِّيَّةِ ، يُعْتَبَرُ فِيهِ حَالُهُ ؛ إنْ كَانَ مُوسِرًا فَنَفَقَةُ الْمُوسِرِينَ ، وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا فَنَفَقَةُ الْمُعْسِرِينَ ، وَالْبَاقِي تَجِبُ فِيهِ نَفَقَةُ الْمُعْسِرِينَ ؛ لِأَنَّ النَّفَقَةَ مِمَّا يَتَبَعَّضُ ، وَمَا يَتَبَعَّضُ بَعَّضْنَاهُ فِي حَقِّ الْمُعْتَقِ بَعْضُهُ كَالْمِيرَاثِ وَالدِّيَاتِ ، وَمَا لَا يَتَبَعَّضُ ، فَهُوَ فِيهِ كَالْعَبْدِ ، وَلِأَنَّ الْحُرِّيَّةَ إمَّا شَرْطٌ فِيهِ ، أَوْ سَبَبٌ لَهُ ، فَلَمْ يَكْمُلْ .\rوَهَذَا اخْتِيَارُ الْمُزَنِيّ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : حُكْمُهُ حُكْمُ الْقِنِّ فِي الْجَمِيعِ ، إلْحَاقًا لِأَحَدِ الْحُكْمَيْنِ بِالْآخَرِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ يَمْلِكُ بِنِصْفِهِ الْحُرِّ مِلْكًا تَامًّا ؛ وَلِهَذَا يُورَثُ عَنْهُ ، وَيُكَفِّرُ بِالْإِطْعَامِ ، وَيَجِبُ فِيهِ نِصْفُ دِيَةِ الْحُرِّ ، فَوَجَبَ أَنْ تَتَبَعَّضَ نَفَقَتُهُ ؛ لِأَنَّهَا مِنْ جُمْلَةِ الْأَحْكَامِ الْقَابِلَةِ لِلتَّبْعِيضِ ، فَأَمَّا نَفَقَةُ أَقَارِبِهِ ، فَيَلْزَمُهُ مِنْهَا بِقَدْرِ مِيرَاثِهِ ؛ لِأَنَّ النَّفَقَةَ تَنْبَنِي عَلَى الْمِيرَاثِ .\rوَعِنْدَ الْمُزَنِيّ ، تَلْزَمُهُ كُلُّهَا ؛ لِأَنَّهَا لَا تَتَبَعَّضُ .\rوَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ ، لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ ؛ لِأَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الْعَبِيدِ .\rوَقَدْ سَبَقَ الْكَلَامُ فِي هَذَا .","part":18,"page":191},{"id":8691,"text":"( 6514 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : ( وَلَيْسَ عَلَى الْعَبْدِ نَفَقَةُ وَلَدِهِ ، حُرَّةً كَانَتْ الزَّوْجَةُ أَوْ أَمَةً ) أَمَّا إذَا كَانَتْ زَوْجَةُ الْعَبْدِ حُرَّةً فَوَلَدُهَا أَحْرَارٌ ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ يَتْبَعُ الْأُمَّ فِي الرِّقِّ وَالْحُرِّيَّةِ ، وَلَيْسَ عَلَى الْعَبْدِ نَفَقَةُ أَقَارِبِهِ الْأَحْرَارِ ؛ لِأَنَّ نَفَقَتَهُمْ تَجِبُ عَلَى سَبِيلِ الْمُوَاسَاةِ ، وَلَيْسَ هُوَ مِنْ أَهْلِهَا .\rوَأَمَّا إذَا كَانَتْ زَوْجَتُهُ مَمْلُوكَةً ، فَوَلَدُهَا عَبِيدٌ لِسَيِّدِهَا ؛ لِأَنَّهُمْ يَتْبَعُونَهَا ، فَتَكُونُ نَفَقَتُهُمْ عَلَى سَيِّدِهِمْ .","part":18,"page":192},{"id":8692,"text":"فَصْلٌ : وَحُكْمُ الْمُكَاتَبِ ، فِي نَفَقَةِ الزَّوْجَاتِ وَالْأَوْلَادِ وَالْأَقَارِبِ ، حُكْمُ الْعَبْدِ الْقِنِّ ؛ لِأَنَّهُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ ، إلَّا أَنَّهُ إذَا كَانَتْ لَهُ زَوْجَةٌ أَنْفَقَ عَلَيْهَا مِنْ كَسْبِهِ ؛ لِأَنَّ نَفَقَةَ الزَّوْجَةِ وَاجِبَةٌ بِحُكْمِ الْمُعَاوَضَةِ مَعَ الْيَسَارِ وَالْإِعْسَارِ ، وَلِذَلِكَ وَجَبَتْ عَلَى الْعَبْدِ فَعَلَى الْمُكَاتَبِ أَوْلَى ، وَلِأَنَّ نَفَقَةَ الْمَرْأَةِ لَا تَسْقُطُ عَنْ أَحَدٍ مِنْ النَّاسِ ، إذَا لَمْ يُوجَدْ مِنْهَا مَا يُسْقِطُ نَفَقَتَهَا ، وَلَا يُمْكِنُ إيجَابُهَا عَلَى سَيِّدِهِ ؛ لِأَنَّ نَفَقَةَ الْمُكَاتَبِ لَا تَجِبُ عَلَى سَيِّدِهِ ، فَنَفَقَةُ امْرَأَتِهِ أَوْلَى .\rفَأَمَّا نَفَقَةُ أَوْلَادِهِ وَأَقَارِبِهِ الْأَحْرَارِ ، فَلَا تَجِبُ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهَا تَجِبُ عَلَى سَبِيلِ الْمُوَاسَاةِ ، وَلَيْسَ هُوَ مِنْ أَهْلِهَا ؛ وَلِذَلِكَ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ فِي مَالِهِ ، وَلَا الْفِطْرَةُ فِي بَدَنِهِ ، فَإِنْ كَانَتْ زَوْجَتُهُ حُرَّةً ، فَنَفَقَةُ أَوْلَادِهَا عَلَيْهَا ؛ لِأَنَّهُمْ يَتْبَعُونَهَا فِي الْحُرِّيَّةِ .\rوَإِنْ كَانَ لَهُمْ أَقَارِبُ أَحْرَارٌ ، كَجَدٍّ حُرٍّ وَأَخٍ حُرٍّ مَعَ الْأُمِّ ، أَنْفَقَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِحَسَبِ مِيرَاثِهِ ، وَالْمُكَاتَبُ كَأَنَّهُ مَعْدُومٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى النَّفَقَةِ .","part":18,"page":193},{"id":8693,"text":"( 6516 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : ( وَعَلَى الْمُكَاتَبَةِ نَفَقَةُ وَلَدِهَا دُونَ أَبِيهِ الْمُكَاتَبِ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْمُكَاتَبَ إذَا كَانَ لَهُ وَلَدٌ ، لَمْ يَخْلُ ؛ إمَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ زَوْجَةٍ أَوْ مِنْ أَمَةٍ ، فَإِنْ كَانَ مِنْ زَوْجَةٍ ، وَكَانَتْ مُكَاتَبَةً ، فَوَلَدُهَا يَتْبَعُونَهَا فِي الْكِتَابَة ، وَيَكُونُونَ مَوْقُوفِينَ عَلَى كِتَابَتِهَا ؛ إنْ رَقَّتْ رَقُّوا ، وَإِنْ عَتَقَتْ بِالْأَدَاءِ عَتَقُوا ، فَتَكُونُ نَفَقَتُهُمْ عَلَيْهَا مِمَّا فِي يَدَيْهَا ؛ لِأَنَّهُمْ فِي حُكْمِ نَفْسِهَا ، وَنَفَقَتُهَا مِمَّا فِي يَدَيْهَا ، فَكَذَلِكَ عَلَى وَلَدِهَا .\rوَأَمَّا زَوْجُهَا الْمُكَاتَبُ ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُمْ ؛ لِأَنَّهُمْ عَبِيدٌ لِسَيِّدِ الْمُكَاتَبَةِ .\rوَإِنْ كَانَتْ ، زَوْجَتُهُ حُرَّةً أَوْ أَمَةً ، فَقَدْ بَيَّنَّا حُكْمَهُمْ .\rوَإِنْ أَرَادَ الْمُكَاتَبُ التَّبَرُّعَ بِالْإِنْفَاقِ عَلَى وَلَدِهِ ، وَكَانَ مِنْ أَمَةٍ أَوْ مُكَاتَبَةٍ لِغَيْرِ سَيِّدِهِ ، أَوْ حُرَّةٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَغْرِيرًا بِمَالِ سَيِّدِهِ ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَمَةٍ لِسَيِّدِهِ ، جَازَ ؛ لِأَنَّهُ مَمْلُوكٌ لِسَيِّدِهِ ، فَهُوَ يُنْفِقُ عَلَيْهِ مِنْ الْمَالِ الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ سَيِّده ، وَإِنْ كَانَ مِنْ مُكَاتَبَةٍ لِسَيِّدِهِ ، احْتَمَلَ الْجَوَازَ لِأَنَّهُ فِي الْحَالِ بِمَنْزِلَةِ أُمِّهِ ، وَأُمُّهُ مَمْلُوكَةٌ لِسَيِّدِهَا .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَجُوزَ ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَغْرِيرًا ، إذْ لَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَعْجِزَ هُوَ ، وَتُؤَدِّي الْمُكَاتَبَةُ ، فَيَعْتِقُ وَلَدُهَا ، فَيَحْصُلُ الْإِنْفَاقُ عَلَيْهَا مِنْ مَالِ سَيِّدِهِ ، وَيَصِيرُ حُرًّا .","part":18,"page":194},{"id":8694,"text":"( 6517 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَعَلَى الْمُكَاتَبِ نَفَقَةُ وَلَدِهِ مِنْ أَمَتِهِ ) أَمَّا وَلَدُ الْمُكَاتَبِ مِنْ أَمَتِهِ ، فَنَفَقَتُهُمْ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ وَلَدَهُ مِنْ أَمَتِهِ تَابِعٌ لَهُ ، يَرِقُّ بِرِقِّهِ ، وَيَعْتِقُ بِعِتْقِهِ ، فَجَرَى مَجْرَى نَفْسِهِ فِي النَّفَقَةِ ، فَكَمَا أَنَّ الْمُكَاتَبَ يُنْفِقُ عَلَى نَفْسِهِ فَكَذَلِكَ عَلَى وَلَدِهِ الَّذِي هَذَا حَالُهُ ، وَلِأَنَّ هَذَا الْوَلَدَ لَيْسَ لَهُ مَنْ يُنْفِقُ عَلَيْهِ سِوَى أَبِيهِ ، فَإِنَّ أُمَّهُ أَمَةٌ لِلْمُكَاتَبِ ، وَلَيْسَ لَهُ مِنْ الْأَحْرَارِ أَقَارِبٌ ، فَيَتَعَيَّنُ عَلَى الْمُكَاتَبِ الْإِنْفَاقُ عَلَيْهِ ، كَأُمِّهِ ، وَلِأَنَّهُ لَا ضَرَرَ عَلَى السَّيِّدِ فِي إنْفَاقِ الْمُكَاتَبِ عَلَى وَلَدِهِ مِنْ أَمَتِهِ ؛ لِأَنَّهُ إنْ أَدَّى وَعَتَقَ ، فَقَدْ وَفَّى مَالَ الْكِتَابَةِ ، وَلَيْسَ لِلسَّيِّدِ أَكْثَرُ مِنْهَا ، وَإِنْ عَجَزَ وَرَقَّ ، عَادَ إلَيْهِ الْمُكَاتَبُ وَوَلَدُهُ الَّذِي أَنْفَقَ عَلَيْهِ ، فَكَأَنَّهُ إنَّمَا أَنْفَقَ عَلَى عَبْدِهِ ، وَتَصِيرُ نَفَقَتُهُ عَلَيْهِ كَنَفَقَتِهِ عَلَى سَائِرِ رَقِيقِهِ .","part":18,"page":195},{"id":8695,"text":"( 6518 ) فَصْلٌ : وَلَيْسَ لِلْمُكَاتَبِ أَنْ يَتَسَرَّى بِأَمَتِهِ إلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ ؛ لِأَنَّ مِلْكَهُ غَيْرُ تَامٍّ ، وَعَلَى السَّيِّدِ ضَرَرٌ فِي تَسَرِّيهِ بِهَا ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّغْرِيرِ بِهَا .\rوَإِنْ أَذِنَ لَهُ سَيِّدُهُ فِي ذَلِكَ ، جَازَ ؛ لِأَنَّ الْمَنْعِ لِحَقِّهِ ، فَجَازَ بِإِذْنِهِ ، كَمَا لَوْ أَذِنَ لِعَبْدِهِ الْقِنِّ .\rوَإِنْ وَطِئَ بِغَيْرِ إذْنِهِ ، فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ وَطِئَ مَمْلُوكَتَهُ ، فَإِنْ أَوْلَدَهَا فِي الْمَوْضِعَيْنِ ، صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ لَيْسَ لَهُ بَيْعُهَا ، وَلَا يَبِعْ وَلَدَهُ ، فَإِنْ عَتَقَ ، عَتَقَ وَلَدُهَا ، وَصَارَتْ الْأَمَةُ أُمَّ وَلَدٍ ، تَعْتِقُ بِمَوْتِهِ ، وَإِنْ رَقَّ ، رَقَّتْ هِيَ وَوَلَدُهَا ، وَصَارَتْ أَمَةً لَسَيِّدِهِ ، وَالْمُكَاتَبُ وَوَلَدُهُ عَبْدَانِ لَهُ .\rوَيَلْزَمُ الْمُكَاتَبَ الْإِنْفَاقُ عَلَى عَبِيدِهِ ، وَإِمَائِهِ ، وَأُمَّهَاتِ أَوْلَادِهِ ؛ لِأَنَّهُمْ مِلْكٌ لَهُ ، فَلَزِمَهُ الْإِنْفَاقُ عَلَيْهِمْ ، كَبَهَائِمِهِ .","part":18,"page":196},{"id":8696,"text":"بَابٌ الْحَالُ الَّتِي تَجِبُ فِيهَا النَّفَقَةُ عَلَى الزَّوْجِ .\r( 6519 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ : ( وَإِذَا تَزَوَّجَ بِامْرَأَةٍ مِثْلُهَا يُوطَأُ ، فَلَمْ تَمْنَعْهُ نَفْسَهَا ، وَلَا مَنَعَهُ أَوْلِيَاؤُهَا ، لَزِمَتْهُ النَّفَقَةُ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْمَرْأَةَ تَسْتَحِقُّ النَّفَقَةَ عَلَى زَوْجِهَا بِشَرْطَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنْ تَكُونَ كَبِيرَةً يُمْكِنُ وَطْؤُهَا ، فَإِنْ كَانَتْ صَغِيرَةً لَا تَحْتَمِلُ الْوَطْءَ ، فَلَا نَفَقَةَ لَهَا .\rوَبِهَذَا قَالَ الْحَسَنُ ، وَبَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيّ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَهُوَ الْمَنْصُوصُ عَنْ الشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ فِي مَوْضِعٍ لَوْ قِيلَ : لَهَا النَّفَقَةُ .\rكَانَ مَذْهَبًا .\rوَهَذَا قَوْل الثَّوْرِيِّ ؛ لِأَنَّ تَعَذُّرَ الْوَطْءِ لَمْ يَكُنْ بِفِعْلِهَا ، فَلَمْ يَمْنَعْ وُجُوبَ النَّفَقَةِ لَهَا ، كَالْمَرَضِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ النَّفَقَةَ تَجِبُ بِالتَّمْكِينِ مِنْ الِاسْتِمْتَاعِ ، وَلَا يُتَصَوَّرُ ذَلِكَ مَعَ تَعَذُّرِ الِاسْتِمْتَاعِ ، فَلَمْ تَجِبْ نَفَقَتُهَا ، كَمَا لَوْ مَنَعَهُ أَوْلِيَاؤُهَا مِنْ تَسْلِيمِ نَفْسِهَا ، وَبِهَذَا يَبْطُلُ مَا ذَكَرُوهُ ، وَيُفَارِقُ الْمَرِيضَةَ ، فَإِنَّ الِاسْتِمْتَاعَ بِهَا مُمْكِنٌ ، وَإِنَّمَا نَقَصَ بِالْمَرَضِ ، وَلِأَنَّ مَنْ لَا تُمَكِّنُ الزَّوْجَ مِنْ نَفْسِهَا ، لَا يَلْزَمُ الزَّوْجَ نَفَقَتُهَا ، فَهَذِهِ أَوْلَى ؛ لِأَنَّ تِلْكَ يُمْكِنُ الزَّوْجُ قَهْرَهَا وَالِاسْتِمْتَاعُ بِهَا كُرْهًا ، وَهَذِهِ لَا يُمْكِنُ ذَلِكَ فِيهَا بِحَالٍ .\rالشَّرْطُ الثَّانِي ، أَنْ تَبْذُلَ التَّمْكِينَ التَّامَّ مِنْ نَفْسِهَا لِزَوْجِهَا ، فَأَمَّا إنْ مَنَعَتْ نَفْسَهَا أَوْ مَنَعَهَا أَوْلِيَاؤُهَا ، أَوْ تَسَاكَتَا بَعْدَ الْعَقْدِ ، فَلَمْ تَبْذُلْ وَلَمْ يَطْلُبْ ، فَلَا نَفَقَةَ لَهَا ، وَإِنْ أَقَامَا زَمَنًا ، فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَزَوَّجَ عَائِشَةَ وَدَخَلَتْ عَلَيْهِ بَعْدَ سَنَتَيْنِ ، وَلَمْ يُنْفِقْ إلَّا بَعْدَ دُخُولِهِ ، وَلَمْ يَلْتَزِمْ نَفَقَتَهَا لِمَا مَضَى .\rوَلِأَنَّ النَّفَقَةَ تَجِبُ فِي مُقَابَلَةِ التَّمْكِينِ","part":18,"page":197},{"id":8697,"text":"الْمُسْتَحَقِّ بِعَقْدِ النِّكَاحِ ، فَإِذَا وُجِدَ اسْتَحَقَّتْ ، وَإِذَا فُقِدَ لَمْ تَسْتَحِقَّ شَيْئًا ، وَلَوْ بَذَلَتْ تَسْلِيمًا غَيْرَ تَامٍّ ، بِأَنْ تَقُولَ : أُسَلِّمُ إلَيْك نَفْسِي فِي مَنْزِلِي دُونَ غَيْرِهِ .\rأَوْ فِي الْمَوْضِعِ الْفُلَانِيِّ دُونَ غَيْرِهِ .\rلَمْ تَسْتَحِقَّ شَيْئًا ، إلَّا أَنْ تَكُونَ قَدْ اشْتَرَطَتْ ذَلِكَ فِي الْعَقْدِ ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَبْذُلْ التَّسْلِيمَ الْوَاجِبَ بِالْعَقْدِ ، فَلَمْ تَسْتَحِقَّ النَّفَقَةَ ، كَمَا لَوْ قَالَ الْبَائِعُ : أُسَلِّمُ إلَيْك السِّلْعَةَ عَلَى أَنْ تَتْرُكَهَا فِي مَوْضِعِهَا ، أَوْ فِي مَكَان بِعَيْنِهِ .\rوَإِنْ شَرَطَتْ دَارَهَا أَوْ بَلَدَهَا ، فَسَلَّمَتْ نَفْسَهَا فِي ذَلِكَ ، اسْتَحَقَّتْ النَّفَقَةَ ؛ لِأَنَّهَا سَلَّمَتْ التَّسْلِيمَ الْوَاجِبَ عَلَيْهَا ؛ وَلِذَلِكَ لَوْ سَلَّمَ السَّيِّدُ أَمَتَهُ الْمُزَوَّجَةَ لَيْلًا دُونَ النَّهَارِ ، اسْتَحَقَّتْ النَّفَقَةَ ، وَفَارَقَ الْحُرَّةَ ، فَإِنَّهَا لَوْ بَذَلَتْ تَسْلِيمَ نَفْسِهَا فِي بَعْضِ الزَّمَانِ ، لَمْ تَسْتَحِقَّ شَيْئًا ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تُسَلِّمْ التَّسْلِيمَ الْوَاجِبَ بِالْعَقْدِ .\rوَكَذَلِكَ إنْ أَمْكَنَتْهُ مِنْ الِاسْتِمْتَاعِ ، وَمَنَعَتْهُ اسْتِمْتَاعًا ، لَمْ تَسْتَحِقَّ شَيْئًا لِذَلِكَ .","part":18,"page":198},{"id":8698,"text":"( 6520 ) فَصْلٌ : وَإِنْ غَابَ الزَّوْجُ بَعْدَ تَمْكِينِهَا وَوُجُوبِ نَفَقَتِهَا عَلَيْهِ ، لَمْ تَسْقُطْ عَنْهُ ، بَلْ تَجِبُ عَلَيْهِ فِي زَمَنِ غَيْبَتِهِ ؛ لِأَنَّهَا اسْتَحَقَّتْ النَّفَقَةَ بِالتَّمْكِينِ ، وَلَمْ يُوجَدْ مِنْهَا مَا يُسْقِطُهَا .\rوَإِنْ غَابَ قَبْلَ تَمْكِينِهَا ، فَلَا نَفَقَةَ لَهَا عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدُ الْمُوجِبُ لَهَا .\rفَإِنْ بَذَلَتْ التَّسْلِيمَ وَهُوَ غَائِبٌ ، لَمْ تَسْتَحِقَّ نَفَقَةً ؛ لِأَنَّهَا بَذَلَتْهُ فِي حَالٍ لَا يُمْكِنُهُ التَّسْلِيمُ فِيهِ ، لَكِنْ إنْ مَضَتْ إلَى الْحَاكِمِ ، فَبَذَلَتْ التَّسْلِيمَ ، كَتَبَ الْحَاكِمُ إلَى حَاكِمِ الْبَلَدِ الَّذِي هُوَ فِيهِ لِيَسْتَدْعِيَهُ وَيُعْلِمَهُ ذَلِكَ ، فَإِنْ سَارَ إلَيْهَا ، أَوْ وَكَّلَ مَنْ يُسَلِّمُهَا إلَيْهِ ، فَوَصَلَ ، وَتَسَلَّمْهَا هُوَ أَوْ نَائِبُهُ ، وَجَبَتْ النَّفَقَةُ حِينَئِذٍ ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ ، فَرَضَ الْحَاكِمُ عَلَيْهِ نَفَقَتَهَا مِنْ الْوَقْتِ الَّذِي كَانَ يُمْكِنُ الْوُصُولُ إلَيْهَا وَتَسَلُّمُهَا فِيهِ ؛ لِأَنَّ الزَّوْجَ امْتَنَعَ مِنْ تَسَلُّمِهَا مَعَ إمْكَانِ ذَلِكَ ، وَبَذْلِهَا إيَّاهُ لَهُ ، فَلَزِمَتْهُ نَفَقَتُهَا ، كَمَا لَوْ كَانَ حَاضِرًا .\rوَإِنْ كَانَتْ الزَّوْجَةُ صَغِيرَةً ، يُمْكِنُ وَطْؤُهَا ، أَوْ مَجْنُونَةً ، فَسَلَّمَتْ نَفْسَهَا إلَيْهِ ، فَتَسَلَّمْهَا ، لَزِمَتْهُ نَفَقَتُهَا كَالْكَبِيرَةِ ، وَإِنْ لَمْ يَتَسَلَّمْهَا ، لِمَنْعِهَا نَفْسَهَا ، أَوْ مَنْعِ أَوْلِيَائِهَا ، فَلَا نَفَقَةَ لَهَا عَلَيْهِ .\rوَإِنْ غَابَ الزَّوْجُ ، فَبَذَلَ وَلِيُّهَا تَسْلِيمَهَا ، فَهُوَ كَمَا لَوْ بَذَلَتْ الْمُكَلَّفَةُ التَّسْلِيمَ ، فَإِنَّ وَلِيَّهَا يَقُومُ مَقَامَهَا .\rوَإِنْ بَذَلَتْ هِيَ دُونَ وَلِيِّهَا ، لَمْ يَفْرِضْ الْحَاكِمُ النَّفَقَةَ لَهَا ؛ لِأَنَّهُ لَا حُكْمَ لِكَلَامِهَا .","part":18,"page":199},{"id":8699,"text":"( 6521 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَإِذَا كَانَتْ بِهَذِهِ الْحَالِ الَّتِي وَصَفْت ، وَزَوْجُهَا صَبِيٌّ ، أُجْبِرَ وَلِيُّهُ عَلَى نَفَقَتِهَا مِنْ مَالِ الصَّغِيرِ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ ، فَاخْتَارَتْ فِرَاقَهُ ، فَرَّقَ الْحَاكِمُ بَيْنَهُمَا ) يَعْنِي إذَا كَانَتْ الْمَرْأَةُ كَبِيرَةً ، يُمْكِنُ الِاسْتِمْتَاعُ بِهَا ، فَمَكَّنَتْ مِنْ نَفْسِهَا ، أَوْ بَذَلَتْ تَسْلِيمَهَا ، وَلَمْ تَمْنَعْ نَفْسَهَا ، وَلَا مَنَعَهَا أَوْلِيَاؤُهَا ، فَعَلَى زَوْجِهَا الصَّبِيِّ نَفَقَتُهَا وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ وَالشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ وَقَالَ فِي الْآخَرِ : لَا نَفَقَةَ لَهَا وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ لِأَنَّ الزَّوْجَ لَا يَتَمَكَّنْ مِنْ الِاسْتِمْتَاعِ بِهَا ، فَلَمْ تَلْزَمْهُ نَفَقَتُهَا ، كَمَا لَوْ كَانَتْ غَائِبَةً أَوْ صَغِيرَةً وَلَنَا ، أَنَّهَا سَلَّمَتْ نَفْسَهَا تَسْلِيمًا صَحِيحًا ، فَوَجَبَتْ لَهَا النَّفَقَةُ ، كَمَا لَوْ كَانَ الزَّوْجُ كَبِيرًا ، وَلِأَنَّ الِاسْتِمْتَاعَ بِهَا مُمْكِنٌ ، وَإِنَّمَا تَعَذَّرَ مِنْ جِهَةِ الزَّوْجِ ، كَمَا لَوْ تَعَذَّرَ التَّسْلِيمُ لِمَرَضِهِ أَوْ غَيْبَتِهِ ، وَفَارَقَ مَا إذَا غَابَتْ ، أَوْ كَانَتْ صَغِيرَةً ، فَإِنَّهَا لَمْ تُسَلِّمْ نَفْسَهَا تَسْلِيمًا صَحِيحًا ، وَلَمْ تَبْذُلْ ذَلِكَ ، فَعَلَى هَذَا يُجْبَرُ الْوَلِيُّ عَلَى نَفَقَتِهَا مِنْ مَالِ الصَّبِيِّ ؛ لِأَنَّ النَّفَقَةَ عَلَى الصَّبِيِّ ، وَإِنَّمَا الْوَلِيُّ يَنُوبُ عَنْهُ فِي أَدَاءِ الْوَاجِبَاتِ عَلَيْهِ ، كَمَا يُؤَدِّي أُرُوشَ جِنَايَاتِهِ ، وَقِيَمَ مُتْلَفَاتِهِ ، وَزَكَوَاتِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ ، فَاخْتَارَتْ فِرَاقَهُ ، فَرَّقَ الْحَاكِمُ بَيْنَهُمَا ، كَمَا ذَكَرْنَا فِي حَقِّ الْكَبِيرِ فَإِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ ، وَامْتَنَعَ الْوَلِيُّ مِنْ الْإِنْفَاقِ ، أَجْبَرَهُ الْحَاكِمُ بِالْحَبْسِ ، فَإِنْ لَمْ يُنْفِقْ ، أَخَذَ الْحَاكِمُ مِنْ مَالِ الصَّبِيِّ ، وَأَنْفَقَ عَلَيْهَا ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ ، وَصَبَرَ الْوَلِيُّ عَلَى الْحَبْسِ ، وَتَعَذَّرَ الْإِنْفَاقُ ، فَرَّقَ الْحَاكِمُ بَيْنَهُمَا ، إذَا طَلَبَتْ ذَلِكَ ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي حَقِّ الْكَبِيرِ وَذَكَرَ","part":18,"page":200},{"id":8700,"text":"الْقَاضِي فِي الْكَبِيرِ ، أَنَّهُ لَا يُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا ، فَكَذَلِكَ هَاهُنَا مِثْلُهُ ؛ لِأَنَّهُمَا سَوَاءٌ فِي وُجُوبِ الْإِنْفَاقِ عَلَيْهِمَا ، فَكَذَلِكَ فِي أَحْكَامِهِ .","part":18,"page":201},{"id":8701,"text":"( 6522 ) فَصْلٌ : وَإِنْ بَذَلَتْ الرَّتْقَاءُ ، أَوْ الْحَائِضُ ، أَوْ النُّفَسَاءُ ، أَوْ النِّضْوَةُ الْخَلْقِ الَّتِي لَا يُمْكِنُهُ وَطْؤُهَا ، أَوْ الْمَرِيضَةُ ، تَسْلِيمَ نَفْسِهَا ، لَزِمَتْهُ نَفَقَتُهَا ، وَإِنْ حَدَثَ بِهَا شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ ، لَمْ تَسْقُطْ نَفَقَتُهَا ؛ لِأَنَّ الِاسْتِمْتَاعَ مُمْكِنٌ ، وَلَا تَفْرِيطَ مِنْ جِهَتهَا وَإِنْ مَنَعَ مِنْ الْوَطْءِ ، وَيُفَارِقُ الصَّغِيرَةَ ، فَإِنَّ لَهَا حَالًا يَتَمَكَّنُ مِنْ الِاسْتِمْتَاعِ بِهَا فِيهَا اسْتِمْتَاعًا تَامًّا ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا انْتِظَارًا لِتِلْكَ الْحَالِ ، بِخِلَافِ هَؤُلَاءِ ، وَلِذَلِكَ لَوْ طَلَبَ تَسْلِيمَ هَؤُلَاءِ وَجَبَ تَسْلِيمُهُنَّ ، وَلَوْ طَلَبَ تَسْلِيمَ الصَّغِيرَةِ لَمْ يَجِبْ فَإِنْ قِيلَ : فَلَوْ بَذَلَتْ الصَّحِيحَةُ الِاسْتِمْتَاعَ بِهَا دُونَ الْوَطْءِ ، لَمْ تُجِبْ لَهَا النَّفَقَةُ ، فَكَذَلِكَ هَؤُلَاءِ قُلْنَا : لِأَنَّ تِلْكَ مَنَعَتْ مِمَّا يَجِبُ عَلَيْهَا ، وَهَؤُلَاءِ لَا يَجِبُ عَلَيْهِنَّ التَّمْكِينُ مِمَّا فِيهِ ضَرَرٌ فَإِنْ ادَّعَتْ أَنَّ عَلَيْهَا ضَرَرًا فِي وَطْئِهِ لِضِيقِ فَرْجِهَا ، أَوْ قُرُوحٍ بِهِ ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ ، وَأَنْكَرَ هُوَ ، أُرِيَتْ امْرَأَةً ثِقَةً ، وَعُمِلَ بُقُولِهَا وَإِنْ ادَّعَتْ عَبَالَةَ ذَكَرِهِ وَعِظَمَهُ ، جَازَ أَنْ تَنْظُرَ الْمَرْأَةُ إلَيْهِمَا حَالَ اجْتِمَاعِهِمَا ؛ لِأَنَّهُ مَوْضِعُ حَاجَةٍ ، وَيَجُوزُ النَّظَرُ إلَى الْعَوْرَةِ لِلْحَاجَةِ وَالشَّهَادَةِ .","part":18,"page":202},{"id":8702,"text":"( 6523 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَإِنْ طَالَبَ الزَّوْجُ بِالدُّخُولِ ، وَقَالَتْ : لَا أُسَلِّمُ نَفْسِي حَتَّى أَقْبِضَ صَدَاقِي كَانَ ذَلِكَ لَهَا ، وَلَزِمَتْهُ النَّفَقَةُ إلَى أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهَا صَدَاقَهَا ) وَجُمْلَتُهُ ، أَنَّ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَمْنَعَ نَفْسَهَا حَتَّى تَتَسَلَّمَ صَدَاقَهَا ؛ لِأَنَّ تَسْلِيمَ نَفْسِهَا قَبْلَ تَسْلِيمِ صَدَاقِهَا يُفْضِي إلَى أَنْ يَسْتَوْفِيَ مَنْفَعَتَهَا الْمَعْقُودَ عَلَيْهَا بِالْوَطْءِ ، ثُمَّ لَا يُسَلِّمَ صَدَاقَهَا ، فَلَا يُمْكِنُهَا الرُّجُوعُ فِيمَا اسْتَوْفَى مِنْهَا ، بِخِلَافِ الْمَبِيعِ إذَا تَسَلَّمَهُ الْمُشْتَرِي ثُمَّ أَعْسَرَ بِالثَّمَنِ ، فَإِنَّهُ يُمْكِنُهُ الرُّجُوعُ فِيهِ ؛ فَلِهَذَا أَلْزَمْنَاهُ تَسْلِيمَ صَدَاقِهَا أَوَّلًا ، وَجَعَلْنَا لَهَا أَنْ تَمْتَنِعَ مِنْ تَسْلِيمِ نَفْسِهَا حَتَّى تَقْبِضَ صَدَاقَهَا ؛ لِأَنَّهُ إذَا سَلَّمَ إلَيْهَا الصَّدَاقَ ثُمَّ امْتَنَعَتْ مِنْ تَسْلِيمِ نَفْسِهَا ، أَمْكَنَ الرُّجُوعُ فِيهِ ، فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَمَتَى امْتَنَعَتْ مِنْ تَسْلِيمِ نَفْسِهَا لِتَقْبِضَ صَدَاقَهَا ، فَلَهَا نَفَقَتُهَا ؛ لِأَنَّهَا امْتَنَعَتْ بِحَقٍّ فَإِنْ قِيلَ : فَلَوْ امْتَنَعَتْ لَصِغَرٍ أَوْ مَرَضٍ ، لَمْ يَلْزَمْهُ نَفَقَتُهَا قُلْنَا : الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ امْتِنَاعَهَا لَمَرَضٍ لِمَعْنًى مِنْ جِهَتِهَا ، وَكَذَلِكَ الِامْتِنَاعُ لِلصِّغَرِ ، وَهَا هُنَا الِامْتِنَاعُ لِمَعْنًى مِنْ جِهَةِ الزَّوْجِ ، وَهُوَ مَنْعُهُ لِمَا وَجَبَ لَهَا عَلَيْهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ تَعَذَّرَ الِاسْتِمْتَاعُ لِصِغَرِ الزَّوْجِ ، فَإِنَّهُ لَا تَسْقُطُ نَفَقَتُهَا عَنْهُ ، وَلَوْ تَعَذَّرَ لِصِغَرِهَا ، لَا تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهَا .","part":18,"page":203},{"id":8703,"text":"( 6524 ) فَصْلٌ : إذَا سَافَرَتْ زَوْجَتُهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ ، سَقَطَتْ نَفَقَتُهَا عَنْهُ ؛ لِأَنَّهَا نَاشِزٌ وَكَذَلِكَ إنْ انْتَقَلَتْ مِنْ مَنْزِلِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ وَإِنْ سَافَرَتْ بِإِذْنِهِ ، فِي حَاجَتِهِ ، فَهِيَ عَلَى نَفَقَتِهَا ؛ لِأَنَّهَا سَافَرَتْ فِي شُغْلِهِ وَمُرَادِهِ ، وَإِنْ كَانَ فِي حَاجَةِ نَفْسِهَا ، سَقَطَتْ نَفَقَتُهَا ؛ لِأَنَّهَا فَوَّتَتْ التَّمْكِينَ لَحَظِّ نَفْسِهَا ، وَقَضَاءِ حَاجَتِهَا ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ اسْتَنْظَرَتْهُ قَبْلَ الدُّخُولِ مُدَّةً فَأَنْظَرَهَا ، إلَّا أَنْ يَكُونَ مُسَافِرًا مَعَهَا ، مُتَمَكِّنًا مِنْ اسْتِمْتَاعِهَا ، فَلَا تَسْقُطُ نَفَقَتُهَا ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تُفَوِّتْ التَّمْكِينَ ، فَأَشْبَهَتْ غَيْرَ الْمُسَافِرَةِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا تَسْقُطَ نَفَقَتُهَا ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهَا ؛ لِأَنَّهَا مُسَافِرَةٌ بِإِذْنِهِ ، أَشْبَهَ مَا لَوْ سَافَرَتْ فِي حَاجَتِهِ ، وَسَوَاءٌ كَانَ سَفَرُهَا لِتِجَارَةٍ ، أَوْ حَجِّ تَطَوُّعٍ ، أَوْ زِيَارَةٍ وَلَوْ أَحْرَمَتْ بِحَجِّ تَطَوُّعٍ بِغَيْرِ إذْنِهِ ، سَقَطَتْ نَفَقَتُهَا ؛ لِأَنَّهَا فِي مَعْنَى الْمُسَافِرَةِ وَإِنْ أَحْرَمَتْ بِهِ بِإِذْنِهِ ، فَقَالَ الْقَاضِي : لَهَا النَّفَقَةُ وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا كَالْمُسَافِرَةِ ؛ لِأَنَّهَا بِإِحْرَامِهَا مَانِعَةٌ لَهُ مِنْ التَّمْكِينِ ، فَهِيَ كَالْمُسَافِرَةِ لِحَاجَةِ نَفْسِهَا ، عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ وَإِنْ أَحْرَمَتْ بِالْحَجِّ الْوَاجِبِ ، أَوْ الْعُمْرَةِ الْوَاجِبَةِ ، فِي الْوَقْتِ الْوَاجِبِ ، مِنْ الْمِيقَاتِ ، فَلَهَا النَّفَقَةُ ؛ لِأَنَّهَا فَعَلَتْ الْوَاجِبَ عَلَيْهَا بِأَصْلِ الشَّرْعِ فِي وَقْتِهِ ، فَلَمْ تَسْقُطْ نَفَقَتُهَا ، كَمَا لَوْ صَامَتْ رَمَضَانَ وَإِنْ قَدَّمَتْ الْإِحْرَامَ عَلَى الْمِيقَاتِ ، أَوْ قَبْلَ الْوَقْتِ خُرِّجَ فِيهَا مِنْ الْقَوْلِ مَا فِي الْمُحْرِمَةِ بِحَجِّ التَّطَوُّعِ ؛ لِأَنَّهَا فَوَّتَتْ عَلَيْهِ التَّمْكِينَ بِشَيْءٍ مُسْتَغْنًى عَنْهُ .","part":18,"page":204},{"id":8704,"text":"( 6525 ) فَصْلٌ : فَإِنْ اعْتَكَفَتْ ، فَالْقِيَاسُ أَنَّهُ كَسَفَرِهَا ، إنْ كَانَ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَهِيَ نَاشِزٌ ؛ لِخُرُوجِهَا مِنْ مَنْزِلِ زَوْجِهَا بِغَيْرِ إذْنِهِ فِيمَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ بِأَصْلِ الشَّرْعِ ، وَإِنْ كَانَ بِإِذْنِهِ ، فَلَا نَفَقَةَ لَهَا فِي قَوْلِ الْخِرَقِيِّ وَقَالَ الْقَاضِي : لَهَا النَّفَقَةُ وَإِنْ صَامَتْ رَمَضَانَ لَمْ تَسْقُطْ نَفَقَتُهَا ؛ لِأَنَّهُ وَاجِبٌ مُضَيَّقٌ بِأَصْلِ الشَّرْعِ ، لَا يَمْلِكُ مَنْعَهَا مِنْهُ ، فَلَمْ تَسْقُطْ نَفَقَتُهَا ، كَالصَّلَاةِ ؛ وَلِأَنَّهُ يَكُونُ صَائِمًا مَعَهَا ، فَيَمْتَنِعُ الِاسْتِمْتَاعُ لِمَعْنًى وُجِدَ فِيهِ ، وَإِنْ كَانَ تَطَوُّعًا ، لَمْ تَسْقُطْ نَفَقَتُهَا ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَخْرُجْ عَنْ قَبْضَتِهِ ، وَلَمْ تَأْتِ بِمَا يَمْنَعُهُ مِنْ الِاسْتِمْتَاعِ بِهَا ، فَإِنَّهُ يُمْكِنُهُ تَفْطِيرُهَا وَوَطْؤُهَا ، فَإِنْ أَرَادَ ذَلِكَ مِنْهَا فَمَنَعَتْهُ ، سَقَطَتْ نَفَقَتُهَا بِامْتِنَاعِهَا مِنْ التَّمْكِينِ الْوَاجِبِ وَإِنْ كَانَ صَوْمًا مَنْذُورًا مُعَلَّقًا بِوَقْتٍ مُعَيَّنٍ ، فَقَالَ الْقَاضِي : لَهَا النَّفَقَةُ ؛ لِأَنَّ أَحْمَدَ نَصَّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ مَنْعُهَا وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ إنْ كَانَ نَذْرُهَا قَبْلَ النِّكَاحِ ، أَوْ كَانَ النَّذْرُ بِإِذْنِهِ ، لَمْ تَسْقُطْ نَفَقَتُهَا ؛ لِأَنَّهُ كَانَ وَاجِبًا عَلَيْهَا بِحَقٍّ سَابِقٍ عَلَى نِكَاحِهِ ، أَوْ وَاجِبٍ أَذِنَ فِي سَبَبِهِ ، وَإِنْ كَانَ النَّذْرُ فِي نِكَاحِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ ، فَلَا نَفَقَةَ لَهَا ؛ لِأَنَّهَا فَوَّتَتْ عَلَيْهِ حَقَّهُ مِنْ الِاسْتِمْتَاعِ بِاخْتِيَارِهَا بِالنَّذْرِ الَّذِي لَمْ يُوجِبْهُ الشَّرْعُ عَلَيْهَا ، وَلَا نَدَبَهَا إلَيْهِ وَإِنْ كَانَ النَّذْرُ مُطْلَقًا ، أَوْ كَانَ صَوْمَ كَفَّارَةٍ ، فَصَامَتْ بِإِذْنِهِ ، فَلَهَا النَّفَقَةُ ؛ لِأَنَّهَا أَدَّتْ الْوَاجِبَ بِإِذْنِهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ صَامَتْ الْمُعَيَّنَ فِي وَقْتِهِ ، وَإِنْ صَامَتْ بِغَيْرِ إذْنِهِ ، فَقَالَ الْقَاضِي : لَا نَفَقَةَ لَهَا ؛ لِأَنَّهَا يُمْكِنُهَا تَأْخِيرُهُ ، فَإِنَّهُ عَلَى التَّرَاخِي ، وَحَقُّ الزَّوْجَ عَلَى الْفَوْرِ وَإِنْ كَانَ قَضَاءَ رَمَضَانَ قَبْلَ ضِيقِ وَقْتِهِ ، فَكَذَلِكَ ، وَإِنْ","part":18,"page":205},{"id":8705,"text":"كَانَ وَقْتُهُ مُضَيَّقًا ، مِثْلَ أَنْ قَرُبَ رَمَضَانُ الْآخَرُ ، فَعَلَيْهِ نَفَقَتُهَا ؛ لِأَنَّهُ وَاجِبٌ مُضَيَّقٌ بِأَصْلِ الشَّرْعِ ، أَشْبَهَ أَدَاءَ رَمَضَانَ .","part":18,"page":206},{"id":8706,"text":"( 6526 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَإِذَا طَلَّقَ الرَّجُلُ زَوْجَتَهُ طَلَاقًا لَا يَمْلِكُ فِيهِ الرَّجْعَةَ ، فَلَا سُكْنَى لَهَا ، وَلَا نَفَقَةَ ، إلَّا أَنْ تَكُونَ حَامِلًا ) وَجُمْلَةُ الْأَمْرِ ، أَنَّ الرَّجُلَ إذَا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ طَلَاقًا بَائِنًا ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ ثَلَاثًا ، أَوْ بِخُلْعِ ، أَوْ بَانَتْ بِفَسْخٍ ، وَكَانَتْ حَامِلًا فَلَهَا النَّفَقَةُ وَالسُّكْنَى ، بِإِجْمَاعِ أَهْلِ الْعِلْمِ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى { : أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ } وَفِي بَعْضِ أَخْبَارِ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ : { لَا نَفَقَةَ لَك إلَّا أَنْ تَكُونِي حَامِلًا } وَلِأَنَّ الْحَمْلَ وَلَدُهُ ، فَيَلْزَمُهُ الْإِنْفَاقُ عَلَيْهِ ، وَلَا يُمْكِنُهُ النَّفَقَةُ عَلَيْهِ ، إلَّا بِالْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا ، فَوَجَبَ ، كَمَا وَجَبَتْ أُجْرَةُ الرَّضَاعِ وَإِنْ كَانَتْ حَائِلًا ، فَلَا نَفَقَةَ لَهَا وَفِي السُّكْنَى رِوَايَتَانِ : ؛ إحْدَاهُمَا : لَهَا ذَلِكَ وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ ، وَابْنِهِ وَابْنِ مَسْعُودٍ ، وَعَائِشَةَ ، وَفُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ السَّبْعَةِ وَمَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ؛ لِلْآيَةِ ، وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ ، لَا سُكْنَى لَهَا ، وَلَا نَفَقَةَ وَهِيَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ ، وَقَوْلُ عَلِيٍّ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَجَابِرٍ ، وَعَطَاءٍ ، وَطَاوُسٍ ، وَالْحَسَنِ وَعِكْرِمَةَ ، وَمَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ ، وَإِسْحَاقَ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَدَاوُد وَقَالَ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ الْعِرَاقِيِّينَ : لَهَا السُّكْنَى وَالنَّفَقَةُ وَبِهِ قَالَ ابْنِ شُبْرُمَةَ ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ ، وَالْبَتِّيُّ ، وَالْعَنْبَرِيُّ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُرْوَى عَنْ عُمَرَ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ وَلِأَنَّهَا مُطَلَّقَةٌ ، فَوَجَبَتْ لَهَا النَّفَقَةُ وَالسُّكْنَى ، كَالرَّجْعِيَّةِ وَرَدُّوا خَبَرَ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ بِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ ، أَنَّهُ قَالَ : لَا نَدَعُ كِتَابَ رَبِّنَا ، وَسُنَّةَ نَبِيِّنَا ، لِقَوْلِ امْرَأَةٍ","part":18,"page":207},{"id":8707,"text":"وَأَنْكَرَتْهُ عَائِشَةُ ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ، وَتَأَوَّلُوهُ وَلَنَا ، مَا رَوَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ قَيْسٍ ، { أَنَّ زَوْجَهَا طَلَّقَهَا أَلْبَتَّةَ وَهُوَ غَائِبٌ ، فَأَرْسَلَ إلَيْهَا وَكِيلُهُ بِشَعِيرٍ فَتَسَخَّطَتْهُ ، فَقَالَ : وَاَللَّهِ مَا لَك عَلَيْنَا مِنْ شَيْءٍ فَجَاءَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ ، فَقَالَ : لَيْسَ لَك عَلَيْهِ نَفَقَةٌ وَلَا سُكْنَى فَأَمَرَهَا أَنْ تَعْتَدَّ فِي بَيْتِ أُمِّ شَرِيكٍ } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَفِي لَفْظٍ : { فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اُنْظُرِي يَا ابْنَةَ قَيْسٍ إنَّمَا النَّفَقَةُ لِلْمَرْأَةِ عَلَى زَوْجِهَا مَا كَانَتْ لَهُ عَلَيْهَا الرَّجْعَةُ ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَيْهَا الرَّجْعَةُ ، فَلَا نَفَقَةَ وَلَا سُكْنَى } رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ، وَالْأَثْرَمُ ، وَالْحُمَيْدِيُّ ، وَغَيْرُهُمْ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ مِنْ طَرِيقِ الْحُجَّةِ وَمَا يَلْزَمُ مِنْهَا ، قَوْلُ أَحْمَدَ ابْنِ حَنْبَلٍ وَمَنْ تَابَعَهُ أَصَحُّ وَأَحَجُّ ؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَصًّا صَرِيحًا ، فَأَيُّ شَيْءٍ يُعَارِضُ هَذَا إلَّا مِثْلُهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، الَّذِي هُوَ الْمُبَيِّنُ عَنْ اللَّهِ مُرَادَهُ ؟ وَلَا شَيْءَ يَدْفَعُ ذَلِكَ وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ أَعْلَمُ بِتَأْوِيلِ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ } وَأَمَّا قَوْلُ عُمَرَ ، وَمَنْ وَافَقَهُ ، فَقَدْ خَالَفَهُ عَلِيٌّ وَابْنُ عَبَّاسٍ ، وَمَنْ وَافَقَهُمَا ، وَالْحُجَّةُ مَعَهُمْ ، وَلَوْ لَمْ يُخَالِفْهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ ، لِمَا قُبِلَ قَوْلُهُ الْمُخَالِفُ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حُجَّةٌ عَلَى عُمَرَ وَعَلَى غَيْرِهِ ، وَلَمْ يَصِحَّ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ : لَا نَدَعُ كِتَابَ رَبِّنَا ، وَسُنَّةَ نَبِيِّنَا ، لِقَوْلِ امْرَأَةٍ فَإِنَّ أَحْمَدَ أَنْكَرَهُ ، وَقَالَ : أَمَّا هَذَا فَلَا ، وَلَكِنْ قَالَ : لَا نَقْبَلُ فِي دِيننَا قَوْلَ امْرَأَةٍ","part":18,"page":208},{"id":8708,"text":"وَهَذَا أَمْرٌ يَرُدُّهُ الْإِجْمَاعُ عَلَى قَبُولِ قَوْلِ الْمَرْأَةِ فِي الرِّوَايَةِ ، فَأَيُّ حُجَّةٍ فِي شَيْءٍ يُخَالِفُهُ الْإِجْمَاعُ ، وَتَرُدُّهُ السَّنَةُ ، وَيُخَالِفُهُ فِيهِ عُلَمَاءُ الصَّحَابَةِ قَالَ إسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ : نَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ عُمَرَ لَا يَقُولُ : لَا نَدَعُ كِتَابَ رَبِّنَا إلَّا لِمَا هُوَ مَوْجُودٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَاَلَّذِي فِي الْكِتَابِ أَنَّ لَهَا النَّفَقَةَ إذَا كَانَتْ حَامِلًا ، بِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ : { وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ } وَأَمَّا غَيْرُ ذَوَاتِ الْحَمْلِ فَلَا يَدُلُّ الْكِتَابُ إلَّا عَلَى أَنَّهُنَّ لَا نَفَقَةَ لَهُنَّ ؛ لِاشْتِرَاطِهِ الْحَمْلَ فِي الْأَمْرِ بِالْإِنْفَاقِ وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد ، وَغَيْرُهُ مِنْ الْأَئِمَّةِ ، بِإِسْنَادِهِمْ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ { فَفَرَّقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَهُمَا يَعْنِي الْمُتَلَاعِنَيْنِ وَقَضَى أَنْ لَا بَيْتَ لَهَا عَلَيْهِ وَلَا قُوتَ } وَلِأَنَّ هَذِهِ مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِ تَحْرِيمًا لَا تُزِيلُهُ الرَّجْعَةُ ، فَلَمْ يَكُنْ لَهَا سُكْنَى وَلَا نَفَقَةٌ ، كَالْمُلَاعَنَةِ أَوْ كَالْأَجْنَبِيَّةِ ، وَفَارَقَتْ الرَّجْعِيَّةَ فِي ذَلِكَ وَأَمَّا الرَّجْعِيَّةُ ، فَلَهَا السُّكْنَى وَالنَّفَقَةُ ؛ لِلْآيَةِ وَالْخَبَرِ وَالْإِجْمَاعِ ، وَلِأَنَّهَا زَوْجَةٌ يَلْحَقُهَا طَلَاقُهُ وَظِهَارُهُ وَإِيلَاؤُهُ .","part":18,"page":209},{"id":8709,"text":"( 6527 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا الْمُلَاعِنَةُ فَلَا سُكْنَى لَهَا ، وَلَا نَفَقَةَ ، إنْ كَانَتْ غَيْرَ حَامِلٍ ، لِلْخَبَرِ وَكَذَلِكَ إنْ كَانَتْ حَامِلًا فَنَفَى حَمْلَهَا ، وَقُلْنَا : إنَّهُ يَنْتَفِي عَنْهُ أَوْ قُلْنَا : إنَّهُ يَنْتَفِي بِزَوَالِ الْفِرَاشِ وَإِنْ قُلْنَا : لَا يَنْتَفِي بِنَفْيِهِ أَوْ لَمْ يَنْفِهِ ، وَقُلْنَا : إنَّهُ يَلْحَقُهُ نَسَبُهُ فَلَهَا السُّكْنَى وَالنَّفَقَةُ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لِلْحَمْلِ ، أَوْ لَهَا بِسَبَبِهِ ، وَهُوَ مَوْجُودٌ ، فَأَشْبَهْت الْمُطَلَّقَةَ الْبَائِنَ فَإِنْ نَفَى الْحَمْلَ ، فَأَنْفَقَتْ أُمُّهُ ، وَسَكَنَتْ مِنْ غَيْرِ الزَّوْجِ ، وَأَرْضَعَتْ ، ثُمَّ اسْتَلْحَقَهُ الْمُلَاعِنُ ، لَحِقَهُ ، وَلَزِمَتْهُ النَّفَقَةُ وَأُجْرَةُ الْمَسْكَنِ وَالرَّضَاعِ ؛ لِأَنَّهَا فَعَلَتْ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ لَا أَبَ لَهُ ، فَإِذَا ثَبَتَ لَهُ أَبٌ ، لَزِمَهُ ذَلِكَ ، وَرُجِعَ بِهِ عَلَيْهِ فَإِنْ قِيلَ : النَّفَقَةُ لِأَجْلِ الْحَمْلِ نَفَقَةُ الْأَقَارِبِ ، وَهِيَ تَسْقُطُ بِمُضِيِّ الزَّمَانِ ، فَكَيْفَ تَرْجِعُ عَلَيْهِ بِمَا يَسْقُطُ عَنْهُ ؟ قُلْنَا : بَلْ النَّفَقَةُ لِلْحَامِلِ مِنْ أَجْلِ الْحَمْلِ ، فَلَا تَسْقُطُ ، كَنَفَقَتِهَا فِي الْحَيَاةِ ، وَإِنْ سَلَّمْنَا أَنَّهَا لِلْحَمْلِ ، إلَّا أَنَّهَا مَصْرُوفَةٌ إلَيْهَا ، وَيَتَعَلَّقُ بِهَا حَقُّهَا ، فَلَا تَسْقُطُ بِمُضِيِّ الزَّمَانِ ، كَنَفَقَتِهَا .","part":18,"page":210},{"id":8710,"text":"فَصْلٌ : فَأَمَّا الْمُعْتَدَّةُ مِنْ الْوَفَاةِ ، فَإِنْ كَانَتْ حَائِلًا ، فَلَا سُكْنَى لَهَا وَلَا نَفَقَةَ ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ قَدْ زَالَ بِالْمَوْتِ ، وَإِنْ كَانَتْ حَامِلًا ، فَفِيهَا رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، لَهَا السُّكْنَى وَالنَّفَقَةُ ؛ لِأَنَّهَا حَامِلٌ مِنْ زَوْجِهَا ، فَكَانَتْ لَهَا السُّكْنَى وَالنَّفَقَةُ ، كَالْمُفَارِقَةِ فِي الْحَيَاةِ وَالثَّانِيَةُ ، لَا سُكْنَى لَهَا وَلَا نَفَقَةَ ؛ لِأَنَّ الْمَالَ قَدْ صَارَ لِلْوَرَثَةِ ، وَنَفَقَةُ الْحَامِلِ وَسُكْنَاهَا إنَّمَا هُوَ لِلْحَمْلِ أَوْ مِنْ أَجْلِهِ ، وَلَا يَلْزَمُ ذَلِكَ الْوَرَثَةَ ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ لِلْمَيِّتِ مِيرَاثٌ ، فَنَفَقَةُ الْحَمْلِ مِنْ نَصِيبِهِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِيرَاثٌ ، لَمْ يَلْزَمْ وَارِثَ الْمَيِّتِ الْإِنْفَاقُ عَلَى حَمْلِ امْرَأَتِهِ ، كَمَا بَعْدَ الْوِلَادَةِ قَالَ الْقَاضِي : وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ أَصَحُّ .","part":18,"page":211},{"id":8711,"text":"( 6529 ) فَصْلٌ : وَهَلْ تَجِبُ نَفَقَةُ الْحَمْلِ لِلْحَامِلِ مِنْ أَجْلِ الْحَمْلِ أَوْ لِلْحَمْلِ ، فِيهِ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا : تَجِبُ لِلْحَمْلِ اخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ ؛ لِأَنَّهَا تَجِبُ بِوُجُودِهِ ، وَتَسْقُطُ عِنْدَ انْفِصَاله ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهَا لَهُ وَالثَّانِيَةُ ، تَجِبُ لَهَا مِنْ أَجْلِهِ ؛ لِأَنَّهَا تَجِبُ مَعَ الْيَسَارِ وَالْإِعْسَارِ ، فَكَانَتْ لَهُ كَنَفَقَةِ الزَّوْجَاتِ ، وَلِأَنَّهَا لَا تَسْقُطُ بِمُضِيِّ الزَّمَانِ ، فَأَشْبَهَتْ نَفَقَتَهَا فِي حَيَاتِهِ وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ ، كَالرِّوَايَتَيْنِ وَيَنْبَنِي عَلَى هَذَا الِاخْتِلَافِ فُرُوعٌ ؛ مِنْهَا ، أَنَّهَا إذَا كَانَتْ الْمُطَلَّقَةُ الْحَامِلُ أَمَةً ، وَقُلْنَا : النَّفَقَةُ لِلْحَمْلِ فَنَفَقَتُهَا عَلَى سَيِّدِهَا ؛ لِأَنَّهُ مِلْكُهُ وَإِنْ قُلْنَا : لَهَا فَعَلَى الزَّوْجِ ؛ لِأَنَّ نَفَقَتَهَا عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ الزَّوْجُ عَبْدًا ، وَقُلْنَا : هِيَ لِلْحَمْلِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ نَفَقَةٌ ؛ لِأَنَّهُ لَا تَلْزَمُهُ نَفَقَةُ وَلَدِهِ وَإِنْ قُلْنَا : لَهَا فَالنَّفَقَةُ عَلَيْهِ ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ وَإِنْ كَانَتْ حَامِلًا مِنْ نِكَاحٍ فَاسِدٍ ، أَوْ وَطْءِ شُبْهَةٍ ، وَقُلْنَا : النَّفَقَةُ لِلْحَمْلِ فَعَلَى الزَّوْجِ وَالْوَاطِئِ ؛ لِأَنَّهُ وَلَدُهُ ، فَلَزِمَتْهُ نَفَقَتُهُ كَمَا بَعْدَ الْوَضْعِ وَإِنْ قُلْنَا : لِلْحَامِلِ فَلَا نَفَقَةَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ زَوْجَةً يَجِبُ الْإِنْفَاقُ عَلَيْهَا وَإِنْ نَشَزَتْ امْرَأَةُ إنْسَانٍ ، وَهِيَ حَامِلٌ ، وَقُلْنَا : النَّفَقَةُ لِلْحَمْلِ لَمْ تَسْقُطْ نَفَقَتُهَا ؛ لِأَنَّ نَفَقَةَ وَلَدِهِ لَا تَسْقُطُ بِنُشُوزِ أُمِّهِ وَإِنْ قُلْنَا : لَهَا فَلَا نَفَقَةَ لَهَا ؛ لِأَنَّهَا نَاشِزٌ .","part":18,"page":212},{"id":8712,"text":"( 6530 ) فَصْلٌ : وَيَلْزَمُ الزَّوْجَ دَفْعُ نَفَقَةِ الْحَامِلِ الْمُطَلَّقَةِ إلَيْهَا يَوْمًا فَيَوْمًا ، كَمَا يَلْزَمُهُ دَفْعُ نَفَقَةِ الرَّجْعِيَّةِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ : لَا يَلْزَمُهُ دَفْعُهَا إلَيْهَا حَتَّى تَضَعَ ؛ لِأَنَّ الْحَمْلَ غَيْرُ مُتَحَقِّقِ ؛ وَلِهَذَا : وَقَفْنَا الْمِيرَاثَ وَهَذَا خِلَافُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ } وَلِأَنَّهَا مَحْكُومٌ لَهَا بِالنَّفَقَةِ ، فَوَجَبَ دَفْعُهَا إلَيْهَا ، كَالرَّجْعِيَّةِ وَمَا ذَكَرَهُ غَيْرُ صَحِيحٍ ؛ فَإِنَّ الْحَمْلَ يَثْبُتُ بِالْأَمَارَاتِ ، وَتَثْبُتُ أَحْكَامُهُ فِي النِّكَاحِ ، وَالْحَدِّ ، وَالْقِصَاصِ ، وَفَسْخِ الْبَيْعِ فِي الْجَارِيَةِ الْمَبِيعَةِ ، وَالْمَنْعِ مِنْ الْأَخْذِ فِي الزَّكَاةِ ، وَوُجُوبِ الدَّفْعِ فِي الدِّيَةِ ، فَهُوَ كَالْمُتَحَقِّقِ ، وَلَا يُشْبِهُ هَذَا الْمِيرَاثَ ؛ فَإِنْ كَانَ الْمِيرَاثُ لَا يَثْبُتُ بِمُجَرَّدِ الْحَمْلِ ، فَإِنَّهُ يُشْتَرَطُ لَهُ الْوَضْعُ وَالِاسْتِهْلَالُ بَعْدَ الْوَضْعِ ، وَلَا يُوجَدُ ذَلِكَ قَبْلَهُ ، وَلِأَنَّنَا لَا نَعْلَمُ صِفَةَ الْحَمْلِ وَقَدْرَهُ وَوُجُودَ شَرْطِ تَوْرِيثِهِ ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا ، فَإِنَّ النَّفَقَةَ تَجِبُ بِمُجَرَّدِ الْحَمْلِ ، وَلَا تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِهِ ، فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَمَتَى ادَّعَتْ الْحَمْلَ فَصَدَّقَهَا ، دَفَعَ إلَيْهَا ، فَإِنْ كَانَ حَمْلًا ، فَقَدْ اسْتَوْفَتْ حَقَّهَا ، وَإِنْ بَانَ أَنَّهَا لَيْسَتْ حَامِلًا ، رَجَعَ عَلَيْهَا ، سَوَاءٌ دَفَعَ إلَيْهَا بِحُكْمِ الْحَاكِمِ أَوْ بِغَيْرِهِ ، وَسَوَاءٌ شَرَطَ أَنَّهَا نَفَقَةٌ أَوْ لَمْ يَشْتَرِطْ ، وَعَنْهُ : لَا يَرْجِعُ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَرْجِعُ ؛ لِأَنَّهُ دَفَعَهُ عَلَى أَنَّهُ وَاجِبٌ ، فَإِذَا بَانَ أَنَّهُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ ، اسْتَرْجَعَهُ ، كَمَا لَوْ قَضَاهَا دَيْنًا ، فَبَانَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ وَإِنْ أَنْكَرَ حَمْلهَا ، نَظَرَ النِّسَاءُ الثِّقَاتُ ، فَرُجِعَ إلَى قَوْلِهِنَّ ، وَيُقْبَلُ قَوْلُ الْمَرْأَةِ الْوَاحِدَةِ إذَا كَانَتْ مِنْ أَهْلِ الْخِبْرَةِ وَالْعَدَالَةِ ؛ لِأَنَّهَا شَهَادَةٌ","part":18,"page":213},{"id":8713,"text":"عَلَى مَا لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ ، أَشْبَهَ الرَّضَاعَ ، وَقَدْ ثَبَتَ الْأَصْلُ بِالْخَبَرِ .","part":18,"page":214},{"id":8714,"text":"( 6531 ) فَصْلٌ : وَلَا تَجِبُ النَّفَقَةُ عَلَى الزَّوْجِ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهُمَا نِكَاحٌ صَحِيحٌ ، فَإِنْ طَلَّقَهَا أَوْ فُرِّقَ بَيْنَهُمَا قَبْلَ الْوَطْءِ ، فَلَا عِدَّةَ عَلَيْهَا ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الْوَطْءِ فَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ ، وَلَا نَفَقَةَ لَهَا وَلَا سُكْنَى ، إنْ كَانَتْ حَائِلًا ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَجِبْ ذَلِكَ قَبْلَ التَّفْرِيقِ ، فَبَعْدَهُ أَوْلَى ، وَإِنْ كَانَتْ حَامِلًا ، فَعَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ قَبْلُ ؛ فَإِنْ قُلْنَا : لَهَا النَّفَقَةُ إذَا كَانَتْ حَامِلًا فَلَهَا ذَلِكَ قَبْلَ التَّفْرِيقِ ؛ لِأَنَّهُ إذَا وَجَبَ بَعْدَ التَّفْرِيقِ ، فَقَبْلَهُ أَوْلَى وَمَتَى أَنْفَقَ عَلَيْهَا قَبْلَ مُفَارَقَتِهَا أَوْ بَعْدَهَا ، لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهَا بِشَيْءِ ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ عَالِمًا بِعَدَمِ الْوُجُوبِ ، فَهُوَ مُتَطَوِّعٌ بِهِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَالِمًا فَهُوَ مُفَرِّطٌ ، فَلَمْ يَرْجِعْ بِهِ ، كَمَا لَوْ أَنْفَقَ عَلَى أَجْنَبِيَّةٍ وَكُلُّ مُعْتَدَّةٍ مِنْ الْوَطْءِ فِي غَيْرِ نِكَاحٍ صَحِيحٍ ، كَالْمَوْطُوءَةِ بِشُبْهَةِ وَغَيْرِهَا ، إنْ كَانَ يَلْحَقُ الْوَاطِئَ نَسَبُ وَلَدِهَا ، فَهِيَ كَالْمَوْطُوءَةِ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ ، وَإِنْ كَانَ لَا يَلْحَقُهُ نَسَبُ وَلَدِهَا ، كَالزَّانِي ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ نَفَقَتُهَا ، حَامِلًا كَانَتْ أَوْ حَائِلًا ؛ لِأَنَّهُ لَا نِكَاحَ بَيْنَهُمَا ، وَلَا بَيْنَهُمَا وَلَدٌ يُنْسَبُ إلَيْهِ .","part":18,"page":215},{"id":8715,"text":"( 6532 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَإِذَا خَالَعَتْ الْمَرْأَةُ زَوْجَهَا ، وَأَبْرَأَتْهُ مِنْ حَمْلِهَا ، لَمْ يَكُنْ لَهَا نَفَقَةٌ ، وَلَا لِلْوَلَدِ ، حَتَّى تَفْطِمَهُ ) أَمَّا إذَا خَالَعَتْهُ وَلَمْ تُبْرِئْهُ مِنْ حَمْلِهَا ، فَلَهَا النَّفَقَةُ ، كَمَا لَوْ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا وَهِيَ حَامِلٌ ؛ لِأَنَّ الْحَمْلَ وَلَدُهُ ، فَعَلَيْهِ نَفَقَتُهُ ، وَإِنْ أَبْرَأَتْهُ مِنْ الْحَمْلِ عِوَضًا فِي الْخُلْعِ ، صَحَّ ، سَوَاءٌ كَانَ الْعِوَضُ كُلَّهُ أَوْ بَعْضَهُ ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي الْخُلْعِ ، وَيَبْرَأُ حَتَّى تَفْطِمَهُ ، إذَا كَانَتْ قَدْ أَبْرَأَتْهُ مِنْ نَفَقَةِ الْحَمْلِ وَكَفَالَةِ الْوَلَدِ إلَى ذَلِكَ ، أَوْ أَطْلَقَتْ الْبَرَاءَةَ مِنْ نَفَقَةِ الْحَمْلِ وَكَفَالَتِهِ ؛ لِأَنَّ الْبَرَاءَةَ الْمُطْلَقَةَ تَنْصَرِفُ إلَى الْمُدَّةِ الَّتِي تَسْتَحِقُّ الْمَرْأَةُ الْعِوَضَ عَلَيْهِ فِيهَا ، وَهِيَ مُدَّةُ الْحَمْلِ وَالرَّضَاعِ ، لِأَنَّ الْمُطْلَقَ إذَا كَانَ لَهُ عُرْفٌ ، انْصَرَفَ إلَى الْعُرْفِ وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي مُدَّةِ الرَّضَاعِ ، انْصَرَفَ إلَى حَوْلَيْنِ ؛ لِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ : { وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ } وَقَالَ تَعَالَى : { وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ } ثُمَّ قَالَ : { فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا } فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ فِصَالُهُ قَبْلَ الْعَامَيْنِ إلَّا بِتَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ وَإِنْ قَدَّرَا مُدَّةَ الْبَرَاءَةِ بِزَمَنِ الْحَمْلِ ، أَوْ بِعَامِ ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ ، فَهُوَ عَلَى مَا قَدَّرَاهُ ، وَهُوَ أَحْسَنُ ؛ لِأَنَّهُ أَقْطَعُ لِلنِّزَاعِ ، وَأَبْعَدُ مِنْ اللَّبْسِ وَالِاشْتِبَاه وَلَوْ أَبْرَأَتْهُ مِنْ نَفَقَةِ الْحَمْلِ ، انْصَرَفَ ذَلِكَ إلَى زَمَنِ الْحَمْلِ قَبْلَ وَضْعِهِ قَالَ الْقَاضِي : إنَّمَا صَحَّ مُخَالَعَتُهَا عَلَى نَفَقَةِ الْوَلَدِ ، وَهِيَ لِلْوَلَدِ دُونَهَا ؛ لِأَنَّهَا فِي حُكْمِ الْمَالِكَةِ لَهَا ، لِأَنَّهَا هِيَ الْقَابِضَةُ لَهَا ، الْمُسْتَحِقَّةُ لَهَا ، الْمُتَصَرِّفَةُ فِيهَا ، فَإِنَّهَا فِي مُدَّةِ الْحَمْلِ هِيَ الْآكِلَةُ لَهَا ،","part":18,"page":216},{"id":8716,"text":"الْمُنْتَفِعَةُ بِهَا ، وَبَعْدَ الْوِلَادَةِ هِيَ أَجْرُ رَضَاعِهَا لَهُ ، وَهِيَ الْآخِذَةُ لَهَا ، الْمُتَصَرِّفَةُ فِيهَا أَيْضًا ، فَصَارَتْ كَمِلْكٍ مِنْ أَمْلَاكِهَا ، فَصَحَّ جَعْلُهَا عِوَضًا فَأَمَّا النَّفَقَةُ الزَّائِدَةُ عَلَى هَذَا ، مِنْ كِسْوَةِ الطِّفْلِ وَدُهْنِهِ ، وَنَحْوِ ذَلِكَ فَلَا يَصِحُّ أَنْ يُعَاوَضَ بِهِ فِي الْخُلْعِ ، لِأَنَّهُ لَيْسَ هُوَ لَهَا ، وَلَا هُوَ فِي حُكْمِ مَا هُوَ لَهَا .","part":18,"page":217},{"id":8717,"text":"( 6533 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَالنَّاشِزُ لَا نَفَقَةَ لَهَا ، فَإِنْ كَانَ لَهَا مِنْهُ وَلَدٌ ، أَعْطَاهَا نَفَقَةَ وَلَدِهَا ) مَعْنَى النُّشُوزِ مَعْصِيَتُهَا لِزَوْجِهَا فِيمَا لَهُ عَلَيْهَا ، مِمَّا أَوْجَبَهُ لَهُ النِّكَاحُ ، وَأَصْلُهُ مِنْ الِارْتِفَاعِ ، مَأْخُوذٌ مِنْ النَّشْزِ ، وَهُوَ الْمَكَانُ الْمُرْتَفِعُ ، فَكَأَنَّ النَّاشِزَ ارْتَفَعَتْ عَنْ طَاعَةِ زَوْجِهَا ، فَسُمِّيَتْ نَاشِزًا فَمَتَى امْتَنَعَتْ مِنْ فِرَاشِهِ ، أَوْ خَرَجَتْ مِنْ مَنْزِلِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ ، أَوْ امْتَنَعَتْ مِنْ الِانْتِقَالِ مَعَهُ إلَى مَسْكَنِ مِثْلِهَا ، أَوْ مِنْ السَّفَرِ مَعَهُ ، فَلَا نَفَقَةَ لَهَا وَلَا سُكْنَى ، فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ ؛ مِنْهُمْ الشَّعْبِيُّ ، وَحَمَّادٌ ، وَمَالِكٌ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ، وَأَبُو ثَوْرٍ وَقَالَ الْحَكَمُ : لَهَا النَّفَقَةُ وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : لَا أَعْلَمُ أَحَدًا خَالَفَ هَؤُلَاءِ إلَّا الْحَكَمَ ، وَلَعَلَّهُ يَحْتَجُّ بِأَنَّ نُشُوزَهَا لَا يُسْقِطُ مَهْرَهَا ، فَكَذَلِكَ نَفَقَتُهَا وَلَنَا ، أَنَّ النَّفَقَةَ إنَّمَا تَجِبُ فِي مُقَابَلَةِ تَمْكِينِهَا ، بِدَلِيلِ أَنَّهَا لَا تَجِبُ قَبْلَ تَسْلِيمِهَا إلَيْهِ ، وَإِذَا مَنَعَهَا النَّفَقَةَ كَانَ لَهَا مَنْعُهُ التَّمْكِينَ ، فَإِذَا مَنَعَتْهُ التَّمْكِينَ كَانَ لَهُ مَنْعُهَا مِنْ النَّفَقَةِ ، كَمَا قَبْلَ الدُّخُولِ وَتُخَالِفُ الْمَهْرَ ؛ فَإِنَّهُ يَجِبُ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ ، وَلِذَلِكَ لَوْ مَاتَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ الدُّخُولِ وَجَبَ الْمَهْرُ دُونَ النَّفَقَةِ فَأَمَّا إذَا كَانَ لَهُ مِنْهَا وَلَدٌ ، فَعَلَيْهِ نَفَقَةُ وَلَدِهِ ؛ لِأَنَّهَا وَاجِبَةٌ لَهُ ، فَلَا يَسْقُطُ حَقُّهُ بِمَعْصِيَتِهَا ، كَالْكَبِيرِ ، وَعَلَيْهِ أَنْ يُعْطِيَهَا إيَّاهَا إذَا كَانَتْ هِيَ الْحَاضِنَةَ لَهُ ، أَوْ الْمُرْضِعَةَ لَهُ ، وَكَذَلِكَ أَجْرُ رَضَاعِهَا ، يَلْزَمُهُ تَسْلِيمُهُ إلَيْهَا ؛ لِأَنَّهُ أَجْرٌ مَلَكَتْهُ عَلَيْهِ بِالْإِرْضَاعِ ، لَا فِي مُقَابَلَةِ الِاسْتِمْتَاعِ ، فَلَا يَزُولُ بِزَوَالِهِ .","part":18,"page":218},{"id":8718,"text":"( 6534 ) فَصْلٌ : وَإِذَا سَقَطَتْ نَفَقَةُ الْمَرْأَةِ بِنُشُوزِهَا ، فَعَادَتْ عَنْ النُّشُوزِ وَالزَّوْجُ حَاضِرٌ ، عَادَتْ نَفَقَتُهَا ؛ لِزَوَالِ الْمُسْقِطِ لَهَا ، وَوُجُودِ التَّمْكِينِ الْمُقْتَضِي لَهَا وَإِنْ كَانَ غَائِبًا ، لَمْ تَعُدْ نَفَقَتُهَا حَتَّى يَعُودَ التَّسْلِيمُ بِحُضُورِهِ ، أَوْ حُضُورِ وَكِيلِهِ ، أَوْ حُكْمِ الْحَاكِمِ بِالْوُجُوبِ إذَا مَضَى زَمَنُ الْإِمْكَانِ وَلَوْ ارْتَدَّتْ امْرَأَتُهُ ، سَقَطَتْ نَفَقَتُهَا ، فَإِنْ عَادَتْ إلَى الْإِسْلَامِ ، عَادَتْ نَفَقَتُهَا بِمُجَرَّدِ عَوْدِهَا ؛ لِأَنَّ الْمُرْتَدَّةَ إنَّمَا سَقَطَتْ نَفَقَتُهَا بِخُرُوجِهَا عَنْ الْإِسْلَامِ ، فَإِذَا عَادَتْ إلَيْهِ ، زَالَ الْمَعْنَى الْمُسْقِطُ ، فَعَادَتْ النَّفَقَةُ ، وَفِي النُّشُوزِ ، سَقَطَتْ النَّفَقَةُ بِخُرُوجِهَا عَنْ يَدِهِ ، أَوْ مَنْعِهَا لَهُ مِنْ التَّمْكِينِ الْمُسْتَحَقِّ عَلَيْهَا ، وَلَا يَزُولُ ذَلِكَ إلَّا بِعَوْدِهَا إلَى يَدِهِ ، وَتَمْكِينِهِ مِنْهَا ، وَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ فِي غَيْبَتِهِ ، وَلِذَلِكَ لَوْ بَذَلَتْ تَسْلِيمَ نَفْسِهَا قَبْلَ دُخُولِهِ بِهَا فِي حَالِ غَيْبَتِهِ ، لَمْ تَسْتَحِقَّ النَّفَقَةَ بِمُجَرَّدِ الْبَذْلِ ، كَذَا هَاهُنَا ، وَاَللَّه أَعْلَمُ .","part":18,"page":219},{"id":8719,"text":"بَاب مَنْ أَحَقُّ بِكَفَالَةِ الطِّفْلِ كَفَالَةُ الطِّفْلِ وَحَضَانَتُهُ وَاجِبَةٌ ؛ لِأَنَّهُ يَهْلِكُ بِتَرْكِهِ ، فَيَجِبُ حِفْظُهُ عَنْ الْهَلَاكِ ، كَمَا يَجِبُ الْإِنْفَاقُ عَلَيْهِ ، وَإِنْجَاؤُهُ مِنْ الْمَهَالِكِ وَيَتَعَلَّقُ بِهَا حَقٌّ لِقَرَابَتِهِ ، لِأَنَّ فِيهَا وِلَايَةً عَلَى الطِّفْلِ وَاسْتِصْحَابًا لَهُ ، فَتَعَلَّقَ بِهَا الْحَقُّ ، كَكَفَالَةِ اللَّقِيطِ وَلَا تَثْبُتُ الْحَضَانَةُ لَطِفْلٍ ، وَلَا مَعْتُوهٍ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهَا ، وَهُوَ مُحْتَاجٌ إلَى مَنْ يَكْفُلُهُ ، فَكَيْفَ يَكْفُلُ غَيْرَهُ ، وَلَا فَاسِقٍ ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَوْثُوقٍ بِهِ فِي أَدَاءِ الْوَاجِبِ مِنْ الْحَضَانَةِ ، وَلَا حَظَّ لِلْوَلَدِ فِي حَضَانَتِهِ ، لِأَنَّهُ يَنْشَأُ عَلَى طَرِيقَتِهِ ، وَلَا الرَّقِيقِ وَبِهَذَا قَالَ عَطَاءٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ وَقَالَ مَالِكٌ ، فِي حُرٍّ لَهُ وَلَدٌ حُرٌّ مِنْ أَمَةٍ : الْأُمُّ أَحَقُّ بِهِ ، إلَّا أَنْ تُبَاعَ فَتُنْقَلَ ، فَيَكُونَ الْأَبُ أَحَقَّ بِهِ ؛ لِأَنَّهَا أُمٌّ مُشْفِقَةٌ ، فَأَشْبَهْت الْحُرَّةَ وَلَنَا ، أَنَّهَا لَا تَمْلِكُ مَنَافِعَهَا الَّتِي تَحْصُلُ الْكَفَالَةُ بِهَا ، لِكَوْنِهَا مَمْلُوكَةً لِسَيِّدِهَا ، فَلَمْ يَكُنْ لَهَا حَضَانَةٌ ، كَمَا لَوْ بِيعَتْ وَنُقِلَتْ وَلَا تَثْبُتُ لَكَافِرٍ عَلَى مُسْلِمٍ وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَسَوَّارٌ ، وَالْعَنْبَرِيُّ وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ تَثْبُتُ لَهُ ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ رَافِعِ بْنِ سِنَانٍ ، { أَنَّهُ أَسْلَمَ ، وَأَبَتِ امْرَأَتُهُ أَنْ تُسْلِمَ ، فَأَتَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ : ابْنَتِي وَهِيَ فَطِيمٌ أَوْ شِبْهُهُ ، وَقَالَ رَافِعٌ : ابْنَتِي فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اُقْعُدْ نَاحِيَةً ، وَقَالَ لَهَا : اُقْعُدِي نَاحِيَةً ، وَقَالَ : اُدْعُوَاهَا فَمَالَتْ الصَّبِيَّةُ إلَى أُمِّهَا ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اللَّهُمَّ اهْدِهَا فَمَالَتْ إلَى أَبِيهَا ، فَأَخَذَهَا } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد","part":18,"page":220},{"id":8720,"text":"وَلَنَا ، أَنَّهَا وِلَايَةٌ ، فَلَا تَثْبُتُ لَكَافِرٍ عَلَى مُسْلِمٍ ، كَوِلَايَةِ النِّكَاحِ وَالْمَالِ ، وَلِأَنَّهَا إذَا لَمْ تَثْبُتْ لِلْفَاسِقِ ، فَالْكَافِرُ أَوْلَى ، فَإِنَّ ضَرَرَهُ أَكْثَرُ ، فَإِنَّهُ يَفْتِنُهُ عَنْ دِينِهِ ، وَيُخْرِجُهُ عَنْ الْإِسْلَامِ بِتَعْلِيمِهِ الْكُفْرَ ، وَتَزْيِينِهِ لَهُ ، وَتَرْبِيَتِهِ عَلَيْهِ ، وَهَذَا أَعْظَمُ الضَّرَرِ وَالْحَضَانَةُ إنَّمَا تَثْبُتُ لَحَظِّ الْوَلَدِ ، فَلَا تُشْرَعُ عَلَى وَجْهٍ يَكُونُ فِيهِ هَلَاكُهُ وَهَلَاكُ دِينِهِ فَأَمَّا الْحَدِيثُ ، فَقَدْ رُوِيَ عَلَى غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ ، وَلَا يُثْبِتُهُ أَهْلُ النَّقْلِ ، وَفِي إسْنَادِهِ مَقَالٌ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَيُحْتَمَلُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلِمَ أَنَّهَا تَخْتَارُ أَبَاهَا بِدَعْوَتِهِ ، فَكَانَ ذَلِكَ خَاصًّا فِي حَقِّهِ فَأَمَّا مَنْ بَعْضُهُ حُرٌّ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَيِّدِهِ مُهَايَأَةٌ ، فَلَا حَضَانَةَ لَهُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهَا ، لِكَوْنِ مَنَافِعِهِ مُشْتَرَكَةً بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَيِّدِهِ ، وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا مُهَايَأَةٌ ، فَقِيَاسُ قَوْلِ أَحْمَدَ ، أَنَّ لَهُ الْحَضَانَةَ فِي أَيَّامِهِ ؛ لِأَنَّهُ قَالَ : كُلُّ مَا يَتَجَزَّأُ ، فَعَلَيْهِ النِّصْفُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَهَذَا اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا حَضَانَةَ لَهُ لِأَنَّهُ كَالْقِنِّ عِنْدَهُ وَهَذَا أَصْلٌ قَدْ تَقَدَّمَ .","part":18,"page":221},{"id":8721,"text":"( 6535 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَالْأُمُّ أَحَقُّ بِكَفَالَةِ الطِّفْلِ وَالْمَعْتُوهِ ، إذَا طَلُقَتْ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الزَّوْجَيْنِ إذَا افْتَرَقَا ، وَلَهُمَا وَلَدٌ طِفْلٌ أَوْ مَعْتُوهٌ ، فَأُمُّهُ أَوْلَى النَّاسِ بِكَفَالَتِهِ إذَا كَمُلَتْ الشَّرَائِطُ فِيهَا ، ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى ، وَهَذَا قَوْلُ يَحْيَى الْأَنْصَارِيِّ ، وَالزُّهْرِيِّ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَمَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَإِسْحَاقَ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ ، وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا خَالَفَهُمْ وَالْأَصْلُ فِيهِ مَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ، { أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنَّ ابْنِي هَذَا كَانَ بَطْنِي لَهُ وِعَاءً ، وَثَدْيِي لَهُ سِقَاءً ، وَحِجْرِي لَهُ حِوَاءً ، وَإِنَّ أَبَاهُ طَلَّقَنِي ، وَأَرَادَ أَنْ يَنْزِعَهُ مِنِّي فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَنْتِ أَحَقُّ بِهِ مَا لَمْ تَنْكِحِي } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَيَرْوِي أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ ، حَكَمَ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ بِعَاصِمٍ لِأُمِّهِ أُمِّ عَاصِمٍ ، وَقَالَ : رِيحُهَا وَشْمُهَا وَلُطْفُهَا ، خَيْرٌ لَهُ مِنْك رَوَاهُ سَعِيدٌ ، فِي \" سُنَنِهِ \" وَلِأَنَّهَا أَقْرَبُ إلَيْهِ ، وَأَشْفَقُ عَلَيْهِ ، وَلَا يُشَارِكُهَا فِي الْقُرْبِ إلَّا أَبُوهُ ، وَلَيْسَ لَهُ مِثْلُ شَفَقَتِهَا ، وَلَا يَتَوَلَّى الْحَضَانَةَ بِنَفْسِهِ ، وَإِنَّمَا يَدْفَعُهُ إلَى امْرَأَتِهِ ، وَأُمُّهُ أَوْلَى بِهِ مِنْ امْرَأَةِ أَبِيهِ .","part":18,"page":222},{"id":8722,"text":"( 6536 ) فَصْلٌ : فَإِنْ لَمْ تَكُنْ الْأُمُّ مِنْ أَهْلِ الْحَضَانَةِ ، لِفِقْدَانِ الشُّرُوطِ الَّتِي ذَكَرْنَا فِيهَا ، أَوْ بَعْضِهَا ، فَهِيَ كَالْمَعْدُومَةِ ، وَتَنْتَقِلُ إلَى مَنْ يَلِيهَا فِي الِاسْتِحْقَاقِ وَلَوْ كَانَ الْأَبَوَانِ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الْحَضَانَةِ ، انْتَقَلَتْ إلَى مِنْ يَلِيهِمَا ؛ لِأَنَّهُمَا كَالْمَعْدُومَيْنِ .","part":18,"page":223},{"id":8723,"text":"( 6537 ) فَصْلٌ : وَلَا تَثْبُتُ الْحَضَانَةُ إلَّا عَلَى الطِّفْلِ أَوْ الْمَعْتُوهِ ، فَأَمَّا الْبَالِغُ الرَّشِيدُ ، فَلَا حَضَانَةَ عَلَيْهِ ، وَإِلَيْهِ الْخِيرَةُ فِي الْإِقَامَةِ عِنْدَ مَنْ شَاءَ مِنْ أَبَوَيْهِ ، فَإِنْ كَانَ رَجُلًا ، فَلَهُ الِانْفِرَادُ بِنَفْسِهِ ، لِاسْتِغْنَائِهِ عَنْهُمَا ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَنْفَرِدَ عَنْهُمَا ، وَلَا يَقْطَعَ بِرَّهُ عَنْهُمَا وَإِنْ كَانَتْ جَارِيَةً لَمْ يَكُنْ لَهَا الِانْفِرَادُ وَلِأَبِيهَا مَنْعُهَا مِنْهُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْهَا مَنْ يُفْسِدُهَا ، وَيُلْحِقُ الْعَارَ بِهَا وَبِأَهْلِهَا ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا أَبٌ ، فَلِوَلِيِّهَا وَأَهْلِهَا مَنْعُهَا مِنْ ذَلِكَ .","part":18,"page":224},{"id":8724,"text":"( 6538 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَإِذَا بَلَغَ الْغُلَامُ سَبْعَ سِنِينَ ، خُيِّرَ بَيْنَ أَبَوَيْهِ ، فَكَانَ مَعَ مَنْ اخْتَارَ مِنْهُمَا ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْغُلَامَ إذَا بَلَغَ سَبْعًا ، وَلَيْسَ بِمَعْتُوهٍ ، خُيِّرَ بَيْنَ أَبَوَيْهِ ، إذَا تَنَازَعَا فِيهِ ، فَمَنْ اخْتَارَهُ مِنْهُمَا ، فَهُوَ أَوْلَى بِهِ قَضَى بِذَلِكَ عُمَرُ ، وَعَلِيٌّ ، وَشُرَيْحٌ وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ، وَقَالَ مَالِكٌ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ : لَا يُخَيَّرُ لَكِنْ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إذَا اسْتَقَلَّ بِنَفْسِهِ ، فَأَكَلَ بِنَفْسِهِ ، وَلَبِسَ بِنَفْسِهِ ، وَاسْتَنْجَى بِنَفْسِهِ ، فَالْأَبُ أَحَقُّ بِهِ وَمَالِكٌ يَقُولُ : الْأُمُّ أَحَقُّ بِهِ حَتَّى يُثْغِرَ ، وَأَمَّا التَّخْيِيرُ ، فَلَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ الْغُلَامَ لَا قَوْلَ لَهُ ، وَلَا يَعْرِفُ حَظَّهُ ، وَرُبَّمَا اخْتَارَ مَنْ يَلْعَبُ عِنْدَهُ وَيَتْرُكُ تَأْدِيبَهُ ، وَيُمَكِّنُهُ مِنْ شَهَوَاتِهِ ، فَيُؤَدِّي إلَى فَسَادِهِ ، وَلِأَنَّهُ دُونَ الْبُلُوغِ ، فَلَمْ يُخَيَّرْ ، كَمَنْ دُونَ السَّبْعِ وَلَنَا ، مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { خَيَّرَ غُلَامًا بَيْنَ أَبِيهِ وَأُمِّهِ } رَوَاهُ سَعِيدٌ ، بِإِسْنَادِهِ وَالشَّافِعِيُّ وَفِي لَفْظٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ { : جَاءَتْ امْرَأَةٌ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنَّ زَوْجِي يُرِيدُ أَنْ يَذْهَبَ بِابْنِي ، وَقَدْ سَقَانِي مِنْ بِئْرِ أَبِي عِنَبَةَ ، وَقَدْ نَفَعَنِي فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : } هَذَا أَبُوك ، وَهَذِهِ أُمُّك فَخُذْ بِيَدِ أَيِّهِمَا شِئْت { فَأَخَذَ بِيَدِ أُمِّهِ ، فَانْطَلَقَتْ بِهِ } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَلِأَنَّهُ إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ ، فَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ ، أَنَّهُ خَيَّرَ غُلَامًا بَيْنَ أَبِيهِ وَأُمِّهِ رَوَاهُ سَعِيدٌ ، وَرُوِيَ عَنْ عُمَارَةَ الْجَرْمِيُّ ، أَنَّهُ قَالَ : خَيَّرَنِي عَلِيٌّ بَيْنَ عَمِّي وَأُمِّيِّ ، وَكُنْت ابْنَ سَبْعٍ أَوْ ثَمَانٍ وَرُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَهَذِهِ قِصَصٌ فِي مَظِنَّةِ الشُّهْرَةِ ، وَلَمْ تُنْكَرْ ، فَكَانَتْ إجْمَاعًا ،","part":18,"page":225},{"id":8725,"text":"وَلِأَنَّ التَّقْدِيمَ فِي الْحَضَانَةِ لِحَقِّ الْوَلَدِ ، فَيُقَدَّمُ مَنْ هُوَ أَشْفَقُ ؛ لِأَنَّ حَظَّ الْوَلَدِ عِنْدَهُ أَكْثَرُ ، وَاعْتَبَرْنَا الشَّفَقَةَ بِمَظِنَّتِهَا إذَا لَمْ يُمْكِنْ اعْتِبَارُهَا بِنَفْسِهَا ، فَإِذَا بَلَغَ الْغُلَامُ حَدًّا يُعْرِبُ عَنْ نَفْسِهِ ، وَيُمَيِّزُ بَيْنَ الْإِكْرَامِ وَضِدِّهِ ، فَمَالَ إلَى أَحَدِ الْأَبَوَيْنِ ، دَلَّ عَلَى أَنَّهُ أَرْفَقُ بِهِ ، وَأَشْفَقُ عَلَيْهِ ، فَقُدِّمَ بِذَلِكَ وَقَيَّدْنَاهُ بِالسَّبْعِ ؛ لِأَنَّهَا أَوَّلُ حَالٍ أَمَرَ الشَّرْعُ فِيهَا بِمُخَاطَبَتِهِ بِالْأَمْرِ بِالصَّلَاةِ ؛ وَلِأَنَّ الْأُمَّ قُدِّمَتْ فِي حَالِ الصِّغَرِ ، لِحَاجَتِهِ إلَى حَمْلِهِ ، وَمُبَاشَرَةِ خِدْمَتِهِ ، لِأَنَّهَا أَعْرَفُ بِذَلِكَ ، وَأَقْوَمُ بِهِ ، فَإِذَا اسْتَغْنَى عَنْ ذَلِكَ ، تَسَاوَى وَالِدَاهُ ، لَقُرْبِهِمَا مِنْهُ ، فَرَجَّحَ بِاخْتِيَارِهِ .","part":18,"page":226},{"id":8726,"text":"( 6539 ) فَصْلٌ : وَمَتَى اخْتَارَ أَحَدَهُمَا فَسُلِّمَ إلَيْهِ ، ثُمَّ اخْتَارَ الْآخَرَ ، رُدَّ إلَيْهِ ، فَإِنْ عَادَ فَاخْتَارَ الْأَوَّلَ ، أُعِيدَ إلَيْهِ ، هَكَذَا أَبَدًا كُلَّمَا اخْتَارَ أَحَدَهُمَا صَارَ إلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ اخْتِيَارُ شَهْوَةٍ ، لَحَظِّ نَفْسِهِ ، فَاتَّبَعَ مَا يَشْتَهِيه ، كَمَا يَتَّبِعُ مَا يَشْتَهِيه فِي الْمَأْكُولِ وَالْمَشْرُوبِ ، وَقَدْ يَشْتَهِي الْمُقَامَ عِنْدَ أَحَدِهِمَا فِي وَقْتٍ ، وَعِنْدَ الْآخَرِ فِي وَقْتٍ ، وَقَدْ يَشْتَهِي التَّسْوِيَةَ بَيْنَهُمَا ، وَأَنْ لَا يَنْقَطِعَ عَنْهُمَا وَإِنْ خَيَّرْنَاهُ ، فَلَمْ يَخْتَرْ وَاحِدًا مِنْهُمَا ، أَوْ اخْتَارَهُمَا مَعًا ، قُدِّمَ أَحَدُهُمَا بِالْقُرْعَةِ ؛ لِأَنَّهُ لَا مَزِيَّةَ لَأَحَدِهِمَا عَلَى صَاحِبِهِ ، وَلَا يُمْكِنُ اجْتِمَاعُهُمَا عَلَى حَضَانَتِهِ ، فَقُدِّمَ أَحَدُهُمَا بِالْقُرْعَةِ ، فَإِذَا قُدِّمَ بِهَا ، ثُمَّ اخْتَارَ الْآخَرَ ، رُدَّ إلَيْهِ ؛ لِأَنَّنَا قَدَّمْنَا اخْتِيَارَهُ الثَّانِي عَلَى الْأَوَّلِ ، فَعَلَى الْقُرْعَةِ الَّتِي هِيَ بَدَلٌ أَوْلَى .","part":18,"page":227},{"id":8727,"text":"( 6540 ) فَصْلٌ : فَإِنْ كَانَ الْأَبُ مَعْدُومًا ، أَوْ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الْحَضَانَةِ ، وَحَضَرَ غَيْرُهُ مِنْ الْعَصَبَاتِ ، كَالْأَخِ وَالْعَمِّ وَابْنِهِ ، قَامَ مَقَامَ الْأَبِ فَيُخَيَّرُ الْغُلَامُ بَيْنَ أُمِّهِ وَعَصَبَتِهِ لِأَنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ خَيَّرَ عُمَارَةَ الْجَرْمِيَّ بَيْنَ أُمِّهِ وَعَمِّهِ وَلِأَنَّهُ عَصَبَةٌ ، فَأَشْبَهَ الْأَبَ وَكَذَلِكَ إنْ كَانَتْ الْأُمُّ مَعْدُومَةً ، أَوْ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الْحَضَانَةِ ، فَسُلِّمَ إلَى الْجَدَّةِ ، خُيِّرَ الْغُلَامُ بَيْنهَا وَبَيْنَ أَبِيهِ ، أَوْ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ مِنْ الْعَصَبَاتِ ، فَإِنْ كَانَ الْأَبَوَانِ مَعْدُومَيْنِ ، أَوْ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الْحَضَانَةِ ، فَسُلِّمَ إلَى امْرَأَةٍ كَأُخْتِهِ أَوْ عَمَّتِهِ أَوْ خَالَتِهِ ، قَامَتْ مَقَامَ أُمِّهِ ، فِي التَّخْيِيرِ بَيْنهَا وَبَيْنَ عَصَبَاتِهِ ، لِلْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي الْأَبَوَيْنِ فَإِنْ كَانَ الْأَبَوَانِ رَقِيقَيْنِ ، وَلَيْسَ لَهُ أَحَدٌ مِنْ أَقَارِبه سِوَاهُمَا ، فَقَالَ الْقَاضِي : لَا حَضَانَةَ لَهُمَا عَلَيْهِ ، وَلَا نَفَقَةَ لَهُ عَلَيْهِمَا ، وَنَفَقَتُهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ ، وَيُسَلَّمُ إلَى مِنْ يَحْضُنُهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ .","part":18,"page":228},{"id":8728,"text":"( 6541 ) فَصْلٌ : وَإِنَّمَا يُخَيَّرُ الْغُلَامُ بِشَرْطَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، أَنْ يَكُونَا جَمِيعًا مِنْ أَهْلِ الْحَضَانَةِ ، فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الْحَضَانَةِ ، كَانَ كَالْمَعْدُومِ ، وَيُعَيَّنُ الْآخَرُ .\rالثَّانِي : أَنْ لَا يَكُونَ الْغُلَامُ مَعْتُوهًا ، فَإِنْ كَانَ مَعْتُوهًا كَانَ عِنْدَ الْأُمِّ ، وَلَمْ يُخَيَّرْ ؛ لِأَنَّ الْمَعْتُوهَ بِمَنْزِلَةِ الطِّفْلِ وَإِنْ كَانَ كَبِيرًا ، وَلِذَلِكَ كَانَتْ الْأُمُّ أَحَقَّ بِكَفَالَةِ وَلَدِهَا الْمَعْتُوهِ بَعْدَ بُلُوغِهِ وَلَوْ خُيِّرَ الصَّبِيُّ ، فَاخْتَارَ أَبَاهُ ، ثُمَّ زَالَ عَقْلُهُ ، رُدَّ إلَى الْأُمِّ ، وَبَطَلَ اخْتِيَارُهُ ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا خُيِّرَ حِينَ اسْتَقَلَّ بِنَفْسِهِ ، فَإِذَا زَالَ اسْتِقْلَالُهُ بِنَفْسِهِ ، كَانَتْ الْأُمُّ أَوْلَى ؛ لِأَنَّهَا أَشْفَقُ عَلَيْهِ ، وَأَقْوَمُ بِمَصَالِحِهِ ، كَمَا فِي حَالِ طُفُولِيَّتِهِ .","part":18,"page":229},{"id":8729,"text":"( 6542 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَإِذَا بَلَغْت الْجَارِيَةُ سَبْعَ سِنِينَ ، فَالْأَبُ أَحَقُّ بِهَا ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : تُخَيَّرُ كَالْغُلَامِ ؛ لِأَنَّ كُلَّ سِنٍّ خُيِّرَ فِيهِ الْغُلَامُ خُيِّرَتْ فِيهِ الْجَارِيَةُ ، كَسِنِّ الْبُلُوغِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : الْأُمُّ أَحَقُّ بِهَا ، حَتَّى تُزَوَّجَ أَوْ تَحِيضَ وَقَالَ مَالِكٌ : الْأُمُّ أَحَقُّ بِهَا حَتَّى تُزَوَّجَ وَيَدْخُلَ بِهَا الزَّوْجُ ؛ لِأَنَّهَا لَا حُكْمِ لِاخْتِيَارِهَا ، وَلَا يُمْكِنُ انْفِرَادُهَا ، فَكَانَتْ الْأُمُّ أَحَقَّ بِهَا ، كَمَا قَبْلَ السَّبْعِ وَلَنَا ، أَنَّ الْغَرَضَ بِالْحَضَانَةِ الْحَظُّ ، وَالْحَظُّ لِلْجَارِيَةِ بَعْدَ السَّبْعِ فِي الْكَوْنِ عِنْدَ أَبِيهَا ؛ لِأَنَّهَا تَحْتَاجُ إلَى حِفْظٍ ، وَالْأَبُ أَوْلَى بِذَلِكَ ، فَإِنَّ الْأُمَّ تَحْتَاجُ إلَى مَنْ يَحْفَظُهَا وَيَصُونُهَا ، وَلِأَنَّهَا إذَا بَلَغْت السَّبْعَ ، قَارَبَتْ الصَّلَاحِيَةَ لِلتَّزْوِيجِ ، وَقَدْ تَزَوَّجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَائِشَةَ ، وَهِيَ ابْنَةُ سَبْعٍ ، وَإِنَّمَا تُخْطَبُ الْجَارِيَةُ مِنْ أَبِيهَا ؛ لِأَنَّهُ وَلِيُّهَا ، وَالْمَالِكُ لِتَزْوِيجِهَا ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْكَفَاءَةِ ، وَأُقْدَرُ عَلَى الْبَحْثِ ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُقَدَّمَ عَلَى غَيْرِهِ ، وَلَا يُصَارُ إلَى تَخْيِيرِهَا ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ لَمْ يَرِدْ بِهِ فِيهَا ، وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُهَا عَلَى الْغُلَامِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى الْحِفْظِ وَالتَّزْوِيجِ ، كَحَاجَتِهَا إلَيْهِ ، وَلَا عَلَى سِنِّ الْبُلُوغِ ؛ لِأَنَّ قَوْلَهَا حِينَئِذٍ مُعْتَبَرٌ فِي إذْنِهَا ، وَتَوْكِيلِهَا ، وَإِقْرَارِهَا ، وَاخْتِيَارِهَا ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا ، وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُ مَا بَعْدَ السَّبْعِ عَلَى مَا قَبْلَهَا ؛ لِمَا ذَكَرْنَا فِي دَلِيلِنَا .","part":18,"page":230},{"id":8730,"text":"( 6543 ) فَصْلٌ : إذَا كَانَتْ الْجَارِيَةُ عِنْدَ الْأُمِّ أَوْ عِنْدَ الْأَبِ ، فَإِنَّهَا تَكُونُ عِنْدَهُ لَيْلًا وَنَهَارًا ؛ لِأَنَّ تَأْدِيبَهَا وَتَخْرِيجَهَا فِي جَوْفِ الْبَيْتِ ، مِنْ تَعْلِيمِهَا الْغَزْلَ وَالطَّبْخَ وَغَيْرَهُمَا ، وَلَا حَاجَةَ بِهَا إلَى الْإِخْرَاجِ مِنْهُ ، وَلَا يُمْنَعُ أَحَدُهُمَا مِنْ زِيَارَتِهَا عِنْدَ الْآخَرِ ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَخْلُوَ الزَّوْجُ بِأُمِّهَا ، وَلَا يُطِيلُ ، وَلَا يَتَبَسَّطُ ؛ لِأَنَّ الْفُرْقَةَ بَيْنَهُمَا تَمْنَعُ تَبَسُّطَ أَحَدِهِمَا فِي مَنْزِلِ الْآخَرِ وَإِنْ مَرِضَتْ ، فَالْأُمُّ أَحَقُّ بِتَمْرِيضِهَا فِي بَيْتِهَا وَإِنْ كَانَ الْغُلَامُ عِنْدَ الْأُمِّ بَعْدَ السَّبْعِ ، لِاخْتِيَارِهِ لَهَا ، كَانَ عِنْدَهَا لَيْلًا ، وَيَأْخُذُهُ الْأَبُ نَهَارًا لِيُسَلِّمَهُ فِي مَكْتَبٍ ، أَوْ فِي صِنَاعَةٍ ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ حَظُّ الْغُلَامِ وَحَظُّهُ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ وَإِنْ كَانَ عِنْدَ الْأَبِ ، كَانَ عِنْدَهُ لَيْلًا وَنَهَارًا ، وَلَا يُمْنَعُ مِنْ زِيَارَةِ أُمِّهِ ؛ لِأَنَّ مَنْعَهُ مِنْ ذَلِكَ إغْرَاءٌ بِالْعُقُوقِ ، وَقَطِيعَةٌ لِلرَّحِمِ وَإِنْ مَرِضَ ، كَانَتْ الْأُمُّ أَحَقَّ بِتَمْرِيضِهِ فِي بَيْتِهَا ؛ لِأَنَّهُ صَارَ بِالْمَرَضِ كَالصَّغِيرِ ، فِي الْحَاجَةِ إلَى مَنْ يَقُومُ بِأَمْرِهِ ، فَكَانَتْ الْأُمُّ أَحَقَّ بِهِ كَالصَّغِيرِ وَإِنْ مَرِضَ أَحَدُ الْأَبَوَيْنِ ، وَالْوَلَدُ عِنْدَ الْآخَرِ ، لَمْ يُمْنَعْ مِنْ عِيَادَتِهِ ، وَحُضُورِهِ عِنْدَ مَوْتِهِ ، سَوَاءٌ كَانَ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى ؛ لِأَنَّ الْمَرَضَ يَمْنَعُ الْمَرِيضَ مِنْ الْمَشْيِ إلَى وَلَدِهِ ، فَمَشْيُ وَلَدِهِ إلَيْهِ أَوْلَى فَأَمَّا فِي حَالِ الصِّحَّةِ ، فَإِنَّ الْغُلَامَ يَزُورُ أُمَّهُ ؛ لِأَنَّهَا عَوْرَةٌ ، فَسَتْرُهَا أَوْلَى ، وَالْأُمُّ تَزُورُ ابْنَتَهَا ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عَوْرَةٌ ، تَحْتَاجُ إلَى صِيَانَةٍ وَسَتْرٍ ، وَسَتْرُ الْجَارِيَةِ أَوْلَى ؛ لِأَنَّ الْأُمَّ قَدْ تَخَرَّجَتْ وَعَقَلَتْ ، بِخِلَافِ الْجَارِيَةِ .","part":18,"page":231},{"id":8731,"text":"( 6544 ) فَصْلٌ : وَإِذَا أَرَادَ أَحَدُ الْأَبَوَيْنِ السَّفَرَ لَحَاجَةٍ ثُمَّ يَعُودُ ، وَالْآخَرُ مُقِيمٌ ، فَالْمُقِيمُ أَوْلَى بِالْحَضَانَةِ ؛ لِأَنَّ فِي الْمُسَافَرَةِ بِالْوَلَدِ إضْرَارًا بِهِ ، وَإِنْ كَانَ مُنْتَقِلًا إلَى بَلَدٍ لِيُقِيمَ بِهِ ، وَكَانَ الطَّرِيقُ مَخُوفًا أَوْ الْبَلَدُ الَّذِي يَنْتَقِلُ إلَيْهِ مَخُوفًا ، فَالْمُقِيمُ أَوْلَى بِالْحَضَانَةِ ؛ لِأَنَّ فِي السَّفَرِ بِهِ خَطَرًا بِهِ ، وَلَوْ اخْتَارَ الْوَلَدُ السَّفَرَ فِي هَذِهِ الْحَالِ ، لَمْ يُجَبْ إلَيْهِ ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَغْرِيرًا بِهِ وَإِنْ كَانَ الْبَلَدُ الَّذِي يَنْتَقِلُ إلَيْهِ آمِنًا ، وَطَرِيقُهُ آمِنٌ ، فَالْأَبُ أَحَقُّ بِهِ ، سَوَاءٌ كَانَ هُوَ الْمُقِيمَ أَوْ الْمُنْتَقِلَ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ بَيْنَ الْبَلَدَيْنِ قَرِيبٌ ، بِحَيْثُ يَرَاهُمْ الْأَبُ كُلَّ يَوْمٍ وَيَرَوْنَهُ ، فَتَكُونَ الْأُمُّ عَلَى حَضَانَتِهَا وَقَالَ الْقَاضِي : إذَا كَانَ السَّفَرُ دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ ، فَهُوَ فِي حُكْمِ الْإِقَامَةِ وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ فِي حُكْمِ الْإِقَامَةِ فِي غَيْرِ هَذَا الْحُكْمِ ، فَكَذَلِكَ فِي هَذَا ؛ وَلِأَنَّ مُرَاعَاةَ الْأَبِ لَهُ مُمْكِنَةٌ وَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ مَا ذَكَرْنَاهُ ، وَهُوَ أَوْلَى ؛ لِأَنَّ الْبُعْدَ الَّذِي يَمْنَعُهُ مِنْ رُؤْيَتِهِ ، يَمْنَعُهُ مِنْ تَأْدِيبِهِ ، وَتَعْلِيمِهِ ، وَمُرَاعَاةِ حَالِهِ ، فَأَشْبَهَ مَسَافَةَ الْقَصْرِ وَبِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ تَقْدِيمِ الْأَبِ عِنْدَ افْتِرَاقِ الدَّارِ بِهِمَا ، قَالَ شُرَيْحٌ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ : إنْ انْتَقَلَ الْأَبُ ، فَالْأُمُّ أَحَقُّ بِهِ ، وَإِنْ انْتَقَلْت الْأُمُّ إلَى الْبَلَدِ الَّذِي كَانَ فِيهِ أَصْلُ النِّكَاحِ ، فَهِيَ أَحَقُّ ، وَإِنْ انْتَقَلَتْ إلَى غَيْرِهِ ، فَالْأَبُ أَحَقُّ وَحُكِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ : إنْ انْتَقَلَتْ مِنْ بَلَدٍ إلَى قَرْيَةٍ ، فَالْأَبُ أَحَقُّ ، وَإِنْ انْتَقَلَتْ إلَى بَلَدٍ آخَرَ ، فَهِيَ أَحَقُّ ؛ لِأَنَّ فِي الْبَلَدِ يُمْكِنُ تَعْلِيمُهُ وَتَخْرِيجُهُ وَلَنَا ، أَنَّهُ اخْتَلَفَ مَسْكَنُ الْأَبَوَيْنِ ، فَكَانَ الْأَبُ أَحَقَّ ، كَمَا لَوْ انْتَقَلَتْ","part":18,"page":232},{"id":8732,"text":"مِنْ بَلَدٍ إلَى قَرْيَةٍ ، أَوْ إلَى بَلَدٍ لَمْ يَكُنْ فِيهِ أَصْلُ النِّكَاحِ ، وَمَا ذَكَرُوهُ لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ الْأَبَ فِي الْعَادَةِ هُوَ الَّذِي يَقُومُ بِتَأْدِيبِ ابْنِهِ وَتَخْرِيجِهِ وَحِفْظِ نَسَبِهِ ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِي بَلَدِهِ ضَاعَ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَ فِي قَرْيَةٍ وَإِنْ انْتَقَلَا جَمِيعًا إلَى بَلَدٍ وَاحِدٍ ، فَالْأُمُّ بَاقِيَةٌ عَلَى حَضَانَتِهَا وَكَذَلِكَ إنْ أَخَذَهُ الْأَبُ لِافْتِرَاقِ الْبَلَدَيْنِ ، ثُمَّ اجْتَمَعَا ، عَادَتْ إلَى الْأُمِّ حَضَانَتُهَا وَغَيْرُ الْأُمِّ مِمَّنْ لَهُ الْحَضَانَةُ مِنْ النِّسَاءِ ، يَقُومُ مَقَامَهَا ، وَغَيْرُ الْأَبِ مِنْ عَصَبَاتِ الْوَلَدِ ، يَقُومُ مَقَامَهُ ، عِنْدَ عَدَمِهِمَا ، أَوْ كَوْنِهِمَا مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الْحَضَانَةِ .","part":18,"page":233},{"id":8733,"text":"( 6545 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( فَإِنْ لَمْ تَكُنْ أُمٌّ ، أَوْ تَزَوَّجَتْ الْأُمُّ ، فَأُمُّ الْأَبِ أَحَقُّ مِنْ الْخَالَةِ ) فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ : فَصْلَانِ : ( 6546 ) الْفَصْلُ الْأَوَّلُ : أَنَّ الْأُمَّ إذَا تَزَوَّجَتْ ، سَقَطَتْ حَضَانَتُهَا قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعَ عَلَى هَذَا كُلُّ مَنْ أَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ قَضَى بِهِ شُرَيْحٌ ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ وَحُكِيَ عَنْ الْحَسَنِ ، أَنَّهَا لَا تَسْقُطُ بِالتَّزْوِيجِ وَنَقَلَ مُهَنَّا عَنْ أَحْمَدَ : إذَا تَزَوَّجَتْ الْأُمُّ ، وَابْنُهَا صَغِيرٌ ، أُخِذَ مِنْهَا قِيلَ لَهُ : فَالْجَارِيَةُ مِثْلُ الصَّبِيِّ ؟ قَالَ : لَا ، الْجَارِيَةُ تَكُونُ مَعَهَا إلَى سَبْعِ سِنِينَ فَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ لَمْ يَزُلْ الْحَضَانَةَ عَنْ الْجَارِيَةِ لِتَزْوِيجِ أُمِّهَا ، وَأَزَالَهَا عَنْ الْغُلَامِ وَوَجْهُ ذَلِكَ مَا رُوِيَ ، أَنَّ عَلِيًّا وَجَعْفَرًا وَزَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ ، تَنَازَعُوا فِي حَضَانَةِ ابْنَةِ حَمْزَةَ ، فَقَالَ عَلِيٌّ : ابْنَةُ عَمِّي ، وَأَنَا أَخَذْتُهَا وَقَالَ زَيْدٌ : بِنْتُ أَخِي ؛ لِأَنَّ { رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آخَى بَيْنَ زَيْدٍ وَحَمْزَةَ وَقَالَ جَعْفَرٌ : بِنْتُ عَمِّي ، وَعِنْدِي خَالَتُهَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْخَالَةُ أُمٌّ } وَسَلَّمَهَا إلَى جَعْفَرٍ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِنَحْوِ هَذَا الْمَعْنَى ، فَجَعَلَ لَهَا الْحَضَانَةَ وَهِيَ مُزَوَّجَةٌ وَالرِّوَايَةُ الْأُولَى هِيَ الصَّحِيحَةُ قَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى : وَعَلَيْهَا الْعَمَلُ ؛ { لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْمَرْأَةِ : أَنْتِ أَحَقُّ بِهِ ، مَا لَمْ تَنْكِحِي } وَلِأَنَّهَا إذَا تَزَوَّجَتْ ، اشْتَغَلَتْ حُقُوقُ الزَّوْجِ عَنْ الْحَضَانَةِ ، فَكَانَ الْأَبُ أَحْظَ لَهُ ، وَلِأَنَّ مَنَافِعَهَا تَكُونُ مَمْلُوكَةً لِغَيْرِهَا ، فَأَشْبَهْت الْمَمْلُوكَةَ فَأَمَّا بِنْتُ حَمْزَةَ ، فَإِنَّمَا قَضَى بِهَا لِخَالَتِهَا ؛ لِأَنَّ زَوْجَهَا مِنْ أَهْلِ الْحَضَانَةِ ، وَلِأَنَّهُ لَا يُسَاوِيه فِي الِاسْتِحْقَاقِ إلَّا عَلِيٌّ ، وَقَدْ تَرَجَّحَ جَعْفَرٌ","part":18,"page":234},{"id":8734,"text":"بِأَنَّ امْرَأَتَهُ مِنْ أَهْلِ الْحَضَانَةِ ، فَكَانَ أَوْلَى وَعَلَى هَذَا ، مَتَى كَانَتْ الْمَرْأَةُ مُتَزَوِّجَةً لَرَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْحَضَانَةِ ، كَالْجَدَّةِ تَكُونُ مُتَزَوِّجَةً لِلْجَدِّ ، لَمْ تَسْقُطْ حَضَانَتُهَا ؛ لِأَنَّهُ يُشَارِكُهَا فِي الْوِلَادَةِ وَالشَّفَقَةِ عَلَى الْوَلَدِ ، فَأَشْبَهَ الْأُمَّ إذَا كَانَتْ مُتَزَوِّجَةً لِلْأَبِ وَلَوْ تَنَازَعَ الْعَمَّانِ فِي الْحَضَانَةِ ، وَأَحَدُهُمَا مُتَزَوِّجٌ لِلْأُمِّ ، أَوْ الْخَالَةِ ، فَهُوَ أَحَقُّ ، لِحَدِيثِ بِنْتِ حَمْزَةَ وَكَذَلِكَ كُلُّ عَصَبَتَيْنِ تَسَاوَيَا ، وَأَحَدُهُمَا مُتَزَوِّجٌ بِمَنْ هِيَ مِنْ أَهْلِ الْحَضَانَةِ ، قُدِّمَ بِهَا لِذَلِكَ وَظَاهِرُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ ، أَنَّ التَّزْوِيجَ بِأَجْنَبِيٍّ يُسْقِطُ الْحَضَانَةَ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ وَإِنْ عَرِيَ عَنْ الدُّخُولِ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا تَسْقُطَ إلَّا بِالدُّخُولِ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ؛ لِأَنَّ بِهِ تَشْتَغِلُ عَنْ الْحَضَانَةِ وَوَجْهُ الْأَوَّلِ ، قَوْلُ { النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَنْتِ أَحَقُّ بِهِ مَا لَمْ تَنْكِحِي } وَقَدْ وُجِدَ النِّكَاحُ قَبْلَ الدُّخُولِ ، وَلِأَنَّ بِالْعَقْدِ يَمْلِكُ مَنَافِعَهَا ، وَيَسْتَحِقُّ زَوْجُهَا مَنْعَهَا مِنْ حَضَانَتِهِ ، فَزَالَ حَقُّهَا ، كَمَا لَوْ دَخَلَ بِهَا","part":18,"page":235},{"id":8735,"text":"( 6547 ) الْفَصْلُ الثَّانِي : أَنَّ الْأُمَّ إذَا عُدِمَتْ ، أَوْ تَزَوَّجَتْ ، أَوْ لَمْ تَكُنْ مِنْ أَهْلِ الْحَضَانَةِ ، وَاجْتَمَعَتْ أُمُّ أَبٍ وَخَالَةٍ ، فَأُمُّ الْأَبِ أَحَقُّ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ فِي الْجَدِيدِ وَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ مَالِكٍ ، وَأَبِي ثَوْرٍ وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّ الْأُخْتَ وَالْخَالَةَ أَحَقُّ مِنْ الْأَبِ فَعَلَى هَذَا ، يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ الْخَالَةُ أَحَقَّ مِنْ أُمِّ الْأَبِ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ الْقَدِيمُ ؛ لِأَنَّهَا تُدْلِي بِأُمٍّ ، وَأُمُّ الْأَبِ تُدْلِي بِهِ ، فَقُدِّمَ مَنْ يُدْلِي بِالْأُمِّ ، كَتَقْدِيمِ أُمِّ الْأُمِّ عَلَى أُمِّ الْأَبِ ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى بِبِنْتِ حَمْزَةَ لِخَالَتِهَا ، وَقَالَ : { الْخَالَةُ أُمٌّ } وَلَنَا ، أَنَّ أُمَّ الْأَبِ جَدَّةٌ وَارِثَةٌ ، فَقُدِّمَتْ عَلَى الْخَالَةِ ، كَأُمِّ الْأُمِّ ، وَلِأَنَّ لَهَا وِلَادَةً وَوِرَاثَةً ، فَأَشْبَهَتْ أُمَّ الْأُمِّ فَأَمَّا الْحَدِيثُ ، فَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ لِلْخَالَةِ حَقًّا فِي الْجُمْلَةِ ، وَلَيْسَ النِّزَاعُ فِيهِ ، إنَّمَا النِّزَاعُ فِي التَّرْجِيحِ عِنْدَ الِاجْتِمَاعِ وَقَوْلُهُمْ : تُدْلِي بِأُمٍّ قُلْنَا : لَكِنْ لَا وِلَادَةَ لَهَا ، فَيُقَدَّمُ عَلَيْهَا مَنْ لَهُ وِلَادَةٌ ، كَتَقْدِيمِ أُمِّ الْأُمِّ عَلَى الْخَالَةِ فَعَلَى هَذَا ، مَتَى وُجِدَتْ جَدَّةٌ وَارِثَةٌ ، فَهِيَ أَوْلَى مِمَّنْ هُوَ مِنْ غَيْرِ عَمُودِي النَّسَبِ بِكُلِّ حَالٍ وَإِنْ عَلَتْ دَرَجَتُهَا ؛ لِفَضِيلَةِ الْوِلَادَةِ وَالْوِرَاثَةِ ، فَأَمَّا أُمُّ أَبِي الْأُمِّ فَلَا حَضَانَةَ لَهَا ؛ لِأَنَّهَا تُدْلِي بِأَبِي الْأُمِّ ، وَلَا حَضَانَةَ لَهُ ، وَلَا مَنْ أَدْلَى بِهِ .","part":18,"page":236},{"id":8736,"text":"( 6548 ) فَصْلٌ : فَإِنْ اجْتَمَعَتْ أُمُّ أُمٍّ وَأُمُّ أَبٍ ، فَأُمُّ الْأُمِّ أَحَقُّ ، وَإِنْ عَلَتْ دَرَجَتُهَا ؛ لِأَنَّ لَهَا وِلَادَةً ، وَهِيَ تُدْلِي بِالْأُمِّ الَّتِي تُقَدَّمُ عَلَى الْأَبِ ، فَوَجَبَ تَقْدِيمُهَا عَلَيْهَا ، كَتَقْدِيمِ الْأُمِّ عَلَى الْأَبِ وَعَنْ أَحْمَدَ أَنَّ أُمَّ الْأَبِ أَحَقُّ وَهُوَ قِيَاسُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ ؛ لِأَنَّهُ قَدَّمَ خَالَةَ الْأَبِ عَلَى خَالَةِ الْأُمِّ ، وَخَالَةُ الْأَبِ أُخْتُ أُمِّهِ ، وَخَالَةُ الْأُمِّ أُخْتُ أُمِّهَا ، فَإِذَا قَدَّمَ أُخْتَ أُمِّ الْأَبِ ، دَلَّ عَلَى تَقْدِيمِهَا ، وَذَلِكَ لِأَنَّهَا تُدْلِي بِعَصَبَةٍ ، مَعَ مُسَاوَاتِهَا لِلْأُخْرَى فِي الْوِلَادَةِ فَوَجَبَ تَقْدِيمُهَا ، كَتَقْدِيمِ الْأُخْتِ مِنْ الْأَبِ عَلَى الْأُخْتِ مِنْ الْأُمِّ ، وَإِنَّمَا قُدِّمَتْ الْأُمُّ عَلَى الْأَبِ ؛ لِأَنَّهَا أُنْثَى تَلِي الْحَضَانَةَ بِنَفْسِهَا ، فَكَذَلِكَ أُمُّهُ ، فَإِنَّهَا أُنْثَى تَلِي بِنَفْسِهَا ، فَقُدِّمَتْ لِمَا ذَكَرْنَاهُ .","part":18,"page":237},{"id":8737,"text":"( 6549 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَالْأُخْتُ مِنْ الْأَبِ أَحَقُّ مِنْ الْأُخْتِ مِنْ الْأُمِّ ، وَأَحَقُّ مِنْ الْخَالَةِ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ إذَا عُدِمَ مَنْ يَسْتَحِقُّ الْحَضَانَةَ ، مِنْ الْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ وَإِنْ عَلَوْا ، انْتَقَلَتْ إلَى الْأَخَوَاتِ ، وَقُدِّمْنَ عَلَى سَائِرِ الْقَرَابَاتِ ، كَالْخَالَاتِ وَالْعَمَّاتِ وَغَيْرِهِنَّ ؛ لِأَنَّهُنَّ شَارَكْنَ فِي النَّسَبِ ، وَقُدِّمْنَ فِي الْمِيرَاثِ ، وَلِأَنَّ الْعَمَّاتِ وَالْخَالَاتِ إنَّمَا يُدْلِينَ بِأُخُوَّةِ الْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ وَلَا مِيرَاثَ لَهُنَّ مَعَ ذِي فَرْضٍ وَلَا عَصَبَةٍ ، فَالْمُدْلِي إلَى نَفْسِ الْمَكْفُولِ وَيَرِثُهُ أَقْرَبُ وَأَشْفَقُ ، فَكَانَ أَوْلَى وَأَوْلَى الْأَخَوَاتِ مَنْ كَانَ لِأَبَوَيْنِ ، لِقُوَّةِ قَرَابَتِهَا ، ثُمَّ مَنْ كَانَ لِأَبٍ ، ثُمَّ مَنْ كَانَ لِأُمٍّ ، نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : الْأُخْتُ مِنْ الْأُمِّ أَوْلَى مِنْ الْأُخْتِ مِنْ الْأَبِ وَهُوَ قَوْلُ الْمُزَنِيّ ، وَابْنِ سُرَيْجٍ لِأَنَّهَا أَدْلَتْ بِالْأُمِّ ، فَقُدِّمَتْ عَلَى الْمُدْلِيَةِ بِالْأَبِ ، كَأُمِّ الْأُمِّ مَعَ أُمِّ الْأَبِ وَقَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ تُقَدَّمُ الْخَالَةُ عَلَى الْأُخْتِ مِنْ الْأَبِ ؛ لِذَلِكَ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ فِيهِ رِوَايَتَانِ وَلَنَا ، أَنَّ الْأُخْتَ مِنْ الْأَبِ أَقْوَى فِي الْمِيرَاثِ ، فَقُدِّمَتْ ، كَالْأُخْتِ مِنْ الْأَبَوَيْنِ ، وَلَا تَخْفَى قُوَّتُهَا ، فَإِنَّهَا أُقِيمَتْ مُقَامَ الْأُخْتِ مِنْ الْأَبَوَيْنِ عِنْدَ عَدَمِهَا ، وَتَكُونُ عَصَبَةٌ مَعَ الْبَنَاتِ وَتُقَاسِمُ الْجَدَّ ، وَمَا ذَكَرُوهُ مِنْ الْإِدْلَاءِ لَا يَلْزَمُ ؛ لِأَنَّ الْأُخْتَ تُدْلِي بِنَفْسِهَا ؛ لِكَوْنِهِمَا خُلِقَا مِنْ مَاءٍ وَاحِدٍ ، وَلَهُمَا تَعْصِيبٌ ، فَكَانَتْ أَوْلَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":18,"page":238},{"id":8738,"text":"( 6550 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَخَالَةُ الْأَبِ أَحَقُّ مِنْ خَالَةِ الْأُمِّ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ إذَا عُدِمَتْ الْأُمَّهَاتُ وَالْآبَاءُ وَالْأَخَوَاتُ ، انْتَقَلْت الْحَضَانَةُ إلَى الْخَالَاتِ ، وَيُقَدَّمْنَ عَلَى الْعَمَّاتِ نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ وَيَحْتَمِلُ كَلَامُ الْخِرَقِيِّ تَقْدِيمَ الْعَمَّاتِ ؛ لِأَنَّهُ قَدَّمَ خَالَةَ الْأَبِ ، وَهِيَ أُخْتُ أُمِّهِ ، عَلَى خَالَةِ الْأُمِّ ، وَهِيَ أُخْتُ أُمِّهَا ، فَيَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى تَقْدِيمِ قَرَابَةِ الْأَبِ عَلَى قَرَابَةِ الْأُمِّ ، وَلِأَنَّهُنَّ يُدْلِينَ بِعَصَبَةٍ ، فَقُدِّمْنَ ، كَتَقْدِيمِ الْأُخْتِ مِنْ الْأَبِ عَلَى الْأُخْتِ مِنْ الْأُمِّ وَقَالَ الْقَاضِي : مُرَادُ الْخِرَقِيِّ بِقَوْلِهِ : خَالَةُ الْأَبِ أَيْ الْخَالَةُ مِنْ الْأَبِ تُقَدَّمُ عَلَى الْخَالَةِ مِنْ الْأُمِّ ، كَتَقْدِيمِ الْأُخْتِ مِنْ الْأَبِ عَلَى الْأُخْتِ مِنْ الْأُمِّ ؛ لِأَنَّ الْخَالَاتِ أَخَوَاتُ الْأُمِّ ، فَيَجْرِينَ فِي الِاسْتِحْقَاقِ وَالتَّقْدِيمِ فِيمَا بَيْنَهُنَّ مَجْرَى الْأَخَوَاتِ الْمُفْتَرِقَاتِ ، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي الْعَمَّاتِ الْمُفْتَرِقَاتِ فَإِنْ قُلْنَا بِتَقْدِيمِ الْخَالَاتِ ، فَإِذَا انْقَرَضْنَ فَالْعَمَّاتُ بَعْدَهُنَّ ، وَإِنْ قُلْنَا بِتَقْدِيمِ الْعَمَّاتِ ، فَالْخَالَاتُ بَعْدَهُنَّ ، فَإِذَا عُدِمْنَ ، انْتَقَلَتْ إلَى خَالَاتِ الْأَبِ ، عَلَى قَوْلِ الْخِرَقِيِّ ، وَعَلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ ، إلَى خَالَاتِ الْأُمِّ وَهَلْ يُقَدَّمُ خَالَاتُ الْأَبِ عَلَى عَمَّاتِهِ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ : بِنَاءً عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي الْخَالَاتِ وَالْعَمَّاتِ فَأَمَّا عَمَّاتُ الْأُمِّ ، فَلَا حَضَانَةَ لَهُنَّ ؛ لِأَنَّهُنَّ يُدْلِينَ بِأَبِي الْأُمِّ ، وَهُوَ رَجُلٌ مِنْ ذَوِي الْأَرْحَامِ ، لَا حَضَانَةَ لَهُ ، وَلَا لِمَنْ أَدْلَى بِهِ .","part":18,"page":239},{"id":8739,"text":"( 6551 ) فَصْلٌ : وَلِلرِّجَالِ مِنْ الْعَصَبَاتِ مَدْخَلٌ فِي الْحَضَانَةِ ، وَأَوْلَاهُمْ الْأَبُ ، ثُمَّ الْجَدُّ أَبُو الْأَبِ وَإِنْ عَلَا ، ثُمَّ الْأَخُ مِنْ الْأَبَوَيْنِ ، ثُمَّ الْأَخُ مِنْ الْأَبِ ، ثُمَّ بَنُوهُمْ وَإِنْ سَفَلُوا ، عَلَى تَرْتِيبِ الْمِيرَاثِ ، ثُمَّ الْعُمُومَةُ ، ثُمَّ بَنُوهُمْ كَذَلِكَ ، ثُمَّ عُمُومَةُ الْأَبِ ، ثُمَّ بَنُوهُمْ وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ : لَا حَضَانَةَ لِغَيْرِ الْآبَاءِ وَالْأَجْدَادِ ؛ لِأَنَّهُمْ لَا مَعْرِفَةَ لَهُمْ بِالْحَضَانَةِ ، وَلَا لَهُمْ وِلَايَةٌ بِأَنْفُسِهِمْ ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ حَضَانَةٌ ، كَالْأَجَانِبِ وَلَنَا ، أَنَّ عَلِيًّا وَجَعْفَرًا اخْتَصَمَا فِي حَضَانَةِ ابْنَةِ حَمْزَةَ ، فَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ادِّعَاءَ الْحَضَانَةِ وَلِأَنَّ لَهُمْ وِلَايَةً وَتَعْصِيبًا بِالْقَرَابَةِ ، فَتَثْبُتُ لَهُمْ الْحَضَانَةُ ، كَالْأَبِ وَالْجَدِّ ، وَفَارَقَ الْأَجَانِبَ ؛ فَإِنَّهُمْ لَيْسَتْ لَهُمْ قَرَابَةٌ وَلَا شَفَقَةٌ ، وَلِأَنَّ الْأَجَانِبَ تَسَاوَوْا فِي عَدَمِ الْقَرَابَةِ ، فَلَيْسَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ أَوْلَى بِالتَّقْدِيمِ مِنْ الْآخَرِ ، وَالْعَصَبَاتِ لَهُمْ قَرَابَةٌ يَمْتَازُونَ بِهَا ، وَأَحَقُّهُمْ بِالْحَضَانَةِ أَحَقُّهُمْ بِالْمِيرَاثِ بَعْدَ الْآبَاءِ وَالْأَجْدَادِ ، وَيَقُومُونَ مَقَامَ الْأَبِ فِي التَّخْيِيرِ لِلصَّبِيِّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأُمِّ ، أَوْ غَيْرِهِمَا مِمَّنْ لَهُ الْحَضَانَةُ مِنْ النِّسَاءِ ، وَيَكُونُونَ أَحَقَّ بِالْجَارِيَةِ إذَا بَلَغَتْ سَبْعًا ، إلَّا ابْنَ الْعَمِّ فَإِنَّ الْجَارِيَةَ لَا تُسَلَّمُ إلَيْهِ إذَا بَلَغَتْ سَبْعًا ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَحْرَمٍ لَهَا .","part":18,"page":240},{"id":8740,"text":"( 6552 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا الرِّجَالُ مِنْ ذَوِي الْأَرْحَامِ ، كَالْخَالِ ، وَالْأَخِ مِنْ الْأُمِّ ، وَأَبِي الْأُمِّ ، وَابْنِ الْأُخْتِ ، فَلَا حَضَانَةَ لَهُمْ مَعَ وُجُودِ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْحَضَانَةِ سِوَاهُمْ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِامْرَأَةٍ يَتَوَلَّى الْحَضَانَةَ ، وَلَا لَهُ قُوَّةُ قَرَابَةٍ كَالْعَصَبَاتِ ، وَلَا حَضَانَةَ إلَّا يُدْلِي بِهِمْ ، كَأُمِّ أَبِي الْأُمِّ ، وَابْنَةِ الْخَالِ ، وَابْنَةِ الْأَخِ مِنْ الْأُمِّ ؛ لِأَنَّهُنَّ يُدْلِينَ بِمَنْ لَا حَضَانَةَ لَهُ ، فَإِذَا لَمْ تَثْبُتْ لِلْمُدْلِي ، فَلِلْمُدْلِينَ بِهِ أَوْلَى فَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ غَيْرُهُمْ ، احْتَمَلَ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : ، هُمْ أَوْلَى ؛ لِأَنَّ لَهُمْ رَحِمًا وَقَرَابَةً يَرِثُونَ بِهَا عِنْدَ عَدَمِ مَنْ هُوَ أَوْلَى مِنْهُمْ ، كَذَلِكَ الْحَضَانَةُ تَكُونُ لَهُمْ عِنْدَ عَدَمِ مَنْ هُوَ أَوْلَى بِهَا مِنْهُمْ وَالثَّانِي ، لَا حَقَّ لَهُمْ فِي الْحَضَانَةِ ، وَيَنْتَقِلُ الْأَمْرُ إلَى الْحَاكِمِ وَالْأَوَّلُ أَوْلَى .","part":18,"page":241},{"id":8741,"text":"( 6553 ) فَصْلٌ : فِي بَيَانِ الْأَوْلَى فَالْأَوْلَى مِنْ أَهْلِ الْحَضَانَةِ ، عِنْدَ اجْتِمَاعِ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ أَوْلَى الْكُلِّ بِهَا الْأُمُّ ، ثُمَّ أُمَّهَاتُهَا وَإِنْ عَلَوْنَ ، يُقَدَّمُ مِنْهُنَّ الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ ؛ لِأَنَّهُنَّ نِسَاءٌ وِلَادَتُهُنَّ مُتَحَقِّقَةٌ ، فَهِيَ فِي مَعْنَى الْأُمِّ وَعَنْ أَحْمَدَ : أَنَّ أُمَّ الْأَبِ وَأُمَّهَاتِهَا مُقَدَّمَاتٌ عَلَى أُمِّ الْأُمِّ فَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ ، يَكُونُ الْأَبُ أَوْلَى بِالتَّقْدِيمِ ؛ لِأَنَّهُنَّ يُدْلِينَ بِهِ ، فَيَكُونُ الْأَبُ بَعْدَ الْأُمِّ ، ثُمَّ أُمَّهَاتُهُ وَالْأُولَى هِيَ الْمَشْهُورَةُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا ، وَإِنَّ الْمُقَدَّمَ الْأُمُّ ، ثُمَّ أُمَّهَاتُهَا ، ثُمَّ الْأَبُ ، ثُمَّ أُمَّهَاتُهُ ، ثُمَّ الْجَدُّ ، ثُمَّ أُمَّهَاتُهُ ، ثُمَّ جَدُّ الْأَبِ ، ثُمَّ أُمَّهَاتُهُ وَإِنْ كُنَّ غَيْرَ وَارِثَاتٍ ؛ لِأَنَّهُنَّ يُدْلِينَ بِعَصَبَةٍ مِنْ أَهْلِ الْحَضَانَةِ ، بِخِلَافِ أُمِّ أَبِي الْأُمِّ وَحُكِيَ عَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى ؛ أَنَّ الْأُخْتَ مِنْ الْأُمِّ وَالْخَالَةَ أَحَقُّ مِنْ الْأَبِ فَتَكُونُ الْأُخْتُ مِنْ الْأَبَوَيْنِ أَحَقَّ مِنْهُ وَمِنْهُمَا وَمِنْ جَمِيعِ الْعَصَبَاتِ وَالْأُولَى هِيَ الْمَشْهُورَةُ فِي الْمَذْهَبِ فَإِذَا انْقَرَضَ الْآبَاءُ وَالْأُمَّهَاتُ ، انْتَقَلْت الْحَضَانَةُ إلَى الْأَخَوَاتِ ، وَتُقَدَّمُ الْأُخْتُ مِنْ الْأَبَوَيْنِ ، ثُمَّ الْأُخْتُ مِنْ الْأَبِ ، ثُمَّ الْأُخْتُ مِنْ الْأُمِّ ، وَتُقَدَّمُ الْأُخْتُ عَلَى الْأَخِ ؛ لِأَنَّهَا امْرَأَةٌ مِنْ أَهْلِ الْحَضَانَةِ ، فَقُدِّمَتْ عَلَى مَنْ فِي دَرَجَتِهَا مِنْ الرِّجَالِ ، كَالْأُمِّ تُقَدَّمُ عَلَى الْأَبِ ، وَأُمِّ الْأَبِ عَلَى أَبِي الْأَبِ ، وَكُلُّ جَدَّةٍ فِي دَرَجَةِ جَدٍّ تُقَدَّمُ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهَا تَلِي الْحَضَانَةَ بِنَفْسِهَا ، وَالرَّجُلُ لَا يَلِيهَا بِنَفْسِهِ وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ ، أَنَّهُ يُقَدَّمُ عَلَيْهَا ؛ لِأَنَّهُ عَصَبَةٌ بِنَفْسِهِ وَالْأَوَّلُ أَوْلَى وَفِي تَقْدِيمِ الْأُخْتِ مِنْ الْأَبَوَيْنِ ، أَوْ مِنْ الْأَبِ عَلَى الْجَدِّ ، وَجْهَانِ وَإِذَا لَمْ تَكُنْ أُخْتٌ ، فَالْأَخُ لِلْأَبَوَيْنِ أَوْلَى ، ثُمَّ الْأَخُ لِلْأَبِ ،","part":18,"page":242},{"id":8742,"text":"ثُمَّ أَبْنَاؤُهُمَا ، وَلَا حَضَانَةَ لِلْأَخِ لِلْأُمِّ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا فَإِذَا عُدِمُوا ، صَارَتْ الْحَضَانَةُ لِلْخَالَاتِ ، عَلَى الصَّحِيحِ ، وَتَرْتِيبُهُنَّ فِيهَا كَتَرْتِيبِ الْأَخَوَاتِ وَلَا حَضَانَةَ لِلْأَخْوَالِ ، فَإِذَا عُدِمْنَ صَارَتْ لِلْعَمَّاتِ ، وَيُقَدَّمْنَ عَلَى الْأَعْمَامِ ، كَتَقْدِيمِ الْأَخَوَاتِ عَلَى الْإِخْوَةِ ، ثُمَّ لِلْعَمِّ لِلْأَبَوَيْنِ ، ثُمَّ لِلْعَمِّ لِلْأَبِ ، وَلَا حَضَانَةَ لِلْعَمِّ مِنْ الْأُمِّ ، ثُمَّ أَبْنَاؤُهُمَا ، ثُمَّ إلَى خَالَاتِ الْأَبِ ، عَلَى قَوْلِ الْخِرَقِيِّ ، وَعَلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ ، إلَى خَالَاتِ الْأُمِّ ، ثُمَّ إلَى عَمَّاتِ الْأَبِ ، وَلَا حَضَانَةَ لِعَمَّاتِ الْأُمِّ ؛ لِأَنَّهُنَّ يُدْلِينَ بِأَبِي الْأُمِّ ، وَلَا حَضَانَةَ لَهُ وَإِنْ اجْتَمَعَ شَخْصَانِ أَوْ أَكْثَرُ مِنْ أَهْلِ الْحَضَانَةِ فِي دَرَجَةٍ ، قُدِّمَ الْمُسْتَحِقُّ مِنْهُمْ بِالْقُرْعَةِ .","part":18,"page":243},{"id":8743,"text":"( 6554 ) فَصْلٌ : وَإِنْ تَرَكْت الْأُمُّ الْحَضَانَةَ مَعَ اسْتِحْقَاقِهَا لَهَا ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، تَنْتَقِلُ إلَى الْأَبِ ؛ لِأَنَّ أُمَّهَاتِهَا فَرْعٌ عَلَيْهَا فِي الِاسْتِحْقَاقِ ، فَإِذَا أَسْقَطَتْ حَقَّهَا ، سَقَطَ فُرُوعُهَا وَالثَّانِي : تَنْتَقِلُ إلَى أُمِّهَا وَهُوَ أَصَحُّ ؛ لِأَنَّ الْأَبَ أَبْعَدُ ، فَلَا تَنْتَقِلُ الْحَضَانَةُ إلَيْهِ مَعَ وُجُودِ أَقْرَبَ مِنْهُ ، كَمَا لَا تَنْتَقِلُ إلَى الْأُخْتِ ، وَكَوْنُهُنَّ فُرُوعًا لَهَا ، لَا يُوجِبُ سُقُوطَ حُقُوقِهِنَّ بِسُقُوطِ حَقِّهَا ، كَمَا لَوْ سَقَطَ حَقُّهَا لِكَوْنِهَا مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الْحَضَانَةِ ، أَوْ لِتَزَوُّجِهَا وَهَكَذَا الْحُكْمُ فِي الْأَبِ إذَا أَسْقَطَ حَقَّهُ ، هَلْ يَسْقُطُ حَقُّ أُمَّهَاتِهِ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ وَإِنْ كَانَتْ أُخْتٌ مِنْ أَبَوَيْنِ ، وَأُخْتٌ مِنْ أَبٍ ، فَأَسْقَطَتْ الْأُخْتُ مِنْ الْأَبَوَيْنِ حَقَّهَا ، لَمْ يَسْقُطْ حَقُّ الْأُخْتِ مِنْ الْأَبِ ؛ لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَهَا مِنْ غَيْرِ جِهَتِهَا ، وَلَيْسَتْ فَرْعًا عَلَيْهَا .","part":18,"page":244},{"id":8744,"text":"( 6555 ) مَسْأَلَةٌ : ؛ قَالَ : ( وَإِذَا أُخِذَ الْوَلَدُ مِنْ الْأُمِّ إذَا تَزَوَّجَتْ ، ثُمَّ طَلُقَتْ ، رَجَعَتْ عَلَى حَقِّهَا مِنْ كَفَالَتِهِ ) وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ، إلَّا أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ وَالْمُزَنِّي قَالَا : إنْ كَانَ الطَّلَاقُ رَجْعِيًّا ، لَمْ يَعُدْ حَقُّهَا ؛ لِأَنَّ الزَّوْجِيَّةَ قَائِمَةٌ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَتْ فِي صُلْبِ النِّكَاحِ وَلَنَا ، أَنَّهَا مُطْلَقَةٌ ، فَعَادَ حَقُّهَا مِنْ الْحَضَانَةِ ، كَالْبَائِنِ وَقَوْلُهُمْ : إنَّهَا زَوْجَةٌ قُلْنَا : إلَّا أَنَّهُ قَدْ عَزَلَهَا عَنْ فِرَاشِهِ ، وَلَمْ يَبْقَ لَهَا عَلَيْهِ قَسْمٌ ، وَلَا لَهَا بِهِ شُغْلٌ ، وَعُقِدَ سَبَبُ زَوَالِ نِكَاحِهَا ، فَأَشْبَهَتْ الْبَائِنَ فِي عِدَّتِهَا وَيُخَرَّجُ عِنْدَنَا مِثْلُ قَوْلِهِمَا ، لِكَوْنِ النِّكَاحِ قَبْلَ الدُّخُولِ مُزِيلًا لِحَقِّ الْحَضَانَةِ ، مَعَ عَدَمِ الْقَسْمِ وَالشُّغْلِ بِالزَّوْجِ .","part":18,"page":245},{"id":8745,"text":"( 6556 ) فَصْلٌ : وَكُلُّ قَرَابَةٍ تُسْتَحَقُّ بِهَا الْحَضَانَةُ ، مَنَعَ مِنْهَا مَانِعٌ ، كَرِقٍّ ، أَوْ كُفْرٍ ، أَوْ فُسُوقٍ ، أَوْ جُنُونٍ ، أَوْ صِغَرٍ ، إذَا زَالَ الْمَانِعُ ، مِثْلُ أَنْ عَتَقَ الرَّقِيقُ ، وَأَسْلَمَ الْكَافِرُ ، وَعَدَلَ الْفَاسِقُ ، وَعَقَلَ الْمَجْنُونُ ، وَبَلَغَ الصَّغِيرُ ، عَادَ حَقُّهُمْ مِنْ الْحَضَانَةِ ؛ لِأَنَّ سَبَبهَا قَائِمٌ ، وَإِنَّمَا امْتَنَعَتْ لِمَانِعٍ ، فَإِذَا زَالَ الْمَانِعُ ، عَادَ الْحَقُّ بِالسَّبَبِ السَّابِقِ الْمُلَازِمِ ، كَالزَّوْجَةِ إذَا طَلُقَتْ .","part":18,"page":246},{"id":8746,"text":"( 6557 ) مَسْأَلَةٌ : ؛ قَالَ : ( وَإِذَا تَزَوَّجَتْ الْمَرْأَةُ ، فَلِزَوْجِهَا أَنْ يَمْنَعَهَا مِنْ رَضَاعِ وَلَدِهَا ، إلَّا أَنْ يُضْطَرَّ إلَيْهَا ، وَيُخْشَى عَلَيْهِ التَّلَفُ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ لِلزَّوْجِ مَنْعَ امْرَأَتِهِ مِنْ رَضَاعِ وَلَدِهَا مِنْ غَيْرِهِ ، وَمِنْ رَضَاعِ وَلَدِ غَيْرِهَا ، إلَّا أَنْ يُضْطَرَّ إلَيْهَا ؛ لِأَنَّ عَقْدَ النِّكَاحِ يَقْتَضِي تَمْلِيكَ الزَّوْجِ الِاسْتِمْتَاعَ فِي كُلِّ الزَّمَانِ ، مِنْ كُلِّ الْجِهَاتِ ، سِوَى أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ ، وَالرَّضَاعُ يُفَوِّتُ عَلَيْهِ الِاسْتِمْتَاعَ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ ، فَكَانَ لَهُ الْمَنْعُ كَالْخُرُوجِ مِنْ مَنْزِله فَإِنْ اُضْطُرَّ الْوَلَدُ ، بِأَنْ لَا تُوجَدَ مُرْضِعَةٌ سِوَاهَا ، أَوْ لَا يَقْبَلُ الْوَلَدُ الِارْتِضَاعَ مِنْ غَيْرِهَا ، وَجَبَ التَّمْكِينُ مِنْ إرْضَاعِهِ ؛ لِأَنَّهَا حَالُ ضَرُورَةٍ ، وَحِفْظٌ لِنَفْسِ وَلَدِهَا ، فَقُدِّمَ عَلَى حَقِّ الزَّوْجِ ، كَتَقْدِيمِ الْمُضْطَرِّ عَلَى الْمَالِكِ إذَا لَمْ يَكُنْ بِالْمَالِكِ مِثْلُ ضَرُورَتِهِ .","part":18,"page":247},{"id":8747,"text":"( 6558 ) فَصْلٌ : فَإِنْ أَرَادَتْ إرْضَاعَ وَلَدِهَا مِنْهُ ، فَكَلَامُ الْخِرَقِيِّ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا : أَنَّ لَهُ مَنْعَهَا مِنْ رَضَاعِهِ ؛ لِعُمُومِ لَفْظِهِ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ يُخِلُّ بِاسْتِمْتَاعِهِ مِنْهَا ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَ الْوَلَدُ مِنْ غَيْرِهِ وَالثَّانِي ، لَيْسَ لَهُ مَنْعُهَا ؛ فَإِنَّهُ قَالَ : وَإِنْ أَرَادَتْ رَضَاعَ وَلَدِهَا بِأُجْرَةِ مِثْلِهَا ، فَهِيَ أَحَقُّ بِهِ مِنْ غَيْرِهَا ، سَوَاءٌ كَانَتْ فِي حِبَالِ الزَّوْجِ أَوْ مُطَلَّقَةً ، وَذَلِكَ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ } وَهَذَا خَبَرٌ يُرَادُ بِهِ أَمْرٌ ، وَهُوَ عَامٌّ فِي كُلِّ وَالِدَةٍ ، وَلَا يَصِحُّ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ حَمْلُهُ عَلَى الْمُطَلَّقَاتِ ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ لَهُنَّ رِزْقَهُنَّ وَكِسْوَتَهُنَّ ، وَهُمْ لَا يُجِيزُونَ جَعْلَ ذَلِكَ أَجْرَ الرَّضَاعِ وَلَا غَيْرَهُ ، وَقَوْلُنَا ، فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ : إنَّهُ يُخِلُّ بِاسْتِمْتَاعِهِ قُلْنَا : وَلَكِنْ لِإِيفَاءِ حَقٍّ عَلَيْهِ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مُمْتَنِعًا ، كَمَا أَنَّ قَضَاءَ دَيْنِهِ بِدَفْعِ مَالِهِ فِيهِ وَاجِبٌ ، لَا سِيَّمَا إذَا تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ الْوَلَدِ ، فِي كَوْنِهِ مَعَ أُمِّهِ ، وَحَقُّ الْأُمِّ فِي الْجَمْعِ بَيْنهَا وَبَيْنَ وَلَدِهَا وَهَذَا الْوَجْهُ ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ أَبِي مُوسَى ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْقَاضِي أَبِي يَعْلَى .","part":18,"page":248},{"id":8748,"text":"( 6559 ) فَصْلٌ : وَإِنْ أَجَّرَتْ الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا لِلرَّضَاعِ ، ثُمَّ تَزَوَّجَتْ ، صَحَّ النِّكَاحُ ، وَلَمْ يَمْلِكْ الزَّوْجُ فَسْخَ الْإِجَارَةِ ، وَلَا مَنْعَهَا مِنْ الرَّضَاعِ حَتَّى تَنْقَضِيَ الْمُدَّةُ ؛ لِأَنَّ مَنَافِعَهَا مُلِكَتْ بِعَقْدٍ سَابِقٍ عَلَى نِكَاحِهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ اشْتَرَى أَمَةً مُسْتَأْجَرَةً ، أَوْ دَارًا مَشْغُولَةً فَإِنْ نَامَ الصَّبِيُّ ، أَوْ اشْتَغَلَ بِغَيْرِهَا ، فَلِلزَّوْجِ الِاسْتِمْتَاعُ ، وَلَيْسَ لِوَلِيِّ الصَّبِيِّ مَنْعُهُ وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ مَالِكٌ : لَيْسَ لَهُ وَطْؤُهَا إلَّا بِرِضَاءِ الْوَلِيِّ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُنْقِصُ اللَّبَنَ وَلَنَا ، أَنَّ وَطْءَ الزَّوْجِ مُسْتَحَقٌّ بِالْعَقْدِ ، فَلَا يَسْقُطُ بِأَمْرٍ مَشْكُوكٍ فِيهِ ، كَمَا لَوْ أَذِنَ الْوَلِيُّ فِيهِ ، وَلِأَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ الْوَطْءُ مَعَ إذْنِ الْوَلِيِّ ، فَجَازَ مَعَ عَدَمِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لِلْوَلِيِّ الْإِذْنُ فِيمَا يَضُرُّ الصَّبِيَّ ، وَيُسْقِطُ حُقُوقَهُ .","part":18,"page":249},{"id":8749,"text":"( 6560 ) فَصْلٌ : وَإِنْ أَجَّرَتْ الْمَرْأَةُ الْمُزَوَّجَةُ نَفْسَهَا لِلرَّضَاعِ ، بِإِذْنِ زَوْجِهَا ، جَازَ ، وَلَزِمَ الْعَقْدُ ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمَا ، وَلَا يَخْرُجُ عَنْهُمَا وَإِنْ أَجَرَتْهَا بِغَيْرِ إذْنِ الزَّوْجِ ، لَمْ يَصِحَّ ؛ لِمَا يَتَضَمَّنُ مِنْ تَفْوِيتِ حَقِّ زَوْجِهَا ، وَهَذَا أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَالْآخَرُ ، يَصِحُّ ؛ لِأَنَّهُ تَنَاوَلَ مَحِلًّا غَيْرَ مَحَلِّ النِّكَاحِ ، لَكِنْ لِلزَّوْجِ فَسْخُهُ ؛ لِأَنَّهُ يَفُوتُ بِهِ الِاسْتِمْتَاعُ وَيَخْتَلُّ وَلَنَا ، أَنَّهُ عَقْدٌ يَفُوتُ بِهِ حَقُّ مَنْ ثَبَتَ لَهُ الْحَقُّ بِعَقْدٍ سَابِقٍ ، فَلَمْ يَصِحَّ ، كَإِجَارَةِ الْمُسْتَأْجَرِ .","part":18,"page":250},{"id":8750,"text":"( 6561 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَعَلَى الْأَبِ أَنْ يَسْتَرْضِعَ لِوَلَدِهِ ، إلَّا أَنْ تَشَاءَ الْأُمُّ أَنْ تُرْضِعَهُ بِأُجْرَةِ مِثْلِهَا ، فَتَكُونَ أَحَقَّ بِهِ مِنْ غَيْرِهَا ، سَوَاءٌ كَانَتْ فِي حِبَالِ الزَّوْجِ ، أَوْ مُطَلَّقَةً ) الْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي فَصْلَيْنِ : ( 6562 ) الْفَصْلُ الْأَوَّلُ : أَنَّ رَضَاعَ الْوَلَدِ عَلَى الْأَبِ وَحْدَهُ ، وَلَيْسَ لَهُ إجْبَارُ أُمِّهِ عَلَى رَضَاعِهِ ، دَنِيئَةً كَانَتْ أَوْ شَرِيفَةً ، سَوَاءٌ كَانَتْ فِي حِبَالِ الزَّوْجِ أَوْ مُطَلَّقَةً وَلَا نَعْلَمُ فِي عَدَمِ إجْبَارِهَا عَلَى ذَلِكَ إذَا كَانَتْ مُفَارَقَةً خِلَافًا ، فَأَمَّا إنْ كَانَتْ مَعَ الزَّوْجِ ، فَكَذَلِكَ عِنْدَنَا ، وَبِهِ يَقُولُ الثَّوْرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى ، وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ : لَهُ إجْبَارُهَا عَلَى رَضَاعِهَا وَهُوَ قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ ، وَرِوَايَةٌ عَنْ مَالِكٍ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ } وَالْمَشْهُورُ عَنْ مَالِكٍ ، أَنَّهَا إنْ كَانَتْ شَرِيفَةً لَمْ تَجْرِ عَادَةُ مِثْلِهَا بِالرَّضَاعِ لِوَلَدِهَا ، لَمْ تُجْبَرْ عَلَيْهِ ، وَإِنْ كَانَتْ مِمَّنْ تُرْضِعُ فِي الْعَادَةِ ، أُجْبِرَتْ عَلَيْهِ وَلَنَا ، قَوْله تَعَالَى : { وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى } وَإِذَا اخْتَلَفَا فَقَدْ تَعَاسَرَا ، وَلِأَنَّ الْإِجْبَارَ عَلَى الرَّضَاعِ لَا يَخْلُو ، إمَّا أَنْ يَكُونَ لِحَقِّ الْوَلَدِ ، أَوْ لِحَقِّ الزَّوْجِ ، أَوْ لَهُمَا ، لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِحَقِّ الزَّوْجِ ، فَإِنَّهُ لَا يَمْلِكُ إجْبَارَهَا عَلَى رَضَاعِ وَلَدِهِ مِنْ غَيْرِهَا ، وَلَا عَلَى خِدْمَتِهِ فِيمَا يَخْتَصُّ بِهِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِحَقِّ الْوَلَدِ ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَوْ كَانَ لَهُ ، لَلَزِمَهَا بَعْدَ الْفُرْقَةِ ، وَلِأَنَّهُ مِمَّا يَلْزَمُ الْوَالِدَ لِوَلَدِهِ ، فَلَزِمَ الْأَبَ عَلَى الْخُصُوصِ ، كَالنَّفَقَةِ ، أَوْ كَمَا بَعْدَ الْفُرْقَةِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لَهُمَا ؛ لِأَنَّ مَا لَا مُنَاسَبَةَ فِيهِ ، لَا يَثْبُتُ الْحُكْمُ","part":18,"page":251},{"id":8751,"text":"بِانْضِمَامِ بَعْضِهِ إلَى بَعْضٍ ؛ وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ لَهُمَا ، لَثَبَتَ الْحُكْمُ بِهِ بَعْدَ الْفُرْقَةِ ، وَالْآيَةُ مَحْمُولَةٌ عَلَى حَالِ الْإِنْفَاقِ وَعَدَمِ التَّعَاسُرِ","part":18,"page":252},{"id":8752,"text":"( 6563 ) الْفَصْلُ الثَّانِي : إنَّ الْأُمَّ إذَا طَلَبَتْ إرْضَاعَهُ بِأَجْرِ مِثْلِهَا ، فَهِيَ أَحَقُّ بِهِ ، سَوَاءٌ كَانَتْ فِي حَالِ الزَّوْجِيَّةِ أَوْ بَعْدَهَا ، وَسَوَاءٌ وَجَدَ الْأَبُ مُرْضِعَةً مُتَبَرِّعَةً أَوْ لَمْ يَجِدْ وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ : إنْ كَانَتْ فِي حِبَالِ الزَّوْجِ ، فَلِزَوْجِهَا مَنْعُهَا مِنْ إرْضَاعِهِ ؛ لِأَنَّهُ يُفَوِّتُ حَقَّ الِاسْتِمْتَاعِ بِهَا فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ ، وَإِنْ اسْتَأْجَرَهَا عَلَى رَضَاعِهِ ، لَمْ يَجُزْ ؛ لِأَنَّ الْمَنَافِعَ حَقٌّ لَهُ ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَسْتَأْجِرَ مِنْهَا مَا هُوَ أَوْ بَعْضُهُ حَقٌّ لَهُ ، وَإِنْ أَرْضَعَتْ الْوَلَدَ ، فَهَلْ لَهَا أَجْرُ الْمِثْلِ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ وَإِنْ كَانَتْ مُطَلَّقَةً ، فَطَلَبَتْ أَجْرَ الْمِثْلِ ، فَأَرَادَ انْتِزَاعَهُ مِنْهَا لِيُسَلِّمَهُ إلَى مَنْ تُرْضِعُهُ بِأَجْرِ الْمِثْلِ أَوْ أَكْثَرَ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ ، وَإِنْ وَجَدَ مُتَبَرِّعَةً ، أَوْ مَنْ تُرْضِعُهُ بِدُونِ أَجْرِ الْمِثْلِ ، فَلَهُ انْتِزَاعُهُ مِنْهَا ، فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الْتِزَامُ الْمُؤْنَةِ مَعَ دَفْعِ حَاجَةِ الْوَلَدِ بِدُونِهَا وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إنْ طَلَبَتْ الْأَجْرَ ، لَمْ يَلْزَمْ الْأَبَ بَذْلُهَا لَهَا ، وَلَا يَسْقُطُ حَقُّهَا مِنْ الْحَضَانَةِ ، وَتَأْتِي الْمُرْضِعَةُ تُرْضِعُهُ عِنْدَهَا ؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْحَقَّيْنِ ، فَلَمْ يَجُزْ الْإِخْلَالُ بِأَحَدِهِمَا وَلَنَا ، عَلَى الْأَوَّلِ ، مَا تَقَدَّمَ ، وَعَلَى جَوَازِ الِاسْتِئْجَارِ ، أَنَّهُ عَقْدُ إجَارَةٍ يَجُوزُ مِنْ غَيْرِ الزَّوْجِ إذَا أَذِنَ فِيهِ ، فَجَازَ مَعَ الزَّوْجِ ، كَإِجَارَةِ نَفْسِهَا لِلْخِيَاطَةِ أَوْ الْخِدْمَةِ وَقَوْلُهُمْ : إنَّ الْمَنَافِعَ مَمْلُوكَةٌ لَهُ غَيْرُ صَحِيحٍ ؛ فَإِنَّهُ لَوْ مَلَكَ مَنْفَعَةَ الْحَضَانَةِ ، لَمَلَكَ إجْبَارَهَا عَلَيْهَا ، وَلَمْ تَجُزْ إجَارَةُ نَفْسِهَا لِغَيْرِهِ بِإِذْنِهِ ، وَلَكَانَتْ الْأُجْرَةُ لَهُ ، وَإِنَّمَا امْتَنَعَ إجَارَةُ نَفْسِهَا لِأَجْنَبِيٍّ بِغَيْرِ إذْنِهِ ، لِمَا فِيهِ مِنْ تَفْوِيتِ الِاسْتِمْتَاعِ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ ؛ وَلِهَذَا جَازَتْ بِإِذْنِهِ ، وَإِذَا","part":18,"page":253},{"id":8753,"text":"اسْتَأْجَرَهَا ، فَقَدْ أَذِنَ لَهَا فِي إجَارَةِ نَفْسِهَا ، فَصَحَّ ، كَمَا يَصِحُّ مِنْ الْأَجْنَبِيِّ وَأَمَّا الدَّلِيلُ عَلَى وُجُوبِ تَقْدِيمِ الْأُمِّ ، إذَا طَلَبَتْ أَجْرَ مِثْلِهَا ، عَلَى الْمُتَبَرِّعَةِ ، فَقَوْلُهُ تَعَالَى : { وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ } وَقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ : { فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ } وَلِأَنَّ الْأُمَّ أَحْنَى وَأَشْفَقُ ، وَلَبَنَهَا أَمْرَأُ مِنْ لَبَنِ غَيْرِهَا ، فَكَانَتْ أَحَقَّ بِهِ مِنْ غَيْرِهَا ، كَمَا لَوْ طَلَبَتْ الْأَجْنَبِيَّةُ رَضَاعَهُ بِأَجْرِ مِثْلِهَا ؛ وَلِأَنَّ فِي رَضَاعِ غَيْرِهَا تَفْوِيتًا لِحَقِّ الْأُمِّ مِنْ الْحَضَانَةِ ، وَإِضْرَارًا بِالْوَلَدِ ، وَلَا يَجُوزُ تَفْوِيتُ حَقِّ الْحَضَانَةِ الْوَاجِبِ ، وَالْإِضْرَارُ بِالْوَلَدِ لِغَرَضِ إسْقَاطِ حَقٍّ أَوْجَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى الْأَبِ وَقَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ يُفْضِي إلَى تَفْوِيتِ حَقِّ الْوَلَدِ مِنْ لَبَنِ أُمِّهِ ، وَتَفْوِيتِ [ حَقِّ ] الْأُمِّ فِي إرْضَاعِهِ لَبَنَهَا ، فَلَمْ يَجُزْ ذَلِكَ ، كَمَا لَوْ تَبَرَّعَتْ بِرَضَاعِهِ فَأَمَّا إنْ طَلَبْت الْأُمُّ أَكْثَرَ مِنْ أَجْرِ مِثْلِهَا ، وَوَجَدَ الْأَبُ مَنْ تُرْضِعُهُ بِأَجْرِ مِثْلِهَا ، أَوْ مُتَبَرِّعَةً ، جَازَ انْتِزَاعُهُ مِنْهَا ؛ لِأَنَّهَا أَسْقَطَتْ حَقَّهَا بِاشْتِطَاطِهَا ، وَطَلَبِهَا مَا لَيْسَ لَهَا ، فَدَخَلَتْ فِي عُمُومِ قَوْله : { فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى } وَإِنْ لَمْ يَجِدْ مُرْضِعَةً إلَّا بِمِثْلِ تِلْكَ الْأُجْرَةِ ، فَالْأُمُّ أَحَقُّ ؛ لِأَنَّهُمَا تَسَاوَتَا فِي الْأَجْرِ ، فَكَانَتْ الْأُمُّ أَحَقَّ ، كَمَا لَوْ طَلَبَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا أَجْرَ مِثْلِهَا .","part":18,"page":254},{"id":8754,"text":"( 6564 ) فَصْلٌ : وَإِنْ طَلَبَتْ ذَاتُ الزَّوْجِ الْأَجْنَبِيِّ إرْضَاعَ وَلَدِهَا ، بِأُجْرَةِ مِثْلِهَا ، بِإِذْنِ زَوْجِهَا ، ثَبَتَ حَقُّهَا ، وَكَانَتْ أَحَقَّ بِهِ مِنْ غَيْرِهَا ؛ لِأَنَّ الْأُمَّ إنَّمَا مُنِعَتْ مِنْ الْإِرْضَاعِ لِحَقِّ الزَّوْجِ ، فَإِذَا أَذِنَ فِيهِ ، زَالَ الْمَانِعُ ، فَصَارَتْ كَغَيْرِ ذَاتِ الزَّوْجِ ، وَإِنْ مَنَعَهَا الزَّوْجُ ، سَقَطَ حَقُّهَا ؛ لِتَعَذُّرِ وُصُولِهَا إلَى ذَلِكَ .","part":18,"page":255},{"id":8755,"text":"( 6565 ) فَصْلٌ : وَإِنْ أَرْضَعَتْ الْمَرْأَةُ وَلَدَهَا ، وَهِيَ فِي حِبَالِ وَالِدِهِ ، فَاحْتَاجَتْ إلَى زِيَادَةِ نَفَقَةٍ ، لَزِمَهُ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ } وَلِأَنَّهَا تَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ قَدْرَ كِفَايَتِهَا ، فَإِذَا زَادَتْ حَاجَتُهَا ، زَادَتْ كِفَايَتُهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":18,"page":256},{"id":8756,"text":"مَسْأَلَةٌ : ؛ قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ : ( وَعَلَى مُلَّاكِ الْمَمْلُوكِينَ أَنْ يُنْفِقُوا عَلَيْهِمْ وَيَكْسُوهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ نَفَقَةَ الْمَمْلُوكِينَ عَلَى مُلَّاكِهِمْ ثَابِتَةٌ بِالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ ؛ أَمَّا السُّنَّةُ ، فَمَا رَوَى أَبُو ذَرٍّ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { إخْوَانُكُمْ خَوَلُكُمْ ، جَعَلَهُمْ اللَّهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ ، فَمَنْ كَانَ أَخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ ، فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ ، وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ ، وَلَا تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ ، فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ فَأَعِينُوهُمْ } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لِلْمَمْلُوكِ طَعَامُهُ وَكِسْوَتُهُ بِالْمَعْرُوفِ ، وَلَا يُكَلَّفُ مِنْ الْعَمَلِ مَا لَا يُطِيقُ } رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ ، فِي \" مُسْنَدِهِ \" وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى وُجُوبِ نَفَقَةِ الْمَمْلُوكِ عَلَى سَيِّدِهِ ، وَلِأَنَّهُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ نَفَقَةٍ ، وَمَنَافِعُهُ لِسَيِّدِهِ ، وَهُوَ أَخَصُّ النَّاسِ بِهِ ، فَوَجَبَتْ نَفَقَتُهُ عَلَيْهِ ، كَبَهِيمَتِهِ وَالْوَاجِبُ مِنْ ذَلِكَ قَدْرُ كِفَايَتِهِ مِنْ غَالِبِ قُوتِ الْبَلَدِ ، سَوَاءٌ كَانَ قُوتَ سَيِّدِهِ ، أَوْ دُونَهُ ، أَوْ فَوْقَهُ ، وَأُدْمِ مِثْلِهِ بِالْمَعْرُوفِ ؛ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لِلْمَمْلُوكِ طَعَامُهُ وَكِسْوَتُهُ بِالْمَعْرُوفِ } وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يُطْعِمَهُ مِنْ جِنْسِ طَعَامِهِ ؛ لِقَوْلِهِ : \" فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ \" فَجَمَعْنَا بَيْنَ الْخَبَرَيْنِ ، وَحَمَلْنَا خَبَرَ أَبِي هُرَيْرَةَ عَلَى الْإِجْزَاءِ ، وَحَدِيثَ خَبَرِ أَبِي ذَرٍّ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ وَالسَّيِّدُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يَجْعَلَ نَفَقَتَهُ مِنْ كَسْبِهِ ، إنْ كَانَ لَهُ كَسْبٌ ، وَبَيْنَ أَنْ يُنْفِقَ عَلَيْهِ مِنْ مَالِهِ وَيَأْخُذَ كَسْبَهُ ، أَوْ يَجْعَلَهُ بِرَسْمِ خِدْمَتِهِ ؛ لِأَنَّ الْكُلَّ مَالُهُ ، فَإِنْ جَعَلَ نَفَقَتَهُ فِي كَسْبِهِ ، فَكَانَتْ وَفْقَ الْكَسْبِ ، صَرَفَهُ إلَيْهَا ، وَإِنْ فَضَلَ مِنْ الْكَسْبِ شَيْءٌ ، فَهُوَ لِسَيِّدِهِ ، وَإِنْ كَانَ","part":18,"page":257},{"id":8757,"text":"فِيهِ عَوَزٌ ، فَعَلَى سَيِّدِهِ تَمَامُهَا وَأَمَّا الْكِسْوَةُ فَبِالْمَعْرُوفِ مِنْ غَالِبِ الْكِسْوَةِ لِأَمْثَالِ الْعَبْدِ ، فِي ذَلِكَ الْبَلَدِ الَّذِي هُوَ بِهِ ، وَالْأَوْلَى أَنْ يُلْبِسَهُ مِنْ لِبَاسِهِ ؛ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : \" وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ \" وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُسَاوِيَ بَيْنَ عَبِيدِهِ الذُّكُورِ فِي الْكِسْوَةِ وَالْإِطْعَامِ ، وَبَيْنَ إمَائِهِ إنْ كُنَّ لِلْخِدْمَةِ أَوْ الِاسْتِمْتَاعِ ، وَإِنْ كَانَ فِيهِنَّ مَنْ هُوَ لِلْخِدْمَةِ ، وَفِيهِنَّ مَنْ هُوَ لِلِاسْتِمْتَاعِ ، فَلَا بَأْسَ بِزِيَادَةِ مِنْ يَزِيدُهَا لِلِاسْتِمْتَاعِ فِي الْكِسْوَةِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ حُكْمُ الْعُرْفِ ، وَلِأَنَّ غَرَضَهُ تَحْمِيلُ مَنْ يَزِيدُهَا لِلِاسْتِمْتَاعِ ، بِخِلَافِ الْخَادِمَةِ .","part":18,"page":258},{"id":8758,"text":"( 6567 ) فَصْلٌ : إذَا تَوَلَّى أَحَدُهُمْ طَعَامَهُ ، اُسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ يُجْلِسَهُ مَعَهُ ، فَيَأْكُلَ ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ اُسْتُحِبَّ أَنْ يُطْعِمَهُ مِنْهُ ، وَلَوْ لُقْمَةً أَوْ لُقْمَتَيْنِ ؛ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { إذَا كَفَى أَحَدَكُمْ خَادِمُهُ طَعَامَهُ ، حَرَّهُ وَدُخَانَهُ ، فَلْيَدْعُهُ ، وَلْيُجْلِسْهُ فَإِنْ أَبَى ، فَلْيُرَوِّغْ لَهُ اللُّقْمَةَ وَاللُّقْمَتَيْنِ } رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمَعْنَى تَرْوِيغِ اللُّقْمَةِ ، غَمْسُهَا فِي الْمَرَقِ وَالدَّسَمِ ، وَتَرْوِيَتُهَا بِذَلِكَ ، وَيَدْفَعُهَا إلَيْهِ وَلِأَنَّهُ يَشْتَهِيه لِحُضُورِهِ فِيهِ ، وَتَوَلِّيه إيَّاهُ ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ } الْآيَةَ ، وَلِأَنَّ نَفْسَ الْحَاضِرِ تَتُوقُ مَا لَا تَتُوقُ نَفْسُ الْغَائِبِ .","part":18,"page":259},{"id":8759,"text":"( 6568 ) فَصْلٌ : وَلَا يُكَلِّفَهُ مِنْ الْعَمَلِ مَا لَا يُطِيقُ ، وَهُوَ مَا يَشُقُّ عَلَيْهِ ، وَيَقْرُبُ مِنْ الْعَجْزِ عَنْهُ ؛ لِحَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ ، وَلِأَنَّ ذَلِكَ يَضُرُّ بِهِ وَيُؤْذِيه ، وَهُوَ مَمْنُوعٌ مِنْ الْإِضْرَارِ بِهِ .","part":18,"page":260},{"id":8760,"text":"( 6569 ) فَصْلٌ : وَلَا يُجْبَرُ الْمَمْلُوكُ عَلَى الْمُخَارَجَةِ ، وَمَعْنَاهُ أَنْ يَضْرِبَ عَلَيْهِ خَرَاجًا مَعْلُومًا يُؤَدِّيه ، وَمَا فَضَلَ لِلْعَبْدِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ عَقْدٌ بَيْنَهُمَا ، فَلَا يُجْبَرُ عَلَيْهِ ، كَالْكِتَابَةِ .\rوَإِنْ طَلَبَ الْعَبْدُ ذَلِكَ ، وَأَبَاهُ السَّيِّدُ ، لَمْ يُجْبَرْ عَلَيْهِ أَيْضًا ؛ لِمَا ذَكَرْنَا .\rفَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى ذَلِكَ ، جَازَ ؛ لِمَا رُوِيَ أَنَّ { أَبَا ظَبْيَةَ حَجَمَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَعْطَاهُ أَجْرَهُ ، وَأَمَرَ مَوَالِيَهُ أَنْ يُخَفِّفُوا عَنْهُ مِنْ خَرَاجِهِ } .\rوَكَانَ كَثِيرٌ مِنْ الصَّحَابَةِ يَضْرِبُونَ عَلَى رَقِيقِهِمْ خَرَاجًا ، فَرُوِيَ أَنَّ الزُّبَيْرَ كَانَ لَهُ أَلْفُ مَمْلُوكٍ ، عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ كُلَّ يَوْمٍ دِرْهَمٌ .\rوَجَاءَ أَبُو لُؤْلُؤَةَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ، فَسَأَلَهُ أَنْ يَسْأَلَ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ يُخَفِّفُ عَنْهُ مِنْ خَرَاجِهِ .\rثُمَّ يَنْتَظِرُ ، فَإِنْ كَانَ ذَا كَسْبٍ ، فَجَعَلَ عَلَيْهِ بِقَدْرِ مَا يَفْضُلُ مِنْ كَسْبِهِ عَنْ نَفَقَتِهِ وَخَرَاجِهِ شَيْءٌ ، جَازَ ، فَإِنَّ لَهُمَا بِهِ نَفْعًا ، فَإِنَّ الْعَبْدَ يَحْرِصُ عَلَى الْكَسْبِ ، وَرُبَّمَا فَضَلَ مَعَهُ شَيْءٌ يَزِيدُهُ فِي نَفَقَتِهِ ، وَيَتَّسِعُ بِهِ .\rوَإِنْ وَضَعَ عَلَيْهِ أَكْثَرَ مِنْ كَسْبِهِ بَعْدَ نَفَقَتِهِ ، لَمْ يَجُزْ .\rوَكَذَلِكَ إنْ كَلَّفَ مَنْ لَا كَسْبَ لَهُ الْمُخَارَجَةَ ، لَمْ يَجُزْ ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : لَا تُكَلِّفُوا الصَّغِيرَ الْكَسْبَ ، فَإِنَّكُمْ مَتَى كَلَّفْتُمُوهُ الْكَسْبَ سَرَقَ ، وَلَا تُكَلِّفُوا الْمَرْأَةَ غَيْرَ ذَاتِ الصَّنْعَةِ فَإِنَّكُمْ مَتَى كَلَّفْتُمُوهَا الْكَسْبَ كَسَبَتْ بِفَرْجِهَا .\rوَلِأَنَّهُ مَتَى كَلَّفَ غَيْرَ ذِي الْكَسْبِ خَرَاجًا ، كَلَّفَهُ مَا يَغْلِبُهُ ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" لَا تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ \" .\rوَرُبَّمَا حَمَلَهُ ذَلِكَ عَلَى أَنْ يَأْتِيَ بِهِ مِنْ غَيْرِ وَجْهِهِ ، فَلَمْ يَكُنْ لِلسَّيِّدِ أَخْذُهُ .","part":18,"page":261},{"id":8761,"text":"( 6570 ) فَصْلٌ : وَإِذَا مَرِضَ الْمَمْلُوكُ ، أَوْ زَمِنَ ، أَوْ عَمِيَ ، أَوْ انْقَطَعَ كَسْبُهُ ، فَعَلَى سَيِّدِهِ الْقِيَامُ بِهِ ، وَالْإِنْفَاقُ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ نَفَقَتَهُ تَجِبُ بِالْمِلْكِ ، وَلِهَذَا تَجِبُ مَعَ الصِّغَرِ ، وَالْمِلْكُ بَاقٍ مَعَ الْعَمَى وَالزَّمَانَةِ ، فَتَجِبُ نَفَقَتُهُ مَعَهُمَا ، مَعَ عُمُومِ النُّصُوصِ الْمَذْكُورَةِ فِي أَوَّلِ الْبَابِ .","part":18,"page":262},{"id":8762,"text":"( 6571 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَأَنْ يُزَوِّجَ الْمَمْلُوكَ إذَا احْتَاجَ إلَى ذَلِكَ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى السَّيِّدِ إعْفَافُ مَمْلُوكِهِ ، إذَا طَلَبَ ذَلِكَ .\rوَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٌ : لَا يُجْبَرُ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ فِيهِ ضَرَرًا عَلَيْهِ ، وَلَيْسَ مِمَّا تَقُومُ بِهِ الْبِنْيَةُ ، فَلَمْ يُجْبَرْ عَلَيْهِ ، كَإِطْعَامِ الْحَلْوَاءِ .\rوَلَنَا قَوْله تَعَالَى : { وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ } .\rوَالْأَمْرُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ ، وَلَا يَجِبُ إلَّا عِنْد الطَّلَبِ .\rوَرَوَى عِكْرِمَةُ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : مَنْ كَانَتْ لَهُ جَارِيَةٌ ، فَلَمْ يُزَوِّجْهَا ، وَلَمْ يُصِبْهَا ، أَوْ عَبْدٌ فَلَمْ يُزَوِّجْهُ ، فَمَا صَنَعَا مِنْ شَيْءٍ كَانَ عَلَى السَّيِّدِ .\rوَلَوْلَا وُجُوبُ إعْفَافِهِمَا لَمَا لَحِقَ السَّيِّدَ الْإِثْمُ بِفِعْلِهِمَا ، وَلِأَنَّهُ مُكَلَّفٌ ، مَحْجُورٌ عَلَيْهِ ، دَعَا إلَى تَزْوِيجِهِ ، فَلَزِمَتْهُ إجَابَتُهُ ، كَالْمَحْجُورِ عَلَيْهِ لِلسَّفَهِ ، وَلِأَنَّ النِّكَاحَ مِمَّا تَدْعُو إلَيْهِ الْحَاجَةُ غَالِبًا ، وَيَتَضَرَّرُ بِفَوَاتِهِ ، فَأُجْبِرَ عَلَيْهِ ، كَالنَّفَقَةِ ، بِخِلَافِ الْحَلْوَاءِ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَالسَّيِّدُ مُخَيَّرٌ بَيْن تَزْوِيجِهِ ، أَوْ تَمْلِيكِهِ أَمَةً يَتَسَرَّاهَا .\rوَلَهُ أَنْ يُزَوِّجَهُ أَمَتَهُ ؛ لِأَنَّ نِكَاحَ الْأَمَةِ مُبَاحٌ لِلْعَبْدِ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ .\rوَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ تَزْوِيجُهُ إلَّا عِنْدَ طَلَبِهِ ؛ لِأَنَّ هَذَا مِمَّا يَخْتَلِفُ النَّاسُ فِيهِ ، وَفِي الْحَاجَةِ إلَيْهِ ، وَلَا تُعْلَمُ حَاجَتُهُ إلَّا بِطَلَبِهِ .\rوَلَا يَجُوزُ تَزْوِيجُهُ إلَّا بِاخْتِيَارِهِ ، فَإِنَّ إجْبَارَ الْعَبْدِ الْكَبِيرِ عَلَى النِّكَاحِ غَيْرُ جَائِزٍ .\rفَأَمَّا الْأَمَةُ ، فَالسَّيِّدُ مُخَيَّرٌ بَيْن تَزْوِيجِهَا إذَا طَلَبَتْ ذَلِكَ ، وَبَيْنَ أَنْ يَسْتَمْتِعَ بِهَا ، فَيُغْنِيَهَا بِاسْتِمْتَاعِهِ عَنْ غَيْرِهِ ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ قَضَاءُ الْحَاجَةِ ، وَإِزَالَةُ ضَرَرِ الشَّهْوَةِ ، وَذَلِكَ يَحْصُلُ بِأَحَدِهِمَا ، فَلَمْ يَتَعَيَّنْ أَحَدُهُمَا .","part":18,"page":263},{"id":8763,"text":"( 6572 ) فَصْلٌ : وَإِذَا كَانَ لِلْعَبْدِ زَوْجَةٌ فَعَلَى سَيِّدِهِ تَمْكِينُهُ مِنْ الِاسْتِمْتَاعِ بِهَا لَيْلًا لِأَنَّ إذْنَهُ فِي النِّكَاحِ إذْنٌ فِي الِاسْتِمْتَاعِ الْمُعْتَادِ وَالْعَادَةُ جَارِيَةٌ بِذَلِكَ لَيْلًا وَعَلَيْهِ نَفَقَةُ زَوْجَتِهِ عَلَى مَا قَدَّمْنَا .","part":18,"page":264},{"id":8764,"text":"( 6573 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( فَإِنَّ امْتَنَعَ ، أُجْبِرَ عَلَى بَيْعِهِ إذَا طَلَبَ الْمَمْلُوكُ ذَلِكَ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ السَّيِّدَ إذَا امْتَنَعَ مِمَّا يَجِبُ لِلْعَبْدِ عَلَيْهِ ، مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ كِسْوَةٍ أَوْ تَزْوِيجٍ ، فَطَلَبَ الْعَبْدُ الْبَيْعَ ، أُجْبِرَ سَيِّدُهُ عَلَيْهِ ، سَوَاءٌ كَانَ امْتِنَاعُ السَّيِّدِ مِنْ ذَلِكَ لِعَجْزِهِ عَنْهُ أَوْ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ بَقَاءَ مِلْكِهِ عَلَيْهِ مَعَ الْإِخْلَالِ بِسَدِّ خَلَّاتِهِ إضْرَارٌ بِهِ ، وَإِزَالَةُ الضَّرَرِ وَاجِبَةٌ ، فَوَجَبَتْ إزَالَتُهُ ؛ وَلِذَلِكَ أَبَحْنَا لِلْمَرْأَةِ فَسْخَ النِّكَاحِ عِنْدَ عَجْزِ زَوْجِهَا عَنْ الْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا .\rوَقَدْ رُوِيَ فِي بَعْضِ الْحَدِيثِ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { عَبْدُك يَقُولُ : أَطْعِمْنِي وَإِلَّا فَبِعْنِي .\rوَامْرَأَتُك تَقُولُ : أَطْعِمْنِي أَوْ طَلِّقْنِي } .\rوَهَذَا يَدُلُّ بِمَفْهُومِهِ عَلَى أَنَّ السَّيِّدَ مَتَى وَفَّى بِحُقُوقِ عَبْدِهِ ، فَطَلَبَ الْعَبْدُ بَيْعَهُ ، لَمْ يُجْبَرْ السَّيِّدُ عَلَيْهِ .\rوَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، قَالَ أَبُو دَاوُد : قِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ ، رَحِمَهُ اللَّهُ : اسْتَبَاعَتْ الْمَمْلُوكَةُ ، وَهُوَ يَكْسُوهَا مِمَّا يَلْبَسُ ، وَيُطْعِمُهَا مِمَّا يَأْكُلُ .\rقَالَ لَا تُبَاعُ ، وَإِنْ أَكْثَرَتْ مِنْ ذَلِكَ ، إلَّا أَنْ تَحْتَاجَ إلَى زَوْجٍ ، فَتَقُولَ : زَوِّجْنِي .\rوَقَالَ عَطَاءٌ ، وَإِسْحَاقُ ، فِي الْعَبْدِ يُحْسِنُ إلَيْهِ سَيِّدُهُ ، وَهُوَ يَسْتَبِيعُ : لَا يَبِعْهُ ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ لِلسَّيِّدِ ، وَالْحَقَّ لَهُ ، فَلَا يُجْبَرُ عَلَى إزَالَتِهِ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ بِالْعَبْدِ ، كَمَا لَا يُجْبَرُ عَلَى طَلَاقِ زَوْجَتِهِ مَعَ الْقِيَامِ بِمَا يَجِبُ لَهَا ، وَلَا عَلَى بَيْعِ بَهِيمَتِهِ مَعَ الْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا .","part":18,"page":265},{"id":8765,"text":"( 6574 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَلَيْسَ عَلَيْهِ نَفَقَةُ مُكَاتَبِهِ ، إلَّا أَنْ يَعْجِزَ ) لَا خِلَافَ فِي أَنَّ الْمُكَاتَبَ لَا تَلْزَمُ سَيِّدَهُ نَفَقَتُهُ ؛ لِأَنَّ الْكِتَابَةَ عَقْدٌ أَوْجَبَ مِلْكَ الْمُكَاتَبِ إكْسَابَ نَفْسِهِ وَمَنَافِعَهُ ، وَمَنَعَ السَّيِّدَ مِنْ التَّصَرُّفِ فِيهِمَا ، فَلَا يَمْلِكُ اسْتِخْدَامَهُ ، وَلَا إجَارَتَهُ ، وَلَا إعَارَتَهُ ، وَلَا أَخْذَ كَسْبِهِ ، وَلَا أَرْشَ الْجِنَايَةِ عَلَيْهِ ، وَلَا يَلْزَمُهُ أَدَاءُ أَرْشِ جِنَايَتِهِ ، فَسَقَطَتْ نَفَقَتُهُ ، عَنْهُ ، كَمَا لَوْ بَاعَهُ أَوْ أَعْتَقَهُ ، فَإِذَا عَجَزَ ، عَادَ رَقِيقًا قِنًّا ، وَعَادَ إلَيْهِ مِلْكُ نَفْعِهِ ، وَأَكْسَابُهُ ، فَعَادَتْ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ ، كَمَا لَوْ اشْتَرَاهُ بَعْدَ بَيْعِهِ .","part":18,"page":266},{"id":8766,"text":"( 6575 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْتَرْضِعَ الْأَمَةَ ) لِغَيْرِ وَلَدِهَا ، إلَّا أَنْ يَكُونَ فِيهَا فَضْلٌ عَنْ رَيِّهِ أَمَّا إذَا أَرَادَ اسْتِرْضَاعَ أَمَتِهِ لِغَيْرِ وَلَدِهَا ، مَعَ كَوْنِهِ لَا يَفْضُلُ عَنْهُ ، فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ فِيهِ إضْرَارًا بِوَلَدِهَا ؛ لِنَقْصِهِ مِنْ كِفَايَتِهِ ، وَصَرْفِ اللَّبَنِ الْمَخْلُوقِ لِوَلَدِهَا إلَى غَيْرِهِ ، مَعَ حَاجَتِهِ إلَيْهِ ، فَلَمْ يَجُزْ ، كَمَا لَوْ أَرَادَ أَنْ يُنْقِصَ الْكَبِيرَ مِنْ كِفَايَتِهِ وَمُؤْنَتِهِ .\rفَإِنْ كَانَ فِيهَا فَضْلٌ عَنْ رَيِّ وَلَدِهَا ، جَازَ ؛ لِأَنَّهُ مِلْكُهُ ، وَقَدْ اسْتَغْنَى عَنْهُ الْوَلَدُ ، فَكَانَ لَهُ اسْتِيفَاؤُهُ ، كَالْفَاضِلِ مِنْ كَسْبِهَا عَنْ مُؤْنَتِهَا ، أَوْ كَمَا لَوْ مَاتَ وَلَدُهَا ، وَبَقِيَ لَبَنُهَا .","part":18,"page":267},{"id":8767,"text":"( 6576 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَإِذَا رُهِنَ الْمَمْلُوكُ ، أَنْفَقَ عَلَيْهِ سَيِّدُهُ ) وَذَلِكَ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الرَّهْنُ مِنْ رَاهِنِهِ ، لَهُ غُنْمُهُ ، وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ .\rوَنَفَقَتُهُ مِنْ غُرْمِهِ } .\rوَلِأَنَّهُ مِلْكٌ لِلرَّاهِنِ ، وَنَمَاؤُهُ لَهُ ، فَكَانَتْ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ ، كَغَيْرِ الرَّهْنِ .\rوَقَدْ ذَكَرْت هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي بَابِ الرَّهْنِ .","part":18,"page":268},{"id":8768,"text":"( 6577 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : ( وَإِذَا أَبَقَ الْعَبْدُ ، فَلِمَنْ جَاءَ بِهِ إلَى سَيِّدِهِ مَا أَنْفَقَ عَلَيْهِ ) إنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ ؛ لِأَنَّ نَفَقَةَ الْعَبْدِ عَلَى سَيِّدِهِ ، وَقَدْ قَامَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مَقَامَ سَيِّدِهِ فِي أَدَاءِ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ ، فَرَجَعَ بِهِ عَلَيْهِ ، كَمَا لَوْ أَذِنَ لَهُ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يَرْجِعُ بِشَيْءٍ ؛ لِأَنَّهُ مُتَبَرِّعٌ بِإِنْفَاقٍ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ أَدَّى عَنْهُ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ عِنْدَ تَعَذُّرِ أَدَائِهِ مِنْهُ ، فَرَجَعَ بِهِ عَلَيْهِ ، كَمَا لَوْ أَدَّى الْحَاكِمُ عَنْ الْمُمْتَنِعِ مِنْ الْإِنْفَاقِ عَلَى امْرَأَتِهِ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ مِنْ النَّفَقَةِ .\rوَيَتَخَرَّجُ أَنْ لَا يَرْجِعَ بِشَيْءِ ، بِنَاءً عَلَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى ، فِي مَنْ أَنْفَقَ عَلَى الرَّهْنِ الَّذِي عِنْدَهُ ، أَوْ الْوَدِيعَةِ ، أَوْ الْجِمَالِ إذَا هَرَبَ الْجَمَّالُ وَتَرَكَهَا مَعَ الْمُسْتَأْجِرِ .","part":18,"page":269},{"id":8769,"text":"( 6578 ) فَصْلٌ : وَلَهُ تَأْدِيبُ عَبْدِهِ وَأَمَتِهِ إذَا أَذْنَبَا ، بِالتَّوْبِيخِ ، وَالضَّرْبِ الْخَفِيفِ ، كَمَا يُؤَدِّبُ وَلَدَهُ ، وَامْرَأَتَهُ فِي النُّشُوزِ ، وَلَيْسَ لَهُ ضَرْبُهُ عَلَى غَيْرِ ذَنْبٍ ، وَلَا ضَرْبُهُ ضَرْبًا مُبَرِّحًا وَإِنْ أَذْنَبَ ، وَلَا لَطْمُهُ فِي وَجْهِهِ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ مُقَرِّنٍ الْمُزَنِيّ ، قَالَ : { لَقَدْ رَأَيْتنِي سَابِعَ سَبْعَةٍ ، لَيْسَ لَنَا إلَّا خَادِمٌ وَاحِدٌ ، فَلَطَمَهَا أَحَدُنَا ، فَأَمَرَنَا رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِإِعْتَاقِهَا ، فَأَعْتَقْنَاهَا } .\rوَرُوِيَ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ ، قَالَ : { كُنْت أَضْرِبُ غُلَامًا لِي ، فَإِذَا رَجُلٌ مِنْ خَلْفِي يَقُولُ : اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ ، اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ فَالْتَفَتُّ ، فَإِذَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ ، أَنَّ اللَّهَ أَقْدَرُ عَلَيْك مِنْك عَلَى هَذَا الْغُلَامِ .\r}","part":18,"page":270},{"id":8770,"text":"( 6579 ) فَصْلٌ وَمَنْ مَلَكَ بَهِيمَةً ، لَزِمَهُ الْقِيَامُ بِهَا ، وَالْإِنْفَاقُ عَلَيْهَا مَا تَحْتَاجُ إلَيْهِ ، مِنْ عَلْفِهَا ، أَوْ إقَامَةِ مَنْ يَرْعَاهَا ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { عُذِّبَتْ امْرَأَةٌ فِي هِرَّةٍ حَبَسَتْهَا حَتَّى مَاتَتْ جُوعًا فَلَا هِيَ أَطْعَمَتْهَا وَلَا هِيَ أَرْسَلَتْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rفَإِنْ امْتَنَعَ مِنْ الْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا ، أُجْبِرَ عَلَى ذَلِكَ فَإِنْ أَبَى أَوْ عَجَزَ ، أُجْبِرَ عَلَى بَيْعِهَا ، أَوْ ذَبْحِهَا إنْ كَانَتْ مِمَّا يُذْبَحُ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يُجْبِرُهُ السُّلْطَانُ ، بَلْ يَأْمُرُهُ ، كَمَا يَأْمُرُهُ بِالْمَعْرُوفِ ، وَيَنْهَاهُ عَنْ الْمُنْكَرِ ؛ لِأَنَّ الْبَهِيمَةَ لَا يَثْبُتُ لَهَا حَقٌّ مِنْ جِهَةِ الْحُكْمِ ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا تَصِحُّ مِنْهَا الْخُصُومَةُ ، وَلَا يُنْصَبُ عَنْهَا خَصْمٌ ، فَصَارَتْ كَالزَّرْعِ وَالشَّجَرِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهَا نَفَقَةُ حَيَوَانٍ وَاجِبَةٌ عَلَيْهِ ، فَكَانَ لِلسُّلْطَانِ إجْبَارُهُ عَلَيْهَا ، كَنَفَقَةِ الْعَبِيدِ ، وَيُفَارِقُ نَفَقَةَ الشَّجَرِ وَالزَّرْعِ ، فَإِنَّهَا لَا تَجِبُ .\rفَإِنْ عَجَزَ عَنْ الْإِنْفَاقِ ، وَامْتَنَعَ مِنْ الْبَيْعِ ، بِيعَتْ عَلَيْهِ ، كَمَا يُبَاعُ الْعَبْدُ إذَا طَلَبَ الْبَيْعَ عِنْدَ إعْسَارِ سَيِّدِهِ بِنَفَقَتِهِ ، وَكَمَا يَفْسَخُ نِكَاحَهُ إذَا أَعْسَرَ بِنَفَقَةِ امْرَأَتِهِ .\rوَإِنْ عَطِبَتْ الْبَهِيمَةُ فَلَمْ يَنْتَفِعْ بِهَا ، فَإِنْ كَانَتْ مِمَّا يُؤْكَلُ ، خُيِّرَ بَيْنَ ذَبْحِهَا وَالْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا ، وَإِنْ كَانَتْ مِمَّا لَا يُؤْكَلُ ، أُجْبِرَ عَلَى الْإِنْقَاقِ عَلَيْهَا ، كَالْعَبْدِ الزَّمِنِ ، عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فِيمَا مَضَى .\rوَلَا يَجُوزُ أَنْ يُحَمِّلَ الْبَهِيمَةَ مَا لَا تُطِيقُ ؛ لِأَنَّهَا فِي مَعْنَى الْعَبْدِ ، وَقَدْ مَنَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَكْلِيفَ الْعَبْدِ مَا لَا يُطِيقُ .\rوَلِأَنَّ فِيهِ تَعْذِيبًا لِلْحَيَوَانِ الَّذِي لَهُ حُرْمَةٌ فِي نَفْسِهِ ، وَإِضْرَارًا بِهِ ، وَذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ .\rوَلَا يَحْلِبُ مِنْ لَبَنِهَا إلَّا مَا","part":18,"page":271},{"id":8771,"text":"يَفْضُلُ عَنْ كِفَايَةِ وَلَدِهَا ؛ لِأَنَّ كِفَايَتَهُ وَاجِبَةٌ عَلَى مَالِكِهِ ، وَلَبَنُ أُمِّهِ مَخْلُوقٌ لَهُ ، فَأَشْبَهَ وَلَدَ الْأَمَةِ .","part":18,"page":272},{"id":8772,"text":"كِتَابُ الْجِرَاحِ يَعْنِي كِتَابَ الْجِنَايَاتِ ، وَإِنَّمَا عَبَّرَ عَنْهَا بِالْجِرَاحِ لِغَلَبَةِ وُقُوعِهَا بِهِ ، وَالْجِنَايَةُ : كُلُّ فِعْلِ عُدْوَانٍ عَلَى نَفْسٍ أَوْ مَالٍ .\rلَكِنَّهَا فِي الْعُرْفِ مَخْصُوصَةٌ بِمَا يَحْصُلُ فِيهِ التَّعَدِّي عَلَى الْأَبْدَانِ ، وَسَمَّوْا الْجِنَايَاتِ عَلَى الْأَمْوَالِ غَصْبًا ، وَنَهْبًا ، وَسَرِقَةً ، وَخِيَانَةً ، وَإِتْلَافًا .\r( 6580 ) فَصْلٌ : وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى تَحْرِيمِ الْقَتْلِ بِغَيْرِ حَقٍّ ، وَالْأَصْلُ فِيهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ ؛ أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا } .\rوَقَالَ تَعَالَى : { وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إلَّا خَطَأً } .\rوَقَالَ : { وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ } .\rالْآيَةَ .\rوَأَمَّا السُّنَّةُ ، فَرَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ ، يَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ، وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ ، إلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ ؛ الثَّيِّبُ الزَّانِي ، وَالنَّفْسُ بِالنَّفْسِ ، وَالتَّارِكُ لِدِينِهِ الْمُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَرَوَى عُثْمَانُ ، وَعَائِشَةُ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَهُ ، فِي آيٍ وَأَخْبَارٍ سِوَى هَذِهِ كَثِيرَةٍ .\rوَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْأُمَّةِ فِي تَحْرِيمِهِ ، فَإِنْ فَعَلَهُ إنْسَانٌ مُتَعَمِّدًا ، فَسَقَ ، وَأَمْرُهُ إلَى اللَّهِ ، إنْ شَاءَ عَذَّبَهُ ، وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ ، وَتَوْبَتُهُ مَقْبُولَةٌ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rوَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : إنَّ تَوْبَتَهُ لَا تُقْبَلُ .\rلِلْآيَةِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا ، وَهِيَ مِنْ آخِرِ مَا نَزَلَ .\rقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : وَلَمْ يَنْسَخْهَا شَيْءٌ .\rوَلِأَنَّ لَفْظَ الْآيَةِ لَفْظُ الْخَبَرِ ، وَالْأَخْبَارُ لَا يَدْخُلُهَا نَسْخٌ وَلَا تَغْيِيرٌ ؛ لِأَنَّ خَبَرَ اللَّهِ تَعَالَى لَا يَكُونُ إلَّا صِدْقًا .\rوَلَنَا قَوْلُ","part":18,"page":273},{"id":8773,"text":"اللَّهِ تَعَالَى : { إنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ } .\rفَجَعَلَهُ دَاخِلًا فِي الْمَشِيئَةِ .\rوَقَالَ تَعَالَى : { إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا } .\rوَفِي الْحَدِيثِ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { قَالَ : إنَّ رَجُلًا قَتَلَ مِائَةَ رَجُلٍ ظُلْمًا ، ثُمَّ سَأَلَ : هَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ ؟ فَدُلَّ عَلَى عَالِمٍ ، فَسَأَلَهُ ، فَقَالَ : وَمَنْ يَحُولُ بَيْنَك وَبَيْنَ التَّوْبَةِ ، وَلَكِنْ اُخْرُجْ مِنْ قَرْيَةِ السَّوْءِ ، إلَى الْقَرْيَةِ الصَّالِحَةِ ، فَاعْبُدْ اللَّهَ فِيهَا .\rفَخَرَجَ تَائِبًا ، فَأَدْرَكَهُ الْمَوْتُ فِي الطَّرِيقِ ، فَاخْتَصَمَتْ فِيهِ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ وَمَلَائِكَةُ الْعَذَابِ ، فَبَعَثَ اللَّهُ إلَيْهِمْ مَلَكًا ، فَقَالَ : قِيسُوا مَا بَيْنَ الْقَرْيَتَيْنِ ، فَإِلَى أَيِّهِمَا كَانَ أَقْرَبَ ، فَاجْعَلُوهُ مِنْ أَهْلِهَا .\rفَوَجَدُوهُ أَقْرَبَ إلَى الْقَرْيَةِ الصَّالِحَةِ بِشِبْرٍ ، فَجَعَلُوهُ مِنْ أَهْلِهَا } .\rوَلِأَنَّ التَّوْبَةَ تَصِحُّ مِنْ الْكُفْرِ ، فَمِنْ الْقَتْلِ أَوْلَى .\rوَالْآيَةُ مَحْمُولَةٌ عَلَى مَنْ لَمْ يَتُبْ ، أَوْ عَلَى أَنَّ هَذَا جَزَاؤُهُ إنْ جَازَاهُ ، وَلَهُ الْعَفْوُ إذَا شَاءَ .\rوَقَوْلُهُ : لَا يَدْخُلُهَا النَّسْخُ .\rقُلْنَا : لَكِنْ يَدْخُلُهَا التَّخْصِيصُ وَالتَّأْوِيلُ .","part":18,"page":274},{"id":8774,"text":"( 6581 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ ، رَحِمَهُ اللَّهُ : ( وَالْقَتْلُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ ؛ عَمْدٌ ، وَشِبْهُ الْعَمْدِ ، وَخَطَأٌ ) أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ يَرَوْنَ الْقَتْلَ مُنْقَسِمًا إلَى هَذِهِ الْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ ، وَعَلِيٍّ .\rوَبِهِ قَالَ الشَّعْبِيُّ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَقَتَادَةُ ، وَحَمَّادٌ ، وَأَهْلُ الْعِرَاقِ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْي .\rوَأَنْكَرَ مَالِكٌ شِبْهَ الْعَمْدِ ، وَقَالَ : لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ إلَّا الْعَمْدُ وَالْخَطَأُ ، فَأَمَّا شِبْهُ الْعَمْدِ ، فَلَا يُعْمَلُ بِهِ عِنْدَنَا .\rوَجَعَلَهُ مِنْ قِسْمِ الْعَمْدِ .\rوَحُكِيَ عَنْهُ مِثْلُ قَوْلِ الْجَمَاعَةِ .\rوَهُوَ الصَّوَابُ ؛ لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { أَلَا إنَّ دِيَةَ الْخَطَإِ شِبْهَ الْعَمْدِ ، مَا كَانَ بِالسَّوْطِ وَالْعَصَا ، مِائَةٌ مِنْ الْإِبِلِ ، مِنْهَا أَرْبَعُونَ فِي بُطُونِهَا أَوْلَادُهَا } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَفِي لَفْظٍ : \" قَتِيلِ خَطَإِ الْعَمْدِ \" .\rوَهَذَا نَصٌّ يُقَدَّمُ عَلَى مَا ذَكَرَهُ .\rوَقَسَّمَهُ أَبُو الْخَطَّابِ أَرْبَعَةَ أَقْسَامٍ ، فَزَادَ قِسْمًا رَابِعًا ، وَهُوَ مَا أُجْرِيَ مَجْرَى الْخَطَإِ ، نَحْوَ أَنْ يَنْقَلِبَ نَائِمٌ عَلَى شَخْصٍ فَيَقْتُلَهُ ، أَوْ يَقَعَ عَلَيْهِ مِنْ عُلْوٍ ، وَالْقَتْلُ بِالسَّبَبِ ، كَحَفْرِ الْبِئْرِ وَنَصْبِ السِّكِّينِ ، وَقَتْلِ غَيْرِ الْمُكَلَّفِ ، أُجْرِيَ مَجْرَى الْخَطَإِ وَإِنْ كَانَ عَمْدًا .\rوَهَذِهِ الصُّورَةُ الَّتِي ذَكَرَهَا عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ مِنْ قِسْمِ الْخَطَإِ ، فَإِنَّ صَاحِبَهَا لَمْ يَعْمِدْ الْفِعْلَ ، أَوْ عَمَدَهُ وَلَيْسَ هُوَ مِنْ أَهْلِ الْقَصْدِ الصَّحِيحِ ، فَسَمَّوْهُ خَطَأً ، فَأَعْطَوْهُ حُكْمَهُ .\rوَقَدْ صَرَّحَ الْخِرَقِيِّ بِذَلِكَ ، فَقَالَ فِي الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ : عَمْدُهُمَا خَطَأٌ .","part":18,"page":275},{"id":8775,"text":"( 6582 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( فَالْعَمْدُ مَا ضَرَبَهُ بِحَدِيدَةٍ ، أَوْ خَشَبَةٍ كَبِيرَةٍ فَوْقَ عَمُودِ الْفُسْطَاطِ ، أَوْ حَجَرٍ كَبِيرٍ الْغَالِبُ أَنْ يَقْتُلَ مِثْلُهُ ، أَوْ أَعَادَ الضَّرْبَ بِخَشَبَةٍ صَغِيرَةٍ ، أَوْ فَعَلَ بِهِ فِعْلًا الْغَالِبُ مِنْ ذَلِكَ الْفِعْلِ أَنَّهُ يُتْلِفُ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْعَمْدَ نَوْعَانِ : أَحَدُهُمَا ، أَنْ يَضْرِبَهُ بِمُحَدِّدِ ، وَهُوَ مَا يَقْطَعُ ، وَيَدْخُلُ فِي الْبَدَنِ ، كَالسَّيْفِ وَالسِّكِّينِ وَالسِّنَانِ ، وَمَا فِي مَعْنَاهُ مِمَّا يُحَدِّدُ فَيَجْرَحُ ، مِنْ الْحَدِيدِ ، وَالنُّحَاسِ ، وَالرَّصَاصِ ، وَالذَّهَبِ ، وَالْفِضَّةِ ، وَالزُّجَاجِ ، وَالْحَجَرِ ، وَالْقَصَبِ ، وَالْخَشَبِ ، فَهَذَا كُلُّهُ إذَا جَرَحَ بِهِ جُرْحًا كَبِيرًا ، فَمَاتَ ، فَهُوَ قَتْلٌ عَمْدٌ ، لَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ ، فِيمَا عَلِمْنَاهُ .\rفَأَمَّا إنْ جَرَحَهُ جُرْحًا صَغِيرًا ، كَشَرْطَةِ الْحَجَّامِ ، أَوْ غَرَزَهُ بِإِبْرَةِ ، أَوْ شَوْكَةٍ ، نَظَرْت ؛ فَإِنْ كَانَ فِي مَقْتَلِ ، كَالْعَيْنِ ، وَالْفُؤَادِ ، وَالْخَاصِرَةِ ، وَالصُّدْغِ ، وَأَصْلِ الْأُذُنِ ، فَمَاتَ ، فَهُوَ عَمْدٌ أَيْضًا ؛ لِأَنَّ الْإِصَابَةَ بِذَلِكَ فِي الْمَقْتَلِ ، كَالْجُرْحِ بِالسِّكِّينِ فِي غَيْرِ الْمَقْتَلِ ، وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِ مَقْتَلٍ ؛ نَظَرْت ، فَإِنْ كَانَ قَدْ بَالَغَ فِي إدْخَالِهَا فِي الْبَدَنِ ، فَهُوَ كَالْجُرْحِ الْكَبِيرِ ؛ لِأَنَّ هَذَا يَشْتَدُّ أَلَمُهُ ، وَيُفْضِي إلَى الْقَتْلِ ، كَالْكَبِيرِ ، وَإِنْ كَانَ الْغَوْرُ يَسِيرًا ، أَوْ جَرَحَهُ بِالْكَبِيرِ جُرْحًا لَطِيفًا ، كَشَرْطَةِ الْحَجَّامِ فَمَا دُونَهَا ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا : إنْ بَقِيَ مِنْ ذَلِكَ ضَمَّنَّا حَتَّى مَاتَ ، فَفِيهِ الْقَوَدُ ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ مَاتَ مِنْهُ ، وَإِنْ مَاتَ فِي الْحَالِ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، لَا قِصَاصَ فِيهِ .\rقَالَ ابْنُ حَامِدٍ ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ لَمْ يَمُتْ مِنْهُ ، وَلِأَنَّهُ لَا يَقْتُلُ غَالِبًا ، فَأَشْبَهَ الْعَصَا وَالسَّوْطَ ، وَالتَّعْلِيلُ الْأَوَّلُ أَجْوَدُ ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا احْتَمَلَ حُصُولَ الْمَوْتِ بِغَيْرِهِ ظَاهِرًا ، كَانَ ذَلِكَ شُبْهَةً فِي دَرْءِ","part":18,"page":276},{"id":8776,"text":"الْقِصَاصِ ، وَلَوْ كَانَتْ الْعِلَّةُ كَوْنَهُ لَا يَحْصُلُ بِهِ الْقَتْلُ غَالِبًا ، لَمْ يَفْتَرِقْ الْحَالُ بَيْنَ مَوْتِهِ فِي الْحَالِ ، وَمَوْتِهِ مُتَرَاخِيًا عَنْهُ ، كَسَائِرِ مَا لَا يَجِبُ بِهِ الْقِصَاصُ وَالثَّانِي ، فِيهِ الْقِصَاصُ ؛ لِأَنَّ الْمُحَدَّدَ لَا يُعْتَبَرُ فِيهِ غَلَبَةُ الظَّنِّ فِي حُصُولِ الْقَتْلِ بِهِ ، بِدَلِيلِ مَا لَوْ قَطَعَ شَحْمَةَ أُذُنِهِ ، أَوْ قَطَعَ أُنْمُلَتَهُ ، وَلِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يُمْكِنْ إدَارَةُ الْحُكْمِ ، وَضَبْطُهُ بِغَلَبَةِ الظَّنِّ ، وَجَبَ رَبْطُهُ بِكَوْنِهِ مُحَدَّدًا ، وَلَا يُعْتَبَرُ ظُهُورُ الْحِكْمَةِ فِي آحَادِ صُوَرِ الْمَظِنَّةِ ، بَلْ يَكْفِي احْتِمَالُ الْحِكْمَةِ ، وَلِذَلِكَ ثَبَتَ الْحُكْمُ بِهِ فِيمَا إذَا بَقِيَ ضِمْنًا ، مَعَ أَنَّ الْعَمْدَ لَا يَخْتَلِفُ مَعَ اتِّحَادِ الْآلَةِ وَالْفِعْلِ ، بِسُرْعَةِ الْإِفْضَاءِ وَإِبْطَائِهِ ، وَلِأَنَّ فِي الْبَدَنِ مَقَاتِلَ خَفِيَّةً ، وَهَذَا لَهُ سِرَايَةٌ وَمَوْرٌ ، فَأَشْبَهَ الْجُرْحَ الْكَبِيرَ .\rوَهَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةُ ، وَلِلشَّافِعِيِّ ، مِنْ التَّفْصِيلِ نَحْوٌ مَا ذَكَرْنَا .","part":18,"page":277},{"id":8777,"text":"النَّوْعُ الثَّانِي ، الْقَتْلُ بِغَيْرِ الْمُحَدَّدِ ، مِمَّا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ حُصُولُ الزَّهُوقِ بِهِ عِنْدَ اسْتِعْمَالِهِ فَهَذَا عَمْدٌ مُوجِبٌ لِلْقِصَاصِ أَيْضًا .\rوَبِهِ قَالَ النَّخَعِيُّ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَابْنُ سِيرِينَ ، وَحَمَّادٌ ، وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ .\rوَقَالَ الْحَسَنُ : لَا قَوَدَ فِي ذَلِكَ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ الشَّعْبِيِّ .\rوَقَالَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ ، وَعَطَاءٌ ، وَطَاوُسٌ : الْعَمْدُ مَا كَانَ بِالسِّلَاحِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا قَوَدَ فِي ذَلِكَ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ قَتَلَهُ بِالنَّارِ .\rوَعَنْهُ فِي مُثْقَلِ الْحَدِيدِ رِوَايَتَانِ .\rوَاحْتَجَّ بِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { أَلَا إنَّ فِي قَتِيلِ عَمْدِ الْخَطَإِ ، قَتِيلِ السَّوْطِ وَالْعَصَا وَالْحَجَرِ ، مِائَةٌ مِنْ الْإِبِلِ } .\rفَسَمَّاهُ عَمْدَ الْخَطَإِ ، وَأَوْجَبَ فِيهِ الدِّيَةَ دُونَ الْقِصَاصِ ؛ وَلِأَنَّ الْعَمْدَ لَا يُمْكِنُ اعْتِبَارُهُ بِنَفْسِهِ ، فَيَجِبُ ضَبْطُهُ بِمَظِنَّتِهِ ، وَلَا يُمْكِنُ ضَبْطُهُ بِمَا يَقْتُلُ غَالِبًا ، لِحُصُولِ الْعَمْدِ بِدُونِهِ فِي الْجُرْحِ الصَّغِيرِ ، فَوَجَبَ ضَبْطُهُ بِالْجُرْحِ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا } .\rوَهَذَا مَقْتُولٌ ظُلْمًا ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى } .\rوَرَوَى أَنَسٌ { ، أَنْ يَهُودِيًّا قَتَلَ جَارِيَةً عَلَى أَوْضَاحٍ لَهَا بِحَجَرٍ ، فَقَتَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ حَجَرَيْنِ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : { وَمَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ ، فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ ؛ إمَّا يُودِي ، وَإِمَّا يُقَادُ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَلِأَنَّهُ يَقْتُلُ غَالِبًا ، فَأَشْبَهَ الْمُحَدَّدَ .\rوَأَمَّا الْحَدِيثُ ، فَمَحْمُولٌ عَلَى الْمُثْقَلِ الصَّغِيرِ ؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَ الْعَصَا وَالسَّوْطَ ، وَقَرَنَ بِهِ الْحَجَرَ .\rفَدَلَّ","part":18,"page":278},{"id":8778,"text":"عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ مَا يُشْبِهُهُمَا .\rوَقَوْلُهُمْ : لَا يُمْكِنُ ضَبْطُهُ .\rمَمْنُوعٌ ؛ فَإِنَّنَا نُوجِبُ الْقِصَاصَ بِمَا نَتَيَقَّنُ حُصُولَ الْغَلَبَةِ بِهِ ، وَإِذَا شَكَكْنَا ، لَمْ نُوجِبْهُ مَعَ الشَّكِّ ، وَصَغِيرُ الْجُرْحِ قَدْ سَبَقَ الْقَوْلُ فِيهِ ، وَلِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ ضَبْطُهُ بِالْجُرْحِ ، بِدَلِيلِ مَا لَوْ قَتَلَهُ بِالنَّارِ ، أَوْ بِمُثْقَلِ الْحَدِيدِ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّ هَذَا النَّوْعَ يَتَنَوَّعُ أَنْوَاعًا ؛ أَحَدُهَا ، أَنْ يَضْرِبَهُ بِمُثْقَلٍ كَبِيرٍ ، يَقْتُلُ مِثْلُهُ غَالِبًا ، سَوَاءٌ كَانَ مِنْ حَدِيدٍ ، كَاللَّتِّ ، وَالسِّنْدَانِ ، وَالْمِطْرَقَةِ ، أَوْ حَجَرٍ ثَقِيلٍ ، أَوْ خَشَبَةٍ كَبِيرَةٍ ، وَحَدَّ الْخِرَقِيِّ الْخَشَبَةَ الْكَبِيرَةَ ، بِمَا فَوْقَ عَمُودِ الْفُسْطَاطِ ، يَعْنِي الْعَمْدَ الَّتِي تَتَّخِذُهَا الْأَعْرَابُ لِبُيُوتِهَا ، وَفِيهَا دِقَّةٌ ، فَأَمَّا عَمَدُ الْخِيَامِ فَكَبِيرَةٌ ، تَقْتُلُ غَالِبًا ، فَلَمْ يُرِدْهَا الْخِرَقِيِّ وَإِنَّمَا حَدَّ الْمُوجِبَ لِلْقِصَاصِ بِمَا فَوْقَ عَمُودِ الْفُسْطَاطِ { ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا سُئِلَ عَنْ الْمَرْأَةِ الَّتِي ضَرَبَتْ جَارِيَتَهَا بِعَمُودِ فُسْطَاطٍ فَقَتَلَتْهَا وَجَنِينَهَا ، قَضَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْجَنِينِ بِغُرَّةٍ ، وَقَضَى بِالدِّيَةِ عَلَى عَاقِلَتِهَا } .\rوَالْعَاقِلَةُ لَا تَحْمِلُ الْعَمْدَ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْقَتْلَ بِعَمُودِ الْفُسْطَاطِ لَيْسَ بِعَمْدٍ .\rوَإِنْ كَانَ أَعْظَمَ مِنْهُ ، فَهُوَ عَمْدٌ ؛ لِأَنَّهُ يَقْتُلُ غَالِبًا ، وَمِنْ هَذَا النَّوْعِ أَنْ يُلْقِيَ عَلَيْهِ حَائِطًا ، أَوْ صَخْرَةً ، أَوْ خَشَبَةً عَظِيمَةً ، أَوْ مَا أَشْبَهَ مِمَّا يُهْلِكُهُ غَالِبًا ، فَيُهْلِكَهُ ، فَفِيهِ الْقَوَدُ ؛ لِأَنَّهُ يَقْتُلُ غَالِبًا","part":18,"page":279},{"id":8779,"text":"النَّوْعُ الثَّانِي ، أَنْ يَضْرِبَهُ بِمُثْقَلٍ صَغِيرٍ ، كَالْعَصَا ، وَالسَّوْطِ ، وَالْحَجَرِ الصَّغِيرِ ، أَوْ يَلْكُزَهُ بِيَدَيْهِ فِي مَقْتَلٍ ، أَوْ فِي حَالِ ضَعْفٍ مِنْ الْمَضْرُوبِ ؛ لَمَرَضٍ أَوْ صِغَرٍ ، أَوْ فِي زَمَنٍ مُفْرِطِ الْحَرِّ أَوْ الْبَرْدِ ، بِحَيْثُ تَقْتُلُهُ تِلْكَ الضَّرْبَةُ ، أَوْ كَرَّرَ الضَّرْبَ حَتَّى قَتَلَهُ بِمَا يَقْتُلُ غَالِبًا ، فَفِيهِ الْقَوَدُ ؛ لِأَنَّهُ قَتَلَهُ بِمَا يَقْتُلُ مِثْلُهُ غَالِبًا ، فَأَشْبَهَ الضَّرْبَ بِمُثْقَلٍ كَبِيرٍ .\rوَمِنْ هَذَا النَّوْعِ ، لَوْ عَصَرَ خُصْيَتَهُ عَصْرًا شَدِيدًا فَقَتَلَهُ بِعَصْرٍ يَقْتُلُ مِثْلُهُ غَالِبًا ، فَعَلَيْهِ الْقَوَدُ .\rوَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَاهُ ، فَهُوَ عَمْدُ الْخَطَإِ ، وَفِيهِ الدِّيَةُ ، إلَّا أَنْ يَصْغُرَ جِدًّا ، كَالضَّرْبَةِ بِالْقَلَمِ وَالْإِصْبَعِ فِي غَيْرِ مَقْتَلٍ ، وَنَحْوِ هَذَا مِمَّا لَا يُتَوَهَّمُ الْقَتْلُ بِهِ ، فَلَا قَوَدَ فِيهِ ، وَلَا دِيَةَ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَمُتْ بِهِ .\rوَكَذَلِكَ إنْ مَسَّهُ بِالْكَبِيرِ ، وَلَمْ يَضْرِبْهُ بِهِ ؛ لِأَنَّ الدِّيَةَ إنَّمَا تَجِبُ بِالْقَتْلِ ، وَلَيْسَ هَذَا بِقَتْلٍ .","part":18,"page":280},{"id":8780,"text":"النَّوْعُ الثَّالِثُ : أَنْ يَمْنَعَ خُرُوجَ نَفَسِهِ ، وَهُوَ ضَرْبَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنْ يَجْعَلَ فِي عُنُقِهِ خِرَاطَةً ، ثُمَّ يُعَلِّقَهُ فِي خَشَبَةٍ أَوْ شَيْءٍ ، بِحَيْثُ يَرْتَفِعُ عَنْ الْأَرْضِ ، فَيَخْتَنِقُ وَيَمُوتُ ، فَهَذَا عَمْدٌ سَوَاءٌ مَاتَ فِي الْحَالِ ، أَوْ بَقِيَ زَمَنًا ، لِأَنَّ هَذَا أَوْحَى أَنْوَاعِ الْحَنَقِ ، وَهُوَ الَّذِي جَرَتْ الْعَادَةُ بِفِعْلِهِ مِنْ الْوُلَاةِ فِي اللُّصُوصِ وَأَشْبَاهِهِمْ مِنْ الْمُفْسِدِينَ .\rوَالضَّرْبُ الثَّانِي : أَنْ يَخْنُقَهُ وَهُوَ عَلَى الْأَرْضِ بِيَدَيْهِ ، أَوْ مِنْدِيلٍ ، أَوْ حَبْلٍ ، أَوْ يُغَمِّهِ بِوِسَادَةٍ ، أَوْ شَيْءٍ يَضَعُهُ عَلَى فِيهِ وَأَنْفِهِ ، أَوْ يَضَعَ يَدَيْهِ عَلَيْهِمَا فَيَمُوتَ ، فَهَذَا إنْ فَعَلَ بِهِ ذَلِكَ مُدَّةً يَمُوتُ فِي مِثْلِهَا غَالِبًا فَمَاتَ ، فَهُوَ عَمْدٌ فِيهِ الْقِصَاصُ .\rوَبِهِ قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْد الْعَزِيزِ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِنْ فَعَلَهُ فِي مُدَّةٍ لَا يَمُوتُ فِي مِثْلِهَا غَالِبًا فَمَاتَ ، فَهُوَ عَمْدُ الْخَطَإِ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ يَسِيرًا فِي الْعَادَةِ ، بِحَيْثُ لَا يُتَوَهَّمُ الْمَوْتُ مِنْهُ ، فَلَا يُوجِبُ ضَمَانًا ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ لَمْسِهِ .\rوَإِنْ خَنَقَهُ ، وَتَرَكَهُ مُتَأَلِّمًا حَتَّى مَاتَ ، فَفِيهِ الْقَوَدُ ؛ لِأَنَّهُ مَاتَ مِنْ سِرَايَةِ جِنَايَتِهِ ، فَهُوَ كَالْمَيِّتِ مِنْ سِرَايَةِ الْجُرْحِ ، وَإِنْ تَنَفَّسَ وَصَحَّ ، ثُمَّ مَاتَ ، فَلَا قَوَدِ ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ لَمْ يَمُتْ مِنْهُ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ انْدَمَلَ الْجُرْحُ ثُمَّ مَاتَ","part":18,"page":281},{"id":8781,"text":"النَّوْعُ الرَّابِعُ : أَنْ يُلْقِيه فِي مَهْلَكَةٍ ، وَذَلِكَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَضْرُبٍ ، أَحَدُهَا : أَنْ يُلْقِيَهُ مِنْ شَاهِقٍ كَرَأْسِ جَبَلٍ ، أَوْ حَائِطٍ عَالٍ ، يَهْلِكُ بِهِ غَالِبًا ، فَيَمُوتَ ، فَهُوَ عَمْدٌ .\rالثَّانِي : أَنْ يُلْقِيَهُ فِي نَارٍ ، أَوْ مَاءٍ يُغْرِقُهُ ، وَلَا يُمْكِنُهُ التَّخَلُّصُ مِنْهُ ، إمَّا لِكَثْرَةِ الْمَاءِ وَالنَّارِ ، وَإِمَّا لِعَجْزِهِ عَنْ التَّخَلُّصِ ، لَمَرَضٍ ، أَوْ ضَعْفٍ أَوْ صِغَرٍ ، أَوْ كَوْنِهِ مَرْبُوطًا ، أَوْ مَنَعَهُ الْخُرُوجَ ، أَوْ كَوْنِهِ فِي حُفْرَةٍ لَا يَقْدِرُ عَلَى الصُّعُودِ مِنْهَا ، وَنَحْوُ هَذَا ، أَوْ أَلْقَاهُ فِي بِئْرٍ ذَاتِ نَفَسٍ ، فَمَاتَ بِهِ ، عَالِمًا بِذَلِكَ ، فَهَذَا كُلُّهُ عَمْدٌ ؛ لِأَنَّهُ يَقْتُلُ غَالِبًا .\rوَإِنْ أَلْقَاهُ فِي مَاءٍ يَسِيرٍ يَقْدِرُ عَلَى الْخُرُوجِ مِنْهُ ، فَلَبِثَ فِيهِ اخْتِيَارًا حَتَّى مَاتَ ، فَلَا قَوَدَ فِيهِ وَلَا دِيَةَ ؛ لِأَنَّ هَذَا الْفِعْلَ لَمْ يَقْتُلْهُ ، وَإِنَّمَا حَصَلَ مَوْتُهُ بِلُبْثِهِ فِيهِ ، وَهُوَ فِعْلُ نَفْسِهِ ، فَلَمْ يَضْمَنْهُ غَيْرُهُ .\rوَإِنْ تَرَكَهُ فِي نَارٍ يُمْكِنُهُ التَّخَلُّصُ مِنْهَا لِقِلَّتِهَا ، أَوْ كَوْنِهِ فِي طَرَفٍ مِنْهَا يُمْكِنُهُ الْخُرُوجُ بِأَدْنَى حَرَكَةٍ ؛ فَلَمْ يَخْرُجْ حَتَّى مَاتَ ، فَلَا قَوَدَ ؛ لِأَنَّ هَذَا لَا يَقْتُلُ غَالِبًا ، وَهَلْ يَضْمَنُهُ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا ، لَا يَضْمَنُهُ ؛ لِأَنَّهُ مُهْلِكٌ لِنَفْسِهِ بِإِقَامَتِهِ ، فَلَمْ يَضْمَنْهُ ، كَمَا لَوْ أَلْقَاهُ فِي مَاءٍ يَسِيرٍ ، لَكِنْ يَضْمَنُ مَا أَصَابَتْ النَّارُ مِنْهُ .\rوَالثَّانِي : يَضْمَنُهُ ؛ لِأَنَّهُ جَاءَ بِالْإِلْقَاءِ الْمُفْضِي إلَى الْهَلَاكِ ، وَتَرْكُ التَّخَلُّصِ لَا يُسْقِطُ الضَّمَانَ ، كَمَا لَوْ فَصَدَهُ فَتَرَك شَدَّ فَصَادِهِ مَعَ إمْكَانِهِ ، أَوْ جَرَحَهُ فَتَرَكَ مُدَاوَاةَ جُرْحِهِ ، وَفَارَقَ الْمَاءَ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَهْلِكُ بِنَفْسِهِ ، وَلِهَذَا يَدْخُلُهُ النَّاسُ لِلْغُسْلِ وَالسِّبَاحَةِ وَالصَّيْدِ ، وَأَمَّا النَّارُ فَيَسِيرُهَا يُهْلِكُ .\rوَإِنَّمَا تُعْلَمُ قُدْرَتُهُ عَلَى التَّخَلُّصِ بِقَوْلِهِ : أَنَا قَادِرٌ عَلَى التَّخَلُّصِ .\rأَوْ نَحْوَ هَذَا ؛ لِأَنَّ","part":18,"page":282},{"id":8782,"text":"النَّارَ لَهَا حَرَارَةٌ شَدِيدَةٌ ، فَرُبَّمَا أَزْعَجَتْهُ حَرَارَتُهَا عَنْ مَعْرِفَةِ مَا يَتَخَلَّصُ بِهِ ، أَوْ أَذْهَبَتْ عَقْلَهُ بِأَلَمِهَا وَرَوْعَتِهَا .\rوَإِنْ أَلْقَاهُ فِي لُجَّةٍ لَا يُمْكِنُهُ التَّخَلُّصُ مِنْهَا ، فَالْتَقَمَهُ حُوتٌ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا ، عَلَيْهِ الْقَوَدُ ؛ لِأَنَّهُ أَلْقَاهُ فِي مَهْلَكَةٍ فَهَلَكَ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ غَرِقَ فِيهَا .\rوَالثَّانِي : لَا قَوَدَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَهْلِكْ بِهَا ، أَشْبَهَ مَا لَوْ قَتَلَهُ آدَمِيُّ آخَرُ .\rوَإِنْ أَلْقَاهُ فِي مَاءٍ يَسِيرٍ ، فَأَكَلَهُ سَبُعٌ ، أَوْ الْتَقَمَهُ حُوتٌ أَوْ تِمْسَاحٌ ، فَلَا قَوَدَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ الَّذِي فَعَلَهُ لَا يَقْتُلُ غَالِبًا ، وَعَلَيْهِ ضَمَانُهُ ؛ لِأَنَّهُ هَلَكَ بِفِعْلِهِ .","part":18,"page":283},{"id":8783,"text":"الضَّرْبُ الثَّالِثُ : أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَسَدٍ أَوْ نَمِرٍ ، فِي مَكَان ضَيِّقٍ ، كَزُبْيَةِ وَنَحْوِهَا ، فَيَقْتُلَهُ ، فَهَذَا عَمْدٌ ، فِيهِ الْقِصَاصُ إذَا فَعَلَ السَّبُعُ بِهِ فِعْلًا يَقْتُلُ مِثْلُهُ ، وَإِنْ فَعَلَ بِهِ فِعْلًا لَوْ فَعَلَهُ الْآدَمِيُّ لَمْ يَكُنْ عَمْدًا ، لَمْ يَجِبْ الْقِصَاصُ بِهِ ؛ لِأَنَّ السَّبُعَ صَارَ آلَةً لِلْآدَمِيِّ ، فَكَانَ فِعْلُهُ .\rكَفِعْلِهِ .\rوَإِنْ أَلْقَاهُ مَكْتُوفًا بَيْنَ يَدَيْ الْأَسَدِ ، أَوْ النَّمِرِ ، فِي فَضَاءٍ ، فَأَكَلَهُ ، فَعَلَيْهِ الْقَوَدُ .\rوَكَذَلِكَ إنْ جَمَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَيَّةٍ فِي مَكَان ضَيِّقٍ ، فَنَهَشَتْهُ فَقَتَلَتْهُ ، فَعَلَيْهِ الْقَوَدُ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِي الصُّورَتَيْنِ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ الْأَسَدَ وَالْحَيَّةَ يَهْرُبَانِ مِنْ الْآدَمِيِّ ، وَلِأَنَّ هَذَا سَبَبٌ غَيْرُ مُلْجِئٍ .\rوَلَنَا ، أَنَّ هَذَا يَقْتُلُ غَالِبًا ، فَكَانَ عَمْدًا مَحْضًا ، كَسَائِرِ الصُّوَرِ .\rوَقَوْلُهُمْ : إنَّهُمَا يَهْرُبَانِ .\rغَيْرُ صَحِيحٍ ، فَإِنَّ الْأَسَدَ يَأْخُذُ الْآدَمِيَّ الْمُطْلَقَ ، فَكَيْفَ يَهْرُبُ مِنْ مَكْتُوفٍ أُلْقِيَ إلَيْهِ لِيَأْكُلَهُ ، وَالْحَيَّةُ إنَّمَا تَهْرُبُ فِي مَكَان وَاسِعٍ ، أَمَّا إذَا ضَاقَ الْمَكَانُ ، فَالْغَالِبُ أَنَّهَا تَدْفَعُ عَنْ نَفْسِهَا بِالنَّهْشِ ، عَلَى مَا هُوَ الْعَادَةُ وَقَدْ ذَكَرَ الْقَاضِي فِي مَنْ أُلْقِيَ مَكْتُوفًا فِي أَرْضٍ مُسَبَّعَةٍ ، أَوْ ذَاتِ حَيَّاتٍ ، فَقَتَلَتْهُ ، أَنَّ فِي وُجُوبِ الْقِصَاصِ رِوَايَتَيْنِ .\rوَهَذَا تَنَاقُضٌ شَدِيدٌ ؛ فَإِنَّهُ نَفَى الضَّمَانَ بِالْكُلِّيَّةِ فِي صُورَةٍ كَانَ الْقَتْلُ فِيهَا أُغْلَبَ ، وَأَوْجَبَ الْقِصَاصَ فِي صُورَةٍ كَانَ فِيهَا أَنْدَرَ ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا قِصَاصَ هَاهُنَا ، وَيَجِبُ الضَّمَانُ ؛ لِأَنَّهُ فَعَلَ بِهِ فِعْلًا مُتَعَمِّدًا تَلِفَ بِهِ .\rلَا يَقْتُلُ مِثْلُهُ غَالِبًا .\rوَإِنْ أَنْهَشَهُ حَيَّةً أَوْ سَبُعًا فَقَتَلَهُ ، فَعَلَيْهِ الْقَوَدُ إذَا كَانَ ذَلِكَ مِمَّا يَقْتُلُ غَالِبًا ، فَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يَقْتُلُ غَالِبًا ، كَثُعْبَانِ الْحِجَازِ ، أَوْ سَبُعٍ صَغِيرٍ ، فَفِيهِ","part":18,"page":284},{"id":8784,"text":"وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا ، فِيهِ الْقَوَدُ ؛ لِأَنَّ الْجُرْحَ لَا يُعْتَبَرُ فِيهِ غَلَبَةُ حُصُولِ الْقَتْلِ بِهِ ، وَهَذَا جُرْحٌ ، وَلِأَنَّ الْحَيَّةَ مِنْ جِنْسِ مَا يَقْتُلُ غَالِبًا .\rوَالثَّانِي : هُوَ شِبْهُ عَمْدٍ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْتُلُ غَالِبًا ، أَشْبَهَ الضَّرْبَ بِالْعَصَا وَالْحَجَرِ .\rوَإِنْ كَتَّفَهُ وَأَلْقَاهُ فِي أَرْضٍ غَيْرِ مُسَبَّعَةٍ فَأَكَلَهُ سَبُعٌ ، أَوْ نَهَشَتْهُ حَيَّةٌ ، فَمَاتَ فَهُوَ شِبْهُ عَمْدٍ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ : هُوَ خَطَأٌ مَحْضٌ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ فَعَلَ بِهِ فِعْلًا لَا يَقْتُلُ مِثْلُهُ غَالِبًا عَمْدًا ، فَأَفْضَى إلَى هَلَاكِهِ ، أَشْبَهَ مَا لَوْ ضَرَبَهُ بِعَصًا فَمَاتَ .\rوَكَذَلِكَ إنْ أَلْقَاهُ مَشْدُودًا فِي مَوْضِعٍ لَمْ يَعْهَدْ وُصُولَ زِيَادَةِ الْمَاءِ إلَيْهِ .\rفَأَمَّا إنْ كَانَ فِي مَوْضِعٍ يَعْلَمُ وُصُولِ زِيَادَةِ الْمَاءِ إلَيْهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ ، فَمَاتَ بِهَا ، فَهُوَ عَمْدٌ مَحْضٌ .\rوَإِنْ كَانَتْ غَيْرِ مَعْلُومَةٍ ، إمَّا لِكَوْنِهَا تَحْتَمِلُ الْوُجُودَ وَعَدَمَهُ ، أَوْ لَا تُعْهَدُ أَصْلًا ، فَهُوَ شِبْهُ عَمْدٍ .","part":18,"page":285},{"id":8785,"text":"الضَّرْبُ الرَّابِعُ : أَنْ يَحْبِسَهُ فِي مَكَان ، وَيَمْنَعَهُ الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ مُدَّةً لَا يَبْقَى فِيهَا حَتَّى يَمُوتَ ، فَعَلَيْهِ الْقَوَدُ ؛ لِأَنَّ هَذَا يَقْتُلُ غَالِبًا ، وَهَذَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ النَّاسِ وَالزَّمَانِ وَالْأَحْوَالِ ، فَإِذَا كَانَ عَطْشَانَ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ ، مَاتَ فِي الزَّمَنِ الْقَلِيلِ ، وَإِنْ كَانَ رَيَّانَ وَالزَّمَنُ بَارِدٌ أَوْ مُعْتَدِلٌ ، لَمْ يَمُتْ إلَّا فِي زَمَنٍ طَوِيلٍ فَيُعْتَبَرُ هَذَا فِيهِ .\rوَإِنْ كَانَ فِي مُدَّةٍ يَمُوتُ فِي مِثْلِهَا غَالِبًا فَفِيهِ الْقَوَدُ .\rوَإِنْ كَانَ لَا يَمُوتُ فِي مِثْلِهَا غَالِبًا ، فَهُوَ عَمْدُ الْخَطَإِ .\rوَإِنْ شَكَكْنَا فِيهَا ، لَمْ يَجِبْ الْقَوَدُ ؛ لِأَنَّنَا شَكَكْنَا فِي السَّبَبِ ، وَلَا يَثْبُتُ الْحُكْمُ مَعَ الشَّكِّ فِي سَبَبِهِ ، لَا سِيَّمَا الْقِصَاصُ الَّذِي يَسْقُطُ بِالشُّبُهَاتِ","part":18,"page":286},{"id":8786,"text":"النَّوْعُ الْخَامِسُ : أَنْ يَسْقِيَهُ سُمًّا ، أَوْ يُطْعِمَهُ شَيْئًا قَاتِلًا ، فَيَمُوتَ بِهِ ، فَهُوَ عَمْدٌ مُوجِبٌ لِلْقَوَدِ ، إذَا كَانَ مِثْلُهُ يَقْتُلُ غَالِبًا .\rوَإِنْ خَلَطَهُ بِطَعَامٍ ، وَقَدَّمَهُ إلَيْهِ ، فَأَكَلَهُ أَوْ أَهْدَاهُ إلَيْهِ ، أَوْ خَلَطَهُ بِطَعَامِ رَجُلٍ ، وَلَمْ يَعْلَمْ ذَلِكَ فَأَكَلَهُ ، فَعَلَيْهِ الْقَوَدُ ؛ لِأَنَّهُ يَقْتُلُ غَالِبًا .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ : لَا قَوَدَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ أَكَلَهُ مُخْتَارًا ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَدَّمَ إلَيْهِ سِكِّينًا ، فَطَعَنَ بِهَا نَفْسَهُ ، وَلِأَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ رَوَى { ، أَنَّ يَهُودِيَّةً أَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ بِشَاةٍ مَسْمُومَةٍ ، فَأَكَلَ مِنْهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يَقْتُلْهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ } قَالَ : وَهَلْ تَجِبُ الدِّيَةُ ؟ فِيهِ قَوْلَانِ وَلَنَا ، خَبَرُ الْيَهُودِيَّةِ ، فَإِنَّ أَبَا سَلَمَةَ قَالَ فِيهِ : فَمَاتَ بِشْرُ بْنُ الْبَرَاءِ ، فَأَمَرَ بِهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُتِلَتْ .\rأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد ، وَلِأَنَّ هَذَا يَقْتُلُ غَالِبًا ، وَيُتَّخَذُ طَرِيقًا إلَى الْقَتْلِ كَثِيرًا ، فَأَوْجَبَ الْقِصَاصَ ، كَمَا لَوْ أَكْرَهَهُ عَلَى شُرْبِهِ .\rفَأَمَّا حَدِيثُ أَنَسٍ ، فَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ أَنَّ أَحَدًا مَاتَ مِنْهُ .\rوَلَا يَجِبُ الْقِصَاصُ إلَّا أَنْ يُقْتَلَ بِهِ ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَقْتُلْهَا قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ بِشْرُ بْنُ الْبَرَاءِ فَلَمَّا مَاتَ ، أَرْسَلَ إلَيْهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَسَأَلَهَا ، فَاعْتَرَفَتْ فَقَتَلَهَا ، فَنَقَلَ أَنَسٌ صَدْرَ الْقِصَّةِ دُونَ آخِرِهَا .\rوَيَتَعَيَّنُ حَمْلُهُ عَلَيْهِ ، جَمْعًا بَيْن الْخَبَرَيْنِ .\rوَيَجُوزُ أَنْ يَتْرُكَ قَتْلَهَا ؛ لِكَوْنِهَا مَا قَصَدَتْ بِشْرَ بْنَ الْبَرَاءِ ، إنَّمَا قَصَدَتْ قَتَلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاخْتَلَّ الْعَمْدُ بِالنِّسْبَةِ إلَى بِشْرٍ ، وَفَارَقَ تَقْدِيمَ السِّكِّينِ ؛ لِأَنَّهَا لَا تُقَدَّمُ إلَى الْإِنْسَانِ لِيَقْتُلَ بِهَا نَفْسَهُ ،","part":18,"page":287},{"id":8787,"text":"إنَّمَا تُقَدَّمُ إلَيْهِ لِيَنْتَفِعَ بِهَا ، وَهُوَ عَالِمٌ بِمَضَرَّتِهَا وَنَفْعِهَا ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قُدِّمَ إلَيْهِ السُّمُّ وَهُوَ عَالِمٌ بِهِ .\rفَأَمَّا إنْ خَلَطَ السُّمَّ بِطَعَامِ نَفْسِهِ وَتَرَكَهُ فِي مَنْزِلِهِ ، فَدَخَلَ إنْسَانٌ فَأَكَلَهُ ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ ضَمَانٌ بِقِصَاصٍ وَلَا دِيَةٍ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْتُلْهُ ، وَإِنَّمَا الدَّاخِلُ قَتَلَ نَفْسَهُ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ حَفَرَ فِي دَارِهِ بِئْرًا ، فَدَخَلَ رَجُلٌ ، فَوَقَعَ فِيهَا ، وَسَوَاءٌ قَصَدَ بِذَلِكَ قَتْلَ الْآكِلِ ، مِثْلَ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ ظَالِمًا يُرِيدُ هُجُومَ دَارِهِ ، فَتَرَكَ السُّمَّ فِي الطَّعَامِ لِيَقْتُلهُ ، فَهُوَ كَمَا لَوْ حَفَرَ بِئْرًا فِي دَارِهِ لِيَقَعَ فِيهَا اللِّصُّ إذَا دَخَلَ لِيَسْرِقَ مِنْهَا ، وَلَوْ دَخَلَ رَجُلٌ بِإِذْنِهِ ، فَأَكَلَ الطَّعَامَ الْمَسْمُومَ بِغَيْرِ إذْنِهِ ، لَمْ يَضْمَنْهُ لِذَلِكَ .\rوَإِنْ خَلَطَهُ بِطَعَامِ رَجُلٍ ، أَوْ قَدَّمَ إلَيْهِ طَعَامًا مَسْمُومًا ، وَأَخْبَرَهُ بِسُمِّهِ فَأَكَلَهُ ، لَمْ يَضْمَنْهُ ؛ لِأَنَّهُ أَكَلَهُ عَالِمًا بِحَالِهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَدَّمَ إلَيْهِ سِكِّينًا ، فَوَجَأَ بِهَا نَفْسَهُ .\rوَإِنْ سَقَى إنْسَانًا سُمًّا ، أَوْ خَلَطَهُ بِطَعَامِهِ ، فَأَكَلَهُ وَلَمْ يَعْلَمْ بِهِ ، وَكَانَ مِمَّا لَا يَقْتُلُ مِثْلُهُ غَالِبًا ، فَهُوَ شِبْهُ عَمْدٍ .\rفَإِنْ اُخْتُلِفَ فِيهِ هَلْ يَقْتُلُ مِثْلُهُ غَالِبًا أَوْ لَا ؟ وَثَمَّ بَيِّنَةٌ تَشْهَدُ ، عُمِلَ بِهَا .\rوَإِنْ قَالَتْ الْبَيِّنَةُ : هُوَ يَقْتُلُ النِّضْوَ الضَّعِيفَ دُونَ الْقَوِيِّ .\rأَوْ غَيْرَ هَذَا ، عُمِلَ عَلَى حَسْبِ ذَلِكَ .\rوَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَ أَحَدِهِمَا بَيِّنَةٌ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ السَّاقِي ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ وُجُوبِ الْقِصَاصِ ، فَلَا يَثْبُتُ بِالشَّكِّ ، وَلِأَنَّهُ أَعْلَمُ بِصِفَةِ مَا سَقَى .\rوَإِنْ ثَبَتَ أَنَّهُ قَاتِلٌ ، فَقَالَ : لَمْ أَعْلَمُ أَنَّهُ قَاتِلٌ .\rفَفِيهِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا : عَلَيْهِ الْقَوَدُ ؛ لِأَنَّ السُّمَّ مِنْ جِنْسِ مَا يَقْتُلُ غَالِبًا ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ جَرَحَهُ ، وَقَالَ : لَمْ أَعْلَمْ أَنَّهُ يَمُوتُ مِنْهُ .\rوَالثَّانِي : لَا قَوَدَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ","part":18,"page":288},{"id":8788,"text":"يَجُوزُ أَنْ يَخْفَى عَلَيْهِ أَنَّهُ قَاتِلٌ .\rوَهَذِهِ شُبْهَةٌ يَسْقُطُ بِهَا الْقَوَدُ .","part":18,"page":289},{"id":8789,"text":"النَّوْعُ السَّادِسُ : أَنْ يَقْتُلَهُ بِسِحْرٍ يَقْتُلُ غَالِبًا ، فَيَلْزَمُهُ الْقَوَدُ ؛ لِأَنَّهُ قَتَلَهُ بِمَا يَقْتُلُ غَالِبًا ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَتَلَهُ بِسِكِّينِ .\rوَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يَقْتُلُ غَالِبًا ، أَوْ كَانَ مِمَّا يَقْتُلُ وَلَا يَقْتُلُ ، فَفِيهِ الدِّيَةُ دُونَ الْقِصَاصِ ؛ لِأَنَّهُ عَمْدُ الْخَطَإِ ، فَأَشْبَهَ ضَرْبَ الْعَصَا","part":18,"page":290},{"id":8790,"text":"النَّوْعُ السَّابِعُ : أَنْ يَتَسَبَّبَ إلَى قَتْلِهِ بِمَا يَقْتُلُ غَالِبًا ، وَذَلِكَ أَرْبَعَةُ أَضْرُبٍ : أَحَدُهَا ، أَنْ يُكْرِهَ رَجُلًا عَلَى قَتْلِ آخَرَ ، فَيَقْتُلَهُ ، فَيَجِبُ الْقِصَاصُ عَلَى الْمُكْرِهِ وَالْمُكْرَهِ جَمِيعًا ، وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَمُحَمَّدٌ : يَجِبُ الْقِصَاصُ عَلَى الْمُكْرِهِ دُونَ الْمُبَاشِرِ ؛ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : { عُفِيَ لِأُمَّتِي عَنْ الْخَطَإِ وَالنِّسْيَانِ وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ } .\rوَلِأَنَّ الْمُكْرَهَ آلَةٌ لِلْمُكْرِهِ ، بِدَلِيلِ وُجُوبِ الْقِصَاصِ عَلَى الْمُكْرِهِ ، وَنَقْلِ فِعْلِهِ إلَيْهِ ، فَلَمْ يَجِبْ عَلَى الْمُكْرَهِ ، كَمَا لَوْ رَمَى بِهِ عَلَيْهِ فَقَتَلَهُ .\rوَقَالَ زُفَرُ : يَجِبُ عَلَى الْمُبَاشِرِ دُونَ الْمُكْرِهِ ؛ لِأَنَّ الْمُبَاشَرَةَ تَقْطَعُ حُكْمَ السَّبَبِ ، كَالْحَافِرِ مَعَ الدَّافِعِ ، وَالْآمِرِ مَعَ الْقَاتِلِ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يَجِبُ عَلَى الْمُكْرِهِ ، وَفِي الْمُكْرَهِ قَوْلَانِ .\rوَقَالَ أَبُو يُوسُفَ : لَا يَجِبُ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا ؛ لِأَنَّ الْمُكْرَهَ لَمْ يُبَاشِرْ الْقَتْلَ ، فَهُوَ كَحَافِرِ الْبِئْرِ ، وَالْمُكْرَهَ مُلْجَأٌ ، فَأَشْبَهَ الْمَرْمِيَّ بِهِ عَلَى إنْسَانٍ .\rوَلَنَا ، عَلَى وُجُوبِهِ عَلَى الْمُكْرِهِ ، أَنَّهُ تَسَبَّبَ إلَى قَتْلِهِ بِمَا يُفْضِي إلَيْهِ غَالِبًا ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَلْسَعَهُ حَيَّةً ، أَوْ أَلْقَاهُ عَلَى أَسَدٍ فِي زُبْيَةٍ .\rوَلَنَا ، عَلَى وُجُوبِهِ عَلَى الْمُكْرَهِ ، أَنَّهُ قَتَلَهُ عَمْدًا ظُلْمًا لِاسْتِبْقَاءِ نَفْسِهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَتَلَهُ فِي الْمَخْمَصَةِ لِيَأْكُلَهُ .\rوَقَوْلُهُمْ : إنَّ الْمُكْرَهَ مُلْجَأٌ .\rغَيْرُ صَحِيحٍ ، فَإِنَّهُ مُتَمَكِّنٌ مِنْ الِامْتِنَاعِ ، وَلِذَلِكَ أَثِمَ بِقَتْلِهِ ، وَحَرُمَ عَلَيْهِ ، وَإِنَّمَا قَتَلَهُ عِنْد الْإِكْرَاهِ ظَنًّا مِنْهُ أَنَّ فِي قَتْلِهِ نَجَاةَ نَفْسِهِ ، وَخَلَاصَهُ مِنْ شَرِّ الْمُكْرِهِ ، فَأَشْبَهَ الْقَاتِلَ فِي الْمَخْمَصَةِ لِيَأْكُلَهُ .\rوَإِنْ صَارَ الْأَمْرُ إلَى الدِّيَةِ ، وَجَبَتْ عَلَيْهِمَا ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَمُحَمَّدٌ : لَا دِيَةَ","part":18,"page":291},{"id":8791,"text":"عَلَى الْمُكْرَهِ ؛ بِنَاءً مِنْهُمَا عَلَى أَنَّهُ آلَةٌ .\rوَقَدْ بَيَّنَّا فَسَادَهُ ، وَإِنَّمَا هُمَا شَرِيكَانِ ، يَجِبُ الْقِصَاصُ عَلَيْهِمَا جَمِيعًا ، فَوَجَبَتْ الدِّيَةُ عَلَيْهِمَا ، كَالشَّرِيكَيْنِ بِالْفِعْلِ ، وَكَمَا يَجِبُ الْجَزَاءُ عَلَى الدَّالِّ عَلَى الصَّيْدِ فِي الْإِحْرَامِ وَالْمُبَاشِرِ ، وَالرِّدْءِ وَالْمُبَاشِرِ فِي الْمُحَارَبَةِ .\rفَعَلَى هَذَا ، إنْ أَحَبَّ الْوَلِيُّ قَتْلَ أَحَدِهِمَا ، وَأَخْذَ نِصْفَ الدِّيَةِ مِنْ الْآخَرِ ، أَوْ الْعَفْوَ عَنْهُ ، فَلَهُ ذَلِكَ .","part":18,"page":292},{"id":8792,"text":"الضَّرْب الثَّانِي : إذَا شَهِدَ رَجُلَانِ عَلَى رَجُلٍ بِمَا يُوجِبُ قَتْلَهُ ، فَقُتِلَ بِشَهَادَتِهِمَا ، ثُمَّ رَجَعَا ، وَاعْتَرَفَا بِتَعَمُّدِ الْقَتْلِ ظُلْمًا ، وَكَذِبِهِمَا فِي شَهَادَتِهِمَا ، فَعَلَيْهِمَا الْقِصَاصُ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا قِصَاصَ عَلَيْهِمَا ؛ لِأَنَّهُ تَسَبُّبٌ غَيْرُ مُلْجِئٍ ، فَلَا يُوجِبُ الْقِصَاصَ ، كَحَفْرِ الْبِئْرِ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى الْقَاسِمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، أَنَّ رَجُلَيْنِ شَهِدَا عِنْدَ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ سَرَقَ ، فَقَطَعَهُ ، ثُمَّ رَجَعَا عَنْ شَهَادَتِهِمَا ، فَقَالَ عَلِيٌّ : لَوْ أَعْلَمُ أَنَّكُمَا تَعَمَّدْتُمَا ، لَقَطَعْت أَيْدِيَكُمَا .\rوَغَرَّمَهُمَا دِيَةَ يَدِهِ .\rوَلِأَنَّهُمَا تَوَصَّلَا إلَى قَتْلِهِ بِسَبَبٍ يَقْتُلُ غَالِبًا ، فَوَجَبَ عَلَيْهِمَا الْقِصَاصُ ، كَالْمُكْرِهِ .","part":18,"page":293},{"id":8793,"text":"الضَّرْبُ الثَّالِثُ ، الْحَاكِمُ إذَا حَكَمَ عَلَى رَجُلٍ بِالْقَتْلِ ، عَالِمًا بِذَلِكَ مُتَعَمِّدًا فَقَتَلَهُ ، وَاعْتَرَفَ بِذَلِكَ ، وَجَبَ الْقِصَاصُ ، وَالْكَلَامُ فِيهِ كَالْكَلَامِ فِي الشَّاهِدَيْنِ ، وَلَوْ أَنَّ الْوَلِيَّ الَّذِي بَاشَرَ قَتْلَهُ أَقَرَّ بِعِلْمِهِ بِكَذِبِ الشُّهُودِ ، وَتَعَمَّدَ قَتْلَهُ ، فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ .\rلَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا ، فَإِنْ أَقَرَّ الشَّاهِدَانِ وَالْحَاكِمُ وَالْوَلِيُّ جَمِيعًا بِذَلِكَ ، فَعَلَى الْوَلِيِّ الْقِصَاصُ ؛ لِأَنَّهُ بَاشَرَ الْقَتْلَ عَمْدًا وَعُدْوَانًا ، وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَجِبَ عَلَى غَيْرِهِ شَيْءٌ ؛ لِأَنَّهُمْ مُتَسَبِّبُونَ ، وَالْمُبَاشَرَةُ تُبْطِلُ حُكْمَ السَّبَبِ ، كَالدَّافِعِ مَعَ الْحَافِرِ .\rوَيُفَارِقُ هَذَا مَا إذَا لَمْ يُقِرَّ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ حُكْمُ مُبَاشَرَةِ الْقَتْلِ فِي حَقِّهِ ظُلْمًا ، فَكَانَ وُجُودُهُ كَعَدَمِهِ ، وَيَكُونُ الْقِصَاصُ عَلَى الشَّاهِدَيْنِ وَالْحَاكِمِ ؛ لِأَنَّ الْجَمِيعَ مُتَسَبِّبُونَ .\rوَإِنْ صَارَ الْأَمْرُ إلَى الدِّيَةِ ، فَهِيَ عَلَيْهِمْ أَثْلَاثًا .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يَتَعَلَّقَ الْحُكْمُ بِالْحَاكِمِ وَحْدَهُ ؛ لِأَنَّ تَسَبُّبَهُ أَخَصُّ مِنْ تَسَبُّبِهِمْ ؛ فَإِنَّ حُكْمَهُ وَاسِطَةٌ بَيْنَ شَهَادَتِهِمْ وَقَتْلِهِ ، فَأَشْبَهَ الْمُبَاشِرَ مَعَ الْمُتَسَبِّبِ .\rوَلَوْ كَانَ الْوَلِيُّ الْمُقِرُّ بِالتَّعَمُّدِ لَمْ يُبَاشِرْ الْقَتْلَ ، وَإِنَّمَا وَكَّلَ فِيهِ ، نَظَرْت فِي الْوَكِيلِ ؛ فَإِنْ أَقَرَّ بِالْعِلْمِ ، وَتَعَمَّدَ الْقَتْلَ ظُلْمًا ، فَهُوَ الْقَاتِلُ وَحْدَهُ ؛ لِأَنَّهُ مُبَاشِرٌ لِلْقَتْلِ عَمْدًا ظُلْمًا مِنْ غَيْرِ إكْرَاهٍ ، فَتَعَلَّقَ الْحُكْمُ بِهِ ، كَمَا لَوْ أَمَرَ بِالْقَتْلِ فِي غَيْرِ هَذِهِ الصُّورَةِ ، وَإِنْ لَمْ يَعْتَرِفْ بِذَلِكَ ، فَالْحُكْمُ مُتَعَلِّقٌ بِالْوَلِيِّ ، كَمَا لَوْ بَاشَرَهُ .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":18,"page":294},{"id":8794,"text":"( 6583 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( فَفِيهِ الْقَوَدُ إذَا اجْتَمَعَ عَلَيْهِ الْأَوْلِيَاءُ ، وَكَانَ الْمَقْتُولُ حُرًّا مُسْلِمًا ) أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الْقَوَدَ لَا يَجِبُ إلَّا بِالْعَمْدِ ، وَلَا نَعْلَمُ بَيْنهمْ فِي وُجُوبِهِ بِالْقَتْلِ الْعَمْدِ إذَا اجْتَمَعَتْ شُرُوطُهُ خِلَافًا ، وَقَدْ دَلَّتْ عَلَيْهِ الْآيَاتُ وَالْأَخْبَارُ بِعُمُومِهَا ، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ } .\rوَقَالَ تَعَالَى : { كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى } .\rوَقَالَ تَعَالَى : { وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ } .\rيُرِيدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ وُجُوبَ الْقِصَاصِ يَمْنَعُ مَنْ يُرِيدُ الْقَتْلَ مِنْهُ ، شَفَقَةً عَلَى نَفْسِهِ مِنْ الْقَتْلِ ، فَتَبْقَى الْحَيَاةُ فِي مَنْ أُرِيدَ قَتْلُهُ .\rوَقِيلَ : إنَّ الْقَاتِلَ تَنْعَقِدُ الْعَدَاوَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَبِيلَةِ الْمَقْتُولِ ، فَيُرِيدُ قَتْلَهُمْ خَوْفًا مِنْهُمْ .\rوَيُرِيدُونَ قَتْلَهُ وَقَتْلَ قَبِيلَتِهِ اسْتِيفَاءً ، فَفِي الِاقْتِصَاصِ مِنْهُ بِحُكْمِ الشَّرْعِ قَطْعٌ لِسَبَبِ الْهَلَاكِ بَيْنَ الْقَبِيلَتَيْنِ .\rوَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ } .\rالْآيَةَ .\rوَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ ، فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ ؛ إمَّا أَنْ يَقْتُلَ ، وَإِمَّا أَنْ يَفْدِيَ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَرَوَى أَبُو شُرَيْحٍ الْخُزَاعِيُّ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ { : مَنْ أُصِيبَ بِدَمٍ ، أَوْ خَبَلٍ ، فَهُوَ بِالْخِيَارِ بَيْنَ إحْدَى ثَلَاثٍ ؛ فَإِنْ أَرَادَ الرَّابِعَةَ فَخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ ؛ أَنْ يَقْتُلَ ، أَوْ يَعْفُوَ ، أَوْ يَأْخُذَ الدِّيَةَ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَفِي لَفْظٍ : { فَمَنْ قُتِلَ لَهُ بَعْدَ مَقَالَتِي قَتِيلٌ ، فَأَهْلُهُ بَيْنَ خِيرَتَيْنِ ؛ أَنْ يَأْخُذُوا الدِّيَةَ ، أَوْ يَقْتُلُوا } .\rوَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ { : الْعَمْدُ قَوَدٌ ، إلَّا أَنْ يَعْفُوَ وَلِيُّ الْمَقْتُولِ } .\rوَفِي لَفْظٍ : { مَنْ قَتَلَ عَامِدًا ، فَهُوَ قَوَدٌ } ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَفِي","part":18,"page":295},{"id":8795,"text":"لَفْظٍ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ : { مَنْ قَتَلَ عَامِدًا ، فَهُوَ قَوَدٌ ، وَمَنْ حَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ ، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ، لَا يُقْبَلُ مِنْهُ صَرْفٌ وَلَا عَدْلٌ } .\rوَقَوْلُ الْخِرَقِيِّ : إذَا اجْتَمَعَ عَلَيْهِ الْأَوْلِيَاءُ .\rيَعْنِي إذَا كَانَ لِلْمَقْتُولِ أَوْلِيَاءُ يَسْتَحِقُّونَ الْقِصَاصَ ، فَمِنْ شَرْطِ وُجُوبِهِ اجْتِمَاعُهُمْ عَلَى طَلَبِهِ ، وَلَوْ عَفَا وَاحِدٌ مِنْهُمْ ، سَقَطَ كُلُّهُ ، وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُمْ غَائِبًا ، أَوْ غَيْرَ مُكَلَّفٍ ، لَمْ يَكُنْ لِشُرَكَائِهِ الْقِصَاصُ حَتَّى يَقْدَمَ الْغَائِبُ ، وَيَخْتَارَ الْقِصَاصَ ، أَوْ يُوَكِّلَ ، وَيَبْلُغَ الصَّبِيُّ وَيُفِيقَ الْمَجْنُونُ وَيَخْتَارَاهُ .\rوَقَوْلُهُ : إذَا كَانَ الْمَقْتُولُ حُرًّا مُسْلِمًا .\rيَعْنِي مُكَافِئًا لِلْقَاتِلِ ، فَإِذَا كَانَ الْقَاتِلُ حُرًّا مُسْلِمًا .\rاُشْتُرِطَ كَوْنُ الْمَقْتُولِ حُرًّا مُسْلِمًا لِتَتَحَقَّقَ الْمُكَافَأَةُ بَيْنَهُمَا ، فَإِنَّ الْكَافِرَ لَا يُكَافِئُ الْمُسْلِمَ ، وَالْعَبْدَ لَا يُكَافِئُ الْحُرَّ .","part":18,"page":296},{"id":8796,"text":"فَصْلٌ : وَأَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ ، عَلَى أَنَّ الْحُرَّ الْمُسْلِمَ يُقَادُ بِهِ قَاتِلُهُ ، وَإِنْ كَانَ مُجَدَّعَ الْأَطْرَافِ ، مَعْدُومَ الْحَوَاسِّ ، وَالْقَاتِلُ صَحِيحٌ سَوِيُّ الْخَلْقِ ، أَوْ كَانَ بِالْعَكْسِ .\rوَكَذَلِكَ إنْ تَفَاوَتَا فِي الْعِلْمِ وَالشَّرَفِ ، وَالْغِنَى وَالْفَقْرِ ، وَالصِّحَّةِ وَالْمَرَضِ ، وَالْقُوَّةِ وَالضَّعْفِ ، وَالْكِبَرِ وَالصِّغَرِ ، وَالسُّلْطَانِ وَالسُّوقَةِ ، وَنَحْوِ هَذَا مِنْ الصِّفَاتِ ، لَمْ يَمْنَعْ الْقِصَاصَ ، بِالِاتِّفَاقِ ، وَقَدْ دَلَّتْ عَلَيْهِ الْعُمُومَاتُ الَّتِي تَلَوْنَاهَا ، وَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الْمُؤْمِنُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ } .\rوَلِأَنَّ اعْتِبَارَ التَّسَاوِي فِي الصِّفَات وَالْفَضَائِلِ ، يُفْضِي إلَى إسْقَاطِ الْقِصَاصِ بِالْكُلِّيَّةِ ، وَفَوَاتِ حِكْمَةِ الرَّدْعِ وَالزَّجْرِ ، فَوَجَبَ أَنْ يَسْقُطَ اعْتِبَارُهُ ، كَالطُّولِ وَالْقِصَرِ ، وَالسَّوَادِ وَالْبَيَاضِ .","part":18,"page":297},{"id":8797,"text":"فَصْلٌ : ( 6585 ) وَلَا يُشْتَرَطُ فِي وُجُوبِ الْقِصَاصِ كَوْنُ الْقَتْلِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ ، بَلْ مَتَى قَتَلَ فِي دَارِ الْحَرْبِ مُسْلِمًا عَامِدًا عَالِمًا بِإِسْلَامِهِ ، فَعَلَيْهِ الْقَوَدُ ، سَوَاءٌ كَانَ قَدْ هَاجَرَ أَوْ لَمْ يُهَاجِرْ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَجِبُ الْقِصَاصُ بِالْقَتْلِ فِي غَيْرِ دَارِ الْإِسْلَامِ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْمَقْتُولُ هَاجَرَ ، لَمْ يَضْمَنْهُ بِقِصَاصٍ وَلَا دِيَةٍ ، عَمْدًا قَتَلَهُ أَوْ خَطَأً ، وَإِنْ كَانَ قَدْ هَاجَرَ ، ثُمَّ عَادَ إلَى دَارِ الْحَرْبِ ، كَرَجُلَيْنِ مُسْلِمَيْنِ دَخَلَا دَارَ الْحَرْبِ بِأَمَانٍ ، فَقَتَلَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ ، ضَمِنَهُ بِالدِّيَةِ ، وَلَمْ يَجِبْ الْقَوَدُ .\rوَحُكِيَ عَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ كَقَوْلِهِ .\rوَلَوْ قَتَلَ رَجُلٌ أَسِيرًا مُسْلِمًا فِي دَارِ الْحَرْبِ ، لَمْ يَضْمَنْهُ إلَّا بِالدِّيَةِ ، عَمْدًا قَتَلَهُ أَوْ خَطَأً .\rوَلَنَا ، مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْآيَاتِ وَالْأَخْبَارِ ، وَلِأَنَّهُ قَتَلَ مِنْ يُكَافِئُهُ عَمْدًا ظُلْمًا ، فَوَجَبَ عَلَيْهِ الْقَوَدُ ، كَمَا لَوْ قَتَلَهُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ ؛ وَلِأَنَّ كُلَّ دَارٍ يَجِبُ فِيهَا الْقِصَاصُ إذَا كَانَ فِيهَا إمَامٌ ، يَجِبُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا إمَامٌ ، كَدَارِ الْإِسْلَامِ .","part":18,"page":298},{"id":8798,"text":"( 6586 ) فَصْلٌ : وَقَتْلُ الْغِيلَةِ وَغَيْرُهُ سَوَاءٌ فِي الْقِصَاصِ وَالْعَفْوِ ، وَذَلِكَ لِلْوَلِيِّ دُونَ السُّلْطَانِ .\rوَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ عِنْدَنَا أَنْ يُقْتَلَ بِهِ ، وَلَيْسَ لِوَلِيِّ الدَّمِ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُ ، وَذَلِكَ إلَى السُّلْطَانِ .\rوَالْغِيلَةُ عِنْدَهُ ، أَنْ يُخْدَعَ الْإِنْسَانُ ، فَيُدْخَلَ بَيْتًا أَوْ نَحْوَهُ ، فَيُقْتَلَ أَوْ يُؤْخَذَ مَالُهُ .\rوَلَعَلَّهُ يَحْتَجُّ بِقَوْلِ عُمَرَ ، فِي الَّذِي قُتِلَ غِيلَةً : لَوْ تَمَالَأَ عَلَيْهِ أَهْلُ صَنْعَاءَ لَأَقَدْتُهُمْ .\rبِهِ وَبِقِيَاسِهِ عَلَى الْمُحَارِبِ .\rوَلَنَا ، عُمُومُ قَوْله تَعَالَى : { فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا } .\rوَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { فَأَهْلُهُ بَيْنَ خِيرَتَيْنِ } .\rوَلِأَنَّهُ قَتِيلٌ فِي غَيْرِ الْمُحَارَبَةِ ، فَكَانَ أَمْرُهُ إلَى وَلِيِّهِ ، كَسَائِرِ الْقَتْلَى ، وَقَوْلُ عُمَرَ : لَأَقَدْتُهُمْ بِهِ .\rأَيْ أَمْكَنْت الْوَلِيَّ مِنْ اسْتِيفَاءِ الْقَوَدِ مِنْهُمْ .","part":18,"page":299},{"id":8799,"text":"( 6587 ) فَصْلٌ : وَإِذَا قَتَلَ رَجُلًا ، وَادَّعَى أَنَّهُ وَجَدَهُ مَعَ امْرَأَتِهِ ، أَوْ أَنَّهُ قَتَلَهُ دَفْعًا عَنْ نَفْسِهِ ، أَوْ أَنَّهُ دَخَلَ مَنْزِلَهُ يُكَابِرهُ عَلَى مَالِهِ ، فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى دَفْعِهِ إلَّا بِقَتْلِهِ ، لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ ، وَلَزِمَهُ الْقِصَاصُ .\rرُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ .\rوَلَا أَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا ، وَسَوَاءٌ وُجِدَ فِي دَارِ الْقَاتِلِ ، أَوْ فِي غَيْرِهَا ، أَوْ وُجِدَ مَعَهُ سِلَاحٌ ، أَوْ لَمْ يُوجَدْ ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ سُئِلَ عَمَّنْ وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا فَقَتَلَهُ ، فَقَالَ : إنْ لَمْ يَأْتِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ ، فَلْيُعْطَ بِرُمَّتِهِ .\rوَلِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ مَا يَدَّعِيه ، فَلَا يَثْبُتُ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى .\rوَإِنْ اعْتَرَفَ الْوَلِيُّ بِذَلِكَ ، فَلَا قِصَاصَ عَلَيْهِ وَلَا دِيَةَ ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَوْمًا يَتَغَدَّى ، إذْ جَاءَهُ رَجُلٌ يَعْدُو ، وَفِي يَدِهِ سَيْفٌ مُلَطَّخٌ بِالدَّمِ ، وَوَرَاءَهُ قَوْمٌ يَعْدُونَ خَلْفَهُ ، فَجَاءَ حَتَّى جَلَسَ مَعَ عُمَرَ ، فَجَاءَ الْآخَرُونَ ، فَقَالُوا : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، إنَّ هَذَا قَتَلَ صَاحِبَنَا .\rفَقَالَ لَهُ عُمَرُ : مَا يَقُولُونَ ؟ فَقَالَ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، إنِّي ضَرَبْت فَخِذِي امْرَأَتِي ، فَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا أَحَدٌ فَقَدْ قَتَلْتُهُ .\rفَقَالَ عُمَرُ : مَا يَقُولُ ؟ قَالُوا : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، إنَّهُ ضَرَبَ بِالسَّيْفِ ، فَوَقَعَ فِي وَسَطِ الرَّجُلِ وَفَخِذِي الْمَرْأَةِ .\rفَأَخَذَ عُمَرُ سَيْفَهُ فَهَزَّهُ ، ثُمَّ دَفَعَهُ إلَيْهِ ، وَقَالَ : إنَّ عَادُوا فَعُدْ .\rرَوَاهُ سَعِيدٌ فِي \" سُنَنِهِ \" ، وَرُوِيَ عَنْ الزُّبَيْرِ ، أَنَّهُ كَانَ يَوْمًا قَدْ تَخَلَّفَ عَنْ الْجَيْشِ ، وَمَعَهُ جَارِيَةٌ لَهُ ، فَأَتَاهُ رَجُلَانِ فَقَالَا : أَعْطِنَا شَيْئًا .\rفَأَلْقَى إلَيْهِمَا طَعَامًا كَانَ مَعَهُ ، فَقَالَا : خَلِّ عَنْ الْجَارِيَةِ .\rفَضَرَبَهُمَا بِسَيْفِهِ ، فَقَطَعَهُمَا بِضَرْبَةٍ","part":18,"page":300},{"id":8800,"text":"وَاحِدَةٍ .\rوَلِأَنَّ الْخَصْمَ اعْتَرَفَ بِمَا يُبِيحُ قَتْلَهُ ، فَسَقَطَ حَقُّهُ ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِقَتْلِهِ قِصَاصًا ، أَوْ فِي حَدٍّ يُوجِبُ قَتْلَهُ .\rوَإِنْ ثَبَتَ ذَلِكَ بِبَيِّنَةٍ ، فَكَذَلِكَ .","part":18,"page":301},{"id":8801,"text":"( 6588 ) فَصْلٌ قَالَ : ( وَشِبْهُ الْعَمْدِ مَا ضَرَبَهُ بِخَشَبَةٍ صَغِيرَةٍ ، أَوْ حَجَرٍ صَغِيرٍ ، أَوْ لَكَزَهُ ، أَوْ فَعَلَ بِهِ فِعْلًا ، الْأَغْلَبُ مِنْ ذَلِكَ الْفِعْلِ أَنَّهُ لَا يَقْتُلُ مِثْلُهُ ، فَلَا قَوَدَ فِي هَذَا ، وَالدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ ) شِبْهُ الْعَمْدِ أَحَدُ أَقْسَامِ الْقَتْلِ ، وَهُوَ أَنْ يَقْصِدَ ضَرْبَهُ بِمَا لَا يَقْتُلُ غَالِبًا ؛ إمَّا لِقَصْدِ الْعُدْوَانِ عَلَيْهِ ، أَوْ لِقَصْدِ التَّأْدِيبِ لَهُ ، فَيُسْرِفُ فِيهِ ، كَالضَّرْبِ بِالسَّوْطِ ، وَالْعَصَا ، وَالْحَجَرِ الصَّغِيرِ ، وَالْوَكْزِ وَالْيَدِ ، وَسَائِرِ مَا لَا يَقْتُلُ غَالِبًا إذَا قَتَلَ ، فَهُوَ شِبْهُ عَمْدٍ ؛ لِأَنَّهُ قَصَدَ الضَّرْبَ دُونَ الْقَتْلِ ، وَيُسَمَّى عَمْدَ الْخَطَإِ وَخَطَأَ الْعَمْدِ ؛ لِاجْتِمَاعِ الْعَمْدِ وَالْخَطَإِ فِيهِ ، فَإِنَّهُ عَمَدَ الْفِعْلَ ، وَأَخْطَأَ فِي الْقَتْلِ ، فَهَذَا لَا قَوَدَ فِيهِ .\rوَالدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rوَجَعَلَهُ مَالِكٌ عَمْدًا مُوجِبًا لِلْقِصَاصِ ؛ وَلِأَنَّهُ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ إلَّا الْعَمْدُ وَالْخَطَأُ ، فَمَنْ زَادَ قِسْمًا ثَالِثًا ، زَادَ عَلَى النَّصِّ ، وَلِأَنَّهُ قَتَلَهُ بِفِعْلٍ عَمَدَهُ ، فَكَانَ عَمْدًا ، كَمَا لَوْ غَرَزَهُ بِإِبْرَةِ فَقَتَلَهُ .\rوَقَالَ أَبُو بَكْرٍ مِنْ أَصْحَابِنَا : تَجِبُ الدِّيَةُ فِي مَالِ الْقَاتِلِ .\rوَهُوَ قَوْلُ ابْنِ شُبْرُمَةَ ؛ لِأَنَّهُ مُوجِبُ فِعْلِ عَمْدٍ ، فَكَانَ فِي مَالِ الْقَاتِلِ ، كَسَائِرِ الْجِنَايَاتِ .\rوَلَنَا .\rمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ، قَالَ : { اقْتَتَلَتْ امْرَأَتَانِ مِنْ هُذَيْلٍ ، فَرَمَتْ إحْدَاهُمَا الْأُخْرَى بِحَجَرٍ ، فَقَتَلَتْهَا وَمَا فِي بَطْنِهَا ، فَقَضَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ دِيَةَ جَنِينِهَا عَبْدٌ أَوْ وَلِيدَةٌ ، وَقَضَى بِدِيَةِ الْمَرْأَةِ عَلَى عَاقِلَتِهَا } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rفَأَوْجَبَ دِيَتَهَا عَلَى الْعَاقِلَةِ ، وَالْعَاقِلَةُ لَا تَحْمِلُ عَمْدًا ، وَأَيْضًا قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { أَلَا إنَّ فِي قَتِيلِ خَطَإِ الْعَمْدِ ، قَتِيلِ السَّوْطِ وَالْعَصَا وَالْحَجَرِ ، مِائَةً مِنْ الْإِبِلِ","part":18,"page":302},{"id":8802,"text":"} .\rوَفِي لَفْظٍ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قَالَ { : عَقْلُ شِبْهِ الْعَمْدِ مُغَلَّظٌ ، مِثْلُ عَقْلِ الْعَمْدِ ، وَلَا يُقْتَلُ صَاحِبُهُ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَهَذَا نَصٌّ ، وَقَوْلُهُ هَذَا قِسْمٌ ثَالِثٌ .\rقُلْنَا : نَعَمْ ، هَذَا ثَبَتَ بِالسُّنَّةِ ، وَالْقِسْمَانِ الْأَوَّلَانِ ثَبَتَا بِالْكِتَابِ ، وَلِأَنَّهُ قَتْلٌ لَا يُوجِبُ الْقَوَدَ ، فَكَانَتْ دِيَتُهُ عَلَى الْعَاقِلَةِ ، كَقَتْلِ الْخَطَإِ .","part":18,"page":303},{"id":8803,"text":"( 6589 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَالْخَطَأُ عَلَى ضَرْبَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنْ يَرْمِيَ الصَّيْدَ ، أَوْ يَفْعَلَ مَا يَجُوزُ لَهُ فِعْلُهُ ، فَيَئُولَ إلَى إتْلَافِ حُرٍّ ، مُسْلِمًا كَانَ أَوْ كَافِرًا ، فَتَكُونَ الدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَتِهِ ، وَعَلَيْهِ عِتْقُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْخَطَأَ أَنْ يَفْعَلَ فِعْلًا لَا يُرِيدُ بِهِ إصَابَةَ الْمَقْتُولِ ، فَيُصِيبَهُ وَيَقْتُلَهُ ، مِثْلَ أَنْ يَرْمِيَ صَيْدًا أَوْ هَدَفًا ، فَيُصِيبَ إنْسَانًا فَيَقْتُلَهُ .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرَ : أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ، أَنَّ الْقَتْلَ الْخَطَأَ ، أَنْ يَرْمِيَ الرَّامِي شَيْئًا ، فَيُصِيبَ غَيْرَهُ ، لَا أَعْلَمُهُمْ يَخْتَلِفُونَ فِيهِ .\rهَذَا قَوْلُ عُمَرَ بْن عَبْد الْعَزِيزِ ، وَقَتَادَةَ ، وَالنَّخَعِيِّ ، وَالزُّهْرِيِّ ، وَابْنِ شُبْرُمَةَ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَمَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ .\rفَهَذَا الضَّرْبُ مِنْ الْخَطَإِ تَجِبُ بِهِ الدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ وَالْكَفَّارَةُ فِي مَالِ الْقَاتِلِ ، بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ .\rوَالْأَصْلُ فِي وُجُوبِ الدِّيَةِ وَالْكَفَّارَةِ ، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلَى أَهْلِهِ إلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا } .\rوَسَوَاءٌ كَانَ الْمَقْتُولُ مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا لَهُ عَهْدٌ ؛ لِقَوْلِ اللَّه تَعَالَى : { وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ } .\rوَلَا قِصَاصَ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذَا ؛ لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى أَوْجَبَ بِهِ الدِّيَةَ ، وَلَمْ يَذْكُرْ قِصَاصًا ، وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ ، وَالنِّسْيَانُ ، وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ } .\rوَلِأَنَّهُ لَمْ يُوجِبُ الْقِصَاصَ فِي عَمْدِ الْخَطَأِ ، فَفِي الْخَطَأِ أَوْلَى .","part":18,"page":304},{"id":8804,"text":"( 6590 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَصَدَ فِعْلًا مُحَرَّمًا ، فَقَتَلَ آدَمِيًّا ، مِثْلَ أَنْ يَقْصِدَ قَتْلَ بَهِيمَةٍ ، أَوْ آدَمِيًّا مَعْصُومًا ، فَيُصِيبَ غَيْرَهُ ، فَيَقْتُلَهُ ، فَهُوَ خَطَأٌ أَيْضًا ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ قَتْلَهُ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rوَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ، عَلَى أَنَّ الْقَتْلَ الْخَطَأَ ، أَنْ يَرْمِيَ الرَّامِي شَيْئًا ، فَيُصِيبَ غَيْرَهُ .\rوَيَتَخَرَّجُ عَلَى قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ ، أَنَّ هَذَا عَمْدٌ ؛ لِقَوْلِهِ فِي مَنْ رَمَى نَصْرَانِيًّا ، فَلَمْ يَقَعْ بِهِ السَّهْمُ حَتَّى أَسْلَمَ ، أَنَّهُ عَمْدٌ يَجِبُ بِهِ الْقِصَاصُ ؛ لِكَوْنِهِ قَصَدَ فِعْلًا مُحَرَّمًا ، قَتَلَ بِهِ إنْسَانًا .","part":18,"page":305},{"id":8805,"text":"( 6591 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَالضَّرْبُ الثَّانِي : أَنْ يَقْتُلَ فِي بِلَادِ الرُّومِ مَنْ عِنْدَهُ أَنَّهُ كَافِرٌ ، وَيَكُونُ قَدْ أَسْلَمَ ، وَكَتَمَ إسْلَامَهُ ، إلَى أَنْ يَقْدِرَ عَلَى التَّخَلُّصِ إلَى أَرْضِ الْإِسْلَامِ ، فَيَكُونُ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ عِتْقُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ، بِلَا دِيَةٍ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ } ) هَذَا الضَّرْبُ الثَّانِي مِنْ الْخَطَإِ ، وَهُوَ أَنْ يَقْتُلَ فِي أَرْضِ الْحَرْبِ مَنْ يَظُنُّهُ كَافِرًا ، وَيَكُونُ مُسْلِمًا .\rوَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ هَذَا خَطَأٌ ، لَا يُوجِبُ قِصَاصًا ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ قَتْلَ مُسْلِمٍ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ ظَنَّهُ صَيْدًا فَبَانَ آدَمِيًّا وَإِلَّا أَنَّ هَذَا لَا تَجِبُ بِهِ دِيَةٌ أَيْضًا ، وَلَا يَجِبُ إلَّا الْكَفَّارَةُ .\rوَرُوِيَ هَذَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ .\rوَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَعِكْرِمَةُ ، وَقَتَادَةُ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ ، رِوَايَةٌ أُخْرَى ، تَجِبُ بِهِ الدِّيَةُ وَالْكَفَّارَةُ .\rوَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلَى أَهْلِهِ } .\rوَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { أَلَا إنَّ فِي قَتِيلِ خَطَإِ الْعَمْدِ ، قَتِيلِ السَّوْطِ وَالْعَصَا ، مِائَةً مِنْ الْإِبِلِ } .\rوَلِأَنَّهُ قَتَلَ مُسْلِمًا خَطَأً فَوَجَبَتْ دِيَتُهُ ، كَمَا لَوْ كَانَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ } .\rوَلَمْ يَذْكُرْ دِيَةً ، وَتَرْكُهُ ذِكْرَهَا فِي هَذَا الْقِسْمِ ، مَعَ ذِكْرِهَا فِي الَّذِي قَبْلَهُ وَبَعْدَهُ ، ظَاهِرٌ فِي أَنَّهَا غَيْرُ وَاجِبَةٍ ، وَذِكْرُهُ لِهَذَا قِسْمًا مُفْرَدًا ، يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ فِي عُمُومِ الْآيَةِ الَّتِي احْتَجُّوا بِهَا ، وَيُخَصُّ بِهَا عُمُومُ الْخَبَرِ الَّذِي رَوَوْهُ .","part":18,"page":306},{"id":8806,"text":"( 6592 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَلَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ ) أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ لَا يُوجِبُونَ عَلَى مُسْلِمٍ قِصَاصًا بِقَتْلِ كَافِرٍ ، أَيَّ كَافِرٍ كَانَ .\rرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ ، وَعُثْمَانَ ، وَعَلِيٍّ ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، وَمُعَاوِيَةَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، وَبِهِ قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَعَطَاءٌ ، وَالْحَسَنُ ، وَعِكْرِمَةُ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَابْنُ شُبْرُمَةَ ، وَمَالِكٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ ، وَقَالَ النَّخَعِيُّ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْي : يُقْتَلُ الْمُسْلِمُ بِالذِّمِّيِّ خَاصَّةً .\rقَالَ أَحْمَدُ : الشَّعْبِيُّ وَالنَّخَعِيُّ قَالَا : دِيَةُ الْمَجُوسِيِّ وَالْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ ، مِثْلُ دِيَةِ الْمُسْلِمِ ، وَإِنْ قَتَلَهُ يُقْتَلُ بِهِ .\rهَذَا عَجَبٌ ، يَصِيرُ الْمَجُوسِيُّ مِثْلَ الْمُسْلِمِ ، سُبْحَانَ اللَّهِ ، مَا هَذَا الْقَوْلُ ، وَاسْتَبْشَعَهُ .\rوَقَالَ : النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : { لَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ } .\rوَهُوَ يَقُولُ : يُقْتَلُ بِكَافِرٍ .\rفَأَيُّ شَيْءٍ أَشَدُّ مِنْ هَذَا ، وَاحْتَجُّوا بِالْعُمُومَاتِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا فِي أَوَّلِ الْبَابِ ، وَبِمَا رَوَى ابْن الْبَيْلَمَانِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَقَادَ مُسْلِمًا بِذِمِّيٍّ ، وَقَالَ : أَنَا أَحَقُّ مَنْ وَفَّى بِذِمَّتِهِ } .\rوَلِأَنَّهُ مَعْصُومٌ عِصْمَةً مُؤَبَّدَةً ، فَيُقْتَلُ بِهِ قَاتِلُهُ ، كَالْمُسْلِمِ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الْمُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ ، وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ ، وَلَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ } .\rرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد .\rوَفِي لَفْظٍ { : لَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ } .\rرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ، وَأَبُو دَاوُد .\rوَعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : مِنْ السُّنَّةِ أَنْ لَا يُقْتَلَ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ .\rرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ .\rوَلِأَنَّهُ مَنْقُوصٌ بِالْكُفْرِ ، فَلَا يُقْتَلُ بِهِ الْمُسْلِمُ ،","part":18,"page":307},{"id":8807,"text":"كَالْمُسْتَأْمَنِ ، وَالْعُمُومَاتُ مَخْصُوصَاتٌ بِحَدِيثِنَا ، وَحَدِيثُهُمْ لَيْسَ لَهُ إسْنَادٌ .\rقَالَهُ أَحْمَدُ .\rوَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ .\rيَرْوِيه ابْنُ الْبَيْلَمَانِيِّ ، وَهُوَ ضَعِيفٌ إذَا أَسْنَدَ ، فَكَيْفَ إذَا أَرْسَلَ ؟ وَالْمَعْنَى فِي الْمُسْلِمِ أَنَّهُ مُكَافِئٌ لِلْمُسْلِمِ ، بِخِلَافِ الذِّمِّيِّ ، فَأَمَّا الْمُسْتَأْمَنُ ، فَوَافَقَ أَبُو حَنِيفَةَ الْجَمَاعَةَ فِي أَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يُقَادُ بِهِ ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ أَبِي يُوسُفَ .\rوَعَنْهُ : يُقْتَلُ بِهِ ؛ لِمَا سَبَقَ فِي الذِّمِّيِّ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ لَيْسَ بِمَحْقُونِ الدَّمِ عَلَى التَّأْبِيدِ ، فَأَشْبَهَ الْحَرْبِيَّ ، مَعَ مَا ذَكَرْنَا مِنْ الدَّلِيلِ فِي الَّتِي قَبْلَهَا .","part":18,"page":308},{"id":8808,"text":"( 6593 ) فَصْلٌ فَإِنْ قَتَلَ كَافِرٌ كَافِرًا ثُمَّ أَسْلَمَ الْقَاتِلُ ، أَوْ جَرَحَهُ ثُمَّ أَسْلَمَ الْجَارِحُ ، وَمَاتَ الْمَجْرُوحُ .\rفَقَالَ أَصْحَابُنَا : يُقْتَصُّ مِنْهُ .\rوَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ الْقِصَاصَ عُقُوبَةٌ ، فَكَانَ الِاعْتِبَارُ فِيهَا بِحَالِ وُجُوبِهَا دُونَ حَالِ اسْتِيفَائِهَا ، كَالْحُدُودِ ، وَلِأَنَّهُ حَقٌّ وَجَبَ عَلَيْهِ قَبْلَ إسْلَامِهِ ، فَلَمْ يَسْقُطْ بِإِسْلَامِهِ ، كَالدَّيْنِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يُقْتَلَ بِهِ .\rوَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ } .\rوَلِأَنَّهُ مُؤْمِنٌ ، فَلَا يُقْتَلُ بِكَافِرٍ ، كَمَا لَوْ كَانَ مُؤْمِنًا حَالَ قَتْلِهِ ، وَلِأَنَّ إسْلَامَهُ لَوْ قَارَنَ السَّبَبَ ، مَنَعَ عَمَلَهُ ، فَإِذَا طَرَأَ أَسْقَطَ حُكْمَهُ .","part":18,"page":309},{"id":8809,"text":"( 6594 ) فَصْلٌ وَإِنْ جَرَحَ مُسْلِمٌ كَافِرًا ، فَأَسْلَمَ الْمَجْرُوحُ ، ثُمَّ مَاتَ مُسْلِمًا بِسِرَايَةِ الْجُرْحِ ، لَمْ يُقْتَلْ بِهِ قَاتِلُهُ ؛ لِأَنَّ التَّكَافُؤَ مَعْدُومٌ حَالَ الْجِنَايَةِ ، وَعَلَيْهِ دِيَةُ مُسْلِمٍ ؛ لِأَنَّ اعْتِبَارَ الْأَرْشِ بِحَالَةِ اسْتِقْرَارِ الْجِنَايَةِ ، بِدَلِيلِ مَا لَوْ قَطَعَ يَدَيْ رَجُلٍ وَرِجْلَيْهِ ، فَسَرَى إلَى نَفْسِهِ ، دِيَةٌ وَاحِدَةٌ وَلَوْ اُعْتُبِرَ حَالَ الْجُرْحِ ، وَجَبَ دِيَتَانِ ، وَلَوْ قَطَعَ حُرٌّ يَدَ عَبْدٍ ، ثُمَّ عَتَقَ وَمَاتَ ، لَمْ يَجِبْ قِصَاصٌ ؛ لِعَدَمِ التَّكَافُؤِ حَالَ الْجِنَايَةِ ، وَعَلَى الْجَانِي دِيَةُ حُرٍّ اعْتِبَارًا بِحَالِ الِاسْتِقْرَارِ .\rوَهَذَا قَوْلُ ابْنِ حَامِدٍ ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rوَلِلسَّيِّدِ أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ ، مِنْ نِصْفِ قِيمَتِهِ ، أَوْ نِصْفِ دِيَةِ حُرٍّ ، وَالْبَاقِي لِوَرَثَتِهِ ؛ لِأَنَّ نِصْفَ قِيمَتِهِ إنْ كَانَتْ أَقَلَّ ، فَهِيَ الَّتِي وُجِدَتْ فِي مِلْكِهِ ، فَلَا يَكُونُ لَهُ أَكْثَرُ مِنْهَا ؛ لِأَنَّ الزَّائِدَ حَصَلَ بَحْرِيَّته ، وَلَا حَقَّ لَهُ فِيمَا حَصَلَ بِهَا ، وَإِنْ كَانَ الْأَقَلُّ الدِّيَةَ ، لَمْ يَسْتَحِقّ أَكْثَرِ مِنْهَا ؛ لِأَنَّ نَقْصَ الْقِيمَةِ حَصَلَ بِسَبَبٍ مِنْ جِهَةِ السَّيِّدِ ، وَإِعْتَاقُهُ .\rوَذَكَرَ الْقَاضِي ، أَنَّ أَحْمَدَ نَصَّ ، فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ ، فِي مَنْ فَقَأَ عَيْنَيْ عَبْدٍ ، ثُمَّ أُعْتِقَ وَمَاتَ ، أَنَّ عَلَى الْجَانِي قِيمَتَهُ لِلسَّيِّدِ .\rوَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الِاعْتِبَارَ بِحَالِ الْجِنَايَةِ .\rوَهَذَا اخْتِيَارُ .\rأَبِي بَكْرٍ ، وَالْقَاضِي وَأَبِي الْخَطَّابِ .\rقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : مَنْ قَطَعَ يَدَ ذِمِّيٍّ ، ثُمَّ أَسْلَمَ وَمَاتَ ، ضَمِنَهُ بِدِيَةِ ذِمِّيٍّ ، وَلَوْ قَطَعَ يَدَ عَبْدٍ ، فَأَعْتَقَهُ سَيِّدُهُ وَمَاتَ ، فَعَلَى الْجَانِي قِيمَتُهُ لِلسَّيِّدِ ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْقِصَاصِ مُعْتَبَرٌ بِحَالِ الْجِنَايَةِ ، دُونَ حَالِ السِّرَايَةِ ، فَكَذَلِكَ الدِّيَةُ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ ؛ لِأَنَّ سِرَايَةَ الْجُرْحِ مَضْمُونَةٌ ، فَإِذَا أَتْلَفَتْ حُرًّا مُسْلِمًا ، وَجَبَ ضَمَانُهُ بِدِيَةٍ كَامِلَةٍ ، كَمَا لَوْ قَتَلَهُ بِجُرْحٍ","part":18,"page":310},{"id":8810,"text":"ثَانٍ .\rوَقَوْلُ أَحْمَدَ ، فِي مَنْ فَقَأَ عَيْنَيْ عَبْدٍ : عَلَيْهِ قِيمَتُهُ لِلسَّيِّدِ .\rلَا خِلَافَ فِيهِ ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي وُجُوبِ الزَّائِدِ عَلَى الْقِيمَةِ مِنْ دِيَةِ الْحُرِّ لِلْوَرَثَةِ ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ أَحْمَدُ .\rوَلِأَنَّ الْوَاجِبَ مُقَدَّرٌ بِمَا تُفْضِي إلَيْهِ السِّرَايَةُ دُونَ مَا تُتْلِفُهُ الْجِنَايَةُ بِدَلِيلِ أَنَّ مِنْ قُطِعَتْ يَدَاهُ وَرِجْلَاهُ ، فَسَرَى الْقَطْعُ إلَى نَفْسِهِ ، لَمْ يَلْزَمْ الْجَانِيَ أَكْثَرُ مِنْ دِيَةٍ ، وَلَوْ قَطَعَ إصْبَعًا ، فَسَرَى إلَى نَفْسِهِ ، لَوَجَبَتْ الدِّيَةُ كَامِلَةٌ ، فَكَذَلِكَ إذَا سَرَتْ إلَى نَفْسِ حُرٍّ مُسْلِمٍ ، تَجِبُ دِيَتُهُ كَامِلَةً .\rفَأَمَّا إنْ جَرَحَ مُرْتَدًّا ، أَوْ حَرْبِيًّا فَسَرَى الْجُرْحُ إلَى نَفْسِهِ ، فَلَا قِصَاصَ فِيهِ وَلَا دِيَةَ ، سَوَاءٌ أَسْلَمَ قَبْلَ السِّرَايَةِ أَوْ لَمْ يُسْلِمْ ؛ لِأَنَّ الْجُرْحَ غَيْرُ مَضْمُونٍ ، فَلَمْ يَضْمَنْ سِرَايَتَهُ ، بِخِلَافِ الَّتِي قَبْلَهَا .","part":18,"page":311},{"id":8811,"text":"( 6595 ) فَصْلٌ : وَلَوْ قَطَعَ يَدَ مُسْلِمٍ فَارْتَدَّ ، ثُمَّ مَاتَ بِسِرَايَةِ الْجُرْحِ ، لَمْ يَجِبْ فِي النَّفْسِ قِصَاصٌ وَلَا دِيَةٌ وَلَا كَفَّارَةٌ ؛ لِأَنَّهَا نَفْسُ مُرْتَدٍّ غَيْرِ مَعْصُومٍ وَلَا مَضْمُونٍ ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَطَعَ يَدَ ذِمِّيٍّ فَصَارَ حَرْبِيًّا ، ثُمَّ مَاتَ مِنْ جِرَاحِهِ .\rوَأَمَّا الْيَدُ ، فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا قِصَاصَ فِيهَا .\rوَذَكَرِ الْقَاضِي وَجْهًا فِي وُجُوبِ الْقِصَاصِ فِيهَا ؛ لِأَنَّ الْقَطْعَ اسْتَقَرَّ حُكْمُهُ بِانْقِطَاعِ حُكْمِ سِرَايَتِهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَطَعَ طَرَفَهُ ثُمَّ قَتَلَهُ ، أَوْ جَاءَ آخَرُ فَقَتَلَهُ ، وَلِلشَّافِعِي فِي وُجُوبِ الْقِصَاصِ قَوْلَانِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ قَطْعٌ هُوَ قَتْلٌ لَمْ يَجِبْ بِهِ الْقَتْلُ ، فَلَمْ يَجِبْ الْقَطْعُ ، كَمَا لَوْ قَطَعَ مِنْ غَيْرِ مَفْصِلٍ ، وَفَارَقَ مَا قَاسُوا عَلَيْهِ ، فَإِنَّ الْقَطْعَ لَمْ يَصِرْ قَتْلًا .\rوَهَلْ تَجِبُ دِيَةُ الطَّرَفِ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا : لَا ضَمَانَ فِيهِ ؛ لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّهُ قَتْلٌ لِغَيْرِ مَعْصُومٍ .\rوَالثَّانِي : تَجِبُ ؛ لِأَنَّ سُقُوطَ حُكْمِ سِرَايَةِ الْجُرْحِ لَا يُسْقِطَ ضَمَانَهُ ، كَمَا لَوْ قَطَعَ طَرَفَ رَجُلٍ ، ثُمَّ قَتَلَهُ آخَرُ .\rفَعَلَى هَذَا ، هَلْ يَجِبُ ضَمَانُهُ بِدِيَةِ الْمَقْطُوعِ ، أَوْ بِأَقَلِّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ دِيَتِهِ أَوْ دِيَةِ النَّفْسِ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا : تَجِبُ دِيَةُ الْمَقْطُوعِ ، فَلَوْ قَطَعَ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ ، ثُمَّ ارْتَدَّ وَمَاتَ ، فَفِيهِ دِيَتَانِ ؛ لِأَنَّ الرِّدَّةَ قَطَعَتْ حُكْمَ السِّرَايَةِ ، فَأَشْبَهَ انْقِطَاعَ حُكْمِهَا بِانْدِمَالِهَا ، أَوْ بِقَتْلِ آخَرَ لَهُ .\rوَالثَّانِي : يَجِبُ أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَرْتَدَّ لَمْ يَجِبْ أَكْثَرُ مِنْ دِيَةِ النَّفْسِ ، فَمَعَ الرِّدَّةِ أَوْلَى ؛ وَلِأَنَّهُ قَطْعٌ صَارَ قَتْلًا ، فَلَمْ يَجِبْ أَكْثَرُ مِنْ دِيَةٍ ، كَمَا لَوْ لَمْ يَرْتَدَّ ، وَفَارَقَ أَصْلَ الْوَجْهِ الْأَوَّلِ ، فَإِنَّهُ لَمْ يَصِرْ قَتْلًا ؛ وَلِأَنَّ الِانْدِمَالَ وَالْقَتْلَ مَنَعَ وُجُودَ السِّرَايَةِ ، وَالرِّدَّةَ مَنَعَتْ ضَمَانَهَا ، وَلَمْ تَمْنَعْ جَعَلَهَا قَتْلًا .","part":18,"page":312},{"id":8812,"text":"وَلِلشَّافِعِي مِنْ التَّفْصِيلِ نَحْوٌ مِمَّا قُلْنَا .","part":18,"page":313},{"id":8813,"text":"فَصْلٌ : وَإِنْ قَطَعَ مُسْلِمٌ يَدَ نَصْرَانِيٍّ فَتَمَجَّسَ ، وَقُلْنَا : لَا يُقَرُّ .\rفَهُوَ كَمَا لَوْ جَنَى عَلَى مُسْلِمٍ فَارْتَدَّ .\rوَإِنْ قُلْنَا : يُقَرُّ عَلَيْهِ .\rوَجَبَتْ دِيَةُ مَجُوسِيٍّ .\rوَإِنْ قَطَعَ يَدَ مَجُوسِيٍّ ، فَتَنَصَّرَ ، ثُمَّ مَاتَ ، وَقُلْنَا : يُقَرُّ .\rوَجَبَتْ دِيَةُ نَصْرَانِيٍّ .\rوَيَجِيءُ عَلَى قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ وَالْقَاضِي ، أَنْ تَجِبَ دِيَةُ نَصْرَانِيٍّ فِي الْأُولَى ، وَدِيَةُ مَجُوسِيٍّ فِي الثَّانِيَةِ ، كَقَوْلِهِمْ فِي مَنْ جَنَى عَلَى عَبْدٍ ذِمِّيٍّ فَأَسْلَمَ وَعَتَقَ ، ثُمَّ مَاتَ مِنْ الْجِنَايَةِ ضَمِنَهُ بِقِيمَةِ عَبْدٍ ذِمِّيٍّ ، اعْتِبَارًا بِحَالِ الْجِنَايَةِ .","part":18,"page":314},{"id":8814,"text":"( 6597 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَطَعَ يَدَ مُسْلِمٍ فَارْتَدَّ ، ثُمَّ أَسْلَمَ وَمَاتَ ، وَجَبَ الْقِصَاصُ عَلَى قَاتِلِهِ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَكَمِ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : يَتَوَجَّهُ عِنْدِي أَنَّهُ إنْ كَانَ زَمَنُ الرِّدَّةِ تَسْرِي فِي مِثْلِهِ الْجِنَايَةُ ، لَمْ يَجِبْ الْقِصَاصُ فِي النَّفْسِ .\rوَهَلْ يَجِبُ فِي الطَّرَفِ الَّذِي قُطِعَ فِي إسْلَامِهِ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ الْقِصَاصَ يَجِبُ بِالْجِنَايَةِ وَالسِّرَايَةِ كُلِّهَا ، فَإِذَا لَمْ يُوجَدْ جَمِيعُهَا فِي الْإِسْلَامِ ، لَمْ يَجِبْ الْقِصَاصُ ، كَمَا لَوْ جَرَحَهُ جُرْحَيْنِ ، أَحَدُهُمَا : فِي الْإِسْلَامِ ، وَالْآخَرُ : فِي الرِّدَّةِ ، فَمَاتَ مِنْهُمَا .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ مُسْلِمٌ حَالَ الْجِنَايَةِ وَالْمَوْتِ ، فَوَجَبَ الْقِصَاصُ بِقَتْلِهِ ، كَمَا لَوْ لَمْ يَرْتَدَّ ، وَاحْتِمَالُ السِّرَايَةِ حَالَ الرِّدَّةِ لَا يَمْنَعُ ؛ لِأَنَّهَا غَيْرُ مَعْلُومَةٍ ، فَلَا يَجُوزُ تَرْكُ السَّبَبِ الْمَعْلُومِ بِاحْتِمَالِ الْمَانِعِ ، كَمَا لَوْ لَمْ يَرْتَدَّ ، فَإِنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَمُوتَ بِمَرَضٍ أَوْ بِسَبَبٍ آخَرَ ، أَوْ بِالْجُرْحِ مَعَ شَيْءٍ آخَرَ يُؤَثِّرُ فِي الْمَوْتِ ، فَأَمَّا الدِّيَةُ ، فَتَجِبُ كَامِلَةً ، وَيُحْتَمَلُ وُجُوبُ نِصْفِهَا ؛ لِأَنَّهُ مَاتَ مِنْ جُرْحٍ مَضْمُونٍ وَسِرَايَةٍ غَيْرِ مَضْمُونَةٍ ، فَوَجَبَ نِصْفُ الدِّيَةِ ، كَمَا لَوْ جَرَحَهُ إنْسَانٌ وَجَرَحَ نَفْسَهُ ، فَمَاتَ مِنْهُمَا .\rفَأَمَّا إنْ كَانَ زَمَنُ الرِّدَّةِ لَا تَسْرِي فِي مِثْلِهِ الْجِنَايَةُ ، فَفِيهِ الدِّيَةُ أَوْ الْقِصَاصُ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ : لَا قِصَاصَ فِيهِ ؛ لِأَنَّهُ انْتَهَى إلَى حَالٍ لَوْ مَاتَ لَمْ يَجِبْ الْقِصَاصُ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُمَا مُتَكَافِئَانِ حَالَ الْجِنَايَةِ وَالسِّرَايَةِ وَالْمَوْتِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ يَرْتَدَّ .\rوَإِنْ كَانَ الْجُرْحُ خَطَأً وَجَبْت الْكَفَّارَةُ بِكُلِّ حَالٍ ؛ لِأَنَّهُ فَوَّتَ نَفْسًا مَعْصُومَةً .","part":18,"page":315},{"id":8815,"text":"( 6598 ) فَصْلٌ : وَإِنْ جَرَحَهُ وَهُوَ مُسْلِمٌ فَارْتَدَّ ، ثُمَّ جَرَحَهُ جُرْحًا آخَرَ ، ثُمَّ أَسْلَمَ وَمَاتَ مِنْهُمَا ، فَلَا قِصَاصَ فِيهِ ؛ لِأَنَّهُ مَاتَ مِنْ جُرْحَيْنِ مَضْمُونٍ وَغَيْرِ مَضْمُونٍ ، وَيَجِبُ فِيهِ نِصْفُ الدِّيَةِ لِذَلِكَ .\rوَسَوَاءٌ تَسَاوَى الْجُرْحَانِ ، أَوْ زَادَ أَحَدُهُمَا ، مِثْلَ إنْ قَطَعَ يَدَيْهِ ، وَهُوَ مُسْلِمٌ فَارْتَدَّ ، فَقَطَعَ رِجْلَهُ ، أَوْ كَانَ بِالْعَكْسِ ؛ لِأَنَّ الْجُرْحَ فِي الْحَالَيْنِ كَجُرْحِ رَجُلَيْنِ .\rوَهَلْ يَجِبُ الْقِصَاصُ فِي الطَّرَفِ الَّذِي قَطَعَهُ فِي حَالِ إسْلَامِهِ ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ ، بِنَاءً عَلَى مَنْ قَطَعَ طَرَفَهُ وَهُوَ مُسْلِمٌ ، فَارْتَدَّ ، وَمَاتَ فِي رِدَّتِهِ .\rوَلَوْ قَطَعَ طَرَفَهُ فِي رِدَّتِهِ أَوَّلًا ، فَأَسْلَمَ ، ثُمَّ قَطَعَ طَرَفَهُ الْآخَرَ ، وَمَاتَ مِنْهُمَا ، فَالْحُكْمُ فِيهِ كَاَلَّتِي قَبْلَهَا .","part":18,"page":316},{"id":8816,"text":"( 6599 ) فَصْلٌ : وَيُقْتَلُ الذِّمِّيُّ بِالْمُسْلِمِ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { قَتَلَ الْيَهُودِيَّ الَّذِي رَضَّ رَأْسَ جَارِيَةٍ مِنْ الْأَنْصَارِ عَلَى أَوْضَاحٍ لَهَا ، } وَلِأَنَّهُ إذَا قُتِلَ بِمِثْلِهِ فَبِمَنْ فَوْقَهُ أَوْلَى .\rوَيُقْتَلُ الذِّمِّيُّ بِالذِّمِّيِّ سَوَاءٌ اتَّفَقَتْ أَدْيَانُهُمْ أَوْ اخْتَلَفَتْ .\rفَلَوْ قَتَلَ النَّصْرَانِيُّ مَجُوسِيًّا أَوْ يَهُودِيًّا ، قُتِلَ بِهِ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي النَّصْرَانِيِّ يُقْتَلُ بِالْمَجُوسِيِّ إذَا قَتَلَهُ ، قِيلَ : فَكَيْفَ يُقْتَلُ بِهِ ، وَدِيَتُهُمَا مُخْتَلِفَةٌ ؟ فَقَالَ : أَذْهَبُ إلَى أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَتَلَ رَجُلًا بِامْرَأَةٍ .\rيَعْنِي أَنَّهُ قَتَلَهُ بِهَا مَعَ اخْتِلَافِ دِيَتِهِمَا ، وَلِأَنَّهُمَا تَكَافَآ فِي الْعِصْمَةِ بِالذِّمَّةِ وَنَقِيصَةِ الْكُفْرِ ، فَجَرَى الْقِصَاصُ بَيْنَهُمَا ، كَمَا لَوْ تَسَاوَى دِينُهُمَا .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .","part":18,"page":317},{"id":8817,"text":"( 6600 ) فَصْلٌ : وَلَا يُقْتَلُ ذِمِّيٌّ بِحَرْبِيٍّ .\rلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا ؛ لِأَنَّهُ مُبَاحُ الدَّمِ عَلَى الْإِطْلَاقِ ، أَشْبَهَ الْخِنْزِيرَ ، وَلَا دِيَةَ فِيهِ لِذَلِكَ وَلَا كَفَّارَةَ ، وَلَا يَجِبُ بِقَتْلِ الْمُرْتَدِّ قِصَاصٌ وَلَا دِيَةٌ وَلَا كَفَّارَةٌ لِذَلِكَ ، سَوَاءٌ قَتَلَهُ مُسْلِمٌ أَوْ ذِمِّيٌّ .\rوَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ : يَجِبُ الْقِصَاصُ عَلَى الذِّمِّيُّ بِقَتْلِهِ ، وَالِدَيْهِ إذَا عَفَا عَنْهُ ؛ لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ فِي قَتْلِهِ .\rوَقَالَ بَعْضُهُمْ : يَجِبُ الْقِصَاصُ دُونِ الدِّيَةِ ؛ لِأَنَّهُ لَا قِيمَةَ لَهُ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ مُبَاحُ الدَّمِ أَشْبَهَ الْحَرْبِيَّ ، وَلِأَنَّ مَنْ لَا يَضْمَنُهُ الْمُسْلِمُ لَا يَضْمَنُهُ الذِّمِّيُّ ، كَالْحَرْبِيِّ .","part":18,"page":318},{"id":8818,"text":"( 6601 ) فَصْلٌ : وَلَيْسَ عَلَى قَاتِلِ الزَّانِي الْمُحْصَنِ قِصَاصٌ وَلَا دِيَةٌ وَلَا كَفَّارَةٌ .\rوَهَذَا ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ .\rوَحَكَى بَعْضُهُمْ وَجْهًا ، أَنَّ عَلَى قَاتِلِهِ الْقَوَدَ ؛ لِأَنَّ قَتْلَهُ إلَى الْإِمَامِ ، فَيَجِبُ الْقَوَدُ عَلَى مَنْ قَتَلَهُ سِوَاهُ ، كَمَنْ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ إذَا قَتَلَهُ غَيْرُ مُسْتَحِقِّهِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ مُبَاحُ الدَّمِ ، وَقَتْلُهُ مُتَحَتِّمٌ ، فَلَمْ يَضْمَنْ كَالْحَرْبِيِّ ، وَيَبْطُلُ مَا قَالَهُ بِالْمُرْتَدِّ ، وَفَارَقَ الْقَاتِلَ ، فَإِنَّ قَتْلَهُ غَيْرُ مُتَحَتِّمٍ .\rوَهُوَ مُسْتَحَقٌّ عَلَى طَرِيقِ الْمُعَاوَضَةِ ، فَاخْتَصَّ بِمُسْتَحِقِّهِ ، وَهَا هُنَا يَجِبُ قَتْلُهُ لِلَّهِ تَعَالَى ، فَأَشْبَهَ الْمُرْتَدَّ ، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي الْمُحَارِبِ الَّذِي تَحَتَّمَ قَتْلُهُ .","part":18,"page":319},{"id":8819,"text":"( 6602 ) فَصْلٌ : وَيُقْتَلُ الْمُرْتَدُّ بِالْمُسْلِمِ وَالذِّمِّيِّ ، وَيُقَدَّمُ الْقِصَاصُ عَلَى الْقَتْلِ بِالرِّدَّةِ ؛ لِأَنَّهُ حَقُّ آدَمِيٍّ .\rوَإِنْ عَفَا عَنْهُ وَلِيُّ الْقِصَاصِ ، فَلَهُ دِيَةُ الْمَقْتُولِ ، فَإِنْ أَسْلَمَ الْمُرْتَدُّ فَهِيَ فِي ذِمَّتِهِ ، وَإِنْ قُتِلَ بِالرِّدَّةِ أَوْ مَاتَ ، تَعَلَّقَتْ بِمَالِهِ .\rوَإِنْ قَطَعَ طَرَفًا مِنْ أَحَدِهِمَا ، فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ فِيهِ أَيْضًا .\rوَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ : لَا يُقْتَلُ الْمُرْتَدُّ بِالذِّمِّيِّ ، وَلَا يُقْطَعُ طَرَفُهُ بِطَرَفِهِ ؛ لِأَنَّ أَحْكَامَ الْإِسْلَامِ فِي حَقِّهِ بَاقِيَةٌ ؛ بِدَلِيلِ وُجُوبِ الْعِبَادَاتِ عَلَيْهِ ، وَمُطَالَبَتِهِ بِالْإِسْلَامِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ كَافِرٌ ، فَيُقْتَلُ بِالذِّمِّيِّ ، كَالْأَصْلِيِّ .\rوَقَوْلُهُمْ : إنَّ أَحْكَامَ الْإِسْلَامِ بَاقِيَةٌ .\rغَيْرُ صَحِيحٍ ، فَإِنَّهُ قَدْ زَالَتْ عِصْمَتُهُ وَحُرْمَتُهُ ، وَحِلُّ نِكَاحِ الْمُسْلِمَاتِ ، وَشِرَاءُ الْعَبِيدِ الْمُسْلِمِينَ ، وَصِحَّةُ الْعِبَادَاتِ وَغَيْرِهَا ، وَأَمَّا مُطَالَبَتُهُ بِالْإِسْلَامِ ، فَهُوَ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ ، فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى تَغْلِيظِ كُفْرِهِ ، وَأَنَّهُ لَا يُقَرُّ عَلَى رِدَّتِهِ ؛ لِسُوءِ حَالِهِ ، فَإِذَا قُتِلَ بِالذِّمِّيِّ مِثْلُهُ فَمِنْ هُوَ دُونَهُ أَوْلَى .","part":18,"page":320},{"id":8820,"text":"( 6603 ) فَصْلٌ : وَإِنْ جَرَحَ مُسْلِمٌ ذِمِّيًّا ، ثُمَّ ارْتَدَّ وَمَاتَ الْمَجْرُوحُ ، لَمْ يُقْتَلْ بِهِ ؛ لِأَنَّ التَّكَافُؤَ مُشْتَرَطٌ حَالَ وُجُودِ الْجِنَايَةِ ، وَلَمْ يُوجَدْ .\rوَإِنْ قَتَلَ مَنْ يَعْرِفُهُ ذِمِّيًّا أَوْ عَبْدًا ، وَكَانَ قَدْ أَسْلَمَ وَعَتَقَ ، وَجَبَ الْقِصَاصُ ؛ لِأَنَّهُ قَتَلَ مَنْ يُكَافِئُهُ عَمْدًا عُدْوَانًا ، فَلَزِمَهُ الْقِصَاصُ ، كَمَا لَوْ عَلِمَ ، وَفَارَقَ مِنْ عَلِمَهُ حَرْبِيًّا ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَعْمِدْ إلَى قَتْلِ مَعْصُومٍ .","part":18,"page":321},{"id":8821,"text":"( 6604 ) فَصْلٌ : ( وَلَا حُرٌّ بِعَبْدٍ ) وَرُوِيَ هَذَا عَنْ أَبِي بَكْرٍ ، وَعُمَرَ ، وَعَلِيٍّ ، وَزَيْدٍ ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ .\rوَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ ، وَعَطَاءٌ ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَعِكْرِمَةُ ، وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ .\rوَيُرْوَى عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، وَالنَّخَعِيِّ ، وَقَتَادَةَ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ ، أَنَّهُ يُقْتَلُ بِهِ ؛ لِعُمُومِ الْآيَات وَالْأَخْبَارِ ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الْمُؤْمِنُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ } .\rوَلِأَنَّهُ آدَمِيُّ مَعْصُومٌ ، فَأَشْبَهَ الْحُرَّ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَلِيٍّ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : { مِنْ السُّنَّةِ أَنْ لَا يُقْتَلَ حُرٌّ بِعَبْدٍ } .\rوَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { لَا يُقْتَلُ حُرٌّ بِعَبْدٍ } .\rرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ .\rوَلِأَنَّهُ لَا يُقْطَعُ طَرَفُهُ بِطَرَفِهِ مَعَ التَّسَاوِي فِي السَّلَامَةِ ، فَلَا يُقْتَلُ بِهِ ، كَالْأَبِ مَعَ ابْنِهِ ، وَلِأَنَّ الْعَبْدَ مَنْقُوصٌ بِالرِّقِّ ، فَلَمْ يُقْتَلْ بِهِ الْحُرُّ ، كَالْمُكَاتَبِ إذَا مَلَكَ مَا يُؤَدِّي ، وَالْعُمُومَاتُ مَخْصُوصَاتٌ بِهَذَا ، فَنَقِيسُ عَلَيْهِ .","part":18,"page":322},{"id":8822,"text":"( 6605 ) فَصْلٌ : وَلَا يُقْتَلُ السَّيِّدُ بِعَبْدِهِ ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rوَحُكِيَ عَنْ النَّخَعِيِّ وَدَاوُد ، أَنَّهُ يُقْتَلُ بِهِ ؛ لِمَا رَوَى قَتَادَةُ ، عَنْ الْحَسَنِ ، عَنْ سَمُرَةَ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { مَنْ قَتَلَ عَبْدَهُ قَتَلْنَاهُ ، وَمَنْ جَدَعَهُ جَدَعْنَاهُ } .\rرَوَاهُ سَعِيدٌ ، وَالْإِمَامُ أَحْمَدُ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَقَالَ : حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ .\rمَعَ الْعُمُومَاتِ وَالْمَعْنَى فِي الَّتِي قَبْلَهَا .\rوَلَنَا ، مَا ذَكَرْنَاهُ فِي الَّتِي قَبْلَهَا ، وَعَنْ عُمَرَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : { لَوْ لَمْ أَسْمَعْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : لَا يُقَادُ الْمَمْلُوكُ مِنْ مَوْلَاهُ ، وَالْوَلَدُ مِنْ وَالِدِهِ لَأَقَدْته مِنْك } .\rرَوَاهُ النَّسَائِيّ ، وَعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، { أَنَّ رَجُلًا قَتَلَ عَبْدَهُ ، فَجَلَدَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِائَةَ جَلْدَةٍ ، وَنَفَاهُ عَامًا ، وَمَحَا اسْمَهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ } .\rرَوَاهُ سَعِيدٌ ، وَالْخَلَّالُ .\rوَقَالَ أَحْمَدُ : لَيْسَ بِشَيْءٍ مِنْ قِبَلِ إِسْحَاقَ بْنِ أَبِي فَرْوَةَ .\rوَرَوَاهُ عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ، أَنَّهُمَا قَالَا : مَنْ قَتَلَ عَبْدَهُ ، جُلِدَ مِائَةً ، وَحُرِمَ سَهْمُهُ مَعَ الْمُسْلِمِينَ .\rفَأَمَّا حَدِيثُ سَمُرَةَ ، فَلَمْ يَثْبُتْ .\rقَالَ أَحْمَدُ : الْحَسَنُ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ سَمُرَةَ ، إنَّمَا هِيَ صَحِيفَةٌ .\rوَقَالَ عَنْهُ أَحْمَدُ : إنَّمَا سَمِعَ الْحَسَنُ مِنْ سَمُرَةَ ثَلَاثَةَ أَحَادِيثَ ، لَيْسَ هَذَا مِنْهَا .\rوَلِأَنَّ الْحَسَنَ أَفْتَى بِخِلَافِهِ ، فَإِنَّهُ يَقُولُ : لَا يُقْتَلُ الْحُرُّ بِالْعَبْدِ .\rوَقَالَ : إذَا قَتَلَ السَّيِّدُ عَبْدَهُ يُضْرَبُ .\rوَمُخَالَفَتُهُ لَهُ تَدُلُّ عَلَى ضَعْفِهِ .","part":18,"page":323},{"id":8823,"text":"( 6606 ) فَصْلٌ : وَلَا يُقْطَعُ طَرَفُ الْحُرِّ بِطَرَفِ الْعَبْدِ ، بِغَيْرِ خِلَافٍ عَلِمْنَاهُ بَيْنهمْ ، وَيُقْتَلُ الْعَبْدُ بِالْحُرِّ ، وَيُقْتَلُ بِسَيِّدِهِ ؛ لِأَنَّهُ إذَا قُتِلَ بِمِثْلِهِ ، فَبِمَنْ هُوَ أَكْمَلُ مِنْهُ أَوْلَى ، مَعَ عُمُومِ النُّصُوصِ الْوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ .\rوَمَتَى وَجَبَ الْقِصَاصُ عَلَى الْعَبْدِ ، فَعَفَا وَلِيُّ الْجِنَايَةِ إلَى الْمَالِ فَلَهُ ذَلِكَ ، وَيَتَعَلَّقُ أَرْشُهَا بِرَقَبَتِهِ ؛ لِأَنَّهُ مُوجَبُ جِنَايَتِهِ ، فَتَعَلَّقَ بِرَقَبَتِهِ ، كَالْقِصَاصِ .\rثُمَّ إنْ شَاءَ سَيِّدُهُ أَنْ يُسَلِّمَهُ إلَى وَلِيِّ الْجِنَايَةِ ، لَمْ يَلْزَمْهُ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ سَلَّمَ إلَيْهِ مَا تَعَلَّقَ حَقُّهُ بِهِ .\rوَإِنْ قَالَ وَلِيُّ الْجِنَايَةِ : بِعْهُ ، وَادْفَعْ إلَيَّ ثَمَنَهُ .\rلَمْ يَلْزَمْهُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَلَّق بِذِمَّتِهِ شَيْءٌ ، وَإِنَّمَا تَعَلَّقَ بِالرَّقَبَةِ الَّتِي سَلَّمَهَا ، فَبَرِئَ مِنْهَا .\rوَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ ، أَنَّهُ يَلْزَمُهُ ذَلِكَ ، كَمَا يَلْزَمُهُ بَيْعُ الرَّهْنِ .\rوَإِنْ امْتَنَعَ مِنْ تَسْلِيمِهِ ، وَاخْتَارَ فِدَاءَهُ ، فَهَلْ تَلْزَمُهُ قِيمَتُهُ أَوْ أَرْشُ الْجِنَايَةِ جَمِيعًا ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ ، ذَكَرْنَاهُمَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ .\rوَإِنْ عَفَا عَنْ الْقِصَاصِ لِيَمْلِكَ رَقَبَةَ الْعَبْدِ ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ : إحْدَاهُمَا : يَمْلِكُهُ بِذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ إتْلَافَهُ ، فَكَانَ مِلْكًا لَهُ ، كَسَائِرِ أَمْوَالِهِ .\rوَالثَّانِيَةُ ، لَا يَمْلِكُهُ ؛ لِأَنَّهُ مَحَلٌّ تَعَلَّقَ بِهِ الْقِصَاصُ ، فَلَا يَمْلِكُهُ بِالْعَفْوِ كَالْحُرِّ .\rفَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ ، يَتَعَلَّقُ أَرْشُ الْجِنَايَةِ بِرَقَبَتِهِ ، كَمَا لَوْ عَفَا عَلَى مَالٍ ؛ لِأَنَّ الْعِوَضَ الَّذِي عَفَا لِأَجْلِهِ لَمْ يَصِحَّ لَهُ ، فَكَانَ لَهُ عِوَضُهُ ، كَالْعُقُودِ الْفَاسِدَةِ .","part":18,"page":324},{"id":8824,"text":"فَصْلٌ : وَيَجْرِي الْقِصَاصُ بَيْنَ الْعَبِيدِ فِي النَّفْسِ ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَسَالِمٍ ، وَالنَّخَعِيِّ ، وَالشَّعْبِيِّ ، وَالزُّهْرِيِّ ، وَقَتَادَةَ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَمَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ .\rوَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ ، رِوَايَةٌ أُخْرَى ، أَنَّ مِنْ شَرْطِ الْقِصَاصِ تَسَاوِي قِيمَتِهِمْ ، وَإِنْ اخْتَلَفَتْ قِيمَتُهُمْ لَمْ يَجْرِ بَيْنهمْ قِصَاصٌ .\rوَيَنْبَغِي أَنْ يَخْتَصَّ هَذَا بِمَا إذَا كَانَتْ قِيمَةُ الْقَاتِلِ أَكْثَرَ ، فَإِنْ كَانَتْ أَقَلَّ فَلَا .\rوَهَذَا قَوْلُ عَطَاءٍ .\rوَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : لَيْسَ بَيْنَ الْعَبِيدِ قِصَاصٌ ، فِي نَفْسٍ وَلَا جُرْحٍ ؛ لِأَنَّهُمْ أَمْوَالٌ .\rوَلَنَا ، أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ { : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ } .\rوَهَذَا نَصٌّ مِنْ الْكِتَابِ ، فَلَا يَجُوزُ خِلَافُهُ ، لِأَنَّ تَفَاوُتَ الْقِيمَةِ كَتَفَاوُتِ الدِّيَةِ وَالْفَضَائِلِ ، فَلَا يَمْنَعُ الْقِصَاصَ كَالْعِلْمِ وَالشَّرَفِ ، وَالذُّكُورِيَّةِ وَالْأُنُوثِيَّةِ .\r( 6608 ) فَصْلٌ : وَيَجْرِي الْقِصَاصُ بَيْنهمْ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ .\rوَبِهِ قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَسَالِمٌ وَالزُّهْرِيُّ ، وَقَتَادَةُ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ ، رِوَايَةٌ أُخْرَى : لَا يَجْرِي الْقِصَاصُ بَيْنهمْ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ .\rوَهُوَ قَوْلُ الشَّعْبِيِّ ، وَالنَّخَعِيِّ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّ الْأَطْرَافَ مَالٌ ، فَلَا يَجْرِي الْقِصَاصُ فِيهَا ، كَالْبَهَائِمِ ، وَلِأَنَّ التَّسَاوِيَ فِي الْأَطْرَافِ مُعْتَبَرٌ فِي جَرَيَانِ الْقِصَاصِ ، بِدَلِيلِ أَنَّا لَا نَأْخُذُ الصَّحِيحَةَ بِالشَّلَّاءِ ، وَلَا كَامِلَةَ الْأَصَابِعِ بِالنَّاقِصَةِ ، وَأَطْرَافُ الْعَبِيدِ لَا تَتَسَاوَى .\rوَلَنَا ، قَوْلُ اللَّه تَعَالَى : { وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ } ، الْآيَةَ ، وَلِأَنَّهُ أَحَدُ نَوْعَيْ الْقِصَاصِ ، فَجَرَى بَيْنَ الْعَبِيدِ ،","part":18,"page":325},{"id":8825,"text":"كَالْقِصَاصِ فِي النَّفْسِ ( 6609 ) فَصْلٌ : وَإِذَا وَجَبَ الْقِصَاصُ فِي طَرَفِ الْعَبْدِ ، وَجَبَ لِلْعَبْدِ ، وَلَهُ اسْتِيفَاؤُهُ وَالْعَفْوُ عَنْهُ .","part":18,"page":326},{"id":8826,"text":"( 6610 ) فَصْلٌ : وَلَوْ قَتَلَ عَبْدٌ عَبْدًا ، ثُمَّ عَتَقَ الْقَاتِلُ ، قُتِلَ بِهِ .\rوَكَذَلِكَ لَوْ جَرَحَ عَبْدٌ عَبْدًا ، ثُمَّ عَتَقَ الْجَارِحُ ، وَمَاتَ الْمَجْرُوحُ ، قُتِلَ بِهِ ؛ لِأَنَّ الْقِصَاصَ وَجَبَ ، فَلَمْ يَسْقُطْ بِالْعِتْقِ بَعْدَهُ ، وَلِأَنَّ التَّكَافُؤَ مَوْجُودٌ حَالَ وُجُودِ الْجِنَايَةِ ، وَهِيَ السَّبَبُ ، فَاكْتُفِيَ بِهِ .\rوَلَوْ جَرَحَ حُرٌّ ذِمِّيٌّ عَبْدًا ثُمَّ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ ، فَأُسِرَ وَاسْتُرِقَّ ، لَمْ يُقْتَلْ بِالْعَبْدِ ؛ لِأَنَّهُ حِينَ وُجُوبِ الْقِصَاصِ حُرٌّ .","part":18,"page":327},{"id":8827,"text":"( 6611 ) فَصْلٌ : وَإِذَا قَتَلَ عَبْدٌ عَبْدًا عَمْدًا ، فَسَيِّدُ الْمَقْتُولِ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْقِصَاصِ وَالْعَفْوِ ، فَإِنْ عَفَا إلَى مَالٍ ، تَعَلَّقَ الْمَالُ بِرَقَبَةِ الْقَاتِلِ ؛ لِأَنَّهُ وَجَبَ بِجِنَايَتِهِ ، وَسَيِّدُهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ فِدَائِهِ وَتَسْلِيمِهِ ، فَإِنْ اخْتَارَ فِدَاءَهُ ، فَدَاهُ بِأَقَلِّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ قِيمَتِهِ أَوْ قِيمَةِ الْمَقْتُولِ ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ الْأَقَلُّ قِيمَتَهُ ، لَمْ يَلْزَمْهُ أَكْثَرُ مِنْهَا ؛ لِأَنَّهَا بَدَلٌ عَنْهُ ، وَإِنْ كَانَ الْأَقَلُّ قِيمَةَ الْمَقْتُولِ ، فَلَيْسَ لِسَيِّدِهِ أَكْثَرُ مِنْهَا ؛ لِأَنَّهَا بَدَلٌ عَنْهُ .\rوَعَنْهُ رِوَايَةٌ أُخْرَى ، أَنَّ سَيِّدَهُ إنْ اخْتَارَ فِدَاءَهُ ، لَزِمَهُ أَرْشُ الْجِنَايَةِ ، بَالِغًا مَا بَلَغَ ؛ لِأَنَّهُ إذَا سَلَّمَهُ لِلْبَيْعِ ، رُبَّمَا زَادَ فِيهِ مُزَايِدٌ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ .\rفَإِنْ قَتَلَ عَشْرَةُ أَعْبُدٍ عَبْدًا لِرَجُلِ عَمْدًا ، فَعَلَيْهِمْ الْقِصَاصُ ، فَإِنْ اخْتَارَ السَّيِّدُ قَتْلَهُمْ ، فَلَهُ قَتْلُهُمْ ، وَإِنْ عَفَا إلَى مَالٍ ، تَعَلَّقَتْ قِيمَةُ عَبْدِهِ بِرِقَابِهِمْ ، عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عُشْرُهَا ، يُبَاعُ مِنْهُ بِقَدْرِهَا أَوْ يَفْدِيه سَيِّدُهُ ، فَإِنْ اخْتَارَ قَتْلَ بَعْضِهِمْ وَالْعَفْوَ عَنْ الْبَعْضِ كَانَ ذَلِكَ لَهُ ؛ لِأَنَّ لَهُ قَتْلَ جَمِيعِهِمْ وَالْعَفْوَ عَنْ جَمِيعِهِمْ .\rوَإِنْ قَتَلَ عَبْدٌ عَبْدَيْنِ لَرَجُلٍ وَاحِدٍ ، فَلَهُ قَتْلُهُ وَالْعَفْوُ عَنْهُ ، فَإِنْ قَتَلَهُ ، سَقَطَ حَقُّهُ ، وَإِنْ عَفَا إلَى مَالٍ ، تَعَلَّقَتْ قِيمَةُ الْعَبْدَيْنِ بِرَقَبَتِهِ ، فَإِنْ كَانَا لِرَجُلَيْنِ فَكَذَلِكَ ، إلَّا أَنَّ الْقَاتِلَ يُقْتَلُ بِالْأَوَّلِ مِنْهُمَا ؛ لِأَنَّ حَقَّهُ أَسْبَقُ ، فَإِنْ عَفَا عَنْهُ الْأَوَّلُ ، قُتِلَ بِالثَّانِي .\rوَإِنْ قَتَلَهُمَا دَفْعَةً وَاحِدَةً ، أَقْرَعَ بَيْنَ السَّيِّدَيْنِ ، فَأَيُّهُمَا خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ ، اقْتَصَّ ، وَسَقَطَ حَقُّ الْآخَرِ .\rوَإِنْ عَفَا عَنْ الْقِصَاصِ ، أَوْ عَفَا سَيِّدُ الْقَتِيلِ الْأَوَّلِ عَنْ الْقِصَاصِ إلَى مَالٍ ، تَعَلَّقَ بِرَقَبَةِ الْعَبْدِ ، وَلِلثَّانِي أَنْ يَقْتَصَّ ؛ لِأَنَّ تَعَلُّقَ الْمَالِ","part":18,"page":328},{"id":8828,"text":"بِالرَّقَبَةِ لَا يُسْقِطُ حَقَّ الْقِصَاصِ ، كَمَا لَوْ جَنَى الْعَبْدُ الْمَرْهُونُ .\rفَإِنْ قَتَلَهُ الْآخَرُ ، سَقَطَ حَقُّ الْأَوَّلِ مِنْ الْقِيمَةِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ مَحَلٌّ يَتَعَلَّقُ بِهِ ، وَإِنْ عَفَا الثَّانِي ، تَعَلَّقَتْ قِيمَةُ الْقَتِيلِ الثَّانِي بِرَقَبَتِهِ أَيْضًا ، وَيُبَاعُ فِيهِمَا ، وَيُقْسَمُ ثَمَنُهُ عَلَى قَدْرِ الْقِيمَتَيْنِ ، وَلَمْ نُقَدِّمْ الْأَوَّلَ بِالْقِيمَةِ ، كَمَا قَدَّمْنَاهُ بِالْقِصَاصِ ؛ لِأَنَّ الْقِصَاصَ لَا يَتَبَعَّضُ بَيْنَهُمَا ، وَالْقِيمَةُ يُمْكِنُ تَبَعُّضُهَا .\rفَإِنْ قِيلَ : فَحَقُّ الْأَوَّلِ أَسْبَقُ .\rقُلْنَا : لَا يُرَاعَى السَّبْقُ ، كَمَا لَوْ أَتْلَفَ أَمْوَالًا لَجَمَاعَةٍ ، وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ .\rفَأَمَّا إنْ قَتَلَ الْعَبْدُ عَبْدًا بَيْنَ شَرِيكَيْنِ كَانَ لَهُمَا الْقِصَاصُ وَالْعَفْوُ ، فَإِنْ عَفَا أَحَدُهُمَا ، سَقَطَ الْقِصَاصُ ، وَيَنْتَقِلُ حَقُّهُمَا إلَى الْقِيمَةِ ؛ لِأَنَّ الْقِصَاصَ لَا يَتَبَعَّضُ .\rوَإِنْ قَتَلَ عَبْدَيْنِ لَرَجُلٍ وَاحِدٍ ، فَلَهُ أَنْ يَقْتَصَّ مِنْهُ لَأَحَدِهِمَا ، أَيِّهِمَا كَانَ ، وَيَسْقُطُ حَقُّهُ مِنْ الْآخَرِ ، وَلَهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُ إلَى مَالٍ ، وَتَتَعَلَّقُ قِيمَتُهُمَا جَمِيعًا بِرَقَبَتِهِ .","part":18,"page":329},{"id":8829,"text":"( 6612 ) فَصْلٌ : وَيُقْتَلُ الْعَبْدُ الْقِنُّ بِالْمُكَاتَبِ ، وَالْمُكَاتَبُ بِهِ ، وَيُقْتَلُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْمُدَبَّرِ وَأُمِّ الْوَلَد ، وَيُقْتَلُ الْمُدَبَّرُ وَأُمُّ الْوَلَدِ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ؛ لِأَنَّ الْكُلَّ عَبِيدٌ ، فَيَدْخُلُونَ فِي عُمُومِ قَوْله تَعَالَى { وَالْعَبْدَ بِالْعَبْدِ } .\rوَقَدْ دَلَّ عَلَى كَوْنِ الْمُكَاتَبِ عَبْدًا قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الْمُكَاتَبُ عَبْدٌ ، مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ } .\rوَسَوَاءٌ كَانَ الْمُكَاتَبُ قَدْ أَدَّى مِنْ كِتَابَتِهِ شَيْئًا ، أَوْ لَمْ يُؤَدِّ ، وَسَوَاءٌ مَلَكَ مَا يُؤَدِّي ، أَوْ لَمْ يَمْلِكْ ، إلَّا إذَا قُلْنَا : إنَّهُ إذَا مَلَكَ مَا يُؤَدِّي فَقَدْ صَارَ حُرًّا .\rفَإِنَّهُ لَا يُقْتَلُ بِالْعَبْدِ ؛ لِأَنَّهُ حُرٌّ ، فَلَا يُقْتَلُ بِالْعَبْدِ .\rوَإِنْ أَدَّى ثَلَاثَةَ أَرْبَاعِ مَالِ الْكِتَابَةِ ، لَمْ يُقْتَلْ بِهِ أَيْضًا ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ حُرًّا ، وَمِنْ لَمْ يَحْكُمْ بِحُرِّيَّتِهِ إلَّا بِأَدَاءِ جَمِيعِ الْكِتَابَةِ ، أَجَازَ قَتْلَهُ بِهِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إذَا قَتَلَ الْعَبْدُ مُكَاتَبًا ، لَهُ وَفَاءٌ وَوَارِثٌ سِوَى مَوْلَاهُ ، لَمْ يُقْتَلْ بِهِ ؛ لِأَنَّهُ حِينَ الْجُرْحِ كَانَ الْمُسْتَحِقُّ الْمَوْلَى ، وَحِينَ الْمَوْتِ الْوَارِثَ ، وَلَا يَجِبُ الْقِصَاصُ إلَّا لِمَنْ يَثْبُتُ حَقُّهُ فِي الطَّرَفَيْنِ .\rوَلَنَا ، قَوْله تَعَالَى : { النَّفْسَ بِالنَّفْسِ } .\rوقَوْله تَعَالَى : { الْعَبْدُ بِالْعَبْدِ } .\rوَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ قِنًّا ، لَوَجَبَ بِقَتْلِهِ الْقِصَاصُ ، فَإِذَا كَانَ مُكَاتَبًا ، كَانَ أَوْلَى ، كَمَا لَوْ لَمْ يَخْلُفْ وَارِثًا .\rوَمَا ذَكَرُوهُ شَيْءٌ بَنَوْهُ عَلَى أُصُولِهِمْ ، وَلَا نُسَلِّمُهُ .","part":18,"page":330},{"id":8830,"text":"( 6613 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : وَإِذَا قَتَلَ الْكَافِرُ الْعَبْدَ عَمْدًا ، فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ ، وَيُقْتَلُ لِنَقْضِهِ الْعَهْدَ يَعْنِي الْكَافِرَ الْحُرَّ ، لَا يُقْتَلُ بِالْعَبْدِ الْمُسْلِمِ ؛ لِأَنَّ الْحُرَّ لَا يُقْتَلُ بِالْعَبْدِ ، لِفِقْدَانِ التَّكَافُؤِ بَيْنَهُمَا ، وَلِأَنَّهُ لَا يَحُدُّ بِقَذْفِهِ ، فَلَا يُقْتَلُ بِقَتْلِهِ ، كَالْأَبِ مَعَ ابْنِهِ ، وَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ ، وَيُقْتَلُ لِنَقْضِهِ الْعَهْدَ ؛ فَإِنَّ قَتْلَ الْمُسْلِمِ يَنْتَقِضُ بِهِ الْعَهْدُ ، بِدَلِيلِ مَا رُوِيَ أَنَّ ذِمِّيًّا كَانَ يَسُوقُ حِمَارًا بِامْرَأَةٍ مُسْلِمَةٍ ، فَنَخَسَهُ بِهَا فَرَمَاهَا ، ثُمَّ أَرَادَ إكْرَاهَهَا عَلَى الزِّنَى ، فَرُفِعَ إلَى عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَالَ مَا عَلَى هَذَا صَالَحْنَاهُمْ .\rفَقَتَلَهُ وَصَلَبَهُ .\rوَرُوِيَ فِي شُرُوطِ عُمَرَ ، أَنَّهُ كَتَبَ إلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ : أَنْ أَلْحِقْ بِالشُّرُوطِ : مَنْ ضَرَبَ مُسْلِمًا عَمْدًا ، فَقَدْ خَلَعَ عَهْدَهُ .\rوَلِأَنَّهُ فِعْلٌ يُنَافِي الْأَمَانَ ، وَفِيهِ ضَرَرٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ ، فَكَانَ نَقْضًا لِلْعَهْدِ ، كَالِاجْتِمَاعِ عَلَى قِتَالِ الْمُسْلِمِينَ ، وَالِامْتِنَاعِ مِنْ أَدَاءِ الْجِزْيَةِ .\rوَفِيهِ رِوَايَةٌ أُخْرَى ؛ أَنَّهُ لَا يَنْتَقِضُ عَهْدُهُ بِذَلِكَ .\rفَعَلَى هَذَا ، عَلَيْهِ قِيمَتُهُ ، وَيُؤَدَّبُ بِمَا يَرَاهُ وَلِيُّ الْأَمْرِ .","part":18,"page":331},{"id":8831,"text":"( 6614 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَتَلَ عَبْدٌ مُسْلِمٌ حُرًّا كَافِرًا لَمْ يُقْتَلْ بِهِ ؛ لِأَنَّا لَا نَقْتُلُ الْمُسْلِمَ بِالْكَافِرِ .\rوَإِنْ قَتَلَ مَنْ نِصْفُهُ حُرٌّ عَبْدًا ، لَمْ يُقْتَلْ بِهِ ؛ لِأَنَّا لَا نَقْتُلُ نِصْفَ الْحُرِّ بِعَبْدٍ .\rوَإِنْ قَتَلَهُ حُرٌّ ، لَمْ يُقْتَلْ بِهِ ؛ لِأَنَّ النِّصْفَ الرَّقِيقَ لَا يُقْتَلُ بِهِ الْحُرُّ .\rوَإِنْ قَتَلَ مَنْ نِصْفُهُ حُرٌّ مَنْ نِصْفُهُ حُرٌّ ، قُتِلَ بِهِ ؛ لِأَنَّ الْقِصَاصَ يَقَعُ بَيْن الْجُمْلَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ ، وَهُمَا مُتَسَاوِيَانِ .","part":18,"page":332},{"id":8832,"text":"( 6615 ) فَصْلٌ : وَيَجْرِي الْقِصَاصُ بَيْن الْوُلَاةِ وَالْعُمَّالِ وَبَيْنَ رَعِيَّتِهِمْ ؛ لِعُمُومِ الْآيَاتِ وَالْأَخْبَارِ ؛ وَلِأَنَّ الْمُؤْمِنِينَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ ، وَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا .\rوَثَبَتَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، أَنَّهُ قَالَ لَرَجُلٍ شَكَا إلَيْهِ عَامِلًا أَنَّهُ قَطَعَ يَدَهُ ظُلْمًا : لَئِنْ كُنْت صَادِقًا ، لِأُقِيدَنَّكَ مِنْهُ .\rوَثَبَتَ أَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَانَ يُقِيدُ مِنْ نَفْسِهِ .\rوَرَوَى أَبُو دَاوُد ، قَالَ : خَطَبَ عُمَرُ ، فَقَالَ : إنِّي لَمْ أَبْعَثْ عُمَّالِي لِيَضْرِبُوا أَبْشَارَكُمْ ، وَلَا لِيَأْخُذُوا أَمْوَالَكُمْ ، فَمَنْ فُعِلَ بِهِ ذَلِكَ ، فَلْيَرْفَعْهُ إلَيَّ ، أَقُصُّهُ مِنْهُ .\rفَقَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ : لَوْ أَنَّ رَجُلًا أَدَّبَ بَعْضَ رَعِيَّتِهِ ، أَتَقُصُّهُ مِنْهُ ؟ قَالَ : أَيْ وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ، أَقُصُّهُ مِنْهُ ، وَقَدْ رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقَصَّ مِنْ نَفْسِهِ .\rوَلِأَنَّ الْمُؤْمِنِينَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ ، وَهَذَانِ حُرَّانِ مُسْلِمَانِ ، لَيْسَ بَيْنَهُمَا إيلَادٌ ، فَيَجْرِي الْقِصَاصُ بَيْنَهُمَا ، كَسَائِرِ الرَّعِيَّةِ .","part":18,"page":333},{"id":8833,"text":"( 6616 ) فَصْلٌ : وَإِذَا قَتَلَ الْقَاتِلَ غَيْرُ وَلِيِّ الدَّمِ ، فَعَلَى قَاتِلِهِ الْقِصَاصُ ، وَلِوَرَثَةِ الْأَوَّلِ الدِّيَةُ فِي تَرِكَةِ الْجَانِي الْأَوَّلِ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ الْحَسَنُ ، وَمَالِكٌ : يُقْتَلُ قَاتِلُهُ ، وَيَبْطُلُ دَمُ الْأَوَّلِ ؛ لِأَنَّهُ فَاتَ مَحَلُّهُ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَتَلَ الْعَبْدَ الْجَانِيَ .\rوَرُوِيَ عَنْ قَتَادَةَ وَأَبِي هَاشِمٍ : لَا قَوَدَ عَلَى الثَّانِي ؛ لِأَنَّهُ قَتَلَ مُبَاحَ الدَّمِ ، فَلَمْ يَجِبْ بِقَتْلِهِ قِصَاصٌ ، كَالزَّانِي الْمُحْصَنِ .\rوَلَنَا ، عَلَى وُجُوبِ الْقِصَاصِ عَلَى قَاتِلِهِ ، أَنَّهُ مَحَلٌّ لَمْ يَتَحَتَّمْ قَتْلُهُ ، وَلَمْ يُبَحْ لِغَيْرِ وَلِيِّ الدَّمِ قَتْلُهُ ، فَوَجَبَ الْقِصَاصُ بِقَتْلِهِ ، كَمَا لَوْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ .\rوَلَنَا ، عَلَى وُجُوبِ الدِّيَةِ فِي تَرِكَةِ الْجَانِي الْأَوَّلِ ، أَنَّ الْقِصَاصَ إذَا تَعَذَّرَ وَجَبَتْ الدِّيَةُ ، كَمَا لَوْ مَاتَ ، أَوْ عَفَا بَعْضُ الشُّرَكَاءِ ، أَوْ حَدَثَ مَانِعٌ .\rوَفَارَقَ الْعَبْدَ الْجَانِيَ ، فَإِنَّهُ لَيْسَ لَهُ مَالٌ يَنْتَقِلُ إلَيْهِ ؛ فَإِنْ عَفَا أَوْلِيَاءُ الثَّانِي عَلَى الدِّيَةِ ، أَخَذُوهَا وَدَفَعُوهَا إلَى وَرَثَةِ الْأَوَّلِ ، فَإِنْ كَانَتْ عَلَيْهِ دُيُونٌ ، ضُمَّ مَا قَبَضُوا مِنْ الدِّيَةِ إلَى سَائِرِ تَرِكَتِهِ ، ثُمَّ ضَرَبَ أَوْلِيَاءُ الْمَقْتُولِ الْأَوَّلِ مَعَ سَائِرِ أَهْلِ الدُّيُونِ فِي تَرِكَتِهِ وَدِيَتِهِ ، وَإِنْ أَحَالَ وَرَثَةُ الْمَقْتُولِ الثَّانِي وَرَثَةَ الْمَقْتُولِ الْأَوَّلِ بِالدِّيَةِ عَلَى الْقَاتِلِ الثَّانِي ، صَحَّتْ الْحَوَالَةُ .\rوَيَتَخَرَّجُ أَنْ تَجِبَ دِيَةُ الْقَتِيلِ الْأَوَّلِ عَلَى قَاتِلِ قَاتِلِهِ ابْتِدَاءً ؛ لِأَنَّهُ أَتْلَفَ مَحَلَّ حَقِّ وَرَثَتِهِ ، فَكَانَ غَرَامَتُهُ عَلَيْهِ ، كَمَا لَوْ قَتَلَ الْعَبْدَ الْجَانِي ، وَإِنْ مَاتَ الْقَاتِلُ عَمْدًا ، وَجَبْت الدِّيَةُ فِي تَرِكَتِهِ .\rبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ : يَسْقُطُ حَقُّ وَلِيُّ الْجِنَايَةِ .\rوَتَوْجِيه الْمَذْهَبَيْنِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ .","part":18,"page":334},{"id":8834,"text":"( 6617 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَالطِّفْلُ ، وَالزَّائِلُ الْعَقْلِ ، لَا يُقْتَلَانِ بِأَحَدٍ ) لَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ ، أَنَّهُ لَا قِصَاصَ عَلَى صَبِيٍّ وَلَا مَجْنُونٍ ، وَكَذَلِكَ كُلُّ زَائِلِ الْعَقْلِ بِسَبَبٍ يُعْذَرُ فِيهِ ، مِثْلَ النَّائِمِ ، وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ ، وَنَحْوِهِمَا .\rوَالْأَصْلُ فِي هَذَا قَوْلُ النَّبِيِّ { صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ ؛ عَنْ الصَّبِيِّ حَتَّى يَبْلُغَ ، وَعَنْ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ ، وَعَنْ الْمَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ } .\rوَلِأَنَّ الْقِصَاصَ عُقُوبَةٌ مُغَلَّظَةٌ ، فَلَمْ تَجِبْ عَلَى الصَّبِيِّ وَزَائِلِ الْعَقْلِ كَالْحُدُودِ ، وَلِأَنَّهُمْ لَيْسَ لَهُمْ قَصْدٌ صَحِيحٌ ، فَهُمْ كَالْقَاتِلِ خَطَأً .","part":18,"page":335},{"id":8835,"text":"( 6618 ) فَصْلٌ : فَإِنْ اخْتَلَفَ الْجَانِي وَوَلِيُّ الْجِنَايَةِ ، فَقَالَ الْجَانِي : كُنْت صَبِيًّا حَالَ الْجِنَايَةِ .\rوَقَالَ وَلِيُّ الْجِنَايَةِ : كُنْت بَالِغًا .\rفَالْقَوْلُ قَوْلُ الْجَانِي مَعَ يَمِينِهِ ، إذَا احْتَمَلَ الصِّدْقَ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ الصِّغَرُ ، وَبَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ مِنْ الْقِصَاصِ .\rوَإِنْ قَالَ : قَتَلْته وَأَنَا مَجْنُونٌ .\rوَأَنْكَرَ الْوَلِيُّ جُنُونَهُ ، فَإِنْ عُرِفَ لَهُ حَالُ جُنُونٍ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ أَيْضًا لِذَلِكَ ، إنْ لَمْ يُعْرَفْ لَهُ حَالُ جُنُونٍ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْوَلِيِّ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ السَّلَامَةُ ، وَكَذَلِكَ إنْ عُرِفَ لَهُ جُنُونٌ ، ثُمَّ عُلِمَ زَوَالُهُ قَبْلَ الْقَتْلِ ، وَإِنْ ثَبَتَتْ لَأَحَدِهِمَا بَيِّنَةٌ بِمَا ادَّعَاهُ ، حُكِمَ لَهُ .\rوَإِنْ أَقَامَا بَيِّنَتَيْنِ تَعَارَضَتَا ، فَإِنْ شَهِدَتْ الْبَيِّنَةُ أَنَّهُ كَانَ زَائِلَ الْعَقْلِ ، فَقَالَ الْوَلِيُّ : كُنْتَ سَكْرَانَ .\rوَقَالَ الْقَاتِلُ : كُنْت مَجْنُونًا .\rفَالْقَوْلُ قَوْلُ الْقَاتِلِ مَعَ يَمِينِهِ ؛ لِأَنَّهُ أَعْرَفُ بِنَفْسِهِ ، وَلِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ ، وَاجْتِنَابُ الْمُسْلِمِ فِعْلَ مَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ .","part":18,"page":336},{"id":8836,"text":"( 6619 ) فَصْلٌ : فَإِنْ قَتَلَهُ وَهُوَ عَاقِلٌ ، ثُمَّ جُنَّ ، لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ الْقِصَاصُ ، سَوَاءٌ ثَبَتَ ذَلِكَ عَلَيْهِ بِبَيِّنَةٍ أَوْ إقْرَارٍ ؛ لِأَنَّ رُجُوعَهُ غَيْرُ مَقْبُولٍ ، وَيُقْتَصُّ مِنْهُ فِي حَالِ جُنُونِهِ .\rوَلَوْ ثَبَتَ عَلَيْهِ الْحَدُّ بِإِقْرَارِهِ ، ثُمَّ جُنَّ لَمْ يُقَمْ عَلَيْهِ حَالَ جُنُونِهِ ؛ لِأَنَّ رُجُوعَهُ يُقْبَلُ ، فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ صَحِيحًا رَجَعَ .","part":18,"page":337},{"id":8837,"text":"( 6620 ) فَصْلٌ : وَيَجِبُ الْقِصَاصُ عَلَى السَّكْرَانِ إذَا قَتَلَ حَالَ سُكْرِهِ .\rذَكَرَهُ الْقَاضِي ، وَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ ، أَنَّ وُجُوبَ الْقِصَاصِ عَلَيْهِ مَبْنِيٌّ عَلَى وُقُوعِ طَلَاقِهِ ، وَفِيهِ رِوَايَتَانِ ، فَيَكُونُ فِي وُجُوبِ الْقِصَاصِ عَلَيْهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا : لَا يَجِبُ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ زَائِلُ الْعَقْلِ ، أَشْبَهَ الْمَجْنُونَ ، وَلِأَنَّهُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ ، أَشْبَهَ الصَّبِيَّ وَالْمَجْنُونَ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الصَّحَابَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، أَقَامُوا سُكْرَهُ مُقَامَ قَذْفِهِ ، فَأَوْجَبُوا عَلَيْهِ حَدَّ الْقَاذِفِ ، فَلَوْلَا أَنَّ قَذْفَهُ مُوجِبٌ لِلْحَدِّ عَلَيْهِ ، لَمَا وَجَبَ الْحَدُّ بِمَظِنَّتِهِ ، وَإِذَا وَجَبَ الْحَدُّ ، فَالْقِصَاصُ الْمُتَمَحَّضُ حَقُّ آدَمِيٍّ أَوْلَى ، وَلِأَنَّهُ حُكْمٌ لَوْ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ وَالْحَدُّ ، لَأَفْضَى إلَى أَنَّ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَعْصِيَ اللَّهَ تَعَالَى ، شَرِبَ مَا يُسْكِرُهُ ، ثُمَّ يَقْتُلُ وَيَزْنِي وَيَسْرِقُ ، وَلَا يَلْزَمُهُ عُقُوبَةٌ وَلَا مَأْثَمٌ ، وَيَصِيرُ عِصْيَانُهُ سَبَبًا لِسُقُوطِ عُقُوبَةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ عَنْهُ ، وَلَا وَجْهَ لِهَذَا .\rوَفَارَقَ هَذَا الطَّلَاقَ ، وَلِأَنَّهُ قَوْلٌ يُمْكِنُ إلْغَاؤُهُ بِخِلَافِ الْقَتْلِ .\rفَأَمَّا إنْ شَرِبَ أَوْ أَكَلَ مَا يُزِيلُ عَقْلَهُ غَيْرَ الْخَمْرِ ، عَلَى وَجْهٍ مُحَرَّمٍ ، فَإِنْ زَالَ عَقْلُهُ بِالْكُلِّيَّةِ ، بِحَيْثُ صَارَ مَجْنُونًا ، فَلَا قِصَاصَ عَلَيْهِ ، وَإِنْ كَانَ يَزُولُ قَرِيبًا وَيَعُودُ مِنْ غَيْرِ تَدَاوٍ ، فَهُوَ كَالسُّكْرِ ، عَلَى مَا فُصِّلَ فِيهِ .","part":18,"page":338},{"id":8838,"text":"( 6621 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَلَا يُقْتَلُ وَالِدٌ بِوَلَدِهِ ، وَإِنْ سَفَلَ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْأَبَ لَا يُقْتَلُ بِوَلَدِهِ ، وَالْجَدُّ لَا يُقْتَلُ بِوَلَدِ وَلَدِهِ ، وَإِنْ نَزَلَتْ دَرَجَتُهُ ، وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ وَلَدُ الْبَنِينَ أَوْ وَلَدُ الْبَنَاتِ .\rوَمِمَّنْ نُقِلَ عَنْهُ أَنَّ الْوَالِدَ لَا يُقْتَلُ بِوَلَدِهِ ، عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .\rوَبِهِ قَالَ رَبِيعَةُ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَقَالَ ابْنُ نَافِعٍ ، وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ : يُقْتَلُ بِهِ ؛ لِظَاهِرِ آيِ الْكِتَابِ ، وَالْأَخْبَارِ الْمُوجِبَةِ لِلْقِصَاصِ ، وَلِأَنَّهُمَا حُرَّانِ مُسْلِمَانِ مِنْ أَهْلِ الْقِصَاصِ فَوَجَبَ أَنْ يُقْتَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِصَاحِبِهِ ، كَالْأَجْنَبِيَّيْنِ .\rوَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : قَدْ رَوَوْا فِي هَذَا الْبَابِ أَخْبَارًا .\rوَقَالَ مَالِكٌ : إنَّ قَتَلَهُ حَذْفًا بِالسَّيْفِ وَنَحْوِهِ ، لَمْ يُقْتَلْ بِهِ ، وَإِنْ ذَبَحَهُ ، أَوْ قَتَلَهُ قَتْلًا لَا يَشُكُّ فِي أَنَّهُ عَمَدَ إلَى قَتْلِهِ دُونَ تَأْدِيبِهِ ، أُقِيدَ بِهِ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { لَا يُقْتَلُ وَالِدٌ بِوَلَدِهِ } .\rأَخْرَجَ النَّسَائِيّ حَدِيثَ عُمَرَ ، وَرَوَاهُمَا ابْنُ مَاجَهْ ، وَذَكَرَهُمَا ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، وَقَالَ : هُوَ حَدِيثٌ مَشْهُورٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ ، مُسْتَفِيضٌ عِنْدَهُمْ ، يَسْتَغْنِي بِشُهْرَتِهِ وَقَبُولِهِ وَالْعَمَلِ بِهِ عَنْ الْإِسْنَادِ فِيهِ ، حَتَّى يَكُونَ الْإِسْنَادُ فِي مِثْلِهِ مَعَ شُهْرَتِهِ تَكَلُّفًا .\rوَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { أَنْتَ وَمَالُك لِأَبِيك } .\rوَقَضِيَّةُ هَذِهِ الْإِضَافَةِ تَمْلِيكُهُ إيَّاهُ ، فَإِذَا لَمْ تَثْبُتْ حَقِيقَةُ الْمِلْكِيَّةِ ، بَقِيَتْ الْإِضَافَةُ شُبْهَةً فِي دَرْءِ الْقِصَاصِ ؛ لِأَنَّهُ يُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ ، وَلِأَنَّهُ سَبَبُ إيجَادِهِ ، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَتَسَلَّطَ بِسَبَبِهِ عَلَى إعْدَامِهِ","part":18,"page":339},{"id":8839,"text":".\rوَمَا ذَكَرْنَاهُ يَخُصُّ الْعُمُومَاتِ ، وَيُفَارِقُ الْأَبُ سَائِرَ النَّاسِ ، فَإِنَّهُمْ لَوْ قَتَلُوا بِالْحَذْفِ بِالسَّيْفِ ، وَجَبَ عَلَيْهِمْ الْقِصَاصُ ، وَالْأَبُ بِخِلَافِهِ .\r( 6622 ) فَصْلٌ : وَالْجَدُّ وَإِنْ عَلَا كَالْأَبِ فِي هَذَا ، وَسَوَاءٌ كَانَ مِنْ قِبَلِ الْأَبِ أَوْ مِنْ قِبَلِ الْأُمِّ ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ مُسْقِطِي الْقِصَاصِ عَنْ الْأَبِ .\rوَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ حَيِّ : يُقْتَلُ بِهِ .\rوَلَنَا أَنَّهُ وَالِدٌ ، فَيَدْخُلُ فِي عُمُومِ النَّصِّ ؛ وَلِأَنَّ ذَلِكَ حُكْمٌ يَتَعَلَّقُ بِالْوِلَادَةِ ، فَاسْتَوَى فِيهِ الْقَرِيبُ وَالْبَعِيدُ ، كَالْمَحْرَمِيَّةِ ، وَالْعِتْقِ إذَا مَلَكَهُ ، وَالْجَدُّ مِنْ قِبَلِ الْأُمِّ كَالْجَدِّ مِنْ قِبَلِ الْأَبِ ؛ لِأَنَّ ابْنَ الْبِنْتِ يُسَمَّى ابْنًا ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { فِي الْحَسَنِ : إنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ } .","part":18,"page":340},{"id":8840,"text":"( 6623 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَالْأُمُّ فِي ذَلِكَ كَالْأَبِ ) هَذَا الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ عِنْد مُسْقِطِي الْقِصَاصِ عَنْ الْأَبِ .\rوَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَسْقُطُ عَنْ الْأُمِّ فَإِنَّ مُهَنَّا نَقَلَ عَنْهُ ، فِي أُمِّ وَلَدٍ قَتَلَتْ سَيِّدَهَا عَمْدًا : تُقْتَلُ .\rقَالَ : مَنْ يَقْتُلُهَا ؟ قَالَ : وَلَدُهَا .\rوَهَذَا يَدُلُّ عَلَى إيجَابِ الْقِصَاصِ عَلَى الْأُمِّ بِقَتْلِ وَلَدِهَا .\rوَخَرَّجَهَا أَبُو بَكْرٍ عَلَى رِوَايَتَيْنِ ؛ إحْدَاهُمَا : أَنَّ الْأُمَّ تُقْتَلُ بِوَلَدِهَا ؛ لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لَهَا عَلَيْهِ ، فَتُقْتَلُ بِهِ ، كَالْأَخِ .\rوَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا يُقْتَلُ وَالِدٌ بِوَلَدِهِ } .\rوَلِأَنَّهَا أَحَدُ الْوَالِدَيْنِ ، فَأَشْبَهْت الْأَبَ ، وَلِأَنَّهَا أَوْلَى بِالْبِرِّ ، فَكَانَتْ أَوْلَى بِنَفْيِ الْقِصَاصِ عَنْهَا ، وَالْوِلَايَةُ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ ؛ بِدَلِيلِ انْتِفَاءِ الْقِصَاصِ عَنْ الْأَبِ بِقَتْلِ الْكَبِيرِ الَّذِي لَا وِلَايَةَ عَلَيْهِ ، وَعَنْ الْجَدِّ ، وَلَا وِلَايَةَ لَهُ ، وَعَنْ الْأَبِ الْمُخَالِفِ فِي الدِّينِ ، أَوْ الرَّقِيقِ .\rوَالْجَدَّةُ وَإِنْ عَلَتْ فِي ذَلِكَ كَالْأُمِّ ، وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ مِنْ قِبَلِ الْأَبِ ، أَوْ مِنْ قِبَلِ الْأُمِّ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا فِي الْجَدِّ .\r( 6624 ) فَصْلٌ : وَسَوَاءٌ كَانَ الْوَالِدُ مُسَاوِيًا لِلْوَلَدِ فِي الدِّينِ وَالْحُرِّيَّةِ ، أَوْ مُخَالِفًا لَهُ فِي ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ انْتِفَاءَ الْقِصَاصِ لِشَرَفِ الْأُبُوَّةِ ، وَهُوَ مَوْجُودٌ فِي كُلِّ حَالٍ ، فَلَوْ قَتَلَ الْكَافِرُ وَلَدَهُ الْمُسْلِمَ ، أَوْ قَتَلَ الْمُسْلِمُ أَبَاهُ الْكَافِرَ ، أَوْ قَتَلَ الْعَبْدُ وَلَدَهُ الْحُرَّ ، أَوْ قَتَلَ الْحُرُّ وَلَدَهُ الْعَبْدَ ، لَمْ يَجِبْ الْقِصَاصُ لِشَرَفِ الْأُبُوَّةِ فِيمَا إذَا قَتَلَ وَلَدَهُ ، وَانْتِفَاءُ الْمُكَافَأَةِ فِيمَا إذَا قَتَلَ وَالِدَهُ .","part":18,"page":341},{"id":8841,"text":"( 6625 ) فَصْلٌ : وَإِذَا ادَّعَى نَفَرَانِ نَسَبَ صَغِيرٍ مَجْهُولِ النَّسَبِ ، ثُمَّ قَتَلَاهُ قَبْلَ إلْحَاقِهِ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا ، فَلَا قِصَاصَ عَلَيْهِمَا ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ابْنَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَوْ ابْنَهُمَا .\rوَإِنْ أَلْحَقَتْهُ الْقَافَةُ بِأَحَدِهِمَا ثُمَّ ، قَتَلَاهُ ، لَمْ يُقْتَلْ أَبُوهُ ، وَقُتِلَ الْآخَرُ ؛ لِأَنَّهُ شَرِيكُ الْأَبِ فِي قَتْلِ ابْنِهِ .\rوَإِنْ رَجَعَا جَمِيعًا عَنْ الدَّعْوَى ، لَمْ يُقْبَلْ رُجُوعُهُمَا ؛ لِأَنَّ النَّسَبَ حَقٌّ لِلْوَلَدِ ، فَلَمْ يُقْبَلْ رُجُوعُهُمَا عَنْ إقْرَارِهِمَا بِهِ ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ لَهُ بِحَقِّ سِوَاهُ ، أَوْ كَمَا لَوْ ادَّعَاهُ وَاحِدٌ ، فَأُلْحِقَ بِهِ ، ثُمَّ جَحَدَهُ .\rوَإِنْ رَجَعَ أَحَدُهُمَا ، صَحَّ رُجُوعُهُ ، وَثَبَتَ نَسَبُهُ مِنْ الْآخَرِ ؛ لِأَنَّ رُجُوعَهُ لَمْ يُبْطِلْ نَسَبَهُ ، وَيَسْقُطُ الْقِصَاصُ عَنْ الَّذِي لَمْ يَرْجِعْ ، وَيَجِبُ عَلَى الرَّاجِعِ ؛ لِأَنَّهُ شَارَكَ الْأَبَ ، وَإِنْ عُفِيَ عَنْهُ ، فَعَلَيْهِ نِصْفُ الدِّيَةِ .\rوَلَوْ اشْتَرَكَ رَجُلَانِ فِي وَطْءِ امْرَأَةٍ فِي طُهْرٍ وَاحِدٍ ، وَأَتَتْ بِوَلَدٍ ، يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مِنْهُمَا ، فَقَتَلَاهُ قَبْلَ إلْحَاقِهِ بِأَحَدِهِمَا ، لَمْ يَجِبْ الْقِصَاصُ ، وَإِنْ نَفَيَا نَسَبَهُ ، لَمْ يَنْتَفِ بِقَوْلِهِمَا ، وَإِنْ نَفَاهُ أَحَدُهُمَا ، لَمْ يَنْتَفِ بِقَوْلِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَحِقَهُ بِالْفِرَاشِ ، فَلَا يَنْتَفِي إلَّا بِاللَّعَّانِ .\rوَفَارَقَ الَّتِي قَبْلَهَا مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا أَنَّ أَحَدَهُمَا إذَا رَجَعَ عَنْ دَعْوَاهُ ، لَحِقَ الْآخَرَ ، وَهَا هُنَا لَا يَلْحَقُ بِذَلِكَ .\rوَالثَّانِي ، أَنَّ ثُبُوتَ نَسَبِهِ ثَمَّ بِالِاعْتِرَافِ ، فَيَسْقُطُ بِالْجَحْدِ ، وَهَا هُنَا يَثْبُتُ بِالِاشْتِرَاكِ فِي الْوَطْءِ ، فَلَا يَنْتَفِي بِالْجَحْدِ .\rوَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فِي هَذَا الْفَصْلِ كَمَا قُلْنَا ، سَوَاءٌ .","part":18,"page":342},{"id":8842,"text":"( 6626 ) فَصْلٌ : وَلَوْ قَتَلَ أَحَدُ الْأَبَوَيْنِ صَاحِبَهُ ، وَلَهُمَا وَلَدٌ ، لَمْ يَجِبْ الْقِصَاصُ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ وَجَبَ لَوَجَبَ ، لِوَلَدِهِ ، وَلَا يَجِبُ لِلْوَلَدِ قِصَاصٌ عَلَى وَالِده ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَجِبْ بِالْجِنَايَةِ عَلَيْهِ ، فَلَأَنْ لَا يَجِبَ لَهُ بِالْجِنَايَةِ عَلَى غَيْرِهِ أَوْلَى ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْوَلَدُ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى ، أَوْ كَانَ لِلْمَقْتُولِ وَلَدٌ سِوَاهُ ، أَوْ مَنْ يُشَارِكُهُ فِي الْمِيرَاثِ ، أَوْ لَمْ يَكُنْ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ ثَبَتَ الْقِصَاصُ ، لَوَجَبَ لَهُ جُزْءٌ مِنْهُ ، وَلَا يُمْكِنُ وُجُوبُهُ ، وَإِذَا لَمْ يَثْبُتْ بَعْضُهُ ، سَقَطَ كُلُّهُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَبَعَّضُ .\rوَصَارَ كَمَا لَوْ عَفَا بَعْضُ مُسْتَحِقِّي الْقِصَاصِ عَنْ نَصِيبِهِ مِنْهُ .\rفَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمَقْتُولِ وَلَدٌ مِنْهُمَا ، وَجَبَ الْقِصَاصُ ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ؛ مِنْهُمْ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَقَالَ الزُّهْرِيُّ : لَا يُقْتَلُ الزَّوْجُ بِامْرَأَتِهِ ؛ لِأَنَّهُ مَلَكَهَا بِعَقْدِ النِّكَاحِ فَأَشْبَهَ الْأَمَةَ .\rوَلَنَا ، عُمُومَاتُ النَّصِّ ، وَلِأَنَّهُمَا شَخْصَانِ مُتَكَافِئَانِ ، يُحَدُّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِقَذْفِ صَاحِبِهِ ، فَيُقْتَلُ بِهِ ، كَالْأَجْنَبِيَّيْنِ .\rوَقَوْلُهُ : إنَّهُ مَلَكَهَا .\rغَيْرُ صَحِيحٍ ، فَإِنَّهَا حُرَّةٌ ، وَإِنَّمَا مَلَكَ مَنْفَعَةَ الِاسْتِمْتَاعِ ، فَأَشْبَهَ الْمُسْتَأْجَرَةَ ؛ وَلِهَذَا تَجِبْ دِيَتُهَا عَلَيْهِ ، وَيَرِثُهَا وَرَثَتُهَا ، وَلَا يَرِثُ مِنْهَا إلَّا قَدْرَ مِيرَاثِهِ ، وَلَوْ قَتَلَهَا غَيْرُهُ ، كَانَ دِيَتُهَا أَوْ الْقِصَاصُ لِوَرَثَتِهَا ، بِخِلَافِ الْأَمَةِ .","part":18,"page":343},{"id":8843,"text":"( 6627 ) فَصْلٌ : وَلَوْ قَتَلَ رَجُلٌ أَخَاهُ ، فَوَرِثَهُ ابْنُهُ ، أَوْ أَحَدًا يَرِثُ ابْنُهُ مِنْهُ شَيْئًا مِنْ مِيرَاثِهِ ، لَمْ يَجِبْ الْقِصَاصُ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا .\rوَلَوْ قَتَلَ خَالَ ابْنِهِ ، فَوَرِثَتْ أُمُّ ابْنِهِ الْقِصَاصَ أَوْ جُزْءًا مِنْهُ ، ثُمَّ مَاتَتْ بِقَتْلِ الزَّوْجِ أَوْ غَيْرِهِ ، فَوَرِثَهَا ابْنُهُ ، سَقَطَ الْقِصَاصُ ؛ لِأَنَّ مَا مُنِعَ مُقَارِنًا أُسْقِطَ طَارِئًا ، وَتَجِبُ الدِّيَةُ .\rوَلَوْ قَتَلَتْ الْمَرْأَةُ أَخَا زَوْجِهَا ، فَصَارَ الْقِصَاصُ أَوْ جُزْءٌ مِنْهُ لِابْنِهَا ، سَقَطَ الْقِصَاصُ ، سَوَاءٌ صَارَ إلَيْهِ ابْتِدَاءً ، أَوْ انْتَقَلَ إلَيْهِ مِنْ أَبِيهِ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا .","part":18,"page":344},{"id":8844,"text":"( 6628 ) فَصْلٌ : وَإِذَا قَتَلَ أَحَدُ أَبَوَيْ الْمُكَاتَبِ الْمُكَاتَبَ ، أَوْ عَبْدًا لَهُ ، لَمْ يَجِبْ الْقِصَاصُ ؛ لِأَنَّ الْوَالِدَ لَا يُقْتَلُ بِوَلَدِهِ ، وَلَا يَثْبُتُ لِلْوَلَدِ عَلَى وَالِدِهِ قِصَاصٌ .\rوَإِنْ اشْتَرَى الْمُكَاتَبُ أَحَدَ أَبَوَيْهِ ، ثُمَّ قَتَلَهُ ، لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ قِصَاصٌ ؛ لِأَنَّ السَّيِّدَ لَا يُقْتَلُ بِعَبْدِهِ .","part":18,"page":345},{"id":8845,"text":"( 6629 ) فَصْلٌ : ابْنَانِ قَتَلَ أَحَدُهُمَا أَبَاهُ ، وَالْآخَرُ أُمَّهُ ، فَإِنْ كَانَتْ الزَّوْجِيَّةُ بَيْنَهُمَا مَوْجُودَةً حَالَ قَتْلِ الْأَوَّلِ ، فَالْقِصَاصُ عَلَى قَاتِلِ الثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ ؛ لِأَنَّ الْقَتِيلَ الثَّانِي وَرِثَ جُزْءًا مِنْ دَمِ الْأَوَّلِ ، فَلَمَّا قُتِلَ وَرِثَهُ قَاتِلُ الْأَوَّلِ ، فَصَارَ لَهُ جُزْءٌ مِنْ دَمِ نَفْسِهِ ، فَسَقَطَ الْقِصَاصُ عَنْهُ ، وَوَجَبَ لَهُ الْقِصَاصُ عَلَى أَخِيهِ ، فَإِنْ قَتَلَهُ ، وَرِثَهُ إنْ لَمْ يَكُنْ وَارِثٌ سِوَاهُ ؛ لِأَنَّهُ قَتَلَ بِحَقٍّ ، وَإِنْ عَفَا عَنْهُ إلَى الدِّيَةِ ، وَجَبَتْ ، وَتَقَاصَّا بِمَا بَيْنَهُمَا ، وَمَا فَضَلَ لِأَحَدِهِمَا فَهُوَ لَهُ عَلَى أَخِيهِ .\rوَإِنْ لَمْ تَكُنْ الزَّوْجِيَّةُ بَيْن الْأَبَوَيْنِ قَائِمَةً ، فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْقِصَاصُ لِأَخِيهِ ؛ لِأَنَّهُ وَرِثَ الَّذِي قَتَلَهُ أَخُوهُ وَحْدَهُ دُونَ قَاتِلِهِ ، فَإِنْ بَادَرَ أَحَدُهُمَا فَقَتَلَ صَاحِبَهُ ، فَقَدْ اسْتَوْفَى حَقَّهُ ، وَسَقَطَ الْقِصَاصُ عَنْهُ ؛ لِأَنَّهُ يَرِثُ أَخَاهُ ؛ لِكَوْنِهِ قَتْلًا بِحَقٍّ ، فَلَا يَمْنَعُ الْمِيرَاثَ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ لِلْمَقْتُولِ ابْنٌ ، أَوْ ابْنُ ابْنٍ يَحْجُبُ الْقَاتِلَ ، فَيَكُونَ لَهُ قَتْلُ عَمِّهِ ، وَيَرِثُهُ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ سِوَاهُ .\rوَإِنْ تَشَاحَّا فِي الْمُبْتَدِئِ مِنْهُمَا بِالْقَتْلِ ، احْتَمَلَ أَنْ يُبْدَأَ بِقَتْلِ الْقَاتِلِ الْأَوَّلِ ؛ لِأَنَّهُ أَسْبَقُ ، وَاحْتُمِلَ أَنْ يُقْرَعَ بَيْنَهُمَا .\rوَهَذَا قَوْلُ الْقَاضِي ، وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُمَا تُسَاوَيَا فِي الِاسْتِحْقَاقِ ، فَيَصِيرَا إلَى الْقُرْعَةِ ، وَأَيُّهُمَا قَتَلَ صَاحِبَهُ أَوَّلًا ، إمَّا بِمُبَادَرَةٍ أَوْ قُرْعَةٍ ، وَرِثَهُ ، فِي قِيَاسِ الْمَذْهَبِ ، إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ سِوَاهُ ، وَسَقَطَ عَنْهُ الْقِصَاصُ ، وَإِنْ كَانَ مَحْجُوبًا عَنْ مِيرَاثِهِ كُلِّهِ ، فَلَوْ وَرِثَ الْقَتِيلُ قُتِلَ الْآخَرُ .\rوَإِنْ عَفَا أَحَدُهُمَا عَنْ الْآخَرِ ، ثُمَّ قَتَلَ الْمَعْفُوُّ عَنْهُ الْعَافِيَ ، وَرِثَهُ أَيْضًا ، وَسَقَطَ عَنْهُ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ مِنْ الدِّيَةِ .\rوَإِنْ تَعَافَيَا جَمِيعًا عَلَى الدِّيَةِ ، تَقَاصَّا","part":18,"page":346},{"id":8846,"text":"بِمَا اسْتَوَيَا فِيهِ ، وَوَجَبَ لِقَاتِلِ الْأُمِّ الْفَضْلُ عَلَى قَاتِلِ الْأَبِ ؛ لِأَنَّ عَقْلَ الْأُمِّ نِصْفُ عَقْلِ الْأَبِ .\rوَيَتَخَرَّجُ أَنْ يَسْقُطَ الْقِصَاصُ عَنْهُمَا ؛ لِتَسَاوِيهِمَا فِي اسْتِحْقَاقِهِ ، كَسُقُوطِ الدِّيَتَيْنِ إذَا تَسَاوَتَا ، وَلِأَنَّهُ لَا سَبِيلَ إلَى اسْتِيفَائِهِمَا مَعًا ، وَاسْتِيفَاءُ أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ حَيْفٌ ، فَلَا يَجُوزُ ، فَتَعَيَّنَ السُّقُوطُ .\rوَإِنْ كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ابْنٌ يَحْجُبُ عَمَّهُ عَنْ مِيرَاثِ أَبِيهِ ، فَإِذَا قَتَلَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ ، وَرِثَهُ ابْنُهُ ، ثُمَّ لِابْنِهِ أَنْ يَقْتُلَ عَمَّهُ ، وَيَرِثُهُ ابْنُهُ ، وَيَرِثُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الِابْنَيْنِ مَالَ أَبِيهِ وَمَالَ جَدِّهِ الَّذِي قَتَلَهُ عَمُّهُ دُونَ الَّذِي قَتَلَهُ أَبُوهُ .\rوَإِنْ كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِنْتٌ ، فَقَتَلَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ ، سَقَطَ الْقِصَاصُ عَنْهُ ؛ لِأَنَّهُ وَرِثَ نِصْفَ مَالِ أَخِيهِ وَنِصْفَ قِصَاصِ نَفْسِهِ ، فَسَقَطَ عَنْهُ الْقِصَاصُ ، وَوَرِثَ مَالَ أَبِيهِ الَّذِي قَتَلَهُ أَخُوهُ وَنِصْفَ مَالِ أَخِيهِ وَنِصْفَ مَالِ أَبِيهِ الَّذِي قَتَلَهُ هُوَ ، وَوَرِثَتْ الْبِنْتُ الَّتِي قُتِلَ أَبُوهَا نِصْفَ مَالِ أَبِيهَا وَنِصْفَ مَالِ جَدِّهَا الَّذِي قَتَلَهُ عَمُّهَا ، وَلَهَا عَلَى عَمِّهَا نِصْفُ دِيَةِ قَتِيلِهِ .","part":18,"page":347},{"id":8847,"text":"( 6630 ) فَصْلٌ : أَرْبَعَةُ إخْوَةٍ ، قَتَلَ الْأَوَّلُ الثَّانِيَ ، وَالثَّالِثُ الرَّابِعَ ، فَالْقِصَاصُ عَلَى الثَّالِثِ ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا قَتَلَ الرَّابِعَ ، لَمْ يَرِثْهُ ، وَوَرِثَهُ الْأَوَّلُ وَحْدَهُ ، وَقَدْ كَانَ لِلرَّابِعِ نِصْفُ قِصَاصِ الْأَوَّلِ ، فَرَجَعَ نِصْفُ قِصَاصِهِ إلَيْهِ ، فَسَقَطَ ، وَوَجَبَ لِلثَّالِثِ نِصْفُ الدِّيَةِ ، وَكَانَ لِلْأَوَّلِ قَتْلُ الثَّالِثِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرِثْ مِنْ دَمِ نَفْسِهِ شَيْئًا ، فَإِنْ قَتَلَهُ ، وَرِثَهُ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ ، وَيَرِثُ مَا يَرِثُهُ عَنْ أَخِيهِ الثَّانِي ، وَإِنْ عَفَا عَنْهُ إلَى الدِّيَةِ ، وَجَبَتْ عَلَيْهِ بِكَمَالِهَا يُقَاصُّهُ بِنِصْفِهَا .\rوَإِنْ كَانَ لَهُمَا وَرَثَةٌ ، كَانَ فِيهَا مِنْ التَّفْصِيلِ مِثْلُ الَّذِي فِي الَّتِي قَبْلَهَا .","part":18,"page":348},{"id":8848,"text":"( 6631 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَيُقْتَلُ الْوَلَدُ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ) هَذَا قَوْلُ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ ؛ مِنْهُمْ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَحَكَى أَصْحَابُنَا عَنْ أَحْمَدَ ، رِوَايَةً ثَانِيَةً ، أَنَّ الِابْنَ لَا يُقْتَلُ بِأَبِيهِ ؛ لِأَنَّهُ مِمَّنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لَهُ بِحَقِّ النَّسَبِ ، فَلَا يُقْتَلُ بِهِ كَالْأَبِ مَعَ ابْنِهِ .\rوَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ يُقْتَلُ بِهِ ؛ لِلْآيَاتِ ، وَالْأَخْبَارِ ، وَمُوَافَقَةِ الْقِيَاسِ ، وَلِأَنَّ الْأَبَ أَعْظَمُ حُرْمَةً وَحَقًّا مِنْ الْأَجْنَبِيِّ ، فَإِذَا قُتِلَ بِالْأَجْنَبِيِّ ، فَبِالْأَبِ أَوْلَى ، وَلِأَنَّهُ يُحَدُّ بِقَذْفِهِ ، فَيُقْتَلُ بِهِ ، كَالْأَجْنَبِيِّ .\rوَلَا يَصِحُّ قِيَاسُ الِابْنِ عَلَى الْأَبِ ؛ لِأَنَّ حُرْمَةَ الْوَالِدِ عَلَى الْوَلَدِ آكَدُ ، وَالِابْنُ مُضَافٌ إلَى أَبِيهِ فَاللَّامُ التَّمْلِيكِ ، بِخِلَافِ الْوَالِدِ مَعَ الْوَلَدِ .\rوَقَدْ ذَكَرَ أَصْحَابُنَا حَدِيثَيْنِ مُتَعَارِضَيْنِ عَنْ سُرَاقَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ قَالَ : { لَا يُقَادُ الْأَبُ مِنْ ابْنِهِ ، وَلَا الِابْنُ مِنْ أَبِيهِ } .\rوَالثَّانِي : أَنَّهُ { كَانَ يُقِيدُ الْأَبَ مِنْ ابْنِهِ ، وَلَا يُقِيدُ الِابْنَ مِنْ أَبِيهِ .\r} رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ .\rوَهَذَانِ الْحَدِيثَانِ ؛ الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ لَا نَعْرِفُهُ ، وَلَمْ نَجِدْهُ فِي كُتُبِ السُّنَنِ الْمَشْهُورَةِ ، وَلَا أَظُنُّ لَهُ أَصْلًا ، وَإِنْ كَانَ لَهُ أَصْلٌ فَهُمَا مُتَعَارِضَانِ مُتَدَافِعَانِ ، يَجِبُ اطِّرَاحُهُمَا ، وَالْعَمَلُ بِالنُّصُوصِ الْوَاضِحَةِ الثَّابِتَةِ ، وَالْإِجْمَاعِ الَّذِي لَا تَجُوزُ مُخَالَفَتُهُ .","part":18,"page":349},{"id":8849,"text":"( 6632 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَيُقْتَلُ الْجَمَاعَةُ بِالْوَاحِدِ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْجَمَاعَةَ إذَا قَتَلُوا وَاحِدًا ، فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ الْقِصَاصُ ، إذَا كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ لَوْ انْفَرَدَ بِفِعْلِهِ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ .\rرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ ، وَعَلِيٍّ ، وَالْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ .\rوَبِهِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ، وَالْحَسَنُ ، وَأَبُو سَلَمَةَ ، وَعَطَاءٌ ، وَقَتَادَةُ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَإِسْحَاقَ ، وَأَبِي ثَوْرٍ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ .\rوَحُكِيَ عَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى ، لَا يُقْتَلُونَ بِهِ ، وَتَجِبُ عَلَيْهِمْ الدِّيَةُ .\rوَهَذَا قَوْلُ ابْنِ الزُّبَيْرِ ، وَالزُّهْرِيِّ ، وَابْنِ سِيرِينَ ، وَحَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، وَعَبْدِ الْمَلِكِ ، وَرَبِيعَةَ ، وَدَاوُد وَابْنِ الْمُنْذِرِ .\rوَحَكَاهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ .\rوَرُوِيَ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ ، وَابْنِ سِيرِينَ ، وَالزُّهْرِيِّ ، أَنَّهُ يُقْتَلُ مِنْهُمْ وَاحِدٌ ، وَيُؤْخَذُ مِنْ الْبَاقِينَ حِصَصُهُمْ مِنْ الدِّيَةِ ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مُكَافِئٌ لَهُ ، فَلَا تُسْتَوْفَى أَبْدَالٌ بِمُبَدِّلٍ وَاحِدٍ ، كَمَا لَا تَجِبُ دِيَاتٌ لَمَقْتُولٍ وَاحِدٍ ، وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : { الْحُرُّ بِالْحُرِّ } .\rوَقَالَ : { وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ } .\rفَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ لَا يُؤْخَذُ بِالنَّفْسِ أَكْثَرُ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ، وَلِأَنَّ التَّفَاوُتَ فِي الْأَوْصَافِ يَمْنَعُ ، بِدَلِيلِ أَنَّ الْحُرَّ لَا يُؤْخَذُ بِالْعَبْدِ ، وَالتَّفَاوُتُ فِي الْعَدَدِ أَوْلَى .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : لَا حُجَّةَ مَعَ مَنْ أَوْجَبَ قَتْلَ جَمَاعَةٍ بِوَاحِدٍ .\rوَلَنَا ، إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، رَوَى سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ، قَتَلَ سَبْعَةً مِنْ أَهْلِ صَنْعَاءَ قَتَلُوا رَجُلًا ، وَقَالَ لَوْ تَمَالَأَ عَلَيْهِ أَهْلُ صَنْعَاءَ لَقَتَلْتُهُمْ جَمِيعًا .\rوَعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَتَلَ ثَلَاثَةً","part":18,"page":350},{"id":8850,"text":"قَتَلُوا رَجُلًا .\rوَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَتَلَ جَمَاعَةً بِوَاحِدٍ ، وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُمْ فِي عَصْرِهِمْ مُخَالِفٌ ، فَكَانَ إجْمَاعًا ، وَلِأَنَّهَا عُقُوبَةٌ تَجِبُ لِلْوَاحِدِ عَلَى الْوَاحِدِ ، فَوَجَبَتْ لِلْوَاحِدِ عَلَى الْجَمَاعَةِ ، كَحَدِّ الْقَذْفِ .\rوَيُفَارِقُ الدِّيَةَ ، فَإِنَّهَا تَتَبَعَّضُ ، وَالْقِصَاصُ لَا يَتَبَعَّضُ ، وَلِأَنَّ الْقِصَاصَ لَوْ سَقَطَ بِالِاشْتِرَاكِ ، أَدَّى إلَى التَّسَارُعِ إلَى الْقَتْلِ بِهِ ، فَيُؤَدِّي إلَى إسْقَاطِ حِكْمَةِ الرَّدْعِ وَالزَّجْرِ .\r( 6633 ) فَصْلٌ : وَلَا يُعْتَبَرُ فِي وُجُوبِ الْقِصَاصِ عَلَى الْمُشْتَرِكِينَ التَّسَاوِي فِي سَبَبِهِ ، فَلَوْ جَرَحَهُ رَجُلٌ جُرْحًا وَالْآخَرُ مِائَةً ، أَوْ جَرَحَهُ أَحَدُهُمَا مُوضِحَةً وَالْآخَرُ آمَّةً ، أَوْ أَحَدُهُمَا جَائِفَةً وَالْآخَرُ غَيْرَ جَائِفَةٍ ، فَمَاتَ ، كَانَا سَوَاءً فِي الْقِصَاصِ وَالدِّيَةِ ؛ لِأَنَّ اعْتِبَارَ التَّسَاوِي يُفْضِي إلَى سُقُوطِ الْقِصَاصِ عَنْ الْمُشْتَرِكِينَ ، إذْ لَا يَكَادُ جُرْحَانِ يَتَسَاوَيَانِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ ، وَلَوْ احْتَمَلَ التَّسَاوِي لَمْ يَثْبُتْ الْحُكْمُ ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ يُعْتَبَرُ الْعِلْمُ بِوُجُودِهِ ، وَلَا يَكْتَفِي بِاحْتِمَالِ الْوُجُودِ ، بَلْ الْجَهْلُ بِوُجُودِهِ كَالْعِلْمِ بِعَدَمِهِ فِي انْتِفَاءِ الْحُكْمِ ، وَلِأَنَّ الْجُرْحَ الْوَاحِدَ يَحْتَمِلُ أَنْ يَمُوتَ مِنْهُ دُونَ الْمِائَةِ ، كَمَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَمُوتَ مِنْ الْمُوضِحَةِ دُونَ الْآمَّةِ ، وَمِنْ غَيْرِ الْجَائِفَةِ دُونَ الْجَائِفَةِ ، وَلِأَنَّ الْجِرَاحَ إذَا صَارَتْ نَفْسًا سَقَطَ اعْتِبَارُهَا ، فَكَانَ حُكْمُ الْجَمَاعَةِ كَحُكْمِ الْوَاحِدِ ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَطَعَ أَطْرَافَهُ كُلَّهَا فَمَاتَ ، وَجَبَتْ دِيَةٌ وَاحِدَةٌ ، كَمَا لَوْ قَطَعَ طَرَفَهُ فَمَاتَ .","part":18,"page":351},{"id":8851,"text":"( 6634 ) فَصْلٌ : إذَا اشْتَرَكَ ثَلَاثَةٌ فِي قَتْلِ رَجُلٍ ، فَقَطَعَ أَحَدُهُمْ يَدَهُ ، وَالْآخَرُ رِجْلَهُ ، وَأَوْضَحَهُ الثَّالِثُ ، فَمَاتَ ، فَلِلْوَلِيِّ قَتْلُ جَمِيعِهِمْ ، وَالْعَفْوُ عَنْهُمْ إلَى الدِّيَةِ ، فَيَأْخُذُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ ثُلُثَهَا ، وَلَهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْ وَاحِدٍ ، فَيَأْخُذَ مِنْهُ ثُلُثَ الدِّيَةِ ، وَيَقْتُلَ الْآخَرَيْنِ ، وَلَهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْ اثْنَيْنِ ، فَيَأْخُذَ مِنْهُمَا ثُلُثِي الدِّيَةِ ، وَيَقْتُلَ الثَّالِثَ ، فَإِنْ بَرَأَتْ جِرَاحَةُ أَحَدِهِمْ ، وَمَاتَ مِنْ الْجُرْحَيْنِ الْآخَرَيْنِ ، فَلَهُ أَنْ يَقْتَصَّ مِنْ الَّذِي بَرَأَ جُرْحُهُ بِمِثْلِ جُرْحِهِ ، وَيَقْتُلَ الْآخَرَيْنِ ، أَوْ يَأْخُذَ مِنْهُمَا دِيَةً كَامِلَةً ، أَوْ يَقْتُلَ أَحَدَهُمَا وَيَأْخُذَ مِنْ الْآخَرِ نِصْفَ الدِّيَةِ ، وَلَهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْ الَّذِي بَرَأَ جُرْحُهُ ، وَيَأْخُذَ مِنْهُ دِيَةَ جُرْحِهِ .\rفَإِنْ ادَّعَى الْمُوضِحُ أَنَّ جُرْحَهُ بَرَأَ قَبْلَ مَوْتِهِ ، وَكَذَّبَهُ شَرِيكَاهُ ، نَظَرْت فِي الْوَلِيِّ ، فَإِنْ صَدَّقَهُ ثَبَتَ حُكْمُ الْبُرْءِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ ، فَلَا يَمْلِكُ قَتْلَهُ ، وَلَا مُطَالَبَتَهُ بِثُلُثِ الدِّيَةِ ، وَلَهُ أَنْ يَقْتَصَّ مِنْهُ مُوضِحَهُ ، أَوْ يَأْخُذَ مِنْهُ أَرْشَهَا ، وَلَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ فِي حَقِّ شَرِيكِهِ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْبُرْءِ فِيهَا ، لَكِنْ إنْ اخْتَارَ الْوَلِيُّ الْقِصَاصَ ، فَلَا فَائِدَةَ لَهُمَا فِي إنْكَارِ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ لَهُ أَنْ يَقْتُلَهُمَا ، سَوَاءٌ بَرَأَتْ أَوْ لَمْ تَبْرَأْ .\rوَإِنْ اخْتَارَ الدِّيَةَ ، لَمْ يَلْزَمْهُمَا أَكْثَرُ مِنْ ثُلُثَيْهَا .\rوَإِنْ كَذَّبَهُ الْوَلِيُّ ، حَلَفَ ، وَلَهُ الِاقْتِصَاصُ مِنْهُ ، أَوْ مُطَالَبَتُهُ بِثُلُثِ الدِّيَةِ ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مُطَالَبَةُ شَرِيكِهِ بِأَكْثَرَ مِنْ ثُلُثهَا .\rفَإِنْ شَهِدَ لَهُ شَرِيكَاهُ بِبُرْئِهَا ، لَزِمَهُمَا الدِّيَةُ كَامِلَةً ؛ لِإِقْرَارِهِمَا بِوُجُوبِهَا ، وَلِلْوَلِيِّ أَخْذُهَا مِنْهُمَا إنْ صَدَّقَهُمَا ، وَإِنْ لَمْ يُصَدِّقْهُمَا ، وَعَفَا وَلِيُّ الدِّيَةِ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَكْثَرُ مِنْ ثُلُثَيْهَا ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدَّعِي أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ .\rوَتُقْبَلُ","part":18,"page":352},{"id":8852,"text":"شَهَادَتُهُمَا لَهُ ، إنْ كَانَا قَدْ تَابَا وَعُدِّلَا ؛ لِأَنَّهُمَا لَا يَجُرَّانِ إلَى أَنْفُسِهِمَا بِذَلِكَ نَفْعًا ، فَيَسْقُطُ الْقِصَاصُ عَنْهُ ، وَلَا يَلْزَمُهُ أَكْثَرُ مِنْ أَرْشِ مُوضِحَةٍ .","part":18,"page":353},{"id":8853,"text":"( 6635 ) فَصْلٌ : إذَا قَطَعَ رَجُلٌ يَدَهُ مِنْ الْكُوعِ ، ثُمَّ قَطَعَهَا آخَرُ مِنْ الْمَرْفِقِ ، ثُمَّ مَاتَ ، نَظَرْت ؛ فَإِنْ كَانَتْ جِرَاحَةُ الْأَوَّلِ بَرَأَتْ قَبْلَ قَطْعِ الثَّانِي ، فَالثَّانِي هُوَ الْقَاتِلُ وَحْدَهُ ، وَعَلَيْهِ الْقَوَدُ ، أَوْ الدِّيَةُ كَامِلَةً ، إنْ عَفَا عَنْ قَتْلِهِ ، وَلَهُ قَطْعُ يَدِ الْأَوَّلِ ، أَوْ نِصْفُ الدِّيَةِ ، وَإِنْ لَمْ تَبْرَأْ ، فَهُمَا قَاتِلَانِ ، وَعَلَيْهِمَا الْقِصَاصُ فِي النَّفْسِ ، وَإِنْ عَفَا إلَى الدِّيَةِ ، وَجَبَتْ عَلَيْهِمَا .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : الْقَاتِلُ هُوَ الثَّانِي وَحْدَهُ ، وَلَا قِصَاصَ عَلَى الْأَوَّلِ فِي النَّفْسِ ؛ لِأَنَّ قَطْعَ الثَّانِي قَطْعُ سِرَايَةٍ ، قَطَعَهُ وَمَاتَ بَعْدَ زَوَالِ جِنَايَتِهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ انْدَمَلَ جُرْحُهُ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : إنْ قَطَعَهُ الثَّانِي عَقِيبَ قَطْعِ الْأَوَّلِ ، قُتِلَا جَمِيعًا ، وَإِنْ عَاشَ بَعْدَ قَطْعِ الْأَوَّلِ حَتَّى أَكَلَ وَشَرِبَ ، وَمَاتَ عَقِيبَ قَطْعِ الثَّانِي ، فَالثَّانِي هُوَ الْقَاتِلُ وَحْدَهُ ، وَإِنْ عَاشَ بَعْدَهُمَا حَتَّى أَكَلَ وَشَرِبَ ، فَلِلْأَوْلِيَاءِ أَنْ يُقْسِمُوا عَلَى أَيِّهِمَا شَاءُوا وَيَقْتُلُوهُ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُمَا قَطْعَانِ لَوْ مَاتَ بَعْدَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَحْدَهُ ، لَوَجَبَ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ ، فَإِذَا مَاتَ بَعْدَهُمَا ، وَجَبَ عَلَيْهِمَا الْقِصَاصُ ، كَمَا لَوْ كَانَ فِي يَدَيْنِ ، وَلِأَنَّ الْقَطْعَ الثَّانِيَ لَا يَمْنَعُ جِنَايَتَهُ بَعْدَهُ ، فَلَا يَسْقُطُ حُكْمُ مَا قَبْلَهُ ، كَمَا لَوْ كَانَ فِي يَدَيْنِ ، وَلَا نُسَلِّمُ زَوَالَ جِنَايَتِهِ ، وَلَا قَطْعَ سِرَايَته ، فَإِنَّ الْأَلَمَ الْحَاصِلَ بِالْقَطْعِ الْأَوَّلِ لَمْ يَزُلْ ، وَإِنَّمَا انْضَمَّ إلَيْهِ الْأَلَمُ الثَّانِي ، فَضَعُفَتْ النَّفْسُ عَنْ احْتِمَالِهِمَا ، فَزَهَقَتْ بِهِمَا ، فَكَانَ الْقَتْلُ بِهِمَا .\rوَيُخَالِفُ الِانْدِمَالَ ؛ فَإِنَّهُ لَا يَبْقَى مَعَهُ الْأَلَمُ الَّذِي حَصَلَ فِي الْأَعْضَاءِ الشَّرِيفَةِ ، فَاخْتَلَفَا .\rفَإِنْ ادَّعَى الْأَوَّلُ أَنَّ جُرْحَهُ انْدَمَلَ ، فَصَدَّقَهُ الْوَلِيُّ ، سَقَطَ عَنْهُ الْقَتْلُ ، وَلَزِمَهُ الْقِصَاصُ","part":18,"page":354},{"id":8854,"text":"فِي الْيَدِ أَوْ نِصْفُ الدِّيَةِ ، وَإِنْ كَذَّبَهُ شَرِيكُهُ ، وَاخْتَارَ الْوَلِيُّ الْقِصَاصَ ، فَلَا فَائِدَةَ لَهُ فِي تَكْذِيبِهِ ؛ لِأَنَّ قَتْلَهُ وَاجِبٌ ، وَإِنْ عَفَا عَنْهُ إلَى الدِّيَةِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ ، وَلَا يَلْزَمُهُ أَكْثَرُ مِنْ نِصْفِ الدِّيَةِ .\rوَإِنْ كَذَّبَ الْوَلِيُّ الْأَوَّلَ ، حَلَفَ ، وَكَانَ لَهُ قَتْلُهُ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ مَا ادَّعَاهُ .\rوَلَوْ ادَّعَى الثَّانِي انْدِمَالَ جُرْحِهِ ، فَالْحُكْمُ فِيهِ كَالْحُكْمِ فِي الْأَوَّلِ إذَا ادَّعَى ذَلِكَ .","part":18,"page":355},{"id":8855,"text":"( 6636 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَإِذَا قَطَعُوا يَدًا ، قُطِعَتْ نَظِيرَتُهَا مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْجَمَاعَةَ إذَا اشْتَرَكُوا فِي جُرْحٍ مُوجِبٍ لِلْقِصَاصِ ، وَجَبَ الْقِصَاصُ عَلَى جَمِيعِهِمْ .\rوَبِهِ قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَقَالَ الْحَسَنُ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ : لَا تُقْطَعُ يَدَانِ بِيَدٍ وَاحِدَةٍ .\rوَيَتَعَيَّنُ ذَلِكَ وَجْهًا فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ ؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّ الْجَمَاعَةَ لَا يُقْتَلُونَ بِالْوَاحِدِ .\rوَهَذَا تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ الْأَطْرَافَ لَا تُؤْخَذُ بِطَرَفٍ وَاحِدٍ ؛ لِأَنَّ الْأَطْرَافَ يُعْتَبَرُ التَّسَاوِي فِيهَا ، بِدَلِيلِ أَنَّا لَا نَأْخُذُ الصَّحِيحَةَ بِالشَّلَّاءِ ، وَلَا كَامِلَةَ الْأَصَابِعِ بِنَاقِصَتِهَا ، وَلَا أَصْلِيَّةً بِزَائِدَةٍ ، وَلَا زَائِدَةً بِأَصْلِيَّةٍ ، وَلَا يَمِينًا بِيَسَارٍ ، وَلَا يَسَارًا بِيَمِينٍ ، وَلَا نُسَاوِي بَيْنَ الطَّرَفِ وَالْأَطْرَافِ ، فَوَجَبَ امْتِنَاعُ الْقِصَاصِ بَيْنَهُمَا ، وَلَا يُعْتَبَرُ التَّسَاوِي فِي النَّفْسِ ، فَإِنَّنَا نَأْخُذُ الصَّحِيحَ بِالْمَرِيضِ ، وَصَحِيحَ الْأَطْرَافِ بِمَقْطُوعِهَا وَأَشَلَّهَا ، وَلِأَنَّهُ يُعْتَبَرُ فِي الْقِصَاصِ فِي الْأَطْرَافِ التَّسَاوِي فِي نَفْسِ الْقَطْعِ ، بِحَيْثُ لَوْ قَطَعَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ جَانِبٍ ، لَمْ يَجِبْ الْقِصَاصُ ، بِخِلَافِ النَّفْسِ ، وَلِأَنَّ الِاشْتِرَاكَ الْمُوجِبَ لِلْقِصَاصِ فِي النَّفْسِ يَقَعُ كَثِيرًا ، فَوَجَبَ الْقِصَاصُ زَجْرًا عَنْهُ ، كَيْ لَا يُتَّخَذَ وَسِيلَةً إلَى كَثْرَةِ الْقَتْلِ ، وَالِاشْتِرَاكُ الْمُخْتَلَفُ فِيهِ لَا يَقَعُ إلَّا فِي غَايَةِ النُّدْرَةِ ، فَلَا حَاجَةَ إلَى الزَّجْرِ عَنْهُ .\rوَلِأَنَّ إيجَابَ الْقِصَاصِ عَلَى الْمُشْتَرِكِينَ فِي النَّفْسِ يَحْصُلُ بِهِ الزَّجْرُ عَنْ كُلِّ اشْتِرَاكٍ ، أَوْ عَنْ الِاشْتِرَاكِ الْمُعْتَادِ ، وَإِيجَابُهُ عَنْ الْمُشْتَرِكِينَ فِي الطَّرَفِ ، لَا يَحْصُلُ بِهِ الزَّجْرُ عَنْ الِاشْتِرَاكِ الْمُعْتَادِ ، وَلَا عَنْ شَيْءٍ مِنْ الِاشْتِرَاكِ ، إلَّا عَلَى صُورَةٍ نَادِرَةِ الْوُقُوعِ بَعِيدَةِ الْوُجُودِ","part":18,"page":356},{"id":8856,"text":"، يُحْتَاجُ فِي وُجُودِهَا إلَى تَكَلُّفٍ ، فَإِيجَابُ الْقِصَاصِ لِلزَّجْرِ عَنْهَا يَكُونُ مَنْعًا لَشَيْءٍ مُمْتَنِعٍ بِنَفْسِهِ لِصُعُوبَتِهِ ، وَإِطْلَاقًا فِي الْقَطْعِ السَّهْلِ الْمُعْتَادِ بِنَفْيِ الْقِصَاصِ عَنْ فَاعِلِهِ ، وَهَذَا لَا فَائِدَةَ فِيهِ ، بِخِلَافِ الِاشْتِرَاكِ فِي النَّفْسِ ، يُحَقِّقُهُ أَنَّ وُجُوبَ الْقِصَاصِ عَلَى الْجَمَاعَةِ بِوَاحِدٍ فِي النَّفْسِ وَالطَّرَفِ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ ، لِكَوْنِهِ يَأْخُذُ فِي الِاسْتِيفَاءِ زِيَادَةً عَلَى مَا فَوَّتَ عَلَيْهِ ، وَيُخِلُّ بِالتَّمَاثُلِ الْمَنْصُوصِ عَلَى النَّهْيِ عَمَّا عَدَاهُ ، وَإِنَّمَا خُولِفَ هَذَا الْأَصْلُ فِي الْأَنْفُسِ ، زَجْرًا عَنْ الِاشْتِرَاكِ الَّذِي يَقَعُ الْقَتْلُ بِهِ غَالِبًا ، فَفِيمَا عَدَاهُ يَجِبُ الْبَقَاءُ عَلَى أَصْلِ التَّحْرِيمِ ، وَلِأَنَّ النَّفْسَ أَشْرَفُ مِنْ الطَّرَفِ ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ الْمُحَافَظَةِ عَلَيْهَا بِأَخْذِ الْجَمَاعَةِ بِالْوَاحِدِ ، الْمُحَافَظَةُ عَلَى مَا دُونَهَا بِذَلِكَ .\rوَلَنَا ، مَا رُوِيَ أَنَّ شَاهِدَيْنِ شَهِدَا عِنْدَ عَلِيٍّ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلَى رَجُلٍ بِالسَّرِقَةِ ، فَقَطَعَ يَدَهُ ، ثُمَّ جَاءَا بِآخَرَ ، فَقَالَا : هَذَا هُوَ السَّارِقُ وَأَخْطَأْنَا فِي الْأَوَّلِ .\rفَرَدَّ شَهَادَتَهُمَا عَلَى الثَّانِي ، وَغَرَّمَهُمَا دِيَةَ الْأَوَّلِ ، وَقَالَ : لَوْ عَلِمْت أَنَّكُمَا تَعَمَّدْتُمَا ، لَقَطَعْتُكُمَا .\rفَأَخْبَرَ أَنَّ الْقِصَاصَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَوْ تَعَمَّدَا قَطْعَ يَدٍ وَاحِدَةٍ .\rوَلِأَنَّهُ أَحَدُ نَوْعَيْ الْقِصَاصِ ، فَتُؤْخَذُ الْجَمَاعَةُ بِالْوَاحِدِ كَالْأَنْفُسِ ، وَأَمَّا اعْتِبَارُ التَّسَاوِي ، فَمِثْلُهُ فِي الْأَنْفُسِ ، فَإِنَّنَا نَعْتَبِرُ التَّسَاوِي فِيهَا ، فَلَا نَأْخُذُ مُسْلِمًا بِكَافِرٍ ، وَلَا حُرًّا بِعَبْدٍ ، وَأَمَّا أَخْذُ صَحِيحِ الْأَطْرَافِ بِمَقْطُوعِهَا ، فَلِأَنَّ الطَّرَفَ لَيْسَ هُوَ مِنْ النَّفْسِ الْمُقْتَصِّ مِنْهَا ، وَإِنَّمَا يَفُوتُ تَبَعًا ؛ وَلِذَلِكَ كَانَتْ دِيَتُهُمَا وَاحِدَةً ، بِخِلَافِ الْيَدِ النَّاقِصَةِ وَالشَّلَّاءِ مَعَ الصَّحِيحَةِ ، فَإِنَّ دِيَتَهُمَا مُخْتَلِفَةٌ .\rوَأَمَّا اعْتِبَارُ التَّسَاوِي فِي الْفِعْلِ ،","part":18,"page":357},{"id":8857,"text":"فَإِنَّمَا اُعْتُبِرَ فِي الْيَدِ ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ مُبَاشَرَتُهَا بِالْقَطْعِ ، فَإِذَا قَطَعَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ جَانِبٍ ، كَانَ فِعْلُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُتَمَيِّزًا عَنْ فِعْلِ صَاحِبِهِ ، فَلَا يَجِبُ عَلَى إنْسَانٍ قَطْعُ مَحَلٍّ لَمْ يَقْطَعْ مِثْلَهُ ، وَأَمَّا النَّفْسُ ، فَلَا يُمْكِنُ مُبَاشَرَتُهَا بِالْفِعْلِ ، وَإِنَّمَا أَفْعَالُهُمْ فِي الْبَدَنِ ، فَيُفْضِي أَلَمُهُ إلَيْهَا فَتَزْهَقُ ، وَلَا يَتَمَيَّزُ أَلَمُ فِعْلِ أَحَدِهِمَا مِنْ أَلَمِ فِعْلِ الْآخَرِ ، فَكَانَا كَالْقَاطِعَيْنِ فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ ، وَلِذَلِكَ لَا يَسْتَوْفِي مِنْ الطَّرَفِ إلَّا فِي الْمَفْصِلِ الَّذِي قَطَعَ الْجَانِي مِنْهُ ، وَلَا يَجُوزُ تَجَاوُزُهُ ، وَفِي النَّفْسِ لَوْ قَتَلَهُ بِجُرْحٍ فِي بَطْنِهِ أَوْ جَنْبِهِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ ، كَانَ الِاسْتِيفَاءُ مِنْ الْعُنُقِ دُونَ الْمَحَلِّ الَّذِي وَقَعَتْ الْجِنَايَةُ فِيهِ .\rوَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِنَّمَا يَجِبُ الْقِصَاصُ عَلَى الْمُشْتَرِكِينَ فِي الطَّرَفِ ، إذَا اشْتَرَكُوا فِيهِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَتَمَيَّزُ فِعْلُ أَحَدِهِمْ عَنْ فِعْلِ الْآخَرِ ؛ إمَّا بِأَنْ يَشْهَدُوا عَلَيْهِ بِمَا يُوجِبُ قَطْعَهُ ، فَيُقْطَعُ ، ثُمَّ يَرْجِعُونَ عَنْ الشَّهَادَةِ ، أَوْ يُكْرِهُوا إنْسَانًا عَلَى قَطْعِ طَرَفٍ ، فَيَجِبُ قَطْعُ الْمُكْرِهِينَ كُلِّهِمْ وَالْمُكْرَهُ ، أَوْ يُلْقُوا صَخْرَةً عَلَى طَرَفِ إنْسَانٍ ، فَيَقْطَعُهُ ، أَوْ يَقْطَعُوا يَدًا يَقْلَعُوا عَيْنًا ، بِضَرْبَةٍ وَاحِدَةٍ ، أَوْ يَضَعُوا حَدِيدَةً عَلَى مَفْصِلٍ ، وَيَتَحَامَلُوا عَلَيْهَا جَمِيعًا ، أَوْ يَمُدُّوهَا ، فَتَبِينُ ، فَإِنْ قَطَعَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مِنْ جَانِبٍ ، أَوْ قَطَعَ أَحَدُهُمْ بَعْضَ الْمَفْصِلِ ، وَأَتَمَّهُ غَيْرُهُ أَوْ ضَرَبَ كُلُّ وَاحِدٍ ضَرْبَةً ، أَوْ وَضَعُوا مِنْشَارًا عَلَى مَفْصِلِهِ ، ثُمَّ مَدَّهُ كُلُّ وَاحِدٍ إلَيْهِ مَرَّةً حَتَّى بَانَتْ الْيَدُ ، فَلَا قِصَاصَ فِيهِ ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ لَمْ يَقْطَعْ الْيَدَ ، وَلَمْ يُشَارِكْ فِي قَطْعِ جَمِيعِهَا ، وَإِنْ كَانَ فِعْلُ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يُمْكِنُ الِاقْتِصَاصُ بِمُفْرَدِهِ ، اُقْتُصَّ مِنْهُ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .","part":18,"page":358},{"id":8858,"text":"( 6637 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَإِذَا قَتَلَ الْأَبُ وَغَيْرُهُ عَمْدًا .\rقُتِلَ مَنْ سِوَى الْأَبِ ) وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَعَنْ أَحْمَدَ ، رِوَايَةٌ أُخْرَى ، لَا قِصَاصَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا .\rوَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ ؛ لِأَنَّهُ قَتْلٌ تَرَكَّبَ مِنْ مُوجِبٍ وَغَيْرِ مُوجِبٍ ، فَلَمْ يُوجِبْ ، كَقَتْلِ الْعَامِدِ وَالْخَاطِئِ ، وَالصَّبِيِّ وَالْبَالِغِ ، وَالْمَجْنُونِ وَالْعَاقِلِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ شَارَكَ فِي الْقَتْلِ الْعَمْدِ الْعُدْوَانِ فِيمَنْ يُقْتَلُ بِهِ لَوْ انْفَرَدَ بِقَتْلِهِ ، فَوَجَبَ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ ، كَشَرِيكِ الْأَجْنَبِيِّ ، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ فِعْلَ الْأَبِ غَيْرُ مُوجِبٍ ؛ فَإِنَّهُ يَقْتَضِي الْإِيجَابَ لِكَوْنِهِ تَمَحَّضَ عَمْدًا عُدْوَانًا ، وَالْجِنَايَةُ بِهِ أَعْظَمُ إثْمًا ، وَأَكْثَرُ جُرْمًا ؛ وَلِذَلِكَ خَصَّهُ اللَّهُ تَعَالَى بِالنَّهْيِ عَنْهُ ، فَقَالَ : { وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ } .\rثُمَّ قَالَ : { إنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا } .\rوَلَمَّا { سُئِلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَعْظَمِ الذَّنْبِ ، قَالَ : أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَك ، ثُمَّ أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَك خَشْيَةَ أَنْ يُطْعَمَ مَعَك } .\rفَجَعَلَهُ أَعْظَمِ الذُّنُوبِ بَعْدَ الشِّرْكِ ، وَلِأَنَّهُ قَطَعَ الرَّحِمَ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِصِلَتِهَا ، وَوَضَعَ الْإِسَاءَةَ مَوْضِعَ الْإِحْسَانِ ، فَهُوَ أَوْلَى بِإِيجَابِ الْعُقُوبَةِ وَالزَّجْرِ عَنْهُ ، وَإِنَّمَا امْتَنَعَ الْوُجُوبُ فِي حَقِّ الْأَبِ لِمَعْنًى مُخْتَصٍّ بِالْمَحَلِّ ، لَا لِقُصُورٍ فِي السَّبَبِ الْمُوجِبِ ، فَلَا يَمْتَنِعُ عَمَلُهُ فِي الْمَحَلِّ الَّذِي لَا مَانِعَ فِيهِ ، وَأَمَّا شَرِيكُ الْخَاطِئِ ، فَلَنَا فِيهِ مَنْعٌ ، وَمَعَ التَّسْلِيمِ فَامْتِنَاعُ الْوُجُوبِ فِيهِ لِقُصُورِ السَّبَبِ عَنْ الْإِيجَابِ ، فَإِنَّ فِعْلَ الْخَاطِئِ غَيْرُ مُوجِبٍ لِلْقِصَاصِ ، وَلَا صَالِحٍ لَهُ وَالْقَتْلُ مِنْهُ وَمِنْ شَرِيكِهِ غَيْرُ مُتَمَحِّضٍ عَمْدًا ؛ لِوُقُوعِ الْخَطَأِ فِي الْفِعْلِ الَّذِي حَصَلَ بِهِ زَهُوقُ النَّفْسِ ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا .","part":18,"page":359},{"id":8859,"text":"( 6638 ) فَصْلٌ : وَكُلُّ شَرِيكَيْنِ امْتَنَعَ الْقِصَاصُ فِي حَقِّ أَحَدِهِمَا ، لِمَعْنًى فِيهِ مِنْ غَيْرِ قُصُورٍ فِي السَّبَبِ فَهُوَ فِي وُجُوبِ الْقِصَاصِ عَلَى شَرِيكِهِ كَالْأَبِ وَشَرِيكِهِ ، مِثْلَ أَنْ يَشْتَرِكَ مُسْلِمٌ وَذِمِّيٌّ فِي قَتْلِ عَبْدٍ ، عَمْدًا عُدْوَانًا ، فَإِنَّ الْقِصَاصَ لَا يَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِ وَالْحُرِّ ، وَيَجِبُ عَلَى الذِّمِّيِّ وَالْعَبْدِ ، إذَا قُلْنَا بِوُجُوبِهِ عَلَى شَرِيكِ الْأَبِ ؛ لِأَنَّ امْتِنَاعَ الْقِصَاصِ عَنْ الْمُسْلِمِ لِإِسْلَامِهِ ، وَعَنْ الْحُرِّ لِحُرِّيَّتِهِ ، وَانْتِقَاءِ مُكَافَأَةِ الْمَقْتُولِ لَهُ ، وَهَذَا الْمَعْنَى لَا يَتَعَدَّى إلَى فِعْلِهِ ، وَلَا إلَى شَرِيكِهِ ، فَلَمْ يَسْقُطْ الْقِصَاصُ عَنْهُ .\rوَقَدْ نَقَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ ، قَالَ : سَأَلْت أَبِي رَحِمَهُ اللَّهُ عَنْ حُرٍّ وَعَبْدٍ قَتَلَا عَبْدًا عَمْدًا ، قَالَ : أَمَّا الْحُرُّ فَلَا يُقْتَلُ بِالْعَبْدِ ، وَعَلَى الْحُرِّ نِصْفُ قِيمَةِ الْعَبْدِ فِي مَالِهِ ، وَالْعَبْدُ إنْ شَاءَ سَيِّدُهُ أَسْلَمَهُ ، وَإِلَّا فَدَاهُ بِنِصْفِ قِيمَةِ الْعَبْدِ .\rوَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ لَا قِصَاصَ عَلَى الْعَبْدِ ، فَيُخَرَّجُ مِثْلُ ذَلِكَ فِي كُلِّ قَتْلٍ شَارَكَ فِيهِ مَنْ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ .","part":18,"page":360},{"id":8860,"text":"( 6639 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَإِذَا اشْتَرَكَ فِي الْقَتْلِ صَبِيٌّ وَمَجْنُونٌ وَبَالِغٌ ، لَمْ يُقْتَلْ وَاحِدٌ مِنْهُمْ ، وَعَلَى الْعَاقِلِ ثُلُثُ الدِّيَةِ فِي مَالِهِ ، وَعَلَى عَاقِلَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ ثُلُثُ الدِّيَةِ وَعِتْقُ رَقَبَتَيْنِ فِي أَمْوَالِهِمَا ؛ لِأَنَّ عَمْدَهُمَا خَطَأٌ ) أَمَّا إذَا شَارَكُوا فِي الْقَتْلِ مَنْ لَا قِصَاصَ عَلَيْهِ لِمَعْنًى فِي فِعْلِهِ ؛ كَالصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ فَالصَّحِيحُ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا قِصَاصَ عَلَيْهِ .\rوَبِهَذَا قَالَ الْحَسَنُ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ .\rوَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ ، رِوَايَةٌ أُخْرَى أَنَّ الْقَوَدَ يَجِبُ عَلَى الْبَالِغِ الْعَاقِلِ .\rحَكَاهَا ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ أَحْمَدَ .\rوَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ مَالِكٍ .\rوَهُوَ الْقَوْلُ الثَّانِي لِلشَّافِعِيِّ ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ قَتَادَةَ ، وَالزُّهْرِيِّ ، وَحَمَّادٍ ؛ لِأَنَّ الْقِصَاصَ عُقُوبَةٌ تَجِبُ عَلَيْهِ جَزَاءً لِفِعْلِهِ ، فَمَتَى كَانَ فِعْلُهُ عَمْدًا عُدْوَانًا ، وَجَبَ الْقِصَاصُ عَلَيْهِ ، وَلَا نَنْظُرُ إلَى فِعْلِ شَرِيكِهِ بِحَالٍ ، وَلِأَنَّهُ شَارَكَ فِي الْقَتْلِ عَمْدًا عُدْوَانًا ، فَوَجَبَ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ ، كَشَرِيكِ الْأَجْنَبِيِّ ، وَذَلِكَ ، لِأَنَّ الْإِنْسَانَ إنَّمَا يُؤْخَذُ بِفِعْلِهِ لَا بِفِعْلِ غَيْرِهِ .\rفَعَلَى هَذَا ، يُعْتَبَرُ فِعْلُ الشَّرِيكِ مُنْفَرِدًا ، فَمَتَى تَمَحَّضَ عَمْدًا عُدْوَانًا ، وَكَانَ الْمَقْتُولُ مُكَافِئًا لَهُ ، وَجَبَ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ .\rوَبَنَى الشَّافِعِيُّ قَوْلَهُ عَلَى أَنَّ فِعْلَ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ إذَا تَعَمَّدَاهُ عَمْدٌ ؛ لِأَنَّهُمَا يَقْصِدَانِ الْقَتْلَ ، وَإِنَّمَا سُقُوطُ الْقِصَاصِ عَنْهُمَا لِمَعْنًى فِيهِمَا ، وَهُوَ عَدَمُ التَّكْلِيفِ ، فَلَمْ يَقْتَضِ سُقُوطَهُ عَنْ شَرِيكِهِمَا ، كَالْأُبُوَّةِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ شَارَكَ مَنْ لَا مَأْثَمَ عَلَيْهِ فِي فِعْلِهِ ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ قِصَاصٌ ، كَشَرِيكِ الْخَاطِئِ ، وَلِأَنَّ الصَّبِيَّ وَالْمَجْنُونَ لَا قَصْدَ لَهُمَا صَحِيحٌ ، وَلِهَذَا لَا يَصِحُّ إقْرَارُهُمَا ، فَكَانَ حُكْمُ","part":18,"page":361},{"id":8861,"text":"فِعْلِهِمَا حُكْمَ الْخَطَأِ ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ الْخِرَقِيِّ : عَمْدُهُمَا خَطَأٌ أَيْ فِي حُكْمِ الْخَطَأِ فِي انْتِفَاءِ الْقِصَاصِ عَنْهُ ، وَمَدَارِ دِيَتِهِ ، وَحَمْلِ عَاقِلَتِهِمَا إيَّاهَا ، وَوُجُوبِ الْكَفَّارَةِ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّ الدِّيَةَ تَجِبُ عَلَيْهِمْ أَثْلَاثًا ، عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ثُلُثُهَا ؛ لِأَنَّ الدِّيَةَ بَدَلُ الْمَحَلِّ ، وَلِذَلِكَ اخْتَلَفَتْ بِاخْتِلَافِهِ ، وَالْمَحَلُّ الْمُتْلَفُ وَاحِدٌ ، فَكَانَتْ دِيَتُهُ وَاحِدَةً ، وَلِأَنَّهَا تَتَقَدَّرُ بِقَدْرِهِ ، أَمَّا الْقِصَاصُ ، فَإِنَّمَا كَمُلَ فِي كُلِّ وَاحِدٍ ؛ لِأَنَّهُ جَزَاءُ الْفِعْلِ ، وَأَفْعَالُهُمْ مُتَعَدِّدَةٌ ، فَتَعَدَّدَ فِي حَقِّهِمْ ، وَكَمُلَ فِي حَقِّ كُلِّ وَاحِدٍ ، كَمَا لَوْ قَذَفَ جَمَاعَةٌ وَاحِدًا ، إلَّا أَنَّ الثُّلُثَ الْوَاجِبَ عَلَى الْمُكَلَّفِ يَلْزَمُ فِي مَالِهِ حَالًّا ؛ لِأَنَّ فِعْلَهُ عَمْدٌ ، وَالْعَاقِلَةُ لَا تَحْمِلُ الْعَمْدَ ، وَمَا يَلْزَمُ الصَّبِيَّ وَالْمَجْنُونَ ، فَعَلَى عَاقِلَتِهِمَا ؛ لِأَنَّ عَمْدَهُمَا خَطَأٌ ، وَالْعَاقِلَةُ تَحْمِلُ جِنَايَةَ الْخَطَأِ إذَا بَلَغَتْ ثُلُثَ الدِّيَةِ ، وَتَكُونُ مُؤَجَّلَةً عَامًا ، فَإِنَّ الْوَاجِبَ مَتَى كَانَ ثُلُثَ الدِّيَةِ ، كَانَ أَجَلُهُ عَامًا ، وَيَلْزَمُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْكَفَّارَةُ مِنْ مَالِهِ ؛ لِأَنَّ فِعْلَهُمَا خَطَأٌ ، وَالْقَاتِلُ الْخَاطِئُ وَالْمُشَارِكُ فِي الْقَتْلِ خَطَأً ، يَلْزَمُهُ كَفَّارَةٌ ؛ لِأَنَّهَا لَا تَجِبُ بَدَلًا عَنْ الْمَحَلِّ ، وَلِهَذَا لَمْ تَخْتَلِفْ ، وَإِنَّمَا وَجَبَتْ تَكْفِيرًا لِلْفِعْلِ ، وَمَحْوًا لِأَثَرِهِ ، فَوَجَبَ تَكْمِيلُهَا ، كَالْقِصَاصِ .","part":18,"page":362},{"id":8862,"text":"( 6640 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَيُقْتَلُ الذَّكَرُ بِالْأُنْثَى ، وَالْأُنْثَى بِالذَّكَرِ ) هَذَا قَوْلُ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ ؛ مِنْهُمْ النَّخَعِيُّ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَمَالِكٌ ، وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْي ، وَغَيْرُهُمْ .\rوَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، أَنَّهُ قَالَ : يُقْتَلُ الرَّجُلُ بِالْمَرْأَةِ ، وَيُعْطِي أَوْلِيَاؤُهُ نِصْفَ الدِّيَةِ .\rأَخْرَجَهُ سَعِيدٌ .\rوَرُوِيَ مِثْلُ هَذَا عَنْ أَحْمَدَ .\rوَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ الْحَسَنِ ، وَعَطَاءٍ .\rوَحُكِيَ عَنْهُمَا مِثْلُ قَوْلِ الْجَمَاعَةِ .\rوَلَعَلَّ مَنْ ذَهَبَ إلَى الْقَوْلِ الثَّانِي يَحْتَجُّ بِقَوْلِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَلِأَنَّ عَقْلَهَا نِصْفُ عَقْلِهِ ، فَإِذَا قُتِلَ بِهَا بَقِيَ لَهُ بَقِيَّةٌ ، فَاسْتُوْفِيَتْ مِمَّنْ قَتَلَهُ .\rوَلَنَا ، قَوْله تَعَالَى : { النَّفْسَ بِالنَّفْسِ } .\rوَقَوْلُهُ : { الْحُرُّ بِالْحُرِّ } .\rمَعَ عُمُومِ سَائِرِ النُّصُوصِ ، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { قَتَلَ يَهُودِيًّا رَضَّ رَأْسَ جَارِيَةٍ مِنْ الْأَنْصَارِ } .\rوَرَوَى أَبُو بَكْرِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { كَتَبَ إلَى أَهْلِ الْيَمَنِ بِكِتَابٍ فِيهِ الْفَرَائِضُ وَالْأَسْنَانُ ، وَأَنَّ الرَّجُلَ يُقْتَلُ بِالْمَرْأَةِ .\r} وَهُوَ كِتَابٌ مَشْهُورٌ عِنْد أَهْلِ الْعِلْمِ ، مُتَلَقًّى بِالْقَبُولِ عِنْدَهُمْ ، وَلِأَنَّهُمَا شَخْصَانِ يُحَدُّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِقَذْفِ صَاحِبِهِ ، فَقُتِلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْآخَرِ ، كَالرَّجُلَيْنِ ، وَلَا يَجِبُ مَعَ الْقِصَاصِ شَيْءٌ ؛ لِأَنَّهُ قِصَاصٌ وَاجِبٌ ، فَلَمْ يَجِبْ مَعَهُ شَيْءٌ عَلَى الْمُقْتَصِّ ، كَسَائِرِ الْقِصَاصِ ، وَاخْتِلَافُ الْأَبْدَالِ لَا عِبْرَةَ بِهِ فِي الْقِصَاصِ ، بِدَلِيلِ أَنَّ الْجَمَاعَةَ يُقْتَلُونَ بِالْوَاحِدِ ، وَالنَّصْرَانِيَّ يُؤْخَذُ بِالْمَجُوسِيِّ ، مَعَ اخْتِلَافِ دِينَيْهِمَا ، وَيُؤْخَذُ الْعَبْدُ بِالْعَبْدِ ، مَعَ اخْتِلَافِ قِيمَتِهِمَا .","part":18,"page":363},{"id":8863,"text":"( 6641 ) فَصْلٌ : وَيُقْتَلُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ بِالْخُنْثَى ، وَيُقْتَلُ بِهِمَا ؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى .","part":18,"page":364},{"id":8864,"text":"( 6642 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَمَنْ كَانَ بَيْنَهُمَا فِي النَّفْسِ قِصَاصٌ ، فَهُوَ بَيْنَهُمَا فِي الْجِرَاحِ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ كُلَّ شَخْصَيْنِ جَرَى بَيْنَهُمَا الْقِصَاصُ فِي النَّفْسِ ، جَرَى الْقِصَاصُ بَيْنَهُمَا فِي الْأَطْرَافِ ، فَيُقْطَعُ الْحُرُّ الْمُسْلِمُ بِالْحُرِّ الْمُسْلِمِ ، وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ ، وَالذِّمِّيُّ بِالذِّمِّيِّ ، وَالذَّكَرُ بِالْأُنْثَى ، وَالْأُنْثَى بِالذَّكَرِ ، وَيُقْطَعُ النَّاقِصُ بِالْكَامِلِ ، كَالْعَبْدِ بِالْحُرِّ ، وَالْكَافِرِ بِالْمُسْلِمِ .\rوَمَنْ لَا يُقْتَلُ بِقَتْلِهِ ، لَا يُقْطَعُ طَرَفُهُ بِطَرَفِهِ ، فَلَا يُقْطَعُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ ، وَلَا حُرٌّ بِعَبْدٍ ، وَلَا وَالِدٌ بِوَلَدٍ .\rوَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَإِسْحَاقُ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا قِصَاصَ فِي الطَّرَفِ بَيْن مُخْتَلِفِي الْبَدَلِ ، فَلَا يُقْطَعُ الْكَامِلُ بِالنَّاقِصِ ، وَلَا النَّاقِصُ بِالْكَامِلِ ، وَلَا الرَّجُلُ بِالْمَرْأَةِ ، وَلَا الْمَرْأَةُ بِالرَّجُلِ ، وَلَا الْحُرُّ بِالْعَبْدِ ، وَلَا الْعَبْدُ بِالْحُرِّ ، وَيُقْطَعُ الْمُسْلِمُ بِالْكَافِرِ ، وَالْكَافِرُ بِالْمُسْلِمِ ؛ لِأَنَّ التَّكَافُؤَ مُعْتَبَرٌ فِي الْأَطْرَافِ ، بِدَلِيلِ أَنَّ الصَّحِيحَةَ لَا تُؤْخَذُ بِالشَّلَّاءِ ، وَلَا الْكَامِلَةَ بِالنَّاقِصَةِ ، فَكَذَا لَا يُؤْخَذ طَرَفُ الرَّجُلِ بِطَرَفِ الْمَرْأَةِ ، وَلَا يُؤْخَذُ طَرَفُهَا بِطَرَفِهِ ، كَمَا لَا تُؤْخَذُ الْيُسْرَى بِالْيُمْنَى .\rوَلَنَا ، أَنَّ مَنْ جَرَى بَيْنَهُمَا الْقِصَاصُ فِي النَّفْسِ ، جَرَى ، فِي الطَّرَفِ ، كَالْحُرَّيْنِ ، وَمَا ذَكَرُوهُ يَبْطُلُ بِالْقِصَاصِ فِي النَّفْسِ ، فَإِنَّ التَّكَافُؤَ مُعْتَبَرٌ ، بِدَلِيلِ أَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يُقْتَلُ بِمُسْتَأْمِنٍ ، ثُمَّ يَلْزَمُهُ أَنْ يَأْخُذَ النَّاقِصَةَ بِالْكَامِلَةِ ؛ لِأَنَّ الْمُمَاثَلَةَ قَدْ وُجِدَتْ وَزِيَادَةٌ ، فَوَجَبَ أَخْذُهَا بِهَا إذَا رَضِيَ الْمُسْتَحِقُّ ، كَمَا تُؤْخَذُ نَاقِصَةُ الْأَصَابِعِ بِكَامِلَةِ الْأَصَابِعِ ، وَأَمَّا الْيَسَارُ وَالْيَمِينُ ، فَيَجْرِيَانِ مَجْرَى النَّفْسِ ، لِاخْتِلَافِ مَحَلَّيْهِمَا ؛ وَلِهَذَا","part":18,"page":365},{"id":8865,"text":"اسْتَوَى بَدَلُهُمَا ، فَعُلِمَ أَنَّهَا لَيْسَتْ نَاقِصَةً عَنْهَا شَرْعًا ، وَلَا الْعِلَّةُ فِيهِمَا ذَلِكَ .","part":18,"page":366},{"id":8866,"text":"( 6643 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَإِذَا قَتَلَاهُ ، وَأَحَدُهُمَا مُخْطِئٌ ، وَالْآخَرُ مُتَعَمِّدٌ ، فَلَا قَوَدَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا ، وَعَلَى الْعَامِدِ نِصْفُ الدِّيَةِ فِي مَالِهِ ، وَعَلَى عَاقِلَةِ الْمُخْطِئِ نِصْفُهَا ، وَعَلَيْهِ فِي مَالِهِ عِتْقُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ) أَمَّا الْمُخْطِئُ ، فَلَا قِصَاصَ عَلَيْهِ ؛ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ ، أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلَى أَهْلِهِ } .\rوَقَالَ تَعَالَى : { وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ } .\rوَأَمَّا السُّنَّةِ ، فَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { عُفِيَ لِأُمَّتِي عَنْ الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ } .\rوَأَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّهُ لَا قِصَاصَ عَلَيْهِ ، وَأَمَّا شَرِيكُهُ فَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ لَا يَرَوْنَ عَلَيْهِ قِصَاصًا .\rوَبِهِ قَالَ النَّخَعِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّ عَلَيْهِ الْقِصَاصَ .\rوَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ مَالِكٍ ؛ لِأَنَّهُ شَارَكَ فِي الْقَتْلِ عَمْدًا عُدْوَانًا ، فَوَجَبَ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ ، كَشَرِيكِ الْعَامِدِ ؛ وَلِأَنَّ مُؤَاخَذَتَهُ بِفِعْلِهِ ، وَفِعْلُهُ عَمْدٌ وَعُدْوَانٌ لَا عُذْرَ لَهُ فِيهِ وَلَنَا ، أَنَّهُ قَتْلٌ لَمْ يَتَمَحَّضُ عَمْدًا ، فَلَمْ يُوجِبْ الْقِصَاصَ ، كَشِبْهِ الْعَمْدِ ، وَكَمَا لَوْ قَتَلَهُ وَاحِدٌ بِجُرْحَيْنِ عَمْدًا وَخَطَأً ، وَلِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الشَّرِيكَيْنِ مُبَاشِرٌ وَمُتَسَبِّبٌ ، فَإِذَا كَانَا عَامِدَيْنِ ، فَكُلُّ وَاحِدٍ مُتَسَبِّبٌ إلَى فِعْلٍ مُوجِبٍ لِلْقِصَاصِ ، فَقَامَ فِعْلُ شَرِيكِهِ مَقَامَ فِعْلِهِ لِتَسَبُّبِهِ إلَيْهِ ، وَهَا هُنَا إذَا أَقَمْنَا الْمُخْطِئَ مُقَامَ الْعَامِدِ ، صَارَ كَأَنَّهُ قَتَلَهُ بِعَمْدٍ وَخَطَأٍ ، وَهَذَا غَيْرُ مُوجِبٍ .","part":18,"page":367},{"id":8867,"text":"( 6644 ) فَصْلٌ : وَهَلْ يَجِبُ الْقِصَاصُ عَلَى شَرِيكِ نَفْسِهِ وَشَرِيكِ السَّبْع ؟ فِيهِ وَجْهَانِ ، ذَكَرَهُمَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ حَامِدٍ ، وَصُورَةُ ذَلِكَ ، أَنْ يَجْرَحَهُ سَبُعٌ أَوْ يَجْرَحَهُ إنْسَانٌ عَمْدًا ، إمَّا قَبْلَ ذَلِكَ أَوْ بَعْدَهُ ، فَيَمُوتَ مِنْهُمَا ، أَوْ يَجْرَحَ نَفْسَهُ عَمْدًا ، ثُمَّ يَجْرَحَهُ غَيْرُهُ عَمْدًا ، فَيَمُوتَ مِنْهُمَا ، فَهَلْ يَجِبُ عَلَى الْمُشَارِكِ لَهُ قِصَاصٌ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ .\rوَاخْتُلِفَ عَنْ الشَّافِعِيِّ فِيهِ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ : لَا قِصَاصَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ شَارَكَ مَنْ لَا يَجِبُ الْقِصَاصُ عَلَيْهِ ، فَلَمْ يَلْزَمَهُ قِصَاصٌ ، كَشَرِيكِ الْخَاطِئِ ، وَلِأَنَّهُ قَتْلٌ تَرَكَّبَ مِنْ مُوجِبٍ وَغَيْرِ مُوجِبٍ ، فَلَمْ يُوجِبْ ، كَالْقَتْلِ الْحَاصِلِ مِنْ عَمْدٍ وَخَطَأٍ ؛ وَلِأَنَّهُ إذَا لَمْ يُجِبْ عَلَى شَرِيكِ الْخَاطِئِ وَفِعْلُهُ مَضْمُونٌ ، فَلَأَنْ لَا يَجِبَ عَلَى شَرِيكِ مَنْ لَا يُضْمَنُ فِعْلُهُ أَوْلَى .\rوَالْوَجْهُ الثَّانِي ، عَلَيْهِ الْقِصَاصُ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ .\rوَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّهُ قَالَ : إذَا جَرَحَهُ رَجُلٌ ، ثُمَّ جَرَحَ الرَّجُلُ نَفْسَهُ ، فَمَاتَ ، فَعَلَى شَرِيكِهِ الْقِصَاصُ ؛ لِأَنَّهُ قَتْلٌ عَمْدٌ مُتَمَحِّضٌ ، فَوَجَبَ الْقِصَاصُ عَلَى الشَّرِيكِ فِيهِ ، كَشَرِيكِ الْأَبِ ، فَأَمَّا إنْ جَرَحَ الرَّجُلُ نَفْسَهُ خَطَأً ، كَأَنَّهُ أَرَادَ ضَرْبَ جَارِحَةٍ ، فَأَصَابَ نَفْسَهُ ، أَوْ خَاطَ جُرْحَهُ ، فَصَادَفَ اللَّحْمَ الْحَيَّ ، فَلَا قِصَاصَ عَلَى شَرِيكِهِ فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ .\rوَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ ، أَنَّ عَلَيْهِ الْقِصَاصَ ، بِنَاءً عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي شَرِيكِ الْخَاطِئِ .","part":18,"page":368},{"id":8868,"text":"( 6645 ) فَصْلٌ : فَإِنْ جَرَحَهُ إنْسَانٌ ، فَتَدَاوَى بِسُمٍّ فَمَاتَ ، نَظَرْت ؛ فَإِنْ كَانَ سُمَّ سَاعَةٍ يَقْتُلُ فِي الْحَالِ ، فَقَدْ قَتَلَ نَفْسَهُ ، وَقَطَعَ سِرَايَةَ الْجُرْحِ ، وَجَرَى مَجْرَى مَنْ ذَبَحَ نَفْسَهُ بَعْدَ أَنْ جُرِحَ ، وَنَنْظُرُ فِي الْجُرْحِ ، فَإِنْ كَانَ مُوجِبًا لِلْقِصَاصِ ، فَلِوَلِيِّهِ اسْتِيفَاؤُهُ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُوجِبًا لَهُ ، فَلِوَلِيِّهِ الْأَرْشُ ، وَإِنْ كَانَ السُّمُّ لَا يَقْتُلُ فِي الْغَالِبِ ، وَقَدْ يَقْتُلُ ، بِفِعْلِ الرَّجُلِ فِي نَفْسِهِ عَمْدُ خَطَأٍ ، وَالْحُكْمُ فِي شَرِيكِهِ كَالْحُكْمِ فِي شَرِيكِ الْخَاطِئِ ، وَإِذَا لَمْ يَجِبْ الْقِصَاصُ ، فَعَلَى الْجَارِحِ نِصْفُ الدِّيَةِ ، وَإِنْ كَانَ السُّمُّ يَقْتُلُ غَالِبًا بَعْدَ مُدَّةٍ ، احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ عَمْدَ الْخَطَأِ أَيْضًا ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ الْقَتْلَ ، إنَّمَا قَصَدَ التَّدَاوِيَ ، فَيَكُونُ كَاَلَّذِي قَتَلَهُ ، وَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ فِي حُكْمِ الْعَمْدِ ، فَيَكُونَ فِي شَرِيكِهِ الْوَجْهَانِ الْمَذْكُورَانِ فِي الْفَصْلِ الَّذِي قَبْلَهُ .\rوَإِنْ جُرِحَ رَجُلٌ ، فَخَاطَ جُرْحَهُ ، أَوْ أَمَرَ غَيْرَهُ فَخَاطَهُ لَهُ ، وَكَانَ ذَلِكَ مِمَّا يَجُوزُ أَنْ يَقْتُلَ ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ مَا لَوْ شَرِبَ سُمًّا يَجُوزُ أَنْ يَقْتُلَ ، عَلَى مَا مَضَى فِيهِ .\rوَإِنْ خَاطَهُ غَيْرُهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ كُرْهًا ، فَهُمَا قَاتِلَانِ عَلَيْهِمَا الْقَوَدُ .\rوَإِنْ خَاطَهُ وَلِيُّهُ ، أَوْ الْإِمَامُ ، وَهُوَ مِمَّنْ لَا وِلَايَةَ عَلَيْهِ ، فَهُمَا كَالْأَجْنَبِيِّ ، وَإِنْ كَانَ لَهُمَا عَلَيْهِ وِلَايَةٌ ، فَلَا قَوَدَ عَلَيْهِمَا ؛ لِأَنَّ فِعْلَهُمَا جَائِزٌ لَهُمَا ، إذْ لَهُمَا مُدَاوَاتُهُ ، فَيَكُونُ ذَلِكَ خَطَأً .\rوَهَلْ عَلَى الْجَارِحِ الْقَوَدُ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ ، بِنَاءً عَلَى شَرِيكِ الْخَاطِئِ .","part":18,"page":369},{"id":8869,"text":"( 6646 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَدِيَةُ الْعَبْدِ قِيمَتُهُ ، وَإِنْ بَلَغَتْ دِيَاتٌ ) أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ أَنَّ فِي الْعَبْدِ ، الَّذِي لَا تَبْلُغُ قِيمَتُهُ دِيَةَ الْحُرِّ ، قِيمَتَهُ .\rوَإِنْ بَلَغَتْ قِيمَتُهُ دِيَةَ الْحُرِّ أَوْ زَادَتْ عَلَيْهَا ، فَذَهَبَ أَحْمَدُ ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، إلَى أَنَّ فِيهِ قِيمَتَهُ ، بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ ، وَإِنْ بَلَغَتْ دِيَاتٍ ، عَمْدًا كَانَ الْقَتْلُ أَوْ خَطَأً ، سَوَاءٌ ضَمِنَ بِالْيَدِ أَوْ بِالْجِنَايَةِ .\rوَهَذَا قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، وَالْحَسَنِ ، وَابْنِ سِيرِينَ ، وَعُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَإِيَاسِ بْنِ مُعَاوِيَةَ ، وَالزُّهْرِيِّ ، وَمَكْحُولٍ ، وَمَالِكٍ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَإِسْحَاقَ ، وَأَبِي يُوسُفَ .\rوَقَالَ النَّخَعِيُّ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَمُحَمَّدٌ : لَا تَبْلُغُ بِهِ دِيَةَ الْحُرِّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يُنْتَقَصُ عَنْ دِيَةِ الْحُرِّ دِينَارًا ، أَوْ عَشْرَةَ دَرَاهِمَ ، الْقَدْرَ الَّذِي يُقْطَعُ بِهِ السَّارِقُ ، وَهَذَا إذَا ضَمِنَ بِالْجِنَايَةِ ، وَإِنْ ضَمِنَ بِالْيَدِ ، بِأَنْ يَغْصِبَ عَبْدًا فَيَمُوتَ فِي يَدِهِ ، فَإِنَّ قِيمَتَهُ تَجِبُ وَإِنْ زَادَتْ عَلَى دِيَةِ الْحُرِّ .\rوَاحْتَجُّوا بِأَنَّهُ ضَمَانُ آدَمِيٍّ ، فَلَمْ يَزِدْ عَلَى دِيَةِ الْحُرِّ ، كَضَمَانِ الْحُرِّ ؛ وَذَلِكَ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا أَوْجَبَ فِي الْحُرِّ دِيَةً لَا تَزِيدُ ، وَهُوَ أَشْرَفُ لِخُلُوصِهِ مِنْ نَقِيصَةِ الرِّقِّ ، كَانَ تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ دِيَةَ الْعَبْدِ الْمَنْقُوصِ لَا يُزَادُ عَلَيْهَا ، فَنَجْعَلُ مَالِيَّةَ الْعَبْدِ مِعْيَارًا لِلْقَدْرِ الْوَاجِبِ فِيهِ ، مَا لَمْ يَزِدْ عَلَى الدِّيَةِ ، فَإِذَا زَادَ ، عَلِمْنَا خَطَأَ ذَلِكَ ، فَنَرُدُّهُ إلَى دِيَةِ الْحُرِّ ، كَأَرْشِ مَا دُونَ الْمُوضِحَةِ ، يَجِبُ فِيهِ مَا تُخْرِجُهُ الْحُكُومَةُ ، مَا لَمْ يَزِدْ عَلَى أَرْشِ الْمُوضِحَةِ ، فَنَرُدُّهُ إلَيْهَا .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ مَالٌ مُتَقَوِّمٌ ، فَيُضْمَنُ بِكَمَالِ قِيمَتِهِ بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ ، كَالْفَرَسِ ، أَوْ مَضْمُونٌ بِقِيمَتِهِ ، فَكَانَتْ جَمِيعَ الْقِيمَةِ ، كَمَا لَوْ","part":18,"page":370},{"id":8870,"text":"ضَمِنَهُ بِالْيَدِ ، وَيُخَالِفُ الْحُرَّ ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بِمَضْمُونِ بِالْقِيمَةِ ، وَإِنَّمَا ضَمِنَ بِمَا قَدَّرَهُ الشَّرْعُ ، فَلَمْ يَتَجَاوَزْهُ ، وَلِأَنَّ ضَمَانَ الْحُرِّ لَيْسَ بِضَمَانِ مَالٍ ؛ وَلِذَلِكَ لَمْ يَخْتَلِفْ بِاخْتِلَافِ صِفَاتِهِ ، وَهَذَا ضَمَانُ مَالٍ ، يَزِيدُ بِزِيَادَةِ الْمَالِيَّةِ ، وَيَنْقُصُ بِنُقْصَانِهَا ، فَاخْتَلَفَا .\rوَقَدْ حَكَى أَبُو الْخَطَّابِ ، عَنْ أَحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ رِوَايَةً أُخْرَى ، أَنَّهُ لَا يُبْلَغُ بِالْعَبْدِ دِيَةُ الْحُرِّ .\rوَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ .","part":18,"page":371},{"id":8871,"text":"بَاب الْقَوَدِ الْقَوَدُ : الْقِصَاصُ .\rوَلَعَلَّهُ إنَّمَا سُمِّيَ بِذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الْمُقْتَصَّ مِنْهُ فِي الْغَالِبِ يُقَادُ بِشَيْءٍ يُرْبَطُ فِيهِ أَوْ بِيَدِهِ إلَى الْقَتْلِ ، فَسُمِّيَ الْقَتْلُ قَوَدًا لِذَلِكَ ( 6647 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَلَوْ شَقَّ بَطْنَهُ ، فَأَخْرَجَ حَشْوَتَهُ ، فَقَطَعَهَا ، فَأَبَانَهَا مِنْهُ ، ثُمَّ ضَرَبَ عُنُقَهُ آخَرُ ، فَالْقَاتِلُ هُوَ الْأَوَّلُ .\rوَلَوْ شَقَّ بَطْنَهُ ، ثُمَّ ضَرَبَ عُنُقَهُ آخَرُ ، فَالثَّانِي هُوَ الْقَاتِلُ ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ لَا يَعِيشُ مِثْلُهُ ، وَالثَّانِيَ قَدْ يَعِيشُ مِثْلُهُ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ إذَا جَنَى عَلَيْهِ اثْنَانِ جِنَايَتَيْنِ ، نَظَرْنَا ؛ فَإِنْ كَانَتْ الْأُولَى أَخْرَجَتْهُ مِنْ حُكْمِ الْحَيَاةِ ، مِثْلُ قَطْعِ حَشْوَتِهِ ، أَيْ مَا فِي بَطْنِهِ ، وَإِبَانَتِهَا مِنْهُ ، أَوْ ذَبْحِهِ ، ثُمَّ ضَرْبِ عُنُقِهِ الثَّانِي فَالْأَوَّلُ هُوَ الْقَاتِلُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَبْقَى مَعَ جِنَايَتِهِ حَيَاةٌ ، وَالْقَوَدُ عَلَيْهِ خَاصَّةً ، وَعَلَى الثَّانِي التَّعْزِيرُ ، كَمَا لَوْ جَنَى عَلَى مَيِّتٍ .\rوَإِنْ عَفَا الْوَلِيُّ إلَى الدِّيَةِ ، فَهِيَ عَلَى الْأَوَّلِ وَحْدَهُ .\rوَإِنْ كَانَ جُرْحُ الْأَوَّلِ يَجُوزُ بَقَاءُ الْحَيَاةِ مَعَهُ ، مِثْلُ شَقِّ الْبَطْنِ مِنْ غَيْرِ إبَانَةِ الْحَشْوَةِ ، أَوْ قَطْعِ طَرَفٍ ، ثُمَّ ضَرَبَ عُنُقَهُ آخَرُ ، فَالثَّانِي هُوَ الْقَاتِلُ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ الْأَوَّلُ مِنْ حُكْمِ الْحَيَاةِ ، فَيَكُونُ الثَّانِي هُوَ الْمُفَوِّتُ لَهَا ، فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ فِي النَّفْسِ ، وَالدِّيَةُ كَامِلَةً وَإِنْ عَفَا عَنْهُ .\rثُمَّ نَنْظُرُ فِي جُرْحِ الْأَوَّلِ ، فَإِنْ كَانَ مُوجِبًا لِلْقِصَاصِ ، كَقَطْعِ الطَّرَفِ ، فَالْوَلِيُّ مُخَيَّرٌ بَيْنَ قَطْعِ طَرَفِهِ وَالْعَفْوِ عَنْ دِيَتِهِ مُطْلَقًا ، وَإِنْ كَانَ لَا يُوجِبُ الْقِصَاصَ ، كَالْجَائِفَةِ وَنَحْوِهَا ، فَعَلَيْهِ الْأَرْشُ .\rوَإِنَّمَا جَعَلْنَا عَلَيْهِ الْقِصَاصَ ؛ لِأَنَّ فِعْلَ الثَّانِي قَطَعَ سِرَايَةِ جِرَاحِهِ ، فَصَارَ كَالْمُنْدَمِلِ الَّذِي لَا يَسْرِي .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ، وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا .\rوَلَوْ كَانَ جُرْحُ الْأَوَّلِ يُفْضِي إلَى","part":18,"page":372},{"id":8872,"text":"الْمَوْتِ لَا مَحَالَةَ ، إلَّا أَنَّهُ لَا يَخْرُجُ بِهِ مِنْ حُكْمِ الْحَيَاةِ ، وَتَبْقَى مَعَهُ الْحَيَاةُ الْمُسْتَقِرَّةُ ، مِثْلَ خَرْقِ الْمِعَى ، أَوْ أُمِّ الدِّمَاغِ ، فَضَرَبَ الثَّانِي عُنُقَهُ ، فَالْقَاتِلُ هُوَ الثَّانِي ؛ لِأَنَّهُ فَوَّتَ حَيَاةً مُسْتَقِرَّةً .\rوَقِيلَ : هُوَ فِي حُكْمِ الْحَيَاةِ ، بِدَلِيلِ أَنَّ عُمَرَ ، لَمَّا جُرِحَ دَخَلَ عَلَيْهِ الطَّبِيبُ فَسَقَاهُ لَبَنًا ، فَخَرَجَ يَصْلُدُ ، فَعَلِمَ الطَّبِيبُ أَنَّهُ مَيِّتٌ ، فَقَالَ : اعْهَدْ إلَى النَّاسِ .\rفَعَهِدَ إلَيْهِمْ ، وَأَوْصَى ، وَجَعَلَ الْخِلَافَةَ إلَى أَهْلِ الشُّورَى ، فَقَبِلَ الصَّحَابَةُ عَهْدَهُ ، وَأَجْمَعُوا عَلَى قَبُولِ وَصَايَاهُ وَعَهْدِهِ .\rفَلَمَّا كَانَ حُكْمُ الْحَيَاةِ بَاقِيًا ، كَانَ الثَّانِي مُفَوِّتًا لَهَا ، فَكَانَ هُوَ الْقَاتِلَ ، كَمَا لَوْ قَتَلَ عَلِيلًا لَا يُرْجَى بُرْءُ عِلَّتِهِ .","part":18,"page":373},{"id":8873,"text":"( 6648 ) فَصْلٌ : إذَا أُلْقِي رَجُلٌ مِنْ شَاهِقٍ ، فَتَلَقَّاهُ آخَرُ بِسَيْفِ فَقَتَلَهُ ، فَالْقِصَاصُ عَلَى مَنْ قَتَلَهُ ؛ لِأَنَّهُ فَوَّتَ حَيَاتَهُ قَبْلَ الْمَصِيرِ إلَى حَالٍ يَئِسُوا فِيهَا مِنْ حَيَاتِهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ رَمَاهُ إنْسَانٌ بِسَهْمٍ قَاتِلٍ ، فَقَطَعَ آخَرُ عُنُقَهُ قَبْلَ وُقُوعِ السَّهْمِ بِهِ ، أَوْ أَلْقَى عَلَيْهِ صَخْرَةً ، فَأَطَارَ آخَرُ رَأْسَهُ بِالسَّيْفِ قَبْلَ وُقُوعِهَا عَلَيْهِ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ إنْ رَمَاهُ مِنْ مَكَان يَجُوزُ أَنْ يَسْلَمَ مِنْهُ ، وَإِنْ رَمَاهُ مِنْ شَاهِقٍ لَا يَسْلَمُ مِنْهُ الْوَاقِعُ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، كَقَوْلِنَا .\rوَالثَّانِي الضَّمَانُ عَلَيْهِمَا بِالْقِصَاصِ وَالدِّيَةِ عِنْدَ سُقُوطِهِ ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا سَبَبٌ لِلْإِتْلَافِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الرَّمْيَ سَبَبٌ وَالْقَتْلَ مُبَاشَرَةٌ ، فَانْقَطَعَ حُكْمُ السَّبَبِ ، كَالدَّافِعِ مَعَ الْحَافِرِ ، وَالْجَارِحِ مَعَ الذَّابِحِ ، وَكَالصُّوَرِ الَّتِي ذَكَرْنَا .\rوَمَا ذَكَرُوهُ بَاطِلٌ بِهَذِهِ الْأُصُولِ الْمَذْكُورَةِ .","part":18,"page":374},{"id":8874,"text":"مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَإِذَا قَطَعَ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ ، ثُمَّ عَادَ فَضَرَبَ عُنُقَهُ قَبْلَ أَنْ تَنْدَمِلَ جِرَاحُهُ ، قُتِلَ ، وَلَمْ تُقْطَعْ يَدُهُ وَلَا رِجْلَاهُ ، فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ، رَحِمَهُ اللَّهُ .\rوَالرِّوَايَةُ الْأُخْرَى ، قَالَ : إنَّهُ لَأَهْلٌ أَنْ يُفْعَلَ بِهِ كَمَا فَعَلَ .\rفَإِنْ عَفَا عَنْهُ الْوَلِيُّ ، فَعَلَيْهِ دِيَةٌ وَاحِدَةٌ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الرَّجُلَ إذَا جَرَحَ رَجُلًا ، ثُمَّ ضَرَبَ عُنُقَهُ قَبْلَ انْدِمَالِ الْجُرْحِ ، فَالْكَلَامُ فِي الْمَسْأَلَةِ فِي حَالَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، أَنْ يَخْتَارَ الْوَلِيُّ الْقِصَاصَ ، فَاخْتَلَفْت الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ فِي كَيْفِيَّةِ الِاسْتِيفَاءِ ؛ فَرُوِيَ عَنْهُ ؛ لَا يَسْتَوْفِي إلَّا بِالسَّيْفِ فِي الْعُنُقِ .\rوَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { لَا قَوَدَ إلَّا بِالسَّيْفِ .\r} رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ .\rوَلِأَنَّ الْقِصَاصَ أَحَدُ بَدَلَيْ النَّفْسِ ، فَدَخَلَ الطَّرَفُ فِي حُكْمِ الْجُمْلَةِ ، كَالدِّيَةِ ، فَإِنَّهُ لَوْ صَارَ الْأَمْرُ إلَى الدِّيَةِ ، لَمْ تَجِبْ إلَّا دِيَةُ النَّفْسِ ؛ وَلِأَنَّ الْقَصْدَ مِنْ الْقِصَاصِ فِي النَّفْسِ تَعْطِيلُ الْكُلِّ ، وَإِتْلَافُ الْجُمْلَةِ ، وَقَدْ أَمْكَنَ هَذَا بِضَرْبِ الْعُنُقِ ، فَلَا يَجُوزُ تَعْذِيبُهُ بِإِتْلَافِ أَطْرَافِهِ ، كَمَا لَوْ قَتَلَهُ بِسَيْفٍ كَالٍّ ، فَإِنَّهُ لَا يُقْتَلُ بِمِثْلِهِ .\rوَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ عَنْ أَحْمَدَ ، قَالَ : إنَّهُ لَأَهْلٌ أَنْ يُفْعَلَ بِهِ كَمَا فَعَلَ .\rيَعْنِي أَنَّ لِلْمُسْتَوْفِي أَنْ يَقْطَعَ أَطْرَافَهُ ، ثُمَّ يَقْتُلَهُ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَمَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ } وَقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ : { فَمَنْ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ } .\rوَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { رَضَّ رَأْسَ يَهُودِيٍّ","part":18,"page":375},{"id":8875,"text":"لِرَضِّهِ رَأْسَ جَارِيَةٍ مِنْ الْأَنْصَارِ بَيْنَ حَجَرَيْنِ .\r} وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : { وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ } .\rوَهَذَا قَدْ قَلَعَ عَيْنَهُ ، فَيَجِبُ أَنْ تُقْلَعَ عَيْنُهُ ، لِلْآيَةِ .\rوَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { مَنْ حَرَّقَ حَرَّقْنَاهُ ، وَمَنْ غَرَّقَ غَرَّقْنَاهُ } .\rوَلِأَنَّ الْقِصَاصَ مَوْضُوعٌ عَلَى الْمُمَاثَلَةِ ، وَلَفْظُهُ مُشْعِرٌ بِهِ ، فَوَجَبَ أَنْ يَسْتَوْفِيَ مِنْهُ مِثْلُ مَا فَعَلَ ، كَمَا لَوْ ضَرَبَ الْعُنُقَ آخَرُ غَيْرُهُ .\rفَأَمَّا حَدِيثُ : { لَا قَوَدَ إلَّا بِالسَّيْفِ } .\rفَقَالَ أَحْمَدُ : لَيْسَ إسْنَادُهُ بِجَيِّدِ .\rالْحَالُ الثَّانِي : أَنْ يَصِيرَ الْأَمْرُ إلَى الدِّيَةِ ، إمَّا بِعَفْوِ الْوَلِيِّ ، أَوْ كَوْنِ الْفِعْلِ خَطَأً ، أَوْ شِبْهَ عَمْدٍ ، أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ ، فَالْوَاجِبُ دِيَةٌ وَاحِدَةٌ .\rوَهَذَا ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ بَعْضُهُمْ : تَجِبُ دِيَةُ الْأَطْرَافِ الْمَقْطُوعَةِ وَدِيَةُ النَّفْسِ ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا قُطِعَ بِسِرَايَةِ الْجُرْحِ بِقَتْلِهِ صَارَ كَالْمُسْتَقِرِّ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَتَلَهُ غَيْرُهُ ؛ وَلِهَذَا لَمْ يَسْقُط الْقِصَاصُ فِيهِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ قَاتِلٌ قَبْلَ اسْتِقْرَارِ الْجُرْحِ ، فَدَخَلَ أَرْشُ الْجِرَاحَةِ فِي أَرْشِ النَّفْسِ ، كَمَا لَوْ سَرَتْ إلَى نَفْسِهِ ، وَالْقِصَاصُ فِي الْأَطْرَافِ عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ لَا يَجِبُ ، وَإِنْ وَجَبَ فَإِنَّ الْقِصَاصَ لَا يُشْبِهُ الدِّيَةَ ؛ لِأَنَّ سِرَايَةَ الْجُرْحِ لَا تُسْقِطُ الْقِصَاصَ فِيهِ ، وَتُسْقِطُ دِيَتَهُ .\r( 6650 ) فَصْلٌ : وَمَتَى قُلْنَا : لَهُ أَنْ يَسْتَوْفِيَ بِمِثْلِ مَا فَعَلَ بِوَلِيِّهِ .\rفَأَحَبَّ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى ضَرْبِ عُنُقِهِ ، فَلَهُ ذَلِكَ ، وَهُوَ أَفْضَلُ .\rوَإِنْ قَطَعَ أَطْرَافَهُ الَّتِي قَطَعَهَا الْجَانِي ، أَوْ بَعْضَهَا ، ثُمَّ عَفَا عَنْ قَتْلِهِ ، فَكَذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ تَارِكٌ بَعْضَ حَقِّهِ .\rوَإِنْ قَطَعَ بَعْضَ أَطْرَافِهِ ، ثُمَّ عَفَا إلَى الدِّيَةِ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ جَمِيعَ مَا فَعَلَ بِوَلِيِّهِ لَا يَجِبُ بِهِ إلَّا دِيَةٌ وَاحِدَةٌ ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَسْتَوْفِيَ","part":18,"page":376},{"id":8876,"text":"بَعْضَهُ وَيَسْتَحِقَّ كَمَالَ الدِّيَةِ ، فَإِنْ فَعَلَ فَلَهُ مَا بَقِيَ مِنْ الدِّيَةِ ، فَإِنْ لَمْ يَبْقَ مِنْهَا شَيْءٌ ، فَلَا شَيْءَ لَهُ .\rوَإِنْ قُلْنَا : لَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْتَوْفِيَ إلَّا بِضَرْبِ الْعُنُقِ .\rفَاسْتَوْفَى مِنْهُ بِمِثْلِ مَا فَعَلَ ، فَقَدْ أَسَاءَ ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ سِوَى الْمَأْثَمِ ؛ لِأَنَّ فِعْلَ الْجَانِي فِي الْأَطْرَافِ لَمْ يُوجِبْ عَلَيْهِ شَيْئًا يَخْتَصُّ بِهَا ، فَكَذَلِكَ فِعْلُ الْمُسْتَوْفِي ، إنْ قَطَعَ الْجَانِي طَرَفًا وَاحِدًا ، ثُمَّ عَفَا إلَى الدِّيَةِ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ إلَّا تَمَامُهَا ، وَإِنْ قَطَعَ مَا تَجِبُ بِهِ الدِّيَةُ ، ثُمَّ عَفَا ، لَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ ، وَإِنْ قَطَعَ مَا يَجِبُ بِهِ أَكْثَرُ مِنْ الدِّيَةِ ، ثُمَّ عَفَا ، احْتَمَلَ أَنْ يَلْزَمَهُ مَا زَادَ عَلَى الدِّيَةِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ أَكْثَرَ مِنْ دِيَةٍ ، وَقَدْ فَعَلَ مَا يُوجِبُ أَكْثَرَ مِنْهَا ، فَكَانَتْ الزِّيَادَةُ عَلَيْهِ .\rوَاحْتَمَلَ أَنْ لَا يَلْزَمَهُ شَيْءٌ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ قَتَلَهُ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ ، فَإِذَا تَرَكَ قَتْلَهُ ، وَعَفَا عَنْهُ ، فَأَوْلَى أَنْ لَا يَلْزَمَهُ شَيْءٌ ، وَلِأَنَّهُ فَعَلَ بَعْضَ مَا فَعَلَ بِوَلِيِّهِ ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ ، كَمَا لَوْ قُلْنَا : إنَّ لَهُ أَنْ يَسْتَوْفِيَ مِثْلَ مَا فَعَلَ بِهِ .","part":18,"page":377},{"id":8877,"text":"( 6651 ) فَصْلٌ : فَإِنْ قَطَعَ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ ، أَوْ جَرَحَهُ جُرْحًا يُوجِبُ الْقِصَاصَ إذَا انْفَرَدَ ، فَسَرَى إلَى النَّفْسِ ، فَلَهُ الْقِصَاصُ فِي النَّفْسِ .\rوَهَلْ لَهُ أَنْ يَسْتَوْفِيَ الْقَطْعَ قَبْلَ الْقَتْلِ ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ ، ذَكَرَهُمَا الْقَاضِي ، وَبَنَاهُمَا عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ فِي الْمَسْأَلَةِ ؛ وَإِحْدَاهُمَا ، لَيْسَ لَهُ قَطْعُ الطَّرَفِ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُفْضِي إلَى الزِّيَادَةِ عَلَى مَا جَنَاهُ الْأَوَّلُ ، وَالْقِصَاصُ يَعْتَمِدُ الْمُمَاثَلَةَ ، فَمَتَى خِيفَ فِيهِ الزِّيَادَةُ سَقَطَ ، كَمَا لَوْ قَطَعَ يَدَهُ مِنْ نِصْفِ الذِّرَاعِ .\rوَالثَّانِيَةُ ، يَجِبُ الْقِصَاصُ فِي الطَّرَفِ ، فَإِنْ مَاتَ بِهِ ، وَإِلَّا ضُرِبَتْ عُنُقُهُ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ فِي أَوَّلِ الْمَسْأَلَةِ .\rوَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ ، أَنَّهُ لَا يُقْتَصُّ مِنْهُ فِي الطَّرَفِ ، رِوَايَةً وَاحِدَةً ، وَأَنَّهُ لَا يَصِحُّ تَخْرِيجُهُ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي الْمَسْأَلَةِ ؛ لِإِفْضَاءِ هَذَا إلَى الزِّيَادَةِ ، بِخِلَافِ الْمَسْأَلَةِ .\rوَالصَّحِيحُ تَخْرِيجُهُ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ ، وَلَيْسَ هَذَا بِزِيَادَةٍ ؛ لِأَنَّ فَوَاتَ النَّفْسِ بِسِرَايَةِ فِعْلِهِ ، وَسِرَايَةُ فِعْلِهِ كَفِعْلِهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَطَعَهُ ثُمَّ قَتَلَهُ ، وَلِأَنَّ زِيَادَةَ الْفِعْلِ فِي الصُّورَةِ مُحْتَمِلٌ فِي الِاسْتِيفَاءِ ، كَمَا لَوْ قَتَلَهُ بِضَرْبَةٍ ، فَلَمْ يُمْكِنْ قَتْلُهُ فِي الِاسْتِيفَاءِ إلَّا بِضَرْبَتَيْنِ .","part":18,"page":378},{"id":8878,"text":"( 6652 ) فَصْلٌ : وَإِنْ جَرَحَهُ جُرْحًا لَا قِصَاصَ فِيهِ ، وَلَا يَلْزَمُ فَوَاتِ الْحَيَاةِ بِهِ ، مِثْلُ إنْ أَجَافَهُ ، أَوْ أَمَّهُ ، أَوْ قَطَعَ يَدَهُ مِنْ نِصْفِ ذِرَاعِهِ ، أَوْ رِجْلَهُ مِنْ نِصْفِ سَاقِهِ ، فَمَاتَ مِنْهُ ، أَوْ قَطَعَ يَدًا نَاقِصَةَ الْأَصَابِعِ ، أَوْ شَلَّاءَ ، أَوْ زَائِدَةً ، وَيَدُ الْقَاطِعِ أَصْلِيَّةٌ صَحِيحَةٌ ، فَالصَّحِيحُ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ فِعْلُ مِثْلِ مَا فَعَلَ ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَقْتَصَّ إلَّا فِي الْعُنُقِ بِالسَّيْفِ ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ ، وَالْقَاضِي .\rوَقَالَ غَيْرُهُمَا : فِيهِ رِوَايَةٌ أُخْرَى ، أَنَّ لَهُ أَنْ يَقْتَصَّ بِمِثْلِ مَا فَعَلَهُ ؛ لِأَنَّهُ صَارَ قَتْلًا ، فَكَانَ لَهُ الْقِصَاصُ بِمِثْلِ فِعْلِهِ ، كَمَا لَوْ رَضَّ رَأْسَهُ بِحَجَرٍ فَقَتَلَهُ بِهِ .\rوَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ ؛ لِأَنَّ هَذَا لَوْ انْفَرَدَ لَمْ يَكُنْ فِيهِ قِصَاصٌ ، فَلَمْ يَجُزْ الْقِصَاصُ فِيهِ مَعَ الْقَتْلِ ، كَمَا لَوْ قَطَعَ يَمِينَهُ ، وَلَمْ يَكُنْ لِلْقَاطِعِ يَمِينٌ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَسْتَوْفِيَ مِنْ يَسَاره .\rوَفَارَقَ مَا إذَا رَضَّ رَأْسَهُ فَمَاتَ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ الْفِعْلَ قَتْلٌ مُفْرَدٌ ، وَهَا هُنَا قَتْلٌ وَقَطْعٌ ، وَالْقَطْعُ لَا يُوجِبُ قِصَاصًا ، فَبَقِيَ مُجَرَّدُ الْقَتْلِ ، فَإِذَا جَمَعَ الْمُسْتَوْفِي بَيْنَهُمَا ، فَقَدْ زَادَ قَطْعًا لَمْ يَرِدْ الشَّرْعُ بِاسْتِيفَائِهِ ، فَيَكُونُ حَرَامًا ، وَسَوَاءٌ فِي هَذَا مَا إذَا قَطَعَ ثُمَّ قَتَلَ عَقِيبَهُ ، وَبَيْنَ مَا إذَا قَطَعَ فَسَرَى إلَى النَّفْسِ .","part":18,"page":379},{"id":8879,"text":"فَصْلٌ : فَأَمَّا قَطْعُ الْيُمْنَى وَلَا يُمْنَى لِلْقَاطِعِ ، أَوْ الْيَدَ وَلَا يَدَ لَهُ ، أَوْ قَلَعَ الْعَيْنَ وَلَا عَيْنَ لَهُ ، فَمَاتَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ ، فَإِنَّهُ يُقْتَلُ بِالسَّيْفِ فِي الْعُنُقِ ، وَلَا قِصَاصَ فِي طَرَفِهِ .\rوَلَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا ؛ لِأَنَّ الْقِصَاصَ إنَّمَا يَكُونُ مِنْ مِثْلِ الْعُضْوِ الْمُتْلَفِ ، وَهُوَ هَاهُنَا مَعْدُومٌ ، وَلِأَنَّ الْقِصَاصَ فِعْلُ مِثْلِ مَا فَعَلَ الْجَانِي ، وَلَا سَبِيلَ إلَيْهِ ، وَلِأَنَّهُ لَوْ قَطَعَ ثُمَّ عَفَا عَنْ الْقَتْلِ ، لَصَارَ مُسْتَوْفِيًا رِجْلًا مِمَّنْ لَمْ يَقْطَعْ لَهُ مِثْلَهَا ، أَوْ أُذُنًا بَدَلًا عَنْ عَيْنٍ ، وَهَذَا غَيْرُ جَائِزٍ .\rوَهَذَا يَدُلُّ عَلَى فَسَادِ الْوَجْهِ الثَّانِي فِي الْفَصْلِ الَّذِي قَبْلَهُ .","part":18,"page":380},{"id":8880,"text":"( 6654 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَتَلَهُ بِغَيْرِ السَّيْفِ ، مِثْلُ أَنْ قَتَلَهُ بِحَجَرٍ ، أَوْ هَدْمٍ أَوْ تَغْرِيقٍ ، أَوْ خَنْقٍ ، فَهَلْ يَسْتَوْفِي الْقِصَاصَ بِمِثْلِ فِعْلِهِ ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، لَهُ ذَلِكَ .\rوَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ .\rوَالثَّانِيَةُ ، لَا يَسْتَوْفِي إلَّا بِالسَّيْفِ فِي الْعُنُقِ .\rوَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، فِيمَا إذَا قَتَلَهُ بِمُثْقَلِ الْحَدِيدِ ، عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عِنْدَهُ ، أَوْ جَرَحَهُ فَمَاتَ .\rوَوَجْهُ الرِّوَايَتَيْنِ مَا تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ الْمَسْأَلَةِ ، وَلِأَنَّ هَذَا لَا تُؤْمَنُ مَعَهُ الزِّيَادَةُ عَلَى مَا فَعَلَهُ الْجَانِي ، فَلَا يَجِبُ الْقِصَاصُ بِمِثْلِ آلَتِهِ ، كَمَا لَوْ قَطَعَ الطَّرَفَ بِآلَةٍ كَالَّةٍ ، أَوْ مَسْمُومَةٍ ، أَوْ بِالسَّيْفِ ، فَإِنَّهُ لَا يُسْتَوْفَى بِمِثْلِهِ ، وَلِأَنَّ هَذَا لَا يُقْتَلُ بِهِ الْمُرْتَدُّ ، فَلَا يُسْتَوْفَى بِهِ الْقِصَاصُ ، كَمَا لَوْ قَتَلَهُ بِتَجْرِيعِ الْخَمْرِ ، أَوْ بِالسِّحْرِ ، وَلَا تَفْرِيعَ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ .\rفَأَمَّا عَلَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى ، فَإِنَّهُ إذَا فَعَلَ بِهِ مِثْلَ فِعْلِهِ فَلَمْ يَمُتْ ، قَتَلَهُ بِالسَّيْفِ .\rوَهَذَا أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ ، وَالْقَوْلُ الثَّانِي ، أَنَّهُ يُكَرِّرُ عَلَيْهِ ذَلِكَ الْفِعْلَ حَتَّى يَمُوتَ بِهِ ؛ لِأَنَّهُ قَتَلَهُ بِذَلِكَ ، فَلَهُ قَتْلُهُ بِمِثْلِهِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ قَدْ فَعَلَ بِهِ مِثْلَ فِعْلِهِ ، فَلَمْ يَزِدْ عَلَيْهِ ، كَمَا لَوْ جَرَحَهُ جُرْحًا ، أَوْ قَطَعَ مِنْهُ طَرَفًا ، فَاسْتَوْفَى مِنْهُ الْوَلِيُّ مِثْلَهُ فَلَمْ يَمُتْ بِهِ ، فَإِنَّهُ لَا يُكَرِّرُ عَلَيْهِ الْجُرْحَ ، بِغَيْرِ خِلَافٍ ، وَيَعْدِلُ إلَى ضَرْبِ عُنُقِهِ ، فَكَذَا هَاهُنَا .","part":18,"page":381},{"id":8881,"text":"( 6655 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَتَلَهُ بِمَا لَا يَحِلُّ لِعَيْنِهِ ، مِثْلَ إنْ لَاطَ بِهِ فَقَتَلَهُ ، أَوْ جَرَّعَهُ خَمْرًا أَوْ سَحَرَهُ ، لَمْ يُقْتَلْ بِمِثْلِهِ اتِّفَاقًا ، وَيَعْدِلُ إلَى الْقَتْلِ بِالسَّيْفِ .\rوَحَكَى أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ ، فِي مَنْ قَتَلَهُ بِاللِّوَاطِ وَتَجْرِيعِ الْخَمْرِ ، وَجْهًا آخَرَ ، أَنَّهُ يُدْخِلُ فِي دُبُرِهِ خَشَبَةً يَقْتُلُهُ بِهَا ، وَيُجَرِّعُهُ الْمَاءَ حَتَّى يَمُوتَ .\rوَلَنَا ، أَنَّ هَذَا مُحَرَّمٌ لِعَيْنِهِ ، فَوَجَبَ الْعُدُولُ عَنْهُ إلَى الْقَتْلِ بِالسَّيْفِ ، كَمَا لَوْ قَتَلَهُ بِالسِّحْرِ .\rوَإِنْ حَرَّقَهُ ، فَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا : لَا يُحَرَّقُ ؛ لِأَنَّ التَّحْرِيقَ مُحَرَّمٌ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا يُعَذِّبُ بِالنَّارِ إلَّا رَبُّ النَّارِ } .\rوَلِأَنَّهُ دَاخِلٌ فِي عُمُومِ الْخَبَرِ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : الصَّحِيحُ أَنَّ فِيهِ رِوَايَتَيْنِ ، كَالتَّغْرِيقِ ؛ إحْدَاهُمَا ، يُحَرَّقُ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِمَا رَوَى الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَنْ { حَرَّقَ حَرَّقْنَاهُ ، وَمَنْ غَرَّقَ غَرَّقْنَاهُ } .\rوَحَمَلُوا الْحَدِيثَ الْأَوَّلَ عَلَى غَيْرِ الْقِصَاصِ فِي الْمُحْرَقِ .","part":18,"page":382},{"id":8882,"text":"( 6656 ) فَصْلٌ : إذَا زَادَ مُسْتَوْفِي الْقِصَاصِ فِي النَّفْسِ عَلَى حَقِّهِ ، مِثْلَ أَنْ يُقْتَلَ وَلِيُّهُ ، فَيَقْطَعَ الْمُقْتَصُّ أَطْرَافَهُ أَوْ بَعْضَهَا ، نَظَرْنَا ؛ فَإِنْ عَفَا عَنْهُ بَعْدَ قَطْعِ طَرَفِهِ ، فَعَلَيْهِ ضَمَانُ مَا أَتْلَفَ بِدِيَتِهِ .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ .\rوَقَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ ، وَأَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ : لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ ، وَلَكِنْ قَدْ أَسَاءَ ، وَيُعَزَّرُ ، وَسَوَاءٌ عَفَا عَنْ الْقَاتِلِ أَوْ قَتَلَهُ ؛ لِأَنَّهُ قَطَعَ طَرَفًا مِنْ جُمْلَةٍ اسْتَحَقَّ إتْلَافَهَا ، فَلَمْ يَضْمَنْهُ ، كَمَا لَوْ قَطَعَ أُصْبُعًا مِنْ يَدٍ يَسْتَحِقُّ قَطْعَهَا .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ قَطَعَ طَرَفًا لَهُ قِيمَةٌ حَالَ الْقَطْعِ بِغَيْرِ حَقٍّ ، فَوَجَبَ عَلَيْهِ ضَمَانُهُ ، كَمَا لَوْ عَفَا عَنْهُ ثُمَّ قَطَعَهُ ، أَوْ كَمَا لَوْ قَطَعَهُ أَجْنَبِيٌّ .\rفَأَمَّا إنْ قَطَعَهُ ثُمَّ قَتَلَهُ ، احْتَمَلَ أَنْ يَضْمَنَهُ أَيْضًا ؛ لِأَنَّهُ يَضْمَنُهُ إذَا عَفَا عَنْهُ ، فَكَذَلِكَ إذَا لَمْ يَعْفُ عَنْهُ ، لِأَنَّ الْعَفْوَ إحْسَانٌ ، فَلَا يَكُونُ مُوجِبًا لِلضَّمَانِ ، وَاحْتَمَلَ أَنْ لَا يَضْمَنَهُ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ قَطَعَ مُتَعَدِّيًا ثُمَّ قَتَلَ ، لَمْ يَضْمَنْ الطَّرَفَ ، فَلَأَنْ يَضْمَنَهُ إذَا كَانَ الْقَتْلُ مُسْتَحَقًّا أَوْلَى .\rفَأَمَّا الْقِصَاصُ ، فَلَا يَجِبُ فِي الْعُرْفِ بِحَالٍ .\rوَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا ؛ لِأَنَّ الْقِصَاصَ عُقُوبَةٌ تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ ، وَالشُّبْهَةُ هَاهُنَا مُتَحَقِّقَةٌ ، لِأَنَّهُ مُتَحَقِّقٌ لِإِتْلَافِ هَذَا الطَّرَفِ ضِمْنًا لِاسْتِحْقَاقِهِ إتْلَافَ الْجُمْلَةِ ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ سُقُوطِ الْقِصَاصِ أَنْ لَا تَجِبَ الدِّيَةُ ، بِدَلِيلِ امْتِنَاعِهِ لِعَدَمِ الْمُكَافَآتِ .\rفَأَمَّا إنْ كَانَ الْجَانِي قَطَعَ طَرَفَهُ ثُمَّ قَتَلَهُ ، فَاسْتَوْفَى مِنْهُ بِمِثْلِ فِعْلِهِ ، فَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِيمَا مَضَى .\rوَإِنْ قَطَعَ طَرَفًا غَيْرَ الَّذِي قَطَعَهُ الْجَانِي ، كَانَ الْجَانِي قَطَعَ يَدَهُ ؛ فَقَطَعَ الْمُسْتَوْفِي رِجْلَهُ ، احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ قَطَعَ يَدَهُ ؛ لِأَنَّ","part":18,"page":383},{"id":8883,"text":"دِيَتَهُمَا وَاحِدَةٌ ، وَاحْتَمَلَ أَنْ تَلْزَمَهُ دِيَةُ الرِّجْلِ ؛ لِأَنَّ الْجَانِيَ لَمْ يَقْطَعْهَا ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ يَقْطَعْ يَدَهُ .","part":18,"page":384},{"id":8884,"text":"( 6657 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا إنْ كَانَتْ الزِّيَادَةُ فِي الِاسْتِيفَاءِ مِنْ الطَّرَفِ ، مِثْلُ أَنْ اسْتَحَقَّ قَطْعَ إصْبَعٍ ، فَقَطَعَ اثْنَتَيْنِ ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْقَاطِعِ ابْتِدَاءً ، إنْ كَانَ عَمْدًا مِنْ مَفْصِلٍ ، أَوْ شَجَّةٍ يَجِبُ فِي مِثْلِهَا الْقِصَاصُ ، فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ فِي الزِّيَادَةِ ، وَإِنْ كَانَ خَطَأً أَوْ جُرْحًا لَا يُوجِبُ الْقِصَاصَ ، مِثْلُ مَنْ يَسْتَحِقُّ مُوضِحَةً فَاسْتَوْفَهَا هَاشِمَةً ، فَعَلَيْهِ أَرْشُ الزِّيَادَةِ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِسَبَبٍ مِنْ الْجَانِي ، كَاضْطِرَابِهِ حَالَ الِاسْتِيفَاءِ ، فَلَا شَيْءَ عَلَى الْمُقْتَصِّ ؛ لِأَنَّهُ حَصَلَ بِفِعْلِ الْجَانِي .\rفَإِنْ اخْتَلَفَا هَلْ فَعَلَهُ خَطَأً أَوْ عَمْدًا ؟ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُقْتَصِّ مَعَ يَمِينِهِ ؛ لِأَنَّ هَذَا مِمَّا يُمْكِنْ الْخَطَأُ فِيهِ ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِقَصْدِهِ ، وَإِنْ قَالَ الْمُقْتَصُّ : حَصَلَ هَذَا بِاضْطِرَابِك ، أَوْ فِعْلٍ مِنْ جِهَتِك .\rفَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُقْتَصِّ مِنْهُ ؛ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ .\rفَإِنْ سَرَى الِاسْتِيفَاءُ الَّذِي حَصَلَتْ فِيهِ الزِّيَادَةُ إلَى نَفْسِ الْمُقْتَصِّ مِنْهُ ، فَمَاتَ ، أَوْ إلَى بَعْض أَعْضَائِهِ ، مِثْلُ أَنْ قَطَعَ إصْبَعَهُ ، فَسَرَى إلَى جَمِيعِ يَدِهِ ، أَوْ اقْتَصَّ مِنْهُ بِآلَةٍ كَالَّةٍ أَوْ مَسْمُومَةٍ ، أَوْ فِي حَالِ حَرٍّ مُفْرِطٍ ، أَوْ بَرْدٍ شَدِيدٍ ، فَسَرَى ، فَقَالَ الْقَاضِي : عَلَى الْمُقْتَصِّ نِصْفُ الدِّيَةِ ؛ لِأَنَّهُ تَلِفَ بِفِعْلَيْنِ ؛ جَائِزٍ وَمُحَرَّمٍ ، وَمَضْمُونٍ وَغَيْرِ مَضْمُونٍ ، فَانْقَسَمَ الْوَاجِبُ عَلَيْهِمَا نِصْفَيْنِ ، كَمَا لَوْ جَرَحَهُ جُرْحًا فِي حَالِ رِدَّتِهِ وَجُرْحًا بَعْدَ إسْلَامِهِ ، فَمَاتَ مِنْهُمَا .\rوَهَذَا كُلُّهُ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يَلْزَمَهُ ضَمَانُ السِّرَايَةِ كُلِّهَا ، فِيمَا إذَا اقْتَصَّ بِآلَةِ مَسْمُومَةٍ أَوْ كَالَّةٍ ؛ لِأَنَّ الْفِعْلَ كُلَّهُ مُحَرَّمٌ ، بِخِلَافِ قَطْعِ الْإِصْبَعَيْنِ ، فَإِنَّ أَحَدَهُمَا مُبَاحٌ .","part":18,"page":385},{"id":8885,"text":"( 6658 ) فَصْلٌ : قَالَ الْقَاضِي : وَلَا يَجُوزُ اسْتِيفَاءُ الْقِصَاصِ إلَّا بِحَضْرَةِ السُّلْطَانِ .\rوَحَكَاهُ عَنْ أَبِي بَكْرٍ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ أَمْرٌ يَفْتَقِرُ إلَى الِاجْتِهَادِ وَيَحْرُمُ الْحَيْفُ فِيهِ ، فَلَا يُؤْمَنُ الْحَيْفُ مَعَ قَصْدِ التَّشَفِّي .\rفَإِنْ اسْتَوْفَاهُ مِنْ غَيْرِ حَضْرَةِ السُّلْطَانِ ، وَقَعَ الْمَوْقِعَ ، وَيُعَزَّرُ ؛ لِافْتِيَاتِهِ بِفِعْلِ مَا مُنِعَ فِعْلُهُ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يَجُوزَ الِاسْتِيفَاءُ بِغَيْرِ حَضْرَةِ السُّلْطَانِ ، إذَا كَانَ الْقِصَاصُ فِي النَّفْسِ ؛ لِأَنَّ { رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِرَجُلٍ يَقُودُهُ بِنِسْعَةٍ ، فَقَالَ : إنَّ هَذَا قَتَلَ أَخِي .\rفَاعْتَرَفَ بِقَتْلِهِ .\rفَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اذْهَبْ ، فَاقْتُلْهُ } .\rرَوَاهُ مُسْلِمٌ بِمَعْنَاهُ .\rوَلِأَنَّ اشْتِرَاطَ حُضُورِ السُّلْطَانِ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِنَصٍّ أَوْ إجْمَاعٍ أَوْ قِيَاسٍ ، وَلَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ .\rوَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُحْضِرَ شَاهِدَيْنِ ، لِئَلَّا يَجْحَدَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ الِاسْتِيفَاءَ .\rوَإِذَا أَرَادَ الْوَلِيُّ الِاسْتِيفَاءَ ، فَعَلَى السُّلْطَانِ أَنْ يَتَفَقَّدَ الْآلَةَ الَّتِي يَسْتَوْفِي بِهَا ، فَإِنْ كَانَتْ كَالَّةً مَنَعَهُ الِاسْتِيفَاءَ بِهَا ، لِئَلَّا يُعَذِّبَ الْمَقْتُولَ .\rوَقَدْ رَوَى شَدَّادُ بْنُ أَوْسٍ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { إنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذِّبْحَةَ وَلِيَحُدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ ، وَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ } .\rوَإِنْ كَانَتْ مَسْمُومَةً ، مَنَعَهُ الِاسْتِيفَاءَ بِهَا ؛ لِأَنَّهَا تُفْسِدُ الْبَدَنَ ، وَرُبَّمَا مَنَعَتْ غُسْلَهُ .\rوَإِنْ عَجَّلَ فَاسْتَوْفَى بِآلَةِ كَالَّةٍ أَوْ مَسْمُومَةٍ ، عُزِّرَ .\rوَإِنْ كَانَ السَّيْفُ صَارِمًا غَيْرَ مَسْمُومٍ ، نَظَرَ فِي الْوَلِيِّ ؛ فَإِنْ كَانَ يُحْسِنُ الِاسْتِيفَاءَ ، وَيُكْمِلُهُ بِالْقُوَّةِ وَالْمَعْرِفَةِ ، مَكَّنَهُ مِنْهُ ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا","part":18,"page":386},{"id":8886,"text":"لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا } .\rوَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { مَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ ، فَأَهْلُهُ بَيْنَ خِيرَتَيْنِ ، إنْ أَحَبُّوا قَتَلُوا ، وَإِنْ أَحَبُّوا أَخَذُوا الدِّيَةَ } .\rوَلِأَنَّهُ حَقٌّ لَهُ مُتَمَيِّزٌ ، فَكَانَ لَهُ اسْتِيفَاؤُهُ بِنَفْسِهِ إذَا أَمْكَنَهُ ، كَسَائِرِ الْحُقُوقِ ، وَإِنْ لَمْ يُحْسِنْ الِاسْتِيفَاءَ ، أَمَرَهُ بِالتَّوْكِيلِ ؛ لِأَنَّهُ عَاجِزٌ عَنْ اسْتِيفَاءِ حَقِّهِ ، فَإِنْ ادَّعَى الْوَلِيُّ الْمَعْرِفَةَ بِالِاسْتِيفَاءِ ، فَأَمْكَنَهُ السُّلْطَانُ مِنْ ضَرْبِ عُنُقِهِ ، فَضَرَبَ عُنُقَهُ فَأَبَانَهُ ، فَقَدْ اسْتَوْفَى حَقَّهُ ، وَإِنْ أَصَابَ غَيْرَهُ ، وَأَقَرَّ بِتَعَمُّدِ ذَلِكَ ، عُزِّرَ .\rوَإِنْ قَالَ : أَخْطَأْتَ .\rوَكَانَتْ الضَّرْبَةُ فِي مَوْضِعٍ قَرِيبٍ مِنْ الْعُنُقِ ، كَالرَّأْسِ وَالْمَنْكِبِ ، قُبِلَ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ ؛ لِأَنَّ هَذَا مِمَّا يَجُوزُ الْخَطَأُ فِي مِثْلِهِ ، وَإِنْ كَانَ بَعِيدًا ، كَالْوَسْطِ وَالرِّجْلَيْنِ ، لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ ؛ لِأَنَّ مِثْلَ هَذَا لَا يَقَعُ الْخَطَأُ فِيهِ .\rثُمَّ إنْ أَرَادَ الْعَوْدَ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، لَا يُمَكَّنُ مِنْهُ ؛ لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يُحْسِنُ الِاسْتِيفَاءَ ، وَيَحْتَمِلُ الْعَوْدَ إلَى مِثْلِ فِعْلِهِ .\rوَالثَّانِي : يُمَكَّنُ مِنْهُ .\rقَالَهُ الْقَاضِي : لِأَنَّ الظَّاهِرَ تَحَرُّزُهُ عَنْ مِثْلِ ذَلِكَ ثَانِيًا .\rوَإِنْ كَانَ الْوَلِيُّ لَا يُحْسِنُ الِاسْتِيفَاءَ ، أَمَرَهُ بِالتَّوْكِيلِ فِيهِ ؛ لِأَنَّهُ حَقُّهُ ، فَكَانَ لَهُ التَّوْكِيلُ فِي اسْتِيفَائِهِ ، كَسَائِرِ حُقُوقِهِ .\rفَإِنْ لَمْ يَجِدْ مَنْ يُوَكِّلُهُ إلَّا بِعِوَضٍ ، أَخَذَ الْعِوَضَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ .\rقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا : يُرْزَقُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ رَجُلٌ يَسْتَوْفِي الْحُدُودَ وَالْقِصَاصَ ؛ لِأَنَّ هَذَا مِنْ الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ .\rفَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ ذَلِكَ ، فَالْأُجْرَةُ عَلَى الْجَانِي ؛ لِأَنَّهَا أُجْرَةٌ لِإِيفَاءِ الْحَقِّ الَّذِي عَلَيْهِ ، فَكَانَتْ عَلَيْهِ ، كَأُجْرَةِ الْكَيَّالِ فِي بَيْعِ الْمَكِيلِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ عَلَى الْمُقْتَصِّ ؛ لِأَنَّهُ وَكِيلُهُ ، فَكَانَتْ الْأُجْرَةُ عَلَى","part":18,"page":387},{"id":8887,"text":"مُوَكِّلِهِ ، كَسَائِرِ الْمَوَاضِعِ ، وَاَلَّذِي عَلَى الْجَانِي التَّمْكِينُ دُونَ الْفِعْلِ ؛ وَلِهَذَا لَوْ أَرَادَ أَنْ يَقْتَصَّ مِنْ نَفْسِهِ ، لَمْ يُمَكَّنْ مِنْهُ ، وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَتْ عَلَيْهِ أُجْرَةُ التَّوْكِيلِ ، لَلَزِمَتْهُ أُجْرَةُ الْوَلِيِّ إذَا اسْتَوْفَى بِنَفْسِهِ .\rوَإِنْ قَالَ الْجَانِي : أَنَا أَقْتَصُّ لَك مِنْ نَفْسِي .\rلَمْ يَلْزَمْ تَمْكِينُهُ ، وَلَمْ يَجُزْ ذَلِكَ لَهُ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : { وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ } .\rوَلِأَنَّ مَعْنَى الْقِصَاصِ أَنْ يَفْعَلَ بِهِ كَمَا فَعَلَ ، وَلِأَنَّ الْقِصَاصَ حَقٌّ عَلَيْهِ لِغَيْرِهِ ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْمُسْتَوْفِيَ لَهُ كَالْبَائِعِ لَا يَسْتَوْفِي مِنْ نَفْسِهِ .","part":18,"page":388},{"id":8888,"text":"( 6659 ) فَصْلٌ : وَإِنْ كَانَ الْقِصَاصُ لَجَمَاعَةٍ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ ، وَتَشَاحُّوا فِي الْمُتَوَلِّي مِنْهُمْ لِلِاسْتِيفَاءِ ، أُمِرُوا بِتَوْكِيلِ أَحَدِهِمْ ، أَوْ وَاحِدٍ مِنْ غَيْرهمْ ، وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَتَوَلَّاهُ جَمِيعُهُمْ ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ تَعْذِيبِ الْجَانِي ، وَتَعَدُّدِ أَفْعَالِهِمْ .\rفَإِنْ لَمْ يَتَّفِقُوا عَلَى وَاحِدٍ ، وَتَشَاحُّوا ، وَكَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يُحْسِنُ الِاسْتِيفَاءَ ، أَقْرَعَ بَيْنَهُمْ ؛ لِأَنَّ الْحُقُوقَ إذَا تَسَاوَتْ وَعَدَمُ التَّرْجِيحِ ، صِرْنَا إلَى الْقُرْعَةِ ، كَمَا لَوْ تَشَاحُّوا فِي تَزْوِيجِ مُوَلِّيَتِهِمْ ، فَمَنْ خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ ، أُمِرَ الْبَاقُونَ بِتَوْكِيلِهِ ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ الِاسْتِيفَاءُ بِغَيْرِ إذْنِهِمْ ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمْ ، فَلَا يَجُوزُ اسْتِيفَاؤُهُ بِغَيْرِ إذْنِهِمْ .\rوَإِنْ لَمْ يَتَّفِقُوا عَلَى تَوْكِيلِ وَاحِدٍ ، مُنِعُوا الِاسْتِيفَاءَ حَتَّى يُوَكَّلُوا .","part":18,"page":389},{"id":8889,"text":"( 6660 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَإِنْ كَانَتْ الْجِرَاحُ بَرَأَتْ قَبْلَ قَتْلِهِ ، فَعَلَى الْمَعْفُوِّ عَنْهُ ثَلَاثُ دِيَاتٍ ، إلَّا أَنْ يُرِيدُوا الْقَوَدَ ، فَيُقِيدُوا وَيَأْخُذُوا مِنْ مَالِهِ دِيَتَيْنِ ) أَمَّا إذَا قَطَعَ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ فَبَرَأَتْ جِرَاحُهُ ، ثُمَّ قَتَلَهُ ، فَقَدْ اسْتَقَرَّ حُكْمُ الْقَطْعِ ، وَلِوَلِيِّ الْقَتِيلِ الْخِيَارُ ، إنْ شَاءَ عَفَا وَأَخَذَ ثَلَاثَ دِيَاتٍ ؛ دِيَةً لِنَفْسِهِ ، وَدِيَةً لِيَدَيْهِ ، وَدِيَةً لِرِجْلَيْهِ ، وَإِنْ شَاءَ قَتَلَهُ قِصَاصًا بِالْقَتْلِ ، وَأَخَذَ دِيَتَيْنِ لِأَطْرَافِهِ .\rوَإِنْ أَحَبَّ قَطَعَ أَطْرَافَهُ الْأَرْبَعَةَ ، وَأَخَذَ دِيَةً لِنَفْسِهِ .\rوَإِنْ أَحَبَّ قَطَعَ يَدَيْهِ ، وَأَخَذَ دِيَتَيْنِ لِنَفْسِهِ وَرِجْلَيْهِ .\rوَإِنْ أَحَبَّ قَطْعَ رِجْلَيْهِ ، وَأَخَذَ دِيَتَيْنِ لِنَفْسِهِ وَيَدَيْهِ .\rوَإِنْ أَحَبَّ قَطَعَ طَرَفًا وَاحِدًا ، وَأَخَذَ دِيَةَ الْبَاقِي .\rوَإِنْ أَحَبَّ قَطَعَ ثَلَاثَةَ أَطْرَافٍ ، وَأَخَذَ دِيَةَ الْبَاقِي .\rوَكَذَلِكَ سَائِرُ فُرُوعِهَا ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْقَطْعِ اسْتَقَرَّ قَبْلَ الْقَتْلِ بِالِانْدِمَالِ ، فَلَمْ يَتَغَيَّرْ حُكْمُهُ بِالْقَتْلِ الْحَادِثِ بَعْدَهُ ، كَمَا لَوْ قَتَلَهُ أَجْنَبِيٌّ ، وَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا مُخَالِفًا .\r( 6661 ) فَصْلٌ : فَإِنْ اخْتَلَفَ الْجَانِي وَالْوَلِيُّ فِي انْدِمَالِ الْجُرْحِ قَبْلَ الْقَتْلِ ، وَكَانَتْ الْمُدَّةُ بَيْنَهُمَا يَسِيرَةً ، لَا يَحْتَمِلُ انْدِمَالَهُ فِي مِثْلِهَا ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْجَانِي بِغَيْرِ يَمِينٍ .\rوَإِنْ اخْتَلَفَا فِي مُضِيِّ الْمُدَّةِ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْجَانِي مَعَ يَمِينِهِ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ مُضِيِّهَا ، وَإِنْ كَانَتْ الْمُدَّةُ مِمَّا يَحْتَمِلُ الْبُرْءَ فِيهَا ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْوَلِيِّ مَعَ يَمِينِهِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ وُجِدَ سَبَبُ وُجُوبِ دِيَةِ الْيَدَيْنِ بِقَطْعِهِمَا ، وَالْجَانِي يَدَّعِي سُقُوطَ دِيَتِهِمَا بِالْقَتْلِ ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ ذَلِكَ .\rفَإِنْ كَانَتْ لِلْجَانِي بَيِّنَةٌ بِبَقَاءِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ ضِمْنًا حَتَّى قَتَلَهُ ، حُكِمَ لَهُ بِبَيِّنَتِهِ ، وَإِنْ كَانَ لِلْوَلِيِّ بَيِّنَةٌ بِبُرْئِهِ ، حُكِمَ لَهُ أَيْضًا ،","part":18,"page":390},{"id":8890,"text":"وَإِنْ تَعَارَضَتَا ، قُدِّمَتْ بَيِّنَةُ الْوَلِيِّ ؛ لِأَنَّهَا مُثْبِتَةٌ لِلْبُرْءِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُون الْقَوْلُ قَوْلَ الْجَانِي ، إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُمَا بَيِّنَةٌ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الْجِرَاحَةِ ، وَعَدَمُ انْدِمَالِهَا .\rوَإِنْ قَطَعَ أَطْرَافَهُ فَمَاتَ ، وَاخْتَلَفَا ، هَلْ بَرَأَ قَبْلَ الْمَوْتِ ، أَوْ مَاتَ بِسِرَايَةِ الْجُرْحِ ؟ أَوْ قَالَ الْوَلِيُّ : إنَّهُ مَاتَ بِسَبَبٍ آخَرَ ، كَأَنْ لُدِغَ ، أَوْ ذَبَحَ نَفْسَهُ ، أَوْ ذَبَحَهُ غَيْرُهُ .\rفَالْحُكْمُ فِيمَا إذَا مَاتَ بِغَيْرِ سَبَبٍ آخَرَ ، كَالْحُكْمِ فِيمَا إذَا قَتَلَهُ ، سَوَاءً .\rوَأَمَّا إذَا مَاتَ بِقَتْلٍ أَوْ سَبَبٍ آخَرَ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، تَقْدِيمُ قَوْلِ الْجَانِي ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ بَقَاءُ الْجِنَايَةِ ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ سَبَبٍ آخَرَ ، فَيَكُونُ الظَّاهِرُ مَعَهُ .\rوَالثَّانِي : الْقَوْلُ قَوْلُ وَلِيِّ الْجِنَايَةِ ، لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الدِّيَتَيْنِ اللَّتَيْنِ وُجِدَ سَبَبُهُمَا ، حَتَّى يُوجَدَ مَا يُزِيلُهُمَا .\rفَإِنْ كَانَتْ دَعْوَاهُمَا بِالْعَكْسِ ، فَقَالَ الْوَلِيُّ : مَاتَ مِنْ سِرَايَةِ قَطْعِك ، فَعَلَيْك الْقِصَاصُ فِي النَّفْسِ .\rفَقَالَ الْجَانِي : بَلْ انْدَمَلَتْ جِرَاحُهُ قَبْلَ مَوْتِهِ .\rأَوْ ادَّعَى مَوْتَهُ بِسَبَبٍ آخَرَ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْوَلِيِّ مَعَ يَمِينِهِ ؛ لِأَنَّ الْجُرْحَ سَبَبٌ لِلْمَوْتِ ، وَقَدْ تَحَقَّقَ ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ الِانْدِمَالِ ، وَعَدَمُ سَبَبٍ آخَرَ يَحْصُلُ الزَّهُوقُ بِهِ ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْجُرْحُ فِيمَا يَجِبُ بِهِ الْقِصَاصُ فِي الطَّرَفِ ، كَقَطْعِ الْيَدِ مِنْ مَفْصِلٍ وَلَا يُوجِبُهُ ، كَالْجَائِفَةِ وَالْقَطْعِ مِنْ غَيْرِ مَفْصِلٍ .\rوَهَذَا كُلُّهُ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .","part":18,"page":391},{"id":8891,"text":"( 6662 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : وَلَوْ رَمَى ، وَهُوَ مُسْلِمٌ كَافِرًا عَبْدًا ، فَلَمْ يَقَعْ بِهِ السَّهْمُ حَتَّى عَتَقَ وَأَسْلَمَ ، فَلَا قَوَدَ ، وَعَلَيْهِ دِيَةُ حُرٍّ مُسْلِمٍ ، إذَا مَاتَ مِنْ سَهْمِهِ هَذَا قَوْلُ ابْنِ حَامِدٍ ، وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : يَجِبُ الْقَوَدُ ؛ لِأَنَّهُ قَتَلَ مُكَافِئًا لَهُ ظُلْمًا عَمْدًا ، فَوَجَبَ الْقِصَاصُ ، كَمَا لَوْ كَانَ حُرًّا مُسْلِمًا حَالَ الرَّمْيِ ، يُحَقِّقُهُ أَنَّ الِاعْتِبَارَ بِحَالِ الْجِنَايَةِ ، بِدَلِيلِ مَا لَوْ رَمَى مُسْلِمًا حَيًّا ، فَلَمْ يَقَعْ بِهِ السَّهْمُ حَتَّى ارْتَدَّ أَوْ مَاتَ ، لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ ، وَلَوْ رَمَى عَبْدًا كَافِرًا ، فَلَمْ يَقَعْ بِهِ السَّهْمُ حَتَّى عَتَقَ وَأَسْلَمَ ، فَعَلَيْهِ دِيَةُ حُرٍّ مُسْلِمٍ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَلْزَمُهُ فِي الْعَبْدِ دِيَةُ عَبْدٍ لِمَوْلَاهُ ؛ لِأَنَّ الْإِصَابَةَ نَاشِئَةٌ عَنْ إرْسَالِ السَّهْمِ ، فَكَانَ الِاعْتِبَارُ بِهَا ، كَحَالَةِ الْجُرْحِ .\rفَأَمَّا الْكَافِرُ ، فَمَذْهَبُهُ أَنَّ دِيَتَهُ دِيَةُ الْمُسْلِمِ ، وَأَنَّهُ يُقْتَلُ بِهِ الْمُسْلِمُ ، وَكَذَلِكَ يُقْتَلُ الْحُرُّ بِالْعَبْدِ .\rوَلَنَا عَلَى دَرْءِ الْقِصَاصِ ، أَنَّهُ لَمْ يَتَعَدَّ إلَى نَفْسٍ مُكَافِئَتِهِ لَهُ حَالَ الرَّمْيِ ، فَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ قِصَاصٌ ، كَمَا لَوْ رَمَى حَرْبِيًّا أَوْ مُرْتَدًّا فَأَسْلَمَ .\rوَعَلَى أَبِي حَنِيفَةَ ، أَنَّهُ أَتْلَفَ حُرًّا ، فَضَمِنَهُ ضَمَانَ الْأَحْرَارِ ، كَمَا لَوْ قَصَدَ صَيْدًا .\rوَمَا قَالَهُ يَبْطُلُ بِمَا إذَا رَمَى حَيًّا فَأَصَابَهُ مَيِّتًا ، أَوْ صَحِيحًا فَأَصَابَهُ مَعِيبًا .\rوَلَنَا عَلَى أَنَّ دِيَتَهُ تَجِبُ لِوَرَثَتِهِ دُونَ سَيِّدِهِ ، وَأَنَّهُ إذَا أَسْلَمَ تَجِبُ دِيَتُهُ لِوَرَثَتِهِ الْمُسْلِمِينَ دُونِ الْكُفَّارِ ، إنْ مَاتَ مُسْلِمًا حُرًّا ، فَكَانَتْ دِيَتُهُ لِوَرَثَتِهِ الْمُسْلِمِينَ ، كَمَا لَوْ كَانَ كَذَلِكَ حَالَ رَمْيِهِ ، وَلِأَنَّ الْمِيرَاثَ إنَّمَا يُسْتَحَقُّ بِالْمَوْتِ ، فَتُعْتَبَرُ حَالُهُ حِينَئِذٍ ، لَا حِينَ سَبَبِ الْمَوْتِ ، بِدَلِيلِ مَا لَوْ مَرِضَ وَهُوَ عَبْدٌ كَافِرٌ ، ثُمَّ أَسْلَمَ وَمَاتَ بِتِلْكَ الْعِلَّةِ ، وَالْوَاجِبُ","part":18,"page":392},{"id":8892,"text":"بَدَلُ الْمَحَلِّ ، فَيُعْتَبَرُ بِالْمَحَلِّ الَّذِي فَاتَ بِهَا ، فَيَجِبُ بِقَدْرِهِ ، وَقَدْ فَاتَ بِهَا نَفْسُ حُرٍّ مُسْلِمٍ ، وَالْقِصَاصُ جَزَاءُ الْفِعْلِ ، فَيُعْتَبَرُ الْفِعْلُ فِيهِ وَالْإِصَابَةُ مَعًا ؛ لِأَنَّهُمَا طَرَفَاهُ ، فَلِذَلِكَ ، لَمْ يَجِبْ الْقِصَاصُ بِقَتْلِهِ .\r( 6663 ) فَصْلٌ : وَلَمْ يُفَرِّقْ الْخِرَقِيِّ بَيْنَ كَوْنِ الْكَافِرِ ذِمِّيًّا أَوْ غَيْرَهُ ، إلَّا أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ التَّفْرِيقُ فِيهِ ، فَمَتَى رَمَى إلَى حَرْبِيٍّ فِي دَارِ الْحَرْبِ ، فَأَسْلَمَ قَبْلَ وُقُوعِ الرَّمْيَةِ بِهِ ، فَلَا دِيَةَ لَهُ ، وَفِيهِ الْكَفَّارَةُ ؛ لِأَنَّهُ رَمْيٌ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ ، مَأْمُورٌ بِهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَتَلَهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ يَظُنُّهُ حَرْبِيًّا ، وَكَانَ قَدْ أَسْلَمَ وَكَتَمَ إسْلَامَهُ .\rوَفِيهِ رِوَايَةٌ أُخْرَى ، أَنَّ فِيهِ الدِّيَةَ عَلَى عَاقِلَةِ الْقَاتِلِ ؛ لِأَنَّهُ نَوْعُ خَطَأٍ ، فَكَذَلِكَ هَاهُنَا .\rوَلَوْ رَمَى مُرْتَدًّا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ ، فَأَسْلَمَ ثُمَّ وَقَعَ السَّهْمُ بِهِ ، ضَمِنَهُ ؛ لِأَنَّهُ مُفَرِّطٌ بِإِرْسَالِ سَهْمِهِ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ قَتْلَ الْمُرْتَدِّ إلَى الْإِمَامِ ، لَا إلَى آحَادِ النَّاسِ ، وَقَتْلُهُ بِالسَّيْفِ لَا بِالسَّهْمِ .","part":18,"page":393},{"id":8893,"text":"( 6664 ) فَصْلٌ : وَلَوْ رَمَى حَرْبِيًّا ، فَتَتَرَّسَ بِمُسْلِمٍ ، فَأَصَابَهُ فَقَتَلَهُ ، نَظَرْنَا ؛ فَإِنْ كَانَ تَتَرَّسَ بِهِ بَعْدَ الرَّمْيِ ، فَفِيهِ الْكَفَّارَةُ ، وَفِي الدِّيَةِ عَلَى عَاقِلَةِ الرَّامِي رِوَايَتَانِ ، كَاَلَّتِي قَبْلَهَا ، وَإِنْ تَتَرَّسَ بِهِ قَبْلَ الرَّمْيِ ، لَمْ يَجُزْ رَمْيُهُ ، إلَّا أَنْ يَخَافَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ ، فَيَرْمِيَ الْكَافِرَ ، وَلَا يَقْصِدُ الْمُسْلِمَ ، فَإِذَا قَتَلَهُ ، فَفِي دِيَتِهِ أَيْضًا رِوَايَتَانِ ، وَإِنْ رَمَاهُ مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ عَلَى الْمُسْلِمِ فَقَتَلَهُ ، فَعَلَيْهِ دِيَتُهُ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَجُزْ لَهُ رَمْيُهُ .","part":18,"page":394},{"id":8894,"text":"( 6665 ) فَصْلٌ : وَلَوْ قَطَعَ يَدَ عَبْدٍ ، ثُمَّ أُعْتِقَ وَمَاتَ ، أَوْ يَدَ ذِمِّيٍّ ، ثُمَّ أَسْلَمَ وَمَاتَ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا : الْوَاجِبُ دِيَةُ حُرٍّ مُسْلِمٍ ، لِوَرَثَتِهِ وَلِسَيِّدِهِ مِنْهَا أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ دِيَتِهِ أَوْ أَرْشِ جِنَايَتِهِ ، اعْتِبَارًا بِحَالِ اسْتِقْرَارِ الْجِنَايَةِ .\rوَقَالَ الْقَاضِي ، وَأَبُو بَكْرٍ : تَجِبُ قِيمَةُ الْعَبْدِ بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ ، مَصْرُوفَةً إلَى السَّيِّدِ ، اعْتِبَارًا بِحَالِ الْجِنَايَةِ ؛ لِأَنَّهَا الْمُوجِبَةُ لِلضَّمَانِ ، فَاعْتُبِرَتْ حَالَ وُجُودِهَا .\rوَمُقْتَضَى قَوْلِهِمَا ضَمَانُ الذِّمِّيِّ الَّذِي أَسْلَمَ بِدِيَةِ ذِمِّيٍّ ، وَيَلْزَمُهُمَا عَلَى هَذَا أَنْ يَصْرِفَاهَا إلَى وَرَثَتِهِ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ ، وَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ ؛ لِأَنَّ الدِّيَةَ لَا تَخْلُو مِنْ أَنْ تَكُونَ مُسْتَحَقَّةً لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ ، أَوْ لِوَرَثَتِهِ ؛ فَإِنْ كَانَتْ لَهُ ، وَجَبَ أَنْ تَكُونَ لِوَرَثَتِهِ الْمُسْلِمِينَ ، كَسَائِرِ أَمْوَالِهِ وَأَمْلَاكِهِ ، كَاَلَّذِي كَسَبَهُ بَعْد جُرْحِهِ ، وَإِنْ كَانَتْ تَحْدُثُ عَلَى مِلْكِ وَرَثَتِهِ ، فَوَرَثَتُهُ هُمْ الْمُسْلِمُونَ دُونَ الْكُفَّارِ .","part":18,"page":395},{"id":8895,"text":"( 6666 ) فَصْلٌ : وَإِذَا قَطَعَ أَنْفَ عَبْدٍ قِيمَتُهُ أَلْفُ دِينَارٍ ، فَانْدَمَلَ ، ثُمَّ أَعْتَقَهُ السَّيِّدُ .\rوَجَبَتْ قِيمَتُهُ بِكَمَالِهَا لِلسَّيِّدِ .\rوَإِنْ أَعْتَقَهُ ثُمَّ انْدَمَلَ ، فَكَذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا اسْتَقَرَّ بِالِانْدِمَالِ مَا وَجَبَ بِالْجِنَايَةِ ، وَالْجِنَايَةُ كَانَتْ فِي مِلْكِ سَيِّدِهِ .\rوَإِنْ مَاتَ مِنْ سِرَايَة الْجُرْحِ ، فَكَذَلِكَ فِي قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ وَالْقَاضِي .\rوَهُوَ قَوْلُ الْمُزَنِيّ ؛ لِأَنَّ الْجِنَايَةَ يُرَاعَى فِيهَا حَالُ وُجُودِهَا .\rوَذَكَرَ الْقَاضِي ، أَنَّ أَحْمَدَ نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ ، فِي مَنْ فَقَأَ عَيْنَيْ عَبْدٍ ، ثُمَّ أُعْتِقَ وَمَاتَ ، فَفِيهِ قِيمَتُهُ لَا الدِّيَةُ .\rوَمُقْتَضَى قَوْلِ الْخِرَقِيِّ ، أَنَّ الْوَاجِبَ فِيهِ دِيَةُ حُرٍّ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ اعْتِبَارَ الْجِنَايَةِ بِحَالَةِ الِاسْتِقْرَارِ ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ .\rوَتُصْرَفُ إلَى السَّيِّدِ ؛ لِأَنَّهُ اسْتَحَقَّ أَقَلَّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ دِيَتِهِ أَوْ أَرْشِ الْجُرْحِ ، وَالدِّيَةُ هَاهُنَا أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ .\rوَمَا ذَكَرُوهُ يَنْتَقِضُ بِمَا إذَا قَطَعَ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ ، فَمَاتَ بِسِرَايَةِ الْجُرْحِ ؛ فَإِنَّ الْوَاجِبَ دِيَةُ النَّفْسِ ، لَا دِيَةَ الْجُرْحِ .","part":18,"page":396},{"id":8896,"text":"( 6667 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَطَعَ يَدَ عَبْدٍ ، فَأُعْتِقَ ، ثُمَّ عَادَ فَقَطَعَ رِجْلَهُ ، وَانْدَمَلَ الْقَطْعَانِ ، فَلَا قِصَاصَ فِي الْيَدِ ؛ لِأَنَّهَا قُطِعَتْ فِي حَالِ رِقِّهِ ، وَيَجِبُ فِيهَا نِصْفُ قِيمَتِهِ ، أَوْ مَا نَقَصَهُ الْقَطْعُ لِسَيِّدِهِ ، وَيَجِبُ الْقِصَاصُ فِي الرِّجْلِ الَّتِي قَطَعَهَا حَالَ حُرِّيَّتِهِ ، أَوْ نِصْفُ الدِّيَةِ إنْ عَفَا عَنْ الْقِصَاصِ لِوَرَثَتِهِ .\rوَإِنْ انْدَمَلَ قَطْعُ الْيَدِ ، وَسَرَى قَطْعُ الرِّجْلِ إلَى نَفْسِهِ ، فَفِي الْيَدِ نِصْفُ الْقِيمَةِ لِسَيِّدِهِ ، وَعَلَى الْقَاطِعِ الْقِصَاصُ فِي النَّفْسِ ، أَوْ الدِّيَةُ كَامِلَةً لِوَرَثَتِهِ .\rوَإِنْ انْدَمَلَ قَطْعُ الرِّجْلِ ، وَسَرَى قَطْعُ الْيَدِ ، فَفِي الرِّجْلِ الْقِصَاصُ بِقَطْعِهَا ، أَوْ نِصْفُ الدِّيَةِ لِوَرَثَتِهِ ، وَلَا قِصَاصَ فِي الْيَدِ ، وَلَا فِي سِرَايَتهَا ، وَعَلَى الْجَانِي دِيَةُ حُرٍّ ، لِسَيِّدِهِ مِنْهَا أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ أَرْشِ الْقَطْعِ أَوْ دِيَةُ الْحُرِّ ، عَلَى قَوْلِ ابْنِ حَامِدٍ .\rوَعَلَى قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ وَالْقَاضِي ، تَجِبُ قِيمَةُ الْعَبْدِ لِسَيِّدِهِ ، اعْتِبَارًا بِحَالِ جِنَايَتِهِ .\rوَإِنْ سَرَى الْجُرْحَانِ ، لَمْ يَجِبْ الْقِصَاصُ فِي النَّفْسِ وَلَا الْيَدِ ؛ لِأَنَّهُ مَاتَ مِنْ جُرْحَيْنِ مُوجِبٍ وَغَيْرِ مُوجِبٍ ، فَلَمْ يَجِبْ الْقِصَاصُ ، كَمَا لَوْ جَرَحَهُ جُرْحَيْنِ عَمْدًا وَخَطَأً ، وَلَكِنْ يَجِبُ الْقِصَاصُ فِي الرِّجْلِ ؛ لِأَنَّهُ قَطَعَهَا مِنْ حُرٍّ ، فَإِنْ اقْتَصَّ مِنْهُ ، وَجَبَ نِصْفُ الدِّيَةِ ؛ لِأَنَّهُ مَاتَ مِنْ جِنَايَتِهِ ، وَقَدْ اسْتَوْفَى مِنْهُ مَا يُقَابِلُ نِصْفَ الدِّيَةِ ، وَلِلسَّيِّدِ أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ نِصْفِ الْقِيمَةِ أَوْ نِصْفِ الدِّيَةِ ، فَإِنْ زَادَ نِصْفُ الدِّيَةِ .\rعَلَى نِصْفِ الْقِيمَةِ ، كَانَ الزَّائِدُ لِلْوَرَثَةِ ، وَإِنْ عَفَا وَرَثَتُهُ عَنْ الْقِصَاصِ ، فَلَهُمْ أَيْضًا نِصْفُ الدِّيَةِ .\rوَإِنْ كَانَ قَاطِعُ الرِّجْلِ غَيْرَ قَاطِعِ الْيَدِ ، وَانْدَمَلَ الْجُرْحَانِ ، فَعَلَى قَاطِعِ الْيَدِ نِصْفُ الْقِيمَةِ لِسَيِّدِهِ ، وَعَلَى قَاطِعِ الرِّجْلِ الْقِصَاصُ فِيهَا أَوْ نِصْفُ الدِّيَةِ .\rوَإِنْ سَرَى الْجُرْحَانِ إلَى نَفْسِهِ ،","part":18,"page":397},{"id":8897,"text":"فَلَا قِصَاصَ عَلَى الْأَوَّلِ ؛ لِأَنَّهُ قَطَعَ يَدَ عَبْدٍ ، وَعَلَيْهِ نِصْفُ دِيَةِ حُرٍّ ؛ لِأَنَّ الْمَجْنِيَّ عَلَيْهِ حُرٌّ فِي حَالِ قَرَارِ الْجِنَايَةِ ، وَعَلَى الثَّانِي الْقِصَاصُ فِي النَّفْسِ إذَا كَانَا عَمَدَا الْقَطْعَ ؛ لِأَنَّهُ شَارَكَ فِي الْقَتْلِ عَمْدًا عُدْوَانًا ، فَهُوَ كَشَرِيكِ الْأَبِ .\rوَيَتَخَرَّجُ أَنْ لَا قِصَاصَ عَلَيْهِ فِي النَّفْسِ ؛ لِأَنَّ الرُّوحَ خَرَجَتْ مِنْ سِرَايَةِ قَطْعَيْنِ ؛ مُوجِبٍ وَغَيْرِ مُوجِبٍ ، بِنَاءً عَلَى شَرِيكِ الْأَبِ .\rوَإِنْ عَفَا عَنْهُ إلَى الدِّيَةِ ، فَعَلَيْهِ نِصْفُ دِيَةِ حُرٍّ .\rوَإِنْ قُلْنَا بِوُجُوبِ الْقِصَاصِ فِي النَّفْسِ ، خُرِّجَ فِي وُجُوبِهِ فِي الطَّرَفِ رِوَايَتَانِ ، وَإِنْ قُلْنَا : لَا تَجِبُ فِي النَّفْسِ .\rوَجَبَ فِي الرِّجْلِ .","part":18,"page":398},{"id":8898,"text":"( 6668 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَلَعَ عَيْنَ عَبْدٍ ، ثُمَّ أُعْتِقَ ، ثُمَّ قَطَعَ آخَرُ يَدَهُ ، ثُمَّ قَطَعَ آخَرُ رِجْلَهُ ، فَلَا قَوَدَ عَلَى الْأَوَّلِ ، سَوَاءٌ انْدَمَلَ جُرْحُهُ أَوْ سَرَى ، وَأَمَّا الْآخَرَانِ ، فَعَلَيْهِمَا الْقَوَدُ فِي الطَّرَفَيْنِ إنْ وَقَفَ قَطْعُهُمَا ، أَوْ دِيَتُهُمَا إنْ عَفَا عَنْهُمَا .\rوَإِنْ سَرَتْ الْجِرَاحَاتُ كُلُّهَا ، فَعَلَيْهِمَا الْقِصَاصُ فِي النَّفْسِ ؛ لِأَنَّ جِنَايَتَهُمَا صَارَتْ نَفْسًا .\rوَفِي ذَلِكَ وَفِي الْقِصَاصِ فِي الطَّرَفِ اخْتِلَافٌ ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ ، وَإِنْ عَفَا عَنْهُمَا ، فَعَلَيْهِمْ الدِّيَةُ أَثْلَاثًا ، وَفِيمَا يَسْتَحِقُّهُ السَّيِّدُ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا : أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ نِصْفِ الْقِيمَةِ أَوْ ثُلُثِ الدِّيَةِ .\rهَذَا قِيَاسُ قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ ؛ لِأَنَّهُ بِالْقَطْعِ اسْتَحَقَّ نِصْفَ الْقِيمَةِ ، فَإِذَا صَارَتْ نَفْسًا ، وَجَبَ فِيهَا ثُلُثُ الدِّيَةِ ، فَكَانَ لَهُ أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ .\rوَالثَّانِي : لَهُ أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ ثُلُثِ الْقِيمَةِ أَوْ ثُلُثِ الدِّيَةِ ؛ لِأَنَّ الْجِنَايَةَ إذَا صَارَتْ نَفْسًا ، كَانَ الِاعْتِبَارُ بِمَا آلَتْ إلَيْهِ ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ جَنَى الْجَانِيَانِ الْآخَرَانِ قَبْلَ الْعِتْقِ أَيْضًا ، لَمْ يَكُنْ عَلَى الْأَوَّلِ إلَّا ثُلُثُ الْقِيمَةِ ، فَلَا يَزِيدُ حَقُّهُ بِالْعِتْقِ ، كَمَا لَوْ قَلَعَ رَجُلٌ عَيْنَهُ ، ثُمَّ بَاعَهُ سَيِّدُهُ ، ثُمَّ قَطَعَ آخَرُ يَدَهُ ، وَآخَرُ رِجْلَهُ ، ثُمَّ مَاتَ ، فَإِنَّهُ يَكُونُ لِلْأَوَّلِ ثُلُثُ الْقِيمَةِ .\rوَإِنْ كَانَ أَرْشُ الْجِنَايَةِ نِصْفَ الْقِيمَةِ ، فَإِذَا قُلْنَا بِالْوَجْهِ الْأَوَّلِ ، فَلَوْ كَانَ الْأَوَّلُ قَطَعَ إصْبَعَيْهِ ، أَوْ هَشَّمَهُ ، وَالْجَانِيَانِ فِي الْحُرِّيَّةِ قَطَعَا يَدَهُ ، فَالدِّيَةُ عَلَيْهِمْ أَثْلَاثًا ، لِلسَّيِّدِ مِنْهَا أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ أَرْشِ الْإِصْبَعِ وَهُوَ عُشْرُ الْقِيمَةِ أَوْ ثُلُثِ الدِّيَةِ .\rوَلَوْ كَانَ الْجَانِي فِي حَالِ الرِّقِّ قَطَعَ يَدَيْهِ ، وَالْجَانِيَانِ فِي الْحُرِّيَّةِ قَطَعَا رِجْلَيْهِ ، وَجَبَتْ الدِّيَةُ أَثْلَاثًا ، وَكَانَ لِلسَّيِّدِ مِنْهَا أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ جَمِيعِ قِيمَتِهِ","part":18,"page":399},{"id":8899,"text":"أَوْ ثُلُثِ الدِّيَةِ .\rوَعَلَى الْوَجْهِ الْآخَرِ ، يَكُونُ لَهُ فِي الْفَرْعَيْنِ أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ ثُلُثِ الْقِيمَةِ أَوْ ثُلُثِ الدِّيَةِ .\r( 6669 ) فَصْلٌ : فَإِنْ كَانَ الْجَانِيَانِ فِي حَالِ الرِّقِّ ، وَالْوَاحِدُ فِي حَالِ الْحُرِّيَّةِ ، فَمَاتَ ، فَعَلَيْهِمْ الدِّيَةُ ، وَلِلسَّيِّدِ مِنْ ذَلِكَ ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ ، أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ أَرْشِ الْجِنَايَتَيْنِ أَوْ ثُلُثَيْ الدِّيَةِ ، وَعَلَى الْآخَرِ أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ ثُلُثَيْ الْقِيمَةِ أَوْ ثُلُثَيْ الدِّيَةِ .\r( 6670 ) فَصْلٌ : وَإِنْ كَانَ الْجُنَاةُ أَرْبَعَةً ؛ وَاحِدٌ فِي الرِّقِّ ، وَثَلَاثَةٌ فِي الْحُرِّيَّةِ ، وَمَاتَ ، كَانَ لِلسَّيِّدِ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ ، الْأَقَلُّ مِنْ أَرْشِ الْجِنَايَةِ أَوْ رُبْعِ الدِّيَةِ ، وَعَلَى الْآخَرِ الْأَقَلُّ مِنْ رُبْعِ الْقِيمَةِ أَوْ رُبْعِ الدِّيَةِ .\rوَإِنْ كَانَ الثَّلَاثَةُ فِي الرِّقِّ ، وَالْوَاحِدُ فِي الْحُرِّيَّةِ ، كَانَ لِلسَّيِّدِ أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ أَرْشِ الْجِنَايَاتِ أَوْ ثَلَاثَةِ أَرْبَاعِ الدِّيَةِ ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ ، وَفِي الْآخَرِ الْأَقَلُّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَرْبَاعِ الْقِيمَةِ أَوْ ثَلَاثَةِ أَرْبَاعِ الدِّيَةِ .\rوَلَوْ كَانُوا عَشْرَةً ، وَاحِدٌ فِي الرِّقِّ ، وَتِسْعَةٌ فِي الْحُرِّيَّةِ ، فَالدِّيَةُ عَلَيْهِمْ ، وَلِلسَّيِّدِ فِيهَا بِحِسَابِ مَا ذَكَرْنَا ، عَلَى اخْتِلَافِ الْوَجْهَيْنِ .","part":18,"page":400},{"id":8900,"text":"( 6671 ) فَصْلٌ : فَإِنْ قَطَعَ يَدَهُ ، ثُمَّ أُعْتِقَ ، فَقَطَعَ آخَرُ رِجْلَهُ ، ثُمَّ عَادَ الْأَوَّلُ فَقَتَلَهُ بَعْدَ الِانْدِمَالِ ، فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ لِلْوَرَثَةِ ، وَنِصْفُ الْقِيمَةِ لِلسَّيِّدِ ، وَعَلَى الْآخَرِ الْقِصَاصُ لِلْوَرَثَةِ فِي الرِّجْلِ أَوْ نِصْفُ الدِّيَةِ .\rفَإِنْ كَانَ قَبْلَ الِانْدِمَالِ ، فَعَلَى الْجَانِي الْأَوَّلِ الْقِصَاصُ فِي النَّفْسِ دُونَ الْيَدِ ؛ لِأَنَّهُ قَطَعَهَا فِي رِقِّهِ .\rفَإِنْ اخْتَارَ الْوَرَثَةُ الْقِصَاصَ فِي النَّفْسِ ، سَقَطَ حَقُّ السَّيِّدِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُسْتَحَقَّ عَلَيْهِ النَّفْسُ وَأَرْشُ الطَّرَفِ قَبْلَ الِانْدِمَالِ ، فَإِنَّ الطَّرَفَ دَاخِلٌ فِي النَّفْسِ فِي الْأَرْشِ .\rوَإِنْ اخْتَارُوا الْعَفْوَ ، فَعَلَيْهِ الدِّيَةُ دُونَ أَرْشِ الطَّرَفِ ؛ لِأَنَّ أَرْشَ الطَّرَفِ يَدْخُلُ فِي النَّفْسِ ، وَلِلسَّيِّدِ أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ نِصْفِ الْقِيمَةِ أَوْ أَرْشِ الطَّرَفِ ، وَالْبَاقِي لِلْوَرَثَةِ ، وَأَمَّا الثَّانِي ، فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ فِي الرِّجْلِ ؛ لِأَنَّ الْقَتْلَ قَطَعَ سِرَايَتهَا ، فَصَارَ كَمَا لَوْ انْدَمَلَتْ .\rفَإِنْ عَفَا عَنْهُ فَعَلَيْهِ نِصْفُ الدِّيَةِ .\rوَإِنْ كَانَ الثَّانِي هُوَ الَّذِي قَتَلَ قَبْلَ الِانْدِمَالِ ، فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ فِي النَّفْسِ .\rوَهَلْ يُقْطَعُ طَرَفُهُ ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ .\rفَإِنْ عَفَا الْوَرَثَةُ ، فَعَلَيْهِ دِيَةٌ وَاحِدَةٌ .\rوَأَمَّا الْأَوَّلُ ، فَعَلَيْهِ نِصْفُ الْقِيمَةِ لِلسَّيِّدِ ، وَلَا قِصَاصَ عَلَيْهِ .\rوَإِنْ كَانَ الْقَاتِلُ ثَالِثًا ، فَقَدْ اسْتَقَرَّ الْقَطْعَانِ ، وَيَكُونُ عَلَى الْأَوَّلِ نِصْفُ الْقِيمَةِ لِسَيِّدِهِ ، وَعَلَى الثَّانِي الْقِصَاصُ فِي الرِّجْلِ ، أَوْ نِصْفُ الدِّيَةِ لِوَرَثَتِهِ ، وَعَلَى الثَّالِثِ الْقِصَاصُ فِي النَّفْسِ أَوْ الدِّيَةُ .","part":18,"page":401},{"id":8901,"text":"( 6672 ) فَصْلٌ : وَإِذَا قَطَعَ رَجُلٌ يَدَ عَبْدِهِ ، ثُمَّ أَعْتَقَهُ ثُمَّ انْدَمَلَ جُرْحُهُ ، فَلَا قِصَاصِ عَلَيْهِ وَلَا ضَمَانَ ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا قَطَعَ يَدَ عَبْدِهِ ، وَإِنَّمَا اسْتَقَرَّ بِالِانْدِمَالِ مَا وَجَبَ بِالْجِرَاحِ .\rوَإِنْ مَاتَ بَعْدَ الْعِتْقِ بِسِرَايَةِ الْجُرْحِ ، فَلَا قِصَاصَ فِيهِ ؛ لِأَنَّ الْجِنَايَةَ كَانَتْ عَلَى مَمْلُوكِهِ .\rوَفِي وُجُوبِ الضَّمَانِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا : لَا يَجِبُ شَيْءٌ ؛ لِأَنَّهُ مَاتَ بِسِرَايَةِ جُرْحٍ غَيْرِ مَضْمُونٍ ، أَشْبَهَ مَا لَوْ مَاتَ بِسِرَايَةِ الْقَطْعِ فِي الْحَدِّ وَسِرَايَة الْقَوَدِ ، وَلِأَنَّا تَبَيَّنَّا أَنَّ الْقَطْعَ كَانَ قَتْلًا ، فَيَكُونُ قَاتِلًا لَعَبْدِهِ ، فَلَا يَلْزَمُهُ ضَمَانُهُ ، كَمَا لَوْ لَمْ يَعْتِقْهُ .\rوَهَذَا بِمُقْتَضَى قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ .\rوَالثَّانِي : يَضْمَنُهُ بِمَا زَادَ عَلَى أَرْشِ الْقَطْعِ مِنْ الدِّيَةِ ؛ لِأَنَّهُ مَاتَ وَهُوَ حُرٌّ بِسِرَايَةِ قَطْعِ عُدْوَانٍ ، فَيَضْمَنُ ، كَمَا لَوْ كَانَ الْقَاطِعُ أَجْنَبِيًّا ، لَكِنْ يَسْقُطُ أَرْشُ الْقَطْعِ ؛ لِأَنَّهُ فِي مِلْكِهِ ، وَيَجِبُ الزَّائِدُ لِوَرَثَتِهِ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ سِوَاهُ ، وَجَبَ لِبَيْتِ الْمَالِ ، وَلَا يَرِثُ السَّيِّدُ شَيْئًا ؛ لِأَنَّ الْقَاتِلَ لَا يَرِثُ .","part":18,"page":402},{"id":8902,"text":"( 6673 ) مَسْأَلَة ؛ قَالَ : ( وَإِذَا قَتَلَ رَجُلٌ اثْنَيْنِ ، وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ ، فَاتَّفَقَ أَوْلِيَاءُ الْجَمِيعِ عَلَى الْقَوَدِ ، أُقِيدَ لَهُمَا .\rوَإِنْ أَرَادَ وَلِيُّ الْأَوَّلِ الْقَوَدَ ، وَالثَّانِي الدِّيَةَ ، أُقِيدَ لِلْأَوَّلِ ، وَأُعْطِيَ أَوْلِيَاءُ الثَّانِي الدِّيَةَ مِنْ مَالِهِ .\rوَكَذَلِكَ إنْ أَرَادَ أَوْلِيَاءُ الْأَوَّلِ الدِّيَةَ ، وَالثَّانِي الْقَوَدَ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا قَتَلَ اثْنَيْنِ ، فَاتَّفَقَ أَوْلِيَاؤُهُمَا عَلَى قَتْلِهِ بِهِمَا ، قُتِلَ بِهِمَا .\rوَإِنْ أَرَادَ أَحَدُهُمَا الْقَوَدَ ، وَالْآخَرُ الدِّيَةَ ، قُتِلَ لِمَنْ اخْتَارَ أَرَادَ الْقَوَدَ ، وَأُعْطِيَ أَوْلِيَاءُ الثَّانِي الدِّيَةَ مِنْ مَالِهِ ، سَوَاءٌ كَانَ الْمُخْتَارُ لِلْقَوَدِ الثَّانِيَ أَوْ الْأَوَّلَ ، وَسَوَاءٌ قَتَلَهُمَا دَفْعَةً وَاحِدَةً ، أَوْ دَفْعَتَيْنِ .\rفَإِنْ بَادَرَ أَحَدُهُمَا فَقَتَلَهُ ، وَجَبَ لِلْآخَرِ الدِّيَةُ فِي مَالِهِ ، أَيِّهِمَا كَانَ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٌ : يُقْتَلُ بِالْجَمَاعَةِ ، لَيْسَ لَهُمْ إلَّا ذَلِكَ ، وَإِنْ طَلَبَ بَعْضُهُمْ الدِّيَةَ ، فَلَيْسَ لَهُ ، وَإِنْ بَادَرَ أَحَدُهُمْ فَقَتَلَهُ ، سَقَطَ حَقُّ الْبَاقِينَ ؛ لِأَنَّ الْجَمَاعَةَ لَوْ قَتَلُوا وَاحِدًا قُتِلُوا بِهِ ، فَكَذَلِكَ إذَا قَتَلَهُمْ وَاحِدٌ قُتِلَ بِهِمْ ، كَالْوَاحِدِ بِالْوَاحِدِ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يُقْتَلُ إلَّا بِوَاحِدٍ ، سَوَاءٌ اتَّفَقُوا عَلَى طَلَبِ الْقِصَاصِ أَوْ لَمْ يَتَّفِقُوا ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ اسْتِيفَاءُ الْقِصَاصِ ، فَاشْتِرَاكُهُمْ فِي الْمُطَالَبَةِ لَا يُوجِبُ تَدَاخُلَ حُقُوقِهِمْ ، كَسَائِرِ الْحُقُوقِ .\rوَلَنَا عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ ، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { فَمَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ ، فَأَهْلُهُ بَيْنَ خِيرَتَيْنِ ؛ إنْ أَحَبُّوا قَتَلُوا ، وَإِنْ أَحَبُّوا أَخَذُوا الْعَقْلَ } .\rفَظَاهِرُ هَذَا أَنَّ أَهْلَ كُلِّ قَتِيلٍ يَسْتَحِقُّونَ مَا اخْتَارُوهُ مِنْ الْقَتْلِ أَوْ الدِّيَةِ ، فَإِذَا اتَّفَقُوا عَلَى الْقَتْلِ وَجَبَ لَهُمْ ، وَإِنْ اخْتَارَ بَعْضُهُمْ الدِّيَةَ ، وَجَبَ لَهُ بِظَاهِرِ الْخَبَرِ ، وَلِأَنَّهُمَا","part":18,"page":403},{"id":8903,"text":"جِنَايَتَانِ لَا يَتَدَاخَلَانِ إذَا كَانَتَا خَطَأً أَوْ إحْدَاهُمَا ، فَلَمْ يَتَدَاخَلَا فِي الْعَمْدِ ، كَالْجِنَايَاتِ عَلَى الْأَطْرَافِ ، وَقَدْ سَلَّمُوهَا .\rوَلَنَا عَلَى الشَّافِعِيِّ ، أَنَّهُ مَحَلٌّ تَعَلَّقَ بِهِ حَقَّانِ ، لَا يَتَّسِعُ لَهُمَا مَعًا ، رَضِيَ الْمُسْتَحِقَّانِ بِهِ عَنْهُمَا ، فَيَكْتَفِي بِهِ كَمَا لَوْ قَتَلَ عَبْدٌ عَبْدَيْنِ خَطَأً فَرَضِيَ بِأَخْذِهِ عَنْهُمَا ، وَلِأَنَّهُمَا رَضِيَا بِدُونِ حَقِّهِمَا فَجَازَ ، كَمَا لَوْ رَضِيَ صَاحِبُ الصَّحِيحَةِ بِالشَّلَّاءِ ، أَوْ وَلِيُّ الْحُرِّ بِالْعَبْدِ ، وَوَلِيُّ الْمُسْلِمِ بِالْكَافِرِ .\rوَفَارَقَ مَا إذَا كَانَ الْقَتْلُ خَطَأً ؛ فَإِنَّ الْجِنَايَةَ تَجِبُ فِي الذِّمَّةِ ، وَالذِّمَّةُ تَتَّسِعُ لَحُقُوقٍ كَثِيرَةٍ .\rوَمَا ذَكَرَهُ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ ؛ فَإِنَّ الْجَمَاعَةَ قُتِلُوا بِالْوَاحِدِ ، لِئَلَّا يُؤَدِّيَ الِاشْتِرَاكُ إلَى إسْقَاطِ الْقِصَاصِ ، تَغْلِيظًا لِلْقِصَاصِ ، وَمُبَالَغَةً فِي الزَّجْرِ ، وَفِي مَسْأَلَتِنَا يَنْعَكِسُ هَذَا ، فَإِنَّهُ إذَا عَلِمَ أَنَّ الْقِصَاصَ وَاجِبٌ عَلَيْهِ بِقَتْلِ وَاحِدٍ ، وَأَنَّ قَتْلَ الثَّانِي وَالثَّالِثِ لَا يَزْدَادُ بِهِ عَلَيْهِ حَقٌّ ، بَادَرَ إلَى قَتْلِ مَنْ يُرِيدُ قَتْلَهُ ، وَفَعَلَ مَا يَشْتَهِي فِعْلَهُ ، فَيَصِيرُ هَذَا كَإِسْقَاطِ الْقِصَاصِ عَنْهُ ابْتِدَاءً مَعَ الدِّيَةِ .\r( 6674 ) فَصْلٌ : وَإِنْ طَلَبَ كُلُّ وَلِيٍّ قَتْلَهُ بِوَلِيِّهِ ، مُسْتَقِلًّا مِنْ غَيْرِ مُشَارَكَةٍ ، قُدِّمَ الْأَوَّلُ ؛ لِأَنَّ حَقَّهُ أَسْبَقُ ، وَلِأَنَّ الْمَحَلَّ صَارَ مُسْتَحَقًّا لَهُ بِالْقَتْلِ الْأَوَّلِ .\rفَإِنْ عَفَا وَلِيُّ الْأَوَّلِ ، فَلِوَلِيِّ الثَّانِي قَتْلُهُ .\rوَإِنْ طَالَبَ وَلِيُّ الثَّانِي قَبْلَ طَلَبِ الْأَوَّلِ ، بَعَثَ الْحَاكِمُ إلَى وَلِيِّ الْأَوَّلِ فَأَعْلَمَهُ .\rوَإِنْ بَادَرَ الثَّانِي فَقَتَلَهُ ، أَسَاءَ ، وَسَقَطَ حَقُّ الْأَوَّلِ إلَى الدِّيَةِ .\rوَإِنْ كَانَ وَلِيُّ الْأَوَّلِ غَائِبًا أَوْ صَغِيرًا أَوْ مَجْنُونًا ، اُنْتُظِرَ .\rوَإِنْ عَفَا أَوْلِيَاءُ الْجَمِيعِ إلَى الدِّيَاتِ ، فَلَهُمْ ذَلِكَ .\rوَإِنْ قَتَلَهُمْ دَفْعَةً وَاحِدَةً ، وَتَشَاحُّوا فِي","part":18,"page":404},{"id":8904,"text":"الْمُسْتَوْفِي ، أُقْرِعَ بَيْنَهُمْ ، فَقُدِّمَ مَنْ تَقَعُ لَهُ الْقُرْعَةُ ؛ لِتَسَاوِي حُقُوقِهِمْ .\rوَإِنْ بَادَرَ غَيْرُهُ فَقَتَلَهُ ، اسْتَوْفَى حَقَّهُ ، وَسَقَطَ حَقُّ الْبَاقِينَ إلَى الدِّيَةِ .\rوَإِنْ قَتَلَهُمْ مُتَفَرِّقًا ، وَأَشْكَلَ الْأَوَّلُ ، أَوْ ادَّعَى كُلُّ وَلِيٍّ أَنَّهُ الْأَوَّلُ ، وَلَا بَيِّنَةَ لَهُمْ ، فَأَقَرَّ الْقَاتِلُ لَأَحَدِهِمْ ، قُدِّمَ بِإِقْرَارِهِ ، وَإِنْ لَمْ يُقِرَّ ، أَقْرَعَنَا بَيْنَهُمْ ؛ لِاسْتِوَاءِ حُقُوقِهِمْ .","part":18,"page":405},{"id":8905,"text":"( 6675 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَطَعَ يَمِينَيْ رَجُلَيْنِ ، فَالْحُكْمُ فِيهِ كَالْحُكْمِ فِي الْأَنْفُسِ ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ التَّفْصِيلِ وَالِاخْتِلَافِ ، إلَّا أَنَّ أَصْحَابَ الرَّأْيِ قَالُوا : يُقَادُ لَهُمَا جَمِيعًا ، وَيَغْرَمُ لَهُمَا دِيَةَ الْيَدِ فِي مَالِهِ نِصْفَيْنِ .\rوَهَذَا لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّهُ يُفْضِي إلَى إيجَابِ الْقَوَدِ فِي بَعْضِ الْعُضْوِ وَالدِّيَةِ فِي بَعْضِهِ ، وَالْجَمْعِ بَيْنَ الْبَدَلِ وَالْمُبْدَلِ فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ ، وَلَمْ يَرِدْ الشَّرْعُ بِهِ ، وَلَا نَظِيرَ لَهُ يُقَاسُ عَلَيْهِ .","part":18,"page":406},{"id":8906,"text":"( 6676 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَطَعَ يَدَ رَجُلٍ ، ثُمَّ قَتَلَ آخَرَ ، ثُمَّ سَرَى الْقَطْعُ إلَى نَفْسِ الْمَقْطُوعِ فَمَاتَ ، فَهُوَ قَاتِلٌ لَهُمَا ، فَإِذَا تَشَاحَّا فِي الْمُسْتَوْفِي لِلْقَتْلِ ، قُتِلَ بِاَلَّذِي قَتَلَهُ ؛ لِأَنَّ وُجُوبَ الْقَتْلِ عَلَيْهِ أَسْبَقُ ، فَإِنَّ الْقَتْلَ بِاَلَّذِي قَطَعَهُ إنَّمَا وَجَبَ عِنْدَ السِّرَايَةِ ، وَهِيَ مُتَأَخِّرَةٌ عَنْ قَتْلِ الْآخَرِ ، وَأَمَّا الْقَطْعُ ، فَإِنْ قُلْنَا : إنَّهُ يَسْتَوْفِي مِنْهُ مِثْلُ مَا فَعَلَ .\rفَإِنَّهُ يُقْطَعُ لَهُ أَوَّلًا ، ثُمَّ يُقْتَلُ لِلَّذِي قَتَلَهُ ، وَيَجِبُ لِلْأَوَّلِ نِصْفُ الدِّيَةِ .\rوَإِنْ قُلْنَا : لَا يَسْتَوْفِي الْقَطْعُ .\rوَجَبَتْ لَهُ الدِّيَةُ كَامِلَةً ، وَلَمْ يُقْطَعْ طَرَفُهُ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يَجِبَ لَهُ الْقَطْعُ عَلَى كُلِّ حَالٍ ؛ لِأَنَّ الْقَطْعَ إنَّمَا يَدْخُلُ فِي الْقَتْلِ عِنْدَ اسْتِيفَاءِ الْقَتْلِ .\rفَإِذَا تَعَذَّرَ اسْتِيفَاءُ الْقَتْلِ ، وَجَبَ اسْتِيفَاءُ الطَّرَفِ لِوُجُوبِ مُقْتَضِيه ، وَعَدَمِ الْمَانِعِ مِنْ اسْتِيفَائِهِ ، كَمَا لَوْ لَمْ يَسْرِ .\rوَلَوْ كَانَ قَطْعُ الْيَدِ لَمْ يَسْرِ إلَى النَّفْسِ ، فَإِنَّهُ تُقْطَعُ يَدُهُ أَوَّلًا ، ثُمَّ يُقْتَلُ ، وَسَوَاءٌ تَقَدَّمَ الْقَطْعُ أَوْ تَأَخَّرَ .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : يُقْتَلُ وَلَا يُقْطَعُ ؛ لِأَنَّهُ إذَا قُتِلَ تَلِفَ الطَّرَفُ ، فَلَا فَائِدَةَ فِي الْقَطْعِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَا لَوَاحِدٍ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُمَا جِنَايَتَانِ عَلَى رَجُلَيْنِ ، فَلَمْ يَتَدَاخَلَا ، كَقَطْعِ يَدَيْ رَجُلَيْنِ .\rوَمَا ذَكَرَهُ مِنْ الْقِيَاسِ غَيْرُ صَحِيحٍ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ قَالَ : لَوْ قَطَعَ يَدَ رَجُلٍ ، ثُمَّ قَتَلَهُ يَقْصِدُ الْمُثْلَةَ بِهِ ، قُطِعَ وَقُتِلَ .\rوَنَحْنُ نُوَافِقُهُ عَلَى هَذَا فِي رِوَايَةٍ ، فَقَدْ حَصَلَ الْإِجْمَاعُ مِنَّا وَمِنْهُمْ عَلَى انْتِفَاءِ التَّدَاخُلِ فِي الْأَصْلِ ، فَكَيْفَ يَقِيسُ عَلَيْهِ ، وَلَكِنَّهُ يَنْقَلِبُ دَلِيلًا عَلَيْهِ ، فَنَقُولُ : قَطَعَ وَقَتَلَ ، فَيُسْتَوْفَى مِنْهُ مِثْلُ مَا فَعَلَ ، كَمَا لَوْ فَعَلَهُ بِرَجُلٍ وَاحِدٍ يَقْصِدُ الْمُثْلَةَ بِهِ ، وَيَثْبُتُ الْحُكْمُ فِي","part":18,"page":407},{"id":8907,"text":"مَحَلِّ النِّزَاعِ بِطَرِيقِ التَّنْبِيهِ ، فَإِنَّهُ إذَا لَمْ يَتَدَاخَلْ حَقُّ الْوَاحِد ، فَحَقُّ الِاثْنَيْنِ أَوْلَى ، وَيَبْطُلُ بِهَذَا مَا قَالَهُ مِنْ الْمَعْنَى .","part":18,"page":408},{"id":8908,"text":"( 6677 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَطَعَ إصْبَعًا مِنْ يَمِينِ رَجُلٍ ، وَيَمِينًا لِآخَرَ ، وَكَانَ قَطْعُ الْإِصْبَعِ أَسْبَقِ ، قُطِعَتْ إصْبَعُهُ قِصَاصًا ، وَخُيِّرَ الْآخَرُ بَيْنَ الْعَفْوِ إلَى الدِّيَةِ ، وَبَيْنَ الْقِصَاصِ وَأَخْذِ دِيَةِ الْإِصْبَعِ .\rذَكَره الْقَاضِي ، وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ حَامِدٍ ، وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ وَجَدَ بَعْضَ حَقِّهِ ، فَكَانَ لَهُ اسْتِيفَاءُ الْمَوْجُودِ ، وَأَخْذُ بَدَلِ الْمَفْقُودِ ، كَمَنْ أَتْلَفَ مِثْلِيًّا لِرَجُلٍ ، فَوَجَدَ بَعْضَ الْمِثْلِ .\rوَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : يُخَيَّرُ بَيْن الْقِصَاصِ وَلَا شَيْءَ لَهُ مَعَهُ ، وَبَيْنَ الدِّيَةِ .\rهَذَا قِيَاسُ قَوْلِهِ ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ لِأَنَّهُ لَا يُجْمَعُ فِي عُضْوٍ وَاحِدٍ بَيْنَ قِصَاصٍ وَدِيَةٍ كَالنَّفْسِ .\rوَإِنْ كَانَ قَطْعُ الْيَدِ سَابِقًا عَلَى قَطْعِ الْإِصْبَعِ ، قُطِعَتْ يَمِينُهُ قِصَاصًا ، وَلِصَاحِبِ الْإِصْبَعِ أَرْشُهَا .\rوَيُفَارِقُ هَذَا مَا إذَا قَتَلَ رَجُلًا ، ثُمَّ قَطَعَ يَدَ آخَرَ ، حَيْثُ قَدَّمْنَا اسْتِيفَاءَ الْقَطْعِ مَعَ تَأَخُّرِهِ ؛ لِأَنَّ قَطْعَ الْيَدِ لَا يَمْنَعُ التَّكَافُؤَ فِي النَّفْسِ ، بِدَلِيلِ أَنَّا نَأْخُذُ كَامِلَ الْأَطْرَافِ بِنَاقِصِهَا ، وَأَنَّ دِيَتَهُمَا وَاحِدَةٌ ، وَنَقْصَ الْإِصْبَعِ يَمْنَعُ التَّكَافُؤَ فِي الْيَدِ ، بِدَلِيلِ أَنَّا لَا نَأْخُذُ الْكَامِلَةَ بِالنَّاقِصَةِ ، وَاخْتِلَافِ دِيَتِهِمَا .\rوَإِنْ عَفَا صَاحِبُ الْيَدِ ، قُطِعَتْ الْإِصْبَعُ لِصَاحِبِهَا ، إنْ اخْتَارَ قَطَعَهَا .","part":18,"page":409},{"id":8909,"text":"( 6678 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَإِذَا جَرَحَهُ جُرْحًا يُمْكِنُ الِاقْتِصَاصُ مِنْهُ بِلَا حَيْفٍ ، اُقْتُصَّ مِنْهُ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْقِصَاصَ يَجْرِي فِيمَا دُونَ النَّفْسِ مِنْ الْجُرُوحِ ، إذَا أَمْكَنَ ؛ لِلنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ ؛ أَمَّا النَّصُّ فَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ } .\rوَرَوَى أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ، أَنَّ الرُّبَيِّعَ بِنْتَ النَّضِرِ بْنِ أَنَسٍ ، { كَسَرَتْ ثَنِيَّةَ جَارِيَةٍ ، فَعَرَضُوا عَلَيْهِمْ الْأَرْشَ ، فَأَبَوْا إلَّا الْقِصَاصَ ، فَجَاءَ أَخُوهَا أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، تُكْسَرُ ثَنِيَّةُ الرُّبَيِّعِ ، وَاَلَّذِي بَعَثَك بِالْحَقِّ لَا تُكْسَرُ ثَنِيَّتُهَا .\rفَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا أَنَسُ ، كِتَابُ اللَّهِ الْقِصَاصُ .\rقَالَ : فَعَفَا الْقَوْمُ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إنَّ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى جَرَيَانِ الْقِصَاصِ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ إذَا أَمْكَنَ ، وَلِأَنَّ مَا دُون النَّفْسِ كَالنَّفْسِ فِي الْحَاجَةِ إلَى حِفْظِهِ بِالْقِصَاصِ ، فَكَانَ كَالنَّفْسِ فِي وُجُوبِهِ .","part":18,"page":410},{"id":8910,"text":"( 6679 ) فَصْلٌ : وَيُشْتَرَطُ لِوُجُوبِ الْقِصَاصِ فِي الْجُرُوحِ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ : أَحَدُهَا : أَنْ يَكُونَ عَمْدًا مَحْضًا ، فَأَمَّا الْخَطَأُ فَلَا قِصَاصَ فِيهِ إجْمَاعًا ، لِأَنَّ الْخَطَأ لَا يُوجِبُ الْقِصَاصَ فِي النَّفْسِ ، وَهِيَ الْأَصْلُ ، فَفِيمَا دُونَهَا أَوْلَى .\rوَلَا يَجِبُ بِعَمْدِ الْخَطَأِ ، وَهُوَ أَنْ يَقْصِدَ ضَرْبَهُ بِمَا لَا يُفْضِي إلَى ذَلِكَ غَالِبًا ، مِثْلُ أَنْ يَضْرِبَهُ بِحَصَاةِ لَا يُوضِحُ مِثْلُهَا ، فَتُوضِحَهُ ، فَلَا يَجِبُ بِهِ الْقِصَاصُ ؛ لِأَنَّهُ شِبْهُ الْعَمْدِ ، وَلَا يَجِبُ الْقِصَاصُ إلَّا بِالْعَمْدِ الْمَحْضِ .\rوَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : يَجِبُ بِهِ الْقِصَاصُ ، وَلَا يُرَاعَى فِيهِ ذَلِكَ ؛ لِعُمُومِ الْآيَةِ .\rالثَّانِي : التَّكَافُؤُ بَيْنَ الْجَارِحِ وَالْمَجْرُوحِ ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْجَانِي يُقَادُ مِنْ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ لَوْ قَتَلَهُ ، كَالْحُرِّ الْمُسْلِمِ مَعَ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ ، فَأَمَّا مَنْ لَا يُقْتَلُ بِقَتْلِهِ ، فَلَا يُقْتَصُّ مِنْهُ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ لَهُ ، كَالْمُسْلِمِ مَعَ الْكَافِرِ ، وَالْحُرِّ مَعَ الْعَبْدِ ، وَالْأَبِ مَعَ ابْنِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا تُؤْخَذُ نَفْسُهُ بِنَفْسِهِ ، فَلَا يُؤْخَذُ طَرَفُهُ بِطَرَفِهِ ، وَلَا يُجْرَحُ بِجُرْحِهِ ، كَالْمُسْلِمِ مَعَ الْمُسْتَأْمِنِ .\rالثَّالِثُ : إمْكَانُ الِاسْتِيفَاءِ مِنْ غَيْرِ حَيْفٍ وَلَا زِيَادَةٍ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : { وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ } .\rوَقَالَ : { فَمَنْ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ } .\rوَلِأَنَّ دَمَ الْجَانِي مَعْصُومٌ إلَّا فِي قَدْرِ جِنَايَتِهِ ، فَمَا زَادَ عَلَيْهَا يَبْقَى عَلَى الْعِصْمَةِ ، فَيَحْرُمُ اسْتِيفَاؤُهُ بَعْدَ الْجِنَايَةِ ، كَتَحْرِيمِهِ قَبْلَهَا ، وَمِنْ ضَرُورَةِ الْمَنْعِ مِنْ الزِّيَادَةِ الْمَنْعُ مِنْ الْقِصَاصِ ؛ لِأَنَّهَا مِنْ لَوَازِمِهِ ، فَلَا يُمْكِنُ الْمَنْعُ مِنْهَا إلَّا بِالْمَنْعِ مِنْهُ .\rوَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ نَعْلَمُهُ .\rوَمِمَّنْ مَنَعَ الْقِصَاصَ فِيمَا دُونَ الْمُوضِحَةِ الْحَسَنُ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَمَنَعَهُ فِي","part":18,"page":411},{"id":8911,"text":"الْعِظَامِ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَعَطَاءٌ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَالْحَكَمُ ، وَابْنُ شُبْرُمَةَ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّ الْجُرْحَ الَّذِي يُمْكِنُ اسْتِيفَاؤُهُ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ ، هُوَ كُلُّ جُرْحٍ يَنْتَهِي إلَى عَظْمٍ ، كَالْمُوضِحَةِ فِي الرَّأْسِ وَالْوَجْهِ ، وَلَا نَعْلَمُ فِي جَوَازِ الْقِصَاصِ فِي الْمُوضِحَةِ خِلَافًا ، وَهِيَ كُلُّ جُرْحٍ يَنْتَهِي إلَى الْعَظْمِ فِي الرَّأْسِ وَالْوَجْهِ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى نَصَّ عَلَى الْقِصَاصِ فِي الْجُرُوحِ ، فَلَوْ لَمْ يَجِبْ هَاهُنَا ، لَسَقَطَ حُكْمُ الْآيَةِ ، وَفِي مَعْنَى الْمُوضِحَةِ كُلُّ جُرْحٍ يَنْتَهِي إلَى عَظْمٍ فِيمَا سِوَى الرَّأْسِ وَالْوَجْهِ ، كَالسَّاعِدِ ، وَالْعَضُدِ ، وَالسَّاقِ ، وَالْفَخِذِ ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rوَهُوَ مَنْصُوصُ الشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ : لَا قِصَاصَ فِيهَا ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ فِيهَا .\rوَلَيْسَ بِصَحِيحٍ ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ } .\rوَلِأَنَّهُ أَمْكَنَ اسْتِيفَاؤُهَا بِغَيْرِ حَيْفٍ وَلَا زِيَادَةٍ ، لِانْتِهَائِهَا إلَى عَظْمٍ ، فَهِيَ كَالْمُوضِحَةِ ، وَالتَّقْدِيرُ فِي الْمُوضِحَةِ لَيْسَ هُوَ الْمُقْتَضِي لِلْقِصَاصِ ، وَلَا عَدَمُهُ مَانِعًا ، وَإِنَّمَا كَانَ التَّقْدِيرُ فِي الْمُوضِحَةِ لِكَثْرَةِ شَيْنِهَا ، وَشَرَفِ مَحَلِّهَا ؛ وَلِهَذَا قُدِّرَ مَا فَوْقَهَا مِنْ شِجَاجِ الرَّأْسِ وَالْوَجْهِ ، وَلَا قِصَاصَ فِيهِ ، وَكَذَلِكَ الْجَائِفَةُ أَرْشُهَا مُقَدَّرٌ ، لَا قِصَاصَ فِيهِ .","part":18,"page":412},{"id":8912,"text":"( 6680 ) فَصْلٌ : وَلَا يُسْتَوْفَى الْقِصَاصُ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ بِالسَّيْفِ ، وَلَا بِآلَةٍ يُخْشَى مِنْهَا الزِّيَادَةُ ، سَوَاءٌ كَانَ الْجُرْحُ بِهَا أَوْ بِغَيْرِهَا ؛ لِأَنَّ الْقَتْلَ إنَّمَا اُسْتُوْفِيَ بِالسَّيْفِ ؛ لِأَنَّهُ آلَتُهُ ، وَلَيْسَ ثَمَّةَ شَيْءٌ يُخْشَى التَّعَدِّي إلَيْهِ ، فَيَجِبُ أَنْ يُسْتَوْفَى مَا دُونَ النَّفْسِ بِآلَتِهِ ، وَيُتَوَقَّى مَا يُخْشَى مِنْهُ الزِّيَادَةُ إلَى مَحَلٍّ لَا يَجُوزُ اسْتِيفَاؤُهُ ، وَلِأَنَّنَا مَنَعْنَا الْقِصَاصَ بِالْكُلِّيَّةِ فِيمَا تُخْشَى الزِّيَادَةُ فِي اسْتِيفَائِهِ .\rفَلَأَنْ نَمْنَعَ الْآلَةَ الَّتِي يُخْشَى مِنْهَا ذَلِكَ أَوْلَى .\rفَإِنْ كَانَ الْجُرْحُ مُوضِحَةً أَوْ مَا أَشْبَهَهَا ، فَبِالْمُوسَى أَوْ حَدِيدَةٍ مَاضِيَةٍ مُعَدَّةٍ لِذَلِكَ ، وَلَا يَسْتَوْفِي ذَلِكَ إلَّا مَنْ لَهُ عِلْمٌ بِذَلِكَ ، كَالْجَرَائِحِيِّ وَمَنْ أَشْبَهَهُ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْوَلِيِّ عِلْمٌ بِذَلِكَ ، أُمِرَ بِالِاسْتِبَانَةِ ، وَإِنْ كَانَ لَهُ عِلْمٌ ، فَقَالَ الْقَاضِي : ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ ، أَنَّهُ يُمَكَّنُ مِنْهُ ؛ لِأَنَّهُ أَحَدُ نَوْعَيْ الْقِصَاصِ ، فَيُمَكَّنُ مِنْ اسْتِيفَائِهِ إذَا كَانَ يُحْسِنُ ، كَالْقَتْلِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يُمَكَّنَ مِنْ اسْتِيفَائِهِ بِنَفْسِهِ ، وَلَا يَلِيهِ إلَّا نَائِبُ الْإِمَامِ ، أَوْ مِنْ يَسْتَنِيبُهُ وَلِيُّ الْجِنَايَةِ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ مَعَ الْعَدَاوَةِ وَقَصْدِ التَّشَفِّي الْحَيْفُ فِي الِاسْتِيفَاءِ بِمَا لَا يُمْكِنُ تَلَافِيه ، وَرُبَّمَا أَفْضَى إلَى النِّزَاعِ وَالِاخْتِلَافِ ، بِأَنْ يَدَّعِيَ الْجَانِي الزِّيَادَةَ وَيُنْكِرَهَا الْمُسْتَوْفِي .","part":18,"page":413},{"id":8913,"text":"( 6681 ) فَصْلٌ : وَإِذَا أَرَادَ الِاسْتِيفَاءَ مِنْ مُوضِحَةٍ وَشِبْهِهَا ، فَإِنْ كَانَ عَلَى مَوْضِعِهَا شَعْرٌ حَلَقَهُ ، وَيَعْمِدُ إلَى مَوْضِعِ الشَّجَّةِ مِنْ رَأْسِ الْمَشْجُوجِ ، فَيَعْلَمُ مِنْهُ طُولَهَا بِخَشَبَةٍ أَوْ خَيْطٍ ، وَيَضَعُهَا عَلَى رَأْسِ الشَّاجِّ ، وَيُعَلِّمُ طَرَفَيْهِ بِخَطٍّ بِسَوَادٍ أَوْ غَيْرِهِ ، وَيَأْخُذُ حَدِيدَةً عَرْضُهَا كَعَرْضِ الشَّجَّةِ ، فَيَضَعُهَا فِي أَوَّلِ الشَّجَّةِ ، وَيَجُرُّهَا إلَى آخِرِهَا ، وَيَأْخُذُ مِثْلَ الشَّجَّةِ طُولًا وَعَرْضًا ، وَلَا يُرَاعِي الْعُمْقَ ؛ لِأَنَّ حَدَّهُ الْعَظْمُ ، وَلَوْ رُوعِيَ الْعُمْقُ لَتَعَذَّرَ الِاسْتِيفَاءُ ؛ لِأَنَّ النَّاسَ يَخْتَلِفُونَ فِي قِلَّةِ اللَّحْمِ وَكَثْرَتِهِ ، وَهَذَا كَمَا يَسْتَوْفِي فِي الطَّرَفِ مِثْلِهِ وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي الصِّغَرِ وَالْكِبَرِ ، وَالدِّقَّةِ وَالْغِلَظِ ، وَيُرَاعِي الطُّولَ وَالْعَرْضَ ؛ لِأَنَّهُ مُمْكِنٌ ، فَإِنْ كَانَ رَأْسُ الشَّاجِّ وَالْمَشْجُوجِ سَوَاءً ، اسْتَوْفَى قَدْرَ الشَّجَّةِ ، وَإِنْ كَانَ رَأْسُ الشَّاجِّ أَصْغَرَ ، لَكِنَّهُ يَتَّسِعُ لِلشَّجَّةِ ، اُسْتُوْفِيَتْ إنْ اسْتَوْعَبَ رَأْسَ الشَّاجِّ كُلَّهُ ، وَهِيَ بَعْضُ رَأْسِ الْمَشْجُوجِ ؛ لِأَنَّهُ اسْتَوْفَاهَا بِالْمِسَاحَةِ ، وَلَا يَمْنَعُ الِاسْتِيفَاءَ زِيَادَتُهَا عَلَى مِثْلِ مَوْضِعِهَا مِنْ رَأْسِ الْجَانِي ؛ لِأَنَّ الْجَمِيعَ رَأْسُهُ .\rوَإِنْ كَانَ قَدْرُ الشَّجَّةِ يَزِيدُ عَلَى رَأْسِ الْجَانِي ، فَإِنَّهُ يَسْتَوْفِي الشَّجَّةَ مِنْ جَمِيعِ رَأْسِ الشَّاجِّ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَنْزِلَ إلَى جَبْهَتِهِ ؛ لِأَنَّهُ يَقْتَصُّ فِي عُضْوٍ آخَرَ غَيْرِ الْعُضْوِ الَّذِي جَنَى عَلَيْهِ .\rوَكَذَلِكَ لَا يَنْزِلُ إلَى قَفَاهُ ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ .\rوَلَا يَسْتَوْفِي بَقِيَّةَ الشَّجَّةِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْ رَأْسِهِ ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ مُسْتَوْفِيًا لِمُوضِحَتَيْنِ ، وَوَاضِعًا لِلْحَدِيدَةِ فِي غَيْرِ الْمَوْضِعِ الَّذِي وَضَعَهَا فِيهِ الْجَانِي .\rوَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي مَاذَا يَصْنَعُ ؟ فَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّ ظَاهِرَ كَلَامِ أَبِي بَكْرٍ ، أَنَّهُ لَا أَرْشَ لَهُ فِيمَا بَقِيَ ؛ كَيْ لَا يَجْتَمِعَ قِصَاصٌ وَدِيَةٌ فِي جُرْحٍ وَاحِدٍ .","part":18,"page":414},{"id":8914,"text":"وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ .\rفَعَلَى هَذَا يَتَخَيَّرُ بَيْنَ الِاسْتِيفَاءِ فِي جَمِيعِ رَأْسِ الشَّاجِّ وَلَا أَرْشَ لَهُ ، وَبَيْنَ الْعَفْوِ إلَى دِيَةِ مُوضِحَةٍ .\rوَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ حَامِدٍ ، وَبَعْضُ أَصْحَابِنَا : لَهُ أَرْشُ مَا بَقِيَ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ الْقِصَاصُ فِيمَا جَنَى عَلَيْهِ ، فَكَانَ لَهُ أَرْشُهُ ، كَمَا لَوْ تَعَذُّرَ فِي الْجَمِيعِ .\rفَعَلَى هَذَا ، تُقَدَّرُ شَجَّةُ الْجَانِي مِنْ الشَّجَّةِ فِي رَأْسِ الْمَجْنِيّ عَلَيْهِ ، وَيَسْتَوْفِي أَرْشَ الْبَاقِي ، فَإِنْ كَانَتْ بِقَدْرِ ثُلُثِهَا فَلَهُ ثُلُثُ أَرْشِ مُوضِحَةٍ ، وَإِنْ زَادَتْ أَوْ نَقَصَتْ عَنْ هَذَا فَبِالْحِسَابِ مِنْ أَرْشِ الْمُوضِحَةِ .\rوَلَا يَجِبُ لَهُ أَرْشُ مُوضِحَةٍ كَامِلَةٍ ؛ لِئَلَّا يُفْضِيَ إلَى إيجَابِ الْقِصَاصِ وَدِيَةِ مُوضِحَةٍ فِي مُوضِحَةٍ وَاحِدَةٍ ، فَإِنْ أَوْضَحَهُ فِي جَمِيعِ رَأْسِهِ ، وَرَأْسُ الْجَانِي أَكْبَرُ ، فَلِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ أَنْ يُوضِحَ مِنْهُ بِقَدْرِ مِسَاحَةِ مُوضِحَتِهِ مِنْ أَيِّ الطَّرَفَيْنِ شَاءَ ؛ لِأَنَّهُ جَنَى عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ كُلِّهِ ، وَإِذَا اسْتَوْفَى قَدْرَ مُوضِحَتِهِ ، ثُمَّ تَجَاوَزَهَا ، وَاعْتَرَفَ أَنَّهُ عَمَدَ ذَلِكَ ، فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ فِي ذَلِكَ الْقَدْرِ ، فَإِذَا انْدَمَلَتْ مُوضِحَتُهُ ، اُسْتُوْفِيَ مِنْهُ الْقِصَاصُ فِي مَوْضِعِ الِانْدِمَالِ ؛ لِأَنَّهُ مَوْضِعُ الْجِنَايَةِ ، وَإِنْ ادَّعَى الْخَطَأَ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ ؛ لِأَنَّهُ مُحْتَمِلٌ ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِقَصْدِهِ ، وَعَلَيْهِ أَرْشُ مُوضِحَةٍ .\rفَإِنْ قِيلَ : فَهَذِهِ الْمُوضِحَةُ كُلُّهَا لَوْ كَانَتْ عُدْوَانًا لَمْ يَجِبْ فِيهَا إلَّا دِيَةُ مُوضِحَةٍ ، فَكَيْفَ يَجِبُ فِي بَعْضِهَا دِيَةُ مُوضِحَةٍ ؟ قُلْنَا : لِأَنَّ الْمُسْتَوْفِي ، لَمْ يَكُنْ جِنَايَةً ، إنَّمَا الْجِنَايَةُ الزَّائِدُ ، وَالزَّائِدُ لَوْ انْفَرَدَ لَكَانَ مُوضِحَةً ، فَكَذَلِكَ إذَا كَانَ مَعَهُ مَا لَيْسَ بِجِنَايَةِ ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَتْ كُلُّهَا عُدْوَانًا ؛ فَإِنَّ الْجَمِيعَ جِنَايَةٌ وَاحِدَةٌ .","part":18,"page":415},{"id":8915,"text":"فَصْلٌ : وَإِذَا أَوْضَحَهُ فِي جَمِيعِ رَأْسِهِ ، وَرَأْسُ الْجَانِي أَكْبَرُ ، فَأَحَبَّ أَنْ يَسْتَوْفِيَ الْقِصَاصَ بَعْضَهُ مِنْ مُقَدَّمِ الرَّأْسِ وَبَعْضَهُ مِنْ مُؤَخَّرِهِ ، احْتَمَلَ أَنْ يُمْنَعَ مِنْهُ ؛ لِأَنَّهُ يَأْخُذُ مُوضِحَتَيْنِ بِوَاحِدَةٍ ، وَدِيَتُهُمَا مُخْتَلِفَةٌ ، وَاحْتَمَلَ الْجَوَازَ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُجَاوِزُ مَوْضِعَ الْجِنَايَةِ وَلَا قَدْرَهَا ، إلَّا أَنْ يَقُولَ أَهْلُ الْخِبْرَةِ : إنَّ فِي ذَلِكَ زِيَادَةَ ضَرَرٍ أَوْ شَيْنٍ ، فَلَا يَفْعَلُ .\rوَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ كَهَذَيْنِ .\rفَإِنْ كَانَ رَأْسُ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ أَكْبَرَ ، فَأَوْضَحَهُ الْجَانِي فِي مُقَدَّمِهِ وَمُؤَخَّرِهِ مُوضِحَتَيْنِ ، قَدْرُهُمَا جَمِيعُ رَأْسِ الْجَانِي ، فَلَهُ الْخِيَارُ بَيْنَ أَنْ يُوضِحَهُ مُوضِحَةً وَاحِدَةً فِي جَمِيعِ رَأْسِهِ ، أَوْ يُوضِحَهُ مُوضِحَتَيْنِ ، يَقْتَصِرُ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عَلَى قَدْرِ مُوضِحَتِهِ ، وَلَا أَرْشَ لِذَلِكَ ، وَجْهًا وَاحِدًا ؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ الِاسْتِيفَاءَ مَعَ إمْكَانِهِ .\rوَإِنْ عَفَا إلَى الْأَرْشِ ، فَلَهُ أَرْشُ مُوضِحَتَيْنِ ، وَإِنْ شَاءَ اقْتَصَّ مِنْ أَحَدِهِمَا ، وَأَخَذَ دِيَةَ الْأُخْرَى .","part":18,"page":416},{"id":8916,"text":"( 6683 ) فَصْلٌ : وَإِذَا كَانَتْ الْجِنَايَةُ فِي غَيْرِ الرَّأْسِ وَالْوَجْهِ ، فَكَانَتْ فِي سَاعِدٍ ، فَزَادَتْ عَلَى سَاعِدِ الْجَانِي ، لَمْ يَنْزِلْ إلَى الْكَفِّ ، وَلَمْ يَصْعَدْ إلَى الْعَضُدِ ، وَإِنْ كَانَتْ فِي السَّاقِ ، لَمْ يَنْزِلْ إلَى الْقَدَمِ ، وَلَمْ يَصْعَدْ إلَى الْفَخِذِ ؛ لِأَنَّهُ عُضْوٌ آخَرُ ، فَلَا يَقْتَصُّ مِنْهُ ، كَمَا لَمْ يَنْزِلْ مِنْ الرَّأْسِ إلَى الْوَجْهِ ، وَلَمْ يَصْعَدْ مِنْ الْوَجْهِ إلَى الرَّأْسِ .","part":18,"page":417},{"id":8917,"text":"( 6684 ) فَصْلٌ : وَإِذَا شُجَّ فِي مُقَدَّمِ رَأْسِهِ أَوْ مُؤَخَّرِهِ عَرْضًا شَجَّةً لَا يَتَّسِعُ لَهَا مِثْلُ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ مِنْ رَأْسِ الشَّاجِّ ، فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَوْفِيَ مِنْ وَسَطِ الرَّأْسِ ، فِيمَا بَيْنَ الْأُذُنَيْنِ ، لِكَوْنِهِ يَتَّسِعُ لِمِثْلِ تِلْكَ الْمُوضِحَةِ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا : لَا يَجُوزُ ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ الْمَوْضِعِ الَّذِي شَجَّهُ فِيهِ ، فَلَمْ يَجُزْ لَهُ الِاسْتِيفَاءُ مِنْهُ ، كَمَا لَوْ أَمْكَنَهُ اسْتِيفَاءُ حَقِّهِ مِنْ مَحَلِّ شَجَّتِهِ .\rوَاحْتَمَلَ أَنْ يَجُوزَ ؛ لِأَنَّ الرَّأْسَ عُضْوٌ وَاحِدٌ ، فَإِذَا لَمْ يُمْكِنْهُ اسْتِيفَاءُ حَقِّهِ مِنْ مَحَلِّ شَجَّتِهِ ، جَازَ مِنْ غَيْرِهِ ، كَمَا لَوْ شَجَّهُ فِي مُقَدَّمِ رَأْسِهِ شَجَّةً قَدْرُهَا جَمِيعُ رَأْسِ الشَّاجِّ ، جَازَ إتْمَامُ اسْتِيفَائِهَا فِي مُؤَخَّرِ رَأْسِ الْجَانِي .\rوَهَذَا مَنْصُوصُ الشَّافِعِيِّ .\rوَهَكَذَا يُخَرَّجُ فِيمَا إذَا كَانَ الْجُرْحُ فِي مَوْضِعٍ مِنْ السَّاقِ وَالْقَدَمِ وَالذِّرَاعِ وَالْعَضُدِ .\rوَإِنْ أَمْكَنَ الِاسْتِيفَاءُ مِنْ مَحَلِّ الْجِنَايَةِ ، لَمْ يَجُزْ الْعُدُولُ عَنْهُ ، وَجْهًا وَاحِدًا .","part":18,"page":418},{"id":8918,"text":"( 6685 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَكَذَلِكَ إذَا قَطَعَ مِنْهُ طَرَفًا مِنْ مَفْصِلٍ ، قَطَعَ مِنْهُ مِثْلَ ذَلِكَ الْمَفْصِلِ ، إذَا كَانَ الْجَانِي يُقَادُ مِنْ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ لَوْ قَتَلَهُ ) أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى جَرَيَانِ الْقِصَاصِ فِي الْأَطْرَافِ ، وَقَدْ ثَبَتَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ } .\rوَبِخَبَرِ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ النَّضِرِ بْنِ أَنَسٍ ، وَيُشْتَرَطُ لِجَرَيَانِ الْقِصَاصِ فِيهَا شُرُوطٌ خَمْسَةٌ ؛ أَحَدُهَا : أَنْ يَكُونَ عَمْدًا ، عَلَى مَا أَسْلَفْنَاهُ .\rوَالثَّانِي : أَنْ يَكُونَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ مُكَافِئًا لِلْجَانِي بِحَيْثُ يُقَادُ بِهِ لَوْ قَتَلَهُ .\rوَالثَّالِثُ : أَنْ يَكُونَ الطَّرَفُ مُسَاوِيًا لِلطَّرَفِ ، فَلَا يُؤْخَذُ صَحِيحٌ بِأَشَلَّ ، وَلَا كَامِلَةُ الْأَصَابِعِ بِنَاقِصَةِ ، وَلَا أَصْلِيَّةٌ بِزَائِدَةٍ ، وَلَا يُشْتَرَطُ التَّسَاوِي فِي الدِّقَّةِ وَالْغِلَظِ ، وَالصِّغَرِ وَالْكِبَرِ ، وَالصِّحَّةِ وَالْمَرَضِ ؛ لِأَنَّ اعْتِبَارَ ذَلِكَ يُفْضِي إلَى سُقُوطِ الْقِصَاصِ بِالْكُلِّيَّةِ .\rوَالرَّابِعُ : الِاشْتِرَاكُ فِي الِاسْمِ الْخَاصِّ ، فَلَا تُؤْخَذُ يَمِينٌ بِيَسَارٍ ، وَلَا يَسَارٌ بِيَمِينٍ ، وَلَا إصْبَعٌ بِمُخَالِفَةٍ لَهَا ، وَلَا جَفْنٌ أَوْ شَفَةٌ إلَّا بِمِثْلِهَا .\rوَالْخَامِسُ : إمْكَانُ الِاسْتِيفَاءِ مِنْ غَيْرِ حَيْفٍ ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْقَطْعُ مِنْ مَفْصِلٍ ، فَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ مَفْصِلٍ فَلَا قِصَاصَ فِيهِ مِنْ مَوْضِعِ الْقَطْعِ ، بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ .\rوَقَدْ رَوَى نَمِرُ بْنُ جَابِرٍ ، عَنْ أَبِيهِ { ، أَنَّ رَجُلًا ضَرَبَ رَجُلًا عَلَى سَاعِدِهِ بِالسَّيْفِ ، فَقَطَعَهَا مِنْ غَيْر مَفْصِلٍ ، فَاسْتَعْدَى عَلَيْهِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَمَرَ لَهُ بِالدِّيَةِ ، فَقَالَ : إنِّي أُرِيدُ الْقِصَاصَ .\rقَالَ : خُذْ الدِّيَةَ ، بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِيهَا } .\rوَلَمْ يَقْضِ لَهُ بِالْقِصَاصِ .\rرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ .","part":18,"page":419},{"id":8919,"text":"( 6686 ) فَصْلٌ : وَفِي قَطْعِ الْيَدِ ثَمَانِ مَسَائِلَ ؛ أَحَدُهَا : قَطْعُ الْأَصَابِعِ مِنْ مَفَاصِلِهَا ، فَالْقِصَاصُ وَاجِبٌ ؛ لِأَنَّ لَهَا مَفَاصِلَ ، وَيُمْكِنُ الْقِصَاصُ مِنْ غَيْرِ حَيْفٍ ، وَإِنْ اخْتَارَ الدِّيَةَ فَلَهُ نِصْفُهَا ؛ لِأَنَّ فِي كُلِّ إصْبَعٍ عُشْرَ الدِّيَةِ .\rالثَّانِيَةُ : قَطْعِهَا مِنْ نِصْفِ الْكَفِّ ، فَلَيْسَ لَهُ الْقِصَاصُ مِنْ مَوْضِعِ الْقَطْعِ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَفْصِلٍ ، فَلَا يُؤْمَنُ الْحَيْفُ فِيهِ .\rوَإِنْ أَرَادَ قَطْعَ الْأَصَابِع فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا : لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ .\rوَهَذَا اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ ؛ لِأَنَّهُ يَقْتَصُّ مِنْ غَيْرِ مَوْضِعِ الْجِنَايَةِ ، فَلَمْ يَجُزْ ، كَمَا لَوْ كَانَ الْقَطْعُ مِنْ الْكُوعِ ، يُحَقِّقُهُ أَنَّ امْتِنَاعَ قَطْعِ الْأَصَابِعِ إذَا قَطَعَ مِنْ الْكُوعِ ، إنَّمَا كَانَ لِعَدَمِ الْمُقْتَضِي ، أَوْ وُجُودِ مَانِعٍ ، وَأَيُّهُمَا كَانَ فَهُوَ مُتَحَقِّقٌ إذَا كَانَ الْقَطْعُ مِنْ نِصْفِ الْكَفِّ .\rوَالثَّانِي : لَهُ قَطْعُ الْأَصَابِعِ .\rذَكَرَهُ أَصْحَابُنَا .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ يَأْخُذُ دُونَ حَقِّهِ لِعَجْزِهِ عَنْ اسْتِيفَاءِ حَقِّهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ شَجَّهُ هَاشِمَةً ، فَاسْتَوْفَى مُوضِحَةً .\rوَيُفَارِقُ مَا إذَا قَطَعَ مِنْ الْكُوعِ ؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنَهُ اسْتِيفَاءُ حَقِّهِ ، فَلَمْ يَجُزْ لَهُ الْعُدُولُ إلَى غَيْرِهِ .\rوَهَلْ لَهُ حُكُومَةٌ فِي نِصْفِ الْكَفِّ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَ الْقِصَاصِ وَالْأَرْشِ فِي عُضْوٍ وَاحِدٍ ، فَلَمْ يَجُزْ ، كَمَا لَوْ قَطَعَ مِنْ الْكُوعِ .\rوَالثَّانِي : لَهُ أَرْشُ نِصْفِ الْكَفِّ ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ لَهُ تَعَذَّرَ اسْتِيفَاؤُهُ ، فَوَجَبَ أَرْشُهُ ، كَسَائِرِ مَا هَذَا حَالُهُ .\rوَإِنْ اخْتَارَ الدِّيَةَ ، فَلَهُ نِصْفُهَا ، لِأَنَّ قَطْعَ الْيَدِ مِنْ الْكُوعِ لَا يُوجِبُ أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ الدِّيَةِ ، فَمَا دُونَهُ أَوْلَى .\rالثَّالِثَةُ : قَطَعَ مِنْ الْكُوعِ ، فَلَهُ قَطْعُ يَدِهِ مِنْ الْكُوعِ ، لِأَنَّهُ مَفْصِلٌ ، وَلَيْسَ لَهُ قَطْعُ الْأَصَابِعِ ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَحَلِّ الْجِنَايَةِ ، فَلَا يَسْتَوْفِي مِنْهُ مَعَ","part":18,"page":420},{"id":8920,"text":"إمْكَانِ الِاسْتِيفَاءِ مِنْ مَحَلِّهَا .\rالرَّابِعَةُ : قَطَعَ مِنْ نِصْفِ الذِّرَاعِ ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَقْطَعَ مِنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَفْصِلٍ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا الْخَبَرَ الْوَارِدَ فِيهِ ، وَلَهُ نِصْفُ الدِّيَةِ ، وَحُكُومَةٌ فِي الْمَقْطُوعِ مِنْ الذِّرَاعِ .\rوَهَلْ لَهُ أَنْ يَقْطَعَ مِنْ الْكُوعِ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ ، كَمَا ذَكَرْنَا فِي مَنْ قَطَعَ مِنْ نِصْفِ الْكَفِّ .\rوَمَنْ جَوَّزَ لَهُ الْقَطْعَ مِنْ الْكُوعِ ، فَعِنْدَهُ فِي وُجُوبِ الْحُكُومَةِ لِمَا قُطِعَ مِنْ الذِّرَاعِ وَجْهَانِ .\rوَيُخَرَّج أَيْضًا فِي جَوَازِ قَطْعِ الْأَصَابِعِ وَجْهَانِ .\rفَإِنْ قَطَعَ مِنْهَا ، لَمْ يَكُنْ لَهُ حُكُومَةٌ فِي الْكَفِّ ؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنَهُ أَخْذُهُ قِصَاصًا ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ طَلَبُ أَرْشِهِ ، كَمَا لَوْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ مِنْ الْكُوعِ .\rالْخَامِسَةُ : قَطَعَ مِنْ الْمَرْفِقِ ، فَلَهُ الْقِصَاصُ مِنْهُ ؛ لِأَنَّهُ مَفْصِلٌ ، وَلَيْسَ لَهُ الْقَطْعُ مِنْ الْكُوعِ ؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنَهُ اسْتِيفَاءُ حَقِّهِ بِكَمَالِهِ ، وَالِاقْتِصَاصُ مِنْ مَحَلِّ الْجِنَايَةِ عَلَيْهِ ، فَلَمْ يَجُزْ لَهُ الْعُدُولُ إلَى غَيْرِهِ .\rوَإِنْ عَفَا إلَى الدِّيَةِ ، فَلَهُ دِيَةُ الْيَدِ ، وَحُكُومَةٌ لِلسَّاعِدِ .\rالسَّادِسَةُ : قَطَعَهَا مِنْ الْعَضُدِ ، فَلَا قِصَاصَ فِيهَا ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ ، وَلَهُ دِيَةُ الْيَدِ ، وَحُكُومَةٌ لِلسَّاعِدِ وَبَعْضِ الْعَضُدِ .\rوَالثَّانِي : لَهُ الْقِصَاصُ مِنْ الْمَرْفِقِ .\rوَهَلْ لَهُ حُكُومَةٌ فِي الزَّائِد ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ : وَهَلْ لَهُ الْقَطْعُ مِنْ الْكُوعِ ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ .\rالسَّابِعَةُ : قَطَعَ مِنْ الْمَنْكِبِ ، فَالْوَاجِبُ الْقِصَاصُ ؛ لِأَنَّهُ مَفْصِلٌ ، وَإِنْ اخْتَارَ الدِّيَةَ ، فَلَهُ دِيَةُ الْيَدِ ، وَحُكُومَةٌ لِمَا زَادَ .\rالثَّامِنَةُ : خَلَعَ عَظْمَ الْمَنْكِبِ ، وَيُقَال لَهُ : مِشْطُ الْكَتِفِ ، فَيَرْجِعُ فِيهِ إلَى اثْنَيْنِ مِنْ ثِقَاتِ أَهْلِ الْخِبْرَةِ ، فَإِنْ قَالُوا : يُمْكِنُ الِاسْتِيفَاءُ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَصِيرَ جَائِفَةً .\rاُسْتُوْفِيَ ، وَإِلَّا صَارَ الْأَمْرُ إلَى الدِّيَةِ .\rوَفِي جَوَاز الِاسْتِيفَاءِ مِنْ الْمَرْفِقِ أَوْ مَا دُونَهُ مِثْلُ مَا","part":18,"page":421},{"id":8921,"text":"ذَكَرْنَا فِي نَظَائِرِهِ .\rوَمِثْلُ هَذِهِ الْمَسَائِلِ فِي الرِّجْلِ ، وَالسَّاقُ كَالذِّرَاعِ ، وَالْفَخِذُ كَالْعَضُدِ ، وَالْوَرِكُ كَعَظْمِ الْكَتِفِ ، وَالْقَدَمُ كَالْكَفِّ .","part":18,"page":422},{"id":8922,"text":"( 6687 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَلَيْسَ فِي الْمَأْمُومَةِ ، وَلَا فِي الْجَائِفَةِ قِصَاصٌ ) الْمَأْمُومَةُ : شِجَاجُ الرَّأْسِ ، وَهِيَ الَّتِي تَصِلُ إلَى جِلْدَةِ الدِّمَاغِ ، وَتُسَمَّى تِلْكَ الْجِلْدَةُ أُمَّ الدِّمَاغِ ؛ لِأَنَّهَا تَجْمَعُهُ ، فَالشَّجَّةُ الْوَاصِلَةُ إلَيْهَا تُسَمَّى مَأْمُومَةً وَآمَّةً ، لِوُصُولِهَا إلَى أُمِّ الدِّمَاغِ .\rوَالْجَائِفَةُ فِي الْبَدَنِ ، وَهِيَ الَّتِي تَصِلُ إلَى الْجَوْفِ .\rوَلَيْسَ فِيهِمَا قِصَاصٌ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ نَعْلَمُهُ ، إلَّا مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ قَصَّ مِنْ الْمَأْمُومَةِ ، فَأَنْكَرَ النَّاسُ عَلَيْهِ ، وَقَالُوا : مَا سَمِعْنَا أَحَدًا قَصَّ مِنْهَا قَبْلَ ابْنِ الزُّبَيْرِ .\rوَمِمَّنْ لَمْ يَرَ فِي ذَلِكَ قِصَاصًا مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : لَا قِصَاصَ فِي الْمَأْمُومَةِ .\rوَقَالَهُ مَكْحُولٌ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَالشَّعْبِيُّ .\rوَقَالَ عَطَاءٌ ، وَالنَّخَعِيُّ : لَا قِصَاصَ فِي الْجَائِفَةِ .\rوَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ ، فِي \" سُنَنِهِ \" ، عَنْ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { لَا قَوَدَ فِي الْمَأْمُومَةِ ، وَلَا فِي الْجَائِفَةِ ، وَلَا فِي الْمُنَقِّلَةِ } .\rوَلِأَنَّهُمَا جُرْحَانِ لَا تُؤْمَنُ الزِّيَادَةُ فِيهِمَا ، فَلَمْ يَجِبْ فِيهِمَا قِصَاصٌ ، كَكَسْرِ الْعِظَامِ .","part":18,"page":423},{"id":8923,"text":"( 6688 ) فَصْلٌ : وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ شِجَاجِ الرَّأْسِ قِصَاصٌ سِوَى الْمُوضِحَةِ ، وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ مَا دُون الْمُوضِحَةِ ، كَالْحَارِصَةِ ، وَالْبَازِلَةِ ، وَالْبَاضِعَةِ ، وَالْمُتَلَاحِمَةِ ، وَالسِّمْحَاقِ ، وَمَا فَوْقَهَا ، وَهِيَ الْهَاشِمَةُ وَالْمُنَقِّلَةُ وَالْآمَّةُ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rفَأَمَّا مَا فَوْقَ الْمُوضِحَةِ ، فَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا أَوْجَبَ فِيهَا الْقِصَاصَ ، إلَّا مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ الزُّبَيْرِ ، أَنَّهُ أَقَادَ مِنْ الْمُنَقَّلَةِ ، وَلَيْسَ بِثَابِتٍ عَنْهُ .\rوَمِمَّنْ قَالَ بِهِ ؛ عَطَاءٌ ، وَقَتَادَةُ ، وَابْنُ شُبْرُمَةَ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : لَا أَعْلَمُ أَحَدًا خَالَفَ ذَلِكَ .\rوَلِأَنَّهُمَا جِرَاحَتَانِ لَا تُؤْمَنُ الزِّيَادَةُ فِيهِمَا ، أَشْبَهَا الْمَأْمُومَةَ وَالْجَائِفَةَ .\rوَأَمَّا مَا دُونَ الْمُوضِحَةِ ، فَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ ، أَنَّ الْقِصَاصَ يَجِبُ فِي الدَّامِيَةِ وَالْبَاضِعَةِ وَالسِّمْحَاقِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهَا جِرَاحَةٌ لَا تَنْتَهِي إلَى عَظْمٍ ، فَلَمْ يَجِبْ فِيهَا قِصَاصٌ ، كَالْمَأْمُومَةِ ، وَلِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ فِيهَا الزِّيَادَةُ ، فَأَشْبَهَ كَسْرَ الْعِظَامِ ، وَبَيَانُ ذَلِكَ ، أَنَّهُ إنْ اقْتَصَّ مِنْ غَيْرِ تَقْدِيرٍ ، أَفْضَى إلَى أَنْ يَأْخُذَ أَكْثَرِ مِنْ حَقِّهِ ، وَإِنْ اعْتَبَرَ مِقْدَارَ الْعُمْقِ ، أَفْضَى إلَى أَنْ يَقْتَصَّ مِنْ الْبَاضِعَةِ وَالسِّمْحَاقِ مُوضِحَةً ، وَمِنْ الْبَاضِعَةِ سِمْحَاقًا ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ لَحْمُ الْمَشْجُوجِ كَثِيرًا ، بِحَيْثُ يَكُونُ عُمْقُ بَاضِعَتِهِ كَعُمْقِ مُوضِحَةِ الشَّاجِّ ، أَوْ سِمْحَاقِهِ ، وَلِأَنَّنَا لَمْ نَعْتَبِرْ فِي الْمُوضِحَةِ قَدْرَ عُمْقِهَا ، فَكَذَلِكَ فِي غَيْرِهَا .\rوَبِهَذَا قَالَ الْحَسَنُ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ .","part":18,"page":424},{"id":8924,"text":"( 6689 ) فَصْلٌ : وَإِنْ كَانَتْ الشَّجَّةُ فَوْقَ الْمُوضِحَةِ ، فَأُحِبُّ أَنْ يَقْتَصَّ مُوضِحَةً ، جَازَ ذَلِكَ بِغَيْرِ خِلَافٍ بَيْنَ أَصْحَابِنَا .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ يَقْتَصُّ عَلَى بَعْضِ حَقِّهِ ، وَيَقْتَصُّ مِنْ مَحَلِّ جِنَايَتِهِ ، فَإِنَّهُ إنَّمَا يَضَعُ السِّكِّينَ فِي مَوْضِعٍ وَضَعَهَا الْجَانِي ؛ لِأَنَّ سِكِّينَ الْجَانِي وَصَلَتْ إلَى الْعَظْمِ ، ثُمَّ تَجَاوَزَتْهُ ، بِخِلَافِ قَاطِعِ السَّاعِدِ ، فَإِنَّهُ لَمْ يَضَعْ سِكِّينَهُ فِي الْكُوعِ .\rوَهَلْ لَهُ أَرْشُ مَا زَادَ عَلَى الْمُوضِحَةِ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ : ؛ أَحَدُهُمَا : لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ .\rوَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ ؛ لِأَنَّهُ جُرْحٌ وَاحِدٌ ، فَلَا يُجْمَعُ فِيهِ بَيْن قِصَاصٍ وَدِيَةٍ ، كَمَا لَوْ قَطَعَ الشَّلَّاءَ بِالصَّحِيحَةِ ، وَكَمَا فِي الْأَنْفُسِ إذَا قُتِلَ الْكَافِرُ بِالْمُسْلِمِ ، وَالْعَبْدُ بِالْحُرِّ .\rوَالثَّانِي : لَهُ أَرْشُ مَا زَادَ عَلَى الْمُوضِحَةِ ، اخْتَارَهُ ابْنُ حَامِدٍ ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ الْقِصَاصُ فِيهِ ، فَانْتَقَلَ إلَى الْبَدَلِ ، كَمَا لَوْ قَطَعَ إصْبَعَيْهِ وَلَمْ يُمْكِنْ الِاسْتِيفَاءُ إلَّا مِنْ وَاحِدَةٍ .\rوَفَارَقَ الشَّلَّاءَ بِالصَّحِيحَةِ ؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ ثَمَّ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى ، وَلَيْسَتْ مُتَمَيِّزَةً ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا .","part":18,"page":425},{"id":8925,"text":"( 6690 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَتُقْطَعُ الْأُذُنُ بِالْأُذُنِ ) أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْأُذُنَ تُؤْخَذُ بِالْأُذُنِ ، وَذَلِكَ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ } .\rوَلِأَنَّهَا تَنْتَهِي إلَى حَدٍّ فَاصِلٍ ، فَأَشْبَهَتْ الْيَدَ .\rوَتُؤْخَذُ الْكَبِيرَةُ بِالصَّغِيرَةِ ، وَتُؤْخَذُ أُذُنُ السَّمِيعِ بِأُذُنِ السَّمِيعِ ، وَتُؤْخَذُ أُذُنُ الْأَصَمِّ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا ؛ لِتَسَاوِيهِمَا ، فَإِنَّ ذَهَابَ السَّمْعِ نَقْصٌ فِي الرَّأْسِ ، لِأَنَّهُ مَحَلُّهُ ، وَلَيْسَ بِنَقْصٍ فِيهِمَا .\rوَتُؤْخَذُ الصَّحِيحَةُ بِالْمَثْقُوبَةِ ؛ لِأَنَّ الثَّقْبَ لَيْسَ بِعَيْبٍ ، وَإِنَّمَا يُفْعَلُ فِي الْعَادَةِ لِلْقُرْطِ وَالتَّزَيُّنِ بِهِ ، فَإِنْ كَانَ الثُّقْبُ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ ، أَوْ كَانَتْ مَخْرُومَةً ، أُخِذَتْ بِالصَّحِيحَةِ ، وَلَمْ تُؤْخَذْ الصَّحِيحَةُ بِهَا ؛ لِأَنَّ الثُّقْبَ إذَا انْخَرَمَ صَارَ نَقْصًا فِيهَا ، وَالثَّقْبُ فِي غَيْرِ مَحِلِّهِ عَيْبٌ ، وَيُخَيَّرُ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ بَيْنَ أَخْذِ الدِّيَةِ إلَّا قَدْرَ النَّقْصِ ، وَبَيْنَ أَنْ يَقْتَصَّ فِيمَا سِوَى الْمَعِيبِ وَيَتْرُكَهُ مِنْ أُذُنِ الْجَانِي .\rوَفِي وُجُوبِ الْحُكُومَةِ لَهُ فِي قَدْرِ الثُّقْبِ وَجْهَانِ .\rوَإِنْ قُطِعَتْ بَعْضُ أُذُنِهِ ، فَلَهُ أَنْ يَقْتَصَّ مِنْ أُذُنِ الْجَانِي وَتَقْدِيرُ ذَلِكَ بِالْأَجْزَاءِ ، فَيُؤْخَذُ النِّصْفُ بِالنِّصْفِ ، وَالثُّلُثُ بِالثُّلُثِ ، وَعَلَى حِسَابِ ذَلِكَ .\rوَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ : لَا يُجْزِئُ الْقِصَاصُ فِي الْبَعْضِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَنْتَهِي إلَى حَدٍّ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ يُمْكِنُ تَقْدِيرُ الْمَقْطُوعِ ، وَلَيْسَ فِيهَا كَسْرُ عَظْمٍ ، فَجَرَى الْقِصَاصُ فِي بَعْضِهَا ، كَالذَّكَرِ ، وَبِهَذَا يَنْتَقِضُ مَا ذَكَرُوهُ .","part":18,"page":426},{"id":8926,"text":"( 6691 ) فَصْلٌ : وَتُؤْخَذُ الْأُذُنُ الْمُسْتَحْشِفَةُ بِالصَّحِيحَةِ .\rوَهَلْ تُؤْخَذُ الصَّحِيحَةُ بِهَا ؟ فِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا : لَا تُؤْخَذُ بِهَا ؛ لِأَنَّهَا نَاقِصَةٌ مَعِيبَةٌ ، فَلَمْ تُؤْخَذْ بِهَا الصَّحِيحَةُ ، كَالْيَدِ الشَّلَّاءِ وَسَائِرِ الْأَعْضَاءِ .\rوَالثَّانِي : تُؤْخَذُ بِهَا ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهَا جَمْعُ الصَّوْتِ ، وَحِفْظُ مَحَلِّ السَّمْعِ ، وَالْجَمَالُ ، وَهَذَا يَحْصُلُ بِهَا كَحُصُولِهِ بِالصَّحِيحَةِ ، بِخِلَافِ سَائِرِ الْأَعْضَاءِ .","part":18,"page":427},{"id":8927,"text":"( 6692 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَطَعَ أُذُنَهُ فَأَبَانَهَا ، فَأَلْصَقَهَا صَاحِبُهَا فَالْتَصَقَتْ وَثَبَتَتْ ، فَقَالَ الْقَاضِي : يَجِبُ الْقِصَاصُ .\rوَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَإِسْحَاقَ ؛ لِأَنَّهُ وَجَبَ بِالْإِبَانَةِ ، وَقَدْ وُجِدَتْ الْإِبَانَةُ .\rوَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : لَا قِصَاصَ فِيهَا .\rوَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَبِنْ عَلَى الدَّوَامِ ، فَلَمْ يَسْتَحِقَّ إبَانَةَ أُذُنِ الْجَانِي دَوَامًا .\rوَإِنْ سَقَطَتْ بَعْدَ ذَلِكَ قَرِيبًا أَوْ بَعِيدًا ، فَلَهُ الْقِصَاصُ ، وَيَرُدُّ مَا أَخَذَ .\rوَعَلَى قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ ، إذَا لَمْ تَسْقُطْ : لَهُ دِيَةُ الْأُذُنِ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ .\rوَكَذَلِكَ قَوْلُ الْأَوَّلِينَ إذَا اخْتَارَ الدِّيَةَ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : لَا عَقْلَ لَهَا إذَا عَادَتْ مَكَانَهَا ، فَأَمَّا إنْ قَطَعَ بَعْضَ أُذُنِهِ فَالْتَصَقَ ، فَلَهُ أَرْشُ الْجُرْحِ ، وَلَا قِصَاصَ فِيهِ .\rوَإِنْ قَطَعَ أُذُنَ إنْسَانٍ ، فَاسْتُوْفِيَ مِنْهُ ، فَأَلْصَقَ الْجَانِي أُذُنَهُ فَالْتَصَقَتْ ، وَطَلَبَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ إبَانَتَهَا ، لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الْإِبَانَةَ قَدْ حَصَلَتْ ، وَالْقِصَاصُ قَدْ اُسْتُوْفِيَ ، فَلَمْ يَبْقَ لَهُ قِبَلَهُ حَقٌّ .\rفَأَمَّا إنْ كَانَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ لَمْ يَقْطَعْ جَمِيعَ الْأُذُنِ ، إنَّمَا قَطَعَ بَعْضَهَا فَالْتَصَقَ ، كَانَ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ قَطْعُ جَمِيعِهَا ؛ لِأَنَّهُ اسْتَحَقَّ إبَانَةَ جَمِيعِهَا ، وَلَمْ يَكُنْ إبَانَةٌ .\rوَالْحُكْمُ فِي السِّنِّ كَالْحُكْمِ فِي الْأُذُنِ .","part":18,"page":428},{"id":8928,"text":"( 6693 ) فَصْلٌ : وَمَنْ أَلْصَقَ أُذُنَهُ بَعْدَ إبَانَتِهَا ، أَوْ سِنَّهُ ، فَهَلْ تَلْزَمُهُ إبَانَتُهَا ؟ فِيهِ وَجْهَانِ ، مَبْنِيَّانِ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ ، فِيمَا بَانَ مِنْ الْآدَمِيِّ ، هَلْ هُوَ نَجِسٌ أَوْ طَاهِرٌ ؟ إنْ قُلْنَا : هُوَ نَجِسٌ .\rلَزِمَتْهُ إزَالَتُهَا ، مَا لَمْ يَخَفْ الضَّرَرَ بِإِزَالَتِهَا ، كَمَا لَوْ جَبَرَ عَظْمَهُ بِعَظْمٍ نَجِسٍ .\rوَإِنْ قُلْنَا بِطَهَارَتِهَا .\rلَمْ تَلْزَمْهُ إزَالَتُهَا .\rوَهَذَا اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ ، وَقَوْلُ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ ، وَعَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ ، وَهُوَ الصَّحِيحُ ؛ لِأَنَّهُ جُزْءُ آدَمِيٍّ طَاهِرٍ فِي حَيَاتِهِ وَمَوْتِهِ ، فَكَانَ طَاهِرًا كَحَالَةِ اتِّصَالِهِ ، فَأَمَّا إنْ قَطَعَ بَعْضَ أُذُنِهِ فَالْتَصَقَ ، لَمْ تَلْزَمْهُ إبَانَتُهَا ؛ لِأَنَّهَا طَاهِرَةٌ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ جَمِيعًا ، لِأَنَّهَا لَمْ تَصِرْ مَيْتَةً ، لِعَدَمِ إبَانَتِهَا .\rوَلَا قِصَاصَ فِيهَا .\rقَالَهُ الْقَاضِي .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الْمُمَاثَلَةُ فِي الْمَقْطُوعِ مِنْهَا .","part":18,"page":429},{"id":8929,"text":"( 6694 ) مَسْأَلَةٌ : ؛ قَالَ : ( وَالْأَنْفُ بِالْأَنْفِ ) وَأَجْمَعُوا عَلَى جَرَيَانِ الْقِصَاصِ فِي الْأَنْفِ أَيْضًا ؛ لِلْآيَةِ وَالْمَعْنَى .\rوَيُؤْخَذُ الْكَبِيرُ بِالصَّغِيرِ ، وَالْأَقْنَى بِالْأَفْطَسِ ، وَأَنْفُ الْأَشَمِّ بِأَنْفِ الْأَخْشَمِ الَّذِي لَا يَشُمُّ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لِعِلَّةٍ فِي الدِّمَاغِ وَالْأَنْفُ صَحِيحٌ .\rكَمَا تُؤْخَذُ أُذُنُ السَّمِيعِ بِأُذُنِ الْأَصَمِّ .\rوَإِنْ كَانَ بِأَنْفِهِ جُذَامٌ ، أُخِذَ بِهِ الْأَنْفُ الصَّحِيحُ ، مَا لَمْ يَسْقُطْ مِنْهُ شَيْءٌ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مَرَضٌ ، فَإِنْ سَقَطَ مِنْهُ شَيْءٌ ، لَمْ يَقْطَعْ بِهِ الصَّحِيحَ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ أَحَدِ جَانِبَيْهِ .\rفَيَأْخُذَ مِنْ الصَّحِيحِ مِثْلَ مَا بَقِيَ مِنْهُ ، أَوْ يَأْخُذَ أَرْشَ ذَلِكَ .\rوَاَلَّذِي يَجِبُ فِيهِ الْقِصَاصُ أَوْ الدِّيَةُ هُوَ الْمَارِنُ ، وَهُوَ مَالَانِ مِنْهُ ، دُونَ قَصَبَةِ الْأَنْفِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ حَدٌّ يَنْتَهِي إلَيْهِ ، فَهُوَ كَالْيَدِ ، يَجِبُ الْقِصَاصُ فِيمَا انْتَهَى إلَى الْكُوعِ .\rوَإِنْ قَطَعَ الْأَنْفَ كُلَّهُ مَعَ الْقَصَبَةِ ، فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ فِي الْمَارِنِ ، وَحُكُومَةٌ لِلْقَصَبَةِ .\rهَذَا قَوْلُ ابْنِ حَامِدٍ ، وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rوَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ ، أَنَّهُ لَا يَجِبُ مَعَ الْقِصَاصِ حُكُومَةٌ ؛ كَيْ لَا يَجْتَمِعَ فِي عُضْوٍ وَاحِدٍ قِصَاصٌ وَدِيَةٌ .\rوَقِيَاسُ قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ ، أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْقِصَاصُ هَاهُنَا ؛ لِأَنَّهُ يَضَعُ الْحَدِيدَةَ فِي غَيْرِ الْمَوْضِعِ الَّذِي وَضَعَهَا الْجَانِي فِيهِ ، فَلَمْ يَمْلِكْ ذَلِكَ ، كَقَوْلِهِ فِي مَنْ قَطَعَ الْيَدَ مِنْ نِصْفِ الذِّرَاعِ أَوْ الْكَفِّ .\rوَذَكَرَ الْقَاضِي هَاهُنَا كَقَوْلِ أَبِي بَكْرٍ ، وَفِي نَظَائِرِهِ مِثْلَ قَوْلِ ابْنِ حَامِدٍ ، وَلَا يَصِحُّ التَّفْرِيقُ مَعَ التَّسَاوِي .\rوَإِنْ قَطَعَ بَعْضَ الْأَنْفِ ، قُدِّرَ بِالْأَجْزَاءِ ، وَأُخِذَ مِنْهُ بِقَدْرِ ذَلِكَ ، كَقَوْلِنَا فِي الْأُذُنِ ، وَلَا يُؤْخَذُ بِالْمِسَاحَةِ ، لِئَلَّا يُفْضِيَ إلَى قَطْعِ جَمِيعِ أَنْفِ الْجَانِي لِصِغَرِهِ بِبَعْضِ أَنْفِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ لِكِبَرِهِ ، وَيُؤْخَذُ الْمَنْخِرُ الْأَيْمَنُ بِالْأَيْمَنِ ، وَالْأَيْسَرُ بِالْأَيْسَرِ","part":18,"page":430},{"id":8930,"text":"، وَلَا يُؤْخَذُ أَيْمَنُ بِأَيْسَرَ ، وَلَا أَيْسَرُ بِأَيْمَنَ ، وَيُؤْخَذُ الْحَاجِزُ بِالْحَاجِزِ ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ الْقِصَاصُ فِيهِ ، لِانْتِهَائِهِ إلَى حَدٍّ .","part":18,"page":431},{"id":8931,"text":"مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَالذَّكَرُ بِالذَّكَرِ ) لَا نَعْلَمُ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ خِلَافًا فِي أَنَّ الْقِصَاصَ يَجْرِي فِي الذَّكَرِ ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ } .\rوَلِأَنَّ لَهُ حَدًّا يَنْتَهِي إلَيْهِ ، وَيُمْكِنُ الْقِصَاصُ فِيهِ مِنْ غَيْرِ حَيْفٍ ، فَوَجَبَ فِيهِ الْقِصَاصُ ، كَالْأَنْفِ .\rوَيَسْتَوِي فِي ذَلِكَ ذَكَرُ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ ، وَالشَّيْخِ وَالشَّابِّ ، وَالذَّكَرُ الْكَبِيرُ وَالصَّغِيرُ ، وَالصَّحِيحُ وَالْمَرِيضُ ؛ لِأَنَّ مَا وَجَبَ فِيهِ الْقِصَاصُ مِنْ الْأَطْرَافِ لَمْ يَخْتَلِفْ بِهَذِهِ الْمَعَانِي ، كَذَلِكَ الذَّكَرُ .\rوَيُؤْخَذُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْمَخْتُونِ وَالْأَغْلَفِ بِصَاحِبِهِ ؛ لِأَنَّ الْغُلْفَةَ زِيَادَةٌ تَسْتَحِقُّ إزَالَتَهَا ، فَهِيَ كَالْمَعْدُومَةِ .\rوَأَمَّا ذَكَرُ الْخَصِيِّ وَالْعِنِّينِ ، فَذَكَرَ الشَّرِيفُ أَنَّ غَيْرَهُمَا لَا يُؤْخَذُ بِهِمَا .\rوَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ؛ لِأَنَّهُ لَا مَنْفَعَةَ فِيهِمَا ، لِأَنَّ الْعِنِّينَ لَا يَطَأُ وَلَا يُنْزِلُ ، وَالْخَصِيُّ لَا يُولَدُ لَهُ وَلَا يُنْزِلُ ، وَلَا يَكَادُ يَقْدِرُ عَلَى الْوَطْءِ ، فَهُمَا كَالْأَشَلِّ ، وَلِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نَاقِصٌ ، فَلَا يُؤْخَذُ بِهِ الْكَامِلُ ، كَالْيَدِ النَّاقِصَةِ بِالْكَامِلَةِ .\rوَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : يُؤْخَذُ غَيْرُهُمَا بِهِمَا ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُمَا عُضْوَانِ صَحِيحَانِ ، يَنْقَبِضَانِ وَيَنْبَسِطَانِ ، وَيُؤْخَذُ بِهِمَا غَيْرُهُمَا ، كَذَكَرِ الْفَحْلِ غَيْرِ الْعِنِّينِ ، وَإِنَّمَا عَدَمُ الْإِنْزَالِ لِذَهَابِ الْخُصْيَةِ ، وَالْعُنَّةُ لَعِلَّةٍ فِي الظَّهْرِ ، فَلَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ مِنْ الْقِصَاصِ بِهِمَا ، كَأُذُنِ الْأَصَمِّ وَأَنْفِ الْأَخْشَمِ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : لَا يُؤْخَذُ ذَكَرُ الْفَحْلِ بِالْخَصِيِّ ؛ لِتَحَقُّقِ نَقْصِهِ ، وَالْإِيَاسِ مِنْ بُرْئِهِ .\rوَفِي أَخْذِهِ بِذَكَرِ الْعِنِّينِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، يُؤْخَذُ بِهِ غَيْرُهُ ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَيْئُوسٍ مِنْ زَوَالِ عُنَّتِهِ ، وَلِذَلِكَ يُؤَجَّلُ سَنَةً ، بِخِلَافِ الْخَصِيِّ .\rوَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ ؛ فَإِنَّهُ إذَا تَرَدَّدَتْ الْحَالُ بَيْن","part":18,"page":432},{"id":8932,"text":"كَوْنِهِ مُسَاوِيًا لِلْآخَرِ وَعَدَمِهِ ، لَمْ يَجِبْ الْقِصَاصُ ، لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ ، فَلَا يَجِبُ بِالشَّكِّ ، سِيَّمَا وَقَدْ حَكَمْنَا بِانْتِفَاءِ التَّسَاوِي ، لِقِيَامِ الدَّلِيلِ عَلَى عُنَّتِهِ ، وَثُبُوتِ عَيْبِهِ .\rوَيُؤْخَذُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْخَصِيِّ وَالْعِنِّينِ بِمِثْلِهِ ؛ لِتَسَاوِيهِمَا ، كَمَا يُؤْخَذُ الْعَبْدُ بِالْعَبْدِ ، وَالذِّمِّيُّ بِالذِّمِّيِّ .\r( 6696 ) فَصْلٌ : وَيُؤْخَذُ بَعْضُهُ بِبَعْضِهِ ، وَيُعْتَبَرُ ذَلِكَ بِالْأَجْزَاءِ دُونَ الْمِسَاحَةِ ، فَيُؤْخَذُ النِّصْفُ بِالنِّصْفِ ، وَالرُّبْعُ بِالرُّبْعِ ، وَمَا زَادَ أَوْ نَقَصَ فَبِحَسَبِ ذَلِكَ ، عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فِي الْأَنْفِ وَالْأُذُنِ .","part":18,"page":433},{"id":8933,"text":"( 6697 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَالْأُنْثَيَانِ بِالْأُنْثَيَيْنِ ) وَيَجْرِي الْقِصَاصُ فِي الْأُنْثَيَيْنِ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ النَّصِّ وَالْمَعْنَى .\rوَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا ، فَإِنْ قَطَعَ إحْدَاهُمَا ، وَقَالَ أَهْلُ الْخِبْرَةِ ، إنَّهُ مُمْكِنٌ أَخْذُهَا مَعَ سَلَامَةِ الْأُخْرَى جَازَ .\rفَإِنْ قَالُوا : لَا يُؤْمَنُ تَلَفُ الْأُخْرَى .\rلَمْ تُؤْخَذْ خَشْيَةَ الْحَيْفِ ، وَيَكُونُ فِيهَا نِصْفُ الدِّيَةِ .\rوَإِنْ أُمِنَ تَلَفُ الْأُخْرَى ، أُخِذَتْ الْيُمْنَى بِالْيُمْنَى ، وَالْيُسْرَى بِالْيُسْرَى ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ فِي غَيْرِهِمَا .","part":18,"page":434},{"id":8934,"text":"( 6698 ) فَصْلٌ : وَفِي الْقِصَاصِ فِي شَفْرَيْ الْمَرْأَةِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا : لَا قِصَاصَ فِيهِمَا ؛ لِأَنَّهُ لَحْمٌ لَا مَفْصِلَ لَهُ يَنْتَهِي إلَيْهِ ، فَلَمْ يَجِبْ فِيهِ قِصَاصٌ ، كَلَحْمِ الْفَخِذَيْنِ .\rهَذَا قَوْلُ الْقَاضِي .\rوَالثَّانِي : فِيهِمَا الْقِصَاصُ ؛ لِأَنَّ انْتِهَاءَهُمَا مَعْرُوفٌ ، فَأَشْبَهَا الشَّفَتَيْنِ وَجَفْنَيْ الْعَيْنِ .\rوَهَذَا قَوْلُ أَبِي الْخَطَّابِ .\rوَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَجْهَانِ ، كَهَذَيْنِ .","part":18,"page":435},{"id":8935,"text":"( 6699 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَطَعَ ذَكَرَ خُنْثَى مُشْكِلٍ ، أَوْ أُنْثَيَيْهِ ، أَوْ شَفْرَيْهِ ، فَاخْتَارَ الْقِصَاصَ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ قِصَاصٌ فِي الْحَالِ ، وَيَقِفُ الْأَمْرُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ حَالُهُ ؛ لِأَنَّنَا لَا نَعْلَمُ أَنَّ الْمَقْطُوعَ عُضْوٌ أَصْلِيٌّ .\rوَإِنْ اخْتَارَ الدِّيَةَ ، وَكَانَ يُرْجَى انْكِشَافُ حَالِهِ ، أَعْطَيْنَاهُ الْيَقِينَ ، فَيَكُونُ لَهُ حُكُومَةٌ فِي الْمَقْطُوعِ .\rوَإِنْ كَانَ قَدْ قَطَعَ جَمِيعَهَا ، فَلَهُ دِيَةُ امْرَأَةٍ فِي الشَّفْرَيْنِ ، وَحُكُومَةٌ فِي الذَّكَرِ وَالْأُنْثَيَيْنِ .\rوَإِنْ يَئِسَ مِنْ انْكِشَافِ حَالِهِ ، أُعْطِيَ نِصْفَ دِيَةِ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَيَيْنِ ، وَنِصْفَ دِيَةِ الشَّفْرَيْنِ ، وَحُكُومَةً فِي نِصْفِ ذَلِكَ كُلِّهِ .","part":18,"page":436},{"id":8936,"text":"( 6700 ) فَصْلٌ : يَجِبُ الْقِصَاصُ فِي الْأَلْيَتَيْنِ النَّاتِئَتَيْنِ بَيْنَ الْفَخِذَيْنِ وَالظَّهْرِ بِجَانِبَيْ الدُّبُرِ .\rوَهَذَا ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ الْمُزَنِيّ : لَا قِصَاصَ فِيهِمَا ؛ لِأَنَّهُمَا لَحْمٌ مُتَّصِلٌ بِلَحْمِ ، فَأَشْبَهَ لَحْمَ الْفَخِذِ .\rوَلَنَا ، قَوْله تَعَالَى : { وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ } .\rوَلِأَنَّ لَهُمَا حَدًّا يَنْتَهِيَانِ إلَيْهِ ، فَجَرَى الْقِصَاصُ فِيهِمَا ، كَالذَّكَرِ وَالْأُنْثَيَيْنِ .","part":18,"page":437},{"id":8937,"text":"( 6701 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَتُقْلَعُ الْعَيْنُ بِالْعَيْنِ ) أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى الْقِصَاصِ فِي الْعَيْنِ ، وَمِمَّنْ بَلَغَنَا قَوْلُهُ فِي ذَلِكَ مَسْرُوقٌ ، وَالْحَسَنُ ، وَابْنُ سِيرِينَ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .\rوَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ } .\rوَلِأَنَّهَا تَنْتَهِي إلَى مَفْصِلٍ ، فَجَرَى الْقِصَاصُ فِيهَا كَالْيَدِ .\rوَتُؤْخَذُ عَيْنُ الشَّابِّ بِعَيْنِ الشَّيْخِ الْمَرِيضَةِ ، وَعَيْنُ الْكَبِيرِ بِعَيْنِ الصَّغِيرِ وَالْأَعْمَشِ ، وَلَا تُؤْخَذُ صَحِيحَةٌ بِقَائِمَةٍ ؛ لِأَنَّهُ يَأْخُذُ أَكْثَرَ مِنْ حَقِّهِ .","part":18,"page":438},{"id":8938,"text":"( 6702 ) فَصْلٌ : فَإِنْ قَلَعَ عَيْنَهُ بِإِصْبَعِهِ ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يَقْتَصَّ بِإِصْبَعِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الْمُمَاثَلَةُ فِيهِ .\rوَإِنْ لَطَمَهُ فَذَهَبَ ضَوْءُ عَيْنِهِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَقْتَصَّ مِنْهُ بِاللَّطْمَةِ ؛ لِأَنَّ الْمُمَاثَلَةَ فِيهَا غَيْرُ مُمْكِنَةٍ ؛ وَلِهَذَا لَوْ انْفَرَدَتْ مِنْ إذْهَابِ الضَّوْءِ ، لَمْ يَجِبْ فِيهَا قِصَاصٌ ، وَيَجِبُ الْقِصَاصُ فِي الْبَصَرِ ، فَيُعَالَجُ بِمَا يَذْهَبُ بِبَصَرِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَقْلَعَ عَيْنَهُ ، كَمَا رَوَى يَحْيَى بْنُ جَعْدَةَ ، أَنَّ أَعْرَابِيًّا قَدِمَ بِحَلُوبَةٍ لَهُ إلَى الْمَدِينَةِ ، فَسَاوَمَهُ فِيهَا مَوْلًى لِعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَنَازَعَهُ ، فَلَطَمَهُ ، فَفَقَأَ عَيْنَهُ ، فَقَالَ لَهُ عُثْمَانُ : هَلْ لَك أَنْ أُضَعِّفَ لَك الدِّيَةَ ، وَتَعْفُوَ عَنْهُ ؟ فَأَبَى ، فَرَفَعَهُمَا إلَى عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَدَعَا عَلِيٌّ بِمِرْآةِ فَأَحْمَاهَا ، ثُمَّ وَضَعَ الْقُطْنَ عَلَى عَيْنِهِ الْأُخْرَى ، ثُمَّ أَخَذَ الْمِرْآةَ بِكَلْبَتَيْنِ ، فَأَدْنَاهَا مِنْ عَيْنِهِ حَتَّى سَالَ إنْسَانُ عَيْنِهِ .\rوَإِنْ وَضَعَ فِيهَا كَافُورًا يَذْهَبُ بِضَوْئِهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَجْنِيَ عَلَى الْحَدَقَةِ ، جَازَ .\rوَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ إلَّا بِالْجِنَايَةِ عَلَى الْعُضْوِ ، سَقَطَ الْقِصَاصُ ؛ لِتَعَذُّرِ الْمُمَاثَلَةِ .\rوَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّهُ يَقْتَصُّ مِنْهُ بِاللَّطْمَةِ ، فَيَلْطِمُهُ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ مِثْلَ لَطْمَتِهِ ، فَإِنْ ذَهَبَ ضَوْءُ عَيْنِهِ ، وَإِلَّا كَانَ لَهُ أَنْ يُذْهِبَهُ بِمَا ذَكَرْنَا .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rوَهَذَا لَا يَصِحُّ ؛ فَإِنَّ اللَّطْمَةَ لَا يُقْتَصُّ مِنْهَا مُنْفَرِدَةً ، فَلَا يُقْتَصُّ مِنْهَا إذَا سَرَتْ إلَى الْعَيْنِ ، كَالشَّجَّةِ إنْ كَانَتْ دُونَ الْمُوضِحَةِ ، وَلِأَنَّ اللَّطْمَةَ إذَا لَمْ تَكُنْ فِي الْعَيْنِ ، لَا يُقْتَصُّ مِنْهَا بِمِثْلِهَا مَعَ الْأَمْنِ مِنْ إفْسَادِ الْعُضْوِ ، فِي الْعَيْنِ فَمَعَ خَوْفِ ذَلِكَ أَوْلَى ؛ وَلِأَنَّهُ قِصَاصٌ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ ، فَلَمْ يَجُزْ بِغَيْرِ الْآلَةِ الْمُعَدَّةِ كَالْمُوضِحَةِ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : لَا يَجِبُ الْقِصَاصُ ، إلَّا","part":18,"page":439},{"id":8939,"text":"أَنْ تَكُونَ اللَّطْمَةُ تَذْهَبُ بِذَلِكَ غَالِبًا ، فَإِنْ كَانَتْ لَا تَذْهَبُ بِهِ غَالِبًا فَذَهَبَ ، فَهُوَ شِبْهُ عَمْدٍ لَا قِصَاصَ فِيهِ .\rوَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ فِعْلٌ لَا يُفْضِي إلَى الْفَوَاتِ غَالِبًا ، فَلَمْ يَجِبْ بِهِ الْقِصَاصُ ، كَشِبْهِ الْعَمْدِ فِي النَّفْسِ .\rوَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : يَجِبُ الْقِصَاصُ بِكُلِّ حَالٍ ؛ لِعُمُومِ قَوْلِهِ : { وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ } .\rوَلِأَنَّ اللَّطْمَةَ إذَا أَسَالَتْ إنْسَانَ الْعَيْنِ ، كَانَتْ بِمَنْزِلَةِ الْجُرْحِ ، وَلَا يُعْتَبَرُ فِي الْجُرْحِ الْإِفْضَاءُ إلَى التَّلَفِ غَالِبًا .","part":18,"page":440},{"id":8940,"text":"( 6703 ) فَصْلٌ : فَلَوْ لَطَمَ عَيْنَهُ ، فَذَهَبَ بَصَرُهَا ، وَابْيَضَّتْ ، وَشَخَصَتْ ، فَإِنْ أَمْكَنَ مُعَالَجَةُ عَيْنِ الْجَانِي حَتَّى يَذْهَبَ بَصَرُهَا وَتَبْيَضَّ وَتَشْخَصَ ، مِنْ غَيْرِ جِنَايَةٍ عَلَى الْحَدَقَةِ ، فَعَلَ ذَلِكَ ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ إلَّا ذَهَابُ بَعْضِ ذَلِكَ ، مِثْلَ أَنْ يَذْهَبَ الْبَصَرُ دُونَ أَنْ تَبْيَضَّ وَتَشْخَصَ ، فَعَلَيْهِ حُكُومَةٌ لِلَّذِي لَمْ يُمْكِنْ الْقِصَاصُ فِيهِ ، كَمَا لَوْ جَرَحَ هَاشِمَةً ، فَإِنَّهُ يَقْتَصُّ مُوضِحَةً ، وَيَأْخُذُ أَرْشَ بَاقِي جُرْحِهِ .\rوَعَلَى قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ ، لَا يُسْتَحَقُّ مَعَ الْقِصَاصِ أَرْشٌ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : إذَا اقْتَصَّ مِنْهُ يَعْنِي لَطَمَهُ مِثْلَ لَطْمَتِهِ فَذَهَبَ ضَوْءُ عَيْنِهِ ، وَلَمْ تَبْيَضَّ ، وَلَمْ تَشْخَصْ ، فَإِنْ أَمْكَنَ مُعَالَجَتُهَا حَتَّى تَبْيَضَّ وَتَشْخَصَ ، مِنْ غَيْرِ ذَهَابِ الْحَدَقَةِ ، فَعَلَهُ ، وَإِنْ تَعَذَّرَ ذَلِكَ ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ ، كَمَا لَوْ انْدَمَلَتْ مُوضِحَةُ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ وَحْشَةً قَبِيحَةً ، وَمُوضِحَةُ الْجَانِي حَسَنَةً جَمِيلَةً ، لَمْ يَجِبْ شَيْءٌ ، كَذَلِكَ هَاهُنَا ، وَهَذَا بَنَاهُ عَلَى أَنَّ اللَّطْمَةَ حَصَلَ بِهَا الْقِصَاصُ ، كَمَا حَصَلَ بِجُرْحِ الْمُوضِحَةِ ، وَقَدْ بَيَّنَّا فَسَادَ هَذَا .","part":18,"page":441},{"id":8941,"text":"( 6704 ) فَصْلٌ : وَإِنْ شَجَّهُ شَجَّة دُون الْمُوضِحَةِ ، فَأَذْهَبَ ضَوْءَ عَيْنِهِ ، لَمْ يُقْتَصَّ مِنْهُ مِثْلَ شَجَّتِهِ ، بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ ؛ لِأَنَّهَا لَا قِصَاصَ فِيهَا إذَا لَمْ يَذْهَبْ ضَوْءُ الْعَيْنِ ، فَكَذَلِكَ إذَا ذَهَبَ ، وَيُعَالَجُ ضَوْءُ الْعَيْنِ بِمِثْلِ مَا ذَكَرْنَا فِي اللَّطْمَةِ .\rوَإِنْ كَانَتْ الشَّجَّةُ فَوْقَ الْمُوضِحَةِ ، فَلَهُ أَنْ يَقْتَصَّ مُوضِحَةً .\rوَهَلْ لَهُ أَرْشُ الزِّيَادَةِ عَلَيْهَا ؟ فِيهِ وَجْهَانِ .\rوَإِنْ ذَهَبَ ضَوْءُ الْعَيْنِ ، وَإِلَّا اسْتَعْمَلَ فِيهِ مَا يُزِيلُهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَجْنِيَ عَلَى الْحَدَقَةِ .\rوَإِنْ شَجَّهُ مُوضِحَةً ، فَلَهُ أَنْ يَقْتَصَّ مِنْهَا .\rوَحُكْمُ الْقِصَاصِ فِي الْبَصَرِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ قَبْلُ .\rوَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ فِي الْقِصَاصِ فِي الْبَصَرِ ، فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ كُلِّهَا ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : لَا قِصَاصَ فِيهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ بِالسِّرَايَةِ ، كَمَا لَوْ قَطَعَ إصْبَعَهُ ، فَسَرَى الْقَطْعُ إلَى الَّتِي تَلِيهَا ، فَأَذْهَبَهَا عِنْدهمْ .\rوَقَالَ بَعْضُهُمْ : يَجِبُ الْقِصَاصُ هَاهُنَا ، قَوْلًا وَاحِدًا ؛ لِأَنَّ ضَوْءَ الْعَيْنِ لَا تُمْكِنُ مُبَاشَرَتُهُ بِالْجِنَايَةِ ، فَيَقْتَصُّ مِنْهُ بِالسِّرَايَةِ ، كَالنَّفْسِ ، فَيَقْتَصُّ مِنْ الْبَصَرِ كَمَا ذَكَرْنَا فِيمَا قَبْلَ هَذَا .","part":18,"page":442},{"id":8942,"text":"( 6705 ) فَصْلٌ : إذَا قَلَعَ الْأَعْوَرُ عَيْنَ صَحِيحٍ ، فَلَا قَوَدَ ، وَعَلَيْهِ دِيَةٌ كَامِلَةٌ .\rرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ ، وَعُثْمَانَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا .\rوَبِهِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ، وَعَطَاءٌ .\rوَقَالَ الْحَسَنُ وَالنَّخَعِيُّ : إنْ شَاءَ اقْتَصَّ وَأَعْطَاهُ نِصْفَ دِيَةٍ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : إنْ شَاءَ اقْتَصَّ ، وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ دِيَةً كَامِلَةً .\rوَقَالَ مَسْرُوقٌ وَالشَّعْبِيُّ ، وَابْنُ سِيرِينَ ، وَابْنُ مُغَفَّلٍ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ : لَهُ الْقِصَاصُ ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ .\rوَإِنْ عَفَا ، فَلَهُ نِصْفُ الدِّيَةِ ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ } .\rوَجَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْعَيْنَيْنِ الدِّيَةَ .\rوَلِأَنَّهَا إحْدَى شَيْئَيْنِ فِيهِمَا الدِّيَةُ ، فَوَجَبَ الْقِصَاصُ مِمَّنْ لَهُ وَاحِدَةٌ ، أَوْ نِصْفُ الدِّيَةِ ، كَمَا لَوْ قَطَعَ الْأَقْطَعُ يَدَ مَنْ لَهُ يَدَانِ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ عُمَرَ وَعُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَلَمْ نَعْرِفْ لَهُمَا مُخَالِفًا فِي عَصْرِهِمَا ، وَلِأَنَّهُ لَمْ يَذْهَبْ بِجَمِيعِ بَصَرِهِ ، فَلَمْ يَجُزْ لَهُ الِاقْتِصَاصُ مِنْهُ بِجَمِيعِ بَصَرِهِ ، كَمَا لَوْ كَانَ ذَا عَيْنَيْنِ .\rوَأَمَّا إذَا قَطَعَ يَدَ الْأَقْطَعِ ، فَلَنَا فِيهِ مَنْعٌ ، وَمَعَ التَّسْلِيمِ ، فَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ يَدَ الْأَقْطَعِ لَا تَقُومُ مَقَامَ الْيَدَيْنِ فِي النَّفْعِ الْحَاصِلِ بِهِمَا ، بِخِلَافِ عَيْنِ الْأَعْوَرِ ، فَإِنَّ النَّفْعَ الْحَاصِلَ بِالْعَيْنَيْنِ حَاصِلٌ بِهَا ، وَكُلُّ حُكْمٍ يَتَعَلَّقُ بِصَحِيحِ الْعَيْنَيْنِ ، يَثْبُتُ فِي الْأَعْوَرِ مِثْلُهُ ؛ وَلِهَذَا صَحَّ عِتْقُهُ فِي الْكَفَّارَةِ دُونَ الْأَقْطَعِ .\rفَأَمَّا وُجُوبُ الدِّيَةِ كَامِلَةً عَلَيْهِ ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، فَلِأَنَّهُ لَمَّا دُفِعَ عَنْهُ الْقِصَاصُ مَعَ إمْكَانِهِ لِفَضِيلَتِهِ ، ضُوعِفَتْ الدِّيَةُ عَلَيْهِ ، كَالْمُسْلِمِ إذَا قَتَلَ ذِمِّيًّا عَمْدًا .\rوَلَوْ قَلَعَ الْأَعْوَرُ إحْدَى عَيْنَيْ الصَّحِيحِ خَطَأً ، لَمْ يَلْزَمْهُ إلَّا نِصْفُ الدِّيَةِ ، بِغَيْرِ اخْتِلَافٍ ؛ لِعَدَمِ","part":18,"page":443},{"id":8943,"text":"الْمَعْنَى الْمُقْتَضِي لِتَضْعِيفِ الدِّيَةِ .","part":18,"page":444},{"id":8944,"text":"( 6706 ) فَصْلٌ : وَلَوْ قَلَعَ الْأَعْوَرُ عَيْنَ مِثْلِهِ ، فَفِيهِ الْقِصَاصُ ، بِغَيْرِ خِلَافٍ ؛ لِتَسَاوِيهِمَا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ ، إذَا كَانَتْ الْعَيْنُ مِثْلَ الْعَيْنِ ، فِي كَوْنِهَا يَمِينًا أَوْ يَسَارًا .\rوَإِنْ عَفَا إلَى الدِّيَةِ ، فَلَهُ جَمِيعُهَا ، وَكَذَلِكَ إنْ قَلَعَهَا خَطَأً ، أَوْ عَفَا بَعْضُ مُسْتَحِقِّي الْقِصَاصِ ؛ لِأَنَّهُ ذَهَبَ بِجَمِيعِ بَصَرِهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَلَعَ عَيْنَيْ صَحِيحٍ .","part":18,"page":445},{"id":8945,"text":"( 6707 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَلَعَ الْأَعْوَرُ عَيْنَيْ صَحِيحٍ ، فَقَالَ الْقَاضِي : هُوَ مُخَيَّرٌ ، إنْ شَاءَ اقْتَصَّ وَلَا شَيْءَ لَهُ سِوَى ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَخَذَ جَمِيعَ بَصَرِهِ ، فَإِنْ اخْتَارَ الدِّيَةَ ، فَلَهُ دِيَةٌ وَاحِدَةٌ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { وَفِي الْعَيْنَيْنِ الدِّيَةُ } .\rوَلِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَذَّرْ الْقِصَاصُ ، فَلَمْ تَتَضَاعَفْ الدِّيَةُ ، كَمَا لَوْ قَطَعَ الْأَشَلُّ يَدَ صَحِيحٍ ، أَوْ كَانَ رَأْسُ الشَّاجِّ أَصْغَرَ ، أَوْ يَدُ الْقَاطِعِ أَنْقَصَ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : يَقْتَضِي الْفِقْهُ أَنْ يَلْزَمَهُ دِيَتَانِ ، إحْدَاهُمَا لِلْعَيْنِ الَّتِي تُقَابِلُ عَيْنَهُ ، وَالدِّيَةُ الثَّانِيَة لِأَجْلِ الْعَيْنِ النَّاتِئَةِ ؛ لِأَنَّهَا عَيْنُ أَعْوَرَ .\rوَالصَّحِيحُ مَا قُلْنَا ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَأَشَدُّ مُوَافَقَةً لِلنُّصُوصِ ، وَأَصَحُّ فِي الْمَعْنَى .","part":18,"page":446},{"id":8946,"text":"( 6708 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَلَعَ صَحِيحُ الْعَيْنَيْنِ عَيْنَ أَعْوَرَ ، فَلَهُ الْقِصَاصُ مِنْ مِثْلِهَا ، وَيَأْخُذُ نِصْفَ الدِّيَةِ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ؛ لِأَنَّهُ ذَهَبَ بِجَمِيعِ بَصَرِهِ ، وَأَذْهَبَ الضَّوْءَ الَّذِي بَدَلُهُ دِيَةٌ كَامِلَةٌ ، وَقَدْ تَعَذَّرَ اسْتِيفَاءُ جَمِيعِ الضَّوْءِ ، إذْ لَا يُمْكِنُ أَخْذُ عَيْنَيْنِ بِعَيْنٍ وَاحِدَةٍ ، وَلَا أَخْذُ يَمِينٍ بِيُسْرَى ، فَوَجَبَ الرُّجُوعُ بِبَدَلِ نِصْفِ الضَّوْءِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ إلَّا الْقِصَاصُ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ ، أَوْ الْعَفْوُ عَلَى الدِّيَةِ ، كَمَا لَوْ قَطَعَ الْأَشَلُّ يَدًا صَحِيحَةً ، وَلِأَنَّ الزِّيَادَةَ هَاهُنَا غَيْرُ مُتَمَيِّزَةٍ ، فَلَمْ يَكُنْ لَهَا بَدَلٌ ، كَزِيَادَةِ الصَّحِيحَةِ عَلَى الشَّلَّاءِ ، هَذَا مَعَ عُمُومِ قَوْله تَعَالَى : { وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ } .","part":18,"page":447},{"id":8947,"text":"فَصْلٌ : وَإِنْ قَطَعَ الْأَقْطَعُ يَدَ مَنْ لَهُ يَدَانِ فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ ، وَإِنْ قُطِعَتْ رِجْلُ الْأَقْطَعِ أَوْ يَدُهُ ، فَلَهُ الْقِصَاصُ أَوْ نِصْفُ الدِّيَةِ ، لِأَنَّ يَدَ الْأَقْطَعِ لَا تَقُومُ مَقَامَ يَدَيْهِ فِي الِانْتِفَاعِ وَالْبَطْشِ ، وَلَا يُجْزِئُ فِي الْعِتْقِ عَنْ الْكَفَّارَةِ ، بِخِلَافِ عَيْنِ الْأَعْوَرِ ، فَإِنَّهَا تَقُومُ مَقَامَ عَيْنَيْهِ جَمِيعًا وَقَالَ الْقَاضِي : إنْ كَانَتْ الْمَقْطُوعَةُ أَوَّلًا قُطِعَتْ ظُلْمًا أَوْ قِصَاصًا ، فَفِي الْبَاقِيَةِ نِصْفُ الدِّيَةِ ، رِوَايَةً وَاحِدَةً ، وَإِنْ كَانَتْ الْأُولَى قُطِعَتْ فِي سَبِيلِ اللَّه فَفِي الثَّانِيَةِ رِوَايَتَانِ ، إحْدَاهُمَا : نِصْفُ الدِّيَةِ ، وَالثَّانِيَةُ دِيَةٌ كَامِلَةٌ ، لِأَنَّهُ عَطَّلَ مَنَافِعَهُ مِنْ الْعُضْوَيْنِ جُمْلَةً ، وَأَمَّا إنْ قَطَعَ الْأَقْطَعُ يَدَ مَنْ لَيْسَ بِأَقْطَعَ ، فَإِنْ قُلْنَا : إنَّ فِي يَدِ الْأَقْطَعِ دِيَةً كَامِلَةً فَلَا قِصَاصَ ، وَإِنْ قُلْنَا : لَا تَكْمُلُ فِيهَا الدِّيَةُ فَالْقِصَاصُ وَاجِبٌ فِيهَا ، وَاللَّائِقُ بِالْفِقْهِ مَا ذَكَرْنَاهُ أَوَّلًا ، وَالتَّعْلِيلُ بِتَفْوِيتِ مَنْفَعَةِ الْعُضْوَيْنِ يَنْتَقِضُ بِمَا إذَا قُطِعَتْ الْأُولَى قِصَاصًا ، وَالْقِيَاسُ عَلَى عَيْنِ الْأَعْوَرِ غَيْرُ صَحِيحٍ ، لِمَا بَيْنَهُمَا مِنْ الْفَرْقِ ، فَأَمَّا إنْ قُطِعَتْ أُذُنُ مَنْ قُطِعَتْ إحْدَى أُذُنَيْهِ ، فَلَيْسَ لَهُ إلَّا نِصْفُ الدِّيَةِ ، رِوَايَةً وَاحِدَةً ، وَإِنْ قَطَعَ هُوَ أُذُنَ ذِي أُذُنَيْنِ ، وَجَبَ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ ، بِغَيْرِ خِلَافٍ عَلِمْنَاهُ ، لَا فِي الْمَذْهَبِ وَلَا فِي غَيْرِهِ ؛ لِأَنَّ نَفْعَ كُلِّ أُذُنٍ لَا يَتَعَلَّقُ بِالْأُخْرَى .","part":18,"page":448},{"id":8948,"text":"( 6710 ) فَصْلٌ : وَيُؤْخَذُ الْجَفْنُ بِالْجَفْنِ ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى { وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ } وَلِأَنَّهُ يُمْكِنُ الْقِصَاصُ فِيهِ ، لِانْتِهَائِهِ إلَى مَفْصِلٍ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rوَيُؤْخَذُ جَفْنُ الْبَصِيرِ بِجَفْنِ الْبَصِيرِ وَالضَّرِيرِ ، وَجَفْنُ الضَّرِيرِ ، بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ، لِأَنَّهُمَا تَسَاوَيَا فِي السَّلَامَةِ مِنْ النَّقْصِ ، وَعَدَمُ الْبَصَرِ نَقْصٌ فِي غَيْرِهِ ، لَا يَمْنَعُ أَخْذَ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ كَالْأُذُنِ إذَا عَدِمَ السَّمْعَ مِنْهَا .","part":18,"page":449},{"id":8949,"text":"( 6711 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : ( وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ ) أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى الْقِصَاصِ فِي السِّنِّ لِلْآيَةِ وَحَدِيثِ الرُّبَيِّعِ ، وَلِأَنَّ الْقِصَاصَ فِيهَا مُمْكِنٌ ، لِأَنَّهَا مَحْدُودَةٌ فِي نَفْسِهَا ، فَوَجَبَ فِيهَا الْقِصَاصُ كَالْعَيْنِ .\r، وَتُؤْخَذُ الصَّحِيحَةُ بِالصَّحِيحَةِ ، وَتُؤْخَذُ الْمَكْسُورَةُ بِالصَّحِيحَةِ ، لِأَنَّهُ يَأْخُذُ بَعْضَ حَقِّهِ ، وَهَلْ يَأْخُذُ مَعَ الْقِصَاصِ أَرْشَ الْبَاقِي ؟ فِيهِ وَجْهَانِ ، ذَكَرْنَاهُمَا فِيمَا مَضَى .","part":18,"page":450},{"id":8950,"text":"( 6712 ) فَصْلٌ : وَلَا يُقْتَصُّ إلَّا مِنْ سِنِّ مَنْ أَثْغَرَ ، أَيْ سَقَطَتْ رَوَاضِعُهُ ، ثُمَّ نَبَتَتْ ، يُقَالُ لِمَنْ سَقَطَتْ رَوَاضِعُهُ : ثَغْرٌ ، فَهُوَ مَثْغُورٌ ، فَإِذَا نَبَتَتْ قِيلَ : أَثْغَرَ وَأُثْغَرَ .\rلُغَتَانِ ، وَإِنْ قُلِعَ سِنُّ مَنْ لَمْ يُثْغِرْ ، لَمْ يُقْتَصَّ مِنْ الْجَانِي فِي الْحَالِ ، وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ ، لِأَنَّهَا تَعُودُ بِحُكْمِ الْعَادَةِ ، فَلَا يُقْتَصُّ مِنْهَا كَالشَّعْرِ ، ثُمَّ إنَّ عَادَ بَدَلُ السِّنِّ فِي مَحَلِّهَا مِثْلُهَا عَلَى صِفَتِهَا ، فَلَا شَيْءَ عَلَى الْجَانِي ، كَمَا لَوْ قَلَعَ شَعْرَةً ثُمَّ نَبَتَتْ ، وَإِنْ عَادَتْ مَائِلَةً عَنْ مَحَلِّهَا ، أَوْ مُتَغَيِّرَةً عَنْ صِفَتِهَا ، كَانَ عَلَيْهِ حُكُومَةٌ ، لِأَنَّهَا لَوْ لَمْ تَعُدْ ضَمِنَ السِّنَّ ، فَإِذَا عَادَتْ نَاقِصَةً ضَمِنَ مَا نَقَصَ .\rمِنْهَا بِالْحِسَابِ ، فَفِي ثُلُثِهَا ثُلُثُ دِيَتِهَا ، وَفِي رُبْعِهَا رُبْعُهَا وَعَلَى هَذَا ، وَإِنْ عَادَتْ وَالدَّمُ يَسِيلُ ، فَفِيهَا حُكُومَةٌ ، لِأَنَّهُ نَقْصٌ حَصَلَ بِفِعْلِهِ ، وَإِنْ مَضَى زَمَنُ عَوْدِهَا وَلَمْ تَعُدْ ، سُئِلَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالطِّبِّ ، فَإِنْ قَالُوا : قَدْ يَئِسَ مِنْ عَوْدِهَا .\rفَالْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ بِالْخِيَارِ بَيْنَ الْقِصَاصِ أَوْ دِيَةِ السِّنِّ ، فَإِنْ مَاتَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ قَبْلَ الْإِيَاسِ مِنْ عَوْدِهَا ، فَلَا قِصَاصَ ، لِأَنَّ الِاسْتِحْقَاقَ لَهُ غَيْرُ مُتَحَقِّقٍ ، فَيَكُونُ ذَلِكَ شُبْهَةً فِي دَرْئِهِ ، وَتَجِبُ الدِّيَةُ ، لِأَنَّ الْقَلْعَ مَوْجُودٌ ، وَالْعَوْدَ مَشْكُوكٌ فِيهِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ إذَا مَاتَ قَبْلَ مَجِيءِ وَقْتِ عَوْدِهَا ، أَنْ لَا يَجِبَ شَيْءٌ ، لِأَنَّ الْعَادَةَ عَوْدُهَا ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ حَلَقَ شَعْرَهُ فَمَاتَ قَبْلَ نَبَاتِهِ ، فَأَمَّا إنْ قَلَعَ سِنَّ مَنْ قَدْ أَثْغَرَ ، وَجَبَ الْقِصَاصُ لَهُ فِي الْحَالِ ، لِأَنَّ الظَّاهِرَ عَدَمُ عَوْدِهَا ، وَهَذَا قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ، وَقَالَ الْقَاضِي : يُسْأَلُ أَهْلُ الْخِبْرَةِ ، فَإِنْ قَالُوا : لَا تَعُودُ ، فَلَهُ الْقِصَاصُ فِي الْحَالِ ، وَإِنْ قَالُوا : يُرْجَى عَوْدُهَا إلَى وَقْتٍ ذَكَرُوهُ","part":18,"page":451},{"id":8951,"text":"، لَمْ يُقْتَصَّ حَتَّى يَأْتِيَ ذَلِكَ الْوَقْتُ ، وَهَذَا قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ لِأَنَّهَا تَحْتَمِلُ الْعَوْدَ ، فَأَشْبَهَتْ سِنَّ مَنْ لَمْ يُثْغِرْ ، وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّهَا إنْ لَمْ تَعُدْ بَعْدُ ، فَلَا كَلَامَ ، وَإِنْ عَادَتْ ، لَمْ يَجِبْ قِصَاصٌ وَلَا دِيَةٌ ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ وَقَالَ فِي الْآخَرِ : لَا يَسْقُطُ الْأَرْشُ ، لِأَنَّ هَذِهِ السِّنَّ لَا تَسْتَخْلِفُ عَادَةً ، فَإِذَا عَادَتْ كَانَتْ هِبَةً مُجَدَّدَةً ؛ وَلِذَلِكَ لَا يُنْتَظَرُ عَوْدُهَا فِي الضَّمَانِ وَلَنَا ، أَنَّهَا سِنٌّ عَادَتْ ، فَسَقَطَ الْأَرْشُ ، كَسِنِّ مَنْ لَمْ يُثْغِرْ ، وَنُدْرَةُ وُجُودِهَا لَا يَمْنَع ثُبُوتَ حُكْمِهَا إذَا وُجِدَتْ ، فَعَلَى هَذَا إنْ كَانَ أَخَذَ الْأَرْشَ ، رَدَّهُ ، وَإِنْ كَانَ اسْتَوْفَى الْقِصَاصَ ، لَمْ يَجُزْ قَلْعُ هَذِهِ قِصَاصًا ، لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ الْعُدْوَانَ ، وَإِنْ عَادَتْ سِنُّ الْجَانِي دُونَ سِنِّ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ، أَحَدُهُمَا : لَا ، تُقْلَعُ ، لِئَلَّا يَأْخُذَ سِنَّيْنِ بِسِنٍّ وَاحِدَةٍ ، وَإِنَّمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { السِّنَّ بِالسِّنِّ } وَالثَّانِي ، تُقْلَعُ وَإِنْ عَادَتْ مَرَّاتٍ ، لِأَنَّهُ قَلَعَ سِنَّهُ وَأَعْدَمَهَا ، فَكَانَ لَهُ إعْدَامُ سِنِّهِ ، وَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَجْهَانِ ، كَهَذَيْنِ .","part":18,"page":452},{"id":8952,"text":"( 6713 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَلَعَ سِنًّا ، فَاقْتُصَّ مِنْهُ ، ثُمَّ عَادَتْ سِنُّ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ ، فَقَلَعَهَا الْجَانِي ثَانِيَةً فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ ، لِأَنَّ سِنَّ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ لَمَّا عَادَتْ ، وَجَبَ لِلْجَانِي عَلَيْهِ دِيَةُ سِنِّهِ ، فَلَمَّا قَلَعَهَا ، وَجَبَ عَلَى الْجَانِي دِيَتُهَا لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ ، فَقَدْ وَجَبَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا دِيَةُ سِنٍّ ، فَيَتَقَاصَّانِ .","part":18,"page":453},{"id":8953,"text":"( 6714 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : ( وَإِنْ كَسَرَ بَعْضَهَا ، بَرَدَ مِنْ سِنِّ الْجَانِي مِثْلَهُ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْقِصَاصَ جَارٍ فِي بَعْضِ السِّنِّ لِأَنَّ الرُّبَيِّعَ كَسَرَتْ سِنَّ جَارِيَةٍ ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْقِصَاصِ ؛ وَلِأَنَّ مَا جَرَى الْقِصَاصُ فِي جُمْلَتِهِ ، جَرَى فِي بَعْضِهِ إذَا أَمْكَنَ كَالْأُذُنِ ، فَيُقَدَّرُ ذَلِكَ بِالْأَجْزَاءِ ، فَيُؤْخَذُ النِّصْفُ بِالنِّصْفِ وَالثُّلُثُ بِالثُّلُثِ ، وَكُلُّ جُزْءٍ بِمِثْلِهِ ، وَلَا يُؤْخَذُ ذَلِكَ بِالْمِسَاحَةِ ، كَيْ لَا يُفْضِيَ إلَى أَخْذِ جَمِيعِ سِنِّ الْجَانِي بِبَعْضِ سِنِّ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ ، وَيَكُونُ الْقِصَاصُ بِالْمِبْرَدِ ، لِيُؤْمَنَ أَخْذُ الزِّيَادَةِ ، فَإِنَّا لَوْ أَخَذْنَاهَا بِالْكَسْرِ ، لَمْ نَأْمَنْ أَنْ تَنْصَدِعَ ، أَوْ تَنْقَلِعَ ، أَوْ تَنْكَسِرَ مِنْ غَيْرِ مَوْضِعِ الْقِصَاصِ ، وَلَا يُقْتَصُّ حَتَّى يَقُولَ أَهْلُ الْخِبْرَةِ : إنَّهُ يُؤْمَنُ انْقِلَاعُهَا ، أَوْ السَّوَادُ فِيهَا لِأَنَّ تَوَهُّمَ الزِّيَادَةِ يَمْنَعُ الْقِصَاصَ فِي الْأَعْضَاءِ ، كَمَا لَوْ قُطِعَتْ يَدُهُ مِنْ غَيْرِ مَفْصِلٍ .\rفَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ أَجَزْتُمْ الْقِصَاصَ فِي الْأَطْرَافِ مَعَ تَوَهُّمِ سِرَايَتهَا إلَى النَّفْسِ ، فَلِمَ مَنَعْتُمْ مِنْهُ لِتَوَهُّمِ السِّرَايَةِ إلَى بَعْضِ الْعُضْوِ ؟ قُلْنَا : وَهْمُ السِّرَايَةِ إلَى النَّفْسِ لَا سَبِيلَ إلَى التَّحَرُّزِ مِنْهُ ، فَلَوْ اعْتَبَرْنَاهُ فِي الْمَنْعِ ، لَسَقَطَ الْقِصَاصُ فِي الْأَطْرَافِ بِالْكُلِّيَّةِ ، فَسَقَطَ اعْتِبَارُهُ ، وَأَمَّا السِّرَايَةُ إلَى بَعْضِ الْعُضْوِ ، فَتَارَةً نَقُولُ إنَّمَا مَنَعَ الْقِصَاصَ فِيهَا احْتِمَالُ الزِّيَادَةِ فِي الْفِعْلِ ، لَا فِي السِّرَايَةِ ، مِثْلُ مَنْ يَسْتَوْفِي بَعْضَ الذِّرَاعِ ، فَإِنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَفْعَلَ أَكْثَرَ مِمَّا فُعِلَ بِهِ ، وَكَذَلِكَ مَنْ كَسَرَ سِنًّا وَلَمْ يَصْدَعْهَا ، فَكَسَرَ الْمُسْتَوْفِي سِنَّهُ وَصَدَعَهَا ، أَوْ قَلَعَهَا ، أَوْ كَسَرَ أَكْثَرَ مِمَّا كَسَرَ ، فَقَدْ زَادَ عَلَى الْمِثْلِ ، وَالْقِصَاصُ يَعْتَمِدُ الْمُمَاثَلَةَ ، وَتَارَةً نَقُولُ : إنَّ السِّرَايَةَ فِي بَعْضِ الْعُضْوِ إنَّمَا","part":18,"page":454},{"id":8954,"text":"تَمْنَعُ إذَا كَانَتْ ظَاهِرَةً ، وَمِثْلُ هَذَا يَمْنَعُ فِي النَّفْسِ ، وَلِهَذَا مَنَعْنَاهُ مِنْ الِاسْتِيفَاءِ بِآلَةٍ كَالَّةٍ ، أَوْ مَسْمُومَةٍ ، وَفِي وَقْتِ إفْرَاطِ الْحَرَارَةِ أَوْ الْبُرُودَةِ ، تَحَرُّزًا مِنْ السِّرَايَة .","part":18,"page":455},{"id":8955,"text":"( 6715 ) فَصْلٌ : وَمَنْ قَلَعَ سِنًّا زَائِدَةً وَهِيَ الَّتِي تَنْبُتُ فَضْلَةً فِي غَيْرِ سَمْتِ الْأَسْنَانِ ، خَارِجَةً عَنْهَا ، إمَّا إلَى دَاخِلِ الْفَمِ ، وَإِمَّا إلَى الشَّفَةِ ، وَكَانَتْ لِلْجَانِي مِثْلُهَا فِي مَوْضِعهَا ، فَلِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ ، الْقِصَاصُ ، أَوْ أَخْذُ حُكُومَةٍ فِي سِنِّهِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِثْلُهَا فِي مَحَلِّهَا ، فَلَيْسَ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ إلَّا الْحُكُومَةُ ، وَإِنْ كَانَتْ إحْدَى الزَّائِدَتَيْنِ أَكْبَرَ مِنْ الْأُخْرَى ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا لَا تُؤْخَذُ الْكُبْرَى بِالصُّغْرَى ، لِأَنَّ الْحُكُومَةَ فِيهَا أَكْبَرُ ، فَلَا يُقْلَعُ بِهَا مَا هُوَ أَقَلُّ قِيمَةً مِنْهَا وَالثَّانِي ، تُؤْخَذُ بِهَا ، لِأَنَّهُمَا سِنَّانِ مُتَسَاوِيَانِ فِي الْمَوْضِعِ ، فَتُؤْخَذُ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بِالْأُخْرَى ، كَالْأَصْلِيَّتَيْنِ ، وَلِأَنَّ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى : { وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ } عَامٌ فَيَدْخُلُ فِيهِ مَحَلُّ النِّزَاعِ ، وَإِنْ قُلْنَا : يَثْبُتُ الْقِيَاسُ فِي الزَّائِدَتَيْنِ بِالِاجْتِهَادِ ، فَالثَّابِتُ بِالِاجْتِهَادِ مُعْتَبَرٌ بِمَا ثَبَتَ بِالنَّصِّ ، وَاخْتِلَافُ الْقِيمَةِ لَا يَمْنَعُ الْقِصَاصَ ، بِدَلِيلِ جَرَيَانِهِ بَيْنَ الْعَبِيدِ ، وَبَيْنَ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى ، فِي النَّفْسِ وَالْأَطْرَافِ ، عَلَى أَنَّ كِبَرَ السِّنِّ لَا يُوجِبُ كَثْرَةُ قِيمَتِهَا ، فَإِنَّ السِّنَّ الزَّائِدَةَ نَقْصٌ وَعَيْبٌ ، وَكَثْرَةُ الْعَيْبِ زِيَادَةٌ فِي النَّقْصِ ، لَا فِي الْقِيمَةِ ، وَلِأَنَّ كِبَرَ السِّنِّ الْأَصْلِيَّةِ لَا يَزِيدُ قِيمَتَهَا ، فَالزَّائِدَةُ كَذَلِكَ .","part":18,"page":456},{"id":8956,"text":"( 6716 ) فَصْلٌ : وَيُؤْخَذُ اللِّسَانُ بِاللِّسَانِ ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ } .\rوَلِأَنَّ لَهُ حَدًّا يَنْتَهِي إلَيْهِ ، فَاقْتُصَّ مِنْهُ كَالْعَيْنِ ، وَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا ، وَلَا يُؤْخَذُ لِسَانُ نَاطِقٍ بِلِسَانِ أَخْرَسَ ، لِأَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْهُ ، وَيُؤْخَذُ الْأَخْرَسُ بِالنَّاطِقِ ، لِأَنَّهُ بَعْضُ حَقِّهِ ، وَيُؤْخَذُ بَعْضُ اللِّسَانِ بِبَعْضٍ ، لِأَنَّهُ أَمْكَنَ الْقِصَاصُ فِي جَمِيعِهِ ، فَأَمْكَنَ فِي بَعْضِهِ ، كَالسِّنِّ ، وَيُقَدَّرُ ذَلِكَ بِالْأَجْزَاءِ ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ بِالْحِسَابِ","part":18,"page":457},{"id":8957,"text":"( 6717 ) فَصْلٌ : وَتُؤْخَذُ الشَّفَةُ بِالشَّفَةِ وَهِيَ مَا جَاوَزَ الذَّقَنَ وَالْخَدَّيْنِ عُلْوًا وَسُفْلًا ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى { وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ } .\rوَلِأَنَّ لَهُ حَدًّا يَنْتَهِي إلَيْهِ ، يُمْكِنُ الْقِصَاصُ مِنْهُ فَوَجَبَ ، كَالْيَدَيْنِ .","part":18,"page":458},{"id":8958,"text":"( 6718 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : ( وَلَا تُؤْخَذُ يَمِينٌ بِيَسَارٍ ، وَلَا يَسَارٌ بِيَمِينٍ ) هَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، مِنْهُمْ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ، وَحُكِيَ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ ، وَشَرِيكٍ أَنَّ إحْدَاهُمَا تُؤْخَذُ بِالْأُخْرَى ، لِأَنَّهُمَا يَسْتَوِيَانِ فِي الْخِلْقَةِ وَالْمَنْفَعَةِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا تَخْتَصُّ بَاسِمٍ ، فَلَا تُؤْخَذُ إحْدَاهُمَا بِالْأُخْرَى ، كَالْيَدِ مَعَ الرِّجْلِ .\rفَعَلَى هَذَا كُلُّ مَا انْقَسَمَ إلَى يَمِينٍ وَيَسَارٍ ، كَالْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ وَالْأُذُنَيْنِ وَالْمَنْخِرَيْنِ وَالثَّدْيَيْنِ وَالْأَلْيَتَيْنِ وَالْأُنْثَيَيْنِ ، لَا تُؤْخَذُ إحْدَاهُمَا بِالْأُخْرَى ( 6719 ) فَصْلٌ : وَمَا انْقَسَمَ إلَى أَعْلَى وَأَسْفَلِ ، كَالْجَفْنَيْنِ وَالشَّفَتَيْنِ ، لَا يُؤْخَذُ الْأَعْلَى بِالْأَسْفَلِ ، وَلَا الْأَسْفَلُ بِالْأَعْلَى لِمَا ذَكَرْنَا ، وَلَا تُؤْخَذُ إصْبَعٌ بِإِصْبَعِ ، إلَّا أَنْ يَتَّفِقَا فِي الِاسْمِ وَالْمَوْضِعِ ، وَلَا تُؤْخَذُ أُنْمُلَةٌ بِأُنْمُلَةِ ، إلَّا أَنَّ يَتَّفِقَا فِي ذَلِكَ ، وَلَا تُؤْخَذُ عُلْيَا بِسُفْلَى وَلَا وُسْطَى ، وَالْوُسْطَى وَالسُّفْلَى لَا تُؤْخَذَانِ بِغَيْرِهِمَا ، وَلَا تُؤْخَذُ السِّنُّ بِالسِّنِّ إلَّا أَنْ يُتَّفَقَ مَوْضِعُهُمَا وَاسْمُهُمَا .\rوَلَا تُؤْخَذُ إصْبَعٌ وَلَا سِنٌّ أَصْلِيَّةٌ بِزَائِدَةِ ، وَلَا زَائِدَةٌ بِأَصْلِيَّةٍ ، وَلَا زَائِدَةٌ بِزَائِدَةٍ فِي غَيْرِ مَحَلِّهَا ، لِمَا ذَكَرْنَاهُ .","part":18,"page":459},{"id":8959,"text":"( 6720 ) فَصْلٌ : وَمَا لَا يَجُوزُ أَخْذُهُ قِصَاصًا ، لَا يَجُوزُ بِتَرَاضِيهِمَا وَاتِّفَاقِهِمَا عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ الدِّمَاءَ لَا تُسْتَبَاحُ بِالِاسْتِبَاحَةِ وَالْبَذْلِ ، وَلِذَلِكَ لَوْ بَذَلَهَا لَهُ ابْتِدَاءً ، لَا يَحِلُّ أَخْذُهَا ، وَلَا يَحِلُّ لَأَحَدٍ قَتْلُ نَفْسِهِ ، وَلَا قَطْعُ طَرَفِهِ ، فَلَا يَحِلُّ لِغَيْرِهِ بِبَذْلِهِ ، فَلَوْ تَرَاضَيَا عَلَى قَطْعِ إحْدَى الْيَدَيْنِ بَدَلًا عَنْ الْأُخْرَى ، فَقَطَعَهَا الْمُقْتَصُّ ، سَقَطَ الْقَوَدُ ، لِأَنَّ الْقَوَدَ سَقَطَ فِي الْأُولَى بِإِسْقَاطِ صَاحِبِهَا ، وَفِي الثَّانِيَةِ بِإِذْنِ صَاحِبِهَا فِي قَطْعِهَا ، وَدِيَاتُهُمَا مُتَسَاوِيَةٌ ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ وَلِذَلِكَ قَالَ : لَوْ قَطَعَ الْمُقْتَصُّ الْيَدَ الْأُخْرَى عُدْوَانًا ، لَسَقَطَ الْقِصَاصُ ، لِأَنَّهُمَا تَسَاوَيَا فِي الْأَلَمِ وَالدِّيَةِ وَالِاسْمِ ، فَتُقَاصَّا وَتَسَاقَطَا ، وَلِأَنَّ إيجَابَ الْقِصَاصِ يُفْضِي إلَى قَطْعِ يَدَيْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ، وَإِذْهَابِ مَنْفَعَةِ الْجِنْسِ ، وَإِلْحَاقِ الضَّرَرِ الْعَظِيمِ بِهِمَا جَمِيعًا .\rوَلَا تَفْرِيعَ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ لَوُضُوحِهِ ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْقَطْعَيْنِ مَضْمُونٌ بِسِرَايَتِهِ لِأَنَّهُ عُدْوَانٌ .\rوَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ : إنْ كَانَ أَخَذَهَا عُدْوَانًا ، فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْقِصَاصُ عَلَى صَاحِبِهِ ، وَإِنْ أَخَذَهَا بِتَرَاضِيهِمَا ، فَلَا قِصَاصَ فِي الثَّانِيَةِ ، لِرِضَا صَاحِبِهَا بِبَذْلِهَا ، وَإِذْنِهِ فِي قَطْعِهَا ، وَفِي وُجُوبِهِ فِي الْأُولَى وَجْهَانِ ، أَحَدُهُمَا : يَسْقُطُ ، لِمَا ذَكَرْنَا .\rوَالثَّانِي ، لَا يَسْقُطُ ، لِأَنَّهُ رَضِيَ بِتَرْكِهِ بِعِوَضٍ لَمْ يَثْبُتْ ، فَكَانَ لَهُ الرُّجُوعُ إلَى حَقِّهِ ، كَمَا لَوْ بَاعَهُ سِلْعَةً بِخَمْرٍ وَقَبَّضَهُ إيَّاهُ .\rفَعَلَى هَذَا ، لَهُ الْقِصَاصُ إلَّا أَنَّهُ لَا يَقْتَصُّ إلَّا بَعْدَ انْدِمَال الْأُخْرَى ، وَلِلْجَانِي دِيَةُ يَدِهِ ، فَإِذَا وَجَبَ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ دِيَةُ يَدِهِ ، وَكَانَتْ الدِّيَتَانِ وَاحِدَةً ، تَقَاصَّا ، وَإِنْ كَانَتْ إحْدَاهُمَا أَكْبَرَ مِنْ الْأُخْرَى ، كَالرَّجُلِ مَعَ الْمَرْأَةِ ، وَجَبَ الْقِصَاصُ لِصَاحِبِهِ .","part":18,"page":460},{"id":8960,"text":"( 6721 ) فَصْلٌ : وَإِذَا قَالَ الْمُقْتَصُّ لِلْجَانِي : أَخْرِجْ يَمِينَك لِأَقْطَعْهَا .\rفَأَخْرَجَ يَسَارَهُ ، فَقَطَعَهَا ، فَعَلَى قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ يُجْزِئُ ذَلِكَ ، سَوَاءٌ قَطَعَهَا عَالِمًا بِهَا أَوْ غَيْرَ عَالِمٍ ، وَعَلَى قَوْلِ ابْنِ حَامِدٍ إنْ أَخْرَجَهَا عَمْدًا عَالِمًا بِأَنَّهَا يَسَارُهُ ، وَأَنَّهَا لَا تُجْزِئُ ، فَلَا ضَمَانَ عَلَى قَاطِعِهَا وَلَا قَوَدَ .\rلِأَنَّهُ بَذَلَهَا بِإِخْرَاجِهِ لَهَا لَا عَلَى سَبِيلِ الْعِوَضِ ، وَقَدْ يَقُومُ الْفِعْلُ فِي ذَلِكَ مَقَامَ النُّطْقِ ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ قَوْلِهِ : خُذْ هَذَا فَكُلْهُ ، وَبَيْنَ اسْتِدْعَاءِ ذَلِكَ مِنْهُ ، فَيُعْطِيه إيَّاهُ ، وَيُفَارِقُ هَذَا مَا لَوْ قَطَعَ يَدَ إنْسَانٍ ، وَهُوَ سَاكِتٌ ، لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ الْبَذْلُ ، وَيُنْظَرُ فِي الْمُقْتَصِّ ، فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ عَالِمًا بِالْحَالِ عُزِّرَ ، لِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْهُ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى ، وَهَلْ يَسْقُطُ الْقِصَاصُ فِي الْيَمِينِ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : يَسْقُطُ ، لِأَنَّ قَاطِعَ الْيَسَارِ تَعَدَّى بِقَطْعِهَا ؛ وَلِأَنَّهُ قَطَعَ إحْدَى يَدَيْهِ ، فَلَمْ يَمْلِكْ قَطْعَ الْيَدِ الْأُخْرَى ، كَمَا لَوْ قَطَعَ يَدَ السَّارِقِ الْيُسْرَى مَكَانَ يَمِينِهِ ، فَإِنَّهُ لَا يَمْلِكُ قَطْعَ يَمِينِهِ وَالْوَجْهُ الثَّانِي ، أَنَّهُ لَا يَسْقُطُ ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَفَرَّقُوا بَيْنَ الْقِصَاصِ وَقَطْعِ السَّارِقِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ ، أَحَدُهَا : أَنَّ الْحَدَّ مَبْنِيٌّ عَلَى الْإِسْقَاطِ ، بِخِلَافِ الْقِصَاصِ وَالثَّانِي ، أَنَّ الْيَسَارَ لَا تُقْطَعُ فِي السَّرِقَةِ ، وَإِنْ عَدِمَتْ يَمِينُهُ ، لِأَنَّهُ يُفَوِّتُ مَنْفَعَةَ الْجِنْسِ فِي الْحَدِّ ، بِخِلَافِ الْقِصَاصِ ، وَالثَّالِثُ : أَنَّ الْيَدَ لَوْ سَقَطَتْ بِأَكَلَةٍ أَوْ قِصَاصٍ سَقَطَ الْقَطْعُ فِي السَّرِقَةِ ، فَجَازَ أَنْ يَسْقُطَ بِقَطْعِ الْيَسَارِ ، بِخِلَافِ الْقِصَاصِ ، فَإِنَّهُ لَا يَسْقُطُ ، وَيَنْتَقِلُ إلَى الْبَدَلِ ، لَكِنْ لَا تُقْطَعُ يَمِينُهُ حَتَّى تَنْدَمِلَ يَسَارُهُ ، لِئَلَّا يُؤَدِّيَ إلَى ذَهَابِ نَفْسِهِ ، فَإِنْ قِيلَ : أَلَيْسَ لَوْ قَطَعَ يَمِينَ رَجُلٍ وَيَسَارَ","part":18,"page":461},{"id":8961,"text":"آخَرَ ، لَمْ يُؤَخَّرْ أَحَدُهُمَا إلَى انْدِمَالِ الْآخَرِ ؟ قُلْنَا : الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْقَطْعَيْنِ مُسْتَحَقَّانِ قِصَاصًا ؛ فَلِهَذَا جَمَعْنَا بَيْنَهُمَا ، وَفِي مَسْأَلَتِنَا أَحَدُهُمَا غَيْرُ مُسْتَحَقٍّ ، فَلَمْ نَجْمَعْ بَيْنَهُمَا ، فَإِذَا انْدَمَلَتْ الْيَسَارُ قَطَعْنَا الْيَمِينَ ، فَإِنْ سَرَى قَطْعُ الْيَسَارِ إلَى نَفْسِهِ ، كَانَتْ هَدْرًا ، وَيَجِبُ فِي تَرِكَتِهِ دِيَةُ الْيَمِينِ ؛ لِتَعَذُّرِ الِاسْتِيفَاءِ فِيهَا بِمَوْتِهِ .\rوَإِنْ قَالَ الْمُقْتَصُّ مِنْهُ : لَمْ أَعْلَمْ أَنَّهَا الْيَسَارُ ، أَوْ ظَنَنْت أَنَّهَا تُجْزِئُ عَنْ الْيَمِينِ ، نَظَرْت فِي الْمُسْتَوْفِي ، فَإِنْ عَلِمَ أَنَّهَا يَسَارُهُ ، وَأَنَّهَا لَا تَكُونُ قِصَاصًا ، ضَمِنَهَا بِدِيَتِهَا وَيُعَزَّرُ .\rوَقَالَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ : عَلَيْهِ الْقِصَاصُ ، لِأَنَّهُ قَطَعَهَا مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ قَطْعُهَا .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ قَطَعَهَا بِبَذْلِ صَاحِبِهَا ، فَلَمْ يُجِبْ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ ، كَمَا لَوْ عَلِمَ بَاذِلُهَا .\rوَإِنْ كَانَ جَاهِلًا ، فَلَا تَعْزِيرَ عَلَيْهِ ، وَعَلَيْهِ الضَّمَانُ بِالدِّيَةِ ، لِأَنَّهُ بَذَلَهَا لَهُ عَلَى وَجْهِ الْبَدَل ، فَكَانَتْ مَضْمُونَةً عَلَيْهِ ، وَلِأَنَّهَا مَضْمُونَةٌ لَوْ كَانَ الْقَاطِعُ عَالِمًا بِهَا ، وَمَا وَجَبَ ضَمَانُهُ فِي الْعَمْدِ ، وَجَبَ فِي الْخَطَأ ، كَإِتْلَافِ الْمَالِ ، وَالْقِصَاصُ بَاقٍ لَهُ فِي الْيَمِينِ ، وَلَا تُقْطَعُ حَتَّى تَنْدَمِلَ الْيَسَارُ ، فَإِذَا انْدَمَلَتْ ، فَلَهُ قَطْعُ الْيَمِينِ ، فَإِنْ عَفَا ، وَجَبَ بَدَلُهَا ، وَيَتَقَاصَّانِ ، وَإِنْ سَرَتْ الْيَسَارُ إلَى نَفْسِهِ ، كَانَتْ مَضْمُونَةً بِالدِّيَةِ الْكَامِلَةِ ، وَقَدْ تَعَذَّرَ قَطْعُ الْيَمِينِ ، وَوَجَبَ لَهُ نِصْفُ الدِّيَةِ ، فَيَتَقَاصَّانِ بِهِ ، وَيَبْقَى نِصْفُ الدِّيَةِ لِوَرَثَةِ الْجَانِي .\rوَإِنْ اخْتَلَفَا فِي بَذْلِهَا فَقَالَ الْجَانِي : إنَّمَا بَذَلْتهَا بَدَلًا عَنْ الْيَمِينِ ، وَقَالَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ : بَذَلْتهَا فِي غَيْرِ عِوَضٍ ، أَوْ قَالَ : أَخْرَجْتهَا دَهْشَةً ، فَقَالَ : بَلْ عَالِمًا .\rفَالْقَوْلُ قَوْلُ الْجَانِي ، لِأَنَّهُ أَعْلَمُ بِنِيَّتِهِ ، وَلِأَنَّ","part":18,"page":462},{"id":8962,"text":"الظَّاهِرَ أَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَبْذُلُ طَرَفَهُ لِلْقَطْعِ تَبَرُّعًا ، مَعَ أَنَّ عَلَيْهِ قَطْعًا مُسْتَحَقًّا ، وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَإِنْ كَانَ بَاذِلُ الْيَسَارِ مَجْنُونًا مِثْلَ أَنْ يُجَنَّ بَعْدَ وُجُوبِ الْقِصَاصِ عَلَيْهِ ، فَعَلَى قَاطِعِهَا ضَمَانُهَا بِالْقِصَاصِ إنْ كَانَ عَالِمًا ، وَبِالدِّيَةِ إنْ كَانَ مُخْطِئًا لِأَنَّ بَذْلَ الْمَجْنُونِ لَيْسَ بِشُبْهَةِ ، وَإِنْ كَانَ مَنْ لَهُ الْقِصَاصُ مَجْنُونًا وَمَنْ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ عَاقِلًا ، فَأَخْرَجَ إلَيْهِ يَسَارَهُ أَوْ يَمِينِهِ فَقَطَعَهَا ذَهَبَتْ هَدْرًا ، لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ مِنْهُ الِاسْتِيفَاءُ ، وَلَا يَجُوزُ الْبَدَلُ لَهُ ، وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ ، لِأَنَّهُ أَتْلَفَهَا بِبَذْلِ صَاحِبِهَا ، لَكِنْ إنْ كَانَ الْمَقْطُوعُ الْيُمْنَى ، وَقَدْ تَعَذَّرَ اسْتِيفَاءُ الْقِصَاصِ فِيهَا لِتَلَفِهَا ، فَيَكُونُ لِلْمَجْنُونِ دِيَتُهَا .\rوَإِنْ وَثَبَ الْمَجْنُونُ عَلَيْهِ فَقَطَعَ يَدَهُ الَّتِي لَا قِصَاصَ فِيهَا ، فَعَلَى عَاقِلَتِهِ دِيَتُهَا ، وَلَهُ الْقِصَاصُ فِي الْأُخْرَى ، وَإِنْ قَطَعَ الْأُخْرَى ، فَهُوَ مُسْتَوْفٍ حَقَّهُ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ ، لِأَنَّ حَقَّهُ مُتَعَيِّنٌ فِيهَا ، فَإِذَا أَخَذَهَا قَهْرًا ، سَقَطَ حَقُّهُ ، كَمَا لَوْ أَتْلَفَ وَدِيعَتَهُ ، وَالثَّانِي ، لَا يَسْقُطُ حَقُّهُ ، وَلَهُ عَقْلُ يَدِهِ ، وَعَقْلُ يَدِ الْجَانِي عَلَى عَاقِلَتِهِ ؛ لِأَنَّ الْمَجْنُونَ لَا يَصِحُّ مِنْهُ الِاسْتِيفَاءُ وَيُفَارِقُ الْوَدِيعَةَ إذَا أَتْلَفْهَا ؛ لِأَنَّهَا تَلِفَتْ بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ ، وَلَيْسَ لَهَا بَدَلٌ إذَا تَلِفَتْ بِذَلِكَ ، وَالْيَدُ بِخِلَافِهِ فَإِنَّهَا لَوْ تَلِفَتْ بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ كَانَتْ عَلَيْهِ دِيَتُهَا ، وَكَذَلِكَ الصَّغِيرُ ، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِيهِمَا إذَا قَتَلَا قَاتِلَ أَبِيهِمَا عَمْدًا ، وَإِنْ اقْتَصَّا مِنْ الْجَانِي مَا لَا تَحْمِلُهُ عَاقِلَتُهُ ، كَمَا دُونَ الثُّلُثِ ، كَقَطْعِ إصْبَعٍ وَنَحْوِهَا ، سَقَطَ حَقُّهُمَا ، لِأَنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي الدِّيَةَ فِي ذِمَّتِهِمَا ، وَلَهُمَا فِي ذِمَّةِ الْجَانِي مِثْلُ ذَلِكَ ، فَيَتَقَاصَّانِ ، وَإِنْ كَانَتْ دِيَتُهُمَا مُخْتَلِفَةً ، كَالْمُسْلِمِ وَالذِّمِّيِّ ،","part":18,"page":463},{"id":8963,"text":"وَالرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ .\rفَإِنْ قُلْنَا : يَكُونَانِ مُسْتَوْفِيَيْنِ ، لِحَقِّهِمَا بِالْقَطْعِ ، لَمْ يَبْقَ لَهُمَا حَقٌّ ، كَمَا لَوْ أَتْلَفَا وَدِيعَتَهُمَا ، وَإِنْ قُلْنَا : لَا يَكُونَانِ مُسْتَوْفِيَيْنِ ، يُقَاصُّ مِنْ الدِّيَتَيْنِ بِقَدْرِ الْأَدْنَى مِنْهُمَا ، وَوَجَبَ الْفَضْلُ لِلصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ ، وَإِنْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ عَلَيْهِمَا أَوْ عَلَى وَلِيِّهِمَا خَطَأً تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ ، فَاسْتَوْفَيَا الْقِصَاصَ ، لَمْ يَسْقُطْ حَقُّهُمَا ، وَجْهًا وَاحِدًا ، وَكَانَتْ دِيَةُ مَنْ اسْتَوْفَيَا مِنْهُ عَلَى عَاقِلَتِهِمَا مُؤَجَّلَةً ، وَدِيَةُ الْجِنَايَة عَلَيْهِمَا أَوْ عَلَى وَلِيِّهِمَا عَلَى عَاقِلَةِ الْجَانِي مُؤَجَّلَةً .","part":18,"page":464},{"id":8964,"text":"( 6722 ) فَصْلٌ : وَسِرَايَةُ الْقَوَدِ غَيْرُ مَضْمُونَةٍ ، وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ إذَا قَطَعَ طَرَفًا يَجِبُ الْقَوَدُ فِيهِ فَاسْتَوْفَى مِنْهُ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ ، ثُمَّ مَاتَ الْجَانِي بِسِرَايَةِ الِاسْتِيفَاءِ ، لَمْ يَلْزَمْ الْمُسْتَوْفِيَ شَيْءٌ ، وَبِهَذَا قَالَ الْحَسَنُ ، وَابْنُ سِيرِينَ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ ، وَعُمَرَ ، وَعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ .\rوَقَالَ عَطَاءٌ ، وَطَاوُسٌ ، وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ ، وَالْحَارِثُ الْعُكْلِيُّ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ : عَلَيْهِ الضَّمَانُ .\rقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : عَلَيْهِ كَمَالُ الدِّيَةِ فِي مَالِهِ .\rوَقَالَ غَيْرُهُ : هِيَ عَلَى عَاقِلَتِهِ ؛ لِأَنَّهُ فَوَّتَ نَفْسَهُ ، وَلَا يَسْتَحِقُّ إلَّا طَرَفَهُ فَلَزِمَتْهُ دِيَتُهُ ، كَمَا لَوْ ضَرَبَ عُنُقَهُ ، وَلِأَنَّهَا سِرَايَةُ قَطْعٍ مَضْمُونٍ ، فَكَانَتْ مَضْمُونَةً ، كَسِرَايَةِ الْجِنَايَةِ ، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ مَضْمُونٌ ، أَنَّهُ مَضْمُونٌ بِالْقَطْعِ الْأَوَّلِ ؛ لِأَنَّهُ فِي مُقَابَلَتِهِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ عُمَرَ وَعَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، قَالَا : مَنْ مَاتَ مِنْ حَدٍّ أَوْ قِصَاصٍ لَا دِيَةَ لَهُ ، الْحَقُّ قَتَلَهُ رَوَاهُ سَعِيدٌ بِمَعْنَاهُ .\rوَلِأَنَّهُ قَطْعٌ مُسْتَحَقٌّ مُقَدَّرٌ ، فَلَا تُضْمَنَ سِرَايَتُهُ ، كَقَطْعِ السَّارِقِ .\rوَفَارَقَ مَا قَاسُوا عَلَيْهِ ، فَإِنَّهُ لَيْسَ مَا فَعَلَهُ مُسْتَحَقًّا .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَلَا فَرْقَ بَيْنَ سِرَايَتِهِ إلَى النَّفْسِ ، بِأَنْ يَمُوتَ مِنْهَا ، أَوْ إلَى مَا دُونَهَا ، مِثْلَ أَنْ يَقْطَعَ إصْبَعًا فَتَسْرِيَ إلَى كَفِّهِ .","part":18,"page":465},{"id":8965,"text":"( 6723 ) فَصْلٌ : وَسِرَايَةُ الْجِنَايَةِ مَضْمُونَةٌ بِلَا خِلَافٍ ؛ لِأَنَّهَا أَثَرُ الْجِنَايَةِ ، وَالْجِنَايَةُ مَضْمُونَةٌ ، فَكَذَلِكَ أَثَرُهَا .\rثُمَّ إنْ سَرَتْ إلَى النَّفْسِ ، وَمَا لَا يُمْكِنُ مُبَاشَرَتُهُ بِالْإِتْلَافِ ، مِثْلَ أَنْ يُهَشِّمَهُ فِي رَأْسِهِ فَيَذْهَبَ ضَوْءُ عَيْنَيْهِ ، وَجَبَ الْقِصَاصُ فِيهِ ، وَلَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ فِي النَّفْسِ ، وَفِي ضَوْءِ الْعَيْنِ خِلَافٌ قَدْ ذَكَرْنَاهُ فِيمَا تَقَدَّمَ وَإِنْ سَرَتْ إلَى مَا يُمْكِنُ مُبَاشَرَتُهُ بِالْإِتْلَافِ ، مِثْلَ إنْ قَطَعَ إصْبَعًا ، فَتَآكَلَتْ أُخْرَى وَسَقَطَتْ مِنْ مَفْصِلٍ ، فَفِيهِ الْقِصَاصُ أَيْضًا ، فِي قَوْلِ إمَامِنَا وَأَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ وَقَالَ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ : لَا قِصَاصَ فِي الثَّانِيَةِ ، وَتَجِبُ دِيَتُهَا ؛ لِأَنَّ مَا أَمْكَنَ مُبَاشَرَتُهُ بِالْجِنَايَةِ لَا يَجِبُ الْقَوَدُ فِيهِ بِالسِّرَايَةِ ، كَمَا لَوْ رَمَى سَهْمًا فَمَرَقَ مِنْهُ إلَى آخَرَ .\rوَلَنَا ، أَنَّ مَا وَجَبَ فِيهِ الْقَوَدُ بِالْجِنَايَةِ وَجَبَ بِالسِّرَايَةِ ، كَالنَّفْسِ وَضَوْءِ الْعَيْنِ ، وَلِأَنَّهُ أَحَدُ نَوْعَيْ الْقِصَاصِ ، فَأَشْبَهَ مَا ذَكَرْنَا ، وَفَارَقَ مَا ذَكَرُوهُ ، فَإِنَّ ذَلِكَ فِعْلٌ وَلَيْسَ بِسِرَايَةٍ ، وَلِأَنَّهُ لَوْ قَصَدَ ضَرْبَ رَجُلٍ فَأَصَابَ آخَرَ ، لَمْ يَجِبْ الْقِصَاصُ ، وَلَوْ قَصَدَ قَطْعَ إبْهَامِهِ فَقَطَعَ سَبَّابَتَهُ وَجَبَ الْقِصَاصُ ، وَلَوْ ضَرَبَ إبْهَامَهُ فَمَرَقَ إلَى سَبَّابَتِهِ ، وَجَبَ الْقِصَاصُ فِيهِمَا ، فَافْتَرَقَا ؛ وَلِأَنَّ الثَّانِيَةَ تَلِفَتْ بِفِعْلٍ أَوْجَبَ الْقِصَاصَ ، فَوَجَبَ الْقِصَاصُ فِيهَا ، كَمَا لَوْ رَمَى إحْدَاهُمَا فَمَرَقَ إلَى الْأُخْرَى .\rفَأَمَّا إنْ قَطَعَ إصْبَعًا ، فَشُلَّتْ إلَى جَانِبِهَا أُخْرَى ، وَجَبَ الْقِصَاصُ فِي الْمَقْطُوعَةِ وَحَسْبُ وَالْأَرْشُ فِي الشَّلَّاءِ ، وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا قِصَاصَ فِيهِمَا وَيَجِبُ أَرْشُهُمَا جَمِيعًا ، لِأَنَّ حُكْمَ السِّرَايَةِ لَا يَنْفَرِدُ عَنْ الْجِنَايَةِ ، بِدَلِيلِ مَا لَوْ سَرَتْ إلَى النَّفْسِ ، فَإِذَا لَمْ يَجِبْ الْقِصَاصُ فِي إحْدَاهُمَا ، لَمْ يَجِبْ فِي","part":18,"page":466},{"id":8966,"text":"الْأُخْرَى ، وَلَنَا أَنَّهَا جِنَايَةٌ مُوجِبَةٌ لِلْقِصَاصِ لَوْ لَمْ تَسْرِ ، فَأَوْجَبَتْهُ إذَا سَرَتْ ، كَاَلَّتِي تَسْرِي إلَى سُقُوطِ أُخْرَى ، وَكَمَا لَوْ قَطَعَ يَدَ حُبْلَى فَسَرَى إلَى جَنِينِهَا .\rوَبِهَذَا يَبْطُلُ مَا ذَكَرَهُ .\rوَفَارَقَ الْأَصْلَ ؛ لِأَنَّ السِّرَايَةَ مُقْتَضِيَةٌ لِلْقِصَاصِ ، كَاقْتِضَاءِ الْفِعْلِ لَهُ ، فَاسْتَوَى حُكْمُهُمَا ، وَهَا هُنَا بِخِلَافِهِ ، وَلِأَنَّ مَا ذَكَرَهُ غَيْرُ صَحِيحٍ ؛ فَإِنَّ الْقَطْعَ إذَا سَرَى إلَى النَّفْسِ ، سَقَطَ الْقِصَاصُ فِي الْقَطْعِ ، وَوَجَبَ فِي النَّفْسِ ، فَخَالَفَ حُكْمُ الْجِنَايَةِ حُكْمَ السِّرَايَةِ ، فَسَقَطَ مَا قَالَهُ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّ الْأَرْشَ يَجِبُ فِي مَالِهِ ، وَلَا تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ ، لِأَنَّهُ جِنَايَةُ عَمْدٍ ، وَإِنَّمَا لَمْ يَجِبْ الْقِصَاصُ فِيهِ لِعَدَمِ الْمُمَاثَلَةِ فِي الْقَطْعِ وَالشَّلَلِ ، فَإِذَا قَطَعَ إصْبَعَهُ فَشُلَّتْ أَصَابِعُهُ الْبَاقِيَةُ وَكَفُّهُ ، فَعَفَا عَنْ الْقِصَاصِ ، وَجَبَ لَهُ نِصْفُ الدِّيَةِ ، وَإِنْ اقْتَصَّ مِنْ الْإِصْبَعِ ، فَلَهُ فِي الْأَصَابِعِ الْبَاقِيَةِ أَرْبَعُونَ مِنْ الْإِبِلِ ، وَيَتْبَعُهَا مَا حَاذَاهَا مِنْ الْكَفِّ ، وَهُوَ أَرْبَعَةُ أَخْمَاسِهِ ، فَيَدْخُلُ أَرْشُهُ فِيهَا ، وَيَبْقَى خُمْسُ الْكَفِّ فِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا يَتْبَعُهَا فِي الْأَرْشِ ، وَلَا شَيْءَ فِيهِ .\rوَالثَّانِي ، فِيهِ الْحُكُومَةُ ؛ لِأَنَّ مَا يُقَابِلُ الْأَرْبَعَ تَبِعَهَا فِي الْأَرْشِ ، لِاسْتِوَائِهِمَا فِي الْحُكْمِ ، وَحُكْمُ الَّتِي اقْتَصَّ مِنْهَا مُخَالِفٌ لِحُكْمِ الْأَرْشِ ، فَلَمْ يَتْبَعْهَا .","part":18,"page":467},{"id":8967,"text":"( 6724 ) فَصْلٌ : وَلَا يَجُوزُ الْقِصَاصُ فِي الطَّرَفِ إلَّا بَعْدَ انْدِمَالِ الْجُرْحِ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، مِنْهُمْ ؛ النَّخَعِيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٌ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَطَاءٍ ، وَالْحَسَنِ .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَرَى الِانْتِظَارَ بِالْجُرْحِ حَتَّى يَبْرَأَ .\rوَيَتَخَرَّجُ لَنَا ، أَنَّهُ يَجُوزُ الِاقْتِصَاصُ قَبْلَ الْبُرْءِ ، بِنَاءً عَلَى قَوْلِنَا : إنَّهُ إذَا سَرَى إلَى النَّفْسِ ، يَفْعَلُ كَمَا فَعَلَ ، وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، قَالَ : وَلَوْ سَأَلَ الْقَوَدَ سَاعَةَ قُطِعَتْ إصْبَعُهُ ، أَقَدْتُهُ ، لِمَا رَوَى جَابِرٌ ، { أَنَّ رَجُلًا طَعَنَ رَجُلًا بِقَرْنٍ فِي رُكْبَتِهِ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَقِدْنِي .\rقَالَ : حَتَّى تَبْرَأَ .\rفَأَبَى ، وَعَجَّلَ ، فَاسْتَقَادَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَيِيَتْ رِجْلُ الْمُسْتَقِيدِ ، وَبَرَأَتْ رِجْلُ الْمُسْتَقَادِ مِنْهُ .\rفَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَيْسَ لَك شَيْءٌ عَجَّلَتْ } رَوَاهُ سَعِيدٌ مُرْسَلًا .\rوَلِأَنَّ الْقِصَاصَ مِنْ الطَّرَفِ لَا يَسْقُطُ بِالسِّرَايَةِ ، فَوَجَبَ أَنْ يَمْلِكَهُ فِي الْحَالِ ، كَمَا لَوْ بَرَأَ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى جَابِرٌ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : نَهَى أَنْ يُسْتَقَادَ مِنْ الْجُرُوحِ حَتَّى يَبْرَأَ الْمَجْرُوحُ .\r} وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rوَلِأَنَّ الْجُرْحَ لَا يُدْرَى أَقَتْلٌ هُوَ أَمْ لَيْسَ بِقَتْلٍ ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُنْتَظَرَ لِيُعْلَمَ مَا حُكْمُهُ ؟ فَأَمَّا حَدِيثُهُمْ ، فَقَدْ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ ، وَفِي سِيَاقِهِ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، عَرَجْت .\rفَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : \" قَدْ نَهَيْتُك فَعَصَيْتنِي ، فَأَبْعَدَك اللَّهُ ، وَبَطَلَ عَرَجُك \" .\rثُمَّ نَهَى أَنْ يُقْتَصَّ مِنْ جُرْحٍ حَتَّى يَبْرَأَ صَاحِبُهُ .\rوَهَذِهِ زِيَادَةٌ يَجِبُ قَبُولُهَا ،","part":18,"page":468},{"id":8968,"text":"وَهِيَ مُتَأَخِّرَةٌ عَنْ الِاقْتِصَاصِ ، فَتَكُونُ نَاسِخَةً لَهُ .\rوَفِي نَفْسِ الْحَدِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ اسْتِقَادَتَهُ قَبْلَ الْبُرْءِ مَعْصِيَةٌ ؛ لِقَوْلِهِ : \" قَدْ نَهَيْتُك فَعَصَيْتنِي \" .\rوَمَا ذَكَرُوهُ مَمْنُوعٌ ، وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى الْخِلَافِ .","part":18,"page":469},{"id":8969,"text":"( 6725 ) فَصْلٌ : فَإِنْ اقْتَصَّ قَبْلَ الِانْدِمَالِ ، هُدِرَتْ سِرَايَةُ الْجِنَايَةِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ : بَلْ هِيَ مَضْمُونَةٌ ؛ لِأَنَّهَا سِرَايَةُ جِنَايَةٍ ، فَكَانَتْ مَضْمُونَةً ، كَمَا لَوْ لَمْ يُقْتَصَّ .\rوَلَنَا ، الْخَبَرُ الْمَذْكُورُ ، وَلِأَنَّهُ اسْتَعْجَلَ مَا لَمْ يَكُنْ لَهُ اسْتِعْجَالُهُ ، فَبَطَلَ حَقُّهُ ، كَقَاتِلِ مَوْرُوثِهِ ، وَبِهَذَا فَارَقَ مَنْ لَمْ يَقْتَصَّ .\rفَعَلَى هَذَا ، لَوْ سَرَى الْقَطْعَانِ جَمِيعًا ، فَمَاتَ الْجَانِي وَالْمُسْتَوْفِي ، فَهُمَا هَدْرٌ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَجِبُ ضَمَانُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ، لِأَنَّ سِرَايَةَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَضْمُونَةٌ ، ثُمَّ يَتَقَاصَّانِ فَيَسْقُطَانِ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : إنَّ مَاتَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ أَوَّلًا ، ثُمَّ مَاتَ الْجَانِي ، كَانَ قِصَاصًا ؛ لِأَنَّهُ مَاتَ مِنْ سِرَايَةِ الْقَطْعِ ، فَقَدْ مَاتَ بِفِعْلِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ ، وَإِنْ مَاتَ الْجَانِي ، فَكَذَلِكَ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ ، وَفِي الْآخَرِ ، يَكُونُ مَوْتُ الْجَانِي هَدْرًا ، وَلِوَلِيِّ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ نِصْفُ الدِّيَةِ .\rفَأَمَّا إنْ سَرَى أَحَدُ الْقَطْعَيْنِ دُونَ صَاحِبِهِ ، فَعِنْدَنَا هُوَ هَدْرٌ ، لَا ضَمَانَ فِيهِ .\rوَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ، يَجِبُ ضَمَانُ سِرَايَتِهِ .\rوَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ ، إنْ سَرَتْ الْجِنَايَةُ فَهِيَ مَضْمُونَةٌ ، وَإِنْ سَرَى الِاسْتِيفَاءُ ، لَمْ يَجِبْ ضَمَانُهُ .\rوَمَبْنَى ذَلِكَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْخِلَافِ .","part":18,"page":470},{"id":8970,"text":"( 6726 ) فَصْلٌ : وَإِنْ انْدَمَلَ جُرْحُ الْجِنَايَةِ ، فَاقْتُصَّ مِنْهُ ، ثُمَّ انْتَقَضَ فَسَرَى ، فَسِرَايَتُهُ مَضْمُونَةٌ ، وَسِرَايَةُ الِاسْتِيفَاءِ غَيْرُ مَضْمُونَةٍ ؛ لِأَنَّهُ اقْتَصَّ بَعْدَ جَوَازِ الِاقْتِصَاصِ .\rفَعَلَى هَذَا ، لَوْ قَطَعَ يَدَ رَجُلٍ ، فَبَرَأَ ، فَاقْتُصَّ ، ثُمَّ انْتَقَضَ جُرْحُ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ ، فَمَاتَ ، فَلِوَلِيِّهِ قَتْلُ الْجَانِي ، لِأَنَّهُ مَاتَ مِنْ جِنَايَتِهِ ، وَإِنْ عَفَا إلَى الدِّيَةِ ، فَلَا شَيْءَ لَهُ ، لِأَنَّهُ اسْتَوْفَى بِالْقَطْعِ مَا قِيمَتُهُ دِيَةٌ ، وَهُوَ يَدَاهُ ، وَإِنْ سَرَى الِاسْتِيفَاءُ ، لَمْ يَجِبْ أَيْضًا شَيْءٌ ؛ لِأَنَّ الْقِصَاصَ قَدْ سَقَطَ بِمَوْتِهِ ، وَالدِّيَةُ لَا يُمْكِنُ إيجَابُهَا ؛ لِمَا ذَكَرْنَا .\rوَإِنْ كَانَ الْمَقْطُوعُ بِالْجِنَايَةِ يَدًا ، فَوَلِيُّهُ بِالْخِيَارِ بَيْنَ الْقِصَاصِ فِي النَّفْسِ وَبَيْنَ الْعَفْوِ إلَى نِصْفِ الدِّيَةِ ، وَمَتَى سَقَطَ الْقِصَاصُ بِمَوْتِ الْجَانِي أَوْ غَيْرِهِ ، وَجَبَ نِصْفُ الدِّيَةِ فِي تَرِكَةِ الْجَانِي ، أَوْ مَالِهِ إنْ كَانَ حَيًّا .","part":18,"page":471},{"id":8971,"text":"( 6727 ) فَصْلٌ : وَلَوْ قَطَعَ كِتَابِيٌّ يَدَ مُسْلِمٍ ، فَبَرَأَ أَوْ اقْتَصَّ ، ثُمَّ انْتَقَضَ جُرْحُ الْمُسْلِمِ فَمَاتَ ، فَلِوَلِيِّهِ قَتْلُ الْكِتَابِيِّ ، وَالْعَفْوُ إلَى أَرْشِ الْجُرْحِ ، وَفِي قَدْرِهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا : نِصْفُ الدِّيَةِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ اسْتَوْفَى بَدَلَ يَدِهِ بِالْقِصَاصِ ، وَبَدَلُهَا نِصْفُ دِيَتِهِ ، فَبَقِيَ لَهُ نِصْفُهَا ، كَمَا لَوْ كَانَ الْقَاطِعُ مُسْلِمًا .\rوَالثَّانِي ، لَهُ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهَا ؛ لِأَنَّ يَدَ الْيَهُودِيِّ تَعْدِلُ نِصْفَ دِيَتِهِ ، وَذَلِكَ رُبْعُ دِيَةِ الْمُسْلِمِ ، فَقَدْ اسْتَوْفَى رُبْعَ دِيَتِهِ ، وَبَقِيَ لَهُ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهَا .\rوَإِنْ كَانَ قَطَعَ يَدَيْ الْمُسْلِمِ ، فَاقْتَصَّ مِنْهُ ، ثُمَّ مَاتَ الْمُسْلِمُ ، فَعَفَا وَلِيُّهُ إلَى مَالٍ ، انْبَنَى عَلَى الْوَجْهَيْنِ ؛ إنَّ قُلْنَا : تُعْتَبَرُ قِيمَةُ الْيَهُودِيِّ .\rفَلَهُ هَاهُنَا نِصْفُ الدِّيَةِ ، وَإِنْ قُلْنَا : الِاعْتِبَارُ بِقِيمَةِ يَدِ الْمُسْلِمِ .\rفَلَا شَيْءَ لَهُ هَاهُنَا ؛ لِأَنَّهُ قَدْ اسْتَوْفَى بَدَلَ يَدَيْهِ ، وَهُمَا جَمِيعُ دِيَتِهِ .\rوَلَوْ كَانَ الْقَطْعُ فِي يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ ، فَعَفَا إلَى الدِّيَةِ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ ، وَجْهًا وَاحِدًا ؛ لِأَنَّ دِيَةَ ذَلِكَ دِيَةُ مُسْلِمٍ .\rوَلَوْ كَانَ الْجَانِي امْرَأَةً عَلَى رَجُلٍ ، فَالْحُكْمُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا سَوَاءٌ ؛ لِأَنَّ دِيَتَهَا نِصْفُ دِيَةِ الرَّجُلِ .","part":18,"page":472},{"id":8972,"text":"( 6728 ) فَصْلٌ : إذَا قَطَعَ يَدَ رَجُلٍ مِنْ الْكُوعِ ، ثُمَّ قَطَعَهَا آخَرُ مِنْ الْمَرْفِقِ ، فَمَاتَ بِسِرَايَتِهِمَا ، فَلِوَلِيِّهِ قَتْلُ الْقَاطِعَيْنِ ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَقْطَعَ طَرَفَيْهِمَا ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ ، وَفِي الْآخَرِ ، لَهُ قَطْعُ يَدِ الْقَاطِعِ مِنْ الْكُوعِ .\rفَإِنْ قَطَعَهَا ، ثُمَّ عَفَا عَنْهُ ، فَلَهُ نِصْفُ الدِّيَةِ ، وَأَمَّا الْآخَرُ ، فَإِنْ كَانَتْ يَدُهُ مَقْطُوعَةً مِنْ الْكُوعِ ، فَقَطَعَهَا مِنْ الْمَرْفِقِ ، ثُمَّ عَفَا ، فَلَهُ دِيَةٌ ، إلَّا قَدْرَ الْحُكُومَةِ فِي الذِّرَاعِ .\rوَلَوْ كَانَتْ يَدُ الْقَاطِعِ مِنْ الْمَرْفِقِ صَحِيحَةً ، لَمْ يَجُزْ قَطْعُهَا ، رِوَايَةً وَاحِدَةً ؛ لِأَنَّهُ يَأْخُذُ صَحِيحَةً بِمَقْطُوعَةٍ .\rوَإِنْ قَطَعَ أَيْدِيَهُمَا ، وَهُمَا صَحِيحَتَانِ ، أَوْ قَطَعَ رَجُلَانِ يَدَيْهِ ، فَقَطَعَ يَدَيْهِمَا ، ثُمَّ سَرَتْ الْجِنَايَةُ ، فَمَاتَ مِنْ قَطْعِهِمَا ، فَلَيْسَ لِوَلِيِّهِ الْعَفْوُ عَلَى الدِّيَةِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ اسْتَوْفَى مَا قِيمَتُهُ دِيَةٌ .\rوَإِنْ اخْتَارَ قَتْلَهُمَا ، فَلَهُ ذَلِكَ .","part":18,"page":473},{"id":8973,"text":"( 6729 ) فَصْلٌ : وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقْتَصَّ مِنْ حَامِلٍ قَبْلَ وَضْعِهَا ، سَوَاءٌ كَانَتْ حَامِلًا وَقْتَ الْجِنَايَة ، أَوْ حَمَلَتْ بَعْدَهَا قَبْلَ الِاسْتِيفَاءِ ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْقِصَاصُ فِي النَّفْسِ أَوْ فِي الطَّرَفِ ؛ أَمَّا فِي النَّفْسِ فَلِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ } .\rوَقَتْلُ الْحَامِلِ قَتْلٌ لِغَيْرِ الْقَاتِلِ ، فَيَكُونُ إسْرَافًا .\rوَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غُنْمٍ ، قَالَ : ثنا مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ ، وَعُبَادَةَ بْنُ الصَّامِتِ ، وَشَدَّادُ بْنُ أَوْسٍ ، قَالُوا : إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { : إذَا قَتَلَتْ الْمَرْأَةُ عَمْدًا ، لَمْ تُقْتَلْ حَتَّى تَضَعَ مَا فِي بَطْنِهَا إنْ كَانَتْ حَامِلًا ، وَحَتَّى تَكْفُلَ وَلَدَهَا ، وَإِنْ زَنَتْ ، لَمْ تُرْجَمْ حَتَّى تَضَعَ مَا فِي بَطْنِهَا ، وَحَتَّى تَكْفُلَ وَلَدَهَا } وَهَذَا نَصٌّ ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِلْغَامِدِيَّةِ الْمُقِرَّةِ بِالزِّنَى { : ارْجِعِي حَتَّى تَضَعِي مَا فِي بَطْنِك .\rثُمَّ قَالَ لَهَا : ارْجِعِي حَتَّى تُرْضِعِيهِ } .\rوَلِأَنَّ هَذَا إجْمَاعٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ لَا نَعْلَمُ بَيْنَهُمْ فِيهِ اخْتِلَافًا .\rوَأَمَّا الْقِصَاصُ فِي الطَّرَفِ ، فَلِأَنَّنَا مَنَعْنَا الِاسْتِيفَاءَ فِيهِ خَشْيَةَ السِّرَايَةِ إلَى الْجَانِي ، أَوْ إلَى زِيَادَةٍ فِي حَقِّهِ ، فَلَأَنْ تُمْنَعَ مِنْهُ خَشْيَةَ السِّرَايَةِ إلَى غَيْرِ الْجَانِي ، وَتَفْوِيتِ نَفْسٍ مَعْصُومَةٍ ، أَوْلَى وَأَحْرَى ، وَلِأَنَّ فِي الْقِصَاصِ مِنْهَا قَتْلًا لِغَيْرِ الْجَانِي ، وَهُوَ حَرَامٌ .\rوَإِذَا وَضَعَتْ ، لَمْ تُقْتَلْ حَتَّى تَسْقِيَ الْوَلَدَ اللِّبَأَ ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ لَا يَعِيشُ إلَّا بِهِ فِي الْغَالِبِ ، ثُمَّ إنْ لَمْ يَكُنْ لِلْوَلَدِ مَنْ يُرْضِعُهُ ، لَمْ يَجُزْ قَتْلُهَا حَتَّى يَجِيءَ أَوَانُ فِطَامِهِ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْخَبَرَيْنِ ، وَلِأَنَّهُ لَمَّا أُخِّرَ الِاسْتِيفَاءُ لَحِفْظِهِ وَهُوَ حَمْلٌ ، فَلَأَنْ يُؤَخَّرَ لِحِفْظِهِ بَعْدَ وَضْعِهِ أَوْلَى ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْقِصَاصُ فِيمَا","part":18,"page":474},{"id":8974,"text":"دُونَ النَّفْسِ ، وَيَكُونَ الْغَالِبُ بَقَاءَهَا ، وَعَدَمَ ضَرَرِهِ بِالِاسْتِيفَاءِ مِنْهَا ، فَيُسْتَوْفَى .\rوَإِنْ وُجِدَ لَهُ مُرْضِعَةٌ رَاتِبَةٌ ، جَازَ قَتْلُهَا ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَغْنِي بِلَبَنِهَا ، وَإِنْ كَانَتْ مُتَرَدِّدَةً ، أَوْ جَمَاعَةً يَتَنَاوَبْنَهُ ، أَوْ أَمْكَنَ أَنْ يُسْقَى مِنْ لَبَنِ شَاةٍ أَوْ نَحْوِهَا ، جَازَ قَتْلُهَا .\rوَيُسْتَحَبُّ لِلْوَلِيِّ تَأْخِيرُهَا ؛ لِمَا عَلَى الْوَلَدِ ، مِنْ الضَّرَرِ ، لِاخْتِلَافِ اللَّبَنِ عَلَيْهِ ، وَشُرْبِ لَبَنِ الْبَهِيمَةِ ( 6730 ) فَصْلٌ : وَإِذَا ادَّعَتْ الْحَمْلَ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا : تُحْبَسُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ حَمْلُهَا ؛ لِأَنَّ لِلْحَمْلِ أَمَارَاتٌ خَفِيَّةً ، تَعْلَمُهَا مِنْ نَفْسِهَا ، وَلَا يَعْلَمُهَا غَيْرُهَا ، فَوَجَبَ أَنْ يُحْتَاطَ لِلْحَمْلِ ، حَتَّى يَتَبَيَّنَ انْتِفَاءُ مَا ادَّعَتْهُ ، وَلِأَنَّهُ أَمْرٌ يَخْتَصُّهَا ، فَقُبِلَ قَوْلُهَا فِيهِ ، كَالْحَيْضِ .\rوَالثَّانِي ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي ، أَنَّهَا تُرَى أَهْلَ الْخِبْرَةِ ، فَإِنْ شَهِدْنَ بِحَمْلِهَا أُخِّرَتْ ، وَإِنْ شَهِدْنَ بِبَرَاءَتِهَا لَمْ تُؤَخَّرْ ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ حَالٌ عَلَيْهَا ، فَلَا يُؤَخَّرُ بِمُجَرَّدِ دَعْوَاهَا .","part":18,"page":475},{"id":8975,"text":"( 6731 ) فَصْلٌ : وَإِنْ اقْتَصَّ مِنْ حَامِلٍ فَقَدْ أَخْطَأَ ، وَأَخْطَأَ السُّلْطَانُ الَّذِي مَكَّنَهُ مِنْ الِاسْتِيفَاءِ ، وَعَلَيْهِمَا الْإِثْمُ إنْ كَانَا عَالِمَيْنِ ، أَوْ كَانَ مِنْهُمَا تَفْرِيطٌ ، وَإِنْ عَلِمَ أَحَدُهُمَا أَوْ فَرَّطَ ، فَالْإِثْمُ عَلَيْهِ ، ثُمَّ نَنْظُرُ ؛ فَإِنْ لَمْ تُلْقِ الْوَلَدَ ، فَلَا ضَمَانَ فِيهِ ؛ لِأَنَّا لَمْ نَتَحَقَّقْ وُجُودَهُ وَحَيَاتَهُ ، وَإِنْ انْفَصَلَ مَيِّتًا أَوْ حَيًّا لَوَقْتٍ لَا يَعِيشُ فِي مِثْلِهِ ، فَفِيهِ غُرَّةٌ ، وَإِنْ انْفَصَلَ حَيًّا لَوَقْتٍ يَعِيشُ مِثْلُهُ ، ثُمَّ مَاتَ مِنْ الْجِنَايَةِ ، وَجَبَتْ فِيهِ دِيَةٌ .\rوَعَلَى مَنْ يَجِبُ ضَمَانُهُ ؟ نَنْظُرُ ؛ فَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ وَالْوَلِيُّ عَالِمَيْنِ بِالْحَمْلِ وَتَحْرِيمِ الِاسْتِيفَاءِ ، أَوْ جَاهِلَيْنِ بِالْأَمْرَيْنِ ، أَوْ بِأَحَدِهِمَا ، أَوْ كَانَ الْوَلِيُّ عَالِمًا بِذَلِكَ دُونَ الْمُمَكَّنِ لَهُ مِنْ الِاسْتِيفَاءِ ، فَالضَّمَانُ عَلَيْهِ وَحْدَهُ ؛ لِأَنَّهُ مُبَاشِرٌ ، وَالْحَاكِمُ الْمُمَكِّنُ لَهُ صَاحِبُ سَبَبٍ ، وَمَتَى اجْتَمَعَ الْمُبَاشِرُ مَعَ الْمُتَسَبِّبِ ، كَانَ الضَّمَانُ عَلَى الْمُبَاشِرِ دُونَ الْمُتَسَبِّبِ ، كَالْحَافِرِ مَعَ الدَّافِعِ ، وَإِنْ عَلِمَ الْحَاكِمُ دُونَ الْوَلِيِّ ، فَالضَّمَانُ عَلَى الْحَاكِمِ وَحْدَهُ ؛ لِأَنَّ الْمُبَاشِرَ مَعْذُورٌ ، فَكَانَ الضَّمَانُ عَلَى الْمُتَسَبِّبِ ، كَالسَّيِّدِ إذَا أَمَرَ عَبْدَهُ بِالْقَتْلِ ، وَالْعَبْدُ أَعْجَمِيٌّ لَا يَعْرِفُ تَحْرِيمَ الْقَتْلِ ، وَكَشُهُودِ الْقِصَاصِ إذَا رَجَعُوا عَنْ الشَّهَادَةِ بَعْدَ الِاسْتِيفَاءِ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : إنْ كَانَ أَحَدُهُمَا عَالِمًا وَحْدَهُ ، فَالضَّمَانُ عَلَيْهِ وَحْدَهُ ، وَإِنْ كَانَا عَالِمَيْنِ ، فَالضَّمَانُ عَلَى الْحَاكِمِ ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي يَعْرِفُ الْأَحْكَامَ ، وَالْوَلِيُّ إنَّمَا يَرْجِعُ إلَى حُكْمِهِ وَاجْتِهَادِهِ ، وَإِنْ كَانَا جَاهِلَيْنِ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا : الضَّمَانُ عَلَى الْإِمَامِ ، كَمَا لَوْ كَانَا عَالِمَيْنِ .\rوَالثَّانِي ، عَلَى الْوَلِيِّ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : الضَّمَانُ عَلَى الْحَاكِمِ ، وَلَمْ يُفَرِّقْ .\rوَقَالَ","part":18,"page":476},{"id":8976,"text":"الْمُزَنِيّ : الضَّمَانُ عَلَى الْوَلِيِّ فِي كُلِّ حَالٍ ؛ لِأَنَّهُ الْمُبَاشِرُ ، وَالسَّبَبُ ، غَيْرُ مُلْجِئٍ ، فَكَانَ الضَّمَانُ عَلَيْهِ ، كَالْحَافِرِ مَعَ الدَّافِعِ ، وَكَمَا لَوْ أَمَرَ مِنْ يَعْلَمُ تَحْرِيمَ الْقَتْلِ بِهِ فَقَتَلَ .\rوَقَدْ ذَكَرْنَا مَا يَقْتَضِي التَّفْرِيقَ .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":18,"page":477},{"id":8977,"text":"( 6732 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَإِذَا كَانَ الْقَاطِعُ سَالِمَ الطَّرَفِ ، وَالْمَقْطُوعَةُ شَلَّاءُ ، فَلَا قَوَدَ ) لَا نَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ قَالَ بِوُجُوبِ قَطْعِ يَدٍ أَوْ رِجْلٍ أَوْ لِسَانٍ صَحِيحٍ بِأَشَلَّ ، إلَّا مَا حُكِيَ عَنْ دَاوُد ، أَنَّهُ أَوْجَبَ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُسَمًّى بِاسْمِ صَاحِبِهِ ، فَيُؤْخَذُ بِهِ كَالْأُذُنَيْنِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الشَّلَّاءَ لَا نَفْعَ فِيهَا سِوَى الْجَمَالِ ، فَلَا يُؤْخَذُ بِهَا مَا فِيهِ نَفْعُ ، كَالصَّحِيحَةِ لَا تُؤْخَذُ بِالْقَائِمَةِ ، وَمَا ذُكِرَ لَهُ قِيَاسٌ ، وَهُوَ لَا يَقُولُ بِالْقِيَاسِ ، وَإِذَا لَمْ يُوجِبْ الْقِصَاصَ فِي الْعَيْنَيْنِ مَعَ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ } .\rلِأَجْلِ تَفَاوُتِهِمَا فِي الصِّحَّةِ وَالْعَمَى ، فَلَأَنْ لَا يَجِبَ ذَلِكَ فِيمَا لَا نَصَّ فِيهِ أَوْلَى .","part":18,"page":478},{"id":8978,"text":"( 6733 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَطَعَ أُذُنًا شَلَّاءَ ، أَوْ أَنْفًا أَشَلَّ ، فَهَلْ يُؤْخَذُ بِهِ الصَّحِيحُ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا ، لَا يُؤْخَذُ بِهِ ، كَسَائِرِ الْأَعْضَاءِ .\rوَالثَّانِي ، يُؤْخَذُ بِهِ ؛ لِأَنَّ نَفْعَهُ لَا يَذْهَبُ بِشَلَلِهِ ، فَإِنَّ نَفْعَ الْأُذُنِ جَمْعُ الصَّوْتِ ، وَرَدُّ الْهَوَامِّ ، وَسَتْرُ مَوْضِعِ السَّمْعِ ، وَنَفْعَ الْأَنْفِ جَمْعُ الرِّيحِ ، وَرَدُّ الْهَوَاءِ أَوْ الْهَوَامِّ ، فَقَدْ سَاوَى الصَّحِيحَ فِي الْجَمَالِ وَالنَّفْعِ ، فَوَجَبَ أَخْذُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْآخَرِ ، كَالصَّحِيحِ بِالصَّحِيحِ ، بِخِلَافِ الْيَدِ وَالرِّجْلِ ، وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ كَالْوَجْهَيْنِ .","part":18,"page":479},{"id":8979,"text":"( 6734 ) فَصْلٌ : وَلَا تُؤْخَذُ يَدٌ كَامِلَةُ الْأَصَابِعِ بِنَاقِصَةِ الْأَصَابِعِ ، فَلَوْ قَطَعَ مَنْ لَهُ خَمْسُ أَصَابِعَ يَدَ مَنْ لَهُ أَرْبَعٌ أَوْ ثَلَاثٌ ، أَوْ قَطَعَ مَنْ لَهُ أَرْبَعُ أَصَابِعَ يَدَ مَنْ لَهُ ثَلَاثٌ ، لَمْ يَجِبْ الْقِصَاصُ ؛ لِأَنَّهَا فَوْقَ حَقِّهِ .\rوَهَلْ لَهُ أَنْ يَقْطَعَ مِنْ أَصَابِعِ الْجَانِي بِعَدَدِ أَصَابِعِهِ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ ، ذَكَرْنَاهُمَا فِيمَا إذَا قَطَعَ مِنْ نِصْفِ الْكَفِّ .\rوَإِنْ قَطَعَ ذُو الْيَدِ الْكَامِلَةِ يَدًا فِيهَا إصْبَعٌ شَلَّاءُ وَبَاقِيهَا صِحَاحٌ ، لَمْ يَجُزْ أَخْذُ الصَّحِيحَةِ بِهَا ؛ لِأَنَّهُ أَخْذُ كَامِلٍ بِنَاقِصِ ، وَفِي الِاقْتِصَاصِ مِنْ الْأَصَابِعِ الصِّحَاحِ وَجْهَانِ ، فَإِنْ قُلْنَا : لَهُ أَنْ يَقْتَصَّ .\rفَلَهُ الْحُكُومَةُ فِي الشَّلَّاءِ ، وَأَرْشُ مَا تَحْتَهَا مِنْ الْكَفِّ .\rوَهَلْ يَدْخُلُ مَا تَحْتَ الْأَصَابِعِ الصِّحَاحِ فِي قِصَاصِهَا ، أَوْ تَجِبُ فِيهِ حُكُومَةٌ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ .","part":18,"page":480},{"id":8980,"text":"( 6735 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَطَعَ الْيَدَ الْكَامِلَةَ ذُو يَدٍ فِيهَا إصْبَعٌ زَائِدٌ ، وَجَبَ الْقِصَاصُ فِيهَا .\rذَكَرَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ حَامِدٍ لِأَنَّ الزَّائِدَةَ عَيْبٌ وَنَقْصٌ فِي الْمَعْنَى ، يُرَدُّ بِهَا الْمَبِيعُ ، فَلَمْ يَمْنَعْ وُجُودُهَا الْقِصَاصَ مِنْهَا ، كَالسِّلْعَةِ فِيهَا وَالْخُرَاجِ .\rوَاخْتَارَ الْقَاضِي أَنَّهَا لَا تُقْطَعُ بِهَا .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهَا زِيَادَةٌ .\rفَعَلَى هَذَا ، إنْ كَانَ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ أَيْضًا إصْبَعٌ زَائِدَةٌ فِي مَحَلِّ الزَّائِدَةِ مِنْ الْجَانِي ، وَجَبَ الْقِصَاصُ ؛ لِاسْتِوَائِهِمَا ، وَإِنْ كَانَتْ فِي غَيْرِ مَحَلِّهَا ، أَوْ لَمْ يَكُنْ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ إصْبَعٌ زَائِدَةٌ ، لَمْ تُؤْخَذْ يَدُ الْجَانِي .\rوَهَلْ يَمْلِكُ قَطْعَ الْإِصْبَعِ ؟ نَنْظُرُ ؛ فَإِنْ كَانَتْ الزَّائِدَةُ مُلْصَقَةً بِأَحَدِ الْأَصَابِعِ ، فَلَيْسَ لَهُ قَطْعُ تِلْكَ الْأَصَابِعِ ، لِأَنَّ فِي قَطْعِهَا إضْرَارًا بِالزَّائِدَةِ .\rوَهَلْ لَهُ قَطْعُ الْأَصَابِعِ الْأَرْبَعِ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ .\rوَإِنْ لَمْ تَكُنْ مُلْصَقَةً بِوَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ ، فَهَلْ لَهُ قَطْعُ الْخَمْسِ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ .\rوَإِنْ كَانَتْ الزَّائِدَةُ ثَابِتَةً فِي إصْبَعٍ فِي أُنْمُلَتِهَا الْعُلْيَا ، لَمْ يَجُزْ قَطْعُهَا ، وَإِنْ كَانَتْ نَابِتَةً فِي السُّفْلَى أَوْ الْوُسْطَى ، فَلَهُ قَطْعُ مَا فَوْقَهَا مِنْ الْأَنَامِلِ ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ .\rوَيَأْخُذُ أَرْشَ الْأُنْمُلَةِ الَّتِي تَعَذَّرَ قَطْعُهَا ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ ، وَيَتْبَعُ ذَلِكَ خُمُسُ الْكَفِّ .","part":18,"page":481},{"id":8981,"text":"( 6736 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَطَعَ ذُو يَدٍ لَهَا أَظْفَارٌ يَدَ مَنْ لَا أَظْفَارَ لَهُ لَمْ يَجُزْ الْقِصَاصُ ؛ لِأَنَّ الْكَامِلَةَ لَا تُؤْخَذُ بِالنَّاقِصَةِ .\rوَإِنْ كَانَتْ الْمَقْطُوعَةُ ذَاتَ أَظْفَارٍ ، إلَّا أَنَّهَا خَضْرَاءُ ، أَوْ مُسْتَحْشِفَةٌ ، أَخَذْنَا بِهَا السَّلِيمَةَ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ عِلَّةٌ وَمَرَضٌ ، وَالْمَرَضُ لَا يَمْنَعُ الْقِصَاصَ ، بِدَلِيلِ أَنَّا نَأْخُذُ الصَّحِيحَ بِالسَّقِيمِ .","part":18,"page":482},{"id":8982,"text":"( 6737 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَإِنْ كَانَ الْقَاطِعُ أَشَلَّ ، وَالْمَقْطُوعَةُ سَالِمَةً ، فَشَاءَ الْمَظْلُومُ أَخْذَهَا ، فَذَلِكَ لَهُ ، وَلَا شَيْءَ لَهُ غَيْرُهَا ، وَإِنْ شَاءَ عَفَا ، وَأَخَذَ دِيَةَ يَدِهِ ) أَمَّا إذَا اخْتَارَ الدِّيَةَ ، فَلَهُ دِيَةُ يَدِهِ ، لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا ؛ لِأَنَّهُ عَجَزَ عَنْ اسْتِيفَاءِ حَقِّهِ عَلَى الْكَمَالِ بِالْقِصَاصِ ، فَكَانَتْ لَهُ الدِّيَةُ ، كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ لِلْقَاطِعِ يَدٌ .\rوَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ .\rوَإِنْ اخْتَارَ الْقِصَاصَ ، سُئِلَ أَهْلُ الْخِبْرَةِ ، فَإِنْ قَالُوا : إنَّهُ إذَا قُطِعَ لَمْ تَنْسَدَّ الْعُرُوقُ ، وَدَخَلَ الْهَوَاءُ إلَى الْبَدَنِ فَأَفْسَدَهُ .\rسَقَطَ الْقِصَاصُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَخْذُ نَفْسٍ بِطَرَفٍ .\rوَإِنْ أُمِنَ هَذَا ، فَلَهُ الْقِصَاصُ ؛ لِأَنَّهُ رَضِيَ بِدُونِ حَقِّهِ ، فَكَانَ لَهُ ذَلِكَ ، كَمَا لَوْ رَضِيَ الْمُسْلِمُ بِالْقِصَاصِ مِنْ الذِّمِّيِّ ، وَالرَّجُلُ مِنْ الْمَرْأَةِ ، وَالْحُرُّ مِنْ الْعَبْدِ ، وَلَيْسَ لَهُ مَعَ الْقِصَاصِ أَرْشٌ ؛ لِأَنَّ الشَّلَّاءَ كَالصَّحِيحَةِ فِي الْخِلْقَةِ ، وَإِنَّمَا نَقَصَتْ فِي الصِّفَةِ ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَرْشٌ ، كَالصُّوَرِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا .\rوَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : عِنْدِي لَهُ أَرْشٌ مَعَ الْقِصَاصِ .\rعَلَى قِيَاسِ قَوْلِهِ فِي عَيْنِ الْأَعْوَرِ .\rوَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ؛ فَإِنَّ إلْحَاقَ هَذَا الْفَرْعِ بِالْأُصُولِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا ، أَوْلَى مِنْ إلْحَاقِهِ بِفَرْعٍ مُخْتَلَفٍ فِيهِ ، خَارِجٍ عَنْ الْأُصُولِ ، مُخَالِفٍ لِلْقِيَاسِ .","part":18,"page":483},{"id":8983,"text":"( 6738 ) فَصْلٌ : وَتُؤْخَذُ الشَّلَّاءُ بِالشَّلَّاءِ ، إذَا أُمِنَ فِي الِاسْتِيفَاءِ الزِّيَادَةُ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ ، لَا تُؤْخَذُ بِهَا ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ ؛ لِأَنَّ الشَّلَلَ عِلَّةٌ ، وَالْعِلَلُ يَخْتَلِفُ تَأْثِيرُهَا فِي الْبَدَن ، فَلَا تَتَحَقَّقُ الْمُمَاثَلَةُ بَيْنَهُمَا .\rوَلَنَا ، أَنَّهُمَا مُتَمَاثِلَانِ فِي ذَاتِ الْعُضْوِ وَصِفَتِهِ ، فَجَازَ أَخْذُ إحْدَاهُمَا بِالْأُخْرَى ، كَالصَّحِيحَةِ بِالصَّحِيحَةِ .","part":18,"page":484},{"id":8984,"text":"( 6739 ) فَصْلٌ : وَتُؤْخَذُ النَّاقِصَةُ بِالنَّاقِصَةِ ، إذَا تَسَاوَتَا فِيهِ ، بِأَنْ يَكُونَ الْمَقْطُوعُ مِنْ يَدِ الْجَانِي كَالْمَقْطُوعِ مِنْ يَدِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُمَا تَسَاوَتَا فِي الذَّاتِ وَالصِّفَةِ .\rفَأَمَّا إنْ اخْتَلَفَا ، فَكَانَ الْمَقْطُوعُ مِنْ يَدِ أَحَدِهِمَا الْإِبْهَامَ ، وَمِنْ الْأُخْرَى إصْبَعَ غَيْرِهَا ، لَمْ يَجُزْ الْقِصَاصُ ؛ لِأَنَّ فِيهِ أَخْذَ إصْبَعٍ بِغَيْرِهَا .\rوَإِنْ كَانَتْ يَدُ أَحَدِهِمَا نَاقِصَةً إصْبَعًا ، وَالْأُخْرَى نَاقِصَةً تِلْكَ الْإِصْبَعُ وَأُخْرَى ، جَازَ أَخْذُ النَّاقِصَةِ إصْبَعَيْنِ بِالنَّاقِصَةِ إصْبَعًا .\rوَهَلْ لَهُ أَرْشُ إصْبَعِهِ الزَّائِدَةِ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ .\rوَلَا يَجُوزُ أَخْذُ الْأُخْرَى بِهَا ؛ لِأَنَّ الْكَامِلَةَ لَا تُؤْخَذُ بِالنَّاقِصَةِ .","part":18,"page":485},{"id":8985,"text":"( 6740 ) فَصْلٌ : وَيَجُوزُ أَخْذُ النَّاقِصَةِ بِالْكَامِلَةِ ؛ لِأَنَّهَا دُونَ حَقِّهِ .\rوَهَلْ لَهُ أَخْذُ دِيَةٍ لِأَصَابِعِ النَّاقِصَةِ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا : لَهُ ذَلِكَ .\rوَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَاخْتِيَارُ ابْنِ حَامِدٍ .\rوَالثَّانِي ، لَيْسَ لَهُ مَعَ الْقِصَاصِ أَرْشٌ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَقِيَاسُ قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ ؛ لِئَلَّا يُفْضِيَ إلَى الْجَمْعِ بَيْن قِصَاصٍ وَدِيَةٍ فِي عُضْوٍ وَاحِدٍ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : قِيَاسُ قَوْلِهِ سُقُوطُ الْقِصَاصِ ، كَقَوْلِهِ فِي مَنْ قُطِعَتْ يَدُهُ مِنْ نِصْفِ الذِّرَاعِ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ يَقْتَصُّ مِنْ مَوْضِعِ الْجِنَايَةِ ، وَيَضَعُ الْحَدِيدَةَ فِي مَوْضِعٍ وَضَعَهَا الْجَانِي ، فَمَلَكَ ذَلِكَ ، كَمَا لَوْ جَنَى عَلَيْهِ فَوْقَ الْمُوضِحَةِ ، أَوْ كَانَ رَأْسُ الشَّاجِّ أَصْغَرَ ، أَوْ أَخَذَ الشَّلَّاءَ بِالصَّحِيحَةِ .\rوَيُفَارِقُ الْقَاطِعَ مِنْ نِصْفِ الذِّرَاعِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ الْقِصَاصُ مِنْ مَوْضِعِ الْجِنَايَةِ .\rهَكَذَا حَكَاهُ الشَّرِيفُ ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ .","part":18,"page":486},{"id":8986,"text":"( 6741 ) فَصْلٌ : وَإِنْ كَانَتْ يَدُ الْقَاطِعِ وَالْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ كَامِلَتَيْنِ ، [ وَ ] فِي يَدِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ إصْبَعٌ زَائِدَةٌ ، فَعَلَى قَوْلِ ابْنِ حَامِدٍ ، لَا عِبْرَةَ بِالزَّائِدَةِ ؛ لِأَنَّهَا بِمَنْزِلَةِ الْخَرَاجِ وَالسِّلْعَةِ .\rوَعَلَى قَوْلِ غَيْرِهِ ، لَهُ قَطْعُ يَدِ الْجَانِي .\rوَهَلْ لَهُ حُكُومَةٌ فِي الزَّائِدَةِ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ .\r، وَإِنْ قَطَعَ مَنْ لَهُ خَمْسُ أَصَابِعَ أَصْلِيَّةٍ ، كَفَّ مَنْ لَهُ أَرْبَعُ أَصَابِعَ أَصْلِيَّةٍ وَإِصْبَعٌ زَائِدَةٌ ، أَوْ قَطَعَ مَنْ لَهُ أَرْبَعُ أَصَابِعَ وَإِصْبَعٌ زَائِدَةٌ ، كَفَّ مَنْ لَهُ خَمْسُ أَصَابِعَ أَصْلِيَّةٍ ، فَلَا قِصَاصَ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى ؛ لِأَنَّ الْأَصْلِيَّةَ لَا تُؤْخَذُ بِالزَّائِدَةِ .\rوَلَهُ الْقِصَاصُ فِي الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ ، فِي قَوْلِ ابْنِ حَامِدٍ ؛ لِأَنَّ الزَّائِدَةَ لَا عِبْرَةَ بِهَا .\rوَقَالَ غَيْرُهُ : إنْ لَمْ تَكُنْ الزَّائِدَةُ فِي مَحَلِّ الْأَصْلِيَّةِ ، فَلَا قِصَاصَ أَيْضًا ؛ لِأَنَّ الْإِصْبَعَيْنِ مُخْتَلِفَانِ .\rوَإِنْ كَانَتْ فِي مَحَلِّ الْأَصْلِيَّةِ ، فَقَالَ الْقَاضِي : يَجْرِي الْقِصَاصُ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ، وَلَا شَيْءَ لَهُ لِنَقْصِ الزَّائِدَةِ .\rوَهَذَا فِيهِ نَظَرٌ ؛ فَإِنَّهَا مَتَى كَانَتْ فِي مَحَلِّ الْأَصْلِيَّةِ ، كَانَتْ أَصْلِيَّةً ، لِأَنَّ الزَّائِدَةَ هِيَ الَّتِي زَادَتْ عَنْ عَدَدِ الْأَصَابِع ، أَوْ كَانَتْ فِي غَيْرِ مَحَلِّ الْأَصَابِعِ ، وَهَذَا لَهُ خَمْسُ أَصَابِعَ فِي مَحَلِّهَا ، فَكَانَتْ كُلُّهَا أَصْلِيَّةً .\rفَإِنْ قَالُوا : مَعْنَى كَوْنِهَا زَائِدَةً ، أَنَّهَا ضَعِيفَةٌ مَائِلَةٌ عَنْ سَمْتِ الْأَصَابِعِ .\rقُلْنَا : ضَعْفُهَا لَا يُوجِبُ كَوْنَهَا زَائِدَةً ، كَذَكَرِ الْعِنِّينِ ، وَأَمَّا مَيْلُهَا عَنْ الْأَصَابِعِ ، فَإِنَّهَا إنْ لَمْ تَكُنْ نَابِتَةً فِي مَحَلِّ الْإِصْبَعِ الْمَعْدُومَةِ ، فَسَدَ قَوْلُهُمْ إنَّهَا فِي مَحَلِّهَا ، وَإِنْ كَانَتْ نَابِتَةً فِي مَوْضِعِهَا ، وَإِنَّمَا مَالَ رَأْسُهَا وَاعْوَجَّتْ ، فَهَذَا مَرَضٌ لَا يُخْرِجُهَا عَنْ كَوْنِهَا أَصْلِيَّةً .","part":18,"page":487},{"id":8987,"text":"( 6742 ) فَصْلٌ : وَإِذَا قَطَعَ إصْبَعَهُ ، فَأَصَابَهُ مِنْ جُرْحِهَا أَكَلَةٌ فِي يَدِهِ ، وَسَقَطَتْ مِنْ مَفْصِلٍ ، فَفِيهَا الْقِصَاصُ .\rوَإِنْ بَادَرَهَا صَاحِبُهَا ، فَقَطَعَهَا مِنْ الْكُوعِ ، لِئَلَّا تَسْرِيَ إلَى سَائِرِ جَسَدِهِ ، ثُمَّ انْدَمَلَ جُرْحُهُ ، فَعَلَى الْجَانِي الْقِصَاصُ فِي الْإِصْبَعِ ، وَالْحُكُومَةُ فِيمَا تَآكَلَ مِنْ الْكَفِّ ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِيمَا قَطَعَهُ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ تَلِفَ بِفِعْلِهِ .\rوَإِنْ لَمْ يَنْدَمِلْ ، وَمَاتَ مِنْ ذَلِكَ ، فَالْجَانِي شَرِيكُ نَفْسِهِ ، فَيَحْتَمِلُ وُجُوبَ الْقِصَاصِ عَلَيْهِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَجِبَ بِحَالٍ ؛ لِأَنَّ فِعْلَ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ ، إنَّمَا قَصَدَ بِهِ الْمَصْلَحَةَ ، فَهُوَ عَمْدُ الْخَطَأِ ، وَشَرِيكُ الْخَاطِئِ لَا قِصَاصِ عَلَيْهِ ، وَيَكُونُ عَلَيْهِ نِصْفُ الدِّيَةِ .\rوَإِنْ قَطَعَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ مَوْضِعَ الْأَكَلَةِ ، نَظَرْت ؛ فَإِنَّ قَطَعَ لَحْمًا مَيِّتًا ، ثُمَّ سَرَتْ الْجِنَايَةُ ، فَالْقِصَاصُ عَلَى الْجَانِي ؛ لِأَنَّهُ سِرَايَةُ جُرْحِهِ خَاصَّةً ، وَإِنْ كَانَ فِي لَحْمٍ حَيٍّ ، فَمَاتَ ، فَالْحُكْمُ فِيهِ كَمَا لَوْ قَطَعَهَا خَوْفًا مِنْ سِرَايَتهَا .","part":18,"page":488},{"id":8988,"text":"( 6743 ) فَصْلٌ : وَإِذَا قَطَعَ أُنْمُلَةً لَهَا طَرَفَانِ ، إحْدَاهُمَا : زَائِدَةٌ وَالْأُخْرَى أَصْلِيَّةٌ ، فَإِنْ كَانَتْ أُنْمُلَةُ الْقَاطِعِ ذَاتَ طَرَفَيْنِ أَيْضًا ، أُخِذَتْ بِهَا ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ ذَاتَ طَرَفَيْنِ .\rقُطِعَتْ ، وَعَلَيْهِ حُكُومَةٌ فِي الزَّائِدَةِ .\rوَإِنْ كَانَتْ الْمَقْطُوعَةُ ذَاتَ طَرَفٍ وَاحِدٍ ، وَأُنْمُلَةُ الْقَاطِعِ ذَاتُ طَرَفَيْنِ ، أُخِذَتْ بِهَا ، فِي قَوْلِ ابْنِ حَامِدٍ ، وَعَلَى قَوْلِ غَيْرِهِ ؛ لَا قِصَاصَ فِيهَا ، وَلَهُ دِيَةُ أُنْمُلَتِهِ .\rوَإِنْ ذَهَبَ الطَّرَفُ الزَّائِدُ ، فَلَهُ الِاسْتِيفَاءُ .\rوَإِنْ قَالَ : أَنَا أَصْبِرُ حَتَّى يَذْهَبَ الزَّائِدُ ثُمَّ أَقْتَصُّ .\rفَلَهُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الْقِصَاصَ حَقُّهُ ، فَلَا يُجْبَرُ عَلَى تَعْجِيلِ اسْتِيفَائِهِ .","part":18,"page":489},{"id":8989,"text":"( 6744 ) فَصْلٌ : وَلَوْ قَطَعَ أُنْمُلَةَ رَجُلٍ الْعُلْيَا ، ثُمَّ قَطَعَ أُنْمُلَةَ آخَرَ الْوُسْطَى ، ثُمَّ قَطَعَ السُّفْلَى مِنْ ثَالِثٍ ، فَلِلْأَوَّلِ الْقِصَاصُ مِنْ الْعُلْيَا ، ثُمَّ لِلثَّانِي أَنْ يَقْتَصَّ مِنْ الْوُسْطَى ، ثُمَّ لِلثَّالِثِ أَنْ يَقْتَصَّ مِنْ السُّفْلَى ، سَوَاءٌ جَاءُوا دَفْعَةً وَاحِدَةً ، أَوْ وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا قِصَاصَ إلَّا فِي الْعُلْيَا ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَجِبْ فِي غَيْرِهَا حَالَ الْجِنَايَةِ ، لِتَعَذُّرِ اسْتِيفَائِهِ ، فَلَمْ يَجِبْ بَعْدَ ذَلِكَ كَمَا لَوْ كَانَ غَيْرَ مُكَافِئٍ حَالَ الْجِنَايَةِ ، ثُمَّ صَارَ مُكَافِئًا بَعْدَهُ .\rوَلَنَا ، أَنَّ تَعَذُّرَ الْقِصَاصِ لِاتِّصَالِ مَحَلِّهِ بِغَيْرِهِ لَا يَمْنَعُهُ إذَا زَالَ الِاتِّصَالُ ، كَمَا لَوْ جَنَتْ الْحَامِلُ .\rوَيُفَارِقُ عَدَمَ التَّكَافُؤِ ؛ لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ لِمَعْنًى فِيهِ ، وَهَا هُنَا تَعَذَّرَ لِاتِّصَالِ غَيْرِهِ بِهِ .\rفَأَمَّا إنْ جَاءَ صَاحِبُ الْوُسْطَى أَوْ السُّفْلَى يَطْلُبُ الْقِصَاصَ قَبْلَ صَاحِبِ الْعُلْيَا ، لَمْ يُعْطِهِ ؛ لِأَنَّ فِي اسْتِيفَائِهِ إتْلَافَ أُنْمُلَةٍ لَا يَسْتَحِقُّهَا ، وَقِيلَ لَهُمَا : إمَّا أَنْ تَصْبِرَا حَتَّى تَعْلَمَا مَا يَكُونُ مِنْ الْأَوَّلِ ، فَإِنْ اقْتَصَّ فَلَكُمَا الْقِصَاصُ ، وَإِنْ عَفَا فَلَا قِصَاصَ لَكُمَا ، وَإِمَّا أَنْ تَرْضَيَا بِالْعَقْلِ .\rفَإِذَا جَاءَ صَاحِبُ الْعُلْيَا فَاقْتَصَّ ، فَلِلثَّانِي الِاقْتِصَاصُ ، وَحُكْمُ الثَّالِثِ مَعَ الثَّانِي كَحُكْمِ الثَّانِي مَعَ الْأَوَّلِ ، وَإِنْ عَفَا ، فَلَهُمَا الْعَقْلُ ، فَإِنْ قَالَا : نَحْنُ نَصْبِرُ وَنَنْظُرُ بِالْقِصَاصِ أَنْ تَسْقُطَ الْعُلْيَا بِمَرَضٍ أَوْ نَحْوِهِ ، ثُمَّ نَقْتَصُّ .\rلَمْ يُمْنَعَا مِنْ ذَلِكَ .\rوَإِنْ قَطَعَ صَاحِبُ الْوُسْطَى الْوُسْطَى وَالْعُلْيَا ، فَعَلَيْهِ دِيَةُ الْعُلْيَا ، تُدْفَعُ إلَى صَاحِبِ الْعُلْيَا .\rوَإِنْ قَطَعَ الْإِصْبَعَ كُلَّهَا ، فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ فِي الْأُنْمُلَةِ الثَّالِثَةِ ، وَعَلَيْهِ أَرْشُ الْعُلْيَا لِلْأَوَّلِ ، وَأَرْشُ السُّفْلَى عَلَى الْجَانِي لَصَاحِبِهَا ، وَإِنْ عَفَا الْجَانِي عَنْ قِصَاصِهَا ، وَجَبَ","part":18,"page":490},{"id":8990,"text":"أَرْشُهَا ، يَدْفَعُهُ إلَيْهِ ، لِيَدْفَعَهُ إلَى الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ .","part":18,"page":491},{"id":8991,"text":"( 6745 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَطَعَ أُنْمُلَةَ رَجُلٍ الْعُلْيَا ، ثُمَّ قَطَعَ أُنْمُلَتَيْ آخَرَ الْعُلْيَا وَالْوُسْطَى مِنْ تِلْكَ الْإِصْبَعِ ، فَلِلْأَوَّلِ قَطْعُ الْعُلْيَا ؛ لِأَنَّ حَقَّهُ أَسْبَقُ ، ثُمَّ يَقْطَعُ الثَّانِي الْوُسْطَى ، وَيَأْخُذُ أَرْشَ الْعُلْيَا مِنْهُ .\rفَإِنْ بَادَرَ الثَّانِي فَقَطَعَ الْأُنْمُلَتَيْنِ ، فَقَدْ اسْتَوْفَى حَقَّهُ ، وَتَعَذَّرَ اسْتِيفَاءُ الْقِصَاصِ لِلْأَوَّلِ ، وَلَهُ الْأَرْشُ عَلَى الْجَانِي .\rوَإِنْ كَانَ قَطَعَ الْأُنْمُلَتَيْنِ أَوَّلًا ، قَدَّمْنَا صَاحِبَهُمَا فِي الْقِصَاصِ ، لِلْأَوَّلِ ، وَلَهُ الْأَرْشُ عَلَى الْجَانِي .\rوَإِنْ بَادَرَ صَاحِبُهَا فَقَطَعَهَا ، فَقَدْ اسْتَوْفَى حَقَّهُ ، وَتُقْطَعُ الْوُسْطَى لِلْأَوَّلِ ، وَيَأْخُذُ الْأَرْشَ لِلْعُلْيَا .\rوَلَوْ قَطَعَ أُنْمُلَةَ رَجُلٍ الْعُلْيَا ، وَلَمْ يَكُنْ لِلْقَاطِعِ عُلْيَا ، فَاسْتَوْفَى الْجَانِي مِنْ الْوُسْطَى ، فَإِنْ عَفَا إلَى الدِّيَةِ ، تَقَاصَّا وَتَسَاقَطَا ؛ لِأَنَّ دِيَتَهُمَا وَاحِدَةٌ ، وَإِنْ اخْتَارَ الْجَانِي الْقِصَاصَ ، فَلَهُ ذَلِكَ ، وَيَدْفَعُ أَرْشَ الْعُلْيَا .\rوَيَجِيءُ عَلَى قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ ، أَنْ لَا يَجِبَ الْقِصَاصَ ؛ لِأَنَّ دِيَتَهُمَا وَاحِدَةٌ ، وَاسْمُ الْأُنْمُلَةِ يَشْمَلُهُمَا ، فَتَسَاقَطَا ، كَقَوْلِهِ فِي إحْدَى الْيَدَيْنِ بَدَلًا عَنْ الْأُخْرَى .","part":18,"page":492},{"id":8992,"text":"مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَإِذَا قُتِلَ وَلَهُ وَلِيَّانِ ؛ بَالِغٌ ، وَطِفْلٌ أَوْ غَائِبٌ ، لَمْ يَقْتُلْ ، حَتَّى يَقْدَمَ الْغَائِبُ وَيَبْلُغَ الطِّفْلُ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ وَرَثَةَ الْقَتِيلِ إذَا كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ ، لَمْ يَجُزْ لَبَعْضِهِمْ اسْتِيفَاءُ الْقَوَدِ إلَّا بِإِذْنِ الْبَاقِينَ ، فَإِنْ كَانَ بَعْضُهُمْ غَائِبًا ، اُنْتُظِرَ قُدُومُهُ ، وَلَمْ يَجُزْ لِلْحَاضِرِ الِاسْتِقْلَالُ بِالِاسْتِيفَاءِ ، بِغَيْرِ خِلَافٍ عَلِمْنَاهُ ، وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُمْ صَغِيرًا أَوْ مَجْنُونًا ، فَظَاهِرُ مَذْهَبِ أَحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّهُ لَيْسَ لَغَيْرِهِمَا الِاسْتِيفَاءُ حَتَّى يَبْلُغَ الصَّغِيرُ وَيُفِيقَ الْمَجْنُونُ .\rوَبِهَذَا قَالَ ابْنُ شُبْرُمَةَ ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو يُوسُفَ ، وَإِسْحَاقُ ، وَيُرْوَى عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، رَحِمَهُ اللَّهُ وَعَنْ أَحْمَدَ ، رِوَايَةٌ أُخْرَى : لِلْكِبَارِ الْعُقَلَاءِ اسْتِيفَاؤُهُ .\rوَبِهِ قَالَ حَمَّادٌ ، وَمَالِكٌ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَاللَّيْثُ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، قَتَلَ ابْنَ مُلْجِمٍ ، قِصَاصًا ، وَفِي الْوَرَثَةِ صِغَارٌ ، فَلَمْ يُنْكَرْ ذَلِكَ ، وَلِأَنَّ وِلَايَةَ الْقِصَاصِ هِيَ اسْتِحْقَاقُ اسْتِيفَائِهِ ، وَلَيْسَ لِلصَّغِيرِ هَذِهِ الْوِلَايَةُ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ قِصَاصٌ غَيْرُ مُتَحَتِّمٍ ، ثَبَتَ لَجَمَاعَةٍ مُعَيَّنِينَ ، فَلَمْ يَجُزْ لِأَحَدِهِمْ اسْتِيفَاؤُهُ اسْتِقْلَالًا ، كَمَا لَوْ كَانَ بَيْنَ حَاضِرٍ وَغَائِبٍ ، أَوْ أَحَدُ بَدَلَيْ النَّفْسِ ، فَلَمْ يَنْفَرِدْ بِهِ بَعْضُهُمْ كَالدِّيَةِ ، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ لِلصَّغِيرِ وَالْمَجْنُونِ فِيهِ حَقًّا أَرْبَعَةُ أُمُورٍ ؛ أَحَدُهَا ، أَنَّهُ لَوْ كَانَ مُنْفَرِدًا لَاسْتَحَقَّهُ ، وَلَوْ نَافَاهُ الصِّغَرُ مَعَ غَيْرِهِ لَنَافَاهُ مُنْفَرِدًا ، كَوِلَايَةِ النِّكَاحِ .\rوَالثَّانِي ، أَنَّهُ لَوْ بَلَغَ لَاسْتَحَقَّ ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مُسْتَحِقًّا عِنْدَ الْمَوْتِ لَمْ يَكُنْ مُسْتَحِقًّا بَعْدَهُ ، كَالرَّقِيقِ إذَا عَتَقَ بَعْدَ مَوْتِ أَبِيهِ .\rوَالثَّالِث : أَنَّهُ لَوْ صَارَ الْأَمْرُ إلَى الْمَالِ ،","part":18,"page":493},{"id":8993,"text":"لَاسْتَحَقَّ ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مُسْتَحِقًّا لِلْقِصَاصِ لَمَا اسْتَحَقَّ بَدَلَهُ ، كَالْأَجْنَبِيِّ .\rوَالرَّابِعُ : أَنَّهُ لَوْ مَاتَ الصَّغِيرُ لَاسْتَحَقَّهُ وَرَثَتُهُ ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ حَقًّا لَمْ يَرِثْهُ ، كَسَائِرِ مَا لَمْ يَسْتَحِقَّهُ ، فَأَمَّا ابْنُ مُلْجِمٍ ، فَقَدْ قِيلَ : إنَّهُ قَتَلَهُ بِكُفْرِهِ ، لِأَنَّهُ قَتَلَ عَلِيًّا مُسْتَحِلًّا لِدَمِهِ ، مُعْتَقِدًا كُفْرَهُ ، مُتَقَرِّبًا بِذَلِكَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى .\rوَقِيلَ : قَتَلَهُ لِسَعْيِهِ فِي الْأَرْضِ بِالْفَسَادِ ، وَإِظْهَارِ السِّلَاحِ ، فَيَكُونُ كَقَاطِعِ الطَّرِيقِ إذَا قَتَلَ .\rوَقَتْلُهُ مُتَحَتِّمٌ ، وَهُوَ إلَى الْإِمَامِ ، وَالْحَسَنُ هُوَ الْإِمَامُ ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَنْتَظِرْ الْغَائِبِينَ مِنْ الْوَرَثَةِ .\rوَلَا خِلَافَ بَيْننَا فِي وُجُوبِ انْتِظَارِهِمْ ، وَإِنْ قُدِّرَ أَنَّهُ قَتَلَهُ قِصَاصًا ، فَقَدْ اتَّفَقْنَا عَلَى خِلَافِهِ ، فَكَيْفَ يَحْتَجُّ بِهِ بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ .","part":18,"page":494},{"id":8994,"text":"( 6747 ) فَصْلٌ : وَإِنْ كَانَ الْوَارِثُ وَاحِدًا صَغِيرًا ، كَصَبِيٍّ قُتِلَتْ أُمُّهُ ، وَلَيْسَتْ زَوْجَةً لِأَبِيهِ ، فَالْقِصَاصُ لَهُ ، وَلَيْسَ لِأَبِيهِ وَلَا غَيْرِهِ اسْتِيفَاؤُهُ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٌ : لَهُ اسْتِيفَاؤُهُ .\rوَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي الْوَصِيِّ وَالْحَاكِمِ ، فِي الطَّرَفِ دُونَ النَّفْسِ .\rوَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ فِي مَوْضِعٍ فِي الْأَبِ رِوَايَتَيْنِ ، وَفِي مَوْضِعٍ وَجْهَيْنِ ، أَحَدُهُمَا : كَقَوْلِنَا ؛ لِأَنَّ الْقِصَاصَ أَحَدُ بَدَلَيْ النَّفْسِ ، فَكَانَ لِلْأَبِ اسْتِيفَاؤُهُ ، كَالدِّيَةِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ إيقَاعَ الطَّلَاقِ بِزَوْجَتِهِ ، فَلَا يَمْلِكُ اسْتِيفَاءَ الْقِصَاصِ لَهُ ، كَالْوَصِيِّ ؛ وَلِأَنَّ الْقَصْدَ التَّشَفِّي وَدَرْكُ الْغَيْظِ ، وَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ بِاسْتِيفَاءِ الْوَلِيِّ .\rوَيُخَالِفُ الدِّيَةَ ، فَإِنَّ الْغَرَضَ يَحْصُلُ بِاسْتِيفَاءِ الْأَبِ لَهُ ، فَافْتَرَقَا ؛ وَلِأَنَّ الدِّيَةَ إنَّمَا يَمْلِكُ اسْتِيفَاءَهَا إذَا تَعَيَّنَتْ ، وَالْقِصَاصُ لَا يَتَعَيَّنُ ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ الْعَفْوُ إلَى الدِّيَةِ ، وَالصُّلْحُ عَلَى مَالٍ أَكْثَرُ مِنْهَا وَأَقَلُّ ، وَالدِّيَةُ بِخِلَافِ ذَلِكَ .","part":18,"page":495},{"id":8995,"text":"فَصْلٌ : وَكُلُّ مَوْضِعٍ وَجَبَ تَأْخِيرُ الِاسْتِيفَاءِ ، فَإِنْ الْقَاتِلَ يُحْبَسُ حَتَّى يَبْلُغَ الصَّبِيُّ ، وَيَعْقِلَ الْمَجْنُونُ ، وَيَقْدَمَ الْغَائِبُ ، وَقَدْ حَبَسَ مُعَاوِيَةُ هُدْبَةَ بْنِ خَشْرَمٍ فِي قِصَاصٍ حَتَّى بَلَغَ ابْنُ الْقَتِيلِ ، فِي عَصْرِ الصَّحَابَةِ ، فَلَمْ يُنْكَرْ ذَلِكَ ، وَبَذَلَ الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ وَسَعِيدُ بْنُ الْعَاصِ لِابْنِ الْقَتِيلِ سَبْعَ دِيَاتٍ ، فَلَمْ يَقْبَلْهَا .\rفَإِنْ قِيلَ : فَلِمَ لَا يُخْلَى سَبِيلُهُ كَالْمُعْسِرِ بِالدَّيْنِ ؟ قُلْنَا : لِأَنَّ فِي تَخَلَّيْتِهِ تَضْيِيعًا لِلْحَقِّ ، فَإِنَّهُ لَا يُؤْمَنُ هَرَبُهُ ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُعْسِرِ مِنْ وُجُوهٍ ؛ أَحَدُهَا : أَنَّ قَضَاءَ الدَّيْنِ لَا يَجِبُ مَعَ الْإِعْسَارِ ، فَلَا يُحْبَسُ بِمَا لَا يَجِبُ ، وَالْقِصَاصُ هَاهُنَا وَاجِبٌ ، وَإِنَّمَا تَعَذَّرَ الْمُسْتَوْفِي .\rالثَّانِي ، أَنَّ الْمُعْسِرَ إذَا حَبَسْنَاهُ تَعَذَّرَ الْكَسْبُ لِقَضَاءِ الدَّيْنِ ، فَلَا يُفِيدُ ، بَلْ يَضُرُّ مِنْ الْجَانِبَيْنِ ، وَهَا هُنَا الْحَقُّ نَفْسُهُ يَفُوتُ بِالتَّخْلِيَةِ لَا بِالْحَبْسِ .\rالثَّالِثُ : أَنَّهُ قَدْ اُسْتُحِقَّ قَتْلُهُ ، وَفِيهِ تَفْوِيتُ نَفْسِهِ وَنَفْعِهِ ، فَإِذَا تَعَذَّرَ تَفْوِيتُ نَفْسِهِ ، جَازَ تَفْوِيتُ نَفْعِهِ لِإِمْكَانِهِ .\rفَإِنْ قِيلَ : فَلِمَ يُحْبَسُ مِنْ أَجْلِ الْغَائِبِ ، وَلَيْسَ لِلْحَاكِمِ عَلَيْهِ وِلَايَةٌ إذَا كَانَ مُكَلَّفًا رَشِيدًا ؛ وَلِذَلِكَ لَوْ وَجَدَ بَعْضَ مَالِهِ مَغْصُوبًا لَمْ يَمْلِكْ انْتِزَاعَهُ ؟ قُلْنَا : لِأَنَّ فِي الْقِصَاصِ حَقًّا لِلْمَيِّتِ ، وَلِلْحَاكِمِ عَلَيْهِ وِلَايَةٌ ، وَلِهَذَا تَنْفُذُ وَصَايَاهُ مِنْ الدِّيَةِ ، وَتُقْضَى دُيُونُهُ مِنْهَا ، فَنَظِيرُهُ أَنْ يَجِدَ الْحَاكِمُ مِنْ تَرِكَةِ الْمَيِّتِ فِي يَدِ إنْسَانٍ شَيْئًا غَصْبًا ، وَالْوَارِثُ غَائِبٌ ، فَإِنَّهُ يَأْخُذُهُ .\rوَلَوْ كَانَ الْقِصَاصُ لِحَيِّ فِي طَرَفِهِ ، لَمْ يَتَعَرَّضْ لِمَنْ هُوَ عَلَيْهِ .\rفَإِنْ أَقَامَ الْقَاتِلُ كَفِيلًا بِنَفْسِهِ لِيُخَلِّيَ سَبِيلَهُ ، لَمْ يَجُزْ ؛ لِأَنَّ الْكَفَالَةَ لَا تَصِحُّ فِي الْقِصَاصِ ، فَإِنَّ فَائِدَتَهَا اسْتِيفَاءُ الْحَقِّ مِنْ الْكَفِيلِ إنْ","part":18,"page":496},{"id":8996,"text":"تَعَذَّرَ إحْضَارُ الْمَكْفُولِ بِهِ ، وَلَا يُمْكِنُ اسْتِيفَاؤُهُ مِنْ غَيْرِ الْقَاتِلِ ، فَلَمْ تَصِحَّ الْكَفَالَةُ بِهِ كَالْحَدِّ ، وَلِأَنَّ فِيهِ تَغْرِيرًا بِحَقِّ الْمُوَلَّى عَلَيْهِ ، فَإِنَّهُ رُبَّمَا خَلَّى سَبِيلَهُ فَهَرَبَ ، فَضَاعَ الْحَقُّ .","part":18,"page":497},{"id":8997,"text":"( 6749 ) فَصْلٌ : فَإِنْ قَتَلَهُ بَعْضُ الْأَوْلِيَاءِ بِغَيْرِ إذْنِ الْبَاقِينَ ، لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ قِصَاصٌ .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ ، وَالْقَوْلُ الْأَخِيرُ ، عَلَيْهِ الْقِصَاصُ ؛ لِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْ قَتْلِهِ ، وَبَعْضُهُ غَيْرُ مُسْتَحَقٍّ لَهُ ، وَقَدْ يَجِبُ الْقِصَاصُ بِإِتْلَافِ بَعْضِ النَّفْسِ ، بِدَلِيلِ مَا لَوْ اشْتَرَكَ الْجَمَاعَةُ فِي قَتْلِ وَاحِدٍ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ مُشَارِكٌ فِي اسْتِحْقَاقِ الْقَتْلِ ، فَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ ، كَمَا لَوْ كَانَ مُشَارِكًا فِي مِلْكِ الْجَارِيَةِ وَوَطْئِهَا ، وَلِأَنَّهُ مَحَلٌّ يَمْلِكُ بَعْضَهُ ، فَلَمْ تَجِبْ الْعُقُوبَةُ الْمُقَدَّرَةُ بِاسْتِيفَائِهِ كَالْأَصْلِ .\rوَيُفَارِقُ إذَا قَتَلَ الْجَمَاعَةُ وَاحِدًا ، فَإِنَّا لَا نُوجِبُ الْقِصَاصَ بِقَتْلِ بَعْضِ النَّفْسِ ، وَإِنَّمَا نَجْعَلُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ قَاتِلًا لِجَمِيعِهَا ، وَإِنْ سَلَّمْنَا وُجُوبَهُ عَلَيْهِ لِقَتْلِهِ بَعْضَ النَّفْسِ ، فَمِنْ شَرْطِهِ الْمُشَارَكَةُ لِمَنْ فَعَلَهُ ، كَفِعْلِهِ فِي الْعَمْدِ وَالْعُدْوَانِ ، وَلَا يَتَحَقَّقُ هَاهُنَا .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّ لِلْوَلِيِّ الَّذِي لَمْ يَقْتُلْ قِسْطَهُ مِنْ الدِّيَةِ ؛ لِأَنَّ حَقَّهُ مِنْ الْقِصَاصِ سَقَطَ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ مَاتَ الْقَاتِلُ أَوْ عَفَا بَعْضُ الْأَوْلِيَاءِ .\rوَهَلْ يَجِبُ ذَلِكَ عَلَى قَاتِلِ الْجَانِي ، أَوْ فِي تَرِكَةِ الْجَانِي ؟ فِيهِ وَجْهَانِ .\rوَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ ؛ أَحَدُهُمَا : يَرْجِعُ عَلَى قَاتِلِ الْجَانِي ؛ لِأَنَّهُ أَتْلَفَ مَحَلَّ حَقِّهِ ، فَكَانَ الرُّجُوعُ عَلَيْهِ بِعِوَضٍ نَصِيبَهُ ، كَمَا لَوْ كَانَتْ لَهُ وَدِيعَةٌ فَأَتْلَفَهَا .\rوَالثَّانِي ، يَرْجِعُ فِي تَرِكَةِ الْجَانِي ، كَمَا لَوْ أَتْلَفَهُ أَجْنَبِيٌّ ، أَوْ عَفَا شَرِيكُهُ عَنْ الْقِصَاصِ ، وَقَوْلُنَا : أَتْلَفَ مَحَلَّ حَقِّهِ ، يَبْطُلُ بِمَا إذَا أَتْلَفَ مُسْتَأْجَرَهُ أَوْ غَرِيمَهُ أَوْ امْرَأَتَهُ ، أَوْ كَانَ الْمُتْلَفُ أَجْنَبِيًّا ، وَيُفَارِقُ الْوَدِيعَةَ ، فَإِنَّهَا مَمْلُوكَةٌ لَهُمَا ، فَوَجَبَ عِوَضُ مِلْكِهِ ، أَمَّا الْجَانِي فَلَيْسَ بِمَمْلُوكٍ","part":18,"page":498},{"id":8998,"text":"لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ ، وَإِنَّمَا لَهُ عَلَيْهِ حَقٌّ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَتَلَ غَرِيمَهُ .\rفَعَلَى هَذَا ، يَرْجِعُ وَرَثَةُ الْجَانِي عَلَى قَاتِلِهِ بِدِيَةِ مُوَرِّثِهِمْ إلَّا قَدْرَ حَقِّهِ مِنْهَا .\rفَعَلَى هَذَا ، لَوْ كَانَ الْجَانِي أَقَلَّ دِيَةً مِنْ قَاتِلِهِ ، مِثْلَ امْرَأَةٍ قَتَلَتْ رَجُلًا لَهُ ابْنَانِ ، فَقَتَلَهَا أَحَدُهُمَا بِغَيْرِ إذْنِ الْآخَرِ ، فَلِلْآخَرِ نِصْفُ دِيَةِ أَبِيهِ فِي تَرِكَةِ الْمَرْأَةِ الَّتِي قَتَلَتْهُ ، وَيَرْجِعُ وَرَثَتُهَا بِنِصْفِ دِيَتِهَا عَلَى قَاتِلِهَا ، وَهُوَ رُبْعُ دِيَةِ الرَّجُلِ .\rوَعَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ ، يَرْجِعُ الِابْنُ الَّذِي لَمْ يَقْتُلْ عَلَى أَخِيهِ بِنِصْفِ دِيَةِ الْمَرْأَةِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُفَوِّتْ عَلَى أَخِيهِ إلَّا نِصْفَ الْمَرْأَةِ ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى وَرَثَةِ الْمَرْأَةِ بِشَيْءِ ؛ لِأَنَّ أَخَاهُ الَّذِي قَتَلَهَا أَتْلَفَ جَمِيعَ الْحَقِّ ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى ضَعْفِ هَذَا الْوَجْهِ وَمِنْ فَوَائِدِهِ أَيْضًا ، صِحَّةُ إبْرَاءِ مَنْ حَكَمْنَا بِالرُّجُوعِ عَلَيْهِ ، وَمِلْكُ مُطَالَبَتِهِ ، فَإِنْ قُلْنَا : يَرْجِعُ عَلَى وَرَثَةِ الْجَانِي .\rصَحَّ إبْرَاؤُهُمْ ، وَمَلَكُوا الرُّجُوعَ عَلَى قَاتِلِ مَوْرُوثِهِمْ بِقِسْطِ أَخِيهِ الْعَافِي .\rوَإِنْ قُلْنَا : يَرْجِعُ عَلَى تَرِكَةِ الْجَانِي .\rوَلَهُ تَرِكَةٌ ، فَلَهُ الْأَخْذُ مِنْهَا ، سَوَاءٌ أَمْكَنَ وَرَثَتَهُ أَنْ يَسْتَوْفُوا مِنْ الشَّرِيكِ ، أَوْ لَمْ يُمْكِنْهُمْ .\rوَإِنْ قُلْنَا : يَرْجِعُ عَلَى شَرِيكِهِ .\rلَمْ يَكُنْ لَهُ مُطَالَبَةُ وَرَثَةِ الْجَانِي ، سَوَاءٌ كَانَ شَرِيكُهُ مُوسِرًا أَوْ مُعْسِرًا .","part":18,"page":499},{"id":8999,"text":"( 6750 ) مَسْأَلَةٌ : ؛ قَالَ : ( وَمَنْ عَفَا مِنْ وَرَثَةِ الْمَقْتُولِ عَنْ الْقِصَاصِ ، لَمْ يَكُنْ إلَى الْقِصَاصِ سَبِيلٌ ، وَإِنْ كَانَ الْعَافِي زَوْجًا أَوْ زَوْجَةً ) أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى إجَازَةِ الْعَفْو عَنْ الْقِصَاصِ ، وَأَنَّهُ أَفْضَلُ .\rوَالْأَصْلُ فِيهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ ؛ أَمَّا الْكِتَابُ ، فَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى فِي سِيَاقِ قَوْلِهِ : { كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى } { فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إلَيْهِ بِإِحْسَانٍ } وَقَالَ تَعَالَى { وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ } .\rإلَى قَوْله : { وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ } .\rقِيلَ فِي تَفْسِيرِهِ : فَهُوَ كَفَّارَةٌ لِلْجَانِي ، يَعْفُو صَاحِبُ الْحَقِّ عَنْهُ .\rوَقِيلَ : فَهُوَ كَفَّارَةٌ لِلْعَافِيَّ بِصَدَقَتِهِ وَأَمَّا السُّنَّةُ ، فَإِنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ : { مَا رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رُفِعَ إلَيْهِ شَيْءٌ فِيهِ قِصَاصٌ ، إلَّا أَمَرَ فِيهِ بِالْعَفْوِ } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَفِي حَدِيثِهِ فِي قِصَّةِ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ النَّضْرِ ، حِينَ كَسَرَتْ سِنَّ جَارِيَةٍ ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْقِصَاصِ ، فَعَفَا الْقَوْمُ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَالْقِصَاصُ حَقٌّ لِجَمِيعِ الْوَرَثَةِ مِنْ ذَوِي الْأَنْسَابِ وَالْأَسْبَابِ ، وَالرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ ، وَالصِّغَارِ وَالْكِبَارِ ، فَمَنْ عَفَا مِنْهُمْ صَحَّ عَفْوُهُ ، وَسَقَطَ الْقِصَاصُ ، وَلَمْ يَبْقَ لَأَحَدٍ إلَيْهِ سَبِيلٌ .\rهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ؛ مِنْهُمْ عَطَاءٌ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَالْحَكَمُ ، وَحَمَّادٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ .\rوَرُوِيَ مَعْنَى ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ ، وَطَاوُسٍ ، وَالشَّعْبِيِّ .\rوَقَالَ الْحَسَنُ ، وَقَتَادَةُ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَابْنُ شُبْرُمَةَ ، وَاللَّيْثُ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ : لَيْسَ لِلنِّسَاءِ عَفْوٌ ، وَالْمَشْهُورُ عَنْ مَالِكٍ ، أَنَّهُ مَوْرُوثٌ لِلْعَصَبَاتِ خَاصَّةً .\rوَهُوَ وَجْهٌ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ لِدَفْعِ","part":18,"page":500},{"id":9000,"text":"الْعَارِ ، فَاخْتَصَّ بِهِ الْعَصَبَاتُ .\rكَوِلَايَةِ النِّكَاحِ .\rوَلَهُمْ وَجْهٌ ثَالِثٌ ، أَنَّهُ لِذَوِي الْأَنْسَابِ دُونَ الزَّوْجَيْنِ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ ، فَأَهْلُهُ بَيْنَ خِيرَتَيْنِ ؛ بَيْنَ أَنْ يَقْتُلُوا أَوْ يَأْخُذُوا الْعَقْلَ } .\rوَأَهْلُهُ ذَوُو رَحِمِهِ .\rوَذَهَبَ بَعْضُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ إلَى أَنَّ الْقِصَاصَ لَا يَسْقُطُ بِعَفْوِ بَعْضِ الشُّرَكَاءِ ، وَقِيلَ : هُوَ رِوَايَةٌ عَنْ مَالِكٍ ؛ لِأَنَّ حَقَّ غَيْرِ الْعَافِي لَا يَرْضَى بِإِسْقَاطِهِ ، وَقَدْ تُؤْخَذُ النَّفْسُ بِبَعْضِ النَّفْسِ ، بِدَلِيلِ قَتْلِ الْجَمَاعَةِ بِالْوَاحِدِ .\rوَلَنَا ، عُمُومُ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : \" فَأَهْلُهُ بَيْنَ خِيرَتَيْنِ \" .\rوَهَذَا عَامٌ فِي جَمِيعِ أَهْلِهِ ، وَالْمَرْأَةُ مِنْ أَهْلِهِ ، بِدَلِيلِ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ يَعْذُرُنِي مِنْ رَجُلٍ يَبْلُغُنِي أَذَاهُ فِي أَهْلِي ، وَمَا عَلِمْت عَلَى أَهْلِي إلَّا خَيْرًا ، وَلَقَدْ ذَكَرُوا رَجُلًا مَا عَلِمْت عَلَيْهِ إلَّا خَيْرًا ، وَمَا كَانَ يَدْخُلُ عَلَى أَهْلِي إلَّا مَعِي .\rيُرِيدُ عَائِشَةَ .\rوَقَالَ لَهُ أُسَامَةُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَهْلَك وَلَا نَعْلَمُ إلَّا خَيْرًا } .\rوَرَوَى زَيْدُ بْنُ وَهْبٍ ، أَنَّ عُمَرَ أُتِيَ بِرَجُلِ قَتَلَ قَتِيلًا ، فَجَاءَ وَرَثَةُ الْمَقْتُولِ لِيَقْتُلُوهُ ، فَقَالَتْ امْرَأَةُ الْمَقْتُولِ ، وَهِيَ أُخْتُ الْقَاتِلِ : قَدْ عَفَوْت عَنْ حَقِّي .\rفَقَالَ عُمَرُ : اللَّهُ أَكْبَرُ ، عَتَقَ الْقَتِيلُ .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَفِي رِوَايَةٍ عَنْ زَيْدٍ ، قَالَ : دَخَلَ رَجُلٌ عَلَى امْرَأَتِهِ ، فَوَجَدَ عِنْدَهَا رَجُلًا ، فَقَتَلَهَا ، فَاسْتَعْدَى إخْوَتُهَا عُمَرَ ، فَقَالَ بَعْضُ إخْوَتِهَا : قَدْ تَصَدَّقْت .\rفَقَضَى لِسَائِرِهِمْ بِالدِّيَةِ .\rوَرَوَى قَتَادَةُ ، أَنَّ عُمَرَ رُفِعَ إلَيْهِ رَجُلٌ قَتَلَ رَجُلًا ، فَجَاءَ أَوْلَادُ الْمَقْتُولِ ، وَقَدْ عَفَا بَعْضُهُمْ ، فَقَالَ عُمَرُ لِابْنِ مَسْعُودٍ : مَا تَقُولُ ؟ قَالَ : إنَّهُ قَدْ أُحْرِزَ مِنْ الْقَتْلِ .\rفَضَرَبَ عَلَى كَتِفِهِ ، وَقَالَ : كَنِيفٌ مُلِئَ عِلْمًا .","part":19,"page":1},{"id":9001,"text":"وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْقِصَاصَ لِجَمِيعِ الْوَرَثَةِ ، مَا ذَكَرْنَاهُ فِي مَسْأَلَةِ الْقِصَاصِ بَيْنَ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ ، وَلِأَنَّ مِنْ وَرِثَ الدِّيَةَ وَرِثَ الْقِصَاصَ كَالْعُصْبَةِ ، فَإِذَا عَفَا بَعْضُهُمْ ، صَحَّ عَفْوُهُ ، كَعَفْوِهِ عَنْ سَائِرِ حُقُوقِهِ ، وَزَوَالُ الزَّوْجِيَّةِ لَا يَمْنَعُ اسْتِحْقَاقَ الْقِصَاصِ ، كَمَا لَمْ يَمْنَعْ اسْتِحْقَاقَ الدِّيَةِ ، وَسَائِرِ حُقُوقِهِ الْمَوْرُوثَةِ .\rوَمَتَى ثَبَتَ أَنَّهُ حَقٌّ مُشْتَرَكٌ بَيْن جَمِيعِهِمْ ، سَقَطَ بِإِسْقَاطِ مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْإِسْقَاطِ مِنْهُمْ ؛ لِأَنَّ حَقَّهُ مِنْهُ لَهُ ، فَيَنْفُذُ تَصَرُّفُهُ فِيهِ ، فَإِذَا سَقَطَ سَقَطَ جَمِيعُهُ ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا لَا يَتَبَعَّضُ ، كَالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ ، وَلِأَنَّ الْقِصَاصَ حَقٌّ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمْ لَا يَتَبَعَّضُ ، مَبْنَاهُ عَلَى الدَّرْءِ وَالْإِسْقَاطِ ، فَإِذَا أَسْقَطَ بَعْضُهُمْ ، سَرَى إلَى الْبَاقِي كَالْعِتْقِ ، وَالْمَرْأَةُ أَحَدُ الْمُسْتَحِقِّينَ ، فَسَقَطَ بِإِسْقَاطِهَا كَالرَّجُلِ .\rوَمَتَى عَفَا أَحَدُهُمْ ، فَلِلْبَاقِينَ حَقُّهُمْ مِنْ الدِّيَةِ سَوَاءٌ عَفَا مُطْلَقًا أَوْ إلَى الدِّيَةِ .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ .\rوَلَا أَعْلَمُ لَهُمَا مُخَالِفًا مِمَّنْ قَالَ بِسُقُوطِ الْقِصَاصِ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ حَقَّهُ مِنْ الْقِصَاصِ سَقَطَ بِغَيْرِ رِضَاهُ ، فَثَبَتَ لَهُ الْبَدَلُ كَمَا لَوْ وَرِثَ الْقَاتِلُ بَعْضَ دَمِهِ أَوْ مَاتَ ، وَلِمَا ذَكَرْنَا مِنْ خَبَرِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .","part":19,"page":2},{"id":9002,"text":"( 6751 ) فَصْلٌ : فَإِنْ قَتَلَهُ الشَّرِيكُ الَّذِي لَمْ يَعْفُ عَالِمًا بِعَفْوِ شَرِيكِهِ ، وَسُقُوطِ الْقِصَاصِ بِهِ ، فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ ، سَوَاءٌ حَكَمَ بِهِ الْحَاكِمُ أَوْ لَمْ يَحْكُمْ .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَبُو ثَوْرٍ .\rوَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ .\rوَقِيلَ : لَهُ قَوْلٌ آخَرُ ، لَا يَجِبُ الْقِصَاصُ ؛ لِأَنَّ لَهُ فِيهِ شُبْهَةً ، لِوُقُوعِ الْخِلَافِ وَلَنَا .\rأَنَّهُ قَتَلَ مَعْصُومًا مُكَافِئًا لَهُ عَمْدًا ، يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ فِيهِ ، فَوَجَبَ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ ، كَمَا لَوْ حَكَمَ بِالْعَفْوِ حَاكِمٌ ، وَالِاخْتِلَافُ لَا يُسْقِطُ الْقِصَاصَ ، فَإِنَّهُ لَوْ قَتَلَ مُسْلِمًا بِكَافِرٍ ، قَتَلْنَاهُ ، بِهِ مَعَ الِاخْتِلَافِ فِي قَتْلِهِ .\rوَأَمَّا إنْ قَتَلَهُ قَبْلَ الْعِلْمِ بِالْعَفْوِ ، فَلَا قِصَاصَ عَلَيْهِ .\rوَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ : عَلَيْهِ الْقِصَاصُ ؛ لِأَنَّهُ قَتْلٌ عَمْدٌ عُدْوَانٌ لِمَنْ لَا حَقَّ لَهُ فِي قَتْلِهِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ قَتَلَهُ مُعْتَقِدًا ثُبُوتَ حَقِّهِ فِيهِ ، مَعَ أَنَّ الْأَصْلَ بَقَاؤُهُ ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ قِصَاصٌ ، كَالْوَكِيلِ إذَا قَتَلَ بَعْدَ عَفْوِ الْمُوَكِّلِ قَبْلَ عِلْمِهِ بِعَفْوِهِ ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْحَاكِمُ قَدْ حَكَمَ بِالْعَفْوِ أَوْ لَمْ يَحْكُمْ بِهِ ؛ لِأَنَّ الشُّبْهَةَ مَوْجُودَةٌ مَعَ انْتِفَاءِ الْعِلْمِ مَعْدُومَةٌ عِنْدَ وُجُودِهِ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : مَتَى قَتَلَهُ بَعْدَ حُكْمِ الْحَاكِمِ ، لَزِمَهُ الْقِصَاصُ ، عَلِمَ بِالْعَفْوِ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ .\rوَقَدْ بَيَّنَّا الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا .\rوَمَتَى حَكَمْنَا عَلَيْهِ بِوُجُوبِ الدِّيَةِ ؛ إمَّا لِكَوْنِهِ مَعْذُورًا ، وَإِمَّا لِلْعَفْوِ عَنْ الْقِصَاصِ ، فَإِنَّهُ يَسْقُطُ عَنْهُ مِنْهَا مَا قَابَلَ حَقَّهُ عَلَى الْقَاتِلِ قِصَاصًا ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ الْبَاقِي ، فَإِنْ كَانَ الْوَلِيُّ عَفَا إلَى غَيْرِ مَالٍ ، فَالْوَاجِبُ لِوَرَثَةِ الْقَاتِلِ ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِمْ ، وَإِنْ كَانَ عَفَا إلَى الدِّيَةِ ، فَالْوَاجِبُ لِوَرَثَةِ الْقَاتِلِ ، وَعَلَيْهِمْ نَصِيبُ الْعَافِي مِنْ الدِّيَةِ .\rوَقِيلَ فِيهِ :","part":19,"page":3},{"id":9003,"text":"إنَّ حَقَّ الْعَافِي ، مِنْ الدِّيَةِ عَلَى الْقَاتِلِ .\rلَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَمْ يَبْقَ مُتَعَلِّقًا بِعَيْنِهِ ، وَإِنَّمَا الدِّيَةُ وَاجِبَةٌ فِي ذِمَّتِهِ ، فَلَمْ تَنْتَقِلْ إلَى الْقَاتِلِ ، كَمَا لَوْ قَتَلَ غَرِيمَهُ .","part":19,"page":4},{"id":9004,"text":"( 6752 ) فَصْلٌ : فَإِنْ كَانَ الْقَاتِلُ هُوَ الْعَافِي ، فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ سَوَاءٌ عَفَا مُطْلَقًا أَوْ إلَى مَالٍ .\rوَبِهَذَا قَالَ عِكْرِمَةُ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ .\rوَرُوِيَ عَنْ الْحَسَنِ : تُؤْخَذْ مِنْهُ الدِّيَةُ ، وَلَا يُقْتَلُ .\rوَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ : الْحُكْمُ فِيهِ إلَى السُّلْطَانِ .\rوَلَنَا ، قَوْله تَعَالَى : { فَمَنْ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ } .\rقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَعَطَاءٌ ، وَالْحَسَنُ ، وَقَتَادَةُ فِي تَفْسِيرِهَا : أَيْ بَعْدَ أَخْذِهِ الدِّيَةَ .\rوَعَنْ الْحَسَنِ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا أُعْفِي مَنْ قَتَلَ بَعْدَ أَخْذِهِ الدِّيَةَ } .\rوَلِأَنَّهُ قَتَلَ مَعْصُومًا مُكَافِئًا ، فَوَجَبَ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ ، كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ قَتَلَ .","part":19,"page":5},{"id":9005,"text":"( 6753 ) فَصْلٌ : وَإِذَا عَفَا عَنْ الْقَاتِلِ مُطْلَقًا ، صَحَّ ، وَلَمْ تَلْزَمْهُ عُقُوبَةٌ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ ، وَأَبُو ثَوْرٍ .\rوَقَالَ مَالِكٌ ، وَاللَّيْثُ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ : يُضْرَبُ ، وَيُحْبَسُ سَنَةً .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ ، إنَّمَا كَانَ عَلَيْهِ حَقٌّ وَاحِدٌ ، وَقَدْ أَسْقَطَهُ مُسْتَحِقُّهُ ، فَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ شَيْءٌ آخَرُ ، كَمَا لَوْ أَسْقَطَ الدِّيَةَ عَنْ الْقَاتِلِ خَطَأً .","part":19,"page":6},{"id":9006,"text":"( 6754 ) فَصْلٌ : وَإِذَا وَكَّلَ مَنْ يَسْتَوْفِي الْقِصَاصَ ، صَحَّ تَوْكِيلُهُ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، رَحِمَهُ اللَّهُ .\rفَإِنْ وَكَّلَهُ ، ثُمَّ غَابَ ، وَعَفَا عَنْ الْقِصَاصِ ، وَاسْتَوْفَى الْوَكِيلُ ، نَظَرْنَا ؛ فَإِنْ كَانَ عَفْوُهُ بَعْدَ الْقَتْلِ ، لَمْ يَصِحَّ ؛ لِأَنَّ حَقَّهُ قَدْ اسْتَوْفِي ، وَإِنْ كَانَ قَتَلَهُ وَقَدْ عَلِمَ الْوَكِيلُ بِهِ ، فَقَدْ قَتَلَهُ ظُلْمًا ، فَعَلَيْهِ الْقَوَدُ ، كَمَا لَوْ قَتَلَهُ ابْتِدَاءً .\rوَإِنْ قَتَلَهُ قَبْلَ الْعِلْمِ بِعَفْوِ الْمُوَكِّلِ .\rفَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : لَا ضَمَانَ عَلَى الْوَكِيلِ ؛ لِأَنَّهُ لَا تَفْرِيطَ مِنْهُ ، فَإِنَّ الْعَفْوَ حَصَلَ عَلَى وَجْهٍ لَا يُمَكِّنُ الْوَكِيلَ اسْتِدْرَاكَهُ ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ ضَمَانٌ ، كَمَا لَوْ عَفَا بَعْدَ مَا رَمَاهُ .\rوَهَلْ يَلْزَمُ الْمُوَكِّلَ الضَّمَانُ ؟ فِيهِ قَوْلَانِ ؛ أَحَدُهُمَا : لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ عَفْوَهُ غَيْرُ صَحِيحٍ ، لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ حُصُولِهِ فِي حَالٍ لَا يُمْكِنُهُ اسْتِدْرَاكُ الْفِعْلِ ، فَوَقَعَ الْقَتْلُ مُسْتَحَقًّا لَهُ ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ ضَمَانٌ ؛ وَلِأَنَّ الْعَفْوَ إحْسَانٌ ، فَلَا يَقْتَضِي وُجُوبَ الضَّمَانِ .\rوَالثَّانِي ، عَلَيْهِ الضَّمَانُ ؛ لِأَنَّ قَتْلَ الْمَعْفُوِّ عَنْهُ حَصَلَ بِأَمْرِهِ وَتَسْلِيطِهِ ، عَلَى وَجْهٍ لَا ذَنْبَ لِلْمُبَاشِرِ فِيهِ ، فَكَانَ الضَّمَانُ عَلَى الْآمِرِ ، كَمَا لَوْ أَمَرَ عَبْدَهُ الْأَعْجَمِيَّ بِقَتْلِ مَعْصُومٍ .\rوَقَالَ غَيْرُ أَبِي بَكْرٍ : فِي صِحَّةِ الْعَفْوِ وَجْهَانِ ؛ بِنَاءً عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي الْوَكِيلِ ، هَلْ يَنْعَزِلُ بِعَزْلِ الْمُوَكِّلِ أَوْ لَا ؟ وَلِلشَّافِعَيَّ قَوْلَانِ ، كَالْوَجْهَيْنِ .\rفَإِنْ قُلْنَا : لَا يَصِحُّ الْعَفْوُ فَلَا ضَمَانَ عَلَى أَحَدٍ ؛ لِأَنَّهُ قَتَلَ مَنْ يَجِبُ قَتْلُهُ بِأَمْرٍ يَسْتَحِقُّهُ .\rوَإِنْ قُلْنَا : يَصِحُّ الْعَفْوُ .\rفَلَا قِصَاصَ فِيهِ ؛ لِأَنَّ الْوَكِيلَ قَتَلَ مَنْ يَعْتَقِدُ إبَاحَةَ قَتْلِهِ بِسَبَبٍ هُوَ مَعْذُورٌ فِيهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَتَلَ فِي دَارِ الْحَرْبِ مَنْ يَعْتَقِدُهُ حَرْبِيًّا .\rوَتَجِبُ الدِّيَةُ عَلَى الْوَكِيلِ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ عَلِمَ لَوَجَبَ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ ،","part":19,"page":7},{"id":9007,"text":"فَإِذَا لَمْ يَعْلَمْ تَعَلَّقَ بِهِ الضَّمَانُ ، كَمَا لَوْ قَتَلَ مُرْتَدًّا قَدْ أَسْلَمَ قَبْلَ عِلْمِهِ بِإِسْلَامِهِ ، وَيَرْجِعُ بِهَا عَلَى الْمُوَكِّلِ ؛ لِأَنَّهُ غَرَّهُ بِتَسْلِيطِهِ عَلَى الْقَتْلِ بِتَفْرِيطِهِ فِي تَرْكِ إعْلَامِهِ بِالْعَفْوِ ، فَيَرْجِعُ عَلَيْهِ ، كَالْغَارِ فِي النِّكَاحِ بِحُرِّيَّةِ أُمِّهِ ، أَوْ تَزَوُّجِ مَعِيبَةٍ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَرْجِعَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ الْعَفْوَ إحْسَانٌ مِنْهُ ، فَلَا يَقْتَضِي الرُّجُوعَ عَلَيْهِ .\rفَعَلَى هَذَا ، تَكُونُ الدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَةِ الْوَكِيلِ .\rوَهَذَا اخْتِيَارُ أَبِي الْخَطَّابِ ؛ لِأَنَّ هَذَا جَرَى مَجْرَى الْخَطَأِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَتَلَ فِي دَارِ الْحَرْبِ مُسْلِمًا يَعْتَقِدُهُ حَرْبِيًّا .\rوَقَالَ الْقَاضِي : هُوَ فِي مَالِ الْوَكِيلِ ؛ لِأَنَّهُ عَنْ عَمْدٍ مَحْضٍ .\rوَهَذَا لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ عَمْدًا مَحْضًا لَأَوْجَبَ الْقِصَاصَ ، وَلِأَنَّهُ يَشْتَرِطُ فِي الْعَمْدِ الْمَحْضِ أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِحَالِ الْمَحَلِّ ، وَكَوْنِهِ مَعْصُومًا ، وَلَمْ يُوجَدْ هَذَا .\rوَإِنْ قَالَ : هُوَ عَمْدُ الْخَطَأِ .\rفَعَمْدُ الْخَطَأِ تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ .\rذَكَرَهُ الْخِرَقِيِّ وَدَلَّ عَلَيْهِ خَبَرُ الْمَرْأَةِ الَّتِي قَتَلَتْ جَارِيَتهَا وَجَنِينَهَا بِمُسَطَّحِ ، فَقَضَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالدِّيَةِ عَلَى عَاقِلَتِهَا ، وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ عَلَى هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ ، فَعَلَى قَوْلِ الْقَاضِي ، إنْ كَانَ الْمُوَكِّلُ عَفَا إلَى الدِّيَةِ ، فَلَهُ الدِّيَةُ فِي تَرِكَةِ الْجَانِي ، وَلِوَرَثَةِ الْجَانِي مُطَالَبَةُ الْوَكِيلِ بِدِيَتِهِ ، وَلَيْسَ لِلْمُوَكِّلِ مُطَالَبَةُ الْوَكِيلِ بِشَيْءٍ .\rفَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ قُلْتُمْ فِيمَا إذَا كَانَ الْقِصَاصُ لِأَخَوَيْنِ فَقَتَلَهُ أَحَدُهُمَا فَعَلَيْهِ نِصْفُ الدِّيَةِ ، وَلِأَخِيهِ مُطَالَبَتُهُ بِهِ ، فِي وَجْهٍ .\rقُلْنَا : ثُمَّ أَتْلَفَ حَقَّهُ ، فَرَجَعَ بِبَدَلِهِ عَلَيْهِ ، وَهَا هُنَا أَتْلَفَهُ بَعْدَ سُقُوطِ حَقِّ الْمُوَكِّلِ عَنْهُ ، فَافْتَرَقَا .\rوَإِنْ قُلْنَا : إنَّ الْوَكِيلَ يَرْجِعُ عَلَى الْمُوَكِّلِ .\rاحْتَمَلَ أَنْ تَسْقُطَ","part":19,"page":8},{"id":9008,"text":"الدِّيَتَانِ ؛ لِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِي أَنْ يَأْخُذَهَا الْوَرَثَةُ مِنْ الْوَكِيلِ ، ثُمَّ يَدْفَعُونَهَا إلَى الْمُوَكِّلِ ، ثُمَّ يَرُدُّهَا الْمُوَكِّلُ إلَى الْوَكِيلِ ، فَيَكُونُ تَكْلِيفًا لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِغَيْرِ فَائِدَةٍ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يَجِبَ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الدِّيَةَ الْوَاجِبَةَ فِي ذِمَّةِ الْوَكِيلِ لِغَيْرِ مِنْ لِلْوَكِيلِ الرُّجُوعُ عَلَيْهِ ، وَإِنَّمَا تَتَسَاقَطُ الدِّيَتَانِ إذَا كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْغَرِيمَيْنِ عَلَى صَاحِبِهِ مِثْلُ مَا لَهُ عَلَيْهِ ، وَلِأَنَّهُ قَدْ تَكُونُ الدِّيَتَانِ مُخْتَلِفَتَيْنِ ، بِأَنْ يَكُونَ أَحَدُ الْمَقْتُولَيْنِ رَجُلًا وَالْآخَرُ امْرَأَةً ، فَعَلَى هَذَا يَأْخُذُ وَرَثَةُ الْجَانِي دِيَتَهُ مِنْ الْوَكِيلِ ، وَيَدْفَعُونَ إلَى الْمُوَكِّلِ دِيَةَ وَلِيِّهِ ، ثُمَّ يَرُدُّ الْمُوَكِّلُ إلَى الْوَكِيلِ قَدْرَ مَا غَرِمَهُ ، وَإِنْ أَحَالَ وَرَثَةُ الْجَانِي الْمُوَكِّلَ عَلَى الْوَكِيلِ بِدِيَةِ وَلِيِّهِمْ ، صَحَّ فَإِنْ كَانَ الْجَانِي أَقَلَّ دِيَةً ، مِثْلَ أَنْ تَكُونَ امْرَأَةٌ قَتَلَتْ رَجُلًا ، فَقَتَلَهَا الْوَكِيلُ ، فَلِوَرَثَتِهَا إحَالَةُ الْمُوَكَّلِ بِدِيَتِهَا ؛ لِأَنَّهُ الْقَدْرُ الْوَاجِبُ لَهُمْ عَلَى الْوَكِيلِ ، فَيَسْقُطُ عَنْ الْوَكِيلِ وَالْمُوَكِّلِ جَمِيعًا ، وَيَرْجِعُ الْمُوَكِّلُ عَلَى وَرَثَتِهَا بِنِصْفِ دِيَةِ وَلِيِّهِ ، وَإِنْ كَانَ الْجَانِي رَجُلًا قَتَلَ امْرَأَةً ، فَقَتَلَهُ الْوَكِيلُ ، فَلِوَرَثَةِ الْجَانِي إحَالَةُ الْمُوَكِّلِ بِدِيَةِ الْمَرْأَةِ ؛ لِأَنَّ الْمُوَكِّلَ لَا يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِمْ أَكْثَرَ مِنْ دِيَتِهَا ، وَيُطَالِبُونَ الْوَكِيلَ بِنِصْفِ دِيَةِ الْجَانِي ، ثُمَّ يَرْجِعُ بِهِ عَلَى الْمُوَكِّلِ .","part":19,"page":9},{"id":9009,"text":"فَصْلٌ : وَإِذَا جَنَى عَلَى الْإِنْسَانِ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ جِنَايَةً تُوجِبُ الْقِصَاصَ ، فَعَفَا عَنْ الْقِصَاصِ ، ثُمَّ سَرَتْ الْجِنَايَةُ إلَى نَفْسِهِ ، فَمَاتَ ، لَمْ يَجِبْ الْقِصَاصُ .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ .\rوَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ ، أَنَّ الْقِصَاصَ وَاجِبٌ ؛ لِأَنَّ الْجِنَايَةَ صَارَتْ نَفْسًا ، وَلَمْ يَعْفُ عَنْهَا .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ يَتَعَذَّرُ اسْتِيفَاءُ الْقِصَاصِ فِي النَّفْسِ دُونَ مَا عَفَا عَنْهُ ، فَسَقَطَ فِي النَّفْسِ ، كَمَا لَوْ عَفَا بَعْضُ الْأَوْلِيَاءِ ، وَلِأَنَّ الْجِنَايَةَ إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا قِصَاصٌ مَعَ إمْكَانِهِ ، لَمْ يَجِبْ فِي سِرَايَتهَا ، كَمَا لَوْ قَطَعَ يَدَ مُرْتَدٍّ ثُمَّ أَسْلَمَ ثُمَّ مَاتَ مِنْهَا نَظَرْنَا ، فَإِنْ كَانَ عَفَا عَلَى مَالٍ ، فَلَهُ الدِّيَةُ كَامِلَةً ، وَإِنْ عَفَا عَلَى غَيْرِ مَالٍ ، وَجَبَتْ الدِّيَةُ إلَّا أَرْشَ الْجُرْحِ الَّذِي عَفَا عَنْهُ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ تَجِبُ الدِّيَةُ كَامِلَةً ؛ لِأَنَّ الْجِنَايَةَ صَارَتْ نَفْسًا ، وَحَقُّهُ فِي النَّفْسِ لَا فِيمَا عَفَا عَنْهُ ، وَإِنَّمَا سَقَطَ الْقِصَاصُ لِلشُّبْهَةِ .\rوَإِنْ قَالَ : عَفَوْت عَنْ الْجِنَايَةِ .\rلَمْ يَجِبْ شَيْءٌ ؛ لِأَنَّ الْجِنَايَةَ لَا تَخْتَصُّ بِالْقَطْعِ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : فِيمَا إذَا عَفَا عَنْ الْقَطْعِ : ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ لَا يَجِبُ شَيْءٌ .\rوَبِهِ قَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ ؛ لِأَنَّهُ قَطْعٌ غَيْرُ مَضْمُونٍ ، فَكَذَلِكَ سِرَايَتُهُ .\rوَلَنَا ، أَنَّهَا سِرَايَةُ جِنَايَةٍ أَوْجَبَتْ الضَّمَانَ ، فَكَانَتْ مَضْمُونَةً ، كَمَا لَوْ لَمْ يَعْفُ ، وَإِنَّمَا سَقَطَتْ دِيَتُهَا بِعَفْوِهِ عَنْهَا ، فَيَخْتَصُّ السُّقُوطُ بِمَا عَفَا عَنْهُ دُونَ غَيْرِهِ ، وَالْمَعْفُوُّ عَنْهُ نِصْفُ الدِّيَةِ ؛ لِأَنَّ الْجِنَايَةَ أَوْجَبَتْ نِصْفَ الدِّيَةِ ، فَإِذَا عَفَا ، سَقَطَ مَا وَجَبَ دُونَ مَا لَمْ يَجِبْ ، فَإِذَا صَارَتْ نَفْسًا ، وَجَبَ بِالسِّرَايَةِ نِصْفُ الدِّيَةِ ، وَلَمْ يَسْقُطْ أَرْشُ الْجُرْحِ فِيمَا إذَا لَمْ يَعْفُ ، وَإِنَّمَا تَكَمَّلْت الدِّيَةُ بِالسِّرَايَةِ .","part":19,"page":10},{"id":9010,"text":"( 6756 ) فَصْلٌ : فَإِنْ كَانَ الْجُرْحُ لَا قِصَاصَ فِيهِ ، كَالْجَائِفَةِ ، وَنَحْوِهَا ، فَعَفَا عَنْ الْقِصَاصِ فِيهِ ، فَسَرَى إلَى النَّفْسِ ، فَلِوَلِيِّهِ الْقِصَاصُ ؛ لِأَنَّ الْقِصَاصَ لَمْ يَجِبْ فِي الْجُرْحِ ، فَلَمْ يَصِحَّ الْعَفْوُ عَنْهُ ، وَإِنَّمَا وَجَبَ الْقِصَاصُ بَعْدَ عَفْوِهِ ، وَلَهُ الْعَفْوُ عَنْ الْقِصَاصِ ، وَلَهُ كَمَالُ الدِّيَةِ .\rوَإِنْ عَفَا عَنْ دِيَةِ الْجُرْحِ ، صَحَّ ، وَلَهُ بَعْدَ السِّرَايَةِ دِيَةُ النَّفْسِ إلَّا أَرْشَ الْجُرْحِ .\rوَلَا يَمْتَنِعُ وُجُوبُ الْقِصَاصِ فِي النَّفْسِ ، مَعَ أَنَّهُ لَا يَجِبُ كَمَالُ الدِّيَةِ بِالْعَفْوِ عَنْهُ ، كَمَا لَوْ قَطَعَ يَدًا ، فَانْدَمَلَتْ وَاقْتَصَّ مِنْهَا ، ثُمَّ انْتَقَضَتْ وَسَرَتْ إلَى النَّفْسِ ، فَلَهُ الْقِصَاصُ فِي النَّفْسِ ، وَلَيْسَ لَهُ الْعَفْوُ إلَّا عَلَى نِصْفِ الدِّيَةِ .\rوَإِنْ قَطَعَ يَدَهُ مِنْ نِصْفِ السَّاعِدِ ، فَعَفَا عَنْ الْقِصَاصِ ، ثُمَّ سَرَى فَعَلَى قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ ، لَا يَسْقُطُ الْقِصَاصُ فِي النَّفْسِ ؛ لِأَنَّ الْقِصَاصَ لَمْ يَجِبْ ، فَهُوَ كَالْجَائِفَةِ .\rوَمَنْ جَوَّزَ لَهُ الْقِصَاصَ مِنْ الْكُوعِ ، أَسْقَطَ الْقِصَاصَ فِي النَّفْسِ ، كَمَا لَوْ كَانَ الْقَطْعُ مِنْ الْكُوعِ .\rوَقَالَ الْمُزَنِيّ : لَا يَصِحُّ الْعَفْوُ عَنْ دِيَةِ الْجُرْحِ قَبْلَ انْدِمَالِهِ ، فَلَوْ قَطَعَ يَدًا ، فَعَفَا عَنْ دِيَتِهَا وَقِصَاصِهَا ، ثُمَّ انْدَمَلَتْ ، لَمْ تَسْقُطْ دِيَتُهَا ، وَسَقَطَ قِصَاصُهَا ؛ لِأَنَّ الْقِصَاصَ قَدْ وَجَبَ فِيهَا ، فَصَحَّ الْعَفْوُ عَنْهُ ، بِخِلَافِ الدِّيَةِ .\rوَلَيْسَ بِصَحِيحِ ؛ لِأَنَّ دِيَةَ الْجُرْحِ إنَّمَا وَجَبَتْ بِالْجِنَايَةِ ، إذْ هِيَ السَّبَبُ ، وَلِهَذَا لَوْ جَنَى عَلَى طَرَفِ عَبْدٍ ثُمَّ بَاعَهُ قَبْلَ بُرْئِهِ ، كَانَ أَرْشُ الطَّرَفِ لِبَائِعِهِ لَا لِمُشْتَرِيهِ ، وَتَأْخِيرُ الْمُطَالَبَةِ بِهِ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ عَدَمُ الْوُجُوبِ ، وَامْتِنَاعُ صِحَّةِ الْعَفْوِ ، كَالدَّيْنِ الْمُؤَجَّلِ لَا تُمْلَكُ الْمُطَالَبَةُ بِهِ ، وَيَصِحُّ الْعَفْوُ عَنْهُ ، كَذَا هَاهُنَا .","part":19,"page":11},{"id":9011,"text":"( 6757 ) فَصْلٌ : فَإِنْ قَطَعَ يَدَهُ ، فَعَفَا عَنْهُ ، ثُمَّ عَادَ الْجَانِي فَقَتَلَهُ فَلِوَلِيِّهِ الْقِصَاصُ .\rوَهَذَا ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ بَعْضِهِمْ : لَا قِصَاصَ ؛ لِأَنَّ الْعَفْوَ حَصَلَ عَنْ بَعْضِهِ ، فَلَا يُقْتَلُ بِهِ ، كَمَا لَوْ سَرَى الْقَطْعُ إلَى نَفْسِهِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الْقَتْلَ انْفَرَدَ عَنْ الْقَطْعِ ، فَعَفْوُهُ عَنْ الْقَطْعِ لَا يَمْنَعُ مَا يَلْزَمُ بِالْقَتْلِ ، كَمَا لَوْ كَانَ الْقَاطِعُ غَيْرَهُ .\rوَإِنْ اخْتَارَ الدِّيَةَ ، فَقَالَ الْقَاضِي : إنْ كَانَ الْعَفْوُ عَنْ الطَّرَفِ إلَى غَيْرِ دِيَةٍ ، فَلَهُ بِالْقَتْلِ نِصْفُ الدِّيَةِ .\rوَهُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ ، وَلِأَنَّ الْقَتْلَ إذَا تَعَقَّبَ الْجِنَايَةَ قَبْلَ الِانْدِمَالِ ، كَانَ كَالسِّرَايَةِ ، وَلِذَلِكَ لَوْ لَمْ يَعْفُ لَمْ يَجِبْ أَكْثَرُ مِنْ دِيَةٍ ، وَالْقَطْعُ يَدْخُلُ فِي الْقَتْلِ فِي الدِّيَةِ دُونَ الْقِصَاصِ ؛ وَلِذَلِكَ لَوْ أَرَادَ الْقِصَاصَ كَانَ لَهُ أَنْ يَقْطَعَ ثُمَّ يَقْتُلَ ، وَلَوْ صَارَ الْأَمْرُ إلَى الدِّيَةِ لَمْ يَجِبْ إلَّا دِيَةٌ وَاحِدَةٌ .\rوَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : لَهُ الْعَفْوُ إلَى دِيَةٍ كَامِلَةٍ .\rوَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ الْقَطْعَ مُنْفَرِدٌ عَنْ الْقَتْلِ ، فَلَمْ يَدْخُلْ حُكْمُ أَحَدِهِمَا فِي الْآخَرِ ، كَمَا لَوْ انْدَمَلَ ، وَلِأَنَّ الْقَتْلَ مُوجِبٌ لِلْقَتْلِ ، فَأَوْجَبَ الدِّيَةَ كَامِلَةً ، كَمَا لَوْ لَمْ يَتَقَدَّمْهُ عَفْوٌ .\rوَفَارَقَ السِّرَايَةَ ، فَإِنَّهَا لَمْ تُوجِبْ قَتْلًا ، وَلِأَنَّ السِّرَايَةَ عُفِيَ عَنْ سَبَبِهَا ، وَالْقَتْلُ لَمْ يُعْفَ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ ، وَلَا عَنْ سَبَبِهِ ، سَوَاءٌ فِيمَا ذَكَرْنَا كَانَ الْعَافِي عَنْ الْجُرْحِ أَخَذَ دِيَةَ طَرَفِهِ أَوْ لَمْ يَأْخُذْهَا .","part":19,"page":12},{"id":9012,"text":"( 6758 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَطَعَ إصْبَعًا ، فَعَفَا الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ عَنْ الْقِصَاصِ ، ثُمَّ سَرَتْ الْجِنَايَةُ إلَى الْكَفِّ ، ثُمَّ انْدَمَلَ الْجُرْحُ ، لَمْ يَجِبْ الْقِصَاصُ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا فِي النَّفْسِ ، وَلِأَنَّ الْقِصَاصَ سَقَطَ فِي الْإِصْبَعِ بِالْعَفْوِ ، فَصَارَتْ الْيَدُ نَاقِصَةً لَا تُؤْخَذُ بِهَا الْكَامِلَةُ .\rثُمَّ إنْ كَانَ الْعَفْوُ إلَى الدِّيَةِ ، وَجَبَتْ دِيَةُ الْيَدِ كُلُّهَا ، وَإِنْ كَانَ عَلَى غَيْرِ مَالٍ ، خُرِجَ فِيهِ مِنْ الْخِلَافِ مَا ذَكَرْنَا فِيمَا إذَا قَطَعَ يَدًا فَعَفَا الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ ، ثُمَّ سَرَى إلَى نَفْسِهِ .\rفَعَلَى هَذَا ، تَجِبُ هَاهُنَا دِيَةُ الْكَفِّ إلَّا دِيَةَ الْإِصْبَعِ .\rذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ ، أَنْ لَا يَجِبُ شَيْءٌ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ ؛ لِأَنَّ الْعَفْوَ عَنْ الْجِنَايَةِ عَفْوٌ عَمَّا يَحْدُثُ مِنْهَا ، وَقَدْ قَالَ الْقَاضِي : إنَّ الْقِيَاسَ فِيمَا إذَا قَطَعَ الْيَدَ ، ثُمَّ سَرَى إلَى النَّفْسِ ، أَنْ يَجِبَ نِصْفُ الدِّيَةِ ، فَيَلْزَمُهُ أَنْ يَقُولَ مِثْلَ ذَلِكَ هَاهُنَا .\r.","part":19,"page":13},{"id":9013,"text":"( 6759 ) فَصْلٌ : فَإِنْ قَالَ : عَفَوْت عَنْ الْجِنَايَةِ ، وَمَا يَحْدُثُ مِنْهَا ، صَحَّ عَفْوُهُ ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ فِي سِرَايَتِهَا قِصَاصٌ وَلَا دِيَةٌ فِي ظَاهِرِ كَلَامِ أَحْمَدَ .\rوَسَوَاءٌ عَفَا بِلَفْظِ الْعَفْوِ أَوْ الْوَصِيَّةِ ، وَمِمَّنْ قَالَ بِصِحَّةِ عَفْوِ الْمَجْرُوحِ عَنْ دَمِهِ ؛ مَالِكٌ ، وَطَاوُسٌ ، وَالْحَسَنُ ، وَقَتَادَةُ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ : إذَا قَالَ : عَفَوْت عَنْ الْجِنَايَةِ ، وَمَا يَحْدُثُ مِنْهَا .\rفَفِيهِ قَوْلَانِ ؛ أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ وَصِيَّةٌ ، فَيُبْنَى عَلَى الْوَصِيَّةِ لِلْقَاتِلِ ، وَفِيهَا قَوْلَانِ ؛ أَحَدُهُمَا : لَا يَصِحُّ ، فَتَجِبُ دِيَةُ النَّفْسِ إلَّا دِيَةَ الْجُرْحِ .\rوَالثَّانِي ، يَصِحُّ ، فَإِنْ خَرَجَتْ مِنْ الثُّلُثِ سَقَطَ ، وَإِلَّا سَقَطَ مِنْهَا مَا خَرَجَ مِنْ الثُّلُثِ ، وَوَجَبَ الْبَاقِي .\rوَالْقَوْلُ الثَّانِي ، لَيْسَ بِوَصِيَّةِ ؛ لِأَنَّهُ إسْقَاطٌ فِي الْحَيَاةِ ، فَلَا يَصِحُّ ، وَتَلْزَمُهُ دِيَةُ النَّفْسِ إلَّا دِيَةَ الْجُرْحِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ أَسْقَطَ حَقَّهُ بَعْدَ انْعِقَادِ سَبَبِهِ ، فَسَقَطَ ، كَمَا لَوْ أَسْقَطَ الشُّفْعَةَ بَعْدَ الْبَيْعِ ، إذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ الثُّلُثِ أَوْ لَمْ يَخْرُجْ ؛ لِأَنَّ مُوجِبَ الْعَمْدِ الْقَوَدُ ، فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ ، أَوْ أَحَدُ شَيْئَيْنِ ، فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى ، فَمَا تَعَيَّنَتْ الدِّيَةُ ، وَلَا تَعَيَّنَتْ الْوَصِيَّةُ بِمَالٍ ، ؛ وَلِذَلِكَ صَحَّ الْعَفْوُ مِنْ الْمُفْلِسِ إلَى غَيْرِ مَالٍ .\rوَأَمَّا جِنَايَةُ الْخَطَأِ ، فَإِذَا عَفَا عَنْهَا وَعَمَّا يَحْدُثُ مِنْهَا ، اُعْتُبِرَ خُرُوجُهَا مِنْ الثُّلُثِ ، سَوَاءٌ عَفَا بِلَفْظِ الْعَفْوِ أَوْ الْوَصِيَّةِ أَوْ الْإِبْرَاءِ أَوْ غَيْرِهَا ، فَإِنْ خَرَجَتْ مِنْ الثُّلُثِ ، صَحَّ عَفْوُهُ فِي الْجَمِيعِ ، وَإِنْ لَمْ تَخْرُجْ مِنْ الثُّلُثِ ، سَقَطَ عَنْهُ مِنْ دِيَتِهَا مَا احْتَمَلَهُ الثُّلُثُ .\rوَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَنَحْوَهُ قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ هَاهُنَا بِمَالٍ .","part":19,"page":14},{"id":9014,"text":"( 6760 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَطَعَ إصْبَعًا ، فَعَفَا الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ عَنْ الْقِصَاصِ ، ثُمَّ سَرَتْ الْجِنَايَةُ إلَى الْكَفِّ ، ثُمَّ انْدَمَلَ الْجُرْحُ فَصْلٌ : وَإِنْ قَطَعَ إصْبَعًا ، فَعَفَا الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ عَنْ الْقِصَاصِ ، ثُمَّ سَرَتْ الْجِنَايَةُ إلَى الْكَفِّ ، ثُمَّ انْدَمَلَ الْجُرْحُ فَصْلٌ : فَإِنْ اخْتَلَفَ الْجَانِي وَالْوَلِيُّ أَوْ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ .\r، فَقَالَ الْجَانِي : عَفَوْت مُطْلَقًا .\rوَقَالَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ : بَلْ عَفَوْت إلَى مَالٍ .\rأَوْ قَالَ : عَفَوْت عَنْ الْجِنَايَةِ وَمَا يَحْدُثُ مِنْهَا .\rقَالَ : بَلْ عَفَوْت عَنْهَا دُونَ مَا يَحْدُثُ مِنْهَا .\rفَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ أَوْ وَلِيِّهِ إنْ كَانَ الْخِلَافُ مَعَهُ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْعَفْوِ عَنْ الْجَمِيعِ ، وَقَدْ ثَبَتَ الْعَفْوُ عَنْ الْبَعْضِ بِإِقْرَارِهِ ، فَيَكُونُ الْقَوْلُ فِي عَدَمِ سُقُوطِهِ قَوْلَهُ .\r.","part":19,"page":15},{"id":9015,"text":"( 6761 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَإِذَا اشْتَرَكَ الْجَمَاعَةُ فِي الْقَتْلِ ، فَأَحَبَّ الْأَوْلِيَاءُ أَنْ يَقْتُلُوا الْجَمِيعَ ، فَلَهُمْ ذَلِكَ ، وَإِنْ أَحَبُّوا أَنْ يَقْتُلُوا الْبَعْضَ ، وَيَعْفُوا عَنْ الْبَعْضِ ، وَيَأْخُذُوا الدِّيَةَ مِنْ الْبَاقِينَ ، فَلَهُمْ ذَلِكَ ) أَمَّا قَتْلُهُمْ لِلْجَمِيعِ ، فَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِيمَا مَضَى ، وَأَمَّا إنْ أَحَبُّوا قَتْلَ الْبَعْضِ فَلَهُمْ ذَلِكَ ، لِأَنَّ كُلَّ مَنْ لَهُمْ قَتْلُهُ فَلَهُمْ الْعَفْوُ عَنْهُ ، كَالْمُنْفَرِدِ ، وَلَا يَسْقُطُ الْقِصَاصُ عَنْ الْبَعْضِ بِعَفْوِ الْبَعْضِ ؛ لِأَنَّهُمَا شَخْصَانِ ، فَلَا يَسْقُطُ الْقِصَاصُ عَنْ أَحَدِهِمَا بِإِسْقَاطِهِ عَنْ الْآخَرِ ، كَمَا لَوْ قَتَلَ كُلُّ وَاحِدٍ رَجُلًا .\rوَأَمَّا إذَا اخْتَارُوا أَخْذَ الدِّيَةِ مِنْ الْقَاتِلِ ، أَوْ مِنْ بَعْضِ الْقَتَلَةِ ، فَإِنَّ لَهُمْ هَذَا مِنْ غَيْرِ رِضَى الْجَانِي .\rوَبِهَذَا قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ، وَابْنُ سِيرِينَ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَعَطَاءٌ ، وَمُجَاهِدٌ وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ .\rوَقَالَ النَّخَعِيُّ وَمَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ : لَيْسَ لِلْأَوْلِيَاءِ إلَّا الْقَتْلُ ، إلَّا أَنْ يَصْطَلِحَا عَلَى الدِّيَةِ بِرِضَى الْجَانِي .\rوَعَنْ مَالِكٍ رِوَايَةٌ أُخْرَى ، كَقَوْلِنَا ، وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاصُ } .\rوَالْمَكْتُوبُ لَا يَتَخَيَّر فِيهِ ، وَلِأَنَّهُ مُتْلَفٌ يَجِبُ بِهِ الْبَدَلُ ، فَكَانَ بَدَلُهُ مُعَيَّنًا ، كَسَائِرِ أَبْدَالِ الْمُتْلَفَاتِ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إلَيْهِ بِإِحْسَانٍ } .\rقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : كَانَ فِي بَنِي إسْرَائِيلَ الْقِصَاصُ ، وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ الدِّيَةُ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةُ : { كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى } .\rالْآيَة ، { فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ } .\rفَالْعَفْوُ أَنْ تُقْبَلَ فِي الْعَمْدِ الدِّيَةُ { فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ } يَتْبَعُ الطَّالِبُ بِالْمَعْرُوفِ ، وَيُؤَدِّي إلَيْهِ الْمَطْلُوبُ { بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ","part":19,"page":16},{"id":9016,"text":"وَرَحْمَةٌ } .\rمِمَّا كَتَبَ عَلَى مَنْ قَبْلَكُمْ .\rرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ .\rوَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : مَنْ { قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ ، فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ ، إمَّا أَنْ يُودَى ، وَإِمَّا يُقَادُ } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَرَوَى أَبُو شُرَيْحٍ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { ثُمَّ أَنْتُمْ يَا خُزَاعَةُ ، قَدْ قَتَلْتُمْ هَذَا الْقَتِيلَ ، وَأَنَا وَاَللَّهِ عَاقِلُهُ ، فَمَنْ قَتَلَ بَعْدَهُ قَتِيلًا فَأَهْلُهُ بَيْنَ خِيرَتَيْنِ ؛ إنْ أَحَبُّوا قَتَلُوا ، وَإِنْ أَحَبُّوا أَخَذُوا الدِّيَةَ } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَغَيْرُهُ .\rوَلِأَنَّ الْقَتْلَ الْمَضْمُونَ إذَا سَقَطَ فِيهِ الْقِصَاصُ مِنْ غَيْرِ إبْرَاءٍ ، ثَبَتَ الْمَالُ ، كَمَا لَوْ عَفَا بَعْضُ الْوَرَثَةِ ، وَيُخَالِفُ سَائِرَ الْمُتْلَفَاتِ ؛ لِأَنَّ بَدَلَهَا يَجِبُ مِنْ جِنْسِهَا ، وَهَا هُنَا يَجِبُ فِي الْخَطَأِ وَعَمْدِ الْخَطَأِ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ ، فَإِذَا رَضِيَ فِي الْعَمْدِ بِبَدَلِ الْخَطَأِ ، كَانَ لَهُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ أَسْقَطَ بَعْضَ حَقِّهِ ، وَلِأَنَّ الْقَاتِلَ أَمْكَنَهُ إحْيَاءُ نَفْسِهِ بِبَذْلِ الدِّيَةِ ، فَلَزِمَهُ وَيَنْتَقِضُ مَا ذَكَرُوهُ بِمَا إذَا كَانَ رَأْسُ الشَّاجِّ أَصْغَرَ ، أَوْ يَدُ الْقَاطِعِ أَنْقَصَ ، فَإِنَّهُمْ سَلَّمُوا فِيهِمَا .","part":19,"page":17},{"id":9017,"text":"( 6762 ) فَصْلٌ : وَاخْتَلَفْت الرِّوَايَةُ فِي مُوجَبِ الْعَمْدِ ، فَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّ مُوجَبَهُ الْقِصَاصُ عَيْنًا لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { مَنْ قَتَلَ عَمْدًا ، فَهُوَ قَوَدٌ } .\rوَلِمَا ذَكَرُوهُ فِي دَلِيلِهِمْ .\rوَرُوِيَ أَنَّ مُوجَبَهُ أَحَدُ شَيْئَيْنِ ؛ الْقِصَاصِ ، أَوْ الدِّيَةِ ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ قَبْلَ هَذَا ، وَلِأَنَّ الدِّيَةَ أَحَدُ بَدَلَيْ النَّفْسِ ، فَكَانَتْ بَدَلًا عَنْهَا ، لَا عَنْ بَدَلِهَا ، كَالْقِصَاصِ .\rوَأَمَّا الْخَبَرُ ، فَالْمُرَادُ بِهِ وُجُوبُ الْقَوَدِ ، وَنَحْنُ نَقُولُ بِهِ ، وَيُخَالِفُ الْقَتْلُ سَائِرَ الْمُتْلَفَات ؛ لِأَنَّ بَدَلَهَا لَا يَخْتَلِفُ بِالْقَصْدِ وَعَدَمِهِ ، وَالْقَتْلُ بِخِلَافِهِ .\rوَلِلشَّافِعِي قَوْلَانِ ، كَالرِّوَايَتَيْنِ .\rفَإِذَا قُلْنَا مُوجَبُهُ الْقِصَاصُ عَيْنًا ، فَلَهُ الْعَفْوُ إلَى الدِّيَةِ ، وَالْعَفْوُ مُطْلَقًا ، فَإِذَا عَفَا مُطْلَقًا ، لَمْ يَجِبْ شَيْءٌ .\rوَهَذَا ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَقَالَ بَعْضُهُمْ : تَجِبُ الدِّيَةُ ؛ لِئَلَّا يُطَلَّ الدَّمُ .\rوَلَيْسَ بِشَيْءٍ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ عَفَا عَنْ الدِّيَةِ بَعْدَ وُجُوبِهَا ، صَحَّ عَفْوُهُ ، وَإِنْ عَفَا عَنْ الْقِصَاصِ بِغَيْرِ مَالٍ ، لَمْ يَجِبْ شَيْءٌ ، فَأَمَّا إنْ عَفَا عَنْ الدِّيَةِ ؛ لَمْ يَصِحَّ عَفْوُهُ ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَجِبْ .\rوَإِنْ قُلْنَا : الْوَاجِبُ أَحَدُ شَيْئَيْنِ لَا بِعَيْنِهِ .\rفَعَفَا عَنْ الْقِصَاصِ مُطْلَقًا ، أَوْ إلَى الدِّيَةِ ، وَجَبَتْ الدِّيَةُ ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ غَيْرُ مُعَيَّنٍ ، فَإِذَا تَرَكَ أَحَدَهُمَا وَجَبَ الْآخَرُ ، وَإِنْ اخْتَارَ الدِّيَةَ ، سَقَطَ الْقِصَاصُ ، وَإِنْ اخْتَارَ الْقِصَاصَ ، تَعَيَّنَ .\rوَهَلْ لَهُ بَعْد ذَلِكَ الْعَفْوُ عَلَى الدِّيَةِ ؟ قَالَ الْقَاضِي : لَهُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الْقِصَاصَ أَعْلَى ، فَكَانَ لَهُ الِانْتِقَالُ إلَى الْأَدْنَى ، وَيَكُونُ بَدَلًا عَنْ الْقِصَاصِ ، وَلَيْسَتْ الَّتِي وَجَبَتْ بِالْقَتْلِ ، كَمَا قُلْنَا فِي الرِّوَايَةِ الْأُولَى : إنَّ الْوَاجِبَ الْقِصَاصُ عَيْنًا ، وَلَهُ الْعَفْوُ إلَى الدِّيَةِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ أَسْقَطَهَا بِاخْتِيَارِهِ الْقَوَدَ فَلَمْ","part":19,"page":18},{"id":9018,"text":"يَعُدْ إلَيْهَا .","part":19,"page":19},{"id":9019,"text":"( 6763 ) فَصْلٌ : وَإِذَا جَنَى عَبْدٌ عَلَى حُرٍّ جِنَايَةً مُوجِبَةً لِلْقِصَاصِ ، فَاشْتَرَاهُ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ بِأَرْشِ الْجِنَايَةِ ، سَقَطَ الْقِصَاصُ ؛ لِأَنَّ عُدُولَهُ إلَى الشِّرَاءِ اخْتِيَارٌ لِلْمَالِ ، وَلَا يَصِحُّ الشِّرَاءُ ؛ لِأَنَّهُمَا إنْ لَمْ يَعْرِفَا قَدْرَ الْأَرْشِ فَالثَّمَنُ مَجْهُولٌ ، وَإِنْ عَرَفَا عَدَدَ الْإِبِلِ وَأَسْنَانَهَا فَصِفَتُهَا مَجْهُولَةٌ ، وَالْجَهْلُ بِالصِّفَةِ كَالْجَهْلِ بِالذَّاتِ فِي فَسَادِ الْبَيْعِ ؛ وَلِذَلِكَ لَوْ بَاعَهُ شَيْئًا بِجَمَلٍ جَذْعٍ غَيْرِ مَعْرُوفِ الصِّفَةِ ، لَمْ يَصِحَّ ، وَإِنْ قَدَّرَ الْأَرْشَ بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ وَبَاعَهُ بِهِ صَحَّ .","part":19,"page":20},{"id":9020,"text":"( 6764 ) فَصْلٌ : إذَا وَجَبَ الْقِصَاصُ لَصَغِيرٍ ، لَمْ يَجُزْ لِوَلِيِّهِ الْعَفْوُ إلَى غَيْرِ مَالٍ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ إسْقَاطَ حَقِّهِ .\rوَإِنْ أَحَبَّ الْعَفْوَ إلَى مَالٍ ، وَلِلصَّبِيِّ كِفَايَةٌ مِنْ غَيْرِهِ ، لَمْ يَجُزْ ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَفْوِيتُ حَقِّهِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ .\rفَإِنْ كَانَ فَقِيرًا مُحْتَاجًا ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا : لَهُ ذَلِكَ ؛ لِحَاجَتِهِ إلَى الْمَالِ لِحِفْظِهِ .\rقَالَ الْقَاضِي : هَذَا أَصَحُّ .\rوَالثَّانِي ، لَا يَجُوزُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ إسْقَاطَ قِصَاصِهِ ، وَأَمَّا حَاجَتُهُ فَإِنَّ نَفَقَتَهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ .\rوَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ ؛ فَإِنَّ وُجُوبَ النَّفَقَةِ فِي بَيْتِ الْمَالِ لَا يُغْنِيه إذَا لَمْ يَحْصُلْ ، فَأَمَّا إنْ كَانَ مُسْتَحِقُّ الْقِصَاصِ مَجْنُونًا فَقِيرًا فَلِوَلِيِّهِ الْعَفْوُ عَلَى الْمَالِ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَتْ حَالَةً مُعْتَادَةً يُنْتَظَرُ فِيهَا إفَاقَتُهُ .\r.","part":19,"page":21},{"id":9021,"text":"فَصْلٌ : وَيَصِحُّ عَفْوُ الْمُفْلِسِ وَالْمَحْجُورِ عَلَيْهِ لَسَفَهٍ عَنْ الْقِصَاصِ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَالٍ .\rوَإِنْ أَرَادَ الْمُفْلِسُ الْقِصَاصَ ، لَمْ يَكُنْ لِغُرَمَائِهِ إجْبَارُهُ عَلَى تَرْكِهِ .\rوَإِنْ أَحَبَّ الْعَفْوَ عَنْهُ إلَى مَالٍ ، فَلَهُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ فِيهِ حَظًّا لِلْغُرَمَاءِ .\rوَإِنْ أَرَادَ الْعَفْوَ عَلَى غَيْرِ مَالٍ ، انْبَنَى عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ ؛ إنَّ قُلْنَا الْوَاجِبُ الْقِصَاصُ ، فَلَهُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ لَهُ مَالٌ يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّ الْغُرَمَاءِ .\rوَإِنْ قُلْنَا : الْوَاجِبُ أَحَدُ شَيْئَيْنِ .\rلَمْ يَمْلِكْ ؛ لِأَنَّ الْمَالَ يَجِبُ بِقَوْلِهِ : عَفَوْت عَنْ الْقِصَاصِ .\rفَقَوْلُهُ : عَلَى غَيْرِ مَالٍ .\rإسْقَاطٌ لَهُ بَعْدَ وُجُوبِهِ وَتَعْيِينِهِ ، وَلَا يَمْلِكُ ذَلِكَ .\rوَهَكَذَا الْحُكْمُ فِي السَّفِيهِ وَوَارِثِ الْمُفْلِسِ .\rوَإِنْ عَفَا الْمَرِيضُ عَلَى غَيْرِ مَالٍ ، فَذَكَرَ الْقَاضِي فِي مَوْضِعٍ ، أَنَّهُ يَصِحُّ ، سَوَاءٌ خَرَجَ مِنْ الثُّلُثِ أَوْ لَمْ يَخْرُجْ .\rوَذَكَر أَنَّ أَحْمَدَ نَصَّ عَلَى هَذَا .\rوَقَالَ فِي مَوْضِعٍ : يُعْتَبَرُ خُرُوجُهُ مِنْ ثُلُثِهِ ، وَلَعَلَّهُ يَنْبَنِي عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي مُوجَبِ الْعَمْدِ عَلَى مَا مَضَى .","part":19,"page":22},{"id":9022,"text":"( 6766 ) فَصْلٌ : وَإِذَا قُتِلَ مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ ، فَالْأَمْرُ إلَى السُّلْطَانِ ؛ فَإِنْ أَحَبَّ الْقِصَاصَ فَلَهُ ذَلِكَ ، وَإِنْ أَحَبَّ الْعَفْوَ عَلَى مَالٍ فَلَهُ ذَلِكَ ، وَإِنْ أَحَبَّ الْعَفْوَ إلَى غَيْرِ مَالٍ لَمْ يَمْلِكْهُ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لِلْمُسْلِمِينَ وَلَا حَظَّ لَهُمْ فِي هَذَا .\rوَهَذَا قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ ، إلَّا أَنَّهُمْ لَا يَرَوْنَ الْعَفْوَ عَلَى مَالٍ إلَّا بِرِضَى الْجَانِي .","part":19,"page":23},{"id":9023,"text":"( 6767 ) فَصْلٌ : وَإِذَا اشْتَرَكَ الْجَمَاعَةُ فِي الْقَتْل ، فَعَفَا عَنْهُمْ إلَى الدِّيَةِ ، فَعَلَيْهِمْ دِيَةٌ وَاحِدَةٌ ، وَإِنْ عَفَا عَنْ بَعْضِهِمْ ، فَعَلَى الْمَعْفُوِّ عَنْهُ قِسْطُهُ مِنْ الدِّيَةِ ؛ لِأَنَّ الدِّيَةَ بَدَلُ الْمَحَلِّ ، وَهُوَ وَاحِدٌ ، فَتَكُونُ دِيَتُهُ وَاحِدَةً ، سَوَاءٌ أَتْلَفَهُ وَاحِدٌ أَوْ جَمَاعَةٌ .\rوَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى : فِيهِ رِوَايَةٌ أُخْرَى ، أَنَّ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ دِيَةً كَامِلَةً لِأَنَّ لَهُ قَتْلَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ، فَكَانَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ دِيَةُ نَفْسٍ كَامِلَةٍ ، كَمَا لَوْ قَلَعَ الْأَعْوَرُ عَيْنَ صَحِيحٍ ، فَإِنَّهُ تَجِبُ عَلَيْهِ دِيَةُ عَيْنِهِ ، وَهُوَ دِيَةٌ كَامِلَةٌ .\rوَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ بَدَلُ الْمُتْلَفِ ، فَلَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْمُتْلَفِ ، وَلِذَلِكَ لَوْ قَتَلَ عَبْدٌ قِيمَتُهُ أَلْفَانِ حُرًّا ، لَمْ يَمْلِكْ الْعَفْوَ عَلَى أَكْثَرِ مِنْ الدِّيَةِ ، وَأَمَّا الْقِصَاصُ ، فَإِنَّهُ عُقُوبَةٌ عَلَى الْفِعْلِ ، فَيَتَعَدَّدُ بِتَعَدُّدِهِ .","part":19,"page":24},{"id":9024,"text":"( 6768 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَإِنْ قُتِلَ مَنْ لِلْأَوْلِيَاءِ أَنْ يَقِيدُوا بِهِ ، فَبَذَلَ الْقَاتِلُ أَكْثَرَ مِنْ الدِّيَةِ عَلَى أَنْ لَا يُقَادَ ، فَلِلْأَوْلِيَاءِ قَبُولُ ذَلِكَ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ مَنْ لَهُ الْقِصَاصُ ، لَهُ أَنْ يُصَالِحَ عَنْهُ بِأَكْثَرَ مِنْ الدِّيَةِ ، وَبِقَدْرِهَا وَأَقَلِّ مِنْهَا ، لَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا ؛ لِمَا رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { مَنْ قَتَلَ عَمْدًا دُفِعَ إلَى أَوْلِيَاءِ الْمَقْتُولِ ؛ فَإِنْ شَاءُوا قَتَلُوا ، وَإِنْ شَاءُوا أَخَذُوا الدِّيَةَ ، ثَلَاثِينَ حِقَّةً ، وَثَلَاثِينَ جَذَعَةً ، وَأَرْبَعِينَ خَلِفَةً ، وَمَا صُولِحُوا عَلَيْهِ فَهُوَ لَهُمْ .\rوَذَلِكَ لِتَشْدِيدِ الْقَتْلِ } .\rرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَقَالَ : حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ ، وَرَوَيْنَا أَنَّ هُدْبَةَ بْن خَشْرَمٍ قَتَلَ قَتِيلًا ، فَبَذَلَ سَعِيدُ بْنُ الْعَاصِ وَالْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ لِابْنِ الْمَقْتُولِ سَبْعَ دِيَاتٍ ، لِيَعْفُوَ عَنْهُ ، فَأَبَى ذَلِكَ ، وَقَتَلَهُ .\rوَلِأَنَّهُ عِوَضٌ عَنْ غَيْرِ مَالٍ ، فَجَازَ الصُّلْحُ عَنْهُ بِمَا اتَّفَقُوا عَلَيْهِ ، كَالصَّدَاقِ ، وَعِوَضِ الْخُلْعِ ، وَلِأَنَّهُ صُلْحٌ عَمَّا لَا يَجْرِي فِيهِ الرِّبَا ، فَأَشْبَهَ الصُّلْحَ عَنْ الْعُرُوضِ .","part":19,"page":25},{"id":9025,"text":"( 6769 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَإِذَا أَمْسَكَ رَجُلًا وَقَتَلَهُ آخَرُ ، قُتِلَ الْقَاتِلُ ، وَحُبِسَ الْمَاسِكُ حَتَّى يَمُوتَ ) يُقَالُ أَمْسَكَ وَمَسَكَ وَمَسَّكَ .\rوَقَدْ جَمَعَ الْخِرَقِيِّ بَيْنَ اللُّغَتَيْنِ ، فَقَالَ : إذَا أَمْسَكَ ، وَحُبِسَ الْمَاسِكُ .\rوَهُوَ اسْمُ الْفَاعِلِ مِنْ مَسَكَ مُخَفَّفًا .\rوَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ الْقَاتِلَ يُقْتَلُ ؛ لِأَنَّهُ قَتَلَ مَنْ يُكَافِئُهُ عَمْدًا بِغَيْرِ حَقٍّ ، وَأَمَّا الْمُمْسِكُ ، فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ الْقَاتِلَ يَقْتُلُهُ ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ مُتَسَبِّبٌ ، وَالْقَاتِلُ مُبَاشِرٌ ، فَسَقَطَ حُكْمُ الْمُتَسَبِّبِ بِهِ .\rوَإِنْ أَمْسَكَهُ لَهُ لِيَقْتُلهُ ، مِثْلَ إنْ ضَبَطَهُ لَهُ حَتَّى ذَبَحَهُ لَهُ .\rفَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ فِيهِ عَنْ أَحْمَدَ ؛ فَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ يُحْبَسُ حَتَّى يَمُوتَ .\rوَهَذَا قَوْلُ عَطَاءٍ وَرَبِيعَة .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ .\rوَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّهُ يُقْتَلُ أَيْضًا .\rوَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ أَبِي مُوسَى : الْإِجْمَاعُ فِينَا أَنْ يُقْتَلَ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يُمْسِكْهُ ، مَا قَدَرَ عَلَى قَتْلِهِ ، وَبِإِمْسَاكِهِ تَمَكَّنَ مِنْ قَتْلِهِ ، فَالْقَتْلُ حَاصِلٌ بِفِعْلِهِمَا ، فَيَكُونَانِ شَرِيكَيْنِ فِيهِ ، فَيَجِبُ عَلَيْهِمَا الْقِصَاصُ ، كَمَا لَوْ جَرَحَاهُ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ : يُعَاقَبُ ، وَيَأْثَمُ ، وَلَا يُقْتَلُ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : \" إنَّ أَعْتَى النَّاسِ عَلَى اللَّهِ ، مَنْ قَتَلَ غَيْرَ قَاتِلِهِ \" .\rوَالْمُمْسِكُ غَيْرُ قَاتِلٍ ، وَلِأَنَّ الْإِمْسَاكَ سَبَبٌ غَيْرُ مُلْجِئٍ ، فَإِذَا اجْتَمَعَتْ مَعَهُ الْمُبَاشَرَةُ ، كَانَ الضَّمَانُ عَلَى الْمُبَاشِرِ ، كَمَا لَوْ لَمْ يَعْلَمْ الْمُمْسِكُ أَنَّهُ يَقْتُلُهُ ، وَلَنَا ، مَا رَوَى الدَّارَقُطْنِيّ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { إذَا أَمْسَكَ الرَّجُلَ ، وَقَتَلَهُ الْآخَرُ ، يُقْتَلُ الَّذِي قَتَلَ ، وَيُحْبَسُ الَّذِي أَمْسَكَ } وَلِأَنَّهُ حَبَسَهُ إلَى الْمَوْتِ ، فَيُحْبَسُ","part":19,"page":26},{"id":9026,"text":"الْآخَرُ إلَى الْمَوْتِ ، كَمَا لَوْ حَبَسَهُ عَنْ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ حَتَّى مَاتَ ، فَإِنَّنَا نَفْعَلُ بِهِ ذَلِكَ حَتَّى يَمُوتَ .","part":19,"page":27},{"id":9027,"text":"( 6770 ) فَصْلٌ : وَإِنْ اتَّبَعَ رَجُلًا لِيَقْتُلَهُ ، فَهَرَبَ مِنْهُ ، فَأَدْرَكَهُ آخَرُ ، فَقَطَعَ رِجْلَهُ ، ثُمَّ أَدْرَكَهُ الثَّانِي فَقَتَلَهُ ، نَظَرْت ؛ فَإِنْ كَانَ قَصْدُ الْأَوَّلِ حَبْسَهُ بِالْقَطْعِ لِيَقْتُلَهُ الثَّانِي ، فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ فِي الْقَطْعِ ، وَحُكْمُهُ فِي الْقِصَاصِ فِي النَّفْسِ حُكْمُ الْمُمْسِكِ ؛ لِأَنَّهُ حَبَسَهُ عَلَى الْقَتْلِ ، وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ حَبْسَهُ ، فَعَلَيْهِ الْقَطْعُ دُونَ الْقَتْلِ ، كَاَلَّذِي أَمْسَكَهُ غَيْرَ عَالِمٍ .\rوَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ ، لَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا الْقَطْعُ بِكُلِّ حَالٍ .\rوَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ؛ لِأَنَّهُ الْحَابِسُ لَهُ بِفِعْلِهِ ، فَأَشْبَهَ الْحَابِسَ بِإِمْسَاكِهِ .\rفَإِنْ قِيلَ : فَلِمَ اعْتَبَرْتُمْ قَصْدَ الْإِمْسَاكِ هَاهُنَا وَأَنْتُمْ لَا تَعْتَبِرُونَ إرَادَةَ الْقَتْلِ فِي الْجَارِحِ ؟ قُلْنَا إذَا مَاتَ مِنْ الْجُرْحِ ، فَقَدْ مَاتَ مِنْ سِرَايَتِهِ وَأَثَرِهِ ، فَنَعْتَبِرُ قَصْدَ الْجُرْحِ الَّذِي هُوَ السَّبَبُ دُونَ قَصْدِ الْأَثَرِ ، وَفِي مَسْأَلَتِنَا إنَّمَا كَانَ مَوْتُهُ بِأَمْرِ غَيْرِ السِّرَايَةِ ، وَالْفِعْلُ مُمَكِّنٌ لَهُ عَلَيْهِ ، فَاعْتُبِرَ قَصْدُهُ لِذَلِكَ الْفِعْلِ ، كَمَا لَوْ أَمْسَكَهُ .","part":19,"page":28},{"id":9028,"text":"( 6771 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : وَمَنْ ( أَمَرَ عَبْدَهُ أَنْ يَقْتُلَ رَجُلًا ، وَكَانَ الْعَبْدُ أَعْجَمِيًّا ، لَا يَعْلَمُ أَنَّ الْقَتْلَ مُحَرَّمٌ قُتِلَ السَّيِّدُ ، وَإِنْ كَانَ يَعْلَمُ خَطَرَ الْقَتْلِ ، قُتِلَ الْعَبْدُ ، وَأُدِّبَ السَّيِّدُ ) إنَّمَا ذَكَرَ الْخِرَقِيِّ كَوْنَهُ أَعْجَمِيًّا ، وَهُوَ الَّذِي لَا يُفْصِحُ ، لِيَتَحَقَّقَ مِنْهُ الْجَهْلُ ، وَإِنَّمَا يَكُنْ الْجَهْلُ فِي حَقِّ مِنْ نَشَأَ فِي غَيْرِ بِلَادِ الْإِسْلَامِ ، فَأَمَّا مَنْ أَقَامَ فِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ بَيْنَ أَهْلِهِ ، فَلَا يَخْفَى عَلَيْهِ تَحْرِيمُ الْقَتْلِ ، وَلَا يَعْذِرُ فِي فِعْلِهِ ، وَمَتَى كَانَ الْعَبْدُ يَعْلَمُ تَحْرِيمَ الْقَتْلِ ، فَالْقِصَاصُ عَلَيْهِ ، وَيُؤَدَّبُ سَيِّدُهُ ؛ لِأَمْرِهِ بِمَا أَفْضَى إلَى الْقَتْلِ ، بِمَا يَرَاهُ الْإِمَامُ مِنْ الْحَبْسِ وَالتَّعْزِيرِ .\rوَإِنْ كَانَ غَيْرَ عَالِمٍ بِخَطَرِهِ ، فَالْقِصَاصُ عَلَى سَيِّدِهِ ، وَيُؤَدَّبُ الْعَبْدُ .\rقَالَ أَحْمَدُ يُضْرَبُ وَيُؤَدَّبُ .\rوَنَقَلَ عَنْهُ أَبُو طَالِبٍ ، قَالَ : يُقْتَلُ الْوَلِيُّ وَيُحْبَسُ الْعَبْدُ حَتَّى يَمُوتَ ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ سَوْطُ الْمَوْلَى وَسَيْفُهُ .\rكَذَا قَالَ عَلِيٌّ ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَقَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يُسْتَوْدَعُ السِّجْنَ ، وَمِمَّنْ قَالَ بِهَذِهِ الْجُمْلَةِ الشَّافِعِيُّ وَمِمَّنْ قَالَ : إنَّ السَّيِّدَ يُقْتَلُ عَلِيٌّ وَأَبُو هُرَيْرَةَ .\rوَقَالَ قَتَادَةُ : يُقْتَلَانِ جَمِيعًا .\rوَقَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى : لَأَنْ يُقْتَلَ الْآمِرُ ، وَلَكِنْ يَدَيْهِ ، وَيُعَاقَبُ وَيُحْبَسُ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُبَاشِرْ الْقَتْلَ ، وَلَا أَلْجَأَ إلَيْهِ ، فَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ قِصَاصٌ ، كَمَا لَوْ عَلِمَ الْعَبْدُ خَطَرَ الْقَتْلِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الْعَبْدَ إذَا كَانَ غَيْرَ عَالِمٍ بِخَطَرِ الْقَتْلِ ، فَهُوَ مُعْتَقِدٌ إبَاحَتَهُ ، وَذَلِكَ شُبْهَةٌ تَمْنَعُ الْقِصَاصَ كَمَا لَوْ اعْتَقَدَهُ صَيْدًا فَرَمَاهُ ، فَبَانَ إنْسَانًا ، وَلِأَنَّ حِكْمَةَ الْقِصَاصِ الرَّدْعُ وَالزَّجْرُ ، وَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ فِي مُعْتَقِدِ الْإِبَاحَةِ ، وَإِذَا لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ ، وَجَبَ عَلَى السَّيِّدِ ، لِأَنَّهُ آلَةٌ لَهُ ، لَا يُمْكِنُ","part":19,"page":29},{"id":9029,"text":"إيجَابُ الْقِصَاصِ عَلَيْهِ ، فَوَجَبَ عَلَى الْمُتَسَبِّبِ بِهِ ، كَمَا لَوْ أَنْهَشَهُ حَيَّةً أَوْ كَلْبًا أَوْ أَلْقَاهُ فِي زُبْيَةِ أَسَدٍ فَأَكَلَهُ .\rوَيُفَارِقُ هَذَا مَا إذَا عَلِمَ خَطَرَ الْقَتْلِ ، فَإِنَّ الْقِصَاصَ عَلَى الْعَبْدِ ؛ لِإِمْكَانِ إيجَابِهِ عَلَيْهِ ، وَهُوَ مُبَاشِرٌ لَهُ ، فَانْقَطَعَ حُكْمُ الْآمِرِ ، كَالدَّافِعِ مَعَ الْحَافِرِ ، وَيَكُونُ عَلَى السَّيِّدِ الْأَدَبُ ؛ لِتَعَدِّيهِ بِالتَّسَبُّبِ إلَى الْقَتْلِ .","part":19,"page":30},{"id":9030,"text":"( 6772 ) فَصْلٌ : وَلَوْ أَمَرَ صَبِيًّا لَا يُمَيِّزُ ، أَوْ مَجْنُونًا ، أَوْ أَعْجَمِيًّا لَا يَعْلَمُ خَطَرَ الْقَتْلِ ، فَقَتَلَ ، فَالْحُكْمُ فِيهِ كَالْحُكْمِ فِي الْعَبْدِ ، يُقْتَلُ الْآمِرُ دُونَ الْمُبَاشِرِ .\rوَلَوْ أَمَرَهُ بِزِنًى ، أَوْ سَرِقَةٍ ، لَمْ يَجِبْ الْحَدُّ عَلَى الْآمِرِ ؛ لِأَنَّ الْحَدَّ لَا يَجِبُ إلَّا عَلَى الْمُبَاشِرِ ، وَالْقِصَاصُ يَجِبُ بِالتَّسَبُّبِ ، وَلِذَلِكَ وَجَبَ عَلَى الْمُكْرَهِ وَالشُّهُودِ فِي الْقِصَاصِ .","part":19,"page":31},{"id":9031,"text":"( 6773 ) فَصْلٌ : وَلَوْ أَمَرَ السُّلْطَانُ رَجُلًا ، فَقَتَلَ آخَرَ ، فَإِنْ كَانَ الْقَاتِلُ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ قَتْلَهُ ، فَالْقِصَاصُ عَلَيْهِ دُونَ الْآمِرِ ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَعْذُورٍ فِي فِعْلِهِ ، فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ } .\rوَعَنْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ : { مَنْ أَمَرَكُمْ مِنْ الْوُلَاةِ بِغَيْرِ طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى ، فَلَا تُطِيعُوهُ } .\rفَلَزِمَهُ الْقِصَاصُ ، كَمَا لَوْ أَمَرَهُ غَيْرُ السُّلْطَانِ .\rوَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ ذَلِكَ ، فَالْقِصَاصُ عَلَى الْآمِرِ دُونَ الْمَأْمُورِ ؛ لِأَنَّ الْمَأْمُورِ ؛ مَعْذُورٌ ، لِوُجُوبِ طَاعَةِ الْإِمَامِ فِيمَا لَيْسَ بِمَعْصِيَةٍ ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَأْمُرُ إلَّا بِالْحَقِّ .\rوَإِنْ أَمَرَهُ غَيْرُ السُّلْطَانِ مِنْ الرَّعِيَّةِ بِالْقَتْلِ ، فَقَتَلَ ، فَالْقَوَدُ عَلَى الْمَأْمُورِ بِكُلِّ حَالٍ ، عَلِمَ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ طَاعَتُهُ ، وَلَيْسَ لَهُ الْقَتْلُ بِحَالٍ ، بِخِلَافِ السُّلْطَانِ ، فَإِنَّ إلَيْهِ الْقَتْلَ لِلرِّدَّةِ ، وَالزِّنَى وَقَطْعِ الطَّرِيقِ إذَا قَتَلَ الْقَاطِعُ ، وَيَسْتَوْفِي الْقِصَاصَ لِلنَّاسِ ، وَهَذَا لَيْسَ إلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ .\rوَإِنْ أَكْرَهَهُ السُّلْطَانُ عَلَى قَتْلِ أَحَدٍ ، أَوْ جَلْدِهِ بِغَيْرِ حَقٍّ ، فَمَاتَ ، فَالْقِصَاصُ عَلَيْهِمَا .\rوَإِنْ وَجَبَتْ الدِّيَةُ ، كَانَتْ عَلَيْهِمَا فَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ يَعْتَقِدُ جَوَازَ الْقَتْلِ دُونَ الْمَأْمُورِ ، كَمُسْلِمٍ قَتَلَ ذِمِّيًّا ، أَوْ حُرٍّ قَتَلَ عَبْدًا ، فَقَتَلَهُ ، فَقَالَ الْقَاضِي : الضَّمَانُ عَلَيْهِ دُونَ الْإِمَامِ ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ ؛ أَمَرَهُ بِمَا أَدَّى اجْتِهَادُهُ إلَيْهِ ، وَالْمَأْمُورُ لَا يَعْتَقِدُ جَوَازَهُ ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَقْبَلَ أَمْرَهُ ، فَإِذَا قَتَلَهُ ، لَزِمَهُ الضَّمَانُ ؛ لِأَنَّهُ قَتَلَ مَنْ لَا يَحِلُّ لَهُ قَتْلُهُ .\rوَيَنْبَغِي أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ الْعَامِّيِّ وَالْمُجْتَهِدِ ؛ فَإِنْ كَانَ مُجْتَهِدًا ، فَالْحُكْمُ فِيهِ عَلَى مَا ذَكَرَ الْقَاضِي ، وَإِنْ كَانَ مُقَلِّدًا ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ ؛","part":19,"page":32},{"id":9032,"text":"لِأَنَّ لَهُ تَقْلِيدَ الْإِمَامِ فِيمَا رَآهُ .\rوَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ يَعْتَقِدُ تَحْرِيمَهُ ، وَالْقَاتِلُ يَعْتَقِدُ حِلَّهُ فَالضَّمَانُ عَلَى الْآمِرِ ، كَمَا لَوْ أَمَرَ السَّيِّدَ الَّذِي لَا يَعْتَقِدُ تَحْرِيمَ الْقَتْلِ بِهِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":19,"page":33},{"id":9033,"text":"كِتَابُ الدِّيَاتِ الْأَصْلُ فِي وُجُوبِ الدِّيَةِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ ؛ أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلَى أَهْلِهِ إلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا } الْآيَة .\rوَأَمَّا السُّنَّةُ ، فَرَوَى أَبُو بَكْرِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَتَبَ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ كِتَابًا إلَى أَهْلِ الْيَمَنِ ، فِيهِ الْفَرَائِضُ وَالسُّنَنُ وَالدِّيَاتُ ، وَقَالَ فِيهِ : { وَإِنَّ فِي النَّفْسِ مِائَةً مِنْ الْإِبِلِ } رَوَاهُ النَّسَائِيّ ، فِي سُنَنِهِ ، وَمَالِكٌ ، فِي \" مُوَطَّئِهِ \" .\rقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : وَهُوَ كِتَابٌ مَشْهُورٌ عِنْد أَهْلِ السِّيَرِ ، وَمَعْرُوفٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ مَعْرِفَةً يَسْتَغْنِي بِشُهْرَتِهَا عَنْ الْإِسْنَادِ ؛ لِأَنَّهُ أَشْبَهَ الْمُتَوَاتِرَ ، فِي مَجِيئِهِ فِي أَحَادِيثَ كَثِيرَةٍ .\rتَأْتِي فِي مَوَاضِعِهَا مِنْ الْبَابِ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ .\rوَأَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى وُجُوبِ الدِّيَةِ فِي الْجُمْلَةِ .","part":19,"page":34},{"id":9034,"text":"( 6774 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ رَحِمَهُ اللَّهُ : ( وَدِيَةُ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ مِائَةٌ مِنْ الْإِبِلِ ) أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْإِبِلَ أَصْلٌ فِي الدِّيَةِ ، وَأَنَّ دِيَةَ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ مِائَةٌ مِنْ الْإِبِلِ .\rوَقَدْ دَلَّتْ عَلَيْهِ الْأَحَادِيثُ الْوَارِدَةُ ؛ مِنْهَا حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ ، وَحَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فِي دِيَةِ خَطَأِ الْعَمْدِ ، وَحَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي دِيَةِ الْخَطَأِ ، وَسَنَذْكُرُهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ .\rوَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ أَنَّ الْأَصْلَ فِي الدِّيَةِ الْإِبِلُ لَا غَيْرُ .\rوَهَذَا إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ ذَكَرَ ذَلِكَ أَبُو الْخَطَّابِ .\rوَهُوَ قَوْلُ طَاوُسٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ وَقَالَ الْقَاضِي : لَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ أَنَّ أُصُولَ الدِّيَةِ الْإِبِلُ وَالذَّهَبُ وَالْوَرِقُ وَالْبَقَرُ وَالْغَنَمُ ، فَهَذِهِ خَمْسَةٌ لَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ فِيهَا .\rوَهَذَا قَوْلُ عُمَرَ ، وَعَطَاءٍ ، وَطَاوُسٍ ، وَفُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ السَّبْعَةِ .\rوَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى ، وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ ؛ لِأَنَّ عَمْرَو بْنَ حَزْمٍ رَوَى فِي كِتَابِهِ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَتَبَ إلَى أَهْلِ الْيُمْنِ : { وَأَنَّ فِي النَّفْسِ الْمُؤْمِنَةِ مِائَةً مِنْ الْإِبِلِ ، وَعَلَى أَهْلِ الْوَرِقِ أَلْفُ دِينَارٍ } رَوَاهُ النَّسَائِيّ .\rوَرَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ { أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي عَدِيٍّ قُتِلَ ، فَجَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دِيَتَهُ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا .\r} رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَابْنُ مَاجَهْ .\rوَرَوَى الشَّعْبِيُّ ، أَنَّ عُمَرَ جَعَلَ عَلَى أَهْلِ الذَّهَبِ أَلْفَ دِينَارٍ .\rوَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ أَنَّ عُمَرَ قَامَ خَطِيبًا ، فَقَالَ : أَلَا إنَّ الْإِبِلَ قَدْ غَلَتْ .\r: فَقَوَّمَ عَلَى أَهْلِ الذَّهَبِ أَلْفَ دِينَارٍ ، وَعَلَى أَهْلِ الْوَرِقِ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا ، وَعَلَى أَهْلِ الْبَقَرِ مِائَتَيْ بَقَرَةٍ ، وَعَلَى أَهْلِ الشَّاةِ أَلْفَيْ شَاةٍ ، وَعَلَى أَهْلِ الْحُلَلِ مِائَتِي","part":19,"page":35},{"id":9035,"text":"حُلَّةٍ .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَلَنَا ، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَلَا إنَّ فِي قَتِيلِ عَمْدِ الْخَطَأِ ، قَتِيلِ السَّوْطِ وَالْعَصَا ، مِائَةً مِنْ الْإِبِلِ } وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَّقَ بَيْنَ دِيَةِ الْعَمْدِ وَالْخَطَأِ ، فَغَلَّظَ بَعْضَهَا ، وَخَفَّفَ بَعْضَهَا ، وَلَا يَتَحَقَّقُ هَذَا فِي غَيْرِ الْإِبِلِ ، وَلِأَنَّهُ بَدَلُ مُتْلَفٍ حَقًّا لِآدَمِيٍّ ، فَكَانَ مُتَعَيِّنًا كَعِوَضِ الْأَمْوَالِ .\rوَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ يَحْتَمِلُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْجَبَ الْوَرِقَ بَدَلًا عَنْ الْإِبِلِ ، وَالْخِلَافُ فِي كَوْنِهَا أَصْلًا .\rوَحَدِيثُ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأَصْلَ الْإِبِلُ ، فَإِنَّ إيجَابَهُ لِهَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ عَلَى سَبِيلِ التَّقْوِيمِ ، لِغَلَاءِ الْإِبِلِ ، وَلَوْ كَانَتْ أُصُولًا بِنَفْسِهَا ، لَمْ يَكُنْ إيجَابُهَا تَقْوِيمًا لِلْإِبِلِ ، وَلَا كَانَ لِغَلَاءِ الْإِبِلِ أَثَرٌ فِي ذَلِكَ ، وَلَا لِذِكْرِهِ مَعْنًى .\rوَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ كَانَ يُقَوِّمُ الْإِبِلَ قَبْلَ أَنْ تَغْلُوَ بِثَمَانِيَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ ، وَلِذَلِكَ قِيلَ : إنَّ دِيَةَ الذِّمِّيِّ أَرْبَعَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ ، وَدِيَتُهُ نِصْفُ الدِّيَةِ ، فَكَانَ ذَلِكَ أَرْبَعَةَ آلَافٍ حِينَ كَانَتْ الدِّيَةُ ثَمَانِيَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ .\r( 6775 ) فَصْلٌ : فَإِذَا قُلْنَا هِيَ خَمْسَةُ أُصُولٍ ، فَإِنَّ قَدْرَهَا مِنْ الذَّهَبِ أَلْفُ مِثْقَالٍ ، وَمِنْ الْوَرِقِ اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ ، وَمِنْ الْبَقَرِ وَالْحُلَلِ مِائَتَانِ ، وَمِنْ الشَّاءِ أَلْفَانِ ، وَلَمْ يَخْتَلِفْ الْقَائِلُونَ بِهَذِهِ الْأُصُولِ فِي قَدْرِهَا مِنْ الذَّهَبِ ، وَلَا مِنْ سَائِرِهَا ، إلَّا الْوَرِقِ ، فَإِنَّ الثَّوْرِيَّ وَأَبَا حَنِيفَةَ وَصَاحِبَيْهِ قَالُوا : قَدْرُهَا عَشَرَةُ آلَافٍ مِنْ الْوَرِقِ .\rوَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ شُبْرُمَةَ ؛ لِمَا رَوَى الشَّعْبِيُّ ، أَنَّ عُمَرَ جَعَلَ عَلَى أَهْلِ الْوَرِقِ عَشَرَةَ آلَافٍ .\rوَلِأَنَّ الدِّينَارَ مَعْدُولٌ فِي الشَّرْعِ بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ ، بِدَلِيلِ أَنَّ نِصَابَ الذَّهَبِ عِشْرُونَ مِثْقَالًا ، وَنِصَابَ","part":19,"page":36},{"id":9036,"text":"الْفِضَّةِ مِائَتَانِ .\rوَبِمَا ذَكَرْنَاهُ قَالَ الْحَسَنُ ، وَعُرْوَةُ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ فِي قَوْلٍ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ ، وَعَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ ، لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، عَنْ عُمَرَ ، وَلِأَنَّ الدِّينَارَ مَعْدُولٌ بِاثْنَيْ عَشَرَ دِرْهَمًا ، بِدَلِيلِ أَنَّ عُمَرَ فَرَضَ الْجِزْيَةَ عَلَى الْغَنِيِّ أَرْبَعَةَ دَنَانِيرَ أَوْ ثَمَانِيَةً وَأَرْبَعِينَ دِرْهَمًا ، وَعَلَى الْمُتَوَسِّطِ دِينَارَيْنِ ، أَوْ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ دِرْهَمًا ، وَعَلَى الْفَقِيرِ دِينَارًا أَوْ اثْنَيْ عَشَرَ دِرْهَمًا .\rوَهَذَا أَوْلَى مِمَّا ذَكَرُوهُ فِي نِصَابِ الزَّكَاةِ ، وَلِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ نِصَابُ أَحَدِهِمَا مَعْدُولًا بِنِصَابِ الْآخَرِ ، كَمَا أَنَّ السَّائِمَةَ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ لَيْسَ نِصَابُ شَيْءٍ مِنْهَا مَعْدُولًا بِنِصَابِ غَيْرِهِ .\rقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : لَيْسَ مَعَ مَنْ جَعَلَ الدِّيَةَ عَشَرَةَ آلَافٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحَدِيثٌ مُسْنَدٌ وَلَا مُرْسَلٌ ، وَحَدِيثُ الشَّعْبِيِّ عَنْ عُمَرَ ، يُخَالِفُهُ حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْهُ .","part":19,"page":37},{"id":9037,"text":"( 6776 ) فَصْلٌ : وَعَلَى هَذَا ، أَيُّ شَيْءٍ أَحْضَرَهُ مَنْ عَلَيْهِ الدِّيَةُ مِنْ الْقَاتِلِ أَوْ الْعَاقِلَةِ مِنْ هَذِهِ الْأُصُولِ ، لَزِمَ الْوَلِيَّ أَخْذُهُ ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ الْمُطَالَبَةُ بِغَيْرِهِ ، سَوَاءٌ كَانَ مِنْ أَهْلِ ذَلِكَ النَّوْعِ ، أَوْ لَمْ يَكُنْ ؛ لِأَنَّهَا أُصُولٌ فِي قَضَاءِ الْوَاجِبِ ، يُجْزِئُ وَاحِدٌ مِنْهَا ، فَكَانَتْ الْخِيَرَةُ إلَى مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ ، كَخِصَالِ الْكَفَّارَةِ ، وَكَشَاتَيْ الْجُبْرَانِ فِي الزَّكَاةِ مَعَ الدَّرَاهِمِ .\rوَإِنْ قُلْنَا : الْأَصْلُ الْإِبِلُ خَاصَّةً .\rفَعَلَيْهِ تَسْلِيمُهَا إلَيْهِ سَلِيمَةً مِنْ الْعُيُوبِ ، وَأَيُّهُمَا أَرَادَ الْعُدُولَ عَنْهَا إلَى غَيْرِهَا ، فَلِلْآخَرِ مَنْعُهُ ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ مُتَعَيِّنٌ فِيهَا ، فَاسْتُحِقَّتْ ، كَالْمِثْلِ فِي الْمِثْلِيَّاتِ الْمُتْلَفَةِ .\rوَإِنْ أَعْوَزَتْ الْإِبِلُ ، وَلَمْ تُوجَدْ إلَّا بِأَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِ الْمِثْلِ ، فَلَهُ الْعُدُولُ إلَى أَلْفِ دِينَارٍ ، أَوْ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ .\rوَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ الْقَدِيمُ .\rوَقَالَ فِي الْجَدِيدِ : تَجِبُ قِيمَةُ الْإِبِلِ ، بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ ؛ لِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ عُمَرَ فِي تَقْوِيمِ الْإِبِلِ ، وَلِأَنَّ مَا ضَمِنَ بِنَوْعٍ مِنْ الْمَالِ ، وَجَبَتْ قِيمَتُهُ ، كَذَوَاتِ الْأَمْثَالِ ، وَلِأَنَّ الْإِبِلَ إذَا أَجْزَأَتْ إذَا قَلَّتْ قِيمَتُهَا ، يَنْبَغِي أَنْ تُجْزِئَ وَإِنْ كَثُرَتْ قِيمَتُهَا ، كَالدَّنَانِيرِ إذَا غَلَتْ أَوْ رَخُصَتْ .\rوَهَكَذَا يَنْبَغِي أَنْ نَقُولَ إذَا غَلَتْ الْإِبِلُ كُلُّهَا ، فَأَمَّا إنْ كَانَتْ الْإِبِلُ مَوْجُودَةً بِثَمَنِ مِثْلِهَا ، إلَّا أَنَّ هَذَا لَمْ يَجِدْهَا ، لِكَوْنِهَا فِي غَيْرِ بَلَدِهِ ، وَنَحْوَ ذَلِكَ ، فَإِنَّ عُمَرَ قَوَّمَ الدِّيَةَ مِنْ الدَّرَاهِمِ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا وَأَلْفَ دِينَارٍ .\r( 6777 ) فَصْلٌ : وَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ ، أَنَّهُ لَا تُعْتَبَرُ قِيمَةُ الْإِبِلِ ، بَلْ مَتَى وُجِدَتْ عَلَى الصِّفَةِ الْمَشْرُوطَةِ ، وَجَبَ أَخْذُهَا ، قَلَّتْ قِيمَتُهَا أَوْ كَثُرَتْ ، وَهَذَا ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ .\rوَذَكَرَ أَصْحَابُنَا أَنَّ ظَاهِرَ مَذْهَبِ أَحْمَدَ ، أَنْ","part":19,"page":38},{"id":9038,"text":"تُؤْخَذَ مِائَةٌ ، قِيمَةُ كُلِّ بَعِيرٍ مِنْهَا مِائَةٌ وَعِشْرُونَ دِرْهَمًا ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ ، أَدَّى اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ ، أَوْ أَلْفَ دِينَارٍ ؛ لِأَنَّ عُمَرَ قَوَّمَ الْإِبِلَ عَلَى أَهْلِ الذَّهَبِ أَلْفَ مِثْقَالٍ ، وَعَلَى أَهْلِ الْوَرِقِ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ قِيمَتُهَا ، وَلِأَنَّ هَذِهِ إبْدَالُ مَحَلٍّ وَاحِدٍ ، فَيَجِبُ أَنْ تَتَسَاوَى فِي الْقِيمَةِ ، كَالْمِثْلِ وَالْقِيمَةِ فِي بَدَلِ الْقَرْضِ ، وَالْمُتْلَفِ فِي الْمِثْلِيَّاتِ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { فِي النَّفْسِ الْمُؤْمِنَةِ مِائَةٌ مِنْ الْإِبِلِ } .\rوَهَذَا مُطْلَقٌ فَتَقْيِيدُهُ يُخَالِفُ إطْلَاقَهُ ، فَلَمْ يَجُزْ إلَّا بِدَلِيلِ ؛ وَلِأَنَّهَا كَانَتْ تُؤْخَذُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقِيمَتُهَا ثَمَانِيَةُ آلَافٍ ، وَقَوْلُ عُمَرَ فِي حَدِيثِهِ : إنَّ الْإِبِلَ قَدْ غَلَتْ .\rفَقَوْمهَا عَلَى أَهْلِ الْوَرِقِ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا ، دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهَا فِي حَالِ رُخْصِهَا أَقَلُّ قِيمَة مِنْ ذَلِكَ ، وَقَدْ كَانَتْ تُؤْخَذُ فِي عَصْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبِي بَكْرٍ وَصَدْرٍ مِنْ وِلَايَةِ عُمَرَ ، مَعَ رُخْصِهَا وَقِلَّةِ قِيمَتِهَا وَنَقْصِهَا عَنْ مِائَةٍ وَعِشْرِينَ ، فَإِيجَابُ ذَلِكَ فِيهَا خِلَافُ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَّقَ بَيْنَ دِيَةِ الْخَطَأِ وَالْعَمْدِ ، فَغَلَّظَ دِيَةَ الْعَمْدِ ، وَخَفَّفَ دِيَةَ الْخَطَأِ ، وَأَجْمَعَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْعِلْمِ ، وَاعْتِبَارُهَا بِقِيمَةٍ وَاحِدَةٍ تَسْوِيَةٌ بَيْنَهُمَا ، وَجَمْعٌ بَيْنَ مَا فَرَّقَهُ الشَّارِعُ ، وَإِزَالَةٌ لِلتَّخْفِيفِ وَالتَّغْلِيظِ جَمِيعًا ، بَلْ هُوَ تَغْلِيظٌ لِدِيَةِ الْخَطَأِ ؛ لِأَنَّ اعْتِبَارَ ابْنِ مَخَاضٍ بِقِيمَةِ ثَنِيَّةٍ أَوْ جَذَعَةٍ ، يَشُقُّ جِدًّا ، فَيَكُونُ تَغْلِيظًا لِلدِّيَةِ فِي الْخَطَأِ ، وَتَخْفِيفًا لِدِيَةِ الْعَمْدِ ، وَهَذَا خِلَافُ مَا قَصَدَهُ الشَّارِعُ ، وَوَرَدَ بِهِ ، وَلِأَنَّ الْعَادَةَ نَقْصُ قِيمَةِ","part":19,"page":39},{"id":9039,"text":"بَنَاتِ الْمَخَاضِ عَنْ قِيمَةِ الْحِقَاقِ وَالْجَذَعَاتِ ، فَلَوْ كَانَتْ تُؤَدَّى عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقِيمَةٍ وَاحِدَةٍ ، وَيُعْتَبَرُ ذَلِكَ فِيهَا لَنُقِلَ ، وَلَمْ يَجُزْ الْإِخْلَالُ بِهِ ؛ لِأَنَّ مَا وَرَدَ بِهِ الشَّرْعُ مُطْلَقًا إنَّمَا يُحْمَلُ عَلَى الْعُرْفِ وَالْعَادَةِ ، فَإِذَا أُرِيدَ بِهِ مَا يُخَالِفُ الْعَادَةَ ، وَجَبَ بَيَانُهُ وَإِيضَاحُهُ ؛ لِئَلَّا يَكُونَ تَلْبِيسًا فِي الشَّرِيعَةِ وَإِيهَامَهُمْ أَنَّ حُكْمَ اللَّهِ خِلَافُ مَا هُوَ حُكْمُهُ عَلَى الْحَقِيقَةِ ، وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بُعِثَ لِلْبَيَانِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إلَيْهِمْ } .\rفَكَيْفَ يُحْمَلُ قَوْلُهُ عَلَى الْإِلْبَاسِ وَالْإِلْغَازِ ، هَذَا مِمَّا لَا يَحِلُّ .\rثُمَّ لَوْ حُمِلَ الْأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ لَكَانَ الْأَسْنَانُ عَبَثًا غَيْرَ مُفِيدٍ ، فَإِنَّ فَائِدَة ذَلِكَ إنَّمَا هُوَ كَوْنُ اخْتِلَافِ أَسْنَانِهَا مَظِنَّةَ اخْتِلَافِ الْقِيَمِ ، فَأُقِيمَ مُقَامَهُ ؛ وَلِأَنَّ الْإِبِلَ أَصْلٌ فِي الدِّيَةِ ، فَلَا تُعْتَبَرُ قِيمَتُهَا بِغَيْرِهَا ، كَالذَّهَبِ وَالْوَرِقِ ، وَلِأَنَّهَا أَصْلٌ فِي الْوُجُوبِ ، فَلَا تُعْتَبَرُ قِيمَتُهَا ، كَالْإِبِلِ فِي السِّلْمِ وَشَاةِ الْجُبْرَانِ ، وَحَدِيثُ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ حُجَّةٌ لَنَا ؛ فَإِنَّ الْإِبِلَ كَانَتْ تُؤْخَذُ قَبْلَ أَنْ تَغْلُوَ وَيُقَوِّمَهَا عُمَرُ ، وَقِيمَتُهَا أَقَلُّ مِنْ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا ، وَقَدْ قِيلَ : إنَّ قِيمَتَهَا كَانَتْ ثَمَانِيَةَ آلَافٍ .\rوَلِذَلِكَ قَالَ عُمَرُ : دِيَةُ الْكِتَابِيِّ أَرْبَعَةُ آلَافٍ .\rوَقَوْلُهُمْ : إنَّهَا أَبْدَالُ مَحَلٍّ وَاحِدٍ .\rفَلَنَا أَنْ نَمْنَعَ ، وَنَقُولَ : الْبَدَلُ إنَّمَا هُوَ الْإِبِلُ ، وَغَيْرُهَا مُعْتَبَرٌ بِهَا .\rوَإِنْ سَلَّمْنَا ، فَهُوَ مُنْتَقِضٌ بِالذَّهَبِ وَالْوَرِقِ ، فَإِنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ تَسَاوِيهِمَا ، وَيَنْتَقِضُ أَيْضًا بِشَاةِ الْجُبْرَانِ مَعَ الدَّرَاهِمِ .\rوَأَمَّا بَدَلُ الْقَرْضِ وَالْمُتْلَفِ ، فَإِنَّمَا هُوَ الْمِثْلُ خَاصَّةً ، وَالْقِيمَةُ بَدَلٌ عَنْهُ ؛ وَلِذَلِكَ لَا تَجِبُ إلَّا عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْهُ","part":19,"page":40},{"id":9040,"text":"بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا .\rفَإِنْ قِيلَ : هَذَا حُجَّةٌ عَلَيْكُمْ ؛ لِقَوْلِكُمْ : إنَّ الْإِبِلَ هِيَ الْأَصْلُ ، وَغَيْرُهَا بَدَلٌ عَنْهَا فَيَجِبُ أَنْ يُسَاوِيَهَا كَالْمِثْلِ وَالْقِيمَةِ .\rقُلْنَا : إذَا ثَبَتَ لَنَا هَذَا ، يَنْبَغِي أَنْ يُقَوَّمَ غَيْرُهَا بِهَا ، وَلَا تُقَوَّمُ هِيَ بِغَيْرِهَا ؛ لِأَنَّ الْبَدَلَ يَتْبَعُ الْأَصْلَ ، وَلَا يَتْبَعُ الْأَصْلُ الْبَدَلَ ، عَلَى أَنَّا نَقُولُ : إنَّمَا صَيَّرَ إلَى التَّقْدِيرِ بِهَذَا ؛ لِأَنَّ عُمَرَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَوَّمَهَا فِي وَقْتِهِ بِذَلِكَ ، فَوَجَبَ الْمَصِيرُ إلَيْهِ ، كَيْلًا يُؤَدِّيَ التَّنَازُعِ وَالِاخْتِلَافِ فِي قِيمَةِ الْإِبِلِ الْوَاجِبَةِ ، كَمَا قُدِّرَ لَبَنُ الْمُصَرَّاةِ بِصَاعٍ مِنْ التَّمْرِ ، نَفْيًا لِلتَّنَازُعِ فِي قِيمَتِهِ ، فَلَا يُوجِبُ هَذَا أَنْ يُرَدَّ الْأَصْلَ إلَى التَّقْوِيمِ ، فَيُفْضِيَ إلَى عَكْسِ حِكْمَةِ الشَّرْعِ ، وَوُقُوعِ التَّنَازُعِ فِي قِيمَةِ الْإِبِلِ مَعَ وُجُوبِهَا بِعَيْنِهَا ، عَلَى أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي بَدَلَيْ الْقَرْضِ مُسَاوَاةُ الْمَحَلِّ الْمُقْرَضِ ، فَاعْتُبِرَ مُسَاوَاةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ بَدَلَيْهِ لَهُ .\rوَالدِّيَةُ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ بِقِيمَةِ الْمُتْلَفِ ؛ وَلِهَذَا لَا تُعْتَبَرُ صِفَاتُهُ .\rوَهَكَذَا قَوْلُ أَصْحَابِنَا فِي تَقْوِيمِ الْبَقَرِ وَالشَّاةِ وَالْحُلَلِ ، يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَبْلَغُ الْوَاجِبِ مِنْ كُلِّ صِنْفٍ مِنْهَا اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا ، فَتَكُونُ قِيمَةُ كُلِّ بَقَرَةٍ أَوْ حُلَّةٍ سِتِّينَ دِرْهَمًا ، وَقِيمَةُ كُلِّ شَاةٍ سِتَّةَ دَرَاهِمَ ، لِتَتَسَاوَى الْأَبْدَالُ كُلُّهَا ، وَكُلُّ حُلَّةٍ بُرْدَتَانِ ، فَيَكُونَ أَرْبَعمِائَةِ بُرْدٍ .","part":19,"page":41},{"id":9041,"text":"( 6778 ) فَصْلٌ : وَلَا يُقْبَلُ فِي الْإِبِلِ مَعِيبٌ ، وَلَا أَعْجَفُ ، وَلَا يُعْتَبَرُ فِيهَا أَنْ تَكُونَ مِنْ جِنْسِ إبِلِهِ ، وَلَا إبِلِ بَلَدِهِ .\rوَقَالَ الْقَاضِي ، وَأَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ : الْوَاجِبُ عَلَيْهِ مِنْ جِنْسِ إبِلِهِ ، سَوَاءٌ كَانَ الْقَاتِلَ أَوْ الْعَاقِلَةَ ؛ لِأَنَّ وُجُوبَهَا عَلَى سَبِيلِ الْمُوَاسَاةِ ، فَيَجِبُ كَوْنُهَا مِنْ جِنْسِ مَالِهِمْ ، كَالزَّكَاةِ ، فَإِذَا كَانَ عِنْدَ بَعْضِ الْعَاقِلَةِ عِرَابٌ ، وَعِنْدَ بَعْضِهِمْ بَخَاتِي ، أُخِذَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ جِنْسِ مَا عِنْدَهُ ، وَإِنْ كَانَ عِنْدَ وَاحِدٍ صِنْفَانِ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا : يُؤْخَذُ مِنْ كُلِّ صِنْفٍ بِقِسْطِهِ .\rوَالثَّانِي ، يُؤْخَذُ مِنْ الْأَكْثَرِ ، فَإِنْ اسْتَوَيَا ، دَفَعَ مِنْ أَيِّهِمَا شَاءَ .\rفَإِنْ دَفَعَ مِنْ غَيْرِ إبِلِهِ خَيْرًا مِنْ إبِلِهِ أَوْ مِثْلَهَا ، جَازَ كَمَا لَوْ أَخْرَجَ فِي الزَّكَاةِ خَيْرًا مِنْ الْوَاجِبِ ، وَإِنْ كَانَ أَدْوَنَ ، لَمْ يُقْبَلْ ، إلَّا أَنْ يَرْضَى الْمُسْتَحِقُّ .\rوَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ إبِلٌ ، فَمِنْ غَالِبِ إبِلِ الْبَلَدِ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْبَلَدِ إبِلٌ ، وَجَبَ مِنْ غَالِبِ إبِلِ أَقْرَبِ الْبِلَادِ إلَيْهِ .\rفَإِنْ كَانَتْ إبِلُهُ عِجَافًا أَوْ مِرَاضًا ، كُلِّفَ تَحْصِيلَ صِحَاحٍ مِنْ جِنْسِ مَا عِنْدَهُ ؛ لِأَنَّهُ بَدَلُ مُتْلَفٍ ، فَلَا تُؤْخَذُ فِيهِ مَعِيبَةٌ ، كَقِيمَةِ الثَّوْبِ الْمُتْلَفِ ، وَنَحْوَ هَذَا قَالَ أَصْحَابُنَا فِي الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { فِي النَّفْسِ الْمُؤْمِنَةِ مِائَةٌ مِنْ الْإِبِلِ } .\rأَطْلَقَ الْإِبِلَ ، فَمَنْ قَيَّدَهَا احْتَاجَ إلَى دَلِيلٍ وَلِأَنَّهَا بَدَلُ الْمُتْلَفِ ، فَلَمْ يَخْتَصَّ بِجِنْسِ مَالِهِ ، كَبَدَلِ سَائِرِ الْمُتْلَفَاتِ ؛ وَلِأَنَّهَا حَقٌّ لَيْسَ سَبَبُهُ الْمَالَ ، فَلَمْ يُعْتَبَرْ كَوْنُهُ مِنْ جِنْسِ مَالِهِ ، كَالْمُسْلَمِ فِيهِ وَالْقَرْضِ ، وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِالدِّيَةِ جَبْرُ الْمَفُوتِ ، وَالْجَبْرُ لَا يَخْتَصُّ بِجِنْسِ مَالِ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ .\rوَفَارَقَ الزَّكَاةَ ؛ فَإِنَّهَا وَجَبَتْ عَلَى سَبِيلِ الْمُوَاسَاةِ ، لِيُشَارِكَ","part":19,"page":42},{"id":9042,"text":"الْفُقَرَاءُ الْأَغْنِيَاءَ فِيمَا أَنْعَمَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ عَلَيْهِمْ ، فَاقْتَضَى كَوْنَهُ مِنْ جِنْسِ أَمْوَالِهِمْ ، وَهَذَا بَدَلُ مُتْلَفٍ ، فَلَا وَجْهَ لِتَخْصِيصِهِ بِمَالِهِ .\rوَقَوْلُهُمْ : إنَّهَا مُوَاسَاةٌ .\rغَيْرُ صَحِيحٍ ، وَإِنَّمَا وَجَبَتْ جَبْرًا لِلْفَائِتِ كَبَدَلِ الْمَالِ الْمُتْلَفِ ، وَإِنَّمَا الْعَاقِلَةُ تُوَاسِي الْقَاتِلَ فِيمَا وَجَبَ بِجِنَايَتِهِ ، وَلِهَذَا لَا يَجِبُ مِنْ جِنْسِ أَمْوَالِهِمْ إذَا لَمْ يَكُونُوا ذَوِي إبِلٍ ، وَالْوَاجِبُ بِجِنَايَتِهِ إبِلٌ مُطْلَقَةٌ ، فَتُوَاسِيه فِي تَحَمُّلِهَا ، وَلِأَنَّهَا لَوْ وَجَبَتْ مِنْ جِنْسِ مَالِهِمْ ، لَوَجَبَتْ الْمَرِيضَةُ مِنْ الْمِرَاضِ ، وَالصَّغِيرَةُ مِنْ الصِّغَارِ ، كَالزَّكَاةِ .","part":19,"page":43},{"id":9043,"text":"( 6779 ) مَسْأَلَةٌ : ( قَالَ : وَإِنْ كَانَ الْقَتْلُ عَمْدًا ، فَهِيَ فِي مَالِ الْقَاتِلِ ، حَالَّةً أَرْبَاعًا ؛ خَمْسٌ وَعِشْرُونَ بَنَاتِ مَخَاضٍ ، وَخَمْسٌ وَعِشْرُونَ بَنَاتِ لَبُونٍ ، وَخَمْسٌ وَعِشْرُونَ حِقَّةً ، وَخَمْسٌ وَعِشْرُونَ جَذَعَةً ) أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ دِيَةَ الْعَمْدِ تَجِبُ فِي مَالِ الْقَاتِلِ ، لَا تَحْمِلُهَا الْعَاقِلَةُ .\rوَهَذَا قَضِيَّةُ الْأَصْلِ ، وَهُوَ أَنَّ بَدَلَ الْمُتْلَفِ ، يَجِبُ عَلَى الْمُتْلِفِ ، وَأَرْشُ الْجِنَايَةِ عَلَى الْجَانِي ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا يَجْنِي جَانٍ إلَّا عَلَى نَفْسِهِ } .\rوَقَالَ لِبَعْضِ أَصْحَابه ، حِينَ رَأَى مَعَهُ وَلَدَهُ : \" ابْنُك هَذَا ؟ \" .\rقَالَ : نَعَمْ .\rقَالَ : { أَمَّا إنَّهُ لَا يَجْنِي عَلَيْك ، وَلَا تَجْنِي عَلَيْهِ } وَلِأَنَّ مُوجِبَ الْجِنَايَةِ أَثَرُ فِعْلِ الْجَانِي ، فَيَجِبُ أَنْ يَخْتَصَّ بِضَرَرِهَا ، كَمَا يَخْتَصُّ بِنَفْعِهَا ، فَإِنَّهُ لَوْ كَسَبَ كَانَ كَسْبُهُ لَهُ دُونَ غَيْرِهِ ، وَقَدْ ثَبَتَ حُكْمُ ذَلِكَ فِي سَائِرِ الْجِنَايَاتِ وَالْأَكْسَابِ ، وَإِنَّمَا خُولِفَ هَذَا الْأَصْلُ فِي قَتْلِ الْمَعْذُورِ فِيهِ ، لِكَثْرَةِ الْوَاجِبِ ، وَعَجْزِ الْجَانِي فِي الْغَالِبِ عَنْ تَحَمُّلِهِ ، مَعَ وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ عَلَيْهِ ، وَقِيَامِ عُذْرِهِ ، تَخْفِيفًا عَنْهُ ، وَرِفْقًا بِهِ ، وَالْعَامِدُ لَا عُذْرَ لَهُ ، فَلَا يَسْتَحِقُّ التَّخْفِيفَ ، وَلَا يُوجَدُ فِيهِ الْمَعْنَى الْمُقْتَضِي لِلْمُوَاسَاةِ فِي الْخَطَأِ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِنَّهَا تَجِبُ حَالَّةً .\rوَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ تَجِبُ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ ؛ لِأَنَّهَا دِيَةُ آدَمِيٍّ ، فَكَانَتْ مُؤَجَّلَةً ، كَدِيَةِ شِبْهِ الْعَمْدِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ مَا وَجَبَ بِالْعَمْدِ الْمَحْضِ كَانَ حَالًّا ، كَالْقِصَاصِ ، وَأَرْشُ أَطْرَافِ الْعَبْدِ ، وَلَا يُشْبِهُ شِبْهَ الْعَمْدِ ؛ لِأَنَّ الْقَاتِلَ مَعْذُورٌ ، لِكَوْنِهِ لَمْ يَقْصِدْ الْقَتْلَ ، وَإِنَّمَا أَفْضَى إلَيْهِ مِنْ غَيْرِ اخْتِيَارٍ مِنْهُ ، فَأَشْبَهَ الْخَطَأَ ؛ وَلِهَذَا تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ ، وَلِأَنَّ الْقَصْدَ التَّخْفِيفُ عَلَى","part":19,"page":44},{"id":9044,"text":"الْعَاقِلَة الَّذِينَ لَمْ تَصْدُرْ مِنْهُمْ جِنَايَةٌ ، وَحَمَلُوا أَدَاءَ مَالٍ مُوَاسَاةً ، فَالْأَرْفَقُ بِحَالِهِمْ التَّخْفِيفُ عَنْهُمْ ، وَهَذَا مَوْجُودٌ فِي الْخَطَأِ وَشِبْهِ الْعَمْدِ عَلَى السَّوَاءِ ، وَأَمَّا الْعَمْدُ ، فَإِنَّمَا يَحْمِلُهُ الْجَانِي فِي غَيْرِ حَالِ الْعُذْرِ ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مُلْحَقًا بِبَدَلِ سَائِرِ الْمُتْلَفَاتِ ، وَيُتَصَوَّرُ الْخِلَافُ مَعَهُ ، فِيمَا إذَا قَتَلَ ابْنَهُ ، أَوْ قَتَلَ أَجْنَبِيًّا ، وَتَعَذَّرَ اسْتِيفَاءُ الْقِصَاصِ ، لِعَفْوِ بَعْضِهِمْ ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ .\rوَاخْتَلَفْت الرِّوَايَةُ فِي مِقْدَارِهَا ، فَرَوَى جَمَاعَةٌ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهَا أَرْبَاعٌ ، كَمَا ذَكَرَ الْخِرَقِيِّ ، وَهُوَ قَوْلُ الزُّهْرِيِّ ، وَرَبِيعَةَ وَمَالِكٍ وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .\rوَرَوَى جَمَاعَةٌ عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّهَا ثَلَاثُونَ حِقَّةً ، وَثَلَاثُونَ جَذَعَةً ، وَأَرْبَعُونَ خَلِفَةً فِي بُطُونِهَا أَوْلَادُهَا .\rوَبِهَذَا قَالَ عَطَاءٌ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ وَالشَّافِعِيُّ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ ، وَزَيْدٍ ، وَأَبِي مُوسَى ، وَالْمُغِيرَةِ ؛ لِمَا رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إنَّ : { مَنْ قَتَلَ مُتَعَمِّدًا ، دُفِعَ إلَى أَوْلِيَاءِ الْمَقْتُولِ فَإِنْ شَاءُوا قَتَلُوهُ ، وَإِنْ شَاءُوا أَخَذُوا الدِّيَةَ ، وَهِيَ ثَلَاثُونَ حِقَّةً ، وَثَلَاثُونَ جَذَعَةً ، وَأَرْبَعُونَ خَلِفَةً ، وَمَا صُولِحُوا عَلَيْهِ فَهُوَ لَهُمْ } .\rوَذَلِكَ لِتَشْدِيدِ الْقَتْلِ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَقَالَ : هُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ .\rوَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { أَلَا إنَّ فِي قَتِيلِ عَمْدِ الْخَطَأِ ، قَتِيلِ السَّوْطِ وَالْعَصَا ، مِائَةً مِنْ الْإِبِلِ ، مِنْهَا أَرْبَعُونَ خَلِفَةً فِي بُطُونِهَا أَوْلَادُهَا } .\rرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ، وَأَبُو دَاوُد ، وَغَيْرُهُمْ وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، أَنَّ رَجُلًا يُقَالُ لَهُ : قَتَادَةَ حَذَفَ ابْنَهُ","part":19,"page":45},{"id":9045,"text":"بِالسَّيْفِ ، فَقَتَلَهُ فَأَخَذَ عُمَرُ مِنْهُ الدِّيَةَ ؛ ثَلَاثِينَ حِقَّةً ، وَثَلَاثِينَ جَذَعَةً ، وَأَرْبَعِينَ خَلِفَةً رَوَاهُ مَالِكٌ فِي \" مُوَطَّئِهِ \" وَوَجْهُ الْأَوَّلِ مَا رَوَى الزُّهْرِيُّ ، عَنْ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ ، قَالَ : كَانَتْ الدِّيَةُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْبَاعًا خَمْسًا وَعُشْرِينَ جَذَعَةً ، وَخَمْسًا وَعُشْرِينَ حِقَّةً ، وَخَمْسًا وَعُشْرِينَ بِنْتَ لَبُونٍ ، وَخَمْسًا وَعُشْرِينَ بِنْتَ مَخَاضٍ .\rوَلِأَنَّهُ قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ وَلِأَنَّهُ حَقٌّ يَتَعَلَّقُ بِجِنْسِ الْحَيَوَانِ ، فَلَا يُعْتَبَرُ فِيهِ الْحَمْلُ ، كَالزَّكَاةِ وَالْأُضْحِيَّةِ .\r( 6780 ) فَصْلٌ : وَالْخَلِفَةُ : الْحَامِلُ وَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { فِي بُطُونِهَا أَوْلَادُهَا } تَأْكِيدٌ ، وَقَلَّمَا تَحْمِلُ إلَّا ثَنِيَّةٌ ، وَهِيَ الَّتِي لَهَا خَمْسُ سِنِينَ وَدَخَلَتْ فِي السَّادِسَةِ ، وَأَيُّ نَاقَةٍ حَمَلَتْ فَهِيَ خَلِفَةً ، تُجْزِئُ فِي الدِّيَةِ ، وَقَدْ قِيلَ : لَا تُجْزِئُ إلَّا ثَنِيَّةٌ ؛ لِأَنَّ فِي بَعْضِ أَلْفَاظِ الْحَدِيثِ : { أَرْبَعُونَ خَلِفَةً ، مَا بَيْنَ ثَنِيَّةِ عَامِهَا إلَى بَازِلٍ } .\rوَلِأَنَّ سَائِرَ أَنْوَاعِ الْإِبِلِ مُقَدَّرَةُ السِّنِّ ، فَكَذَلِكَ الْخَلِفَةُ .\rوَاَلَّذِي ذَكَرَهُ الْقَاضِي هُوَ الْأَوْلَى ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَطْلَقَ الْخَلِفَةَ ، وَالْخَلِفَةُ هِيَ الْحَامِلُ ، فَيَقْتَضِي أَنْ تُجْزِئَ كُلُّ حَامِلٍ .\rوَلَوْ أَحْضَرَهَا خَلِفَةً ، فَأَسْقَطَتْ قَبْلَ قَبْضِهَا ، فَعَلَيْهِ بَدَلُهَا ، فَإِنْ أَسْقَطَتْ بَعْدَ قَبْضِهَا أَجْزَأَتْ ؛ لِأَنَّهُ بَرِئَ مِنْهَا بِدَفْعِهَا .","part":19,"page":46},{"id":9046,"text":"( 6781 ) فَصْلٌ : فَإِنْ اخْتَلَفَا فِي حَمْلِهَا ، رُجِعَ إلَى أَهْلِ الْخِبْرَةِ ، كَمَا يُرْجَعُ فِي حَمْلِ الْمَرْأَةِ إلَى الْقَوَابِلِ .\rوَإِنْ تَسَلَّمْهَا الْوَلِيُّ ، ثُمَّ قَالَ : لَمْ تَكُنْ حَوَامِلَ ، وَقَدْ ضَمَرَتْ أَجْوَافُهَا ، فَقَالَ الْجَانِي بَلْ قَدْ وَلَدَتْ عِنْدَك .\rنَظَرْت ؛ فَإِنْ قَبَضَهَا بِقَوْلِ أَهْلِ الْخِبْرَةِ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْجَانِي ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ إصَابَتُهُمْ ، وَإِنْ قَبَضَهَا بِغَيْرِ قَوْلِهِمْ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْوَلِيِّ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْحَمْلِ .","part":19,"page":47},{"id":9047,"text":"( 6782 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : وَإِنْ كَانَ الْقَتْلُ شِبْهَ عَمْدٍ فَكَمَا وَصَفْت فِي أَسْنَانِهَا ، إلَّا أَنَّهَا عَلَى الْعَاقِلَةِ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ ، فِي كُلِّ سَنَةٍ ثُلُثُهَا .\rوَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْقَوْلَ فِي أَسْنَانِ دِيَةِ شِبْهِ الْعَمْدِ ، كَالْقَوْلِ فِي دِيَةِ الْعَمْدِ ، سَوَاءٌ فِي اخْتِلَافِ الرِّوَايَتَيْنِ فِيهَا ، وَاخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ فِيهَا ، وَقَدْ سَبَقَ الْكَلَامُ فِي ذَلِكَ ، إلَّا أَنَّهَا تُخَالِفُ الْعَمْدَ فِي أَمْرَيْنِ ؛ أَحَدِهِمَا أَنَّهَا عَلَى الْعَاقِلَةِ ، فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ .\rوَبِهِ قَالَ الشَّعْبِيُّ وَالنَّخَعِيُّ ، وَالْحَكَمُ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَالْحَارِثُ الْعُكْلِيُّ وَابْنُ شُبْرُمَةَ ، وَقَتَادَةُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ : هِيَ عَلَى الْقَاتِلِ فِي مَالِهِ .\rوَاخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ ؛ لِأَنَّهَا مُوجِبُ فِعْلٍ قَصَدَهُ ، فَلَمْ تَحْمِلْهُ الْعَاقِلَةُ ، كَالْعَمْدِ الْمَحْضِ ، وَلِأَنَّهَا دِيَةٌ مُغَلَّظَةٌ ، فَأَشْبَهَتْ دِيَةَ الْعَمْدِ .\rوَهَكَذَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَذْهَبُ مَالِكٍ ؛ لِأَنَّ شِبْهَ الْعَمْدِ عِنْدَهُ مِنْ بَابِ الْعَمْدِ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ، قَالَ : اقْتَتَلَتْ امْرَأَتَانِ مِنْ هُذَيْلٍ ، فَرَمَتْ إحْدَاهُمَا الْأُخْرَى بِحَجَرٍ ، فَقَتَلَتْهَا وَمَا فِي بَطْنِهَا ، فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِدِيَةِ الْمَرْأَةِ عَلَى عَاقِلَتِهَا .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَلِأَنَّهُ نَوْعُ قَتْلٍ لَا يُوجِبُ قِصَاصًا فَوَجَبَتْ دِيَتُهُ عَلَى الْعَاقِلَةِ ، كَالْخَطَأِ ، وَيُخَالِفُ الْعَمْدَ الْمَحْضَ ؛ لِأَنَّهُ يُغَلَّظُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ ، لِقَصْدِهِ الْفِعْلَ ، وَإِرَادَتِهِ الْقَتْلَ ، وَعَمْدُ الْخَطَأِ يُغَلَّظُ مِنْ وَجْهٍ ، وَهُوَ قَصْدُهُ الْفِعْلَ ، وَيُخَفَّفُ مِنْ وَجْهٍ ، وَهُوَ كَوْنُهُ لَمْ يُرِدْ الْقَتْلَ ، فَاقْتَضَى تَغْلِيظَهَا مِنْ وَجْهٍ وَهُوَ الْأَسْنَانُ ، وَتَخْفِيفَهَا مِنْ وَجْهٍ وَهُوَ حَمْلُ الْعَاقِلَةِ لَهَا وَتَأْجِيلُهَا .\rوَلَا أَعْلَمُ فِي أَنَّهَا تَجِبُ مُؤَجَّلَةً خِلَافًا بَيْنَ","part":19,"page":48},{"id":9048,"text":"أَهْلِ الْعِلْمِ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ ، وَعَلِيٍّ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ .\rوَبِهِ قَالَ الشَّعْبِيُّ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَقَتَادَةُ ، وَأَبُو هَاشِمٍ ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَقَدْ حُكِيَ عَنْ قَوْمٍ مِنْ الْخَوَارِجِ ، أَنَّهُمْ قَالُوا : الدِّيَةُ حَالَّةٌ ؛ لِأَنَّهَا بَدَلُ مُتْلَفٍ .\rوَلَمْ يُنْقَلْ إلَيْنَا ذَلِكَ عَنْ مَنْ يُعَدُّ خِلَافُهُ خِلَافًا .\rوَتُخَالِفُ الدِّيَةُ سَائِرَ الْمُتْلَفَاتِ ؛ لِأَنَّهَا تَجِبُ عَلَى غَيْرِ الْجَانِي عَلَى سَبِيلِ الْمُوَاسَاة لَهُ فَاقْتَضَتْ الْحِكْمَةُ تَخْفِيفهَا عَلَيْهِمْ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ ، وَعَلِيٍّ أَنَّهُمَا قَضَيَا بِالدِّيَةِ عَلَى الْعَاقِلَةِ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ .\rوَلَا مُخَالِفَ لَهُمَا فِي عَصْرِهِمَا ، فَكَانَ إجْمَاعًا .","part":19,"page":49},{"id":9049,"text":"( 6783 ) فَصْلٌ : وَيَجِبُ فِي آخِرِ كُلِّ حَوْلٍ ثُلُثُهَا ، وَيُعْتَبَرُ ابْتِدَاءُ السَّنَةِ مِنْ حِينِ وُجُوبِ الدِّيَةِ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : ابْتِدَاؤُهَا مِنْ حِينِ حَكَمَ الْحَاكِمُ ؛ لِأَنَّهَا مُدَّةٌ مُخْتَلَفٌ فِيهَا ، فَكَانَ ابْتِدَاؤُهَا مِنْ حِينِ حَكَمَ الْحَاكِمُ ، كَمُدَّةِ الْعُنَّةِ .\rوَلَنَا أَنَّهُ مَالٌ مُؤَجَّلٌ ، فَكَانَ ابْتِدَاءُ أَجَلِهِ مِنْ حِينِ وُجُوبِهِ ، كَالدَّيْنِ الْمُؤَجَّلِ وَالسَّلَمِ ، وَلَا نُسَلِّمُ الْخِلَافَ فِيهَا ، فَإِنَّ الْخَوَارِجَ لَا يُعْتَدُّ بِخِلَافِهِمْ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنْ كَانَ الْوَاجِبُ دِيَةَ نَفْسٍ ، فَابْتِدَاءُ حَوْلِهَا مِنْ حِينِ الْمَوْتِ ، سَوَاءٌ كَانَ قَتْلًا مُوجِبًا ، أَوْ عَنْ سِرَايَةِ جُرْحٍ ، وَإِنْ كَانَ الْوَاجِبُ دِيَةَ جُرْحٍ ، نَظَرْت ؛ فَإِنْ كَانَ عَنْ جُرْحٍ انْدَمَلَ مِنْ غَيْرِ سِرَايَةٍ ، مِثْلَ أَنْ قَطَعَ يَدَهُ فَبَرَأَتْ بَعْدَ مُدَّةٍ ، فَابْتِدَاءُ الْمُدَّةِ مِنْ حِينِ الْقَطْعِ ؛ لِأَنَّ تِلْكَ حَالَةُ الْوُجُوبِ ، وَلِهَذَا لَوْ قَطَعَ يَدَهُ وَهُوَ ذِمِّيٌّ ، فَأَسْلَمَ ، ثُمَّ انْدَمَلَتْ ، وَجَبَ نِصْفُ دِيَةِ يَهُودِيٍّ .\rوَأَمَّا إنْ كَانَ الْجُرْحُ سَارِيًا ، مِثْلَ أَنْ قَطَعَ إصْبَعَهُ فَسَرَى ذَلِكَ إلَى كَفِّهِ ، ثُمَّ انْدَمَلَ ، فَابْتِدَاءُ الْمُدَّةِ مِنْ حِينِ الِانْدِمَالِ ؛ لِأَنَّهَا إذَا سَرَتْ ، فَمَا اسْتَقَرَّ الْأَرْشُ إلَّا عِنْدَ الِانْدِمَالِ .\rهَكَذَا ذَكَرَ الْقَاضِي ، وَأَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ وَقَالَ : أَبُو الْخَطَّابِ تُعْتَبَرُ الْمُدَّةُ مِنْ حِينِ الِانْدِمَالِ فِيهِمَا لِأَنَّ الْأَرْشَ لَا يَسْتَقِرُّ إلَّا بِالِانْدِمَالِ فِيهِمَا .","part":19,"page":50},{"id":9050,"text":"( 6784 ) فَصْلٌ : وَإِذَا كَانَ الْوَاجِبُ دِيَةً فَإِنَّهَا تُقْسَمُ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ ، كُلِّ سَنَةٍ ثُلُثُهَا ، سَوَاءٌ كَانَتْ دِيَةَ النَّفْسِ أَوْ دِيَةَ الطَّرَفِ ، كَدِيَةِ جَدْعِ الْأَنْفِ أَوْ الْأُذُنَيْنِ ، أَوْ قَطْعِ الذَّكَرِ أَوْ الْأُنْثَيَيْنِ .\rوَإِنْ كَانَ دُونَ الدِّيَةِ نَظَرْنَا ؛ فَإِنْ كَانَ ثُلُثَ الدِّيَةِ ، كَدِيَةِ الْمَأْمُومِ أَوْ الْجَائِفَةِ ، وَجَبَ فِي آخِرِ السَّنَةِ الْأُولَى ، وَلَمْ يَجِبُ مِنْهُ شَيْءٌ حَالًّا لِأَنَّ الْعَاقِلَةَ لَا تَحْمِلُ حَالًّا وَإِنْ كَانَ نِصْفَ الدِّيَة أَوْ ثُلُثَهَا ، كَدِيَةِ الْيَدِ أَوْ دِيَةِ الْمَنْخِرَيْنِ ، وَجَبَ الثُّلُثُ فِي آخِرِ السَّنَةِ الْأُولَى ، وَالْبَاقِي فِي آخِرِ السَّنَةِ الثَّانِيَة .\rوَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثَيْنِ كَدِيَةِ ثَمَانِ أَصَابِعَ ، وَجَبَ الثُّلُثَانِ فِي السَّنَتَيْنِ ، وَالْبَاقِي فِي آخِرِ الثَّالِثَةِ .\rوَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ دِيَةٍ مِثْلَ أَنْ ذَهَبَ سَمْعُ إنْسَانٍ وَبَصَرُهُ ، فَفِي كُلِّ سَنَةٍ ثُلُثٌ ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ لَوْ كَانَ دُونَ الدِّيَةِ ، لَمْ يَنْقُصْ فِي السَّنَةِ عَنْ الثُّلُثِ ، فَكَذَلِكَ لَا يَزِيدُ عَلَيْهِ إذَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ .\rوَإِنْ كَانَ الْوَاجِبُ الْجِنَايَةِ عَلَى اثْنَيْنِ ، وَجَبَ لِكُلِّ وَاحِدٍ ثُلُثٌ فِي كُلِّ سَنَةٍ ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ لَهُ دِيَةٌ ، فَيَسْتَحِقُّ ثُلُثَهَا ، كَمَا لَوْ انْفَرَدَ حَقُّهُ .\rوَإِنْ كَانَ الْوَاجِبُ دُونَ ثُلُثِ الدِّيَةِ ، كَدِيَةِ الْإِصْبَعِ ، لَمْ تَحْمِلْهُ الْعَاقِلَةُ ؛ لِأَنَّهَا لَا تَحْمِلُ مَا دُونَ الثُّلُثِ ، وَيَجِبُ حَالًّا ؛ لِأَنَّهُ بَدَلُ مُتْلَفٍ لَا تَحْمِلُهُ ، فَكَانَ حَالًّا ؛ كَالْجِنَايَةِ عَلَى الْمَالِ .","part":19,"page":51},{"id":9051,"text":"( 6785 ) فَصْلٌ : وَفِي الدِّيَةِ النَّاقِصَةِ ، كَدِيَةِ الْمَرْأَةِ وَالْكِتَابِيِّ ، وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا : تُقْسَمُ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ ؛ لِأَنَّهَا بَدَلُ النَّفْسِ ، فَأَشْبَهْت الدِّيَةَ الْكَامِلَةَ .\rوَالثَّانِي ، يَجِبُ مِنْهَا فِي الْعَامِ الْأَوَّلِ قَدْرُ ثُلُثِ الدِّيَةِ الْكَامِلَةِ ، وَبَاقِيهَا فِي الْعَامِ الثَّانِي ؛ لِأَنَّ هَذِهِ تَنْقُصُ عَنْ الدِّيَةِ ، فَلَمْ تُقْسَمْ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ ، كَأَرْشِ الطَّرَفِ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَلِلشَّافِعِي كَالْوَجْهَيْنِ .\rوَإِنْ كَانَتْ الدِّيَةُ لَا تَبْلُغُ ثُلُثَ الدِّيَةِ الْكَامِلَةِ ، كَدِيَةِ الْمَجُوسِيِّ ، وَهُوَ ثَمَانمِائَةِ دِرْهَمٍ ، وَدِيَةِ الْجَنِينِ ، وَهِيَ خَمْسٌ مِنْ الْإِبِلِ ، لَمْ تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ ؛ لِأَنَّهَا لَا تَحْمِلُ مَا دُونَ الثُّلُثِ ، فَأَشْبَهَ دِيَةَ السِّنِّ وَالْمُوضِحَةِ ، إلَّا أَنْ يُقْتَلَ الْجَنِينُ مَعَ أُمِّهِ ، فَتَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ ؛ لِأَنَّهَا جِنَايَةٌ وَاحِدَةٌ ، وَتَكُونُ دِيَةُ الْأُمِّ عَلَى الْوَجْهَيْنِ ، فَإِنْ قُلْنَا : هِيَ فِي عَامَيْنِ .\rكَانَتْ دِيَةُ الْجَنِينِ وَاجِبَةً مَعَ ثُلُثِ دِيَةِ الْأُمِّ فِي الْعَامِ الْأَوَّلِ ؛ لِأَنَّهَا دِيَةٌ أُخْرَى .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ تَجِبَ مَعَ بَاقِي دِيَةِ الْأُمِّ فِي الْعَامِ الثَّانِي .\rوَإِنْ قُلْنَا دِيَةُ الْأُمِّ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ .\rفَهَلْ يَجِبُ دِيَةُ الْجَنِينِ فِي ثَلَاثَةِ أَعْوَامٍ أَوْ لَا ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ ؛ فَإِذَا قُلْنَا بِوُجُوبِهَا فِي ثَلَاثِ سِنِينَ ، وَجَبَتْ فِي السِّنِينَ الَّتِي وَجَبَتْ فِيهَا دِيَةُ الْأُمِّ ؛ لِأَنَّهُمَا دِيَتَانِ لِمُسْتَحِقَّيْنِ ، فَيَجِبُ فِي كُلِّ سَنَةٍ ثُلُثُ دِيَتِهَا وَثُلُثُ دِيَتِهِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ تَجِبَ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ أُخْرَى ؛ لِأَنَّ تَلَفَهَا مُوجِبُ جِنَايَةٍ وَاحِدَةٍ .\r.","part":19,"page":52},{"id":9052,"text":"( 6786 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : وَإِنْ كَانَ الْقَتْلُ خَطَأً ، كَانَ عَلَى الْعَاقِلَةِ مِائَةٌ مِنْ الْإِبِلِ ، تُؤْخَذُ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ أَخْمَاسًا ، عِشْرُونَ بَنَاتِ مَخَاضٍ ، وَعِشْرُونَ بَنِي مَخَاضٍ ، وَعِشْرُونَ بَنَاتِ لَبُونٍ ، وَعِشْرُونَ حِقَّةً ، وَعِشْرُونَ جَذَعَةً لَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ فِي أَنَّ دِيَةَ الْخَطَأِ أَخْمَاسًا ، كَمَا ذَكَرَ الْخِرَقِيِّ .\rوَهَذَا قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَالنَّخَعِيِّ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ وَابْنِ الْمُنْذِرِ وَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَسُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ وَالزُّهْرِيُّ ، وَاللَّيْثُ ، وَرَبِيعَةُ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ : هِيَ أَخْمَاسٌ ، إلَّا أَنَّهُمْ جَعَلُوا مَكَانِ بَنِي مَخَاضٍ بَنِي لَبُونٍ .\rوَهَكَذَا رَوَاهُ سَعِيدٌ ، فِي \" سُنَنِهِ \" ، عَنْ النَّخَعِيِّ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَقَالَ : الْخَطَّابِيُّ رُوِيَ أَنَّ { النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَدَى الَّذِي قُتِلَ بِخَيْبَرَ بِمِائَةٍ مِنْ إبِلِ الصَّدَقَة .\rوَلَيْسَ فِي أَسْنَانِ الصَّدَقَةِ ابْنُ مَخَاضٍ } .\rوَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وَالْحَسَنِ ، وَالشَّعْبِيِّ ، وَالْحَارِثِ الْعُكْلِيُّ وَإِسْحَاقَ ، أَنَّهَا أَرْبَاعٌ ، كَدِيَةِ الْعَمْدِ سَوَاءً .\rوَعَنْ زَيْدٍ ، أَنَّهَا ثَلَاثُونَ حِقَّةً ، وَثَلَاثُونَ بِنْتَ لَبُونٍ ، وَعِشْرُونَ ابْنَ لَبُونٍ ، وَعِشْرُونَ بِنْتَ مَخَاضٍ .\rوَقَالَ طَاوُسٌ : ثَلَاثُونَ حِقَّةً ، وَثَلَاثُونَ بِنْتَ لَبُونٍ ، وَثَلَاثُونَ بِنْتَ مَخَاضٍ ، وَعِشْرُونَ بَنِي لَبُونٍ ذُكُورٍ ؛ لِمَا رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، أَنَّ { رَسُولَ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى أَنَّ مَنْ قُتِلَ خَطَأً ، فَدِيَتُهُ مِنْ الْإِبِلِ ثَلَاثُونَ بِنْتَ مَخَاضٍ ، وَثَلَاثُونَ بِنْتَ لَبُونٍ ، وَثَلَاثُونَ حِقَّةً ، وَعَشَرَةٌ بَنِي لَبُونٍ ذُكُورٍ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ .\rوَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ : الدِّيَاتُ كُلُّهَا أَخْمَاسٌ ، كَدِيَةِ الْخَطَأِ ؛ لِأَنَّهَا بَدَلُ مُتْلَفٍ ، فَلَا تَخْتَلِفُ بِالْعَمْدِ وَالْخَطَأِ ، كَسَائِرِ الْمُتْلَفَاتِ .\rوَحُكِيَ عَنْهُ ، أَنَّ دِيَةَ الْعَمْدِ مُغَلَّظَةٌ ، وَدِيَةَ شِبْهِ الْعَمْدِ وَالْخَطَأِ","part":19,"page":53},{"id":9053,"text":"أَخْمَاسٌ ؛ لِأَنَّ شِبْهَ الْعَمْدِ تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ ، فَكَانَ أَخْمَاسًا ، كَدِيَةِ الْخَطَأِ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { فِي دِيَةِ الْخَطَأِ عِشْرُونَ حِقَّةً ، وَعِشْرُونَ جَذَعَةً ، وَعِشْرُونَ بِنْتَ مَخَاضٍ ، وَعِشْرُونَ بِنْتَ لَبُونٍ ، وَعِشْرُونَ بَنِي مَخَاضٍ } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ .\rوَلِأَنَّ ابْنَ لَبُونٍ يَجِبُ عَلَى طَرِيقِ الْبَدَلِ عَنْ ابْنَةِ مَخَاضٍ فِي الزَّكَاةِ إذَا لَمْ يَجِدْهَا ، فَلَا يُجْمَعُ بَيْنَ الْبَدَلِ وَالْمُبْدَلِ فِي وَاجِبٍ ، وَلِأَنَّ مُوجِبَهُمَا وَاحِدٌ ، فَيَصِيرُ كَأَنَّهُ أَوْجَبَ أَرْبَعِينَ ابْنَةَ مَخَاضٍ ؛ وَلِأَنَّ مَا قُلْنَاهُ الْأَقَلُّ ، فَالزِّيَادَةُ عَلَيْهِ لَا تَثْبُتُ إلَّا بِتَوْقِيفٍ ، يَجِبُ عَلَى مِنْ ادَّعَاهُ الدَّلِيلُ ، فَأَمَّا دِيَةُ قَتِيلِ خَيْبَرَ فَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَدَّعُوا عَلَى أَهْلِ خَيْبَرَ قَتْلَهُ إلَّا عَمْدًا ، فَتَكُونُ دِيَتُهُ دِيَةَ الْعَمْدِ ، وَهِيَ مِنْ أَسْنَانِ الصَّدَقَةِ ، وَالْخِلَافُ فِي دِيَةِ الْخَطَأِ .\rوَقَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ يُخَالِفُ الْآثَارَ الْمَرْوِيَّةَ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا ، فَلَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ .","part":19,"page":54},{"id":9054,"text":"فَصْلٌ : وَلَا نَعْلَمُ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ خِلَافًا فِي أَنَّ دِيَةَ الْخَطَأِ عَلَى الْعَاقِلَةِ .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعَ عَلَى هَذَا كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مَنْ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rوَقَدْ ثَبَتَتْ الْأَخْبَارُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَضَى بِدِيَةِ الْخَطَأِ عَلَى الْعَاقِلَةِ ، وَأَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى الْقَوْلِ بِهِ .\rوَقَدْ جَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دِيَةَ عَمْدِ الْخَطَأِ عَلَى الْعَاقِلَةِ ، بِمَا قَدْ رَوَيْنَاهُ مِنْ الْأَحَادِيثِ ، وَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ الْعَاقِلَةَ تَحْمِلُ دِيَةَ الْخَطَأِ ، وَالْمَعْنَى فِي ذَلِكَ أَنَّ جِنَايَاتِ الْخَطَأِ تَكْثُرُ ، وَدِيَةَ الْآدَمِيِّ كَثِيرَةٌ ، فَإِيجَابُهَا عَلَى الْجَانِي فِي مَالِهِ يُجْحِفُ بِهِ ، فَاقْتَضَتْ الْحِكْمَةُ إيجَابَهَا عَلَى الْعَاقِلَةِ ، عَلَى سَبِيلِ الْمُوَاسَاةِ لِلْقَاتِلِ ، وَالْإِعَانَةِ لَهُ ، تَخْفِيفًا عَنْهُ ، إذْ كَانَ مَعْذُورًا فِي فِعْلِهِ ، وَيَنْفَرِدُ هُوَ بِالْكَفَّارَةِ .","part":19,"page":55},{"id":9055,"text":"( 6788 ) فَصْلٌ : وَلَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ فِي أَنَّهَا مُؤَجَّلَةٌ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ ؛ فَإِنَّ عُمَرَ ، وَعَلِيًّا ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، جَعَلَا دِيَةَ الْخَطَأِ عَلَى الْعَاقِلَةِ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ .\rوَلَا نَعْرِفُ لَهُمَا فِي الصَّحَابَةِ مُخَالِفًا ، وَاتَّبَعَهُمْ عَلَى ذَلِكَ أَهْلُ الْعِلْمِ ، وَلِأَنَّهُ مَالٌ يَجِبُ عَلَى سَبِيلِ الْمُوَاسَاةِ ، فَلَمْ يَجِبْ حَالًّا كَالزَّكَاةِ ، وَكُلُّ دِيَةٍ تَحْمِلُهَا الْعَاقِلَةُ ، تَجِبُ مُؤَجَّلَةً ؛ لِمَا ذَكَرْنَا ، وَمَا لَا تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ يَجِبُ حَالًّا ، لِأَنَّهُ بَدَلُ مُتْلَفٍ ، فَلَزِمَ الْمُتْلِفَ حَالًّا ، كَقِيَمِ الْمُتْلَفَاتِ .\rوَفَارَقَ الَّذِي تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ ؛ فَإِنَّهُ يَجِبُ مُوَاسَاةً ، فَأُلْزِمَ التَّأْجِيلُ تَخْفِيفًا عَلَى مُتَحَمِّلِهِ ، وَعَدَلَ بِهِ عَنْ الْأَصْلِ فِي التَّأْجِيلِ ، كَمَا عَدَلَ بِهِ عَنْ الْأَصْلِ فِي إلْزَامِهِ غَيْرِ الْجَانِي .","part":19,"page":56},{"id":9056,"text":"( 6789 ) فَصْلٌ : وَلَا يَلْزَمُ الْقَاتِلَ شَيْءٌ مِنْ الدِّيَةِ .\rوَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : هُوَ كَوَاحِدٍ مِنْ الْعَاقِلَةِ ؛ لِأَنَّهَا وَجَبَتْ عَلَيْهِمْ إعَانَةً لَهُ ، فَلَا يَزِيدُونَ عَلَيْهِ فِيهَا .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { قَضَى بِدِيَةِ الْمَرْأَةِ عَلَى عَاقِلَتِهَا ، } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ قَضَى بِجَمِيعِهَا عَلَيْهِمْ ، وَلِأَنَّهُ قَاتِلٌ لَمْ تَلْزَمْهُ الدِّيَةُ ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ بَعْضُهَا ، كَمَا لَوْ أَمَرَهُ الْإِمَامُ بِقَتْلِ رَجُلٍ ، فَقَتَلَهُ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ بِحَقٍّ ، فَبَانَ مَظْلُومًا ، وَلِأَنَّ الْكَفَّارَةَ تَلْزَمُ الْقَاتِلَ فِي مَالِهِ ، وَذَلِكَ يَعْدِلُ قِسْطَهُ مِنْ الدِّيَةِ وَأَكْثَرَ مِنْهُ ، فَلَا حَاجَةَ إلَى إيجَابِ شَيْءٍ مِنْ الدِّيَةِ عَلَيْهِ .","part":19,"page":57},{"id":9057,"text":"( 6790 ) فَصْلٌ : وَالْكَفَّارَةُ فِي مَالِ الْقَاتِلِ لَا يَدْخُلُهَا تَحَمُّلٌ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ : تَكُونُ فِي بَيْتِ الْمَالِ ؛ لِأَنَّهَا تَكْثُرُ ، فَإِيجَابُهَا فِي مَالِهِ يُجْحِفُ بِهِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهَا كَفَّارَةٌ ، فَلَا تَجِبُ عَلَى غَيْرِ مَنْ وُجِدَ مِنْهُ سَبَبُهَا ، كَسَائِرِ الْكَفَّارَاتِ ، وَكَمَا لَوْ كَانَتْ صَوْمًا ، وَلِأَنَّ الْكَفَّارَةَ شُرِعَتْ لِلتَّكْفِيرِ عَنْ الْجَانِي ، وَلَا يُكَفَّرُ عَنْهُ بِفِعْلِ غَيْرِهِ ، وَيُفَارِقُ الدِّيَةَ ، فَإِنَّهَا إنَّمَا شُرِعَتْ لِجَبْرِ الْمَحَلِّ ، وَذَلِكَ يَحْصُلُ بِهَا كَيْفَمَا كَانَ ؛ وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا قَضَى بِالدِّيَةِ عَلَى الْعَاقِلَةِ ، لَمْ يُكَفِّرْ عَنْ الْقَاتِلَةِ وَمَا ذَكَرُوهُ لَا أَصْلَ لَهُ ، وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُهُ عَلَى الدِّيَةِ لَوُجُوهٍ ؛ أَحَدُهَا ، أَنَّ الدِّيَةَ لَمْ تَجِبْ فِي بَيْتِ الْمَالِ ؛ لِأَنَّهَا إنَّمَا وَجَبَتْ عَلَى الْعَاقِلَةِ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَثْبُتَ حُكْمُ الْفَرْعِ مُخَالِفًا لِحُكْمِ الْأَصْلِ .\rالثَّانِي : أَنَّ الدِّيَةَ كَثِيرَةٌ ، فَإِيجَابُهَا عَلَى الْقَاتِلِ يُجْحِفُ بِهِ ، وَالْكَفَّارَةُ بِخِلَافِهَا .\rالثَّالِثُ : أَنَّ الدِّيَةَ وَجَبَتْ مُوَاسَاةً لِلْقَاتِلِ ، وَجُعِلَ حَظُّ الْقَاتِلِ مِنْ الْوَاجِبِ الْكَفَّارَةَ ، فَإِيجَابُهَا عَلَى غَيْرِهِ يَقْطَعُ الْمُوَاسَاةَ ، وَيُوجِبُ عَلَى غَيْرِ الْجَانِي أَكْثَرَ مِمَّا وَجَبَ عَلَيْهِ ، وَهَذَا لَا يَجُوزُ .","part":19,"page":58},{"id":9058,"text":"( 6791 ) فَصْلٌ : وَذَكَرَ أَصْحَابُنَا أَنَّ الدِّيَةَ تُغَلَّظُ بِثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ ؛ إذَا قَتَلَ فِي الْحَرَمِ ، وَالشُّهُورِ الْحُرُمِ ، وَإِذَا قَتَلَ مُحْرِمًا .\rوَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، عَلَى التَّغْلِيظِ عَلَى مَنْ قَتَلَ مُحْرِمًا فِي الْحَرَمِ وَفِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ ، فَأَمَّا إنْ قَتَلَ ذَا رَحِمٍ ، مَحْرَمٍ ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : تَغْلُظ دِيَتُهُ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ أَنَّهَا لَا تُغَلَّظُ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ : تُغَلَّظُ بِالْحَرَمِ ، وَالْأَشْهُرِ الْحُرُمِ ، وَذِي الرَّحِمِ الْمَحْرَمِ ، وَفِي التَّغْلِيظِ بِالْإِحْرَامِ وَجْهَانِ .\rوَمِمَّنْ رُوِيَ عَنْهُ التَّغْلِيظُ ؛ عُثْمَانُ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ ، وَالسَّعِيدَانِ ، وَعَطَاءٌ ، وَطَاوُسٌ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ ، وَقَتَادَةُ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ .\rوَاخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِالتَّغْلِيظِ فِي صِفَتِهِ ؛ فَقَالَ أَصْحَابُنَا : تُغَلَّظُ ، لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْحُرُمَاتِ ثُلُثُ الدِّيَةِ ، فَإِذَا اجْتَمَعْت الْحُرُمَاتُ الثَّلَاثُ ، وَجَبَتْ دِيَتَانِ .\rقَالَ أَحْمَدُ ، فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ ، فِي مَنْ قَتَلَ مُحْرِمًا فِي الْحَرَمِ ، وَفِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ : فَعَلَيْهِ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ أَلْفًا .\rوَهَذَا قَوْلُ التَّابِعِينَ الْقَائِلِينَ بِالتَّغْلِيظِ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ : صِفَةُ التَّغْلِيظِ ، إيجَابُ دِيَةِ الْعَمْدِ فِي الْخَطَأِ لَا غَيْرُ ، وَلَا يُتَصَوَّرُ التَّغْلِيظُ فِي غَيْرِ الْخَطَأِ ، وَلَا يُجْمَعُ بَيْنَ تَغْلِيظَيْنِ .\rوَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ ، إلَّا أَنَّهُ يُغَلَّظُ فِي الْعَمْدِ ، فَإِذَا قَتَلَ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ عَمْدًا ، فَعَلَيْهِ ثَلَاثُونَ حِقَّةً وَثَلَاثُونَ جَذَعَةً ، وَأَرْبَعُونَ خَلِفَةً ، وَتَغْلِيظُهَا فِي الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ أَنْ نَنْظُرَ قِيمَةَ أَسْنَانِ الْإِبِلِ غَيْرَ مُغَلَّظَةٍ ، وَقِيمَتَهَا مُغَلَّظَةً ، ثُمَّ يُحْكَمُ بِزِيَادَةِ مَا بَيْنَهُمَا ، كَانَ قِيمَتُهَا مُخَفَّفَةً سِتُّمِائَةٍ ، وَفِي الْعَمْدِ ثَمَانُمِائَةٍ ، وَذَلِكَ ثُلُثُ الدِّيَةِ","part":19,"page":59},{"id":9059,"text":"الْمُخَفَّفَةِ .\rوَعِنْدَ مَالِكٍ تُغَلَّظُ عَلَى الْأَبِ وَالْأُمِّ وَالْجَدِّ ، دُونَ غَيْرِهِمْ .\rوَاحْتَجَّا عَلَى صِفَةِ التَّغْلِيظِ بِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ أَخَذَ مِنْ قَتَادَةَ الْمُدْلِجِي دِيَةَ ابْنِهِ حِينَ حَذَفَهُ بِالسَّيْفِ ثَلَاثِينَ حِقَّةً ، وَثَلَاثِينَ جَذَعَةً ، وَأَرْبَعِينَ خَلِفَةً ، وَلَمْ يَزِدْ عَلَيْهِ فِي الْعَدَدِ شَيْئًا .\rوَهَذِهِ قِصَّةٌ اشْتَهَرَتْ فَلَمْ تُنْكَرْ ، فَكَانَتْ إجْمَاعًا ، وَلِأَنَّ مَا أَوْجَبَ التَّغْلِيظَ أَوْجَبَهُ فِي الْأَسْنَانِ دُونَ الْقَدْرِ ، كَالضَّمَانِ ، وَلَا يَجْمَعُ بَيْنَ تَغْلِيظَيْنِ ؛ لِأَنَّ مَا أَوْجَبَ التَّغْلِيظَ بِالضَّمَانِ إذَا اجْتَمَعَ سَبَبَانِ تَدَاخَلَا ، كَالْحُرِّ وَالْإِحْرَامِ فِي قَتْلِ الصَّيْدِ ، وَعَلَى أَنَّهُ لَا يُغَلَّظُ بِالْإِحْرَامِ ، أَنَّ الشَّرْعَ لَمْ يَرِدْ بِتَغْلِيظِهِ .\rوَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِمَا رَوَى ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ ، أَنَّ امْرَأَةً وَطِئَتْ فِي الطَّوَافِ فَقَضَى عُثْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِيهَا بِسِتَّةِ آلَافٍ وَأَلْفَيْنِ تَغْلِيظًا لِلْحَرَمِ ، وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ، أَنَّهُ قَالَ : مَنْ قَتَلَ فِي الْحَرَمِ ، أَوْ ذَا رَحِمٍ ، أَوْ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ ، فَعَلَيْهِ دِيَةٌ وَثُلُثٌ .\rوَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّ رَجُلًا قَتَلَ رَجُلًا فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ ، وَفِي الْبَلَدِ الْحَرَامِ .\rفَقَالَ : دِيَتُهُ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا وَلِلشَّهْرِ الْحَرَامِ أَرْبَعَةُ آلَافٍ ، وَلِلْبَلَدِ الْحَرَامِ أَرْبَعَةُ آلَافٍ .\rوَهَذَا مِمَّا يَظْهَرُ وَيَنْتَشِرُ .\rوَلَمْ يُنْكَرْ ، فَيَثْبُتُ إجْمَاعًا .\rوَهَذَا فِيهِ الْجَمْعُ بَيْنَ تَغْلِيظَاتٍ ثَلَاثٍ ؛ وَلِأَنَّهُ قَوْلُ التَّابِعِينَ الْقَائِلِينَ بِالتَّغْلِيظِ .\rوَاحْتَجُّوا عَلَى التَّغْلِيظِ فِي الْعَمْدِ ، أَنَّهُ إذَا غُلِّظَ الْخَطَأُ مَعَ الْعُذْرِ فِيهِ ، فَفِي الْعَمْدِ مَعَ عَدَمِ الْعُذْرِ أَوْلَى .\rوَكُلُّ مَنْ غَلَّظَ الدِّيَةَ أَوْجَبَ التَّغْلِيظَ فِي بَدَلِ الطَّرَفِ ، بِهَذِهِ الْأَسْبَابِ ؛ لِأَنَّ مَا أَوْجَبَ تَغْلِيظَ دِيَةِ النَّفْسِ ، أَوْجَبَ تَغْلِيظَ دِيَةِ الطَّرَفِ ، كَالْعَمْدِ .\rوَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ أَنَّ الدِّيَةَ","part":19,"page":60},{"id":9060,"text":"لَا تُغَلَّظُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ .\rوَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ ، وَالشَّعْبِيِّ ، وَالنَّخَعِيِّ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَالْجُورْجَانِيِّ ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ الْفُقَهَاءِ السَّبْعَةِ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَغَيْرِهِمْ ، { لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : فِي النَّفْسِ الْمُؤْمِنَةِ مِائَةٌ مِنْ الْإِبِلِ } .\rلَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ .\r( وَعَلَى أَهْلِ الذَّهَبِ أَلْفُ مِثْقَالٍ ) وَفِي حَدِيثِ أَبِي شُرَيْحٍ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { وَأَنْتُمْ يَا خُزَاعَةُ قَدْ قَتَلْتُمْ هَذَا الْقَتِيلَ مِنْ هُذَيْلٍ ، وَأَنَا وَاَللَّهِ عَاقِلُهُ ، مَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ بَعْدَ ذَلِكَ ، فَأَهْلُهُ بَيْنَ خِيرَتَيْنِ ؛ إنْ أَحَبُّوا قَتَلُوا ، وَإِنْ أَحَبُّوا أَخَذُوا الدِّيَةَ } .\rوَهَذَا الْقَتْلُ كَانَ بِمَكَّةَ فِي حَرَمِ اللَّهِ تَعَالَى ، فَلَمْ يَزِدْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الدِّيَةِ ، وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الْحَرَمِ وَغَيْرِهِ ، وَقَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : { وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلَى أَهْلِهِ } يَقْتَضِي أَنَّ الدِّيَةَ وَاحِدَةٌ فِي كُلِّ مَكَان ، وَفِي كُلِّ حَالٍ ، وَلِأَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَخَذَ مِنْ قَتَادَةَ الْمُدْلِجِيِّ دِيَةَ ابْنِهِ ، وَلَمْ يَزِدْ عَلَى مِائَةٍ .\rوَرَوَى الْجُوزَجَانِيُّ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبَى الزِّنَادِ ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْد الْعَزِيزِ ، كَانَ يَجْمَعُ الْفُقَهَاءِ ، فَكَانَ مِمَّا أُحْيِي مِنْ تِلْكَ السُّنَنِ بُقُولِ فُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ السَّبْعَةِ وَنُظَرَائِهِمْ ، أَنَّ نَاسًا كَانُوا يَقُولُونَ : إنَّ الدِّيَةَ تُغَلَّظُ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ أَرْبَعَةَ آلَافٍ ، فَتَكُونُ سِتَّةَ عَشَرَ أَلْفِ دِرْهَمٍ ، فَأَلْغَى عُمَرُ ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، ذَلِكَ بِقَوْلِ الْفُقَهَاءِ ، وَأَثْبَتَهَا اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ ، وَالْبَلَدِ الْحَرَامِ ، وَغَيْرِهِمَا .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : وَلَيْسَ بِثَابِتٍ مَا رُوِيَ عَنْ الصَّحَابَةِ فِي هَذَا .\rوَلَوْ صَحَّ فَقَوْلُ عُمَرَ يُخَالِفُهُ ،","part":19,"page":61},{"id":9061,"text":"وَقَوْلُهُ أَوْلَى مِنْ قَوْلِ مَنْ خَالَفَهُ ، وَهُوَ أَصَحُّ فِي الرِّوَايَةِ ، مَعَ مُوَافَقَتِهِ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ وَالْقِيَاسَ .","part":19,"page":62},{"id":9062,"text":"( 6792 ) فَصْلٌ : وَلَا تُغَلَّظُ الدِّيَةُ بِمَوْضِعٍ غَيْرِ الْحَرَمِ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ : تُغَلَّظُ الدِّيَةُ بِالْقَتْلِ فِي الْمَدِينَةِ .\rعَلَى قَوْلِهِ الْقَدِيمِ ؛ لِأَنَّهَا مَكَانٌ يَحْرُمُ صَيْدُهُ ، فَأَشْبَهْت الْحَرَمَ .\rوَلَيْسَ بِصَحِيحٍ ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مَحَلًّا لِلْمَنَاسِكِ ، فَأَشْبَهَتْ سَائِرَ الْبُلْدَانِ ، وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُهَا عَلَى الْحَرَمِ ؛ { لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : أَيُّ بَلَدٍ هَذَا ؟ أَلَيْسَتْ الْبَلْدَةَ الْحَرَامَ ؟ قَالَ : فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ حَرَامٌ ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا ، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا ، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا } .\rوَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَعْظَمُ الْبِلَادِ حُرْمَةً ، وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إنَّ أَعْتَى النَّاسِ عَلَى اللَّهِ رَجُلٌ قَتَلَ فِي الْحَرَمِ ، وَرَجُلٌ قَتَلَ غَيْرَ قَاتِلِهِ ، وَرَجُلٌ قَتَلَ بِدَخْلِ الْجَاهِلِيَّةِ } .\rوَتَحْرِيمُ الصَّيْدِ لَيْسَ هُوَ الْعِلَّةَ فِي التَّغْلِيظِ ، وَإِنْ كَانَ مِنْ جُمْلَةِ الْمُؤَثِّرِ فَقَدْ خَالَفَ تَحْرِيمُهُ تَحْرِيمَ الْحَرَمِ ، فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ الْجَزَاءُ عَلَى مَنْ قَتَلَ فِيهِ صَيْدًا .\rوَلَا يَحْرُمُ الرَّعْيُ فِيهِ ، وَلَا الِاحْتِشَاشُ مِنْهُ ، وَلَا مَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ الرَّحْلِ وَالْعَارِضَةِ وَالْقَائِمَةِ وَشِبْهِهِ .","part":19,"page":63},{"id":9063,"text":"( 6793 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : وَالْعَاقِلَةُ لَا تَحْمِلُ الْعَبْدَ ، وَلَا الْعَمْدَ ، وَلَا الصُّلْحَ ، وَلَا الِاعْتِرَافَ ، وَمَا دُونَ الثُّلُثِ .\rفِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ خَمْسُ مَسَائِلَ : ( 6794 ) الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : أَنَّ الْعَاقِلَةَ لَا تَحْمِلُ الْعَبْدَ .\rيَعْنِي إذَا قَتَلَ الْعَبْدَ قَاتِلٌ ، وَجَبَتْ قِيمَتُهُ فِي مَالِ الْقَاتِلِ ، وَلَا شَيْءَ عَلَى عَاقِلَتِهِ ، خَطَأً كَانَ أَوْ عَمْدًا .\rوَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَالشَّعْبِيِّ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَمَكْحُولٍ ، وَالنَّخَعِيِّ ، وَالْبَتِّيِّ ، وَمَالِكٍ ، وَاللَّيْثِ ، وَابْنِ أَبِي لَيْلَى ، وَإِسْحَاقَ ، وَأَبِي ثَوْرٍ وَقَالَ عَطَاءٌ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَالْحَكَمُ ، وَحَمَّادٌ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ ؛ لِأَنَّهُ آدَمِيٌّ يَجِبُ بِقَتْلِهِ الْقِصَاصُ وَالْكَفَّارَةُ ، فَحَمَلَتْ الْعَاقِلَةُ بَدَلَهُ ، كَالْحُرِّ ، وَعَنْ الشَّافِعِيِّ كَالْمَذْهَبَيْنِ ، وَوَافَقَنَا أَبُو حَنِيفَةَ فِي دِيَةِ أَطْرَافِهِ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { لَا تَحْمِلُ الْعَاقِلَةُ عَمْدًا ، وَلَا عَبْدًا ، وَلَا صُلْحًا ، وَلَا اعْتِرَافًا .\r} وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ ، وَلَمْ نَعْرِفْ لَهُ فِي الصَّحَابَةِ مُخَالِفًا ، فَيَكُونُ إجْمَاعًا ، وَلِأَنَّ الْوَاجِبَ فِيهِ قِيمَةٌ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ صِفَاتِهِ ، فَلَمْ تَحْمِلْهُ الْعَاقِلَةُ ، كَسَائِرِ الْقِيَمِ ، وَلِأَنَّهُ حَيَوَانٌ لَا تَحْمِلُ الْعَاقِلَةُ قِيمَةَ أَطْرَافِهِ ، فَلَمْ تَحْمِلْ الْوَاجِبَ فِي نَفْسِهِ ، كَالْفَرَسِ .\rوَبِهَذَا فَارَقَ الْحُرَّ .","part":19,"page":64},{"id":9064,"text":"( 6795 ) الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : أَنَّهَا لَا تَحْمِلُ الْعَمْدَ ، سَوَاءٌ كَانَ مِمَّا يَجِبُ الْقِصَاصُ فِيهِ ، أَوْ لَا يَجِبُ .\rوَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهَا لَا تَحْمِلُ دِيَةَ مَا يَجِبُ فِيهِ الْقِصَاصُ ، وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّهَا لَا تَحْمِلُ الْعَمْدَ بِكُلِّ حَالٍ .\rوَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ ، أَنَّهَا تَحْمِلُ الْجِنَايَاتِ الَّتِي لَا قِصَاصَ فِيهَا ، كَالْمَأْمُومَةِ وَالْجَائِفَةِ .\rوَهَذَا قَوْلُ قَتَادَةَ ؛ لِأَنَّهَا جِنَايَةٌ لَا قِصَاصَ فِيهَا ، أَشْبَهَتْ جِنَايَةَ الْخَطَأِ .\rوَلَنَا ، حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَلِأَنَّهَا جِنَايَةُ عَمْدٍ ، فَلَا تَحْمِلُهَا الْعَاقِلَةُ ، كَالْمُوجِبَةِ لِلْقِصَاصِ ، وَجِنَايَةِ الْأَبِ عَلَى ابْنِهِ ، وَلِأَنَّ حَمْلَ الْعَاقِلَةِ إنَّمَا يَثْبُتُ فِي الْخَطَأِ ، لِكَوْنِ الْجَانِي مَعْذُورًا ، تَخْفِيفًا عَنْهُ ، وَمُوَاسَاةً لَهُ ، وَالْعَامِدُ غَيْرُ مَعْذُورٍ ، فَلَا يَسْتَحِقُّ التَّخْفِيفَ وَلَا الْمُعَاوَنَةَ ، فَلَمْ يُوجَدْ فِيهِ الْمُقْتَضِي .\rوَبِهَذَا فَارَقَ الْعَمْدُ الْخَطَأَ .\rثُمَّ يَبْطُلُ مَا ذَكَرُوهُ بِقَتْلِ الْأَبِ ابْنَهُ ، فَإِنَّهُ لَا قِصَاصَ فِيهِ ، وَلَا تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ .","part":19,"page":65},{"id":9065,"text":"( 6796 ) فَصْلٌ : وَإِنْ اقْتَصَّ بِحَدِيدَةٍ مَسْمُومَةٍ ، فَسَرَى إلَى النَّفْسِ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا : تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِعَمْدٍ مَحْضٍ ، أَشْبَهَ عَمْدَ الْخَطَأِ .\rوَالثَّانِي : لَا تَحْمِلُهُ ؛ لِأَنَّهُ قَتَلَهُ بِآلَةٍ يَقْتُلُ مِثْلُهَا غَالِبًا ، فَأَشْبَهَ مَنْ لَا قِصَاصَ لَهُ .\rوَلَوْ وَكَّلَ فِي اسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ ، ثُمَّ عَفَا عَنْهُ ، فَقَتَلَهُ الْوَكِيلُ مِنْ غَيْرِ عِلْمٍ بِعَفْوِهِ ، فَقَالَ الْقَاضِي : لَا تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ ؛ لِأَنَّهُ عَمَدَ قَتْلَهُ .\rوَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِد الْجِنَايَةَ ، وَمِثْلُ هَذَا يُعَدُّ خَطَأً ، بِدَلِيلِ مَا لَوْ قَتَلَ فِي دَارِ الْحَرْبِ مُسْلِمًا يَظُنُّهُ حَرْبِيًّا ، فَإِنَّهُ عَمَدَ قَتْلَهُ ، وَهُوَ أَحَدُ نَوْعَيْ الْخَطَأِ .\rوَهَذَا أَصَحُّ .\rوَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَجْهَانِ ، كَهَذَيْنِ .","part":19,"page":66},{"id":9066,"text":"( 6797 ) فَصْلٌ : وَعَمْدُ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ خَطَأٌ تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ : لَا تَحْمِلُهُ ؛ لِأَنَّهُ عَمْدٌ يَجُوزُ تَأْدِيبُهُمَا عَلَيْهِ ، فَأَشْبَهَ الْقَتْلَ مِنْ الْبَالِغِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ لَا يَتَحَقَّقُ مِنْهُمَا كَمَالُ الْقَصْدِ ، فَتَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ ، كَشِبْهِ الْعَمْدِ ، وَلِأَنَّهُ قَتْلٌ لَا يُوجِبُ الْقِصَاصَ ، لِأَجْلِ الْعُذْرِ ، فَأَشْبَهَ الْخَطَأَ وَشِبْهَ الْعَمْدِ .\rوَبِهَذَا فَارَقَ مَا ذَكَرُوهُ ، وَيَبْطُلُ مَا ذَكَرُوهُ بِشِبْهِ الْعَمْدِ .","part":19,"page":67},{"id":9067,"text":"( 6798 ) الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : أَنَّهَا لَا تَحْمِلُ الصُّلْحَ وَمَعْنَاهُ أَنْ يَدَّعِيَ عَلَيْهِ الْقَتْلَ ، فَيُنْكِرَهُ وَيُصَالِحَ الْمُدَّعِي عَلَى مَالٍ ، فَلَا تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ ؛ لِأَنَّهُ مَالٌ ثَبَتَ بِمُصَالَحَتِهِ وَاخْتِيَارِهِ ، فَلَمْ تَحْمِلْهُ الْعَاقِلَةُ ، كَاَلَّذِي ثَبَتَ بِاعْتِرَافِهِ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : مَعْنَاهُ أَنْ يُصَالِحَ الْأَوْلِيَاءُ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ إلَى الدِّيَةِ .\rوَالتَّفْسِيرُ الْأَوَّلُ أَوْلَى ؛ لِأَنَّ هَذَا عَمْدٌ ، فَيُسْتَغْنَى عَنْهُ بِذِكْرِ الْعَمْدِ .\rوَمِمَّنْ قَالَ : لَا تَحْمِلُ الْعَاقِلَةُ الصُّلْحَ .\rابْنُ عَبَّاسٍ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَاللَّيْثُ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ فِيهِ ، وَلِأَنَّهُ لَوْ حَمَلَتْهُ الْعَاقِلَةُ ، أَدَّى إلَى أَنْ يُصَالِحَ بِمَالِ غَيْرِهِ ، وَيُوجِبَ عَلَيْهِ حَقًّا بِقَوْلِهِ .","part":19,"page":68},{"id":9068,"text":"( 6799 ) الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : أَنَّهَا لَا تَحْمِلُ الِاعْتِرَافَ وَهُوَ أَنْ يُقِرَّ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بِقَتْلِ خَطَأٍ ، أَوْ شِبْهِ عَمْدٍ فَتَجِبُ الدِّيَةُ عَلَيْهِ ، وَلَا تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ ، وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا .\rوَبِهِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَالْحَسَنُ ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى وَالثَّوْرِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَقَدْ ذَكَرْنَا حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ فِيهِ ، وَلِأَنَّهُ لَوْ وَجَبَ عَلَيْهِمْ ، لَوَجَبَ بِإِقْرَارِ غَيْرِهِمْ ، وَلَا يُقْبَلُ إقْرَارُ شَخْصٍ عَلَى غَيْرِهِ وَلِأَنَّهُ يُتَّهَمُ فِي أَنْ يُوَاطِئَ مَنْ يُقِرُّ لَهُ بِذَلِكَ لِيَأْخُذَ الدِّيَةَ مِنْ عَاقِلَتِهِ ، فَيُقَاسِمَهُ إيَّاهَا .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ مَا اعْتَرَفَ بِهِ ، وَتَجِبُ الدِّيَةُ عَلَيْهِ حَالَّةً فِي مَالِهِ ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِهِمْ .\rوَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ ، وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ : لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ ، وَلَا يَصِحُّ إقْرَارُهُ ؛ لِأَنَّهُ مُقِرٌّ عَلَى غَيْرِهِ لَا عَلَى نَفْسِهِ ، وَلِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ مُوجِبُ إقْرَارِهِ ، فَكَانَ بَاطِلًا ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ عَلَى غَيْرِهِ بِالْقَتْلِ .\rوَلَنَا ، قَوْله تَعَالَى : { وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَة وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلَى أَهْلِهِ } .\rوَلِأَنَّهُ مُقِرٌّ عَلَى نَفْسِهِ بِالْجِنَايَةِ الْمُوجِبَةِ لِلْمَالِ ، فَصَحَّ إقْرَارُهُ ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِإِتْلَافِ مَالٍ ، أَوْ بِمَا لَا تَحْمِلُ دِيَتَهُ الْعَاقِلَةُ ، وَلِأَنَّهُ مَحَلٌّ مَضْمُونٌ ، فَيَضْمَنُ إذَا اعْتَرَفَ بِهِ ، كَسَائِرِ الْمَحَالِّ ، وَإِنَّمَا سَقَطَتْ عَنْهُ الدِّيَةُ فِي مَحَلِّ الْوِفَاقِ لِتَحَمُّلِ الْعَاقِلَةِ لَهَا ، فَإِذَا لَمْ تَحْمِلْهَا ، وَجَبَتْ عَلَيْهِ ، كَجِنَايَةِ الْمُرْتَدِّ .","part":19,"page":69},{"id":9069,"text":"( 6800 ) الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : أَنَّهَا لَا تَحْمِلُ مَا دُونَ الثُّلُثِ .\rوَبِهَذَا قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ، وَعَطَاءٌ ، وَمَالِكٌ ، وَإِسْحَاقُ ، وَعَبْدُ الْعَزِيز ، وَعَمْرُو بْنُ أَبِي سَلَمَةَ وَبِهِ قَالَ الزُّهْرِيُّ وَقَالَ : لَا تَحْمِلُ الثُّلُثَ أَيْضًا .\rوَقَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ : تَحْمِلُ السِّنَّ ، وَالْمُوضِحَةَ ، وَمَا فَوْقَهَا ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَعَلَ الْغُرَّةَ الَّتِي فِي الْجَبِينِ عَلَى الْعَاقِلَةِ ، وَقِيمَتُهَا نِصْفُ عُشْرِ الدِّيَةِ ، وَلَا تَحْمِلُ مَا دُونَ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ أَرْشٌ مُقَدَّرٌ .\rوَالصَّحِيحُ عَنْ الشَّافِعِيِّ ، أَنَّهَا تَحْمِلُ الْكَثِيرَ وَالْقَلِيلَ ؛ لِأَنَّ مَنْ حَمَلَ الْكَثِيرَ حَمَلَ الْقَلِيلَ ، كَالْجَانِي فِي الْعَمْدِ .\rوَلَنَا ، مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَضَى فِي الدِّيَةِ أَنْ لَا يُحْمَلَ مِنْهَا شَيْءٌ حَتَّى تَبْلُغَ عَقْلَ الْمَأْمُومَةِ .\rوَلِأَنَّ مُقْتَضَى الْأَصْلِ وُجُوبُ الضَّمَانِ عَلَى الْجَانِي ؛ لِأَنَّهُ مُوجَبُ جِنَايَتِهِ ، وَبَدَلُ مُتْلَفِهِ ، فَكَانَ عَلَيْهِ ، كَسَائِرِ الْمُتْلَفَاتِ وَالْجِنَايَاتِ ، وَإِنَّمَا خُولِفَ فِي الثُّلُثِ فَصَاعِدًا ، تَخْفِيفًا عَنْ الْجَانِي ، لِكَوْنِهِ كَثِيرًا يُجْحَفُ بِهِ ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الثُّلُثُ كَثِيرٌ } .\rفَفِي مَا دُونَهُ يَبْقَى عَلَى قَضِيَّةِ الْأَصْلِ وَمُقْتَضَى الدَّلِيلِ ، وَهَذَا حُجَّةٌ عَلَى الزُّهْرِيِّ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَعَلَ الثُّلُثَ كَثِيرًا ، فَأَمَّا دِيَةُ الْجَنِينِ ، فَلَا تَحْمِلُهَا الْعَاقِلَةُ ، إلَّا إذَا مَاتَ مَعَ أُمِّهِ مِنْ الضَّرْبَةِ ؛ لِكَوْنِ دِيَتِهِمَا ، جَمِيعًا مُوجَبُ جِنَايَةٍ ، تَزِيدُ عَلَى الثُّلُثِ ، وَإِنْ سَلَّمْنَا وُجُوبَهَا عَلَى الْعَاقِلَةِ ؛ فَلِأَنَّهَا دِيَةُ آدَمِيٍّ كَامِلَةٌ .","part":19,"page":70},{"id":9070,"text":"( 6801 ) فَصْلٌ : وَتَحْمِلُ الْعَاقِلَةُ دِيَةَ الطَّرَفِ إذَا بَلَغَ الثُّلُثَ .\rوَهُوَ قَوْلُ مَنْ سَمَّيْنَا فِي الْمَسْأَلَةِ الَّتِي قَبْلَ هَذَا .\rوَحُكِيَ عَنْ الشَّافِعِيِّ ، أَنَّهُ قَالَ فِي الْقَدِيمِ : لَا تَحْمِلُ مَا دُونَ الدِّيَةِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَجْرِي مَجْرَى ضَمَانِ الْأَمْوَالِ ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا تَجِبُ فِيهِ كَفَّارَةٌ .\rوَلَنَا قَوْلُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَلِأَنَّ الْوَاجِبَ دِيَةُ جِنَايَةٍ عَلَى حُرٍّ تَزِيدُ عَلَى الثُّلُثِ فَحَمَلَتْهَا الْعَاقِلَةُ ، كَدِيَةِ النَّفْسِ ، وَلِأَنَّهُ كَثِيرٌ يَجِبُ ضَمَانًا لَحُرٍّ أَشْبَهَ مَا ذَكَرْنَا .\rوَمَا ذَكَرَهُ يَبْطُلُ بِمَا إذَا جَنَى عَلَى الْأَطْرَافِ بِمَا يُوجِبُ الدِّيَةَ ، أَوْ زِيَادَةً عَلَيْهَا .","part":19,"page":71},{"id":9071,"text":"( 6802 ) فَصْلٌ : وَتَحْمِلُ الْعَاقِلَةُ دِيَةَ الْمَرْأَةِ .\rبِغَيْرِ خِلَافٍ بَيْنَهُمْ فِيهَا .\rوَتَحْمِلُ مِنْ جِرَاحِهَا مَا بَلَغَ أَرْشُهُ ثُلُثَ دِيَةِ الرَّجُلِ كَدِيَةِ أَنْفِهَا ، وَمَا دُونَ ذَلِكَ كَدِيَةِ يَدِهَا ، لَا تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ .\rوَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي دِيَةِ الْكِتَابِيِّ .\rوَلَا تَحْمِلُ دِيَةَ الْمَجُوسِيِّ ؛ لِأَنَّهَا دُونَ الثُّلُثِ ، وَلَا دِيَةَ الْجَنِينِ إنَّ مَاتَ مُنْفَرِدًا ، أَوْ مَاتَ قَبْلَ مَوْتِ أُمِّهِ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ لِأَنَّهُ دُونَ الثُّلُثِ .\rوَإِنْ مَاتَ مَعَ أُمِّهِ ، حَمَلَتْهُمَا الْعَاقِلَةُ .\rنَصَّ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ وُجُوبَ دِيَتِهِمَا حَصَلَ فِي حَالٍ وَاحِدَةٍ ، بِجِنَايَةٍ وَاحِدَةٍ ، مَعَ زِيَادَتِهِمَا عَلَى الثُّلُثِ ، فَحَمَلَتْهُمَا الْعَاقِلَةُ كَالدِّيَةِ الْوَاحِدَةِ .","part":19,"page":72},{"id":9072,"text":"( 6803 ) فَصْلٌ : وَإِنْ كَانَ الْجَانِي ذِمِّيًّا ، فَعَقْلُهُ عَلَى عَصَبَتِهِ مِنْ أَهْلِ دِيَتِهِ الْمُعَاهَدِينَ ، فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ .\rوَفِي الْأُخْرَى ، لَا يَتَعَاقَلُونَ ؛ لِأَنَّ الْمُعَاقَلَةَ تَثْبُتُ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ ، تَخْفِيفًا عَنْهُ ، وَمَعُونَةً لَهُ ، فَلَا يُلْحَقُ بِهِ الْكَافِرُ لِأَنَّ الْمُسْلِمَ أَعْظَمُ حُرْمَةً ، وَأَحَقُّ بِالْمُوَاسَاةِ وَالْمَعُونَةِ مِنْ الذِّمِّيِّ ، وَلِهَذَا وَجَبَتْ الزَّكَاةُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مُوَاسَاةً لِفُقَرَائِهِمْ ، وَلَمْ تَجِبْ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ لِفُقَرَائِهِمْ ، فَتَبْقَى فِي حَقِّ الذِّمِّيِّ عَلَى الْأَصْلِ .\rوَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى ، أَنَّهُمْ عَصَبَةٌ يَرِثُونَهُ ، فَيَعْقِلُونَ عَنْهُ ، كَعَصَبَةِ الْمُسْلِمِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ، وَلَا يَعْقِلُ عَنْهُ عَصَبَتُهُ الْمُسْلِمُونَ ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَرِثُونَهُ ، وَلَا الْحَرْبِيُّونَ ؛ لِأَنَّ الْمُوَالَاةَ وَالنُّصْرَةَ مُنْقَطِعَةٌ بَيْنَهُمْ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يَعْقِلُوا عَنْهُ ؛ إذَا قُلْنَا : إنَّهُمْ يَرِثُونَهُ .\rلِأَنَّهُمْ أَهْلُ دِينٍ وَاحِدٍ ، يَرِثُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا .\rوَلَا يَعْقِلُ يَهُودِيٌّ عَنْ نَصْرَانِيٍّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ ، عَنْ يَهُودِيٍّ ؛ لِأَنَّهُمْ لَا مُوَالَاةَ بَيْنهمْ ، وَهُمْ أَهْلُ مِلَّتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يَتَعَاقَلَا ، بِنَاءً عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي تَوَارُثِهِمَا .","part":19,"page":73},{"id":9073,"text":"( 6804 ) فَصْلٌ : وَإِنْ تَنَصَّرَ يَهُودِيٌّ ، أَوْ تَهَوَّدَ نَصْرَانِيٌّ ، وَقُلْنَا : إنَّهُ يُقَرُّ عَلَيْهِ .\rعَقَلَ عَنْهُ عَصَبَتُهُ مِنْ أَهْلِ الدِّينِ الَّذِي انْتَقَلَ إلَيْهِ .\rوَهَلْ يَعْقِلُ عَنْهُ الَّذِينَ انْتَقَلَ عَنْ دِينِهِمْ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ .\rوَإِنْ قُلْنَا : لَا يُقَرُّ .\rلَمْ يَعْقِلْ عَنْهُ أَحَدٌ ؛ لِأَنَّهُ كَالْمُرْتَدِّ ، وَالْمُرْتَدُّ لَا يَعْقِلُ عَنْهُ أَحَدٌ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُسْلِمٍ فَيَعْقِلَ عَنْهُ الْمُسْلِمُونَ ، وَلَا ذِمِّيٍّ فَيَعْقِلَ عَنْهُ أَهْلُ الذِّمَّةِ ، وَتَكُونُ جِنَايَتُهُ فِي مَالِهِ .\rوَكَذَلِكَ كُلُّ مَنْ لَا تَحْمِلُ عَاقِلَتُهُ جِنَايَتَهُ ، يَكُونُ مُوجَبُهَا فِي مَالِهِ ، كَسَائِرِ الْجِنَايَاتِ الَّتِي لَا تَحْمِلُهَا الْعَاقِلَةُ .","part":19,"page":74},{"id":9074,"text":"( 6805 ) فَصْلٌ : وَلَوْ رَمَى ذِمِّيٌّ صَيْدًا ، ثُمَّ أَسْلَمَ ، ثُمَّ أَصَابَ السَّهْمُ آدَمِيًّا فَقَتَلَهُ ، لَمْ يَعْقِلْهُ الْمُسْلِمُونَ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُسْلِمًا حَالَ رَمْيِهِ ، وَلَا الْمُعَاهَدُونَ ؛ لِأَنَّهُ قَتَلَهُ وَهُوَ مُسْلِمٌ ، فَيَكُونُ فِي مَالِ الْجَانِي .\rوَهَكَذَا لَوْ رَمَى وَهُوَ مُسْلِمٌ ثُمَّ ارْتَدَّ ، ثُمَّ قَتَلَ السَّهْمُ إنْسَانًا ، لَمْ يَعْقِلْهُ أَحَدٌ .\rوَلَوْ جَرَحَ ذِمِّيٌّ ذِمِّيًّا ، ثُمَّ أَسْلَمَ الْجَارِحُ وَمَاتَ الْمَجْرُوحُ ، وَكَانَ أَرْشُ جِرَاحِهِ يَزِيدُ عَلَى الثُّلُثِ ، فَعَقْلُهُ عَلَى عَصَبَتِهِ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ ، وَمَا زَادَ عَلَى أَرْشِ الْجُرْحِ لَا يَحْمِلُهُ أَحَدٌ ، وَيَكُونُ فِي مَالِ الْجَانِي ؛ لِمَا ذَكَرْنَا .\rوَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَرْشُ الْجُرْحِ مِمَّا تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ ، فَجَمِيعُ الدِّيَةِ عَلَى الْجَانِي .\rوَكَذَلِكَ الْحُكْمُ إذَا جُرِحَ مُسْلِمٌ ثُمَّ ارْتَدَّ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ تَحْمِلَ الدِّيَةَ كُلَّهَا الْعَاقِلَةُ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ ؛ لِأَنَّ الْجِنَايَةَ وُجِدَتْ وَهُوَ مِمَّنْ تَحْمِلُ الْعَاقِلَةُ جِنَايَتَهُ ؛ وَلِهَذَا وَجَبَ الْقِصَاصُ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى إذَا كَانَ عَمْدًا .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا تَحْمِلَ الْعَاقِلَةُ شَيْئًا ؛ لِأَنَّ الْأَرْشَ إنَّمَا يَسْتَقِرُّ بِانْدِمَالِ الْجُرْحِ أَوْ سِرَايَتِهِ .","part":19,"page":75},{"id":9075,"text":"( 6806 ) فَصْلٌ : إذَا تَزَوَّجَ عَبْدٌ مُعْتَقَةً ، فَأَوْلَدَهَا أَوْلَادًا ، فَوَلَاؤُهُمْ لِمَوْلَى أُمِّهِمْ ، فَإِنْ جَنَى أَحَدُهُمْ ، فَالْعَقْلُ عَلَى مَوْلَى أُمِّهِ ؛ لِأَنَّهُ عَصَبَتُهُ وَوَارِثُهُ ، فَإِنْ أُعْتِقْ أَبُوهُ ثُمَّ سَرَتْ الْجِنَايَةُ ، أَوْ رُمِيَ بِسَهْمٍ فَلَمْ يَقَعْ السَّهْمُ حَتَّى أُعْتِقَ أَبُوهُ ، لَمْ يَحْمِلْ عَقْلَهُ أَحَدٌ ؛ لِأَنَّ مَوَالِيَ الْأُمِّ قَدْ زَالَ وَلَاؤُهُمْ عَنْهُ قَبْلَ قَتْلِهِ ، وَمَوَالِي الْأَبِ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ عَلَيْهِ وَلَاءٌ حَالَ جِنَايَتِهِ ، فَتَكُونُ الدِّيَةُ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ أَرْشُ الْجُرْحِ مِمَّا تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ مُنْفَرِدًا ، فَيُخَرَّجُ فِيهِ مِثْلُ مَا قُلْنَا فِي الْمَسْأَلَةِ الَّتِي قَبْلَهَا .","part":19,"page":76},{"id":9076,"text":"( 6807 ) فَصْلٌ : وَإِنْ جَنَى الرَّجُلُ عَلَى نَفْسِهِ خَطَأً ، أَوْ عَلَى أَطْرَافِهِ ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ .\rقَالَ الْقَاضِي : أَظْهَرُهُمَا أَنَّ عَلَى عَاقِلَتِهِ دِيَتَهُ لِوَرَثَتِهِ إنْ قَتَلَ نَفْسَهُ ، أَوْ أَرْشَ جُرْحِهِ لِنَفْسِهِ إذَا كَانَ أَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ .\rوَهَذَا قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ ، وَإِسْحَاقَ ؛ لِمَا رُوِيَ أَنَّ رَجُلًا سَاقَ حِمَارًا فَضَرَبَهُ بِعَصًا كَانَتْ مَعَهُ ، فَطَارَتْ مِنْهَا شَظِيَّةٌ ، فَأَصَابَتْ عَيْنَهُ فَفَقَأَتْهَا فَجَعَلَ عُمَرُ ، دِيَتَهُ عَلَى عَاقِلَتِهِ ، وَقَالَ : هِيَ يَدٌ مِنْ أَيْدِي الْمُسْلِمِينَ ، لَمْ يُصِبْهَا اعْتِدَاءٌ عَلَى أَحَدٍ .\rوَلَمْ نَعْرِفْ لَهُ مُخَالِفًا فِي عَصْرِهِ .\rوَلِأَنَّهَا جِنَايَةُ خَطَأٍ ، فَكَانَ عَقْلُهَا عَلَى عَاقِلَتِهِ ، كَمَا لَوْ قَتَلَ غَيْرَهُ .\rفَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ ، إنْ كَانَتْ الْعَاقِلَةُ الْوَرَثَةَ ، لَمْ يَجِبْ شَيْءٌ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ لِلْإِنْسَانِ شَيْءٌ عَلَى نَفْسِهِ ، وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُمْ وَارِثًا ، سَقَطَ عَنْهُ مَا يُقَابِلُ نَصِيبَهُ ، وَعَلَيْهِ مَا زَادَ عَلَى نَصِيبِهِ ، وَلَهُ مَا بَقِيَ إنْ كَانَ نَصِيبُهُ مِنْ الدِّيَةِ أَكْثَرَ مِنْ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ .\rوَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ ، جِنَايَتُهُ هَدْرٌ .\rوَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، مِنْهُمْ ؛ رَبِيعَةُ ، وَمَالِكٌ ، وَالثَّوْرِيُّ وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَهِيَ أَصَحُّ ؛ لِأَنَّ عَامِرَ بْنَ الْأَكْوَعِ بَارَزَ مَرْحَبًا يَوْمَ خَيْبَرَ ، فَرَجَعَ سَيْفُهُ عَلَى نَفْسِهِ ، فَمَاتَ ، وَلَمْ يَبْلُغْنَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى فِيهِ بِدِيَةٍ وَلَا غَيْرِهَا ، وَلَوْ وَجَبَتْ لَبَيَّنَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rوَلِأَنَّهُ جَنَى عَلَى نَفْسِهِ ، فَلَمْ يَضْمَنْهُ غَيْرُهُ ، كَالْعَمْدِ ، وَلِأَنَّ وُجُوبَ الدِّيَةِ عَلَى الْعَاقِلَةِ إنَّمَا كَانَ مُوَاسَاةً لِلْجَانِي ، وَتَخْفِيفًا عَنْهُ ، وَلَيْسَ عَلَى الْجَانِي هَاهُنَا شَيْءٌ يَحْتَاجُ إلَى الْإِعَانَةِ وَالْمُوَاسَاةِ فِيهِ ، فَلَا وَجْهَ لِإِيجَابِهِ .\rوَيُفَارِقُ هَذَا مَا إذَا كَانَتْ الْجِنَايَةُ عَلَى غَيْرِهِ ، فَإِنَّهُ لَوْ لَمْ","part":19,"page":77},{"id":9077,"text":"تَحْمِلْهُ الْعَاقِلَةُ ، لَأَجْحَفَ بِهِ وُجُوبُ الدِّيَةِ لِكَثْرَتِهَا .\rفَأَمَّا إنْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ عَلَى نَفْسِهِ شِبْهَ عَمْدٍ ، فَهَلْ تَجْرِي مَجْرَى الْخَطَأِ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : هِيَ كَالْخَطَأِ ؛ لِأَنَّهَا تُسَاوِيه فِيمَا إذَا كَانَتْ عَلَى غَيْرِهِ .\rوَالثَّانِي ، لَا تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ ؛ لِأَنَّهُ لَا عُذْرَ لَهُ ، فَأَشْبَهَ الْعَمْدَ الْمَحْضَ .","part":19,"page":78},{"id":9078,"text":"( 6808 ) فَصْلٌ : وَأَمَّا ، خَطَأُ الْإِمَامِ وَالْحَاكِمِ فِي غَيْرِ الْحُكْمِ وَالِاجْتِهَادِ ، فَهُوَ عَلَى عَاقِلَتِهِ .\rبِغَيْرِ خِلَافٍ ، إذَا كَانَ مِمَّا تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ ، وَمَا حَصَلَ بِاجْتِهَادِهِ ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ : إحْدَاهُمَا : عَلَى عَاقِلَتِهِ أَيْضًا ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ بَعَثَ إلَى امْرَأَةٍ ذُكِرَتْ بِسُوءٍ ، فَأَجْهَضَتْ جَنِينَهَا ، فَقَالَ عُمَرُ لَعَلِيٍّ : عَزَمْت عَلَيْك ، لَا تَبْرَحْ حَتَّى تَقْسِمَهَا عَلَى قَوْمِك .\rوَلِأَنَّهُ جَانٍ ، فَكَانَ خَطَؤُهُ عَلَى عَاقِلَتِهِ ، كَغَيْرِهِ .\rوَالثَّانِيَةُ ، هُوَ فِي بَيْتِ الْمَالِ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الْأَوْزَاعِيِّ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَإِسْحَاقَ ؛ لِأَنَّ الْخَطَأَ يَكْثُرُ فِي أَحْكَامِهِ وَاجْتِهَادِهِ ، فَإِيجَابُ عَقْلِهِ عَلَى عَاقِلَتِهِ يُجْحِفُ بِهِمْ ، وَلِأَنَّهُ نَائِبٌ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى فِي أَحْكَامِهِ وَأَفْعَالِهِ ، فَكَانَ أَرْشُ جِنَايَتِهِ فِي مَالِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ .\rوَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ ، كَالرِّوَايَتَيْنِ .","part":19,"page":79},{"id":9079,"text":"( 6809 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِذَا جَنَى الْعَبْدُ ، فَعَلَى سَيِّدِهِ أَنْ يَفْدِيَهُ أَوْ يُسَلِّمَهُ ، فَإِنْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ ، لَمْ يَكُنْ عَلَى سَيِّدِهِ أَكْثَرُ مِنْ قِيمَتِهِ ) .\rهَذَا فِي الْجِنَايَةِ الَّتِي تُودَى بِالْمَالِ ، إمَّا لِكَوْنِهَا لَا تُوجِبُ إلَّا الْمَالَ ، وَإِمَّا لِكَوْنِهَا مُوجِبَةً لِلْقِصَاصِ ، فَعَفَا عَنْهَا إلَى الْمَالِ ، فَإِنَّ ، جِنَايَةَ الْعَبْدِ تَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِهِ إذْ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ تَتَعَلَّقَ بِرَقَبَتِهِ ، أَوْ ذِمَّتِهِ ، أَوْ ذِمَّةِ سَيِّدِهِ ، أَوْ لَا يَجِبَ شَيْءٌ ، وَلَا يُمْكِنُ إلْغَاؤُهَا ؛ لِأَنَّهَا جِنَايَةُ آدَمِيٍّ ، فَيَجِبُ اعْتِبَارُهَا كَجِنَايَةِ الْحُرِّ ، وَلِأَنَّ جِنَايَةَ الصَّغِيرِ وَالْمَجْنُونِ غَيْرُ مُلْغَاةٍ ، مَعَ عُذْرِهِ ، وَعَدَمِ تَكْلِيفِهِ ، فَجِنَايَةُ الْعَبْدِ أَوْلَى ، وَلَا يُمْكِنُ تَعَلُّقُهَا بِذِمَّتِهِ ؛ لِأَنَّهُ يُفْضِي إلَيَّ إلْغَائِهَا ، أَوْ تَأْخِيرِ حَقِّ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ إلَى غَيْرِ غَايَةٍ ، وَلَا بِذِمَّةِ السَّيِّدِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَجْنِ ، فَتَعَيَّنَ تَعَلُّقُهَا بِرَقَبَةِ الْعَبْدِ ، وَلِأَنَّ الضَّمَانَ مُوجَبُ جِنَايَتِهِ ، فَتَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِهِ ، كَالْقِصَاصِ .\rثُمَّ لَا يَخْلُو أَرْشُ الْجِنَايَةِ مِنْ أَنْ يَكُونَ بِقَدْرِ قِيمَتِهِ فَمَا دُونَ ، أَوْ أَكْثَرَ ؛ فَإِنْ كَانَ بِقَدْرِهَا فَمَا دُونَ ، فَالسَّيِّدُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يَفْدِيَهُ بِأَرْشِ جِنَايَتِهِ ، أَوْ يُسَلِّمَهُ إلَى الْجِنَايَةِ فَيَمْلِكَهُ .\rوَبِهَذَا قَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ ، وَإِسْحَاقُ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ الشَّعْبِيِّ ، وَعَطَاءٍ ، وَمُجَاهِدٍ ، وَعُرْوَةَ ، وَالْحَسَنِ ، وَالزُّهْرِيِّ ، وَحَمَّادٍ ؛ لِأَنَّهُ إنْ دَفَعَ أَرْشَ الْجِنَايَةِ ، فَهُوَ الَّذِي وَجَبَ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ ، فَلَمْ يَمْلِكْ الْمُطَالَبَةَ بِأَكْثَرَ مِنْهُ ، وَإِنْ سَلَّمَ الْعَبْدَ ، فَقَدْ أَدَّى الْمَحَلَّ الَّذِي تَعَلَّقَ الْحَقُّ بِهِ ، وَلِأَنَّ حَقَّ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ لَا يَتَعَلَّقُ بِأَكْثَرَ مِنْ الرَّقَبَةِ وَقَدْ أَدَّاهَا .\rوَإِنْ طَالَبَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ بِتَسْلِيمِهِ إلَيْهِ ،","part":19,"page":80},{"id":9080,"text":"وَأَبَى ذَلِكَ سَيِّدُهُ ، لَمْ يُجْبَرْ عَلَيْهِ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا .\rوَإِنْ دَفَعَ السَّيِّدُ عَبْدَهُ ، فَأَبَى الْجَانِي قَبُولَهُ ، وَقَالَ : بِعْهُ ، وَادْفَعْ إلَيَّ ثَمَنَهُ .\rفَهَلْ يَلْزَمُ السَّيِّدَ ذَلِكَ ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ .\rوَأَمَّا إنْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا : أَنَّ سَيِّدَهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يَفْدِيَهُ بِقِيمَتِهِ أَوْ أَرْشِ جِنَايَتِهِ ، وَبَيْنَ أَنْ يُسَلِّمَهُ ؛ لِأَنَّهُ إذَا أَدَّى قِيمَتَهُ ، فَقَدْ أَدَّى قَدْرَ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ ، فَإِنَّ حَقَّ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ لَا يَزِيدُ عَلَى الْعَبْدِ ، فَإِذَا أَدَّى قِيمَتَهُ ، فَقَدْ أَدَّى الْوَاجِبَ عَلَيْهِ ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ ، كَمَا لَوْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ بِقَدْرِ قِيمَتِهِ .\rوَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ ، يَلْزَمُهُ تَسْلِيمُهُ ، إلَّا أَنْ يَفْدِيَهُ بِأَرْشِ جِنَايَتِهِ بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ .\rوَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا إذَا عُرِضَ لِلْبَيْعِ رَغِبَ فِيهِ رَاغِبٌ بِأَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ ، فَإِذَا أَمْسَكَهُ فَقَدْ فَوَّتَ تِلْكَ الزِّيَادَةَ عَلَى الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ .\rوَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ ، كَالرِّوَايَتَيْنِ .\rوَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى ، أَنَّ الشَّرْعَ قَدْ جَعَلَ لَهُ فِدَاءَهُ ، فَكَانَ لَهُ فِدَاؤُهُ ، فَكَانَ الْوَاجِبُ قَدْرَ قِيمَتِهِ ، كَسَائِرِ الْمُتْلَفَاتِ .","part":19,"page":81},{"id":9081,"text":"( 6810 ) فَصْلٌ : فَإِنْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ مُوجِبَةً لِلْقِصَاصِ ، فَعَفَا وَلِيُّ الْجِنَايَةِ عَلَى أَنْ يَمْلِكَ الْعَبْدَ ، لَمْ يَمْلِكْهُ بِذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَمْلِكْهُ بِالْجِنَايَةِ فَلَأَنْ لَا يَمْلِكَهُ بِالْعَفْوِ أَوْلَى ، وَلِأَنَّهُ أَحَدُ مَنْ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ ، فَلَا يَمْلِكُهُ بِالْعَفْوِ ، كَالْحُرِّ ، وَلِأَنَّهُ إذَا عَفَا عَنْ الْقِصَاصِ .\rانْتَقَلَ حَقُّهُ إلَى الْمَالِ ، فَصَارَ كَالْجَانِي جِنَايَةً مُوجِبَةً لِلْمَالِ .\rوَفِيهِ رِوَايَةٌ أُخْرَى ، أَنَّهُ يَمْلِكُهُ ؛ لِأَنَّهُ مَمْلُوكٌ اسْتَحَقَّ إتْلَافَهُ ، فَاسْتَحَقَّ إبْقَاءَهُ عَلَى مِلْكِهِ ، كَعَبْدِهِ الْجَانِي عَلَيْهِ .","part":19,"page":82},{"id":9082,"text":"فَصْلٌ : قَالَ أَبُو طَالِبٍ سَمِعْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ : إذَا أَمَرَ غُلَامَهُ فَجَنَى ، فَعَلَيْهِ مَا جَنَى ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِهِ ، إنْ قَطَعَ يَدَ حُرٍّ ، فَعَلَيْهِ دِيَةُ يَدِ الْحُرِّ ، وَإِنْ كَانَ ثَمَنُهُ أَقَلَّ ، وَإِنْ أَمَرَهُ سَيِّدُهُ أَنْ يَجْرَحَ رَجُلًا ، فَمَا جَنَى ، فَعَلَيْهِ قِيمَةُ جِنَايَتِهِ ، وَإِنْ كَانَتْ أَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِهِ ؛ لِأَنَّهُ بِأَمْرِهِ .\rوَكَانَ عَلِيٌّ وَأَبُو هُرَيْرَةَ يَقُولَانِ : إذَا أَمَرَ عَبْدَهُ أَنْ يَقْتُلَ ، فَإِنَّمَا هُوَ سَوْطُهُ ، وَيُقْتَلُ الْمَوْلَى ، وَيُحْبَسُ الْعَبْدُ .\rوَقَالَ أَحْمَدُ حَدَّثَنَا بَهْزٌ ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ ، عَنْ خِلَاسٍ ، أَنَّ عَلِيًّا قَالَ : إذَا أَمَرَ الرَّجُلُ عَبْدَهُ فَقَتَلَ ، إنَّمَا هُوَ كَسَوْطِهِ أَوْ كَسَيْفِهِ ، يُقْتَلُ الْمَوْلَى ، وَالْعَبْدُ يُسْتَوْدَعُ السِّجْنَ .\rوَلِأَنَّهُ فَوَّتَ شَيْئًا بِأَمْرِهِ ، فَكَانَ عَلَى السَّيِّدِ ضَمَانُهُ ، كَمَا لَوْ اسْتَدَانَ بِأَمْرِهِ .","part":19,"page":83},{"id":9083,"text":"( 6812 ) فَصْلٌ : فَإِنْ جَنَى جِنَايَاتٍ ، بَعْضَهَا بَعْدَ بَعْضٍ ، فَالْجَانِي بَيْنَ أَوْلِيَاءِ الْجِنَايَاتِ بِالْحِصَصِ .\rوَبِهَذَا قَالَ الْحَسَنُ ، وَحَمَّادٌ ، وَرَبِيعَةُ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ، وَالشَّافِعِيُّ .\rوَرُوِيَ عَنْ شُرَيْحٍ ، أَنَّهُ قَالَ : يُقْضَى بِهِ لِآخِرِهِمْ .\rوَبِهِ قَالَ الشَّعْبِيُّ ، وَقَتَادَةُ ؛ لِأَنَّهَا جِنَايَةٌ وَرَدَتْ عَلَى مَحَلٍّ مُسْتَحِقٍّ ، فَقُدِّمَ صَاحِبُهُ عَلَى الْمُسْتَحِقِّ قَبْلَهُ ، كَالْجِنَايَةِ عَلَى الْمَمْلُوكِ الَّذِي لَمْ يَجْنِ .\rوَقَالَ شُرَيْحٌ ، فِي عَبْدٍ شَجَّ رَجُلًا ، ثُمَّ آخَرَ ، ثُمَّ آخَرَ ، فَقَالَ شُرَيْحٌ : يُدْفَعُ إلَى الْأَوَّلِ ، إلَّا أَنْ يَفْدِيَهُ مَوْلَاهُ ، ثُمَّ يُدْفَعُ إلَى الثَّانِي ، ثُمَّ يُدْفَعُ إلَى الثَّالِثِ ، إلَّا أَنْ يَفْدِيَهُ الْأَوْسَطُ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُمْ تَسَاوَوْا فِي سَبَبِ تَعَلُّقِ الْحَقِّ بِهِ ، فَتَسَاوَوْا فِي الِاسْتِحْقَاقِ ، كَمَا لَوْ جَنَى عَلَيْهِمْ دَفْعَةً وَاحِدَةً ، بَلْ لَوْ قُدِّمَ بَعْضُهُمْ ، كَانَ الْأَوَّلُ أَوْلَى ؛ لِأَنَّ حَقَّهُ أَسْبَقُ ، وَلَا يَصِحُّ الْقِيَاسُ عَلَى الْمِلْكِ ، فَإِنَّ حَقَّ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ أَقْوَى ، بِدَلِيلِ أَنَّهُمَا لَوْ وَجَدَا دَفْعَةً وَاحِدَةً ، قُدِّمَ حَقُّ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ ، وَلِأَنَّ حَقَّ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ ثَبَتَ بِغَيْرِ رِضَى صَاحِبِهِ عِوَضًا ، وَحَقُّ الْمَالِكِ ثَبَتَ بِرِضَاهُ أَوْ بِغَيْرِ عِوَضٍ ، فَافْتَرَقَا .","part":19,"page":84},{"id":9084,"text":"( 6813 ) فَصْلٌ : وَإِنْ أَعْتَقَ السَّيِّدُ عَبْدَهُ الْجَانِي ، عَتَقَ ، وَضَمِنَ مَا تَعَلَّقَ بِهِ مِنْ الْأَرْشِ ؛ لِأَنَّهُ أَتْلَفَ مَحَلَّ الْجِنَايَةِ عَلَى مَنْ تَعَلَّقَ حَقُّهُ بِهِ ، فَلَزِمَهُ غَرَامَتُهُ ، كَمَا لَوْ قَتَلَهُ .\rوَيَنْبَنِي قَدْرُ الضَّمَانِ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ ، فِيمَا إذَا اخْتَارَ إمْسَاكَهُ بَعْدَ الْجِنَايَةِ ؛ لِأَنَّهُ امْتَنَعَ مِنْ تَسْلِيمِهِ بِإِعْتَاقِهِ ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ امْتِنَاعِهِ مِنْ تَسْلِيمِهِ بِاخْتِيَارِ فِدَائِهِ .\rوَنَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّهُ إنْ أَعْتَقَهُ ، عَالِمًا بِجِنَايَتِهِ ، فَعَلَيْهِ الدِّيَةُ ، يَعْنِي دِيَةَ الْمَقْتُولِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَالِمًا بِجِنَايَتِهِ ، فَعَلَيْهِ قِيمَةُ الْعَبْدِ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ إذَا أَعْتَقَهُ مَعَ الْعِلْمِ ، كَانَ مُخْتَارًا لِفِدَائِهِ ، بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَعْلَمْ ، فَإِنَّهُ لَمْ يَخْتَرْ الْفِدَاءَ ؛ لِعَدَمِ عِلْمِهِ بِهِ ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ أَكْثَرُ مِنْ قِيمَةِ مَا فَوَّتَهُ .","part":19,"page":85},{"id":9085,"text":"( 6814 ) فَصْلٌ : فَإِنْ بَاعَهُ ، أَوْ وَهَبَهُ ، صَحَّ بَيْعُهُ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا فِي الْبَيْعِ ، وَلَمْ يَزُلْ تَعَلُّقُ الْجِنَايَةِ عَنْ رَقَبَتِهِ ، فَإِنْ كَانَ الْمُشْتَرِي عَالِمًا بِحَالِهِ ، فَلَا خِيَارَ لَهُ ؛ لِأَنَّهُ دَخَلَ عَلَى بَصِيرَةٍ ، وَيَنْتَقِلُ الْخِيَارُ فِي فِدَائِهِ وَتَسْلِيمِهِ إلَيْهِ ، كَالسَّيِّدِ الْأَوَّلِ ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ ، فَلَهُ الْخِيَارُ بَيْنَ إمْسَاكِهِ وَرَدِّهِ ، كَسَائِرِ الْمَعِيبَاتِ .","part":19,"page":86},{"id":9086,"text":"( 6815 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَالْعَاقِلَةُ الْعُمُومَةُ ، وَأَوْلَادُهُمْ وَإِنْ سَفَلُوا ، فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ .\rوَالرِّوَايَةُ الْأُخْرَى ، الْأَبُ ، وَالِابْنُ ، وَالْإِخْوَةُ ، وَكُلُّ الْعَصَبَةِ مِنْ الْعَاقِلَةِ ) .\rالْعَاقِلَةُ : مَنْ يَحْمِلُ الْعَقْلَ .\rوَالْعَقْلُ : الدِّيَةُ ، تُسَمَّى عَقْلًا ؛ لِأَنَّهَا تَعْقِلُ لِسَانَ وَلِيِّ الْمَقْتُولِ .\rوَقِيلَ : إنَّمَا سُمِّيَتْ الْعَاقِلَةُ ، لِأَنَّهُمْ يَمْنَعُونَ عَنْ الْقَاتِلِ ، وَالْعَقْلُ : الْمَنْعُ ، وَلِهَذَا سُمِّيَ بَعْضُ الْعُلُومِ عَقْلًا ؛ لِأَنَّهُ يَمْنَعُ مِنْ الْإِقْدَامِ عَلَى الْمَضَارِّ .\rوَلَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي أَنَّ الْعَاقِلَةَ الْعَصَبَاتُ ، وَأَنَّ غَيْرَهُمْ مِنْ الْإِخْوَةِ مِنْ الْأُمِّ ، وَسَائِرِ ذَوِي الْأَرْحَامِ ، وَالزَّوْجِ ، وَكُلِّ مَنْ عَدَا الْعَصَبَاتِ ، لَيْسَ هُمْ مِنْ الْعَاقِلَةِ .\rوَاخْتُلِفَ فِي الْآبَاءِ وَالْبَنِينَ ، هَلْ هُمْ مِنْ الْعَاقِلَةِ أَوْ لَا .\rوَعَنْ أَحْمَدَ فِي ذَلِكَ رِوَايَتَانِ : إحْدَاهُمَا : أَنَّ كُلَّ الْعَصَبَةِ مِنْ الْعَاقِلَةِ ، يَدْخُلُ فِيهِ آبَاءُ الْقَاتِلِ ، وَأَبْنَاؤُهُ ، وَإِخْوَتُهُ ، وَعُمُومَتُهُ ، وَأَبْنَاؤُهُمْ .\rوَهَذَا اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ وَالشَّرِيفِ أَبِي جَعْفَرٍ ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ؛ لِمَا رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، قَالَ : { قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ عَقْلَ الْمَرْأَةِ بَيْنَ عَصَبَتِهَا ، مَنْ كَانُوا ، لَا يَرِثُونَ مِنْهَا شَيْئًا إلَّا مَا فَضَلَ عَنْ وَرَثَتِهَا ، وَإِنْ قُتِلَتْ فَعَقْلُهَا بَيْنَ وَرَثَتِهَا } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَلِأَنَّهُمْ عَصَبَةٌ ، فَأَشْبَهُوا الْإِخْوَةَ ، يُحَقِّقُهُ أَنَّ الْعَقْلَ مَوْضُوعٌ عَلَى التَّنَاصُرِ ، وَهُمْ مِنْ أَهْلِهِ ، وَلِأَنَّ الْعَصَبَةَ فِي تَحَمُّلِ الْعَقْلِ كَهُمْ فِي الْمِيرَاثِ ، فِي تَقْدِيمِ الْأَقْرَبِ فَالْأَقْرَبِ ، وَآبَاؤُهُ وَأَبْنَاؤُهُ أَحَقُّ الْعَصَبَاتِ بِمِيرَاثِهِ ، فَكَانُوا أَوْلَى بِتَحَمُّلِ عَقْلِهِ .\rوَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ ، لَيْسَ آبَاؤُهُ وَأَبْنَاؤُهُ مِنْ الْعَاقِلَةِ","part":19,"page":87},{"id":9087,"text":"، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ، قَالَ : { اقْتَتَلَتْ امْرَأَتَانِ مِنْ هُذَيْلٍ ، فَرَمَتْ إحْدَاهُمَا الْأُخْرَى ، فَقَتَلَتْهَا ، فَاخْتَصَمُوا إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِدِيَةِ الْمَرْأَةِ عَلَى عَاقِلَتِهَا ، وَوَرِثَهَا وَلَدُهَا وَمَنْ مَعَهُمْ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَفِي رِوَايَةٍ : { ثُمَّ مَاتَتْ الْقَاتِلَةُ ، فَجَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِيرَاثَهَا لِبَنِيهَا ، وَالْعَقْلَ عَلَى الْعَصَبَةِ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَالنَّسَائِيُّ .\rوَفِي رِوَايَةٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ .\rقَالَ : { فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دِيَةَ الْمَقْتُولَةِ عَلَى عَاقِلَتِهَا ، وَبَرَّأَ زَوْجَهَا وَوَلَدَهَا .\rقَالَ : فَقَالَتْ عَاقِلَةُ الْمَقْتُولَةِ : مِيرَاثُهَا لَنَا .\rفَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مِيرَاثُهَا لِزَوْجِهَا وَوَلَدِهَا } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا فِي الْأَوْلَادِ ، قِسْنَا عَلَيْهِ الْوَالِدَ ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَاهُ ، وَلِأَنَّ مَالَ وَلَدِهِ وَوَالِدِهِ كَمَالِهِ ؛ وَلِهَذَا لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُمَا لَهُ ، وَلَا شَهَادَتُهُ لَهُمَا ، وَوَجَبَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْإِنْفَاقُ عَلَى الْآخَرِ إذَا كَانَ مُحْتَاجًا ، وَالْآخَرُ مُوسِرًا ، وَعَتَقَ عَلَيْهِ إذَا مَلَكَهُ ، فَلَا تَجِبُ فِي مَالِهِ دِيَةٌ ، كَمَا لَمْ يَجِبْ فِي مَالِ الْقَاتِلِ .\rوَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ ، أَنَّ فِي الْإِخْوَةِ رِوَايَتَيْنِ ، كَالْوَلَدِ وَالْوَالِدِ ، وَغَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا يَجْعَلُونَهُمْ مِنْ الْعَاقِلَةِ بِكُلِّ حَالٍ ، وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ عَنْ غَيْرِهِمْ خِلَافًا .","part":19,"page":88},{"id":9088,"text":"( 6816 ) فَصْلٌ : فَإِنْ كَانَ الْوَلَدُ ابْنَ ابْنِ عَمٍّ ، أَوْ كَانَ الْوَالِدُ أَوْ الْوَلَدُ مَوْلَى أَوْ عَصَبَةُ مَوْلًى ، فَإِنَّهُ يَعْقِلُ ، فِي ظَاهِرِ كَلَامِ أَحْمَدَ قَالَهُ الْقَاضِي .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ : لَا يَعْقِلُ ؛ لِأَنَّهُ وَالِدٌ أَوْ وَلَدٌ ، فَلَمْ يَعْقِلْ ، كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ ابْنُ ابْنِ عَمٍّ أَوْ مَوْلًى ، فَيَعْقِلُ ، كَمَا لَوْ يَكُنْ وَلَدًا ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ هَذِهِ الْقَرَابَةَ أَوْ الْوَلَاءَ سَبَبٌ يَسْتَقِلُّ بِالْحُكْمِ مُنْفَرِدًا ، فَإِذَا وُجِدَ مَعَ مَا لَا يَثْبُتُ بِهِ الْحُكْمُ أَثْبَتَهُ ، كَمَا لَوْ وُجِدَ مَعَ الرَّحِمِ الْمُجَرَّدِ ، وَلِأَنَّهُ يَثْبُتُ حُكْمُهُ مَعَ الْقَرَابَةِ الْأُخْرَى ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَلِي نِكَاحَهَا ، مَعَ أَنَّ الِابْنَ لَا يَلِي النِّكَاحَ عِنْدَهُمْ .","part":19,"page":89},{"id":9089,"text":"( 6817 ) فَصْلٌ : وَسَائِرُ الْعَصَبَاتِ مِنْ الْعَاقِلَةِ بَعُدُوا أَوْ قَرُبُوا مِنْ النَّسَبِ ، وَالْمَوْلَى وَعَصَبَتُهُ ، وَمَوْلَى الْمَوْلَى وَعَصَبَتُهُ ، وَغَيْرُهُمْ .\rوَبِهَذَا قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَحَمَّادُ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَلَا أَعْلَمُ عَنْ غَيْرِهِمْ خِلَافَهُمْ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُمْ عَصَبَةٌ يَرِثُونَ الْمَالَ إذَا لَمْ يَكُنْ وَارِثٌ أَقْرَبَ مِنْهُمْ ، فَيَدْخُلُونَ فِي الْعَقْلِ كَالْقَرِيبِ ، وَلَا يُعْتَبَرُ أَنْ يَكُونُوا وَارِثِينَ فِي الْحَالِ ، بَلْ مَتَى كَانُوا يَرِثُونَ لَوْلَا الْحَجْبُ عَقَلُوا ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى بِالدِّيَةِ بَيْنَ عَصَبَةِ الْمَرْأَةِ مَنْ كَانُوا ، لَا يَرِثُونَ مِنْهَا إلَّا مَا فَضَلَ عَنْ وَرَثَتِهَا ؛ وَلِأَنَّ الْمَوَالِيَ مِنْ الْعَصَبَاتِ ، فَأَشْبَهُوا الْمُنَاسِبِينَ .","part":19,"page":90},{"id":9090,"text":"( 6818 ) فَصْلٌ : وَلَا يَدْخُلُ فِي الْعَقْلِ مَنْ لَيْسَ بِعَصَبَةٍ ، وَلَا يَعْقِلُ الْمَوْلَى مِنْ أَسْفَلَ .\rوَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُ مَالِكٍ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ : يَعْقِلُ ؛ لِأَنَّهُمَا شَخْصَانِ يَعْقِلُ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ ، فَيَعْقِلُ الْآخَرُ عَنْهُ ، كَالْأَخَوَيْنِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ لَيْسَ بِعَصَبَةٍ لَهُ وَلَا وَارِثٍ ، فَلَمْ يَعْقِلْ عَنْهُ ، كَالْأَجْنَبِيِّ .\rوَمَا ذَكَرُوهُ يَبْطُلُ بِالذَّكَرِ مَعَ الْأُنْثَى ، وَالْكَبِيرِ مَعَ الصَّغِيرِ ، وَالْعَاقِلِ مَعَ الْمَجْنُونِ .","part":19,"page":91},{"id":9091,"text":"( 6819 ) فَصْلٌ : وَلَا يَعْقِلُ مَوْلَى الْمُوَالَاةِ ، وَهُوَ الَّذِي يُوَالِي رَجُلًا يَجْعَلُ لَهُ وَلَاءَهُ وَنُصْرَتَهُ ، وَلَا الْحَلِيفُ ، وَهُوَ الرَّجُلُ يُحَالِفُ الْآخَرَ عَلَى أَنْ يَتَنَاصَرَا عَلَى دَفْعِ الظُّلْمِ ، وَيَتَضَافَرَا عَلَى مَنْ قَصَدَهُمَا أَوْ قَصَدَ أَحَدَهُمَا ، وَلَا الْعَدِيدُ ، وَهُوَ الَّذِي لَا عَشِيرَةَ لَهُ ، يَنْضَمُّ إلَى عَشِيرَةٍ ، فَيَعُدُّ نَفْسَهُ مَعَهُمْ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَعْقِلُ مَوْلَى الْمُوَالَاةِ وَيَرِثُ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : إذَا كَانَ الرَّجُلُ فِي غَيْرِ عَشِيرَتِهِ ، فَعَقْلُهُ عَلَى الْقَوْمِ الَّذِي هُوَ مَعَهُمْ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ مَعْنًى يَتَعَلَّقُ بِالْعَصَبَةِ ، فَلَا يُسْتَحَقُّ بِذَلِكَ ، كَوِلَايَةِ النِّكَاحِ .","part":19,"page":92},{"id":9092,"text":"( 6820 ) فَصْلٌ : وَلَا مَدْخَلَ لِأَهْلِ الدِّيوَانِ فِي الْمُعَاقَلَةِ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَتَحَمَّلُونَ جَمِيعَ الدِّيَةِ ، فَإِنْ عَدِمُوا فَالْأَقَارِبُ حِينَئِذٍ يَعْقِلُونَ ؛ لِأَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ جَعَلَ الدِّيَةَ عَلَى أَهْلِ الدِّيوَانِ فِي الْأُعْطِيَةِ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ .\rوَلَنَا ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى بِالدِّيَةِ عَلَى الْعَاقِلَةِ ؛ وَلِأَنَّهُ مَعْنًى لَا يُسْتَحَقُّ بِهِ الْمِيرَاثُ ، فَلَمْ يُحْمَلْ بِهِ الْعَقْلُ كَالْجِوَارِ وَاتِّفَاقُ الْمَذَاهِبِ ، وَقَضَاءُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْلَى مِنْ قَضَاءِ عُمَرَ ، عَلَى أَنَّهُ إنْ صَحَّ مَا ذُكِرَ عَنْهُ ، فَيَحْتَمِلُ أَنَّهُمْ كَانُوا عَشِيرَةَ الْقَاتِلِ .","part":19,"page":93},{"id":9093,"text":"( 6821 ) فَصْلٌ : وَيَشْتَرِكُ فِي الْعَقْلِ الْحَاضِرُ وَالْغَائِبُ .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : يَخْتَصُّ بِهِ الْحَاضِرُ ؛ لِأَنَّ التَّحَمُّلَ بِالنُّصْرَةِ ، وَإِنَّمَا هِيَ بَيْن الْحَاضِرِينَ ، وَلِأَنَّ فِي قِسْمَتِهِ عَلَى الْجَمِيعِ مَشَقَّةٌ .\rوَعَنْ الشَّافِعِيِّ كَالْمَذْهَبَيْنِ .\rوَلَنَا ، الْخَبَرُ ، وَأَنَّهُمْ اسْتَوَوْا فِي التَّعْصِيبِ وَالْإِرْثِ ، فَاسْتَوَوْا فِي تَحَمُّلِ الْعَقْلِ ، كَالْحَاضِرِينَ ، وَلِأَنَّهُ مَعْنًى يَتَعَلَّقُ بِالتَّعْصِيبِ ، فَاسْتَوَى فِيهِ الْحَاضِرُ وَالْغَائِبُ ، كَالْمِيرَاثِ وَالْوِلَايَةِ .","part":19,"page":94},{"id":9094,"text":"( 6822 ) فَصْلٌ : وَيَبْدَأُ فِي قِسْمَتِهِ بَيْن الْعَاقِلَةِ بِالْأَقْرَبِ فَالْأَقْرَبِ ، يُقْسَمُ عَلَى الْإِخْوَةِ وَبَنِيهِمْ ، وَالْأَعْمَامِ وَبَنِيهِمْ ، ثُمَّ أَعْمَامِ الْأَبِ ثُمَّ بَنِيهِمْ ، ثُمَّ أَعْمَامِ الْجَدِّ ، ثُمَّ بَنِيهِمْ ، كَذَلِكَ أَبَدًا ، حَتَّى إذَا انْقَرَضَ الْمُنَاسِبُونَ ، فَعَلَى الْمَوْلَى الْمُعْتِقِ ، ثُمَّ عَلَى عَصَبَاته ، ثُمَّ عَلَى مَوْلَى الْمَوْلَى ، ثُمَّ عَلَى عَصَبَاته ، الْأَقْرَبِ فَالْأَقْرَبِ ، كَالْمِيرَاثِ سَوَاءً .\rوَإِنْ قُلْنَا : الْآبَاءُ وَالْأَبْنَاءُ مِنْ الْعَاقِلَةِ ، بُدِئَ بِهِمْ ؛ لِأَنَّهُمْ أَقْرَبُ .\rوَمَتَى اتَّسَعَتْ أَمْوَالُ قَوْمٍ لِلْعَقْلِ ، لَمْ يَعْدُهُمْ إلَى مَنْ بَعْدَهُمْ ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ يُسْتَحَقُّ بِالتَّعْصِيبِ ، فَيُقَدَّمُ الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ ، كَالْمِيرَاثِ وَوِلَايَةِ النِّكَاحِ .\rوَهَلْ يُقَدَّمُ مَنْ يُدْلِي بِالْأَبَوَيْنِ عَلَى مَنْ يُدْلِي بِالْأَبِ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : يُقَدَّمُ ؛ لِأَنَّهُ يُقَدَّمُ فِي الْمِيرَاثِ ، فَقُدِّمَ فِي الْعَقْلِ ، كَتَقْدِيمِ الْأَخِ عَلَى ابْنِهِ .\rوَالثَّانِي ، يَسْتَوِيَانِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُسْتَفَادُ بِالتَّعْصِيبِ ، وَلَا أَثَرَ لِلْأُمِّ فِي التَّعْصِيبِ .\rوَالْأَوَّلُ أَوْلَى ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ؛ لِأَنَّ قَرَابَةَ الْأُمِّ تُؤَثِّرُ فِي التَّرْجِيحِ وَالتَّقْدِيمِ وَقُوَّةِ التَّعْصِيبِ ، لِاجْتِمَاعِ الْقَرَابَتَيْنِ عَلَى وَجْهٍ لَا تَنْفَرِدُ كُلُّ وَاحِدَةٍ بِحُكْمٍ ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْقَرَابَتَيْنِ تَنْقَسِمُ إلَى مَا تَنْفَرِدُ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بِحُكْمٍ ، كَابْنِ الْعَمِّ إنْ كَانَ أَخًا مِنْ أُمٍّ ، فَإِنَّهُ يَرِثُ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ الْقَرَابَتَيْنِ مِيرَاثًا مُنْفَرِدًا ، يَرِثُ السُّدُسَ بِالْأُخُوَّةِ ، وَيَرِثُ بِالتَّعْصِيبِ بِبُنُوَّةِ الْعَمِّ ، وَحَجْبُ إحْدَى الْقَرَابَتَيْنِ لَا يُؤَثِّرُ فِي حَجْبِ الْأُخْرَى ، فَهَذَا لَا يُؤَثِّرُ فِي قُوَّةٍ وَلَا تَرْجِيحٍ ، وَلِذَلِكَ لَا يُقَدَّمُ ابْنُ الْعَمِّ الَّذِي هُوَ أَخٌ مِنْ أُمٍّ عَلَى غَيْرِهِ ، وَمَا لَا يَنْفَرِدُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِحُكْمٍ ، كَابْنِ الْعَمِّ مِنْ أَبَوَيْنِ مَعَ ابْنِ عَمٍّ مِنْ أَبٍ ، لَا","part":19,"page":95},{"id":9095,"text":"تَنْفَرِدُ إحْدَى الْقَرَابَتَيْنِ بِمِيرَاثٍ عَنْ الْأُخْرَى ، فَتُؤَثِّرُ فِي التَّرْجِيحِ وَقُوَّةِ التَّعْصِيبِ ؛ وَلِذَلِكَ أَثَّرَتْ فِي التَّقْدِيمِ فِي الْمِيرَاثِ ، فَكَذَلِكَ فِي غَيْرِهِ .\rوَبِمَا ذَكَرْنَاهُ قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يُسَوَّى بَيْنَ الْقَرِيبِ وَالْبَعِيدِ ، وَيُقْسَمُ عَلَى جَمِيعِهِمْ ؛ { لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَعَلَ دِيَةَ الْمَقْتُولَةِ عَلَى عَصَبَةِ الْقَاتِلَةِ } .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ حُكْمٌ تَعَلَّقَ بِالتَّعْصِيبِ ، فَوَجَبَ أَنْ يُقَدَّمَ فِيهِ الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ ، كَالْمِيرَاثِ ، وَالْخَبَرُ لَا حُجَّةَ فِيهِ ؛ لِأَنَّنَا نَقْسِمُهُ عَلَى الْجَمَاعَةِ إذَا لَمْ يَفِ بِهِ الْأَقْرَبُ ، فَنَحْمِلُهُ عَلَى ذَلِكَ .","part":19,"page":96},{"id":9096,"text":"( 6823 ) فَصْلٌ : وَلَا يَحْمِلُ الْعَقْلَ إلَّا مَنْ يُعْرَفُ نَسَبُهُ مِنْ الْقَاتِلِ ، أَوْ يُعْلَمُ أَنَّهُ مِنْ قَوْمٍ يَدْخُلُونَ كُلُّهُمْ فِي الْعَقْلِ ، وَمَنْ لَا يُعْرَفُ ذَلِكَ مِنْهُ لَا يَحْمِلُ ، وَإِنْ كَانَ مِنْ قَبِيلَتِهِ ، فَلَوْ كَانَ الْقَاتِلُ قُرَشِيًّا ، لَمْ يَلْزَمْ قُرَيْشًا كُلَّهُمْ التَّحَمُّلُ ، فَإِنَّ قُرَيْشًا وَإِنْ كَانُوا كُلُّهُمْ يَرْجِعُونَ إلَى أَبٍ وَاحِدٍ ، إلَّا أَنَّ قَبَائِلَهُمْ تَفَرَّقَتْ ، وَصَارَ كُلُّ قَوْمٍ يَنْتَسِبُونَ إلَى أَبٍ يَتَمَيَّزُونَ بِهِ ، فَيَعْقِلُ عَنْهُمْ مَنْ يُشَارِكُهُمْ فِي نَسَبِهِمْ إلَى الْأَبِ الْأَدْنَى ، أَلَا تَرَى أَنَّ النَّاسَ كُلَّهُمْ بَنُو آدَمَ ، فَهُمْ رَاجِعُونَ إلَى أَبٍ وَاحِدٍ ، لَكِنَّ إنْ كَانَ مِنْ فَخِذٍ وَاحِدٍ ، يُعْلَمُ أَنَّ جَمِيعَهُمْ يَتَحَمَّلُونَ ، وَجَبَ أَنْ يَحْمِلَ جَمِيعُهُمْ ، سَوَاءٌ عَرَفَ أَحَدُهُمْ نَسَبَهُ أَوْ لَمْ يَعْرِفْ ؛ لِلْعِلْمِ بِأَنَّهُ مُتَحَمِّلٌ عَلَى أَيِّ وَجْهٍ كَانَ .\rوَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ نَسَبُ الْقَاتِلِ مِنْ أَحَدٍ ، فَالدِّيَةُ فِي بَيْتِ الْمَالِ ؛ لِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ يَرِثُونَهُ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ ، بِمَعْنَى أَنَّهُ يُؤْخَذُ مِيرَاثُهُ لِبَيْتِ الْمَالِ ، فَكَذَلِكَ يَعْقِلُونَهُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ .\rوَإِنْ وُجِدَ لَهُ مَنْ يَحْمِلُ بَعْضَ الْعَقْلِ ، فَالْبَاقِي فِي بَيْتِ الْمَالِ كَذَلِكَ .","part":19,"page":97},{"id":9097,"text":"( 6824 ) فَصْلٌ : وَلَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ ، فِي أَنَّ الْعَاقِلَةَ لَا تُكَلَّفُ مِنْ الْمَالِ مَا يُجْحِفُ بِهَا ، وَيَشُقُّ عَلَيْهَا ؛ لِأَنَّهُ لَازِمٌ لَهَا مِنْ غَيْرِ جِنَايَتِهَا عَلَى سَبِيلِ الْمُوَاسَاةِ لِلْقَاتِلِ ، وَالتَّخْفِيفِ عَنْهُ ، فَلَا يُخَفِّفُ عَنْ الْجَانِي بِمَا يُثْقِلُ عَلَى غَيْرِهِ ، وَيُجْحِفُ بِهِ ، كَالزَّكَاةِ ، وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْإِجْحَافُ مَشْرُوعًا ، كَانَ الْجَانِي أَحَقَّ بِهِ ؛ لِأَنَّهُ مُوجَبُ جِنَايَتِهِ ، وَجَزَاءُ فِعْلِهِ ، فَإِذَا لَمْ يُشْرَعْ فِي حَقِّهِ ، فَفِي حَقِّ غَيْرِهِ أَوْلَى .\rوَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِيمَا يَحْمِلُهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فَقَالَ أَحْمَدُ : يَحْمِلُونَ عَلَى قَدْرِ مَا يُطِيقُونَ .\rفَعَلَى هَذَا لَا يَتَقَدَّرُ شَرْعًا ، وَإِنَّمَا يُرْجَعُ فِيهِ إلَى اجْتِهَادِ الْحَاكِمِ ، فَيَفْرِضُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ قَدْرًا يَسْهُلُ وَلَا يُؤْذِي .\rوَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ ؛ لِأَنَّ التَّقْدِيرَ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِتَوْقِيفٍ ، وَلَا يَثْبُتُ بِالرَّأْيِ وَالتَّحَكُّمِ ، وَلَا نَصَّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ، فَوَجَبَ الرُّجُوعُ فِيهَا إلَى اجْتِهَادِ الْحَاكِمِ ، كَمَقَادِيرِ النَّفَقَاتِ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ ، رِوَايَةٌ أُخْرَى ، أَنَّهُ يَفْرِضُ عَلَى الْمُوسِرِ نِصْفَ مِثْقَالٍ ؛ لِأَنَّهُ أَقَلُّ مَالٍ يَتَقَدَّرُ فِي الزَّكَاةِ ، فَكَانَ مُعْتَبَرًا بِهَا ، وَيَجِبُ عَلَى الْمُتَوَسِّطِ رُبْعُ مِثْقَالٍ ؛ لِأَنَّ مَا دُونَ ذَلِكَ تَافِهٌ ، لِكَوْنِ الْيَدِ لَا تُقْطَعُ فِيهِ ، وَقَدْ قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا : لَا تُقْطَعُ الْيَدُ فِي الشَّيْءِ التَّافِهِ ، وَمَا دُونَ رُبْعِ دِينَارٍ لَا قَطْعَ فِيهِ .\rوَهَذَا اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ ، وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : أَكْثَرُ مَا يُجْعَلُ عَلَى الْوَاحِدِ أَرْبَعَةُ دَرَاهِمَ ، وَلَيْسَ لِأَقَلِّهِ حَدٌّ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مَالٌ يَجِبُ عَلَى سَبِيلِ الْمُوَاسَاةِ لِلْقَرَابَةِ ، فَلَمْ يَتَقَدَّرْ أَقَلُّهُ ، كَالنَّفَقَةِ .\rقَالَ : وَيُسَوَّى بَيْنَ الْغَنِيِّ وَالْمُتَوَسِّطِ لِذَلِكَ .\rوَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّ التَّقْدِيرَ إنَّمَا يُصَارُ إلَيْهِ","part":19,"page":98},{"id":9098,"text":"بِتَوْقِيفٍ ، وَلَا تَوْقِيفَ فِيهِ ، وَأَنَّهُ يَخْتَلِفُ بِالْغِنَى وَالتَّوَسُّطِ ، كَالزَّكَاةِ وَالنَّفَقَةِ ، وَلَا يَخْتَلِفُ بِالْقُرْبِ وَالْبُعْدِ كَذَلِكَ .\rوَاخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِالتَّقْدِيرِ بِنِصْفِ دِينَارٍ وَرُبْعِهِ ؛ قَالَ بَعْضُهُمْ : يَتَكَرَّرُ الْوَاجِبُ فِي الْأَعْوَامِ الثَّلَاثَةِ ، فَيَكُونُ الْوَاجِبُ فِيهَا عَلَى الْغَنِيِّ دِينَارًا وَنِصْفًا ، وَعَلَى الْمُتَوَسِّطِ ثَلَاثَةَ أَرْبَاعِ دِينَارٍ ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ يَتَعَلَّقُ بِالْحَوْلِ عَلَى سَبِيلِ الْمُوَاسَاةِ ، فَيَتَكَرَّرُ بِتَكَرُّرِ الْحَوْلِ ، كَالزَّكَاةِ .\rوَقَالَ بَعْضُهُمْ : لَا يَتَكَرَّرُ ؛ لِأَنَّ فِي إيجَابِ زِيَادَةٍ عَلَى النِّصْفِ ، إيجَابًا لَزِيَادَةٍ عَلَى أَقَلِّ الزَّكَاةِ ، فَيَكُونُ مُضِرًّا .\rوَيُعْتَبَرُ الْغِنَى وَالتَّوَسُّطُ عِنْدَ رَأْسِ الْحَوْلِ ؛ لِأَنَّهُ حَالُ الْوُجُوبِ ، فَاعْتُبِرَ الْحَالُ عِنْدَهُ ، كَالزَّكَاةِ .\rوَإِنْ اجْتَمَعَ مِنْ عَدَدِ الْعَاقِلَةِ فِي دَرَجَةٍ وَاحِدَةٍ عَدَدٌ كَثِيرٌ ، قُسِمَ الْوَاجِبُ عَلَى جَمِيعِهِمْ .\rفَيُلْزِمُ الْحَاكِمُ كُلَّ إنْسَانٍ عَلَى حَسْبِ مَا يَرَاهُ وَإِنْ قَلَّ .\rوَعَلَى الْوَجْهِ الْآخَرِ ، يَجْعَلُ عَلَى الْمُتَوَسِّطِ نِصْفَ مَا عَلَى الْغَنِيِّ ، وَيَعُمُّ بِذَلِكَ جَمِيعَهُمْ .\rوَهَذَا أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ فِي الْآخَرِ : يَخُصُّ الْحَاكِمُ مَنْ شَاءَ مِنْهُمْ ، فَيَفْرِضُ عَلَيْهِمْ هَذَا الْقَدْرَ الْوَاجِبَ ، لِئَلَّا يَنْقُصَ عَنْ الْقَدْرِ الْوَاجِبِ ، وَيَصِيرَ إلَى الشَّيْءِ التَّافِهِ ، وَلِأَنَّهُ يَشُقُّ ، فَرُبَّمَا أَصَابَ كُلَّ وَاحِدٍ قِيرَاطٌ ، فَيَشُقُّ جَمْعُهُ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُمْ اسْتَوَوْا فِي الْقَرَابَةِ فَكَانُوا سَوَاءً ، كَمَا لَوْ قَلُّوا ، وَكَالْمِيرَاثِ .\rوَأَمَّا التَّعَلُّقُ بِمَشَقَّةِ الْجَمْعِ فَغَيْرُ صَحِيحٍ ؛ لِأَنَّ مَشَقَّةَ زِيَادَةِ الْوَاجِبِ أَعْظَمُ مِنْ مَشَقَّةِ الْجَمْعِ ، ثُمَّ هَذَا تَعَلُّقٌ بِالْحِكْمَةِ مِنْ غَيْرِ أَصْلٍ يَشْهَدُ لَهَا ، فَلَا يُتْرَكُ لَهَا الدَّلِيلُ ، ثُمَّ هِيَ مُعَارَضَةٌ بِخِفَّةِ الْوَاجِبِ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ ، وَسُهُولَةِ الْوَاجِبِ عَلَيْهِمْ ، ثُمَّ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَخُصَّ الْحَاكِمُ","part":19,"page":99},{"id":9099,"text":"بَعْضَهُمْ بِالِاجْتِهَادِ أَوْ بِغَيْرِ اجْتِهَادٍ ، فَإِنْ خَصَّهُ بِالِاجْتِهَادِ فَعَلَيْهِ فِيهِ مَشَقَّةٌ ، وَرُبَّمَا لَمْ يَحْصُلْ لَهُ مَعْرِفَةُ الْأَوْلَى مِنْهُمْ بِذَلِكَ ، فَيَتَعَذَّرُ الْإِيجَابُ ، وَإِنْ خَصَّهُ بِالتَّحَكُّمِ أَفْضَى إلَى أَنَّهُ يُخَيَّرُ بَيْنَ أَنْ يُوجِبَ عَلَى إنْسَانٍ شَيْئًا بِشَهْوَتِهِ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ ، وَبَيْنَ أَنْ لَا يُوجِبَ عَلَيْهِ ، وَلَا نَظِيرَ لَهُ ، وَرُبَّمَا ارْتَشَى مِنْ بَعْضِهِمْ وَاتُّهِمَ ، وَرُبَّمَا امْتَنَعَ مَنْ فُرِضَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ أَدَائِهِ ؛ لِكَوْنِهِ يَرَى مِثْلَهُ لَا يُؤَدِّي شَيْئًا مَعَ التَّسَاوِي مِنْ كُلِّ الْوُجُوهِ .","part":19,"page":100},{"id":9100,"text":"( 6825 ) فَصْلٌ : وَمَنْ مَاتَ مِنْ الْعَاقِلَةِ ، أَوْ افْتَقَرَ ، أَوْ جُنَّ قَبْلَ الْحَوْلِ ، لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ .\rلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا ؛ لِأَنَّهُ مَالٌ يَجِبُ فِي آخِرِ الْحَوْلِ عَلَى سَبِيلِ الْمُوَاسَاةِ ، فَأَشْبَهَ الزَّكَاةَ ، وَإِنْ وُجِدَ ذَلِكَ بَعْدَ الْحَوْلِ ، لَمْ يَسْقُطْ الْوَاجِبُ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَسْقُطُ بِالْمَوْتِ ؛ لِأَنَّهُ خَرَجَ عَنْ أَهْلِيَّةِ الْوُجُوبِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ مَاتَ قَبْلَ الْحَوْلِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ حَقٌّ تَدْخُلُهُ النِّيَابَةُ ، لَا يَمْلِكُ إسْقَاطَهُ فِي حَيَاتِهِ ، فَأَشْبَهَ الدُّيُونَ ، وَفَارَقَ مَا قَبْلَ الْحَوْلِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَجِبْ ، وَلَمْ يَسْتَمِرَّ الشَّرْطُ إلَى حِينِ الْوُجُوبِ .\rفَأَمَّا إنْ كَانَ فَقِيرًا حَالَ الْقَتْلِ ، فَاسْتَغْنَى عِنْدَ الْحَوْلِ ، فَقَالَ الْقَاضِي : يَجِبُ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ وُجِدَ وَقْتَ الْوُجُوبِ ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِهِ .\rوَيُخَرَّجُ عَلَى هَذَا مَنْ كَانَ صَبِيًّا فَبَلَغَ ، أَوْ مَجْنُونًا فَأَفَاقَ ، عِنْدَ الْحَوْلِ ، وَجَبَ عَلَيْهِ كَذَلِكَ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَجِبَ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الْوُجُوبِ حَالَةَ السَّبَبِ ، فَلَمْ يَثْبُتْ الْحُكْمُ فِيهِ حَالَةَ الشَّرْطِ ، كَالْكَافِرِ إذَا مَلَكَ مَالًا ثُمَّ أَسْلَمَ عِنْدَ الْحَوْلِ ، لَمْ تَلْزَمْهُ الزَّكَاةُ فِيهِ .","part":19,"page":101},{"id":9101,"text":"( 6826 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَلَيْسَ عَلَى فَقِيرٍ مِنْ الْعَاقِلَةِ ، وَلَا امْرَأَةٍ ، وَلَا صَبِيٍّ ، وَلَا زَائِلِ الْعَقْلِ ، حَمْلُ شَيْءٍ مِنْ الدِّيَةِ ) أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ ، عَلَى أَنَّهُ لَا مَدْخَلَ لَأَحَدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ فِي تَحَمُّلِ الْعَقْلِ .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ، عَلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ ، وَالصَّبِيَّ الَّذِي لَمْ يَبْلُغْ ، لَا يَعْقِلَانِ مَعَ الْعَاقِلَةِ ، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْفَقِيرَ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ .\rوَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ .\rوَحَكَى بَعْضُ أَصْحَابِنَا ، عَنْ مَالِكٍ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ، أَنَّ لِلْفَقِيرِ مَدْخَلًا فِي التَّحَمُّلِ .\rوَذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ رِوَايَةً عَنْ أَحْمَدَ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ النُّصْرَةِ ، فَكَانَ مِنْ الْعَاقِلَةِ كَالْغَنِيِّ .\rوَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ ؛ لِأَنَّ تَحَمُّلَ الْعَقْلِ مُوَاسَاةٌ ، فَلَا يَلْزَمُ الْفَقِيرَ كَالزَّكَاةِ ، وَلِأَنَّهَا وَجَبَتْ عَلَى الْعَاقِلَةِ تَخْفِيفًا عَنْ الْقَاتِلِ ، فَلَا يَجُوزُ التَّثْقِيلُ بِهَا عَلَى مَنْ لَا جِنَايَةَ مِنْهُ ، وَفِي إيجَابِهَا عَلَى الْفَقِيرِ تَثْقِيلٌ عَلَيْهِ ، وَتَكْلِيفٌ لَهُ مَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ ، وَلِأَنَّنَا أَجْمَعْنَا عَلَى أَنَّهُ لَا يُكَلَّفُ أَحَدٌ مِنْ الْعَاقِلَةِ مَا يَثْقُلُ عَلَيْهِ ، وَيُجْحِفُ بِهِ ، وَتَحْمِيلُ الْفَقِيرِ شَيْئًا مِنْهَا يَثْقُلُ عَلَيْهِ ، وَيُجْحِفُ بِمَالِهِ ، وَرُبَّمَا كَانَ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ جَمِيعَ مَالِهِ ، أَوْ أَكْثَرَ مِنْهُ ، أَوْ لَا يَكُونُ لَهُ شَيْءٌ أَصْلًا .\rوَأَمَّا الصَّبِيُّ وَالْمَجْنُونُ وَالْمَرْأَةُ ، فَلَا يَحْمِلُونَ مِنْهَا ؛ لِأَنَّ فِيهَا مَعْنَى التَّنَاصُرِ ، وَلَيْسَ هُمْ مِنْ أَهْلِ النُّصْرَةِ .","part":19,"page":102},{"id":9102,"text":"( 6827 ) فَصْلٌ : وَيَعْقِلُ الْمَرِيضُ إذَا لَمْ يَبْلُغْ حَدَّ الزَّمَانَةِ ، وَالشَّيْخُ إذَا لَمْ يَبْلُغْ حَدَّ الْهَرَمِ ؛ لِأَنَّهُمَا مِنْ أَهْلِ النُّصْرَةِ وَالْمُوَاسَاةِ ، وَفِي الزَّمِنِ وَالشَّيْخِ الْفَانِي وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا : لَا يَعْقِلَانِ ؛ لِأَنَّهُمَا لَيْسَا مِنْ أَهْلِ النُّصْرَةِ ؛ وَلِهَذَا لَا يَجِبُ عَلَيْهِمَا الْجِهَادُ ، وَلَا يُقْتَلَانِ إذَا كَانَا مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ ، وَكَذَلِكَ يُخَرَّجُ فِي الْأَعْمَى ؛ لِأَنَّهُ مِثْلُهُمَا فِي هَذَا الْمَعْنَى .\rوَالثَّانِي ، يَعْقِلُونَ ؛ لِأَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ الْمُوَاسَاةِ ؛ وَلِهَذَا تَجِبُ عَلَيْهِمْ الزَّكَاةُ .\rوَهَذَا يُنْتَقَضُ بِالصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ .\rوَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فِي هَذَا الْفَصْلِ كُلِّهِ كَمَذْهَبِنَا .","part":19,"page":103},{"id":9103,"text":"( 6828 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَاقِلَةٌ ، أَخَذَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى ذَلِكَ ، فَلَيْسَ عَلَى الْقَاتِلِ شَيْءٌ ) الْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِي فَصْلَيْنِ : ( 6829 ) الْفَصْلُ الْأَوَّلُ : أَنَّ مَنْ لَا عَاقِلَةَ لَهُ ، هَلْ يُؤَدِّي مِنْ بَيْتِ الْمَالِ أَوْ لَا ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ .\rإحْدَاهُمَا ، يُؤَدَّى عَنْهُ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الزُّهْرِيِّ ، وَالشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَدَى الْأَنْصَارِيَّ الَّذِي قُتِلَ بِخَيْبَرَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ .\rوَرُوِيَ أَنَّ رَجُلًا قُتِلَ فِي زِحَامٍ فِي زَمَنِ عُمَرَ ، فَلَمْ يُعْرَفْ قَاتِلُهُ ، فَقَالَ عَلِيٌّ لَعُمَرَ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَا يُطَلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ .\rفَأَدَّى دِيَتَهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ .\rوَلِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ يَرِثُونَ مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ ، فَيَعْقِلُونَ عَنْهُ عِنْدَ عَدَمِ عَاقِلَتِهِ ، كَعَصَبَاتِهِ وَمَوَالِيهِ .\rوَالثَّانِيَةُ ، لَا يَجِبُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ بَيْتَ الْمَالِ فِيهِ حَقٌّ لِلنِّسَاءِ وَالصَّبِيَّانِ وَالْمَجَانِينِ وَالْفُقَرَاءِ وَلَا عَقْلَ عَلَيْهِمْ ، فَلَا يَجُوزُ صَرْفُهُ فِيمَا لَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ ، وَلِأَنَّ الْعَقْلَ عَلَى الْعَصَبَاتِ ، وَلَيْسَ بَيْتُ الْمَالِ عَصَبَةً ، وَلَا هُوَ كَعَصَبَةِ هَذَا ، فَأَمَّا قَتِيلُ الْأَنْصَارِ ، فَغَيْرُ لَازِمٍ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ قَتِيلُ الْيَهُودِ ، وَبَيْتُ الْمَالِ لَا يَعْقِلُ عَنْ الْكُفَّارِ بِحَالٍ ، وَإِنَّمَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَفَضَّلَ عَلَيْهِمْ .\rوَقَوْلُهُمْ : إنَّهُمْ يَرِثُونَهُ .\rقُلْنَا : لَيْسَ صَرْفُهُ إلَى بَيْتِ الْمَالِ مِيرَاثًا ، بَلْ هُوَ فَيْءٌ ، وَلِهَذَا يُؤْخَذُ مَالُ مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ إلَى بَيْتِ الْمَالِ ، وَلَا يَرِثُهُ الْمُسْلِمُونَ ، ثُمَّ لَا يَجِبُ الْعَقْلُ عَلَى الْوَارِثِ إذَا لَمْ يَكُنْ عَصَبَةً ، وَيَجِبُ عَلَى الْعَصَبَةِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَارِثًا فَعَلَى الرِّوَايَةِ الْأُولَى ، إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ عَاقِلَةٌ ، أُدِّيَتْ الدِّيَةُ عَنْهُ كُلُّهَا مِنْ بَيْتِ الْمَالِ ، وَإِنْ كَانَ لَهُ عَاقِلَةٌ لَا تَحْمِلُ","part":19,"page":104},{"id":9104,"text":"الْجَمِيعَ ، أُخِذَ الْبَاقِي مِنْ بَيْتِ الْمَالِ .\rوَهَلْ تُؤَدَّى مِنْ بَيْتِ الْمَالِ فِي دَفْعَةٍ وَاحِدَةٍ ، أَوْ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا : فِي ثَلَاثِ سِنِينَ ، عَلَى حَسْبِ مَا يُؤْخَذُ مِنْ الْعَاقِلَةِ .\rوَالثَّانِي ، يُؤَدِّي دَفْعَةً وَاحِدَةً .\rوَهَذَا أَصَحُّ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَدَّى دِيَةَ الْأَنْصَارِيِّ دَفْعَةً وَاحِدَةً ، وَكَذَلِكَ عُمَرُ ، وَلِأَنَّ الدِّيَةَ بَدَلُ مُتْلَفٍ لَا تُؤَدِّيه الْعَاقِلَةُ ، فَيَجِبُ كُلُّهُ فِي الْحَالِ ، كَسَائِرِ بَدَلِ الْمُتْلَفَاتِ ، وَإِنَّمَا أَجَّلَ عَلَى الْعَاقِلَةِ تَخْفِيفًا عَنْهُمْ ، وَلَا حَاجَةَ إلَى ذَلِكَ فِي بَيْتِ الْمَالِ ، وَلِهَذَا يُؤَدَّى الْجَمِيعُ ( 6830 ) الْفَصْلُ الثَّانِي : إذَا لَمْ يُمْكِنْ الْأَخْذُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ ، فَلَيْسَ عَلَى الْقَاتِلِ شَيْءٌ .\rوَهَذَا أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ الدِّيَةَ لَزِمَتْ الْعَاقِلَةَ ابْتِدَاءً ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يُطَالَبُ بِهَا غَيْرُهُمْ ، وَلَا يُعْتَبَرُ تَحَمُّلُهُمْ وَلَا رِضَاهُمْ بِهَا ، وَلَا تَجِبُ عَلَى غَيْرِ مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ ، كَمَا لَوْ عَدِمَ الْقَاتِلُ ، فَإِنَّ الدِّيَةَ لَا تَجِبُ عَلَى أَحَدٍ ، كَذَا هَاهُنَا .\rفَعَلَى هَذَا ، إنَّ وُجِدَ بَعْضُ الْعَاقِلَةِ ، حُمِّلُوا بِقِسْطِهِمْ ، وَسَقَطَ الْبَاقِي ، فَلَا يَجِبُ عَلَى أَحَدٍ ، وَيَتَخَرَّجُ أَنْ تَجِبَ الدِّيَةُ عَلَى الْقَاتِلِ إذَا تَعَذَّرَ حَمْلُهَا عَنْهُ .\rوَهَذَا الْقَوْلُ الثَّانِي لِلشَّافِعِيِّ ؛ لِعُمُومِ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلَى أَهْلِهِ } .\rوَلِأَنَّ قَضِيَّةَ الدَّلِيلِ وُجُوبُهَا عَلَى الْجَانِي جَبْرًا لِلْمَحَلِّ الَّذِي فَوَّتَهُ ، وَإِنَّمَا سَقَطَ عَنْ الْقَاتِلِ لِقِيَامِ الْعَاقِلَةِ مَقَامَهُ فِي جَبْرِ الْمَحَلِّ ، فَإِذَا لَمْ يُؤْخَذْ ذَلِكَ ، بَقِيَ وَاجِبًا عَلَيْهِ بِمُقْتَضَى الدَّلِيلِ ، وَلِأَنَّ الْأَمْرَ دَائِرٌ بَيْنَ أَنْ يُطَلَّ دَمُ الْمَقْتُولِ ، وَبَيْنَ إيجَابِ دِيَتِهِ عَلَى الْمُتْلِفِ ، لَا يَحُوزُ الْأَوَّلُ ؛ لِأَنَّ فِيهِ مُخَالَفَةَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَقِيَاسِ أُصُولِ الشَّرِيعَةِ ، فَتَعَيَّنَ","part":19,"page":105},{"id":9105,"text":"الثَّانِي ، وَلِأَنَّ إهْدَارَ الدَّمِ الْمَضْمُونِ لَا نَظِيرَ لَهُ ، وَإِيجَابُ الدِّيَةِ عَلَى قَاتِلِ الْخَطَأِ لَهُ نَظَائِرُ ، فَإِنَّ الْمُرْتَدَّ لَمَّا لَمْ يَكُنْ لَهُ عَاقِلَةٌ تَجِبُ الدِّيَةُ فِي مَالِهِ ، وَالذِّمِّيَّ الَّذِي لَا عَاقِلَةَ لَهُ تَلْزَمُهُ الدِّيَةُ ، وَمَنْ رَمَى سَهْمًا ثُمَّ أَسْلَمَ ، أَوْ كَانَ مُسْلِمًا فَارْتَدَّ ، أَوْ كَانَ عَلَيْهِ الْوَلَاءُ لِمَوَالِي أُمِّهِ فَانْجَرَّ إلَى مَوَالِي أَبِيهِ ، ثُمَّ أَصَابَ بِسَهْمٍ إنْسَانًا فَقَتَلَهُ ، كَانَتْ الدِّيَةُ فِي مَالِهِ ؛ لِتَعَذُّرِ حَمْلِ عَاقِلَتِهِ عَقْلَهُ ، كَذَلِكَ هَاهُنَا ، فَنُحَرِّرُ مِنْهُ قِيَاسًا فَنَقُولُ : قَتِيلٌ مَعْصُومٌ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ ، تَعَذَّرَ حَمْلُ عَاقِلَتِهِ عَقْلَهُ ، فَوَجَبَ عَلَى قَاتِلِهِ ، كَهَذِهِ الصُّورَةِ .\rوَهَذَا أَوْلَى مِنْ إهْدَارِ دِمَاءِ الْأَحْرَارِ فِي أَغْلَبِ الْأَحْوَالِ ، فَإِنَّهُ لَا يَكَادُ يُوجَدُ عَاقِلَةٌ تَحْمِلُ الدِّيَةَ كُلَّهَا ، وَلَا سَبِيلَ إلَى الْأَخْذِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ ، فَتَضِيعُ الدِّمَاءُ ، وَيَفُوتُ حُكْمُ إيجَابِ الدِّيَةِ .\rوَقَوْلُهُمْ : إنَّ الدِّيَةَ تَجِبُ عَلَى الْعَاقِلَةِ ابْتِدَاءً .\rمَمْنُوعٌ ، وَإِنَّمَا تَجِبُ عَلَى الْقَاتِلِ ، ثُمَّ تَتَحَمَّلُهَا الْعَاقِلَةُ عَنْهُ .\rوَإِنْ سَلَّمْنَا وُجُوبَهَا عَلَيْهِمْ ابْتِدَاءً ، لَكِنَّ مَعَ وُجُودِهِمْ ، أَمَّا مَعَ عَدَمِهِمْ ، فَلَا يُمْكِنُ الْقَوْلُ بِوُجُوبِهَا عَلَيْهِمْ .\rثُمَّ مَا ذَكَرُوهُ مَنْقُوضٌ بِمَا أَبْدَيْنَاهُ مِنْ الصُّوَرِ .\rفَعَلَى هَذَا ، تَجِبُ الدِّيَةُ عَلَى الْقَاتِلِ إنْ تَعَذَّرَ حَمْلُ جَمِيعِهَا ، أَوْ بَاقِيهَا إنْ حَمَلَتْ الْعَاقِلَةُ بَعْضَهَا .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":19,"page":106},{"id":9106,"text":"( 6831 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَدِيَةُ الْحُرِّ الْكِتَابِيِّ نِصْفُ دِيَةِ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ ، وَنِسَاؤُهُمْ ، عَلَى النِّصْفِ مِنْ دِيَاتِهِمْ ) هَذَا ظَاهِرُ الْمَذْهَبُ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَعُرْوَةَ ، وَمَالِكٍ ، وَعَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّهَا ثُلُثُ دِيَةِ الْمُسْلِمِ .\rإلَّا أَنَّهُ رَجَعَ عَنْهَا ، فَإِنَّ صَالِحًا رُوِيَ عَنْهُ ، أَنَّهُ قَالَ : كُنْت أَقُولُ : دِيَةَ الْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ أَرْبَعَةُ آلَافٍ ، وَأَنَا الْيَوْمَ أَذْهَبُ إلَى نِصْفِ دِيَةِ الْمُسْلِمِ ، حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، وَحَدِيثُ عُثْمَانَ الَّذِي يَرْوِيه الزُّهْرِيُّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ .\rوَهَذَا صَرِيحٌ فِي الرُّجُوعِ عَنْهُ .\rوَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ ، أَنَّ دِيَتَهُ أَرْبَعَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ .\rوَبِهِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ، وَعَطَاءٌ ، وَالْحَسَنُ ، وَعِكْرِمَةُ ، وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ؛ لِمَا رَوَى عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { دِيَةُ الْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ ، أَرْبَعَةُ آلَافٍ ، أَرْبَعَةُ آلَافٍ } .\rوَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ جَعَلَ دِيَةَ الْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ أَرْبَعَةَ آلَافٍ ، وَدِيَةَ الْمَجُوسِيِّ ثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ .\rوَقَالَ عَلْقَمَةُ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ : دِيَتُهُ كَدِيَةِ الْمُسْلِمِ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ ، وَعُثْمَانَ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ ، وَمُعَاوِيَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ .\rوَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : هُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَالزُّهْرِيِّ ؛ لِمَا رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { دِيَةُ الْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ مِثْلُ دِيَةِ الْمُسْلِمِ .\r} وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذَكَرَ فِي كِتَابِهِ دِيَةَ الْمُسْلِمِ ، فَقَالَ : { وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلَى أَهْلِهِ } .\rوَقَالَ فِي الذِّمِّيِّ مِثْلُ ذَلِكَ ، وَلَمْ يُفَرِّقْ ، فَدَلَّ عَلَى","part":19,"page":107},{"id":9107,"text":"أَنَّ دِيَتَهُمَا وَاحِدَةٌ ، وَلِأَنَّهُ ذَكَرٌ حُرٌّ مَعْصُومٌ ، فَتَكْمُلُ دِيَتُهُ كَالْمُسْلِمِ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { دِيَةُ الْمُعَاهَدِ نِصْفُ دِيَةِ الْمُسْلِمِ } .\rوَفِي لَفْظٍ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى أَنَّ عَقْلَ الْكِتَابِيِّ نِصْفُ عَقْلِ الْمُسْلِم } .\rرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ .\rوَفِي لَفْظٍ : { دِيَةُ الْمُعَاهَدِ نِصْفُ دِيَةِ الْحُرِّ } .\rقَالَ الْخَطَّابِيُّ : لَيْسَ فِي دِيَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ شَيْءٌ أَثْبَتُ مِنْ هَذَا ، وَلَا بَأْسَ بِإِسْنَادِهِ .\rوَقَدْ قَالَ بِهِ أَحْمَدُ ، وَقَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْلَى ، وَلِأَنَّهُ نَقْصٌ مُؤَثِّرٌ فِي الدِّيَةِ ، فَأَثَّرَ فِي تَنْصِيفِهَا كَالْأُنُوثَةِ .\rوَأَمَّا حَدِيثُ عُبَادَةَ ، فَلَمْ يَذْكُرْهُ أَهْلُ السُّنَنِ ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَيْسَ بِصَحِيحِ .\rوَأَمَّا حَدِيثُ عُمَرَ ، فَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ حِينَ كَانَتْ الدِّيَةُ ثَمَانِيَةَ آلَافٍ ، فَأَوْجَبَ فِيهِ نِصْفَهَا أَرْبَعَةَ آلَافٍ ، وَدَلِيلُ ذَلِكَ مَا رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، قَالَ : كَانَتْ قِيمَةُ الدِّيَةِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَمَانِمِائَةِ دِينَارٍ ، أَوْ ثَمَانِيَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ ، وَدِيَةُ أَهْلِ الْكِتَابِ يَوْمَئِذٍ النِّصْفُ .\rفَهَذَا بَيَانٌ وَشَرْحٌ مُزِيلٌ لِلْإِشْكَالِ ، فَفِيهِ جَمْعٌ لِلْأَحَادِيثِ ، فَيَكُونُ دَلِيلًا لَنَا ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ ، لَكَانَ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُقَدَّمًا عَلَى قَوْلِ عُمَرَ وَغَيْرِهِ ، بِغَيْرِ إشْكَالٍ ، فَقَدْ كَانَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إذَا بَلَغَهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُنَّةٌ ، تَرَكَ قَوْلَهُ ، وَعَمِلَ بِهَا ، فَكَيْفَ ، يَسُوغُ لَأَحَدٍ أَنْ يَحْتَجَّ بِقَوْلِهِ فِي تَرْكِ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَأَمَّا مَا احْتَجَّ بِهِ الْآخَرُونَ ، فَإِنَّ الصَّحِيحَ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ مَا","part":19,"page":108},{"id":9108,"text":"رَوَيْنَاهُ ، أَخْرَجَهُ الْأَئِمَّةُ فِي كُتُبِهِمْ ، دُونَ مَا رَوَوْهُ .\rوَأَمَّا مَا رَوَوْهُ مِنْ أَقْوَالِ الصَّحَابَةِ ، فَقَدْ رُوِيَ عَنْهُمْ خِلَافُهُ فَنَحْمِلُ قَوْلَهُمْ فِي إيجَابِ الدِّيَةِ كَامِلَةً عَلَى سَبِيلِ التَّغْلِيظِ .\rقَالَ أَحْمَدُ : إنَّمَا غَلَّظَ عُثْمَانُ الدِّيَةَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ عَمْدًا ، فَلَمَّا تَرَكَ الْقَوَدَ غَلَّظَ عَلَيْهِ .\rوَكَذَلِكَ حَدِيثُ مُعَاوِيَةَ ، وَمِثْلُ هَذَا مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حِينَ نَحَرَ رَقِيقُ حَاطِبٍ نَاقَةً لَرَجُلٍ مُزَنِيٍّ ، فَقَالَ لَحَاطِبٍ : إنِّي أَرَاك تُجِيعُهُمْ ، لَأُغَرِّمَنَّك غُرْمًا يَشُقُّ عَلَيْك .\rفَأَغْرَمَهُ مِثْلَيْ قِيمَتِهَا .\rفَأَمَّا دِيَاتُ نِسَائِهِمْ ، فَعَلَى النِّصْفِ مِنْ دِيَاتِهِمْ ، لَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ دِيَةَ الْمَرْأَةِ نِصْفُ دِيَةِ الرَّجُلِ .\rوَلِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ دِيَةُ نِسَاءِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى النِّصْفِ مِنْ دِيَاتِهِمْ ، كَذَلِكَ نِسَاءُ أَهْلِ الْكِتَابِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ دِيَاتِهِمْ .","part":19,"page":109},{"id":9109,"text":"( 6832 ) فَصْلٌ : وَجِرَاحَاتُهُمْ مِنْ دِيَاتِهِمْ كَجِرَاحِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ دِيَاتِهِمْ ، وَتُغَلَّظُ دِيَاتُهُمْ بِاجْتِمَاعِ الْحُرُمَاتِ ، عِنْدَ مَنْ يَرَى تَغْلِيظَ دِيَاتِ الْمُسْلِمِينَ ، بِهَا كَتَغْلِيظِ دِيَاتِ الْمُسْلِمِينَ .\rقَالَ حَرْبٌ : قُلْت لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ : فَإِنْ قَتَلَ ذِمِّيًّا فِي الْحَرَمِ ؟ قَالَ : يُزَادُ أَيْضًا عَلَى قَدْرِهِ ، كَمَا يُزَادُ عَلَى الْمُسْلِمِ .\rوَقَالَ الْأَثْرَمُ : قِيلَ لِأَبِي عَبْدَ اللَّهِ : جَنَى عَلَى مَجُوسِيٍّ فِي عَيْنِهِ وَفِي يَدِهِ ؟ قَالَ : يَكُونُ بِحِسَابِ دِيَتِهِ ، كَمَا أَنَّ الْمُسْلِمَ يُؤْخَذُ بِالْحِسَابِ ، فَكَذَلِكَ هَذَا .\rقِيلَ : قَطَعَ يَدَهُ ؟ قَالَ : بِالنِّصْفِ مِنْ دِيَتِهِ .","part":19,"page":110},{"id":9110,"text":"( 6833 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( فَإِنْ قَتَلُوهُ عَمْدًا ، أُضْعِفَتْ الدِّيَةُ عَلَى قَاتِلِهِ الْمُسْلِمِ ؛ لِإِزَالَةِ الْقَوَدِ ) هَكَذَا حَكَمَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .\rهَذَا يُرْوَى عَنْ عُثْمَانَ رَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ ، أَنَّ رَجُلًا قَتَلَ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ ، فَرُفِعَ إلَى عُثْمَانَ ، فَلَمْ يَقْتُلْهُ ، وَغَلَّظَ عَلَيْهِ أَلْفَ دِينَارٍ .\rفَصَارَ إلَيْهِ أَحْمَدُ اتِّبَاعًا وَلَهُ .\rنَظَائِرُ فِي مَذْهَبِهِ ؛ فَإِنَّهُ أَوْجَبَ عَلَى الْأَعْوَرِ لَمَّا قَلَعَ عَيْنَ الصَّحِيحِ دِيَةً كَامِلَةً ، حِينَ دَرَأَ الْقِصَاصَ عَنْهُ ، وَأَوْجَبَ عَلَى سَارِقِ التَّمْرِ مِثْلَيْ قِيمَتِهِ ، حِينَ دَرَأَ عَنْهُ الْقَطْعَ .\rوَهَذَا حُكْمُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَارِقِ التَّمْرِ .\rفَيَثْبُتُ مِثْلُهُ هَاهُنَا .\rوَلَوْ كَانَ الْقَاتِلُ ذِمِّيًّا ، أَوْ قَتَلَ ذِمِّيٌّ مُسْلِمًا ، لَمْ تُضَعَّفْ الدِّيَةُ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ الْقِصَاصَ عَلَيْهِ وَاجِبٌ فِي الْمَوْضِعَيْنِ .\rوَجُمْهُورُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ دِيَةَ الذِّمِّيِّ لَا تُضَاعَفُ بِالْعَمْدِ ؛ لِعُمُومِ الْأَثَرِ فِيهَا ، وَلِأَنَّهَا دِيَةٌ وَاجِبَةٌ ، فَلَمْ تُضَاعَفْ ، كَدِيَةِ الْمُسْلِمِ ، أَوْ كَمَا لَوْ كَانَ الْقَاتِلُ ذِمِّيًّا .\rوَلَا فَرْقَ فِي الدِّيَةِ بَيْن الذِّمِّيِّ وَبَيْنَ الْمُسْتَأْمِنِ ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كِتَابِيٌّ مَعْصُومُ الدَّمِ .\rوَأَمَّا الْمُرْتَدُّ وَالْحَرْبِيُّ ، فَلَا دِيَةَ لَهُمَا ؛ لِعَدَمِ الْعِصْمَةِ فِيهِمَا .","part":19,"page":111},{"id":9111,"text":"( 6834 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَدِيَةُ الْمَجُوسِيِّ ثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ ، وَنِسَاؤُهُمْ عَلَى النِّصْفِ ) وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rقَالَ أَحْمَدُ : مَا أَقَلَّ مَا اُخْتُلِفَ فِي دِيَةِ الْمَجُوسِيِّ .\rوَمِمَّنْ قَالَ ذَلِكَ عُمَرُ ، وَعُثْمَانُ ، وَابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ ، وَعَطَاءٌ ، وَعِكْرِمَةُ ، وَالْحَسَنُ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ .\rوَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، أَنَّهُ قَالَ : دِيَتُهُ نِصْفُ دِيَةِ الْمُسْلِمِ ، كَدِيَةِ الْكِتَابِيِّ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ } .\rوَقَالَ النَّخَعِيُّ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ : دِيَتُهُ كَدِيَةِ الْمُسْلِمِ ؛ لِأَنَّهُ آدَمِيٌّ حُرٌّ مَعْصُومٌ ، فَأَشْبَهَ الْمُسْلِمَ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ مَنْ سَمَّيْنَا مِنْ الصَّحَابَةِ ، وَلَمْ نَعْرِفْ لَهُمْ فِي عَصْرِهِمْ مُخَالِفًا ، فَكَانَ إجْمَاعًا .\rوَقَوْلُهُ : { سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ } .\rيَعْنِي فِي أَخْذِ جِزْيَتِهِمْ ، وَحَقْنِ دِمَائِهِمْ ، بِدَلِيلِ أَنَّ ذَبَائِحَهُمْ وَنِسَاءَهُمْ لَا تَحِلُّ لَنَا ، وَلَا يَجُوزُ اعْتِبَارُهُ بِالْمُسْلِمِ وَلَا الْكِتَابِيِّ ، لِنُقْصَانِ دِيَتِهِ وَأَحْكَامِهِ عَنْهُمَا ، فَيَنْبَغِي أَنْ تَنْقُصَ دِيَتُهُ ، كَنَقْصِ الْمَرْأَةِ عَنْ دِيَةِ الرَّجُلِ ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْمَجُوسِيُّ ذِمِّيًّا أَوْ مُسْتَأْمِنًا ؛ لِأَنَّهُ مَحْقُونُ الدَّمِ .\rوَنِسَاؤُهُمْ عَلَى النِّصْفِ مِنْ دِيَاتِهِمْ بِإِجْمَاعٍ .\rوَجِرَاحُ كُلِّ وَاحِدٍ مُعْتَبَرَةٌ مِنْ دِيَتِهِ .\rوَإِنْ قُتِلُوا عَمْدًا ، أُضْعِفَتْ الدِّيَةُ عَلَى الْقَاتِلِ الْمُسْلِمِ ؛ لِإِزَالَةِ الْقَوَدِ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، قِيَاسًا عَلَى الْكِتَابِيِّ .","part":19,"page":112},{"id":9112,"text":"( 6835 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا عَبَدَةُ الْأَوْثَانِ ، وَسَائِرِ مَنْ لَا كِتَابَ لَهُ ، كَالتُّرْكِ ، وَمَنْ عَبَدَ مَا اسْتَحْسَنَ ، فَلَا دِيَةَ لَهُمْ وَإِنَّمَا تُحْقَنُ دِمَاؤُهُمْ بِالْأَمَانِ ، فَإِذَا قُتِلَ مَنْ لَهُ أَمَانٌ مِنْهُمْ ، فَدِيَتُهُ دِيَةُ مَجُوسِيٍّ ؛ لِأَنَّهَا أَقَلُّ الدِّيَاتِ ، فَلَا تَنْقُصُ عَنْهَا ، وَلِأَنَّهُ كَافِرٌ ذُو عَهْدٍ لَا تَحِلُّ مُنَاكَحَتُهُ ، فَأَشْبَهَ الْمَجُوسِيَّ .","part":19,"page":113},{"id":9113,"text":"( 6836 ) فَصْلٌ : وَمَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ مِنْ الْكُفَّارِ إنْ وُجِدَ ، لَمْ يَجُزْ قَتْلُهُ حَتَّى يُدْعَى ، فَإِنْ قُتِلَ قَبْلَ الدَّعْوَةِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُعْطَى أَمَانًا ، فَلَا ضَمَانَ فِيهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا عَهْدَ لَهُ وَلَا أَيْمَانَ ، فَأَشْبَهَ امْرَأَةَ الْحَرْبِيِّ وَابْنَهُ الصَّغِيرَ ، وَإِنَّمَا حَرُمَ قَتْلُهُ لِتَبْلُغَهُ الدَّعْوَةُ .\rوَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ .\rوَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : يَضْمَنُ بِمَا يَضْمَنُ بِهِ أَهْلُ دِينِهِ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ مَحْقُونُ الدَّمِ ، أَشْبَهَ مَنْ لَهُ أَمَانٌ .\rوَالْأَوَّلُ أَوْلَى ؛ فَإِنَّ هَذَا يَنْتَقِضُ بِصِبْيَانِ أَهْلِ الْحَرْبِ وَمَجَانِينِهِمْ ، وَلِأَنَّهُ كَافِرٌ لَا عَهْدَ لَهُ ، فَلَمْ يَضْمَنْ ، كَالصِّبْيَانِ وَالْمَجَانِينِ .\rفَأَمَّا إذَا كَانَ لَهُ عَهْدٌ ، فَلَهُ دِيَةُ أَهْلِ دِينِهِ ، فَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ دِينُهُ ، فَفِيهِ دِيَةُ الْمَجُوسِيِّ ؛ لِأَنَّهُ الْيَقِينُ ، وَمَا زَادَ مَشْكُوكٌ فِيهِ .","part":19,"page":114},{"id":9114,"text":"( 6837 ) مَسْأَلَةٌ : ؛ قَالَ : ( وَدِيَةُ الْحُرَّةِ الْمُسْلِمَةِ ، نِصْفُ دِيَةِ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ ) قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ ، وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ دِيَةَ الْمَرْأَةِ نِصْفُ دِيَةِ الرَّجُلِ .\rوَحَكَى غَيْرُهُمَا عَنْ ابْنِ عُلَيَّةَ ، وَالْأَصَمِّ ، أَنَّهُمَا قَالَا : دِيَتُهَا كَدِيَةِ الرَّجُلِ ؛ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { فِي نَفْسِ الْمُؤْمِنَةِ مِائَةٌ مِنْ الْإِبِلِ } .\rوَهَذَا قَوْلٌ شَاذٌّ ، يُخَالِفُ إجْمَاعَ الصَّحَابَةِ ، وَسُنَّةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّ فِي كِتَابِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ : { دِيَةُ الْمَرْأَةِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ دِيَةِ الرَّجُلِ } .\rوَهِيَ أَخَصُّ مِمَّا ذَكَرُوهُ ، وَهُمَا فِي كِتَابٍ وَاحِدٍ ، فَيَكُونُ مَا ذَكَرْنَا مُفَسِّرًا لِمَا ذَكَرُوهُ ، مُخَصَّصًا لَهُ ، وَدِيَةُ نِسَاءِ كُلِّ أَهْلِ دِينٍ عَلَى النِّصْفِ مِنْ دِيَةِ رِجَالِهِمْ ، عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ فِي مَوْضِعه .","part":19,"page":115},{"id":9115,"text":"( 6838 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَتُسَاوِي جِرَاحُ الْمَرْأَةِ جِرَاحَ الرَّجُلِ إلَى ثُلُثِ الدِّيَةِ ، فَإِنْ جَاوَزَ الثُّلُثَ ، فَعَلَى النِّصْفِ ) وَرُوِيَ هَذَا عَنْ عُمَرَ ، وَابْنِ عُمَرَ ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ .\rوَبِهِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَقَتَادَةُ ، وَالْأَعْرَجُ ، وَرَبِيعَةُ ، وَمَالِكٌ .\rقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : وَهُوَ قَوْلُ فُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ السَّبْعَةِ ، وَجُمْهُورِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ .\rوَحُكِيَ عَنْ الشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيمِ .\rوَقَالَ الْحَسَنُ يَسْتَوِيَانِ إلَى النِّصْفِ .\rوَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهَا عَلَى النِّصْفِ فِيمَا قَلَّ وَكَثُرَ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ .\rوَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَاللَّيْثُ ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى ، وَابْنُ شُبْرُمَةَ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَالشَّافِعِيُّ فِي ظَاهِرِ مَذْهَبِهِ .\rوَاخْتَارَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ ؛ لِأَنَّهُمَا شَخْصَانِ تَخْتَلِفُ دِيَتُهُمَا ، فَاخْتَلَفَ أَرْشُ أَطْرَافِهِمَا ، كَالْمُسْلِمِ وَالْكَافِرِ ، وَلِأَنَّهَا جِنَايَةٌ لَهَا أَرْشٌ مُقَدَّرٌ ، فَكَانَ مِنْ الْمَرْأَةِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ الرَّجُلِ ، كَالْيَدِ .\rوَرُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ، أَنَّهُ قَالَ : تُعَاقِلُ الْمَرْأَةُ الرَّجُلَ إلَى نِصْفِ عُشْرِ الدِّيَةِ ، فَإِذَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ ، فَهِيَ عَلَى النِّصْفِ ؛ لِأَنَّهَا تُسَاوِيه فِي الْمُوضِحَةِ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { عَقْلُ الْمَرْأَةِ مِثْلُ عَقْلِ الرَّجُلِ ، حَتَّى يَبْلُغَ الثُّلُثَ مِنْ دِيَتِهَا } أَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ .\rوَهُوَ نَصٌّ يُقَدَّمُ عَلَى مَا سِوَاهُ .\rوَقَالَ رَبِيعَةُ : قُلْت لِسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ : كَمْ فِي إصْبَعِ الْمَرْأَةِ ؟ قَالَ : عَشْرٌ .\rقُلْت : فَفِي إصْبَعَيْنِ ؟ قَالَ : عِشْرُونَ .\rقُلْت : فَفِي ثَلَاثِ أَصَابِعَ ؟ قَالَ : ثَلَاثُونَ .\rقُلْت : فَفِي أَرْبَعٍ ؟ قَالَ : عِشْرُونَ .\rقَالَ : قُلْت : لَمَّا عَظُمَتْ مُصِيبَتُهَا .\rقَلَّ عَقْلُهَا","part":19,"page":116},{"id":9116,"text":"، قَالَ : هَكَذَا السُّنَّةُ يَا ابْنَ أَخِي .\rوَهَذَا مُقْتَضَى سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rرَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ .\rوَلِأَنَّهُ إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، إذْ لَمْ يُنْقَلْ عَنْهُمْ خِلَافُ ذَلِكَ ، إلَّا عَنْ عَلِيٍّ ، وَلَا نَعْلَمُ ثُبُوتَ ذَلِكَ عَنْهُ ، وَلِأَنَّ مَا دُونَ الثُّلُثِ يَسْتَوِي فِيهِ الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى ، بِدَلِيلِ الْجَنِينِ ، فَإِنَّهُ يَسْتَوِي فِيهِ الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى .\rفَأَمَّا الثُّلُثُ نَفْسُهُ ، فَهَلْ يَسْتَوِيَانِ فِيهِ ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ ؛ إحْدَاهُمَا ، يَسْتَوِيَانِ فِيهِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَعْتَبِرْ حَدَّ الْقِلَّةِ ؛ وَلِهَذَا صَحَّتْ الْوَصِيَّةُ بِهِ .\rوَرُوِيَ أَنَّهُمَا يَخْتَلِفَانِ فِيهِ .\rوَهُوَ الصَّحِيحُ ؛ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ { حَتَّى يَبْلُغَ الثُّلُثَ } .\rوَحَتَّى لِلْغَايَةِ ، فَيَجِبُ أَنْ تَكُونَ مُخَالِفَةً لِمَا قَبْلَهَا ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ } .\rوَلِأَنَّ الثُّلُثَ فِي حَدِّ الْكَثْرَةِ ؛ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { الثُّلُثُ ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ .\r}","part":19,"page":117},{"id":9117,"text":"( 6839 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا دِيَةُ نِسَاءِ سَائِرِ أَهْلِ الْأَدْيَانِ ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا : تُسَاوِي دِيَاتُهُنَّ دِيَاتِ رِجَالِهِمْ إلَى الثُّلُثِ ؛ لِعُمُومِ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { عَقْلُ الْمَرْأَةِ مِثْلُ عَقْلِ الرَّجُلِ ، حَتَّى يَبْلُغَ الثُّلُثَ مِنْ دِيَتِهَا } .\rوَلِأَنَّ الْوَاجِبَ دِيَةُ امْرَأَةٍ ، فَسَاوَتْ دِيَةُ الرَّجُلِ مِنْ أَهْلِ دِينِهَا ، كَالْمُسْلِمِينَ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ تُسَاوِيَ الْمَرْأَةُ الرَّجُلَ إلَى قَدْرِ ثُلُثِ دِيَةِ الرَّجُلِ الْمُسْلِمِ ؛ لِأَنَّهُ الْقَدْرُ الْكَثِيرُ الَّذِي يَثْبُتُ فِيهِ التَّنْصِيفُ فِي الْأَصْلِ ، وَهُوَ دِيَةُ الْمُسْلِمِ .","part":19,"page":118},{"id":9118,"text":"( 6840 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَدِيَةُ الْعَبْدِ وَالْأَمَةِ قِيمَتُهُمَا ، بَالِغَةً مَا بَلَغَ ذَلِكَ ) وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِيمَا مَضَى .\rوَلَا فَرْقَ فِي هَذَا الْحُكْمِ بَيْنَ الْقِنِّ مِنْ الْعَبِيدِ وَالْمُدَبَّرِ وَالْمُكَاتَبِ وَأُمِّ الْوَلَدِ .\rقَالَ الْخَطَّابِيُّ : أَجْمَعَ عَوَامُّ الْفُقَهَاءِ ، عَلَى أَنَّ الْمُكَاتَبَ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ فِي جِنَايَتِهِ ، وَالْجِنَايَةُ عَلَيْهِ ، إلَّا إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي الْمُكَاتَبِ : يُؤَدِّي بِقَدْرِ مَا أَدَّى مِنْ كِتَابَتِهِ دِيَةَ الْحُرِّ ، وَمَا بَقِيَ دِيَةُ الْعَبْدِ .\rوَرُوِيَ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .\rوَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد ، فِي \" سُنَنِهِ \" ، وَالْإِمَامُ أَحْمَدُ ، فِي \" مُسْنَدِهِ \" ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ : حَدّ ثِنَا هِشَامُ بْنُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ، قَالَ \" حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : { قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمُكَاتَبِ يَقْتُلُ ، أَنَّهُ يُؤَدَّى مَا أَدَّى مِنْ كِتَابَتِهِ دِيَةَ الْحُرِّ ، وَمَا بَقِيَ دِيَةُ الْعَبْدِ } .\rقَالَ الْخَطَّابِيُّ : وَإِذَا صَحَّ الْحَدِيثُ ، وَجَبَ الْقَوْلُ بِهِ ، إذَا لَمْ يَكُنْ مَنْسُوخًا أَوْ مُعَارِضًا بِمَا هُوَ أَوْلَى مِنْهُ .","part":19,"page":119},{"id":9119,"text":"( 6841 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَدِيَةُ الْجَنِينِ إذَا سَقَطَ مِنْ الضَّرْبَةِ مَيِّتًا ، وَكَانَ مِنْ حُرَّةٍ مُسْلِمَةٍ ، غُرَّةٌ ، عَبْدٌ أَوْ أَمَةٌ ، قِيمَتُهَا خَمْسٌ مِنْ الْإِبِلِ مَوْرُوثَةٌ عَنْهُ ، كَأَنَّهُ سَقَطَ حَيًّا ) يُقَالُ : غُرَّةُ عَبْدٍ بِالصِّفَةِ .\rوَغُرَّةُ عَبْدٍ بِالْإِضَافَةِ .\rوَالصِّفَةُ أَحْسَنُ ؛ لِأَنَّ الْغُرَّةَ اسْمٌ لِلْعَبْدِ نَفْسِهِ ، قَالَ مُهَلْهَلٌ : كُلُّ قَتِيلٍ فِي كُلَيْبٍ غُرَّهْ حَتَّى يَنَالَ الْقَتْلُ آلَ مُرَّهْ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فُصُولٌ خَمْسَةٌ : ( 6842 ) الْفَصْلُ الْأَوَّلُ : أَنَّ فِي جَنِينِ الْحُرَّةِ الْمُسْلِمَةِ غُرَّةً .\rوَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، مِنْهُمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَعَطَاءٌ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ اسْتَشَارَ النَّاسَ فِي إمْلَاصِ الْمَرْأَةِ ، فَقَالَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ : شَهِدْت النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى فِيهِ بِغُرَّةِ عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ .\rقَالَ : لِتَأْتِينَ بِمِنْ يَشْهَدُ مَعَك .\rفَشَهِدَ لَهُ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ .\rوَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : { اقْتَتَلَتْ امْرَأَتَانِ مِنْ هُذَيْلٍ ، فَرَمَتْ إحْدَاهُمَا الْأُخْرَى بِحَجَرٍ ، فَقَتَلَتْهَا وَمَا فِي بَطْنِهَا ، فَاخْتَصَمُوا إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ دِيَةَ جَنِينِهَا عَبْدٌ أَوْ أَمَةٌ ، وَقَضَى بِدِيَةِ الْمَرْأَةِ عَلَى عَاقِلَتِهَا ، وَوَرِثَهَا وَلَدُهَا وَمَنْ مَعَهُمْ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَالْغُرَّةُ عَبْدٌ أَوْ أَمَةٌ ؛ سُمِّيَا بِذَلِكَ لِأَنَّهُمَا مِنْ أَنْفَسِ الْأَمْوَالِ ، وَالْأَصْلُ فِي الْغُرَّةِ الْخِيَارُ .\rفَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ رُوِيَ فِي هَذَا الْخَبَرِ : أَوْ فَرَسٍ أَوْ بَغْلٍ .\rقُلْنَا : هَذَا لَا يَثْبُتُ ، رَوَاهُ عِيسَى بْنُ يُونُسَ ، وَوَهَمَ فِيهِ .\rقَالَهُ أَهْلُ النَّقْلِ .\rوَالْحَدِيثُ الصَّحِيحُ","part":19,"page":120},{"id":9120,"text":"الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ إنَّمَا فِيهِ : عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ .\rفَأَمَّا قَوْلُ الْخِرَقِيِّ : مِنْ حُرَّةٍ مُسْلِمَةٍ .\rفَإِنَّمَا أَرَادَ أَنَّ جَنِينَ الْحُرَّةِ الْمُسْلِمَةِ لَا يَكُونُ إلَّا حُرًّا مُسْلِمًا ، فَمَتَى كَانَ الْجَنِينُ حُرًّا مُسْلِمًا ، فَفِيهِ الْغُرَّةُ ، وَإِنْ كَانَتْ أُمُّهُ كَافِرَةً أَوْ أَمَةً ، مِثْلُ أَنْ يَتَزَوَّجَ الْمُسْلِمُ كِتَابِيَّةً ، فَإِنَّ جَنِينَهَا مِنْهُ مَحْكُومٌ بِإِسْلَامِهِ ، وَفِيهِ الْغُرَّةُ ، وَلَا يَرِثُ مِنْهَا شَيْئًا ؛ لِأَنَّهُ مُسْلِمٌ ، وَوَلَدُ السَّيِّدِ مِنْ أَمَتِهِ وَوَلَدُ الْمَغْرُورِ مِنْ أَمَةٍ حُرٌّ .\rوَكَذَلِكَ لَوْ وُطِئَتْ الْأَمَةُ بِشُبْهَةٍ ، فَوَلَدُهَا حُرٌّ ، وَفِيهِ الْغُرَّةُ .\rفَأَمَّا إنْ كَانَ الْجَنِينُ مَحْكُومًا بِرِقِّهِ ، لَمْ تَجِبْ فِيهِ الْغُرَّةُ ، وَسَيَأْتِي بَيَانُ حُكْمِهِ .\rوَأَمَّا جَنِينُ الْكِتَابِيَّةِ وَالْمَجُوسِيَّةِ إذَا كَانَ مَحْكُومًا بِكُفْرِهِ ، فَفِيهِ عُشْرُ دِيَةِ أُمِّهِ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : وَلَمْ أَحْفَظْ عَنْ غَيْرِهِمْ خِلَافَهُمْ .\rوَذَلِكَ ؛ لِأَنَّ جَنِينَ الْحُرَّةِ الْمُسْلِمَةِ مَضْمُونٌ بِعُشْرِ دِيَةِ أُمِّهِ ، فَكَذَلِكَ جَنِينُ الْكَافِرَةِ ، إلَّا أَنَّ أَصْحَابَ الرَّأْيِ يَرَوْنَ أَنَّ دِيَةَ الْكَافِرَةِ كَدِيَةِ الْمُسْلِمَةِ ، فَلَا يَتَحَقَّقُ عِنْدَهُمْ بَيْنَهُمَا اخْتِلَافٌ ، فَإِنْ كَانَ أَبَوَا الْجَنِينِ كَافِرَيْنِ مُخْتَلِفًا دِينُهُمَا ، كَوَلَدِ الْكِتَابِيِّ مِنْ الْمَجُوسِيَّةِ ، وَالْمَجُوسِيِّ مِنْ الْكِتَابِيَّةِ ، اعْتَبَرْنَاهُ بِأَكْثَرِهِمَا دِيَةً ، فَنُوجِبُ فِيهِ عُشْرَ دِيَةِ كِتَابِيَّةٍ عَلَى كُلِّ حَالٍ ؛ لِأَنَّ وَلَدَ الْمُسْلِمَةِ مِنْ الْكَافِرَةِ مُعْتَبَرٌ بِأَكْثَرِهِمَا دِيَةً ، كَذَا هَاهُنَا .\rوَلَا فَرْقَ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ بَيْنَ كَوْنِ الْجَنِينِ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى ؛ لِأَنَّ السُّنَّةَ لَمْ تُفَرِّقْ بَيْنَهُمَا .\rوَبِهِ يَقُولُ الشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ، وَعَامَّةُ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rوَلَوْ ضَرَبَ بَطْنَ كِتَابِيَّةٍ حَامِلًا مِنْ كِتَابِيٍّ ، فَأَسْلَمَ أَحَدُ","part":19,"page":121},{"id":9121,"text":"أَبَوَيْهِ ، ثُمَّ أَسْقَطَتْهُ ، فَفِيهِ الْغُرَّةُ .\rفِي قَوْلِ ابْنِ حَامِدٍ ، وَالْقَاضِي .\rوَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ ، وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ الضَّمَانَ مُعْتَبَرٌ بِحَالِ اسْتِقْرَارِ الْجِنَايَةِ ، وَالْجَنِينُ مَحْكُومٌ بِإِسْلَامِهِ عِنْدَ اسْتِقْرَارِهَا .\rوَفِي قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ ، وَأَبِي الْخَطَّابِ : فِيهِ عُشْرُ دِيَةِ كِتَابِيَّةٍ ؛ لِأَنَّ الْجِنَايَةَ عَلَيْهِ فِي حَالِ الْغُرَّةِ .\rوَإِنْ ضَرَبَ بَطْنَ أَمَةٍ فَأُعْتِقَتْ ، ثُمَّ أَلْقَتْ الْجَنِينَ ، فَعَلَى قَوْلِ ابْنِ حَامِدٍ وَالْقَاضِي ، فِيهِ غُرَّةٌ ، وَفِي قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ وَأَبِي الْخَطَّابِ ، فِيهِ عُشْرُ قِيمَةِ أُمِّهِ ؛ لِأَنَّ الْجِنَايَةَ عَلَيْهِ فِي حَالِ كَوْنِهِ عَبْدًا .\rوَيُمْكِنُ مَنْعُ كَوْنِهِ عَبْدًا وَيُمْكِنُ مَنْعَ كَوْنِهِ صَارَ حُرًّا ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ تَلَفُهُ بِالْجِنَايَةِ ، وَبَعْدَ تَلَفِهِ لَا يُمْكِنُ تَحْرِيرُهُ .\rوَعَلَى قَوْلِ هَذَيْنِ ، يَكُونُ الْوَاجِبُ فِيهِ لِسَيِّدِهِ .\rوَعَلَى قَوْلِ ابْنِ حَامِدٍ لِلسَّيِّدِ أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ الْغُرَّةِ أَوْ عُشْرُ قِيمَةِ أُمِّهِ ؛ لِأَنَّ الْغُرَّةَ إنْ كَانَتْ أَكْثَرَ ، لَمْ يَسْتَحِقَّ الزِّيَادَةَ ، لِأَنَّهَا زَادَتْ بِالْحُرِّيَّةِ الْحَاصِلَةِ بِزَوَالِ مِلْكِهِ ، وَإِنْ كَانَتْ أَقَلِّ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَكْثَرُ مِنْهُمَا ؛ لِأَنَّ النَّقْصَ حَصَلَ بِإِعْتَاقِهِ ، فَلَا يَضْمَنُ لَهُ ، كَمَا لَوْ قَطَعَ يَدَ عَبْدٍ فَأَعْتَقَهُ سَيِّدُهُ ثُمَّ مَاتَ بِسِرَايَةِ الْجِنَايَةِ ، كَانَ لَهُ أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ دِيَةِ حُرٍّ أَوْ نِصْفِ قِيمَتِهِ ، وَمَا فَضَلَ عَنْ حَقِّ السَّيِّدِ لِوَرَثَةِ الْجَنِينِ .\rفَأَمَّا إنْ ضَرَبَ بَطْنَ الْأَمَةِ ، فَأَعْتَقَ السَّيِّدُ جَنِينَهَا وَحْدَهُ ، نَظَرْت ؛ فَإِنْ أَسْقَطَتْهُ حَيًّا لَوَقْتٍ يَعِيشُ مِثْلُهُ ، فَفِيهِ دِيَةُ حُرٍّ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .\rوَإِنْ كَانَ لَوَقْتٍ [ لَا ] يَعِيشُ مِثْلُهُ ، فَفِيهِ غُرَّةٌ ؛ لِأَنَّهُ حُرٌّ عَلَى قَوْلِ ابْنِ حَامِدٍ .\rوَعَلَى قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ ، عَلَيْهِ عُشْرُ قِيمَةِ أُمِّهِ .\rوَإِنْ أَسْقَطَتْهُ مَيِّتًا ، فَفِيهِ عُشْرُ قِيمَةِ أُمِّهِ ؛ لِأَنَّنَا لَا نَعْلَمُ كَوْنَهُ","part":19,"page":122},{"id":9122,"text":"حَيًّا حَالَ إعْتَاقِهِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ تَجِبَ عَلَيْهِ الْغُرَّةُ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ حَيَاتِهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَعْتَقَ أُمَّهُ .","part":19,"page":123},{"id":9123,"text":"( 6843 ) الْفَصْلُ الثَّانِي : إنَّ الْغُرَّةَ إنَّمَا تَجِبُ إذَا سَقَطَ مِنْ الضَّرْبَةِ ، وَيُعْلَمُ ذَلِكَ بِأَنْ يَسْقُطَ عَقِيبَ الضَّرْبِ ، أَوْ بِبَقَائِهَا مُتَأَلِّمَةً إلَى أَنْ يَسْقُطَ .\rوَلَوْ قَتَلَ حَامِلًا لَمْ يَسْقُطْ جَنِينُهَا ، أَوْ ضَرَبَ مَنْ [ فِي ] جَوْفِهَا حَرَكَةٌ أَوْ انْتِفَاخٌ ، فَسَكَّنَ الْحَرَكَةَ وَأَذْهَبَهَا ، لَمْ يَضْمَنْ الْجَنِينَ .\rوَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ ، وَقَتَادَةُ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ .\rوَحُكِيَ عَنْ الزُّهْرِيِّ ، أَنَّ عَلَيْهِ الْغُرَّةَ ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ قَتَلَ الْجَنِينَ ، فَلَزِمَتْهُ الْغُرَّةُ ، كَمَا لَوْ أُسْقِطَتْ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ حُكْمُ الْوَلَدِ إلَّا بِخُرُوجِهِ ، وَلِذَلِكَ لَا تَصِحُّ لَهُ وَصِيَّةٌ وَلَا مِيرَاثٌ ، وَلِأَنَّ الْحَرَكَةَ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ لَرِيحٍ فِي الْبَطْنِ سَكَنَتْ ، وَلَا يَجِبُ الضَّمَانُ بِالشَّكِّ .\rوَأَمَّا إذَا أَلْقَتْهُ مَيِّتًا ، فَقَدْ تَحَقَّقَ ، وَالظَّاهِرُ تَلَفُهُ مِنْ الضَّرْبَةِ ، فَيَجِبُ ضَمَانُهُ ، سَوَاءٌ أَلْقَتْهُ فِي حَيَاتِهَا ، أَوْ بَعْدَ مَوْتِهَا .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَقَالَ مَالِكٌ : وَأَبُو حَنِيفَةَ : إنْ أَلْقَتْهُ بَعْدَ مَوْتِهَا ، لَمْ يَضْمَنْهُ ؛ لِأَنَّهُ يَجْرِي مَجْرَى أَعْضَائِهَا ، وَبِمَوْتِهَا سَقَطَ حُكْمُ أَعْضَائِهَا .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ جَنِينٌ تَلِفَ بِجِنَايَتِهِ ، وَعُلِمَ ذَلِكَ بِخُرُوجِهِ ، فَوَجَبَ ضَمَانُهُ ، كَمَا لَوْ سَقَطَ فِي حَيَاتِهَا ، وَلِأَنَّهُ لَوْ سَقَطَ حَيًّا ضَمِنَهُ ، فَكَذَلِكَ إذَا سَقَطَ مَيِّتًا ، كَمَا لَوْ أَسْقَطَتْهُ فِي حَيَاتِهَا ، وَمَا ذَكَرُوهُ لَيْسَ بِصَحِيحٍ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ ، لَكَانَ إذَا سَقَطَ مَيِّتًا ثُمَّ مَاتَتْ ، لَمْ يَضْمَنْهُ كَأَعْضَائِهَا ، وَلِأَنَّهُ آدَمِيٌّ مَوْرُوثٌ ، فَلَا يَدْخُلُ فِي ضَمَانِ أُمِّهِ ، كَمَا لَوْ خَرَجَ حَيًّا .\rفَأَمَّا إنْ ظَهَرَ بَعْضُهُ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ ، وَلَمْ يَخْرُجْ بَاقِيه ، فَفِيهِ الْغُرَّةُ .\rوَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ مَالِكٌ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ : لَا تَجِبُ الْغُرَّةُ حَتَّى تُلْقِيَهُ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى","part":19,"page":124},{"id":9124,"text":"اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّمَا أَوْجَبَ الْغُرَّةَ فِي الْجَنِينِ الَّذِي أَلْقَتْهُ الْمَرْأَةُ ؛ وَهَذِهِ لَمْ تُلْقِ شَيْئًا ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ يَظْهَرْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَنَا ، أَنَّهُ قَاتِلٌ لِجَنِينِهَا ، فَلَزِمَتْهُ الْغُرَّةُ ، كَمَا لَوْ ظَهَرَ جَمِيعُهُ ، وَيُفَارِقُ مَا لَوْ لَمْ يَظْهَرْ مِنْهُ شَيْءٌ ، لِأَنَّهُ لَمْ يَتَيَقَّنْ قَتْلَهُ وَلَا وُجُودَهُ .\rوَكَذَلِكَ إنْ أَلْقَتْ يَدًا ، أَوْ رِجْلًا ، أَوْ رَأْسًا ، أَوْ جُزْءًا مِنْ أَجْزَاءِ الْآدَمِيِّ ، وَجَبَتْ الْغُرَّةُ ؛ لِأَنَّا تَيَقَّنَّا أَنَّهُ مِنْ جَنِينٍ .\rوَإِنْ أَلْقَتْ رَأْسَيْنِ ، أَوْ أَرْبَعَ أَيْدٍ ، لَمْ يَجِبْ أَكْثَرُ مِنْ غُرَّةٍ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ جَنِينٍ وَاحِدٍ ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ جَنِينَيْنِ ، فَلَمْ تَجِبْ الزِّيَادَةُ مَعَ الشَّكِّ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ ؛ وَكَذَلِكَ لَمْ يَجِبْ ضَمَانُهُ إذَا لَمْ يَظْهَرْ ، فَإِنْ أَسْقَطَتْ مَا لَيْسَ فِيهِ صُورَةُ آدَمِيٍّ فَلَا شَيْءَ فِيهِ ، لِأَنَّا لَا نَعْلَمُ أَنَّهُ جَنِينٌ .\rوَإِنْ أَلْقَتْ مُضْغَةً ، فَشَهِدَ ثِقَاتٌ مِنْ الْقَوَابِلِ أَنَّ فِيهِ صُورَةً خَفِيَّةً ، فَفِيهِ غُرَّةٌ ، وَإِنْ شَهِدَتْ أَنَّهُ مُبْتَدَأُ خَلْقِ آدَمِيٍّ لَوْ بَقِيَ تَصَوَّرَ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَصَحُّهُمَا ، لَا شَيْءَ فِيهِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُتَصَوَّرْ ، فَلَمْ يَجِبْ فِيهِ ، كَالْعَلَقَةِ ، وَلِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ ، فَلَا نَشْغَلُهَا بِالشَّكِّ .\rوَالثَّانِي ، فِيهِ غُرَّةٌ ؛ لِأَنَّهُ مُبْتَدَأُ خَلْقِ آدَمِيٍّ ، أَشْبَهَ مَا لَوْ تَصَوَّرَ .\rوَهَذَا يَبْطُلُ بِالنُّطْفَةِ وَالْعَلَقَةِ .\r،","part":19,"page":125},{"id":9125,"text":"( 6844 ) الْفَصْلُ الثَّالِثُ : أَنَّ الْغُرَّةَ عَبْدٌ أَوْ أُمَّةٌ .\rوَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rوَقَالَ عُرْوَةُ ، وَطَاوُسٌ ، وَمُجَاهِدٌ : عَبْدٌ أَوْ أَمَةٌ أَوْ فَرَسٌ ؛ لِأَنَّ الْغُرَّةَ اسْمُ لِذَلِكَ ، وَقَدْ جَاءَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : { قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْجَنِينِ بِغُرَّةِ عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ أَوْ فَرَسٍ أَوْ بَغْلٍ } .\rوَجَعَلَ ابْنُ سِيرِينَ مَكَانَ الْفَرَسِ مِائَةَ شَاةٍ ، وَنَحْوَهُ قَالَ الشَّعْبِيُّ ؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ فِي حَدِيثٍ { عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ جَعَلَ فِي وَلَدِهَا مِائَةَ شَاةٍ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ ، أَنَّهُ قَضَى فِي الْجَنِينِ إذَا أُمْلِصَ بِعِشْرِينَ دِينَارًا ، فَإِذَا كَانَ مُضْغَةً ، فَأَرْبَعِينَ ، فَإِذَا كَانَ عَظْمًا سِتِّينَ ، فَإِذَا كَانَ الْعَظْمُ قَدْ كُسِيَ لَحْمًا فَثَمَانِينَ ، فَإِنْ تَمَّ خَلْقُهُ وَكُسِيَ شَعْرُهُ فَمِائَةَ دِينَارٍ .\rقَالَ قَتَادَةُ : إذَا كَانَ عَلَقَةً فَثُلُثُ غُرَّةٍ ، وَإِذَا كَانَ مُضْغَةً فَثُلُثَيْ غُرَّةٍ .\rوَلَنَا ، { قَضَاءُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي إمْلَاصِ الْمَرْأَةِ بِعَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ } ، وَسُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَاضِيَةٌ عَلَى مَا خَالَفَهَا .\rوَذِكْرُ الْفَرَسِ وَالْبَغْلِ فِي الْحَدِيثِ وَهْمٌ انْفَرَدَ بِهِ عِيسَى بْنُ يُونُسَ ، عَنْ سَائِرِ الرُّوَاةِ ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ وَهَمَ فِيهِ ، وَهُوَ مَتْرُوكٌ فِي الْبَغْلِ بِغَيْرِ خِلَافٍ ، وَكَذَلِكَ فِي الْفَرَسِ ، وَهَذَا الْحَدِيثُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ أَصَحُّ مَا رُوِيَ فِيهِ ، وَهُوَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ، وَقَدْ قَالَ بِهِ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ ، فَلَا يُلْتَفَتُ إلَى مَا خَالَفَهُ .\rوَقَوْلُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ ، تَحَكُّمٌ بِتَقْدِيرِ لَمْ يَرِدْ بِهِ الشَّرْعُ ، وَكَذَلِكَ قَتَادَةُ ، وَقَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَقُّ بِالِاتِّبَاعِ مِنْ قَوْلِهِمَا .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِنَّهُ تَلْزَمُهُ الْغُرَّةُ ، فَإِنْ أَرَادَ دَفْعَ بَدَلِهَا وَرَضِيَ","part":19,"page":126},{"id":9126,"text":"الْمَدْفُوعُ إلَيْهِ ، جَازَ ؛ لِأَنَّهُ حَقُّ آدَمِيٍّ ، فَجَازَ مَا تَرَاضَيَا عَلَيْهِ وَأَيُّهُمَا امْتَنَعَ مِنْ قَبُولِ الْبَدَلِ ، فَلَهُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ فِيهَا ، فَلَا يُقْبَلُ بَدَلُهَا إلَّا بِرِضَاهُمَا .\rوَتَجِبُ الْغُرَّةُ سَالِمَةٌ مِنْ الْعُيُوبِ ، وَإِنْ قَلَّ الْعَيْبُ ؛ لِأَنَّهُ حَيَوَانٌ وَجَبَ بِالشَّرْعِ ، فَلَمْ يُقْبَلْ فِيهِ الْمَعِيبُ ، كَالشَّاةِ فِي الزَّكَاةِ ، وَلِأَنَّ الْغُرَّةَ الْخِيَارُ ، وَالْمَعِيبُ لَيْسَ مِنْ الْخِيَارِ .\rوَلَا يُقْبَلُ فِيهَا هَرِمَةٌ ، وَلَا ضَعِيفَةٌ ، وَلَا خُنْثَى ، وَلَا خَصِيٌّ ، وَإِنْ كَثُرَتْ قِيمَتُهُ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ عَيْبٌ .\rوَلَا يَتَقَدَّرُ سِنُّهَا ، فِي ظَاهِرِ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ .\rوَقَالَ الْقَاضِي ، وَأَبُو الْخَطَّابِ ، وَأَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ : لَا يُقْبَلُ فِيهَا مَنْ لَهُ دُونَ سَبْعِ سِنِينَ ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى مِنْ يَكْفُلُهُ لَهُ وَيَحْضُنُهُ ، وَلَيْسَ مِنْ الْخِيَارِ .\rوَذَكَرَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ، أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ فِيهَا غُلَامٌ بَلَغَ خَمْسَةَ عَشَرَ سَنَةً ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدْخُلُ عَلَى النِّسَاءِ ، وَلَا ابْنَةُ عِشْرِينَ ؛ لِأَنَّهَا تَتَغَيَّرُ .\rوَهَذَا تَحَكُّمٌ لَمْ يَرِدْ الشَّرْعُ بِهِ فَيَجِبُ أَنْ لَا يُقْبَلَ .\rوَمَا ذَكَرُوهُ مِنْ الْحَاجَةِ إلَى الْكَفَالَةِ بَاطِلٌ بِمَنْ لَهُ فَوْقَ السَّبْعِ ، وَلِأَنَّ بُلُوغَهُ قِيمَةَ الْكَبِيرِ مَعَ صِغَرِهِ ، يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ خِيَارٌ ، وَلَمْ يَشْهَدْ لِمَا ذَكَرُوهُ نَصٌّ ، وَلَا لَهُ نَظِيرٌ يُقَاسُ عَلَيْهِ ، وَالشَّابُّ الْبَالِغُ أَكْمَلُ مِنْ الصَّبِيِّ عَقْلًا وَبِنْيَةً ، وَأَقْدَرُ عَلَى التَّصَرُّفِ ، وَأَنْفَعُ فِي الْخِدْمَةِ ، وَقَضَاءِ الْحَاجَةِ ، وَكَوْنُهُ لَا يَدْخُلُ عَلَى النِّسَاءِ إنْ أُرِيدَ بِهِ النِّسَاءُ الْأَجْنَبِيَّاتُ ، بِلَا حَاجَةٍ إلَى دُخُولِهِ عَلَيْهِنَّ ، وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ سَيِّدَتُهُ ، فَلَيْسَ بِصَحِيحِ ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : { لِيَسْتَأْذِنْكُمْ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَاَلَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ } إلَى قَوْلِهِ : { لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ","part":19,"page":127},{"id":9127,"text":"جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ } .\rثُمَّ لَوْ لَمْ يَدْخُلْ عَلَى النِّسَاءِ ، لَحَصَلَ مِنْ نَفْعِهِ أَضْعَافُ مَا يَحْصُلُ مِنْ دُخُولِهِ ، وَفَوَاتُ شَيْءٍ إلَى مَا هُوَ أَنْفَعُ مِنْهُ لَا يُعَدُّ فَوَاتًا ، كَمَنْ اشْتَرَى بِدِرْهَمِ مَا يُسَاوِي عَشْرَةً ، لَا يُعَدُّ فَوَاتًا وَلَا خُسْرَانًا ، وَلَا يُعْتَبَرُ لَوْنُ الْغُرَّةِ .\rوَذُكِرَ عَنْ أَبِي عَمْرِو بْنِ الْعَلَاءِ ، أَنَّ الْغُرَّةَ لَا تَكُونُ إلَّا بَيْضَاءَ ، وَلَا يُقْبَلُ عَبْدٌ أَسْوَدُ ، وَلَا جَارِيَةٌ سَوْدَاءُ .\rوَلَنَا ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى بِعَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ ، وَأَطْلَقَ مَعَ غَلَبَةِ السَّوَادِ عَلَى عَبِيدِهِمْ وَإِمَائِهِمْ ، وَلِأَنَّهُ حَيَوَانٌ يَجِبُ دِيَةً ، فَلَمْ يُعْتَبَرْ لَوْنُهُ ، كَالْإِبِلِ فِي الدِّيَةِ .","part":19,"page":128},{"id":9128,"text":"( 6845 ) الْفَصْلُ الرَّابِعُ : أَنَّ الْغُرَّةَ قِيمَتُهَا نِصْفُ عُشْرِ الدِّيَةِ ، وَهِيَ خَمْسٌ مِنْ الْإِبِلِ .\rرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ ، وَزَيْدٍ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا .\rوَبِهِ قَالَ النَّخَعِيُّ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَرَبِيعَةُ ، وَقَتَادَةُ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَلِأَنَّ ذَلِكَ أَقَلُّ مَا قَدَّرَهُ الشَّرْعُ فِي الْجِنَايَاتِ ، وَهُوَ أَرْشُ الْمُوضِحَةِ وَدِيَةُ السِّنِّ ، فَرَدَدْنَاهُ إلَيْهِ .\rفَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ وَجَبَ فِي الْأُنْمُلَةِ ثَلَاثُ أَبْعِرَةٍ وَثُلُثٌ ، وَذَلِكَ دُونَ مَا ذَكَرْتُمُوهُ .\rقُلْنَا : الَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ صَاحِبُ الشَّرِيعَةِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غُرَّةً قِيمَتُهَا أَرْشُ الْمُوضِحَةِ ، وَهُوَ خَمْسٌ مِنْ الْإِبِلِ .\rوَإِذَا كَانَ أَبَوَا الْجَنِينِ كِتَابِيَّيْنِ ، فَفِيهِ غُرَّةٌ قِيمَتُهَا نِصْفُ قِيمَةِ الْغُرَّةِ الْوَاجِبَةِ فِي الْمُسْلِمِ .\rوَفِي جَنِينِ الْمَجُوسِيَّةِ غُرَّةٌ قِيمَتُهَا أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا .\rوَإِذَا تَعَذَّرَ وُجُودُ غُرَّةٍ بِهَذِهِ الدَّرَاهِمِ ، وَجَبَتْ الدَّرَاهِمُ ؛ لِأَنَّهُ مَوْضِعُ حَاجَةٍ .\rوَإِذَا اتَّفَقَ نِصْفُ عُشْرِ الدِّيَةِ مِنْ الْأُصُولِ كُلِّهَا ، بِأَنْ تَكُونَ قِيمَتُهَا خَمْسًا مِنْ الْإِبِلِ وَخَمْسِينَ دِينَارًا أَوْ سِتّمِائَةِ دِرْهَمٍ ، فَلَا كَلَامَ ، وَإِنْ اخْتَلَفَتْ قِيمَةُ الْإِبِلِ ، فَنِصْفُ عُشْرِ الدِّيَةِ مِنْ غَيْرِهَا ، مِثْلُ إنْ كَانَتْ قِيمَةُ الْإِبِلِ أَرْبَعِينَ دِينَارًا أَوْ أَرْبَعمِائَةِ دِرْهَمٍ ، فَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ أَنَّهَا تُقَوَّمُ بِالْإِبِلِ ؛ لِأَنَّهَا الْأَصْلُ .\rوَعَلَى قَوْلِ غَيْرِهِ مِنْ أَصْحَابِنَا ، تُقَوَّمُ بِالذَّهَبِ أَوْ الْوَرِقِ ، فَجَعَلَ قِيمَتَهَا خَمْسِينَ دِينَارًا أَوْ سِتّمِائَةِ دِرْهَمٍ ، فَإِنْ اخْتَلَفَا ، قُوِّمَتْ عَلَى أَهْلِ الذَّهَبِ بِهِ ، وَعَلَى أَهْلِ الْوَرِقِ بِهِ ، فَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ جَمِيعًا ، قَوَّمَهَا مَنْ هِيَ عَلَيْهِ بِمَا شَاءَ مِنْهُمَا ؛ لِأَنَّ الْخِيَرَةَ إلَى الْجَانِي فِي دَفْعِ مَا شَاءَ مِنْ الْأُصُولِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ تُقَوَّمَ بِأَدْنَاهُمَا عَلَى كُلِّ حَالٍ ؛ لِذَلِكَ .","part":19,"page":129},{"id":9129,"text":"وَإِذَا لَمْ يَجِدْ الْغُرَّةَ ، انْتَقَلَ إلَى خَمْسٍ مِنْ الْإِبِلِ .\rعَلَى قَوْلِ الْخِرَقِيِّ .\rوَعَلَى قَوْلِ غَيْرِهِ ، يَنْتَقِلُ إلَى خَمْسِينَ دِينَارًا أَوْ سِتّمِائَةِ دِرْهَمٍ .","part":19,"page":130},{"id":9130,"text":"( 6846 ) الْفَصْلُ الْخَامِسُ : أَنَّ الْغُرَّةَ مَوْرُوثَةٌ عَنْ الْجَنِينِ ، كَأَنَّهُ سَقَطَ حَيًّا ؛ لِأَنَّهَا دِيَةٌ لَهُ ، وَبَدَلٌ عَنْهُ ، فَيَرِثُهَا وَرَثَتُهُ ، كَمَا لَوْ قُتِلَ بَعْدَ الْوِلَادَةِ .\rوَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَقَالَ اللَّيْثُ : لَا تُورَثُ ، بَلْ تَكُونُ بَدَلَهُ لِأُمِّهِ ؛ لِأَنَّهُ كَعُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهَا ، فَأَشْبَهَ يَدَهَا .\rوَلَنَا ، أَنَّهَا دِيَةُ آدَمِيٍّ حُرٍّ ، فَوَجَبَ أَنْ تَكُونَ مَوْرُوثَةً عَنْهُ ، كَمَا لَوْ وَلَدَتْهُ حَيًّا ثُمَّ مَاتَ ، وَقَوْلُهُ : إنَّهُ عُضْوٌ مِنْ أَعْضَائِهَا .\rلَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ عُضْوًا لَدَخَلَ بَدَلُهُ فِي دِيَةِ أُمِّهِ ، كَيَدِهَا ، وَلَمَّا مُنِعَ مِنْ الْقِصَاصُ مِنْ أُمِّهِ ، وَإِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهَا مِنْ أَجْلِهِ ، وَلَمَا وَجَبَتْ الْكَفَّارَةُ بِقَتْلِهِ ، وَلَمَا صَحَّ عِتْقُهُ دُونَهَا ، وَلَا عِتْقُهَا دُونَهُ ، وَلَا تَصَوُّرُ حَيَاتِهِ بَعْدَ مَوْتِهَا ، وَلِأَنَّ كُلَّ نَفْسٍ تُضْمَنُ بِالدِّيَةِ تُورَثُ ، كَدِيَةِ الْحَيِّ .\rفَعَلَى هَذَا ، إذَا أَسْقَطَتْ جَنِينًا مَيِّتًا ، ثُمَّ مَاتَتْ ، فَإِنَّهَا تَرِثُ نَصِيبَهَا مِنْ دِيَته ، ثُمَّ يَرِثُهَا وَرَثَتُهُ .\rوَإِنْ مَاتَتْ قَبْلَهُ ثُمَّ أَلْقَتْهُ مَيِّتًا لَمْ يَرِثْ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ ، وَإِنْ خَرَجَ حَيًّا ثُمَّ مَاتَ قَبْلَهَا ، ثُمَّ مَاتَتْ ، فَإِنَّهَا تَرِثُ نَصِيبَهَا مِنْ دِيَتِهِ ، ثُمَّ يَرِثُهَا وَرَثَتُهَا .\rوَإِنْ مَاتَتْ قَبْلَهُ ، ثُمَّ أَلْقَتْهُ مَيِّتًا ، لَمْ يَرِثْ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ .\rوَإِنْ خَرَجَ حَيًّا ، ثُمَّ مَاتَتْ قَبْلَهُ ثُمَّ مَاتَ ، أَوْ مَاتَتْ ثُمَّ خَرَجَ حَيًّا ثُمَّ مَاتَ ، وَرِثَهَا ، ثُمَّ يَرِثُهُ وَرَثَتُهُ .\rوَإِنْ اخْتَلَفَ وُرَّاثُهُمَا فِي أَوَّلِهِمَا مَوْتًا ، فَحُكْمُهُمَا حُكْمُ الْغَرْقَى .\rعَلَى مَا ذُكِرَ فِي مَوْضِعِهِ .\rوَيَجِيءُ عَلَى قَوْلِ الْخِرَقِيِّ فِي الْمَسْأَلَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا ، إذَا مَاتَتْ امْرَأَةٌ وَابْنُهَا ، أَنْ يَحْلِفَ وَرَثَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَيَخْتَصُّوا بِمِيرَاثِهِ ، وَإِنْ أَلْقَتْ جَنِينًا مَيِّتًا ، أَوْ حَيًّا ثُمَّ مَاتَ ، ثُمَّ أَلْقَتْ آخَرَ حَيًّا ،","part":19,"page":131},{"id":9131,"text":"فَفِي الْمَيِّتِ غُرَّةٌ ، وَفِي الْحَيِّ الْأَوَّلِ دِيَةٌ كَامِلَةٌ ، إذَا كَانَ سُقُوطُهُ لَوَقْتٍ يَعِيشُ مِثْلُهُ ، وَيَرِثُهُمَا الْآخَرُ ، ثُمَّ يَرِثُهُ وَرَثَتُهُ إنْ مَاتَ .\rوَإِنْ كَانَتْ الْأُمُّ قَدْ مَاتَتْ بَعْدَ الْأَوَّلِ وَقَبْلَ الثَّانِي ، فَإِنَّ دِيَةَ الْأَوَّلِ تَرِثُ مِنْهَا الْأُمُّ وَالْجَنِينُ الثَّانِي ، ثُمَّ إذَا مَاتَتْ الْأُمُّ ، وَرِثَهَا الثَّانِي ثُمَّ يَصِيرُ مِيرَاثُهُ لِوَرَثَتِهِ .\rوَإِنْ مَاتَتْ الْأُمُّ بَعْدَهُمَا ، وَرِثَتْهُمَا جَمِيعًا .","part":19,"page":132},{"id":9132,"text":"( 6847 ) فَصْلٌ : وَإِذَا ضَرَبَ بَطْنَ امْرَأَةٍ ، فَأَلْقَتْ أَجِنَّةً ، فَفِي كُلِّ وَاحِدٍ غُرَّةٌ .\rوَبِهَذَا قَالَ الزُّهْرِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ .\rقَالَ : وَلَا أَحْفَظُ عَنْ غَيْرِهِمْ خِلَافَهُمْ .\rوَذَلِكَ لِأَنَّهُ ضَمَانُ آدَمِيٍّ ، فَتَعَدَّدَ بِتَعَدُّدِهِ ، كَالدِّيَاتِ .\rوَإِنْ أَلْقَتْهُمْ أَحْيَاءَ فِي وَقْتٍ يَعِيشُونَ فِي مِثْلِهِ ثُمَّ مَاتُوا ، فَفِي كُلِّ وَاحِدَةٍ دِيَةٌ كَامِلَةٌ .\rوَإِنْ كَانَ بَعْضُهُمْ حَيًّا فَمَاتَ ، وَبَعْضُهُمْ مَيِّتًا ، فَفِي الْحَيِّ دِيَةٌ ، وَفِي الْمَيِّتِ غُرَّةٌ .","part":19,"page":133},{"id":9133,"text":"( 6848 ) فَصْلٌ : وَتَحْمِلُ الْعَاقِلَةُ دِيَةَ الْجَنِينِ إذَا مَاتَ مَعَ أُمِّهِ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، إذَا كَانَتْ الْجِنَايَةُ عَلَيْهَا خَطَأً أَوْ شِبْهَ عَمْدٍ ؛ لِمَا رَوَى الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى فِي الْجَنِينِ بِغُرَّةِ عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ ، عَلَى عَصَبَةِ الْقَاتِلَةِ .\rوَإِنْ كَانَ قَتْلُ الْأُمِّ عَمْدًا ، أَوْ مَاتَ الْجَنِينُ وَحْدَهُ ، لَمْ تَحْمِلْهُ الْعَاقِلَةُ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ عَلَى كُلِّ حَالٍ ، بِنَاءً عَلَى قَوْلِهِ : إنَّ الْعَاقِلَةَ تَحْمِلُ الْقَلِيلَ وَالْكَثِيرَ .\rوَالْجِنَايَةُ عَلَى الْجَنِينِ لَيْسَتْ بِعَمْدِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَحَقَّقُ وُجُودُهُ لِيَكُونَ مَقْصُودًا بِالضَّرْبِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الْعَاقِلَةَ لَا تَحْمِلُ مَا دُونَ الثُّلُثِ ، عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ ، وَهَذَا دُونَ الثُّلُثِ .\rوَإِذَا مَاتَ وَحْدَهُ أَوْ مِنْ جِنَايَةِ عَمْدٍ ، فِدْيَةُ أُمِّهِ عَلَى قَاتِلِهَا ، فَكَذَلِكَ دِيَتُهُ ؛ لِأَنَّ الْجِنَايَةَ لَا يَحْمِلُ بَعْضَ دِيَتِهَا الْجَانِي وَبَعْضَهَا غَيْرُهُ ، فَيَكُونُ الْجَمِيعُ عَلَى الْقَاتِلِ ، كَمَا لَوْ قَطَعَ عَمْدًا ، فَسَرَتْ الْجِنَايَةُ إلَى النَّفْسِ .","part":19,"page":134},{"id":9134,"text":"( 6849 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِنْ كَانَ الْجَنِينُ مَمْلُوكًا ، فَفِيهِ عُشْرُ قِيمَةِ أُمِّهِ ، سَوَاءٌ كَانَ الْجَنِينُ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى ) .\rوَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا كَانَ جَنِينُ الْأَمَةِ مَمْلُوكًا ، فَسَقَطَ مِنْ الضَّرْبَةِ مَيِّتًا ، فَفِيهِ عُشْرُ قِيمَةِ أُمِّهِ .\rهَذَا قَوْلُ الْحَسَنِ ، وَقَتَادَةَ ، وَمَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَإِسْحَاقَ ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ .\rوَبِنَحْوِهِ قَالَ النَّخَعِيُّ ، وَالزُّهْرِيُّ .\rوَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ : يَجِبُ فِيهِ نِصْفُ عُشْرِ غُرَّةٍ ، وَهُوَ خَمْسَةُ دَنَانِيرَ .\rوَقَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ : يَجِبُ فِيهِ نِصْفُ عُشْرِ قِيمَتِهِ إنْ كَانَ ذَكَرًا ، وَعُشْرُ قِيمَتِهِ إنْ كَانَ أُنْثَى ؛ لِأَنَّ الْغُرَّةَ وَاجِبَةٌ فِي جَنِينِ الْحُرَّةِ هِيَ نِصْفُ عُشْرِ دِيَةِ الرَّجُلِ ، وَعُشْرُ دِيَةِ الْأُنْثَى ، وَهَذَا مُتْلَفٌ ، فَاعْتِبَارُهُ بِنَفْسِهِ أَوْلَى مِنْ اعْتِبَارِهِ بِأُمِّهِ ، وَلِأَنَّهُ جَنِينٌ مَضْمُونٌ ، تَلِفَ بِالضَّرْبَةِ ، فَكَانَ فِيهِ نِصْفُ عُشْرِ الْوَاجِبِ فِيهِ إذَا كَانَ ذَكَرًا كَبِيرًا ، وَعُشْرُ الْوَاجِبِ إذَا كَانَ أُنْثَى ، كَجَنِينِ الْحُرَّةِ .\rوَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ : مَذْهَبُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ يُفْضِي إلَى أَنْ يَجِبَ فِي الْجَنِينِ الْمَيِّتِ أَكْثَرُ مِنْ قِيمَتِهِ إذَا كَانَ حَيًّا .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ جَنِينٌ مَاتَ بِالْجِنَايَةِ فِي بَطْنِ أُمِّهِ ، فَلَمْ يَخْتَلِفْ ضَمَانُهُ بِالذُّكُورَةِ وَالْأُنُوثَةِ ، كَجَنِينِ الْحُرَّةِ ، وَدَلِيلُهُمْ نَقْلِبُهُ عَلَيْهِمْ ، فَنَقُولُ : جَنِينٌ مَضْمُونٌ ، تَلِفَ بِالْجِنَايَةِ ، فَكَانَ الْوَاجِبُ فِيهِ عُشْرَ مَا يَجِبُ فِي أُمِّهِ ، كَجَنِينِ الْحُرَّةِ .\rوَمَا ذَكَرُوهُ مِنْ مُخَالَفَةِ الْأَصْلِ ، مُعَارَضٌ بِأَنَّ مَذْهَبَهُمْ يُفْضِي إلَى تَفْضِيلِ الْأُنْثَى عَلَى الذَّكَرِ ، وَهُوَ خِلَافُ الْأُصُولِ وَلِأَنَّهُ لَوْ اُعْتُبِرَ بِنَفْسِهِ ، لَوَجَبَتْ قِيمَتُهُ كُلُّهَا ، كَسَائِرِ الْمَضْمُونَاتِ بِالْقِيمَةِ ، وَلِأَنَّ مُخَالَفَتَهُمْ أَشَدُّ مِنْ مُخَالَفَتِنَا ؛ لِأَنَّنَا اعْتَبَرْنَاهُ إذَا كَانَ مَيِّتًا بِأُمِّهِ ، وَإِذَا كَانَ حَيًّا بِنَفْسِهِ ، فَجَازَ","part":19,"page":135},{"id":9135,"text":"أَنْ تَزِيدَ قِيمَةُ الْمَيِّتِ عَلَى الْحَيِّ مَعَ اخْتِلَافِ الْجِهَتَيْنِ ، كَمَا جَازَ أَنْ يَزِيدَ الْبَعْضُ عَلَى الْكُلِّ فِي أَنَّ مَنْ قَطَعَ أَطْرَافَ إنْسَانٍ الْأَرْبَعَةَ كَانَ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ أَكْثَرَ مِنْ دِيَةِ النَّفْسِ كُلِّهَا ، وَهُمْ فَضَّلُوا الْأُنْثَى عَلَى الذَّكَرِ مَعَ اتِّحَادِ الْجِهَةِ ، وَأَوْجَبُوا فِيمَا يُضْمَنُ بِالْقِيمَةِ عُشْرَ قِيمَتِهِ تَارَةً ، وَنِصْفَ عُشْرِهَا أُخْرَى ، وَهَذَا لَا نَظِيرَ لَهُ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّ قِيمَةَ أُمِّهِ مُعْتَبَرَةٌ يَوْمَ الْجِنَايَةِ عَلَيْهَا .\rوَهَذَا مَنْصُوصُ الشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ : تُقَوَّمُ حِينَ أُسْقِطَتْ ؛ لِأَنَّ الِاعْتِبَارَ فِي ضَمَانِ الْجِنَايَةِ بِالِاسْتِقْرَارِ .\rوَيَتَخَرَّجُ لَنَا وَجْهٌ كَذَلِكَ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ لَمْ يَتَخَلَّلْ بَيْنَ الْجِنَايَةِ وَحَالِ الِاسْتِقْرَارِ مَا يُوجِبُ تَغْيِيرَ بَدَلِ النَّفْسِ ، فَكَانَ الِاعْتِبَارُ بِحَالِ الْجِنَايَةِ ، كَمَا لَوْ جَرَحَ عَبْدًا ، ثُمَّ نَقَصَتْ السُّوقُ ؛ لِكَثْرَةِ الْجَلْبِ ، ثُمَّ مَاتَ ، فَإِنَّ الِاعْتِبَارَ بِقِيمَتِهِ يَوْمَ الْجِنَايَةِ ، وَلِأَنَّ قِيمَتَهَا تَتَغَيَّرُ بِالْجِنَايَةِ وَتَنْقُصُ ، فَلَمْ تُقَوَّمْ فِي حَالِ نَقْصِهَا الْحَاصِلِ بِالْجِنَايَةِ ، كَمَا لَوْ قَطَعَ يَدَهَا فَمَاتَتْ مِنْ سِرَايَتِهَا ، أَوْ قَطَعَ يَدَهَا فَمَرِضَتْ بِذَلِكَ ، ثُمَّ انْدَمَلَتْ جِرَاحَتُهَا .","part":19,"page":136},{"id":9136,"text":"( 6850 ) فَصْلٌ : وَوَلَدُ الْمُدَبَّرَةِ وَالْمُكَاتَبَةِ وَالْمُعْتَقَةِ بِصِفَةٍ ، وَأُمِّ الْوَلَدِ إذَا حَمَلَتْ مِنْ غَيْرِ مَوْلَاهَا ، حُكْمُهُ حُكْمُ وَلَدِ الْأَمَةِ ؛ لِأَنَّهُ مَمْلُوكٌ ، وَلَا تَحْمِلُ الْعَاقِلَةُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الْعَاقِلَةَ لَا تَحْمِلُ عَبْدًا بِحَالٍ .\rفَأَمَّا جَنِينُ الْمُعْتَقِ بَعْضُهَا ، فَهُوَ كَهِيَ ، فِيهِ مِنْ الْحُرِّيَّةِ مِثْلُ مَا فِيهَا ، فَإِذَا كَانَ نِصْفُهَا حُرًّا ، فَنِصْفُهُ حُرٌّ ، فِيهِ نِصْفُ غُرَّةٍ لِوَرَثَتِهِ ، وَفِي النِّصْفِ الْبَاقِي نِصْفُ عُشْرِ قِيمَةِ أُمِّهِ لِسَيِّدِهِ .","part":19,"page":137},{"id":9137,"text":"( 6851 ) فَصْلٌ : وَإِنْ وَطِئَ أَمَةً بِشُبْهَةٍ ، أَوْ غُرَّ بِأَمَةٍ فَتَزَوَّجَهَا وَأَحْبَلَهَا ، فَضَرَبَهَا ضَارِبٌ ، فَأَلْقَتْ جَنِينًا ، فَهُوَ حُرٌّ ، وَفِيهِ غُرَّةٌ مَوْرُوثَةٌ عَنْهُ لِوَرَثَتِهِ ، وَعَلَى الْوَاطِئِ عُشْرُ قِيمَتِهَا لِسَيِّدِهَا ؛ لِأَنَّهُ لَوْلَا اعْتِقَادُ الْحُرِّيَّةِ ، لَكَانَ هَذَا الْجَنِينُ مَمْلُوكًا لِسَيِّدِهِ ، عَلَى ضَارِبِهِ عُشْرُ قِيمَةِ أُمِّهِ ، فَلَمَّا انْعَتَقَ بِسَبَبِ الْوَطْءِ ، فَقَدْ حَالَ بَيْنَ سَيِّدِهَا وَبَيْنَ هَذَا الْقَدْرِ ، فَأَلْزَمْنَاهُ ذَلِكَ لِلسَّيِّدِ ، سَوَاءٌ كَانَ بِقَدْرِ الْغُرَّةِ أَوْ أَكْثَرَ مِنْهَا ، أَوْ أَقَلَّ .","part":19,"page":138},{"id":9138,"text":"( 6852 ) فَصْلٌ : إذَا سَقَطَ جَنِينُ ذِمِّيَّةٍ ، قَدْ وَطِئَهَا مُسْلِمٌ وَذِمِّيٌّ فِي طُهْرٍ وَاحِدٍ ، وَجَبَ فِيهِ الْيَقِينُ ، وَهُوَ مَا فِي جَنِينِ الذِّمِّيِّ ، فَإِنْ أُلْحِقَ بَعْدَ ذَلِكَ بِالذِّمِّيِّ ، فَقَدْ وَفَّى مَا عَلَيْهِ ، وَإِنْ أُلْحِقَ بِمُسْلِمٍ ، فَعَلَيْهِ تَمَامُ الْغُرَّةِ .\rوَإِنْ ضَرَبَ بَطْنَ نَصْرَانِيَّةٍ ، فَأَسْقَطَتْ ، وَادَّعَتْ أَوْ ادَّعَى وَرَثَتُهُ أَنَّهُ مِنْ مُسْلِمٍ حَمَلَتْ بِهِ مِنْ وَطْءِ شُبْهَةٍ أَوْ زِنًى ، فَاعْتَرَفَ الْجَانِي ، فَعَلَيْهِ غُرَّةٌ كَامِلَةٌ .\rوَإِنْ كَانَ مِمَّا تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ ، فَاعْتَرَفَ أَيْضًا ، فَالْغُرَّةُ عَلَيْهَا ، وَإِنْ أَنْكَرَتْ ، حَلَفَتْ ، وَعَلَيْهَا مَا فِي جَنِينِ الذِّمِّيَّيْنِ ، وَالْبَاقِي عَلَى الْجَانِي ؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ بِاعْتِرَافِهِ ، وَالْعَاقِلَةُ لَا تَحْمِلُ اعْتِرَافًا .\rوَإِنْ اعْتَرَفْت الْعَاقِلَةُ دُونَ الْجَانِي ، فَالْغُرَّةُ عَلَيْهَا مَعَ دِيَةِ أُمِّهِ .\rوَإِنْ أَنْكَرَ الْجَانِي وَالْعَاقِلَةُ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُمْ ، مَعَ أَيْمَانِهِمْ أَنَّنَا لَا نَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الْجَنِينَ مِنْ مُسْلِمٍ ، وَلَا تَلْزَمُهُمْ الْيَمِينُ عَلَى الْبَتِّ ؛ لِأَنَّهَا يَمِينٌ عَلَى النَّفْيِ فِي فِعْلِ الْغَيْرِ ، فَإِذَا حَلَفُوا ، وَجَبَتْ دِيَةُ ذِمِّيٍّ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ أَنَّ وَلَدَهَا تَابِعٌ لَهَا ، وَلِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ .\rوَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْجَانِي وَحْدَهُ مَعَ يَمِينِهِ .\rوَلَوْ كَانَتْ النَّصْرَانِيَّةُ امْرَأَةَ مُسْلِمٍ ، فَادَّعَى الْجَانِي أَنَّ الْجَنِينَ مِنْ ذِمِّيٍّ بِوَطْءِ شُبْهَةٍ أَوْ زِنًى ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ وَرَثَةِ الْجَنِينِ ؛ لِأَنَّ الْجَنِينَ مَحْكُومٌ بِإِسْلَامِهِ ، فَإِنَّ الْوَلَدَ لِلْفِرَاشِ .","part":19,"page":139},{"id":9139,"text":"( 6853 ) فَصْلٌ : وَإِذَا كَانَتْ الْأَمَةُ بَيْنَ شَرِيكَيْنِ ، فَحَمَلَتْ بِمَمْلُوكٍ ، فَضَرَبَهَا أَحَدُهُمَا فَأَسْقَطَتْ ، فَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ ؛ لِأَنَّهُ أَتْلَفَ آدَمِيًّا ، وَيَضْمَنُ لِشَرِيكِهِ نِصْفَ عُشْرِ قِيمَةِ أُمِّهِ ، وَيَسْقُطُ ضَمَانُ نَصِيبِهِ ؛ لِأَنَّهُ مِلْكُهُ .\rوَإِنْ أَعْتَقَهَا الضَّارِبُ بَعْدَ ضَرْبِهَا ، وَكَانَ مُعْسِرًا ، ثُمَّ أَسْقَطَتْ ، عَتَقَ نَصِيبُهُ مِنْهَا وَمِنْ وَلَدِهَا ، وَعَلَيْهِ لِشَرِيكِهِ نِصْفُ عُشْرِ قِيمَةِ الْأُمِّ ، وَعَلَيْهِ نِصْفُ غُرَّةٍ مِنْ أَجْلِ النِّصْفِ الَّذِي صَارَ حُرًّا ، يُورَثُ عَنْهُ بِمَنْزِلَةِ مَالِ الْجَنِينِ ، تَرِثُ أُمُّهُ مِنْهُ بِقَدْرِ مَا فِيهَا مِنْ الْحُرِّيَّةِ .\rوَالْبَاقِي لِبَاقِي وَرَثَتِهِ .\rهَذَا قَوْلُ الْقَاضِي ، وَقِيَاسُ قَوْلِ ابْنِ حَامِدٍ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rوَقِيَاسُ قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ وَأَبِي الْخَطَّابِ ، لَا يَجِبُ عَلَى الضَّارِبِ ضَمَانُ مَا أَعْتَقَهُ ؛ لِأَنَّهُ حِينَ الْجِنَايَةِ لَمْ يَكُنْ مَضْمُونًا عَلَيْهِ ، وَالِاعْتِبَارُ فِي الضَّمَانِ بِحَالِ الْجِنَايَةِ ، وَهِيَ الضَّرْبُ ، وَلِهَذَا اعْتَبَرْنَا قِيمَةَ الْأُمِّ حَالَ الضَّرْبِ .\rوَهَذَا قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ .\rوَهَذَا أَصَحُّ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ ؛ لِأَنَّ الْإِتْلَافَ حَصَلَ بِفِعْلٍ غَيْرِ مَضْمُونٍ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ جَرَحَ حَرْبِيًّا فَأَسْلَمَ ، ثُمَّ مَاتَ بِالسِّرَايَةِ ، وَلِأَنَّ مَوْتَهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَدْ حَصَلَ بِالضَّرْبِ ، فَلَا يَتَجَدَّدُ ضَمَانُهُ بَعْدَ مَوْتِهِ ، وَالْأَصْلُ بَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ .\rوَإِنْ كَانَ الْمُعْتِقُ مُوسِرًا ، سَرَى الْعِتْقُ إلَيْهَا وَإِلَى جَنِينِهَا ، وَفِي الضَّمَانِ الْوَجْهَانِ ؛ فَعَلَى قَوْلِ الْقَاضِي ، فِي الْجَنِينِ غُرَّةٌ مَوْرُوثَةٌ عَنْهُ .\rوَعَلَى قِيَاسِ قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ ، عَلَيْهِ ضَمَانُ نَصِيبِ شَرِيكِهِ مِنْ الْجَنِينِ بِنِصْفِ عُشْرِ قِيمَةِ أُمِّهِ ، وَلَا يَضْمَنُ أُمَّهُ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ ضَمِنَهَا بِإِعْتَاقِهَا ، فَلَا يَضْمَنُهَا بِتَلَفِهَا .\rوَإِنْ كَانَ الْمُعْتِقَ الشَّرِيكَ الَّذِي لَمْ يَضْرِبْ ، وَكَانَ مُعْسِرًا ، فَلَا ضَمَانَ عَلَى الشَّرِيكِ فِي نَصِيبِهِ ؛ لِأَنَّ","part":19,"page":140},{"id":9140,"text":"الْعِتْقَ لَمْ يَسْرِ إلَيْهِ ، وَعَلَيْهِ فِي نَصِيبِ شَرِيكِهِ مِنْ الْجَنِينِ نِصْفُ غُرَّةٍ ، يَرِثُهَا وَرَثَتُهُ عَلَى قَوْلِ الْقَاضِي .\rوَعَلَى قِيَاسِ قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ ، يَضْمَنُ نَصِيبَ شَرِيكِهِ بِنِصْفِ عُشْرِ قِيمَةِ أُمِّهِ ، يَكُونُ لِسَيِّدِهِ اعْتِبَارًا بِحَالِ الْجِنَايَةِ .\rوَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي ضَمَانِ الْأُمِّ إذَا مَاتَتْ مِنْ الضَّرْبَةِ .\rوَإِنْ كَانَ الْمُعْتِقُ مُوسِرًا ، سَرَى الْعِتْقُ إلَيْهِمَا ، وَصَارَا حُرَّيْنِ ، وَعَلَى الْمُعْتَقِ ضَمَانُ نِصْفِ الْأُمِّ ، وَلَا يَضْمَنُ نِصْفَ الْجَنِينِ ؛ لِأَنَّهُ يَدْخُلُ فِي ضَمَانِ الْأُمِّ ، كَمَا يَدْخُلُ فِي بَيْعِهَا ، وَعَلَى الضَّارِبِ ضَمَانُ الْجَنِينِ بِغُرَّةِ مَوْرُوثَةٍ عَنْهُ ، عَلَى قَوْلِ الْقَاضِي .\rوَعَلَى قِيَاسِ قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ ، يَضْمَنُ نَصِيبَ الشَّرِيكِ بِنِصْفِ عُشْرِ قِيمَةِ أُمِّهِ ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ ضَمَانُ نَصِيبِهِ ؛ لِأَنَّهُ مَلَكَهُ حَالَ الْجِنَايَةِ عَلَيْهِ .\rوَأَمَّا ضَمَانُ الْأُمِّ ، فَفِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ ، فِيهَا دِيَةُ حُرَّةٍ ، لِسَيِّدِهَا مِنْهَا أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ دِيَتِهَا أَوْ قِيمَتِهَا .\rوَعَلَى الْآخَرِ ، يَضْمَنُهَا بِقِيمَتِهَا لِسَيِّدِهَا ، كَمَا تَقَدَّمَ مَنْ قَطَعَ يَدَ عَبْدٍ ، ثُمَّ أُعْتِقَ وَمَاتَ .","part":19,"page":141},{"id":9141,"text":"( 6854 ) فَصْلٌ : وَلَوْ ضَرَبَ بَطْنَ أَمَتِهِ ، ثُمَّ أَعْتَقَهَا ، ثُمَّ أَسْقَطَتْ جَنِينًا مَيِّتًا ، لَمْ يَضْمَنْهُ .\rفِي قِيَاسِ قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ ؛ لِأَنَّ جِنَايَتَهُ لَمْ تَكُنْ مَضْمُونَةً فِي ابْتِدَائِهَا ، فَلَمْ يَضْمَنْ سِرَايَتهَا ، كَمَا لَوْ خَرَجَ مُرْتَدًّا فَأَسْلَمَ ، ثُمَّ مَاتَ ، وَلِأَنَّ مَوْتَ الْجَنِينِ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ حَصَلَ بِالضَّرْبَةِ فِي مَمْلُوكِهِ .\rوَلَمْ يَتَجَدَّدْ بَعْدَ الْعِتْقِ مَا يُوجِبُ الضَّمَانَ .\rوَعَلَى قَوْلِ ابْنِ حَامِدٍ ، عَلَيْهِ غُرَّةٌ ، لَا يَرِثُ مِنْهَا شَيْئًا ؛ لِأَنَّ اعْتِبَارَ الْجِنَايَةِ بِحَالِ اسْتِقْرَارِهَا .\rوَلَوْ كَانَتْ الْأَمَةُ لِشَرِيكَيْنِ ، فَضَرَبَاهَا ، ثُمَّ أَعْتَقَاهَا مَعًا ، فَوَضَعَتْ جَنِينًا مَيِّتًا ، فَعَلَى قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ ، عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفُ عُشْرِ قِيمَةِ أُمِّهِ لِشَرِيكِهِ ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا جَنَى عَلَى الْجَنِينِ ، وَنِصْفُهُ لَهُ ، فَسَقَطَ عَنْهُ ضَمَانُهُ ، وَلَزِمَ ضَمَانُ نِصْفِهِ الَّذِي لِشَرِيكِهِ بِنِصْفِ عُشْرِ قِيمَةِ أُمِّهِ ، اعْتِبَارًا بِحَالِ الْجِنَايَةِ .\rوَعَلَى قَوْلِ ابْنِ حَامِدٍ ، عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفُ الْغُرَّةِ ، لِلْأُمِّ مِنْهَا الثُّلُثُ ، وَبَاقِيهَا لِلْوَرَثَةِ ، وَلَا يَرِثُ الْقَاتِلُ مِنْهَا شَيْئًا .","part":19,"page":142},{"id":9142,"text":"( 6855 ) فَصْلٌ : إذَا ضَرَبَ ابْنُ الْمُعْتَقَةِ الَّذِي أَبُوهُ عَبْدٌ بَطْنَ امْرَأَةٍ ، ثُمَّ أُعْتِقَ أَبُوهُ ، ثُمَّ أَسْقَطَتْ جَنِينًا وَمَاتَتْ ، احْتَمَلَ أَنْ تَكُونَ دِيَتُهُمَا فِي مَالِ الْجَانِي ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ .\rوَاحْتَمَلَ أَنْ تَكُونَ الدِّيَةُ عَلَى مَوْلَى الْأُمِّ وَعَصَبَاتِهِ ، فِي قِيَاسِ قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ ، اعْتِبَارًا بِحَالِ الْجِنَايَةِ .\rوَعَلَى قِيَاسِ قَوْلِ ابْنِ حَامِدٍ ، عَلَى مَوْلَى الْأَبِ وَأَقَارِبِهِ ، اعْتِبَارًا بِحَالِ الْإِسْقَاطِ .\rوَإِنْ ضَرَبَ ذِمِّيٌّ بَطْنَ امْرَأَتِهِ الذِّمِّيَّةِ ، ثُمَّ أَسْلَمَ ، ثُمَّ أَسْقَطَتْ ، لَمْ تَحْمِلْهُ عَاقِلَتُهُ .\rوَإِنْ مَاتَتْ مَعَهُ فَكَذَلِكَ ؛ لِأَنَّ عَاقِلَتَهُ الْمُسْلِمِينَ لَا يَعْقِلُونَ عَنْهُ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ حِينَ الْجِنَايَةِ ذِمِّيًّا ، وَأَهْلُ الذِّمَّةِ لَا يَعْقِلُونَ عَنْهُ ؛ لِأَنَّهُ حِينَ الْإِسْقَاطِ مُسْلِمٌ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَقْلُهُ ، فِي قِيَاسِ قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ ، عَلَى عَاقِلَتِهِ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ ، اعْتِبَارًا بِحَالِ الْجِنَايَةِ ، وَيَكُونَ فِي الْجَنِينِ مَا يَجِبُ فِي الْجَنِينِ الْكَافِر لِأَنَّهُ حِينَ الْجِنَايَة مَحْكُوم بِكُفْرِهِ ، وَعَلَى قِيَاس قَوْلِ ابْنِ حَامِد تَجِبُ فِيهِ غُرَّةٌ كَامِلَةٌ ، وَيَكُون عَقْلُهُ وَعَقْلُ أُمِّهِ عَلَى عَاقِلَتِهِ الْمُسْلِمِينَ ، اعْتِبَارًا بِحَالِ الِاسْتِقْرَارِ .","part":19,"page":143},{"id":9143,"text":"( 6856 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَإِنْ ضَرَبَ بَطْنَهَا ، فَأَلْقَتْ جَنِينًا حَيًّا ، ثُمَّ مَاتَ مِنْ الضَّرْبَةِ ، فَفِيهِ دِيَةُ حُرٍّ إنْ كَانَ حُرًّا ، أَوْ قِيمَتُهُ إنْ كَانَ مَمْلُوكًا ، إذَا كَانَ سُقُوطُهُ لِوَقْتِ يَعِيشُ لِمِثْلِهِ ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَصَاعِدًا ) هَذَا قَوْلُ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ، عَلَى أَنَّ فِي الْجَنِينِ ، يَسْقُطُ حَيًّا مِنْ الضَّرْبِ ، دِيَةً كَامِلَةً ، مِنْهُمْ ؛ زَيْدُ بْن ثَابِتٍ ، وَعُرْوَةُ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَقَتَادَةُ ، وَابْنُ شُبْرُمَةَ ، وَمَالِك ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ مَاتَ مِنْ جِنَايَتِهِ بَعْدَ وِلَادَتِهِ ، فِي وَقْتٍ يَعِيشُ لِمِثْلِهِ ، فَأَشْبَهَ قَتْلَهُ بَعْدَ وَضْعِهِ .\rوَفِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثَةُ فُصُولٍ : ( 6857 ) الْفَصْل الْأَوَّل : أَنَّهُ إنَّمَا يَضْمَن بِالدِّيَةِ إذَا وَضَعَتْهُ حَيًّا ، وَمَتَى عُلِمَتْ حَيَاتُهُ ، ثَبَتَ لَهُ هَذَا الْحُكْمُ ، سَوَاءٌ ثَبَتَتْ بِاسْتِهْلَالِهِ ، أَوْ ارْتِضَاعِهِ ، أَوْ بِنَفَسِهِ ، أَوْ عُطَاسِهِ ، أَوْ غَيْرِهِ مِنْ الْأَمَارَات الَّتِي تُعْلَمُ بِهَا حَيَاتُهُ .\rهَذَا ظَاهِرُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rوَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ لَهُ حُكْمُ الْحَيَاةِ إلَّا بِالِاسْتِهْلَالِ .\rوَهَذَا قَوْلُ الزُّهْرِيِّ ، وَقَتَادَةَ ، وَمَالِك ، وَإِسْحَاقَ .\rوَرُوِيَ مَعْنَى ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَالْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ ، وَجَابِرٍ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إذَا اسْتَهَلَّ الْمَوْلُودُ ، وَرِثَ وَوُرِثَ } .\rمَفْهُومُهُ أَنَّهُ لَا يَرِثُ إذَا لَمْ يَسْتَهِلّ .\rوَالِاسْتِهْلَالُ : الصِّيَاحُ .\rقَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَالْقَاسِمُ ، وَالنَّخَعِيّ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { مَا مِنْ مَوْلُودٍ يُولَدُ ، إلَّا مَسَّهُ الشَّيْطَانُ ، فَيَسْتَهِلُّ صَارِخًا ، إلَّا مَرْيَمَ وَابْنَهَا } .","part":19,"page":144},{"id":9144,"text":"فَلَا يَجُوزُ غَيْرُ مَا قَالَهُ رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْأَصْلُ فِي تَسْمِيَةِ الصِّيَاحِ اسْتِهْلَالًا ، أَنَّ مِنْ عَادَةِ النَّاسِ أَنَّهُمْ إذَا رَأَوْا الْهِلَالَ صَاحُوا ، وَأَرَاهُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا ، فَسُمِّيَ صِيَاحُ الْمَوْلُودِ اسْتِهْلَالًا ؛ لِأَنَّهُ فِي ظُهُورِهِ بَعْدَ خَفَائِهِ كَالْهِلَالِ ، وَصِيَاحُهُ كَصِيَاحِ مِنْ يَتَرَاءَاهُ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ عُلِمَتْ حَيَاتُهُ ، فَأَشْبَهَ الْمُسْتَهِلَّ ، وَالْخَبَرُ يَدُلُّ بِمَعْنَاهُ وَتَنْبِيهِهِ عَلَى ثُبُوتِ الْحُكْمِ فِي سَائِرِ الصُّوَرِ ؛ لِأَنَّ شُرْبَهُ اللَّبَنَ أَدُلّ عَلَى حَيَاتِهِ مِنْ صِيَاحِهِ ، وَعُطَاسُهُ صَوْتٌ مِنْهُ كَصِيَاحِهِ ، وَأَمَّا الْحَرَكَة وَالِاخْتِلَاجُ الْمُنْفَرِدُ ، فَلَا يَثْبُتُ بِهِ حُكْمُ ؛ الْحَيَاةِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَتَحَرَّك بِالِاخْتِلَاجِ وَسَبَبٍ أُخَرِ ، وَهُوَ خُرُوجَهُ مِنْ مَضِيقٍ ، فَإِنَّ اللَّحْمَ يَخْتَلِجُ سِيَّمَا إذَا عُصِرَ ثُمَّ تُرِك ، فَلَمْ تَثْبُتْ بِذَلِكَ حَيَاتُهُ .\r( 6858 ) الْفَصْلُ الثَّانِي : أَنَّهُ إنَّمَا يَجِبُ ضَمَانُهُ إذَا عُلِمَ مَوْتُهُ بِسَبَبِ الضَّرْبَةِ ، وَيَحْصُلُ ذَلِكَ بِسُقُوطِهِ فِي الْحَالِ وَمَوْتِهِ أَوْ بَقَائِهِ ، مُتَأَلِّمًا إلَى أَنْ يَمُوتَ ، أَوْ بَقَاءِ أُمِّهِ مُتَأَلِّمَةً إلَى أَنْ تُسْقِطَهُ ، فَيُعْلَمَ بِذَلِكَ مَوْتُهُ بِالْجِنَايَةِ ، كَمَا لَوْ ضَرَبَ رَجُلًا فَمَاتَ عَقِيبَ ضَرْبِهِ ، أَوْ بَقِيَ ضَمِنًا حَتَّى مَاتَ .\rوَإِنْ أَلْقَتْهُ حَيًّا ، فَجَاءَ آخَرُ فَقَتَلَهُ ، وَكَانَ فِيهِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ ، فَعَلَى الثَّانِي الْقِصَاصُ إذَا كَانَ عَمْدًا ، أَوْ الدِّيَةُ كَامِلَةً ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ ، بَلْ كَانَتْ حَرَكَتُهُ كَحَرَكَةِ الْمَذْبُوحِ ، فَالْقَاتِلُ هُوَ الْأَوَّلُ ، وَعَلَيْهِ الدِّيَةُ كَامِلَةً ، وَعَلَى الثَّانِي الْأَدَبُ .\rوَإِنْ وَقَعَ الْجَنِينُ حَيًّا ، ثُمَّ بَقِيَ زَمَنًا سَالِمًا لَا أَلَمَ بِهِ لَمْ يَضْمَنْهُ الضَّارِبُ ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ لَمْ يَمُتْ مِنْ جِنَايَتِهِ .\r( 6859 ) الْفَصْلُ الثَّالِثُ : أَنَّ الدِّيَةَ الْكَامِلَةَ إنَّمَا تَجِبُ فِيهِ إذَا كَانَ سُقُوطُهُ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ","part":19,"page":145},{"id":9145,"text":"فَصَاعِدًا ، فَإِنْ كَانَ لِدُونِ ذَلِكَ ، فَفِيهِ غُرَّةٌ ، كَمَا لَوْ سَقَطَ مُتَأَلِّمًا .\rوَبِهَذَا قَالَ الْمُزَنِيّ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : فِيهِ دِيَةٌ كَامِلَةٌ ؛ لِأَنَّنَا عَلِمْنَا حَيَاتَهُ ، وَقَدْ تَلِفَ مِنْ جِنَايَتِهِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ لَمْ تُعْلَمْ فِيهِ حَيَاةٌ يُتَصَوَّرُ بَقَاؤُهُ بِهَا ، فَلَمْ تَجِبْ فِيهِ دِيَةٌ ، كَمَا لَوْ أَلْقَتْهُ مَيِّتًا ، وَكَالْمَذْبُوحِ .\rوَقَوْلُهُمْ : إنَّنَا عَلِمْنَا حَيَاتَهُ .\rقُلْنَا : وَإِذَا سَقَطَ مَيِّتًا وَلَهُ سِتَّةُ أَشْهُرٍ ، فَقَدْ عَلِمْنَا حَيَاتَهُ أَيْضًا .","part":19,"page":146},{"id":9146,"text":"( 6860 ) فَصْلٌ : وَإِذَا ادَّعَتْ امْرَأَةٌ عَلَى إنْسَانٍ أَنَّهُ ضَرَبَهَا ، فَأَسْقَطَتْ جَنِينَهَا ، فَأَنْكَرَ الضَّرْبَ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الضَّرْبِ .\rوَإِنْ أَقَرَّ بِالضَّرْبِ ، أَوْ قَامَتْ بِهِ بَيِّنَةٌ ، وَأَنْكَرَ أَنْ تَكُونَ أَسْقَطَتْ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ أَيْضًا مَعَ يَمِينِهِ لِأَنَّهُ لَا يَعْلَمُ أَنَّهَا أَسْقَطَتْ ، وَلَا تَلْزَمُهُ الْيَمِينُ عَلَى الْبَتِّ ؛ لِأَنَّهَا يَمِينٌ عَلَى فِعْلِ الْغَيْرِ ، وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ .\rوَإِنْ ثَبَتَ الْإِسْقَاطُ وَالضَّرْبُ بِبَيِّنَةٍ أَوْ إقْرَارٍ ، فَادَّعَى أَنَّهَا أَسْقَطَتْهُ مِنْ غَيْرِ ضَرْبِهِ ، نَظَرْنَا ؛ فَإِنْ كَانَتْ أَسْقَطَتْ عَقِيبَ ضَرْبِهِ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ مِنْهُ ، لِوُجُودِهِ عَقِيبَ شَيْءٍ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ سَبَبًا لَهُ .\rوَإِنْ ادَّعَى أَنَّهَا ضَرَبَتْ نَفْسَهَا ، أَوْ شَرِبَتْ دَوَاءً ، أَوْ فَعَلَ ذَلِكَ غَيْرُهَا ، فَحَصَلَ الْإِسْقَاطُ بِهِ ، فَأَنْكَرَتْهُ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا مَعَ يَمِينِهَا ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ ذَلِكَ .\rوَإِنْ أَسْقَطَتْ بَعْدَ الضَّرْبِ بِأَيَّامٍ ، نَظَرْنَا ؛ فَإِنْ كَانَتْ مُتَأَلِّمَةً إلَى حِينِ الْإِسْقَاطِ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مُتَأَلِّمَةً ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ ، كَمَا لَوْ ضَرَبَ إنْسَانًا فَلَمْ يَبْقَ مُتَأَلِّمًا وَلَا ضَمِنًا ، وَمَاتَ بَعْدَ أَيَّامٍ .\rوَإِنْ اخْتَلَفَا فِي وُجُودِ التَّأَلُّمِ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ .\rوَإِنْ كَانَتْ مُتَأَلِّمَةً فِي بَعْضِ الْمُدَّةِ ، فَادَّعَى أَنَّهَا بَرِئَتْ ، وَزَالَ أَلَمُهَا ، وَأَنْكَرَتْ ذَلِكَ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاؤُهُ .\rوَإِنْ ثَبَتَ إسْقَاطُهَا مِنْ الضَّرْبَةِ ، فَادَّعَتْ سُقُوطَهُ حَيًّا ، وَأَنْكَرَهَا ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ ، إلَّا أَنْ تَقُومَ لَهَا بَيِّنَةٌ بِاسْتِهْلَالِهِ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ ذَلِكَ .\rوَإِنْ ثَبَتَتْ حَيَاتُهُ ، فَادَّعَتْ أَنَّهُ لِوَقْتٍ يَعِيشُ مِثْلَهُ ، وَأَنْكَرَهَا ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا مَعَ يَمِينِهَا ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُعْرَفُ إلَّا مِنْ","part":19,"page":147},{"id":9147,"text":"جِهَتِهَا ، وَلَا يُمْكِنُ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ ، فَقُبِلَ قَوْلُهَا فِيهِ ، كَانْقِضَاءِ عِدَّتِهَا ، وَوُجُودِ حَيْضِهَا وَطُهْرِهَا .\rوَإِنْ أَقَامَتْ بَيِّنَةً بِاسْتِهْلَالِهِ ، وَأَقَامَ الْجَانِي بَيِّنَةً بِعَدَمِ اسْتِهْلَالِهِ ، قُدِّمَتْ بَيِّنَتُهَا ؛ لِأَنَّهَا مُثْبِتَةٌ ، فَتُقَدَّمُ عَلَى النَّافِيَةِ ؛ لِأَنَّ الْمُثْبِتَةَ مَعَهَا زِيَادَةُ عِلْمٍ .\rوَإِنْ ادَّعَتْ أَنَّهُ مَاتَ عَقِيبَ إسْقَاطِهِ ، وَادَّعَى أَنَّهُ عَاشَ مُدَّةً ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ حَيَاتِهِ .\rوَإِنْ أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةً بِدَعْوَاهُ ، قُدِّمَتْ بَيِّنَةُ الْجَانِي ؛ لِأَنَّ مَعَهَا زِيَادَةَ عِلْمٍ .\rوَإِنْ ثَبَتَ أَنَّهُ عَاشَ مُدَّةً فَادَّعَتْ أَنَّهُ بَقِيَ مُتَأَلِّمًا حَتَّى مَاتَ ، وَأَنْكَرَ ذَلِكَ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ التَّأَلُّمِ .\rوَإِنْ أَقَامَا بَيِّنَتَيْنِ ، قُدِّمَتْ بَيِّنَتُهَا ؛ لِأَنَّ مَعَهَا زِيَادَةَ عِلْمٍ .\rوَيُقْبَلُ فِي اسْتِهْلَالِ الْجَنِينِ ، وَسُقُوطِهِ ، وَبَقَائِهِ مُتَأَلِّمًا ، وَبَقَاءِ أُمِّهِ مُتَأَلِّمَةً ، قَوْلُ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ ، فَإِنَّ الْغَالِبَ أَنَّهُ لَا يَشْهَدُ الْوِلَادَةَ إلَّا النِّسَاءُ ، وَالِاسْتِهْلَالُ يَتَّصِلُ بِهَا ، وَهُنَّ يَشْهَدْنَ حَالَ الْمَرْأَةِ وَوِلَادَتَهَا ، وَحَالَ الطِّفْلِ ، وَيَعْرِفْنَ عِلَلَهُ وَأَمْرَاضَهُ ، وَقُوَّتَهُ وَضَعْفَهُ ، دُونَ الرِّجَالِ .\rوَإِنْ اعْتَرَفَ الْجَانِي بِاسْتِهْلَالِهِ ، أَوْ مَا يُوجِبُ فِيهِ دِيَةً كَامِلَةً ، لَمْ تَحْمِلْهُ الْعَاقِلَةُ ، وَكَانَتْ الدِّيَةُ فِي مَالِ الْجَانِي ؛ لِأَنَّ الْعَاقِلَةَ لَا تَحْمِلُ اعْتِرَافًا .\rوَإِنْ كَانَ مِمَّا تَحْمِلُ الْعَاقِلَةُ فِيهِ الْغُرَّةَ ، فَعَلَى الْعَاقِلَةِ غُرَّةٌ ، وَبَاقِي الدِّيَةِ فِي مَالِ الْقَاتِلِ .\r( 6861 ) فَصْلٌ : وَإِنْ انْفَصَلَ مِنْهَا جَنِينَانِ ، ذَكَرٌ وَأُنْثَى ، فَاسْتَهَلَّ أَحَدُهُمَا ، وَاتَّفَقُوا عَلَى ذَلِكَ ، وَاخْتَلَفُوا فِي الْمُسْتَهِلِّ ، فَقَالَ الْجَانِي : هُوَ الْأُنْثَى .\rوَقَالَ وَارِثُ الْجَنِينِ : هُوَ الذَّكَرُ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ","part":19,"page":148},{"id":9148,"text":"الْجَانِي مَعَ يَمِينِهِ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الِاسْتِهْلَالِ مِنْ الذَّكَرِ ، وَبَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ مِنْ الزَّائِدِ عَلَى دِيَةِ الْأُنْثَى ، فَإِنْ كَانَ لِأَحَدِهِمَا بَيِّنَةٌ ، قُدِّمَ بِهَا ، وَإِنْ كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ ، وَجَبَتْ دِيَةُ الذَّكَرِ ؛ لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ قَدْ قَامَتْ بِاسْتِهْلَالِهِ ، وَالْبَيِّنَةُ الْمُعَارِضَةُ لَهَا نَافِيَةٌ لَهُ ، وَالْإِثْبَاتُ مُقَدَّمٌ عَلَى النَّفْيِ .\rفَإِنْ قِيلَ : فَيَنْبَغِي أَنْ تَجِبَ دِيَةُ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى .\rقُلْنَا : لَا تَجِبُ دِيَةُ الْأُنْثَى ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَحِقَّ لَهَا لَمْ يَدَّعِهَا ، وَهُوَ مُكَذِّبٌ لِلْبَيِّنَةِ الشَّاهِدَةِ بِهَا .\rوَإِنْ ادَّعَى الِاسْتِهْلَالَ مِنْهُمَا ، ثَبَتَ ذَلِكَ بِالْبَيِّنَتَيْنِ .\rوَإِنْ لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ ، فَاعْتَرَفَ الْجَانِي بِاسْتِهْلَالِ الذَّكَرِ ، فَأَنْكَرَتْ الْعَاقِلَةُ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُمْ مَعَ أَيْمَانِهِمْ ، فَإِذَا حَلَفُوا ، كَانَتْ عَلَيْهِمْ دِيَةُ الْأُنْثَى وَغُرَّةٌ ، إنْ كَانَتْ تَحْمِلُ الْغُرَّةَ ، وَعَلَى الضَّارِبِ تَمَامُ دِيَةِ الذَّكَرِ ، وَهُوَ نِصْفُ الدِّيَةِ ، لَا تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ ؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ بِاعْتِرَافِهِ .\rوَإِنْ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ أَحَدَهُمَا اسْتَهَلَّ ، وَلَمْ يُعْرَفْ بِعَيْنِهِ ، لَزِمَ الْعَاقِلَةَ دِيَةُ أُنْثَى ؛ لِأَنَّهَا مُتَيَقِّنَةٌ ، وَتَمَامُ دِيَةِ الذَّكَرِ مَشْكُوكٌ فِيهِ ، وَالْأَصْلُ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ مِنْهُ ، فَلَمْ يَجِبْ بِالشَّكِّ ، وَيَجِبُ الْغُرَّةُ فِي الَّذِي لَمْ يَسْتَهِلَّ .\r( 6862 ) فَصْلٌ : إذَا ضَرَبَهَا ، فَأَلْقَتْ يَدًا ، ثُمَّ أَلْقَتْ جَنِينًا ، فَإِنْ كَانَ إلْقَاؤُهُمَا مُتَقَارِبًا ، أَوْ بَقِيت الْمَرْأَةُ مُتَأَلِّمَةً إلَى أَنْ أَلْقَتْهُ ، دَخَلَتْ الْيَدُ فِي ضَمَانِ الْجَنِينِ ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الضَّرْبَ قَطَعَ يَدَهُ ، وَسَرَى إلَى نَفْسِهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَطَعَ يَدَ رَجُلٍ وَسَرَى الْقَطْعُ إلَى نَفْسِهِ ، ثُمَّ إنْ كَانَ الْجَنِينُ سَقَطَ مَيِّتًا ، أَوْ حَيًّا لَا يَعِيشُ لِمِثْلِهِ ، فَفِيهِ غُرَّةٌ ، وَإِنْ أَلْقَتْهُ حَيًّا لِوَقْتٍ يَعِيشُ لِمِثْلِهِ ، فَفِيهِ دِيَةٌ كَامِلَةٌ ، وَإِنْ بَقِيَ","part":19,"page":149},{"id":9149,"text":"حَيًّا فَلَمْ يَمُتْ ، فَعَلَى الضَّارِبِ ضَمَانُ الْيَدِ بِدِيَتِهَا ، بِمَنْزِلَةِ مَنْ قَطَعَ يَدَ رَجُلٍ فَانْدَمَلَتْ .\rوَقَالَ الْقَاضِي ، وَبَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ : يُسْأَلُ الْقَوَابِلُ ، فَإِنْ قُلْنَ : إنَّهَا يَدُ مَنْ لَمْ تُخْلَقْ فِيهِ الْحَيَاةُ ؛ فَفِيهَا نِصْفُ الْغُرَّةِ ، وَإِنْ قُلْنَ : يَدُ مَنْ خُلِقَتْ فِيهِ الْحَيَاةُ ؛ فَفِيهَا نِصْفُ الدِّيَةِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الْجَنِينَ إنَّمَا يُتَصَوَّرُ بَقَاءُ الْحَيَاةِ فِيهِ إذَا كَانَ حَيًّا قَبْلَ وِلَادَتِهِ بِمُدَّةٍ طَوِيلَةٍ ، أَقَلُّهَا شَهْرَانِ ، عَلَى مَا دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيثُ الصَّادِقِ الْمَصْدُوقِ ، فِي أَنَّهُ تُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ بَعْدَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ ، وَأَقَلُّ مَا يَبْقَى بَعْدَ ذَلِكَ شَهْرَانِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْيَى إذَا وَضَعَتْهُ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ ، وَالْكَلَامُ مَفْرُوضٌ فِيمَا إذَا لَمْ يَتَخَلَّلْ بَيْنَ الضَّرْبَةِ وَالْإِسْقَاطِ مُدَّةٌ تُزِيلُ ظَنَّ سُقُوطِهِ بِهَا ، فَيُعْلَمُ حِينَئِذٍ أَنَّهَا كَانَتْ بَعْدَ وُجُودِ الْحَيَاةِ فِيهِ ، وَأَمَّا إنْ أَلْقَتْ الْيَدَ ، وَزَالَ الْأَلَمُ ، ثُمَّ أَلْقَتْ الْجَنِينَ ، ضَمِنَ الْيَدَ وَحْدَهَا ، بِمَنْزِلَةِ مَنْ قَطَعَ يَدًا فَانْدَمَلَتْ ، ثُمَّ مَاتَ صَاحِبُهَا ، ثُمَّ نَنْظُرُ ؛ فَإِنْ أَلْقَتْهُ مَيِّتًا ، أَوْ لِوَقْتٍ لَا يَعِيشُ مِثْلَهُ ، فَفِي الْيَدِ نِصْفُ غُرَّةٍ ؛ لِأَنَّ فِي جَمِيعِهِ غُرَّةً ، فَفِي يَدِهِ نِصْفُ دِيَتِهِ ، وَإِنْ أَلْقَتْهُ حَيًّا لِوَقْتٍ يَعِيشُ لِمِثْلِهِ ، ثُمَّ مَاتَ ، أَوْ عَاشَ ، وَكَانَ بَيْنَ إلْقَاءِ الْيَدِ وَبَيْنَ إلْقَائِهِ مُدَّةٌ يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ الْحَيَاةُ لَمْ تُخْلَقْ فِيهَا ، أُرِيَ الْقَوَابِلَ هَاهُنَا ، فَإِنْ قُلْنَ : إنَّهَا يَدُ مَنْ لَمْ تُخْلَقْ فِيهَا الْحَيَاةُ .\rوَجَبَ نِصْفُ غُرَّةٍ ، وَإِنْ قُلْنَ : إنَّهَا يَدُ مَنْ خُلِقَتْ فِيهِ الْحَيَاةُ ، وَمَضَى لَهُ سِتَّةُ أَشْهُرٍ .\rفَفِيهِ نِصْفُ الدِّيَةِ ، وَإِنْ قِيلَ : إنَّهَا يَدُ مَنْ خُلِقَتْ فِيهِ الْحَيَاةُ ، وَلَمْ تَمْضِ لَهُ سِتَّةُ أَشْهُرٍ .\rوَجَبَ فِيهِ نِصْفُ غُرَّةٍ ؛ لِأَنَّهَا يَدُ مَنْ لَا يَجِبُ فِيهِ أَكْثَرُ مِنْ غُرَّةٍ ، فَأَشْبَهَتْ يَدَ مَنْ لَمْ","part":19,"page":150},{"id":9150,"text":"يُنْفَخْ فِيهِ رُوحٌ ، وَإِنْ أَشْكَلَ الْأَمْرُ عَلَيْهِنَّ ، وَجَبَ نِصْفُ الْغُرَّةِ ؛ لِأَنَّهُ الْيَقِينُ ، وَمَا زَادَ مَشْكُوكٌ فِيهِ ، فَلَا يَجِبُ بِالشَّكِّ .","part":19,"page":151},{"id":9151,"text":"( 6863 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : وَعَلَى كُلِّ مَنْ ضَرَبَ مِمَّنْ ذَكَرْت ، عِتْقُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ، سَوَاءٌ كَانَ الْجَنِينُ حَيًّا أَوْ مَيِّتًا هَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، مِنْهُمْ الْحَسَنُ ، وَعَطَاءٌ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَالْحَكَمُ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَوْجَبَ عَلَى ضَارِبِ بَطْنِ الْمَرْأَةِ تُلْقِي جَنِينًا الرَّقَبَةَ مَعَ الْغُرَّةِ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا تَجِبُ الْكَفَّارَةُ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُوجِبْ الْكَفَّارَةَ حِينَ أَوْجَبَ الْغُرَّةَ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى { : وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ } .\rوَقَالَ : { وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ } .\rوَهَذَا الْجَنِينُ ، إنْ كَانَ مِنْ مُؤْمِنَيْنِ ، أَوْ أَحَدُ أَبَوَيْهِ ، فَهُوَ مَحْكُومٌ بِإِيمَانِهِ تَبَعًا ، يَرِثُهُ وَرَثَتُهُ الْمُؤْمِنُونَ ، وَلَا يَرِثُ الْكَافِرُ مِنْهُ شَيْئًا ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ ، فَهُوَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ ، وَلِأَنَّهُ نَفْسٌ مَضْمُونٌ بِالدِّيَةِ ، فَوَجَبَتْ فِيهِ الرَّقَبَةُ كَالْكَبِيرِ ، وَتَرْكُ ذِكْرِ الْكَفَّارَةِ لَا يَمْنَعُ وُجُوبَهَا ، كَقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { فِي النَّفْسِ الْمُؤْمِنَةِ مِائَةٌ مِنْ الْإِبِلِ } .\rوَذَكَرَ الدِّيَةَ فِي مَوَاضِعَ ، وَلَمْ يَذْكُرْ الْكَفَّارَةَ ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { قَضَى بِدِيَةِ الْمَقْتُولَةِ عَلَى عَاقِلَةِ الْقَاتِلَةِ } ، وَلَمْ يَذْكُرْ كَفَّارَةً ، وَهِيَ وَاجِبَةٌ ، كَذَا هَاهُنَا ، وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الْآيَةَ أَغْنَتْ عَنْ ذِكْرِ الْكَفَّارَةِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ ، فَاكْتُفِيَ بِهَا .\rوَإِنْ أَلْقَتْ الْمَضْرُوبَةُ أَجِنَّةً ، فَفِي كُلِّ جَنِينٍ كَفَّارَةٌ ، كَمَا أَنَّ فِي كُلِّ جَنِينٍ غُرَّةً أَوْ دِيَةً .\rوَإِنْ اشْتَرَكَ جَمَاعَةٌ فِي ضَرْبِ امْرَأَةٍ ،","part":19,"page":152},{"id":9152,"text":"فَأَلْقَتْ جَنِينًا ، فَدِيَتُهُ أَوْ الْغُرَّةُ عَلَيْهِمْ بِالْحِصَصِ ، وَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ كَفَّارَةٌ ، كَمَا إذَا قَتَلَ جَمَاعَةٌ رَجُلًا وَاحِدًا .\rوَإِنْ أَلْقَتْ أَجِنَّةً ، فَدِيَاتُهُمْ عَلَيْهِمْ بِالْحِصَصِ ، وَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ فِي كُلِّ جَنِينٍ كَفَّارَةٌ ، فَلَوْ ضَرَبَ ثَلَاثَةٌ بَطْنَ امْرَأَةٍ ، فَأَلْقَتْ ثَلَاثَةَ أَجِنَّةً ، فَعَلَيْهِمْ تِسْعُ كَفَّارَاتٍ ، عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ ثَلَاثَةٌ .","part":19,"page":153},{"id":9153,"text":"( 6864 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : وَإِذَا شَرِبَتْ الْحَامِلُ دَوَاءً ، فَأَلْقَتْ بِهِ جَنِينًا ، فَعَلَيْهَا غُرَّةٌ ، لَا تَرِثُ مِنْهَا شَيْئًا ، وَتُعْتِقُ رَقَبَةً لَيْسَ فِي هَذِهِ الْجُمْلَةِ اخْتِلَافٌ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ نَعْلَمُهُ ، إلَّا مَا كَانَ مِنْ قَوْلِ مَنْ لَمْ يُوجِبْ عِتْقَ الرَّقَبَةِ ، عَلَى مَا قَدَّمْنَا ، وَذَلِكَ لِأَنَّهَا أَسْقَطَتْ الْجَنِينَ بِفِعْلِهَا وَجِنَايَتِهَا ، فَلَزِمَهَا ضَمَانُهُ بِالْغُرَّةِ ، كَمَا لَوْ جَنَى عَلَيْهِ غَيْرُهَا ، وَلَا تَرِثُ مِنْ الْغُرَّةِ شَيْئًا ؛ لِأَنَّ الْقَاتِلَ لَا يَرِثُ الْمَقْتُولَ ، وَتَكُونُ الْغُرَّةُ لِسَائِرِ وَرَثَتِهِ ، وَعَلَيْهَا عِتْقُ رَقَبَةٍ ؛ كَمَا قَدَّمْنَا .\rوَلَوْ كَانَ الْجَانِي الْمُسْقِطُ لِلْجَنِينِ أَبَاهُ ، أَوْ غَيْرَهُ مِنْ وَرَثَتِهِ ، فَعَلَيْهِ غُرَّةٌ ، لَا يَرِثُ مِنْهَا شَيْئًا ، وَيُعْتِقُ رَقَبَةً .\rوَهَذَا قَوْلُ الزُّهْرِيِّ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَغَيْرِهِمَا .\r( 6865 ) فَصْلٌ : وَإِنْ جَنَى عَلَى بَهِيمَةٍ ، فَأَلْقَتْ جَنِينَهَا ، فَفِيهِ مَا نَقَصَهَا ، فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rوَحُكِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ ، أَنَّ فِيهِ عُشْرَ قِيمَةِ أُمِّهِ ؛ لِأَنَّهُ جِنَايَةٌ عَلَى حَيَوَانٍ يَمْلِك بَيْعَهُ أَسْقَطَتْ جَنِينَهُ ، أَشْبَهَ جَنِينَ الْأَمَةِ .\rوَهَذَا لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ الْجِنَايَةَ عَلَى الْأَمَةِ تُقَدَّرُ مِنْ قِيمَتِهَا ، فَفِي يَدِهَا نِصْفُ قِيمَتِهَا ، وَفِي مُوضِحَتِهَا نِصْفُ عُشْرِ قِيمَتِهَا ، بِقَدْرِ جَنِينِهَا مِنْ قِيمَتِهَا ، كَبَعْضِ أَعْضَائِهَا ، وَالْبَهِيمَةُ إنَّمَا يَجِبُ فِي الْجِنَايَةِ عَلَيْهَا قَدْرُ نَقْصِهَا ، فَكَذَلِكَ فِي جَنِينِهَا ، وَلِأَنَّ الْأَمَةَ آدَمِيَّةٌ ، أُلْحِقَتْ بِالْأَحْرَارِ فِي تَقْدِيرِ أَعْضَائِهَا مِنْ دِيَتِهَا ، وَالْبَهِيمَةُ بِخِلَافِ ذَلِكَ .","part":19,"page":154},{"id":9154,"text":"( 6866 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : وَإِذَا رَمَى ثَلَاثَةٌ بِالْمَنْجَنِيقِ ، فَرَجَعَ الْحَجَرُ ، فَقَتَلَ رَجُلًا ، فَعَلَى عَاقِلَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ثُلُثُ الدِّيَةِ ، وَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عِتْقُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فِي مَالِهِ أَمَّا عِتْقُ رَقَبَةٍ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ، فَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مُشَارِكٌ فِي إتْلَافِ آدَمِيٍّ مَعْصُومٍ ، وَالْكَفَّارَةُ لَا تَتَبَعَّضُ ، فَكَمُلَتْ فِي حَقِّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ، ثُمَّ لَا يَخْلُو مِنْ حَالَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، أَنْ يَقْتُلَ وَاحِدًا مِنْهُمْ .\rوَالثَّانِي : أَنْ يَقْتُلَ وَاحِدًا مِنْ غَيْرِهِمْ .\rفَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ عِتْقُ رَقَبَةٍ ، كَمَا ذَكَرْنَا ، وَالدِّيَةُ عَلَى عَوَاقِلِهِمْ أَثْلَاثًا ؛ لِأَنَّ الْعَاقِلَةَ تَحْمِلُ الثُّلُثَ فَمَا زَادَ ، سَوَاءٌ قَصَدُوا رَمْيَ وَاحِدٍ بِعَيْنِهِ ، أَوْ رَمْيَ جَمَاعَةٍ ، أَوْ لَمْ يَقْصِدُوا ذَلِكَ ، إلَّا أَنَّهُمْ إنْ لَمْ يَقْصِدُوا قَتْلَ آدَمِيٍّ مَعْصُومٍ ، فَهُوَ خَطَأٌ دِيَتُهُ دِيَةُ الْخَطَإِ ، وَإِنْ قَصَدُوا رَمْيَ جَمَاعَةٍ أَوْ وَاحِدٍ بِعَيْنِهِ ، فَهُوَ شِبْهُ عَمْدٍ ؛ لِأَنَّ قَصْدَ الْوَاحِدِ بِعَيْنِهِ بِالْمَنْجَنِيقِ لَا يَكَادُ يُفْضِي إلَى إتْلَافِهِ ، فَتَكُونُ دِيَتُهُ مُغَلَّظَةً عَلَى الْعَاقِلَةِ ، إلَّا أَنَّهَا فِي ثَلَاثِ سِنِينَ .\rوَعَلَى قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ ، لَا تَحْمِلُ الْعَاقِلَةُ دِيَةَ شِبْهِ الْعَمْدِ ، فَلَا تَحْمِلُهُ هَاهُنَا .\rالثَّانِي : أَنْ يُصِيبَ رَجُلًا مِنْهُمْ ، فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ كَفَّارَةٌ أَيْضًا ، وَلَا تَسْقُطُ عَمَّنْ أَصَابَهُ الْحَجَرُ ؛ لِأَنَّهُ شَارَكَ فِي قَتْلِ نَفْسٍ مُؤْمِنَةٍ ، وَالْكَفَّارَةُ إنَّمَا تَجِبُ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى ، فَوَجَبَتْ عَلَيْهِ بِالْمُشَارَكَةِ فِي نَفْسِهِ ، كَوُجُوبِهَا بِالْمُشَارَكَةِ فِي قَتْلِ غَيْرِهِ .\rوَأَمَّا الدِّيَةُ ، فَفِيهَا ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ ، أَحَدُهَا ، أَنَّ عَلَى عَاقِلَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ثُلُثَ دِيَتِهِ لِوَرَثَةِ الْمَقْتُولِ ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مُشَارِكٌ فِي قَتْلِ نَفْسٍ مُؤْمِنَةٍ خَطَأً ، فَلَزِمَتْهُ دِيَتُهَا ، كَالْأَجَانِبِ .","part":19,"page":155},{"id":9155,"text":"وَهَذَا يَنْبَنِي عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ ، فِي أَنَّ جِنَايَةَ الْمَرْءِ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ أَهْلِهِ خَطَأً يَحْمِل عَقْلَهَا عَاقِلَتُهُ الْوَجْهُ الثَّانِي : أَنَّ مَا قَابَلَ فِعْلَ الْمَقْتُولِ سَاقِطٌ ، لَا يَضْمَنُهُ أَحَدٌ ؛ لِأَنَّهُ شَارَكَ فِي إتْلَافِ حَقِّهِ ، فَلَمْ يَضْمَنْ مَا قَابَلَ فِعْلَهُ ، كَمَا لَوْ شَارَكَ فِي قَتْلِ بَهِيمَتِهِ أَوْ عَبْدِهِ .\rوَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي \" الْمُجَرَّدِ \" ، وَلَمْ يَذْكُرْ غَيْرَهُ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rالثَّالِثُ : أَنْ يُلْغَى فِعْلُ الْمَقْتُولِ فِي نَفْسِهِ ، وَتَجِبَ دِيَتُهُ بِكَمَالِهَا عَلَى عَاقِلَةِ الْآخَرِينَ نِصْفَيْنِ .\rقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : هَذَا قِيَاسُ الْمَذْهَبِ ، بِنَاءً عَلَى مَسْأَلَةِ الْمُتَصَادِمَيْنِ .\rوَاَلَّذِي ذَكَرَهُ الْقَاضِي أَحْسَنُ ، وَأَصَحُّ فِي النَّظَرِ ، وَقَدْ رُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي مَسْأَلَةِ الْقَارِضَةِ وَالْقَابِضَةِ وَالْوَاقِصَةِ ، قَالَ الشَّعْبِيُّ : وَذَلِكَ أَنَّ ثَلَاثَ جَوَارٍ اجْتَمَعْنَ فَأَرِنَّ ، فَرَكِبَتْ إحْدَاهُنَّ عَلَى عُنُقِ أُخْرَى ، وَقَرَصَتْ الثَّالِثَةُ الْمَرْكُوبَةَ ، فَقَمَصَتْ ، فَسَقَطَتْ الرَّاكِبَةُ ، فَوُقِصَتْ عُنُقُهَا ، فَمَاتَتْ ، فَرُفِعَ ذَلِكَ إلَى عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَضَى بِالدِّيَةِ أَثْلَاثًا عَلَى عَوَاقِلِهِنَّ ، وَأَلْغَى الثُّلُثَ الَّذِي قَابَلَ فِعْلَ الْوَاقِصَةِ ؛ لِأَنَّهَا أَعَانَتْ عَلَى قَتْلِ نَفْسِهَا .\rوَهَذِهِ شَبِيهَةٌ بِمَسْأَلَتِنَا ، وَلِأَنَّ الْمَقْتُولَ مُشَارِكٌ فِي الْقَتْلِ ، فَلَمْ تَكْمُلْ الدِّيَةُ عَلَى شَرِيكَيْهِ ، كَمَا لَوْ قَتَلُوا وَاحِدًا مِنْ غَيْرِهِمْ .\rوَإِنْ رَجَعَ الْحَجَرُ ، فَقَتَلَ اثْنَيْنِ مِنْ الرُّمَاةِ ، فَعَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ ، تَجِبُ دِيَتُهُمَا عَلَى عَوَاقِلِهِمَا أَثْلَاثًا ، وَعَلَى كُلّ وَاحِدٍ كَفَّارَتَانِ .\rوَعَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي : تَجِبُ عَلَى عَاقِلَةِ الْحَيِّ مِنْهُمْ ، لِكُلِّ مَيِّتٍ ثُلُثُ دِيَتِهِ ، وَعَلَى عَاقِلَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمَيِّتَيْنِ ثُلُثُ دِيَةِ صَاحِبِهِ ، وَيُلْغَى فِعْلُهُ فِي نَفْسِهِ .\rوَعَلَى الْوَجْهِ الثَّالِثِ ، عَلَى عَاقِلَةِ الْحَيِّ","part":19,"page":156},{"id":9156,"text":"لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمَيِّتَيْنِ نِصْفُ الدِّيَةِ ، وَيَجِبُ عَلَى عَاقِلَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمَيِّتَيْنِ نِصْفُ الدِّيَةِ لِصَاحِبِهِ .\r( 6867 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : وَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةٍ ، فَالدِّيَةُ حَالَّةٌ فِي أَمْوَالِهِمْ هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ فِي الْمَذْهَبِ ، سَوَاءٌ كَانَ الْمَقْتُولُ مِنْهُمْ أَوْ مِنْ غَيْرِهِمْ ، إلَّا أَنَّهُ إذَا كَانَ مِنْهُمْ ، يَكُونُ فِعْلُ الْمَقْتُولِ فِي نَفْسِهِ هَدَرًا ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ لِنَفْسِهِ شَيْءٌ ، وَيَكُونُ بَاقِي الدِّيَةِ فِي أَمْوَالِ شُرَكَائِهِ حَالًّا ؛ لِأَنَّ التَّأْجِيلَ فِي الدِّيَاتِ إنَّمَا يَكُونُ فِيمَا تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ ، وَهَذَا لَا تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ ؛ لِأَنَّهَا لَا تَحْمِلُ مَا دُونَ الثُّلُثِ ، وَالْقَدْرُ اللَّازِمُ لِكُلِّ وَاحِدٍ دُونَ الثُّلُثِ .\rوَذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ فِيهَا رِوَايَةً أُخْرَى : أَنَّ الْعَاقِلَةَ تَحْمِلُهَا ؛ لِأَنَّ الْجِنَايَةَ فِعْلٌ وَاحِدٌ ، أَوْجَبَ دِيَةً تَزِيدُ عَلَى الثُّلُثِ .\rوَالصَّحِيحُ هُوَ الْأَوَّلُ ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَخْتَصُّ بِمُوجَبِ فِعْلِهِ دُونَ فِعْلِ شُرَكَائِهِ ، وَحَمْلُ الْعَاقِلَةِ إنَّمَا شُرِعَ لِلتَّخْفِيفِ عَنْ الْجَانِي فِيمَا يَشُقُّ وَيَثْقُلُ ، وَمَا دُونَ الثُّلُثِ يَسِيرٌ ، عَلَى مَا أَسْلَفْنَاهُ ، وَاَلَّذِي يَلْزَمُ كُلَّ وَاحِدٍ أَقَلُّ مِنْ الثُّلُثِ .\rوَأَمَّا قَوْلُهُ : إنَّهُ فِعْلٌ وَاحِدٌ .\rقُلْنَا : بَلْ هِيَ أَفْعَالٌ ؛ لِأَنَّ فِعْلَ كُلِّ وَاحِدٍ غَيْرُ فِعْلِ الْآخَرِ ، وَإِنَّمَا مُوجِبُ الْجَمِيعِ وَاحِدٌ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ جَرَحَهُ كُلُّ وَاحِدٍ جُرْحًا فَاتَتْ النَّفْسُ بِجَمِيعِهَا .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَالضَّمَانُ يَتَعَلَّقُ بِمَنْ مَدَّ الْحِبَالَ ، وَرَمَى الْحَجَرَ دُونَ مَنْ وَضَعَهُ فِي الْكِفَّةِ ، وَأَمْسَكَ الْخَشَبَةَ ، اعْتِبَارًا بِالْمُبَاشِرِ .\rكَمَنْ وَضَعَ سَهْمًا فِي قَوْسِ رَجُلٍ ، وَرَمَاهُ صَاحِبُ الْقَوْسِ ، فَالضَّمَانُ عَلَى الرَّامِي دُونَ الْوَاضِعِ .","part":19,"page":157},{"id":9157,"text":"( 6868 ) فَصْلٌ : إذَا سَقَطَ رَجُلٌ فِي بِئْرٍ ، فَسَقَطَ عَلَيْهِ آخَرُ فَقَتَلَهُ ، فَعَلَيْهِ ضَمَانُهُ ؛ لِأَنَّهُ قَتَلَهُ فَضَمِنَهُ ، كَمَا لَوْ رَمَى عَلَيْهِ حَجَرًا ، ثُمَّ يُنْظَر ؛ فَإِنْ كَانَ عَمَدَ رَمْيَ نَفْسِهِ عَلَيْهِ ، وَهُوَ مِمَّا يَقْتُلُ غَالِبًا ، فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يَقْتُلُ غَالِبًا ، فَهُوَ شِبْهُ عَمْدٍ ، وَإِنْ وَقَعَ خَطَأً ، فَالدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَتِهِ مُخَفَّفَةً .\rوَإِنْ مَاتَ الثَّانِي بِوُقُوعِهِ عَلَى الْأَوَّلِ ، فَدَمُهُ هَدَرٌ ؛ لِأَنَّهُ مَاتَ بِفِعْلِهِ .\rوَقَدْ رَوَى عَلِيُّ بْنُ رَبَاحٍ اللَّخْمِيُّ ، أَنَّ رَجُلًا كَانَ يَقُودُ أَعْمَى ، فَوَقَعَا فِي بِئْرٍ ؛ خَرَّ الْبَصِيرُ ، وَوَقَعَ الْأَعْمَى فَوْقَ الْبَصِيرِ ، فَقَتَلَهُ ، فَقَضَى عُمَرُ بِعَقْلِ الْبَصِيرِ عَلَى الْأَعْمَى ، فَكَانَ الْأَعْمَى يُنْشِدُ فِي الْمَوْسِمِ : يَا أَيُّهَا النَّاسُ لَقِيتُ مُنْكَرَا هَلْ يَعْقِلُ الْأَعْمَى الصَّحِيحَ الْمُبْصِرَا خَرَّا مَعًا كِلَاهُمَا تَكَسَّرَا وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ الزُّبَيْرِ ، وَشُرَيْحٍ ، وَالنَّخَعِيِّ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَإِسْحَاقَ .\rوَلَوْ قَالَ قَائِلٌ : لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى ضَمَانُ الْبَصِيرِ ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي قَادَهُ إلَى الْمَكَانِ الَّذِي وَقَعَا فِيهِ ، وَكَانَ سَبَبَ وُقُوعِهِ عَلَيْهِ ، وَلِذَلِكَ لَوْ فَعَلَهُ قَصْدًا لَمْ يَضْمَنْهُ ، بِغَيْرِ خِلَافٍ ، وَكَانَ عَلَيْهِ ضَمَانُ الْأَعْمَى ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ سَبَبًا لَمْ يَلْزَمْهُ ضَمَانٌ بِقَصْدِهِ .\rلَكَانَ لَهُ وَجْهٌ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ مُجْمَعًا عَلَيْهِ ، فَلَا تَجُوزُ مُخَالَفَةُ الْإِجْمَاعِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ إنَّمَا لَمْ يَجِبْ الضَّمَانُ عَلَى الْقَائِدِ لِوَجْهَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، أَنَّهُ مَأْذُونٌ فِيهِ مِنْ جِهَةِ الْأَعْمَى ، فَلَمْ يَضْمَنْ مَا تَلِفَ بِهِ ، كَمَا لَوْ حَفَرَ لَهُ بِئْرًا فِي دَارِهِ بِإِذْنِهِ ، فَتَلِفَ بِهَا .\rالثَّانِي : أَنَّهُ فِعْلٌ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ ، مَأْمُورٌ بِهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ حَفَرَ بِئْرًا فِي سَابِلَةٍ يَنْتَفِعُ بِهَا الْمُسْلِمُونَ ، فَإِنَّهُ لَا يَضْمَنُ مَا تَلِفَ بِهَا .","part":19,"page":158},{"id":9158,"text":"( 6869 ) فَصْل : فَإِنْ سَقَطَ رَجُلٌ فِي بِئْرٍ ، فَتَعَلَّقَ بِآخَرَ ، فَوَقَعَا مَعًا ، فَدَمُ الْأَوَّلِ هَدَرٌ ؛ لِأَنَّهُ مَاتَ مِنْ فِعْلِهِ ، وَعَلَى عَاقِلَتِهِ دِيَةُ الثَّانِي إنَّ مَاتَ ؛ لِأَنَّهُ قَتَلَهُ بِجَذْبَتِهِ .\rفَإِنْ تَعَلَّقَ الثَّانِي بِثَالِثِ ، فَمَاتُوا جَمِيعًا ، فَلَا شَيْءَ عَلَى الثَّالِثِ ، وَعَلَى عَاقِلَةِ الثَّانِي دِيَتُهُ ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ جَذَبَهُ وَبَاشَرَهُ بِالْجَذْبِ ، وَالْمُبَاشَرَةُ تَقْطَعُ حُكْمَ السَّبَبِ ، كَالْحَافِرِ مَعَ الدَّافِعِ ، وَالثَّانِي دِيَتُهُ عَلَى عَاقِلَةِ الْأَوَّلِ ، وَالثَّانِي نِصْفَيْنِ ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ جَذَبَ الثَّانِيَ الْجَاذِبَ لِلثَّالِثِ ، فَصَارَ مُشَارِكًا لِلثَّانِي فِي إتْلَافِهِ .\rوَدِيَةُ الثَّانِي عَلَى عَاقِلَةِ الْأَوَّلِ ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ هَلَكَ بِجَذْبَتِهِ ، وَإِنْ هَلَكَ بِسُقُوطِ الثَّالِثِ عَلَيْهِ ، فَقَدْ هَلَكَ بِجَذْبَةِ الْأَوَّلِ وَجَذْبَةِ نَفْسِهِ لِلثَّالِثِ ، فَسَقَطَ فِعْلُ نَفْسِهِ ، كَالْمُصْطَدَمِينَ ، وَتَجِبُ دِيَتُهُ بِكَمَالِهَا عَلَى الْأَوَّلِ .\rذَكَرَهُ الْقَاضِي .\rوَالْوَجْهُ الثَّانِي : يَجِبُ عَلَى الْأَوَّلِ نِصْفُ دِيَتِهِ ، وَيُهْدَرُ نِصْفُهَا فِي مُقَابِلَةِ فِعْلِ نَفْسِهِ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rوَيَتَخَرَّجُ وَجْهٌ ثَالِثٌ ، وَهُوَ وُجُوبُ نِصْفِ دِيَتِهِ عَلَى عَاقِلَتِهِ لِوَرَثَتِهِ ، كَمَا قُلْنَا فِيمَا إذَا رَمَى ثَلَاثَةٌ بِالْمَنْجَنِيقِ ، فَقَتَلَ الْحَجَرُ أَحَدَهُمْ .\rوَأَمَّا الْأَوَّلُ إذَا مَاتَ بِوُقُوعِهِمَا عَلَيْهِ ، فَفِيهِ الْأَوْجُهُ الثَّلَاثَةُ ؛ لِأَنَّهُ مَاتَ مِنْ جَذْبَتِهِ وَجَذْبَةِ الثَّانِي لِلثَّالِثِ ، فَتَجِبُ دِيَتُهُ كُلُّهَا عَلَى عَاقِلَةِ الثَّانِي : وَيُلْغَى فِعْلُ نَفْسِهِ ، عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ .\rوَعَلَى الثَّانِي : يُهْدَرُ نِصْفُ دِيَتِهِ الْمُقَابِلُ لِفِعْلِ نَفْسِهِ ، وَيَجِبُ نِصْفُهَا عَلَى الثَّانِي : وَعَلَى الثَّالِثِ ، يَجِبُ نِصْفُهَا عَلَى عَاقِلَتِهِ لِوَرَثَتِهِ .\rوَإِنْ جَذَبَ الثَّالِثُ رَابِعًا ، فَمَاتَ جَمِيعُهُمْ بِوُقُوعِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ ، فَلَا شَيْءَ عَلَى الرَّابِعِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ شَيْئًا فِي","part":19,"page":159},{"id":9159,"text":"نَفْسِهِ وَلَا غَيْرِهِ ، وَفِي دِيَتِهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ؛ أَنَّهَا عَلَى عَاقِلَةِ الثَّالِثِ الْمُبَاشِرِ لِجَذْبِهِ .\rوَالثَّانِي : عَلَى عَاقِلَةِ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي وَالثَّالِثِ ؛ لِأَنَّهُ مَاتَ مِنْ جَذْبِ الثَّلَاثَةِ ، فَكَانَتْ دِيَتُهُ عَلَى عَوَاقِلِهِمْ .\rوَأَمَّا الْأَوَّلُ فَقَدْ مَاتَ بِجَذْبَتِهِ وَجَذْبَةِ الثَّانِي وَجَذْبَةِ الثَّالِثِ ، فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ ؛ أَحَدُهَا ، أَنَّهُ يُلْغَى فِعْلُ نَفْسِهِ ، وَتَجِبُ دِيَتُهُ عَلَى عَاقِلَةِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ نِصْفَيْنِ .\rالثَّانِي : يَجِبُ عَلَى عَاقِلَتِهِمَا ثُلُثَاهَا ، وَيَسْقُطُ مَا قَابَلَ فِعْلَ نَفْسِهِ ، الثَّالِثُ : يَجِبُ ثُلُثهَا عَلَى عَاقِلَتِهِ لِوَرَثَتِهِ .\rوَأَمَّا الْجَاذِبُ الثَّانِي : فَقَدْ مَاتَ بِالْأَفْعَالِ الثَّلَاثَةِ ، وَفِيهِ هَذِهِ الْأَوْجُهُ الْمَذْكُورَةُ فِي الْأَوَّلِ سَوَاءً .\rوَأَمَّا الثَّالِثُ : فَفِيهِ مِثْلُ هَذِهِ الْأَوْجُهِ الثَّلَاثَةِ ، وَوَجْهَانِ آخَرَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، أَنَّ دِيَتَهُ بِكَمَالِهَا عَلَى الثَّانِي ؛ لِأَنَّهُ الْمُبَاشِرُ لِجَذْبِهِ ، فَسَقَطَ فِعْلُ غَيْرِهِ بِفِعْلِهِ .\rوَالثَّانِي أَنَّ عَلَى عَاقِلَتِهِ نِصْفَهَا ، وَيَسْقُطُ النِّصْفُ الثَّانِي فِي مُقَابَلَةِ فِعْلِهِ فِي نَفْسِهِ .\r( 6870 ) فَصْلٌ : وَإِنْ وَقَعَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ ، فَمَاتُوا ، نَظَرْت ؛ فَإِنْ كَانَ مَوْتُهُمْ بِغَيْرِ وُقُوعِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ ، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ الْبِئْرُ عَمِيقًا يَمُوتُ الْوَاقِعُ فِيهِ بِنَفْسِ الْوُقُوعِ ، أَوْ كَانَ فِيهِ مَاءٌ يُغْرِقُ الْوَاقِعَ فَيَقْتُلُهُ ، أَوْ أَسَدٌ يَأْكُلُهُمْ ، فَلَيْسَ عَلَى بَعْضِهِمْ ضَمَانُ بَعْضٍ ؛ لِعَدَمِ تَأْثِيرِ فِعْلِ بَعْضِهِمْ فِي هَلَاكِ بَعْضٍ ، وَإِنْ شَكَكْنَا فِي ذَلِكَ ، لَمْ يَضْمَنْ بَعْضُهُمْ بَعْضًا ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ فَلَا نَشْغَلُهَا بِالشَّكِّ .\rوَإِنْ كَانَ مَوْتُهُمْ بِوُقُوعِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ ، فَدَمُ الرَّابِعِ هَدَرٌ ؛ لِأَنَّ غَيْرَهُ لَمْ يَفْعَلْ فِيهِ شَيْئًا ، وَإِنَّمَا هَلَكَ بِفِعْلِهِ ، وَعَلَيْهِ دِيَةُ الثَّالِثِ ؛ لِأَنَّهُ قَتَلَهُ بِوُقُوعِهِ عَلَيْهِ ، وَدِيَةُ الثَّانِي عَلَيْهِ وَعَلَى","part":19,"page":160},{"id":9160,"text":"الثَّالِثِ نِصْفَيْنِ ، وَدِيَةُ الْأَوَّلِ عَلَى الثَّلَاثَةِ أَثْلَاثًا .\r( 6871 ) فَصْلٌ : وَإِنْ هَلَكُوا بِأَمْرٍ فِي الْبِئْرِ ، مِثْلِ أَسَدٍ كَانَ فِيهِ ، وَكَانَ الْأَوَّلُ جَذَبَ الثَّانِي ، وَالثَّانِي جَذَبَ الثَّالِثَ ، وَالثَّالِثُ جَذَبَ الرَّابِعَ ، فَقَتَلَهُمْ الْأَسَدُ ، فَلَا شَيْءَ عَلَى الرَّابِعِ ، وَدِيَتُهُ عَلَى عَاقِلَةِ الثَّالِثِ ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ ، وَفِي الثَّانِي : عَلَى عَوَاقِلِ الثَّلَاثَةِ أَثْلَاثًا ، وَدَمُ الْأَوَّلِ هَدَرٌ ، عَلَى عَاقِلَتِهِ دِيَةُ الثَّانِي .\rوَأَمَّا دِيَةُ الثَّالِثِ ، فَعَلَى الثَّانِي : فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ ، وَفِي الْآخَرِ ، عَلَى الْأَوَّلِ وَالثَّانِي نِصْفَيْنِ .\rوَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تُسَمَّى مَسْأَلَةَ الزُّبْيَةِ ، وَقَدْ رَوَى حَنَشٌ الصَّنْعَانِيُّ ، { أَنَّ قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ ، حَفَرُوا زُبْيَةً لِلْأَسَدِ ، فَاجْتَمَعَ النَّاسُ عَلَى رَأْسِهَا ، فَهَوَى فِيهَا وَاحِدٌ ، فَجَذَبَ ثَانِيًا ، فَجَذَبَ الثَّانِي ثَالِثًا ، ثُمَّ جَذَبَ الثَّالِثُ رَابِعًا ، فَقَتَلَهُمْ الْأَسَدُ ، فَرُفِعَ ذَلِكَ إلَى عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَالَ : لِلْأَوَّلِ رُبْعُ الدِّيَةِ ؛ لِأَنَّهُ هَلَكَ فَوْقَهُ ثَلَاثَةٌ ، وَلِلثَّانِي ثُلُثُ الدِّيَةِ ؛ لِأَنَّهُ هَلَكَ فَوْقَهُ اثْنَانِ ، وَلِلثَّالِثِ نِصْفُ الدِّيَةِ ، لِأَنَّهُ هَلَكَ فَوْقَهُ وَاحِدٌ ، وَلِلرَّابِعِ كَمَالُ الدِّيَةِ .\rوَقَالَ : فَإِنِّي أَجْعَلُ الدِّيَةَ عَلَى مَنْ حَضَرَ رَأْسَ الْبِئْرِ .\rفَرُفِعَ ذَلِكَ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : هُوَ كَمَا قَالَ } .\rرَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ .\rقَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ ، وَأَبُو الْأَحْوَصِ ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ ، عَنْ حَنَشٍ ، بِنَحْوِ هَذَا الْمَعْنَى .\rقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : فَذَهَبَ أَحْمَدُ إلَى ذَلِكَ تَوْقِيفًا عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ ، وَالْقِيَاسُ مَا ذَكَرْنَاهُ .","part":19,"page":161},{"id":9161,"text":"( 6872 ) فَصْلٌ : وَيَجِبُ الضَّمَانُ بِالسَّبَبِ ، كَمَا يَجِبُ بِالْمُبَاشَرَةِ ، فَإِذَا حَفَرَ بِئْرًا فِي طَرِيقٍ لِغَيْرِ مَصْلَحَةِ الْمُسْلِمِينَ ، أَوْ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ ، أَوْ وَضَعَ فِي ذَلِكَ حَجَرًا أَوْ حَدِيدَةً ، أَوْ صَبَّ فِيهِ مَاءً ، أَوْ وَضَعَ فِيهِ قِشْرَ بِطِّيخٍ أَوْ نَحْوَهُ ، وَهَلَكَ فِيهِ إنْسَانٌ أَوْ دَابَّةٌ ، ضَمِنَهُ ؛ لِأَنَّهُ تَلِفَ بِعُدْوَانِهِ فَضَمِنَهُ ، كَمَا لَوْ جَنَى عَلَيْهِ .\rرُوِيَ عَنْ شُرَيْحٍ ، أَنَّهُ ضَمَّنَ رَجُلًا حَفَرَ بِئْرًا ، فَوَقَعَ فِيهَا رَجُلٌ فَمَاتَ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .\rوَبِهِ قَالَ النَّخَعِيّ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَحَمَّادٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ .\rوَإِنْ وَضَعَ رَجُلٌ حَجَرًا ، وَحَفَرَ آخَرُ بِئْرًا ، أَوْ نَصَبَ سِكِّينًا ، فَعَثَرَ بِالْحَجَرِ ، فَوَقَعَ فِي الْبِئْرِ ، أَوْ عَلَى السِّكِّينِ ، فَهَلَكَ ، فَالضَّمَانُ عَلَى وَاضِعِ الْحَجَرِ دُونَ الْحَافِرِ وَنَاصِبِ السِّكِّينِ ؛ لِأَنَّ وَاضِعَ الْحَجَرِ كَالدَّافِعِ لَهُ ، وَإِذَا اجْتَمَعَ الْحَافِرُ وَالدَّافِعُ فَالضَّمَانُ عَلَى الدَّافِعِ وَحْدَهُ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَلَوْ وَضَعَ رَجُلٌ حَجَرًا ، ثُمَّ حَفَرَ عِنْدَهُ آخَرُ بِئْرًا ، أَوْ نَصَبَ سِكِّينًا ، فَعَثَرَ بِالْحَجَرِ ، فَسَقَطَ عَلَيْهِمَا ، فَهَلَكَ ، احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ كَذَلِكَ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا .\rوَاحْتَمَلَ أَنْ يَضْمَنَ الْحَافِرُ وَنَاصِبُ السِّكِّينِ ؛ لِأَنَّ فِعْلَهُمَا مُتَأَخِّرٌ عَنْ فِعْلِهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَ زِقٌّ فِيهِ مَائِعٌ وَهُوَ وَاقِفٌ ، فَحَلَّ وِكَاءَهُ إنْسَانٌ ، وَأَمَالَهُ آخَرُ ، فَسَالَ مَا فِيهِ ، كَانَ الضَّمَانُ عَلَى الْآخِرِ مِنْهُمَا .\rوَإِنْ وَضَعَ إنْسَانٌ حَجَرًا أَوْ حَدِيدَةً فِي مِلْكِهِ ، أَوْ حَفَرَ فِيهِ بِئْرًا ، فَدَخَلَ إنْسَانٌ بِغَيْرِ إذْنِهِ ، فَهَلَكَ بِهِ ، فَلَا ضَمَانَ عَلَى الْمَالِكِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَدَّ ، وَإِنَّمَا الدَّاخِلُ هَلَكَ بِعُدْوَانِ نَفْسِهِ ، وَإِنْ وَضَعَ حَجَرًا فِي مِلْكِهِ ، وَنَصَبَ أَجْنَبِيٌّ فِيهِ سِكِّينًا ، أَوْ حَفَرَ بِئْرًا بِغَيْرِ إذْنِهِ ، فَعَثَرَ رَجُلٌ بِالْحَجَرِ","part":19,"page":162},{"id":9162,"text":"، فَوَقَعَ عَلَى السِّكِّينِ أَوْ فِي الْبِئْرِ ، فَالضَّمَانُ عَلَى الْحَافِرِ وَنَاصِبِ السِّكِّينِ ، لِتَعَدِّيهِمَا ، إذَا لَمْ يَتَعَلَّقْ الضَّمَانُ بِوَاضِعِ الْحَجَرِ ؛ لِانْتِفَاءِ عُدْوَانِهِ .\rوَإِنْ اشْتَرَكَ جَمَاعَةٌ فِي عُدْوَانٍ تَلِفَ بِهِ شَيْءٌ ، فَالضَّمَانُ عَلَيْهِمْ .\rوَإِنْ وَضَعَ اثْنَانِ حَجَرًا ، وَوَاحِدٌ حَجَرًا ، فَعَثَرَ بِهِمَا إنْسَانٌ ، فَهَلَكَ ، فَالدِّيَةُ عَلَى عَوَاقِلِهِمْ أَثْلَاثًا ، فِي قِيَاسِ الْمَذْهَبِ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ ؛ لِأَنَّ السَّبَبَ حَصَلَ مِنْ الثَّلَاثَةِ أَثْلَاثًا ، فَوَجَبَ الضَّمَانُ عَلَيْهِمْ وَإِنْ اخْتَلَفَتْ أَفْعَالُهُمْ ، كَمَا لَوْ جَرَحَهُ وَاحِدٌ جُرْحَيْنِ ، وَجَرَحَهُ اثْنَانِ جُرْحَيْنِ ، فَمَاتَ بِهِمَا .\rوَقَالَ زُفَرُ : عَلَى الِاثْنَيْنِ النِّصْفُ ، وَعَلَى وَاضِعِ الْحَجَرِ وَحْدَهُ النِّصْفُ ؛ لِأَنَّ فِعْلَهُ مُسَاوٍ لَفِعْلِهِمَا .\rوَإِنْ حَفَرَ إنْسَانٌ بِئْرًا ، وَنَصَبَ آخَرُ سِكِّينًا ، فَوَقَعَ إنْسَانٌ فِي الْبِئْرِ عَلَى السِّكِّينِ ، فَمَاتَ ، فَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ : الضَّمَانُ عَلَى الْحَافِرِ ، لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الدَّافِعِ .\rوَهَذَا قِيَاسُ الْمَسَائِلِ الَّتِي قَبْلَهَا .\rوَنَصَّ أَحْمَدُ ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، عَلَى أَنَّ الضَّمَانَ عَلَيْهِمَا .\rقَالَ أَبُو بَكْرٍ : لِأَنَّهُمَا فِي مَعْنَى الْمُمْسِكِ وَالْقَاتِلِ ، الْحَافِرُ كَالْمُمْسِكِ ، وَنَاصِبُ السِّكِّينِ كَالْقَاتِلِ ، فَيَخْرُجُ مِنْ هَذَا أَنْ يَجِبَ الضَّمَانُ عَلَى جَمِيعِ الْمُتَسَبِّبِينَ فِي الْمَسَائِلِ السَّابِقَةِ .\r( 6873 ) فَصْلٌ : وَإِنْ حَفَرَ بِئْرًا فِي مِلْكِ نَفْسِهِ ، أَوْ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ بِإِذْنِهِ ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَعَدٍّ بِحَفْرِهَا .\rوَإِنْ حَفَرَهَا فِي مَوَاتٍ ، لَمْ يَضْمَنْ ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَعَدٍّ بِحَفْرِهَا .\rوَكَذَلِكَ إنْ وَضَعَ حَجَرًا ، أَوْ نَصَبَ شَرَكًا ، أَوْ شَبَكَةً ، أَوْ مِنْجَلًا ، لِيَصِيدَ بِهَا .\rوَإِنْ فَعَلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فِي طَرِيقٍ ضَيِّقٍ ، فَعَلَيْهِ ضَمَانُ مَنْ هَلَكَ بِهِ ؛ لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ .\rوَسَوَاءٌ أَذِنَ لَهُ الْإِمَامُ فِيهِ ، أَوْ لَمْ يَأْذَنْ ؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ لِلْإِمَامِ الْإِذْنُ","part":19,"page":163},{"id":9163,"text":"فِيمَا يَضُرُّ بِالْمُسْلِمِينَ ، وَلَوْ فَعَلَ ذَلِكَ الْإِمَامُ لَضَمِنَ مَا تَلِفَ بِهِ ؛ لِتَعَدِّيهِ .\rوَإِنْ كَانَ الطَّرِيقُ وَاسِعًا ، فَحَفَرَ فِي مَكَان مِنْهَا مَا يَضُرُّ بِالْمُسْلِمِينَ ، فَعَلَيْهِ الضَّمَانُ ؛ كَذَلِكَ .\rوَإِنْ حَفَرَ فِي مَوْضِعٍ لَا ضَرَرَ فِيهِ ، نَظَرْنَا ؛ فَإِنْ حَفَرَهَا لِنَفْسِهِ ، ضَمِنَ مَا تَلِفَ بِهَا ، سَوَاءٌ حَفَرَهَا بِإِذْنِ الْإِمَامِ أَوْ غَيْرِ إذْنِهِ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ : إنْ حَفَرَهَا بِإِذْنِ الْإِمَامِ ، لَمْ يَضْمَنْ ؛ لِأَنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَأْذَنَ فِي الِانْتِفَاعِ بِمَا لَا ضَرَرَ فِيهِ ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَأْذَنَ فِي الْقُعُودِ فِيهِ ، وَيُقْطِعَهُ لِمَنْ يَبِيعُ فِيهِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ تَلِفَ بِحَفْرِ حُفْرَةٍ فِي حَقٍّ مُشْتَرَكٍ ، بِغَيْرِ إذْنِ أَهْلِهِ ، لِغَيْرِ مَصْلَحَتِهِمْ ، فَضَمِنَ ، كَمَا لَوْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ الْإِمَامُ ، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَأْذَنَ فِي هَذَا ، وَإِنَّمَا يَأْذَنُ فِي الْقُعُودِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَدُومُ ، وَتُمْكِنُ إزَالَتُهُ فِي الْحَالِ ، فَأَشْبَهَ الْقُعُودَ فِي الْمَسْجِدِ ، وَلِأَنَّ الْقُعُودَ جَائِزٌ مِنْ غَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ ، بِخِلَافِ الْحَفْرِ .\rوَإِنْ حَفَرَ الْبِئْرَ لِنَفْعِ الْمُسْلِمِينَ ، مِثْلُ أَنْ يَحْفِرَهُ لِيَنْزِلَ فِيهِ مَاءُ الْمَطَرِ مِنْ الطَّرِيقِ ، أَوْ لِتَشْرَبَ مِنْهُ الْمَارَّةُ ، وَنَحْوُهَا ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ مُحْسِنٌ بِفِعْلِهِ ، غَيْرُ مُتَعَدٍّ بِحَفْرِهِ ، فَأَشْبَهَ بَاسِطَ الْحَصِيرِ فِي الْمَسْجِدِ .\rوَذَكَرَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ إذَا كَانَ بِإِذْنِ الْإِمَامِ ، وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ إذْنِهِ ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا : لَا يَضْمَنُ ، فَإِنَّ أَحْمَدَ قَالَ ، فِي رِوَايَةِ إِسْحَاقَ بْنِ إبْرَاهِيمَ : إذَا أَحْدَثَ بِئْرًا لِمَاءِ الْمَطَرِ ، فَفِيهِ نَفْعٌ لِلْمُسْلِمِينَ ، أَرْجُو أَنْ لَا يَضْمَنَ وَالثَّانِيَةُ : يَضْمَنُ .\rأَوْمَأَ إلَيْهِ أَحْمَدُ ؛ لِأَنَّهُ افْتَأَتَ عَلَى الْإِمَامِ .\rوَلَمْ يَذْكُرْ الْقَاضِي سِوَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ ، وَالصَّحِيحُ هُوَ الْأَوَّلُ ؛ لِأَنَّ هَذَا مِمَّا تَدْعُو الْحَاجَةُ","part":19,"page":164},{"id":9164,"text":"إلَيْهِ ، وَيَشُقُّ اسْتِئْذَانُ الْإِمَامِ فِيهِ ، وَتَعُمُّ الْبَلْوَى بِهِ ، فَفِي وُجُوبِ اسْتِئْذَانِ الْإِمَامِ فِيهِ تَفْوِيتٌ لِهَذِهِ الْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ ، لِأَنَّهُ لَا يَكَادُ يُوجَدُ مَنْ يَتَحَمَّلُ كُلْفَةَ اسْتِئْذَانِهِ وَكُلْفَةَ الْحَفْرِ مَعًا ، فَتَضِيعُ هَذِهِ الْمَصْلَحَةُ ، فَوَجَبَ إسْقَاطُ اسْتِئْذَانِهِ ، كَمَا فِي سَائِرِ الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ ، مِنْ بَسْطِ حَصِيرٍ فِي مَسْجِدٍ ، أَوْ تَعْلِيقِ قِنْدِيلٍ فِيهِ ، أَوْ وَضْعِ سِرَاجٍ ، أَوْ رَمِّ شَعَثٍ فِيهِ وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ .\rوَحُكْمُ الْبِنَاءِ فِي الطَّرِيقِ حُكْمُ الْحَفْرِ فِيهَا ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ التَّفْصِيلِ وَالْخِلَافِ ، وَهُوَ أَنَّهُ مَتَى بَنَى بِنَاءً يَضُرُّ ؛ إمَّا لِكَوْنِهِ فِي طَرِيقٍ ضَيِّقٍ ، أَوْ فِي وَاسِعٍ يَضُرُّ بِالْمَارَّةِ ، أَوْ بَنَى لِنَفْسِهِ ، فَقَدْ تَعَدَّى ، وَيَضْمَنُ مَا تَلِفَ بِهِ ، وَإِنْ بَنَى فِي طَرِيقٍ وَاسِعٍ ، فِي مَوْضِعٍ لَا يَضُرُّ الْبِنَاءُ فِيهِ ، لِنَفْعِ الْمُسْلِمِينَ ، كَبِنَاءِ مَسْجِدٍ يُحْتَاجُ إلَيْهِ لِلصَّلَاةِ فِيهِ فِي زَاوِيَةٍ وَنَحْوِهَا ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ ، وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ أَذِنَ فِيهِ الْإِمَامُ أَوْ لَمْ يَأْذَنْ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يُعْتَبَرَ إذْنُ الْإِمَامِ فِي الْبِنَاءِ لِنَفْعِ الْمُسْلِمِينَ دُونَ الْحَفْرِ ؛ لِأَنَّ الْحَفْرَ تَدْعُو الْحَاجَةُ إلَيْهِ لِنَفْعِ الطَّرِيقِ وَإِصْلَاحِهَا ، وَإِزَالَةِ الطِّينِ وَالْمَاءِ مِنْهَا ، بِخِلَافِ الْبِنَاءِ ، فَجَرَى حَفْرُهَا مَجْرَى تَنْقِيَتِهَا ، وَحَفْرِ هِدْفَةٍ مِنْهَا ، وَقَلْعِ حَجَرٍ يَضُرُّ بِالْمَارَّةِ ، وَوَضْعِ الْحَصَا فِي حُفْرَةٍ مِنْهَا لِيَمْلَأَهَا وَيُسَهِّلَهَا بِإِزَالَةِ الطِّينِ وَنَحْوِهِ مِنْهَا ، وَتَسْقِيفِ سَاقِيَةٍ فِيهَا ، وَوَضْعِ حَجَرٍ فِي طِينٍ فِيهَا لِيَطَأَ النَّاسُ عَلَيْهِ أَوْ يَعْبُرُوا عَلَيْهِ ، فَهَذَا كُلُّهُ مُبَاحٌ ، لَا يَضْمَنُ مَا تَلِفَ بِهِ .\rلَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا .\rوَكَذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِي بِنَاءِ الْقَنَاطِرِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يُعْتَبَرَ اسْتِئْذَانُ الْإِمَامِ ؛ لِأَنَّ مَصْلَحَتَهُ لَا يَعُمُّ وُجُودُهَا ، بِخِلَافِ غَيْرِهِ .\rوَإِنْ سَقَفَ مَسْجِدًا","part":19,"page":165},{"id":9165,"text":"، أَوْ فَرَشَ بَارِيَّةً فِيهِ ، أَوْ نَصَبَ عَلَيْهِ بَابًا ، أَوْ جَعَلَ فِيهِ رَفًّا لِيَنْفَعَ أَهْلَهُ ، أَوْ عَلَّقَ فِيهِ قِنْدِيلًا ، أَوْ بَنَى فِيهِ حَائِطًا ، فَتَلِفَ بِهِ شَيْءٌ ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ : إنْ فَعَلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ ، ضَمِنَ ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَضْمَنُ إذَا لَمْ يَأْذَنْ فِيهِ الْجِيرَانُ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ فِعْلٌ أَحْسَنَ بِهِ ، وَلَمْ يَتَعَدَّ فِيهِ ، فَلَمْ يَضْمَنْ مَا تَلِفَ بِهِ ، كَمَا لَوْ أَذِنَ فِيهِ الْإِمَامُ وَالْجِيرَانُ ، وَلِأَنَّ هَذَا مَأْذُونٌ فِيهِ مِنْ جِهَةِ الْعُرْفِ ، لِأَنَّ الْعَادَةَ جَارِيَةٌ بِالتَّبَرُّعِ بِهِ مِنْ غَيْرِ اسْتِئْذَانٍ ، فَلَمْ يَجِبْ ضَمَانٌ ، كَالْمَأْذُونِ فِيهِ نُطْقًا .","part":19,"page":166},{"id":9166,"text":"( 6874 ) فَصْلٌ : وَإِنْ حَفَرَ الْعَبْدُ بِئْرًا فِي مِلْكِ إنْسَانٍ ، بِغَيْرِ إذْنِهِ ، أَوْ فِي طَرِيقٍ يَتَضَرَّرُ بِهِ ، ثُمَّ أَعْتَقَهُ سَيِّدُهُ ، ثُمَّ تَلِفَ بِهَا شَيْءٌ ، ضَمِنَهُ الْعَبْدُ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : الضَّمَانُ عَلَى سَيِّدِهِ ؛ لِأَنَّ الْجِنَايَةَ هِيَ الْحَفْرُ فِي حَالِ رِقِّهِ ، وَكَانَ ضَمَانُ جِنَايَتِهِ حِينَئِذٍ عَلَى سَيِّدِهِ ، فَلَا يَزُولُ ذَلِكَ بِعِتْقِهِ ، كَمَا لَوْ جَرَحَ فِي حَالِ رِقِّهِ ، ثُمَّ سَرَى جُرْحُهُ بَعْدَ عِتْقِهِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ التَّلَفَ الْمُوجِبَ لِلضَّمَانِ وُجِدَ بَعْدَ إعْتَاقِهِ ، فَكَانَ الضَّمَانُ عَلَيْهِ ، كَمَا لَوْ اشْتَرَى سَيْفًا فِي حَالِ رِقِّهِ ، ثُمَّ قَتَلَ بِهِ بَعْدَ عِتْقِهِ ، وَفَارَقَ مَا قَاسُوا عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ الْإِتْلَافَ الْمُوجِبَ لِلضَّمَانِ وُجِدَ حَالَ رِقِّهِ ، وَهَاهُنَا حَصَلَ بَعْدَ عِتْقِهِ .\rوَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي نَصْبِ حَجَرٍ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ الْأَسْبَابِ الَّتِي يَجِبُ بِهَا الضَّمَانُ .","part":19,"page":167},{"id":9167,"text":"( 6875 ) فَصْلٌ : وَإِذَا حَفَرَ إنْسَانٌ بِئْرًا فِي مِلْكٍ مُشْتَرَكٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ ، بِغَيْرِ إذْنِهِ ، ضَمِنَ مَا تَلِفَ بِهِ جَمِيعَهُ .\rوَهَذَا قِيَاسُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَضْمَنُ مَا قَابَلَ نَصِيبَ شَرِيكِهِ ، فَلَوْ كَانَ لَهُ شَرِيكَانِ ، لَضَمِنَ ثُلُثَيْ التَّالِفِ ؛ لِأَنَّهُ تَعَدَّى فِي نَصِيبِ شَرِيكَيْهِ .\rوَقَالَ أَبُو يُوسُفَ : عَلَيْهِ نِصْفُ الضَّمَانِ ؛ لِأَنَّهُ تَلِفَ بِجِهَتَيْنِ ، فَكَانَ الضَّمَانُ نِصْفَيْنِ ، كَمَا لَوْ جَرَحَهُ وَاحِدٌ جُرْحًا ، وَجَرَحَهُ آخَرُ جُرْحَيْنِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ مُتَعَدٍّ بِالْحَفْرِ ، فَضَمِنَ الْوَاقِعَ فِيهَا ، كَمَا لَوْ كَانَ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ ، وَالشَّرِكَةُ أَوْجَبَتْ تَعَدِّيهِ بِجَمِيعِ الْحَفْرِ ، فَكَانَ مُوجِبًا لِجَمِيعِ الضَّمَانِ .\rوَيَبْطُلُ مَا ذَكَرَهُ أَبُو يُوسُفَ ، بِمَا لَوْ حَفَرَهُ فِي طَرِيقٍ مُشْتَرَكٍ ، فَإِنَّ لَهُ فِيهَا حَقًّا ، وَمَعَ ذَلِكَ يَضْمَنُ الْجَمِيعَ .\rوَالْحُكْمُ فِيمَا إذَا أَذِنَ لَهُ بَعْضُ الشُّرَكَاءِ فِي الْحَفْرِ دُونَ بَعْضٍ ، كَالْحُكْمِ فِيمَا إذَا حَفَرَ فِي مِلْكٍ مُشْتَرَكٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ ؛ لِكَوْنِهِ لَا يُبَاحُ الْحَفْرُ وَلَا التَّصَرُّفُ حَتَّى يَأْذَنَ الْجَمِيعُ .","part":19,"page":168},{"id":9168,"text":"( 6876 ) فَصْلٌ : وَإِذَا حَفَرَ بِئْرًا فِي مِلْكِ إنْسَانٍ ، أَوْ وَضَعَ فِيهِ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الضَّمَانُ ، فَأَبْرَأَهُ الْمَالِكُ مِنْ ضَمَانِ مَا يَتْلَفُ بِهِ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا : يَبْرَأُ ؛ لِأَنَّ الْمَالِكَ لَوْ أَذِنَ فِيهِ ابْتِدَاءً لَمْ يَضْمَنْ مَا تَلِفَ بِهِ ، فَإِذَا أَبْرَأَهُ مِنْ الضَّمَانِ ، وَأَذِنَ فِيهِ ، زَالَ عَنْهُ الضَّمَانُ ، كَمَا لَوْ اقْتَرَنَ الْإِذْنُ بِالْحَفْرِ .\rوَالْآخَرُ ، لَا يَنْتَفِي عَنْهُ الضَّمَانُ ؛ لِأَنَّهُ سَبَبٌ مُوجِبٌ لِلضَّمَانِ ، فَلَا يَزُولُ حُكْمُهُ بِالْإِبْرَاءِ ، كَسَائِرِ الْأَسْبَابِ ، وَلِأَنَّ حُصُولَ الضَّمَانِ بِهِ لِكَوْنِهِ تَعَدَّى بِحَفْرِهِ ، وَالْإِبْرَاءُ لَا يُزِيلُ ذَلِكَ ، لِأَنَّ مَا مَضَى لَا يُمْكِنُ تَغْيِيرُهُ عَنْ الصِّفَةِ الَّتِي وَقَعَ عَلَيْهَا ، وَلِأَنَّ وُجُوبَ الضَّمَانِ لَيْسَ يَحِقُّ لِلْمَالِكِ الْإِبْرَاءُ مِنْهُ ، كَمَا لَوْ أَبْرَأَهُ غَيْرُ الْمَالِكِ ، وَلِأَنَّهُ إبْرَاءٌ مِمَّا لَمْ يَجِبْ ، فَلَمْ يَصِحّ ، كَالْإِبْرَاءِ مِنْ الشُّفْعَةِ قَبْلَ الْبَيْعِ .","part":19,"page":169},{"id":9169,"text":"( 6877 ) فَصْلٌ : وَإِنْ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا ، فَحَفَرَ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ ، وَعَلِمَ الْأَجِيرُ ذَلِكَ ، فَالضَّمَانُ عَلَيْهِ وَحْدَهُ ؛ لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ بِالْحَفْرِ ، وَلَيْسَ لَهُ فِعْلُ ذَلِكَ بِأُجْرَةٍ وَلَا غَيْرِهَا ، فَتَعَلَّقَ الضَّمَانُ بِهِ ، كَمَا لَوْ أَمَرَهُ غَيْرُهُ بِالْقَتْلِ فَقَتَلَ .\rوَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ ، فَالضَّمَانُ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ ؛ لِأَنَّهُ غَرَّهُ ، فَتَعَلَّقَ الضَّمَانُ بِهِ ، كَالْإِثْمِ ، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي الْبِنَاءِ وَنَحْوِهِ ، وَلَوْ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا لِيَحْفِرَ لَهُ فِي مِلْكِهِ بِئْرًا ، أَوْ لِيَبْنِيَ لَهُ فِيهَا بِنَاءً ، فَتَلِفَ الْأَجِيرُ بِذَلِكَ ، لَمْ يَضْمَنْهُ الْمُسْتَأْجِرُ ، وَبِهَذَا قَالَ عَطَاءٌ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَقَتَادَةُ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَيُشْبِهُ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الْبِئْرُ جُبَارٌ } .\rوَلِأَنَّهُ لَمْ يُتْلِفْهُ ، وَإِنَّمَا فَعَلَ الْأَجِيرُ بِاخْتِيَارِ نَفْسِهِ فِعْلًا أَفْضَى إلَى تَلَفِهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ فَعَلَهُ تَبَرُّعًا مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْأَجِيرُ عَبْدًا اسْتَأْجَرَهُ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ أَوْ صَبِيًّا بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهِ ، فَيَضْمَنَهُ ؛ لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ بِاسْتِعْمَالِهِ ، مُتَسَبِّبٌ إلَى إتْلَافِ حَقِّ غَيْرِهِ .","part":19,"page":170},{"id":9170,"text":"( 6878 ) فَصْلٌ : فَإِنْ حَفَرَ إنْسَانٌ فِي مِلْكِهِ بِئْرًا ، فَوَقَعَ فِيهَا إنْسَانٌ أَوْ دَابَّةٌ ، فَهَلَكَ بِهِ ، وَكَانَ الدَّاخِلُ دَخَلَ بِغَيْرِ إذْنِهِ ، فَلَا ضَمَانَ عَلَى الْحَافِرِ ؛ لِأَنَّهُ لَا عُدْوَانَ مِنْهُ .\rوَإِنْ دَخَلَ بِإِذْنِهِ ، وَالْبِئْرُ بَيِّنَةٌ مَكْشُوفَةٌ ، وَالدَّاخِلُ بَصِيرٌ يُبْصِرُهَا ، فَلَا ضَمَانَ أَيْضًا ؛ لِأَنَّ الْوَاقِعَ هُوَ الَّذِي أَهْلَك نَفْسَهُ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قُدِّمَ إلَيْهِ سَيْفٌ ، فَقَتَلَ بِهِ نَفْسَهُ وَإِنْ كَانَ الدَّاخِلُ أَعْمَى ، أَوْ كَانَتْ فِي ظُلْمَةٍ لَا يُبْصِرُهَا الدَّاخِلُ ، أَوْ غَطَّى رَأْسَهَا ، فَلَمْ يَعْلَمْ الدَّاخِلُ بِهَا حَتَّى وَقَعَ فِيهَا ، فَعَلَيْهِ ضَمَانُهُ .\rوَبِهَذَا قَالَ شُرَيْحٌ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَالنَّخَعِيّ ، وَحَمَّادٌ ، وَمَالِكٌ .\rوَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ فِي الْآخَرِ : لَا يَضْمَنُهُ ؛ لِأَنَّهُ هَلَكَ بِفِعْلِ نَفْسِهِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ تَلِفَ بِسَبَبِهِ ، فَضَمِنَهُ ، كَمَا لَوْ قَدَّمَ لَهُ طَعَامًا مَسْمُومًا فَأَكَلَهُ ، وَبِهَذَا يَنْتَقِضُ مَا ذَكَرُوهُ .\rوَإِنْ اخْتَلَفَا ، فَقَالَ صَاحِبُ الدَّارِ : مَا أَذِنْت لَك فِي الدُّخُولِ .\rوَادَّعَى وَلِيُّ الْهَالِكِ أَنَّهُ أَذِنَ لَهُ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَالِكِ ؛ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ .\rوَإِنْ قَالَ : كَانَتْ مَكْشُوفَةً .\rوَقَالَ الْآخَرُ : كَانَتْ مُغَطَّاةً .\rفَالْقَوْلُ قَوْلُ وَلِيِّ الْوَاقِعِ ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مَعَهُ ، فَإِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهَا لَوْ كَانَتْ مَكْشُوفَةً لَمْ يَسْقُطْ فِيهَا .\rوَيَحْتَمِلُ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْمَالِكِ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ ، فَلَا تَشْتَغِلُ بِالشَّكِّ ، وَلِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ تَغْطِيَتِهَا .","part":19,"page":171},{"id":9171,"text":"( 6879 ) فَصْلٌ : وَإِذَا بَنَى فِي مِلْكِهِ حَائِطًا مَائِلًا إلَى الطَّرِيقِ ، أَوْ إلَى مِلْكِ غَيْرِهِ ، فَتَلِفَ بِهِ شَيْءٌ ، أَوْ سَقَطَ عَلَى شَيْءٍ فَأَتْلَفَهُ ، ضَمِنَهُ ؛ لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ بِذَلِكَ ، فَإِنَّهُ لَيْسَ لَهُ الِانْتِفَاعُ بِالْبِنَاءِ فِي هَوَاءِ مِلْكِ غَيْرِهِ ، أَوْ هَوَاءٍ مُشْتَرَكٍ ، وَلِأَنَّهُ يُعَرِّضُهُ لِلْوُقُوعِ عَلَى غَيْرِهِ فِي مِلْكِهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ نَصَبَ فِيهِ مِنْجَلًا يَصِيدُ بِهِ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rوَلَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا .\rوَإِنْ بَنَاهُ فِي مِلْكِهِ مُسْتَوِيًا ، أَوْ مَائِلًا إلَى مِلْكِهِ ، فَسَقَطَ مِنْ غَيْرِ اسْتِهْدَامٍ وَلَا مَيْلٍ ، فَلَا ضَمَانَ عَلَى صَاحِبِهِ فِيمَا تَلِفَ بِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَدَّ بِبِنَائِهِ ، وَلَا حَصَلَ مِنْهُ تَفْرِيطٌ بِإِبْقَائِهِ .\rوَإِنْ مَالَ وُقُوعُهُ إلَى مِلْكِهِ ، وَلَمْ يَتَجَاوَزْهُ ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ بِنَائِهِ مَائِلًا فِي مِلْكِهِ .\rوَإِنْ مَال قَبْلَ وُقُوعِهِ إلَى هَوَاءِ الطَّرِيقِ ، أَوْ إلَى مِلْكِ إنْسَانٍ ، أَوْ مِلْكٍ مُشْتَرَكٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ ، نَظَرْنَا ؛ فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ نَقْضُهُ ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَدَّ بِبِنَائِهِ ، وَلَا فَرَّطَ فِي تَرْكِ نَقْضِهِ لِعَجْزِهِ عَنْهُ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ سَقَطَ مِنْ غَيْرِ مَيْلٍ .\rوَإِنْ أَمْكَنَهُ نَقْضُهُ فَلَمْ يَنْقُضْهُ ، لَمْ يَخْلُ مِنْ حَالَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، أَنْ يُطَالَبَ بِنَقْضِهِ .\rوَالثَّانِي : أَنْ لَا يُطَالَبَ بِهِ ، فَإِنْ لَمْ يُطَالَبْ بِهِ ، لَمْ يَضْمَنْ ، فِي الْمَنْصُوصِ عَنْ أَحْمَدَ ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ ، وَنَحْوَهُ قَالَ الْحَسَنُ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ؛ لِأَنَّهُ بَنَاهُ فِي مِلْكِهِ ، وَالْمَيْلُ حَادِثٌ بِغَيْرِ فِعْلِهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ وَقَعَ قَبْلَ مَيْلِهِ .\rوَذَكَرَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا فِيهِ وَجْهًا آخَر ، أَنَّ عَلَيْهِ الضَّمَانَ .\rوَهُوَ قَوْلُ ابْنِ أَبِي لَيْلَى ، وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَإِسْحَاقَ ؛ لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ بِتَرْكِهِ مَائِلًا ، فَضَمِنَ مَا تَلِفَ بِهِ ، كَمَا لَوْ بَنَاهُ مَائِلًا إلَى ذَلِكَ","part":19,"page":172},{"id":9172,"text":"ابْتِدَاءً ، وَلِأَنَّهُ لَوْ طُولِبَ بِنَقْضِهِ فَلَمْ يَفْعَلْ ، ضَمِنَ مَا تَلِفَ بِهِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مُوجِبًا لِلضَّمَانِ ، لَمْ يَضْمَنْ بِالْمُطَالَبَةِ ، كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ مَائِلًا ، أَوْ كَانَ مَائِلًا إلَى مِلْكِهِ .\rوَأَمَّا إنْ طُولِبَ بِنَقْضِهِ فَلَمْ يَفْعَلْ ، فَقَدْ تَوَقَّفَ أَحْمَدُ عَنْ الْجَوَابِ فِيهَا .\rوَقَالَ أَصْحَابُنَا : يَضْمَنُ .\rوَقَدْ أَوْمَأَ إلَيْهِ أَحْمَدُ وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ ، وَنَحْوَهُ قَالَ الْحَسَنُ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : الِاسْتِحْسَانُ أَنْ يَضْمَنَ ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْجَوَازِ لِلْمُسْلِمِينَ ، وَمَيْلُ الْحَائِطِ يَمْنَعُهُمْ ذَلِكَ ، فَلَهُمْ الْمُطَالَبَةُ بِإِزَالَتِهِ ، فَإِذَا لَمْ يُزِلْهُ ضَمِنَ ، كَمَا لَوْ وَضَعَ عِدْلًا عَلَى الْحَائِطِ نَفْسِهِ ، فَوَقَعَ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ ، فَطُولِبَ بِرَفْعِهِ فَلَمْ يَفْعَلْ حَتَّى عَثَرَ بِهِ إنْسَانٌ .\rوَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ ، لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ .\rقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : وَهُوَ الْقِيَاسُ ؛ لِأَنَّهُ بَنَاهُ فِي مِلْكِهِ ، وَلَمْ يَسْقُطْ بِفِعْلِهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ يُطَالِبْهُ بِنَقْضِهِ ، أَوْ سَقَطَ قَبْلَ مَيْلِهِ ، أَوْ لَمْ يُمْكِنْهُ نَقْضُهُ ، وَلِأَنَّهُ لَوْ وَجَبَ الضَّمَانُ ، لَمْ تُشْتَرَطْ الْمُطَالَبَةُ ، كَمَا لَوْ بَنَاهُ مَائِلًا إلَى غَيْرِ مِلْكِهِ .\rفَإِنْ قُلْنَا : عَلَيْهِ الضَّمَانُ إذَا طُولِبَ ؛ فَإِنَّ الْمُطَالَبَةَ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ تُوجِبُ الضَّمَانَ إذَا كَانَ مَيْلُهُ إلَى الطَّرِيقِ ، لِأَنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ حَقَّ الْمُرُورِ ، فَكَانَتْ لَهُ الْمُطَالَبَةُ ، كَمَا لَوْ مَال الْحَائِطُ إلَى مِلْكِ جَمَاعَةٍ ، كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ الْمُطَالَبَةُ ، وَإِذَا طَالَبَ وَاحِدٌ ، فَاسْتَأْجَلَهُ صَاحِبُ الْحَائِطِ ، أَوْ أَجَّلَهُ لَهُ الْإِمَامُ ، لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ الضَّمَانُ ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ ، فَلَا يَمْلِكُ وَاحِدٌ مِنْهُمْ إسْقَاطَهُ .\rوَإِنْ كَانَتْ الْمُطَالَبَةُ لِمُسْتَأْجِرِ الدَّارِ ، أَوْ مُرْتَهِنِهَا ، أَوْ مُسْتَعِيرِهَا ، أَوْ مُسْتَوْدَعِهَا ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِمْ ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَمْلِكُونَ","part":19,"page":173},{"id":9173,"text":"النَّقْضَ ، وَلَيْسَ الْحَائِطُ مِلْكًا لَهُمْ .\rوَإِنْ طُولِبَ الْمَالِكُ فِي هَذِهِ الْحَالِ ، فَلَمْ يُمْكِنْهُ اسْتِرْجَاعُ الدَّارِ ، وَنَقْضُ الْحَائِطِ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ ؛ لِعَدَمِ تَفْرِيطِهِ ، وَإِنْ أَمْكَنَهُ اسْتِرْجَاعُهَا ، كَالْمُعِيرِ ، وَالْمُودِعِ ، وَالرَّاهِنِ إذَا أَمْكَنَهُ فِكَاكُ الرَّهْنِ ، فَلَمْ يَفْعَلْ ضَمِنَ ؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنَهُ النَّقْضُ .\rوَإِنْ كَانَ الْمَالِكُ مَحْجُورًا عَلَيْهِ ، لَسَفَهٍ أَوْ صِغَرٍ أَوْ جُنُونٍ ، فَطُولِبَ هُوَ لَمْ يَلْزَمْهُ الضَّمَانُ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ أَهْلًا لِلْمُطَالَبَةِ ، وَإِنْ طُولِبَ وَلِيُّهُ أَوْ وَصِيُّهُ ، فَلَمْ يَنْقُضْهُ ، فَالضَّمَانُ عَلَى الْمَالِكِ ؛ لِأَنَّ سَبَبَ الضَّمَانِ مَالُهُ ، فَكَانَ الضَّمَانُ عَلَيْهِ دُونَ الْمُتَصَرِّفِ ، كَالْوَكِيلِ مَعَ الْمُوَكِّلِ .\rوَإِنْ كَانَ الْمِلْكُ مُشْتَرَكًا بَيْنَ جَمَاعَةٍ ، فَطُولِبَ أَحَدُهُمْ بِنَقْضِهِ ، احْتَمَلَ وَجْهَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ نَقْضُهُ بِدُونِ إذْنِهِمْ ، فَهُوَ كَالْعَاجِزِ عَنْ نَقْضِهِ .\rوَالثَّانِي : يَلْزَمُهُ بِحِصَّتِهِ ؛ لِأَنَّهُ يَتَمَكَّنُ مِنْ النَّقْضِ بِمُطَالَبَةِ شُرَكَائِهِ ، وَإِلْزَامِهِمْ النَّقْضَ ، فَصَارَ بِذَلِكَ مُفَرِّطًا .\rوَأَمَّا إنْ كَانَ مَيْلُ الْحَائِط إلَى مِلْكِ آدَمِيٍّ مُعَيَّنٍ ، إمَّا وَاحِدٌ وَإِمَّا جَمَاعَةٌ ، فَالْحُكْمُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا ، إلَّا أَنَّ الْمُطَالَبَةَ لِلْمَالِكِ ، أَوْ سَاكِنِ الْمِلْكِ الَّذِي مَالَ إلَيْهِ دُونَ غَيْرِهِ .\rوَإِنْ كَانَ لِجَمَاعَةٍ ، فَأَيُّهُمْ طَالَبَ ، وَجَبَ النَّقْضُ بِمُطَالَبَتِهِ ، كَمَا لَوْ طَالَبَ وَاحِدٌ بِنَقْضِ الْمَائِلِ إلَى الطَّرِيقِ ، إلَّا أَنَّهُ مَتَى طَالَبَ ، ثُمَّ أَجَّلَهُ صَاحِبُ الْمِلْكِ ، أَوْ أَبْرَأَهُ مِنْهُ ، أَوْ فَعَلَ ذَلِكَ سَاكِنُ الدَّارِ الَّتِي مَال إلَيْهَا ، جَازَ ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُ ، وَهُوَ يَمْلِكُ إسْقَاطَهُ .\rوَإِنْ مَالَ إلَى دَرْبٍ غَيْرِ نَافِذٍ ، فَالْحَقُّ لِأَهْلِ الدَّرْبِ ، وَالْمُطَالَبَةُ لَهُمْ ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ لَهُمْ ، وَيَلْزَمُ النَّقْضُ بِمُطَالَبَةِ أَحَدِهِمْ ، وَلَا يَبْرَأَ بِإِبْرَائِهِ وَتَأْجِيلِهِ ، إلَّا أَنْ","part":19,"page":174},{"id":9174,"text":"يَرْضَى بِذَلِكَ جَمِيعُهُمْ ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لِجَمِيعِهِمْ .","part":19,"page":175},{"id":9175,"text":"( 6880 ) فَصْلٌ : وَإِذَا تَقَدَّمَ إلَى صَاحِبِ الْحَائِطِ بِنَقْضِهِ ، فَبَاعَهُ مَائِلًا ، فَلَا ضَمَانَ عَلَى بَائِعِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمِلْكٍ لَهُ ، وَلَا عَلَى الْمُشْتَرِي ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُطَالَبْ بِنَقْضِهِ .\rوَكَذَلِكَ إنْ وَهَبَهُ وَأَقْبَضَهُ .\rوَإِنْ قُلْنَا بِلُزُومِ الْهِبَةِ ، زَالَ الضَّمَانُ عَنْهُ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ .\rوَإِذَا وَجَبَ الضَّمَانُ ، وَكَانَ التَّالِفُ بِهِ آدَمِيًّا ، فَالدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَتِهِ ، فَإِنْ أَنْكَرَتْ عَاقِلَتُهُ كَوْنَ الْحَائِطِ لِصَاحِبِهِمْ ، لَمْ يَلْزَمْهُمْ الْعَقْلُ ، إلَّا أَنْ يَثْبُتَ ذَلِكَ بِبَيِّنَةٍ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْوُجُوبِ عَلَيْهِمْ ، فَلَا يَجِبُ بِالشَّكِّ .\rوَإِنْ اعْتَرَفَ صَاحِبُ الْحَائِطِ ، لَزِمَهُ الضَّمَانُ دُونَهُمْ ؛ لِأَنَّ الْعَاقِلَةَ لَا تَحْمِلُ اعْتِرَافًا .\rوَكَذَلِكَ إنْ أَنْكَرُوا مُطَالَبَتَهُ بِنَقْضِهِ ، فَالْحُكْمُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا .\rوَإِنْ كَانَ الْحَائِطُ فِي يَدِ صَاحِبِهِمْ ، وَهُوَ سَاكِنٌ فِي الدَّارِ ، لَمْ يَثْبُتْ بِذَلِكَ الْوُجُوبُ عَلَيْهِمْ ؛ لِأَنَّ دَلَالَةَ ذَلِكَ عَلَى الْمِلْكِ مِنْ جِهَةِ الظَّاهِرِ وَالظَّاهِرُ لَا تَثْبُتُ بِهِ الْحُقُوقُ ، وَإِنَّمَا تُرَجَّحُ بِهِ الدَّعْوَى .\r( 6881 ) فَصْلٌ : وَإِنْ لَمْ يَمِلْ الْحَائِطُ ، لَكِنْ تَشَقَّقَ ، فَإِنْ لَمْ يُخْشَ سُقُوطُهُ ، لِكَوْنِ شُقُوقِهِ بِالطُّولِ ، لَمْ يَجِبْ نَقْضُهُ ، وَكَانَ حُكْمُهُ فِي هَذَا حُكْمَ الصَّحِيحِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُخَفْ سُقُوطُهُ ، فَأَشْبَهَ الصَّحِيحَ ، وَإِنْ خِيفَ وُقُوعُهُ ، مِثْلُ أَنْ تَكُونَ شُقُوقُهُ بِالْعَرْضِ ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْمَائِلِ ؛ لِأَنَّهُ يُخَافُ مِنْهُ التَّلَفُ ، فَأَشْبَهَ الْمَائِلَ .","part":19,"page":176},{"id":9176,"text":"( 6882 ) فَصْلٌ : وَإِذَا أَخْرَجَ إلَى الطَّرِيقِ النَّافِذِ جَنَاحًا ، أَوْ سَابَاطًا ، فَسَقَطَ ، أَوْ شَيْءٌ مِنْهُ عَلَى شَيْءٍ ، فَأَتْلَفْهُ ، فَعَلَى الْمُخْرِجِ ضَمَانُهُ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ : إنْ وَقَعَتْ خَشَبَةٌ لَيْسَتْ مُرَكَّبَةً عَلَى حَائِطِهِ ، وَجَبَ ضَمَانُ مَا أَتْلَفَتْ ، وَإِنْ كَانَتْ مُرَكَّبَةً عَلَى حَائِطِهِ ، وَجَبَ نِصْفُ الضَّمَانِ ؛ لِأَنَّهُ تَلِفَ بِمَا وَضَعَهُ عَلَى مِلْكِهِ وَمِلْكِ غَيْره ، فَانْقَسَمَ الضَّمَانُ عَلَيْهِمَا .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ تَلِفَ بِمَا أَخْرَجَهُ إلَى حَقِّ الطَّرِيقِ ، فَضَمِنَهُ ، كَمَا لَوْ بَنَى حَائِطَهُ مَائِلًا إلَى الطَّرِيقِ فَأَتْلَفَ ، أَوْ أَقَامَ خَشَبَةً فِي مِلْكِهِ مَائِلَةً إلَى الطَّرِيقِ ، أَوْ كَمَا لَوْ سَقَطَتْ الْخَشَبَةُ الَّتِي لَيْسَتْ مَوْضُوعَةً عَلَى الْحَائِطِ ، وَلِأَنَّهُ إخْرَاجٌ يَضْمَنُ بِهِ الْبَعْضَ ، فَضَمِنَ بِهِ الْكُلَّ ، كَاَلَّذِي ذَكَرْنَا ، وَلِأَنَّهُ تَلِفَ بِعُدْوَانِهِ ، فَضَمِنَهُ ، كَمَا لَوْ وَضَعَ الْبِنَاءَ عَلَى أَرْضِ الطَّرِيقِ ، وَالدَّلِيلُ عَلَى عُدْوَانِهِ ، وُجُوبُ ضَمَانِ الْبَعْضِ ، وَلَوْ كَانَ مُبَاحًا لَمْ يَضْمَنْ بِهِ ، كَسَائِرِ الْمُبَاحَاتِ ، وَلِأَنَّ هَذِهِ خَشَبَةٌ ، لَوْ انْقَصَفَ الْخَارِجُ مِنْهَا ، وَسَقَطَ فَأَتْلَفَ ، ضَمِنَ مَا أَتْلَفَ ، فَيَجِبُ أَنْ يَضْمَنَ مَا أَتْلَفَ جَمِيعُهَا ، كَسَائِرِ الْمَوَاضِعِ الَّتِي يَجِبُ الضَّمَانُ فِيهَا ، وَلِأَنَّنَا لَمْ نَعْلَمْ مَوْضِعًا يَجِبُ الضَّمَانُ كُلُّهُ بِبَعْضِ الْخَشَبَةِ ، وَيَجِبُ نِصْفُهُ بِجَمِيعِهَا .\rوَإِنْ كَانَ إخْرَاجُ الْجَنَاحِ إلَى دَرْبٍ غَيْرِ نَافِذٍ بِغَيْرِ إذْنِ أَهْلِهِ ، ضَمِنَ مَا أَتْلَفَهُ ، وَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ بِإِذْنِهِمْ ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ مُبَاحٌ لَهُ غَيْرُ مُتَعَدٍّ فِيهِ .\r( 6883 ) فَصْلٌ : وَإِنْ أَخْرَجَ مِيزَابًا إلَى الطَّرِيقِ ، فَسَقَطَ عَلَى إنْسَانٍ أَوْ شَيْءٍ فَأَتْلَفَهُ ، ضَمِنَهُ .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ ، أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ مَا أَتْلَفَهُ ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَعَدٍّ بِإِخْرَاجِهِ ، فَلَمْ يَضْمَنْ مَا تَلِفَ بِهِ ، كَمَا لَوْ أَخْرَجَهُ إلَى مِلْكِهِ .\rوَقَالَ","part":19,"page":177},{"id":9177,"text":"الشَّافِعِيُّ : إنْ سَقَطَ كُلُّهُ ، فَعَلَيْهِ نِصْفُ الضَّمَانِ ؛ لِأَنَّهُ تَلِفَ بِمَا وَضَعَهُ عَلَى مِلْكِهِ وَمِلْكِ غَيْرِهِ .\rوَإِنْ انْقَصَفَ الْمِيزَابُ ، فَسَقَطَ مِنْهُ مَا خَرَجَ عَنْ الْحَائِطِ ، ضَمِنَ جَمِيعَ مَا تَلِفَ بِهِ ؛ لِأَنَّهُ كُلَّهُ فِي غَيْرِ مِلْكِهِ .\rوَلَنَا ، مَا سَبَقَ فِي الْجَنَاحِ ، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ إخْرَاجَهُ مُبَاحٌ ، فَإِنَّهُ أَخْرَجَ إلَى هَوَاءِ مِلْكِ غَيْرِهِ شَيْئًا يَضُرُّ بِهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَخْرَجَهُ إلَى مِلْكِ آدَمِيٍّ مُعَيَّنٍ بِغَيْرِ إذْنِهِ ، فَأَمَّا إنْ أَخْرَجَ إلَى مِلْكِ آدَمِيٍّ مُعَيَّنٍ شَيْئًا مِنْ جَنَاحٍ ، أَوْ سَابَاطٍ ، أَوْ مِيزَابٍ ، أَوْ غَيْرِهِ ، فَهُوَ مُتَعَدٍّ ، وَيَضْمَنُ مَا تَلِفَ بِهِ .\rلَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا .","part":19,"page":178},{"id":9178,"text":"( 6884 ) فَصْلٌ : وَإِذَا بَالَتْ دَابَّتُهُ فِي طَرِيقٍ ، فَزَلِقَ بِهِ حَيَوَانٌ ، فَمَاتَ بِهِ ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا : عَلَى صَاحِبِ الدَّابَّةِ الضَّمَانُ ، إذَا كَانَ رَاكِبًا لَهَا ، أَوْ قَائِدًا ، أَوْ سَائِقًا لَهَا ؛ لِأَنَّهُ تَلَفٌ حَصَلَ مِنْ جِهَةِ دَابَّتِهِ الَّتِي يَدُهُ عَلَيْهَا ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ جَنَتْ بِيَدِهَا أَوْ فَمِهَا .\rوَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ ، أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ مَا تَلِفَ بِذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدَ لَهُ عَلَى ذَلِكَ ، وَلَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ ، فَلَمْ يَضْمَنْ مَا تَلِفَ بِهِ ، كَمَا لَوْ أَتْلَفَتْ بِرِجْلِهَا ، وَكَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ يَدٌ عَلَيْهَا ، وَيُفَارِقُ هَذَا مَا أَتْلَفَتْ بِيَدِهَا وَفَمِهَا ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ حِفْظُهُمَا .","part":19,"page":179},{"id":9179,"text":"( 6885 ) فَصْلٌ : وَإِذَا وَضَعَ جَرَّةً عَلَى سَطْحِهِ أَوْ حَائِطِهِ ، أَوْ حَجَرًا ، فَرَمَتْهُ الرِّيحُ عَلَى إنْسَانٍ ، فَقَتَلَهُ ، أَوْ شَيْءٍ أَتْلَفَهُ ، لَمْ يَضْمَنْ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ فِعْلِهِ ، وَوَضْعُهُ لَهُ كَانَ فِي مِلْكِهِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يَضْمَنَ إذَا وَضَعَهَا مُتَطَرِّفَةً ؛ لِأَنَّهُ نَسَبَ إلَى إلْقَائِهَا ، وَتَعَدَّى بِوَضْعِهَا ، فَأَشْبَهَ مَنْ بَنَى حَائِطَهُ مَائِلًا .","part":19,"page":180},{"id":9180,"text":"( 6886 ) فَصْلٌ : وَإِنْ سَلَّمَ وَلَدَهُ الصَّغِيرَ إلَى السَّابِحِ ، لِيُعَلِّمَهُ السِّبَاحَةَ ، فَغَرِقَ ، فَالضَّمَانُ عَلَى عَاقِلَةِ السَّابِحِ ؛ لِأَنَّهُ سَلَّمَهُ إلَيْهِ لِيَحْتَاطَ فِي حِفْظِهِ ، فَإِذَا غَرِقَ نُسِبَ إلَى التَّفْرِيطِ فِي حِفْظِهِ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : قِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنْ لَا يَضْمَنَهُ ؛ لِأَنَّهُ فَعَلَ مَا جَرَتْ الْعَادَةُ بِهِ لِمَصْلَحَتِهِ ، فَلَمْ يَضْمَنْ مَا تَلِفَ بِهِ ، كَمَا إذَا ضَرَبَ الْمُعَلِّمُ الصَّبِيَّ ضَرْبًا مُعْتَادًا ، فَتَلِفَ بِهِ .\rفَأَمَّا الْكَبِيرُ إذَا غَرِقَ ، فَلَيْسَ عَلَى السَّابِحِ شَيْءٌ إذَا لَمْ يُفَرِّطْ ، لِأَنَّ الْكَبِيرَ فِي يَدِ نَفْسِهِ ، لَا يُنْسَبُ التَّفْرِيطُ فِي هَلَاكِهِ إلَى غَيْرِهِ .","part":19,"page":181},{"id":9181,"text":"( 6887 ) فَصْلٌ : وَإِذَا طَلَبَ إنْسَانًا بِسَيْفِ مَشْهُورٍ ، فَهَرَبَ مِنْهُ ، فَتَلِفَ فِي هَرَبِهِ ، ضَمِنَهُ ، سَوَاءٌ وَقَعَ مِنْ شَاهِقٍ ، أَوْ انْخَسَفَ بِهِ سَقْفٌ ، أَوْ خَرَّ فِي بِئْرٍ ، أَوْ لَقِيَهُ سَبْعٌ فَافْتَرَسَهُ ، أَوْ غَرِقَ فِي مَاءٍ ، أَوْ احْتَرَقَ بِنَارٍ ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْمَطْلُوبُ صَبِيًّا أَوْ كَبِيرًا ، أَعْمَى أَوْ بَصِيرًا ، عَاقِلًا أَوْ مَجْنُونًا .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يَضْمَنُ الْبَالِغَ الْعَاقِلَ الْبَصِيرَ ، إلَّا أَنْ يُخْسَفَ بِهِ سَقْفٌ ، فَإِنَّ فِيهِ وَفِي الصَّغِيرِ وَالْمَجْنُونِ وَالْأَعْمَى قَوْلَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ هَلَكَ بِفِعْلِ نَفْسِهِ ، فَلَمْ يَضْمَنْهُ الطَّالِبُ ، كَمَا لَوْ لَمْ يَطْلُبْهُ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ هَلَكَ بِسَبَبِ عُدْوَانِهِ ، فَضَمِنَهُ ، كَمَا لَوْ حَفَرَ لَهُ بِئْرًا ، أَوْ نَصَبَ سِكِّينًا ، أَوْ سَمَّ طَعَامَهُ وَوَضَعَهُ فِي مَنْزِلِهِ .\rوَمَا ذَكَرَهُ يَبْطُلُ بِهَذِهِ الْأُصُولِ ، وَلِأَنَّهُ تَسَبَّبَ إلَى إهْلَاكِهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ انْخَسَفَ مِنْ تَحْتِهِ سَقْفٌ ، أَوْ كَانَ صَغِيرًا أَوْ مَجْنُونًا .\rوَإِنْ طَلَبَهُ بِشَيْءِ يُخِيفُهُ بِهِ ، كَاللَّيْثِ وَنَحْوِهِ ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ مَا لَوْ طَلَبِهِ بِسَيْفِ مَشْهُورٍ ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَاهُ .","part":19,"page":182},{"id":9182,"text":"( 6888 ) فَصْلٌ : وَلَوْ شَهَرَ سَيْفًا فِي وَجْهِ إنْسَانٍ ، أَوْ دَلَّاهُ مِنْ شَاهِقٍ ، فَمَاتَ مِنْ رَوْعَتِهِ ، أَوْ ذَهَبَ عَقْلُهُ ، فَعَلَيْهِ دِيَتُهُ .\rوَإِنْ صَاحَ بِصَبِيٍّ أَوْ مَجْنُونٍ صَيْحَةً شَدِيدَةً ، فَخَرَّ مِنْ سَطْحٍ أَوْ نَحْوِهِ ، فَمَاتَ ، أَوْ ذَهَبَ عَقْلُهُ ، أَوْ تَغَفَّلَ عَاقِلًا فَصَاحَ بِهِ ، فَأَصَابَهُ ذَلِكَ ، فَعَلَيْهِ دِيَتُهُ ، تَحْمِلُهَا الْعَاقِلَةُ .\rفَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ عَمْدًا ، فَهُوَ شِبْهُ عَمْدٍ ، وَإِلَّا فَهُوَ خَطَأٌ .\rوَوَافَقَ الشَّافِعِيُّ فِي الصَّبِيِّ ، وَلَهُ فِي الْبَالِغِ قَوْلَانِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ سَبَبُ إتْلَافِهِ ، فَضَمِنَهُ ، كَالصَّبِيِّ .","part":19,"page":183},{"id":9183,"text":"( 6889 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَدَّمَ إنْسَانًا إلَى هَدَفٍ يَرْمِيهِ النَّاسُ ، فَأَصَابَهُ سَهْمٌ مِنْ غَيْرِ تَعَمُّدٍ ، فَضَمَانُهُ عَلَى عَاقِلَةِ الَّذِي قَدَّمَهُ ؛ لِأَنَّ الرَّامِيَ كَالْحَافِرِ ، وَاَلَّذِي قَدَّمَهُ كَالدَّافِعِ ، فَكَانَ الضَّمَانُ عَلَى عَاقِلَتِهِ .\rوَإِنْ عَمَدَ الرَّامِي رَمْيَهُ ، فَالضَّمَانُ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ مُبَاشِرٌ ، وَذَاكَ مُتَسَبِّبٌ ، فَأَشْبَهَ الْمُمْسِكَ وَالْقَاتِلَ .\rوَإِنْ لَمْ يُقَدِّمْهُ أَحَدٌ ، فَالضَّمَانُ عَلَى الرَّامِي ، وَتَحْمِلُهُ عَاقِلَتُهُ إنْ كَانَ خَطَأً ؛ لِأَنَّهُ قَتَلَهُ .","part":19,"page":184},{"id":9184,"text":"( 6890 ) فَصْلٌ : وَإِنْ شَهِدَ رَجُلَانِ عَلَى رَجُلٍ بِقَتْلٍ أَوْ جَرْحٍ ، أَوْ سَرِقَةٍ قَدْ تُوجِبُ الْقَطْعَ ، أَوْ زِنًى يُوجِبُ الرَّجْمَ أَوْ الْجَلْدَ ، وَنَحْوَ ذَلِكَ ، فَاقْتُصَّ مِنْهُ ، أَوْ قُطِعَ بِالسَّرِقَةِ ، أَوْ حُدَّ فَأَفْضَى إلَى تَلَفِهِ ، ثُمَّ رَجَعَا عَنْ الشَّهَادَةِ ، لَزِمَهُمَا ضَمَانُ مَا تَلِفَ بِشَهَادَتِهِمَا ، كَالشَّرِيكَيْنِ فِي الْفِعْلِ ، وَيَكُونُ الضَّمَانُ فِي مَالِهِمَا ، لَا تَحْمِلُهُ عَاقِلَتُهُمَا ؛ لِأَنَّهَا لَا تَحْمِلُ اعْتِرَافًا ، وَهَذَا يَثْبُت بِاعْتِرَافِهِمَا .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ شَاهِدَيْنِ شَهِدَا عِنْدَهُ عَلَى رَجُلٍ بِالسَّرِقَةِ ، فَقَطَعَهُ ، ثُمَّ أَتَيَا بِآخَرَ ، فَقَالَا : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، لَيْسَ ذَاكَ السَّارِقَ ، إنَّمَا هَذَا هُوَ السَّارِقُ ، فَأَغْرَمَهُمَا دِيَةَ الْأَوَّلِ ، وَقَالَ : لَوْ عَلِمْت أَنَّكُمَا تَعَمَّدْتُمَا لَقَطَعْتُكُمَا .\rوَلَمْ يَقْبَلْ قَوْلَهُمَا فِي الثَّانِي .\rوَإِنْ أَكْرَهَ رَجُلٌ رَجُلًا عَلَى قَتْلِ إنْسَانٍ ، فَقَتَلَهُ ، فَصَارَ الْأَمْرُ إلَى الدِّيَةِ ، فَهِيَ عَلَيْهِمَا ؛ لِأَنَّهُمَا كَالشَّرِيكَيْنِ ، وَلِهَذَا وَجَبَ الْقِصَاصُ عَلَيْهِمَا ، وَلَوْ أَكْرَهَ رَجُلٌ امْرَأَةً فَزَنَى بِهَا ، فَحَمَلَتْ فَمَاتَتْ مِنْ الْوِلَادَةِ ، ضَمِنَهَا ؛ لِأَنَّهَا مَاتَتْ بِسَبَبِ فِعْلِهِ ، وَتَحْمِلُهَا الْعَاقِلَةُ ، إلَّا أَنْ لَا يَثْبُتَ ذَلِكَ إلَّا بِاعْتِرَافِهِ ، فَتَكُونَ الدِّيَةُ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ الْعَاقِلَةَ لَا تَحْمِلُ اعْتِرَافًا .","part":19,"page":185},{"id":9185,"text":"فَصْلٌ : إذَا بَعَثَ السُّلْطَانُ إلَى امْرَأَةٍ لِيُحْضِرَهَا ، فَأَسْقَطَتْ جَنِينًا مَيِّتًا ، ضَمِنَهُ بِغُرَّةٍ ؛ لِمَا رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بَعَثَ إلَى امْرَأَةٍ مُغَيَّبَةٍ ، كَانَ يُدْخَلُ عَلَيْهَا ، فَقَالَتْ : يَا وَيْلَهَا ، مَالَهَا وَلِعُمَرَ فَبَيْنَمَا هِيَ فِي الطَّرِيقِ إذْ فَزِعَتْ ، فَضَرَبَهَا الطَّلْقُ ، فَأَلْقَتْ وَلَدًا ، فَصَاحَ الصَّبِيُّ صَيْحَتَيْنِ ، ثُمَّ مَاتَ ، فَاسْتَشَارَ عُمَرُ أَصْحَابَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَشَارَ بَعْضُهُمْ أَنْ لَيْسَ عَلَيْك شَيْءٌ ، إنَّمَا أَنْتَ وَالٍ وَمُؤَدِّبٌ .\rوَصَمَتَ عَلِيٌّ فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ عُمَرُ ، فَقَالَ : مَا تَقُولُ يَا أَبَا الْحَسَنِ ؟ فَقَالَ : إنْ كَانُوا قَالُوا بِرَأْيِهِمْ فَقَدْ أَخْطَأَ رَأْيُهُمْ ، وَإِنْ كَانُوا قَالُوا فِي هَوَاكَ فَلَمْ يَنْصَحُوا لَك ، إنَّ دِيَتَهُ عَلَيْك ؛ لِأَنَّك أَفْزَعْتَهَا فَأَلْقَتْهُ .\rفَقَالَ عُمَرُ : أَقْسَمْت عَلَيْك أَنْ لَا تَبْرَحَ حَتَّى تَقْسِمَهَا عَلَى قَوْمِك .\rوَلَوْ فَزِعَتْ الْمَرْأَةُ فَمَاتَتْ ، لَوَجَبَتْ دِيَتُهَا أَيْضًا .\rوَوَافَقَ الشَّافِعِيُّ فِي ضَمَانِ الْجَنِينِ ، وَقَالَ : لَا تُضْمَنُ الْمَرْأَةُ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِسَبَبٍ إلَى هَلَاكِهَا فِي الْعَادَةِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهَا نَفْسٌ هَلَكَتْ بِإِرْسَالِهِ إلَيْهَا ، فَضَمِنَهَا ، كَجَنِينِهَا ، أَوْ نَفْسٌ هَلَكَتْ بِسَبَبِهِ ، فَغَرِمَهَا ، كَمَا لَوْ ضَرَبَهَا فَمَاتَتْ .\rوَقَوْلُهُ : إنَّهُ لَيْسَ بِسَبَبٍ عَادَةً .\rقُلْنَا : لَيْسَ كَذَلِكَ ، فَإِنَّهُ سَبَبٌ لِلْإِسْقَاطِ ، وَالْإِسْقَاطُ سَبَبٌ لِلْهَلَاكِ عَادَةً ، ثُمَّ لَا يَتَعَيَّنُ فِي الضَّمَانِ كَوْنُهُ سَبَبًا مُعْتَادًا ، فَإِنَّ الضَّرْبَةَ وَالضَّرْبَتَيْنِ بِالسَّوْطِ ، لَيْسَتْ سَبَبًا لِلْهَلَاكِ فِي الْعَادَةِ ، وَمَتَى أَفْضَتْ إلَيْهِ وَجَبَ الضَّمَانُ .\rوَإِنْ اسْتَعْدَى إنْسَانٌ عَلَى امْرَأَةٍ ، فَأَلْقَتْ جَنِينَهَا ، أَوْ مَاتَتْ فَزَعًا ، فَعَلَى عَاقِلَةِ الْمُسْتَعْدِي الضَّمَانُ ، إنْ كَانَ ظَالِمًا لَهَا ، وَإِنْ كَانَتْ هِيَ الظَّالِمَةَ ، فَأَحْضَرَهَا عِنْدَ الْحَاكِمِ ، فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَضْمَنَهَا ؛ لِأَنَّهَا سَبَبُ إحْضَارِهَا","part":19,"page":186},{"id":9186,"text":"بِظُلْمِهَا ، فَلَا يَضْمَنُهَا غَيْرُهَا ، وَلِأَنَّهُ اسْتَوْفَى حَقَّهُ ، فَلَمْ يَضْمَنْ مَا تَلِفَ بِهِ ، كَالْقِصَاصِ ، وَيَضْمَنُ جَنِينَهَا ؛ لِأَنَّهُ تَلِفَ بِفِعْلِهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ اقْتَصَّ مِنْهَا .","part":19,"page":187},{"id":9187,"text":"( 6892 ) فَصْلٌ : وَمَنْ أَخَذَ طَعَامَ إنْسَانٍ أَوْ شَرَابَهُ فِي بَرِّيَّةٍ ، أَوْ مَكَان لَا يَقْدِرُ فِيهِ عَلَى طَعَامٍ وَشَرَابٍ ، فَهَلَكَ بِذَلِكَ ، أَوْ هَلَكَتْ بَهِيمَتُهُ ، فَعَلَيْهِ ضَمَانُ مَا تَلِفَ بِهِ ؛ لِأَنَّهُ سَبَبُ هَلَاكِهِ .\rوَإِنْ اُضْطُرَّ إلَى طَعَامٍ وَشَرَابٍ لِغَيْرِهِ ، فَطَلَبِهِ مِنْهُ ، فَمَنَعَهُ إيَّاهُ مَعَ غِنَاهُ عَنْهُ فِي تِلْكَ الْحَالِ ، فَمَاتَ بِذَلِكَ ، ضَمِنَهُ الْمَطْلُوبُ مِنْهُ ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، أَنَّهُ قَضَى بِذَلِكَ ، وَلِأَنَّهُ إذَا اُضْطُرَّ إلَيْهِ ، صَارَ أَحَقَّ بِهِ مِمَّنْ هُوَ فِي يَدِهِ ، وَلَهُ أَخْذُهُ قَهْرًا ، فَإِذَا مَنَعَهُ إيَّاهُ ، تَسَبَّبَ إلَى إهْلَاكِهِ بِمَنْعِهِ مَا يَسْتَحِقُّهُ ، فَلَزِمَهُ ضَمَانُهُ ، كَمَا لَوْ أَخَذَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ فَهَلَكَ بِذَلِكَ .\rوَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ ، أَنَّ الدِّيَةَ فِي مَالِهِ ؛ لِأَنَّهُ تَعَمَّدَ هَذَا الْفِعْلَ الَّذِي يَقْتُلُ مِثْلُهُ غَالِبًا .\rوَقَالَ الْقَاضِي : تَكُونُ عَلَى عَاقِلَتِهِ ؛ لِأَنَّ هَذَا لَا يُوجِبُ الْقِصَاصَ ، فَيَكُونُ شِبْهَ الْعَمْدِ .\rوَإِنْ لَمْ يَطْلُبْهُ مِنْهُ ، لَمْ يَضْمَنْهُ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَمْنَعْهُ ، وَلَمْ يُوجَدْ مِنْهُ فِعْلٌ تَسَبَّبَ بِهِ إلَى هَلَاكِهِ .\rوَكَذَلِكَ كُلُّ مَنْ رَأَى إنْسَانًا فِي مَهْلَكَةٍ ، فَلَمْ يُنْجِهِ مِنْهَا ، مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى ذَلِكَ ، لَمْ يَلْزَمْهُ ضَمَانُهُ ، وَقَدْ أَسَاءَ .\rوَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : قِيَاسُ الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى وُجُوبُ ضَمَانِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُنْجِهِ مِنْ الْهَلَاكِ مَعَ إمْكَانِهِ ، فَيَضْمَنُهُ ، كَمَا لَوْ مَنَعَهُ الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ لَمْ يُهْلِكْهُ ، وَلَمْ يَكُنْ سَبَبًا فِي هَلَاكِهِ ، فَلَمْ يَضْمَنْهُ ، كَمَا لَوْ لَمْ يَعْلَمْ بِحَالِهِ ، وَقِيَاسُ هَذَا عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ غَيْرُ صَحِيحٍ ؛ لِأَنَّهُ فِي الْمَسْأَلَةِ مَنَعَهُ مَنْعًا كَانَ سَبَبًا فِي هَلَاكِهِ ، فَضَمِنَهُ بِفِعْلِهِ الَّذِي تَعَدَّى بِهِ ، وَهَاهُنَا لَمْ يَفْعَلْ شَيْئًا يَكُونُ سَبَبًا .","part":19,"page":188},{"id":9188,"text":"فَصْلٌ : وَمَنْ ضَرَبَ إنْسَانًا حَتَّى أَحْدَثَ ، فَإِنَّ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَضَى فِيهِ بِثُلُثِ الدِّيَةِ .\rوَقَالَ أَحْمَدُ : لَا أَعْرِفُ شَيْئًا يَدْفَعُهُ .\rوَبِهِ قَالَ إِسْحَاقُ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ : لَا شَيْءَ فِيهِ ؛ لِأَنَّ الدِّيَةَ إنَّمَا تَجِبُ لِإِتْلَافِ مَنْفَعَةٍ أَوْ عُضْوٍ ، أَوْ إزَالَةِ جَمَالٍ ، وَلَيْسَ هَاهُنَا شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ .\rوَهَذَا هُوَ الْقِيَاسُ ، وَإِنَّمَا ذَهَبَ مَنْ ذَهَبَ إلَى إيجَابِ الثُّلُثِ ؛ لِقَضِيَّةِ عُثْمَانَ ؛ لِأَنَّهَا فِي مَظِنَّةِ الشُّهْرَةِ ، وَلَمْ يُنْقَلْ خِلَافُهَا ، فَيَكُونَ إجْمَاعًا ، وَلِأَنَّ قَضَاءَ الصَّحَابِيِّ بِمَا يُخَالِفُ الْقِيَاسَ .\rيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ تَوْقِيفٌ .\rوَسَوَاءٌ كَانَ الْحَدَثُ رِيحًا أَوْ غَائِطًا أَوْ بَوْلًا .\rوَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِيمَا إذَا أَفْزَعَهُ حَتَّى أَحْدَثَ .","part":19,"page":189},{"id":9189,"text":"( 6894 ) فَصْلٌ : إذَا ادَّعَى الْقَاتِلُ أَنَّ الْمَقْتُولَ كَانَ عَبْدًا ، أَوْ ضَرَبَ مَلْفُوفًا فَقَدَّهُ ، أَوْ أَلْقَى عَلَيْهِ حَائِطًا ، أَوْ ادَّعَى أَنَّهُ كَانَ مَيِّتًا ، وَأَنْكَرَ وَلِيُّهُ ذَلِكَ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْوَلِيِّ مَعَ يَمِينِهِ .\rوَهَذَا أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ فِي الْآخَرِ : الْقَوْلُ قَوْلُ الْجَانِي ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ ، وَمَا ادَّعَاهُ مُحْتَمَلٌ ، فَلَا نَزُولُ عَنْ الْيَقِينِ بِالشَّكِّ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الْأَصْلَ حَيَاةُ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ وَحُرِّيَّتُهُ ، فَيَجِبُ الْحُكْمُ بِبَقَائِهِ ، كَمَا لَوْ قَتَلَ مَنْ كَانَ مُسْلِمًا ، وَادَّعَى أَنَّهُ ارْتَدَّ قَبْلَ قَتْلِهِ .\rوَبِهَذَا يَبْطُلُ مَا ذَكَرَهُ .\rوَهَكَذَا لَوْ قَتَلَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ إنْسَانًا ، وَادَّعَى أَنَّهُ كَانَ كَافِرًا ، وَأَنْكَرَ وَلِيُّهُ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْوَلِيِّ ؛ لِأَنَّ الدَّارَ دَارُ الْإِسْلَامِ ، وَلِذَلِكَ حَكَمْنَا بِإِسْلَامِ لَقِيطِهَا .\rوَإِنْ قَطَعَ عُضْوًا وَادَّعَى شَلَلَهُ ، أَوْ قَلَعَ عَيْنًا وَادَّعَى عَمَاهَا ، وَأَنْكَرَ الْوَلِيُّ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ السَّلَامَةُ .\rوَكَذَلِكَ لَوْ قَطَعَ سَاعِدًا وَادَّعَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ كَفٌّ ، أَوْ قَطَعَ سَاقًا وَادَّعَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهَا قَدَمٌ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : إنْ اتَّفَقَا عَلَى أَنَّهُ كَانَ بَصِيرًا ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ ، وَإِلَّا فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْجَانِي .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rوَكَذَلِكَ عَلَى قِيَاسِهِ إذَا اخْتَلَفَا فِي شَلَلِ الْعُضْوِ ؛ لِأَنَّ هَذَا مِمَّا لَا يَتَعَذَّرُ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ ، فَإِنَّهُ لَا يَخْفَى عَلَى أَهْلِهِ وَجِيرَانِهِ وَمُعَامِلَتِهِ ، وَصِفَةُ تَحَمُّلِ الشَّهَادَةِ عَلَيْهِ ، أَنَّهُ كَانَ يُتْبِعُ الشَّخْصَ بَصَرَهُ ، وَيَتَوَقَّى مَا يَتَوَقَّاهُ الْبَصِيرُ ، وَيَتَجَنَّبُ الْبِئْرَ وَأَشْبَاهَهُ فِي طَرِيقِهِ ، وَيَعْدِلُ فِي الْعَطَفَاتِ خَلْفَ مَنْ يَطْلُبُهُ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الْأَصْلَ السَّلَامَةُ ، فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ مَنْ يَدَّعِيهِ ، كَمَا لَوْ اخْتَلَفَا فِي إسْلَامِ","part":19,"page":190},{"id":9190,"text":"الْمَقْتُولِ وَحَيَاتِهِ .\rوَقَوْلُهُمْ : لَا تَتَعَذَّرُ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ .\rقُلْنَا : وَكَذَلِكَ لَا تَتَعَذَّرُ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَى مَا يَدَّعِيهِ الْجَانِي ، فَإِيجَابُهَا عَلَيْهِ أَوْلَى مِنْ إيجَابِهَا عَلَى مَنْ يَشْهَدُ لَهُ الْأَصْلُ ، ثُمَّ يَبْطُلُ بِسَائِرِ الْمَوَاضِعِ الَّتِي سَلَّمُوهَا .\rفَإِنْ قَالُوا هَاهُنَا : مَا ثَبَتَ أَنَّ الْأَصْلَ وُجُودُ الْبَصَرِ .\rقُلْنَا : الظَّاهِرُ يَقُومُ مَقَامَ الْأَصْلِ ، وَلِهَذَا رَجَّحْنَا قَوْلَ مِنْ يَدَّعِي حُرِّيَّتَهُ وَإِسْلَامَهُ .","part":19,"page":191},{"id":9191,"text":"( 6895 ) فَصْلٌ : وَإِنْ زَادَ فِي الْقِصَاصِ مِنْ الْجِرَاحِ ، وَقَالَ : إنَّمَا حَصَلَتْ الزِّيَادَةُ بِاضْطِرَابِهِ .\rوَأَنْكَرَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُقْتَصِّ مِنْهُ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الِاضْطِرَابِ ، وَوُجُوبُ الضَّمَانِ .\rوَالثَّانِي ؛ الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُقْتَصِّ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ ، وَمَا يَدَّعِيهِ مُحْتَمِلٌ .\rوَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ؛ فَإِنَّ الْجُرْحَ سَبَبُ وُجُوبِ الضَّمَانِ ، وَمَا يَدَّعِيهِ مِنْ الِاضْطِرَابِ الْمَانِعِ مِنْ ثُبُوتِ حُكْمِهِ ، الْأَصْلُ عَدَمُهُ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ يَنْفِيهِ ، كَمَا لَوْ جَرَحَ رَجُلًا وَادَّعَى أَنَّهُ جَرَحَهُ دَفْعًا عَنْ نَفْسِهِ ، أَوْ قَتَلَهُ وَادَّعَى أَنَّهُ وَجَدَهُ مَعَ أَهْلِهِ ، أَوْ قَتَلَ بَهِيمَةً وَادَّعَى أَنَّهَا صَالَتْ عَلَيْهِ .","part":19,"page":192},{"id":9192,"text":"الْجِرَاحُ تَتَنَوَّعُ نَوْعَيْنِ ؛ أَحَدِهِمَا ، الشِّجَاجُ ، وَهِيَ مَا كَانَ فِي رَأْسٍ أَوْ وَجْهٍ .\rالنَّوْعُ الثَّانِي : مَا كَانَ فِي سَائِرِ الْبَدَنِ ، وَيَنْقَسِمُ قِسْمَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، قَطْعُ عُضْوٍ .\rوَالثَّانِي : قَطْعُ لَحْمٍ .\rوَالْمَضْمُونُ فِي الْآدَمِيِّ ضَرْبَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، مَا ذَكَرْنَا .\rوَالثَّانِي : تَفْوِيتُ مَنْفَعَةٍ ، كَتَفْوِيتِ السَّمْعِ وَالْبَصَرِ وَالْعَقْلِ .\r( 6896 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ : وَمَنْ أَتْلَفَ مَا فِي الْإِنْسَانِ مِنْهُ شَيْءٌ وَاحِدٌ فَفِيهِ الدِّيَةُ ، وَمَا فِيهِ شَيْئَانِ ، فَفِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفُ الدِّيَةِ وَجُمْلَةُ ذَلِكَ ، أَنَّ كُلَّ عُضْوٍ لَمْ يَخْلُقْ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِي الْإِنْسَانِ مِنْهُ إلَّا وَاحِدًا كَاللِّسَانِ ، وَالْأَنْفِ ، وَالذَّكَرِ وَالصُّلْبِ ، فَفِيهِ دِيَةٌ كَامِلَةٌ ؛ لِأَنَّ إتْلَافَهُ إذْهَابُ مَنْفَعَةِ الْجِنْسِ ، وَإِذْهَابُهَا كَإِتْلَافِ النَّفْسِ ، وَمَا فِيهِ مِنْهُ شَيْئَانِ ؛ كَالْيَدَيْنِ ، وَالرِّجْلَيْنِ ، وَالْعَيْنَيْنِ ، وَالْأُذُنَيْنِ ، وَالْمَنْخِرَيْنِ ، وَالشَّفَتَيْنِ ، وَالْخُصْيَتَيْنِ ، وَالثَّدْيَيْنِ ، وَالْأَلْيَتَيْنِ ، فَفِيهِمَا الدِّيَةُ كَامِلَةً ؛ لِأَنَّ فِي إتْلَافِهِمَا إذْهَابَ مَنْفَعَةِ الْجِنْسِ ، وَفِي إحْدَاهُمَا نِصْفٌ ؛ لِأَنَّ فِي إتْلَافِهِ إذْهَابَ نِصْفِ مَنْفَعَةِ الْجِنْسِ .\rوَهَذِهِ الْجُمْلَةُ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَتَبَ لَهُ ، وَكَانَ فِي كِتَابِهِ : وَفِي الْأَنْفِ إذَا أُوعِبَ جَدْعُهُ الدِّيَةُ ، وَفِي اللِّسَانِ الدِّيَةُ ، وَفِي الشَّفَتَيْنِ الدِّيَةُ ، وَفِي الْبَيْضَتَيْنِ الدِّيَةُ ، وَفِي الذَّكَرِ الدِّيَةُ ، وَفِي الصُّلْبِ الدِّيَةُ ، وَفِي الْعَيْنَيْنِ الدِّيَةُ ، وَفِي الرِّجْلِ الْوَاحِدَةِ نِصْفُ الدِّيَةِ } .\rرَوَاهُ النَّسَائِيّ ، وَغَيْرُهُ ، وَرَوَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، وَقَالَ : كِتَابُ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ مَعْرُوفٌ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ ،","part":19,"page":193},{"id":9193,"text":"وَمَا فِيهِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ عِنْد الْعُلَمَاء إلَّا قَلِيلًا .\r( 6897 ) فَصْلٌ : وَمَا فِي الْإِنْسَانِ مِنْهُ أَرْبَعَةُ أَشْيَاءَ ، فَفِيهَا الدِّيَةُ ، وَفِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا رُبْعُ الدِّيَةِ ، وَهُوَ أَجْفَانُ الْعَيْنَيْنِ وَأَهْدَابُهَا .\rوَمَا فِيهِ مِنْهُ عَشَرَةٌ ؛ فَفِيهَا الدِّيَةُ ، وَفِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا عُشْرُهَا ، وَهِيَ أَصَابِعُ الْيَدَيْنِ وَأَصَابِعُ الرِّجْلَيْنِ .\rوَمَا فِيهِ مِنْهُ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ ، فَفِيهَا الدِّيَةُ ، وَفِي الْوَاحِدِ ثُلُثُهَا .\rوَهُوَ الْمَنْخِرَانِ ، وَالْحَاجِزُ بَيْنَهُمَا .\rوَعَنْهُ ، فِي الْمَنْخِرَيْنِ الدِّيَةُ ، وَفِي الْحَاجِزِ حُكُومَةٌ ؛ لِأَنَّ الْمَنْخِرَيْنِ شَيْئَانِ مِنْ جِنْسٍ ، فَكَانَ فِيهِمَا الدِّيَةُ ، كَالشَّفَتَيْنِ .\rوَلَيْسَ فِي الْبَدَنِ شَيْءٌ مِنْ جِنْسٍ يَزِيدُ عَلَى الدِّيَةِ إلَّا الْأَسْنَانُ ، فَإِنَّ فِي كُلِّ سِنٍّ خَمْسًا مِنْ الْإِبِلِ ، فَتَزِيدُ عَلَى الدِّيَةِ .\rوَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا إلَّا الدِّيَةُ ، قِيَاسًا عَلَى سَائِرِ مَا فِي الْبَدَنِ .\rوَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ ؛ لِأَنَّ الْخَبَرَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَدَ بِإِيجَابِ خَمْسٍ فِي كُلِّ سِنٍّ ، فَيَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ ، وَإِنْ خَالَفَ الْقِيَاسَ .","part":19,"page":194},{"id":9194,"text":"( 6898 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَفِي الْعَيْنَيْنِ الدِّيَةُ ) أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ فِي الْعَيْنَيْنِ ، إذَا أُصِيبَتَا خَطَأً ، الدِّيَةَ ، وَفِي الْعَيْنِ الْوَاحِدَةِ نِصْفُهَا ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { وَفِي الْعَيْنَيْنِ الدِّيَةُ } .\rوَلِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْجَسَدِ مِنْهُمَا إلَّا شَيْئَانِ ، فَفِيهِمَا الدِّيَةُ ، وَفِي إحْدَاهُمَا نِصْفُهَا ، كَسَائِرِ الْأَعْضَاءِ الَّتِي كَذَلِكَ .\rوَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ { : وَفِي الْعَيْنِ الْوَاحِدَةِ خَمْسُونَ مِنْ الْإِبِلِ } .\rرَوَاهُ مَالِكٌ ، فِي \" مُوَطَّئِهِ \" .\rوَلِأَنَّ الْعَيْنَيْنِ مِنْ أَعْظَمِ الْجَوَارِحِ نَفْعًا وَجَمَالًا ؛ فَكَانَتْ فِيهِمَا الدِّيَةُ ، وَفِي إحْدَاهُمَا نِصْفُهَا كَالْيَدَيْنِ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَا كَبِيرَتَيْنِ أَوْ صَغِيرَتَيْنِ ، أَوْ مَلِيحَتَيْنِ أَوْ قَبِيحَتَيْنِ ، أَوْ صَحِيحَتَيْنِ أَوْ مَرِيضَتَيْنِ ، أَوْ حَوْلَاوَيْنِ أَوْ رَمِصَتَيْنِ .\rفَإِنْ كَانَ فِيهِمَا بَيَاضٌ لَا يَنْقُصُ الْبَصَرَ ، لَمْ تَنْقُصْ الدِّيَةُ ، وَإِنْ نَقَصَ الْبَصَرَ نَقَصَ مِنْ الدِّيَةِ بِقَدْرِهِ .\rوَفِي ذَهَابِ الْبَصَرِ الدِّيَةُ ؛ لِأَنَّ كُلَّ عُضْوَيْنِ وَجَبَتْ الدِّيَةُ بِذَهَابِهِمَا ، وَجَبَتْ بِإِذْهَابِ نَفْعِهِمَا ، كَالْيَدَيْنِ إذَا أَشَلَّهُمَا .\rوَفِي ذَهَاب بَصَرِ أَحَدِهِمَا نِصْفُ الدِّيَةِ ، كَمَا لَوْ أَشَلَّ يَدًا وَاحِدَةً ، وَلَيْسَ فِي إذْهَابِهِمَا بِنَفْعِهَا أَكْثَرُ مِنْ دِيَةٍ ، كَالْيَدَيْنِ .","part":19,"page":195},{"id":9195,"text":"( 6899 ) فَصْلٌ : وَإِنْ جَنَى عَلَى رَأْسِهِ جِنَايَةً ذَهَبَ بِهَا بَصَرُهُ ، فَعَلَيْهِ دِيَتُهُ ؛ لِأَنَّهُ ذَهَبَ بِسَبَبِ جِنَايَتِهِ ، وَإِنْ لَمْ يَذْهَبْ بِهَا ، فَدَاوَاهَا ، فَذَهَبَ بِالْمُدَاوَاةِ ، فَعَلَيْهِ دِيَتُهُ ؛ لِأَنَّهُ ذَهَبَ بِسَبَبِ فِعْلِهِ .\rوَإِنْ اخْتَلَفُوا فِي ذَهَابِ الْبَصَرِ ، رُجِعَ إلَى اثْنَيْنِ عَدْلَيْنِ مُسْلِمَيْنِ مِنْ أَهْلِ الْخِبْرَةِ ؛ لِأَنَّ لَهُمَا طَرِيقًا إلَى مَعْرِفَةِ ذَلِكَ ، لَمُشَاهَدَتِهِمَا الْعَيْنَ الَّتِي هِيَ مَحَلُّ الْبَصَرِ ، وَمَعْرِفَةً بِحَالِهَا ، بِخِلَافِ السَّمْعِ ، وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ أَهْلُ الْخِبْرَةِ ، أَوْ تَعَذَّرَ مَعْرِفَةُ ذَلِكَ ، اُعْتُبِرَ بِأَنْ يُوقَفَ فِي عَيْنِ الشَّمْسِ ، وَيُقَرَّبَ الشَّيْءُ مِنْ عَيْنِهِ فِي أَوْقَاتِ غَفْلَتِهِ ؛ فَإِنْ طَرَفَ عَيْنَهُ ، وَخَافَ مِنْ الَّذِي يُخَوَّفُ بِهِ ، فَهُوَ كَاذِبٌ ، وَإِلَّا حُكِمَ لَهُ .\rوَإِذَا عُلِمَ ذَهَابُ بَصَرِهِ ، وَقَالَ أَهْلُ الْخِبْرَةِ : لَا يُرْجَى عَوْدُهُ .\rوَجَبَتْ الدِّيَةُ .\rوَإِنْ قَالُوا : يُرْجَى عَوْدُهُ إلَى مُدَّةٍ عَيَّنُوهَا ، اُنْتُظِرَ إلَيْهَا ، وَلَمْ يُعْطَ الدِّيَةَ حَتَّى تَنْقَضِيَ الْمُدَّةُ ، فَإِنْ عَادَ الْبَصَرُ ، سَقَطَتْ عَنْ الْجَانِي ، وَإِنْ لَمْ يَعُدْ ، اسْتَقَرَّتْ الدِّيَةُ .\rوَإِنْ مَاتَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ قَبْلَ الْعَوْدِ ، اسْتَقَرَّتْ الدِّيَةُ ، سَوَاءٌ مَاتَ فِي الْمُدَّةِ أَوْ بَعْدَهَا .\rفَإِنْ ادَّعَى الْجَانِي عَوْدَ بَصَرِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَأَنْكَرَ وَارِثُهُ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْوَارِثِ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ مَعَهُ .\rوَإِنْ جَاءَ أَجْنَبِيٌّ ، فَقَلَعَ عَيْنَهُ فِي الْمُدَّةِ ، اسْتَقَرَّتْ عَلَى الْأَوَّلِ الدِّيَةُ أَوْ الْقِصَاصُ ؛ لِأَنَّهُ أَذْهَبَ الْبَصَرَ فَلَمْ يَعُدْ ، وَعَلَى الثَّانِي حُكُومَةٌ ؛ لِأَنَّهُ أَذْهَبَ عَيْنًا لَا ضَوْءَ لَهَا ، يُرْجَى عَوْدُهَا .\rوَإِنْ قَالَ الْأَوَّلُ : عَادَ ضَوْءُهَا .\rوَأَنْكَرَ الثَّانِي : فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ مَعَهُ ، فَإِنْ صَدَّقَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ الْأَوَّلَ ، سَقَطَ حَقُّهُ عَنْهُ ، وَلَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ عَلَى الثَّانِي .\rوَإِنْ قَالَ أَهْلُ الْخِبْرَةِ : يُرْجَى عَوْدُهُ","part":19,"page":196},{"id":9196,"text":"، لَكِنْ لَا نَعْرِفُ لَهُ مُدَّةً .\rوَجَبَتْ الدِّيَةُ أَوْ الْقِصَاصُ ؛ لِأَنَّ انْتِظَارَ ذَلِكَ إلَى غَيْرِ غَايَةٍ يُفْضِي إلَى إسْقَاطِ مُوجَبِ الْجِنَايَةِ ، وَالظَّاهِرُ فِي الْبَصَرِ عَدَمُ الْعَوْدِ ، وَالْأَصْلُ يُؤَيِّدُهُ ، فَإِنْ عَادَ قَبْلَ اسْتِيفَاءِ الْوَاجِبِ سَقَطَ ، وَإِنْ عَادَ بَعْدَ الِاسْتِيفَاءِ ، وَجَبَ رَدُّ مَا أَخَذَ مِنْهُ ؛ لِأَنَّا تَبَيَّنَّا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا .","part":19,"page":197},{"id":9197,"text":"( 6900 ) فَصْلٌ : وَإِنْ جَنَى عَلَيْهِ فَنَقَصَ ضَوْءُ عَيْنَيْهِ ، فَفِي ذَلِكَ حُكُومَةٌ .\rوَإِنَّ ادَّعَى نَقْصَ ضَوْئِهِمَا ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْرَفُ ذَلِكَ إلَّا مِنْ جِهَتِهِ .\rوَإِنْ ذَكَرَ أَنَّ إحْدَاهُمَا نَقَصَتْ ، عُصِبَتْ الْمَرِيضَةُ ، وَأُطْلِقَتْ الصَّحِيحَةُ ، وَنُصِبَ لَهُ شَخْصٌ فَيُبَاعِدُ عَنْهُ ، فَكُلَّمَا قَالَ : رَأَيْتُهُ .\rفَوَصَفَ لَوْنَهُ ، عُلِمَ صِدْقُهُ ، حَتَّى تَنْتَهِيَ ، فَإِذَا انْتَهَتْ عُلِمَ مَوْضِعُهَا ، ثُمَّ تُشَدُّ الصَّحِيحَةُ ، وَتُطْلَقُ الْمَرِيضَةُ ، وَيُنْصَبُ لَهُ شَخْصٌ ، ثُمَّ يَذْهَبُ حَتَّى تَنْتَهِيَ رُؤْيَتُهُ ، ثُمَّ يُدَارُ الشَّخْصُ إلَى جَانِبٍ آخَرَ ، فَيُصْنَعُ بِهِ مِثْلُ ذَلِكَ ، ثُمَّ يَعْلَمُهُ عِنْدَ الْمَسَافَتَيْنِ ، وَيُذْرَعَانِ ، وَيُقَابَلُ بَيْنَهُمَا ، فَإِنْ كَانَتَا سَوَاءً ، فَقَدْ صَدَقَ ، وَيُنْظَرُ كَمْ بَيْنَ مَسَافَةِ رُؤْيَةِ الْعَلِيلَةِ وَالصَّحِيحَةِ ، وَيُحْكَمُ لَهُ مِنْ الدِّيَةِ بِقَدْرِ مَا بَيْنَهُمَا ، وَإِنْ اخْتَلَفَتْ الْمَسَافَتَانِ ، فَقَدْ كَذَبَ ، وَعُلِمَ أَنَّهُ قَصَّرَ مَسَافَةَ رُؤْيَةِ الْمَرِيضَةِ لِيَكْثُرَ الْوَاجِبُ لَهُ ، فَيُرَدَّدُ حَتَّى تَسْتَوِيَ الْمَسَافَةُ بَيْنَ الْجَانِبَيْنِ .\rوَالْأَصْلُ فِي هَذَا ، مَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَحْسَنُ مَا قِيلَ فِي ذَلِكَ ، مَا قَالَهُ عَلِيٌّ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَمَرَ بِعَيْنِهِ فَعُصِبَتْ ، وَأَعْطَى رَجُلًا بَيْضَةً ، فَانْطَلَقَ بِهَا وَهُوَ يَنْظُرُ ، حَتَّى انْتَهَى بَصَرُهُ ، ثُمَّ أَمَرَ فَخُطَّ عِنْدَ ذَلِكَ ، ثُمَّ أَمَرَ بِعَيْنِهِ فَعُصِبَتْ الْأُخْرَى ، وَفُتِحَتْ الصَّحِيحَةُ ، وَأَعْطَى رَجُلًا بَيْضَةً ، فَانْطَلَقَ بِهَا وَهُوَ يُبْصِرُ حَتَّى انْتَهَى بَصَرُهُ ، ثُمَّ خُطَّ عِنْدَ ذَلِكَ ، ثُمَّ حُوِّلَ إلَى مَكَان آخَرَ ، فَفَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ ، فَوَجَدُوهُ سَوَاءً ، فَأَعْطَاهُ بِقَدْرِ مَا نَقَصَ مِنْ بَصَرِهِ مِنْ مَالِ الْآخَرِ .\rقَالَ الْقَاضِي : وَإِذَا زَعَمَ أَهْلُ الطِّبِّ أَنَّ بَصَرَهُ يَقِلُّ إذَا بَعُدَتْ الْمَسَافَةُ ، وَيَكْثُرُ إذَا قَرُبَتْ ، وَأَمْكَنَ هَذَا فِي الْمُذَارَعَةِ ، عُمِلَ","part":19,"page":198},{"id":9198,"text":"عَلَيْهِ .\rوَبَيَانُهُ أَنَّهُمْ إذَا قَالُوا : إنَّ الرَّجُلَ إذَا كَانَ يُبْصِرُ إلَى مِائَةِ ذِرَاعٍ ، ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُبْصِرَ إلَى مِائَتَيْ ذِرَاعٍ ، احْتَاجَ لِلْمِائَةِ الثَّانِيَةِ إلَى ضِعْفَيْ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ لِلْمِائَةِ الْأُولَى مِنْ الْبَصَرِ .\rفَعَلَى هَذَا ، إذَا أَبْصَرَ بِالصَّحِيحَةِ إلَى مِائَتَيْنِ ، وَأَبْصَرَ بِالْعَلِيلَةِ إلَى مِائَةٍ عَلِمْنَا أَنَّهُ قَدْ نَقَصَ ثُلُثَا بَصَرِ عَيْنِهِ ؛ فَيَجِبُ لَهُ ثُلُثَا دِيَتِهَا .\rوَهَذَا لَا يَكَادُ يَنْضَبِطُ فِي الْغَالِبِ ، وَكُلُّ مَا لَا يَنْضَبِطُ فَفِيهِ حُكُومَةٌ .\rوَإِنْ جَنَى عَلَى عَيْنَيْهِ ، فَنَدَرَتَا ، أَوْ احْوَلَّتَا ، أَوْ عَمِشَتَا ، فَفِي ذَلِكَ حُكُومَةٌ ، كَمَا لَوْ ضَرَبَ يَدَهُ فَاعْوَجَّتْ .\rوَالْجِنَايَةُ عَلَى الصَّبِيِّ وَالْمَعْتُوهِ ، كَالْجِنَايَةِ عَلَى الْبَالِغِ وَالْعَاقِلِ ، وَإِنَّمَا يَفْتَرِقَانِ فِي أَنَّ الْبَالِغَ خَصْمٌ لِنَفْسِهِ ، وَالْخَصْمُ لِلصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ وَلِيُّهُمَا ، فَإِذَا تَوَجَّهَتْ الْيَمِينُ عَلَيْهِمَا لَمْ يَحْلِفَا ، وَلَمْ يَحْلِفْ الْوَلِيُّ عَنْهُمَا ، فَإِنْ بَلَغَ الصَّبِيُّ ، وَأَفَاقَ الْمَجْنُونُ ، حَلَفَا حِينَئِذٍ .\rوَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فِي هَذَا الْفَصْلِ كُلِّهِ كَمَذْهَبِنَا .","part":19,"page":199},{"id":9199,"text":"( 6901 ) فَصْلٌ : وَفِي عَيْنِ الْأَعْوَرِ دِيَةٌ كَامِلَةٌ .\rوَبِذَلِكَ قَالَ الزُّهْرِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَاللَّيْثُ ، وَقَتَادَةُ ، وَإِسْحَاقُ .\rوَقَالَ مَسْرُوقٌ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُغَفَّلٍ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ : فِيهَا نِصْفُ الدِّيَةِ ؛ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { وَفِي الْعَيْنِ خَمْسُونَ مِنْ الْإِبِلِ } .\rوَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { وَفِي الْعَيْنَيْنِ الدِّيَةُ } .\rيَقْتَضِي أَنْ لَا يَجِبَ فِيهِمَا أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ ، سَوَاءٌ قَلَعَهُمَا وَاحِدٌ ، أَوْ اثْنَانِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ ، أَوْ فِي وَقْتَيْنِ ، وَقَالِعُ الثَّانِيَةِ قَالِعُ عَيْنِ أَعْوَرَ ، فَلَوْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ دِيَةٌ ، لَوَجَبَ فِيهِمَا دِيَةٌ وَنِصْفٌ ، وَلِأَنَّ مَا ضُمِنَ بِنِصْفِ الدِّيَةِ مَعَ بَقَاءِ نَظِيرِهِ ، ضُمِنَ بِهِ مَعَ ذَهَابِهِ ، كَالْأُذُنِ .\rوَيَحْتَمِلُ هَذَا كَلَامُ الْخِرَقِيِّ ؛ لِقَوْلِهِ : وَفِي الْعَيْنِ الْوَاحِدَةِ نِصْفُ الدِّيَةِ وَلَمْ يُفَرِّقْ .\rوَلَنَا ، أَنَّ عُمَرَ ، وَعُثْمَانَ ، وَعَلِيًّا ، وَابْنَ عُمَرَ ، قَضَوْا فِي عَيْنِ الْأَعْوَرِ بِالدِّيَةِ .\rوَلَمْ نَعْلَمْ لَهُمْ فِي الصَّحَابَةِ مُخَالِفًا ، فَيَكُونُ إجْمَاعًا ، وَلِأَنَّ قَلْعَ عَيْنِ الْأَعْوَرِ يَتَضَمَّنُ إذْهَابَ الْبَصَرِ كُلِّهِ ، فَوَجَبَتْ الدِّيَةُ ، كَمَا لَوْ أَذْهَبَهُ مِنْ الْعَيْنَيْنِ ، وَدَلِيلُ ذَلِكَ أَنَّهُ يَحْصُلُ بِهَا مَا يَحْصُلُ بِالْعَيْنَيْنِ ، فَإِنَّهُ يَرَى الْأَشْيَاءَ الْبَعِيدَةَ ، وَيُدْرِكُ الْأَشْيَاءَ اللَّطِيفَةَ ، وَيَعْمَلُ أَعْمَالَ الْبُصَرَاءِ ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَاضِيًا وَشَاهِدًا ، وَيُجْزِئُ فِي الْكَفَّارَةِ وَفِي الْأُضْحِيَّةِ إذَا لَمْ تَكُنْ الْعَوْرَاءُ مَخْسُوفَةً ، فَوَجَبَ فِي بَصَرِهِ دِيَةٌ كَامِلَةٌ ، كَذَا فِي الْعَيْنَيْنِ .\rفَإِنْ قِيلَ : فَلَوْ صَحَّ هَذَا ، لَمْ يَجِبْ فِي إذْهَابِ بَصَرِ إحْدَى الْعَيْنَيْنِ نِصْفُ الدِّيَةِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْقُصْ .\rقُلْنَا : لَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُوبِ شَيْءٍ مِنْ دِيَةِ الْعَيْنَيْنِ نَقْصُ دِيَةِ الثَّانِي ؛ بِدَلِيلِ مَا لَوْ جَنَى عَلَيْهِمَا فَاحْوَلَّتَا ، أَوْ عَمِشَتَا ، أَوْ","part":19,"page":200},{"id":9200,"text":"نَقَصَ ضَوْءُهُمَا ، فَإِنَّهُ يَجِبُ أَرْشُ النَّقْصِ ، وَلَا تَنْقُصُ دِيَتُهُمَا بِذَلِكَ ، وَلِأَنَّ النَّقْصَ الْحَاصِلَ لَمْ يُؤَثِّرْ فِي تَنْقِيصِ أَحْكَامِهِ ، وَلَا هُوَ مَضْبُوطٌ فِي تَفْوِيتِ النَّفْعِ ، فَلَمْ يُؤَثِّرْ فِي تَنْقِيصِ الدِّيَةِ ، كَاَلَّذِي ذَكَرْنَا .","part":19,"page":201},{"id":9201,"text":"( 6902 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَلَعَ الْأَعْوَرُ عَيْنَ صَحِيحٍ نَظَرْنَا ؛ فَإِنْ قَلَعَ الْعَيْنَ الَّتِي لَا تُمَاثِلُ عَيْنَهُ الصَّحِيحَةَ ، أَوْ قَلَعَ الْمُمَاثِلَةَ لِلصَّحِيحَةِ خَطَأً ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا نِصْفُ الدِّيَةِ ، وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْأَصْلُ ، وَإِنْ قَلَعَ الْمُمَاثِلَةَ لِعَيْنِهِ الصَّحِيحَةِ عَمْدًا ، فَلَا قِصَاصَ عَلَيْهِ ، وَعَلَيْهِ دِيَةٌ كَامِلَةٌ .\rوَبِهَذَا قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ، وَعَطَاءٌ ، وَمَالِكٌ فِي إحْدَى رِوَايَتَيْهِ .\rوَقَالَ فِي الْأُخْرَى : عَلَيْهِ نِصْفُ الدِّيَةِ ، وَلَا قِصَاصَ .\rوَقَالَ الْمُخَالِفُونَ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى : لَهُ الْقِصَاصُ ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ } .\rوَإِنْ اخْتَارَ الدِّيَةَ ، فَلَهُ نِصْفُهَا ؛ لِلْخَبَرِ ؛ وَلِأَنَّهُ لَوْ قَلَعَهَا غَيْرُهُ لَمْ يَجِبْ فِيهَا إلَّا نِصْفُ الدِّيَةِ ، فَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ إلَّا نِصْفُهَا ، كَالْعَيْنِ الْأُخْرَى .\rوَلَنَا ، أَنَّ عُمَرَ وَعُثْمَانَ قَضَيَا بِمِثْلِ مَذْهَبِنَا ، وَلَا نَعْرِفُ لَهُمَا مُخَالِفًا فِي الصَّحَابَةِ ، فَكَانَ إجْمَاعًا .","part":19,"page":202},{"id":9202,"text":"( 6903 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَلَعَ الْأَعْوَرُ عَيْنَيْ صَحِيحِ الْعَيْنَيْنِ ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا دِيَةٌ ، عَمْدًا كَانَ أَوْ خَطَأً .\rوَذَكَرَ الْقَاضِي : أَنَّ قِيَاسَ الْمَذْهَبِ وُجُوبُ دِيَتَيْنِ ؛ إحْدَاهُمَا فِي الْعَيْنِ الَّتِي اسْتَحَقَّ بِهَا قَلَعَ عَيْنِ الْأَعْوَرِ ، وَالْأُخْرَى فِي الْأُخْرَى ؛ لِأَنَّهَا عَيْنُ أَعْوَرَ .\rوَلَنَا قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : وَفِي الْعَيْنَيْنِ الدِّيَةُ } .\rوَلِأَنَّهُ قَلَعَ عَيْنَيْنِ ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ أَكْثُرُ مِنْ الدِّيَةِ ، كَمَا لَوْ كَانَ الْقَالِعُ صَحِيحًا ، وَلِأَنَّهُ لَمْ يَزِدْ عَلَى تَفْوِيتِ مَنْفَعَةِ الْجِنْسِ ، فَلَمْ يَزِدْ عَلَى الدِّيَةِ ، كَمَا لَوْ قَطَعَ أُذُنَهُ .\rوَمَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ وُجُوبَ الدِّيَةِ فِي إحْدَى عَيْنَيْهِ لَا يَجْعَلُ الْأُخْرَى عَيْنَ أَعْوَرَ ، عَلَى أَنَّ وُجُوبَ الدِّيَةِ بِقَلْعِ إحْدَى الْعَيْنَيْنِ قَضِيَّةٌ مُخَالِفَةٌ لِلْخَبَرِ وَالْقِيَاسِ ، صِرْنَا إلَيْهَا لِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ عَلَيْهَا ، فَفِيمَا عَدَا مَوْضِعِ الْإِجْمَاعِ ، يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِمَا ، وَالْبَقَاءُ عَلَيْهِمَا ، فَإِنْ كَانَ قَلَعَهُمَا عَمْدًا ، فَاخْتَارَ الْقِصَاصَ ، فَلَيْسَ لَهُ إلَّا قَلْعُ عَيْنِهِ ؛ لِأَنَّهُ أَذْهَبَ بَصَرَهُ كُلَّهُ ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَكْثَرُ مِنْ إذْهَابِ بَصَرِهِ ، وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ قَضَاءِ الصَّحَابَةِ أَنَّ عَيْنَ الْأَعْوَرِ تَقُومُ مَقَامَ الْعَيْنَيْنِ .\rوَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ لَهُ الْقِصَاصَ مِنْ الْعَيْنِ ، وَنِصْفَ الدِّيَةِ لِلْعَيْنِ الْأُخْرَى ، وَهُوَ مُقْتَضَى الدَّلِيلِ .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":19,"page":203},{"id":9203,"text":"( 6904 ) فَصْل : وَإِنْ قَطَعَ يَدَ أَقْطَعَ ، أَوْ رِجْلَ أَقْطَعَ الرِّجْلِ ، فَلَهُ نِصْفُ الدِّيَةِ ، أَوْ الْقِصَاصُ مِنْ مِثْلِهَا ؛ لِأَنَّهُ عُضْوٌ أَمْكَنَ الْقِصَاصُ مِنْ مِثْلِهِ ، فَكَانَ الْوَاجِبُ فِيهِ الْقِصَاصُ أَوْ دِيَةُ مِثْلِهِ ، كَمَا لَوْ قَطَعَ أُذُنَ مَنْ لَهُ أُذُنٌ وَاحِدَةٌ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ ، رِوَايَةٌ أُخْرَى ، أَنَّ الْأُولَى إنْ كَانَتْ قُطِعَتْ ظُلْمًا وَأَخَذَ دِيَتَهَا ، أَوْ قُطِعَتْ قِصَاصًا ، فَفِيهَا نِصْفُ دِيَتِهَا ، وَإِنْ قُطِعَتْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، فَفِي الْبَاقِيَةِ دِيَةٌ كَامِلَةٌ ؛ لِأَنَّهُ عَطَّلَ مَنَافِعَهُ مِنْ الْعُضْوَيْنِ جُمْلَةً ، فَأَشْبَهَ قَلْعَ عَيْنِ الْأَعْوَرِ .\rوَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ ؛ لِأَنَّ هَذَا أَحَدُ الْعُضْوَيْنِ اللَّذَيْنِ تَحْصُلُ بِهِمَا مَنْفَعَةُ الْجِنْسِ ، وَلَا يَقُومُ مَقَامَ الْعُضْوَيْنِ ، فَلَمْ تَجِبْ فِيهِ دِيَةٌ كَامِلَةٌ ، كَسَائِرِ الْأَعْضَاءِ ، وَكَمَا لَوْ كَانَتْ الْأُولَى أُخِذَتْ قِصَاصًا ، أَوْ فِي غَيْرِ سَبِيلِ اللَّهِ ، وَلَا يَصِحُّ الْقِيَاسُ عَلَى عَيْنِ الْأَعْوَرِ لَوُجُوهٍ ثَلَاثَةٍ ؛ أَحَدُهَا ، أَنَّ عَيْنَ الْأَعْوَرِ حَصَلَ بِهَا مَا يَحْصُلُ بِالْعَيْنَيْنِ ، وَلَمْ يَخْتَلِفَا فِي الْحَقِيقَةِ وَالْأَحْكَامِ إلَّا تَفَاوُتًا يَسِيرًا ، بِخِلَافِ أَقْطَعِ الْيَدِ وَالرِّجْلِ .\rوَالثَّانِي ؛ أَنَّ عَيْنَ الْأَعْوَرِ لَمْ يَخْتَلِفْ الْحُكْمُ فِيهَا بِاخْتِلَافِ صِفَةِ ذَهَابِ الْأُولَى .\rوَهَا هُنَا اخْتَلَفَا .\rالثَّالِثُ ؛ أَنَّ هَذَا التَّقْدِيرَ وَالتَّعْيِينَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ أَمْرٌ لَا يُصَارُ إلَيْهِ بِمُجَرَّدِ الرَّأْيِ ، وَلَا تَوْقِيفَ فِيهِ فَيُصَارُ إلَيْهِ ، وَلَا نَظِيرَ لَهُ فَيُقَاسُ عَلَيْهِ ، فَالْمَصِيرُ إلَيْهِ تَحَكُّمٌ بِغَيْرِ دَلِيلٍ ، فَيَجِبُ اطِّرَاحُهُ .\rوَإِنْ قُطِعَتْ أُذُنُ مِنْ قُطِعَتْ أُذُنُهُ ، أَوْ مَنْخِرُ مَنْ قُطِعَتْ مَنْخِرُهُ ، لَمْ يَجِبْ فِيهِ أَكْثَرُ مِنْ نِصْفِ الدِّيَةِ ، رِوَايَةً وَاحِدَةً ؛ لِأَنَّ مَنْفَعَةَ كُلِّ أُذُنٍ لَا تَتَعَلَّقُ بِالْأُخْرَى ، بِخِلَافِ الْعَيْنَيْنِ .","part":19,"page":204},{"id":9204,"text":"( 6905 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَفِي الْأَشْفَارِ الْأَرْبَعَةِ الدِّيَةُ ، وَفِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا رُبْعُ الدِّيَةِ ) .\rيَعْنِي أَجْفَانَ الْعَيْنَيْنِ ، وَهِيَ أَرْبَعَةٌ ، فَفِي جَمِيعِهَا الدِّيَةُ ؛ لِأَنَّ فِيهَا مَنْفَعَةَ الْجِنْسِ ، وَفِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا رُبْعُ الدِّيَةِ ؛ لِأَنَّ كُلَّ ذِي عَدَدٍ تَجِبُ فِي جَمِيعِهِ الدِّيَةُ ، تَجِبُ فِي الْوَاحِدِ مِنْهَا بِحِصَّتِهِ مِنْ الدِّيَةِ ، كَالْيَدَيْنِ وَالْأَصَابِعِ .\rوَبِهَذَا قَالَ الْحَسَنُ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَقَتَادَةُ ، وَأَبُو هَاشِمٍ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَعَنْ مَالِكٍ فِي جَفْنِ الْعَيْنِ وَحِجَاجِهَا الِاجْتِهَادُ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُعْلَمْ تَقْدِيرُهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالتَّقْدِيرُ لَا يَثْبُتُ قِيَاسًا .\rوَلَنَا أَنَّهَا أَعْضَاءٌ فِيهَا جَمَالٌ ظَاهِرٌ ، وَنَفْعٌ كَامِلٌ ؛ فَإِنَّهَا تُكِنُّ الْعَيْنَ ، وَتَحْفَظُهَا ، وَتَقِيهَا الْحَرَّ وَالْبَرْدَ ، وَتَكُونُ كَالْغَلَقِ عَلَيْهَا ، يُطْبِقُهُ إذَا شَاءَ ، وَيَفْتَحُهُ إذَا شَاءَ ، وَلَوْلَاهَا لَقَبُحَ مَنْظَرُهُ ، فَوَجَبَتْ فِيهَا الدِّيَةُ ، كَالْيَدَيْنِ ، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ التَّقْدِيرَ لَا يَثْبُتُ قِيَاسًا .\rفَإِذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّ فِي أَحَدِهَا رُبْعَ الدِّيَةِ .\rوَحُكِيَ عَنْ الشَّعْبِيِّ ، أَنَّهُ يَجِبُ فِي الْأَعْلَى ثُلُثَا دِيَةِ الْعَيْنِ ، وَفِي الْأَسْفَلِ ثُلُثُهَا ؛ لِأَنَّهُ أَكْثَرُ نَفْعًا .\rوَلَنَا ، أَنَّ كُلَّ ذِي عَدَدٍ تَجِبُ الدِّيَةُ فِي جَمِيعِهِ ، تَجِبُ بِالْحِصَّةِ فِي الْوَاحِدِ مِنْهُ ، كَالْيَدَيْنِ وَالْأَصَابِعِ ، وَمَا ذَكَرَهُ يَبْطُلُ بِالْيُمْنَى مَعَ الْيُسْرَى وَالْأَصَابِعِ .\rوَإِنْ قَلَعَ الْعَيْنَيْنِ بِأَشْفَارِهِمَا ، وَجَبَتْ دِيَتَانِ ؛ لِأَنَّهُمَا جِنْسَانِ تَجِبُ الدِّيَةُ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُنْفَرِدًا ، فَوَجَبَتْ بِإِتْلَافِهِمَا جُمْلَةً دِيَتَانِ ، كَالْيَدَيْنِ ، وَالرِّجْلَيْنِ .\rوَتَجِبُ الدِّيَةُ فِي أَشْفَارِ عَيْنِ الْأَعْمَى ؛ لِأَنَّ ذَهَابَ بَصَرِهِ عَيْبٌ فِي غَيْرِ الْأَجْفَانِ ، فَلَمْ يَمْنَعْ وُجُوبَ الدِّيَةِ فِيهَا ، كَذَهَابِ الشَّمِّ ، لَا يَمْنَعُ وُجُوبَ","part":19,"page":205},{"id":9205,"text":"الدِّيَةِ فِي الْأَنْفِ ( 6906 ) فَصْلٌ : وَتَجِبُ فِي أَهْدَابِ الْعَيْنَيْنِ بِمُفْرَدِهَا الدِّيَةُ ، وَهُوَ الشَّعْرُ الَّذِي عَلَى الْأَجْفَانِ ، وَفِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا رُبْعُهَا .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : فِيهِ حُكُومَةٌ .\rوَلَنَا ، أَنَّ فِيهَا جَمَالًا وَنَفْعًا ، فَإِنَّهَا تَقِي الْعَيْنَيْنِ ، وَتَرُدُّ عَنْهُمَا ، وَتُحَسِّنُ الْعَيْنَ وَتُجَمِّلُهَا ، فَوَجَبَتْ فِيهَا الدِّيَةُ كَالْأَجْفَانِ ، فَإِنْ قَطَعَ الْأَجْفَانَ بِأَهْدَابِهَا ، لَمْ يَجِبْ أَكْثَرُ مِنْ دِيَةٍ ؛ لِأَنَّ الشَّعْرَ يَزُولُ تَبَعًا لِزَوَالِ الْأَجْفَانِ ، فَلَمْ تُفْرَدْ بِضَمَانٍ ، كَالْأَصَابِعِ إذَا قَطَعَ الْيَدَ وَهِيَ عَلَيْهَا .","part":19,"page":206},{"id":9206,"text":"( 6907 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَفِي الْأُذُنَيْنِ الدِّيَةُ ) رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ ، وَعَلِيٍّ .\rوَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَالْحَسَنُ ، وَقَتَادَةُ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ، وَمَالِكٌ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ ، وَقَالَ فِي الْأُخْرَى : فِيهِمَا حُكُومَةٌ ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ لَمْ يَرِدْ فِيهِمَا بِتَقْدِيرٍ ، وَلَا يَثْبُتُ التَّقْدِيرُ بِالْقِيَاسِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ فِي كِتَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ { : وَفِي الْأُذُنَيْنِ الدِّيَةُ } .\rوَلِأَنَّ عُمَرَ وَعَلِيًّا قَضَيَا فِيهِمَا بِالدِّيَةِ .\rفَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَضَى فِي الْأُذُنِ بِخَمْسَةَ عَشَرَ بَعِيرًا .\rقُلْنَا : لَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ .\rقَالَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ .\rوَلِأَنَّ مَا كَانَ فِي الْبَدَنِ مِنْهُ عُضْوَانِ ، كَانَ فِيهِمَا الدِّيَةُ ، كَالْيَدَيْنِ ، وَفِي إحْدَاهُمَا نِصْفُ الدِّيَةِ ، بِغَيْرِ خِلَافٍ بَيْنَ الْقَائِلِينَ بِوُجُوبِ الدِّيَةِ فِيهِمَا ، وَلِأَنَّ كُلَّ عُضْوَيْنِ وَجَبَتْ الدِّيَةُ فِيهِمَا ، وَجَبَ فِي أَحَدِهِمَا نِصْفُهَا ، كَالْيَدَيْنِ ، وَإِنْ قُطِعَ بَعْضُ إحْدَاهُمَا ، وَجَبَ بِقَدْرِ مَا قُطِعَ مِنْ دِيَتِهَا ، فَفِي نِصْفِهَا نِصْفُ دِيَتِهَا ، وَفِي رُبْعِهَا رُبْعُهَا ، وَعَلَى هَذَا الْحِسَابُ ، سَوَاءٌ قُطِعَ مِنْ أَعْلَى الْأُذُنِ أَوْ أَسْفَلِهَا ، أَوْ اخْتَلَفَ فِي الْجَمَالِ ، أَوْ لَمْ يَخْتَلِفْ ، كَمَا أَنَّ الْأَسْنَانَ وَالْأَصَابِعَ تَخْتَلِف فِي الْجَمَالِ وَالْمَنْفَعَةِ ، وَدِيَاتُهَا سَوَاءٌ .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ ، رَحِمَهُ اللَّهُ ؛ أَنَّ فِي شَحْمَةِ الْأُذُنِ ثُلُثَ الدِّيَةِ .\rوَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ .\rوَتَجِبُ الدِّيَةُ فِي أُذُنِ الْأَصَمِّ ؛ لِأَنَّ الصَّمَمَ نَقْصٌ فِي غَيْرِ الْأُذُنِ ، فَلَمْ يُؤَثِّرْ فِي دِيَتِهَا .\rكَالْعَمَى لَا يُؤَثِّرُ فِي دِيَةِ الْأَجْفَانِ .\rوَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ .\rوَلَا أَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا .","part":19,"page":207},{"id":9207,"text":"( 6908 ) فَصْلٌ : فَإِنْ جَنَى عَلَى أُذُنِهِ فَاسْتَحْشَفَتْ ، وَاسْتِحْشَافُهَا كَشَلَلِ سَائِرِ الْأَعْضَاءِ ، فَفِيهَا حُكُومَةٌ .\rوَهَذَا أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ فِي الْآخَرِ : فِي ذَلِكَ دِيَتُهَا ؛ لِأَنَّ مَا وَجَبَتْ دِيَتُهُ بِقَطْعِهِ ، وَجَبَتْ بِشَلَلِهِ ، كَالْيَدِ وَالرِّجْلِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ نَفْعَهَا بَاقٍ بَعْدَ اسْتِحْشَافِهَا وَجَمَالَهَا ، فَإِنَّ نَفْعَهَا جَمْعُ الصَّوْتِ ، وَمَنْعُ دُخُولِ الْمَاءِ وَالْهَوَامِّ فِي صِمَاخِهِ ، وَهَذَا بَاقٍ بَعْدَ شَلَلِهَا ، فَإِنْ قَطَعَهَا قَاطِعٌ بَعْدَ اسْتِحْشَافِهَا ، فَفِيهَا دِيَتُهَا ؛ لِأَنَّهُ قَطَعَ أُذُنًا فِيهَا جَمَالُهَا وَنَفْعُهَا ، فَوَجَبَتْ دِيَتُهَا كَالصَّحِيحَةِ ، وَكَمَا لَوْ قَلَعَ عَيْنًا عَمْشَاءَ أَوْ حَوْلَاءَ .","part":19,"page":208},{"id":9208,"text":"( 6909 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَفِي السَّمْعِ إذَا ذَهَبَ مِنْ الْأُذُنَيْنِ الدِّيَةُ ) لَا خِلَافَ فِي هَذَا .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعَ عَوَامُّ أَهْلِ الْعِلْمِ ، عَلَى أَنَّ فِي السَّمْعِ الدِّيَةَ .\rرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ .\rوَبِهِ قَالَ مُجَاهِدٌ ، وَقَتَادَةُ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَأَهْلُ الشَّامِ ، وَأَهْلُ الْعِرَاقِ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ ، وَلَا أَعْلَم عَنْ غَيْرِهِمْ خِلَافًا لَهُمْ .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ مُعَاذٍ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { : وَفِي السَّمْعِ الدِّيَةُ } .\rوَرَوَى أَبُو الْمُهَلَّبِ ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ ، أَنَّ رَجُلًا رَمَى رَجُلًا بِحَجَرٍ فِي رَأْسِهِ ، فَذَهَبَ سَمْعُهُ وَعَقْلُهُ وَلِسَانُهُ وَنِكَاحُهُ ، فَقَضَى عُمَرُ بِأَرْبَعِ دِيَاتٍ ، وَالرَّجُلُ حَيٌّ .\rوَلِأَنَّهَا حَاسَّةٌ تَخْتَصُّ بِنَفْعٍ ، فَكَانَ فِيهَا الدِّيَةُ ، كَالْبَصَرِ .\rوَإِنْ ذَهَبَ السَّمْعُ مِنْ إحْدَى الْأُذُنَيْنِ ، وَجَبَ نِصْفُ الدِّيَةِ ، كَمَا لَوْ ذَهَبَ الْبَصَرُ مِنْ إحْدَى الْعَيْنَيْنِ .\rوَإِنْ قَطَعَ أُذُنَهُ ، فَذَهَبَ سَمْعُهُ ، وَجَبَتْ دِيَتَانِ ؛ لِأَنَّ السَّمْعَ فِي غَيْرِهِمَا ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَلَعَ أَجْفَانَ عَيْنَيْهِ فَذَهَبَ بَصَرُهُ ، بِخِلَافِ الْعَيْنِ إذَا قُلِعَتْ فَذَهَبَ بَصَرُهُ .\rفَإِنَّ الْبَصَرَ فِي الْعَيْنِ ، فَأَشْبَهَ الْبَطْشَ الذَّاهِبَ بِقَطْعِ الْيَد .","part":19,"page":209},{"id":9209,"text":"( 6910 ) فَصْلٌ : وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي ذَهَابِ سَمْعِهِ ، فَإِنَّهُ يُتَغَفَّلُ وَيُصَاحُ بِهِ ، وَيُنْظَرُ اضْطِرَابُهُ ، وَيُتَأَمَّلُ عِنْدَ صَوْتِ الرَّعْدِ وَالْأَصْوَاتِ الْمُزْعِجَةِ ، فَإِنْ ظَهَرَ مِنْهُ انْزِعَاجٌ ، أَوْ الْتِفَاتٌ ، أَوْ مَا يَدُلُّ عَلَى السَّمْعِ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْجَانِي مَعَ يَمِينِهِ ؛ لِأَنَّ ظُهُورَ الْأَمَارَاتِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ سَمِيعٌ ، فَغُلِّبَتْ جَنَبَةُ الْمُدَّعِي ، وَحُلِّفَ ، لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ مَا ظَهَرَ مِنْهُ اتِّفَاقًا ، وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ ، مَعَ يَمِينِهِ ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ غَيْرُ سَمِيعٍ ، وَحَلَفَ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ احْتَرَزَ وَتَصَبَّرَ .\rوَإِنْ ادَّعَى ذَلِكَ فِي إحْدَاهُمَا ، سُدَّتْ الْأُخْرَى ، وَتُغُفِّلَ عَلَى مَا ذَكَرْنَا .\rفَإِنْ ادَّعَى نُقْصَانَ السَّمْعِ فِيهِمَا ، فَلَا طَرِيقَ لَنَا إلَى مَعْرِفَةِ ذَلِكَ إلَّا مِنْ جِهَتِهِ ، فَيُحَلِّفُهُ الْحَاكِمُ ، وَيُوجِبُ حُكُومَةً .\rوَإِنْ ادَّعَى نَقْصَهُ فِي إحْدَاهُمَا ، سَدَدْنَا الْعَلِيلَةَ ، وَأَطْلَقْنَا الصَّحِيحَةَ ، وَأَقَمْنَا مَنْ يُحَدِّثُهُ وَهُوَ يَتَبَاعَدُ إلَى حَيْثُ يَقُولُ : إنِّي لَا أَسْمَعُ .\rفَإِذَا قَالَ إنِّي لَا أَسْمَعُ .\rغَيَّرَ عَلَيْهِ الصَّوْتَ وَالْكَلَامَ فَإِنْ بَانَ أَنَّهُ يَسْمَعُ ، وَإِلَّا فَقَدْ كَذَبَ ، فَإِذَا انْتَهَى إلَى آخِرِ سَمَاعِهِ ، قَدَّرَ الْمَسَافَةَ ، وَسَدَّ الصَّحِيحَةَ ، وَأُطْلِقَتْ الْمَرِيضَةُ ، وَحَدَّثَهُ وَهُوَ يَتَبَاعَدُ ، حَتَّى يَقُولَ : إنِّي لَا أَسْمَعُ .\rفَإِذَا قَالَ ذَلِكَ ، غَيَّرَ عَلَيْهِ الْكَلَامَ ، فَإِنْ تَغَيَّرَتْ صِفَتُهُ ، لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ ، وَإِنْ لَمْ تَتَغَيَّرْ صِفَتُهُ ، حَلَفَ ، وَقُبِلَ قَوْلُهُ ، وَمُسِحَتْ الْمَسَافَتَانِ ، وَنُظِرَ مَا نَقَصَتْ الْعَلِيلَةُ ، فَوَجَبَ بِقَدْرِهِ .\rفَإِنْ قَالَ : إنِّي أَسْمَعُ الْعَالِي ، وَلَا أَسْمَعُ الْخَفِيَّ .\rفَهَذَا لَا يُمْكِنُ تَقْدِيرُهُ ، فَتَجِبُ فِيهِ حُكُومَةٌ .\r( 6911 ) فَصْلٌ : فَإِنْ قَالَ أَهْلُ الْخِبْرَةِ : إنَّهُ يُرْجَى عَوْدُ سَمْعِهِ إلَى مُدَّةٍ .\rاُنْتُظِرَ إلَيْهَا ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِذَلِكَ غَايَةٌ ، لَمْ","part":19,"page":210},{"id":9210,"text":"يُنْتَظَرْ .\rوَمَتَى عَادَ السَّمْعُ ، فَإِنْ كَانَ قَبْلَ أَخْذِ الدِّيَةِ ، سَقَطَتْ ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ ، رُدَّتْ .\rعَلَى مَا قُلْنَا فِي الْبَصَرِ .","part":19,"page":211},{"id":9211,"text":"( 6912 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَفِي قَرْعِ الرَّأْسِ إذَا لَمْ يَنْبُتْ الشَّعْرُ الدِّيَةُ .\rوَفِي شَعْرِ اللِّحْيَةِ الدِّيَةُ ، إذَا لَمْ يَنْبُتْ .\rوَفِي الْحَاجِبَيْنِ الدِّيَةُ إذَا لَمْ تَنْبُتْ ) هَذِهِ الشُّعُورُ الثَّلَاثَةُ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا دِيَةٌ .\rوَذَكَرَ أَصْحَابُنَا مَعَهَا شَعْرًا رَابِعًا ، وَهُوَ أَهْدَابُ الْعَيْنَيْنِ ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ قَبْلَ هَذَا .\rفَفِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا دِيَةٌ .\rوَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيِّ وَمِمَّنْ أَوْجَبَ فِي الْحَاجِبَيْنِ الدِّيَةَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَشُرَيْحٌ وَالْحَسَنُ وَقَتَادَةُ وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، أَنَّهُمَا قَالَا فِي الشَّعْرِ : فِيهِ الدِّيَةُ .\rوَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ : فِيهِ حُكُومَةٌ .\rوَاخْتَارَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ ؛ لِأَنَّهُ إتْلَافُ جَمَالٍ مِنْ غَيْرِ مَنْفَعَةٍ ؛ فَلَمْ تَجِبْ فِيهِ الدِّيَةُ ، كَالْيَدِ الشَّلَّاءِ وَالْعَيْنِ الْقَائِمَةِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ أَذْهَبَ الْجَمَالَ عَلَى الْكَمَالِ ، فَوَجَبَ فِيهِ دِيَةٌ كَامِلَةٌ كَأُذُنِ الْأَصَمِّ ، وَأَنْفِ الْأَخْشَمِ ، وَمَا ذَكَرُوهُ مَمْنُوعٌ ؛ فَإِنَّ الْحَاجِبَ يَرُدُّ الْعَرَقَ عَنْ الْعَيْنِ وَيُفَرِّقُهُ ، وَهُدْبُ الْعَيْنِ يَرُدُّ عَنْهَا وَيَصُونُهَا ، فَجَرَى مَجْرَى أَجْفَانِهَا .\rوَيَنْتَقِضُ مَا ذَكَرُوهُ بِالْأَصْلِ الَّذِي قِسْنَا عَلَيْهِ ، وَيُفَارِقُ الْيَدَ الشَّلَّاءَ ، فَإِنَّهُ لَيْسَ جَمَالُهَا كَامِلًا ( 6913 ) فَصْلٌ : وَفِي أَحَدِ الْحَاجِبَيْنِ نِصْفُ الدِّيَةِ ؛ لِأَنَّ كُلَّ شَيْئَيْنِ فِيهِمَا الدِّيَةُ ، فَفِي أَحَدِهِمَا نِصْفُهَا ، كَالْيَدَيْنِ .\rوَفِي بَعْضِ ذَلِكَ ، أَوْ ذَهَابِ شَيْءٍ مِنْ الشُّعُورِ الْمَذْكُورَةِ ، مِنْ الدِّيَةَ بِقِسْطِهِ مِنْ دِيَتِهِ ، يُقَدَّرُ بِالْمِسَاحَةِ ، كَالْأُذُنَيْنِ ، وَمَارِنِ الْأَنْفِ .\rوَلَا فَرْقَ فِي هَذِهِ الشُّعُورِ بَيْن كَوْنِهَا كَثِيفَةً أَوْ خَفِيفَةً ، أَوْ جَمِيلَةً أَوْ قَبِيحَةً ، أَوْ كَوْنِهَا مِنْ صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ ؛ لِأَنَّ سَائِرَ مَا فِيهِ الدِّيَةُ مِنْ الْأَعْضَاءِ ، لَا يَفْتَرِقُ الْحَالُ فِيهِ بِذَلِكَ .\rوَإِنْ أَبْقَى مِنْ لِحْيَتِهِ مَا لَا جَمَالَ فِيهِ ، أَوْ","part":19,"page":212},{"id":9212,"text":"مِنْ غَيْرِهَا مِنْ الشَّعْرِ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، يُؤْخَذُ بِالْقِسْطِ ؛ لِأَنَّهُ مَحَلٌّ يَجِبُ فِي بَعْضِهِ بِحِصَّتِهِ ، فَأَشْبَهَ الْأُذُنَ وَمَارِنَ الْأَنْفِ .\rوَالثَّانِي : تَجِبُ الدِّيَةُ كَامِلَةً ؛ لِأَنَّهُ أَذْهَبَ الْمَقْصُودَ كُلَّهُ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَذْهَبَ ضَوْءَ الْعَيْنَيْنِ ؛ وَلِأَنَّ جِنَايَتَهُ رُبَّمَا أَحْوَجَتْ إلَى إذْهَابِ الْبَاقِي ، لِزِيَادَتِهِ فِي الْقُبْحِ عَلَى ذَهَابِ الْكُلِّ ، فَتَكُونُ جِنَايَتُهُ سَبَبًا لِذَهَابِ الْكُلِّ ، فَأَوْجَبَتْ دِيَتَهُ ، كَمَا لَوْ ذَهَبَ بِسِرَايَةِ الْفِعْلِ ، أَوْ كَمَا لَوْ احْتَاجَ فِي دَوَاءِ شَجَّةِ الرَّأْسِ إلَى مَا ذَهَبَ بِضَوْءِ عَيْنِهِ .","part":19,"page":213},{"id":9213,"text":"( 6914 ) فَصْلٌ : وَلَا تَجِبُ الدِّيَةُ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الشُّعُورِ إلَّا بِذَهَابِهِ عَلَى وَجْهٍ لَا يُرْجَى عَوْدُهُ ، مِثْلُ أَنْ يَقْلِبَ عَلَى رَأْسِهِ مَاءً حَارًّا ، فَتَلِفَ مَنْبَتُ الشَّعْرِ ، فَيَنْقَلِعَ بِالْكُلِّيَّةِ ، .\rبِحَيْثُ لَا يَعُودُ وَإِنْ رُجِيَ عَوْدُهُ إلَى مُدَّةٍ ، اُنْتُظِرَ إلَيْهَا .\rوَإِنْ عَادَ الشَّعْرُ قَبْلَ أَخْذِ الدِّيَةِ ، لَمْ تَجِبْ ، فَإِنْ عَادَ بَعْدَ أَخْذِهَا ، رَدَّهَا .\rوَالْحُكْمُ فِيهِ كَالْحُكْمِ فِي ذَهَابِ السَّمْعِ وَالْبَصَرِ ، فِيمَا يُرْجَى عَوْدُهُ ، وَفِيمَا لَا يُرْجَى ( 6915 ) فَصْلٌ : وَلَا قِصَاصَ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الشُّعُورِ ؛ لِأَنَّ إتْلَافَهَا إنَّمَا يَكُونُ بِالْجِنَايَةِ عَلَى مَحَلِّهَا ، وَهُوَ غَيْرُ مَعْلُومِ الْمِقْدَارِ ، فَلَا تُمْكِنُ الْمُسَاوَاةُ فِيهِ ، فَلَا يَجِبُ الْقِصَاص فِيهِ .","part":19,"page":214},{"id":9214,"text":"( 6916 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَفِي الْمَشَامِّ الدِّيَةُ ) يَعْنِي الشَّمَّ ، فِي إتْلَافِهِ الدِّيَةُ ؛ لِأَنَّهُ حَاسَّةٌ ، تَخْتَصُّ بِمَنْفَعَتِهِ ، فَكَانَ فِيهَا الدِّيَةُ ، كَسَائِرِ الْحَوَاسِّ .\rوَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا .\rقَالَ الْقَاضِي : فِي كِتَابِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ { : وَفِي الْمَشَامِّ الدِّيَةُ } .\rفَإِنْ ادَّعَى ذَهَابَ شَمِّهِ ، اغْتَفَلْنَاهُ بِالرَّوَائِحِ الطَّيِّبَةِ أَوْ الْمُنْتِنَةِ ، فَإِنْ هَشَّ لِلطَّيِّبِ ، وَتَنَكَّرَ لِلْمُنْتِنِ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْجَانِي مَعَ يَمِينِهِ ، وَإِنْ لَمْ يَبِنْ مِنْهُ ذَلِكَ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ ، كَقَوْلِهِمْ فِي اخْتِلَافِهِمْ فِي السَّمْعِ .\rوَإِنْ ادَّعَى الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ نَقْصَ شَمِّهِ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُتَوَصَّلُ إلَى مَعْرِفَةِ ذَلِكَ إلَّا مِنْ جِهَتِهِ ، فَقُبِلَ قَوْلُهُ فِيهِ ، كَمَا يُقْبَلُ قَوْلُ الْمَرْأَةِ فِي انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا بِالْأَقْرَاءِ ، وَيَجِبُ لَهُ مِنْ الدِّيَةِ مَا تُخْرِجُهُ الْحُكُومَةُ .\rوَإِنْ ذَهَبَ شَمُّهُ ثُمَّ عَادَ قَبْلَ أَخْذِ الدِّيَةِ ، سَقَطَتْ ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ أَخْذِهَا رَدَّهَا ؛ لِأَنَّا تَبَيَّنَّا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ ذَهَبَ .\rوَإِنْ رُجِيَ عَوْدُ شَمِّهِ إلَى مُدَّةٍ ، اُنْتُظِرَ إلَيْهَا .\rوَإِنْ ذَهَبَ شَمُّهُ مِنْ أَحَدِ مَنْخِرَيْهِ ، فَفِيهِ نِصْفُ الدِّيَةِ ، كَمَا لَوْ ذَهَبَ بَصَرُهُ مِنْ إحْدَى عَيْنَيْهِ .","part":19,"page":215},{"id":9215,"text":"( 6917 ) فَصْلٌ : وَفِي الْأَنْفِ الدِّيَةُ إذَا كَانَ قُطِعَ مَارِنُهُ ، بِغَيْرِ خِلَافٍ بَيْنَهُمْ .\rحَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَابْنُ الْمُنْذِرِ عَمَّنْ يَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rوَفِي كِتَابِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ { : وَفِي الْأَنْفِ إذَا أُوعِبَ جَدْعًا الدِّيَةُ } .\rوَفِي رِوَايَةِ مَالِكٍ ، فِي \" الْمُوَطَّإِ \" { إذَا أُوعِيَ جَدْعًا } .\rيَعْنِي إذَا : اُسْتُوْعِبَ وَاسْتُؤْصِلَ ، وَلِأَنَّهُ عُضْوٌ فِيهِ جَمَالٌ وَمَنْفَعَةٌ ، لَيْسَ فِي الْبَدَنِ مِنْهُ إلَّا شَيْءٌ وَاحِدٌ ، فَكَانَتْ فِيهِ الدِّيَةُ ، كَاللِّسَانِ ، وَإِنَّمَا الدِّيَةُ فِي مَارِنِهِ ، وَهُوَ مَا لَانَ مِنْهُ .\rهَكَذَا قَالَ الْخَلِيلُ وَغَيْرُهُ ؛ لِأَنَّهُ يُرْوَى عَنْ طَاوُسٍ ، أَنَّهُ قَالَ : كَانَ فِي كِتَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : وَفِي الْأَنْفِ ، إذَا أُوعِبَ مَارِنُهُ جَدْعًا الدِّيَةُ } .\rوَلِأَنَّ الَّذِي يُقْطَعُ فِيهِ ذَلِكَ ، فَانْصَرَفَ الْخَبَرُ إلَيْهِ .\rفَإِنْ قُطِعَ بَعْضُهُ ، فَفِيهِ بِقَدْرِهِ مِنْ الدِّيَةِ ، يُمْسَحُ وَيُعْرَفُ قَدْرُ ذَلِكَ مِنْهُ ، كَمَا قُلْنَا فِي الْأُذُنَيْنِ .\rوَقَدْ رُوِيَ هَذَا عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَالشَّعْبِيِّ وَالشَّافِعِيِّ وَإِنْ قُطِعَ أَحَدُ الْمَنْخِرَيْنِ ، فَفِيهِ ثُلُثُ الدِّيَةِ ، وَفِي الْمَنْخِرَيْنِ ثُلُثَاهَا ، وَفِي الْحَاجِزِ بَيْنَهُمَا الثُّلُثُ : قَالَ أَحْمَدُ : فِي الْوَتَرَةِ الثُّلُثُ ، وَفِي الْخَرَمَةِ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الثُّلُثُ .\rوَبِهَذَا قَالَ إِسْحَاقُ .\rوَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ الْمَارِنَ يَشْتَمِلُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ مِنْ جِنْسٍ ، فَتَوَزَّعَتْ الدِّيَةُ عَلَى عَدَدِهَا ، كَسَائِرِ مَا فِيهِ عَدَدٌ مِنْ جِنْسٍ ، مِنْ الْيَدَيْنِ ، وَالْأَصَابِعِ ، وَالْأَجْفَانِ الْأَرْبَعَةِ .\rوَحَكَى أَبُو الْخَطَّابِ وَجْهًا آخَرَ ، أَنَّ فِي الْمَنْخِرَيْنِ الدِّيَةَ ، وَفِي الْحَاجِزِ بَيْنَهُمَا حُكُومَةٌ ؛ لِقَوْلِ أَحْمَدَ : فِي كُلِّ زَوْجَيْنِ مِنْ الْإِنْسَانِ الدِّيَةُ .\rوَهَذَا الْوَجْهُ الثَّانِي لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ؛","part":19,"page":216},{"id":9216,"text":"لِأَنَّ الْمَنْخِرَيْنِ لَيْسَ فِي الْبَدَنِ لَهُمَا ثَالِثٌ ، فَأَشْبَهَا الْيَدَيْنِ ؛ وَلِأَنَّهُ بِقَطْعِ الْمَنْخِرَيْنِ أَذْهَبَ الْجَمَالَ كُلَّهُ ، وَالْمَنْفَعَةَ ، فَأَشْبَهَ قَطْعَ الْيَدَيْنِ .\rفَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ ، فِي قَطْعِ أَحَدِ الْمَنْخِرَيْنِ نِصْفُ الدِّيَةِ ، وَإِنْ قَطَعَ مَعَهُ الْحَاجِزَ ، فَفِيهِ حُكُومَةٌ ، وَإِنْ قَطَعَ نِصْفَ الْحَاجِزِ أَوْ أَقَلَّ ، أَوْ أَكْثَرَ ، لَمْ يَزِدْ عَلَى حُكُومَةٍ .\rوَعَلَى الْأَوَّلِ ، فِي قَطْعِ أَحَدِ الْمَنْخِرَيْنِ وَنِصْفِ الْحَاجِزِ نِصْفُ الدِّيَةِ ، وَفِي قَطْعِ جَمِيعِهِ مَعَ الْمَنْخِرِ ثُلُثَا الدِّيَةِ ، وَفِي قَطْعِ جُزْءٍ مِنْ الْحَاجِزِ أَوْ أَحَدِ الْمَنْخِرَيْنِ بِقَدْرِهِ مِنْ ثُلُثِ الدِّيَةِ ، يُقَدَّرُ بِالْمِسَاحَةِ ، فَإِنْ شَقَّ الْحَاجِزَ بَيْنَ الْمَنْخِرَيْنِ ، فَفِيهِ حُكُومَةٌ ، فَإِنْ بَقِيَ مُنْفَرِجًا ، فَالْحُكُومَةُ فِيهِ أَكْثَرُ .","part":19,"page":217},{"id":9217,"text":"( 6918 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَطَعَ الْمَارِنَ مَعَ الْقَصَبَةِ ، فَفِيهِ الدِّيَةُ ، فِي قِيَاسِ الْمَذْهَبِ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَجِبَ الدِّيَةُ فِي الْمَارِنِ ، وَحُكُومَةٌ فِي الْقَصَبَةِ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ الْمَارِنَ وَحْدَهُ مُوجِبٌ لِلدِّيَةِ ، فَوَجَبَتْ الْحُكُومَةُ فِي الزَّائِدِ ، كَمَا لَوْ قَطَعَ الْقَصَبَةَ وَحْدَهَا مَعَ قَطْعِ لِسَانِهِ .\rوَلَنَا ، قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ { : وَفِي الْأَنْفِ إذَا أُوعِبَ جَدْعًا الدِّيَةُ } .\rوَلِأَنَّهُ عُضْوٌ وَاحِدٌ ، فَلَمْ يَجِبْ بِهِ أَكْثَرُ مِنْ دِيَةٍ ، كَالذَّكَرِ إذَا قُطِعَ مِنْ أَصْلِهِ .\rوَمَا ذَكَرُوهُ يَبْطُلُ بِهَذَا ، وَيُفَارِقُ مَا إذَا قُطِعَ لِسَانُهُ وَقَصَبَتُهُ ؛ لِأَنَّهُمَا عُضْوَانِ ، فَلَا تَدْخُلُ دِيَةُ أَحَدِهِمَا فِي الْآخَرِ .\rوَأَمَّا الْعُضْوُ الْوَاحِدُ ، فَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَجِبَ فِي جَمِيعِهِ مَا يَجِبُ فِي بَعْضِهِ ، كَالذَّكَرِ تَجِبُ فِي حَشَفَتِهِ الدِّيَةُ الَّتِي تَجِبُ فِي جَمِيعِهِ ، وَأَصَابِعِ الْيَدِ يَجِبُ فِيهَا مَا يَجِبُ فِي الْيَدِ مِنْ الْكُوعِ ، وَكَذَلِكَ أَصَابِعُ الرِّجْلِ ، وَفِي الثَّدْيِ كُلِّهِ مَا فِي حَلَمَتِهِ .\rفَأَمَّا إنْ قَطَعَ الْأَنْفَ وَمَا تَحْتَهُ مِنْ اللَّحْمِ ، فَفِي اللَّحْمِ حُكُومَةٌ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْأَنْفِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَطَعَ الذَّكَرَ وَاللَّحْمَ الَّذِي تَحْتَهُ .","part":19,"page":218},{"id":9218,"text":"( 6919 ) فَصْلٌ : فَإِنْ ضَرَبَ أَنْفَهُ فَأَشَلَّهُ ، فَفِيهِ حُكُومَةٌ .\rوَإِنْ قَطَعَهُ قَاطِعٌ بَعْدَ ذَلِكَ ، فَفِيهِ دِيَتُهُ ، كَمَا قُلْنَا فِي الْأُذُنِ .\rوَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ هَاهُنَا كَقَوْلِهِ فِي الْأُذُنِ ، عَلَى مَا مَضَى شَرْحُهُ وَتِبْيَانُهُ .\rوَإِنْ ضَرَبَهُ فَعَوَجَهُ ، أَوْ غَيَّرَ لَوْنَهُ ، فَفِيهِ حُكُومَةٌ .\rفِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا .\rوَفِي قَطْعِهِ بَعْدَ ذَلِكَ دِيَةٌ كَامِلَةٌ ، وَإِنْ قَطَعَهُ إلَّا جِلْدَةً بَقِيَ مُعَلَّقًا بِهَا فَلَمْ يَلْتَحِمْ ، وَاحْتِيجَ إلَى قَطْعِهِ ، فَفِيهِ دِيَةٌ ؛ لِأَنَّهُ قَطَعَ جَمِيعَهُ ، بَعْضَهُ بِالْمُبَاشَرَةِ ، وَبَاقِيَهُ بِالتَّسَبُّبِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ سَرَى قَطْعُ بَعْضِهِ إلَى قَطْعِ جَمِيعِهِ .\rوَإِنْ رَدَّهُ فَالْتَحَمَ ، فَفِيهِ حُكُومَةٌ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبِنْ .\rوَإِنْ أَبَانَهُ فَرَدَّهُ فَالْتَحَمَ ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : لَيْسَ فِيهِ إلَّا حُكُومَةٌ ، كَاَلَّتِي قَبْلَهَا .\rوَقَالَ الْقَاضِي : فِيهِ دِيَةٌ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ لِأَنَّهُ أَبَانَ أَنْفَهُ ، فَلَزِمَتْهُ دِيَتُهُ ، كَمَا لَوْ لَمْ يَلْتَحِمْ ، وَلِأَنَّ مَا أُبِينَ قَدْ نَجُسَ ، فَلَزِمَهُ أَنْ يُبِينَهُ بَعْدَ الْتِحَامِهِ .\rوَمَنْ قَالَ بِقَوْلِ أَبِي بَكْرٍ ، مَنَعَ نَجَاسَتَهُ ، وَوُجُوبَ إبَانَتِهِ ؛ لِأَنَّ أَجْزَاءَ الْآدَمِيِّ كَجُمْلَتِهِ ، بِدَلِيلِ سَائِرِ الْحَيَوَانَاتِ ، وَجُمْلَتُهُ طَاهِرَةٌ ، وَكَذَلِكَ أَجْزَاؤُهُ .","part":19,"page":219},{"id":9219,"text":"( 6920 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَطَعَ أَنْفَهُ ، فَذَهَبَ شَمُّهُ ، فَعَلَيْهِ دِيَتَانِ ؛ لِأَنَّ الشَّمَّ فِي غَيْرِ الْأَنْفِ ، فَلَا تَدْخُلُ دِيَةُ أَحَدِهِمَا فِي الْآخَرِ ، كَالسَّمْعِ مَعَ الْأُذُنِ وَالْبَصَرِ مَعَ أَجْفَانِ الْعَيْنَيْنِ ، وَالنُّطْقِ مَعَ الشَّفَتَيْنِ .\rوَإِنْ قَطَعَ أَنْفَ الْأَخْشَمِ ، وَجَبَتْ دِيَتُهُ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ عَيْبٌ فِي غَيْرِ الْأَنْفِ فَأَشْبَهَ مَا ذَكَرْنَا .","part":19,"page":220},{"id":9220,"text":"( 6921 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَفِي الشَّفَتَيْنِ الدِّيَةُ ) لَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ ، أَنَّ فِي الشَّفَتَيْنِ الدِّيَةَ ، وَفِي كِتَابِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ الَّذِي كَتَبَهُ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : وَفِي الشَّفَتَيْنِ الدِّيَةُ } .\rوَلِأَنَّهُمَا عُضْوَانِ لَيْسَ فِي الْبَدَنِ مِثْلُهُمَا ، فِيهِمَا جَمَالٌ ظَاهِرٌ ، وَمَنْفَعَةٌ كَامِلَةٌ ، فَإِنَّهُمَا طَبَقٌ عَلَى الْفَم يَقِيَانِهِ مَا يُؤْذِيهِ ، وَيَسْتُرَانِ الْأَسْنَانَ ، وَتَرُدَّانِ الرِّيقَ ، وَيَنْفُخُ بِهِمَا ، وَيَتِمُّ بِهِمَا الْكَلَامُ ، فَإِنَّ فِيهِمَا بَعْضَ مَخَارِجِ الْحُرُوفِ ، فَتَجِبُ فِيهِمَا الدِّيَةُ ، كَالْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ .\rوَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا نِصْفَ الدِّيَةِ .\rوَرُوِيَ هَذَا عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ .\rوَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، رِوَايَةٌ أُخْرَى ، أَنَّ فِي الْعُلْيَا ثُلُثَ الدِّيَةِ ، وَفِي السُّفْلَى الثُّلُثَيْنِ ؛ لِأَنَّ هَذَا يُرْوَى عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ .\rوَبِهِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ، وَالزُّهْرِيُّ .\rوَلِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ بِهَا أَعْظَمُ ، لِأَنَّهَا الَّتِي تَدُورُ ، وَتَتَحَرَّكُ ، وَتَحْفَظُ الرِّيقَ وَالطَّعَامَ ، وَالْعُلْيَا سَاكِنَةٌ لَا حَرَكَةَ فِيهَا .\rوَلَنَا ، قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ وَعَلِيٍّ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، وَلِأَنَّ كُلَّ شَيْئَيْنِ وَجَبَتْ فِيهِمَا الدِّيَةُ ، وَجَبَ فِي أَحَدِهِمَا نِصْفُهَا ، كَسَائِرِ الْأَعْضَاءِ ، وَلِأَنَّ كُلَّ ذِي عَدَدٍ وَجَبَتْ فِيهِ الدِّيَةُ سُوِّيَ بَيْنَ جَمِيعِهِ فِيهَا ، كَالْأَصَابِعِ وَالْأَسْنَانِ ، وَلَا اعْتِبَارَ بِزِيَادَةِ النَّفْعِ ، بِدَلِيلِ مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْأَصْلِ ( 6922 ) فَصْلٌ : فَإِنْ ضَرَبَهُمَا فَأَشَلَّهُمَا ، وَجَبَتْ دِيَتُهُمَا ؛ لِأَنَّهُ أَتْلَفَ مَنْفَعَتَهُمَا ، فَوَجَبَتْ دِيَتُهُمَا ، كَمَا لَوْ أَشَلَّ يَدَيْهِ ، وَإِنْ تَقَلَّصَتَا فَلَمْ تَنْطَبِقَا عَلَى الْأَسْنَانِ ، أَوْ اسْتَرْخَتَا فَصَارَتَا لَا تَنْفَصِلَانِ عَنْ الْأَسْنَانِ ، فَفِيهِمَا الدِّيَةُ ؛ لِأَنَّهُ عَطَّلَ","part":19,"page":221},{"id":9221,"text":"مَنْفَعَتَهُمَا وَجَمَالَهُمَا .\rوَإِنْ تَقَلَّصَتَا بَعْضَ التَّقَلُّصِ ، وَجَبَتْ الْحُكُومَةُ ؛ لِأَنَّ مَنَافِعَهُمَا لَمْ تَبْطُلْ بِالْكُلِّيَّةِ ( 6923 ) فَصْلٌ : حَدُّ الشَّفَةِ السُّفْلَى مِنْ أَسْفَلِ مَا تَجَافَى عَنْ الْأَسْنَانِ وَاللِّثَةِ مِمَّا ارْتَفَعَ عَنْ جِلْدَةِ الذَّقَنِ ، وَحَدُّ الْعُلْيَا مِنْ فَوْقِ مَا تَجَافَى عَنْ الْأَسْنَانِ وَاللِّثَةِ إلَى اتِّصَالِهِ بِالْمَنْخِرَيْنِ وَالْحَاجِزِ ، وَحَدُّهُمَا طُولًا طُولُ الْفَمِ إلَى حَاشِيَةِ الشِّدْقَيْنِ ، وَلَيْسَتْ حَاشِيَةُ الشِّدْقَيْنِ مِنْهُمَا .","part":19,"page":222},{"id":9222,"text":"( 6924 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَفِي اللِّسَانِ الْمُتَكَلَّمِ بِهِ الدِّيَةُ ) أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى وُجُوبِ الدِّيَةِ فِي لِسَانِ النَّاطِقِ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ .\rوَبِهِ قَالَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ ، وَأَهْلُ الْكُوفَةِ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ، وَأَصْحَابُ الْحَدِيثِ ، وَغَيْرُهُمْ .\rوَفِي كِتَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ { : وَفِي اللِّسَانِ الدِّيَةُ } .\rوَلِأَنَّ فِيهِ جَمَالًا وَمَنْفَعَةً ، فَأَشْبَهَ الْأَنْفَ ؛ فَأَمَّا الْجَمَالُ فَقَدْ رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { سُئِلَ عَنْ الْجَمَالِ ، فَقَالَ : فِي اللِّسَانِ } .\rوَيُقَالُ : جَمَالُ الرَّجُلِ فِي لِسَانِهِ ، { وَالْمَرْءُ بِأَصْغَرَيْهِ قَلْبِهِ وَلِسَانِهِ } .\rوَيُقَالُ مَا الْإِنْسَانُ لَوْلَا اللِّسَانُ إلَّا صُورَةً مُمَثَّلَةً ، أَوْ بَهِيمَةً مُهْمَلَةً .\rوَأَمَّا النَّفْعُ ، فَإِنَّ بِهِ تُبَلَّغُ الْأَغْرَاضُ ، وَتُسْتَخْلَصُ الْحُقُوقُ ، وَتُدْفَعُ الْآفَاتُ ، وَتُقْضَى بِهِ الْحَاجَاتُ ، وَتَتِمُّ الْعِبَادَاتُ ؛ فِي الْقِرَاءَةِ ، وَالذِّكْرِ ، وَالشُّكْرِ ، وَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ ، وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ ، وَالتَّعْلِيمِ وَالدَّلَالَةِ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ وَالصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ ، وَبِهِ يَذُوقُ الطَّعَامَ ، وَيَسْتَعِينُ فِي مَضْغِهِ وَتَقْلِيبِهِ ، وَتَنْقِيَةِ الْفَمِ ، وَتَنْظِيفِهِ ، فَهُوَ أَعْظَمُ الْأَعْضَاءِ نَفْعًا ، وَأَتَمُّهَا جَمَالًا ، فَإِيجَابُ الدِّيَةِ فِي غَيْرِهِ تَنْبِيهٌ عَلَى إيجَابِهَا فِيهِ .\rوَإِنَّمَا تَجِبُ الدِّيَةُ فِي لِسَانِ النَّاطِقِ ، فَإِنْ كَانَ أَخْرَسَ ، لَمْ تَجِبْ فِيهِ دِيَةٌ كَامِلَةٌ ، بِغَيْرِ خِلَافٍ ؛ لِذَهَابِ نَفْعِهِ الْمَقْصُودِ مِنْهُ كَالْيَدِ الشَّلَّاءِ ، وَالْعَيْنِ الْقَائِمَةِ .","part":19,"page":223},{"id":9223,"text":"( 6925 ) فَصْلٌ : وَفِي الْكَلَامِ الدِّيَةُ ، فَإِذَا جَنَى عَلَيْهِ فَخَرِسَ ، وَجَبَتْ دِيَتُهُ ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَا تَعَلَّقَتْ الدِّيَةُ بِإِتْلَافِهِ ، تَعَلَّقَتْ بِإِتْلَافِ مَنْفَعَتِهِ ، كَالْيَدِ .\rفَأَمَّا إنْ جَنَى عَلَيْهِ ، فَأَذْهَبَ ذَوْقَهُ ، فَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : فِيهِ الدِّيَةُ ؛ لِأَنَّ الذَّوْقَ حَاسَّةٌ ، فَأَشْبَهَ الشَّمَّ .\rوَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا دِيَةَ فِيهِ ، فَإِنَّهُ لَا يُخْتَلَفُ فِي أَنَّ لِسَانَ الْأَخْرَسِ لَا تَجِبُ فِيهِ الدِّيَةُ .\rوَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، عَلَى أَنَّ فِيهِ ثُلُثَ الدِّيَةِ .\rوَلَوْ وَجَبَ فِي الذَّوْقِ دِيَةٌ ، لَوَجَبَتْ فِي ذَهَابِهِ مَعَ ذَهَابِ اللِّسَانِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى .\rوَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ ؛ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : قَدْ نَصَّ الشَّافِعِيُّ عَلَى وُجُوبِ الدِّيَةِ فِيهِ .\rوَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : لَا نَصَّ لَهُ فِيهِ .\rوَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : قَدْ نَصَّ عَلَى أَنَّ فِي لِسَانِ الْأَخْرَسِ حُكُومَةً ، وَإِنْ ذَهَبَ الذَّوْقُ بِذَهَابِهِ .\rوَالصَّحِيحُ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ ، أَنَّهُ لَا دِيَةَ فِيهِ ؛ لِأَنَّ فِي إجْمَاعِهِمْ عَلَى أَنَّ لِسَانَ الْأَخْرَسِ لَا تَكْمُلُ الدِّيَةُ فِيهِ ؛ إجْمَاعًا عَلَى أَنَّهَا لَا تَكْمُلُ فِي ذَهَابِ الذَّوْقِ بِمُفْرَدِهِ ؛ لِأَنَّ كُلَّ عُضْوٍ لَا تَكْمُلُ الدِّيَةُ فِيهِ بِمَنْفَعَتِهِ ، لَا تَكْمُلُ بِمَنْفَعَتِهِ دُونَهُ ، كَسَائِرِ الْأَعْضَاءِ .\rوَلَا تَفْرِيعَ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ .\rفَأَمَّا عَلَى الْأَوَّلِ ، فَإِذَا ذَهَبَ ذَوْقُهُ كُلُّهُ ، فَفِيهِ دِيَةٌ كَامِلَةٌ ، وَإِنْ نَقَصَ نَقْصًا غَيْرَ مُقَدَّرٍ ، بِأَنْ يُحِسَّ الْمَذَاقَ كُلَّهُ ، إلَّا أَنَّهُ لَا يُدْرِكُهُ عَلَى الْكَمَالِ ، فَفِيهِ حُكُومَةٌ ، كَمَا لَوْ نَقَصَ بَصَرُهُ نَقْصًا لَا يَتَقَدَّرُ ، وَإِنْ كَانَ نَقْصًا يَتَقَدَّرُ ، بِأَنْ لَا يُدْرَكَ بِأَحَدِ الْمَذَاقِ الْخَمْسِ ، وَهِيَ : الْحَلَاوَةُ ، وَالْمَرَارَةُ ، وَالْحُمُوضَةُ ، وَالْمُلُوحَةُ ، وَالْعُذُوبَةُ ، وَيُدْرَكَ بِالْبَاقِي ، فَفِيهِ خُمْسُ الدِّيَةِ ، وَفِي اثْنَتَيْنِ خُمُسَاهَا ، وَفِي ثَلَاثٍ ثَلَاثَةُ أَخْمَاسِهَا .\rوَإِنْ لَمْ يُدْرَكْ بِوَاحِدَةٍ ، وَنَقَصَ","part":19,"page":224},{"id":9224,"text":"الْبَاقِي ، فَعَلَيْهِ خُمْسُ الدِّيَةِ ، وَحُكُومَةٌ لِنَقْصِ الْبَاقِي .\rوَإِنْ قَطَعَ لِسَانَ أَخْرَسَ ، فَذَهَبَ ذَوْقُهُ ، فَفِيهِ الدِّيَةُ ؛ لِإِتْلَافِهِ الذَّوْقَ .\rوَإِنْ جَنَى عَلَى لِسَانِ نَاطِقٍ ، فَأَذْهَبْ كَلَامَهُ وَذَوْقَهُ ، فَفِيهِ دِيَتَانِ .\rوَإِنْ قَطَعَهُ ، فَذَهَبَا مَعًا ، فَفِيهِ دِيَةٌ وَاحِدَةٌ ؛ لِأَنَّهُمَا يَذْهَبَانِ تَبَعًا لِذَهَابِهِ فَوَجَبَتْ دِيَتُهُ دُونَ دِيَتِهِمَا ، كَمَا لَوْ قَتَلَ إنْسَانًا ، لَمْ تَجِبْ إلَّا دِيَةٌ وَاحِدَةٌ .\rوَلَوْ ذَهَبَتْ مَنَافِعُهُ مَعَ بَقَائِهِ ، فَفِي كُلِّ مَنْفَعَةٍ دِيَةٌ .","part":19,"page":225},{"id":9225,"text":"( 6926 ) فَصْلٌ : وَإِنْ ذَهَبَ بَعْضُ الْكَلَامِ ، وَجَبَ مِنْ الدِّيَةِ بِقَدْرِ مَا ذَهَبَ ، يُعْتَبَرُ ذَلِكَ بِحُرُوفِ الْمُعْجَمِ ، وَهِيَ ثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ حَرْفًا سِوَى \" لَا \" ، فَإِنَّ مَخْرَجَهَا مَخْرَجُ اللَّازِمِ وَالْأَلِفِ ، فَمَهْمَا نَقَصَ مِنْ الْحُرُوف ، وَجَبَ مِنْ الدِّيَةِ بِقَدْرِهِ ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ يَتِمُّ بِجَمِيعِهَا ، فَالذَّاهِبُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ عِوَضُهُ مِنْ الدِّيَةِ كَقَدْرِهِ مِنْ الْكَلَامِ ، فَفِي الْحَرْفِ الْوَاحِدِ رُبْعُ سُبْعِ الدِّيَةِ ، وَفِي الْحَرْفَيْنِ نِصْفُ سُبْعِهَا ، وَفِي الْأَرْبَعَةِ سُبْعُهَا ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ مَا خَفَّ مِنْ الْحُرُوفِ عَلَى اللِّسَانِ وَمَا ثَقُلَ ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَا وَجَبَ فِيهِ الْمُقَدَّرُ لَمْ يُخْتَلَفْ لِاخْتِلَافِ قَدْرِهِ ، كَالْأَصَابِعِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ تُقَسَّمَ الدِّيَةُ عَلَى الْحُرُوفِ الَّتِي لِلِّسَانِ فِيهَا عَمَلٌ ، وَدُونَ الشَّفَةِ ، وَهِيَ أَرْبَعَةٌ ؛ الْبَاءُ ، وَالْمِيمُ ، وَالْفَاءُ ، وَالْوَاوُ .\rوَدُونَ حُرُوفِ الْحَلْقِ السِّتَّةِ ؛ الْهَمْزَةِ ، وَالْهَاءِ ، وَالْحَاءِ ، وَالْخَاءِ ، وَالْعَيْنِ ، وَالْغَيْنِ .\rفَهَذِهِ عَشْرَةٌ ، بَقِيَ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ حَرْفًا لِلِّسَانِ ، تَنْقَسِمُ دِيَتُهُ عَلَيْهَا ؛ لِأَنَّ الدِّيَةَ تَجِبُ بِقَطْعِ اللِّسَانِ ، وَذَهَابِ هَذِهِ الْحُرُوفِ وَحْدَهَا مَعَ بَقَائِهِ ، فَإِذَا وَجَبَتْ الدِّيَةُ فِيهَا بِمُفْرَدِهَا ، وَجَبَ فِي بَعْضِهَا بِقِسْطِهِ مِنْهَا ، فَفِي الْوَاحِدِ نِصْفُ تُسْعِ الدِّيَةِ ، وَفِي الِاثْنَيْنِ تُسْعُهَا ، وَفِي الثَّلَاثَة سُدُسُهَا .\rوَهَذَا قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ .\rوَإِنْ جَنَى عَلَى شَفَتِهِ ، فَذَهَبَ بَعْضُ الْحُرُوفِ ، وَجَبَ فِيهِ بِقَدْرِهِ ، وَكَذَلِكَ إنْ ذَهَبَ بَعْضُ حُرُوفِ الْحَلْقِ بِجِنَايَتِهِ .\rوَيَنْبَغِي أَنْ تَجِبَ بِقَدْرِهِ مِنْ الثَّمَانِيَةِ وَالْعِشْرِينَ ، وَجْهًا وَاحِدًا .\rوَإِنْ ذَهَبَ حَرْفٌ فَعَجَزَ عَنْ كَلِمَةٍ ، لَمْ يَجِبْ غَيْرُ أَرْشِ الْحَرْفِ ؛ لِأَنَّ الضَّمَانَ إنَّمَا يَجِبُ لِمَا تَلِفَ .\rوَإِنْ ذَهَبَ حَرْفٌ ، فَأَبْدَلَ مَكَانَهُ حَرْفًا آخَرَ ، كَأَنَّهُ يَقُولُ : دِرْهَمٌ .\rفَصَارَ يَقُولُ : دِلْهَمٌ .\rأَوْ : دِغْهَمٌ","part":19,"page":226},{"id":9226,"text":".\rأَوْ : دِيْهَمٌ .\rفَعَلَيْهِ ضَمَانُ الْحَرْفِ الذَّاهِبِ ؛ لِأَنَّ مَا تَبَدَّلَ لَا يَقُومُ مَقَامَ الذَّاهِبِ فِي الْقِرَاءَةِ وَلَا غَيْرِهَا ؛ فَإِنْ جَنَى عَلَيْهِ فَذَهَبَ الْبَدَلُ ، وَجَبَتْ دِيَتُهُ أَيْضًا ؛ لِأَنَّهُ أَصْلٌ .\rوَإِنْ لَمْ يَذْهَبْ شَيْءٌ مِنْ الْكَلَامِ ، لَكِنْ حَصَلَتْ فِيهِ عَجَلَةٌ أَوْ تَمْتَمَةٌ أَوْ فَأْفَأَةٌ ، فَعَلَيْهِ حُكُومَةٌ لِمَا حَصَلَ مِنْ النَّقْصِ وَالشَّيْنِ ، وَلَمْ تَجِبْ الدِّيَةُ لِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ بَاقِيَةٌ .\rوَإِنْ جَنَى عَلَيْهِ جَانٍ آخَرُ ، فَأَذْهَبَ كَلَامَهُ ، فَفِيهِ الدِّيَةُ كَامِلَةً ، كَمَا لَوْ جَنَى عَلَى عَيْنِهِ جَانٍ فَعَمِشَتْ ، ثُمَّ جَنَى عَلَيْهَا آخَرُ ، فَذَهَبَ بِبَصَرِهَا .\rوَإِنْ أَذْهَبَ الْأَوَّلُ بَعْضَ الْحُرُوفِ ، وَأَذْهَبَ الثَّانِي بَقِيَّةَ الْكَلَامِ ، فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِقِسْطِهِ ، كَمَا لَوْ ذَهَبَ الْأَوَّلُ بِبَصَرِ إحْدَى الْعَيْنَيْنِ ، وَذَهَبَ الْآخَرُ بِبَصَرِ الْأُخْرَى .\rوَإِنْ كَانَ أَلْثَغَ مِنْ غَيْرِ جِنَايَةٍ عَلَيْهِ ، فَذَهَبَ إنْسَانٌ بِكَلَامِهِ كُلِّهِ ، فَإِنْ كَانَ مَأْيُوسًا مِنْ زَوَالِ لُثْغَتِهِ ، فَفِيهِ بِقِسْطِ مَا ذَهَبَ مِنْ الْحُرُوفِ ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَأْيُوسٍ مِنْ زَوَالِهَا ، كَالصَّبِيِّ ، فَفِيهِ الدِّيَةُ كَامِلَةً ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ زَوَالُهَا .\rوَكَذَلِكَ الْكَبِيرُ إذَا أَمْكَنَ إزَالَةُ لُثْغَتِهِ بِالتَّعْلِيمِ .","part":19,"page":227},{"id":9227,"text":"( 6927 ) فَصْلٌ : إذَا قَطَعَ بَعْضَ لِسَانِهِ ، فَذَهَبَ بَعْضُ كَلَامِهِ ، فَإِنْ اسْتَوَيَا ، مِثْلُ أَنْ يَقْطَعَ رُبْعَ لِسَانِهِ ، فَيَذْهَبَ رُبْعُ كَلَامِهِ ، وَجَبَ رُبْعُ الدِّيَةِ بِقَدْرِ الذَّاهِبِ مِنْهُمَا ، كَمَا لَوْ قَلَعَ إحْدَى عَيْنَيْهِ فَذَهَبَ بَصَرُهَا .\rوَإِنْ ذَهَبَ مِنْ أَحَدِهِمَا أَكْثَرُ مِنْ الْآخَرِ ، كَأَنْ قَطَعَ رُبْعَ لِسَانِهِ ، فَذَهَبَ نِصْفُ كَلَامِهِ ، أَوْ قَطَعَ نِصْفَ لِسَانِهِ ، فَذَهَبَ رُبْعُ كَلَامِهِ ، وَجَبَ بِقَدْرِ الْأَكْثَرِ ، وَهُوَ نِصْفُ الدِّيَةِ فِي الْحَالَيْنِ ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ اللِّسَانِ وَالْكَلَامِ مَضْمُونٌ بِالدِّيَةِ مُنْفَرِدًا ، فَإِذَا انْفَرَدَ نِصْفُهُ بِالذَّهَابِ ، وَجَبَ النِّصْفُ ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ ذَهَبَ نِصْفُ الْكَلَامِ ، وَلَمْ يَذْهَبْ مِنْ اللِّسَانِ شَيْءٌ ، وَجَبَ نِصْفُ الدِّيَةِ ، وَلَوْ ذَهَبَ نِصْفُ اللِّسَانِ ، وَلَمْ يَذْهَبْ مِنْ الْكَلَامِ شَيْءٌ ، وَجَبَ نِصْفُ الدِّيَةِ .\rوَإِنْ قَطَعَ رُبْعَ اللِّسَانِ ، فَذَهَبَ نِصْفُ الْكَلَامِ ، وَجَبَ نِصْفُ الدِّيَةِ ، فَإِنْ قَطَعَ آخَرُ بَقِيَّةَ اللِّسَانِ ، فَذَهَبَتْ بَقِيَّةُ الْكَلَامِ ، فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ ؛ أَحَدُهَا عَلَيْهِ نِصْفُ الدِّيَةِ .\rهَذَا قَوْلُ الْقَاضِي .\rوَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ السَّالِمَ نِصْفُ اللِّسَانِ ، وَبَاقِيَهُ أَشَلُّ ، بِدَلِيلِ ذَهَابِ نِصْفِ الْكَلَامِ .\rوَالثَّانِي : عَلَيْهِ نِصْفُ الدِّيَةِ وَحُكُومَةٌ لِلرُّبْعِ الْأَشَلِّ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ جَمِيعُهُ أَشَلَّ ، لَكَانَتْ فِيهِ حُكُومَةٌ أَوْ ثُلُثُ الدِّيَةِ ، فَإِذَا كَانَ بَعْضُهُ أَشَلَّ ، فَفِي ذَلِكَ الْبَعْضِ حُكُومَةٌ أَيْضًا .\rالثَّالِثُ : عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الدِّيَةِ .\rوَهَذَا الْوَجْهُ الثَّانِي لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ قَطَعَ ثَلَاثَةَ أَرْبَاعِ لِسَانِهِ ، فَذَهَبَ رُبْعُ وَنِصْفُ كَلَامِهِ ، فَوَجَبَتْ عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الدِّيَةِ ، كَمَا لَوْ قَطَعَهُ أَوَّلًا .\rوَلَا يَصِحُّ الْقَوْلُ بِأَنَّ بَعْضَهُ أَشَلُّ ؛ لِأَنَّ الْعُضْوَ مَتَى كَانَ فِيهِ بَعْضُ النَّفْعِ ، لَمْ يَكُنْ بَعْضُهُ أَشَلَّ ، كَالْعَيْنِ إذَا كَانَ","part":19,"page":228},{"id":9228,"text":"بَصَرُهَا ضَعِيفًا ، وَالْيَدِ إذَا كَانَ بَطْشُهَا نَاقِصًا .\rوَإِنْ قَطَعَ نِصْفَ لِسَانِهِ ، فَذَهَبَ رُبْعُ كَلَامِهِ ، فَعَلَيْهِ نِصْفُ دِيَتِهِ ، فَإِنْ قَطَعَ الْآخَرُ بَقِيَّتَهُ ، فَعَلَيْهِ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الدِّيَةِ .\rوَهَذَا أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ .\rوَالْآخَرُ ، عَلَيْهِ نِصْفُ الدِّيَةِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْطَعْ إلَّا نِصْفَ لِسَانِهِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ ذَهَبَ بِثَلَاثَةِ أَرْبَاعِ الْكَلَامِ ، فَلَزِمَهُ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ دِيَتِهِ ، كَمَا لَوْ ذَهَبَ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الْكَلَامِ بِقَطْعِ نِصْفِ اللِّسَانِ الْأَوَّلِ ، وَلِأَنَّهُ لَوْ أَذْهَبَ ثَلَاثَةَ أَرْبَاعِ الْكَلَامِ مَعَ بَقَاءِ اللِّسَانِ ، لَزِمَهُ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الدِّيَةِ ، فَلَأَنْ تَجِبَ بِقَطْعِ نِصْفِ اللِّسَانِ فِي الْأَوَّلِ أَوْلَى ، وَلَوْ لَمْ يَقْطَعْ الثَّانِي نِصْفَ اللِّسَانِ ، لَكِنْ جَنَى عَلَيْهِ جِنَايَةً أَذْهَبَتْ بَقِيَّةَ كَلَامِهِ مَعَ بَقَاءِ لِسَانِهِ ، لَكَانَ عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ دِيَتِهِ ؛ لِأَنَّهُ ذَهَبَ بِثَلَاثَةِ أَرْبَاعِ مَا فِيهِ الدِّيَةُ ، فَكَانَ عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الدِّيَةِ ، كَمَا لَوْ جَنَى عَلَى صَحِيحٍ ، فَذَهَبَ بِثَلَاثَةِ أَرْبَاعِ كَلَامِهِ ، مَعَ بَقَاءِ لِسَانِهِ .","part":19,"page":229},{"id":9229,"text":"( 6928 ) فَصْلٌ : وَإِذَا قَطَعَ بَعْضَ لِسَانِهِ عَمْدًا ، فَاقْتَصَّ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ مِنْ مِثْلِ مَا جَنَى عَلَيْهِ بِهِ ، فَذَهَبَ مِنْ كَلَامِ الْجَانِي مِثْلُ مَا ذَهَبَ مِنْ كَلَامِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ وَأَكْثَرُ ، فَقَدْ اسْتَوْفَى حَقَّهُ ، وَلَا شَيْءَ فِي الزَّائِدِ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ سِرَايَةِ الْقَوَدِ ، وَسِرَايَةُ الْقَوَدِ غَيْرُ مَضْمُونَةٍ .\rوَإِنْ ذَهَبَ أَقَلُّ ، فَلِلْمُقْتَصِّ دِيَةُ مَا بَقِيَ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَوْفِ بَدَلَهُ .","part":19,"page":230},{"id":9230,"text":"( 6929 ) فَصْلٌ : وَإِذَا قَطَعَ لِسَانَ صَغِيرٍ لَمْ يَتَكَلَّمْ لِطُفُولِيَّتِهِ ، وَجَبَتْ دِيَتُهُ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا تَجِبُ ؛ لِأَنَّهُ لِسَانٌ لَا كَلَامَ فِيهِ ، فَلَمْ تَجِبْ فِيهِ دِيَةٌ ، كَلِسَانِ الْأَخْرَسِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ ظَاهِرَهُ السَّلَامَةُ ، وَإِنَّمَا لَمْ يَتَكَلَّمْ لِأَنَّهُ لَا يُحْسِنُ الْكَلَامَ فَوَجَبَتْ بِهِ الدِّيَةُ كَالْكَبِيرِ ، وَيُخَالِفُ الْأَخْرَسَ ؛ فَإِنَّهُ عُلِمَ أَنَّهُ أَشَلُّ ، أَلَا تَرَى أَنَّ أَعْضَاءَهُ لَا يَبْطِشُ بِهَا ، وَتَجِبُ فِيهَا الدِّيَةُ .\rوَإِنْ بَلَغَ حَدًّا يَتَكَلَّمُ مِثْلُهُ ، فَلَمْ يَتَكَلَّمْ ، فَقَطَعَ لِسَانَهُ ، لَمْ تَجِبْ فِيهِ الدِّيَةُ ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْكَلَامِ ، وَيَجِبُ فِيهِ مَا يَجِبُ فِي لِسَانِ الْأَخْرَسِ .\rوَإِنْ كَبِرَ فَنَطَقَ بِبَعْضِ الْحُرُوفِ ، وَجَبَ فِيهِ بِقَدْرِ مَا ذَهَبَ مِنْ الْحُرُوفِ ؛ لِأَنَّنَا تَبَيَّنَّا أَنَّهُ كَانَ نَاطِقًا .\rوَإِنْ كَانَ قَدْ بَلَغَ إلَى حَدٍّ يَتَحَرَّك بِالْبُكَاءِ وَغَيْرِهِ ، فَلَمْ يَتَحَرَّكْ ، فَقَطَعَهُ قَاطِعٌ ، فَلَا دِيَةَ فِيهِ ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ صَحِيحًا لَتَحَرَّكَ .\rوَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ إلَى حَدٍّ يَتَحَرَّكُ ، فَفِيهِ الدِّيَةُ ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ سَلَامَتُهُ .\rوَإِنْ قَطَعَ لِسَانَ كَبِيرٍ ، وَادَّعَى أَنَّهُ كَانَ أَخْرَسَ ، فَفِيهِ مِثْلُ مَا ذَكَرْنَا فِيمَا إذَا اخْتَلَفَا فِي شَلَلِ الْعُضْوِ الْمَقْطُوعِ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فِيمَا مَضَى .","part":19,"page":231},{"id":9231,"text":"( 6930 ) فَصْلٌ : وَإِنْ جَنَى عَلَيْهِ ، فَذَهَبَ كَلَامُهُ أَوْ ذَوْقُهُ ، ثُمَّ عَادَ ، لَمْ تَجِبْ الدِّيَةُ ؛ لِأَنَّنَا تَبَيَّنَّا أَنَّهُ لَمْ يَذْهَبْ ، وَلَوْ ذَهَبَ لَمْ يَعُدْ ، وَإِنْ كَانَ قَدْ أَخَذَ الدِّيَةَ رَدَّهَا .\rوَإِنْ قَطَعَ لِسَانَهُ ، فَعَادَ ، لَمْ تَجِبْ الدِّيَةُ أَيْضًا ، وَإِنْ كَانَ قَدْ أَخَذَهَا رَدَّهَا .\rقَالَهُ أَبُو بَكْرٍ .\rوَظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ ، أَنَّهُ لَا يَرُدُّ الدِّيَةَ ؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ لَمْ تَجْرِ بِعَوْدِهِ ، وَاخْتِصَاصُ هَذَا بِعَوْدِهِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ هِبَةٌ مُجَدَّدَةٌ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ عَادَ مَا وَجَبَتْ فِيهِ الدِّيَةُ ، فَوَجَبَ رَدُّ الدِّيَةِ ، كَالْأَسْنَانِ وَسَائِرِ مَا يَعُودُ .\rوَإِنْ قَطَعَ إنْسَانٌ نِصْفَ لِسَانِهِ ، فَذَهَبَ كَلَامُهُ كُلُّهُ ، ثُمَّ قَطَعَ آخَرُ بَقِيَّتَهُ ، فَعَادَ كَلَامُهُ ، لَمْ يَجِبْ رَدُّ الدِّيَةِ ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ الَّذِي كَانَ بِاللِّسَانِ قَدْ ذَهَبَ ، وَلَمْ يَعُدْ إلَى اللِّسَانِ ، وَإِنَّمَا عَادَ فِي مَحَلٍّ آخَرَ ، بِخِلَافِ الَّتِي قَبْلَهَا .\rوَإِنْ قَطَعَ لِسَانَهُ ، فَذَهَبَ كَلَامُهُ ، ثُمَّ عَادَ اللِّسَانُ دُونَ الْكَلَامِ ، لَمْ يَرُدَّ الدِّيَةَ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ ذَهَبَ مَا تَجِبُ الدِّيَةُ فِيهِ بِانْفِرَادِهِ .\rوَإِنْ عَادَ كَلَامُهُ دُونَ لِسَانِهِ ، لَمْ يَرُدَّهَا أَيْضًا ؛ لِذَلِكَ .","part":19,"page":232},{"id":9232,"text":"( 6931 ) فَصْلٌ : وَإِذَا كَانَ لِلِسَانِهِ طَرَفَانِ ، فَقَطَعَ أَحَدَهُمَا ، فَذَهَبَ كَلَامُهُ ، فَفِيهِ الدِّيَةُ ؛ لِأَنَّ ذَهَابَ الْكَلَامِ بِمُفْرَدِهِ يُوجِبُ الدِّيَةَ .\rوَإِنْ ذَهَبَ بَعْضُ الْكَلَامِ ، نَظَرْت ؛ فَإِنْ كَانَ الطَّرَفَانِ مُتَسَاوِيَيْنِ ، وَكَانَ مَا قَطَعَهُ بِقَدْرِ مَا ذَهَبَ مِنْ الْكَلَامِ ، وَجَبَ ، وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا أَكْبَرَ ، وَجَبَ الْأَكْثَرُ ، عَلَى مَا مَضَى ، وَإِنْ لَمْ يَذْهَبْ مِنْ الْكَلَامِ شَيْءٌ ، وَجَبَ بِقَدْرِ مَا ذَهَبَ مِنْ اللِّسَانِ مِنْ الدِّيَةِ .\rوَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا مُنْحَرِفًا عَنْ سَمْتِ اللِّسَانِ ، فَهُوَ خِلْقَةٌ زَائِدَةٌ ، وَفِيهِ حُكُومَةٌ .\rوَإِنْ قَطَعَ جَمِيعَ اللِّسَانِ ، وَجَبَتْ الدِّيَةُ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ ، سَوَاءٌ كَانَ الطَّرَفَانِ مُتَسَاوِيَيْنِ أَوْ مُخْتَلِفَيْنِ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : إنْ كَانَا مُتَسَاوِيَيْنِ ، فَفِيهِمَا الدِّيَةُ ، وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا مُنْحَرِفًا عَنْ سَمْتِ اللِّسَانِ ، وَجَبَتْ الدِّيَةُ وَحُكُومَةٌ فِي الْخِلْقَةِ الزَّائِدَةِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ عَيْبٌ وَنَقْصٌ يُرَدُّ بِهَا الْمَبِيعُ ، وَيَنْقُصُ مِنْ ثَمَنِهِ ، فَلَمْ يَجِبْ فِيهَا شَيْءٌ كَالسِّلْعَةِ فِي الْيَدِ .\rوَرُبَّمَا عَادَ الْقَوْلَانِ إلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ ؛ لِأَنَّ الْحُكُومَةَ لَا يَخْرُجُ بِهَا شَيْءٌ إذَا كَانَتْ الزِّيَادَةُ عَيْبًا .","part":19,"page":233},{"id":9233,"text":"( 6932 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَفِي كُلِّ سِنٍّ خَمْسٌ مِنْ الْإِبِلِ ، إذَا قُلِعَتْ مِمَّنْ قَدْ أَثْغَرَ ، وَالْأَضْرَاسُ وَالْأَنْيَابُ كَالْأَسْنَانِ ) لَا نَعْلَمُ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ خِلَافًا فِي أَنَّ دِيَةَ الْأَسْنَانِ خَمْسٌ خَمْسٌ فِي كُلِّ سِنٍّ .\rوَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَمُعَاوِيَةَ ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، وَعُرْوَةَ ، وَعَطَاءٍ ، وَطَاوُسٍ ، وَالزُّهْرِيِّ ، وَقَتَادَةَ ، وَمَالِكٍ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَإِسْحَاقَ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ .\rوَفِي كِتَابِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : فِي السِّنِّ خَمْسٌ مِنْ الْإِبِلِ } .\rرَوَاهُ النَّسَائِيّ .\rوَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { : فِي الْأَسْنَانِ خَمْسٌ خَمْسٌ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rفَأَمَّا الْأَضْرَاسُ وَالْأَنْيَابُ ، فَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّهَا مِثْلُ الْأَسْنَانِ ؛ وَمِنْهُمْ عُرْوَةُ وَطَاوُسٌ وَقَتَادَةُ وَالزُّهْرِيُّ وَمَالِكٌ وَالثَّوْرِيُّ وَالشَّافِعِيُّ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَمُعَاوِيَةَ وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، أَنَّهُ قَضَى فِي الْأَضْرَاسِ بِبَعِيرٍ بَعِيرٍ .\rوَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، أَنَّهُ قَالَ : لَوْ كُنْت أَنَا ، لَجَعَلْت فِي الْأَضْرَاسِ بَعِيرَيْنِ بَعِيرَيْنِ ، فَتِلْكَ الدِّيَةُ سَوَاءٌ .\rوَرَوَى ذَلِكَ مَالِكٌ ، فِي \" مُوَطَّئِهِ \" وَعَنْ عَطَاءٍ نَحْوُهُ .\rوَحُكِيَ عَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ ، أَنَّ فِي جَمِيعِ الْأَسْنَانِ وَالْأَضْرَاسِ الدِّيَةَ .\rفَيَتَعَيَّنُ حَمْلُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ عَلَى مِثْلِ قَوْلِ سَعِيدٍ ؛ لِلْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ فِي كُلِّ سِنٍّ خَمْسًا مِنْ الْإِبِلِ ، وَوُرُودِ الْحَدِيثِ بِهِ ، فَيَكُونُ فِي الْأَسْنَانِ سِتُّونَ بَعِيرًا ؛ لِأَنَّ فِيهِ اثْنَيْ عَشَرَ سِنًّا ، أَرْبَعُ ثَنَايَا ، وَأَرْبَعُ رُبَاعِيَّاتٍ ، وَأَرْبَعَةُ أَنْيَابٍ ، فِيهَا خَمْسٌ خَمْسٌ ، وَفِيهِ عِشْرُونَ ضِرْسًا ، فِي","part":19,"page":234},{"id":9234,"text":"كُلِّ جَانِبٍ عَشَرَةٌ ، خَمْسَةٌ مِنْ فَوْقُ ، وَخَمْسَةٌ مِنْ أَسْفَلَ ، فَيَكُونُ فِيهَا أَرْبَعُونَ بَعِيرًا ، فِي كُلِّ ضِرْسٍ بَعِيرَانِ ، فَتَكْمُلُ الدِّيَةُ .\rوَحُجَّةُ مَنْ قَالَ هَذَا ، أَنَّهُ ذُو عَدَدٍ يَجِبُ فِيهِ الدِّيَةُ ، فَلَمْ تَزِدْ دِيَتُهُ عَلَى دِيَةِ الْإِنْسَانِ ، كَالْأَصَابِعِ ، وَالْأَجْفَانِ ، وَسَائِرِ مَا فِي الْبَدَنِ ، وَلِأَنَّهَا تَشْتَمِل عَلَى مَنْفَعَةِ جِنْسٍ ، فَلَمْ تَزِدْ دِيَتُهَا عَلَى الدِّيَةِ ، كَسَائِرِ مَنَافِعِ الْجِنْسِ ، وَلِأَنَّ الْأَضْرَاسَ تَخْتَصُّ بِالْمَنْفَعَةِ دُونَ الْجَمَالِ ، وَالْأَسْنَانُ فِيهَا مَنْفَعَةٌ وَجَمَالٌ ، فَاخْتَلَفَا فِي الْأَرْشِ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى أَبُو دَاوُد ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { : الْأَصَابِعُ سَوَاءٌ ، وَالْأَسْنَانُ سَوَاءٌ ، الثَّنِيَّةُ وَالضِّرْسُ سَوَاءٌ } ، هَذِهِ وَهَذِهِ سَوَاءٌ \" .\rوَهَذَا نَصٌّ .\rوَقَوْلُهُ فِي الْأَحَادِيثِ الْمُتَقَدِّمَةِ : فِي { الْأَسْنَانِ خَمْسٌ خَمْسٌ .\r} وَلَمْ يُفَصِّلْ ، يَدْخُلُ فِي عُمُومِهَا الْأَضْرَاسُ ؛ لِأَنَّهَا أَسْنَانٌ ، وَلِأَنَّ كُلَّ دِيَةٍ وَجَبَتْ فِي جُمْلَةٍ كَانَتْ مَقْسُومَةً عَلَى الْعَدَدِ دُونَ الْمَنَافِعِ ، كَالْأَصَابِعِ ، وَالْأَجْفَانِ ، وَالشَّفَتَيْنِ ، وَقَدْ أَوْمَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ إلَى هَذَا ، فَقَالَ : لَا أَعْتَبِرُهَا بِالْأَصَابِعِ فَأَمَّا مَا ذَكَرُوهُ مِنْ الْمَعْنَى ، فَلَا بُدَّ مِنْ مُخَالَفَةِ الْقِيَاسِ فِيهِ ، فَمَنْ ذَهَبَ إلَى قَوْلِنَا ، خَالَفَ الْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرُوهُ ، وَمَنْ ذَهَبَ إلَى قَوْلِهِمْ ، خَالَفَ التَّسْوِيَةَ الثَّابِتَةَ ، بِقِيَاسِ سَائِرِ الْأَعْضَاءِ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ ، فَكَانَ مَا ذَكَرْنَاهُ مَعَ مُوَافَقَةِ الْأَخْبَارِ وَقَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ أَوْلَى .\rوَأَمَّا عَلَى قَوْلِ عُمَرَ ، أَنَّ فِي كُلِّ ضِرْسٍ بَعِيرًا ، فَيُخَالِفُ الْقِيَاسَيْنِ جَمِيعًا ، وَالْأَخْبَارَ ، فَإِنَّهُ لَا يُوجِبُ الدِّيَةَ الْكَامِلَةَ ، وَإِنَّمَا يُوجِبُ ثَمَانِينَ بَعِيرًا ، وَيُخَالِفُ بَيْنَ الْأَعْضَاءِ الْمُتَجَانِسَةِ .\rوَإِنَّمَا يَجِبُ هَذَا الضَّمَانُ فِي سِنِّ مَنْ قَدْ ثُغِرَ ، وَهُوَ","part":19,"page":235},{"id":9235,"text":"الَّذِي أَبْدَلَ أَسْنَانَهُ ، وَبَلَغَ حَدًّا إذَا قُلِعَتْ سِنُّهُ لَمْ يَعُدْ بَدَلُهَا .\rوَيُقَالُ : ثُغِرَ ، وَاثَّغَرَ ، وَاتَّغَرَ .\rإذَا كَانَ كَذَلِكَ .\rفَأَمَّا سِنُّ الصَّبِيِّ الَّذِي لَمْ يُثْغَرْ ، فَلَا يَجِبُ بِقَلْعِهَا فِي الْحَالِ شَيْءٌ .\rهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ .\rوَلَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْعَادَةَ عَوْدُ سِنِّهِ ، فَلَمْ يَجِبْ فِيهَا فِي الْحَالِ شَيْءٌ ، كَنَتْفِ شَعْرِهِ ، وَلَكِنْ يُنْتَظَرُ عَوْدُهَا ؛ فَإِنْ مَضَتْ مُدَّةٌ يَيْأَسُ مِنْ عَوْدِهَا ، وَجَبَتْ دِيَتُهَا .\rقَالَ أَحْمَدُ ، يَتَوَقَّفُ سَنَةً ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْغَالِبُ فِي نَبَاتِهَا .\rوَقَالَ الْقَاضِي : إذَا سَقَطَتْ أَخَوَاتُهَا وَلَمْ تَعُدْ هِيَ ، أُخِذَتْ الدِّيَةُ .\rوَإِنْ نَبَتَ مَكَانَهَا أُخْرَى ، لَمْ تَجِبْ دِيَتُهَا ، كَمَا لَوْ نُتِفَ شَعْرُهُ فَعَادَ مِثْلُهُ .\rلَكِنْ إنْ عَادَتْ قَصِيرَةً أَوْ مُشَوَّهَةً فَفِيهَا حُكُومَةٌ ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ ذَلِكَ بِسَبَبِ الْجِنَايَةِ عَلَيْهَا .\rوَإِنْ أَمْكَنَ تَقْدِيرُ نَقْصِهَا عَنْ نَظِيرَتِهَا ، فَفِيهَا مِنْ دِيَتِهَا بِقَدْرِ مَا نَقَصَ .\rوَكَذَلِكَ إنْ كَانَتْ فِيهَا ثُلْمَةٌ أَمْكَنَ تَقْدِيرُهَا ، فَفِيهَا بِقَدْرِ مَا ذَهَبَ مِنْهَا ، كَمَا لَوْ كَسَرَ مِنْ سِنِّهِ ذَلِكَ الْقَدْرَ .\rوَإِنْ نَبَتَتْ أَكْبَرَ مِنْ أَخَوَاتِهَا ، فَفِيهَا حُكُومَةٌ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ عَيْبٌ .\rوَقِيلَ فِيهَا وَجْهٌ آخَرُ ، لَا شَيْءَ فِيهَا ؛ لِأَنَّ هَذَا زِيَادَةٌ .\rوَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ شَيْنٌ حَصَلَ بِسَبَبِ الْجِنَايَةِ ، فَأَشْبَهَ نَقْصَهَا .\rوَإِنْ نَبَتَتْ مَائِلَةً عَنْ صَفِّ الْأَسْنَانِ ، بِحَيْثُ لَا يُنْتَفَعُ بِهَا فَفِيهَا دِيَتُهَا ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ كَذَهَابِهَا ، وَإِنْ كَانَتْ يُنْتَفَعُ بِهَا ، فَفِيهَا حُكُومَةٌ ؛ لِلشَّيْنِ الْحَاصِلِ بِهَا ، وَنَقْصِ نَفْعِهَا .\rوَإِنْ نَبَتَتْ صَفْرَاءَ أَوْ حَمْرَاءَ أَوْ مُتَغَيِّرَةً ، فَفِيهَا حُكُومَةٌ ؛ لِنَقْصِ جَمَالِهَا .\rوَإِنْ نَبَتَتْ سَوْدَاءَ أَوْ خَضْرَاءَ ، فَفِيهَا رِوَايَتَانِ ، حَكَاهُمَا الْقَاضِي ؛ إحْدَاهُمَا ، فِيهَا دِيَتُهَا .\rوَالثَّانِيَةُ ، فِيهَا حُكُومَةٌ ،","part":19,"page":236},{"id":9236,"text":"كَمَا لَوْ سَوَّدَهَا مِنْ غَيْرِ قَلْعِهَا .\rوَإِنْ مَاتَ الصَّبِيُّ قَبْلَ الْيَأْسِ مِنْ عَوْدِ سِنِّهِ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، لَا شَيْءَ لَهُ ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ لَوْ عَاشَ لَعَادَتْ ، فَلَمْ يَجِبْ فِيهَا شَيْءٌ ، كَمَا لَوْ نُتِفَ شَعْرُهُ .\rوَالثَّانِي : فِيهَا الدِّيَةُ لِأَنَّهُ قَلَعَ سِنًّا وَأَيِسَ مِنْ عَوْدِهَا ، فَوَجَبَتْ دِيَتُهَا ، كَمَا لَوْ مَضَى زَمَنٌ تَعُودُ فِي مِثْلِهِ فَلَمْ تَعُدْ .\rوَإِنْ قَلَعَ سِنَّ مَنْ قَدْ ثُغِرَ ، وَجَبَتْ دِيَتُهَا فِي الْحَالِ ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهَا لَا تَعُودُ ، فَإِنْ عَادَتْ ، لَمْ تَجِبْ الدِّيَةُ ، وَإِنْ كَانَ قَدْ أَخَذَهَا رَدَّهَا .\rوَبِهَذَا قَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : لَا يَرُدُّ شَيْئًا ؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ أَنَّهَا لَا تَعُودُ ، فَمَتَى عَادَتْ كَانَتْ هِبَةً مِنْ اللَّهِ تَعَالَى مُجَدَّدَةً ، فَلَا يَسْقُطُ بِذَلِكَ مَا وَجَبَ لَهُ بِقَلْعِ سِنِّهِ .\rوَعَنْ الشَّافِعِيِّ كَالْمَذْهَبَيْنِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ عَادَ لَهُ فِي مَكَانِهَا مِثْلُ الَّتِي قُلِعَتْ ، فَلَمْ يَجِبْ لَهُ شَيْءٌ ، كَاَلَّذِي لَمْ يُثْغَرْ .\rوَإِنْ عَادَتْ نَاقِصَةً ، أَوْ مُشَوَّهَةً ، فَحُكْمُهَا حُكْمُ سِنِّ الصَّغِيرِ إذَا عَادَتْ ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا .\rوَلَوْ قَلَعَ سِنَّ مَنْ لَمْ يُثْغَرْ ، فَمَضَتْ مُدَّةٌ يَيْأَسُ مِنْ عَوْدِهَا ، وَحُكِمَ بِوُجُوبِ الدِّيَةِ ، فَعَادَتْ بَعْدَ ذَلِكَ ، سَقَطَتْ الدِّيَةُ ، وَرُدَّتْ إنْ كَانَتْ أُخِذَتْ ، كَسِنِّ الْكَبِيرِ إذَا عَادَتْ .","part":19,"page":237},{"id":9237,"text":"( 6933 ) فَصْلٌ : وَتَجِبُ دِيَةُ السِّنِّ فِيمَا ظَهَرَ مِنْهَا مِنْ اللَّثَةِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْمُسَمَّى سِنًّا ، وَمَا فِي اللِّثَةِ مِنْهَا يُسَمَّى سِنْخًا ، فَإِذَا كُسِرَ السِّنُّ ، ثُمَّ جَاءَ آخَرُ فَقَلَعَ السِّنْخَ ، فَفِي السِّنِّ دِيَتُهَا ، وَفِي السِّنْخِ حُكُومَةٌ ، كَمَا لَوْ قَطَعَ إنْسَانٌ أَصَابِعَ رَجُلٍ ، ثُمَّ قَطَعَ آخَرُ كَفَّهُ .\rوَإِنْ قَلَعَهَا الْآخَرُ بِسِنْخِهَا ، لَمْ يَجِبْ فِيهَا أَكْثَرُ مِنْ دِيَتِهَا ، كَمَا لَوْ قَطَعَ الْيَدَ مِنْ كُوعِهَا .\rوَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ فِي مَرَّتَيْنِ ، فَكَسَرَ السِّنَّ ، ثُمَّ عَادَ فَقَلَعَ السِّنْخَ ، فَعَلَيْهِ دِيَتُهَا وَحُكُومَةٌ ؛ لِأَنَّ دِيَتَهَا وَجَبَتْ بِالْأَوَّلِ ، ثُمَّ وَجَبَ عَلَيْهِ بِالثَّانِي حُكُومَةٌ ، كَمَا لَوْ فَعَلَهُ غَيْرُهُ .\rوَكَذَلِكَ لَوْ قَطَعَ الْأَصَابِعَ ، ثُمَّ قَطَعَ الْكَفَّ .\rوَإِنْ كَسَرَ بَعْضَ الظَّهْرِ ، فَفِيهِ مِنْ دِيَةِ السِّنِّ بِقَدْرِهِ .\rوَإِنْ كَانَ ذَهَبَ النِّصْفُ ، وَجَبَ نِصْفُ الْأَرْشِ ، وَإِنْ كَانَ الذَّاهِبُ الثُّلُثَ ، وَجَبَ الثُّلُثُ .\rوَإِنْ جَاءَ آخَرُ فَكَسَرَ بَقِيَّتَهَا ، فَعَلَيْهِ بَقِيَّةُ الْأَرْشِ .\rفَإِنْ قَلَعَ الثَّانِي بَقِيَّتَهَا بِسِنْخِهَا ، نَظَرْنَا ؛ فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ كَسَرَهَا عَرْضًا ، فَلَيْسَ عَلَى الثَّانِي لِلسِّنْخِ شَيْءٌ ؛ لِأَنَّهُ تَابِعٌ لِمَا قَلَعَهُ مِنْ ظَاهِرِ السِّنِّ ، فَصَارَ كَمَا لَوْ قَطَعَ الْأَوَّلُ مِنْ كُلِّ إصْبَعٍ مِنْ أَصَابِعِهِ أُنْمُلَةً ، ثُمَّ قَطَعَ الثَّانِي يَدَهُ مِنْ الْكُوعِ .\rوَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ كَسَرَ نِصْفَ السِّنِّ طُولًا دُونَ سِنْخِهِ ، فَجَاءَ الثَّانِي فَقَطَعَ الْبَاقِيَ بِالسِّنْخِ كُلِّهِ ، فَعَلَيْهِ دِيَةُ النِّصْفِ الْبَاقِي ، وَحُكُومَةٌ لِنِصْفِ السِّنْخِ الَّذِي بَقِيَ لَمَّا كَسَرَهُ الْأَوَّلُ كَمَا لَوْ قَطَعَ الْأَوَّلُ إصْبَعَيْنِ مِنْ يَدٍ ، ثُمَّ جَاءَ الثَّانِي : فَقَطَعَ الْكَفَّ كُلَّهُ .\rفَإِنْ اخْتَلَفَ الثَّانِي وَالْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ فِيمَا قَلَعَهُ الْأَوَّلُ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ سَلَامَةُ السِّنِّ .\rوَإِنَّ انْكَشَفَتْ اللِّثَةُ عَنْ بَعْضِ السِّنِّ فَالدِّيَةُ فِي قَدْرِ","part":19,"page":238},{"id":9238,"text":"الظَّاهِرِ عَادَةً ، دُون مَا انْكَشَفَ عَلَى خِلَافِ الْعَادَةِ .\rوَإِنْ اخْتَلَفَا فِي قَدْرِ الظَّاهِرِ ، اُعْتُبِرَ ذَلِكَ بِأَخَوَاتِهَا ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا شَيْءٌ يُعْتَبَرُ بِهِ ، وَلَمْ يُمْكِنْ أَنْ يَعْرِفَ ذَلِكَ أَهْلُ الْخِبْرَةِ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْجَانِي ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ .","part":19,"page":239},{"id":9239,"text":"( 6934 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَلَعَ سِنًّا مُضْطَرِبَةً لِكِبَرٍ أَوْ مَرَضٍ ، وَكَانَتْ مَنَافِعُهَا بَاقِيَةً ؛ مِنْ الْمَضْغِ ، وَضَغْطِ الطَّعَامِ وَالرِّيقِ ، وَجَبَتْ دِيَتُهَا .\rوَكَذَلِكَ إنْ ذَهَبَ بَعْضُ مَنَافِعِهَا ، وَبَقِيَ بَعْضُهَا ؛ لِأَنَّ جَمَالَهَا وَبَعْضَ مَنَافِعِهَا بَاقٍ ، فَكَمَلَ دِيَتُهَا ، كَالْيَدِ الْمَرِيضَةِ ، وَيَدِ الْكَبِيرِ .\rوَإِنْ ذَهَبَتْ مَنَافِعُهَا كُلُّهَا ، فَهِيَ كَالْيَدِ الشَّلَّاءِ .\rعَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .\rوَإِنْ قَلَعَ سِنًّا فِيهَا دَاءٌ أَوْ أَكَلَةٌ ، فَإِنْ لَمْ يَذْهَبْ شَيْءٌ مِنْ أَجْزَائِهَا ، وَجَبَ فِيهَا دِيَةُ السِّنِّ الصَّحِيحَةِ ؛ لِأَنَّهَا كَالْيَدِ الْمَرِيضَةِ ، وَإِنْ سَقَطَ مِنْ أَجْزَائِهَا شَيْءٌ ، سَقَطَ مِنْ دِيَتِهَا بِقَدْرِ الذَّاهِبِ مِنْهَا ، وَوَجَبَ الْبَاقِي .\rوَإِنْ كَانَ إحْدَى ثَنِيَّتَيْهِ قَصِيرَةً ، نَقَصَ مِنْ دِيَتِهَا بِقَدْرِ نَقْصِهَا ، كَمَا لَوْ نَقَصَتْ بِكَسْرِهَا .","part":19,"page":240},{"id":9240,"text":"( 6935 ) فَصْلٌ : فَإِنْ جَنَى عَلَى سِنِّهِ جَانٍ ، فَاضْطَرَبَتْ ، وَطَالَتْ عَلَى الْأَسْنَانِ ، وَقِيلَ : إنَّهَا تَعُودُ إلَى مُدَّةٍ إلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ .\rاُنْتُظِرَتْ إلَيْهَا ، فَإِنْ ذَهَبَتْ وَسَقَطَتْ ، وَجَبَتْ دِيَتُهَا ، وَإِنْ عَادَتْ كَمَا كَانَتْ ، فَلَا شَيْءَ فِيهَا ، كَمَا لَوْ جَنَى عَلَى يَدِهِ فَمَرِضَتْ ثُمَّ بَرِئَتْ ، وَإِنْ بَقِيَ فِيهَا اضْطِرَابٌ فَفِيهَا حُكُومَةٌ .\rوَإِنْ قَلَعَهَا قَالِعٌ ، فَعَلَيْهِ دِيَتُهَا كَامِلَةً ، كَمَا ذَكَرْنَا فِي الْفَصْلِ الَّذِي قَبْلَهُ ، وَعَلَى الْأَوَّلِ حُكُومَةٌ لِجِنَايَتِهِ ، وَإِنْ مَضَتْ الْمُدَّةُ وَلَمْ تَعُدْ إلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ ، فَفِيهَا حُكُومَةٌ .\rوَإِنْ قَلَعَهَا قَالِعٌ فَعَلَيْهِ دِيَتُهَا ، كَمَا ذَكَرْنَا .\rوَإِنْ قَالُوا : يُرْجَى عَوْدُهَا مِنْ غَيْرِ تَقْدِيرِ مُدَّةٍ ، وَجَبَتْ الْحُكُومَةُ فِيهَا ؛ لِئَلَّا يُفْضِيَ إلَى إهْدَارِ الْجِنَايَةِ .\rفَإِنْ عَادَتْ ، سَقَطَتْ الْحُكُومَةُ ، لِمَا ذَكَرْنَا فِي غَيْرِهَا .","part":19,"page":241},{"id":9241,"text":"( 6936 ) فَصْلٌ : فَإِنْ قَلَعَ قَالِعٌ سِنَّهُ ، فَرَدَّهَا صَاحِبُهَا ، فَنَبَتَتْ فِي مَوْضِعِهَا ، لَمْ تَجِبْ دِيَتُهَا .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، فِي رِوَايَةِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ .\rوَهَذَا قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ وَعَلَى قَوْلِ الْقَاضِي ، تَجِبُ دِيَتُهَا .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَقَدْ ذَكَرْنَا تَوْجِيهَهُمَا فِيمَا إذَا قُطِعَ أَنْفُهُ فَرَدَّهُ ، فَالْتَحَمَ ، فَعَلَى قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ ، يَجِبُ فِيهَا حُكُومَةٌ ؛ لِنَقْصِهَا إنْ نَقَصَتْ ، أَوْ ضَعْفِهَا إنَّ ضَعُفَتْ .\rوَإِنْ قَلَعَهَا قَالِعٌ بَعْدَ ذَلِكَ وَجَبَتْ دِيَتُهَا ؛ لِأَنَّهَا سِنٌّ ذَاتُ جَمَالٍ وَمَنْفَعَةٍ ، فَوَجَبَتْ دِيَتُهَا ، كَمَا لَوْ لَمْ تَنْقَلِعْ .\rوَعَلَى قَوْلِ الْقَاضِي يَنْبَنِي حُكْمُهَا عَلَى وُجُوبِ قَلْعِهَا ، فَإِنْ قُلْنَا : يَجِبُ قَلْعُهَا .\rفَلَا شَيْءَ عَلَى قَالِعِهَا ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَحْسَنَ بِقَلْعِهِ مَا يَجِبُ قَلْعُهُ ، وَإِنْ قُلْنَا : لَا يَجِبُ قَلْعُهَا .\rاحْتَمَلَ أَنْ يُؤْخَذَ بِدِيَتِهَا ؛ لِمَا ذَكَرْنَا ، وَاحْتَمَلَ أَنْ لَا يُؤْخَذَ بِدِيَتِهَا ؛ لِأَنَّهُ قَدْ وَجَبَتْ لَهُ دِيَتُهَا مَرَّةً ، فَلَا تَجِبُ ثَانِيَةً ، وَلَكِنْ فِيهَا حُكُومَةٌ .\rفَأَمَّا إنْ جَعَلَ مَكَانَهَا سِنًّا أُخْرَى ، أَوْ سِنَّ حَيَوَانٍ ، أَوْ عَظْمًا ، فَنَبَتَتْ ، وَجَبَ دِيَتُهَا ، وَجْهًا وَاحِدًا ؛ لِأَنَّ سِنَّهُ ذَهَبَتْ بِالْكُلِّيَّةِ ، فَوَجَبَتْ دِيَتُهَا ، كَمَا لَوْ لَمْ يَجْعَلْ مَكَانَهَا شَيْئًا .\rوَإِنْ قُلِعَتْ هَذِهِ الثَّانِيَةُ لَمْ تَجِبْ دِيَتُهَا ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ سِنًّا لَهُ ، وَلَا هِيَ مِنْ بَدَنِهِ ، وَلَكِنْ يَجِبُ فِيهَا حُكُومَةٌ ؛ لِأَنَّهَا جِنَايَةٌ أَزَالَتْ جَمَالَهُ وَمَنْفَعَتَهُ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ خَاطَ جُرْحَهُ بِخَيْطِ ، فَالْتَحَمَ ، فَقَطَعَ إنْسَانٌ الْخَيْطَ ، فَانْفَتَحَ الْجُرْحُ ، وَزَالَ الْتِحَامُهُ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَجِبَ شَيْءٌ ؛ لِأَنَّهُ أَزَالَ مَا لَيْسَ مِنْ بَدَنِهِ ، أَشْبَهَ مَا لَوْ قَلَعَ الْأَنْفَ الذَّهَبَ الَّذِي جَعَلَهُ الْمَجْدُوعُ مَكَانَ أَنْفِهِ .","part":19,"page":242},{"id":9242,"text":"( 6937 ) فَصْلٌ : وَإِنْ جَنَى عَلَى سِنِّهِ فَسَوَّدَهَا ، فَحُكِيَ عَنْ أَحْمَدَ ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، فِي ذَلِكَ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، تَجِبُ دِيَتُهَا كَامِلَةً .\rوَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ .\rوَيُرْوَى هَذَا عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَبِهِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَالْحَسَنُ وَابْنُ سِيرِينَ وَشُرَيْحٌ وَالزُّهْرِيُّ وَعَبْدُ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ وَالنَّخَعِيُّ وَمَالِكٌ وَاللَّيْثُ وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ وَالثَّوْرِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ .\rوَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ ، عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّهُ إنْ أَذْهَبَ مَنْفَعَتَهَا مِنْ الْمَضْغِ عَلَيْهَا وَنَحْوِهِ ، فَفِيهَا دِيَتُهَا ، وَإِنْ لَمْ يُذْهِبْ نَفْعَهَا ، فَفِيهَا حُكُومَةٌ .\rوَهَذَا قَوْلُ الْقَاضِي ، وَالْقَوْلُ الثَّانِي لِلشَّافِعِيِّ وَهُوَ الْمُخْتَارُ عِنْدَ أَصْحَابِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَذْهَبْ بِمَنْفَعَتِهَا ، فَلَمْ تَكْمُلْ دِيَتُهَا ، كَمَا لَوْ اصْفَرَّتْ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ قَوْلُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُ مُخَالِفٌ فِي الصَّحَابَةِ ، فَكَانَ إجْمَاعًا ، وَلِأَنَّهُ أَذْهَبَ الْجَمَالَ عَلَى الْكَمَالِ ، فَكَمَلَتْ دِيَتُهَا ، كَمَا لَوْ قَطَعَ أُذُنَ الْأَصَمِّ وَأَنْفَ الْأَخْشَمِ .\rفَأَمَّا إنْ اصْفَرَّتْ أَوْ احْمَرَّتْ ، لَمْ تَكْمُلْ دِيَتُهَا ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُذْهِبْ الْجَمَالَ عَلَى الْكَمَالِ ، وَفِيهَا حُكُومَةٌ .\rوَإِنْ اخْضَرَّتْ ، احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ كَتَسْوِيدِهَا ؛ لِأَنَّهُ يَذْهَبُ بِجَمَالِهَا ، وَاحْتَمَلَ أَنْ لَا يَجِبَ فِيهَا إلَّا حُكُومَةٌ ؛ لِأَنَّ ذَهَابَ جَمَالِهَا بِتَسْوِيدِهَا أَكْثَرُ ، فَلَمْ يُلْحَقْ بِهِ غَيْرُهُ ، كَمَا لَوْ حَمَّرَهَا .\rفَعَلَى قَوْلِ مَنْ أَوْجَبَ دِيَتَهَا ، مَتَى قُلِعَتْ بَعْدَ تَسْوِيدِهَا ، فَفِيهَا ثُلُثُ دِيَتِهَا أَوْ حُكُومَةٌ ، عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ فِيمَا بَعْدُ ، وَعَلَى قَوْلِ مَنْ لَمْ يُوجِبْ فِيهَا إلَّا حُكُومَةً ، يَجِبُ فِي قَلْعِهَا دِيَتُهَا ، كَمَا لَوْ صَفَّرَهَا .","part":19,"page":243},{"id":9243,"text":"( 6938 ) فَصْلٌ : وَإِنْ جَنَى عَلَى سِنِّهِ ، فَذَهَبَتْ حِدَّتُهَا وَكَّلَتْ ، فَفِي ذَلِكَ حُكُومَةٌ ، وَعَلَى قَالِعِهَا بَعْدَ ذَلِكَ دِيَةٌ كَامِلَةٌ ؛ لِأَنَّهَا سِنٌّ صَحِيحَةٌ ، كَامِلَةٌ ، فَكَمَلَتْ دِيَتُهَا ، كَالْمُضْطَرِبَةِ ، وَإِنْ ذَهَبَ مِنْهَا جُزْءٌ ، فَفِي الذَّاهِبِ بِقَدْرِهِ ، وَإِنْ قَلَعَهَا قَالِعٌ ، نَقَصَ مِنْ دِيَتِهَا بِقَدْرِ مَا ذَهَبَ ، كَمَا لَوْ كُسِرَ مِنْهَا جُزْءٌ .","part":19,"page":244},{"id":9244,"text":"( 6939 ) فَصْلٌ : وَفِي اللَّحْيَيْنِ الدِّيَةُ ، وَهُمَا الْعَظْمَانِ اللَّذَانِ فِيهِمَا الْأَسْنَانُ السُّفْلَى ؛ لِأَنَّ فِيهِمَا نَفْعًا وَجَمَالًا ، وَلَيْسَ فِي الْبَدَنِ مِثْلُهُمَا ، فَكَانَتْ فِيهِمَا الدِّيَةُ ، كَسَائِرِ مَا فِي الْبَدَنِ مِنْهُ شَيْئَانِ ، وَفِي أَحَدِهِمَا نِصْفُهَا ، كَالْوَاحِدِ مِمَّا فِي الْبَدَنِ مِنْهُ شَيْئَانِ .\rوَإِنْ قَلَعَهُمَا بِمَا عَلَيْهِمَا مِنْ الْأَسْنَانِ ، وَجَبَتْ عَلَيْهِ دِيَتُهُمَا وَدِيَةُ الْأَسْنَانِ ، وَلَمْ تَدْخُلْ دِيَةُ الْأَسْنَانِ فِي دِيَتِهِمَا ، كَمَا تَدْخُلُ دِيَةُ الْأَصَابِعِ فِي دِيَةِ الْوَجْهِ ؛ لَوُجُوهٍ ثَلَاثَةٍ ؛ أَحَدُهَا ، أَنَّ الْأَسْنَانَ مَغْرُوزَةٌ فِي اللَّحْيَيْنِ ، غَيْرُ مُتَّصِلَةٍ بِهِمَا ، بِخِلَافِ الْأَصَابِعِ .\rوَالثَّانِي : أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ اللَّحْيَيْنِ وَالْأَسْنَانِ يَنْفَرِدُ بِاسْمِهِ ، وَلَا يَدْخُلُ أَحَدُهُمَا فِي اسْمِ الْآخَرِ ، بِخِلَافِ الْأَصَابِعِ وَالْكَفِّ ، فَإِنَّ اسْمَ الْيَدِ يَشْمَلُهُمَا .\rوَالثَّالِثُ : أَنَّ اللَّحْيَيْنِ يُوجَدَانِ قَبْلَ وُجُودِ الْأَسْنَانِ فِي الْخِلْقَةِ ، وَتَبْقَيَانِ بَعْدَ ذَهَابِهَا فِي حَقِّ الْكَبِيرِ ، وَمَنْ تَقَلَّعَتْ أَسْنَانُهُ عَادَتْ ، بِخِلَافِ الْأَصَابِعِ وَالْكَفِّ .","part":19,"page":245},{"id":9245,"text":"( 6940 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَفِي الْيَدَيْنِ الدِّيَةُ ) أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى وُجُوبِ الدِّيَةِ فِي الْيَدَيْنِ ، وَوُجُوبِ نِصْفِهَا فِي إحْدَاهُمَا .\rرُوِيَ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { : وَفِي الْيَدَيْنِ الدِّيَةُ وَفِي الرِّجْلَيْنِ الدِّيَةُ } .\rوَفِي كِتَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ { : وَفِي الْيَدِ خَمْسُونَ مِنْ الْإِبِلِ } .\rوَلِأَنَّ فِيهَا جَمَالًا ظَاهِرًا ، وَمَنْفَعَةً كَامِلَةً ، وَلَيْسَ فِي الْبَدَنِ مِنْ جِنْسِهِمَا غَيْرُهُمَا ، فَكَانَ فِيهِمَا الدِّيَةُ ، كَالْعَيْنَيْنِ .\rوَالْيَدُ الَّتِي تَجِبُ فِيهَا الدِّيَةُ مِنْ الْكُوعِ ؛ لِأَنَّ اسْمَ الْيَدِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ يَنْصَرِفُ إلَيْهَا ، بِدَلِيلِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا قَالَ { : وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا } .\rكَانَ الْوَاجِبُ قَطْعَهُمَا مِنْ الْكُوعِ ، وَكَذَلِكَ التَّيَمُّمُ يَجِبُ فِيهِ مَسْحُ الْيَدَيْنِ إلَى الْكُوعَيْنِ .\rفَإِنْ قَطَعَ يَدَهُ مِنْ فَوْقِ الْكُوعِ ، مِثْلُ أَنْ يَقْطَعَهَا مِنْ الْمَرْفِقِ ، أَوْ نِصْفِ السَّاعِدِ ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا دِيَةُ الْيَدِ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ .\rوَهَذَا قَوْلُ عَطَاءٍ وَقَتَادَةَ وَالنَّخَعِيِّ وَابْنِ أَبِي لَيْلَى وَمَالِكٍ .\rوَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ .\rوَظَاهِرُ مَذْهَبِهِ عِنْدَ أَصْحَابِهِ ، أَنَّهُ يَجِبُ مَعَ دِيَةِ الْيَدِ حُكُومَةٌ لِمَا زَادَ ؛ لِأَنَّ اسْمَ الْيَدِ لَهَا إلَى الْكُوعِ ، وَلِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ الْمَقْصُودَةَ فِي الْيَدِ ، مِنْ الْبَطْشِ وَالْأَخْذِ وَالدَّفْعِ بِالْكَفِّ ، وَمَا زَادَ تَابِعٌ لِلْكَفِّ ، وَالدِّيَةُ تَجِبُ فِي قَطْعِهَا مِنْ الْكُوعِ بِغَيْرِ خِلَافٍ ، فَتَجِبُ فِي الزَّائِدِ حُكُومَةٌ ، كَمَا لَوْ قَطَعَهُ بَعْدَ قَطْعِ الْكَفِّ ، قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : وَهَذَا قَوْلُ الْقَاضِي .\rوَلَنَا ، أَنَّ الْيَدَ اسْمٌ لِلْجَمِيعِ إلَى الْمَنْكِبِ ، بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى .\r{ : وَأَيْدِيكُمْ إلَى الْمَرَافِقِ } .\rوَلَمَّا نَزَلَتْ آيَةُ التَّيَمُّمِ مَسَحَتْ الصَّحَابَةُ إلَى","part":19,"page":246},{"id":9246,"text":"الْمَنَاكِبِ .\rوَقَالَ ثَعْلَبٌ : الْيَدُ إلَى الْمَنْكِبِ .\rوَفِي عُرْفِ النَّاسِ أَنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ يُسَمَّى يَدًا ، فَإِذَا قَطَعَهَا مِنْ فَوْقِ الْكُوعِ ، فَمَا قَطَعَ إلَّا يَدًا ، فَلَا يَلْزَمُهُ أَكْثَرُ مِنْ دِيَتِهَا ، فَأَمَّا قَطْعُهَا فِي السَّرِقَةِ ؛ فَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ يَحْصُلُ بِهِ ، وَقَطْعُ بَعْضِ الشَّيْءِ يُسَمَّى قَطْعًا لَهُ ، كَمَا يُقَالُ : قَطَعَ ثَوْبَهُ .\rإذَا قَطَعَ جَانِبًا مِنْهُ .\rوَقَوْلُهُمْ : إنَّ الدِّيَةَ تَجِبُ فِي قَطْعِهَا مِنْ الْكُوعِ .\rقُلْنَا : وَكَذَلِكَ تَجِبُ بِقَطْعِ الْأَصَابِعِ مُنْفَرِدَةً ، وَلَا يَجِبُ بِقَطْعِهَا مِنْ الْكُوعِ أَكْثَرُ مِمَّا يَجِبُ فِي قَطْعِ الْأَصَابِعِ ، وَالذَّكَرُ يَجِبُ فِي قَطْعِهِ مِنْ أَصْلِهِ مِثْلُ مَا يَجِبُ بِقَطْعِ حَشَفَتِهِ .\rفَأَمَّا إذَا قَطَعَ الْيَدَ مِنْ الْكُوعِ ، ثُمَّ قَطَعَهَا مِنْ الْمَرْفِقِ ، وَجَبَ فِي الْمَقْطُوعِ ثَانِيًا حُكُومَةٌ ؛ لِأَنَّهُ وَجَبَتْ عَلَيْهِ دِيَةُ الْيَدِ بِالْقَطْعِ الْأَوَّلِ ، فَوَجَبَتْ بِالثَّانِي حُكُومَةٌ ، كَمَا لَوْ قَطَعَ الْأَصَابِعَ ثُمَّ قَطَعَ الْكَفَّ ، أَوْ قَطَعَ حَشَفَةَ الذَّكَرِ ثُمَّ قَطَعَ بَقِيَّتَهُ ، أَوْ كَمَا لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ اثْنَانِ ( 6941 ) فَصْلٌ : فَإِنْ جَنَى عَلَيْهَا فَأَشَلَّهَا ، وَجَبَتْ عَلَيْهِ دِيَتُهَا ؛ لِأَنَّهُ فَوَّتَ مَنْفَعَتَهَا ، فَلَزِمَتْهُ دِيَتُهَا ، كَمَا لَوْ أَعْمَى عَيْنَهُ مَعَ بَقَائِهَا ، أَوْ أَخْرَسَ لِسَانَهُ .\rوَإِنْ جَنَى عَلَى يَدِهِ فَعَوَجَهَا ، أَوْ نَقَصَ قُوَّتَهَا ، أَوْ شَانَهَا ، فَعَلَيْهِ حُكُومَةٌ لِنَقْصِهَا .\rوَإِنْ كَسَرَهَا ثُمَّ انْجَبَرَتْ مُسْتَقِيمَةً ، وَجَبَتْ حُكُومَةٌ لِشَيْنِهَا إنْ شَانَهَا ذَلِكَ ، وَإِنْ عَادَتْ مُعْوَجَّةً ، فَالْحُكُومَةُ أَكْثَرُ ؛ لِأَنَّ شَيْنَهَا أَكْثَرُ .\rوَإِنْ قَالَ الْجَانِي : أَنَا أَكْسِرُهَا ثُمَّ أَجْبُرُهَا مُسْتَقِيمَةً .\rلَمْ يُمَكَّنْ مِنْ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهَا جِنَايَةٌ ثَانِيَةٌ .\rفَإِنْ كَسَرَهَا تَعَدِّيًا ثُمَّ جَبَرَهَا فَاسْتَقَامَتْ ، لَمْ يَسْقُطْ مَا وَجَبَ مِنْ الْحُكُومَةِ فِي اعْوِجَاجِهَا ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ اسْتَقَرَّ حِينَ انْجَبَرَتْ عَوْجَاءَ ، وَهَذِهِ جِنَايَةٌ ثَانِيَةٌ ، وَالْجَبْرُ","part":19,"page":247},{"id":9247,"text":"الثَّانِي لَهَا دُونَ الْأُولَى ، وَلَا يُشْبِهُ هَذَا مَا إذَا ذَهَبَ ضَوْءُ عَيْنِهِ ثُمَّ عَادَ ؛ لِأَنَّنَا تَبَيَّنَّا أَنَّ الضَّوْءَ لَمْ يَذْهَبْ ، وَإِنَّمَا حَالَ دُونَهُ حَائِلٌ ، وَهَا هُنَا بِخِلَافِهِ ، وَتَجِبُ الْحُكُومَةُ فِي الْكَسْرِ الثَّانِي ؛ لِأَنَّهَا جِنَايَةٌ ثَانِيَةٌ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا تَجِبَ ؛ لِأَنَّهُ أَزَالَ ضَرَرَ الْعِوَجِ مِنْهَا ، فَكَانَ نَفْعًا ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ جَنَى عَلَيْهِ بِقَطْعِ سِلْعَةٍ أَزَالَهَا عَنْهُ .","part":19,"page":248},{"id":9248,"text":"( 6942 ) فَصْلٌ : فَإِنْ كَانَ لَهُ كَفَّانِ فِي ذِرَاعٍ ، أَوْ يَدَانِ عَلَى عَضُدٍ ، وَإِحْدَاهُمَا بَاطِشَةٌ دُونَ الْأُخْرَى ، أَوْ إحْدَاهُمَا أَكْثَرُ بَطْشًا ، أَوْ فِي سَمْتِ الذِّرَاعِ وَالْأُخْرَى مُنْحَرِفَةٌ عَنْهُ ، أَوْ إحْدَاهُمَا تَامَّةٌ وَالْأُخْرَى نَاقِصَةٌ ، فَالْأُولَى هِيَ الْأَصْلِيَّةُ ، وَالْأُخْرَى زَائِدَةٌ ، فَفِي الْأَصْلِيَّةِ دِيَتُهَا وَالْقِصَاصُ بِقَطْعِهَا عَمْدًا ، وَالْأُخْرَى زَائِدَةٌ فِيهَا حُكُومَةٌ ، سَوَاءٌ قَطَعَهَا مُفْرَدَةً أَوْ قَطَعَهَا مَعَ الْأَصْلِيَّةِ .\rوَعَلَى قَوْلِ ابْنِ حَامِدٍ ، لَا شَيْءَ فِيهَا ؛ لِأَنَّهَا عَيْبٌ ، فَهِيَ كَالسِّلْعَةِ فِي الْيَدِ .\rوَإِنْ اسْتَوَيَا مِنْ كُلِّ الْوُجُوهِ ، فَإِنْ كَانَتَا غَيْرَ بَاطِشَتَيْنِ ، فَفِيهِمَا ثُلُثُ دِيَةِ الْيَدِ أَوْ حُكُومَةٌ ، وَلَا تَجِبُ دِيَةُ الْيَدِ كَامِلَةً ؛ لِأَنَّهُمَا لَا نَفْعَ لَهُ فِيهِمَا ، فَهُمَا كَالْيَدِ الشَّلَّاءِ .\rوَإِنْ كَانَتَا بَاطِشَتَيْنِ ، فَفِيهِمَا جَمِيعًا دِيَةُ الْيَدِ .\rوَهَلْ تَجِبُ حُكُومَةٌ مَعَ ذَلِكَ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ الزَّائِدَةَ هَلْ فِيهَا حُكُومَةٌ أَمْ لَا ؟ وَإِنْ قَطَعَ إحْدَاهُمَا ، فَلَا قَوَدَ ؛ لِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُونَ هِيَ الزَّائِدَةَ ، فَلَا تُقْطَعَ الْأَصْلِيَّةُ بِهَا ، وَفِيهَا نِصْفُ مَا فِيهِمَا إذَا قُطِعَتَا لِتَسَاوِيهِمَا .\rوَإِنْ قَطَعَ إصْبَعًا مِنْ إحْدَاهُمَا ، وَجَبَ أَرْشُ نِصْفِ إصْبَعٍ ، وَفِي الْحُكُومَةِ وَجْهَانِ .\rوَإِنْ قَطَعَ ذُو الْيَدِ الَّتِي لَهَا طَرَفَانِ يَدًا مُفْرَدَةً ، وَجَبَ الْقِصَاصُ فِيهِمَا ، عَلَى قَوْلِ ابْنِ حَامِدٍ ؛ لِأَنَّ هَذَا نَقْصٌ لَا يَمْنَعُ الْقِصَاصَ ، كَالسِّلْعَةِ فِي الْيَدِ .\rوَعَلَى قَوْلِ غَيْرِهِ : لَا يَجِبُ ؛ لِئَلَّا يَأْخُذَ يَدَيْنِ بِيَدٍ وَاحِدَةٍ ، وَلَا تُقْطَعُ إحْدَاهُمَا ؛ لِأَنَّا لَا نَعْرِفُ الْأَصْلِيَّةَ فَنَأْخُذَهَا ، وَلَا نَأْخُذُ زَائِدَةً بِأَصْلِيَّةٍ .\rفَأَمَّا إنْ كَانَ لَهُ قَدَمَانِ فِي رِجْلٍ وَاحِدَةٍ ، فَالْحُكْمُ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فِي الْيَدَيْنِ .\rفَإِنْ كَانَتْ إحْدَى الْقَدَمَيْنِ أَطْوَلَ مِنْ الْأُخْرَى ، وَكَانَ الطَّوِيلُ مُسَاوِيًا لِلرِّجْلِ الْأُخْرَى ، فَهُوَ","part":19,"page":249},{"id":9249,"text":"الْأَصْلِيُّ ، وَإِنْ كَانَ زَائِدًا عَنْهَا ، وَالْآخَرُ مُسَاوٍ لِلرِّجْلِ الْأُخْرَى ، فَهُوَ الْأَصْلِيُّ .\rوَإِنْ كَانَ لَهُ فِي كُلِّ رِجْلٍ قَدَمَانِ ، يُمْكِنُهُ الْمَشْيُ عَلَى الطَّوِيلَتَيْنِ مَشْيًا مُسْتَقِيمًا ، فَهُمَا الْأَصْلِيَّانِ ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ ، فَقُطِعَا ، وَأَمْكَنَهُ الْمَشْيُ عَلَى الْقَصِيرَتَيْنِ ، فَهُمَا الْأَصْلِيَّانِ ، وَالْآخَرَانِ زَائِدَانِ .\rوَإِنْ أَشَلَّ الطَّوِيلَتَيْنِ ، فَفِيهِمَا الدِّيَةُ ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُمَا الْأَصْلِيَّانِ ، فَإِنْ قَطَعَهُمَا قَاطِعٌ ، فَأَمْكَنَهُ الْمَشْيُ عَلَى الْقَصِيرَتَيْنِ تَبَيَّنَ أَنَّهُمَا الْأَصْلِيَّانِ ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ ، فَالطَّوِيلَانِ هُمَا الْأَصْلِيَّانِ .","part":19,"page":250},{"id":9250,"text":"( 6943 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَفِي الثَّدْيَيْنِ الدِّيَةُ ، سَوَاءٌ كَانَ مِنْ رَجُلٍ أَوْ امْرَأَةٍ ) أَمَّا ثَدْيَا الْمَرْأَةِ ، فَفِيهِمَا دِيَتُهُمَا .\rلَا نَعْلَمُ فِيهِ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ خِلَافًا ، وَفِي الْوَاحِدِ مِنْهُمَا نِصْفُ الدِّيَةِ .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ، عَلَى أَنَّ فِي ثَدْيِ الْمَرْأَةِ نِصْفَ الدِّيَةِ ، وَفِي الثَّدْيَيْنِ الدِّيَةَ ، وَمِمَّنْ حَفِظْنَا ذَلِكَ عَنْهُ الْحَسَنُ وَالشَّعْبِيُّ وَالزُّهْرِيُّ وَمَكْحُولٌ وَقَتَادَةُ وَمَالِكٌ وَالثَّوْرِيُّ وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَلِأَنَّ فِيهِمَا جَمَالًا وَمَنْفَعَةً فَأَشْبَهَا الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ .\rوَفِي أَحَدِهِمَا نِصْفُ الدِّيَةِ ؛ لِأَنَّ كُلَّ عُضْوَيْنِ وَجَبَتْ الدِّيَةُ فِيهِمَا ، وَجَبَ فِي أَحَدِهِمَا نِصْفُهَا ، كَالْيَدَيْنِ .\rوَفِي قَطْعِ حَلَمَتَيْ الثَّدْيَيْنِ دِيَتُهُمَا .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، وَرَوَى نَحْوَ هَذَا الشَّعْبِيُّ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ مَالِكٌ ، وَالثَّوْرِيُّ : إنْ ذَهَبَ اللَّبَنُ ، وَجَبَتْ دِيَتُهُمَا ، وَإِلَّا وَجَبَتْ حُكُومَةٌ بِقَدْرِ شَيْنِهِ .\rوَنَحْوَهُ قَالَ قَتَادَةُ : إذَا ذَهَبَ الرَّضَاعُ بِقَطْعِهِمَا ، فَفِيهِمَا الدِّيَةُ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ ذَهَبَ مِنْهُمَا مَا تَذْهَبُ الْمَنْفَعَةُ بِذَهَابِهِ ، فَوَجَبَتْ دِيَتُهُمَا ، كَالْأَصَابِعِ مَعَ الْكَفِّ ، وَحَشَفَةِ الذَّكَرِ ، وَبَيَانُ ذَهَابِ الْمَنْفَعَةِ أَنَّ بِهِمَا يَشْرَبُ الصَّبِيُّ وَيَرْتَضِعُ فَهُمَا كَالْأَصَابِعِ فِي الْكَفِّ .\rوَإِنْ قَطَعَ الثَّدْيَيْنِ كُلَّهُمَا ، فَلَيْسَ فِيهِمَا إلَّا دِيَةٌ ، كَمَا لَوْ قَطَعَ الذَّكَرَ كُلَّهُ .\rوَإِنْ حَصَلَ مَعَ قَطْعِهِمَا جَائِفَةٌ ، وَجَبَ فِيهَا ثُلُثُ الدِّيَةِ مَعَ دِيَتِهِمَا .\rوَإِنْ حَصَلَ جَائِفَتَانِ ، وَجَبَتْ دِيَةٌ وَثُلُثَانِ .\rوَإِنْ ضَرَبَهُمَا فَأَشَلَّهُمَا ، فَفِيهِمَا الدِّيَةُ ، كَمَا لَوْ أَشَلَّ يَدَيْهِ .\rوَإِنْ جَنَى عَلَيْهِمَا ، فَأَذْهَبَ لَبَنَهُمَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَشُلَّهُمَا ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا : فِيهِمَا حُكُومَةٌ .\rوَهَذَا قَوْلُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ","part":19,"page":251},{"id":9251,"text":".\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ تَجِبَ دِيَتُهُمَا ؛ لِأَنَّهُ ذَهَبَ بِنَفْعِهِمَا ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَشَلَّهُمَا ؛ وَهَذَا ظَاهِرُ قَوْلِ مَالِكٍ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَقَتَادَةَ وَإِنْ جَنَى عَلَيْهِمَا مِنْ صَغِيرَةٍ ثُمَّ وَلَدَتْ ، فَلَمْ يَنْزِلْ لَهَا لَبَنٌ ، سُئِلَ أَهْلُ الْخِبْرَةِ ، فَإِنْ قَالُوا : إنَّ الْجِنَايَةَ سَبَبُ قَطْعِ اللَّبَنِ ، فَعَلَيْهِ مَا عَلَى مَنْ ذَهَبَ بِاللَّبَنِ بَعْدَ وُجُودِهِ .\rوَإِنْ قَالُوا : يَنْقَطِعُ بِغَيْرِ الْجِنَايَةِ .\rلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ أَرْشُهُ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ ، فَلَا يَجِبُ فِيهَا شَيْءٌ بِالشَّكِّ .\rوَإِنْ جَنَى عَلَيْهِمَا ، فَنَقَصَ لَبَنُهُمَا ، أَوْ جَنَى عَلَى ثَدْيَيْنِ نَاهِدَيْنِ فَكَسَرَهُمَا ، أَوْ صَارَ بِهِمَا مَرَضٌ ، فَفِيهِ حُكُومَةٌ ؛ لِنَقْصِهِ الَّذِي نَقَصَهُمَا ( 6944 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا ثَدْيَا الرَّجُلِ ، وَهُمَا الثُّنْدُوَتَانِ ، فَفِيهِمَا الدِّيَةُ .\rوَبِهَذَا قَالَ إِسْحَاقُ وَحُكِيَ ذَلِكَ قَوْلًا لِلشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ النَّخَعِيُّ وَمَالِكٌ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ وَابْنُ الْمُنْذِرِ : فِيهِمَا حُكُومَةٌ .\rوَهُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ ذَهَبَ بِالْجَمَالِ مِنْ غَيْر مَنْفَعَةٍ ، فَلَمْ تَجِبْ الدِّيَةُ ، كَمَا لَوْ أَتْلَفَ الْعَيْنَ الْقَائِمَةَ وَالْيَدَ الشَّلَّاءَ .\rوَقَالَ الزُّهْرِيُّ : فِي حَلَمَةِ الرَّجُلِ خَمْسٌ مِنْ الْإِبِلِ .\rوَعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ : فِيهِ ثُمُنُ الدِّيَةِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ مَا وَجَبَ فِيهِ الدِّيَةُ مِنْ الْمَرْأَةِ ، وَجَبَ فِيهِ مِنْ الرَّجُلِ ، كَالْيَدَيْنِ وَسَائِرِ الْأَعْضَاءِ ، وَلِأَنَّهُمَا عُضْوَانِ فِي الْبَدَنِ ، يَحْصُلُ بِهِمَا الْجَمَالُ ، لَيْسَ فِي الْبَدَنِ غَيْرُهُمَا مِنْ جِنْسِهِمَا ، فَوَجَبَتْ فِيهِمَا الدِّيَةُ كَالْيَدَيْنِ ، وَلِأَنَّهُ أَذْهَبَ الْجَمَالَ ، فَوَجَبَتْ الدِّيَةُ ، كَالشُّعُورِ الْأَرْبَعَةِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَكَأُذُنَيْ الْأَصَمِّ وَأَنْفِ الْأَخْشَمِ عِنْدَ الْجَمِيعِ ، وَيُفَارِقُ الْعَيْنَ الْقَائِمَةَ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا جَمَالٌ كَامِلٌ ، وَلِأَنَّهَا عُضْوٌ قَدْ ذَهَبَ مِنْهُ مَا تَجِبُ فِيهِ الدِّيَةُ ، فَلَمْ تَكْمُلْ دِيَتُهُ ، كَالْيَدَيْنِ إذَا","part":19,"page":252},{"id":9252,"text":"شَلَّتَا ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا .","part":19,"page":253},{"id":9253,"text":"( 6945 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَفِي الْأَلْيَتَيْنِ الدِّيَةُ ) قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْم يَقُولُونَ : فِي الْأَلْيَتَيْنِ الدِّيَةُ ، وَفِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا نِصْفُهَا .\rمِنْهُمْ عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ وَالنَّخَعِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَلِأَنَّهُمَا عُضْوَانِ مِنْ جِنْسٍ ، فِيهِمَا جَمَالٌ ظَاهِرٌ ، وَمَنْفَعَةٌ كَامِلَةٌ ، فَإِنَّهُ يُجْلَسُ عَلَيْهِمَا كَالْوِسَادَتَيْنِ ، فَوَجَبَ فِيهِمَا الدِّيَةُ ، وَفِي إحْدَاهُمَا نِصْفُهَا ، كَالْيَدَيْنِ .\rوَالْأَلْيَتَانِ : هُمَا مَا عَلَا وَأَشْرَفَ مِنْ الظَّهْرِ عَنْ اسْتِوَاءِ الْفَخِذَيْنِ .\rوَفِيهِمَا الدِّيَةُ إذَا أُخِذَتَا إلَى الْعَظْمِ الَّذِي تَحْتَهُمَا ، وَفِي ذَهَابِ بَعْضِهِمَا بِقَدْرِهِ ؛ لِأَنَّ مَا وَجَبَتْ الدِّيَةُ فِيهِ ، وَجَبَ فِي بَعْضِهِ بِقَدْرِهِ ، فَإِنْ جُهِلَ الْمِقْدَارُ ، وَجَبَتْ حُكُومَةٌ ؛ لِأَنَّهُ نَقْصٌ لَمْ يُعْرَفْ قَدْرُهُ .","part":19,"page":254},{"id":9254,"text":"( 6946 ) فَصْلٌ : وَفِي الصُّلْبِ الدِّيَةُ إذَا كُسِرَ فَلَمْ يَنْجَبِرْ ؛ لِمَا رُوِيَ فِي كِتَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ { : وَفِي الصُّلْبِ الدِّيَةُ } .\rوَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، أَنَّهُ قَالَ مَضَتْ السُّنَّةُ أَنَّ فِي الصُّلْبِ الدِّيَةَ .\rوَهَذَا يَنْصَرِفُ إلَى سُنَّةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rوَمِمَّنْ قَالَ بِذَلِكَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَعَطَاءٌ وَالْحَسَنُ وَالزُّهْرِيُّ وَمَالِكٌ وَقَالَ الْقَاضِي ، وَأَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ : لَيْسَ فِي كَسْرِ الصُّلْبِ دِيَةٌ ؛ إلَّا أَنْ يُذْهِبَ مَشْيَهُ أَوْ جِمَاعَهُ ، فَتَجِبُ الدِّيَةُ لِتِلْكَ الْمَنْفَعَةِ ؛ لِأَنَّهُ عُضْوٌ لَمْ تَذْهَبْ مَنْفَعَتُهُ ، فَلَمْ تَجِبْ فِيهِ دِيَةٌ كَامِلَةٌ ، كَسَائِرِ الْأَعْضَاءِ .\rوَلَنَا ، الْخَبَرُ ، وَلِأَنَّهُ عُضْوٌ لَيْسَ فِي الْبَدَنِ مِثْلُهُ ، فِيهِ جَمَالٌ وَمَنْفَعَةٌ ، فَوَجَبَتْ الدِّيَةُ فِيهِ بِمُفْرَدِهِ ، كَالْأَنْفِ .\rوَإِنْ ذَهَبَ مَشْيُهُ بِكَسْرِ صُلْبِهِ ، فَفِيهِ ، الدِّيَةُ فِي قَوْلِ الْجَمِيع .\rوَلَا يَجِبُ أَكْثَرُ مِنْ دِيَةٍ ؛ لِأَنَّهَا مَنْفَعَةٌ تَلْزَمُ كَسْرَ الصُّلْبِ غَالِبًا ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَطَعَ رِجْلَيْهِ .\rوَإِنْ لَمْ يَذْهَبْ مَشْيُهُ ، لَكِنْ ذَهَبَ جِمَاعُهُ ، فَفِيهِ الدِّيَةُ أَيْضًا .\rرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ؛ لِأَنَّهُ نَفْعٌ مَقْصُودٌ ، فَأَشْبَهَ ذَهَابَ مَشْيِهِ .\rوَإِنْ ذَهَبَ جِمَاعُهُ وَمَشْيُهُ ، وَجَبَتْ دِيَتَانِ ، فِي ظَاهِرِ كَلَامِ أَحْمَدَ ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، فِي رِوَايَة ابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ ؛ لِأَنَّهُمَا مَنْفَعَتَانِ تَجِبُ الدِّيَةُ بِذَهَابِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مُنْفَرِدَةً ، فَإِذَا اجْتَمَعَتَا وَجَبَتْ دِيَتَانِ ، كَالسَّمْعِ وَالْبَصَرِ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ : فِيهِمَا دِيَةٌ وَاحِدَةٌ ؛ لِأَنَّهُمَا نَفْعُ عُضْوٍ وَاحِدٍ ، فَلَمْ يَجِبْ فِيهَا أَكْثَرُ مِنْ دِيَةٍ وَاحِدَةٍ ، كَمَا لَوْ قَطَعَ لِسَانَهُ فَذَهَبَ كَلَامُهُ وَذَوْقُهُ .\rوَإِنْ جَبَرَ صُلْبُهُ ، فَعَادَتْ إحْدَى الْمَنْفَعَتَيْنِ دُونَ الْأُخْرَى ، لَمْ يَجِبْ إلَّا دِيَةٌ ، إلَّا أَنْ تَنْقُصَ الْأُخْرَى ، فَتَجِبَ حُكُومَةٌ","part":19,"page":255},{"id":9255,"text":"لِنَقْصِهَا ، أَوْ تَنْقُصَ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى ، فَيَكُونَ فِيهِ حُكُومَةٌ لِذَلِكَ .\rوَإِنْ ادَّعَى ذَهَابَ جِمَاعِهِ ، وَقَالَ رَجُلَانِ مِنْ أَهْلِ الْخِبْرَةِ : إنَّ مِثْلَ هَذِهِ الْجِنَايَةِ يَذْهَبُ بِالْجِمَاعِ .\rفَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ مَعَ يَمِينِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُتَوَصَّلُ إلَى مَعْرِفَةِ ذَلِكَ إلَّا مِنْ جِهَتِهِ .\rوَإِنْ كَسَرَ صُلْبَهُ ، فَشَلَّ ذَكَرُهُ ، اقْتَضَى كَلَامُ أَحْمَدَ ، وُجُوبَ دِيَتَيْنِ ؛ لِكَسْرِ الصُّلْبِ وَاحِدَةٌ وَلِلذَّكَرِ أُخْرَى .\rوَفِي قَوْلِ الْقَاضِي ، وَمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ ، يَجِبُ فِي الذَّكَرِ دِيَةٌ ، وَحُكُومَةٌ لِكَسْرِ الصُّلْبِ .\rوَإِنْ أَشَلَّ رِجْلَيْهِ ، فَفِيهِمَا دِيَةٌ أَيْضًا .\rوَإِنْ أَذْهَبَ مَاءَهُ دُونَ جِمَاعِهِ ، احْتَمَلَ وُجُوبَ الدِّيَةِ .\rوَهَذَا يُرْوَى عَنْ مُجَاهِدٍ .\rقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ .\rهُوَ الَّذِي يَقْتَضِيهِ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ ذَهَبَ بِمَنْفَعَةٍ مَقْصُودَةٍ ، فَوَجَبَتْ الدِّيَةُ ، كَمَا لَوْ ذَهَبَ بِجِمَاعِهِ ، أَوْ كَمَا لَوْ قَطَعَ أُنْثَيَيْهِ أَوْ رَضَّهُمَا .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا تَجِبَ الدِّيَةُ كَامِلَةً ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَذْهَبْ بِالْمَنْفَعَةِ كُلِّهَا .","part":19,"page":256},{"id":9256,"text":"( 6947 ) مَسْأَلَة ؛ قَالَ : ( وَفِي الذَّكَرِ الدِّيَةُ ) أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ فِي الذَّكَرِ الدِّيَةَ .\r{ وَفِي كِتَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ : وَفِي الذَّكَرِ الدِّيَةُ } .\rوَلِأَنَّهُ عُضْوٌ وَاحِدٌ فِيهِ الْجَمَالُ وَالْمَنْفَعَةُ ، فَكَمَلَتْ فِيهِ الدِّيَةُ ، كَالْأَنْفِ وَاللِّسَانِ ، وَفِي شَلَلِهِ دِيَتُهُ ؛ لِأَنَّهُ ذَهَبَ بِنَفْعِهِ وَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَشَلَّ لِسَانَهُ .\rوَتَجِبُ الدِّيَةُ فِي ذَكَرِ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ ، وَالشَّيْخِ وَالشَّابِّ ، سَوَاءٌ قَدَرَ عَلَى الْجِمَاعِ أَوْ لَمْ يَقْدِرْ .\rفَأَمَّا ذَكَرُ الْعِنِّينِ ، فَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى وُجُوبِ الدِّيَةِ فِيهِ ؛ لِعُمُومِ الْحَدِيثِ ، وَلِأَنَّهُ غَيْرُ مَأْيُوسٍ مِنْ جِمَاعِهِ .\rوَهُوَ عُضْوٌ سَلِيمٌ فِي نَفْسِهِ ، فَكَمَلَتْ دِيَتُهُ ، كَذَكَرِ الشَّيْخِ .\rوَذَكَرَ الْقَاضِي فِيهِ عَنْ أَحْمَدَ رِوَايَتَيْنِ ؛ إحْدَاهُمَا ، تَجِبُ فِيهِ الدِّيَةُ ؛ لِذَلِكَ .\rوَالثَّانِيَةُ ؛ لَا تَكْمُلُ دِيَتُهُ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ قَتَادَةَ ؛ لِأَنَّ مَنْفَعَتَهُ الْإِنْزَالُ وَالْإِحْبَالُ وَالْجِمَاعُ ، وَقَدْ عُدِمَ ذَلِكَ مِنْهُ فِي حَالِ الْكَمَالِ ، فَلَمْ تَكْمُلْ دِيَتُهُ كَالْأَشَلِّ ، وَبِهَذَا فَارَقَ ذَكَرَ الصَّبِيِّ وَالشَّيْخِ .\rوَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ فِي ذَكَرِ الْخَصِيِّ ، فَعَنْهُ فِيهِ دِيَةٌ كَامِلَةٌ .\rوَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَالشَّافِعِيِّ وَابْنِ الْمُنْذِرِ ؛ لِلْخَبَرِ ، وَلِأَنَّ مَنْفَعَةَ الذَّكَرِ الْجِمَاعُ ، وَهُوَ بَاقٍ فِيهِ .\rوَالثَّانِيَةُ ، لَا تَجِبُ فِيهِ .\rوَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالثَّوْرِيِّ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ وَقَتَادَةَ وَإِسْحَاقَ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا فِي ذَكَرِ الْعِنِّينِ ، وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ تَحْصِيلُ النَّسْلِ ، وَلَا يُوجَدُ ذَلِكَ مِنْهُ ، فَلَمْ تَكْمُلْ دِيَتُهُ ، كَالْأَشَلِّ ، وَالْجِمَاعُ يَذْهَبُ فِي الْغَالِبِ ؛ بِدَلِيلِ أَنَّ الْبَهَائِمَ يَذْهَبُ جِمَاعُهَا بِخِصَائِهَا ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ ذَكَرِ الْعِنِّينِ ، وَذَكَرِ الْخَصِيِّ ، أَنَّ الْجِمَاعَ فِي ذَكَرِ الْعِنِّينِ أَبْعَدُ مِنْهُ فِي ذَكَرِ الْخَصِيِّ ، وَالْيَأْسُ","part":19,"page":257},{"id":9257,"text":"مِنْ الْإِنْزَالِ مُتَحَقِّقٌ فِي ذَكَرِ الْخَصِيِّ دُونَ ذَكَرِ الْعِنِّينِ .\rفَعَلَى قَوْلِنَا : لَا تَكْمُلُ الدِّيَةُ فِي ذَكَرِ الْخَصِيِّ ؛ إنْ قَطَعَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَيَيْنِ دَفْعَةً وَاحِدَةً ، أَوْ قَطَعَ الذَّكَرَ ، ثُمَّ قَطَعَ الْأُنْثَيَيْنِ ، لَزِمَتْهُ دِيَتَانِ ، وَإِنْ قَطَعَ الْأُنْثَيَيْنِ ، ثُمَّ قَطَعَ الذَّكَرَ ، لَمْ يَلْزَمْهُ إلَّا دِيَةٌ وَاحِدَةٌ فِي الْأُنْثَيَيْنِ ، وَفِي الذَّكَرِ حُكُومَةٌ ؛ لِأَنَّهُ ذَكَرُ خَصِيٍّ .\rقَالَ الْقَاضِي : وَنَصَّ أَحْمَدُ عَلَى هَذَا .\rوَإِنْ قَطَعَ نِصْفَ الذَّكَرِ بِالطُّولِ ، فَفِيهِ نِصْفُ الدِّيَةِ .\rذَكَرَهُ أَصْحَابُنَا .\rوَالْأَوْلَى أَنْ تَجِبَ الدِّيَةُ كَامِلَةً لِأَنَّهُ ذَهَبَ بِمَنْفَعَةِ الْجِمَاعِ بِهِ ، فَكَمَلَتْ دِيَتُهُ ، كَمَا لَوْ أَشَلَّهُ أَوْ كَسَرَ صُلْبَهُ فَذَهَبَ جِمَاعُهُ .\rوَإِنْ قَطَعَ قِطْعَةً مِنْهُ مِمَّا دُونَ الْحَشَفَةِ ، وَكَانَ الْبَوْلُ يَخْرُجُ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ ؛ وَجَبَ بِقَدْرِ الْقِطْعَة مِنْ جَمِيعِ الذَّكَرِ مِنْ الدِّيَةِ .\rوَإِنْ خَرَجَ الْبَوْلُ مِنْ مَوْضِعِ الْقَطْعِ ، وَجَبَ الْأَكْثَرُ مِنْ حِصَّةِ الْقِطْعَةِ مِنْ الدِّيَةِ ، أَوْ الْحُكُومَةِ .\rوَإِنْ ثَقَبَ ذَكَرَهُ فِيمَا دُونَ الْحَشَفَةِ ، فَصَارَ الْبَوْلُ يَخْرُجُ مِنْ الثُّقْبِ ، فَفِيهِ حُكُومَةٌ ؛ لِذَلِكَ .","part":19,"page":258},{"id":9258,"text":"( 6948 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَفِي الْأُنْثَيَيْنِ الدِّيَةُ ) لَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا .\rوَفِي كِتَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ { : وَفِي الْبَيْضَتَيْنِ الدِّيَةُ } .\rوَلِأَنَّ فِيهِمَا الْجَمَالَ وَالْمَنْفَعَةَ ، فَإِنَّ النَّسْلَ يَكُونُ بِهِمَا ، فَكَانَتْ فِيهِمَا الدِّيَةُ ، كَالْيَدَيْنِ .\rوَرَوَى الزُّهْرِيُّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، أَنَّهُ قَالَ : مَضَتْ السُّنَّةُ أَنَّ فِي الصُّلْبِ الدِّيَةَ ، وَفِي الْأُنْثَيَيْنِ الدِّيَةَ .\rوَفِي إحْدَاهُمَا نِصْفُ الدِّيَةِ ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَحُكِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، أَنَّ فِي الْيُسْرَى ثُلُثَيْ الدِّيَةِ ، وَفِي الْيُمْنَى ثُلُثَهَا ؛ لِأَنَّ نَفْعَ الْيُسْرَى أَكْثَرُ ؛ لِأَنَّ النَّسْلَ يَكُونُ بِهَا .\rوَلَنَا ، أَنَّ مَا وَجَبَتْ الدِّيَةُ فِي شَيْئَيْنِ مِنْهُ ، وَجَبَ فِي أَحَدِهِمَا نِصْفُهَا ، كَالْيَدَيْنِ ، وَسَائِرِ الْأَعْضَاءِ ، وَلِأَنَّهُمَا ذَوَا عَدَدٍ تَجِبُ فِيهِ الدِّيَةُ ، فَاسْتَوَتْ دِيَتُهُمَا ، كَالْأَصَابِعِ ، وَمَا ذَكَرُوهُ يُنْتَقَضُ بِالْأَصَابِعِ وَالْأَجْفَانِ ، تَسْتَوِي دِيَاتُهَا مَعَ اخْتِلَافِ نَفْعِهَا ، ثُمَّ يُحْتَاجُ إلَى إثْبَاتِ ذَلِكَ الَّذِي ذَكَرَهُ .\rوَإِنْ رَضَّ أُنْثَيَيْهِ ، أَوْ أَشَلَّهُمَا ، كَمَلَتْ دِيَتُهُمَا ، كَمَا لَوْ أَشَلَّ يَدَيْهِ أَوْ ذَكَرَهُ .\rوَإِنْ قَطَعَ أُنْثَيَيْهِ ، فَذَهَبَ نَسْلُهُ ، لَمْ يَجِبْ أَكْثَرُ مِنْ دِيَةٍ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ نَفْعُهُمَا ، فَلَمْ تَزْدَدْ الدِّيَةُ بِذَهَابِهِ مَعَهُمَا ، كَالْبَصَرِ مَعَ ذَهَابِ الْعَيْنَيْنِ ، وَالْبَطْشِ مَعَ ذَهَابِ الرِّجْلَيْنِ .\rوَإِنْ قَطَعَ إحْدَاهُمَا ، فَذَهَبَ النَّسْلُ ، لَمْ يَجِبْ أَكْثَرُ مِنْ نِصْف الدِّيَةِ ؛ لِأَنَّ ذَهَابَهُ غَيْرُ مُتَحَقِّقٍ .","part":19,"page":259},{"id":9259,"text":"مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَفِي الرِّجْلَيْنِ الدِّيَةُ ) أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ فِي الرِّجْلَيْنِ الدِّيَةَ ، وَفِي إحْدَاهُمَا نِصْفَهَا .\rرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ ، وَعَلِيٍّ .\rوَبِهِ قَالَ قَتَادَةُ وَمَالِكٌ ، وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ وَالثَّوْرِيُّ ، وَأَهْلُ الْعِرَاقِ ، وَالشَّافِعِيُّ وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَقَدْ ذَكَرْنَا الْحَدِيثَ وَالْمَعْنَى فِيمَا تَقَدَّمَ .\rوَفِي تَفْصِيلِهَا مِثْلُ مَا ذَكَرْنَا مِنْ التَّفْصِيلِ فِي الْيَدَيْنِ ، سَوَاءً ، وَمَفْصِلُ الْكَعْبَيْنِ هَاهُنَا مِثْلُ مَفْصِلِ الْكُوعَيْنِ فِي الْيَدَيْنِ .","part":19,"page":260},{"id":9260,"text":"( 6950 ) فَصْلٌ : وَفِي قَدَمِ الْأَعْرَجِ وَيَدِ الْأَعْسَمِ الدِّيَةُ ؛ لِأَنَّ الْعَرَجَ لِمَعْنًى فِي غَيْرِ الْقَدَمِ ، وَالْعَسَمُ : الِاعْوِجَاجُ فِي الرُّسْغِ .\rوَلَيْسَ ذَلِكَ عَيْبًا فِي قَدَمٍ وَلَا كَفٍّ ، فَلَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ كَمَالَ الدِّيَةِ فِيهِمَا .\rوَذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ ، أَنَّ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ثُلُثَ الدِّيَةِ ، كَالْيَدِ الشَّلَّاءِ .\rوَلَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ هَذَيْنِ لَمْ تَبْطُلْ مَنْفَعَتُهُمَا ، فَلَمْ تَنْقُصْ دِيَتُهُمَا ، بِخِلَافِ الْيَدِ الشَّلَّاءِ .","part":19,"page":261},{"id":9261,"text":"( 6951 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَفِي كُلِّ إصْبَعٍ مِنْ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ عَشْرٌ مِنْ الْإِبِلِ ، وَفِي كُلِّ أُنْمُلَةٍ مِنْهَا ثُلُثُ عَقْلِهَا ، إلَّا الْإِبْهَامَ ، فَإِنَّهَا مَفْصِلَانِ ، فَفِي كُلِّ مَفْصِلٍ مِنْهَا خَمْسٌ مِنْ الْإِبِلِ ) هَذَا قَوْلُ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْم ؛ مِنْهُمْ عُمَرُ وَعَلِيٌّ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ .\rوَبِهِ قَالَ مَسْرُوقٌ وَعُرْوَةُ وَمَكْحُولٌ وَالشَّعْبِيُّ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَعْقِلٍ ، وَالثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ، وَأَصْحَابُ الْحَدِيثِ .\rوَلَا نَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا .\rإلَّا رِوَايَةً عَنْ عُمَرَ ، أَنَّهُ قَضَى فِي الْإِبْهَامِ بِثُلُثِ غُرَّةٍ ، وَفِي الَّتِي تَلِيهَا بِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ ، وَفِي الْوُسْطَى بِعَشْرٍ ، وَفِي الَّتِي تَلِيهَا بِتِسْعٍ ، وَفِي الْخِنْصَرِ بِسِتٍّ .\rوَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ لَمَّا أُخْبِرَ بِكِتَابٍ كَتَبَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِآلِ حَزْمٍ : { وَفِي كُلِّ إصْبَعٍ مِمَّا هُنَالِكَ عَشْرٌ مِنْ الْإِبِلِ } .\rأَخَذَ بِهِ وَتَرَكَ قَوْلَهُ الْأَوَّلَ .\rوَعَنْ مُجَاهِدٍ : فِي الْإِبْهَامِ خَمْسَ عَشْرَةَ ، وَفِي الَّتِي تَلِيهَا ثَلَاثَ عَشْرَةَ ، وَفِي الَّتِي تَلِيهَا عَشْرٌ ، وَفِي الَّتِي تَلِيهَا ثَمَانٍ ، وَفِي الَّتِي تَلِيهَا سَبْعٌ .\rوَلَنَا مَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسِ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : دِيَةُ أَصَابِعِ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ عَشْرٌ مِنْ الْإِبِلِ لِكُلِّ إصْبَعٍ .\r} أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَقَالَ : حَدِيثٌ صَحِيحٌ .\rوَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، عَنْ أَبِي مُوسَى ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rوَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : هَذِهِ وَهَذِهِ سَوَاءٌ } .\rيَعْنِي الْإِبْهَامَ وَالْخِنْصَرَ .\rأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ، وَأَبُو دَاوُد .\rوَفِي كِتَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ { : وَفِي كُلِّ إصْبَعٍ مِنْ أَصَابِعِ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ عَشْرٌ مِنْ الْإِبِلِ } .\rوَلِأَنَّهُ جِنْسٌ ذُو عَدَدٍ تَجِبُ فِيهِ","part":19,"page":262},{"id":9262,"text":"الدِّيَةُ ، فَكَانَ سَوَاءً فِي الدِّيَةِ ، كَالْأَسْنَانِ ، وَالْأَجْفَانِ ، وَسَائِرِ الْأَعْضَاءِ .\rوَدِيَةُ كُلِّ إصْبَعٍ مَقْسُومَةٌ عَلَى أَنَامِلِهَا ، وَفِي كُلِّ إصْبَعٍ ثَلَاثُ أَنَامِلَ إلَّا الْإِبْهَامَ ، فَإِنَّهَا أُنْمُلَتَانِ ، فَفِي كُلِّ أُنْمُلَةٍ مِنْ غَيْرِ الْإِبْهَامِ ثُلُثُ عَقْلِ الْإِبْهَامِ ثَلَاثَةُ أَبْعِرَةٍ وَثُلُثٌ ، وَفِي كُلِّ أُنْمُلَةٍ مِنْ الْإِبْهَامِ خَمْسٌ مِنْ الْإِبِلِ ، نِصْفُ دِيَتِهَا .\rوَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ ، أَنَّهُ قَالَ : الْإِبْهَامُ أَيْضًا ثَلَاثُ أَنَامِلَ ، إحْدَاهَا بَاطِنَةٌ .\rوَلَيْسَ هَذَا بِصَحِيحِ ، فَإِنَّ الِاعْتِبَارَ بِالظَّاهِرِ ، فَإِنَّ قَوْلَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ { فِي كُلِّ إصْبَعٍ عَشْرٌ مِنْ الْإِبِلِ } .\rيَقْتَضِي وُجُوبَ الْعَشْرِ فِي الظَّاهِرِ ؛ لِأَنَّهَا هِيَ الْإِصْبَعُ الَّتِي يَقَعُ عَلَيْهَا الِاسْمُ دُونَ مَا بَطَنَ مِنْهَا ، كَمَا أَنَّ السِّنَّ الَّتِي يَتَعَلَّقُ بِهَا وُجُوبُ دِيَتِهَا هِيَ الظَّاهِرَةُ مِنْ لَحْمِ اللِّثَةِ دُونَ سِنْخِهَا .\rوَالْحُكْمُ فِي أَصَابِعِ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ سَوَاءٌ ؛ لِعُمُومِ الْخَبَرِ فِيهِمَا ، وَحُصُولِ الِاتِّفَاقِ عَلَيْهِمَا .","part":19,"page":263},{"id":9263,"text":"( 6952 ) فَصْلٌ : وَفِي الْإِصْبَعِ الزَّائِدَةِ حُكُومَةٌ .\rوَبِذَلِكَ قَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، أَنَّ فِيهَا ثُلُثَ دِيَةِ الْإِصْبَعِ .\rوَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّهُ قِيَاسُ الْمَذْهَبِ ، عَلَى رِوَايَةِ إيجَابِ الثُّلُثِ فِي الْيَدِ الشَّلَّاءِ .\rوَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ؛ لِأَنَّ التَّقْدِيرَ لَا يُصَارُ إلَيْهِ إلَّا بِالتَّوْقِيفِ ، أَوْ بِمُمَاثَلَتِهِ لِمَا فِيهِ تَوْقِيفٌ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ هَاهُنَا ، لِأَنَّ الْيَدَ الشَّلَّاءَ يَحْصُلُ بِهَا الْجَمَالُ ، وَالْإِصْبَعُ الزَّائِدَةُ لَا جَمَالَ فِيهَا فِي الْغَالِبِ ، وَلِأَنَّ جَمَالَ الْيَدِ الشَّلَّاءِ لَا يَكَادُ يَخْتَلِفُ ، وَالْإِصْبَعُ الزَّائِدَةُ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ مَحَالِّهَا وَصِفَتِهَا وَحُسْنِهَا وَقُبْحِهَا ، فَكَيْفَ يَصِحُّ قِيَاسُهَا عَلَى الْيَدِ ؟ ، .","part":19,"page":264},{"id":9264,"text":"( 6953 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَفِي الْبَطْنِ إذَا ضُرِبَ فَلَمْ يَسْتَمْسِكْ الْغَائِطُ الدِّيَةُ ، وَفِي الْمَثَانَةِ إذَا لَمْ يَسْتَمْسِكْ الْبَوْلُ الدِّيَةُ ) وَبِهَذَا قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ .\rوَلَمْ أَعْلَمْ فِيهِ مُخَالِفًا ، إلَّا أَنَّ ابْنَ أَبِي مُوسَى ذَكَرَ فِي الْمَثَانَةِ رِوَايَةً أُخْرَى ، فِيهَا ثُلُثُ الدِّيَةِ .\rوَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ هَذَيْنِ الْمَحَلَّيْنِ عُضْوٌ فِيهِ مَنْفَعَةٌ كَبِيرَةٌ ، لَيْسَ فِي الْبَدَنِ مِثْلُهُ ، فَوَجَبَ فِي تَفْوِيتِ مَنْفَعَتِهِ دِيَةٌ كَامِلَةٌ ، كَسَائِرِ الْأَعْضَاءِ الْمَذْكُورَةِ ، فَإِنَّ نَفْعَ الْمَثَانَةِ حَبْسُ الْبَوْلِ ، وَحَبْسُ الْبَطْنِ الْغَائِطَ مَنْفَعَةٌ مِثْلُهَا ، وَالنَّفْعُ بِهِمَا كَثِيرٌ ، وَالضَّرَرُ بِفَوَاتِهِمَا عَظِيمٌ ، فَكَانَ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا الدِّيَةُ ، كَالسَّمْعِ وَالْبَصَرِ .\rوَإِنْ فَاتَتْ الْمَنْفَعَتَانِ بِجِنَايَةٍ وَاحِدَةٍ ، وَجَبَ عَلَى الْجَانِي دِيَتَانِ ، كَمَا لَوْ أَذْهَبَ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ بِجِنَايَةٍ وَاحِدَةٍ .","part":19,"page":265},{"id":9265,"text":"( 6954 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَفِي ذَهَابِ الْعَقْلِ الدِّيَةُ ) لَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا .\rوَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ ، وَزَيْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مَنْ بَلَغَنَا قَوْلُهُ مِنْ الْفُقَهَاءِ .\r{ وَفِي كِتَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ : وَفِي الْعَقْلِ الدِّيَةُ } .\rوَلِأَنَّهُ أَكْبَرُ الْمَعَانِي قَدْرًا ، وَأَعْظَمُ الْحَوَاسِّ نَفْعًا .\rفَإِنَّ بِهِ يَتَمَيَّزُ مِنْ الْبَهِيمَةِ ، وَيَعْرِفُ بِهِ حَقَائِقَ الْمَعْلُومَاتِ ، وَيَهْتَدِي إلَى مَصَالِحِهِ ، وَيَتَّقِي مَا يَضُرُّهُ ، وَيَدْخُلُ بِهِ فِي التَّكْلِيفِ ، وَهُوَ شَرْطٌ فِي ثُبُوتِ الْوِلَايَاتِ ، وَصِحَّةِ التَّصَرُّفَاتِ ، وَأَدَاءِ الْعِبَادَاتِ ، فَكَانَ بِإِيجَابِ الدِّيَةِ أَحَقَّ مِنْ بَقِيَّةِ الْحَوَاسِّ ، فَإِنْ نَقَصَ عَقْلُهُ نَقْصًا مَعْلُومًا ، مِثْلُ أَنْ صَارَ يُجَنُّ يَوْمًا وَيُفِيقُ يَوْمًا ، فَعَلَيْهِ مِنْ الدِّيَةِ بِقَدْرِ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ مَا وَجَبَتْ فِيهِ الدِّيَةُ ، وَجَبَ بَعْضُهَا فِي بَعْضِهِ بِقَدْرِهِ ، كَالْأَصَابِعِ ، وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ ، مِثْلُ أَنْ صَارَ مَدْهُوشًا ، أَوْ يَفْزَعُ مِمَّا لَا يُفْزَعُ مِنْهُ ، وَيَسْتَوْحِشُ إذَا خَلَا ، فَهَذَا لَا يُمْكِنُ تَقْدِيرُهُ ، فَتَجِبُ فِيهِ حُكُومَةٌ .","part":19,"page":266},{"id":9266,"text":"( 6955 ) فَصْلٌ : فَإِنْ أَذْهَبَ عَقْلَهُ بِجِنَايَةٍ لَا تُوجِبُ أَرْشًا ، كَاللَّطْمَةِ ، وَالتَّخْوِيفِ ، وَنَحْوِ ذَلِكَ ، فَفِيهِ الدِّيَةُ لَا غَيْرُ .\rوَإِنْ أَذْهَبَهُ بِجِنَايَةٍ تُوجِبُ أَرْشًا ، كَالْجِرَاحِ ، أَوْ قَطْعِ عُضْوٍ ، وَجَبَتْ الدِّيَةُ ، وَأَرْشُ الْجُرْحِ .\rوَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ فِي الْجَدِيدِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ : يَدْخُلُ الْأَقَلُّ مِنْهُمَا فِي الْأَكْثَرِ ، فَإِنْ كَانَتْ الدِّيَةُ أَكْثَرَ مِنْ أَرْشِ الْجُرْحِ ، وَجَبَتْ وَحْدَهَا ، وَإِنْ كَانَ أَرْشُ الْجُرْحِ أَكْثَرَ ، كَأَنْ قَطَعَ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ ، فَذَهَبَ عَقْلُهُ ، وَجَبَتْ دِيَةُ الْجُرْحِ ، وَدَخَلَتْ دِيَةُ الْعَقْلِ فِيهِ ؛ لِأَنَّ ذَهَابَ الْعَقْلِ تَخْتَلُّ مَعَهُ مَنَافِعُ الْأَعْضَاءِ ، فَدَخَلَ أَرْشُهَا فِيهِ ، كَالْمَوْتِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ هَذِهِ جِنَايَةٌ أَذْهَبَتْ مَنْفَعَةً مِنْ غَيْرِ مَحَلِّهَا مَعَ بَقَاءِ النَّفْسِ ، فَلَمْ يَتَدَاخَلْ الْأَرْشَانِ ، كَمَا لَوْ أَوْضَحَهُ فَذَهَبَ بَصَرُهُ أَوْ سَمْعُهُ ، وَلِأَنَّهُ لَوْ جَنَى عَلَى أُذُنِهِ أَوْ أَنْفِهِ ، فَذَهَبَ سَمْعُهُ أَوْ شَمُّهُ ، لَمْ يَدْخُلْ أَرْشُهُمَا فِي دِيَةِ الْأَنْفِ وَالْأُذُنِ ، مَعَ قُرْبِهِمَا مِنْهُمَا ، فَهَاهُنَا أَوْلَى .\rوَمَا ذَكَرُوهُ لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ دَخَلَ أَرْشُ الْجُرْحِ فِي دِيَةِ الْعَقْلِ ، لَمْ يَجِبْ أَرْشُهُ إذَا زَادَ عَلَى دِيَةِ الْعَقْلِ ، كَمَا أَنَّ دِيَةَ الْأَعْضَاءِ كُلِّهَا مَعَ الْقَتْلِ لَا يَجِبُ بِهَا أَكْثَرُ مِنْ دِيَةِ النَّفْسِ .\rوَلَا يَصِحُّ قَوْلُهُمْ : إنَّ مَنَافِعَ الْأَعْضَاءِ تَبْطُلُ بِذَهَابِ الْعَقْلِ ، فَإِنَّ الْمَجْنُونَ تُضْمَنُ مَنَافِعُهُ وَأَعْضَاؤُهُ بَعْدَ ذَهَابِ عَقْلِهِ بِمَا تُضْمَنُ بِهِ مَنَافِعُ الصَّحِيحِ وَأَعْضَاؤُهُ ، وَلَوْ ذَهَبَتْ مَنَافِعُهُ وَأَعْضَاؤُهُ ، لَمْ تُضْمَنْ ، كَمَا لَا تُضْمَنُ مَنَافِعُ الْمَيِّتِ وَأَعْضَاؤُهُ ، وَإِذَا جَازَ أَنْ تُضْمَنَ بِالْجِنَايَةِ عَلَيْهَا بَعْدَ الْجِنَايَةِ عَلَيْهِ ، جَازَ ضَمَانُهَا مَعَ الْجِنَايَةِ عَلَيْهِ ، كَمَا لَوْ جَنَى عَلَيْهِ فَأَذْهَبَ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ بِجِرَاحَةٍ فِي غَيْرِ","part":19,"page":267},{"id":9267,"text":"مَحَلِّهَا .","part":19,"page":268},{"id":9268,"text":"( 6956 ) فَصْلٌ : فَإِنْ جَنَى عَلَيْهِ ، فَأَذْهَبَ عَقْلَهُ وَسَمْعَهُ وَبَصَرَهُ وَكَلَامَهُ ، وَجَبَ أَرْبَعُ دِيَاتٍ مَعَ أَرْشِ الْجُرْحِ .\rقَالَ أَبُو قِلَابَةَ : رَمَى رَجُلٌ رَجُلًا بِحَجَرٍ ، فَذَهَبَ عَقْلُهُ وَبَصَرُهُ وَسَمْعُهُ وَلِسَانُهُ ، فَقَضَى فِيهِ عُمَرُ بِأَرْبَعِ دِيَاتٍ وَهُوَ حَيٌّ .\rوَلِأَنَّهُ أَذْهَبَ مَنَافِعَ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا دِيَةٌ ، فَوَجَبَتْ عَلَيْهِ دِيَاتُهَا ، كَمَا لَوْ أَذْهَبَهَا بِجِنَايَاتٍ .\rفَإِنْ مَاتَ مِنْ الْجِنَايَةِ ، لَمْ تَجِبْ إلَّا دِيَةٌ وَاحِدَةٌ ؛ لِأَنَّ دِيَاتِ الْمَنَافِعِ كُلَّهَا تَدْخُلُ فِي دِيَةِ النَّفْسِ ، كَدِيَاتِ الْأَعْضَاءِ .","part":19,"page":269},{"id":9269,"text":"( 6957 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَفِي الصَّعَرِ الدِّيَةُ ، وَالصَّعَرُ : أَنْ يَضْرِبَهُ ، فَيَصِيرَ وَجْهُهُ فِي جَانِبٍ ) أَصْلُ الصَّعَرِ ، دَاءٌ يَأْخُذُ الْبَعِيرَ فِي عُنُقِهِ ، فَيَلْتَوِي عُنُقُهُ ، وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ } .\rأَيْ : لَا تُعْرِضْ عَنْهُمْ بِوَجْهِك تَكَبُّرًا ، كَإِمَالَةِ وَجْهِ الْبَعِيرِ الَّذِي بِهِ الصَّعَرُ ، فَمَنْ جَنَى عَلَى إنْسَانٍ جِنَايَةً ، فَعَوِجَ عُنُقَهُ ، حَتَّى صَارَ وَجْهُهُ فِي جَانِبٍ ، فَعَلَيْهِ دِيَةٌ كَامِلَةٌ ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَيْسَ فِيهِ إلَّا حُكُومَةٌ ؛ لِأَنَّهُ إذْهَابُ جَمَالٍ مِنْ غَيْرِ مَنْفَعَةٍ .\rوَلَنَا مَا رَوَى مَكْحُولٌ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، أَنَّهُ قَالَ : وَفِي الصَّعَرِ الدِّيَةُ .\rوَلَمْ يُعْرَفْ لَهُ فِي الصَّحَابَةِ مُخَالِفٌ ، فَكَانَ إجْمَاعًا ، وَلِأَنَّهُ أَذْهَبَ الْجَمَالَ وَالْمَنْفَعَةَ ، فَوَجَبَتْ فِيهِ دِيَةٌ كَامِلَةٌ ، كَسَائِرِ الْمَنَافِعِ .\rوَقَوْلُهُمْ : لَمْ يَذْهَبْ بِمَنْفَعَتِهِ .\rغَيْرُ صَحِيحٍ ؛ فَإِنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى النَّظَرِ أَمَامَهُ ، وَاتِّقَاءِ مَا يَحْذَرُهُ إذَا مَشَى ، وَإِذَا نَابَهُ أَمْرٌ ، أَوْ دَهَمَهُ عَدُوٌّ ، لَمْ يُمْكِنْهُ الْعِلْمُ بِهِ ، وَلَا اتِّقَاؤُهُ ، وَلَا يُمْكِنُهُ لَيُّ عُنُقِهِ لِيَعْرِفَ مَا يُرِيدُ نَظَرَهُ ، وَيَتَعَرَّفَ مَا يَنْفَعُهُ وَيَضُرّهُ .","part":19,"page":270},{"id":9270,"text":"( 6958 ) فَصْلٌ : فَإِنْ جَنَى عَلَيْهِ ، فَصَارَ الِالْتِفَاتُ عَلَيْهِ شَاقًّا ، أَوْ ابْتِلَاعُ الْمَاءِ ، أَوْ غَيْرُهُ ، فَفِيهِ حُكُومَةٌ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَذْهَبْ بِالْمَنْفَعَةِ كُلِّهَا ، وَلَا يُمْكِنُ تَقْدِيرُهَا .\rوَإِنْ صَارَ بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُهُ ازْدِرَادُ رِيقِهِ ، فَهَذَا لَا يَكَادُ يَبْقَى ، فَإِنْ بَقِيَ مَعَ ذَلِكَ ، فَفِيهِ الدِّيَةُ ؛ لِأَنَّهُ تَفْوِيتُ مَنْفَعَةٍ لَيْسَ لَهَا مِثْلٌ فِي الْبَدَنِ .","part":19,"page":271},{"id":9271,"text":"( 6959 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَفِي الْيَدِ الشَّلَّاءِ ثُلُثُ دِيَتِهَا ، وَكَذَلِكَ الْعَيْنُ الْقَائِمَةُ ، وَالسِّنُّ السَّوْدَاءُ ) الْيَدُ الشَّلَّاء : الَّتِي ذَهَبَ مِنْهَا مَنْفَعَةُ الْبَطْشِ .\rوَالْعَيْنُ الْقَائِمَةُ : الَّتِي ذَهَبَ بَصَرُهَا وَصُورَتُهَا بَاقِيَةٌ كَصُورَةِ الصَّحِيحَةِ .\rوَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ فِيهِمَا ، وَفِي السِّنِّ السَّوْدَاءِ ، فَعَنْهُ ، فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ ثُلُثُ دِيَتِهَا .\rرُوِيَ هَذَا عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، وَمُجَاهِدٍ .\rوَبِهِ قَالَ إِسْحَاقُ .\rوَعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، فِي الْعَيْنِ الْقَائِمَةِ مِائَةُ دِينَارٍ .\rوَالرِّوَايَةُ الثَّالِثَةُ عَنْ أَحْمَدَ ، فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ حُكُومَةٌ .\rوَهَذَا قَوْلُ مَسْرُوقٍ ، وَالزُّهْرِيِّ ، وَمَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَالنُّعْمَانِ ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ إيجَابُ دِيَةٍ كَامِلَةٍ ، لِكَوْنِهَا قَدْ ذَهَبَتْ مَنْفَعَتُهَا ، وَلَا مُقَدَّرَ فِيهَا ، فَتَجِبُ الْحُكُومَةُ فِيهَا ، كَالْيَدِ الزَّائِدَةِ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، قَالَ : { قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْعَيْنِ الْقَائِمَةِ السَّادَّةِ لِمَكَانِهَا بِثُلُثِ الدِّيَةِ ، وَفِي الْيَدِ الشَّلَّاءِ إذَا قُطِعَتْ ثُلُثُ دِيَتِهَا ، وَفِي السِّنِّ السَّوْدَاءِ إذَا قُلِعَتْ ثُلُثُ دِيَتِهَا .\r} رَوَاهُ النَّسَائِيّ ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد فِي الْعَيْنِ وَحْدَهَا مُخْتَصَرًا .\rوَقَوْلُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ رَوَاهُ قَتَادَةُ عَنْ خِلَاسٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ ، عَنْ يَحْيَى بْن يَعْمُرَ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخِطَابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَضَى فِي الْعَيْنِ الْقَائِمَةِ إذَا خَسَفَتْ ، وَالْيَدِ الشَّلَّاءِ إذَا قُطِعَتْ ، وَالسِّنِّ السَّوْدَاءِ إذَا كُسِرَتْ ، ثُلُثَ دِيَةِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ .\rوَلِأَنَّهَا كَامِلَةُ الصُّورَةِ ، فَكَانَ فِيهَا مُقَدَّرٌ كَالصَّحِيحَةِ ، وَقَوْلُهُمْ : لَا يُمْكِنُ إيجَابُ مُقَدَّرٍ .\rمَمْنُوعٌ ؛ فَإِنَّا قَدْ ذَكَرْنَا التَّقْدِيرَ وَبَيَّنَّاهُ .\r( 6960 ) فَصْلٌ : قَالَ","part":19,"page":272},{"id":9272,"text":"الْقَاضِي : قَوْلُ أَحْمَدَ ، رَحِمَهُ اللَّهُ : فِي السِّنِّ السَّوْدَاءِ ، ثُلُثُ دِيَتِهَا .\rمَحْمُولٌ عَلَى سِنٍّ ذَهَبَتْ مَنْفَعَتُهَا ، بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَعَضَّ بِهَا الْأَشْيَاءَ ، أَوْ كَانَتْ تَفَتَّتَتْ ، فَأَمَّا إنْ كَانَتْ مَنْفَعَتُهَا بَاقِيَةً ، وَلَمْ يَذْهَبْ مِنْهَا إلَّا لَوْنُهَا ، فَفِيهَا كَمَالُ دِيَتِهَا ، سَوَاءٌ قَلَّتْ مَنْفَعَتُهَا ، بِأَنْ عَجَزَ عَنْ عَضِّ الْأَشْيَاءِ الصُّلْبَةِ بِهَا أَوْ لَمْ يَعْجِزْ ؛ لِأَنَّهَا بَاقِيَةُ الْمَنْفَعَةِ ، فَكَمَلَتْ دِيَتُهَا ، كَسَائِرِ الْأَعْضَاءِ ، وَلَيْسَ عَلَى مَنْ سَوَّدَهَا إلَّا حُكُومَةٌ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rوَالصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِ أَحْمَدَ مَا يُوَافِقُ ظَاهِرَ كَلَامِهِ ؛ لِظَاهِرِ الْأَخْبَارِ ، وَقَضَاءِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَقَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَلِأَنَّهُ ذَهَبَ جَمَالُهَا بِتَسْوِيدِهَا ، فَكَمَلَتْ دِيَتُهَا عَلَى مَنْ سَوَّدَهَا ، كَمَا لَوْ سَوَّدَ وَجْهَهُ .\rوَلَمْ يَجِبْ عَلَى مُتْلِفِهَا أَكْثَرُ مِنْ ثُلُثِ دِيَتِهَا كَالْيَدِ الشَّلَّاءِ وَكَالسِّنِّ إذَا كَانَتْ بَيْضَاءَ فَانْقَلَعَتْ ، وَنَبَتَ مَكَانَهَا سَوْدَاءُ ، لِمَرَضٍ فِيهَا ، فَإِنَّ الْقَاضِيَ وَأَصْحَابَ الشَّافِعِيِّ ، سَلَّمُوا أَنَّهَا لَا تَكْمُلُ دِيَتُهَا .","part":19,"page":273},{"id":9273,"text":"( 6961 ) فَصْلٌ : فَإِنْ نَبَتَتْ أَسْنَانُ صَبِيٍّ سَوْدَاءَ ثُمَّ ثُغِرَ ثُمَّ عَادَتْ سَوْدَاءَ ، فَدِيَتُهَا تَامَّةٌ ؛ لِأَنَّ هَذَا جِنْسٌ خُلِقَ عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ ، فَأَشْبَهَ مَنْ خُلِقَ أَسْوَدَ الْجِسْمِ وَالْوَجْهِ جَمِيعًا .\rوَإِنْ نَبَتَتْ أَوَّلًا بَيْضَاءَ ، ثُمَّ ثُغِرَ ، ثُمَّ عَادَتْ سَوْدَاءَ ، سُئِلَ أَهْلُ الْخِبْرَةِ ، فَإِنْ قَالُوا : لَيْسَ السَّوَادُ لِعِلَّةٍ وَلَا مَرَضٍ ، فَفِيهَا أَيْضًا كَمَالُ دِيَتِهَا ، وَإِنْ قَالُوا : ذَلِكَ لِمَرَضٍ فِيهَا .\rفَعَلَى قَالِعِهَا ثُلُثُ دِيَتِهَا ، أَوْ حُكُومَةٌ .\rوَقَدْ سَلَّمَ الْقَاضِي ، وَأَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ الْحُكْمَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ ، وَهُوَ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ فِيمَا خَالَفُوا فِيهِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ فِيمَا إذَا كَانَتْ سَوْدَاءَ مِنْ ابْتِدَاءِ الْخِلْقَةِ هَكَذَا ؛ لِأَنَّ الْمَرَضَ قَدْ يَكُونُ فِي فِيهِ مِنْ ابْتِدَاءِ خِلْقَتِهِ ، فَيَثْبُتُ حُكْمُهُ فِي بَعْضِ دِيَتِهَا ، كَمَا لَوْ كَانَ طَارِئًا .","part":19,"page":274},{"id":9274,"text":"فَصْل : وَفِي لِسَانِ الْأَخْرَسِ رِوَايَتَانِ أَيْضًا ، كَالرِّوَايَتَيْنِ فِي الْيَدِ الشَّلَّاءِ .\rوَكَذَلِكَ كُلُّ عُضْوٍ ذَهَبَتْ مَنْفَعَتُهُ ، وَبَقِيَتْ صُورَتُهُ ، كَالرِّجْلِ الشَّلَّاءِ ، وَالْإِصْبَعِ وَالذَّكَرِ إذَا كَانَ أَشَلَّ ، وَذَكَرِ الْخَصِيِّ وَالْعِنِّينِ إذَا قُلْنَا : لَا تَكْمُلُ دِيَتُهُمَا .\rوَأَشْبَاهِ هَذَا ، فَكُلُّهُ يُخَرَّجُ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ ؛ إحْدَاهُمَا ؛ فِيهِ ثُلُثُ دِيَتِهِ .\rوَالْأُخْرَى ، حُكُومَةٌ .","part":19,"page":275},{"id":9275,"text":"( 6963 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا الْيَدُ أَوْ الرِّجْلُ أَوْ الْإِصْبَعُ أَوْ السِّنُّ الزَّوَائِدُ ، وَنَحْوُ ذَلِكَ ، فَلَيْسَ فِيهِ إلَّا حُكُومَةٌ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : هَذَا فِي مَعْنَى الْيَدِ الشَّلَّاءِ ، فَتَكُونُ عَلَى قِيَاسِهَا ، يُخَرَّجُ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ .\rوَاَلَّذِي ذَكَرْنَاهُ أَصَحُّ ؛ لِأَنَّهُ لَا تَقْدِيرَ فِي هَذَا ، وَلَا هُوَ فِي مَعْنَى الْمُقَدَّرِ ، وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُ هَذَا عَلَى الْعُضْوِ الَّذِي ذَهَبَتْ مَنْفَعَتُهُ وَبَقِيَ جَمَالُهُ ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الزَّوَائِدَ لَا جَمَالَ فِيهَا ، إنَّمَا هِيَ شَيْنٌ فِي الْخِلْقَةِ ، وَعَيْبٌ يُرَدُّ بِهِ الْمَبِيعُ ، وَتَنْقُصُ بِهِ الْقِيمَةُ ، فَكَيْفَ يَصِحُّ قِيَاسُهُ عَلَى مَا يَحْصُلُ بِهِ الْجَمَالُ ؟ ثُمَّ لَوْ حَصَلَ بِهِ جَمَالٌ مَا ، لَكِنَّهُ يُخَالِفُ جَمَالَ الْعُضْوِ الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ تَمَامُ الْخِلْقَةِ ، وَيَخْتَلِفُ فِي نَفْسِهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا ، فَوَجَبَتْ فِيهِ الْحُكُومَةُ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَجِبَ فِيهِ شَيْءٌ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا .","part":19,"page":276},{"id":9276,"text":"( 6964 ) فَصْلٌ : وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ فِي قَطْعِ الذَّكَرِ بَعْدَ حَشَفَتِهِ ، وَقَطْعِ الْكَفِّ بَعْدَ أَصَابِعِهِ ؛ فَرَوَى أَبُو طَالِبٍ عَنْ أَحْمَدَ ، فِيهِ ثُلُثُ دِيَتِهِ ، وَكَذَلِكَ شَحْمَةُ الْأُذُنِ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ حُكُومَةٌ .\rوَالصَّحِيحُ فِي هَذَا ، أَنَّ فِيهِ حُكُومَةً ؛ لِعَدَمِ التَّقْدِيرِ فِيهِ ، وَامْتِنَاعِ قِيَاسِهِ عَلَى مَا فِيهِ تَقْدِيرٌ ، لِأَنَّ الْأَشَلَّ بَقِيَتْ صُورَتُهُ ، وَهَذَا لَمْ تَبْقَ صُورَتُهُ ، إنَّمَا بَقِيَ بَعْضُ مَا فِيهِ الدِّيَةُ ، أَوْ أَصْلُ مَا فِيهِ الدِّيَةُ .\rفَأَمَّا قَطْعُ الذِّرَاعِ بَعْدَ قَطْعِ الْكَفِّ ، وَالسَّاقِ بَعْدَ قَطْعِ الْقَدَمِ ، فَيَنْبَغِي أَنْ تَجِبَ الْحُكُومَةُ فِيهِ ، وَجْهًا وَاحِدًا ؛ لِأَنَّ إيجَابَ ثُلُثِ دِيَةِ الْيَدِ فِيهِ ، يُفْضِي إلَى أَنْ يَكُونَ الْوَاجِبُ فِيهِ مَعَ بَقَاءِ الْكَفِّ وَالْقَدَمِ وَذَهَابِهِمَا وَاحِدًا ، مَعَ تَفَاوُتِهِمَا وَعَدَمِ النَّصِّ فِيهِمَا .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":19,"page":277},{"id":9277,"text":"( 6965 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَفِي إسْكَتَيْ الْمَرْأَةِ الدِّيَةُ ) الْإِسْكَتَانِ : هُمَا اللَّحْمُ الْمُحِيطُ بِالْفَرْجِ مِنْ جَانِبَيْهِ ، إحَاطَةَ الشَّفَتَيْنِ بِالْفَمِ .\rوَأَهْلُ اللُّغَةِ يَقُولُونَ : الشُّفْرَانِ حَاشِيَتَا الْإِسْكَتَيْنِ ، كَمَا أَنَّ أَشْفَارَ الْعَيْنِ أَهْدَابُهَا .\rوَفِيهِمَا دِيَةُ الْمَرْأَةِ إذَا قُطِعَا .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَهُ الثَّوْرِيُّ ، إذَا لَمْ يُقْدَرْ عَلَى جِمَاعِهَا .\rوَقَضَى بِهِ مُحَمَّدُ بْنُ سُفْيَانَ إذَا بَلَغَ الْعَظْمَ ؛ لِأَنَّ فِيهِمَا جَمَالًا وَمَنْفَعَةً ، وَلَيْسَ فِي الْبَدَنِ غَيْرُهُمَا مِنْ جِنْسِهِمَا ، فَوَجَبَتْ فِيهِمَا الدِّيَةُ ، كَسَائِرِ مَا فِيهِ مِنْهُ شَيْئَانِ ، وَفِي إحْدَاهُمَا نِصْفُ الدِّيَةِ ، كَمَا ذَكَرْنَا فِي غَيْرِهِمَا .\rوَإِنْ جَنَى عَلَيْهِمَا فَأَشَلَّهُمَا ، وَجَبَتْ دِيَتُهُمَا ، كَمَا لَوْ جَنَى عَلَى شَفَتَيْهِ فَأَشَلَّهُمَا .\rوَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِهِمَا غَلِيظَتَيْنِ أَوْ دَقِيقَتَيْنِ ، قَصِيرَتَيْنِ أَوْ طَوِيلَتَيْنِ ، مِنْ بِكْرٍ أَوْ ثَيِّبٍ ، أَوْ صَغِيرَةٍ أَوْ كَبِيرَةٍ ، مَخْفُوضَةٍ أَوْ غَيْرِ مَخْفُوضَةٍ ؛ لِأَنَّهُمَا عُضْوَانِ فِيهِمَا الدِّيَةُ ، فَاسْتَوَى فِيهِمَا جَمِيعُ مَا ذَكَرْنَا ، كَسَائِرِ أَعْضَائِهَا ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الرَّتْقَاءِ وَغَيْرِهَا ؛ لِأَنَّ الرَّتَقَ عَيْبٌ فِي غَيْرِهِمَا ، فَلَمْ يَنْقُصْ دِيَتَهُمَا ، كَمَا أَنَّ الصَّمَمَ لَمْ يَنْقُصْ دِيَةَ الْأُذُنَيْنِ .\rوَالْخَفْضُ : هُوَ الْخِتَانُ فِي حَقِّ الْمَرْأَةِ .","part":19,"page":278},{"id":9278,"text":"( 6966 ) فَصْلٌ : وَفِي رَكَبِ الْمَرْأَةِ حُكُومَةٌ ، وَهُوَ عَانَةُ الْمَرْأَةِ ، وَكَذَلِكَ فِي عَانَةِ الرَّجُلِ ؛ لِأَنَّهُ لَا مُقَدَّرَ فِيهِ ، وَلَا هُوَ نَظِيرٌ لِمَا قُدِّرَ فِيهِ ، فَإِنْ أُخِذَ مِنْهُ شَيْءٌ مَعَ فَرْجِ الْمَرْأَةِ أَوْ ذَكَرِ الرَّجُلِ ، فَفِيهِ الْحُكُومَةُ مَعَ الدِّيَةِ ، كَمَا لَوْ أُخِذَ مَعَ الْأَنْفِ وَالشَّفَتَيْنِ شَيْءٌ مِنْ اللَّحْمِ الَّذِي حَوْلَهُمَا .","part":19,"page":279},{"id":9279,"text":"( 6967 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ ( وَفِي مُوضِحَةِ الْحُرِّ خَمْسٌ مِنْ الْإِبِلِ ، سَوَاءٌ كَانَ مِنْ رَجُلٍ أَوْ امْرَأَةٍ ، وَالْمُوضِحَةُ فِي الرَّأْسِ وَالْوَجْهِ سَوَاءٌ ، وَهِيَ الَّتِي تُبْرِزُ الْعَظْمَ ) هَذِهِ مِنْ شِجَاجِ الرَّأْسِ أَوْ الْوَجْهِ ، وَلَيْسَ فِي الشِّجَاجِ مَا فِيهِ قِصَاصٌ سِوَاهَا ، وَلَا يَجِبُ الْمُقَدَّرُ فِي أَقَلَّ مِنْهَا ، وَهِيَ الَّتِي تَصِلُ إلَى الْعَظْمِ ، سُمِّيَتْ مُوضِحَةً ؛ لِأَنَّهَا أَبْدَتْ وَضَحَ الْعَظْمِ ، وَهُوَ بَيَاضُهُ .\rوَأَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ أَرْشَهَا مُقَدَّرٌ .\rقَالَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ .\rوَفِي كِتَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ : { وَفِي الْمُوضِحَةِ خَمْسٌ مِنْ الْإِبِلِ } .\rوَرُوِيَ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { فِي الْمَوَاضِحِ خَمْسٌ خَمْسٌ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَقَالَ : حَدِيثٌ حَسَنٌ .\rوَقَوْلُ الْخِرَقِيِّ : فِي مُوضِحَةِ الْحُرِّ .\rيَحْتَرِزُ بِهِ مِنْ مُوضِحَةِ الْعَبْدِ .\rوَقَوْلُهُ : سَوَاءٌ كَانَ مِنْ رَجُلٍ أَوْ امْرَأَةٍ .\rيَعْنِي أَنَّهُمَا لَا يَخْتَلِفَانِ فِي أَرْشِ الْمُوضِحَةِ ؛ لِأَنَّهَا دُونَ ثُلُثِ الدِّيَةِ ، وَهُمَا يَسْتَوِيَانِ فِيمَا دُونَ الثُّلُثِ ، وَيَخْتَلِفَانِ فِيمَا زَادَ .\rوَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ أَنَّ مُوضِحَةَ الْمَرْأَةِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ مُوضِحَةِ الرَّجُلِ ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ جِرَاحَ الْمَرْأَةِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ جِرَاحِ الرَّجُلِ فِي الْكَثِيرِ وَالْقَلِيلِ .\rوَسَنَذْكُرُ ذَلِكَ فِي مَوْضِعِهِ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .\rوَعُمُومُ الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَيْنَاهُ هَاهُنَا حُجَّةٌ عَلَيْهِ ، وَفِيهِ كِفَايَةٌ .\rوَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْمُوضِحَةَ فِي الرَّأْسِ وَالْوَجْهِ سَوَاءٌ .\rرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ ، وَعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا .\rوَبِهِ قَالَ شُرَيْحٌ ، وَمَكْحُولٌ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَرَبِيعَةُ ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ .\rوَرُوِيَ عَنْ","part":19,"page":280},{"id":9280,"text":"سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، أَنَّهُ قَالَ : تُضَعَّفُ مُوضِحَةُ الْوَجْهِ عَلَى مُوضِحَةِ الرَّأْسِ ، فَيَجِبُ فِي مُوضِحَةِ الْوَجْهِ عَشْرٌ مِنْ الْإِبِلِ ؛ لِأَنَّ شَيْنَهَا أَكْثَرُ .\rوَذَكَرَهُ الْقَاضِي رِوَايَةً عَنْ أَحْمَدَ .\rوَمُوضِحَةُ الرَّأْسِ يَسْتُرُهَا الشَّعْرُ وَالْعِمَامَةُ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : إذَا كَانَتْ فِي الْأَنْفِ أَوْ فِي اللَّحْيِ الْأَسْفَلِ ، فَفِيهَا حُكُومَةٌ ؛ لِأَنَّهَا تَبْعُدُ عَنْ الدِّمَاغِ ، فَأَشْبَهَتْ مُوضِحَةَ سَائِرِ الْبَدَنِ .\rوَلَنَا عُمُومُ الْأَحَادِيثِ ، وَقَوْلُ أَبِي بَكْرٍ ، وَعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا : الْمُوضِحَةُ فِي الرَّأْسِ وَالْوَجْهِ سَوَاءٌ .\rوَلِأَنَّهَا مُوضِحَةٌ ، فَكَانَ أَرْشُهَا خَمْسًا مِنْ الْإِبِلِ ، كَغَيْرِهَا مِمَّا سَلَّمُوهُ ، وَلَا عِبْرَةَ بِكَثْرَةِ الشَّيْنِ ، بِدَلِيلِ التَّسْوِيَةِ بَيْنَ الصَّغِيرَةِ وَالْكَبِيرَةِ .\rوَمَا ذَكَرُوهُ لِمَالِكٍ لَا يَصِحُّ ؛ فَإِنَّ الْمُوضِحَةَ فِي الصَّدْرِ أَكْثَرُ ضَرَرًا ، وَأَقْرَبُ إلَى الْقَلْبِ ، وَلَا مُقَدَّرَ فِيهَا .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، أَنَّهُ قَالَ : مُوضِحَةُ الْوَجْهِ أَحْرَى أَنْ يُزَادَ فِي دِيَتِهَا .\rوَلَيْسَ مَعْنَى هَذَا أَنَّهُ يَجِبُ فِيهَا أَكْثَرُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ، إنَّمَا مَعْنَاهُ أَنَّهَا أَوْلَى بِإِيجَابِ الدِّيَةِ ، فَإِنَّهُ إذَا وَجَبَ فِي مُوضِحَةِ الرَّأْسِ مَعَ قِلَّةِ شَيْنِهَا وَاسْتِتَارِهَا بِالشَّعْرِ وَغِطَاءِ الرَّأْسِ ، خَمْسٌ مِنْ الْإِبِلِ ، فَلَأَنْ يَجِبَ ذَلِكَ فِي الْوَجْهِ الظَّاهِرِ ، الَّذِي هُوَ مَجْمَعُ الْمَحَاسِنِ ، وَعُنْوَانُ الْجَمَالِ أَوْلَى .\rوَحَمْلُ كَلَامِ أَحْمَدَ عَلَى هَذَا أَوْلَى مِنْ حَمْلِهِ عَلَى مَا يُخَالِفُ الْخَبَرَ وَالْأَثَرَ وَقَوْلَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَمَصِيرُهُ إلَى التَّقْدِيرِ بِغَيْرِ تَوْقِيفٍ ، وَلَا قِيَاسٍ صَحِيحٍ .\r( 6968 ) فَصْلٌ : وَيَجِبُ أَرْشُ الْمُوضِحَةِ فِي الصَّغِيرَةِ وَالْكَبِيرَةِ ، وَالْبَارِزَةِ وَالْمَسْتُورَةِ بِالشَّعْرِ ؛ لِأَنَّ اسْمَ الْمُوضِحَةِ يَشْمَلُ الْجَمِيعَ .\rوَحَدُّ الْمُوضِحَةِ مَا أَفْضَى إلَى الْعَظْمِ ، وَلَوْ بِقَدْرِ إبْرَةٍ .\rذَكَرَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ ، وَالْقَاضِي .\rفَإِنْ","part":19,"page":281},{"id":9281,"text":"شَجَّهُ فِي رَأْسِهِ شَجَّةً ، بَعْضُهَا مُوضِحَةٌ ، وَبَعْضُهَا دُونَ الْمُوضِحَةِ ، لَمْ يَلْزَمْهُ أَكْثَرُ مِنْ أَرْشِ مُوضِحَةٍ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَوْضَحَ الْجَمِيعَ لَمْ يَلْزَمْهُ أَكْثَرُ مِنْ أَرْشُ مُوضِحَةٍ ، فَلَأَنْ لَا يَلْزَمَهُ فِي الْإِيضَاحِ فِي الْبَعْضِ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ أَوْلَى ، وَهَكَذَا لَوْ شَجَّهُ شَجَّةً بَعْضُهَا هَاشِمَةٌ ، وَبَاقِيهَا دُونَهَا ، لَمْ يَلْزَمْهُ أَكْثَرُ مِنْ أَرْشِ هَاشِمَةٍ ، وَإِنْ كَانَتْ مُنَقِّلَةً وَمَا دُونَهَا ، أَوْ مَأْمُومَةً .\rوَمَا دُونَهَا ، فَعَلَيْهِ أَرْشُ مُنَقِّلَةٍ أَوْ مَأْمُومَةٍ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا .\r( 6969 ) فَصْلٌ : وَلَيْسَ فِي مُوضِحَةِ غَيْرِ الرَّأْسِ وَالْوَجْهِ مُقَدَّرٌ ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ؛ مِنْهُمْ إمَامُنَا ، وَمَالِكٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ .\rقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : وَلَا يَكُونُ فِي الْبَدَنِ مُوضِحَةٌ .\rيَعْنِي لَيْسَ فِيهَا مُقَدَّرٌ .\rقَالَ : وَعَلَى ذَلِكَ جَمَاعَةُ الْعُلَمَاءِ إلَّا اللَّيْثَ بْنَ سَعْدٍ ، قَالَ : الْمُوضِحَةُ تَكُونُ فِي الْجَسَدِ أَيْضًا .\rوَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ فِي جِرَاحَةِ الْجَسَدِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ جِرَاحَةِ الرَّأْسِ .\rوَحُكِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ ، قَالَ : فِي الْمُوضِحَةِ فِي سَائِرِ الْجَسَدِ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ دِينَارًا .\rوَلَنَا ، أَنَّ اسْمَ الْمُوضِحَةِ إنَّمَا يُطْلَقُ عَلَى الْجِرَاحَةِ الْمَخْصُوصَةِ فِي الْوَجْهِ وَالرَّأْسِ ، وَقَوْلُ الْخَلِيفَتَيْنِ الرَّاشِدَيْنِ : الْمُوضِحَةُ فِي الْوَجْهِ وَالرَّأْسِ سَوَاءٌ .\rيَدُلُّ عَلَى أَنَّ بَاقِيَ الْجَسَدِ بِخِلَافِهِ ، وَلِأَنَّ الشَّيْنَ فِيمَا فِي الرَّأْسِ وَالْوَجْهِ أَكْثَرُ وَأَخْطَرُ مِمَّا فِي سَائِرِ الْبَدَنِ ، فَلَا يُلْحَقُ بِهِ ، ثُمَّ إيجَابُ ذَلِكَ فِي سَائِرِ الْبَدَنِ يُفْضِي إلَى أَنْ يَجِبَ فِي مُوضِحَةِ الْعُضْوِ أَكْثَرُ مِنْ دِيَتِهِ ، مِثْلُ أَنْ يُوضِحَ أُنْمُلَةً دِيَتُهَا ثَلَاثَةٌ وَثُلُثٌ ، وَدِيَةُ الْمُوضِحَةِ خَمْسَةٌ .\rوَأَمَّا قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ وَعَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ ، فَتَحَكُّمٌ لَا نَصَّ فِيهِ ، وَلَا قِيَاسَ يَقْتَضِيهِ ، فَيَجِبُ اطِّرَاحُهُ .","part":19,"page":282},{"id":9282,"text":"( 6970 ) فَصْلٌ : وَإِنْ أَوْضَحَهُ فِي رَأْسِهِ ، وَجَرَّ السِّكِّينَ إلَى قَفَاهُ ، فَعَلَيْهِ أَرْشُ مُوضِحَةٍ ، وَحُكُومَةٌ لِجُرْحِ الْقَفَا ؛ لِأَنَّ الْقَفَا لَيْسَ بِمَوْقِعٍ لِلْمُوضِحَةِ .\rوَإِنْ أَوْضَحَهُ فِي رَأْسِهِ ، وَمَدَّهَا إلَى وَجْهِهِ ، فَعَلَى وَجْهَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، أَنَّهَا مُوضِحَةٌ وَاحِدَةٌ ؛ لِأَنَّ الْوَجْهَ وَالرَّأْسَ سَوَاءٌ فِي الْمُوضِحَةِ ، فَصَارَ كَالْعُضْوِ الْوَاحِدِ .\rوَالثَّانِي ؛ هُمَا مُوضِحَتَانِ ؛ لِأَنَّهُ أَوْضَحَهُ فِي عُضْوَيْنِ ، فَكَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حُكْمُ نَفْسِهِ ، كَمَا لَوْ أَوْضَحَهُ فِي رَأْسِهِ وَنَزَلَ إلَى الْقَفَا .","part":19,"page":283},{"id":9283,"text":"( 6971 ) فَصْلٌ : وَإِنْ أَوْضَحَهُ فِي رَأْسِهِ مُوضِحَتَيْنِ ، بَيْنَهُمَا حَاجِزٌ ، فَعَلَيْهِ أَرْشُ مُوضِحَتَيْنِ ؛ لِأَنَّهُمَا مُوضِحَتَانِ .\rفَإِنْ أَزَالَ الْحَاجِزَ الَّذِي بَيْنَهُمَا ، وَجَبَ أَرْشُ مُوضِحَةٍ وَاحِدَةٍ ؛ لِأَنَّهُ صَارَ الْجَمِيعُ بِفِعْلِهِ مُوضِحَةً ، فَصَارَ كَمَا لَوْ أَوْضَحَ الْكُلَّ مِنْ غَيْرِ حَاجِزٍ يَبْقَى بَيْنَهُمَا .\rوَإِنْ انْدَمَلَتَا ، ثُمَّ أَزَالَ الْحَاجِزَ بَيْنَهُمَا ، فَعَلَيْهِ أَرْشُ ثَلَاثِ مَوَاضِحَ ؛ لِأَنَّهُ اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ أَرْشُ الْأُولَيَيْنِ بِالِانْدِمَالِ ، ثُمَّ لَزِمَتْهُ دِيَةُ الثَّالِثَةِ .\rوَإِنْ تَآكَلَ مَا بَيْنَهُمَا قَبْلَ انْدِمَالِهِمَا فَزَالَ ، لَمْ يَلْزَمْهُ أَكْثَرُ مِنْ أَرْشِ وَاحِدَةٍ ؛ لِأَنَّ سِرَايَةَ فِعْلِهِ كَفِعْلِهِ .\rوَإِنْ انْدَمَلَتْ إحْدَاهُمَا وَزَالَ الْحَاجِزُ بِفِعْلِهِ ، أَوْ سِرَايَةِ الْأُخْرَى ، فَعَلَيْهِ أَرْشُ مُوضِحَتَيْنِ .\rوَإِنْ أَزَالَ الْحَاجِزَ أَجْنَبِيٌّ ، فَعَلَى الْأَوَّلِ أَرْشُ مُوضِحَتَيْنِ ، وَعَلَى الثَّانِي أَرْشُ مُوضِحَةٍ ؛ لِأَنَّ فِعْلَ أَحَدِهِمَا لَا يَنْبَنِي عَلَى فِعْلِ الْآخَرِ ، فَانْفَرَدَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِحُكْمِ جِنَايَتِهِ .\rوَإِنْ أَزَالَهُ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ ، وَجَبَ عَلَى الْأَوَّلِ أَرْشُ مُوضِحَتَيْنِ ؛ لِأَنَّ مَا وَجَبَ بِجِنَايَتِهِ لَا يَسْقُطُ بِفِعْلِ غَيْرِهِ .\rفَإِنْ اخْتَلَفَا ، فَقَالَ الْجَانِي : أَنَا شَقَقْت مَا بَيْنَهُمَا .\rوَقَالَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ : بَلْ أَنَا .\rأَوْ : أَزَالَهَا آخَرُ سِوَاكَ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ سَبَبَ أَرْشِ مُوضِحَتَيْنِ قَدْ وُجِدَ .\rوَالْجَانِي يَدَّعِي زَوَالَهُ ، وَالْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ يُنْكِرُهُ ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ ، وَالْأَصْلُ مَعَهُ .\rوَإِنْ أَوْضَحَ مُوضِحَتَيْنِ ، ثُمَّ قَطَعَ اللَّحْمَ الَّذِي بَيْنَهُمَا فِي الْبَاطِنِ ، وَتَرَكَ الْجِلْدَ الَّذِي فَوْقَهُمَا فَفِيهَا وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، يَلْزَمُهُ أَرْشُ مُوضِحَتَيْنِ ؛ لِانْفِصَالِهِمَا فِي الظَّاهِرِ .\rوَالثَّانِي : أَرْشُ مُوضِحَةٍ ؛ لِاتِّصَالِهِمَا فِي الْبَاطِنِ .\rوَإِنْ جَرَحَهُ جِرَاحًا وَاحِدَةً ، وَأَوْضَحَهُ فِي طَرَفَيْهَا ، وَبَاقِيهَا","part":19,"page":284},{"id":9284,"text":"دُونَ الْمُوضِحَةِ ، فَفِيهِ أَرْشُ مُوضِحَتَيْنِ ، لِأَنَّ مَا بَيْنَهُمَا لَيْسَ بِمُوضِحَةٍ .","part":19,"page":285},{"id":9285,"text":"( 6972 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَفِي الْهَاشِمَةِ عَشْرٌ مِنْ الْإِبِلِ ، وَهِيَ الَّتِي تُوضِحُ الْعَظْمَ وَتَهْشِمُهُ ) الْهَاشِمَةُ : هِيَ الَّتِي تَتَجَاوَزُ الْمُوضِحَةَ ، فَتَهْشِمُ الْعَظْمَ ، سُمِّيَتْ هَاشِمَةً ؛ لَهَشْمِهَا الْعَظْمَ .\rوَلَمْ يَبْلُغْنَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهَا تَقْدِيرٌ ، وَأَكْثَرُ مَنْ بَلَغَنَا قَوْلُهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ، عَلَى أَنَّ أَرْشَهَا مُقَدَّرٌ بِعَشْرٍ مِنْ الْإِبِلِ .\rرَوَى ذَلِكَ قَبِيصَةُ بْنُ ذُؤَيْبٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ .\rوَبِهِ قَالَ قَتَادَةُ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَالْعَنْبَرِيُّ ، وَنَحْوَهُ قَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ، إلَّا أَنَّهُمْ قَدَّرُوهَا بِعُشْرِ الدِّيَةِ مِنْ الدَّرَاهِمِ ، وَذَلِكَ عَلَى قَوْلِهِمْ أَلْفُ دِرْهَمٍ .\rوَكَانَ الْحَسَنُ لَا يُوَقِّتُ فِيهَا شَيْئًا .\rوَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ ، أَنَّهُ قَالَ : لَا أَعْرِفُ الْهَاشِمَةَ ، لَكِنْ فِي الْإِيضَاحِ خَمْسٌ ، وَفِي الْهَشْمِ حُكُومَةٌ .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : النَّظَرُ يَدُلُّ عَلَى قَوْلِ الْحَسَنِ ؛ إذْ لَا سُنَّةَ فِيهَا وَلَا إجْمَاعَ ، وَلِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ فِيهَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَقْدِيرٌ ، فَوَجَبَتْ فِيهَا الْحُكُومَةُ ، كَمَا دُونَ الْمُوضِحَةِ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ زَيْدٍ ، وَمِثْلُ ذَلِكَ الظَّاهِرُ أَنَّهُ تَوْقِيفٌ ، وَلِأَنَّهُ لَمْ نَعْرِفْ لَهُ مُخَالِفًا فِي عَصْرِهِ ، فَكَانَ إجْمَاعًا .\rوَلِأَنَّهَا شَجَّةٌ فَوْقَ الْمُوضِحَةِ تَخْتَصُّ بِاسْمٍ ، فَكَانَ فِيهَا مُقَدَّرٌ كَالْمَأْمُومَةِ .\r( 6973 ) فَصْلٌ : وَالْهَاشِمَةُ فِي الرَّأْسِ وَالْوَجْهِ خَاصَّةً ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي الْمُوضِحَةِ .\rوَإِنْ هَشَمَهُ هَاشِمَتَيْنِ .\rبَيْنَهُمَا حَاجِزٌ ، فَفِيهِمَا عِشْرُونَ مِنْ الْإِبِلِ ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي الْمُوضِحَةِ مِنْ التَّفْصِيلِ .\rوَتَسْتَوِي الْهَاشِمَةُ الصَّغِيرَةُ وَالْكَبِيرَةُ .\rوَإِنْ شَجَّهُ شَجَّةً ، بَعْضُهَا مُوضِحَةٌ ، وَبَعْضُهَا هَاشِمَةٌ ، وَبَعْضهَا سِمْحَاقٌ ، وَبَعْضُهَا مُتَلَاحِمَةٌ ، وَجَبَ أَرْشُ الْهَاشِمَةِ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ جَمِيعُهَا هَاشِمَةً ، أَجْزَأَ أَرْشُهَا ، وَلَوْ انْفَرَدَ الْقَدْرُ","part":19,"page":286},{"id":9286,"text":"الْمَهْشُومُ ، وَجَبَ أَرْشُهَا ، فَلَا يَنْقُصُ ذَلِكَ بِمَا إذَا زَادَ مِنْ الْأَرْشِ فِي غَيْرِهَا .\rوَإِنْ ضَرَبَ رَأْسَهُ ، فَهَشَمَ الْعَظْمَ ، وَلَمْ يُوضِحْهُ ، لَمْ تَجِبْ دِيَةُ الْهَاشِمَةِ .\rبِغَيْرِ خِلَافٍ ؛ لِأَنَّ الْأَرْشَ الْمُقَدَّرَ وَجَبَ فِي هَاشِمَةٍ يَكُونُ مَعَهَا مُوضِحَةٌ ، وَفِي الْوَاجِبِ فِيهَا وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ؛ فِيهَا خَمْسٌ مِنْ الْإِبِلِ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَوْضَحَ وَكَسَرَ ، لَوَجَبَتْ عَشْرٌ ؛ خَمْسٌ فِي الْإِيضَاحِ ، وَخَمْسٌ فِي الْكَسْرِ ، فَإِذَا وُجِدَ الْكَسْرُ دُونَ الْإِيضَاحِ ، وَجَبَ خَمْسٌ .\rوَالثَّانِي : تَجِبُ حُكُومَةٌ ؛ لِأَنَّهُ كَسْرُ عَظْمٍ لَا جُرْحَ مَعَهُ ، فَأَشْبَهَ كَسْرَ قَصَبَةِ الْأَنْفِ .\r( 6974 ) فَصْلٌ : فَإِنْ أَوْضَحَهُ مُوضِحَتَيْنِ ، هَشَمَ الْعَظْمَ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا ، وَاتَّصَلَ الْهَشْمُ فِي الْبَاطِنِ ، فَهُمَا هَاشِمَتَانِ ؛ لِأَنَّ الْهَشْمَ إنَّمَا يَكُونُ تَبَعًا لِلْإِيضَاحِ ، فَإِذَا كَانَتَا مُوضِحَتَيْنِ ، كَانَ الْهَشْمُ هَاشِمَتَيْنِ ، بِخِلَافِ الْمُوضِحَةِ ، فَإِنَّهَا لَيْسَتْ تَبَعًا لِغَيْرِهَا ، فَافْتَرَقَا .","part":19,"page":287},{"id":9287,"text":"مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَفِي الْمُنَقِّلَةِ خَمْسَ عَشْرَةَ مِنْ الْإِبِلِ ، وَهِيَ الَّتِي تُوضِحُ وَتَهْشِمُ وَتَسْطُو حَتَّى تَنْقُلَ عِظَامَهَا ) الْمُنَقِّلَةُ : زَائِدَةٌ عَلَى الْهَاشِمَةِ ، وَهِيَ الَّتِي تَكْسِرُ الْعِظَامَ وَتُزِيلُهَا عَنْ مَوَاضِعِهَا ، فَيُحْتَاجُ إلَى نَقْلِ الْعَظْمِ لِيَلْتَئِمَ .\rوَفِيهَا خَمْسَ عَشْرَةَ مِنْ الْإِبِلِ .\rبِإِجْمَاعٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ .\rوَفِي كِتَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ : { وَفِي الْمُنَقِّلَةِ خَمْسَ عَشْرَةَ مِنْ الْإِبِلِ .\r} وَفِي تَفْصِيلِهَا مَا فِي تَفْصِيلِ الْمُوضِحَةِ وَالْهَاشِمَةِ ، عَلَى مَا مَضَى .","part":19,"page":288},{"id":9288,"text":"( 6976 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَفِي الْمَأْمُومَةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ ، وَهِيَ الَّتِي تَصِلُ إلَى جِلْدَةِ الدِّمَاغِ ، وَفِي الْآمَّةِ مِثْلُ مَا فِي الْمَأْمُومَةِ ) الْمَأْمُومَةُ وَالْآمَّةُ شَيْءٌ وَاحِدٌ .\rقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : أَهْلُ الْعِرَاقِ يَقُولُونَ لَهَا : الْآمَّةُ .\rوَأَهْلُ الْحِجَازِ : الْمَأْمُومَةُ .\rوَهِيَ الْجِرَاحَةُ الْوَاصِلَةُ إلَى أُمِّ الدِّمَاغِ ؛ سُمِّيَتْ أُمَّ الدِّمَاغِ ؛ لِأَنَّهَا تَحُوطُهُ وَتَجْمَعُهُ ، فَإِذَا وَصَلَتْ الْجِرَاحَةُ إلَيْهَا سُمِّيَتْ آمَّةً وَمَأْمُومَةً .\rيُقَالُ : أَمَّ الرَّجُلَ آمَّةً وَمَأْمُومَةً ، وَأَرْشُهَا ثُلُثُ الدِّيَةِ .\rفِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، إلَّا مَكْحُولًا .\rفَإِنَّهُ قَالَ : إنْ كَانَتْ عَمْدًا .\rفَفِيهَا ثُلُثَا الدِّيَةِ ، وَإِنْ كَانَتْ خَطَأً فَفِيهَا ثُلُثُهَا .\rوَلَنَا قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي كِتَابِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ : { وَفِي الْمَأْمُومَةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ } وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلُ ذَلِكَ .\rوَرُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ عَلِيٍّ .\rوَلِأَنَّهَا شَجَّةٌ فَلَمْ يَخْتَلِفْ أَرْشُهَا بِالْعَمْدِ وَالْخَطَإِ فِي الْمِقْدَارِ ، كَسَائِرِ الشِّجَاجِ .\r( 6977 ) فَصْلٌ : وَإِنْ خَرَقَ جِلْدَةَ الدِّمَاغِ ، فَهِيَ الدَّامِغَةُ .\r، وَفِيهَا مَا فِي الْمَأْمُومَةِ .\rقَالَ الْقَاضِي : لَمْ يَذْكُرْ أَصْحَابُنَا الدَّامِغَةَ ، لِمُسَاوَاتِهَا الْمَأْمُومَةَ فِي أَرْشِهَا ، وَقِيلَ : فِيهَا مَعَ ذَلِكَ حُكُومَةٌ ؛ لِخَرْقِ جِلْدَةِ الدِّمَاغِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنَّهُمْ تَرَكُوا ذِكْرَهَا لِكَوْنِهَا لَا يَسْلَمُ صَاحِبُهَا فِي الْغَالِبِ .","part":19,"page":289},{"id":9289,"text":"( 6978 ) فَصْل : فَإِنْ أَوْضَحَهُ رَجُلٌ ، ثُمَّ هَشَمَهُ الثَّانِي ، ثُمَّ جَعَلَهَا الثَّالِثُ مُنَقِّلَةً ، ثُمَّ جَعَلَهَا الرَّابِعُ مَأْمُومَةً ، فَعَلَى الْأَوَّلِ أَرْشُ مُوضِحَتِهِ ، وَعَلَى الثَّانِي خَمْسٌ تَمَامُ أَرْشِ الْهَاشِمَةِ ، وَعَلَى الثَّالِثِ خَمْسٌ ، تَمَامُ أَرْشِ الْمُنَقِّلَةِ ، وَعَلَى الرَّابِعِ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ وَثُلُثٌ ، تَمَامُ أَرْشُ الْمَأْمُومَةِ .","part":19,"page":290},{"id":9290,"text":"( 6979 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَفِي الْجَائِفَةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ ، وَهِيَ الَّتِي تَصِلُ إلَى الْجَوْفِ ) وَهَذَا قَوْلُ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، مِنْهُمْ أَهْلُ الْمَدِينَةِ ، وَأَهْلُ الْكُوفَةِ ، وَأَهْلُ الْحَدِيثِ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ، إلَّا مَكْحُولًا ، قَالَ فِيهَا : فِي الْعَمْدِ ثُلُثَا الدِّيَةِ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي كِتَابِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ : { وَفِي الْجَائِفَةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ } .\rوَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلُ ذَلِكَ .\rوَلِأَنَّهَا جِرَاحَةٌ فِيهَا مُقَدَّرٌ ، فَلَمْ يَخْتَلِفْ قَدْرُ أَرْشِهَا بِالْعَمْدِ وَالْخَطَإِ ، كَالْمُوضِحَةِ ، وَلَا نَعْلَمُ فِي جِرَاحِ الْبَدَنِ الْخَالِيَةِ عَنْ قَطْعِ الْأَعْضَاءِ وَكَسْرِ الْعِظَامِ مُقَدَّرًا غَيْرَ الْجَائِفَةِ ، وَالْجَائِفَةُ : مَا وَصَلَ إلَى الْجَوْفِ مِنْ بَطْنٍ ، أَوْ ظَهْرٍ ، أَوْ صَدْرٍ ، أَوْ ثُغْرَةِ نَحْرٍ ، أَوْ وَرِكٍ ، أَوْ غَيْرِهِ .\rوَذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، أَنَّ مَالِكًا ، وَأَبَا حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيَّ ، وَالْبَتِّيَّ ، وَأَصْحَابَهُمْ ، اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْجَائِفَةَ لَا تَكُونُ إلَّا فِي الْجَوْفِ .\rقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : الْجَائِفَةُ مَا أَفْضَى إلَى الْجَوْفِ وَلَوْ بِمَغْرِزِ إبْرَةٍ ، فَأَمَّا إنْ خَرَقَ شِدْقَهُ .\rفَوَصَلَ إلَى بَاطِنِ الْفَمِ ، فَلَيْسَ بِجَائِفَةٍ ؛ لِأَنَّ دَاخِلَ الْفَمِ حُكْمُهُ حُكْمُ الظَّاهِرِ ، لَا حُكْمُ الْبَاطِنِ .\rوَإِنْ طَعَنَهُ فِي وَجْنَتِهِ ، فَكَسَرَ الْعَظْمَ .\rوَوَصَلَ إلَى فِيهِ ، فَلَيْسَ بِجَائِفَةٍ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ : هُوَ جَائِفَةٌ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ وَصَلَ إلَى جَوْفٍ .\rوَهَذَا يَنْتَقِضُ بِمَا إذَا خَرَقَ شِدْقَهُ .\rفَعَلَى هَذَا يَكُونُ عَلَيْهِ دِيَةُ هَاشِمَةٍ ، لِكَسْرِ الْعَظْمِ ، وَفِيمَا زَادَ حُكُومَةٌ .\rوَإِنْ جَرَحَهُ فِي أَنْفِهِ فَأَنْفَذَهُ ، فَهُوَ كَمَا لَوْ جَرَحَهُ فِي وَجْنَتِهِ فَأَنْقَذَهُ إلَى فِيهِ ، فِي الْحُكْمِ وَالْخِلَافِ .\rوَإِنْ جَرَحَهُ فِي ذَكَرِهِ ، فَوَصَلَ إلَى مَجْرَى الْبَوْلِ مِنْ الذَّكَرِ ، فَلَيْسَ بِجَائِفَةٍ ؛ لِأَنَّهُ","part":19,"page":291},{"id":9291,"text":"لَيْسَ بِجَوْفٍ يُخَافُ التَّلَفُ مِنْ الْوُصُولِ إلَيْهِ ، بِخِلَافِ غَيْرِهِ .","part":19,"page":292},{"id":9292,"text":"( 6980 ) فَصْلٌ : وَإِنْ أَجَافَهُ جَائِفَتَيْنِ ، بَيْنَهُمَا حَاجِزٌ ، فَعَلَيْهِ ثُلُثَا الدِّيَةِ .\rوَإِنْ خَرَقَ الْجَانِي مَا بَيْنَهُمَا ، أَوْ ذَهَبَ بِالسِّرَايَةِ ، صَارَ جَائِفَةً وَاحِدَةً ، فِيهَا ثُلُثُ الدِّيَةِ لَا غَيْرُ .\rوَإِنْ خَرَقَ مَا بَيْنَهُمَا أَجْنَبِيٌّ ، أَوْ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ ، فَعَلَى الْأَوَّلِ ثُلُثَا الدِّيَةِ ، وَعَلَى الْأَجْنَبِيِّ الثَّانِي ثُلُثُهَا ، وَيَسْقُطُ مَا قَابَلَ فِعْلَ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ .\rوَإِنْ احْتَاجَ إلَى خَرْقِ مَا بَيْنَهُمَا لِلْمُدَاوَاةِ ، فَخَرَقَهَا الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ أَوْ غَيْرُهُ بِأَمْرِهِ ، أَوْ خَرَقَهَا وَلِيُّ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ لِذَلِكَ ، أَوْ الطَّبِيبُ بِأَمْرِهِ ، فَلَا شَيْءَ فِي خَرْقِ الْحَاجِزِ ، وَعَلَى الْأَوَّلِ ثُلُثَا الدِّيَةِ .\rوَإِنْ أَجَافَهُ رَجُلٌ ، فَوَسَّعَهَا آخَرُ ، فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَرْشُ جَائِفَةٍ ؛ لِأَنَّ فِعْلَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَوْ انْفَرَدَ كَانَ جَائِفَةً ، فَلَا يَسْقُطُ حُكْمُهُ بِانْضِمَامِهِ إلَى فِعْلِ غَيْرِهِ ، لِأَنَّ فِعْلَ الْإِنْسَانِ لَا يَنْبَنِي عَلَى فِعْلِ غَيْرِهِ .\rوَإِنْ وَسَّعَهَا الطَّبِيبُ بِإِذْنِهِ ، أَوْ إذْنِ وَلِيِّهِ لِمَصْلَحَتِهِ ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ .\rوَإِنْ وَسَّعَهَا جَانٍ آخَرُ ، فِي الظَّاهِرِ دُونَ الْبَاطِنِ ، أَوْ فِي الْبَاطِنِ دُونَ الظَّاهِرِ ، فَعَلَيْهِ حُكُومَةٌ ؛ لِأَنَّ جِنَايَتَهُ لَمْ تَبْلُغْ الْجَائِفَةَ .\rوَإِنْ أَدْخَلَ السِّكِّينَ فِي الْجَائِفَةِ ثُمَّ أَخْرَجَهَا ، عُزِّرَ ، وَلَا أَرْشَ عَلَيْهِ .\rوَإِنْ كَانَ قَدْ خَاطَهَا ، فَجَاءَ آخَرُ ، فَقَطَعَ الْخُيُوطَ ، وَأَدْخَلَ السِّكِّينَ فِيهَا قَبْلَ أَنْ تَلْتَحِمَ ، عُزِّرَ أَشَدَّ مِنْ التَّعْزِيرِ الْأَوَّلِ الَّذِي قَبْلَهُ ، وَغَرَّمَهُ ثَمَنَ الْخُيُوطِ وَأُجْرَةَ الْخَيَّاطِ ، وَلَمْ يَلْزَمْهُ أَرْشُ جَائِفَةٍ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُجِفْهُ .\rوَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ بَعْدَ الْتِحَامِهَا ، فَعَلَيْهِ أَرْشُ الْجَائِفَةِ وَثَمَنُ الْخُيُوطِ ؛ لِأَنَّهُ بِالِالْتِحَامِ عَادَ إلَى الصِّحَّةِ ، فَصَارَ كَاَلَّذِي لَمْ يُجْرَحْ .\rوَإِنْ الْتَحَمَ بَعْضُهَا دُونَ بَعْضٍ ، فَفَتَقَ مَا الْتَحَمَ ، فَعَلَيْهِ أَرْشُ جَائِفَةٍ ؛","part":19,"page":293},{"id":9293,"text":"لِمَا ذَكَرْنَا .\rوَإِنْ فَتَقَ غَيْرَ مَا الْتَحَمَ عَلَيْهِ ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ أَرْشُ الْجَائِفَةِ ، وَحُكْمُهُ حُكْمُ مَنْ فَعَلَ مِثْلَ فِعْلِهِ قَبْلَ أَنْ يَلْتَحِمَ مِنْهَا شَيْءٌ .\rوَإِنْ فَتَقَ بَعْضَ مَا الْتَحَمَ فِي الظَّاهِرِ دُونَ الْبَاطِنِ ، أَوْ الْبَاطِنِ دُونَ الظَّاهِرِ ، فَعَلَيْهِ حُكُومَةٌ ، كَمَا لَوْ وَسَّعَ جُرْحَهُ كَذَلِكَ .","part":19,"page":294},{"id":9294,"text":"( 6981 ) فَصْلٌ : وَإِنْ جَرَحَ فَخِذَهُ ، وَمَدَّ السِّكِّينَ حَتَّى بَلَغَ الْوَرِكَ ، فَأَجَافَ فِيهِ ، أَوْ جَرَحَ الْكَتِفَ ، وَجَرَّ السِّكِّينَ حَتَّى بَلَغَ الصَّدْرَ ، فَأَجَافَهُ فِيهِ ، فَعَلَيْهِ أَرْشُ الْجَائِفَةِ وَحُكُومَةٌ فِي الْجِرَاحِ ؛ لِأَنَّ الْجِرَاحَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ الْجَائِفَةِ ، فَانْفَرَدَتْ بِالضَّمَانِ ، كَمَا لَوْ أَوْضَحَهُ فِي رَأْسِهِ وَجَرَّ السِّكِّينَ حَتَّى بَلَغَ الْقَفَا ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ أَرْشُ مُوضِحَةٍ وَحُكُومَةٌ لِجُرْحِ الْقَفَا .","part":19,"page":295},{"id":9295,"text":"( 6982 ) فَصْلٌ : فَإِنْ أَدْخَلَ حَدِيدَةً أَوْ خَشَبَةً أَوْ يَدَهُ ، فِي دُبُرِ إنْسَانٍ ، فَخَرَقَ حَاجِزًا فِي الْبَاطِنِ ، فَعَلَيْهِ حُكُومَةٌ ، وَلَا يَلْزَمُهُ أَرْشُ جَائِفَةٍ ؛ لِأَنَّ الْجَائِفَةَ مَا خَرَقَتْ مِنْ الظَّاهِرِ إلَى الْجَوْفِ ، وَهَذِهِ بِخِلَافِهِ .\rوَكَذَلِكَ لَوْ أَدْخَلَ السِّكِّينَ فِي جَائِفَةٍ إنْسَانٍ ، فَخَرَقَ شَيْئًا فِي الْبَاطِنِ ، فَلَيْسَ ذَلِكَ بِجَائِفَةٍ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا .","part":19,"page":296},{"id":9296,"text":"( 6983 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( فَإِنْ جَرَحَهُ فِي جَوْفِهِ ، فَخَرَجَ مِنْ الْجَانِبِ الْآخَرِ ، فَهُمَا جَائِفَتَانِ ) هَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ؛ مِنْهُمْ عَطَاءٌ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَقَتَادَةُ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : لَا أَعْلَمُهُمْ يَخْتَلِفُونَ فِي ذَلِكَ .\rوَحُكِيَ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ، أَنَّهُ قَالَ : هِيَ جَائِفَةٌ وَاحِدَةٌ .\rوَحُكِيَ أَيْضًا عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّ الْجَائِفَةَ هِيَ الَّتِي تَنْفُذُ مِنْ ظَاهِرِ الْبَدَنِ إلَى الْجَوْفِ ، وَهَذِهِ الثَّانِيَةُ إنَّمَا نَفَذَتْ مِنْ الْبَاطِنِ إلَى الظَّاهِرِ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ، أَنَّ رَجُلًا رَمَى رَجُلًا بِسَهْمٍ ، فَأَنْفَذَهُ ، فَقَضَى أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِثُلُثَيْ الدِّيَةِ .\rوَلَا مُخَالِفَ لَهُ ، فَيَكُونُ إجْمَاعًا .\rأَخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ فِي \" سُنَنِهِ \" .\rوَرُوِيَ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، أَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَضَى فِي الْجَائِفَةِ إذَا نَفَذَتْ الْجَوْفَ ، بِأَرْشِ جَائِفَتَيْنِ .\rلِأَنَّهُ أَنْفَذَهُ مِنْ مَوْضِعَيْنِ ، فَكَانَ جَائِفَتَيْنِ كَمَا لَوْ أَنْفَذَهُ بِضَرْبَتَيْنِ .\rوَمَا ذَكَرُوهُ غَيْرُ صَحِيحٍ ، فَإِنَّ الِاعْتِبَارَ بِوُصُولِ الْجُرْحِ إلَى الْجَوْفِ ، لَا بِكَيْفِيَّةِ إيصَالِهِ ، إذْ لَا أَثَرَ لِصُورَةِ الْفِعْلِ مَعَ التَّسَاوِي فِي الْمَعْنَى ، وَلِأَنَّ مَا ذَكَرُوهُ مِنْ الْكَيْفِيَّةِ لَيْسَ بِمَذْكُورِ فِي خَبَرٍ ، وَإِنَّمَا الْعَادَةُ فِي الْغَالِبِ وُقُوعُ الْجَائِفَةِ هَكَذَا ، فَلَا يُعْتَبَرُ ، كَمَا أَنَّ الْعَادَةَ فِي الْغَالِبِ حُصُولُهَا بِالْحَدِيدِ ، وَلَوْ حَصَلَتْ بِغَيْرِهِ لَكَانَتْ جَائِفَةً .\rثُمَّ يَنْتَقِضُ مَا ذَكَرُوهُ بِمَا لَوْ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي جَائِفَةٍ إنْسَانٍ ، فَخَرَقَ بَطْنَهُ مِنْ مَوْضِعٍ آخَرَ ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ أَرْشُ جَائِفَةٍ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ .\rوَكَذَلِكَ يُخَرَّجُ فِيمَنْ أَوْضَحَ إنْسَانًا فِي رَأْسِهِ ، ثُمَّ أَخْرَجَ رَأْسَ السِّكِّينِ مِنْ مَوْضِعٍ آخَرَ ، فَهِيَ مُوضِحَتَانِ .\rفَإِنْ هَشَمَهُ هَاشِمَةً لَهَا","part":19,"page":297},{"id":9297,"text":"مَخْرَجَانِ ، فَهِيَ هَاشِمَتَانِ .\rوَكَذَلِكَ مَا أَشْبَهَهُ .","part":19,"page":298},{"id":9298,"text":"( 6984 ) فَصْلٌ : فَإِنْ أَدْخَلَ إصْبَعَهُ فِي فَرْجِ بِكْرٍ ، فَأَذْهَبَ بَكَارَتَهَا ، فَلَيْسَ بِجَائِفَةٍ ، لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِجَوْفٍ .","part":19,"page":299},{"id":9299,"text":"( 6985 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَمَنْ وَطِئَ زَوْجَتَهُ ، وَهِيَ صَغِيرَةٌ ، فَفَتَقَهَا ، لَزِمَهُ ثُلُثُ الدِّيَةِ ) .\rمَعْنَى الْفَتْقِ ، خَرْقُ مَا بَيْنَ مَسْلَكِ الْبَوْلِ وَالْمَنِيِّ .\rوَقِيلَ : بَلْ مَعْنَاهُ خَرْقُ مَا بَيْنَ الْقُبُلِ وَالدُّبُرِ ، إلَّا أَنَّ هَذَا بَعِيدٌ ؛ لِأَنَّهُ يَبْعُدُ أَنْ يَذْهَبَ بِالْوَطْءِ مَا بَيْنَهُمَا مِنْ الْحَاجِزِ ، فَإِنَّهُ حَاجِزٌ غَلِيظٌ قَوِيٌّ .\rوَالْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ : فِي فَصْلَيْنِ ؛ ( 6986 ) الْفَصْلُ الْأَوَّلُ ، فِي أَصْلِ وُجُوبِ الضَّمَانِ .\rوَالثَّانِي : فِي قَدْرِهِ : أَمَّا الْأَوَّلُ ، فَإِنَّ الضَّمَانَ إنَّمَا يَجِبُ بِوَطْءِ الصَّغِيرَةِ أَوْ النَّحِيفَةِ الَّتِي لَا تَحَمَّلُ الْوَطْءَ ، دُونَ الْكَبِيرَةِ الْمُحْتَمِلَةِ لَهُ .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يَجِبُ الضَّمَانُ فِي الْجَمِيعِ ؛ لِأَنَّهُ جِنَايَةٌ ، فَيَجِبُ الضَّمَانُ بِهِ ، كَمَا لَوْ كَانَ فِي أَجْنَبِيَّةٍ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ وَطْءٌ مُسْتَحَقٌّ ، فَلَمْ يَجِبْ ضَمَانُ مَا تَلِفَ بِهِ كَالْبَكَارَةِ ، وَلِأَنَّهُ فِعْلٌ مَأْذُونٌ فِيهِ مِمَّنْ يَصِحُّ إذْنُهُ ، فَلَمْ يُضْمَنْ مَا تَلِفَ بِسِرَايَتِهِ ، كَمَا لَوْ أَذِنَتْ فِي مُدَاوَاتِهَا بِمَا يُفْضِي إلَى ذَلِكَ ، وَكَقَطْعِ السَّارِقِ ، أَوْ اسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ ، وَعَكْسُهُ الصَّغِيرَةُ وَالْمُكْرَهَةُ عَلَى الزِّنَا .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ الْمَهْرُ الْمُسَمَّى فِي النِّكَاحِ ، مَعَ أَرْشِ الْجِنَايَةِ ، وَيَكُونُ أَرْشُ الْجِنَايَةِ فِي مَالِهِ ، إنْ كَانَ عَمْدًا مَحْضًا ، وَهُوَ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهَا لَا تُطِيقُهُ ، وَأَنَّ وَطْأَهُ يُفْضِيهَا .\rفَأَمَّا إنْ لَمْ يَعْلَمْ ذَلِكَ ، وَكَانَ مِمَّا يَحْتَمِلُ أَنْ لَا يُفْضِيَ إلَيْهِ ، فَهُوَ عَمْدُ الْخَطَإِ ، فَيَكُونُ عَلَى عَاقِلَتِهِ ، إلَّا عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ : إنَّ الْعَاقِلَةَ لَا تَحْمِلُ عَمْدَ الْخَطَإِ ، فَإِنَّهُ يَكُونُ فِي مَالِهِ .\r( 6987 ) الْفَصْلُ الثَّانِي : فِي قَدْرِ الْوَاجِبِ ، وَهُوَ ثُلُثُ الدِّيَةِ .\rوَبِهَذَا قَالَ قَتَادَةُ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : تَجِبُ الدِّيَةُ كَامِلَةً .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ","part":19,"page":300},{"id":9300,"text":"عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ؛ لِأَنَّهُ أَتْلَفَ مَنْفَعَةَ الْوَطْءِ ، فَلَزِمَتْهُ الدِّيَةُ ، كَمَا لَوْ قَطَعَ إسْكَتَيْهَا .\rوَلَنَا ، مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَضَى فِي الْإِفْضَاءِ بِثُلُثِ الدِّيَةِ .\rوَلَمْ نَعْرِفْ لَهُ فِي الصَّحَابَةِ مُخَالِفًا .\rوَلِأَنَّ هَذِهِ جِنَايَةٌ تَخْرِقُ الْحَاجِزَ بَيْنَ مَسْلَكِ الْبَوْلِ وَالذَّكَرِ ، فَكَانَ مُوجَبُهَا ثُلُثَ الدِّيَةِ ، كَالْجَائِفَةِ .\rوَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهَا تَمْنَعُ الْوَطْءَ ، وَأَمَّا قَطْعُ الْإِسْكَتَيْنِ ، فَإِنَّمَا أَوْجَبَ الدِّيَةَ ؛ لِأَنَّهُ قَطْعُ عُضْوَيْنِ فِيهِمَا نَفْعٌ وَجَمَالٌ ، فَأَشْبَهَ قَطْعَ الشَّفَتَيْنِ .\r( 6988 ) فَصْلٌ : وَإِنْ اسْتَطْلَقَ بَوْلُهَا مَعَ ذَلِكَ ، لَزِمَتْهُ دِيَةٌ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : تَجِبُ دِيَةٌ وَحُكُومَةٌ ؛ لِأَنَّهُ فَوَّتَ مَنْفَعَتَيْنِ ، فَلَزِمَهُ أَرْشُهُمَا ، كَمَا لَوْ فَوَّتَ كَلَامَهُ وَذَوْقَهُ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ أَتْلَفَ عُضْوًا وَاحِدًا ، فَلَمْ يَفُتْ غَيْرُ مَنَافِعِهِ ، فَلَمْ يَضْمَنْهُ بِأَكْثَرَ مِنْ دِيَةٍ وَاحِدَةٍ ، كَمَا لَوْ قَطَعَ لِسَانَهُ فَذَهَبَ ذَوْقُهُ وَكَلَامُهُ .\rوَمَا قَالَهُ لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَوْجَبَ دِيَةَ الْمَنْفَعَتَيْنِ ، لَأَوْجَبَ دِيَتَيْنِ ؛ لِأَنَّ اسْتِطْلَاقَ الْبَوْلِ مُوجِبٌ الدِّيَةَ ، وَالْإِفْضَاءُ عِنْدَهُ مُوجِبٌ الدِّيَةَ مُنْفَرِدًا ، وَلَمْ يَقُلْ بِهِ ، وَإِنَّمَا أَوْجَبَ الْحُكُومَةَ ، وَلَمْ يُوجَدْ مُقْتَضِيهَا ، فَإِنَّنَا لَا نَعْلَمُ أَحَدًا أَوْجَبَ فِي الْإِفْضَاءِ حُكُومَةً .\r( 6989 ) فَصْلٌ : وَإِنْ انْدَمَلَ الْحَاجِزُ ، وَانْسَدَّ ، وَزَالَ الْإِفْضَاءُ ، لَمْ يَجِبْ ثُلُثُ الدِّيَةِ ، وَوَجَبَتْ حُكُومَةٌ ، لِجَبْرِ مَا حَصَلَ مِنْ النَّقْصِ .","part":19,"page":301},{"id":9301,"text":"( 6990 ) فَصْلٌ : وَإِنْ أَكْرَهَ امْرَأَةً عَلَى الزِّنَى ، فَأَفْضَاهَا ، لَزِمَهُ ثُلُثُ دِيَتِهَا ، وَمَهْرُ مِثْلِهَا ؛ لِأَنَّهُ حَصَلَ بِوَطْءٍ غَيْرِ مُسْتَحَقٍّ ، وَلَا مَأْذُونٍ فِيهِ ، فَلَزِمَهُ ضَمَانُ مَا أَتْلَفَ بِهِ ، كَسَائِرِ الْجِنَايَاتِ .\rوَهَلْ يَلْزَمُهُ أَرْشُ الْبَكَارَةِ مَعَ ذَلِكَ ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، لَا يَلْزَمُهُ ؛ لِأَنَّ أَرْشَ الْبَكَارَةِ دَاخِلٌ فِي مَهْرِ الْمِثْلِ ، فَإِنَّ مَهْرَ الْبِكْرِ أَكْثَرُ مِنْ مَهْرِ الثَّيِّبِ ، فَالتَّفَاوُتُ بَيْنَهُمَا هُوَ عِوَضُ أَرْشِ الْبَكَارَةِ ، فَلَمْ يَضْمَنْهُ مَرَّتَيْنِ ، كَمَا فِي حَقِّ الزَّوْجَةِ .\rوَالثَّانِيَةُ ، يَضْمَنُهُ ؛ لِأَنَّهُ مَحَلٌّ أَتْلَفَهُ بِعُدْوَانِهِ ، فَلَزِمَهُ أَرْشُهُ ، كَمَا لَوْ أَتْلَفَهُ بِإِصْبَعِهِ .\rفَأَمَّا الْمُطَاوِعَةُ عَلَى الزِّنَى ، إذَا كَانَتْ كَبِيرَةً فَفَتَقَهَا ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِي فَتْقِهَا .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يَضْمَنُ ؛ لِأَنَّ الْمَأْذُونَ فِيهِ الْوَطْءُ دُونَ الْفَتْقِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَطَعَ يَدَهَا .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ ضَرَرٌ حَصَلَ مِنْ فِعْلٍ مَأْذُونٍ فِيهِ ، فَلَمْ يَضْمَنْهُ ، كَأَرْشِ بَكَارَتِهَا ، وَمَهْرِ مِثْلِهَا ، وَكَمَا لَوْ أَذِنَتْ فِي قَطْعِ يَدِهَا ، فَسَرَى الْقَطْعُ إلَى نَفْسِهَا .\rوَفَارَقَ مَا إذَا أَذِنَتْ فِي وَطْئِهَا ، فَقَطَعَ يَدَهَا ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنْ الْمَأْذُونِ فِيهِ ، وَلَا مِنْ ضَرُورَتِهِ .","part":19,"page":302},{"id":9302,"text":"( 6991 ) فَصْلٌ : وَإِنْ وَطِئَ امْرَأَةً بِشُبْهَةِ فَأَفْضَاهَا ، فَعَلَيْهِ أَرْشُ إفْضَائِهَا ، مَعَ مَهْرِ مِثْلِهَا ؛ لِأَنَّ الْفِعْلَ إنَّمَا أُذِنَ فِيهِ اعْتِقَادًا أَنَّ الْمُسْتَوْفِيَ لَهُ هُوَ الْمُسْتَحِقُّ ، فَإِذَا كَانَ غَيْرُهُ ، ثَبَتَ فِي حَقِّهِ وُجُوبُ الضَّمَانِ لِمَا أَتْلَفَ ، كَمَا لَوْ أَذِنَ فِي أَخْذِ الدَّيْنِ لِمَنْ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ مُسْتَحِقُّهُ ، فَبَانَ أَنَّهُ غَيْرُهُ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَجِبُ لَهَا أَكْثَرُ الْأَمْرَيْنِ مِنْ مَهْرِ مِثْلِهَا أَوْ أَرْشِ إفْضَائِهَا ؛ لِأَنَّ الْأَرْشَ لِإِتْلَافِ الْعُضْوِ ، فَلَا يُجْمَعُ بَيْنَ ضَمَانِهِ وَضَمَانِ مَنْفَعَتِهِ ، كَمَا لَوْ قَلَعَ عَيْنًا .\rوَلَنَا ، أَنَّ هَذِهِ جِنَايَةٌ تُنْقَلُ عَنْ الْوَطْءِ ، فَلَمْ يَدْخُلُ بَدَلُهُ فِيهَا ، كَمَا لَوْ كَسَرَ صَدْرَهَا .\rوَمَا ذَكَرُوهُ غَيْرُ صَحِيحٍ ؛ فَإِنَّ الْمَهْرَ يَجِبُ لِاسْتِيفَاءِ مَنْفَعَةِ الْبُضْعِ ، وَالْأَرْشُ يَجِبُ لِإِتْلَافِ الْحَاجِزِ ، فَلَا تَدْخُلُ الْمَنْفَعَةُ فِيهِ .","part":19,"page":303},{"id":9303,"text":"( 6992 ) فَصْلٌ : وَإِنْ اسْتَطْلَقَ بَوْلُ الْمُكْرَهَةِ عَلَى الزِّنَى ، وَالْمَوْطُوءَةِ بِشُبْهَةٍ ، مَعَ إفْضَائِهِمَا ، فَعَلَيْهِ دِيَتُهُمَا وَالْمَهْرُ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي الْمَوْطُوءَةِ بِشُبْهَةٍ : لَا يُجْمَعُ بَيْنَهُمَا ، وَيَجِبُ أَكْثَرُهُمَا .\rوَقَدْ سَبَقَ الْكَلَامُ مَعَهُ فِي ذَلِكَ .","part":19,"page":304},{"id":9304,"text":"( 6993 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَفِي الضِّلْعِ بَعِيرٌ ، وَفِي التَّرْقُوَةِ بَعِيرَانِ ) ظَاهِرُ هَذَا أَنَّ فِي كُلِّ تَرْقُوَةٍ بَعِيرَيْنِ ، فَيَكُونُ فِي التَّرْقُوَتَيْنِ أَرْبَعَةُ أَبْعِرَةٍ .\rوَهَذَا قَوْلُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ .\rوَالتَّرْقُوَةُ : هُوَ الْعَظْمُ الْمُسْتَدِيرُ حَوْلَ الْعُنُقِ مِنْ النَّحْرِ إلَى الْكَتِفَ .\rوَلِكُلِّ وَاحِدٍ تَرْقُوَتَانِ ، فَفِيهِمَا أَرْبَعَةُ أَبْعِرَةٍ ، فِي ظَاهِرِ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : الْمُرَادُ بِقَوْلِ الْخِرَقِيِّ التَّرْقُوَتَانِ مَعًا ، وَإِنَّمَا اكْتَفَى بِلَفْظِ الْوَاحِدِ لِإِدْخَالِ الْأَلِفِ وَاللَّامِ الْمُقْتَضِيَةِ لِلِاسْتِغْرَاقِ ، فَيَكُونُ فِي كُلِّ تَرْقُوَةٍ بَعِيرٌ .\rوَهَذَا قَوْلُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ .\rوَبِهِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَعَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَقَتَادَةُ ، وَإِسْحَاقُ .\rوَهُوَ قَوْلٌ لِلشَّافِعِيِّ ، وَالْمَشْهُورُ مِنْ قَوْلَيْهِ عِنْدَ أَصْحَابِهِ ، أَنَّ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِمَّا ذَكَرْنَا حُكُومَةً ، وَهُوَ قَوْلُ مَسْرُوقٍ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٍ ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ ؛ لِأَنَّهُ عَظْمٌ بَاطِنٌ ، لَا يَخْتَصُّ بِجَمَالِ وَمَنْفَعَةٍ ، فَلَمْ يَجِبْ فِيهِ أَرْشٌ مُقَدَّرٌ ، كَسَائِرِ أَعْضَاءِ الْبَدَنِ ، وَلِأَنَّ التَّقْدِيرَ إنَّمَا يَكُونُ بِتَوْقِيفٍ أَوْ قِيَاسٍ صَحِيحٍ ، وَلَيْسَ فِي هَذَا تَوْقِيفٌ وَلَا قِيَاسٌ .\rوَرُوِيَ عَنْ الشَّعْبِيِّ ، أَنَّ فِي التَّرْقُوَةِ أَرْبَعِينَ دِينَارًا ، وَقَالَ عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ : فِي التَّرْقُوَتَيْنِ الدِّيَةُ ، وَفِي إحْدَاهُمَا نِصْفُهَا ؛ لِأَنَّهُمَا عُضْوَانِ فِيهِمَا جَمَالٌ وَمَنْفَعَةٌ ، وَلَيْسَ فِي الْبَدَنِ غَيْرُهُمَا مِنْ جِنْسِهِمَا ، فَكَمَلَتْ فِيهِمَا الدِّيَةُ ، كَالْيَدَيْنِ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ .\rوَمَا ذَكَرُوهُ يَنْتَقِضُ بِالْهَاشِمَةِ ؛ فَإِنَّهَا كَسْرُ عِظَامٍ بَاطِنَةٍ ، وَفِيهَا مُقَدَّرٌ .\rوَلَا يَصِحُّ قَوْلُهُمْ : إنَّهَا لَا تَخْتَصُّ بِجَمَالٍ وَمَنْفَعَةٍ .\rفَإِنَّ جَمَالَ هَذِهِ الْعِظَامِ وَنَفْعِهَا لَا يُوجَدُ فِي غَيْرِهَا ، وَلَا مُشَارَكَ لَهَا","part":19,"page":305},{"id":9305,"text":"فِيهِ .\rوَأَمَّا قَوْلُ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، فَمُخَالِفٌ لِلْإِجْمَاعِ ، فَإِنَّنَا لَا نَعْلَمُ أَحَدًا قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ وَافَقَهُ فِيهِ .","part":19,"page":306},{"id":9306,"text":"( 6994 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَفِي الزَّنْدِ أَرْبَعَةُ أَبْعِرَةٍ ؛ لِأَنَّهُ عَظْمَانِ ) قَالَ الْقَاضِي : يَعْنِي بِهِ الزَّنْدَيْنِ فِيهِمَا أَرْبَعَةُ أَبْعِرَةٍ ؛ لِأَنَّ فِيهِمَا أَرْبَعَةَ عِظَامٍ ، فَفِي كُلِّ عَظْمٍ بَعِيرٌ .\rوَهَذَا يُرْوَى عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ : فِيهِ حُكُومَةٌ ؛ لِمَا تَقَدَّمَ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى سَعِيدٌ ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، أَنَّ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ كَتَبَ إلَى عُمَرَ فِي أَحَدِ الزَّنْدَيْنِ إذَا كُسِرَ ، فَكَتَبَ إلَيْهِ عُمَرُ : إنَّ فِيهِ بَعِيرَيْنِ ، وَإِذَا كُسِرَ الزَّنْدَيْنِ فَفِيهِمَا أَرْبَعَةٌ مِنْ الْإِبِلِ .\rوَرَوَاهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ مِثْلَ ذَلِكَ .\rوَهَذَا لَمْ يَظْهَرْ لَهُ مُخَالِفٌ فِي الصَّحَابَةِ ، فَكَانَ إجْمَاعًا .","part":19,"page":307},{"id":9307,"text":"( 6995 ) فَصْلٌ : وَلَا مُقَدَّرَ فِي غَيْرِ هَذِهِ الْعِظَامِ ، فِي ظَاهِرِ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : فِي عَظْمِ السَّاقِ بَعِيرَانِ ، وَفِي السَّاقَيْنِ أَرْبَعَةُ أَبْعِرَةٍ ، وَفِي عَظْمِ الْفَخِذِ بَعِيرَانِ ، وَفِي الْفَخِذَيْنِ أَرْبَعَةٌ ، فَهَذِهِ تِسْعَةُ عِظَامٍ فِيهَا مُقَدَّرٌ ؛ الضِّلَعُ ، وَالتَّرْقُوَتَانِ ؛ وَالزَّنْدَانِ ، وَالسَّاقَانِ ، وَالْفَخِذَانِ ، وَمَا عَدَاهَا لَا مُقَدَّرَ فِيهِ .\rوَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ ، وَأَبُو الْخَطَّابِ ، وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ الْقَاضِي : فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الذِّرَاعِ وَالْعَضُدِ بَعِيرَانِ .\rوَزَادَ أَبُو الْخَطَّابِ عَظْمَ الْقَدَمِ ؛ لِمَا رَوَى سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ ، أَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَضَى فِي الذِّرَاعِ وَالْعَضُدِ وَالْفَخِذِ وَالسَّاقِ وَالزَّنْدِ إذَا كُسِرَ وَاحِدٌ مِنْهَا فَجُبِرَ ، وَلَمْ يَكُنْ بِهِ دُحُورٌ يَعْنِي عِوَجًا بِعَيْرٍ ، وَإِنْ كَانَ فِيهَا دُحُورٌ ، فَبِحِسَابِ ذَلِكَ .\rوَهَذَا الْخَبَرُ ، إنْ صَحَّ ، فَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا ذَهَبُوا إلَيْهِ ، فَلَا يَصْلُحُ دَلِيلًا عَلَيْهِ .\rوَالصَّحِيحُ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ ، أَنَّهُ لَا تَقْدِيرَ فِي غَيْرِ الْخَمْسَةِ ؛ الضِّلَعِ ، وَالتَّرْقُوَتَيْنِ ، وَالزَّنْدَيْنِ ؛ لِأَنَّ التَّقْدِيرَ إنَّمَا يَثْبُتُ بِالتَّوْقِيفِ ، وَمُقْتَضَى الدَّلِيلِ وُجُوبُ الْحُكُومَةِ فِي هَذِهِ الْعِظَامِ الْبَاطِنَةِ كُلِّهَا ، وَإِنَّمَا خَالَفْنَاهُ فِي هَذِهِ الْعِظَامِ لِقَضَاءِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، فَفِيمَا عَدَاهَا يَبْقَى عَلَى مُقْتَضَى الدَّلِيلِ ، وَمَا عَدَا هَذِهِ الْعِظَامَ ، كَعَظْمِ الظَّهْرِ وَغَيْرِهِ ، فَفِيهِ الْحُكُومَةُ ، وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا ، وَإِنْ خَالَفَ فِيهَا مُخَالِفٌ ، فَهُوَ قَوْلٌ شَاذٌّ لَا يَسْتَنِدُ إلَى دَلِيلٍ يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ ، وَلَا يُصَارُ إلَيْهِ .","part":19,"page":308},{"id":9308,"text":"( 6996 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَالشِّجَاجُ الَّتِي لَا تَوْقِيتَ فِيهَا ، أَوَّلُهَا الْحَارِصَةُ ، وَهِيَ الَّتِي تَحْرِصُ الْجِلْدَ ) يَعْنِي تَشُقُّهُ قَلِيلًا .\rوَقَالَ بَعْضُهُمْ : هِيَ الْحَارِصَةُ ، ثُمَّ الْبَاضِعَةُ ، وَهِيَ الَّتِي تَشُقُّ اللَّحْمَ بَعْدَ الْجِلْدِ ، ثُمَّ الْبَازِلَةُ ، وَهِيَ الَّتِي يَسِيلُ مِنْهَا الدَّمُ ، ثُمَّ الْمُتَلَاحِمَةُ ، وَهِيَ الَّتِي أَخَذَتْ فِي اللَّحْمِ ، ثُمَّ السِّمْحَاقُ ، وَهِيَ الَّتِي بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْعَظْمِ قِشْرَةٌ رَقِيقَةٌ ، ثُمَّ الْمُوضِحَةُ .\rهَكَذَا وَقَعَ فِي النُّسَخِ الَّتِي وَصَلَتْ إلَيْنَا : الْحَارِصَةُ ، ثُمَّ الْبَاضِعَةُ .\rثُمَّ الْبَازِلَةُ .\rوَلَعَلَّهُ مِنْ غَلَطِ الْكَاتِبِ ، وَالصَّوَابُ : الْحَارِصَةُ ، ثُمَّ الْبَازِلَةُ ، ثُمَّ الْبَاضِعَةُ ، هَكَذَا رَتَّبَهَا سَائِرُ مَنْ عَلِمْنَا قَوْلَهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rوَلِأَنَّ الْبَاضِعَةَ الَّتِي تَشُقُّ اللَّحْمَ بَعْدَ الْجِلْدِ ، فَلَا يُمْكِنُ وُجُودُهَا قَبْلَ الْبَازِلَةِ الَّتِي يَسِيلُ مِنْهَا الدَّمُ ، وَتُسَمَّى الدَّامِعَةَ ، لِقِلَّةِ سَيَلَانِ دَمِهَا ، تَشْبِيهًا لَهُ بِخُرُوجِ الدَّمْعِ مِنْ الْعَيْنِ ، وَاَلَّتِي تَشُقُّ اللَّحْمَ بَعْدَ الْجِلْدِ يَسِيلُ مِنْهَا دَمٌ كَثِيرٌ فِي الْغَالِبِ ، فَكَيْفَ يَصِحُّ جَعْلُهَا سَابِقَةً عَلَى مَا لَا يَسِيلُ مِنْهَا إلَّا دَمٌ يَسِيرٌ كَدَمْعِ الْعَيْنِ ، وَيَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَكَرْنَاهُ أَنَّ زِيدَ بْنَ ثَابِتٍ ، جَعَلَ فِي الْبَازِلَةِ بَعِيرًا ، وَفِي الْبَاضِعَةِ بَعِيرَيْنِ .\rوَقَوْلُ الْخِرَقِيِّ : وَالشِّجَاجُ .\rيَعْنِي : جِرَاحَ الرَّأْسِ وَالْوَجْهِ ؛ فَإِنَّهُ يُسَمَّى شِجَاجًا خَاصَّةً ، دُونَ جِرَاحِ سَائِرِ الْبَدَنِ .\rوَالشِّجَاجُ الْمُسَمَّاةُ عَشْرٌ ؛ خَمْسٌ مِنْهَا أَرْشُهَا مُقَدَّرٌ ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهَا ، وَخَمْسٌ لَا تَوْقِيتَ فِيهَا ، قَالَ الْأَصْمَعِيُّ : أَوَّلُهَا الْحَارِصَةُ ، وَهِيَ الَّتِي تَشُقُّ الْجِلْدَ قَلِيلًا .\rيَعْنِي تَقْشِرُ شَيْئًا يَسِيرًا مِنْ الْجِلْدِ ، لَا يَظْهَرُ مِنْهُ دَمٌ ، وَمِنْهُ : حَرَصَ الْقَصَّارُ الثَّوْبَ .\rإذَا شَقَّهُ قَلِيلًا .\rثُمَّ الْبَازِلَةُ ، وَهِيَ الَّتِي يَنْزِلُ مِنْهَا الدَّمُ .\rأَيْ يَسِيلُ .","part":19,"page":309},{"id":9309,"text":"وَتُسَمَّى الدَّامِيَةَ أَيْضًا ، وَالدَّامِعَةَ ، ثُمَّ الْبَاضِعَةُ ، وَهِيَ الَّتِي تَشُقُّ اللَّحْمَ بَعْدَ الْجِلْدِ .\rثُمَّ الْمُتَلَاحِمَةُ ، وَهِيَ الَّتِي أَخَذَتْ فِي اللَّحْمِ ، يَعْنِي دَخَلَتْ فِيهِ دُخُولًا كَثِيرًا يَزِيدُ عَلَى الْبَاضِعَةِ ، وَلَمْ تَبْلُغْ السِّمْحَاقَ .\rثُمَّ السِّمْحَاقُ ، وَهِيَ الَّتِي تَصِلُ إلَى قِشْرَةٍ رَقِيقَةٍ فَوْقَ الْعَظْمِ ، تُسَمَّى تِلْكَ الْقِشْرَةُ سِمْحَاقًا ، وَسُمِّيَتْ الْجِرَاحُ الْوَاصِلَةُ إلَيْهَا بِهَا ، وَيُسَمِّيهَا أَهْلُ الْمَدِينَةِ الْمِلْطَا وَالْمِلْطَاةُ ، وَهِيَ الَّتِي تَأْخُذُ اللَّحْمَ كُلَّهُ حَتَّى تَخْلُصَ مِنْهُ .\rثُمَّ الْمُوضِحَةُ ، وَهِيَ الَّتِي تَقْشُرُ تِلْكَ الْجِلْدَةَ ، وَتُبْدِي وَضَحَ الْعَظْمِ ، أَيْ بَيَاضَهُ ، وَهِيَ أَوَّلُ الشِّجَاجِ الْمُوَقَّتَةِ ، وَمَا قَبْلَهَا مِنْ الشِّجَاجِ الْخَمْسِ فَلَا تَوْقِيتَ فِيهَا فِي الصَّحِيحِ مِنْ مَذْهَبِ أَحْمَدَ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ .\rيُرْوَى ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَمَالِكٍ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ ، وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ ، رِوَايَةٌ أُخْرَى ، أَنَّ فِي الدَّامِيَةِ بَعِيرًا ، وَفِي الْبَاضِعَةِ بَعِيرَيْنِ ، وَفِي الْمُتَلَاحِمَةِ ثَلَاثَةً ، وَفِي السِّمْحَاقِ أَرْبَعَةَ أَبْعِرَةٍ ؛ لِأَنَّ هَذَا يُرْوَى عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ .\rوَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي السِّمْحَاقِ مِثْلُ ذَلِكَ .\rرَوَاهُ سَعِيدٌ عَنْهُمَا .\rوَعَنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ ، فِيهَا نِصْفُ أَرْشِ الْمُوضِحَةِ .\rوَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ ؛ لِأَنَّهَا جِرَاحَاتٌ لَمْ يَرِدْ فِيهَا تَوْقِيتٌ فِي الشَّرْعِ ، فَكَانَ الْوَاجِبُ فِيهَا حُكُومَةً ، كَجِرَاحَاتِ الْبَدَنِ .\rرُوِيَ عَنْ مَكْحُولٍ ، قَالَ { قَضَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمُوضِحَةِ بِخَمْسٍ مِنْ الْإِبِلِ ، وَلَمْ يَقْضِ فِيمَا دُونَهَا } ، وَلِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ فِيهَا مُقَدَّرٌ بِتَوْقِيفٍ ، وَلَا لَهُ قِيَاسٌ يَصِحُّ ، فَوَجَبَ الرُّجُوعُ إلَى الْحُكُومَةِ ، كَالْحَارِصَةِ .\rوَذَكَرَ الْقَاضِي ، أَنَّهُ مَتَى أَمْكَنَ اعْتِبَارُ هَذِهِ الْجِرَاحَاتِ مِنْ الْمُوضِحَةِ ، مِثْلُ أَنْ","part":19,"page":310},{"id":9310,"text":"يَكُونَ فِي رَأْسِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ مُوضِحَةٌ إلَى جَانِبِهَا ، قُدِّرَتْ هَذِهِ الْجِرَاحَةُ مِنْهَا ، فَإِنْ كَانَتْ بِقَدْرِ النِّصْفِ ، وَجَبَ نِصْفُ أَرْشِ الْمُوضِحَةِ ، إنْ كَانَتْ بِقَدْرِ الثُّلُثِ ، وَجَبَ ثُلُثُ الْأَرْشِ .\rوَعَلَى هَذَا ، إلَّا أَنْ تَزِيدَ الْحُكُومَةُ عَلَى قَدْرِ ذَلِكَ ، فَتُوجِبَ مَا تُخْرِجُهُ الْحُكُومَةُ ، فَإِذَا كَانَتْ الْجِرَاحَةُ قَدْرَ نِصْفِ الْمُوضِحَةِ ، وَشَيْنُهَا يَنْقُصُ قَدْرَ ثُلُثَيْهَا ، أَوْجَبْنَا ثُلُثَيْ أَرْشِ الْمُوضِحَةِ ، وَإِنْ نَقَصَتْ الْحُكُومَةُ أَقَلَّ مِنْ النِّصْفِ ، أَوْجَبْنَا النِّصْفَ ، فَنُوجِبُ الْأَكْثَرَ مِمَّا تُخْرِجُهُ الْحُكُومَةُ ، أَوْ قَدْرَهَا مِنْ الْمُوضِحَةِ ؛ لِأَنَّهُ اجْتَمَعَ سَبَبَانِ مُوجِبَانِ ؛ الشَّيْنُ وَقَدْرُهَا مِنْ الْمُوضِحَةِ ، فَوَجَبَ بِهَا أَكْثَرُهُمَا ؛ لِوُجُودِ سَبَبِهِ .\rوَالدَّلِيلُ عَلَى إيجَابِ الْمِقْدَارِ ، أَنَّ هَذَا اللَّحْمَ فِيهِ مُقَدَّرٌ ، فَكَانَ فِي بَعْضِهِ بِمِقْدَارِهِ مِنْ دِيَتِهِ ، كَالْمَارِنِ وَالْحَشَفَةِ وَالشَّفَةِ وَالْجَفْنِ ، وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rوَهَذَا لَا نَعْلَمُهُ مَذْهَبًا لِأَحْمَدْ وَلَا يَقْتَضِيهِ مَذْهَبُهُ ، وَلَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ هَذِهِ جِرَاحَةٌ تَجِبُ فِيهَا الْحُكُومَةُ ، فَلَا يَجِبُ فِيهَا مُقَدَّرٌ .\rكَجِرَاحَاتِ الْبَدَنِ ، وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُ هَذَا عَلَى مَا ذَكَرُوهُ ، فَإِنَّهُ لَا تَجِبُ فِيهِ الْحُكُومَةُ ، وَلَا نَعْلَمُ لِمَا ذَكَرُوهُ نَظِيرًا .","part":19,"page":311},{"id":9311,"text":"( 6997 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَمَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ مِنْ الْجِرَاحِ تَوْقِيتٌ ، وَلَمْ يَكُنْ نَظِيرًا لِمَا وُقِّتَتْ دِيَتُهُ ، فَفِيهِ حُكُومَةٌ ) أَمَّا الَّذِي فِيهِ تَوْقِيتٌ ، فَهُوَ الَّذِي نَصَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَرْشِهِ ، وَبَيَّنَ قَدْرَ دِيَتِهِ ، كَقَوْلِهِ : { فِي الْأَنْفِ الدِّيَةُ ، وَفِي اللِّسَانِ الدِّيَةُ } .\rوَقَدْ ذَكَرْنَاهُ .\rوَأَمَّا نَظِيرُهُ ، فَهُوَ مَا كَانَ فِي مَعْنَاهُ ، وَمَقِيسًا عَلَيْهِ ، كَالْأَلْيَتَيْنِ ، وَالثَّدْيَيْنِ ، وَالْحَاجِبَيْنِ .\rوَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ أَيْضًا ، فَمَا لَمْ يَكُنْ مِنْ الْمُوَقَّتِ ، وَلَا مِمَّا يُمْكِنُ قِيَاسُهُ عَلَيْهِ ، كَالشِّجَاجِ الَّتِي دُونَ الْمُوضِحَةِ ، وَجِرَاحِ الْبَدَنِ سِوَى الْجَائِفَةِ ، وَقَطْعِ الْأَعْضَاءِ ، وَكَسْرِ الْعِظَامِ الْمَذْكُورَةِ ؛ فَلَيْسَ فِيهِ إلَّا الْحُكُومَةُ .","part":19,"page":312},{"id":9312,"text":"( 6998 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَالْحُكُومَةُ أَنْ يُقَوَّمَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ كَأَنَّهُ عَبْدٌ لَا جِنَايَةَ بِهِ ، ثُمَّ يُقَوَّمَ وَهِيَ بِهِ قَدْ بَرَأَتْ ، فَمَا نَقَصَتْهُ الْجِنَايَةُ ، فَلَهُ مِثْلُهُ مِنْ الدِّيَةِ ، كَأَنْ تَكُونَ قِيمَتُهُ وَهُوَ عَبْدٌ صَحِيحٌ عَشَرَةً ، وَقِيمَتُهُ وَهُوَ عَبْدٌ بِهِ الْجِنَايَةُ تِسْعَةً ، فَيَكُونَ فِيهِ عُشْرُ دِيَتِهِ ) هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الْخِرَقِيِّ ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، فِي تَفْسِيرِ الْحُكُومَةِ ، قَوْلُ أَهْلِ الْعِلْمِ كُلِّهِمْ ، لَا نَعْلَمُ بَيْنَهُمْ فِيهِ خِلَافًا .\rوَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَالْعَنْبَرِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ، وَغَيْرُهُمْ .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَرَى أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِمْ : حُكُومَةٌ ، أَنْ يُقَالَ إذَا أُصِيبَ الْإِنْسَانُ بِجُرْحٍ لَا عَقْلَ لَهُ مَعْلُومٌ : كَمْ قِيمَةُ هَذَا الْمَجْرُوحِ ؟ لَوْ كَانَ عَبْدًا لَمْ يُجْرَحْ هَذَا الْجُرْحَ ، فَإِذَا قِيلَ : مِائَةُ دِينَارٍ .\rقِيلَ : وَكَمْ قِيمَتُهُ وَقَدْ أَصَابَهُ هَذَا الْجُرْحُ ، وَانْتَهَى بُرْؤُهُ ؟ قِيلَ : خَمْسَةٌ وَتِسْعُونَ .\rفَاَلَّذِي يَجِبُ عَلَى الْجَانِي نِصْفُ عُشْرِ الدِّيَةِ .\rوَإِنْ قَالُوا : تِسْعُونَ .\rفَعُشْرُ الدِّيَةِ .\rوَإِنْ زَادَ أَوْ نَقَصَ ، فَعَلَى هَذَا الْمِثَالِ .\rوَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ ؛ لِأَنَّ جُمْلَتَهُ مَضْمُونَةٌ بِالدِّيَةِ ، فَأَجْزَاؤُهُ مَضْمُونَةٌ مِنْهَا ، كَمَا أَنَّ الْمَبِيعَ لَمَّا كَانَ مَضْمُونًا عَلَى الْبَائِعِ بِالثَّمَنِ ، كَانَ أَرْشُ عَيْبِهِ مُقَدَّرًا مِنْ الثَّمَنِ ، فَيُقَالُ : كَمْ قِيمَتُهُ لَا عِيبَ فِيهِ ؟ فَقَالُوا : عَشَرَةٌ .\rفَيُقَالُ : كَمْ قِيمَتُهُ وَفِيهِ الْعَيْبُ ؟ فَإِذَا قِيلَ : تِسْعَةٌ ، عُلِمَ أَنَّهُ نَقَصَ عُشْرُ قِيمَتِهِ ، فَيَجِبُ أَنَّ نَرُدَّ مِنْ الثَّمَنِ عُشْرَهُ ، أَيَّ قَدْرٍ كَانَ ، وَنُقَدِّرَهُ عَبْدًا لِيُمْكِنَ تَقْوِيمُهُ ، وَنَجْعَلَ الْعَبْدَ أَصْلًا لِلْحُرِّ فِيمَا لَا مُوَقَّتَ فِيهِ ، وَالْحُرَّ أَصْلًا لِلْعَبْدِ فِيمَا فِيهِ تَوْقِيتٌ .","part":19,"page":313},{"id":9313,"text":"( 6999 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ ( وَعَلَى هَذَا مَا زَادَ مِنْ الْحُكُومَةِ أَوْ نَقَصَ ، إلَّا أَنْ تَكُونَ الْجِنَايَةُ فِي رَأْسٍ أَوْ وَجْهٍ ، فَيَكُونَ أَسْهَلَ مِمَّا وُقِّتَ فِيهِ ، فَلَا يُجَاوَزُ بِهِ أَرْشُ الْمُوَقَّتِ ) يَعْنِي لَوْ نَقَصَتْهُ الْجِنَايَةُ أَكْثَرَ مِنْ عُشْرِ قِيمَتِهِ ، لَوَجَبَ أَكْثَرُ مِنْ عُشْرِ دِيَتِهِ ، وَلَوْ نَقَصَتْهُ أَقَلَّ مِنْ الْعُشْرِ ، مِثْلُ أَنْ نَقَصَتْهُ نِصْفَ عُشْرِ قِيمَتِهِ ؛ لَوَجَبَ نِصْفُ عُشْرِ دِيَتِهِ ، إلَّا إذَا شَجَّهُ دُونَ الْمُوضِحَةِ ، فَبَلَغَ أَرْشُ الْجِرَاحِ بِالْحُكُومَةِ أَكْثَرَ مِنْ أَرْشِ الْمُوضِحَةِ ، لَمْ يَجِبْ الزَّائِدُ ، فَلَوْ جَرَحَهُ فِي وَجْهِهِ سِمْحَاقًا ، فَنَقَصَتْهُ عُشْرَ قِيمَتِهِ ، فَمُقْتَضَى الْحُكُومَةِ وُجُوبُ عَشْرٍ مِنْ الْإِبِلِ ، وَدِيَةُ الْمُوضِحَةِ خَمْسٌ ، فَهَاهُنَا يُعْلَمُ غَلَطُ الْمُقَوِّمِ ؛ لِأَنَّ الْجِرَاحَةَ لَوْ كَانَتْ مُوضِحَةً ، لَمْ تَزِدْ عَلَى خَمْسٍ ، مَعَ أَنَّهَا سِمْحَاقٌ وَزِيَادَةٌ عَلَيْهَا ؛ فَلَأَنْ لَا يَجِبَ فِي بَعْضِهَا زِيَادَةٌ عَلَى خَمْسٍ أَوْلَى .\rوَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rوَبِهِ يَقُولُ الشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ ، أَنَّهُ يَجِبُ مَا تُخْرِجُهُ الْحُكُومَةُ ، كَائِنًا مَا كَانَ ؛ لِأَنَّهَا جِرَاحَةٌ لَا مُقَدَّرَ فِيهَا ، فَوَجَبَ فِيهَا مَا نَقَصَ ، كَمَا لَوْ كَانَتْ فِي سَائِرِ الْبَدَنِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهَا بَعْضُ الْمُوضِحَةِ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَوْضَحَهُ ، لَقَطَعَ مَا قَطَعَتْهُ هَذِهِ الْجِرَاحَةُ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَجِبَ فِي بَعْضِ الشَّيْء أَكْثَرُ مِمَّا يَجِبُ فِيهِ ، وَلِأَنَّ الضَّرَرَ فِي الْمُوضِحَةِ أَكْثَرُ ، وَالشَّيْنَ أَعْظَمُ ، وَالْمَحَلَّ وَاحِدٌ ، فَإِذَا لَمْ يَزِدْ أَرْشُ الْمُوضِحَةِ عَلَى خَمْسٍ ، كَانَ ذَلِكَ تَنْبِيهًا عَلَى أَنْ لَا يَزِيدَ مَا دُونَهَا عَلَيْهَا .\rوَأَمَّا سَائِرُ الْبَدَنِ ، فَمَا كَانَ فِيهِ مُوَقَّتٌ ، كَالْأَعْضَاءِ ، وَالْعِظَامِ الْمَعْلُومَةِ ، وَالْجَائِفَةِ ، فَلَا يُزَادُ جُرْحُ عَظْمٍ عَلَى دِيَتِهِ ، مِثَالُهُ ، جَرَحَ أُنْمُلَةً ، فَبَلَغَ أَرْشُهَا بِالْحُكُومَةِ خَمْسًا مِنْ الْإِبِلِ ، فَإِنَّهُ يُرَدُّ إلَى","part":19,"page":314},{"id":9314,"text":"دِيَةِ الْأُنْمُلَةِ .\rوَإِنْ جَنَى عَلَيْهِ فِي جَوْفِهِ دُونَ الْجَائِفَة ، لَمْ يَزِدْ عَلَى أَرْشِ الْجَائِفَةِ ، وَمَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ ، وَجَبَ مَا أَخْرَجَتْهُ الْحُكُومَةُ ؛ لِأَنَّ الْمَحَلَّ مُخْتَلِفٌ .\rفَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ وَجَبَ فِي بَعْضِ الْبَدَنِ أَكْثَرُ مِمَّا وَجَبَ فِي جَمِيعِهِ ، وَوَجَبَ فِي مَنَافِعِ اللِّسَانِ أَكْثَرُ مِنْ الْوَاجِبِ فِيهِ ؟ قُلْنَا : إنَّمَا وَجَبَتْ دِيَةُ النَّفْسِ عِوَضًا عَنْ الرُّوحِ ، وَلَيْسَتْ الْأَطْرَافُ بَعْضَهَا ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا هَذِهِ .\rذَكَرَهُ الْقَاضِي .\rوَيَحْتَمِلُ كَلَامُ الْخِرَقِيِّ أَنْ يَخْتَصَّ امْتِنَاعُ الزِّيَادَةِ بِالرَّأْسِ وَالْوَجْهِ ؛ لِقَوْلِهِ : إلَّا أَنْ تَكُونَ الْجِنَايَةُ فِي رَأْسٍ أَوْ وَجْهٍ ، فَلَا يُجَاوَزُ بِهِ أَرْشُ الْمُوَقَّتِ .\rفَصْلٌ : وَإِذَا أَخْرَجَتْ الْحُكُومَةُ فِي شِجَاجِ الرَّأْسِ الَّتِي دُونَ الْمُوضِحَةِ قَدْرَ أَرْشِ الْمُوضِحَةِ ، أَوْ زِيَادَةً عَلَيْهِ ، فَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ أَنَّهُ يَجِبُ أَرْشُ الْمُوضِحَةِ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : يَجِبُ أَنْ تَنْقُصَ عَنْهَا شَيْئًا ، عَلَى حَسَبِ مَا يُؤَدِّي إلَيْهِ الِاجْتِهَادُ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِئَلَّا يَجِبَ فِي بَعْضِهَا مَا يَجِبُ فِي جَمِيعِهَا .\rوَجْهُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ أَنَّ مُقْتَضَى الدَّلِيلِ وُجُوبُ مَا أَخْرَجَتْهُ الْحُكُومَةُ ، وَإِنَّمَا سَقَطَ الزَّائِدُ عَلَى أَرْشِ الْمُوضِحَةِ ؛ لِمُخَالَفَتِهِ النَّصَّ ، أَوْ تَنْبِيهَ النَّصِّ ، فَفِيمَا لَمْ يَزِدْ ، يَجِبُ الْبَقَاءُ عَلَى الْأَصْلِ ، وَلِأَنَّ مَا ثَبَتَ بِالتَّنْبِيهِ ، يَجُوزُ أَنْ يُسَاوِيَ الْمَنْصُوصَ عَلَيْهِ فِي الْحُكْمِ ، وَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَزِيدَ عَلَيْهِ ، كَمَا أَنَّهُ نَصَّ عَلَى وُجُوبِ فِدْيَةِ الْأَذَى فِي حَقِّ الْمَعْذُورِ ، وَلَمْ تَلْزَمْ زِيَادَتُهَا فِي حَقِّ مَنْ لَا عُذْرَ لَهُ ، وَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَجِبَ فِي الْبَعْضِ مَا يَجِبُ فِي الْكُلِّ ، بِدَلِيلِ وُجُوبِ دِيَةِ الْأَصَابِعِ ؛ مِثْلُ دِيَةِ الْيَدِ كُلِّهَا ، وَفِي حَشَفَةِ الذَّكَرِ مِثْلُ مَا فِي جَمِيعِهِ .\rفَإِنَّ هَذَا وَجَبَ بِالتَّقْدِيرِ الشَّرْعِيِّ ، لَا بِالتَّقْوِيمِ .\rقُلْنَا : إذَا ثَبَتَ الْحُكْمُ","part":19,"page":315},{"id":9315,"text":"بِنَصِّ الشَّارِعِ ، لَمْ يَمْتَنِعْ ثُبُوتُ مِثْلِهِ بِالْقِيَاسِ عَلَيْهِ ، وَالِاجْتِهَادِ الْمُؤَدِّي إلَيْهِ .\rوَفِي الْجُمْلَةِ ، فَالْحُكُومَةُ دَلِيلُ تَرْكِ الْعَمَلِ بِهَا فِي الزَّائِدِ لِمَعْنًى مَفْقُودٍ فِي الْمُسَاوِي ، فَيَجِبُ الْعَمَلُ فِيهِ بِهَا لِعَدَمِ الْمُعَارِضِ ثَمَّ ، وَإِنْ صَحَّ مَا ذَكَرُوهُ ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَنْقُصَ أَدْنَى مَا تَحْصُلُ بِهِ الْمُسَاوَاةُ الْمَحْذُورَةُ ، وَيَجِبُ الْبَاقِي ، عَمَلًا بِالدَّلِيلِ الْمُوجِبِ لَهُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":19,"page":316},{"id":9316,"text":"( 7001 ) فَصْلٌ : وَلَا يَكُون التَّقْوِيمُ إلَّا بَعْدَ بُرْءِ الْجُرْحِ ؛ لِأَنَّ أَرْشَ الْجُرْحِ الْمُقَدَّرَ إنَّمَا يَسْتَقِرُّ بَعْدَ بُرْئِهِ ، فَإِنْ لَمْ تَنْقُصْهُ الْجِنَايَةُ شَيْئًا بَعْدَ الْبُرْءِ ، مِثْلُ أَنْ قَطَعَ إصْبَعًا أَوْ يَدًا زَائِدَةً ، أَوْ قَلَعَ لِحْيَةَ امْرَأَةٍ ، فَلَمْ يَنْقُصْهُ ذَلِكَ ، بَلْ زَادَهُ حُسْنًا ، فَلَا شَيْءَ عَلَى الْجَانِي ؛ لِأَنَّ الْحُكُومَةَ لِأَجْلِ جَبْرِ النَّقْصِ ، وَلَا نَقْصَ هَاهُنَا ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ لَطَمَ وَجْهَهُ فَلَمْ يُؤَثِّرْ ، وَإِنْ زَادَتْهُ الْجِنَايَةُ حُسْنًا ، فَالْجَانِي مُحْسِنٌ بِجِنَايَتِهِ ، فَلَمْ يَضْمَنْ ، كَمَا لَوْ قَطَعَ سِلْعَةً أَوْ ثُؤْلُولًا ، وَبَطَّ خُرَّاجًا .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يَضْمَنَ .\rقَالَ الْقَاضِي : نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى هَذَا ؛ لِأَنَّ هَذَا جُزْءٌ مِنْ مَضْمُونٍ ، فَلَمْ يَعْرَ عَنْ ضَمَانٍ ، كَمَا لَوْ أَتْلَفَ مُقَدَّرَ الْأَرْشِ فَازْدَادَ بِهِ جَمَالًا ، أَوْ لَمْ يَنْقُصْهُ شَيْئًا ، فَعَلَى هَذَا يُقَوَّمُ فِي هَذَا أَقْرَبُ الْأَحْوَالِ إلَى الْبُرْءِ ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا سَقَطَ اعْتِبَارُ قِيمَتِهِ بَعْدَ بُرْئِهِ ، قُوِّمَ فِي أَقْرَبِ الْأَحْوَالِ إلَيْهِ ، كَوَلَدِ الْمَغْرُورِ ، لَمَّا تَعَذَّرَ تَقْوِيمُهُ فِي الْبَطْنِ ، قُوِّمَ عِنْدَ الْوَضْعِ ؛ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ الْأَحْوَالِ الَّتِي أَمْكَنَ تَقْوِيمُهُ إلَى كَوْنِهِ فِي الْبَطْنِ .\rوَإِنْ لَمْ يَنْقُصْ فِي تِلْكَ الْحَالِ ، قُوِّمَ وَالدَّمُ جَارٍ ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ نَقْصٍ لِلْخَوْفِ عَلَيْهِ .\rذَكَرَهُ الْقَاضِي .\rوَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَجْهَانِ ، كَمَا ذَكَرْنَا .\rوَتُقَوَّمُ لِحْيَةُ الْمَرْأَةِ كَأَنَّهَا لِحْيَةُ رَجُلٍ فِي حَالٍ يَنْقُصُهُ ذَهَابُ لِحْيَتِهِ .\rوَإِنْ أَتْلَفَ سِنًّا زَائِدَةً ، قُوِّمَ وَلَيْسَ لَهُ سِنٌّ ، وَلَا خَلْفَهَا أَصْلِيَّةٌ ، ثُمَّ يُقَوَّمُ وَقَدْ ذَهَبَتْ الزَّائِدَةُ .\rفَإِنْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ إذَا قَدَّرْنَاهَا ابْنَ عِشْرِينَ نَقَصَهَا ذَهَابُ لِحْيَتِهَا يَسِيرًا ، وَإِنْ قَدَّرْنَاهَا ابْنَ أَرْبَعِينَ نَقَصَهَا كَثِيرًا ، قَدَّرْنَاهَا ابْنَ عِشْرِينَ ؛ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ الْأَحْوَالِ إلَى حَالِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ ، فَأَشْبَهَ","part":19,"page":317},{"id":9317,"text":"تَقْوِيمَ الْجُرْحِ الَّذِي لَا يَنْقُصُ بَعْدَ الِانْدِمَالِ ، فَإِنَّا نُقَوِّمُهُ فِي أَقْرَبِ أَحْوَالِ النَّقْصِ إلَى حَالِ الِانْدِمَالِ .\rوَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ ، فَإِنَّ هَذَا لَا مُقَدَّرَ فِيهِ ، وَلَمْ يَنْقُصْ شَيْئًا ، فَأَشْبَهَ الضَّرْبَ ، وَتَضْمِينُ النَّقْصِ الْحَاصِلِ حَالَ جَرَيَانِ الدَّمِ ، إنَّمَا هُوَ تَضْمِينُ الْخَوْفِ عَلَيْهِ ، وَقَدْ زَالَ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ لَطَمَهُ فَاصْفَرَّ لَوْنُهُ حَالَ اللَّطْمَةِ ، أَوْ احْمَرَّ ، ثُمَّ زَالَ ذَلِكَ .\rوَتَقْدِيرُ الْمَرْأَةِ رَجُلًا لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ اللِّحْيَةَ زَيْنٌ لِلرَّجُلِ ، وَعَيْبٌ فِيهَا ، وَتَقْدِيرُ مَا يَعِيبُ بِمَا يَزِينُ لَا يَصِحُّ ، وَكَذَلِكَ تَقْدِيرُ السِّنِّ فِي حَالَةِ إيرَادِ زَوَالِهَا ، بِحَالَةٍ تُكْرَهُ ، لَا يَجُوزُ ؛ فَإِنَّ الشَّيْءَ يُقَدَّرُ بِنَظِيرِهِ ، وَيُقَاسُ عَلَى مِثْلِهِ ، لَا عَلَى ضِدِّهِ ، وَمَنْ قَالَ بِهَذَا الْوَجْهِ ، فَإِنَّمَا يُوجِبُ أَدْنَى مَا يُمْكِنُ إيجَابُهُ ، وَهُوَ أَقَلُّ نَقْصٍ يُمْكِنُ تَقْدِيرُهُ .","part":19,"page":318},{"id":9318,"text":"( 7002 ) فَصْلٌ : وَإِنْ لَطَمَهُ عَلَى وَجْهِهِ ، فَلَمْ يُؤَثِّرْ فِي وَجْهِهِ ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْقُصْ بِهِ جَمَالٌ وَلَا مَنْفَعَةٌ ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ حَالٌ يَنْقُصُ فِيهَا ، فَلَمْ يَضْمَنْهُ ، كَمَا لَوْ شَتَمَهُ .\rوَإِنْ سَوَّدَ وَجْهَهُ أَوْ خَضَّرَهُ ، ضَمِنَهُ بِدِيَتِهِ ؛ لِأَنَّهُ فَوَّتَ الْجَمَالَ عَلَى الْكَمَالِ ، فَضَمِنَهُ بِدِيَتِهِ ، كَمَا لَوْ قَطَعَ أُذُنَيْ الْأَصَمِّ ، وَأَنْفَ الْأَخْشَمِ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَيْسَ فِيهِ إلَّا حُكُومَةٌ ؛ لِأَنَّهُ لَا مُقَدَّرَ فِيهِ ، وَلَا هُوَ نَظِيرٌ لِمُقَدَّرٍ .\rوَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهُ نَظِيرٌ لِقَطْعِ الْأُذُنَيْنِ فِي ذَهَابِ الْجَمَالِ ، بَلْ هُوَ أَعْظَمُ فِي ذَلِكَ ، فَيَكُونُ بِإِيجَابِ الدِّيَةِ أَوْلَى .\rوَإِنْ زَالَ السَّوَادُ ، يَرُدُّ مَا أَخَذَهُ ؛ لِزَوَالِ سَبَبِ الضَّمَانِ .\rوَإِنْ زَالَ بَعْضُهُ ، وَجَبَتْ فِيهِ حُكُومَةٌ ، وَرَدَّ الْبَاقِيَ .\rوَإِنْ صَفَّرَ وَجْهَهُ أَوْ حَمَّرَهُ ، فَفِيهِ حُكُومَةٌ ؛ لِأَنَّ الْجَمَالَ لَمْ يَذْهَبْ عَلَى الْكَمَالِ ، وَهَذَا يُشْبِهُ مَا لَوْ سَوَّدَ سِنَّهُ ، أَوْ غَيَّرَ لَوْنَهَا ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ التَّفْصِيلِ فِيهَا .","part":19,"page":319},{"id":9319,"text":"( 7003 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَإِنْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ عَلَى الْعَبْدِ مِمَّا لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مُوَقَّتٌ فِي الْحُرِّ ، فَفِيهِ مَا نَقَصَهُ بَعْدَ الْتِئَامِ الْجُرْحِ ، وَإِنْ كَانَ فِيمَا جَنَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مُوَقَّتٌ فِي الْحُرِّ ، فَهُوَ مُوَقَّتٌ فِي الْعَبْدِ مِنْ قِيمَتِهِ ، فَفِي يَدِهِ نِصْفُ قِيمَتِهِ ، وَفِي مُوضِحَتِهِ نِصْفُ عُشْرِ قِيمَتِهِ ، نَقَصَتْهُ الْجِنَايَةُ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ أَوْ أَكْثَرَ ، وَهَكَذَا الْأَمَةُ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْجِنَايَةَ عَلَى الْعَبْدِ يَجِبُ ضَمَانُهَا بِمَا نَقَصَ مِنْ قِيمَتِهِ ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ إنَّمَا وَجَبَ جَبْرًا لِمَا فَاتَ بِالْجِنَايَةِ ، وَلَا يَنْجَبِرُ إلَّا بِإِيجَابِ مَا نَقَصَ مِنْ الْقِيمَةِ ، فَيَجِبُ ذَلِكَ ، كَمَا لَوْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ الْحَيَوَانَاتِ وَسَائِرِ الْمَالِ ، وَلَا يَجِبُ زِيَادَةٌ عَلَى ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ قَدْ انْجَبَرَ ، فَلَا يَجِبُ لَهُ زِيَادَةٌ عَلَى مَا فَوَّتَهُ الْجَانِي عَلَيْهِ .\rهَذَا هُوَ الْأَصْلُ ، وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا فِيمَا لَيْسَ فِيهِ مُقَدَّرٌ شَرْعِيٌّ .\rفَإِنْ كَانَ الْفَائِتُ بِالْجِنَايَةِ مُوَقَّتًا فِي الْحُرِّ ، كَيَدِهِ ، وَمُوضِحَتِهِ ، فَفِيهِ عَنْ أَحْمَدَ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، أَنَّ فِيهِ أَيْضًا مَا نَقَصَهُ ، بَالِغًا مَا بَلَغَ .\rوَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ أَنَّ هَذَا اخْتِيَارُ الْخَلَّالِ .\rوَرَوَى الْمَيْمُونِيُّ عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّهُ قَالَ : إنَّمَا يَأْخُذُ قِيمَةَ مَا نَقَصَ مِنْهُ عَلَى قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ .\rوَرُوِيَ هَذَا عَنْ مَالِكٍ ، فِيمَا عَدَا مُوضِحَتَهُ ، وَمُنَقِّلَتَهُ ، وَهَاشِمَتَهُ ، وَجَائِفَتَهُ ؛ لِأَنَّ ضَمَانَهُ ضَمَانُ الْأَمْوَالِ ، فَيَجِبُ فِيهِ مَا نَقَصَ كَالْبَهَائِمِ ، وَلِأَنَّ مَا ضُمِنَ بِالْقِيمَةِ بَالِغًا مَا بَلَغَ ، ضُمِنَ بَعْضُهُ بِمَا نَقَصَ ، كَسَائِرِ الْأَمْوَالِ ، وَلِأَنَّ مُقْتَضَى الدَّلِيلِ ضَمَانُ الْفَائِتِ بِمَا نَقَصَ ، خَالَفْنَاهُ فِيمَا وُقِّتَ فِي الْحُرِّ ، كَمَا خَالَفْنَاهُ فِي ضَمَانِ بَقِيَّتِهِ بِالدِّيَةِ الْمُؤَقَّتَةِ ، فَفِي الْعَبْدِ يَبْقَى فِيهِمَا عَلَى مُقْتَضَى الدَّلِيلِ ، وَظَاهِرُ","part":19,"page":320},{"id":9320,"text":"الْمَذْهَبِ أَنَّ مَا كَانَ مُوَقَّتًا فِي الْحُرِّ ، فَهُوَ مُوَقَّتٌ فِي الْعَبْدِ ؛ فَفِي يَدِهِ ، أَوْ عَيْنِهِ ، أَوْ أُذُنِهِ ، أَوْ شَفَتِهِ ، نِصْفُ قِيمَتِهِ ، وَفِي مُوضِحَتِهِ نِصْفُ عُشْرِ قِيمَتِهِ ، وَمَا أَوْجَبَ الدِّيَةَ فِي الْحُرِّ ، كَالْأَنْفِ ، وَاللِّسَانِ ، وَالْيَدَيْنِ ، وَالرِّجْلَيْنِ ، وَالْعَيْنَيْنِ ، وَالْأُذُنَيْنِ ، أَوْجَبَ قِيمَةَ الْعَبْدِ ، مَعَ بَقَاءِ مِلْكِ السَّيِّدِ عَلَيْهِ .\rرُوِيَ هَذَا عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .\rوَرُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ .\rوَبِهِ قَالَ ابْنُ سِيرِينَ ؛ وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ .\rوَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ .\rقَالَ أَحْمَدُ : هَذَا قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ .\rوَقَالَ آخَرُونَ : مَا أُصِيبَ بِهِ الْعَبْدُ فَهُوَ عَلَى مَا نَقَصَ مِنْ قِيمَتِهِ .\rوَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا لَوْ كَانَ قَوْلَ عَلِيٍّ لَمَا احْتَجَّ أَحْمَدُ فِيهِ إلَّا بِهِ دُونَ غَيْرِهِ .\rإلَّا أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيَّ قَالَا : مَا أَوْجَبَ الدِّيَةَ مِنْ الْحُرِّ ، يَتَخَيَّرُ سَيِّدُ الْعَبْدِ فِيهِ ، بَيْنَ أَنْ يُغَرِّمَهُ قِيمَتَهُ ، وَيَصِيرَ مِلْكًا لِلْجَانِي وَبَيْنَ أَنْ لَا يُضَمِّنَهُ شَيْئًا ، لِئَلَّا يُؤَدِّيَ إلَى اجْتِمَاعِ الْبَدَلِ وَالْمُبْدَلِ لِرَجُلٍ وَاحِدٍ ، وَرُوِيَ عَنْ إيَاسِ بْنِ مُعَاوِيَةَ ، فِي مَنْ قَطَعَ يَدَ عَبْدٍ عَمْدًا ، أَوْ فَقَأَ عَيْنَهُ ، هُوَ لَهُ ، وَعَلَيْهِ ثَمَنُهُ .\rوَوَجْهُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ ، قَوْلُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَلَمْ نَعْرِفْ لَهُ فِي الصَّحَابَةِ مُخَالِفًا ، وَلِأَنَّهُ آدَمِيٌّ يُضْمَنُ بِالْقِصَاصِ وَالْكَفَّارَةِ ، فَكَانَ فِي أَطْرَافِهِ مُقَدَّرٌ كَالْحُرِّ ، وَلِأَنَّ أَطْرَافَهُ فِيهَا مُقَدَّرٌ مِنْ الْحُرِّ ، فَكَانَ فِيهَا مُقَدَّرٌ مِنْ الْعَبْدِ ، كَالشِّجَاجِ الْأَرْبَعِ عِنْدَ مَالِكٍ ، وَمَا وَجَبَ فِي شِجَاجِهِ مُقَدَّرٌ ، وَجَبَ فِي أَطْرَافِهِ مُقَدَّرٌ كَالْحُرِّ .\rوَعَلَى أَبِي حَنِيفَةَ ، قَوْلُ عَلِيٍّ ، وَلِأَنَّ هَذِهِ الْأَعْضَاءَ فِيهَا مُقَدَّرٌ ، فَوَجَبَ ذَلِكَ فِيهَا مَعَ بَقَاءِ مِلْكِ السَّيِّدِ فِي الْعَبْدِ ، كَالْيَدِ الْوَاحِدَةِ ،","part":19,"page":321},{"id":9321,"text":"وَسَائِرِ الْأَعْضَاءِ ، وَلِأَنَّ مَنْ ضُمِنَتْ يَدُهُ بِمُقَدَّرٍ ، ضُمِنَتْ يَدَاهُ بِمِثْلَيْهِ ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَمْلِكَهُ كَالْحُرِّ .\rوَقَوْلُهُمْ : إنَّهُ اجْتَمَعَ الْبَدَلُ وَالْمُبْدَلُ لِوَاحِدٍ .\rلَيْسَ بِصَحِيحٍ ؛ لِأَنَّ الْقِيمَةَ هَاهُنَا بَدَلُ الْعُضْوِ وَحْدَهُ ، وَلَوْ كَانَ بَدَلًا عَنْ الْجُمْلَةِ ، لَكَانَ بَدَلُ الْيَدِ الْوَاحِدَةِ بَدَلًا عَنْ نِصْفِهِ ، وَبَدَلُ تِسْعِ أَصَابِعَ بَدَلًا عَنْ تِسْعَةِ أَعْشَارِهِ ، وَالْأَمْرُ بِخِلَافِهِ .\rوَالْأَمَةُ مِثْلُ الْعَبْدِ فِي ذَلِكَ ، إلَّا أَنَّهَا تُشَبَّهُ بِالْحُرَّةِ ، وَإِذَا بَلَغَتْ ثُلُثَ قِيمَتِهَا ، احْتَمَلَ أَنَّ جِنَايَتَهَا تُرَدُّ إلَى النِّصْفِ ، فَيَكُونُ فِي ثَلَاثِ أَصَابِعَ ثَلَاثَةُ أَعْشَارِ قِيمَتِهَا ، وَفِي أَرْبَعَةِ أَصَابِعَ خُمْسُهَا ، كَمَا أَنَّ الْمَرْأَةَ تُسَاوِي الرَّجُلَ فِي الْجِرَاحِ إلَى ثُلُثِ دِيَتِهَا ، فَإِذَا بَلَغَتْ الثُّلُثَ ، رُدَّتْ إلَى النِّصْفِ ، وَالْأَمَةُ امْرَأَةٌ ، فَيَكُونُ أَرْشُهَا مِنْ قِيمَتِهَا كَأَرْشِ الْحُرَّةِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يُرَدَّ إلَى النِّصْفِ لِأَنَّ ذَلِكَ فِي الْحُرَّةِ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ ؛ لِكَوْنِ الْأَصْلِ زِيَادَةُ الْأَرْشِ بِزِيَادَةِ الْجِنَايَةِ ، وَأَنَّهُ كُلَّمَا زَادَ نَقْصُهَا وَضَرَرُهَا ، زَادَ فِي ضَمَانِهَا ، فَإِذَا خُولِفَ هَذَا فِي الْحُرَّةِ ، بَقِينَا فِي الْأَمَةِ عَلَى وَفْقِ الْأَصْلِ .\r( 7004 ) فَصْلٌ : وَإِذَا جُنِيَ عَلَى الْعَبْدِ فِي رَأْسٍ أَوْ وَجْهٍ دُونَ الْمُوضِحَةِ ، فَنَقَصَتْهُ أَكْثَرَ مِنْ أَرْشِهَا ، وَجَبَ مَا نَقَصَتْهُ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرَدَّ إلَى نِصْفِ عُشْرِ قِيمَتِهِ ، كَالْحُرِّ إذَا زَادَ أَرْشُ شَجَّتِهِ الَّتِي دُونَ الْمُوضِحَةِ عَلَى نِصْفِ عُشْرِ دِيَتِهِ .\rوَالْأَوَّلُ أَوْلَى ؛ لِأَنَّ هَذِهِ جِرَاحَةٌ لَا مُوَقَّتَ فِيهَا ، فَكَانَ الْوَاجِبُ فِيهَا مَا نَقَصَ ، كَمَا لَوْ كَانَتْ فِي غَيْرِ رَأْسِهِ ، وَلِأَنَّ الْأَصْلَ وُجُوبُ مَا نَقَصَ ، خُولِفَ فِي الْمُقَدَّرِ ، فَفِي هَذَا يَبْقَى عَلَى الْأَصْلِ .","part":19,"page":322},{"id":9322,"text":"( 7005 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِنْ كَانَ الْمَقْتُولُ خُنْثَى مُشْكِلًا ، فَفِيهِ نِصْفُ دِيَةِ ذَكَرٍ ، وَنِصْفُ دِيَةِ أُنْثَى ) وَهَذَا قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : الْوَاجِبُ دِيَةُ أُنْثَى ؛ لِأَنَّهَا الْيَقِينُ ، فَلَا يَجِبُ الزَّائِدَةُ بِالشَّكِّ .\rوَلَنَا : أَنَّهُ يَحْتَمِلُ الذُّكُورِيَّةَ وَالْأُنُوثِيَّةَ احْتِمَالًا وَاحِدًا ، وَقَدْ يَئِسْنَا مِنْ انْكِشَافِ حَالِهِ ، فَيَجِبُ التَّوَسُّطُ بَيْنَهُمَا ، وَالْعَمَلُ بِكِلَا الِاحْتِمَالَيْنِ .\r( 7006 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا جِرَاحُهُ ، فَمَا لَمْ يَبْلُغْ ثُلُثَ الدِّيَةِ ، فَفِيهِ دِيَةُ جُرْحِ الذَّكَرِ ؛ لِاسْتِوَاءِ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى فِي ذَلِكَ ، وَإِنْ زَادَ عَلَى الثُّلُثِ ، مِثْلُ أَنْ قَطَعَ يَدَهُ ، فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ دِيَةِ يَدِ الذَّكَرِ ، سَبْعَةٌ وَثَلَاثُونَ بَعِيرًا وَنِصْفٌ ، وَيُقَادُ بِهِ الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى ؛ لِأَنَّهُمَا لَا يَخْتَلِفَانِ فِي الْقَوَدِ ، وَيُقَادُ هُوَ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا .","part":19,"page":323},{"id":9323,"text":"( 7007 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَإِنْ كَانَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ نِصْفُهُ حُرٌّ ، وَنِصْفُهُ عَبْدٌ ، فَلَا قَوَدَ ، وَعَلَى الْجَانِي إنْ كَانَ عَمْدًا نِصْفُ دِيَةِ حُرٍّ وَنِصْفُ قِيمَتِهِ ، وَهَكَذَا فِي جِرَاحِهِ ، وَإِنْ كَانَ خَطَأً ، فَعَلَيْهِ نِصْفُ قِيمَتِهِ ، وَعَلَى عَاقِلَتِهِ نِصْفُ الدِّيَةِ ) يَعْنِي لَا قَوَدَ عَلَى قَاتِلِهِ إذَا كَانَ نِصْفُهُ حُرًّا ؛ لِأَنَّهُ نَاقِصٌ بِالرِّقِّ ، فَلَمْ يُقْتَلْ بِهِ الْحُرُّ ، كَمَا لَوْ كَانَ كُلُّهُ رَقِيقًا .\rوَإِنْ كَانَ قَاتِلُهُ عَبْدًا ، قُتِلَ بِهِ ؛ لِأَنَّهُ أَكْمَلُ مِنْ الْجَانِي .\rوَإِنْ كَانَ نِصْفُ الْقَاتِلِ حُرًّا ، وَجَبَ الْقَوَدُ ؛ لِتَسَاوِيهِمَا ، وَإِنْ كَانَتْ الْحُرِّيَّةُ فِي الْقَاتِلِ أَكْثَرَ ، لَمْ يَجِبْ الْقَوَدُ ؛ لِعَدَمِ الْمُسَاوَاةِ بَيْنَهُمَا ، وَذَلِكَ كُلُّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ الْقَاتِلُ عَبْدًا فَعَلَيْهِ نِصْفُ دِيَةِ حُرٍّ ، وَنِصْفُ قِيمَتِهِ ، إذَا كَانَ عَمْدًا ؛ لِأَنَّ الْعَاقِلَةَ لَا تَحْمِلُ الْعَمْدَ ، وَإِنْ كَانَ خَطَأً فَفِي مَالِهِ نِصْفُ قِيمَتِهِ ؛ لِأَنَّ الْعَاقِلَةَ لَا تَحْمِلُ الْعَبْدَ ، وَعَلَى عَاقِلَتِهِ نِصْفُ الدِّيَةِ ؛ لِأَنَّهَا دِيَةُ حُرٍّ فِي الْخَطَإِ ، وَالْعَاقِلَةُ تَحْمِلُ ذَلِكَ ، وَهَكَذَا الْحُكْمُ فِي جِرَاحِهِ إذَا كَانَ قَدْرُ الدِّيَةِ مِنْ أَرْشِهَا يَبْلُغُ ثُلُثَ الدِّيَةِ ، مِثْلُ أَنْ يَقْطَعَ أَنْفَهُ أَوْ يَدَيْهِ .\rوَإِنْ قَطَعَ إحْدَى يَدَيْهِ ، فَعَقْلُ جَمِيعِهَا عَلَى الْجَانِي فِي مَالِهِ ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ نِصْفَ دِيَةِ الْيَدِ ، وَهُوَ رُبْعُ دِيَتِهِ ؛ لِأَجْلِ حُرِّيَّةِ نِصْفِهِ ، وَذَلِكَ دُونَ ثُلُثِ الدِّيَةِ ، وَعَلَيْهِ رُبْعُ قِيمَتِهِ .","part":19,"page":324},{"id":9324,"text":"( 7008 ) فَصْلٌ : وَدِيَةُ الْأَعْضَاءِ كَدِيَةِ النَّفْسِ ، فَإِنْ كَانَ الْوَاجِبُ مِنْ الذَّهَبِ أَوْ الْوَرِقِ ، لَمْ يَخْتَلِفْ بِعَمْدٍ وَلَا خَطَإٍ ، وَإِنْ كَانَ مِنْ الْإِبِلِ ، وَجَبَ فِي الْعَمْدِ أَرْبَاعًا ، عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ ، وَفِي الْأُخْرَى يَجِبُ خَمْسٌ وَعَشْرٌ مِنْهَا حِقَاقٌ ، وَخَمْسٌ وَعَشْرٌ جِذَاعٌ ، وَخُمْسَاهَا خَلِفَاتٌ ، وَفِي الْخَطَإِ يَجِبُ أَخْمَاسًا ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ ، مِثْلُ أَنْ يُوضِحَهُ عَمْدًا ، فَإِنَّهُ يَجِبُ أَرْبَعَةً أَرْبَاعًا ، وَالْخَامِسُ مِنْ أَحَدِ الْأَجْنَاسِ الْأَرْبَعَةِ ، قِيمَتُهُ رُبْعُ قِيمَةِ الْأَرْبَعِ .\rوَإِنْ قُلْنَا بِالرِّوَايَةِ الْأُخْرَى ، وَجَبَ خَلِفَتَانِ ، وَحِقَّةٌ ، وَجَذَعَةٌ ، وَبَعِيرٌ قِيمَتُهُ نِصْفُ قِيمَةِ حِقَّةٍ وَنِصْفُ قِيمَةِ جَذَعَةٍ .\rوَإِنْ كَانَ خَطَأً ، وَجَبَ الْخُمْسُ مِنْ الْأَجْنَاسِ الْخَمْسَةِ .\rمِنْ كُلِّ جِنْسٍ بَعِيرٌ .\rوَإِنْ كَانَ الْوَاجِبُ دِيَةَ أُنْمُلَةٍ ، وَقُلْنَا : يَجِبُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَجْنَاسٍ ، وَجَبَ بَعِيرٌ وَثُلُثٌ مِنْ الْخَلِفَاتِ ، وَحِقَّةٌ ، وَجَذَعَةٌ .\rوَإِنْ قُلْنَا : أَرْبَاعًا ، وَجَبَ ثَلَاثَةٌ وَثُلُثٌ ، قِيمَتُهَا نِصْفُ قِيمَةِ الْأَرْبَعَةِ وَثُلُثِهَا .\rوَإِنْ كَانَ خَطَأً ، فَقِيمَتُهَا ثُلُثَا قِيمَةِ الْخَمْسِ .\rوَعِنْدَ أَصْحَابِنَا ، قِيمَةُ كُلِّ بَعِيرٍ مِائَةٌ وَعِشْرُونَ دِرْهَمًا ، أَوْ عَشَرَةُ دَنَانِيرَ .\rوَلَا فَائِدَةَ فِي تَعْيِينِ أَسْنَانِهَا ، فَإِنْ اخْتَلَفَتْ قِيمَةُ الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ ، مِثْلُ أَنْ كَانَتْ الْعَشَرَةُ دَنَانِيرَ تُسَاوِي مِائَةَ دِرْهَمٍ ، فَقِيَاسُ قَوْلِهِمْ ، أَنَّهُ إذَا جَاءَ بِمَا قِيمَتُهُ عَشَرَةُ دَنَانِيرَ ، لَزِمَ الْمَجْنِيَّ عَلَيْهِ قَبُولُهُ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ جَاءَهُ بِالدَّنَانِيرِ ، لَزِمَهُ قَبُولُهَا ، فَيَلْزَمُهُ قَبُولُ مَا يُسَاوِيهَا - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":19,"page":325},{"id":9325,"text":"بَابُ الْقَسَامَةِ الْقَسَامَةُ : مَصْدَرُ أَقْسَمَ قَسَمًا وَقَسَامَةً .\rوَمَعْنَاهُ حَلَفَ حَلِفًا .\rوَالْمُرَادُ بِالْقَسَامَةِ هَاهُنَا الْأَيْمَانُ الْمُكَرَّرَةُ فِي دَعْوَى الْقَتْلِ .\rقَالَ الْقَاضِي : هِيَ الْأَيْمَانُ إذَا كَثُرَتْ عَلَى وَجْهِ الْمُبَالَغَةِ .\rقَالَ : وَأَهْلُ اللُّغَةِ يَذْهَبُونَ إلَى أَنَّهَا الْقَوْمُ الَّذِينَ يَحْلِفُونَ ؛ سُمُّوا بِاسْمِ الْمَصْدَرِ ، كَمَا يُقَالُ : رَجُلٌ زُورٌ وَعَدْلٌ وَرِضًى .\rوَأَيُّ الْأَمْرَيْنِ كَانَ ، فَهُوَ مِنْ الْقَسَمِ الَّذِي هُوَ الْحَلِفُ .\rوَالْأَصْلُ فِي الْقَسَامَةِ مَا رَوَى يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ ، عَنْ بَشِيرِ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ ، وَرَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ، { أَنَّ مُحَيِّصَةُ بْنَ مَسْعُودٍ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَهْلٍ انْطَلَقَا إلَى خَيْبَرَ ، فَتَفَرَّقَا فِي النَّخِيلِ ، فَقُتِلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَهْلٍ ، فَاتَّهَمُوا الْيَهُودَ ، فَجَاءَ أَخُوهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ ، وَابْنَا عَمِّهِ حُوَيِّصَةُ وَمُحَيِّصَةَ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَكَلَّمَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ فِي أَمْرِ أَخِيهِ ، وَهُوَ أَصْغَرُهُمْ .\rفَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : كَبِّرْ كَبِّرْ .\rأَوْ قَالَ : لِيَبْدَأ الْأَكْبَرُ .\rفَتَكَلَّمَا فِي أَمْرِ صَاحِبِهِمَا .\rفَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يُقْسِمُ خَمْسُونَ مِنْكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ ، فَيُدْفَعُ إلَيْكُمْ بِرُمَّتِهِ فَقَالُوا : أَمْرٌ لَمْ نَشْهَدْهُ ، كَيْفَ نَحْلِفُ ؟ قَالَ : فَتُبَرِّئُكُمْ يَهُودُ بِأَيْمَانِ خَمْسِينَ مِنْهُمْ ؟ قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَوْمٌ كُفَّارٌ ضُلَّالٌ .\rقَالَ : فَوَدَاهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ قِبَلِهِ .\rقَالَ سَهْلٌ : فَدَخَلْت مِرْبَدًا لَهُمْ ، فَرَكَضَتْنِي نَاقَةٌ مِنْ تِلْكَ الْإِبِلِ .\r} مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .","part":19,"page":326},{"id":9326,"text":"( 7009 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ ، رَحِمَهُ اللَّهُ : ( وَإِذَا وُجِدَ قَتِيلٌ ، فَادَّعَى أَوْلِيَاؤُهُ عَلَى قَوْمٍ لَا عَدَاوَةَ بَيْنَهُمْ ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ بَيِّنَةٌ ، لَمْ يُحْكَمْ لَهُمْ بِيَمِينٍ ، وَلَا غَيْرِهَا ) الْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي فَصْلَيْنِ : ( 7010 ) الْفَصْلُ الْأَوَّلُ : فِي أَنَّهُ إذَا وُجِدَ قَتِيلٌ فِي مَوْضِعٍ ، فَادَّعَى أَوْلِيَاؤُهُ قَتْلَهُ عَلَى رَجُلٍ ، أَوْ جَمَاعَةٍ ، وَلَمْ تَكُنْ بَيْنَهُمْ عَدَاوَةٌ ، وَلَا لَوْثٌ ، فَهِيَ كَسَائِرِ الدَّعَاوَى ، إنْ كَانَتْ لَهُمْ بَيِّنَةٌ ، حُكِمَ لَهُمْ بِهَا ، وَإِلَّا فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ .\rوَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ : إذَا ادَّعَى أَوْلِيَاؤُهُ قَتْلَهُ عَلَى أَهْلِ الْمَحَلَّةِ ، أَوْ عَلَى مُعَيَّنٍ ، فَلِلْوَلِيِّ أَنْ يَخْتَارَ مِنْ الْمَوْضِعِ خَمْسِينَ رَجُلًا ، يَحْلِفُونَ خَمْسِينَ يَمِينًا : وَاَللَّهِ مَا قَتَلْنَاهُ ، وَلَا عَلِمْنَا قَاتِلَهُ .\rفَإِنْ نَقَصُوا عَلَى الْخَمْسِينَ ، كُرِّرَتْ الْأَيْمَانُ عَلَيْهِمْ حَتَّى تَتِمَّ ، فَإِذَا حَلَفُوا ، وَجَبَتْ الدِّيَةُ عَلَى بَاقِي الْخِطَّةِ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ ، وَجَبَتْ عَلَى سُكَّانِ الْمَوْضِعِ ، فَإِنْ لَمْ يَحْلِفُوا ، حُبِسُوا حَتَّى يَحْلِفُوا أَوْ يُقِرُّوا ؛ لِمَا رُوِيَ ، أَنَّ رَجُلًا وُجِدَ قَتِيلًا بَيْنَ حَيَّيْنِ ، فَحَلَّفَهُمْ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ خَمْسِينَ يَمِينًا وَقَضَى بِالدِّيَةِ عَلَى أَقْرَبِهِمَا .\rيَعْنِي أَقْرَبَ الْحَيَّيْنِ ، فَقَالُوا : وَاَللَّهِ مَا وَقَتْ أَيْمَانُنَا أَمْوَالَنَا ، وَلَا أَمْوَالُنَا أَيْمَانَنَا ، فَقَالَ عُمَرُ : حَقَنْتُمْ بِأَمْوَالِكُمْ دِمَاءَكُمْ .\rوَلَنَا ، حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَهْلٍ ، وَقَوْلُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَوْ أُعْطِيَ النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ ، لَادَّعَى قَوْمٌ دِمَاءَ قَوْمٍ وَأَمْوَالَهُمْ ، وَلَكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ } .\rرَوَاهُ مُسْلِمٌ .\rوَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي ، وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ } .","part":19,"page":327},{"id":9327,"text":"وَلِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ ، وَلَمْ يَظْهَرْ كَذِبُهُ ، فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ ، كَسَائِرِ الدَّعَاوَى ، وَلِأَنَّهُ مُدَّعًى عَلَيْهِ ، فَلَمْ تَلْزَمْهُ الْيَمِينُ وَالْغُرْمُ ، كَسَائِرِ الدَّعَاوَى ، وَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْلَى مِنْ قَوْلِ عُمَرَ ، وَأَحَقُّ بِالِاتِّبَاعِ ، ثُمَّ قِصَّةُ عُمَرَ يَحْتَمِلُ أَنَّهُمْ اعْتَرَفُوا بِالْقَتْلِ خَطَأً ، وَأَنْكَرُوا الْعَمْدَ ، فَأُحْلِفُوا عَلَى الْعَمْدِ ، ثُمَّ إنَّهُمْ لَا يَعْمَلُونَ بِخَبَرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُخَالِفِ لِلْأُصُولِ ، وَقَدْ صَارُوا هَاهُنَا إلَى ظَاهِرِ قَوْلِ عُمَرَ الْمُخَالِفِ لِلْأُصُولِ ، وَهُوَ إيجَابُ الْأَيْمَانِ عَلَى غَيْرِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ، وَإِلْزَامُهُمْ الْغُرْمَ مَعَ عَدَمِ الدَّعْوَى عَلَيْهِمْ ، وَالْجَمْعُ بَيْنَ تَحْلِيفِهِمْ وَتَغْرِيمِهِمْ وَحَبْسِهِمْ عَلَى الْأَيْمَانِ .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : سَنَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْمُدَّعِي ، وَالْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ، وَسَنَّ الْقَسَامَةَ فِي الْقَتِيلِ الَّذِي وُجِدَ بِخَيْبَرَ ، وَقَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ خَارِجٌ عَنْ هَذِهِ السُّنَنِ .","part":19,"page":328},{"id":9328,"text":"( 7011 ) فَصْلٌ : وَلَا تُسْمَعُ الدَّعْوَى عَلَى غَيْرِ الْمُعَيَّنِ ، فَلَوْ كَانَتْ الدَّعْوَى عَلَى أَهْلِ مَدِينَةٍ أَوْ مُحَلَّةٍ ، أَوْ وَاحِدٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ ، أَوْ جَمَاعَةٍ مِنْهُمْ بِغَيْرِ أَعْيَانِهِمْ ، لَمْ تُسْمَعْ الدَّعْوَى .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ : تُسْمَعُ ، وَيُسْتَحْلَفُ خَمْسُونَ مِنْهُمْ ؛ لِأَنَّ الْأَنْصَارَ ادَّعَوْا الْقَتْلَ عَلَى يَهُودِ خَيْبَرَ ، وَلَمْ يُعَيِّنُوا الْقَاتِلَ ، فَسَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَعْوَاهُمْ .\rوَلَنَا ، أَنَّهَا دَعْوَى فِي حَقٍّ ، فَلَمْ تُسْمَعْ عَلَى غَيْرِ مُعَيَّنٍ ، كَسَائِرِ الدَّعَاوَى .\rفَأَمَّا الْخَبَرُ ، فَإِنَّ دَعْوَى الْأَنْصَارِ الَّتِي سَمِعَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ تَكُنْ الدَّعْوَى الَّتِي بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا ، فَإِنَّ تِلْكَ مِنْ شَرْطِهَا حُضُورُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عِنْدَهُمْ ، أَوْ تَعَذُّرُ حُضُورِهِ عِنْدَنَا ، وَقَدْ بَيَّنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ الدَّعْوَى لَا تَصِحُّ إلَّا عَلَى وَاحِدٍ ، بِقَوْلِهِ : { تُقْسِمُونَ عَلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ ، فَيُدْفَعُ إلَيْكُمْ بِرُمَّتِهِ } .\rوَفِي هَذَا بَيَانٌ أَنَّ الدَّعْوَى لَا تَصِحُّ عَلَى غَيْرِ مُعَيَّنٍ","part":19,"page":329},{"id":9329,"text":"( 7012 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا إنْ ادَّعَى الْقَتْلَ مِنْ غَيْرِ وُجُودِ قَتْلٍ وَلَا عَدَاوَةٍ ، فَحُكْمُهَا حُكْمُ سَائِرِ الدَّعَاوَى ، فِي اشْتِرَاطِ تَعْيِينِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ، وَأَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُهُ .\rلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا .","part":19,"page":330},{"id":9330,"text":"( 7013 ) الْفَصْلُ الثَّانِي : إنَّهُ إذَا ادَّعَى الْقَتْلَ ، وَلَمْ تَكُنْ عَدَاوَةٌ ، وَلَا لَوْثٌ ، فَفِيهِ عَنْ أَحْمَدَ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، لَا يُحَلَّفُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ، وَلَا يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِشَيْءِ ، وَيُخْلَى سَبِيلُهُ .\rهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الْخِرَقِيِّ هَاهُنَا ، وَسَوَاءٌ كَانَتْ الدَّعْوَى خَطَأً أَوْ عَمْدًا ؛ لِأَنَّهَا دَعْوَى فِيمَا لَا يَجُوزُ بَذْلُهُ ، فَلَمْ يُسْتَحْلَفْ فِيهَا ، كَالْحُدُودِ ، وَلِأَنَّهُ لَا يُقْضَى فِي هَذِهِ الدَّعْوَى بِالنُّكُولِ ، فَلَمْ يُسْتَحْلَفْ فِيهَا ، كَالْحُدُودِ ، وَالثَّانِيَةُ ، يُسْتَحْلَفُ .\rوَهُوَ الصَّحِيحُ ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِعُمُومِ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ } .\rوَقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ ، لَادَّعَى قَوْمٌ دِمَاءَ رِجَالٍ وَأَمْوَالَهُمْ ، وَلَكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ } .\rظَاهِرٌ فِي إيجَابِ الْيَمِينِ هَاهُنَا لِوَجْهَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، عُمُومُ اللَّفْظِ فِيهِ ، وَالثَّانِي : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَكَرَهُ فِي صَدْرِ الْخَبَرِ بِقَوْلِهِ : { لَادَّعَى قَوْمٌ دِمَاءَ رِجَالٍ وَأَمْوَالَهُمْ } .\rثُمَّ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ : { وَلَكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ } .\rفَيَعُودُ إلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْمَذْكُورِ فِي الْحَدِيثِ ، وَلَا يَجُوزُ إخْرَاجُهُ مِنْهُ إلَّا بِدَلِيلٍ أَقْوَى مِنْهُ ، وَلِأَنَّهَا دَعْوَى فِي حَقٍّ آدَمِيٍّ ، فَيُسْتَحْلَفُ فِيهَا ، كَدَعْوَى الْمَالِ ، وَلِأَنَّهَا دَعْوَى لَوْ أَقَرَّ بِهَا لَمْ يُقْبَلْ رُجُوعُهُ عَنْهَا ، فَتَجِبُ الْيَمِينُ فِيهَا ، كَالْأَصْلِ الْمَذْكُورِ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَالْمَشْرُوعُ يَمِينٌ وَاحِدَةٌ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّهُ يُشْرَعُ خَمْسُونَ يَمِينًا ؛ لِأَنَّهَا دَعْوًى فِي الْقَتْلِ ، فَكَانَ الْمَشْرُوعُ فِيهَا خَمْسِينَ يَمِينًا ، كَمَا لَوْ كَانَ بَيْنَهُمْ لَوْثٌ .\rوَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ فِي هَذَا ، كَالرِّوَايَتَيْنِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ قَوْلَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { وَلَكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ } .\rظَاهِرٌ","part":19,"page":331},{"id":9331,"text":"فِي أَنَّهَا يَمِينٌ وَاحِدَةٌ مِنْ وَجْهَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، أَنَّهُ وَحَّدَ الْيَمِينَ ، فَيَنْصَرِفُ إلَى وَاحِدَةٍ وَالثَّانِي : أَنَّهُ لَمْ يُفَرِّقْ فِي الْيَمِينِ الْمَشْرُوعَةِ ، فَيَدُلُّ عَلَى التَّسْوِيَةِ بَيْنَ الْمَشْرُوعَةِ فِي الدَّمِ وَالْمَالِ ، وَلِأَنَّهَا يَمِينٌ يُعَضِّدُهَا الظَّاهِرُ وَالْأَصْلُ ، فَلَمْ تُغَلَّظْ ، كَسَائِرِ الْأَيْمَانِ ، وَلِأَنَّهَا يَمِينٌ مَشْرُوعَةٌ فِي جَنَبَةِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ابْتِدَاءً ، فَلَمْ تُغَلَّظْ بِالتَّكْرِيرِ كَسَائِرِ الْأَيْمَانِ ، وَبِهَذَا فَارَقَ مَا ذَكَرُوهُ .\rفَإِنْ نَكَلَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَنْ الْيَمِينِ ، لَمْ يَجِبْ الْقِصَاصُ ، بِغَيْرِ خِلَافٍ فِي الْمَذْهَبِ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ : إنْ نَكَلَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ، رُدَّتْ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعِي ، فَحَلَفَ خَمْسِينَ يَمِينًا ، وَاسْتَحَقَّ الْقِصَاصَ إنْ كَانَتْ الدَّعْوَى عَمْدًا ، وَالدِّيَةَ إنْ كَانَتْ مُوجِبَةً لِلْقَتْلِ ؛ لَأَنْ يَمِينَ الْمُدَّعِي مَعَ نُكُولِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ كَالْبَيِّنَةِ أَوْ الْإِقْرَارِ ، وَالْقِصَاصُ يَجِبُ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا .\rوَلَنَا ، أَنَّ الْقَتْلَ لَمْ يَثْبُتْ بِبَيِّنَةٍ وَلَا إقْرَارٍ ، وَلَمْ يُعَضِّدْهُ لَوْثٌ ، فَلَمْ يَجِبْ الْقِصَاصُ ، كَمَا لَوْ لَمْ يَنْكُلْ ، وَلَا يَصِحُّ إلْحَاقُ الْأَيْمَانِ مَعَ النُّكُولِ بِبَيِّنَةٍ وَلَا إقْرَارٍ ؛ لِأَنَّهَا أَضْعَفُ مِنْهَا ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يُشْرَعُ إلَّا عَنَدَ عَدَمِهِمَا ، فَيَكُونَ بَدَلًا عَنْهُمَا ، وَالْبَدَلُ أَضْعَفُ مِنْ الْمُبْدَلِ ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ثُبُوتِ الْحُكْمِ بِالْأَقْوَى ، ثُبُوتُهُ بِالْأَضْعَفِ ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُوبِ الدِّيَةِ ، وُجُوبُ الْقِصَاصِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَثْبُتُ بِشَهَادَةِ النِّسَاءِ مَعَ الرِّجَالِ ، وَلَا بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ ، وَيُحْتَاطُ لَهُ ، وَيُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ ، وَالدِّيَةُ بِخِلَافِهِ .\rفَأَمَّا الدِّيَةُ فَتَثْبُتُ بِالنُّكُولِ عِنْدَ مَنْ يُثْبِتُ الْمَالَ بِهِ ، أَوْ تُرَدُّ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعِي ، فَيَحْلِفُ يَمِينًا وَاحِدَةً ، وَيَسْتَحِقُّهَا ، كَمَا لَوْ كَانَتْ الدَّعْوَى فِي مَالٍ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":19,"page":332},{"id":9332,"text":"( 7014 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( فَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمْ عَدَاوَةٌ وَلَوْثٌ ، فَادَّعَى أَوْلِيَاؤُهُ عَلَى وَاحِدٍ ، حَلَفَ الْأَوْلِيَاءُ عَلَى قَاتِلِهِ خَمْسِينَ يَمِينًا ، وَاسْتَحَقُّوا دَمَهُ إذَا كَانَتْ الدَّعْوَى عَمْدًا ) الْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي فُصُولٍ أَرْبَعَةٍ : ( 7015 ) الْفَصْلُ الْأَوَّلُ : فِي اللَّوْثِ الْمُشْتَرَطِ فِي الْقَسَامَةِ ، وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ فِيهِ ، فَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّ اللَّوْثَ هُوَ الْعَدَاوَةُ الظَّاهِرَةُ بَيْنَ الْمَقْتُولِ وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ ، كَنَحْوِ مَا بَيْنَ الْأَنْصَارِ وَيَهُودِ خَيْبَرَ ، وَمَا بَيْنَ الْقَبَائِلِ ، وَالْأَحْيَاءِ ، وَأَهْلِ الْقُرَى الَّذِينَ بَيْنَهُمْ الدِّمَاءُ وَالْحُرُوبُ ، وَمَا بَيْنَ أَهْلِ الْبَغْيِ وَأَهْلِ الْعَدْلِ ، وَمَا بَيْنَ الشُّرْطَةِ وَاللُّصُوصِ ، وَكُلِّ مَنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَقْتُولِ ضِغْنٌ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهُ قَتَلَهُ .\rنَقَلَ مُهَنَّا عَنْ أَحْمَدَ ، فِيمَنْ وُجِدَ قَتِيلًا فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ، يُنْظَرُ مَنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ فِي حَيَاتِهِ شَيْءٌ .\rيَعْنِي ضِغْنًا يُؤْخَذُونَ بِهِ .\rوَلَمْ يَذْكُرْ الْقَاضِي فِي اللَّوْثِ غَيْرَ الْعَدَاوَةِ ، إلَّا أَنَّهُ قَالَ فِي الْفَرِيقَيْنِ يَقْتَتِلَانِ ؛ فَيَنْكَشِفُونَ عَنْ قَتِيلٍ ، فَاللَّوْثُ عَلَى الطَّائِفَةِ وَاللَّوْثُ عَلَى طَائِفَةِ الْقَتِيلِ الَّتِي الْقَتِيلُ مِنْ غَيْرِهَا ، سَوَاءٌ كَانَ الْقَتْلَى بِالْتِحَامٍ ، أَوْ مُرَامَاةً بِالسِّهَامِ ، وَإِنْ لَمْ تَبْلُغْ السِّهَامُ فَاللَّوْثُ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ مَعَ الْعَدَاوَةِ أَنْ لَا يَكُونَ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي بِهِ الْقَتِيلُ غَيْرُ الْعَدُوِّ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، فِي رِوَايَةِ مُهَنًّا الَّتِي ذَكَرْنَاهَا .\rوَكَلَامُ الْخِرَقِيِّ يَدُلُّ عَلَيْهِ أَيْضًا .\rوَاشْتَرَطَ الْقَاضِي أَنْ يُوجَدَ الْقَتِيلُ فِي مَوْضِعِ عَدُوٍّ لَا يَخْتَلِطُ بِهِمْ غَيْرُهُمْ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ الْأَنْصَارِيَّ قُتِلَ فِي خَيْبَرَ وَلَمْ يَكُنْ فِيهَا إلَّا الْيَهُودُ ، وَجَمِيعُهُمْ أَعْدَاءٌ .\rوَلِأَنَّهُ مَتَى اخْتَلَطَ بِهِمْ غَيْرُهُمْ ، احْتَمَلَ أَنْ","part":19,"page":333},{"id":9333,"text":"يَكُونَ الْقَاتِلُ ذَلِكَ الْغَيْرَ .\rثُمَّ نَاقَضَ الْقَاضِي قَوْلَهُ ، فَقَالَ فِي قَوْمٍ ازْدَحَمُوا فِي مَضِيقٍ ، فَافْتَرَقُوا عَنْ قَتِيلٍ : إنْ كَانَ فِي الْقَوْمِ مَنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ عَدَاوَةٌ ، وَأَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ هُوَ قَتَلَهُ ؛ لِكَوْنِهِ بِقُرْبِهِ ، فَهُوَ لَوْثٌ .\rفَجَعَلَ الْعَدَاوَةَ لَوْثًا مَعَ وُجُودِ غَيْرِ الْعَدُوِّ .\rوَلَنَا ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَسْأَلْ الْأَنْصَارَ : هَلْ كَانَ بِخَيْبَرَ غَيْرُ الْيَهُودِ أَمْ لَا ؟ مَعَ أَنَّ الظَّاهِرَ وُجُودُ غَيْرِهِمْ فِيهَا ؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ أَمْلَاكًا لِلْمُسْلِمِينَ ، يَقْصِدُونَهَا لِأَخْذِ غَلَّاتِ أَمْلَاكِهِمْ مِنْهَا ، وَعِمَارَتِهَا ، وَالِاطِّلَاعِ عَلَيْهَا ، وَالِامْتِيَارِ مِنْهَا ، وَيَبْعُدُ أَنْ تَكُونَ مَدِينَةٌ عَلَى جَادَّةٍ تَخْلُو مِنْ غَيْرِ أَهْلِهَا .\rوَقَوْلُ الْأَنْصَارِ : لَيْسَ لَنَا بِخَيْبَرَ عَدُوٌّ إلَّا يَهُودُ .\rيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ قَدْ كَانَ بِهَا غَيْرُهُمْ مِمَّنْ لَيْسَ بِعَدُوٍّ ؛ وَلِأَنَّ اشْتِرَاكَهُمْ فِي الْعَدَاوَةِ ، لَا يَمْنَعُ مِنْ وُجُودِ اللَّوْثِ فِي حَقِّ وَاحِدٍ ، وَتَخْصِيصِهِ بِالدَّعْوَى مَعَ مُشَارَكَةِ غَيْرِهِ فِي احْتِمَالِ قَتْلِهِ ؛ فَلَأَنْ لَا يَمْنَعَ ذَلِكَ وُجُودَ مَنْ يَبْعُدُ مِنْهُ الْقَتْلُ أَوْلَى .\rوَمَا ذَكَرُوهُ مِنْ الِاحْتِمَالِ ، لَا يَنْفِي اللَّوْثَ ، فَإِنَّ اللَّوْثَ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ يَقِينُ الْقَتْلِ مِنْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ، وَلَا يُنَافِيهِ الِاحْتِمَالُ ، وَلَوْ تُيُقِّنَ الْقَتْلُ مِنْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ، لَمَا اُحْتِيجَ إلَى الْأَيْمَانِ ، وَلَوْ اُشْتُرِطَ نَفْيُ الِاحْتِمَالِ ؛ لَمَا صَحَّتْ الدَّعْوَى عَلَى وَاحِدٍ مِنْ جَمَاعَةٍ ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنَّ الْقَاتِلَ غَيْرُهُ ، وَلَا عَلَى الْجَمَاعَةِ كُلِّهِمْ ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَشْتَرِكَ الْجَمِيعُ فِي قَتْلِهِ .\rوَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ ، عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّ اللَّوْثَ مَا يُغَلِّبُ عَلَى الظَّنِّ صِدْقَ الْمُدَّعِي ، وَذَلِكَ فِي دَارٍ أَوْ غَيْرِهَا ، مِنْ وُجُوهٍ ؛ أَحَدُهَا ، الْعَدَاوَةُ الْمَذْكُورَةُ .\rوَالثَّانِي : أَنْ يَتَفَرَّقَ جَمَاعَةٌ عَنْ قَتِيلٍ ، فَيَكُونَ","part":19,"page":334},{"id":9334,"text":"ذَلِكَ لَوْثًا فِي حَقِّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ، فَإِنْ ادَّعَى الْوَلِيُّ عَلَى وَاحِدٍ فَأَنْكَرَ كَوْنَهُ مَعَ الْجَمَاعَةِ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ .\rذَكَرَهُ الْقَاضِي .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ ذَلِكَ ، إلَّا أَنْ يَثْبُتَ بِبَيِّنَةٍ .\rالثَّالِثُ : أَنْ يَزْدَحِمَ النَّاسُ فِي مَضِيقٍ ، فَيُوجَدَ فِيهِمْ قَتِيلٌ ، فَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ ، أَنَّ هَذَا لَيْسَ بِلَوْثٍ ، فَإِنَّهُ قَالَ فِيمَنْ مَاتَ بِالزِّحَامِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ : فِدْيَتُهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ .\rوَهَذَا قَوْلُ إِسْحَاقَ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ ؛ فَإِنَّ سَعِيدًا رَوَى فِي \" سُنَنِهِ \" ، عَنْ إبْرَاهِيمَ ، قَالَ : قُتِلَ رَجُلٌ فِي زِحَامِ النَّاسِ بِعَرَفَةَ ، فَجَاءَ أَهْلُهُ إلَى عُمَرَ ، فَقَالَ : بَيِّنَتُكُمْ عَلَى مَنْ قَتَلَهُ .\rفَقَالَ عَلِيٌّ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، لَا يُطَلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ ، إنْ عَلِمْت قَاتِلَهُ ، وَإِلَّا فَأَعْطِ دِيَتَهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ .\rوَقَالَ أَحْمَدُ ، فِيمَنْ وُجِدَ مَقْتُولًا فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ : يُنْظَرُ مَنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ شَيْءٌ فِي حَيَاتِهِ يَعْنِي عَدَاوَةً يُؤْخَذُونَ .\rفَلَمْ يَجْعَلْ الْحُضُورَ لَوْثًا ، وَإِنَّمَا جَعَلَ اللَّوْثَ الْعَدَاوَةَ .\rوَقَالَ الْحَسَنُ ، وَالزُّهْرِيُّ ، فِيمَنْ مَاتَ فِي الزِّحَامِ : دِيَتُهُ عَلَى مَنْ حَضَرَ ؛ لِأَنَّ قَتْلَهُ حَصَلَ مِنْهُمْ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : دَمُهُ هَدَرٌ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ لَهُ قَاتِلٌ ، وَلَا وُجِدَ لَوْثٌ ؛ فَيُحْكَمَ بِالْقَسَامَةِ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، أَنَّهُ كُتِبَ إلَيْهِ فِي رَجُلٍ وُجِدَ قَتِيلًا ، لَمْ يُعْرَفْ قَاتِلُهُ ، فَكَتَبَ إلَيْهِمْ : إنَّ مِنْ الْقَضَايَا قَضَايَا لَا يُحْكَمُ فِيهَا إلَّا فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ ، وَهَذَا مِنْهَا .\rالرَّابِعُ ، أَنْ يُوجَدَ قَتِيلٌ لَا يُوجَدُ بِقُرْبِهِ إلَّا رَجُلٌ مَعَهُ سَيْفٌ أَوْ سِكِّينٌ مُلَطَّخٌ بِالدَّمِ ، وَلَا يُوجَدُ غَيْرُهُ مِمَّنْ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهُ قَتَلَهُ ، مِثْلُ أَنْ يَرَى رَجُلًا هَارِبًا يَحْتَمِلُ أَنَّهُ الْقَاتِلُ أَوْ سَبْعًا يُحْتَمَلُ ذَلِكَ فِيهِ .","part":19,"page":335},{"id":9335,"text":"الْخَامِسُ : أَنْ يَقْتَتِلَ فِئَتَانِ ، فَيَفْتَرِقُونَ عَنْ قَتِيلٍ مِنْ إحْدَاهُمَا ، فَاللَّوْثُ عَلَى الْأُخْرَى .\rذَكَرَهُ الْقَاضِي .\rفَإِنْ كَانُوا بِحَيْثُ لَا تَصِلُ سِهَامُ بَعْضِهِمْ بَعْضًا ، فَاللَّوْثُ عَلَى طَائِفَةِ الْقَتِيلِ .\rهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ .\rوَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّ عَقْلَ الْقَتِيلِ عَلَى الَّذِينَ نَازَعُوهُمْ فِيمَا إذَا اقْتَتَلَتْ الْفِئَتَانِ ، إلَّا أَنْ يَدَّعُوا عَلَى وَاحِدٍ بِعَيْنِهِ .\rوَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ .\rوَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى : عَلَى الْفَرِيقَيْنِ جَمِيعًا ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ مَاتَ مِنْ فِعْلِ أَصْحَابِهِ ، فَاسْتَوَى الْجَمِيعُ فِيهِ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ فِي قَوْمٍ اقْتَتَلُوا ، فَقُتِلَ بَعْضُهُمْ ، وَجُرِحَ بَعْضُهُمْ : فَدِيَةُ الْمَقْتُولِينَ عَلَى الْمَجْرُوحِينَ ، تَسْقُطُ مِنْهَا دِيَةُ الْجِرَاحِ .\rوَإِنْ كَانَ فِيهِمْ مَنْ لَا جُرْحَ فِيهِ ، فَهَلْ عَلَيْهِ مِنْ الدِّيَاتِ شَيْءٌ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ ، ذَكَرَهُمَا ابْنُ حَامِدٍ .\rالسَّادِسُ ، أَنْ يَشْهَدَ بِالْقَتْلِ عَبِيدٌ أَوْ نِسَاءٌ ، فَهَذَا فِيهِ عَنْ أَحْمَد رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، أَنَّهُ لَوْثٌ ؛ لِأَنَّهُ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ صِدْقُ الْمُدَّعِي فِي دَعْوَاهُ ، فَأَشْبَهَ الْعَدَاوَةَ .\rوَالثَّانِيَةُ ، لَيْسَ بِلَوْثٍ ؛ لِأَنَّهَا شَهَادَةٌ مَرْدُودَةٌ ، فَلَمْ تَكُنْ لَوْثًا ، كَمَا لَوْ شَهِدَ بِهِ كُفَّارٌ .\rوَإِنْ شَهِدَ بِهِ فُسَّاقٌ أَوْ صِبْيَانٌ ، فَهَلْ يَكُونُ لَوْثًا ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، لَيْسَ بِلَوْثٍ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَعَلَّقُ بِشَهَادَتِهِمْ حُكْمٌ ، فَلَا يَثْبُتُ اللَّوْثُ بِهَا ، كَشَهَادَةِ الْأَطْفَالِ وَالْمَجَانِينِ .\rوَالثَّانِي : يَثْبُتُ بِهَا اللَّوْثُ ؛ لِأَنَّهَا شَهَادَةٌ تُغَلِّبُ عَلَى الظَّنِّ صِدْقَ الْمُدَّعِي ، فَأَشْبَهَ شَهَادَةَ النِّسَاءِ وَالْعَبِيدِ ، وَقَوْلُ الصِّبْيَانِ مُعْتَبَرٌ فِي الْإِذْنِ فِي دُخُولِ الدَّارِ ، وَقَبُولِ الْهَدِيَّةِ ، وَنَحْوِهَا .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rوَيُعْتَبَرُ أَنْ يَجِيءَ الصِّبْيَانُ مُتَفَرِّقِينَ ؛ لِئَلَّا يَتَطَرَّقَ إلَيْهِمْ التَّوَاطُؤُ عَلَى الْكَذِبِ .\rفَهَذِهِ الْوُجُوهُ قَدْ ذُكِرَ عَنْ أَحْمَدَ ،","part":19,"page":336},{"id":9336,"text":"أَنَّهَا لَوْثٌ ؛ لِأَنَّهَا تُغَلِّبُ عَلَى الظَّنِّ صِدْقَ الْمُدَّعِي ، أَشْبَهَتْ الْعَدَاوَةَ .\rوَرُوِيَ أَنَّ هَذَا لَيْسَ بِلَوْثٍ ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي الَّذِي قُتِلَ فِي الزِّحَامِ ؛ لِأَنَّ اللَّوْثَ إنَّمَا يَثْبُتُ بِالْعَدَاوَةِ بِقَضِيَّةِ الْأَنْصَارِيِّ الْقَتِيلِ بِخَيْبَرَ ، وَلَا يَجُوزُ الْقِيَاسُ عَلَيْهَا ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ ثَبَتَ بِالْمَظِنَّةِ ، وَلَا يَجُوزُ الْقِيَاسُ فِي الْمَظَانِّ ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ إنَّمَا يَتَعَدَّى بِتَعَدِّي سَبَبِهِ ، وَالْقِيَاسُ فِي الْمَظَانِّ جَمْعٌ بِمُجَرَّدِ الْحِكْمَةِ وَغَلَبَةِ الظُّنُونِ ، وَالْحِكَمُ وَالظُّنُونُ تَخْتَلِفُ وَلَا تَأْتَلِفُ ، وَتَنْخَبِطُ وَلَا تَنْضَبِطُ ، وَتَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْقَرَائِنِ وَالْأَحْوَالِ وَالْأَشْخَاصِ ، فَلَا يُمْكِنُ رَبْطُ الْحُكْمِ بِهَا ، وَلَا تَعْدِيَتُهُ بِتَعَدِّيهَا ، وَلِأَنَّهَا يُعْتَبَرُ فِي التَّعْدِيَةِ وَالْقِيَاسِ التَّسَاوِي بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ فِي الْمُقْتَضِي ، وَلَا سَبِيلَ إلَى يَقِينِ التَّسَاوِي بَيْنَ الظَّنَّيْنِ مَعَ كَثْرَةِ الِاحْتِمَالَاتِ وَتَرَدُّدِهَا ، فَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ ، حُكْمُ هَذِهِ الصُّوَرِ حُكْمُ غَيْرِهَا ، مِمَّا لَا لَوْثَ فِيهِ .","part":19,"page":337},{"id":9337,"text":"( 7016 ) فَصْلٌ : وَإِنْ شَهِدَ رَجُلَانِ عَلَى رَجُلٍ ، أَنَّهُ قَتَلَ أَحَدَ هَذَيْنِ الْقَتِيلَيْنِ .\rلَمْ تَثْبُتْ هَذِهِ الشَّهَادَةُ ، وَلَمْ يَكُنْ لَوْثًا عِنْدَ أَحَدِ عُلَمَائِنَا .\rقَوْلَهُ : وَإِنْ شَهِدَا أَنَّ هَذَا الْقَتِيلَ قَتَلَهُ أَحَدُ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ ، أَوْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّ هَذَا قَتَلَهُ ، وَشَهِدَ الْآخَرُ أَنَّهُ أَقَرَّ بِقَتْلِهِ ، أَوْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّ هَذَا قَتَلَهُ بِسَيْفٍ ، وَشَهِدَ الْآخَرُ أَنَّهُ قَتَلَهُ بِسِكِّينٍ ، لَمْ تَثْبُتْ الشَّهَادَةُ ، وَلَمْ تَكُنْ لَوْثًا .\rهَذَا قَوْلُ الْقَاضِي وَاخْتِيَارُهُ .\rوَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ ، فِيمَا إذَا شَهِدَ أَحَدُهُمَا بِقَتْلِهِ ، وَالْآخَرُ بِالْإِقْرَارِ بِقَتْلِهِ ، أَنَّهُ يَثْبُتُ الْقَتْلُ .\rوَاخْتَارَ أَبُو بَكْرٍ ثُبُوتَ الْقَتْلِ هَاهُنَا ، وَفِيمَا إذَا شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ قَتَلَهُ بِسَيْفٍ وَشَهِدَ الْآخَرُ أَنَّهُ قَتَلَهُ بِسِكِّينٍ ؛ لِأَنَّهُمَا اتَّفَقَا عَلَى الْقَتْلِ ، وَاخْتَلَفَا فِي صِفَتِهِ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : هُوَ لَوْثٌ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ ، فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ ، وَفِي الصُّورَتَيْنِ اللَّتَيْنِ قَبْلَهَا هُوَ لَوْثٌ ؛ لِأَنَّهَا شَهَادَةٌ تُغَلِّبُ عَلَى الظَّنِّ صِدْقَ الْمُدَّعِي ، أَشْبَهَتْ شَهَادَةَ النِّسَاءِ وَالْعَبِيدِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهَا شَهَادَةٌ مَرْدُودَةٌ ؛ لِلِاخْتِلَافِ فِيهَا ، فَلَمْ تَكُنْ لَوْثًا ، كَالصُّورَةِ الْأُولَى .","part":19,"page":338},{"id":9338,"text":"فَصْلٌ : وَلَيْسَ مِنْ شَرْطِ اللَّوْثِ أَنْ يَكُونَ بِالْقَتِيلِ أَثَرٌ .\rوَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ : أَنَّهُ شَرْطٌ .\rوَهَذَا قَوْلُ حَمَّادٍ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَالثَّوْرِيِّ ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ بِهِ أَثَرٌ ، احْتَمَلَ أَنَّهُ مَاتَ حَتْفَ أَنْفِهِ .\rوَلَنَا ؛ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَسْأَلْ الْأَنْصَارَ ، هَلْ كَانَ بِقَتِيلِهِمْ أَثَرٌ أَوْ لَا ؟ وَلِأَنَّ الْقَتْلَ يَحْصُلُ بِمَا لَا أَثَرَ لَهُ ، كَغَمِّ الْوَجْهِ ، وَالْخَنْقِ ، وَعَصْرِ الْخُصْيَتَيْنِ ، وَضَرْبَةِ الْفُؤَادِ ، فَأَشْبَهَ مَنْ بِهِ أَثَرٌ ، وَمَنْ بِهِ أَثَرٌ قَدْ يَمُوتُ حَتْفَ أَنْفِهِ ؛ لِسَقْطَتِهِ ، أَوْ صَرْعَتِهِ ، أَوْ يَقْتُلُ نَفْسَهُ .\rفَعَلَى قَوْلِ مَنْ اعْتَبَرَ الْأَثَرَ ، إنْ خَرَجَ الدَّمُ مِنْ أُذُنِهِ ، فَهُوَ لَوْثٌ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ إلَّا بِالْخَنْقِ لَهُ ، أَوْ أَمْرٍ أُصِيبَ بِهِ ، وَإِنْ خَرَجَ مِنْ أَنْفِهِ ، فَهَلْ يَكُونُ لَوْثًا ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ .","part":19,"page":339},{"id":9339,"text":"( 7018 ) الْفَصْلُ الثَّانِي : أَنَّ الْقَسَامَةَ لَا تَثْبُتُ مَا لَمْ يَتَّفِقْ الْأَوْلِيَاءُ عَلَى الدَّعْوَى ، فَإِنْ كَذَّبَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا ، فَقَالَ أَحَدُهُمْ : قَتَلَهُ هَذَا .\rوَقَالَ الْآخَرُ : لَمْ يَقْتُلْهُ هَذَا .\rأَوْ قَالَ : بَلْ قَتَلَهُ هَذَا الْآخَرُ ، لَمْ تَثْبُتْ الْقَسَامَةُ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .\rوَسَوَاءٌ كَانَ الْمُكَذِّبُ عَدْلًا أَوْ فَاسِقًا .\rوَذُكِرَ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْقَسَامَةَ لَا تَبْطُلُ بِتَكْذِيبِ الْفَاسِقِ ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ غَيْرُ مَقْبُولٍ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ مُقِرٌّ عَلَى نَفْسِهِ بِتَبْرِئَةِ مَنْ ادَّعَى عَلَيْهِ أَخُوهُ ، فَقُبِلَ ، كَمَا لَوْ ادَّعَى دَيْنًا لَهُمَا ، وَإِنَّمَا لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ عَلَى غَيْرِهِ ، فَأَمَّا عَلَى نَفْسِهِ ، فَهُوَ كَالْعَدْلِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُتَّهَمُ فِي حَقِّهَا ؛ فَأَمَّا إنْ لَمْ يُكَذِّبْهُ ، وَلَمْ يُوَافِقْهُ فِي الدَّعْوَى ، مِثْلُ أَنْ قَالَ أَحَدُهُمَا ؛ قَتَلَهُ هَذَا .\rوَقَالَ الْآخَرُ : لَا نَعْلَمُ قَاتِلَهُ .\rفَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ ، أَنَّ الْقَسَامَةَ لَا تَثْبُتُ ؛ لِاشْتِرَاطِهِ ادِّعَاءَ الْأَوْلِيَاءِ عَلَى وَاحِدٍ .\rوَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ .\rوَكَذَلِكَ إنْ كَانَ أَحَدُ الْوَلِيَّيْنِ غَائِبًا ، فَادَّعَى الْحَاضِرُ دُونَ الْغَائِبِ ، أَوْ ادَّعَيَا جَمِيعًا عَلَى وَاحِدٍ ، وَنَكَلَ أَحَدُهُمَا عَنْ الْأَيْمَانِ ، لَمْ يَثْبُتْ الْقَتْلُ ، فِي قِيَاسِ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ .\rوَمُقْتَضَى قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ وَالْقَاضِي ، ثُبُوتُ الْقَسَامَةِ .\rوَكَذَلِكَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا لَمْ يُكَذِّبْ الْآخَرَ ، فَلَمْ تَبْطُلْ الْقَسَامَةُ ، كَمَا لَوْ كَانَ أَحَدُ الْوَارِثَيْنِ امْرَأَةً أَوْ صَغِيرًا ، فَعَلَى قَوْلِهِمْ ، يَحْلِفُ الْمُدَّعِي خَمْسِينَ يَمِينًا ، وَيَسْتَحِقُّ نِصْفَ الدِّيَةِ ؛ لِأَنَّ الْأَيْمَانَ هَاهُنَا بِمَنْزِلَةِ الْبَيِّنَةِ ، وَلَا يَثْبُتُ شَيْءُ مِنْ الْحَقِّ إلَّا بَعْدَ كَمَالِ الْبَيِّنَةِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ ادَّعَى أَحَدُهُمَا دَيْنًا لِأَبِيهِمَا ، فَإِنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ نَصِيبَهُ مِنْ الدَّيْن إلَّا أَنْ يُقِيمَ بَيِّنَةً كَامِلَةً .\rوَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ ، فِيمَا إذَا كَانَ","part":19,"page":340},{"id":9340,"text":"أَحَدُهُمَا غَائِبًا ، أَنَّ الْأَوَّلَ فِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، أَنَّهُ يَحْلِفُ خَمْسًا وَعِشْرِينَ يَمِينًا ، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ حَامِدٍ ؛ لِأَنَّ الْأَيْمَانَ مَقْسُومَةٌ عَلَيْهِ وَعَلَى أَخِيهِ ، بِدَلِيلِ مَا لَوْ كَانَا حَاضِرَيْنِ مُتَّفِقَيْنِ فِي الدَّعْوَى ، وَلَا يَحْلِفُ الْإِنْسَانُ عَنْ غَيْرِهِ ، فَلَا يَلْزَمُهُ أَكْثَرُ مِنْ حِصَّتِهِ ، فَإِذَا حَضَرَ الْغَائِبُ أَقْسَمَ خَمْسَةً وَعِشْرِينَ يَمِينًا وَجْهًا وَاحِدًا ؛ لِأَنَّهُ يَبْنِي عَلَى أَيْمَانِ أَخِيهِ .\rوَذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ وَالْقَاضِي فِي نَظِيرِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ؛ أَنَّ الْأَوَّلَ يَحْلِفُ خَمْسِينَ يَمِينًا ، وَهَلْ يَحْلِفُ الثَّانِي خَمْسِينَ أَوْ خَمْسَةً وَعِشْرِينَ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا يَقُولُ ، يَحْلِفُ خَمْسِينَ ؛ لِأَنَّ أَخَاهُ لَمْ يَسْتَحِقَّ إلَّا بِخَمْسِينَ ، فَكَذَلِكَ هُوَ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُمَا لَمْ يَتَّفِقَا فِي الدَّعْوَى ، فَلَمْ تَثْبُتْ الْقَسَامَةُ ، كَمَا لَوْ كَذَّبَهُ ؛ وَلِأَنَّ الْحَقَّ فِي مَحَلِّ الْوِفَاقِ ، إنَّمَا يَثْبُتُ بِأَيْمَانِهِمَا الَّتِي أُقِيمَتْ مُقَامَ الْبَيِّنَةِ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَقُومَ أَحَدُهُمَا مَقَامَ الْآخَرِ فِي الْأَيْمَانِ ، كَمَا فِي سَائِرِ الدَّعَاوَى .\rفَعَلَى هَذَا ، إنْ قَدِمَ الْغَائِبُ ، فَوَافَقَ أَخَاهُ ، أَوْ عَادَ مَنْ لَمْ يَعْلَمْ ، فَقَالَ : قَدْ عَرَفْتُهُ ، هُوَ الَّذِي عَيَّنَهُ أَخِي .\rأَقْسَمَا حِينَئِذٍ .\rوَإِنْ قَالَ أَحَدُهُمَا : قَتَلَهُ هَذَا .\rوَقَالَ الْآخَرُ : قَتَلَهُ هَذَا وَفُلَانٌ .\rفَعَلَى قَوْلِ الْخِرَقِيِّ ، لَا تَثْبُتُ الْقَسَامَةُ ؛ لِأَنَّهَا لَا تَكُونُ إلَّا عَلَى وَاحِدٍ .\rوَعَلَى قَوْلِ غَيْرِهِ ، يَحْلِفَانِ عَلَى مَنْ اتَّفَقَا عَلَيْهِ ، وَيَسْتَحِقَّانِ نِصْفَ الدِّيَةِ ، وَلَا يَجِبُ الْقَوَدُ ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَجِبُ فِي الدَّعْوَى عَلَى وَاحِدٍ ، وَيَحْلِفَانِ جَمِيعًا عَلَى هَذَا الَّذِي اتَّفَقَا عَلَيْهِ عَلَى حَسَبِ دَعْوَاهُمَا ، وَيَسْتَحِقَّانِ نِصْفَ الدِّيَةِ ، وَلَا يَجِبُ أَكْثَرُ مِنْ نِصْفِ الدِّيَةِ ؛ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا يُكَذِّبُ الْآخَرَ فِي النِّصْفِ الْآخَرِ ، فَبَقِيَ اللَّوْثُ فِي حَقِّهِ فِي نِصْفِ الدَّمِ الَّذِي اتَّفَقَا","part":19,"page":341},{"id":9341,"text":"عَلَيْهِ ، وَلَمْ يَثْبُتْ فِي النِّصْفِ الَّذِي كَذَّبَهُ أَخُوهُ فِيهِ ، وَلَا يَحْلِفُ الْآخَرُ عَلَى الْآخَرِ ؛ لِأَنَّ أَخَاهُ كَذَّبَهُ فِي دَعْوَاهُ عَلَيْهِ .\rوَإِنْ قَالَ أَحَدُهُمَا : قَتَلَ أَبِي زَيْدٌ وَآخَرُ لَا أَعْرِفُهُ .\rوَقَالَ الْآخَرُ : قَتَلَهُ عَمْرٌو وَآخَرُ لَا أَعْرِفُهُ .\rلَمْ تَثْبُتْ الْقَسَامَةُ ، فِي ظَاهِرِ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ ؛ لِأَنَّهَا لَا تَكُونُ إلَّا عَلَى وَاحِدٍ ، وَلِأَنَّهُمَا مَا اتَّفَقَا فِي الدَّعْوَى عَلَى وَاحِدٍ ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَحْلِفَا عَلَى مَنْ لَمْ يَتَّفِقَا فِي الدَّعْوَى عَلَيْهِ ، وَالْحَقُّ إنَّمَا ثَبَتَ فِي مَحَلِّ الْوِفَاقِ بِأَيْمَانِ الْجَمِيعِ ، فَكَيْفَ يَثْبُتُ فِي الْفَرْعِ بِأَيْمَانِ الْبَعْضِ ؟ ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ وَالْقَاضِي : تَثْبُتُ الْقَسَامَةُ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ هَاهُنَا تَكْذِيبٌ ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الَّذِي جَهِلَهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ، هُوَ الَّذِي عَرَفَهُ أَخُوهُ ، فَيَحْلِفُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى الَّذِي عَيَّنَهُ خَمْسِينَ يَمِينًا ، وَيَسْتَحِقُّ رُبْعَ الدِّيَةِ ، فَإِنْ عَادَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ، فَقَالَ : قَدْ عَرَفْت الَّذِي جَهِلَهُ ، وَهُوَ الَّذِي عَيَّنَهُ أَخِي .\rحَلَفَ أَيْضًا عَلَى الَّذِي حَلَفَ عَلَيْهِ أَخُوهُ ، وَأَخَذَ مِنْهُ رُبْعَ الدِّيَةِ ، وَيَحْلِفُ خَمْسَةً وَعِشْرِينَ يَمِينًا ؛ لِأَنَّهُ يَبْنِي عَلَى أَيْمَانِ أَخِيهِ ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ أَكْثَرُ مِنْ خَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ ، كَمَا لَوْ عَرَفَهُ ابْتِدَاءً .\rوَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ ، أَنَّهُ يَحْلِفُ خَمْسِينَ يَمِينًا ؛ لِأَنَّ أَخَاهُ حَلَفَ خَمْسِينَ يَمِينًا ، وَلِلشَّافِعِيِّ فِي هَذَا قَوْلَانِ كَالْوَجْهَيْنِ .\rوَيَجِيءُ فِي الْمَسْأَلَةِ وَجْهٌ آخَرُ ، وَهُوَ أَنَّ الْأَوَّلَ لَا يَحْلِفُ أَكْثَرَ مِنْ خَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ يَمِينًا ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَحْلِفُ عَلَى مَا يَسْتَحِقُّهُ ، وَاَلَّذِي يَسْتَحِقُّهُ النِّصْفُ ، فَيَكُونُ عَلَيْهِ نِصْفُ الْأَيْمَانِ ، كَمَا لَوْ حَلَفَ أَخُوهُ مَعَهُ .\rوَإِنْ قَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا : الَّذِي كُنْت جَهِلْتُهُ غَيْرُ الَّذِي عَيَّنَهُ أَخِي .\rبَطَلَتْ الْقَسَامَةُ الَّتِي","part":19,"page":342},{"id":9342,"text":"أَقْسَمَاهَا ؛ لِأَنَّ التَّكْذِيبَ يَقْدَحُ فِي اللَّوْثِ ؛ فَيَرُدُّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا أَخَذَ مِنْ الدِّيَةِ .\rوَإِنْ كَذَّبَ أَحَدُهُمَا أَخَاهُ ، وَلَمْ يُكَذِّبْهُ الْآخَرُ ، بَطَلَتْ قَسَامَةُ الْمُكَذَّبِ دُونَ الَّذِي لَمْ يُكَذَّبْ .","part":19,"page":343},{"id":9343,"text":"( 7019 ) فَصْلٌ : إنْ قَالَ الْوَلِيُّ بَعْدَ الْقَسَامَةِ : غَلِطْت ، مَا هَذَا الَّذِي قَتَلَهُ .\rأَوْ : ظَلَمْتُهُ بِدَعْوَايَ الْقَتْلَ عَلَيْهِ .\rأَوْ قَالَ : كَانَ هَذَا الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِي بَلَدٍ آخَرَ يَوْمَ قَتْلِ وَلِيِّي ، وَكَانَ بَيْنَهُمَا بُعْدٌ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَقْتُلَهُ إذَا كَانَ فِيهِ .\rبَطَلَتْ الْقَسَامَةُ ، وَلَزِمَهُ رَدُّ مَا أَخَذَهُ ؛ لِأَنَّهُ مُقِرٌّ عَلَى نَفْسِهِ ، فَقُبِلَ إقْرَارُهُ .\rوَإِنْ قَالَ : مَا أَخَذْتُهُ حَرَامٌ .\rسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ ، فَإِنْ قَالَ : أَرَدْت أَنَّنِي كَذَبْت فِي دَعْوَايَ عَلَيْهِ .\rبَطَلَتْ قَسَامَتُهُ أَيْضًا .\rوَإِنْ قَالَ : أَرَدْت أَنَّ الْأَيْمَانَ تَكُونُ فِي جَنَبَةِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ، كَمَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ .\rلَمْ تَبْطُلْ الْقَسَامَةُ ؛ لِأَنَّهَا ثَبَتَتْ بِاجْتِهَادِ الْحَاكِمِ ، فَيُقَدَّمُ عَلَى اعْتِقَادِهِ ، وَإِنْ قَالَ : هَذَا مَغْصُوبٌ .\rوَأَقَرَّ بِمَنْ غَصَبَ مِنْهُ ، لَزِمَهُ رَدُّهُ عَلَيْهِ ، وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ عَلَى مَنْ أَخَذَهُ مِنْهُ ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يُقْبَلُ إقْرَارُهُ عَلَى غَيْرِهِ .\rوَإِنْ لَمْ يُقِرَّ بِهِ لِأَحَدٍ ، لَمْ تُرْفَعْ يَدُهُ عَنْهُ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَيَّنْ مُسْتَحِقُّهُ .\rوَإِنْ اخْتَلَفَا فِي مُرَادِهِ بِقَوْلِهِ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ ؛ لِأَنَّهُ أَعْرَفُ بِقَصْدِهِ .","part":19,"page":344},{"id":9344,"text":"( 7020 ) فَصْلٌ : وَإِنْ أَقَامَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بَيِّنَةً أَنَّهُ كَانَ يَوْمَ الْقَتْلِ فِي بَلَدٍ بَعِيدٍ مِنْ بَلَدِ الْمَقْتُولِ ، لَا يُمْكِنُ مَجِيئُهُ مِنْهُ إلَيْهِ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ ، بَطَلَتْ الدَّعْوَى .\rوَإِنْ قَالَتْ الْبَيِّنَةُ : نَشْهَدُ أَنَّ فُلَانًا لَمْ يَقْتُلْهُ .\rلَمْ تُسْمَعْ هَذِهِ الشَّهَادَةُ ؛ لِأَنَّهُ نَفْيٌ مُجَرَّدٌ .\rفَإِنْ قَالَا : مَا قَتَلَهُ فُلَانٌ ، بَلْ قَتَلَهُ فُلَانٌ .\rسُمِعَتْ ؛ لِأَنَّهَا شَهِدَتْ بِإِثْبَاتٍ تَضَمَّنَ النَّفْيَ ، فَسُمِعَتْ ، كَمَا لَوْ قَالَتْ : مَا قَتَلَهُ فُلَانٌ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يَوْمَ الْقَتْلِ فِي بَلَدٍ بَعِيدٍ .","part":19,"page":345},{"id":9345,"text":"فَصْلٌ : فَإِنْ جَاءَ رَجُلٌ ، فَقَالَ : مَا قَتَلَهُ هَذَا الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ، بَلْ أَنَا قَتَلْتُهُ .\rفَكَذَّبَهُ الْوَلِيُّ ، لَمْ تَبْطُلْ دَعْوَاهُ ، وَلَهُ الْقَسَامَةُ ، وَلَا يَلْزَمُهُ رَدُّ الدِّيَةِ إنْ كَانَ أَخَذَهَا ؛ لِأَنَّهُ قَوْلٌ وَاحِدٌ ، وَلَا يَلْزَمُ الْمُقِرَّ شَيْءٌ ؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ لِمَنْ يُكَذِّبُهُ .\rوَإِنْ صَدَّقَهُ الْوَلِيُّ ، أَوْ طَالَبَهُ بِمُوجَبِ الْقَتْلِ ، لَزِمَهُ رَدُّ مَا أَخَذَهُ ، وَبَطَلَتْ دَعْوَاهُ عَلَى الْأَوَّلِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ جَرَى مَجْرَى الْإِقْرَارِ بِبُطْلَانِ الدَّعْوَى .\rوَهَلْ لَهُ مُطَالَبَةُ الْمُقِرِّ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، لَهُ مُطَالَبَتُهُ ؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ لَهُ بِحَقٍّ ، فَمَلَكَ مُطَالَبَتَهُ بِهِ ، كَسَائِرِ الْحُقُوقِ .\rوَالثَّانِي : لَيْسَ لَهُ مُطَالَبَتُهُ ؛ لِأَنَّ دَعْوَاهُ عَلَى الْأَوَّلِ انْفِرَادَهُ بِالْقَتْلِ ؛ إبْرَاءٌ لِغَيْرِهِ ، فَلَا يَمْلِكُ مُطَالَبَةَ مَنْ أَبْرَأَهُ .\rوَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، أَنَّهُ يَسْقُطُ الْقَوَدُ عَنْهُمَا ، وَلَهُ مُطَالَبَةُ الثَّانِي بِالدِّيَةِ ، فَإِنَّهُ قَالَ ، فِي رَجُلٍ شَهِدَ عَلَيْهِ شَاهِدَانِ بِالْقَتْلِ ، فَأُخِذَ لِيُقَادَ مِنْهُ ، فَجَاءَ رَجُلٌ ، فَقَالَ : مَا قَتَلَهُ هَذَا ، أَنَا قَتَلْتُهُ : فَالْقَوَدُ يَسْقُطُ عَنْهُمَا ، وَالدِّيَةُ عَلَى الثَّانِي .\rوَوَجْهُ ذَلِكَ مَا رُوِيَ ، أَنَّ رَجُلًا ذَبَحَ رَجُلًا فِي خَرِبَةٍ ، وَتَرَكَهُ وَهَرَبَ ، وَكَانَ قَصَّابٌ قَدْ ذَبَحَ شَاةً ، وَأَرَادَ ذَبْحَ أُخْرَى ، فَهَرَبَتْ مِنْهُ إلَى الْخَرِبَةِ ، فَتَبِعَهَا حَتَّى وَقَفَ عَلَى الْقَتِيلِ ، وَالسِّكِّينُ بِيَدِهِ مُلَطَّخَةٌ بِالدَّمِ ، فَأُخِذَ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ ، وَجِيءَ بِهِ إلَى عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَأَمَرَ بِقَتْلِهِ ، فَقَالَ الْقَاتِلُ فِي نَفْسِهِ : يَا وَيْلَهُ ، قَتَلْت نَفْسًا ، وَيُقْتَلُ بِسَبَبِي آخَرُ فَقَامَ فَقَالَ : أَنَا قَتَلْتُهُ ، وَلَمْ يَقْتُلْهُ هَذَا .\rفَقَالَ عُمَرُ : إنْ كَانَ قَدْ قَتَلَ نَفْسًا فَقَدْ أَحْيَا نَفْسًا .\rوَدَرَأَ عَنْهُ الْقِصَاصَ .\rوَلِأَنَّ الدَّعْوَى عَلَى الْأَوَّلِ شُبْهَةٌ فِي دَرْءِ الْقِصَاصِ عَنْ الثَّانِي : وَتَجِبُ الدِّيَةُ","part":19,"page":346},{"id":9346,"text":"عَلَيْهِ ؛ لِإِقْرَارِهِ بِالْقَتْلِ الْمُوجِبِ لَهَا .\rوَهَذَا الْقَوْلُ أَصَحُّ وَأَعْدَلُ ، مَعَ شَهَادَةِ الْأَثَرِ بِصِحَّتِهِ .","part":19,"page":347},{"id":9347,"text":"( 7022 ) الْفَصْلُ الثَّالِثُ : أَنَّ الْأَوْلِيَاءَ إذَا ادَّعَوْا الْقَتْلَ عَلَى مَنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقَتِيلِ لَوْثٌ ، شُرِعَتْ الْيَمِينُ فِي حَقِّ الْمُدَّعِينَ أَوَّلًا ، فَيَحْلِفُونَ خَمْسِينَ يَمِينًا عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَنَّهُ قَتَلَهُ ، وَثَبَتَ حَقُّهُمْ قِبَلَهُ ، فَإِنْ لَمْ يَحْلِفُوا ، اُسْتُحْلِفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ خَمْسِينَ يَمِينًا ، وَبُرِّئَ .\rوَبِهَذَا قَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، وَرَبِيعَةُ ، وَأَبُو الزِّنَادِ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ الْحَسَنُ : يُسْتَحْلَفُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ أَوَّلًا خَمْسِينَ يَمِينًا ، وَيُبَرَّءُونَ .\rفَإِنْ أَبَوْا أَنْ يَحْلِفُوا ، اُسْتُحْلِفَ خَمْسُونَ مِنْ الْمُدَّعِينَ ، أَنَّ حَقَّنَا قِبَلَكُمْ ، ثُمَّ يُعْطَوْنَ الدِّيَةَ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { وَلَكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ } .\rرَوَاهُ مُسْلِمٌ .\rوَفِي لَفْظٍ { : الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي ، وَالْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ } .\rرَوَاهُ الشَّافِعِيُّ ، فِي \" مُسْنَدِهِ \" .\rوَرَوَى أَبُو دَاوُد ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ رِجَالٍ مِنْ الْأَنْصَار { ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِلْيَهُودِ ، وَبَدَأَ بِهِمْ : يَحْلِفُ مِنْكُمْ خَمْسُونَ رَجُلًا .\rفَأَبَوْا ، فَقَالَ لِلْأَنْصَارِ : اسْتَحِقُّوا قَالُوا : نَحْلِفُ عَلَى الْغَيْبِ يَا رَسُول اللَّهِ .\rفَجَعَلَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْيَهُودِ } ؛ لِأَنَّهُ وُجِدَ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ ؛ وَلِأَنَّهَا يَمِينٌ فِي دَعْوَى ، فَوَجَبَتْ فِي جَانِبِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ابْتِدَاءً كَسَائِرِ الدَّعَاوَى .\rوَقَالَ الشَّعْبِيُّ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ : يُسْتَحْلَفُ خَمْسُونَ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْمَحَلَّةِ الَّتِي وُجِدَ فِيهَا الْقَتِيلُ ، بِاَللَّهِ مَا قَتَلْنَاهُ ، وَلَا عَلِمْنَا قَاتِلًا ، وَيُغَرَّمُونَ الدِّيَةَ ؛ لِقَضَاءِ عُمَرَ ، بِذَلِكَ .\rوَلَمْ نَعْرِفْ لَهُ فِي الصَّحَابَةِ مُخَالِفًا ، فَكَانَ إجْمَاعًا .\rوَتَكَلَّمُوا فِي حَدِيثِ سَهْلٍ بِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ","part":19,"page":348},{"id":9348,"text":"إبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ التَّيْمِيِّ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ بُجَيْدِ بْنِ قِبْطِيٍّ ، أَحَدِ بَنِي حَارِثَةَ ؛ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إبْرَاهِيمَ : وَاَيْمُ اللَّهِ ، مَا كَانَ سَهْلٌ بِأَعْلَمَ مِنْهُ ، وَلَكِنَّهُ كَانَ أَسَنَّ مِنْهُ ، قَالَ : وَاَللَّهِ مَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { احْلِفُوا عَلَى مَا لَا عِلْمَ لَكُمْ بِهِ ، وَلَكِنَّهُ كَتَبَ إلَى يَهُودَ حِينَ كَلَّمَتْهُ الْأَنْصَارُ : إنَّهُ وُجِدَ بَيْنَ أَبْيَاتِكُمْ قَتِيلٌ فَدُوهُ .\rفَكَتَبُوا يَحْلِفُونَ بِاَللَّهِ مَا قَتَلُوهُ ، وَلَا يَعْلَمُونَ لَهُ قَاتِلًا ، فَوَدَاهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ عِنْدِهِ } .\r.\rوَلَنَا حَدِيثُ سَهْلٍ ، وَهُوَ صَحِيحٌ مُتَّفَقُ عَلَيْهِ ، وَرَوَاهُ مَالِكٌ ، فِي \" مُوَطَّئِهِ \" ، وَعَمِلَ بِهِ .\rوَمَا عَارَضَهُ مِنْ الْحَدِيثِ لَا يَصِحُّ لِوُجُوهٍ ؛ أَحَدُهَا ، أَنَّهُ نَفْيٌ ، فَلَا يُرَدُّ بِهِ قَوْلُ الْمُثْبِتِ .\rوَالثَّانِي : أَنَّ سَهْلًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَاهَدَ الْقِصَّةَ ، وَعَرَفَهَا ، حَتَّى إنَّهُ قَالَ : رَكَضَتْنِي نَاقَةٌ مِنْ تِلْكَ الْإِبِلِ وَالْآخَرَ يَقُولُ بِرَأْيِهِ وَظَنِّهِ ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَرْوِيَهُ عَنْ أَحَدٍ ، وَلَا حَضَرَ الْقِصَّةَ .\rوَالثَّالِثُ : أَنَّ حَدِيثَنَا مُخَرَّجٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ، وَحَدِيثُهُمْ بِخِلَافِهِ .\rالرَّابِعُ ، أَنَّهُمْ لَا يَعْمَلُونَ بِحَدِيثِهِمْ ، وَلَا حَدِيثِنَا ، فَكَيْفَ يَحْتَجُّونَ بِمَا هُوَ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ فِيمَا خَالَفُوهُ فِيهِ ، وَحَدِيثُ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ رِجَالٍ مِنْ الْأَنْصَارِ ، وَلَمْ يَذْكُرْ لَهُمْ صُحْبَةً ، فَهُوَ أَدْنَى لَهُمْ مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ ، وَقَدْ خَالَفَ الْحَدِيثَيْنِ جَمِيعًا ، فَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يُعْتَمَدَ عَلَيْهِ ، وَحَدِيثُ : { الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ } .\rلَمْ تُرَدَّ بِهِ هَذِهِ الْقِصَّةُ ؛ لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ النَّاسَ لَا يُعْطَوْنَ بِدَعْوَاهُمْ ، وَهَا هُنَا قَدْ أُعْطُوا بِدَعْوَاهُمْ ، عَلَى أَنَّ حَدِيثَنَا أَخَصُّ مِنْهُ ، فَيَجِبُ تَقْدِيمُهُ ، ثُمَّ","part":19,"page":349},{"id":9349,"text":"هُوَ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ ؛ لِكَوْنِ الْمُدَّعِينَ أُعْطُوا بِمُجَرَّدِ دَعْوَاهُمْ مِنْ غَيْرِ بَيِّنَةٍ وَلَا يَمِينٍ مِنْهُمْ ، وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي ، وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ ، إلَّا فِي الْقَسَامَةِ } وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ يَتَعَيَّنُ الْعَمَلُ بِهَا ، لِأَنَّ الزِّيَادَةَ مِنْ الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ ؛ وَلِأَنَّهَا أَيْمَانٌ مُكَرَّرَةٌ .\rفَيُبْدَأُ فِيهَا بِأَيْمَانِ الْمُدَّعِينَ ، كَاللِّعَانِ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّ أَيْمَانَ الْقَسَامَةِ خَمْسُونَ مُرَدَّدَةً ، عَلَى مَا جَاءَتْ بِهِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ ، وَأَجْمَعَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْعِلْمِ ، لَا نَعْلَمُ أَحَدًا خَالَفَ فِيهِ .","part":19,"page":350},{"id":9350,"text":"( 7023 ) الْفَصْلُ الرَّابِعُ : أَنَّ الْأَوْلِيَاءَ إذَا حَلَفُوا اسْتَحَقُّوا الْقَوَدَ ، إذَا كَانَتْ الدَّعْوَى عَمْدًا ، إلَّا أَنْ يَمْنَعَ مِنْهُ مَانِعٌ ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ الزُّبَيْرِ ، وَعَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ .\rوَبِهِ قَالَ مَالِكٌ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ .\rوَعَنْ مُعَاوِيَةَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَالْحَسَنِ ، وَإِسْحَاقَ : لَا تَجِبُ بِهَا الدِّيَةُ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْيَهُودِ : { إمَّا أَنْ تَدُوا صَاحِبَكُمْ ، وَإِمَّا أَنْ تُؤْذِنُوا بِحَرْبٍ مِنْ اللَّهِ } .\rوَلِأَنَّ أَيْمَانَ الْمُدَّعِينَ إنَّمَا هِيَ بِغَلَبَةِ الظَّنِّ ، وَحُكْمِ الظَّاهِرِ ، فَلَا يَجُوزُ إشَاطَةُ الدَّمِ بِهَا ؛ لِقِيَامِ الشُّبْهَةِ الْمُتَمَكِّنَةِ مِنْهَا ، وَلِأَنَّهَا حُجَّةٌ لَا يَثْبُتُ بِهَا النِّكَاحُ ، وَلَا يَجِبُ بِهَا الْقِصَاصُ ، كَالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ .\rوَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ ، كَالْمَذْهَبَيْنِ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { يُقْسِمُ خَمْسُونَ مِنْكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ ، فَيُدْفَعُ إلَيْكُمْ بِرُمَّتِهِ } .\rوَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ : { فَيُسَلَّمُ إلَيْكُمْ } .\rوَفِي لَفْظٍ : { وَتَسْتَحِقُّونَ دَمَ صَاحِبِكُمْ } وَأَرَادَ دَمَ الْقَاتِلِ ؛ لِأَنَّ دَمَ الْقَتِيلِ ثَابِتٌ لَهُمْ قَبْلَ الْيَمِينِ .\rوَالرُّمَّةُ : الْحَبْلُ الَّذِي يُرْبَطُ بِهِ مَنْ عَلَيْهِ الْقَوَدُ .\rوَلِأَنَّهَا حُجَّةٌ يَثْبُتُ بِهَا الْعَمْدُ ، فَيَجِبُ بِهَا الْقَوَدُ ، كَالْبَيِّنَةِ .\rوَقَدْ رَوَى الْأَثْرَمُ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَامِرٍ الْأَحْوَلِ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقَادَ بِالْقَسَامَةِ الطَّائِفَةَ } .\rوَهَذَا نَصٌّ .\rوَلِأَنَّ الشَّارِعَ جَعَلَ الْقَوْلَ قَوْلَ الْمُدَّعِي مَعَ يَمِينِهِ ، احْتِيَاطًا لِلدَّمِ ، فَإِنْ لَمْ يَجِبْ الْقَوَدُ ، سَقَطَ هَذَا الْمَعْنَى .","part":19,"page":351},{"id":9351,"text":"( 7024 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : فَإِنْ لَمْ يَحْلِفْ الْمُدَّعُونَ ، حَلَفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ خَمْسِينَ يَمِينًا ، وَبُرِّئَ هَذَا ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ .\rوَبِهِ قَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ ، وَرَبِيعَةُ ، وَأَبُو الزِّنَادِ ، وَمَالِكٌ ، وَاللَّيْثُ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ .\rوَحَكَى أَبُو الْخَطَّابِ رِوَايَةً أُخْرَى عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّهُمْ يَحْلِفُونَ ، وَيُغَرَّمُونَ الدِّيَةَ ؛ لِقَضِيَّةِ عُمَرَ ، وَخَبَرِ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { فَتُبْرِئُكُمْ يَهُودُ بِأَيْمَانِ خَمْسِينَ مِنْهُمْ } .\rأَيْ يَتَبَرَّءُونَ مِنْكُمْ .\rوَفِي لَفْظٍ قَالَ : { فَيَحْلِفُونَ خَمْسِينَ يَمِينًا ، وَيَبْرَءُونَ مِنْ دَمِهِ } .\rوَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُغَرِّمْ الْيَهُودَ ، وَأَنَّهُ أَدَّاهَا مِنْ عِنْدِهِ ، وَلِأَنَّهَا أَيْمَانٌ مَشْرُوعَةٌ فِي حَقِّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ، فَيَبْرَأُ بِهَا ، كَسَائِرِ الْأَيْمَانِ ، وَلِأَنَّ ذَلِكَ إعْطَاءٌ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى ، فَلَمْ يَجُزْ لِلْخَبَرِ ، وَمُخَالَفَةِ مُقْتَضَى الدَّلِيلِ ؛ فَإِنَّ قَوْلَ الْإِنْسَانِ لَا يُقْبَلُ عَلَى غَيْرِهِ بِمُجَرَّدِهِ ، كَدَعْوَى الْمَالِ ، وَسَائِرِ الْحُقُوقِ ؛ وَلِأَنَّ فِي ذَلِكَ جَمْعًا بَيْنَ الْيَمِينِ وَالْغُرْمِ ، فَلَمْ يُشْرَعْ ، كَسَائِرِ الْحُقُوقِ .","part":19,"page":352},{"id":9352,"text":"( 7025 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : فَإِنْ لَمْ يَحْلِفْ الْمُدَّعُونَ ، وَلَمْ يَرْضَوْا بِيَمِينِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ، فَدَاهُ الْإِمَامُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ يَعْنِي أَدَّى دِيَتَهُ ؛ لِقَضِيَّةِ { عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَهْلٍ حِينَ قُتِلَ بِخَيْبَرَ ، فَأَبَى الْأَنْصَارُ أَنْ يَحْلِفُوا ؛ وَقَالُوا : كَيْفَ نَقْبَلُ أَيْمَانَ قَوْمٍ كُفَّارٍ ؟ فَوَدَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ عِنْدِهِ .\rكَرَاهِيَةَ أَنْ يُطَلَّ دَمُهُ } .\rفَإِنْ تَعَذَّرَ فِدَاؤُهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ ، لَمْ يَجِبْ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ شَيْءٌ ؛ لِأَنَّ الَّذِي يُوجِبُهُ عَلَيْهِمْ الْيَمِينُ ، وَقَدْ امْتَنَعَ مُسْتَحِقُّوهَا مِنْ اسْتِيفَائِهَا ، فَلَمْ يَجِبْ لَهُمْ غَيْرُهَا ، كَدَعْوَى الْمَالِ .","part":19,"page":353},{"id":9353,"text":"( 7026 ) فَصْلٌ : وَإِنْ امْتَنَعَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ مِنْ الْيَمِينِ ، لَمْ يُحْبَسُوا حَتَّى يَحْلِفُوا .\rوَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى ، أَنَّهُمْ يُحْبَسُونَ حَتَّى يَحْلِفُوا ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ .\rوَلَنَا ، أَنَّهَا يَمِينٌ مَشْرُوعَةٌ فِي حَقِّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ، فَلَمْ يُحْبَسْ عَلَيْهَا ، كَسَائِرِ الْأَيْمَانِ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ الْقِصَاصُ بِالنُّكُولِ ؛ لِأَنَّهُ حُجَّةٌ ضَعِيفَةٌ ، فَلَا يُشَاطُ بِهَا الدَّمُ ، كَالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ .\rقَالَ الْقَاضِي : وَيَدِيهِ الْإِمَامُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .\rوَرَوَى عَنْهُ حَرْبُ بْنُ إسْمَاعِيلَ ، أَنَّ الدِّيَةَ تَجِبُ عَلَيْهِمْ .\rوَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ ، وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ ؛ لِأَنَّهُ حُكْمٌ ثَبَتَ بِالنُّكُولِ ، فَيَثْبُتُ فِي حَقِّهِمْ هَاهُنَا ، كَسَائِرِ الدَّعَاوَى ، وَلِأَنَّ وُجُوبَهَا فِي بَيْتِ الْمَالِ ، يُفْضِي إلَى إهْدَارِ الدَّمِ ، وَإِسْقَاطِ حَقِّ الْمُدَّعِينَ ، مَعَ إمْكَانِ جَبْرِهِ ، فَلَمْ يَجُزْ ، كَسَائِرِ الدَّعَاوَى ، وَلِأَنَّهَا يَمِينٌ تَوَجَّهَتْ فِي دَعْوَى أَمْكَنَ إيجَابُ الْمَالِ بِهَا ، فَلَمْ تَخْلُ مِنْ وُجُوبِ شَيْءٍ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ، كَمَا فِي سَائِرِ الدَّعَاوَى ، وَهَا هُنَا لَوْ لَمْ يَجِبْ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَالٌ بِنُكُولِهِ ، وَلَمْ يُجْبَرْ عَلَى الْيَمِينِ ؛ لَخَلَا مِنْ وُجُوبِ شَيْءٍ عَلَيْهِ بِالْكُلِّيَّةِ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ : إذَا نَكَلَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ رُدَّتْ الْأَيْمَانُ عَلَى الْمُدَّعِينَ ، إنْ قُلْنَا : مُوجَبُهَا الْمَالُ .\rفَإِنْ حَلَفُوا ، اسْتَحَقُّوا ، وَإِنْ نَكَلُوا ، فَلَا شَيْءَ لَهُمْ .\rوَإِنْ قُلْنَا : مُوجَبُهَا الْقِصَاصُ .\rفَهَلْ تُرَدُّ عَلَى الْمُدَّعِينَ ؟ فِيهِ قَوْلَانِ .\rوَهَذَا الْقَوْلُ لَا يَصْلُحُ ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ إنَّمَا شُرِعَتْ فِي حَقِّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إذَا نَكَلَ عَنْهَا الْمُدَّعِي ، فَلَا تُرَدُّ عَلَيْهِ ، كَمَا لَا تُرَدُّ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إذَا نَكَلَ الْمُدَّعِي عَنْهَا بَعْدَ رَدِّهَا عَلَيْهِ فِي سَائِرِ الدَّعَاوَى ، وَلِأَنَّهَا يَمِينٌ مَرْدُودَةٌ عَلَى أَحَدِ","part":19,"page":354},{"id":9354,"text":"الْمُتَدَاعِيَيْنِ ، فَلَا تُرَدُّ عَلَى مَنْ رَدَّهَا ، كَدَعْوَى الْمَالِ .","part":19,"page":355},{"id":9355,"text":"مَسْأَلَةٌ : قَالَ : وَإِذَا شَهِدَتْ الْبَيِّنَةُ الْعَادِلَةُ أَنَّ الْمَجْرُوحَ قَالَ : دَمِي عِنْدَ فُلَانٍ .\rفَلَيْسَ ذَلِكَ بِمُوجِبٍ لِلْقَسَامَةِ ، مَا لَمْ يَكُنْ لَوْثٌ هَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْم ؛ مِنْهُمْ الثَّوْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَقَالَ مَالِكٌ ، وَاللَّيْثُ : هُوَ لَوْثٌ ؛ لِأَنَّ قَتِيلَ بَنِي إسْرَائِيلَ قَالَ : قَتَلَنِي فُلَانٌ .\rفَكَانَ حُجَّةً .\rوَرُوِيَ هَذَا الْقَوْلُ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ ، لَادَّعَى قَوْمُ دِمَاءَ رِجَالٍ وَأَمْوَالَهُمْ } وَلِأَنَّهُ يَدَّعِي حَقًّا لِنَفْسِهِ ، فَلَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ ، كَمَا لَوْ لَمْ يَمُتْ ؛ وَلِأَنَّهُ خَصْمٌ ، فَلَمْ تَكُنْ دَعْوَاهُ لَوْثًا ، كَالْوَلِيِّ .\rفَأَمَّا قَتِيلُ بَنِي إسْرَائِيلَ ، فَلَا حُجَّةَ فِيهِ ، فَإِنَّهُ لَا قَسَامَةَ فِيهِ ، وَلِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَمُعْجِزَاتِ نَبِيِّهِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ ، حَيْثُ أَحْيَاهُ اللَّهُ تَعَالَى بَعْدَ مَوْتِهِ ، وَأَنْطَقَهُ بِقُدْرَتِهِ بِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ .\rوَلَمْ يَكُنْ اللَّهُ تَعَالَى لِيُنْطِقَهُ بِالْكَذِبِ ، بِخِلَافِ الْحَيِّ ، وَلَا سَبِيلَ إلَى مِثْلِ هَذَا الْيَوْمَ ، ثُمَّ ذَاكَ فِي تَنْزِيهِ الْمُتَّهَمِينَ ، فَلَا يَجُوزُ تَعْدِيَتُهَا إلَى تُهْمَةِ الْبَرِيئِينَ .","part":19,"page":356},{"id":9356,"text":"( 7028 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : وَالنِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ لَا يُقْسِمُونَ يَعْنِي إذَا كَانَ الْمُسْتَحِقُّ نِسَاءً وَصِبْيَانًا لَمْ يُقْسِمُوا ؛ أَمَّا الصِّبْيَانُ فَلَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْم أَنَّهُمْ لَا يُقْسِمُونَ ، سَوَاءٌ كَانُوا مِنْ الْأَوْلِيَاءِ ، أَوْ مُدَّعًى عَلَيْهِمْ ؛ لِأَنَّ الْأَيْمَانَ حُجَّةٌ لِلْحَالِفِ ، وَالصَّبِيُّ لَا يَثْبُتُ بِقَوْلِهِ حُجَّةٌ ، وَلَوْ أَقَرَّ عَلَى نَفْسِهِ ، لَمْ يُقْبَلْ ، فَلَأَنْ لَا يُقْبَلَ قَوْلُهُ فِي حَقِّ غَيْرِهِ أَوْلَى .\rوَأَمَّا النِّسَاءُ فَإِذَا كُنَّ مِنْ أَهْلِ الْقَتِيلِ ، لَمْ يُسْتَحْلَفْنَ .\rوَبِهَذَا قَالَ رَبِيعَةُ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَاللَّيْثُ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَقَالَ مَالِكٌ : لَهُنَّ مَدْخَلٌ فِي قَسَامَةِ الْخَطَإِ دُونَ الْعَمْدِ .\rقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : وَلَا يُقْسِمُ فِي الْعَمْدِ إلَّا اثْنَانِ فَصَاعِدًا ، كَمَا أَنَّهُ لَا يُقْتَلُ إلَّا بِشَاهِدَيْنِ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يُقْسِمُ كُلُّ وَارِثٍ بَالِغٍ ؛ لِأَنَّهَا يَمِينٌ فِي دَعْوًى ، فَتُشْرَعُ فِي حَقِّ النِّسَاءِ ، كَسَائِرِ الْأَيْمَانِ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { يُقْسِمُ خَمْسُونَ رَجُلًا مِنْكُمْ ، وَتَسْتَحِقُّونَ دَمَ صَاحِبِكُمْ } .\rوَلِأَنَّهَا حُجَّةٌ يَثْبُتُ بِهَا قَتْلُ الْعَمْدِ ، فَلَا تُسْمَعُ مِنْ النِّسَاءِ ، كَالشَّهَادَةِ ، وَلِأَنَّ الْجِنَايَةَ الْمُدَّعَاةَ الَّتِي تَجِبُ الْقَسَامَةُ عَلَيْهَا هِيَ الْقَتْلُ ، وَلَا مَدْخَلَ لِلنِّسَاءِ فِي إثْبَاتِهِ ، وَإِنَّمَا يَثْبُتُ الْمَالُ ضِمْنًا ، فَجَرَى ذَلِكَ مَجْرَى رَجُلٍ ادَّعَى زَوْجِيَّةَ امْرَأَةٍ بَعْدَ مَوْتِهَا لِيَرِثَهَا ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَثْبُتُ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ ، وَلَا بِشَهَادَةِ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ ، وَإِنْ كَانَ مَقْصُودَهَا الْمَالُ .\rفَأَمَّا إنْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ مُدَّعًى عَلَيْهَا الْقَتْلُ ، فَإِنْ قُلْنَا إنَّهُ يُقْسِمُ مِنْ الْعَصَبَةِ رِجَالٌ .\rلَمْ تُقْسِمْ الْمَرْأَةُ أَيْضًا ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مُخْتَصٌّ بِالرِّجَالِ .\rوَإِنْ قُلْنَا : يُقْسِمُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ .\rفَيَنْبَغِي أَنْ تُسْتَحْلَفَ ؛ لِأَنَّهَا لَا تُثْبِتُ بِقَوْلِهَا حَقًّا وَلَا قَتْلًا ،","part":19,"page":357},{"id":9357,"text":"وَإِنَّمَا هِيَ لِتَبْرِئَتِهَا مِنْهُ ، فَتُشْرَعُ فِي حَقِّهَا الْيَمِينُ ، كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ لَوْثٌ .\rفَعَلَى هَذَا ، إذَا كَانَ فِي الْأَوْلِيَاءِ نِسَاءٌ وَرِجَالٌ ، أَقْسَمَ الرِّجَالُ ، وَسَقَطَ حُكْمُ النِّسَاءِ ، وَإِنْ كَانَ فِيهِمْ صِبْيَانٌ وَرِجَالٌ بَالِغُونَ ، أَوْ كَانَ فِيهِمْ حَاضِرُونَ وَغَائِبُونَ ، فَقَدْ ذَكَرْنَا مِنْ قَبْلُ أَنَّ الْقَسَامَةَ لَا تَثْبُتُ حَتَّى يَحْضُرَ الْغَائِبُ ، فَكَذَا لَا تَثْبُتُ حَتَّى يَبْلُغَ الصَّبِيُّ ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِبَيِّنَتِهِ الْكَامِلَةِ ، وَالْبَيِّنَةُ أَيْمَانُ الْأَوْلِيَاءِ كُلِّهِمْ ، وَالْأَيْمَانُ لَا تَدْخُلُهَا النِّيَابَةُ ؛ وَلِأَنَّ الْحَقَّ إنْ كَانَ قِصَاصًا ، فَلَا يُمْكِنُ تَبْعِيضُهُ ، فَلَا فَائِدَةَ فِي قَسَامَةِ الْحَاضِرِ الْبَالِغِ ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَهُ ، فَلَا تَثْبُتُ إلَّا بِوَاسِطَةِ ثُبُوتِ الْقَتْلِ ، وَهُوَ لَا يَتَبَعَّضُ أَيْضًا .\rوَقَالَ الْقَاضِي : إنْ كَانَ الْقَتْلُ عَمْدًا ، لَمْ يُقْسِمْ الْكَبِيرُ حَتَّى يَبْلُغَ الصَّغِيرُ ، وَلَا الْحَاضِرُ حَتَّى يَقْدَمَ الْغَائِبُ ؛ لِأَنَّ حَلِفَ الْكَبِيرِ الْحَاضِرِ لَا يُفِيدُ شَيْئًا فِي الْحَالِ ، وَإِنْ كَانَ مُوجِبًا لِلْمَالِ ، كَالْخَطَإِ وَعَمْدِ الْخَطَإِ ، فَلِلْحَاضِرِ الْمُكَلَّفِ أَنْ يَحْلِفَ ، وَيَسْتَحِقَّ قِسْطَهُ مِنْ الدِّيَةِ .\rوَهَذَا قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ ، وَابْنِ حَامِدٍ ، وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rوَاخْتَلَفُوا فِي كَمْ يُقْسِمُ الْحَاضِرُ ؟ فَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ : يُقْسِمُ بِقِسْطِهِ مِنْ الْأَيْمَانِ ، فَإِنْ كَانَ الْأَوْلَى اثْنَيْنِ أَقْسَمَ الْحَاضِرُ خَمْسًا وَعِشْرِينَ يَمِينًا ، وَإِنْ كَانُوا ثَلَاثَةً أَقْسَمَ سَبْعَ عَشْرَةَ يَمِينًا ، وَإِنْ كَانُوا أَرْبَعَةً أَقْسَمَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ يَمِينًا ، وَكُلَّمَا قَدِمَ غَائِبٌ أَقْسَمَ بِقَدْرِ مَا عَلَيْهِ ، وَاسْتَوْفَى حَقَّهُ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْجَمِيعُ حَاضِرِينَ ، لَمْ يَلْزَمْهُ أَكْثَرُ مِنْ قِسْطِهِ ، فَكَذَلِكَ إذَا غَابَ بَعْضُهُمْ كَمَا فِي سَائِرِ الْحُقُوقِ ، وَلِأَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ أَكْثَرَ مِنْ قِسْطِهِ مِنْ الدِّيَةِ ، فَلَا يَلْزَمُهُ أَكْثَرُ مِنْ قِسْطِهِ مِنْ الْأَيْمَانِ .\rوَقَالَ","part":19,"page":358},{"id":9358,"text":"أَبُو بَكْرٍ : يَحْلِفُ الْأَوَّلُ خَمْسِينَ يَمِينًا .\rوَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِالْبَيِّنَةِ الْكَامِلَةِ ، وَالْبَيِّنَةُ هِيَ الْأَيْمَانُ كُلُّهَا ، وَلِذَلِكَ لَوْ ادَّعَى أَحَدُهُمَا دَيْنًا لِأَبِيهِمَا ، لَمْ يَسْتَحِقَّ نَصِيبَهُ مِنْهُ إلَّا بِالْبَيِّنَةِ الْمُثْبِتَةِ لِجَمِيعِهِ ؛ وَلِأَنَّ الْخَمْسِينَ فِي الْقَسَامَةِ كَالْيَمِينِ الْوَاحِدَةِ فِي سَائِرِ الْحُقُوقِ .\rوَلَوْ ادَّعَى مَالًا لَهُ فِيهِ شَرِكَةٌ ، لَهُ بِهِ شَاهِدٌ ، لَحَلَفَ يَمِينًا كَامِلَةً ، كَذَلِكَ هَذَا .\rفَإِذَا قَدِمَ الثَّانِي : أَقْسَمَ خَمْسًا وَعِشْرِينَ يَمِينًا ، وَجْهًا وَاحِدًا عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ ؛ لِأَنَّهُ يَبْنِي عَلَى أَيْمَانِ أَخِيهِ الْمُتَقَدِّمَةِ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : فِيهِ قَوْلٌ آخَرُ ، أَنَّهُ يُقْسِمُ خَمْسِينَ يَمِينًا أَيْضًا ، لِأَنَّ أَخَاهُ إنَّمَا اسْتَحَقَّ بِخَمْسِينَ ، فَكَذَلِكَ هُوَ .\rفَإِذَا قَدِمَ ثَالِثٌ ، أَوْ بَلَغَ ، فَعَلَى قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ ، يُقْسِمُ سَبْعَ عَشْرَةَ يَمِينًا ؛ لِأَنَّهُ يَبْنِي عَلَى أَيْمَانِ أَخَوَيْهِ ، وَعَلَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ ، فِيهِ قَوْلَانِ ، أَحَدُهُمَا ؛ أَنَّهُ يُقْسِمُ سَبْعَ عَشْرَةَ يَمِينًا .\rوَالثَّانِي : خَمْسِينَ يَمِينًا وَإِنْ قَدِمَ رَابِعٌ ، كَانَ عَلَى هَذَا الْمِثَالِ .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":19,"page":359},{"id":9359,"text":"( 7029 ) فَصْلٌ : وَالْخُنْثَى الْمُشْكِلُ يَحْتَمِلُ أَنْ يُقْسِمَ ؛ لِأَنَّ سَبَبَ الْقَسَامَةِ وُجِدَ فِي حَقِّهِ ، وَهُوَ كَوْنُهُ مُسْتَحِقًّا لِلدَّمِ ، وَلَمْ يَتَحَقَّقْ الْمَانِعُ مِنْ يَمِينِهِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا قَسَامَةَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَعْقِلُ مِنْ الْعَقْلِ ، وَلَا يَثْبُتُ الْقَتْلُ بِشَهَادَتِهِ ، أَشْبَهَ الْمَرْأَةَ .","part":19,"page":360},{"id":9360,"text":"( 7030 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : وَإِذَا خَلَّفَ الْمَقْتُولُ ثَلَاثَةَ بَنِينَ ، جُبِرَ الْكَسْرُ عَلَيْهِمْ ، فَحَلَفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ سَبْعَ عَشْرَةَ يَمِينًا .\rاخْتَلَفْت الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ ، فِيمَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ أَيْمَانُ الْقَسَامَةِ ؛ فَرُوِيَ أَنَّهُ يَحْلِفُ مِنْ الْعَصَبَةِ الْوَارِثُ مِنْهُمْ وَغَيْرُ الْوَارِثِ ، خَمْسُونَ رَجُلًا ، كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَمِينًا وَاحِدَةً .\rوَهَذَا قَوْلٌ لِمَالِكٍ ، فَعَلَى هَذَا ، يَحْلِفُ الْوَارِثُ مِنْهُمْ الَّذِينَ يَسْتَحِقُّونَ دَمَهُ ، فَإِنْ لَمْ يَبْلُغُوا خَمْسِينَ ، تُمِّمُوا مِنْ سَائِرِ الْعَصَبَةِ ، يُؤْخَذُ الْأَقْرَبُ مِنْهُمْ فَالْأَقْرَبُ مِنْ قَبِيلَتِهِ الَّتِي يَنْتَسِبُ إلَيْهَا ، وَيُعْرَفُ كَيْفِيَّةُ نَسَبِهِ مِنْ الْمَقْتُولِ ، فَأَمَّا مَنْ عُرِفَ أَنَّهُ مِنْ الْقَبِيلَةِ ، وَلَمْ يُعْرَفْ وَجْهُ النَّسَبِ ، لَمْ يُقْسِمْ ؛ مِثْلُ أَنْ يَكُونَ الرَّجُلُ قُرَشِيًّا وَالْمَقْتُولُ قُرَشِيٌّ ، وَلَا يُعْرَفُ كَيْفِيَّةُ نَسَبِهِ مِنْهُ ، فَلَا يُقْسِمُ ؛ لِأَنَّنَا نَعْلَمُ أَنَّ النَّاسَ كُلَّهُمْ مِنْ آدَمَ وَنُوحٍ ، وَكُلُّهُمْ يَرْجِعُونَ إلَى أَبٍ وَاحِدٍ ، وَلَوْ قُتِلَ مَنْ لَا يُعْرَفُ نَسَبُهُ ، لَمْ يُقْسِمْ عَنْهُ سَائِرُ النَّاسِ ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ مِنْ نَسَبِهِ خَمْسُونَ ، رُدِّدَتْ الْأَيْمَانُ عَلَيْهِمْ ، وَقُسِمَتْ بَيْنَهُمْ ، فَإِنْ انْكَسَرَتْ عَلَيْهِمْ ، جُبِرَ كَسْرُهَا عَلَيْهِمْ حَتَّى تَبْلُغَ خَمْسِينَ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْأَنْصَارِ : { يَحْلِفُ خَمْسُونَ رَجُلًا مِنْكُمْ ، وَتَسْتَحِقُّونَ دَمَ صَاحِبِكُمْ } .\rوَقَدْ عَلِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَهْلٍ خَمْسُونَ رَجُلًا وَارِثًا ، فَإِنَّهُ لَا يَرِثُهُ إلَّا أَخُوهُ ، أَوْ مَنْ هُوَ فِي دَرَجَتِهِ ، أَوْ أَقْرَبُ مِنْهُ نَسَبًا ، وَلِأَنَّهُ خَاطَبَ بِهَذَا بَنِي عَمِّهِ ، وَهُمْ غَيْرُ وَارِثِينَ .\rوَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ ، لَا يُقْسِمُ إلَّا الْوَارِثُ ، وَتُعْرَضُ الْأَيْمَانُ عَلَى وَرَثَةِ الْمَقْتُولِ دُونَ غَيْرِهِمْ ، عَلَى حَسَبِ مَوَارِيثِهِمْ .\rهَذَا ظَاهِرُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ","part":19,"page":361},{"id":9361,"text":"، وَاخْتِيَارُ ابْنِ حَامِدٍ ، وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهَا يَمِينٌ فِي دَعْوَى حَقٍّ ، فَلَا تُشْرَعُ فِي حَقِّ غَيْرِ الْمُتَدَاعِيَيْنِ ، كَسَائِرِ الْأَيْمَانِ .\rفَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ ، تُقْسَمُ بَيْنَ الْوَرَثَةِ مِنْ الرِّجَالِ مِنْ ذَوِي الْفُرُوضِ وَالْعَصَبَاتِ عَلَى قَدْرِ إرْثِهِمْ ، فَإِنْ انْقَسَمَتْ مِنْ غَيْرِ كَسْرٍ ، مِثْلُ أَنْ يُخَلِّفَ الْمَقْتُولُ اثْنَيْنِ ، أَوْ أَخًا وَزَوْجًا ، حَلَفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ خَمْسَةً وَعِشْرِينَ يَمِينًا ، وَإِنْ كَانُوا ثَلَاثَةَ بَنِينَ ، وَجَدًّا أَوْ أَخَوَيْنِ ، جُبِرَ الْكَسْرُ عَلَيْهِمْ ، فَحَلَفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ سَبْعَ عَشْرَةَ يَمِينًا ؛ لِأَنَّ تَكْمِيلَ الْخَمْسِينَ وَاجِبٌ ، وَلَا يُمْكِنُ تَبْعِيضُ الْيَمِينِ ، وَلَا حَمْلُ بَعْضِهِمْ لَهَا عَنْ بَعْضٍ ، فَوَجَبَ تَكْمِيلُ الْيَمِينِ الْمُنْكَسِرَةِ فِي حَقِّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ .\rوَإِنْ خَلَّفَ أَخًا مِنْ أَبٍ وَأَخًا مِنْ أُمٍّ ، فَعَلَى الْأَخِ مِنْ الْأُمِّ سُدُسُ الْأَيْمَانِ ، ثُمَّ يُجْبَرُ الْكَسْرُ ، فَيَكُونُ عَلَيْهِ تِسْعُ أَيْمَانٍ ، وَعَلَى الْأَخِ مِنْ الْأَبِ اثْنَتَانِ وَأَرْبَعُونَ .\rوَهَذَا أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ فِي الْآخَرِ : يَحْلِفُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُدَّعِينَ خَمْسِينَ يَمِينًا ، سَوَاءٌ تَسَاوَوْا فِي الْمِيرَاثِ أَوْ اخْتَلَفُوا فِيهِ ؛ لِأَنَّ مَا حَلَفَهُ الْوَاحِدُ إذَا انْفَرَدَ ، حَلَفَهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْجَمَاعَةِ ، كَالْيَمِينِ الْوَاحِدَةِ فِي سَائِرِ الدَّعَاوَى ، وَعَنْ مَالِكٍ ، أَنَّهُ قَالَ : يُنْظَرُ إلَى مَنْ عَلَيْهِ أَكْثَرُ الْيَمِينِ .\rفَيُجْبَرُ عَلَيْهِ ، وَيَسْقُطُ عَنْ الْآخَرِ .\rوَلَنَا ، عَلَى أَنَّ الْخَمْسِينَ تُقْسَمُ بَيْنَهُمْ ، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْأَنْصَارِ : { تَحْلِفُونَ خَمْسِينَ يَمِينًا ، وَتَسْتَحِقُّونَ دَمَ صَاحِبِكُمْ } .\rوَأَكْثَرُ مَا رُوِيَ عَنْهُ فِي الْأَيْمَانِ خَمْسُونَ ، وَلَوْ حَلَفَ كُلُّ وَاحِدٍ خَمْسِينَ ، لَكَانَتْ مِائَةً وَمِائَتَيْنِ ، وَهَذَا خِلَافُ النَّصِّ ؛ وَلِأَنَّهَا حُجَّةٌ لِلْمُدَّعِينَ ، فَلَمْ تَزِدْ عَلَى مَا يُشْرَعُ فِي حَقِّ الْوَاحِدِ ، كَالْبَيِّنَةِ ،","part":19,"page":362},{"id":9362,"text":"وَيُفَارِقُ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ، فَإِنَّهَا لَيْسَتْ حُجَّةً لِلْمُدَّعِي ، وَلِأَنَّهَا لَمْ يُمْكِنْ قِسْمَتُهَا ، فَكَمَلَتْ فِي حَقِّ وَاحِدٍ ؛ كَالْيَمِينِ الْمُنْكَسِرَةِ فِي الْقَسَامَةِ ، فَإِنَّهَا تُجْبَرُ وَتَكْمُلُ فِي حَقِّ كُلِّ وَاحِدٍ ؛ لِكَوْنِهَا لَا تَتَبَعَّضُ ، وَمَا لَا يَتَبَعَّضُ يَكْمُلُ ، كَالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ .\rوَمَا ذَكَرَهُ مَالِكٌ لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّهُ إسْقَاطٌ لِلْيَمِينِ عَمَّنْ عَلَيْهِ بَعْضُهَا ، فَلَمْ يَجُزْ ، كَمَا لَوْ تَسَاوَى الْكَسْرَانِ ، بِأَنْ يَكُونَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الِاثْنَيْنِ نِصْفُهَا ، أَوْ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الثَّلَاثَةِ ثُلُثُهَا ، وَبِالْقِيَاسِ عَلَى مَنْ عَلَيْهِ أَكْثَرُهَا ؛ وَلِأَنَّ الْيَمِينَ فِي سَائِرِ الدَّعَاوَى تَكْمُلُ فِي حَقِّ كُلِّ وَاحِدٍ ، وَيَسْتَوِي مَنْ لَهُ فِي الْمُدَّعَى كَثِيرٌ وَقَلِيلٌ ، كَذَا هَاهُنَا ، وَلِأَنَّهُ يُفْضِي إلَى أَنْ يَتَحَمَّلَ الْيَمِينَ غَيْرُ مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ عَمَّنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ ، فَلَمْ يَجُزْ ذَلِكَ ، كَالْيَمِينِ الْكَامِلَةِ ، وَكَالْجُزْءِ الْأَكْبَرِ .\r( 7031 ) فَصْلٌ : فَإِنْ كَانَ فِيهِمْ مَنْ لَا قَسَامَةَ عَلَيْهِ بِحَالٍ ، وَهُوَ النِّسَاءُ ، سَقَطَ حُكْمُهُ ، فَإِذَا كَانَ ابْنٌ وَبِنْتٌ ، حَلَفَ الِابْنُ الْخَمْسِينَ كُلَّهَا .\rوَإِنْ كَانَ أَخٌ وَأُخْتٌ لِأُمٍّ وَأَخٌ وَأُخْتٌ لِأَبٍ ، قُسِمَتْ الْأَيْمَانُ بَيْنَ الْأَخَوَيْنِ ، عَلَى أَحَدَ عَشَرَ ، عَلَى الْأَخِ مِنْ الْأُمِّ ثَلَاثَةٌ ، وَعَلَى الْآخَرِ ثَمَانِيَةٌ ، ثُمَّ يُجْبَرُ الْكَسْرُ عَلَيْهِمَا ، فَيَحْلِفُ الْأَخُ مِنْ الْأَبِ سَبْعَةً وَثَلَاثِينَ يَمِينًا ، وَالْأَخُ مِنْ الْأُمِّ أَرْبَعَ عَشْرَةَ يَمِينًا .","part":19,"page":363},{"id":9363,"text":"( 7032 ) فَصْلٌ : فَإِنْ مَاتَ الْمُسْتَحِقُّ ، انْتَقَلَ إلَى وَارِثِهِ مَا عَلَيْهِ مِنْ الْأَيْمَانِ ، وَكَانَتْ الْأَيْمَانُ بَيْنَهُمْ عَلَى حَسَبِ مَوَارِيثِهِمْ ، وَيُجْبَرُ الْكَسْرُ فِيهَا عَلَيْهِمْ ، كَمَا يَنْجَبِرُ فِي حَقِّ وَرَثَةِ الْقَتِيلِ .\rوَإِنْ مَاتَ بَعْضُهُمْ ، قُسِمَ نَصِيبُهُ مِنْ الْأَيْمَانِ بَيْنَ وَرَثَتِهِ ، فَلَوْ كَانَ لِلْقَتِيلِ ثَلَاثَةُ بَنِينَ ، كَانَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ سَبْعَ عَشْرَةَ يَمِينًا ، فَإِنْ مَاتَ بَعْضُهُمْ قَبْلَ أَنْ يُقْسِمَ ، وَخَلَّفَ ثَلَاثَةَ بَنِينَ ، قُسِمَتْ أَيْمَانُهُ بَيْنَهُمْ ، فَكَانَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ سِتَّةُ أَيْمَانٍ .\rوَإِنْ خَلَّفَ ابْنَيْنِ ، حَلَفَ كُلُّ وَاحِدٍ تِسْعَةَ أَيْمَانٍ .\rوَإِنَّمَا قُلْنَا هَذَا ؛ لِأَنَّ الْوَارِثَ يَقُومُ مَقَامَ الْمَوْرُوثِ فِي إثْبَاتِ حُجَجِهِ ، كَمَا يَقُومُ مَقَامَهُ فِي اسْتِحْقَاقِ مَالِهِ ، وَهَذَا مِنْ حُجَجِهِ ، وَلِذَلِكَ يَمْلِكُ إقَامَةَ الْبَيِّنَةِ وَالْحَلِفَ فِي الْإِنْكَارِ ، وَمَعَ الشَّاهِدِ الْوَاحِدِ فِي دَعْوَى الْمَالِ .\rوَإِنْ كَانَ مَوْتُهُ بَعْدَ شُرُوعِهِ فِي الْأَيْمَانِ ، فَحَلَفَ بَعْضَهَا ، فَإِنَّ وَرَثَتَهُ يَسْتَأْنِفُونَ الْأَيْمَانَ ، وَلَا يَبْنُونَ عَلَى أَيْمَانِهِ ؛ لِأَنَّ الْخَمْسِينَ جَرَتْ مَجْرَى الْيَمِينِ الْوَاحِدَةِ ؛ وَلِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَسْتَحِقَّ أَحَدٌ بِيَمِينِ غَيْرِهِ ، وَلَا يَبْطُلُ هَذَا بِمَا إذَا حَلَفَ جَمِيعَ الْأَيْمَانِ ثُمَّ مَاتَ ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَحِقُّ الْمَالَ إرْثًا عَنْهُ ، لَا بِيَمِينِهِ ، وَلِأَنَّهُ إذَا حَلَفَ الْوَارِثَانِ ، كُلُّ وَاحِدٍ خَمْسَةً وَعِشْرِينَ يَمِينًا ، فَإِنَّ الدِّيَةَ تُسْتَحَقُّ بِيَمِينِهِمَا ؛ لِأَنَّهُمَا يَشْتَرِكَانِ فِي الْأَيْمَانِ ، وَيَسْتَحِقُّ كُلُّ وَاحِدٍ بِقَدْرِ أَيْمَانِهِ ، وَلَا يَسْتَحِقُّ بِيَمِينِ غَيْرِهِ ، وَإِنْ كَانَ اجْتِمَاعُ الْعَدَدِ شَرْطًا فِي اسْتِحْقَاقِهَا .","part":19,"page":364},{"id":9364,"text":"( 7033 ) فَصْلٌ : وَلَوْ حَلَفَ بَعْضَ الْأَيْمَانِ ، ثُمَّ جُنَّ ، ثُمَّ أَفَاقَ ، فَإِنَّهُ يُتَمِّمُ ، وَلَا يَلْزَمُهُ الِاسْتِئْنَافُ ؛ لِأَنَّ أَيْمَانَهُ وَقَعَتْ مَوْقِعَهَا ، وَيُفَارِقُ الْمَوْتَ ؛ لِأَنَّ الْمَوْتَ يَتَعَذَّرُ مَعَهُ إتْمَامُ الْأَيْمَانِ مِنْهُ ، وَغَيْرُهُ لَا يَبْنِي عَلَى يَمِينِهِ ، وَهَا هُنَا يُمْكِنُهُ أَنْ يُتِمَّهَا إذَا أَفَاقَ ، وَلَا تَبْطُلُ بِالتَّفْرِيقِ ؛ بِدَلِيلِ أَنَّ الْحَاكِمَ إذَا حَلَّفَهُ بَعْضَ الْأَيْمَانِ ، ثُمَّ تَشَاغَلَ عَنْهُ ، لَمْ تَبْطُلْ ، وَيُتِمُّهَا ، وَمَا لَا يُبْطِلُهُ التَّفْرِيقُ ، لَا يُبْطِلُهُ تَخَلُّلُ الْجُنُونِ لَهُ كَالسَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَّا وَالْمَرْوَةِ ، وَإِنْ حَلَفَ بَعْضَ الْأَيْمَانِ ، ثُمَّ عُزِلَ الْحَاكِمُ ، وَوُلِّيَ غَيْرُهُ ، أَتَمَّهَا عِنْدَ الثَّانِي : وَلَمْ يَلْزَمْهُ اسْتِئْنَافُهَا ؛ لِأَنَّ الْأَيْمَانَ وَقَعَتْ مَوْقِعَهَا .\rوَكَذَلِكَ لَوْ حَلَفَ بَعْضَهَا ، ثُمَّ سَأَلَ الْحَاكِمَ إنْظَارَهُ ، فَأَنْظَرَهُ ، بَنَى عَلَى مَا مَضَى ، وَلَمْ يَلْزَمْهُ الِاسْتِئْنَافُ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا .","part":19,"page":365},{"id":9365,"text":"( 7034 ) فَصْلٌ : إذَا رُدَّتْ الْأَيْمَانُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ ، وَكَانَ عَمْدًا ، لَمْ تَجُزْ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ ، فَيَحْلِفُ خَمْسِينَ يَمِينًا ، وَإِنْ كَانَتْ عَنْ غَيْر عَمْدٍ ، كَالْخَطَإِ وَشِبْهِ الْعَمْدِ ، فَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ ، أَنَّهُ لَا قَسَامَةَ فِي هَذَا ؛ لِأَنَّ الْقَسَامَةَ مِنْ شَرْطِهَا اللَّوْثُ ، وَالْعَدَاوَةُ ، إنَّمَا أَثَرُهَا فِي تَعَمُّدِ الْقَتْلِ ، لَا فِي خَطَئِهِ ، فَإِنَّ احْتِمَالَ الْخَطَإِ فِي الْعَمْدِ وَغَيْرِهِ سَوَاءٌ .\rوَقَالَ غَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا : فِيهِ قَسَامَةٌ .\rوَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ اللَّوْثَ لَا يَخْتَصُّ الْعَدَاوَةَ عِنْدَهُمْ .\rفَعَلَى هَذَا تَجُوزُ الدَّعْوَى عَلَى جَمَاعَةٍ ، فَإِذَا اُدُّعِيَ عَلَى جَمَاعَةٍ ، لَزِمَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ خَمْسُونَ يَمِينًا .\rوَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا : تُقْسَمُ الْأَيْمَانُ بَيْنَهُمْ بِالْحِصَصِ ، كَقَسْمِهَا بَيْنَ الْمُدَّعِينَ ، إلَّا أَنَّهَا هَاهُنَا تُقْسَمُ بِالسَّوِيَّةِ ؛ لِأَنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ مُتَسَاوُونَ فِيهَا ، فَهُمْ كَبَنِي الْمَيِّتِ .\rوَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ ، كَالْوَجْهَيْنِ .\rوَالْحُجَّةُ لِهَذَا الْقَوْلِ ، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { تُبْرِئُكُمْ يَهُودُ بِخَمْسِينَ يَمِينًا } .\rوَفِي لَفْظٍ قَالَ : { فَيَحْلِفُونَ لَكُمْ خَمْسِينَ يَمِينًا ، وَيَبْرَءُونَ مِنْ دَمِهِ } .\rوَلِأَنَّهُمْ أَحَدُ الْمُتَدَاعِيَيْنِ فِي الْقَسَامَةِ ، فَتَسْقُطُ الْأَيْمَانُ عَلَى عَدَدِهِمْ ، كَالْمُدَّعِينَ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : يَحْلِفُ مِنْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ خَمْسُونَ رَجُلًا خَمْسِينَ يَمِينًا ، فَإِنْ لَمْ يَبْلُغُوا خَمْسِينَ رَجُلًا ، رُدِّدَتْ عَلَى مَنْ حَلَفَ مِنْهُمْ حَتَّى تَكْمُلَ خَمْسِينَ يَمِينًا ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ أَحَدٌ يَحْلِفُ إلَّا الَّذِي اُدُّعِيَ عَلَيْهِ ، حَلَفَ وَحْدَهُ خَمْسِينَ يَمِينًا ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { فَتُبْرِئُكُمْ يَهُودُ بِخَمْسِينَ يَمِينًا } .\rوَلَنَا ، أَنَّ هَذِهِ أَيْمَانٌ يُبْرِئُ بِهَا كُلُّ وَاحِدٍ نَفْسَهُ مِنْ الْقَتْلِ ، فَكَانَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ خَمْسُونَ ، كَمَا لَوْ اُدُّعِيَ عَلَى كُلِّ","part":19,"page":366},{"id":9366,"text":"وَاحِدٍ وَحْدَهُ قَتِيلٌ ؛ وَلِأَنَّهُ لَا يُبْرِئُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ حَالَ الِاشْتِرَاكِ إلَّا مَا يُبْرِئُهُ حَالَ الِانْفِرَادِ ، وَلِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَحْلِفُ عَلَى غَيْرِ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ ، بِخِلَافِ الْمُدَّعِينَ ، فَإِنَّ أَيْمَانَهُمْ عَلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ ، فَلَا يَلْزَمُ مِنْ تَلْفِيقِهَا تَلْفِيقُ مَا يَخْتَلِفُ مَدْلُولُهُ أَوْ مَقْصُودُهُ .","part":19,"page":367},{"id":9367,"text":"( 7035 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : وَسَوَاءٌ كَانَ الْمَقْتُولُ مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا ، حُرًّا أَوْ عَبْدًا ، إذَا كَانَ الْمَقْتُولُ يُقْتَلُ بِهِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ، إذَا ثَبَتَ عَلَيْهِ الْقَتْلُ ؛ لِأَنَّ الْقَسَامَةَ تُوجِبُ الْقَوَدَ ، إلَّا أَنْ يُحِبَّ الْأَوْلِيَاءُ أَخْذَ الدِّيَةِ أَمَّا إذَا كَانَ الْمَقْتُولُ مُسْلِمًا حُرًّا ، فَلَيْسَ فِيهِ اخْتِلَافٌ ، سَوَاءٌ كَانَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا ، فَإِنَّ الْأَصْلَ فِي الْقَسَامَةِ قِصَّةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَهْلٍ حِينَ قُتِلَ بِخَيْبَرَ ، فَاتُّهِمَ الْيَهُودُ بِقَتْلِهِ ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْقَسَامَةِ .\rوَأَمَّا إنْ كَانَ الْمَقْتُولُ كَافِرًا أَوْ عَبْدًا ، وَكَانَ قَاتِلُهُ مِمَّنْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ بِقَتْلِهِ ، وَهُوَ الْمُمَاثِلُ لَهُ فِي حَالِهِ ، فَفِيهِ الْقَسَامَةُ .\rوَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ .\rوَقَالَ الزُّهْرِيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ : لَا قَسَامَةَ فِي الْعَبْدِ ؛ فَإِنَّهُ مَالٌ ، فَلَمْ تَجِبْ الْقَسَامَةُ فِيهِ ، كَقَتْلِ الْبَهِيمَةِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ قَتْلٌ مُوجِبٌ لِلْقِصَاصِ ، فَأَوْجَبَ الْقَسَامَةَ ، كَقَتْلِ الْحُرِّ ، وَفَارَقَ الْبَهِيمَةَ ؛ فَإِنَّهَا لَا قِصَاصَ فِيهَا .\rوَيُقْسِمُ عَلَى الْعَبْدِ سَيِّدُهُ ، لِأَنَّهُ الْمُسْتَحِقُّ لِدَمِهِ .\rوَأُمُّ الْوَلَدِ ، وَالْمُدَبَّرُ ، وَالْمُكَاتَبُ ، وَالْمُعَلَّقُ عِتْقُهُ بِصِفَةٍ ، كَالْقِنِّ ؛ لِأَنَّ الرِّقَّ ثَابِتٌ فِيهِمْ .\rوَإِنْ كَانَ الْقَاتِلُ مِمَّنْ لَا قِصَاصَ عَلَيْهِ ، كَالْمُسْلِمِ يَقْتُلُ كَافِرًا ، وَالْحُرِّ يَقْتُلُ عَبْدًا ، فَلَا قَسَامَةَ فِيهِ ، فِي ظَاهِرِ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ؛ لِأَنَّ الْقَسَامَة إنَّمَا تَكُونُ فِيمَا يُوجِبُ الْقَوَدَ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : فِيهِمَا الْقَسَامَةُ ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ ؛ لِأَنَّهُ قَتْلُ آدَمِيٍّ يُوجِبُ الْكَفَّارَةَ ، فَشَرَعَتْ الْقَسَامَةُ فِيهِ ، كَقَتْلِ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ ، وَلِأَنَّ مَا كَانَ حُجَّةً فِي قَتْلِ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ ، كَانَ حُجَّةً فِي قَتْلِ الْعَبْدِ الْكَافِرِ ،","part":19,"page":368},{"id":9368,"text":"كَالْبَيِّنَةِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ قَتْلٌ لَا يُوجِبُ الْقِصَاصَ ، فَأَشْبَهَ قَتْلَ الْبَهِيمَةِ ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ شَرْعِهَا فِيمَا يُوجِبُ الْقِصَاصَ ، شَرْعُهَا مَعَ عَدَمِهِ ، بِدَلِيلِ أَنَّ الْعَبْدَ إذَا اُتُّهِمَ بِقَتْلِ سَيِّدِهِ ، شُرِعَتْ الْقَسَامَةُ إذَا كَانَ الْقَتْلُ مُوجِبًا لِلْقِصَاصِ .\rذَكَرَهُ الْقَاضِي ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ قَتْلُهُ قَبْلَ ذَلِكَ ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مُوجِبًا لِلْقِصَاصِ لَمْ تُشْرَعْ الْقَسَامَةُ .","part":19,"page":369},{"id":9369,"text":"( 7036 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قُتِلَ عَبْدُ الْمُكَاتَبِ ، فَلِلْمُكَاتَبِ أَنْ يُقْسِمَ عَلَى الْجَانِي ؛ لِأَنَّهُ مَالِكٌ لِلْعَبْدِ يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فِيهِ وَفِي بَدَلِهِ ، وَلَيْسَ لِسَيِّدِهِ انْتِزَاعُهُ مِنْهُ ، وَلَهُ شِرَاؤُهُ مِنْهُ .\rوَلَوْ اشْتَرَى الْمَأْذُونُ لَهُ فِي التِّجَارَةِ عَبْدًا ، فَقُتِلَ ، فَالْقَسَامَةُ لِسَيِّدِهِ دُونَهُ ؛ لِأَنَّ مَا يَبْتَاعُهُ الْمَأْذُونُ يَمْلِكُهُ سَيِّدُهُ دُونَهُ ، وَلِهَذَا يَمْلِكُ انْتِزَاعَهُ مِنْهُ .\rوَإِنْ عَجَزَ الْمُكَاتَبُ قَبْلَ أَنْ يُقْسِمَ ، فَلِسَيِّدِهِ أَنْ يُقْسِمَ ؛ لِأَنَّهُ صَارَ الْمُسْتَحِقَّ لِبَدَلِ الْمَقْتُولِ ، بِمَنْزِلَةِ وَرَثَةِ الْحُرِّ إذَا مَاتَ قَبْلَ أَنْ يُقْسِمَ ، وَلَوْ مَلَّكَ السَّيِّدُ عَبْدَهُ أَوْ أُمَّ وَلَدِهِ عَبْدًا فَقُتِلَ ، فَالْقَسَامَةُ لِلسَّيِّدِ ، سَوَاءٌ قُلْنَا : يَمْلِكُ الْعَبْدُ بِالتَّمْلِيكِ ، أَوْ لَا يَمْلِكُ ؛ لِأَنَّهُ إنْ لَمْ يَمْلِكْ ، فَالْمِلْكُ لِسَيِّدِهِ ، وَإِنْ مَلَكَ فَهُوَ مِلْكٌ غَيْرُ ثَابِتٍ ، وَلِهَذَا يَمْلِكُ سَيِّدُهُ انْتِزَاعَهُ مِنْهُ ؛ وَلَا يَجُوزُ لَهُ التَّصَرُّفُ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ ، بِخِلَافِ الْمُكَاتَبِ .\rوَإِنْ أَوْصَى لِأُمِّ وَلَدِهِ بِبَدَلِ الْعَبْدِ ، صَحَّتْ الْوَصِيَّةُ ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يَجِبْ بَعْدُ ، كَمَا تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ بِثَمَرَةٍ لَمْ تُخْلَقْ .\rوَالْقَسَامَةُ لِلْوَرَثَةِ ؛ لِأَنَّهُمْ الْقَائِمُونَ مَقَامَ الْمُوصِي فِي إثْبَاتِ حُقُوقِهِ ، فَإِذَا حَلَفُوا ، ثَبَتَ لَهَا الْبَدَلُ بِالْوَصِيَّةِ ، وَإِنْ لَمْ يَحْلِفُوا ، لَمْ يَكُنْ لَهَا أَنْ تَحْلِفَ ، كَمَا إذَا امْتَنَعَ الْوَرَثَةُ مِنْ الْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ ، لَمْ يَكُنْ لِلْغُرَمَاءِ أَنْ يَحْلِفُوا مَعَهُ .","part":19,"page":370},{"id":9370,"text":"( 7037 ) فَصْلٌ : وَالْمَحْجُورُ عَلَيْهِ لَسَفَهٍ أَوْ فَلَسٍ ، كَغَيْرِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ ، فِي دَعْوَى الْقَتْلِ ، وَالدَّعْوَى عَلَيْهِ ، إلَّا أَنَّهُ إذَا أَقَرَّ بِمَالٍ ، أَوْ لَزِمَتْهُ الدِّيَةُ بِالنُّكُولِ عَنْ الْيَمِينِ ، لَمْ يَلْزَمْهُ فِي حَالِ حَجْرِهِ ؛ لِأَنَّ إقْرَارَهُ بِالْمَالِ فِي الْحَالِ غَيْرُ مَقْبُولٍ بِالنِّسْبَةِ إلَى أَخْذِ شَيْءٍ مِنْ مَالِهِ فِي الْحَالِ ، عَلَى مَا عُرِفَ فِي مَوْضِعِهِ .","part":19,"page":371},{"id":9371,"text":"( 7038 ) فَصْلٌ : وَلَوْ جُرِحَ مُسْلِمٌ فَارْتَدَّ ، وَمَاتَ عَلَى الرِّدَّةِ ، فَلَا قَسَامَةَ فِيهِ ؛ لِأَنَّ نَفْسَهُ غَيْرُ مَضْمُونَةٍ ، وَإِنَّمَا يَضْمَنُ الْجُرْحَ ، وَلَا قَسَامَةَ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ ، وَلِأَنَّ مَالَهُ يَصِيرُ فَيْئًا ، وَالْفَيْءُ لَيْسَ لَهُ مُسْتَحِقٌّ مُعَيَّنٌ فَتَثْبُتُ الْقَسَامَةُ لَهُ .\rوَإِنْ مَاتَ مُسْلِمًا ، فَارْتَدَّ وَارِثُهُ قَبْلَ الْقَسَامَةِ ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : لَيْسَ لَهُ أَنْ يُقْسِمَ ، وَإِنْ أَقْسَمَ لَمْ يَصِحَّ ؛ لِأَنَّ مِلْكَهُ يَزُولُ عَنْ مَالِهِ وَحُقُوقِهِ ، فَلَا يَبْقَى مُسْتَحِقًّا لِلْقَسَامَةِ .\rوَهَذَا قَوْلُ الْمُزَنِيّ .\rوَلِأَنَّ الْمُرْتَدَّ قَدْ أَقْدَمَ عَلَى الشِّرْكِ الَّذِي لَا ذَنْبَ أَعْظَمُ مِنْهُ ، فَلَا يَسْتَحِقُّ بِيَمِينِهِ دَمَ مُسْلِمٍ ، وَلَا يَثْبُتُ بِهَا قَتْلٌ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : الْأَوْلَى أَنْ تُعْرَضَ عَلَيْهِ الْقَسَامَةُ ، فَإِنْ أَقْسَمَ ، وَجَبَتْ الدِّيَةُ ، وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَ الْمَالِ بِالْقَسَامَةِ حَقٌّ عَلَيْهِ فَلَا يَبْطُلُ بِرِدَّتِهِ ، كَاكْتِسَابِ الْمَالِ بِوُجُوهِ الِاكْتِسَابِ ، وَكُفْرُهُ لَا يَمْنَعُ يَمِينَهُ ، فَإِنَّ الْكَافِرَ تَصِحُّ يَمِينُهُ ، وَتُعْرَضُ عَلَيْهِ فِي الدَّعَاوَى فَإِنْ حَلَفَ ، ثَبَتَ الْقِصَاصُ أَوْ الدِّيَةُ ، فَإِنْ عَادَ إلَى الْإِسْلَامِ ، كَانَ لَهُ ، وَإِنْ مَاتَ كَانَ فَيْئًا .\rوَالصَّحِيحُ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ ، مَا قَالَ أَبُو بَكْرٍ ؛ لِأَنَّ مَالَ الْمُرْتَدِّ إمَّا أَنْ يَكُونَ مِلْكُهُ قَدْ زَالَ عَنْهُ ، وَإِمَّا مَوْقُوفٌ ، وَحُقُوقُ الْمَالِ حُكْمُهَا حُكْمُهُ ؛ فَإِنْ قُلْنَا بِزَوَالِ مِلْكِهِ ، فَلَا حَقَّ لَهُ ، وَإِنْ قُلْنَا : هُوَ مَوْقُوفٌ .\rفَهُوَ قَبْلَ انْكِشَافِ حَالِهِ مَشْكُوكٌ فِيهِ ، فَلَا يَثْبُتُ الْحُكْمُ بِشَيْءٍ مَشْكُوكٍ فِيهِ ، فَكَيْفَ وَقَتْلُ الْمُسْلِمِ أَمْرٌ كَبِيرٌ لَا يَثْبُتُ مَعَ الشُّبُهَاتِ ، وَلَا يُسْتَوْفَى مَعَ الشَّكِّ .\rفَأَمَّا إنْ ارْتَدَّ قَبْلَ مَوْتِ مَوْرُوثِهِ ، لَمْ يَكُنْ وَارِثًا ، وَلَا حَقَّ لَهُ ، وَتَكُونُ الْقَسَامَةُ لِغَيْرِهِ مِنْ الْوُرَّاثِ .\rفَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمَيِّتِ وَارِثٌ سِوَاهُ ، فَلَا قَسَامَةَ فِيهِ ؛","part":19,"page":372},{"id":9372,"text":"لِمَا ذَكَرْنَا .\rوَإِنْ عَادَ إلَى الْإِسْلَامِ قَبْلَ قَسَامَةِ غَيْرِهِ ، فَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يَدْخُلُ فِي الْقَسَامَةِ ؛ لِأَنَّهُ مَتَى رَجَعَ قَبْلَ قَسْمِ الْمِيرَاثِ ، قُسِمَ لَهُ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : لَا تَعُودُ الْقَسَامَةُ إلَيْهِ ؛ لِأَنَّهَا اُسْتُحِقَّتْ عَلَى غَيْرِهِ .\rوَإِنْ ارْتَدَّ رَجُلٌ فَقُتِلَ عَبْدُهُ ، أَوْ قُتِلَ ثُمَّ ارْتَدَّ ، فَهَلْ لَهُ أَنْ يُقْسِمَ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ ؛ بِنَاءً عَلَى الِاخْتِلَافِ الْمُتَقَدِّمِ .\rفَإِنْ عَادَ إلَى الْإِسْلَامِ ، عَادَتْ الْقَسَامَةُ ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَحِقُّ بَدَلَ الْعَبْدِ .","part":19,"page":373},{"id":9373,"text":"( 7039 ) فَصْلٌ : وَلَا قَسَامَةَ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ مِنْ الْأَطْرَافِ وَالْجَوَارِحِ .\rوَلَا أَعْلَمُ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي هَذَا خِلَافًا ، وَمِمَّنْ قَالَ : لَا قَسَامَةَ فِي ذَلِكَ .\rمَالِكٌ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْقَسَامَةَ تَثْبُتُ فِي النَّفْسِ لِحُرْمَتِهَا ، فَاخْتَصَّتْ بِهَا دُونَ الْأَطْرَافِ ، كَالْكَفَّارَةِ ؛ وَلِأَنَّهَا تَثْبُتُ حَيْثُ كَانَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ لَا يُمْكِنُهُ التَّعْبِيرُ عَنْ نَفْسِهِ ، وَتَعْيِينُ قَاتِلِهِ ، وَمَنْ قُطِعَ طَرَفُهُ ، يُمْكِنُهُ ذَلِكَ ، وَحُكْمُ الدَّعْوَى فِيهِ حُكْمُ الدَّعْوَى فِي سَائِرِ الْحُقُوقِ ، وَالْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي ، وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ يَمِينًا وَاحِدَةً ؛ وَلِأَنَّهَا دَعْوَى لَا قَسَامَةَ فِيهَا ، فَلَا تُغَلَّظُ بِالْعَدَدِ ، كَالدَّعْوَى فِي الْمَالِ .","part":19,"page":374},{"id":9374,"text":"( 7040 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : وَلَيْسَ لِلْأَوْلِيَاءِ أَنْ يُقْسِمُوا عَلَى أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ لَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَا يُسْتَحَقُّ بِالْقَسَامَةِ أَكْثَرُ مِنْ قَتْلِ وَاحِدٍ .\rوَبِهَذَا قَالَ الزُّهْرِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَبَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ بَعْضُهُمْ : يُسْتَحَقُّ بِهَا قَتْلُ الْجَمَاعَةِ ؛ لِأَنَّهَا بَيِّنَةٌ مُوجِبَةٌ لِلْقَوَدِ ، فَاسْتَوَى فِيهَا الْوَاحِدُ وَالْجَمَاعَةُ ، كَالْبَيِّنَةِ .\rوَهَذَا نَحْوُ قَوْلِ أَبِي ثَوْرٍ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { يُقْسِمُ خَمْسُونَ مِنْكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ ، فَيُدْفَعُ إلَيْكُمْ بِرُمَّتِهِ } .\rفَخَصَّ بِهَا الْوَاحِدَ ؛ وَلِأَنَّهَا بَيِّنَةٌ ضَعِيفَةٌ ، خُولِفَ بِهَا الْأَصْلُ فِي قَتْلِ الْوَاحِدِ ، فَيُقْتَصَرُ عَلَيْهِ ، وَيَبْقَى عَلَى الْأَصْلِ فِيمَا عَدَاهُ .\rوَبَيَانُ مُخَالَفَةِ الْأَصْلِ بِهَا ، أَنَّهَا تَثْبُتُ بِاللَّوْثِ ، وَاللَّوْثُ شُبْهَةٌ مُغَلِّبَةٌ عَلَى الظَّنِّ صِدْقَ الْمُدَّعِي ، وَالْقَوَدُ يَسْقُطُ بِالشُّبُهَاتِ ، فَكَيْفَ يَثْبُتُ بِهَا ، وَلِأَنَّ الْأَيْمَانَ فِي سَائِرِ الدَّعَاوَى تَثْبُتُ ابْتِدَاءً فِي جَانِبِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ، وَهَذَا بِخِلَافِهِ .\rوَبَيَانُ ضَعْفِهَا ، أَنَّهَا تَثْبُتُ بِقَوْلِ الْمُدَّعِي وَيَمِينِهِ ، مَعَ التُّهْمَةِ فِي حَقِّهِ ، وَالشَّكِّ فِي صِدْقِهِ ، وَقِيَامِ الْعَدَاوَةِ الْمَانِعَةِ مِنْ صِحَّةِ الشَّهَادَةِ عَلَيْهِ فِي إثْبَاتِ حَقٍّ لِغَيْرِهِ ، فَلَأَنْ يُمْنَعَ مِنْ قَبُولِ قَوْلِهِ وَحْدَهُ فِي إثْبَاتِ حَقِّهِ لِنَفْسِهِ أَوْلَى وَأَحْرَى .\rوَفَارَقَ الْبَيِّنَةَ ، فَإِنَّهَا قَوِيَتْ بِالْعَدَدِ ، وَعَدَالَةِ الشُّهُودِ ، وَانْتِفَاءِ التُّهْمَةِ فِي حَقِّهِمْ مِنْ الْجِهَتَيْنِ ، فِي كَوْنِهِمْ لَا يُثْبِتُونَ لِأَنْفُسِهِمْ حَقًّا وَلَا نَفْعًا ، وَلَا يَدْفَعُونَ عَنْهَا ضُرًّا ، وَلَا عَدَاوَةَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ ، وَلِهَذَا يَثْبُتُ بِهَا سَائِرُ الْحُقُوقِ وَالْحُدُودِ الَّتِي تَنْتَفِي بِالشُّبُهَاتِ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَلَا قَسَامَةَ فِيمَا لَا قَوَدَ فِيهِ ، فِي قَوْلِ الْخِرَقِيِّ ، فَيَطَّرِدُ قَوْلُهُ فِي أَنَّ","part":19,"page":375},{"id":9375,"text":"الْقَسَامَةَ لَا تُشْرَعُ إلَّا فِي حَقِّ وَاحِدٍ .\rوَعِنْدَ غَيْرِهِ أَنَّ الْقَسَامَةَ تَجْرِي فِيمَا لَا قَوَدَ فِيهِ ، فَيَجُوزُ أَنْ يُقْسِمُوا فِي هَذَا عَلَى جَمَاعَةٍ .\rوَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ .\rفَعَلَى هَذَا ، إنْ ادَّعَى عَلَى اثْنَيْنِ ، عَلَى أَحَدِهِمَا لَوْثٌ ، حَلَفَ عَلَى مَنْ عَلَيْهِ اللَّوْثُ خَمْسِينَ يَمِينًا ، وَاسْتَحَقَّ نِصْفَ الدِّيَةِ عَلَيْهِ ، وَحَلَفَ الْآخَرُ يَمِينًا وَاحِدَةً ، وَبُرِّئَ ، وَإِنْ نَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ ، فَعَلَيْهِ نِصْفُ الدِّيَةِ .\rوَإِنْ ادَّعَى عَلَى ثَلَاثَةٍ عَلَيْهِمْ لَوْثٌ ، وَلَمْ يَحْضُرْ إلَّا وَاحِدٌ مِنْهُمْ ، حَلَفَ عَلَى الْحَاضِرِ مِنْهُمْ خَمْسِينَ يَمِينًا ، وَاسْتَحَقَّ ثُلُثَ الدِّيَةِ ، فَإِذَا حَضَرَ الثَّانِي : فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، يَحْلِفُ عَلَيْهِ خَمْسِينَ يَمِينًا أَيْضًا ، وَيَسْتَحِقُّ ثُلُثَ الدِّيَةِ ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَا يَثْبُتُ عَلَى أَحَدِ الرَّجُلَيْنِ إلَّا بِمَا يَثْبُتُ عَلَى الْآخَرِ ، كَالْبَيِّنَةِ ، فَإِنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ الْكَامِلَةِ عَلَى الثَّانِي : كَإِقَامَتِهَا عَلَى الْأَوَّلِ .\rوَالثَّانِي : يَحْلِفُ عَلَيْهِ خَمْسَةً وَعِشْرِينَ يَمِينًا ؛ لِأَنَّهُمَا لَوْ حَضَرَا مَعًا ، لَحَلَفَ عَلَيْهِمَا خَمْسِينَ يَمِينًا ، حِصَّةُ هَذَا مِنْهَا خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ .\rوَهَذَا الْوَجْهُ ضَعِيفٌ ؛ فَإِنَّ الْيَمِينَ لَا تُقْسَمُ عَلَيْهِمْ إذَا حَضَرُوا ، وَلَوْ حَلَفَ كُلُّ وَاحِدٍ مُنْفَرِدٍ حِصَّتَهُ مِنْ الْأَيْمَانِ لَمْ يَصِحَّ ، وَلَمْ يَثْبُتْ لَهُ حَقٌّ ، وَإِنَّمَا الْأَيْمَانُ عَلَيْهِمْ جَمِيعًا ، وَتَتَنَاوَلُهُمْ تَنَاوُلًا وَاحِدًا ، وَلِأَنَّهَا لَوْ قُسِمَتْ عَلَيْهِمْ بِالْحِصَصِ ، لَوَجَبَ أَنْ لَا يُقْسَمَ عَلَى الْأَوَّلِ أَكْثَرُ مِنْ سَبْعَ عَشْرَةَ يَمِينًا ، وَكَذَلِكَ عَلَى الثَّانِي ؛ لِأَنَّ هَذَا الْقَدْرَ هُوَ حِصَّتُهُ مِنْ الْأَيْمَانِ ، فَعَلَى كِلَا التَّقْدِيرَيْنِ ، لَا وَجْهَ لِحَلِفِهِ خَمْسَةً وَعِشْرِينَ يَمِينًا .\rوَإِنْ قِيلَ : إنَّمَا حَلَفَ بِقَدْرِ حِصَّتِهِ وَحِصَّةِ الثَّالِثِ .\rفَيَنْبَغِي أَنْ يَحْلِفَ أَرْبَعَةً وَثَلَاثِينَ .\rوَإِذَا قَدِمَ الثَّالِثُ : فَفِيهِ","part":19,"page":376},{"id":9376,"text":"الْوَجْهَانِ ؛ أَصَحُّهُمَا ، يَحْلِفَ عَلَيْهِ خَمْسِينَ يَمِينًا ، وَيَسْتَحِقُّ ثُلُثَ الدِّيَةِ .\rوَالْآخَرُ ، يَحْلِفُ سَبْعَةَ عَشَرَ يَمِينًا .\rوَإِنْ حَضَرُوا جَمِيعًا ، حَلَفَ عَلَيْهِمْ خَمْسِينَ يَمِينًا ، وَاسْتَحَقَّ الدِّيَةَ عَلَيْهِمْ أَثْلَاثًا ، وَهَذَا التَّفْرِيعُ يَدُلُّ عَلَى اشْتِرَاطِ حُضُورِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَقْتَ الْأَيْمَانِ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهَا أُقِيمَتْ مُقَامَ الْبَيِّنَةِ ، فَاشْتُرِطَ حُضُورُ مَنْ أُقِيمَتْ عَلَيْهِ ، كَالْبَيِّنَةِ .\rوَكَذَلِكَ إنْ رُدَّتْ الْأَيْمَانُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ ، اُشْتُرِطَ حُضُورُ الْمُدَّعِينَ وَقْتَ حَلِفِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ ؛ لِأَنَّ الْأَيْمَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ ، فَيُعْتَبَرُ رِضَاهُ بِهَا وَحُضُورُهُ ، إلَّا أَنْ يُوَكِّلَ وَكِيلًا ، فَيَقُومَ حُضُورُهُ مَقَامَ مُوَكِّلِهِ .","part":19,"page":377},{"id":9377,"text":"( 7041 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَالَ الْمُدَّعِي : قَتَلَهُ هَذَا وَرَجُلٌ آخَرُ لَا أَعْرِفُهُ .\rوَكَانَ عَلَى الْمُعَيَّنِ لَوْثٌ ، أَقْسَمَ عَلَيْهِ خَمْسِينَ يَمِينًا ، وَاسْتَحَقَّ نِصْفَ الدِّيَةِ ، فَإِنْ تَعَيَّنَ لَهُ الْآخَرُ ، حَلَفَ عَلَيْهِ ، وَاسْتَحَقَّ نِصْفَ الدِّيَةِ .\rوَإِنْ قَالَ : قَتَلَهُ هَذَا ، وَنَفَرٌ لَا أَعْلَمُ عَدَدَهُمْ .\rلَمْ تَجِبْ الْقَسَامَةُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ كَمْ حِصَّتُهُ مِنْ الدِّيَةِ .","part":19,"page":378},{"id":9378,"text":"( 7042 ) فَصْلٌ : وَلَا تُسْمَعُ الدَّعْوَى إلَّا مُحَرَّرَةً ، بِأَنْ يَقُولَ : أَدَّعِي أَنَّ هَذَا قَتَلَ وَلِيِّي فُلَانَ ابْنَ فُلَانٍ ، عَمْدًا ، أَوْ خَطَأً ، أَوْ شِبْهَ الْعَمْدِ .\rوَيَصِفُ الْقَتْلَ ، فَإِنْ كَانَ عَمْدًا قَالَ : قَصَدَ إلَيْهِ بِسَيْفٍ ، أَوْ بِمَا يَقْتُلُ مِثْلُهُ غَالِبًا .\rفَإِنْ كَانَتْ الدَّعْوَى عَلَى وَاحِدٍ ، فَأَقَرَّ ثَبَتَ الْقَتْلُ ، وَإِنْ أَنْكَرَ وَثَمَّ بَيِّنَةٌ ، حُكِمَ بِهَا ، وَإِلَّا صَارَ الْأَمْرُ إلَى الْأَيْمَانِ .\rوَإِنْ كَانَتْ الدَّعْوَى عَلَى أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ ، لَمْ يَخْلُ مِنْ أَرْبَعَةِ أَحْوَالٍ ؛ أَحَدُهَا ، أَنْ يَقُولَ : قَتَلَهُ هَذَا ، وَهَذَا تَعَمَّدَ قَتْلَهُ .\rوَيَصِفُ الْعَمْدَ بِصِفَتِهِ ، فَيُقَالُ لَهُ : عَيِّنْ وَاحِدًا .\rفَإِنَّ الْقَسَامَةَ الْمُوجِبَةَ لِلْقَوَدِ لَا تَكُونُ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ .\rالْحَالُ الثَّانِي : أَنْ يَقُولَ : تَعَمَّدَ هَذَا ، وَهَذَا كَانَ خَاطِئًا ، فَهُوَ يَدَّعِي قَتْلًا غَيْرَ مُوجِبٍ لِلْقَوَدِ ، فَيُقْسِمُ عَلَيْهِمَا ، وَيَأْخُذُ نِصْفَ الدِّيَةِ مِنْ مَالِ الْعَامِدِ ، وَنِصْفَهَا مِنْ عَاقِلَةِ الْمُخْطِئِ .\rالْحَالُ الثَّالِثُ ؛ أَنْ يَقُولَ : عَمَدَ هَذَا ، وَلَا أَدْرِي أَكَانَ قَتْلُ الثَّانِي عَمْدًا أَوْ خَطَأً ؟ فَقِيلَ : لَا تَسُوغُ الْقَسَامَةُ هَاهُنَا ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْآخَرُ مُخْطِئًا ، فَيَكُونَ مُوجَبُهَا الدِّيَةَ عَلَيْهِمَا .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَامِدًا ، فَلَا تَسُوغُ الْقَسَامَةُ عَلَيْهِمَا ، وَيَجِبُ تَعْيِينُ وَاحِدٍ ، وَالْقَسَامَةُ عَلَيْهِ ، فَيَكُونُ مُوجَبُهَا الْقَوَدَ ، فَلَمْ تَجُزْ الْقَسَامَةُ مَعَ هَذَا .\rفَإِنْ عَادَ فَقَالَ : عَلِمْت أَنَّ الْآخَرَ كَانَ عَامِدًا .\rفَلَهُ أَنْ يُعَيِّنَ وَاحِدًا ، وَيُقْسِمَ عَلَيْهِ .\rوَإِنْ قَالَ : كَانَ مُخْطِئًا .\rثَبَتَتْ الْقَسَامَةُ حِينَئِذٍ ، وَيُسْأَلُ ، فَإِنْ أَنْكَرَ ، ثَبَتَتْ الْقَسَامَةُ .\rوَإِنْ أَقَرَّ ثَبَتَ عَلَيْهِ الْقَتْلُ ، وَيَكُونُ عَلَيْهِ نِصْفُ الدِّيَةِ فِي مَالِهِ ؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ بِإِقْرَارِهِ لَا بِالْقَسَامَةِ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : يَكُونُ عَلَى عَاقِلَتِهِ .\rوَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ؛ لِأَنَّ الْعَاقِلَةَ لَا","part":19,"page":379},{"id":9379,"text":"تَحْمِلُ اعْتِرَافًا .\rالْحَالُ الرَّابِعُ ، أَنْ يَقُولَ : قَتَلَاهُ خَطَأً ، أَوْ شِبْهَ عَمْدٍ ، أَوْ أَحَدُهُمَا خَاطِئٌ ، وَالْآخَرُ شِبْهُ الْعَمْدِ .\rفَلَهُ أَنْ يُقْسِمَ عَلَيْهِمَا .\rفَإِنْ ادَّعَى أَنَّهُ قَتَلَ وَلِيَّهُ عَمْدًا ، فَسُئِلَ عَنْ تَفْسِيرِ الْعَمْدِ ، فَفَسَّرَهُ بِعَمْدِ الْخَطَإِ ، قُبِلَ تَفْسِيرُهُ ، وَأَقْسَمَ عَلَى مَا فَسَّرَهُ بِهِ ؛ لِأَنَّهُ أَخْطَأَ فِي وَصْفِ الْقَتْلِ بِالْعَمْدِيَّةِ .\rوَنَقْلَ الْمُزَنِيّ ، عَنْ الشَّافِعِيِّ : لَا يَحْلِفُ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ بِدَعْوَى الْعَمْدِ بَرَّأَ الْعَاقِلَةَ ، فَلَا تُسْمَعُ دَعْوَاهُ بَعْدَ ذَلِكَ مَا يُوجِبُ عَلَيْهِمْ الْمَالَ .\rوَلَنَا ، أَنَّ دَعْوَاهُ قَدْ تَحَرَّرَتْ ، وَإِنَّمَا غَلِطَ فِي تَسْمِيَةِ شِبْهِ الْعَمْدِ عَمْدًا ، وَهَذَا مِمَّا يَشْتَبِهُ ، فَلَا يُؤَاخَذُ بِهِ .\rوَلَوْ أَحْلَفَهُ الْحَاكِمُ قَبْلَ تَحْرِيرِ الدَّعْوَى وَتَبَيُّنِ نَوْعِ الْقَتْلِ ، لَمْ يُعْتَدَّ بِالْيَمِينِ ؛ لِأَنَّ الدَّعْوَى لَا تُسْمَعُ غَيْرَ مُحَرَّرَةٍ ، فَكَأَنَّهُ حَلَّفَهُ قَبْلَ الدَّعْوَى ، وَلِأَنَّهُ إنَّمَا يُحَلِّفُهُ لِيُوجِبَ لَهُ مَا يَسْتَحِقُّهُ ، فَإِذَا لَمْ يَعْلَمْ مَا يَسْتَحِقُّهُ بِدَعْوَاهُ ، لَمْ يَحْصُلْ الْمَقْصُودُ بِالْيَمِينِ ، فَلَمْ يَصِحَّ .","part":19,"page":380},{"id":9380,"text":"( 7043 ) فَصْلٌ : قَالَ الْقَاضِي : يَجُوزُ لِلْأَوْلِيَاءِ أَنْ يُقْسِمُوا عَلَى الْقَاتِلِ ، إذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِمْ أَنَّهُ قَتَلَهُ ، وَإِنْ كَانُوا غَائِبِينَ عَنْ مَكَانِ الْقَتْلِ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِلْأَنْصَارِ : { تَحْلِفُونَ ، وَتَسْتَحِقُّونَ دَمَ صَاحِبِكُمْ } .\rوَكَانُوا بِالْمَدِينَةِ ، وَالْقَتْلُ بِخَيْبَرَ .\rوَلِأَنَّ الْإِنْسَانَ يَحْلِفُ عَلَى غَالِبِ ظَنِّهِ ، كَمَا أَنَّ مَنْ اشْتَرَى مِنْ إنْسَانٍ شَيْئًا ، فَجَاءَ آخَرُ يَدَّعِيهِ ، جَازَ أَنْ يَحْلِفَ أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّهُ ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ مِلْكُ الَّذِي بَاعَهُ ، وَكَذَلِكَ إذَا وَجَدَ شَيْئًا بِخَطِّهِ أَوْ خَطِّ أَبِيهِ وَدَفْتَرِهِ ، جَازَ لَهُ أَنْ يَحْلِفَ ، وَكَذَلِكَ إذَا بَاعَ شَيْئًا لَمْ يَعْلَمْ فِيهِ عَيْبًا ، فَادَّعَى عَلَيْهِ الْمُشْتَرِي أَنَّهُ مَعِيبٌ ، وَأَرَادَ رَدَّهُ ، كَانَ لَهُ أَنْ يَحْلِفَ أَنَّهُ بَاعَهُ بَرِيئًا مِنْ الْعَيْبِ .\rوَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَحْلِفَ الْمُدَّعِي إلَّا بَعْدَ الِاسْتِثْبَاتِ ، وَغَلَبَةِ ظَنٍّ يُقَارِبُ الْيَقِينَ ، وَيَنْبَغِي لِلْحَاكِمِ أَنْ يَقُولَ لَهُمْ : اتَّقُوا اللَّهَ ، وَاسْتَثْبِتُوا .\rوَيَعِظَهُمْ ، وَيُحَذِّرَهُمْ ، وَيَقْرَأَ عَلَيْهِمْ : { إنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا } .\rوَيُعَرِّفَهُمْ مَا فِي الْيَمِينِ الْكَاذِبَةِ ، وَظُلْمِ الْبَرِيءِ ، وَقَتْلِ النَّفْسِ بِغَيْرِ الْحَقِّ ، وَيُعَرِّفَهُمْ أَنَّ عَذَابَ الدُّنْيَا أَهْوَنُ مِنْ عَذَابِ الْآخِرَةِ .\rوَهَذَا كُلُّهُ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .","part":19,"page":381},{"id":9381,"text":"( 7044 ) فَصْلٌ : وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَسْتَظْهِرَ فِي أَلْفَاظِ الْيَمِينِ فِي الْقَسَامَةِ تَأْكِيدًا ، فَيَقُولَ : وَاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ عَالَمِ خَائِنَةِ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورِ .\rفَإِنْ اقْتَصَرَ عَلَى لَفْظَةِ : وَاَللَّهِ .\rكَفَى ، أَوْ يَقُولَ : وَاَللَّهِ ، أَوْ بِاَللَّهِ ، أَوْ تَاللَّهِ .\rبِالْجَرِّ كَمَا تَقْتَضِيهِ الْعَرَبِيَّةُ .\rفَإِنْ قَالَهُ مَضْمُومًا ، أَوْ مَنْصُوبًا ، فَقَدْ لَحَنَ .\rقَالَ الْقَاضِي : وَيُجْزِئُهُ تَعَمَّدَهُ أَوْ لَمْ يَتَعَمَّدْ ؛ لِأَنَّهُ لَحْنٌ لَا يُحِيلُ الْمَعْنَى .\rوَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ .\rوَمَا زَادَ عَلَى هَذَا تَأْكِيدٌ ، وَيَقُولُ : لَقَدْ قَتَلَ فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ الْفُلَانِيُّ وَيُشِيرُ إلَيْهِ فُلَانًا ابْنِي ، أَوْ أَخِي ، مُنْفَرِدًا بِقَتْلِهِ ، مَا شَرَكَهُ غَيْرُهُ .\rوَإِنْ كَانَا اثْنَيْنِ قَالَ : مُنْفَرِدَيْنِ ، مَا شَرَكَهُمَا غَيْرُهُمَا .\rثُمَّ يَقُولُ : عَمْدًا أَوْ خَطَأً .\rوَبِأَيِّ اسْمٍ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ أَوْ صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِ ذَاتِهِ ، حَلَفَ ، أَجْزَأَ ، إذَا كَانَ إطْلَاقُهُ يَنْصَرِفُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى .\rوَيَقُولُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِي الْيَمِينِ : وَاَللَّهِ مَا قَتَلْتُهُ ، وَلَا شَارَكْت فِي قَتْلِهِ ، وَلَا أَحْدَثْت شَيْئًا مَاتَ مِنْهُ ، وَلَا كَانَ سَبَبًا فِي مَوْتِهِ ، وَلَا مُعِينًا عَلَى مَوْتِهِ .","part":19,"page":382},{"id":9382,"text":"( 7045 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : وَمَنْ قَتَلَ نَفْسًا مُحَرَّمَةً ، أَوْ شَارَكَ فِيهَا ، أَوْ ضَرَبَ بَطْنَ امْرَأَةٍ ، فَأَلْقَتْ جَنِينًا مَيِّتًا ، وَكَانَ الْفِعْلُ خَطَأً ، فَعَلَى الْقَاتِلِ عِتْقُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ ، فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ ، تَوْبَةً مِنْ اللَّهِ .\rوَعَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، رِوَايَةٌ أُخْرَى ، أَنَّ عَلَى قَاتِلِ الْعَمْدِ تَحْرِيرَ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ الْأَصْلُ فِي كَفَّارَةِ الْقَتْلِ قَوْله تَعَالَى : { وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ } .\rالْآيَةَ .\rوَأَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ عَلَى الْقَاتِلِ خَطَأً كَفَّارَةً سَوَاءً كَانَ الْمَقْتُولُ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى ، وَتَجِبُ فِي قَتْلِ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ ، سَوَاءٌ بَاشَرَهُ بِالْقَتْلِ ، أَوْ تَسَبَّبَ إلَى قَتْلِهِ بِسَبَبٍ يَضْمَنُ بِهِ النَّفْسَ ، كَحَفْرِ الْبِئْرِ ، وَنَصْبِ السِّكِّينِ ، وَشَهَادَةِ الزُّورِ .\rوَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ .\rوَالشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا تَجِبُ بِالتَّسَبُّبِ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِقَتْلٍ ، وَلِأَنَّهُ ضَمِنَ بَدَلَهُ بِغَيْرِ مُبَاشَرَةٍ لِلْقَتْلِ ، فَلَمْ تَلْزَمْهُ الْكَفَّارَةُ كَالْعَاقِلَةِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ كَالْمُبَاشَرَةِ فِي الضَّمَانِ ، فَكَانَ كَالْمُبَاشَرَةِ فِي الْكَفَّارَةِ ، وَلِأَنَّهُ سَبَبٌ لِإِتْلَافِ الْآدَمِيِّ ، يَتَعَلَّقُ بِهِ ضَمَانُهُ ، فَتَعَلَّقَتْ بِهِ الْكَفَّارَةُ ، كَمَا لَوْ كَانَ رَاكِبًا فَأَوْطَأَ دَابَّتَهُ إنْسَانًا .\rوَقِيَاسُهُمْ يَنْتَقِضُ بِالْأَبِ إذَا أَكْرَهَ إنْسَانًا عَلَى قَتْلِ ابْنِهِ ؛ فَإِنَّ الْكَفَّارَةَ تَجِبُ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ مُبَاشَرَةٍ ، وَفَارَقَ الْعَاقِلَةَ ؛ فَإِنَّهَا تَتَحَمَّلُ عَنْ غَيْرِهَا .\rوَلَمْ يَصْدُرْ مِنْهَا قَتْلٌ ، وَلَا تَسَبُّبٌ إلَيْهِ .\rوَقَوْلُهُمْ : لَيْسَ بِقَتْلٍ .\rمَمْنُوعٌ .\rقَالَ الْقَاضِي : وَيَلْزَمُ الشُّهُودَ الْكَفَّارَةُ ، سَوَاءٌ قَالُوا : أَخْطَأْنَا ، أَوْ تَعَمَّدْنَا .\rوَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْقَتْلَ بِالسَّبَبِ تَجِبُ بِهِ الْكَفَّارَةُ بِكُلِّ حَالٍ ، وَلَا يُعْتَبَرُ فِيهِ الْخَطَأُ وَالْعَمْدُ ؛ لِأَنَّهُ إنْ قَصَدَ بِهِ","part":19,"page":383},{"id":9383,"text":"الْقَتْلَ ، فَهُوَ جَارٍ مَجْرَى الْخَطَإِ ، فِي أَنَّهُ لَا يَجِبُ بِهِ الْقِصَاصُ .","part":19,"page":384},{"id":9384,"text":"( 7046 ) فَصْلٌ : وَتَجِبُ الْكَفَّارَةُ بِقَتْلِ الْعَبْدِ .\rوَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : لَا تَجِبُ بِهِ ، لِأَنَّهُ مَضْمُونٌ بِالْقِيمَةِ ، أَشْبَهَ الْبَهِيمَةَ .\rوَلَنَا ، عُمُومُ قَوْله تَعَالَى : { وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ } .\rوَلِأَنَّهُ يَجِبُ الْقِصَاصُ بِقَتْلِهِ ، فَتَجِبُ الْكَفَّارَةُ بِهِ ، كَالْحُرِّ ، وَلِأَنَّهُ مُؤْمِنٌ ، فَأَشْبَهَ الْحُرَّ ، وَيُفَارِقُ الْبَهَائِمَ بِذَلِكَ .","part":19,"page":385},{"id":9385,"text":"( 7047 ) فَصْلٌ : وَتَجِبُ بِقَتْلِ الْكَافِرِ الْمَضْمُونِ ، سَوَاءٌ كَانَ ذِمِّيًّا أَوْ مُسْتَأْمَنًا .\rوَبِهَذَا قَالَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rوَقَالَ الْحَسَنُ ، وَمَالِكٌ : لَا كَفَّارَةَ فِيهِ ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ } .\rفَمَفْهُومُهُ أَنْ لَا كَفَّارَةَ فِي غَيْرِ الْمُؤْمِنِ .\rوَلَنَا ، قَوْله تَعَالَى : { وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ } .\rوَالذِّمِّيُّ لَهُ مِيثَاقٌ ، وَهَذَا مَنْطُوقٌ يُقَدَّمُ عَلَى دَلِيلِ الْخِطَابِ ، وَلِأَنَّهُ آدَمِيٌّ مَقْتُولٌ ظُلْمًا ، فَوَجَبَتْ الْكَفَّارَةُ بِقَتْلِهِ ، كَالْمُسْلِمِ .","part":19,"page":386},{"id":9386,"text":"( 7048 ) فَصْلٌ : وَإِذَا قَتَلَ الصَّبِيُّ وَالْمَجْنُونُ ، وَجَبَتْ الْكَفَّارَةُ فِي أَمْوَالِهِمَا ، وَكَذَلِكَ الْكَافِرُ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا كَفَّارَةَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمْ ؛ لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ مَحْضَةٌ ، تَجِبُ بِالشَّرْعِ ، فَلَا تَجِبُ عَلَى الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ وَالْكَافِرِ ، كَالصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ حَقٌّ مَالِيٌّ ، يَتَعَلَّقُ بِالْقَتْلِ ، فَتَعَلَّقَتْ بِهِمْ ، كَالدِّيَةِ .\rوَتُفَارِقُ الصَّوْمَ وَالصَّلَاةَ ؛ لِأَنَّهُمَا عِبَادَتَانِ بَدَنِيَّتَانِ ، وَهَذِهِ مَالِيَّةٌ ، أَشْبَهَتْ نَفَقَاتِ الْأَقَارِبِ .\rوَأَمَّا كَفَّارَةُ الْيَمِينِ ، فَلَا تَجِبُ عَلَى الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ ؛ لِأَنَّهَا تَتَعَلَّقُ بِالْقَوْلِ ، وَلَا قَوْلَ لَهُمَا ، وَهَذِهِ تَتَعَلَّقُ بِالْفِعْلِ ، وَفِعْلُهُمَا مُتَحَقِّقٌ قَدْ أَوْجَبَ الضَّمَانَ عَلَيْهِمَا ، وَيَتَعَلَّقُ بِالْفِعْلِ مَا لَا يَتَعَلَّقُ بِالْقَوْلِ ؛ بِدَلِيلِ أَنَّ الْعِتْقَ يَتَعَلَّقُ بِإِحْبَالِهِمَا دُونَ إعْتَاقِهِمَا بِقَوْلِهِمَا .\rوَأَمَّا الْكَافِرُ فَتَجِبُ عَلَيْهِ ، وَتَكُونُ عُقُوبَةٌ عَلَيْهِ ، كَالْحُدُودِ .","part":19,"page":387},{"id":9387,"text":"( 7049 ) فَصْلٌ : وَمَنْ قَتَلَ فِي دَارِ الْحَرْبِ مُسْلِمًا يَعْتَقِدُهُ كَافِرًا ، أَوْ رَمَى إلَى صَفِّ الْكُفَّارِ ، فَأَصَابَ فِيهِمْ مُسْلِمًا فَقَتَلَهُ ، فَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ } .","part":19,"page":388},{"id":9388,"text":"( 7050 ) فَصْلٌ : وَمَفْهُومُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ ، أَنَّ كُلَّ قَتْلٍ مُبَاحٍ لَا كَفَّارَةَ فِيهِ ، كَقَتْلِ الْحَرْبِيِّ ، وَالْبَاغِي ، وَالزَّانِي الْمُحْصَنِ ، وَالْقَتْلِ قِصَاصًا أَوْ حَدًّا ؛ لِأَنَّهُ قَتْلٌ مَأْمُورٌ بِهِ ، وَالْكَفَّارَةُ لَا تَجِبُ لِمَحْوِ الْمَأْمُورِ بِهِ .\rوَأَمَّا الْخَطَأُ ، فَلَا يُوصَفُ بِتَحْرِيمٍ وَلَا إبَاحَةٍ ؛ لِأَنَّهُ كَفِعْلِ الْمَجْنُونِ ، وَالْبَهِيمَةِ ، لَكِنَّ النَّفْسَ الذَّاهِبَةَ بِهِ مَعْصُومَةٌ مُحَرَّمَةٌ مُحْتَرَمَةٌ ، فَلِذَلِكَ وَجَبَتْ الْكَفَّارَةُ فِيهَا .\rوَقَالَ قَوْمٌ : الْخَطَأُ مُحَرَّمٌ وَلَا إثْمَ فِيهِ .\rوَقِيلَ : لَيْسَ بِمُحَرَّمٍ ؛ لِأَنَّ الْمُحَرَّمَ مَا أَثِمَ فَاعِلُهُ ، وَهَذَا لَا إثْمَ فِيهِ ، وقَوْله تَعَالَى : { وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إلَّا خَطَأً } .\rهَذَا اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ .\rوَ { إلَّا } فِي مَوْضِعِ \" لَكِنْ \" .\rالتَّقْدِيرُ : لَكِنْ قَدْ يَقْتُلُهُ خَطَأً .\rوَقِيلَ : { إلَّا } بِمَعْنَى \" وَلَا \" ، أَيْ وَلَا خَطَأً .\rوَهَذَا يَبْعُدُ ؛ لِأَنَّ الْخَطَأَ لَا يَتَوَجَّهُ إلَيْهِ النَّهْيُ ؛ لِعَدَمِ إمْكَانِ التَّحْرِيمِ مِنْهُ ، وَكَوْنِهِ لَا يَدْخُلُ تَحْتَ الْوُسْعِ ، وَلِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ بِمَعْنَى \" وَلَا \" كَانَتْ عَاطِفَةً لِلْخَطَإِ عَلَى مَا قَبْلَهُ ، وَلَيْسَ قَبْلَهُ مَا يَصْلُحُ عَطْفُهُ عَلَيْهِ .\rوَأَمَّا قَتْلُ نِسَاءِ أَهْلِ الْحَرْبِ وَصِبْيَانِهِمْ ، فَلَا كَفَّارَةَ فِيهِ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُمْ إيمَانٌ وَلَا أَمَانٌ ، وَإِنَّمَا مُنِعَ مِنْ قَتْلِهِمْ ، لِانْتِفَاعِ الْمُسْلِمِينَ بِهِمْ ، لِكَوْنِهِمْ يَصِيرُونَ بِالسَّبْيِ رَقِيقًا يُنْتَفَعُ بِهِمْ .\rوَكَذَلِكَ قَتْلُ مَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ ، لَا كَفَّارَةَ فِيهِ ؛ لِذَلِكَ ، وَلِذَلِكَ لَمْ يُضْمَنُوا بِشَيْءٍ ، فَأَشْبَهُوا مَنْ قَتْلُهُ مُبَاحٌ .","part":19,"page":389},{"id":9389,"text":"( 7051 ) فَصْلٌ : وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ خَطَأً ، وَجَبَتْ الْكَفَّارَةُ فِي مَالِهِ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا تَجِبُ ؛ لِأَنَّ ضَمَانَ نَفْسِهِ لَا يَجِبُ ، فَلَمْ تَجِبْ الْكَفَّارَةُ ، كَقَتْلِ نِسَاءِ أَهْلِ الْحَرْبِ وَصِبْيَانِهِمْ .\rوَلَنَا ، عُمُومُ قَوْله تَعَالَى : { وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ } .\rوَلِأَنَّهُ آدَمِيٌّ مُؤْمِنٌ مَقْتُولٌ خَطَأً ، فَوَجَبَتْ الْكَفَّارَةُ عَلَى قَاتِلِهِ ، كَمَا لَوْ قَتَلَهُ غَيْرُهُ .\rوَالْأَوَّلُ أَقْرَبُ إلَى الصَّوَابِ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ ، فَإِنَّ { عَامِرَ بْنَ الْأَكْوَعِ ، قَتَلَ نَفْسَهُ خَطَأً ، وَلَمْ يَأْمُرْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِ بِكَفَّارَةٍ } .\rوقَوْله تَعَالَى : { وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً } إنَّمَا أُرِيدَ بِهَا إذَا قَتَلَ غَيْرَهُ ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ : { وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلَى أَهْلِهِ } .\rوَقَاتِلُ نَفْسِهِ لَا تَجِبُ فِيهِ دِيَةٌ ؛ بِدَلِيلِ قَتْلِ عَامِرِ بْنِ الْأَكْوَعِ .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":19,"page":390},{"id":9390,"text":"( 7052 ) فَصْلٌ : وَمَنْ شَارَكَ فِي قَتْلٍ يُوجِبُ الْكَفَّارَةَ ، لَزِمَتْهُ كَفَّارَةٌ ، وَيَلْزَمُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ شُرَكَائِهِ كَفَّارَةٌ .\rهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، مِنْهُمْ الْحَسَنُ ، وَعِكْرِمَةُ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَالْحَارِثُ الْعُكْلِيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَحَكَى أَبُو الْخَطَّابِ ، عَنْ أَحْمَدَ ، رِوَايَةً أُخْرَى ، أَنَّ عَلَى الْجَمِيعِ كَفَّارَةً وَاحِدَةً .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ .\rوَحُكِيَ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ ، وَحَكَاهُ أَبُو عَلِيٍّ الطَّبَرِيُّ عَنْ الشَّافِعِيِّ ، وَأَنْكَرَهُ سَائِرُ أَصْحَابِهِ .\rوَاحْتَجَّ لِمَنْ أَوْجَبَ كَفَّارَةً وَاحِدَةً بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ } .\rوَ { مَنْ } يَتَنَاوَلُ الْوَاحِدَ وَالْجَمَاعَةَ ، وَلَمْ يُوجِبْ إلَّا كَفَّارَةً وَاحِدَةً ، وَدِيَةً ، وَالدِّيَةُ لَا تَتَعَدَّدُ ، فَكَذَلِكَ الْكَفَّارَةُ ؛ وَلِأَنَّهَا كَفَّارَةُ قَتْلٍ ، فَلَمْ تَتَعَدَّدْ بِتَعَدُّدِ الْقَاتِلِينَ مَعَ اتِّحَادِ الْمَقْتُولِ ، كَكَفَّارَةِ الصَّيْدِ الْحَرَمِيِّ .\rوَلَنَا ، أَنَّهَا لَا تَتَبَعَّضُ ، وَهِيَ مِنْ مُوجَبِ قَتْلِ الْآدَمِيِّ ، فَكَمَلَتْ فِي حَقِّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُشْتَرِكِينَ ، كَالْقِصَاصِ .\rوَتُخَالِفُ كَفَّارَةَ الصَّيْدِ ؛ فَإِنَّهَا تَجِبُ بَدَلًا ، وَلِهَذَا تَجِبُ فِي أَبْعَاضِهِ ، وَكَذَلِكَ الدِّيَةُ .","part":19,"page":391},{"id":9391,"text":"( 7053 ) فَصْلٌ : إذَا ضَرَبَ بَطْنَ امْرَأَةٍ ، فَأَلْقَتْ جَنِينًا مَيِّتًا ، فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ .\rوَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ ، وَعَطَاءٌ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَالْحَكَمُ ، وَحَمَّادٌ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا تَجِبُ .\rوَقَدْ مَضَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِي دِيَةِ الْجَنِينِ .","part":19,"page":392},{"id":9392,"text":"( 7054 ) فَصْلٌ : وَالْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ : أَنَّهُ لَا كَفَّارَةَ فِي قَتْلِ الْعَمْدِ .\rوَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ ، رِوَايَةٌ أُخْرَى ، تَجِبُ فِيهِ الْكَفَّارَةُ .\rوَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ الزُّهْرِيِّ .\rوَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِمَا رَوَى وَاثِلَةُ بْنُ الْأَسْقَعِ ، قَالَ : { أَتَيْنَا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِصَاحِبٍ لَنَا ، قَدْ أُوجِبَ بِالْقَتْلِ .\rفَقَالَ : اعْتِقُوا عَنْهُ رَقَبَةً ، يَعْتِقْ اللَّهُ تَعَالَى بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهَا عُضْوًا مِنْهُ مِنْ النَّارِ } .\r، وَلِأَنَّهَا إذَا وَجَبَتْ فِي قَتْلِ الْخَطَإِ ، فَفِي الْعَمْدِ أَوْلَى ؛ لِأَنَّهُ أَعْظَمُ إثْمًا ، وَأَكْبَرُ جُرْمًا ، وَحَاجَتُهُ إلَى تَكْفِيرِ ذَنْبِهِ أَعْظَمُ .\rوَلَنَا ، مَفْهُومُ قَوْله تَعَالَى : { وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ } .\rثُمَّ ذَكَرَ قَتْلَ الْعَمْدِ ، فَلَمْ يُوجِبْ فِيهِ كَفَّارَةً ، وَجَعَلَ جَزَاءَهُ جَهَنَّمَ ، فَمَفْهُومُهُ أَنَّهُ لَا كَفَّارَةَ فِيهِ .\rوَرُوِيَ { أَنَّ سُوَيْدٌ بْنَ الصَّامِتِ قَتَلَ رَجُلًا ، فَأَوْجَبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ الْقَوَدَ ، وَلَمْ يُوجِبْ كَفَّارَةً } .\r{ وَعَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيُّ قَتَلَ رَجُلَيْنِ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَوَدَاهُمَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يُوجِبْ كَفَّارَةً } .\rوَلِأَنَّهُ فِعْلٌ يُوجِبُ الْقَتْلَ ، فَلَا يُوجِبُ كَفَّارَةً ، كَزِنَى الْمُحْصَنِ ، وَحَدِيثُ وَاثِلَةَ ، يَحْتَمِلُ أَنَّهُ كَانَ خَطَأً ، وَسَمَّاهُ مُوجِبًا ، أَيْ فَوَّتَ النَّفْسَ بِالْقَتْلِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ كَانَ شِبْهَ عَمْدٍ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَمَرَهُمْ بِالْإِعْتَاقِ تَبَرُّعًا ، وَلِذَلِكَ أَمَرَ غَيْرَ الْقَاتِلِ بِالْإِعْتَاقِ .\rوَمَا ذَكَرُوهُ مِنْ الْمَعْنَى لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّهَا وَجَبَتْ فِي الْخَطَإِ ، فَتَمْحُو إثْمَهُ ؛ لِكَوْنِهِ لَا يَخْلُو مِنْ تَفْرِيطٍ ، فَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ إيجَابُهَا فِي مَوْضِعٍ عَظُمَ الْإِثْمُ فِيهِ ، بِحَيْثُ لَا يَرْتَفِعُ","part":19,"page":393},{"id":9393,"text":"بِهَا .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْعَمْدِ الْمُوجِبِ لِلْقِصَاصِ ، وَمَا لَا قِصَاصَ فِيهِ ، كَقَتْلِ الْوَالِدِ وَلَدَهُ وَالسَّيِّدِ عَبْدَهُ ، وَالْحُرِّ الْعَبْدَ ، وَالْمُسْلِمِ الْكَافِرَ ؛ لِأَنَّ هَذَا مِنْ أَنْوَاعِ الْعَمْدِ .","part":19,"page":394},{"id":9394,"text":"( 7055 ) فَصْلٌ : وَتَجِبُ الْكَفَّارَةُ فِي شِبْهِ الْعَمْدِ .\rوَلَمْ أَعْلَمْ لِأَصْحَابِنَا فِيهِ قَوْلًا ، لَكِنْ مُقْتَضَى الدَّلِيلِ مَا ذَكَرْنَاهُ ؛ وَلِأَنَّهُ أُجْرِيَ مَجْرَى الْخَطَإِ فِي نَفْيِ الْقِصَاصِ ، وَحَمْلِ الْعَاقِلَةِ دِيَتَهُ ، وَتَأْجِيلِهَا فِي ثَلَاثِ سِنِينَ ، فَجَرَى مَجْرَاهُ فِي وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ ، وَلِأَنَّ الْقَاتِلَ إنَّمَا لَمْ يَحْمِلْ شَيْئًا مِنْ الدِّيَةِ لِتَحَمُّلِهِ الْكَفَّارَةَ ، فَلَوْ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ ، تَحَمَّلَ مِنْ الدِّيَةِ ؛ لِئَلَّا يَخْلُوَ الْقَاتِلُ عَنْ وُجُوبِ شَيْءٍ أَصْلًا ، وَلَمْ يَرِدْ الشَّرْعُ بِهَذَا .","part":19,"page":395},{"id":9395,"text":"( 7056 ) فَصْلٌ : وَكَفَّارَةُ الْقَتْل عِتْقُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ، بِنَصِّ الْكِتَابِ ، سَوَاءٌ كَانَ الْقَاتِلُ أَوْ الْمَقْتُولُ مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْهَا فِي مِلْكِهِ ، فَاضِلَةً عَنْ حَاجَتِهِ ، أَوْ يَجِدْ ثَمَنَهَا ، فَاضِلًا عَنْ كِفَايَتِهِ ، فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ ، تَوْبَةً مِنْ اللَّهِ ، وَهَذَا ثَابِتٌ بِالنَّصِّ أَيْضًا ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، يَثْبُتُ الصِّيَامُ فِي ذِمَّتِهِ ، وَلَا يَجِبُ شَيْءٌ آخَرُ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَذْكُرْهُ ، وَلَوْ وَجَبَ لَذَكَرَهُ .\rوَالثَّانِي : يَجِبُ إطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ؛ لِأَنَّهَا كَفَّارَةٌ فِيهَا عِتْقٌ وَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ ، فَكَانَ فِيهَا إطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا عِنْدَ عَدَمِهَا ، كَكَفَّارَةِ الظِّهَارِ وَالْفِطْرِ فِي رَمَضَانَ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَذْكُورًا فِي نَصِّ الْقُرْآنِ ، فَقَدْ ذُكِرَ ذَلِكَ فِي نَظِيرِهِ ، فَيُقَاسُ عَلَيْهِ .\rفَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ ، إنْ عَجَزَ عَنْ الْإِطْعَامِ ، ثَبَتَ فِي ذِمَّتِهِ حَتَّى يَقْدِرَ عَلَيْهِ .\rوَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ فِي هَذَا ، كَالرِّوَايَتَيْنِ .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":19,"page":396},{"id":9396,"text":"( 7057 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : وَمَا أَوْجَبَ الْقِصَاصَ ، فَلَا يُقْبَلُ فِيهِ إلَّا عَدْلَانِ وَجُمْلَتُهُ أَنَّ مَا أَوْجَبَ الْقِصَاصَ فِي نَفْسٍ ، كَالْقَتْلِ الْعَمْدِ الْعُدْوَانِ مِنْ الْمُكَافِئِ ، أَوْ فِي طَرَفٍ ، كَقَطْعِهِ مِنْ مَفْصِلٍ عَمْدًا مِمَّنْ يُكَافِئُهُ ، فَلَا يُقْبَلُ فِيهِ إلَّا شَهَادَةُ رَجُلَيْنِ عَدْلَيْنِ ، وَلَا يُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ ، وَلَا شَاهِدٌ وَيَمِينُ الطَّالِبِ .\rلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ خِلَافًا ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْقِصَاصَ إرَاقَةُ دَمٍ ، عُقُوبَةً عَلَى جِنَايَةٍ ، فَيُحْتَاطُ لَهُ بِاشْتِرَاطِ الشَّاهِدَيْنِ الْعَدْلَيْنِ ، كَالْحُدُودِ .\rوَسَوَاءٌ كَانَ الْقِصَاصُ يَجِبُ عَلَى مُسْلِمٍ أَوْ كَافِرٍ ، أَوْ حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ ؛ لِأَنَّ الْعُقُوبَةَ يُحْتَاطُ لِدَرْئِهَا .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، رِوَايَةٌ أُخْرَى ، أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الْقَتْلِ إلَّا شَهَادَةُ أَرْبَعَةٍ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الْحَسَنِ ؛ لِأَنَّهَا شَهَادَةٌ يَثْبُتُ بِهَا الْقَتْلُ ، فَلَمْ يُقْبَلْ أَقَلُّ مِنْ أَرْبَعَةٍ ، كَالشَّهَادَةِ عَلَى الزِّنَى مِنْ الْمُحْصَنِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ أَحَدُ نَوْعَيْ الْقِصَاصِ ، فَيُقْبَلُ فِيهِ اثْنَانِ ، كَقَطْعِ الطَّرَفِ .\rوَفَارَقَ الزِّنَى فَإِنَّهُ مُخْتَصٌّ بِهَذَا ، وَلَيْسَتْ الْعِلَّةُ كَوْنَهُ قَتْلًا ، بِدَلِيلِ وُجُوبِ الْأَرْبَعَةِ فِي زِنَى الْبِكْرِ ، وَلَا قَتْلَ فِيهِ ، وَلِأَنَّهُ انْفَرَدَ بِوُجُوبِ الْحَدِّ عَلَى الرَّامِي بِهِ ، وَالشُّهُودِ إذَا لَمْ تَكْمُلْ شَهَادَتُهُمْ ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُلْحَقَ بِهِ مَا لَيْسَ مِثْلَهُ .","part":19,"page":397},{"id":9397,"text":"( 7058 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : وَمَا أَوْجَبَ مِنْ الْجِنَايَاتِ الْمَالَ دُونَ الْقَوَدِ ، قُبِلَ فِيهِ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ ، أَوْ رَجُلٌ عَدْلٌ مَعَ يَمِينِ الطَّالِبِ وَجُمْلَتُهُ أَنَّ مَا كَانَ مُوجَبُهُ الْمَالَ ، كَقَتْلِ الْخَطَإِ ، وَشِبْهِ الْعَمْدِ ، وَالْعَمْدِ فِي حَقِّ مَنْ لَا يُكَافِئُهُ ، وَالْجَائِفَةِ ، وَالْمَأْمُومَةِ ، وَمَا دُونَ الْمُوضِحَةِ ، وَشَرِيكِ الْخَاطِئِ ، وَأَشْبَاهِ هَذَا ، فَإِنَّهُ يُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ ، وَشَهَادَةُ عَدْلٍ وَيَمِينُ الطَّالِبِ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : لَا يَثْبُتُ أَيْضًا إلَّا بِشَهَادَةِ عَدْلَيْنِ ، وَلَا تُسْمَعُ فِيهِ شَهَادَةُ النِّسَاءِ ، وَلَا شَاهِدٌ وَيَمِينٌ ؛ لِأَنَّهَا شَهَادَةٌ عَلَى قَتْلٍ ، أَوْ جِنَايَةٍ عَلَى آدَمِيٍّ ، فَلَمْ تُسْمَعُ مِنْ النِّسَاءِ كَالْقِسْمِ الْأَوَّلِ ، يُبَيِّنُ صِحَّةَ هَذَا ، أَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَكُنْ لِلنِّسَاءِ مَدْخَلٌ فِي الْقَسَامَةِ فِي الْعَمْدِ ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُنَّ مَدْخَلٌ فِي الْقَسَامَةِ عَلَى الْخَطَإِ وَشِبْهِ الْعَمْدِ الْمُوجِبِ لِلْمَالِ ، فَيَدُلُّ هَذَا عَلَى أَنَّهُنَّ لَا مَدْخَلَ لَهُنَّ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى دَمٍ بِحَالٍ .\rوَلَنَا ، أَنَّهَا شَهَادَةٌ عَلَى مَا يُقْصَدُ بِهِ الْمَالُ عَلَى الْخُصُوصِ ، فَوَجَبَ أَنْ تُقْبَلَ ، كَالشَّهَادَةِ عَلَى الْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ .\rوَفَارَقَ قَتْلَ الْعَمْدِ ؛ فَإِنَّهُ مُوجِبٌ لِلْعُقُوبَةِ الَّتِي يُحْتَاطُ بِإِسْقَاطِهَا ، فَاحْتِيطَ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى أَسْبَابِهَا ، وَفِي مَسْأَلَتِنَا ، الْمَقْصُودُ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُنَّ فِيهِ ، فَقُبِلَتْ شَهَادَتُهُنَّ عَلَى سَبَبِهِ .","part":19,"page":398},{"id":9398,"text":"( 7059 ) فَصْلٌ : وَلَوْ ادَّعَى جِنَايَةَ عَمْدٍ ، وَقَالَ : عَفَوْت عَنْ الْقِصَاصِ فِيهَا .\rلَمْ يُقْبَلْ فِيهِ شَاهِدٌ وَامْرَأَتَانِ ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَعْفُو عَنْ شَيْءٍ ثَبَتَ لَهُ ، وَلَا يَثْبُتُ ذَلِكَ الْقَتْلُ بِتِلْكَ الشَّهَادَةِ .\rوَإِنْ ثَبَتَ الْقَتْلُ إمَّا بِشَاهِدَيْنِ ، أَوْ بِإِقْرَارِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ، صَحَّ الْعَفْوُ ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ ثَبَتَ لَهُ بِوُجُودِ الْقَتْلِ ، وَإِنَّمَا خَفِيَ ثُبُوتُهُ عَمَّنْ لَمْ يَعْلَمْ ذَلِكَ ، فَإِذَا عَلِمَ ذَلِكَ ، عُلِمَ أَنَّهُ كَانَ ثَابِتًا مِنْ حِينِ وُجِدَ الْقَتْلُ ، فَيَكُونُ الْعَفْوُ مُصَادِفًا لِحَقِّهِ الثَّابِتِ ، فَيَنْفُذُ ، كَمَا لَوْ أَعْتَقَ عَبْدًا يُنَازِعُهُ فِيهِ مُنَازِعٌ ، ثُمَّ ثَبَتَ أَنَّهُ كَانَ مِلْكَهُ حِينَ الْعِتْقِ .","part":19,"page":399},{"id":9399,"text":"( 7060 ) فَصْلٌ : وَلَا يَثْبُتُ الْقَتْلُ بِالشَّهَادَةِ إلَّا مَعَ زَوَالِ الشُّبْهَةِ فِي لَفْظِ الشَّاهِدَيْنِ ، نَحْوُ أَنْ يَقُولَا : نَشْهَدُ أَنَّهُ ضَرَبَهُ فَقَتَلَهُ .\rأَوْ : فَمَاتَ مِنْهُ .\rفَإِنْ قَالَا : ضَرَبَهُ بِالسَّيْفِ فَمَاتَ .\rأَوْ : فَوَجَدْنَاهُ مَيِّتًا .\rأَوْ : فَمَاتَ عَقِيبَهُ .\rأَوْ قَالَا : ضَرَبَهُ بِالسَّيْفِ ، فَأَسَالَ دَمَهُ .\rأَوْ : فَأَنْهَرَ دَمَهُ ، فَمَاتَ مَكَانَهُ .\rلَمْ يَثْبُتْ الْقَتْلُ ؛ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ مَاتَ عَقِيبَ الضَّرْبِ بِسَبَبٍ آخَرَ .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ شُرَيْحٍ ؛ أَنَّهُ شَهِدَ عِنْدَهُ رَجُلٌ بِالْقَتْلِ ، فَقَالَ : أَشْهَدُ أَنَّهُ اتَّكَأَ عَلَيْهِ بِمَرْفِقِهِ فَمَاتَ ، فَقَالَ لَهُ شُرَيْحٌ : فَمَاتَ مِنْهُ ؟ فَأَعَادَ الرَّجُلُ قَوْلَهُ الْأَوَّلَ ، فَقَالَ لَهُ شُرَيْحٌ : قُمْ ، فَلَا شَهَادَةَ لَكَ .\rوَإِنْ كَانَتْ الشَّهَادَةُ بِالْجُرْحِ ، فَقَالَا : ضَرَبَهُ ، فَأَوْضَحَهُ .\rأَوْ فَاتَّضَحَ مِنْهُ .\rأَوْ : فَوَجَدْنَاهُ مُوضَحًا مِنْ الضَّرْبَةِ .\rقُبِلَتْ شَهَادَتُهُمَا .\rوَإِنْ قَالَا : ضَرَبَهُ فَاتَّضَحَ رَأْسُهُ .\rأَوْ : وَجَدْنَاهُ مُوضَحًا ، أَوْ : فَأَسَالَ دَمَهُ ، وَوَجَدْنَا فِي رَأْسِهِ مُوضِحَةً .\rلَمْ يَثْبُتْ الْإِيضَاحُ ؛ لِجَوَازِ أَنْ يَتَّضِحَ عَقِيبَ ضَرْبِهِ بِسَبَبٍ آخَرَ .\rوَلَا بُدَّ مِنْ تَعْيِينِ الْمُوضِحَةِ فِي إيجَابِ الْقِصَاصِ ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ فِي رَأْسِهِ مُوضِحَتَانِ ، فَيَحْتَاجَانِ إلَى بَيَانِ مَا شَهِدَا بِهِ مِنْهُمَا ، وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَدْ أَوْسَعَهَا غَيْرُ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ ، فَيَجِبُ أَنْ يُعَيِّنَهَا الشَّاهِدَانِ ، فَيَقُولَانِ : هَذِهِ .\rوَإِنْ قَالَا : أَوْضَحَهُ فِي مَوْضِعِ كَذَا مِنْ رَأْسِهِ مُوضِحَةً قَدْرُ مِسَاحَتِهَا كَذَا وَكَذَا .\rقُبِلَتْ شَهَادَتُهُمَا .\rوَإِنْ قَالَا : لَا نَعْلَمُ قَدْرَهَا ، أَوْ مَوْضِعَهَا .\rلَمْ يُحْكَمْ بِالْقِصَاصِ ؛ لِأَنَّهُ يَتَعَذَّرُ مَعَ الْجَهَالَةِ ، وَتَجِبُ الدِّيَةُ ؛ لِأَنَّهَا لَا تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِهَا .\rوَإِنْ قَالَا : ضَرَبَ رَأْسَهُ ، فَأَسَالَ دَمَهُ .\rكَانَتْ بَازِلَةً .\rوَإِنْ قَالَا : فَسَالَ دَمُهُ .\rلَمْ يَثْبُتْ شَيْءٌ ؛ لِجَوَازِ أَنْ","part":19,"page":400},{"id":9400,"text":"يَسِيلَ دَمُهُ بِسَبَبٍ آخَرَ .\rوَإِنْ قَالَا : نَشْهَدُ أَنَّهُ ضَرَبَهُ ، فَقَطَعَ يَدَهُ .\rوَلَمْ يَكُنْ أَقْطَعَ الْيَدَيْنِ ، قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمَا ، وَثَبَتَ الْقِصَاصُ ؛ لِعَدَمِ الِاشْتِبَاهِ .\rوَإِنْ كَانَ أَقْطَعَ الْيَدَيْنِ ، وَلَمْ يُعَيِّنَا الْمَقْطُوعَةَ ، لَمْ يَثْبُتْ الْقِصَاصُ ؛ لِأَنَّهُمَا لَمْ يُعَيِّنَا الْيَدَ الَّتِي يَجِبُ الْقِصَاصُ مِنْهَا ، وَتَجِبُ دِيَةُ الْيَدَيْنِ ؛ لِأَنَّهَا لَا تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْيَدَيْنِ .","part":19,"page":401},{"id":9401,"text":"( 7061 ) فَصْلٌ : إذَا شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ أَقَرَّ بِقَتْلِهِ عَمْدًا ، وَشَهِدَ الْآخَرُ أَنَّهُ أَقَرَّ بِقَتْلِهِ .\rوَلَمْ يَقُلْ : عَمْدًا وَلَا خَطَأً .\rثَبَتَ الْقَتْلُ ؛ لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ قَدْ تَمَّتْ عَلَيْهِ ، وَلَمْ تَثْبُتْ صِفَتُهُ ؛ لِعَدَمِ تَمَامِهَا عَلَيْهِ ، وَيُسْأَلُ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ عَنْ صِفَتِهِ ، فَإِنْ أَنْكَرَ أَصْلَ الْقَتْلِ ، لَمْ يُقْبَلْ إنْكَارُهُ ، لِقِيَامِ الْبَيِّنَةِ بِهِ ، وَإِنْ أَقَرَّ بِقَتْلِ الْعَمْدِ ، ثَبَتَ بِإِقْرَارِهِ .\rوَإِنْ أَقَرَّ بِقَتْلِ الْخَطَإِ ، وَأَنْكَرَ الْوَلِيُّ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْقَاتِلِ .\rوَهَلْ يُسْتَحْلَفُ عَلَى ذَلِكَ ؟ يُخَرَّجُ فِيهِ وَجْهَانِ .\rوَإِنْ صَدَّقَهُ الْوَلِيُّ عَلَى الْخَطَإِ ، ثَبَتَ عَلَيْهِ .\rوَإِنْ أَقَرَّ بِقَتْلِ الْعَمْدِ ، وَكَذَّبَهُ الْوَلِيُّ ، وَقَالَ : بَلْ كَانَ خَطَأً .\rلَمْ يَجِبْ الْقَوَدُ ؛ لِأَنَّ الْوَلِيَّ لَا يَدَّعِيهِ ، وَتَجِبُ دِيَةُ الْخَطَإِ .\rوَلَا تَحْمِلُ الْعَاقِلَةُ شَيْئًا مِنْ دِيَتِهِ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ كُلِّهَا ، وَتَكُونُ فِي مَالِهِ ، لِأَنَّهَا لَمْ تَثْبُتْ بِبَيِّنَةٍ ، وَفِي بَعْضِهَا الْقَاتِلُ مُقِرٌّ بِأَنَّهَا فِي مَالِهِ دُونَ مَالِ عَاقِلَتِهِ .\rوَإِنْ قَالَ أَحَدُ الشَّاهِدَيْنِ : أَشْهَدُ أَنَّهُ أَقَرَّ بِقَتْلِهِ عَمْدًا .\rوَقَالَ الْآخَرُ : أَشْهَدُ أَنَّهُ أَقَرَّ بِقَتْلِهِ خَطَأً .\rثَبَتَ الْقَتْلُ أَيْضًا ؛ لِأَنَّهُ لَا تَنَافِيَ بَيْنَ شَهَادَتَيْهِمَا ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُقِرَّ عِنْدَ أَحَدِهِمَا بِقَتْلِ الْعَمْدِ ، وَيُقِرَّ عِنْدَ الْآخَرِ بِقَتْلِ الْخَطَإِ ، فَثَبَتَ إقْرَارُهُ بِالْقَتْلِ دُونَ صِفَتِهِ ، وَيُطَالَبُ بِبَيَانِ صِفَتِهِ ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي الَّتِي قَبْلَهَا .\rوَإِنْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ قَتَلَهُ عَمْدًا ، وَشَهِدَ الْآخَرُ أَنَّهُ قَتَلَهُ خَطَأً ، ثَبَتَ الْقَتْلُ أَيْضًا دُونَ صِفَتِهِ ، وَيُطَالَبُ بِبَيَانِ صِفَتِهِ ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا ، لِأَنَّ الْفِعْلَ قَدْ يَعْتَقِدُهُ أَحَدُهُمَا خَطَأً ، وَالْآخَرُ عَمْدًا ، وَيَكُونُ الْحُكْمُ كَمَا لَوْ شَهِدَ عَلَى إقْرَارِهِ بِذَلِكَ .\rوَإِنْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ قَتَلَهُ غَدْوَةً ؛ وَقَالَ الْآخَرُ :","part":19,"page":402},{"id":9402,"text":"عَشِيَّةً .\rوَقَالَ أَحَدُهُمَا : قَتَلَهُ بِسَيْفٍ .\rوَقَالَ الْآخَرُ : بِعَصًا .\rلَمْ تَتِمَّ الشَّهَادَةُ .\rذَكَرَهُ الْقَاضِي ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُخَالِفُ صَاحِبَهُ وَيُكَذِّبُهُ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : يَثْبُتُ الْقَتْلُ بِذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُمَا اتَّفَقَا عَلَى الْقَتْلِ ، وَاخْتَلَفَا فِي صِفَتِهِ ، فَأَشْبَهَ الَّتِي قَبْلَهَا .\rوَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الشَّاهِدَيْنِ يُكَذِّبُ صَاحِبَهُ ، فَإِنَّ الْقَتْلَ غَدْوَةً غَيْرُ الْقَتْلِ عَشِيَّةً ؛ وَلَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يُقْتَلَ غَدْوَةً ثُمَّ يُقْتَلَ عَشِيَّةً ، وَلَا أَنْ يُقْتَلَ بِسَيْفٍ ، ثُمَّ يُقْتَلَ بِعَصًا ، بِخِلَافِ الْعَمْدِ وَالْخَطَإِ ؛ لِأَنَّ الْفِعْلَ وَاحِدٌ ، وَالْخِلَافُ فِي نِيَّتِهِ وَقَصْدِهِ ، وَقَدْ يَخْفَى ذَلِكَ عَلَى أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ .\rوَإِنْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ قَتَلَهُ ، وَشَهِدَ الْآخَرُ أَنَّهُ أَقَرَّ بِقَتْلِهِ ، ثَبَتَ الْقَتْلُ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، وَاخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ .\rوَاخْتَارَ الْقَاضِي أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا شَهِدَ بِغَيْرِ مَا شَهِدَ بِهِ الْآخَرُ ، فَلَمْ تَتَّفِقْ شَهَادَتُهُمَا عَلَى فِعْلٍ وَاحِدٍ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الَّذِي أَقَرَّ بِهِ هُوَ الْقَتْلُ الَّذِي شَهِدَ بِهِ الشَّاهِدُ ، فَلَا تَنَافِيَ بَيْنَهُمَا ، فَيَثْبُتُ بِشَهَادَتِهِمَا ، كَمَا لَوْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا بِالْقَتْلِ عَمْدًا ، وَالْآخَرُ بِالْقَتْلِ خَطَأً ، أَوْ كَمَا لَوْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّ لَهُ عَلَيْهِ أَلْفًا ، وَشَهِدَ الْآخَرُ أَنَّهُ أَقَرَّ بِأَلْفٍ لَهُ .","part":19,"page":403},{"id":9403,"text":"( 7062 ) فَصْلٌ : إذَا قُتِلَ رَجُلٌ عَمْدًا قَتْلًا يُوجِبُ الْقِصَاصَ فَشَهِدَ أَحَدُ الْوَرَثَةِ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَنَّهُ عَفَا عَنْ الْقَوَدِ سَقَطَ الْقِصَاصُ ، سَوَاءٌ كَانَ الشَّاهِدُ عَدْلًا ، أَوْ فَاسِقًا ؛ لِأَنَّ شَهَادَتَهُ تَضَمَّنَتْ سُقُوطَ حَقِّهِ مِنْ الْقِصَاصِ ، وَقَوْلُهُ مَقْبُولٌ فِي ذَلِكَ ؛ فَإِنَّ أَحَدَ الْوَلِيَّيْنِ إذَا عَفَا عَنْ حَقِّهِ ، سَقَطَ الْقِصَاصُ كُلُّهُ .\rوَيُشْبِهُ هَذَا مَا لَوْ كَانَ عَبْدٌ بَيْنَ شَرِيكَيْنِ ، فَشَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّ شَرِيكَهُ أَعْتَقَ نَصِيبَهُ ، وَهُوَ مُوسِرٌ ، عَتَقَ نَصِيبَهُ وَإِنْ أَنْكَرَهُ الْآخَرُ .\rفَإِنْ كَانَ الشَّاهِدُ بِالْعَفْوِ شَهِدَ بِالْعَفْوِ عَنْ الْقِصَاصِ وَالْمَالِ ، لَمْ يَسْقُطْ الْمَالُ ؛ لِأَنَّ الشَّاهِدَ اعْتَرَفَ أَنَّ نَصِيبَهُ سَقَطَ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ ، فَأَمَّا نَصِيبُ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ ، فَإِنْ كَانَ الشَّاهِدُ مِمَّنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ مَعَ يَمِينِهِ ، فَإِذَا حَلَفَ ثَبَتَتْ حِصَّتُهُ مِنْ الدِّيَةِ ، وَإِنْ كَانَ الشَّاهِدُ مَقْبُولَ الْقَوْلِ ، حَلَفَ الْجَانِي مَعَهُ ، وَسَقَطَ عَنْهُ الْحَقُّ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ ، وَيَحْلِفُ الْجَانِي أَنَّهُ عَفَا عَنْ الدِّيَةِ ، وَلَا يُحْتَاجُ إلَى ذِكْرِ الْعَفْوِ عَنْ الْقِصَاصِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أُسْقِطَ بِشَهَادَةِ الشَّاهِدِ ، فَلَا يُحْتَاجُ إلَى ذِكْرِهِ فِي الْيَمِينِ ؛ وَلِأَنَّهُ إنَّمَا يَحْلِفُ عَلَى مَا يُدَّعَى عَلَيْهِ ، وَلَا يُدَّعَى عَلَيْهِ غَيْرُ الدِّيَةِ .","part":19,"page":404},{"id":9404,"text":"فَصْلٌ : وَإِذَا جُرِحَ رَجُلٌ ، فَشَهِدَ لَهُ رَجُلَانِ مِنْ وَرَثَتِهِ غَيْرُ الْوَالِدَيْنِ وَالْمَوْلُودِينَ ، نَظَرْت ؛ فَإِنْ كَانَتْ الْجِرَاحُ مُنْدَمِلَةٌ ، فَشَهَادَتُهُمَا مَقْبُولَةٌ ؛ لِأَنَّهُمَا لَا يَجُرَّانِ إلَى أَنْفُسِهِمَا نَفْعًا ، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مُنْدَمِلَةٍ ، لَمْ يُحْكَمْ بِشَهَادَتِهِمَا ؛ لِجَوَازِ أَنْ تَصِيرَ نَفْسًا ، فَتَجِبَ الدِّيَةُ لَهُمَا بِشَهَادَتِهِمَا ، فَإِنْ شَهِدَا فِي تِلْكَ الْحَالِ ، وَرُدَّتْ شَهَادَتُهُمَا ، ثُمَّ انْدَمَلَتْ ، فَأَعَادَا شَهَادَتَهُمَا ، فَهَلْ تُقْبَلُ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، لَا تُقْبَلُ ؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ رُدَّتْ لِلتُّهْمَةِ ، فَلَا تُقْبَلُ ؛ وَإِنْ زَالَتْ التُّهْمَةُ ، كَالْفَاسِقِ إذَا أَعَادَ شَهَادَتَهُ الْمَرْدُودَةَ بَعْدَ عَدَالَتِهِ .\rوَالثَّانِي : تُقْبَلُ ؛ لِأَنَّ سَبَبَ التُّهْمَةِ قَدْ تَحَقَّقَ زَوَالُهُ .\rوَلِلشَّافِعِيِّ وَجْهَانِ ، كَهَذَيْنِ .\rوَإِنْ شَهِدَ وَارِثَا الْمَرِيضِ بِمَالٍ ، فَفِي قَبُولِ شَهَادَتِهِمَا لَهُ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، تُقْبَلُ ؛ لِأَنَّهُمَا يُثْبِتَانِ الْمَالَ لِلْمَرِيضِ ، وَإِنْ مَاتَ انْتَقَلَ إلَيْهِمَا عَنْهُ ، فَأَشْبَهَتْ الشَّهَادَةَ لِلصَّحِيحِ ، بِخِلَافِ الْجِنَايَةِ ، فَإِنَّهَا إذَا صَارَتْ نَفْسًا وَجَبَتْ الدِّيَةُ لَهُمَا بِهَا .\rوَالْوَجْهُ الثَّانِي : لَا تُقْبَلُ ؛ لِأَنَّهُ مَتَى ثَبَتَ الْمَالُ لِلْمَرِيضِ ، تَعَلَّقَ حَقُّ وَرَثَتِهِ بِهِ ، وَلِهَذَا لَا يَنْفُذُ تَبَرُّعُهُ فِيهِ فِيمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ ، وَإِنْ شَهِدَ لِلْمَجْرُوحِ بِالْجُرْحِ مَنْ لَا يَرِثُهُ ، لِكَوْنِهِ مَحْجُوبًا ، كَالْأَخَوَيْنِ يَشْهَدَانِ لِأَخِيهِمَا ، وَلَهُ ابْنٌ ، سُمِعَتْ شَهَادَتُهُمَا ، فَإِنْ مَاتَ ابْنُهُ ، نَظَرْت ؛ فَإِنْ كَانَ الْحَاكِمُ حَكَمَ بِشَهَادَتِهِمَا ، لَمْ يُنْقَضْ حُكْمُهُ ؛ لِأَنَّ مَا يَطْرَأُ بَعْدَ الْحُكْمِ بِالشَّهَادَةِ لَا يُؤَثِّرُ فِيهَا ، كَالْفِسْقِ ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ الْحُكْمِ بِالشَّهَادَةِ ، لَمْ يُحْكَمْ بِهَا ؛ لِأَنَّهُمَا صَارَا مُسْتَحِقَّيْنِ ، فَلَا يُحْكَمُ بِشَهَادَتِهِمَا ، كَمَا لَوْ فَسَقَ الشَّاهِدَانِ قَبْلَ الْحُكْمِ بِشَهَادَتِهِمْ .\rوَإِنْ شَهِدَ عَلَى","part":19,"page":405},{"id":9405,"text":"رَجُلٍ بِالْجِرَاحِ الْمُوجِبَةِ لِلدِّيَةِ عَلَى الْعَاقِلَةِ ، فَشَهِدَ بَعْضُ عَاقِلَةِ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ بِجَرْحِ الشُّهُودِ ، لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ ، وَإِنْ كَانَ فَقِيرًا ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ ذَا مَالٍ وَقْتَ الْعَقْلِ ، فَيَكُونُ دَافِعًا عَنْ نَفْسِهِ ، وَإِنْ كَانَ الْجُرْحُ مِمَّا لَا تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ ، كَجِرَاحَةِ الْعَمْدِ ، أَوْ الْعَبْدِ ، سُمِعَتْ شَهَادَةُ الْعَاقِلَةِ بِجَرْحِ الشُّهُودِ ؛ لِأَنَّهُمَا لَا يَدْفَعَانِ عَنْ أَنْفُسِهِمَا ضَرَرًا ، فَإِنَّ مُوجَبَ هَذِهِ الْجِرَاحَةِ الْقِصَاصُ أَوْ الْمَالُ فِي ذِمَّةِ الْجَانِي ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ الشَّاهِدَانِ يَشْهَدَانِ عَلَى إقْرَارِهِ بِالْجُرْحِ ؛ لِأَنَّ الْعَاقِلَةَ لَا تَحْمِلُ الِاعْتِرَافَ .\rوَإِنْ كَانَتْ شَهَادَتُهُمَا بِجِرَاحٍ عَقْلُهُ دُونَ ثُلُثِ الدِّيَةِ خَطَأً ، نَظَرْنَا ؛ فَإِنْ كَانَتْ شَهَادَةُ الْعَاقِلَةِ بِجَرْحِ الشُّهُودِ قَبْلَ الِانْدِمَالِ ، لَمْ تُقْبَلْ ؛ لِأَنَّهَا رُبَّمَا صَارَتْ نَفْسًا فَتَحْمِلُهَا الْعَاقِلَةُ ، وَإِنْ كَانَتْ بَعْدَهُ ، قُبِلَتْ ؛ لِأَنَّهَا لَا تَحْمِلُ مَا دُونَ الثُّلُثِ .\rوَإِنْ كَانَ الشَّاهِدَانِ بِالْجَرْحِ لَيْسَا مِنْ الْعَاقِلَةِ فِي الْحَالِ ، وَإِنَّمَا يَصِيرَانِ مِنْ الْعَاقِلَةِ الَّتِي تَتَحَمَّلُ أَنْ لَوْ مَاتَ مَنْ هُوَ أَقْرَبُ مِنْهُمَا ، قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمَا .\rذَكَرَهُ الْقَاضِي ؛ لِأَنَّهُمَا لَيْسَا مِنْ الْعَاقِلَةِ ، وَإِنَّمَا يَصِيرَانِ مِنْهَا بِمَوْتِ الْقَرِيبِ ، وَالظَّاهِرُ حَيَاتُهُ .\rوَفَارَقَ الْفَقِيرَ إذَا شَهِدَ ؛ لِأَنَّ الْغَنِيَّ لَيْسَتْ عَلَيْهِ أَمَارَةٌ ، فَإِنَّ الْمَالَ غَادٍ وَرَائِحٌ .\rوَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فِي هَذَا الْفَصْلِ كُلِّهِ عَلَى نَحْوِ مَا ذَكَرْنَا .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يُسَوَّى بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَيْسَ مِنْ الْعَاقِلَةِ فِي الْحَالِ ، وَإِنَّمَا يَصِيرُ مِنْهَا بِحُدُوثِ أَمْرٍ لَمْ يَتَّفِقْ الْآنَ سَبَبُهُ ، فَهُمَا سَوَاءٌ ، وَاحْتِمَالُ غِنَى الْفَقِيرِ ، كَاحْتِمَالِ مَوْتِ الْحَيِّ ، بَلْ الْمَوْتُ أَقْرَبُ ، فَإِنَّهُ لَا بُدَّ مِنْهُ ، وَكُلُّ حَيٍّ مَيِّتٌ ، وَكُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ، وَلَيْسَ","part":19,"page":406},{"id":9406,"text":"كُلُّ فَقِيرٍ يَسْتَغْنِي ، فَمَا ثَبَتَ فِي إحْدَى الصُّورَتَيْنِ يَثْبُتُ فِي الْأُخْرَى ، فَيَثْبُتُ فِيهِمَا جَمِيعًا وَجْهَانِ ، بِأَنْ يُنْقَلَ حُكْمُ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ الصُّورَتَيْنِ إلَى الْأُخْرَى .","part":19,"page":407},{"id":9407,"text":"( 7064 ) فَصْلٌ : إذَا شَهِدَ رَجُلَانِ عَلَى رَجُلَيْنِ ، أَنَّهُمَا قَتَلَا رَجُلًا ، ثُمَّ شَهِدَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِمَا عَلَى الْأَوَّلَيْنِ أَنَّهُمَا اللَّذَانِ قَتَلَاهُ ، فَصَدَّقَ الْوَلِيُّ الْأَوَّلَيْنِ ، وَكَذَّبَ الْآخَرَيْنِ ، وَجَبَ الْقَتْلُ عَلَيْهِمَا ؛ لِأَنَّ الْوَلِيَّ يُكَذِّبُهُمَا ، وَهُمَا يَدْفَعَانِ بِشَهَادَتِهِمَا عَنْ أَنْفُسِهِمَا ضَرَرًا .\rوَإِنْ صَدَّقَ الْآخَرَيْنِ وَحْدَهُمَا ، بَطَلَتْ شَهَادَةُ الْجَمِيعِ ، لِأَنَّ الْأَوَّلَيْنِ ، بَطَلَتْ شَهَادَتُهُمَا لِتَكْذِيبِهِ لَهُمَا ، وَرُجُوعِهِ عَمَّا شَهِدَا لَهُ بِهِ ، وَالْآخَرَانِ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمَا ؛ لِأَنَّهُمَا عَدُوَّانِ لِلْأَوَّلَيْنِ ، وَلِأَنَّهُمَا يَدْفَعَانِ عَنْ أَنْفُسِهِمَا ضَرَرًا ، وَإِنْ صَدَّقَ الْجَمِيعَ ، بَطَلَتْ شَهَادَتُهُمْ أَيْضًا ؛ لِأَنَّهُ بِتَصْدِيقِ الْأَوَّلَيْنِ مُكَذِّبٌ لِلْآخَرَيْنِ ، وَتَصْدِيقُهُ لِلْآخَرَيْنِ تَكْذِيبٌ لِلْأَوَّلَيْنِ ، وَهُمَا مُتَّهَمَانِ ، لِمَا ذَكَرْنَاهُ .\rفَإِنْ قِيلَ : كَيْفَ تُتَصَوَّرُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ وَالشَّهَادَةُ إنَّمَا تَكُونُ بَعْدَ الدَّعْوَى ، فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ فَرْضُ تَصْدِيقِهِمْ وَتَكْذِيبِهِمْ ؟ قُلْنَا : قَدْ يُتَصَوَّرُ أَنْ يَشْهَدُوا قَبْلَ الدَّعْوَى ، إذَا لَمْ يَعْلَمْ الْوَلِيُّ مَنْ قَتَلَهُ ؛ وَلِهَذَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { خَيْرُ الشُّهَدَاءِ ، الَّذِي يَأْتِي بِشَهَادَتِهِ قَبْلَ أَنْ يُسْأَلَهَا } .\rوَهَذَا مَعْنَى ذَلِكَ .","part":19,"page":408},{"id":9408,"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ كِتَابُ قِتَالِ أَهْلِ الْبَغْيِ وَالْأَصْلُ فِي هَذَا الْبَابِ قَوْلُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ : { وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إلَى أَمْرِ اللَّهِ } .\rإلَى قَوْلِهِ : { إنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ } .\rفَفِيهَا خَمْسُ فَوَائِدَ : أَحَدُهَا أَنَّهُمْ لَمْ يَخْرُجُوا بِالْبَغْيِ عَنْ الْإِيمَانِ ، فَإِنَّهُ سَمَّاهُمْ مُؤْمِنِينَ .\rالثَّانِيَةُ ، أَنَّهُ أَوْجَبَ قِتَالَهُمْ .\rالثَّالِثَةُ ، أَنَّهُ أَسْقَطَ قِتَالَهُمْ إذَا فَاءُوا إلَى أَمْرِ اللَّهِ .\rالرَّابِعَةُ ، أَنَّهُ أَسْقَطَ عَنْهُمْ التَّبِعَةَ فِيمَا أَتْلَفُوهُ فِي قِتَالِهِمْ .\rالْخَامِسَةُ أَنَّ الْآيَةَ أَفَادَتْ جَوَازَ قِتَالِ كُلِّ مَنْ مَنَعَ حَقًّا عَلَيْهِ .\rوَرَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو وَقَالَ : سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : { مَنْ أَعْطَى إمَامًا صَفْقَةَ يَدِهِ ، وَثَمَرَةَ فُؤَادِهِ ، فَلْيُطِعْهُ مَا اسْتَطَاعَ ، فَإِنْ جَاءَ آخَرُ يُنَازِعُهُ ، فَاضْرِبُوا عُنُقَ الْآخَرِ .\r} رَوَاهُ مُسْلِمٌ .\rوَرَوَى عَرْفَجَةُ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : سَتَكُونُ هَنَاتٌ وَهَنَاتٌ .\rوَرَفَعَ صَوْتَهُ : أَلَا وَمَنْ خَرَجَ عَلَى أُمَّتِي وَهُمْ جَمِيعٌ ، فَاضْرِبُوا عُنُقَهُ بِالسَّيْفِ ، كَائِنًا مَنْ كَانَ } .\rفَكُلُّ مَنْ ثَبَتَتْ إمَامَتُهُ ، وَجَبَتْ طَاعَتُهُ ، وَحَرُمَ الْخُرُوجُ عَلَيْهِ وَقِتَالُهُ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ } .\rوَرَوَى عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ قَالَ : { بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ ، فِي الْمَنْشَطِ وَالْمَكْرَهِ ، وَأَنْ لَا نُنَازِعَ الْأَمْرَ أَهْلَهُ } .\rوَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ { : مَنْ خَرَجَ مِنْ الطَّاعَةِ ، وَفَارَقَ الْجَمَاعَةَ ، فَمَاتَ ، فَمِيتَتُهُ جَاهِلِيَّةٌ } .","part":19,"page":409},{"id":9409,"text":"رَوَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي ذَرٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ ، كُلُّهَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ .\rوَأَجْمَعَتْ الصَّحَابَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، عَلَى قِتَالِ الْبُغَاةِ ، فَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَاتَلَ مَانِعِي الزَّكَاةِ ، وَعَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَاتَلَ أَهْلَ الْجَمَلِ وَصِفِّينَ وَأَهْلَ النَّهْرَوَانِ .","part":19,"page":410},{"id":9410,"text":"وَالْخَارِجُونَ عَنْ قَبْضَةِ الْإِمَامِ ، أَصْنَافٌ أَرْبَعَةٌ ؛ أَحَدُهَا ، قَوْمٌ امْتَنَعُوا مِنْ طَاعَتِهِ ، وَخَرَجُوا عَنْ قَبْضَتِهِ بِغَيْرِ تَأْوِيلٍ ، فَهَؤُلَاءِ قُطَّاعُ طَرِيقٍ ، سَاعُونَ فِي الْأَرْضِ بِالْفَسَادِ ، يَأْتِي حُكْمُهُمْ فِي بَابٍ مُفْرَدٍ .\rالثَّانِي : قَوْمٌ لَهُمْ تَأْوِيلٌ ، إلَّا أَنَّهُمْ نَفَرٌ يَسِيرٌ ، لَا مَنَعَةَ لَهُمْ ، كَالْوَاحِدِ وَالِاثْنَيْنِ وَالْعَشَرَةِ وَنَحْوِهِمْ ، فَهَؤُلَاءِ قُطَّاعُ طَرِيقٍ ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ ابْنَ مُلْجَمٍ لَمَّا جَرَحَ عَلِيًّا ، قَالَ لِلْحَسَنِ : إنْ بَرِئْتُ رَأَيْتُ رَأْيِي ، وَإِنْ مِتُّ فَلَا تُمَثِّلُوا بِهِ .\rفَلَمْ يُثْبِتْ لِفِعْلِهِ حُكْمَ الْبُغَاةِ .\rوَلِأَنَّنَا لَوْ أَثْبَتْنَا لِلْعَدَدِ الْيَسِيرِ حُكْمَ الْبُغَاةِ ، فِي سُقُوطِ ضَمَانِ مَا أَتْلَفُوهُ ، أَفْضَى إلَى إتْلَافِ أَمْوَالِ النَّاسِ .\rوَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : لَا فَرْقَ بَيْنَ الْكَثِيرِ وَالْقَلِيلِ ، وَحُكْمُهُمْ حُكْمُ الْبُغَاةِ إذَا خَرَجُوا عَنْ قَبْضَةِ الْإِمَامِ .\rالثَّالِثُ : الْخَوَارِجُ الَّذِينَ يُكَفِّرُونَ بِالذَّنْبِ ، وَيُكَفِّرُونَ عُثْمَانَ وَعَلِيًّا وَطَلْحَةَ وَالزُّبَيْرَ ، وَكَثِيرًا مِنْ الصَّحَابَةِ ، وَيَسْتَحِلُّونَ دِمَاءَ الْمُسْلِمِينَ ، وَأَمْوَالَهُمْ ، إلَّا مَنْ خَرَجَ مَعَهُمْ ، فَظَاهِرُ قَوْلِ الْفُقَهَاءِ مِنْ أَصْحَابِنَا الْمُتَأَخِّرِينَ ، أَنَّهُمْ بُغَاةٌ ، حُكْمُهُمْ حُكْمُهُمْ .\rوَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَجُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ ، وَكَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ .\rوَمَالِكٌ يَرَى اسْتِتَابَتَهُمْ ، فَإِنْ تَابُوا ، وَإِلَّا قُتِلُوا عَلَى إفْسَادِهِمْ ، لَا عَلَى كُفْرِهِمْ .\rوَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ إلَى أَنَّهُمْ كُفَّارٌ مُرْتَدُّونَ ، حُكْمُهُمْ حُكْمُ الْمُرْتَدِّينَ ، وَتُبَاحُ دِمَاؤُهُمْ وَأَمْوَالُهُمْ ، فَإِنْ تَحَيَّزُوا فِي مَكَان ، وَكَانَتْ لَهُمْ مَنَعَةٌ وَشَوْكَةٌ ، صَارُوا أَهْلَ حَرْبٍ كَسَائِرِ الْكُفَّارِ ، وَإِنْ كَانُوا فِي قَبْضَةِ الْإِمَامِ ، اسْتَتَابَهُمْ ، كَاسْتِتَابَةِ الْمُرْتَدِّينَ ، فَإِنْ تَابُوا ، وَإِلَّا ، ضُرِبَتْ أَعْنَاقُهُمْ ،","part":19,"page":411},{"id":9411,"text":"وَكَانَتْ أَمْوَالُهُمْ فَيْئًا ، لَا يَرِثُهُمْ وَرَثَتُهُمْ الْمُسْلِمُونَ ؛ لِمَا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ ، قَالَ : سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : { يَخْرُجُ قَوْمٌ تُحَقِّرُونَ صَلَاتَكُمْ مَعَ صَلَاتِهِمْ ، وَصِيَامَكُمْ مَعَ صِيَامِهِمْ ، وَأَعْمَالَكُمْ مَعَ أَعْمَالِهِمْ ، يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ ، يَمْرُقُونَ مِنْ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنْ الرَّمِيَّةِ ، يَنْظُرُ فِي النَّصْلِ فَلَا يَرَى شَيْئًا ، وَيَنْظُرُ فِي الْقِدْحِ فَلَا يَرَى شَيْئًا ، وَيَنْظُرُ فِي الرِّيشِ فَلَا يَرَى شَيْئًا ، وَيَتَمَارَى فِي الْفُوقِ } رَوَاهُ مَالِكٌ ، فِي \" مُوَطَّئِهِ \" ، وَالْبُخَارِيُّ فِي \" صَحِيحِهِ \" .\rوَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ ، ثَابِتُ الْإِسْنَادِ وَفِي لَفْظٍ قَالَ : { يَخْرُجُ قَوْمٌ فِي آخِرِ الزَّمَانِ ، أَحْدَاثُ الْأَسْنَانِ ، سُفَهَاءُ الْأَحْلَامِ ، يَقُولُونَ مِنْ خَيْرِ قَوْلِ الْبَرِيَّةِ ، يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ ، يَمْرُقُونَ مِنْ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنْ الرَّمِيَّةِ ، فَأَيْنَمَا لَقِيتَهُمْ فَاقْتُلْهُمْ ؛ فَإِنَّ قَتْلَهُمْ أَجْرٌ لِمَنْ قَتَلَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ } .\rرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ .\rوَرُوِيَ مَعْنَاهُ مِنْ وُجُوهٍ .\rيَقُولُ : فَكَمَا خَرَجَ هَذَا السَّهْمُ نَقِيًّا خَالِيًا مِنْ الدَّمِ وَالْفَرْثِ ، لَمْ يَتَعَلَّقْ مِنْهَا بِشَيْءٍ ، كَذَلِكَ خُرُوجُ هَؤُلَاءِ مِنْ الدِّينِ ، يَعْنِي الْخَوَارِجَ .\rوَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ ، { أَنَّهُ رَأَى رُءُوسًا مَنْصُوبَةً عَلَى دَرَجِ مَسْجِدِ دِمَشْقَ فَقَالَ : كِلَابُ النَّارِ ، شَرُّ قَتْلَى تَحْتَ أَدِيمِ السَّمَاءِ ، خَيْرُ قَتْلَى مَنْ قَتَلُوهُ .\rثُمَّ قَرَأَ : { يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ } إلَى آخِرِ الْآيَةِ .\rفَقِيلَ لَهُ : أَنْتَ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قَالَ : لَوْ لَمْ أَسْمَعْهُ إلَّا مَرَّةً ، أَوْ مَرَّتَيْنِ ، أَوْ ثَلَاثًا ، أَوْ أَرْبَعًا حَتَّى عَدَّ سَبْعًا مَا حَدَّثْتُكُمُوهُ } .\rقَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ .\rوَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ ، عَنْ سَهْلٍ ، عَنْ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنْ أَبِي","part":19,"page":412},{"id":9412,"text":"غَالِبٍ ، أَنَّهُ سَمِعَ { أَبَا أُمَامَةَ يَقُولُ : شَرُّ قَتْلَى قُتِلُوا تَحْتَ أَدِيمِ السَّمَاءِ ، وَخَيْرُ قَتْلَى مَنْ قَتَلُوا ، كِلَابُ أَهْلِ النَّارِ ، كِلَابُ أَهْلِ النَّارِ ، كِلَابُ أَهْلِ النَّارِ ، قَدْ كَانَ هَؤُلَاءِ مُسْلِمِينَ فَصَارُوا كُفَّارًا .\rقُلْت : يَا أَبَا أُمَامَةَ ، هَذَا شَيْءٌ تَقُولُهُ ؟ قَالَ : بَلْ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ } .\rوَعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي قَوْله تَعَالَى : { قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا } .\rقَالَ : \" هُمْ أَهْلُ النَّهْرَوَانِ \" .\rوَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ ، فِي حَدِيثٍ آخِرَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { هُمْ شَرُّ الْخَلْقِ وَالْخَلِيقَةِ ، لَئِنْ أَدْرَكْتُهُمْ لَأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ عَادٍ .\rوَقَالَ : لَا يُجَاوِزُ إيمَانُهُمْ حَنَاجِرَهُمْ } .\rوَأَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّهُمْ بُغَاةٌ ، وَلَا يَرَوْنَ تَكْفِيرَهُمْ ، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : لَا أَعْلَمُ أَحَدًا وَافَقَ أَهْلَ الْحَدِيثِ عَلَى تَكْفِيرِهِمْ وَجَعْلِهِمْ كَالْمُرْتَدِّينَ .\rوَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَيْنَاهُ : قَوْلُهُ : { يَتَمَارَى فِي الْفُوقِ } .\rيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُكَفِّرْهُمْ ؛ لِأَنَّهُمْ عَلِقُوا مِنْ الْإِسْلَامِ بِشَيْءٍ ، بِحَيْثُ يُشَكُّ فِي خُرُوجِهِمْ مِنْهُ .\rوَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ لَمَّا قَاتَلَ أَهْلَ النَّهْرِ قَالَ لِأَصْحَابِهِ : لَا تَبْدَءُوهُمْ بِالْقِتَالِ .\rوَبَعَثَ إلَيْهِمْ : أَقِيدُونَا بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَبَّابٍ .\rقَالُوا : كُلُّنَا قَتَلَهُ .\rفَحِينَئِذٍ اسْتَحَلَّ قِتَالَهُمْ ؛ لَإِقْرَارِهِمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِمَا يُوجِبُ قَتْلَهُمْ .\rوَذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، عَنْ عَلِيٍّ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ أَهْلِ النَّهْرِ ، أَكُفَّارٌ هُمْ ؟ قَالَ : مِنْ الْكُفْرِ فَرُّوا .\rقِيلَ : فَمُنَافِقُونَ ؟ قَالَ : إنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إلَّا قَلِيلًا .\rقِيلَ : فَمَا هُمْ ؟ قَالَ : هُمْ قَوْمٌ أَصَابَتْهُمْ فِتْنَةٌ ، فَعَمُوا فِيهَا وَصَمُّوا ، وَبَغَوْا عَلَيْنَا ، وَقَاتَلُونَا فَقَاتَلْنَاهُمْ .\rوَلَمَّا جَرَحَهُ","part":19,"page":413},{"id":9413,"text":"ابْنُ مُلْجَمٍ ، قَالَ لِلْحَسَنِ : أَحْسِنُوا إسَارَهُ ، فَإِنْ عِشْتُ فَأَنَا وَلِيُّ دَمِي ، وَإِنْ مِتّ فَضَرْبَةٌ كَضَرْبَتِي .\rوَهَذَا رَأْيُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِيهِمْ ، وَكَثِيرٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ .\rوَالصَّحِيحُ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ ، أَنَّ الْخَوَارِجَ يَجُوزُ قَتْلُهُمْ ابْتِدَاءً ، وَالْإِجْهَازُ عَلَى جَرِيحِهِمْ ؛ لِأَمْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَتْلِهِمْ وَوَعْدِهِ بِالثَّوَابِ مَنْ قَتَلَهُمْ ، فَإِنَّ عَلِيًّا ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : لَوْلَا أَنْ يَنْظُرُوا ، لَحَدَّثْتُكُمْ بِمَا وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ يَقْتُلُونَهُمْ عَلَى لِسَانِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ وَلِأَنَّ بِدْعَتَهُمْ ، وَسُوءَ فِعْلِهِمْ ، يَقْتَضِي حِلَّ دِمَائِهِمْ ؛ بِدَلِيلِ مَا أَخْبَرَ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ عِظَمِ ذَنْبِهِمْ ، وَأَنَّهُمْ شَرُّ الْخَلْقِ وَالْخَلِيقَةِ ، وَأَنَّهُمْ يَمْرُقُونَ مِنْ الدِّينِ ، وَأَنَّهُمْ كِلَابُ النَّارِ ، وَحَثِّهِ عَلَى قَتْلِهِمْ ، وَإِخْبَارِهِ بِأَنَّهُ لَوْ أَدْرَكَهُمْ لَقَتَلَهُمْ قَتْلَ عَادٍ ، فَلَا يَجُوزُ إلْحَاقُهُمْ بِمَنْ أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْكَفِّ عَنْهُمْ ، وَتَوَرَّعَ كَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ قِتَالِهِمْ ، وَلَا بِدْعَةَ فِيهِمْ .\rالصِّنْفُ الرَّابِعُ : قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْحَقِّ ، يَخْرُجُونَ عَنْ قَبْضَةِ الْإِمَامِ ، وَيَرُومُونَ خَلْعَهُ لَتَأْوِيلٍ سَائِغٍ ، وَفِيهِمْ مَنَعَةٌ يَحْتَاجُ فِي كَفِّهِمْ إلَى جَمْعِ الْجَيْشِ ، فَهَؤُلَاءِ الْبُغَاةُ ، الَّذِينَ نَذْكُرُ فِي هَذَا الْبَابِ حُكْمَهُمْ ، وَوَاجِبٌ عَلَى النَّاسِ مَعُونَةُ إمَامِهِمْ ، فِي قِتَالِ الْبُغَاةِ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا فِي أَوَّلِ الْبَابِ ؛ وَلِأَنَّهُمْ لَوْ تَرَكُوا مَعُونَتَهُ ، لَقَهَرَهُ أَهْلُ الْبَغْيِ ، وَظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْأَرْضِ .","part":19,"page":414},{"id":9414,"text":"( 7065 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ رَحِمَهُ اللَّهُ : ( وَإِذَا اتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى إمَامٍ ، فَمَنْ خَرَجَ عَلَيْهِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ يَطْلُبُ مَوْضِعَهُ ، حُورِبُوا ، وَدُفِعُوا بِأَسْهَلِ مَا يَنْدَفِعُونَ بِهِ ) وَجُمْلَةُ الْأَمْرِ أَنَّ مَنْ اتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى إمَامَتِهِ وَبَيْعَتِهِ ، ثَبَتَتْ إمَامَتُهُ ، وَوَجَبَتْ مَعُونَتُهُ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْحَدِيثِ وَالْإِجْمَاعِ ، وَفِي مَعْنَاهُ ، مَنْ ثَبَتَتْ إمَامَتُهُ بِعَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ بِعَهْدِ إمَامٍ قَبْلَهُ إلَيْهِ ، فَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ ثَبَتَتْ إمَامَتُهُ بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ عَلَى بَيْعَتِهِ ، ، وَعُمَرَ ثَبَتَتْ إمَامَتُهُ بِعَهْدِ أَبِي بَكْرٍ إلَيْهِ ، وَأَجْمَعَ الصَّحَابَةُ عَلَى قَبُولِهِ .\rوَلَوْ خَرَجَ رَجُلٌ عَلَى الْإِمَامِ ، فَقَهَرَهُ ، وَغَلَبَ النَّاسَ بِسَيْفِهِ حَتَّى أَقَرُّوا لَهُ ، وَأَذْعَنُوا بِطَاعَتِهِ ، وَبَايَعُوهُ ، صَارَ إمَامًا يَحْرُمُ قِتَالُهُ ، وَالْخُرُوجُ عَلَيْهِ ؛ فَإِنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ ، خَرَجَ عَلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ ، فَقَتَلَهُ ، وَاسْتَوْلَى عَلَى الْبِلَادِ وَأَهْلِهَا ، حَتَّى بَايَعُوهُ طَوْعًا وَكُرْهًا ، فَصَارَ إمَامًا يَحْرُمُ الْخُرُوجُ عَلَيْهِ ؛ وَذَلِكَ لِمَا فِي الْخُرُوجِ عَلَيْهِ مِنْ شَقِّ عَصَا الْمُسْلِمِينَ ، وَإِرَاقَةِ دِمَائِهِمْ ، وَذَهَابِ أَمْوَالِهِمْ ، وَيَدْخُلُ الْخَارِجُ عَلَيْهِ فِي عُمُومِ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { مَنْ خَرَجَ عَلَى أُمَّتِي ، وَهُمْ جَمِيعٌ ، فَاضْرِبُوا عُنُقَهُ بِالسَّيْفِ ، كَائِنًا مَنْ كَانَ } .\rفَمَنْ خَرَجَ عَلَى مَنْ ثَبَتَتْ إمَامَتُهُ بِأَحَدِ هَذِهِ الْوُجُوهِ بَاغِيًا ، وَجَبَ قِتَالُهُ ، وَلَا يَجُوزُ قِتَالُهُمْ حَتَّى يَبْعَثَ إلَيْهِمْ مَنْ يَسْأَلُهُمْ ، وَيَكْشِفُ لَهُمْ الصَّوَابَ ، إلَّا أَنْ يَخَافَ كَلَبَهُمْ ؛ فَلَا يُمْكِنَ ذَلِكَ فِي حَقِّهِمْ .\rفَأَمَّا إنْ أَمْكَنَ تَعْرِيفُهُمْ ، عَرَّفَهُمْ ذَلِكَ ، وَأَزَالَ مَا يَذْكُرُونَهُ مِنْ الْمَظَالِمِ ، وَأَزَالَ حُجَجَهُمْ ، فَإِنْ لَجُّوا ، قَاتَلَهُمْ حِينَئِذٍ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى بَدَأَ بِالْأَمْرِ بِالْإِصْلَاحِ قَبْلَ","part":19,"page":415},{"id":9415,"text":"الْقِتَالِ ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ : { وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إلَى أَمْرِ اللَّهِ } .\rوَرُوِيَ أَنَّ عَلِيًّا ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ رَاسَلَ أَهْلَ الْبَصْرَةِ قَبْلَ وَقْعَةِ الْجَمَلِ ، ثُمَّ أَمَرَ أَصْحَابَهُ أَنْ لَا يَبْدَءُوهُمْ بِالْقِتَالِ ، ثُمَّ قَالَ : إنَّ هَذَا يَوْمٌ مَنْ فَلَجَ فِيهِ فَلَجَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ .\rثُمَّ سَمِعَهُمْ يَقُولُونَ : اللَّهُ أَكْبَرُ ، يَا ثَارَاتِ عُثْمَانَ .\rفَقَالَ : اللَّهُمَّ أَكِبَّ قَتَلَةَ عُثْمَانَ لِوَجْهِهِمْ .\rوَرَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدَّادِ بْنِ الْهَادِي ، أَنَّ عَلِيًّا لَمَّا اعْتَزَلَتْهُ الْحَرُورِيَّةُ ، بَعَثَ إلَيْهِمْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ ، فَوَاضَعُوهُ كِتَابَ اللَّهِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ، فَرَجَعَ مِنْهُمْ أَرْبَعَةُ آلَافٍ .\rفَإِنْ أَبَوْا الرُّجُوعَ ، وَعَظَهُمْ ، وَخَوَّفَهُمْ الْقِتَالَ ؛ وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ ، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ كَفُّهُمْ ، وَدَفْعُ شَرِّهِمْ ، لَا قَتْلُهُمْ ، فَإِذَا أَمْكَنَ بِمُجَرَّدِ الْقَوْلِ ، كَانَ أَوْلَى مِنْ الْقِتَالِ ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ الضَّرَرِ بِالْفَرِيقَيْنِ .\rفَإِنْ سَأَلُوا الْإِنْظَارَ ، نَظَرَ فِي حَالِهِمْ ، وَبَحَثَ عَنْ أَمْرِهِمْ ، فَإِنْ بَانَ لَهُ أَنَّ قَصْدَهُمْ الرُّجُوعُ إلَى الطَّاعَةِ ، وَمَعْرِفَةُ الْحَقِّ ، أَمْهَلَهُمْ .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعَ عَلَى هَذَا كُلُّ مَنْ أَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rوَإِنْ كَانَ قَصْدُهُمْ الِاجْتِمَاعَ عَلَى قِتَالِهِ ، وَانْتِظَارَ مَدَدٍ يَقْوَوْنَ بِهِ ، أَوْ خَدِيعَةَ الْإِمَامِ ، أَوْ لِيَأْخُذُوهُ عَلَى غِرَّةٍ ، وَيَفْتَرِقَ عَسْكَرُهُ ، لَمْ يُنْظِرْهُمْ ، وَعَاجَلَهُمْ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَأْمَنُ مِنْ أَنْ يَصِيرَ هَذَا طَرِيقًا إلَى قَهْرِ أَهْلِ الْعَدْلِ ، وَلَا يَجُوزُ هَذَا ، وَإِنْ أَعْطَوْهُ عَلَيْهِ مَالًا ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَأْخُذَ الْمَالَ عَلَى إقْرَارِهِمْ عَلَى مَا لَا يَجُوزُ إقْرَارُهُمْ عَلَيْهِ .\rوَإِنْ بُذِلَ لَهُ رَهَائِنُ عَلَى إنْظَارِهِمْ ، لَمْ يَجُزْ أَخْذُهَا لِذَلِكَ ؛ وَلِأَنَّ الرَّهَائِنَ","part":19,"page":416},{"id":9416,"text":"لَا يَجُوزُ قَتْلُهُمْ لِغَدْرِ أَهْلِهِمْ ، فَلَا يُفِيدُ شَيْئًا .\rوَإِنْ كَانَ فِي أَيْدِيهِمْ أَسْرَى مِنْ أَهْلِ الْعَدْلِ ، وَأَعْطَوْا بِذَلِكَ رَهَائِنَ مِنْهُمْ ، قَبِلَهُمْ الْإِمَامُ ، وَاسْتَظْهَرَ لِلْمُسْلِمِينَ ؛ فَإِنْ أَطْلَقُوا أَسْرَى الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ عِنْدَهُمْ ، أُطْلِقَتْ رَهَائِنُهُمْ ، وَإِنْ قَتَلُوا مَنْ عِنْدَهُمْ ، لَمْ يَجُزْ قَتْلُ رَهَائِنِهِمْ ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يُقْتَلُونَ بِقَتْلِ غَيْرِهِمْ ، فَإِذَا انْقَضَتْ الْحَرْبُ ، خَلَّى الرَّهَائِنَ ، كَمَا تُخَلَّى الْأُسَارَى مِنْهُمْ .\rوَإِنْ خَافَ الْإِمَامُ عَلَى الْفِئَةِ الْعَادِلَةِ الضَّعْفَ عَنْهُمْ ، أَخَّرَ قِتَالَهُمْ إلَى أَنْ تُمْكِنَهُ الْقُوَّةُ عَلَيْهِمْ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ الِاصْطِلَامُ وَالِاسْتِئْصَالُ ، فَيُؤَخِّرُهُمْ حَتَّى تَقْوَى شَوْكَةُ أَهْلِ الْعَدْلِ ، ثُمَّ يُقَاتِلُهُمْ .\rوَإِنْ سَأَلُوهُ أَنْ يُنْظِرَهُمْ أَبَدًا ، وَيَدَعَهُمْ وَمَا هُمْ عَلَيْهِ ، وَيَكُفُّوا عَنْ الْمُسْلِمِينَ ، نَظَرْت ، فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ قُوَّتَهُ عَلَيْهِمْ ، وَخَافَ قَهْرَهُمْ لَهُ إنْ قَاتَلَهُمْ ، تَرَكَهُمْ .\rوَإِنْ قَوِيَ عَلَيْهِمْ ، لَمْ يَجُزْ إقْرَارُهُمْ عَلَى ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَتْرُكَ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ طَاعَةَ الْإِمَامِ ، وَلَا تُؤْمَنُ قُوَّةُ شَوْكَتِهِمْ ، بِحَيْثُ يُفْضِي إلَى قَهْرِ الْإِمَامِ الْعَادِلِ وَمَنْ مَعَهُ .\rثُمَّ إنْ أَمْكَنَ دَفْعُهُمْ بِدُونِ الْقَتْلِ ، لَمْ يَجُزْ قَتْلُهُمْ ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ دَفْعُهُمْ لِأَهْلِهِمْ ؛ وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ إذَا حَصَلَ بِدُونِ الْقَتْلِ ، لَمْ يَجُزْ الْقَتْلُ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ .\rوَإِنْ حَضَرَ مَعَهُمْ مَنْ لَا يُقَاتِلُ ، لَمْ يَجُزْ قَتْلُهُ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ : فِيهِ وَجْهٌ آخَرُ ، يَجُوزُ ؛ لِأَنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ نَهَى أَصْحَابَهُ عَنْ قَتْلِ مُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ السَّجَّادِ ، وَقَالَ : إيَّاكُمْ وَصَاحِبَ الْبُرْنُسِ .\rفَقَتَلَهُ رَجُلٌ ، وَأَنْشَأَ يَقُولُ : وَأَشْعَثَ قَوَّامٍ بِآيَاتِ رَبِّهِ قَلِيلِ الْأَذَى فِيمَا تَرَى الْعَيْنُ مُسْلِمِ هَتَكْتُ لَهُ بِالرُّمْحِ جَيْبَ قَمِيصِهِ فَخَرَّ صَرِيعًا لِلْيَدَيْنِ وَلِلْفَمِ","part":19,"page":417},{"id":9417,"text":"عَلَى غَيْرِ شَيْءٍ غَيْرَ أَنْ لَيْسَ تَابِعًا عَلِيًّا وَمَنْ لَمْ يَتْبَعْ الْحَقَّ يُظْلَمْ يُنَاشِدُنِي { حم } ، وَالرُّمْحُ شَاجِرٌ فَهَلَّا تَلَا { حم } قَبْلَ التَّقَدُّمِ وَكَانَ السَّجَّادُ حَامِلَ رَايَةِ أَبِيهِ ، وَلَمْ يَكُنْ يُقَاتِلُ ، فَلَمْ يُنْكِرْ عَلِيٌّ قَتْلَهُ ، وَلِأَنَّهُ صَارَ رِدْءًا لَهُمْ .\rوَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا } .\rوَالْأَخْبَارُ الْوَارِدَةُ فِي تَحْرِيمِ قَتْلِ الْمُسْلِمِ ، وَالْإِجْمَاعُ عَلَى تَحْرِيمِهِ ، وَإِنَّمَا خُصَّ مِنْ ذَلِكَ مَا حَصَلَ ضَرُورَةَ دَفْعِ الْبَاغِي وَالصَّائِلِ ، فَفِيمَا عَدَاهُ يَبْقَى عَلَى الْعُمُومِ وَالْإِجْمَاعِ فِيهِ ؛ وَلِهَذَا حَرُمَ قَتْلُ مُدْبِرِهِمْ وَأَسِيرِهِمْ ، وَالْإِجْهَازُ عَلَى جَرِيحِهِمْ ، مَعَ أَنَّهُمْ إنَّمَا تَرَكُوا الْقِتَالَ عَجْزًا عَنْهُ ، وَمَتَى مَا قَدَرُوا عَلَيْهِ ، عَادُوا إلَيْهِ ، فَمَنْ لَا يُقَاتِلُ تَوَرُّعًا عَنْهُ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَيْهِ وَلَا يُخَافُ مِنْهُ الْقِتَالُ بَعْدَ ذَلِكَ أَوْلَى ، وَلِأَنَّهُ مُسْلِمٌ ، لَمْ يُحْتَجْ إلَى دَفْعِهِ ، وَلَا صَدَرَ مِنْهُ أَحَدُ الثَّلَاثَةِ ، فَلَمْ يَحِلَّ دَمُهُ ؛ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ } .\rفَأَمَّا حَدِيثُ عَلِيٍّ ، فِي نَهْيِهِ عَنْ قَتْلِ السَّجَّادِ ، فَهُوَ حُجَّةٌ عَلَيْهِ ، فَإِنَّ نَهْيَ عَلِيٍّ أَوْلَى مِنْ فِعْلِ مَنْ خَالَفَهُ ، وَلَا يَمْتَثِلُ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى ، وَلَا قَوْلَ رَسُولِهِ ، وَلَا قَوْلَ إمَامِهِ .\rوَقَوْلُهُمْ : لَمْ يُنْكِرْ قَتْلَهُ ؛ قُلْنَا : لَمْ يُنْقَلْ إلَيْنَا أَنَّ عَلِيًّا عَلِمَ حَقِيقَةَ الْحَالِ فِي قَتْلِهِ ، وَلَا حَضَرَ قَتْلَهُ فَيُنْكِرَهُ ، وَقَدْ جَاءَ أَنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حِينَ طَافَ فِي الْقَتْلَى رَآهُ ، فَقَالَ : السَّجَّادُ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ ، هَذَا الَّذِي قَتَلَهُ بِرُّهُ بِأَبِيهِ .\rوَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَشْعُرْ بِقَتْلِهِ .\rوَرَأَى كَعْبَ بْنَ سَوْرٍ ، فَقَالَ : يَزْعُمُونَ إنَّمَا خَرَجَ إلَيْنَا الرَّعَاعُ ، وَهَذَا الْحَبْرُ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ ، وَيَجُوزُ","part":19,"page":418},{"id":9418,"text":"أَنْ يَكُونَ تَرْكُهُ الْإِنْكَارَ عَلَيْهِمْ اجْتِزَاءً بِالنَّهْيِ الْمُتَقَدِّمِ ؛ وَلِأَنَّ الْقَصْدَ مِنْ قِتَالِهِمْ كَفُّهُمْ ، وَهَذَا كَافٌّ لِنَفْسِهِ ، فَلَمْ يَجُزْ قَتْلُهُ كَالْمُنْهَزِمِ .\r( 7066 ) فَصْلٌ : وَإِذَا قَاتَلَ مَعَهُمْ عَبِيدٌ وَنِسَاءٌ وَصِبْيَانٌ ، فَهُمْ كَالرَّجُلِ الْبَالِغِ الْحُرِّ ، يُقَاتَلُونَ مُقْبِلِينَ ، وَيُتْرَكُونَ مُدْبِرِينَ ؛ لِأَنَّ قِتَالَهُمْ لِلدَّفْعِ ، وَلَوْ أَرَادَ أَحَدُ هَؤُلَاءِ قَتْلَ إنْسَانٍ ، جَازَ دَفْعُهُ وَقِتَالُهُ ، وَإِنْ أَتَى عَلَى نَفْسِهِ ؛ وَلِذَلِكَ قُلْنَا فِي أَهْلِ الْحَرْبِ إذَا كَانَ مَعَهُمْ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ ، يُقَاتِلُونَ : قُوتِلُوا ، وَقُتِلُوا .","part":19,"page":419},{"id":9419,"text":"( 7067 ) فَصْلٌ : وَلَا يُقَاتَلُ الْبُغَاةُ بِمَا يَعُمُّ إتْلَافُهُ ، كَالنَّارِ ، وَالْمَنْجَنِيقِ ، وَالتَّغْرِيقِ ، مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ قَتْلُ مَنْ لَا يُقَاتِلُ ، وَمَا يَعُمُّ إتْلَافُهُ يَقَعُ عَلَى مَنْ يُقَاتِلُ وَمَنْ لَا يُقَاتِلُ .\rفَإِنْ دَعَتْ إلَى ذَلِكَ ضَرُورَةٌ ، مِثْلُ أَنْ يَحْتَاطَ بِهِمْ الْبُغَاةُ ، وَلَا يُمْكِنَهُمْ التَّخَلُّصُ إلَّا بِرَمْيِهِمْ بِمَا يَعُمُّ إتْلَافُهُ ، جَازَ ذَلِكَ .\rوَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إذَا تَحَصَّنَ الْخَوَارِجُ ، فَاحْتَاجَ الْإِمَامُ إلَى رَمْيِهِمْ بِالْمَنْجَنِيقِ ، فَعَلَ ذَلِكَ بِهِمْ مَا كَانَ لَهُمْ عَسْكَرٌ ، وَمَا لَمْ يَنْهَزِمُوا ، وَإِنْ رَمَاهُمْ الْبُغَاةُ بِالْمَنْجَنِيقِ وَالنَّارِ ، جَازَ رَمْيُهُمْ بِمِثْلِهِ .","part":19,"page":420},{"id":9420,"text":"( 7068 ) فَصْلٌ : قَالَ أَبُو بَكْرٍ : وَإِذَا اقْتَتَلَتْ طَائِفَتَانِ مِنْ أَهْلِ الْبَغْيِ ، فَقَدَرَ الْإِمَامُ عَلَى قَهْرِهِمَا ، لَمْ يُعِنْ وَاحِدَةً مِنْهُمَا ؛ لِأَنَّهُمَا جَمِيعًا عَلَى الْخَطَإِ ، وَإِنْ عَجَزَ عَنْ ذَلِكَ ، وَخَافَ اجْتِمَاعَهُمَا عَلَى حَرْبِهِ ، ضَمَّ إلَيْهِ أَقْرَبَهُمَا إلَى الْحَقِّ ، فَإِنْ اسْتَوَيَا ، اجْتَهَدَ بِرَأْيِهِ فِي ضَمِّ إحْدَاهُمَا ، وَلَا يَقْصِدُ بِذَلِكَ مَعُونَةَ إحْدَاهُمَا ، بَلْ الِاسْتِعَانَةَ عَلَى الْأُخْرَى ، فَإِذَا هَزَمَهَا ، لَمْ يُقَاتِلْ مَنْ مَعَهُ حَتَّى يَدْعُوَهُمْ إلَى الطَّاعَةِ ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ حَصَلُوا فِي أَمَانِهِ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rوَلَا يَسْتَعِينُ عَلَى قِتَالِهِمْ بِالْكُفَّارِ بِحَالٍ ، وَلَا بِمَنْ يُرَى قَتْلُهُمْ مُدْبِرِينَ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ : لَا بَأْسَ أَنْ يَسْتَعِينَ عَلَيْهِمْ بِأَهْلِ الذِّمَّةِ وَالْمُسْتَأْمَنِينَ وَصِنْفٍ آخَرَ مِنْهُمْ ، إذَا كَانَ أَهْلُ الْعَدْلِ هُمْ الظَّاهِرِينَ عَلَى مَنْ يَسْتَعِينُونَ بِهِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الْقَصْدَ كَفُّهُمْ ، وَرَدُّهُمْ إلَى الطَّاعَةِ ، دُونَ قَتْلِهِمْ ، وَإِنْ دَعَتْ الْحَاجَةُ إلَى الِاسْتِعَانَةِ بِهِمْ ، فَإِنْ كَانَ يَقْدِرُ عَلَى كَفِّهِمْ ، اسْتَعَانَ بِهِمْ ، وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ ، لَمْ يَجُزْ .","part":19,"page":421},{"id":9421,"text":"( 7069 ) فَصْلٌ : وَإِذَا أَظْهَرَ قَوْمٌ رَأْيَ الْخَوَارِجِ ، مِثْلُ تَكْفِيرِ مَنْ ارْتَكَبَ كَبِيرَةً ، وَتَرْكِ الْجَمَاعَةِ ، وَاسْتِحْلَالِ دِمَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَأَمْوَالِهِمْ ، إلَّا أَنَّهُمْ لَمْ يَخْرُجُوا عَنْ قَبْضَةِ الْإِمَامِ ، وَلَمْ يَسْفِكُوا الدَّمَ الْحَرَامَ ، فَحَكَى الْقَاضِي عَنْ أَبِي بَكْرٍ ، أَنَّهُ لَا يَحِلُّ بِذَلِكَ قَتْلُهُمْ وَلَا قِتَالُهُمْ .\rوَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَجُمْهُورِ أَهْلِ الْفِقْهِ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ .\rفَعَلَى هَذَا ، حُكْمُهُمْ فِي ضَمَانِ النَّفْسِ وَالْمَالِ حُكْمُ الْمُسْلِمِينَ .\rوَإِنْ سَبُّوا الْإِمَامَ أَوْ غَيْرَهُ مِنْ أَهْلِ الْعَدْلِ ، عُزِّرُوا ؛ لِأَنَّهُمْ ارْتَكَبُوا مُحَرَّمًا لَا حَدَّ فِيهِ .\rوَإِنْ عَرَّضُوا بِالسَّبِّ ، فَهَلْ يُعَزَّرُونَ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ .\rوَقَالَ مَالِكٌ فِي الْإِبَاضِيَّةِ ، وَسَائِرِ أَهْلِ الْبِدَعِ : يُسْتَتَابُونَ ، فَإِنْ تَابُوا ، وَإِلَّا ضُرِبَتْ أَعْنَاقُهُمْ .\rقَالَ إسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ : رَأَى مَالِكٌ قَتْلَ الْخَوَارِجِ وَأَهْلِ الْقَدَرِ ، مِنْ أَجْلِ الْفَسَادِ الدَّاخِلِ فِي الدِّينِ ، كَقُطَّاعِ الطَّرِيقِ ، فَإِنْ تَابُوا ، وَإِلَّا قُتِلُوا عَلَى إفْسَادِهِمْ ، لَا عَلَى كُفْرِهِمْ .\rوَأَمَّا مَنْ رَأَى تَكْفِيرَهُمْ ، فَمُقْتَضَى قَوْلِهِ ، أَنَّهُمْ يُسْتَتَابُونَ ، فَإِنْ تَابُوا ، وَإِلَّا قُتِلُوا لِكُفْرِهِمْ ، كَمَا يُقْتَلُ الْمُرْتَدُّ ، وَحُجَّتُهُمْ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { فَأَيْنَمَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاقْتُلُوهُمْ } .\rوَقَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ : لَئِنْ أَدْرَكْتُهُمْ ، لَأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ عَادٍ { وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الَّذِي أَنْكَرَ عَلَيْهِ ، وَقَالَ : إنَّهَا لَقِسْمَةٌ مَا أُرِيدَ بِهَا وَجْهُ اللَّهِ .\rلِأَبِي بَكْرٍ : اذْهَبْ فَاقْتُلْهُ .\rثُمَّ قَالَ لِعُمَرَ مِثْلَ ذَلِكَ ، فَأَمَرَ بِقَتْلِهِ قَبْلَ قِتَالِهِ } .\rوَهُوَ الَّذِي قَالَ : { يَخْرُجُ مِنْ ضِئْضِئِ هَذَا قَوْمٌ } .\rيَعْنِي الْخَوَارِجَ .\rوَقَوْلُ عُمَرَ لِصَبِيغٍ : لَوْ وَجَدْتُك مَحْلُوقًا ، لَضَرَبْتُ الَّذِي فِيهِ عَيْنَاك بِالسَّيْفِ","part":19,"page":422},{"id":9422,"text":".\rيَعْنِي لَقَتَلْتُك .\rوَإِنَّمَا يَقْتُلُهُ لِكَوْنِهِ مِنْ الْخَوَارِجِ ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { سِيمَاهُمْ التَّسْبِيدُ } .\rيَعْنِي حَلْقَ رُءُوسِهِمْ .\rوَاحْتَجَّ الْأَوَّلُونَ بِفِعْلِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَإِنَّهُ رُوِيَ عَنْهُ ، أَنَّهُ كَانَ يَخْطُبُ يَوْمًا ، فَقَالَ رَجُلٌ بِبَابِ الْمَسْجِدِ : لَا حُكْمَ إلَّا لِلَّهِ .\rفَقَالَ عَلِيٌّ : كَلِمَةُ حَقٍّ أُرِيدَ بِهَا بَاطِلٌ .\rثُمَّ قَالَ : لَكُمْ عَلَيْنَا ثَلَاثٌ ؛ لَا نَمْنَعُكُمْ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ تَذْكُرُوا فِيهَا اسْمَ اللَّهِ تَعَالَى ، وَلَا نَمْنَعُكُمْ الْفَيْءَ مَا دَامَتْ أَيْدِيكُمْ مَعَنَا ، وَلَا نَبْدَؤُكُمْ بِقِتَالٍ .\rوَرَوَى أَبُو يَحْيَى ، قَالَ : صَلَّى عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ صَلَاةً ، فَنَادَاهُ رَجُلٌ مِنْ الْخَوَارِجِ : { لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ } .\rفَأَجَابَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : { فَاصْبِرْ إنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ } .\rوَكَتَبَ عَدِيُّ بْنُ أَرْطَاةَ إلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ : إنَّ الْخَوَارِجَ يَسُبُّونَكَ .\rفَكَتَبَ إلَيْهِ : إنْ سَبُّونِي فَسُبُّوهُمْ ، أَوْ اُعْفُوا عَنْهُمْ ، وَإِنْ شَهَرُوا السِّلَاحَ فَاشْهَرُوا عَلَيْهِمْ ، وَإِنْ ضَرَبُوا فَاضْرِبُوا .\rوَلِأَنَّ { النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِلْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ مَعَهُ فِي الْمَدِينَةِ } ، فَلَأَنْ لَا يَتَعَرَّضَ لِغَيْرِهِمْ أَوْلَى .\rوَقَدْ رُوِيَ فِي خَبَرِ الْخَارِجِيِّ الَّذِي أَنْكَرَ عَلَيْهِ { ، أَنَّ خَالِدًا قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَلَا أَضْرِبُ عُنُقَهُ ؟ قَالَ : ، لَعَلَّهُ يُصَلِّي .\rقَالَ : رُبَّ مُصَلٍّ لَا خَيْرَ فِيهِ .\rقَالَ : إنِّي لَمْ أُومَرْ أَنْ أُنَقِّبَ عَنْ قُلُوبِ النَّاسِ .\r}","part":19,"page":423},{"id":9423,"text":"( 7070 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : فَإِنْ آلَ مَا دُفِعُوا بِهِ إلَى نُفُوسِهِمْ ، فَلَا شَيْءَ عَلَى الدَّافِعِ ، وَإِنْ قُتِلَ الدَّافِعُ فَهُوَ شَهِيدٌ .\rوَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ إذَا لَمْ يُمْكِنْ دَفْعُ أَهْلِ الْبَغْيِ إلَّا بِقَتْلِهِمْ ، جَازَ قَتْلُهُمْ ، وَلَا شَيْءَ عَلَى مَنْ قَتَلَهُمْ ؛ مِنْ إثْمٍ وَلَا ضَمَانٍ وَلَا كَفَّارَةٍ ؛ لِأَنَّهُ فَعَلَ مَا أُمِرَ بِهِ ، وَقَتَلَ مَنْ أَحَلَّ اللَّهُ قَتْلَهُ ، وَأَمَرَ بِمُقَاتَلَتِهِ ، وَكَذَلِكَ مَا أَتْلَفَهُ أَهْلُ الْعَدْلِ عَلَى أَهْلِ الْبَغْيِ حَالَ الْحَرْبِ ، مِنْ الْمَالِ ، لَا ضَمَانَ فِيهِ ؛ لِأَنَّهُمْ إذَا لَمْ يَضْمَنُوا الْأَنْفُسَ فَالْأَمْوَالُ أَوْلَى .\rوَإِنْ قُتِلَ الْعَادِلُ ، كَانَ شَهِيدًا ؛ لِأَنَّهُ قُتِلَ فِي قِتَالٍ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ بِقَوْلِهِ : { فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي } .\rوَهَلْ يُغَسَّلُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، لَا يُغَسَّلُ ، وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ شَهِيدُ مَعْرَكَةٍ أُمِرَ بِالْقِتَالِ فِيهَا ، فَأَشْبَهَ شَهِيدَ مَعْرَكَةِ الْكُفَّارِ .\rوَالثَّانِيَةُ ، يُغَسَّلُ ، وَيُصَلَّى عَلَيْهِ .\rوَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ ؛ وَلِأَنَّ { النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِالصَّلَاةِ عَلَى مَنْ قَالَ : لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ، وَاسْتَثْنَى قَتِيلَ الْكُفَّارِ فِي الْمَعْرَكَةِ } ، فَفِيمَا عَدَاهُ يَبْقَى عَلَى الْأَصْلِ ؛ وَلِأَنَّ شَهِيدَ مَعْرَكَةِ الْكُفَّارِ أَجْرُهُ أَعْظَمُ ، وَفَضْلُهُ أَكْثَرُ ، وَقَدْ جَاءَ أَنَّهُ يُشَفَّعُ فِي سَبْعِينَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ ، وَهَذَا لَا يَلْحَقُ بِهِ فِي فَضْلِهِ ، فَلَا يَثْبُتُ فِيهِ مِثْلُ حُكْمِهِ ، فَإِنَّ الشَّيْءَ إنَّمَا يُقَاسُ عَلَى مِثْلِهِ .","part":19,"page":424},{"id":9424,"text":"فَصْلٌ : وَلَيْسَ عَلَى أَهْلِ الْبَغْيِ أَيْضًا ضَمَانُ مَا أَتْلَفُوهُ حَالَ الْحَرْبِ ، مِنْ نَفْسٍ وَلَا مَالَ .\rوَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ ، فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ .\rوَفِي الْآخَرِ ، يَضْمَنُونَ ذَلِكَ ؛ لِقَوْلِ أَبِي بَكْرٍ لِأَهْلِ الرِّدَّةِ : تَدُونَ قَتْلَانَا ، وَلَا نَدِي قَتْلَاكُمْ .\rوَلِأَنَّهَا نُفُوسٌ وَأَمْوَالٌ مَعْصُومَةٌ ، أُتْلِفَتْ بِغَيْرِ حَقٍّ وَلَا ضَرُورَةِ دَفْعٍ مُبَاحٍ ؛ فَوَجَبَ ضَمَانُهُ ، كَاَلَّذِي تَلِفَتْ فِي غَيْرِ حَالِ الْحَرْبِ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى الزُّهْرِيُّ ، أَنَّهُ قَالَ : كَانَتْ الْفِتْنَةُ الْعُظْمَى بَيْنَ النَّاسِ وَفِيهِمْ الْبَدْرِيُّونَ ، فَأَجْمَعُوا عَلَى أَنْ لَا يُقَامَ حَدٌّ عَلَى رَجُلٍ ارْتَكَبَ فَرْجًا حَرَامًا بِتَأْوِيلِ الْقُرْآنِ ، وَلَا يَغْرَمَ مَالًا أَتْلَفَهُ بِتَأْوِيلِ الْقُرْآنِ .\rوَلِأَنَّهَا طَائِفَةٌ مُمْتَنِعَةٌ بِالْحَرْبِ ، بِتَأْوِيلٍ سَائِغٍ ، فَلَمْ تَضْمَنْ مَا أَتْلَفَتْ عَلَى الْأُخْرَى ، كَأَهْلِ الْعَدْلِ ، وَلِأَنَّ تَضْمِينَهُمْ يُفْضِي إلَى تَنْفِيرِهِمْ عَنْ الرُّجُوعِ إلَى الطَّاعَةِ ، فَلَا يُشْرَعُ ، كَتَضْمِينِ أَهْلِ الْحَرْبِ .\rفَأَمَّا قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَدْ رَجَعَ عَنْهُ ، وَلَمْ يُمْضِهِ ، فَإِنَّ عُمَرَ قَالَ لَهُ : أَمَّا أَنْ يَدُوا قَتْلَانَا فَلَا ؛ فَإِنَّ قَتْلَانَا قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى ، عَلَى مَا أَمَرَ اللَّهُ .\rفَوَافَقَهُ أَبُو بَكْرٍ ، وَرَجَعَ إلَى قَوْلِهِ ، فَصَارَ أَيْضًا إجْمَاعًا حُجَّةً لَنَا ، وَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُ غَرَّمَ أَحَدًا شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ .\rوَقَدْ قَتَلَ طُلَيْحَةُ عُكَاشَةَ بْنَ مُحْصِنٍ ، وَثَابِتَ بْنَ أَثْرَمَ ، ثُمَّ أَسْلَمَ ، فَلَمْ يُغَرَّمْ شَيْئًا .\rثُمَّ لَوْ وَجَبَ التَّغْرِيمُ فِي حَقِّ الْمُرْتَدِّينَ ، لَمْ يَلْزَمْ مِثْلُهُ هَاهُنَا ، فَإِنَّ أُولَئِكَ كُفَّارٌ لَا تَأْوِيلَ لَهُمْ ، وَهَؤُلَاءِ طَائِفَةٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ لَهُمْ تَأْوِيلٌ سَائِغٌ ، فَكَيْفَ يَصِحُّ إلْحَاقُهُمْ بِهِمْ ، فَأَمَّا مَا أَتْلَفَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ ، فِي غَيْرِ حَالِ الْحَرْبِ ، قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ ، فَعَلَى مُتْلِفِهِ ضَمَانُهُ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ","part":19,"page":425},{"id":9425,"text":"، وَلِذَلِكَ لَمَّا قَتَلَ الْخَوَارِجُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ خَبَّابٍ ، أَرْسَلَ إلَيْهِمْ عَلِيٌّ : أَقِيدُونَا مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَبَّابٍ .\rوَلَمَّا قَتَلَ ابْنُ مُلْجَمٍ عَلِيًّا فِي غَيْرِ الْمَعْرَكَةِ ، أُقِيدَ بِهِ .\rوَهَلْ يَتَحَتَّمُ قَتْلُ الْبَاغِي إذَا قَتَلَ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْعَدْلِ فِي غَيْرِ الْمَعْرَكَةِ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، يَتَحَتَّمُ ؛ لِأَنَّهُ قَتَلَ بِإِشْهَارِ السِّلَاحِ وَالسَّعْيِ فِي الْأَرْضِ بِالْفَسَادِ ، فَيُحَتَّمَ قَتْلُهُ ، كَقَاطِعِ الطَّرِيقِ .\rوَالثَّانِي : لَا يَتَحَتَّمُ .\rوَهُوَ الصَّحِيحُ ؛ لِقَوْلِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : إنْ شِئْت أَنْ أَعْفُوَ ، وَإِنْ شِئْت اسْتَقَدْت .\rفَأَمَّا الْخَوَارِجُ ، فَالصَّحِيحُ ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا ، إبَاحَةُ قَتْلِهِمْ ، فَلَا قِصَاصَ عَلَى قَاتِلِ أَحَدٍ مِنْهُمْ ، وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ .","part":19,"page":426},{"id":9426,"text":"( 7072 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَإِذَا دُفِعُوا لَمْ يُتْبَعْ لَهُمْ مُدْبِرٌ ، وَلَا يُجَازُ عَلَى جَرِيحِهِمْ ، وَلَمْ يُقْتَلْ لَهُمْ أَسِيرٌ ، وَلَمْ يُغْنَمْ لَهُمْ مَالٌ ، وَلَمْ تُسْبَ لَهُمْ ذُرِّيَّةٌ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ أَهْلَ الْبَغْيِ إذَا تَرَكُوا الْقِتَالَ ؛ إمَّا بِالرُّجُوعِ إلَى الطَّاعَةِ ، وَإِمَّا بِإِلْقَاءِ السِّلَاحِ ، وَإِمَّا بِالْهَزِيمَةِ إلَى فِئَةٍ أَوْ إلَى غَيْرِ فِئَةٍ ، وَإِمَّا بِالْعَجْزِ ؛ لِجِرَاحٍ أَوْ مَرَضٍ أَوْ أَسْرٍ ، فَإِنَّهُ يَحْرُمُ قَتْلُهُمْ ، وَاتِّبَاعُ مُدْبِرِهِمْ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، إذَا هُزِمُوا وَلَا فِئَةَ لَهُمْ كَقَوْلِنَا ، وَإِنْ كَانَتْ لَهُمْ فِئَةٌ يَلْجَئُونَ إلَيْهَا ، جَازَ قَتْلُ مُدْبِرِهِمْ وَأَسِيرِهِمْ ، وَالْإِجَازَةُ عَلَى جَرِيحِهِمْ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ فِئَةٌ ، لَمْ يُقْتَلُوا ، لَكِنْ يُضْرَبُونَ ضَرْبًا وَجِيعًا ، وَيُحْبَسُونَ حَتَّى يُقْلِعُوا عَمَّا هُمْ عَلَيْهِ ، وَيُحْدِثُوا تَوْبَةً .\rذَكَرُوا هَذَا فِي الْخَوَارِجِ .\rوَيُرْوَى عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ نَحْوُ هَذَا .\rوَاخْتَارَهُ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ مَتَى لَمْ يَقْتُلْهُمْ ، اجْتَمَعُوا ثُمَّ عَادُوا إلَى الْمُحَارَبَةِ .\rوَلَنَا ، مَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ يَوْمَ الْجَمَلِ : لَا يُذَفَّفُ عَلَى جَرِيحٍ ، وَلَا يُهْتَكُ سِتْرٌ ، وَلَا يُفْتَحُ بَابٌ ، وَمَنْ أَغْلَقَ بَابًا أَوْ بَابَهُ فَهُوَ آمِنٌ ، وَلَا يُتْبَعُ مُدْبِرٌ .\rوَقَدْ رُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ عَمَّارٍ .\rوَعَنْ عَلِيٍّ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ وَدَى قَوْمًا مِنْ بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ ، قُتِلُوا مُدْبِرِينَ .\rوَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ ، أَنَّهُ قَالَ : شَهِدْت صِفِّينَ ، فَكَانُوا لَا يُجِيزُونَ عَلَى جَرِيحٍ ، وَلَا يَقْتُلُونَ مُولِيًا ، وَلَا يَسْلُبُونَ قَتِيلًا .\rوَقَدْ ذَكَرَ الْقَاضِي ، فِي \" شَرْحِهِ \" ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : يَا ابْنَ أُمِّ عَبْدٍ ، مَا حُكْمُ مَنْ بَغَى عَلَى أُمَّتِي ؟ فَقُلْت : اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ .\rفَقَالَ : لَا يُتْبَعُ مُدْبِرُهُمْ ، وَلَا","part":19,"page":427},{"id":9427,"text":"يُجَازُ عَلَى جَرِيحِهِمْ ، وَلَا يُقْتَلُ أَسِيرُهُمْ ، وَلَا يُقْسَمُ فَيْؤُهُمْ } .\rوَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ دَفْعُهُمْ وَكَفُّهُمْ ، وَقَدْ حَصَلَ ، فَلَمْ يَجُزْ قَتْلُهُمْ ، كَالصَّائِلِ .\rوَلَا يُقْتَلُونَ لِمَا يُخَافُ فِي الثَّانِي : كَمَا لَوْ لَمْ تَكُنْ لَهُمْ فِئَةٌ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنْ قَتَلَ إنْسَانٌ مَنْ مُنِعَ مِنْ قَتْلِهِ ، ضَمِنَهُ ؛ لِأَنَّهُ قَتَلَ مَعْصُومًا ، لَمْ يُؤْمَرْ بِقَتْلِهِ .\rوَفِي الْقِصَاصِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، يَجِبُ ، لِأَنَّهُ مُكَافِئُ مَعْصُومٍ .\rوَالثَّانِي : لَا يَجِبُ ؛ لِأَنَّ فِي قَتْلِهِمْ اخْتِلَافًا بَيْنَ الْأَئِمَّةِ ، فَكَانَ ذَلِكَ شُبْهَةً دَارِئَةً لِلْقِصَاصِ ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا يَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ .\rوَأَمَّا أَسِيرُهُمْ ، فَإِنْ دَخَلَ فِي الطَّاعَةِ ، خُلِّيَ سَبِيلُهُ ، وَإِنْ أَبَى ذَلِكَ ، وَكَانَ رَجُلًا جَلْدًا مِنْ أَهْلِ الْقِتَالِ ، حُبِسَ مَا دَامَتْ الْحَرْبُ قَائِمَةً ، فَإِذَا انْقَضَتْ الْحَرْبُ ، خُلِّيَ سَبِيلُهُ ، وَشُرِطَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَعُودَ إلَى الْقِتَالِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْأَسِيرُ مِنْ أَهْلِ الْقِتَالِ ، كَالنِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ وَالشُّيُوخِ الْفَانِينَ ، خُلِّيَ سَبِيلُهُمْ ، وَلَمْ يُحْبَسُوا ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ .\rوَفِي الْآخَرِ ، يُحْبَسُونَ ؛ لِأَنَّ فِيهِ كَسْرًا لِقُلُوبِ الْبُغَاةِ .\rوَإِنْ أَسَرَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْفَرِيقَيْنِ أُسَارَى مِنْ الْفَرِيقِ الْآخَرِ ، جَازَ فِدَاءُ أَسَارَى أَهْلِ الْعَدْلِ بِأُسَارَى أَهْلِ الْبَغْيِ .\rوَإِنْ قَتَلَ أَهْلُ الْبَغْيِ أَسَارَى أَهْلِ الْعَدْلِ ، لَمْ يَجُزْ لِأَهْلِ الْعَدْلِ قَتْلُ أُسَارَاهُمْ ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يُقْتَلُونَ بِجِنَايَةِ غَيْرِهِمْ ، وَلَا يَزِرُونَ وِزْرَ غَيْرِهِمْ .\rوَإِنْ أَبَى الْبُغَاةُ مُفَادَاةَ الْأَسْرَى الَّذِينَ مَعَهُمْ ، وَحَبَسُوهُمْ ، احْتَمَلَ أَنْ يَجُوزَ لِأَهْلِ الْعَدْلِ حَبْسُ مَنْ مَعَهُمْ ؛ لِيَتَوَصَّلُوا إلَى تَخْلِيصِ أُسَارَاهُمْ بِحَبْسِ مَنْ مَعَهُمْ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَجُوزَ حَبْسُهُمْ وَيُطْلَقُونَ ؛ لِأَنَّ الذَّنْبَ فِي حَبْسِ أُسَارَى أَهْلِ الْعَدْلِ لِغَيْرِهِمْ .","part":19,"page":428},{"id":9428,"text":"( 7073 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا غَنِيمَةُ أَمْوَالِهِمْ ، وَسَبْيُ ذُرِّيَّتِهِمْ ، فَلَا نَعْلَمُ فِي تَحْرِيمِهِ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ خِلَافًا ، وَقَدْ ذَكَرْنَا حَدِيثَ أَبِي أُمَامَةَ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ ؛ وَلِأَنَّهُمْ مَعْصُومُونَ ، وَإِنَّمَا أُبِيحَ مِنْ دِمَائِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ مَا حَصَلَ مِنْ ضَرُورَةِ دَفْعِهِمْ وَقِتَالِهِمْ ، وَمَا عَدَاهُ يَبْقَى عَلَى أَصْلِ التَّحْرِيمِ .\rوَقَدْ رُوِيَ أَنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَوْمَ الْجَمَلِ ، قَالَ : مَنْ عَرَفَ شَيْئًا مِنْ مَالِهِ مَعَ أَحَدٍ ، فَلْيَأْخُذْهُ .\rوَكَانَ بَعْضُ أَصْحَابِ عَلِيٍّ قَدْ أَخَذَ قِدْرًا وَهُوَ يُطْبَخُ فِيهَا ، فَجَاءَ صَاحِبُهَا لِيَأْخُذَهَا ، فَسَأَلَهُ الَّذِي يَطْبُخُ فِيهَا إمْهَالَهُ حَتَّى يَنْضَجَ الطَّبِيخُ ، فَأَبَى ، وَكَبَّهُ ، وَأَخَذَهَا .\rوَهَذَا مِنْ جُمْلَةِ مَا نَقَمَ الْخَوَارِجُ مِنْ عَلِيٍّ ، فَإِنَّهُمْ قَالُوا : إنَّهُ قَاتَلَ وَلَمْ يَسْبِ وَلَمْ يَغْنَمْ ، فَإِنْ حَلَّتْ لَهُ دِمَاؤُهُمْ ، فَقَدْ حَلَّتْ لَهُ أَمْوَالُهُمْ ، وَإِنْ حَرُمَتْ عَلَيْهِ أَمْوَالُهُمْ ، فَقَدْ حَرُمَتْ عَلَيْهِ دِمَاؤُهُمْ .\rفَقَالَ لَهُمْ ابْنُ عَبَّاسٍ : أَفَتَسْبُونَ أُمَّكُمْ ؟ يَعْنِي عَائِشَةَ أَمْ تَسْتَحِلُّونَ مِنْهَا مَا تَسْتَحِلُّونَ مِنْ غَيْرِهَا ؟ فَإِنْ قُلْتُمْ : لَيْسَتْ أُمَّكُمْ .\rفَقَدْ كَفَرْتُمْ ، وَإِنْ قُلْتُمْ : إنَّهَا أُمُّكُمْ .\rوَاسْتَحْلَلْتُمْ سَبْيَهَا ، فَقَدْ كَفَرْتُمْ .\rيَعْنِي بِقَوْلِهِ إنَّكُمْ إنْ جَحَدْتُمْ أَنَّهَا أُمُّكُمْ ، فَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ } .\rفَإِنْ لَمْ تَكُنْ أُمًّا لَهُمْ ، لَمْ يَكُونُوا مِنْ الْمُؤْمِنِينَ .\rوَلِأَنَّ قِتَالَ الْبُغَاةِ إنَّمَا هُوَ لِدَفْعِهِمْ وَرَدِّهِمْ إلَى الْحَقِّ ، لَا لِكُفْرِهِمْ ، فَلَا يُسْتَبَاحُ مِنْهُمْ إلَّا مَا حَصَلَ ضَرُورَةَ الدَّفْعِ ؛ كَالصَّائِلِ ، وَقَاطِعِ الطَّرِيقِ ، وَبَقِيَ حُكْمُ الْمَالِ وَالذُّرِّيَّةِ عَلَى أَصْلِ الْعِصْمَةِ .\rوَمَا أُخِذَ مِنْ كُرَاعِهِمْ وَسِلَاحِهِمْ ، لَمْ يُرَدَّ إلَيْهِمْ حَالَ الْحَرْبِ ؛ لِئَلَّا يُقَاتِلُونَا بِهِ .\rوَذَكَرَ الْقَاضِي ، أَنَّ","part":19,"page":429},{"id":9429,"text":"أَحْمَدَ أَوْمَأَ إلَى جَوَازِ الِانْتِفَاعِ بِهِ حَالَ الْتِحَامِ الْحَرْبِ ، وَلَا يَجُوزُ فِي غَيْرِ قِتَالِهِمْ .\rوَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْحَالَ يَجُوزُ فِيهَا إتْلَافُ نُفُوسِهِمْ وَحَبْسُ سِلَاحِهِمْ وَكُرَاعِهِمْ ؛ فَجَازَ الِانْتِفَاعُ بِهِ ، كَسِلَاحِ أَهْلِ الْحَرْبِ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يَجُوزُ ذَلِكَ إلَّا مِنْ ضَرُورَةٍ إلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ مَالُ مُسْلِمٍ ، فَلَمْ يَجُزْ الِانْتِفَاعُ بِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ ، كَغَيْرِهِ مِنْ أَمْوَالِهِمْ .\rوَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَجْهَانِ ، كَالْمَذْهَبَيْنِ .\rوَمَتَى انْقَضَتْ الْحَرْبُ ، وَجَبَ رَدُّهُ إلَيْهِمْ ، كَمَا تُرَدُّ إلَيْهِمْ سَائِرُ أَمْوَالِهِمْ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلَّا عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ .\r} وَرَوَى أَبُو قَيْسٍ ، أَنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ نَادَى : مَنْ وَجَدَ مَالَهُ فَلْيَأْخُذْهُ .","part":19,"page":430},{"id":9430,"text":"( 7074 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَمَنْ قُتِلَ مِنْهُمْ ، غُسِّلَ وَكُفِّنَ ، وَصُلِّيَ عَلَيْهِ ) يَعْنِي مِنْ أَهْلِ الْبَغْيِ .\rوَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ : إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ فِئَةٌ ، صُلِّيَ عَلَيْهِمْ ، وَإِنْ كَانَتْ لَهُمْ فِئَةٌ ، لَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِمْ ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ قَتْلُهُمْ فِي هَذِهِ الْحَالِ ، فَلَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِمْ ، كَالْكُفَّارِ .\rوَلَنَا قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { صَلُّوا عَلَى مَنْ قَالَ : لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ } .\rرَوَاهُ الْخَلَّالُ ، فِي \" جَامِعِهِ \" .\rوَلِأَنَّهُمْ مُسْلِمُونَ لَمْ يَثْبُتْ لَهُمْ حُكْمُ الشَّهَادَةِ ، فَيُغَسَّلُونَ ، وَيُصَلَّى عَلَيْهِمْ ، كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ فِئَةٌ .\rوَمَا ذَكَرُوهُ يَنْتَقِضُ بِالزَّانِي الْمُحْصَنِ ، وَالْمُقْتَصِّ مِنْهُ ، وَالْقَاتِلِ فِي الْمُحَارَبَةِ ( 7075 ) فَصْلٌ : لَمْ يُفَرِّقْ أَصْحَابُنَا بَيْنَ الْخَوَارِجِ وَغَيْرِهِمْ فِي هَذَا .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ .\rوَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، أَنَّهُ لَا يُصَلَّى عَلَى الْخَوَارِجِ فَإِنَّهُ قَالَ : أَهْلُ الْبِدَعِ ، إنْ مَرِضُوا فَلَا تَعُودُوهُمْ ، وَإِنْ مَاتُوا فَلَا تُصَلُّوا عَلَيْهِمْ .\rوَقَالَ أَحْمَدُ : الْجَهْمِيَّةُ وَالرَّافِضَةُ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِمْ ، قَدْ تَرَكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصَّلَاةَ بِأَقَلَّ مِنْ هَذَا .\rوَذَكَرَ أَنَّ { النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى أَنْ تُقَاتَلَ خَيْبَرُ مِنْ نَاحِيَةٍ مِنْ نَوَاحِيهَا ، فَقَاتَلَ رَجُلٌ مِنْ تِلْكَ النَّاحِيَةِ ، فَقُتِلَ ، فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rفَقِيلَ : إنَّهُ كَانَ فِي قَرْيَةٍ أَهْلُهَا نَصَارَى ، لَيْسَ فِيهَا مَنْ يُصَلِّي عَلَيْهِ .\rقَالَ : أَنَا لَا أَشْهَدُهُ ، يَشْهَدُهُ مَنْ شَاءَ } .\rوَقَالَ مَالِكٌ : لَا يُصَلَّى عَلَى الْإِبَاضِيَّةِ ، وَلَا الْقَدَرِيَّةِ ، وَسَائِرِ أَصْحَابِ الْأَهْوَاءِ ، وَلَا تُتْبَعُ جَنَائِزُهُمْ ، وَلَا تُعَادُ مَرْضَاهُمْ .\rوَالْإِبَاضِيَّةُ صِنْفٌ مِنْ الْخَوَارِجِ ، نُسِبُوا إلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ","part":19,"page":431},{"id":9431,"text":"إبَاضٍ ، صَاحِبِ مَقَالَتِهِمْ .\rوَالْأَزَارِقَةُ أَصْحَابُ نَافِعِ بْنِ الْأَزْرَقِ .\rوَالنَّجَدَاتُ أَصْحَابُ نَجْدَةَ الْحَرُورِيِّ .\rوَالْبَيْهَسِيَّةِ أَصْحَابُ بَيْهَسٍ .\rوَالصُّفْرِيَّةُ قِيلَ : إنَّهُمْ نُسِبُوا إلَى صُفْرَةِ أَلْوَانِهِمْ ، وَأَصْنَافُهُمْ كَثِيرَةٌ .\rوَالْحَرُورِيَّةُ نُسِبُوا إلَى أَرْضٍ يُقَالُ لَهَا : حَرُورَاءَ خَرَجُوا بِهَا .\rوَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ : لَا أُصَلِّي عَلَى الرَّافِضِيِّ ؛ لِأَنَّهُ زَعَمَ أَنَّ عُمَرَ كَافِرٌ ، وَلَا عَلَى الْحَرُورِيِّ ؛ لِأَنَّهُ يَزْعُمُ أَنَّ عَلِيًّا كَافِرٌ .\rوَقَالَ الْفِرْيَابِيُّ : مَنْ شَتَمَ أَبَا بَكْرٍ فَهُوَ كَافِرٌ ، لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ .\rوَوَجْهُ تَرْكِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِمْ ، أَنَّهُمْ يُكَفِّرُونَ أَهْلَ الْإِسْلَامِ ، وَلَا يَرَوْنَ الصَّلَاةَ عَلَيْهِمْ ، فَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِمْ ، كَالْكُفَّارِ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَغَيْرِهِمْ ، وَلِأَنَّهُمْ مَرَقُوا مِنْ الدِّينِ ، فَأَشْبَهُوا الْمُرْتَدِّينَ .","part":19,"page":432},{"id":9432,"text":"( 7076 ) فَصْلٌ : وَالْبُغَاةُ إذَا لَمْ يَكُونُوا مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ ، لَيْسُوا بِفَاسِقِينَ ، وَإِنَّمَا هُمْ يُخْطِئُونَ فِي تَأْوِيلِهِمْ ، وَالْإِمَامُ وَأَهْلُ الْعَدْلِ مُصِيبُونَ فِي قِتَالِهِمْ ، فَهُمْ جَمِيعًا كَالْمُجْتَهِدِينَ مِنْ الْفُقَهَاءِ فِي الْأَحْكَامِ ، مَنْ شَهِدَ مِنْهُمْ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ إذَا كَانَ عَدْلًا .\rوَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ .\rوَلَا أَعْلَمُ فِي قَبُولِ شَهَادَتِهِمْ خِلَافًا .\rفَأَمَّا الْخَوَارِجُ ، وَأَهْلُ الْبِدَعِ ، إذَا خَرَجُوا عَلَى الْإِمَامِ ، فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ ، لِأَنَّهُمْ فُسَّاقٌ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَفْسُقُونَ بِالْبَغْيِ ، وَخُرُوجِهِمْ عَلَى الْإِمَامِ ، وَلَكِنْ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ ؛ لِأَنَّ فِسْقَهُمْ مِنْ جِهَةِ الدِّينِ ، فَلَا تُرَدُّ بِهِ الشَّهَادَةُ ، وَقَدْ قُبِلَ شَهَادَةُ الْكُفَّارِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ .\rوَيُذْكَرُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الشَّهَادَةِ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .","part":19,"page":433},{"id":9433,"text":"( 7077 ) فَصْلٌ : ذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ لِلْعَادِلِ قَتْلُ ذِي رَحِمِهِ الْبَاغِي ؛ لِأَنَّهُ قَتْلٌ بِحَقٍّ ، فَأَشْبَهَ إقَامَةَ الْحَدِّ عَلَيْهِ .\rوَكَرِهَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ الْقَصْدَ إلَى ذَلِكَ .\rوَهُوَ أَصَحُّ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا } .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : { كَفَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبَا حُذَيْفَةَ وَعُتْبَةَ عَنْ قَتْلِ أَبِيهِ } .\rوَقَالَ بَعْضُهُمْ : لَا يَحِلُّ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِمُصَاحَبَتِهِ بِالْمَعْرُوفِ ، وَلَيْسَ هَذَا مِنْ الْمَعْرُوفِ .\rفَإِنْ قَتَلَهُ ، فَهَلْ يَرِثُهُ ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ ؛ إحْدَاهُمَا ، يَرِثُهُ .\rهَذَا قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ ، وَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّهُ قَتْلٌ بِحَقٍّ ، فَلَمْ يَمْنَعْ الْمِيرَاثَ ، كَالْقِصَاصِ وَالْقَتْلِ فِي الْحَجِّ .\rوَالثَّانِيَةُ : لَا يَرِثُهُ .\rوَهُوَ قَوْلُ ابْنِ حَامِدٍ ، وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِعُمُومِ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { لَيْسَ لِقَاتِلٍ شَيْءٌ } .\rفَأَمَّا الْبَاغِي إذَا قَتَلَ الْعَادِلَ ، فَلَا يَرِثُهُ .\rوَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَرِثُهُ ؛ لِأَنَّهُ قَتَلَهُ بِتَأْوِيلٍ ، أَشْبَهَ قَتْلَ الْعَادِلِ الْبَاغِيَ .\rوَلَنَا أَنَّهُ قَتَلَهُ بِغَيْرِ حَقٍّ ، فَلَمْ يَرِثْهُ ، كَالْقَاتِلِ خَطَأً ، وَفَارَقَ مَا إذَا قَتَلَهُ الْعَادِلُ ، لِأَنَّهُ قَتَلَهُ بِحَقٍّ .\rوَقَالَ قَوْمٌ : إذَا تَعَمَّدَ الْعَادِلُ قَتْلَ قَرِيبِهِ ، فَقَتَلَهُ ابْتِدَاءً ؛ لَمْ يَرِثْهُ ، وَإِنْ قَصَدَ ضَرْبَهُ ، لِيَصِيرَ غَيْرَ مُمْتَنِعٍ ، فَجَرَحَهُ ، وَمَاتَ مِنْ هَذَا الضَّرْبِ ، وَرِثَهُ ؛ لِأَنَّهُ قَتَلَهُ بِحَقٍّ .\rوَهَذَا قَوْلُ ابْنِ الْمُنْذِرِ .\rوَقَالَ : هُوَ أَقْرَبُ الْأَقَاوِيلِ .","part":19,"page":434},{"id":9434,"text":"( 7078 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَمَا أَخَذُوا فِي حَالِ امْتِنَاعِهِمْ ؛ مِنْ زَكَاةٍ ، أَوْ خَرَاجٍ ، لَمْ يُعَدْ عَلَيْهِمْ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ أَهْلَ الْبَغْيِ إذَا غَلَبُوا عَلَى بَلَدٍ ، فَجَبَوْا الْخَرَاجَ وَالزَّكَاةَ وَالْجِزْيَةَ ، وَأَقَامُوا الْحُدُودَ ، وَقَعَ ذَلِكَ مَوْقِعَهُ ، فَإِذَا ظَهَرَ أَهْلُ الْعَدْلِ بَعْدُ عَلَى الْبَلَدِ ، وَظَفِرُوا بِأَهْلِ الْبَغْيِ ، لَمْ يُطَالَبُوا بِشَيْءٍ مِمَّا جَبَوْهُ ، وَلَمْ يُرْجَعْ بِهِ عَلَى مَنْ أُخِذَ مِنْهُ .\rرُوِيَ نَحْوُ هَذَا عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، وَسَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ .\rوَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ .\rوَسَوَاءٌ كَانَ مِنْ الْخَوَارِجِ أَوْ مِنْ غَيْرِهِمْ .\rوَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : عَلَى مَنْ أَخَذُوا مِنْهُ الزَّكَاةَ الْإِعَادَةُ ، لِأَنَّهُ أَخَذَهَا مِمَّنْ لَا وِلَايَةَ لَهُ صَحِيحَةٌ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَخَذَهَا آحَادُ الرَّعِيَّةِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ عَلِيًّا ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمَّا ظَهَرَ عَلَى أَهْلِ الْبَصْرَةِ ، لَمْ يُطَالِبْهُمْ بِشَيْءٍ مِمَّا جَبَوْهُ .\rوَكَانَ ابْنُ عُمَرَ إذَا أَتَاهُ سَاعِي نَجْدَةَ الْحَرُورِيِّ ، دَفَعَ إلَيْهِ زَكَاتَهُ .\rوَكَذَلِكَ سَلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ .\rوَلِأَنَّ فِي تَرْكِ الِاحْتِسَابِ بِهَا ضَرَرًا عَظِيمًا ، وَمَشَقَّةً كَثِيرَةً ، فَإِنَّهُمْ قَدْ يَغْلِبُونَ عَلَى الْبِلَادِ السِّنِينَ الْكَثِيرَةَ ، فَلَوْ لَمْ يُحْتَسَبْ بِمَا أَخَذُوهُ ، أَدَّى إلَى ثِنَا الصَّدَقَاتِ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ كُلِّهَا .\rفَإِذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِذَا ذَكَرَ أَرْبَابُ الصَّدَقَاتِ أَنَّهُمْ قَدْ أَخَذُوا صَدَقَاتِهِمْ ، قُبِلَ قَوْلُهُمْ بِغَيْرِ يَمِينٍ .\rقَالَ أَحْمَدُ : لَا يُسْتَحْلَفُ النَّاسُ عَلَى صَدَقَاتِهِمْ .\rوَإِنْ ادَّعَى أَهْلُ الذِّمَّةِ دَفْعَ جِزْيَتِهِمْ ، لَمْ تُقْبَلْ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ ؛ لِأَنَّهُمْ غَيْرُ مَأْمُونِينَ ، وَلِأَنَّ مَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ عِوَضٌ ، وَلَيْسَ بِمُوَاسَاةٍ ، فَلَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُمْ ، كَأُجْرَةِ الدَّارِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقْبَلَ قَوْلُهُمْ إذَا مَضَى الْحَوْلُ ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْبُغَاةَ لَا يَدَعُونَ الْجِزْيَةَ لَهُمْ ، فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُمْ ؛","part":19,"page":435},{"id":9435,"text":"لِأَنَّ الظَّاهِرَ مَعَهُمْ ، وَلِأَنَّهُ إذَا مَضَى لِذَلِكَ سُنُونَ كَثِيرَةٌ ، شَقَّ عَلَيْهِمْ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَى كُلِّ عَامٍ ، فَيُؤَدِّي ذَلِكَ إلَى تَغْرِيمِهِمْ الْجِزْيَةَ مَرَّتَيْنِ .\rوَإِنْ ادَّعَى مَنْ عَلَيْهِ الْخَرَاجُ دَفْعَهُ إلَيْهِمْ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، يُقْبَلُ ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ عَلَى مُسْلِمٍ ، فَقُبِلَ قَوْلُهُ فِيهِ كَالزَّكَاةِ .\rوَالثَّانِي : لَا يُقْبَلُ ؛ لِأَنَّهُ عِوَضٌ ، فَأَشْبَهَ الْجِزْيَةَ .\rوَإِنْ كَانَ مَنْ عَلَيْهِ الْخَرَاجُ ذِمِّيًّا ، فَهُوَ كَالْجِزْيَةِ ؛ لِأَنَّهُ عِوَضٌ عَلَى غَيْرِ مُسْلِمٍ ، فَهُوَ كَالْجِزْيَةِ ؛ وَلِأَنَّهُ أَحَدُ الْخَرَاجَيْنِ ، فَأَشْبَهَ الْجِزْيَةَ .","part":19,"page":436},{"id":9436,"text":"( 7079 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَلَا يُنْقَضُ مِنْ حُكْمِ حَاكِمِهِمْ ، إلَّا مَا يُنْقَضُ مِنْ حُكْمِ غَيْرِهِ ) يَعْنِي إذَا نَصَبَ أَهْلُ الْبَغْيِ قَاضِيًا يَصْلُحُ لِلْقَضَاءِ ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ أَهْلِ الْعَدْلِ ، يَنْفُذُ مِنْ أَحْكَامِهِ مَا يَنْفُذُ مِنْ أَحْكَامِ أَهْلِ الْعَدْلِ ، وَيُرَدُّ مِنْهُ مَا يُرَدُّ .\rفَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يَسْتَحِلُّ دِمَاءَ أَهْلِ الْعَدْلِ وَأَمْوَالَهُمْ ، لَمْ يَجُزْ قَضَاؤُهُ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِعَدْلٍ .\rوَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَجُوزُ قَضَاؤُهُ بِحَالٍ ؛ لِأَنَّ أَهْلَ الْبَغْيِ يَفْسُقُونَ بِبَغْيِهِمْ ، وَالْفِسْقُ يُنَافِي الْقَضَاءَ .\rوَلَنَا أَنَّهُ اخْتِلَافٌ فِي الْفُرُوعِ بِتَأْوِيلٍ سَائِغٍ ، فَلَمْ يَمْنَعْ صِحَّةَ الْقَضَاءِ ، وَلَمْ يَفْسُقْ كَاخْتِلَافِ الْفُقَهَاءِ .\rفَإِذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّهُ إذَا حَكَمَ بِمَا لَا يُخَالِفُ إجْمَاعًا ، نَفَذَ حُكْمُهُ ، وَإِنْ خَالَفَ ذَلِكَ ، نُقِضَ حُكْمُهُ لِأَنَّ قَاضِي أَهْلِ الْعَدْلِ إذَا حَكَمَ نُقِضَ حُكْمُهُ ؛ فَقَاضِي أَهْلِ الْبَغْيِ أَوْلَى .\rوَإِنْ حَكَمَ بِسُقُوطِ الضَّمَانِ عَنْ أَهْلِ الْبَغْيِ فِيمَا أَتْلَفُوهُ حَالَ الْحَرْبِ ، جَازَ حُكْمُهُ ؛ لِأَنَّهُ مَوْضِعُ اجْتِهَادٍ .\rوَإِنْ كَانَ حُكْمُهُ فِيمَا أَتْلَفُوهُ قَبْلَ قِيَامِ الْحَرْبِ ، لَمْ يَنْفُذْ ؛ لِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِلْإِجْمَاعِ .\rوَإِنْ حَكَمَ عَلَى أَهْلِ الْعَدْلِ بِوُجُوبِ الضَّمَانِ فِيمَا أَتْلَفُوهُ حَالِ الْحَرْبِ ، لَمْ يَنْفُذْ حُكْمُهُ ؛ لِمُخَالَفَتِهِ الْإِجْمَاعَ .\rوَإِنْ حَكَمَ بِوُجُوبِ ضَمَانِ مَا أَتْلَفُوهُ فِي غَيْرِ حَالِ الْحَرْبِ ، نَفَذَ حُكْمُهُ .\rوَإِنْ كَتَبَ قَاضِيهِمْ إلَى قَاضِي أَهْلِ الْعَدْلِ ، جَازَ قَبُولُ كِتَابِهِ ؛ لِأَنَّهُ قَاضٍ ثَابِتُ الْقَضَايَا ، نَافِذُ الْأَحْكَامِ .\rوَالْأَوْلَى أَنْ لَا يَقْبَلَهُ ، كَسْرًا لِقُلُوبِهِمْ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ : لَا يَقْبَلُهُ ؛ لِأَنَّ قَضَاءَهُ لَا يَجُوزُ .\rوَقَدْ سَبَقَ الْكَلَامُ فِي هَذَا .\rفَأَمَّا الْخَوَارِجُ إذَا وَلَّوْا قَاضِيًا ، لَمْ يَجُزْ قَضَاؤُهُ ؛ لِأَنَّ أَقَلَّ أَحْوَالِهِمْ الْفِسْقُ ، وَالْفِسْقُ يُنَافِي الْقَضَاءَ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ","part":19,"page":437},{"id":9437,"text":"يَصِحَّ قَضَاؤُهُ ، وَتَنْفُذَ أَحْكَامُهُ ؛ لِأَنَّ هَذَا مِمَّا يَتَطَاوَلُ ، وَفِي الْقَضَاءِ بِفَسَادِ قَضَايَاهُ وَعُقُودِهِ - الْأَنْكِحَةِ وَغَيْرِهَا - ضَرَرٌ كَثِيرٌ ، فَجَازَ دَفْعًا لِلضَّرَرِ ، كَمَا لَوْ أَقَامَ الْحُدُودَ ، وَأَخَذَ الْجِزْيَةَ وَالْخَرَاجَ وَالزَّكَاةَ .","part":19,"page":438},{"id":9438,"text":"فَصْلٌ : وَإِنْ ارْتَكَبَ أَهْلُ الْبَغْيِ فِي حَالِ امْتِنَاعِهِمْ مَا يُوجِبُ الْحَدَّ ، ثُمَّ قُدِرَ عَلَيْهِمْ ، أُقِيمَتْ فِيهِمْ حُدُودُ اللَّهِ تَعَالَى ، وَلَا تَسْقُطُ بِاخْتِلَافِ الدَّارِ .\rوَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إذَا امْتَنَعُوا بِدَارٍ ، لَمْ يَجِبْ الْحَدُّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ ، وَلَا عَلَى مَنْ عِنْدَهُمْ مِنْ تَاجِرٍ أَوْ أَسِيرٍ ؛ لِأَنَّهُمْ خَارِجُونَ عَنْ دَارِ الْإِمَامِ ، فَأَشْبَهُوا مَنْ فِي دَارِ الْحَرْبِ .\rوَلَنَا ، عُمُومُ الْآيَاتِ وَالْأَخْبَارِ ؛ وَلِأَنَّ كُلَّ مَوْضِعٍ تَجِبُ فِيهِ الْعِبَادَاتُ فِي أَوْقَاتِهَا ، تَجِبُ الْحُدُودُ فِيهِ عِنْدَ وُجُودِ أَسْبَابِهَا ، كَدَارِ أَهْلِ الْعَدْلِ ؛ وَلِأَنَّهُ زَانٍ أَوْ سَارِقٌ ، لَا شُبْهَةَ فِي زِنَاهُ وَسَرِقَتِهِ ، فَوَجَبَ عَلَيْهِ الْحَدُّ ، كَاَلَّذِي فِي دَارِ الْعَدْلِ .\rوَهَكَذَا نَقُولُ فِيمَنْ أَتَى حَدًّا فِي دَارِ الْحَرْبِ ، فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ ، لَكِنْ لَا يُقَامُ إلَّا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ ، عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فِي مَوْضِعِهِ .","part":19,"page":439},{"id":9439,"text":"( 7081 ) فَصْلٌ : وَإِذَا اسْتَعَانَ أَهْلُ الْبَغْيِ بِالْكُفَّارِ ، فَلَا يَخْلُو مِنْ ثَلَاثَةِ أَصْنَافٍ ؛ أَحَدُهُمْ : أَهْلُ الْحَرْبِ ، فَإِذَا اسْتَعَانُوا بِهِمْ ، أَوْ آمَنُوهُمْ ، أَوْ عَقَدُوا لَهُمْ ذِمَّةً ، لَمْ يَصِحَّ وَاحِدٌ مِنْهَا ؛ لِأَنَّ الْأَمَانَ مِنْ شَرْطِ صِحَّتِهِ إلْزَامُ كَفِّهِمْ عَنْ الْمُسْلِمِينَ ، وَهَؤُلَاءِ يَشْتَرِطُونَ عَلَيْهِمْ قِتَالَ الْمُسْلِمِينَ ، فَلَا يَصِحُّ .\rوَلِأَهْلِ الْعَدْلِ قِتَالُهُمْ ، كَمَنْ لَمْ يُؤَمِّنُوهُ سَوَاءً .\rوَحُكْمُ أَسِيرِهِمْ حُكْمُ أَسِيرِ سَائِرِ أَهْلِ الْحَرْبِ قَبْلَ الِاسْتِعَانَةِ بِهِمْ ، فَأَمَّا أَهْلُ الْبَغْيِ ، فَلَا يَجُوزُ لَهُمْ قَتْلُهُمْ ؛ لِأَنَّهُمْ آمَنُوهُمْ ، فَلَا يَجُوزُ لَهُمْ الْغَدْرُ بِهِمْ .\rالصِّنْفُ الثَّانِي : الْمُسْتَأْمَنُونَ ، فَمَتَى اسْتَعَانُوا بِهِمْ فَأَعَانُوهُمْ ، نَقَضُوا عَهْدَهُمْ ، وَصَارُوا كَأَهْلِ الْحَرْبِ ؛ لِأَنَّهُمْ تَرَكُوا الشَّرْطَ ، وَهُوَ كَفُّهُمْ عَنْ الْمُسْلِمِينَ ، فَإِنْ فَعَلُوا ذَلِكَ مُكْرَهِينَ ، لَمْ يَنْتَقِضْ عَهْدُهُمْ ؛ لِأَنَّ لَهُمْ عُذْرًا ، وَإِنْ ادَّعَوْا الْإِكْرَاهَ ، لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُمْ إلَّا بِبَيِّنَةٍ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ .\rالصِّنْفُ الثَّالِثُ : أَهْلُ الذِّمَّةِ ، فَإِذَا أَعَانُوهُمْ ، وَقَاتَلُوا مَعَهُمْ ، فَفِيهِمْ وَجْهَانِ ، ذَكَرَهُمَا أَبُو بَكْرٍ ؛ أَحَدُهُمَا ، يَنْتَقِضُ عَهْدُهُمْ ؛ لِأَنَّهُمْ قَاتَلُوا أَهْلَ الْحَقِّ ، فَيَنْتَقِضُ عَهْدُهُمْ ، كَمَا لَوْ انْفَرَدُوا بِقِتَالِهِمْ .\rوَالثَّانِي : لَا يَنْتَقِضُ ؛ لِأَنَّ أَهْلَ الذِّمَّةِ لَا يَعْرِفُونَ الْمُحِقَّ مِنْ الْمُبْطِلِ ، فَيَكُونُ ذَلِكَ شُبْهَةً لَهُمْ .\rوَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ ، كَالْوَجْهَيْنِ .\rفَإِنْ قُلْنَا : يَنْتَقِضُ عَهْدُهُمْ .\rصَارُوا كَأَهْلِ الْحَرْبِ فِيمَا ذَكَرْنَا .\rوَإِنْ قُلْنَا : لَا يَنْتَقِضُ عَهْدُهُمْ .\rفَحُكْمُهُمْ حُكْمُ أَهْلِ الْبَغْيِ ، فِي قَتْلِ مُقْبِلِهِمْ ، وَالْكَفِّ عَنْ أَسِيرِهِمْ ، وَمُدْبِرِهِمْ وَجَرِيحِهِمْ ، إلَّا أَنَّهُمْ يَضْمَنُونَ مَا أَتْلَفُوا عَلَى أَهْلِ الْعَدْلِ حَالَ الْقِتَالِ وَغَيْرِهِ ، بِخِلَافِ أَهْلِ الْبَغْيِ ، فَإِنَّهُمْ لَا يَضْمَنُونَ مَا","part":19,"page":440},{"id":9440,"text":"أَتْلَفُوا حَالَ الْحَرْبِ ؛ لِأَنَّهُمْ أَتْلَفُوهُ بِتَأْوِيلٍ سَائِغٍ ، وَهَؤُلَاءِ لَا تَأْوِيلَ لَهُمْ ، وَلِأَنَّهُ سَقَطَ الضَّمَانُ عَنْ الْمُسْلِمِينَ كَيْ لَا يُؤَدِّيَ إلَى تَنْفِيرِهِمْ عَنْ الرُّجُوعِ إلَى الطَّاعَةِ ، وَأَهْلُ الذِّمَّةِ لَا حَاجَةَ بِنَا إلَى ذَلِكَ فِيهِمْ .\rوَإِنْ أَكْرَهَهُمْ الْبُغَاةُ عَلَى مَعُونَتِهِمْ ، لَمْ يَنْتَقِضْ عَهْدُهُمْ ، وَإِنْ ادَّعَوْا ذَلِكَ ، قُبِلَ قَوْلُهُمْ ؛ لِأَنَّهُمْ تَحْتَ أَيْدِيهِمْ وَقُدْرَتِهِمْ .\rوَإِنْ قَالُوا ظَنَنَّا أَنَّ مَنْ اسْتَعَانَ بِنَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ لَزِمَتْنَا مَعُونَتُهُ .\rلَمْ يَنْتَقِضْ عَهْدُهُمْ .\rوَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ الْمُسْتَأْمَنُونَ ، انْتَقَضَ عَهْدُهُمْ .\rوَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ أَهْلَ الذِّمَّةِ أَقْوَى حُكْمًا ؛ لِأَنَّ عَهْدَهُمْ مُؤَبَّدٌ ، وَلَا يَجُوزُ نَقْضُهُ لِخَوْفِ الْخِيَانَةِ مِنْهُمْ ، وَيَلْزَمُ الْإِمَامَ الدَّفْعُ عَنْهُمْ ، وَالْمُسْتَأْمَنُونَ بِخِلَافِ ذَلِكَ .","part":19,"page":441},{"id":9441,"text":"فَصْلٌ : وَإِذَا ارْتَدَّ قَوْمٌ فَأَتْلَفُوا مَالًا لِلْمُسْلِمِينَ ، لَزِمَهُمْ ضَمَانُ مَا أَتْلَفُوهُ ، سَوَاءٌ تَحَيَّزُوا ، أَوْ صَارُوا فِي مَنَعَةٍ ، أَوْ لَمْ يَصِيرُوا .\rذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ .\rقَالَ الْقَاضِي : وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : حُكْمُهُمْ حُكْمُ أَهْلِ الْبَغْيِ ، فِيمَا أَتْلَفُوهُ مِنْ الْأَنْفُسِ وَالْأَمْوَالِ ؛ لِأَنَّ تَضْمِينَهُمْ ، يُؤَدِّي إلَى تَنْفِيرِهِمْ عَنْ الرُّجُوعِ إلَى الْإِسْلَامِ ، فَأَشْبَهُوا أَهْلَ الْبَغْيِ .\rوَلَنَا ، مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ لِأَهْلِ الرِّدَّةِ ، حِينَ رَجَعُوا : تَرُدُّونَ عَلَيْنَا مَا أَخَذْتُمْ مِنَّا ، وَلَا نَرُدُّ عَلَيْكُمْ مَا أَخَذْنَا مِنْكُمْ ، وَأَنْ تَدُوا قَتْلَانَا ، وَلَا نَدِي قَتْلَاكُمْ .\rقَالُوا : نَعَمْ يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ .\rفَقَالَ عُمَرُ : كُلُّ مَا قُلْتَ كَمَا قُلْتَ ، إلَّا أَنْ يَدُوا مَا قُتِلَ مِنَّا ، فَلَا ؛ لِأَنَّهُمْ قَوْمٌ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاسْتُشْهِدُوا .\rوَلِأَنَّهُمْ أَتْلَفُوهُ بِغَيْرِ تَأْوِيلٍ ، فَأَشْبَهُوا أَهْلَ الذِّمَّةِ .\rفَأَمَّا الْقَتْلَى ، فَحُكْمُهُمْ فِيهِمْ حُكْمُ أَهْلِ الْبَغْيِ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ خَبَرِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ، وَلِأَنَّ طُلَيْحَةَ الْأَسَدِيَّ قَتَلَ عُكَاشَةَ بْنَ مُحْصِنٍ الْأَسَدِيَّ ، وَثَابِتَ بْنَ أَثْرَمَ ، فَلَمْ يَغْرَمْهُمَا ، وَبَنُو حَنِيفَةَ قَتَلُوا مَنْ قَتَلُوا مِنْ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَ الْيَمَامَةِ ، فَلَمْ يَغْرَمُوا شَيْئًا .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يُحْمَلَ قَوْلُ أَحْمَدَ ، وَكَلَامُهُ فِي الْمَالِ ، عَلَى وُجُوبِ رَدِّ مَا فِي أَيْدِيهِمْ دُونَ مَا أَتْلَفُوهُ ، وَعَلَى مَنْ أَتْلَفَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ لَهُ مَنَعَةٌ ، أَوْ أَتْلَفَ فِي غَيْرِ الْحَرْبِ ، وَمَا أَتْلَفُوهُ حَالَ الْحَرْبِ ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِمْ فِيهِ ؛ لِأَنَّهُ إذَا سَقَطَ ذَلِكَ عَنْ أَهْلِ الْبَغْيِ ، كَيْ لَا يُؤَدِّيَ إلَى تَنْفِيرِهِمْ عَنْ الرُّجُوعِ إلَى الطَّاعَةِ ، فَلَأَنْ يَسْقُطَ ذَلِكَ كَيْ لَا يُؤَدِّيَ إلَى التَّنْفِيرِ عَنْ الْإِسْلَامِ أَوْلَى ، لِأَنَّهُمْ إذَا امْتَنَعُوا صَارُوا كُفَّارًا مُمْتَنِعِينَ بِدَارِهِمْ ،","part":19,"page":442},{"id":9442,"text":"فَأَشْبَهُوا أَهْلَ الْحَرْبِ .\rوَيُحْمَلُ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ عَلَى مَا بَقِيَ فِي أَيْدِيهِمْ مِنْ الْمَالِ ، فَيَكُونُ مَذْهَبُ أَحْمَدَ وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فِي هَذَا سَوَاءً .\rوَهَذَا أَعْدَلُ وَأَصَحُّ .\rإنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .\rفَأَمَّا مَنْ لَا مَنَعَةَ لَهُ فَيَضْمَنُ مَا أَتْلَفَ مِنْ نَفْسٍ وَمَالٍ ، كَالْوَاحِدِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ، أَوْ أَهْلِ الذِّمَّةِ ؛ لِأَنَّهُ لَا مَنَعَةَ لَهُ ، وَلَا يَكْثُرُ ذَلِكَ مِنْهُ ، فَبَقِيَ الْمَالُ وَالنَّفْسُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ عَلَى عِصْمَتِهِ ، وَوُجُوبِ ضَمَانِهِ .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":19,"page":443},{"id":9443,"text":"كِتَابُ الْمُرْتَدِّ الْمُرْتَدُّ : هُوَ الرَّاجِعُ عَنْ دِينِ الْإِسْلَامِ إلَى الْكُفْرِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } .\rوَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ } .\rوَأَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى وُجُوبِ قَتْلِ الْمُرْتَدِّ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ ، وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ ، وَعَلِيٍّ ، وَمُعَاذٍ ، وَأَبِي مُوسَى ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَخَالِدٍ ، وَغَيْرِهِمْ ، وَلَمْ يُنْكَرْ ذَلِكَ ، فَكَانَ إجْمَاعًا .\r( 7083 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : وَمَنْ ارْتَدَّ عَنْ الْإِسْلَامِ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ ، وَكَانَ بَالِغًا عَاقِلًا ، دُعِيَ إلَيْهِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ، وَضُيِّقَ عَلَيْهِ ، فَإِنْ رَجَعَ ، وَإِلَّا قُتِلَ .\rفِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فُصُولٌ خَمْسَةٌ : ( 7084 ) الْفَصْلُ الْأَوَّلُ : أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ فِي وُجُوبِ الْقَتْلِ .\rرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ ، وَعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا .\rوَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَمَكْحُولٌ ، وَحَمَّادٌ ، وَمَالِكٌ ، وَاللَّيْثُ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ .\rوَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ، وَالْحَسَنِ ، وَقَتَادَةَ ، أَنَّهَا تُسْتَرَقُّ لَا تُقْتَلُ ؛ وَلِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ اسْتَرَقَّ نِسَاءَ بَنِي حَنِيفَةَ ، وَذَرَارِيَّهُمْ ، وَأَعْطَى عَلِيًّا مِنْهُمْ امْرَأَةً ، فَوَلَدَتْ لَهُ مُحَمَّدَ بْنَ الْحَنَفِيَّةِ ، وَكَانَ هَذَا بِمَحْضَرٍ مِنْ الصَّحَابَةِ ، فَلَمْ يُنْكَرْ ، فَكَانَ إجْمَاعًا .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : تُجْبَرُ عَلَى الْإِسْلَامِ بِالْحَبْسِ وَالضَّرْبِ ، وَلَا تُقْتَلُ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا تَقْتُلُوا امْرَأَةً } .\rوَلِأَنَّهَا لَا تُقْتَلُ بِالْكُفْرِ الْأَصْلِيِّ ، فَلَا تُقْتَلُ بِالطَّارِئِ ، كَالصَّبِيِّ .\rوَلَنَا ، قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ } .\rرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُد .","part":19,"page":444},{"id":9444,"text":"وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ ؛ الثَّيِّبُ الزَّانِي ، وَالنَّفْسُ بِالنَّفْسِ ، وَالتَّارِكُ لِدِينِهِ الْمُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَرَوَى الدَّارَقُطْنِيّ ، { أَنَّ امْرَأَةً يُقَالُ لَهَا : أُمُّ مَرْوَانَ ، ارْتَدَّتْ عَنْ الْإِسْلَامِ ، فَبَلَغَ أَمْرُهَا إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rفَأَمَرَ أَنْ تُسْتَتَابَ ، فَإِنْ تَابَتْ ، وَإِلَّا قُتِلَتْ } .\rوَلِأَنَّهَا شَخْصٌ مُكَلَّفٌ بَدَّلَ دِينَ الْحَقِّ بِالْبَاطِلِ ، فَيُقْتَلُ كَالرَّجُلِ .\rوَأَمَّا نَهْيُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ قَتْلِ الْمَرْأَةِ ، فَالْمُرَادُ بِهِ الْأَصْلِيَّةُ ؛ فَإِنَّهُ قَالَ ذَلِكَ حِينَ رَأَى امْرَأَةً مَقْتُولَةً ، وَكَانَتْ كَافِرَةً أَصْلِيَّةً ، وَلِذَلِكَ نَهَى الَّذِينَ بَعَثَهُمْ إلَى ابْنِ أَبِي الْحَقِيقِ عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ ، وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ مُرْتَدٌّ .\rوَيُخَالِفُ الْكُفْرُ الْأَصْلِيُّ الطَّارِئَ ؛ بِدَلِيلِ أَنَّ الرَّجُلَ يُقَرُّ عَلَيْهِ ، وَلَا يُقْتَلُ أَهْلُ الصَّوَامِعِ ، وَالشُّيُوخُ وَالْمَكَافِيفُ ، وَلَا تُجْبَرُ الْمَرْأَةُ عَلَى تَرْكِهِ بِضَرْبٍ وَلَا حَبْسٍ ، وَالْكُفْرُ الطَّارِئُ بِخِلَافِهِ ، وَالصَّبِيُّ غَيْرُ مُكَلَّفٍ ؛ بِخِلَافِ الْمَرْأَةِ .\rوَأَمَّا بَنُو حَنِيفَةَ ، فَلَمْ يَثْبُتْ أَنَّ مَنْ اُسْتُرِقَّ مِنْهُمْ تَقَدَّمَ لَهُ إسْلَامٌ ، وَلَمْ يَكُنْ بَنُو حَنِيفَةَ أَسْلَمُوا كُلُّهُمْ ، وَإِنَّمَا أَسْلَمَ بَعْضُهُمْ ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الَّذِينَ أَسْلَمُوا كَانُوا رِجَالًا ، فَمِنْهُمْ مَنْ ثَبَتَ عَلَى إسْلَامِهِ ، مِنْهُمْ ثُمَامَةُ بْنُ أَثَالٍ ، وَمِنْهُمْ مَنْ ارْتَدَّ مِنْهُمْ الدَّجَّالُ الْحَنَفِيُّ .","part":19,"page":445},{"id":9445,"text":"الْفَصْلُ الثَّانِي : أَنَّ الرِّدَّةَ لَا تَصِحُّ إلَّا مِنْ عَاقِلٍ ، فَأَمَّا مَنْ لَا عَقْلَ لَهُ ، كَالطِّفْلِ الَّذِي لَا عَقْلَ لَهُ ، وَالْمَجْنُونِ ، وَمَنْ زَالَ عَقْلُهُ بِإِغْمَاءٍ ، أَوْ نَوْمٍ ، أَوْ مَرَضٍ ، أَوْ شُرْبِ دَوَاءٍ يُبَاحُ شُرْبُهُ ، فَلَا تَصِحُّ رِدَّتُهُ ، وَلَا حُكْمَ لِكَلَامِهِ ، بِغَيْرِ خِلَافٍ .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ، عَلَى أَنَّ الْمَجْنُونَ إذَا ارْتَدَّ فِي حَالِ جُنُونِهِ ، أَنَّهُ مُسْلِمٌ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ قَبْلَ ذَلِكَ ، وَلَوْ قَتَلَهُ قَاتِلٌ عَمْدًا ، كَانَ عَلَيْهِ الْقَوَدُ ، إذَا طَلَبَ أَوْلِيَاؤُهُ .\rوَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ ؛ عَنْ الصَّبِيِّ حَتَّى يَبْلُغَ ، وَعَنْ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ ، وَعَنْ الْمَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ } .\rأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَقَالَ : حَدِيثٌ حَسَنٌ .\rوَلِأَنَّهُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ ، فَلَمْ يُؤَاخَذْ بِكَلَامِهِ ، كَمَا لَوْ لَمْ يُؤَاخَذْ بِهِ فِي إقْرَارِهِ ، وَلَا طَلَاقِهِ ، وَلَا إعْتَاقِهِ ، وَأَمَّا السَّكْرَانُ ، وَالصَّبِيُّ الْعَاقِلُ ، فَنَذْكُرُ حُكْمَهُمَا فِيمَا بَعْدُ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ .","part":19,"page":446},{"id":9446,"text":"( 7086 ) الْفَصْلُ الثَّالِثُ : أَنَّهُ لَا يُقْتَلُ حَتَّى يُسْتَتَابَ ثَلَاثًا .\rهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ؛ مِنْهُمْ عُمَرُ ، وَعَلِيٌّ ، وَعَطَاءٌ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ .\rوَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ ، رِوَايَةٌ أُخْرَى ، أَنَّهُ لَا تَجِبُ اسْتِتَابَتُهُ ، لَكِنْ تُسْتَحَبُّ .\rوَهَذَا الْقَوْلُ الثَّانِي لِلشَّافِعِيِّ ، وَهُوَ قَوْلُ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ ، وَطَاوُسٍ .\rوَيُرْوَى ذَلِكَ عَنْ الْحَسَنِ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ } .\rوَلَمْ يَذْكُرْ اسْتِتَابَتَهُ .\rوَرُوِيَ أَنَّ مُعَاذًا قَدِمَ عَلَى أَبِي مُوسَى ، فَوَجَدَ عِنْدَهُ رَجُلًا مُوثَقًا ، فَقَالَ : مَا هَذَا ؟ قَالَ : رَجُلٌ كَانَ يَهُودِيًّا فَأَسْلَمَ ، ثُمَّ رَاجَعَ دِينَهُ دِينَ السَّوْءِ فَتَهَوَّدَ .\rقَالَ : لَا أَجْلِسُ حَتَّى يُقْتَلَ ، قَضَاءُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ .\rقَالَ : اجْلِسْ .\rقَالَ : لَا أَجْلِسُ حَتَّى يُقْتَلَ ، قَضَاءُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ .\rثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، فَأَمَرَ بِهِ فَقُتِلَ .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَلَمْ يَذْكُرْ اسْتِتَابَتَهُ ؛ وَلِأَنَّهُ يُقْتَلُ لِكُفْرِهِ ، فَلَمْ تَجِبْ اسْتِتَابَتُهُ كَالْأَصْلِيِّ ؛ وَلِأَنَّهُ لَوْ قُتِلَ قَبْلَ الِاسْتِتَابَةِ ، لَمْ يُضْمَنْ ، وَلَوْ حَرُمَ قَتْلُهُ قَبْلَهُ ضُمِنَ .\rوَقَالَ عَطَاءٌ : إنْ كَانَ مُسْلِمًا أَصْلِيًّا ، لَمْ يُسْتَتَبْ ، وَإِنْ كَانَ أَسْلَمَ ثُمَّ ارْتَدَّ ، اُسْتُتِيبَ .\rوَلَنَا حَدِيثُ أُمِّ مَرْوَانَ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ أَنْ تُسْتَتَابَ .\rوَرَوَى مَالِكٌ ، فِي \" الْمُوَطَّأِ \" عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدٍ الْقَارِي ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَدِمَ عَلَى عُمَرَ رَجُلٌ مِنْ قِبَلِ أَبِي مُوسَى ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ : هَلْ كَانَ مِنْ مُغَرِّبَةِ خَبَرٍ ؟ قَالَ : نَعَمْ رَجُلٌ كَفَرَ بَعْدَ إسْلَامِهِ ، فَقَالَ : مَا فَعَلْتُمْ بِهِ ؟ قَالَ : قَرَّبْنَاهُ ، فَضَرَبْنَا عُنُقَهُ .\rفَقَالَ عُمَرُ : فَهَلَّا حَبَسْتُمُوهُ ثَلَاثًا ،","part":19,"page":447},{"id":9447,"text":"فَأَطْعَمْتُمُوهُ كُلَّ يَوْمٍ رَغِيفًا ، وَاسْتَتَبْتُمُوهُ ، لَعَلَّهُ يَتُوبُ ، أَوْ يُرَاجِعُ أَمْرَ اللَّهِ ؟ اللَّهُمَّ إنِّي لَمْ أَحْضُرْ ، وَلَمْ آمُرْ ، وَلَمْ أَرْضَ إذْ بَلَغَنِي .\rوَلَوْ لَمْ تَجِبْ اسْتِتَابَتُهُ لَمَا بَرِئَ مِنْ فِعْلِهِمْ .\rوَلِأَنَّهُ أَمْكَنَ اسْتِصْلَاحُهُ ، فَلَمْ يَجُزْ إتْلَافُهُ قَبْلَ اسْتِصْلَاحِهِ ، كَالثَّوْبِ النَّجِسِ .\rوَأَمَّا الْأَمْرُ بِقَتْلِهِ ، فَالْمُرَادُ بِهِ بَعْدَ الِاسْتِتَابَةِ ، بِدَلِيلِ مَا ذَكَرْنَا .\rوَأَمَّا حَدِيثُ مُعَاذٍ فَإِنَّهُ قَدْ جَاءَ فِيهِ : وَكَانَ قَدْ اُسْتُتِيبَ .\rوَيُرْوَى أَنَّ أَبَا مُوسَى اسْتَتَابَهُ شَهْرَيْنِ قَبْلَ قُدُومِ مُعَاذٍ عَلَيْهِ ، وَفِي رِوَايَةٍ : فَدَعَاهُ عِشْرِينَ لَيْلَةً ، أَوْ قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ ، فَجَاءَ مُعَاذٌ ، فَدَعَاهُ وَأَبَى ، فَضَرَبَ عُنُقَهُ .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَلَا يَلْزَمُ مِنْ تَحْرِيمِ الْقَتْلِ وُجُوبُ الضَّمَانِ ، بِدَلِيلِ نِسَاءِ أَهْلِ الْحَرْبِ وَصِبْيَانِهِمْ وَشُيُوخِهِمْ .\rإذَا ثَبَتَ وُجُوبُ الِاسْتِتَابَةِ ، فَمُدَّتُهَا ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ .\rرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .\rوَبِهِ قَالَ مَالِكٌ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ فِي الْآخَرِ : إنْ تَابَ فِي الْحَالِ ، وَإِلَّا قُتِلَ مَكَانَهُ ، وَهَذَا أَصَحُّ قَوْلَيْهِ .\rوَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْمُنْذِرِ ؛ لِحَدِيثِ أُمِّ مَرْوَانَ ، وَمُعَاذٍ ، وَلِأَنَّهُ مُصِرٌّ عَلَى كُفْرِهِ ، أَشْبَهَ بَعْدَ الثَّلَاثِ .\rوَقَالَ الزُّهْرِيُّ : يُدْعَى ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، فَإِنْ أَبَى ، ضُرِبَتْ عُنُقُهُ .\rوَهَذَا يُشْبِهُ قَوْلَ الشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ النَّخَعِيُّ : يُسْتَتَابُ أَبَدًا .\rوَهَذَا يُفْضِي إلَى أَنْ لَا يُقْتَلَ أَبَدًا ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِلسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ .\rوَعَنْ عَلِيٍّ ، أَنَّهُ اسْتَتَابَ رَجُلًا شَهْرًا .\rوَلَنَا حَدِيثُ عُمَرَ ، وَلِأَنَّ الرِّدَّةَ إنَّمَا تَكُونُ لِشُبْهَةٍ ، وَلَا تَزُولُ فِي الْحَالِ ، فَوَجَبَ أَنْ يُنْتَظَرَ مُدَّةً يَرْتَئِي فِيهَا ، وَأَوْلَى ذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ ، لِلْأَثَرِ فِيهَا ، وَإِنَّهَا مُدَّةٌ قَرِيبَةٌ .\rوَيَنْبَغِي أَنْ يُضَيَّقَ عَلَيْهِ فِي","part":19,"page":448},{"id":9448,"text":"مُدَّةِ الِاسْتِتَابَةِ ، وَيُحْبَسَ ؛ لِقَوْلِ عُمَرَ : هَلَّا حَبَسْتُمُوهُ ، وَأَطْعَمْتُمُوهُ كُلَّ يَوْمٍ رَغِيفًا ؟ وَيُكَرِّرُ دِعَايَتَهُ ، لَعَلَّهُ يَتَعَطَّفُ قَلْبُهُ ، فَيُرَاجِعَ دِينَهُ .","part":19,"page":449},{"id":9449,"text":"( 7087 ) الْفَصْلُ الرَّابِعُ : أَنَّهُ إنْ لَمْ يَتُبْ قُتِلَ ؛ لِمَا قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ .\rوَهُوَ قَوْلُ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ ، وَيُقْتَلُ بِالسَّيْفِ ؛ لِأَنَّهُ آلَةُ الْقَتْلِ ، وَلَا يُحْرَقُ بِالنَّارِ .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ؛ أَنَّهُ أَمَرَ بِتَحْرِيقِ الْمُرْتَدِّينَ ، وَفَعَلَ ذَلِكَ بِهِمْ خَالِدٌ .\rوَالْأَوَّلُ أَوْلَى ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ ، وَلَا تُعَذِّبُوا بِعَذَابِ اللَّهِ } .\rيَعْنِي النَّارَ .\rأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ، وَأَبُو دَاوُد .\rوَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ .\r}","part":19,"page":450},{"id":9450,"text":"( 7088 ) الْفَصْلُ الْخَامِسُ : أَنَّ مَفْهُومَ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ ، أَنَّهُ إذَا تَابَ قُبِلَتْ تَوْبَتُهُ ، وَلَمْ يُقْتَلْ ، أَيَّ كُفْرٍ كَانَ ، وَسَوَاءٌ كَانَ زِنْدِيقًا يَسْتَسِرُّ بِالْكُفْرِ ، أَوْ لَمْ يَكُنْ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ، وَالْعَنْبَرِيِّ .\rوَيُرْوَى ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ ، وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ ، وَاخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ الْخَلَّالِ ، وَقَالَ : إنَّهُ أَوْلَى عَلَى مَذْهَبِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ .\rوَالرِّوَايَةُ الْأُخْرَى ، لَا تُقْبَلُ تَوْبَةُ الزِّنْدِيقِ ، وَمَنْ تَكَرَّرَتْ رِدَّتُهُ .\rوَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَاللَّيْثِ ، وَإِسْحَاقَ .\rوَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رِوَايَتَانِ ، كَهَاتَيْنِ ، وَاخْتَارَ أَبُو بَكْرٍ أَنَّهُ لَا تُقْبَلُ تَوْبَةُ الزِّنْدِيقِ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { إلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا } .\rوَالزِّنْدِيقُ لَا تَظْهَرُ مِنْهُ عَلَامَةٌ تُبَيِّنُ رُجُوعَهُ وَتَوْبَتَهُ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مُظْهِرًا لِلْإِسْلَامِ ، مُسِرًّا لِلْكُفْرِ ، فَإِذَا وُقِفَ عَلَى ذَلِكَ ، فَأَظْهَرَ التَّوْبَةَ ، لَمْ يَزِدْ عَلَى مَا كَانَ مِنْهُ قَبْلَهَا ، وَهُوَ إظْهَارُ الْإِسْلَامِ ، وَأَمَّا مَنْ تَكَرَّرَتْ رِدَّتُهُ ، فَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنْ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا } .\rوَرَوَى الْأَثْرَمُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ ظَبْيَانَ بْنِ عُمَارَةَ أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي سَعْدٍ مَرَّ عَلَى مَسْجِدِ بَنِي حَنِيفَةَ ، فَإِذَا هُمْ يَقْرَءُونَ بِرَجَزِ مُسَيْلِمَةَ ، فَرَجَعَ إلَى ابْنِ مَسْعُودٍ ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ ، فَبَعَثَ إلَيْهِمْ ، فَأُتِيَ بِهِمْ ، فَاسْتَتَابَهُمْ ، فَتَابُوا ، فَخَلَّى سَبِيلَهُمْ ، إلَّا رَجُلًا مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ ابْنُ النَّوَّاحَةِ .\rقَالَ : قَدْ أُتِيتُ بِكَ مَرَّةً ، فَزَعَمْتَ أَنَّكَ قَدْ تُبْتَ ، وَأَرَاك قَدْ عُدْتَ .\rفَقَتَلَهُ .\rوَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى ، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ } .\rوَرُوِيَ { أَنَّ رَجُلًا","part":19,"page":451},{"id":9451,"text":"سَارَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يَدْرِ مَا سَارَّهُ بِهِ ، حَتَّى جَهَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِذَا هُوَ يَسْتَأْذِنُهُ فِي قَتْلِ رَجُلٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَلَيْسَ يَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ؟ .\rقَالَ : بَلَى ، وَلَا شَهَادَةَ لَهُ .\rقَالَ : أَلَيْسَ يُصَلِّي ؟ .\rقَالَ : بَلَى ، وَلَا صَلَاةَ لَهُ .\rفَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أُولَئِكَ الَّذِينَ نَهَانِي اللَّهُ عَنْ قَتْلِهِمْ } .\rوَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { إنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنْ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا إلَّا الَّذِينَ تَابُوا } .\rوَرُوِيَ أَنَّ مَخْشِيَّ بْنَ حِمْيَرٍ كَانَ فِي النَّفَرِ الَّذِينَ أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ : { وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ } .\rفَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَابَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى ، فَقَبِلَ اللَّهُ تَوْبَتَهُ ، وَهُوَ الطَّائِفَةُ الَّتِي عَنَى اللَّهُ تَعَالَى بِقَوْلِهِ : { إنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً } فَهُوَ الَّذِي عَفَا اللَّهُ عَنْهُ ، وَسَأَلَ اللَّهَ تَعَالَى ، أَنْ يُقْتَلَ فِي سَبِيلِهِ ، وَلَا يُعْلَمَ بِمَكَانِهِ ، فَقُتِلَ يَوْمَ الْيَمَامَةِ ، وَلَمْ يُعْلَمْ مَوْضِعُهُ .\rوَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَفَّ عَنْ الْمُنَافِقِينَ بِمَا أَظْهَرُوا مِنْ الشَّهَادَةِ ، مَعَ إخْبَارِ اللَّهِ تَعَالَى لَهُ بِبَاطِنِهِمْ ، بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَيَحْلِفُونَ بِاَللَّهِ إنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ } وَغَيْرِهَا مِنْ الْآيَاتِ .\rوَحَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ حُجَّةٌ فِي قَبُولِ تَوْبَتِهِمْ ، مَعَ اسْتِسْرَارِهِمْ بِكُفْرِهِمْ .\rوَأَمَّا قَتْلُهُ ابْنَ النَّوَّاحَةِ ، فَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ قَتَلَهُ لِظُهُورِ كَذِبِهِ فِي تَوْبَتِهِ ؛ لِأَنَّهُ أَظْهَرَهَا ، وَتَبَيَّنَ أَنَّهُ مَا زَالَ عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ كُفْرِهِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ قَتَلَهُ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ","part":19,"page":452},{"id":9452,"text":"وَسَلَّمَ لَهُ حِينَ جَاءَ رَسُولًا لِمُسَيْلِمَةِ : { لَوْلَا أَنَّ الرُّسُلَ لَا تُقْتَلُ ، لَقَتَلْتُكَ } فَقَتَلَهُ تَحْقِيقًا لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ قَتَلَهُ لِذَلِكَ .\rوَفِي الْجُمْلَةِ ، فَالْخِلَافُ بَيْنَ الْأَئِمَّةِ فِي قَبُولِ تَوْبَتِهِمْ فِي الظَّاهِرِ مِنْ أَحْكَامِ الدُّنْيَا .\rمِنْ تَرْكِ قَتْلِهِمْ ، وَثُبُوتِ أَحْكَامِ الْإِسْلَامِ فِي حَقِّهِمْ ؛ وَأَمَّا قَبُولُ اللَّهِ تَعَالَى لَهَا فِي الْبَاطِنِ ، وَغُفْرَانُهُ لِمَنْ تَابَ وَأَقْلَعَ ظَاهِرًا أَمْ بَاطِنًا ، فَلَا خِلَافَ فِيهِ ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ فِي الْمُنَافِقِينَ : { إلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاَللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا }","part":19,"page":453},{"id":9453,"text":"( 7089 ) فَصْلٌ : وَقَتْلُ الْمُرْتَدِّ إلَى الْإِمَامِ ، حُرًّا كَانَ أَوْ عَبْدًا .\rوَهَذَا قَوْلُ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، إلَّا الشَّافِعِيَّ ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ فِي الْعَبْدِ ، فَإِنَّ لِسَيِّدِهِ قَتْلَهُ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { أَقِيمُوا الْحُدُودَ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ } .\rوَلِأَنَّ حَفْصَةَ قَتَلَتْ جَارِيَةً سَحَرَتْهَا .\rوَلِأَنَّهُ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى ، فَمَلَكَ السَّيِّدُ إقَامَتَهُ عَلَى عَبْدِهِ ، كَجَلْدِ الزَّانِي .\rوَلَنَا أَنَّهُ قَتْلٌ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى ، فَكَانَ إلَى الْإِمَامِ ، كَرَجْمِ الزَّانِي ، وَكَقَتْلِ الْحُرِّ .\rوَأَمَّا قَوْلُهُ : { وَأَقِيمُوا الْحُدُودَ } .\rفَلَا يَتَنَاوَلُ الْقَتْلَ لِلرِّدَّةِ ، فَإِنَّهُ قُتِلَ لِكُفْرِهِ ، لَا حَدًّا فِي حَقِّهِ .\rوَأَمَّا خَبَرُ حَفْصَةَ ، فَإِنَّ عُثْمَانَ تَغَيَّظَ عَلَيْهَا ، وَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ .\rوَأَمَّا الْجَلْدُ فِي الزِّنَى ، فَإِنَّهُ تَأْدِيبٌ ، وَلِلسَّيِّدِ تَأْدِيبُ عَبْدِهِ ، بِخِلَافِ الْقَتْلِ .\rفَإِنْ قَتَلَهُ غَيْرُ الْإِمَامِ ، أَسَاءَ ، وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ مَحَلٌّ غَيْرُ مَعْصُومٍ ، وَسَوَاءٌ قَتَلَهُ قَبْلَ الِاسْتِتَابَةِ أَوْ بَعْدَهَا ؛ لِذَلِكَ .\rوَعَلَى مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ التَّعْزِيرُ ؛ لِإِسَاءَتِهِ وَافْتِيَاتِهِ .","part":19,"page":454},{"id":9454,"text":"( 7090 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : وَكَانَ مَالُهُ فَيْئًا بَعْدَ قَضَاءِ دَيْنِهِ وَجُمْلَتُهُ ، أَنَّ الْمُرْتَدَّ إذَا قُتِلَ ، أَوْ مَاتَ عَلَى رِدَّتِهِ ، فَإِنَّهُ يُبْدَأُ بِقَضَاءِ دَيْنِهِ ، وَأَرْشِ جِنَايَتِهِ ، وَنَفَقَةِ زَوْجَتِهِ وَقَرِيبِهِ ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْحُقُوقَ لَا يَجُوزُ تَعْطِيلُهَا ، وَأَوْلَى مَا يُوجَدُ مِنْ مَالِهِ ، وَمَا بَقِيَ مِنْ مَالِهِ فَهُوَ فَيْءٌ يُجْعَلُ فِي بَيْتِ الْمَالِ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ ، رِوَايَةٌ أُخْرَى ، تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لِوَرَثَتِهِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ، وَعَنْهُ أَنَّهُ لِقَرَابَتِهِ مِنْ أَهْلِ الدِّينِ الَّذِي انْتَقَلَ إلَيْهِ .\rوَقَدْ مَضَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مُسْتَوْفَاةً فِي الْفَرَائِضِ بِمَا أَغْنَى عَنْ ذِكْرِهَا هَاهُنَا .","part":19,"page":455},{"id":9455,"text":"( 7091 ) فَصْلٌ : وَلَا يُحْكَمُ بِزَوَالِ مِلْكِ الْمُرْتَدِّ بِمُجَرَّدِ رِدَّتِهِ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعَ عَلَى هَذَا كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rفَعَلَى هَذَا ، إنْ قُتِلَ أَوْ مَاتَ ، زَالَ مِلْكُهُ بِمَوْتِهِ ، وَإِنْ رَاجَعَ الْإِسْلَامَ ، فَمِلْكُهُ بَاقٍ لَهُ .\rوَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : يَزُولُ مِلْكُهُ بِرِدَّتِهِ ، وَإِنْ رَاجَعَ الْإِسْلَامَ عَادَ إلَيْهِ تَمْلِيكًا مُسْتَأْنَفًا ؛ لِأَنَّ عِصْمَةَ نَفْسِهِ وَمَالِهِ إنَّمَا تَثْبُتُ بِإِسْلَامِهِ ، فَزَوَالُ إسْلَامِهِ يُزِيلُ عِصْمَتَهُمَا ، كَمَا لَوْ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ ، وَلِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ مَلَكُوا إرَاقَةَ دَمِهِ بِرِدَّتِهِ ، فَوَجَبَ أَنْ يَمْلِكُوا مَالَهُ بِهَا .\rوَقَالَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ : مَالُهُ مَوْقُوفٌ ؛ إنْ أَسْلَمَ تَبَيَّنَّا بَقَاءَ مِلْكِهِ ، وَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ عَلَى رِدَّتِهِ تَبَيَّنَّا زَوَالَهُ مِنْ حِينِ رِدَّتِهِ .\rقَالَ الشَّرِيفُ أَبُو جَعْفَرٍ : هَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ .\rوَعَنْ الشَّافِعِيِّ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ ، كَهَذِهِ الثَّلَاثَةِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ سَبَبٌ يُبِيحُ دَمَهُ ، فَلَمْ يَزُلْ مِلْكُهُ ، كَزِنَى الْمُحْصَنِ ، وَالْقَتْلِ لِمَنْ يُكَافِئُهُ عَمْدًا ، وَزَوَالُ الْعِصْمَةِ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ زَوَالُ الْمِلْكِ ، بِدَلِيلِ الزَّانِي الْمُحْصَنِ ، وَالْقَاتِلِ فِي الْمُحَارَبَةِ ، وَأَهْلِ الْحَرْبِ ، فَإِنَّ مِلْكَهُمْ ، ثَابِتٌ مَعَ عِصْمَتِهِمْ ، وَلَوْ لَحِقَ الْمُرْتَدُّ بِدَارِ الْحَرْبِ ، لَمْ يَزُلْ مِلْكُهُ ، لَكِنْ يُبَاحُ قَتْلُهُ - لِكُلِّ أَحَدٍ مِنْ غَيْرِ اسْتِتَابَةٍ - ، وَأَخْذُ مَالِهِ - لِمَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ - ، لِأَنَّهُ صَارَ حَرْبِيًّا ، حُكْمُهُ حُكْمُ أَهْلِ الْحَرْبِ ، وَكَذَلِكَ لَوْ ارْتَدَّ جَمَاعَةٌ وَامْتَنَعُوا فِي دَارِهِمْ عَنْ طَاعَةِ إمَامِ الْمُسْلِمِينَ ، زَالَتْ عِصْمَتُهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ ؛ لِأَنَّ الْكُفَّارَ الْأَصْلِيِّينَ لَا عِصْمَةَ لَهُمْ فِي دَارِهِمْ ، فَالْمُرْتَدُّ أَوْلَى .","part":19,"page":456},{"id":9456,"text":"( 7092 ) فَصْلٌ : وَيُؤْخَذُ مَالُ الْمُرْتَدِّ ، فَيُجْعَلُ عِنْدَ ثِقَةٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ، وَإِنْ كَانَ لَهُ إمَاءٌ جُعِلْنَ عِنْدَ امْرَأَةٍ ثِقَةٍ ؛ لِأَنَّهُنَّ مُحَرَّمَاتٌ عَلَيْهِ ، فَلَا يُمَكَّنُ مِنْهُنَّ .\rوَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّهُ يُؤْجَرُ عَقَارُهُ ، وَعَبِيدُهُ ، وَإِمَاؤُهُ .\rوَالْأَوْلَى أَنْ لَا يُفْعَلَ ؛ لِأَنَّ مُدَّةَ انْتِظَارِهِ قَرِيبَةٌ ، لَيْسَ فِي انْتِظَارِهِ فِيهَا ضَرَرٌ ، فَلَا يَفُوتُ عَلَيْهِ مَنَافِعُ مِلْكِهِ فِيمَا لَا يَرْضَاهُ مِنْ أَجْلِهَا ، فَإِنَّهُ رُبَّمَا رَاجَعَ الْإِسْلَامَ ، فَيَمْتَنِعُ عَلَيْهِ التَّصَرُّفُ فِي مَالِهِ بِإِجَارَةِ الْحَاكِمِ لَهُ .\rوَإِنْ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ ، أَوْ تَعَذَّرَ قَتْلُهُ مُدَّةً طَوِيلَةً ، فَعَلَ الْحَاكِمُ مَا يَرَى الْحَظَّ فِيهِ ، مِنْ بَيْعِ الْحَيَوَانِ الَّذِي يَحْتَاجُ إلَى النَّفَقَةِ وَغَيْرِهِ ، وَإِجَارَةِ مَا يَرَى إبْقَاءَهُ ، وَالْمُكَاتَبُ يُؤَدِّي إلَى الْحَاكِمِ ، فَإِذَا أَدَّى عَتَقَ ؛ لِأَنَّهُ نَائِبٌ عَنْهُ .","part":19,"page":457},{"id":9457,"text":"( 7093 ) فَصْلٌ : وَتَصَرُّفَاتُ الْمُرْتَدِّ فِي رِدَّتِهِ بِالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ وَالْعِتْقِ وَالتَّدْبِيرِ وَالْوَصِيَّةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مَوْقُوفٌ ؛ إنْ أَسْلَمَ تَبَيَّنَّا أَنَّ تَصَرُّفَهُ كَانَ صَحِيحًا ، وَإِنْ قُتِلَ أَوْ مَاتَ عَلَى رِدَّتِهِ ، كَانَ بَاطِلًا .\rوَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ .\rوَعَلَى قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ ، تَصَرُّفُهُ بَاطِلٌ ؛ لِأَنَّ مِلْكَهُ قَدْ زَالَ بِرِدَّتِهِ .\rوَهَذَا أَحَدُ أَقْوَالِ الشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ فِي الْآخَرِ : إنْ تَصَرَّفَ قَبْلَ الْحَجْرِ عَلَيْهِ ، انْبَنَى عَلَى الْأَقْوَالِ الثَّلَاثَةِ ، وَإِنْ تَصَرَّفَ بَعْدَ الْحَجْرِ عَلَيْهِ ، لَمْ يَصِحَّ تَصَرُّفُهُ كَالسَّفِيهِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ مِلْكَهُ تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ غَيْرِهِ مَعَ بَقَاءِ مِلْكِهِ فِيهِ ، فَكَانَ تَصَرُّفُهُ مَوْقُوفًا ، كَتَبَرُّعِ الْمَرِيضِ .","part":19,"page":458},{"id":9458,"text":"( 7094 ) فَصْلٌ : وَإِنْ تَزَوَّجَ ، لَمْ يَصِحَّ تَزَوُّجُهُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُقَرُّ عَلَى النِّكَاحِ ، وَمَا مَنَعَ الْإِقْرَارَ عَلَى النِّكَاحِ ، مَنَعَ انْعِقَادَهُ ، كَنِكَاحِ الْكَافِرِ الْمُسْلِمَةَ .\rوَإِنْ زَوَّجَ ، لَمْ يَصِحَّ تَزْوِيجُهُ ؛ لِأَنَّ وِلَايَتَهُ عَلَى مُوَلِّيَتِهِ قَدْ زَالَتْ بِرِدَّتِهِ .\rوَإِنْ زَوَّجَ أَمَتَهُ ، لَمْ يَصِحَّ ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ لَا يَكُونُ مَوْقُوفًا ، وَلِأَنَّ النِّكَاحَ وَإِنْ كَانَ فِي الْأَمَةِ فَلَا بُدَّ فِي عَقْدِهِ مِنْ وِلَايَةٍ صَحِيحَةٍ ، بِدَلِيلِ أَنَّ الْمَرْأَةَ لَا يَجُوزُ أَنْ تُزَوِّجَ أَمَتَهَا ، وَكَذَلِكَ الْفَاسِقُ ، وَالْمُرْتَدُّ لَا وِلَايَةَ لَهُ ، فَإِنَّهُ أَدْنَى حَالًا مِنْ الْفَاسِقِ الْكَافِرِ .","part":19,"page":459},{"id":9459,"text":"( 7095 ) فَصْلٌ : وَإِنْ وُجِدَ مِنْ الْمُرْتَدِّ سَبَبٌ يَقْتَضِي الْمِلْكَ ، كَالصَّيْدِ ، وَالِاحْتِشَاشِ ، وَالِاتِّهَابِ ، وَالشِّرَاءِ ، وَإِيجَارِ نَفْسِهِ إجَارَةً خَاصَّةً ، أَوْ مُشْتَرَكَةً ، ثَبَتَ الْمِلْكُ لَهُ ؛ لِأَنَّهُ أَهْلٌ لِلْمِلْكِ ، وَكَذَلِكَ تَثْبُتُ أَمْلَاكُهُ .\rوَمَنْ قَالَ : إنَّ مِلْكَهُ يَزُولُ لَمْ يُثْبِتْ لَهُ مِلْكًا ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِأَهْلٍ لِلْمِلْكِ ، وَلِهَذَا زَالَتْ أَمْلَاكُهُ الثَّابِتَةُ لَهُ ، فَإِنْ رَاجَعَ الْإِسْلَامَ ، احْتَمَلَ أَنْ لَا يَثْبُتَ لَهُ شَيْءٌ أَيْضًا ؛ لِأَنَّ السَّبَبَ لَمْ يَثْبُتْ حُكْمُهُ .\rوَاحْتَمَلَ أَنْ يَثْبُتَ الْمِلْكُ لَهُ حِينَئِذٍ ؛ لِأَنَّ السَّبَبَ مَوْجُودٌ ، وَإِنَّمَا امْتَنَعَ ثُبُوتُ حُكْمِهِ ، لِعَدَمِ أَهْلِيَّتِهِ ، فَإِذَا وُجِدَتْ ، تَحَقَّقَ الشَّرْطُ ، فَيَثْبُتُ الْمِلْكُ حِينَئِذٍ ، كَمَا تَعُودُ إلَيْهِ أَمْلَاكُهُ الَّتِي زَالَتْ عَنْهُ عِنْدَ عَدَمِ أَهْلِيَّتِهِ .\rفَعَلَى هَذَا ، إنْ مَاتَ ، أَوْ قُتِلَ ، ثَبَتَ الْمِلْكُ لِمَنْ يَنْتَقِلُ إلَيْهِ مِلْكُهُ ؛ لِأَنَّ هَذَا فِي مَعْنَاهُ .","part":19,"page":460},{"id":9460,"text":"( 7096 ) فَصْلٌ : وَإِنْ لَحِقَ الْمُرْتَدُّ بِدَارِ الْحَرْبِ ، فَالْحُكْمُ فِيهِ كَالْحُكْمِ فِيمَنْ هُوَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ ، إلَّا أَنَّ مَا كَانَ مَعَهُ مِنْ مَالِهِ ، يَصِيرُ مُبَاحًا لِمَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ ، كَمَا أُبِيحَ دَمُهُ ، وَأَمَّا أَمْلَاكُهُ وَمَالُهُ الَّذِي فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فَمِلْكُهُ ثَابِتٌ فِيهِ ، وَيَتَصَرَّفُ فِيهِ الْحَاكِمُ بِمَا يَرَى الْمَصْلَحَةَ فِيهِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يُورَثُ مَالُهُ ، كَمَا لَوْ مَاتَ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ صَارَ فِي حُكْمِ الْمَوْتَى ، بِدَلِيلِ حِلِّ دَمِهِ وَمَالِهِ الَّذِي مَعَهُ لِكُلِّ مَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ .\rوَلَنَا أَنَّهُ حَيٌّ فَلَمْ يُورَثْ ، كَالْحَرْبِيِّ الْأَصْلِيِّ ، وَحِلُّ دَمِهِ لَا يُوجِبُ تَوْرِيثَ مَالِهِ ، بِدَلِيلِ الْحَرْبِيِّ الْأَصْلِيِّ ، وَإِنَّمَا حَلَّ مَالُهُ الَّذِي مَعَهُ ؛ لِأَنَّهُ زَالَ الْعَاصِمُ لَهُ ، فَأَشْبَهَ مَال الْحَرْبِيِّ الَّذِي فِي دَارِ الْحَرْبِ ، وَأَمَّا الَّذِي فِي دَارِ الْإِسْلَامِ ، فَهُوَ بَاقٍ عَلَى الْعِصْمَةِ ، كَمَالِ الْحَرْبِيِّ الَّذِي مَعَ مُضَارِبِهِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ ، أَوْ عِنْدَ مُودَعِهِ .","part":19,"page":461},{"id":9461,"text":"( 7097 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : وَمَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ ، دُعِيَ إلَيْهَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ، فَإِنْ صَلَّى ، وَإِلَّا قُتِلَ ، جَاحِدًا تَرْكَهَا أَوْ غَيْرَ جَاحِدٍ قَدْ سَبَقَ شَرْحُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ : فِي بَابٍ مُفْرَدٍ لَهَا ، وَلَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي كُفْرِ مَنْ تَرَكَهَا جَاحِدًا لِوُجُوبِهَا ، إذَا كَانَ مِمَّنْ لَا يَجْهَلُ مِثْلُهُ ذَلِكَ ، فَإِنْ كَانَ مِمَّنْ لَا يَعْرِفُ الْوُجُوبَ ، كَحَدِيثِ الْإِسْلَامِ ، وَالنَّاشِئِ بِغَيْرِ دَارِ الْإِسْلَامِ أَوْ بَادِيَةٍ بَعِيدَةٍ عَنْ الْأَمْصَارِ وَأَهْلِ الْعِلْمِ ، لَمْ يُحْكَمْ بِكُفْرِهِ ، وَعُرِّفَ ذَلِكَ ، وَتُثْبَتُ لَهُ أَدِلَّةُ وُجُوبِهَا ، فَإِنْ جَحَدَهَا بَعْدَ ذَلِكَ كَفَرَ .\rوَأَمَّا إذَا كَانَ الْجَاحِدُ لَهَا نَاشِئًا فِي الْأَمْصَارِ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ ، فَإِنَّهُ يُكَفَّرُ بِمُجَرَّدِ جَحْدِهَا ، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي مَبَانِي الْإِسْلَامِ كُلِّهَا ، وَهِيَ الزَّكَاةُ وَالصِّيَامُ وَالْحَجُّ ؛ لِأَنَّهَا مَبَانِي الْإِسْلَامِ ، وَأَدِلَّةُ وُجُوبِهَا لَا تَكَادُ تَخْفَى ، إذْ كَانَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ مَشْحُونَيْنِ بِأَدِلَّتِهَا ، وَالْإِجْمَاعُ مُنْعَقِدٌ عَلَيْهَا ، فَلَا يَجْحَدُهَا إلَّا مُعَانِدٌ لِلْإِسْلَامِ ، يَمْتَنِعُ مِنْ الْتِزَامِ الْأَحْكَامِ ، غَيْرُ قَابِلٍ لِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا سُنَّةِ رَسُولِهِ وَلَا إجْمَاعِ أُمَّتِهِ .","part":19,"page":462},{"id":9462,"text":"( 7098 ) فَصْلٌ : وَمَنْ اعْتَقَدَ حِلَّ شَيْءٍ أُجْمِعَ عَلَى تَحْرِيمِهِ ، وَظَهَرَ حُكْمُهُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ ، وَزَالَتْ الشُّبْهَةُ فِيهِ لِلنُّصُوصِ الْوَارِدَةِ فِيهِ ، كَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ ، وَالزِّنَى ، وَأَشْبَاهِ هَذَا ، مِمَّا لَا خِلَافَ فِيهِ ، كُفِّرَ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا فِي تَارِكِ الصَّلَاةِ .\rوَإِنْ اسْتَحَلَّ قَتْلَ الْمَعْصُومِينَ ، وَأَخْذَ أَمْوَالِهِمْ ، بِغَيْرِ شُبْهَةٍ وَلَا تَأْوِيلٍ ، فَكَذَلِكَ ، وَإِنْ كَانَ بِتَأْوِيلٍ ، كَالْخَوَارِجِ ، فَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ أَكْثَرَ الْفُقَهَاءِ لَمْ يَحْكُمُوا بِكُفْرِهِمْ مَعَ اسْتِحْلَالِهِمْ دِمَاءَ الْمُسْلِمِينَ وَأَمْوَالَهُمْ ، وَفِعْلِهِمْ لِذَلِكَ مُتَقَرِّبِينَ بِهِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى ، وَكَذَلِكَ لَمْ يُحْكَمْ بِكُفْرِ ابْنِ مُلْجَمٍ مَعَ قَتْلِهِ أَفْضَلَ الْخَلْقِ فِي زَمَنِهِ ، مُتَقَرِّبًا بِذَلِكَ ، وَلَا يُكَفَّرُ الْمَادِحُ لَهُ عَلَى هَذَا ، الْمُتَمَنِّي مِثْلَ فِعْلِهِ ، فَإِنَّ عِمْرَانَ بْنَ حِطَّانَ قَالَ فِيهِ يَمْدَحُهُ لِقَتْلِ عَلِيٍّ : يَا ضَرْبَةً مِنْ تَقِيٍّ مَا أَرَادَ بِهَا إلَّا لِيَبْلُغَ عِنْدَ اللَّهِ رِضْوَانَا إنِّي لَأَذْكُرُهُ يَوْمًا فَأَحْسَبُهُ أَوْفَى الْبَرِيَّةِ عِنْدَ اللَّهِ مِيزَانَا وَقَدْ عُرِفَ مِنْ مَذْهَبِ الْخَوَارِجِ تَكْفِيرُ كَثِيرٍ مِنْ الصَّحَابَةِ ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ ، وَاسْتِحْلَالُ دِمَائِهِمْ ، وَأَمْوَالِهِمْ ، وَاعْتِقَادُهُمْ التَّقَرُّبَ بِقَتْلِهِمْ إلَى رَبِّهِمْ ، وَمَعَ هَذَا لَمْ يَحْكُمْ الْفُقَهَاءُ بِكُفْرِهِمْ ؛ لِتَأْوِيلِهِمْ .\rوَكَذَلِكَ يُخَرَّجُ فِي كُلِّ مُحَرَّمٍ اُسْتُحِلَّ بِتَأْوِيلٍ مِثْلِ هَذَا .\rوَقَدْ رُوِيَ أَنَّ قُدَامَةَ بْنَ مَظْعُونٍ شَرِبَ الْخَمْرَ مُسْتَحِلًّا لَهَا ، فَأَقَامَ عُمَرُ عَلَيْهِ الْحَدَّ ، وَلَمْ يُكَفِّرْهُ .\rوَكَذَلِكَ أَبُو جَنْدَلِ بْنُ سُهَيْلٍ ، وَجَمَاعَةٌ مَعَهُ ، شَرِبُوا الْخَمْرَ بِالشَّامِ مُسْتَحِلِّينَ لَهَا ، مُسْتَدِلِّينَ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا } الْآيَة .\rفَلَمْ يُكَفَّرُوا ، وَعُرِّفُوا تَحْرِيمَهَا ، فَتَابُوا ، وَأُقِيمَ عَلَيْهِمْ الْحَدُّ .\rفَيُخَرَّجُ فِيمَنْ كَانَ","part":19,"page":463},{"id":9463,"text":"مِثْلَهُمْ مِثْلُ حُكْمِهِمْ .\rوَكَذَلِكَ كُلُّ جَاهِلٍ بِشَيْءٍ يُمْكِنُ أَنْ يَجْهَلَهُ ، لَا يُحْكَمُ بِكُفْرِهِ حَتَّى يُعَرَّفَ ذَلِكَ ، وَتَزُولَ عَنْهُ الشُّبْهَةُ ، وَيَسْتَحِلَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ .\rوَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ : مَنْ قَالَ : الْخَمْرُ حَلَالٌ .\rفَهُوَ كَافِرٌ يُسْتَتَابُ ، فَإِنْ تَابَ ، وَإِلَّا ضُرِبَتْ عُنُقُهُ .\rوَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ لَا يَخْفَى عَلَى مِثْلِهِ تَحْرِيمُهُ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا .\rفَأَمَّا إنْ أَكَلَ لَحْمَ خِنْزِيرٍ ، أَوْ مَيْتَةً ، أَوْ شَرِبَ خَمْرًا ، لَمْ يُحْكَمْ بِرِدَّتِهِ بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ ، سَوَاءٌ فَعَلَهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ أَوْ دَارِ الْإِسْلَامِ ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فَعَلَهُ مُعْتَقِدًا تَحْرِيمَهُ ، كَمَا يَفْعَلُ غَيْرَ ذَلِكَ مِنْ الْمُحَرَّمَاتِ .","part":19,"page":464},{"id":9464,"text":"( 7099 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : وَذَبِيحَةُ الْمُرْتَدِّ حَرَامٌ ، وَإِنْ كَانَتْ رِدَّتُهُ إلَى دِينِ أَهْلِ الْكِتَابِ هَذَا قَوْلُ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ .\rوَقَالَ إِسْحَاقُ : إنْ تَدَيَّنَ بِدِينِ أَهْلِ الْكِتَابِ ، حَلَّتْ ذَبِيحَتُهُ .\rوَيُحْكَى ذَلِكَ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ ؛ لِأَنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : مَنْ تَوَلَّى قَوْمًا فَهُوَ مِنْهُمْ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ كَافِرٌ ، لَا يُقَرُّ عَلَى دِينِهِ ، فَلَمْ تَحِلَّ ذَبِيحَتُهُ ، كَالْوَثَنِيِّ ؛ وَلِأَنَّهُ لَا تَثْبُتُ لَهُ أَحْكَامُ أَهْلِ الْكِتَابِ إذَا تَدَيَّنَ بَدِينِهِمْ ؛ فَإِنَّهُ لَا يُقَرُّ بِالْجِزْيَةِ ، وَلَا يُسْتَرَقُّ .\rوَلَا يَحِلُّ نِكَاحُ الْمُرْتَدَّةِ .\rوَأَمَّا قَوْلُ عَلِيٍّ : فَهُوَ مِنْهُمْ .\rفَلَمْ يُرِدْ بِهِ أَنَّهُ مِنْهُمْ فِي جَمِيعِ الْأَحْكَامِ ، بِدَلِيلِ مَا ذَكَرْنَا ، وَلِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَرَى حِلَّ ذَبَائِحِ نَصَارَى بَنِي تَغْلِبَ ، وَلَا نِكَاحِ نِسَائِهِمْ ، مَعَ تَوْلِيَتِهِمْ لِلنَّصَارَى ، وَدُخُولِهِمْ فِي دِينِهِمْ ، وَمَعَ إقْرَارِهِمْ بِمَا صُولِحُوا عَلَيْهِ ، فَلَأَنْ لَا يَعْتَقِدَ ذَلِكَ فِي الْمُرْتَدِّينَ أَوْلَى .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّهُ إذَا ذَبَحَ حَيَوَانًا لِغَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ ، ضَمِنَهُ بِقِيمَتِهِ حَيًّا ؛ لِأَنَّهُ أَتْلَفَهُ عَلَيْهِ ، وَحَرَّمَهُ ، وَإِنْ ذَبَحَهُ بِإِذْنِهِ ، لَمْ يَضْمَنْهُ ؛ لِأَنَّهُ أَذِنَ فِي إتْلَافِهِ .","part":19,"page":465},{"id":9465,"text":"( 7100 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَالصَّبِيُّ إذَا كَانَ لَهُ عَشْرُ سِنِينَ ، وَعَقَلَ الْإِسْلَامَ ، فَأَسْلَمَ ، فَهُوَ مُسْلِمٌ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الصَّبِيَّ يَصِحُّ إسْلَامُهُ فِي الْجُمْلَةِ .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَصَاحِبَاهُ ، وَإِسْحَاقُ ، وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، وَأَبُو أَيُّوبَ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَزُفَرُ : لَا يَصِحُّ إسْلَامُهُ حَتَّى يَبْلُغَ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ ؛ عَنْ الصَّبِيِّ حَتَّى يَبْلُغَ } .\rحَدِيثٌ حَسَنٌ .\rوَلِأَنَّهُ قَوْلٌ تَثْبُتُ بِهِ الْأَحْكَامُ ، فَلَمْ يَصِحَّ مِنْ الصَّبِيِّ كَالْهِبَةِ ؛ وَلِأَنَّهُ أَحْدُ مَنْ رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْهُ ، فَلَمْ يَصِحَّ إسْلَامُهُ ، كَالْمَجْنُونِ ، وَالنَّائِمِ ، وَلِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُكَلَّفٍ ، أَشْبَهَ الطِّفْلَ .\rوَلَنَا ، عُمُومُ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { مَنْ قَالَ : لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ .\rدَخَلَ الْجَنَّةَ } .\rوَقَوْلِهِ : { أُمِرْت أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا : لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ، فَإِذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إلَّا بِحَقِّهَا ، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ } .\rوَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ { : كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ ، أَوْ يُنَصِّرَانِهِ ، حَتَّى يُعْرِبَ عَنْهُ لِسَانُهُ ، إمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا .\r} وَهَذِهِ الْأَخْبَارُ يَدْخُلُ فِي عُمُومِهَا الصَّبِيُّ ، وَلِأَنَّ الْإِسْلَامَ عِبَادَةٌ مَحْضَةٌ ، فَصَحَّتْ مِنْ الصَّبِيِّ الْعَاقِلِ ، كَالصَّلَاةِ وَالْحَجِّ ، وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى دَعَا عِبَادَهُ إلَى دَارِ السَّلَامِ ، وَجَعَلَ طَرِيقَهَا الْإِسْلَامَ ، وَجَعَلَ مَنْ لَمْ يُجِبْ دَعْوَتَهُ فِي الْجَحِيمِ وَالْعَذَابِ الْأَلِيمِ ، فَلَا يَجُوزُ مَنْعُ الصَّبِيِّ مِنْ إجَابَةِ دَعْوَةِ اللَّهِ ، مَعَ إجَابَتِهِ إلَيْهَا ، وَسُلُوكِهِ طَرِيقَهَا ، وَلَا إلْزَامُهُ بِعَذَابِ اللَّهِ ، وَالْحُكْمُ عَلَيْهِ بِالنَّارِ ، وَسَدُّ طَرِيقِ النَّجَاةِ عَلَيْهِ مَعَ هَرَبِهِ مِنْهَا ، وَلِأَنَّ مَا ذَكَرْنَاهُ إجْمَاعٌ ، فَإِنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَسْلَمَ صَبِيًّا ، وَقَالَ","part":19,"page":466},{"id":9466,"text":": سَبَقْتُكُمْ إلَى الْإِسْلَامِ طُرًّا صَبِيًّا مَا بَلَغْتُ أَوَانَ حِلْمِ وَلِهَذَا قِيلَ : أَوَّلُ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ الرِّجَالِ أَبُو بَكْرٍ ، وَمِنْ الصِّبْيَانِ عَلِيٌّ ، وَمِنْ النِّسَاءِ خَدِيجَةُ ، وَمِنْ الْعَبِيدِ بِلَالٌ ، وَقَالَ عُرْوَةُ : أَسْلَمَ عَلِيٌّ وَالزُّبَيْرُ ، وَهُمَا ابْنًا ثَمَانِ سِنِينَ ، وَبَايَعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ابْنُ الزُّبَيْرِ لِسَبْعِ أَوْ ثَمَانِ سِنِينَ ، وَلَمْ يَرُدَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَحَدٍ إسْلَامَهُ ، مِنْ صَغِيرٍ وَلَا كَبِيرٍ .\rفَأَمَّا قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ .\r} فَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ ، فَإِنَّ هَذَا يَقْتَضِي أَنْ لَا يُكْتَبَ عَلَيْهِ ذَلِكَ ، وَالْإِسْلَامُ يُكْتَبُ لَهُ لَا عَلَيْهِ ، وَيَسْعَدُ بِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ، فَهُوَ كَالصَّلَاةِ تَصِحُّ مِنْهُ وَتُكْتَبُ لَهُ وَإِنْ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ ، وَكَذَلِكَ غَيْرُهَا مِنْ الْعِبَادَاتِ الْمَحْضَةِ .\rفَإِنْ قِيلَ : فَإِنَّ الْإِسْلَامَ يُوجِبُ الزَّكَاةَ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ ، وَنَفَقَةَ قَرِيبِهِ الْمُسْلِمِ ، وَيَحْرِمُهُ مِيرَاثَ قَرِيبِهِ الْكَافِرِ ، وَيَفْسَخُ نِكَاحَهُ .\rقُلْنَا : أَمَّا الزَّكَاةُ فَإِنَّهَا نَفْعٌ ؛ لِأَنَّهَا سَبَبُ الزِّيَادَةِ وَالنَّمَاءِ ، وَتَحْصِينِ الْمَالِ وَالثَّوَابِ ، وَأَمَّا الْمِيرَاثُ وَالنَّفَقَةُ ، فَأَمْرٌ مُتَوَهَّمٌ ، وَهُوَ مَجْبُورٌ بِمِيرَاثِهِ مِنْ أَقَارِبِهِ الْمُسْلِمِينَ ، وَسُقُوطِ نَفَقَةِ أَقَارِبِهِ الْكُفَّارِ ، ثُمَّ إنَّ هَذَا الضَّرَرَ مَغْمُورٌ فِي جَنْبِ مَا يَحْصُلُ لَهُ مِنْ سَعَادَةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ، وَخَلَاصِهِ مِنْ شَقَاءِ الدَّارَيْنِ وَالْخُلُودِ فِي الْجَحِيمِ ، فَيُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ الضَّرَرِ فِي أَكْلِ الْقُوتِ ، الْمُتَضَمِّنِ قُوتَ مَا يَأْكُلُهُ ، وَكُلْفَةُ تَحْرِيكِ فِيهِ لِمَا كَانَ بَقَاؤُهُ بِهِ لَمْ يُعَدَّ ضَرَرًا ، وَالضَّرَرُ فِي مَسْأَلَتِنَا فِي جَنْبِ مَا يَحْصُلُ مِنْ النَّفْعِ ، أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ بِكَثِيرٍ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِنَّ الْخِرَقِيِّ اشْتَرَطَ لِصِحَّةِ إسْلَامِهِ شَرْطَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، أَنْ يَكُونَ لَهُ","part":19,"page":467},{"id":9467,"text":"عَشْرُ سِنِينَ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِضَرْبِهِ عَلَى الصَّلَاةِ لِعَشْرٍ .\rوَالثَّانِي : أَنْ يَعْقِلَ الْإِسْلَامَ .\rوَمَعْنَاهُ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى رَبُّهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ .\rوَهَذَا لَا خِلَافَ فِي اشْتِرَاطِهِ .\rفَإِنَّ الطِّفْلَ الَّذِي لَا يَعْقِلَ ، لَا يَتَحَقَّقُ مِنْهُ اعْتِقَادُ الْإِسْلَامِ ، وَإِنَّمَا كَلَامُهُ لِقَلْقَةٍ بِلِسَانِهِ ، لَا يَدُلُّ عَلَى شَيْءٍ وَأَمَّا اشْتِرَاطُ الْعَشْرِ ، فَإِنَّ أَكْثَرَ الْمُصَحِّحِينَ لِإِسْلَامِهِ ، لَمْ يَشْتَرِطُوا ذَلِكَ ، وَلَمْ يَحُدُّوا لَهُ حَدًّا مِنْ السِّنِينَ .\rوَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ أَحْمَدَ ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مَتَى مَا حَصَلَ ، لَا حَاجَةَ إلَى زِيَادَةٍ عَلَيْهِ .\rوَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ ، إذَا كَانَ ابْنَ سَبْعِ سِنِينَ فَإِسْلَامُهُ إسْلَامٌ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { مُرُوهُمْ بِالصَّلَاةِ لِسَبْعٍ ، } فَدَلَّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ حَدٌّ لِأَمْرِهِمْ ، وَصِحَّةِ عِبَادَاتِهِمْ ، فَيَكُونُ حَدًّا لِصِحَّةِ إسْلَامِهِمْ .\rوَقَالَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ : إذَا أَسْلَمَ وَهُوَ ابْنُ خَمْسِ سِنِينَ ، جُعِلَ إسْلَامُهُ إسْلَامًا .\rوَلَعَلَّهُ يَقُولُ إنَّ عَلِيًّا أَسْلَمَ وَهُوَ ابْنُ خَمْسِ سِنِينَ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ قِيلَ : إنَّهُ مَاتَ وَهُوَ ابْنُ ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ .\rفَعَلَى هَذَا يَكُونُ إسْلَامُهُ ، وَهُوَ ابْنُ خَمْسٍ ؛ لِأَنَّ مُدَّةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُنْذُ بُعِثَ إلَى أَنْ مَاتَ ثَلَاثٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً ، وَعَاشَ عَلِيٌّ بَعْدَ ذَلِكَ ثَلَاثِينَ سَنَةً ؛ فَذَلِكَ ثَلَاثٌ وَخَمْسُونَ ، فَإِذَا ضَمَمْت إلَيْهَا خَمْسًا ، كَانَتْ ثَمَانِيَةً وَخَمْسِينَ .\rوَقَالَ أَبُو أَيُّوبَ : أُجِيزُ إسْلَامَ ابْنِ ثَلَاثِ سِنِينَ ، مَنْ أَصَابَ الْحَقَّ مِنْ صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ أَجَزْنَاهُ .\rوَهَذَا لَا يَكَادُ يَعْقِلُ الْإِسْلَامَ ، وَلَا يَدْرِي مَا يَقُولُ ، وَلَا يَثْبُتُ لِقَوْلِهِ حُكْمٌ ، فَإِنْ وُجِدَ ذَلِكَ مِنْهُ وَدَلَّتْ أَحْوَالُهُ وَأَقْوَالُهُ عَلَى مَعْرِفَةِ الْإِسْلَامِ ، وَعَقْلِهِ إيَّاهُ ، صَحَّ","part":19,"page":468},{"id":9468,"text":"مِنْهُ كَغَيْرِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":19,"page":469},{"id":9469,"text":"( 7101 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( فَإِنْ رَجَعَ ، وَقَالَ : لَمْ أَدْرِ مَا قُلْت .\rلَمْ يُلْتَفَتْ إلَى قَوْلِهِ ، وَأُجْبِرَ عَلَى الْإِسْلَامِ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الصَّبِيَّ إذَا أَسْلَمَ ، وَحَكَمْنَا بِصِحَّةِ إسْلَامِهِ ، لِمَعْرِفَتِنَا بِعَقْلِهِ بِأَدِلَّتِهِ ، فَرَجَعَ ، وَقَالَ : لَمْ أَدْرِ مَا قُلْت .\rلَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ ، وَلَمْ يَبْطُلْ إسْلَامُهُ الْأَوَّلُ .\rوَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّهُ يُقْبَلُ مِنْهُ ، وَلَا يُجْبَرُ عَلَى الْإِسْلَامِ .\rقَالَ أَبُو بَكْرٍ : هَذَا قَوْلٌ مُحْتَمَلٌ ؛ لِأَنَّ الصَّبِيَّ فِي مَظِنَّةِ النَّقْصِ ، فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ صَادِقًا .\rقَالَ : وَالْعَمَلُ عَلَى الْأَوَّلِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ عَقْلُهُ لِلْإِسْلَامِ ، وَمَعْرِفَتُهُ بِهِ بِأَفْعَالِهِ أَفْعَالَ الْعُقَلَاءِ ، وَتَصَرُّفَاتِهِ تَصَرُّفَاتِهِمْ ، وَتَكَلُّمِهِ بِكَلَامِهِمْ ، وَهَذَا يَحْصُلُ بِهِ مَعْرِفَةُ عَقْلِهِ ؛ وَلِهَذَا اعْتَبَرْنَا رُشْدَهُ بَعْدَ بُلُوغِهِ بِأَفْعَالِهِ وَتَصَرُّفَاتِهِ ، وَعَرَفْنَا جُنُونَ الْمَجْنُونِ وَعَقْلَ الْعَاقِلِ بِمَا يَصْدُرُ عَنْهُ مِنْ أَفْعَالِهِ وَأَقْوَالِهِ وَأَحْوَالِهِ ، فَلَا يَزُولُ مَا عَرَفْنَاهُ بِمُجَرَّدِ دَعْوَاهُ .\rوَهَكَذَا كُلُّ مَنْ تَلَفَّظَ بِالْإِسْلَامِ ، أَوْ أَخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ بِهِ ، ثُمَّ أَنْكَرَ مَعْرِفَتَهُ بِمَا قَالَ ، لَمْ يُقْبَلْ إنْكَارُهُ ، وَكَانَ مُرْتَدًّا .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي مَوَاضِعَ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّهُ إذَا ارْتَدَّ ، صَحَّتْ رِدَّتُهُ .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ .\rوَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ .\rوَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ : لَا يَصِحُّ إسْلَامُهُ وَلَا رِدَّتُهُ .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ يَصِحُّ إسْلَامُهُ ، وَلَا تَصِحُّ رِدَّتُهُ ؛ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ { : رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ ؛ عَنْ الصَّبِيِّ حَتَّى يَبْلُغَ } .\rوَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ لَا يُكْتَبَ عَلَيْهِ ذَنْبٌ وَلَا شَيْءٌ ، وَلَوْ صَحَّتْ رِدَّتُهُ ، لَكُتِبَتْ عَلَيْهِ .\rوَأَمَّا الْإِسْلَامُ فَلَا يُكْتَبُ عَلَيْهِ ، إنَّمَا يُكْتَبُ لَهُ ، وَلِأَنَّ الرِّدَّةَ أَمْرٌ يُوجِبُ الْقَتْلَ ، فَلَمْ يَثْبُتْ حُكْمُهُ فِي حَقِّ الصَّبِيِّ","part":19,"page":470},{"id":9470,"text":"كَالزِّنَى وَلِأَنَّ الْإِسْلَامَ إنَّمَا صَحَّ مِنْهُ ؛ لِأَنَّهُ تَمَحَّضَ مَصْلَحَةً ، فَأَشْبَهَ الْوَصِيَّةَ وَالتَّدْبِيرَ ، وَالرِّدَّةُ تَمَحَّضَتْ مَضَرَّةً وَمَفْسَدَةً ، فَلَمْ تَلْزَمْ صِحَّتُهَا مِنْهُ .\rفَعَلَى هَذَا ، حُكْمُهُ حُكْمُ مَنْ لَمْ يَرْتَدَّ ، فَإِذَا بَلَغَ ، فَإِنْ أَصَرَّ عَلَى الْكُفْرِ ، كَانَ مُرْتَدًّا حِينَئِذٍ .","part":19,"page":471},{"id":9471,"text":"( 7102 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَلَا يُقْتَلُ حَتَّى يَبْلُغَ ، وَيُجَاوِزَ بَعْدَ بُلُوغِهِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَإِنْ ثَبَتَ عَلَى كُفْرِهِ قُتِلَ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الصَّبِيَّ لَا يُقْتَلُ ، سَوَاءٌ قُلْنَا بِصِحَّةِ رِدَّتِهِ ، أَوْ لَمْ نَقُلْ ؛ لِأَنَّ الْغُلَامَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ عُقُوبَةٌ ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حُكْمُ الزِّنَى وَالسَّرِقَةِ فِي سَائِر الْحُدُودِ ، وَلَا يُقْتَلُ قِصَاصًا ؛ فَإِذَا بَلَغَ ، فَثَبَتَ عَلَى رِدَّتِهِ ، ثَبَتَ حُكْمُ الرِّدَّةِ حِينَئِذٍ ، فَيُسْتَتَابُ ثَلَاثًا ، فَإِنْ تَابَ ، وَإِلَّا قُتِلَ ، سَوَاءٌ قُلْنَا : إنَّهُ كَانَ مُرْتَدًّا قَبْلَ بُلُوغِهِ أَوْ لَمْ نَقُلْ ، وَسَوَاءٌ كَانَ مُسْلِمًا أَصْلِيًّا فَارْتَدَّ ، أَوْ كَانَ كَافِرًا فَأَسْلَمَ صَبِيًّا ثُمَّ ارْتَدَّ .","part":19,"page":472},{"id":9472,"text":"( 7103 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَإِذَا ارْتَدَّ الزَّوْجَانِ ، وَلَحِقَا بِدَارِ الْحَرْبِ ، لَمْ يَجْرِ عَلَيْهِمَا وَلَا عَلَى أَحَدٍ مِنْ أَوْلَادِهِمَا مِمَّنْ كَانُوا قَبْلَ الرِّدَّةِ رِقٌّ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الرِّقَّ لَا يَجْرِي عَلَى الْمُرْتَدِّ ، سَوَاءٌ كَانَ رَجُلًا أَوْ امْرَأَةً ، وَسَوَاءٌ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ أَوْ أَقَامَ بِدَارِ الْإِسْلَامِ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إذَا لَحِقَتْ الْمُرْتَدَّةُ بِدَارِ الْحَرْبِ ، جَازَ اسْتِرْقَاقُهَا ؛ لِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ سَبَى بَنِي حَنِيفَةَ ، وَاسْتَرَقَّ نِسَاءَهُمْ ، وَأُمُّ مُحَمَّدِ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ مِنْ سَبْيِهِمْ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ } ، وَلِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ إقْرَارُهُ عَلَى كُفْرِهِ ، فَلَمْ يَجُزْ اسْتِرْقَاقُهُ كَالرَّجُلِ ، وَلَمْ يَثْبُتْ أَنَّ الَّذِينَ سَبَاهُمْ أَبُو بَكْرٍ كَانُوا أَسْلَمُوا ، وَلَا ثَبَتَ لَهُمْ حُكْمُ الرِّدَّةِ .\rفَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّ الْمُرْتَدَّةَ تُسْبَى .\rقُلْنَا : هَذَا الْحَدِيثُ ضَعِيفٌ ، ضَعَّفَهُ أَحْمَدُ .\rفَأَمَّا أَوْلَادُ الْمُرْتَدِّينَ فَإِنْ كَانُوا وُلِدُوا قَبْلَ الرِّدَّةِ ، فَإِنَّهُمْ مَحْكُومٌ بِإِسْلَامِهِمْ تَبَعًا لِآبَائِهِمْ ، وَلَا يَتْبَعُونَهُمْ فِي الرِّدَّةِ ؛ لِأَنَّ الْإِسْلَامَ يَعْلُو ، وَقَدْ تَبِعُوهُمْ فِيهِ ، فَلَا يَتْبَعُونَهُمْ فِي الْكُفْرِ ، فَلَا يَجُوزُ اسْتِرْقَاقُهُمْ صِغَارًا ؛ لِأَنَّهُمْ مُسْلِمُونَ ، وَلَا كِبَارًا ؛ لِأَنَّهُمْ إنْ ثَبَتُوا عَلَى إسْلَامِهِمْ بَعْدَ كُفْرِهِمْ فَهُمْ مُسْلِمُونَ ، وَإِنْ كَفَرُوا فَهُمْ مُرْتَدُّونَ ، حُكْمُهُمْ حُكْمُ آبَائِهِمْ فِي الِاسْتِتَابَةِ ، وَتَحْرِيمِ الِاسْتِرْقَاقِ .\rوَأَمَّا مَنْ حَدَثَ بَعْدَ الرِّدَّةِ ، فَهُوَ مَحْكُومٌ بِكُفْرِهِ ، لِأَنَّهُ وُلِدَ بَيْنَ أَبَوَيْنِ كَافِرَيْنِ ، وَيَجُوزُ اسْتِرْقَاقُهُ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُرْتَدٍّ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .\rوَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ وَأَبِي بَكْرٍ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَجُوزَ اسْتِرْقَاقُهُمْ ؛ لِأَنَّ آبَاءَهُمْ لَا يَجُوزُ اسْتِرْقَاقُهُمْ ،","part":19,"page":473},{"id":9473,"text":"وَلِأَنَّهُمْ لَا يُقَرُّونَ بِالْجِزْيَةِ ، فَلَا يُقَرُّونَ بِالِاسْتِرْقَاقِ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إنْ وُلِدُوا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ ، لَمْ يَجُزْ اسْتِرْقَاقُهُمْ ، وَإِنْ وُلِدُوا فِي دَارِ الْحَرْبِ ، جَازَ اسْتِرْقَاقُهُمْ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُمْ لَمْ يَثْبُتْ لَهُمْ حُكْمُ الْإِسْلَامِ ، فَجَازَ اسْتِرْقَاقُهُمْ ، كَوَلَدِ الْحَرْبِيَّيْنِ ، بِخِلَافِ آبَائِهِمْ .\rفَعَلَى هَذَا ، إذَا وَقَعَ فِي الْأَسْرِ بَعْدَ لُحُوقِهِ بِدَارِ الْحَرْبِ فَحُكْمُهُ حُكْمُ سَائِرِ أَهْلِ دَارِ الْحَرْبِ ، وَإِنْ كَانَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ ، لَمْ يُقَرَّ بِالْجِزْيَةِ ، وَكَذَلِكَ لَوْ بَذْلَ الْجِزْيَةَ بَعْدَ لُحُوقِهِ بِدَارِ الْحَرْبِ ، لَمْ يُقَرَّ بِهَا ؛ لِأَنَّهُ انْتَقَلَ إلَى الْكُفْرِ بَعْدَ نُزُولِ الْقُرْآنِ .\rفَأَمَّا مَنْ كَانَ حَمْلًا حِينَ رِدَّتِهِ ، فَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ أَنَّهُ كَالْحَادِثِ بَعْدَ كُفْرِهِ .\rوَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ ، هُوَ كَالْمَوْلُودِ ؛ لِأَنَّهُ مَوْجُودٌ ، وَلِهَذَا يَرِثُ .\rوَلَنَا ، أَنَّ أَكْثَرَ الْأَحْكَامِ إنَّمَا تَتَعَلَّقُ بِهِ بَعْدَ الْوَضْعِ ، فَكَذَلِكَ هَذَا الْحُكْمُ .\r( 7104 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَمَنْ امْتَنَعَ مِنْهُمَا أَوْ مِنْ أَوْلَادِهِمَا الَّذِينَ وَصَفْتُ مِنْ الْإِسْلَامِ بَعْدَ الْبُلُوغِ ، اُسْتُتِيبَ ثَلَاثًا ، فَإِنْ لَمْ يَتُبْ قُتِلَ ) .\rقَوْلُهُ : الَّذِينَ وَصَفْتُ .\rيَعْنِي الَّذِينَ وُلِدُوا قَبْلَ الرِّدَّةِ ، فَإِنَّهُمْ مَحْكُومٌ بِإِسْلَامِهِمْ ، فَلَا يُسْتَرَقُّونَ .\rوَمَتَى قَدَرَ عَلَى الزَّوْجَيْنِ ، أَوْ عَلَى أَوْلَادِهِمَا ، اُسْتُتِيبَ مِنْهُمْ مَنْ كَانَ بَالِغًا عَاقِلًا ، فَإِنْ لَمْ يَتُبْ قُتِلَ ، وَمَنْ كَانَ غَيْرَ بَالِغٍ انْتَظَرْنَا بُلُوغَهُ ، ثُمَّ اسْتَتَبْنَاهُ ، فَإِنْ لَمْ يَتُبْ قُتِلَ ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُحْبَسَ حَتَّى لَا يَهْرُبَ .","part":19,"page":474},{"id":9474,"text":"( 7105 ) فَصْلٌ : وَمَتَى ارْتَدَّ أَهْلُ بَلَدٍ ، وَجَرَتْ فِيهِ أَحْكَامُهُمْ ، صَارُوا دَارَ حَرْبٍ فِي اغْتِنَامِ أَمْوَالِهِمْ ، وَسَبْيِ ذَرَارِيِّهِمْ الْحَادِثِينَ بَعْدَ الرِّدَّةِ ، وَعَلَى الْإِمَامِ قِتَالُهُمْ ، فَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَاتَلَ أَهْلَ الرِّدَّةِ بِجَمَاعَةِ الصَّحَابَةِ ، وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ أَمَرَ بِقِتَالِ الْكُفَّارِ فِي مَوَاضِعَ مِنْ كِتَابِهِ ، وَهَؤُلَاءِ أَحَقُّهُمْ بِالْقِتَالِ ؛ لِأَنَّ تَرْكَهُمْ رُبَّمَا أَغْرَى أَمْثَالَهُمْ بِالتَّشَبُّهِ بِهِمْ وَالِارْتِدَادِ مَعَهُمْ ، فَيَكْثُرُ الضَّرَرُ بِهِمْ .\rوَإِذَا قَاتَلَهُمْ ، قَتَلَ مَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ ، وَيَتْبَعُ مُدْبِرَهُمْ ، وَيُجْهِزُ عَلَى جَرِيحِهِمْ ، وَتُغْنَمُ أَمْوَالُهُمْ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا تَصِيرُ دَارَ حَرْبٍ حَتَّى تُجْمَعَ فِيهَا ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ ؛ أَنْ تَكُونَ مُتَاخِمَةً لِدَارِ الْحَرْبِ ، لَا شَيْءَ بَيْنَهُمَا مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ .\rالثَّانِي : أَنْ لَا يَبْقَى فِيهَا مُسْلِمٌ وَلَا ذِمِّيٌّ آمِنٌ .\rالثَّالِثُ : أَنْ تَجْرِيَ فِيهَا أَحْكَامُهُمْ .\rوَلَنَا ، أَنَّهَا دَارُ كُفَّارٍ ، فِيهَا أَحْكَامُهُمْ ، فَكَانَتْ دَارَ حَرْبٍ - كَمَا لَوْ اجْتَمَعَ فِيهَا هَذِهِ الْخِصَالُ - ، أَوْ دَارَ الْكَفَرَةِ الْأَصْلِيِّينَ .","part":19,"page":475},{"id":9475,"text":"( 7106 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَتَلَ الْمُرْتَدُّ مَنْ يُكَافِئُهُ عَمْدًا ، فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .\rوَالْوَلِيُّ مُخَيَّرٌ بَيْنَ قَتْلِهِ وَالْعَفْوِ عَنْهُ ، فَإِنْ اخْتَارَ الْقِصَاصَ ، قُدِّمَ عَلَى قَتْلِ الرِّدَّةِ ، سَوَاءٌ تَقَدَّمَتْ الرِّدَّةُ أَوْ تَأَخَّرَتْ ؛ لِأَنَّهُ حَقُّ آدَمِيٍّ ، وَإِنْ عَفَا عَلَى مَالٍ وَجَبَتْ الدِّيَةُ فِي مَالِهِ .\rوَإِنْ كَانَ الْقَتْلُ خَطَأً ، وَجَبَتْ الدِّيَةُ فِي مَالِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا عَاقِلَةَ لَهُ .\rقَالَ الْقَاضِي : وَتُؤْخَذُ مِنْهُ الدِّيَةُ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ ؛ لِأَنَّهَا دِيَةُ الْخَطَإِ ، فَإِنْ قُتِلَ أَوْ مَاتَ ، أُخِذَتْ مِنْ مَالِهِ فِي الْحَالِ ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ الْمُؤَجَّلَ يَحِلُّ بِالْمَوْتِ فِي حَقِّ مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ تَجِبَ الدِّيَةُ عَلَيْهِ حَالَّةً ؛ لِأَنَّهَا إنَّمَا أُجِّلَتْ فِي حَقِّ الْعَاقِلَةِ تَخْفِيفًا عَلَيْهِمْ ، لِأَنَّهُمْ يَحْمِلُونَ عَنْ غَيْرِهِمْ عَلَى سَبِيلِ الْمُوَاسَاةِ ، فَأَمَّا الْجَانِي ، فَتَجِبُ عَلَيْهِ حَالَّةً ؛ لِأَنَّهَا بَدَلٌ عَنْ مُتْلَفٍ ، فَكَانَتْ حَالَّةً ، كَسَائِرِ أَبْدَالِ الْمُتْلَفَاتِ .","part":19,"page":476},{"id":9476,"text":"( 7107 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَمَنْ أَسْلَمَ مِنْ الْأَبَوَيْنِ ، كَانَ أَوْلَادُهُ الْأَصَاغِرُ تَبَعًا لَهُ ) وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ : إذَا أَسْلَمَ أَبَوَاهُ أَوْ أَحَدُهُمَا ، وَأَدْرَكَ فَأَبَى الْإِسْلَامَ ، أُجْبِرَ عَلَيْهِ ، وَلَمْ يُقْتَلْ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : إنْ أَسْلَمَ الْأَبُ ، تَبِعَهُ أَوْلَادُهُ ، وَإِنْ أَسْلَمَتْ الْأُمُّ لَمْ يَتْبَعُوهَا ؛ لِأَنَّ وَلَدَ الْحَرْبِيَّيْنِ يَتْبَعُ أَبَاهُ دُونَ أُمِّهِ ، بِدَلِيلِ الْمَوْلَيَيْنِ إذَا كَانَ لَهُمَا وَلَدٌ ، كَانَ وَلَاؤُهُ لِمَوْلَى أَبِيهِ دُونَ مَوْلَى أُمِّهِ ، وَلَوْ كَانَ الْأَبُ عَبْدًا أَوْ الْأُمُّ مَوْلَاةً ، فَأُعْتِقَ الْعَبْدُ ، لَجَرَّ وَلَاءَ وَلَدِهِ إلَى مَوَالِيهِ ، وَلِأَنَّ الْوَلَدَ يَشْرُفُ بِشَرَفِ أَبِيهِ ، وَيَنْتَسِبُ إلَى قَبِيلَتِهِ دُونَ قَبِيلَةِ أُمِّهِ ، فَوَجَبَ أَنْ يَتْبَعَ أَبَاهُ فِي دِينِهِ أَيَّ دِينٍ كَانَ .\rوَقَالَ الثَّوْرِيُّ إذَا بَلَغَ خُيِّرَ بَيْنَ دِينِ أَبِيهِ وَدِينِ أُمِّهِ ، فَأَيَّهُمَا اخْتَارَهُ كَانَ عَلَى دِينِهِ .\rوَلَعَلَّهُ يَحْتَجُّ بِحَدِيثِ الْغُلَامِ الَّذِي أَسْلَمَ أَبُوهُ ، وَأَبَتْ أُمُّهُ أَنْ تُسْلِمَ ، فَخَيَّرَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ أَبِيهِ وَأُمِّهِ .\rوَلَنَا أَنَّ الْوَلَدَ يَتْبَعُ أَبَوَيْهِ فِي الدِّينِ ، فَإِنْ اخْتَلَفَا ، وَجَبَ أَنْ يَتْبَعَ الْمُسْلِمَ مِنْهُمَا ، كَوَلَدِ الْمُسْلِمِ مِنْ الْكِتَابِيَّةِ ، وَلِأَنَّ الْإِسْلَامَ يَعْلُو وَلَا يُعْلَى ، وَيَتَرَجَّحُ الْإِسْلَامُ بِأَشْيَاءَ ؛ مِنْهَا أَنَّهُ دِينُ اللَّهِ الَّذِي رَضِيَهُ لِعِبَادِهِ ، وَبَعَثَ بِهِ رُسُلَهُ دُعَاةً لِخَلْقِهِ إلَيْهِ ، وَمِنْهَا أَنَّهُ تَحْصُلُ بِهِ السَّعَادَةُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ، وَيَتَخَلَّصُ بِهِ فِي الدُّنْيَا مِنْ الْقَتْلِ وَالِاسْتِرْقَاقِ وَأَدَاءِ الْجِزْيَةِ ، وَفِي الْآخِرَةِ مِنْ سُخْطِ اللَّهِ وَعَذَابِهِ ، وَمِنْهَا أَنَّ الدَّارَ دَارُ الْإِسْلَامِ يُحْكَمُ بِإِسْلَامِ لَقِيطِهَا ، وَمَنْ لَا يُعْرَفُ حَالُهُ فِيهَا ، وَإِذَا كَانَ مَحْكُومًا بِإِسْلَامِهِ ، أُجْبِرَ عَلَيْهِ إذَا امْتَنَعَ مِنْهُ بِالْقَتْلِ ، كَوَلَدِ","part":19,"page":477},{"id":9477,"text":"الْمُسْلِمَيْنِ ، وَلِأَنَّهُ مُسْلِمٌ فَإِذَا رَجَعَ عَنْ إسْلَامِهِ ، وَجَبَ قَتْلُهُ ؛ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ { مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ } ، وَبِالْقِيَاسِ عَلَى غَيْرِهِ .\rوَلَنَا ، عَلَى مَالِكٍ ، أَنَّ الْأُمَّ أَحَدُ الْأَبَوَيْنِ ، فَيَتْبَعُهَا وَلَدُهَا فِي الْإِسْلَامِ ، كَالْأَبِ ، بَلْ الْأُمُّ أَوْلَى بِهِ ، لِأَنَّهَا أَخَصُّ بِهِ ، لِأَنَّهُ مَخْلُوقٌ مِنْهَا حَقِيقَةً ، وَتَخْتَصُّ بِحَمْلِهِ وَرَضَاعِهِ ، وَيَتْبَعُهَا فِي الرِّقِّ وَالْحُرِّيَّةِ وَالتَّدْبِيرِ وَالْكِتَابَةِ ، وَلِأَنَّ سَائِرَ الْحَيَوَانَاتِ يَتْبَعُ الْوَلَدُ أُمَّهُ دُونَ أَبِيهِ ، وَهَذَا يُعَارِضُ مَا ذَكَرَهُ .\rوَأَمَّا تَخْيِيرُ الْغُلَامِ ، فَهُوَ فِي الْحَضَانَةِ لَا فِي الدِّينِ .","part":19,"page":478},{"id":9478,"text":"مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَكَذَلِكَ مَنْ مَاتَ مِنْ الْأَبَوَيْنِ عَلَى كُفْرِهِ ، قُسِمَ لَهُ الْمِيرَاثُ ؛ وَكَانَ مُسْلِمًا بِمَوْتِ مَنْ مَاتَ مِنْهُمَا ) يَعْنِي ، إذَا مَاتَ أَحَدُ أَبَوَيْ الْوَلَدِ الْكَافِرَيْنِ ، صَارَ الْوَلَدُ مُسْلِمًا بِمَوْتِهِ ، وَقُسِمَ لَهُ الْمِيرَاثُ .\rوَأَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّهُ لَا يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ بِمَوْتِهِمَا وَلَا مَوْتِ أَحَدِهِمَا ؛ لِأَنَّهُ يَثْبُتْ كُفْرُهُ تَبَعًا ، وَلَمْ يُوجَدْ مِنْهُ إسْلَامٌ ، وَلَا مِمَّنْ هُوَ تَابِعٌ لَهُ فَوَجَبَ إبْقَاؤُهُ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ ، وَلِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ خُلَفَائِهِ ، أَنَّهُ أَجْبَرَ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ عَلَى الْإِسْلَامِ بِمَوْتِ أَبِيهِ ، مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَخْلُ زَمَنُهُمْ عَنْ مَوْتِ بَعْضِ أَهْلِ الذِّمَّةِ عَنْ يَتِيمٍ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ النَّبِيِّ { : كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ وَيُمَجِّسَانِهِ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rفَجَعَلَ كُفْرَهُ بِفِعْلِ أَبَوَيْهِ ، فَإِذَا مَاتَ أَحَدُهُمَا ، انْقَطَعْت التَّبَعِيَّةُ ، فَوَجَبَ إبْقَاؤُهُ عَلَى الْفِطْرَةِ الَّتِي وُلِدَ عَلَيْهَا ، وَلِأَنَّ الْمَسْأَلَةَ مَفْرُوضَةٌ فِيمَنْ مَاتَ أَبُوهُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ ، وَقَضِيَّةُ الدَّارِ الْحُكْمُ بِإِسْلَامِ أَهْلِهَا ، وَلِذَلِكَ حَكَمْنَا بِإِسْلَامِ لَقِيطِهَا ، وَإِنَّمَا ثَبَتَ الْكُفْرُ لِلطِّفْلِ الَّذِي لَهُ أَبَوَانِ ، فَإِذَا عُدِمَا أَوْ أَحَدُهُمَا ، وَجَبَ إبْقَاؤُهُ عَلَى حُكْمِ الدَّارِ ، لِانْقِطَاعِ تَبَعِيَّتِهِ لِمَنْ يُكَفَّرُ بِهَا ، وَإِنَّمَا قُسِمَ لَهُ الْمِيرَاثُ ، لِأَنَّ إسْلَامَهُ إنَّمَا ثَبَتَ بِمَوْتِ أَبِيهِ الَّذِي اسْتَحَقَّ بِهِ الْمِيرَاثَ ، فَهُوَ سَبَبٌ لَهُمَا ، فَلَمْ يَتَقَدَّمْ الْإِسْلَامُ الْمَانِعُ مِنْ الْمِيرَاثِ عَلَى اسْتِحْقَاقِهِ ، وَلِأَنَّ الْحُرِّيَّةَ الْمُعَلَّقَةَ بِالْمَوْتِ لَا تُوجِبُ الْمِيرَاثَ فِيمَا إذَا قَالَ سَيِّدُ الْعَبْدِ لَهُ : إذَا مَاتَ أَبُوك فَأَنْتَ حُرٌّ .\rفَمَاتَ أَبُوهُ ، فَإِنَّهُ يَعْتِقُ وَلَا يَرِثُ ، فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ","part":19,"page":479},{"id":9479,"text":"الْإِسْلَامُ الْمُعَلَّقُ بِالْمَوْتِ لَا يَمْنَعُ الْمِيرَاثَ ، وَهَذَا فِيمَا إذَا كَانَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ ؛ لِأَنَّهُ مَتَى انْقَطَعَتْ تَبَعِيَّتُهُ لِأَبَوَيْهِ أَوْ أَحَدِهِمَا ، ثَبَتَ لَهُ حُكْمُ الدَّارِ ، فَأَمَّا دَارُ الْحَرْبِ ، فَلَا نَحْكُمُ بِإِسْلَامِ وَلَدِ الْكَافِرَيْنِ فِيهَا بِمَوْتِهِمَا ، وَلَا مَوْتِ أَحَدِهِمَا ؛ لِأَنَّ الدَّارَ لَا يُحْكَمُ بِإِسْلَامِ أَهْلِهَا ، وَكَذَلِكَ لَمْ نَحْكُمْ بِإِسْلَامِ لَقِيطِهَا .","part":19,"page":480},{"id":9480,"text":"( 7109 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَمَنْ شُهِدَ عَلَيْهِ بِالرِّدَّةِ ، فَقَالَ : مَا كَفَرْت .\rفَإِنْ شَهِدَ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ، لَمْ يُكْشَفْ عَنْ شَيْءٍ ) الْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي فَصْلَيْنِ ( 7110 ) : الْفَصْلُ الْأَوَّلُ : أَنَّهُ إذَا شَهِدَ عَلَيْهِ بِالرِّدَّةِ مَنْ تَثْبُتُ الرِّدَّةُ بِشَهَادَتِهِ ، فَأَنْكَرَ ، لَمْ يُقْبَلْ إنْكَارُهُ وَاسْتُتِيبَ ، فَإِنْ تَابَ ، وَإِلَّا قُتِلَ .\rوَحُكِيَ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ ، أَنَّ إنْكَارَهُ يَكْفِي فِي الرُّجُوعِ إلَى الْإِسْلَامِ ، وَلَا يَلْزَمُهُ النُّطْقُ بِالشَّهَادَةِ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَقَرَّ بِالْكُفْرِ ثُمَّ أَنْكَرَهُ ، قُبِلَ مِنْهُ ، وَلَمْ يُكَلَّفْ الشَّهَادَتَيْنِ ، كَذَا هَاهُنَا .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى الْأَثْرَمُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، أَنَّهُ أُتِيَ بَرْجَلٍ عَرَبِيٍّ قَدْ تَنَصَّرَ ، فَاسْتَتَابَهُ ، فَأَبَى أَنْ يَتُوبَ ، فَقَتَلَهُ ، وَأُتِيَ بِرَهْطٍ يُصَلُّونَ وَهُمْ زَنَادِقَةٌ ، وَقَدْ قَامَتْ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ الشُّهُودُ الْعُدُولُ ، فَجَحَدُوا ، وَقَالُوا : لَيْسَ لَنَا دِينٌ إلَّا الْإِسْلَامَ .\rفَقَتَلَهُمْ ، وَلَمْ يَسْتَتِبْهُمْ ، ثُمَّ قَالَ : أَتَدْرُونَ لِمَ اسْتَتَبْتُ النَّصْرَانِيَّ ؟ اسْتَتَبْتُهُ لِأَنَّهُ أَظْهَرَ دِينَهُ ، فَأَمَّا الزَّنَادِقَةُ الَّذِينَ قَامَتْ عَلَيْهِمْ الْبَيِّنَةُ ، فَإِنَّمَا قَتَلْتُهُمْ لِأَنَّهُمْ جَحَدُوا ، وَقَدْ قَامَتْ عَلَيْهِمْ الْبَيِّنَةُ .\rوَلِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ كُفْرُهُ ، فَلَمْ يُحْكَمْ بِإِسْلَامِهِ بِدُونِ الشَّهَادَتَيْنِ ، كَالْكَافِرِ الْأَصْلِيِّ ، وَلِأَنَّ إنْكَارَهُ تَكْذِيبٌ لِلْبَيِّنَةِ ، فَلَمْ تُسْمَعْ كَسَائِرِ الدَّعَاوَى .\rفَأَمَّا إذَا أَقَرَّ بِالْكُفْرِ ثُمَّ أَنْكَرَ ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ نَقُولَ فِيهِ كَمَسْأَلَتِنَا ، وَإِنْ سَلَّمْنَا ، فَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْحَدَّ وَجَبَ بِقَوْلِهِ ، فَقُبِلَ رُجُوعُهُ عَنْهُ ، وَمَا ثَبَتَ بِالْبَيِّنَةِ لَمْ يَثْبُتْ بِقَوْلِهِ ، فَلَا يُقْبَلُ رُجُوعُهُ عَنْهُ ، كَالزِّنَى ، لَوْ ثَبَتَ بِقَوْلِهِ فَرَجَعَ ، كُفَّ عَنْهُ ، وَإِنْ ثَبَتَ بِبَيِّنَةٍ ، لَمْ","part":19,"page":481},{"id":9481,"text":"يُقْبَلْ رُجُوعُهُ .","part":19,"page":482},{"id":9482,"text":"( 7111 ) فَصْلٌ : وَتُقْبَلُ الشَّهَادَةُ عَلَى الرِّدَّةِ مِنْ عَدْلَيْنِ ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rوَبِهِ يَقُولُ مَالِكٌ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا خَالَفَهُمْ ، إلَّا الْحَسَنَ ، قَالَ : لَا يُقْبَلُ فِي الْقَتْلِ إلَّا أَرْبَعَةٌ ؛ لِأَنَّهَا شَهَادَةٌ بِمَا يُوجِبُ الْقَتْلَ ، فَلَمْ يُقْبَلْ فِيهَا إلَّا أَرْبَعَةٌ ، قِيَاسًا عَلَى الزِّنَى .\rوَلَنَا ، أَنَّهَا شَهَادَةٌ فِي غَيْرِ الزِّنَى ، فَقُبِلَتْ مِنْ عَدْلَيْنِ ، كَالشَّهَادَةِ عَلَى السَّرِقَةِ ، وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُهُ عَلَى الزِّنَى ، فَإِنَّهُ لَمْ يُعْتَبَرْ فِيهِ الْأَرْبَعَةُ لِعِلَّةِ الْقَتْلِ ، بِدَلِيلِ اعْتِبَارِ ذَلِكَ فِي زِنَى الْبِكْرِ ، وَلَا قَتْلَ فِيهِ ، وَإِنَّمَا الْعِلَّةُ كَوْنُهُ زِنًى ، وَلَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ فِي الرِّدَّةِ ، ثُمَّ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْقَذْفَ بِالزِّنَى يُوجِبُ ثَمَانِينَ جَلْدَةً ، بِخِلَافِ الْقَذْفِ بِالرِّدَّةِ .","part":19,"page":483},{"id":9483,"text":"( 7112 ) الْفَصْلُ الثَّانِي : أَنَّهُ إذَا ثَبَتَتْ رِدَّتُهُ بِالْبَيِّنَةِ ، أَوْ غَيْرِهَا فَشَهِدَ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ، لَمْ يُكْشَفْ عَنْ صِحَّةِ مَا شُهِدَ عَلَيْهِ بِهِ ، وَخُلِّيَ سَبِيلُهُ ، وَلَا يُكَلَّفُ الْإِقْرَارَ بِمَا نُسِبَ إلَيْهِ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا : لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ .\rفَإِذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إلَّا بِحَقِّهَا ، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَلِأَنَّ هَذَا يَثْبُتُ بِهِ إسْلَامُ الْكَافِرِ الْأَصْلِيِّ فَكَذَلِكَ إسْلَامُ الْمُرْتَدِّ ، وَلَا حَاجَةَ مَعَ ثُبُوتِ إسْلَامِهِ إلَى الْكَشْفِ عَنْ صِحَّةِ رِدَّتِهِ .\rوَكَلَامُ الْخِرَقِيِّ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ كَفَرَ بِجَحْدِ الْوَحْدَانِيَّةِ ، أَوْ جَحْدِ رِسَالَةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ جَحْدِهِمَا مَعًا ، فَأَمَّا مَنْ كَفَرَ بِغَيْرِ هَذَا ، فَلَا يَحْصُلُ إسْلَامُهُ إلَّا بِالْإِقْرَارِ بِمَا جَحَدَهُ .\rوَمَنْ أَقَرَّ بِرِسَالَةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنْكَرَ كَوْنَهُ مَبْعُوثًا إلَى الْعَالَمِينَ ، لَا يَثْبُتُ إسْلَامُهُ حَتَّى يَشْهَدَ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ إلَى الْخَلْقِ أَجْمَعِينَ ، أَوْ يَتَبَرَّأَ مَعَ الشَّهَادَتَيْنِ مِنْ كُلِّ دِينٍ يُخَالِفُ الْإِسْلَامَ .\rوَإِنْ زَعَمَ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ مَبْعُوثٍ بَعْدُ غَيْرِ هَذَا ، لَزِمَهُ الْإِقْرَارُ بِأَنَّ هَذَا الْمَبْعُوثَ هُوَ رَسُولُ اللَّهِ ؛ لِأَنَّهُ إذَا اقْتَصَرَ عَلَى الشَّهَادَتَيْنِ ، احْتَمَلَ أَنَّهُ أَرَادَ مَا اعْتَقَدَهُ .\rوَإِنْ ارْتَدَّ بِجُحُودِ فَرْضٍ ، لَمْ يُسْلِمْ حَتَّى يُقِرَّ بِمَا جَحَدَهُ ، وَيُعِيدَ الشَّهَادَتَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ كَذَّبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ بِمَا اعْتَقَدَهُ .\rوَكَذَلِكَ إنْ جَحَدَ نَبِيًّا ، أَوْ آيَةً مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى ، أَوْ كِتَابًا مِنْ كُتُبِهِ ، أَوْ مَلَكًا مِنْ مَلَائِكَتِهِ الَّذِينَ ثَبَتَ أَنَّهُمْ مَلَائِكَةُ اللَّهِ ، أَوْ اسْتَبَاحَ مُحَرَّمًا ، فَلَا بُدَّ فِي إسْلَامِهِ مِنْ","part":19,"page":484},{"id":9484,"text":"الْإِقْرَارِ بِمَا جَحَدَهُ .\rوَأَمَّا الْكَافِرُ بِجَحْدِ الدِّينِ مِنْ أَصْلِهِ ، إذَا شَهِدَ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ، وَاقْتَصَرَ عَلَى ذَلِكَ ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ ؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ { أَنَّ يَهُودِيًّا قَالَ : أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ .\rثُمَّ مَاتَ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ .\r} وَلِأَنَّهُ لَا يُقِرُّ بِرِسَالَةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَّا وَهُوَ مُقِرٌّ بِمَنْ أَرْسَلَهُ ، وَبِتَوْحِيدِهِ ؛ لِأَنَّهُ صَدَّقَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا جَاءَ بِهِ ، وَقَدْ جَاءَ بِتَوْحِيدِهِ .\rوَالثَّانِيَةُ ، أَنَّهُ إنْ كَانَ مُقِرًّا بِالتَّوْحِيدِ كَالْيَهُودِ ، حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ ؛ لِأَنَّ تَوْحِيدَ اللَّهِ ثَابِتٌ فِي حَقِّهِ ، وَقَدْ ضَمَّ إلَيْهِ الْإِقْرَارَ بِرِسَالَةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَمُلَ إسْلَامُهُ ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُوَحِّدٍ ، كَالنَّصَارَى وَالْمَجُوس وَالْوَثَنِيِّينَ ، لَمْ يُحْكَمْ بِإِسْلَامِهِ ، حَتَّى يَشْهَدَ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ .\rوَبِهَذَا جَاءَتْ أَكْثَرُ الْأَخْبَارِ ، وَهُوَ الصَّحِيحُ ؛ لِأَنَّ مَنْ جَحَدَ شَيْئَيْنِ لَا يَزُولُ جَحْدُهُمَا إلَّا بِإِقْرَارِهِ بِهِمَا جَمِيعًا .\rوَإِنْ قَالَ : أَشْهَدُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ .\rلَمْ نَحْكُمْ بِإِسْلَامِهِ ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ غَيْرَ نَبِيِّنَا .\rوَإِنْ قَالَ : أَنَا مُؤْمِنٌ أَوْ أَنَا مُسْلِمٌ .\rفَقَالَ الْقَاضِي : يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ بِهَذَا ، وَإِنْ لَمْ يَلْفِظْ بِالشَّهَادَتَيْنِ ؛ لِأَنَّهُمَا اسْمَانِ لِشَيْءٍ مَعْلُومٍ مَعْرُوفٍ وَهُوَ الشَّهَادَتَانِ ، فَإِذَا أَخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ بِمَا تَضَمَّنَ الشَّهَادَتَيْنِ ، كَانَ مُخْبِرًا بِهِمَا .\rوَرَوَى الْمِقْدَادُ ، أَنَّهُ قَالَ : { يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ إنْ لَقِيتُ رَجُلًا مِنْ الْكُفَّارِ ، فَقَاتَلَنِي ، فَضَرَبَ إحْدَى يَدَيَّ بِالسَّيْفِ ، فَقَطَعَهَا ، ثُمَّ لَاذَ مِنِّي بِشَجَرَةٍ ، فَقَالَ : أَسْلَمْتُ .\rأَفَأَقْتُلُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ بَعْدَ أَنْ","part":19,"page":485},{"id":9485,"text":"قَالَهَا ؟ قَالَ : لَا تَقْتُلْهُ ، فَإِنْ قَتَلْتَهُ ، فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَتِك قَبْلَ أَنْ تَقْتُلَهُ ، وَإِنَّك بِمَنْزِلَتِهِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ كَلِمَتَهُ الَّتِي قَالَهَا .\r} وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ .\rقَالَ : { أَصَابَ الْمُسْلِمُونَ رَجُلًا مِنْ بَنِي عَقِيلٍ ، فَأَتَوْا بِهِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا مُحَمَّدُ ، إنِّي مُسْلِمٌ .\rفَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَوْ كُنْتَ قُلْتَ وَأَنْتَ تَمْلِكُ أَمْرَك ، أَفْلَحْتَ كُلَّ الْفَلَاحِ } .\rرَوَاهُمَا مُسْلِمٌ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنَّ هَذَا فِي الْكَافِرِ الْأَصْلِيِّ ، أَوْ مَنْ جَحَدَ الْوَحْدَانِيَّةَ أَمَّا مَنْ كَفَرَ بِجَحْدِ نَبِيٍّ أَوْ كِتَابٍ أَوْ فَرِيضَةٍ وَنَحْوِهَا ، فَلَا يَصِيرُ مُسْلِمًا بِذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا اعْتَقَدَ أَنَّ الْإِسْلَامَ مَا هُوَ عَلَيْهِ ، فَإِنَّ أَهْلَ الْبِدَعِ كُلَّهُمْ يَعْتَقِدُونَ أَنَّهُمْ هُمْ الْمُسْلِمُونَ ، وَمِنْهُمْ مَنْ هُوَ كَافِرٌ .","part":19,"page":486},{"id":9486,"text":"( 7113 ) فَصْلٌ : وَإِذَا أَتَى الْكَافِرُ بِالشَّهَادَتَيْنِ ، ثُمَّ قَالَ : لَمْ أُرِدْ الْإِسْلَامَ فَقَدْ صَارَ مُرْتَدًّا ، وَيُجْبَرُ عَلَى الْإِسْلَامِ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ جَمَاعَةٍ .\rوَنُقِلَ عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّهُ يُقْبَلُ مِنْهُ ، وَلَا يُجْبَرُ عَلَى الْإِسْلَامِ ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ الصِّدْقَ ، فَلَا يُرَاقُ دَمُهُ بِالشُّبْهَةِ ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى ؛ لِأَنَّهُ قَدْ حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ ، فَيُقْتَلُ إذَا رَجَعَ كَمَا لَوْ طَالَتْ مُدَّتُهُ .","part":19,"page":487},{"id":9487,"text":"( 7114 ) فَصْلٌ : وَإِذَا صَلَّى الْكَافِرُ ، حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ ، سَوَاءٌ كَانَ فِي دَارِ الْحَرْبِ أَوْ دَارِ الْإِسْلَامِ أَوْ صَلَّى جَمَاعَةً أَوْ فُرَادَى .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : إنْ صَلَّى فِي دَارِ الْحَرْبِ ، حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ ، وَإِنْ صَلَّى فِي دَارِ الْإِسْلَامِ ، لَمْ يُحْكَمْ بِإِسْلَامِهِ ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ صَلَّى رِيَاءً وَتَقِيَّةً .\rوَلَنَا أَنَّ مَا كَانَ إسْلَامًا فِي دَارِ الْحَرْبِ كَانَ إسْلَامًا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ ، كَالشَّهَادَتَيْنِ ، وَلِأَنَّ الصَّلَاةَ رُكْنٌ يَخْتَصُّ بِهِ الْإِسْلَامُ ، فَحُكِمَ بِإِسْلَامِهِ بِهِ كَالشَّهَادَتَيْنِ .\rوَاحْتِمَالُ التَّقِيَّةِ وَالرِّيَاءِ ، يَبْطُلُ بِالشَّهَادَتَيْنِ .\rوَسَوَاءٌ كَانَ أَصْلِيًّا أَوْ مُرْتَدًّا .\rوَأَمَّا سَائِرُ الْأَرْكَانِ ، مِنْ الزَّكَاةِ وَالصِّيَامِ وَالْحَجِّ ، فَلَا يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ بِهِ ، فَإِنَّ الْمُشْرِكِينَ كَانُوا يَحُجُّونَ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى مَنَعَهُمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : { لَا يَحُجُّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ .\r} وَالزَّكَاةُ صَدَقَةٌ ، وَهُمْ يَتَصَدَّقُونَ .\rوَقَدْ فَرَضَ عَلَى نَصَارَى بَنِي تَغْلِبَ مِنْ الزَّكَاةِ مِثْلَيْ مَا يُؤْخَذُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ، وَلَمْ يَصِيرُوا بِذَلِكَ مُسْلِمِينَ ، وَأَمَّا الصِّيَامُ فَلِكُلِّ أَهْلِ دِينٍ صِيَامٌ ، وَلِأَنَّ الصِّيَامَ لَيْسَ بِفِعْلٍ ، إنَّمَا هُوَ إمْسَاكٌ عَنْ أَفْعَالٍ مَخْصُوصَةٍ فِي وَقْتٍ مَخْصُوصٍ ، وَقَدْ يَتَّفِقُ هَذَا مِنْ الْكَافِرِ ، كَاتِّفَاقِهِ مِنْ الْمُسْلِمِ ، وَلَا عِبْرَةَ بِنِيَّةِ الصِّيَامِ ؛ لِأَنَّهَا أَمْرٌ بَاطِنٌ لَا عِلْمَ لَنَا بِهِ ، بِخِلَافِ الصَّلَاةِ ، فَإِنَّهَا أَفْعَالٌ تَتَمَيَّزُ عَنْ أَفْعَالِ الْكُفَّارِ ، وَيَخْتَصُّ بِهَا أَهْلُ الْإِسْلَامِ ، وَلَا يَثْبُتُ الْإِسْلَامُ حَتَّى يَأْتِيَ بِصَلَاةٍ يَتَمَيَّزُ بِهَا عَنْ صَلَاةِ الْكُفَّارِ ، مِنْ اسْتِقْبَالِ قِبْلَتِنَا ، وَالرُّكُوعِ ، وَالسُّجُودِ ، وَلَا يَحْصُلُ بِمُجَرَّدِ الْقِيَامِ ؛ لِأَنَّهُمْ يَقُومُونَ فِي صَلَاتِهِمْ .\rوَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْأَصْلِيِّ وَالْمُرْتَدِّ فِي هَذَا ؛ لِأَنَّ مَا","part":19,"page":488},{"id":9488,"text":"حَصَلَ بِهِ الْإِسْلَامُ فِي الْأَصْلِيِّ ، حَصَلَ بِهِ فِي حَقِّ الْمُرْتَدِّ كَالشَّهَادَتَيْنِ .\rفَعَلَى هَذَا ، لَوْ مَاتَ الْمُرْتَدُّ فَأَقَامَ وَرَثَتُهُ بَيِّنَةً أَنَّهُ صَلَّى بَعْدَ رِدَّتِهِ ، حُكِمَ لَهُمْ بِالْمِيرَاثِ ، إلَّا أَنْ يَثْبُتَ أَنَّهُ ارْتَدَّ بَعْدَ صَلَاتِهِ أَوْ تَكُونَ رِدَّتُهُ بِجَحْدِ فَرِيضَةٍ ، أَوْ كِتَابٍ ، أَوْ نَبِيٍّ ، أَوْ مَلَكٍ ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ مِنْ الْبِدَعِ الَّتِي يَنْتَسِبُ أَهْلُهَا إلَى الْإِسْلَامِ ، فَإِنَّهُ لَا يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ بِصَلَاتِهِ ؛ لِأَنَّهُ يَعْتَقِدُ وُجُوبَ الصَّلَاةِ ، وَيَفْعَلُهَا مَعَ كُفْرِهِ ، فَأَشْبَهَ فِعْلَهُ غَيْرَهَا .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":19,"page":489},{"id":9489,"text":"( 7115 ) فَصْلٌ : وَإِذَا أُكْرِهَ عَلَى الْإِسْلَامِ مَنْ لَا يَجُوزُ إكْرَاهُهُ ، كَالذِّمِّيِّ وَالْمُسْتَأْمَنِ ، فَأَسْلَمَ ، لَمْ يَثْبُتْ لَهُ حُكْمُ الْإِسْلَامِ ، حَتَّى يُوجَدَ مِنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى إسْلَامِهِ طَوْعًا ، مِثْلُ أَنْ يَثْبُتَ عَلَى الْإِسْلَامِ بَعْدَ زَوَالِ الْإِكْرَاهِ عَنْهُ .\rفَإِنْ مَاتَ قَبْلَ ذَلِكَ ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْكُفَّارِ .\rوَإِنْ رَجَعَ إلَى دِينِ الْكُفْرِ ، لَمْ يَجُزْ قَتْلُهُ وَلَا إكْرَاهُهُ عَلَى الْإِسْلَامِ .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ : يَصِيرُ مُسْلِمًا فِي الظَّاهِرِ ، وَإِنْ رَجَعَ عَنْهُ قُتِلَ إذَا امْتَنَعَ عَنْ الْإِسْلَامِ لِعُمُومِ قَوْلِهِ { : أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا : لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ .\rفَإِذَا قَالُوهَا ، عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إلَّا بِحَقِّهَا .\r} وَلِأَنَّهُ أَتَى بِقَوْلِ الْحَقِّ ، فَلَزِمَهُ حُكْمُهُ كَالْحَرْبِيِّ إذَا أُكْرِهَ عَلَيْهِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ أُكْرِهَ عَلَى مَا لَا يَجُوزُ إكْرَاهُهُ عَلَيْهِ ، فَلَمْ يَثْبُتْ حُكْمُهُ فِي حَقِّهِ ، كَالْمُسْلِمِ إذَا أُكْرِهَ عَلَى الْكُفْرِ ، وَالدَّلِيلُ عَلَى تَحْرِيمِ الْإِكْرَاهِ قَوْله تَعَالَى : { لَا إكْرَاهَ فِي الدِّينِ } .\rوَأَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الذِّمِّيَّ - إذَا أَقَامَ عَلَى مَا عُوهِدَ عَلَيْهِ - ، وَالْمُسْتَأْمَنَ لَا يَجُوزُ نَقْضُ عَهْدِهِ ، وَلَا إكْرَاهُهُ عَلَى مَا لَمْ يَلْتَزِمْهُ .\rوَلِأَنَّهُ أُكْرِهَ عَلَى مَا لَا يَجُوزُ إكْرَاهُهُ عَلَيْهِ ، فَلَمْ يَثْبُتْ حُكْمُهُ فِي حَقِّهِ ، كَالْإِقْرَارِ وَالْعِتْقِ .\rوَفَارَقَ الْحَرْبِيَّ وَالْمُرْتَدَّ ؛ فَإِنَّهُ يَجُوزُ قَتْلُهُمَا ، وَإِكْرَاهُهُمَا عَلَى الْإِسْلَامِ ، بِأَنْ يَقُولَ : إنْ أَسْلَمْتَ وَإِلَّا قَتَلْنَاك .\rفَمَتَى أَسْلَمَ ، حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ ظَاهِرًا .\rوَإِنْ مَاتَ قَبْلَ زَوَالِ الْإِكْرَاهِ عَنْهُ ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْمُسْلِمِينَ ؛ لِأَنَّهُ أُكْرِهَ بِحَقٍّ ، فَحُكِمَ بِصِحَّةِ مَا يَأْتِي بِهِ ، كَمَا لَوْ أُكْرِهَ الْمُسْلِمُ عَلَى الصَّلَاةِ فَصَلَّى ، وَأَمَّا فِي الْبَاطِنِ ، فِيمَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ رَبِّهِمْ ،","part":19,"page":490},{"id":9490,"text":"فَإِنَّ مَنْ اعْتَقَدَ الْإِسْلَامَ بِقَلْبِهِ ، وَأَسْلَمَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى ، فَهُوَ مُسْلِمٌ عِنْدَ اللَّهِ ، مَوْعُودٌ بِمَا وُعِدَ بِهِ مَنْ أَسْلَمَ طَائِعًا ، وَمَنْ لَمْ يَعْتَقِدْ الْإِسْلَامَ بِقَلْبِهِ ، فَهُوَ بَاقٍ عَلَى كُفْرِهِ ، لَا حَظَّ لَهُ فِي الْإِسْلَامِ ، سَوَاءٌ فِي هَذَا مَنْ يَجُوزُ إكْرَاهُهُ ، وَمَنْ لَا يَجُوزُ إكْرَاهُهُ ، فَإِنَّ الْإِسْلَامَ لَا يَحْصُلُ بِدُونِ اعْتِقَادِهِ مِنْ الْعَاقِلِ ، بِدَلِيلِ أَنَّ الْمُنَافِقِينَ كَانُوا يُظْهِرُونَ الْإِسْلَامَ ، وَيَقُومُونَ بِفَرَائِضِهِ ، وَلَمْ يَكُونُوا مُسْلِمِينَ .","part":19,"page":491},{"id":9491,"text":"( 7116 ) فَصْلٌ : وَمَنْ أُكْرِهَ عَلَى الْكُفْرِ ، فَأَتَى بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ ، لَمْ يَصِرْ كَافِرًا .\rوَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ : هُوَ كَافِرٌ فِي الظَّاهِرِ ، تَبِينُ مِنْهُ امْرَأَتُهُ ، وَلَا يَرِثُهُ الْمُسْلِمُونَ إنْ مَاتَ ، وَلَا يُغَسَّلُ ، وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ ، وَهُوَ مُسْلِمٌ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى ؛ لِأَنَّهُ نَطَقَ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ ، فَأَشْبَهَ الْمُخْتَارَ .\rوَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { إلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنْ اللَّهِ .\r} وَرُوِيَ { أَنَّ عَمَّارًا أَخَذَهُ الْمُشْرِكُونَ ، فَضَرَبُوهُ حَتَّى تَكَلَّمَ بِمَا طَلَبُوا مِنْهُ ، ثُمَّ أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَهُوَ يَبْكِي ، فَأَخْبَرَهُ ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إنْ عَادُوا فَعُدْ } .\rوَرُوِيَ أَنَّ الْكُفَّارَ كَانُوا يُعَذِّبُونَ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ ، فَمَا مِنْهُمْ أَحَدٌ إلَّا أَجَابَهُمْ ، إلَّا بِلَالٌ ، فَإِنَّهُ كَانَ يَقُولُ : أَحَدٌ .\rأَحَدٌ .\rوَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : عُفِيَ لِأُمَّتِي عَنْ الْخَطَإِ وَالنِّسْيَانِ ، وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ .\r} وَلِأَنَّهُ قَوْلٌ أُكْرِهَ عَلَيْهِ بِغَيْرِ حَقٍّ ، فَلَمْ يَثْبُتْ حُكْمُهُ ، كَمَا لَوْ أُكْرِهَ عَلَى الْإِقْرَارِ ، وَفَارَقَ مَا إذَا أُكْرِهَ بِحَقٍّ ، فَإِنَّهُ خُيِّرَ بَيْنَ أَمْرَيْنِ يَلْزَمُهُ أَحَدُهُمَا ، فَأَيَّهُمَا اخْتَارَهُ ثَبَتَ حُكْمُهُ فِي حَقِّهِ .\rفَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ لَمْ يَكْفُرْ ، فَمَتَى زَالَ عَنْهُ الْإِكْرَاهُ ، أُمِرَ بِإِظْهَارِ إسْلَامِهِ ، فَإِنْ أَظْهَرَهُ فَهُوَ بَاقٍ عَلَى إسْلَامِهِ ، وَإِنْ أَظْهَرَ الْكُفْرَ حُكِمَ أَنَّهُ كَفَرَ مِنْ حِينِ نَطَقَ بِهِ ؛ لِأَنَّنَا تَبَيَّنَّا بِذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ مُنْشَرِحَ الصَّدْرِ بِالْكُفْرِ مِنْ حِينِ نَطَقَ بِهِ ، مُخْتَارًا لَهُ .\rوَإِنْ قَامَتْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ أَنَّهُ نَطَقَ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ ، وَكَانَ مَحْبُوسًا عِنْدَ الْكُفَّارِ ،","part":19,"page":492},{"id":9492,"text":"وَمُقَيَّدًا عِنْدَهُمْ فِي حَالَةِ خَوْفٍ ، لَمْ يُحْكَمْ بِرِدَّتِهِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ ظَاهِرٌ فِي الْإِكْرَاهِ .\rوَإِنْ شَهِدَتْ أَنَّهُ كَانَ آمِنًا حَالَ نُطْقِهِ بِهِ ، حُكِمَ بِرِدَّتِهِ .\rفَإِنْ ادَّعَى وَرَثَتُهُ رُجُوعَهُ إلَى الْإِسْلَامِ ، لَمْ يُقْبَلْ إلَّا بِبَيِّنَةٍ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاؤُهُ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ .\rوَإِنْ شَهِدَتْ الْبَيِّنَةُ عَلَيْهِ بِأَكْلِ لَحْمِ الْخِنْزِيرِ ، لَمْ يُحْكَمْ بِرِدَّتِهِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَأْكُلُهُ مُعْتَقِدًا تَحْرِيمَهُ ، كَمَا يَشْرَبُ الْخَمْرَ مَنْ يَعْتَقِدُ تَحْرِيمَهَا .\rوَإِنْ قَالَ بَعْضُ وَرَثَتِهِ : أَكَلَهُ مُسْتَحِلًّا لَهُ .\rأَوْ أَقَرَّ بِرِدَّتِهِ ، حُرِمَ مِيرَاثَهُ ؛ لِأَنَّهُ مُقِرٌّ بِأَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّهُ ، وَيُدْفَعُ إلَى مُدَّعِي إسْلَامِهِ قَدْرُ مِيرَاثِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدَّعِي أَكْثَرَ مِنْهُ ، وَيُدْفَعُ الْبَاقِي إلَى بَيْتِ الْمَالِ ؛ لِعَدَمِ مَنْ يَسْتَحِقُّهُ ، فَإِنْ كَانَ فِي الْوَرَثَةِ صَغِيرٌ أَوْ مَجْنُونٌ ، دُفِعَ إلَيْهِ نَصِيبُهُ ، وَنَصِيبُ الْمُقِرِّ بِرِدَّةِ الْمَوْرُوثِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ تَثْبُتْ رِدَّتُهُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ .","part":19,"page":493},{"id":9493,"text":"( 7117 ) فَصْلٌ : وَمَنْ أُكْرِهَ عَلَى كَلِمَةِ الْكُفْرِ ، فَالْأَفْضَلُ لَهُ أَنْ يَصْبِرَ وَلَا يَقُولَهَا ، وَإِنْ أَتَى ذَلِكَ عَلَى نَفْسِهِ ؛ لِمَا رَوَى خَبَّابٌ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { إنْ كَانَ الرَّجُلُ مِنْ قَبْلِكُمْ لَيُحْفَرُ لَهُ فِي الْأَرْضِ ، فَيُجْعَلُ فِيهَا ، فَيُجَاءُ بِمِنْشَارٍ ، فَيُوضَعُ عَلَى شِقِّ رَأْسِهِ ، وَيُشَقُّ بِاثْنَيْنِ ، مَا يَمْنَعُهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ ، وَيُمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الْحَدِيدِ مَا دُونَ عَظْمِهِ مِنْ لَحْمٍ ، مَا يَصْرِفُهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ .\r} وَجَاءَ تَفْسِيرُ قَوْله تَعَالَى : { قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ إذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ } أَنَّ بَعْضَ مُلُوكِ الْكُفَّارِ ، أَخَذَ قَوْمًا مِنْ الْمُؤْمِنِينَ ، فَخَدَّ لَهُمْ أُخْدُودًا فِي الْأَرْضِ ، وَأَوْقَدَ فِيهِ نَارًا ، ثُمَّ قَالَ : مَنْ لَمْ يَرْجِعْ عَنْ دِينِهِ فَأَلْقُوهُ فِي النَّارِ .\rفَجَعَلُوا يُلْقُونَهُمْ فِيهَا ، حَتَّى جَاءَتْ امْرَأَةٌ عَلَى كَتِفِهَا صَبِيٌّ لَهَا ، فَتَقَاعَسَتْ مِنْ أَجْلِ الصَّبِيِّ ، فَقَالَ الصَّبِيُّ : يَا أُمَّهْ اصْبِرِي ، فَإِنَّكِ عَلَى الْحَقِّ .\rفَذَكَرَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ وَرَوَى الْأَثْرَمُ ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ، أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الرَّجُلِ يُؤْسَرُ ، فَيُعْرَضُ عَلَى الْكُفْرِ ، وَيُكْرَهُ عَلَيْهِ ، أَلَهُ أَنْ يَرْتَدَّ ؟ فَكَرِهَهُ كَرَاهَةً شَدِيدَةً ، وَقَالَ مَا يُشْبِهُ هَذَا عِنْدِي الَّذِينَ أُنْزِلَتْ فِيهِمْ الْآيَةُ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُولَئِكَ كَانُوا يُرَادُونَ عَلَى الْكَلِمَةِ ثُمَّ يُتْرَكُونَ يَعْمَلُونَ مَا شَاءُوا ، وَهَؤُلَاءِ يُرِيدُونَهُمْ عَلَى الْإِقَامَةِ عَلَى الْكُفْرِ ، وَتَرْكِ دِينِهِمْ .\rوَذَلِكَ لِأَنَّ الَّذِي يُكْرَهُ عَلَى كَلِمَةٍ يَقُولُهَا ثُمَّ يُخَلَّى ، لَا ضَرَرَ فِيهَا ، وَهَذَا الْمُقِيمُ بَيْنَهُمْ ، يَلْتَزِمُ بِإِجَابَتِهِمْ إلَى الْكُفْرِ الْمُقَامِ عَلَيْهِ ، وَاسْتِحْلَالِ الْمُحَرَّمَاتِ ، وَتَرْكِ الْفَرَائِضِ وَالْوَاجِبَاتِ ، وَفِعْلِ الْمَحْظُورَاتِ","part":19,"page":494},{"id":9494,"text":"وَالْمُنْكَرَاتِ ، وَإِنْ كَانَ امْرَأَةً تَزَوَّجُوهَا ، وَاسْتَوْلَدُوهَا أَوْلَادًا كُفَّارًا ، وَكَذَلِكَ الرَّجُلُ ، وَظَاهِرُ حَالِهِمْ الْمَصِيرُ إلَى الْكُفْرِ الْحَقِيقِيِّ ، وَالِانْسِلَاخُ مِنْ الدِّينِ الْحَنِيفِيِّ .","part":19,"page":495},{"id":9495,"text":"( 7118 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَمَنْ ارْتَدَّ وَهُوَ سَكْرَانُ ، لَمْ يُقْتَلُ حَتَّى يُفِيقَ ، وَيَتِمَّ لَهُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ مِنْ وَقْتِ رِدَّتِهِ ، فَإِنْ مَاتَ فِي سُكْرِهِ ، مَاتَ كَافِرًا ) اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ ، فِي رِدَّةِ السَّكْرَانِ ؛ فَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهَا تَصِحُّ .\rقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : وَهُوَ أَظْهَرُ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rوَعَنْهُ ، لَا يَصِحُّ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَتَعَلَّقُ بِالِاعْتِقَادِ وَالْقَصْدِ ، وَالسَّكْرَانُ لَا يَصِحُّ عَقْدُهُ وَلَا قَصْدُهُ ، فَأَشْبَهَ الْمَعْتُوهَ ، وَلِأَنَّهُ زَائِلُ الْعَقْلِ ، فَلَمْ تَصِحَّ رِدَّتُهُ كَالنَّائِمِ ، وَلِأَنَّهُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ ، فَلَمْ تَصِحَّ رِدَّتُهُ كَالْمَجْنُونِ .\rوَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ ، أَنَّ الْعَقْلَ شَرْطٌ فِي التَّكْلِيفِ ، وَهُوَ مَعْدُومٌ فِي حَقِّهِ ، وَلِهَذَا لَمْ تَصِحَّ اسْتِتَابَتُهُ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الصَّحَابَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، قَالُوا فِي السَّكْرَانِ : إذَا سَكِرَ هَذَى ، وَإِذَا هَذَى افْتَرَى ، فَحَدُّوهُ حَدَّ الْمُفْتَرِي .\rفَأَوْجَبُوا عَلَيْهِ حَدَّ الْفِرْيَةِ الَّتِي يَأْتِي بِهَا فِي سُكْرِهِ ، وَأَقَامُوا مَظِنَّتَهَا مُقَامَهَا ، وَلِأَنَّهُ يَصِحُّ طَلَاقُهُ ، فَصَحَّتْ رِدَّتُهُ كَالصَّاحِي .\rوَقَوْلُهُمْ \" لَيْسَ بِمُكَلَّفٍ \" مَمْنُوعٌ فَإِنَّ الصَّلَاةَ وَاجِبَةٌ عَلَيْهِ ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ ، وَيَأْثَمُ بِفِعْلِ الْمُحَرَّمَاتِ .\rوَهَذَا مَعْنَى التَّكْلِيفِ ، وَلِأَنَّ السَّكْرَانَ لَا يَزُولُ عَقْلُهُ بِالْكُلِّيَّةِ ، وَلِهَذَا يَتَّقِي الْمَحْذُورَاتِ ، وَيَفْرَحُ بِمَا يَسُرُّهُ ، وَيُسَاءُ بِمَا يَضُرُّهُ ، وَيَزُولُ سُكْرُهُ عَنْ قُرْبٍ مِنْ الزَّمَانِ ، فَأَشْبَهَ النَّاعِسَ ، بِخِلَافِ النَّائِمِ وَالْمَجْنُونِ ، وَأَمَّا اسْتِتَابَتُهُ فَتُؤَخَّرُ إلَى حِينِ صَحْوِهِ ، لِيَكْمُلَ عَقْلُهُ ، وَيَفْهَمَ مَا يُقَالُ لَهُ ، وَتُزَالَ شُبْهَتُهُ إنْ كَانَ قَدْ قَالَ الْكُفْرَ مُعْتَقِدًا لَهُ ، كَمَا تُؤَخَّرُ اسْتِتَابَتُهُ إلَى حِينِ زَوَالِ شِدَّةِ عَطَشِهِ وَجُوعِهِ ، وَيُؤَخَّرُ الصَّبِيُّ إلَى","part":19,"page":496},{"id":9496,"text":"حِينِ بُلُوغِهِ وَكَمَالِ عَقْلِهِ ، وَلِأَنَّ الْقَتْلَ جُعِلَ لِلزَّجْرِ ، وَلَا يَحْصُلُ الزَّجْرُ فِي حَالِ سُكْرِهِ .\rوَإِنْ قَتَلَهُ قَاتِلٌ فِي حَالِ سُكْرِهِ لَمْ يَضْمَنْهُ ؛ لِأَنَّ عِصْمَتَهُ زَالَتْ بِرِدَّتِهِ .\rوَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ ، لَمْ يَرِثْهُ وَرَثَتُهُ ، وَلَا يَقْتُلُهُ حَتَّى يَتِمَّ لَهُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ ، ابْتِدَاؤُهَا مِنْ حِينِ ارْتَدَّ ، فَإِنْ اسْتَمَرَّ سُكْرُهُ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثٍ ، لَمْ يُقْبَلْ حَتَّى يَصْحُوَ ، ثُمَّ يُسْتَتَابَ عَقِيبَ صَحْوِهِ ، فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ فِي الْحَالِ .\rوَإِنْ أَسْلَمَ فِي سُكْرِهِ صَحَّ إسْلَامُهُ ، ثُمَّ يُسْأَلُ بَعْدَ صَحْوِهِ ، فَإِنْ ثَبَتَ عَلَى إسْلَامِهِ ، فَهُوَ مُسْلِمٌ مِنْ حِينِ أَسْلَمَ ؛ لِأَنَّ إسْلَامَهُ صَحِيحٌ ، وَإِنْ كَفَرَ فَهُوَ كَافِرٌ مِنْ الْآنَ ؛ لِأَنَّ إسْلَامَهُ صَحَّ ، وَإِنَّمَا يُسْأَلُ اسْتِظْهَارًا ، وَإِنْ مَاتَ بَعْدَ إسْلَامِهِ فِي سُكْرِهِ ، مَاتَ مُسْلِمًا .","part":19,"page":497},{"id":9497,"text":"( 7119 ) فَصْلٌ : وَيَصِحُّ إسْلَامُ السَّكْرَانِ فِي سُكْرِهِ ؛ سَوَاءٌ كَانَ كَافِرًا أَصْلِيًّا أَوْ مُرْتَدًّا ؛ لِأَنَّهُ إذَا صَحَّتْ رِدَّتُهُ مَعَ أَنَّهَا مَحْضُ مَضَرَّةٍ ، وَقَوْلُ بَاطِلٍ ، فَلَأَنْ يَصِحَّ إسْلَامُهُ ، الَّذِي هُوَ قَوْلُ حَقٍّ ، وَمَحْضُ مَصْلَحَةٍ ، أَوْلَى .\rفَإِنْ رَجَعَ عَنْ إسْلَامِهِ ، وَقَالَ : لَمْ أَدْرِ مَا قُلْت .\rلَمْ يُلْتَفَتْ إلَى مَقَالَتِهِ ، وَأُجْبِرَ عَلَى الْإِسْلَامِ ، فَإِنْ أَسْلَمَ ، وَإِلَّا قُتِلَ وَيَتَخَرَّجُ أَنْ لَا يَصِحَّ إسْلَامُهُ ، بِنَاءً عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ رِدَّتَهُ لَا تَصِحُّ ، فَإِنَّ مَنْ لَا تَصِحُّ رِدَّتُهُ ، لَا يَصِحُّ إسْلَامُهُ ، كَالطِّفْلِ وَالْمَعْتُوهِ .","part":19,"page":498},{"id":9498,"text":"( 7120 ) فَصْلٌ : وَلَا تَصِحُّ رِدَّةُ الْمَجْنُونِ وَلَا إسْلَامُهُ ؛ لِأَنَّهُ لَا قَوْلَ لَهُ .\rوَإِنْ ارْتَدَّ فِي صِحَّتِهِ ، ثُمَّ جُنَّ ، لَمْ يُقْتَلْ فِي حَالِ جُنُونِهِ ؛ لِأَنَّهُ يُقْتَلُ بِالْإِصْرَارِ عَلَى الرِّدَّةِ ، وَالْمَجْنُونُ لَا يُوصَفُ بِالْإِصْرَارِ ، وَلَا يُمْكِنُ اسْتِتَابَتُهُ .\rوَلَوْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ فَجُنَّ قُتِلَ ؛ لِأَنَّ الْقِصَاصَ لَا يَسْقُطُ عَنْهُ بِسَبَبٍ مِنْ جِهَتِهِ ، وَهَا هُنَا يَسْقُطُ بِرُجُوعِهِ ، وَلِأَنَّ الْقِصَاصَ إنَّمَا يَسْقُطُ بِسَبَبٍ مِنْ جِهَةِ الْمُسْتَحِقِّ لَهُ ، فَنَظِيرُ مَسْأَلَتِنَا أَنْ يُجَنَّ الْمُسْتَحِقُّ لِلْقِصَاصِ ، فَإِنَّهُ لَا يَسْتَوْفِي حَالَ جُنُونِهِ .","part":19,"page":499},{"id":9499,"text":"( 7121 ) فَصْلٌ : وَمَنْ أَصَابَ حَدًّا ثُمَّ ارْتَدَّ ثُمَّ أَسْلَمَ ، أُقِيمَ عَلَيْهِ حَدُّهُ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ، سَوَاءٌ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ فِي رِدَّتِهِ ، أَوْ لَمْ يَلْحَقْ بِهَا .\rوَقَالَ قَتَادَةُ ، فِي مُسْلِمٍ أَحْدَثَ حَدَثًا ، ثُمَّ لَحِقَ بِالرُّومِ ، ثُمَّ قُدِرَ عَلَيْهِ : إنْ كَانَ ارْتَدَّ دُرِئَ عَنْهُ الْحَدُّ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ارْتَدَّ ، أُقِيمَ عَلَيْهِ .\rوَنَحْوَ هَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالثَّوْرِيُّ ، إلَّا حُقُوقَ النَّاسِ ؛ لِأَنَّ رِدَّتَهُ أَحْبَطَتْ عَمَلَهُ ، فَأَسْقَطَتْ مَا عَلَيْهِ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى ، كَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فِي حَالِ شِرْكِهِ ، وَلِأَنَّ الْإِسْلَامَ يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ حَقٌّ عَلَيْهِ ، فَلَمْ يَسْقُطْ بِرِدَّتِهِ ، كَحُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ .\rوَفَارَقَ مَا فَعَلَهُ فِي شِرْكِهِ ، فَإِنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ حُكْمُهُ فِي حَقِّهِ .\rوَأَمَّا قَوْلُهُ : { الْإِسْلَامُ يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ } .\rفَالْمُرَادُ بِهِ مَا فَعَلَهُ فِي كُفْرِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَرَادَ مَا قَبْلَ رِدَّتِهِ ، أَفْضَى إلَى كَوْنِ الرِّدَّةِ - الَّتِي هِيَ أَعْظَمُ الذُّنُوبِ - مُكَفِّرَةً لِلذُّنُوبِ ، وَأَنَّ مَنْ كَثُرَتْ ذُنُوبُهُ وَلَزِمَتْهُ حُدُودٌ يَكْفُرُ ثُمَّ يُسْلِمُ فَتُكَفَّرُ ذُنُوبُهُ ، وَتَسْقُطُ حُدُودُهُ .","part":19,"page":500},{"id":9500,"text":"( 7122 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا مَا فَعَلَهُ فِي رِدَّتِهِ ، فَقَدْ نَقَلَ مُهَنَّا عَنْ أَحْمَدَ ، قَالَ : سَأَلْتُهُ عَنْ رَجُلٍ ارْتَدَّ عَنْ الْإِسْلَامِ فَقَطَعَ الطَّرِيقَ ، وَقَتَلَ النَّفْسَ ، ثُمَّ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ ، فَأَخَذَهُ الْمُسْلِمُونَ .\rفَقَالَ : تُقَامُ فِيهِ الْحُدُودُ وَيُقْتَصُّ مِنْهُ .\rوَسَأَلْتُهُ عَنْ رَجُلٍ ارْتَدَّ فَلَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ ، فَقَتَلَ بِهَا مُسْلِمًا ، ثُمَّ رَجَعَ تَائِبًا ، وَقَدْ أَسْلَمَ ، فَأَخَذَهُ وَلِيُّهُ ، يَكُونُ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ ؟ فَقَالَ : قَدْ زَالَ عَنْهُ الْحُكْمُ ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا قَتَلَ وَهُوَ مُشْرِكٌ ، وَكَذَلِكَ إنْ سَرَقَ وَهُوَ مُشْرِكٌ .\rثُمَّ تَوَقَّفَ بَعْدَ ذَلِكَ .\rوَقَالَ : لَا أَقُولُ فِي هَذَا شَيْئًا .\rوَقَالَ الْقَاضِي : مَا أَصَابَ فِي رِدَّتِهِ مِنْ نَفْسٍ أَوْ مَالٍ أَوْ جُرْحٍ ، فَعَلَيْهِ ضَمَانُهُ سَوَاءٌ كَانَ فِي مَنَعَةٍ وَجَمَاعَةٍ أَوْ لَمْ يَكُنْ ؛ لِأَنَّهُ الْتَزَمَ حُكْمَ الْإِسْلَامِ بِإِقْرَارِهِ ، فَلَمْ يَسْقُطْ بِجَحْدِهِ ، كَمَا لَا يَسْقُطُ مَا الْتَزَمَهُ عِنْدَ الْحَاكِمِ بِجَحْدِهِ .\rوَالصَّحِيحُ أَنَّ مَا أَصَابَهُ الْمُرْتَدُّ بَعْدَ لُحُوقِهِ بِدَارِ الْحَرْبِ أَوْ كَوْنِهِ فِي جَمَاعَةٍ مُمْتَنِعَةٍ ، لَا يَضْمَنُهُ ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ فِي آخِرِ الْبَابِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا ، وَمَا فَعَلَهُ قَبْلَ هَذَا ، أُخِذَ بِهِ ، إذَا كَانَ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّ آدَمِيٍّ ، كَالْجِنَايَةِ عَلَى نَفْسٍ أَوْ مَالٍ ؛ لِأَنَّهُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ ، فَلَزِمَهُ حُكْمُ جِنَايَتِهِ ، كَالذِّمِّيِّ وَالْمُسْتَأْمَنِ .\rوَأَمَّا إنْ ارْتَكَبَ حَدًّا خَالِصًا لِلَّهِ تَعَالَى ، كَالزِّنَى ، وَشُرْبِ الْخَمْرِ ، وَالسَّرِقَةِ ، فَإِنَّهُ إنْ قُتِلَ بِالرِّدَّةِ ، سَقَطَ مَا سِوَى الْقَتْلِ مِنْ الْحُدُودِ ؛ لِأَنَّهُ مَتَى اجْتَمَعَ مَعَ الْقَتْلِ حَدٌّ ، اُكْتُفِيَ بِالْقَتْلِ ، وَإِنْ رَجَعَ إلَى الْإِسْلَامِ ، أُخِذَ بِحَدِّ الزِّنَى وَالسَّرِقَةِ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ دَارِ الْإِسْلَامِ ، فَأُخِذَ بِهِمَا ، كَالذِّمِّيِّ وَالْمُسْتَأْمَنِ .\rوَأَمَّا حَدُّ الْخَمْرِ ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَجِبَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ كَافِرٌ ، فَلَا يُقَامُ عَلَيْهِ حَدُّ","part":20,"page":1},{"id":9501,"text":"الْخَمْرِ كَسَائِرِ الْكُفَّارِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يَجِبَ ؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِحُكْمِ الْإِسْلَامِ قَبْلَ رِدَّتِهِ ، وَهَذَا مِنْ أَحْكَامِهِ ، فَلَمْ يَسْقُطْ بِجَحْدِهِ بَعْدَهُ .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":20,"page":2},{"id":9502,"text":"( 7123 ) فَصْلٌ : وَمَنْ ادَّعَى النُّبُوَّةَ ، أَوْ صَدَّقَ مَنْ ادَّعَاهُ ، فَقَدْ ارْتَدَّ ؛ لِأَنَّ مُسَيْلِمَةَ لَمَّا ادَّعَى النُّبُوَّةَ ، فَصَدَّقَهُ قَوْمُهُ ، صَارُوا بِذَلِكَ مُرْتَدِّينَ ، وَكَذَلِكَ طُلَيْحَةُ الْأَسَدِيُّ وَمُصَدِّقُوهُ .\rوَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَخْرُجَ ثَلَاثُونَ كَذَّابُونَ ، كُلُّهُمْ يَزْعُمُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ .\r}","part":20,"page":3},{"id":9503,"text":"( 7124 ) فَصْلٌ : وَمَنْ سَبَّ اللَّهَ تَعَالَى ، كَفَرَ ، سَوَاءٌ كَانَ مَازِحًا أَوْ جَادًّا .\rوَكَذَلِكَ مَنْ اسْتَهْزَأَ بِاَللَّهِ تَعَالَى ، أَوْ بِآيَاتِهِ أَوْ بِرُسُلِهِ ، أَوْ كُتُبِهِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاَللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إيمَانِكُمْ } .\rوَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُكْتَفَى مِنْ الْهَازِئِ بِذَلِكَ بِمُجَرَّدِ الْإِسْلَامِ ، حَتَّى يُؤَدَّبَ أَدَبًا يَزْجُرُهُ عَنْ ذَلِكَ ، فَإِنَّهُ إذَا لَمْ يُكْتَفَ مِمَّنْ سَبَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالتَّوْبَةِ فَمِمَّنْ سَبَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْلَى .","part":20,"page":4},{"id":9504,"text":"( 7125 ) فَصْلٌ : فِي السِّحْرِ : وَهُوَ عُقَدٌ وَرُقًى وَكَلَامٌ يَتَكَلَّمُ بِهِ ، أَوْ يَكْتُبُهُ ، أَوْ يَعْمَلُ شَيْئًا فِي بَدَنِ الْمَسْحُورِ أَوْ قَلْبِهِ ، أَوْ عَقْلِهِ ، مِنْ غَيْر مُبَاشَرَةٍ لَهُ .\rوَلَهُ حَقِيقَةٌ ، فَمِنْهُ مَا يَقْتُلُ ، وَمَا يُمْرِضُ ، وَيَأْخُذُ الرَّجُلَ عَنْ امْرَأَتِهِ فَيَمْنَعُهُ وَطْأَهَا ، وَمِنْهُ مَا يُفَرِّقُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ ، وَمَا يُبَغِّضُ أَحَدَهُمَا إلَى الْآخَرِ ، أَوْ يُحَبِّبُ بَيْنَ اثْنَيْنِ .\rوَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ .\rوَذَهَبَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ إلَى أَنَّهُ لَا حَقِيقَةَ لَهُ ، إنَّمَا هُوَ تَخْيِيلٌ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : { يُخَيَّلُ إلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى } .\rوَقَالَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ : إنْ كَانَ شَيْئًا يَصِلُ إلَى بَدَنِ الْمَسْحُورِ ، كَدُخَانٍ وَنَحْوِهِ ، جَازَ أَنْ يَحْصُلَ مِنْهُ ذَلِكَ ، فَأَمَّا أَنْ يَحْصُلَ الْمَرَضُ وَالْمَوْتُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَصِلَ إلَى بَدَنِهِ شَيْءٌ ، فَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ جَازَ ، لَبَطَلَتْ مُعْجِزَاتُ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمْ السَّلَامُ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَخْرِقُ الْعَادَاتِ ، فَإِذَا جَازَ مِنْ غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ ، بَطَلَتْ مُعْجِزَاتُهُمْ وَأَدِلَّتُهُمْ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إذَا وَقَبَ وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ } يَعْنِي السَّوَاحِرَ اللَّاتِي يَعْقِدْنَ فِي سِحْرِهِنَّ ، وَيَنْفُثْنَ عَلَيْهِ ، وَلَوْلَا أَنَّ السِّحْرَ لَهُ حَقِيقَةٌ ، لَمَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِالِاسْتِعَاذَةِ مِنْهُ .\rوَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ } .\rإلَى قَوْلِهِ : { فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ } .\rوَرَوَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُحِرَ ، حَتَّى إنَّهُ لَيُخَيَّلُ إلَيْهِ أَنَّهُ يَفْعَلُ الشَّيْءَ وَمَا يَفْعَلُهُ وَأَنَّهُ قَالَ لَهَا ذَاتَ يَوْمٍ : أَشَعَرْتِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَفْتَانِي فِيمَا","part":20,"page":5},{"id":9505,"text":"اسْتَفْتَيْتُهُ ؟ أَنَّهُ أَتَانِي مَلَكَانِ فَجَلَسَ أَحَدُهُمَا عِنْدَ رَأْسِي ، وَالْآخَرُ عِنْدَ رِجْلَيَّ ، فَقَالَ : مَا وَجَعُ الرَّجُلِ ؟ قَالَ : مَطْبُوبٌ قَالَ : مَنْ طَبَّهُ ؟ قَالَ : لَبِيدُ بْنُ الْأَعْصَمِ فِي مُشْطٍ وَمُشَاطَةٍ ، فِي جُفِّ طَلْعَةٍ ذَكَرٍ ، فِي بِئْرِ ذِي أَرْوَانِ .\r} ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ ، وَغَيْرُهُ .\rجُفُّ الطَّلْعَةِ : وِعَاؤُهَا .\rوَالْمُشَاطَةُ : الشَّعَرُ الَّذِي يَخْرُجُ مِنْ شَعَرِ الرَّأْسِ أَوْ غَيْرِهِ إذَا مُشِطَ .\rفَقَدْ أَثْبَتَ لَهُمْ سِحْرًا .\rوَقَدْ اُشْتُهِرَ بَيْنَ النَّاسِ وُجُودُ عَقْدِ الرَّجُلِ عَنْ امْرَأَتِهِ حِينَ يَتَزَوَّجُهَا فَلَا يَقْدِرُ عَلَى إتْيَانِهَا ، وَحَلُّ عَقْدِهِ ، فَيَقْدِرُ عَلَيْهَا بَعْدَ عَجْزِهِ عَنْهَا ، حَتَّى صَارَ مُتَوَاتِرًا لَا يُمْكِنُ جَحْدُهُ .\rوَرُوِيَ مِنْ أَخْبَارِ السَّحَرَةِ مَا لَا يَكَادُ يُمْكِنُ التَّوَاطُؤُ عَلَى الْكَذِبِ فِيهِ .\rوَأَمَّا إبْطَالُ الْمُعْجِزَاتِ ، فَلَا يَلْزَمُ مِنْ هَذَا ؛ لِأَنَّهُ لَا يَبْلُغُ مَا يَأْتِي بِهِ الْأَنْبِيَاءُ عَلَيْهِمْ السَّلَامُ ، وَلَيْسَ يَلْزَمُ أَنْ يَنْتَهِيَ إلَى أَنْ تَسْعَى الْعِصِيُّ وَالْحِبَالُ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّ تَعَلُّمَ السِّحْرِ وَتَعْلِيمَهُ حَرَامٌ لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rقَالَ أَصْحَابُنَا : وَيُكَفَّرُ السَّاحِرُ بِتَعَلُّمِهِ وَفِعْلِهِ ، سَوَاءٌ اعْتَقَدَ تَحْرِيمَهُ أَوْ إبَاحَتَهُ .\rوَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُكَفَّرُ ، فَإِنَّ حَنْبَلًا رُوِيَ عَنْهُ ، قَالَ : قَالَ عَمِّي فِي الْعَرَّافِ وَالْكَاهِنِ وَالسَّاحِرِ : أَرَى أَنْ يُسْتَتَابَ مِنْ هَذِهِ الْأَفَاعِيلِ كُلِّهَا ، فَإِنَّهُ عِنْدِي فِي مَعْنَى الْمُرْتَدِّ ، فَإِنْ تَابَ وَرَاجَعَ يَعْنِي يُخَلَّى سَبِيلُهُ .\rقُلْت لَهُ : يُقْتَلُ ؟ قَالَ : لَا ، يُحْبَسُ ، لَعَلَّهُ يَرْجِعُ .\rقُلْت لَهُ : لِمَ لَا تَقْتُلُهُ ؟ قَالَ : إذَا كَانَ يُصَلِّي ، لَعَلَّهُ يَتُوبُ وَيَرْجِعُ .\rوَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُكَفِّرْهُ لِأَنَّهُ لَوْ كَفَّرَهُ لَقَتَلَهُ .\rوَقَوْلُهُ فِي مَعْنَى الْمُرْتَدِّ .\rيَعْنِي الِاسْتِتَابَةَ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ : إنْ اعْتَقَدَ","part":20,"page":6},{"id":9506,"text":"أَنَّ الشَّيَاطِينَ تَفْعَلُ لَهُ مَا يَشَاءُ ، كُفِّرَ ، وَإِنْ اعْتَقَدَ أَنَّهُ تَخْيِيلٌ لَمْ يُكَفَّرْ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ إنْ اعْتَقَدَ مَا يُوجِبُ الْكُفْرَ ، مِثْلَ التَّقَرُّبِ إلَى الْكَوَاكِبِ السَّبْعَةِ ، وَأَنَّهَا تَفْعَلُ مَا يَلْتَمِسُ ، أَوْ اعْتَقَدَ حِلَّ السِّحْرِ ، كُفِّرَ ؛ لِأَنَّ الْقُرْآنَ نَطَقَ بِتَحْرِيمِهِ ، وَثَبَتَ بِالنَّقْلِ الْمُتَوَاتِرِ وَالْإِجْمَاعِ عَلَيْهِ ، وَإِلَّا فُسِّقَ وَلَمْ يُكَفَّرْ ؛ لِأَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا بَاعَتْ مُدَبَّرَةً لَهَا سَحَرَتْهَا ، بِمَحْضَرٍ مِنْ الصَّحَابَةِ .\rوَلَوْ كُفِّرَتْ لَصَارَتْ مُرْتَدَّةً يَجِبُ قَتْلُهَا ، وَلَمْ يَجُزْ اسْتِرْقَاقُهَا ، وَلِأَنَّهُ شَيْءٌ يَضُرُّ بِالنَّاسِ ، فَلَمْ يُكَفَّرْ بِمُجَرَّدِهِ كَأَذَاهُمْ .\rوَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا } .\rإلَى قَوْلِهِ : { وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ } .\rأَيْ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ ، أَيْ وَمَا كَانَ سَاحِرًا كَفَرَ بِسِحْرِهِ .\rوَقَوْلُهُمَا : إنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ .\rأَيْ لَا تَتَعَلَّمْهُ فَتَكْفُرَ بِذَلِكَ ، وَقَدْ رَوَى هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ ، أَنَّ امْرَأَةً جَاءَتْهَا ، فَجَعَلَتْ تَبْكِي بُكَاءً شَدِيدًا ، وَقَالَتْ : يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ ، إنَّ عَجُوزًا ذَهَبَتْ بِي إلَى هَارُوتَ وَمَارُوتَ .\rفَقُلْت : عَلِّمَانِي السِّحْرَ .\rفَقَالَا : اتَّقِي اللَّهَ وَلَا تَكْفُرِي ، فَإِنَّكِ عَلَى رَأْسِ أَمْرِكِ .\rفَقُلْت : عَلِّمَانِي السِّحْرَ .\rفَقَالَا : اذْهَبِي إلَى ذَلِكَ التَّنُّورِ ، فَبُولِي فِيهِ .\rفَفَعَلْتُ ، فَرَأَيْتُ كَأَنَّ فَارِسًا مُقَنَّعًا فِي الْحَدِيدِ خَرَجَ مِنِّي حَتَّى طَارَ ، فَغَابَ فِي السَّمَاءِ ، فَرَجَعْتُ إلَيْهِمَا ، فَأَخْبَرْتُهُمَا ، فَقَالَا : ذَلِكَ إيمَانُكِ .\rفَذَكَرَتْ بَاقِيَ الْقِصَّةِ إلَى أَنْ قَالَتْ : وَاَللَّهِ يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ مَا صَنَعْتُ شَيْئًا غَيْرَ هَذَا ، وَلَا أَصْنَعُهُ أَبَدًا فَهَلْ لِي مِنْ تَوْبَةٍ ؟ قَالَتْ","part":20,"page":7},{"id":9507,"text":"عَائِشَةُ : وَرَأَيْتهَا تَبْكِي بُكَاءً شَدِيدًا ، فَطَافَتْ فِي أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُمْ مُتَوَافِرُونَ - تَسْأَلُهُمْ ، هَلْ لَهَا مِنْ تَوْبَةٍ ؟ فَمَا أَفْتَاهَا أَحَدٌ ، إلَّا أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ لَهَا : إنْ كَانَ أَحَدٌ مِنْ أَبَوَيْكِ حَيًّا ، فَبِرِّيهِ ، وَأَكْثِرِي مِنْ عَمَلِ الْبِرِّ مَا اسْتَطَعْتِ .\rوَقَوْلُ عَائِشَةَ قَدْ خَالَفَهَا فِيهِ كَثِيرٌ مِنْ الصَّحَابَةِ ، وَقَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ السَّاحِرُ كَافِرٌ وَيَحْتَمِلُ أَنَّ الْمُدَبَّرَةَ تَابَتْ فَسَقَطَ عَنْهَا الْقَتْلُ وَالْكُفْرُ بِتَوْبَتِهَا .\rوَيَحْتَمِلُ أَنَّهَا سَحَرَتْهَا ، بِمَعْنَى أَنَّهَا ذَهَبَتْ إلَى سَاحِرٍ سَحَرَ لَهَا .","part":20,"page":8},{"id":9508,"text":"( 7126 ) فَصْلٌ : وَحَدُّ السَّاحِرِ الْقَتْلُ .\rرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ ، وَعُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ ، وَابْنِ عُمَرَ ، وَحَفْصَةَ ، وَجُنْدُبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، وَجُنْدُبِ بْنِ كَعْبٍ وَقَيْسِ بْنِ سَعْدٍ ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ .\rوَلَمْ يَرَ الشَّافِعِيُّ عَلَيْهِ الْقَتْلَ بِمُجَرَّدِ السِّحْرِ .\rوَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْمُنْذِرِ ، وَرِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ قَدْ ذَكَرْنَاهَا فِيمَا تَقَدَّمَ ، وَوَجْهُ ذَلِكَ ، أَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ، بَاعَتْ مُدَبَّرَةً سَحَرَتْهَا ، وَلَوْ وَجَبَ قَتْلُهَا لَمَا حَلَّ بَيْعُهَا ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ ؛ كُفْرٍ بَعْدَ إيمَانٍ أَوْ زِنًى بَعْدَ إحْصَانٍ ، أَوْ قَتْلِ نَفْسٍ بِغَيْرِ حَقٍّ } .\rوَلَمْ يَصْدُرْ مِنْهُ أَحَدُ الثَّلَاثَةِ ، فَوَجَبَ أَنْ لَا يَحِلَّ دَمُهُ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى جُنْدُبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ { : حَدُّ السَّاحِرِ ، ضَرْبُهُ بِالسَّيْفِ .\r} قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : رَوَاهُ إسْمَاعِيلُ بْنُ مُسْلِمٍ ، وَهُوَ ضَعِيفٌ .\r، وَرَوَى سَعِيدٌ ، وَأَبُو دَاوُد فِي \" كِتَابَيْهِمَا \" ، عَنْ بَجَالَةَ قَالَ : كُنْت كَاتِبًا لِجَزْءِ بْنِ مُعَاوِيَةَ عَمِّ الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ ، إذْ جَاءَنَا كِتَابُ عُمَرَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِسَنَةٍ : اُقْتُلُوا كُلَّ سَاحِرٍ .\rفَقَتَلْنَا ثَلَاثَ سَوَاحِرَ فِي يَوْمٍ ، وَهَذَا اُشْتُهِرَ فَلَمْ يُنْكَرْ ، فَكَانَ إجْمَاعًا ، وَقَتَلَتْ حَفْصَةُ جَارِيَةً لَهَا سَحَرَتْهَا .\rوَقَتَلَ جُنْدُبُ بْنُ كَعْبٍ سَاحِرًا كَانَ يَسْحَرُ بَيْنَ يَدَيْ الْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ .\rوَلِأَنَّهُ كَافِرٌ فَيُقْتَلُ ؛ لِلْخَبَرِ الَّذِي رَوَوْهُ .","part":20,"page":9},{"id":9509,"text":"( 7127 ) فَصْلٌ : وَهَلْ يُسْتَتَابُ السَّاحِرُ ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ إحْدَاهُمَا ، لَا يُسْتَتَابُ وَهُوَ ظَاهِرُ مَا نُقِلَ عَنْ الصَّحَابَةِ ، فَإِنَّهُ لَمْ يُنْقَلُ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ أَنَّهُ اسْتَتَابَ سَاحِرًا ، وَفِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ ، أَنَّ السَّاحِرَةَ سَأَلَتْ أَصْحَابَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُمْ مُتَوَافِرُونَ ، هَلْ لَهَا مِنْ تَوْبَةٍ ؟ فَمَا أَفْتَاهَا أَحَدٌ .\rوَلِأَنَّ السِّحْرَ مَعْنًى فِي قَلْبِهِ ، لَا يَزُولُ بِالتَّوْبَةِ ، فَيُشْبِهُ مَنْ لَمْ يَتُبْ ، وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ ، يُسْتَتَابُ ، فَإِنْ تَابَ قُبِلَتْ تَوْبَتُهُ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِأَعْظَمَ مِنْ الشِّرْكِ ، وَالْمُشْرِكُ يُسْتَتَابُ ، وَمَعْرِفَتُهُ السِّحْرَ لَا تَمْنَعُ قَبُولَ تَوْبَتِهِ ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَبِلَ تَوْبَةَ سَحَرَةِ فِرْعَوْنَ وَجَعَلَهُمْ مِنْ أَوْلِيَائِهِ فِي سَاعَةٍ ، وَلِأَنَّ السَّاحِرَ لَوْ كَانَ كَافِرًا فَأَسْلَمَ صَحَّ إسْلَامُهُ وَتَوْبَتُهُ ، فَإِذَا صَحَّتْ التَّوْبَةُ مِنْهُمَا صَحَّتْ مِنْ أَحَدِهِمَا ، كَالْكُفْرِ ، وَلِأَنَّ الْكُفْرَ وَالْقَتْلَ إنَّمَا هُوَ بِعَمَلِهِ بِالسِّحْرِ ، لَا بِعِلْمِهِ ، بِدَلِيلِ السَّاحِرِ إذَا أَسْلَمَ ، وَالْعَمَلُ بِهِ يُمْكِنُ التَّوْبَةُ مِنْهُ ، وَكَذَلِكَ اعْتِقَادُ مَا يَكْفُرُ بِاعْتِقَادِهِ ، يُمْكِنُ التَّوْبَةُ مِنْهُ كَالشِّرْكِ ، وَهَاتَانِ الرِّوَايَتَانِ فِي ثُبُوتِ حُكْمِ التَّوْبَةِ فِي الدُّنْيَا ، مِنْ سُقُوطِ الْقَتْلِ وَنَحْوِهِ ، فَأَمَّا فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى ، وَسُقُوطِ عُقُوبَةِ الدَّارِ الْآخِرَةِ عَنْهُ ، فَتَصِحُّ ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَسُدَّ بَابَ التَّوْبَةِ عَنْ أَحَدٍ ، مِنْ خَلْقِهِ ، وَمَنْ تَابَ إلَى اللَّهِ قَبِلَ تَوْبَتَهُ ، لَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا .","part":20,"page":10},{"id":9510,"text":"( 7128 ) فَصْلٌ : وَالسِّحْرُ الَّذِي ذَكَرْنَا حُكْمَهُ .\rهُوَ الَّذِي يُعَدُّ فِي الْعُرْفِ سِحْرًا ، مِثْلُ فِعْلِ لَبِيدِ بْنِ الْأَعْصَمِ ، حِينَ سَحَرَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مُشْطٍ وَمُشَاطَةٍ .\rوَرَوَيْنَا فِي مَغَازِي الْأُمَوِيِّ أَنَّ النَّجَاشِيَّ دَعَا السَّوَاحِرَ ، فَنَفَخْنَ فِي إحْلِيلِ عُمَارَةَ بْنِ الْوَلِيدِ ، فَهَامَ مَعَ الْوَحْشِ ، فَلَمْ يَزَلْ مَعَهَا إلَى إمَارَةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَأَمْسَكَهُ إنْسَانٌ ، فَقَالَ : خَلِّنِي وَإِلَّا مِتُّ ، فَلَمْ يُخَلِّهِ ، فَمَاتَ مِنْ سَاعَتِهِ .\rوَبَلَغَنَا أَنَّ بَعْضَ الْأُمَرَاءِ أَخَذَ سَاحِرَةً ، فَجَاءَ زَوْجُهَا كَأَنَّهُ مُحْتَرِقٌ ، فَقَالَ : قُولُوا لَهَا تَحُلُّ عَنِّي .\rفَقَالَتْ : ائْتُونِي بِخُيُوطٍ وَبَابٍ .\rفَأَتَوْهَا بِهِ ، فَجَلَسَتْ عَلَى الْبَابِ ، حِينَ أَتَوْهَا بِهِ وَجَعَلَتْ تَعْقِدُ ، وَطَارَ بِهَا الْبَابُ ، فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهَا .\rفَهَذَا وَأَمْثَالُهُ ، مِثْلُ أَنْ يَعْقِدَ الرَّجُلَ الْمُتَزَوِّجَ ، فَلَا يُطِيقَ وَطْءَ زَوْجَتِهِ ، هُوَ السِّحْرُ الْمُخْتَلَفُ فِي حُكْمِ صَاحِبِهِ ، فَأَمَّا الَّذِي يُعَزِّمُ عَلَى الْمَصْرُوعِ وَيَزْعُمُ أَنَّهُ يَجْمَعُ الْجِنَّ ، وَيَأْمُرُهَا فَتُطِيعُهُ ، فَهَذَا لَا يَدْخُلُ فِي هَذَا الْحُكْمِ ظَاهِرًا .\rوَذَكَرَهُ الْقَاضِي ، وَأَبُو الْخَطَّابِ فِي جُمْلَةِ السَّحَرَةِ .\rوَأَمَّا مَنْ يَحُلُّ السِّحْرَ ، فَإِنْ كَانَ بِشَيْءٍ مِنْ الْقُرْآنِ ، أَوْ شَيْءٍ مِنْ الذِّكْرِ وَالْإِقْسَامِ وَالْكَلَامِ الَّذِي لَا بَأْسَ بِهِ ، فَلَا بَأْسَ بِهِ ، وَإِنْ كَانَ بِشَيْءٍ مِنْ السِّحْرِ ، فَقَدْ تَوَقَّفَ أَحْمَدُ عَنْهُ .\rقَالَ الْأَثْرَمُ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ يَزْعُمُ أَنَّهُ يَحُلُّ السِّحْرَ ، فَقَالَ : قَدْ رَخَّصَ فِيهِ بَعْضُ النَّاسِ .\rقِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ : إنَّهُ يَجْعَلُ الطِّنْجِيرَ مَاءً ، وَيَغِيبُ فِيهِ ، وَيَعْمَلُ كَذَا ، فَنَفَضَ يَدَهُ كَالْمُنْكِرِ ، وَقَالَ : مَا أَدْرِي مَا هَذَا ؟ قِيلَ لَهُ : فَتَرَى أَنْ يُؤْتَى مِثْلُ هَذَا يَحُلُّ السِّحْرَ ؟ فَقَالَ : مَا أَدْرِي مَا هَذَا ؟ وَرُوِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ","part":20,"page":11},{"id":9511,"text":"، أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ امْرَأَةٍ يُعَذِّبُهَا السَّحَرَةُ ، فَقَالَ رَجُلٌ : أَخُطُّ خَطًّا عَلَيْهَا ، وَأَغْرِزُ السِّكِّينَ عِنْدَ مَجْمَعِ الْخَطِّ ، وَأَقْرَأُ الْقُرْآنَ .\rفَقَالَ مُحَمَّدُ : مَا أَعْلَمُ بِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ بَأْسًا عَلَى حَالٍ ، وَلَا أَدْرِي مَا الْخَطُّ وَالسِّكِّينُ ؟ وَرُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ فِي الرَّجُلِ يُؤْخَذُ عَنْ امْرَأَتِهِ ، فَيَلْتَمِسُ مَنْ يُدَاوِيهِ ، فَقَالَ : إنَّمَا نَهَى اللَّهُ عَمَّا يَضُرُّ ، وَلَمْ يَنْهَ عَمَّا يَنْفَعُ .\rوَقَالَ أَيْضًا : إنْ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَنْفَعَ أَخَاك فَافْعَلْ .\rفَهَذَا مِنْ قَوْلِهِمْ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُعَزِّمَ وَنَحْوَهُ ، لَمْ يَدْخُلُوا فِي حُكْمِ السَّحَرَةِ ؛ وَلِأَنَّهُمْ لَا يُسَمَّوْنَ بِهِ ، وَهُوَ مِمَّا يَنْفَعُ وَلَا يَضُرُّ .","part":20,"page":12},{"id":9512,"text":"( 7129 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا الْكَاهِنُ الَّذِي لَهُ رَئِيٌّ مِنْ الْجِنِّ ، تَأْتِيه بِالْأَخْبَارِ ، وَالْعَرَّافُ الَّذِي يَحْدُسُ وَيَتَخَرَّصُ ، فَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ ، فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ ، فِي الْعَرَّافِ وَالْكَاهِنِ وَالسَّاحِرِ : أَرَى أَنْ يُسْتَتَابَ مِنْ هَذِهِ الْأَفَاعِيلِ .\rقِيلَ لَهُ يُقْتَلُ ؟ قَالَ : لَا ، يُحْبَسُ ، لَعَلَّهُ يَرْجِعُ .\rقَالَ : وَالْعِرَافَةُ طَرَفٌ مِنْ السِّحْرِ ، وَالسَّاحِرُ أَخْبَثُ ، لِأَنَّ السِّحْرَ شُعْبَةٌ مِنْ الْكُفْرِ .\rوَقَالَ : السَّاحِرُ وَالْكَاهِنُ حُكْمُهُمَا الْقَتْلُ ، أَوْ الْحَبْسُ حَتَّى يَتُوبَا ؛ لِأَنَّهُمَا يَلْبِسَانِ أَمْرَهُمَا ، وَحَدِيثُ عُمَرَ اُقْتُلُوا كُلَّ سَاحِرٍ وَكَاهِنٍ .\rوَلَيْسَ هُوَ مِنْ أَمْرِ الْإِسْلَامِ .\rوَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِيهِ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، أَنَّهُ يُقْتَلُ إذَا لَمْ يَتُبْ .\rوَالثَّانِيَةُ ، لَا يَقْتُلُ ؛ لِأَنَّ حُكْمَهُ أَخَفُّ مِنْ حُكْمِ السَّاحِرِ ، وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِيهِ ، فَهَذَا بِدَرْءِ الْقَتْلِ عَنْهُ أَوْلَى .","part":20,"page":13},{"id":9513,"text":"( 7130 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا سَاحِرُ أَهْلِ الْكِتَابِ ، فَلَا يُقْتَلُ لِسِحْرِهِ ، إلَّا أَنْ يَقْتُلَ بِهِ - وَهُوَ مِمَّا يُقْتَلُ بِهِ غَالِبًا - فَيُقْتَلَ قِصَاصًا .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يُقْتَلُ ؛ لِعُمُومِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْأَخْبَارِ ، وَلِأَنَّهُ جِنَايَةٌ أَوْجَبَتْ قَتْلَ الْمُسْلِمِ ، فَأَوْجَبَتْ قَتْلَ الذِّمِّيِّ كَالْقَتْلِ .\rوَلَنَا ، { أَنَّ لَبِيدَ بْنَ الْأَعْصَمِ سَحَرَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يَقْتُلْهُ } .\rوَلِأَنَّ الشِّرْكَ أَعْظَمُ مِنْ سِحْرِهِ ، وَلَا يُقْتَلُ بِهِ ، وَالْأَخْبَارُ وَرَدَتْ فِي سَاحِرِ الْمُسْلِمِينَ ؛ لِأَنَّهُ يَكْفُرُ بِسِحْرِهِ ، وَهَذَا كَافِرٌ أَصْلِيٌّ .\rوَقِيَاسُهُمْ يَنْتَقِضُ بِاعْتِقَادِ الْكُفْرِ ، وَالْمُتَكَلِّمِ بِهِ ، وَيَنْتَقِضُ بِالزِّنَى مِنْ الْمُحْصَنِ ؛ فَإِنَّهُ لَا يُقْتَلُ بِهِ الذِّمِّيُّ عِنْدَهُمْ ، وَيُقْتَلُ بِهِ الْمُسْلِمُ .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":20,"page":14},{"id":9514,"text":"كِتَابُ الْحُدُودِ الزِّنَى حَرَامٌ ، وَهُوَ مِنْ الْكَبَائِرِ الْعِظَامِ بِدَلِيلِ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَى إنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا } .\rوَقَالَ تَعَالَى : { وَاَلَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا .\r} وَرَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ قَالَ { سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ ؟ قَالَ : أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَك .\rقَالَ : قُلْت : ثُمَّ أَيُّ ؟ قَالَ : أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَك مَخَافَةَ أَنْ يَطْعَمَ مَعَك .\rقَالَ : قُلْت : ثُمَّ أَيُّ ؟ قَالَ : أَنْ تَزْنِيَ بِحَلِيلَةِ جَارِك .\r} أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ .\rوَكَانَ حَدُّ الزَّانِي فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ الْحَبْسَ لِلثَّيِّبِ ، وَالْأَذَى بِالْكَلَامِ مِنْ التَّقْرِيعِ وَالتَّوْبِيخِ لِلْبِكْرِ ؛ لِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ : { وَاَللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا وَاَللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا } .\rقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ أَهْلِ الْعِلْمِ : الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ : ( مِنْ نِسَائِكُمْ ) الثَّيِّبُ ، لِأَنَّ قَوْلَهُ : ( مِنْ نِسَائِكُمْ ) إضَافَةُ زَوْجِيَّةٍ ، كَقَوْلِهِ : { لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ } .\rوَلَا فَائِدَةَ فِي إضَافَتِهِ هَاهُنَا نَعْلَمُهَا إلَّا اعْتِبَارُ الثُّيُوبَةِ ، وَلِأَنَّهُ قَدْ ذَكَرَ عُقُوبَتَيْنِ ، إحْدَاهُمَا أَغْلَظُ مِنْ الْأُخْرَى ، فَكَانَتْ الْأَغْلَظُ لِلثَّيِّبِ ، وَالْأُخْرَى لِلْأَبْكَارِ .\rكَالرَّجْمِ وَالْجَلْدِ ، ثُمَّ نُسِخَ هَذَا بِمَا رَوَى عُبَادَةَ بْنُ الصَّامِتِ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { : خُذُوا عَنِّي ، خُذُوا","part":20,"page":15},{"id":9515,"text":"عَنِّي ، قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا ، الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ ، وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ وَالرَّجْمُ .\r} رَوَاهُ مُسْلِمٌ ، وَأَبُو دَاوُد .\rفَإِنْ قِيلَ : فَكَيْفَ يُنْسَخُ الْقُرْآنُ بِالسُّنَّةِ ؟ قُلْنَا : قَدْ ذَهَبَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا إلَى جَوَازِهِ ؛ لِأَنَّ الْكُلَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ، وَإِنْ اخْتَلَفَتْ طُرُقُهُ ، وَمَنْ مَنَعَ ذَلِكَ قَالَ : لَيْسَ هَذَا نَسْخًا ، إنَّمَا هُوَ تَفْسِيرٌ لِلْقُرْآنِ وَتَبْيِينٌ لَهُ ؛ لِأَنَّ النَّسْخَ رَفْعُ حُكْمٍ ظَاهِرُهُ الْإِطْلَاقُ ، فَأَمَّا مَا كَانَ مَشْرُوطًا بِشَرْطٍ ، وَزَالَ الشَّرْطُ ، لَا يَكُونُ نَسْخًا ، وَهَا هُنَا شَرَطَ اللَّهُ تَعَالَى حَبْسَهُنَّ إلَى أَنْ يَجْعَلَ لَهُنَّ سَبِيلًا ، فَبَيَّنَتْ السُّنَّةُ السَّبِيلَ ، فَكَانَ بَيَانًا لَا نَسْخًا .\rوَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ : إنَّ نَسْخَهُ حَصَلَ بِالْقُرْآنِ ، فَإِنَّ الْجَلْدَ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَالرَّجْمَ كَانَ فِيهِ ، فَنُسِخَ رَسْمُهُ ، وَبَقِيَ حُكْمُهُ .","part":20,"page":16},{"id":9516,"text":"( 7131 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ رَحِمَهُ اللَّهُ : ( وَإِذَا زَنَى الْحُرُّ الْمُحْصَنُ ، أَوْ الْحُرَّةُ الْمُحْصَنَةُ ، جُلِدَا وَرُجِمَا حَتَّى يَمُوتَا ، فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، وَالرِّوَايَةُ الْأُخْرَى ، يُرْجَمَانِ ، وَلَا يُجْلَدَانِ ) الْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي فُصُولٍ ثَلَاثَةٍ : الْفَصْلُ الْأَوَّلُ : فِي وُجُوبِ الرَّجْمِ عَلَى الزَّانِي الْمُحْصَنِ ، رَجُلًا كَانَ أَوْ امْرَأَةً .\rوَهَذَا قَوْلُ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ الصَّحَابَةِ ، وَالتَّابِعِينَ ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ عُلَمَاءِ الْأَمْصَارِ فِي جَمِيعِ الْأَعْصَارِ ، وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا إلَّا الْخَوَارِجَ ، فَإِنَّهُمْ قَالُوا : الْجَلْدُ لِلْبِكْرِ وَالثَّيِّبِ ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ } .\rوَقَالُوا : لَا يَجُوزُ تَرْكُ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى الثَّابِتِ بِطَرِيقِ الْقَطْعِ وَالْيَقِينِ ، لِأَخْبَارِ آحَادٍ يَجُوزُ الْكَذِبُ فِيهَا ، وَلِأَنَّ هَذَا يُفْضِي إلَى نَسْخِ الْكِتَابِ بِالسُّنَّةِ ، وَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ الرَّجْمُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلِهِ وَفِعْلِهِ ، فِي أَخْبَارٍ تُشْبِهُ الْمُتَوَاتِرَ ، وَأَجْمَعَ عَلَيْهِ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ فِي أَثْنَاءِ الْبَابِ فِي مَوَاضِعِهِ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ، وَقَدْ أَنْزَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ ، وَإِنَّمَا نُسِخَ رَسْمُهُ دُونَ حُكْمِهِ ، فَرُوِيَ عَنْ { عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : إنَّ اللَّهَ تَعَالَى بَعَثَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْحَقِّ ، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ الْكِتَابَ ، فَكَانَ فِيمَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةُ الرَّجْمِ ، فَقَرَأْتُهَا وَعَقَلْتُهَا وَوَعَيْتُهَا ، وَرَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَجَمْنَا بَعْدَهُ .\rفَأَخْشَى إنْ طَالَ بِالنَّاسِ زَمَانٌ أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ مَا نَجِدُ الرَّجْمَ فِي كِتَابِ اللَّهِ .\rفَيَضِلُّوا","part":20,"page":17},{"id":9517,"text":"بِتَرْكِ فَرِيضَةٍ أَنْزَلَهَا اللَّهُ تَعَالَى ، فَالرَّجْمُ حَقٌّ عَلَى مَنْ زَنَى إذَا أُحْصِنَ ، مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ ، إذَا قَامَتْ الْبَيِّنَةُ ، أَوْ كَانَ الْحَبَلُ ، أَوْ الِاعْتِرَافُ ، وَقَدْ قَرَأْتهَا : الشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ إذَا زَنَيَا فَارْجُمُوهُمَا أَلْبَتَّةَ نَكَالًا مِنْ اللَّهِ وَاَللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَأَمَّا آيَةُ الْجَلْدِ ، فَنَقُولُ بِهَا ، فَإِنَّ الزَّانِيَ يَجِبُ جَلْدُهُ ، فَإِنْ كَانَ ثَيِّبًا رُجِمَ مَعَ الْجَلْدِ ، وَالْآيَةُ لَمْ تَتَعَرَّضْ لِنَفْيِهِ .\rوَإِلَى هَذَا أَشَارَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حِينَ جَلَدَ شُرَاحَةَ ، ثُمَّ رَجَمَهَا ، وَقَالَ : جَلَدْتُهَا بِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى ، ثُمَّ رَجَمْتُهَا بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rثُمَّ لَوْ قُلْنَا : إنَّ الثَّيِّبَ لَا يُجْلَدُ لَكَانَ هَذَا تَخْصِيصًا لِلْآيَةِ الْعَامَّةِ ، وَهَذَا سَائِغٌ بِغَيْرِ خِلَافٍ ، فَإِنَّ عُمُومَاتِ الْقُرْآنِ فِي الْإِثْبَاتِ كُلَّهَا مُخَصَّصَةٌ .\rوَقَوْلُهُمْ : إنَّ هَذَا نَسْخٌ .\rلَيْسَ بِصَحِيحٍ وَإِنَّمَا هُوَ تَخْصِيصٌ ، ثُمَّ لَوْ كَانَ نَسْخًا ، لَكَانَ نَسْخًا بِالْآيَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَقَدْ رَوَيْنَا أَنَّ رُسُلَ الْخَوَارِجِ جَاءُوا عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، فَكَانَ مِنْ جُمْلَةِ مَا عَابُوا عَلَيْهِ الرَّجْمُ ، وَقَالُوا : لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ إلَّا الْجَلْدُ .\rوَقَالُوا : الْحَائِضُ أَوْجَبْتُمْ عَلَيْهَا قَضَاءَ الصَّوْمِ دُونَ الصَّلَاةِ ، وَالصَّلَاةُ أَوْكَدُ .\rفَقَالَ لَهُمْ عُمَرُ : وَأَنْتُمْ لَا تَأْخُذُونَ إلَّا بِمَا فِي كِتَابِ اللَّهِ ؟ قَالُوا : نَعَمْ .\rقَالَ : فَأَخْبِرُونِي عَنْ عَدَدِ الصَّلَوَاتِ الْمَفْرُوضَاتِ ، وَعَدَدِ أَرْكَانِهَا وَرَكَعَاتِهَا وَمَوَاقِيتِهَا ، أَيْنَ تَجِدُونَهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى ؟ وَأَخْبِرُونِي عَمَّا تَجِبُ الزَّكَاةُ فِيهِ ، وَمَقَادِيرِهَا وَنُصُبِهَا ؟ فَقَالُوا : أَنْظِرْنَا فَرَجَعُوا يَوْمَهُمْ ذَلِكَ ، فَلَمْ يَجِدُوا شَيْئًا مِمَّا سَأَلَهُمْ عَنْهُ فِي الْقُرْآنِ .\rفَقَالُوا : لَمْ نَجِدْهُ فِي الْقُرْآنِ .\rقَالَ : فَكَيْفَ","part":20,"page":18},{"id":9518,"text":"ذَهَبْتُمْ إلَيْهِ ؟ قَالُوا : لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَلَهُ وَفَعَلَهُ الْمُسْلِمُونَ بَعْدَهُ .\rفَقَالَ لَهُمْ فَكَذَلِكَ الرَّجْمُ ، وَقَضَاءُ الصَّوْمِ ، فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجَمَ وَرَجَمَ خُلَفَاؤُهُ بَعْدَهُ وَالْمُسْلِمُونَ ، وَأَمَرَ النَّبِيُّ بِقَضَاءِ الصَّوْمِ دُونَ الصَّلَاةِ ، وَفَعَلَ ذَلِكَ نِسَاؤُهُ وَنِسَاءُ أَصْحَابِهِ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَمَعْنَى الرَّجْمِ أَنْ يُرْمَى بِالْحِجَارَةِ وَغَيْرِهَا حَتَّى يُقْتَلَ بِذَلِكَ .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْمَرْجُومَ يُدَامُ عَلَيْهِ الرَّجْمُ حَتَّى يَمُوتَ .\rوَلِأَنَّ إطْلَاقَ الرَّجْمِ يَقْتَضِي الْقَتْلَ بِهِ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : { لَتَكُونَنَّ مِنْ الْمَرْجُومِينَ } .\rوَقَدْ { رَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْيَهُودِيَّيْنِ اللَّذَيْنِ زَنَيَا ، وَمَاعِزًا ، وَالْغَامِدِيَّةَ ، حَتَّى مَاتُوا .\r}","part":20,"page":19},{"id":9519,"text":"فَصْلٌ : وَإِذَا كَانَ الزَّانِي رَجُلًا أُقِيمَ قَائِمًا ، وَلَمْ يُوثَقْ بِشَيْءٍ وَلَمْ يُحْفَرْ لَهُ ، سَوَاءٌ ثَبَتَ الزِّنَى بِبَيِّنَةٍ أَوْ إقْرَارٍ .\rلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَحْفِرْ لِمَاعِزٍ .\rقَالَ أَبُو سَعِيدٍ : { لَمَّا أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِرَجْمِ مَاعِزٍ خَرَجْنَا بِهِ إلَى الْبَقِيعِ ، فَوَاَللَّهِ مَا حَفَرْنَا لَهُ ، وَلَا أَوْثَقْنَاهُ ، وَلَكِنَّهُ قَامَ لَنَا } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَلِأَنَّ الْحَفْرَ لَهُ ، وَدَفْنَ بَعْضِهِ ، عُقُوبَةٌ لَمْ يَرِدْ بِهَا الشَّرْعُ فِي حَقِّهِ ، فَوَجَبَ أَنْ لَا تَثْبُتَ .\rوَإِنْ كَانَ امْرَأَةً ، فَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ ، أَنَّهَا لَا يُحْفَرُ لَهَا أَيْضًا .\rوَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي \" الْخِلَافِ \" ، وَذَكَرَ فِي \" الْمُجَرَّدِ \" أَنَّهُ إنْ ثَبَتَ الْحَدُّ بِالْإِقْرَارِ ، لَمْ يُحْفَرْ لَهَا ، وَإِنْ ثَبَتَ بِالْبَيِّنَةِ ، حُفِرَ لَهَا إلَى الصَّدْرِ .\rقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : وَهَذَا أَصَحُّ عِنْدِي .\rوَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ؛ لِمَا رَوَى أَبُو بَكْرٍ وَبُرَيْدَةُ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجَمَ امْرَأَةً ، فَحَفَرَ لَهَا إلَى الثَّنْدُوَةِ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَلِأَنَّهُ أَسْتَرُ لَهَا ، وَلَا حَاجَةَ إلَى تَمْكِينِهَا مِنْ الْهَرَبِ ، لِكَوْنِ الْحَدِّ ثَبَتَ بِالْبَيِّنَةِ ، فَلَا يَسْقُطُ بِفِعْلٍ مِنْ جِهَتِهَا ، بِخِلَافِ الثَّابِتِ بِالْإِقْرَارِ ، فَإِنَّهَا تُتْرَكُ عَلَى حَالٍ لَوْ أَرَادَتْ الْهَرَبَ تَمَكَّنَتْ مِنْهُ ؛ لِأَنَّ رُجُوعَهَا عَنْ إقْرَارِهَا مَقْبُولٌ .\rوَلَنَا ، أَنَّ أَكْثَرَ الْأَحَادِيثِ عَلَى تَرْكِ الْحَفْرِ ، فَإِنَّ { النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَحْفِرْ لِلْجُهَنِيَّةِ ، وَلَا لِمَاعِزٍ ، وَلَا لِلْيَهُودِيَّيْنِ } ، وَالْحَدِيثُ الَّذِي احْتَجُّوا بِهِ غَيْرُ مَعْمُولٍ بِهِ ، وَلَا يَقُولُونَ بِهِ ، فَإِنَّ الَّتِي نُقِلَ عَنْهُ الْحَفْرُ لَهَا ، ثَبَتَ حَدُّهَا بِإِقْرَارِهَا ، وَلَا خِلَافَ بَيْنَنَا فِيهَا ، فَلَا يَسُوغُ لَهُمْ الِاحْتِجَاجُ بِهِ مَعَ مُخَالِفَتِهِمْ لَهُ","part":20,"page":20},{"id":9520,"text":".\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّ ثِيَابَ الْمَرْأَةِ تُشَدُّ عَلَيْهَا ، كَيْ لَا تَنْكَشِفَ .\rوَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ، قَالَ : فَأَمَرَ بِهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَشُدَّتْ عَلَيْهَا ثِيَابُهَا .\rوَلِأَنَّ ذَلِكَ أَسْتَرُ لَهَا .","part":20,"page":21},{"id":9521,"text":"( 7134 ) فَصْلٌ : وَالسُّنَّةُ أَنْ يَدُورَ النَّاسُ حَوْلَ الْمَرْجُومِ ، فَإِنْ كَانَ الزِّنَى ثَبَتَ بِبَيِّنَةٍ فَالسُّنَّةُ أَنْ يَبْدَأَ الشُّهُودُ بِالرَّجْمِ ، وَإِنْ كَانَ ثَبَتَ بِإِقْرَارٍ بَدَأَ بِهِ الْإِمَامُ أَوْ الْحَاكِمُ ، إنْ كَانَ ثَبَتَ عِنْدَهُ ، ثُمَّ يَرْجُمُ النَّاسُ بَعْدَهُ .\rوَرَوَى سَعِيدٌ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : الرَّجْمُ رَجْمَانِ ؛ فَمَا كَانَ مِنْهُ بِإِقْرَارٍ ، فَأَوَّلُ مَنْ يَرْجُمُ الْإِمَامُ ، ثُمَّ النَّاسُ ، وَمَا كَانَ بِبَيِّنَةٍ ، فَأَوَّلُ مَنْ يَرْجُمُ الْبَيِّنَةُ ، ثُمَّ النَّاسُ .\rوَلِأَنَّ فِعْلَ ذَلِكَ أَبْعَدُ لَهُمْ مِنْ التُّهْمَةِ فِي الْكَذِبِ عَلَيْهِ .\rفَإِنْ هَرَبَ مِنْهُمْ ، وَكَانَ الْحَدُّ ثَبَتَ بِبَيِّنَةٍ ، اتَّبَعُوهُ حَتَّى يَقْتُلُوهُ ، وَإِنْ كَانَ ثَبَتَ بِإِقْرَارٍ ، تَرَكُوهُ ؛ لِمَا رُوِيَ { أَنَّ مَاعِزَ بْنَ مَالِكٍ ، لَمَّا وَجَدَ مَسَّ الْحِجَارَةِ ، خَرَجَ يَشْتَدُّ ، فَلَقِيَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُنَيْسٍ ، وَقَدْ عَجَزَ أَصْحَابُهُ ، فَنَزَعَ لَهُ بِوَظِيفِ بَعِيرٍ فَرَمَاهُ بِهِ ، فَقَتَلَهُ ، ثُمَّ أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ .\rفَقَالَ : هَلَّا تَرَكْتُمُوهُ ، يَتُوبُ فَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِ .\r} رَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَلِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ الرُّجُوعَ ، فَيَسْقُطُ عَنْهُ الْحَدُّ .\rفَإِنْ قَتَلَهُ قَاتِلٌ فِي هَرَبِهِ ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ ؛ لِحَدِيثِ ابْنِ أُنَيْسٍ حِينَ قَتَلَ مَاعِزًا ، وَلِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ زِنَاهُ بِإِقْرَارِهِ ، فَلَا يَزُولُ ذَلِكَ بِاحْتِمَالِ الرُّجُوعِ ، وَإِنْ لَمْ يُقْتَلْ ، وَأُتِيَ بِهِ الْإِمَامَ ، فَكَانَ مُقِيمًا عَلَى اعْتِرَافِهِ رَجَمَهُ ، وَإِنْ رَجَعَ عَنْهُ ، تَرَكَهُ .","part":20,"page":22},{"id":9522,"text":"( 7135 ) الْفَصْلُ الثَّانِي : أَنَّهُ يُجْلَدُ ، ثُمَّ يُرْجَمُ ، فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ ، فَعَلَ ذَلِكَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .\rوَبِهِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ ، وَأَبُو ذَرٍّ .\rذَكَرَ ذَلِكَ عَبْدُ الْعَزِيزِ عَنْهُمَا ، وَاخْتَارَهُ .\rوَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ ، وَإِسْحَاقُ ، وَدَاوُد ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ .\rوَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ ، يُرْجَمُ وَلَا يُجْلَدُ .\rرُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ ؛ أَنَّهُمَا رَجَمَا وَلَمْ يَجْلِدَا .\rوَرُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ، أَنَّهُ قَالَ : إذَا اجْتَمَعَ حَدَّانِ لِلَّهِ تَعَالَى ، فِيهِمَا الْقَتْلُ أَحَاطَ الْقَتْلُ بِذَلِكَ .\rوَبِهَذَا قَالَ النَّخَعِيُّ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَاخْتَارَ هَذَا أَبُو إِسْحَاقَ الْجُوزَجَانِيُّ ، وَأَبُو بَكْرٍ الْأَثْرَمُ .\rوَنَصَرَاهُ فِي \" سُنَنِهِمَا \" ؛ لِأَنَّ جَابِرًا رَوَى ، أَنَّ { النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجَمَ مَاعِزًا وَلَمْ يَجْلِدْهُ ، وَرَجَمَ الْغَامِدِيَّةَ وَلَمْ يَجْلِدْهَا .\rوَقَالَ : وَاغْدُ يَا أُنَيْسُ إلَى امْرَأَةِ هَذَا ، فَإِنْ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا .\r} مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَلَمْ يَأْمُرْهُ بِجَلْدِهَا ، وَكَانَ هَذَا آخِرَ الْأَمْرَيْنِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَوَجَبَ تَقْدِيمُهُ .\rقَالَ الْأَثْرَمُ : سَمِعْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ، يَقُولُ فِي حَدِيثِ عُبَادَةَ : إنَّهُ أَوَّلُ حَدٍّ نَزَلَ ، وَإِنَّ حَدِيثَ مَاعِزٍ بَعْدَهُ ، رَجَمَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يَجْلِدْهُ ، وَعُمَرُ رَجَمَ وَلَمْ يَجْلِدْ .\rوَنَقَلَ عَنْهُ إسْمَاعِيلُ بْنُ سَعِيدٍ نَحْوَ هَذَا .\rوَلِأَنَّهُ حَدٌّ فِيهِ قَتْلٌ ، فَلَمْ يَجْتَمِعْ مَعَهُ جَلْدٌ كَالرِّدَّةِ ، وَلِأَنَّ الْحُدُودَ إذَا اجْتَمَعَتْ وَفِيهَا قَتْلٌ سَقَطَ مَا سِوَاهُ ، فَالْحَدُّ أَوْلَى .\rوَوَجْهُ الرِّوَايَةِ قَوْله تَعَالَى : { الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ } .\rوَهَذَا عَامٌّ ، ثُمَّ جَاءَتْ السُّنَّةُ بِالرَّجْمِ فِي حَقِّ الثَّيِّبِ ، وَالتَّغْرِيبِ فِي حَقِّ","part":20,"page":23},{"id":9523,"text":"الْبِكْرِ فَوَجَبَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا .\rوَإِلَى هَذَا أَشَارَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِقَوْلِهِ : جَلَدْتهَا بِكِتَابِ اللَّهِ ، وَرَجَمْتهَا بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rوَقَدْ صَرَّحَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلِهِ فِي حَدِيثِ عُبَادَةَ : { وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ ، الْجَلْدُ وَالرَّجْمُ } .\rوَهَذَا الصَّرِيحُ الثَّابِتُ بِيَقِينٍ لَا يُتْرَكُ إلَّا بِمِثْلِهِ ، وَالْأَحَادِيثُ الْبَاقِيَةُ لَيْسَتْ صَرِيحَةً ، فَإِنَّهُ ذَكَرَ الرَّجْمَ وَلَمْ يَذْكُرْ الْجَلْدَ ، فَلَا يُعَارَضُ بِهِ الصَّرِيحُ ، بِدَلِيلِ أَنَّ التَّغْرِيبَ يَجِبُ بِذِكْرِهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، وَلَيْسَ بِمَذْكُورٍ فِي الْآيَةِ ، وَلِأَنَّهُ زَانٍ فَيُجْلَدُ كَالْبِكْرِ ، وَلِأَنَّهُ قَدْ شُرِعَ فِي حَقِّ الْبِكْرِ عُقُوبَتَانِ ؛ الْجَلْدُ وَالتَّغْرِيبُ ، فَيُشْرَعُ فِي حَقِّ الْمُحْصَنِ أَيْضًا عُقُوبَتَانِ ؛ الْجَلْدُ ، وَالرَّجْمُ ، فَيَكُونُ الرَّجْمُ مَكَانَ التَّغْرِيبِ .\rفَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ ، يُبْدَأُ بِالْجَلْدِ أَوَّلًا ، ثُمَّ يُرْجَمُ ، فَإِنْ وَالَى بَيْنَهُمَا جَازَ ، لِأَنَّ إتْلَافَهُ مَقْصُودٌ ، فَلَا تَضُرُّ الْمُوَالَاةُ بَيْنَهُمَا ، وَإِنْ جَلَدَهُ يَوْمًا وَرَجَمَهُ آخَرَ ، جَازَ ، فَإِنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ جَلَدَ شُرَاحَةَ يَوْمَ الْخَمِيسِ ، ثُمَّ رَجَمَهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ ، ثُمَّ قَالَ : جَلَدْتهَا بِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَرَجَمْتهَا بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .","part":20,"page":24},{"id":9524,"text":"( 7136 ) الْفَصْلُ الثَّالِثُ : أَنَّ الرَّجْمَ لَا يَجِبُ إلَّا عَلَى الْمُحْصَنِ بِإِجْمَاعِ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rوَفِي حَدِيثِ عُمَرَ إنَّ الرَّجْمَ حَقٌّ عَلَى مَنْ زَنَى وَقَدْ أُحْصِنَ .\rوَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ .\rذَكَرَ مِنْهَا : أَوْ زِنًا بَعْدَ إحْصَانٍ .\r} وَلِلْإِحْصَانِ شُرُوطٌ سَبْعَةٌ ؛ أَحَدُهُمَا ، الْوَطْءُ فِي الْقُبُلِ ، وَلَا خِلَافَ فِي اشْتِرَاطِهِ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { الثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ الْجَلْدُ وَالرَّجْمُ } .\rوَالثِّيَابَةُ تَحْصُلُ بِالْوَطْءِ فِي الْقُبُلِ ، فَوَجَبَ اعْتِبَارُهُ .\rوَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ عَقْدَ النِّكَاحِ الْخَالِيَ عَنْ الْوَطْءِ ، لَا يَحْصُلُ بِهِ إحْصَانٌ ؛ سَوَاءٌ حَصَلَتْ فِيهِ خَلْوَةٌ ، أَوْ وَطْءٌ دُونَ الْفَرْجِ ، أَوْ فِي الدُّبُرِ ، أَوْ لَمْ يَحْصُلُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ هَذَا لَا تَصِيرُ بِهِ الْمَرْأَةُ ثَيِّبًا ، وَلَا تَخْرُجُ بِهِ عَنْ حَدِّ الْأَبْكَارِ ، الَّذِينَ حَدُّهُمْ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ ، بِمُقْتَضَى الْخَبَرِ .\rوَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ وَطْئًا حَصَلَ بِهِ تَغْيِيبُ الْحَشَفَةِ فِي الْفَرْجِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ حَدُّ الْوَطْءِ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ أَحْكَامُ الْوَطْءِ .\rالثَّانِي : أَنْ يَكُونَ فِي نِكَاحٍ ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ يُسَمَّى إحْصَانًا ؛ بِدَلِيلِ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ النِّسَاءِ } .\rيَعْنِي الْمُتَزَوِّجَاتِ .\rوَلَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ ، فِي أَنَّ الزِّنَى ، وَوَطْءَ الشُّبْهَةِ ، لَا يَصِيرُ بِهِ الْوَاطِئُ مُحْصَنًا .\rوَلَا نَعْلَمُ خِلَافًا فِي أَنَّ التَّسَرِّيَ لَا يَحْصُلُ بِهِ الْإِحْصَانُ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا ؛ لِكَوْنِهِ لَيْسَ بِنِكَاحٍ ، وَلَا تَثْبُتُ فِيهِ أَحْكَامُهُ .\rالثَّالِثُ : أَنْ يَكُونَ النِّكَاحُ صَحِيحًا .\rوَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ؛ مِنْهُمْ عَطَاءٌ ، وَقَتَادَةُ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ : يَحْصُلُ الْإِحْصَانُ بِالْوَطْءِ فِي نِكَاحٍ فَاسِدٍ .\rوَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ اللَّيْثِ ،","part":20,"page":25},{"id":9525,"text":"وَالْأَوْزَاعِيِّ ؛ لِأَنَّ الصَّحِيحَ وَالْفَاسِدَ سَوَاءٌ فِي أَكْثَرِ الْأَحْكَامِ ، مِثْلُ وُجُوبِ الْمَهْرِ وَالْعِدَّةِ ، وَتَحْرِيمِ الرَّبِيبَةِ وَأُمِّ الْمَرْأَةِ ، وَلَحَاقِ الْوَلَدِ ، فَكَذَلِكَ فِي الْإِحْصَانِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ وَطْءٌ فِي غَيْرِ مِلْكٍ .\rفَلَمْ يَحْصُلُ بِهِ الْإِحْصَانُ ، كَوَطْءِ الشُّبْهَةِ ، وَلَا نُسَلِّمُ ثُبُوتَ مَا ذَكَرُوهُ مِنْ الْأَحْكَامِ ، وَإِنَّمَا ثَبَتَتْ بِالْوَطْءِ فِيهِ ، وَهَذِهِ ثَبَتَتْ فِي كُلِّ وَطْءٍ ، وَلَيْسَتْ مُخْتَصَّةً بِالنِّكَاحِ ، إلَّا أَنَّ النِّكَاحَ هَاهُنَا صَارَ شُبْهَةً ، فَصَارَ الْوَطْءُ فِيهِ كَوَطْءِ الشُّبْهَةِ سَوَاءً .\rالرَّابِعُ ، الْحُرِّيَّةُ وَهِيَ شَرْطٌ فِي قَوْلِ أَهْلِ الْعِلْمِ كُلِّهِمْ ، إلَّا أَبَا ثَوْرٍ : قَالَ الْعَبْدُ وَالْأَمَةُ هُمَا مُحْصَنَانِ ، يُرْجَمَانِ إذَا زَنَيَا ، إلَّا أَنْ يَكُونَ إجْمَاعٌ يُخَالِفُ ذَلِكَ .\rوَحُكِيَ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ فِي الْعَبْدِ تَحْتَهُ حُرَّةٌ : هُوَ مُحْصَنٌ ، يُرْجَمُ إذَا زَنَى ، وَإِنْ كَانَ تَحْتَهُ أَمَةٌ ، لَمْ يُرْجَمْ .\rوَهَذِهِ أَقْوَالٌ تُخَالِفُ النَّصَّ وَالْإِجْمَاعَ ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : { فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنْ الْعَذَابِ } .\rوَالرَّجْمُ لَا يَنْتَصِفُ ، وَإِيجَابُهُ كُلُّهُ يُخَالِفُ النَّصَّ مَعَ مُخَالَفَةِ الْإِجْمَاعِ الْمُنْعَقِدِ قَبْلَهُ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ إذَا عَتَقَا بَعْدَ الْإِصَابَةِ ، فَهَذَا فِيهِ اخْتِلَافٌ سَنَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .\rوَقَدْ وَافَقَ الْأَوْزَاعِيُّ عَلَى أَنَّ الْعَبْدَ إذَا وَطِئَ الْأَمَةَ ، ثُمَّ عَتَقَا ، لَمْ يَصِيرَا مُحْصَنَيْنِ ، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ ، وَزَادَ فَقَالَ فِي الْمَمْلُوكَيْنِ إذَا أُعْتِقَا ، وَهُمَا مُتَزَوِّجَانِ ، ثُمَّ وَطِئَهَا الزَّوْجُ : لَا يَصِيرَانِ مُحْصَنَيْنِ بِذَلِكَ الْوَطْءِ .\rوَهُوَ أَيْضًا قَوْلٌ شَاذٌّ ، خَالَفَ أَهْلَ الْعِلْمِ بِهِ ؛ فَإِنَّ الْوَطْءَ وُجِدَ مِنْهُمَا حَالَ كَمَالِهِمَا ، فَحَصَّنَهُمَا ، كَالصَّبِيَّيْنِ إذَا بَلَغَا .\rالشَّرْطُ الْخَامِسُ وَالسَّادِسُ ، الْبُلُوغُ وَالْعَقْلُ ، فَلَوْ وَطِئَ وَهُوَ صَبِيٌّ أَوْ مَجْنُونٌ ، ثُمَّ","part":20,"page":26},{"id":9526,"text":"بَلَغَ أَوْ عَقَلَ ، لَمْ يَكُنْ مُحْصَنًا .\rهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ، وَمِنْ أَصْحَابِهِ مَنْ قَالَ : يَصِيرُ مُحْصَنًا ، وَكَذَلِكَ الْعَبْدُ إذَا وَطِئَ فِي رِقِّهِ ، ثُمَّ عَتَقَ ، يَصِيرُ مُحْصَنًا ؛ لِأَنَّ هَذَا وَطْءٌ يَحْصُلُ بِهِ الْإِحْلَالُ لِلْمُطَلِّقِ ثَلَاثًا ، فَحَصَلَ بِهِ الْإِحْصَانُ كَالْمَوْجُودِ حَالَ الْكَمَالِ .\rوَلَنَا ، قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ { : وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ ، جَلْدُ مِائَةٍ وَالرَّجْمُ .\r} فَاعْتَبَرَ الثُّيُوبَةَ خَاصَّةً ، وَلَوْ كَانَتْ تَحْصُلُ قَبْلَ ذَلِكَ ، لَكَانَ يَجِبُ عَلَيْهِ الرَّجْمُ قَبْلَ بُلُوغِهِ وَعَقْلِهِ ، وَهُوَ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ ، وَيُفَارِقُ الْإِحْصَانُ الْإِحْلَالَ ، لِأَنَّ اعْتِبَارَ الْوَطْءِ فِي حَقِّ الْمُطَلِّقِ ، يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عُقُوبَةً لَهُ بِتَحْرِيمِهَا عَلَيْهِ حَتَّى يَطَأَهَا غَيْرُهُ ، وَلِأَنَّ هَذَا مِمَّا تَأْبَاهُ الطِّبَاعُ وَيَشُقُّ عَلَى النُّفُوسِ ، فَاعْتَبَرَهُ الشَّارِعُ زَجْرًا عَنْ الطَّلَاقِ ثَلَاثًا ، وَهَذَا يَسْتَوِي فِيهِ الْعَاقِلُ وَالْمَجْنُونُ ، بِخِلَافِ الْإِحْصَانِ ، فَإِنَّهُ اُعْتُبِرَ لِكَمَالِ النِّعْمَةِ فِي حَقِّهِ ، فَإِنْ مَنْ كَمَلَتْ النِّعْمَةُ فِي حَقِّهِ ، كَانَتْ جِنَايَتُهُ أَفْحَشَ وَأَحَقَّ بِزِيَادَةِ الْعُقُوبَةِ ، وَالنِّعْمَةُ فِي الْعَاقِلِ الْبَالِغِ أَكْمَلُ .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .\rالشَّرْطُ السَّابِعُ ، أَنْ يُوجَدَ الْكَمَالُ فِيهِمَا جَمِيعًا حَالَ الْوَطْءِ ، فَيَطَأُ الرَّجُلُ الْعَاقِلُ الْحُرُّ امْرَأَةً عَاقِلَةً حُرَّةً .\rوَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ ، وَنَحْوُهُ ، قَوْلُ عَطَاءٍ ، وَالْحَسَنِ ، وَابْنِ سِيرِينَ ، وَالنَّخَعِيِّ ، وَقَتَادَةَ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَإِسْحَاقَ .\rقَالُوهُ فِي الرَّقِيقِ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : إذَا كَانَ أَحَدُهُمَا كَامِلًا صَارَ مُحْصَنًا ، إلَّا الصَّبِيَّ إذَا وَطِئَ الْكَبِيرَةَ ، لَمْ يُحْصِنْهَا ، وَنَحْوُهُ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ .\rوَاخْتُلِفَ عَنْ الشَّافِعِيِّ ، فَقِيلَ : لَهُ قَوْلَانِ ، أَحَدُهُمَا ، كَقَوْلِنَا .\rوَالثَّانِي : أَنَّ الْكَامِلَ يَصِيرُ مُحْصَنًا .\rوَهَذَا قَوْلُ ابْنِ الْمُنْذِرِ ؛ لِأَنَّهُ حُرٌّ ،","part":20,"page":27},{"id":9527,"text":"بَالِغٌ عَاقِلٌ ، وَطِئَ فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ ، فَصَارَ مُحْصَنًا ، كَمَا لَوْ كَانَ الْآخَرُ مِثْلَهُ .\rوَقَالَ بَعْضُهُمْ : إنَّمَا الْقَوْلَانِ فِي الصَّبِيِّ دُونَ الْعَبْدِ ، فَإِنَّهُ يَصِيرُ مُحْصَنًا ، قَوْلًا وَاحِدًا ، إذَا كَانَ كَامِلًا .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ وَطْءٌ لَمْ يُحْصَنْ بِهِ أَحَدُ الْمُتَوَاطِئَيْنِ ، فَلَمْ يُحْصَنْ الْآخَرُ ، كَالتَّسَرِّي ، وَلِأَنَّهُ مَتَى كَانَ أَحَدُهُمَا نَاقِصًا ، لَمْ يَكْمُلْ الْوَطْءُ ، فَلَا يَحْصُلُ بِهِ الْإِحْصَانُ ، كَمَا لَوْ كَانَا غَيْرَ كَامِلَيْنِ ، وَبِهَذَا فَارَقَ مَا قَاسُوا عَلَيْهِ .","part":20,"page":28},{"id":9528,"text":"( 7137 ) فَصْلٌ : وَلَا يُشْتَرَطُ الْإِسْلَامُ فِي الْإِحْصَانِ .\rوَبِهَذَا قَالَ الزُّهْرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ .\rفَعَلَى هَذَا يَكُونُ الذِّمِّيَّانِ مُحْصَنَيْنِ ، فَإِنْ تَزَوَّجَ الْمُسْلِمُ ذِمِّيَّةً ، فَوَطِئَهَا ، صَارَا مُحْصَنَيْنِ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ ، رِوَايَةٌ أُخْرَى أَنَّ الذِّمِّيَّةَ : لَا تُحْصِنُ الْمُسْلِمَ .\rوَقَالَ عَطَاءٌ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَالثَّوْرِيُّ : هُوَ شَرْطٌ فِي الْإِحْصَانِ .\rفَلَا يَكُونُ الْكَافِرُ مُحْصَنًا ، وَلَا تُحْصِنُ الذِّمِّيَّةُ مُسْلِمًا ؛ لِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ رَوَى ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { مَنْ أَشْرَكَ بِاَللَّهِ ، فَلَيْسَ بِمُحْصَنٍ } .\rوَلِأَنَّهُ إحْصَانٌ مِنْ شَرْطِهِ الْحُرِّيَّةُ ، فَكَانَ الْإِسْلَامُ شَرْطًا فِيهِ ، كَإِحْصَانِ الْقَذْفِ .\rوَقَالَ مَالِكٌ كَقَوْلِهِمْ ، إلَّا أَنَّ الذِّمِّيَّةَ تُحْصِنُ الْمُسْلِمَ ، بِنَاءً عَلَى أَصْلِهِ فِي أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ الْكَمَالُ فِي الزَّوْجَيْنِ ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَوْلًا لِلشَّافِعِيِّ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، أَنَّهُ قَالَ : { جَاءَ الْيَهُودُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرُوا لَهُ أَنَّ رَجُلًا مِنْهُمْ وَامْرَأَةً زَنَيَا .\rوَذَكَرَ الْحَدِيثَ ، فَأَمَرَ بِهِمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرُجِمَا } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَلِأَنَّ الْجِنَايَةَ بِالزِّنَى اسْتَوَتْ مِنْ الْمُسْلِمِ وَالذِّمِّيِّ ، فَيَجِبُ أَنْ يَسْتَوِيَا فِي الْحَدِّ .\rوَحَدِيثُهُمْ لَمْ يَصِحَّ ، وَلَا نَعْرِفُهُ فِي مُسْنَدٍ .\rوَقِيلَ : هُوَ مَوْقُوفٌ عَلَى ابْنِ عُمَرَ .\rثُمَّ يَتَعَيَّنُ حَمْلُهُ عَلَى إحْصَانِ الْقَذْفِ ، جَمْعًا بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ ، فَإِنَّ رَاوِيَهُمَا وَاحِدٌ ، وَحَدِيثُنَا صَرِيحٌ فِي الرَّجْمِ ، فَيَتَعَيَّنُ حَمْلُ خَبَرِهِمْ عَلَى الْإِحْصَانِ الْآخَرِ .\rفَإِنْ قَالُوا : إنَّمَا رَجَمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْيَهُودِيَّيْنِ بِحُكْمِ التَّوْرَاةِ ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ رَاجَعَهَا ، فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّ ذَلِكَ حُكْمُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ ، أَقَامَهُ","part":20,"page":29},{"id":9529,"text":"فِيهِمْ ، وَفِيهَا أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى : { إنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا } .\rقُلْنَا : إنَّمَا حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ إلَيْهِ ، بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى : { فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنْ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا } .\rوَلِأَنَّهُ لَا يَسُوغُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْحُكْمُ بِغَيْرِ شَرِيعَتِهِ ، وَلَوْ سَاغَ ذَلِكَ لَسَاغَ لِغَيْرِهِ ، وَإِنَّمَا رَاجَعَ التَّوْرَاةَ لِتَعْرِيفِهِمْ أَنَّ حُكْمَ التَّوْرَاةِ مُوَافِقٌ لِمَا يَحْكُمُ بِهِ عَلَيْهِمْ ، وَأَنَّهُمْ تَارِكُونَ لِشَرِيعَتِهِمْ ، مُخَالِفُونَ لِحُكْمِهِمْ ، ثُمَّ هَذَا حُجَّةٌ لَنَا ، فَإِنَّ حُكْمَ اللَّهِ فِي وُجُوبِ الرَّجْمِ إنْ كَانَ ثَابِتًا فِي حَقِّهِمْ يَجِبُ أَنْ يُحْكَمَ بِهِ عَلَيْهِمْ ، فَقَدْ ثَبَتَ وُجُودُ الْإِحْصَانِ فِيهِمْ ، فَإِنَّهُ لَا مَعْنَى لَهُ سِوَى وُجُوبِ الرَّجْمِ عَلَى مَنْ زَنَى مِنْهُمْ بَعْدَ وُجُودِ شُرُوطِ الْإِحْصَانِ مِنْهُ ، وَإِنْ مَنَعُوا ثُبُوتَ الْحُكْمِ فِي حَقِّهِمْ ، فَلِمَ حَكَمَ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ .\rوَلَا يَصِحُّ الْقِيَاسُ عَلَى إحْصَانِ الْقَذْفِ ؛ لِأَنَّ مِنْ شَرْطِهِ الْعِفَّةَ ، وَلَيْسَتْ شَرْطًا هَاهُنَا .","part":20,"page":30},{"id":9530,"text":"( 7138 ) فَصْلٌ : وَلَوْ ارْتَدَّ الْمُحْصَنُ ، لَمْ يَبْطُلْ إحْصَانُهُ ، فَلَوْ أَسْلَمَ بَعْدَ ذَلِكَ كَانَ مُحْصَنًا .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : يَبْطُلُ ؛ لِأَنَّ الْإِسْلَامَ عِنْدَهُ شَرْطٌ فِي الْإِحْصَانِ .\rوَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ ، ثُمَّ هَذَا دَاخِلٌ فِي عُمُومِ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { أَوْ زِنًا بَعْدَ إحْصَانٍ } .\rوَلِأَنَّهُ زَنَى بَعْدَ الْإِحْصَانِ ، فَكَانَ حَدُّهُ الرَّجْمَ ، كَاَلَّذِي لَمْ يَرْتَدَّ .\rفَأَمَّا إنْ نَقَضَ الذِّمِّيُّ الْعَهْدَ ، وَلَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ بَعْدَ إحْصَانِهِ ، فَسُبِيَ وَاسْتُرِقَّ ، ثُمَّ أُعْتِقَ ، احْتَمَلَ أَنْ لَا يَبْطُلَ إحْصَانُهُ ، لِأَنَّهُ زَنَى بَعْدَ إحْصَانِهِ فَأَشْبَهَ مَنْ ارْتَدَّ .\rوَاحْتَمَلَ أَنْ يَبْطُلَ ؛ لِأَنَّهُ بَطَلَ بِكَوْنِهِ رَقِيقًا ، فَلَا يَعُودُ إلَّا بِسَبَبٍ جَدِيدٍ ، بِخِلَافِ مَنْ ارْتَدَّ .","part":20,"page":31},{"id":9531,"text":"فَصْلٌ : وَإِذَا زَنَى وَلَهُ زَوْجَةٌ لَهُ مِنْهَا وَلَدٌ ، فَقَالَ : مَا وَطِئْتُهَا .\rلَمْ يُرْجَمْ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يُرْجَمُ ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ لَا يَكُونُ إلَّا مِنْ وَطْءٍ .\rفَقَدْ حَكَمَ بِالْوَطْءِ ضَرُورَةَ الْحُكْمِ بِالْوَلَدِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الْوَلَدَ يَلْحَقُ بِإِمْكَانِ الْوَطْءِ وَاحْتِمَالِهِ ، وَالْإِحْصَانُ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِحَقِيقَةِ الْوَطْءِ ، فَلَا يَلْزَمُ مِنْ ثُبُوتِ مَا يُكْتَفَى فِيهِ بِالْإِمْكَانِ وُجُودُ مَا تُعْتَبَرُ فِيهِ الْحَقِيقَةُ وَهُوَ أَحَقُّ النَّاسِ بِهَذَا ، فَإِنَّهُ قَالَ : لَوْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً فِي مَجْلِسِ الْحَاكِمِ ، ثُمَّ طَلَّقَهَا فِيهِ ، فَأَتَتْ بِوَلَدٍ لَحِقَهُ .\rمَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّهُ لَمْ يَطَأْهَا فِي الزَّوْجِيَّةِ ، فَكَيْفَ يُحْكَمُ بِحَقِيقَةِ الْوَطْءِ مَعَ تَحَقُّقِ انْتِفَائِهِ ، وَهَكَذَا لَوْ كَانَ لِامْرَأَةٍ وَلَدٌ مِنْ زَوْجٍ ، فَأَنْكَرَتْ أَنْ يَكُونُ وَطِئَهَا لَمْ يَثْبُتْ إحْصَانُهَا لِذَلِكَ .","part":20,"page":32},{"id":9532,"text":"( 7140 ) فَصْلٌ : وَلَوْ شَهِدَتْ بَيِّنَةُ الْإِحْصَانِ أَنَّهُ دَخَلَ بِزَوْجَتِهِ ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا : يَثْبُتُ الْإِحْصَانُ بِهِ ؛ لِأَنَّ الْمَفْهُومَ مِنْ لَفْظِ الدُّخُولِ كَالْمَفْهُومِ مِنْ لَفْظِ الْمُجَامَعَةِ .\rوَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ : لَا يُكْتَفَى بِهِ حَتَّى تَقُولَ : جَامَعَهَا أَوْ بَاضَعَهَا .\rأَوْ نَحْوَهُ ؛ لِأَنَّ الدُّخُولَ يُطْلَقُ عَلَى الْخَلْوَةِ بِهَا ، وَلِهَذَا تَثْبُتُ بِهَا أَحْكَامُهُ .\rوَهَذَا أَصَحُّ الْقَوْلَيْنِ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .\rفَأَمَّا إذَا قَالَتْ : جَامَعَهَا أَوْ بَاضَعَهَا .\rفَلَمْ نَعْلَمْ خِلَافًا فِي ثُبُوتِ الْإِحْصَانِ ، وَهَكَذَا يَنْبَغِي إذَا قَالَتْ : وَطِئَهَا .\rفَإِنْ قَالَتْ : بَاشَرَهَا ، أَوْ مَسَّهَا ، أَوْ أَصَابَهَا ، أَوْ أَتَاهَا .\rفَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَثْبُتَ بِهِ الْإِحْصَانُ ؛ لِأَنَّ هَذَا يُسْتَعْمَلُ فِيمَا دُونَ الْجِمَاعِ فِي الْفَرْجِ كَثِيرًا ، فَلَا يَثْبُتُ بِهِ الْإِحْصَانُ الَّذِي يَنْدَرِئُ بِالِاحْتِمَالِ","part":20,"page":33},{"id":9533,"text":"( 7141 ) فَصْلٌ : وَإِذَا جُلِدَ الزَّانِي عَلَى أَنَّهُ بِكْرٌ ، ثُمَّ بَانَ مُحْصَنًا ، رُجِمَ ؛ لِمَا رَوَى جَابِرٌ ، { أَنَّ رَجُلًا زَنَى بِامْرَأَةٍ ، فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجُلِدَ الْحَدَّ ، ثُمَّ أُخْبِرَ أَنَّهُ مُحْصَنٌ ، فَرُجِمَ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَلِأَنَّهُ وَجَبَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا ، فَقَدْ أَتَى بِبَعْضِ الْوَاجِبِ ، فَيَجِبُ إتْمَامُهُ ، وَإِنْ لَمْ يَجِبْ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِالْحَدِّ الْوَاجِبِ ، فَيَجِبُ أَنْ يَأْتِيَ بِهِ .","part":20,"page":34},{"id":9534,"text":"( 7142 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَيُغَسَّلَانِ ، وَيُكَفَّنَانِ ، وَيُصَلَّى عَلَيْهِمَا وَيُدْفَنَانِ ) لَا خِلَافَ فِي تَغْسِيلِهِمَا وَدَفْنِهِمَا ، وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ يَرَوْنَ الصَّلَاةَ عَلَيْهِمَا .\rقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : سُئِلَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ شُرَاحَةَ وَكَانَ رَجَمَهَا ، فَقَالَ : اصْنَعُوا بِهَا كَمَا تَصْنَعُونَ بِمَوْتَاكُمْ .\rوَصَلَّى عَلِيٌّ عَلَى شُرَاحَةَ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : مَنْ قَتَلَهُ الْإِمَامُ فِي حَدٍّ لَا نُصَلِّي عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ جَابِرًا قَالَ فِي حَدِيثِ مَاعِزٍ : فَرُجِمَ حَتَّى مَاتَ ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَيْرًا ، وَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى أَبُو دَاوُد ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ عِمْرَانِ بْنِ حُصَيْنٍ ، فِي حَدِيثِ الْجُهَنِيَّةِ : { فَأَمَرَ بِهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرُجِمَتْ ، ثُمَّ أَمَرَهُمْ فَصَلَّوْا عَلَيْهَا ، فَقَالَ عُمَرُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتُصَلِّي عَلَيْهَا وَقَدْ زَنَتْ ؟ فَقَالَ : وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ، لَقَدْ تَابَتْ تَوْبَةً ، لَوْ قُسِمَتْ بَيْنَ سَبْعِينَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَوَسِعَتْهُمْ ، وَهَلْ وَجَدْت أَفْضَلَ مِنْ أَنْ جَادَتْ بِنَفْسِهَا ؟ } وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَفِيهِ : فَرُجِمَتْ ، وَصَلَّى عَلَيْهَا .\rوَقَالَ : حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ .\rوَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { صَلُّوا عَلَى مَنْ قَالَ : لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ } .\rوَلِأَنَّهُ مُسْلِمٌ لَوْ مَاتَ قَبْلَ الْحَدِّ صُلِّيَ عَلَيْهِ ، فَيُصَلَّى عَلَيْهِ بَعْدَهُ ، كَالسَّارِقِ .\rوَأَمَّا خَبَرُ مَاعِزٍ ، فَيَحْتَمِلُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَحْضُرْهُ ، أَوْ اشْتَغَلَ عَنْهُ بِأَمْرٍ ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ ، فَلَا يُعَارِضُ مَا رَوَيْنَاهُ","part":20,"page":35},{"id":9535,"text":"مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِذَا زَنَى الْحُرُّ الْبِكْرُ ، جُلِدَ مِائَةً ، وَغُرِّبَ عَامًا ) يَعْنِي لَمْ يُحْصَنْ وَإِنْ كَانَ ثَيِّبًا ، وَقَدْ ذَكَرْنَا الْإِحْصَانَ وَشُرُوطَهُ ، وَلَا خِلَافَ فِي وُجُوبِ الْجَلْدِ عَلَى الزَّانِي إذَا لَمْ يَكُنْ مُحْصَنًا ، وَقَدْ جَاءَ بَيَانُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى ، بِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ : { الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ } .\rوَجَاءَتْ الْأَحَادِيثُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُوَافِقَةً لِمَا جَاءَ بِهِ الْكِتَابُ .\rوَيَجِبُ مَعَ الْجَلْدِ تَغْرِيبُهُ عَامًا ، فِي قَوْلِ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ .\rرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ .\rوَبِهِ قَالَ أُبَيٍّ ، وَأَبُو دَاوُد ، وَابْنُ مَسْعُودٍ ، وَابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ عَطَاءٌ ، وَطَاوُسٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ .\rوَقَالَ مَالِكٌ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ : يُغَرَّبُ الرَّجُلُ دُونَ الْمَرْأَةِ ؛ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ تَحْتَاجُ إلَى حِفْظٍ وَصِيَانَةٍ ، وَلِأَنَّهَا لَا تَخْلُو مِنْ التَّغْرِيبِ بِمَحْرَمٍ أَوْ بِغَيْرِ مَحْرَمٍ ، لَا يَجُوزُ التَّغْرِيبُ بِغَيْرِ مَحْرَمٍ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ، أَنْ تُسَافِرَ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ ، إلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ } .\rوَلِأَنَّ تَغْرِيبَهَا بِغَيْرِ مَحْرَمٍ إغْرَاءٌ لَهَا بِالْفُجُورِ ، وَتَضْيِيعٌ لَهَا ، وَإِنْ غُرِّبَتْ بِمَحْرَمٍ ، أَفْضَى إلَى تَغْرِيبِ مَنْ لَيْسَ بِزَانٍ ، وَنَفْيِ مَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ ، وَإِنْ كُلِّفَتْ أُجْرَتَهُ ، فَفِي ذَلِكَ زِيَادَةٌ عَلَى عُقُوبَتِهَا بِمَا لَمْ يَرِدْ الشَّرْعُ بِهِ ، كَمَا لَوْ زَادَ ذَلِكَ عَلَى الرَّجُلِ ، وَالْخَبَرُ الْخَاصُّ فِي التَّغْرِيبِ إنَّمَا هُوَ فِي حَقِّ الرَّجُلِ ، وَكَذَلِكَ فَعَلَ الصَّحَابَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، وَالْعَامُّ يَجُوزُ تَخْصِيصُهُ ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ الْعَمَلِ بِعُمُومِهِ مُخَالَفَةُ مَفْهُومِهِ ، فَإِنَّهُ دَلَّ بِمَفْهُومِهِ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ","part":20,"page":36},{"id":9536,"text":"عَلَى الزَّانِي أَكْثَرُ مِنْ الْعُقُوبَةِ الْمَذْكُورَةِ فِيهِ ، وَإِيجَابُ التَّغْرِيبِ عَلَى الْمَرْأَةِ يَلْزَمُ مِنْهُ الزِّيَادَةُ عَلَى ذَلِكَ ، وَفَوَاتُ حِكْمَتِهِ ؛ لِأَنَّ الْحَدَّ وَجَبَ زَجْرًا عَنْ الزِّنَا ، وَفِي تَغْرِيبِهَا إغْرَاءٌ بِهِ ، وَتَمْكِينٌ مِنْهُ ، مَعَ أَنَّهُ قَدْ يُخَصَّصُ فِي حَقِّ الثَّيِّبِ بِإِسْقَاطِ الْجَلْدِ ، فِي قَوْلِ الْأَكْثَرِينَ ، فَتَخْصِيصُهُ هَاهُنَا أَوْلَى .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ : لَا يَجِبُ التَّغْرِيبُ ؛ لِأَنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : حَسْبُهُمَا مِنْ الْفِتْنَةِ أَنْ يُنْفَيَا .\rوَعَنْ ابْنِ الْمُسَيِّبِ ، أَنَّ عُمَرَ غَرَّبَ رَبِيعَةَ بْنَ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ فِي الْخَمْرِ إلَى خَيْبَرَ ، فَلَحِقَ بِهِرَقْلَ فَتَنَصَّرَ ، فَقَالَ عُمَرُ : لَا أُغَرِّبُ مُسْلِمًا بَعْدَ هَذَا أَبَدًا .\rوَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِالْجَلْدِ دُونَ التَّغْرِيبِ ، فَإِيجَابُ التَّغْرِيبِ زِيَادَةٌ عَلَى النَّصِّ .\rوَلَنَا قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ ، جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ } .\rوَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ، وَزَيْدُ بْنُ خَالِدٍ ، { أَنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ أَحَدُهُمَا : إنَّ ابْنِي كَانَ عَسِيفًا عَلَى هَذَا ، فَزَنَى بِامْرَأَتِهِ ، وَإِنَّنِي افْتَدَيْت مِنْهُ بِمِائَةِ شَاةٍ وَوَلِيدَةٍ ، فَسَأَلْت رِجَالًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ، فَقَالُوا : إنَّمَا عَلَى ابْنِكَ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ ، وَالرَّجْمُ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا .\rفَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ، لَأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، عَلَى ابْنِكَ جَلْدُ مِائَةٍ ، وَتَغْرِيبُ عَامٍ .\rوَجَلَدَ ابْنَهُ مِائَةً ، وَغَرَّبَهُ عَامًا وَأَمَرَ أُنَيْسًا الْأَسْلَمِيَّ أَنْ يَأْتِيَ امْرَأَةَ الْآخَرِ ، فَإِنْ اعْتَرَفَتْ رَجَمَهَا ، فَاعْتَرَفَتْ فَرَجَمَهَا } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَفِي الْحَدِيثِ ، أَنَّهُ قَالَ : فَسَأَلْت رِجَالًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ، فَقَالُوا : إنَّمَا عَلَى ابْنِكَ جَلْدُ مِائَةٍ","part":20,"page":37},{"id":9537,"text":"وَتَغْرِيبُ عَامٍ .\rوَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذَا كَانَ مَشْهُورًا عِنْدَهُمْ ، مِنْ حُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَقَضَاءِ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rوَقَدْ قِيلَ : إنَّ الَّذِي قَالَ لَهُ هَذَا هُوَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا .\rوَلِأَنَّ التَّغْرِيبَ فَعَلَهُ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ ، وَلَا نَعْرِفُ لَهُمْ فِي الصَّحَابَةِ مُخَالِفًا ، فَكَانَ إجْمَاعًا ، وَلِأَنَّ الْخَبَرَ يَدُلُّ عَلَى عُقُوبَتَيْنِ فِي حَقِّ الثَّيِّبِ ، وَكَذَلِكَ فِي حَقِّ الْبِكْرِ ، وَمَا رَوَوْهُ عَنْ عَلِيٍّ لَا يَثْبُتُ ؛ لِضَعْفِ رُوَاتِهِ وَإِرْسَالِهِ .\rوَقَوْلُ عُمَرَ : لَا أُغَرِّبُ بَعْدَهُ مُسْلِمًا .\rفَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ تَغْرِيبَهُ فِي الْخَمْرِ الَّذِي أَصَابَتْ الْفِتْنَةُ رَبِيعَةَ فِيهِ .\rوَقَوْلُ مَالِكٍ يُخَالِفُ عُمُومَ الْخَبَرِ وَالْقِيَاسِ ؛ لِأَنَّ مَا كَانَ حَدًّا فِي الرَّجُلِ ، يَكُونُ حَدًّا فِي الْمَرْأَةِ كَسَائِرِ الْحُدُودِ .\rوَقَوْلُ مَالِكٍ فِيمَا يَقَعُ لِي ، أَصَحُّ الْأَقْوَالِ وَأَعْدَلُهَا ، وَعُمُومُ الْخَبَرِ مَخْصُوصٌ بِخَبَرِ النَّهْيِ عَنْ سَفَرِ الْمَرْأَةِ بِغَيْرِ مَحْرَمٍ ، وَالْقِيَاسُ عَلَى سَائِرِ الْحُدُودِ لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَوِي الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ فِي الضَّرَرِ الْحَاصِلِ بِهَا ، بِخِلَافِ هَذَا الْحَدِّ ، وَيُمْكِنُ قَلْبُ هَذَا الْقِيَاسِ ، بِأَنَّهُ حَدٌّ ، فَلَا تُزَادُ فِيهِ الْمَرْأَةُ عَلَى مَا عَلَى الرَّجُلِ ، كَسَائِرِ الْحُدُودِ","part":20,"page":38},{"id":9538,"text":"( 7144 ) فَصْلٌ : وَيُغَرَّبُ الْبِكْرُ الزَّانِي حَوْلًا كَامِلًا ، فَإِنْ عَادَ قَبْلَ مُضِيِّ الْحَوْلِ ، أُعِيدَ تَغْرِيبُهُ ، حَتَّى يُكْمِلَ الْحَوْلَ مُسَافِرًا ، وَيَبْنِي عَلَى مَا مَضَى .\rوَيُغَرَّبُ الرَّجُلُ إلَى مَسَافَةِ الْقَصْرِ ؛ لِأَنَّ مَا دُونَهَا فِي حُكْمِ الْحَضَرِ ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ فِي حَقِّهِ أَحْكَامُ الْمُسَافِرِينَ ، وَلَا يَسْتَبِيحُ شَيْئًا مِنْ رُخَصِهِمْ .\rفَأَمَّا الْمَرْأَةُ ، فَإِنْ خَرَجَ مَعَهَا مَحْرَمُهَا نُفِيَتْ إلَى مَسَافَةِ الْقَصْرِ ، وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ مَعَهَا مَحْرَمُهَا ، فَقَدْ نُقِلَ عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّهَا تُغَرَّبُ إلَى مَسَافَةِ الْقَصْرِ ، كَالرَّجُلِ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rوَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهَا تُغَرَّبُ إلَى دُونِ مَسَافَةِ الْقَصْرِ ؛ لِتَقْرُبَ مِنْ أَهْلِهَا ، فَيَحْفَظُوهَا .\rوَيَحْتَمِلُ كَلَامُ أَحْمَدَ أَنْ لَا يُشْتَرَطَ فِي التَّغْرِيبِ مَسَافَةُ الْقَصْرِ ، فَإِنَّهُ قَالَ ، فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ : يُنْفَى مِنْ عَمَلِهِ إلَى عَمَلٍ غَيْرِهِ .\rوَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ : لَوْ نُفِيَ إلَى قَرْيَةٍ أُخْرَى ، بَيْنَهُمَا مِيلٌ أَوْ أَقَلُّ ، جَازَ .\rوَقَالَ إِسْحَاقُ : يَجُوزُ أَنْ يُنْفَى مِنْ مِصْرٍ إلَى مِصْرٍ .\rوَنَحْوُهُ قَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى ؛ لِأَنَّ النَّفْيَ وَرَدَ مُطْلَقًا غَيْرَ مُقَيَّدٍ ، فَيَتَنَاوَلُ أَقَلَّ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الِاسْمُ ، وَالْقَصْرُ يُسَمَّى سَفَرًا ، وَيَجُوزُ فِيهِ التَّيَمُّمُ ، وَالنَّافِلَةُ عَلَى الرَّاحِلَةِ .\rوَلَا يُحْبَسُ فِي الْبَلَدِ الَّذِي نُفِيَ إلَيْهِ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ مَالِكٌ يُحْبَسُ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ زِيَادَةٌ لَمْ يَرِدْ بِهَا الشَّرْعُ ، فَلَا تُشْرَعُ ، كَالزِّيَادَةِ عَلَى الْعَامِّ .","part":20,"page":39},{"id":9539,"text":"( 7145 ) فَصْلٌ : وَإِذَا زَنَى الْغَرِيبُ غُرِّبَ إلَى بَلَدٍ غَيْرِ وَطَنِهِ .\rوَإِنْ زَنَى فِي الْبَلَدِ الَّذِي غُرِّبَ إلَيْهِ ، غُرِّبَ مِنْهُ إلَى غَيْرِ الْبَلَدِ الَّذِي غُرِّبَ مِنْهُ ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ بِالتَّغْرِيبِ يَتَنَاوَلُهُ حَيْثُ كَانَ ، وَلِأَنَّهُ قَدْ أَنِسَ بِالْبَلَدِ الَّذِي سَكَنَهُ ، فَيُبْعَدُ عَنْهُ .","part":20,"page":40},{"id":9540,"text":"( 7146 ) فَصْلٌ : وَيَخْرُجُ مَعَ الْمَرْأَةِ مَحْرَمُهَا حَتَّى يُسْكِنَهَا فِي مَوْضِعٍ ، ثُمَّ إنْ شَاءَ رَجَعَ إذَا أَمِنَ عَلَيْهَا ، وَإِنْ شَاءَ أَقَامَ مَعَهَا حَتَّى يَكْمُلَ حُولُهَا .\rوَإِنْ أَبَى الْخُرُوجَ مَعَهَا ، بَذَلَتْ لَهُ الْأُجْرَةَ .\rقَالَ أَصْحَابُنَا : وَتَبْذُلُ مِنْ مَالِهَا ؛ لِأَنَّ هَذَا مِنْ مُؤْنَةِ سَفَرِهَا .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَجِبَ ذَلِكَ عَلَيْهَا ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْهَا التَّغَرُّبُ بِنَفْسِهَا ، فَلَمْ يَلْزَمْهَا زِيَادَةٌ عَلَيْهِ كَالرَّجُلِ ، وَلِأَنَّ هَذَا مِنْ مُؤْنَةِ إقَامَةِ الْحَدِّ ، فَلَمْ يَلْزَمْهَا ، كَأُجْرَةِ الْجَلَّادِ .\rفَعَلَى هَذَا تُبْذَلُ الْأُجْرَةُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ .\rوَعَلَى قَوْلِ أَصْحَابِنَا ، إنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا مَالٌ ، بُذِلَتْ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ .\rفَإِنْ أَبَى مَحْرَمُهَا الْخُرُوجَ مَعَهَا ، لَمْ يُجْبَرْ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا مَحْرَمٌ ، غُرِّبَتْ مَعَ نِسَاءٍ ثِقَاتٍ .\rوَالْقَوْلُ فِي أُجْرَةِ مَنْ يُسَافِرُ مَعَهَا مِنْهُنَّ ، كَالْقَوْلِ فِي أُجْرَةِ الْمَحْرَمِ .\rفَإِنْ أَعْوَزَ ، فَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ : تَبْقَى بِغَيْرِ مَحْرَمٍ .\rوَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ لَا سَبِيلَ إلَى تَأْخِيرِهِ ، فَأَشْبَهَ سَفَرَ الْهِجْرَةِ وَالْحَجِّ إذَا مَاتَ مُحْرِمُهَا فِي الطَّرِيقِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يَسْقُطَ النَّفْيُ ، إذَا لَمْ تَجِدْ مَحْرَمًا ، كَمَا يَسْقُطُ سَفَرُ الْحَجِّ ، إذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا مَحْرَمٌ ، فَإِنَّ تَغْرِيبَهَا إغْرَاءٌ لَهَا بِالْفُجُورِ ، وَتَعْرِيضٌ لَهَا لِلْفِتْنَةِ ، وَعُمُومُ الْحَدِيثِ مَخْصُوصٌ بِعُمُومِ النَّهْيِ عَنْ سَفَرِهَا بِغَيْرِ مَحْرَمٍ .","part":20,"page":41},{"id":9541,"text":"( 7147 ) فَصْلٌ : وَيَجِبُ أَنْ يَحْضُرَ الْحَدَّ طَائِفَةٌ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ } .\rقَالَ أَصْحَابُنَا : وَالطَّائِفَةُ وَاحِدٌ فَمَا فَوْقَهُ .\rوَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَمُجَاهِدٍ .\rوَالظَّاهِرُ أَنَّهُمْ أَرَادُوا وَاحِدًا مَعَ الَّذِي يُقِيمُ الْحَدَّ ؛ لِأَنَّ الَّذِي يُقِيمُ الْحَدَّ حَاصِلٌ ضَرُورَةً ، فَيَتَعَيَّنُ صَرْفُ الْأَمْرِ إلَى غَيْرِهِ .\rوَقَالَ عَطَاءٌ ، وَإِسْحَاقُ : اثْنَانِ .\rفَإِنْ أَرَادَ بِهِ وَاحِدًا مَعَ الَّذِي يُقِيمُ الْحَدَّ ، فَهُوَ مِثْلُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ ، وَإِنْ أَرَادَ اثْنَيْنِ غَيْرَهُ ، فَوَجْهُهُ أَنَّ الطَّائِفَةَ اسْمٌ لِمَا زَادَ عَلَى الْوَاحِد ، وَأَقَلُّهُ اثْنَانِ .\rوَقَالَ الزُّهْرِيُّ : ثَلَاثَةٌ ؛ لِأَنَّ الطَّائِفَةَ جَمَاعَةٌ ، وَأَقَلُّ الْجَمْعِ ثَلَاثَةٌ ، وَقَالَ مَالِكٌ : أَرْبَعَةٌ ؛ لِأَنَّهُ الْعَدَدُ الَّذِي يَثْبُتُ بِهِ الزِّنَى .\rوَلِلشَّافِعِيِّ ، قَوْلَانِ ، كَقَوْلِ الزُّهْرِيِّ وَمَالِكٍ .\rوَقَالَ رَبِيعَةُ : خَمْسَةٌ .\rوَقَالَ الْحَسَنُ : عَشَرَةٌ .\rوَقَالَ قَتَادَةُ : نَفَرٌ .\rوَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَلِأَنَّ اسْمَ الطَّائِفَةِ يَقَعُ عَلَى الْوَاحِدِ ، بِدَلِيلِ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا } .\rثُمَّ قَالَ : { فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ } .\rوَقِيلَ فِي قَوْله تَعَالَى : { إنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً } .\r: إنَّهُ مَخْشِيُّ بْنُ حِمْيَرٍ وَحْدَهُ .\rوَلَا يَجِبُ أَنْ يَحْضُرَ الْإِمَامُ ، وَلَا الشُّهُودُ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إنْ ثَبَتَ الْحَدُّ بِبَيِّنَةٍ ، فَعَلَيْهَا الْحُضُورُ ، وَالْبُدَاءَةُ بِالرَّجْمِ ، وَإِنْ ثَبَتَ بِاعْتِرَافٍ ، وَجَبَ عَلَى الْإِمَامِ الْحُضُورُ ، وَالْبُدَاءَةُ بِالرَّجْمِ ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : الرَّجْمُ رَجَمَانِ ؛ فَمَا كَانَ مِنْهُ بِإِقْرَارٍ ، فَأَوَّلُ مَنْ يَرْجُمُ الْإِمَامُ ، ثُمَّ النَّاسُ ، وَمَا كَانَ بِبَيِّنَةٍ ، فَأَوَّلُ مِنْ يَرْجُمُ","part":20,"page":42},{"id":9542,"text":"الْبَيِّنَةُ ، ثُمَّ النَّاسُ .\rرَوَاهُ سَعِيدٌ ، بِإِسْنَادِهِ .\rوَلِأَنَّهُ إذَا لَمْ تَحْضُرْ الْبَيِّنَةُ وَلَا الْإِمَامُ ، كَانَ ذَلِكَ شُبْهَةً ، وَالْحَدُّ يَسْقُطُ بِالشُّبُهَاتِ .\rوَلَنَا ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِرَجْمِ مَاعِزٍ وَالْغَامِدِيَّةِ ، وَلَمْ يَحْضُرْهُمَا ، } وَالْحَدُّ ثَبَتَ بِاعْتِرَافِهِمَا .\rوَقَالَ : { يَا أُنَيْسُ ، اذْهَبْ إلَى امْرَأَةِ هَذَا ، فَإِنْ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا } .\rوَلَمْ يَحْضُرْهَا .\rوَلِأَنَّهُ حَدٌّ ، فَلَمْ يَلْزَمْ أَنْ يَحْضُرَهُ الْإِمَامُ ، وَلَا الْبَيِّنَةُ ، كَسَائِرِ الْحُدُودِ ، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ تَخَلُّفَهُمْ عَنْ الْحُضُورِ ، وَلَا امْتِنَاعَهُمْ مِنْ الْبُدَاءَةِ بِالرَّجْمِ ، شُبْهَةٌ .\rوَأَمَّا قَوْلُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَهُوَ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِحْبَابِ وَالْفَضِيلَةِ .\rقَالَ أَحْمَدُ : سُنَّةُ الِاعْتِرَافِ أَنْ يَرْجُمَ الْإِمَامُ ثُمَّ النَّاسُ .\rوَلَا نَعْلَمُ خِلَافًا فِي اسْتِحْبَابِ ذَلِكَ ، وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْلُ عَلِيٍّ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَقَدْ رُوِيَ فِي حَدِيثٍ ، رَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ ، عَنْ { النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ أَنَّهُ رَجَمَ امْرَأَةً ، فَحَفَرَ لَهَا إلَى الثَّنْدُوَةِ ، ثُمَّ رَمَاهَا بِحَصَاةٍ مِثْلِ الْحِمَّصَةِ ، ثُمَّ قَالَ : ارْمُوا ، وَاتَّقُوا الْوَجْهَ } .\rأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد .","part":20,"page":43},{"id":9543,"text":"( 7148 ) فَصْلٌ : وَلَا يُقَامُ الْحَدُّ عَلَى حَامِلٍ حَتَّى تَضَعَ ، سَوَاءٌ كَانَ الْحَمْلُ مِنْ زِنًى أَوْ غَيْرِهِ .\rلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْحَامِلَ لَا تُرْجَمُ حَتَّى تَضَعَ .\rوَقَدْ رَوَى بُرَيْدَةَ ، { أَنَّ امْرَأَةً مِنْ بَنِي غَامِدٍ قَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، طَهِّرْنِي .\rقَالَ : وَمَا ذَاكَ ؟ قَالَتْ : إنَّهَا حُبْلَى مِنْ زِنًى .\rقَالَ : أَنْتِ ؟ قَالَتْ : نَعَمْ .\rفَقَالَ لَهَا : ارْجِعِي حَتَّى تَضَعِينَ مَا فِي بَطْنِك .\rقَالَ ، فَكَفَلَهَا رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ حَتَّى وَضَعَتْ ، قَالَ : فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : قَدْ وَضَعَتْ الْغَامِدِيَّةُ .\rفَقَالَ : إذًا لَا نَرْجُمُهَا ، وَنَدَعُ وَلَدَهَا صَغِيرًا لَيْسَ لَهُ مَنْ تُرْضِعُهُ .\rفَقَامَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ ، فَقَالَ : إلَيَّ إرْضَاعَهُ يَا نَبِيَّ اللَّهِ ، قَالَ : فَرَجَمَهَا } .\rرَوَاهُ مُسْلِمٌ ، وَأَبُو دَاوُد .\rوَرُوِيَ أَنَّ امْرَأَةً زَنَتْ فِي أَيَّامِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَهَمَّ عُمَرُ بِرَجْمِهَا وَهِيَ حَامِلٌ ، فَقَالَ لَهُ مُعَاذٌ : إنْ كَانَ لَك سَبِيلٌ عَلَيْهَا ، فَلَيْسَ لَك سَبِيلٌ عَلَى حَمْلِهَا .\rفَقَالَ : عَجَزَ النِّسَاءُ أَنْ يَلِدْنَ مِثْلَك .\rوَلَمْ يَرْجُمْهَا .\rوَعَنْ عَلِيٍّ مِثْلُهُ .\rوَلِأَنَّ فِي إقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهَا فِي حَالِ حَمْلِهَا إتْلَافًا لَمَعْصُومٍ ، وَلَا سَبِيلَ إلَيْهِ ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْحَدُّ رَجْمًا أَوْ غَيْرَهُ ، لِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ تَلَفُ الْوَلَدِ مِنْ سِرَايَةِ الضَّرْبِ وَالْقَطْعِ ، وَرُبَّمَا سَرَى إلَى نَفْسِ الْمَضْرُوبِ وَالْمَقْطُوعِ ، فَيَفُوتُ الْوَلَدُ بِفَوَاتِهِ .\rفَإِذَا وَضَعْت الْوَلَدَ ، فَإِنْ كَانَ الْحَدُّ رَجْمًا ، لَمْ تُرْجَمْ حَتَّى تَسْقِيَهُ اللِّبَأَ ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ لَا يَعِيشُ إلَّا بِهِ ، ثُمَّ إنْ كَانَ لَهُ مَنْ يُرْضِعُهُ ، أَوْ تَكَفَّلَ أَحَدٌ بِرَضَاعِهِ رُجِمَتْ ، وَإِلَّا تُرِكَتْ حَتَّى تَفْطِمَهُ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ حَدِيثِ الْغَامِدِيَّةِ ، وَلِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادِهِ عَنْ بُرَيْدَةَ ، { أَنَّ امْرَأَةً أَتَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ","part":20,"page":44},{"id":9544,"text":"عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ : إنِّي فَجَرْت ، فَوَاَللَّهِ إنِّي لَحُبْلَى .\rفَقَالَ لَهَا : ارْجِعِي حَتَّى تَلِدِي .\rفَرَجَعَتْ ، فَلَمَّا وَلَدَتْ ، أَتَتْهُ بِالصَّبِيِّ ، فَقَالَ : ارْجِعِي فَأَرْضِعِيهِ حَتَّى تَفْطِمِيهِ .\rفَجَاءَتْ بِهِ وَقَدْ فَطَمَتْهُ ، وَفِي يَدِهِ شَيْءٌ يَأْكُلُهُ ، فَأَمَرَ بِالصَّبِيِّ ، فَدُفِعَ إلَى رَجُلٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ، فَأَمَرَ بِهَا فَحُفِرَ لَهَا ، وَأَمَرَ بِهَا فَرُجِمَتْ ، وَأَمَرَ بِهَا فَصُلِّيَ عَلَيْهَا وَدُفِنَتْ .\r} وَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ حَمْلُهَا ، لَمْ تُؤَخَّرُ ؛ لِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُونَ حَمَلَتْ مِنْ الزِّنَى ، { لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجَمَ الْيَهُودِيَّةَ وَالْجُهَنِيَّةَ ، وَلَمْ يَسْأَلْ عَنْ اسْتِبْرَائِهِمَا .\r} وَقَالَ لِأُنَيْسٍ : { اذْهَبْ إلَى امْرَأَةِ هَذَا ، فَإِنْ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا } .\rوَلَمْ يَأْمُرْهُ بِسُؤَالِهَا عَنْ اسْتِبْرَائِهَا .\rوَرَجَمَ عَلِيٌّ شُرَاحَةَ ، وَلَمْ يَسْتَبْرِئْهَا .\rوَإِنْ ادَّعَتْ الْحَمْلَ قُبِلَ قَوْلُهَا ، كَمَا قَبِلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَوْلَ الْغَامِدِيَّةِ .\rوَإِنْ كَانَ الْحَدُّ جَلْدًا ، فَإِذَا وَضَعَتْ الْوَلَدَ ، وَانْقَطَعَ النِّفَاسُ ، وَكَانَتْ قَوِيَّةً يُؤْمَنُ تَلَفُهَا ، أُقِيمَ عَلَيْهَا الْحَدُّ ، وَإِنْ كَانَتْ فِي نِفَاسِهَا ، أَوْ ضَعِيفَةً يُخَافُ تَلَفُهَا ، لَمْ يُقَمْ عَلَيْهَا الْحَدُّ حَتَّى تَطْهُرَ وَتَقْوَى .\rوَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ .\rوَذَكَرَ الْقَاضِي ، أَنَّهُ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ .\rوَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : يُقَامُ عَلَيْهَا الْحَدُّ فِي الْحَالِ ، بِسَوْطٍ يُؤْمَنُ مَعَهُ التَّلَفُ ، فَإِنْ خِيفَ عَلَيْهَا مِنْ السَّوْطِ ، أُقِيمَ بِالْعُثْكُولِ .\rيَعْنِي شِمْرَاخَ النَّخْلِ ، وَأَطْرَافَ الثِّيَابِ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِضَرْبِ الْمَرِيضِ الَّذِي زَنَى ، فَقَالَ : { خُذُوا لَهُ مِائَةَ شِمْرَاخٍ ، فَاضْرِبُوهُ بِهَا ضَرْبَةً وَاحِدَةً } .\rوَلَنَا ، مَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : { إنَّ أَمَةً لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَنَتْ ، فَأَمَرَنِي","part":20,"page":45},{"id":9545,"text":"أَنَّ أَجْلِدَهَا ، فَإِذَا هِيَ حَدِيثَةُ عَهْدٍ بِنِفَاسٍ ، فَخَشِيتُ إنْ أَنَا جَلَدْتهَا أَنْ أَقْتُلَهَا ، فَذَكَرْت ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : أَحْسَنْت } .\rرَوَاهُ مُسْلِمٌ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَأَبُو دَاوُد .\rوَلَفْظُهُ ، قَالَ : { فَأَتَيْتُهُ ، فَقَالَ : يَا عَلِيُّ ، أَفَرَغْتَ ؟ فَقُلْت : أَتَيْتهَا وَدَمُهَا يَسِيلُ .\rفَقَالَ : دَعْهَا حَتَّى يَنْقَطِعَ عَنْهَا الدَّمُ ، ثُمَّ أَقِمْ عَلَيْهَا الْحَدَّ } .\rوَفِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ ، { أَنَّ الْمَرْأَةَ انْطَلَقَتْ ، فَوَلَدَتْ غُلَامًا ، فَجَاءَتْ بِهِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَهَا : انْطَلِقِي ، فَتَطَهَّرِي مِنْ الدَّمِ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَلِأَنَّهُ لَوْ تَوَالَى عَلَيْهِ حَدَّانِ ، فَاسْتَوْفَى أَحَدَهُمَا ، لَمْ يُسْتَوْفَ الثَّانِي حَتَّى يَبْرَأَ مِنْ الْأَوَّلِ ، وَلِأَنَّ فِي تَأْخِيرِهِ إقَامَةَ الْحَدِّ عَلَى الْكَمَالِ ، مِنْ غَيْرِ إتْلَافٍ ، فَكَانَ أَوْلَى .","part":20,"page":46},{"id":9546,"text":"( 7149 ) فَصْلٌ : وَالْمَرِيضُ عَلَى ضَرْبَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، يُرْجَى بُرْؤُهُ ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا : يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ ، وَلَا يُؤَخَّرُ .\rكَمَا قَالَ أَبُو بَكْرٍ فِي النُّفَسَاءِ .\rوَهَذَا قَوْلُ إِسْحَاقَ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ، لِأَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَقَامَ الْحَدَّ عَلَى قُدَامَةَ بْنِ مَظْعُونٍ فِي مَرَضِهِ ، وَلَمْ يُؤَخِّرْهُ ، وَانْتَشَرَ ذَلِكَ فِي الصَّحَابَةِ ، فَلَمْ يُنْكِرُوهُ ، فَكَانَ إجْمَاعًا ، وَلِأَنَّ الْحَدَّ وَاجِبٌ فَلَا يُؤَخَّرُ مَا أَوْجَبَهُ اللَّهُ بِغَيْرِ حُجَّةٍ .\rقَالَ الْقَاضِي : وَظَاهِرُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ تَأْخِيرُهُ ؛ لِقَوْلِهِ فِيمَنْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَدُّ : وَهُوَ صَحِيحٌ عَاقِلٌ .\rوَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ؛ لِحَدِيثِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي الَّتِي هِيَ حَدِيثَةُ عَهْدٍ بِنِفَاسٍ ، وَمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ الْمَعْنَى .\rوَأَمَّا حَدِيثُ عُمَرَ فِي جَلْدِ قُدَامَةَ ، فَإِنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ كَانَ مَرَضًا خَفِيفًا ، لَا يَمْنَعُ مِنْ إقَامَةِ الْحَدِّ عَلَى الْكَمَالِ ، وَلِهَذَا لَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ أَنَّهُ خَفَّفَ عَنْهُ فِي السَّوْطِ ، وَإِنَّمَا اخْتَارَ لَهُ سَوْطًا وَسَطًا ، كَاَلَّذِي يُضْرَبُ بِهِ الصَّحِيحُ ، ثُمَّ إنَّ فِعْلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقَدَّمُ عَلَى فِعْلِ عُمَرَ ، مَعَ أَنَّهُ اخْتِيَارُ عَلِيٍّ وَفِعْلُهُ ، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي تَأْخِيرِهِ لِأَجْلِ الْحَرِّ وَالْبَرْدِ الْمُفْرِطِ .\rالضَّرْبُ الثَّانِي : الْمَرِيضُ الَّذِي لَا يُرْجَى بُرْؤُهُ .\rفَهَذَا يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ فِي الْحَالِ وَلَا يُؤَخَّرُ ، بِسَوْطٍ يُؤْمَنُ مَعَهُ التَّلَفُ ، كَالْقَضِيبِ الصَّغِيرِ ، وَشِمْرَاخِ النَّخْلِ ، فَإِنْ خِيفَ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ ، جُمِعَ ضِغْثٌ فِيهِ مِائَةُ شِمْرَاخٍ ، فَضُرِبَ بِهِ ضَرْبَةً وَاحِدَةً .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَأَنْكَرَ مَالِكٌ هَذَا ، وَقَالَ : قَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ } .\rوَهَذَا جَلْدَةٌ وَاحِدَةٌ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى أَبُو أُمَامَةَ بْنُ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ ، { عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ","part":20,"page":47},{"id":9547,"text":"عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ رَجُلًا مِنْهُمْ اشْتَكَى حَتَّى ضَنِيَ ، فَدَخَلَتْ عَلَيْهِ امْرَأَةٌ فَهَشَّ لَهَا ، فَوَقَعَ بِهَا ، فَسُئِلَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَأْخُذُوا مِائَةَ شِمْرَاخٍ فَيَضْرِبُوهُ ضَرْبَةً وَاحِدَةً } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَالنَّسَائِيُّ .\rوَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : فِي إسْنَادِهِ مَقَالٌ .\rوَلِأَنَّهُ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يُقَامَ الْحَدُّ عَلَى مَا ذَكَرْنَا ، أَوْ لَا يُقَامَ أَصْلًا ، أَوْ يُضْرَبَ ضَرْبًا كَامِلًا لَا يَجُوزُ تَرْكُهُ بِالْكُلِّيَّةِ ؛ لِأَنَّهُ يُخَالِفُ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ وَلَا يَجُوزُ جَلْدُهُ جَلْدًا تَامًّا ؛ لِأَنَّهُ يُفْضِي إلَى إتْلَافِهِ ، فَتَعَيَّنَ مَا ذَكَرْنَاهُ .\rوَقَوْلُهُمْ : هَذَا جَلْدَةٌ وَاحِدَةٌ .\rقُلْنَا : يَجُوزُ أَنْ يُقَامَ ذَلِكَ فِي حَالِ الْعُذْرِ مَقَامَ مِائَةٍ ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي حَقِّ أَيُّوبَ : { وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ } .\rوَهَذَا أَوْلَى مِنْ تَرْكِ حَدِّهِ بِالْكُلِّيَّةِ ، أَوْ قَتْلِهِ بِمَا لَا يُوجِبُ الْقَتْلَ .","part":20,"page":48},{"id":9548,"text":"( 7150 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَإِذَا زَنَى الْعَبْدُ وَالْأَمَةُ ، جُلِدَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا خَمْسِينَ جَلْدَةً ، وَلَمْ يُغَرَّبَا ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ حَدَّ الْعَبْدِ وَالْأَمَةِ خَمْسُونَ جَلْدَةً بِكْرَيْنِ كَانَا أَوْ ثَيِّبَيْنِ .\rفِي قَوْلِ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ ؛ مِنْهُمْ عُمَرُ ، وَعَلِيٌّ ، وَابْنُ مَسْعُودٍ ، وَالْحَسَنُ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ ، وَالْبَتِّيُّ ، وَالْعَنْبَرِيُّ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَطَاوُسٌ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ : إنْ كَانَا مُزَوَّجَيْنِ فَعَلَيْهِمَا نِصْفُ الْحَدِّ ، وَلَا حَدَّ عَلَى غَيْرِهِمَا ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنْ الْعَذَابِ } .\rفَدَلِيلُ خِطَابِهِ أَنَّهُ لَا حَدَّ عَلَى غَيْرِ الْمُحْصَنَاتِ .\rوَقَالَ دَاوُد عَلَى الْأَمَةَ نِصْفُ الْحَدِّ إذَا زَنَتْ بَعْدَمَا زُوِّجَتْ ، وَعَلَى الْعَبْدِ جَلْدُ مِائَةٍ بِكُلِّ حَالٍ ، وَفِي الْأَمَةِ إذَا لَمْ تُزَوَّجْ رِوَايَتَانِ ؛ ؟ إحْدَاهُمَا ، لَا حَدَّ عَلَيْهَا .\rوَالْأُخْرَى ، تُجْلَدُ مِائَةً ؛ لِأَنَّ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى : { فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ } .\rعَامٌّ ، خَرَجَتْ مِنْهُ الْأَمَةُ الْمُحْصَنَةُ بِقَوْلِهِ : { فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنْ الْعَذَابِ } .\rفَيَبْقَى الْعَبْدُ وَالْأَمَةُ الَّتِي لَمْ تُحْصَنْ عَلَى مُقْتَضَى الْعُمُومِ .\rوَيَحْتَمِلُ دَلِيلُ الْخِطَابِ فِي الْأَمَةِ أَنْ لَا حَدَّ عَلَيْهَا ، لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ .\rوَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ : إذَا لَمْ يُحْصَنَا بِالتَّزْوِيجِ ، فَعَلَيْهِمَا نِصْفُ الْحَدِّ ، وَإِنْ أُحْصِنَا فَعَلَيْهِمَا الرَّجْمُ ؛ لِعُمُومِ الْأَخْبَارِ فِيهِ ، وَلِأَنَّهُ حَدٌّ لَا يَتَبَعَّضُ ، فَوَجَبَ تَكْمِيلُهُ ، كَالْقَطْعِ فِي السَّرِقَةِ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى ابْنُ شِهَابٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ ، وَسُئِلَ ، قَالُوا : { سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْأَمَةِ","part":20,"page":49},{"id":9549,"text":"إذَا زَنَتْ وَلَمْ تُحْصَنْ ، فَقَالَ : إذَا زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا ، ثُمَّ إنْ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا ، ثُمَّ إنْ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا ، ثُمَّ إنْ زَنَتْ فَبِيعُوهَا وَلَوْ بِضَفِيرٍ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rقَالَ ابْنُ شِهَابٍ : وَهَذَا نَصٌّ فِي جَلْدِ الْأَمَةِ إذَا لَمْ تُحْصَنْ ، وَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَمُوَافِقِيهِ وَدَاوُد .\rوَجَعْلُ دَاوُد عَلَيْهَا مِائَةً إذَا لَمْ تُحْصَنْ ، وَخَمْسِينَ إذَا كَانَتْ مُحْصَنَةً ، خِلَافُ مَا شَرَعَ اللَّهُ تَعَالَى ، فَإِنَّ اللَّهَ ضَاعَفَ عُقُوبَةَ الْمُحْصَنَةِ عَلَى غَيْرِهَا ، فَجَعَلَ الرَّجْمَ عَلَى الْمُحْصَنَةِ ، وَالْجَلْدَ عَلَى الْبِكْرِ وَدَاوُد ضَاعَفَ عُقُوبَةَ الْبِكْرِ عَلَى الْمُحْصَنَةِ ، وَاتِّبَاعُ شَرْعِ اللَّهِ أَوْلَى .\rوَأَمَّا دَلِيلُ الْخِطَابِ ، فَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ، رَحْمَةِ اللَّهِ عَلَيْهِ ، أَنَّهُ قَالَ : إحْصَانُهَا إسْلَامُهَا وَأَقْرَاؤُهَا .\rبِفَتْحِ الْأَلْفِ .\rثُمَّ دَلِيلُ الْخِطَابِ إنَّمَا يَكُونُ دَلِيلًا إذَا لَمْ يَكُنْ لِلتَّخْصِيصِ بِالذِّكْرِ فَائِدَةٌ ، سِوَى اخْتِصَاصِهِ بِالْحُكْمِ ، وَمَتَى كَانَتْ لَهُ فَائِدَةٌ أُخْرَى ، لَمْ يَكُنْ دَلِيلًا ، مِثْلَ أَنْ يَخْرُجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ ، أَوْ لِلتَّنْبِيهِ ، أَوْ لِمَعْنًى مِنْ الْمَعَانِي ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَرَبَائِبُكُمْ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمْ } .\rوَلَمْ يَخْتَصَّ التَّحْرِيمُ بِاَللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ .\rوَقَالَ : { وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمْ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ } .\rوَحَرُمَ حَلَائِلُ الْأَبْنَاءِ مِنْ الرَّضَاعِ ، وَأَبْنَاءِ الْأَبْنَاءِ .\rوَقَالَ : { فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنْ الصَّلَاةِ إنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا } .\rوَأُبِيحَ الْقَصْرُ بِدُونِ الْخَوْفِ .\rوَأَمَّا الْعَبْدُ فَلَا فَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَمَةِ ، فَالتَّنْصِيصُ عَلَى أَحَدِهِمَا يَثْبُتُ حُكْمُهُ فِي حَقِّ الْآخَرِ ، كَمَا أَنَّ قَوْلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ .\r} ثَبَتَ حُكْمُهُ فِي حَقِّ الْأَمَةِ ، ثُمَّ إنَّ الْمَنْطُوقَ أَوْلَى مِنْهُ عَلَى كُلِّ حَالٍ .","part":20,"page":50},{"id":9550,"text":"وَأَمَّا أَبُو ثَوْرٍ ، فَخَالَفَ نَصَّ قَوْله تَعَالَى : { فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنْ الْعَذَابِ } .\rوَعَمِلَ بِهِ فِيمَا لَمْ يَتَنَاوَلْهُ النَّصُّ ، وَخَرَقَ الْإِجْمَاعَ فِي إيجَابِ الرَّجْمِ عَلَى الْمُحْصَنَاتِ ، كَمَا خَرَقَ دَاوُد الْإِجْمَاعَ فِي تَكْمِيلِ الْجَلْدِ عَلَى الْعَبِيدِ ، وَتَضْعِيفِ حَدِّ الْأَبْكَارِ عَلَى الْمُحْصَنَاتِ","part":20,"page":51},{"id":9551,"text":"( 7151 ) فَصْلٌ : وَلَا تَغْرِيبَ عَلَى عَبْدٍ وَلَا أَمَةٍ .\rوَبِهَذَا قَالَ الْحَسَنُ ، وَحَمَّادٌ ، وَمَالِكٌ وَإِسْحَاقُ .\rوَقَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ : يُغَرَّبُ نِصْفَ عَامٍ ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنْ الْعَذَابِ } وَحَدَّ ابْنُ عُمَرَ مَمْلُوكَةً لَهُ ، وَنَفَاهَا إلَى فَدَكَ .\rوَعَنْ الشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ كَالْمَذْهَبَيْنِ .\rوَاحْتَجَّ مَنْ أَوْجَبَهُ بِعُمُومِ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ ، جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ } .\rوَلَنَا ، الْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ فِي حُجَّتِنَا ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ تَغْرِيبًا ، وَلَوْ كَانَ وَاجِبًا لَذَكَرَهُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِهِ ، وَحَدِيثُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ { أَنَّهُ قَالَ : يَا أَيُّهَا النَّاسُ ، أَقِيمُوا عَلَى أَرِقَّائِكُمْ الْحَدَّ ، مَنْ أُحْصِنَ مِنْهُمْ ، وَمَنْ لَمْ يُحْصَنْ ؛ فَإِنَّ أَمَةً لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَنَتْ ، فَأَمَرَنِي أَنْ أَجْلِدَهَا } .\rوَذَكَرَ الْحَدِيثَ .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُ غَرَّبَهَا .\rوَأَمَّا الْآيَةُ ، فَإِنَّهَا حُجَّةٌ لَنَا ؛ لِأَنَّ الْعَذَابَ الْمَذْكُورَ فِي الْقُرْآنِ مِائَةُ جَلْدَةٍ لَا غَيْرُ ، فَيَنْصَرِفُ التَّنْصِيفُ إلَيْهِ دُونَ غَيْرِهِ ؛ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَمْ يَنْصَرِفْ إلَى تَنْصِيفِ الرَّجْمِ ، وَلِأَنَّ التَّغْرِيبَ فِي حَقِّ الْعَبْدِ عُقُوبَةٌ لِسَيِّدِهِ دُونَهُ ، فَلَمْ يَجِبْ فِي الزِّنَى ، كَالتَّغْرِيمِ ، بَيَانُ ذَلِكَ ، أَنَّ الْعَبْدَ لَا ضَرَرَ عَلَيْهِ فِي تَغْرِيبِهِ ؛ لِأَنَّهُ غَرِيبٌ فِي مَوْضِعِهِ ، وَيُتْرِفُهُ بِتَغْرِيبِهِ مِنْ الْخِدْمَةِ ، وَيَتَضَرَّرُ سَيِّدُهُ بِتَفْوِيتِ خِدْمَتِهِ ، وَالْخَطَرِ بِخُرُوجِهِ مِنْ تَحْتِ يَدِهِ ، وَالْكُلْفَةِ فِي حِفْظِهِ ، وَالْإِنْفَاقِ عَلَيْهِ مَعَ بُعْدِهِ عَنْهُ ، فَيَصِيرُ الْحَدُّ مَشْرُوعًا فِي حَقِّ غَيْرِ الزَّانِي ، وَالضَّرَرُ عَلَى غَيْرِ الْجَانِي ، وَمَا فَعَلَ ابْنُ عُمَرَ ، فَفِي حَقِّ نَفْسِهِ وَإِسْقَاطِ حَقِّهِ ، وَلَهُ فِعْلُ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ زِنًى وَلَا جِنَايَةٍ ، فَلَا يَكُونُ حُجَّةً فِي","part":20,"page":52},{"id":9552,"text":"حَقِّ غَيْرِهِ","part":20,"page":53},{"id":9553,"text":"( 7152 ) فَصْلٌ : وَإِذَا زَنَى الْعَبْدُ ، ثُمَّ عَتَقَ ، حُدَّ حَدَّ الرَّقِيقِ ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ الَّذِي وَجَبَ عَلَيْهِ .\rوَلَوْ زَنَى حُرٌّ ذِمِّيٌّ ، ثُمَّ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ ، ثُمَّ سُبِيَ وَاسْتُرِقَّ ، حُدَّ حَدَّ الْأَحْرَارِ ؛ لِأَنَّهُ وَجَبَ عَلَيْهِ وَهُوَ حُرٌّ .\rوَلَوْ كَانَ أَحَدُ الزَّانِيَيْنِ رَقِيقًا ، وَالْآخَرُ حُرًّا ، فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَدُّهُ .\rوَلَوْ زَنَى بِكْرٌ بِثَيِّبٍ ، حُدَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَدَّهُ ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إنَّمَا تَلْزَمُهُ عُقُوبَةُ جِنَايَتِهِ .\rوَلَوْ زَنَى بَعْدَ الْعِتْقِ ، وَقَبْلَ الْعِلْمِ بِهِ ، فَعَلَيْهِ حَدُّ الْأَحْرَارِ ؛ لِأَنَّهُ زَنَى وَهُوَ حُرٌّ .\rوَإِنْ أُقِيمَ عَلَيْهِ حَدُّ الرَّقِيقِ قَبْلَ الْعِلْمِ بِحُرِّيَّتِهِ ، ثُمَّ عُلِمَتْ بَعْدُ تُمِّمَ عَلَيْهِ حَدُّ الْأَحْرَارِ .\rوَإِنْ عَفَا السَّيِّدُ عَنْ عَبْدِهِ ، لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ الْحَدُّ ، فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، إلَّا الْحَسَنَ ، قَالَ : يَصِحُّ عَفْوُهُ .\rوَلَيْسَ بِصَحِيحٍ ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى ، فَلَا يَسْقُطُ بِإِسْقَاطِ سَيِّدِهِ ، كَالْعِبَادَاتِ ، وَكَالْحُرِّ إذَا عَفَا عَنْهُ الْإِمَامُ .","part":20,"page":54},{"id":9554,"text":"( 7153 ) فَصْلٌ : وَلِلسَّيِّدِ إقَامَةُ الْحَدِّ بِالْجَلْدِ عَلَى رَقِيقِهِ الْقِنِّ ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ .\rرُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ ، وَابْنِ عُمَرَ ، وَأَبِي حُمَيْدٍ وَأَبِي أُسَيْدَ السَّاعِدِيَّيْنِ ، وَفَاطِمَةَ ابْنَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلْقَمَةَ ، وَالْأَسْوَدِ ، وَالزُّهْرِيِّ ، وَهُبَيْرَةَ بْنِ مَرْيَمَ ، وَأَبِي مَيْسَرَةَ ، وَمَالِكٍ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ .\rوَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى : أَدْرَكْت بَقَايَا الْأَنْصَارِ يَجْلِدُونَ وَلَائِدَهُمْ فِي مَجَالِسِهِمْ الْحُدُودَ إذَا زَنَوْا .\rوَعَنْ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، أَنَّ فَاطِمَةَ حَدَتَ جَارِيَةٌ لَهَا زَنَتْ .\rوَعَنْ إبْرَاهِيمَ ، أَنَّ عَلْقَمَةَ وَالْأَسْوَدَ كَانَا يُقِيمَانِ الْحُدُودَ عَلَى مَنْ زَنَى مِنْ خَدَمِ عَشَائِرِهِمْ .\rرَوَى ذَلِكَ سَعِيدٌ ، فِي \" سُنَنِهِ \" .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ : لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الْحُدُودَ إلَى السُّلْطَانِ ، وَلِأَنَّ مِنْ لَا يَمْلِكُ إقَامَةَ الْحَدِّ عَلَى الْحُرِّ لَا يَمْلِكُهُ عَلَى الْعَبْدِ ، كَالصَّبِيِّ ، وَلِأَنَّ الْحَدَّ لَا يَجِبُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ أَوْ إقْرَارٍ ، وَيُعْتَبَرُ لِذَلِكَ شُرُوطٌ ، مِنْ عَدَالَةِ الشُّهُودِ ، وَمَجِيئِهِمْ مُجْتَمِعِينَ ، أَوْ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ ، وَذِكْرِ حَقِيقَةِ الزِّنَى ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الشُّرُوطِ الَّتِي تَحْتَاجُ إلَى فَقِيهٍ يَعْرِفُهَا ، وَيَعْرِفُ الْخِلَافَ فِيهَا ، وَالصَّوَابَ مِنْهَا ، وَكَذَلِكَ الْإِقْرَارُ ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُفَوَّضَ ذَلِكَ إلَى الْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ ، كَحَدِّ الْأَحْرَارِ ، وَلِأَنَّهُ حَدٌّ هُوَ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى ، فَيُفَوَّضُ إلَى الْإِمَامِ ، كَالْقَتْلِ وَالْقَطْعِ وَلَنَا مَا رَوَى سَعِيدٌ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَيُّوبَ بْنِ مُوسَى ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ .\rعَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { إذَا زَنَتْ أَمَةُ أَحَدِكُمْ ، فَتَيَقَّنَ زِنَاهَا ، فَلْيَجْلِدْهَا ، وَلَا يُثَرِّبْ بِهَا ، فَإِنْ عَادَتْ ، فَلْيَجْلِدْهَا ، وَلَا يُثَرِّبْ بِهَا","part":20,"page":55},{"id":9555,"text":"، فَإِنْ عَادَتْ فَلْيَجْلِدْهَا ، وَلَا يُثَرِّبْ بِهَا ، فَإِنْ عَادَتْ الرَّابِعَةَ ، فَلْيَجْلِدْهَا ، وَلْيَبِعْهَا وَلَوْ بِضَفِيرٍ } .\rوَقَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى ، عَنْ أَبِي جَمِيلَةَ ، عَنْ عَلِيٍّ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { وَأَقِيمُوا الْحُدُودَ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ } .\rرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ .\rوَلِأَنَّ السَّيِّدَ يَمْلِكُ تَأْدِيبَ أَمَتِهِ وَتَزْوِيجَهَا ، فَمَلَكَ إقَامَةَ الْحَدِّ عَلَيْهَا ، كَالسُّلْطَانِ ، وَفَارَقَ الصَّبِيَّ .","part":20,"page":56},{"id":9556,"text":"إذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّمَا يَمْلِكُ إقَامَةَ الْحَدِّ بِشُرُوطٍ أَرْبَعَةٍ ؛ أَحَدُهَا أَنْ يَكُونَ جَلْدًا كَحَدِّ الزِّنَى ، وَالشُّرْبِ ، وَحَدِّ الْقَذْفِ ، فَأَمَّا الْقَتْلُ فِي الرِّدَّةِ ، وَالْقَطْعُ فِي السَّرِقَةِ ، فَلَا يَمْلِكُهَا إلَّا الْإِمَامُ .\rوَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rوَفِيهِمَا وَجْهٌ آخَرُ ، أَنَّ السَّيِّدَ يَمْلِكُهَا .\rوَهُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ ؛ لِعُمُومِ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { أَقِيمُوا الْحُدُودَ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ } .\rوَرُوِيَ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ قَطَعَ عَبْدًا سَرَقَ .\rوَكَذَلِكَ عَائِشَةُ .\rوَعَنْ حَفْصَةَ أَنَّهَا قَتَلَتْ أَمَةً لَهَا سَحَرَتْهَا .\rوَلِأَنَّ ذَلِكَ حَدٌّ أَشْبَهَ الْجَلْدَ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : كَلَامُ أَحْمَدَ يَقْتَضِي أَنَّ فِي قَطْعِ السَّارِقِ رِوَايَتَيْنِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الْأَصْلَ تَفْوِيضُ الْحَدِّ إلَى الْإِمَامِ ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى ، فَيُفَوَّضُ إلَى نَائِبِهِ ، كَمَا فِي حَقِّ الْأَحْرَارِ ، وَلِمَا ذَكَرَهُ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَإِنَّمَا فُوِّضَ إلَى السَّيِّدِ الْجَلْدُ خَاصَّةً ، لِأَنَّهُ تَأْدِيبٌ ، وَالسَّيِّدُ يَمْلِكُ تَأْدِيبَ عَبْدِهِ وَضَرْبَهُ عَلَى الذَّنْبِ ، وَهَذَا مِنْ جِنْسِهِ ، وَإِنَّمَا افْتَرَقَا فِي أَنَّ هَذَا مُقَدَّرٌ ، وَالتَّأْدِيبُ غَيْرُ مُقَدَّرٍ ، وَهَذَا لَا أَثَرَ لَهُ فِي مَنْعِ السَّيِّدِ مِنْهُ ، بِخِلَافِ الْقَطْعِ وَالْقَتْلِ ، فَإِنَّهُمَا إتْلَافٌ لِجُمْلَتِهِ أَوْ بَعْضِهِ الصَّحِيحِ ، وَلَا يَمْلِكُ السَّيِّدُ هَذَا مِنْ عَبْدِهِ ، وَلَا شَيْئًا مِنْ جِنْسِهِ ، وَالْخَبَرُ الْوَارِدُ فِي حَدِّ السَّيِّدِ عَبْدَهُ ، إنَّمَا جَاءَ فِي الزِّنَى خَاصَّةً ، وَإِنَّمَا قِسْنَا عَلَيْهِ مَا يُشْبِهُهُ مِنْ الْجَلْدِ .\rوَقَوْلُهُ : { أَقِيمُوا الْحُدُودَ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ } .\rإنَّمَا جَاءَ فِي سِيَاقِ الْجَلْدِ فِي الزِّنَى ، فَإِنَّ أَوَّلَ الْحَدِيثِ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ : { أُخْبِرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَمَةٍ لَهُمْ فَجَرَتْ ، فَأَرْسَلَنِي إلَيْهَا ، فَقَالَ : اجْلِدْهَا الْحَدَّ .\rقَالَ : فَانْطَلَقْت ، فَوَجَدْتهَا لَمْ","part":20,"page":57},{"id":9557,"text":"تَجِفَّ مِنْ دَمِهَا ، فَرَجَعْت إلَيْهِ ، فَقَالَ : أَفَرَغْتَ ؟ .\rفَقُلْت : وَجَدْتهَا لَمْ تَجِفَّ مِنْ دَمِهَا .\rقَالَ : إذَا جَفَّتْ مِنْ دَمِهَا ، فَاجْلِدْهَا الْحَدَّ ، وَأَقِيمُوا الْحُدُودَ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ } .\rفَالظَّاهِرُ أَنَّهُ إنَّمَا أَرَادَ ذَلِكَ الْحَدَّ وَشِبْهَهُ .\rوَأَمَّا فِعْلُ حَفْصَةَ ، فَقَدْ أَنْكَرَهُ عُثْمَانُ عَلَيْهَا ، وَشَقَّ عَلَيْهِ ، وَقَوْلُهُ أَوْلَى مِنْ قَوْلِهَا .\rوَمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، فَلَا نَعْلَمُ ثُبُوتَهُ عَنْهُ .\rالشَّرْطُ الثَّانِي : أَنْ يَخْتَصَّ السَّيِّدُ بِالْمَمْلُوكِ ، فَإِنْ كَانَ مُشْتَرَكًا بَيْنَ اثْنَيْنِ ، أَوْ كَانَتْ الْأَمَةُ مُزَوَّجَةً ، أَوْ كَانَ الْمَمْلُوكُ مُكَاتَبًا ، أَوْ بَعْضُهُ حُرًّا ، لَمْ يَمْلِكْ السَّيِّدُ إقَامَةَ الْحَدِّ عَلَيْهِ .\rوَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ : يَمْلِكُ السَّيِّدُ إقَامَةَ الْحَدِّ عَلَى الْأَمَةِ الْمُزَوَّجَةِ ؛ لِعُمُومِ الْخَبَرِ ، وَلِأَنَّهُ مُخْتَصٌّ بِمِلْكِهَا ، وَإِنَّمَا يَمْلِكُ الزَّوْجُ بَعْضَ نَفْعِهَا ، فَأَشْبَهَتْ الْمُسْتَأْجَرَةَ .\rوَلَنَا ، مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، أَنَّهُ قَالَ : إذَا كَانَتْ الْأَمَةُ ذَاتَ زَوْجٍ ، رُفِعَتْ إلَى السُّلْطَانِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا زَوْجٌ ، جَلَدَهَا سَيِّدُهَا نِصْفَ مَا عَلَى الْمُحْصَنِ .\rوَلَمْ نَعْرِفُ لَهُ مُخَالِفًا فِي عَصْرِهِ ، فَكَانَ إجْمَاعًا .\rوَلِأَنَّ نَفْعَهَا مَمْلُوكٌ لِغَيْرِهِ مُطْلَقًا ، أَشْبَهَتْ الْمُشْتَرَكَةَ ، وَلِأَنَّ الْمُشْتَرَكَ إنَّمَا مُنِعَ مِنْ إقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ ، لِأَنَّهُ يُقِيمُهُ فِي غَيْرِ مِلْكِهِ ، فَإِنَّ الْجُزْءَ الْحُرَّ أَوْ الْمَمْلُوكَ لَغَيْرِهِ ، لَيْسَ بِمَمْلُوكٍ لَهُ ، وَهُوَ يُقِيمُ الْحَدَّ عَلَيْهِ ، وَهَذَا يُشْبِهُهُ ؛ لِأَنَّ مَحَلَّ الْحَدِّ هُوَ مَحَلُّ اسْتِمْتَاعِ الزَّوْجِ ، وَهُوَ بَدَنُهَا فَلَا يَمْلِكُهُ ، وَالْخَبَرُ مَخْصُوصٌ بِالْمُشْتَرَكِ ، فَنَقِيسُ عَلَيْهِ ، وَالْمُسْتَأْجَرَةُ إجَارَتُهَا مُؤَقَّتَةٌ تَنْقَضِي .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ نَقُولَ : لَا يَمْلِكُ إقَامَتَهُ عَلَيْهَا فِي حَالِ إجَارَتِهَا ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا أَفْضَى إلَى تَفْوِيتِ حَقِّ الْمُسْتَأْجِرِ ، وَكَذَلِكَ","part":20,"page":58},{"id":9558,"text":"الْأَمَةُ الْمَرْهُونَةُ ، يُخَرَّجُ فِيهَا وَجْهَانِ .\rالشَّرْطُ الثَّالِثُ : أَنْ يَثْبُتَ الْحَدُّ بِبَيِّنَةٍ أَوْ اعْتِرَافٍ ، فَإِنْ ثَبَتَ بِاعْتِرَافٍ ، فَلِلسَّيِّدِ إقَامَتُهُ ، إذَا كَانَ يَعْرِفُ الِاعْتِرَافَ الَّذِي يَثْبُتُ بِهِ الْحَدُّ وَشُرُوطُهُ ، وَإِنْ ثَبَتَ بِبَيِّنَةٍ ، اُعْتُبِرَ أَنْ يَثْبُتَ عِنْدَ الْحَاكِمِ ؛ لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ تَحْتَاجُ إلَى الْبَحْثِ عَنْ الْعَدَالَةِ ، وَمَعْرِفَةِ شُرُوطِ سَمَاعِهَا وَلَفْظِهَا ، وَلَا يَقُومُ بِذَلِكَ إلَّا الْحَاكِمُ .\rوَقَالَ الْقَاضِي يَعْقُوبُ : إنْ كَانَ السَّيِّدُ يُحْسِنُ سَمَاعَ الْبَيِّنَةِ ، وَيَعْرِفُ شُرُوطَ الْعَدَالَةِ ، جَازَ أَنْ يَسْمَعَهَا ، وَيُقِيمَ الْحَدَّ بِهَا ، كَمَا يُقِيمُهُ بِالْإِقْرَارِ .\rوَهَذَا ظَاهِرُ نَصِّ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهَا أَحَدُ مَا يَثْبُتُ بِهِ الْحَدُّ ، فَأَشْبَهَتْ الْإِقْرَارَ .\rوَلَا يُقِيمُ السَّيِّدُ الْحَدَّ بِعِلْمِهِ .\rوَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُقِيمُهُ الْإِمَامُ بِعِلْمِهِ ، فَالسَّيِّدُ أَوْلَى ، فَإِنَّ وِلَايَةَ الْإِمَامِ لِلْحَدِّ أَقْوَى مِنْ وِلَايَةِ السَّيِّدِ ؛ لِكَوْنِهَا مُتَّفَقًا عَلَيْهَا ، وَثَابِتَةً بِالْإِجْمَاعِ ، فَإِذَا لَمْ يَثْبُتْ الْحَدُّ فِي حَقِّهِ بِالْعِلْمِ ، فَهَاهُنَا أَوْلَى .\rوَعَنْ أَحْمَدَ ، رِوَايَةٌ أُخْرَى ، أَنَّهُ يُقِيمُهُ بِعِلْمِهِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ عِنْدَهُ ، فَمَلَكَ إقَامَتَهُ ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِهِ ، وَيُفَارِقُ الْحَاكِمَ ؛ لِأَنَّ الْحَاكِمَ مُتَّهَمٌ ، وَلَا يَمْلِكُ مَحَلَّ إقَامَتِهِ ، وَهَذَا بِخِلَافِهِ .\rالشَّرْطُ الرَّابِعُ ، أَنْ يَكُونَ السَّيِّدُ بَالِغًا عَاقِلًا عَالِمًا بِالْحُدُودِ وَكَيْفِيَّةِ إقَامَتِهَا ؛ لِأَنَّ الصَّبِيَّ وَالْمَجْنُونَ لَيْسَا مِنْ أَهْلِ الْوِلَايَاتِ ، وَالْجَاهِلَ بِالْحَدِّ لَا يُمْكِنُهُ إقَامَتُهُ عَلَى الْوَجْهِ الشَّرْعِيِّ ، فَلَا يُفَوَّضُ إلَيْهِ .\rوَفِي الْفَاسِقِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، لَا يَمْلِكُهُ ؛ لِأَنَّ هَذِهِ وِلَايَةٌ فَنَافَاهَا الْفِسْقُ ، كَوِلَايَةِ التَّزْوِيجِ .\rوَالثَّانِي : يَمْلِكُهُ ؛ لِأَنَّ هَذِهِ وِلَايَةٌ اسْتَفَادَهَا بِالْمِلْكِ ، فَلَمْ يُنَافِهَا الْفِسْقُ كَبَيْعِ الْعَبْدِ .\rوَإِنْ","part":20,"page":59},{"id":9559,"text":"كَانَ مُكَاتَبًا فَفِيهِ احْتِمَالَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، لَا يَمْلِكُهُ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْوِلَايَةِ .\rوَالثَّانِي : يَمْلِكُهُ ؛ لِأَنَّهُ يُسْتَفَادُ بِالْمِلْكِ ، فَأَشْبَهَ سَائِرَ تَصَرُّفَاتِهِ .\rوَفِي الْمَرْأَةِ أَيْضًا احْتِمَالَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، لَا تَمْلِكُهُ ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ أَهْلِ الْوِلَايَاتِ .\rوَالثَّانِي : تَمْلِكُهُ ؛ لِأَنَّ فَاطِمَةَ جَلَدَتْ أَمَةً لَهَا ، وَعَائِشَةَ قَطَعَتْ أَمَةً لَهَا سَرَقَتْ ، وَحَفْصَةَ قَتَلَتْ أَمَةً لَهَا سَحَرَتْهَا .\rوَلِأَنَّهَا مَالِكَةٌ تَامَّةُ الْمِلْكِ مِنْ أَهْلِ التَّصَرُّفَاتِ أَشْبَهَتْ الرَّجُلَ .\rوَفِيهِ وَجْهٌ ثَالِثٌ ، أَنَّ الْحَدَّ يُفَوَّضُ إلَى وَلِيِّهَا ؛ لِأَنَّهُ يُزَوِّجُ أَمَتَهَا وَمَوْلَاتَهَا ، فَمَلَكَ إقَامَةَ الْحَدِّ عَلَى مَمْلُوكَتِهَا .","part":20,"page":60},{"id":9560,"text":"( 7154 ) فَصْلٌ : وَإِنْ فَجَرَ بِأَمَةٍ ، ثُمَّ قَتَلَهَا ، فَعَلَيْهِ الْحَدُّ وَقِيمَتُهَا .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ : إذَا أَوْجَبْت عَلَيْهِ قِيمَتَهَا ، أَسْقَطْت الْحَدَّ عَنْهُ ؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُهَا بِغَرَامَتِهِ لَهَا ، فَيَكُونُ ذَلِكَ شُبْهَةً فِي سُقُوطِ الْحَدِّ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الْحَدَّ وَجَبَ عَلَيْهِ ، فَلَمْ يَسْقُطْ بِقَتْلِ الْمَزْنِيِّ بِهَا ، كَمَا لَوْ كَانَتْ حُرَّةً فَغَرِمَ دِيَتَهَا .\rوَقَوْلُهُمْ : إنَّهُ يَمْلِكُهَا .\rغَيْرُ صَحِيحٍ ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا غَرِمَهَا بَعْدَ قَتْلِهَا ، وَلَمْ يَبْقَ مَحَلًّا لِلْمِلْكِ ، ثُمَّ لَوْ ثَبَتَ أَنَّهُ مَلَكَهَا ، فَإِنَّمَا مَلَكَهَا بَعْدَ وُجُوبِ الْحَدِّ ، فَلَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ الْحَدُّ ، كَمَا لَوْ اشْتَرَاهَا ، وَلَوْ زَنَى بِأَمَةٍ ، ثُمَّ اشْتَرَاهَا ، لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ ، الْحَدُّ ، مَعَ ثُبُوتِ حَقِيقَةِ الْمِلْكِ لَهُ ، فَهَاهُنَا أَوْلَى .\rوَلَوْ زَنَى بِأَمَةٍ ، ثُمَّ غَصَبَهَا ، فَأَبَقَتْ مِنْ يَدِهِ ، ثُمَّ غَرِمَهَا ، لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ الْحَدَّانِ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَسْقُطْ بِالْمِلْكِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ ، فَبِالْمُخْتَلَفِ فِيهِ أَوْلَى .","part":20,"page":61},{"id":9561,"text":"( 7155 ) فَصْلٌ : وَإِذَا زَنَى مَنْ نِصْفُهُ حُرٌّ ، وَنِصْفُهُ رَقِيقٌ ، فَلَا رَجْمَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ تَكْمُلْ الْحُرِّيَّةُ فِيهِ ، وَعَلَيْهِ نِصْفُ حَدِّ الْحُرِّ خَمْسُونَ جَلْدَةً ، وَنِصْفُ حَدِّ الْعَبْدِ خَمْسٌ وَعِشْرُونَ ، فَيَكُونُ عَلَيْهِ خَمْسٌ وَسَبْعُونَ جَلْدَةً ، وَيُغَرَّبُ نِصْفَ عَامٍ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يُغَرَّبَ ؛ لِأَنَّ حَقَّ السَّيِّدِ فِي جَمِيعِهِ فِي جَمِيعِ الزَّمَانِ ، وَنَصِيبُهُ مِنْ الْعَبْدِ لَا تَغْرِيبَ عَلَيْهِ ، فَلَا يَلْزَمُهُ تَرْكُ حَقِّهِ فِي بَعْضِ الزَّمَانِ بِمَا لَا يَلْزَمُهُ ، وَلَا تَأْخِيرُ حَقِّهِ بِالْمُهَايَأَةِ مِنْ غَيْرِ رِضَاهُ .\rوَإِنْ قُلْنَا بِوُجُوبِ تَغْرِيبِهِ ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ زَمَنُ التَّغْرِيبِ مَحْسُوبًا عَلَى الْعَبْدِ مِنْ نَصِيبِهِ الْحُرِّ ، وَلِلسَّيِّدِ نِصْفُ عَامٍ بَدَلًا عَنْهُ ، وَمَا زَادَ مِنْ الْحُرِّيَّةَ أَوْ نَقَصَ مِنْهَا ، فَبِحِسَابِ ذَلِكَ ، فَإِنْ كَانَ فِيهَا كَسْرٌ ، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ ثُلُثُهُ حُرًّا ، فَمُقْتَضَى مَا ذَكَرْنَاهُ أَنْ يَلْزَمَهُ ثُلُثَا جَلْدِ الْحُرِّ .\rوَهُوَ سِتٌّ وَسِتُّونَ جَلْدَةً وَثُلُثَانِ ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَسْقُطَ الْكَسْرُ ؛ لِأَنَّ الْحَدَّ مَتَى دَارَ بَيْنَ الْوُجُوبِ وَالْإِسْقَاطِ ، سَقَطَ .\rوَالْمُدَبَّرُ وَالْمُكَاتَبُ وَأُمُّ الْوَلَدِ ، بِمَنْزِلَةِ الْقِنِّ فِي الْحَدِّ ؛ لِأَنَّهُ رَقِيقٌ كُلُّهُ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { الْمُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ .\r}","part":20,"page":62},{"id":9562,"text":"( 7156 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَالزَّانِي مَنْ أَتَى الْفَاحِشَةَ مِنْ قُبُلٍ أَوْ دُبُرٍ ) لَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ ، فِي أَنَّ مَنْ وَطِئَ امْرَأَةً فِي قُبُلِهَا حَرَامًا لَا شُبْهَةَ لَهُ فِي وَطْئِهَا ، أَنَّهُ زَانٍ يَجِبُ عَلَيْهِ حَدُّ الزِّنَى ، إذَا كَمَلَتْ شُرُوطُهُ .\rوَالْوَطْءُ فِي الدُّبُرِ مِثْلُهُ فِي كَوْنِهِ زِنًى لِأَنَّهُ وَطْءٌ فِي فَرْجِ امْرَأَةٍ ، لَا مِلْكَ لَهُ فِيهَا ، وَلَا شُبْهَةَ مِلْكٍ ، فَكَانَ زِنًى ، كَالْوَطْءِ فِي الْقُبُلِ ؛ وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : { وَاَللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ } .\rالْآيَةُ .\rثُمَّ بَيَّنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ { قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا : الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ .\r} وَالْوَطْءُ فِي الدُّبُرِ فَاحِشَةٌ ، بِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي قَوْمِ لُوطٍ : { أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ } .\rيَعْنِي الْوَطْءَ فِي أَدْبَارِ الرِّجَالِ ، وَيُقَالُ : أَوَّلُ مَا بَدَأَ قَوْمُ لُوطٍ بِوَطْءِ النِّسَاءِ فِي أَدْبَارِهِنَّ ، ثُمَّ صَارُوا إلَى ذَلِكَ فِي الرِّجَالِ .","part":20,"page":63},{"id":9563,"text":"( 7157 ) فَصْلٌ : وَإِنْ وَطِئَ مَيِّتَةً ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، عَلَيْهِ الْحَدُّ .\rوَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ وَطِىءَ فِي فَرْجِ آدَمِيَّةٍ ، فَأَشْبَهَ وَطْءَ الْحَيَّةِ ، وَلِأَنَّهُ أَعْظَمُ ذَنْبًا ، وَأَكْثَرُ إثْمًا ؛ لِأَنَّهُ انْضَمَّ إلَى فَاحِشَةِ هَتْكِ حُرْمَةِ الْمَيِّتَةِ .\rوَالثَّانِي : لَا حَدَّ عَلَيْهِ .\rوَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ .\rقَالَ أَبُو بَكْرٍ : وَبِهَذَا أَقُولُ ؛ لِأَنَّ الْوَطْءَ فِي الْمَيِّتَةِ كَلَا وَطْءٍ ، لِأَنَّهُ عُضْوٌ مُسْتَهْلَكٌ ، وَلِأَنَّهَا لَا يُشْتَهَى مِثْلُهَا ، وَتَعَافُهَا النَّفْسُ ، فَلَا حَاجَةَ إلَى شَرْع الزَّجْرِ عَنْهَا ، وَالْحَدُّ إنَّمَا وَجَبَ زَجْرًا .\rوَأَمَّا الصَّغِيرَةُ ، فَإِنْ كَانَتْ مِمَّنْ يُمْكِنُ وَطْؤُهَا ، فَوَطْؤُهَا زِنًى يُوجِبُ الْحَدَّ ؛ لِأَنَّهَا كَالْكَبِيرَةِ فِي ذَلِكَ ، وَإِنْ كَانَتْ مِمَّنْ لَا تَصْلُحُ لِلْوَطْءِ ، فَفِيهَا وَجْهَانِ ، كَالْمَيِّتَةِ .\rقَالَ الْقَاضِي : لَا حَدَّ عَلَى مِنْ وَطِئَ صَغِيرَةً لَمْ تَبْلُغْ تِسْعًا ؛ لِأَنَّهَا لَا يُشْتَهَى مِثْلُهَا ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَدْخَلَ إصْبَعَهُ فِي فَرْجِهَا ، وَكَذَلِكَ لَوْ اسْتَدْخَلَتْ امْرَأَةٌ ذَكَرَ صَبِيٍّ لَمْ يَبْلُغْ عَشْرًا ، لَا حَدَّ عَلَيْهَا .\rوَالصَّحِيحُ أَنَّهُ مَتَى أَمْكَنَ وَطْؤُهَا ، وَأَمْكَنْت الْمَرْأَةُ مَنْ أَمْكَنَهُ الْوَطْءُ فَوَطِئَهَا ، أَنَّ الْحَدَّ يَجِبُ عَلَى الْمُكَلَّفِ مِنْهُمَا ، وَلَا يَجُوزُ تَحْدِيدُ ذَلِكَ بِتِسْعٍ وَلَا عَشْرٍ ؛ لِأَنَّ التَّحْدِيدَ إنَّمَا يَكُونُ بِالتَّوْقِيفِ ، وَلَا تَوْقِيفَ فِي هَذَا ، وَكَوْنُ التِّسْعِ وَقْتًا لِإِمْكَانِ الِاسْتِمْتَاعِ غَالِبًا ، لَا يَمْنَعُ وُجُودَهُ قَبْلَهُ ، كَمَا أَنَّ الْبُلُوغَ يُوجَدُ فِي خَمْسَةَ عَشَرَ عَامًا غَالِبًا ، وَلَمْ يَمْنَعْ مِنْ وُجُودِهِ قَبْلَهُ .","part":20,"page":64},{"id":9564,"text":"( 7158 ) فَصْلٌ : وَإِنْ تَزَوَّجَ ذَاتَ مَحْرَمِهِ ، فَالنِّكَاحُ بَاطِلٌ بِالْإِجْمَاعِ .\rفَإِنْ وَطِئَهَا ، فَعَلَيْهِ الْحَدُّ .\rفِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ؛ مِنْهُمْ الْحَسَنُ ، وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو أَيُّوبَ ، وَابْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالثَّوْرِيُّ : لَا حَدَّ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ وَطْءٌ تَمَكَّنَتْ الشُّبْهَةُ مِنْهُ ، فَلَمْ يُوجِبْ الْحَدَّ ، كَمَا لَوْ اشْتَرَى أُخْتَهُ مِنْ الرَّضَاعِ ثُمَّ وَطِئَهَا .\rوَبَيَانُ الشُّبْهَةِ أَنَّهُ قَدْ وُجِدَتْ صُورَةُ الْمُبِيحِ ، وَهُوَ عَقْدُ النِّكَاحِ الَّذِي هُوَ سَبَبٌ لِلْإِبَاحَةِ ، فَإِذَا لَمْ يَثْبُتْ حُكْمُهُ وَهُوَ الْإِبَاحَةُ ، بَقِيَتْ صُورَتُهُ شُبْهَةً دَارِئَةً لِلْحَدِّ الَّذِي يَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ وَطْءٌ فِي فَرْجِ امْرَأَةٍ ، مُجْمَعٌ عَلَى تَحْرِيمِهِ ، مِنْ غَيْرِ مِلْكٍ وَلَا شُبْهَةِ مِلْكٍ ، وَالْوَاطِئُ مِنْ أَهْلِ الْحَدِّ ، عَالَمٌ بِالتَّحْرِيمِ ، فَيَلْزَمهُ الْحَدُّ ، كَمَا لَوْ لَمْ يُوجَدْ الْعَقْدُ ، وَصُورَةُ الْمُبِيحِ إنَّمَا تَكُونُ شُبْهَةً إذَا كَانَتْ صَحِيحَةً ، وَالْعَقْدُ هَاهُنَا بَاطِلٌ مُحَرَّمٌ ، وَفِعْلُهُ جِنَايَةٌ تَقْتَضِي الْعُقُوبَةَ ، انْضَمَّتْ إلَى الزِّنَى ، فَلَمْ تَكُنْ شُبْهَةً ، كَمَا لَوْ أَكْرَهَهَا ، وَعَاقَبَهَا ، ثُمَّ زَنَى بِهَا ، ثُمَّ يَبْطُلُ بِالِاسْتِيلَاءِ عَلَيْهَا ، فَإِنَّ الِاسْتِيلَاءَ سَبَبٌ لِلْمِلْكِ فِي الْمُبَاحَاتِ ، وَلَيْسَ بِشُبْهَةٍ .\rوَأَمَّا إذَا اشْتَرَى أُخْتَهُ مِنْ الرَّضَاعِ ، فَلَنَا فِيهِ مَنْعٌ ، وَإِنْ سَلَّمْنَا ، فَإِنَّ الْمِلْكَ الْمُقْتَضِي لِلْإِبَاحَةِ صَحِيحٌ ثَابِتٌ ، وَإِنَّمَا تَخَلَّفَتْ الْإِبَاحَةُ لَمُعَارِضٍ ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا ؛ فَإِنَّ الْمُبِيحَ غَيْرُ مَوْجُودٍ ؛ لِأَنَّ عَقْدَ النِّكَاحِ بَاطِلٌ ، وَالْمِلْكُ بِهِ غَيْرُ ثَابِتٍ ، فَالْمُقْتَضِي مَعْدُومٌ ، فَافْتَرَقَا ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ اشْتَرَى خَمْرًا فَشَرِبَهُ ، أَوْ غُلَامًا فَوَطِئَهُ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَاخْتُلِفَ فِي الْحَدِّ ، فَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ يُقْتَلُ عَلَى كُلِّ","part":20,"page":65},{"id":9565,"text":"حَالٍ .\rوَبِهَذَا قَالَ جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو أَيُّوبَ ، وَابْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ .\rوَرَوَى إسْمَاعِيلُ بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ أَحْمَدَ ، فِي رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةَ أَبِيهِ ، أَوْ بِذَاتِ مَحْرَمٍ ، فَقَالَ : يُقْتَلُ وَيُؤْخَذُ مَالُهُ إلَى بَيْتِ الْمَالِ .\rوَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ ، حَدُّهُ حَدُّ الزَّانِي وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ؛ لِعُمُومِ الْآيَةِ وَالْخَبَرِ .\rوَوَجْهُ الْأُولَى ، مَا رَوَى { الْبَرَاءُ .\rقَالَ : لَقِيت عَمِّي وَمَعَهُ الرَّايَةُ ، فَقُلْت : إلَى أَيْنَ تُرِيدُ ؟ فَقَالَ : بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى رَجُلٍ نَكَحَ امْرَأَةَ أَبِيهِ مِنْ بَعْدِهِ ، أَنْ أَضْرِبَ عُنُقَهُ ، وَآخُذَ مَالَهُ .\r} رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالْجُوزَجَانِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَالتِّرْمِذِيُّ .\rوَقَالَ : حَدِيثٌ حَسَنٌ ، وَسَمَّى الْجُوزَجَانِيُّ عَمَّهُ الْحَارِثَ بْنَ عَمْرٍو .\rوَرَوَى الْجُوزَجَانِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، بِإِسْنَادِهِمَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ وَقَعَ عَلَى ذَاتِ مَحْرَمٍ ، فَاقْتُلُوهُ } وَرُفِعَ إلَى الْحَجَّاجِ رَجُلٌ اغْتَصَبَ أُخْتَهُ عَلَى نَفْسِهَا ، فَقَالَ : احْبِسُوهُ ، وَسَلُوا مَنْ هَاهُنَا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rفَسَأَلُوا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي مُطَرِّفٍ ، فَقَالَ : سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : { مَنْ تَخَطَّى الْمُؤْمِنِينَ ، فَخُطُّوا وَسَطَهُ بِالسَّيْفِ } .\rوَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ أَخَصُّ مَا وَرَدَ فِي الزِّنَى ، فَتُقَدَّمُ .\rوَالْقَوْلُ فِي مَنْ زَنَى بِذَاتِ مَحْرَمِهِ مِنْ غَيْرِ عَقْدٍ ، كَالْقَوْلِ فِي مَنْ وَطِئَهَا بَعْدَ الْعَقْدِ .","part":20,"page":66},{"id":9566,"text":"( 7159 ) فَصْلٌ : وَكُلُّ نِكَاحٍ أُجْمِعَ عَلَى بُطْلَانِهِ ، كَنِكَاحِ خَامِسَةٍ ، أَوْ مُتَزَوِّجَةٍ ، أَوْ مُعْتَدَّةٍ ، أَوْ نِكَاحِ الْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا ، إذَا وَطِئَ فِيهِ عَالَمًا بِالتَّحْرِيمِ ، فَهُوَ زِنًى ، مُوجِبٌ لِلْحَدِّ الْمَشْرُوعِ فِيهِ قَبْلَ الْعَقْدِ ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَصَاحِبَاهُ : لَا حَدَّ فِيهِ ؛ لِمَا ذَكَرُوهُ فِي الْفَصْلِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا .\rوَقَالَ النَّخَعِيُّ : يُجْلَدُ مِائَةً ، وَلَا يُنْفَى .\rوَلَنَا ، مَا ذَكَرْنَاهُ فِيمَا مَضَى ، وَرَوَى أَبُو نَصْرٍ الْمَرُّوذِيُّ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ نَضْلَةَ ، قَالَ : رُفِعَ إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ امْرَأَةٌ تَزَوَّجَتْ فِي عِدَّتهَا ، فَقَالَ : هَلْ عَلِمْتُمَا ؟ فَقَالَا : لَا .\rقَالَ : لَوْ عَلِمْتُمَا لَرَجَمْتُكُمَا .\rفَجَلَدَهُ أَسْوَاطًا ، ثُمَّ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا .\rوَرَوَى أَبُو بَكْرٍ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ خِلَاسٍ ، قَالَ : رُفِعَ إلَى عَلِيٍّ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، امْرَأَةٌ تَزَوَّجَتْ وَلَهَا زَوْجٌ كَتَمَتْهُ ، فَرَجَمَهَا ، وَجَلَدَ زَوْجَهَا الْآخَرَ مِائَةَ جَلْدَةِ .\rفَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ تَحْرِيمَ ذَلِكَ ، فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ ، لِعُذْرِ الْجَهْلِ ، وَلِذَلِكَ دَرَأَ عُمَرُ عَنْهُمَا الْحَدَّ ؛ لِجَهْلِهِمَا .","part":20,"page":67},{"id":9567,"text":"( 7160 ) فَصْلٌ : وَلَا يَجِبُ الْحَدُّ بِالْوَطْءِ فِي نِكَاحٍ مُخْتَلَفٍ فِيهِ ، كَنِكَاحِ الْمُتْعَةِ ، وَالشِّغَارِ ، وَالتَّحْلِيلِ ، وَالنِّكَاحِ بِلَا وَلِيٍّ وَلَا شُهُودٍ ، وَنِكَاحِ الْأُخْتِ فِي عِدَّةِ أُخْتِهَا الْبَائِنِ ، وَنِكَاحِ الْخَامِسَةِ فِي عِدَّةِ الرَّابِعَةِ الْبَائِنِ ، وَنِكَاحِ الْمَجُوسِيَّةِ .\rوَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ؛ لِأَنَّ الِاخْتِلَافَ فِي إبَاحَةِ الْوَطْءِ فِيهِ شُبْهَةٌ ، وَالْحُدُودُ تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ، أَنَّ الْحُدُودَ تُدْرَأُ بِالشُّبَهِ .","part":20,"page":68},{"id":9568,"text":"( 7161 ) فَصْلٌ : وَلَا يَجِبُ الْحَدُّ بِوَطْءِ جَارِيَةٍ مُشْتَرَكَةٍ بَيْنَهُ بَيْنَ غَيْرِهِ .\rوَبِهِ قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ : يَجِبُ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ فَرْجٌ لَهُ مِلْكٌ ، فَلَا يُحَدُّ بِوَطْئِهِ ، كَالْمُكَاتَبَةِ وَالْمَرْهُونَةِ .","part":20,"page":69},{"id":9569,"text":"( 7162 ) فَصْلٌ : وَإِنْ اشْتَرَى أُمَّهُ أَوْ أُخْتَهُ مِنْ الرَّضَاعَةِ وَنَحْوَهُمَا ، وَوَطِئَهُمَا ، فَذَكَرَ الْقَاضِي عَنْ أَصْحَابِنَا ، أَنَّ عَلَيْهِ الْحَدَّ ؛ لِأَنَّهُ فَرْجٌ لَا يُسْتَبَاحُ بِحَالٍ ، فَوَجَبَ الْحَدُّ بِالْوَطْءِ ، كَفَرْجِ الْغُلَامِ .\rوَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا : لَا حَدَّ فِيهِ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ ، وَالشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ وَطْءٌ فِي فَرْجٍ مَمْلُوكٍ لَهُ ، يَمْلِكُ الْمُعَاوَضَةَ عَنْهُ ، وَأَخْذَ صَدَاقِهِ ، فَلَمْ يَجِبْ بِهِ الْحَدُّ ، كَوَطْءِ الْجَارِيَةِ الْمُشْتَرَكَةِ .\rفَأَمَّا إنْ اشْتَرَى ذَاتَ مَحْرَمِهِ مِنْ النَّسَبِ ، مِمَّنْ يَعْتِقُ عَلَيْهِ ، وَوَطِئَهَا ، فَعَلَيْهِ الْحَدُّ .\rلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ لَا يَثْبُتُ فِيهَا ، فَلَمْ تُوجَدْ الشُّبْهَةُ .","part":20,"page":70},{"id":9570,"text":"( 7163 ) فَصْلٌ : فَإِنْ زُفَّتْ إلَيْهِ غَيْرُ زَوْجَتِهِ ، وَقِيلَ : هَذِهِ زَوْجَتُك .\rفَوَطِئَهَا يَعْتَقِدُهَا زَوْجَتَهُ ، فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ .\rلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا .\rوَإِنْ لَمْ يُقَلْ لَهُ : هَذِهِ زَوْجَتُك .\rأَوْ وَجَدَ عَلَى فِرَاشِهِ امْرَأَةً ظَنَّهَا امْرَأَتَهُ ، أَوْ جَارِيَتَهُ ، فَوَطِئَهَا ، أَوْ دَعَا زَوْجَتَهُ أَوْ جَارِيَتَهُ ، فَجَاءَتْهُ غَيْرُهَا ، فَظَنَّهَا الْمَدْعُوَّةَ ، فَوَطِئَهَا ، أَوْ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ ذَلِكَ ؛ لِعَمَاهُ فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَحُكِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ، أَنَّ عَلَيْهِ الْحَدَّ ؛ لِأَنَّهُ وَطِئَ فِي مَحَلٍّ لَا مِلْكَ لَهُ فِيهِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ وَطْءٌ اعْتَقَدَ إبَاحَتَهُ بِمَا يُعْذَرُ مِثْلُهُ فِيهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قِيلَ لَهُ : هَذِهِ زَوْجَتُك .\rوَلِأَنَّ الْحُدُودَ تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ ، وَهَذِهِ مِنْ أَعْظَمِهَا .\rفَأَمَّا إنْ دَعَا مُحَرَّمَةً عَلَيْهِ ، فَأَجَابَهُ غَيْرُهَا ، فَوَطِئَهَا يَظُنُّهَا الْمَدْعُوَّةَ ، فَعَلَيْهِ الْحَدُّ ، سَوَاءٌ كَانَتْ الْمَدْعُوَّةُ مِمَّنْ لَهُ فِيهَا شُبْهَةٌ ، كَالْجَارِيَةِ الْمُشْتَرَكَةِ ، أَوْ لَمْ يَكُنْ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْذَرُ بِهَذَا ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَتَلَ رَجُلًا يَظُنُّهُ ابْنَهُ أَوْ عَبْدَهُ ، فَبَانَ أَجْنَبِيًّا .","part":20,"page":71},{"id":9571,"text":"( 7164 ) فَصْلٌ : وَلَا حَدَّ عَلَى مَنْ لَمْ يَعْلَمْ تَحْرِيمَ الزِّنَى .\rقَالَ عُمَرُ ، وَعُثْمَانُ ، وَعَلِيٌّ ، لَا حَدَّ إلَّا عَلَى مَنْ عَلِمَهُ .\rوَبِهَذَا قَالَ عَامَّةُ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rفَإِنْ ادَّعَى الزَّانِي الْجَهْلَ بِالتَّحْرِيمِ ، وَكَانَ يَحْتَمِلُ أَنْ يَجْهَلَهُ ، كَحَدِيثِ الْعَهْدِ بِالْإِسْلَامِ وَالنَّاشِئِ بِبَادِيَةٍ ، قُبِلَ مِنْهُ ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ صَادِقًا ، وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ ذَلِكَ ، كَالْمُسْلِمِ النَّاشِئِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ ، وَأَهْلِ الْعِلْمِ ، لَمْ يُقْبَلْ ؛ لِأَنَّ تَحْرِيمَ الزِّنَى لَا يَخْفَى عَلَى مَنْ هُوَ كَذَلِكَ ، فَقَدْ عُلِمَ كَذِبُهُ .\rوَإِنْ ادَّعَى الْجَهْلَ بِفَسَادِ نِكَاحٍ بَاطِلٍ ، قُبِلَ قَوْلُهُ ؛ لِأَنَّ عُمَرَ قَبِلَ قَوْلَ الْمُدَّعِي الْجَهْلَ بِتَحْرِيمِ النِّكَاحِ فِي الْعِدَّةِ ، وَلِأَنَّ مِثْلَ هَذَا يُجْهَلُ كَثِيرًا ، وَيَخْفَى عَلَى غَيْرِ أَهْلِ الْعِلْمِ .","part":20,"page":72},{"id":9572,"text":"( 7165 ) فَصْلٌ : فَإِنْ وَطِئَ جَارِيَةَ غَيْرِهِ ، فَهُوَ زَانٍ .\rسَوَاءٌ كَانَ بِإِذْنِهِ أَوْ غَيْرِ إذْنِهِ ؛ لِأَنَّ هَذَا مِمَّا لَا يُسْتَبَاحُ بِالْبَذْلِ وَالْإِبَاحَةِ ، وَعَلَيْهِ الْحَدُّ إلَّا فِي مَوْضِعَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، الْأَبُ إذَا وَطِئَ جَارِيَةَ وَلَدِهِ ، فَإِنَّهُ لَا حَدَّ عَلَيْهِ .\rفِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ؛ مِنْهُمْ مَالِكٌ ، وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ : عَلَيْهِ الْحَدُّ ، إلَّا أَنْ يَمْنَعَ مِنْهُ إجْمَاعٌ ؛ لِأَنَّهُ وَطْءٌ فِي غَيْرِ مِلْكٍ ، أَشْبَهَ وَطْءَ جَارِيَةِ أَبِيهِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ وَطْءٌ تَمَكَّنَتْ الشُّبْهَةُ مِنْهُ ، فَلَا يَجِبُ بِهِ الْحَدُّ ، كَوَطْءِ الْجَارِيَةِ الْمُشْتَرَكَةِ ، وَالدَّلِيلُ عَلَى تَمَكُّنِ الشُّبْهَةِ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيك } .\rفَأَضَافَ مَالَ وَلَدِهِ إلَيْهِ ، وَجَعَلَهُ لَهُ ، فَإِذَا لَمْ تَثْبُتْ حَقِيقَةُ الْمِلْكِ ، فَلَا أَقَلَّ مِنْ جَعْلِهِ شُبْهَةً دَارِئَةً لِلْحَدِّ الَّذِي يَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ ، وَلِأَنَّ الْقَائِلِينَ بِانْتِفَاءِ الْحَدِّ فِي عَصْرِ مَالِكٍ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَمَنْ وَافَقَهُمَا ، قَدْ اشْتَهَرَ قَوْلُهُمْ ، وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُمْ مُخَالِفٌ ، فَكَانَ ذَلِكَ إجْمَاعًا ، وَلَا حَدَّ عَلَى الْجَارِيَةِ ؛ لِأَنَّ الْحَدَّ انْتَفَى عَنْ الْوَاطِئِ لِشُبْهَةِ الْمِلْكِ ، فَيَنْتَفِي عَنْ الْمَوْطُوءَةِ ، كَوَطْءِ الْجَارِيَةِ الْمُشْتَرَكَةِ ؛ وَلِأَنَّ الْمِلْكَ مِنْ قَبِيلِ الْمُتَضَايِفَاتِ ، إذَا ثَبَتَ فِي أَحَدِ الْمُتَضَايِفَيْنِ ثَبَتَ فِي الْآخَرِ ، فَكَذَلِكَ شُبْهَتُهُ ، وَلَا يَصِحُّ الْقِيَاسُ عَلَى وَطْءِ جَارِيَةِ الْأَبِ ؛ لِأَنَّهُ لَا مِلْكَ لِلْوَلَدِ فِيهَا ، وَلَا شُبْهَةَ مِلْكٍ ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا .\rوَذَكَرَ ابْنُ أَبِي مُوسَى قَوْلًا فِي وَطْءِ جَارِيَةِ الْأَبِ وَالْأُمِّ ، أَنَّهُ لَا يُحَدُّ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُقْطَعُ بِسَرِقَةِ مَالِهِ ، أَشْبَهَ الْأَبَ .\rوَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ، وَعَلَيْهِ عَامَّةُ أَهْلِ الْعِلْمِ فِيمَا عَلِمْنَاهُ .","part":20,"page":73},{"id":9573,"text":"الْمَوْضِعُ الثَّانِي : إذَا وَطِئَ جَارِيَةَ امْرَأَتِهِ بِإِذْنِهَا ، فَإِنَّهُ يُجْلَدُ مِائَةً ، وَلَا يُرْجَمُ إنْ كَانَ ثَيِّبًا ، وَلَا يُغَرَّبُ إنْ كَانَ بِكْرًا .\rوَإِنْ لَمْ تَكُنْ أَحَلَّتْهَا لَهُ ، فَهُوَ زَانٍ ، حُكْمُهُ حُكْمُ الزَّانِي بِجَارِيَةِ الْأَجْنَبِيِّ .\rوَحُكِيَ عَنْ النَّخَعِيِّ أَنَّهُ يُعَزَّرُ ، وَلَا حَدَّ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ امْرَأَتَهُ ، فَكَانَتْ لَهُ شُبْهَةٌ فِي مَمْلُوكَتِهَا .\rوَعَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ ، وَعَطَاءٍ ، وَقَتَادَةَ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَمَالِكٍ ، أَنَّهُ كَوَطْءِ الْأَجْنَبِيَّةِ ، سَوَاءٌ أَحَلَّتْهَا لَهُ ، أَوْ لَمْ تُحِلَّهَا ؛ لِأَنَّهُ لَا شُبْهَةَ لَهُ فِيهَا ، فَأَشْبَهَ وَطْءَ جَارِيَةِ أُخْتِهِ ، وَلِأَنَّهُ إبَاحَةٌ لِوَطْءِ مُحَرَّمَةٍ عَلَيْهِ ، فَلَمْ يَكُنْ شُبْهَةً ، كَإِبَاحَةِ سَائِرِ الْمُلَّاكِ .\rوَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَالْحَسَنِ ، إنْ كَانَ اسْتَكْرَهَهَا فَعَلَيْهِ غُرْمُ مِثْلِهَا ، وَتَعْتِقُ ، وَإِنْ كَانَتْ طَاوَعَتْهُ ، فَعَلَيْهِ غُرْمُ مِثْلِهَا وَيَمْلِكُهَا ؛ لِأَنَّ هَذَا يُرْوَى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، وَقَالَ : هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادِهِ عَنْ حَبِيبِ بْنِ سَالِمٍ ، أَنَّ { رَجُلًا يُقَالُ لَهُ : عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حُنَيْنٍ ، وَقَعَ عَلَى جَارِيَةِ امْرَأَتِهِ ، فَرُفِعَ إلَى النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ، وَهُوَ أَمِيرٌ عَلَى الْكُوفَةِ ، فَقَالَ : لَأَقْضِيَنَّ فِيك بِقَضِيَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنْ كَانَتْ أَحَلَّتْهَا لَك ، جَلَدْنَاك مِائَةً ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ أَحَلَّتْهَا لَك ، رَجَمْنَاك بِالْحِجَارَةِ .\rفَوَجَدُوهَا أَحَلَّتْهَا لَهُ ، فَجَلَدَهُ مِائَةً .\r} وَإِنْ عَلِقَتْ مِنْ هَذَا الْوَطْءِ ، فَهَلْ يَلْحَقُهُ النَّسَبُ ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ ؛ إحْدَاهُمَا ، يَلْحَقُ بِهِ ؛ لِأَنَّهُ وَطْءٌ لَا يَجِبُ بِهِ الْحَدُّ ، فَلَحِقَ بِهِ النَّسَبُ ، كَوَطْءِ الْجَارِيَةِ الْمُشْتَرَكَةِ .\rوَالْأُخْرَى ، لَا يَلْحَقُ بِهِ ؛ لِأَنَّهُ وَطْءٌ فِي غَيْرِ مِلْكٍ وَلَا شُبْهَةِ مِلْكٍ ، أَشْبَهَ الزِّنَى الْمَحْضَ .","part":20,"page":74},{"id":9574,"text":"( 7166 ) فَصْلٌ : وَلَا حَدَّ عَلَى مُكْرَهَةٍ فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ ، وَالزُّهْرِيِّ ، وَقَتَادَةَ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ .\rوَلَا نَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا ؛ وَذَلِكَ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { عُفِيَ لِأُمَّتِي عَنْ الْخَطَأِ ، وَالنِّسْيَانِ ، وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ } .\rوَعَنْ عَبْدِ الْجَبَّارِ بْنِ وَائِلٍ ، عَنْ أَبِيهِ { ، أَنَّ امْرَأَةً اُسْتُكْرِهَتْ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَدَرَأَ عَنْهَا الْحَدَّ } .\rرَوَاهُ الْأَثْرَمُ .\rقَالَ : وَأُتِيَ عُمَرُ بِإِمَاءٍ مِنْ إمَاءِ الْإِمَارَةِ ، اسْتَكْرَهَهُنَّ غِلْمَانٌ مِنْ غِلْمَانِ الْإِمَارَةِ ، فَضَرَبَ الْغِلْمَانَ ، وَلَمْ يَضْرِبْ الْإِمَاءَ وَرَوَى سَعِيدٌ بِإِسْنَادِهِ عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ : قَالَ : أُتِيَ عُمَرُ بِامْرَأَةٍ قَدْ زَنَتْ ، فَقَالَتْ : إنِّي كُنْت نَائِمَةً ، فَلَمْ أَسْتَيْقِظْ إلَّا بَرْجَلٍ قَدْ جَثَمَ عَلَيَّ .\rفَخَلَّى سَبِيلَهَا ، وَلَمْ يَضْرِبْهَا .\rوَلِأَنَّ هَذَا شُبْهَةٌ ، وَالْحُدُودُ تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ .\rوَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْإِكْرَاهِ بِالْإِلْجَاءِ ، وَهُوَ أَنْ يَغْلِبَهَا عَلَى نَفْسِهَا ، وَبَيْنَ الْإِكْرَاهِ بِالتَّهْدِيدِ بِالْقَتْلِ وَنَحْوِهِ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، فِي رَاعٍ جَاءَتْهُ امْرَأَةٌ ، قَدْ عَطِشَتْ ، فَسَأَلَتْهُ أَنْ يَسْقِيَهَا ، فَقَالَ لَهَا : أَمْكِنِينِي مِنْ نَفْسِك .\rقَالَ : هَذِهِ مُضْطَرَّةٌ .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ امْرَأَةً اسْتَسْقَتْ رَاعِيًا ، فَأَبَى أَنْ يَسْقِيَهَا إلَّا أَنْ تُمْكِنَهُ مِنْ نَفْسِهَا ، فَفَعَلَتْ ، فَرُفِعَ ذَلِكَ إلَى عُمَرَ ، فَقَالَ لَعَلِيٍّ : مَا تَرَى فِيهَا ؟ قَالَ : إنَّهَا مُضْطَرَّةٌ .\rفَأَعْطَاهَا عُمَرُ شَيْئًا ، وَتَرَكَهَا .","part":20,"page":75},{"id":9575,"text":"( 7167 ) فَصْلٌ : وَإِنْ أُكْرِهَ الرَّجُلُ فَزَنَى ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا : عَلَيْهِ الْحَدُّ .\rوَبِهِ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ؛ لِأَنَّ الْوَطْءَ لَا يَكُونُ إلَّا بِالِانْتِشَارِ ، وَالْإِكْرَاهُ يُنَافِيهِ .\rفَإِذَا وُجِدَ الِانْتِشَارُ انْتَفَى الْإِكْرَاهُ ، فَيَلْزَمُهُ الْحَدُّ ، كَمَا لَوْ أُكْرِهَ عَلَى غَيْرِ الزِّنَى ، فَزَنَى .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إنْ أَكْرَهَهُ السُّلْطَانُ ، فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ ، وَإِنْ أَكْرَهَهُ غَيْرُهُ ، حُدَّ اسْتِحْسَانًا .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ : لَا حَدَّ عَلَيْهِ ؛ لِعُمُومِ الْخَبَرِ ، وَلِأَنَّ الْحُدُودَ تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ ، وَالْإِكْرَاهُ شُبْهَةٌ ، فَيَمْنَعُ الْحَدَّ ، كَمَا لَوْ كَانَتْ امْرَأَةً ، يُحَقِّقُهُ أَنَّ الْإِكْرَاهَ ، إذَا كَانَ بِالتَّخْوِيفِ ، أَوْ بِمَنْعِ مَا تَفُوتُ حَيَاتُهُ بِمَنْعِهِ ، كَانَ الرَّجُلُ فِيهِ كَالْمَرْأَةِ ، فَإِذَا لَمْ يَجِبْ عَلَيْهَا الْحَدُّ ، لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ .\rوَقَوْلُهُمْ : إنَّ التَّخْوِيفَ يُنَافِي الِانْتِشَارَ .\rلَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ التَّخْوِيفَ بِتَرْكِ الْفِعْلِ ، وَالْفِعْلُ لَا يُخَافُ مِنْهُ ، فَلَا يَمْنَعُ ذَلِكَ .\rوَهَذَا أَصَحُّ الْأَقْوَالِ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .","part":20,"page":76},{"id":9576,"text":"( 7168 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَمَنْ تَلَوَّطَ ، قُتِلَ ، بِكْرًا كَانَ أَوْ ثَيِّبًا ، فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ ، وَالْأُخْرَى حُكْمُهُ حُكْمُ الزَّانِي ) أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى تَحْرِيمِ اللِّوَاطِ ، وَقَدْ ذَمَّهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ ، وَعَابَ مَنْ فَعَلَهُ ، وَذَمَّهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَلُوطًا إذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ الْعَالَمِينَ إنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ } .\rوَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَعَنَ اللَّهُ مَنْ عَمِلَ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ ، لَعَنَ اللَّهُ مَنْ عَمِلَ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ ، لَعَنَ اللَّهُ مَنْ عَمِلَ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ } .\rوَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، فِي حَدِّهِ ؛ فَرُوِيَ عَنْهُ ، أَنَّ حَدَّهُ الرَّجْمُ ، بِكْرًا كَانَ أَوْ ثَيِّبًا .\rوَهَذَا قَوْلُ عَلِيٍّ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْمَرٍ ، وَالزُّهْرِيِّ ، وَأَبِي حَبِيبٍ ، وَرَبِيعَةَ ، وَمَالِكٍ ، وَإِسْحَاقَ ، وَأَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ ، أَنَّ حَدَّهُ حَدُّ الزَّانِي .\rوَبِهِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ، وَعَطَاءٌ ، وَالْحَسَنُ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَقَتَادَةُ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَأَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { إذَا أَتَى الرَّجُلُ الرَّجُلَ ، فَهُمَا زَانِيَانِ } .\rوَلِأَنَّهُ إيلَاجُ فَرْجِ آدَمِيٍّ فِي فَرْجِ آدَمِيٍّ ، لَا مِلْكَ لَهُ فِيهِ ، وَلَا شُبْهَةَ مِلْكٍ ، فَكَانَ زِنًى كَالْإِيلَاجِ فِي فَرْجِ الْمَرْأَةِ ، إذَا ثَبَتَ كَوْنُهُ زِنًا دَخَلَ فِي عُمُومِ الْآيَةِ وَالْأَخْبَارِ فِيهِ ، وَلِأَنَّهُ فَاحِشَةٌ ، فَكَانَ زِنًى ، كَالْفَاحِشَةِ بَيْنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ .\rوَرُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ أَمَرَ بِتَحْرِيقِ اللُّوطِيِّ .\rوَهُوَ","part":20,"page":77},{"id":9577,"text":"قَوْلُ ابْنِ الزُّبَيْرِ لِمَا رَوَى صَفْوَانُ بْنُ سُلَيْمٍ ، عَنْ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ أَنَّهُ وَجَدَ فِي بَعْضِ ضَوَاحِي الْعَرَبِ رَجُلًا يُنْكَحُ كَمَا تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ ، فَكَتَبَ إلَى أَبِي بَكْرٍ ، فَاسْتَشَارَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ الصَّحَابَةَ فِيهِ ، فَكَانَ عَلِيٌّ أَشَدَّهُمْ قَوْلًا فِيهِ فَقَالَ : مَا فَعَلَ هَذَا إلَّا أُمَّةٌ مِنْ الْأُمَمِ وَاحِدَةٌ ، وَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلَ اللَّهُ بِهَا ، أَرَى أَنْ يُحْرَقَ بِالنَّارِ .\rفَكَتَبَ أَبُو بَكْرٍ إلَى خَالِدٍ بِذَلِكَ ، فَحَرَقَهُ .\rوَقَالَ الْحَكَمُ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ : لَا حَدَّ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَحَلِّ الْوَطْءِ ، أَشْبَهَ غَيْرَ الْفَرْجِ .\rوَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى ، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ وَجَدْتُمُوهُ يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ ، فَاقْتُلُوا الْفَاعِلَ وَالْمَفْعُولَ بِهِ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَفِي لَفْظٍ : { فَارْجُمُوا الْأَعْلَى وَالْأَسْفَلَ } .\rوَلِأَنَّهُ إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، فَإِنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى قَتْلِهِ ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي صِفَتِهِ .\rوَاحْتَجَّ أَحْمَدُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِقَوْلِ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَأَنَّهُ كَانَ يَرَى رَجْمَهُ ، وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَذَّبَ قَوْمَ لُوطٍ بِالرَّجْمِ ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُعَاقَبَ مَنْ فَعَلَ فِعْلَهُمْ بِمِثْلِ عُقُوبَتِهِمْ .\rوَقَوْلُ مَنْ أَسْقُطَ الْحَدَّ عَنْهُ يُخَالِفُ النَّصَّ وَالْإِجْمَاعَ ، وَقِيَاسُ الْفَرْجِ عَلَى غَيْرِهِ لَا يَصِحُّ ؛ لِمَا بَيْنَهُمَا مِنْ الْفَرْقِ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ فِي مَمْلُوكٍ لَهُ أَوْ أَجْنَبِيٍّ ؛ لِأَنَّ الذَّكَرَ لَيْسَ بِمَحَلِّ لِوَطْءِ الذَّكَرِ ، فَلَا يُؤَثِّرُ مِلْكُهُ لَهُ .\rوَلَوْ وَطِئَ زَوْجَتَهُ أَوْ مَمْلُوكَتَهُ فِي دُبُرِهَا ، كَانَ مُحَرَّمًا ، وَلَا حَدَّ فِيهِ ؛ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ مَحَلٌّ لِلْوَطْءِ فِي الْجُمْلَةِ ، وَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ إلَى حِلِّهِ ، فَكَانَ ذَلِكَ شُبْهَةً مَانِعَةً مِنْ الْحَدِّ ، بِخِلَافِ التَّلَوُّطِ .","part":20,"page":78},{"id":9578,"text":"( 7169 ) فَصْلٌ : وَإِنْ تَدَالَكَتْ امْرَأَتَانِ ، فَهُمَا زَانِيَتَانِ مَلْعُونَتَانِ ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { إذَا أَتَتْ الْمَرْأَةُ الْمَرْأَةَ ، فَهُمَا زَانِيَتَانِ : } .\rوَلَا حَدَّ عَلَيْهِمَا لِأَنَّهُ لَا يَتَضَمَّنُ إيلَاجًا ، فَأَشْبَهَ الْمُبَاشَرَةَ دُونَ الْفَرْجِ ، وَعَلَيْهِمَا التَّعْزِيرُ لِأَنَّهُ زِنًى لَا حَدَّ فِيهِ ، فَأَشْبَهَ مُبَاشَرَةَ الرَّجُلِ الْمَرْأَةَ مِنْ غَيْرِ جِمَاعٍ .\rوَلَوْ بَاشَرَ الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ ، اسْتَمْتَعَ بِهَا فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ ، فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ ؛ لِمَا رُوِيَ { أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنِّي لَقِيت امْرَأَةً ، فَأَصَبْت مِنْهَا كُلَّ شَيْءٍ إلَّا الْجِمَاعَ .\rفَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى : { أَقِمْ الصَّلَاةَ } الْآيَةُ .\rفَقَالَ الرَّجُلُ : أَلِيَ هَذِهِ الْآيَةُ ؟ فَقَالَ : لِمَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ أُمَّتِي } .\rرَوَاهُ النَّسَائِيّ .\rوَلَوْ وُجِدَ رَجُلٌ مَعَ امْرَأَة ، يُقَبِّلُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ ، وَلَمْ يُعْلَمْ هَلْ وَطِئَهَا أَوْ لَا ، فَلَا حَدَّ عَلَيْهِمَا ، فَإِنْ قَالَا : نَحْنُ زَوْجَانِ ، وَاتَّفَقَا عَلَى ذَلِكَ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُمَا .\rوَبِهِ قَالَ الْحَكَمُ ، وَحَمَّادٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَإِنْ شُهِدَ عَلَيْهِمَا بِالزِّنَى ، فَقَالَا : نَحْنُ زَوْجَانِ .\rفَعَلَيْهِمَا الْحَدُّ إنْ لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ بِالنِّكَاحِ .\rوَبِهِ قَالَ أَبُو ثَوْرٍ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ ؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ بِالزِّنَى تَنْفِي كَوْنَهُمَا زَوْجَيْنِ ، فَلَا تَبْطُلُ بِمُجَرَّدِ قَوْلِهِمَا .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يَسْقُطَ الْحَدُّ إذَا لَمْ يُعْلَمْ كَوْنُهَا أَجْنَبِيَّةً مِنْهُ ؛ لِأَنَّ مَا ادَّعَيَاهُ مُحْتَمَلٌ ، فَيَكُونُ ذَلِكَ شُبْهَةً ، كَمَا لَوْ شُهِدَ عَلَيْهِ بِالسَّرِقَةِ ، فَادَّعَى أَنَّ الْمَسْرُوقَ مِلْكُهُ .","part":20,"page":79},{"id":9579,"text":"( 7170 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَمَنْ أَتَى بَهِيمَةً أُدِّبَ ، وَأُحْسِنَ أَدَبُهُ ، وَقُتِلَتْ الْبَهِيمَةُ ) اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ ، فِي الَّذِي يَأْتِي الْبَهِيمَةَ ، فَرُوِيَ عَنْهُ ، أَنَّهُ يُعَزَّرُ ، وَلَا حَدَّ عَلَيْهِ .\rرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَعَطَاءٍ ، وَالشَّعْبِيِّ ، وَالنَّخَعِيِّ وَالْحَكَمِ ، وَمَالِكٍ ، وَالثَّوْرِيِّ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ ، وَإِسْحَاقَ ، وَهُوَ قَوْلٌ لِلشَّافِعِيِّ .\rوَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ ، حُكْمُهُ حُكْمُ اللَّائِطِ سَوَاءً .\rوَقَالَ الْحَسَنُ : حَدُّهُ حَدُّ الزَّانِي .\rوَعَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ : يُقْتَلُ هُوَ وَالْبَهِيمَةُ ؛ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ أَتَى بَهِيمَةً ، فَاقْتُلُوهُ ، وَاقْتُلُوهَا مَعَهُ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى ، أَنَّهُ لَمْ يَصِحَّ فِيهِ نَصٌّ ، وَلَا يُمْكِنُ قِيَاسُهُ عَلَى الْوَطْءِ فِي فَرْجِ الْآدَمِيِّ ؛ لِأَنَّهُ لَا حُرْمَهُ لَهَا ، وَلَيْسَ بِمَقْصُودٍ يَحْتَاجُ فِي الزَّجْرِ عَنْهُ إلَى الْحَدِّ ، فَإِنَّ النُّفُوسَ تَعَافُهُ ، وَعَامَّتُهَا تَنْفِرُ مِنْهُ ، فَبَقِيَ عَلَى الْأَصْلِ فِي انْتِفَاءِ الْحَدِّ وَالْحَدِيثُ يَرْوِيهِ عَمْرُو بْنُ أَبِي عَمْرٍو ، وَلَمْ يُثْبِتْهُ أَحْمَدُ .\rوَقَالَ الطَّحَاوِيُّ : هُوَ ضَعِيفٌ .\rوَمَذْهَبُ ابْنِ عَبَّاسٍ خِلَافُهُ ، وَهُوَ الَّذِي رُوِيَ عَنْهُ .\rقَالَ أَبُو دَاوُد : هَذَا يُضْعِفُ الْحَدِيثَ عَنْهُ ، قَالَ إسْمَاعِيلُ بْنُ سَعِيدٍ : سَأَلْتُ أَحْمَدَ عَنْ الرَّجُلِ يَأْتِي الْبَهِيمَةَ ، فَوَقَفَ عِنْدَهَا ، وَلَمْ يُثْبِتْ حَدِيثَ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو فِي ذَلِكَ .\rوَلِأَنَّ الْحَدَّ يُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَثْبُتَ بِحَدِيثٍ فِيهِ هَذِهِ الشُّبْهَةُ وَالضَّعْفُ .\rوَقَوْلُ الْخِرَقِيِّ : أُدِّبَ ، وَأُحْسِنَ أَدَبُهُ .\rيَعْنِي يُعَزَّرُ ، وَيُبَالَغُ فِي تَعْزِيرِهِ ؛ لِأَنَّهُ وَطْءٌ فِي فَرْجٍ مُحَرَّمٍ ، لَا شُبْهَةَ لَهُ فِيهِ ، لَمْ يُوجِبْ الْحَدَّ ، فَأَوْجَبَ التَّعْزِيرَ ، كَوَطْءِ الْمَيِّتَةِ .","part":20,"page":80},{"id":9580,"text":"( 7171 ) فَصْلٌ : وَيَجِبُ قَتْلُ الْبَهِيمَةِ .\rوَهَذَا قَوْلُ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَأَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ .\rوَسَوَاءٌ كَانَتْ مَمْلُوكَةً لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ ، مَأْكُولَةً أَوْ غَيْرَ مَأْكُولَةٍ .\rقَالَ أَبُو بَكْرٍ : الِاخْتِيَارُ قَتْلُهَا ، وَإِنْ تُرِكَتْ فَلَا بَأْسَ .\rوَقَالَ الطَّحَاوِيُّ إنْ كَانَتْ مَأْكُولَةً ذُبِحَتْ ، وَإِلَّا لَمْ تُقْتَلْ .\rوَهَذَا قَوْلٌ ثَانٍ لِلشَّافِعِيِّ ؛ { لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ ذَبْحِ الْحَيَوَانِ لِغَيْرِ مَأْكَلَةٍ } .\rوَلَنَا ، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ أَتَى بَهِيمَةً ، فَاقْتُلُوهُ ، وَاقْتُلُوا الْبَهِيمَةَ } وَلَمْ يُفَرَّقْ بَيْنَ كَوْنِهَا مَأْكُولَةً أَوْ غَيْرَ مَأْكُولَةٍ ، وَلَا بَيْنَ مِلْكِهِ وَمِلْكِ غَيْرِهِ .\rفَإِنْ قِيلَ : الْحَدِيثُ ضَعِيفٌ ، وَلَمْ يَعْمَلُوا بِهِ فِي قَتْلِ الْفَاعِلِ الْجَانِي ، فَفِي حَقِّ حَيَوَانٍ لَا جِنَايَةَ مِنْهُ أَوْلَى .\rقُلْنَا : إنَّمَا يُعْمَلْ بِهِ فِي قَتْلِ الْفَاعِلِ عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ ، لِوَجْهَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، أَنَّهُ حَدٌّ ، وَالْحُدُودُ تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ ، وَهَذَا إتْلَافُ مَالٍ ، فَلَا تُؤَثِّرُ الشُّبْهَةُ فِيهِ .\rوَالثَّانِي : أَنَّهُ إتْلَافُ آدَمِيٍّ ، وَهُوَ أَعْظَمُ الْمَخْلُوقَاتِ حُرْمَةً ، فَلَمْ يَجُزْ التَّهَجُّمُ عَلَى إتْلَافِهِ إلَّا بِدَلِيلٍ فِي غَايَةِ الْقُوَّةِ ، وَلَا يَلْزَمُ مِثْلُ هَذَا فِي إتْلَافِ مَالٍ ، وَلَا حَيَوَانٍ سِوَاهُ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّ الْحَيَوَانَ إنْ كَانَ لِلْفَاعِلِ ، ذَهَبَ هَدَرًا ، وَإِنْ كَانَ لِغَيْرِهِ ، فَعَلَى الْفَاعِلِ غَرَامَتُهُ ؛ لِأَنَّهُ سَبَبُ إتْلَافِهِ ، فَيَضْمَنُهُ ، كَمَا لَوْ نَصَبَ لَهُ شَبَكَةً فَتَلِفَ بِهَا .\rثُمَّ إنْ كَانَتْ مَأْكُولَةً ، فَهَلْ يُبَاحُ أَكْلُهَا ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ .\rوَلِلشَّافِعِيِّ أَيْضًا فِي ذَلِكَ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، يَحِلُّ أَكْلُهَا ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ } .\rوَلِأَنَّهُ حَيَوَانٌ مِنْ جِنْسٍ يَجُوزُ أَكْلُهُ ، ذَبَحَهُ مَنْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الذَّكَاةِ ، فَحَلَّ أَكْلُهُ ، كَمَا","part":20,"page":81},{"id":9581,"text":"لَوْ لَمْ يُفْعَلْ بِهِ هَذَا الْفِعْلُ ، وَلَكِنْ يُكْرَهُ أَكْلُهُ ؛ لِشُبْهَةِ التَّحْرِيمِ وَالْوَجْهُ الثَّانِي : لَا يَحِلُّ أَكْلُهَا ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّهُ قِيلِ لَهُ : مَا شَأْنُ الْبَهِيمَةِ ؟ قَالَ : مَا أُرَاهُ قَالَ ذَلِكَ ، إلَّا أَنَّهُ كَرِهَ أَكْلَهَا وَقَدْ فُعِلَ بِهَا ذَلِكَ الْفِعْلُ .\rوَلِأَنَّهُ حَيَوَانٌ يَجِبُ قَتْلُهُ ، لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى ، فَلَمْ يَجُزْ أَكْلُهُ ، كَسَائِرِ الْمَقْتُولَاتِ ، وَاخْتُلِفَ فِي عِلَّةِ قَتْلِهَا ، فَقِيلَ : إنَّمَا قُتِلَتْ لِئَلَّا يُعَيَّرَ فَاعِلُهَا ، وَيُذَكَّرَ بِرُؤْيَتِهَا .\rوَقَدْ رَوَى ابْنُ بَطَّةَ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { مَنْ وَجَدْتُمُوهُ عَلَى بَهِيمَةٍ فَاقْتُلُوهُ ، وَاقْتُلُوا الْبَهِيمَةَ .\rقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا بَالُ الْبَهِيمَةِ ؟ قَالَ : لَا يُقَالُ هَذِهِ وَهَذِهِ } .\rوَقِيلَ : لِئَلَّا تَلِدَ خَلْقًا مُشَوَّهًا .\rوَقِيلَ : لِئَلَّا تُؤْكَلَ .\rوَإِلَيْهَا أَشَارَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي تَعْلِيلِهِ .\rوَلَا يَجِبُ قَتْلُهَا حَتَّى يَثْبُتَ هَذَا الْعَمَلُ بِهَا بِبَيِّنَةٍ ، فَأَمَّا إنْ أَقَرَّ الْفَاعِلُ ، فَإِنْ كَانَتْ الْبَهِيمَةُ لَهُ ، ثَبَتَ بِإِقْرَارِهِ ، وَإِنْ كَانَتْ لِغَيْرِهِ ، لَمْ يَجُزْ قَتْلُهَا بِقَوْلِهِ ؛ لِأَنَّهُ إقْرَارٌ عَلَى مِلْكِ غَيْرِهِ ، فَلَمْ يُقْبَلْ ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِهَا لِغَيْرِ مَالِكِهَا .\rوَهَلْ يَثْبُتُ هَذَا بِشَاهِدَيْنِ عَدْلَيْنِ ، وَإِقْرَارٍ مَرَّتَيْنِ ، أَوْ يُعْتَبَرُ فِيهِ مَا يُعْتَبَرُ فِي الزِّنَى ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ ، نَذْكُرهُمَا فِي مَوْضِعِهِمَا ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .","part":20,"page":82},{"id":9582,"text":"( 7172 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَاَلَّذِي يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَدُّ ، مِمَّنْ ذَكَرْت ، مَنْ أَقَرَّ بِالزِّنَى أَرْبَعَ مَرَّاتٍ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْحَدَّ لَا يَجِبُ إلَّا بِأَحَدِ شَيْئَيْنِ ؛ إقْرَارٍ ؛ أَوْ بَيِّنَةٍ .\rفَإِنْ ثَبَتَ بِإِقْرَارٍ اُعْتُبِرَ إقْرَارُ أَرْبَعِ مَرَّاتٍ .\rوَبِهَذَا قَالَ الْحَكَمُ ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَقَالَ الْحَسَنُ ، وَحَمَّادٌ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ : يُحَدُّ بِإِقْرَارِ مَرَّةٍ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { وَاغْدُ يَا أُنَيْسُ إلَى امْرَأَةِ هَذَا ، فَإِنْ اعْتَرَفَتْ ، فَارْجُمْهَا } .\rوَاعْتِرَافُ مَرَّةٍ اعْتِرَافٌ ، وَقَدْ أَوْجَبَ عَلَيْهَا الرَّجْمَ بِهِ .\rوَرَجَمَ الْجُهَنِيَّةَ ، وَإِنَّمَا اعْتَرَفَتْ مَرَّةً .\rوَقَالَ عُمَرُ : إنَّ الرَّجْمَ حَقٌّ وَاجِبٌ عَلَى مَنْ زَنَى وَقَدْ أُحْصِنْ ، إذَا قَامَتْ الْبَيِّنَةُ ، أَوْ كَانَ الْحَبَلُ ، أَوْ الِاعْتِرَافُ .\rوَلِأَنَّهُ حَقٌّ ، فَيَثْبُتُ بِاعْتِرَافِ مَرَّةٍ ، كَسَائِرِ الْحُقُوقِ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ، قَالَ : { أَتَى رَجُلٌ مِنْ الْأَسْلَمِيِّينَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنِّي زَنَيْتُ .\rفَأَعْرَضَ عَنْهُ ، فَتَنَحَّى تِلْقَاءَ وَجْهِهِ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنِّي زَنَيْتُ .\rفَأَعْرَضَ عَنْهُ ، فَتَنَحَّى تِلْقَاءَ وَجْهِهِ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنِّي زَنَيْتُ .\rفَأَعْرَضَ عَنْهُ ، حَتَّى ثَنَى ذَلِكَ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ ، فَلَمَّا شَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ ، دَعَاهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : أَبِكَ جُنُونٌ ؟ .\rقَالَ : لَا .\rقَالَ : فَهَلْ أَحْصَنْتَ ؟ .\rقَالَ : نَعَمْ .\rفَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اُرْجُمُوهُ } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَلَوْ وَجَبَ الْحَدُّ بِمَرَّةٍ ، لَمْ يُعْرِضْ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَرْكُ حَدٍّ وَجَبَ لِلَّهِ تَعَالَى .\rوَرَوَى نُعَيْمُ بْنُ هَزَّالٍ حَدِيثَهُ ، وَفِيهِ : {","part":20,"page":83},{"id":9583,"text":"حَتَّى قَالَهَا أَرْبَعَ مَرَّاتٍ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إنَّك قَدْ قُلْتهَا أَرْبَعَ مَرَّاتٍ ، فَبِمَنْ ؟ .\rقَالَ بِفُلَانَةَ .\r} رَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَهَذَا تَعْلِيلٌ مِنْهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ إقْرَارَ الْأَرْبَعِ هِيَ الْمُوجِبَةُ .\rوَرَوَى أَبُو بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيُّ ، { أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ ، قَالَ لَهُ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إنْ أَقْرَرْت أَرْبَعًا ، رَجَمَكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ } .\rوَهَذَا يَدُلُّ مِنْ وَجْهَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقَرَّهُ عَلَى هَذَا ، وَلَمْ يُنْكِرْهُ ، فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُقِرُّ عَلَى الْخَطَإِ .\rالثَّانِي : أَنَّهُ قَدْ عَلِمَ هَذَا مِنْ حُكْمِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَوْلَا ذَلِكَ مَا تَجَاسَرَ عَلَى قَوْلِهِ بَيْنَ يَدَيْهِ .\rفَأَمَّا أَحَادِيثُهُمْ ، فَإِنَّ الِاعْتِرَافَ لَفْظُ الْمَصْدَرِ يَقَعُ عَلَى الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ ، وَحَدِيثُنَا يُفَسِّرُهُ ، وَيُبَيِّنُ أَنَّ الِاعْتِرَافَ الَّذِي يَثْبُتُ بِهِ كَانَ أَرْبَعًا .","part":20,"page":84},{"id":9584,"text":"فَصْلٌ : وَسَوَاءٌ كَانَ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ ، أَوْ مَجَالِسَ مُتَفَرِّقَةٍ .\rقَالَ الْأَثْرَمُ : سَمِعْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يُسْأَلُ عَنْ الزَّانِي ، يُرَدَّدُ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، عَلَى حَدِيثِ مَاعِزٍ ، هُوَ أَحْوَطُ .\rقُلْت لَهُ : فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ ، أَوْ فِي مَجَالِسَ شَتَّى ؟ قَالَ : أَمَّا الْأَحَادِيثُ ، فَلَيْسَتْ تَدُلُّ إلَّا عَلَى مَجْلِسٍ وَاحِدٍ ، إلَّا ذَاكَ الشَّيْخَ بَشِيرَ بْنَ مُهَاجِرٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، وَذَاكَ عِنْدِي مُنْكَرُ الْحَدِيثِ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَثْبُتُ إلَّا بِأَرْبَعِ إقْرَارَاتٍ ، فِي أَرْبَعَةِ مَجَالِسَ ؛ لِأَنَّ مَاعِزًا أَقَرَّ فِي أَرْبَعَةِ مَجَالِسَ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الْحَدِيثَ الصَّحِيحَ إنَّمَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَقَرَّ أَرْبَعًا فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ .\rوَقَدْ ذَكَرْنَا الْحَدِيثَ ، وَلِأَنَّهُ إحْدَى حُجَّتَيْ الزِّنَى ، فَاكْتَفَى بِهِ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ ، كَالْبَيِّنَةِ .","part":20,"page":85},{"id":9585,"text":"( 7174 ) فَصْلٌ : يُعْتَبَرُ فِي صِحَّةِ الْإِقْرَارِ أَنْ يَذْكُرَ حَقِيقَةَ الْفِعْلِ ، لِتَزُولَ الشُّبْهَةُ ؛ لِأَنَّ الزِّنَى يُعَبِّرُ عَمَّا لَيْسَ بِمُوجِبٍ لِلْحَدِّ .\rوَقَدْ رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ ؛ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِمَاعِزٍ : لَعَلَّك قَبَّلْت ، أَوْ غَمَزْت ، أَوْ نَظَرْت .\rقَالَ : لَا .\rقَالَ : أَفَنِكْتَهَا .\rلَا يُكَنِّي .\rقَالَ : نَعَمْ .\rقَالَ : فَعِنْدَ ذَلِكَ أَمَرَ بِرَجْمِهِ } .\rرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ .\rوَفِي رِوَايَةٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، { قَالَ : أَفَنِكْتَهَا ؟ .\rقَالَ : نَعَمْ .\rقَالَ : حَتَّى غَابَ ذَاكَ مِنْك فِي ذَاكَ مِنْهَا ؟ .\rقَالَ : نَعَمْ .\rقَالَ : كَمَا يَغِيبُ الْمِرْوَدُ فِي الْمُكْحُلَةِ ، وَالرِّشَاءُ فِي الْبِئْرِ .\rقَالَ : نَعَمْ .\rقَالَ : فَهَلْ تَدْرِي مَا الزِّنَى ؟ .\rقَالَ : نَعَمْ ، أَتَيْتُ مِنْهَا حَرَامًا مَا يَأْتِي الرَّجُلُ مِنْ امْرَأَتِهِ حَلَالًا } .\rوَذَكَرَ الْحَدِيثَ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد .","part":20,"page":86},{"id":9586,"text":"( 7175 ) فَصْلٌ : فَإِنْ أَقَرَّ أَنَّهُ زَنَى بِامْرَأَةٍ فَكَذَّبَتْهُ ، فَعَلَيْهِ الْحَدُّ دُونَهَا .\rوَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَبُو يُوسُفَ : لَا حَدَّ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّا صَدَّقْنَاهَا فِي إنْكَارِهَا ، فَصَارَ مَحْكُومًا بِكَذِبِهِ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى أَبُو دَاوُد ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيُّ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَنَّ رَجُلًا أَتَاهُ ، فَأَقَرَّ عِنْدَهُ أَنَّهُ زَنَى بِامْرَأَةٍ ، فَسَمَّاهَا لَهُ ، فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى الْمَرْأَةِ ، فَسَأَلَهَا عَنْ ذَلِكَ ، فَأَنْكَرَتْ أَنْ تَكُونَ زَنَتْ ، فَجَلَدَهُ الْحَدَّ وَتَرَكَهَا } .\rوَلِأَنَّ انْتِفَاءَ ثُبُوتِهِ فِي حَقِّهَا لَا يُبْطِلُ إقْرَارَهُ ، كَمَا لَوْ سَكَتَتْ ، أَوْ كَمَا لَوْ لَمْ يُسْأَلْ ، وَلِأَنَّ عُمُومَ الْخَبَرِ يَقْتَضِي وُجُوبَ الْحَدِّ عَلَيْهِ بِاعْتِرَافِهِ ، وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ : إذَا كَانَ الْحَبَلُ أَوْ الِاعْتِرَافُ .\rوَقَوْلُهُمْ : إنَّنَا صَدَّقْنَاهَا فِي إنْكَارِهَا .\rلَا يَصِحُّ ، فَإِنَّنَا لَمْ نَحْكُمْ بِصِدْقِهَا ، وَانْتِفَاءُ الْحَدِّ إنَّمَا كَانَ لِعَدَمِ الْمُقْتَضَى ، وَهُوَ الْإِقْرَارُ أَوْ الْبَيِّنَةُ ، لَا لِوُجُودِ التَّصْدِيقِ ؛ بِدَلِيلِ مَا لَوْ سَكَتَتْ ، أَوْ لَمْ تَكْمُلْ الْبَيِّنَةُ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّ الْحُرَّ وَالْعَبْدَ ، وَالْبِكْرَ وَالثَّيِّبَ ، فِي الْإِقْرَارِ سَوَاءٌ ؛ لِأَنَّهُ أَحَدُ حُجَّتَيْ الزِّنَى ، فَاسْتَوَى فِيهِ الْكُلَّ ، كَالْبَيِّنَةِ .","part":20,"page":87},{"id":9587,"text":"( 7176 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَهُوَ بَالِغٌ صَحِيحٌ عَاقِلٌ ) أَمَّا الْبُلُوغُ وَالْعَقْلُ فَلَا خِلَافَ فِي اعْتِبَارِهِمَا فِي وُجُوبِ الْحَدِّ ، وَصِحَّةِ الْإِقْرَارِ ؛ لِأَنَّ الصَّبِيَّ وَالْمَجْنُونَ قَدْ رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْهُمَا ، وَلَا حُكْمَ لِكَلَامِهِمَا .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ ؛ عَنْ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ ، وَعَنْ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ ، وَعَنْ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَالتِّرْمِذِيُّ .\rوَقَالَ : حَدِيثٌ حَسَنٌ .\rوَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، فِي قِصَّةِ مَاعِزٍ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَأَلَ قَوْمَهُ : أَمَجْنُونٌ هُوَ ؟ قَالُوا : لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ } .\rوَرُوِيَ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ حِينَ أَقَرَّ عِنْدَهُ : أَبِكَ جُنُونٌ ؟ } .\rوَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادِهِ ، قَالَ : أُتِيَ عُمَرُ بِمَجْنُونَةٍ قَدْ زَنَتْ ، فَاسْتَشَارَ فِيهَا أُنَاسًا فَأَمَرَ بِهَا عُمَرُ أَنْ تُرْجَمَ ، فَمَرَّ بِهَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَالَ : مَا شَأْنُ هَذِهِ ؟ .\rقَالُوا : مَجْنُونَةُ آلِ فُلَانٍ زَنَتْ ، فَأَمَرَ بِهَا عُمَرُ أَنْ تُرْجَمَ .\rفَقَالَ : ارْجِعُوا بِهَا .\rثُمَّ أَتَاهُ ، فَقَالَ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، أَمَا عَلِمْت أَنَّ الْقَلَمَ قَدْ رُفِعَ عَنْ ثَلَاثَةٍ ؛ عَنْ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَبْرَأَ ، وَعَنْ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ ، وَعَنْ الصَّبِيِّ حَتَّى يَعْقِلَ ؟ قَالَ : بَلَى .\rقَالَ : فَمَا بَالُ هَذِهِ ؟ قَالَ : لَا شَيْءَ .\rقَالَ : فَأَرْسِلْهَا فَأَرْسَلَهَا .\rقَالَ : فَجَعَلَ عُمَرُ يُكَبِّرُ .","part":20,"page":88},{"id":9588,"text":"( 7177 ) فَصْلٌ : فَإِنْ كَانَ يُجَنُّ مَرَّةً وَيُفِيقُ أُخْرَى ، فَأَقَرَّ فِي إفَاقَتِهِ أَنَّهُ زَنَى وَهُوَ مُفِيقٌ ، أَوْ قَامَتْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ أَنَّهُ زَنَى فِي إفَاقَتِهِ ، فَعَلَيْهِ الْحَدُّ .\rلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ؛ لِأَنَّ الزِّنَى الْمُوجِبَ لِلْحَدِّ وُجِدَ مِنْهُ فِي حَالِ تَكْلِيفِهِ ، وَالْقَلَمُ غَيْرُ مَرْفُوعٍ عَنْهُ ، وَإِقْرَارُهُ وُجِدَ فِي حَالِ اعْتِبَارِ كَلَامِهِ .\rفَإِنْ أَقَرَّ فِي إفَاقَتِهِ ، وَلَمْ يُضِفْهُ إلَى حَالٍ ، أَوْ شَهِدَتْ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ بِالزِّنَى ، وَلَمْ تُضِفْهُ إلَى حَالِ إفَاقَتِهِ ، لَمْ يَجِبْ الْحَدُّ ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ وُجِدَ فِي حَالِ جُنُونِهِ ، فَلَمْ يَجِبْ الْحَدُّ مَعَ الِاحْتِمَالِ .\rوَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد ، فِي حَدِيثِ الْمَجْنُونَةِ الَّتِي أَتَى بِهَا عُمَرُ ، أَنَّ عَلِيًّا قَالَ : إنَّ هَذِهِ مَعْتُوهَةُ بَنِي فُلَانٍ ، لَعَلَّ الَّذِي أَتَاهَا أَتَاهَا فِي بَلَائِهَا .\rفَقَالَ عُمَرُ : لَا أَدْرِي .\rفَقَالَ عَلِيٌّ : وَأَنَا لَا أَدْرِي .","part":20,"page":89},{"id":9589,"text":"( 7178 ) فَصْلٌ : وَالنَّائِمُ مَرْفُوعٌ عَنْهُ الْقَلَمُ ، فَلَوْ زَنَى بِنَائِمَةٍ ، أَوْ اسْتَدْخَلَتْ امْرَأَةٌ ذَكَرَ نَائِمٍ ، أَوْ وُجِدَ مِنْهُ الزِّنَى حَالَ نَوْمِهِ ، فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ الْقَلَمَ مَرْفُوعٌ عَنْهُ .\rوَلَوْ أَقَرَّ فِي حَالِ نَوْمِهِ ، لَمْ يُلْتَفَتْ إلَى إقْرَارِهِ ؛ لِأَنَّ كَلَامَهُ لَيْسَ بِمُعْتَبَرٍ ، وَلَا يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ مَدْلُولِهِ .\rفَأَمَّا السَّكْرَانُ وَنَحْوُهُ ، فَعَلَيْهِ حَدُّ الزِّنَى وَالسَّرِقَةِ وَالشُّرْبِ وَالْقَذْفِ ، إنْ فَعَلَ ذَلِكَ فِي سُكْرِهِ ؛ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، أَوْجَبُوا عَلَيْهِ حَدَّ الْفِرْيَةِ ؛ لِكَوْنِ السُّكْرِ مَظِنَّةً لَهَا ، وَلِأَنَّهُ تَسَبَّبَ إلَى هَذِهِ الْمُحَرَّمَاتِ بِسَبَبٍ لَا يُعْذَرُ فِيهِ ، فَأَشْبَهَ مَنْ لَا عُذْرَ لَهُ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَجِبَ الْحَدُّ ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ عَاقِلٍ ، فَيَكُونَ ذَلِكَ شُبْهَةً فِي دَرْءِ مَا يَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ ، وَلِأَنَّ طَلَاقَهُ لَا يَقَعُ فِي رِوَايَةٍ ، فَأَشْبَهَ النَّائِمَ .\rوَالْأَوَّلُ أَوْلَى ؛ لِأَنَّ إسْقَاطَ الْحَدِّ عَنْهُ يُفْضِي إلَى أَنَّ مَنْ أَرَادَ فِعْلَ هَذِهِ الْمُحَرَّمَاتِ ، شَرِبَ الْخَمْرَ ، وَفَعَلَ مَا أَحَبَّ ، فَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ ، وَلِأَنَّ السُّكْرَ مَظِنَّةٌ لِفِعْلِ الْمَحَارِمِ ، وَسَبَبٌ إلَيْهِ ، فَقَدْ تَسَبَّبَ إلَى فِعْلِهَا حَالَ صَحْوِهِ .\rفَأَمَّا إنْ أَقَرَّ بِالزِّنَى وَهُوَ سَكْرَانُ ، لَمْ يُعْتَبَرْ إقْرَارُهُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي مَا يَقُولُ ، وَلَا يَدُلُّ قَوْلُهُ عَلَى صِحَّةِ خَبَرِهِ ، فَأَشْبَهَ قَوْلَ النَّائِمِ وَالْمَجْنُونِ .\rوَقَدْ رَوَى بُرَيْدَةَ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَنْكَهَ مَاعِزًا } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَإِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ ، لِيَعْلَمَ هَلْ هُوَ سَكْرَانُ أَوْ لَا ، وَلَوْ كَانَ السَّكْرَانُ مَقْبُولَ الْإِقْرَارِ ، لَمَا اُحْتِيجَ إلَى تَعَرُّفِ بَرَاءَتِهِ مِنْهُ .","part":20,"page":90},{"id":9590,"text":"( 7179 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا قَوْلُهُ : وَهُوَ صَحِيحٌ .\rفَفَسَّرَهُ الْقَاضِي بِالصَّحِيحِ مِنْ الْمَرَضِ ، يَعْنِي أَنَّ الْحَدَّ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ فِي مَرَضِهِ ، وَإِنْ وَجَبَ فَإِنَّهُ إنَّمَا يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ بِمَا يُؤْمَنُ بِهِ تَلَفُهُ ، فَإِنْ خِيفَ ضَرَرٌ عَلَيْهِ ، ضُرِبَ ضَرْبَةً وَاحِدَةً بِضِغْثٍ فِيهِ مِائَةُ شِمْرَاخٍ أَوْ عُودٍ صَغِيرٍ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ الصَّحِيحَ الَّذِي يُتَصَوَّرُ مِنْهُ الْوَطْءُ ، فَلَوْ أَقَرَّ بِالزِّنَى مَنْ لَا يُتَصَوَّرُ مِنْهُ ، كَالْمَجْنُونِ ، فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّنَا نَتَيَقَّنُ أَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ مِنْهُ الزِّنَى الْمُوجِبُ لِلْحَدِّ ، وَلَوْ قَامَتْ بِهِ بَيِّنَةٌ ، فَهِيَ كَاذِبَةٌ ، وَعَلَيْهَا الْحَدُّ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .\rوَإِنْ أَقَرَّ الْخَصِيُّ أَوْ الْعِنِّينُ ، فَعَلَيْهِ الْحَدُّ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ؛ لِأَنَّهُ يُتَصَوَّرُ مِنْهُ ذَلِكَ ، فَقُبِلَ إقْرَارُهُ بِهِ ، كَالشَّيْخِ الْكَبِيرِ .","part":20,"page":91},{"id":9591,"text":"( 7180 ) فَصْلٌ : وَأَمَّا الْأَخْرَسُ ، فَإِنْ لَمْ تُفْهَمْ إشَارَتُهُ ، فَلَا يُتَصَوَّرُ مِنْهُ إقْرَارٌ ، وَإِنْ فُهِمَتْ إشَارَتُهُ ، فَقَالَ الْقَاضِي : عَلَيْهِ الْحَدُّ .\rوَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَابْنِ الْقَاسِمِ صَاحِبِ مَالِكٍ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ ؛ لِأَنَّ مَنْ صَحَّ إقْرَارُهُ بِغَيْرِ الزِّنَى صَحَّ إقْرَارُهُ بِهِ كَالنَّاطِقِ ، وَقَالَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ : لَا يُحَدُّ بِإِقْرَارٍ وَلَا بَيِّنَةٍ ، لِأَنَّ الْإِشَارَةَ تَحْتَمِلُ مَا فُهِمَ مِنْهَا وَغَيْرُهُ ، فَيَكُونُ ذَلِكَ شُبْهَةً فِي دَرْءِ الْحَدِّ لِكَوْنِهِ مِمَّا يَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ ، وَلَا يَجِبُ بِالْبَيِّنَةِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ لَهُ شُبْهَةٌ لَا يُمْكِنُهُ التَّعْبِيرُ عَنْهَا وَلَا يُعْرَفُ كَوْنُهَا شُبْهَةً ، وَيَحْتَمِلُ كَلَامُ الْخِرَقِيِّ أَنْ لَا يَجِبُ الْحَدُّ بِإِقْرَارِهِ لِأَنَّهُ غَيْرُ صَحِيحٍ ، وَلِأَنَّ الْحَدَّ لَا يَجِبُ مَعَ الشُّبْهَةِ ، وَالْإِشَارَةُ لَا تَنْتَفِي مَعَهَا الشُّبُهَاتُ ، فَأَمَّا الْبَيِّنَةُ فَيَجِبُ عَلَيْهِ بِهَا الْحَدُّ لِأَنَّ قَوْلَهُ مَعَهَا غَيْرُ مُعْتَبَرٍ .","part":20,"page":92},{"id":9592,"text":"( 7181 ) فَصْلٌ : وَلَا يَصِحُّ الْإِقْرَارُ مِنْ الْمُكْرَهِ ، فَلَوْ ضُرِبَ الرَّجُلُ لِيُقِرَّ بِالزِّنَا ، لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الْحَدُّ ، وَلَمْ يَثْبُتْ عَلَيْهِ الزِّنَا .\rوَلَا نَعْلَمُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ خِلَافًا فِي أَنَّ إقْرَارَ الْمُكْرَهِ لَا يَجِبُ بِهِ حَدٌّ .\rوَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : لَيْسَ الرَّجُلُ بِأَمِينٍ عَلَى نَفْسِهِ إذَا جَوَّعْتَهُ ، أَوْ ضَرَبْتَهُ ، أَوْ أَوْثَقْتَهُ .\rرَوَاهُ سَعِيدٌ .\rوَقَالَ ابْنُ شِهَابٍ فِي رَجُلٍ اعْتَرَفَ بَعْدَ جَلْدِهِ : لَيْسَ عَلَيْهِ حَدٌّ .\rوَلِأَنَّ الْإِقْرَارَ إنَّمَا ثَبَتَ بِهِ الْمُقَرُّ بِهِ ؛ لِوُجُودِ الدَّاعِي إلَى الصِّدْقِ ، وَانْتِفَاءِ التُّهْمَةِ عَنْهُ ، فَإِنَّ الْعَاقِلَ لَا يُتَّهَمُ بِقَصْدِ الْإِضْرَارِ بِنَفْسِهِ ، وَمَعَ الْإِكْرَاهِ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهُ قَصَدَ بِإِقْرَارِهِ دَفْعَ ضَرَرِ الْإِكْرَاهِ ، فَانْتَفَى ظَنُّ الصِّدْقِ عَنْهُ ، فَلَمْ يُقْبَلْ .","part":20,"page":93},{"id":9593,"text":"( 7182 ) فَصْلٌ : فَإِنْ أَقَرَّ أَنَّهُ وَطِئَ امْرَأَةً ، وَادَّعَى أَنَّهَا امْرَأَتُهُ ، وَأَنْكَرَتْ الْمَرْأَةُ أَنْ يَكُونَ زَوْجَهَا .\rنَظَرْنَا ؛ فَإِنْ لَمْ تُقِرَّ الْمَرْأَةُ بِوَطْئِهِ إيَّاهَا ، فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُقِرَّ بِالزِّنَا ، وَلَا مَهْرَ لَهَا ؛ لِأَنَّهَا لَا تَدَّعِيهِ ، وَإِنْ اعْتَرَفَتْ بِوَطْئِهِ إيَّاهَا ، وَأَقَرَّتْ بِأَنَّهُ زَنَى بِهَا مُطَاوِعَةً ، فَلَا مَهْرَ عَلَيْهِ أَيْضًا ، وَلَا حَدَّ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا ، إلَّا أَنْ يُقِرَّ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ ؛ لِأَنَّ الْحَدَّ لَا يَجِبُ بِدُونِ أَرْبَعِ مَرَّاتٍ ، وَإِنْ ادَّعَتْ أَنَّهُ أَكْرَهَهَا عَلَيْهِ ، أَوْ اشْتَبَهَ عَلَيْهَا ، فَعَلَيْهِ الْمَهْرُ ؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِسَبَبِهِ .\rفَقَدْ رَوَى مُهَنَّا ، عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّهُ سَأَلَهُ عَنْ رَجُلٍ وَطِئَ امْرَأَةً ، وَزَعَمَ أَنَّهَا زَوْجَتُهُ ، وَأَنْكَرَتْ هِيَ أَنْ يَكُونَ زَوْجَهَا ، وَأَقَرَّتْ بِالْوَطْءِ .\rقَالَ : فَهَذِهِ قَدْ أَقَرَّتْ عَلَى نَفْسِهَا بِالزِّنَا ، وَلَكِنْ يُدْرَأُ عَنْهُ الْحَدُّ بِقَوْلِهِ : إنَّهَا امْرَأَتُهُ ، وَلَا مَهْرَ عَلَيْهِ ، وَيُدْرَأُ عَنْهَا الْحَدُّ حَتَّى تَعْتَرِفَ مِرَارًا .\rقَالَ أَحْمَدُ : وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ يَرَوْنَ عَلَيْهَا الْحَدَّ ، يَذْهَبُونَ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { وَاغْدُ يَا أُنَيْسُ إلَى امْرَأَةِ هَذَا ، فَإِنْ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا } .\rوَقَدْ تَقَدَّمَ الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِمْ .","part":20,"page":94},{"id":9594,"text":"( 7183 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَلَا يَنْزِعُ عَنْ إقْرَارِهِ حَتَّى يَتِمَّ عَلَيْهِ الْحَدُّ ) وَجُمْلَتُهُ : إنَّ مِنْ شَرْطِ إقَامَةِ الْحَدِّ بِالْإِقْرَارِ ، الْبَقَاءَ عَلَيْهِ إلَى تَمَامِ الْحَدِّ ، فَإِنْ رَجَعَ عَنْ إقْرَارِهِ أَوْ هَرَبَ ، كُفَّ عَنْهُ .\rوَبِهَذَا قَالَ عَطَاءٌ ، وَيَحْيَى بْنُ يَعْمُرَ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَحَمَّادٌ ، وَمَالِكٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَبُو يُوسُفَ .\rوَقَالَ الْحَسَنُ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى : يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ ، وَلَا يُتْرَكُ ؛ لِأَنَّ مَاعِزًا هَرَبَ فَقَتَلُوهُ ، وَلَمْ يَتْرُكُوهُ .\rوَرُوِيَ أَنَّهُ قَالَ : { رُدُّونِي إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّ قَوْمِي هُمْ غَرُّونِي مِنْ نَفْسِي ، وَأَخْبَرُونِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَيْرُ قَاتِلِي .\rفَلَمْ يَنْزِعُوا عَنْهُ حَتَّى قَتَلُوهُ .\r} أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد .\rوَلَوْ قُبِلَ رُجُوعُهُ ، لَلَزِمَتْهُمْ دِيَتُهُ ؛ وَلِأَنَّهُ حَقٌّ وَجَبَ بِإِقْرَارِهِ ، فَلَمْ يُقْبَلْ رُجُوعُهُ ، كَسَائِرِ الْحُقُوقِ .\rوَحُكِيَ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ ، أَنَّهُ إنْ رَجَعَ حُدَّ لِلْفِرْيَةِ عَلَى نَفْسِهِ ، وَإِنْ رَجَعَ عَنْ السَّرِقَةِ وَالشُّرْبِ ، ضُرِبَ دُونَ الْحَدِّ .\rوَلَنَا { أَنَّ مَاعِزًا هَرَبَ ، فَذُكِرَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : هَلَّا تَرَكْتُمُوهُ ، يَتُوبُ فَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِ } .\rقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : ثَبَتَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَجَابِرٍ ، وَنُعَيْمِ بْنِ هَزَّالٍ ، وَنَصْرِ بْنِ دَاهِرٍ ، وَغَيْرِهِمْ ، { أَنَّ مَاعِزًا لَمَّا هَرَبَ ، فَقَالَ لَهُمْ : رُدُّونِي إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : هَلَّا تَرَكْتُمُوهُ ، يَتُوبُ فَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِ .\r} فَفِي هَذَا أَوْضَحُ الدَّلَائِلِ عَلَى أَنَّهُ يُقْبَلُ رُجُوعُهُ .\rوَعَنْ بُرَيْدَةَ ، قَالَ : كُنَّا أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَتَحَدَّثُ أَنَّ الْغَامِدِيَّةَ وَمَاعِزَ بْنَ مَالِكٍ ، لَوْ رَجَعَا بَعْدَ اعْتِرَافِهِمَا .\rأَوْ قَالَ : لَوْ","part":20,"page":95},{"id":9595,"text":"لَمْ يَرْجِعَا بَعْدَ اعْتِرَافِهِمَا ، لَمْ يَطْلُبْهُمَا ، وَإِنَّمَا رَجَمَهُمَا عِنْدَ الرَّابِعَةِ .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَلِأَنَّ رُجُوعَهُ شُبْهَةٌ ، وَالْحُدُودُ تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ ؛ وَلِأَنَّ الْإِقْرَارَ إحْدَى بَيِّنَتَيْ الْحَدِّ ، فَيَسْقُطُ بِالرُّجُوعِ عَنْهُ ، كَالْبَيِّنَةِ إذَا رَجَعَتْ قَبْلَ إقَامَةِ الْحَدِّ ، وَفَارَقَ سَائِرَ الْحُقُوقِ ، فَإِنَّهَا لَا تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ .\rوَإِنَّمَا لَمْ يَجِبْ ضَمَانُ مَاعِزٍ عَلَى الَّذِينَ قَتَلُوهُ بَعْدَ هَرَبِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِصَرِيحٍ فِي الرُّجُوعِ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّهُ إذَا هَرَبَ لَمْ يُتْبَعْ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { هَلَّا تَرَكْتُمُوهُ } .\rوَإِنْ لَمْ يُتْرَكْ وَقُتِلَ ، لَمْ يُضْمَنْ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ لَمْ يُضَمِّنْ مَاعِزًا مَنْ قَتَلَهُ ؛ وَلِأَنَّ هَرَبَهُ لَيْسَ بِصَرِيحٍ فِي رُجُوعِهِ .\rوَإِنْ قَالَ : رُدُّونِي إلَى الْحَاكِمِ .\rوَجَبَ رَدُّهُ ، وَلَمْ يَجُزْ إتْمَامُ الْحَدِّ ، فَإِنْ أُتِمَّ ، فَلَا ضَمَانَ عَلَى مَنْ أَتَمَّهُ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا فِي هَرَبِهِ .\rوَإِنْ رَجَعَ عَنْ إقْرَارِهِ ، وَقَالَ : كَذَبْت فِي إقْرَارِي .\rأَوْ : رَجَعْت عَنْهُ .\rأَوْ : لَمْ أَفْعَلْ مَا أَقْرَرْت بِهِ .\rوَجَبَ تَرْكُهُ ، فَإِنْ قَتَلَهُ قَاتِلٌ بَعْدَ ذَلِكَ ، وَجَبَ ضَمَانُهُ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ زَالَ إقْرَارُهُ بِالرُّجُوعِ عَنْهُ ، فَصَارَ كَمَنْ لَمْ يُقِرَّ ، وَلَا قِصَاصَ عَلَى قَاتِلِهِ ؛ لِأَنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ اخْتَلَفُوا فِي صِحَّةِ رُجُوعِهِ ، فَكَانَ اخْتِلَافُهُمْ شُبْهَةً دَارِئَةً لِلْقِصَاصِ ؛ وَلِأَنَّ صِحَّةَ الْإِقْرَارِ مِمَّا يَخْفَى ، فَيَكُونُ ذَلِكَ عُذْرًا مَانِعًا مِنْ وُجُوبِ الْقِصَاصِ .","part":20,"page":96},{"id":9596,"text":"( 7184 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( أَوْ يَشْهَدُ عَلَيْهِ أَرْبَعَةُ رِجَالٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَحْرَارٌ عُدُولٌ ، يَصِفُونَ الزِّنَا ) ذَكَرَ الْخِرَقِيِّ فِي شُهُودِ الزِّنَا سَبْعَةَ شُرُوطٍ ؛ أَحَدُهَا : أَنْ يَكُونُوا أَرْبَعَةً .\rوَهَذَا إجْمَاعٌ ، لَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَاَللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ } .\rوَقَالَ تَعَالَى : { وَاَلَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً } .\rوَقَالَ تَعَالَى : { لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمْ الْكَاذِبُونَ } { وَقَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَرَأَيْت لَوْ وَجَدْت مَعَ امْرَأَتِي رَجُلًا ، أُمْهِلُهُ حَتَّى آتِيَ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : نَعَمْ .\r} رَوَاهُ مَالِكٌ ، فِي \" الْمُوَطَّإِ \" وَأَبُو دَاوُد فِي \" سُنَنِهِ \" الشَّرْطُ الثَّانِي : أَنْ يَكُونُوا رِجَالًا كُلُّهُمْ ، وَلَا تُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ النِّسَاءِ بِحَالٍ .\rوَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا ، إلَّا شَيْئًا يُرْوَى عَنْ عَطَاءٍ ، وَحَمَّادٍ ، أَنَّهُ يُقْبَلُ فِيهِ ثَلَاثَةُ رِجَالٍ وَامْرَأَتَانِ .\rوَهُوَ شُذُوذٌ لَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ لَفْظَ الْأَرْبَعَةِ اسْمٌ لِعَدَدِ الْمَذْكُورِينَ ، وَيَقْتَضِي أَنْ يُكْتَفَى فِيهِ بِأَرْبَعَةٍ ، وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ الْأَرْبَعَةَ إذَا كَانَ بَعْضُهُمْ نِسَاءً لَا يُكْتَفَى بِهِمْ ، وَإِنَّ أَقَلَّ مَا يُجْزِئُ خَمْسَةٌ وَهَذَا خِلَافُ النَّصِّ ؛ وَلِأَنَّ فِي شَهَادَتِهِنَّ شُبْهَةً ؛ لِتَطَرُّقِ الضَّلَالِ إلَيْهِنَّ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { أَنْ تَضِلَّ إحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إحْدَاهُمَا الْأُخْرَى } .\rوَالْحُدُودُ تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ .\rالشَّرْطُ الثَّالِثُ : الْحُرِّيَّةُ ، فَلَا تُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ الْعَبِيدِ .\rوَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا ، إلَّا رِوَايَةً حُكِيَتْ عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّ شَهَادَتَهُمْ تُقْبَلُ","part":20,"page":97},{"id":9597,"text":".\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ ؛ لِعُمُومِ النُّصُوصِ فِيهِ ؛ وَلِأَنَّهُ عَدْلٌ ذَكَرٌ مُسْلِمٌ فَتُقْبَلُ شَهَادَتُهُ ، كَالْحُرِّ .\rوَلَنَا أَنَّهُ مُخْتَلَفٌ فِي شَهَادَتِهِ فِي سَائِرِ الْحُقُوقِ ، فَيَكُونُ ذَلِكَ شُبْهَةً تَمْنَعُ مِنْ قَبُولِ شَهَادَتِهِ فِي الْحَدِّ ؛ لِأَنَّهُ يَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ .\rالشَّرْطُ الرَّابِعُ : الْعَدَالَةُ ، وَلَا خِلَافَ فِي اشْتِرَاطِهَا ؛ فَإِنَّ الْعَدَالَةَ تُشْتَرَطُ فِي سَائِرِ الشَّهَادَاتِ ، فَهَاهُنَا مَعَ مَزِيدِ الِاحْتِيَاطِ أَوْلَى ، فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْفَاسِقِ ، وَلَا مَسْتُورِ الْحَالِ الَّذِي لَا تُعْلَمُ عَدَالَتُهُ ؛ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ فَاسِقًا .\rالْخَامِسُ : أَنْ يَكُونُوا مُسْلِمِينَ ، فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ أَهْلِ الذِّمَّةِ فِيهِ ، سَوَاءٌ كَانَتْ الشَّهَادَةُ عَلَى مُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ ؛ لِأَنَّ أَهْلَ الذِّمَّةِ كُفَّارٌ ، لَا تَتَحَقَّقُ الْعَدَالَةُ فِيهِمْ ، وَلَا تُقْبَلُ رِوَايَتُهُمْ وَلَا أَخْبَارُهُمْ الدِّينِيَّةُ ، فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ ، كَعَبَدَةِ الْأَوْثَانِ .\rالشَّرْطُ السَّادِسُ ، أَنْ يَصِفُوا الزِّنَا ، فَيَقُولُوا : رَأَيْنَا ذَكَرَهُ فِي فَرْجِهَا كَالْمِرْوَدِ فِي الْمُكْحُلَةِ ، وَالرِّشَاءِ فِي الْبِئْرِ .\rوَهَذَا قَوْلُ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ ، وَالزُّهْرِيِّ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ ؛ لِمَا رُوِيَ فِي قِصَّةِ { مَاعِزٍ ، أَنَّهُ لَمَّا أَقَرَّ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالزِّنَا ، فَقَالَ : أَنِكْتَهَا .\rفَقَالَ : نَعَمْ .\rفَقَالَ : حَتَّى غَابَ ذَلِكَ مِنْك ، فِي ذَلِكَ مِنْهَا ، كَمَا يَغِيبُ الْمِرْوَدُ فِي الْمُكْحُلَةِ ، وَالرِّشَاءُ فِي الْبِئْرِ ؟ .\rقَالَ : نَعَمْ .\r} وَإِذَا اُعْتُبِرَ التَّصْرِيحُ فِي الْإِقْرَارِ ، كَانَ اعْتِبَارُهُ فِي الشَّهَادَةِ أَوْلَى .\rوَرَوَى أَبُو دَاوُد ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ جَابِرٍ ، قَالَ : { جَاءَتْ الْيَهُودُ بِرَجُلٍ مِنْهُمْ وَامْرَأَةٍ زَنَيَا ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ائْتُونِي بِأَعْلَمِ رَجُلَيْنِ مِنْكُمْ .\rفَأَتَوْهُ بِابْنَيْ صُورِيَا ، فَنَشَدَهُمَا : كَيْفَ تَجِدَانِ أَمْرَ","part":20,"page":98},{"id":9598,"text":"هَذَيْنِ فِي التَّوْرَاةِ ؟ .\rقَالَا : نَجِدُهُ فِي التَّوْرَاةِ إذَا شَهِدَ أَرْبَعَةٌ أَنَّهُمْ رَأَوْا ذَكَرَهُ فِي فَرْجَهَا ، مِثْلَ الْمِيلِ فِي الْمُكْحُلَةِ ، رُجِمَا .\rقَالَ : فَمَا يَمْنَعُكُمْ أَنْ تَرْجُمُوهُمَا ؟ قَالَا : ذَهَبَ سُلْطَانُنَا ، وَكَرِهْنَا الْقَتْلَ .\rفَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالشُّهُودِ ، فَجَاءَ أَرْبَعَةٌ ، فَشَهِدُوا أَنَّهُمْ رَأَوْا ذَكَرَهُ فِي فَرْجِهَا مِثْلَ الْمِيلِ فِي الْمُكْحُلَةِ ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِرَجْمِهِمَا .\r} وَلِأَنَّهُمْ إذَا لَمْ يَصِفُوا الزِّنَا اُحْتُمِلَ أَنْ يَكُونَ الْمَشْهُودُ بِهِ لَا يُوجِبُ الْحَدَّ فَاعْتُبِرَ كَشْفُهُ .\rقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ : يَجُوزُ لِلشُّهُودِ أَنْ يَنْظُرُوا إلَى ذَلِكَ مِنْهُمَا ، لِإِقَامَةِ الشَّهَادَةِ عَلَيْهِمَا لِيَحْصُلَ الرَّدْعُ بِالْحَدِّ ، فَإِنْ شَهِدُوا أَنَّهُمْ رَأَوْا ذَكَرَهُ قَدْ غَيَّبَهُ فِي فَرْجِهَا كَفَى ، وَالتَّشْبِيهُ تَأْكِيدٌ .\rوَأَمَّا تَعْيِينُهُمْ الْمَزْنِيَّ بِهَا أَوْ الزَّانِيَ ، إنْ كَانَتْ الشَّهَادَةُ عَلَى امْرَأَةٍ ، وَمَكَانِ الزِّنَا ، فَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّهُ يُشْتَرَطُ ، لِئَلَّا تَكُونَ الْمَرْأَةُ مِمَّنْ اُخْتُلِفَ فِي إبَاحَتِهَا ، وَيُعْتَبَرُ ذِكْرُ الْمَكَانِ ، لِئَلَّا تَكُونَ شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ عَلَى غَيْرِ الْفِعْلِ الَّذِي شَهِدَ بِهِ الْآخَرُ ، وَلِهَذَا { سَأَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَاعِزًا ، فَقَالَ : إنَّك أَقْرَرْت أَرْبَعًا ، فَبِمَنْ ؟ } .\rوَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ : لَا يُحْتَاجُ إلَى ذِكْرِ هَذَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ ذِكْرُهُمَا فِي الْإِقْرَارِ ، وَلَمْ يَأْتِ ذِكْرُهُمَا فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ ، وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ الشَّهَادَةِ فِي رَجْمِ الْيَهُودِيَّيْنِ ذِكْرُ الْمَكَانِ ؛ وَلِأَنَّ مَا لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ ذِكْرُ الزَّمَانِ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ ذِكْرُ الْمَكَانِ ، كَالنِّكَاحِ ، وَيَبْطُلُ مَا ذِكْرُهُ بِالزَّمَانِ .\rالشَّرْطُ السَّابِعُ ، مَجِيءُ الشُّهُودِ كُلِّهِمْ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ .\rذَكَرَهُ الْخِرَقِيِّ ، فَقَالَ : وَإِنْ جَاءَ أَرْبَعَةٌ مُتَفَرِّقِينَ ، وَالْحَاكِمُ جَالِسٌ فِي","part":20,"page":99},{"id":9599,"text":"مَجْلِسِ حُكْمِهِ ، لَمْ يَقُمْ قَبْلَ شَهَادَتِهِمْ ، وَإِنْ جَاءَ بَعْضُهُمْ بَعْدَ أَنْ قَامَ الْحَاكِمُ ، كَانُوا قَذَفَةً ، وَعَلَيْهِمْ الْحَدُّ .\rوَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَالْبَتِّيُّ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ : لَا يُشْتَرَطُ ذَلِكَ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ } .\rوَلَمْ يَذْكُرْ الْمَجْلِسَ ، وَقَالَ تَعَالَى : { فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ } .\rوَلِأَنَّ كُلَّ شَهَادَةٍ مَقْبُولَةٌ إنْ اتَّفَقَتْ ، تُقْبَلُ إذَا افْتَرَقَتْ فِي مَجَالِسَ ، كَسَائِرِ الشَّهَادَاتِ .\rوَلَنَا أَنَّ أَبَا بَكْرَةَ وَنَافِعًا وَشِبْلَ بْنَ مَعْبَدٍ شَهِدُوا عِنْدَ عُمَرَ ، عَلَى الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ بِالزِّنَا ، وَلَمْ يَشْهَدْ زِيَادٌ ، فَحَدَّ الثَّلَاثَةَ .\rوَلَوْ كَانَ الْمَجْلِسُ غَيْرَ مُشْتَرَطٍ ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يَحُدَّهُمْ ؛ لِجَوَازِ أَنْ يَكْمُلُوا بِرَابِعٍ فِي مَجْلِسٍ آخَرَ ؛ وَلِأَنَّهُ لَوْ شَهِدَ ثَلَاثَةٌ ، فَحَدَّهُمْ ، ثُمَّ جَاءَ رَابِعٌ فَشَهِدَ ، لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ ، وَلَوْلَا اشْتِرَاطُ الْمَجْلِسِ ، لَكَمَلَتْ شَهَادَتُهُمْ .\rوَبِهَذَا فَارَقَ سَائِرَ الشَّهَادَاتِ .\rوَأَمَّا الْآيَةُ : فَإِنَّهَا لَمْ تَتَعَرَّضْ لِلشُّرُوطِ ، وَلِهَذَا لَمْ تَذْكُرْ الْعَدَالَةَ ، وَصِفَةَ الزِّنَا ؛ وَلِأَنَّ قَوْلَهُ : { ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ } .\rلَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ مُطْلَقًا فِي الزَّمَانِ كُلِّهِ ، أَوْ مُقَيَّدًا ، لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُطْلَقًا ؛ لِأَنَّهُ يَمْنَعُ مِنْ جَوَازِ جَلْدِهِمْ ؛ لِأَنَّهُ مَا مِنْ زَمَنٍ إلَّا يَجُوزُ أَنْ يَأْتِيَ فِيهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ ، أَوْ بِكَمَالِهِمْ إنْ كَانَ قَدْ شَهِدَ بَعْضُهُمْ ، فَيَمْتَنِعُ جَلْدُهُمْ الْمَأْمُورُ بِهِ ، فَيَكُونُ تَنَاقُضًا ، وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ مُقَيَّدٌ ، فَأَوْلَى مَا قُيِّدَ بِالْمَجْلِسِ ؛ لِأَنَّ الْمَجْلِسَ كُلَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْحَالِ الْوَاحِدَةِ ، وَلِهَذَا ثَبَتَ فِيهِ خِيَارُ الْمَجْلِسِ ، وَاكْتُفِيَ فِيهِ بِالْقَبْضِ فِيمَا يُعْتَبَرُ الْقَبْضُ فِيهِ .","part":20,"page":100},{"id":9600,"text":"إذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ اجْتِمَاعُهُمْ حَالَ مَجِيئِهِمْ ، وَلَوْ جَاءُوا مُتَفَرِّقِينَ وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ ، فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ ، قَبِلَ شَهَادَتَهُمْ .\rوَقَالَ مَالِكٌ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ : إنْ جَاءُوا مُتَفَرِّقِينَ ، فَهُمْ قَذَفَةٌ ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَجْتَمِعُوا فِي مَجِيئِهِمْ ، فَلَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُمْ ، كَاَلَّذِينَ لَمْ يَشْهَدُوا فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ .\rوَلَنَا قِصَّةُ الْمُغِيرَةِ ، فَإِنَّ الشُّهُودَ جَاءُوا وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ وَسُمِعَتْ شَهَادَتُهُمْ ، وَإِنَّمَا حُدُّوا لِعَدَمِ كَمَالِهَا .\rوَفِي حَدِيثِهِ ، أَنَّ أَبَا بَكْرَةَ قَالَ : أَرَأَيْت إنْ جَاءَ آخَرُ يَشْهَدُ ، أَكُنْت تَرْجُمُهُ ؟ .\rقَالَ عُمَرُ : أَيْ ، وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ .\rوَلِأَنَّهُمْ اجْتَمَعُوا فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ ، أَشْبَهَ مَا لَوْ جَاءُوا مُجْتَمِعِينَ ؛ وَلِأَنَّ الْمَجْلِسَ كُلَّهُ بِمَنْزِلَةِ ابْتِدَائِهِ ، لِمَا ذَكَرْنَاهُ .\rوَإِذَا تَفَرَّقُوا فِي مَجَالِسَ ، فَعَلَيْهِمْ الْحَدُّ ؛ لِأَنَّ مَنْ شَهِدَ بِالزِّنَا ، وَلَمْ يُكْمِلْ الشَّهَادَةَ يَلْزَمُهُ الْحَدُّ ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَاَلَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً } .","part":20,"page":101},{"id":9601,"text":"( 7185 ) فَصْلٌ : وَاذَا لَمْ تَكْمُلْ شُهُودُ الزِّنَا ، فَعَلَيْهِمْ الْحَدُّ .\rفِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، مِنْهُمْ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ فِيهِمْ رِوَايَتَيْنِ .\rوَحُكِيَ عَنْ الشَّافِعِيِّ فِيهِمْ قَوْلَانِ ؛ أَحَدُهُمَا : لَا حَدَّ عَلَيْهِمْ ؛ لِأَنَّهُمْ شُهُودٌ فَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِمْ الْحَدُّ ، كَمَا لَوْ كَانُوا أَرْبَعَةً أَحَدُهُمَا فَاسِقٌ .\rوَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { وَاَلَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً } .\rوَهَذَا يُوجِبُ الْجَلْدَ عَلَى كُلِّ رَامٍ لَمْ يَشْهَدْ بِمَا قَالَ أَرْبَعَةٌ ؛ وَلِأَنَّهُ إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ ، فَإِنَّ عُمَرَ جَلَدَ أَبَا بَكْرَةَ وَأَصْحَابَهُ حِينَ لَمْ يُكْمِلْ الرَّابِعُ شَهَادَتَهُ ، بِمَحْضَرٍ مِنْ الصَّحَابَةِ ، فَلَمْ يُنْكِرْهُ أَحَدٌ .\rوَرَوَى صَالِحٌ فِي \" مَسَائِلِهِ \" بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ ، قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ إلَى عُمَرَ ، فَشَهِدَ عَلَى الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ، فَتَغَيَّرَ لَوْنُ عُمَرَ ، ثُمَّ جَاءَ آخَرُ فَشَهِدَ ، فَتَغَيَّرَ لَوْنُ عُمَرَ ، ثُمَّ جَاءَ آخَرُ فَشَهِدَ ، فَاسْتَكْبَرَ ذَلِكَ عُمَرُ ، ثُمَّ جَاءَ شَابٌّ يَخْطِرُ بِيَدَيْهِ ، فَقَالَ عُمَرُ : مَا عِنْدَك يَا سُلَحَ الْعُقَابِ ؟ وَصَاحَ بِهِ عُمَرُ صَيْحَةً ، فَقَالَ أَبُو عُثْمَانَ : وَاَللَّهِ لَقَدْ كِدْت يُغْشَى عَلَيَّ .\rفَقَالَ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، رَأَيْت أَمْرًا قَبِيحًا .\rفَقَالَ : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يُشَمِّتْ الشَّيْطَانَ بِأَصْحَابِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rقَالَ : فَأَمَرَ بِأُولَئِكَ النَّفَرِ فَجُلِدُوا .\rوَفِي رِوَايَةٍ أَنَّ عُمَرَ لَمَّا شُهِدَ عِنْدَهُ عَلَى الْمُغِيرَةِ ، شَهِدَ ثَلَاثَةٌ ، وَبَقِيَ زِيَادٌ ، فَقَالَ عُمَرُ أَرَى شَابًّا حَسَنًا ، وَأَرْجُو أَنْ لَا يَفْضَحَ اللَّهُ عَلَى لِسَانِهِ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rفَقَالَ : يَا أَمِيرُ ، رَأَيْت اسْتًا تَنْبُو ، وَنَفَسًا يَعْلُو ، وَرَأَيْت رِجْلَيْهَا فَوْقَ عُنُقِهِ ،","part":20,"page":102},{"id":9602,"text":"كَأَنَّهُمَا أُذُنَا حِمَارٍ ، وَلَا أَدْرِي مَا وَرَاءَ ذَلِكَ ؟ فَقَالَ عُمَرُ : اللَّهُ أَكْبَرُ .\rوَأَمَرَ بِالثَّلَاثَةِ فَضُرِبُوا .\rوَقَوْلُ عُمَرَ : يَا سُلَحَ الْعُقَابِ مَعْنَاهُ : أَنَّهُ يُشْبِهُ سُلَحَ الْعُقَابِ ، الَّذِي يُحَرِّقُ كُلَّ شَيْءٍ أَصَابَهُ ، وَكَذَلِكَ هَذَا ، تُوقَعُ الْعُقُوبَةُ بِأَحَدِ الْفَرِيقَيْنِ لَا مَحَالَةَ ، إنْ كَمَلَتْ شَهَادَتُهُ حُدَّ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ ، وَإِنْ لَمْ تَكْمُلْ ، حُدَّ أَصْحَابُهُ .\rفَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ خَالَفَهُمْ أَبُو بَكْرَةَ وَأَصْحَابُهُ الَّذِينَ شَهِدُوا .\rقُلْنَا : لَمْ يُخَالِفُوا فِي وُجُوبِ الْحَدِّ عَلَيْهِمْ ، إنَّمَا خَالَفُوهُمْ فِي صِحَّةِ مَا شَهِدُوا بِهِ ؛ وَلِأَنَّهُ رَامٍ بِالزِّنَا لَمْ يَأْتِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ ، فَيَجِبُ عَلَيْهِ الْحَدُّ ، كَمَا لَوْ لَمْ يَأْتِ بِأَحَدٍ .","part":20,"page":103},{"id":9603,"text":"( 7186 ) فَصْلٌ : وَإِنْ كَمَلُوا أَرْبَعَةً غَيْرَ مَرْضِيِّينَ ، أَوْ وَاحِدٌ مِنْهُمْ ، كَالْعَبِيدِ وَالْفُسَّاقِ وَالْعُمْيَانِ ، فَفِيهِمْ ثَلَاثُ ؛ رِوَايَاتٍ ؛ إحْدَاهُنَّ : عَلَيْهِمْ الْحَدُّ .\rوَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ .\rقَالَ الْقَاضِي : هَذَا الصَّحِيحُ ؛ لِأَنَّهَا شَهَادَةٌ لَمْ تَكْمُلْ ، فَوَجَبَ الْحَدُّ عَلَى الشُّهُودِ ، كَمَا لَوْ كَانُوا ثَلَاثَةً .\rوَالثَّانِيَةُ : لَا حَدَّ عَلَيْهِمْ .\rوَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ ، وَالشَّعْبِيِّ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَمُحَمَّدٍ ؛ لِأَنَّ هَؤُلَاءِ قَدْ جَاءُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ ، فَدَخَلُوا فِي عُمُومِ الْآيَةِ ؛ لِأَنَّ عَدَدَهُمْ قَدْ كَمَلَ ، وَرَدُّ الشَّهَادَةِ لِمَعْنًى غَيْرِ تَفْرِيطِهِمْ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ شَهِدَ أَرْبَعَةٌ مَسْتُورُونَ ، وَلَمْ تَثْبُتْ عَدَالَتُهُمْ وَلَا فِسْقُهُمْ .\rالثَّالِثَةُ : إنْ كَانُوا عُمْيَانًا أَوْ بَعْضُهُمْ ، جُلِدُوا ، وَإِنْ كَانُوا عَبِيدًا أَوْ فُسَّاقًا ، فَلَا حَدَّ عَلَيْهِمْ .\rوَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ ، وَإِسْحَاقَ ؛ لِأَنَّ الْعُمْيَانَ مَعْلُومٌ كَذِبُهُمْ ؛ لِأَنَّهُمْ شَهِدُوا بِمَا لَمْ يَرَوْهُ يَقِينًا ، وَالْآخَرُونَ يَجُوزُ صِدْقُهُمْ ، وَقَدْ كَمَلَ عَدَدُهُمْ ، فَأَشْبَهُوا مَسْتُورِي الْحَالِ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ : إنْ كَانَ رَدُّ الشَّهَادَةِ لِمَعْنًى ظَاهِرٍ ، كَالْعَمَى ، وَالرِّقِّ ، وَالْفِسْقِ الظَّاهِرِ فَفِيهِمْ قَوْلَانِ ، وَإِنْ كَانَ لِمَعْنًى خَفِيٍّ ، فَلَا حَدَّ عَلَيْهِمْ ؛ لِأَنَّ مَا يَخْفَى يَخْفَى عَلَى الشُّهُودِ ، فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ تَفْرِيطًا مِنْهُمْ ، بِخِلَافِ مَا يَظْهَرُ .\rوَإِنْ شَهِدَ ثَلَاثَةُ رِجَالٍ وَامْرَأَتَانِ ، حَدُّ الْجَمِيعُ ؛ لِأَنَّ شَهَادَةَ النِّسَاءِ فِي هَذَا الْبَابِ كَعَدَمِهَا .\rوَبِهَذَا قَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَهَذَا يُقَوِّي رِوَايَةَ إيجَابِ الْحَدِّ عَلَى الْأَوَّلِينَ ، وَيُنَبِّهُ عَلَى إيجَابِ الْحَدِّ فِيمَا إذَا كَانُوا عُمْيَانًا أَوْ أَحَدُهُمْ ؛ لِأَنَّ الْمَرْأَتَيْنِ يُحْتَمَلُ صِدْقُهُمَا ، وَهُمَا مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ فِي الْجُمْلَةِ ، وَالْأَعْمَى كَاذِبٌ يَقِينًا ، وَلَيْسَ مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ عَلَى الْأَفْعَالِ ، فَوُجُوبُ","part":20,"page":104},{"id":9604,"text":"الْحَدِّ عَلَيْهِمْ وَعَلَى مَنْ مَعَهُمْ أَوْلَى .","part":20,"page":105},{"id":9605,"text":"( 7187 ) فَصْلٌ : وَإِنْ رَجَعُوا عَنْ الشَّهَادَةِ ، أَوْ وَاحِدٌ مِنْهُمْ ، فَعَلَى جَمِيعِهِمْ الْحَدُّ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ .\rوَالثَّانِيَةُ : يُحَدُّ الثَّلَاثَةُ دُونَ الرَّاجِعِ .\rوَهَذَا اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ وَابْنِ حَامِدٍ ؛ لِأَنَّهُ إذَا رَجَعَ قَبْلَ الْحَدِّ ، فَهُوَ كَالتَّائِبِ قَبْلَ تَنْفِيذِ الْحُكْمِ بِقَوْلِهِ ، فَيَسْقُطُ عَنْهُ الْحَدُّ ؛ وَلِأَنَّ فِي دَرْءِ الْحَدِّ عَنْهُ تَمْكِينًا لَهُ مِنْ الرُّجُوعِ الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ مَصْلَحَةُ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ ، وَفِي إيجَابِ الْحَدِّ عَلَيْهِ زَجْرٌ لَهُ عَنْ الرُّجُوعِ ، خَوْفًا مِنْ الْحَدِّ ، فَتَفُوتُ تِلْكَ الْمَصْلَحَةُ ، وَتَتَحَقَّقُ الْمَفْسَدَةُ ، فَنَاسَبَ ذَلِكَ نَفْيَ الْحَدِّ عَنْهُ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يُحَدُّ الرَّاجِعُ دُونَ الثَّلَاثَةِ ؛ لِأَنَّهُ مُقِرٌّ عَلَى نَفْسِهِ بِالْكَذِبِ فِي قَذْفِهِ ، وَأَمَّا الثَّلَاثَةُ فَقَدْ وَجَبَ الْحَدُّ بِشَهَادَتِهِمْ ، وَإِنَّمَا سَقَطَ بَعْدَ وُجُوبِهِ بِرُجُوعِ الرَّاجِعِ ، وَمَنْ وَجَبَ الْحَدُّ بِشَهَادَتِهِ ، لَمْ يَكُنْ قَاذِفًا ، فَلَمْ يُحَدَّ ، كَمَا لَوْ لَمْ يَرْجِعْ .\rوَلَنَا أَنَّهُ نَقَصَ الْعَدَدُ بِالرُّجُوعِ قَبْلَ إقَامَةِ الْحَدِّ ، فَلَزِمَهُمْ الْحَدُّ ، كَمَا لَوْ شَهِدَ ثَلَاثَةٌ ، وَامْتَنَعَ الرَّابِعُ مِنْ الشَّهَادَةِ .\rوَقَوْلُهُمْ : وَجَبَ الْحَدُّ بِشَهَادَتِهِمْ .\rيَبْطُلُ بِمَا إذَا رَجَعُوا كُلُّهُمْ ، وَبِالرَّاجِعِ وَحْدَهُ ، فَإِنَّ الْحَدَّ وَجَبَ ثُمَّ سَقَطَ ، وَوَجَبَ الْحَدُّ عَلَيْهِمْ بِسُقُوطِهِ ؛ وَلِأَنَّ الْحَدَّ إذَا وَجَبَ عَلَى الرَّاجِعِ مَعَ الْمَصْلَحَةِ فِي رُجُوعِهِ ، وَإِسْقَاطِ الْحَدِّ عَنْ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ بَعْدَ وُجُوبِهِ ، وَإِحْيَائِهِ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ بَعْدَ إشْرَافِهِ عَلَى التَّلَفِ ، فَعَلَى غَيْرِهِ أَوْلَى .","part":20,"page":106},{"id":9606,"text":"( 7188 ) فَصْلٌ : وَإِذَا شَهِدَ اثْنَانِ أَنَّهُ زَنَى بِهَا فِي هَذَا الْبَيْتِ ، وَاثْنَانِ أَنَّهُ زَنَى بِهَا فِي بَيْتٍ آخَرَ ، أَوْ شَهِدَ كُلُّ اثْنَيْنِ عَلَيْهِ بِالزِّنَا فِي بَلَدٍ غَيْرِ الْبَلَدِ الَّذِي شَهِدَ بِهِ صَاحِبَاهُمَا ، أَوْ اخْتَلَفُوا فِي الْيَوْمِ فَالْجَمِيعُ قَذَفَةٌ ، وَعَلَيْهِمْ الْحَدُّ .\rوَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَاخْتَارَ أَبُو بَكْرٍ أَنَّهُ لَا حَدَّ عَلَيْهِمْ .\rوَبِهِ قَالَ النَّخَعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ؛ لِأَنَّهُمْ كَمَلُوا أَرْبَعَةً .\rوَلَنَا أَنَّهُ لَمْ يَكْمُلْ أَرْبَعَةٌ عَلَى زِنًا وَاحِدٍ ، فَوَجَبَ عَلَيْهِمْ الْحَدُّ ، كَمَا لَوْ انْفَرَدَ بِالشَّهَادَةِ اثْنَانِ وَحْدَهُمَا ، فَأَمَّا الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ ، فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا .\rوَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : عَلَيْهِ الْحَدُّ .\rوَحَكَى قَوْلًا لِأَحْمَدَ .\rوَهَذَا بَعِيدٌ فَإِنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ زِنَا وَاحِدٍ بِشَهَادَةِ أَرْبَعَةٍ ، فَلَمْ يَجِبْ الْحَدُّ ؛ وَلِأَنَّ جَمِيعَ مَا يُعْتَبَرُ لَهُ الْبَيِّنَةُ ، يُعْتَبَرُ كَمَالُهَا فِي حَقِّ وَاحِدٍ ، فَالْمُوجِبُ لِلْحَدِّ أَوْلَى ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا يُحْتَاطُ لَهُ ، وَيَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ .\rوَقَدْ قَالَ أَبُو بَكْرٍ : إنَّهُ لَوْ شَهِدَ اثْنَانِ أَنَّهُ زَنَى بِامْرَأَةٍ بَيْضَاءَ ، وَشَهِدَ اثْنَانِ أَنَّهُ زَنَى بِسَوْدَاءَ ، فَهُمْ قَذَفَةٌ .\rذَكَرَهُ الْقَاضِي عَنْهُ ، وَهَذَا يَنْقُضُ قَوْلَهُ .","part":20,"page":107},{"id":9607,"text":"( 7189 ) فَصْلٌ : وَإِنْ شَهِدَ اثْنَانِ أَنَّهُ زَنَى بِهَا فِي زَاوِيَةِ بَيْتٍ ، وَشَهِدَ اثْنَانِ أَنَّهُ زَنَى بِهَا فِي زَاوِيَةٍ مِنْهُ أُخْرَى ، وَكَانَتْ الزَّاوِيَتَانِ مُتَبَاعِدَتَيْنِ ، فَالْقَوْلُ فِيهِمَا كَالْقَوْلِ فِي الْبَيْتَيْنِ ، وَإِنْ كَانَتَا مُتَقَارِبَتَيْنِ ، كَمَلَتْ شَهَادَتُهُمْ ، وَحُدَّ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ .\rوَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا حَدَّ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ شَهَادَتَهُمْ لَمْ تَكْمُلْ ؛ وَلِأَنَّهُمْ اخْتَلَفُوا فِي الْمَكَانِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ اخْتَلَفَا فِي الْبَيْتَيْنِ .\rوَعَلَى قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ تَكْمُلُ الشَّهَادَةُ ، سَوَاءٌ تَقَارَبَتْ الزَّاوِيَتَانِ أَوْ تَبَاعَدَتَا .\rوَلَنَا أَنَّهُمَا إذَا تَقَارَبَتَا أَمْكَنَ صِدْقُ الشُّهُودِ ، بِأَنْ يَكُونَ ابْتِدَاءُ الْفِعْلِ فِي إحْدَاهُمَا ، وَتَمَامُهُ فِي الْأُخْرَى ، أَوْ يَنْسُبُهُ كُلُّ اثْنَيْنِ إلَى إحْدَى الزَّاوِيَتَيْنِ لِقُرْبِهِ مِنْهَا ، فَيَجِبُ قَبُولُ شَهَادَتِهِمْ ، كَمَا لَوْ اتَّفَقُوا ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَتَا مُتَبَاعِدَتَيْنِ ، فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُ كَوْنُ الْمَشْهُودِ بِهِ فِعْلًا وَاحِدًا .\rفَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْمَشْهُودُ بِهِ فِعْلَيْنِ ، فَلِمَ أَوْجَدْتُمْ الْحَدَّ مَعَ الِاحْتِمَالِ ، وَالْحَدُّ يُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ ؟ قُلْنَا : لَيْسَ هَذَا بِشُبْهَةٍ ، بِدَلِيلِ مَا لَوْ اتَّفَقُوا عَلَى مَوْضِعٍ وَاحِدٍ ، فَإِنَّ هَذَا يُحْتَمَلُ فِيهِ وَالْحَدُّ وَاجِبٌ .\rوَالْقَوْلُ فِي الزَّمَانِ كَالْقَوْلِ فِي هَذَا ، وَإِنَّهُ مَتَى كَانَ بَيْنَهُمَا زَمَنٌ مُتَبَاعِدٌ ، لَا يُمْكِنُ وُجُودُ الْفِعْلِ الْوَاحِدِ فِي جَمِيعِهِ ، كَطَرَفَيْ النَّهَارِ ، لَمْ تَكْمُلْ شَهَادَتُهُمْ ، وَمَتَى تَقَارَبَا كَمَلَتْ شَهَادَتُهُمْ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - .","part":20,"page":108},{"id":9608,"text":"( 7190 ) فَصْلٌ : وَإِنْ شَهِدَ اثْنَانِ أَنَّهُ زَنَى بِهَا فِي قَمِيصٍ أَبْيَضَ ، وَشَهِدَ اثْنَانِ أَنَّهُ زَنَى بِهَا فِي قَمِيصٍ أَحْمَرَ ، أَوْ شَهِدَ اثْنَانِ أَنَّهُ زَنَى بِهَا فِي ثَوْبِ كَتَّانٍ ، وَشَهِدَ اثْنَانِ أَنَّهُ زَنَى بِهَا فِي ثَوْبِ خَزٍّ ، كَمَلَتْ شَهَادَتُهُمْ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا تَكْمُلُ ؛ لِتَنَافِي الشَّهَادَتَيْنِ .\rوَلَنَا أَنَّهُ لَا تَنَافِيَ بَيْنَهُمَا ، فَإِنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ قَمِيصَانِ ، فَذَكَرَ كُلُّ اثْنَيْنِ وَاحِدًا ، وَتَرَكَا ذِكْرَ الْآخَرِ ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ قَمِيصٌ أَبْيَضُ وَعَلَيْهَا قَمِيصٌ أَحْمَرُ ، وَإِذَا أَمْكَنَ التَّصْدِيقُ ، لَمْ يَجُزْ التَّكْذِيبُ .","part":20,"page":109},{"id":9609,"text":"( 7191 ) فَصْلٌ : وَإِنْ شَهِدَ اثْنَانِ أَنَّهُ زَنَى بِهَا مُكْرَهَةً ، وَشَهِدَ اثْنَانِ أَنَّهُ زَنَى بِهَا مُطَاوِعَةً ، فَلَا حَدَّ عَلَيْهَا إجْمَاعًا ؛ فَإِنَّ الشَّهَادَةَ لَمْ تَكْمُلْ عَلَى فِعْلٍ مُوجِبٍ لِلْحَدِّ .\rوَفِي الرَّجُلِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا : لَا حَدَّ عَلَيْهِ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ ، وَالْقَاضِي ، وَأَكْثَرِ الْأَصْحَابِ ، وَقَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَأَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ لَمْ تَكْمُلْ عَلَى فِعْلٍ وَاحِدٍ ، فَإِنَّ فِعْلَ الْمُطَاوِعَةِ غَيْرُ فِعْلِ الْمُكْرَهَةِ ، وَلَمْ يَتِمَّ الْعَدَدُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْفِعْلَيْنِ ؛ وَلِأَنَّ كُلَّ شَاهِدَيْنِ مِنْهُمَا يُكَذِّبَانِ الْآخَرَيْنِ ، وَذَلِكَ يَمْنَعُ قَبُولَ الشَّهَادَةِ ، أَوْ يَكُونُ شُبْهَةً فِي دَرْءِ الْحَدِّ ، وَلَا يَخْرُجُ عَنْ أَنْ يَكُونَ قَوْلُ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُكَذِّبًا لِلْآخَرِ ، إلَّا بِتَقْدِيرِ فِعْلَيْنِ تَكُونُ مُطَاوِعَةً فِي أَحَدِهِمَا ، مُكْرَهَةً فِي الْآخَرِ ، وَهَذَا يَمْنَعُ كَوْنَ الشَّهَادَةِ كَامِلَةً عَلَى فِعْلٍ وَاحِدٍ ؛ وَلِأَنَّ شَاهِدَيْ الْمُطَاوِعَةِ قَاذِفَانِ لَهَا ، وَلَمْ تَكْمُلْ الْبَيِّنَةُ عَلَيْهَا ، فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمَا عَلَى غَيْرِهَا .\rوَالْوَجْهُ الثَّانِي : يَجِبُ الْحَدُّ عَلَيْهِ .\rاخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ ، وَوَجْهٌ ثَانٍ لِلشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ كَمَلَتْ عَلَى وُجُودِ الزِّنَا مِنْهُ ، وَاخْتِلَافُهُمَا إنَّمَا هُوَ فِعْلُهَا ، لَا فِعْلُهُ ، فَلَا يَمْنَعُ كَمَالَ الشَّهَادَةِ عَلَيْهِ .\rوَفِي الشُّهُودِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ ؛ أَحَدُهَا : لَا حَدَّ عَلَيْهِمْ .\rوَهُوَ قَوْلُ مَنْ أَوْجَبَ الْحَدَّ عَلَى الرَّجُلِ بِشَهَادَتِهِمْ .\rوَالثَّانِي : عَلَيْهِمْ الْحَدُّ ؛ لِأَنَّهُمْ شَهِدُوا بِالزِّنَا وَلَمْ تَكْمُلْ شَهَادَتُهُمْ ، فَلَزِمَهُمْ الْحَدُّ ، كَمَا لَوْ لَمْ يَكْمُلْ عَدَدُهُمْ .\rوَالثَّالِثُ : يَجِبُ الْحَدُّ عَلَى شَاهِدَيْ الْمُطَاوِعَةِ ؛ لِأَنَّهُمَا قَذَفَا الْمَرْأَةَ بِالزِّنَا وَلَمْ تَكْمُلْ شَهَادَتُهُمْ عَلَيْهَا ، وَلَا يَجِبُ عَلَى شَاهِدَيْ الْإِكْرَاهِ ؛ لِأَنَّهُمَا","part":20,"page":110},{"id":9610,"text":"لَمْ يَقْذِفَا الْمَرْأَةَ وَقَدْ كَمَلَتْ شَهَادَتُهُمْ عَلَى الرَّجُلِ ، وَإِنَّمَا انْتَفَى عَنْهُ الْحَدُّ لِلشُّبْهَةِ .","part":20,"page":111},{"id":9611,"text":"( 7192 ) فَصْلٌ : وَإِذَا تَمَّتْ الشَّهَادَةُ بِالزِّنَا فَصَدَّقَهُمْ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ بِالزِّنَا ، لَمْ يَسْقُطْ الْحَدُّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَسْقُطُ ؛ لِأَنَّ شَرْطَ صِحَّةِ الْبَيِّنَةِ الْإِنْكَارُ ، وَمَا كَمَلَ الْإِقْرَارُ .\rوَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا } .\rوَبَيَّنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ السَّبِيلَ بِالْحَدِّ ، فَتَجِبُ إقَامَتُهُ ؛ وَلِأَنَّ الْبَيِّنَةَ تَمَّتْ عَلَيْهِ ، فَوَجَبَ الْحَدُّ ، كَمَا لَوْ لَمْ يَعْتَرِفْ ؛ وَلِأَنَّ الْبَيِّنَةَ أَحَدُ حُجَّتَيْ الزِّنَا ، فَلَمْ يَبْطُلْ بِوُجُودِ الْحُجَّةِ الْأُخْرَى أَوْ بَعْضِهَا ، كَالْإِقْرَارِ ، يُحَقِّقُهُ أَنَّ وُجُودَ الْإِقْرَارِ يُؤَكِّدُ الْبَيِّنَةَ ، وَيُوَافِقُهَا ، وَلَا يُنَافِيهَا ، فَلَا يَقْدَحُ فِيهَا ، كَتَزْكِيَةِ الشُّهُودِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِمْ ، وَلَا نُسَلِّمُ اشْتِرَاطَ الْإِنْكَارِ ، وَإِنَّمَا يُكْتَفَى بِالْإِقْرَارِ فِي غَيْرِ الْحَدِّ إذَا وُجِدَ بِكَمَالِهِ ، وَهَا هُنَا لَمْ يَكْمُلْ ، فَلَمْ يَجُزْ الِاكْتِفَاءُ بِهِ ، وَوَجَبَ سَمَاعُ الْبَيِّنَةِ ، وَالْعَمَلُ بِهَا .\rوَعَلَى هَذَا لَوْ أَقَرَّ مَرَّةً ، أَوْ دُونَ الْأَرْبَعِ لَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ سَمَاعَ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ ، وَلَوْ تَمَّتْ الْبَيِّنَةُ عَلَيْهِ ، وَأَقَرَّ عَلَى نَفْسِهِ إقْرَارًا تَامًّا ، ثُمَّ رَجَعَ عَنْ إقْرَارِهِ ، لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ الْحَدُّ بِرُجُوعِهِ ، وَقَوْلُهُ يَقْتَضِي خِلَافَ ذَلِكَ .","part":20,"page":112},{"id":9612,"text":"( 7193 ) فَصْلٌ : وَإِنْ شَهِدَ شَاهِدَانِ ، وَاعْتَرَفَ هُوَ مَرَّتَيْنِ ، لَمْ تَكْمُلْ الْبَيِّنَةُ ، وَلَمْ يَجِبْ الْحَدُّ .\rلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا بَيْنَ مَنْ اعْتَبَرَ إقْرَارَ أَرْبَعِ مَرَّاتٍ ، وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ ؛ لِأَنَّ إحْدَى الْحُجَّتَيْنِ لَمْ تَكْمُلْ ، وَلَا تُلَفَّقُ إحْدَاهُمَا بِالْأُخْرَى ، كَإِقْرَارِ بَعْضٍ مَرَّةً .","part":20,"page":113},{"id":9613,"text":"( 7194 ) فَصْلٌ : وَإِنْ كَمَلَتْ الْبَيِّنَةُ ، ثُمَّ مَاتَ الشُّهُودُ أَوْ غَابُوا ، جَازَ الْحُكْمُ بِهَا ، وَإِقَامَةُ الْحَدِّ .\rوَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَجُوزُ الْحُكْمُ ؛ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونُوا رَجَعُوا وَهَذِهِ شُبْهَةٌ تَدْرَأُ الْحَدَّ .\rوَلَنَا أَنَّ كُلَّ شَهَادَةٍ جَازَ الْحُكْمُ بِهَا مَعَ حُضُورِ الشُّهُودِ ، جَازَ مَعَ غَيْبَتِهِمْ ، كَسَائِرِ الشَّهَادَاتِ ، وَاحْتِمَالُ رُجُوعِهِمْ لَيْسَ بِشُبْهَةٍ كَمَا لَوْ حُكِمَ بِشَهَادَتِهِمْ .","part":20,"page":114},{"id":9614,"text":"( 7195 ) فَصْلٌ : وَإِنْ شَهِدُوا بِزِنًا قَدِيمٍ ، أَوْ أَقَرَّ بِهِ ، وَجَبَ الْحَدُّ .\rوَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا أَقْبَلُ بَيِّنَةً عَلَى زِنًا قَدِيمٍ ، وَأَحُدُّهُ بِالْإِقْرَارِ بِهِ .\rوَهَذَا قَوْلُ ابْنِ حَامِدٍ .\rوَذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى مَذْهَبًا لِأَحْمَدَ ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ : أَيُّمَا شُهُودٍ شَهِدُوا بِحَدٍّ لَمْ يَشْهَدُوا بِحَضْرَتِهِ ، فَإِنَّمَا هُمْ شُهُودُ ضِغْنٍ ؛ وَلِأَنَّ تَأْخِيرَهُ لِلشَّهَادَةِ إلَى هَذَا الْوَقْتِ يَدُلُّ عَلَى التُّهْمَةِ ، فَيَدْرَأُ ذَلِكَ الْحَدَّ .\rوَلَنَا عُمُومُ الْآيَةِ وَأَنَّهُ حَقٌّ يَثْبُتُ عَلَى الْفَوْرِ ، فَيَثْبُتُ بِالْبَيِّنَةِ بَعْدَ تَطَاوُلِ الزَّمَانِ ، كَسَائِرِ الْحُقُوقِ .\rوَالْحَدِيثُ رَوَاهُ الْحَسَنُ مُرْسَلًا ، وَمَرَاسِيلُ الْحَسَنِ لَيْسَتْ بِالْقَوِيَّةِ ، وَالتَّأْخِيرُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِعُذْرٍ أَوَغَيْبَةً ، وَالْحَدُّ لَا يَسْقُطُ بِمُطْلَقِ الِاحْتِمَالِ ، فَإِنَّهُ لَوْ سَقَطَ بِكُلِّ احْتِمَالٍ ، لَمْ يَجِبْ حَدٌّ أَصْلًا .","part":20,"page":115},{"id":9615,"text":"( 7196 ) فَصْلٌ : وَتَجُوزُ الشَّهَادَةُ بِالْحَدِّ مِنْ غَيْرِ مُدَّعٍ .\rلَا نَعْلَمُ فِيهِ اخْتِلَافًا ، وَنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، وَاحْتَجَّ بِقَضِيَّةِ أَبِي بَكْرَةَ ، حِينَ شَهِدَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ عَلَى الْمُغِيرَةِ مِنْ غَيْرِ تَقَدُّمِ دَعْوَى ، وَشَهِدَ الْجَارُودُ وَصَاحِبُهُ عَلَى قُدَامَةَ بْنِ مَظْعُونٍ بِشُرْبِ الْخَمْرِ ، وَلَمْ يَتَقَدَّمْهُ دَعْوَى .\rوَلِأَنَّ الْحَدَّ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى فَلَمْ تَفْتَقِرْ الشَّهَادَةُ بِهِ إلَى تَقَدُّمِ دَعْوَى ، كَالْعِبَادَاتِ ، يُبَيِّنُهُ أَنَّ الدَّعْوَى فِي سَائِرِ الْحُقُوقِ إنَّمَا تَكُونُ مِنْ الْمُسْتَحِقِّ ، وَهَذَا لَا حَقَّ فِيهِ لِأَحَدٍ مِنْ الْآدَمِيِّينَ فَيَدَّعِيَهُ ، فَلَوْ وَقَعَتْ الشَّهَادَةُ عَلَى الدَّعْوَى لَامْتَنَعَتْ إقَامَتُهَا .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِنَّ مَنْ عِنْدَهُ شَهَادَةٌ عَلَى حَدٍّ ، فَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يُقِيمَهَا ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { مَنْ سَتَرَ عَوْرَةَ مُسْلِمٍ فِي الدُّنْيَا سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ } .\rوَتَجُوزُ إقَامَتُهَا ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ } .\rوَلِأَنَّ الَّذِينَ شَهِدُوا بِالْحَدِّ فِي عَصْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ ، لَمْ تُنْكَرْ عَلَيْهِمْ شَهَادَتُهُمْ بِهِ .\rوَيُسْتَحَبُّ لِلْإِمَامِ وَغَيْرِهِ التَّعْرِيضُ بِالْوُقُوفِ عَنْ الشَّهَادَةِ ؛ بِدَلِيلِ قَوْلِ عُمَرَ لِزِيَادٍ : إنِّي لَأَرَى رَجُلًا أَرْجُو أَنْ لَا يَفْضَحَ اللَّهُ عَلَى يَدَيْهِ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rوَلِأَنَّ تَرْكَهَا أَفْضَلُ ، فَلَمْ يَكُنْ بَأْسٌ بِدَلَالَتِهِ عَلَى الْفَضْلِ .\rوَقَدْ رُوِيَ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ ، فَقَالَ إنَّ لِي جِيرَانًا يَشْرَبُونَ الْخَمْرَ ، أَفَأَرْفَعُهُمْ إلَى السُّلْطَانِ ؟ فَقَالَ عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ : إنِّي سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ { : مَنْ سَتَرَ عَوْرَةَ مُسْلِمٍ ، سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ .\r}","part":20,"page":116},{"id":9616,"text":"( 7197 ) فَصْلٌ : وَإِنْ شَهِدَ أَرْبَعَةٌ عَلَى امْرَأَةٍ بِالزِّنَا ، فَشَهِدَ ثِقَاتٌ مِنْ النِّسَاءِ أَنَّهَا عَذْرَاءُ ، فَلَا حَدَّ عَلَيْهَا ، وَلَا عَلَى الشُّهُودِ ، وَبِهَذَا قَالَ الشَّعْبِيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ، وَقَالَ مَالِكٌ : عَلَيْهَا الْحَدُّ ؛ لِأَنَّ شَهَادَةَ النِّسَاءِ لَا مَدْخَلَ لَهَا فِي الْحُدُودِ ، فَلَا تَسْقُطُ بِشَهَادَتِهِنَّ .\rوَلَنَا أَنَّ الْبَكَارَةَ تَثْبُتُ بِشَهَادَةِ النِّسَاءِ ، وَوُجُودُهَا يَمْنَعُ مِنْ الزِّنَا ظَاهِرًا ؛ لِأَنَّ الزِّنَا ، لَا يَحْصُلُ بِدُونِ الْإِيلَاجِ فِي الْفَرْجِ ، وَلَا يُتَصَوَّرُ ذَلِكَ مَعَ بَقَاءِ الْبَكَارَةِ ؛ لِأَنَّ الْبِكْرَ هِيَ الَّتِي لَمْ تُوطَأْ فِي قُبُلِهَا ، وَإِذَا انْتَفَى الزِّنَا ، لَمْ يَجِبْ الْحَدُّ ، كَمَا لَوْ قَامَتْ الْبَيِّنَةُ بِأَنَّ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ بِالزِّنَا مَجْبُوبٌ ، وَإِنَّمَا لَمْ يَجِبْ الْحَدُّ عَلَى الشُّهُودِ ؛ لِكَمَالِ عِدَّتِهِمْ ، مَعَ احْتِمَالِ صِدْقِهِمْ ، فَإِنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ وَطِئَهَا ثُمَّ عَادَتْ عُذْرَتُهَا ، فَيَكُونُ ذَلِكَ شُبْهَةً فِي دَرْءِ الْحَدِّ عَنْهُمْ غَيْرَ مُوجِبٍ لَهُ عَلَيْهَا ، فَإِنَّ الْحَدَّ لَا يَجِبُ بِالشُّبُهَاتِ .\rوَيَجِبُ أَنْ يُكْتَفَى بِشَهَادَةِ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ ؛ لِأَنَّ شَهَادَتَهَا مَقْبُولَةٌ فِيمَا لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ .\rفَأَمَّا إنْ شَهِدَتْ بِأَنَّهَا رَتْقَاءُ ، أَوْ ثَبَتَ أَنَّ الرَّجُلَ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ مَجْبُوبٌ ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَجِبَ الْحَدُّ عَلَى الشُّهُودِ ؛ لِأَنَّهُ يُتَيَقَّنُ كَذِبُهُمْ فِي شَهَادَتِهِمْ بِأَمْرٍ لَا يَعْلَمُهُ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ ، فَوَجَبَ عَلَيْهِمْ الْحَدُّ .","part":20,"page":117},{"id":9617,"text":"( 7198 ) فَصْلٌ : إذَا شَهِدَ أَرْبَعَةٌ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ زَنَى بِامْرَأَةٍ ، وَشَهِدَ أَرْبَعَةٌ آخَرُونَ عَلَى الشُّهُودِ أَنَّهُمْ هُمْ الزُّنَاةُ بِهَا ، لَمْ يَجِبْ الْحَدُّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ .\rوَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلِينَ قَدْ جَرَحَهُمْ الْآخَرُونَ بِشَهَادَتِهِمْ عَلَيْهِمْ ، وَالْآخَرُونَ تَتَطَرَّقُ إلَيْهِمْ التُّهْمَةُ .\rوَاخْتَارَ أَبُو الْخَطَّابِ وُجُوبَ الْحَدِّ عَلَى الشُّهُودِ الْأَوَّلِينَ ؛ لِأَنَّ شَهَادَةَ الْآخَرِينَ صَحِيحَةٌ فَيَجِبُ الْحُكْمُ بِهَا .\rوَهَذَا قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ ، وَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ فِي صَدْرِ الْمَسْأَلَةِ كَلَامًا مَعْنَاهُ : لَا يُحَدُّ أَحَدٌ مِنْهُمْ حَدَّ الزِّنَا .\rوَهَلْ يُحَدُّ الْأَوَّلُونَ حَدَّ الْقَذْفِ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ ، بِنَاءً عَلَى الْقَاذِفِ إذَا جَاءَ مَجِيءَ الشَّاهِدِ هَلْ يُحَدُّ ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ .","part":20,"page":118},{"id":9618,"text":"فَصْلٌ : وَكُلُّ زِنًا أَوْجَبَ الْحَدَّ ، لَا يُقْبَلُ فِيهِ إلَّا أَرْبَعَةُ شُهُودٍ ، بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ ؛ لِتَنَاوُلِ النَّصِّ لَهُ ، بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَاَلَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً } .\rوَيَدْخُلُ فِيهِ اللِّوَاطُ ، وَوَطْءُ الْمَرْأَةِ فِي دُبُرِهَا ؛ لِأَنَّهُ زِنًا .\rوَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ، يَثْبُتُ بِشَاهِدَيْنِ ، بِنَاءٍ عَلَى أَصْلِهِ فِي أَنَّهُ لَا يُوجِبُ الْحَدَّ .\rوَقَدْ بَيَّنَّا وُجُوبَ الْحَدِّ بِهِ ، وَيُخَصُّ هَذَا بِأَنَّ الْوَطْءَ فِي الدُّبُرِ فَاحِشَةٌ ، بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى : { أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ الْعَالَمِينَ } .\rوَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَاَللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ } .\rفَإِذَا وُطِئَتْ فِي الدُّبُرِ ، دَخَلَتْ فِي عُمُومِ الْآيَةِ .\rوَوَطْءُ الْبَهِيمَةِ إنْ قُلْنَا بِوُجُوبِ الْحَدِّ بِهِ ، لَمْ يَثْبُتْ إلَّا بِشُهُودٍ أَرْبَعَةٍ .\rوَإِنْ قُلْنَا لَا يُوجِبُ إلَّا التَّعْزِيرَ فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا : يَثْبُتُ بِشَاهِدَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُوجِبُ الْحَدَّ ، فَيَثْبُتُ بِشَاهِدَيْنِ ، كَسَائِرِ الْحُقُوقِ .\rوَالثَّانِي : لَا يَثْبُتُ إلَّا بِأَرْبَعَةٍ .\rوَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي ؛ لِأَنَّهُ فَاحِشَةٌ ؛ وَلِأَنَّهُ إيلَاجٌ فِي فَرْجٍ مُحَرَّمٍ ، فَأَشْبَهَ الزِّنَا .\rوَعَلَى قِيَاسِ هَذَا ، كُلُّ وَطْءٍ لَا يُوجِبُ الْحَدَّ وَيُوجِبُ التَّعْزِيرَ ، كَوَطْءِ الْأَمَةِ الْمُشْتَرَكَةِ ، وَأَمَتِهِ الْمُزَوَّجَةِ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَطْئًا كَالْمُبَاشَرَةِ دُونَ الْفَرْجِ وَنَحْوِهَا ، ثَبَتَ بِشَاهِدَيْنِ ، وَجْهًا وَاحِدًا ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِوَطْءٍ ، فَأَشْبَهَ سَائِرَ الْحُقُوقِ .","part":20,"page":119},{"id":9619,"text":"( 7200 ) فَصْلٌ : وَلَا يُقِيمُ الْإِمَامُ الْحَدَّ بِعِلْمِهِ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .\rوَبِهِ قَالَ مَالِكٌ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ ، وَقَالَ فِي الْآخَرِ : لَهُ إقَامَتُهُ بِعِلْمِهِ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ ؛ لِأَنَّهُ إذَا جَازَتْ لَهُ إقَامَتُهُ بِالْبَيِّنَةِ وَالِاعْتِرَافِ الَّذِي لَا يُفِيدُ إلَّا الظَّنَّ ، فَبِمَا يُفِيدُ الْعِلْمَ أَوْلَى ، وَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ } .\rوقَوْله تَعَالَى : { فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمْ الْكَاذِبُونَ } .\rوَقَالَ عُمَرُ : أَوْ كَانَ الْحَبَلُ أَوْ الِاعْتِرَافُ .\rوَلِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ ، وَلَوْ رَمَاهُ بِمَا عَلِمَهُ مِنْهُ لَكَانَ قَاذِفًا ، يَلْزَمُهُ حَدُّ الْقَذْفِ ، فَلَمْ تَجُزْ إقَامَةُ الْحَدِّ بِهِ ، كَقَوْلِ غَيْرِهِ ؛ وَلِأَنَّهُ إذَا حَرُمَ النُّطْقُ بِهِ ، فَالْعَمَلُ بِهِ أَوْلَى .\rفَأَمَّا السَّيِّدُ إذَا عَلِمَ مِنْ عَبْدِهِ أَوْ جَارِيَتِهِ مَا يُوجِبُ الْحَدَّ عَلَيْهِ ، فَهَلْ لَهُ إقَامَتُهُ عَلَيْهِ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا : لَا يَمْلِكُ إقَامَتَهُ عَلَيْهِ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا فِي الْإِمَامِ ؛ وَلِأَنَّ الْإِمَامَ إذَا لَمْ يَمْلِكْ إقَامَتَهُ بِعِلْمِهِ ، مَعَ قُوَّةِ وِلَايَتِهِ ، وَالِاتِّفَاقِ عَلَى تَفْوِيضِ الْحَدِّ إلَيْهِ ، فَغَيْرُهُ أَوْلَى .\rالثَّانِي : يَمْلِكُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ السَّيِّدَ يَمْلِكُ تَأْدِيبَ عَبْدِهِ بِعِلْمِهِ ، وَهَذَا يَجْرِي مَجْرَى التَّأْدِيبِ ؛ وَلِأَنَّ السَّيِّدَ أَخَصُّ بِعَبْدِهِ ، وَأَتَمُّ وِلَايَةً عَلَيْهِ ، وَأَشْفَقُ مِنْ الْإِمَامِ عَلَى سَائِرِ النَّاسِ .","part":20,"page":120},{"id":9620,"text":"( 7201 ) فَصْلٌ : وَإِذَا أُحْبِلَتْ امْرَأَةٌ لَا زَوْجَ لَهَا ، وَلَا سَيِّدَ ، لَمْ يَلْزَمْهَا الْحَدُّ بِذَلِكَ ، وَتُسْأَلُ فَإِنْ ادَّعَتْ أَنَّهَا أُكْرِهَتْ ، أَوْ وُطِئَتْ بِشُبْهَةٍ ، أَوْ لَمْ تَعْتَرِفْ بِالزِّنَا ، لَمْ تُحَدَّ .\rوَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : عَلَيْهَا الْحَدُّ إذَا كَانَتْ مُقِيمَةً غَيْرَ غَرِيبَةٍ ، إلَّا أَنْ تَظْهَرَ أَمَارَاتُ الْإِكْرَاهِ ، بِأَنْ تَأْتِيَ مُسْتَغِيثَةً أَوْ صَارِخَةً ؛ لِقَوْلِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : وَالرَّجْمُ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مَنْ زَنَى مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ إذَا كَانَ مُحْصَنًا ، إذَا قَامَتْ بَيِّنَةٌ ، أَوْ كَانَ الْحَبَلُ أَوْ الِاعْتِرَافُ .\rوَرُوِيَ أَنَّ عُثْمَانَ أُتِيَ بِامْرَأَةٍ وَلَدَتْ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ ، فَأَمَرَ بِهَا عُثْمَانُ أَنْ تُرْجَمَ ، فَقَالَ عَلِيٌّ : لَيْسَ لَك عَلَيْهَا سَبِيلٌ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا } .\rوَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَرْجُمُهَا بِحَمْلِهَا ، وَعَنْ عُمَرَ نَحْوٌ مِنْ هَذَا وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : يَا أَيُّهَا النَّاسُ إنَّ الزِّنَا زِنَاءَانِ ؛ زِنَا سِرٍّ وَزِنَا عَلَانِيَةٍ ، فَزِنَا السِّرِّ أَنْ يَشْهَدَ الشُّهُودُ ، فَيَكُونَ الشُّهُودُ أَوَّلَ مَنْ يَرْمِي ، وَزِنَا الْعَلَانِيَةِ أَنْ يَظْهَرَ الْحَبَلُ أَوْ الِاعْتِرَافُ ، فَيَكُونَ الْإِمَامُ أَوَّلَ مَنْ يَرْمِي ، وَهَذَا قَوْلُ سَادَةِ الصَّحَابَةِ وَلَمْ يَظْهَرْ لَهُمْ فِي عَصْرِهِمْ مُخَالِفٌ ، فَيَكُونُ إجْمَاعًا .\rوَلَنَا أَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ مِنْ وَطْءِ إكْرَاهٍ أَوْ شُبْهَةٍ ، وَالْحَدُّ يَسْقُطُ بِالشُّبُهَاتِ .\rوَقَدْ قِيلَ : إنَّ الْمَرْأَةَ تَحْمِلُ مِنْ غَيْرِ وَطْءٍ بِأَنْ يَدْخُلَ مَاءُ الرَّجُلِ فِي فَرْجِهَا ، إمَّا بِفِعْلِهَا أَوْ فِعْلِ غَيْرِهَا .\rوَلِهَذَا تُصُوِّرَ حَمْلُ الْبِكْرِ ، فَقَدْ وُجِدَ ذَلِكَ .\rوَأَمَّا قَوْلُ الصَّحَابَةِ : فَقَدْ اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْهُمْ ، فَرَوَى سَعِيدٌ ، حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ خَلِيفَةَ ، حَدَّثَنَا هَاشِمٌ ، أَنَّ امْرَأَةً رُفِعَتْ إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، لَيْسَ لَهَا زَوْجٌ ،","part":20,"page":121},{"id":9621,"text":"وَقَدْ حَمَلَتْ ، فَسَأَلَهَا عُمَرُ ، فَقَالَتْ : إنِّي امْرَأَةٌ ثَقِيلَةُ الرَّأْسِ ، وَقَعَ عَلَيَّ رَجُلٌ وَأَنَا نَائِمَةٌ ، فَمَا اسْتَيْقَظْت حَتَّى فَرَغَ .\rفَدَرَأَ عَنْهَا الْحَدَّ .\rوَرَوَى الْبَرَاءُ بْنُ صَبِرَةَ ، عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ أُتِيَ بِامْرَأَةٍ حَامِلٍ ، فَادَّعَتْ أَنَّهَا أُكْرِهَتْ ، فَقَالَ : خَلِّ سَبِيلَهَا .\rوَكَتَبَ إلَى أُمَرَاءِ الْأَجْنَادِ ، أَنْ لَا يُقْتَلَ أَحَدٌ إلَّا بِإِذْنِهِ .\rوَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّهُمَا قَالَا : إذَا كَانَ فِي الْحَدِّ لَعَلَّ وَعَسَى ، فَهُوَ مُعَطَّلٌ .\rوَرَوَى الدَّارَقُطْنِيّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ، وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ، وَعُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ، أَنَّهُمْ قَالُوا : إذَا اشْتَبَهَ عَلَيْك الْحَدُّ ، فَادْرَأْ مَا اسْتَطَعْت .\rوَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ الْحَدَّ يُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ ، وَهِيَ مُتَحَقِّقَةٌ هَاهُنَا .","part":20,"page":122},{"id":9622,"text":"( 7202 ) فَصْلٌ : وَإِذَا اسْتَأْجَرَ امْرَأَةً لِعَمَلِ شَيْءٍ ، فَزَنَى بِهَا ، أَوْ اسْتَأْجَرَهَا لِيَزْنِيَ بِهَا ، وَفَعَلَ ذَلِكَ ، أَوْ زَنَى بِامْرَأَةٍ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا أَوْ اشْتَرَاهَا ، فَعَلَيْهِمَا الْحَدُّ .\rوَبِهِ قَالَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا حَدَّ عَلَيْهِمَا فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ ؛ لِأَنَّ مِلْكَهُ لِمَنْفَعَتِهَا شُبْهَةٌ دَارِئَةٌ ، وَلَا يُحَدُّ بِوَطْءِ امْرَأَةٍ هُوَ مَالِكٌ لَهَا .\rوَلَنَا عُمُومُ الْآيَةِ ، وَالْأَخْبَارِ ، وَوُجُودُ الْمَعْنَى الْمُقْتَضِي لِوُجُوبِ الْحَدِّ .\rوَقَوْلُهُمْ : إنَّ مِلْكَهُ مَنْفَعَتَهَا شُبْهَةٌ .\rلَيْسَ بِصَحِيحٍ ، فَإِنَّهُ إذَا لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ الْحَدُّ بِبَذْلِهَا نَفْسَهَا لَهُ ، وَمُطَاوَعَتِهَا إيَّاهُ ، فَلَأَنْ لَا يَسْقُطَ بِمِلْكِهِ نَفْعُ مَحَلٍّ آخَرَ أَوْلَى ، وَمَا وَجَبَ الْحَدُّ عَلَيْهِ بِوَطْءِ مَمْلُوكَتِهِ ، وَإِنَّمَا وَجَبَ بِوَطْءِ أَجْنَبِيَّةٍ ، فَتَغَيُّرُ حَالِهَا لَا يُسْقِطُهُ ، كَمَا لَوْ مَاتَتْ .","part":20,"page":123},{"id":9623,"text":"( 7203 ) فَصْلٌ : وَإِذَا وَطِئَ امْرَأَةً لَهُ عَلَيْهَا الْقِصَاصُ ، وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَدُّ ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ لَهُ عَلَيْهَا ، فَلَا يَسْقُطُ الْحَدُّ عَنْهُ ، كَالدَّيْنِ .","part":20,"page":124},{"id":9624,"text":"مَسْأَلَةٌ : قَالَ ( وَلَوْ رُجِمَ بِإِقْرَارٍ ، فَرَجَعَ قَبْلَ أَنْ يُقْتَلَ ، كُفَّ عَنْهُ ، وَكَذَلِكَ إنْ رَجَعَ بَعْدَ أَنْ جُلِدَ ، وَقَبْلَ كَمَالِ الْحَدِّ خُلِّيَ ) قَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ، وَذَكَرْنَا أَنَّ الْمُقِرَّ بِالْحَدِّ مَتَى رَجَعَ عَنْ إقْرَارِهِ تُرِكَ ، وَكَذَلِكَ إنْ أَتَى بِمَا يَدُلُّ عَلَى الرُّجُوعِ ، مِثْلِ الْهَرَبِ ، لَمْ يُطْلَبْ ؛ { لِأَنَّ مَاعِزًا لَمَّا هَرَبَ ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هَلَّا تَرَكْتُمُوهُ ؟ } .\rوَلِأَنَّ مَنْ قُبِلَ رُجُوعُهُ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الْحَدِّ ، قُبِلَ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِيهِ ، كَالْبَيِّنَةِ .","part":20,"page":125},{"id":9625,"text":"( 7205 ) فَصْلٌ : وَيُسْتَحَبُّ لِلْإِمَامِ ، أَوْ الْحَاكِمِ ، الَّذِي يَثْبُتُ عِنْدَهُ الْحَدُّ بِالْإِقْرَارِ ، التَّعْرِيضُ لَهُ بِالرُّجُوعِ إذَا تَمَّ ، وَالْوُقُوفُ عَنْ إتْمَامِهِ إذَا لَمْ يُتِمَّ ، كَمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ أَعْرَضَ عَنْ مَاعِزٍ ، حِينَ أَقَرَّ عِنْدَهُ ، ثُمَّ جَاءَهُ مِنْ النَّاحِيَةِ الْأُخْرَى ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ ، حَتَّى تَمَّمَ إقْرَارَهُ أَرْبَعًا ، ثُمَّ قَالَ : { لَعَلَّك قَبَّلْت ، لَعَلَّك لَمَسْت } .\rوَرُوِيَ أَنَّهُ قَالَ لِلَّذِي أَقَرَّ بِالسَّرِقَةِ : { مَا إخَالُك فَعَلْت } .\rرَوَاهُ سَعِيدٌ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ خَصِيفَةَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَوْبَانَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rوَقَالَ : حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ ، عَنْ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي كَبْشَةَ ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ، أَنَّهُ أُتِيَ بِجَارِيَةٍ سَوْدَاءَ سَرَقَتْ ، فَقَالَ لَهَا : أَسَرَقْت ؟ قُولِي : لَا .\rفَقَالَتْ : لَا .\rفَخَلَّى سَبِيلَهَا .\rوَلَا بَأْسَ أَنْ يَعْرِضَ بَعْضُ الْحَاضِرِينَ لَهُ بِالرُّجُوعِ أَوْ بِأَنْ لَا يُقِرَّ .\rوَرَوَيْنَا عَنْ الْأَحْنَفِ أَنَّهُ كَانَ جَالِسًا عِنْدَ مُعَاوِيَةَ ، فَأُتِيَ بِسَارِقٍ ، فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَةُ : أَسَرَقْت ؟ فَقَالَ لَهُ بَعْضُ الشُّرْطَةِ : اُصْدُقْ الْأَمِيرَ .\rفَقَالَ الْأَحْنَفُ : الصِّدْقُ فِي كُلِّ الْمَوَاطِنِ مُعْجِزَةٌ .\rفَعَرَّضَ لَهُ بِتَرْكِ الْإِقْرَارِ وَرُوِيَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ أَنَّهُ قَالَ : لَا يُقْطَعُ ظَرِيفٌ .\rيَعْنِي بِهِ أَنَّهُ إذَا قَامَتْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ ، ادَّعَى شُبْهَةً تَدْفَعُ عَنْهُ الْقَطْعَ .\rفَلَا يُقْطَعُ .\rوَيُكْرَهُ لِمَنْ عَلِمَ ، أَنْ يَحُثَّهُ عَلَى الْإِقْرَارِ ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَنَّهُ قَالَ لِهَزَّالٍ ، وَقَدْ كَانَ قَالَ لِمَاعِزٍ : بَادِرْ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ فِيك قُرْآنٌ : أَلَّا سَتَرْتَهُ بِثَوْبِك كَانَ خَيْرًا لَك ، } رَوَاهُ سَعِيدٌ .\rوَرَوَى بِإِسْنَادِهِ أَيْضًا ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، قَالَ :","part":20,"page":126},{"id":9626,"text":"{ جَاءَ مَاعِزُ بْنُ مَالِكٍ إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، فَقَالَ لَهُ : إنَّهُ أَصَابَ فَاحِشَةً .\rفَقَالَ لَهُ : أَخْبَرْت بِهَذَا أَحَدًا قَبْلِي .\rقَالَ : لَا .\rقَالَ : فَاسْتَتِرْ بِسِتْرِ اللَّهِ ، وَتُبْ إلَى اللَّهِ ، فَإِنَّ النَّاسَ يُعَيِّرُونَ وَلَا يُغَيِّرُونَ ، وَاَللَّهُ يُغَيِّرُ وَلَا يُعَيِّرُ ، فَتُبْ إلَى اللَّهِ ، وَلَا تُخْبِرْ بِهِ أَحَدًا .\rفَانْطَلَقَ إلَى أَبِي بَكْرٍ ، فَقَالَ لَهُ مِثْلَ مَا قَالَ عُمَرُ ، فَلَمْ تُقِرَّهُ نَفْسُهُ ، حَتَّى أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ لَهُ ذَلِكَ .\r}","part":20,"page":127},{"id":9627,"text":"( 7206 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَمَنْ زَنَى مِرَارًا وَلَمْ يُحَدَّ ، فَحَدٌّ وَاحِدٌ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ مَا يُوجِبُ الْحَدَّ مِنْ الزِّنَا ، وَالسَّرِقَةِ ، وَالْقَذْفِ ، وَشُرْبِ الْخَمْرِ ، إذَا تَكَرَّرَ قَبْلَ إقَامَةِ الْحَدِّ ، أَجْزَأَ حَدٌّ وَاحِدٌ .\rبِغَيْرِ خِلَافٍ عَلِمْنَاهُ .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعَ عَلَى هَذَا كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ، مِنْهُمْ عَطَاءٌ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَبُو يُوسُفَ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rوَإِنْ أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ ، ثُمَّ حَدَثَتْ مِنْهُ جِنَايَةٌ أُخْرَى ، فَفِيهَا حَدُّهَا .\rلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا .\rوَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَمَّنْ يَحْفَظُ عَنْهُ .\rوَقَدْ { سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْأَمَةِ تَزْنِي قَبْلَ أَنْ تُحْصِنَ فَقَالَ : إنْ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا ، ثُمَّ إنْ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا ، ثُمَّ إنْ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا .\r} وَلِأَنَّ تَدَاخُلَ الْحُدُودِ ، إنَّمَا يَكُونُ مَعَ اجْتِمَاعِهَا ، وَهَذَا الْحَدُّ الثَّانِي وَجَبَ بَعْدَ سُقُوطِ الْأَوَّلِ بِاسْتِيفَائِهِ .\rوَإِنْ كَانَتْ الْحُدُودُ مِنْ أَجْنَاسٍ ، مِثْلِ الزِّنَا ، وَالسَّرِقَةِ ، وَشُرْبِ الْخَمْرِ ، أُقِيمَتْ كُلُّهَا ، إلَّا أَنْ يَكُونَ فِيهَا قَتْلٌ ، فَإِنْ كَانَ فِيهَا قَتْلٌ ، اُكْتُفِيَ بِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا حَاجَةَ مَعَهُ إلَى الزَّجْرِ بِغَيْرِهِ .\rوَقَدْ قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ : مَا كَانَتْ حُدُودٌ فِيهَا قَتْلٌ ، إلَّا أَحَاطَ الْقَتْلُ بِذَلِكَ كُلِّهِ .\rوَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا قَتْلٌ ، اُسْتُوْفِيَتْ كُلُّهَا ، وَبُدِئَ بِالْأَخَفِّ فَالْأَخَفِّ ، فَيُبْدَأُ بِالْجَلْدِ ، ثُمَّ بِالْقَطْعِ ، وَيُقَدَّمُ الْأَخَفُّ فِي الْجَلْدِ عَلَى الْأَثْقَلِ ، فَيُبْدَأُ فِي الْجَلْدِ بِحَدِّ الشُّرْبِ ، ثُمَّ بِحَدِّ الْقَذْفِ ، إنْ قُلْنَا : إنَّهُ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى ، ثُمَّ بِحَدِّ الزِّنَا وَإِنْ قُلْنَا : إنَّ حَدَّ الْقَذْفِ حَقٌّ لِآدَمِيٍّ قَدَّمْنَاهُ ، ثُمَّ بِحَدِّ الشُّرْبِ ، ثُمَّ بِحَدِّ الزِّنَا .","part":20,"page":128},{"id":9628,"text":"( 7207 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَإِذَا تَحَاكَمَ إلَيْنَا أَهْلُ الذِّمَّةِ ، حَكَمْنَا عَلَيْهِمْ بِحُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْنَا ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا تَحَاكَمَ إلَيْنَا أَهْلُ الذِّمَّةِ ، أَوْ اسْتَعْدَى بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ ، فَالْحَاكِمُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ إحْضَارِهِمْ وَالْحُكْمِ بَيْنَهُمْ ، وَبَيْنَ تَرْكِهِمْ ، سَوَاءٌ كَانُوا مِنْ أَهْلِ دِينٍ وَاحِدٍ ، أَوْ مِنْ أَهْلِ أَدْيَانٍ .\rهَذَا الْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ .\rوَهُوَ قَوْلُ النَّخَعِيِّ ، وَأَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ .\rوَحَكَى أَبُو الْخَطَّابِ ، عَنْ أَحْمَدَ ، رِوَايَةً أُخْرَى ، أَنَّهُ يَجِبُ الْحُكْمُ بَيْنَهُمْ .\rوَهَذَا الْقَوْلُ الثَّانِي لِلشَّافِعِيِّ ، وَاخْتِيَارُ الْمُزَنِيّ ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَأَنْ اُحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ } .\rوَلِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ دَفْعُ مَنْ قَصَدَ وَاحِدًا مِنْهُمَا بِغَيْرِ حَقٍّ ، فَلَزِمَهُ الْحُكْمُ بَيْنَهُمَا ، كَالْمُسْلِمِينَ .\rوَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ } .\rفَخَيَّرَهُ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ ، وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِيمَنْ وَادَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ يَهُودِ الْمَدِينَةِ ؛ وَلِأَنَّهُمَا كَافِرَانِ ، فَلَا يَجِبُ الْحُكْمُ بَيْنَهُمَا كَالْمُعَاهَدَيْنِ ، وَالْآيَةُ الَّتِي احْتَجُّوا بِهَا مَحْمُولَةٌ عَلَى مَنْ اخْتَارَ الْحُكْمَ بَيْنَهُمْ ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَإِنْ حَكَمْت فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ } .\rجَمْعًا بَيْنَ الْآيَتَيْنِ ، فَإِنَّهُ لَا يُصَارُ إلَى النَّسْخِ مَعَ إمْكَانِ الْجَمْعِ .\rفَإِذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّهُ إذَا حَكَمَ بَيْنَهُمْ ، لَمْ يَجُزْ لَهُ الْحُكْمُ إلَّا بِحُكْمِ الْإِسْلَامِ ؛ لِلْآيَتَيْنِ ؛ وَلِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ الْحُكْمُ ، إلَّا بِالْقِسْطِ ، كَمَا فِي حَقِّ الْمُسْلِمِينَ ، وَمَتَى حَكَمَ بَيْنَهُمَا ، أَلْزَمَهُمَا حُكْمُهُ ، وَمَنْ امْتَنَعَ مِنْهُمَا ، أَجْبَرَهُ عَلَى قَبُولِ حُكْمِهِ ، وَأَخْذِهِ بِهِ ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا دَخَلَ فِي الْعَهْدِ بِشَرْطِ الْتِزَامِ أَحْكَامِ الْإِسْلَامِ .\rقَالَ أَحْمَدُ : لَا","part":20,"page":129},{"id":9629,"text":"يُبْحَثُ عَنْ أَمْرِهِمْ ، وَلَا يُسْأَلُ عَنْ أَمْرِهِمْ ، إلَّا أَنْ يَأْتُوا هُمْ ، فَإِنْ ارْتَفَعُوا إلَيْنَا ، أَقَمْنَا عَلَيْهِمْ الْحَدَّ ، عَلَى مَا فَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rوَقَالَ أَيْضًا : حُكْمُنَا يَلْزَمُهُمْ ، وَحُكْمُنَا جَائِزٌ عَلَى جَمِيعِ الْمِلَلِ ، وَلَا يَدْعُوهُمَا الْحَاكِمُ ، فَإِنْ جَاءُوا ، حَكَمْنَا بِحُكْمِنَا .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّهُ إذَا رُفِعَ إلَى الْحَاكِمِ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ مَنْ فَعَلَ مُحَرَّمًا ، يُوجِبُ عُقُوبَةً ، مِمَّا هُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْهِمْ فِي دِينِهِمْ ، كَالزِّنَا ، وَالسَّرِقَةِ ، وَالْقَذْفِ ، وَالْقَتْلِ ، فَعَلَيْهِ إقَامَةُ حَدِّهِ عَلَيْهِ ؛ فَإِنْ كَانَ زَنَى جُلِدَ إنْ كَانَ بِكْرًا وَغُرِّبَ عَامًا ، وَإِنْ كَانَ مُحْصَنًا رُجِمَ .\rلِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُتِيَ بِيَهُودِيَّيْنِ ، فَجَرَا بَعْدَ إحْصَانِهِمَا ، فَأَمَرَ بِهِمَا فَرُجِمَا .\r} وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ، { أَنَّ الْيَهُودَ جَاءُوا إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا لَهُ : إنَّ رَجُلًا مِنْهُمْ وَامْرَأَةً زَنَيَا .\rفَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا تَجِدُونَ فِي التَّوْرَاةِ فِي شَأْنِ الرَّجْمِ ؟ .\rفَقَالُوا : نَفْضَحُهُمْ وَيُجْلَدُونَ .\rقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ : كَذَبْتُمْ إنَّ فِيهَا الرَّجْمَ .\rفَأَتَوْا بِالتَّوْرَاةِ فَنَشَرُوهَا ، فَوَضَعَ أَحَدُهُمْ يَدَهُ عَلَى آيَةِ الرَّجْمِ ، فَقَرَأَ مَا قَبْلَهَا وَمَا بَعْدَهَا ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ : ارْفَعْ يَدَك .\rفَرَفَعَ يَدَهُ ، فَإِذَا فِيهَا آيَةُ الرَّجْمِ ، فَقَالُوا : صَدَقَ يَا مُحَمَّدُ ، فِيهَا آيَةُ الرَّجْمِ .\rفَأَمَرَ بِهِمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرُجِمَا .\r} مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَرَوَى أَنَسٌ ، { أَنَّ يَهُودِيًّا قَتَلَ جَارِيَةً عَلَى أَوْضَاحٍ لَهَا بِحَجَرٍ ، فَقَتَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ حَجَرَيْنِ .\r} مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَإِنْ كَانَ يَعْتَقِدُ إبَاحَتَهُ ، كَشُرْبِ الْخَمْرِ ، لَمْ يُحَدَّ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَعْتَقِدُ تَحْرِيمَهُ ،","part":20,"page":130},{"id":9630,"text":"فَلَمْ يَلْزَمْهُ عُقُوبَتُهُ ، كَالْكُفْرِ .\rوَإِنْ تَظَاهَرَ بِهِ ، عُزِّرَ ؛ لِأَنَّهُ أَظْهَرَ مُنْكَرًا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ ، فَعُزِّرَ عَلَيْهِ ، كَالْمُسْلِمِ .","part":20,"page":131},{"id":9631,"text":"( 7208 ) فَصْلٌ : وَإِنْ تَحَاكَمَ مُسْلِمٌ وَذِمِّيٌّ ، وَجَبَ الْحُكْمُ بَيْنَهُمَا .\rبِغَيْرِ خِلَافٍ ؛ لِأَنَّهُ يَجِبُ دَفْعُ ظُلْمِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنْ صَاحِبِهِ .","part":20,"page":132},{"id":9632,"text":"( 7209 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَإِذَا قَذَفَ بَالِغٌ حُرًّا مُسْلِمًا ، أَوْ حُرَّةً مُسْلِمَةً ، جُلِدَ الْحَدَّ ثَمَانِينَ ) الْقَذْفُ : هُوَ الرَّمْيُ بِالزِّنَا .\rوَهُوَ مُحَرَّمٌ بِإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ ، وَالْأَصْلُ فِي تَحْرِيمِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ ؛ أَمَّا الْكِتَابُ : فَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { وَاَلَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ } .\rوَقَالَ سُبْحَانَهُ : { إنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ } .\rوَأَمَّا السُّنَّةُ : فَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ .\rقَالُوا : وَمَا هُنَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : الشِّرْكُ بِاَللَّهِ ، وَالسِّحْرُ ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ ، وَأَكْلُ الرِّبَا ، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ ، وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ الْغَافِلَاتِ .\r} مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَالْمُحْصَنَاتُ هَاهُنَا الْعَفَائِفُ .\rوَالْمُحْصَنَاتُ فِي الْقُرْآنِ جَاءَتْ بِأَرْبَعَةِ مَعَانٍ ؛ أَحَدُهَا هَذَا .\rوَالثَّانِي : بِمَعْنَى الْمُزَوَّجَاتِ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ النِّسَاءِ إلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ } .\rوقَوْله تَعَالَى : { مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ } .\rوَالثَّالِثُ : بِمَعْنَى الْحَرَائِرِ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ } .\rوَقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ : { وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ } .\rوَقَوْلِهِ : { فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنْ الْعَذَابِ } .\rوَالرَّابِعُ : بِمَعْنَى الْإِسْلَامِ ، كَقَوْلِهِ : { فَإِذَا أُحْصِنَّ } .\rقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ : إحْصَانُهَا إسْلَامُهَا .\rوَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى وُجُوبِ الْحَدِّ عَلَى مَنْ قَذَفَ الْمُحْصَنَ ، إذَا كَانَ مُكَلَّفًا .","part":20,"page":133},{"id":9633,"text":"وَشَرَائِطُ الْإِحْصَانِ الَّذِي يَجِبُ الْحَدُّ بِقَذْفِ صَاحِبِهِ ، خَمْسَةٌ : الْعَقْلُ ، وَالْحُرِّيَّةُ ، وَالْإِسْلَامُ ، وَالْعِفَّةُ عَنْ الزِّنَا ، وَأَنْ يَكُونَ كَبِيرًا يُجَامِعُ مِثْلُهُ .\rوَبِهِ يَقُولُ جَمَاعَةُ الْعُلَمَاءِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا ، سِوَى مَا رُوِيَ عَنْ دَاوُد ، أَنَّهُ أَوْجَبَ الْحَدَّ عَلَى قَاذِفِ الْعَبْدِ .\rوَعَنْ ابْنِ الْمُسَيِّبِ ، وَابْنِ أَبِي لَيْلَى ، قَالُوا : إذَا قَذَفَ ذِمِّيَّةً ، وَلَهَا وَلَدٌ مُسْلِمٌ ، يُحَدُّ .\rوَالْأَوَّلُ أَوْلَى ؛ لِأَنَّ مَنْ لَا يُحَدُّ قَاذِفُهُ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ ، لَا يُحَدُّ وَلَهُ وَلَدٌ ، كَالْمَجْنُونَةِ .\rوَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ ، فِي اشْتِرَاطِ الْبُلُوغِ ، فَرُوِيَ عَنْهُ ، أَنَّهُ شَرْطٌ .\rوَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ؛ لِأَنَّهُ أَحَدُ شَرْطَيْ التَّكْلِيفِ ، فَأَشْبَهَ الْعَقْلَ ؛ وَلِأَنَّ زِنَا الصَّبِيِّ لَا يُوجِبُ حَدًّا ، فَلَا يَجِبُ الْحَدُّ بِالْقَذْفِ بِهِ ، كَزِنَا الْمَجْنُونِ .\rوَالثَّانِيَةُ : لَا يُشْتَرَطُ ؛ لِأَنَّهُ حُرٌّ عَاقِلٌ عَفِيفٌ يَتَعَيَّرُ بِهَذَا الْقَوْلِ الْمُمْكِنِ صِدْقُهُ ، فَأَشْبَهَ الْكَبِيرَ .\rوَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ ، وَإِسْحَاقَ .\rفَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ ، لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ كَبِيرًا يُجَامِعُ مِثْلُهُ ، وَأَدْنَاهُ أَنْ يَكُونَ لِلْغُلَامِ عَشْرٌ ، وَلِلْجَارِيَةِ تِسْعٌ .\r( 7210 ) فَصْلٌ : وَيَجِبُ الْحَدُّ عَلَى قَاذِفِ الْخَصِيِّ ، وَالْمَجْبُوبِ ، وَالْمَرِيضِ الْمُدْنِفِ ، وَالرَّتْقَاءِ ، وَالْقَرْنَاءِ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ لَا حَدَّ عَلَى قَاذِفِ مَجْبُوبٍ .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : وَكَذَلِكَ الرَّتْقَاءُ .\rوَقَالَ الْحَسَنُ : لَا حَدَّ عَلَى قَاذِفِ الْخَصِيِّ ؛ لِأَنَّ الْعَارَ مُنْتَفٍ عَنْ الْمَقْذُوفِ بِدُونِ الْحَدِّ ، لِلْعِلْمِ بِكَذِبِ الْقَاذِفِ ، وَالْحَدُّ إنَّمَا يَجِبُ لِنَفْيِ الْعَارِ .\rوَلَنَا عُمُومُ قَوْله تَعَالَى : { وَاَلَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً } .\rوَالرَّتْقَاءُ دَاخِلَةٌ فِي عُمُومِ هَذَا ؛ وَلِأَنَّهُ","part":20,"page":134},{"id":9634,"text":"قَاذِفٌ لِمُحْصَنٍ ، فَيَلْزَمُهُ الْحَدُّ ، كَقَاذِفِ الْقَادِرِ عَلَى الْوَطْءِ ؛ وَلِأَنَّ إمْكَانَ الْوَطْءِ أَمْرٌ خَفِيٌّ ، لَا يَعْلَمُهُ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ ، فَلَا يَنْتَفِي الْعَارُ عِنْدَ مَنْ لَمْ يَعْلَمْهُ بِدُونِ الْحَدِّ ، فَيَجِبُ ، كَقَذْفِ الْمَرِيضِ .","part":20,"page":135},{"id":9635,"text":"( 7211 ) فَصْلٌ : وَيَجِبُ الْحَدُّ عَلَى الْقَاذِفِ فِي غَيْرِ دَارِ الْإِسْلَامِ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ : لَا حَدَّ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ فِي دَارٍ لَا حَدَّ عَلَى أَهْلِهَا .\rوَلَنَا عُمُومُ قَوْله تَعَالَى : { وَاَلَّذِينَ يَرْمُونَ } .\rالْآيَةَ .\rوَلِأَنَّهُ مُسْلِمٌ مُكَلَّفٌ ، قَذَفَ مُحْصَنًا ، فَأَشْبَهَ مَنْ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ .","part":20,"page":136},{"id":9636,"text":"( 7212 ) فَصْلٌ : وَقَدْرُ الْحَدِّ ثَمَانُونَ ، إذَا كَانَ الْقَاذِفُ حُرًّا ؛ لِلْآيَةِ وَالْإِجْمَاعِ ، رَجُلًا كَانَ أَوْ امْرَأَةً .\rوَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ بَالِغًا عَاقِلًا غَيْرَ مُكْرَهٍ ؛ لِأَنَّ هَذِهِ مُشْتَرَطَةٌ لِكُلِّ حَدٍّ .","part":20,"page":137},{"id":9637,"text":"( 7213 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( إذَا طَالَبَ الْمَقْذُوفُ ، وَلَمْ يَكُنْ لِلْقَاذِفِ بَيِّنَةٌ .\r) وَجُمْلَتُهُ أَنْ يُعْتَبَرَ لِإِقَامَةِ الْحَدِّ بَعْدَ تَمَامِ الْقَذْفِ بِشُرُوطِهِ شَرْطَانِ ؛ أَحَدُهُمَا : مُطَالَبَةُ الْمَقْذُوفِ ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ لَهُ ، فَلَا يُسْتَوْفَى قَبْلَ طَلَبِهِ ، كَسَائِرِ حُقُوقِهِ .\rالثَّانِي : أَنْ لَا يَأْتِيَ بِبَيِّنَةٍ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَاَلَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ } .\rفَيُشْتَرَطُ فِي جَلْدِهِمْ عَدَمُ الْبَيِّنَةِ ، وَكَذَلِكَ يُشْتَرَطُ عَدَمُ الْإِقْرَارِ مِنْ الْمَقْذُوفِ ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْبَيِّنَةِ .\rإنْ كَانَ الْقَاذِفُ زَوْجًا ، اُعْتُبِرَ شَرْطٌ ثَالِثٌ ، وَهُوَ امْتِنَاعُهُ مِنْ اللِّعَانِ .\rوَلَا نَعْلَمُ خِلَافًا فِي هَذَا كُلِّهِ .\rوَتُعْتَبَرُ اسْتِدَامَةُ الطَّلَبِ إلَى إقَامَةِ الْحَدِّ ، فَلَوْ طَلَبَ ثُمَّ عَفَا عَنْ الْحَدِّ ، سَقَطَ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ .\rوَقَالَ الْحَسَنُ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ : لَا يَسْقُطُ بِعَفْوِهِ ؛ لِأَنَّهُ حَدٌّ فَلَمْ يَسْقُطْ بِالْعَفْوِ ، كَسَائِرِ الْحُدُودِ .\rوَلَنَا أَنَّهُ حَقٌّ لَا يُسْتَوْفَى إلَّا بَعْدَ مُطَالَبَةِ الْآدَمِيِّ بِاسْتِيفَائِهِ ، فَسَقَطَ بِعَفْوِهِ ، كَالْقِصَاصِ ، وَفَارَقَ سَائِرَ الْحُدُودِ ، فَإِنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ فِي إقَامَتِهَا الطَّلَبُ بِاسْتِيفَائِهَا ، وَحَدُّ السَّرِقَةِ إنَّمَا تُعْتَبَرُ فِيهِ الْمُطَالَبَةُ بِالْمَسْرُوقِ ، لَا بِاسْتِيفَاءِ الْحَدِّ ؛ وَلِأَنَّهُمْ قَالُوا تَصِحُّ دَعْوَاهُ ، وَيَسْتَحْلِفُ فِيهِ ، وَيَحْكُمُ الْحَاكِمُ فِيهِ بِعِلْمِهِ ، وَلَا يُقْبَلُ رُجُوعُهُ عَنْهُ بَعْدَ الِاعْتِرَافِ .\rفَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ حَقٌّ لِآدَمِيٍّ .","part":20,"page":138},{"id":9638,"text":"( 7214 ) فَصْلٌ : وَإِذَا قُلْنَا بِوُجُوبِ الْحَدِّ بِقَذْفِ مَنْ لَمْ يَبْلُغْ ، لَمْ تَجُزْ إقَامَتُهُ حَتَّى يَبْلُغَ وَيُطَالِبَ بِهِ بَعْدَ بُلُوغِهِ ؛ لِأَنَّ مُطَالَبَتَهُ قَبْلَ الْبُلُوغِ لَا تُوجِبُ الْحَدَّ ؛ لِعَدَمِ اعْتِبَارِ كَلَامِهِ ، وَلَيْسَ لِوَلِيِّهِ الْمُطَالَبَةُ عَنْهُ ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ شُرِعَ لِلتَّشَفِّي ، فَلَمْ يَقُمْ غَيْرُهُ مَقَامَهُ فِي اسْتِيفَائِهِ ، كَالْقِصَاصِ ، فَإِذَا بَلَغَ وَطَالَبَ ، أُقِيمُ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ .\rوَلَوْ قَذَفَ غَائِبًا ، لَمْ يُقَمْ عَلَيْهِ الْحَدُّ حَتَّى يَقْدَمَ وَيُطَالِبَ ، إلَّا أَنْ يَثْبُتَ أَنَّهُ طَالَبَ فِي غَيْبَتِهِ .\rوَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا تَجُوزَ إقَامَتُهُ فِي غَيْبَتِهِ بِحَالٍ ؛ لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَعْفُوَ بَعْدَ الْمُطَالَبَةِ ، فَيَكُونَ ذَلِكَ شُبْهَةً فِي دَرْءِ الْحَدِّ ؛ لِكَوْنِهِ يَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ .\rوَلَوْ قَذَفَ عَاقِلًا ، فَجُنَّ بَعْدَ قَذْفِهِ وَقَبْلَ طَلَبِهِ ، لَمْ تَجُزْ إقَامَتُهُ حَتَّى يُفِيقَ وَيَطْلُبَ ، وَكَذَلِكَ إنْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ ، فَإِنْ كَانَ قَدْ طَالَبَ بِهِ قَبْلَ جُنُونِهِ وَإِغْمَائِهِ ، جَازَتْ إقَامَتُهُ ، كَمَا لَوْ وَكَّلَ فِي اسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ ، ثُمَّ جُنَّ أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ قَبْلَ اسْتِيفَائِهِ .","part":20,"page":139},{"id":9639,"text":"( 7215 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَإِنْ كَانَ الْقَاذِفُ عَبْدًا أَوْ أَمَةً ، جُلِدَ أَرْبَعِينَ ، بِأَدْوَنَ مِنْ السَّوْطِ الَّذِي يُجْلَدُ بِهِ الْحُرُّ ) أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى وُجُوبِ الْحَدِّ عَلَى الْعَبْدِ إذَا قَذَفَ الْحُرَّ الْمُحْصَنَ ؛ لِأَنَّهُ دَاخِلٌ فِي عُمُومِ الْآيَةِ ، وَحَدُّهُ أَرْبَعُونَ ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rرُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ ؛ أَنَّهُ قَالَ : أَدْرَكْت أَبَا بَكْرٍ ، وَعُمَرَ ، وَعُثْمَانَ ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ الْخُلَفَاءِ ، فَلَمْ أَرَهُمْ يَضْرِبُونَ الْمَمْلُوكَ إذَا قَذَفَ إلَّا أَرْبَعِينَ .\rوَرَوَى خِلَاسٌ ، أَنَّ عَلِيًّا قَالَ فِي عَبْدٍ قَذَفَ حُرًّا : نِصْفُ الْجَلْدِ .\rوَجَلَدَ أَبُو بَكْرِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ عَبْدًا قَذَفَ حُرًّا ثَمَانِينَ .\rوَبِهِ قَالَ قَبِيصَةُ ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ .\rوَلَعَلَّهمْ ذَهَبُوا إلَى عُمُومِ الْآيَةِ .\rوَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ ؛ لِلْإِجْمَاعِ الْمَنْقُولِ عَنْ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ؛ وَلِأَنَّهُ حَدٌّ يَتَبَعَّضُ ، فَكَانَ الْعَبْدُ فِيهِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ الْحُرِّ ، كَحَدِّ الزِّنَا ، وَهُوَ يَخُصُّ عُمُومَ الْآيَةِ ، وَقَدْ عِيبَ عَلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ جَلْدُهُ الْعَبْدَ ثَمَانِينَ ، وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ : مَا رَأَيْنَا أَحَدًا قَبْلَهُ جَلَدَ الْعَبْدَ ثَمَانِينَ .\rوَقَالَ سَعِيدٌ : حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : حَضَرْت عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، جَلَدَ عَبْدًا ثَمَانِينَ ، فَأَنْكَرَ ذَلِكَ مَنْ حَضَرَهُ مِنْ النَّاسِ ، وَغَيْرُهُمْ مِنْ الْفُقَهَاءِ ، فَقَالَ لِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ : إنِّي رَأَيْت وَاَللَّهِ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ، مَا رَأَيْت أَحَدًا جَلَدَ عَبْدًا فِي فِرْيَةٍ فَوْقَ أَرْبَعِينَ .\rإذَا ثَبَتَ أَنَّهُ أَرْبَعُونَ ، فَإِنَّهُ يَكُونُ بِأَدْوَنَ مِنْ السَّوْطِ الَّذِي يُجْلَدُ بِهِ الْحُرُّ ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا خُفِّفَ فِي قَدْرِهِ ، خُفِّفَ فِي سَوْطِهِ ، كَمَا أَنَّ الْحُدُودَ فِي أَنْفُسِهَا كَمَا قَلَّ مِنْهَا ، كَانَ","part":20,"page":140},{"id":9640,"text":"سَوْطُهُ أَخَفَّ ، فَالْجَلْدُ فِي الشُّرْبِ أَخَفُّ مِنْهُ فِي الْقَذْفِ ، وَفِي الْقَذْفِ أَخَفُّ مِنْهُ فِي الزِّنَا .\rوَيُحْتَمَلُ أَنْ يُسَاوِيَ الْعَبْدُ الْحُرَّ فِي السَّوْطِ ؛ لِأَنَّهُ عَلَى النِّصْفِ ، وَلَا يَتَحَقَّقُ التَّنْصِيفُ إلَّا مَعَ الْمُسَاوَاةِ فِي السَّوْطِ .","part":20,"page":141},{"id":9641,"text":"( 7216 ) فَصْلٌ : وَإِذَا قَذَفَ وَلَدَهُ ، وَإِنْ نَزَلَ ، لَمْ يَجِبْ الْحَدُّ عَلَيْهِ ، سَوَاءٌ كَانَ الْقَاذِفُ رَجُلًا أَوْ امْرَأَةً .\rوَبِهَذَا قَالَ عَطَاءٌ ، وَالْحَسَنُ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَمَالِكٌ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ : عَلَيْهِ الْحَدُّ ؛ لِعُمُومِ الْآيَةِ ؛ وَلِأَنَّهُ حَدٌّ ، فَلَا تَمْنَعُ مِنْ وُجُوبِهِ قَرَابَةُ الْوِلَادَةِ ، كَالزِّنَا .\rوَلَنَا أَنَّهُ عُقُوبَةٌ تَجِبُ حَقًّا لِآدَمِيٍّ ، فَلَا يَجِبُ لِلْوَلَدِ عَلَى الْوَالِدِ ، كَالْقِصَاصِ ، أَوْ نَقُولُ : إنَّهُ حَقٌّ لَا يُسْتَوْفَى إلَّا بِالْمُطَالَبَةِ بِاسْتِيفَائِهِ ، فَأَشْبَهَ الْقِصَاصَ .\rوَلِأَنَّ الْحَدَّ يُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ ، فَلَا يَجِبُ لِلِابْنِ عَلَى أَبِيهِ كَالْقِصَاصِ ؛ وَلِأَنَّ الْأُبُوَّةَ مَعْنًى يُسْقِطُ الْقِصَاصَ ، فَمَنَعَتْ الْحَدَّ ، كَالرِّقِّ وَالْكُفْرِ ، وَهَذَا يَخُصُّ عُمُومَ الْآيَةِ .\rوَمَا ذَكَرُوهُ يُنْتَقَضُ بِالسَّرِقَةِ ، فَإِنَّ الْأَبَ لَا يُقْطَعُ بِسَرِقَةِ مَالِ ابْنِهِ ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْقَذْفِ وَالزِّنَا : أَنَّ حَدَّ الزِّنَا خَالِصٌ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى ، لَا حَقَّ لِلْآدَمِيِّ فِيهِ ، وَحَدَّ الْقَذْفِ حَقٌّ لِآدَمِيٍّ ، فَلَا يَثْبُتُ لِلِابْنِ عَلَى أَبِيهِ ، كَالْقِصَاصِ ، وَعَلَى أَنَّهُ لَوْ زَنَى بِجَارِيَةِ ابْنِهِ ، لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ حَدٌّ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّهُ لَوْ قَذَفَ أُمَّ ابْنِهِ ، وَهِيَ أَجْنَبِيَّةٌ مِنْهُ ، فَمَاتَتْ قَبْلَ اسْتِيفَائِهِ ، لَمْ يَكُنْ لِابْنِهِ الْمُطَالَبَةُ بِالْحَدِّ ؛ لِأَنَّ مَا مَنَعَ ثُبُوتَهُ ابْتِدَاءً ، أَسْقَطَهُ طَارِئًا كَالْقِصَاصِ .\rوَإِنْ كَانَ لَهَا ابْنٌ آخَرُ مِنْ غَيْرِهِ ، كَانَ لَهُ اسْتِيفَاؤُهُ إذَا مَاتَتْ بَعْدَ الْمُطَالَبَةِ بِهِ ؛ لِأَنَّ الْحَدَّ يَمْلِكُ بَعْضُ الْوَرَثَةِ اسْتِيفَاءَهُ كُلَّهُ ، بِخِلَافِ الْقِصَاصِ ، وَأَمَّا قَذْفُ سَائِرِ الْأَقَارِبِ ، فَيُوجِبُ الْحَدَّ عَلَى الْقَاذِفِ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا .","part":20,"page":142},{"id":9642,"text":"( 7217 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَإِذَا قَالَ لَهُ : يَا لُوطِيُّ .\rسُئِلَ عَمَّا أَرَادَ ، فَإِنْ قَالَ : أَرَدْت أَنَّك مِنْ قَوْمِ لُوطٍ .\rفَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ ، وَإِنْ قَالَ أَرَدْت أَنَّك تَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ ، فَهُوَ كَمَنْ قَذَفَ بِالزِّنَا ) فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَصْلَانِ ( 7218 ) الْفَصْلُ الْأَوَّلُ : أَنَّ مَنْ قَذَفَ رَجُلًا بِعَمَلِ قَوْمِ لُوطٍ ، إمَّا فَاعِلًا وَإِمَّا مَفْعُولًا ، فَعَلَيْهِ حَدُّ الْقَذْفِ .\rوَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَأَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ ، وَأَبُو ثَوْرٍ .\rوَقَالَ عَطَاءٌ ، وَقَتَادَةُ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ : لَا حَدَّ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ قَذَفَ بِمَا لَا يُوجِبُ الْحَدَّ عِنْدَهُ ، وَعِنْدَنَا هُوَ مُوجِبٌ لِلْحَدِّ ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِيمَا مَضَى .\rوَكَذَلِكَ لَوْ قَذَفَ امْرَأَةً أَنَّهَا وُطِئَتْ فِي دُبُرِهَا ، أَوْ قَذَفَ رَجُلًا بِوَطْءِ امْرَأَةٍ فِي دُبُرِهَا ، فَعَلَيْهِ الْحَدُّ عِنْدَنَا ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ، لَا حَدَّ عَلَيْهِ .\rوَمَبْنَى الْخِلَافِ هَاهُنَا عَلَى الْخِلَافِ فِي وُجُوبِ حَدِّ الزِّنَا عَلَى فَاعِلِ ذَلِكَ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِيهِ ، فَأَمَّا إنْ قَذَفَهُ بِإِتْيَانِ بَهِيمَةٍ ، انْبَنَى ذَلِكَ عَلَى وُجُوبِ الْحَدِّ عَلَى فَاعِلِهِ ، فَمَنْ أَوْجَبَ الْحَدَّ عَلَى فَاعِلِهِ ، أَوْجَبَ حَدَّ الْقَذْفِ عَلَى الْقَاذِفِ بِهِ ، وَمَنْ لَا فَلَا .\rوَكُلُّ مَا لَا يَجِبُ الْحَدُّ بِفِعْلِهِ ، لَا يَجِبُ الْحَدُّ عَلَى الْقَاذِفِ بِهِ ، كَمَا لَوْ قَذَفَ إنْسَانًا بِالْمُبَاشَرَةِ دُونَ الْفَرْجِ ، أَوْ بِالْوَطْءِ بِالشُّبْهَةِ ، أَوْ قَذَفَ امْرَأَةً بِالْمُسَاحَقَةِ ، أَوْ بِالْوَطْءِ مُسْتَكْرَهَةً ، لَمْ يَجِبْ الْحَدُّ عَلَى الْقَاذِفِ ؛ وَلِأَنَّهُ رَمَاهُ بِمَا لَا يُوجِبُ الْحَدَّ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَذَفَهُ بِاللَّمْسِ وَالنَّظَرِ .\rوَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ : يَا كَافِرُ ، يَا فَاسِقُ ، يَا سَارِقُ ، يَا مُنَافِقُ ، يَا فَاجِرُ ، يَا خَبِيثُ ، يَا أَعْوَرُ ، يَا أَقْطَعُ ، يَا أَعْمَى ابْنَ الزَّمَنِ الْأَعْمَى الْأَعْرَجِ .\rفَلَا حَدَّ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ ؛ لِأَنَّهُ قَذْفٌ بِمَا لَا يُوجِبُ الْحَدَّ","part":20,"page":143},{"id":9643,"text":"، فَلَمْ يُوجِبْ الْحَدَّ ، كَمَا لَوْ قَالَ يَا كَاذِبُ .\rيَا نَمَّامُ .\rوَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rوَلَكِنَّهُ يُعَزَّرُ ؛ لِسَبِّ النَّاسِ وَأَذَاهُمْ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَذَفَ مَنْ لَا يُوجِبُ قَذْفُهُ الْحَدَّ .","part":20,"page":144},{"id":9644,"text":"( 7219 ) الْفَصْلُ الثَّانِي : أَنَّهُ إذَا قَالَ : أَرَدْت أَنَّك مِنْ قَوْمِ لُوطٍ .\rفَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ ؛ فَرَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَدُّ ، بِقَوْلِهِ : يَا لُوطِيُّ .\rوَلَا يُسْمَعُ تَفْسِيرُهُ بِمَا يُحِيلُ الْقَذْفَ .\rوَهَذَا اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ ، وَنَحْوُهُ قَالَ الزُّهْرِيُّ ، وَمَالِكٌ .\rوَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ : أَنَّهُ لَا حَدَّ عَلَيْهِ .\rنَقَلَهَا الْمَرُّوذِيُّ .\rوَنَحْوُ هَذَا قَالَ الْحَسَنُ ، وَالنَّخَعِيُّ .\rقَالَ الْحَسَنُ : إذَا قَالَ : نَوَيْت أَنَّ دِينَهُ دِينُ لُوطٍ فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ .\rوَإِنْ : قَالَ أَرَدْت أَنَّك تَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ .\rفَعَلَيْهِ الْحَدُّ .\rوَوَجْهُ ذَلِكَ ، أَنَّهُ فَسَّرَ كَلَامَهُ بِمَا لَا يُوجِبُ الْحَدَّ ، فَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ حَدٌّ ، كَمَا لَوْ فَسَّرَهُ بِهِ مُتَّصِلًا بِكَلَامِهِ .\rوَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ ، رِوَايَةٌ ثَالِثَةٌ : أَنَّهُ إذَا كَانَ فِي غَضَبٍ ، قَالَ : إنَّهُ لَأَهْلٌ أَنْ يُقَامَ عَلَيْهِ الْحَدُّ ؛ لِأَنَّ قَرِينَةَ الْغَضَبِ تَدُلُّ عَلَى إرَادَةِ الْقَذْفِ .\rبِخِلَافِ حَالِ الرِّضَا .\rوَالصَّحِيحُ فِي الْمَذْهَبِ الرِّوَايَةُ الْأُولَى ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْكَلِمَةَ لَا يُفْهَمُ مِنْهَا إلَّا الْقَذْفُ بِعَمَلِ قَوْمِ لُوطٍ ، فَكَانَتْ صَرِيحَةً فِيهِ ، كَقَوْلِهِ : يَا زَانِي .\rوَلِأَنَّ قَوْمَ لُوطٍ لَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ أَحَدٌ ، فَلَا يُحْتَمَلُ أَنْ يُنْسَبَ إلَيْهِمْ .\r( 7220 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَالَ : أَرَدْت أَنَّك عَلَى دِينِ لُوطٍ ، أَوْ أَنَّك تُحِبُّ الصِّبْيَانَ ، أَوْ تُقَبِّلَهُمْ ، أَوْ تَنْظُرُ إلَيْهِمْ ، أَوْ أَنَّك تَتَخَلَّقُ بِأَخْلَاقِ قَوْمِ لُوطٍ فِي أَنْدِيَتِهِمْ ، غَيْرَ إتْيَانِ الْفَاحِشَةِ ، أَوْ أَنَّك تَنْهَى عَنْ الْفَاحِشَةِ كَنَهْيِ لُوطٍ عَنْهَا ، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ ، خُرِّجَ فِي هَذَا كُلِّهِ وَجْهَانِ ؛ بِنَاءً عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ الْمَنْصُوصَتَيْنِ فِي الْمَسْأَلَةِ ؛ لِأَنَّ هَذَا فِي مَعْنَاهُ .","part":20,"page":145},{"id":9645,"text":"( 7221 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَكَذَلِكَ مَنْ قَالَ : يَا مَعْفُوجُ ) الْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ ، فِيمَنْ قَالَ : يَا مَعْفُوجُ .\rأَنَّ عَلَيْهِ الْحَدَّ .\rوَكَلَامُ الْخِرَقِيِّ يَقْتَضِي أَنَّهُ يُرْجَعُ إلَى تَفْسِيرِهِ ، فَإِنْ فَسَّرَهُ بِغَيْرِ الْفَاحِشَةِ ، مِثْلِ أَنْ قَالَ : أَرَدْت يَا مَفْلُوجُ أَوْ يَا مُصَابًا دُونَ الْفَرْجِ .\rوَنَحْوَ هَذَا ، فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ فَسَّرَهُ بِمَا لَا حَدَّ فِيهِ .\rوَإِنْ فَسَّرَهُ بِعَمَلِ قَوْمِ لُوطٍ ، فَعَلَيْهِ الْحَدُّ ، كَمَا لَوْ صَرَّحَ بِهِ ، وَوَجْهُ الْقَوْلَيْنِ مَا تَقَدَّمَ فِي الَّتِي قَبْلَهَا .","part":20,"page":146},{"id":9646,"text":"( 7222 ) فَصْلٌ : وَكَلَامُ الْخِرَقِيِّ يَقْتَضِي أَنْ لَا يَجِبَ الْحَدُّ عَلَى الْقَاذِفِ إلَّا بِلَفْظٍ صَرِيحٍ لَا يَحْتَمِلُ غَيْرَ الْقَذْفِ ، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ : يَا زَانِي .\rأَوْ يَنْطِقَ بِاللَّفْظِ الْحَقِيقِيِّ فِي الْجِمَاعِ ، فَأَمَّا مَا عَدَاهُ مِنْ الْأَلْفَاظِ ، فَيُرْجَعُ فِيهِ إلَى تَفْسِيرِهِ ، لِمَا ذَكَرْنَا فِي هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ ، فَلَوْ قَالَ لِرَجُلٍ : يَا مُخَنَّثُ .\rأَوْ لِامْرَأَةٍ : يَا قَحْبَةُ .\rوَفَسَّرَهُ بِمَا لَيْسَ بِقَذْفٍ ، مِثْلِ أَنْ يُرِيدَ بِالْمُخَنَّثِ أَنَّ فِيهِ طِبَاعَ التَّأْنِيثِ وَالتَّشَبُّهَ بِالنِّسَاءِ ، وَبِالْقَحْبَةِ أَنَّهَا تَسْتَعِدُّ لِذَلِكَ ، فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ .\rوَكَذَلِكَ إذَا قَالَ : يَا فَاجِرَةُ ، يَا خَبِيثَةُ .\rوَحَكَى أَبُو الْخَطَّابِ فِي هَذَا رِوَايَةً أُخْرَى ، أَنَّهُ قَذْفٌ صَرِيحٌ ، وَيَجِبُ بِهِ الْحَدُّ .\rوَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ .\rقَالَ أَحْمَدُ ، فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ : لَا أَرَى الْحَدَّ إلَّا عَلَى مَنْ صَرَّحَ بِالْقَذْفِ وَالشَّتِيمَةِ .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : الْحَدُّ عَلَى مَنْ نَصَبَ الْحَدَّ نَصْبًا .\rوَلِأَنَّهُ قَوْلٌ غَيْرُ الزِّنَا ، فَلَمْ يَكُنْ صَرِيحًا فِي الْقَذْفِ ، كَقَوْلِهِ : يَا فَاسِقُ .\rوَإِنْ فَسَّرَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ بِالزِّنَا ، فَلَا شَكَّ فِي كَوْنِهِ قَذْفًا .","part":20,"page":147},{"id":9647,"text":"( 7223 ) فَصْلٌ : وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ ، فِي التَّعْرِيضِ بِالْقَذْفِ ، مِثْلُ أَنْ يَقُولَ لِمَنْ يُخَاصِمُهُ : مَا أَنْتَ بِزَانٍ ، مَا يَعْرِفُك النَّاسُ بِالزِّنَا ، يَا حَلَالُ ابْنَ الْحَلَالِ .\rأَوْ يَقُولَ : مَا أَنَا بِزَانٍ ، لَا أُمِّي بِزَانِيَةٍ .\rفَرَوَى عَنْهُ حَنْبَلٌ : لَا حَدَّ عَلَيْهِ ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ ، وَاخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ .\rوَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ ، وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ ، وَقَتَادَةُ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ ؛ لِمَا رُوِيَ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إنَّ امْرَأَتِي وَلَدَتْ غُلَامًا أَسْوَدَ يُعَرِّضُ بِنَفْيِهِ ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ بِذَلِكَ حَدٌّ وَلَا غَيْرُهُ .\rوَقَدْ فَرَّقَ اللَّهُ تَعَالَى بَيْنَ التَّعْرِيضِ بِالْخِطْبَةِ وَالتَّصْرِيحِ بِهَا ، فَأَبَاحَ التَّعْرِيضَ فِي الْعِدَّةِ ، وَحَرَّمَ التَّصْرِيحَ ، فَكَذَلِكَ فِي الْقَذْفِ ؛ وَلِأَنَّ كُلَّ كَلَامٍ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ لَمْ يَكُنْ قَذْفًا ، كَقَوْلِهِ : يَا فَاسِقُ .\rوَرَوَى الْأَثْرَمُ وَغَيْرُهُ عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّ عَلَيْهِ الْحَدَّ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .\rوَبِهِ قَالَ إِسْحَاقُ ؛ لِأَنَّ عُمَرَ حِينَ شَاوَرَهُمْ فِي الَّذِي قَالَ لِصَاحِبِهِ : مَا أَنَا بِزَانٍ ، وَلَا أُمِّي بِزَانِيَةٍ .\rفَقَالُوا : قَدْ مَدَحَ أَبَاهُ وَأُمَّهُ .\rفَقَالَ عُمَرُ : قَدْ عَرَّضَ بِصَاحِبِهِ .\rفَجَلَدَهُ الْحَدَّ .\rوَقَالَ مَعْمَرٌ : إنَّ عُمَرَ كَانَ يَجْلِدُ الْحَدَّ فِي التَّعْرِيضِ .\rوَرَوَى الْأَثْرَمُ ، أَنَّ عُثْمَانَ جَلَدَ رَجُلًا قَالَ لِآخَرَ : يَا ابْنَ شَامَّةِ الْوَذْرِ .\rيُعَرِّضُ لَهُ بِزِنَا أُمِّهِ .\rوَالْوَذْرُ : قِدْرُ اللَّحْمِ .\rيُعَرِّضُ لَهُ بِكَمَرِ الرِّجَالِ وَلِأَنَّ الْكِنَايَةَ مَعَ الْقَرِينَةِ الصَّارِفَةِ إلَى أَحَدِ مُحْتَمَلَاتِهَا ، كَالصَّرِيحِ الَّذِي لَا يَحْتَمِلُ إلَّا ذَلِكَ الْمَعْنَى ، وَلِذَلِكَ وَقَعَ الطَّلَاقُ بِالْكِنَايَةِ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ فِي حَالِ الْخُصُومَةِ ، وَلَا وُجِدَتْ قَرِينَةٌ تَصْرِفُ إلَى الْقَذْفِ ، فَلَا شَكَّ فِي أَنَّهُ","part":20,"page":148},{"id":9648,"text":"لَا يَجُوزُ قَذْفًا .\rوَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ مِنْ صُوَرِ التَّعْرِيضِ ، أَنْ يَقُولَ لِزَوْجَةِ آخَرَ : قَدْ فَضَحْته ، وَغَطَّيْت رَأْسَهُ ، وَجَعَلْت لَهُ قُرُونًا ، وَعَلَّقْت عَلَيْهِ أَوْلَادًا مِنْ غَيْرِهِ ، وَأَفْسَدْت فِرَاشَهُ ، وَنَكَّسْت رَأْسَهُ .\rوَذَكَرَ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ رِوَايَتَيْنِ .\rوَذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ ، أَنَّ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ رَجَعَ عَنْ الْقَوْلِ بِوُجُوبِ الْحَدِّ فِي التَّعْرِيضِ .","part":20,"page":149},{"id":9649,"text":"( 7224 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَالَ لِرَجُلٍ يَا دَيُّوثُ ، يَا كَشْخَانُ .\rفَقَالَ أَحْمَدُ : يُعَزَّرُ .\rقَالَ إبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ : الدَّيُّوثُ الَّذِي يُدْخِلُ الرِّجَالَ عَلَى امْرَأَتِهِ .\rوَقَالَ ثَعْلَبُ : الْقَرْطَبَانُ الَّذِي يَرْضَى أَنْ يَدْخُلَ الرِّجَالُ عَلَى امْرَأَتِهِ .\rوَقَالَ : الْقَرْنَانُ وَالْكَشْحَانُ ، لَمْ أَرَهُمَا فِي كَلَامِ الْعَرَبِ ، وَمَعْنَاهُمَا عِنْدَ الْعَامَّةِ مِثْلُ مَعْنَى الدَّيُّوثِ أَوْ قَرِيبًا مِنْهُ .\rفَعَلَى الْقَاذِفِ بِهِ التَّعْزِيرُ ، عَلَى قِيَاسِ قَوْلِهِ فِي الدَّيُّوثِ ؛ لِأَنَّهُ قَذَفَهُ بِمَا لَا حَدَّ فِيهِ .\rوَقَالَ خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ عَنْ أَبِيهِ ، فِي الرَّجُلِ يَقُولُ لِلرَّجُلِ : يَا قَرْنَانُ : إذَا كَانَ لَهُ أَخَوَاتٌ أَوْ بَنَاتٌ فِي الْإِسْلَامِ ، ضُرِبَ الْحَدَّ .\rيَعْنِي أَنَّهُ قَاذِفٌ لَهُنَّ .\rوَقَالَ خَالِدٌ ، عَنْ أَبِيهِ الْقَرْنَانُ عِنْدَ الْعَامَّةِ : مَنْ لَهُ بَنَاتٌ .\rوَالْكَشْحَانُ : مَنْ لَهُ أَخَوَاتٌ .\rيَعْنِي - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - إذَا كَانَ يُدْخِلُ الرِّجَالَ عَلَيْهِنَّ .\rوَالْقَوَّادُ عِنْدَ الْعَامَّةِ : السِّمْسَارُ فِي الزِّنَا .\rوَالْقَذْفُ بِذَلِكَ كُلِّهِ يُوجِبُ التَّعْزِيرَ ؛ لِأَنَّهُ قَذْفٌ بِمَا لَا يُوجِبُ الْحَدَّ .","part":20,"page":150},{"id":9650,"text":"( 7225 ) فَصْلٌ : وَإِذَا نَفَى رَجُلًا عَنْ أَبِيهِ ، فَعَلَيْهِ الْحَدُّ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .\rوَكَذَلِكَ إذَا نَفَاهُ عَنْ قَبِيلَتِهِ .\rوَبِهَذَا قَالَ إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ .\rوَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَحَمَّادٌ ، إذَا نَفَاهُ عَنْ أَبِيهِ وَكَانَتْ أُمُّهُ مُسْلِمَةً ، وَإِنْ كَانَتْ ذِمِّيَّةً أَوْ رَقِيقَةً ، فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ الْقَذْفَ لَهَا .\rوَوَجْهُ الْأَوَّلِ مَا رَوَى الْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ { لَا أُوتَى بِرَجُلٍ يَقُولُ : إنَّ كِنَانَةَ لَيْسَتْ مِنْ قُرَيْشٍ .\rإلَّا جَلَدْتُهُ } وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ، أَنَّهُ قَالَ لَا جَلْدَ إلَّا فِي اثْنَيْنِ ؛ رَجُلٍ قَذَفَ مُحْصَنَةً أَوْ نَفَى رَجُلًا عَنْ أَبِيهِ .\rوَهَذَا لَا يَقُولُهُ إلَّا تَوْقِيفًا .\rفَأَمَّا إنْ نَفَاهُ عَنْ أُمِّهِ ، فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْذِفْ أَحَدًا بِالزِّنَا .\rوَكَذَلِكَ إنْ قَالَ : إنْ لَمْ تَفْعَلْ كَذَا ، فَلَسْت بِابْنِ فُلَانٍ .\rفَلَا حَدَّ فِيهِ ؛ لِأَنَّ الْقَذْفَ لَا يَتَعَلَّقُ بِالشَّرْطِ ، وَالْقِيَاسُ يَقْتَضِي أَنْ لَا يَجِبَ الْحَدُّ بِنَفْيِ الرَّجُلِ عَنْ قَبِيلَتِهِ ؛ وَلِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَتَعَيَّنُ فِيهِ الرَّمْيُ بِالزِّنَا ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَالَ لِلْأَعْجَمِيِّ : إنَّك عَرَبِيُّ .\rوَلَوْ قَالَ لِلْعَرَبِيِّ : أَنْتَ نَبَطِيٌّ .\rأَوْ فَارِسِيٌّ .\rفَلَا حَدَّ فِيهِ ، وَعَلَيْهِ التَّعْزِيرُ .\rنَصَّ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنَّك نَبَطِيُّ اللِّسَانِ أَوْ الطَّبْعِ .\rوَحُكِيَ عَنْ أَحْمَدَ ، رِوَايَةٌ أُخْرَى ، أَنَّ عَلَيْهِ الْحَدَّ ، كَمَا لَوْ نَفَاهُ عَنْ أَبِيهِ .\rوَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ غَيْرَ الْقَذْفِ احْتِمَالًا كَثِيرًا ، فَلَا يَتَعَيَّنُ صَرْفُهُ إلَيْهِ .\rوَمَتَى فَسَّرَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ بِالْقَذْفِ ، فَهُوَ قَاذِفٌ .","part":20,"page":151},{"id":9651,"text":"( 7226 ) فَصْلٌ : وَإِذَا قَذَفَ رَجُلٌ رَجُلًا ، فَقَالَ آخَرُ : صَدَقْت ، فَالْمُصَدِّقُ قَاذِفٌ أَيْضًا فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ ؛ لِأَنَّ تَصْدِيقَهُ يَنْصَرِفُ إلَى مَا قَالَهُ ، بِدَلِيلِ مَا لَوْ قَالَ لِي عَلَيْك أَلْفٌ ، فَقَالَ : صَدَقْت .\rكَانَ إقْرَارًا بِهَا .\rوَلَوْ قَالَ : أَعْطِنِي ثَوْبِي هَذَا .\rفَقَالَ : صَدَقْت .\rكَانَ إقْرَارًا .\rوَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ ، لَا يَكُونُ قَاذِفًا .\rوَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ ؛ لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِتَصْدِيقِهِ فِي غَيْرِ الْقَذْفِ .\rوَلَوْ قَالَ أَخْبَرَنِي فُلَانٌ أَنَّك زَنَيْت .\rلَمْ يَكُنْ قَاذِفًا ، سَوَاءٌ كَذَّبَهُ الْمُخْبَرُ عَنْهُ أَوْ صَدَّقَهُ .\rوَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : فِيهِ وَجْهٌ آخَرُ ، أَنَّهُ يَكُونُ قَاذِفًا إذَا كَذَّبَهُ الْآخَرُ .\rوَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ ، وَمَالِكٌ .\rوَنَحْوُهُ عَنْ الزُّهْرِيِّ ؛ لِأَنَّهُ أَخْبَرَ بِزِنَاهُ .\rوَلَنَا أَنَّهُ إنَّمَا أَخْبَرَ أَنَّهُ قَدْ قُذِفَ ، فَلَمْ يَكُنْ قَذْفًا ، كَمَا لَوْ شَهِدَ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ قَدْ قَذَفَ رَجُلًا .","part":20,"page":152},{"id":9652,"text":"( 7227 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَالَ : أَنْتِ أَزْنَى مِنْ فُلَانٍ ، أَوْ أَزْنَى النَّاسِ ، فَهُوَ قَاذِفٌ لَهُ .\rوَهَلْ يَكُونُ قَاذِفًا لِلثَّانِي ؟ فِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا : يَكُونُ قَاذِفًا لَهُ اخْتَارَهُ الْقَاضِي ؛ لِأَنَّهُ أَضَافَ الزِّنَا إلَيْهِمَا ، وَجَعَلَ أَحَدَهُمَا فِيهِ أَبْلَغَ مِنْ الْآخَرِ ، فَإِنَّ لَفْظَةَ أَفْعَلَ لِلتَّفْضِيلِ ، فَيَقْتَضِي اشْتِرَاكَ الْمَذْكُورَيْنِ فِي أَصْلِ الْفِعْلِ ، وَتَفْضِيلَ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ فِيهِ ، كَقَوْلِهِ : أَجْوَدُ مِنْ حَاتِمٍ .\rوَالثَّانِي : يَكُونُ قَاذِفًا لِلْمُخَاطَبِ خَاصَّةً ؛ لِأَنَّ لَفْظَةَ أَفْعَلَ قَدْ تُسْتَعْمَلُ لِلْمُنْفَرِدِ بِالْفِعْلِ ، كَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { أَفَمَنْ يَهْدِي إلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إلَّا أَنْ يُهْدَى } .\rوَقَالَ تَعَالَى : { فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ } .\rوَقَالَ لُوطٌ : { بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ } .\rأَيْ : مِنْ أَدْبَارِ الرِّجَالِ ، وَلَا طَهَارَةَ فِيهِمْ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ : لَيْسَ بِقَذْفٍ لِلْأَوَّلِ وَلَا لِلثَّانِي ، إلَّا أَنْ يُرِيدَ بِهِ الْقَذْفَ .\rوَلَنَا أَنَّ مَوْضُوعَ اللَّفْظِ يَقْتَضِي مَا ذَكَرْنَاهُ ، فَحُمِلَ عَلَيْهِ ، كَمَا لَوْ قَالَ : أَنْتَ زَانٍ .","part":20,"page":153},{"id":9653,"text":"( 7228 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَالَ : زَنَأْت .\rمَهْمُوزًا .\rفَقَالَ أَبُو بَكْرٍ ، وَأَبُو الْخَطَّابِ : هُوَ قَذْفٌ ؛ لِأَنَّ عَامَّةَ النَّاسِ لَا يَفْهَمُونَ مِنْ ذَلِكَ إلَّا الْقَذْفَ ، فَكَانَ قَذْفًا ، كَمَا لَوْ قَالَ : زَنَيْت .\rوَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ : إنْ كَانَ عَامِّيًّا ، فَهُوَ قَذْفٌ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُرِيدُ بِهِ إلَّا الْقَذْفَ ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ ، لَمْ يَكُنْ قَذْفًا ؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُ فِي الْعَرَبِيَّةِ ، طَلَعْت ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُرِيدُ مَوْضُوعَهُ .\rوَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ فِي كَوْنِهِ قَذْفًا وَجْهَانِ .\rوَإِنْ قَالَ زَنَأْت فِي الْجَبَلِ .\rفَالْحُكْمُ فِيهِ ، كَمَا لَوْ قَالَ : زَنَأْت .\rوَلَمْ يَقُلْ : فِي الْجَبَلِ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ ، لَيْسَ بِقَذْفٍ .\rقَالَ الشَّافِعِيُّ : وَيُسْتَحْلَفُ عَلَى ذَلِكَ .\rوَلَنَا أَنَّهُ إذَا كَانَ عَامِّيًّا لَا يَعْرِفُ مَوْضُوعَهُ فِي اللُّغَةِ ، تَعَيَّنَ مُرَادُهُ فِي الْقَذْفِ ، وَلَمْ يُفْهَمْ مِنْهُ سِوَاهُ ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ قَذْفًا ، كَمَا لَوْ فَسَّرَهُ بِالْقَذْفِ ، أَوْ لَحَنَ لَحْنًا غَيْرَ هَذَا .","part":20,"page":154},{"id":9654,"text":"( 7229 ) فَصْلٌ : فَإِنْ قَالَ لِرَجُلٍ : يَا زَانِيَةُ .\rأَوْ لِامْرَأَةٍ : يَا زَانٍ ، فَهُوَ صَرِيحٌ فِي قَذْفِهِمَا .\rاخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rوَاخْتَارَ ابْنُ حَامِدٍ أَنَّهُ لَيْسَ بِقَذْفٍ ، إلَّا أَنْ يُفَسِّرَهُ بِهِ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ : يَا زَانِيَةُ أَيْ : يَا عَلَّامَةُ فِي الزِّنَا ، كَمَا يُقَالُ لِلْعَالِمِ : عَلَّامَةٌ .\rوَلِكَثِيرِ الرِّوَايَةِ : رَاوِيَةٌ .\rوَلِكَثِيرِ الْحِفْظِ : حَفَظَةٌ .\rوَلَنَا أَنَّ مَا كَانَ قَذْفًا لِأَحَدِ الْجِنْسَيْنِ ، كَانَ قَذْفًا لِلْآخَرِ ، كَقَوْلِهِ : زَنَيْت .\rبِفَتْحِ التَّاءِ وَبِكَسْرِهَا لَهُمَا جَمِيعًا ؛ وَلِأَنَّ هَذَا اللَّفْظَ خِطَابٌ لَهُمَا ، وَإِشَارَةٌ إلَيْهِمَا بِلَفْظِ الزِّنَا ، وَذَلِكَ يُغْنِي عَنْ التَّمْيِيزِ بِتَاءِ التَّأْنِيثِ وَحَذْفِهَا .\rوَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ لِلْمَرْأَةِ : يَا شَخْصًا زَانِيًا : أَوْ لِلرَّجُلِ : يَا نَسَمَةً زَانِيَةً .\rكَانَ قَاذِفًا .\rوَقَوْلُهُمْ : إنَّهُ يُرِيدُ بِذَلِكَ أَنَّهُ عَلَّامَةٌ فِي الزِّنَا ، لَا يَصِحُّ ، فَإِنَّ مَا كَانَ اسْمًا لِلْفِعْلِ إذَا دَخَلَتْهُ الْهَاءُ كَانَتْ لِلْمُبَالَغَةِ ، كَقَوْلِهِمْ : حَفَظَةٌ .\rلِلْمُبَالَغَةِ فِي الْحِفْظِ ، وَرَاوِيَةٌ لِلْمُبَالَغَةِ فِي الرِّوَايَةِ .\rوَكَذَلِكَ هُمَزَةٌ وَلُمَزَةٌ وَصُرَعَةٌ .\rوَلِأَنَّ كَثِيرًا مِنْ النَّاسِ يُذَكِّرُ الْمُؤَنَّثَ ، وَيُؤَنِّثُ الْمُذَكَّرَ ، وَلَا يَخْرُجُ بِذَلِكَ عَنْ كَوْنِ الْمُخَاطَبِ بِهِ مُرَادًا بِمَا يُرَادُ بِاللَّفْظِ الصَّحِيحِ .","part":20,"page":155},{"id":9655,"text":"( 7230 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَالَ لِرَجُلٍ : زَنَيْت بِفُلَانَةَ .\rكَانَ قَاذِفًا لَهُمَا .\rوَقَدْ نُقِلَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ، أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ قَالَ لِرَجُلٍ : يَا نَاكِحَ أُمِّهِ .\rمَا عَلَيْهِ ؟ قَالَ : إنْ كَانَتْ أُمُّهُ حَيَّةً ، فَعَلَيْهِ الْحَدُّ لِلرَّجُلِ .\rوَلِأُمِّهِ حَدٌّ .\rوَقَالَ مُهَنَّا : سَأَلْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ : إذَا قَالَ الرَّجُلُ لِرَجُلٍ : يَا زَانِي ابْنَ الزَّانِي .\r، قَالَ عَلَيْهِ حَدَّانِ قُلْت : أَبَلَغَك فِي هَذَا شَيْءٌ ؟ قَالَ : مَكْحُولٌ قَالَ : فِيهِ حَدَّانِ .\rوَإِنْ أَقَرَّ إنْسَانٌ أَنَّهُ زَنَى بِامْرَأَةٍ ، فَهُوَ قَاذِفٌ لَهَا ، سَوَاءٌ أَلَزِمَهُ حَدُّ الزِّنَا بِإِقْرَارِهِ أَوْ لَمْ يَلْزَمْهُ .\rوَبِهَذَا قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ ، وَأَبُو ثَوْرٍ .\rوَيُشْبِهُ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَلْزَمُهُ حَدُّ الْقَذْفِ ؛ لِأَنَّهُ يُتَصَوَّرُ مِنْهُ الزِّنَا بِهَا مِنْ غَيْرِ زِنَاهَا ؛ لِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُونَ مُكْرَهَةً ، أَوْ مَوْطُوءَةً بِشُبْهَةٍ .\rوَلَنَا مَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ ، { أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَكْرِ بْنِ لَيْثٍ ، أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَقَرَّ أَنَّهُ زَنَى بِامْرَأَةٍ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ ، فَجَلَدَهُ مِائَةً ، وَكَانَ بِكْرًا ، ثُمَّ سَأَلَهُ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْمَرْأَةِ ، فَقَالَتْ : كَذَبَ وَاَللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ .\rفَجَلَدَهُ حَدَّ الْفِرْيَةِ ثَمَانِينَ } .\rوَالِاحْتِمَالُ الَّذِي ذَكَرَهُ لَا يَنْفِي الْحَدَّ ، بِدَلِيلِ مَا لَوْ قَالَ : يَا نَائِكَ أُمِّهِ .\rفَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ الْحَدُّ ، مَعَ احْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ فَعَلَ ذَلِكَ بِشُبْهَةٍ .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّهُ جُلِدَ رَجُلٌ قَالَ لِرَجُلٍ ذَلِكَ .\rوَيَتَخَرَّجُ لَنَا مِثْلُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ، بِنَاءً عَلَى مَا إذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ : يَا زَانِيَةُ .\rفَقَالَتْ : بِك زَنَيْت .\rفَإِنَّ أَصْحَابَنَا قَالُوا : لَا حَدَّ عَلَيْهَا فِي قَوْلِهَا : بِك زَنَيْت ؛ لِاحْتِمَالِ وُجُودِ الزِّنَا بِهِ مَعَ كَوْنِهِ وَاطِئًا بِشُبْهَةٍ ، وَلَا يَجِبُ الْحَدُّ عَلَيْهِ ؛ لِتَصْدِيقِهَا إيَّاهُ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : عَلَيْهِ الْحَدُّ دُونَهَا ،","part":20,"page":156},{"id":9656,"text":"وَلَيْسَ هَذَا بِإِقْرَارٍ صَحِيحٍ .\rوَلَنَا أَنَّهَا صَدَّقَتْهُ ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ حَدٌّ ، كَمَا لَوْ قَالَتْ : صَدَقْت .\rوَلَوْ قَالَ : يَا زَانِيَةُ .\rقَالَتْ : أَنْتَ أَزْنَى مِنِّي .\rفَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : هِيَ كَاَلَّتِي قَبْلَهَا فِي سُقُوطِ الْحَدِّ عَنْهُ .\rوَيَلْزَمُهَا لَهُ هَاهُنَا حَدُّ الْقَذْفِ ، بِخِلَافِ الَّتِي قَبْلَهَا ؛ لِأَنَّهَا أَضَافَتْ إلَيْهِ الزِّنَا ، وَفِي الَّتِي قَبْلَهَا أَضَافَتْهُ إلَى نَفْسِهَا .","part":20,"page":157},{"id":9657,"text":"( 7231 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَمَنْ قَذَفَ رَجُلًا ، فَلَمْ يُقَمْ الْحَدُّ حَتَّى زَنَى الْمَقْذُوفُ ، لَمْ يَزُلْ الْحَدُّ عَنْ الْقَاذِفِ ) وَبِهَذَا قَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَالْمُزَنِيُّ ، وَدَاوُد .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ : لَا حَدَّ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ الشُّرُوطَ تُعْتَبَرُ اسْتِدَامَتُهَا إلَى حَالَةِ إقَامَةِ الْحَدِّ ؛ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ ارْتَدَّ أَوْ جُنَّ ، لَمْ يُقَمْ الْحَدُّ ؛ وَلِأَنَّ وُجُودَ الزِّنَا مِنْهُ يُقَوِّي قَوْلَ الْقَاذِفِ ، وَيَدُلُّ عَلَى تَقَدُّمِ هَذَا الْفِعْلِ مِنْهُ ، فَأَشْبَهَ الشَّهَادَةَ إذَا طَرَأَ الْفِسْقُ بَعْدَ أَدَائِهَا قَبْلَ الْحُكْمِ بِهَا .\rوَلَنَا أَنَّ الْحَدَّ قَدْ وَجَبَ وَتَمَّ بِشُرُوطِهِ ، فَلَا يَسْقُطُ بِزَوَالِ شَرْطِ الْوُجُوبِ ، كَمَا لَوْ زَنَى بِأَمَةٍ ثُمَّ اشْتَرَاهَا ، أَوْ سَرَقَ عَيْنًا ، فَنَقَصَتْ قِيمَتُهَا أَوْ مَلَكَهَا ، وَكَمَا لَوْ جُنَّ الْمَقْذُوفُ بَعْدَ الْمُطَالَبَةِ .\rوَقَوْلُهُمْ : إنَّ الشُّرُوطَ تُعْتَبَرُ اسْتِدَامَتُهَا .\rلَا يَصِحُّ ؛ فَإِنَّ الشُّرُوطَ لِلْوُجُوبِ ، فَيُعْتَبَرُ وُجُودُهَا إلَى حِينِ الْوُجُوبِ ، وَقَدْ وَجَبَ الْحَدُّ ؛ بِدَلِيلِ أَنَّهُ مَلَكَ الْمُطَالَبَةَ ، وَيَبْطُلُ بِالْأُصُولِ الَّتِي قِسْنَا عَلَيْهَا .\rوَأَمَّا إذَا جُنَّ مَنْ وَجَبَ لَهُ الْحَدُّ ، فَلَا يَسْقُطُ الْحَدُّ ، وَإِنَّمَا يَتَأَخَّرُ اسْتِيفَاؤُهُ ؛ لِتَعَذُّرِ الْمُطَالَبَةِ بِهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ غَابَ مَنْ لَهُ الْحَدُّ .\rوَإِنْ ارْتَدَّ مَنْ لَهُ الْحَدُّ لَمْ يَمْلِكْ الْمُطَالَبَةَ ؛ لِأَنَّ حُقُوقَهُ وَأَمْلَاكَهُ تَزُولُ أَوْ تَكُونُ مَوْقُوفَةً .\rوَفَارَقَ الشَّهَادَةَ ، فَإِنَّ الْعَدَالَةَ شَرْطٌ لِلْحُكْمِ بِهَا ، فَيُعْتَبَرُ وُجُودُهَا إلَى حِينِ الْحُكْمِ بِهَا ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا ، فَإِنَّ الْعِفَّةَ شَرْطٌ لِلْوُجُوبِ ، فَلَا تُعْتَبَرُ إلَّا إلَى حِينِ الْوُجُوبِ .","part":20,"page":158},{"id":9658,"text":"( 7232 ) فَصْلٌ : وَلَوْ وَجَبَ الْحَدُّ عَلَى ذِمِّيٍّ ، أَوْ مُرْتَدٍّ ، فَلَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ ، ثُمَّ عَادَ ، لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَسْقُطُ .\rوَلَنَا أَنَّهُ حَدٌّ وَجَبَ ، فَلَمْ يَسْقُطْ بِدُخُولِ دَارِ الْحَرْبِ ، كَمَا لَوْ كَانَ مُسْلِمًا دَخَلَ بِأَمَانٍ .","part":20,"page":159},{"id":9659,"text":"( 7233 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَمَنْ قَذَفَ مُشْرِكًا أَوْ عَبْدًا ، أَوْ مُسْلِمًا لَهُ دُونَ الْعَشْرِ سِنِينَ ، أَوْ مُسْلِمَةً لَهَا دُونَ التِّسْعِ سِنِينَ ، أُدِّبَ ، وَلَمْ يُحَدَّ ) قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْإِسْلَامَ وَالْحُرِّيَّةَ ، وَإِدْرَاكَ سِنٍّ يُجَامِعُ مِثْلُهُ فِي مِثْلِهِ شُرُوطٌ لِوُجُوبِ الْحَدِّ عَلَى قَاذِفِهِ ، فَإِذَا انْتَفَى أَحَدُهَا ، لَمْ يَجِبْ الْحَدُّ عَلَى قَاذِفِهِ وَلَكِنْ يَجِبُ تَأْدِيبُهُ ، رَدْعًا لَهُ عَنْ أَعْرَاضِ الْمَعْصُومِينَ ، وَكَفًّا لَهُ عَنْ أَذَاهُمْ ، وَحَدُّ الصَّبِيِّ الَّذِي لَمْ يَجِبْ الْحَدُّ بِقَذْفِهِ ، أَنْ يَبْلُغَ الْغُلَامُ عَشْرًا ، وَالْجَارِيَةُ تِسْعًا ، فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ .\rوَقَدْ سَبَقَ ذِكْرُ ذَلِكَ .","part":20,"page":160},{"id":9660,"text":"( 7234 ) فَصْلٌ : فَإِنْ اخْتَلَفَ الْقَاذِفُ وَالْمَقْذُوفُ ، فَقَالَ الْقَاذِفُ : كُنْت صَغِيرًا حِينَ قَذَفْتُك .\rوَقَالَ الْمَقْذُوفُ : كُنْت كَبِيرًا .\rفَذَكَرَ الْقَاضِي ، أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْقَاذِفِ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ الصِّغَرُ وَبَرَاءَةُ الذِّمَّةِ مِنْ الْحَدِّ .\rفَإِنْ أَقَامَ الْقَاذِفُ بَيِّنَةً أَنَّهُ قَذَفَهُ صَغِيرًا ، وَأَقَامَ الْمَقْذُوفُ بَيِّنَةً أَنَّهُ قَذَفَهُ كَبِيرًا ، وَكَانَتَا مُطْلَقَتَيْنِ ، أَوْ مُؤَرَّخَتَيْنِ تَارِيخَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ ، فَهُمَا قَذْفَانِ ؛ مُوجَبُ أَحَدِهِمَا التَّعْزِيرُ ، وَالثَّانِي الْحَدُّ ، وَإِنْ بَيَّنَتَا تَارِيخًا وَاحِدًا ، وَقَالَتْ إحْدَاهُمَا : وَهُوَ صَغِيرٌ .\rوَقَالَتْ الْأُخْرَى : وَهُوَ كَبِيرٌ تَعَارَضَتَا وَسَقَطَتَا .\rوَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ تَارِيخُ بَيِّنَةِ الْمَقْذُوفِ قَبْلَ تَارِيخِ بَيِّنَةِ الْقَاذِفِ .","part":20,"page":161},{"id":9661,"text":"( 7235 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَمَنْ قَذَفَ مَنْ كَانَ مُشْرِكًا ، وَقَالَ : أَرَدْت أَنَّهُ زَنَى وَهُوَ مُشْرِكٌ .\rلَمْ يُلْتَفَتْ إلَى قَوْلِهِ ، وَحُدَّ الْقَاذِفُ ، إذَا طَلَبَ الْمَقْذُوفُ .\rوَكَذَلِكَ مَنْ كَانَ عَبْدًا ) .\rإنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ قَذَفَهُ فِي حَالِ كَوْنِهِ مُسْلِمًا مُحْصَنًا ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي وُجُوبَ الْحَدِّ عَلَيْهِ ؛ لِعُمُومِ الْآيَةِ وَوُجُودِ الْمَعْنَى ، فَإِذَا ادَّعَى مَا يُسْقِطُ الْحَدَّ عَنْهُ ، لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ ، كَمَا لَوْ قَذَفَ كَبِيرًا ، ثُمَّ قَالَ : أَرَدْت أَنَّهُ زَنَى وَهُوَ صَغِيرٌ ، فَأَمَّا إنْ قَالَ لَهُ : زَنَيْت فِي شِرْكِك .\rفَلَا حَدَّ عَلَيْهِ .\rوَبِهِ قَالَ الزُّهْرِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَحَكَى أَبُو الْخَطَّابِ ، عَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةً أُخْرَى .\rوَعَنْ مَالِكٍ ، أَنَّهُ يُحَدُّ .\rوَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيُّ ؛ لِأَنَّ الْقَذْفَ وُجِدَ فِي حَالِ كَوْنِهِ مُحْصَنًا .\rوَلَنَا أَنَّهُ أَضَافَ الْقَذْفَ إلَى حَالٍ نَاقِصَةٍ ، أَشْبَهَ مَا لَوْ قَذَفَهُ فِي حَالِ الشِّرْكِ ؛ وَلِأَنَّهُ قَذَفَهُ بِمَا لَا يُوجِبُ الْحَدَّ عَلَى الْمَقْذُوفِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَذَفَهُ بِالْوَطْءِ دُونَ الْفَرْجِ .\rوَهَكَذَا الْحُكْمُ لَوْ قَذَفَ مَنْ كَانَ رَقِيقًا ، فَقَالَ : زَنَيْت فِي حَالِ رِقِّك .\rأَوْ قَالَ زَنَيْت وَأَنْتَ طِفْلٌ .\rوَإِنْ قَالَ : زَنَيْت وَأَنْتَ صَبِيٌّ أَوْ صَغِيرٌ .\rسُئِلَ عَنْ الصِّغَرِ ، فَإِنْ فَسَّرَهُ بِصِغَرٍ لَا يُجَامِعُ فِي مِثْلِهِ ، فَهِيَ كَاَلَّتِي قَبْلَهَا ، وَإِنْ فَسَّرَهُ بِصِغَرٍ يُجَامِعُ فِي مِثْلِهِ ، فَعَلَيْهِ الْحَدُّ ، فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ .\rوَإِنْ قَالَ : زَنَيْت إذْ كُنْت مُشْرِكًا .\rأَوْ : إذْ كُنْت رَقِيقًا .\rفَقَالَ الْمَقْذُوفُ : مَا كُنْت مُشْرِكًا وَلَا رَقِيقًا .\rنَظَرْنَا ، فَإِنْ ثَبَتَ أَنَّهُ كَانَ مُشْرِكًا أَوْ رَقِيقًا ، فَهِيَ كَاَلَّتِي قَبْلَهَا ، وَإِنْ ثَبَتَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ رَقِيقًا كَذَلِكَ ، وَجَبَ الْحَدُّ عَلَى الْقَاذِفِ ، وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا : يَجِبُ الْحَدُّ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الشِّرْكِ وَالرِّقِّ ؛ وَلِأَنَّ الْأَصْلَ","part":20,"page":162},{"id":9662,"text":"الْحُرِّيَّةُ ، وَإِسْلَامُ أَهْلِ دَارِ الْإِسْلَامِ .\rوَالثَّانِيَةُ : الْقَوْلُ قَوْلُ الْقَاذِفِ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ ذِمَّةِ الْقَاذِفِ .\rوَإِنْ قَالَ : زَنَيْت وَأَنْتَ مُشْرِكٌ .\rفَقَالَ الْمَقْذُوفُ أَرَدْت قَذْفِي بِالزِّنَا وَالشِّرْكِ مَعًا .\rوَقَالَ الْقَاذِفُ : بَلْ أَرَدْت قَذْفَك بِالزِّنَا إذْ كُنْت مُشْرِكًا .\rفَالْقَوْلُ قَوْلُ الْقَاذِفِ .\rاخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ .\rوَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ ؛ لِأَنَّ الْخِلَافَ فِي بَيِّنَتِهِ ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِهَا .\rوَقَوْلُهُ : وَأَنْتَ مُشْرِكٌ ، مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ ، وَهُوَ حَالٌ لِقَوْلِهِ : زَنَيْت .\rكَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { إلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ } .\rوَقَالَ الْقَاضِي : يَجِبُ الْحَدُّ ، وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ لِأَنَّ قَوْلَهُ : زَنَيْت .\rخِطَابٌ فِي الْحَالِ ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ أَرَادَ زِنَاهُ فِي الْحَالِ .\rوَهَكَذَا إنْ قَالَ : زَنَيْت وَأَنْتَ عَبْدٌ .\rوَإِنْ قَذَفَ مَجْهُولًا ، وَادَّعَى أَنَّهُ رَقِيقٌ أَوْ مُشْرِكٌ .\rفَقَالَ الْمَقْذُوفُ : بَلْ أَنَا حُرٌّ مُسْلِمٌ .\rفَالْقَوْلُ قَوْلُهُ .\rوَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : الْقَوْلُ قَوْلُ الْقَاذِفِ فِي الرِّقِّ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ مِنْ الْحَدِّ ، وَهُوَ يُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ ، وَمَا ادَّعَاهُ مُحْتَمَلٌ ، فَيَكُونُ شُبْهَةً .\rوَعَنْ الشَّافِعِيِّ ، كَالْوَجْهَيْنِ .\rوَلَنَا أَنَّ الْأَصْلَ الْحُرِّيَّةُ ، وَهُوَ الظَّاهِرُ ، فَلَمْ يُلْتَفَتْ إلَى مَا خَالَفَهُ ، كَمَا لَوْ فَسَّرَ صَرِيحَ الْقَذْفِ بِمَا يُحِيلُهُ ، وَكَمَا لَوْ ادَّعَى أَنَّهُ مُشْرِكٌ .\rفَإِنْ قِيلَ : الْإِسْلَامُ يَثْبُتُ بِقَوْلِهِ : أَنَا مُسْلِمٌ .\rبِخِلَافِ الْحُرِّيَّةِ .\rقُلْنَا : إنَّمَا يَثْبُتُ الْإِسْلَامُ بِقَوْلِهِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ ، وَأَمَّا الْمَاضِي ، فَلَا يَثْبُتُ بِمَا جَاءَ بَعْدَهُ ، فَلَا يَثْبُتُ كَوْنُهُ مُسْلِمًا حَالَ الْقَذْفِ بِقَوْلِهِ فِي حَالِ النِّزَاعِ ، فَاسْتَوَيَا .","part":20,"page":163},{"id":9663,"text":"( 7236 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَيُحَدُّ مَنْ قَذَفَ الْمُلَاعِنَةَ ) .\rنَصَّ أَحْمَدُ عَلَى هَذَا .\rوَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَالْحَسَنِ ، وَالشَّعْبِيِّ ، وَطَاوُسٍ ، وَمُجَاهِدٍ ، وَمَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَجُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ .\rوَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا .\rوَقَدْ رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى فِي الْمُلَاعِنَةِ ، أَنْ لَا تُرْمَى ، وَلَا يُرْمَى وَلَدُهَا .\r، فَعَلَيْهِ الْحَدُّ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَلِأَنَّ حَصَانَتَهَا لَمْ تَسْقُطْ بِاللِّعَانِ ، وَلَا يُبَتُّ الزِّنَا بِهِ ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَلْزَمْهَا بِهِ حَدٌّ .\rوَمَنْ قَذَفَ ابْنَ الْمُلَاعِنَةِ ، فَقَالَ : هُوَ وَلَدُ زِنًا .\rفَعَلَيْهِ الْحَدُّ لِلْخَبَرِ وَالْمَعْنَى .\rوَكَذَلِكَ إنْ قَالَ : هُوَ مِنْ الَّذِي رُمِيَتْ بِهِ .\rفَأَمَّا إنْ قَالَ : لَيْسَ هُوَ ابْنُ فُلَانٍ .\rيَعْنِي الْمُلَاعِنَ ، وَأَرَادَ أَنَّهُ مَنْفِيٌّ عَنْهُ شَرْعًا ، فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ صَادِقٌ .","part":20,"page":164},{"id":9664,"text":"( 7237 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا إنْ ثَبَتَ زِنَاهُ بِبَيِّنَةٍ ، أَوْ إقْرَارٍ ، أَوْ حَدٍّ بِالزِّنَا ، فَلَا حَدَّ عَلَى قَاذِفِهِ ؛ لِأَنَّهُ صَادِقٌ ؛ وَلِأَنَّ إحْصَانَ الْمَقْذُوفِ قَدْ زَالَ بِالزِّنَا .\rوَلَوْ قَالَ لِمَنْ زَنَى فِي شِرْكِهِ ، أَوْ لِمَنْ كَانَ مَجُوسِيًّا تَزَوَّجَ بِذَاتِ مَحْرَمِهِ بَعْدَ أَنْ أَسْلَمَ : يَا زَانِي .\rفَلَا حَدَّ عَلَيْهِ ، إذَا فَسَّرَهُ بِذَلِكَ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : عَلَيْهِ الْحَدُّ ؛ لِأَنَّهُ قَذَفَ مُسْلِمًا لَمْ يَثْبُتْ زِنَاهُ فِي إسْلَامِهِ .\rوَلَنَا أَنَّهُ قَذَفَ مَنْ ثَبَتَ زِنَاهُ ، أَشْبَهَ مَا لَوْ ثَبَتَ زِنَاهُ فِي الْإِسْلَامِ ؛ وَلِأَنَّهُ صَادِقٌ .\rوَاَلَّذِي يَقْتَضِيهِ كَلَامُ الْخِرَقِيِّ ، وُجُوبُ الْحَدِّ عَلَيْهِ ؛ لِقَوْلِهِ : وَمَنْ قَذَفَ مَنْ كَانَ مُشْرِكًا ، وَقَالَ أَرَدْت أَنَّهُ زَنَى وَهُوَ مُشْرِكٌ ، لَمْ يُلْتَفَتْ إلَى قَوْلِهِ وَحُدَّ .","part":20,"page":165},{"id":9665,"text":"( 7238 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَإِذَا قُذِفَتْ الْمَرْأَةُ ، لَمْ يَكُنْ لِوَلَدِهَا الْمُطَالَبَةُ ، إذَا كَانَتْ الْأُمُّ فِي الْحَيَاةِ ) .\rوَإِنْ قُذِفَتْ أُمُّهُ وَهِيَ مَيِّتَةٌ ، مُسْلِمَةً كَانَتْ أَوْ كَافِرَةً ، حُرَّةً أَوْ أَمَةً ، حُدَّ الْقَاذِفُ إذَا طَالَبَ الِابْنُ ، وَكَانَ حُرًّا مُسْلِمًا .\rأَمَّا إذَا قُذِفَتْ وَهِيَ فِي الْحَيَاةِ ، فَلَيْسَ لِوَلَدِهَا الْمُطَالَبَةُ ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهَا ، فَلَا يُطَالِبُ بِهِ غَيْرُهَا ، وَلَا يَقُومُ غَيْرُهَا مَقَامَهَا ، سَوَاءٌ كَانَتْ مَحْجُورًا عَلَيْهَا أَوْ غَيْرَ مَحْجُورٍ عَلَيْهَا ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ يَثْبُتُ لِلتَّشَفِّي ، فَلَا يَقُومُ فِيهِ غَيْرُ الْمُسْتَحِقِّ مَقَامَهُ ، كَالْقِصَاصِ ، وَتُعْتَبَرُ حَصَانَتُهَا ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهَا ، فَتُعْتَبَرُ حَصَانَتُهَا ، كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ .\rوَأَمَّا إنْ قُذِفَتْ وَهِيَ مَيِّتَةٌ ، فَإِنَّ لِوَلَدِهَا الْمُطَالَبَةَ ؛ لِأَنَّهُ قَدْحٌ فِي نَسَبِهِ ؛ وَلِأَنَّهُ بِقَذْفِ أُمِّهِ يَنْسُبُهُ إلَى أَنَّهُ مِنْ زِنًا ، وَلَا يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ بِطَرِيقِ الْإِرْثِ ، وَلِذَلِكَ تُعْتَبَرُ الْحَصَانَةُ فِيهِ ، وَلَا تُعْتَبَرُ الْحَصَانَةُ فِي أُمِّهِ ؛ لِأَنَّ الْقَذْفَ لَهُ .\rوَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : لَا يَجِبُ الْحَدُّ بِقَذْفِ مَيِّتَةٍ بِحَالٍ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ ؛ لِأَنَّهُ قَذْفٌ لِمَنْ لَا تَصِحُّ مِنْهُ الْمُطَالَبَةُ ، فَأَشْبَهَ قَذْفَ الْمَجْنُونِ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : إنْ كَانَ الْمَيِّتُ مُحْصَنًا ، فَلِوَلِيِّهِ الْمُطَالَبَةُ ، وَيَنْقَسِمُ بِانْقِسَامِ الْمِيرَاثِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُحْصَنًا ، فَلَا حَدَّ عَلَى قَاذِفِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُحْصَنٍ ، فَلَا يَجِبُ الْحَدُّ بِقَذْفِهِ ، كَمَا لَوْ كَانَ حَيًّا .\rوَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ لَا يَرَوْنَ الْحَدَّ عَلَى مَنْ يَقْذِفُ غَيْرَ مُحْصَنٍ حَيًّا وَلَا مَيِّتًا ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يُحَدَّ بِقَذْفِ غَيْرِ الْمُحْصَنِ إذَا كَانَ حَيًّا ، فَلَأَنْ لَا يُحَدَّ بِقَذْفِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ أَوْلَى .\rوَلَنَا ، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمُلَاعِنَةِ : { وَمَنْ رَمَى وَلَدَهَا ، فَعَلَيْهِ الْحَدُّ } .\rيَعْنِي : مَنْ","part":20,"page":166},{"id":9666,"text":"رَمَاهُ بِأَنَّهُ وَلَدُ زِنًا .\rوَإِذَا وَجَبَ بِقَذْفِ ابْنِ الْمُلَاعِنَةِ بِذَلِكَ ، فَبِقَذْفِ غَيْرِهِ أَوْلَى ، وَلِأَنَّ أَصْحَابَ الرَّأْيِ أَوْجَبُوا الْحَدَّ عَلَى مَنْ نَفَى رَجُلًا عَنْ أَبِيهِ ، إذَا كَانَ أَبَوَاهُ حُرَّيْنِ مُسْلِمَيْنِ أَوْ كَانَا مَيِّتَيْنِ ، وَالْحَدُّ إنَّمَا وَجَبَ لِلْوَلَدِ ؛ لِأَنَّ الْحَدَّ لَا يُورَثُ عِنْدَهُمْ .\rفَأَمَّا إنْ قُذِفَتْ أُمُّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا ، وَهُوَ مُشْرِكٌ أَوْ عَبْدٌ ، فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ ، فِي ظَاهِرِ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ ، سَوَاءٌ كَانَتْ الْأُمُّ حُرَّةً مُسْلِمَةً أَوْ لَمْ تَكُنْ .\rوَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ : إذَا قَالَ لِكَافِرٍ أَوْ عَبْدٍ : لَسْت لِأَبِيكَ ، وَأَبَوَاهُ حُرَّانِ مُسْلِمَانِ ، فَعَلَيْهِ الْحَدُّ .\rوَإِنْ قَالَ لِعَبْدٍ ، أُمُّهُ حُرَّةٌ وَأَبُوهُ عَبْدٌ : لَسْت لِأَبِيك .\rفَعَلَيْهِ الْحَدُّ ، وَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ لِلْقَاذِفِ عِنْدَ أَبِي ثَوْرٍ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ : يَصِحُّ أَنْ يُحَدَّ الْمَوْلَى لِعَبْدِهِ ، وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ هَذَا قَذْفٌ لِأُمِّهِ ، فَيُعْتَبَرُ إحْصَانُهَا دُونَ إحْصَانِهِ ؛ لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ حَيَّةً ، كَانَ الْقَذْفُ لَهَا ، فَكَذَلِكَ إذَا كَانَتْ مَيِّتَةً ؛ وَلِأَنَّ مَعْنَى هَذَا أَنَّ أُمَّك زَنَتْ ، فَأَتَتْ بِك مِنْ الزِّنَا ، فَإِذَا كَانَ مِنْ الزِّنَا مَنْسُوبًا إلَيْهَا ، كَانَتْ هِيَ الْمَقْذُوفَةَ دُونَ وَلَدِهَا .\rوَلَنَا ، مَا ذَكَرْنَاهُ ؛ وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْقَذْفُ لَهَا ، لَمْ يَجِبْ الْحَدُّ ؛ لِأَنَّ الْكَافِرَ لَا يَرِثُ الْمُسْلِمَ ، وَالْعَبْدَ لَا يَرِثُ الْحُرَّ ؛ وَلِأَنَّهُمْ لَا يُوجِبُونَ الْحَدَّ بِقَذْفِ مَيِّتَةٍ بِحَالٍ ، فَيَثْبُتُ أَنَّ الْقَذْفَ لَهُ ، فَيُعْتَبَرُ إحْصَانُهُ دُونَ إحْصَانِهَا - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - .","part":20,"page":167},{"id":9667,"text":"( 7239 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قُذِفَتْ جَدَّتُهُ ، فَقِيَاسُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ ، أَنَّهُ كَقَذْفِ أُمِّهِ ، إنْ كَانَتْ حَيَّةً ، فَالْحَقُّ لَهَا ، وَيُعْتَبَرُ إحْصَانُهَا ، وَلَيْسَ لِغَيْرِهَا الْمُطَالَبَةُ عَنْهَا ، وَإِنْ كَانَتْ مَيِّتَةً ، فَلَهُ الْمُطَالَبَةُ إذَا كَانَ مُحْصَنًا ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ قَدْحٌ فِي نَسَبِهِ .\rفَأَمَّا إنْ قَذَفَ أَبَاهُ أَوْ جَدَّهُ ، أَوْ أَحَدًا مِنْ أَقَارِبِهِ غَيْرَ أُمَّهَاتِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ ، لَمْ يَجِبْ الْحَدُّ بِقَذْفِهِ فِي ظَاهِرِ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا أَوْجَبَ بِقَذْفِ أُمِّهِ حَقًّا لَهُ ، لِنَفْيِ نَسَبِهِ ، لَا حَقًّا لِلْمَيِّتِ ، وَلِهَذَا لَمْ يُعْتَبَرْ إحْصَانُ الْمَقْذُوفَةِ ، وَاعْتُبِرَ إحْصَانُ الْوَلَدِ ، وَمَتَى كَانَ الْمَقْذُوفُ مِنْ غَيْرِ أُمَّهَاتِهِ ، لَمْ يَتَضَمَّنْ نَفْيَ نَسَبِهِ ، فَلَمْ يَجِبْ الْحَدُّ .\rوَهَذَا قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : إنْ كَانَ الْمَيِّتُ مُحْصَنًا ، فَلِوَلِيِّهِ الْمُطَالَبَةُ بِهِ ، وَيَنْقَسِمُ انْقِسَامَ الْمِيرَاثِ ؛ لِأَنَّهُ قَذَفَ مُحْصَنًا ، فَيَجِبُ الْحَدُّ عَلَى قَاذِفِهِ ، كَالْحَيِّ .\rوَلَنَا أَنَّهُ قَذْفُ مَنْ لَا يُتَصَوَّرُ مِنْهُ الْمُطَالَبَةُ ، فَلَمْ يَجِبْ الْحَدُّ بِقَذْفِهِ ، كَالْمَجْنُونِ ، أَوْ نَقُولُ : قَذَفَ مَنْ لَا يَجِبُ الْحَدُّ لَهُ ، فَلَمْ يَجِبْ ، كَقَذْفِ غَيْرِ الْمُحْصَنِ ، وَفَارَقَ قَذْفَ الْحَيِّ ، فَإِنَّ الْحَدَّ يَجِبُ لَهُ .","part":20,"page":168},{"id":9668,"text":"( 7240 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَمَنْ قَذَفَ أُمَّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُتِلَ ، مُسْلِمًا كَانَ أَوْ كَافِرًا ) يَعْنِي أَنَّ حَدَّهُ الْقَتْلُ ، وَلَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ .\rنَصَّ عَلَيْهِ .\rأَحْمَدُ .\rوَحَكَى أَبُو الْخَطَّابِ رِوَايَةً أُخْرَى ، أَنَّ تَوْبَتَهُ تُقْبَلُ ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ ، مُسْلِمًا كَانَ أَوْ كَافِرًا ؛ لِأَنَّ هَذَا مِنْهُ رِدَّةٌ ، وَالْمُرْتَدُّ يُسْتَتَابُ ، وَتَصِحُّ تَوْبَتُهُ .\rوَلَنَا أَنَّ هَذَا حَدُّ قَذْفٍ ، فَلَا يَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ ، كَقَذْفِ غَيْرِ أُمِّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ وَلِأَنَّهُ لَوْ قُبِلَتْ تَوْبَتُهُ ، وَسَقَطَ حَدُّهُ ، لَكَانَ أَخَفَّ حُكْمًا مِنْ قَذْفِ آحَادِ النَّاسِ ؛ لِأَنَّ قَذْفَ غَيْرِهِ لَا يَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ ، وَلَا بُدَّ مِنْ إقَامَتِهِ .\rوَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ ، فِيمَا إذَا كَانَ الْقَاذِفُ كَافِرًا فَأَسْلَمَ ، فَرُوِيَ أَنَّهُ لَا يَسْقُطُ بِإِسْلَامِهِ ؛ لِأَنَّهُ حَدُّ قَذْفٍ ، فَلَمْ يَسْقُطْ بِالْإِسْلَامِ ، كَقَذْفِ غَيْرِهِ .\rوَرُوِيَ أَنَّهُ يَسْقُطُ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ سَبَّ اللَّهَ تَعَالَى فِي كُفْرِهِ ، ثُمَّ أَسْلَمَ ، سَقَطَ عَنْهُ الْقَتْلُ ، فَسَبُّ نَبِيِّهِ أَوْلَى ؛ وَلِأَنَّ الْإِسْلَامَ يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ ، وَالْخِلَافُ فِي سُقُوطِ الْقَتْلِ عَنْهُ ، فَأَمَّا تَوْبَتُهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى فَمَقْبُولَةٌ ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقْبَلُ التَّوْبَةَ مِنْ الذُّنُوبِ كُلِّهَا ، وَالْحُكْمُ فِي قَذْفِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَالْحُكْمِ فِي قَذْفِ أُمِّهِ ؛ لِأَنَّ قَذْفَ أُمِّهِ إنَّمَا أَوْجَبَ الْقَتْلَ ؛ لِكَوْنِهِ قَذْفًا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْحًا فِي نَسَبِهِ .\r( 7241 ) فَصْلٌ : وَقَذْفُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَقَذْفُ أُمِّهِ ، رِدَّةٌ عَنْ الْإِسْلَامِ ، وَخُرُوجٌ عَنْ الْمِلَّةِ ، وَكَذَلِكَ سَبُّهُ بِغَيْرِ الْقَذْفِ ، إلَّا أَنَّ سَبَّهُ بِغَيْرِ الْقَذْفِ يَسْقُطُ بِالْإِسْلَامِ ؛ لِأَنَّ سَبَّ اللَّهِ تَعَالَى يَسْقُطُ بِالْإِسْلَامِ ، فَسَبُّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ","part":20,"page":169},{"id":9669,"text":"عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْلَى ، وَقَدْ جَاءَ فِي الْأَثَرِ { ، إنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ : شَتَمَنِي ابْنُ آدَمَ ، وَمَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَشْتُمَنِي ، أَمَّا شَتْمُهُ إيَّايَ فَقَوْلُهُ إنِّي اتَّخَذْت وَلَدًا ، وَأَنَا الْأَحَدُ الصَّمَدُ لَمْ أَلِدْ وَلَمْ أُولَدْ } .\rوَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ إسْلَامَ النَّصْرَانِيِّ الْقَائِلِ لِهَذَا الْقَوْلِ يَمْحُو ذَنْبَهُ .","part":20,"page":170},{"id":9670,"text":"( 7242 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَإِذَا قَذَفَ الْجَمَاعَةَ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ ، فَحَدٌّ وَاحِدٌ إذَا طَالَبُوا ، أَوْ وَاحِدٌ مِنْهُمْ ) وَبِهَذَا قَالَ طَاوُسٌ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَقَتَادَةُ ، وَحَمَّادٌ ، وَمَالِكٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَصَاحِبَاهُ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى ، وَإِسْحَاقُ .\rوَقَالَ الْحَسَنُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ : لِكُلِّ وَاحِدٍ حَدٌّ كَامِلٌ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ مِثْلُ ذَلِكَ .\rوَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ ، كَالرِّوَايَتَيْنِ .\rوَوَجْهُ هَذَا أَنَّهُ قَذَفَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ، فَلَزِمَهُ لَهُ حَدٌّ كَامِلٌ ، كَمَا لَوْ قَذَفَهُمْ بِكَلِمَاتٍ .\rوَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { وَاَلَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً } .\rوَلَمْ يُفَرَّقْ بَيْنَ قَذْفِ وَاحِدٍ أَوْ جَمَاعَةٍ ؛ وَلِأَنَّ الَّذِينَ شَهِدُوا عَلَى الْمُغِيرَةِ قَذَفُوا امْرَأَةً ، فَلَمْ يَحُدَّهُمْ عُمَرُ إلَّا حَدًّا وَاحِدًا ؛ وَلِأَنَّهُ قَذْفٌ وَاحِدٌ فَلَمْ يَجِبْ إلَّا حَدٌّ وَاحِدٌ ، كَمَا لَوْ قَذَفَ وَاحِدًا ؛ وَلِأَنَّ الْحَدَّ إنَّمَا وَجَبَ بِإِدْخَالِ الْمَعَرَّةِ عَلَى الْمَقْذُوفِ بِقَذْفِهِ ، وَبِحَدٍّ وَاحِدٍ يَظْهَرُ كَذِبُ هَذَا الْقَاذِفِ ، وَتَزُولُ الْمَعَرَّةُ ، فَوَجَبَ أَنْ يُكْتَفَى بِهِ ، بِخِلَافِ مَا إذَا قَذَفَ كُلَّ وَاحِدٍ قَذْفًا مُفْرَدًا ، فَإِنَّ كَذِبَهُ فِي قَذْفٍ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ كَذِبُهُ فِي آخَرَ ، وَلَا تَزُولُ الْمَعَرَّةُ عَنْ أَحَدِ الْمَقْذُوفِينَ بِحَدِّهِ لِلْآخَرِ .\rفَإِذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّهُمْ إنْ طَلَبُوهُ جُمْلَةً ، حُدَّ لَهُمْ ، وَإِنْ طَلَبَهُ وَاحِدٌ ، أُقِيمَ الْحَدُّ ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ ثَابِتٌ لَهُمْ عَلَى سَبِيلِ الْبَدَلِ ، فَأَيُّهُمْ طَالَبَ بِهِ اسْتَوْفَى وَسَقَطَ ، فَلَمْ يَكُنْ لِغَيْرِهِ الطَّلَبُ بِهِ ، كَحَقِّ الْمَرْأَةِ ، عَلَى أَوْلِيَائِهَا تَزْوِيجُهَا ، إذَا قَامَ بِهِ وَاحِدٌ سَقَطَ عَنْ الْبَاقِينَ .\rوَإِنْ أَسْقَطَهُ أَحَدُهُمْ ، فَلِغَيْرِهِ الْمُطَالَبَةُ بِهِ وَاسْتِيفَاؤُهُ ؛ لِأَنَّ الْمَعَرَّةَ عَنْهُ لَمْ تَزُلْ بِعَفْوِ صَاحِبِهِ ، وَلَيْسَ","part":20,"page":171},{"id":9671,"text":"لِلْعَافِي الطَّلَبُ بِهِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَسْقَطَ حَقَّهُ مِنْهُ .\rوَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - رِوَايَةٌ أُخْرَى ، أَنَّهُمْ إنْ طَلَبُوهُ دَفْعَةً وَاحِدَةً ، فَحَدٌّ وَاحِدٌ ، وَكَذَلِكَ إنْ طَلَبُوهُ وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ ، إلَّا أَنَّهُ إنْ لَمْ يُقَمْ حَتَّى طَلَبَهُ الْكُلُّ ، فَحَدٌّ وَاحِدٌ وَإِنْ طَلَبَهُ وَاحِدٌ ، فَأُقِيمَ لَهُ ، ثُمَّ طَلَبَهُ آخَرُ أُقِيمَ لَهُ ، وَكَذَلِكَ جَمِيعُهُمْ ، وَهَذَا قَوْلُ عُرْوَةَ ؛ لِأَنَّهُمْ إذَا اجْتَمَعُوا عَلَى طَلَبِهِ ، وَقَعَ اسْتِيفَاؤُهُ بِجَمِيعِهِمْ ، وَإِذَا طَلَبَهُ وَاحِدٌ مُنْفَرِدًا كَانَ اسْتِيفَاؤُهُ لَهُ وَحْدَهُ ، فَلَمْ يَسْقُطْ حَقُّ الْبَاقِينَ بِغَيْرِ اسْتِيفَائِهِمْ وَلَا إسْقَاطِهِمْ .","part":20,"page":172},{"id":9672,"text":"( 7243 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَذَفَ الْجَمَاعَةَ بِكَلِمَاتٍ ، فَلِكُلِّ وَاحِدٍ حَدٌّ .\rوَبِهَذَا قَالَ عَطَاءٌ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَقَتَادَةُ ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ وَقَالَ حَمَّادٌ ، وَمَالِكٌ : لَا يَجِبُ إلَّا حَدٌّ وَاحِدٌ ؛ لِأَنَّهَا جِنَايَةٌ تُوجِبُ حَدًّا ، فَإِذَا تَكَرَّرَتْ كَفَى حَدٌّ وَاحِدٌ ، كَمَا لَوْ سَرَقَ مِنْ جَمَاعَةٍ ، أَوْ زَنَى بِنِسَاءٍ ، أَوْ شَرِبَ أَنْوَاعًا مِنْ الْمُسْكِرِ .\rوَلَنَا أَنَّهَا حُقُوقٌ لِآدَمِيِّينَ ، فَلَمْ تَتَدَاخَلْ ، كَالدُّيُونِ وَالْقِصَاصِ .\rوَفَارَقَ مَا قَاسُوا عَلَيْهِ .\rفَإِنَّهُ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى .","part":20,"page":173},{"id":9673,"text":"( 7244 ) فَصْلٌ : وَإِذَا قَالَ لِرَجُلٍ : يَا ابْنَ الزَّانِيَيْنِ .\rفَهُوَ قَاذِفٌ لَهُمَا بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ ، فَإِنْ كَانَا مَيِّتَيْنِ ، ثَبَتَ الْحَقُّ لِوَلَدِهِمَا ، وَلَمْ يَجِبْ إلَّا حَدٌّ وَاحِدٌ ، وَجْهًا وَاحِدًا .\rوَإِنْ قَالَ : يَا زَانِي ابْنَ الزَّانِي .\rفَهُوَ قَذْفٌ لَهُمَا بِكَلِمَتَيْنِ ، فَإِنْ كَانَ أَبُوهُ حَيًّا ، فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَدٌّ ، وَإِنْ كَانَ مَيِّتًا ، فَالظَّاهِرُ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْحَدُّ بِقَذْفِهِ .\rوَإِنْ قَالَ : يَا زَانِي ابْنَ الزَّانِيَةِ .\rوَكَانَتْ أُمُّهُ فِي الْحَيَاةِ ، فَلِكُلِّ وَاحِدٍ حَدٌّ ، وَإِنْ كَانَتْ مَيِّتَةً ، فَالْقَذْفَانِ جَمِيعًا لَهُ .\rوَإِنْ قَالَ : زَنَيْت بِفُلَانَةَ .\rفَهُوَ قَذْفٌ لَهُمَا بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ .\rوَكَذَلِكَ إذَا قَالَ : يَا نَاكِحَ أُمِّهِ .\rوَيُخَرَّجُ فِيهِ الرِّوَايَاتُ الثَّلَاثُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - .","part":20,"page":174},{"id":9674,"text":"( 7245 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَذَفَ رَجُلًا مَرَّاتٍ ، فَلَمْ يُحَدَّ ، فَحَدٌّ وَاحِدٌ ، رِوَايَةً وَاحِدَةً ، سَوَاءٌ قَذَفَهُ بِزِنًا وَاحِدٍ ، أَوْ بِزَنْيَاتٍ .\rوَإِنْ قَذَفَهُ فَحُدَّ ، ثُمَّ أَعَادَ قَذْفَهُ ، نَظَرْت ، فَإِنْ قَذَفَهُ بِذَلِكَ الزِّنَا الَّذِي حُدَّ مِنْ أَجْلِهِ ، لَمْ يُعَدْ عَلَيْهِ الْحَدُّ ، فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rوَحُكِيَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ ، أَنَّهُ أَوْجَبَ حَدًّا ثَانِيًا .\rوَهَذَا يُخَالِفُ إجْمَاعَ الصَّحَابَةِ ، فَإِنَّ أَبَا بَكْرَةَ لَمَّا حُدَّ بِقَذْفِ الْمُغِيرَةِ ، أَعَادَ قَذْفَهُ فَلَمْ يَرَوْا عَلَيْهِ حَدًّا ثَانِيًا ، فَرَوَى الْأَثْرَمُ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ ظَبْيَانَ بْنِ عُمَارَةَ ، قَالَ : شَهِدَ عَلَى الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ أَنَّهُ زَانٍ ، فَبَلَغَ ذَلِكَ عُمَرَ ، فَكَبُرَ عَلَيْهِ ، وَقَالَ : شَاطَ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ، وَجَاءَ زِيَادٌ ، فَقَالَ : مَا عِنْدَك ؟ فَلَمْ يَثْبُتْ ، فَأَمَرَ بِهِمْ فَجُلِدُوا ، وَقَالَ : شُهُودُ زُورٍ .\rفَقَالَ أَبُو بَكْرَةَ : أَلَيْسَ تَرْضَى أَنْ أَتَاك رَجُلٌ عَدْلٌ يَشْهَدُ بِرَجْمِهِ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ .\rقَالَ أَبُو بَكْرَةَ : فَأَنَا أَشْهَدُ أَنَّهُ زَانٍ .\rفَأَرَادَ أَنْ يُعِيدَ عَلَيْهِ الْجَلْدَ ، فَقَالَ عَلِيٌّ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، إنَّك إنْ أَعَدْت عَلَيْهِ الْجَلْدَ ، أَوْجَبْت عَلَيْهِ الرَّجْمَ وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ : فَلَا يُعَادُ فِي فِرْيَةٍ جَلْدٌ مَرَّتَيْنِ .\rقَالَ الْأَثْرَمُ : قُلْت لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ : قَوْلَ عَلِيٍّ : إنْ جَلَدْتَهُ فَارْجُمْ صَاحِبَك ؟ قَالَ : كَأَنَّهُ جَعَلَ شَهَادَتَهُ شَهَادَةَ رَجُلَيْنِ .\rقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ : وَكُنْت أَنَا أُفَسِّرُهُ عَلَى هَذَا ، حَتَّى رَأَيْته فِي الْحَدِيثِ ، فَأَعْجَبَنِي .\rثُمَّ قَالَ : يَقُولُ إذَا جَلَدْتَهُ ثَانِيَةً ، فَكَأَنَّك جَعَلْتَهُ شَاهِدًا آخَرَ فَأَمَّا إنْ حُدَّ لَهُ ، ثُمَّ قَذَفَهُ بِزِنًا ثَانٍ ، نَظَرْت ؛ فَإِنْ قَذَفَهُ بَعْدَ طُولِ الْفَصْلِ ، فَحَدٌّ ثَانٍ ؛ لِأَنَّهُ لَا تَسْقُطُ حُرْمَةُ الْمَقْذُوفِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْقَاذِفِ أَبَدًا ، بِحَيْثُ يُمَكَّنُ مِنْ قَذْفِهِ","part":20,"page":175},{"id":9675,"text":"بِكُلِّ حَالٍ .\rوَإِنْ قَذَفَهُ عَقِيبَ حَدِّهِ ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ إحْدَاهُمَا : يُحَدُّ أَيْضًا ؛ لِأَنَّهُ قَذْفٌ لَمْ يَظْهَرْ كَذِبُهُ فِيهِ بِحَدٍّ ، فَيَلْزَمُ فِيهِ حَدٌّ ، كَمَا لَوْ طَالَ الْفَصْلُ ؛ وَلِأَنَّ سَائِرَ أَسْبَابِ الْحَدِّ إذَا تَكَرَّرَتْ بَعْدَ أَنْ حُدَّ لِلْأَوَّلِ ، ثَبَتَ لِلثَّانِي حُكْمُهُ ، كَالزِّنَا وَالسَّرِقَةِ ، وَغَيْرِهِمَا مِنْ الْأَسْبَابِ .\rوَالثَّانِيَةُ : لَا يُحَدُّ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ حُدَّ لَهُ مَرَّةً ، فَلَمْ يُحَدَّ لَهُ بِالْقَذْفِ عَقِبَهُ ، كَمَا لَوْ قَذَفَهَا بِالزِّنَا الْأَوَّلِ .","part":20,"page":176},{"id":9676,"text":"( 7246 ) فَصْلٌ : وَإِذَا قَالَ : مَنْ رَمَانِي فَهُوَ ابْنُ الزَّانِيَةِ .\rفَرَمَاهُ رَجُلٌ ، فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ فِي قَوْلِ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rوَكَذَلِكَ إنْ اخْتَلَفَ رَجُلَانِ فِي شَيْءٍ ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا : الْكَاذِبُ هُوَ ابْنُ الزَّانِيَةِ .\rفَلَا حَدَّ عَلَيْهِ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُعَيِّنْ أَحَدًا بِالْقَذْفِ ، وَكَذَلِكَ مَا أَشْبَهَ هَذَا .\rوَلَوْ قَذَفَ جَمَاعَةً لَا يُتَصَوَّرُ صِدْقُهُ فِي قَذْفِهِمْ ، مِثْلُ أَنْ يَقْذِفَ أَهْلَ بَلْدَةٍ كَثِيرَةٍ بِالزِّنَا كُلَّهُمْ ، لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ حَدٌّ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُلْحِقْ الْعَارَ بِأَحَدٍ غَيْرِ نَفْسِهِ ، لِلْعِلْمِ بِكَذِبِهِ .","part":20,"page":177},{"id":9677,"text":"( 7247 ) فَصْلٌ : وَإِنْ ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ قَذَفَهُ ، فَأَنْكَرَ ، لَمْ يُسْتَحْلَفْ .\rوَبِهِ قَالَ الشَّعْبِيُّ ، وَحَمَّادٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّهُ يُسْتَحْلَفُ ، حَكَاهَا ابْنُ الْمُنْذِرِ ، وَهُوَ قَوْلُ الزُّهْرِيِّ ، وَمَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَإِسْحَاقَ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { وَلَكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ } .\rوَلِأَنَّهُ حَقٌّ لِآدَمِيٍّ ، فَيُسْتَحْلَفُ فِيهِ كَالدَّيْنِ .\rوَوَجْهُ الْأُولَى : أَنَّهُ حَدٌّ ، فَلَا يُسْتَحْلَفُ فِيهِ ، كَالزِّنَا وَالسَّرِقَةِ .\rفَإِنْ نَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ ، لَمْ يُقَمْ عَلَيْهِ الْحَدُّ ؛ لِأَنَّ الْحَدَّ يُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ ، فَلَا يُقْضَى فِيهِ بِالنُّكُولِ ، كَسَائِرِ الْحُدُودِ .","part":20,"page":178},{"id":9678,"text":"( 7248 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَمَنْ قَتَلَ ، أَوْ أَتَى حَدًّا خَارِجَ الْحَرَمِ ، ثُمَّ لَجَأَ إلَى الْحَرَمِ ، لَمْ يُبَايَعْ وَلَمْ يُشَارَ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ الْحَرَمِ ، فَيُقَامَ عَلَيْهِ الْحَدُّ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ مَنْ جَنَى جِنَايَةً تُوجِبُ قَتْلًا خَارِجَ الْحَرَمِ ، ثُمَّ لَجَأَ إلَيْهِ ، لَمْ يُسْتَوْفَ مِنْهُ فِيهِ .\rوَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَعَطَاءٍ ، وَعُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ ، وَالزُّهْرِيِّ ، وَمُجَاهِدٍ ، وَإِسْحَاقَ ، وَالشَّعْبِيِّ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابِهِ .\rوَأَمَّا غَيْرُ الْقَتْلِ مِنْ الْحُدُودِ كُلِّهَا وَالْقِصَاصِ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ ، فَعَنْ أَحْمَدَ فِيهِ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا : لَا يُسْتَوْفَى مِنْ الْمُلْتَجِئِ إلَى الْحَرَمِ فِيهِ .\rوَالثَّانِيَةُ : يُسْتَوْفَى .\rوَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّ الْمَرْوِيَّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّهْيُ عَنْ الْقَتْلِ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { فَلَا يُسْفَكْ فِيهَا دَمٌ .\r} وَحُرْمَةُ النَّفْسِ أَعْظَمُ ، فَلَا يُقَاسُ غَيْرُهَا عَلَيْهَا ؛ وَلِأَنَّ الْحَدَّ بِالْجَلْدِ جَرَى مَجْرَى التَّأْدِيبِ ، فَلَمْ يُمْنَعْ مِنْهُ ، كَتَأْدِيبِ السَّيِّدِ عَبْدَهُ .\rوَالْأَوْلَى ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ ، وَهِيَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ : هَذِهِ مَسْأَلَةٌ وَجَدْتهَا مُفْرَدَةً لِحَنْبَلٍ عَنْ عَمِّهِ ، أَنَّ الْحُدُودَ كُلَّهَا تُقَامُ فِي الْحَرَمِ ، إلَّا الْقَتْلَ .\rوَالْعَمَلُ عَلَى أَنَّ كُلَّ جَانٍ دَخَلَ الْحَرَمَ ، لَمْ يُقَمْ عَلَيْهِ حَدُّ جِنَايَتِهِ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْهُ .\rوَإِنْ هَتَكَ حُرْمَةَ الْحَرَمِ بِالْجِنَايَةِ فِيهِ ، هُتِكَتْ حُرْمَتُهُ بِإِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ فِيهِ .\rوَقَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ : يُسْتَوْفَى مِنْهُ فِيهِ ؛ لِعُمُومِ الْأَمْرِ بِجَلْدِ الزَّانِي ، وَقَطْعِ السَّارِقِ ، وَاسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ مِنْ غَيْرِ تَخْصِيصٍ بِمَكَانٍ دُونَ مَكَان ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { الْحَرَمُ لَا يُعِيذُ عَاصِيًا ، وَلَا فَارًّا بِخَرْبَةٍ وَلَا دَمٍ } { .\rوَقَدْ أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ","part":20,"page":179},{"id":9679,"text":"عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَتْلِ ابْنِ حَنْظَلٍ وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ } .\rحَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ .\rوَلِأَنَّهُ حَيَوَانٌ أُبِيحَ دَمُهُ لِعِصْيَانِهِ ، فَأَشْبَهَ الْكَلْبَ الْعَقُورَ .\rوَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا } .\rيَعْنِي الْحَرَمَ ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ : { فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إبْرَاهِيمَ } .\rوَالْخَبَرُ أُرِيدَ بِهِ الْأَمْرُ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أُرِيدَ بِهِ الْخَبَرُ ، لَأَفْضَى إلَى وُقُوعِ الْخَبَرِ خِلَافَ الْمُخْبَرِ .\rوَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إنَّ اللَّهَ حَرَّمَ مَكَّةَ وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مُسْلِمٍ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ، أَنْ يَسْفِكَ فِيهَا دَمًا ، وَلَا يَعْضِدَ بِهَا شَجَرَةً ، فَإِنْ أَحَدٌ تَرَخَّصَ لِقِتَالِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُولُوا : إنَّ اللَّهَ أَذِنَ لِرَسُولِهِ ، وَلَمْ يَأْذَنْ لَكُمْ .\rوَإِنَّمَا أَذِنَ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ ، وَقَدْ عَادَتْ حُرْمَتُهَا الْيَوْمَ كَحُرْمَتِهَا بِالْأَمْسِ ، فَلْيُبَلِّغْ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ } وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إنَّ اللَّهَ حَرَّمَ مَكَّةَ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ، وَإِنَّمَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ ، ثُمَّ عَادَتْ إلَى حُرْمَتِهَا ، فَلَا يُسْفَكُ فِيهَا دَمٌ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا .\rفَالْحُجَّةُ فِيهِ مِنْ وَجْهَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ حَرَّمَ سَفْكَ الدَّمِ بِهَا عَلَى الْإِطْلَاقِ ، وَتَخْصِيصُ مَكَّةَ بِهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ الْعُمُومَ ، فَإِنَّهُ لَوْ أَرَادَ سَفْكَ الدَّمِ الْحَرَامِ ، لَمْ يَخْتَصَّ بِهِ مَكَّةَ ، فَلَا يَكُونُ التَّخْصِيصُ مُفِيدًا .\rوَالثَّانِي : قَوْلُهُ : { وَإِنَّمَا حَلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ ، ثُمَّ عَادَتْ حُرْمَتُهَا .\r} وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ إنَّمَا أُحِلَّ لَهُ سَفْكُ دَمٍ حَلَالٍ فِي غَيْرِ الْحَرَمِ ، فَحَرَّمَهَا الْحَرَمُ ، ثُمَّ أُحِلَّتْ لَهُ سَاعَةً ، ثُمَّ عَادَتْ الْحُرْمَةُ ، ثُمَّ أَكَّدَ هَذَا بِمَنْعِهِ قِيَاسَ غَيْرِهِ عَلَيْهِ .\rوَالِاقْتِدَاءُ بِهِ فِيهِ بِقَوْلِهِ : { فَإِنْ أَحَدٌ","part":20,"page":180},{"id":9680,"text":"تَرَخَّصَ لِقِتَالِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُولُوا : إنَّ اللَّهَ أَذِنَ لِرَسُولِهِ ، وَلَمْ يَأْذَنْ لَكُمْ .\r} وَهَذَا يَدْفَعُ مَا احْتَجُّوا بِهِ مِنْ قَتْلِ ابْنِ حَنْظَلٍ ؛ فَإِنَّهُ مِنْ رُخْصَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّتِي مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يَقْتَدُوا بِهِ فِيهَا ، وَبَيَّنَ أَنَّهَا لَهُ عَلَى الْخُصُوصِ ، وَمَا رَوَوْهُ مِنْ الْحَدِيثِ ، فَهُوَ مِنْ كَلَامِ عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ الْأَشْدَقِ يَرُدُّ بِهِ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ رَوَى لَهُ أَبُو شُرَيْحٍ هَذَا الْحَدِيثَ ، وَقَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ .\rوَأَمَّا جَلْدُ الزَّانِي ، وَقَطْعُ السَّارِقِ ، وَالْأَمْرُ بِالْقِصَاصِ ، فَإِنَّمَا هُوَ مُطْلَقٌ فِي الْأَمْكِنَةِ وَالْأَزْمِنَةِ ، فَإِنَّهُ يَتَنَاوَلُ مَكَانًا غَيْرَ مُعَيَّنٍ ضَرُورَةَ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ مَكَان ، فَيُمْكِنُ إقَامَتُهُ فِي مَكَان غَيْرِ الْحَرَمِ ، ثُمَّ لَوْ كَانَ عُمُومًا ، فَإِنَّ مَا رَوَيْنَاهُ خَاصٌّ يُخَصُّ بِهِ ، مَعَ أَنَّهُ قَدْ خُصَّ مِمَّا ذَكَرُوهُ الْحَامِلُ ، وَالْمَرِيضُ الْمَرْجُوُّ بُرْؤُهُ ، فَتَأَخَّرَ الْحَدُّ عَنْهُ ، وَتَأَخَّرَ قَتْلُ الْحَامِلِ ، فَجَازَ أَنْ يُخَصَّ أَيْضًا بِمَا ذَكَرْنَاهُ .\rوَالْقِيَاسُ عَلَى الْكَلْبِ الْعَقُورِ غَيْرُ صَحِيحٍ ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ طَبْعُهُ الْأَذَى ، فَلَمْ يُحَرِّمْهُ الْحَرَمُ لِيُدْفَعَ أَذَاهُ عَنْ أَهْلِهِ ، فَأَمَّا الْأَذَى ، فَالْأَصْلُ فِيهِ الْحُرْمَةُ ، وَحُرْمَتُهُ عَظِيمَةٌ ، وَإِنَّمَا أُبِيحَ لِعَارِضٍ ، فَأَشْبَهَ الصَّائِلَ مِنْ الْحَيَوَانَاتِ الْمُبَاحَةِ مِنْ الْمَأْكُولَاتِ ، فَإِنَّ الْحَرَمَ يَعْصِمُهَا .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّهُ لَا يُبَايَعُ وَلَا يُشَارَى وَلَا يُطْعَمُ وَلَا يُؤْوَى ، وَيُقَالُ لَهُ : اتَّقِ اللَّهَ وَاخْرُجْ إلَى الْحِلِّ ؛ لِيُسْتَوْفَى مِنْك الْحَقُّ الَّذِي قِبَلَك .\rفَإِذَا خَرَجَ اُسْتُوْفِيَ حَقُّ اللَّهِ مِنْهُ .\rوَهُوَ قَوْلُ جَمِيعِ مَنْ ذَكَرْنَاهُ .\rوَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أُطْعِمَ وَأُوِيَ ، لَتَمَكَّنَ مِنْ الْإِقَامَةِ دَائِمًا ،","part":20,"page":181},{"id":9681,"text":"فَيَضِيعَ الْحَقُّ الَّذِي عَلَيْهِ ، وَإِذَا مُنِعَ مِنْ ذَلِكَ ، كَانَ وَسِيلَةً إلَى خُرُوجِهِ ، فَيُقَامَ فِيهِ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى .\rوَلَيْسَ عَلَيْنَا إطْعَامُهُ ، كَمَا أَنَّ الصَّيْدَ لَا يُصَادُ فِي الْحَرَمِ ، وَلَيْسَ عَلَيْنَا الْقِيَامُ بِهِ .\rقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - : مَنْ أَصَابَ حَدًّا ، ثُمَّ لَجَأَ إلَى الْحَرَمِ ، فَإِنَّهُ لَا يُجَالَسُ ، وَلَا يُبَايَعُ ، وَلَا يُؤْوَى ، وَيَأْتِيهِ مَنْ يَطْلُبُهُ ، فَيَقُولُ : أَيْ فُلَانُ ، اتَّقِ اللَّهَ .\rفَإِذَا خَرَجَ مِنْ الْحَرَمِ ، أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ .\rرَوَاهُ الْأَثْرَمُ .\rفَإِنْ قَتَلَ مَنْ لَهُ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ فِي الْحَرَمِ ، وَأَقَامَ حَدًّا بِجَلْدٍ أَوْ قَتْلٍ أَوْ قَطْعِ طَرَفٍ ، أَسَاءَ ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ اسْتَوْفَى حَقَّهُ فِي حَالٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ اسْتِيفَاؤُهُ فِيهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ اقْتَصَّ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ أَوْ بَرْدٍ مُفْرِطٍ .","part":20,"page":182},{"id":9682,"text":"مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَمَنْ قَتَلَ ، أَوْ أَتَى حَدًّا فِي الْحَرَمِ ، أُقِيمَ عَلَيْهِ فِي الْحَرَمِ .\r) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ مَنْ انْتَهَكَ حُرْمَةَ الْحَرَمِ ، بِجِنَايَةٍ فِيهِ تُوجِبُ حَدًّا أَوْ قِصَاصًا فَإِنَّهُ يُقَامُ عَلَيْهِ حَدُّهَا ، لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا .\rوَقَدْ رَوَى الْأَثْرَمُ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّهُ قَالَ : مَنْ أَحْدَثَ حَدَثًا فِي الْحَرَمِ ، أُقِيمَ عَلَيْهِ مَا أَحْدَثَ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ .\rوَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِقِتَالِ مَنْ قَاتَلَ فِي الْحَرَمِ .\rفَقَالَ تَعَالَى : { وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ } .\rفَأَبَاحَ قَتْلَهُمْ عِنْدَ قِتَالِهِمْ فِي الْحَرَمِ ؛ وَلِأَنَّ أَهْلَ الْحَرَمِ يَحْتَاجُونَ إلَى الزَّجْرِ عَنْ ارْتِكَابِ الْمَعَاصِي كَغَيْرِهِمْ ، حِفْظًا لِأَنْفُسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ وَأَعْرَاضِهِمْ ، فَلَوْ لَمْ يُشْرَعْ الْحَدُّ فِي حَقِّ مَنْ ارْتَكَبَ الْحَدَّ فِي الْحَرَمِ ، لَتَعَطَّلَتْ حُدُودُ اللَّهِ تَعَالَى فِي حَقِّهِمْ ، وَفَاتَتْ هَذِهِ الْمَصَالِحُ الَّتِي لَا بُدَّ مِنْهَا ، وَلَا يَجُوزُ الْإِخْلَالُ بِهَا ؛ وَلِأَنَّ الْجَانِيَ فِي الْحَرَمِ هَاتِكٌ لِحُرْمَتِهِ ، فَلَا يَنْتَهِضُ الْحَرَمُ لِتَحْرِيمِ ذِمَّتِهِ وَصِيَانَتِهِ ، بِمَنْزِلَةِ الْجَانِي فِي دَارِ الْمَلِكِ ، لَا يُعْصَمُ لِحُرْمَةِ الْمَلِكِ ، بِخِلَافِ الْمُلْتَجِئِ إلَيْهَا بِجِنَايَةٍ صَدَرَتْ مِنْهُ فِي غَيْرِهَا .","part":20,"page":183},{"id":9683,"text":"( 7250 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا حَرَمُ مَدِينَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَا يَمْنَعُ إقَامَةَ حَدٍّ وَلَا قِصَاصٍ ؛ لِأَنَّ النَّصَّ إنَّمَا وَرَدَ فِي حَرَمِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَحَرَمُ الْمَدِينَةِ دُونَهُ فِي الْحُرْمَةِ ، فَلَا يَصِحُّ قِيَاسُهُ عَلَيْهِ .\rوَكَذَلِكَ سَائِرُ الْبِقَاعِ ، لَا تَمْنَعُ مِنْ اسْتِيفَاءِ حَقٍّ ، وَلَا إقَامَةِ حَدٍّ ؛ لِأَنَّ أَمْرَ اللَّهِ تَعَالَى بِاسْتِيفَاءِ الْحُقُوقِ ، وَإِقَامَةِ الْحَدِّ مُطْلَقٌ فِي الْأَمْكِنَةِ وَالْأَزْمِنَةِ ، خَرَجَ مِنْهَا الْحَرَمُ لِمَعْنًى لَا يَكْفِي فِي غَيْرِهِ ؛ لِأَنَّهُ مَحَلُّ الْأَنْسَاكِ وَقِبْلَةُ الْمُسْلِمِينَ ، وَفِيهِ بَيْتُ اللَّهِ الْمَحْجُوجُ ، وَأَوَّلُ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ ، وَمَقَامُ ، إبْرَاهِيمَ ، وَآيَاتٌ بَيِّنَاتٌ ، فَلَا يُلْتَحَقُ بِهِ سِوَاهُ ، وَلَا يُقَاسُ عَلَيْهِ مَا لَيْسَ فِي مَعْنَاهُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - .","part":20,"page":184},{"id":9684,"text":"بَابُ الْقَطْعِ فِي السَّرِقَةِ وَالْأَصْلُ فِيهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ ؛ أَمَّا الْكِتَابُ ، فَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا } .\rوَأَمَّا السُّنَّةُ ، فَرَوَتْ عَائِشَةُ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قَالَ { تُقْطَعُ الْيَدُ فِي رُبْعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا } .\rوَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ ، بِأَنَّهُمْ كَانُوا إذَا سَرَقَ فِيهِمْ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمْ الضَّعِيفُ قَطَعُوهُ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا .\rفِي أَخْبَارٍ سِوَى هَذَيْنِ ، نَذْكُرُهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي مَوَاضِعِهَا ، وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى وُجُوبِ قَطْعِ السَّارِقِ فِي الْجُمْلَةِ .","part":20,"page":185},{"id":9685,"text":"( 7251 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - : ( وَإِذَا سَرَقَ رُبْعَ دِينَارٍ مِنْ الْعَيْنِ ، أَوْ ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ مِنْ الْوَرِقِ ، أَوْ قِيمَةَ ثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ ، طَعَامًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ ، وَأَخْرَجَهُ مِنْ الْحِرْزِ ، قُطِعَ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْقَطْعِ لَا يَجِبُ إلَّا بِشُرُوطٍ سَبْعَةٍ ؛ أَحَدُهَا : السَّرِقَةُ ، وَمَعْنَى السَّرِقَةِ : أَخْذُ الْمَالِ عَلَى وَجْهِ الْخِفْيَةِ وَالِاسْتِتَارِ .\rوَمِنْهُ اسْتِرَاقُ السَّمْعِ ، وَمُسَارَقَةُ النَّظَرِ ، إذَا كَانَ يَسْتَخْفِي بِذَلِكَ ، فَإِنْ اخْتَطَفَ أَوْ اخْتَلَسَ ، لَمْ يَكُنْ سَارِقًا ، وَلَا قَطْعَ عَلَيْهِ عِنْدَ أَحَدٍ عَلِمْنَاهُ غَيْرَ إيَاسِ بْنِ مُعَاوِيَةَ ، قَالَ : أَقْطَعُ الْمُخْتَلِسَ ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَخْفِي بِأَخْذِهِ ، فَيَكُونُ سَارِقًا ، وَأَهْلُ الْفِقْهِ وَالْفَتْوَى مِنْ عُلَمَاءِ الْأَمْصَارِ عَلَى خِلَافِهِ .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { لَيْسَ عَلَى الْخَائِنِ وَلَا الْمُخْتَلِسِ قَطْعٌ } .\rوَعَنْ جَابِرٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَيْسَ عَلَى الْمُنْتَهِبِ قَطْعٌ } .\rرَوَاهُمَا أَبُو دَاوُد .\rوَقَالَ : لَمْ يَسْمَعْهُمَا ابْنُ جُرَيْجٍ مِنْ أَبِي الزُّبَيْرِ .\rوَلِأَنَّ الْوَاجِبَ قَطْعُ السَّارِقِ ، وَهَذَا غَيْرُ سَارِقٍ ؛ وَلِأَنَّ الِاخْتِلَاسَ نَوْعٌ مِنْ الْخَطْفِ وَالنَّهْبِ ، وَإِنَّمَا يَسْتَخْفِي فِي ابْتِدَاءِ اخْتِلَاسِهِ ، بِخِلَافِ السَّارِقِ .\rوَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ ، عَنْ أَحْمَدَ ، فِي جَاحِدِ الْعَارِيَّةِ ، فَعَنْهُ : عَلَيْهِ الْقَطْعُ .\rوَهُوَ قَوْلُ إِسْحَاقَ ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ ، { أَنَّ امْرَأَةً كَانَتْ تَسْتَعِيرُ الْمَتَاعَ وَتَجْحَدُهُ ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَطْعِ يَدِهَا ، فَأَتَى أَهْلُهَا أُسَامَةَ فَكَلَّمُوهُ ، فَكَلَّمَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا أَرَاك تُكَلِّمُنِي فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى .\rثُمَّ قَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطِيبًا ، فَقَالَ : إنَّمَا","part":20,"page":186},{"id":9686,"text":"هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِأَنَّهُ إذَا سَرَقَ فِيهِمْ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمْ الضَّعِيفُ قَطَعُوهُ ، وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ، لَوْ كَانَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَقَطَعْت يَدَهَا .\rقَالَتْ : فَقَطَعَ يَدَهَا } .\rقَالَ أَحْمَدُ : لَا أَعْرِفُ شَيْئًا يَدْفَعُهُ .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ، وَعَنْهُ : لَا قَطْعَ عَلَيْهِ ، وَهُوَ قَوْلُ الْخِرَقِيِّ ، وَأَبِي إِسْحَاقَ بْنِ شَاقِلَا ، وَأَبِي الْخَطَّابِ ، وَسَائِرِ الْفُقَهَاءِ .\rوَهُوَ الصَّحِيحُ - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - ؛ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا قَطْعَ عَلَى الْخَائِنِ } .\rوَلِأَنَّ الْوَاجِبَ قَطْعُ السَّارِقِ ، وَالْجَاحِدُ غَيْرُ سَارِقٍ ، وَإِنَّمَا هُوَ خَائِنٌ ، فَأَشْبَهَ جَاحِدَ الْوَدِيعَةِ ، وَالْمَرْأَةُ الَّتِي كَانَتْ تَسْتَعِيرُ الْمَتَاعَ إنَّمَا قُطِعَتْ لِسَرِقَتِهَا ، لَا بِجَحْدِهَا ، أَلَا تَرَى قَوْلَهُ : { إذَا سَرَقَ فِيهِمْ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمْ الضَّعِيفُ قَطَعُوهُ } .\rوَقَوْلَهُ : { وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ كَانَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ ، لَقَطَعْت يَدَهَا } .\rوَفِي بَعْضِ أَلْفَاظِ رِوَايَةِ هَذِهِ الْقِصَّةِ عَنْ عَائِشَةَ ، أَنَّ قُرَيْشًا أَهَمَّهُمْ شَأْنُ الْمَخْزُومِيَّةِ الَّتِي سَرَقَتْ ، وَذَكَرَتْ الْقِصَّةَ .\rرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ .\rوَفِي حَدِيثٍ أَنَّهَا سَرَقَتْ قَطِيفَةً ، فَرَوَى الْأَثْرَمُ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ مَسْعُودِ بْنِ الْأَسْوَدِ قَالَ : { لَمَّا سَرَقَتْ الْمَرْأَةُ تِلْكَ الْقَطِيفَةَ مِنْ بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْظَمْنَا ذَلِكَ ، وَكَانَتْ امْرَأَةً مِنْ قُرَيْشٍ ، فَجِئْنَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْنَا : نَحْنُ نَفْدِيهَا بِأَرْبَعِينَ أُوقِيَّةً .\rقَالَ : تُطَهَّرَ خَيْرٌ لَهَا .\rفَلَمَّا سَمِعْنَا لِينَ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ، أَتَيْنَا أُسَامَةَ ، فَقُلْنَا : كَلِّمْ لَنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\r} وَذَكَرَ الْحَدِيثَ نَحْوَ سِيَاقِ عَائِشَةَ .\rوَهَذَا ظَاهِرٌ فِي أَنَّ الْقِصَّةَ وَاحِدَةٌ ، وَأَنَّهَا","part":20,"page":187},{"id":9687,"text":"سَرَقَتْ فَقُطِعَتْ بِسَرِقَتِهَا ، وَإِنَّمَا عَرَّفَتْهَا عَائِشَةُ بِجَحْدِهَا لِلْعَارِيَّةِ ؛ لِكَوْنِهَا مَشْهُورَةً بِذَلِكَ ، وَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ سَبَبًا ، كَمَا لَوْ عَرَّفَتْهَا بِصِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهَا ، وَفِيمَا ذَكَرْنَا جَمْعٌ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ ، وَمُوَافَقَةٌ لِظَاهِرِ الْأَحَادِيثِ وَالْقِيَاسِ وَفُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ ، فَيَكُونُ أَوْلَى .\rفَأَمَّا جَاحِدُ الْوَدِيعَةِ وَغَيْرِهَا مِنْ الْأَمَانَاتِ ، فَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا يَقُولُ بِوُجُوبِ الْقَطْعِ عَلَيْهِ .","part":20,"page":188},{"id":9688,"text":"الشَّرْطُ الثَّانِي : أَنْ يَكُونَ الْمَسْرُوقُ نِصَابًا ، وَلَا قَطْعَ فِي الْقَلِيلِ ، فِي قَوْلِ الْفُقَهَاءِ كُلِّهِمْ ، إلَّا الْحَسَنَ ، وَدَاوُد ، وَابْنَ بِنْتِ الشَّافِعِيِّ ، وَالْخَوَارِجَ ، قَالُوا : يُقْطَعُ فِي الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ ؛ لِعُمُومِ الْآيَةِ ، وَلِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { لَعَنَ اللَّهُ السَّارِقَ ، يَسْرِقُ الْحَبْلَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ ، وَيَسْرِقُ الْبَيْضَةَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَلِأَنَّهُ سَارِقٌ مِنْ حِرْزٍ ، فَتُقْطَعُ يَدُهُ ، كَسَارِقِ الْكَثِيرِ .\rوَلَنَا قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا قَطْعَ إلَّا فِي رُبْعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَإِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ .\rوَهَذَا يَخُصُّ عُمُومَ الْآيَةِ ، وَالْحَبْلُ يَحْتَمِلُ أَنْ يُسَاوِيَ ذَلِكَ ، وَكَذَلِكَ الْبَيْضَةُ ، يُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِهَا بَيْضَةُ السِّلَاحِ ، وَهِيَ تُسَاوِي ذَلِكَ .\rوَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ فِي قَدْرِ النِّصَابِ الَّذِي يَجِبُ الْقَطْعُ بِسَرِقَتِهِ ، فَرَوَى عَنْهُ أَبُو إِسْحَاقَ الْجُوزَجَانِيُّ ، أَنَّهُ رُبْعُ دِينَارٍ مِنْ الذَّهَبِ ، أَوْ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ مِنْ الْوَرِقِ ، أَوْ مَا قِيمَتُهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ مِنْ غَيْرِهِمَا .\rوَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ ، وَإِسْحَاقَ .\rوَرَوَى عَنْهُ الْأَثْرَمُ ، أَنَّهُ إنْ سَرَقَ مِنْ غَيْرِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ ، مَا قِيمَتُهُ رُبْعُ دِينَارٍ ، أَوْ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ قُطِعَ .\rفَعَلَى هَذَا يُقَوَّمُ غَيْرُ الْأَثْمَانِ بِأَدْنَى الْأَمْرَيْنِ ، مِنْ رُبْعِ دِينَارٍ ، أَوْ ثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ .\rوَعَنْهُ ، أَنَّ الْأَصْلَ الْوَرِقُ ، وَيُقَوَّمُ الذَّهَبُ بِهِ ، فَإِنْ نَقَصَ رُبْعُ دِينَارٍ عَنْ ثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ ، لَمْ يُقْطَعْ سَارِقُهُ .\rوَهَذَا يُحْكَى عَنْ اللَّيْثِ ، وَأَبِي ثَوْرٍ .\rوَقَالَتْ عَائِشَةُ : لَا قَطْعَ إلَّا فِي رُبْعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا .\rوَرُوِيَ هَذَا عَنْ عُمَرَ ، وَعُثْمَانَ ، وَعَلِيٍّ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ .\rوَبِهِ قَالَ الْفُقَهَاءُ السَّبْعَةُ ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ،","part":20,"page":189},{"id":9689,"text":"وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ ؛ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { لَا قَطْعَ إلَّا فِي رُبْعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا .\r} وَقَالَ عُثْمَانُ الْبَتِّيُّ : تُقْطَعُ الْيَدُ فِي دِرْهَمٍ ، فَمَا فَوْقَهُ .\rوَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَأَبِي سَعِيدٍ ، أَنَّ الْيَدَ تُقْطَعُ فِي أَرْبَعَةِ دَرَاهِمَ فَصَاعِدًا .\rوَعَنْ عُمَرَ أَنَّ الْخَمْسَ لَا تُقْطَعُ إلَّا فِي الْخَمْسِ .\rوَبِهِ قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى ، وَابْنُ شُبْرُمَةَ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ الْحَسَنِ .\rوَقَالَ أَنَسٌ : قَطَعَ أَبُو بَكْرٍ فِي مِجَنٍّ قِيمَتُهُ خَمْسَةُ دَرَاهِمَ .\rرَوَاهُ الْجُوزَجَانِيُّ بِإِسْنَادِهِ .\rوَقَالَ عَطَاءٌ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ : لَا تُقْطَعُ الْيَدُ إلَّا فِي دِينَارٍ ، أَوْ عَشْرَةِ دَرَاهِمَ ؛ لِمَا رَوَى الْحَجَّاجُ بْنُ أَرْطَاةَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { لَا قَطْعَ إلَّا فِي عَشْرَةِ دَرَاهِمَ } .\rوَرَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ .\rقَالَ : { قَطَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَ رَجُلٍ فِي مِجَنٍّ ، قِيمَتُهُ دِينَارٌ ، أَوْ عَشْرَةُ دَرَاهِمَ } .\rوَعَنْ النَّخَعِيِّ : لَا تُقْطَعُ الْيَدُ إلَّا فِي أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا .\rوَلَنَا مَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ ، { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَطَعَ فِي مِجَنٍّ ثَمَنُهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : هَذَا أَصَحُّ حَدِيثٍ يُرْوَى فِي هَذَا الْبَابِ ، لَا يَخْتَلِفُ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي ذَلِكَ .\rوَحَدِيثُ أَبِي حَنِيفَةَ الْأَوَّلُ يَرْوِيهِ الْحَجَّاجُ بْنُ أَرْطَاةَ ، وَهُوَ ضَعِيفٌ ، وَاَلَّذِي يَرْوِيهِ عَنْ الْحَجَّاجِ ضَعِيفٌ أَيْضًا .\rوَالْحَدِيثُ الثَّانِي لَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى أَنَّهُ لَا يُقْطَعُ بِمَا دُونَهُ ، فَإِنَّ مَنْ أَوْجَبَ الْقَطْعَ بِثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ ، أَوْجَبَهُ بِعَشْرَةٍ ، وَيَدُلُّ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّ الْعَرْضَ يُقَوَّمُ بِالدَّرَاهِمِ ؛ لِأَنَّ الْمِجَنَّ قُوِّمَ بِهَا ؛ وَلِأَنَّ مَا كَانَ","part":20,"page":190},{"id":9690,"text":"الذَّهَبُ فِيهِ أَصْلًا ، كَانَ الْوَرِقُ فِيهِ أَصْلًا ، كَنُصُبِ الزَّكَاةِ ، وَالدِّيَاتِ وَقِيَمِ الْمُتْلَفَاتِ .\rوَقَدْ رَوَى أَنَسٌ ، أَنَّ سَارِقًا سَرَقَ مِجَنًّا مَا يَسُرُّنِي أَنَّهُ لِي بِثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ ، أَوْ مَا يُسَاوِي ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ ، فَقَطَعَهُ أَبُو بَكْرٍ .\rوَأُتِيَ عُثْمَانُ بِرَجُلٍ قَدْ سَرَقَ أُتْرُجَّةً ، فَأَمَرَ بِهَا عُثْمَانُ فَأُقِيمَتْ ، فَبَلَغَتْ قِيمَتُهَا رُبْعَ دِينَارٍ ، فَأَمَرَ بِهِ عُثْمَانُ فَقُطِعَ .","part":20,"page":191},{"id":9691,"text":"( 7252 ) فَصْلٌ : وَإِذَا سَرَقَ رُبْعَ دِينَارٍ مِنْ الْمَضْرُوبِ الْخَالِصِ ، فَفِيهِ الْقَطْعُ .\rوَإِنْ كَانَ فِيهِ غِشٌّ أَوْ تِبْرٌ يَحْتَاجُ إلَى تَصْفِيَةٍ ، لَمْ يَجِبْ الْقَطْعُ حَتَّى يَبْلُغَ مَا فِيهِ مِنْ الذَّهَبِ رُبْعَ دِينَارٍ ؛ لِأَنَّ السَّبْكَ يَنْقُصُهُ .\rوَإِنْ سَرَقَ رُبْعَ دِينَارٍ قُرَاضَةً ، أَوْ تِبْرًا خَالِصًا ، أَوْ حُلِيًّا ، فَفِيهِ الْقَطْعُ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، فِي رِوَايَةِ الْجُوزَجَانِيِّ ، قَالَ قُلْت لَهُ : كَيْفَ يَسْرِقُ رُبْعَ دِينَارٍ ؟ فَقَالَ : قِطْعَةَ ذَهَبٍ ، أَوْ خَاتَمًا ، أَوْ حُلِيًّا .\rوَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ .\rوَذَكَرَ الْقَاضِي فِي وُجُوبِ الْقَطْعِ احْتِمَالَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا : لَا قَطْعَ عَلَيْهِ .\rوَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ الدِّينَارَ اسْمٌ لِلْمَضْرُوبِ .\rوَلَنَا أَنَّ ذَلِكَ رُبْعُ دِينَارٍ ؛ لِأَنَّهُ يُقَالُ : دِينَارٌ قُرَاضَةٌ ، وَمُكَسَّرٌ ، أَوْ دِينَارٌ خَالِصٌ .\rوَلِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ سَرِقَةُ رُبْعِ دِينَارٍ مُفْرَدٍ فِي الْغَالِبِ إلَّا مَكْسُورًا .\rوَقَدْ أُوجِبَ عَلَيْهِ الْقَطْعُ بِذَلِكَ ؛ وَلِأَنَّهُ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى تَعَلَّقَ بِالْمَضْرُوبِ ، فَتَعَلَّقَ بِمَا لَيْسَ بِمَضْرُوبٍ ، كَالزَّكَاةِ ، وَالْخِلَافُ فِيمَا إذَا سَرَقَ مِنْ الْمَكْسُورِ وَالتِّبْرِ مَا لَا يُسَاوِي رُبْعَ دِينَارٍ صَحِيحٍ ، فَإِنْ بَلَغَ ذَلِكَ فَفِيهِ الْقَطْعُ .\rوَالدِّينَارُ هُوَ الْمِثْقَالُ مِنْ مَثَاقِيلِ النَّاسِ الْيَوْمَ ، وَهُوَ الَّذِي كُلُّ سَبْعَةٍ مِنْهَا عَشْرَةُ دَرَاهِمَ ، وَهُوَ الَّذِي كَانَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَبْلَهُ وَلَمْ يَتَغَيَّرْ ، وَإِنَّمَا كَانَتْ الدَّرَاهِمُ مُخْتَلِفَةً ، فَجُمِعَتْ وَجُعِلَتْ كُلُّ عَشْرَةٍ مِنْهَا سَبْعَةَ مَثَاقِيلَ ، فَهِيَ الَّتِي يَتَعَلَّقُ الْقَطْعُ بِثَلَاثَةٍ مِنْهَا ، إذَا كَانَتْ خَالِصَةً ، مَضْرُوبَةً كَانَتْ أَوْ غَيْرَ مَضْرُوبَةٍ ، عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فِي الذَّهَبِ .\rوَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ النِّصَابَ إنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَضْرُوبِ مِنْهَا ، وَقَدْ ذَكَرَ مَا دَلَّ عَلَيْهِ ، وَيُحْتَمَلُ مَا قَالَهُ فِي الدَّرَاهِمِ ؛","part":20,"page":192},{"id":9692,"text":"لِأَنَّ إطْلَاقَهَا يَتَنَاوَلُ الصِّحَاحَ الْمَضْرُوبَةَ ، بِخِلَافِ رُبْعِ الدِّينَارِ ، عَلَى أَنَّنَا قَدْ ذَكَرْنَا فِيهَا احْتِمَالًا مُتَقَدِّمًا ، فَهَاهُنَا أَوْلَى .\rوَمَا قُوِّمَ مِنْ غَيْرِهِمَا بِهِمَا ، فَلَا قَطْعَ فِيهِ ، حَتَّى يَبْلُغَ ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ صِحَاحًا ؛ لِأَنَّ إطْلَاقَهَا يَنْصَرِفُ إلَى الْمَضْرُوبِ دُونَ الْمُكَسَّرِ .","part":20,"page":193},{"id":9693,"text":"الشَّرْطُ الثَّالِثُ : أَنْ يَكُونَ الْمَسْرُوقُ مَالًا ، فَإِنْ سَرَقَ مَا لَيْسَ بِمَالٍ ، كَالْحُرِّ ، فَلَا قَطْعَ فِيهِ ، صَغِيرًا كَانَ أَوْ كَبِيرًا .\rوَبِهَذَا قَالَ ، الشَّافِعِيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ .\rوَقَالَ الْحَسَنُ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَإِسْحَاقُ : يُقْطَعُ بِسَرِقَةِ الْحُرِّ الصَّغِيرِ ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُمَيِّزٍ ، أَشْبَهَ الْعَبْدَ .\rوَذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ رِوَايَةً عَنْ أَحْمَدَ .\rوَلَنَا أَنَّهُ لَيْسَ بِمَالٍ ، فَلَا يُقْطَعُ بِسَرِقَتِهِ ، كَالْكَبِيرِ النَّائِمِ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّهُ إنْ كَانَ عَلَيْهِ حُلِيٌّ أَوْ ثِيَابٌ تَبْلُغُ نِصَابًا ، لَمْ يُقْطَعْ .\rوَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَكْثَرُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ .\rوَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ وَجْهًا آخَرَ ، أَنَّهُ يُقْطَعُ .\rوَبِهِ قَالَ أَبُو يُوسُفَ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ ؛ لِظَاهِرِ الْكِتَابِ ؛ وَلِأَنَّهُ سَرَقَ نِصَابًا مِنْ الْحَلْيِ ، فَوَجَبَ فِيهِ الْقَطْعُ ، كَمَا لَوْ سَرَقَهُ مُنْفَرِدًا .\rوَلَنَا أَنَّهُ تَابِعٌ لِمَا لَا قَطْعَ فِي سَرِقَتِهِ ، أَشْبَهَ ثِيَابَ الْكَبِيرِ ؛ وَلِأَنَّ يَدَ الصَّبِيِّ عَلَى مَا عَلَيْهِ ؛ بِدَلِيلِ أَنَّ مَا يُوجَدُ مَعَ اللَّقِيطِ يَكُونُ لَهُ .\rوَهَكَذَا لَوْ كَانَ الْكَبِيرُ نَائِمًا عَلَى مَتَاعٍ ، فَسَرَقَهُ وَمَتَاعَهُ ، لَمْ يُقْطَعْ ؛ لِأَنَّ يَدَهُ عَلَيْهِ .","part":20,"page":194},{"id":9694,"text":"( 7253 ) فَصْلٌ : وَإِنْ سَرَقَ عَبْدًا صَغِيرًا ، فَعَلَيْهِ الْقَطْعُ ، فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعَ عَلَى هَذَا كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ؛ مِنْهُمْ الْحَسَنُ ، وَمَالِكٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَمُحَمَّدٌ .\rوَالصَّغِيرُ الَّذِي يُقْطَعُ بِسَرِقَتِهِ ، هُوَ الَّذِي لَا يُمَيِّزُ ، فَإِنْ كَانَ كَبِيرًا لَمْ يُقْطَعْ سَارِقُهُ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ نَائِمًا ، أَوْ مَجْنُونًا ، أَوْ أَعْجَمِيًّا لَا يُمَيِّزُ بَيْنَ سَيِّدِهِ وَبَيْنَ غَيْرِهِ فِي الطَّاعَةِ ، فَيُقْطَعُ سَارِقُهُ .\rوَقَالَ أَبُو يُوسُفَ : لَا يُقْطَعُ سَارِقُ الْعَبْدِ وَإِنْ كَانَ صَغِيرًا ؛ لِأَنَّ مَنْ لَا يُقْطَعُ بِسَرِقَتِهِ كَبِيرًا ، لَا يُقْطَعُ بِسَرِقَتِهِ صَغِيرًا ، كَالْحُرِّ .\rوَلَنَا أَنَّهُ سَرَقَ مَالًا مَمْلُوكًا تَبْلُغُ قِيمَتُهُ نِصَابًا ، فَوَجَبَ الْقَطْعُ عَلَيْهِ ، كَسَائِرِ الْحَيَوَانَاتِ .\rوَفَارَقَ الْحُرَّ ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بِمَالٍ وَلَا مَمْلُوكٍ .\rوَفَارَقَ الْكَبِيرَ ؛ لِأَنَّ الْكَبِيرَ لَا يُسْرَقُ ، وَإِنَّمَا يُخْدَعُ بِشَيْءٍ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي حَالِ زَوَالِ عَقْلِهِ ، بِنَوْمٍ ، أَوْ جُنُونٍ ، فَتَصِحُّ سَرِقَتُهُ ، وَيُقْطَعُ سَارِقُهُ .\rفَإِنْ كَانَ الْمَسْرُوقُ فِي حَالِ نَوْمِهِ أَوْ جُنُونِهِ أُمَّ وَلَدٍ ، فَفِي قَطْعِ سَارِقِهَا وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا : لَا يُقْطَعُ ؛ لِأَنَّهَا لَا يَحِلُّ بَيْعُهَا ، وَلَا نَقْلُ الْمِلْكِ فِيهَا ، فَأَشْبَهَتْ الْحُرَّةَ .\rوَالثَّانِي : يُقْطَعُ ؛ لِأَنَّهَا مَمْلُوكَةٌ تُضْمَنُ بِالْقِيمَةِ ، فَأَشْبَهَتْ الْقِنَّ .\rوَحُكْمُ الْمُدَبَّرِ حُكْمُ الْقِنِّ ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُهُ ، وَيُضْمَنُ بِقِيمَتِهِ .\rفَأَمَّا الْمُكَاتَبُ : فَلَا يُقْطَعُ سَارِقُهُ ؛ لِأَنَّ مِلْكَ سَيِّدِهِ لَيْسَ بِتَامٍّ عَلَيْهِ ، لِكَوْنِهِ لَا يَمْلِكُ مَنَافِعَهُ ، وَلَا اسْتِخْدَامَهُ ، وَلَا أَخْذَ أَرْشِ الْجِنَايَةِ عَلَيْهِ ، وَلَوْ جَنَى السَّيِّدُ عَلَيْهِ ، لَزِمَهُ لَهُ الْأَرْشُ ، وَلَوْ اسْتَوْفَى مَنَافِعَهُ كَرْهًا ، لَزِمَهُ عِوَضُهَا ، وَلَوْ حَبَسَهُ لَزِمَهُ أُجْرَةُ مِثْلِهِ","part":20,"page":195},{"id":9695,"text":"مُدَّةَ حَبْسِهِ ، أَوْ إنْظَارُهُ مِقْدَارَ مُدَّةِ حَبْسِهِ .\rوَلَا يَجِبُ الْقَطْعُ لِأَجْلِ مِلْكِ الْمُكَاتَبِ فِي نَفْسِهِ ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَمْلِكُ نَفْسَهُ ، فَأَشْبَهَ الْحُرَّ .\rوَإِنْ سَرَقَ مِنْ مَالِ الْمُكَاتَبِ شَيْئًا ، فَعَلَيْهِ الْقَطْعُ ؛ لِأَنَّ مِلْكَ الْمُكَاتَبِ ثَابِتٌ فِي مَالِ نَفْسِهِ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ السَّارِقُ سَيِّدَهُ ، فَلَا قَطْعَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ لَهُ فِي مَالِهِ حَقًّا وَشُبْهَةً تَدْرَأُ الْحَدَّ ، وَلِذَلِكَ لَوْ وَطِئَ جَارِيَتَهُ لَمْ يُحَدَّ .","part":20,"page":196},{"id":9696,"text":"فَصْلٌ : وَإِنْ سَرَقَ مَاءً ، فَلَا قَطْعَ فِيهِ .\rقَالَ أَبُو بَكْرٍ ، وَأَبُو إِسْحَاقَ بْنُ شَاقِلَا ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا لَا يَتَمَوَّلُ عَادَةً وَلَا أَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا .\rوَإِنْ سَرَقَ كَلَأً أَوْ مِلْحًا ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : لَا قَطْعَ فِيهِ ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا وَرَدَ الشَّرْعُ بِاشْتِرَاكِ النَّاسِ فِيهِ ، فَأَشْبَهَ الْمَاءَ .\rوَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ بْنُ شَاقِلَا : فِيهِ الْقَطْعُ ؛ لِأَنَّهُ يَتَمَوَّلُ عَادَةً ، فَأَشْبَهَ التِّبْنَ وَالشَّعِيرَ .\rوَأَمَّا الثَّلْجُ : فَقَالَ الْقَاضِي : هُوَ كَالْمَاءِ ؛ لِأَنَّهُ مَاءٌ جَامِدٌ ، فَأَشْبَهَ الْجَلِيدَ ، وَالْأَشْبَهُ أَنَّهُ كَالْمِلْحِ ؛ لِأَنَّهُ يَتَمَوَّلُ عَادَةً ، فَهُوَ كَالْمِلْحِ الْمُنْعَقِدِ مِنْ الْمَاءِ .\rوَأَمَّا التُّرَابُ : فَإِنْ كَانَ مِمَّا تَقِلُّ الرَّغَبَاتُ فِيهِ ، كَاَلَّذِي يُعَدُّ لِلتَّطْيِينِ وَالْبِنَاءِ ، فَلَا قَطْعَ فِيهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَمَوَّلُ ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَهُ قِيمَةٌ كَثِيرَةٌ ، كَالطِّينِ الْأَرْمَنِيِّ ، الَّذِي يُعَدُّ لِلدَّوَاءِ ، أَوْ الْمُعَدِّ لِلْغَسْلِ بِهِ ، أَوْ الصَّبْغِ كَالْمَغْرَةِ ، احْتَمَلَ وَجْهَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا : لَا قَطْعَ فِيهِ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ جِنْسِ مَا لَا يَتَمَوَّلُ ، أَشْبَهَ الْمَاءَ .\rوَالثَّانِي : فِيهِ الْقَطْعُ ؛ لِأَنَّهُ يَتَمَوَّلُ عَادَةً ، وَيُحْمَلُ إلَى الْبُلْدَانِ لِلتِّجَارَةِ فِيهِ ، فَأَشْبَهَ الْعُودَ الْهِنْدِيَّ .\rوَلَا يُقْطَعُ بِسَرِقَةِ السِّرْجِينِ ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ نَجِسًا فَلَا قِيمَةَ لَهُ ، وَإِنْ كَانَ طَاهِرًا ، فَلَا يَتَمَوَّلُ عَادَةً ، وَلَا تَكْثُرُ الرَّغَبَاتُ فِيهِ ، فَأَشْبَهَ التُّرَابَ الَّذِي لِلْبِنَاءِ ، وَمَا عُمِلَ مِنْ التُّرَابِ كَاللَّبِنِ وَالْفَخَّارِ ، فَفِيهِ الْقَطْعُ ؛ لِأَنَّهُ يَتَمَوَّلُ عَادَةً .","part":20,"page":197},{"id":9697,"text":"( 7255 ) فَصْلٌ : وَمَا عَدَا هَذَا مِنْ الْأَمْوَالِ ، فَفِيهِ الْقَطْعُ ، سَوَاءٌ كَانَ طَعَامًا ، أَوْ ثِيَابًا ، أَوْ حَيَوَانًا ، أَوْ أَحْجَارًا ، أَوْ قَصَبًا ، أَوْ صَيْدًا ، أَوْ نُورَةً ، أَوْ جِصًّا ، أَوْ زِرْنِيخًا ، أَوْ تَوَابِلَ ، أَوْ فَخَّارًا ، أَوْ زُجَاجًا ، أَوْ غَيْرَهُ .\rوَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا قَطْعَ عَلَى سَارِقِ الطَّعَامِ الرَّطْبِ الَّذِي يَتَسَارَعُ إلَيْهِ الْفَسَادُ ، كَالْفَوَاكِهِ ، وَالطَّبَائِخِ ؛ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا قَطْعَ فِي ثَمَرٍ وَلَا كَثَرٍ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَلِأَنَّ هَذَا مُعَرِّضٌ لِلْهَلَاكِ ، أَشْبَهَ مَا لَمْ يُحْرَزْ .\rوَلَا قَطْعَ فِيمَا كَانَ أَصْلُهُ مُبَاحًا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ ، كَالصَّيُّودِ ، وَالْخَشَبِ ، إلَّا فِي السَّاجِ وَالْآبُنُوسِ ، وَالصَّنْدَلِ ، وَالْقَنَا ، وَالْمَعْمُولِ مِنْ الْخَشَبِ ، فَإِنَّهُ يُقْطَعُ بِهِ .\rوَمَا عَدَا هَذَا لَا يُقْطَعُ بِهِ ؛ لِأَنَّهُ يُوجَدُ كَثِيرًا مُبَاحًا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ ، فَأَشْبَهَ التُّرَابَ .\rوَلَا قَطْعَ فِي الْقُرُونِ ، وَإِنْ كَانَتْ مَعْمُولَةً ؛ لِأَنَّ الصَّنْعَةَ لَا تَكُونُ غَالِبَةً عَلَيْهَا ، بَلْ الْقِيمَةُ لَهَا ، بِخِلَافِ مَعْمُولِ الْخَشَبِ .\rوَلَا قَطْعَ عِنْدَهُ فِي التَّوَابِلِ ، وَالنُّورَةِ ، وَالْجِصِّ ، وَالزِّرْنِيخِ ، وَالْمِلْحِ وَالْحِجَارَةِ ، وَاللَّبِنِ ، وَالْفَخَّارِ ، وَالزُّجَاجِ .\rوَقَالَ الثَّوْرِيُّ : مَا يَفْسُدُ فِي يَوْمِهِ ، كَالثَّرِيدِ وَاللَّحْمِ ، لَا قَطْعَ فِيهِ .\rوَلَنَا عُمُومُ قَوْله تَعَالَى : { وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا } .\rوَرَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ عَنْ الثَّمَرِ الْمُعَلَّقِ ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ ، ثُمَّ قَالَ : وَمَنْ سَرَقَ مِنْهُ شَيْئًا بَعْدَ أَنْ يُؤْوِيَهُ الْجَرِينُ ، فَبَلَغَ ثَمَنَ الْمِجَنِّ ، فَفِيهِ الْقَطْعُ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَغَيْرُهُ .\rوَرُوِيَ أَنَّ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أُتِيَ بِرَجُلٍ قَدْ سَرَقَ أُتْرُجَّةً ،","part":20,"page":198},{"id":9698,"text":"فَأَمَرَ بِهَا عُثْمَانُ فَأُقِيمَتْ ، فَبَلَغَتْ قِيمَتُهَا رُبْعَ دِينَارٍ ، فَأَمَرَ بِهِ عُثْمَانُ فَقُطِعَ .\rرَوَاهُ سَعِيدٌ .\rوَلِأَنَّ هَذَا مَالٌ يَتَمَوَّلُ فِي الْعَادَةِ ، وَيُرْغَبُ فِيهِ ، فَيُقْطَعُ سَارِقُهُ إذَا اجْتَمَعْت الشُّرُوطُ ، كَالْمُجَفَّفِ ؛ وَلِأَنَّ مَا وَجَبَ الْقَطْعُ فِي مَعْمُولِهِ ، وَجَبَ فِيهِ قَبْلَ الْعَمَلِ ، كَالذَّهَبِ ، وَالْفِضَّةِ ، وَحَدِيثُهُمْ أَرَادَ بِهِ الثَّمَرَ الْمُعَلَّقَ ؛ بِدَلِيلِ حَدِيثِنَا ، فَإِنَّهُ مُفَسِّرٌ لَهُ ، وَتَشْبِيهُهُ بِغَيْرِ الْمُحْرَزِ لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ غَيْرَ الْمُحْرَزِ مُضَيَّعٌ ، وَهَذَا مَحْفُوظٌ ، وَلِهَذَا افْتَرَقَ سَائِرُ الْأَمْوَالِ بِالْحِرْزِ وَعَدَمِهِ .\rوَقَوْلُهُمْ : يُوجَدُ مُبَاحًا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ .\rيُنْتَقَضُ بِالذَّهَبِ ، وَالْفِضَّةِ ، وَالْحَدِيدِ ، وَالنُّحَاسِ ، وَسَائِرِ الْمَعَادِنِ .\rوَالتُّرَابُ قَدْ سَبَقَ الْقَوْلُ فِيهِ .","part":20,"page":199},{"id":9699,"text":"( 7256 ) فَصْلٌ : فَإِنْ سَرَقَ مُصْحَفًا ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ ، وَالْقَاضِي : لَا قَطْعَ فِيهِ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ مَا فِيهِ مِنْ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَهُوَ مِمَّا لَا يَجُوزُ أَخْذُ الْعِوَضِ عَنْهُ .\rوَاخْتَارَ أَبُو الْخَطَّابِ وُجُوبَ قَطْعِهِ ، وَقَالَ : هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ ، فَإِنَّهُ سُئِلَ عَمَّنْ سَرَقَ كِتَابًا فِيهِ عِلْمٌ لِيَنْظُرَ فِيهِ ، فَقَالَ : كُلُّ مَا بَلَغَتْ قِيمَتُهُ ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ فِيهِ الْقَطْعُ .\rوَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ ؛ لِعُمُومِ الْآيَةِ فِي كُلِّ سَارِقٍ ؛ وَلِأَنَّهُ مُتَقَوِّمٌ ، تَبْلُغُ قِيمَتُهُ نِصَابًا ، فَوَجَبَ الْقَطْعُ بِسَرِقَتِهِ ، كَكُتُبِ الْفِقْهِ ، وَلَا خِلَافَ بَيْنَ أَصْحَابِنَا فِي وُجُوبِ الْقَطْعِ بِسَرِقَةِ كُتُبِ الْفِقْهِ وَالْحَدِيثِ وَسَائِرِ الْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ .\rفَإِنْ كَانَ الْمُصْحَفُ مُحَلًّى بِحِلْيَةٍ تَبْلُغُ نِصَابًا ، خُرِّجَ فِيهِ وَجْهَانِ ، عِنْدَ مَنْ لَمْ يَرَ الْقَطْعَ بِسَرِقَةِ الْمُصْحَفِ ، أَحَدُهُمَا : لَا يُقْطَعُ .\rوَهَذَا قِيَاسُ قَوْلِ أَبِي إِسْحَاقَ بْنِ شَاقِلَا ، وَمَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّ الْحُلِيَّ تَابِعَةٌ لِمَا لَا يُقْطَعُ بِسَرِقَتِهِ ، أَشْبَهَتْ ثِيَابَ الْحُرِّ .\rوَالثَّانِي : يُقْطَعُ .\rوَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي ؛ لِأَنَّهُ سَرَقَ نِصَابًا مِنْ الْحُلِيِّ ، فَوَجَبَ قَطْعُهُ ، كَمَا لَوْ سَرَقَهُ مُنْفَرِدًا .\rوَأَصْلُ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ مَنْ سَرَقَ صَبِيًّا عَلَيْهِ حَلْيٌ .","part":20,"page":200},{"id":9700,"text":"( 7257 ) فَصْلٌ : وَإِنْ سَرَقَ عَيْنًا مَوْقُوفَةً ، وَجَبَ الْقَطْعُ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهَا مَمْلُوكَةٌ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ .\rوَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يُقْطَعَ ، بِنَاءً عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يَقُولُ : إنَّ الْمَوْقُوفَ لَا يَمْلِكُهُ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ .","part":20,"page":201},{"id":9701,"text":"الشَّرْطُ الرَّابِعُ : أَنْ يَسْرِقَ مِنْ حِرْزٍ ، وَيُخْرِجَهُ مِنْهُ .\rوَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ عَطَاءٍ ، وَالشَّعْبِيِّ ، وَأَبِي الْأَسْوَدِ الدُّؤَلِيِّ ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَالزُّهْرِيِّ ، وَعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَمَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ .\rوَلَا نَعْلَمُ عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ خِلَافَهُمْ ، إلَّا قَوْلًا حُكِيَ عَنْ عَائِشَةَ ، وَالْحَسَنِ ، وَالنَّخَعِيِّ ، فِيمَنْ جَمَعَ الْمَتَاعَ ، وَلَمْ يَخْرُجْ بِهِ مِنْ الْحِرْزِ ، عَلَيْهِ الْقَطْعُ .\rوَعَنْ الْحَسَنِ مِثْلُ قَوْلِ الْجَمَاعَةِ .\rوَحُكِيَ عَنْ دَاوُد أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ الْحِرْزُ ؛ لِأَنَّ الْآيَةَ لَا تَفْصِيلَ فِيهَا .\rوَهَذِهِ أَقْوَالٌ شَاذَّةٌ ، غَيْرُ ثَابِتَةٍ عَمَّنْ نُقِلَتْ عَنْهُ .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : وَلَيْسَ فِيهِ خَبَرٌ ثَابِتٌ ، وَلَا مَقَالٌ لِأَهْلِ الْعِلْمِ ، إلَّا مَا ذَكَرْنَاهُ ، فَهُوَ كَالْإِجْمَاعِ ، وَالْإِجْمَاعُ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ خَالَفَهُ .\rوَرَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ { ، أَنَّ رَجُلًا مِنْ مُزَيْنَةَ سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الثِّمَارِ ، فَقَالَ : مَا أُخِذَ فِي غَيْرِ أَكْمَامِهِ فَاحْتُمِلَ ، فَفِيهِ قِيمَتُهُ وَمِثْلُهُ مَعَهُ ، وَمَا كَانَ فِي الْخَزَائِنِ ، فَفِيهِ الْقَطْعُ إذَا بَلَغَ ثَمَنَ الْمِجَنِّ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَغَيْرُهُمَا .\rوَهَذَا الْخَبَرُ يَخُصُّ الْآيَةَ ، كَمَا خَصَّصْنَاهَا فِي اعْتِبَارِ النِّصَابِ .\rإذَا ثَبَتَ اعْتِبَارُ الْحِرْزِ ، وَالْحِرْزُ مَا عُدَّ حِرْزًا فِي الْعُرْفِ ، فَإِنَّهُ لَمَّا ثَبَتَ اعْتِبَارُهُ فِي الشَّرْعِ مِنْ غَيْرِ تَنْصِيصٍ عَلَى بَيَانِهِ ، عُلِمَ أَنَّهُ رَدَّ ذَلِكَ إلَى أَهْلِ الْعُرْفِ ؛ لِأَنَّهُ لَا طَرِيقَ إلَى مَعْرِفَتِهِ إلَّا مِنْ جِهَتِهِ ، فَيُرْجَعُ إلَيْهِ ، كَمَا رَجَعْنَا إلَيْهِ ، فِي مَعْرِفَةِ الْقَبْضِ وَالْفُرْقَةِ فِي الْبَيْعِ وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّ مِنْ حِرْزِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْجَوَاهِرِ الصَّنَادِيقُ تَحْتَ الْأَغْلَاقِ وَالْأَقْفَالِ الْوَثِيقَةِ فِي","part":20,"page":202},{"id":9702,"text":"الْعُمْرَانِ ، وَحِرْزُ الثِّيَابِ ، وَمَا خَفَّ مِنْ الْمَتَاعِ ، كَالصُّفْرِ وَالنُّحَاسِ وَالرَّصَاصِ ، فِي الدَّكَاكِينِ ، وَالْبُيُوتِ الْمُقْفَلَةِ فِي الْعُمْرَانِ ، أَوْ يَكُونُ فِيهَا حَافِظٌ ، فَيَكُونُ حِرْزًا ، وَإِنْ كَانَتْ مَفْتُوحَةً .\rوَإِنْ لَمْ تَكُنْ مُغْلَقَةً وَلَا فِيهَا حَافِظٌ ، فَلَيْسَتْ بِحِرْزٍ .\rوَإِنْ كَانَتْ فِيهَا خَزَائِنُ مُغْلَقَةٌ ، فَالْخَزَائِنُ حِرْزٌ لِمَا فِيهَا ، وَمَا خَرَجَ عَنْهَا فَلَيْسَ بِمُحْرَزٍ .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ ، فِي الْبَيْتِ الَّذِي لَيْسَ عَلَيْهِ غَلَقٌ ، يُسْرَقُ مِنْهُ : أَرَاهُ سَارِقًا .\rوَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ أَهْلَهُ فِيهِ ، فَأَمَّا الْبُيُوتُ الَّتِي فِي الْبَسَاتِينِ أَوْ الطُّرُقِ أَوْ الصَّحْرَاءِ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا أَحَدٌ فَلَيْسَتْ حِرْزًا ، سَوَاءٌ كَانَتْ مُغْلَقَةً أَوْ مَفْتُوحَةً ؛ لِأَنَّ مَنْ تَرَكَ مَتَاعَهُ فِي مَكَان خَالٍ مِنْ النَّاسِ وَالْعُمَرَانِ ، وَانْصَرَفَ عَنْهُ لَا يُعَدُّ حَافِظًا لَهُ ، وَإِنْ أَغْلَقَ عَلَيْهِ .\rوَإِنْ كَانَ فِيهَا أَهْلُهَا أَوْ حَافِظٌ ، فَهِيَ حِرْزٌ ، سَوَاءٌ كَانَتْ مُغْلَقَةً أَوْ مَفْتُوحَةً .\rوَإِذَا كَانَ لَابِسًا لِلثَّوْبِ ، أَوْ مُتَوَسِّدًا لَهُ ، نَائِمًا ، أَوْ مُسْتَيْقِظًا ، أَوْ مُفْتَرِشًا لَهُ ، أَوْ مُتَّكِئًا عَلَيْهِ ، فِي أَيِّ مَوْضِعٍ كَانَ مِنْ الْبَلَدِ ، أَوْ بَرِّيَّةٍ ، فَهُوَ مُحْرَزٌ ؛ بِدَلِيلِ أَنَّ رِدَاءَ صَفْوَانَ سُرِقَ وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ لَهُ ، فَقَطَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَارِقَهُ .\rوَإِنْ تَدَحْرَجَ عَنْ الثَّوْبِ ، زَالَ الْحِرْزُ إنْ كَانَ نَائِمًا ، وَإِنْ كَانَ الثَّوْبُ بَيْنَ يَدَيْهِ ، أَوْ غَيْرُهُ مِنْ الْمَتَاعِ ، كَبَزِّ الْبَزَّازِينَ ، وَقُمَاشِ الْبَاعَةِ ، وَخُبْزِ الْخَبَّازِينَ ، بِحَيْثُ يُشَاهِدُهُ ، وَيَنْظُرُ إلَيْهِ ، فَهُوَ مُحْرَزٌ ، وَإِنْ نَامَ ، أَوْ كَانَ غَائِبًا عَنْ مَوْضِعِ مُشَاهَدَتِهِ ، فَلَيْسَ بِمُحْرَزٍ .\rوَإِنْ جَعَلَ الْمَتَاعَ فِي الْغَرَائِرِ ، وَعَلَّمَ عَلَيْهَا ، وَمَعَهَا حَافِظٌ يُشَاهِدُهَا ، فَهِيَ مُحْرَزَةٌ ، وَإِلَّا فَلَا .","part":20,"page":203},{"id":9703,"text":"( 7258 ) فَصْلٌ : وَالْخَيْمَةُ والخركاه إنْ نُصِبَتْ ، وَكَانَ فِيهَا أَحَدٌ نَائِمًا أَوْ مُنْتَبِهًا ، فَهِيَ مُحْرَزَةٌ وَمَا فِيهَا ؛ لِأَنَّهَا هَكَذَا تُحْرَزُ فِي الْعَادَةِ ، وَإِنْ [ لَمْ ] يَكُنْ فِيهَا أَحَدٌ ، وَلَا عِنْدَهَا حَافِظٌ ، فَلَا قَطْعَ عَلَى سَارِقِهَا .\rوَمِمَّنْ أَوْجَبَ الْقَطْعَ فِي السَّرِقَةِ مِنْ الْفُسْطَاطِ ؛ الثَّوْرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ، إلَّا أَنَّ أَصْحَابَ الرَّأْيِ قَالُوا : يُقْطَعُ السَّارِقُ مِنْ الْفُسْطَاطِ ، دُونَ سَارِقِ الْفُسْطَاطِ .\rوَلَنَا أَنَّهُ مُحْرَزٌ بِمَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ ، أَشْبَهَ مَا فِيهِ .","part":20,"page":204},{"id":9704,"text":"( 7259 ) فَصْلٌ : وَحِرْزُ الْبَقْلِ ، وَقُدُورِ الْبَاقِلَاءِ ، وَنَحْوِهَا بِالشَّرَائِحِ مِنْ الْقَصَبِ أَوْ الْخَشَبِ ، إذَا كَانَ فِي السُّوقِ حَارِسٌ ، وَحِرْزُ الْخَشَبِ وَالْحَطَبِ وَالْقَصَبِ فِي الْحَظَائِرِ ، وَتَعْبِئَةُ بَعْضِهِ عَلَى بَعْضٍ ، وَتَقْيِيدُهُ بِقَيْدٍ ، بِحَيْثُ يَعْسُرُ أَخْذُ شَيْءٍ مِنْهُ ، عَلَى مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي فُنْدُقٍ مُغْلَقٍ عَلَيْهِ ، فَيَكُونُ مُحْرَزًا وَإِنْ لَمْ يُقَيَّدْ .","part":20,"page":205},{"id":9705,"text":"( 7260 ) فَصْلٌ : وَالْإِبِلُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرَابٍ ؛ بَارِكَةٌ ، وَرَاعِيَةٌ ، وَسَائِرَةٌ ، فَأَمَّا الْبَارِكَةُ : فَإِنْ كَانَ مَعَهَا حَافِظٌ لَهَا ، وَهِيَ مَعْقُولَةٌ ، فَهِيَ مُحْرَزَةٌ ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مَعْقُولَةً ، وَكَانَ الْحَافِظُ نَاظِرًا إلَيْهَا ، أَوْ مُسْتَيْقِظًا بِحَيْثُ يَرَاهَا ، فَهِيَ مُحْرَزَةٌ ، وَإِنْ كَانَ نَائِمًا ، أَوْ مَشْغُولًا عَنْهَا ، فَلَيْسَتْ مُحْرَزَةً ؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ أَنَّ الرُّعَاةَ إذَا أَرَادُوا النَّوْمَ عَقَلُوا إبِلَهُمْ ؛ وَلِأَنَّ حَلَّ الْمَعْقُولَةِ يُنَبِّهُ النَّائِمَ وَالْمُشْتَغِلَ .\rوَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهَا أَحَدٌ ، فَهِيَ غَيْرُ مُحْرَزَةٍ ، سَوَاءٌ كَانَتْ مَعْقُولَةً أَوْ لَمْ تَكُنْ .\rوَأَمَّا الرَّاعِيَةُ : فَحِرْزُهَا بِنَظَرِ الرَّاعِي إلَيْهَا ، فَمَا غَابَ عَنْ نَظَرِهِ ، أَوْ نَامَ عَنْهُ ، فَلَيْسَ بِمُحْرَزٍ ؛ لِأَنَّ الرَّاعِيَةَ إنَّمَا تُحْرَزُ بِالرَّاعِي وَنَظَرِهِ ، وَأَمَّا السَّائِرَةُ : فَإِنْ كَانَ مَعَهَا مَنْ يَسُوقُهَا ، فَحِرْزُهَا نَظَرُهُ إلَيْهَا ، سَوَاءٌ كَانَتْ مُقَطَّرَةً أَوْ غَيْرَ مُقَطَّرَةٍ .\rوَمَا كَانَ مِنْهَا بِحَيْثُ لَا يَرَاهُ ، فَلَيْسَ بِمُحْرَزٍ .\rوَإِنْ كَانَ مَعَهَا قَائِدٌ ، فَحِرْزُهَا أَنْ يُكْثِرَ الِالْتِفَاتَ إلَيْهَا ، وَالْمُرَاعَاةَ لَهَا ، وَيَكُونَ بِحَيْثُ يَرَاهَا إذَا الْتَفَتَ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يُحْرِزُ الْقَائِدُ إلَّا الَّتِي زِمَامُهَا بِيَدِهِ ؛ لِأَنَّهُ يُوَلِّيهَا ظَهْرَهُ ، وَلَا يَرَاهَا إلَّا نَادِرًا ، فَيُمْكِنُ أَخْذُهَا مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُ .\rوَلَنَا أَنَّ الْعَادَةَ فِي حِفْظِ الْإِبِلِ الْمُقَطَّرَةِ بِمُرَاعَاتِهَا ، بِالِالْتِفَاتِ ، وَإِمْسَاكِ زِمَامِ الْأَوَّلِ ، فَكَانَ ذَلِكَ حِرْزًا لَهَا ، كَاَلَّتِي زِمَامُهَا فِي يَدِهِ .\rفَإِنْ سَرَقَ مِنْ أَحْمَالِ الْجِمَالِ السَّائِرَةِ الْمُحْرَزَةِ مَتَاعًا قِيمَتُهُ نِصَابٌ ، قُطِعَ ، وَكَذَلِكَ إنْ سَرَقَ الْجَمَلَ ، وَإِنْ سَرَقَ الْجَمَلَ بِمَا عَلَيْهِ ، وَصَاحِبُهُ نَائِمٌ عَلَيْهِ ، لَمْ يُقْطَعْ ؛ لِأَنَّهُ فِي يَدِ صَاحِبِهِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ صَاحِبُهُ نَائِمًا عَلَيْهِ ، قُطِعَ وَبِهَذَا قَالَ","part":20,"page":206},{"id":9706,"text":"الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا قَطْعَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ مَا فِي الْحِمْلِ مُحْرَزٌ بِهِ ، فَإِذَا أَخَذَ جَمِيعَهُ ، لَمْ يَهْتِكْ حِرْزَ الْمَتَاعِ ، فَصَارَ كَمَا لَوْ سَرَقَ أَجْزَاءَ الْحِرْزِ .\rوَلَنَا أَنَّ الْجَمَلَ مُحْرَزٌ بِصَاحِبِهِ ، وَلِهَذَا لَوْ لَمْ يَكُنْ مُحْرَزًا ، فَقَدْ سَرَقَهُ مِنْ حِرْزِ مِثْلِهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ سَرَقَ الْمَتَاعَ .\rوَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ سَرِقَةَ الْحِرْزِ مِنْ حِرْزِهِ لَا تُوجِبُ الْقَطْعَ ، فَإِنَّهُ لَوْ سَرَقَ الصُّنْدُوقَ بِمَا فِيهِ مِنْ بَيْتٍ هُوَ مُحْرَزٌ فِيهِ ، وَجَبَ قَطْعُهُ .\rوَهَذَا التَّفْصِيلُ فِي الْإِبِلِ الَّتِي فِي الصَّحْرَاءِ ، فَأَمَّا الَّتِي فِي الْبُيُوتِ وَالْمَكَانِ الْمُحْصَنِ ، عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْنَا فِي الثِّيَابِ ، فَهِيَ مُحْرَزَةٌ .\rوَالْحُكْمُ فِي سَائِرِ الْمَوَاشِي كَالْحُكْمِ فِي الْإِبِلِ ، عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ التَّفْصِيلِ فِيهَا .","part":20,"page":207},{"id":9707,"text":"( 7261 ) فَصْلٌ : وَإِذَا سَرَقَ مِنْ الْحَمَّامِ ، وَلَا حَافِظَ فِيهِ ، فَلَا قَطْعَ عَلَيْهِ ، فِي قَوْلِ عَامَّتِهِمْ ، وَإِنْ كَانَ ثَمَّ حَافِظٌ .\rفَقَالَ أَحْمَدُ : لَيْسَ عَلَى سَارِقِ الْحَمَّامِ قَطْعٌ .\rوَقَالَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ : لَا يُقْطَعُ سَارِقُ الْحَمَّامِ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ عَلَى الْمَتَاعِ قَاعِدٌ ، مِثْلَ مَا صُنِعَ بِصَفْوَانَ .\rوَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّهُ مَأْذُونٌ لِلنَّاسِ فِي دُخُولِهِ ، فَجَرَى مَجْرَى سَرِقَةِ الضَّيْفِ مِنْ الْبَيْتِ الْمَأْذُونِ لَهُ فِي دُخُولِهِ ؛ وَلِأَنَّ دُخُولَ النَّاسِ إلَيْهِ يَكْثُرُ ، فَلَا يَتَمَكَّنُ الْحَافِظُ مِنْ حِفْظِ مَا فِيهِ .\rقَالَ الْقَاضِي : وَفِيهِ رِوَايَةٌ أُخْرَى : أَنَّهُ يَجِبُ الْقَطْعُ إذَا كَانَ فِيهِ حَافِظٌ .\rوَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَإِسْحَاقَ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ ؛ لِأَنَّهُ مَتَاعٌ لَهُ حَافِظٌ ، فَيَجِبُ قَطْعُ سَارِقِهِ ، كَمَا لَوْ كَانَ فِي بَيْتٍ .\rوَالْأَوَّلُ أَصَحُّ .\rوَهَذَا يُفَارِقُ مَا فِي الْبَيْتِ مِنْ الْوَجْهَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرْنَاهُمَا .\rفَأَمَّا إنْ كَانَ صَاحِبُ الثِّيَابِ قَاعِدًا عَلَيْهَا ، أَوْ مُتَوَسِّدًا لَهَا ، أَوْ جَالِسًا وَهِيَ بَيْنَ يَدَيْهِ يَحْفَظُهَا ، قُطِعَ سَارِقُهَا بِكُلِّ حَالٍ ، كَمَا قُطِعَ سَارِقُ رِدَاءِ صَفْوَانَ مِنْ الْمَسْجِدِ ، وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ لَهُ .\rوَكَذَلِكَ إنْ كَانَ نَائِبُ صَاحِبِ الثِّيَابِ ، إمَّا الْحَمَّامِيُّ وَإِمَّا غَيْرُهُ حَافِظًا لَهَا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ ، قُطِعَ سَارِقُهَا ؛ لِأَنَّهَا مُحْرَزَةٌ .\rوَإِنْ لَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ ، فَقَالَ الْقَاضِي : إنْ نَزَعَ الدَّاخِلُ ثِيَابَهُ ، عَلَى مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ ، وَلَمْ يَسْتَحْفِظْهَا لِأَحَدٍ فَلَا قَطْعَ عَلَى سَارِقِهَا ، وَلَا غُرْمَ عَلَى الْحَمَّامِيِّ ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُودَعٍ فَيَضْمَنَ ، وَلَا هِيَ مُحْرَزَةٌ فَيُقْطَعَ سَارِقُهَا ، وَإِنْ اسْتَحْفَظَهَا الْحَمَّامِيَّ ، فَهُوَ مُودَعٌ يَلْزَمُهُ مُرَاعَاتُهَا بِالنَّظَرِ وَالْحِفْظِ ، فَإِنْ تَشَاغَلَ عَنْهَا ، أَوْ تَرَكَ النَّظَرَ إلَيْهَا ، فَسُرِقَتْ ، فَعَلَيْهِ الْغُرْمُ لِتَفْرِيطِهِ ، وَلَا قَطْعَ عَلَى السَّارِقِ ؛","part":20,"page":208},{"id":9708,"text":"لِأَنَّهُ لَمْ يَسْرِقْ مِنْ حِرْزٍ .\rوَإِنْ تَعَاهَدَهَا الْحَمَّامِيُّ بِالْحِفْظِ وَالنَّظَرِ ، فَسُرِقَتْ ، فَلَا غُرْمَ عَلَيْهِ ؛ لِعَدَمِ تَفْرِيطِهِ ، وَعَلَى السَّارِقِ الْقَطْعُ ؛ لِأَنَّهَا مُحْرَزَةٌ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rوَظَاهِرُ مَذْهَبِ أَحْمَدَ أَنَّهُ لَا قَطْعَ عَلَيْهِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ ؛ لِمَا تَقَدَّمَ .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : قَالَ أَحْمَدُ : أَرْجُو أَنْ لَا قَطْعَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ مَأْذُونٌ لِلنَّاسِ فِي دُخُولِهِ .\rوَلَوْ اسْتَحْفَظَ رَجُلٌ آخَرَ مَتَاعَهُ فِي الْمَسْجِدِ ، فَسُرِقَ ، فَإِنْ كَانَ قَدْ فَرَّطَ فِي مُرَاعَاتِهِ وَنَظَرِهِ إلَيْهِ ، فَعَلَيْهِ الْغُرْمُ إذَا كَانَ الْتَزَمَ حِفْظَهُ ، وَأَجَابَهُ إلَى مَا سَأَلَهُ ، وَإِنْ لَمْ يُجِبْهُ ، لَكِنْ سَكَتَ ، لَمْ يَلْزَمْهُ غُرْمٌ ؛ لِأَنَّهُ مَا قَبِلَ الِاسْتِيدَاعَ ، وَلَا قَبَضَ الْمَتَاعَ ، وَلَا قَطْعَ عَلَى السَّارِقِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُحْرَزٍ .\rوَإِنْ حَفِظَ الْمَتَاعَ بِنَظَرِهِ إلَيْهِ ، وَقُرْبِهِ مِنْهُ ، فَسُرِقَ فَلَا غُرْمَ عَلَيْهِ ، وَعَلَى السَّارِقِ الْقَطْعُ ؛ لِأَنَّهُ سَرَقَ مِنْ حِرْزٍ .\rوَيُفَارِقُ الْمَتَاعَ فِي الْحَمَّامِ ، فَإِنَّ الْحِفْظَ فِيهِ غَيْرُ مُمْكِنٍ ؛ لِأَنَّ النَّاسَ يَضَعُ بَعْضُهُمْ ثِيَابَهُ عِنْدَ ثِيَابِ بَعْضٍ وَيَشْتَبِهُ عَلَى الْحَمَّامِيِّ صَاحِبُ الثِّيَابِ ، فَلَا يُمْكِنُهُ مَنْعُ أَخْذِهَا ؛ لِعَدَمِ عِلْمِهِ بِمَالِكِهَا .","part":20,"page":209},{"id":9709,"text":"( 7262 ) فَصْلٌ : وَحِرْزُ حَائِطِ الدَّارِ كَوْنُهُ مَبْنِيًّا فِيهَا ، إذَا كَانَتْ فِي الْعُمْرَانِ ، أَوْ كَانَتْ فِي الصَّحْرَاءِ وَفِيهَا حَافِظٌ ، فَإِنْ أَخَذَ مِنْ أَجْزَاءِ الْحَائِطِ أَوْ خَشَبِهِ نِصَابًا فِي هَذِهِ الْحَالِ ، وَجَبَ قَطْعُهُ ؛ لِأَنَّ الْحَائِطَ حِرْزٌ لِغَيْرِهِ ، فَيَكُونُ حِرْزًا لِنَفْسِهِ .\rوَإِنْ هَدَمَ الْحَائِطَ وَلَمْ يَأْخُذْهُ ، فَلَا قَطْعَ عَلَيْهِ فِيهِ ، كَمَا لَوْ أَتْلَفَ الْمَتَاعَ فِي الْحِرْزِ وَلَمْ يَسْرِقْهُ .\rوَإِنْ كَانَتْ الدَّارُ بِحَيْثُ لَا تَكُونُ حِرْزًا لِمَا فِيهَا ، كَدَارٍ فِي الصَّحْرَاءِ ، لَا حَافِظَ فِيهَا ، فَلَا قَطْعَ عَلَى مَنْ أَخَذَ مِنْ حَائِطِهَا شَيْئًا ؛ لِأَنَّهَا إذَا لَمْ تَكُنْ حِرْزًا لِمَا فِيهَا ، فَلِنَفْسِهَا أَوْلَى .\rوَأَمَّا بَابُ الدَّارِ : فَإِنْ كَانَ مَنْصُوبًا فِي مَكَانِهِ ، فَهُوَ مُحْرَزٌ ، سَوَاءٌ كَانَ مُغْلَقًا أَوْ مَفْتُوحًا ؛ لِأَنَّهُ هَكَذَا يُحْفَظُ ، وَعَلَى سَارِقِهِ الْقَطْعُ إذَا كَانَتْ الدَّارُ مُحْرَزَةً بِمَا ذَكَرْنَاهُ .\rوَأَمَّا أَبْوَابُ الْخَزَائِنِ فِي الدَّارِ ، فَإِنْ كَانَ بَابُ الدَّارِ مُغْلَقًا ، فَهِيَ مُحْرَزَةٌ ، سَوَاءٌ كَانَتْ مَفْتُوحَةً أَوْ مُغْلَقَةً ، وَإِنْ كَانَ مَفْتُوحًا ، لَمْ تَكُنْ مُحْرَزَةً ، إلَّا أَنْ تَكُونَ مُغْلَقَةً ، أَوْ يَكُونَ فِي الدَّارِ حَافِظٌ .\rوَالْفَرْقُ بَيْنَ بَابِ الدَّارِ وَبَابِ الْخِزَانَةِ ، أَنَّ أَبْوَابَ الْخَزَائِنِ تُحْرَزُ بِبَابِ الدَّارِ ، وَبَابُ الدَّارِ لَا يُحْرَزُ إلَّا بِنَصْبِهِ ، وَلَا يُحْرَزُ بِغَيْرِهِ .\rوَأَمَّا حَلْقَةُ الْبَابِ : فَإِنْ كَانَتْ مَسْمُورَةً ، فَهِيَ مُحْرَزَةٌ ، وَإِلَّا فَلَا ؛ لِأَنَّهَا تُحْرَزُ بِتَسْمِيرِهَا .","part":20,"page":210},{"id":9710,"text":"( 7263 ) فَصْلٌ : وَإِنْ سَرَقَ بَابَ مَسْجِدٍ مَنْصُوبًا ، أَوْ بَابَ الْكَعْبَةِ الْمَنْصُوبَ ، أَوْ سَرَقَ مِنْ سَقْفِهِ شَيْئًا ، أَوْ تَأْزِيرِهِ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا : عَلَيْهِ الْقَطْعُ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ، وَابْنِ الْقَاسِمِ ، صَاحِبِ مَالِكٍ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ ؛ لِأَنَّهُ سَرَقَ نِصَابًا مُحْرَزًا يُحْرَزُ مِثْلُهُ ، لَا شُبْهَةَ لَهُ فِيهِ ، فَلَزِمَهُ الْقَطْعُ ، كَبَابِ بَيْتِ الْآدَمِيِّ .\rوَالثَّانِي : لَا قَطْعَ عَلَيْهِ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ ؛ لِأَنَّهُ لَا مَالِكَ لَهُ مِنْ الْمَخْلُوقِينَ ، فَلَا يُقْطَعُ فِيهِ ، كَحُصْرِ الْمَسْجِدِ وَقَنَادِيلِهِ ، فَإِنَّهُ لَا يُقْطَعُ بِسَرِقَةِ ذَلِكَ ، وَجْهًا وَاحِدًا ؛ لِكَوْنِهِ مِمَّا يَنْتَفِعُ بِهِ ، فَيَكُونُ لَهُ فِيهِ شُبْهَةٌ ، فَلَمْ يُقْطَعْ بِهِ ، كَالسَّرِقَةِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ .\rوَقَالَ أَحْمَدُ : لَا يُقْطَعُ بِسَرِقَةِ سِتَارَةِ الْكَعْبَةِ الْخَارِجَةِ مِنْهَا .\rوَقَالَ الْقَاضِي : هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى مَا لَيْسَتْ بِمَخِيطَةٍ ؛ لِأَنَّهَا إنَّمَا تُحْرَزُ بِخِيَاطَتِهَا .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا قَطْعَ فِيهَا بِحَالٍ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا فِي الْبَابِ .","part":20,"page":211},{"id":9711,"text":"( 7264 ) فَصْلٌ : وَإِذَا أَجَّرَ دَارِهِ ، ثُمَّ سَرَقَ مِنْهَا مَالِ الْمُسْتَأْجِرِ ، فَعَلَيْهِ الْقَطْعُ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ .\rوَقَالَ صَاحِبَاهُ : لَا قَطْعَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ تَحْدُثُ فِي مِلْكِ الْآجِرِ ، ثُمَّ تَنْتَقِلُ إلَى الْمُسْتَأْجِرِ .\rوَلَنَا أَنَّهُ هَتَكَ حِرْزًا ، وَسَرَقَ مِنْهُ نِصَابًا لَا شُبْهَةَ لَهُ ، فَوَجَبَ الْقَطْعُ ، كَمَا لَوْ سَرَقَ مِنْ مِلْكِ الْمُسْتَأْجِرِ .\rوَمَا قَالَاهُ لَا نُسَلِّمُهُ .\rوَلَوْ اسْتَعَارَ دَارًا فَنَقَبَهَا الْمُعِيرُ ، وَسَرَقَ مَالَ الْمُسْتَعِيرِ مِنْهَا ، قُطِعَ أَيْضًا .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا قَطْعَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ مِلْكٌ لَهُ ، فَمَا هَتَكَ حِرْزَ غَيْرِهِ ؛ وَلِأَنَّ لَهُ الرُّجُوعَ مَتَى شَاءَ ، وَهَذَا يَكُونُ رُجُوعًا .\rوَلَنَا مَا تَقَدَّمَ فِي الَّتِي قَبْلَهَا ، وَلَا يَصِحُّ مَا ذَكَرَهُ ، لِأَنَّ هَذَا قَدْ صَارَ حِرْزًا لِمَالِ غَيْرِهِ ، لَا يَجُوزُ لَهُ الدُّخُولُ إلَيْهِ ، وَإِنَّمَا يَجُوزُ لَهُ الرُّجُوعُ فِي الْعَارِيَّةِ ، وَالْمُطَالَبَةُ بِرَدِّهِ إلَيْهِ .","part":20,"page":212},{"id":9712,"text":"( 7265 ) فَصْلٌ : وَإِنْ غَصَبَ بَيْتًا ، فَأَحْرَزَ فِيهِ مَالَهُ ، فَسَرَقَهُ مِنْهُ أَجْنَبِيٌّ ، أَوْ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ ، فَلَا قَطْعَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا حُكْمَ بِحِرْزِهِ إذَا كَانَ مُتَعَدِّيًا بِهِ ، ظَالِمًا فِيهِ .","part":20,"page":213},{"id":9713,"text":"فَصْلٌ : وَإِذَا سَرَقَ الضَّيْفُ مِنْ مَالِ مُضِيفِهِ شَيْئًا ، نَظَرْت ، فَإِنْ سَرَقَهُ مِنْ الْمَوْضِعِ الَّذِي أَنْزَلَهُ فِيهِ ، أَوْ مَوْضِعٍ لَمْ يُحْرِزْهُ عَنْهُ ، لَمْ يُقْطَعْ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْرِقْ مِنْ حِرْزٍ ، وَإِنْ سَرَقَ مِنْ مَوْضِعٍ مُحْرَزٍ دُونَهُ ، نَظَرْت ؛ فَإِنْ كَانَ مَنَعَهُ قِرَاهُ ، فَسَرَقَ بِقَدْرِهِ ، فَلَا قَطْعَ عَلَيْهِ أَيْضًا ، وَإِنْ لَمْ يَمْنَعْهُ قِرَاهُ ، فَعَلَيْهِ الْقَطْعُ .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ لَا قَطْعَ عَلَى الضَّيْفِ .\rوَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى إحْدَى الْحَالَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا قَطْعَ عَلَيْهِ بِحَالٍ ؛ لِأَنَّ الْمُضِيفَ بَسَطَهُ فِي بَيْتِهِ وَمَالِهِ ، فَأَشْبَهَ ابْنَهُ .\rوَلَنَا أَنَّهُ سَرَقَ مَالًا مُحْرَزًا عَنْهُ ، لَا شُبْهَةَ لَهُ فِيهِ ، فَلَزِمَهُ الْقَطْعُ ، كَالْأَجْنَبِيِّ .\rوَقَوْلُهُ : إنَّهُ بَسَطَهُ فِيهِ .\rلَا يَصِحُّ ، فَإِنَّهُ أَحْرَزَ عَنْهُ هَذَا الْمَالَ ، وَلَمْ يَبْسُطْهُ فِيهِ ، وَتَبَسُّطُهُ فِي غَيْرِهِ لَا يُوجِبُ تَبَسُّطَهُ فِيهِ ، كَمَا لَوْ تَصَدَّقَ عَلَى مِسْكِينٍ بِصَدَقَةٍ ، أَوْ أَهْدَى إلَى صَدِيقِهِ هَدِيَّةً ، فَإِنَّهُ لَا يَسْقُطُ عَنْهُ الْقَطْعُ بِالسَّرِقَةِ مِنْ غَيْرِ مَا تَصَدَّقَ بِهِ عَلَيْهِ ، أَوْ أَهْدَى إلَيْهِ .","part":20,"page":214},{"id":9714,"text":"( 7267 ) فَصْلٌ : وَإِذَا أَحْرَزَ الْمُضَارِبُ مَالَ الْمُضَارَبَةِ ، أَوْ الْوَدِيعَةِ ، أَوْ الْعَارِيَّةِ ، أَوْ الْمَالَ الَّذِي وُكِّلَ فِيهِ ، فَسَرَقَهُ أَجْنَبِيٌّ ، فَعَلَيْهِ الْقَطْعُ ، لَا نَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا ؛ لِأَنَّهُ يَنُوبُ مَنَابَ الْمَالِكِ فِي حِفْظِ الْمَالِ وَإِحْرَازِهِ ، وَيَدُهُ كَيَدِهِ .\rوَإِنْ غَصَبَ عَيْنًا وَأَحْرَزَهَا ، أَوْ سَرَقَهَا وَأَحْرَزَهَا ، فَسَرَقَهَا سَارِقٌ ، فَلَا قَطْعَ عَلَيْهِ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : عَلَيْهِ الْقَطْعُ ؛ لِأَنَّهُ سَرَقَ نِصَابًا مِنْ حِرْزِ مِثْلِهِ ، لَا شُبْهَةَ لَهُ فِيهِ ، وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ ، كَالْمَذْهَبَيْنِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ كَقَوْلِنَا فِي السَّارِقِ ، وَكَقَوْلِهِمْ فِي الْغَاصِبِ .\rوَلَنَا أَنَّهُ لَمْ يَسْرِقْ الْمَالَ مِنْ مَالِكِهِ ، وَلَا مِمَّنْ يَقُومُ مَقَامَهُ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ وَجَدَهُ ضَائِعًا فَأَخَذَهُ ، وَفَارَقَ السَّارِقَ مِنْ الْمَالِكِ أَوْ نَائِبِهِ ، فَإِنَّهُ أَزَالَ يَدَهُ ، وَسَرَقَ مِنْ حِرْزِهِ .","part":20,"page":215},{"id":9715,"text":"( 7268 ) فَصْلٌ : وَإِنْ سَرَقَ نِصَابًا ، أَوْ غَصَبَهُ فَأَحْرَزَهُ ، فَجَاءَ الْمَالِكُ ، فَهَتَكَ الْحِرْزَ ؛ وَأَخَذَ مَالَهُ ، فَلَا قَطْعَ عَلَيْهِ عِنْدَ أَحَدٍ ، سَوَاءٌ أَخَذَهُ سَرِقَةً أَوْ غَيْرَهَا ؛ لِأَنَّهُ أَخَذَ مَالَهُ .\rوَإِنْ سَرَقَ غَيْرَهُ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا : لَا قَطْعَ فِيهِ ؛ لِأَنَّ لَهُ شُبْهَةً فِي هَتْكِ الْحِرْزِ ، وَأَخْذِ مَالِهِ ، فَصَارَ كَالسَّارِقِ مِنْ غَيْرِ حِرْزٍ ؛ وَلِأَنَّ لَهُ شُبْهَةً فِي أَخْذِ قَدْرِ مَالِهِ ، لِذَهَابِ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ إلَى جَوَازِ أَخْذِ الْإِنْسَانِ قَدْرَ دَيْنِهِ مِنْ مَالِ مَنْ هُوَ عَلَيْهِ .\rوَالثَّانِي : عَلَيْهِ الْقَطْعُ ؛ لِأَنَّهُ سَرَقَ نِصَابًا مِنْ حِرْزِهِ لَا شُبْهَةَ لَهُ فِيهِ ، وَإِنَّمَا يَجُوزُ لَهُ أَخْذُ قَدْرِ مَالِهِ إذَا عَجَزَ عَنْ أَخْذِ مَالِهِ ، وَهَذَا أَمْكَنَهُ أَخْذُ مَالِهِ ، فَلَمْ يَجُزْ لَهُ أَخْذُ غَيْرِهِ .\rوَكَذَلِكَ الْحُكْمُ إذَا أَخَذَ مَالَهُ ، وَأَخَذَ مِنْ غَيْرِهِ نِصَابًا مُتَمَيِّزًا عَنْ مَالِهِ ، فَإِنْ كَانَ مُخْتَلِطًا بِمَالِهِ غَيْرَ مُتَمَيِّزٍ مِنْهُ ، فَلَا قَطْعَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ أَخَذَ مَالَهُ الَّذِي لَهُ أَخْذُهُ ، وَحَصَّلَ غَيْرَهُ مَأْخُوذًا ضَرُورَةَ أَخْذِهِ ، فَيَجِبُ أَنْ لَا يُقْطَعَ فِيهِ ؛ وَلِأَنَّ لَهُ فِي أَخْذِهِ شُبْهَةً ، وَالْحَدُّ يُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ .\rفَأَمَّا إنْ سَرَقَ مِنْهُ مَالًا آخَرَ مِنْ غَيْرِ الْحِرْزِ الَّذِي فِيهِ مَالُهُ ، أَوْ كَانَ لَهُ دَيْنٌ عَلَى إنْسَانٍ ، فَسَرَقَ مِنْ مَالِهِ قَدْرَ دَيْنِهِ مِنْ حِرْزِهِ ، نَظَرْت ، فَإِنْ كَانَ الْغَاصِبُ أَوْ الْغَرِيمُ بَاذِلًا لِمَا عَلَيْهِ ، غَيْرَ مُمْتَنِعٍ مِنْ أَدَائِهِ ، أَوْ قَدَرَ الْمَالِكُ عَلَى أَخْذِ مَالِهِ فَتَرَكَهُ وَسَرَقَ مَالَ الْغَاصِبِ أَوْ الْغَرِيمِ ، فَعَلَيْهِ الْقَطْعُ ؛ لِأَنَّهُ لَا شُبْهَةَ لَهُ فِيهِ ، وَإِنْ عَجَزَ عَنْ اسْتِيفَاءِ دَيْنِهِ ، أَوْ أَرْشِ جِنَايَتِهِ ، فَسَرَقَ قَدْرَ دَيْنِهِ ، أَوْ حَقِّهِ ، فَلَا قَطْعَ عَلَيْهِ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : عَلَيْهِ الْقَطْعُ ، بِنَاءً عَلَى أَصْلِنَا فِي أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَخْذُ قَدْرِ دَيْنِهِ .\rوَلَنَا أَنَّ هَذَا مُخْتَلَفٌ فِي حِلِّهِ ، فَلَمْ يَجِبْ","part":20,"page":216},{"id":9716,"text":"الْحَدُّ بِهِ ، كَمَا لَوْ وَطِئَ فِي نِكَاحٍ مُخْتَلَفٍ فِي صِحَّتِهِ ، وَتَحْرِيمُ الْأَخْذِ لَا يَمْنَعُ الشُّبْهَةَ النَّاشِئَةَ عَنْ الِاخْتِلَافِ ، وَالْحُدُودُ تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ .\rفَإِنْ سَرَقَ أَكْثَرَ مِنْ دَيْنِهِ ، فَهُوَ كَالْمَغْصُوبِ مِنْهُ إذَا سَرَقَ أَكْثَرَ مِنْ مَالِهِ ، عَلَى مَا مَضَى .","part":20,"page":217},{"id":9717,"text":"( 7269 ) فَصْلٌ : وَلَا بُدَّ مِنْ إخْرَاجِ الْمَتَاعِ مِنْ الْحِرْزِ ؛ لِمَا قَدَّمْنَا مِنْ الْإِجْمَاعِ عَلَى اشْتِرَاطِهِ ، فَمَتَى أَخْرَجَهُ مِنْ الْحِرْزِ ، وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَطْعُ ، سَوَاءٌ حَمَلَهُ إلَى مَنْزِلِهِ ، أَوْ تَرَكَهُ خَارِجًا مِنْ الْحِرْزِ ، وَسَوَاءٌ أَخْرَجَهُ بِأَنْ حَمَلَهُ ، أَوْ رَمَى بِهِ إلَى خَارِجِ الْحِرْزِ ، أَوْ شَدَّ فِيهِ حَبْلًا ثُمَّ خَرَجَ فَمَدَّهُ بِهِ ، أَوْ شَدَّهُ عَلَى بَهِيمَةٍ ثُمَّ سَاقَهَا بِهِ حَتَّى أَخْرَجَهَا ، أَوْ تَرَكَهُ فِي نَهْرٍ جَارٍ ، فَخَرَجَ بِهِ ، فَفِي هَذَا كُلِّهِ يَجِبُ الْقَطْعُ ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْمُخْرِجُ لَهُ ، إمَّا بِنَفْسِهِ ، وَإِمَّا بِآلَتِهِ ، فَوَجَبَ عَلَيْهِ الْقَطْعُ ، كَمَا لَوْ حَمَلَهُ ، فَأَخْرَجَهُ ، وَسَوَاءٌ دَخَلَ الْحِرْزَ فَأَخْرَجَهُ ، أَوْ نَقَبَهُ ثُمَّ أَدْخَلَ إلَيْهِ يَدَهُ أَوْ عَصًا لَهَا شُجْنَةٌ فَاجْتَذَبَهُ بِهَا .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا قَطْعَ عَلَيْهِ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْبَيْتُ صَغِيرًا لَا يُمْكِنُهُ دُخُولُهُ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَهْتِكْ الْحِرْزَ بِمَا أَمْكَنَهُ ، فَأَشْبَهَ الْمُخْتَلِسَ .\rوَلَنَا أَنَّهُ سَرَقَ نِصَابًا مِنْ حِرْزِ مِثْلِهِ ، لَا شُبْهَةَ لَهُ فِيهِ ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْقَطْعِ ، فَوَجَبَ عَلَيْهِ ، كَمَا لَوْ كَانَ الْبَيْتُ ضَيِّقًا ، وَيُخَالِفُ الْمُخْتَلِسَ ، فَإِنَّهُ لَمْ يَهْتِكْ الْحِرْزَ .\rوَإِنْ رَمَى الْمَتَاعَ ، فَأَطَارَتْهُ الرِّيحُ فَأَخْرَجَتْهُ ، فَعَلَيْهِ الْقَطْعُ ؛ لِأَنَّهُ مَتَى كَانَ ابْتِدَاءُ الْفِعْلِ مِنْهُ ، لَمْ يُؤَثِّرْ فِعْلُ الرِّيحِ ، كَمَا لَوْ رَمَى صَيْدًا ، فَأَعَانَتْ الرِّيحُ السَّهْمَ حَتَّى قَتَلَ الصَّيْدَ ، حَلَّ ، وَلَوْ رَمَى الْجِمَارَ ، فَأَعَانَتْهَا الرِّيحُ حَتَّى وَقَعَتْ فِي الْمَرْمَى ، اُحْتُسِبَ بِهِ ، وَصَارَ هَذَا كَمَا لَوْ تَرَكَ الْمَتَاعَ فِي الْمَاءِ فَجَرَى بِهِ فَأَخْرَجَهُ ، وَلَوْ أَمَرَ صَبِيًّا لَا يُمَيِّزُ ، فَأَخْرَجَ الْمَتَاعَ ، وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَطْعُ ؛ لِأَنَّهُ آلَةٌ لَهُ ، فَأَمَّا إنْ تَرَكَ الْمَتَاعَ عَلَى دَابَّةٍ ، فَخَرَجَتْ بِنَفْسِهَا مِنْ غَيْرِ سَوْقِهَا ، أَوْ تَرَكَ الْمَتَاعَ فِي مَاءٍ رَاكِدٍ ،","part":20,"page":218},{"id":9718,"text":"فَانْفَتَحَ فَخَرَجَ الْمَتَاعُ ، أَوْ عَلَى حَائِطٍ فِي الدَّارِ ، فَأَطَارَتْهُ الرِّيحُ ، فَفِي ذَلِكَ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا : عَلَيْهِ الْقَطْعُ ؛ لِأَنَّ فِعْلَهُ سَبَبُ خُرُوجِهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ سَاقَ الْبَهِيمَةَ ، أَوْ فَتْحَ الْمَاءَ ، وَحَلَّقَ الثَّوْبَ فِي الْهَوَاءِ .\rوَالثَّانِي : لَا قَطْعَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ لَمْ يَكُنْ آلَةً لِلْإِخْرَاجِ ، وَإِنَّمَا خَرَجَ الْمَتَاعُ بِسَبَبٍ حَادِثٍ مِنْ غَيْرِ فِعْلِهِ ، وَالْبَهِيمَةُ لَهَا اخْتِيَارٌ لِنَفْسِهَا .","part":20,"page":219},{"id":9719,"text":"( 7270 ) فَصْلٌ : وَإِذَا أَخْرَجَ الْمَتَاعَ مِنْ بَيْتٍ فِي الدَّارِ ، أَوْ الْخَانِ إلَى الصَّحْنِ ، فَإِنْ كَانَ بَابُ الْبَيْتِ مُغْلَقًا ، فَفَتَحَهُ أَوْ نَقَبَهُ ، فَقَدْ أَخْرَجَ الْمَتَاعَ مِنْ الْحِرْزِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُغْلَقًا ، فَمَا أَخْرَجَهُ مِنْ الْحِرْزِ .\rوَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ : إذَا أَخْرَجَ الْمَتَاعَ مِنْ الْبَيْتِ إلَى الدَّارِ ، يُقْطَعُ .\rوَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الصُّورَةِ الْأُولَى .","part":20,"page":220},{"id":9720,"text":"( 7271 ) فَصْلٌ : قَالَ أَحْمَدُ الطَّرَّارُ سِرًّا يُقْطَعُ ، وَإِنْ اخْتَلَسَ لَمْ يُقْطَعْ .\rوَمَعْنَى الطَّرَّارِ : الَّذِي يَسْرِقُ مِنْ جَيْبِ الرَّجُلِ أَوْ كُمِّهِ ، أَوْ صُفْنِهِ ، وَسَوَاءٌ بَطَّ مَا أَخَذَ مِنْهُ الْمَسْرُوقَ ، أَوْ قَطَعَ الصُّفْنَ فَأَخَذَهُ ، أَوْ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي الْجَيْبِ فَأَخَذَ مَا فِيهِ ، فَإِنَّ عَلَيْهِ الْقَطْعَ .\rوَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ فِي الَّذِي يَأْخُذُ مِنْ جَيْبِ الرَّجُلِ وَكُمِّهِ : لَا قَطْعَ عَلَيْهِ .\rفَيَكُونُ فِي ذَلِكَ رِوَايَتَانِ .","part":20,"page":221},{"id":9721,"text":"( 7272 ) فَصْلٌ : وَإِذَا دَخَلَ السَّارِقُ حِرْزًا ، فَاحْتَلَبَ لَبَنًا مِنْ مَاشِيَةٍ ، وَأَخْرَجَهُ ، فَعَلَيْهِ الْقَطْعُ .\rبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا قَطْعَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْأَشْيَاءِ الرَّطْبَةِ .\rوَقَدْ مَضَى الْكَلَامُ مَعَهُ فِي هَذَا .\rوَإِنْ شَرِبَهُ فِي الْحِرْزِ ، أَوْ شَرِبَ مِنْهُ مَا يُنْقِصُ النِّصَابَ ، فَلَا قَطْعَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُخْرِجْ مِنْ الْحِرْزِ نِصَابًا .\rوَإِنْ ذَبَحَ الشَّاةَ فِي الْحِرْزِ ، أَوْ شَقَّ الثَّوْبَ ، ثُمَّ أَخْرَجَهُمَا ، وَقِيمَتُهُمَا بَعْدَ الشَّقِّ وَالذَّبْحِ نِصَابٌ ، فَعَلَيْهِ الْقَطْعُ .\rوَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا قَطْعَ عَلَيْهِ فِي الشَّاةِ ؛ لِأَنَّ اللَّحْمَ لَا يُقْطَعُ عِنْدَهُ بِسَرِقَتِهِ ، وَالثَّوْبُ إنْ شُقَّ أَكْثَرُهُ ، فَلَا قَطْعَ فِيهِ ؛ لِأَنَّ صَاحِبَهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يُضَمِّنَهُ قِيمَةَ جَمِيعِهِ ، فَيَكُونَ قَدْ أَخْرَجَهُ وَهُوَ مِلْكٌ لَهُ .\rوَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ مَعَهُ فِي هَذِهِ الْأُصُولِ .\rوَإِنْ دَخَلَ الْحِرْزَ فَابْتَلَعَ جَوْهَرَةً وَخَرَجَ ، فَلَمْ تَخْرُجْ ؛ فَلَا قَطْعَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ أَتْلَفَهَا فِي الْحِرْزِ ، وَإِنْ خَرَجَتْ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا : يَجِبُ ؛ لِأَنَّهُ أَخْرَجَهَا فِي وِعَائِهَا ، فَأَشْبَهَ إخْرَاجَهَا فِي كُمِّهِ .\rوَالثَّانِي : لَا يَجِبُ ؛ لِأَنَّهُ ضَمِنَهَا بِالْبَلْعِ ، فَكَانَ إتْلَافًا لَهَا ؛ وَلِأَنَّهُ مُلْجَأٌ إلَى إخْرَاجِهَا ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ الْخُرُوجُ بِدُونِهَا .\rوَإِنْ تَطَيَّبَ فِي الْحِرْزِ بِطِيبٍ ، وَخَرَجَ ، وَلَمْ يَبْقَ عَلَيْهِ مِنْ الطِّيبِ ، مَا إذَا جُمِعَ كَانَ نِصَابًا ، فَلَا قَطْعَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ مَا لَا يَجْتَمِعُ قَدْ أَتْلَفَهُ بِاسْتِعْمَالِهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَكَلَ الطَّعَامَ ، وَإِنْ كَانَ يَبْلُغُ نِصَابًا ، فَعَلَيْهِ الْقَطْعُ ؛ لِأَنَّهُ أَخْرَجَ نِصَابًا .\rوَذُكِرَ فِيهِ وَجْهٌ آخَرُ ، فِيمَا إذَا كَانَ مَا تَطَيَّبَ بِهِ يَبْلُغُ نِصَابًا ، فَعَلَيْهِ الْقَطْعُ وَإِنْ نَقَصَ مَا يَجْتَمِعُ عَنْ النِّصَابِ ؛ لِأَنَّهُ أَخْرَجَ نِصَابًا .\rوَالْأَوَّلُ أَوْلَى .\rوَإِنْ جَرَّ خَشَبَةً","part":20,"page":222},{"id":9722,"text":"فَأَلْقَاهَا بَعْدَ أَنْ أَخْرَجَ بَعْضَهَا مِنْ الْحِرْزِ ، فَلَا قَطْعَ عَلَيْهِ ، سَوَاءٌ خَرَجَ مِنْهَا مَا يُسَاوِي نِصَابًا أَوْ لَمْ يَكُنْ ؛ لِأَنَّ بَعْضَهَا لَا يَنْفَرِدُ عَنْ بَعْضٍ .\rوَكَذَلِكَ لَوْ أَمْسَكَ الْغَاصِبُ طَرَفَ عِمَامَتِهِ ، وَالطَّرَفُ الْآخَرُ فِي يَدِ مَالِكِهَا ، لَمْ يَضْمَنْهَا .\rوَكَذَلِكَ إذَا سَرَقَ ثَوْبًا أَوْ عِمَامَةً فَأَخْرَجَ بَعْضَهُمَا .","part":20,"page":223},{"id":9723,"text":"( 7273 ) فَصْلٌ : وَإِذَا نَقَبَ الْحِرْزَ ، ثُمَّ دَخَلَ فَأَخْرَجَ مَا دُونَ النِّصَابِ ، ثُمَّ دَخَلَ فَأَخْرَجَ مَا يَتِمُّ بِهِ النِّصَابُ ، نَظَرْت ؛ فَإِنْ كَانَ فِي وَقْتَيْنِ مُتَبَاعِدَيْنِ ، أَوْ لَيْلَتَيْنِ ، لَمْ يَجِبْ الْقَطْعُ ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا سَرِقَةٌ مُفْرَدَةٌ لَا تَبْلُغُ نِصَابًا .\rوَكَذَلِكَ إنْ كَانَا فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ وَبَيْنَهُمَا مُدَّةٌ طَوِيلَةٌ .\rوَإِنْ تَقَارَبَا ، وَجَبَ قَطْعُهُ ؛ لِأَنَّهَا سَرِقَةٌ وَاحِدَةٌ ، وَإِذَا بُنِيَ فِعْلُ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ عَلَى فِعْلِ شَرِيكِهِ ، فَبِنَاءُ فِعْلِ الْوَاحِدِ بَعْضِهِ عَلَى بَعْضٍ أَوْلَى .","part":20,"page":224},{"id":9724,"text":"الشَّرْطُ الْخَامِسُ وَالسَّادِسُ وَالسَّابِعُ : كَوْنُ السَّارِقِ مُكَلَّفًا ، وَثَبَتَتْ السَّرِقَةُ ، وَيُطَالِبُ بِهَا الْمَالِكُ بِالْمَعْرُوفِ ، وَتَنْتَفِي الشُّبُهَاتُ .\rوَيُذْكَرُ ذَلِكَ فِي مَوَاضِعِهِ .","part":20,"page":225},{"id":9725,"text":"( 7274 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمَسْرُوقُ ثَمَرًا أَوْ كَثَرًا ، فَلَا قَطْعَ فِيهِ ) يَعْنِي بِهِ الثَّمَرَ فِي الْبُسْتَانِ قَبْلَ إدْخَالِهِ الْحِرْزَ ، فَهَذَا لَا قَطْعَ فِيهِ عِنْدَ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ .\rكَذَلِكَ الْكَثَرُ الْمَأْخُوذُ مِنْ النَّخْلِ ، وَهُوَ جُمَّارُ النَّخْلِ .\rرُوِيَ مَعْنَى هَذَا الْقَوْلِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ .\rوَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ ، وَمَالِكٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ : إنْ كَانَ مِنْ ثَمَرٍ أَوْ بُسْتَانٍ مُحْرَزٍ ، فَفِيهِ الْقَطْعُ .\rوَبِهِ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ إنْ لَمْ يَصِحَّ خَبَرُ رَافِعٍ .\rقَالَ : وَلَا أَحْسَبُهُ ثَابِتًا .\rوَاحْتَجَّا بِظَاهِرِ الْآيَةِ ، وَبِقِيَاسِهِ عَلَى سَائِرِ الْمُحْرَزَاتِ .\rوَلَنَا مَا رَوَى رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { لَا قَطْعَ فِي ثَمَرٍ وَلَا كَثَرٍ } .\rأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد ، وَابْنُ مَاجَهْ .\rوَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، { عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الثَّمَرِ الْمُعَلَّقِ ، فَقَالَ : مَنْ أَصَابَ بِفِيهِ مِنْ ذِي حَاجَةٍ ، غَيْرَ مُتَّخِذٍ خُبْنَةً ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ ، وَمَنْ خَرَجَ بِشَيْءٍ مِنْهُ ، فَعَلَيْهِ غَرَامَةُ مِثْلَيْهِ وَالْعُقُوبَةُ ، وَمَنْ سَرَقَ مِنْهُ شَيْئًا بَعْدَ أَنْ يُؤْوِيَهُ الْجَرِينُ ، فَبَلَغَ ثَمَنَ الْمِجَنِّ ، فَعَلَيْهِ الْقَطْعُ } .\rوَهَذَا يَخُصُّ عُمُومَ الْآيَةِ ؛ وَلِأَنَّ الْبُسْتَانَ لَيْسَ بِحِرْزٍ لِغَيْرِ الثَّمَرِ ، فَلَا يَكُونُ حِرْزًا لَهُ ، كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ مَحُوطًا ، فَأَمَّا إنْ كَانَتْ نَخْلَةٌ أَوْ شَجَرَةٌ فِي دَارٍ مُحْرِزَةٍ ، فَسَرَقَ مِنْهَا نِصَابًا ، فَفِيهِ الْقَطْعُ ؛ لِأَنَّهُ سَرَقَ مِنْ حِرْزٍ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - .","part":20,"page":226},{"id":9726,"text":"( 7275 ) فَصْلٌ : وَإِنْ سَرَقَ مِنْ الثَّمَرِ الْمُعَلَّقِ ، فَعَلَيْهِ غَرَامَةُ مِثْلَيْهِ .\rوَبِهِ قَالَ إِسْحَاقُ ؛ لِلْخَبَرِ الْمَذْكُورِ .\rوَقَالَ أَحْمَدُ : لَا أَعْلَمُ سَبَبًا يَدْفَعُهُ .\rوَقَالَ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ : لَا يَجِبُ فِيهِ أَكْثَرُ مِنْ مِثْلِهِ .\rقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : لَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ الْفُقَهَاءِ قَالَ بِوُجُوبِ غَرَامَةِ مِثْلَيْهِ .\rوَاعْتَذَرَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ عَنْ هَذَا الْخَبَرِ ، بِأَنَّهُ كَانَ حِينَ كَانَتْ الْعُقُوبَةُ فِي الْأَمْوَالِ ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ .\rوَلَنَا قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ حُجَّةٌ لَا تَجُوزُ مُخَالَفَتُهُ ، إلَّا بِمُعَارَضَةِ مِثْلِهِ أَوْ أَقْوَى مِنْهُ ، وَهَذَا الَّذِي اعْتَذَرَ بِهِ هَذَا الْقَائِلُ دَعْوَى لِلْفَسْخِ بِالِاحْتِمَالِ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ عَلَيْهِ ، وَهُوَ فَاسِدٌ بِالْإِجْمَاعِ ، ثُمَّ هُوَ فَاسِدٌ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ ؛ لِقَوْلِهِ : \" وَمَنْ سَرَقَ مِنْهُ شَيْئًا بَعْدَ أَنْ يُؤْوِيَهُ الْجَرِينُ ، فَبَلَغَ ثَمَنَ الْمِجَنِّ ، فَعَلَيْهِ الْقَطْعُ \" .\rفَقَدْ بَيَّنَ وُجُوبَ الْقَطْعِ مَعَ إيجَابِ غَرَامَةِ مِثْلَيْهِ ، وَهَذَا يُبْطِلُ مَا قَالَهُ .\rوَقَدْ احْتَجَّ أَحْمَدُ بِأَنَّ عُمَرَ أَغْرَمَ حَاطِبَ بْنَ أَبِي بَلْتَعَةَ حِينَ انْتَحَرَ غِلْمَانُهُ نَاقَةَ رَجُلٍ مِنْ مُزَيْنَةَ ، مِثْلَيْ قِيمَتِهَا .\rوَرَوَى الْأَثْرَمُ الْحَدِيثَيْنِ فِي \" سُنَنِهِ \" ، قَالَ أَصْحَابُنَا : وَفِي الْمَاشِيَةِ تُسْرَقُ مِنْ الْمَرْعَى ، مِنْ غَيْرِ أَنْ تَكُونَ مُحْرَزَةً ، مِثْلَا قِيمَتِهَا ؛ لِلْحَدِيثِ ، وَهُوَ مَا جَاءَ فِي سِيَاقِ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، { أَنَّ السَّائِلَ قَالَ : الشَّاةُ الْحَرِيسَةُ مِنْهُنَّ يَا نَبِيَّ اللَّهِ ؟ قَالَ : ثَمَنُهَا وَمِثْلُهُ مَعَهُ ، وَالْفِكَاكُ ، وَمَا كَانَ فِي الْمُرَاحِ ، فَفِيهِ الْقَطْعُ إذَا كَانَ مَا يَأْخُذُهُ مِنْ ذَلِكَ ثَمَنَ الْمِجَنِّ } .\rوَهَذَا لَفْظُ رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ .\rوَمَا عَدَا هَذَيْنِ لَا يُغْرَمُ بِأَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ ، أَوْ مِثْلِهِ إنْ كَانَ مِثْلِيًّا .\rهَذَا قَوْلُ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ ، إلَّا أَبَا بَكْرٍ .\rفَإِنَّهُ ذَهَبَ إلَى إيجَابِ","part":20,"page":227},{"id":9727,"text":"غَرَامَةِ الْمَسْرُوقِ مِنْ غَيْرِ حِرْزٍ بِمِثْلَيْهِ ، قِيَاسًا عَلَى الثَّمَرِ الْمُعَلَّقِ وَحَرِيسَةِ الْجَبَلِ ، وَاسْتِدْلَالًا بِحَدِيثِ حَاطِبٍ .\rوَلَنَا أَنَّ الْأَصْلَ وُجُوبُ غَرَامَةِ الْمِثْلِيِّ بِمِثْلِهِ ، وَالْمُتَقَوَّمِ بِقِيمَتِهِ بِدَلِيلِ الْمُتْلَفِ وَالْمَغْصُوبِ ، وَالْمُنْتَهَبِ وَالْمُخْتَلَسِ ، وَسَائِرِ مَا تَجِبُ غَرَامَتُهُ ، خُولِفَ فِي هَذَيْنِ الْمَوْضِعَيْنِ لِلْأَثَرِ ، فَفِيمَا عَدَاهُ يَبْقَى عَلَى الْأَصْلِ .","part":20,"page":228},{"id":9728,"text":"( 7276 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَابْتِدَاءُ قَطْعِ السَّارِقِ ، أَنْ تُقْطَعَ يَدُهُ الْيُمْنَى مِنْ مَفْصِلِ الْكَفِّ ، وَيُحْسَمَ ، فَإِنْ عَادَ قُطِعَتْ رِجْلُهُ الْيُسْرَى مِنْ مَفْصِلِ الْكَعْبِ ، وَحُسِمَتْ ) لَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي أَنَّ السَّارِقَ أَوَّلُ مَا يُقْطَعُ مِنْهُ ، يَدُهُ الْيُمْنَى ، مِنْ مَفْصِلِ الْكَفِّ ، وَهُوَ الْكُوعُ .\rوَفِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ : \" فَاقْطَعُوا أَيْمَانَهُمَا \" .\rوَهَذَا إنْ كَانَ قِرَاءَةً وَإِلَّا فَهُوَ تَفْسِيرٌ .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وَعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، أَنَّهُمَا قَالَا : إذَا سَرَقَ السَّارِقُ ، فَاقْطَعُوا يَمِينَهُ مِنْ الْكُوعِ .\rوَلَا مُخَالِفَ لَهُمَا فِي الصَّحَابَةِ ؛ وَلِأَنَّ الْبَطْشَ بِهَا أَقْوَى ، فَكَانَتْ الْبِدَايَةُ بِهَا أَرْدَعَ ؛ وَلِأَنَّهَا آلَةُ السَّرِقَةِ ، فَنَاسَبَ عُقُوبَتَهُ بِإِعْدَامِ آلَتِهَا .\rوَإِذَا سَرَقَ ثَانِيًا ، قُطِعَتْ رِجْلُهُ الْيُسْرَى .\rوَبِذَلِكَ قَالَ الْجَمَاعَةُ إلَّا عَطَاءً ، حُكِيَ عَنْهُ أَنَّهُ تُقْطَعُ يَدُهُ الْيُسْرَى ؛ لِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ : { فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا } .\rوَلِأَنَّهَا آلَةُ السَّرِقَةِ وَالْبَطْشِ ، فَكَانَتْ الْعُقُوبَةُ بِقَطْعِهَا أَوْلَى .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ رَبِيعَةَ ، وَدَاوُد .\rوَهَذَا شُذُوذٌ ، يُخَالِفُ قَوْلَ جَمَاعَةِ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ مِنْ أَهْلِ الْفِقْهِ وَالْأَثَرِ ، مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، وَقَدْ رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ فِي السَّارِقِ { إذَا سَرَقَ فَاقْطَعُوا يَدَهُ ، ثُمَّ إنْ سَرَقَ فَاقْطَعُوا رِجْلَهُ } .\rوَلِأَنَّهُ فِي الْمُحَارَبَةِ الْمُوجِبَةِ قَطْعَ عُضْوَيْنِ ، إنَّمَا تُقْطَعُ يَدُهُ وَرِجْلُهُ ، وَلَا تُقْطَعُ يَدَاهُ ، فَنَقُولُ : جِنَايَةٌ أَوْجَبَتْ قَطْعَ عُضْوَيْنِ ، فَكَانَا رِجْلًا وَيَدًا ، كَالْمُحَارَبَةِ ؛ وَلِأَنَّ قَطْعَ يَدَيْهِ يُفَوِّتُ مَنْفَعَةَ الْجِنْسِ ، فَلَا تَبْقَى لَهُ يَدٌ يَأْكُلُ بِهَا ، وَلَا يَتَوَضَّأُ ، وَلَا يَسْتَطِيبُ ، وَلَا يَدْفَعُ","part":20,"page":229},{"id":9729,"text":"عَنْ نَفْسِهِ ، فَيَصِيرُ كَالْهَالِكِ ، فَكَانَ قَطْعُ الرِّجْلِ الَّذِي لَا يَشْتَمِلُ عَلَى هَذِهِ الْمَفْسَدَةِ أَوْلَى .\rوَأَمَّا الْآيَةُ : فَالْمُرَادُ بِهَا قَطْعُ يَدِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ؛ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا تُقْطَعُ الْيَدَانِ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى .\rوَفِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ : ( فَاقْطَعُوا أَيْمَانَهُمَا ) .\rوَإِنَّمَا ذُكِرَ بِلَفْظِ الْجَمْعِ ، لِأَنَّ الْمُثَنَّى إذَا أُضِيفَ إلَى الْمُثَنَّى ذُكِرَ بِلَفْظِ الْجَمْعِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : { فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا } .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّهُ تُقْطَعُ رِجْلُهُ الْيُسْرَى ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ } .\rوَلِأَنَّ قَطْعَ الْيُسْرَى أَرْفَقُ بِهِ ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ الْمَشْيُ عَلَى خَشَبَةٍ ، وَلَوْ قُطِعَتْ رِجْلُهُ الْيُمْنَى لَمْ يُمْكِنْهُ الْمَشْيُ بِحَالٍ .\rوَتُقْطَعُ الرِّجْلُ مِنْ مَفْصِلِ الْكَعْبِ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَفَعَلَ ذَلِكَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .\rوَكَانَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقْطَعُ مِنْ نِصْفِ الْقَدَمِ مِنْ مَعْقِدِ الشِّرَاكِ ، وَيَدَعُ لَهُ عَقِبًا يَمْشِي عَلَيْهَا .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ .\rوَلَنَا أَنَّهُ أَحَدُ الْعُضْوَيْنِ الْمَقْطُوعَيْنِ فِي السَّرِقَةِ ، فَيُقْطَعُ مِنْ الْمَفْصِلِ كَالْيَدِ .\rوَإِذَا قُطِعَ حُسِمَ ، وَهُوَ أَنْ يُغْلَى الزَّيْتُ ، فَإِذَا قُطِعَ غُمِسَ عُضْوُهُ فِي الزَّيْتِ ؛ لِتَنْسَدَّ أَفْوَاهُ الْعُرُوقِ ؛ لِئَلَّا يَنْزِفَ الدَّمَ فَيَمُوتَ .\rوَقَدْ رُوِيَ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُتِيَ بِسَارِقٍ سَرَقَ شَمْلَةً ، فَقَالَ اقْطَعُوهُ وَاحْسِمُوهُ } .\rوَهُوَ حَدِيثٌ فِيهِ مَقَالٌ .\rقَالَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ .\rوَمِمَّنْ اسْتَحَبَّ ذَلِكَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَغَيْرُهُمَا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rوَيَكُونُ الزَّيْتُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِهِ الْقَاطِعَ ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ ، فَإِنْ لَمْ يَحْسِمْ ، فَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ الْقَطْعَ ، لَا مُدَاوَاةَ","part":20,"page":230},{"id":9730,"text":"الْمَحْدُودِ .\rوَيُسْتَحَبُّ لِلْمَقْطُوعِ حَسْمُ نَفْسِهِ ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ لَمْ يَأْثَمْ ؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ التَّدَاوِيَ فِي الْمَرَضِ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ","part":20,"page":231},{"id":9731,"text":"( 7277 ) فَصْلٌ وَيُقْطَعُ السَّارِقُ بِأَسْهَلِ مَا يُمْكِنُ ، فَيَجْلِسُ وَيُضْبَطُ لِئَلَّا يَتَحَرَّكَ فَيَجْنِيَ عَلَى نَفْسِهِ ، وَتُشَدُّ يَدُهُ بِحَبْلٍ ، وَتُجَرُّ حَتَّى يَبِينَ مَفْصِلُ الْكَفِّ مِنْ مَفْصِلِ الذِّرَاعِ ، ثُمَّ يُوضَعُ بَيْنَهُمَا سِكِّينٌ حَادٌّ ، وَيُدَقُّ فَوْقَهُمَا بِقُوَّةٍ لِيُقْطَعَ فِي مَرَّةٍ وَاحِدَةٍ ، أَوْ تُوضَعُ السِّكِّينُ عَلَى الْمَفْصِلِ وَتُمَدَّى مَدَّةً وَاحِدَةً .\rوَإِنْ عُلِمَ قَطْعٌ أَوْحَى مِنْ هَذَا ، قُطِعَ بِهِ .","part":20,"page":232},{"id":9732,"text":"( 7278 ) فَصْلٌ : وَيُسَنُّ تَعْلِيقُ الْيَدِ فِي عُنُقِهِ ؛ لِمَا رَوَى فَضَالَةُ بْنُ عُبَيْدٍ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُتِيَ بِسَارِقٍ ، فَقُطِعَتْ يَدُهُ ، ثُمَّ أَمَرَ بِهَا فَعُلِّقَتْ فِي عُنُقِهِ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ .\rوَفَعَلَ ذَلِكَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ؛ وَلِأَنَّ فِيهِ رَدْعًا وَزَجْرًا .","part":20,"page":233},{"id":9733,"text":"( 7279 ) فَصْلٌ : وَلَا تُقْطَعُ فِي شِدَّةِ حَرٍّ وَلَا بَرْدٍ ؛ لِأَنَّ الزَّمَانَ رُبَّمَا أَعَانَ عَلَى قَتْلِهِ ، وَالْغَرَضُ الزَّجْرُ دُونَ الْقَتْلِ .\rوَلَا تُقْطَعُ حَامِلٌ حَالَ حَمْلِهَا ، وَلَا بَعْدَ وَضْعِهَا حَتَّى يَنْقَضِيَ نِفَاسُهَا ؛ لِئَلَّا يُفْضِيَ إلَى تَلَفِهَا وَتَلَفِ وَلَدِهَا .\rوَلَا يُقْطَعُ مَرِيضٌ فِي مَرَضِهِ ؛ لِئَلَّا يَأْتِيَ عَلَى نَفْسِهِ .\rوَلَوْ سَرَقَ فَقُطِعَتْ يَدُهُ ، ثُمَّ سَرَقَ قَبْلَ انْدِمَالِ يَدِهِ ، لَمْ يُقْطَعْ ثَانِيًا حَتَّى يَنْدَمِلَ الْقَطْعُ الْأَوَّلُ .\rوَكَذَلِكَ لَوْ قُطِعَتْ رِجْلُهُ قِصَاصًا ، لَمْ تُقْطَعْ الْيَدُ فِي السَّرِقَةِ حَتَّى تَبْرَأَ الرِّجْلُ .\rفَإِنْ قِيلَ : أَلَيْسَ لَوْ وَجَبَ عَلَيْهِ قِصَاصٌ فِي الْيَدِ الْأُخْرَى لَقُطِعَتْ قَبْلَ الِانْدِمَالِ ، وَالْمُحَارِبُ تُقْطَعُ يَدُهُ وَرِجْلُهُ دَفْعَةً وَاحِدَةً ، وَقَدْ قُلْتُمْ فِي الْمَرِيضِ الَّذِي وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَدُّ : لَا يُنْتَظَرُ بُرْؤُهُ .\rفَلِمَ خَالَفْتُمْ ذَلِكَ هَاهُنَا ؟ قُلْنَا : الْقِصَاصُ حَقُّ آدَمِيٍّ ، يُخَافُ فَوْتُهُ ، وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى الضِّيقِ لِحَاجَتِهِ إلَيْهِ ؛ وَلِأَنَّ الْقِصَاصَ قَدْ يَجِبُ فِي يَدٍ ، وَيَجِبُ فِي يَدَيْنِ وَأَكْثَرَ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ ؛ فَلِهَذَا جَازَ أَنْ نُوَالِيَ بَيْنَ قِصَاصَيْنِ ، وَنُخَالِفَ ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَعْصِيَةٍ لَهَا حَدٌّ مُقَدَّرٌ ، لَا تَجُوزُ الزِّيَادَةُ عَلَيْهِ ، فَإِذَا وَالَى بَيْنَ حَدَّيْنِ ، صَارَ كَالزِّيَادَةِ عَلَى الْحَدِّ ، فَلَمْ يَجُزْ .\rوَأَمَّا قُطَّاعُ الطَّرِيقِ ، فَإِنَّ قَطْعَ الْيَدِ وَالرِّجْلِ حَدٌّ وَاحِدٌ ، بِخِلَافِ مَا نَحْنُ فِيهِ .\rوَأَمَّا تَأْخِيرُ الْحَدِّ لِلْمَرِيضِ ، فَفِيهِ مَنْعٌ ، وَإِنْ سَلَّمْنَا ، فَإِنَّ الْجَلْدَ يُمْكِنُ تَخْفِيفُهُ ، فَيَأْتِي بِهِ فِي الْمَرَضِ عَلَى وَجْهٍ يُؤْمَنُ مَعَهُ التَّلَفُ ، وَالْقَطْعُ لَا يُمْكِنُ تَخْفِيفُهُ .","part":20,"page":234},{"id":9734,"text":"( 7280 ) فَصْلٌ : وَإِذَا سَرَقَ مَرَّاتٍ قَبْلَ الْقَطْعِ ، أَجْزَأَ قَطْعٌ وَاحِدٌ عَنْ جَمِيعِهَا ، وَتَدَاخَلَتْ حُدُودُهَا ؛ لِأَنَّهُ حَدٌّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى ، فَإِذَا اجْتَمَعَتْ أَسْبَابُهُ تَدَاخَلَ ، كَحَدِّ الزِّنَا .\rوَذَكَرَ الْقَاضِي فِيمَا إذَا سَرَقَ مِنْ جَمَاعَةٍ ، وَجَاءُوا مُتَفَرِّقِينَ ، رِوَايَةً أُخْرَى ، أَنَّهَا لَا تَتَدَاخَلُ .\rوَلَعَلَّهُ يَقِيسُ ذَلِكَ عَلَى حَدِّ الْقَذْفِ ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا تَتَدَاخَلُ ؛ لِأَنَّ الْقَطْعَ خَالِصُ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى فَتَتَدَاخَلُ ، كَحَدِّ الزِّنَا وَالشُّرْبِ ، وَفَارَقَ حَدَّ الْقَذْفِ ، فَإِنَّهُ حَقٌّ لِآدَمِيٍّ ، وَلِهَذَا يُتَوَقَّفُ عَلَى الْمُطَالَبَةِ بِاسْتِيفَائِهِ ، وَيَسْقُطُ بِالْعَفْوِ عَنْهُ .\rفَأَمَّا إنْ سَرَقَ فَقُطِعَ ، ثُمَّ سَرَقَ ثَانِيًا ، قُطِعَ ثَانِيًا ، سَوَاءٌ سَرَقَ مِنْ الَّذِي سَرَقَ مِنْهُ أَوَّلًا أَوْ مِنْ غَيْرِهِ ، وَسَوَاءٌ سَرَقَ تِلْكَ الْعَيْنَ الَّتِي قُطِعَ بِهَا أَوْ غَيْرَهَا .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إذَا قُطِعَ بِسَرِقَةِ عَيْنٍ مَرَّةً ، لَمْ يُقْطَعْ بِسَرِقَتِهَا مَرَّةً ثَانِيَةً ، إلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ قُطِعَ بِسَرِقَةِ غَزْلٍ ، ثُمَّ سَرَقَهُ مَنْسُوجًا ، أَوْ قُطِعَ بِسَرِقَةِ رُطَبٍ ، ثُمَّ سَرَقَهُ تَمْرًا .\rوَاحْتُجَّ بِأَنَّ هَذَا يَتَعَلَّقُ اسْتِيفَاؤُهُ بِمُطَالَبَةِ آدَمِيٍّ ، فَإِذَا تَكَرَّرَ سَبَبُهُ فِي الْعَيْنِ الْوَاحِدَةِ ، لَمْ يَتَكَرَّرْ ، كَحَدِّ الْقَذْفِ .\rوَلَنَا أَنَّهُ حَدٌّ يَجِبُ بِفِعْلٍ فِي عَيْنٍ ، فَتَكَرُّرُهُ فِي عَيْنٍ وَاحِدَةٍ كَتَكَرُّرِهِ فِي الْأَعْيَانِ ، كَالزِّنَا ، وَمَا ذَكَرَهُ يَبْطُلُ بِالْغَزْلِ إذَا نُسِجَ ، وَالرُّطَبِ إذَا أَتْمَرَ ، وَلَا نُسَلِّمُ حَدَّ الْقَذْفِ ، فَإِنَّهُ مَتَى قَذَفَهُ بِغَيْرِ ذَلِكَ الزِّنَا حُدَّ ، وَإِنْ قَذَفَهُ بِذَلِكَ الزِّنَا عَقِيبَ حَدِّهِ ، لَمْ يُحَدَّ ؛ لِأَنَّ الْغَرَضَ إظْهَارُ كَذِبِهِ وَقَدْ ظَهَرَ ، وَهَا هُنَا الْغَرَضُ رَدْعُهُ عَنْ السَّرِقَةِ ، وَلَمْ يَرْتَدِعْ بِالْأَوَّلِ ، فَيُرْدَعُ بِالثَّانِي : كَالْمُودَعِ إذَا سَرَقَ عَيْنًا أُخْرَى .","part":20,"page":235},{"id":9735,"text":"فَصْلٌ : وَمَنْ سَرَقَ وَلَا يُمْنَى لَهُ ، قُطِعَتْ رِجْلُهُ الْيُسْرَى ، كَمَا يُقْطَعُ فِي السَّرِقَةِ الثَّانِيَةِ ، وَإِنْ كَانَتْ يُمْنَاهُ شَلَّاءَ ، فَفِيهَا رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا : تُقْطَعُ رِجْلُهُ الْيُسْرَى ؛ لِأَنَّ الشَّلَّاءَ لَا نَفْعَ فِيهَا وَلَا جَمَالَ ، فَأَشْبَهَتْ كَفًّا لَا أَصَابِعَ عَلَيْهِ .\rقَالَ إبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ ، عَنْ أَحْمَدَ ، فِيمَنْ سَرَقَ وَيُمْنَاهُ جَافَّةٌ : تُقْطَعُ رِجْلُهُ .\rوَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ : أَنَّهُ يُسْأَلُ أَهْلُ الْخِبْرَةِ ، فَإِنْ قَالُوا : إنَّهَا إذَا قُطِعَتْ رَقَأَ دَمُهَا ، وَانْحَسَمَتْ عُرُوقُهَا .\rقُطِعَتْ ؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنَ قَطْعُ يَمِينِهِ فَوَجَبَ ، كَمَا لَوْ كَانَتْ صَحِيحَةً .\rوَإِنْ قَالُوا : لَا يَرْقَأُ دَمُهَا .\rلَمْ تُقْطَعْ ؛ لِأَنَّهُ يُخَافُ تَلَفُهُ ، وَقُطِعَتْ رِجْلُهُ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rوَإِنْ كَانَتْ أَصَابِعُ الْيُمْنَى كُلُّهَا ذَاهِبَةً فَفِيهَا وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا : لَا تُقْطَعُ وَتُقْطَعُ الرِّجْلُ ؛ لِأَنَّ الْكَفَّ لَا تَجِبُ فِيهِ دِيَةُ الْيَدِ ، فَأَشْبَهَ الذِّرَاعَ .\rوَالثَّانِي : تُقْطَعُ ؛ لِأَنَّ الرَّاحَةَ بَعْضُ مَا يُقْطَعُ فِي السَّرِقَةِ ، فَإِذَا كَانَ مَوْجُودًا قُطِعَ ، كَمَا لَوْ ذَهَبَ الْخِنْصَرُ أَوْ الْبِنْصِرُ .\rوَإِنْ ذَهَبَ بَعْضُ الْأَصَابِعِ ، نَظَرْنَا ؛ فَإِنْ ذَهَبَ الْخِنْصَرُ وَالْبِنْصِرُ ، أَوْ ذَهَبَتْ وَاحِدَةٌ سِوَاهُمَا ، قُطِعَتْ ؛ لِأَنَّ مُعْظَمَ نَفْعِهَا بَاقٍ ، وَإِنْ لَمْ يَبْقَ إلَّا وَاحِدَةٌ ، فَهِيَ كَاَلَّتِي ذَهَبَ جَمِيعُ أَصَابِعِهَا ، وَإِنْ بَقِيَ اثْنَتَانِ ، فَهَلْ تُلْحَقُ بِالصَّحِيحَةِ ، أَوْ بِمَا قُطِعَ جَمِيعُ أَصَابِعِهَا ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ .\rوَالْأَوْلَى قَطْعُهَا ؛ لِأَنَّ نَفْعَهَا لَمْ يَذْهَبْ بِالْكُلِّيَّةِ .","part":20,"page":236},{"id":9736,"text":"( 7282 ) فَصْلٌ : وَمَنْ سَرَقَ وَلَهُ يُمْنَى ، فَقُطِعَتْ فِي قِصَاصٍ ، أَوْ ذَهَبَتْ بِأَكِلَةٍ ، أَوْ تَعَدَّى عَلَيْهِ مُتَعَدٍّ فَقَطَعَهَا ، سَقَطَ الْقَطْعُ ، وَلَا شَيْءَ عَلَى الْعَادِي إلَّا الْأَدَبُ .\rوَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَقَالَ قَتَادَةُ : يُقْتَصُّ مِنْ الْقَاطِعِ ، وَتُقْطَعُ رِجْلُ السَّارِقِ .\rوَهَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ ؛ فَإِنَّ يَدَ السَّارِقِ ذَهَبَتْ ، وَالْقَاطِعُ قَطَعَ عُضْوًا غَيْرَ مَعْصُومٍ ، وَإِنْ قَطَعَهَا قَاطِعٌ بَعْدَ السَّرِقَةِ ، وَقَبْلَ ثُبُوتِ السَّرِقَةِ وَالْحُكْمِ بِالْقَطْعِ ، ثُمَّ ثَبَتَ ذَلِكَ ، فَكَذَلِكَ ، وَلَوْ شُهِدَ بِالسَّرِقَةِ ، فَحَبَسَهُ الْحَاكِمُ لِيُعَدِّلَ الشُّهُودَ ، فَقَطَعَهُ قَاطِعٌ ، ثُمَّ عُدِّلُوا ، فَكَذَلِكَ ، وَإِنْ لَمْ يُعَدَّلُوا ، وَجَبَ الْقِصَاصُ عَلَى الْقَاطِعِ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ : لَا قِصَاصَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ صِدْقَهُمْ مُحْتَمَلٌ ، فَيَكُونُ ذَلِكَ شُبْهَةً .\rوَلَنَا أَنَّهُ قَطَعَ طَرَفًا مِمَّنْ يُكَافِئُهُ عَمْدًا بِغَيْرِ حَقٍّ ، فَلَزِمَهُ الْقَطْعُ ، كَمَا لَوْ قَطَعَهُ قَبْلَ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ .","part":20,"page":237},{"id":9737,"text":"( 7283 ) فَصْلٌ : وَإِنْ سَرَقَ فَقَطَعَ الْجَذَّاذُ يَسَارَهُ بَدَلًا عَنْ يَمِينِهِ ، أَجْزَأَتْ ، وَلَا شَيْءَ عَلَى الْقَاطِعِ إلَّا الْأَدَبُ .\rوَبِهَذَا قَالَ قَتَادَةُ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَذَلِكَ لِأَنَّ قَطْعَ يُمْنَى السَّارِقِ يُفْضِي إلَى تَفْوِيتِ مَنْفَعَةِ الْجِنْسِ ، وَقَطْعَ يَدَيْهِ بِسَرِقَةٍ وَاحِدَةٍ ، فَلَا يُشْرَعُ ، وَإِذَا انْتَفَى قَطْعُ يَمِينِهِ ، حَصَلَ قَطْعُ يَسَارِهِ مُجْزِئًا عَنْ الْقَطْعِ الْوَاجِبِ ، فَلَا يَجِبُ عَلَى فَاعِلِهِ قِصَاصٌ .\rوَقَالَ أَصْحَابُنَا : فِي وُجُوبِ قَطْعِ يَمِينِ السَّارِقِ وَجْهَانِ .\rوَلِلشَّافِعِيِّ فِيمَا إذَا لَمْ يَعْلَمْ الْقَاطِعُ كَوْنَهَا يَسَارًا ، أَوْ ظَنَّ أَنَّ قَطْعَهَا يُجْزِئُ قَوْلَانِ ؛ أَحَدُهُمَا : لَا تُقْطَعُ يَمِينُ السَّارِقِ ، كَيْ لَا تُقْطَعَ يَدَاهُ بِسَرِقَةٍ وَاحِدَةٍ .\rوَالثَّانِي : تُقْطَعُ ، كَمَا لَوْ قُطِعَتْ يُسْرَاهُ قِصَاصًا .\rفَأَمَّا الْقَاطِعُ : فَاتَّفَقَ أَصْحَابُنَا وَالشَّافِعِيُّ عَلَى أَنَّهُ إنْ قَطَعَهَا عَنْ غَيْرِ اخْتِيَارٍ مِنْ السَّارِقِ ، أَوْ كَانَ السَّارِقُ أَخْرَجَهَا دَهْشَةً أَوْ ظَنًّا مِنْهُ أَنَّهَا تُجْزِئُ ، وَقَطَعَهَا الْقَاطِعُ عَالِمًا بِأَنَّهَا يُسْرَاهُ ، وَأَنَّهَا لَا تُجْزِئُ ، فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهَا يُسْرَاهُ ، أَوْ ظَنَّ أَنَّهَا مُجْزِئَةٌ ، فَعَلَيْهِ دِيَتُهَا .\rوَإِنْ كَانَ السَّارِقُ أَخْرَجَهَا مُخْتَارًا عَالِمًا بِالْأَمْرَيْنِ ، فَلَا شَيْءَ عَلَى الْقَاطِعِ ؛ لِأَنَّهُ أَذِنَ فِي قَطْعِهَا ، فَأَشْبَهَ غَيْرَ السَّارِقِ .\rوَالْمُخْتَارُ عِنْدَنَا مَا ذَكَرْنَاهُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - .","part":20,"page":238},{"id":9738,"text":"( 7284 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( فَإِنْ عَادَ ، حُبِسَ ، وَلَا يُقْطَعُ غَيْرُ يَدٍ وَرِجْلٍ ) يَعْنِي إذَا عَادَ فَسَرَقَ بَعْدَ قَطْعِ يَدِهِ وَرِجْلِهِ ، لَمْ يُقْطَعْ مِنْهُ شَيْءٌ آخَرُ وَحُبِسَ .\rوَبِهَذَا قَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَالْحَسَنُ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَحَمَّادٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّهُ تُقْطَعُ فِي الثَّالِثَةِ يَدُهُ الْيُسْرَى ، وَفِي الرَّابِعَةِ رِجْلُهُ الْيُمْنَى ، وَفِي الْخَامِسَةِ يُعَزَّرُ وَيُحْبَسُ .\rوَرُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ ، وَعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، أَنَّهُمَا قَطَعَا يَدَ أَقْطَعِ الْيَدِ وَالرِّجْلِ .\rوَهَذَا قَوْلُ قَتَادَةَ ، وَمَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ .\rوَرُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ ، وَعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَّهُ تُقْطَعُ يَدُهُ الْيُسْرَى فِي الثَّالِثَةِ ، وَالرِّجْلُ الْيُمْنَى فِي الرَّابِعَةِ ، وَيُقْتَلُ فِي الْخَامِسَةِ ؛ لِأَنَّ جَابِرًا قَالَ : { جِيءَ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسَارِقٍ ، فَقَالَ : اُقْتُلُوهُ .\rفَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنَّمَا سَرَقَ .\rفَقَالَ : اقْطَعُوهُ .\rقَالَ : فَقُطِعَ ، ثُمَّ جِيءَ بِهِ الثَّانِيَةَ ، فَقَالَ : اُقْتُلُوهُ .\rقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنَّمَا سَرَقَ .\rقَالَ : اقْطَعُوهُ فَقُطِعَ ، ثُمَّ جِيءَ بِهِ الثَّالِثَةَ ، فَقَالَ : اُقْتُلُوهُ .\rفَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنَّمَا سَرَقَ .\rقَالَ : اقْطَعُوهُ .\rقَالَ : ثُمَّ أُتِيَ بِهِ الرَّابِعَةَ ، فَقَالَ : اُقْتُلُوهُ .\rقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنَّمَا سَرَقَ .\rقَالَ : اقْطَعُوهُ .\rثُمَّ أُتِيَ بِهِ الْخَامِسَةَ ، قَالَ : اُقْتُلُوهُ .\rقَالَ : فَانْطَلَقْنَا بِهِ ، فَقَتَلْنَاهُ ، ثُمَّ اجْتَرَرْنَاهُ فَأَلْقَيْنَاهُ فِي بِئْرٍ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي السَّارِقِ : وَإِنْ سَرَقَ فَاقْطَعُوا يَدَهُ ، ثُمَّ إنْ سَرَقَ فَاقْطَعُوا رِجْلَهُ ، ثُمَّ إنْ سَرَقَ فَاقْطَعُوا يَدَهُ ، ثُمَّ إنْ سَرَقَ فَاقْطَعُوا","part":20,"page":239},{"id":9739,"text":"رِجْلَهُ } .\rوَلِأَنَّ الْيَسَارَ تُقْطَعُ قَوَدًا ، فَجَازَ قَطْعُهَا فِي السَّرِقَةِ ، كَالْيُمْنَى ؛ وَلِأَنَّهُ فِعْلُ أَبِي بَكْرٍ ، وَعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { اقْتَدُوا بِاَلَّذِينَ مِنْ بَعْدِي ؛ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ } .\rوَلَنَا مَا رَوَى سَعِيدٌ ، حَدَّثَنَا أَبُو مَعْشَرٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : حَضَرْت عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أُتِيَ بِرَجُلٍ مَقْطُوعِ الْيَدِ وَالرِّجْلِ قَدْ سَرَقَ ، فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ : مَا تَرَوْنَ فِي هَذَا ؟ .\rقَالُوا : اقْطَعْهُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ .\rقَالَ قَتَلْتُهُ إذًا ، وَمَا عَلَيْهِ الْقَتْلُ ، بِأَيِّ شَيْءٍ يَأْكُلُ الطَّعَامَ ؟ بِأَيِّ شَيْءٍ يَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ ؟ بِأَيِّ شَيْءٍ يَغْتَسِلُ مِنْ جَنَابَتِهِ ؟ بِأَيِّ شَيْءٍ يَقُومُ عَلَى حَاجَتِهِ ؟ فَرَدَّهُ إلَى السِّجْنِ أَيَّامًا ، ثُمَّ أَخْرَجَهُ ، فَاسْتَشَارَ أَصْحَابَهُ ، فَقَالُوا مِثْلَ قَوْلِهِمْ الْأَوَّلِ ، وَقَالَ لَهُمْ مِثْلَ مَا قَالَ أَوَّلَ مَرَّةٍ ، فَجَلَدَهُ جَلْدًا شَدِيدًا ، ثُمَّ أَرْسَلَهُ .\rوَرُوِيَ عَنْهُ ، أَنَّهُ قَالَ : إنِّي لَأَسْتَحِي مِنْ اللَّهِ أَنْ لَا أَدَعَ لَهُ يَدًا يَبْطِشُ بِهَا ، وَلَا رِجْلًا يَمْشِي عَلَيْهَا .\rوَلِأَنَّ فِي قَطْعِ الْيَدَيْنِ تَفْوِيتَ مَنْفَعَةِ الْجِنْسِ ، فَلَمْ يُشْرَعْ فِي حَدٍّ ، كَالْقَتْلِ ؛ وَلِأَنَّهُ لَوْ جَازَ قَطْعُ الْيَدَيْنِ ، لَقُطِعَتْ الْيُسْرَى فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ ؛ لِأَنَّهَا آلَةُ الْبَطْشِ كَالْيُمْنَى ، وَإِنَّمَا لَمْ تُقْطَعْ لِلْمَفْسَدَةِ فِي قَطْعِهَا ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْإِهْلَاكِ ، فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ ، وَلَا يَغْتَسِلَ ، وَلَا يَسْتَنْجِيَ ، وَلَا يَحْتَرِزَ مِنْ نَجَاسَةٍ ، وَلَا يُزِيلَهَا عَنْهُ ، وَلَا يَدْفَعَ عَنْ نَفْسِهِ ، وَلَا يَأْكُلَ ، وَلَا يَبْطِشَ ، وَهَذِهِ الْمَفْسَدَةُ حَاصِلَةٌ بِقَطْعِهَا فِي الْمَرَّةِ الثَّالِثَةِ ، فَوَجَبَ أَنْ يُمْنَعَ قَطْعَهَا ، كَمَا مَنَعَهُ فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ .\rوَأَمَّا حَدِيثُ جَابِرٍ ، فَفِي حَقِّ شَخْصٍ اسْتَحَقَّ","part":20,"page":240},{"id":9740,"text":"الْقَتْلَ ، بِدَلِيلِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِهِ فِي أَوَّلِ مَرَّةٍ ، وَفِي كُلِّ مَرَّةٍ ، وَفَعَلَ ذَلِكَ فِي الْخَامِسَةِ .\rوَرَوَاهُ النَّسَائِيّ ، وَقَالَ : حَدِيثٌ مُنْكَرٌ .\rوَأَمَّا الْحَدِيثُ الْآخَرُ ، وَفِعْلُ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ : فَقَدْ عَارَضَهُ قَوْلُ عَلِيٍّ .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ رَجَعَ إلَى قَوْلِ عَلِيٍّ .\rفَرَوَى سَعِيدٌ ، حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَابِدٍ ، قَالَ : أُتِيَ عُمَرُ بِرَجُلٍ أَقْطَعِ الْيَدِ وَالرِّجْلِ قَدْ سَرَقَ ، فَأَمَرَ بِهِ عُمَرُ أَنْ تُقْطَعَ رِجْلُهُ ، فَقَالَ عَلِيٌّ : إنَّمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { إنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا } الْآيَةَ .\rوَقَدْ قُطِعَتْ يَدُ هَذَا وَرِجْلُهُ ، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ تَقْطَعَ رِجْلَهُ فَتَدَعَهُ لَيْسَ لَهُ قَائِمَةٌ يَمْشِي عَلَيْهَا ، إمَّا أَنْ تُعَزِّرَهُ ، وَإِمَّا أَنْ تَسْتَوْدِعَهُ السِّجْنَ .\rفَاسْتَوْدَعَهُ السِّجْنَ .","part":20,"page":241},{"id":9741,"text":"( 7285 ) فَصْلٌ : وَإِنْ سَرَقَ مَنْ يَدُهُ الْيُسْرَى مَقْطُوعَةٌ ، أَوْ شَلَّاءُ ، أَوْ مَقْطُوعَةُ الْأَصَابِعِ ، أَوْ كَانَتْ يَدَاهُ صَحِيحَتَيْنِ فَقُطِعَتْ الْيُسْرَى ، أَوْ شُلَّتْ قَبْلَ قَطْعِ يُمْنَاهُ ، لَمْ تُقْطَعْ يُمْنَاهُ ، عَلَى الرِّوَايَةِ الْأُولَى ، وَتُقْطَعُ عَلَى الثَّانِيَةِ .\rوَإِنْ قَطَعَ يُسْرَاهُ قَاطِعٌ مُتَعَمِّدًا ، فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ ؛ لِأَنَّهُ قَطَعَ طَرَفًا مَعْصُومًا .\rوَإِنْ قَطَعَهُ غَيْرَ مُتَعَمِّدٍ ، فَعَلَيْهِ دِيَتُهُ .\rوَلَا تُقْطَعَ يَمِينُ السَّارِقِ .\rوَبِهِ قَالَ أَبُو ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَفِي قَطْعِ رِجْلِ السَّارِقِ وَجْهَانِ ؛ أَصَحُّهُمَا : لَا يَجِبُ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَجِبْ بِالسَّرِقَةِ ، وَسُقُوطُ الْقَطْعِ عَنْ يَمِينِهِ لَا يَقْتَضِي قَطْعَ رِجْلِهِ ، كَمَا لَوْ كَانَ الْمَقْطُوعُ يَمِينَهُ .\rوَالثَّانِي : تُقْطَعُ رِجْلُهُ ؛ لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ قَطْعُ يَمِينِهِ ، فَقُطِعَتْ رِجْلُهُ ، كَمَا لَوْ كَانَتْ الْيُسْرَى مَقْطُوعَةً حَالَ السَّرِقَةِ .\rوَإِنْ كَانَتْ يُمْنَاهُ صَحِيحَةً ، وَيُسْرَاهُ نَاقِصَةً نَقْصًا يَذْهَبُ بِمُعْظَمِ نَفْعِهَا ، مِثْلَ أَنْ يَذْهَبَ مِنْهَا الْإِبْهَامُ أَوْ الْوُسْطَى أَوْ السَّبَّابَةُ ، اُحْتُمِلَ أَنْ يَكُونَ كَقَطْعِهَا ، وَيُنْتَقَلُ إلَى رِجْلِهِ .\rوَهَذَا قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ .\rوَاحْتُمِلَ أَنْ تُقْطَعَ يُمْنَاهُ ؛ لِأَنَّ لَهُ يَدًا يَنْتَفِعُ بِهَا ، أَشْبَهَ مَا لَوْ قُطِعَتْ خِنْصَرُهَا .\rوَإِنْ كَانَتْ يَدَاهُ صَحِيحَتَيْنِ ، وَرِجْلُهُ الْيُمْنَى شَلَّاءَ أَوْ مَقْطُوعَةً ، فَلَا أَعْلَمُ فِيهَا قَوْلًا لِأَصْحَابِنَا ، وَيَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا : تُقْطَعُ يَمِينُهُ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ سَارِقٌ لَهُ يُمْنَى ، فَقُطِعَتْ عَمَلًا بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ؛ وَلِأَنَّهُ سَارِقٌ لَهُ يَدَانِ ، فَتُقْطَعُ يُمْنَاهُ .\rكَمَا لَوْ كَانَتْ الْمَقْطُوعَةُ رِجْلَهُ الْيُسْرَى .\rوَالثَّانِي : لَا يُقْطَعُ مِنْهُ شَيْءٌ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ ؛ لِأَنَّ قَطْعَ يُمْنَاهُ يَذْهَبُ بِمَنْفَعَةِ الْمَشْيِ مِنْ الرِّجْلَيْنِ .\rفَأَمَّا إنْ كَانَتْ رِجْلُهُ الْيُسْرَى شَلَّاءَ ، وَيَدَاهُ صَحِيحَتَانِ ، قُطِعَتْ","part":20,"page":242},{"id":9742,"text":"يَدُهُ الْيُمْنَى ؛ لِأَنَّهُ لَا يُخْشَى تَعَدِّي ضَرَرِ الْقَطْعِ إلَى غَيْرِ الْمَقْطُوعِ ، وَعَلَى قِيَاسِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ : لَوْ سَرَقَ وَيَدُهُ الْيُسْرَى مَقْطُوعَةٌ ، أَوْ شَلَّاءُ لَمْ يُقْطَعْ مِنْهُ شَيْءٌ ؛ لِذَلِكَ .\rوَأَنْكَرَ هَذَا ابْنُ الْمُنْذِرِ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ : بِقَوْلِهِمْ هَذَا خَالَفُوا كِتَابَ اللَّهِ بِغَيْرِ حُجَّةٍ .","part":20,"page":243},{"id":9743,"text":"( 7286 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَالْحُرُّ وَالْحُرَّةُ ، وَالْعَبْدُ ، وَالْأَمَةُ ، فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ ) .\rأَمَّا الْحُرُّ وَالْحُرَّةُ : فَلَا خِلَافَ فِيهِمَا .\rوَقَدْ نَصَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا } .\rوَلِأَنَّهُمَا اسْتَوَيَا فِي سَائِرِ الْحُدُودِ ، فَكَذَلِكَ فِي هَذَا ، وَقَدْ قَطَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَارِقَ رِدَاءِ صَفْوَانَ ، وَقَطَعَ الْمَخْزُومِيَّةَ الَّتِي سَرَقَتْ الْقَطِيفَةَ .\rفَأَمَّا الْعَبْدُ وَالْأَمَةُ : فَإِنَّ جُمْهُورَ الْفُقَهَاءِ وَأَهْلَ الْفَتْوَى عَلَى أَنَّهُمَا يَجِبُ قَطْعُهُمَا بِالسَّرِقَةِ ، إلَّا مَا حُكِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّهُ قَالَ : لَا قَطْعَ عَلَيْهِمَا ؛ لِأَنَّهُ حَدٌّ لَا يُمْكِنُ تَنْصِيفُهُ ، فَلَمْ يَجِبْ فِي حَقِّهِمَا كَالرَّجْمِ ؛ وَلِأَنَّهُ حَدٌّ فَلَا يُسَاوِي الْعَبْدُ فِيهِ الْحُرَّ كَسَائِرِ الْحُدُودِ .\rوَلَنَا عُمُومُ الْآيَةِ .\rوَرَوَى الْأَثْرَمُ ، أَنَّ رَقِيقًا لِحَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ سَرَقُوا نَاقَةً لِرَجُلٍ مِنْ مُزَيْنَةَ ، فَانْتَحَرُوهَا ، فَأَمَرَ كَثِيرُ بْنُ الصَّلْتِ أَنْ تُقْطَعَ أَيْدِيهِمْ ، ثُمَّ قَالَ عُمَرُ : وَاَللَّهِ إنِّي لَأَرَاك تُجِيعُهُمْ ، وَلَكِنْ لَأُغَرِّمَنَّك غُرْمًا يَشُقُّ عَلَيْك .\rثُمَّ قَالَ لِلْمُزَنِيِّ : كَمْ ثَمَنُ نَاقَتِك ؟ قَالَ : أَرْبَعُمِائَةِ دِرْهَمٍ .\rقَالَ عُمَرُ : أَعْطِهِ ثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ .\rوَرَوَى الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عَبْدًا أَقَرَّ بِالسَّرِقَةِ عِنْدَ عَلِيٍّ ، فَقَطَعَهُ .\rوَفِي رِوَايَةٍ قَالَ : كَانَ عَبْدًا .\rيَعْنِي الَّذِي قَطَعَهُ عَلِيٌّ .\rرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ، بِإِسْنَادِهِ .\rوَهَذِهِ قِصَصٌ تَنْتَشِرُ وَلَمْ تُنْكَرْ ، فَتَكُونُ إجْمَاعًا .\rوَقَوْلُهُمْ : لَا يُمْكِنُ تَنْصِيفُهُ .\rقُلْنَا : وَلَا يُمْكِنُ تَعْطِيلُهُ ، فَيَجِبُ تَكْمِيلُهُ ، وَقِيَاسُهُمْ نَقْلِبُهُ عَلَيْهِمْ ، فَنَقُولُ : حَدٌّ فَلَا يَتَعَطَّلُ فِي حَقِّ الْعَبْدِ وَالْأَمَةِ ، كَسَائِرِ الْحُدُودِ ، وَفَارَقَ الرَّجْمَ ، فَإِنَّ حَدَّ الزَّانِي لَا يَتَعَطَّلُ بِتَعْطِيلِهِ ، بِخِلَافِ","part":20,"page":244},{"id":9744,"text":"الْقَطْعِ ، فَإِنَّ حَدَّ السَّرِقَةِ يَتَعَطَّلُ بِتَعْطِيلِهِ .","part":20,"page":245},{"id":9745,"text":"( 7287 ) فَصْلٌ وَيُقْطَعُ الْآبِقُ بِسَرِقَتِهِ ، وَغَيْرُهُ .\rرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ مَرْوَانُ ، وَسَعِيدُ بْنُ الْعَاصِ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ : لَا يُقْطَعُ ؛ لِأَنَّ قَطْعَهُ قَضَاءٌ عَلَى سَيِّدِهِ ، وَلَا يُقْضَى عَلَى الْغَائِبِ .\rوَلَنَا عُمُومُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ، وَأَنَّهُ مُكَلَّفٌ سَرَقَ نِصَابًا مِنْ حِرْزِ مِثْلِهِ ، فَيُقْطَعُ ، كَغَيْرِ الْآبِقِ .\rوَقَوْلُهُمْ : إنَّهُ قَضَاءٌ عَلَى سَيِّدِهِ .\rلَا يُسَلَّمُ ، فَإِنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ فِيهِ إقْرَارُ السَّيِّدِ ، وَلَا يَضُرُّ إنْكَارُهُ .\rوَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ ذَلِكَ مِنْ الْعَبْدِ ، ثُمَّ الْقَضَاءُ عَلَى الْغَائِبِ بِالْبَيِّنَةِ جَائِزٌ ، عَلَى مَا عُرِفَ فِي مَوْضِعِهِ .","part":20,"page":246},{"id":9746,"text":"( 7288 ) فَصْلٌ : وَإِنْ أَقَرَّ الْعَبْدُ بِسَرِقَةِ مَالٍ فِي يَدِهِ ، فَأَنْكَرَ ذَلِكَ سَيِّدُهُ ، وَقَالَ : هَذَا مَالِي .\rفَالْمَالُ لِسَيِّدِهِ ، وَيُقْطَعُ الْعَبْدُ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا قَطْعَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ تَثْبُتْ سَرِقَتُهُ لِلْمَالِ ، فَلَمْ يَجِبْ قَطْعُهُ ، كَمَا لَوْ أَنْكَرَهُ الْمَسْرُوقُ مِنْهُ ؛ وَلِأَنَّهُ إذَا لَمْ يُقْبَلْ إقْرَارُهُ فِي الْمَالِ ، فَفِي الْحَدِّ الَّذِي يَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ أَوْلَى .\rوَلَنَا أَنَّهُ أَقَرَّ بِالسَّرِقَةِ ، وَصَدَّقَهُ الْمَسْرُوقُ مِنْهُ ، فَقُطِعَ ، كَالْحُرِّ .\rوَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَجِبَ الْقَطْعُ ؛ لِأَنَّ الْحَدَّ يُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ ، وَكَوْنُ الْمَالِ مَحْكُومًا بِهِ لِسَيِّدِهِ شُبْهَةٌ .","part":20,"page":247},{"id":9747,"text":"( 7289 ) فَصْلٌ : وَيُقْطَعُ الْمُسْلِمُ بِسَرِقَةِ مَالِ الْمُسْلِمِ وَالذِّمِّيِّ ، وَيُقْطَعُ الذِّمِّيُّ بِسَرِقَةِ مَالِهِمَا .\rوَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ، وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا .\rفَأَمَّا الْحَرْبِيُّ إذَا دَخَلَ إلَيْنَا مُسْتَأْمَنًا ، فَسَرَقَ ، فَإِنَّهُ يُقْطَعُ أَيْضًا .\rوَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ : لَا يُقْطَعُ ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ ؛ لِأَنَّهُ حَدٌّ لِلَّهِ تَعَالَى ، فَلَا يُقَامُ عَلَيْهِ ، كَحَدِّ الزِّنَا .\rوَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى أَنَّهُ لَا يُقَامُ عَلَيْهِ حَدُّ الزِّنَا .\rوَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ ، كَالْمَذْهَبَيْنِ .\rوَلَنَا أَنَّهُ حَدٌّ يُطَالَبُ بِهِ فَوَجَبَ عَلَيْهِ ، كَحَدِّ الْقَذْفِ ، يُحَقِّقُهُ أَنَّ الْقَطْعَ يَجِبُ صِيَانَةً لِلْأَمْوَالِ ، وَحَدُّ الْقَذْفِ يَجِبُ صِيَانَةٍ لِلْأَعْرَاضِ ، فَإِذَا وَجَبَ فِي حَقِّهِ أَحَدُهُمَا وَجَبَ الْآخَرُ ، فَأَمَّا حَدُّ الزِّنَا : فَلَمْ يَجِبْ ؛ لِأَنَّهُ يَجِبُ بِهِ قَتْلُهُ لِنَقْضِهِ الْعَهْدَ ، وَلَا يَجِبُ مَعَ الْقَتْلِ حَدٌّ سِوَاهُ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّ الْمُسْلِمَ يُقْطَعُ بِسَرِقَةِ مَالِهِ .\rوَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ : لَا يَجِبُ .\rوَلَنَا أَنَّهُ سَرَقَ مَالًا مَعْصُومًا مِنْ حِرْزِ مِثْلِهِ ، فَوَجَبَ قَطْعُهُ ، كَسَارِقِ مَالِ الذِّمِّيِّ .\rوَيُقْطَعُ الْمُرْتَدُّ إذَا سَرَقَ ؛ لِأَنَّ أَحْكَامَ الْإِسْلَامِ جَارِيَةٌ عَلَيْهِ .","part":20,"page":248},{"id":9748,"text":"( 7290 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَيُقْطَعُ السَّارِقُ وَإِنْ وُهِبَتْ لَهُ السَّرِقَةُ بَعْدَ إخْرَاجِهَا ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ السَّارِقَ إذَا مَلَكَ الْعَيْنَ الْمَسْرُوقَةَ بِهِبَةٍ أَوْ بَيْعٍ أَوْ غَيْرِهِمَا مِنْ أَسْبَابِ الْمِلْكِ ، لَمْ يَخْلُ مِنْ أَنْ يَمْلِكَهَا قَبْلَ رَفْعِهِ إلَى الْحَاكِمِ ، وَالْمُطَالَبَةِ بِهَا عِنْدَهُ ، أَوْ بَعْدَ ذَلِكَ ، فَإِنْ مَلَكَهَا قَبْلَهُ ، لَمْ يَجِبْ الْقَطْعُ ؛ لِأَنَّ مِنْ شَرْطِهِ الْمُطَالَبَةَ بِالْمَسْرُوقِ وَبَعْدَ مِلْكِهِ لَهُ لَا تَصِحُّ الْمُطَالَبَةُ ، وَإِنْ مَلَكَهَا بَعْدَهُ ، لَمْ يَسْقُطْ الْقَطْعُ .\rوَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ : يَسْقُطُ ؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ مِلْكَهُ ، فَلَا يُقْطَعُ فِي عَيْنٍ هِيَ مِلْكُهُ ، كَمَا لَوْ مَلَكَهَا قَبْلَ الْمُطَالَبَةِ بِهَا ؛ وَلِأَنَّ الْمُطَالَبَةَ شَرْطٌ ، وَالشُّرُوطُ يُعْتَبَرُ دَوَامُهَا ، وَلَمْ يَبْقَ لِهَذِهِ الْعَيْنِ مُطَالِبٌ .\rوَلَنَا مَا رَوَى الزُّهْرِيُّ ، عَنْ { ابْنِ صَفْوَانَ ، عَنْ أَبِيهِ ، أَنَّهُ نَامَ فِي الْمَسْجِدِ ، وَتَوَسَّدَ رِدَاءَهُ ، فَأُخِذَ مِنْ تَحْتِ رَأْسِهِ ، فَجَاءَ بِسَارِقِهِ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُقْطَعَ ، فَقَالَ صَفْوَانُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ لَمْ أُرِدْ هَذَا ، رِدَائِي عَلَيْهِ صَدَقَةٌ .\rفَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَهَلَّا قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَنِي بِهِ ، } .\rرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ ، وَالْجُوزَجَانِيُّ .\rوَفِي لَفْظٍ قَالَ : { فَأَتَيْتُهُ ، فَقُلْت : أَتَقْطَعُهُ مِنْ أَجْلِ ثَلَاثِينَ دِرْهَمًا ؟ أَنَا أَبِيعُهُ وَأُنْسِئُهُ ثَمَنَهَا .\rقَالَ : فَهَلَّا كَانَ قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَنِي بِهِ ، } .\rرَوَاهُ الْأَثْرَمُ ، وَأَبُو دَاوُد .\rفَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَوْ وُجِدَ قَبْلَ رَفْعِهِ إلَيْهِ ، لَدَرَأَ الْقَطْعَ ، وَبَعْدَهُ لَا يُسْقِطُهُ .\rوَقَوْلُهُمْ : إنَّ الْمُطَالَبَةَ شَرْطٌ .\rقُلْنَا : هِيَ شَرْطُ الْحُكْمِ لَا شَرْطُ الْقَطْعِ ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ اسْتَرَدَّ الْعَيْنَ لَمْ يَسْقُطْ الْقَطْعُ ، وَقَدْ زَالَتْ","part":20,"page":249},{"id":9749,"text":"الْمُطَالَبَةُ .","part":20,"page":250},{"id":9750,"text":"( 7291 ) فَصْلٌ : وَإِنْ أَقَرَّ الْمَسْرُوقُ مِنْهُ أَنَّ الْمَسْرُوقَ كَانَ مِلْكًا لِلسَّارِقِ ، أَوْ قَامَتْ بِهِ بَيِّنَةٌ ، أَوْ أَنَّ لَهُ فِيهِ شُبْهَةً ، أَوْ أَنَّ الْمَالِكَ أَذِنَ لَهُ فِي أَخْذِهَا ، أَوْ أَنَّهُ سَبَّلَهَا ، لَمْ يُقْطَعْ ؛ لِأَنَّنَا تَبَيَّنَّا أَنَّهُ لَمْ يَجِبْ ، بِخِلَافِ مَا لَوْ وَهَبَهُ إيَّاهَا ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَمْنَعُ كَوْنَ الْحَدِّ وَاجِبًا .\rوَإِنْ أَقَرَّ لَهُ بِالْعَيْنِ ، سَقَطَ الْقَطْعُ أَيْضًا ؛ لِأَنَّ إقْرَارَهُ يَدُلُّ عَلَى تَقَدُّمِ مِلْكِهِ لَهَا ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ لَهُ حَالَ أَخْذِهَا .\rوَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّ الْقَطْعَ لَا يَسْقُطُ ؛ لِأَنَّهُ مِلْكٌ تَجَدَّدَ سَبَبُهُ بَعْدَ وُجُوبِ الْقَطْعِ ، أَشْبَهَ الْهِبَةَ ؛ وَلِأَنَّ ذَلِكَ حِيلَةٌ عَلَى إسْقَاطِ الْقَطْعِ بَعْدَ وُجُوبِهِ ، فَلَمْ يَسْقُطْ بِهَا ، كَالْهِبَةِ .","part":20,"page":251},{"id":9751,"text":"( 7292 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَلَوْ أَخْرَجَهَا وَقِيمَتُهَا ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ ، فَلَمْ يُقْطَعْ حَتَّى نَقَصَتْ قِيمَتُهَا ، قُطِعَ ) .\rوَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَسْقُطُ الْقَطْعُ ؛ لِأَنَّ النِّصَابَ شَرْطٌ ، فَتُعْتَبَرُ اسْتِدَامَتُهُ .\rوَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا } .\rوَلِأَنَّهُ نَقْصٌ حَدَثَ فِي الْعَيْنِ ، فَلَمْ يَمْنَعْ الْقَطْعَ ، كَمَا لَوْ حَدَثَ بِاسْتِعْمَالِهِ ، وَالنِّصَابُ شَرْطٌ لِوُجُوبِ الْقَطْعِ ، فَلَا تُعْتَبَرُ اسْتِدَامَتُهُ كَالْحِرْزِ .\rوَمَا ذَكَرَهُ يَبْطُلُ بِالْحِرْزِ ، فَإِنَّهُ لَوْ زَالَ الْحِرْزُ أَوْ مِلْكُهُ ، لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ الْقَطْعُ .\rوَسَوَاءٌ نَقَصَتْ قِيمَتُهَا قَبْلَ الْحُكْمِ أَوْ بَعْدَهُ ؛ لِأَنَّ سَبَبَ الْوُجُوبِ السَّرِقَةُ ، فَيُعْتَبَرُ النِّصَابُ حِينَئِذٍ .\rفَأَمَّا إنْ نَقَصَ النِّصَابُ قَبْلَ الْإِخْرَاجِ ، لَمْ يَجِبْ الْقَطْعُ ؛ لِعَدَمِ الشَّرْطِ قَبْلَ تَمَامِ السَّبَبِ ، وَسَوَاءٌ نَقَصَتْ بِفِعْلِهِ ، أَوْ بِغَيْرِ فِعْلِهِ .\rوَإِنْ وُجِدَتْ نَاقِصَةً ، وَلَمْ يُدْرَ هَلْ كَانَتْ نَاقِصَةً حِينَ السَّرِقَةِ أَوْ حَدَثَ النَّقْصُ بَعْدَهَا ؟ لَمْ يَجِبْ الْقَطْعُ ؛ لِأَنَّ الْوُجُوبَ لَا يَثْبُتُ مَعَ الشَّكِّ فِي شَرْطِهِ ، وَلِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ .","part":20,"page":252},{"id":9752,"text":"( 7293 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَإِذَا قُطِعَ ، فَإِنْ كَانَتْ السَّرِقَةُ بَاقِيَةً ، رُدَّتْ إلَى مَالِكِهَا ، وَإِنْ كَانَتْ تَالِفَةً ، فَعَلَيْهِ قِيمَتُهَا ، مُوسِرًا كَانَ أَوْ مُعْسِرًا ) لَا يَخْتَلِفُ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي وُجُوبِ رَدِّ الْعَيْنِ الْمَسْرُوقَةِ عَلَى مَالِكِهَا إذَا كَانَتْ بَاقِيَةً ، فَأَمَّا إنْ كَانَتْ تَالِفَةً ، فَعَلَى السَّارِقِ رَدُّ قِيمَتِهَا ، أَوْ مِثْلِهَا إنْ كَانَتْ مِثْلِيَّةً ، قُطِعَ أَوْ لَمْ يُقْطَعْ مُوسِرًا كَانَ أَوْ مُعْسِرًا .\rوَهَذَا قَوْلُ الْحَسَنِ ، وَالنَّخَعِيِّ ، وَحَمَّادٍ ، وَالْبَتِّيِّ ، وَاللَّيْثِ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَإِسْحَاقَ ، وَأَبِي ثَوْرٍ .\rوَقَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَجْتَمِعُ الْغُرْمُ وَالْقَطْعُ ، إنْ غَرِمَهَا قَبْلَ الْقَطْعِ سَقَطَ الْقَطْعُ ، وَإِنْ قُطِعَ قَبْلَ الْغُرْمِ سَقَطَ الْغُرْمُ .\rوَقَالَ عَطَاءٌ ، وَابْنُ سِيرِينَ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَمَكْحُولٌ : لَا غُرْمَ عَلَى السَّارِقِ إذَا قُطِعَ .\rوَوَافَقَهُمْ مَالِكٌ فِي الْمُعْسِرِ ، وَوَافَقَنَا فِي الْمُوسِرِ .\rقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي رَجُلٍ سَرَقَ مَرَّاتٍ ، ثُمَّ قُطِعَ : يَغْرَمُ الْكُلَّ ، إلَّا الْأَخِيرَةَ .\rوَقَالَ أَبُو يُوسُفَ لَا يَغْرَمُ شَيْئًا ؛ لِأَنَّهُ قُطِعَ بِالْكُلِّ ، فَلَا يَغْرَمُ شَيْئًا مِنْهُ ، كَالسَّرِقَةِ الْأَخِيرَةِ ، وَاحْتَجَّ بِمَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { إذَا أُقِيمَ الْحَدُّ عَلَى السَّارِقِ ، فَلَا غُرْمَ عَلَيْهِ } وَلِأَنَّ التَّضْمِينَ يَقْتَضِي التَّمْلِيكَ ، وَالْمِلْكُ يَمْنَعُ الْقَطْعَ ، فَلَا يُجْمَعُ بَيْنَهُمَا .\rوَلَنَا أَنَّهَا عَيْنٌ يَجِبُ ضَمَانُهَا بِالرَّدِّ لَوْ كَانَتْ بَاقِيَةً ، فَيَجِبُ ضَمَانُهَا إذَا كَانَتْ تَالِفَةً ، كَمَا لَوْ لَمْ يُقْطَعْ ؛ وَلِأَنَّ الْقَطْعَ وَالْغُرْمَ حَقَّانِ يَجِبَانِ لِمُسْتَحِقَّيْنِ ، فَجَازَ اجْتِمَاعُهُمَا ، كَالْجَزَاءِ وَالْقِيمَةِ فِي الصَّيْدِ الْحَرَمِيِّ الْمَمْلُوكِ .\rوَحَدِيثُهُمْ يَرْوِيهِ سَعْدُ بْنُ إبْرَاهِيمَ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، وَسَعْدُ بْنُ إبْرَاهِيمَ مَجْهُولٌ .\rقَالَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ .\rوَقَالَ ابْنُ","part":20,"page":253},{"id":9753,"text":"عَبْدِ الْبَرِّ : الْحَدِيثُ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ .\rوَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ ، لَيْسَ عَلَيْهِ أُجْرَةُ الْقَاطِعِ .\rوَمَا ذَكَرُوهُ فَهُوَ بِنَاءً عَلَى أُصُولِهِمْ ، وَلَا نُسَلِّمُهَا لَهُمْ .","part":20,"page":254},{"id":9754,"text":"( 7294 ) ( فَصْلٌ ) : وَإِذَا فَعَلَ فِي الْعَيْنِ فِعْلًا نَقَصَهَا بِهِ ، كَقَطْعِ الثَّوْبِ وَنَحْوِهِ ، وَجَبَ رَدُّهُ وَرَدُّ نَقْصِهِ ، وَوَجَبَ الْقَطْعُ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إنْ كَانَ نَقْصًا لَا يَقْطَعُ حَقَّ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ إذَا فَعَلَهُ الْغَاصِبُ ، رَدَّ الْعَيْنَ وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ ، وَإِنْ كَانَ يَقْطَعُ حَقَّ الْمَالِكِ ، كَقَطْعِ الثَّوْبِ وَخِيَاطَتِهِ ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ ، وَيَسْقُطُ حَقُّ الْمَسْرُوقِ مِنْهُ مِنْ الْعَيْنِ ، وَإِنْ كَانَ زِيَادَةً فِي الْعَيْنِ ، كَصَبْغِهِ أَحْمَرَ أَوْ أَصْفَرَ ، فَلَا تُرَدُّ الْعَيْنُ ، وَلَا يَحِلُّ لَهُ التَّصَرُّفُ فِيهَا .\rوَقَالَ أَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ : تُرَدُّ الْعَيْنُ .\rوَبَنَى هَذَا عَلَى أَصْلِهِ فِي أَنَّ الْغُرْمَ يُسْقِطُ عَنْهُ الْقَطْعَ .\rوَأَمَّا إذَا صَبَغَهُ ، فَقَالَ : لَا يَرُدُّهُ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ رَدَّهُ لَكَانَ شَرِيكًا فِيهِ بِصَبْغِهِ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقْطَعَ فِيمَا هُوَ شَرِيكٌ فِيهِ .\rوَهَذَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ ؛ لِأَنَّ صَبْغَهُ كَانَ قَبْلَ الْقَطْعِ ، فَلَوْ كَانَ شَرِيكًا بِالصَّبْغِ لَسَقَطَ الْقَطْعُ ، وَإِنْ كَانَ يَصِيرُ شَرِيكًا بِالرَّدِّ ، فَالشَّرِكَةُ الطَّارِئَةُ بَعْدَ الْقَطْعِ لَا تُؤَثِّرُ ، كَمَا لَوْ اشْتَرَى نِصْفَهُ مِنْ مَالِكِهِ بَعْدَ الْقَطْعِ .\rوَقَدْ سَلَّمَ أَبُو حَنِيفَةَ ، أَنَّهُ لَوْ سَرَقَ فِضَّةً ، فَضَرَبَهَا دَرَاهِمَ ، قُطِعَ ، وَلَزِمَهُ رَدُّهَا .\rوَقَالَ صَاحِبَاهُ : لَا يُقْطَعُ وَيَسْقُطُ حَقُّ صَاحِبِهَا مِنْهَا بِضَرْبِهَا .\rوَهَذَا شَيْءٌ بَنَيَاهُ عَلَى أُصُولِهِمَا فِي أَنَّ تَغْيِيرَ اسْمِهَا يُزِيلُ مِلْكَ صَاحِبِهَا ، وَأَنَّ مِلْكَ السَّارِقِ لَهَا يُسْقِطُ الْقَطْعَ عَنْهُ ، وَهُوَ غَيْرُ مُسَلَّمٍ لَهُمَا .","part":20,"page":255},{"id":9755,"text":"( 7295 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِذَا أَخْرَجَ النَّبَّاشُ مِنْ الْقَبْرِ كَفَنًا قِيمَتُهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ قُطِعَ ) رُوِيَ عَنْ ابْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ قَطَعَ نَبَّاشًا .\rوَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَقَتَادَةُ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَحَمَّادٌ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالثَّوْرِيُّ : لَا قَطْعَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ الْقَبْرَ لَيْسَ بِحِرْزٍ ؛ لِأَنَّ الْحِرْزَ مَا يُوضَعُ فِيهِ الْمَتَاعُ لِلْحِفْظِ ، وَالْكَفَنُ لَا يُوضَعُ فِي الْقَبْرِ لِذَلِكَ ؛ وَلِأَنَّهُ لَيْسَ بِحِرْزٍ لِغَيْرِهِ ، فَلَا يَكُونُ حِرْزًا لَهُ ، وَلِأَنَّ الْكَفَنَ لَا مَالِكَ لَهُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ مِلْكًا لِلْمَيِّتِ أَوْ لِوَارِثِهِ ، وَلَيْسَ مِلْكًا لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا ؛ لِأَنَّ الْمَيِّتَ لَا يَمْلِكُ شَيْئًا ، وَلَمْ يَبْقَ أَهْلًا لِلْمِلْكِ ، وَالْوَارِثُ إنَّمَا مَلَكَ مَا فَضَلَ عَنْ حَاجَةِ الْمَيِّتِ ؛ وَلِأَنَّهُ لَا يَجِبُ الْقَطْعُ إلَّا بِمُطَالَبَةِ الْمَالِكِ أَوْ نَائِبِهِ ، وَلَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ .\rوَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا } .\rوَهَذَا سَارِقٌ ، فَإِنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ : سَارِقُ أَمْوَاتِنَا كَسَارِقِ أَحْيَائِنَا .\rوَمَا ذَكَرُوهُ لَا يَصِحُّ ، فَإِنَّ الْكَفَنَ يُحْتَاجُ إلَى تَرْكِهِ فِي الْقَبْرِ دُونَ غَيْرِهِ ، وَيُكْتَفَى بِهِ فِي حِرْزِهِ ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يُتْرَكُ الْمَيِّتُ فِي غَيْرِ الْقَبْرِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُحْفَظَ كَفَنُهُ ، وَيُتْرَكُ فِي الْقَبْرِ وَيُنْصَرَفُ عَنْهُ .\rوَقَوْلُهُمْ : إنَّهُ لَا مَالِكَ لَهُ .\rمَمْنُوعٌ ، بَلْ هُوَ مَمْلُوكٌ لِلْمَيِّتِ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مَالِكًا لَهُ فِي حَيَاتِهِ ، وَلَا يَزُولُ مِلْكُهُ إلَّا عَمَّا لَا حَاجَةَ بِهِ إلَيْهِ ، وَوَلِيُّهُ يَقُومُ مَقَامَهُ فِي الْمُطَالَبَةِ ، كَقِيَامِ وَلِيِّ الصَّبِيِّ فِي الطَّلَبِ بِمَالِهِ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَلَا بُدَّ مِنْ إخْرَاجِ الْكَفَنِ مِنْ الْقَبْرِ ؛ لِأَنَّهُ الْحِرْزُ ، فَإِنْ أَخْرَجَهُ مِنْ اللَّحْدِ","part":20,"page":256},{"id":9756,"text":"وَوَضَعَهُ فِي الْقَبْرِ فَلَا قَطْعَ فِيهِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُخْرِجْهُ مِنْ الْحِرْزِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ نَقَلَ الْمَتَاعَ فِي الْبَيْتِ مِنْ جَانِبٍ إلَى جَانِبٍ { فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَمَّى الْقَبْرَ بَيْتًا } .","part":20,"page":257},{"id":9757,"text":"( 7296 ) فَصْلٌ : وَالْكَفَنُ الَّذِي يُقْطَعُ بِسَرِقَتِهِ مَا كَانَ مَشْرُوعًا ، فَإِنْ كُفِّنَ الرَّجُلُ فِي أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثِ لَفَائِفَ ، أَوْ الْمَرْأَةُ فِي أَكْثَرَ مِنْ خَمْسٍ ، فَسُرِقَ الزَّائِدَ عَنْ ذَلِكَ ، أَوْ تَرَكَهُ فِي تَابُوتٍ ، فَسُرِقَ التَّابُوتُ ، أَوْ تَرَكَ مَعَهُ طِيبًا مَجْمُوعًا ، أَوْ ذَهَبًا ، أَوْ فِضَّةً ، أَوْ جَوَاهِرَ ، لَمْ يُقْطَعْ بِأَخْذِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِكَفَنٍ مَشْرُوعٍ ، فَتَرْكُهُ فِيهِ سَفَهٌ وَتَضْيِيعٌ ، فَلَا يَكُونُ مُحْرَزًا ، وَلَا يُقْطَعُ سَارِقُهُ .","part":20,"page":258},{"id":9758,"text":"( 7297 ) ( فَصْلٌ ) : وَهَلْ يُفْتَقَرُ فِي قَطْعِ النَّبَّاشِ إلَى الْمُطَالَبَةِ ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا : يُفْتَقَرُ إلَى الْمُطَالَبَةِ كَسَائِرِ الْمَسْرُوقَاتِ .\rفَعَلَى هَذَا الْمُطَالِبُ الْوَرَثَةُ ؛ لِأَنَّهُمْ يَقُومُونَ مَقَامَ الْمَيِّتِ فِي حُقُوقِهِ .\rوَهَذَا مِنْ حُقُوقِهِ .\rوَالثَّانِي : لَا يُفْتَقَرُ إلَى طَلَبٍ ؛ لِأَنَّ الطَّلَبَ فِي السَّرِقَةِ مِنْ الْأَحْيَاءِ شُرِعَ لِئَلَّا يَكُونَ الْمَسْرُوقُ مَمْلُوكًا لِلسَّارِقِ وَقَدْ يُئِسَ مِنْ ذَلِكَ هَاهُنَا .","part":20,"page":259},{"id":9759,"text":"( 7298 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ ( وَلَا يُقْطَعُ فِي مُحَرَّمٍ ، وَلَا فِي آلَةِ لَهْوٍ ) .\rيَعْنِي لَا يُقْطَعُ فِي سَرِقَةِ مُحَرَّمٍ ؛ كَالْخَمْرِ ، وَالْخِنْزِيرِ ، وَالْمَيْتَةِ ، وَنَحْوِهَا ، سَوَاءٌ سَرَقَهُ مِنْ مُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَحُكِيَ عَنْ عَطَاءٍ أَنَّ سَارِقَ خَمْرِ الذِّمِّيِّ يُقْطَعُ ، وَإِنْ كَانَ مُسْلِمًا ؛ لِأَنَّهُ مَالٌ لَهُمْ ، أَشْبَهَ مَا لَوْ سَرَقَ دَرَاهِمَهُمْ .\rوَلَنَا أَنَّهَا عَيْنٌ مُحَرَّمَةٌ ، فَلَا يُقْطَعُ بِسَرِقَتِهَا ، كَالْخِنْزِيرِ ؛ وَلِأَنَّ مَا لَا يُقْطَعُ بِسَرِقَتِهِ مِنْ مَالِ الْمُسْلِمِ ، لَا يُقْطَعُ بِسَرِقَتِهِ مِنْ مَالِ الذِّمِّيِّ ، كَالْمَيْتَةِ وَالدَّمِ .\rوَمَا ذَكَرُوهُ يُنْتَقَضُ بِالْخِنْزِيرِ ، وَلَا اعْتِبَارَ بِهِ ، فَإِنَّ الِاعْتِبَارَ بِحُكْمِ الْإِسْلَامِ ، وَهُوَ يَجْرِي عَلَيْهِمْ دُونَ أَحْكَامِهِمْ .\rوَهَكَذَا الْخِلَافُ مَعَهُ فِي الصَّلِيبِ إذَا بَلَغَتْ قِيمَتُهُ مَعَ تَأْلِيفِهِ نِصَابًا .\rوَأَمَّا آلَةُ اللَّهْوِ كَالطُّنْبُورِ ، وَالْمِزْمَارِ ، وَالشَّبَّابَةِ ، فَلَا قَطْعَ فِيهِ ، وَإِنْ بَلَغَتْ قِيمَتُهُ مُفَصَّلًا نِصَابًا .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ : إنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ بَعْدَ زَوَالِ تَأْلِيفِهِ نِصَابًا ، فَفِيهِ الْقَطْعُ ، وَإِلَّا فَلَا ؛ لِأَنَّهُ سَرَقَ مَا قِيمَتُهُ نِصَابٌ ، لَا شُبْهَةَ لَهُ فِيهِ ، مِنْ حِرْزِ مِثْلِهِ ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْقَطْعِ ، فَوَجَبَ قَطْعُهُ ، كَمَا لَوْ كَانَ ذَهَبًا مَكْسُورًا .\rوَلَنَا أَنَّهُ آلَةٌ لِلْمَعْصِيَةِ بِالْإِجْمَاعِ ، فَلَمْ يُقْطَعْ بِسَرِقَتِهِ ، كَالْخَمْرِ ؛ وَلِأَنَّ لَهُ حَقًّا فِي أَخْذِهَا لِكَسْرِهَا ، فَكَانَ ذَلِكَ شُبْهَةً مَانِعَةً مِنْ الْقَطْعِ ، كَاسْتِحْقَاقِهِ مَالَ وَلَدِهِ .\rفَإِنْ كَانَتْ عَلَيْهِ حِلْيَةٌ تَبْلُغُ نِصَابًا ، فَلَا قَطْعَ فِيهِ أَيْضًا ، فِي قِيَاسِ قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ ؛ لِأَنَّهُ مُتَّصِلٌ بِمَا لَا قَطْعَ فِيهِ ، فَأَشْبَهَ الْخَشَبَ وَالْأَوْتَارَ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : فِيهِ الْقَطْعُ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ سَرَقَ نِصَابًا مِنْ حِرْزِهِ ،","part":20,"page":260},{"id":9760,"text":"فَأَشْبَهَ الْمُنْفَرِدَ .","part":20,"page":261},{"id":9761,"text":"( 7299 ) فَصْلٌ : وَإِنْ سَرَقَ صَلِيبًا مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ ، يَبْلُغُ نِصَابًا مُتَّصِلًا ، فَقَالَ الْقَاضِي : لَا قَطْعَ فِيهِ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ .\rوَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : يُقْطَعُ سَارِقُهُ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rوَوَجْهُ الْمَذْهَبَيْنِ مَا تَقَدَّمَ .\rوَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَبَيْنَ الَّتِي قَبْلَهَا ، أَنَّ الَّتِي قَبْلَهَا لَهُ كَسْرُهُ بِحَيْثُ لَا تَبْقَى لَهُ قِيمَةٌ تَبْلُغُ نِصَابًا ، وَهَا هُنَا لَوْ كُسِرَ الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ بِكُلِّ وَجْهٍ لَمْ تَنْقُصْ قِيمَتُهُ عَنْ النِّصَابِ ؛ وَلِأَنَّ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ جَوْهَرُهُمَا غَالِبٌ عَلَى الصَّنْعَةِ الْمُحَرَّمَةِ ، فَكَانَتْ الصِّنَاعَةُ فِيهِمَا مَغْمُورَةً بِالنِّسْبَةِ إلَى قِيمَةِ جَوْهَرِهِمَا ، وَغَيْرُهُمَا بِخِلَافِهِمَا ، فَتَكُونُ الصِّنَاعَةُ غَالِبَةً عَلَيْهِ ، فَيَكُونُ تَابِعًا لِلصِّنَاعَةِ الْمُحَرَّمَةِ ، فَأَشْبَهَ الْإِنَاءَ .\rوَلَوْ سَرَقَ إنَاءً مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ ، قِيمَتُهُ نِصَابٌ إذَا كَانَ مُتَكَسِّرًا ، فَعَلَيْهِ الْقَطْعُ ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُجْمَعٍ عَلَى تَحْرِيمِهِ ، وَقِيمَتُهُ بِدُونِ الصِّنَاعَةِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا نِصَابٌ .\rوَإِنْ سَرَقَ إنَاءً مُعَدًّا لِحَمْلِ الْخَمْرِ ، وَوَضْعِهِ فِيهِ ، فَفِيهِ الْقَطْعُ ؛ لِأَنَّ الْإِنَاءَ لَا تَحْرِيمَ فِيهِ ، وَإِنَّمَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ بِنِيَّتِهِ وَقَصْدِهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ سَرَقَ سِكِّينًا مُعَدَّةً لِذَبْحِ الْخَنَازِيرِ ، أَوْ سَيْفًا يُعِدُّهُ لِقَطْعِ الطَّرِيقِ .\rوَإِنْ سَرَقَ إنَاءً فِيهِ خَمْرٌ يَبْلُغُ نِصَابًا ، فَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : يُقْطَعُ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ سَرَقَ نِصَابًا مِنْ حِرْزِ مِثْلِهِ ، لَا شُبْهَةَ لَهُ فِيهِ .\rوَقَالَ غَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا : لَا يُقْطَعُ ؛ لِأَنَّهُ تَبَعٌ لِمَا لَا قَطْعَ فِيهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ سَرَقَ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ .\rقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ بْنُ شَاقِلَا : وَلَوْ سَرَقَ إدَاوَةً أَوْ إنَاءً فِيهِ مَاءٌ ، فَلَا قَطْعَ فِيهِ كَذَلِكَ .\rوَلَوْ سَرَقَ مِنْدِيلًا فِي طَرَفِهِ دِينَارٌ مَشْدُودٌ ، فَعَلِمَ بِهِ ، فَعَلَيْهِ الْقَطْعُ ، وَإِنْ لَمْ","part":20,"page":262},{"id":9762,"text":"يَعْلَمْ بِهِ ، فَلَا قَطْعَ فِيهِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ سَرِقَتَهُ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ تَعَلَّقَ بِثَوْبِهِ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يُقْطَعُ ؛ لِأَنَّهُ سَرَقَ نِصَابًا ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ سَرَقَ مَا لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ قِيمَتَهُ نِصَابٌ ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّهُ عَلِمَ بِالْمَسْرُوقِ هَاهُنَا ، وَقَصَدَ سَرِقَتَهُ ، بِخِلَافِ الدِّينَارِ ، فَإِنَّهُ لَمْ يُرِدْهُ ، وَلَمْ يَقْصِدْ أَخْذَهُ ، فَلَا يُؤَاخَذُ بِهِ بِإِيجَابِ الْحَدِّ عَلَيْهِ .","part":20,"page":263},{"id":9763,"text":"( 7300 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَلَا يُقْطَعُ الْوَالِدُ فِيمَا أَخَذَ مِنْ مَالِ وَلَدِهِ ؛ لِأَنَّهُ أَخَذَ مَا لَهُ أَخْذُهُ ، وَلَا الْوَالِدَةُ فِيمَا أَخَذَتْ مِنْ مَالِ وَلَدِهَا ، وَلَا الْعَبْدُ فِيمَا سَرَقَ مِنْ مَالِ سَيِّدِهِ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْوَالِدَ لَا يُقْطَعُ بِالسَّرِقَةِ مِنْ مَالِ وَلَدِهِ ، وَإِنْ سَفَلَ وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الْأَبُ وَالْأُمُّ وَالِابْنُ وَالْبِنْتُ ، وَالْجَدُّ وَالْجَدَّةُ مِنْ قِبَلِ الْأَبِ وَالْأُمِّ ، وَهَذَا قَوْلُ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ ؛ مِنْهُمْ مَالِكٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ : الْقَطْعُ عَلَى كُلِّ سَارِقٍ ، بِظَاهِرِ الْكِتَابِ ، إلَّا أَنْ يُجْمِعُوا عَلَى شَيْءٍ فَيُسْتَثْنَى .\rوَلَنَا قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { أَنْتَ وَمَالُك لِأَبِيك } .\rوَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إنَّ أَطْيَبَ مَا أَكَلَ الرَّجُلُ مِنْ كَسْبِهِ ، وَإِنَّ وَلَدَهُ مِنْ كَسْبِهِ } .\rوَفِي لَفْظٍ : \" فَكُلُوا مِنْ كَسْبِ أَوْلَادِكُمْ \" .\rوَلَا يَجُوزُ قَطْعُ الْإِنْسَانِ بِأَخْذِ مَا أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَخْذِهِ ، وَلَا أَخْذِ مَا جَعَلَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَالًا لَهُ مُضَافًا إلَيْهِ ؛ وَلِأَنَّ الْحُدُودَ تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ ، وَأَعْظَمُ الشُّبُهَاتِ أَخْذُ الرَّجُلِ مِنْ مَالٍ جَعَلَهُ الشَّرْعُ لَهُ ، وَأَمَرَهُ بِأَخْذِهِ وَأَكْلِهِ","part":20,"page":264},{"id":9764,"text":"وَأَمَّا الْعَبْدُ إذَا سَرَقَ مِنْ مَالِ سَيِّدِهِ ، فَلَا قَطْعَ عَلَيْهِ ، فِي قَوْلِهِمْ ، جَمِيعًا ، وَوَافَقَهُمْ أَبُو ثَوْرٍ فِيهِ .\rوَحُكِيَ عَنْ دَاوُد أَنَّهُ يُقْطَعُ ؛ لِعُمُومِ الْآيَةِ .\rوَلَنَا مَا رَوَى السَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ قَالَ : شَهِدْت عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ، وَقَدْ جَاءَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْحَضْرَمِيِّ بِغُلَامٍ لَهُ ، فَقَالَ : إنَّ غُلَامِي هَذَا سَرَقَ ، فَاقْطَعْ يَدَهُ .\rفَقَالَ عُمَرُ : مَا سَرَقَ ؟ قَالَ : سَرَقَ مِرْآةَ امْرَأَتِي ، ثَمَنُهَا سِتُّونَ دِرْهَمًا .\rفَقَالَ : أَرْسِلْهُ ، لَا قَطْعَ عَلَيْهِ ، خَادِمُكُمْ أَخَذَ مَتَاعَكُمْ .\rوَلَكِنَّهُ لَوْ سَرَقَ مِنْ غَيْرِهِ قُطِعَ .\rوَفِي لَفْظٍ قَالَ : مَالُكُمْ سَرَقَ بَعْضُهُ بَعْضًا ، لَا قَطْعَ عَلَيْهِ .\rرَوَاهُ سَعِيدٌ .\rوَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ، أَنَّ رَجُلًا جَاءَهُ ، فَقَالَ : عَبْدٌ لِي سَرَقَ قَبَاءً لِعَبْدٍ لِي آخَرَ .\rفَقَالَ : لَا قَطْعَ ، مَالُكَ سَرَقَ مَالَكَ .\rوَهَذِهِ قَضَايَا تَشْتَهِرُ ، وَلَمْ يُخَالِفْهَا أَحَدٌ ، فَتَكُونُ إجْمَاعًا ، وَهَذَا يَخُصُّ عُمُومَ الْآيَةِ ؛ وَلِأَنَّ هَذَا إجْمَاعٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ؛ لِأَنَّهُ قَوْلُ مَنْ سَمَّيْنَا مِنْ الْأَئِمَّةِ ، وَلَمْ يُخَالِفْهُمْ فِي عَصْرِهِمْ أَحَدٌ ، فَلَا يَجُوزُ خِلَافُهُ بِقَوْلِ مَنْ بَعْدَهُمْ ، كَمَا لَا يَجُوزُ تَرْكُ إجْمَاعِ الصَّحَابَةِ بِقَوْلِ وَاحِدٍ مِنْ التَّابِعِينَ ( 7301 ) فَصْلٌ : وَالْمُدَبَّرُ ، وَأُمُّ الْوَلَدِ ، وَالْمُكَاتَبُ ، كَالْقِنِّ فِي هَذَا .\rوَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَلَا يُقْطَعُ سَيِّدُ الْمُكَاتَبِ بِسَرِقَةِ مَالِهِ ؛ لِأَنَّهُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ .\rوَكُلُّ مَنْ لَا يُقْطَعُ الْإِنْسَانُ بِسَرِقَةِ مَالِهِ ، لَا يُقْطَعُ عَبْدُهُ بِسَرِقَةِ مَالِهِ ، كَآبَائِهِ ، وَأَوْلَادِهِ ، وَغَيْرِهِمْ .\rوَهَذَا قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ ، وَالشَّافِعِيِّ ، كُلٌّ عَلَى أَصْلِهِ .\rوَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ : يُقْطَعُ بِسَرِقَةِ مَالِ مَنْ عَدَا سَيِّدِهِ .\rوَنَحْوُهُ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ .\rوَلَنَا حَدِيثُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ؛ وَلِأَنَّ مَالَهُمْ","part":20,"page":265},{"id":9765,"text":"يَنْزِلُ مَنْزِلَةَ مَالِهِ فِي قَطْعِهِ ، فَكَذَلِكَ فِي قَطْعِ عَبْدِهِ .","part":20,"page":266},{"id":9766,"text":"( 7302 ) فَصْلٌ : وَلَا يُقْطَعُ الِابْنُ وَإِنْ سَفَلَ ، بِسَرِقَةِ مَالٍ وَالِدِهِ وَإِنْ عَلَا .\rوَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَظَاهِرُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ أَنَّهُ يُقْطَعُ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْهُ فِيمَنْ لَا قَطْعَ عَلَيْهِ .\rوَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ ؛ لِظَاهِرِ الْكِتَابِ ؛ وَلِأَنَّهُ يُحَدُّ بِالزِّنَا بِجَارِيَتِهِ ، وَيُقَادُ بِقَتْلِهِ ، فَيُقْطَعُ بِسَرِقَةِ مَالِهِ ، كَالْأَجْنَبِيِّ .\rوَوَجْهُ الْأَوَّلِ : أَنَّ بَيْنَهُمَا قَرَابَةً تَمْنَعُ قَبُولَ شَهَادَةِ أَحَدِهِمَا لِصَاحِبِهِ ، فَلَمْ يُقْطَعْ بِسَرِقَةِ مَالِهِ كَالْأَبِ ؛ وَلِأَنَّ النَّفَقَةَ تَجِبُ فِي مَالِ الْأَبِ لِابْنِهِ حِفْظًا لَهُ ، فَلَا يَجُوزُ إتْلَافُهُ حِفْظًا لِلْمَالِ ، وَأَمَّا الزِّنَا بِجَارِيَتِهِ ، فَيَجِبُ بِهِ الْحَدُّ ؛ لِأَنَّهُ لَا شُبْهَةَ لَهُ فِيهَا ، بِخِلَافِ الْمَالِ .","part":20,"page":267},{"id":9767,"text":"فَصْلٌ : فَأَمَّا سَائِرُ الْأَقَارِبِ ، كَالْإِخْوَةِ وَالْأَخَوَاتِ ، وَمَنْ عَدَاهُمْ ، فَيُقْطَعُ بِسَرِقَةِ مَالِهِمْ ، وَيُقْطَعُونَ بِسَرِقَةِ مَالِهِ .\rوَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يُقْطَعُ بِالسَّرِقَةِ مِنْ ذِي رَحِمٍ ؛ لِأَنَّهَا قَرَابَةٌ تَمْنَعُ النِّكَاحَ ، وَتُبِيحُ النَّظَرَ ، وَتُوجِبُ النَّفَقَةَ ، أَشْبَهَ قَرَابَةَ الْوِلَادَةِ .\rوَلَنَا أَنَّهَا قَرَابَةٌ لَا تَمْنَعُ الشَّهَادَةَ ، فَلَا تَمْنَعُ الْقَطْعَ كَقَرَابَةِ غَيْرِهِ ، وَفَارَقَ قَرَابَةَ الْوِلَادَةِ بِهَذَا .","part":20,"page":268},{"id":9768,"text":"( 7304 ) فَصْلٌ : وَإِنْ سَرَقَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ مِنْ مَالِ الْآخَرِ ، فَإِنْ كَانَ مِمَّا لَيْسَ مُحْرَزًا عَنْهُ ، فَلَا قَطْعَ فِيهِ ، وَإِنْ سَرَقَ مِمَّا أَحْرَزَهُ عَنْهُ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا : لَا قَطْعَ عَلَيْهِ .\rوَهِيَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ ، وَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ ؛ لِقَوْلِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْحَضْرَمِيِّ ، حِينَ قَالَ لَهُ : إنَّ غُلَامِي سَرَقَ مِرْآةَ امْرَأَتِي : أَرْسِلْهُ ، لَا قَطْعَ عَلَيْهِ ، خَادِمُكُمْ أَخَذَ مَتَاعَكُمْ .\rوَإِذَا لَمْ يُقْطَعْ عَبْدُهُ بِسَرِقَةِ مَالِهَا ، فَهُوَ أَوْلَى ؛ وَلِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَرِثُ صَاحِبَهُ بِغَيْرِ حَجْبٍ ، وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لَهُ ، وَيَتَبَسَّطُ فِي مَالِ الْآخَرِ عَادَةً ، فَأَشْبَهَ الْوَالِدَ وَالْوَلَدَ .\rوَالثَّانِيَةُ : يُقْطَعُ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ .\rوَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ ؛ لِعُمُومِ الْآيَةِ ؛ وَلِأَنَّهُ سَرَقَ مَالًا مُحْرَزًا عَنْهُ ، لَا شُبْهَةَ لَهُ فِيهِ ، أَشْبَهَ الْأَجْنَبِيَّ .\rوَلِلشَّافِعِيِّ كَالرِّوَايَتَيْنِ .\rوَقَوْلٌ ثَالِثٌ : أَنَّ الزَّوْجَ يُقْطَعُ بِسَرِقَةِ مَالِ الزَّوْجَةِ ؛ لِأَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ فِيهِ ، وَلَا تُقْطَعُ بِسَرِقَةِ مَالِهِ ؛ لِأَنَّ لَهَا النَّفَقَةَ فِيهِ .","part":20,"page":269},{"id":9769,"text":"( 7305 ) فَصْلٌ : وَلَا قَطْعَ عَلَى مَنْ سَرَقَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ إذَا كَانَ مُسْلِمًا ، وَيُرْوَى ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ ، وَعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا .\rوَبِهِ قَالَ الشَّعْبِيُّ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَالْحَكَمُ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَقَالَ حَمَّادٌ ، وَمَالِكٌ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ : يُقْطَعُ ؛ لِظَاهِرِ الْكِتَابِ .\rوَلَنَا مَا رَوَى ابْنُ مَاجَهْ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، { أَنَّ عَبْدًا مِنْ رَقِيقِ الْخُمُسِ ، سَرَقَ مِنْ الْخُمُسِ ، فَرُفِعَ ذَلِكَ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يَقْطَعْهُ ، وَقَالَ : مَالُ اللَّهِ سَرَقَ بَعْضُهُ بَعْضًا .\r} وَيُرْوَى ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .\rوَسَأَلَ ابْنُ مَسْعُودٍ عُمَرَ عَمَّنْ سَرَقَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ ، فَقَالَ : أَرْسِلْهُ ، فَمَا مِنْ أَحَدٍ إلَّا وَلَهُ فِي هَذَا الْمَالِ حَقٌّ .\rوَقَالَ سَعِيدٌ : حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ ، أَخْبَرَنَا مُغِيرَةُ ، عَنْ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : لَيْسَ عَلَى مَنْ سَرَقَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ قَطْعٌ .\rوَلِأَنَّ لَهُ فِي الْمَالِ حَقًّا ، فَيَكُونُ شُبْهَةً تَمْنَعُ وُجُوبَ الْقَطْعِ ، كَمَا لَوْ سَرَقَ مِنْ مَالٍ لَهُ فِيهِ شَرِكَةٌ .\rوَمَنْ سَرَقَ مِنْ الْغَنِيمَةِ مِمَّنْ لَهُ فِيهَا حَقٌّ ، أَوْ لِوَلَدِهِ ، أَوْ لِسَيِّدِهِ ، أَوْ لِمَنْ لَا يُقْطَعُ بِسَرِقَةِ مَالِهِ ، لَمْ يُقْطَعْ لِذَلِكَ .\rوَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ الْغَانِمِينَ ، وَلَا أَحَدًا مِنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ ذَكَرْنَا ، فَسَرَقَ مِنْهَا قَبْلَ إخْرَاجِ الْخُمُسِ ، لَمْ يُقْطَعْ ؛ لِأَنَّ لَهُ فِي الْخُمُسِ حَقًّا .\rوَإِنْ أُخْرِجَ الْخُمُسُ ، فَسَرَقَ مِنْ الْأَرْبَعَةِ الْأَخْمَاسِ ، قُطِعَ ، وَإِنْ سَرَقَ مِنْ الْخُمُسِ ، لَمْ يُقْطَعْ .\rوَإِنْ قُسِّمَ الْخُمُسُ خَمْسَةَ أَقْسَامٍ ، فَسَرَقَ مِنْ خُمُسِ اللَّهِ تَعَالَى وَرَسُولِهِ ، لَمْ يُقْطَعْ ، وَإِنْ سَرَقَ مِنْ غَيْرِهِ ، قُطِعَ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ ذَلِكَ الْخُمُسِ .","part":20,"page":270},{"id":9770,"text":"( 7306 ) فَصْلٌ : وَإِنْ سَرَقَ مِنْ الْوَقْفِ ، أَوْ مِنْ غَلَّتِهِ ، وَكَانَ مِنْ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ ، مِثْلَ أَنْ يَكُونَ مِسْكِينًا سَرَقَ مِنْ وَقْفِ الْمَسَاكِينِ ، أَوْ مِنْ قَوْمٍ مُعَيَّنِينَ عَلَيْهِمْ وَقْفٌ ، فَلَا قَطْعَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ شَرِيكٌ .\rوَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِهِمْ ، قُطِعَ ؛ لِأَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ فِيهِ .\rفَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ قُلْتُمْ : لَا يُقْطَعُ بِالسَّرِقَةِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ .\rمِنْ غَيْرِ تَفْرِيقٍ بَيْنَ غَنِيٍّ وَفَقِيرٍ ، فَلِمَ فَرَّقْتُمْ هَاهُنَا ؟ قُلْنَا : لِأَنَّ لِلْغَنِيِّ فِي بَيْتِ الْمَالِ حَقًّا ، وَلِهَذَا قَالَ عُمَرُ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : مَا مِنْ أَحَدٍ إلَّا وَلَهُ فِي هَذَا الْمَالِ حَقٌّ .\rبِخِلَافِ وَقْفِ الْمَسَاكِينِ ، فَإِنَّهُ لَا حَقَّ لِلْغَنِيِّ فِيهِ .","part":20,"page":271},{"id":9771,"text":"( 7307 ) فَصْلٌ : قَالَ أَحْمَدُ : لَا قَطْعَ فِي الْمَجَاعَةِ .\rيَعْنِي أَنَّ الْمُحْتَاجَ إذَا سَرَقَ مَا يَأْكُلُهُ ، فَلَا قَطْعَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ كَالْمُضْطَرِّ .\rوَرَوَى الْجُوزَجَانِيُّ ، عَنْ عُمَرَ ، أَنَّهُ قَالَ : لَا قَطْعَ فِي عَامِ سَنَةٍ .\rوَقَالَ : سَأَلْت أَحْمَدَ عَنْهُ ، فَقُلْت : تَقُولُ بِهِ ؟ قَالَ : إي لَعَمْرِي ، لَا أَقْطَعُهُ إذَا حَمَلَتْهُ الْحَاجَةُ ، وَالنَّاسُ فِي شِدَّةٍ وَمَجَاعَةٍ .\rوَعَنْ الْأَوْزَاعِيِّ مِثْلُ ذَلِكَ .\rوَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ لَا يَجِدُ مَا يَشْتَرِيهِ ، أَوْ لَا يَجِدُ مَا يَشْتَرِي بِهِ ، فَإِنَّ لَهُ شُبْهَةً فِي أَخْذِ مَا يَأْكُلُهُ ، أَوْ مَا يَشْتَرِي بِهِ مَا يَأْكُلُهُ .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ غِلْمَانَ حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ انْتَحَرُوا نَاقَةً لِلْمُزَنِيِّ ، فَأَمَرَ عُمَرُ بِقَطْعِهِمْ ، ثُمَّ قَالَ لِحَاطِبٍ : إنِّي أَرَاك تُجِيعُهُمْ .\rفَدَرَأَ عَنْهُمْ الْقَطْعَ لَمَّا ظَنَّهُ يُجِيعُهُمْ .\rفَأَمَّا الْوَاجِدُ لِمَا يَأْكُلُهُ ، أَوْ الْوَاجِدُ لِمَا يَشْتَرِي بِهِ وَمَا يَشْتَرِيهِ ، فَعَلَيْهِ الْقَطْعُ ، وَإِنْ كَانَ بِالثَّمَنِ الْغَالِي .\rذَكَرَهُ الْقَاضِي ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rوَلَا قَطْعَ عَلَى الْمَرْأَةِ إذَا مَنَعَهَا الزَّوْجُ قَدْرَ كِفَايَتِهَا ، أَوْ كِفَايَةِ وَلَدِهَا ، فَأَخَذَتْ مِنْ مَالِهِ ، سَوَاءٌ أَخَذَتْ قَدْرَ ذَلِكَ أَوْ أَكْثَرَ مِنْهُ ؛ لِأَنَّهَا تَسْتَحِقُّ قَدْرَ ذَلِكَ ، فَالزَّائِدُ يَكُونُ مُشْتَرَكًا بِمَا يُسْتَحَقُّ أَخْذُهُ ، وَلَا عَلَى الضَّيْفِ إذَا مُنِعَ قِرَاهُ ، فَأَخَذَ أَيْضًا مِنْ مَالِ الْمُضِيفِ ؛ لِذَلِكَ .","part":20,"page":272},{"id":9772,"text":"( 7308 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَلَا يُقْطَعُ إلَّا بِشَهَادَةِ عَدْلَيْنِ ، أَوْ اعْتِرَافٍ مَرَّتَيْنِ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْقَطْعَ إنَّمَا يَجِبُ بِأَحَدِ أَمْرَيْنِ ؛ بَيِّنَةٍ ، أَوْ إقْرَارٍ ، لَا غَيْرُ ، فَأَمَّا الْبَيِّنَةُ ، فَيُشْتَرَطُ فِيهَا أَنْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ مُسْلِمَيْنِ حُرَّيْنِ عَدْلَيْنِ ، سَوَاءٌ كَانَ السَّارِقُ مُسْلِمًا أَوْ ذِمِّيًّا ، وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ فِي الشَّهَادَةِ فِي الزِّنَا بِمَا أَغْنَى عَنْ إعَادَتِهِ هَاهُنَا ، وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَصِفَا السَّرِقَةَ وَالْحِرْزَ ، وَجِنْسَ النِّصَابِ ، وَقَدْرَهُ ، لِيَزُولَ الِاخْتِلَافُ فِيهِ ، فَيَقُولَانِ : نَشْهَدُ أَنَّ هَذَا سَرَقَ كَذَا ، قِيمَتُهُ كَذَا ، مِنْ حِرْزٍ .\rوَيَصِفَانِ الْحِرْزَ .\rوَإِنْ كَانَ الْمَسْرُوقُ مِنْهُ غَائِبًا ، فَحَضَرَ وَكِيلُهُ ، وَطَالَبَ بِالسَّرِقَةِ ، احْتَاجَ الشَّاهِدَانِ أَنْ يَرْفَعَا فِي نَسَبِهِ ، فَيَقُولَانِ : مِنْ حِرْزِ فُلَانِ بْنِ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ ، بِحَيْثُ يَتَمَيَّزُ مِنْ غَيْرِهِ ، فَإِذَا اجْتَمَعَتْ هَذِهِ الشُّرُوطُ ، وَجَبَ الْقَطْعُ فِي قَوْلِ عَامَّتِهِمْ .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ، عَلَى أَنَّ قَطْعَ السَّارِقِ يَجِبُ ، إذَا شَهِدَ بِالسَّرِقَةِ شَاهِدَانِ حُرَّانِ مُسْلِمَانِ ، وَوَصَفَا مَا يُوجِبُ الْقَطْعَ .\rوَإِذَا وَجَبَ الْقَطْعُ بِشَهَادَتِهِمَا ، لَمْ يَسْقُطْ بِغَيْبَتِهِمَا ، وَلَا مَوْتِهِمَا ، عَلَى مَا مَضَى فِي الشَّهَادَةِ بِالزِّنَا .\rوَإِذَا شَهِدَا بِسَرِقَةِ مَالٍ غَائِبٍ ، فَإِنْ كَانَ لَهُ وَكِيلٌ حَاضِرٌ ، فَطَالَبَ بِهِ ، قُطِعَ السَّارِقُ ، وَإِلَّا فَلَا .\r( 7309 ) فَصْلٌ : وَإِذَا اخْتَلَفَ الشَّاهِدَانِ فِي الْوَقْتِ ، أَوْ الْمَكَانِ ، أَوْ الْمَسْرُوقِ ، فَشَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ سَرَقَ يَوْمَ الْخَمِيسِ ، وَالْآخَرُ أَنَّهُ سَرَقَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ، أَوْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ سَرَقَ مِنْ هَذَا الْبَيْتِ ، وَشَهِدَ الْآخَرُ أَنَّهُ سَرَقَ مِنْ هَذَا الْبَيْتِ ، أَوْ قَالَ أَحَدُهُمَا : سَرَقَ ثَوْرًا .\rوَقَالَ الْآخَرُ : سَرَقَ بَقَرَةً .\rأَوْ قَالَ : سَرَقَ ثَوْرًا .\rوَقَالَ الْآخَرُ : سَرَقَ حِمَارًا .\rلَمْ","part":20,"page":273},{"id":9773,"text":"يُقْطَعْ .\rفِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا .\rوَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَإِنْ قَالَ أَحَدُهُمَا : سَرَقَ ثَوْبًا أَبْيَضَ .\rوَقَالَ الْآخَرُ : أَسْوَدَ .\rأَوْ قَالَ أَحَدُهُمَا : سَرَقَ هَرَوِيًّا .\rفَقَالَ الْآخَرُ : مَرَوِيًّا .\rلَمْ يُقْطَعْ أَيْضًا .\rوَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ ؛ لِأَنَّهُمَا لَمْ يَتَّفِقَا عَلَى الشَّهَادَةِ بِشَيْءٍ وَاحِدٍ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ اخْتَلَفَا فِي الذُّكُورِيَّةِ وَالْأُنُوثِيَّةِ .\rوَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : يُقْطَعُ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ ؛ لِأَنَّ الِاخْتِلَافَ لَمْ يَرْجِعْ إلَى نَفْسِ الشَّهَادَةِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ أَحَدَهُمَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ هَرَوِيٌّ ، وَالْآخَرَ أَنَّهُ مَرْوِيٌّ ، أَوْ كَانَ الثَّوْبُ فِيهِ سَوَادٌ وَبَيَاضٌ .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : اللَّوْنُ أَقْرَبُ إلَى الظُّهُورِ مِنْ الذُّكُورِيَّةِ وَالْأُنُوثِيَّةِ ، فَإِذَا كَانَ اخْتِلَافُهُمَا فِيمَا يَخْفَى يُبْطِلُ شَهَادَتَهُمَا ، فَفِيمَا يَظْهَرُ أَوْلَى .\rوَيُحْتَمَلُ أَنَّ أَحَدَهُمَا ظَنَّ الْمَسْرُوقَ ذَكَرًا ، وَظَنَّهُ الْآخَرُ أُنْثَى ، وَقَدْ أَوْجَبَ هَذَا رَدَّ شَهَادَتِهِمَا ، فَكَذَلِكَ هَاهُنَا .\rالثَّانِي : الِاعْتِرَافُ ، وَيُشْتَرَطُ فِيهِ أَنْ يَعْتَرِفَ مَرَّتَيْنِ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .\rوَبِهِ قَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى ، وَأَبُو يُوسُفَ ، وَزُفَرُ ، وَابْنُ شُبْرُمَةَ .\rوَقَالَ عَطَاءٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ : يُقْطَعُ بِاعْتِرَافِ مَرَّةٍ ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ يَثْبُتُ بِالْإِقْرَارِ ، فَلَمْ يُعْتَبَرْ فِيهِ التَّكْرَارُ ، كَحَقِّ الْآدَمِيِّ .\rوَلَنَا مَا رَوَى أَبُو دَاوُد ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي أُمَيَّةَ الْمَخْزُومِيِّ { ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُتِيَ بِلِصٍّ قَدْ اعْتَرَفَ ، فَقَالَ لَهُ : مَا إخَالُك سَرَقْت .\rقَالَ : بَلَى .\rفَأَعَادَ عَلَيْهِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا ، فَأَمَرَ بِهِ ، فَقُطِعَ } .\rوَلَوْ وَجَبَ الْقَطْعُ بِأَوَّلِ مَرَّةٍ ، لَمَا أَخَّرَهُ .\rوَرَوَى سَعِيدٌ ، عَنْ","part":20,"page":274},{"id":9774,"text":"هُشَيْمٍ ، وَسُفْيَانَ ، وَأَبِي الْأَحْوَصِ ، وَأَبِي مُعَاوِيَةَ عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ شَهِدْت عَلِيًّا ، وَأَتَاهُ رَجُلٌ ، فَأَقَرَّ بِالسَّرِقَةِ ، فَرَدَّهُ ، وَفِي لَفْظٍ : فَانْتَهَرَهُ .\rوَفِي لَفْظٍ : فَسَكَتَ عَنْهُ .\rوَقَالَ غَيْرُ هَؤُلَاءِ : فَطَرَدَهُ .\rثُمَّ عَادَ بَعْدَ ذَلِكَ ، فَأَقَرَّ ، فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ : شَهِدْت عَلَى نَفْسِك مَرَّتَيْنِ .\rفَأَمَرَ بِهِ ، فَقُطِعَ ، وَفِي لَفْظٍ : قَدْ أَقْرَرْت عَلَى نَفْسِك مَرَّتَيْنِ .\rوَمِثْلُ هَذَا يَشْتَهِرُ ، فَلَمْ يُنْكَرْ .\rوَلِأَنَّهُ يَتَضَمَّنُ إتْلَافًا فِي حَدٍّ ، فَكَانَ مِنْ شَرْطِهِ التَّكْرَارُ ، كَحَدِّ الزِّنَا .\rوَلِأَنَّهُ أَحَدُ حُجَّتَيْ الْقَطْعِ ، فَيُعْتَبَرُ فِيهِ التَّكْرَارُ ، كَالشَّهَادَةِ .\rوَقِيَاسُهُمْ يُنْتَقَضُ بِحَدِّ الزِّنَا عِنْدَ مَنْ اعْتَبَرَ التَّكْرَارَ ، وَيُفَارِقُ حَقَّ الْآدَمِيِّ ؛ لِأَنَّ حَقَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى الشُّحِّ ، وَالتَّضْيِيقِ ، وَلَا يُقْبَلُ رُجُوعُهُ عَنْهُ ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا .\r( 7310 ) فَصْلٌ : وَيُعْتَبَرُ أَنْ يَذْكُرَ فِي إقْرَارِهِ شُرُوطَ السَّرِقَةِ ، مِنْ النِّصَابِ وَالْحِرْزِ ، وَإِخْرَاجِهِ مِنْهُ ( 7311 ) فَصْلٌ : وَالْحُرُّ وَالْعَبْدُ فِي هَذَا سَوَاءٌ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ؛ وَذَلِكَ لِعُمُومِ النَّصِّ فِيهِمَا ، وَلِمَا رَوَى الْأَعْمَشُ ، عَنْ الْقَاسِمِ ، عَنْ أَبِيهِ ، : أَنَّ عَلِيًّا قَطَعَ عَبْدًا أَقَرَّ عِنْدَهُ بِالسَّرِقَةِ .\rوَفِي رِوَايَةٍ قَالَ : كَانَ عَبْدًا .\rيَعْنِي الَّذِي قَطَعَهُ عَلِيٌّ .\rوَيُعْتَبَرُ أَنْ يُقِرَّ مَرَّتَيْنِ .\rوَرَوَى مُهَنَّا ، عَنْ أَحْمَدَ : إذَا أَقَرَّ الْعَبْدُ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ أَنَّهُ سَرَقَ ، قُطِعَ .\rوَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ اعْتَبَرَ إقْرَارَهُ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ ، لِيَكُونَ عَلَى النِّصْفِ مِنْ الْحُرِّ .\rوَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ؛ لِخَبَرِ عَلِيٍّ ؛ وَلِأَنَّهُ إقْرَارٌ بِحَدٍّ ، فَاسْتَوَى فِي عَدَدِهِ الْحُرُّ وَالْعَبْدُ ، كَسَائِرِ الْحُدُودِ .","part":20,"page":275},{"id":9775,"text":"( 7312 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَلَا يَنْزِعُ عَنْ إقْرَارِهِ حَتَّى يُقْطَعَ ) هَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ .\rوَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى ، وَدَاوُد : لَا يُقْبَلُ رُجُوعُهُ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَقَرَّ لِآدَمِيٍّ بِقِصَاصٍ أَوْ حَقٍّ ، لَمْ يُقْبَلْ رُجُوعُهُ عَنْهُ .\rوَلَنَا قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلسَّارِقِ : \" مَا إخَالُك سَرَقْت .\rعَرَّضَ لَهُ لِيَرْجِعَ ؛ وَلِأَنَّهُ حَدٌّ لِلَّهِ تَعَالَى ، ثَبَتَ بِالِاعْتِرَافِ ، فَقُبِلَ رُجُوعُهُ عَنْهُ ، كَحَدِّ الزِّنَا ؛ وَلِأَنَّ الْحُدُودَ تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ ، وَرُجُوعُهُ عَنْهُ شُبْهَةٌ ، لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ كَذَبَ عَلَى نَفْسِهِ فِي اعْتِرَافِهِ ؛ وَلِأَنَّهُ أَحَدُ حُجَّتَيْ الْقَطْعِ ، فَيَبْطُلُ بِالرُّجُوعِ عَنْهُ ، كَالشَّهَادَةِ ؛ وَلِأَنَّ حُجَّةَ الْقَطْعِ زَالَتْ قَبْلَ اسْتِيفَائِهِ ، فَسَقَطَ ، كَمَا لَوْ رَجَعَ الشُّهُودُ .\rوَفَارَقَ حَقَّ الْآدَمِيِّ ، فَإِنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى الشُّحِّ وَالضِّيقِ ، وَلَوْ رَجَعَ الشُّهُودُ عَنْ الشَّهَادَةِ بَعْدَ الْحُكْمِ ، لَمْ يَبْطُلْ بِرُجُوعِهِمْ ، وَلَمْ يَمْنَعْ اسْتِيفَاءَهَا .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّهُ إذَا رَجَعَ قَبْلَ الْقَطْعِ ، سَقَطَ الْقَطْعُ ، وَلَمْ يَسْقُطْ غُرْمُ الْمَسْرُوقِ ؛ لِأَنَّهُ حَقُّ آدَمِيٍّ ، وَلَوْ أَقَرَّ مَرَّةً وَاحِدَةً ، لَزِمَهُ غَرَامَةُ الْمَسْرُوقِ دُونَ الْقَطْعِ .\rوَإِنْ كَانَ رُجُوعُهُ وَقَدْ قُطِعَ بَعْضُ الْمَفْصِلِ ، لَمْ يُتْمِمْهُ إنْ كَانَ يُرْجَى بُرْؤُهُ ؛ لِكَوْنِهِ قَطَعَ قَلِيلًا ، وَإِنْ قَطَعَ الْأَكْثَرَ ، فَالْمَقْطُوعُ بِالْخِيَارِ ، إنْ شَاءَ تَرَكَهُ وَإِنْ شَاءَ قَطَعَهُ ؛ لِيَسْتَرِيحَ مِنْ تَعْلِيقِ كَفِّهِ ، وَلَا يَلْزَمُ الْقَاطِعَ قَطْعُهُ ؛ لِأَنَّ قَطْعَهُ تَدَاوٍ ، وَلَيْسَ بِحَدٍّ .","part":20,"page":276},{"id":9776,"text":"( 7313 ) فَصْلٌ : قَالَ أَحْمَدُ لَا بَأْسَ بِتَلْقِينِ السَّارِقِ لِيَرْجِعَ عَنْ إقْرَارِهِ .\rوَهَذَا قَوْلُ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ .\rرُوِيَ عَنْ عُمَرَ ، أَنَّهُ أُتِيَ بِرَجُلٍ ، فَسَأَلَهُ : أَسَرَقْت ؟ قُلْ : لَا .\rفَقَالَ : لَا .\rفَتَرَكَهُ .\rوَرُوِيَ مَعْنَى ذَلِكَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ ، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ .\rوَبِهِ قَالَ إِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ .\rوَقَدْ رَوَيْنَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِلسَّارِقِ : \" مَا أَخَالُك سَرَقْت \" .\rوَقَالَ لِمَاعِزٍ : \" لَعَلَّك قَبَّلْت ، أَوْ لَمَسْت \" .\rوَعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَجُلًا أَقَرَّ عِنْدَهُ بِالسَّرِقَةِ فَانْتَهَرَهُ .\rوَرُوِيَ أَنَّهُ طَرَدَهُ .\rوَرُوِيَ أَنَّهُ رَدَّهُ .","part":20,"page":277},{"id":9777,"text":"وَلَا بَأْسَ بِالشَّفَاعَةِ فِي السَّارِقِ مَا لَمْ يَبْلُغْ الْإِمَامَ ، فَإِنَّهُ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { تَعَافُوا الْحُدُودَ فِيمَا بَيْنَكُمْ ، فَمَا بَلَغَنِي مِنْ حَدٍّ وَجَبَ } .\rوَقَالَ الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ فِي الشَّفَاعَةِ فِي الْحَدِّ : يَفْعَلُ ذَلِكَ دُونَ السُّلْطَانِ ، فَإِذَا بَلَغَ الْإِمَامَ ، فَلَا أَعْفَاهُ اللَّهُ إنْ أَعْفَاهُ .\rوَمِمَّنْ رَأَى ذَلِكَ الزُّبَيْرُ ، وَعَمَّارٌ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَالزُّهْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : إنْ لَمْ يُعْرَفْ بِشَرٍّ ، فَلَا بَأْسَ أَنْ يُشْفَعَ لَهُ ، مَا لَمْ يَبْلُغْ الْإِمَامَ ، وَأَمَّا مَنْ عُرِفَ بِشَرٍّ وَفَسَادٍ ، فَلَا أُحِبُّ أَنْ يَشْفَعَ لَهُ أَحَدٌ ، وَلَكِنْ يُتْرَكُ حَتَّى يُقَامَ الْحَدُّ عَلَيْهِ .\rوَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ إذَا بَلَغَ الْإِمَامَ لَمْ تَجُزْ الشَّفَاعَةُ فِيهِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ إسْقَاطُ حَقٍّ وَجَبَ لِلَّهِ تَعَالَى ، وَقَدْ غَضِبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ شَفَعَ أُسَامَةُ فِي الْمَخْزُومِيَّةِ الَّتِي سَرَقَتْ وَقَالَ : { أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى ، } وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ : مَنْ حَالَتْ شَفَاعَتُهُ دُونَ حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ ، فَقَدْ ضَادَّ اللَّهَ فِي حُكْمِهِ .","part":20,"page":278},{"id":9778,"text":"( 7314 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِذَا اشْتَرَكَ الْجَمَاعَةُ فِي سَرِقَةٍ قِيمَتُهَا ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ ، قُطِعُوا ) وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ ، وَأَبُو ثَوْرٍ .\rوَقَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ : لَا قَطْعَ عَلَيْهِمْ إلَّا أَنْ تَبْلُغَ حِصَّةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ نِصَابًا ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ لَمْ يَسْرِقْ نِصَابًا ، فَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ قَطْعٌ ، كَمَا لَوْ انْفَرَدَ بِدُونِ النِّصَابِ .\rوَهَذَا الْقَوْلُ أَحَبُّ إلَيَّ ؛ لِأَنَّ الْقَطْعَ هَاهُنَا لَا نَصَّ فِيهِ ، وَلَا هُوَ فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ وَالْمُجْمَعِ عَلَيْهِ ، فَلَا يَجِبُ ، وَالِاحْتِيَاطُ بِإِسْقَاطِهِ أَوْلَى مِنْ الِاحْتِيَاطِ بِإِيجَابِهِ ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا يُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِأَنَّ النِّصَابَ أَحَدُ شَرْطَيْ الْقَطْعِ ، فَإِذَا اشْتَرَكَ الْجَمَاعَةُ فِيهِ كَانُوا كَالْوَاحِدِ ، قِيَاسًا عَلَى هَتْكِ الْحِرْزِ ؛ وَلِأَنَّ سَرِقَةَ النِّصَابِ فِعْلٌ يُوجِبُ الْقَطْعَ ، فَاسْتَوَى فِيهِ الْوَاحِدُ وَالْجَمَاعَةُ ، كَالْقِصَاصِ ، وَلَمْ يُفَرِّقْ أَصْحَابُنَا بَيْنَ كَوْنِ الْمَسْرُوقِ ثَقِيلًا يَشْتَرِكُ الْجَمَاعَةُ فِي حَمْلِهِ ، وَبَيْنَ أَنْ يُخْرِجَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُ جُزْءًا ، وَنَصَّ أَحْمَدُ عَلَى هَذَا .\rوَقَالَ مَالِكٌ : إنْ انْفَرَدَ كُلُّ وَاحِدٍ بِجُزْءٍ مِنْهُ ، لَمْ يُقْطَعْ وَاحِدٌ مِنْهُمْ ، كَمَا لَوْ انْفَرَدَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ قَاطِعِي الْيَدِ بِقَطْعِ جُزْءٍ مِنْهَا ، لَمْ يَجِبْ الْقِصَاصُ .\rوَلَنَا أَنَّهُمْ اشْتَرَكُوا فِي هَتْكِ الْحِرْزِ ، وَإِخْرَاجِ النِّصَابِ ، فَلَزِمَهُمْ الْقَطْعُ ، كَمَا لَوْ كَانَ ثَقِيلًا فَحَمَلُوهُ ، وَفَارَقَ الْقِصَاصَ ، فَإِنَّهُ تُعْتَمَدُ الْمُمَاثَلَةُ ، وَلَا تُوجَدُ الْمُمَاثَلَةُ إلَّا أَنْ تُوجَدَ أَفْعَالُهُمْ فِي جَمِيعِ أَجْزَاءِ الْيَدِ ، وَفِي مَسْأَلَتِنَا الْقَصْدُ الزَّجْرُ مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ مُمَاثَلَةٍ ، وَالْحَاجَةُ إلَى الزَّجْرِ عَنْ إخْرَاجِ الْمَالِ ، وَسَوَاءٌ دَخَلَا الْحِرْزَ مَعًا ، أَوْ دَخَلَ أَحَدُهُمَا فَأَخْرَجَ بَعْضَ النِّصَابِ ، ثُمَّ دَخَلَ الْآخَرُ فَأَخْرَجَ بَاقِيَهُ ؛ لِأَنَّهُمَا اشْتَرَكَا فِي هَتْكِ الْحِرْزِ","part":20,"page":279},{"id":9779,"text":"وَإِخْرَاجِ النِّصَابِ ، فَلَزِمَهُمَا الْقَطْعُ ، كَمَا لَوْ حَمَلَاهُ مَعًا .","part":20,"page":280},{"id":9780,"text":"( 7315 ) فَصْلٌ : فَإِنْ كَانَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ مِمَّنْ لَا قَطْعَ عَلَيْهِ ، كَأَبِي الْمَسْرُوقِ مِنْهُ ، قُطِعَ شَرِيكُهُ ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ ، كَمَا لَوْ شَارَكَهُ فِي قَطْعِ يَدِ ابْنِهِ .\rوَالثَّانِي : لَا يُقْطَعُ .\rوَهُوَ أَصَحُّ ؛ لِأَنَّ سَرِقَتَهُمَا جَمِيعًا صَارَتْ عِلَّةً لِقَطْعِهِمَا ، وَسَرِقَةُ الْأَبِ لَا تَصْلُحُ مُوجِبَةً لِلْقَطْعِ ؛ لِأَنَّهُ أَخَذَ مَا لَهُ أَخْذُهُ ، بِخِلَافِ قَطْعِ يَدِ ابْنِهِ ، فَإِنَّ الْفِعْلَ تَمَحَّضَ عُدْوَانًا ، وَإِنَّمَا سَقَطَ الْقِصَاصُ لِفَضِيلَةِ الْأَبِ ، لَا لِمَعْنًى فِي فِعْلِهِ ، وَهَا هُنَا فِعْلُهُ قَدْ تَمَكَّنَتْ الشُّبْهَةُ مِنْهُ فَوَجَبَ أَنْ لَا يَجِبَ الْقَطْعُ بِهِ ، كَاشْتِرَاكِ الْعَامِدِ وَالْخَاطِئِ .\rوَإِنْ أَخْرَجَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصَابًا ، وَجَبَ الْقَطْعُ عَلَى شَرِيكِ الْأَبِ ؛ لِأَنَّهُ انْفَرَدَ بِمَا يُوجِبُ الْقَطْعَ .\rوَإِنْ أَخْرَجَ الْأَبُ نِصَابًا ، وَشَرِيكُهُ دُونَ النِّصَابِ ، فَفِيهِ الْوَجْهَانِ .\rوَإِنْ اعْتَرَفَ اثْنَانِ بِسَرِقَةِ نِصَابٍ ، ثُمَّ رَجَعَ أَحَدُهُمَا ، فَالْقَطْعُ عَلَى الْآخَرِ ؛ لِأَنَّهُ اخْتَصَّ بِالْإِسْقَاطِ فَيَخْتَصُّ بِالسُّقُوطِ .\rوَيُحْتَمَلُ أَنْ يَسْقُطَ عَنْ شَرِيكِهِ ؛ لِأَنَّ السَّبَبَ السَّرِقَةُ مِنْهُمَا ، وَقَدْ اخْتَلَّ أَحَدُ جُزْأَيْهَا .\rوَكَذَلِكَ لَوْ أَقَرَّ بِمُشَارَكَةِ آخَرَ فِي سَرِقَةِ نِصَابٍ ، وَلَمْ يُقِرَّ الْآخَرُ فَفِي الْقَطْعِ وَجْهَانِ .","part":20,"page":281},{"id":9781,"text":"( 7316 ) فَصْلٌ : قَالَ أَحْمَدُ ، فِي رَجُلَيْنِ دَخَلَا دَارًا ، أَحَدُهُمَا فِي سُفْلِهَا جَمَعَ الْمَتَاعَ وَشَدَّهُ بِحَبْلٍ ، وَالْآخَرُ فِي عُلُوِّهَا مَدَّ الْحَبْلَ فَرَمَى بِهِ وَرَاءُ الدَّارِ ، فَالْقَطْعُ عَلَيْهِمَا ؛ لِأَنَّهُمَا اشْتَرَكَا فِي إخْرَاجِهِ .\rوَإِنْ دَخَلَا جَمِيعًا ، فَأَخْرَجَ أَحَدُهُمَا الْمَتَاعَ وَحْدَهُ ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا : الْقَطْعُ عَلَيْهِمَا .\rوَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَصَاحِبَاهُ ، إذَا أَخْرَجَ نِصَابَيْنِ .\rوَقَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ : الْقَطْعُ عَلَى الْمُخْرِجِ وَحْدَهُ ؛ لِأَنَّهُ هُوَ السَّارِقُ .\rوَإِنْ أَخْرَجَ أَحَدُهُمَا دُونَ النِّصَابِ ، وَالْآخَرُ أَكْثَرَ مِنْ نِصَابٍ فَتَمَّا نِصَابَيْنِ ، فَعِنْدَ أَصْحَابِنَا وَأَبِي حَنِيفَةَ وَصَاحِبَيْهِ : يَجِبُ الْقَطْعُ عَلَيْهِمَا .\rوَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَمُوَافِقِيهِ : لَا قَطْعَ عَلَى مَنْ لَمْ يُخْرِجْ نِصَابًا .\rوَإِنْ أَخْرَجَ أَحَدُهُمَا نِصَابًا ، وَالْآخَرُ دُونَ النِّصَابِ ، فَعِنْدَ أَصْحَابِنَا عَلَيْهِمَا الْقَطْعُ .\rوَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ : الْقَطْعُ عَلَى مُخْرِجِ النِّصَابِ وَحْدَهُ .\rوَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ : لَا قَطْعَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا ؛ لِأَنَّ الْمُخْرَجَ لَمْ يَبْلُغْ نُصُبًا بِعَدَدِ السَّارِقِينَ .\rوَقَدْ ذَكَرْنَا وَجْهَ مَا قُلْنَا فِيمَا تَقَدَّمَ .","part":20,"page":282},{"id":9782,"text":"وَإِنْ نَقَبَا حِرْزًا ، وَدَخَلَ أَحَدُهُمَا ، فَقَرَّبَ الْمَتَاعَ مِنْ النَّقْبِ ، وَأَدْخَلَ الْخَارِجُ يَدَهُ فَأَخْرَجَهُ ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا : قِيَاسُ قَوْلِ أَحْمَدَ ، أَنَّ الْقَطْعَ عَلَيْهِمَا .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : الْقَطْعُ عَلَى الْخَارِجِ ؛ لِأَنَّهُ مُخْرِجُ الْمَتَاعِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا قَطْعَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا .\rوَلَنَا أَنَّهُمَا اشْتَرَكَا فِي هَتْكِ الْحِرْزِ ، وَإِخْرَاجِ الْمَتَاعِ ، فَلَزِمَهُمَا الْقَطْعُ ، كَمَا لَوْ حَمَلَاهُ مَعًا فَأَخْرَجَاهُ .\rوَإِنْ وَضَعَهُ فِي النَّقْبِ ، فَمَدَّ الْآخَرُ يَدَهُ فَأَخَذَهُ ، فَالْقَطْعُ عَلَيْهِمَا .\rوَنُقِلَ عَنْ الشَّافِعِيِّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ قَوْلَانِ ، كَالْمَذْهَبَيْنِ فِي الصُّورَةِ الَّتِي قَبْلَهَا .","part":20,"page":283},{"id":9783,"text":"( 7317 ) فَصْلٌ : وَإِنْ نَقَبَ أَحَدُهُمَا وَحْدَهُ ، وَدَخَلَ الْآخَرُ وَحْدَهُ ، فَأَخْرَجَ الْمَتَاعَ ، فَلَا قَطْعَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ لَمْ يَسْرِقْ ، وَالثَّانِي لَمْ يَهْتِكْ الْحِرْزِ ، وَإِنَّمَا سَرَقَ مِنْ حِرْزٍ هَتَكَهُ غَيْرُهُ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ نَقَبَ رَجُلٌ وَانْصَرَفَ ، وَجَاءَ آخَرُ فَصَادَفَ الْحِرْزَ مَهْتُوكًا فَسَرَقَ مِنْهُ .\rوَإِنْ نَقَبَ رَجُلٌ ، وَأَمَرَ غَيْرَهُ فَأَخْرَجَ الْمَتَاعَ ، فَلَا قَطْعَ أَيْضًا عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا .\rوَإِنْ كَانَ الْمَأْمُورُ صَبِيًّا مُمَيِّزًا ؛ لِأَنَّ الْمُمَيِّزَ لَهُ اخْتِيَارٌ فَلَا يَكُونُ آلَةً لِلْآمِرِ ، كَمَا لَوْ أَمَرَهُ بِقَتْلِ إنْسَانٍ فَقَتَلَهُ ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُمَيِّزٍ ، وَجَبَ الْقَطْعُ عَلَى الْآمِرِ ؛ لِأَنَّهُ آلَتُهُ .\rوَإِنْ اشْتَرَكَ رَجُلَانِ فِي النَّقْبِ ، وَدَخَلَ أَحَدُهُمَا فَأَخْرَجَ الْمَتَاعَ وَحْدَهُ ، أَوْ أَخَذَهُ وَنَاوَلَهُ لِلْآخَرِ خَارِجًا مِنْ الْحِرْزِ ، أَوْ رَمَى بِهِ إلَى خَارِجِ الْحِرْزِ ، فَأَخَذَهُ الْآخَرُ ، فَالْقَطْعُ عَلَى الدَّاخِلِ وَحْدَهُ ؛ لِأَنَّهُ مُخْرِجُ الْمَتَاعِ وَحْدَهُ مَعَ الْمُشَارَكَةِ فِي النَّقْبِ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا قَطْعَ عَلَيْهِمَا ؛ لِأَنَّ الدَّاخِلَ لَمْ يَنْفَصِلْ عَنْ الْحِرْزِ وَيَدُهُ عَلَى السَّرِقَةِ ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ الْقَطْعُ ، كَمَا لَوْ أَتْلَفَهُ دَاخِلَ الْحِرْزِ وَلَنَا أَنَّ الْمَسْرُوقَ خَرَجَ مِنْ الْحِرْزِ وَيَدُهُ عَلَيْهِ ، فَوَجَبَ عَلَيْهِ الْقَطْعُ ، كَمَا لَوْ خَرَجَ بِهِ ، وَيُخَالِفُ إذَا أَتْلَفَهُ ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يُخْرِجْهُ مِنْ الْحِرْزِ .","part":20,"page":284},{"id":9784,"text":"( 7318 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَلَا يُقْطَعُ وَإِنْ اعْتَرَفَ أَوْ قَامَتْ بَيِّنَةٌ ، حَتَّى يَأْتِيَ مَالِكُ الْمَسْرُوقِ يَدَّعِيهِ ) وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : يُقْطَعُ ، وَلَا يُفْتَقَرُ إلَى دَعْوَى وَلَا مُطَالَبَةٍ .\rوَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ ؛ لِعُمُومِ الْآيَةِ ؛ وَلِأَنَّ مُوجِبَ الْقَطْعِ ثَبَتَ ، فَوَجَبَ مِنْ غَيْرِ مُطَالَبَةٍ ، كَحَدِّ الزِّنَا .\rوَلَنَا أَنَّ الْمَالَ يُبَاحُ بِالْبَذْلِ وَالْإِبَاحَةِ ، فَيُحْتَمَلُ أَنَّ مَالِكَهُ أَبَاحَهُ إيَّاهُ ، أَوْ وَقَفَهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ ، أَوْ عَلَى طَائِفَةٍ السَّارِقُ مِنْهُمْ ، أَوْ أَذِنَ لَهُ فِي دُخُولِ حِرْزِهِ ، فَاعْتُبِرَتْ الْمُطَالَبَةُ لِتَزُولَ هَذِهِ الشُّبْهَةُ ، وَعَلَى هَذَا يَخْرُجُ الزِّنَا ، فَإِنَّهُ لَا يُبَاحُ بِالْإِبَاحَةِ ؛ وَلِأَنَّ الْقَطْعَ أَوْسَعُ فِي الْإِسْقَاطِ ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ إذَا سَرَقَ مَالَ أَبِيهِ لَمْ يُقْطَعْ ، وَلَوْ زَنَى بِجَارِيَتِهِ حُدَّ ؟ وَلِأَنَّ الْقَطْعَ شُرِعَ لِصِيَانَةِ مَالِ الْآدَمِيِّ ، فَلَهُ بِهِ تَعَلُّقٌ ، فَلَمْ يُسْتَوْفَ مِنْ غَيْرِ حُضُورِ مُطَالِبٍ بِهِ ، وَالزِّنَا حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى مَحْضٌ ، فَلَمْ يَفْتَقِرْ إلَى طَلَبٍ بِهِ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّ وَكِيلَ الْمَالِكِ يَقُومُ مَقَامَهُ فِي الطَّلَبِ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : إذَا أَقَرَّ بِسَرِقَةِ مَالٍ غَائِبٍ ، حُبِسَ حَتَّى يَحْضُرَ الْغَائِبُ ؛ لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَدْ أَبَاحَهُ ، وَلَوْ أَقَرَّ بِحَقٍّ مُطْلَقٍ لِغَائِبٍ لَمْ يُحْبَسْ ؛ لِأَنَّهُ لَا حَقَّ عَلَيْهِ لِغَيْرِ الْغَائِبِ ، وَلَمْ يَأْمُرْ بِحَبْسِهِ ، فَلَمْ يُحْبَسْ ، وَفِي مَسْأَلَتِنَا تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى ، وَحَقُّ الْآدَمِيِّ ، فَحُبِسَ ؛ لِمَا عَلَيْهِ مِنْ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى ، فَإِنْ كَانَتْ الْعَيْنُ فِي يَدِهِ ، أَخَذَهَا الْحَاكِمُ ، وَحَفِظَهَا لِلْغَائِبِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي يَدِهِ شَيْءٌ ، فَإِذَا جَاءَ الْغَائِبُ كَانَ الْخَصْمَ فِيهَا .","part":20,"page":285},{"id":9785,"text":"( 7319 ) فَصْلٌ : وَلَوْ أَقَرَّ بِسَرِقَةٍ مِنْ رَجُلٍ ، فَقَالَ الْمَالِكُ : لَمْ تَسْرِقْ مِنِّي ، وَلَكِنْ غَصَبْتنِي .\rأَوْ كَانَ لِي قِبَلَك وَدِيعَةٌ فَجَحَدْتنِي .\rلَمْ يُقْطَعْ ؛ لِأَنَّ إقْرَارَهُ لَمْ يُوَافِقْ دَعْوَى الْمُدَّعِي .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَإِنْ أَقَرَّ أَنَّهُ سَرَقَ نِصَابًا مِنْ رَجُلَيْنِ ، فَصَدَّقَهُ أَحَدُهُمَا دُونَ الْآخَرِ ، أَوْ قَالَ الْآخَرُ : بَلْ غَصَبْتنِيهِ أَوْ جَحَدْتنِيهِ ، لَمْ يُقْطَعْ .\rوَبِهِ قَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ : إذَا قَالَ الْآخَرُ : غَصَبْتنِيهِ أَوْ جَحَدْتنِيهِ .\rقُطِعَ .\rوَلَنَا أَنَّهُ لَمْ يُوَافِقْ عَلَى سَرِقَةِ نِصَابٍ ، فَلَمْ يُقْطَعْ ، كَاَلَّتِي قَبْلَهَا ، وَإِنْ وَافَقَاهُ جَمِيعًا ، قُطِعَ .\rوَإِنْ حَضَرَ أَحَدُهُمَا ، فَطَالَبَ ، وَلَمْ يَحْضُرْ الْآخَرُ ، لَمْ يُقْطَعْ ؛ لِأَنَّ مَا حَصَلَتْ الْمُطَالَبَةُ بِهِ لَا يُوجِبُ الْقَطْعَ بِمُفْرَدِهِ .\rوَإِنْ أَقَرَّ أَنَّهُ سَرَقَ مِنْ رَجُلٍ شَيْئًا ، فَقَالَ الرَّجُلُ : قَدْ فَقَدْتُهُ مِنْ مَالِي .\rفَيَنْبَغِي أَنْ يُقْطَعَ ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَعْلَبَةَ الْأَنْصَارِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ ، أَنَّ عَمْرَو بْنَ سَمُرَةَ بْنِ حَبِيبٍ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ { ، جَاءَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنِّي سَرَقْت جَمَلًا لِبَنِي فُلَانٍ فَطَهِّرْنِي .\rفَأَرْسَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَيْهِمْ ، فَقَالُوا : إنَّا افْتَقَدْنَا جَمَلًا لَنَا .\rفَأَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُطِعَتْ يَدُهُ .\rقَالَ ثَعْلَبَةُ : أَنَا أَنْظُرُ إلَيْهِ حِينَ وَقَعَتْ يَدُهُ ، وَهُوَ يَقُولُ : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي طَهَّرَنِي مِنْك ، أَرَدْت أَنْ تُدْخِلِي جَسَدِي النَّارَ } .\rأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ .","part":20,"page":286},{"id":9786,"text":"( 7320 ) فَصْلٌ : وَمَنْ ثَبَتَتْ سَرِقَتُهُ بِبَيِّنَةٍ عَادِلَةٍ ، فَأَنْكَرَ ، لَمْ يُلْتَفَتْ إلَى إنْكَارِهِ .\rوَإِنْ قَالَ : أَحْلِفُوهُ لِي أَنِّي سَرَقْت مِنْهُ .\rلَمْ يُحْلَفْ ؛ لِأَنَّ السَّرِقَةَ قَدْ ثَبَتَتْ بِالْبَيِّنَةِ ، وَفِي إحْلَافِهِ عَلَيْهَا قَدْحٌ فِي الشَّهَادَةِ .\rوَإِنْ قَالَ : الَّذِي أَخَذْتُهُ مِلْكٌ لِي ، كَانَ لِي عِنْدَهُ وَدِيعَةً ، أَوْ رَهْنًا ، أَوْ ابْتَعْتُهُ مِنْهُ ، أَوْ وَهَبَهُ لِي ، أَوْ أَذِنَ لِي فِي أَخْذِهِ ، أَوْ غَصَبَهُ مِنِّي ، أَوْ مِنْ أَبِي ، أَوْ بَعْضُهُ لِي .\rفَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَسْرُوقِ مِنْهُ مَعَ يَمِينِهِ ؛ لِأَنَّ الْيَدَ ثَبَتَتْ لَهُ ، فَإِنْ حَلَفَ سَقَطَتْ دَعْوَى السَّارِقِ ، وَلَا قَطْعَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ مَا قَالَ ، وَلِهَذَا أَحْلَفْنَا الْمَسْرُوقَ مِنْهُ ، وَإِنْ نَكَلَ ، قَضَيْنَا عَلَيْهِ بِنُكُولِهِ .\rوَهَذِهِ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ ، وَهُوَ مَنْصُوصُ الشَّافِعِيِّ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى ، أَنَّهُ يُقْطَعُ ؛ لِأَنَّ سُقُوطَ الْقَطْعِ بِدَعْوَاهُ يُؤَدِّي إلَى أَنْ لَا يَجِبَ قَطْعُ سَارِقٍ ، فَتَفُوتَ مَصْلَحَةُ الزَّجْرِ .\rوَعَنْهُ رِوَايَةٌ ثَالِثَةٌ ، أَنَّهُ إنْ كَانَ مَعْرُوفًا بِالسَّرِقَةِ قُطِعَ ؛ لِأَنَّهُ يُعْلَمُ كَذِبُهُ ، وَإِلَّا سَقَطَ عَنْهُ الْقَطْعُ .\rوَالْأَوَّلُ أَوْلَى ؛ لِأَنَّ الْحُدُودَ تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ ، وَإِفْضَاؤُهُ إلَى سُقُوطِ الْقَطْعِ لَا يَمْتَنِعُ اعْتِبَارُهُ ، كَمَا أَنَّ الشَّرْعَ اعْتَبَرَ فِي شَهَادَةِ الزِّنَا شُرُوطًا لَا يَقَعُ مَعَهَا إقَامَةُ حَدٍّ بِبَيِّنَةٍ أَبَدًا ، عَلَى أَنَّهُ لَا يُفْضِي إلَيْهِ لَازِمًا ، فَإِنَّ الْغَالِبَ مِنْ السُّرَّاقِ أَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ هَذَا ، وَلَا يَهْتَدُونَ إلَيْهِ ، وَإِنَّمَا يَخْتَصُّ بِعِلْمِ هَذَا الْفُقَهَاءُ الَّذِينَ لَا يَسْرِقُونَ غَالِبًا .\rوَإِنْ لَمْ يَحْلِفْ الْمَسْرُوقُ مِنْهُ ، قُضِيَ عَلَيْهِ ، وَسَقَطَ الْحَدُّ ، وَجْهًا وَاحِدًا .","part":20,"page":287},{"id":9787,"text":"كِتَابُ قُطَّاعِ الطَّرِيقِ الْأَصْلُ فِي حُكْمِهِمْ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { إنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنْ الْأَرْضِ } .\rوَهَذِهِ الْآيَةُ فِي قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَكَثِيرٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ ، نَزَلَتْ فِي قُطَّاعِ الطَّرِيقِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ .\rوَبِهِ يَقُولُ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَحُكِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ : نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي الْمُرْتَدِّينَ .\rوَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ الْحَسَنِ ، وَعَطَاءٍ ، وَعَبْدِ الْكَرِيمِ ؛ لِأَنَّ سَبَبَ نُزُولِهَا قِصَّةُ الْعُرَنِيِّينَ ، وَكَانُوا ارْتَدُّوا عَنْ الْإِسْلَامِ ، وَقَتَلُوا الرُّعَاةَ ، فَاسْتَاقُوا إبِلَ الصَّدَقَةِ ، فَبَعَثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ جَاءَ بِهِمْ ، فَقَطَعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ ، وَسَمَلَ أَعْيُنَهُمْ ، وَأَلْقَاهُمْ فِي الْحَرَّةِ حَتَّى مَاتُوا .\rقَالَ أَنَسٌ : فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي ذَلِكَ : { إنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ } الْآيَةَ .\rأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد ، وَالنَّسَائِيُّ .\rوَلِأَنَّ مُحَارَبَةَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إنَّمَا تَكُونُ مِنْ الْكُفَّارِ لَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ .\rوَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { إلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ } .\rوَالْكُفَّارُ تُقْبَلُ تَوْبَتُهُمْ بَعْدَ الْقُدْرَةِ ، كَمَا تُقْبَلُ قَبْلَهَا ، وَيَسْقُطُ عَنْهُمْ الْقَتْلُ وَالْقَطْعُ فِي كُلِّ حَالٍ ، وَالْمُحَارَبَةُ قَدْ تَكُونُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ؛ بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنْ الرِّبَا إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ .\r} ( 7321 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَالْمُحَارِبُونَ الَّذِينَ يَعْرِضُونَ لِلْقَوْمِ بِالسِّلَاحِ فِي الصَّحْرَاءِ ، فَيَغْصِبُونَهُمْ الْمَالَ مُجَاهَرَةً ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْمُحَارِبِينَ الَّذِينَ تَثْبُتُ لَهُمْ أَحْكَامُ","part":20,"page":288},{"id":9788,"text":"الْمُحَارَبَةِ الَّتِي نَذْكُرُهَا بَعْدُ ، تُعْتَبَرُ لَهُمْ شُرُوطٌ ثَلَاثَةٌ ؛ أَحَدُهَا : أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي الصَّحْرَاءِ ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مِنْهُمْ فِي الْقُرَى وَالْأَمْصَارِ ، فَقَدْ تَوَقَّفَ أَحْمَدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِيهِمْ وَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ أَنَّهُمْ غَيْرُ مُحَارِبِينَ .\rوَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ يُسَمَّى حَدَّ قُطَّاعِ الطَّرِيقِ ، وَقَطْعُ الطَّرِيقِ إنَّمَا هُوَ فِي الصَّحْرَاءِ ؛ وَلِأَنَّ مَنْ فِي الْمِصْرِ يَلْحَقُ بِهِ الْغَوْثُ غَالِبًا ، فَتَذْهَبُ شَوْكَةُ الْمُعْتَدِينَ ، وَيَكُونُونَ مُخْتَلِسِينَ ، وَالْمُخْتَلِسُ لَيْسَ بِقَاطِعٍ ، وَلَا حَدَّ عَلَيْهِ .\rوَقَالَ كَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِنَا : هُوَ قَاطِعٌ حَيْثُ كَانَ .\rوَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ ، وَاللَّيْثُ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو يُوسُفَ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ؛ لِتَنَاوُلِ الْآيَةِ بِعُمُومِهَا كُلَّ مُحَارِبٍ ؛ وَلِأَنَّ ذَلِكَ إذَا وُجِدَ فِي الْمِصْرِ كَانَ أَعْظَمَ خَوْفًا ، وَأَكْثَرَ ضَرَرًا ، فَكَانَ بِذَلِكَ أَوْلَى .\rوَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّ هَذَا إنْ كَانَ فِي الْمِصْرِ ، مِثْلَ أَنْ كَبَسُوا دَارًا ، فَكَانَ أَهْلُ الدَّارِ بِحَيْثُ لَوْ صَاحُوا أَدْرَكَهُمْ الْغَوْثُ ، فَلَيْسَ هَؤُلَاءِ بِقُطَّاعِ طَرِيقٍ ؛ لِأَنَّهُمْ فِي مَوْضِعٍ يَلْحَقُهُمْ الْغَوْثُ عَادَةً ، وَإِنْ حَصَرُوا قَرْيَةً أَوْ بَلَدًا فَفَتَحُوهُ وَغَلَبُوا عَلَى أَهْلِهِ ، أَوْ مَحَلَّةً مُنْفَرِدَةً ، بِحَيْثُ لَا يُدْرِكُهُمْ الْغَوْثُ عَادَةً ، فَهُمْ مُحَارِبُونَ ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَلْحَقُهُمْ الْغَوْثُ ، فَأَشْبَهَ قُطَّاعَ الطَّرِيقِ فِي الصَّحْرَاءِ .\rالشَّرْطُ الثَّانِي : أَنْ يَكُونَ مَعَهُمْ سِلَاحٌ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ سِلَاحٌ ، فَهُمْ غَيْرُ مُحَارِبِينَ ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَمْنَعُونَ مَنْ يَقْصِدُهُمْ .\rوَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا .\rفَإِنْ عَرَضُوا بِالْعِصِيِّ وَالْحِجَارَةِ ، فَهُمْ مُحَارِبُونَ .\rوَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَيْسُوا مُحَارِبِينَ ؛ لِأَنَّهُ لَا سِلَاحَ مَعَهُمْ .\rوَلَنَا أَنَّ ذَلِكَ مِنْ جُمْلَةِ السِّلَاحِ الَّذِي يَأْتِي عَلَى","part":20,"page":289},{"id":9789,"text":"النَّفْسِ وَالطَّرَفِ ، فَأَشْبَهَ الْحَدِيدَ .\rالشَّرْطُ الثَّالِثُ : أَنْ يَأْتُوا مُجَاهَرَةً ، وَيَأْخُذُوا الْمَالَ قَهْرًا فَأَمَّا إنْ أَخَذُوهُ مُخْتَفِينَ ، فَهُمْ سُرَّاقٌ ، وَإِنْ اخْتَطَفُوهُ وَهَرَبُوا فَهُمْ مُنْتَهِبُونَ ، لَا قَطْعَ عَلَيْهِمْ .\rوَكَذَلِكَ إنْ خَرَجَ الْوَاحِدُ وَالِاثْنَانِ عَلَى آخِرِ قَافِلَةٍ ، فَاسْتَلَبُوا مِنْهَا شَيْئًا ، فَلَيْسُوا بِمُحَارِبِينَ ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ إلَى مَنَعَةٍ وَقُوَّةٍ .\rوَإِنْ خَرَجُوا عَلَى عَدَدٍ يَسِيرٍ فَقَهَرُوهُمْ ، فَهُمْ قُطَّاعُ طَرِيقٍ .","part":20,"page":290},{"id":9790,"text":"( 7322 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( فَمَنْ قَتَلَ مِنْهُمْ وَأَخَذَ الْمَالَ ، قُتِلَ وَإِنْ عَفَا صَاحِبُ الْمَالِ ، وَصُلِبَ حَتَّى يُشْتَهَرَ ، وَدُفِعَ إلَى أَهْلِهِ ، وَمَنْ قَتَلَ مِنْهُمْ ، وَلَمْ يَأْخُذْ الْمَالَ ، قُتِلَ ، وَلَمْ يُصْلَبْ ، وَإِنْ أَخَذَ الْمَالَ وَلَمْ يَقْتُلْ ، قُطِعَتْ يَدُهُ الْيُمْنَى وَرِجْلُهُ الْيُسْرَى ، فِي مَقَامٍ وَاحِدٍ ، ثُمَّ حُسِمَتَا وَخُلِّيَ ) رَوَيْنَا نَحْوَ هَذَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ .\rوَبِهِ قَالَ قَتَادَةُ ، وَأَبُو مِجْلَزٍ ، وَحَمَّادٌ ، وَاللَّيْثُ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَعَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّهُ إذَا قَتَلَ وَأَخَذَ الْمَالَ ، قُتِلَ وَقُطِعَ ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْ الْجِنَايَتَيْنِ تُوجِبُ حَدًّا مُنْفَرِدًا ، فَإِذَا اجْتَمَعَا ، وَجَبَ حَدُّهُمَا مَعًا ، كَمَا لَوْ زَنَى ، وَسَرَقَ .\rوَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ إلَى أَنَّ الْإِمَامَ مُخَيَّرٌ فِيهِمْ بَيْنَ الْقَتْلِ وَالصَّلْبِ ، وَالْقَطْعِ وَالنَّفْيِ ؛ لِأَنَّ \" أَوْ \" تَقْتَضِي التَّخْيِيرَ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : { فَكَفَّارَتُهُ إطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ } .\rوَهَذَا قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، وَعَطَاءٍ ، وَمُجَاهِدٍ ، وَالْحَسَنِ ، وَالضَّحَّاكِ ، وَالنَّخَعِيِّ ، وَأَبِي الزِّنَادِ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَدَاوُد .\rوَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ : مَا كَانَ فِي الْقُرْآنِ \" أَوْ \" فَصَاحِبُهُ بِالْخِيَارِ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ : إنْ قَتَلَ قُتِلَ ، وَإِنْ أَخَذَ الْمَالَ قُطِعَ ، وَإِنْ قَتَلَ وَأَخَذَ الْمَالَ ، فَالْإِمَامُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ قَتْلِهِ وَصَلْبِهِ ، وَبَيْنَ قَتْلِهِ وَقَطْعِهِ ، وَبَيْنَ أَنْ يَجْمَعَ لَهُ ذَلِكَ كُلَّهُ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ وُجِدَ مِنْهُ مَا يُوجِبُ الْقَتْلَ وَالْقَطْعَ ، فَكَانَ لِلْإِمَامِ فِعْلُهُمَا ، كَمَا لَوْ قَتَلَ وَقَطَعَ فِي غَيْرِ قَطْعِ طَرِيقٍ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : إذَا قَطَعَ الطَّرِيقَ ، فَرَآهُ الْإِمَامُ جَلْدًا ذَا رَأْيٍ ، قَتَلَهُ ، وَإِنْ كَانَ جَلْدًا لَا رَأْيَ لَهُ ، قَطَعَهُ ، وَلَمْ يَعْتَبِرْ فِعْلَهُ .\rوَلَنَا عَلَى أَنَّهُ لَا يُقْتَلُ إذَا لَمْ يَقْتُلْ ، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ","part":20,"page":291},{"id":9791,"text":"عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ ؛ كُفْرٍ بَعْدَ إيمَانٍ ، أَوْ زِنًا بَعْدَ إحْصَانٍ ، أَوْ قَتْلِ نَفْسٍ بِغَيْرِ حَقٍّ .\r} فَأَمَّا \" أَوْ \" فَقَدْ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ مِثْلَ قَوْلِنَا ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ تَوْقِيفًا ، أَوْ لُغَةً ، وَأَيُّهُمَا كَانَ ، فَهُوَ حُجَّةٌ ، يَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّهُ بَدَأَ بِالْأَغْلَظِ فَالْأَغْلَظِ ، وَعُرْفُ الْقُرْآنِ فِيمَا أُرِيدَ بِهِ التَّخْيِيرُ الْبِدَايَةُ بِالْأَخَفِّ ، كَكَفَّارَةِ الْيَمِينِ ، وَمَا أُرِيدَ بِهِ التَّرْتِيبُ بُدِئَ فِيهِ بِالْأَغْلَظِ فَالْأَغْلَظِ ، كَكَفَّارَةِ الظِّهَارِ وَالْقَتْلِ ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَيْضًا ، أَنَّ الْعُقُوبَاتِ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَجْرَامِ ، وَلِذَلِكَ اخْتَلَفَ حُكْمُ الزَّانِي وَالْقَاذِفِ وَالسَّارِقِ ، وَقَدْ سَوَّوْا بَيْنَهُمْ مَعَ اخْتِلَافِ جِنَايَاتِهِمْ ، وَهَذَا يَرُدُّ عَلَى مَالِكٍ ، فَإِنَّهُ إنَّمَا اعْتَبَرَ الْجَلْدَ وَالرَّأْيَ دُونَ الْجِنَايَاتِ ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِلْأُصُولِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا .\rوَأَمَّا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ : فَلَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ الْقَتْلَ لَوْ وَجَبَ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى ، لَمْ يُخَيَّرْ الْإِمَامُ فِيهِ ، كَقَطْعِ السَّارِقِ ، وَكَمَا لَوْ انْفَرَدَ بِأَخْذِ الْمَالِ ؛ وَلِأَنَّ الْحُدُودَ لِلَّهِ تَعَالَى إذَا كَانَ فِيهَا قَتْلٌ ، سَقَطَ مَا دُونَهُ ، كَمَا لَوْ سَرَقَ وَزَنَى وَهُوَ مُحْصَنٌ .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : { وَادَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبَا بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيَّ ، فَجَاءَ نَاسٌ يُرِيدُونَ الْإِسْلَامَ ، فَقَطَعَ عَلَيْهِمْ أَصْحَابُهُ ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِالْحَدِّ فِيهِمْ ، أَنَّ مَنْ قَتَلَ وَأَخَذَ الْمَالَ قُتِلَ وَصُلِبَ ، وَمَنْ قَتَلَ وَلَمْ يَأْخُذْ الْمَالَ ، قُتِلَ ، وَمَنْ أَخَذَ الْمَالَ وَلَمْ يَقْتُلْ ، قُطِعَتْ يَدُهُ وَرِجْلُهُ مِنْ خِلَافٍ } .\rوَقِيلَ : إنَّهُ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَهَذَا كَالْمُسْنَدِ ، وَهُوَ نَصٌّ .\rفَإِذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّ قَاطِعَ الطَّرِيقِ لَا يَخْلُو مِنْ أَحْوَالٍ خَمْسٍ الْأُولَى : إذَا قَتَلَ وَأَخَذَ الْمَالَ ، فَإِنَّهُ يُقْتَلُ","part":20,"page":292},{"id":9792,"text":"وَيُصْلَبُ ، فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ ، وَقَتْلُهُ مُتَحَتِّمٌ لَا يَدْخُلُهُ عَفْوٌ .\rأَجْمَعَ عَلَى هَذَا كُلُّ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعَ عَلَى هَذَا كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ .\rوَبِهِ قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَلِأَنَّهُ حَدٌّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى ، فَلَمْ يَسْقُطْ بِالْعَفْوِ ، كَسَائِرِ الْحُدُودِ .\rوَهَلْ يُعْتَبَرُ التَّكَافُؤُ بَيْنَ الْقَاتِلِ وَالْمَقْتُولِ ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا : لَا يُعْتَبَرُ ، بَلْ يُؤْخَذُ الْحُرُّ بِالْعَبْدِ ، وَالْمُسْلِمُ بِالذِّمِّيِّ ، وَالْأَبُ بِالِابْنِ ؛ لِأَنَّ هَذَا الْقَتْلَ حَدٌّ لِلَّهِ تَعَالَى ، فَلَا تُعْتَبَرُ فِيهِ الْمُكَافَأَةُ ، كَالزِّنَا وَالسَّرِقَةِ .\rوَالثَّانِيَةُ : تُعْتَبَرُ الْمُكَافَأَةُ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ } .\rوَالْحَدُّ فِيهِ انْحِتَامُهُ ؛ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ تَابَ قَبْلَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ ، سَقَطَ الِانْحِتَامُ ، وَلَمْ يَسْقُطْ الْقِصَاصُ .\rفَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ ، إذَا قَتَلَ الْمُسْلِمُ ذِمِّيًّا ، أَوْ الْحُرُّ عَبْدًا ، أَوْ أَخَذَ مَالَهُ ، قُطِعَتْ يَدُهُ وَرِجْلُهُ مِنْ خِلَافٍ ، لِأَخْذِهِ الْمَالَ ، وَغَرِمَ دِيَةَ الذِّمِّيِّ وَقِيمَةَ الْعَبْدِ ، وَإِنْ قَتَلَهُ وَلَمْ يَأْخُذْ مَالًا غَرِمَ دِيَتَهُ وَنُفِيَ .\rوَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّهُ إنَّمَا يَتَحَتَّمُ قَتْلُهُ إذَا قَتَلَهُ لِيَأْخُذَ الْمَالَ ، وَإِنْ قَتَلَهُ لِغَيْرِ ذَلِكَ ، مِثْلَ أَنْ يَقْصِدَ قَتْلَهُ لِعَدَاوَةٍ بَيْنَهُمَا ، فَالْوَاجِبُ قِصَاصٌ غَيْرُ مُتَحَتِّمٍ ، وَإِذَا قَتَلَ صُلِبَ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { أَوْ يُصَلَّبُوا } .\rوَالْكَلَامُ فِيهِ فِي ثَلَاثَةِ أُمُورٍ ؛ أَحَدُهَا : فِي وَقْتِهِ ، وَوَقْتُهُ بَعْدَ الْقَتْلِ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَاللَّيْثُ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَبُو يُوسُفَ : يُصْلَبُ حَيًّا ، ثُمَّ يُقْتَلُ مَصْلُوبًا ، يُطْعَنُ بِالْحَرْبَةِ ؛ لِأَنَّ الصَّلْبَ عُقُوبَةٌ ،","part":20,"page":293},{"id":9793,"text":"وَإِنَّمَا يُعَاقَبُ الْحَيُّ لَا الْمَيِّتُ ؛ وَلِأَنَّهُ جَزَاءٌ عَلَى الْمُحَارَبَةِ ، فَيُشْرَعُ فِي الْحَيَاةِ كَسَائِرِ الْأَجْزِيَةِ ؛ وَلِأَنَّ الصَّلْبَ بَعْدَ قَتْلِهِ يَمْنَعُ تَكْفِينَهُ وَدَفْنَهُ ، فَلَا يَجُوزُ .\rوَلَنَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدَّمَ الْقَتْلَ عَلَى الصَّلْبِ لَفْظًا ، وَالتَّرْتِيبُ بَيْنَهُمَا ثَابِتٌ بِغَيْرِ خِلَافٍ ، فَيَجِبُ تَقْدِيمُ الْأَوَّلِ فِي اللَّفْظِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : { إنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ } وَلِأَنَّ الْقَتْلَ إذَا أُطْلِقَ فِي لِسَانِ الشَّرْعِ ، كَانَ قَتْلًا بِالسَّيْفِ .\rوَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : إنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقَتْلَ } .\rوَأَحْسَنُ الْقَتْلِ هُوَ الْقَتْلُ بِالسَّيْفِ ، وَفِي صَلْبِهِ حَيًّا تَعْذِيبٌ لَهُ ، وَقَدْ نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ تَعْذِيبِ الْحَيَوَانِ .\rوَقَوْلُهُمْ : إنَّهُ جَزَاءٌ عَلَى الْمُحَارَبَةِ .\rقُلْنَا : لَوْ شُرِعَ لِرَدْعِهِ ، لَسَقَطَ بِقَتْلِهِ ، كَمَا يَسْقُطُ سَائِرُ الْحُدُودِ مَعَ الْقَتْلِ وَإِنَّمَا شُرِعَ الصَّلْبُ رَدْعًا لِغَيْرِهِ ، لِيَشْتَهِرَ أَمْرُهُ ، وَهَذَا يَحْصُلُ بِصَلْبِهِ بَعْدَ قَتْلِهِ .\rوَقَوْلُهُمْ : يَمْنَعُ تَكْفِينَهُ وَدَفْنَهُ .\rقُلْنَا : هَذَا لَازِمٌ لَهُمْ ؛ لِأَنَّهُمْ يَتْرُكُونَهُ بَعْدَ قَتْلِهِ مَصْلُوبًا .\rالثَّانِي : فِي قَدْرِهِ وَلَا تَوْقِيتَ فِيهِ ، إلَّا قَدْرَ مَا يَشْتَهِرُ أَمْرُهُ .\rقَالَ أَبُو بَكْرٍ : لَمْ يُوَقِّتْ أَحْمَدُ فِي الصَّلْبِ ، فَأَقُولُ : يُصْلَبُ قَدْرَ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الِاسْمُ .\rوَالصَّحِيحُ تَوْقِيتُهُ بِمَا ذَكَرَ الْخِرَقِيِّ مِنْ الشُّهْرَةِ ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ يَحْصُلُ بِهِ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يُصْلَبُ ثَلَاثًا .\rوَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ .\rوَهَذَا تَوْقِيتٌ بِغَيْرِ تَوْقِيفٍ ، فَلَا يَجُوزُ ، مَعَ أَنَّهُ فِي الظَّاهِرِ يُفْضِي إلَى تَغَيُّرِهِ ، وَنَتِنِهِ ، وَأَذَى الْمُسْلِمِينَ بِرَائِحَتِهِ وَنَظَرِهِ ، وَيَمْنَعُ تَغْسِيلَهُ وَتَكْفِينَهُ وَدَفْنَهُ ، فَلَا يَجُوزُ بِغَيْرِ دَلِيلٍ .\rالثَّالِثُ : فِي وُجُوبِهِ ،","part":20,"page":294},{"id":9794,"text":"وَهَذَا وَاجِبٌ حَتْمٌ فِي حَقِّ مَنْ قَتَلَ وَأَخَذَ الْمَالَ ، لَا يَسْقُطُ بِعَفْوٍ وَلَا غَيْرِهِ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ : إنْ شَاءَ الْإِمَامُ صَلَبَ ، وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَصْلُبْ .\rوَلَنَا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّ جِبْرِيلَ نَزَلَ بِأَنَّ مَنْ قَتَلَ وَأَخَذَ الْمَالَ صُلِبَ .\rوَلِأَنَّهُ شُرِعَ حَدًّا ، فَلَمْ يَتَخَيَّرْ بَيْنَ فِعْلِهِ وَتَرْكِهِ ، كَالْقَتْلِ وَسَائِرِ الْحُدُودِ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّهُ إذَا اُشْتُهِرَ أُنْزِلَ ، وَدُفِعَ إلَى أَهْلِهِ ، فَيُغَسَّلُ ، وَيُكَفَّنُ ، وَيُصَلَّى عَلَيْهِ ، وَيُدْفَنُ .\r( 7323 ) \" فَصْلٌ : وَإِنْ مَاتَ قَبْلَ قَتْلِهِ ، لَمْ يُصْلَبْ ؛ لِأَنَّ الصَّلْبَ مِنْ تَمَامِ الْحَدِّ ، وَقَدْ فَاتَ الْحَدُّ بِمَوْتِهِ ، فَيَسْقُطُ مَا هُوَ مِنْ تَتِمَّتِهِ .\rوَإِنْ قَتَلَ فِي الْمُحَارَبَةِ بِمُثَقَّلٍ قُتِلَ ، كَمَا لَوْ قَتَلَ بِمُحَدَّدِ لِأَنَّهُمَا سَوَاءٌ فِي وُجُوبِ الْقِصَاصِ بِهِمَا .\rوَإِنْ قَتَلَ بِآلَةٍ لَا يَجِبُ الْقِصَاصُ بِالْقَتْلِ بِهَا ، كَالسَّوْطِ وَالْعَصَا وَالْحَجَرِ الصَّغِيرِ ، فَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ ، أَنَّهُمْ يُقْتَلُونَ أَيْضًا ؛ لِأَنَّهُمْ دَخَلُوا فِي الْعُمُومِ .","part":20,"page":295},{"id":9795,"text":"الْحَالُ الثَّانِي : قَتَلُوا وَلَمْ يَأْخُذُوا الْمَالَ فَإِنَّهُمْ يُقْتَلُونَ وَلَا يُصْلَبُونَ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى ، أَنَّهُمْ يُصْلَبُونَ ؛ لِأَنَّهُمْ مُحَارِبُونَ يَجِبُ قَتْلُهُمْ ، فَيُصْلَبُونَ ، كَاَلَّذِينَ أَخَذُوا الْمَالَ .\rوَالْأُولَى أَصَحُّ ؛ لِأَنَّ الْخَبَرَ الْمَرْوِيَّ فِيهِمْ قَالَ فِيهِ : وَمَنْ قَتَلَ وَلَمْ يَأْخُذْ الْمَالَ ، قُتِلَ \" .\rوَلَمْ يَذْكُرْ صَلْبًا ؛ وَلِأَنَّ جِنَايَتَهُمْ بِأَخْذِ الْمَالِ مَعَ الْقَتْلِ تَزِيدُ عَلَى الْجِنَايَةِ بِالْقَتْلِ وَحْدَهُ ، فَيَجِبُ أَنْ تَكُونَ عُقُوبَتُهُمْ أَغْلَظَ ، وَلَوْ شُرِعَ الصَّلْبُ هَاهُنَا لَاسْتَوَيَا ، وَالْحُكْمُ فِي تَحَتُّمِ الْقَتْلِ وَكَوْنِهِ حَدًّا هَاهُنَا ، كَالْحُكْمِ فِيهِ إذَا قَتَلَ وَأَخَذَ الْمَالَ .\r( 7324 ) فَصْلٌ : وَإِذَا جَرَحَ الْمُحَارِبُ جُرْحًا فِي مِثْلِهِ الْقِصَاصُ ، فَهَلْ يَتَحَتَّمُ فِيهِ الْقِصَاصُ ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ ؛ إحْدَاهُمَا : لَا يَتَحَتَّمُ ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ لَمْ يَرِدْ بِشَرْعِ الْحَدِّ فِي حَقِّهِ بِالْجِرَاحِ ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذَكَرَ فِي حُدُودِ الْمُحَارِبِينَ الْقَتْلَ وَالصَّلْبَ وَالْقَطْعَ وَالنَّفْيَ ، فَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِالْمُحَارَبَةِ غَيْرُهَا فَلَا يَتَحَتَّمُ ، بِخِلَافِ الْقَتْلِ ، فَإِنَّهُ حَدٌّ ، فَتَحَتَّمَ ، كَسَائِرِ الْحُدُودِ ، فَحِينَئِذٍ لَا يَجِبُ فِيهِ أَكْثَرُ مِنْ الْقِصَاصِ .\rوَالثَّانِيَةُ : يَتَحَتَّمُ ؛ لِأَنَّ الْجِرَاحَ تَابِعَةٌ لِلْقَتْلِ ، فَيَثْبُتُ فِيهَا مِثْلُ حُكْمِهِ ؛ وَلِأَنَّهُ نَوْعُ قَوَدٍ ، أَشْبَهَ الْقَوَدَ فِي النَّفْسِ .\rوَالْأُولَى أَوْلَى .\rوَإِنْ جَرَحَهُ جُرْحًا لَا قِصَاصَ فِيهِ ، كَالْجَائِفَةِ ، فَلَيْسَ فِيهِ إلَّا الدِّيَةُ .\rوَإِنْ جَرَحَ إنْسَانًا وَقَتَلَ آخَرَ ، اُقْتُصَّ مِنْهُ لِلْجِرَاحِ ، وَقُتِلَ لِلْمُحَارَبَةِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : تَسْقُطُ الْجِرَاحُ ؛ لِأَنَّ الْحُدُودَ إذَا اجْتَمَعَتْ وَفِيهَا قَتْلٌ ، سَقَطَ مَا سِوَى الْقَتْلِ .\rوَلَنَا أَنَّهَا جِنَايَةٌ يَجِبُ بِهَا الْقِصَاصُ فِي غَيْرِ الْمُحَارَبَةِ ، فَيَجِبُ بِهَا فِي الْمُحَارَبَةِ ، كَالْقَتْلِ ، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْقِصَاصَ فِي الْجِرَاحِ حَدٌّ ، وَإِنَّمَا هُوَ","part":20,"page":296},{"id":9796,"text":"قِصَاصٌ مُتَمَحِّضٌ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَ الْجُرْحُ فِي غَيْرِ الْمُحَارَبَةِ ، وَإِنْ سَلَّمْنَا أَنَّهُ حَدٌّ ، فَإِنَّهُ مَشْرُوعٌ مَعَ الْقَتْلِ ، فَلَمْ يَسْقُطْ بِهِ ، كَالصَّلْبِ ، وَكَقَطْعِ الْيَدِ وَالرِّجْلِ عِنْدَهُمْ .","part":20,"page":297},{"id":9797,"text":"الْحَالُ الثَّالِثُ : أَخَذَ الْمَالَ وَلَمْ يَقْتُلْ ، فَإِنَّهُ تُقْطَعُ يَدُهُ الْيُمْنَى وَرِجْلُهُ الْيُسْرَى ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ : { مِنْ خِلَافٍ } .\rوَإِنَّمَا قَطَعْنَا يَدَهُ الْيُمْنَى لِلْمَعْنَى الَّذِي قَطَعْنَا بِهِ يُمْنَى السَّارِقِ ، ثُمَّ قَطَعْنَا رِجْلَهُ الْيُسْرَى لِتَتَحَقَّقَ الْمُخَالَفَةُ ، وَلِيَكُونَ أَرْفَقَ بِهِ فِي إمْكَانِ مَشْيِهِ .\rوَلَا يُنْتَظَرُ انْدِمَالُ الْيَدِ فِي قَطْعِ الرِّجْلِ ، بَلْ يُقْطَعَانِ مَعًا ، يُبْدَأُ بِيَمِينِهِ فَتُقْطَعُ وَتُحْسَمُ ، ثُمَّ بِرِجْلِهِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى بَدَأَ بِذِكْرِ الْأَيْدِي .\rوَلَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ ، فِي أَنَّهُ لَا يُقْطَعُ مِنْهُ غَيْرُ يَدٍ وَرِجْلٍ ، إذَا كَانَتْ يَدَاهُ وَرِجْلَاهُ صَحِيحَتَيْنِ ، فَأَمَّا إنْ كَانَ مَعْدُومَ الْيَدِ وَالرِّجْلِ ، إمَّا لِكَوْنِهِ قَدْ قُطِعَ فِي قَطْعِ طَرِيقٍ أَوْ سَرِقَةٍ أَوْ قِصَاصٍ ، أَوْ لِمَرَضٍ ، فَمُقْتَضَى كَلَامِ الْخِرَقِيِّ سُقُوطُ الْقَطْعِ عَنْهُ ، سَوَاءٌ كَانَتْ الْيَدَ الْيُمْنَى وَالرِّجْلَ الْيُسْرَى أَوْ بِالْعَكْسِ ؛ لِأَنَّ قَطْعَ زِيَادَةٍ عَلَى ذَلِكَ يَذْهَبُ بِمَنْفَعَةِ الْجِنْسِ ، إمَّا مَنْفَعَةُ الْبَطْشِ أَوْ الْمَشْيِ أَوْ كِلَيْهِمَا .\rوَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ .\rوَعَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي تَسْتَوْفِي أَعْضَاءَ السَّارِقِ الْأَرْبَعَةَ ، يُقْطَعُ مَا بَقِيَ مِنْ أَعْضَائِهِ ، فَإِنْ كَانَتْ يَدُهُ الْيُمْنَى مَقْطُوعَةً ، قُطِعَتْ رِجْلُهُ الْيُسْرَى وَحْدَهَا ، وَلَوْ كَانَتْ يَدَاهُ صَحِيحَتَيْنِ ، وَرِجْلُهُ الْيُسْرَى مَقْطُوعَةً ، قُطِعَتْ يُمْنَى يَدَيْهِ ، وَلَمْ يُقْطَعْ غَيْرُ ذَلِكَ .\rوَجْهًا وَاحِدًا .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rوَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا ؛ لِأَنَّهُ وُجِدَ فِي مَحَلِّ الْحَدِّ مَا يُسْتَوْفَى ، فَاكْتُفِيَ بِاسْتِيفَائِهِ ، كَمَا لَوْ كَانَتْ الْيَدُ نَاقِصَةً ، بِخِلَافِ الَّتِي قَبْلَهَا .\rوَإِنْ كَانَ مَا وَجَبَ قَطْعُهُ أَشَلَّ ، فَذَكَرَ أَهْلُ الطِّبِّ أَنَّ قَطْعَهُ يُفْضِي إلَى تَلَفِهِ ، لَمْ يُقْطَعْ ، وَكَانَ حُكْمُهُ حُكْمَ الْمَعْدُومِ .\rوَإِنْ قَالُوا : لَا يُفْضِي إلَى تَلَفِهِ .\rفَفِي قَطْعِهِ رِوَايَتَانِ .","part":20,"page":298},{"id":9798,"text":"ذَكَرْنَاهُمَا فِي قَطْعِ السَّارِقِ .\rالْحَالُ الرَّابِعُ ، إذَا أَخَافُوا السَّبِيلَ ، وَلَمْ يَقْتُلُوا ، وَلَمْ يَأْخُذُوا مَالًا .\rالْحَالُ الْخَامِسُ ، إذَا تَابُوا قَبْلَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِمْ .\rوَيَأْتِي ذِكْرُ حُكْمِهِمَا ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .","part":20,"page":299},{"id":9799,"text":"( 7325 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَلَا يُقْطَعُ مِنْهُمْ إلَّا مَنْ أَخَذَ مَا يُقْطَعُ السَّارِقُ فِي مِثْلِهِ ) وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَابْنُ الْمُنْذِرِ وَقَالَ مَالِكٌ ، وَأَبُو ثَوْرٍ : لِلْإِمَامِ أَنْ يَحْكُمَ عَلَيْهِ حُكْمَ الْمُحَارِبِ ؛ لِأَنَّهُ مُحَارِبٌ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ ، سَاعٍ فِي الْأَرْضِ بِالْفَسَادِ ، فَيَدْخُلُ فِي عُمُومِ الْآيَةِ ؛ وَلِأَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ الْحِرْزُ ، فَكَذَلِكَ النِّصَابُ .\rوَلَنَا قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا قَطْعَ إلَّا فِي رُبْعِ دِينَارٍ } .\rوَلَمْ يُفَصِّلْ ؛ وَلِأَنَّ هَذِهِ جِنَايَةٌ تَعَلَّقَتْ بِهَا عُقُوبَةٌ فِي حَقِّ غَيْرِ الْمُحَارِبِ ، فَلَا تَتَغَلَّظُ فِي الْمُحَارِبِ بِأَكْثَرَ مِنْ وَجْهٍ وَاحِدٍ ، كَالْقَتْلِ يَغْلُظُ بِالِانْحِتَامِ ، كَذَلِكَ هَاهُنَا تَتَغَلَّظُ بِقَطْعِ الرِّجْلِ مَعَهَا ، وَلَا تَتَغَلَّظُ بِمَا دُونَ النِّصَابِ .\rوَأَمَّا الْحِرْزُ فَهُوَ مُعْتَبَرٌ ، فَإِنَّهُمْ لَوْ أَخَذُوا مَالًا مُضَيَّعًا لَا حَافِظَ لَهُ ، لَمْ يَجِبْ الْقَطْعُ .\rوَإِنْ أَخَذُوا مَا يَبْلُغُ نِصَابًا وَلَا تَبْلُغُ حِصَّةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ نِصَابًا ، قُطِعُوا ، عَلَى قِيَاسِ قَوْلِنَا فِي السَّرِقَةِ .\rوَقِيَاسُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ ، أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْقَطْعُ حَتَّى تَبْلُغَ حِصَّةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ نِصَابًا .\rوَيُشْتَرَطُ أَيْضًا أَنْ لَا تَكُونَ لَهُمْ شُبْهَةٌ فِيمَا يَأْخُذُونَهُ مِنْ الْمَالِ ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي الْمَسْرُوقِ .","part":20,"page":300},{"id":9800,"text":"( 7326 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَنَفْيُهُمْ أَنْ يُشَرَّدُوا ، فَلَا يُتْرَكُوا يَأْوُونَ فِي بَلَدٍ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْمُحَارِبِينَ إذَا أَخَافُوا السَّبِيلَ ، وَلَمْ يَقْتُلُوا ، وَلَمْ يَأْخُذُوا مَالًا ، فَإِنَّهُمْ يُنْفَوْنَ مِنْ الْأَرْضِ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { أَوْ يُنْفَوْا مِنْ الْأَرْضِ } وَيُرْوَى عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّ النَّفْيَ يَكُونُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ ، وَهُوَ قَوْلُ النَّخَعِيِّ ، وَقَتَادَةَ ، وَعَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ .\rوَالنَّفْيُ هُوَ تَشْرِيدُهُمْ عَنْ الْأَمْصَارِ وَالْبُلْدَانِ ، فَلَا يُتْرَكُونَ يَأْوُونَ بَلَدًا .\rوَيُرْوَى نَحْوُ هَذَا عَنْ الْحَسَنِ وَالزُّهْرِيِّ .\rوَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّهُ يُنْفَى مِنْ بَلَدِهِ إلَى بَلَدٍ غَيْرِهِ ، كَنَفْيِ الزَّانِي .\rوَبِهِ قَالَ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rقَالَ أَبُو الزِّنَادِ : كَانَ مَنْفَى النَّاسِ إلَى بَاضِعَ ، مِنْ أَرْضِ الْحَبَشَةِ ، وَذَلِكَ أَقْصَى تِهَامَةِ الْيَمَنِ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : يُحْبَسُ فِي الْبَلَدِ الَّذِي يُنْفَى إلَيْهِ ، كَقَوْلِهِ فِي الزَّانِي .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : نَفْيُهُ حَبْسُهُ حَتَّى يُحْدِثَ تَوْبَةً .\rوَنَحْوُ هَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي هَذِهِ الْحَالِ : يُعَزِّرُهُمْ الْإِمَامُ ، وَإِنْ رَأَى أَنْ يَحْبِسَهُمْ حَبَسَهُمْ .\rوَقِيلَ عَنْهُ : النَّفْيُ طَلَبُ الْإِمَامِ لَهُمْ لِيُقِيمَ فِيهِمْ حُدُودَ اللَّهِ تَعَالَى .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ .\rوَقَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ : يَحْبِسُهُمْ فِي غَيْرِ بَلَدِهِمْ .\rوَهَذَا مِثْلُ قَوْلِ مَالِكٍ .\rوَهَذَا أَوْلَى ؛ لِأَنَّ تَشْرِيدَهُمْ إخْرَاجٌ لَهُمْ إلَى مَكَان يَقْطَعُونَ فِيهِ الطَّرِيقَ ، وَيُؤْذُونَ بِهِ النَّاسَ ، فَكَانَ حَبْسُهُمْ أَوْلَى .\rوَحَكَى أَبُو الْخَطَّابِ عَنْ أَحْمَدَ ، رِوَايَةً أُخْرَى ، مَعْنَاهَا أَنَّ نَفْيَهُمْ طَلَبُ الْإِمَامِ لَهُمْ ، فَإِذَا ظَفِرَ بِهِمْ عَزَّرَهُمْ بِمَا يَرْدَعُهُمْ .\rوَلَنَا ظَاهِرُ الْآيَةِ ، فَإِنَّ النَّفْيَ الطَّرْدُ وَالْإِبْعَادُ ، وَالْحَبْسُ إمْسَاكٌ ، وَهُمَا يَتَنَافَيَانِ .\rفَأَمَّا نَفْيُهُمْ إلَى غَيْرِ مَكَان مُعَيَّنٍ ، فَلِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ : { أَوْ يُنْفَوْا مِنْ الْأَرْضِ }","part":20,"page":301},{"id":9801,"text":".\rوَهَذَا يَتَنَاوَلُ نَفْيَهُ مِنْ جَمِيعِهَا .\rوَمَا ذَكَرُوهُ يَبْطُلُ بِنَفْيِ الزَّانِي ، فَإِنَّهُ يُنْفَى إلَى مَكَان يُحْتَمَلُ أَنْ يُوجَدَ مِنْهُ الزِّنَا فِيهِ .\rوَلَمْ يَذْكُرْ أَصْحَابُنَا قَدْرَ مُدَّةِ نَفْيِهِمْ ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ تَتَقَدَّرَ مُدَّتُهُ بِمَا تَظْهَرُ فِيهِ تَوْبَتُهُمْ ، وَتَحْسُنُ سِيرَتُهُمْ .\rوَيُحْتَمَلُ أَنْ يُنْفَوْا عَامًا ، كَنَفْيِ الزَّانِي .","part":20,"page":302},{"id":9802,"text":"( 7327 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( فَإِنْ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْدَرَ عَلَيْهِمْ ، سَقَطَتْ عَنْهُمْ حُدُودُ اللَّهِ تَعَالَى ، وَأُخِذُوا بِحُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ ؛ مِنْ الْأَنْفُسِ ، وَالْجِرَاحِ ، وَالْأَمْوَالِ ، إلَّا أَنْ يُعْفَى لَهُمْ عَنْهَا ) لَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rوَبِهِ قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ وَأَبُو ثَوْرٍ .\rوَالْأَصْلُ فِي هَذَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { إلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } .\rفَعَلَى هَذَا يَسْقُطُ عَنْهُمْ تَحَتُّمُ الْقَتْلِ وَالصَّلْبِ ، وَالْقَطْعِ وَالنَّفْيِ ، وَيَبْقَى عَلَيْهِمْ الْقِصَاصُ فِي النَّفْسِ وَالْجِرَاحِ ، وَغَرَامَةُ الْمَالِ وَالدِّيَةُ لِمَا لَا قِصَاصَ فِيهِ .\rفَأَمَّا إنْ تَابَ بَعْدَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ ، لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ شَيْءٌ مِنْ الْحُدُودِ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { إلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ } .\rفَأَوْجَبَ عَلَيْهِمْ الْحَدَّ ، ثُمَّ اسْتَثْنَى التَّائِبِينَ قَبْلَ الْقُدْرَةِ ، فَمَنْ عَدَاهُمْ يَبْقَى عَلَى قَضِيَّةِ الْعُمُومِ ؛ وَلِأَنَّهُ إذَا تَابَ قَبْلَ الْقُدْرَةِ ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهَا تَوْبَةُ إخْلَاصٍ ، وَبَعْدَهَا الظَّاهِرُ أَنَّهَا تَقِيَّةٌ مِنْ إقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ ؛ وَلِأَنَّ فِي قَبُولِ تَوْبَتِهِ ، وَإِسْقَاطِ الْحَدِّ عَنْهُ قَبْلَ الْقُدْرَةِ ، تَرْغِيبًا فِي تَوْبَتِهِ ، وَالرُّجُوعِ عَنْ مُحَارَبَتِهِ وَإِفْسَادِهِ ، فَنَاسَبَ ذَلِكَ الْإِسْقَاطُ عَنْهُ ، وَأَمَّا بَعْدَهَا فَلَا حَاجَةَ إلَى تَرْغِيبِهِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ عَجَزَ عَنْ الْفَسَادِ وَالْمُحَارَبَةِ .","part":20,"page":303},{"id":9803,"text":"( 7328 ) فَصْلٌ : وَإِنْ فَعَلَ الْمُحَارِبُ مَا يُوجِبُ حَدًّا لَا يَخْتَصُّ الْمُحَارَبَةَ ؛ كَالزِّنَا ، وَالْقَذْفِ ، وَشُرْبِ الْخَمْرِ ، وَالسَّرِقَةِ ، فَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّهَا تَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ ؛ لِأَنَّهَا حُدُودٌ لِلَّهِ تَعَالَى ، فَسَقَطَتْ بِالتَّوْبَةِ ، كَحَدِّ الْمُحَارَبَةِ ، إلَّا حَدَّ الْقَذْفِ ، فَإِنَّهُ لَا يَسْقُطُ ؛ لِأَنَّهُ حَقُّ آدَمِيٍّ ؛ وَلِأَنَّ فِي إسْقَاطِهَا تَرْغِيبًا فِي التَّوْبَةِ .\rوَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا تَسْقُطَ ؛ لِأَنَّهَا لَا تَخْتَصُّ الْمُحَارَبَةَ ، فَكَانَتْ فِي حَقِّهِ كَهِيَ فِي حَقِّ غَيْرِهِ .\rوَإِنْ أَتَى حَدًّا قَبْلَ الْمُحَارَبَةِ ، ثُمَّ حَارَبَ وَتَابَ قَبْلَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ لَمْ يَسْقُطْ الْحَدُّ الْأَوَّلُ ؛ لِأَنَّ التَّوْبَةَ إنَّمَا يَسْقُطُ بِهَا الذَّنْبُ الَّذِي تَابَ مِنْهُ دُونَ غَيْرِهِ .","part":20,"page":304},{"id":9804,"text":"( 7329 ) فَصْلٌ : وَإِنْ تَابَ مَنْ عَلَيْهِ حَدٌّ مِنْ غَيْرِ الْمُحَارِبِينَ ، وَأَصْلَحَ ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا : يَسْقُطُ عَنْهُ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَاَللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا } .\rوَذَكَرَ حَدَّ السَّارِقِ ، ثُمَّ قَالَ : { فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ } .\rوَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { التَّائِبُ مِنْ الذَّنْبِ ، كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ } .\rوَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ لَا حَدَّ عَلَيْهِ .\rوَقَالَ فِي مَاعِزٍ لَمَّا أُخْبِرَ بِهَرَبِهِ : { هَلَّا تَرَكْتُمُوهُ ، يَتُوبُ فَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِ ، } .\rوَلِأَنَّهُ خَالِصُ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى ، فَيَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ ، كَحَدِّ الْمُحَارِبِ .\rوَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ : لَا يَسْقُطُ .\rوَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَأَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ } وَهَذَا عَامٌّ فِي التَّائِبِينَ وَغَيْرِهِمْ .\rوَقَالَ تَعَالَى : { وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا } .\rوَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجَمَ مَاعِزًا وَالْغَامِدِيَّةَ ، وَقَطَعَ الَّذِي أَقَرَّ بِالسَّرِقَةِ ، وَقَدْ جَاءُوا تَائِبِينَ يَطْلُبُونَ التَّطْهِيرَ بِإِقَامَةِ الْحَدِّ ، وَقَدْ سَمَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِعْلَهُمْ تَوْبَةً ، فَقَالَ فِي حَقِّ الْمَرْأَةِ : { لَقَدْ تَابَتْ تَوْبَةً لَوْ قُسِمَتْ عَلَى سَبْعِينَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَوَسِعَتْهُمْ } .\rوَجَاءَ عَمْرُو بْنُ سَمُرَةَ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنِّي سَرَقْت جَمَلًا لِبَنِي فُلَانٍ ، فَطَهِّرْنِي .\rوَقَدْ أَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْحَدَّ عَلَيْهِمْ .\rوَلِأَنَّ الْحَدَّ كَفَّارَةٌ ، فَلَمْ يَسْقُطْ بِالتَّوْبَةِ ، كَكَفَّارَةِ الْيَمِينِ وَالْقَتْلِ ؛ وَلِأَنَّهُ مَقْدُورٌ عَلَيْهِ ، فَلَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ الْحَدُّ بِالتَّوْبَةِ ،","part":20,"page":305},{"id":9805,"text":"كَالْمُحَارِبِ بَعْدَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ .\rفَإِنْ قُلْنَا بِسُقُوطِ الْحَدِّ بِالتَّوْبَةِ ، فَهَلْ يَسْقُطُ بِمُجَرَّدِ التَّوْبَةِ ، أَوْ بِهَا مَعَ إصْلَاحِ الْعَمَلِ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا : يَسْقُطُ بِمُجَرَّدِهَا .\rوَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ أَصْحَابِنَا ؛ لِأَنَّهَا تَوْبَةٌ مُسْقِطَةٌ لِلْحَدِّ ، فَأَشْبَهَتْ تَوْبَةَ الْمُحَارِبِ قَبْلَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ .\rوَالثَّانِي : يُعْتَبَرُ إصْلَاحُ الْعَمَلِ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا } .\rوَقَالَ : { فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ } .\rفَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ ، يُعْتَبَرُ مُضِيُّ مُدَّةٍ يُعْلَمُ بِهَا صِدْقُ تَوْبَتِهِ ، وَصَلَاحُ نِيَّتِهِ ، وَلَيْسَتْ مُقَدَّرَةً بِمُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ .\rوَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ : مُدَّةُ ذَلِكَ سَنَةٌ .\rوَهَذَا تَوْقِيتٌ ، بِغَيْرِ تَوْقِيفٍ ، فَلَا يَجُوزُ .","part":20,"page":306},{"id":9806,"text":"( 7330 ) فَصْلٌ : وَحُكْمُ الرِّدْءِ مِنْ الْقُطَّاعِ حُكْمُ الْمُبَاشِرِ .\rوَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَيْسَ عَلَى الرِّدْءِ إلَّا التَّعْزِيرُ ؛ لِأَنَّ الْحَدَّ يَجِبُ بِارْتِكَابِ الْمَعْصِيَةِ ، فَلَا يَتَعَلَّقُ بِالْمُعِينِ ، كَسَائِرِ الْحُدُودِ .\rوَلَنَا أَنَّهُ حُكْمٌ يَتَعَلَّقُ بِالْمُحَارَبَةِ ، فَاسْتَوَى فِيهِ الرِّدْءُ وَالْمُبَاشِرُ ، كَاسْتِحْقَاقِ الْغَنِيمَةِ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُحَارَبَةَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى حُصُولِ الْمَنَعَةِ وَالْمُعَاضَدَةِ وَالْمُنَاصَرَةِ ، فَلَا يَتَمَكَّنُ الْمُبَاشِرُ مِنْ فِعْلِهِ إلَّا بِقُوَّةِ الرِّدْءِ ، بِخِلَافِ سَائِرِ الْحُدُودِ .\rفَعَلَى هَذَا ، إذَا قَتَلَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ ، ثَبَتَ حُكْمُ الْقَتْلِ فِي حَقِّ جَمِيعِهِمْ ، فَيَجِبُ قَتْلُ جَمِيعِهِمْ .\rوَإِنْ قَتَلَ بَعْضُهُمْ وَأَخَذَ بَعْضُهُمْ الْمَالَ ، جَازَ قَتْلُهُمْ وَصَلْبُهُمْ ، كَمَا لَوْ فَعَلَ الْأَمْرَيْنِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ .","part":20,"page":307},{"id":9807,"text":"( 7331 ) فَصْلٌ : وَإِنْ كَانَ فِيهِمْ صَبِيٌّ ، أَوْ مَجْنُونٌ ، أَوْ ذُو رَحِمٍ مِنْ الْمَقْطُوعِ عَلَيْهِ لَمْ يَسْقُطْ الْحَدُّ عَنْ غَيْرِهِ ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَسْقُطُ الْحَدُّ عَنْ جَمِيعِهِمْ ، وَيَصِيرُ الْقَتْلُ لِلْأَوْلِيَاءِ ، إنْ شَاءُوا قَتَلُوا ، وَإِنْ شَاءُوا عَفَوْا ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْجَمِيعِ وَاحِدٌ ، فَالشُّبْهَةُ فِي فِعْلٍ وَاحِدٍ شُبْهَةٌ فِي حَقِّ الْجَمِيعِ .\rوَلَنَا أَنَّهَا شُبْهَةٌ اخْتَصَّ بِهَا وَاحِدٌ ، فَلَمْ يَسْقُطْ الْحَدُّ عَنْ الْبَاقِينَ ، كَمَا لَوْ اشْتَرَكُوا فِي وَطْءِ امْرَأَةٍ .\rوَمَا ذَكَرُوهُ لَا أَصْلَ لَهُ .\rفَعَلَى هَذَا ، لَا حَدَّ عَلَى الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ وَإِنْ بَاشَرَا الْقَتْلَ وَأَخَذَا الْمَالَ ؛ لِأَنَّهُمَا لَيْسَا مِنْ أَهْلِ الْحُدُودِ ، وَعَلَيْهِمَا ضَمَانُ مَا أَخَذَا مِنْ الْمَالِ فِي أَمْوَالِهِمَا ، وَدِيَةُ قَتِيلِهِمَا عَلَى عَاقِلَتِهِمَا ، وَلَا شَيْءَ عَلَى الرِّدْءِ لَهُمَا ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ لِلْمُبَاشِرِ ، لَمْ يَثْبُتْ لِمَنْ هُوَ تَبَعٌ لَهُ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى .\rوَإِنْ كَانَ الْمُبَاشِرُ غَيْرَهُمَا ، لَمْ يَلْزَمْهُمَا شَيْءٌ ؛ لِأَنَّهُمَا لَمْ يَثْبُتْ فِي حَقِّهِمَا حُكْمُ الْمُحَارَبَةِ ، وَثُبُوتُ الْحُكْمِ فِي حَقِّ الرِّدْءِ ثَبَتَ بِالْمُحَارَبَةِ .","part":20,"page":308},{"id":9808,"text":"( 7332 ) فَصْلٌ : وَإِنْ كَانَ فِيهِمْ امْرَأَةٌ ، ثَبَتَ فِي حَقِّهَا حُكْمُ الْمُحَارَبَةِ ، فَمَتَى قَتَلَتْ وَأَخَذَتْ الْمَالَ ، فَحَدُّهَا حَدُّ قُطَّاعِ الطَّرِيقِ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَجِبُ عَلَيْهَا الْحَدُّ ، وَلَا عَلَى مَنْ مَعَهَا ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ أَهْلِ الْمُحَارَبَةِ ، كَالرَّجُلِ ، فَأَشْبَهَتْ الصَّبِيَّ وَالْمَجْنُونَ .\rوَلَنَا أَنَّهَا تُحَدُّ فِي السَّرِقَةِ ، فَيَلْزَمُهَا حُكْمُ الْمُحَارَبَةِ كَالرَّجُلِ ، وَتُخَالِفُ الصَّبِيَّ وَالْمَجْنُونَ ؛ وَلِأَنَّهَا مُكَلَّفَةٌ يَلْزَمُهَا الْقِصَاصُ وَسَائِرُ الْحُدُودِ ، فَلَزِمَهَا هَذَا الْحَدُّ ، كَالرَّجُلِ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّهَا إنْ بَاشَرَتْ الْقَتْلَ ، أَوْ أَخْذَ الْمَالِ ، ثَبَتَ حُكْمُ الْمُحَارَبَةِ فِي حَقِّ مَنْ مَعَهَا ؛ لِأَنَّهُمْ رِدْءٌ لَهَا .\rوَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ غَيْرُهَا ، ثَبَتَ حُكْمُهُ فِي حَقِّهَا ؛ لِأَنَّهَا رِدْءٌ لَهُ ، كَالرَّجُلِ سَوَاءً .\rوَإِنْ قَطَعَ أَهْلُ الذِّمَّةِ الطَّرِيقَ ، أَوْ كَانَ مَعَ الْمُحَارِبِينَ الْمُسْلِمِينَ ذِمِّيٌّ ، فَهَلْ يُنْتَقَضُ عَهْدُهُمْ بِذَلِكَ ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ ؛ فَإِنْ قُلْنَا : يُنْتَقَضُ عَهْدُهُمْ .\rحَلَّتْ دِمَاؤُهُمْ وَأَمْوَالُهُمْ بِكُلِّ حَالٍ .\rوَإِنْ قُلْنَا : لَا يُنْتَقَضُ عَهْدُهُمْ .\rحَكَمْنَا عَلَيْهِمْ بِمَا نَحْكُمُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ .","part":20,"page":309},{"id":9809,"text":"( 7333 ) فَصْلٌ : وَإِذَا أَخَذَ الْمُحَارِبُونَ الْمَالَ ، وَأُقِيمَتْ فِيهِمْ حُدُودُ اللَّهِ تَعَالَى ، فَإِنْ كَانَتْ الْأَمْوَالُ مَوْجُودَةً ، رُدَّتْ إلَى مَالِكِهَا ، وَإِنْ كَانَتْ تَالِفَةً أَوْ مَعْدُومَةً ، وَجَبَ ضَمَانُهَا عَلَى آخِذِهَا .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rوَمُقْتَضَى قَوْلِ أَصْحَابِ الرَّأْيِ : أَنَّهَا إنْ كَانَتْ تَالِفَةً ، لَمْ يَلْزَمْهَا غَرَامَتُهَا ، كَقَوْلِهِمْ فِي الْمَسْرُوقِ إذَا قُطِعَ السَّارِقُ .\rوَوَجْهُ الْمَذْهَبَيْنِ مَا تَقَدَّمَ فِي السَّرِقَةِ .\rوَيَجِبُ الضَّمَانُ عَلَى الْآخِذِ دُونَ الرِّدْءِ ؛ لِأَنَّ وُجُودَ الضَّمَانِ لَيْسَ بِحَدٍّ ، فَلَا يَتَعَلَّقُ بِغَيْرِ الْمُبَاشِرِ لَهُ ، كَالْغَصْبِ وَالنَّهْبِ ، وَلَوْ تَابَ الْمُحَارِبُونَ قَبْلَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِمْ ، وَتَعَلَّقَتْ بِهِمْ حُقُوقُ الْآدَمِيِّينَ ؛ مِنْ الْقِصَاصِ وَالضَّمَانِ ، لَاخْتَصَّ ذَلِكَ بِالْمُبَاشِرِ دُونَ الرِّدْءِ لِذَلِكَ ، وَلَوْ وَجَبَ الضَّمَانُ فِي السَّرِقَةِ ، لَتَعَلَّقَ بِالْمُبَاشِرِ دُونَ الرِّدْءِ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - .","part":20,"page":310},{"id":9810,"text":"( 7334 ) فَصْلٌ : إذَا اجْتَمَعَتْ الْحُدُودُ ، لَمْ تَخْلُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ ؛ الْقِسَمُ الْأَوَّلُ : أَنْ تَكُونَ خَالِصَةً لِلَّهِ تَعَالَى ، فَهِيَ نَوْعَانِ ؛ أَحَدُهُمَا : أَنْ يَكُونَ فِيهَا قَتْلٌ ، مِثْلَ أَنْ يَسْرِقَ ، وَيَزْنِيَ وَهُوَ مُحْصَنٌ ، وَيَشْرَبَ الْخَمْرَ ، وَيَقْتُلَ فِي الْمُحَارَبَةِ ، فَهَذَا يُقْتَلُ ، وَيَسْقُطُ سَائِرُهَا .\rوَهَذَا قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَعَطَاءٍ ، وَالشَّعْبِيِّ ، وَالنَّخَعِيِّ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَحَمَّادٍ ، وَمَالِكٍ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يُسْتَوْفَى جَمِيعُهَا ؛ لِأَنَّ مَا وَجَبَ مَعَ غَيْرِ الْقَتْلِ ، وَجَبَ مَعَ الْقَتْلِ ، كَقَطْعِ الْيَدِ قِصَاصًا .\rوَلَنَا قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ ، قَالَ سَعِيدٌ حَدَّثَنَا حَسَّانُ بْنُ عَلِيٍّ ، حَدَّثَنَا مُجَالِدٌ ، عَنْ عَامِرٍ ، عَنْ مَسْرُوقٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ، قَالَ : إذَا اجْتَمَعَ حَدَّانِ ، أَحَدُهُمَا الْقَتْلُ ، أَحَاطَ الْقَتْلُ بِذَلِكَ وَقَالَ إبْرَاهِيمُ يَكْفِيهِ الْقَتْلُ .\rوَقَالَ : حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ ، أَخْبَرَنَا حَجَّاجٌ ، عَنْ إبْرَاهِيمَ ، وَالشَّعْبِيِّ ، وَعَطَاءٍ أَنَّهُمْ قَالُوا مِثْلَ ذَلِكَ وَهَذِهِ أَقْوَالٌ انْتَشَرَتْ فِي عَصْرِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ ، وَلَمْ يَظْهَرْ لَهَا مُخَالِفٌ ، فَكَانَتْ إجْمَاعًا ؛ وَلِأَنَّهَا حُدُودٌ لِلَّهِ تَعَالَى فِيهَا قَتْلٌ ، فَسَقَطَ مَا دُونَهُ ، كَالْمُحَارِبِ إذَا قَتَلَ وَأَخَذَ الْمَالَ ، فَإِنَّهُ يُكْتَفَى بِقَتْلِهِ ، وَلَا يُقْطَعُ ؛ وَلِأَنَّ هَذِهِ الْحُدُودَ تُرَادُ لِمُجَرَّدِ الزَّجْرِ ، وَمَعَ الْقَتْلِ لَا حَاجَةَ إلَى زَجْرِهِ ، وَلَا فَائِدَةَ فِيهِ ، فَلَا يُشْرَعْ .\rوَيُفَارِقُ الْقِصَاصَ ؛ فَإِنَّ فِيهِ غَرَضَ التَّشَفِّي وَالِانْتِقَامِ ، وَلَا يُقْصَدُ مِنْهُ مُجَرَّدُ الزَّجْرِ ، إذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِنَّهُ إذَا وُجِدَ مَا يُوجِبُ الرَّجْمَ وَالْقَتْلَ لِلْمُحَارَبَةِ ، أَوْ الْقَتْلَ لِلرِّدَّةِ ، أَوْ لِتَرْكِ الصَّلَاةِ ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُقْتَلَ لِلْمُحَارَبَةِ ، وَيَسْقُطَ الرَّجْمُ ؛ لِأَنَّ فِي الْقَتْلِ لِلْمُحَارَبَةِ حَقَّ آدَمِيٍّ فِي الْقِصَاصِ ، وَإِنَّمَا أَثَّرَتْ الْمُحَارَبَةُ فِي تَحْرِيمِهِ ، وَحَقُّ الْآدَمِيِّ","part":20,"page":311},{"id":9811,"text":"يَجِبُ تَقْدِيمُهُ .\rالنَّوْعُ الثَّانِي : أَنْ لَا يَكُونَ فِيهَا قَتْلٌ ، فَإِنَّ جَمِيعَهَا يُسْتَوْفَى مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ ، وَيُبْدَأُ بِالْأَخَفِّ فَالْأَخَفِّ ، فَإِذَا شَرِبَ وَزَنَى وَسَرَقَ ، حُدَّ لِلشُّرْبِ أَوَّلًا ، ثُمَّ حُدَّ لِلزِّنَا ، ثُمَّ قُطِعَ لِلسَّرِقَةِ .\rوَإِنْ أَخَذَ الْمَالَ فِي الْمُحَارَبَةِ ، قُطِعَ لِذَلِكَ ، وَيَدْخُلُ فِيهِ الْقَطْعُ لِلسَّرِقَةِ ؛ وَلِأَنَّ مَحَلَّ الْقَطْعَيْنِ وَاحِدٌ ، فَتَدَاخَلَا ، كَالْقَتْلَيْنِ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَتَخَيَّرُ بَيْنَ الْبُدَاءَةِ بِحَدِّ الزِّنَا وَقَطْعِ السَّرِقَةِ ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ثَبَتَ بِنَصِّ الْقُرْآنِ ، ثُمَّ يُحَدُّ لِلشُّرْبِ .\rوَلَنَا أَنَّ حَدَّ الشُّرْبِ أَخَفُّ ، فَيُقَدَّمُ ، كَحَدِّ الْقَذْفِ ، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ حَدَّ الشُّرْبِ غَيْرُ مَنْصُوصٍ عَلَيْهِ ، فِي السُّنَّةِ ، وَمُجْمَعٍ عَلَى وُجُوبِهِ ، وَهَذَا التَّقْدِيمُ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِحْبَابِ .\rوَلَوْ بَدَأَ بِغَيْرِهِ ، جَازَ وَوَقَعَ الْمَوْقِعَ .\rوَلَا يُوَالِي بَيْنَ هَذِهِ الْحُدُودِ ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا أَفْضَى إلَى تَلَفِهِ ، بَلْ مَتَى بَرِئَ مِنْ حَدٍّ أُقِيمَ الَّذِي يَلِيهِ .","part":20,"page":312},{"id":9812,"text":"الْقِسْمُ الثَّانِي : الْحُدُودُ الْخَالِصَةُ لِلْآدَمِيِّ ، وَهُوَ الْقِصَاصُ ، وَحَدُّ الْقَذْفِ ، فَهَذِهِ تُسْتَوْفَى كُلُّهَا ، وَيُبْدَأُ بِأَخَفِّهَا ، فَيُحَدُّ لِلْقَذْفِ ، ثُمَّ يُقْطَعُ ، ثُمَّ يُقْتَلُ ؛ لِأَنَّهَا حُقُوقٌ لِلْآدَمِيِّينَ أَمْكَنَ اسْتِيفَاؤُهَا ، فَوَجَبَ ، كَسَائِرِ حُقُوقِهِمْ .\rوَهَذَا قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ وَالشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَدْخُلُ مَا دُونَ الْقَتْلِ فِيهِ ، احْتِجَاجًا بِقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَقِيَاسًا عَلَى الْحُدُودِ الْخَالِصَةِ لِلَّهِ تَعَالَى .\rوَلَنَا أَنَّ مَا دُونَ الْقَتْلِ حَقٌّ لِآدَمِيٍّ ، فَلَمْ يَسْقُطْ بِهِ كَذُنُوبِهِمْ ، وَفَارَقَ حَقَّ اللَّهِ تَعَالَى ، فَإِنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْمُسَامَحَةِ .","part":20,"page":313},{"id":9813,"text":"الْقِسْمُ الثَّالِثُ : أَنْ تَجْتَمِعَ حُدُودُ اللَّهِ وَحُدُودُ الْآدَمِيِّينَ ، وَهَذِهِ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ ؛ أَحَدُهُمَا : أَنْ لَا يَكُونَ فِيهَا قَتْلٌ ، فَهَذِهِ تُسْتَوْفَى كُلُّهَا .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَعَنْ مَالِكٍ أَنَّ حَدَّيْ الشُّرْبِ وَالْقَذْفِ يَتَدَاخَلَانِ ، لِاسْتِوَائِهِمَا ، فَهُمَا كَالْقَتْلَيْنِ وَالْقَطْعَيْنِ .\rوَلَنَا أَنَّهُمَا حَدَّانِ مِنْ جِنْسَيْنِ ، لَا يَفُوتُ بِهِمَا الْمَحَلُّ ، فَلَمْ يَتَدَاخَلَا ، كَحَدِّ الزِّنَا وَالشُّرْبِ ، وَلَا نُسَلِّمُ اسْتِوَاءَهُمَا ، فَإِنَّ حَدَّ الشُّرْبِ أَرْبَعُونَ وَحَدَّ الْقَذْفِ ثَمَانُونَ ، وَإِنْ سُلِّمَ اسْتِوَاؤُهُمَا ، لَمْ يَلْزَمْ تَدَاخُلُهُمَا ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَوْ اقْتَضَى تَدَاخُلَهُمَا ، لَوَجَبَ دُخُولُهُمَا فِي حَدِّ الزِّنَا ؛ لِأَنَّ الْأَقَلَّ مِمَّا يَتَدَاخَلُ يَدْخُلُ فِي الْأَكْثَرِ ، وَفَارَقَ الْقَتْلَيْنِ وَالْقَطْعَيْنِ ؛ لِأَنَّ الْمَحَلَّ يَفُوتُ بِالْأَوَّلِ ، فَيَتَعَذَّرُ اسْتِيفَاءُ الثَّانِي وَهَذَا بِخِلَافِهِ .\rفَعَلَى هَذَا ، يُبْدَأُ بِحَدِّ الْقَذْفِ ؛ لِأَنَّهُ اجْتَمَعَ فِيهِ مَعْنَيَانِ : خِفَّتُهُ ، وَكَوْنُهُ حَقًّا لِآدَمِيٍّ شَحِيحٍ إلَّا إذَا قُلْنَا : حَدُّ الشُّرْبِ أَرْبَعُونَ .\rفَإِنَّهُ يُبْدَأُ بِهِ ؛ لِخِفَّتِهِ ، ثُمَّ بِحَدِّ الْقَذْفِ ، وَأَيُّهُمَا قُدِّمَ ، فَالْآخَرُ يَلِيهِ ، ثُمَّ بِحَدِّ الزِّنَا ؛ فَإِنَّهُ لَا إتْلَافَ فِيهِ ، ثُمَّ بِالْقَطْعِ .\rهَكَذَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي .\rوَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : يُبْدَأُ بِالْقَطْعِ قِصَاصًا ؛ لِأَنَّهُ حَقُّ آدَمِيٍّ مُتَمَحِّضٌ ، فَإِذَا بَرِئَ حُدَّ لِلْقَذْفِ ، إذَا قُلْنَا : هُوَ حَقُّ آدَمِيٍّ ثُمَّ يُحَدُّ لِلشُّرْبِ فَإِذَا بَرِئَ ، حُدَّ لِلزِّنَا ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْآدَمِيِّ يَجِبُ تَقْدِيمُهُ لِتَأَكُّدِهِ .\rالنَّوْعُ الثَّانِي : أَنْ تَجْتَمِعَ حُدُودٌ لِلَّهِ تَعَالَى وَحُدُودٌ لِآدَمِيٍّ ، وَفِيهَا قَتْلٌ فَإِنَّ حُدُودَ اللَّهِ تَعَالَى تَدْخُلُ فِي الْقَتْلِ ، سَوَاءٌ كَانَ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى ، كَالرَّجْمِ فِي الزِّنَا ، وَالْقَتْلِ لِلْمُحَارَبَةِ ، أَوْ الرِّدَّةِ أَوْ لِحَقِّ آدَمِيٍّ ، كَالْقِصَاصِ ؛ لِمَا قَدَّمْنَاهُ .\rوَأَمَّا","part":20,"page":314},{"id":9814,"text":"حُقُوقُ الْآدَمِيِّ ، فَتُسْتَوْفَى كُلُّهَا .\rثُمَّ إنْ كَانَ الْقَتْلُ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى ، اُسْتُوْفِيَتْ الْحُقُوقُ كُلُّهَا مُتَوَالِيَةً ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ فَوَاتِ نَفْسِهِ ، فَلَا فَائِدَةَ فِي التَّأْخِيرِ ، وَإِنْ كَانَ الْقَتْلُ حَقًّا لِآدَمِيٍّ ، اُنْتُظِرَ بِاسْتِيفَائِهِ الثَّانِي بُرْؤُهُ مِنْ الْأَوَّلِ لِوَجْهَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا : أَنَّ الْمُوَالَاةَ بَيْنَهُمَا يُحْتَمَلُ أَنْ تُفَوِّتَ نَفْسَهُ قَبْلَ الْقِصَاصِ ، فَيَفُوتَ حَقُّ الْآدَمِيِّ .\rوَالثَّانِي : أَنَّ الْعَفْوَ جَائِزٌ ، فَتَأْخِيرُهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَعْفُوَ الْوَلِيُّ فَيَحْيَا ، بِخِلَافِ الْقَتْلِ حَقًّا لِلَّهِ سُبْحَانَهُ .\rالنَّوْعُ الثَّالِثُ : أَنْ يَتَّفِقَ الْحَقَّانِ فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ ، وَيَكُونَ تَفْوِيتًا ، كَالْقَتْلِ وَالْقَطْعِ قِصَاصًا وَحَدًّا ؛ فَإِنْ كَانَ فِيهِ مَا هُوَ خَالِصٌ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى ، كَالرَّجْمِ فِي الزِّنَا ، وَمَا هُوَ حَقٌّ لِآدَمِيٍّ ، كَالْقِصَاصِ ، قُدِّمَ الْقِصَاصُ ، لِتَأَكُّدِ حَقِّ الْآدَمِيِّ .\rوَإِنْ اجْتَمَعَ الْقَتْلُ لِلْقَتْلِ فِي الْمُحَارَبَةِ وَالْقِصَاصُ ، بُدِئَ بِأَسْبَقِهِمَا ؛ لِأَنَّ الْقَتْلَ فِي الْمُحَارَبَةِ فِيهِ حَقٌّ لِآدَمِيٍّ أَيْضًا ، فَيُقَدَّمُ أَسْبَقُهُمَا ، فَإِنْ سَبَقَ الْقَتْلُ فِي الْمُحَارَبَةِ ، اُسْتُوْفِيَ ، وَوَجَبَ لِوَلِيِّ الْمَقْتُولِ الْآخَرِ دِيَتُهُ فِي مَالِ الْجَانِي ، وَإِنْ سَبَقَ الْقِصَاصُ ، قُتِلَ قِصَاصًا ، وَلَمْ يُصْلَبْ ؛ لِأَنَّ الصَّلْبَ مِنْ تَمَامِ الْحَدِّ ، وَقَدْ سَقَطَ الْحَدُّ بِالْقِصَاصِ ، فَسَقَطَ الصَّلْبُ ، كَمَا لَوْ مَاتَ وَيَجِبُ لِوَلِيِّ الْمَقْتُولِ فِي الْمُحَارَبَةِ دِيَتُهُ ؛ لِأَنَّ الْقَتْلَ تَعَذَّرَ اسْتِيفَاؤُهُ ، وَهُوَ قِصَاصٌ ، فَصَارَ الْوُجُوبُ إلَى الدِّيَةِ .\rوَهَكَذَا لَوْ مَاتَ الْقَاتِلُ فِي الْمُحَارَبَةِ ، وَجَبَتْ الدِّيَةُ فِي تَرِكَتِهِ ؛ لِتَعَذُّرِ اسْتِيفَاءِ الْقَتْلِ مِنْ الْقَاتِلِ .\rوَلَوْ كَانَ الْقِصَاصُ سَابِقًا ، فَعَفَا وَلِيُّ الْمَقْتُولِ ، اُسْتُوْفِيَ لِلْمُحَارَبَةِ ، سَوَاءٌ عَفَا مُطْلَقًا ، أَوْ إلَى الدِّيَةِ وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rوَأَمَّا الْقَطْعُ : فَإِذَا اجْتَمَعَ وُجُوبُ الْقَطْعِ","part":20,"page":315},{"id":9815,"text":"فِي يَدٍ أَوْ رِجْلٍ قِصَاصًا وَحَدًّا ، قُدِّمَ الْقِصَاصُ عَلَى الْحَدِّ الْمُتَمَحِّضِ لِلَّهِ تَعَالَى ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ ، سَوَاءٌ تَقَدَّمَ سَبَبُهُ أَوْ تَأَخَّرَ .\rوَإِنْ عَفَا وَلِيُّ الْجِنَايَةِ ، اُسْتُوْفِيَ الْحَدُّ ، فَإِذَا قَطَعَ يَدًا وَأَخَذَ الْمَالَ فِي الْمُحَارَبَةِ ، قُطِعَتْ يَدُهُ قِصَاصًا ، وَيُنْتَظَرُ بُرْؤُهُ ، فَإِذَا بَرِئَ قُطِعَتْ رِجْلُهُ لِلْمُحَارَبَةِ ؛ لِأَنَّهُمَا حَدَّانِ .\rوَإِنَّمَا قُدِّمَ الْقِصَاصُ فِي الْقَطْعِ دُونَ الْقَتْلِ ؛ لِأَنَّ الْقَطْعَ فِي الْمُحَارَبَةِ حَدٌّ مَحْضٌ ، وَلَيْسَ بِقِصَاصٍ ، وَالْقَتْلُ فِيهَا يَتَضَمَّنُ الْقِصَاصَ ، وَلِهَذَا لَوْ فَاتَ الْقَتْلُ فِي الْمُحَارَبَةِ ، وَجَبَتْ الدِّيَةُ ، وَلَوْ فَاتَ الْقَطْعُ ، لَمْ يَجِبْ لَهُ بَدَلٌ .\rوَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ يُقَدَّمُ الْقِصَاصُ عَلَى الْقَطْعِ فِي الْمُحَارَبَةِ ، فَقَطَعَ يَدَهُ قِصَاصًا ، فَإِنَّ رِجْلَهُ تُقْطَعُ .\rوَهَلْ تُقْطَعُ يَدُهُ الْأُخْرَى ؟ نَظَرْنَا ؛ فَإِنْ كَانَ الْمَقْطُوعُ بِالْقِصَاصِ قَدْ كَانَ يَسْتَحِقُّ الْقَطْعَ بِالْمُحَارَبَةِ قَبْلَ الْجِنَايَةِ الْمُوجِبَةِ لِلْقِصَاصِ فِيهِ ، لَمْ يُقْطَعْ أَكْثَرُ مِنْ الْعُضْوِ الْبَاقِي مِنْ الْعُضْوَيْنِ اللَّذَيْنِ اُسْتُحِقَّ قَطْعُهُمَا ؛ لِأَنَّ مَحَلَّ الْقَطْعِ ذَهَبَ بِعَارِضٍ حَادِثٍ ، فَلَمْ يَجِبْ قَطْعُ بَدَلِهِ ، كَمَا لَوْ ذَهَبَتْ بِعُدْوَانٍ أَوْ بِمَرَضٍ .\rوَعَلَى هَذَا لَوْ ذَهَبَ الْعُضْوَانِ جَمِيعًا ، سَقَطَ الْقَطْعُ عَنْهُ بِالْكُلِّيَّةِ .\rوَإِنْ كَانَ سَبَبُ الْقَطْعِ قِصَاصًا سَابِقًا عَلَى مُحَارَبَتِهِ ، أَوْ كَانَ الْمَقْطُوعُ غَيْرَ الْعُضْوِ الَّذِي وَجَبَ قَطْعُهُ فِي الْمُحَارَبَةِ ، مِثْلَ أَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ فِي يَسَارِهِ بَعْدَ وُجُوبِ قَطْعِ يُمْنَاهُ فِي الْمُحَارَبَةِ ، فَهَلْ تُقْطَعُ الْيَدُ الْأُخْرَى لِلْمُحَارَبَةِ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ ؛ بِنَاءً عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي قَطْعِ يُسْرَى السَّارِقِ بَعْدَ قَطْعِ يَمِينِهِ ، إنْ قُلْنَا : تُقْطَعُ ثَمَّ .\rقُطِعَتْ هَاهُنَا وَإِلَّا فَلَا .\rوَإِنْ سَرَقَ وَأَخَذَ الْمَالَ فِي الْمُحَارَبَةِ ، قُطِعَتْ يَدُهُ الْيُمْنَى لِأَسْبَقِهِمَا ، فَإِنْ كَانَتْ الْمُحَارَبَةُ","part":20,"page":316},{"id":9816,"text":"سَابِقَةً ، قُطِعَتْ يَدُهُ الْيُمْنَى وَرِجْلُهُ الْيُسْرَى فِي مَقَامٍ وَاحِدٍ ، وَحُسِمَتَا .\rوَهَلْ تُقْطَعُ يُسْرَى يَدَيْهِ لِلسَّرِقَةِ ؟ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ ؛ فَإِنْ قُلْنَا : تُقْطَعُ .\rاُنْتُظِرَ بُرْؤُهُ مِنْ الْقَطْعِ لِلْمُحَارَبَةِ ؛ لِأَنَّهُمَا حَدَّانِ .\rوَإِنْ كَانَتْ السَّرِقَةُ سَابِقَةً ، قُطِعَتْ يُمْنَاهُ لِلسَّرِقَةِ ، وَلَا تُقْطَعُ رِجْلُهُ لِلْمُحَارَبَةِ حَتَّى تَبْرَأَ يَدُهُ .\rوَهَلْ تُقْطَعُ يُسْرَى يَدَيْهِ لِلْمُحَارَبَةِ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ .","part":20,"page":317},{"id":9817,"text":"( 7335 ) فَصْلٌ : وَإِنْ سَرَقَ وَقَتَلَ فِي الْمُحَارَبَةِ ، وَلَمْ يَأْخُذْ الْمَالَ ، قُتِلَ حَتْمًا ، وَلَمْ يُصْلَبْ ، وَلَمْ تُقْطَعْ يَدُهُ ؛ لِأَنَّهُمَا حَدَّانِ فِيهِمَا قَتْلٌ ، فَدَخَلَ مَا دُونَ الْقَتْلِ فِيهِ ، وَلَمْ يُصْلَبْ ؛ لِأَنَّ الصَّلْبَ مِنْ تَمَامِ حَدِّ قَاطِعِ الطَّرِيقِ إذَا أَخَذَ الْمَالَ مَعَ الْقَتْلِ ، وَلَمْ يُوجَدْ ، وَهَذَانِ حَدَّانِ ، كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُنْفَصِلٌ عَنْ صَاحِبِهِ ، فَإِذَا اجْتَمَعَا تَدَاخَلَا .\rوَإِنْ قَتَلَ فِي الْمُحَارَبَةِ جَمَاعَةً ، قُتِلَ بِالْأَوَّلِ حَتْمًا وَلِلْبَاقِينَ دِيَاتُ أَوْلِيَائِهِمْ ؛ لِأَنَّ قَتْلَهُ اُسْتُحِقَّ بِقَتْلِ الْأَوَّلِ ، وَتَحَتَّمَ بِحَيْثُ لَا يَسْقُطُ ، فَتَعَيَّنَتْ حُقُوقُ الْبَاقِينَ فِي الدِّيَةِ ، كَمَا لَوْ مَاتَ .","part":20,"page":318},{"id":9818,"text":"( 7336 ) فَصْلٌ : إذَا شَهِدَ عَدْلَانِ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ قَطَعَ عَلَيْهِمَا الطَّرِيقَ وَعَلَى فُلَانٍ ، وَأَخَذَ مَتَاعَهُمْ ، لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُمَا ؛ لِأَنَّهُمَا صَارَا خَصْمَيْنِ لَهُ بِقَطْعِهِ عَلَيْهِمَا ، وَإِنْ قَالَا : نَشْهَدُ أَنَّ هَذَا قَطَعَ الطَّرِيقَ عَلَى فُلَانٍ ، وَأَخَذَ مَتَاعَهُ .\rقُبِلَتْ شَهَادَتُهُمَا ، وَلَمْ يَسْأَلْهُمَا الْحَاكِمُ : هَلْ قَطَعَ عَلَيْكُمَا مَعَهُ أَمْ لَا ؟ لِأَنَّهُ لَا يَسْأَلُهُمَا مَا لَمْ يَدَّعِ عَلَيْهِمَا .\rوَإِنْ عَادَ الْمَشْهُودُ لَهُ ، فَشَهِدَ عَلَيْهِ أَنَّهُ قَطَعَ عَلَيْهِمَا الطَّرِيقَ ، وَأَخَذَ مَتَاعَهُمَا ، لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ ؛ لِأَنَّهُ صَارَ عَدُوًّا لَهُ بِقَطْعِهِ الطَّرِيقَ عَلَيْهِ .\rوَإِنْ شَهِدَ شَاهِدَانِ أَنَّ هَؤُلَاءِ عَرَضُوا لَنَا فِي الطَّرِيقِ ، وَقَطَعُوهَا عَلَى فُلَانٍ ، قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمَا ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ كَوْنُهُمَا خَصْمَيْنِ بِمَا ذَكَرَاهُ .","part":20,"page":319},{"id":9819,"text":"كِتَابُ الْأَشْرِبَةِ الْخَمْرُ مُحَرَّمٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ ؛ أَمَّا الْكِتَابُ : فَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ } .\rإلَى قَوْلِهِ : { فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ } وَأَمَّا السُّنَّةُ : فَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ ، وَكُلُّ خَمْرٍ حَرَامٌ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَالْإِمَامُ أَحْمَدُ وَرَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ، أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ { : لَعَنَ اللَّهُ الْخَمْرَ ، وَشَارِبَهَا ، وَسَاقِيَهَا ، وَبَائِعَهَا ، وَمُبْتَاعَهَا ، وَعَاصِرَهَا ، وَمُعْتَصِرَهَا ، وَحَامِلَهَا ، وَالْمَحْمُولَةَ إلَيْهِ .\r} رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ بِأَخْبَارٍ تَبْلُغُ بِمَجْمُوعِهَا رُتْبَةَ التَّوَاتُرِ ، وَأَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى تَحْرِيمِهِ ، وَإِنَّمَا حُكِيَ عَنْ قُدَامَةَ بْنِ مَظْعُونٍ ، وَعَمْرِو بْنِ مَعْدِ يَكْرِبَ ، وَأَبِي جَنْدَلِ بْنِ سُهَيْلٍ ، أَنَّهُمْ قَالُوا : هِيَ حَلَالٌ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا } الْآيَةَ .\rفَبَيَّنَ لَهُمْ عُلَمَاءُ الصَّحَابَةِ مَعْنَى هَذِهِ الْآيَةِ ، وَتَحْرِيمَ الْخَمْرِ ، وَأَقَامُوا عَلَيْهِمْ الْحَدَّ ؛ لِشُرْبِهِمْ إيَّاهَا ، فَرَجَعُوا إلَى ذَلِكَ ، فَانْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ ، فَمَنْ اسْتَحَلَّهَا الْآنَ فَقَدْ كَذَّبَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ عُلِمَ ضَرُورَةً مِنْ جِهَةِ النَّقْلِ تَحْرِيمُهُ ، فَيَكْفُرُ بِذَلِكَ ، وَيُسْتَتَابُ ، فَإِنْ تَابَ ، وَإِلَّا قُتِلَ .\rرَوَى الْجُوزَجَانِيُّ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّ قُدَامَةَ بْنَ مَظْعُونٍ شَرِبَ الْخَمْرَ ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ : مَا حَمَلَك عَلَى ذَلِكَ ؟ فَقَالَ : إنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ : { لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا } .\rوَإِنِّي مِنْ الْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ","part":20,"page":320},{"id":9820,"text":"وَأُحُدٍ .\rفَقَالَ عُمَرُ لِلْقَوْمِ : أَجِيبُوا الرَّجُلَ .\rفَسَكَتُوا عَنْهُ ، فَقَالَ لِابْنِ عَبَّاسٍ : أَجِبْهُ .\rفَقَالَ : إنَّمَا أَنْزَلَهَا اللَّهُ تَعَالَى عُذْرًا لِلْمَاضِينَ ، لِمَنْ شَرِبَهَا قَبْلَ أَنْ تُحَرَّمَ وَأَنْزَلَ : { إنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ } .\rحُجَّةً عَلَى النَّاسِ .\rثُمَّ سَأَلَ عُمَرُ عَنْ الْحَدِّ فِيهَا فَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ : إذَا شَرِبَ هَذَى ، وَإِذَا هَذَى افْتَرَى فَاجْلِدُوهُ ثَمَانِينَ ، فَجَلَدَهُ عُمَرُ ثَمَانِينَ جَلْدَةً .\rوَرَوَى الْوَاقِدِيُّ أَنَّ عُمَرَ قَالَ لَهُ : أَخْطَأْت التَّأْوِيلَ يَا قُدَامَةَ ، إذَا اتَّقَيْت اجْتَنَبْت مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْك .\rوَرَوَى الْخَلَّالُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ ، أَنَّ أُنَاسًا شَرِبُوا بِالشَّامِ الْخَمْرَ ، فَقَالَ لَهُمْ يَزِيدُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ : شَرِبْتُمْ الْخَمْرَ ؟ قَالُوا : نَعَمْ ، بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا } الْآيَةَ .\rفَكَتَبَ فِيهِمْ إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، فَكَتَبَ إلَيْهِ : إنْ أَتَاكَ كِتَابِي هَذَا نَهَارًا ، فَلَا تَنْتَظِرْ بِهِمْ إلَى اللَّيْلِ ، وَإِنْ أَتَاكَ لَيْلًا ، فَلَا تَنْتَظِرْ بِهِمْ نَهَارًا ، حَتَّى تَبْعَثَ بِهِمْ إلَيَّ ، لِئَلَّا يَفْتِنُوا عِبَادَ اللَّهِ .\rفَبَعَثَ بِهِمْ إلَى عُمَرَ ، فَشَاوَرَ فِيهِمْ النَّاسَ ، فَقَالَ لِعَلِيٍّ : مَا تَرَى ؟ فَقَالَ : أَرَى أَنَّهُمْ قَدْ شَرَّعُوا فِي دِينِ اللَّهِ مَا لَمْ يَأْذَنْ اللَّهُ فِيهِ ، فَإِنْ زَعَمُوا أَنَّهَا حَلَالٌ ، فَاقْتُلْهُمْ ، فَقَدْ أَحَلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ ، وَإِنْ زَعَمُوا أَنَّهَا حَرَامٌ ، فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ ثَمَانِينَ ، فَقَدْ افْتَرَوْا عَلَى اللَّهِ .\rوَقَدْ أَخْبَرَنَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِحَدِّ مَا يَفْتَرِي بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ .\r: فَحَدَّهُمْ عُمَرُ ثَمَانِينَ ثَمَانِينَ إذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَالْمُجْمَعُ عَلَى تَحْرِيمِهِ عَصِيرُ الْعِنَبِ ، إذَا اشْتَدَّ وَقَذَفَ زَبَدَهُ ، وَمَا عَدَاهُ مِنْ الْأَشْرِبَةِ الْمُسْكِرَةِ ، فَهُوَ مُحَرَّمٌ ، وَفِيهِ اخْتِلَافٌ نَذْكُرُهُ - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - (","part":20,"page":321},{"id":9821,"text":"7337 ) ( مَسْأَلَةٌ ) قَالَ : ( وَمَنْ شَرِبَ مُسْكِرًا قَلَّ أَوْ كَثُرَ ، جُلِدَ ثَمَانِينَ جَلْدَةً ، إذَا شَرِبَهَا وَهُوَ مُخْتَارٌ لِشُرْبِهَا ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ كَثِيرَهَا يُسْكِرُ ) الْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي فُصُولٍ : ( 7338 ) الْفَصْلُ الْأَوَّلُ : أَنَّ كُلَّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ ، قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ ، وَهُوَ خَمْرٌ حُكْمُهُ حُكْمُ عَصِيرِ الْعِنَبِ فِي تَحْرِيمِهِ ، وَوُجُوبِ الْحَدِّ عَلَى شَارِبِهِ .\rوَرُوِيَ تَحْرِيمُ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ ، وَعَلِيٍّ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ ، وَابْنِ عُمَرَ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ، وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ، وَأُبَيُّ بْنِ كَعْبٍ ، وَأَنَسٍ ، وَعَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ ، وَطَاوُسٌ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَالْقَاسِمُ ، وَقَتَادَةُ ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ ، وَإِسْحَاقُ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، فِي عَصِيرِ الْعِنَبِ إذَا طُبِخَ فَذَهَبَ ثُلُثَاهُ ، وَنَقِيعِ التَّمْرِ وَالزَّبِيبِ إذَا طُبِخَ وَإِنْ لَمْ يَذْهَبْ ثُلُثَاهُ ، وَنَبِيذِ الْحِنْطَةِ ، وَالذُّرَةِ وَالشَّعِيرِ ، وَنَحْوِ ذَلِكَ نَقِيعًا كَانَ أَوْ مَطْبُوخًا : كُلُّ ذَلِكَ حَلَالٌ ، إلَّا مَا بَلَغَ السُّكْرَ ، فَأَمَّا عَصِيرُ الْعِنَبِ إذَا اشْتَدَّ ، وَقَذَفَ زَبَدَهُ ، أَوَطُبِخَ فَذَهَبَ أَقَلُّ مِنْ ثُلُثَيْهِ ، وَنَقِيعُ التَّمْرِ وَالزَّبِيبِ إذَا اشْتَدَّ بِغَيْرِ طَبْخٍ ، فَهَذَا مُحَرَّمٌ ، قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ ، عَنْ النَّبِيِّ قَالَ : { حُرِّمَتْ الْخَمْرَةُ لِعَيْنِهَا ، وَالْمُسْكِرُ مِنْ كُلِّ شَرَابٍ } وَلَنَا مَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ ، وَكُلُّ خَمْرٍ حَرَامٌ } وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ ، فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ } رَوَاهُمَا أَبُو دَاوُد ، وَالْأَثْرَمُ ، وَغَيْرُهُمَا وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : { كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ .\rقَالَ : وَمَا أَسْكَرَ مِنْهُ الْفَرْقُ ،","part":20,"page":322},{"id":9822,"text":"فَمِلْءُ الْكَفِّ مِنْهُ حَرَامٌ } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَغَيْرُهُ وَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ ، وَهِيَ مِنْ الْعِنَبِ وَالتَّمْرِ وَالْعَسَلِ ، وَالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ .\rوَالْخَمْرُ مَا خَامَرَ الْعَقْلَ .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلِأَنَّهُ مُسْكِرٌ ، فَأَشْبَهَ عَصِيرَ الْعِنَبِ .\rفَأَمَّا حَدِيثُهُمْ ، فَقَالَ أَحْمَدُ : لَيْسَ فِي الرُّخْصَةِ فِي الْمُسْكِرِ حَدِيثٌ صَحِيحٌ .\rوَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ رَوَاهُ سَعِيدٌ عَنْ مِسْعَرٍ ، عَنْ أَبِي عَوْنٍ ، عَنْ ابْنِ شَدَّادٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ .\rقَالَ : وَالْمُسْكِرُ مِنْ كُلِّ شَرَابٍ .\rوَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : جَاءَ أَهْلُ الْكُوفَةِ بِأَحَادِيثَ مَعْلُولَةٍ ، ذَكَرْنَاهَا مَعَ عِلَلِهَا .\rوَذَكَرَ الْأَثْرَمُ أَحَادِيثَهُمْ الَّتِي يَحْتَجُّونَ بِهَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالصَّحَابَةِ ، فَضَعَّفَهَا كُلَّهَا ، وَبَيَّنَ عِلَلَهَا .\rوَقَدْ قِيلَ : إنَّ خَبَرَ ابْنِ عَبَّاسٍ مَوْقُوفٌ عَلَيْهِ ، مَعَ أَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ بِالسُّكْرِ الْمُسْكِرَ مِنْ كُلِّ شَرَابٍ ، فَإِنَّهُ يَرْوِي هُوَ وَغَيْرُهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ .\r}","part":20,"page":323},{"id":9823,"text":"( 7339 ) الْفَصْلُ الثَّانِي : أَنَّهُ يَجِبُ الْحَدُّ عَلَى مَنْ شَرِبَ قَلِيلًا مِنْ الْمُسْكِرِ أَوْ كَثِيرًا .\rوَلَا نَعْلَمُ بَيْنَهُمْ خِلَافًا فِي ذَلِكَ فِي عَصِيرِ الْعِنَبِ غَيْرِ الْمَطْبُوخِ ، وَاخْتَلَفُوا فِي سَائِرِهَا ، فَذَهَبَ إمَامُنَا إلَى التَّسْوِيَةِ بَيْنَ عَصِيرِ الْعِنَبِ وَكُلِّ مُسْكِرٍ .\rوَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَقَتَادَةَ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَمَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَتْ طَائِفَةٌ لَا يُحَدُّ ، إلَّا أَنْ يَسْكَرَ ؛ مِنْهُمْ أَبُو وَائِلٍ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَكَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ : مَنْ شَرِبَهُ مُعْتَقِدًا تَحْرِيمَهُ حُدَّ .\rوَمَنْ شَرِبَهُ مُتَأَوِّلًا ، فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ ، فَأَشْبَهَ النِّكَاحَ بِلَا وَلِيٍّ .\rوَلَنَا مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ أَنَّهُ قَالَ : { مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فَاجْلِدُوهُ .\r} رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَغَيْرُهُ .\rوَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ كُلَّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ ، فَيَتَنَاوَلُ الْحَدِيثُ قَلِيلَهُ وَكَثِيرَهُ ؛ وَلِأَنَّهُ شَرَابٌ فِيهِ شِدَّةٌ مُطْرِبَةٌ ، فَوَجَبَ الْحَدُّ بِقَلِيلِهِ ، كَالْخَمْرِ .\rوَالِاخْتِلَافُ فِيهِ لَا يَمْنَعُ وُجُوبَ الْحَدِّ فِيهَا ؛ بِدَلِيلِ مَا لَوْ اعْتَقَدَ تَحْرِيمَهَا .\rوَبِهَذَا فَارَقَ النِّكَاحَ بِلَا وَلِيٍّ وَنَحْوَهُ مِنْ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ ، وَقَدْ حَدَّ عُمَرُ قُدَامَةَ بْنَ مَظْعُونٍ وَأَصْحَابَهُ ، مَعَ اعْتِقَادِهِمْ حِلَّ مَا شَرِبُوهُ وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ سَائِرِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ مِنْ وَجْهَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا : أَنَّ فِعْلَ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ هَاهُنَا دَاعِيَةٌ إلَى فِعْلِ مَا أُجْمِعَ عَلَى تَحْرِيمِهِ ، وَفِعْلَ سَائِرِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ يَصْرِفُ عَنْ جِنْسِهِ مِنْ الْمُجْمَعِ عَلَى تَحْرِيمِهِ .\rالثَّانِي : أَنَّ السُّنَّةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ اسْتَفَاضَتْ بِتَحْرِيمِ هَذَا الْمُخْتَلَفِ فِيهِ ، فَلَمْ يَبْقَ فِيهِ لِأَحَدٍ عُذْرٌ فِي اعْتِقَادِ إبَاحَتِهِ ، بِخِلَافِ غَيْرِهِ مِنْ الْمُجْتَهَدَاتِ .\rقَالَ أَحْمَدُ بْنُ الْقَاسِمِ : سَمِعْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ، يَقُولُ : فِي","part":20,"page":324},{"id":9824,"text":"تَحْرِيمِ الْمُسْكِرِ عِشْرُونَ وَجْهًا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَعْضِهَا : { كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ } وَبَعْضِهَا : { كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ } .","part":20,"page":325},{"id":9825,"text":"( 7340 ) فَصْلٌ : وَإِنْ ثَرَدَ فِي الْخَمْرِ ، أَوْ اصْطَبَغَ بِهِ ، أَوْ طَبَخَ بِهِ لَحْمًا فَأَكَلَ مِنْ مَرَقَتِهِ ، فَعَلَيْهِ الْحَدُّ ؛ لِأَنَّ عَيْنَ الْخَمْرِ مَوْجُودَةٌ ، وَكَذَلِكَ إنْ لَتَّ بِهِ سَوِيقًا فَأَكَلَهُ .\rوَإِنْ عَجَنَ بِهِ دَقِيقًا ، ثُمَّ خَبَزَهُ فَأَكَلَهُ ، لَمْ يُحَدَّ ؛ لِأَنَّ النَّارَ أَكَلَتْ أَجْزَاءَ الْخَمْرِ ، فَلَمْ يَبْقَ إلَّا أَثَرُهُ .\rوَإِنْ احْتَقَنَ بِالْخَمْرِ ، لَمْ يُحَدَّ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِشُرْبٍ وَلَا أَكْلٍ ؛ وَلِأَنَّهُ لَمْ يَصِلْ إلَى حَلْقِهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ دَاوَى بِهِ جُرْحَهُ ، وَإِنْ اسْتَعَطَ بِهِ ، فَعَلَيْهِ الْحَدُّ ؛ لِأَنَّهُ أَوْصَلَهُ إلَى بَاطِنِهِ مِنْ حَلْقِهِ ، وَلِذَلِكَ نُشِرَ الْحُرْمَةُ فِي الرَّضَاعِ دُونَ الْحُقْنَةِ .\rوَحُكِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّ عَلَى مَنْ احْتَقَنَ بِهِ الْحَدَّ ؛ لِأَنَّهُ أَوْصَلَهُ إلَى جَوْفِهِ ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ .\r- وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - .","part":20,"page":326},{"id":9826,"text":"( 7341 ) الْفَصْلُ الثَّالِثُ : فِي قَدْرِ الْحَدِّ وَفِيهِ رِوَايَتَانِ ، إحْدَاهُمَا : أَنَّهُ ثَمَانُونَ .\rوَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ ؛ لِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ ، فَإِنَّهُ رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ اسْتَشَارَ النَّاسَ فِي حَدِّ الْخَمْرِ ، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ : اجْعَلْهُ كَأَخَفِّ الْحُدُودِ ثَمَانِينَ .\rفَضَرَبَ عُمَرُ ثَمَانِينَ ، وَكَتَبَ بِهِ إلَى خَالِدٍ ، وَأَبِي عُبَيْدَةَ بِالشَّامِ .\rوَرُوِيَ أَنَّ عَلِيًّا قَالَ فِي الْمَشُورَةِ : إنَّهُ إذَا سَكِرَ هَذَى ، وَإِذَا هَذَى افْتَرَى .\rفَحَدُّوهُ حَدَّ الْمُفْتَرِي .\rرَوَى ذَلِكَ الْجُوزَجَانِيُّ ، وَالدَّارَقُطْنِيّ ، وَغَيْرُهُمَا .\rوَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ ، أَنَّ الْحَدَّ أَرْبَعُونَ .\rوَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ ، وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ عَلِيًّا جَلَدَ الْوَلِيدَ بْنَ عُقْبَةَ أَرْبَعِينَ ، ثُمَّ قَالَ : { جَلَدَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْبَعِينَ ، } وَأَبُو بَكْرٍ أَرْبَعِينَ ، وَعُمَرُ ثَمَانِينَ ، وَكُلٌّ سُنَّةٌ وَهَذَا أَحَبُّ إلَيَّ .\rرَوَاهُ مُسْلِمٌ .\r، وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ : { أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِرَجُلٍ قَدْ شَرِبَ الْخَمْرَ ، فَضَرَبَهُ بِالنِّعَالِ نَحْوًا مِنْ أَرْبَعِينَ } ، ثُمَّ أُتِيَ بِهِ أَبُو بَكْرٍ ، فَصَنَعَ مِثْلَ ذَلِكَ ، ثُمَّ أُتِيَ بِهِ عُمَرُ ، فَاسْتَشَارَ النَّاسَ فِي الْحُدُودِ ، فَقَالَ ابْنُ عَوْفٍ : أَقَلُّ الْحُدُودِ ثَمَانُونَ .\rفَضَرَبَهُ عُمَرُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ، وَفِعْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حُجَّةٌ لَا يَجُوزُ تَرْكُهُ بِفِعْلِ غَيْرِهِ ، وَلَا يَنْعَقِدُ الْإِجْمَاعُ عَلَى مَا خَالَفَ فِعْلَ النَّبِيِّ ، وَأَبِي بَكْرٍ وَعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، فَتُحْمَلُ الزِّيَادَةُ مِنْ عُمَرَ عَلَى أَنَّهَا تَعْزِيرٌ ، يَجُوزُ فِعْلُهَا إذَا رَآهُ الْإِمَامُ .","part":20,"page":327},{"id":9827,"text":"( 7342 ) الْفَصْلُ الرَّابِعُ : أَنَّ الْحَدَّ إنَّمَا يَلْزَمُ مَنْ شَرِبَهَا مُخْتَارًا لِشُرْبِهَا ، فَإِنْ شَرِبَهَا مُكْرَهًا ، فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ ، وَلَا إثْمَ ، سَوَاءٌ أُكْرِهَ بِالْوَعِيدِ وَالضَّرْبِ ، أَوْ أُلْجِئَ إلَى شُرْبِهَا بِأَنْ يُفْتَحَ فُوهُ ، وَتُصَبَّ فِيهِ ، فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { عُفِيَ لِأُمَّتِي عَنْ الْخَطَإِ ، وَالنِّسْيَانِ ، وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ } وَكَذَلِكَ الْمُضْطَرُّ إلَيْهَا لِدَفْعِ غُصَّةٍ بِهَا ، إذَا لَمْ يَجِدْ مَائِعًا سِوَاهَا ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ فِي آيَةِ التَّحْرِيمِ : { فَمَنْ اُضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إثْمَ عَلَيْهِ } وَإِنْ شَرِبَهَا لِعَطَشٍ ، نَظَرْنَا ؛ فَإِنْ كَانَتْ مَمْزُوجَةً بِمَا يَرْوِي مِنْ الْعَطَشِ ، أُبِيحَتْ لِدَفْعِهِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ ، كَمَا تُبَاحُ الْمَيْتَةُ عِنْدَ الْمَخْمَصَةِ ، وَكَإِبَاحَتِهَا لِدَفْعِ الْغُصَّةِ ، وَقَدْ رَوَيْنَا فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذَافَةَ أَنَّهُ أَسَرَهُ الرُّومُ ، فَحَبَسَهُ طَاغِيَتُهُمْ فِي بَيْتٍ فِيهِ مَاءٌ مَمْزُوجٌ بِخَمْرٍ ، وَلَحْمُ خِنْزِيرٍ مَشْوِيٌّ ، لِيَأْكُلَهُ وَيَشْرَبَ الْخَمْرَ ، وَتَرَكَهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ، فَلَمْ يَفْعَلْ ، ثُمَّ أَخْرَجُوهُ حِينَ خَشُوا مَوْتَهُ ، فَقَالَ : وَاَللَّهِ لَقَدْ كَانَ اللَّهُ أَحَلَّهُ لِي ، فَإِنِّي مُضْطَرٌّ ، وَلَكِنْ لَمْ أَكُنْ لِأُشْمِتَكُمْ بِدِينِ الْإِسْلَامِ .\rوَإِنْ شَرِبَهَا صِرْفًا ، أَوْ مَمْزُوجَةً بِشَيْءٍ يَسِيرٍ لَا يَرْوِي مِنْ الْعَطَشِ ، أَوْ شَرِبَهَا لِلتَّدَاوِي ، لَمْ يُبَحْ لَهُ ذَلِكَ ، وَعَلَيْهِ الْحَدُّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يُبَاحُ شُرْبُهَا لَهُمَا .\rوَلِلشَّافِعِيَّةِ وَجْهَانِ ، كَالْمَذْهَبَيْنِ .\rوَوَجْهٌ ثَالِثٌ : يُبَاحُ شُرْبُهَا لِلتَّدَاوِي دُونَ الْعَطَشِ ؛ لِأَنَّهَا حَالُ ضَرُورَةٍ ، فَأُبِيحَتْ فِيهَا ، لِدَفْعِ الْغُصَّةِ وَسَائِرِ مَا يُضْطَرُّ إلَيْهِ .\rوَلَنَا مَا رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ { طَارِقِ بْنِ سُوَيْد ، أَنَّهُ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : إنَّمَا أَصْنَعُهَا لِلدَّوَاءِ .\rفَقَالَ إنَّهُ لَيْسَ بِدَوَاءٍ","part":20,"page":328},{"id":9828,"text":"، وَلَكِنَّهُ دَاءٌ } .\rوَبِإِسْنَادِهِ عَنْ مُخَارِقٍ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ ، وَقَدْ نَبَذَتْ نَبِيذًا فِي جَرَّةٍ ، فَخَرَجَ وَالنَّبِيذُ يَهْدُرُ ، فَقَالَ : \" مَا هَذَا ؟ \" فَقَالَتْ : فُلَانَةُ اشْتَكَتْ بَطْنَهَا ، فَنَقَعْت لَهَا ، فَدَفَعَهُ بِرِجْلِهِ فَكَسَرَهُ ، وَقَالَ : { إنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْ فِيمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ شِفَاءً } وَلِأَنَّهُ مُحَرَّمٌ لِعَيْنِهِ ، فَلَمْ يُبَحْ لِلتَّدَاوِي ، كَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ ؛ وَلِأَنَّ الضَّرُورَةَ لَا تَنْدَفِعُ بِهِ فَلَمْ يُبَحْ ، كَالتَّدَاوِي بِهَا فِيمَا لَا تَصْلُحُ لَهُ .","part":20,"page":329},{"id":9829,"text":"( 7343 ) الْفَصْلُ الْخَامِسُ : أَنَّ الْحَدَّ إنَّمَا يَلْزَمُ مَنْ شَرِبَهَا عَالِمًا أَنَّ كَثِيرَهَا يُسْكِرُ ، فَأَمَّا غَيْرُهُ ، فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ عَالِمٍ بِتَحْرِيمِهَا ، وَلَا قَاصِدٍ إلَى ارْتِكَابِ الْمَعْصِيَةِ بِهَا ، فَأَشْبَهَ مَنْ زُفَّتْ إلَيْهِ غَيْرُ زَوْجَتِهِ .\rوَهَذَا قَوْلُ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rفَأَمَّا مَنْ شَرِبَهَا غَيْرَ عَالِمٍ بِتَحْرِيمِهَا ، فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ أَيْضًا ؛ لِأَنَّ عُمَرَ وَعُثْمَانَ قَالَا : لَا حَدَّ إلَّا عَلَى مَنْ عَلِمَهُ .\rوَلِأَنَّهُ غَيْرُ عَالِمٍ بِالتَّحْرِيمِ ، أَشْبَهَ مَنْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهَا خَمْرٌ .\rوَإِذَا ادَّعَى الْجَهْلَ بِتَحْرِيمِهَا نَظَرْنَا ؛ فَإِنْ كَانَ نَاشِئًا بِبَلَدِ الْإِسْلَامِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ ، لَمْ تُقْبَلْ دَعْوَاهُ ؛ لِأَنَّ هَذَا لَا يَكَادُ يَخْفَى عَلَى مِثْلِهِ ، فَلَا تُقْبَلُ دَعْوَاهُ فِيهِ .\rوَإِنْ كَانَ حَدِيثَ عَهْدٍ بِإِسْلَامٍ ، أَوْ نَاشِئًا بِبَادِيَةٍ بَعِيدَةٍ عَنْ الْبُلْدَانِ ، قُبِلَ مِنْهُ ؛ لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ مَا قَالَهُ .","part":20,"page":330},{"id":9830,"text":"( 7344 ) فَصْلٌ : وَلَا يَجِبُ الْحَدُّ حَتَّى يَثْبُتَ شُرْبُهُ بِأَحَدِ شَيْئَيْنِ ؛ الْإِقْرَارِ أَوْ الْبَيِّنَةِ .\rوَيَكْفِي فِي الْإِقْرَارِ مَرَّةٌ وَاحِدَةٌ .\rفِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ ؛ لِأَنَّهُ حَدٌّ لَا يَتَضَمَّنُ إتْلَافًا ، فَأَشْبَهَ حَدَّ الْقَذْفِ .\rوَإِذَا رَجَعَ عَنْ إقْرَارِهِ قُبِلَ رُجُوعُهُ ؛ لِأَنَّهُ حَدٌّ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ ، فَقُبِلَ رُجُوعُهُ عَنْهُ ، كَسَائِرِ الْحُدُودِ .\rوَلَا يُعْتَبَرُ مَعَ الْإِقْرَارِ وُجُودُ رَائِحَةٍ .\rوَحُكِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ، لَا حَدَّ عَلَيْهِ ، إلَّا أَنْ تُوجَدَ رَائِحَةٌ .\rوَلَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّهُ أَحَدُ بَيِّنَتَيْ الشُّرْبِ ، فَلَمْ يُعْتَبَرْ مَعَهُ وُجُودُ الرَّائِحَةِ ، كَالشَّهَادَةِ ؛ وَلِأَنَّهُ قَدْ يُقِرُّ بَعْدَ زَوَالِ الرَّائِحَةِ عَنْهُ ؛ وَلِأَنَّهُ إقْرَارٌ بِحَدٍّ ، فَاكْتُفِيَ بِهِ ، كَسَائِرِ الْحُدُودِ .","part":20,"page":331},{"id":9831,"text":"( 7345 ) فَصْلٌ : وَلَا يَجِبُ الْحَدُّ بِوُجُودِ رَائِحَةِ الْخَمْرِ مِنْ فِيهِ .\rفِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ؛ مِنْهُمْ الثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ .\rوَرَوَى أَبُو طَالِبٍ ، عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّهُ يُحَدُّ بِذَلِكَ .\rوَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ؛ لِأَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ جَلَدَ رَجُلًا وَجَدَ مِنْهُ رَائِحَةَ الْخَمْرِ وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ : إنِّي وَجَدْت مِنْ عُبَيْدِ اللَّهِ رِيحَ شَرَابٍ ، فَأَقَرَّ أَنَّهُ شَرِبَ الطِّلَاءَ .\rفَقَالَ عُمَرُ : إنِّي سَائِلٌ عَنْهُ ، فَإِنْ كَانَ يُسْكِرُ جَلَدْتُهُ .\rوَلِأَنَّ الرَّائِحَةَ تَدُلُّ عَلَى شُرْبِهِ ، فَجَرَى مَجْرَى الْإِقْرَارِ .\rوَالْأَوَّلُ أَوْلَى ؛ لِأَنَّ الرَّائِحَةَ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ تَمَضْمَضَ بِهَا ، أَوْ حَسِبَهَا مَاءً ، فَلَمَّا صَارَتْ فِي فِيهِ مَجَّهَا ، أَوْ ظَنَّهَا لَا تُسْكِرُ ، أَوْ كَانَ مُكْرَهًا ، أَوْ أَكَلَ نَبْقًا بَالِغًا ، أَوْ شَرِبَ شَرَابَ التُّفَّاحِ ، فَإِنَّهُ يَكُونُ مِنْهُ ، كَرَائِحَةِ الْخَمْرِ ، وَإِذَا اُحْتُمِلَ ذَلِكَ ، لَمْ يَجِبْ الْحَدُّ الَّذِي يُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ .\rوَحَدِيثُ عُمَرَ حُجَّةٌ لَنَا ، فَإِنَّهُ لَمْ يَحُدَّهُ بِوُجُودِ الرَّائِحَةِ ، وَلَوْ وَجَبَ ذَلِكَ ، لَبَادَرَ إلَيْهِ عُمَرُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - .","part":20,"page":332},{"id":9832,"text":"( 7346 ) فَصْلٌ : وَإِنْ وُجِدَ سَكْرَانَ ، أَوْ تَقَيَّأَ الْخَمْرَ .\rفَعَنْ أَحْمَدَ ، لَا حَدَّ عَلَيْهِ ؛ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ مُكْرَهًا ، أَوْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهَا تُسْكِرُ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rوَرِوَايَةُ أَبِي طَالِبٍ عَنْهُ فِي الْحَدِّ بِالرَّائِحَةِ ، يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ الْحَدِّ هَاهُنَا بِطَرِيقِ الْأَوْلَى ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَكُونُ إلَّا بَعْدَ شُرْبِهَا ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَامَتْ الْبَيِّنَةُ عَلَيْهِ بِشُرْبِهَا .\rوَقَدْ رَوَى سَعِيدٌ ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ ، حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ ، عَنْ الشَّعْبِيِّ ، قَالَ : لَمَّا كَانَ مِنْ أَمْرِ قُدَامَةَ مَا كَانَ ، جَاءَ عَلْقَمَةُ الْخَصِيُّ ، فَقَالَ : أَشْهَدُ أَنِّي رَأَيْتُهُ يَتَقَيَّؤُهَا .\rفَقَالَ عُمَرُ : مَنْ قَاءَهَا فَقَدْ شَرِبَهَا .\rفَضَرَبَهُ الْحَدَّ وَرَوَى حُصَيْنُ بْنُ الْمُنْذِرِ الرَّقَاشِيُّ ، قَالَ : شَهِدْت عُثْمَانَ ، وَأُتِيَ بِالْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ ، فَشَهِدَ عَلَيْهِ حُمْرَانُ وَرَجُلٌ آخَرُ ، فَشَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ رَآهُ شَرِبَهَا ، وَشَهِدَ الْآخَرُ أَنَّهُ رَآهُ يَتَقَيَّؤُهَا .\rفَقَالَ عُثْمَانُ : إنَّهُ لَمْ يَتَقَيَّأْهَا حَتَّى شَرِبَهَا ، فَقَالَ لِعَلِيٍّ : أَقِمْ عَلَيْهِ الْحَدَّ .\rفَأَمَرَ عَلِيٌّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَعْفَرٍ ، فَضَرَبَهُ .\rرَوَاهُ مُسْلِمٌ وَفِي رِوَايَةٍ فَقَالَ لَهُ عُثْمَانُ : لَقَدْ تَنَطَّعْت فِي الشَّهَادَةِ .\rوَهَذَا بِمَحْضَرٍ مِنْ عُلَمَاءِ الصَّحَابَةِ وَسَادَتِهِمْ ، وَلَمْ يُنْكَرْ ، فَكَانَ إجْمَاعًا .\rوَلِأَنَّهُ يَكْفِي فِي الشَّهَادَةِ عَلَيْهِ أَنَّهُ شَرِبَهَا ، وَلَا يَتَقَيَّؤُهَا أَوْ لَا يَسْكَرُ مِنْهَا حَتَّى يَشْرَبَهَا .","part":20,"page":333},{"id":9833,"text":"( 7347 ) فَصْلٌ : وَأَمَّا الْبَيِّنَةُ : فَلَا تَكُونُ إلَّا رَجُلَيْنِ عَدْلَيْنِ مُسْلِمَيْنِ ، يَشْهَدَانِ أَنَّهُ مُسْكِرٌ ، وَلَا يَحْتَاجَانِ إلَى بَيَانِ نَوْعِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَنْقَسِمُ إلَى مَا يُوجِبُ الْحَدَّ وَإِلَى مَا لَا يُوجِبُهُ ، بِخِلَافِ الزِّنَا ، فَإِنَّهُ يُطْلَقُ عَلَى الصَّرِيحِ وَعَلَى دَوَاعِيهِ ، وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { الْعَيْنَانِ تَزْنِيَانِ ، وَالْيَدَانِ تَزْنِيَانِ ، وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ أَوْ يُكَذِّبُهُ } فَلِهَذَا احْتَاجَ الشَّاهِدَانِ إلَى تَفْسِيرِهِ ، وَفِي مَسْأَلَتِنَا لَا يُسَمَّى غَيْرُ الْمُسْكِرِ مُسْكِرًا ، فَلَمْ يُفْتَقَرْ إلَى ذِكْرِ نَوْعِهِ .\rوَلَا يُفْتَقَرُ فِي الشَّهَادَةِ إلَى ذِكْرِ عَدَمِ الْإِكْرَاهِ ، وَلَا ذِكْرِ عِلْمِهِ أَنَّهُ مُسْكِرٌ ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ الِاخْتِيَارُ وَالْعِلْمُ ، وَمَا عَدَاهُمَا نَادِرٌ بَعِيدٌ ، فَلَمْ يُحْتَجْ إلَى بَيَانِهِ ، وَلِذَلِكَ لَمْ يُعْتَبَرْ ذَلِكَ فِي شَيْءٍ مِنْ الشَّهَادَاتِ ، وَلَمْ يَعْتَبِرْهُ عُثْمَانُ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ ، وَلَا اعْتَبَرَهُ عُمَرُ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى قُدَامَةَ بْنِ مَظْعُونٍ ، وَلَا فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ، وَلَوْ شَهِدَا بِعِتْقٍ أَوْ طَلَاقٍ ، لَمْ يُفْتَقَرْ إلَى ذِكْرِ الِاخْتِيَارِ ، كَذَا هَاهُنَا .","part":20,"page":334},{"id":9834,"text":"( 7348 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( فَإِنْ مَاتَ فِي جَلْدِهِ ، فَالْحَقُّ قَتَلَهُ .\rيَعْنِي : لَيْسَ عَلَى أَحَدٍ ضَمَانُهُ ) وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ .\rوَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ إنْ لَمْ يَزِدْ عَلَى الْأَرْبَعِينَ ، وَإِنْ زَادَ عَلَى الْأَرْبَعِينَ فَمَاتَ ، فَعَلَيْهِ الضَّمَانُ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ تَعْزِيرٌ ، إنَّمَا يَفْعَلُهُ الْإِمَامُ بِرَأْيِهِ ، وَفِي قَدْرِ الضَّمَانِ قَوْلَانِ ؛ أَحَدُهُمَا : نِصْفُ الدِّيَةِ ؛ لِأَنَّهُ تَلِفَ مِنْ فِعْلَيْنِ ؛ مَضْمُونٍ ، وَغَيْرِ مَضْمُونٍ ، فَكَانَ عَلَيْهِ نِصْفُ الضَّمَانِ .\rوَالثَّانِي : تُقَسَّطُ الدِّيَةُ عَلَى عَدَدِ الضَّرَبَاتِ كُلِّهَا ، فَيَجِبُ مِنْ الدِّيَةِ بِقَدْرِ زِيَادَتِهِ عَلَى الْأَرْبَعِينَ .\rوَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : مَا كُنْت لِأُقِيمَ حَدًّا عَلَى أَحَدٍ فَيَمُوتَ ، فَأَجِدَ فِي نَفْسِي مِنْهُ شَيْئًا ، إلَّا صَاحِبَ الْخَمْرِ ، وَلَوْ مَاتَ وَدَيْتُهُ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَسُنَّهُ لَنَا .\rوَلَنَا أَنَّهُ حَدٌّ وَجَبَ لِلَّهِ ، فَلَمْ يَجِبْ ضَمَانُ مَنْ مَاتَ بِهِ ، كَسَائِرِ الْحُدُودِ ، وَمَا زَادَ عَلَى الْأَرْبَعِينَ قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهُ مِنْ الْحَدِّ ، وَإِنْ كَانَ تَعْزِيرًا ، فَالتَّعْزِيرُ يَجِبُ ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْحَدِّ .\rوَأَمَّا حَدِيثُ عَلِيٍّ ، فَقَدْ صَحَّ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : { جَلَدَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْبَعِينَ وَأَبُو بَكْرٍ أَرْبَعِينَ } وَثَبَتَ الْحَدُّ بِالْإِجْمَاعِ ، فَلَمْ تَبْقَ فِيهِ شُبْهَةٌ .\r( 7349 ) فَصْلٌ : وَلَا نَعْلَمُ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ خِلَافًا فِي سَائِرِ الْحُدُودِ ، أَنَّهُ إذَا أُتِيَ بِهَا عَلَى الْوَجْهِ الْمَشْرُوعِ ، مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ ، أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ مَنْ تَلِفَ بِهَا ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ فَعَلَهَا بِأَمْرِ اللَّهِ .\rوَأَمْرِ رَسُولِهِ ، فَلَا يُؤَاخَذُ بِهِ ؛ وَلِأَنَّهُ نَائِبٌ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى ، فَكَانَ التَّلَفُ مَنْسُوبًا إلَى اللَّهِ تَعَالَى .\rوَإِنْ زَادَ عَلَى الْحَدِّ فَتَلِفَ ، وَجَبَ الضَّمَانُ ، بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ ؛ لِأَنَّهُ تَلِفَ بِعُدْوَانِهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ","part":20,"page":335},{"id":9835,"text":"ضَرَبَهُ فِي غَيْرِ الْحَدِّ .\rقَالَ أَبُو بَكْرٍ : وَفِي قَدْرِ الضَّمَانِ قَوْلَانِ ؛ أَحَدُهُمَا : كَمَالُ الدِّيَةِ ؛ لِأَنَّهُ قَتْلٌ حَصَلَ مِنْ جِهَةِ اللَّهِ وَعُدْوَانِ الضَّارِبِ ، فَكَانَ الضَّمَانُ عَلَى الْعَادِي ، كَمَا لَوْ ضَرَبَ مَرِيضًا سَوْطًا فَمَاتَ بِهِ ؛ وَلِأَنَّهُ تَلِفَ بِعُدْوَانٍ وَغَيْرِهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَلْقَى عَلَى سَفِينَةٍ مُوَقَّرَةٍ حَجَرًا فَغَرَّقَهَا .\rوَالثَّانِي : عَلَيْهِ نِصْفُ الضَّمَانِ ؛ لِأَنَّهُ تَلِفَ بِفِعْلٍ مَضْمُونٍ وَغَيْرِ مَضْمُونٍ ، فَكَانَ الْوَاجِبُ نِصْفَ الدِّيَةِ ، كَمَا لَوْ جَرَحَ نَفْسَهُ وَجَرَحَهُ غَيْرُهُ فَمَاتَ .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ .\rوَقَالَ فِي الْآخَرِ : يَجِبُ مِنْ الدِّيَةِ بِقِسْطِ مَا تَعَدَّى بِهِ ، تُقَسَّطُ الدِّيَةُ عَلَى الْأَسْوَاطِ كُلِّهَا ، وَسَوَاءٌ زَادَ خَطَأً أَوْ عَمْدًا ؛ لِأَنَّ الضَّمَانَ يَجِبُ فِي الْخَطَإِ وَالْعَمْدِ ، ثُمَّ يُنْظَرُ ؛ فَإِنْ كَانَ الْجَلَّادُ زَادَهُ مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ بِغَيْرِ أَمْرٍ ، فَالضَّمَانُ عَلَى عَاقِلَتِهِ ؛ لِأَنَّ الْعُدْوَانَ مِنْهُ ، وَكَذَلِكَ إنْ قَالَ الْإِمَامُ لَهُ : اضْرِبْ مَا شِئْت .\rفَالضَّمَانُ عَلَى عَاقِلَتِهِ .\rوَإِنْ كَانَ لَهُ مَنْ يَعُدُّ عَلَيْهِ ، فَزَادَ فِي الْعَدَدِ ، وَلَمْ يُخْبِرْهُ ، فَالضَّمَانُ عَلَى مَنْ يَعُدُّ ، سَوَاءٌ تَعَمَّدَ ذَلِكَ ، أَوْ أَخْطَأَ فِي الْعَدَدِ ؛ لِأَنَّ الْخَطَأَ مِنْهُ .\rوَإِنْ أَمَرَهُ الْإِمَامُ بِالزِّيَادَةِ عَلَى الْحَدِّ ، فَزَادَ ، فَقَالَ الْقَاضِي : الضَّمَانُ عَلَى الْإِمَامِ .\rوَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ إنْ اعْتَقَدَ وُجُوبَ طَاعَةِ الْإِمَامِ ، وَجَهِلَ تَحْرِيمَ الزِّيَادَةِ ، فَالضَّمَانُ عَلَى الْإِمَامِ ، وَإِنْ كَانَ عَالِمًا بِذَلِكَ ، فَالضَّمَانُ عَلَيْهِ ، كَمَا لَوْ أَمَرَهُ الْإِمَامُ بِقَتْلِ رَجُلٍ ظُلْمًا فَقَتَلَهُ .\rوَكُلُّ مَوْضِعٍ قُلْنَا : يَضْمَنُ الْإِمَامُ .\rفَهَلْ يَلْزَمُ عَاقِلَتَهُ أَوْ بَيْتَ الْمَالِ ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا : هُوَ فِي بَيْتِ الْمَالِ ؛ لِأَنَّ خَطَأَهُ يَكْثُرُ ، فَلَوْ وَجَبَ ضَمَانُهُ عَلَى عَاقِلَتِهِ ، أَجْحَفَ بِهِمْ .\rقَالَ الْقَاضِي :","part":20,"page":336},{"id":9836,"text":"هَذَا أَصَحُّ .\rوَالثَّانِيَةُ : هُوَ عَلَى عَاقِلَتِهِ ؛ لِأَنَّهَا وَجَبَتْ بِخَطَئِهِ ، فَكَانَتْ عَلَى عَاقِلَتِهِ ، كَمَا لَوْ رَمَى صَيْدًا فَقَتَلَ آدَمِيًّا .\rوَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الرِّوَايَتَانِ إنَّمَا هُمَا فِيمَا إذَا وَقَعَتْ الزِّيَادَةُ مِنْهُ خَطَأً ، أَمَّا إذَا تَعَمَّدَهَا ، فَهَذَا ظُلْمٌ قَصَدَهُ ، فَلَا وَجْهَ لِتَعَلُّقِ ضَمَانِهِ بِبَيْتِ الْمَالِ بِحَالٍ ، كَمَا لَوْ تَعَمَّدَ جَلْدَ مَنْ لَا حَدَّ عَلَيْهِ .\rوَأَمَّا الْكَفَّارَةُ الَّتِي تَلْزَمُ الْإِمَامَ ، فَلَا يَحْمِلُهَا عَنْهُ غَيْرُهُ ؛ لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ ، فَلَا تَتَعَلَّقُ بِغَيْرِ مَنْ وُجِدَ مِنْهُ سَبَبُهَا ؛ وَلِأَنَّهَا كَفَّارَةٌ لِفِعْلِهِ ، فَلَا تَحْصُلُ إلَّا بِتَحَمُّلِهِ إيَّاهَا ، وَلِهَذَا لَا يَدْخُلُهَا التَّحَمُّلُ بِحَالٍ .","part":20,"page":337},{"id":9837,"text":"( 7350 ) فَصْلٌ : وَلَا يُقَامُ الْحَدُّ عَلَى السَّكْرَانِ حَتَّى يَصْحُوَ .\rرُوِيَ هَذَا عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَالشَّعْبِيِّ .\rوَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ الزَّجْرُ وَالتَّنْكِيلُ ، وَحُصُولُهُ بِإِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ فِي صَحْوِهِ أَتَمُّ ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُؤَخَّرَ إلَيْهِ .","part":20,"page":338},{"id":9838,"text":"( 7351 ) فَصْلٌ : وَحَدُّ السُّكْرِ الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ فِسْقُ شَارِبِ النَّبِيذِ ، وَيُخْتَلَفُ مَعَهُ فِي وُقُوعِ طَلَاقِهِ ، وَيَمْنَعُ صِحَّةَ الصَّلَاةِ مِنْهُ ، هُوَ الَّذِي يَجْعَلُهُ يَخْلِطُ فِي كَلَامِهِ مَا لَمْ يَكُنْ قَبْلَ الشُّرْبِ ، وَيُغَيِّرُهُ عَنْ حَالِ صَحْوِهِ ، وَيَغْلِبُ عَلَى عَقْلِهِ ، وَلَا يُمَيِّزُ بَيْنَ ثَوْبِهِ وَثَوْبِ غَيْرِهِ عِنْدَ اخْتِلَاطِهِمَا ، وَلَا بَيْنَ نَعْلِهِ وَنَعْلِ غَيْرِهِ .\rوَنَحْوُ هَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَزَعَمَ أَبُو حَنِيفَةَ ، أَنَّ السَّكْرَانَ هُوَ الَّذِي لَا يَعْرِفُ السَّمَاءَ مِنْ الْأَرْضِ ، وَلَا الرَّجُلَ مِنْ الْمَرْأَةِ .\rوَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ } .\rنَزَلَتْ فِي أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ قَدَّمُوا رَجُلًا مِنْهُمْ فِي الصَّلَاةِ ، فَصَلَّى بِهِمْ ، وَتَرَكَ فِي قِرَاءَتِهِ مَا غَيَّرَ الْمَعْنَى وَقَدْ كَانُوا قَامُوا إلَى الصَّلَاةِ عَالِمِينَ بِهَا ، وَعَرَفُوا إمَامَهُمْ وَقَدَّمُوهُ لِيَؤُمَّهُمْ ، وَقَصَدَ إمَامَتَهُمْ ، وَالْقِرَاءَةَ لَهُمْ ، وَقَصَدُوا الِائْتِمَامَ بِهِ ، وَعَرَفُوا أَرْكَانَ الصَّلَاةِ ، فَأَتَوْا بِهَا ، وَدَلَّتْ الْآيَةُ عَلَى أَنَّهُ مَا لَمْ يَعْلَمْ مَا يَقُولُ ، فَهُوَ سَكْرَانُ .\rوَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُتِيَ بِسَكْرَانَ فَقَالَ : \" مَا شَرِبْت ؟ \" .\rفَقَالَ : مَا شَرِبْت إلَّا الْخَلِيطَيْنِ وَأُتِيَ بِآخَرَ سَكْرَانَ ، فَقَالَ : أَلَا أَبْلِغْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنِّي مَا سَرَقْت ، وَلَا زَنَيْت ، فَهَؤُلَاءِ قَدْ عَرَفُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاعْتَذَرُوا إلَيْهِ ، وَهُمْ سُكَارَى .\rوَفِي حَدِيثِ حَمْزَةَ عَمِّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ غَنَّتْهُ قَيْنَةٌ وَهُوَ سَكْرَانُ : أَلَا يَا حَمْزُ لِلشُّرُفِ النِّوَاءِ وَهُنَّ مُعَقَّلَاتٌ بِالْفِنَاءِ وَكَانَ عَلِيٌّ أَنَاخَ شَارِفَيْنِ لَهُ بِفِنَاءِ الْبَيْتِ الَّذِي فِيهِ","part":20,"page":339},{"id":9839,"text":"حَمْزَةُ ، فَقَامَ إلَيْهَا فَبَقَرَ بُطُونَهَا ، وَاجْتَثَّ أَسْنِمَتَهَا ، فَذَهَبَ عَلِيٌّ فَاسْتَعْدَى عَلَيْهِ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِذَا حَمْزَةُ مُحْمَرَّةٌ عَيْنَاهُ ، فَلَامَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَظَرَ إلَيْهِ وَإِلَى زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ ، فَقَالَ : وَهَلْ أَنْتُمْ إلَّا عَبِيدٌ لِأَبِي ، فَانْصَرَفَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ، فَقَدْ فَهِمَ مَا قَالَتْ الْقَيْنَةُ فِي غِنَائِهَا ، وَعَرَفَ الشَّارِفَيْنِ وَهُوَ فِي غَايَةِ سُكْرِهِ .\rوَلِأَنَّ الْمَجْنُونَ الذَّاهِبَ الْعَقْلِ بِالْكُلِّيَّةِ يَعْرِفُ السَّمَاءَ مِنْ الْأَرْضِ ، وَالرَّجُلَ مِنْ الْمَرْأَةِ ، مَعَ ذَهَابِ عَقْلِهِ ، وَرَفْعِ الْقَلَمِ عَنْهُ .","part":20,"page":340},{"id":9840,"text":"( 7352 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ ( وَيُضْرَبُ الرَّجُلُ فِي سَائِرِ الْحُدُودِ قَائِمًا بِسَوْطٍ لَا خَلَقٍ وَلَا جَدِيدٍ ، وَلَا يُمَدُّ ، وَلَا يُرْبَطُ ، وَيُتَّقَى وَجْهُهُ ) .\rوَقَوْلُهُ : فِي سَائِرِ الْحُدُودِ .\rيَعْنِي جَمِيعَ الْحُدُودِ الَّتِي فِيهَا الضَّرْبُ ، وَفِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثُ مَسَائِلَ : ( 7353 ) الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : أَنَّ الرَّجُلَ يُضْرَبُ قَائِمًا .\rوَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : يُضْرَبُ جَالِسًا .\rرَوَاهُ حَنْبَلٌ ، عَنْ أَحْمَدَ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَأْمُرْ بِالْقِيَامِ ؛ وَلِأَنَّهُ مَجْلُودٌ فِي حَدٍّ ، فَأَشْبَهَ الْمَرْأَةَ .\rوَلَنَا قَوْلُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : لِكُلِّ مَوْضِعٍ فِي الْجَسَدِ حَظٌّ - يَعْنِي فِي الْحَدِّ - إلَّا الْوَجْهَ وَالْفَرْجَ .\rوَقَالَ لِلْجَلَّادِ : اضْرِبْ ، وَأَوْجِعْ ، وَاتَّقِ الرَّأْسَ وَالْوَجْهَ .\rوَلِأَنَّ قِيَامَهُ وَسِيلَةٌ إلَى إعْطَاءِ كُلِّ عُضْوٍ حَظَّهُ مِنْ الضَّرْبِ ، وَقَوْلُهُ : إنَّ اللَّهَ لَمْ يَأْمُرْ بِالْقِيَامِ .\rقُلْنَا : وَلَمْ يَأْمُرْ بِالْجُلُوسِ ، وَلَمْ يَذْكُرْ الْكَيْفِيَّةَ ، فَعَلِمْنَاهَا مِنْ دَلِيلٍ آخَرَ ، وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُ الرَّجُلِ عَلَى الْمَرْأَةِ فِي هَذَا ؛ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ يُقْصَدُ سَتْرُهَا ، وَيُخْشَى هَتْكُهَا .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّ الضَّرْبَ يُفَرَّقُ عَلَى جَمِيعِ جَسَدِهِ ؛ لِيَأْخُذَ كُلُّ عُضْوٍ مِنْهُ حِصَّتَهُ ، وَيُكْثِرُ مِنْهُ فِي مَوَاضِعِ اللَّحْمِ ، كَالْأَلْيَتَيْنِ وَالْفَخِذَيْنِ ، وَيَتَّقِي الْمَقَاتِلَ ، وَهِيَ الرَّأْسُ وَالْوَجْهُ وَالْفَرْجُ ، مِنْ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ جَمِيعًا .\rوَقَالَ مَالِكٌ : يُضْرَبُ الظَّهْرُ ، وَمَا يُقَارِبُهُ .\rوَقَالَ أَبُو يُوسُفَ : يُضْرَبُ الرَّأْسُ أَيْضًا ؛ لِأَنَّ عَلِيًّا لَمْ يَسْتَثْنِهِ .\rوَلَنَا عَلَى مَالِكٍ قَوْلُ عَلِيٍّ ؛ وَلِأَنَّ مَا عَدَا الْأَعْضَاءَ الثَّلَاثَةَ لَيْسَ بِمَقْتَلٍ ، فَأَشْبَهَتْ الظَّهْرَ .\rوَعَلَى أَبِي يُوسُفَ ، أَنَّ الرَّأْسَ مَقْتَلٌ ، فَأَشْبَهَ الْوَجْهَ ؛ وَلِأَنَّهُ رُبَّمَا ضَرَبَهُ فِي رَأْسِهِ ، فَذَهَبَ بِسَمْعِهِ وَبَصَرِهِ وَعَقْلِهِ ، أَوْ قَتَلَهُ ، وَالْمَقْصُودُ أَدَبُهُ","part":20,"page":341},{"id":9841,"text":"لَا قَتْلُهُ .\rوَقَوْلُهُمْ : لَمْ يَسْتَثْنِهِ عَلِيٌّ مَمْنُوعٌ فَقَدْ ذَكَرْنَا عَنْهُ ، أَنَّهُ قَالَ : اتَّقِ الرَّأْسَ وَالْوَجْهَ ، وَلَوْ لَمْ يَذْكُرْهُ صَرِيحًا ، فَقَدْ ذَكَرَهُ دَلَالَةً ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى مَا اسْتَثْنَاهُ ، فَيُقَاسُ عَلَيْهِ .","part":20,"page":342},{"id":9842,"text":"( 7354 ) الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : أَنَّهُ لَا يَمُدُّ ، وَلَا يُرْبَطُ .\rوَلَا نَعْلَمُ عَنْهُمْ فِي هَذَا خِلَافًا .\rقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ : لَيْسَ فِي دِينِنَا مَدٌّ ، وَلَا قَيْدٌ ، وَلَا تَجْرِيدٌ .\rوَجَلَدَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ مَدٌّ وَلَا قَيْدٌ وَلَا تَجْرِيدٌ .\rوَلَا تُنْزَعُ عَنْهُ ثِيَابُهُ ، بَلْ يَكُونُ عَلَيْهِ الثَّوْبُ وَالثَّوْبَانِ .\rوَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ فَرْوٌ أَوَجُبَّةٌ مَحْشُوَّةٌ ، نُزِعَتْ عَنْهُ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ تُرِكَ عَلَيْهِ ذَلِكَ لَمْ يُبَالِ بِالضَّرْبِ .\rقَالَ أَحْمَدُ : لَوْ تُرِكَتْ عَلَيْهِ ثِيَابُ الشِّتَاءِ مَا بَالَى بِالضَّرْبِ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : يُجَرَّدُ ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ بِجَلْدِهِ يَقْتَضِي مُبَاشَرَةَ جِسْمِهِ .\rوَلَنَا قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَلَمْ نَعْلَمْ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ خِلَافَهُ ، وَاَللَّهُ تَعَالَى لَمْ يَأْمُرْ بِتَجْرِيدِهِ ، إنَّمَا أَمَرَ بِجَلْدِهِ ، وَمَنْ جُلِدَ مِنْ فَوْقِ الثَّوْبِ فَقَدْ جُلِدَ .","part":20,"page":343},{"id":9843,"text":"( 7355 ) الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ أَنَّ الضَّرْبَ بِالسَّوْطِ .\rوَلَا نَعْلَمُ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ خِلَافًا فِي هَذَا ، فِي غَيْرِ حَدِّ الْخَمْرِ .\rفَأَمَّا حَدُّ الْخَمْرِ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : يُقَامُ بِالْأَيْدِي وَالنِّعَالِ وَأَطْرَافِ الثِّيَابِ .\rوَذَكَرَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا أَنَّ لِلْإِمَامِ فِعْلَ ذَلِكَ إذَا رَآهُ ؛ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ، { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُتِيَ بِرَجُلٍ قَدْ شَرِبَ ، فَقَالَ : اضْرِبُوهُ قَالَ : فَمِنَّا الضَّارِبُ بِيَدِهِ ، وَالضَّارِبُ بِنَعْلِهِ ، وَالضَّارِبُ بِثَوْبِهِ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَلَنَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { إذَا شَرِبَ الْخَمْرَ ، فَاجْلِدُوهُ } وَالْجَلْدُ إنَّمَا يُفْهَمُ مِنْ إطْلَاقِهِ الضَّرْبُ بِالسَّوْطِ ؛ وَلِأَنَّهُ أَمَرَ بِجَلْدِهِ ، كَمَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِجَلْدِ الزَّانِي ، فَكَانَ بِالسَّوْطِ مِثْلَهُ ، وَالْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ ضَرَبُوا بِالسِّيَاطِ ، وَكَذَلِكَ غَيْرُهُمْ ، فَكَانَ إجْمَاعًا .\rفَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ : فَكَانَ فِي بَدْءِ الْأَمْرِ ، ثُمَّ جَلَدَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاسْتَقَرَّتْ الْأُمُورُ ، فَقَدْ صَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { جَلَدَ أَرْبَعِينَ } ، وَجَلَدَ أَبُو بَكْرٍ أَرْبَعِينَ ، وَجَلَدَ عُمَرُ ثَمَانِينَ ، وَجَلَدَ عَلِيٌّ الْوَلِيدَ بْنَ عُقْبَةَ أَرْبَعِينَ وَفِي حَدِيثِ جَلْدِ قُدَامَةَ ، حِينَ شَرِبَ ، أَنَّ عُمَرَ قَالَ : ائْتُونِي بِسَوْطٍ .\rفَجَاءَهُ أَسْلَمُ مَوْلَاهُ بِسَوْطٍ دَقِيقٍ صَغِيرٍ ، فَأَخَذَهُ عُمَرُ ، فَمَسَحَهُ بِيَدِهِ ، ثُمَّ قَالَ لِأَسْلَمَ : أَنَا أُحَدِّثُك ، إنَّك ذَكَرْت قَرَابَتَهُ لِأَهْلِك ، ائْتِنِي بِسَوْطٍ غَيْرِ هَذَا .\rفَأَتَاهُ بِهِ تَامًّا ، فَأَمَرَ عُمَرُ بِقُدَامَةَ فَجُلِدَ إذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّ السَّوْطَ يَكُونُ وَسَطًا ، لَا جَدِيدًا فَيَجْرَحُ ، وَلَا خَلَقًا فَيَقِلُّ أَلَمُهُ ؛ لِمَا رُوِيَ { أَنَّ رَجُلًا اعْتَرَفَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالزِّنَا ، فَدَعَا لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسَوْطٍ","part":20,"page":344},{"id":9844,"text":"، فَأُتِيَ بِسَوْطٍ مَكْسُورٍ ، فَقَالَ : فَوْقَ هَذَا .\rفَأُتِيَ بِسَوْطٍ جَدِيدٍ لَمْ تُكْسَرْ ثَمَرَتُهُ .\rفَقَالَ : بَيْنَ هَذَيْنِ .\r} رَوَاهُ مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ مُرْسَلًا .\rوَرُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مُسْنَدًا .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : ضَرْبٌ بَيْنَ ضَرْبَيْنِ ، وَسَوْطٌ بَيْنَ سَوْطَيْنِ وَهَكَذَا الضَّرْبُ يَكُونُ وَسَطًا ، لَا شَدِيدٌ فَيَقْتُلُ ، وَلَا ضَعِيفٌ فَلَا يَرْدَعُ .\rوَلَا يَرْفَعُ بَاعَهُ كُلَّ الرَّفْعِ ، وَلَا يَحُطُّهُ فَلَا يُؤْلِمُ .\rقَالَ أَحْمَدُ : لَا يُبْدِي إبْطَهُ فِي شَيْءٍ مِنْ الْحُدُودِ .\rيَعْنِي : لَا يُبَالِغُ فِي رَفْعِ يَدِهِ ، فَإِنَّ الْمَقْصُودَ أَدَبُهُ ، لَا قَتْلُهُ .","part":20,"page":345},{"id":9845,"text":"( 7356 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَتُضْرَبُ الْمَرْأَةُ جَالِسَةً ، وَتُمْسَكُ يَدَاهَا ، لِئَلَّا تَنْكَشِفَ ) وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَمَالِكٌ .\rوَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى وَأَبُو يُوسُفَ : تُحَدُّ قَائِمَةً ، كَمَا تُلَاعِنُ .\rوَلَنَا مَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : تُضْرَبُ الْمَرْأَةُ جَالِسَةً وَالرَّجُلُ قَائِمًا ؛ وَلِأَنَّ الْمَرْأَةَ عَوْرَةٌ ، وَجُلُوسَهَا أَسْتَرُ لَهَا .\rوَيُفَارِقُ اللِّعَانَ ، فَإِنَّهُ لَا يُؤَدِّي إلَى كَشْفِ الْعَوْرَةِ ، وَتُشَدُّ عَلَيْهَا ثِيَابُهَا ؛ لِئَلَّا يَنْكَشِفَ شَيْءٌ مِنْ عَوْرَتِهَا عِنْد الضَّرْب .","part":20,"page":346},{"id":9846,"text":"( 7357 ) فَصْلٌ : أَشَدُّ الضَّرْبِ فِي الْحَدِّ ضَرْبُ الزَّانِي ، ثُمَّ حَدُّ الْقَذْفِ ، ثُمَّ حَدُّ الشُّرْبِ ، ثُمَّ التَّعْزِيرُ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : كُلُّهَا وَاحِدٌ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِجَلْدِ الزَّانِي وَالْقَاذِفِ أَمْرًا وَاحِدًا ، وَمَقْصُودُ جَمِيعِهَا وَاحِدٌ ، وَهُوَ الزَّجْرُ ، فَيَجِبُ تَسَاوِيهَا فِي الصِّفَةِ .\rوَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ : { التَّعْزِيرُ أَشَدُّهَا ، ثُمَّ حَدُّ الزَّانِي ، ثُمَّ حَدُّ الشُّرْبِ ، ثُمَّ حَدُّ الْقَذْفِ .\rوَلَنَا } أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَصَّ الزَّانِيَ بِمَزِيدِ تَأْكِيدٍ ، بِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ : { وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ } فَاقْتَضَى ذَلِكَ مَزِيدَ تَأْكِيدٍ فِيهِ ، وَلَا يُمْكِنُ ذَلِكَ فِي الْعَدَدِ ، فَتَعَيَّنَ جَعْلُهُ فِي الصِّفَةِ ؛ وَلِأَنَّ مَا دُونَهُ أَخَفُّ مِنْهُ عَدَدًا ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَزِيدَ عَلَيْهِ فِي إيلَامِهِ وَوَجَعِهِ ؛ لِأَنَّهُ يُفْضِي إلَى التَّسْوِيَةِ بَيْنَهُمَا ، أَوْ زِيَادَةِ الْقَلِيلِ عَلَى أَلَمِ الْكَثِيرِ .","part":20,"page":347},{"id":9847,"text":"( 7358 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَيُجْلَدُ الْعَبْدُ وَالْأَمَةُ أَرْبَعِينَ ، بِدُونِ سَوْطِ الْحُرِّ ) .\rهَذَا عَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي تَقُولُ : إنَّ حَدَّ الْحُرِّ فِي الشُّرْبِ ثَمَانُونَ .\rفَحَدُّ الْعَبْدِ وَالْأَمَةِ نِصْفُهَا أَرْبَعُونَ .\rوَعَلَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى ، حَدُّهُمَا عِشْرُونَ ، نِصْفُ حَدِّ الْحُرِّ ، بِدُونِ سَوْطِ الْحُرِّ ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا خُفِّفَ عَنْهُ فِي عَدَدِهِ ؛ خُفِّفَ عَنْهُ فِي صِفَتِهِ ، كَالتَّعْزِيرِ مَعَ الْحَدِّ .\rوَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ سَوْطُهُ كَسَوْطِ الْحُرِّ ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَتَحَقَّقُ التَّنْصِيفُ إذَا كَانَ السَّوْطُ مِثْلَ السَّوْطِ ، أَمَّا إذَا كَانَ نِصْفًا فِي عَدَدِهِ ، وَأَخَفَّ مِنْهُ فِي سَوْطِهِ ، كَانَ أَقَلَّ مِنْ النِّصْفِ ، وَاَللَّهُ تَعَالَى قَدْ أَوْجَبَ النِّصْفَ ، بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنْ الْعَذَابِ } .","part":20,"page":348},{"id":9848,"text":"( 7359 ) فَصْلٌ : وَلَا تُقَامُ الْحُدُودُ فِي الْمَسَاجِدِ .\rوَبِهَذَا قَالَ عِكْرِمَةُ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ .\rوَكَانَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى يَرَى إقَامَتَهُ فِي الْمَسْجِدِ .\rوَلَنَا مَا رَوَى حَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ ، { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى أَنْ يُسْتَقَادَ فِي الْمَسْجِدِ ، وَأَنْ تُنْشَدَ فِيهِ الْأَشْعَارُ ، وَأَنْ تُقَامَ فِيهِ الْحُدُودُ } وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ ، أَنَّهُ أُتِيَ بِرَجُلٍ ، فَقَالَ : أَخْرِجَاهُ مِنْ الْمَسْجِدِ ، فَاضْرِبَاهُ ، وَعَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ أُتِيَ بِسَارِقٍ ، فَقَالَ : يَا قَنْبَرُ ، أَخْرِجْهُ مِنْ الْمَسْجِدِ ، فَاقْطَعْ يَدَهُ .\rوَلِأَنَّ الْمَسَاجِدَ لَمْ تُبْنَ لِهَذَا ، إنَّمَا بُنِيَتْ لِلصَّلَاةِ ، وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ ، وَذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَلَا نَأْمَنُ أَنْ يَحْدُثَ مِنْ الْمَحْدُودِ حَدَثٌ فَيُنَجِّسَهُ وَيُؤْذِيَهُ ، وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِتَطْهِيرِهِ ، فَقَالَ { وَطَهِّرْ بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ } .","part":20,"page":349},{"id":9849,"text":"( 7360 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَالْعَصِيرُ إذَا أَتَتْ عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ فَقَدْ حَرُمَ ، إلَّا أَنْ يُغْلَى قَبْلَ ذَلِكَ ، فَيَحْرُمَ ) أَمَّا إذَا غُلِيَ الْعَصِيرُ كَغَلَيَانِ الْقِدْرِ ، وَقَذَفَ بِزَبَدِهِ ، فَلَا خِلَافَ فِي تَحْرِيمِهِ وَإِنْ أَتَتْ عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ وَلَمْ يُغْلَ ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا : هُوَ حَرَامٌ .\rوَقَالَ أَحْمَدُ : اشْرَبْهُ ثَلَاثًا ، مَا لَمْ يُغْلَ ، فَإِذَا أَتَى عَلَيْهِ أَكْثَرُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ، فَلَا تَشْرَبْهُ .\rوَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ يَقُولُونَ : هُوَ مُبَاحٌ مَا لَمْ يُغْلَ وَيُسْكِرْ ؛ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { اشْرَبُوا فِي كُلِّ وِعَاءٍ ، وَلَا تَشْرَبُوا مُسْكِرًا } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَلِأَنَّ عِلَّةَ تَحْرِيمِهِ الشِّدَّةُ الْمُطْرِبَةُ ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ فِي الْمُسْكِرِ خَاصَّةً .\rوَلَنَا مَا رَوَى أَبُو دَاوُد ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُنْبَذُ لَهُ الزَّبِيبُ ، فَيَشْرَبُهُ الْيَوْمَ وَالْغَدَ وَبَعْدَ الْغَدِ ، إلَى مَسَاءِ الثَّالِثَةِ ، ثُمَّ يَأْمُرُ بِهِ فَيُسْقَى الْخَدَمُ ، أَوْ يُهْرَاقُ } وَرَوَى الشَّالَنْجِيُّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { اشْرَبُوا الْعَصِيرَ ثَلَاثًا ، مَا لَمْ يُغْلَ } وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ : اشْرَبْهُ مَا لَمْ يَأْخُذْهُ شَيْطَانُهُ .\rقِيلَ : وَفِي كَمْ يَأْخُذُهُ شَيْطَانُهُ ؟ قَالَ : فِي ثَلَاثٍ وَلِأَنَّ الشِّدَّةَ تَحْصُلُ فِي الثَّلَاثِ غَالِبًا ، وَهِيَ خَفِيَّةٌ تَحْتَاجُ إلَى ضَابِطٍ ، فَجَازَ جَعْلُ الثَّلَاثِ ضَابِطًا لَهَا .\rوَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ شُرْبُهُ فِيمَا زَادَ عَلَى الثَّلَاثَةِ إذَا لَمْ يُغْلَ مَكْرُوهًا غَيْرَ مُحَرَّمٍ ، فَإِنَّ أَحْمَدَ لَمْ يُصَرِّحْ بِتَحْرِيمِهِ ، وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ : أَكْرَهُهُ .\rوَذَلِكَ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ يَشْرَبُهُ بَعْدَ ثَلَاثٍ .\rوَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : عِنْدِي أَنَّ كَلَامَ أَحْمَدَ فِي ذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلَى عَصِيرٍ الْغَالِبُ أَنَّهُ يَتَخَمَّرُ فِي ثَلَاثَةِ أَيَّامِ .","part":20,"page":350},{"id":9850,"text":"( 7361 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَكَذَلِكَ النَّبِيذُ ) يَعْنِي : أَنَّ النَّبِيذَ مُبَاحٌ مَا لَمْ يُغْلَ ، أَوْ تَأْتِيَ عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ .\rوَالنَّبِيذُ : مَا يُلْقَى فِيهِ تَمْرٌ أَوْ زَبِيبٌ أَوْ نَحْوُهُمَا ؛ لِيَحْلُوَ بِهِ الْمَاءُ ، وَتَذْهَبَ مُلُوحَتُهُ ، فَلَا بَأْسَ بِهِ مَا لَمْ يُغْلَ ، أَوْ تَأْتِيَ عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ ؛ لِمَا رَوَيْنَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ .\rوَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : { عَلِمْت أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَصُومُ ، فَتَحَيَّنْت فِطْرَهُ بِنَبِيذٍ صَنَعْتُهُ فِي دُبَّاءٍ ثُمَّ أَتَيْته بِهِ ، فَإِذَا هُوَ يَنِشُّ .\rفَقَالَ : اضْرِبْ بِهَذَا الْحَائِطِ ؛ فَإِنَّ هَذَا شَرَابُ مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَلِأَنَّهُ إذَا بَلَغَ ذَلِكَ صَارَ مُسْكِرًا ، وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ .","part":20,"page":351},{"id":9851,"text":"( 7362 ) فَصْلٌ : وَالْخَمْرُ نَجِسَةٌ .\rفِي قَوْلِ عَامَّة أَهْل الْعِلْمِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَرَّمَهَا لِعَيْنِهَا ، فَكَانَتْ نَجِسَةً ، كَالْخِنْزِيرِ .\rوَكُلُّ مُسْكِرٍ فَهُوَ حَرَامٌ ، نَجِسٌ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا .","part":20,"page":352},{"id":9852,"text":"( 7363 ) فَصْلٌ : وَمَا طُبِخَ مِنْ الْعَصِيرِ وَالنَّبِيذِ قَبْلَ غَلَيَانِهِ ، حَتَّى صَارَ غَيْرَ مُسْكِرٍ ، كَالدِّبْسِ ، وَرُبِّ الْخُرْنُوبِ ، وَغَيْرِهِمَا مِنْ الْمُرَبَّيَاتِ وَالسُّكَّرِ ، فَهُوَ مُبَاحٌ ؛ لِأَنَّ التَّحْرِيمَ إنَّمَا ثَبَتَ فِي الْمُسْكِرِ ، فَفِيمَا عَدَاهُ يَبْقَى عَلَى أَصْلِ الْإِبَاحَةِ وَمَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ ، سَوَاءٌ ذَهَبَ مِنْهُ الثُّلُثَانِ ، أَوْ أَقَلُّ ، أَوْ أَكْثَرُ .\rقَالَ أَبُو دَاوُد : سَأَلْت أَحْمَدَ ، عَنْ شُرْبِ الطِّلَاءِ إذَا ذَهَبَ ثُلُثَاهُ ، وَبَقِيَ ثُلُثُهُ ؟ قَالَ : لَا بَأْسَ بِهِ .\rقِيلَ لِأَحْمَدْ : إنَّهُمْ يَقُولُونَ : إنَّهُ يُسْكِرُ .\rقَالَ : لَا يُسْكِرُ ، وَلَوْ كَانَ يُسْكِرُ مَا أَحَلَّهُ عُمَرُ .","part":20,"page":353},{"id":9853,"text":"( 7364 ) فَصْلٌ : وَلَا بَأْسَ بِالْفُقَّاعِ وَبِهِ قَالَ إِسْحَاقُ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ .\rوَلَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا ؛ لِأَنَّهُ لَا يُسْكِرُ ، وَإِذَا تُرِكَ يَفْسُدُ ، بِخِلَافِ الْخَمْرِ ، وَالْأَشْيَاءُ عَلَى الْإِبَاحَةِ ، مَا لَمْ يَرِدْ بِتَحْرِيمِهَا حُجَّةٌ .","part":20,"page":354},{"id":9854,"text":"( 7365 ) فَصْلٌ : وَيَحُوزُ الِانْتِبَاذُ فِي الْأَوْعِيَةِ كُلِّهَا .\rوَعَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّهُ كَرِهَ الِانْتِبَاذَ فِي الدُّبَّاءِ وَالْحَنْتَمِ وَالنَّقِيرِ وَالْمُزَفَّتِ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ الِانْتِبَاذِ فِيهَا وَالدُّبَّاءُ : وَهُوَ الْيَقْطِينُ .\rوَالْحَنْتَمُ : الْجِرَارُ .\rوَالنَّقِيرُ : الْخَشَبُ .\rوَالْمُزَفَّتُ : الَّذِي يُطْلَى بِالزِّفْتِ .\rوَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ ؛ لِمَا رَوَى بُرَيْدَةَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { نَهَيْتُكُمْ عَنْ ثَلَاثٍ ، وَأَنَا آمُرُكُمْ بِهِنَّ ؛ نَهَيْتُكُمْ عَنْ الْأَشْرِبَةِ أَنْ لَا تَشْرَبُوا إلَّا فِي ظُرُوفِ الْأَدَمِ ، فَاشْرَبُوا فِي كُلِّ وِعَاءٍ ، وَلَا تَشْرَبُوا مُسْكِرًا } رَوَاهُ مُسْلِمٌ .\rوَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى نَسْخِ النَّهْيِ ، وَلَا حُكْمَ لِلْمَنْسُوخِ .","part":20,"page":355},{"id":9855,"text":"( 7366 ) فَصْلٌ : وَيُكْرَهُ الْخَلِيطَانِ ، وَهُوَ أَنْ يُنْبَذَ فِي الْمَاءِ شَيْئَانِ ؛ { لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ الْخَلِيطَيْنِ } ، وَقَالَ أَحْمَدُ : الْخَلِيطَانِ حَرَامٌ .\rوَقَالَ فِي الرَّجُلِ يَنْقَعُ الزَّبِيبَ ، وَالتَّمْرَ الْهِنْدِيَّ ، وَالْعُنَّابَ وَنَحْوَهُ ، يَنْقَعُهُ غُدْوَةً ، وَيَشْرَبُهُ عَشِيَّةً لِلدَّوَاءِ : أَكْرَهُهُ ؛ لِأَنَّهُ نَبِيذٌ ، وَلَكِنْ يَطْبُخُهُ وَيَشْرَبُهُ عَلَى الْمَكَانِ .\rوَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادِهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ { نَهَى أَنْ يُنْبَذَ الْبُسْرُ وَالرُّطَبُ جَمِيعًا ، وَنَهَى أَنْ يُنْبَذَ الزَّبِيبُ وَالتَّمْرُ جَمِيعًا .\r} وَفِي رِوَايَةٍ : وَانْتَبِذْ كُلَّ وَاحِدٍ عَلَى حِدَةٍ \" .\rوَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ ، قَالَ { نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَ التَّمْرِ وَالزَّهْوِ ، وَالتَّمْرِ وَالزَّبِيبِ ، وَلْيُنْبَذْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى حِدَةٍ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ قَالَ الْقَاضِي : يَعْنِي أَحْمَدُ بِقَوْلِهِ : هُوَ حَرَامٌ .\rإذَا اشْتَدَّ وَأَسْكَرَ ، وَإِذَا لَمْ يُسْكِرْ لَمْ يَحْرُمْ .\rوَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - وَإِنَّمَا نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعِلَّةِ إسْرَاعِهِ إلَى السُّكْرِ الْمُحَرَّمِ ، فَإِذَا لَمْ يُوجَدْ ، لَمْ يَثْبُتْ التَّحْرِيمُ ، كَمَا أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ نَهَى عَنْ الِانْتِبَاذِ فِي الْأَوْعِيَةِ الْمَذْكُورَةِ لِهَذِهِ الْعِلَّةِ ، ثُمَّ أَمَرَهُمْ بِالشُّرْبِ فِيهَا ، مَا لَمْ تُوجَدْ حَقِيقَةُ الْإِسْكَارِ ، وَقَدْ دَلَّ عَلَى صِحَّةِ هَذَا مَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ ، قَالَتْ { : كُنَّا نَنْبِذُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَأْخُذُ قَبْضَةً مِنْ تَمْرٍ ، وَقَبْضَةً مِنْ زَبِيبٍ ، فَنَطْرَحُهَا فِيهِ ، ثُمَّ نَصُبُّ عَلَيْهَا الْمَاءَ ، فَنَنْبِذُهُ غُدْوَةً ، فَيَشْرَبُهُ عَشِيَّةً ، وَنَنْبِذُهُ عَشِيَّةً ، فَيَشْرَبُهُ غُدْوَةً .\r} رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ ، وَأَبُو دَاوُد .\rفَلَمَّا كَانَتْ مُدَّةُ الِانْتِبَاذِ قَرِيبَةً ، وَهِيَ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ ، لَا","part":20,"page":356},{"id":9856,"text":"يُتَوَهَّمُ الْإِسْكَارُ فِيهَا لَمْ يُكْرَهْ ، وَلَوْ كَانَ مَكْرُوهًا لَمَا فُعِلَ هَذَا فِي بَيْتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُ .\rفَعَلَى هَذَا ، لَا يُكْرَهُ مَا كَانَ فِي الْمُدَّةِ الْيَسِيرَةِ ، وَيُكْرَهُ مَا كَانَ فِي مُدَّةٍ يُحْتَمَلُ إفْضَاؤُهُ إلَى الْإِسْكَارِ ، وَلَا يَثْبُتُ التَّحْرِيمُ مَا لَمْ يُغْلَ ، أَوْ تَمْضِيَ عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ .","part":20,"page":357},{"id":9857,"text":"( 7367 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَالْخَمْرَةُ إذَا أُفْسِدَتْ ، فَصُيِّرَتْ خَلًّا ، لَمْ تَزُلْ عَنْ تَحْرِيمِهَا ، وَإِنْ قَلَبَ اللَّهُ عَيْنَهَا فَصَارَتْ خَلًّا ، فَهِيَ حَلَالٌ ) رُوِيَ هَذَا عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَبِهِ قَالَ الزُّهْرِيُّ وَنَحْوُهُ قَوْلُ مَالِكٍ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : إنْ أُلْقِيَ فِيهَا شَيْءٌ يُفْسِدُهَا كَالْمِلْحِ ، فَتَخَلَّلَتْ ، فَهِيَ عَلَى تَحْرِيمِهَا ، وَإِنْ نُقِلَتْ مِنْ شَمْسٍ إلَى ظِلٍّ ، أَوْ مِنْ ظِلٍّ إلَى شَمْسٍ فَتَخَلَّلَتْ ، فَفِي إبَاحَتِهَا قَوْلَانِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : تَطْهُرُ فِي الْحَالَيْنِ ؛ لِأَنَّ عِلَّةَ تَحْرِيمِهَا زَالَتْ بِتَخْلِيلِهَا فَطَهُرَتْ ، كَمَا لَوْ تَخَلَّلَتْ بِنَفْسِهَا ، يُحَقِّقُهُ أَنَّ التَّطْهِيرَ لَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ مَا حَصَلَ بِفِعْلِ اللَّهِ تَعَالَى وَفِعْلِ الْآدَمِيِّ ، كَتَطْهِيرِ الثَّوْبِ وَالْبَدَنِ وَالْأَرْضِ .\rوَنَحْوُ هَذَا قَوْلُ عَطَاءٍ ، وَعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، وَالْحَارِثِ الْعُكْلِيِّ .\rوَذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ وَجْهًا فِي مَذْهَبِنَا ، فَقَالَ : وَإِنْ خُلِّلَتْ لَمْ تَطْهُرْ .\rوَقِيلَ : تَطْهُرُ .\rوَلَنَا مَا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ ، قَالَ { : كَانَ عِنْدَنَا خَمْرٌ لِيَتِيمٍ ، فَلَمَّا نَزَلَتْ الْمَائِدَةُ ، سَأَلْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْت : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنَّهُ لِيَتِيمٍ ؟ قَالَ : أَهْرِيقُوهُ } رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ .\rوَعَنْ أَنَسٍ قَالَ : { سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَتَّخِذُ الْخَمْرَ خَلًّا ؟ قَالَ : لَا } قَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ .\rوَرَوَاهُ مُسْلِمٌ .\rوَعَنْ أَبِي طَلْحَةَ ، { أَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَيْتَامٍ وَرِثُوا خَمْرًا ؟ فَقَالَ : أَهْرِقْهَا قَالَ : أَفَلَا أُخَلِّلُهَا ؟ قَالَ : لَا } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَهَذَا نَهْيٌ يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ ، وَلَوْ كَانَ إلَى اسْتِصْلَاحِهَا سَبِيلٌ ، لَمْ تَجُزْ إرَاقَتُهَا ، بَلْ أَرْشَدَهُمْ إلَيْهِ ، سِيَّمَا وَهِيَ لِأَيْتَامٍ يَحْرُمُ التَّفْرِيطُ فِي أَمْوَالِهِمْ ؛ وَلِأَنَّهُ إجْمَاعُ","part":20,"page":358},{"id":9858,"text":"الصَّحَابَةِ ، فَرُوِيَ أَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ صَعِدَ الْمِنْبَرَ ، فَقَالَ : لَا يَحِلُّ خَلُّ خَمْرٍ أُفْسِدَتْ ، حَتَّى يَكُونَ اللَّهُ تَعَالَى هُوَ تَوَلَّى إفْسَادَهَا .\rوَلَا بَأْسَ عَلَى مُسْلِمٍ ابْتَاعَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ خَلًّا ، مَا لَمْ يَتَعَمَّدْ لِإِفْسَادِهَا ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يَقَعُ النَّهْيُ .\rرَوَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ فِي \" الْأَمْوَالِ \" بِنَحْوٍ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى .\rوَهَذَا قَوْلٌ يَشْتَهِرُ ؛ لِأَنَّهُ خَطَبَ بِهِ النَّاسَ عَلَى الْمِنْبَرِ ، فَلَمْ يُنْكَرْ .\rفَأَمَّا إذَا انْقَلَبَتْ بِنَفْسِهَا ، فَإِنَّهَا تَطْهُرُ وَتَحِلُّ ، فِي قَوْلِ جَمِيعِهِمْ فَقَدْ رُوِيَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الْأَوَائِلِ ، أَنَّهُمْ اصْطَبَغُوا بِخَلِّ خَمْرٍ ؛ مِنْهُمْ عَلِيٌّ ، وَأَبُو الدَّرْدَاءِ ، وَابْنُ عُمَرَ ، وَعَائِشَةُ .\rوَرَخَّصَ فِيهِ الْحَسَنُ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ أَخْبَارِهِمْ أَنَّهُمْ اتَّخَذُوهُ خَلًّا ، وَلَا أَنَّهُ انْقَلَبَ بِنَفْسِهِ ، لَكِنْ قَدْ بَيَّنَهُ عُمَرُ بِقَوْلِهِ : لَا يَحِلُّ خَلُّ خَمْرٍ أُفْسِدَتْ ، حَتَّى يَكُونَ اللَّهُ هُوَ يَتَوَلَّى إفْسَادَهَا .\rوَلِأَنَّهَا إذَا انْقَلَبَتْ بِنَفْسِهَا ، فَقَدْ زَالَتْ عِلَّةُ تَحْرِيمِهَا ، مِنْ غَيْرِ عِلَّةٍ خَلَّفَتْهَا ، فَطَهُرَتْ ، كَالْمَاءِ إذَا زَالَ تَغَيُّرُهُ بِمُكْثِهِ .\rوَإِذَا أُلْقِيَ فِيهَا شَيْءٌ تَنَجَّسَ بِهَا ، ثُمَّ إذَا انْقَلَبَتْ ، بَقِيَ مَا أُلْقِيَ فِيهَا نَجِسًا ، فَنَجَّسَهَا وَحَرَّمَهَا .\rفَأَمَّا إنْ نَقَلَهَا مِنْ مَوْضِعٍ إلَى آخَرَ ، فَتَخَلَّلَتْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُلْقِيَ فِيهَا شَيْئًا ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَصَدَ تَخْلِيلَهَا ، حَلَّتْ بِذَلِكَ ؛ لِأَنَّهَا تَخَلَّلَتْ بِفِعْلِ اللَّهِ تَعَالَى فِيهَا .\rوَإِنْ قَصَدَ بِذَلِكَ تَخْلِيلَهَا ، اُحْتُمِلَ أَنْ تَطْهُرَ ؛ لِأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا إلَّا الْقَصْدُ ، فَلَا يَقْتَضِي تَحْرِيمَهَا وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا تَطْهُرَ ؛ لِأَنَّهَا خُلِّلَتْ ، فَلَمْ تَطْهُرْ ، كَمَا لَوْ أُلْقِيَ فِيهَا شَيْءٌ .","part":20,"page":359},{"id":9859,"text":"( 7368 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَالشُّرْبُ فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ حَرَامٌ ) هَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rوَحُكِيَ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ أَنَّهُ قَالَ : لَا بَأْسَ بِالشُّرْبِ مِنْ قَدَحِ فِضَّةٍ .\rوَحُكِيَ عَنْ الشَّافِعِيِّ قَوْلُ أَنَّهُ مَكْرُوهٌ غَيْرُ مُحَرَّمٍ ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّشَبُّهِ بِالْأَعَاجِمِ ، فَلَا يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ .\rوَلَنَا قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { الَّذِي يَشْرَبُ فِي آنِيَةِ الْفِضَّةِ ، إنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ } .\rوَقَالَ : { لَا تَشْرَبُوا فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ ، وَلَا تَأْكُلُوا فِي صِحَافِهَا ، فَإِنَّهَا لَهُمْ فِي الدُّنْيَا ، وَلَكُمْ فِي الْآخِرَةِ } أَخْرَجَهُمَا الْبُخَارِيُّ وَمُقْتَضَى نَهْيِهِ التَّحْرِيمُ ، وَقَدْ تَوَعَّدَ عَلَيْهِ بِنَارِ جَهَنَّمَ فَإِنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ : \" تُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ \" .\rأَيْ هَذَا سَبَبٌ لِنَارِ جَهَنَّمَ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى { : إنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا } فَلَمْ يَبْقَ فِي تَحْرِيمِهِ إشْكَالٌ .\rوَقَدْ رُوِيَ أَنَّ حُذَيْفَةَ اسْتَسْقَى ، فَأَتَاهُ دِهْقَانٌ بِإِنَاءٍ مِنْ فِضَّةٍ ، فَرَمَاهُ بِهِ فَلَوْ أَصَابَهُ لَكَسَرَ مِنْهُ شَيْئًا ، ثُمَّ قَالَ : إنَّمَا رَمَيْتُهُ بِهِ ؛ لِأَنَّنِي نَهَيْتُهُ عَنْهُ ، وَذَكَرَ هَذَا الْخَبَرَ .\rوَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ فَهِمَ التَّحْرِيمَ مِنْ نَهْيِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى اسْتَحَلَّ عُقُوبَتَهُ ، لِمُخَالَفَتِهِ إيَّاهُ .","part":20,"page":360},{"id":9860,"text":"( 7369 ) فَصْلٌ : وَيَحْرُمُ اتِّخَاذُ الْآنِيَةِ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ ، وَاسْتِصْنَاعُهَا ؛ لِأَنَّ مَا حَرُمَ اسْتِعْمَالُهُ ، حَرُمَ اتِّخَاذُهُ عَلَى هَيْئَةِ الِاسْتِعْمَالِ ، كَالطُّنْبُورِ ، وَالْمِزْمَارِ .\rوَيَسْتَوِي فِي ذَلِكَ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ ؛ لِعُمُومِ الْحَدِيثِ ؛ وَلِأَنَّ عِلَّةَ تَحْرِيمِهَا السَّرَفُ وَالْخُيَلَاءُ وَكَسْرُ قُلُوبِ الْفُقَرَاءِ ، وَهَذَا مَعْنًى يَشْمَلُ الْفَرِيقَيْنِ ، وَإِنَّمَا أُبِيحَ لِلنِّسَاءِ التَّحَلِّي لِلْحَاجَةِ إلَى التَّزَيُّنِ لِلْأَزْوَاجِ ، فَتَخْتَصُّ الْإِبَاحَةُ بِهِ دُونَ غَيْرِهِ .\rفَإِنْ قِيلَ : لَوْ كَانَتْ الْعِلَّةُ مَا ذَكَرْتُمْ ، لَحَرُمَتْ آنِيَةُ الْيَاقُوتِ وَنَحْوِهِ مِمَّا هُوَ أَرْفَعُ مِنْ الْأَثْمَانِ .\rقُلْنَا : تِلْكَ لَا يَعْرِفُهَا الْفُقَرَاءُ ، فَلَا تَنْكَسِرُ قُلُوبُهُمْ بِاِتِّخَاذِ الْأَغْنِيَاءِ لَهَا ، لِعَدَمِ مَعْرِفَتِهِمْ بِهَا ؛ وَلِأَنَّ قِلَّتَهَا فِي نَفْسِهَا تَمْنَعُ اتِّخَاذَهَا ، فَيُسْتَغْنَى بِذَلِكَ عَنْ تَحْرِيمِهَا ، بِخِلَافِ الْأَثْمَانِ .","part":20,"page":361},{"id":9861,"text":"( 7370 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَإِنْ كَانَ قَدَحٌ عَلَيْهِ ضَبَّةٌ ، فَشَرِبَ مِنْ غَيْرِ مَوْضِعِ الضَّبَّةِ ، فَلَا بَأْسَ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الضَّبَّةَ مِنْ الْفِضَّةِ تُبَاحُ بِثَلَاثَةِ شُرُوطٍ ؛ أَحَدُهَا : أَنْ تَكُونَ يَسِيرَةً .\rالثَّانِي : أَنْ تَكُونَ مِنْ الْفِضَّةِ ، فَأَمَّا الذَّهَبُ : فَلَا يُبَاحُ ، وَقَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ حَرَامٌ .\rوَرُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ ، أَنَّهُ رَخَّصَ فِي يَسِيرِ الذَّهَبِ .\rالثَّالِثُ : أَنْ يَكُونَ لِلْحَاجَةِ ، أَعْنِي أَنَّهُ جَعَلَهَا لِمَصْلَحَةٍ وَانْتِفَاعٍ ، مِثْلَ أَنْ تُجْعَلَ عَلَى شَقٍّ أَوْ صَدْعٍ ، وَإِنْ قَامَ غَيْرُهَا مَقَامَهَا .\rوَقَالَ الْقَاضِي : لَيْسَ هَذَا بِشَرْطٍ ، وَيَجُوزُ الْيَسِيرُ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ ، إذَا لَمْ يُبَاشَرْ بِالِاسْتِعْمَالِ ، وَإِنَّمَا كَرِهَ أَحْمَدُ الْحَلْقَةَ وَنَحْوَهَا ؛ لِأَنَّهَا تُبَاشَرُ بِالِاسْتِعْمَالِ .\rوَمِمَّنْ رَخَّصَ فِي ضَبَّةِ الْفِضَّةِ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَمَيْسَرَةُ ، وَزَاذَانُ ، وَطَاوُسٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ، وَإِسْحَاقُ ، وَقَالَ : قَدْ وَضَعَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ فَاهُ بَيْنَ ضَبَّتَيْنِ .\r، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ لَا يَشْرَبُ مِنْ قَدَحٍ فِيهِ حَلْقَةُ فِضَّةٍ وَلَا ضَبَّةٌ مِنْهَا وَكَرِهَ الشُّرْبَ فِي الْإِنَاءِ الْمُفَضَّضِ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ ، وَعَطَاءٌ ، وَسَالِمٌ ، وَالْمُطَّلِبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْطَبٍ وَنَهَتْ عَائِشَةُ أَنْ يُضَبِّبَ الْآنِيَةَ ، أَوْ يُحَلِّقَهَا بِالْفِضَّةِ ، وَنَحْوُ ذَلِكَ قَوْلُ الْحَسَنِ ، وَابْنِ سِيرِينَ وَلَعَلَّ هَؤُلَاءِ كَرِهُوا مَا قُصِدَ بِهِ الزِّينَةُ ، أَوْ كَانَ كَثِيرًا ، أَوْ يُسْتَعْمَلُ ، فَيَكُونُ قَوْلُهُمْ وَقَوْلُ الْأَوَّلِينَ وَاحِدًا ، وَلَا يَكُونُ فِي الْمَسْأَلَةِ خِلَافٌ ، فَأَمَّا الْيَسِيرُ : كَتَشْعِيبِ الْقَدَحِ وَنَحْوِهِ ، فَلَا بَأْسَ ؛ وَلِأَنَّ { النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ لَهُ قَدَحٌ فِيهِ سِلْسِلَةٌ مِنْ فِضَّةٍ شُعِّبَ بِهَا } .\rرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ بِمَعْنَاهُ .\rوَلِأَنَّ ذَلِكَ يَسِيرٌ مِنْ الْفِضَّةِ ، فَأَشْبَهَ الْخَاتَمَ .\rوَكَرِهَ أَحْمَدُ أَنْ","part":20,"page":362},{"id":9862,"text":"يُبَاشِرَ مَوْضِعَ الضَّبَّةِ بِالِاسْتِعْمَالِ ، فَلَا يَشْرَبُ مِنْ مَوْضِعِ الضَّبَّةِ ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ كَالشَّارِبِ مِنْ إنَاءِ فِضَّةٍ ، وَكَرِهَ الْحَلْقَةَ مِنْ فِضَّةٍ ؛ لِأَنَّ الْقَدَحَ يُرْفَعُ بِهَا ، فَيُبَاشِرُهَا بِالِاسْتِعْمَالِ ، وَكَذَلِكَ مَا أَشْبَهَهُ .","part":20,"page":363},{"id":9863,"text":"( 7371 ) فَصْلٌ : وَلَا بَأْسَ بِقَبِيعَةِ السَّيْفِ مِنْ فِضَّةٍ لِمَا رَوَى أَنَسٌ ، قَالَ : { كَانَتْ قَبِيعَةُ سَيْفِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِضَّةً .\r} رَوَاهُ الْأَثْرَمُ ، وَأَبُو دَاوُد ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَقَالَ : حَدِيثٌ حَسَنٌ .\rوَقَالَ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ : كَانَ سَيْفُ الزُّبَيْرِ مُحَلًّى بِالْفِضَّةِ ، أَنَا رَأَيْتُهُ .\rوَلَا بَأْسَ بِالْخَاتَمِ مِنْ الْفِضَّةِ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ لَهُ خَاتَمٌ مِنْ فِضَّةٍ ، ثُمَّ لَبِسَهُ أَبُو بَكْرٍ ، ثُمَّ عُمَرُ ، ثُمَّ عُثْمَانُ ، حَتَّى سَقَطَ مِنْهُ فِي بِئْرِ أَرِيسٍ وَصَحَّ ذَلِكَ عَنْهُمْ وَقَالَ سَعِيدٌ : الْبَسْ الْخَاتَمَ ، وَأَخْبِرْ أَنِّي أَفْتَيْتُك بِذَلِكَ .\rفَقَدْ رَوَى أَبُو رَيْحَانَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَرِهَ عَشْرَ خِلَالٍ ، وَفِيهَا الْخَاتَمُ ، إلَّا لِذِي سُلْطَانٍ ، قَالَ أَحْمَدُ : إنَّمَا هَذَا يَرْوِيهِ أَهْلُ الشَّامِ .\rوَحُدِّثَ أَحْمَدُ بِحَدِيثِ أَبِي رَيْحَانَةَ ، فَلَمَّا بَلَغَ الْخَاتَمَ : تَبَسَّمَ كَالْمُتَعَجِّبِ ، ثُمَّ قَالَ : أَهْلُ الشَّامِ .\rوَإِنَّمَا قَالَ أَحْمَدُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الْأَحَادِيثَ قَدْ صَحَّتْ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاسْتَفَاضَتْ بِإِبَاحَتِهِ ، وَأَجْمَعَ عَلَيْهِ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ الْعُلَمَاءِ ، فَإِذَا جَاءَ حَدِيثٌ شَاذٌّ يُخَالِفُ ذَلِكَ ، لَمْ يُعَرِّجْ عَلَيْهِ ، وَإِنْ صَحَّ ذَلِكَ حُمِلَ عَلَى التَّنْزِيَةِ .","part":20,"page":364},{"id":9864,"text":"( 7372 ) فَصْلٌ : قَالَ الْأَثْرَمُ : قِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ : الْحِلْيَةُ لِحَمَائِلِ السَّيْفِ ؟ فَسَهَّلَ فِيهَا ، وَقَالَ : قَدْ رُوِيَ ، سَيْفٌ مُحَلًّى .\rوَلِأَنَّهُ مِنْ حِلْيَةِ السَّيْفِ ، فَأَشْبَهَ الْقَبِيعَةَ .\rوَلِذَلِكَ يُخَرَّجُ فِي حِلْيَةِ الدِّرْعِ وَالْمِغْفَرِ وَالْخُوذَةِ وَالْخُفِّ وَالرَّانِ ؛ وَلِأَنَّهُ فِي مَعْنَاهُ .\rوَقِيلَ : لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ : حَلْقَةُ الْمِرْآةِ فِضَّةٌ ، وَرَأْسُ الْمُكْحُلَةِ فِضَّةٌ ، وَمَا أَشْبَهَ هَذَا ؟ .\rقَالَ : كُلُّ شَيْءٍ يُسْتَعْمَلُ مِثْلُ حَلْقَةِ الْمِرْآةِ ، فَأَنَا أَكْرَهُهُ ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَعْمِلُهُ ، فَإِنَّ الْمِرْآةَ تُرْفَعُ بِحَلْقَتِهَا .\rثُمَّ قَالَ : إنَّمَا هَذَا تَأْوِيلٌ تَأَوَّلْتُهُ أَنَا .\r( 7373 ) فَصْلٌ : وَلَا يُبَاحُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ إذَا كَانَ ذَهَبًا ، إلَّا أَنَّهُ قَدْ رُوِيَ أَنَّهُ تُبَاحُ قَبِيعَةُ السَّيْفِ .\rقَالَ أَحْمَدُ : قَدْ رُوِيَ أَنَّهُ كَانَ لِعُمَرَ سَيْفٌ فِيهِ سَبَائِكُ مِنْ ذَهَبٍ .\rوَرَوَى التِّرْمِذِيُّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ مَزِيدَةَ الْعَصَرِيِّ ، قَالَ { دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الْفَتْحِ وَعَلَى سَيْفِهِ ذَهَبٌ وَفِضَّةٌ .\r} وَقَالَ : هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ .\rوَلَا يُبَاحُ الذَّهَبُ فِي غَيْرِ هَذَا إلَّا لِضَرُورَةٍ ، كَأَنْفِ الذَّهَبِ ، وَمَا رَبَطَ بِهِ أَسْنَانَهُ ، إذَا تَحَرَّكَتْ .\rوَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : يُبَاحُ يَسِيرُ الذَّهَبِ ، قِيَاسًا لَهُ عَلَى الْفِضَّةِ ؛ لِكَوْنِهِ أَحَدَ الثَّمَنَيْنِ ، فَأَشْبَهَ الْآخَرَ .\rوَقَدْ ذَكَرْنَا هَذَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ .","part":20,"page":365},{"id":9865,"text":"( 7374 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَلَا يَبْلُغ بِالتَّعْزِيرِ الْحَدَّ ) التَّعْزِيرُ : هُوَ الْعُقُوبَةُ الْمَشْرُوعَةُ عَلَى جِنَايَةٍ لَا حَدَّ فِيهَا ، كَوَطْءِ الشَّرِيكِ الْجَارِيَةَ الْمُشْتَرَكَةَ ، أَوْ أَمَتَهُ الْمُزَوَّجَةَ ، أَوْ جَارِيَةَ ابْنِهِ ، أَوْ وَطْءِ امْرَأَتِهِ فِي دُبُرِهَا أَوْ حَيْضِهَا ، أَوْ وَطْءِ أَجْنَبِيَّةٍ دُونَ الْفَرْجِ ، أَوْ سَرِقَةِ مَا دُونَ النِّصَابِ ، أَوْ مِنْ غَيْرِ حِرْزٍ ، أَوْ النَّهْبِ ، أَوْ الْغَصْبِ ، أَوْ الِاخْتِلَاسِ ، أَوْ الْجِنَايَةِ عَلَى إنْسَانٍ بِمَا لَا يُوجِبُ حَدًّا وَلَا قِصَاصًا وَلَا دِيَةً ، أَوْ شَتْمِهِ بِمَا لَيْسَ بِقَذْفٍ .\rوَنَحْوُ ذَلِكَ يُسَمَّى تَعْزِيرًا ؛ لِأَنَّهُ مَنَعَ مِنْ الْجِنَايَةِ .\rوَالْأَصْلُ فِي التَّعْزِيرِ الْمَنْعُ ، وَمِنْهُ التَّعْزِيرُ بِمَعْنَى النُّصْرَةِ ؛ لِأَنَّهُ مَنْعٌ لِعَدُوِّهِ مِنْ أَذَاهُ .\rوَاخْتُلِفَ عَنْ أَحْمَدَ فِي قَدْرِهِ ، فَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ لَا يُزَادُ عَلَى عَشْرِ جَلَدَاتٍ ، نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى هَذَا فِي مَوَاضِعَ .\rوَبِهِ قَالَ إِسْحَاقُ ؛ لِمَا رَوَى أَبُو بُرْدَةَ قَالَ : سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ { : لَا يَجْلِدُ أَحَدٌ فَوْقَ عَشْرَةِ أَسْوَاطٍ ، إلَّا فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ : \" لَا يَبْلُغُ بِهِ الْحَدَّ \" وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ الْخِرَقِيِّ ، فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ ، لَا يَبْلُغُ بِهِ أَدْنَى حَدٍّ مَشْرُوعٍ .\rوَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيِّ .\rفَعَلَى هَذَا لَا يَبْلُغُ بِهِ أَرْبَعِينَ سَوْطًا ؛ لِأَنَّهَا حَدُّ الْعَبْدِ فِي الْخَمْرِ وَالْقَذْفِ ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ .\rوَإِنْ قُلْنَا : إنَّ حَدَّ الْخَمْرِ أَرْبَعُونَ ، لَمْ يَبْلُغْ بِهِ عِشْرِينَ سَوْطًا فِي حَقِّ الْعَبْدِ ، وَأَرْبَعِينَ فِي حَدِّ الْحُرِّ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rفَلَا يُزَادُ الْعَبْدُ عَلَى تِسْعَةَ عَشَرَ سَوْطًا ، وَلَا الْحُرُّ عَلَى تِسْعَةٍ وَثَلَاثِينَ سَوْطًا .\rوَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى ، وَأَبُو يُوسُفَ : أَدْنَى الْحُدُودِ ثَمَانُونَ ، فَلَا يُزَادُ فِي التَّعْزِيرِ عَلَى تِسْعَةٍ وَسَبْعِينَ .","part":20,"page":366},{"id":9866,"text":"وَيَحْتَمِلُ كَلَامُ أَحْمَدَ وَالْخِرَقِيِّ ، أَنَّهُ لَا يَبْلُغُ بِكُلِّ جِنَايَةٍ حَدًّا مَشْرُوعًا فِي جِنْسِهَا ، وَيَجُوزُ أَنْ يَزِيدَ عَلَى حَدِّ غَيْرِ جِنْسِهَا .\rوَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى هَذَا .\rفَعَلَى هَذَا ، مَا كَانَ سَبَبُهُ الْوَطْءَ جَازَ أَنْ يُجْلَدَ مِائَةً إلَّا سَوْطًا ؛ لِيَنْقُصَ عَنْ حَدِّ الزِّنَا ، وَمَا كَانَ سَبَبُهُ غَيْرَ الْوَطْءِ ، لَمْ يَبْلُغْ بِهِ أَدْنَى الْحُدُودِ ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ، فِي الَّذِي وَطِئَ جَارِيَةَ امْرَأَتِهِ بِإِذْنِهَا ، يُجْلَدُ مِائَةً .\rوَهَذَا تَعْزِيرٌ ؛ لِأَنَّهُ فِي حَقِّ الْمُحْصَنِ ، وَحَدُّهُ إنَّمَا هُوَ الرَّجْمُ .\rوَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، عَنْ عُمَرَ ، فِي أَمَةٍ بَيْنَ رَجُلَيْنِ ، وَطِئَهَا أَحَدُهُمَا : يُجْلَدُ الْحَدَّ إلَّا سَوْطًا وَاحِدًا ، رَوَاهُ الْأَثْرَمُ .\rوَاحْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ .\rقَالَ الْقَاضِي : هَذَا عِنْدِي مِنْ نَصِّ أَحْمَدَ لَا يَقْتَضِي اخْتِلَافًا فِي التَّعْزِيرِ ، بَلْ الْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَا يُزَادُ عَلَى عَشْرِ جَلَدَاتٍ ، إتْبَاعًا لِلْأَثَرِ ، إلَّا فِي وَطْءِ جَارِيَةِ امْرَأَتِهِ ؛ لِحَدِيثِ النُّعْمَانِ ، وَفِي الْجَارِيَةِ الْمُشْتَرَكَةِ ؛ لِحَدِيثِ عُمَرَ ، وَمَا عَدَاهُمَا يَبْقَى عَلَى الْعُمُومِ ؛ لِحَدِيثِ أَبِي بُرْدَةَ .\rوَهَذَا قَوْلٌ حَسَنٌ .\rوَإِذَا ثَبَتَ تَقْدِيرُ أَكْثَرِهِ ، فَلَيْسَ أَقَلُّهُ مُقَدَّرًا ؛ لِأَنَّهُ لَوْ تَقَدَّرَ لَكَانَ حَدًّا ؛ وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدَّرَ أَكْثَرَهُ ، وَلَمْ يُقَدِّرْ أَقَلَّهُ ، فَيُرْجَعُ فِيهِ إلَى اجْتِهَادِ الْإِمَامِ فِيمَا يَرَاهُ ، وَمَا يَقْتَضِيهِ حَالُ الشَّخْصِ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : يَجُوزُ أَنْ يُزَادَ التَّعْزِيرُ عَلَى الْحَدِّ ، إذَا رَأَى الْإِمَامُ ؛ لِمَا رُوِيَ أَنَّ مَعْنَ بْنَ زَائِدَةَ ، عَمِلَ خَاتَمًا عَلَى نَقْشِ خَاتَمِ بَيْتِ الْمَالِ ، ثُمَّ جَاءَ بِهِ صَاحِبَ بَيْتِ الْمَالِ ، فَأَخَذَ مِنْهُ مَالًا ، فَبَلَغَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَضَرَبَهُ مِائَةً ، وَحَبَسَهُ ، فَكُلِّمَ فِيهِ ، فَضَرَبَهُ مِائَةً أُخْرَى ، فَكُلِّمَ فِيهِ مِنْ بَعْدُ ، فَضَرَبَهُ مِائَةً وَنَفَاهُ وَرَوَى أَحْمَدُ ،","part":20,"page":367},{"id":9867,"text":"بِإِسْنَادِهِ ، أَنَّ عَلِيًّا أُتِيَ بِالنَّجَاشِيِّ قَدْ شَرِبَ خَمْرًا فِي رَمَضَانَ ، فَجَلَدَهُ ثَمَانِينَ الْحَدَّ ، وَعِشْرِينَ سَوْطًا لِفِطْرِهِ فِي رَمَضَانَ ، وَرُوِيَ أَنَّ أَبَا الْأَسْوَدِ اسْتَخْلَفَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ عَلَى قَضَاءِ الْبَصْرَةِ ، فَأُتِيَ بِسَارِقٍ قَدْ كَانَ جَمَعَ الْمَتَاعَ فِي الْبَيْتِ ، وَلَمْ يُخْرِجْهُ ، فَقَالَ أَبُو الْأَسْوَدِ : أَعْجَلْتُمُوهُ الْمِسْكِينَ .\rفَضَرَبَهُ خَمْسَةً وَعِشْرِينَ سَوْطًا ، وَخَلَّى سَبِيلَهُ .\rوَلَنَا حَدِيثُ أَبِي بُرْدَةَ ، وَرَوَى الشَّالَنْجِيُّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { مَنْ بَلَغَ حَدًّا فِي غَيْرِ حَدٍّ ، فَهُوَ مِنْ الْمُعْتَدِينَ } وَلِأَنَّ الْعُقُوبَةَ عَلَى قَدْرِ الْإِجْرَامِ وَالْمَعْصِيَةِ ، وَالْمَعَاصِي الْمَنْصُوصُ عَلَى حُدُودِهَا أَعْظَمُ مِنْ غَيْرِهَا ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَبْلُغَ فِي أَهْوَنِ الْأَمْرَيْنِ عُقُوبَةَ أَعْظَمِهَا .\rوَمَا قَالُوهُ يُؤَدِّي إلَى أَنَّ مَنْ قَبَّلَ امْرَأَةً حَرَامًا ، يُضْرَبُ أَكْثَرَ مِنْ حَدِّ الزِّنَا ، وَهَذَا غَيْرُ جَائِزٍ ؛ لِأَنَّ الزِّنَا مَعَ عِظَمِهِ وَفُحْشِهِ ، لَا يَجُوزُ أَنْ يُزَادَ عَلَى حَدِّهِ ، فَمَا دُونَهُ أَوْلَى .\rفَأَمَّا حَدِيثُ مَعْنٍ ، فَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ كَانَتْ لَهُ ذُنُوبٌ كَثِيرَةٌ ، فَأُدِّبَ عَلَى جَمِيعِهَا ، أَوْ تَكَرَّرَ مِنْهُ الْأَخْذُ ، أَوْ كَانَ ذَنْبُهُ مُشْتَمِلًا عَلَى جِنَايَاتٍ أَحَدُهَا : تَزْوِيرُهُ ، وَالثَّانِي : أَخْذُهُ لِمَالِ بَيْتِ الْمَالِ بِغَيْرِ حَقِّهِ ، وَالثَّالِثُ : فَتْحُهُ بَابَ هَذِهِ الْحِيلَةِ لِغَيْرِهِ ، وَغَيْرُ هَذَا .\rوَأَمَّا حَدِيثُ النَّجَاشِيِّ ، فَإِنَّ عَلِيًّا ضَرَبَهُ الْحَدَّ لِشُرْبِهِ ، ثُمَّ عَزَّرَهُ عِشْرِينَ لِفِطْرِهِ ، فَلَمْ يَبْلُغْ بِتَعْزِيرِهِ حَدًّا .\rوَقَدْ ذَهَبَ أَحْمَدُ إلَى هَذَا ، وَرَوَى أَنَّ مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فِي رَمَضَانَ يُحَدُّ ، ثُمَّ يُعَزَّرُ لِجِنَايَتِهِ مِنْ وَجْهَيْنِ .\rوَاَلَّذِي يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَكَرْنَاهُ ، مَا رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَتَبَ إلَى أَبِي مُوسَى ، أَنْ لَا يَبْلُغَ بِنَكَالٍ أَكْثَرَ مِنْ عِشْرِينَ سَوْطًا .","part":20,"page":368},{"id":9868,"text":"( 7375 ) فَصْلٌ : وَالتَّعْزِيرُ يَكُونُ بِالضَّرْبِ وَالْحَبْسِ وَالتَّوْبِيخِ .\rوَلَا يَجُوزُ قَطْعُ شَيْءٍ مِنْهُ وَلَا جَرْحُهُ ، وَلَا أَخْذُ مَالِهِ ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ لَمْ يَرِدْ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ عَنْ أَحَدٍ يُقْتَدَى بِهِ ؛ وَلِأَنَّ الْوَاجِبَ أَدَبٌ ، وَالتَّأْدِيبُ لَا يَكُونُ بِالْإِتْلَافِ .","part":20,"page":369},{"id":9869,"text":"( 7376 ) فَصْلٌ : وَالتَّعْزِيرُ فِيمَا شُرِعَ فِيهِ التَّعْزِيرُ وَاجِبٌ ، إذَا رَآهُ الْإِمَامُ .\rوَبِهِ قَالَ مَالِكٌ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَيْسَ بِوَاجِبٍ ؛ لِأَنَّ رَجُلًا جَاءَ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : إنِّي لَقِيت امْرَأَةً .\rفَأَصَبْت مِنْهَا مَا دُونَ أَنْ أَطَأَهَا ، فَقَالَ : \" أَصَلَّيْت مَعَنَا ؟ \" قَالَ : نَعَمْ .\rفَتَلَا .\rعَلَيْهِ : { إنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ } .\rوَقَالَ فِي الْأَنْصَارِ : \" اقْبَلُوا مِنْ مُحْسِنِهِمْ ، وَتَجَاوَزُوا عَنْ مُسِيئِهِمْ \" وَقَالَ رَجُلٌ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حُكْمٍ حَكَمَ بِهِ لِلزُّبَيْرِ : أَنْ كَانَ ابْنَ عَمَّتِك .\rفَغَضِبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يُعَزِّرْهُ عَلَى مَقَالَتِهِ .\rوَقَالَ لَهُ رَجُلٌ : إنَّ هَذِهِ لَقِسْمَةٌ مَا أُرِيدَ بِهَا وَجْهُ اللَّهِ ، فَلَمْ يُعَزِّرْهُ وَلَنَا أَنَّ مَا كَانَ مِنْ التَّعْزِيرِ مَنْصُوصًا عَلَيْهِ ، كَوَطْءِ جَارِيَةِ امْرَأَتِهِ ، أَوْ جَارِيَةٍ مُشْتَرَكَةٍ ، فَيَجِبُ امْتِثَالُ الْأَمْرِ فِيهِ ، وَمَا لَمْ يَكُنْ مَنْصُوصًا عَلَيْهِ ، إذَا رَأَى الْإِمَامُ الْمَصْلَحَةَ فِيهِ ، أَوْ عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَنْزَجِرُ إلَّا بِهِ ، وَجَبَ ؛ لِأَنَّهُ زَجْرٌ مَشْرُوعٌ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى ، فَوَجَبَ ، كَالْحَدِّ .","part":20,"page":370},{"id":9870,"text":"( 7377 ) فَصْلٌ : وَإِذَا مَاتَ مِنْ التَّعْزِيرِ لَمْ يَجِبْ ضَمَانُهُ .\rوَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يَضْمَنُهُ ؛ لِقَوْلِ عَلِيٍّ : لَيْسَ أَحَدٌ أُقِيمُ عَلَيْهِ الْحَدَّ ، فَيَمُوتَ ، فَأَجِدَ فِي نَفْسِي شَيْئًا إنَّ الْحَقَّ قَتَلَهُ ، إلَّا حَدَّ الْخَمْرِ ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَسُنَّهُ لَنَا وَأَشَارَ عَلَى عُمَرَ بِضَمَانِ الَّتِي أَجْهَضَتْ جَنِينَهَا حِينَ أَرْسَلَ إلَيْهَا .\rوَلَنَا أَنَّهَا عُقُوبَةٌ مَشْرُوعَةٌ لِلرَّدْعِ ، وَالزَّجْرِ ، فَلَمْ يُضْمَنْ مَنْ تَلِفَ بِهَا ، كَالْحَدِّ .\rوَأَمَّا قَوْلُ عَلِيٍّ فِي دِيَةِ مَنْ قَتَلَهُ حَدُّ الْخَمْرِ ، فَقَدْ خَالَفَهُ غَيْرُهُ مِنْ الصَّحَابَةِ ، فَلَمْ يُوجِبُوا شَيْئًا بِهِ ، وَلَمْ يَعْمَلْ بِهِ الشَّافِعِيُّ وَلَا غَيْرُهُ مِنْ الْفُقَهَاءِ ، فَكَيْفَ يُحْتَجُّ بِهِ مَعَ تَرْكِ الْجَمِيعِ لَهُ .\rوَأَمَّا قَوْلُهُ فِي الْجَنِينِ ، فَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ ، فَإِنَّ الْجَنِينَ الَّذِي تَلِفَ لَا جِنَايَةَ مِنْهُ ، وَلَا تَعْزِيرَ عَلَيْهِ ، فَكَيْفَ يَسْقُطُ ضَمَانُهُ ؟ وَلَوْ أَنَّ الْإِمَامَ حَدَّ حَامِلًا ، فَأَتْلَفَ جَنِينَهَا ، ضَمِنَهُ ، مَعَ أَنَّ الْحَدَّ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَنَا ، عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ ضَمَانُ الْمَحْدُودِ إذَا أُتْلِفَ بِهِ .","part":20,"page":371},{"id":9871,"text":"( 7378 ) فَصْلٌ : وَلَيْسَ عَلَى الزَّوْجِ ضَمَانُ الزَّوْجَةِ إذَا تَلِفَتْ مِنْ التَّأْدِيبِ الْمَشْرُوعِ فِي النُّشُوزِ ، وَلَا عَلَى الْمُعَلِّمِ إذَا أَدَّبَ صَبِيَّهُ الْأَدَبَ الْمَشْرُوعَ .\rوَبِهِ قَالَ مَالِكٌ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ : يَضْمَنُ .\rوَوَجْهُ الْمَذْهَبَيْنِ مَا تَقَدَّمَ فِي الَّتِي قَبْلَهَا .\rقَالَ الْخَلَّالُ : إذَا ضَرَبَ الْمُعَلِّمُ ثَلَاثًا ، كَمَا قَالَ التَّابِعُونَ وَفُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ ، وَكَانَ ذَلِكَ ثَلَاثًا ، فَلَيْسَ بِضَامِنٍ ، وَإِنْ ضَرَبَهُ ضَرْبًا شَدِيدًا ، مِثْلُهُ لَا يَكُونُ أَدَبًا لِلصَّبِيِّ ، ضَمِنَ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَعَدَّى فِي الضَّرْبِ .\rقَالَ الْقَاضِي : وَكَذَلِكَ يَجِيءُ عَلَى قِيَاسِ قَوْلِ أَصْحَابِنَا : إذَا ضَرَبَ الْأَبُ أَوْ الْجَدُّ الصَّبِيَّ تَأْدِيبًا فَهَلَكَ ، أَوْ الْحَاكِمُ أَوْ أَمِينُهُ ، أَوْ الْوَصِيُّ عَلَيْهِ تَأْدِيبًا ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِمْ ، كَالْمُعَلِّمِ .","part":20,"page":372},{"id":9872,"text":"( 7379 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَطَعَ طَرَفًا مِنْ إنْسَانٍ فِيهِ أَكِلَةٌ ، أَوْ سِلْعَةٌ بِأُذْنِهِ ، وَهُوَ كَبِيرٌ عَاقِلٌ ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ ، وَإِنْ قَطَعَهُ مُكْرَهًا ، فَالْقَطْعُ وَسِرَايَتُهُ مَضْمُونٌ بِالْقِصَاصِ ، سَوَاءٌ كَانَ الْقَاطِعُ إمَامًا أَوْ غَيْرَهُ ؛ لِأَنَّ هَذِهِ جِرَاحَةٌ تُؤَدِّي إلَى التَّلَفِ ، وَالْأَكِلَةُ إنْ كَانَ بَقَاؤُهَا مَخُوفًا ، فَقَطْعُهَا مَخُوفٌ ، وَإِنْ كَانَ مَنْ قُطِعَتْ مِنْهُ صَبِيًّا أَوْ مَجْنُونًا ، وَقَطَعَهَا أَجْنَبِيٌّ ، فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ ؛ لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَيْهِ ، وَإِنْ قَطَعَهَا وَلِيُّهُ ، وَهُوَ الْأَبُ ، أَوْ وَصِيُّهُ ، أَوْ الْحَاكِمُ ، أَوْ أَمِينُهُ الْمُتَوَلِّي عَلَيْهِ ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ قَصَدَ مَصْلَحَتَهُ ، وَلَهُ النَّظَرُ فِي مَصَالِحِهِ ، فَكَانَ فِعْلُهُ مَأْمُورًا بِهِ ، فَلَمْ يَضْمَنْ مَا تَلِفَ بِهِ ، كَمَا لَوْ خَتَنَهُ فَمَاتَ .\rوَالسِّلْعَةُ : غُدَّةٌ بَيْنَ اللَّحْمِ وَالْجِلْدِ ، تَظْهَرُ فِي الْبَدَنِ ، كَالْجَوْزَةِ ، وَتَكُونُ فِي الرَّأْسِ وَالْبَدَنِ ، وَهِيَ بِكَسْرِ السِّينِ .\rوَالسَّلْعَةُ : بِفَتْحِ السِّينِ : الشَّجَّةُ .","part":20,"page":373},{"id":9873,"text":"( 7380 ) فَصْلٌ : وَإِذَا خَتَنَ الْوَلِيُّ الصَّبِيَّ فِي وَقْتٍ مُعْتَدِلٍ فِي الْحَرِّ وَالْبَرْدِ ، لَمْ يَلْزَمْهُ ضَمَانٌ إنْ تَلِفَ بِهِ ؛ لِأَنَّهُ فِعْلٌ مَأْمُورٌ بِهِ فِي الشَّرْعِ ، فَلَمْ يَضْمَنْ مَا تَلِفَ بِهِ ، كَالْقَطْعِ فِي السَّرِقَةِ .\rوَإِنْ كَانَ رَجُلًا أَوْ امْرَأَةً لَمْ يَخْتَتِنَا ، فَأَمَرَ السُّلْطَانُ بِهِمَا فَخُتِنَا ، فَإِنْ كَانَ مِمَّنْ زَعَمَ الْأَطِبَّاءُ أَنَّهُ يَتْلَفُ بِالْخِتَانِ ، أَوْ الْغَالِبُ تَلَفُهُ بِهِ ، فَعَلَيْهِ الضَّمَانُ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ فِيهِمَا ، وَإِنْ كَانَ الْأَغْلَبُ السَّلَامَةَ ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ ، إذَا كَانَ فِي زَمَنٍ مُعْتَدِلٍ ، لَيْسَ بِمُفْرِطِ الْحَرِّ وَالْبَرْدِ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَزَعَمَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٌ ، أَنَّهُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ ؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { الْخِتَانُ سُنَّةٌ فِي الرِّجَالِ ، وَمَكْرُمَةٌ فِي النِّسَاءِ .\r} وَلَنَا أَنَّهُ قَطْعُ عُضْوٍ صَحِيحٍ مِنْ الْبَدَنِ ، يُتَأَلَّمُ بِقَطْعِهِ ، فَلَمْ يُقْطَعْ إلَّا وَاجِبًا ، كَالْيَدِ وَالرِّجْلِ ؛ وَلِأَنَّهُ يَجُوزُ كَشْفُ الْعَوْرَةِ مِنْ أَجْلِهِ ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا مَا جَازَ ارْتِكَابُ الْمُحَرَّمِ مِنْ أَجْلِهِ ، فَأَمَّا الْخَبَرُ فَقَدْ قِيلَ : هُوَ ضَعِيفٌ .\rوَعَلَى أَنَّ الْوَاجِبَ يُسَمَّى سُنَّةً ، فَإِنَّ السُّنَّةَ مَا رُسِمَ لِيُحْتَذَى ، وَلَا يَجِبُ إلَّا بَعْدَ الْبُلُوغِ ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْهُ ، وَإِلَّا أَجْبَرَهُ الْحَاكِمُ عَلَيْهِ .","part":20,"page":374},{"id":9874,"text":"( 7381 ) إذَا أَمَرَ السُّلْطَانُ إنْسَانًا بِالصُّعُودِ فِي سُورٍ ، أَوْ نُزُولٍ فِي بِئْرٍ ، أَوْ نَحْوِهِ ، فَعَطِبَ بِهِ ، فَقَالَ الْقَاضِي ، وَأَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ : عَلَى السُّلْطَانِ ضَمَانُهُ لِأَنَّ عَلَيْهِ طَاعَةَ إمَامِهِ فَإِذَا أَفْضَتْ طَاعَتُهُ إلَى الْهَلَاكِ ، فَكَأَنَّهُ أَلْجَأَهُ إلَيْهِ .\rوَلَوْ كَانَ الْآمِرُ غَيْرَ الْإِمَامِ ، لَمْ يَضْمَنْ ؛ لِأَنَّ طَاعَتَهُ غَيْرُ لَازِمَةٍ ، فَلَمْ يُلْجِئْهُ إلَيْهِ .\rوَإِنْ أَمَرَهُ السُّلْطَانُ بِالْمُضِيِّ فِي حَاجَةٍ ، فَعَثَرَ فَهَلَكَ ، لَمْ يَضْمَنْهُ ؛ لِأَنَّ الْمَشْيَ لَيْسَ بِسَبَبِ الْهَلَاكِ فِي الْأَعَمِّ الْأَغْلَبِ ، بِخِلَافِ مَا ذَكَرْنَاهُ أَوَّلًا .\rفَعَلَى هَذَا ، إنْ كَانَ أَمْرُهُ الْمُوجِبُ لِلضَّمَانِ لِمَصْلَحَةِ الْمُسْلِمِينَ ، فَالضَّمَانُ فِي بَيْتِ الْمَالِ ، وَإِنْ كَانَ لِمَصْلَحَةِ نَفْسِهِ ، فَالضَّمَانُ عَلَيْهِ ، أَوْ عَلَى عَاقِلَتِهِ ، إنْ كَانَ مِمَّا تَحْمِلُهُ عَاقِلَتُهُ .\rوَإِنْ أَقَامَ الْإِمَامُ الْحَدَّ فِي شِدَّةِ حَرٍّ أَوْ بَرْدٍ ، أَوْ أَلْزَمَ إنْسَانًا الْخِتَانَ فِي ذَلِكَ ، فَهَلْ يَضْمَنُ مَا تَلِفَ ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ .","part":20,"page":375},{"id":9875,"text":"( 7382 ) : ( وَإِذَا حَمَلَ عَلَيْهِ جَمَلٌ صَائِلٍ ، فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى الِامْتِنَاعِ مِنْهُ إلَّا بِضَرْبِهِ ، فَضَرَبَهُ فَقَتَلَهُ ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ ) .\rوَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْإِنْسَانَ إذَا صَالَتْ عَلَيْهِ بَهِيمَةٌ ، فَلَمْ يُمْكِنْهُ دَفْعُهَا إلَّا بِقَتْلِهَا ، جَازَ لَهُ قَتْلُهَا إجْمَاعًا ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ ضَمَانُهَا إذَا كَانَتْ لِغَيْرِهِ .\rوَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ : عَلَيْهِ ضَمَانُهَا ؛ لِأَنَّهُ أَتْلَفَ مَالَ غَيْرِهِ لِإِحْيَاءِ نَفْسِهِ ، فَكَانَ عَلَيْهِ ضَمَانُهُ ، كَالْمُضْطَرِّ إلَى طَعَامِ غَيْرِهِ إذَا أَكَلَهُ .\rوَكَذَلِكَ قَالُوا فِي غَيْرِ الْمُكَلَّفِ مِنْ الْآدَمِيِّينَ ، كَالصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ : يَجُوزُ قَتْلُهُ ، وَيَضْمَنُهُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ إبَاحَةَ نَفْسِهِ ، وَلِذَلِكَ لَوْ ارْتَدَّ ، لَمْ يُقْتَلْ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ قَتَلَهُ بِالدَّفْعِ الْجَائِزِ ، فَلَمْ يَضْمَنْهُ ، كَالْعَبْدِ ، وَلِأَنَّهُ حَيَوَانٌ ، جَازَ إتْلَافُهُ فَلَمْ يَضْمَنْهُ ، كَالْآدَمِيِّ الْمُكَلَّفِ ، وَلِأَنَّهُ قَتَلَهُ لِدَفْعِ شَرِّهِ ، فَأَشْبَهَ الْعَبْدَ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ إذَا قَتَلَهُ لِدَفْعِ شَرِّهِ ، كَانَ الصَّائِلُ هُوَ الْقَاتِلَ لِنَفْسِهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ نَصَبَ حَرْبَةً فِي طَرِيقِهِ ، فَقَذَفَ نَفْسَهُ عَلَيْهَا ، فَمَاتَ بِهَا .\rوَفَارَقَ الْمُضْطَرَّ ؛ فَإِنَّ الطَّعَامَ لَمْ يُلْجِئْهُ إلَى إتْلَافِهِ ، وَلَمْ يَصْدُرْ مِنْهُ مَا يُزِيلُ عِصْمَتَهُ ، وَلِهَذَا لَوْ قَتَلَ الْمُحْرِمُ صَيْدًا لِصِيَالِهِ لَمْ يَضْمَنْهُ ، وَلَوْ قَتَلَهُ لِاضْطِرَارِهِ إلَيْهِ ضَمِنَهُ ، وَلَوْ قَتَلَ الْمُكَلَّفَ لِصِيَالِهِ ، لَمْ يَضْمَنْهُ ، وَلَوْ قَتَلَهُ لِيَأْكُلَهُ فِي الْمَخْمَصَةِ وَجَبَ الْقِصَاصُ ، وَغَيْرُ الْمُكَلَّفِ كَالْمُكَلَّفِ فِي هَذَا .\rوَقَوْلُهُمْ : لَا يَمْلِكُ إبَاحَةَ نَفْسِهِ .\rقُلْنَا : وَالْمُكَلَّفُ لَا يَمْلِكُ إبَاحَةَ دَمِهِ ، وَلَوْ قَالَ : أَبَحْت دَمِي .\rلَمْ يُبَحْ ، عَلَى أَنَّهُ صَالَ ، فَقَدْ أُبِيحَ دَمُهُ بِفِعْلِهِ ، فَيَجِبُ أَنْ يَسْقُطَ ضَمَانُهُ ، كَالْمُكَلَّفِ .","part":20,"page":376},{"id":9876,"text":"( 7383 ) ( وَإِذَا دَخَلَ مَنْزِلَهُ بِالسِّلَاحِ ، فَأَمَرَهُ بِالْخُرُوجِ ، فَلَمْ يَفْعَلْ ، فَلَهُ أَنْ يَضْرِبَهُ بِأَسْهَلِ مَا يُخْرِجُهُ بِهِ ، فَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ يَخْرُجُ بِضَرْبِ عَصًا ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يَضْرِبَهُ بِحَدِيدَةٍ ، فَإِنْ آلَ الضَّرْبُ إلَى نَفْسِهِ ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ ، وَإِنْ قُتِلَ صَاحِبُ الدَّارِ كَانَ شَهِيدًا ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الرَّجُلَ إذَا دَخَلَ مَنْزِلَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ ، فَلِصَاحِبِ الدَّارِ أَمْرُهُ بِالْخُرُوجِ مِنْ مَنْزِلِهِ ، سَوَاءٌ كَانَ مَعَهُ سِلَاحٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ ؛ لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ بِدُخُولِ مِلْكِ غَيْرِهِ ، فَكَانَ لِصَاحِبِ الدَّارِ مُطَالَبَتُهُ بِتَرْكِ التَّعَدِّي ، كَمَا لَوْ غَصَبَ مِنْهُ شَيْئًا ، فَإِنْ خَرَجَ بِالْأَمْرِ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ ضَرْبُهُ ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ إخْرَاجُهُ .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، أَنَّهُ رَأَى لِصًّا ، فَأَصْلَتَ عَلَيْهِ السَّيْفَ ، قَالَ : فَلَوْ تَرَكْنَاهُ لَقَتَلَهُ .\rوَجَاءَ رَجُلٌ إلَى الْحَسَنِ ، فَقَالَ : لِصٌّ دَخَلَ بَيْتِي وَمَعَهُ حَدِيدَةٌ ، أَقْتُلُهُ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، بِأَيِّ قِتْلَةٍ قَدَرْت أَنْ تَقْتُلَهُ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ أَمْكَنَ إزَالَةُ الْعُدْوَانِ بِغَيْرِ الْقَتْلِ ، فَلَمْ يَجُزْ الْقَتْلُ ، كَمَا لَوْ غَصَبَ مِنْهُ شَيْئًا ، فَأَمْكَنَ أَخْذُهُ بِغَيْرِ الْقَتْلِ .\rوَفِعْلُ ابْنِ عُمَرَ يُحْمَلُ عَلَى قَصْدِ التَّرْهِيبِ ، لَا عَلَى قَصْدِ إيقَاعِ الْفِعْلِ .\rفَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ بِالْأَمْرِ ، فَلَهُ ضَرْبُهُ بِأَسْهَلِ مَا يَعْلَمُ أَنَّهُ يَنْدَفِعُ بِهِ ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ دَفْعُهُ ، فَإِذَا انْدَفَعَ بِقَلِيلٍ ، فَلَا حَاجَةَ إلَى أَكْثَرَ مِنْهُ ، فَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ يَخْرُجُ بِالْعَصَا ، لَمْ يَكُنْ لَهُ ضَرْبُهُ بِالْحَدِيدِ ؛ لِأَنَّ الْحَدِيدَ آلَةٌ لِلْقَتْلِ ، بِخِلَافِ الْعَصَا .\rوَإِنْ ذَهَبَ مُوَلِّيًا ، لَمْ يَكُنْ لَهُ قَتْلُهُ ، وَلَا اتِّبَاعُهُ ، كَأَهْلِ الْبَغْيِ .\rوَإِنْ ضَرَبَهُ ضَرْبَةً عَطَّلَتْهُ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُثْنِيَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ كُفِيَ شَرَّهُ .\rوَإِنْ ضَرَبَهُ فَقَطَعَ يَمِينَهُ ، فَوَلَّى مُدْبِرًا ، فَضَرَبَهُ فَقَطَعَ رِجْلَهُ ، فَقَطْعُ الرِّجْلِ مَضْمُونٌ","part":20,"page":377},{"id":9877,"text":"عَلَيْهِ بِالْقِصَاصِ أَوْ الدِّيَةِ ؛ لِأَنَّهُ فِي حَالٍ لَا يَجُوزُ لَهُ ضَرْبُهُ ، وَقَطْعُ الْيَدِ غَيْرُ مَضْمُونٍ .\rفَإِنْ مَاتَ مِنْ سِرَايَةِ الْقَطْعِ ، فَعَلَيْهِ نِصْفُ الدِّيَةِ ، كَمَا لَوْ مَاتَ مِنْ جِرَاحَةِ اثْنَيْنِ .\rوَإِنْ عَادَ إلَيْهِ بَعْدَ قَطْعِ رِجْلِهِ ، فَقَطَعَ يَدَهُ الْأُخْرَى ، فَالْيَدَانِ غَيْرُ مَضْمُونَتَيْنِ .\rوَإِنْ مَاتَ ، فَعَلَيْهِ ثُلُثُ الدِّيَةِ ، كَمَا لَوْ مَاتَ مِنْ جِرَاحَةِ ثَلَاثَةِ أَنْفُسٍ .\rفَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنْ يَضْمَنَ نِصْفَ الدِّيَةِ ؛ لِأَنَّ الْجُرْحَيْنِ قَطْعُ رَجُلٍ وَاحِدٍ ، فَكَانَ حُكْمُهُمَا وَاحِدًا ، كَمَا لَوْ جَرَحَ رَجُلٌ رَجُلًا مِائَةَ جُرْحٍ ، وَجَرَحَهُ آخَرُ جُرْحًا وَاحِدًا ، وَمَاتَ ، كَانَتْ دِيَتُهُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ ، وَلَا تُقْسَمُ الدِّيَةُ عَلَى عَدَدِ الْجِرَاحَاتِ ، كَذَا هَاهُنَا .\rفَأَمَّا إنْ لَمْ يُمْكِنْهُ دَفْعُهُ إلَّا بِالْقَتْلِ ، أَوْ خَافَ أَنْ يَبْدُرَهُ بِالْقَتْلِ إنْ لَمْ يَقْتُلْهُ ، فَلَهُ ضَرْبُهُ بِمَا يَقْتُلُهُ ، أَوْ يَقْطَعُ طَرَفَهُ ، وَمَا أَتْلَفَ مِنْهُ فَهُوَ هَدْرٌ ؛ لِأَنَّهُ تَلِفَ لِدَفْعِ شَرِّهِ ، فَلَمْ يَضْمَنْهُ ، كَالْبَاغِي ، وَلِأَنَّهُ اضْطَرَّ صَاحِبَ الدَّارِ إلَى قَتْلِهِ ، فَصَارَ كَالْقَاتِلِ لِنَفْسِهِ .\rوَإِنْ قُتِلَ صَاحِبُ الدَّارِ فَهُوَ شَهِيدٌ ؛ لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { مَنْ أُرِيدَ مَالُهُ بِغَيْرِ حَقٍّ ، فَقَاتَلَ فَقُتِلَ ، فَهُوَ شَهِيدٌ } .\rرَوَاهُ الْخَلَّالُ بِإِسْنَادِهِ .\rوَلِأَنَّهُ قُتِلَ لِدَفْعِ ظَالِمٍ ، فَكَانَ شَهِيدًا ، كَالْعَادِلِ إذَا قَتَلَهُ الْبَاغِي .","part":20,"page":378},{"id":9878,"text":"( 7384 ) وَكُلُّ مَنْ عَرَضَ لِإِنْسَانٍ يُرِيدُ مَالَهُ أَوْ نَفْسَهُ ، فَحُكْمُهُ مَا ذَكَرْنَا فِي مَنْ دَخَلَ مَنْزِلَهُ ، فِي دَفْعِهِمْ بِأَسْهَلِ مَا يُمْكِنُ دَفْعُهُمْ بِهِ ، فَإِنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ نَهْرٌ كَبِيرٌ ، أَوْ خَنْدَقٌ ، أَوْ حِصْنٌ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى اقْتِحَامِهِ ، فَلَيْسَ لَهُ رَمْيُهُمْ ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ إلَّا بِقِتَالِهِمْ ، فَلَهُ قِتَالُهُمْ وَقَتْلُهُمْ .\rقَالَ أَحْمَدُ ، فِي اللُّصُوصِ يُرِيدُونَ نَفْسَك وَمَالَك : قَاتِلْهُمْ تَمْنَعْ نَفْسَك وَمَالَك .\rوَقَالَ عَطَاءٌ ، فِي الْمُحْرِمِ يَلْقَى اللُّصُوصَ ، قَالَ : يُقَاتِلُهُمْ أَشَدَّ الْقِتَالِ .\rوَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ : مَا أَعْلَمُ أَحَدًا تَرَكَ قِتَالَ الْحَرُورِيَّةِ وَاللُّصُوصِ تَأَثُّمًا ، إلَّا أَنْ يَجْبُنَ .\rوَقَالَ الصَّلْتُ بْنُ طَرِيفٍ : قُلْت لِلْحَسَنِ : إنِّي أَخْرُجُ فِي هَذِهِ الْوُجُوهِ ، أَخْوَفُ شَيْءٍ عِنْدِي يَلْقَانِي الْمُصَلُّونَ يَعْرِضُونَ لِي فِي مَالِي ، فَإِنْ كَفَفْت يَدِي ذَهَبُوا بِمَالِي ، وَإِنْ قَاتَلْت الْمُصَلِّيَ فَفِيهِ مَا قَدْ عَلِمْت ؟ قَالَ : أَيْ بُنَيَّ ، مَنْ عَرَضَ لَك فِي مَالِك ، فَإِنْ قَتَلْته فَإِلَى النَّارِ ، وَإِنْ قَتَلَك فَشَهِيدٌ .\rوَنَحْوُ ذَلِكَ عَنْ أَنَسٍ ، وَالشَّعْبِيِّ ، وَالنَّخَعِيِّ .\rوَقَالَ أَحْمَدُ فِي امْرَأَةٍ أَرَادَهَا رَجُلٌ عَلَى نَفْسِهَا ، فَقَتَلَتْهُ لِتُحْصِنَ نَفْسَهَا ، فَقَالَ : إذَا عَلِمَتْ أَنَّهُ لَا يُرِيدُ إلَّا نَفْسَهَا ، فَقَتَلَتْهُ لِتَدْفَعَ عَنْ نَفْسِهَا ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهَا .\rوَذَكَرَ حَدِيثًا يَرْوِيهِ الزُّهْرِيُّ ، عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ ، أَنَّ رَجُلًا أَضَافَ نَاسًا مِنْ هُذَيْلٍ ، فَأَرَادَ امْرَأَةً عَلَى نَفْسِهَا ، فَرَمَتْهُ بِحَجَرٍ فَقَتَلَتْهُ ، فَقَالَ عُمَرُ : وَاَللَّهِ لَا يُودَى أَبَدًا .\rوَلِأَنَّهُ إذَا جَازَ الدَّفْعُ عَنْ مَالِهِ الَّذِي يَجُوزُ بَذْلُهُ وَإِبَاحَتُهُ ، فَدَفْعُ الْمَرْأَةِ عَنْ نَفْسِهَا وَصِيَانَتُهَا عَنْ الْفَاحِشَةِ الَّتِي لَا تُبَاحُ بِحَالٍ أَوْلَى .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهَا أَنْ تَدْفَعَ عَنْ نَفْسِهَا إنْ أَمْكَنَهَا ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ التَّمْكِينَ","part":20,"page":379},{"id":9879,"text":"مِنْهَا مُحَرَّمٌ ، وَفِي تَرْكِ الدَّفْعِ نَوْعُ تَمْكِينٍ .\rفَأَمَّا مِنْ أُرِيدَتْ نَفْسِهِ أَوْ مَالُهُ ، فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ الدَّفْعُ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْفِتْنَةِ { : اجْلِسْ فِي بَيْتِك فَإِنْ خِفْت أَنْ يَبْهَرَك شُعَاعُ السَّيْفِ ، فَغَطِّ وَجْهَك } .\rوَفِي لَفْظٍ : { فَكُنْ عَبْدَ اللَّهِ الْمَقْتُولَ ، وَلَا تَكُنْ عَبْدَ اللَّهِ الْقَاتِلَ } .\rوَلِأَنَّ عُثْمَانَ ، تَرَكَ الْقِتَالَ مَعَ إمْكَانِهِ مَعَ إرَادَتِهِمْ نَفْسَهُ .\rفَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ قُلْتُمْ فِي الْمُضْطَرِّ : إذَا وَجَدَ مَا يَدْفَعُ بِهِ الضَّرُورَةَ ، لَزِمَهُ الْأَكْلُ مِنْهُ ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ ، فَلِمَ لَمْ تَقُولُوا ذَلِكَ هَاهُنَا ؟ قُلْنَا : لِأَنَّ الْأَكْلَ يُحْيِي بِهِ نَفْسَهُ ، مِنْ غَيْرِ تَفْوِيتِ نَفْسِ غَيْرِهِ ، وَهَا هُنَا فِي إحْيَاءِ نَفْسِهِ فَوَاتُ نَفْسِ غَيْرِهِ ، فَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ ، فَأَمَّا إنْ أَمْكَنَهُ الْهَرَبُ ، فَهَلْ يَلْزَمُهُ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، يَلْزَمُهُ ؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنَهُ الدَّفْعُ عَنْ نَفْسِهِ ، مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ يَلْحَقُ غَيْرَهُ ، فَلَزِمَهُ ، كَالْأَكْلِ فِي الْمَخْمَصَةِ .\rوَالثَّانِي ، لَا يَلْزَمُهُ ؛ لِأَنَّهُ دَفْعٌ عَنْ نَفْسِهِ ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ ، كَالدَّفْعِ بِالْقِتَالِ .\r( 7385 ) فَصْلٌ : وَإِذَا صَالَ عَلَى إنْسَانٍ صَائِلٍ ، يُرِيدُ مَالَهُ أَوْ نَفْسَهُ ظُلْمًا ، أَوْ يُرِيدُ امْرَأَةً لِيَزْنِيَ بِهَا ، فَلِغَيْرِ الْمَصُولِ عَلَيْهِ مَعُونَتُهُ فِي الدَّفْعِ .\rوَلَوْ عَرَضَ اللُّصُوصُ لِقَافِلَةٍ ، جَازَ لِغَيْرِ أَهْلِ الْقَافِلَةِ الدَّفْعُ عَنْهُمْ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { : اُنْصُرْ أَخَاك ظَالِمًا ، أَوْ مَظْلُومًا } .\rوَفِي حَدِيثٍ { : إنَّ الْمُؤْمِنِينَ يَتَعَاوَنُونَ عَلَى الْفَتَّانِ } .\rوَلِأَنَّهُ لَوْلَا التَّعَاوُنُ لَذَهَبَتْ أَمْوَالُ النَّاسِ وَأَنْفُسُهُمْ ؛ لِأَنَّ قُطَّاعَ الطَّرِيقِ إذَا انْفَرَدُوا بِأَخْذِ مَالِ إنْسَانٍ لَمْ يُعِنْهُ غَيْرُهُ ، فَإِنَّهُمْ يَأْخُذُونَ أَمْوَالَ الْكُلِّ ، وَاحِدًا وَاحِدًا ، وَكَذَلِكَ غَيْرُهُمْ .","part":20,"page":380},{"id":9880,"text":"( 7386 ) وَإِذَا وَجَدَ رَجُلًا يَزْنِي بِامْرَأَتِهِ فَقَتَلَهُ ، فَلَا قِصَاصَ عَلَيْهِ ، وَلَا دِيَةَ ؛ لِمَا رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بَيْنَمَا هُوَ يَتَغَدَّى يَوْمًا ، إذْ أَقْبَلَ رَجُلٌ يَعْدُو ، وَمَعَهُ سَيْفٌ مُجَرَّدٌ مُلَطَّخٌ بِالدَّمِ ، فَجَاءَ حَتَّى قَعَدَ مَعَ عُمَرَ ، فَجَعَلَ يَأْكُلُ ، وَأَقْبَلَ جَمَاعَةٌ مِنْ النَّاسِ ، فَقَالُوا : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، إنَّ هَذَا قَتَلَ صَاحِبَنَا مَعَ امْرَأَتِهِ .\rفَقَالَ عُمَرُ : مَا يَقُولُ هَؤُلَاءِ ؟ قَالَ : ضَرَبَ الْآخَرُ فَخِذَيْ امْرَأَتِهِ بِالسَّيْفِ ، فَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا أَحَدٌ فَقَدْ قَتَلَهُ .\rفَقَالَ لَهُمْ عُمَرُ : مَا يَقُولُ ؟ قَالُوا ضَرَبَ بِسَيْفِهِ ، فَقَطَعَ فَخِذَيْ امْرَأَتِهِ ، فَأَصَابَ وَسَطَ الرَّجُلِ ، فَقَطَعَهُ بِاثْنَيْنِ .\rفَقَالَ عُمَرُ : إنْ عَادُوا فَعُدْ .\rرَوَاهُ هُشَيْمٌ ، عَنْ مُغِيرَةَ ، عَنْ إبْرَاهِيمَ .\rأَخْرَجَهُ سَعِيدٌ .\rوَإِذَا كَانَتْ الْمَرْأَةُ مُطَاوِعَةً ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِيهَا ، وَإِنْ كَانَتْ مُكْرَهَةً ، فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ .\rوَإِذَا قَتَلَ رَجُلًا ، وَادَّعَى أَنَّهُ وَجَدَهُ مَعَ امْرَأَتِهِ ، فَأَنْكَرَ وَلِيُّهُ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْوَلِيِّ ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ دَخَلَ بَيْتَهُ ، فَإِذَا مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلٌ ، فَقَتَلَهَا وَقَتَلَهُ .\rقَالَ عَلِيٌّ : إنْ جَاءَ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ ، وَإِلَّا فَلْيُعْطَ بِرُمَّتِهِ .\rوَلِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ مَا يَدَّعِيه ، فَلَا يَسْقُطُ حُكْمُ الْقَتْلِ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى .\rوَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ فِي الْبَيِّنَةِ ، فَرُوِيَ أَنَّهَا أَرْبَعَةُ شُهَدَاءَ ؛ لِخَبَرِ عَلِيٍّ ، وَلِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ، { أَنَّ سَعْدًا قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَرَأَيْت إنْ وَجَدْت مَعَ امْرَأَتِي رَجُلًا ، أُمْهِلُهُ حَتَّى آتِيَ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : نَعَمْ } .\rوَرُوِيَ أَنَّهُ يَكْفِي شَاهِدَانِ ؛ لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ تَشْهَدُ عَلَى وُجُودِهِ عَلَى الْمَرْأَةِ ، وَهَذَا يَثْبُتُ بِشَاهِدَيْنِ ، وَإِنَّمَا الَّذِي يَحْتَاجُ إلَى الْأَرْبَعَةِ الزِّنَى","part":20,"page":381},{"id":9881,"text":"، وَهَذَا لَا يَحْتَاجُ إلَى إثْبَاتِ الزِّنَى .\rفَإِنْ قِيلَ : فَحَدِيثُ عُمَرَ فِي الَّذِي وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا لَيْسَ فِيهِ بَيِّنَةٌ ، وَكَذَلِكَ رُوِيَ أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ خَرَجَ غَازِيًا ، وَأَوْصَى بِأَهْلِهِ رَجُلًا ، فَبَلَغَ الرَّجُلَ أَنَّ يَهُودِيًّا يَخْتَلِفُ إلَى امْرَأَتِهِ ، فَكَمَنَ لَهُ حَتَّى جَاءَ ، فَجَعَلَ يُنْشِدُ : وَأَشْعَثَ غَرَّهُ الْإِسْلَامُ مِنِّي خَلَوْت بِعِرْسِهِ لَيْلَ التَّمَامِ أَبِيتُ عَلَى تَرَائِبِهَا وَيُضْحِي عَلَى جَرْدَاءَ لَاحِقَةِ الْحِزَامِ كَأَنَّ مَوَاضِعَ الرَّبَلَاتِ مِنْهَا فِئَامٌ يَنْهَضُونَ إلَى فِئَامِ فَقَامَ إلَيْهِ فَقَتَلَهُ ، فَرُفِعَ ذَلِكَ إلَى عُمَرَ ، فَأَهْدَرَ دَمَهُ ، وَلَمْ يُطَالِبْ .\rفَالْجَوَابُ أَنَّ ذَلِكَ ثَبَتَ عِنْدَهُ بِإِقْرَارِ الْوَلِيِّ .\rوَإِنْ لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ ، فَادَّعَى عِلْمَ الْوَلِيِّ بِذَلِكَ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْوَلِيِّ مَعَ يَمِينِهِ .","part":20,"page":382},{"id":9882,"text":"( 7387 ) وَلَوْ قَتَلَ رَجُلٌ رَجُلًا ، وَادَّعَى أَنَّهُ قَدْ هَجَمَ مَنْزِلِي ، فَلَمْ يُمْكِنِّي دَفْعُهُ إلَّا بِالْقَتْلِ .\rلَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ ، وَعَلَيْهِ الْقَوَدُ سَوَاءٌ كَانَ الْمَقْتُولُ يُعْرَفُ بِسَرِقَةٍ ، أَوْ عِيَارَةٍ ، أَوْ لَا يُعْرَفُ بِذَلِكَ ، فَإِنْ شَهِدَتْ الْبَيِّنَةُ أَنَّهُمْ رَأَوْا هَذَا مُقْبِلًا إلَى هَذَا بِالسِّلَاحِ الْمَشْهُورِ ، فَضَرَبَهُ هَذَا ، فَقَدْ هَدَرَ دَمَهُ ، وَإِنْ شَهِدُوا أَنَّهُمْ رَأَوْهُ دَاخِلًا دَارِهِ ، وَلَمْ يَذْكُرُوا سِلَاحًا ، أَوْ ذَكَرُوا سِلَاحًا غَيْرَ مَشْهُورٍ ، لَمْ يَسْقُطْ الْقَوَدُ بِذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَدْخُلُ لِحَاجَةٍ ، وَمُجَرَّدُ الدُّخُولِ الْمَشْهُودِ بِهِ لَا يُوجِبُ إهْدَارَ دَمِهِ .\rوَإِنْ تَجَارَحَ رَجُلَانِ ، وَادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنِّي جَرَحْته دَفْعًا عَنْ نَفْسِي .\rحَلَفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى إبْطَالِ دَعْوَى صَاحِبِهِ ، وَعَلَيْهِ ضَمَانُ مَا جَرَحَهُ ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُدَّعٍ عَلَى الْآخَرِ مَا يُنْكِرُهُ ، وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ .","part":20,"page":383},{"id":9883,"text":"( 7388 ) وَلَوْ عَضَّ رَجُلٌ يَدَ آخَرَ ، فَلَهُ جَذْبُهَا مِنْ فِيهِ ، فَإِنْ جَذَبَهَا فَوَقَعَتْ ثَنَايَا الْعَاضِّ ، فَلَا ضَمَانَ فِيهَا .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَرَوَى سَعِيدٌ ، عَنْ هُشَيْمٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ رَجُلًا عَضَّ رَجُلًا ، فَانْتَزَعَ يَدَهُ مِنْ فِيهِ ، فَسَقَطَ بَعْضُ أَسْنَانِ الْعَاضِّ ، فَاخْتَصَمَا إلَى شُرَيْحٍ ، فَقَالَ شُرَيْحٌ : انْزِعْ يَدَك مِنْ فِي السَّبُعِ ، وَأَبْطِلْ أَسْنَانَهُ .\rوَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ ، وَابْنِ أَبِي لَيْلَى ، عَلَيْهِ الضَّمَانُ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : فِي السِّنِّ خَمْسٌ مِنْ الْإِبِلِ } .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى يَعْلَى بْنُ أُمَيَّةَ قَالَ : كَانَ لِي أَجِيرٌ ، فَقَاتَلَ إنْسَانًا ، فَعَضَّ أَحَدُهُمَا يَدَ الْآخَرِ ، قَالَ : فَانْتَزَعَ الْمَعْضُوضُ يَدَهُ مِنْ فِي الْعَاضِّ فَانْتَزَعَ إحْدَى ثَنِيَّتَيْهِ ، فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَهْدَرَ ثَنِيَّتَهُ ، فَحَسِبْت أَنَّهُ قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَفَيَدَعُ يَدَهُ فِي فِيك تَقْضِمُهَا قَضْمَ الْفَحْلِ ، .\r} مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَلِأَنَّهُ عُضْوٌ تَلِفَ ضَرُورَةَ دَفْعِ شَرِّ صَاحِبِهِ ، فَلَمْ يَضْمَنْ ، كَمَا لَوْ صَالَ عَلَيْهِ ، فَلَمْ يُمْكِنْهُ دَفْعُهُ إلَّا بِقَطْعِ عُضْوِهِ .\rوَحَدِيثُهُمْ يَدُلُّ عَلَى دِيَةِ السِّنِّ إذَا قُلِعَتْ ظُلْمًا ، وَهَذِهِ لَمْ تُقْلَعْ ظُلْمًا ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْمَعْضُوضُ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا ؛ لِأَنَّ الْعَضَّ مُحَرَّمٌ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْعَضُّ مُبَاحًا ، مِثْلُ أَنْ يُمْسِكَهُ فِي مَوْضِعٍ يَتَضَرَّرُ بِإِمْسَاكِهِ ، أَوْ يَعَضُّ يَدَهُ ، وَنَحْوَ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَقْدِرُ عَلَى التَّخَلُّصِ مِنْ ضَرَرِهِ إلَّا بِعَضِّهِ ، فَيَعَضُّهُ ، فَمَا سَقَطَ مِنْ أَسْنَانِهِ ضَمِنَهُ ؛ لِأَنَّهُ عَاضٌّ وَالْعَضُّ مُبَاحٌ .\rوَلِذَلِكَ لَوْ عَضَّ أَحَدُهُمَا يَدَ الْآخَرِ ، وَلَمْ يُمْكِنْ الْمَعْضُوضَ تَخْلِيصُ يَدِهِ إلَّا بِعَضِّهِ ، فَلَهُ عَضُّهُ ، وَيَضْمَنُ الظَّالِمُ مِنْهُمَا مَا تَلِفَ مِنْ الْمَظْلُومِ ، وَمَا تَلِفَ مِنْ الظَّالِمِ هَدْرٌ .\rوَكَذَلِكَ","part":20,"page":384},{"id":9884,"text":"الْحُكْمُ فِيمَا إذَا عَضَّهُ فِي غَيْرِ يَدِهِ ، أَوْ عَمِلَ بِهِ عَمَلًا غَيْرَ الْعَضِّ أَفْضَى إلَى تَلَفِ شَيْءٍ مِنْ الْفَاعِلِ ، لَمْ يَضْمَنْهُ .\rوَقَدْ رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ : أَنَّ غُلَامًا أَخَذَ قُمْعًا مِنْ أَقْمَاعِ الزَّيَّاتِينَ ، فَأَدْخَلَهُ بَيْنَ فَخِذَيْ رَجُلٍ ، وَنَفَخَ فِيهِ ، فَذُعِرَ الرَّجُلُ مِنْ ذَلِكَ ، وَخَبَطَ بِرِجْلِهِ ، فَوَقَعَ عَلَى الْغُلَامِ ، فَكَسَرَ بَعْضَ أَسْنَانِهِ ، فَاخْتَصَمُوا إلَى شُرَيْحٍ ، فَقَالَ شُرَيْحٌ : لَا أَعْقِلُ الْكَلْبَ الْهَرَّارَ .\rقَالَ الْقَاضِي : يُخَلِّصُ الْمَعْضُوضُ يَدَهُ بِأَسْهَلِ مَا يُمْكِنْ ، فَإِنْ أَمْكَنَهُ فَكُّ لَحْيَيْهِ بِيَدِهِ الْأُخْرَى فَعَلَ ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ لَكَمَهُ فِي فَكِّهِ ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ جَذَبَ يَدَهُ مِنْ فِيهِ ، فَإِنْ لَمْ يَخْلُصْ ، فَلَهُ أَنْ يَعْصِرَ خُصْيَتَيْهِ ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ ، فَلَهُ أَنْ يَبْعَجَ بَطْنَهُ ، وَإِنْ أَتَى عَلَى نَفْسِهِ .\rوَالصَّحِيحُ أَنَّ هَذَا التَّرْتِيبَ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ ، وَلَهُ أَنْ يَجْذِبَ يَدَهُ مِنْ فِيهِ أَوَّلًا ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَسْتَفْصِلْ ، وَلِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ تَرْكُ يَدِهِ فِي فَمِ الْعَاضِّ حَتَّى يَتَحَيَّلَ بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ الْمَذْكُورَةِ ، وَلِأَنَّ جَذْبَ يَدِهِ مُجَرَّدُ تَخْلِيصٍ لِيَدِهِ ، وَمَا حَصَلَ مِنْ سُقُوطِ الْأَسْنَانِ حَصَلَ ضَرُورَةَ التَّخْلِيصِ الْجَائِزِ ، وَلَكْمُ فَكِّهِ جِنَايَةٌ غَيْرُ التَّخْلِيصِ ، وَرُبَّمَا تَضَمَّنَتْ التَّخْلِيصَ ، وَرُبَّمَا أَتْلَفَتْ الْأَسْنَانَ الَّتِي لَمْ يَحْصُلْ الْعَضُّ بِهَا ، وَكَانَتْ الْبَدَاءَةُ بِجَذْبِ يَدِهِ أَوْلَى .\rوَيَنْبَغِي أَنَّهُ مَتَى أَمْكَنَهُ جَذْبُ يَدِهِ ، فَعَدَلَ إلَى لَكْمِ فَكِّهِ ، فَأَتْلَفَ سِنًّا ، ضَمِنَهُ ، لِإِمْكَانِ التَّخَلُّصِ بِمَا هُوَ أَوْلَى مِنْهُ .","part":20,"page":385},{"id":9885,"text":"( 7389 ) وَمَنْ اطَّلَعَ فِي بَيْتِ إنْسَانٍ مِنْ ثَقْبٍ ، أَوْ شَقِّ بَابٍ ، أَوْ نَحْوِهِ ، فَرَمَاهُ صَاحِبُ الْبَيْتِ بِحَصَاةٍ ، أَوْ طَعَنَهُ بِعُودٍ ، فَقَلَعَ عَيْنَهُ ، لَمْ يَضْمَنْهَا .\rوَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَضْمَنُهَا ؛ لِأَنَّهُ لَوْ دَخَلَ مَنْزِلَهُ ، وَنَظَرَ فِيهِ ، أَوْ نَالَ مِنْ امْرَأَتِهِ مَا دُونَ الْفَرْجِ ، لَمْ يَجُزْ قَلْعُ عَيْنِهِ ، فَمُجَرَّدُ النَّظَرِ أَوْلَى .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { : لَوْ أَنَّ امْرَأً اطَّلَعَ عَلَيْك بِغَيْرِ إذْنٍ ، فَحَذَفْته بِحَصَاةٍ ، فَفَقَأْت عَيْنَهُ ، لَمْ يَكُنْ عَلَيْك جُنَاحٌ .\r} وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ، { أَنَّ رَجُلًا اطَّلَعَ فِي حَجَرٍ مِنْ بَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَحُكُّ رَأْسَهُ بِمِدْرَى فِي يَدِهِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَوْ عَلِمْت أَنَّك تَنْظُرُنِي لَطَمْت ، أَوْ لَطَعَنْت بِهَا فِي عَيْنِك } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا .\rوَيُفَارِقُ مَا قَاسُوا عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ مَنْ دَخَلَ الْمَنْزِلَ يُعْلَمُ بِهِ ، فَيُسْتَتَرُ مِنْهُ ، بِخِلَافِ النَّاظِرِ مِنْ ثَقْبٍ ، فَإِنَّهُ يَرَى مِنْ غَيْرِ عِلْمٍ بِهِ ، ثُمَّ الْخَبَرُ أَوْلَى مِنْ الْقِيَاسِ .\rوَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ ، أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ فِي هَذَا أَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ دَفْعُهُ إلَّا بِذَلِكَ ، لِظَاهِرِ الْخَبَرِ .\rوَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ : يَدْفَعُهُ بِأَسْهَلِ مَا يُمْكِنُهُ دَفْعُهُ بِهِ ، فَيَقُولُ لَهُ أَوَّلًا : انْصَرِفْ .\rفَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ ، أَشَارَ إلَيْهِ يُوهِمُهُ أَنَّهُ يَحْذِفُهُ ، فَإِنْ لَمْ يَنْصَرِفْ ، فَلَهُ حَذْفُهُ حِينَئِذٍ .\rوَاتِّبَاعُ السُّنَّةِ أَوْلَى ( 7390 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا إنْ تَرَكَ الِاطِّلَاعَ وَمَضَى ، لَمْ يَجُزْ رَمْيُهُ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَطْعَنْ الَّذِي اطَّلَعَ ثُمَّ انْصَرَفَ ، وَلِأَنَّهُ تَرَكَ الْجِنَايَةَ ، فَأَشْبَهَ مَنْ عَضَّ ثُمَّ تَرَكَ الْعَضَّ ، لَمْ يَجُزْ قَلْعُ أَسْنَانِهِ .\rوَسَوَاءٌ كَانَ الْمُطَّلَعُ","part":20,"page":386},{"id":9886,"text":"مِنْهُ صَغِيرًا ، كَثَقْبِ أَوْ شَقٍّ ، أَوْ وَاسِعًا ، كَثَقْبٍ كَبِيرٍ .\rوَذَكَرَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا أَنَّ الْبَابَ الْمَفْتُوحَ كَذَلِكَ ، وَالْأَوْلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ حَذْفُ مَنْ نَظَرَ مِنْ بَابٍ مَفْتُوحٍ ؛ لِأَنَّ التَّفْرِيطَ مِنْ تَارِكِ الْبَابِ مَفْتُوحًا ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَنْ تَرَكَ بَابَهُ مَفْتُوحًا ، أَنَّهُ يَسْتَتِرُ ، لِعِلْمِهِ أَنَّ النَّاسَ يَنْظُرُونَ مِنْهُ ، وَيَعْلَمُ بِالنَّاظِرِ فِيهِ ، وَالْوَاقِفِ عَلَيْهِ ، فَلَمْ يَجُزْ رَمْيُهُ ، كَدَاخِلِ الدَّارِ .\rوَإِنْ اطَّلَعَ ، فَرَمَاهُ صَاحِبُ الدَّارِ ، فَقَالَ الْمُطَّلِعُ : مَا تَعَمَّدْت الِاطِّلَاعَ .\rلَمْ يَضْمَنْهُ ، عَلَى ظَاهِرِ كَلَامِ أَحْمَدَ ؛ لِأَنَّ الِاطِّلَاعَ قَدْ وُجِدَ ، وَالرَّامِي لَا يَعْلَمُ مَا فِي قَلْبِهِ .\rوَعَلَى قَوْلِ ابْنِ حَامِدٍ ، يَضْمَنُهُ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَدْفَعْهُ بِمَا هُوَ أَسْهَلُ .\rوَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ : لَمْ أَرَ شَيْئًا حِينَ اطَّلَعْت ، وَإِنْ كَانَ الْمُطَّلِعُ أَعْمَى ، لَمْ يَجُزْ رَمْيُهُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَرَى شَيْئًا ، وَلَوْ كَانَ إنْسَانٌ عُرْيَانًا فِي طَرِيقٍ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ رَمْيُ مَنْ نَظَرَ إلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ الْمُفَرِّطُ .\rوَإِنْ كَانَ الْمُطَّلِعُ فِي الدَّارِ مِنْ مَحَارِمِ النِّسَاءِ اللَّائِي فِيهَا ، فَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا : لَيْسَ لِصَاحِبِ الدَّارِ رَمْيُهُ ، إلَّا أَنْ يَكُنَّ مُتَجَرِّدَاتٍ ، فَيَصِرْنَ كَالْأَجَانِبِ .\rوَظَاهِرُ الْخَبَرِ أَنَّ لِصَاحِبِ الدَّارِ رَمْيَهُ ، سَوَاءٌ كَانَ فِيهَا نِسَاءٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُ كَانَ فِي الدَّارِ الَّتِي اطَّلَعَ فِيهَا عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نِسَاءٌ .\rوَقَوْلُهُ : \" لَوْ أَنَّ امْرَأً اطَّلَعَ عَلَيْك ، بِغَيْرِ إذْنٍ ، فَحَذَفْته \" .\rعَامٌّ فِي الدَّارِ الَّتِي فِيهَا نِسَاءٌ وَغَيْرِهَا .\r( 7391 ) فَصْلٌ : وَلَيْسَ لِصَاحِبِ الدَّارِ رَمْيُ النَّاظِرِ بِمَا يَقْتُلُهُ ابْتِدَاءً ، فَإِنْ رَمَاهُ بِحَجَرٍ يَقْتُلُهُ ، أَوْ حَدِيدَةٍ ثَقِيلَةٍ ، ضَمِنَهُ بِالْقِصَاصِ ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا لَهُ مَا يَقْلَعُ بِهِ الْعَيْنَ الْمُبْصِرَةَ ، الَّتِي حَصَلَ الْأَذَى مِنْهَا ، دُونَ مَا يَتَعَدَّى إلَى","part":20,"page":387},{"id":9887,"text":"غَيْرِهَا ، فَإِنْ لَمْ يَنْدَفِعْ الْمُطَّلِعُ بِرَمْيِهِ بِالشَّيْءِ الْيَسِيرِ ، جَازَ رَمْيُهُ بِأَكْثَرَ مِنْهُ ، حَتَّى يَأْتِيَ ذَلِكَ عَلَى نَفْسِهِ .\rوَسَوَاءٌ كَانَ النَّاظِرُ فِي الطَّرِيقِ ، أَوْ مِلْكِ نَفْسِهِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ .","part":20,"page":388},{"id":9888,"text":"( 7392 ) : ( وَمَا أَفْسَدَتْ الْبَهَائِمُ بِاللَّيْلِ مِنْ الزَّرْعِ فَهُوَ مَضْمُونٌ عَلَى أَهْلِهَا ، وَمَا أَفْسَدَتْ مِنْ ذَلِكَ نَهَارًا ، لَمْ يَضْمَنُوهُ ) يَعْنِي إذَا لَمْ تَكُنْ يَدُ أَحَدٍ عَلَيْهَا ، فَإِنْ كَانَ صَاحِبُهَا مَعَهَا أَوْ غَيْرُهُ ، فَعَلَى مَنْ يَدُهُ عَلَيْهَا ضَمَانُ مَا أَتْلَفَتْهُ ؛ مِنْ نَفْسٍ أَوْ مَالٍ .\rوَنَذْكُرُ ذَلِكَ فِي الْمَسْأَلَةِ الَّتِي تَلِي هَذِهِ .\rوَإِنْ لَمْ تَكُنْ يَدُ أَحَدٍ عَلَيْهَا ، فَعَلَى مَالِكِهَا ضَمَانُ مَا أَفْسَدَتْهُ مِنْ الزَّرْعِ ، لَيْلًا دُونَ النَّهَارِ .\rوَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَكْثَرِ فُقَهَاءِ الْحِجَازِ .\rوَقَالَ اللَّيْثُ : يَضْمَنُ مَالِكُهَا مَا أَفْسَدَتْهُ لَيْلًا وَنَهَارًا بِأَقَلِّ الْأَمْرَيْنِ ؛ مِنْ قِيمَتِهَا ، أَوْ قَدْرِ مَا أَتْلَفَتْهُ ، كَالْعَبْدِ إذَا جَنَى .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ بِحَالٍ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : الْعَجْمَاءُ جُرْحُهَا جُبَارٌ } .\rيَعْنِي هَدْرًا .\rوَلِأَنَّهَا أَفْسَدَتْ وَلَيْسَتْ يَدُهُ عَلَيْهَا ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ الضَّمَانُ .\rكَمَا لَوْ كَانَ نَهَارًا ، أَوْ كَمَا لَوْ أَتْلَفَتْ غَيْرَ الزَّرْعِ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى مَالِكٌ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ حَرَامِ بْنِ سَعْدِ بْنِ مُحَيِّصَةُ ، أَنَّ نَاقَةً لِلْبَرَاءِ دَخَلَتْ حَائِطَ قَوْمٍ ، فَأَفْسَدَتْ ، فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ عَلَى أَهْلِ الْأَمْوَالِ حِفْظَهَا بِالنَّهَارِ ، وَمَا أَفْسَدَتْ بِاللَّيْلِ فَهُوَ مَضْمُونٌ عَلَيْهِمْ .\rقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : إنْ كَانَ هَذَا مُرْسَلًا ، فَهُوَ مَشْهُورٌ حَدَّثَ بِهِ الْأَئِمَّةُ الثِّقَاتُ ، وَتَلَقَّاهُ فُقَهَاءُ الْحِجَازِ بِالْقَبُولِ .\rوَلِأَنَّ الْعَادَةَ مِنْ أَهْلِ الْمَوَاشِي إرْسَالُهَا فِي النَّهَارِ لِلرَّعْيِ ، وَحِفْظُهَا لَيْلًا ، وَعَادَةُ أَهْلِ الْحَوَائِطِ حِفْظُهَا نَهَارًا دُونَ اللَّيْلِ ، فَإِذَا ذَهَبَتْ لَيْلًا كَانَ التَّفْرِيطُ مِنْ أَهْلِهَا بِتَرْكِهِمْ حِفْظَهَا فِي وَقْتِ عَادَةِ الْحِفْظِ ، وَإِنْ أَتْلَفَتْ نَهَارًا ، كَانَ التَّفْرِيطُ مِنْ أَهْلِ الزَّرْعِ ، فَكَانَ عَلَيْهِمْ ، وَقَدْ","part":20,"page":389},{"id":9889,"text":"فَرَّقَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَهُمَا ، وَقَضَى عَلَى كُلِّ إنْسَانٍ بِالْحِفْظِ فِي وَقْتِ عَادَتِهِ .\rوَأَمَّا غَيْرُ الزَّرْعِ ، فَلَا يَضْمَنُ ؛ لِأَنَّ الْبَهِيمَةَ لَا تُتْلِفُ ذَلِكَ عَادَةً ، فَلَا يُحْتَاجُ إلَى حِفْظِهَا ، بِخِلَافِ الزَّرْعِ .\r( 7393 ) فَصْلٌ : قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا : إنَّمَا يَضْمَنُ مَالِكُهَا مَا أَتْلَفَتْهُ لَيْلًا ، إذَا كَانَ التَّفْرِيطُ مِنْهُ ، بِإِرْسَالِهَا لَيْلًا ، أَوْ إرْسَالِهَا نَهَارًا ، وَلَمْ يَضْمَنْهَا لَيْلًا ، أَوْ ضَمِنَهَا بِحَيْثُ يُمْكِنُهَا الْخُرُوجُ .\rأَمَّا إذَا ضَمِنَهَا فَأَخْرَجَهَا غَيْرُهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ ، أَوْ فَتَحَ عَلَيْهَا بَابَهَا ، فَالضَّمَانُ عَلَى مُخْرِجِهَا ، أَوْ فَاتِحِ بَابِهَا ؛ لِأَنَّهُ الْمُتْلِفُ .\rقَالَ الْقَاضِي : هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ عِنْدِي مَحْمُولَةٌ عَلَى مَوْضِعٍ فِيهِ مَزَارِعُ وَمَرَاعٍ ، أَمَّا الْقُرَى الْعَامِرَةُ الَّتِي لَا مَرْعَى فِيهَا إلَّا بَيْنَ قراحين ، كَسَاقِيَةٍ وَطَرِيقٍ وَطَرَفِ زَرْعٍ ، فَلَيْسَ لِصَاحِبِهَا إرْسَالُهَا بِغَيْرِ حَافِظٍ عَنْ الزَّرْعِ ، فَإِنْ فَعَلَهُ ، فَعَلَيْهِ الضَّمَانُ ؛ لِتَفْرِيطِهِ ، وَهَذَا قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ .","part":20,"page":390},{"id":9890,"text":"( 7394 ) وَإِنْ أَتْلَفَتْ الْبَهِيمَةُ غَيْرَ الزَّرْعِ لَمْ يَضْمَنْ مَالِكُهَا مَا أَتْلَفَتْهُ ، لَيْلًا كَانَ أَوْ نَهَارًا ، مَا لَمْ تَكُنْ يَدُهُ عَلَيْهَا .\rوَحُكِيَ عَنْ شُرَيْحٍ ، أَنَّهُ قَضَى فِي شَاةٍ وَقَعَتْ فِي غَزْلِ حَائِكٍ لَيْلًا ، بِالضَّمَانِ عَلَى صَاحِبِهَا ، وَقَرَأَ شُرَيْحٌ { إذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ } .\rقَالَ : وَالنَّفْشُ لَا يَكُونُ إلَّا بِاللَّيْلِ .\rوَعَنْ الثَّوْرِيِّ : يَضْمَنُ ، وَإِنْ كَانَ نَهَارًا ؛ لِأَنَّهُ مُفَرِّطٌ بِإِرْسَالِهَا .\rوَلَنَا ، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : الْعَجْمَاءُ جَرْحُهَا جُبَارٌ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rأَيْ هَدْرٌ .\rوَأَمَّا الْآيَةُ ، فَإِنَّ النَّفْشَ هُوَ الرَّعْيُ بِاللَّيْلِ ، فَكَانَ هَذَا فِي الْحَرْثِ الَّذِي تُفْسِدُهُ الْبَهَائِمُ طَبْعًا بِالرَّعْيِ ، وَتَدْعُوهَا نَفْسُهَا إلَى أَكْلِهِ ، بِخِلَافِ غَيْرِهِ ، فَلَا يَصِحُّ قِيَاسُ غَيْرِهِ عَلَيْهِ .","part":20,"page":391},{"id":9891,"text":"( 7395 ) وَمَنْ اقْتَنَى كَلْبًا عَقُورًا ، فَأَطْلَقَهُ ، فَعَقَرَ إنْسَانًا ، أَوْ دَابَّةً ، لَيْلًا أَوْ نَهَارًا ، أَوْ خَرَقَ ثَوْبَ إنْسَانٍ ، فَعَلَى صَاحِبِهِ ضَمَانُ مَا أَتْلَفَهُ ؛ لِأَنَّهُ مُفَرِّطٌ بِاقْتِنَائِهِ ، إلَّا أَنْ يَدْخُلَ إنْسَانٌ دَارِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ ، فَلَا ضَمَانَ فِيهِ ؛ لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ بِالدُّخُولِ ، مُتَسَبِّبٌ بِعُدْوَانِهِ إلَى عَقْرِ الْكَلْبِ لَهُ .\rوَإِنْ دَخَلَ بِإِذْنِ الْمَالِكِ ، فَعَلَيْهِ ضَمَانُهُ ؛ لِأَنَّهُ تَسَبَّبَ إلَى إتْلَافِهِ .\rوَإِنْ أَتْلَفَ الْكَلْبُ بِغَيْرِ الْعَقْرِ ، مِثْلَ أَنْ وَلَغَ فِي إنَاءِ إنْسَانٍ ، أَوْ بَالَ ، لَمْ يَضْمَنْهُ مُقْتَنِيه ؛ لِأَنَّ هَذَا لَا يَخْتَصُّ بِهِ الْكَلْبُ الْعَقُورُ .\rقَالَ الْقَاضِي : وَإِنْ اقْتَنَى سِنَّوْرًا يَأْكُلُ أَفْرَاخَ النَّاسِ ، ضَمِنَ مَا أَتْلَفَهُ ، كَمَا يَضْمَنُ مَا أَتْلَفَهُ الْكَلْبُ الْعَقُورُ ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَادَةٌ بِذَلِكَ ، لَمْ يَضْمَنْ صَاحِبُهُ جِنَايَتَهُ ، كَالْكَلْبِ إذَا لَمْ يَكُنْ عَقُورًا .\rوَلَوْ أَنَّ الْكَلْبَ الْعَقُورَ أَوْ السِّنَّوْرَ حَصَلَ عِنْدَ إنْسَانٍ ، مِنْ غَيْرِ اقْتِنَائِهِ وَلَا اخْتِيَارِهِ ، فَأَفْسَدَ ، لَمْ يَضْمَنْهُ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ الْإِتْلَافُ بِسَبَبِهِ .","part":20,"page":392},{"id":9892,"text":"( 7396 ) وَإِنْ اقْتَنَى حَمَامًا أَوْ غَيْرَهُ مِنْ الطَّيْرِ ، فَأَرْسَلَهُ نَهَارًا ، فَلَقَطَ حَبًّا ، لَمْ يَضْمَنْهُ ؛ لِأَنَّهُ كَالْبَهِيمَةِ ، وَالْعَادَةُ إرْسَالُهُ .","part":20,"page":393},{"id":9893,"text":"( 7397 ) : ( وَمَا جَنَتْ الدَّابَّةُ بِيَدِهَا ، ضَمِنَ رَاكِبُهَا مَا أَصَابَتْ مِنْ نَفْسٍ ، أَوْ جُرْحٍ ، أَوْ مَالٍ ، وَكَذَلِكَ إنْ قَادَهَا أَوْ سَاقَهَا ) وَهَذَا قَوْلُ شُرَيْحٍ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : الْعَجْمَاءُ جَرْحُهَا جُبَارٌ } .\rوَلِأَنَّهُ جِنَايَةُ بَهِيمَةٍ ، فَلَمْ يَضْمَنْهَا ، كَمَا لَوْ لَمْ تَكُنْ يَدُهُ عَلَيْهَا .\rوَلَنَا ، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : الرِّجْلُ جُبَارٌ } .\rرَوَاهُ سَعِيدٌ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ هُزَيْلِ بْنِ شُرَحْبِيلَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rوَتَخْصِيصُ الرِّجْلِ بِكَوْنِهِ جُبَارًا ، دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ الضَّمَانِ فِي جِنَايَةِ غَيْرِهَا ، وَلِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ حِفْظُهَا عَنْ الْجِنَايَةِ إذَا كَانَ رَاكِبَهَا ، أَوْ يَدُهُ عَلَيْهَا ، بِخِلَافِ مَنْ لَا يَدَ لَهُ عَلَيْهَا ، وَحَدِيثُهُ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ لَا يَدَ لَهُ عَلَيْهَا .","part":20,"page":394},{"id":9894,"text":"( 7398 ) : ( وَمَا جَنَتْ بِرِجْلِهَا ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ ) وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ ، رِوَايَةٌ أُخْرَى ، أَنَّهُ يَضْمَنُهَا .\rوَهُوَ قَوْلُ شُرَيْحٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ جِنَايَةِ بَهِيمَةٍ ، يَدُهُ عَلَيْهَا ، فَيَضْمَنُهَا ، كَجِنَايَةِ يَدِهِ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : الرِّجْلُ جُبَارٌ } .\rوَلِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ حِفْظُ رِجْلِهَا عَنْ الْجِنَايَةِ ، فَلَمْ يَضْمَنْهَا ، كَمَا لَوْ لَمْ تَكُنْ يَدُهُ عَلَيْهَا .\rفَأَمَّا إنْ كَانَتْ جِنَايَتُهَا بِفِعْلِهِ ، مِثْلَ أَنْ كَبَحَهَا بِلِجَامِهَا ، أَوْ ضَرَبَهَا فِي وَجْهِهَا ، وَنَحْوِ ذَلِكَ ، ضَمِنَ جِنَايَةَ رِجْلِهَا ؛ لِأَنَّهُ السَّبَبُ فِي جِنَايَتِهَا ، فَكَانَ ضَمَانُهَا عَلَيْهِ ، وَلَوْ كَانَ السَّبَبَ فِي جِنَايَتِهَا غَيْرُهُ ، مِثْلَ أَنْ نَخَسَهَا ، أَوْ نَفَرَهَا ، فَالضَّمَانُ عَلَى مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ ، دُونَ رَاكِبِهَا وَسَائِقِهَا وَقَائِدِهَا ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ السَّبَبُ فِي جِنَايَتِهَا .","part":20,"page":395},{"id":9895,"text":"( 7399 ) : فَإِنْ كَانَ عَلَى الدَّابَّةِ رَاكِبَانِ ، فَالضَّمَانُ عَلَى الْأَوَّلِ مِنْهُمَا ؛ لِأَنَّهُ الْمُتَصَرِّفُ فِيهَا ، الْقَادِرُ عَلَى كَفِّهَا ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْأَوَّلُ مِنْهُمَا صَغِيرًا أَوْ مَرِيضًا أَوْ نَحْوَهُمَا ، وَيَكُونَ الثَّانِي الْمُتَوَلِّيَ لِتَدْبِيرِهَا فَيَكُونَ الضَّمَانُ عَلَيْهِ .\rوَإِنْ كَانَ مَعَ الدَّابَّةِ قَائِدٌ وَسَائِقٌ ، فَالضَّمَانُ عَلَيْهِمَا ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ لَوْ انْفَرَدَ ضَمِنَ .\rفَإِذَا اجْتَمَعَا ضَمِنَا .\rوَإِنْ كَانَ مَعَهُمَا أَوْ مَعَ أَحَدِهِمَا رَاكِبٌ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، الضَّمَانُ عَلَيْهِمْ جَمِيعًا ، لِذَلِكَ .\rوَالثَّانِي ، عَلَى الرَّاكِبِ ؛ لِأَنَّهُ أَقْوَى يَدًا وَتَصَرُّفًا .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَلَى الْقَائِدِ ؛ لِأَنَّهُ لَا حُكْمَ لِلرَّاكِبِ مَعَ الْقَائِدِ .","part":20,"page":396},{"id":9896,"text":"( 7400 ) : وَالْجَمَلُ الْمَقْطُورُ عَلَى الْجَمَلِ الَّذِي عَلَيْهِ رَاكِبٌ ، يَضْمَنُ جِنَايَتَهُ ؛ لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ الْقَائِدِ ، فَأَمَّا الْجَمَلُ الْمَقْطُورُ عَلَى الْجَمَلِ الثَّانِي ، فَيَنْبَغِي أَنْ لَا تُضْمَنَ جِنَايَتُهُ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ سَائِقٌ ؛ لِأَنَّ الرَّاكِبَ الْأَوَّلَ لَا يُمْكِنُهُ حِفْظُهُ عَنْ الْجِنَايَةِ .\rوَلَوْ كَانَ مَعَ الدَّابَّةِ وَلَدُهَا ، لَمْ تُضْمَنْ جِنَايَتُهُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ حِفْظُهُ .","part":20,"page":397},{"id":9897,"text":"( 7401 ) وَإِنْ وَقَفَتْ الدَّابَّةُ فِي طَرِيقٍ ضَيِّقٍ ، ضَمِنَ مَا جَنَتْ بِيَدٍ أَوْ رِجْلٍ أَوْ فَمٍ ؛ لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ بِوَقْفِهَا فِيهِ ، وَإِنْ كَانَ الطَّرِيقُ وَاسِعًا ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، يَضْمَنُ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ انْتِفَاعَهُ بِالطَّرِيقِ مَشْرُوطٌ بِالسَّلَامَةِ ، وَكَذَلِكَ لَوْ تَرَكَ فِي الطَّرِيقِ طِينًا ، فَزَلِقَ بِهِ إنْسَانٌ ، ضَمِنَهُ .\rوَالثَّانِيَةُ ، لَا يَضْمَنُ ؛ لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ بِوَقْفِهَا فِي الطَّرِيقِ الْوَاسِعِ ، فَلَمْ يَضْمَنْ ، كَمَا لَوْ وَقَفَهَا فِي مَوَاتٍ .\rوَفَارَقَ الطِّينَ ؛ لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ بِتَرْكِهِ فِي الطَّرِيقِ .","part":20,"page":398},{"id":9898,"text":"( 7402 ) : ( وَإِذَا اصْطَدَمَ الْفَارِسَانِ ، فَمَاتَتْ الدَّابَّتَانِ ، ضَمِنَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قِيمَةَ دَابَّةِ الْآخَرِ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُصْطَدِمَيْنِ ضَمَانَ مَا تَلِفَ مِنْ الْآخَرِ ، مِنْ نَفْسٍ أَوْ دَابَّةٍ ، أَوْ مَالٍ ، سَوَاءٌ كَانَتْ الدَّابَّتَانِ فَرَسَيْنِ ، أَوْ بَغْلَيْنِ ، أَوْ حِمَارَيْنِ ، أَوْ جَمَلَيْنِ ، أَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا فَرَسًا وَالْآخَرُ غَيْرَهُ ، سَوَاءٌ كَانَا مُقْبِلَيْنِ ، أَوْ مُدْبِرَيْنِ .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَصَاحِبَاهُ ، وَإِسْحَاقُ .\rوَقَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ : عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفُ قِيمَةِ مَا تَلِفَ مِنْ الْآخَرِ ؛ لِأَنَّ التَّلَفَ حَصَلَ بِفِعْلِهِمَا ، فَكَانَ الضَّمَانُ مُنْقَسِمًا عَلَيْهِمَا ، كَمَا لَوْ جَرَحَ إنْسَانٌ نَفْسَهُ ، وَجَرَحَهُ غَيْرُهُ ، فَمَاتَ مِنْهُمَا .\rوَلَنَا ، أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَاتَ مِنْ صَدْمَةِ صَاحِبِهِ ، وَإِنَّمَا هُوَ قَرَّبَهَا إلَى مَحَلِّ الْجِنَايَةِ ، فَلَزِمَ الْآخَرَ ضَمَانُهَا ، كَمَا لَوْ كَانَتْ وَاقِفَةً بِخِلَافِ الْجِرَاحَةِ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّ قِيمَةَ الدَّابَّتَيْنِ إنْ تَسَاوَتَا ، تَقَاصَّتَا وَسَقَطَتَا ، وَإِنْ كَانَتْ إحْدَاهُمَا أَكْثَرَ مِنْ الْأُخْرَى ، فَلِصَاحِبِهَا الزِّيَادَةُ ، وَإِنْ مَاتَتْ إحْدَى الدَّابَّتَيْنِ ، فَعَلَى الْآخَرِ قِيمَتُهَا ، وَإِنْ نَقَصَتْ فَعَلَيْهِ نَقْصِهَا .\r( 7403 ) فَصْلٌ : فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا يَسِيرُ بَيْنَ يَدَيْ الْآخَرِ ، فَأَدْرَكَهُ الثَّانِي فَصَدَمَهُ ، فَمَاتَتْ الدَّابَّتَانِ ، أَوْ إحْدَاهُمَا ، فَالضَّمَانُ عَلَى اللَّاحِقِ ؛ لِأَنَّهُ الصَّادِمُ وَالْآخَرُ مَصْدُومٌ ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْوَاقِفِ .","part":20,"page":399},{"id":9899,"text":"( 7404 ) : ( وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا يَسِيرُ ، وَالْآخَرُ وَاقِفًا ، فَعَلَى السَّائِرِ قِيمَةُ دَابَّةِ الْوَاقِفِ ) نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى هَذَا ؛ لِأَنَّ السَّائِرَ هُوَ الصَّادِمُ الْمُتْلِفُ ، فَكَانَ الضَّمَانُ عَلَيْهِ .\rوَإِنْ مَاتَ هُوَ أَوْ دَابَّتُهُ ، فَهُوَ هَدْرٌ ؛ لِأَنَّهُ أَتْلَفَ نَفْسَهُ وَدَابَّتَهُ .\rوَإِنْ انْحَرَفَ الْوَاقِفُ ، فَصَادَفَتْ الصَّدْمَةُ انْحِرَافَهُ ، فَهُمَا كَالسَّائِرَيْنِ ؛ لِأَنَّ التَّلَفَ حَصَلَ مِنْ فِعْلِهِمَا .\rوَإِنْ كَانَ الْوَاقِفُ مُتَعَدِّيًا بِوُقُوفِهِ ، مِثْلَ أَنْ يَقِفَ فِي طَرِيقٍ ضَيِّقٍ ، فَالضَّمَانُ عَلَيْهِ دُونَ السَّائِرِ ؛ لِأَنَّ التَّلَفَ حَصَلَ بِتَعَدِّيهِ ، فَكَانَ الضَّمَانُ عَلَيْهِ ، كَمَا لَوْ وَضَعَ حَجَرًا فِي الطَّرِيقِ ، أَوْ جَلَسَ فِي طَرِيقٍ ضَيِّقٍ ، فَعَثَرَ بِهِ إنْسَانٌ .","part":20,"page":400},{"id":9900,"text":"( 7405 ) : ( وَإِنْ تَصَادَمَ نَفْسَانِ يَمْشِيَانِ ، فَمَاتَا ، فَعَلَى عَاقِلَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا دِيَةُ الْآخَرِ ) .\rرُوِيَ هَذَا عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَالْخِلَافُ هَاهُنَا فِي الضَّمَانِ كَالْخِلَافِ فِيمَا إذَا اصْطَدَمَ الْفَارِسَانِ ، إلَّا أَنَّهُ لَا تَقَاصَّ هَاهُنَا فِي الضَّمَانِ ؛ لِأَنَّهُ عَلَى غَيْرِ مَنْ لَهُ الْحَقُّ ؛ لِكَوْنِ الضَّمَانِ عَلَى عَاقِلَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا .\rوَإِنْ اتَّفَقَ أَنْ يَكُونَ الضَّمَانُ عَلَى مَنْ لَهُ الْحَقُّ ، مِثْلَ أَنْ تَكُونَ الْعَاقِلَةُ هِيَ الْوَارِثَةَ ، أَوْ يَكُونَ الضَّمَانُ عَلَى الْمُتَصَادِمَيْنِ ، تَقَاصَّا .\rوَلَا يَجِبُ الْقِصَاصُ ، سَوَاءٌ كَانَ اصْطِدَامُهُمَا عَمْدًا أَوْ خَطَأً ؛ لِأَنَّ الصَّدْمَةَ لَا تَقْتُلُ غَالِبًا ، فَالْقَتْلُ الْحَاصِلُ بِهَا مَعَ الْعَمْدِ عَمْدُ الْخَطَأِ .\rوَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْبَصِيرَيْنِ وَالْأَعْمَيَيْنِ ، وَالْبَصِيرِ وَالْأَعْمَى ، فَإِنْ كَانَتَا امْرَأَتَيْنِ حَامِلَتَيْنِ ، فَهُمَا كَالرَّجُلَيْنِ ، فَإِنْ أَسْقَطَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا جَنِينًا ، فَعَلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ نِصْفُ ضَمَانِ جَنِينِهَا وَنِصْفُ ضَمَانِ جَنِينِ صَاحِبَتِهَا ؛ لِأَنَّهُمَا اشْتَرَكَتَا فِي قَتْلِهِ ، وَعَلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عِتْقُ ثَلَاثِ رِقَابٍ ؛ وَاحِدَةٌ لِقَتْلِ صَاحِبَتِهَا ، وَاثْنَتَانِ لِمُشَارَكَتِهَا فِي الْجَنِينِ .\rوَإِنْ أَسْقَطَتْ إحْدَاهُمَا دُونَ الْأُخْرَى ، اشْتَرَكَتَا فِي ضَمَانِهِ ، وَعَلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ عِتْقُ رَقَبَتَيْنِ .\rوَإِنْ أَسْقَطَتَا مَعًا ، وَلَمْ تَمُتْ الْمَرْأَتَانِ ، فَفِي مَالِ كُلِّ وَاحِدَةٍ ضَمَانُ نِصْفِ الْجَنِينَيْنِ بِغُرَّةٍ ، إذَا سَقَطَا مَيِّتَيْنِ ، وَعِتْقُ رَقَبَتَيْنِ .\rوَإِنْ اصْطَدَمَ رَاكِبٌ وَمَاشٍ ، فَهُوَ كَمَا لَوْ كَانَا مَاشِيَيْنِ .\rوَإِنْ اصْطَدَمَ رَاكِبَانِ فَمَاتَا ، فَهُوَ كَمَا لَوْ كَانَا مَاشِيَيْنِ .\r( 7406 ) فَصْلٌ : وَإِنْ اصْطَدَمَ عَبْدَانِ فَمَاتَا ، هُدِرَتْ قِيمَتُهُمَا ؛ لِأَنَّ قِيمَةَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا تَعَلَّقَتْ بِرَقَبَةِ الْآخَرِ ، فَسَقَطَتْ بِتَلَفِهِ .\rوَإِنْ مَاتَ أَحَدُهُمَا ، تَعَلَّقَتْ قِيمَتُهُ بِرَقَبَةِ الْحَيِّ ، فَإِنْ هَلَكَ قَبْلَ","part":20,"page":401},{"id":9901,"text":"اسْتِيفَاءِ الْقِيمَةِ ، سَقَطَتْ لِفَوَاتِ مَحَلِّهَا .\rوَإِنْ تَصَادَمَ حُرٌّ وَعَبْدٌ ، فَمَاتَا ، تَعَلَّقَتْ دِيَةُ الْحُرِّ بِرَقَبَةِ الْعَبْدِ ، ثُمَّ انْتَقَلَتْ إلَى قِيمَةِ الْعَبْدِ ، وَوَجَبَتْ قِيمَةُ الْعَبْدِ فِي تَرِكَةِ الْحُرِّ فَيَتَقَاصَّانِ ، فَإِنْ كَانَتْ دِيَةُ الْحُرِّ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَةِ الْعَبْدِ ، سَقَطَتْ الزِّيَادَةُ ؛ لِأَنَّهَا لَا مُتَعَلِّقَ لَهَا ، وَإِنْ كَانَتْ قِيمَةُ الْعَبْدِ أَكْثَرَ ، أَخَذَ الْفَضْلَ مِنْ تَرِكَةِ الْجَانِي ، وَفِي مَالِ الْحُرِّ عِتْقُ رَقَبَةٍ ، وَلَا شَيْءَ عَلَى الْعَبْدِ ؛ لِأَنَّ تَكْفِيرَهُ بِالصَّوْمِ ، فَيَفُوتُ بِفَوَاتِهِ .\rوَإِنْ مَاتَ الْعَبْدُ وَحْدَهُ ، فَقِيمَتُهُ فِي ذِمَّةِ الْحُرِّ ؛ لِأَنَّ الْعَاقِلَةَ لَا تَحْمِلُ الْعَبْدِ .\rوَإِنْ مَاتَ الْحُرُّ وَحْدَهُ ، تَعَلَّقَتْ دِيَتُهُ بِرَقَبَةِ الْعَبْدِ ، وَعَلَيْهِ صِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ .\rوَإِنْ مَاتَ الْعَبْدُ قَبْلَ اسْتِيفَاءِ الدِّيَةِ ، سَقَطَتْ .\rوَإِنْ قَتَلَهُ أَجْنَبِيٌّ ، فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ ، وَيَتَحَوَّلُ مَا كَانَ مُتَعَلِّقًا بِرَقَبَتِهِ إلَى قِيمَتِهِ ؛ لِأَنَّهَا بَدَلُهُ ، وَقَائِمَةٌ مَقَامَهُ ، وَتُسْتَوْفَى مِمَّنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ .","part":20,"page":402},{"id":9902,"text":"( 7407 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَإِذَا وَقَعَتْ السَّفِينَة الْمُنْحَدِرَةُ عَلَى الْمُصَاعَدَةِ ، فَغَرِقَتَا ، فَعَلَى الْمُنْحَدِرَةِ قِيمَةُ السَّفِينَةِ الْمُصَاعَدَةِ ، أَوْ أَرْشُ مَا نَقَصَتْ إنْ أُخْرِجَتْ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ قَيِّمُ الْمُنْحَدِرَةِ غَلَبَتْهُ الرِّيحُ ، فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى ضَبْطِهَا ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ السَّفِينَتَيْنِ إذَا اصْطَدَمَتَا ، لَمْ تَخْلُ مِنْ حَالَيْنِ ؛ أَحَدِهِمَا ، أَنْ تَكُونَا مُتَسَاوِيَتَيْنِ ، كَاللَّتَيْنِ فِي بَحْرٍ أَوْ مَاءٍ وَاقِفٍ ، أَوْ كَانَتْ إحْدَاهُمَا مُنْحَدِرَةً وَالْأُخْرَى مَصَاعِدَةً ، فَنَبْدَأُ بِمَا إذَا كَانَتْ إحْدَاهُمَا مُنْحَدِرَةً وَالْأُخْرَى مَصَاعِدَةً ؛ لِأَنَّهَا مَسْأَلَةُ الْكِتَابِ ، وَلَا يَخْلُو مِنْ حَالَيْنِ ؛ أَحَدِهِمَا ، أَنْ يَكُونَ الْقَيِّمُ بِهَا مُفَرِّطًا ، بِأَنْ يَكُونَ قَادِرًا عَلَى ضَبْطِهَا ، أَوْ رَدِّهَا عَنْ الْأُخْرَى ، فَلَمْ يَفْعَلْ ، أَوْ أَمْكَنَهُ أَنْ يَعْدِلَهَا إلَى نَاحِيَةٍ أُخْرَى ، فَلَمْ يَفْعَلْ ، أَوْ لَمْ يُكْمِلْ آلَتَهَا مِنْ الْحِبَالِ وَالرِّجَالَاتِ وَغَيْرِهِمَا ، فَعَلَى الْمُنْحَدِرِ ضَمَانُ الْمُصَاعَدَةِ ؛ لِأَنَّهَا تَنْحَطُّ عَلَيْهَا مِنْ عُلْوٍ ، فَيَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا لِغَرَقِهَا ، فَتَنْزِلُ الْمُنْحَدِرَةُ بِمَنْزِلَةِ السَّائِرِ ، وَالْمَصَاعِدَةُ بِمَنْزِلَةِ الْوَاقِفِ .\rوَإِنْ غَرِقَتَا جَمِيعًا ، فَلَا شَيْءَ عَلَى الْمُصَعِّدِ ، وَعَلَى الْمُنْحَدِرِ قِيمَةُ الْمُصَعِّدِ ، أَوْ أَرْشُ مَا نَقَصَتْ إنْ لَمْ تَتْلَفْ كُلُّهَا ، إلَّا أَنْ يَكُونَ التَّفْرِيطُ مِنْ الْمُصَعِّدِ ؛ بِأَنْ يُمْكِنَهُ الْعُدُولُ بِسَفِينَتِهِ ، وَالْمُنْحَدِرُ غَيْرُ قَادِرٍ وَلَا مُفَرِّطٍ ، فَيَكُونُ الضَّمَانُ عَلَى الْمُصَعِّدِ ؛ لِأَنَّهُ الْمُفَرِّطُ .\rوَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا تَفْرِيطٌ ، لَكِنْ هَاجَتْ رِيحٌ ، أَوْ كَانَ الْمَاءُ شَدِيدَ الْجِرْيَةِ ، فَلَمْ يُمْكِنْهُ ضَبْطُهَا ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدْخُلُ فِي وُسْعِهِ ضَبْطُهَا ، وَلَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَا .\rالْحَالُ الثَّانِي : أَنْ يَكُونَا مُتَسَاوِيَتَيْنِ ، فَإِنْ كَانَ الْقَيِّمَانِ مُفَرِّطَيْنِ ، ضَمِنَ كُلُّ","part":20,"page":403},{"id":9903,"text":"وَاحِدٍ مِنْهُمَا سَفِينَةَ الْآخَرِ ، بِمَا فِيهَا مِنْ نَفْسٍ وَمَالٍ ، كَمَا قُلْنَا فِي الْفَارِسَيْنِ يَصْطَدِمَانِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُونَا مُفَرِّطَيْنِ ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِمَا .\rوَلِلشَّافِعِيِّ فِي حَالِ عَدَمِ التَّفْرِيطِ قَوْلَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، عَلَيْهِمَا الضَّمَانُ ؛ لِأَنَّهُمَا فِي أَيْدِيهِمَا ، فَلَزِمَهُمَا الضَّمَانُ ، كَمَا لَوْ اصْطَدَمَ الْفَارِسَانِ ؛ لِغَلَبَةِ الْفَرَسَيْنِ لَهُمَا .\rوَلَنَا ، أَنَّ الْمَلَّاحَيْنِ لَا يُسَيِّرَانِ السَّفِينَتَيْنِ بِفِعْلِهِمَا ، وَلَا يُمْكِنُهُمَا ضَبْطُهُمَا فِي الْغَالِبِ ، وَلَا الِاحْتِرَاز مِنْ ذَلِكَ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ نَزَلَتْ صَاعِقَةٌ أَحْرَقَتْ السَّفِينَةَ ، وَيُخَالِفُ الْفَرَسَيْنِ ، فَإِنَّهُ مُمْكِنٌ ضَبْطُهُمَا ، وَالِاحْتِرَازُ مِنْ طَرْدِهِمَا .\rوَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا مُفَرِّطًا وَحْدَهُ ، فَعَلَيْهِ الضَّمَانُ وَحْدَهُ ، وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي تَفْرِيطِ الْقَيِّمِ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ التَّفْرِيطِ ، وَهُوَ أَمِينٌ ، فَهُوَ كَالْمُودَعِ .\rوَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ ، أَنَّهُمَا إذَا كَانَ مُفَرِّطَيْنِ ، فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْقَيِّمَيْنِ ضَمَانُ نِصْفِ سَفِينَتِهِ وَنِصْفِ سَفِينَةِ صَاحِبِهِ ، كَقَوْلِهِ فِي اصْطِدَامِ الْفَارِسَيْنِ ، عَلَى مَا مَضَى .\r( 7408 ) فَصْلٌ : فَإِنْ كَانَ الْقَيِّمَانِ مَالِكَيْنِ لِلسَّفِينَتَيْنِ بِمَا فِيهِمَا تَقَاصَّا ، وَأَخَذَ ذُو الْفَضْلِ فَضْلَهُ ، وَإِنْ كَانَا أَجِيرَيْنِ ، ضَمِنَا ، وَلَا تَقَاصَّ هَاهُنَا ؛ لِأَنَّ مَنْ يَجِبُ لَهُ غَيْرُ مَنْ يَجِبُ عَلَيْهِ .\rوَإِنْ كَانَ فِي السَّفِينَتَيْنِ أَحْرَارٌ فَهَلَكُوا ، وَكَانَا قَدْ تَعَمَّدَا الْمُصَادَمَةَ ، وَذَلِكَ مِمَّا يَقْتُلُ غَالِبًا ، فَعَلَيْهِمَا الْقِصَاصُ .\rوَإِنْ كَانُوا عَبِيدًا ، فَلَا ضَمَانَ عَلَى الْقَيِّمَيْنِ ، إذَا كَانَ حُرَّيْنِ .\rوَإِنْ لَمْ يَتَعَمَّدَا الْمُصَادَمَةَ ، أَوْ كَانَ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَقْتُلُ غَالِبًا وَجَبَتْ دِيَةُ الْأَحْرَارِ عَلَى عَاقِلَةِ الْقَيِّمَيْنِ ، وَقِيمَةُ الْعَبِيدِ فِي أَمْوَالِهِمَا .\rوَإِنْ كَانَ الْقَيِّمَانِ عَبْدَيْنِ ، تَعَلَّقَ الضَّمَانُ بِرَقَبَتِهِمَا ، فَإِنْ تَلِفَا","part":20,"page":404},{"id":9904,"text":"جَمِيعًا ، سَقَطَ الضَّمَانُ ، وَأَمَّا مَعَ عَدَمِ التَّفْرِيطِ فَلَا ضَمَانَ عَلَى أَحَدٍ .\rوَإِنْ كَانَ فِي السَّفِينَتَيْنِ وَدَائِعُ وَمُضَارَبَاتٌ ، لَمْ تَضْمَنْ ؛ لِأَنَّ الْأَمِينَ لَا يَضْمَنُ ، مَا لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ تَفْرِيطٌ أَوْ عُدْوَانٌ .\rوَإِنْ كَانَتْ السَّفِينَتَانِ بِأُجْرَةٍ ، فَهُمَا أَمَانَةٌ أَيْضًا ، لَا ضَمَانَ فِيهِمَا .\rوَإِنْ كَانَ فِيهِمَا مَالٌ يَحْمِلَانِهِ بِأُجْرَةٍ إلَى بَلَدٍ آخَرَ ، فَلَا ضَمَانَ ؛ لِأَنَّ الْهَلَاكَ بِأَمْرٍ غَيْرِ مُسْتَطَاعٍ .\r( 7409 ) فَصْلٌ : وَإِنْ كَانَتْ إحْدَى السَّفِينَتَيْنِ قَائِمَةً وَالْأُخْرَى سَائِرَةً ، فَلَا ضَمَانَ عَلَى الْوَاقِفَةِ ، وَعَلَى السَّائِرَةِ ضَمَانُ الْوَاقِفَةِ ، إنْ كَانَ مُفَرِّطًا ، وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ إنْ لَمْ يُفَرِّطْ ، عَلَى مَا قَدَّمْنَا .","part":20,"page":405},{"id":9905,"text":"وَإِنْ خِيفَ عَلَى السَّفِينَةِ الْغَرَقُ ، فَأَلْقَى بَعْضُ الرُّكْبَانِ مَتَاعَهُ لِتَخِفَّ وَتَسْلَمَ مِنْ الْغَرَقِ ، لَمْ يَضْمَنْهُ أَحَدٌ ؛ لِأَنَّهُ أَتْلَفَ مَتَاعَ نَفْسِهِ بِاخْتِيَارِهِ ؛ لِصَلَاحِهِ وَصَلَاحِ غَيْرِهِ ، وَإِنْ أَلْقَى مَتَاعَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ أَمْرِهِ ، ضَمِنَهُ وَحْدَهُ .\rوَإِنْ قَالَ لِغَيْرِهِ : أَلْقِ مَتَاعَك .\rفَقَبِلَ مِنْهُ ، لَمْ يَضْمَنْهُ لَهُ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَلْتَزِمْ ضَمَانَهُ .\rوَإِنْ قَالَ : أَلْقِهِ ، وَأَنَا ضَامِنٌ لَهُ .\rأَوْ : وَعَلَيَّ قِيمَتُهُ .\rلَزِمَهُ ضَمَانُهُ لَهُ ؛ لِأَنَّهُ أَتْلَفَ مَالَهُ بِعِوَضٍ لِمَصْلَحَةٍ ، فَوَجَبَ لَهُ الْعِوَضُ عَلَى مَنْ الْتَزَمَهُ ، كَمَا لَوْ قَالَ : أَعْتِقْ عَبْدَك وَعَلَيَّ ثَمَنُهُ .\rوَإِنْ قَالَ : أَلْقِهِ ، وَعَلَيَّ وَعَلَى رُكْبَانِ السَّفِينَةِ ضَمَانُهُ .\rفَأَلْقَاهُ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، يَلْزَمُهُ ضَمَانُهُ وَحْدَهُ .\rوَهَذَا نَصُّ الشَّافِعِيِّ .\rوَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ ؛ لِأَنَّهُ الْتَزَمَ ضَمَانَهُ جَمِيعَهُ ، فَلَزِمَهُ مَا الْتَزَمَهُ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : إنْ كَانَ ضَمَانَ اشْتِرَاكٍ ، مِثْلَ أَنْ يَقُولَ : نَحْنُ نَضْمَنُ لَك .\rأَوْ قَالَ : عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنَّا ضَمَانُ قِسْطِهِ أَوْ رُبْعِ مَتَاعِك .\rلَمْ يَلْزَمْهُ إلَّا مَا يَخُصُّهُ مِنْ الضَّمَانِ .\rوَهَذَا قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَضْمَنْ إلَّا حِصَّتَهُ ، وَإِنَّمَا أَخْبَرَ عَنْ الْبَاقِينَ بِالضَّمَانِ ، فَسَكَتُوا ، وَسُكُوتُهُمْ لَيْسَ بِضَمَانٍ .\rوَإِنْ الْتَزَمَ ضَمَانَ الْجَمِيعِ ، وَأَخْبَرَ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِمِثْلِ ذَلِكَ ، لَزِمَهُ ضَمَانُ الْكُلِّ ، وَإِنْ قَالَ : أَلْقِهِ عَلَى أَنْ أَضْمَنَهُ لَك أَنَا وَرُكْبَانُ السَّفِينَةِ ، فَقَدْ أَذِنُوا لِي فِي ذَلِكَ .\rفَأَلْقَاهُ ، ثُمَّ أَنْكَرُوا الْإِذْنَ ، فَهُوَ ضَامِنٌ لِجَمِيعِهِ .\rوَإِنْ قَالَ : أُلْقِي مَتَاعِي ، وَتَضْمَنُهُ لِي ؟ فَقَالَ : نَعَمْ .\rفَأَلْقَاهُ ، ضَمِنَهُ لَهُ .\rوَإِنْ قَالَ : أَلْقِ مَتَاعَك ، وَعَلَيَّ ضَمَانُ نِصْفِهِ ، وَعَلَى أَخِي ضَمَانُ مَا بَقِيَ .\rفَأَلْقَاهُ ، فَعَلَيْهِ ضَمَانُ النِّصْفِ وَحْدَهُ ، وَلَا شَيْءَ عَلَى الْآخَرِ ؛","part":20,"page":406},{"id":9906,"text":"لِأَنَّهُ لَمْ يَضْمَنْ .","part":20,"page":407},{"id":9907,"text":"( 7411 ) وَإِذَا خَرَقَ سَفِينَةً ، فَغَرِقَتْ بِمَا فِيهَا ، وَكَانَ عَمْدًا ، وَهُوَ مَا يُغْرِقُهَا غَالِبًا ، وَيُهْلِكُ مَنْ فِيهَا ، لِكَوْنِهِمْ فِي اللُّجَّةِ ، أَوْ لِعَدَمِ مَعْرِفَتِهِمْ بِالسِّبَاحَةِ ، فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ إنْ قُتِلَ مَنْ يَجِبُ الْقِصَاصُ بِقَتْلِهِ ، وَعَلَيْهِ ضَمَانُ السَّفِينَةِ بِمَا فِيهَا مِنْ مَالٍ وَنَفْسٍ ، وَإِنْ كَانَ خَطَأً ، فَعَلَيْهِ ضَمَانُ الْعَبِيدِ ، وَدِيَةُ الْأَحْرَارِ عَلَى عَاقِلَتِهِ .\rوَإِنْ كَانَ عَمْدَ خَطَأٍ ، مِثْلَ أَنْ يَأْخُذَ السَّفِينَةَ لِيُصْلِحَ مَوْضِعًا ، فَقَلَعَ لَوْحًا ، أَوْ يُصْلِحَ مِسْمَارًا ، فَنَقَبَ مَوْضِعًا ، فَهَذَا عَمْدُ الْخَطَأِ .\rوَذَكَرَهُ الْقَاضِي ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيُّ .\rوَالصَّحِيحُ أَنَّ هَذَا خَطَأٌ مَحْضٌ ؛ لِأَنَّهُ قَصَدَ فِعْلًا مُبَاحًا ، فَأَفْضَى إلَى التَّلَفِ لِمَا لَمْ يُرِدْهُ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ رَمَى صَيْدًا ، فَأَصَابَ آدَمِيًّا .\rوَلَكِنْ إنْ قَصَدَ قَلْعَ اللَّوْحِ فِي مَوْضِعٍ الْغَالِبُ أَنَّهُ لَا يُتْلِفُهَا ، فَأَتْلَفَهَا ، فَهُوَ عَمْدُ الْخَطَأِ ، وَفِيهِ مَا فِيهِ .\rوَاَللَّه أَعْلَمُ .","part":20,"page":408},{"id":9908,"text":"رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { : انْتَدَبَ اللَّهُ لِمَنْ خَرَجَ فِي سَبِيلِهِ ، لَا يُخْرِجُهُ إلَّا جِهَادٌ فِي سَبِيلِي ، وَإِيمَانٌ بِي ، وَتَصْدِيقٌ بِرَسُولِي ، فَهُوَ عَلَيَّ ضَامِنٌ أَنْ أُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ ، أَوْ أُرْجِعَهُ إلَى مَسْكَنِهِ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ ، نَائِلًا مَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَلِمُسْلِمٍ { : مَثَلُ الْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، كَمَثَلِ الصَّائِمِ الْقَائِمِ } .\rوَعَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَغَدْوَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ رَوْحَةٌ ، خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا } .\rرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ .\r( 7412 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَالْجِهَادُ فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ ، إذَا قَامَ بِهِ قَوْمٌ ، سَقَطَ عَنْ الْبَاقِينَ ) مَعْنَى فَرْضِ الْكِفَايَةِ ، الَّذِي إنْ لَمْ يَقُمْ بِهِ مَنْ يَكْفِي ، أَثِمَ النَّاسُ كُلُّهُمْ ، وَإِنْ قَامَ بِهِ مَنْ يَكْفِي ، سَقَطَ عَنْ سَائِرِ النَّاسِ .\rفَالْخِطَابُ فِي ابْتِدَائِهِ يَتَنَاوَلُ الْجَمِيعَ ، كَفَرْضِ الْأَعْيَانِ ، ثُمَّ يَخْتَلِفَانِ فِي أَنَّ فَرْضَ الْكِفَايَةِ يَسْقُطُ بِفِعْلِ بَعْضِ النَّاسِ لَهُ ، وَفَرْضُ الْأَعْيَانِ لَا يَسْقُطُ عَنْ أَحَدٍ بِفِعْلِ غَيْرِهِ وَالْجِهَادُ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ ، فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rوَحُكِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، أَنَّهُ مِنْ فُرُوضِ الْأَعْيَانِ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى { : انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ } ثُمَّ قَالَ : { إلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا } .\rوَقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ : { كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِتَالُ } .\rوَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : \" مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَغْزُ ، وَلَمْ يُحَدِّثْ نَفْسَهُ بِالْغَزْوِ ، مَاتَ عَلَى شُعْبَةٍ مِنْ النِّفَاقِ \" .\rوَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ","part":20,"page":409},{"id":9909,"text":"وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى } .\rوَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْقَاعِدِينَ غَيْرُ آثِمِينَ مَعَ جِهَادِ غَيْرِهِمْ ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا } وَلِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَبْعَثُ السَّرَايَا ، وَيُقِيمُ هُوَ وَسَائِرُ أَصْحَابِهِ .\rفَأَمَّا الْآيَةُ الَّتِي احْتَجُّوا بِهَا ، فَقَدْ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : نَسَخَهَا قَوْله تَعَالَى : { وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً } .\rرَوَاهُ الْأَثْرَمُ وَأَبُو دَاوُد .\rوَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ حِينَ اسْتَنْفَرَهُمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى غَزْوَةِ تَبُوكَ ، وَكَانَتْ إجَابَتُهُمْ إلَى ذَلِكَ وَاجِبَةً عَلَيْهِمْ ، وَلِذَلِكَ هَجَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ وَأَصْحَابَهُ الَّذِينَ خُلِّفُوا ، حَتَّى تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ ، وَكَذَلِكَ يَجِبُ عَلَى مَنْ اسْتَنْفَرَهُ الْإِمَامُ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : \" إذَا اُسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا \" .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَمَعْنَى الْكِفَايَةِ فِي الْجِهَادِ أَنْ يَنْهَضَ لِلْجِهَادِ قَوْمٌ يَكْفُونَ فِي قِتَالِهِمْ ؛ إمَّا أَنْ يَكُونُوا جُنْدًا لَهُمْ دَوَاوِينُ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ ، أَوْ يَكُونُوا قَدْ أَعَدُّوا أَنْفُسَهُمْ لَهُ تَبَرُّعًا بِحَيْثُ إذَا قَصَدَهُمْ الْعَدُوُّ حَصَلَتْ الْمَنَعَةُ بِهِمْ ، وَيَكُونُ فِي الثُّغُورِ مَنْ يَدْفَعُ الْعَدُوَّ عَنْهَا ، وَيُبْعَثُ فِي كُلِّ سَنَةٍ جَيْشٌ يُغِيرُونَ عَلَى الْعَدُوِّ فِي بِلَادِهِمْ .","part":20,"page":410},{"id":9910,"text":"وَيَتَعَيَّنُ الْجِهَادُ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ ؛ أَحَدُهَا ، إذَا الْتَقَى الزَّحْفَانِ ، وَتَقَابَلَ الصَّفَّانِ ؛ حَرُمَ عَلَى مَنْ حَضَرَ الِانْصِرَافُ ، وَتَعَيَّنَ عَلَيْهِ الْمُقَامُ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا } .\rوَقَوْلِهِ { وَاصْبِرُوا إنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ } .\rوقَوْله تَعَالَى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا لَقِيتُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمْ الْأَدْبَارَ وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنْ اللَّهِ } الثَّانِي ، إذَا نَزَلَ الْكُفَّارُ بِبَلَدٍ ، تَعَيَّنَ عَلَى أَهْلِهِ قِتَالُهُمْ وَدَفْعُهُمْ .\rالثَّالِثِ ، إذَا اسْتَنْفَرَ الْإِمَامُ قَوْمًا لَزِمَهُمْ النَّفِيرُ مَعَهُ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إذَا قِيلَ لَكُمْ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إلَى الْأَرْضِ } .\rالْآيَةَ وَاَلَّتِي بَعْدَهَا .\rوَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : \" إذَا اُسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا \" .","part":20,"page":411},{"id":9911,"text":"( 7414 ) وَيُشْتَرَطُ لِوُجُوبِ الْجِهَادِ سَبْعَةُ شُرُوطٍ ؛ الْإِسْلَامُ ، وَالْبُلُوغُ ، وَالْعَقْلُ ، وَالْحُرِّيَّةُ ، وَالذُّكُورِيَّةُ ، وَالسَّلَامَةُ مِنْ الضَّرَرِ ، وَوُجُودُ النَّفَقَةِ .\rفَأَمَّا الْإِسْلَامُ وَالْبُلُوغُ وَالْعَقْلُ ، فَهِيَ شُرُوطٌ لِوُجُوبِ سَائِرِ الْفُرُوعِ ، وَلِأَنَّ الْكَافِرَ غَيْرُ مَأْمُونٍ فِي الْجِهَادِ ، وَالْمَجْنُونَ لَا يَتَأَتَّى مِنْهُ الْجِهَادُ وَالصَّبِيَّ ضَعِيفُ الْبِنْيَةِ ، وَقَدْ رَوَى ابْنُ عُمَرَ ، قَالَ : { عُرِضْت عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ أُحُدٍ وَأَنَا ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ ، فَلَمْ يُجِزْنِي فِي الْمُقَاتِلَةِ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَأَمَّا الْحُرِّيَّةُ فَتُشْتَرَطُ ؛ لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { كَانَ يُبَايِعُ الْحُرَّ عَلَى الْإِسْلَامِ وَالْجِهَادِ ، وَيُبَايِعُ الْعَبْدَ عَلَى الْإِسْلَامِ دُونَ الْجِهَادِ } ، وَلِأَنَّ الْجِهَادَ عِبَادَةٌ تَتَعَلَّقُ بِقَطْعِ مَسَافَةٍ ، فَلَمْ تَجِبْ عَلَى الْعَبْدِ ، كَالْحَجِّ .\rوَأَمَّا الذُّكُورِيَّةُ فَتُشْتَرَطُ ؛ لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ ، قَالَتْ { : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، هَلْ عَلَى النِّسَاءِ جِهَادٌ ؟ فَقَالَ : جِهَادٌ لَا قِتَالَ فِيهِ ؛ الْحَجُّ ، وَالْعُمْرَةُ } .\rوَلِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ أَهْلِ الْقِتَالِ ؛ لِضَعْفِهَا وَخَوَرِهَا ، وَلِذَلِكَ لَا يُسْهَمُ لَهَا .\rوَلَا يَجِبُ عَلَى خُنْثَى مُشْكِلٍ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ كَوْنُهُ ذَكَرًا ، فَلَا يَجِبُ مَعَ الشَّكِّ فِي شَرْطِهِ .\rوَأَمَّا السَّلَامَةُ مِنْ الضَّرَرِ ، فَمَعْنَاهُ السَّلَامَةُ مِنْ الْعَمَى وَالْعَرَجِ وَالْمَرَضِ ، وَهُوَ شَرْطٌ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى { لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ } .\rوَلِأَنَّ هَذِهِ الْأَعْذَارَ تَمْنَعُهُ مِنْ الْجِهَادِ ؛ فَأَمَّا الْعَمَى فَمَعْرُوفٌ ، وَأَمَّا الْعَرَجُ ، فَالْمَانِعُ مِنْهُ هُوَ الْفَاحِشُ الَّذِي يَمْنَعُ الْمَشْيَ الْجَيِّدَ وَالرُّكُوبَ ، كَالزَّمَانَةِ وَنَحْوِهَا ، وَأَمَّا الْيَسِيرُ الَّذِي يَتَمَكَّنُ مَعَهُ مِنْ الرُّكُوبِ وَالْمَشْيِ ، وَإِنَّمَا يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ شِدَّةُ","part":20,"page":412},{"id":9912,"text":"الْعَدْوِ ، فَلَا يَمْنَعُ وُجُوبَ الْجِهَادِ ؛ لِأَنَّهُ مُمَكَّنٌ مِنْهُ ، فَشَابَهَ الْأَعْوَرَ .\rوَكَذَلِكَ الْمَرَضُ الْمَانِعُ هُوَ الشَّدِيدُ ، فَأَمَّا الْيَسِيرُ مِنْهُ الَّذِي لَا يَمْنَعُ إمْكَانَ الْجِهَادِ ، كَوَجَعِ الضِّرْسِ وَالصُّدَاعِ الْخَفِيفِ ، فَلَا يَمْنَعُ الْوُجُوبَ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَعَذَّرُ مَعَهُ الْجِهَادُ ، فَهُوَ كَالْعَوَرِ .\rوَأَمَّا وُجُودُ النَّفَقَة ، فَيُشْتَرَطُ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى { لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ } وَلِأَنَّ الْجِهَادَ لَا يُمْكِنُ إلَّا بِآلَةٍ ، فَيُعْتَبَرُ الْقُدْرَةُ عَلَيْهَا .\rفَإِنْ كَانَ الْجِهَادُ عَلَى مَسَافَةٍ لَا تُقْصَرُ فِيهَا الصَّلَاةُ ، اُشْتُرِطَ أَنْ يَكُونَ وَاجِدًا لِلزَّادِ وَنَفَقَةِ عَائِلَتِهِ فِي مُدَّةِ غِيبَتِهِ ، وَسِلَاحٍ يُقَاتِلُ بِهِ ، وَلَا تُعْتَبَرُ الرَّاحِلَةُ ؛ لِأَنَّهُ سَفَرٌ قَرِيبٌ .\rوَإِنْ كَانَتْ الْمَسَافَةُ تُقْصَرُ فِيهَا الصَّلَاةُ ، اُعْتُبِرَ مَعَ ذَلِكَ الرَّاحِلَةُ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَلَا عَلَى الَّذِينَ إذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنْ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ .\r}","part":20,"page":413},{"id":9913,"text":"( 7415 ) وَأَقَلُّ مَا يُفْعَلُ مَرَّةً فِي كُلِّ عَامٍ ؛ لِأَنَّ الْجِزْيَةَ تَجِبُ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ فِي كُلِّ عَامٍ ، وَهِيَ بَدَلٌ عَنْ النُّصْرَةِ ، فَكَذَلِكَ مُبْدَلُهَا وَهُوَ الْجِهَادُ ، فَيَجِبُ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً ، إلَّا مِنْ عُذْرٍ ، مِثْلَ أَنْ يَكُونَ بِالْمُسْلِمِينَ ضَعْفٌ فِي عَدَدٍ أَوْ عُدَّةٍ ، أَوْ يَكُونَ يَنْتَظِرُ الْمَدَدَ يَسْتَعِينُ بِهِ ، أَوْ يَكُونَ الطَّرِيقُ إلَيْهِمْ فِيهَا مَانِعٌ أَوْ لَيْسَ فِيهَا عَلَفٌ أَوْ مَاءٌ ، أَوْ يَعْلَمَ مِنْ عَدُوِّهِ حُسْنَ الرَّأْيِ فِي الْإِسْلَامِ ، فَيَطْمَعَ فِي إسْلَامِهِمْ إنْ أَخَّرَ قِتَالَهُمْ ، وَنَحْوَ ذَلِكَ مِمَّا يَرَى الْمَصْلَحَةَ مَعَهُ فِي تَرْكِ الْقِتَالِ ، فَيَجُوزُ تَرْكُهُ بِهُدْنَةٍ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ صَالِحَ قُرَيْشًا عَشْرَ سِنِينَ ، وَأَخَّرَ قِتَالَهُمْ حَتَّى نَقَضُوا عَهْدَهُ ، وَأَخَّرَ قِتَالَ قَبَائِلَ مِنْ الْعَرَبِ بِغَيْرِ هُدْنَةٍ .\rوَإِنْ دَعَتْ الْحَاجَةُ إلَى الْقِتَالِ فِي عَامٍ أَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ وَجَبَ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ فَرْضُ كِفَايَةٍ ، فَوَجَبَ مِنْهُ مَا دَعَتْ الْحَاجَةُ إلَيْهِ .","part":20,"page":414},{"id":9914,"text":"( 7416 ) قَالَ : ( قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ : لَا أَعْلَمُ شَيْئًا مِنْ الْعَمَلِ بَعْدَ الْفَرَائِضِ أَفْضَلَ مِنْ الْجِهَادِ ) رَوَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ عَنْ أَحْمَدَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ ، قَالَ الْأَثْرَمُ : قَالَ أَحْمَدُ : لَا نَعْلَمُ شَيْئًا مِنْ أَبْوَابِ الْبِرِّ أَفْضَلَ مِنْ السَّبِيلِ .\rوَقَالَ الْفَضْلُ بْنُ زِيَادٍ : سَمِعْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ، وَذُكِرَ لَهُ أَمْرُ الْعَدُوِّ ؟ فَجَعَلَ يَبْكِي ، وَيَقُولُ : مَا مِنْ أَعْمَالِ الْبِرِّ أَفْضَلَ مِنْهُ .\rوَقَالَ عَنْهُ غَيْرُهُ : لَيْسَ يَعْدِلُ لِقَاءَ الْعَدُوِّ شَيْءٌ .\rوَمُبَاشَرَةُ الْقِتَالِ بِنَفْسِهِ أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ ، وَاَلَّذِينَ يُقَاتِلُونَ الْعَدُوَّ ، هُمْ الَّذِينَ يَدْفَعُونَ عَنْ الْإِسْلَامِ وَعَنْ حَرِيمِهِمْ ، فَأَيُّ عَمَلٍ أَفْضَلُ مِنْهُ ، النَّاسُ آمِنُونَ وَهُمْ خَائِفُونَ ، قَدْ بَذَلُوا مُهَجَ أَنْفُسِهِمْ .\rوَقَدْ رَوَى ابْنُ مَسْعُودٍ ، قَالَ { : سَأَلْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ ؟ قَالَ : الصَّلَاةُ لِمَوَاقِيتِهَا .\rقُلْت : ثُمَّ أَيُّ ؟ قَالَ ثُمَّ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ .\rقُلْت ثُمَّ أَيُّ ؟ قَالَ : الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ .\r} قَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ .\rوَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ { : سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ ؟ أَوْ أَيُّ الْأَعْمَالِ خَيْرٌ ؟ قَالَ : إيمَانٌ بِاَللَّهِ وَرَسُولِهِ .\rقِيلَ : ثُمَّ أَيُّ شَيْءٍ ؟ قَالَ : الْجِهَادُ سَنَامُ الْعَمَلِ .\rقِيلَ : ثُمَّ أَيُّ ؟ قَالَ : حَجٌّ مَبْرُورٌ } .\rأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ .\rوَقَالَ : حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ .\rوَرَوَى أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، قَالَ : { قِيلَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَيُّ النَّاسِ أَفْضَلُ ؟ فَقَالَ : مُؤْمِنٌ مُجَاهِدٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ النَّاسِ ؟ رَجُلٌ مُمْسِكٌ بِعِنَانِ فَرَسِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ .\r} قَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ .","part":20,"page":415},{"id":9915,"text":"وَرَوَى الْخَلَّالُ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ الْحَسَنِ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ، مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ مِنْ عَمَلٍ أَفْضَلَ مِنْ جِهَادٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، أَوْ حَجَّةٍ مَبْرُورَةٍ ، لَا رَفَثَ فِيهَا وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ .\r} وَلِأَنَّ الْجِهَادَ بَذْلُ الْمُهْجَةِ وَالْمَالِ ، وَنَفْعُهُ يَعُمُّ الْمُسْلِمِينَ كُلَّهُمْ ، صَغِيرَهُمْ وَكَبِيرَهُمْ ، قَوِيَّهُمْ وَضَعِيفَهُمْ ، ذَكَرَهُمْ وَأُنْثَاهُمْ ، وَغَيْرُهُ لَا يُسَاوِيه فِي نَفْعِهِ وَخَطَرِهِ ، فَلَا يُسَاوِيه فِي فَضْلِهِ وَأَجْرِهِ .","part":20,"page":416},{"id":9916,"text":"قَالَ : ( وَغَزْوُ الْبَحْرِ أَفْضَلُ مِنْ غَزْوِ الْبَرِّ ) .\rوَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْغَزْوَ فِي الْبَحْرِ مَشْرُوعٌ ، وَفَضْلُهُ كَثِيرٌ .\rقَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ : { نَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ اسْتَيْقَظَ وَهُوَ يَضْحَكُ ، قَالَتْ أُمُّ حَرَامٍ : فَقُلْت : مَا يُضْحِكُك يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي عُرِضُوا عَلَيَّ ، غُزَاةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، يَرْكَبُونَ ثَبَجَ هَذَا الْبَحْرِ ، مُلُوكًا عَلَى الْأَسِرَّةِ ، أَوْ مِثْلَ الْمُلُوكِ عَلَى الْأَسِرَّةِ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rقَالَ ابْنُ عُبِدَ الْبَرِّ : أُمُّ حَرَامِ بِنْتُ مِلْحَانَ أُخْتُ أُمِّ سُلَيْمٍ خَالَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الرَّضَاعَةِ ، أَرْضَعَتْهُ أُخْتٌ لَهُمَا ثَالِثَةٌ .\rوَلَمْ نَرَ هَذَا عَنْ أَحَدٍ سِوَاهُ ، وَأَظُنُّهُ إنَّمَا قَالَ هَذَا ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَنَامُ فِي بَيْتِهَا ، وَيَنْظُرُ إلَى شَعْرِهَا ، وَلَعَلَّ هَذَا كَانَ قَبْلَ نُزُولِ الْحِجَابِ .\rوَرَوَى أَبُو دَاوُد ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ أُمِّ حَرَامٍ ، عَنْ { النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : الْمَائِدُ فِي الْبَحْرِ ، الَّذِي يُصِيبُهُ الْقَيْءُ ، لَهُ أَجْرُ شَهِيدٍ ، وَالْغَرِقُ لَهُ أَجْرُ شَهِيدَيْنِ .\r} وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ ، قَالَ : سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ { : شَهِيدُ الْبَحْرِ مِثْلُ شَهِيدَيْ الْبَرِّ ، وَالْمَائِدُ فِي الْبَحْرِ ، كَالْمُتَشَحِّطِ فِي دَمِهِ فِي الْبَرِّ ، وَمَا بَيْنَ الْمَوْجَتَيْنِ ، كَقَاطِعِ الدُّنْيَا فِي طَاعَةِ اللَّهِ ، وَإِنَّ اللَّهَ وَكَّلَ مَلَكَ الْمَوْتِ بِقَبْضِ الْأَرْوَاحِ ، إلَّا شَهِيدَ الْبَحْرِ ، فَإِنَّهُ يَتَوَلَّى قَبْضَ أَرْوَاحِهِمْ ، وَيَغْفِرُ لِشَهِيدِ الْبَرِّ الذُّنُوبَ كُلَّهَا إلَّا الدَّيْنَ ، وَيَغْفِرُ لِشَهِيدِ الْبَحْرِ الذُّنُوبَ وَالدَّيْنَ } وَلِأَنَّ الْبَحْرَ أَعْظَمُ خَطَرًا وَمَشَقَّةً ، فَإِنَّهُ بَيْنَ الْعَدُوِّ وَخَطَرِ الْغَرَقِ ، وَلَا يَتَمَكَّنُ مِنْ الْفِرَارِ إلَّا مَعَ أَصْحَابِهِ ، فَكَانَ أَفْضَلَ مِنْ غَيْرِهِ .\r( 7418 ) فَصْلٌ : وَقِتَالُ","part":20,"page":417},{"id":9917,"text":"أَهْلِ الْكِتَابِ أَفْضَلُ مِنْ قِتَالِ غَيْرِهِمْ .\rوَكَانَ ابْنُ الْمُبَارَكِ يَأْتِي مِنْ مَرْوَ لِغَزْوِ الرُّومِ .\rفَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ .\rفَقَالَ : إنَّ هَؤُلَاءِ يُقَاتِلُونَ عَلَى دِينٍ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ لِأُمِّ خَلَّادٍ { : إنَّ ابْنَك لَهُ أَجْرُ شَهِيدَيْنِ .\rقَالَتْ : وَلِمَ ذَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : لِأَنَّهُ قَتَلَهُ أَهْلُ الْكِتَابِ } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد .","part":20,"page":418},{"id":9918,"text":"( 7419 ) : ( وَيُغْزَى مَعَ كُلِّ بَرٍّ وَفَاجِرٍ ) يَعْنِي مَعَ كُلِّ إمَامٍ .\rقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ وَسُئِلَ ، عَنْ الرَّجُلِ يَقُولُ : أَنَا لَا أَغْزُو وَيَأْخُذُهُ وَلَدُ الْعَبَّاسِ ، إنَّمَا يُوَفَّرُ الْفَيْءُ عَلَيْهِمْ ، فَقَالَ : سُبْحَانَ اللَّهِ ، هَؤُلَاءِ قَوْمُ سُوءٍ ، هَؤُلَاءِ الْقَعَدَةُ ، مُثَبِّطُونَ جُهَّالٌ ، فَيُقَالُ : أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَنَّ النَّاسَ كُلَّهُمْ قَعَدُوا كَمَا قَعَدْتُمْ ، مَنْ كَانَ يَغْزُو ؟ أَلَيْسَ كَانَ قَدْ ذَهَبَ الْإِسْلَامُ ؟ مَا كَانَتْ تَصْنَعُ الرُّومُ ؟ وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الْجِهَادُ وَاجِبٌ عَلَيْكُمْ مَعَ كُلِّ أَمِيرٍ ؛ بَرًّا كَانَ ، أَوْ فَاجِرًا .\r} وَبِإِسْنَادِهِ عَنْ أَنَسٍ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { ثَلَاثٌ مِنْ أَصْلِ الْإِيمَانِ ؛ الْكَفُّ عَمَّنْ قَالَ : لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ، لَا نُكَفِّرُهُ بِذَنْبٍ ، وَلَا نُخْرِجُهُ مِنْ الْإِسْلَامِ بِعَمَلٍ ، وَالْجِهَادُ مَاضٍ مُنْذُ بَعَثَنِي اللَّهُ إلَى أَنْ يُقَاتِلَ آخِرُ أُمَّتِي الدَّجَّالَ ، وَالْإِيمَانُ بِالْأَقْدَارِ } وَلِأَنَّ تَرْكَ الْجِهَادِ مَعَ الْفَاجِرِ يُفْضِي إلَى قَطْعِ الْجِهَادِ ، وَظُهُورِ الْكُفَّارِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَاسْتِئْصَالِهِمْ ، وَظُهُورِ كَلِمَةِ الْكُفْرِ ، وَفِيهِ فَسَادٌ عَظِيمٌ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى { وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتْ الْأَرْضُ } ( 7420 ) فَصْلٌ : قَالَ أَحْمَدُ : لَا يُعْجِبُنِي أَنْ يَخْرُجَ مَعَ الْإِمَامِ أَوْ الْقَائِدِ إذَا عُرِفَ بِالْهَزِيمَةِ وَتَضْيِيعِ الْمُسْلِمِينَ ، وَإِنَّمَا يَغْزُو مَعَ مَنْ لَهُ شَفَقَةٌ وَحَيْطَةٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ .\rفَإِنْ كَانَ الْقَائِدُ يُعْرَفُ بِشُرْبِ الْخَمْرِ وَالْغُلُولِ ، يُغْزَى مَعَهُ ، إنَّمَا ذَلِكَ فِي نَفْسِهِ ، وَيُرْوَى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : إنَّ اللَّهَ لَيُؤَيِّدُ هَذَا الدِّينَ بِالرَّجُلِ الْفَاجِرِ } ( 7421 ) فَصْلٌ : وَلَا يَسْتَصْحِبُ الْأَمِيرُ مَعَهُ مُخَذِّلًا ، وَهُوَ الَّذِي يُثَبِّطُ النَّاسَ عَنْ","part":20,"page":419},{"id":9919,"text":"الْغَزْوِ ، وَيُزَهِّدُهُمْ فِي الْخُرُوجِ إلَيْهِ وَالْقِتَالِ وَالْجِهَادِ ، مِثْلُ أَنْ يَقُولَ : الْحَرُّ أَوْ الْبُرْدُ شَدِيدٌ ، وَالْمَشَقَّةُ شَدِيدَةٌ ، وَلَا تُؤْمَنُ هَزِيمَةُ هَذَا الْجَيْشِ .\rوَأَشْبَاهَ هَذَا ، وَلَا مُرْجِفًا ، وَهُوَ الَّذِي يَقُولُ : هَلَكَتْ سَرِيَّةُ الْمُسْلِمِينَ ، وَمَالَهُمْ مَدَدٌ ، وَلَا طَاقَةَ لَهُمْ بِالْكُفَّارِ ، وَالْكُفَّارُ لَهُمْ قُوَّةٌ ، وَمَدَدٌ ، وَصَبْرٌ ، وَلَا يَثْبُتُ لَهُمْ أَحَدٌ .\rوَنَحْوَ هَذَا ، وَلَا مَنْ يُعِينُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ بِالتَّجَسُّسِ لِلْكُفَّارِ ، وَإِطْلَاعِهِمْ عَلَى عَوْرَاتِ الْمُسْلِمِينَ ، وَمُكَاتَبَتِهِمْ بِأَخْبَارِهِمْ ، وَدَلَالَتِهِمْ عَلَى عَوْرَاتِهِمْ ، أَوْ إيوَاءِ جَوَاسِيسِهِمْ .\rوَلَا مَنْ يُوقِعُ الْعَدَاوَةَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ ، وَيَسْعَى بِالْفَسَادِ ؛ لِقَوْلِ اللَّهَ تَعَالَى { وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اُقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمْ الْفِتْنَةَ } .\rوَلِأَنَّ هَؤُلَاءِ مَضَرَّةٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ ، فَيَلْزَمُهُ مَنْعُهُمْ .\rوَإِنْ خَرَجَ مَعَهُ أَحَدُ هَؤُلَاءِ ، لَمْ يُسْهِمْ لَهُ وَلَمْ يَرْضَخْ وَإِنْ أَظْهَرَ عَوْنَ الْمُسْلِمِينَ ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَظْهَرَهُ نِفَاقًا ، وَقَدْ ظَهَرَ دَلِيلُهُ ، فَيَكُونُ مُجَرَّدَ ضَرَرٍ ، فَلَا يَسْتَحِقُّ مِمَّا غَنِمُوا شَيْئًا .\rوَإِنْ كَانَ الْأَمِيرُ أَحَدَ هَؤُلَاءِ ، لَمْ يُسْتَحَبَّ الْخُرُوجُ مَعَهُ ؛ لِأَنَّهُ إذَا مُنِعَ خُرُوجُهُ تَبَعًا ، فَمَتْبُوعًا أَوْلَى ، وَلِأَنَّهُ لَا تُؤْمَنُ الْمَضَرَّةُ عَلَى مَنْ صَحِبَهُ .","part":20,"page":420},{"id":9920,"text":"( 7422 ) : ( وَيُقَاتِلُ كُلُّ قَوْمٍ مَنْ يَلِيهِمْ مِنْ الْعَدُوِّ ) .\rالْأَصْلُ فِي هَذَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنْ الْكُفَّارِ } وَلِأَنَّ الْأَقْرَبَ أَكْثَرُ ضَرَرًا ، وَفِي قِتَالِهِ دَفْعُ ضَرَرِهِ عَنْ الْمُقَابِلِ لَهُ ، وَعَمَّنْ وَرَاءَهُ ، وَالِاشْتِغَالُ بِالْبَعِيدِ عَنْهُ ، يُمَكِّنُهُ مِنْ انْتِهَازِ الْفُرْصَةِ فِي الْمُسْلِمِينَ ؛ لِاشْتِغَالِهِمْ عَنْهُ .\rقِيلَ لِأَحْمَدْ : يَحْكُونَ عَنْ ابْنِ الْمُبَارَكِ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ : تَرَكْت قِتَالَ الْعَدُوِّ عِنْدَك ، وَجِئْت إلَى هَاهُنَا ؟ قَالَ : هَؤُلَاءِ أَهْلُ الْكِتَابِ .\rفَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ : سُبْحَانَ اللَّهِ ، مَا أَدْرِي مَا هَذَا الْقَوْلُ ، يَتْرُكُ الْعَدُوَّ عِنْدَهُ ، وَيَجِيءُ إلَى هَاهُنَا ، أَفَيَكُونُ هَذَا ، أَوَيَسْتَقِيمُ هَذَا ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى { قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنْ الْكُفَّارِ } لَوْ أَنَّ أَهْلَ خُرَاسَانَ كُلَّهُمْ عَمِلُوا عَلَى هَذَا ، لَمْ يُجَاهِدْ التُّرْكَ أَحَدٌ .\rوَهَذَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ إنَّمَا فَعَلَهُ ابْنُ الْمُبَارَكِ لِكَوْنِهِ مُتَبَرِّعًا بِالْجِهَادِ ، وَالْكِفَايَةُ حَاصِلَةٌ بِغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الدِّيوَانِ وَأَجْنَادِ الْمُسْلِمِينَ ، وَالْمُتَبَرِّعُ لَهُ تَرْكُ الْجِهَادِ بِالْكُلِّيَّةِ ، فَكَانَ لَهُ أَنْ يُجَاهِدَ حَيْثُ شَاءَ ، وَمَعَ مَنْ شَاءَ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنْ كَانَ لَهُ عُذْرٌ فِي الْبِدَايَةِ بِالْأَبْعَدِ ؛ لِكَوْنِهِ أَخْوَفَ ، أَوْ لِمَصْلَحَةٍ فِي الْبِدَايَةِ بِهِ لِقُرْبِهِ وَإِمْكَانِ الْفُرْصَةِ مِنْهُ ، أَوْ لِكَوْنِ الْأَقْرَبِ مُهَادِنًا ، أَوْ يَمْنَعُ مِنْ قِتَالِهِ مَانِعٌ ، فَلَا بَأْسَ بِالْبِدَايَةِ بِالْأَبْعَدِ ، لِكَوْنِهِ مَوْضِعَ حَاجَةٍ .","part":20,"page":421},{"id":9921,"text":"( 7423 ) وَأَمْرُ الْجِهَادِ مَوْكُولٌ إلَى الْإِمَامِ وَاجْتِهَادِهِ ، وَيَلْزَمُ الرَّعِيَّةَ طَاعَتُهُ فِيمَا يَرَاهُ مِنْ ذَلِكَ .\rوَيَنْبَغِي أَنْ يَبْتَدِئَ بِتَرْتِيبِ قَوْمٍ فِي أَطْرَافِ الْبِلَادِ يَكُفُّونَ مَنْ بِإِزَائِهِمْ مِنْ الْمُشْرِكِينَ ، وَيَأْمُرَ بِعَمَلِ حُصُونِهِمْ ، وَحَفْرِ خَنَادِقِهِمْ ، وَجَمِيعِ مَصَالِحِهِمْ ، وَيُؤَمِّرَ فِي كُلِّ نَاحِيَةٍ أَمِيرًا ، يُقَلِّدُهُ أَمْرَ الْحُرُوبِ ، وَتَدْبِيرَ الْجِهَادِ ، وَيَكُونُ مِمَّنْ لَهُ رَأْيٌ وَعَقْلٌ وَنَجْدَةٌ وَبَصَرٌ بِالْحَرْبِ وَمُكَايَدَةِ الْعَدُوِّ ، وَيَكُونُ فِيهِ أَمَانَةٌ وَرِفْقٌ وَنُصْحٌ لِلْمُسْلِمِينَ ؛ وَإِنَّمَا يَبْدَأُ بِذَلِكَ ، لِأَنَّهُ لَا يَأْمَنْ عَلَيْهَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ .\rوَيَغْزُو كُلَّ قَوْمٍ مَنْ يَلِيهِمْ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي بَعْضِ الْجِهَاتِ مَنْ لَا يَفِي بِهِ مَنْ يَلِيهِ ، فَيَنْقُلَ إلَيْهِمْ قَوْمًا مِنْ آخَرِينَ .\rوَيَتَقَدَّمَ إلَى مَنْ يُؤَمِّرُهُ أَنْ لَا يَحْمِلَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى مَهْلَكَةٍ ، وَلَا يَأْمُرُهُمْ بِدُخُولِ مَطْمُورَةٍ يُخَافُ أَنْ يُقْتَلُوا تَحْتَهَا ، فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ ، فَقَدْ أَسَاءَ ، وَيَسْتَغْفِرُ اللَّهَ تَعَالَى ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ عَقْلٌ وَلَا كَفَّارَةٌ إذَا أُصِيبَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ بِطَاعَتِهِ ؛ لِأَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ بِاخْتِيَارِهِ وَمَعْرِفَتِهِ .\rفَإِنْ عُدِمَ الْإِمَامُ ، لَمْ يُؤَخَّرْ الْجِهَادُ ؛ لِأَنَّ مَصْلَحَتَهُ تَفُوتُ بِتَأْخِيرِهِ .\rوَإِنْ حَصَلَتْ غَنِيمَةٌ ، قَسَمَهَا أَهْلُهَا عَلَى مُوجَبِ الشَّرْعِ .\rقَالَ الْقَاضِي : وَيُؤَخَّرُ قِسْمَةُ الْإِمَاءِ حَتَّى يَظْهَرَ إمَامٌ احْتِيَاطًا لِلْفُرُوجِ .\rفَإِنْ بَعَثَ الْإِمَامُ جَيْشًا ، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ أَمِيرًا ، فَقُتِلَ أَوْ مَاتَ ، فَلِلْجَيْشِ أَنْ يُؤَمِّرُوا أَحَدَهُمْ ، كَمَا فَعَلَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي جَيْشِ مُؤْتَةَ ، لَمَّا قُتِلَ أُمَرَاؤُهُمْ الَّذِينَ أَمَّرَهُمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَّرُوا عَلَيْهِمْ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ ، فَبَلَغَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَضِيَ أَمْرَهُمْ ، وَصَوَّبَ رَأْيَهُمْ ، وَسَمَّى خَالِدًا يَوْمَئِذٍ :","part":20,"page":422},{"id":9922,"text":"\" سَيْفَ اللَّهِ \" .\r( 7424 ) فَصْلٌ : قَالَ أَحْمَدُ : قَالَ عُمَرُ : وَفِّرُوا الْأَظْفَارَ فِي أَرْضِ الْعَدُوِّ ؛ فَإِنَّهُ سِلَاحٌ .\rقَالَ أَحْمَدُ : يُحْتَاجُ إلَيْهَا فِي أَرْضِ الْعَدُوِّ ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ إذَا أَرَادَ أَنْ يَحُلَّ الْحَبْلَ أَوْ الشَّيْءَ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَظْفَارٌ لَمْ يَسْتَطِعْ .\rوَقَالَ عَنْ الْحَكَمِ بْنِ عَمْرٍو : { أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ لَا نُحْفِيَ الْأَظْفَارَ فِي الْجِهَادِ ، فَإِنَّ الْقُوَّةَ الْأَظْفَارُ } .\r( 7425 ) فَصْلٌ : قَالَ أَحْمَدُ : يُشَيَّعُ الرَّجُلُ إذَا خَرَجَ ، وَلَا يَتَلَقَّوْنَهُ ، شَيَّعَ عَلِيٌّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ ، وَلَمْ يَتَلَقَّهُ .\rوَرُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ شَيَّعَ يَزِيدَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ حِينَ بَعَثَهُ إلَى الشَّامِ ، وَيَزِيدُ رَاكِبٌ وَأَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَمْشِي ، فَقَالَ لَهُ يَزِيدُ : يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ ، إمَّا أَنْ تَرْكَبَ ، وَإِمَّا أَنْ أَنْزِلَ أَنَا فَأَمْشِيَ مَعَك .\rقَالَ : لَا أَرْكَبُ وَلَا تَنْزِلُ ، إنَّنِي أَحْتَسِبُ خُطَايَ هَذِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ .\rوَشَيَّعَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ أَبَا الْحَارِثِ الصَّائِغَ وَنَعْلَاهُ فِي يَدَيْهِ ، وَذَهَبَ إلَى فِعْلِ أَبِي بَكْرٍ ، أَرَادَ أَنْ تَغْبَرَّ قَدَمَاهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ .\rوَقَالَ : عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ الْخَثْعَمِيِّ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : مَنْ اغْبَرَّتْ قَدَمَاهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ } .\rقَالَ أَحْمَدُ : لَيْسَ لِلْخَثْعَمِيِّ صُحْبَةٌ ، وَهُوَ قَدِيمٌ .","part":20,"page":423},{"id":9923,"text":"( 7426 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَتَمَامُ الرِّبَاطِ أَرْبَعُونَ يَوْمًا ) مَعْنَى الرِّبَاطِ الْإِقَامَةُ بِالثَّغْرِ ، مُقَوِّيًا لِلْمُسْلِمِينَ عَلَى الْكُفَّارِ .\rوَالثَّغْرُ : كُلُّ مَكَان يُخِيفُ أَهْلَهُ الْعَدُوُّ وَيُخِيفُهُمْ .\rوَأَصْلُ الرِّبَاطِ مِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ ؛ لِأَنَّ هَؤُلَاءِ يَرْبِطُونَ خُيُولَهُمْ ، وَهَؤُلَاءِ يَرْبِطُونَ خُيُولَهُمْ ، كُلٌّ يُعِدُّ لِصَاحِبِهِ ، فَسُمِّيَ الْمُقَامُ بِالثَّغْرِ رِبَاطًا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ خَيْلٌ .\rوَفَضْلُهُ عَظِيمٌ ، وَأَجْرُهُ كَبِيرٌ .\rقَالَ أَحْمَدُ : لَيْسَ يَعْدِلُ الْجِهَادَ عِنْدِي وَالرِّبَاطَ شَيْءٌ ، وَالرِّبَاطُ دَفْعٌ عَنْ الْمُسْلِمِينَ ؛ وَعَنْ حَرِيمِهِمْ ، وَقُوَّةٌ لِأَهْلِ الثَّغْرِ وَلِأَهْلِ الْغَزْوِ ، فَالرِّبَاطُ أَصِلُ الْجِهَادِ وَفَرْعُهُ ، وَالْجِهَادُ أَفْضَلُ مِنْهُ لِلْعَنَاءِ وَالتَّعَبِ وَالْمَشَقَّةِ .\rوَقَدْ رُوِيَ فِي فَضْلِ الرِّبَاطِ أَخْبَارٌ ؛ مِنْهَا مَا رَوَى سَلْمَانُ ، قَالَ : سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { يَقُولُ : رِبَاطُ لَيْلَةٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنْ صِيَامِ شَهْرٍ وَقِيَامِهِ ، فَإِنْ مَاتَ جَرَى عَلَيْهِ عَمَلُهُ الَّذِي يَعْمَلُ ، وَأُجْرِيَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ ، وَأَمِنَ الْفَتَّانَ } .\rرَوَاهُ مُسْلِمٌ .\rوَعَنْ فَضَالَةَ بْنَ عُبَيْدٍ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { كُلُّ مَيِّتٍ يُخْتَمُ عَلَى عَمَلِهِ ، إلَّا الْمُرَابِطَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، فَإِنَّهُ يَنْمُو لَهُ عَمَلُهُ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، وَيُؤْمَنُ مِنْ فَتَّانِ الْقَبْرِ .\r} رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَقَالَ : حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ .\rوَعَنْ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ عَلَى الْمِنْبَرِ : إنِّي كُنْت كَتَمْتُكُمْ حَدِيثًا سَمِعْته مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَرَاهِيَةَ تَفَرُّقِكُمْ عَنِّي ، ثُمَّ بَدَا لِي أَنْ أُحَدِّثَكُمُوهُ ، لِيَخْتَارَ امْرُؤٌ مِنْكُمْ لِنَفْسِهِ ، سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { يَقُولُ : رِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ يَوْمٍ فِيمَا سِوَاهُ مِنْ","part":20,"page":424},{"id":9924,"text":"الْمَنَازِلِ .\r} رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَالْأَثْرَمُ ، وَغَيْرُهُمَا .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ؛ فَإِنَّ الرِّبَاطَ يَقِلُّ وَيَكْثُرُ ، فَكُلُّ مُدَّةٍ أَقَامَهَا بِنِيَّةِ الرِّبَاطِ ، فَهُوَ رِبَاطٌ قَلَّ أَوْ كَثُرَ ؛ وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { رِبَاطُ يَوْمٍ وَرِبَاطُ لَيْلَةٍ .\r} قَالَ أَحْمَدُ : يَوْمٌ رِبَاطٌ ، وَلَيْلَةٌ رِبَاطٌ ، وَسَاعَةٌ رِبَاطٌ .\rوَقَالَ : عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : وَمَنْ رَابَطَ يَوْمًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، كُتِبَ بِهِ أَجْرُ الصَّائِمِ الْقَائِمِ ، وَمَنْ زَادَ ، زَادَهُ اللَّهُ .\rوَرَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أُوَافِقَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي أَحَدِ الْمَسْجِدَيْنِ ، مَسْجِدِ الْحَرَامِ ، أَوْ مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَنْ رَابَطَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا ، فَقَدْ اسْتَكْمَلَ الرِّبَاطَ .\rوَتَمَامُ الرِّبَاطِ أَرْبَعُونَ يَوْمًا .\rرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَابْنِ عُمَرَ .\rوَقَدْ ذَكَرْنَا خَبَرَ أَبِي هُرَيْرَةَ .\rوَرَوَى أَبُو الشَّيْخِ ، فِي \" كِتَابِ الثَّوَابِ \" ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { تَمَامُ الرِّبَاطِ أَرْبَعُونَ يَوْمًا } .\rوَرُوِيَ عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ .\rأَنَّهُ قَدِمَ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ مِنْ الرِّبَاطِ ، فَقَالَ لَهُ : كَمْ رَابَطْت ؟ قَالَ : ثَلَاثِينَ يَوْمًا .\rقَالَ : عَزَمْت عَلَيْك إلَّا رَجَعْت حَتَّى تُتِمَّهَا أَرْبَعِينَ يَوْمًا .\rوَإِنْ رَابَطَ أَكْثَرَ ، فَلَهُ أَجْرُهُ ، كَمَا قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : وَمَنْ زَادَ ، زَادَهُ اللَّهُ .","part":20,"page":425},{"id":9925,"text":"( 7427 ) : وَأَفْضَلُ الرِّبَاطِ الْمُقَامُ بِأَشَدِّ الثُّغُورِ خَوْفًا ؛ لِأَنَّهُمْ أَحْوَجُ ، وَمُقَامُهُ بِهِ أَنْفَعُ .\rقَالَ أَحْمَدُ : أَفْضَلُ الرِّبَاطِ أَشَدُّهُمْ كَلَبًا .\rوَقِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ : فَأَيْنَ أَحَبُّ إلَيْك أَنْ يَنْزِلَ الرَّجُلُ بِأَهْلِهِ ؟ قَالَ : كُلُّ مَدِينَةٍ مَعْقِلٌ لِلْمُسْلِمِينَ ، مِثْلَ دِمَشْقَ .\rوَقَالَ : أَرْضُ الشَّامِ أَرْضُ الْمَحْشَرِ ، وَدِمَشْقُ مَوْضِعٌ يَجْتَمِعُ إلَيْهِ النَّاسُ إذَا غَلَبَتْ الرُّومُ .\rقِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ : فَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ الَّتِي جَاءَتْ : \" إنَّ اللَّهَ تَكَفَّلَ لِي بِالشَّامِ \" .\rوَنَحْوَ هَذَا ؟ قَالَ : مَا أَكْثَرَ مَا جَاءَ فِيهِ .\rوَقِيلَ لَهُ : إنَّ هَذَا فِي الثُّغُورِ .\rفَأَنْكَرَهُ ، وَقَالَ : أَرْضُ الْقُدْسِ أَيْنَ هِيَ ؟ \" وَلَا يَزَالُ أَهْلُ الْغَرْبِ ظَاهِرِينَ \" هُمْ أَهْلُ الشَّامِ .\rفَفَسَّرَ أَحْمَدُ الْغَرْبَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بِالشَّامِ ، وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ ، وَإِنَّمَا فَسَّرَهُ بِذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الشَّامَ يُسَمَّى مَغْرِبًا ، لِأَنَّهُ مَغْرِبٌ لِلْعِرَاقِ ، كَمَا يُسَمَّى الْعِرَاقُ مَشْرِقًا ، وَلِهَذَا قِيلَ : وَلِأَهْلِ الْمَشْرِقِ ذَاتُ عِرْقٍ .\rوَقَدْ جَاءَ فِي حَدِيثٍ مُصَرَّحًا بِهِ { : لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ ، لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ ، حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ بِالشَّامِ .\r} وَفِي الْحَدِيثِ ، عَنْ مَالِكِ بْنِ يُخَامِرَ ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ، قَالَ : \" وَهُمْ بِالشَّامِ \" .\rرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ، فِي \" صَحِيحِهِ \" .\rوَفِي خَبَرٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { : لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ بِدِمَشْقَ ظَاهِرِينَ .\r} أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ، فِي \" التَّارِيخِ \" .\rوَقَدْ رُوِيَتْ فِي الشَّامِ أَخْبَارٌ كَثِيرَةٌ ؛ مِنْهَا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَوَالَةَ الْأَزْدِيِّ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { سَتُجَنَّدُونَ أَجْنَادًا ؛ جُنْدًا بِالشَّامِ ، وَجُنْدًا بِالْعِرَاقِ ، وَجُنْدًا بِالْيَمَنِ فَقُلْت : خِرْ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ .\rقَالَ : عَلَيْك بِالشَّامِ ،","part":20,"page":426},{"id":9926,"text":"فَإِنَّهَا خِيرَةُ اللَّهِ مِنْ أَرْضِهِ ، يَجْتَبِي إلَيْهَا خِيرَتَهُ مِنْ عِبَادِهِ ، فَمَنْ أَبَى ، فَلْيَلْحَقْ بِالْيَمَنِ ، وَيُسْقَ مِنْ غُدُرِهِ ، فَإِنَّ اللَّهَ تَكَفَّلَ لِي بِالشَّامِ وَأَهْلِهِ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِمَعْنَاهُ ، وَكَانَ أَبُو إدْرِيسَ إذَا رَوَى هَذَا الْخَبَرَ قَالَ : وَمَنْ تَكَفَّلَ اللَّهُ بِهِ ، فَلَا ضَيْعَةَ عَلَيْهِ .\rوَرُوِيَ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ ، قَالَ : أَتَيْت الْمَدِينَةَ ، فَسَأَلْت : مَنْ بِهَا مِنْ الْعُلَمَاءِ ؟ فَقِيلَ : مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيّ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَبَّاسِ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .\rفَقُلْت : وَاَللَّهِ لَأَبْدَأَنَّ بِهَذَا قَبْلَهُمْ .\rفَدَخَلْت إلَيْهِ ، فَأَخَذَ بِيَدِي ، وَقَالَ : مِنْ أَيِّ إخْوَانِنَا أَنْتَ ؟ قُلْت : مِنْ أَهْلِ الشَّامِ .\rقَالَ : مِنْ أَيِّهِمْ ؟ قُلْت : مِنْ أَهْلِ دِمَشْقَ .\rقَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ جَدِّي ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { يَكُونُ لِلْمُسْلِمِينَ ثَلَاثُ مَعَاقِلَ ؛ فَمَعْقِلُهُمْ فِي الْمَلْحَمَةِ الْكُبْرَى الَّتِي تَكُونُ بِعُمْقِ أَنْطَاكِيَةَ دِمَشْقُ ، وَمَعْقِلُهُمْ مِنْ الدَّجَّالِ بَيْتُ الْمَقْدِسِ ، وَمَعْقِلُهُمْ مِنْ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ طُورُ سَيْنَاءَ } .\rرَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ ، فِي \" الْحِلْيَةِ \" ، وَفِي خَبَرٍ آخَرَ ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { إنَّ فُسْطَاطَ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَ الْمَلْحَمَةِ بِالْغُوطَةِ ، إلَى جَانِبِ مَدِينَةٍ يُقَالُ لَهَا : دِمَشْقُ ، مِنْ خَيْرِ مَدَائِنِ الشَّامِ .\r} أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد .\rوَرَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ ، فِي \" سُنَنِهِ \" بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي النَّضْرِ ، أَنَّ عَوْفَ بْنَ مَالِكٍ ، { أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَوْصِنِي .\rقَالَ : عَلَيْك بِجَبَلِ الْخَمْرِ .\rقَالَ : وَمَا جَبَلُ الْخَمْرِ ؟ قَالَ : أَرْضُ الْمَحْشَرِ .\r} وَبِإِسْنَادِهِ ، عَنْ عَطَاءٍ","part":20,"page":427},{"id":9927,"text":"الْخُرَاسَانِيِّ : { بَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : رَحِمَ اللَّهُ أَهْلَ الْمَقْبَرَةِ .\rثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، فَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ ، فَقَالَ : تِلْكَ مَقْبَرَةٌ تَكُونُ بِعَسْقَلَانَ .\r} فَكَانَ عَطَاءٌ يُرَابِطُ بِهَا كُلَّ عَامٍ أَرْبَعِينَ يَوْمًا حَتَّى مَاتَ .\rوَرَوَى الدَّارَقُطْنِيّ ، فِي \" كِتَابِهِ الْمُخَرَّجِ عَلَى الصَّحِيحَيْنِ \" ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى عَلَى مَقْبَرَةٍ ، فَقِيلَ لَهُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَيُّ مَقْبَرَةٍ هِيَ ؟ قَالَ : مَقْبَرَةٌ بِأَرْضِ الْعَدُوِّ ، يُقَالُ لَهَا : عَسْقَلَانُ ، يَفْتَتِحُهَا نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي ، يَبْعَثُ اللَّهُ مِنْهَا سَبْعِينَ أَلْفَ شَهِيدٍ ، فَيَشْفَعُ الرَّجُلُ فِي مِثْلِ رَبِيعَةَ وَمُضَرَ ، وَلِكُلٍّ عَرُوسٌ ، وَعَرُوسُ الْجَنَّةِ عَسْقَلَانُ } .\rوَبِإِسْنَادِهِ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ { أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : إنِّي أُرِيدُ أَنْ أَغْزُوَ .\rفَقَالَ : عَلَيْك بِالشَّامِ وَأَهْلِهِ ، ثُمَّ الْزَمْ مِنْ الشَّامِ عَسْقَلَانَ ، فَإِنَّهَا إذَا دَارَتْ الرَّحَى فِي أُمَّتِي ، كَانَ أَهْلُهَا فِي رَاحَةٍ وَعَافِيَةٍ .\r}","part":20,"page":428},{"id":9928,"text":"( 7428 ) : وَمَذْهَبُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ كَرَاهَةُ نَقْلِ النِّسَاءِ وَالذُّرِّيَّةِ إلَى الثُّغُورِ الْمَخُوفَةِ .\rوَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ؛ لِمَا رَوَى يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، قَالَ : قَالَ عُمَرُ : لَا تُنْزِلُوا الْمُسْلِمِينَ ضِفَّةَ الْبَحْرِ .\rرَوَاهُ الْأَثْرَمُ بِإِسْنَادِهِ .\rوَلِأَنَّ الثُّغُورَ الْمَخُوفَةَ لَا يُؤْمَنُ ظَفَرُ الْعَدُوِّ بِهَا ، وَبِمَنْ فِيهَا ، وَاسْتِيلَاؤُهُمْ عَلَى الذُّرِّيَّةِ وَالنِّسَاءِ .\rقِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ : فَتَخَافُ عَلَى الْمُنْتَقِلِ بِعِيَالِهِ إلَى الثَّغْرِ الْإِثْمَ ؟ قَالَ : كَيْفَ لَا أَخَافُ الْإِثْمَ ، وَهُوَ يُعَرِّضُ ذُرِّيَّتَهُ لِلْمُشْرِكِينَ ؟ وَقَالَ : كُنْت آمُرُ بِالتَّحَوُّلِ بِالْأَهْلِ وَالْعِيَالِ إلَى الشَّامِ قَبْلَ الْيَوْمِ ، فَأَنَا أَنْهَى عَنْهُ الْآنَ ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ قَدْ اقْتَرَبَ .\rوَقَالَ : لَا بُدَّ لِهَؤُلَاءِ الْقَوْمِ مِنْ يَوْمٍ .\rقِيلَ : فَذَلِكَ فِي آخِرِ الزَّمَانِ .\rقَالَ : فَهَذَا آخِرُ الزَّمَانِ .\rقِيلَ : فَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُقْرِعُ بَيْنَ نِسَائِهِ ، فَأَيَّتَهنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا خَرَجَ بِهَا .\rقَالَ : هَذَا لِلْوَاحِدَةِ ، لَيْسَ الذُّرِّيَّةَ .\rوَهَذَا مِنْ كَلَامِ أَحْمَدَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ غَيْرَ أَهْلِ الثَّغْرِ ، لَا يُسْتَحَبُّ لَهُمْ الِانْتِقَالُ بِأَهْلِهِمْ إلَى ثَغْرٍ مَخُوفٍ ، فَأَمَّا أَهْلُ الثَّغْرِ ، فَلَا بُدَّ لَهُمْ مِنْ السُّكْنَى بِأَهْلِهِمْ ، لَوْلَا ذَلِكَ لَخَرِبَتْ الثُّغُورُ وَتَعَطَّلَتْ .\rوَخَصَّ الثُّغُورَ الْمَخُوفَةَ ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ اخْتَارَ سُكْنَى دِمَشْقَ وَنَحْوِهَا ، مَعَ كَوْنِهَا ثَغْرًا ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ سَلَامَتُهَا ، وَسَلَامَةُ أَهْلِهَا .","part":20,"page":429},{"id":9929,"text":"( 7429 ) فَصْلٌ : وَيُسْتَحَبُّ لِأَهْلِ الثَّغْرِ أَنْ يَجْتَمِعُوا فِي الْمَسْجِدِ الْأَعْظَمِ لِصَلَوَاتِهِمْ كُلِّهَا ، لِيَكُونَ أَجْمَعَ لَهُمْ ، وَإِذَا حَضَرَ النَّفِيرُ صَادَفَهُمْ مُجْتَمِعِينَ ، فَيَبْلُغُ الْخَبَرُ جَمِيعَهُمْ ، وَإِنْ جَاءَ خَبَرٌ يَحْتَاجُونَ إلَى سَمَاعِهِ ، أَوْ أَمْرٌ يُرَادُ إعْلَامُهُمْ بِهِ ، يَعْلَمُونَهُ ، وَيَرَاهُمْ عَيْنُ الْكُفَّارِ ، فَيَعْلَمُ كَثْرَتَهُمْ فَيُخَوَّفُ بِهِمْ .\rقَالَ أَحْمَدُ : إنْ كَانُوا مُتَفَرِّقِينَ يَرَى الْجَاسُوسُ قِلَّتَهُمْ .\rقَالَ : وَبَلَغَنِي عَنْ الْأَوْزَاعِيُّ ، أَنَّهُ قَالَ فِي الْمَسَاجِدِ الَّتِي بِالثَّغْرِ : لَوْ أَنَّ لِي عَلَيْهَا وِلَايَةً ، لَسَمَّرْت أَبْوَابَهَا - وَلَمْ يَقُلْ : لَخَرَّبْتهَا - حَتَّى تَكُونَ صَلَاتُهُمْ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ ، حَتَّى إذَا جَاءَ النَّفِيرُ وَهُمْ مُتَفَرِّقُونَ ، لَمْ يَكُونُوا مِثْلَهُمْ إذَا كَانُوا فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ .","part":20,"page":430},{"id":9930,"text":"( 7430 ) وَفِي الْحَرَسِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَضْلٌ كَبِيرٌ .\rقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : { عَيْنَانِ لَا تَمَسُّهُمَا النَّارُ ؛ عَيْنٌ بَكَتْ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ، وَعَيْنٌ بَاتَتْ تَحْرُسُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ } .\rرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَقَالَ : حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ .\rوَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { رَحِمَ اللَّهُ حَارِسَ الْحَرَسِ } .\rوَعَنْ سَهْلِ بْنِ الْحَنْظَلِيَّةِ ، { أَنَّهُمْ سَارُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ حُنَيْنٍ ، فَأَطْنَبُوا السَّيْرَ حَتَّى كَانَ عَشِيَّةً ، قَالَ : مَنْ يَحْرُسُنَا اللَّيْلَةَ ؟ } قَالَ أَنَسُ بْنُ أَبِي مَرْثَدٍ الْغَنَوِيُّ : أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ .\rقَالَ : \" فَارْكَبْ \" .\rفَرَكِبَ فَرَسًا لَهُ ، وَجَاءَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَهُ : \" اسْتَقْبِلْ هَذَا الشِّعْبَ ، حَتَّى تَكُونَ فِي أَعْلَاهُ ، وَلَا أَغَرَّنَّ مِنْ قِبَلِك اللَّيْلَةَ \" .\rفَلَمَّا أَصْبَحْنَا ، جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى مُصَلَّاهُ ، فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ ، ثُمَّ قَالَ : \" هَلْ أَحْسَسْتُمْ فَارِسَكُمْ اللَّيْلَةَ ؟ قَالُوا : لَا .\rفَثُوِّبَ بِالصَّلَاةِ ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي وَهُوَ يَلْتَفِتُ إلَى الشِّعْبِ ، حَتَّى إذَا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَاتَهُ وَسَلَّمَ ، قَالَ : \" أَبْشِرُوا ، قَدْ جَاءَكُمْ فَارِسُكُمْ \" .\rفَإِذَا هُوَ قَدْ جَاءَ حَتَّى وَقَفَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : إنِّي انْطَلَقْت حَتَّى كُنْت فِي أَعْلَى هَذَا الشِّعْبِ ، حَيْثُ أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا أَصْبَحْت اطَّلَعْت الشِّعْبَيْنِ كِلَيْهِمَا ، فَنَظَرْت ، فَلَمْ أَرَ أَحَدًا .\rفَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : \" هَلْ نَزَلْت اللَّيْلَةَ ؟ \" قَالَ : لَا ، إلَّا مُصَلِّيًا أَوْ قَاضِيًا حَاجَةً .\rفَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : قَدْ أَوْجَبْت ، فَلَا","part":20,"page":431},{"id":9931,"text":"عَلَيْك أَنْ لَا تَعْمَلَ بَعْدَهَا .\r} رَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَعَنْ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : { حَرْسُ لَيْلَةٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ لَيْلَةٍ ، قِيَامِ لَيْلِهَا ، وَصِيَامِ نَهَارِهَا } .\rرَوَاهُ ابْنُ سَنْجَرٍ .","part":20,"page":432},{"id":9932,"text":"( 7431 ) : ( وَإِذَا كَانَ أَبَوَاهُ مُسْلِمَيْنِ ، لَمْ يُجَاهِدْ تَطَوُّعًا إلَّا بِإِذْنِهِمَا ) رُوِيَ نَحْوُ هَذَا عَنْ عُمَرَ ، وَعُثْمَانَ .\rوَبِهِ قَالَ مَالِكٌ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَسَائِرُ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rوَقَدْ رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ، قَالَ : { جَاءَ رَجُلٌ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أُجَاهِدُ ؟ فَقَالَ : أَلَك أَبَوَانِ ؟ قَالَ : نَعَمْ .\rقَالَ : فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ .\r} .\rوَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلُهُ ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ .\rوَقَالَ : حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ .\rوَفِي رِوَايَةٍ { : فَقَالَ : جِئْت أُبَايِعُك عَلَى الْهِجْرَةِ ، وَتَرَكْت أَبَوَيَّ يَبْكِيَانِ .\rقَالَ : ارْجِعْ إلَيْهِمَا ، فَأَضْحِكْهُمَا كَمَا أَبْكَيْتَهُمَا .\r} وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ ، { أَنَّ رَجُلًا هَاجَرَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هَلْ لَك بِالْيَمَنِ أَحَدٌ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، أَبَوَايَ .\rقَالَ : أَذِنَّا لَك ؟ قَالَ : لَا .\rقَالَ : فَارْجِعْ ، فَاسْتَأْذِنْهُمَا ، فَإِنْ أَذِنَا لَك فَجَاهِدْ ، وَإِلَّا فَبِرَّهُمَا .\r} رَوَاهُنَّ أَبُو دَاوُد .\rوَلِأَنَّ بِرَّ الْوَالِدَيْنِ فَرْضُ عَيْنٍ ، وَالْجِهَادَ فَرْضُ كِفَايَةٍ ، وَفَرْضُ الْعَيْنِ يُقَدَّمُ .\rفَأَمَّا إنْ كَانَ أَبَوَاهُ غَيْرَ مُسْلِمَيْنِ ، فَلَا إذْنَ لَهُمَا .\rوَبِذَلِكَ قَالَ الشَّافِعِيّ .\rوَقَالَ الثَّوْرِيُّ : لَا يَغْزُو إلَّا بِإِذْنِهِمَا ؛ لِعُمُومِ الْأَخْبَارِ .\rوَلَنَا أَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانُوا يُجَاهِدُونَ ، وَفِيهِمْ مَنْ لَهُ أَبَوَانِ كَافِرَانِ ، مِنْ غَيْرِ اسْتِئْذَانِهِمَا ؛ مِنْهُمْ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ، وَأَبُو حُذَيْفَةَ بْنُ عَتَبَةَ بْنُ رَبِيعَةَ ، كَانَ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ بَدْرٍ ، وَأَبُوهُ رَئِيسُ الْمُشْرِكِينَ يَوْمئِذٍ ، قُتِلَ بِبَدْرٍ ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ ، قَتَلَ أَبَاهُ فِي الْجِهَادِ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى { لَا تَجِدُ","part":20,"page":433},{"id":9933,"text":"قَوْمًا } .\rالْآيَةَ ، وَعُمُومُ الْأَخْبَارِ مُخَصَّصٌ بِمَا رَوَيْنَاهُ فَأَمَّا إنْ كَانَ أَبَوَاهُ رَقِيقَيْنِ ، فَعُمُومُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ يَقْتَضِي وُجُوبَ اسْتِئْذَانِهِمَا ؛ لِعُمُومِ الْأَخْبَارِ ، وَلِأَنَّهُمَا أَبَوَانِ مُسْلِمَانِ ، فَأَشْبَهَا الْحُرَّيْنِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يُعْتَبَرَ إذْنُهُمَا ؛ لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لَهُمَا .\rوَإِنْ كَانَا مَجْنُونَيْنِ فَلَا إذْنَ لَهُمَا ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ اسْتِئْذَانُهُمَا .","part":20,"page":434},{"id":9934,"text":"( 7432 ) قَالَ وَإِذَا خُوطِبَ بِالْجِهَادِ فَلَا إذْنَ لَهُمَا ، وَكَذَلِكَ كُلُّ الْفَرَائِضِ ، لَا طَاعَةَ لَهُمَا فِي تَرْكِهَا .\rيَعْنِي إذَا وَجَبَ عَلَيْهِ الْجِهَادُ .\rلَمْ يُعْتَبَرْ إذْنُ وَالِدَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ صَارَ فَرْضَ عَيْنٍ وَتَرْكُهُ مَعْصِيَةٌ ، وَلَا طَاعَةَ لِأَحَدٍ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ .\rوَكَذَلِكَ كُلُّ مَا وَجَبَ مِثْلُ الْحَجِّ ، وَالصَّلَاةِ فِي الْجَمَاعَةِ وَالْجُمَعِ ، وَالسَّفَرِ ، لِلْعِلْمِ الْوَاجِبِ .\rقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ لَا طَاعَةَ لِلْوَالِدَيْنِ فِي تَرْكِ الْفَرَائِضِ وَالْجُمَعِ وَالْحَجِّ وَالْقِتَالِ ؛ لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ تَعَيَّنَتْ عَلَيْهِ ، فَلَمْ يُعْتَبَرْ إذْنُ الْأَبَوَيْنِ فِيهَا ، كَالصَّلَاةِ ، وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : { وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إلَيْهِ سَبِيلًا } وَلَمْ يَشْتَرِطْ إذْنَ الْوَالِدَيْنِ .","part":20,"page":435},{"id":9935,"text":"( 7433 ) وَإِنْ خَرَجَ فِي جِهَادِ تَطَوُّعٍ بِإِذْنِهِمَا ، فَمَنَعَاهُ مِنْهُ بَعْدَ سَيْرِهِ وَقَبْلَ وُجُوبِهِ ، فَعَلَيْهِ الرُّجُوعُ ، لِأَنَّهُ مَعْنًى لَوْ وُجِدَ فِي الِابْتِدَاءِ مَنَعَ ، فَإِذَا وُجِدَ فِي أَثْنَائِهِ مَنَعَ ، كَسَائِرِ الْمَوَانِعِ ، إلَّا أَنْ يَخَافَ عَلَى نَفْسِهِ فِي الرُّجُوعِ ، أَوْ يَحْدُثَ لَهُ عُذْرٌ ، مِنْ مَرَضٍ أَوْ ذَهَابِ نَفَقَةٍ أَوْ نَحْوِهِ ، فَإِنْ أَمْكَنَهُ الْإِقَامَةُ فِي الطَّرِيقِ ، وَإِلَّا مَضَى مَعَ الْجَيْشِ ، فَإِذَا حَضَرَ الصَّفَّ ، تَعَيَّنَ عَلَيْهِ بِحُضُورِهِ ، وَلَمْ يَبْقَ لَهُمَا إذْنٌ .\rوَإِنْ كَانَ رُجُوعُهُمَا عَنْ الْإِذْنِ بَعْدَ تَعَيُّنِ الْجِهَادِ عَلَيْهِ ، لَمْ يُؤَثِّرْ رُجُوعُهُمَا شَيْئًا .\rوَإِنْ كَانَا كَافِرَيْنِ ، فَأَسْلَمَا وَمَنَعَاهُ ، كَانَ ذَلِكَ كَمَنْعِهِمَا بَعْدَ إذْنِهِمَا ، سَوَاءٌ .\rوَحُكْمُ الْغَرِيمِ يَأْذَنُ فِي الْجِهَادِ ثُمَّ يَمْنَعُ مِنْهُ ، حُكْمُ الْوَالِدِ ، عَلَى مَا فَصَّلْنَاهُ .\rفَأَمَّا إنْ حَدَثَ لِلْإِنْسَانِ فِي نَفْسِهِ عُذْرٌ مِنْ مَرَضٍ أَوْ عَمًى أَوْ عَرَجٍ ، فَلَهُ الِانْصِرَافُ ، سَوَاءٌ الْتَقَى الزَّحْفَانِ ، أَوْ لَمْ يَلْتَقِيَا ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ الْقِتَالُ ، وَلَا فَائِدَةَ فِي مُقَامِهِ .","part":20,"page":436},{"id":9936,"text":"( 7434 ) وَإِنْ أَذِنَ لَهُ وَالِدَاهُ فِي الْغَزْوِ ، وَشَرَطَا عَلَيْهِ أَنْ لَا يُقَاتِلَ ، فَحَضَرَ الْقِتَالَ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ ، وَسَقَطَ شَرْطُهُمَا .\rكَذَلِكَ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ لِأَنَّهُ صَارَ وَاجِبًا عَلَيْهِ ، فَلَمْ يَبْقَ لَهُمَا فِي تَرْكِهِ طَاعَةٌ .\rوَلَوْ خَرَجَ بِغَيْرِ إذْنِهِمَا ، فَحَضَرَ الْقِتَالَ ثُمَّ بَدَا لَهُ الرُّجُوعُ ، لَمْ يَجُزْ لَهُ ذَلِكَ .","part":20,"page":437},{"id":9937,"text":"( 7435 ) فَصْلٌ وَمَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ حَالٌّ أَوْ مُؤَجَّلٌ ، لَمْ يَجُزْ لَهُ الْخُرُوجُ إلَى الْغَزْوِ إلَّا بِإِذْنِ غَرِيمِهِ ، إلَّا أَنْ يَتْرُكَ وَفَاءً ، أَوْ يُقِيمَ بِهِ كَفِيلًا ، أَوْ يُوَثِّقَهُ بِرَهْنٍ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَرَخَّصَ مَالِكٌ فِي الْغَزْوِ لِمَنْ لَا يَقْدِرُ عَلَى قَضَاءِ دَيْنِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا تَتَوَجَّهُ الْمُطَالَبَةُ بِهِ وَلَا حَبْسُهُ مِنْ أَجْلِهِ ، فَلَمْ يُمْنَعْ مِنْ الْغَزْوِ ، كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دِينٌ .\rوَلَنَا أَنَّ الْجِهَادَ تُقْصَدُ مِنْهُ الشَّهَادَةُ الَّتِي تَفُوتُ بِهَا النَّفْسُ فَيَفُوتُ الْحَقُّ ، بِفَوَاتِهَا ، وَقَدْ جَاءَ { أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنْ قُتِلْت فِي سَبِيلِ اللَّهِ صَابِرًا مُحْتَسِبًا ، تُكَفَّرُ عَنِّي خَطَايَايَ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، إلَّا الدَّيْنَ ، فَإِنَّ جِبْرِيلَ قَالَ لِي ذَلِكَ } رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَمَّا إذَا تَعَيَّنَ عَلَيْهِ الْجِهَادُ ، فَلَا إذْنَ لِغَرِيمِهِ ؛ لِأَنَّهُ تَعَلَّقَ بِعَيْنِهِ ، فَكَانَ مُقَدَّمًا عَلَى مَا فِي ذِمَّتِهِ ، كَسَائِرِ فُرُوضِ الْأَعْيَانِ ، وَلَكِنْ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ لَا يَتَعَرَّضَ لِمَظَانِّ الْقَتْلِ ؛ مِنْ الْمُبَارَزَةِ ، وَالْوُقُوفِ فِي أَوَّلِ الْمُقَاتِلَةِ ، لِأَنَّ فِيهِ تَغْرِيرًا بِتَفْوِيتِ الْحَقِّ .\rوَإِنْ تَرَكَ وَفَاءً ، أَوْ أَقَامَ كَفِيلًا ، فَلَهُ الْغَزْوُ بِغَيْرِ إذْنِ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي مَنْ تَرَكَ وَفَاءً ، لِأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ حَرَامٍ أَبَا جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ خَرَجَ إلَى أُحُدٍ ، وَعَلَيْهِ دَيْنٌ كَثِيرٌ ، فَاسْتُشْهِدَ ، وَقَضَاهُ عَنْهُ ابْنُهُ بِعِلْمِ النَّبِيِّ ، وَلَمْ يَذُمَّهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى ذَلِكَ ، وَلَمْ يُنْكِرْ فِعْلَهُ ، بَلْ مَدَحَهُ ، وَقَالَ { مَا زَالَتْ الْمَلَائِكَةُ تُظِلُّهُ بِأَجْنِحَتِهَا ، حَتَّى رَفَعْتُمُوهُ .\rوَقَالَ لِابْنِهِ جَابِرٌ أَشَعَرْت أَنَّ اللَّهَ أَحْيَا أَبَاك ، وَكَلَّمَهُ كِفَاحًا } .","part":20,"page":438},{"id":9938,"text":"( 7436 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ وَيُقَاتَلُ أَهْلُ الْكِتَابِ وَالْمَجُوسُ ، وَلَا يُدْعَوْنَ ، لِأَنَّ الدَّعْوَةَ قَدْ بَلَغَتْهُمْ وَيُدْعَى عَبَدَةُ الْأَوْثَانِ قَبْلَ أَنْ يُحَارَبُوا أَمَّا قَوْلُهُ فِي أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمَجُوس : لَا يُدْعَوْنَ قَبْلَ الْقِتَالِ .\rفَهُوَ عَلَى عُمُومِهِ ؛ لِأَنَّ الدَّعْوَةَ قَدْ انْتَشَرَتْ وَعَمَّتْ ، فَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ مَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ إلَّا نَادِرٌ بَعِيدٌ .\rوَأَمَّا قَوْلُهُ : يُدْعَى عَبَدَةُ الْأَوْثَانِ قَبْلَ أَنْ يُحَارَبُوا .\rفَلَيْسَ بِعَامٍّ ، فَإِنَّ مَنْ بَلَغَتْهُ الدَّعْوَةُ مِنْهُمْ لَا يُدْعَوْنَ ، وَإِنْ وُجِدَ مِنْهُمْ مَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ ، دُعِيَ قَبْلَ الْقِتَالِ ، وَكَذَلِكَ إنْ وُجِدَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ ، دُعُوا قَبْلَ الْقِتَالِ .\rقَالَ أَحْمَدُ إنَّ الدَّعْوَةَ قَدْ بَلَغَتْ وَانْتَشَرَتْ ، وَلَكِنْ إنْ جَازَ أَنْ يَكُونَ قَوْمٌ خَلْفَ الرُّومِ وَخَلْفَ التُّرْكِ ، عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ ، لَمْ يَجُزْ قِتَالُهُمْ قَبْلَ الدَّعْوَةِ .\rوَذَلِكَ لِمَا رَوَى بُرَيْدَةَ قَالَ : كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إذَا بَعَثَ أَمِيرًا عَلَى سَرِيَّةٍ أَوْ جَيْشٍ ، أَمَرَهُ بِتَقْوَى اللَّهِ فِي خَاصَّتِهِ ، وَبِمَنْ مَعَهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ، وَقَالَ : إذَا لَقِيت عَدُوَّك مِنْ الْمُشْرِكِينَ ، فَادْعُهُمْ إلَى إحْدَى ثَلَاثِ خِصَالٍ ، فَأَيَّتَهنَّ أَجَابُوك إلَيْهَا فَاقْبَلْ مِنْهُمْ ، وَكُفَّ عَنْهُمْ ؛ اُدْعُهُمْ إلَى الْإِسْلَامِ ، فَإِنْ أَجَابُوك فَاقْبَلْ مِنْهُمْ ، وَكُفَّ عَنْهُمْ ، فَإِنْ هُمْ أَبَوْا ، فَادْعُهُمْ إلَى إعْطَاءِ الْجِزْيَةِ ، فَإِنْ أَجَابُوك فَاقْبَلْ مِنْهُمْ ، وَكُفَّ عَنْهُمْ ، فَإِنْ أَبَوْا ، فَاسْتَعِنْ بِاَللَّهِ عَلَيْهِمْ وَقَاتِلْهُمْ } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَمُسْلِمٌ ، .\rوَهَذَا يَحْتَمِلُ أَنَّهُ كَانَ فِي بَدْءِ الْأَمْرِ قَبْلَ انْتِشَارِ الدَّعْوَةِ ، وَظُهُورِ الْإِسْلَامِ ، فَأَمَّا الْيَوْمَ ، فَقَدْ انْتَشَرَتْ الدَّعْوَةُ ، فَاسْتُغْنِيَ بِذَلِكَ عَنْ الدُّعَاءِ عِنْدَ الْقِتَالِ ، قَالَ أَحْمَدُ كَانَ النَّبِيُّ يَدْعُو إلَى الْإِسْلَامِ قَبْلَ أَنْ يُحَارِبَ ، حَتَّى","part":20,"page":439},{"id":9939,"text":"أَظْهَرَ اللَّهُ الدِّينَ وَعَلَا الْإِسْلَامُ ، وَلَا أَعْرِفُ الْيَوْمَ أَحَدًا يُدْعَى ، قَدْ بَلَغَتْ الدَّعْوَةُ كُلَّ أَحَدٍ ، وَالرُّومُ قَدْ بَلَغَتْهُمْ الدَّعْوَةُ ، وَعَلِمُوا مَا يُرَادُ مِنْهُمْ ، وَإِنَّمَا كَانَتْ الدَّعْوَةُ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ ، وَإِنْ دَعَا فَلَا بَأْسَ .\rوَقَدْ رَوَى ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَغَارَ عَلَى بَنِي الْمُصْطَلِقِ ، وَهُمْ غَارُّونَ آمِنُونَ ، وَإِبِلُهُمْ تُسْقَى عَلَى الْمَاءِ ، فَقَتَلَ الْمُقَاتِلَةَ ؛ وَسَبَى الذُّرِّيَّةَ } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ، وَعَنْ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ ، قَالَ : سَمِعْت { رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُسْأَلُ عَنْ الدِّيَارِ مِنْ دِيَارِ الْمُشْرِكِينَ ، يَبِيتُونَ فَيُصِيبُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ وَذَرَارِيِّهِمْ ، فَقَالَ هُمْ مِنْهُمْ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَقَالَ سَلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ : { أَمَّرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبَا بَكْرٍ ، فَغَزَوْنَا نَاسًا مِنْ الْمُشْرِكِينَ ، فَبَيَّتْنَاهُمْ .\r} رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُجْعَلَ الْأَمْرُ بِالدَّعْوَةِ فِي حَدِيثِ بُرَيْدَةَ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ ، فَإِنَّهَا مُسْتَحَبَّةٌ فِي كُلِّ حَالٍ ، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَمَّرَ عَلِيًّا ، حِينَ أَعْطَاهُ الرَّايَةَ يَوْمَ خَيْبَرَ وَبَعَثَهُ إلَى قِتَالِهِمْ ، أَنْ يَدْعُوَهُمْ ، وَهُمْ مِمَّنْ بَلَغَتْهُمْ الدَّعْوَةُ } .\rرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ .\rوَدَعَا خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ طُلَيْحَةَ الْأَسَدِيَّ حِينَ تَنَبَّأَ ، فَلَمْ يَرْجِعْ ، فَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ ، وَدَعَا سَلْمَانُ أَهْلَ فَارِسَ .\rفَإِذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنْ كَانَ الْمَدْعُوُّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ، أَوْ مَجُوسًا ، دَعَاهُمْ إلَى الْإِسْلَامِ ، فَإِنْ أَبَوْا ، دَعَاهُمْ إلَى إعْطَاءِ الْجِزْيَةِ ، فَإِنْ أَبَوْا قَاتَلَهُمْ ، وَإِنْ كَانُوا مِنْ غَيْرِهِمْ ، دَعَاهُمْ إلَى الْإِسْلَامِ ، فَإِنْ أَبَوْا ، قَاتَلَهُمْ ، وَمَنْ قُتِلَ قَبْلَ الدُّعَاءِ لَمْ يُضْمَنْ ؛ لِأَنَّهُ لَا إيمَانَ لَهُ وَلَا أَمَانَ ، فَلَمْ يُضْمَنْ ، كَنِسَاءِ","part":20,"page":440},{"id":9940,"text":"مَنْ بَلَغَتْهُ الدَّعْوَةُ وَصِبْيَانِهِمْ .","part":20,"page":441},{"id":9941,"text":"( 7437 ) مَسْأَلَةٌ وَيُقَاتَلُ أَهْلُ الْكِتَابِ وَالْمَجُوس حَتَّى يُسْلِمُوا أَوْ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ ، وَيُقَاتَلُ مَنْ سِوَاهُمْ مِنْ الْكُفَّارِ حَتَّى يُسْلِمُوا .\rوَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْكُفَّارَ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ ؛ قِسْمٌ أَهْلُ كِتَابٍ ، وَهُمْ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى ، وَمَنْ اتَّخَذَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ كِتَابًا ، كَالسَّامِرَةِ وَالْفِرِنْجِ وَنَحْوِهِمْ ، فَهَؤُلَاءِ تُقْبَلُ مِنْهُمْ الْجِزْيَةُ ، وَيُقَرُّونَ عَلَى دِينِهِمْ إذَا بَذَلُوهَا ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ } وَقِسْمٌ لَهُمْ شُبْهَةُ كِتَابٍ ، وَهُمْ الْمَجُوسُ فَحُكْمُهُمْ حُكْمُ أَهْلِ الْكِتَابِ ، فِي قَبُولِ الْجِزْيَةِ مِنْهُمْ ، وَإِقْرَارِهِمْ بِهَا ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ } .\rوَلَا نَعْلَمُ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ خِلَافًا فِي هَذَيْنِ الْقِسْمَيْنِ .\rوَقِسْمٌ لَا كِتَابَ لَهُمْ ، وَلَا شُبْهَةَ كِتَابٍ ، وَهُمْ مَنْ عَدَا هَذَيْنِ الْقِسْمَيْنِ ، مِنْ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ ، وَمَنْ عَبَدَ مَا اسْتَحْسَنَ ، وَسَائِرِ الْكُفَّارِ ، فَلَا تُقْبَلُ مِنْهُمْ الْجِزْيَةُ ، وَلَا يُقْبَلُ مِنْهُمْ سِوَى الْإِسْلَامِ .\rهَذَا ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rوَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدُ أَنَّ الْجِزْيَةَ تُقْبَلُ مِنْ جَمِيعِ الْكُفَّارِ ، إلَّا عَبَدَةَ الْأَوْثَانِ مِنْ الْعَرَبِ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّهُمْ يُقَرُّونَ عَلَى دِينِهِمْ بِالِاسْتِرْقَاقِ ، فَيُقَرُّونَ بِبَذْلِ الْجِزْيَةِ ، كَالْمَجُوسِ .\rوَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ ، أَنَّهَا تُقْبَلُ مِنْ جَمِيعِ الْكُفَّارِ ، إلَّا كُفَّارَ قُرَيْشٍ ؛ لِحَدِيثِ بُرَيْدَةَ الَّذِي فِي الْمَسْأَلَةِ قَبْلَ هَذِهِ ، وَهُوَ عَامٌّ ، وَلِأَنَّهُمْ كُفَّارٌ ، فَأَشْبَهُوا الْمَجُوسَ .\rوَلَنَا ، عُمُومُ قَوْله تَعَالَى : { فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ } .","part":20,"page":442},{"id":9942,"text":"وَقَوْلُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { أُمِرْت أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ } .\rخَصَّ مِنْهُمَا أَهْلَ الْكِتَابِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ } .\rوَالْمَجُوسَ بِقَوْلِهِ : { سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ } .\rفَمَنْ عَدَاهُمَا يَبْقَى عَلَى مُقْتَضَى الْعُمُومِ ، وَلِأَنَّ الصَّحَابَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، تَوَقَّفُوا فِي أَخْذِ الْجِزْيَةِ مِنْ الْمَجُوسِ ، وَلَمْ يَأْخُذْ عُمَرُ مِنْهُمْ الْجِزْيَةَ ، حَتَّى رَوَى لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ } .\rوَثَبَتَ عِنْدَهُمْ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَخَذَ الْجِزْيَةَ مِنْ مَجُوسِ هَجَرَ } .\rوَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ لَمْ يَقْبَلُوا الْجِزْيَةَ مِمَّنْ سِوَاهُمْ ، فَإِنَّهُمْ إذَا تَوَقَّفُوا فِي مَنْ لَهُ شُبْهَةُ كِتَابٍ ، فَفِي مِنْ لَا شُبْهَةَ لَهُ أَوْلَى ، ثُمَّ أَخَذُوا الْجِزْيَةَ مِنْهُمْ لِلْخَبَرِ الْمُخْتَصِّ بِهِمْ ، فَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ لَمْ يَأْخُذُوهَا مِنْ غَيْرِهِمْ ، وَلِأَنَّ قَوْلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ } .\rيَدُلُّ عَلَى اخْتِصَاصِ أَهْلِ الْكِتَابِ بِبَذْلِ الْجِزْيَةِ ، إذْ لَوْ كَانَ عَامًّا فِي جَمِيعِ الْكُفَّارِ ، لَمْ يَخْتَصَّ أَهْلَ الْكِتَابِ بِإِضَافَتِهَا إلَيْهِمْ ، وَلِأَنَّهُمْ تَغْلُظُ كُفْرُهُمْ لِكُفْرِهِمْ بِاَللَّهِ وَجَمِيعِ كُتُبِهِ وَرُسُلِهِ ، وَلَمْ تَكُنْ لَهُمْ شُبْهَةٌ ، فَلَمْ يُقَرُّوا بِبَذْلِ الْجِزْيَةِ ، كَقُرَيْشٍ وَعَبَدَةِ الْأَوْثَانِ مِنْ الْعَرَبِ ، وَلِأَنَّ تَغْلِيظَ الْكُفْرِ لَهُ أَثَرٌ فِي تَحَتُّمِ الْقَتْلِ ، وَكَوْنِهِ لَا يُقَرُّ بِالْجِزْيَةِ ، بِدَلِيلِ الْمُرْتَدِّ .\rوَأَمَّا الْمَجُوسُ ، فَإِنَّ لَهُمْ شُبْهَةَ كِتَابٍ ، وَالشُّبْهَةُ تَقُومُ مُقَامَ الْحَقِيقَةِ فِيمَا يُبْنَى عَلَى الِاحْتِيَاطِ ، فَحَرُمَتْ دِمَاؤُهُمْ لِلشُّبْهَةِ ، وَلَمْ يَثْبُتْ حِلُّ نِسَائِهِمْ","part":20,"page":443},{"id":9943,"text":"وَذَبَائِحِهِمْ ؛ لِأَنَّ الْحِلَّ لَا يَثْبُتُ بِالشُّبْهَةِ ، وَلِأَنَّ الشُّبْهَةَ لَمَّا اقْتَضَتْ تَحْرِيمَ دِمَائِهِمْ ، اقْتَضَتْ تَحْرِيمَ ذَبَائِحِهِمْ وَنِسَائِهِمْ ، لِيَثْبُتَ التَّحْرِيمُ فِي الْمَوَاضِعِ كُلِّهَا ، تَغْلِيبًا لَهُ عَلَى الْإِبَاحَةِ ، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهُمْ يُقَرُّونَ عَلَى دِينِهِمْ بِالِاسْتِرْقَاقِ .","part":20,"page":444},{"id":9944,"text":"( 7438 ) مَسْأَلَةٌ وَوَاجِبٌ عَلَى النَّاسِ إذَا جَاءَ الْعَدُوُّ ، أَنْ يَنْفِرُوا ؛ الْمُقِلُّ مِنْهُمْ ، وَالْمُكْثِرُ ، وَلَا يَخْرُجُوا إلَى الْعَدُوِّ إلَّا بِإِذْنِ الْأَمِيرِ ، إلَّا أَنْ يَفْجَأَهُمْ عَدُوٌّ غَالِبٌ يَخَافُونَ كَلَبَهُ ، فَلَا يُمْكِنُهُمْ أَنْ يَسْتَأْذِنُوهُ قَوْلُهُ : الْمُقِلُّ مِنْهُمْ وَالْمُكْثِرُ .\rيَعْنِي بِهِ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - الْغَنِيَّ وَالْفَقِيرَ ، أَيْ مُقِلٌّ مِنْ الْمَالِ وَمُكْثِرٌ مِنْهُ ، وَمَعْنَاهُ أَنَّ النَّفِيرَ يَعُمُّ جَمِيعَ النَّاسِ ، مِمَّنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْقِتَالِ ، حِينَ الْحَاجَةِ إلَى نَفِيرِهِمْ ؛ لِمَجِيءِ الْعَدُوِّ إلَيْهِمْ .\rوَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ التَّخَلُّفُ ، إلَّا مَنْ يُحْتَاجُ إلَى تَخَلُّفِهِ لِحِفْظِ الْمَكَانِ وَالْأَهْلِ وَالْمَالِ ، وَمَنْ يَمْنَعُهُ الْأَمِيرُ مِنْ الْخُرُوجِ ، أَوْ مَنْ لَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَى الْخُرُوجِ أَوْ الْقِتَالِ ؛ وَذَلِكَ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا } .\rوَقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إذَا اُسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا } .\rوَقَدْ ذَمَّ اللَّهُ تَعَالَى الَّذِينَ أَرَادُوا الرُّجُوعَ إلَى مَنَازِلِهِمْ يَوْمَ الْأَحْزَابِ ، فَقَالَ تَعَالَى : { وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إنْ يُرِيدُونَ إلَّا فِرَارًا } .\rوَلِأَنَّهُمْ إذَا جَاءَ الْعَدُوُّ ، صَارَ الْجِهَادُ عَلَيْهِمْ فَرْضَ عَيْنٍ فَوَجَبَ عَلَى الْجَمِيعِ ، فَلَمْ يَجُزْ لِأَحَدٍ التَّخَلُّفُ عَنْهُ ، فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّهُمْ لَا يَخْرُجُونَ إلَّا بِإِذْنِ الْأَمِيرِ ؛ لِأَنَّ أَمْرَ الْحَرْبِ مَوْكُولٌ إلَيْهِ ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِكَثْرَةِ الْعَدُوِّ وَقِلَّتِهِمْ ، وَمَكَامِنِ الْعَدُوِّ وَكَيْدِهِمْ ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُرْجَعَ إلَى رَأْيِهِ ، لِأَنَّهُ أَحْوَطُ لِلْمُسْلِمِينَ ؛ إلَّا أَنْ يَتَعَذَّرَ اسْتِئْذَانُهُ لِمُفَاجَأَةِ عَدُوِّهِمْ لَهُمْ ، فَلَا يَجِبُ اسْتِئْذَانُهُ ، لِأَنَّ الْمَصْلَحَةَ تَتَعَيَّنُ فِي قِتَالِهِمْ وَالْخُرُوجِ إلَيْهِ ، لِتَعَيُّنِ الْفَسَادِ فِي تَرْكِهِمْ ، وَلِذَلِكَ لَمَّا أَغَارَ الْكُفَّارُ عَلَى لِقَاحِ النَّبِيِّ","part":20,"page":445},{"id":9945,"text":"صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَصَادَفَهُمْ سَلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ خَارِجًا مِنْ الْمَدِينَةِ ، تَبِعَهُمْ ، فَقَاتَلَهُمْ ، مِنْ غَيْرِ إذْنٍ ، فَمَدَحَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ : خَيْرُ رَجَّالَتِنَا سَلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ .\rوَأَعْطَاهُ سَهْمَ فَارِسٍ وَرَاجِلٍ .","part":20,"page":446},{"id":9946,"text":"( 7439 ) فَصْلٌ وَسُئِلَ أَحْمَدُ عَنْ الْإِمَامِ إذَا غَضِبَ عَلَى الرَّجُلِ ، فَقَالَ : اُخْرُجْ ، عَلَيْك أَنْ لَا تَصْحَبَنِي .\rفَنَادَى بِالنَّفِيرِ ، يَكُونُ إذْنًا لَهُ ؟ قَالَ : لَا ، إنَّمَا قَصَدَ لَهُ وَحْدَهُ ، فَلَا يَصْحَبُهُ حَتَّى يَأْذَنَ لَهُ .\rقَالَ : وَإِذَا نُودِيَ بِالصَّلَاةِ وَالنَّفِيرِ ، فَإِنْ كَانَ الْعَدُوُّ بِالْبُعْدِ ، إنَّمَا جَاءَهُمْ طَلِيعَةٌ لِلْعَدُوِّ ، صَلَّوْا وَنَفَرُوا إلَيْهِمْ ، وَإِذَا اسْتَغَاثُوا بِهِمْ ، وَقَدْ وَرَدَ الْعَدُوُّ ، أَغَاثُوا وَنَصَرُوا وَصَلَّوْا عَلَى ظُهُورِ دَوَابِّهِمْ وَيُومِئُونَ ، وَالْغِيَاثُ عِنْدِي أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ ، وَالطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ يُصَلِّي عَلَى ظَهْرِ دَابَّتِهِ وَهُوَ يَسِيرُ أَفْضَلُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ، وَإِذَا سَمِعَ النَّفِيرَ ، وَقَدْ أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ ، يُصَلِّي ، وَيُخَفِّفُ ، وَيُتِمُّ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ وَيَقْرَأُ بِسُوَرٍ قِصَارٍ .\rوَقَدْ نَفَرَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ جُنُبٌ - يَعْنِي غَسِيلَ الْمَلَائِكَةِ حَنْظَلَةَ بْنَ الرَّاهِبِ - قَالَ : وَلَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ إذَا كَانَ فِيهَا ، وَإِذَا جَاءَ النَّفِيرُ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ، لَا تَرَى أَنْ يَنْفِرُوا ؟ قَالَ : وَلَا تَنْفِرُ الْخَيْلُ إلَّا عَلَى حَقِيقَةٍ ، وَلَا تَنْفِرُ عَلَى الْغُلَامِ إذَا أَبَقَ إذَا أَنْفَرُوهُمْ ، فَلَا يَكُونُ هَلَاكُ النَّاسِ بِسَبَبِ غُلَامٍ ، وَإِذَا نَادَى الْإِمَامُ : الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ .\rلِأَمْرٍ يَحْدُثُ ، فَيُشَاوِرُ فِيهِ ، لَمْ يَتَخَلَّفْ عَنْهُ أَحَدٌ إلَّا مِنْ عُذْرٍ .","part":20,"page":447},{"id":9947,"text":"( 7440 ) مَسْأَلَةٌ وَلَا يَدْخُلُ مَعَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ النِّسَاءِ إلَى أَرْضِ الْعَدُوِّ إلَّا الطَّاعِنَةُ فِي السِّنِّ ، لِسَقْيِ الْمَاءِ ، وَمُعَالَجَةِ الْجَرْحَى ، كَمَا فَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ يُكْرَهُ دُخُولُ النِّسَاءِ الشَّوَابِّ أَرْضَ الْعَدُوِّ ؛ لِأَنَّهُنَّ لَسْنَ مِنْ أَهْلِ الْقِتَالِ ، وَقَلَّمَا يُنْتَفَعُ بِهِنَّ فِيهِ ، لِاسْتِيلَاءِ الْخَوَرِ وَالْجُبْنِ عَلَيْهِنَّ .\rوَلَا يُؤْمَنُ ظَفَرُ الْعَدُوِّ بِهِنَّ ، فَيَسْتَحِلُّونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ مِنْهُنَّ ، وَقَدْ رَوَى حَشْرَجُ بْنُ زِيَادٍ عَنْ جَدَّتِهِ أُمِّ أَبِيهِ ، أَنَّهَا { خَرَجَتْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَةِ خَيْبَرَ سَادِسَةَ سِتِّ نِسْوَةٍ ، فَبَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَبَعَثَ إلَيْنَا ، فَجِئْنَا ، فَرَأَيْنَا مِنْهُ الْغَضَبَ ، فَقَالَ : مَعَ مَنْ خَرَجْتُنَّ ؟ فَقُلْنَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، خَرَجْنَا نَغْزِلُ الشَّعْرَ ، وَنُعِينُ بِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَمَعَنَا دَوَاءٌ لِلْجَرْحَى ، وَنُنَاوِلُ السِّهَامَ ، وَنَسْقِي السَّوِيقَ .\rفَقَالَ : قُمْنَ .\rحَتَّى إذَا فَتَحَ اللَّهُ خَيْبَرَ أَسْهَمَ لَنَا ، كَمَا أَسْهَمَ لِلرِّجَالِ ، فَقُلْت لَهَا : يَا جَدَّةُ ، مَا كَانَ ذَلِكَ ؟ قَالَتْ : تَمْرًا } .\r.\rقِيلَ لِلْأَوْزَاعِيِّ : هَلْ كَانُوا يَغْزُونَ مَعَهُمْ بِالنِّسَاءِ فِي الصَّوَائِفِ ؟ قَالَ : لَا إلَّا بِالْجَوَارِي .\rفَأَمَّا الْمَرْأَةُ الطَّاعِنَةُ فِي السِّنِّ ، وَهِيَ الْكَبِيرَةُ ، إذَا كَانَ فِيهَا نَفْعٌ ، مِثْلَ سَقْيِ الْمَاءِ ، وَمُعَالَجَةِ الْجَرْحَى ، فَلَا بَأْسَ بِهِ ؛ لِمَا رَوَيْنَا مِنْ الْخَبَرِ ، وَكَانَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ وَنَسِيبَةُ بِنْتُ كَعْبٍ ، تَغْزُوَانِ مَعَ النَّبِيِّ ، فَأَمَّا نَسِيبَةُ فَكَانَتْ تُقَاتِلُ ، وَقُطِعَتْ يَدُهَا يَوْمَ الْيَمَامَةِ .\rوَقَالَتْ الرُّبَيِّعُ : { كُنَّا نَغْزُو مَعَ النَّبِيِّ لِسَقْيِ الْمَاءِ ، وَمُعَالَجَةِ الْجَرْحَى .\r} وَقَالَ أَنَسٌ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { يَغْزُو بِأُمِّ سُلَيْمٍ وَنِسْوَةٍ مَعَهَا مِنْ الْأَنْصَارِ ، يَسْقِينَ الْمَاءَ ،","part":20,"page":448},{"id":9948,"text":"وَيُدَاوِينَ الْجَرْحَى .\r} قَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ .\rفَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُخْرِجُ مَعَهُ مَنْ تَقَعُ عَلَيْهَا الْقُرْعَةُ مِنْ نِسَائِهِ ، وَخَرَجَ بِعَائِشَةَ مَرَّاتٍ .\rقِيلَ : تِلْكَ امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ ، يَأْخُذُهَا لِحَاجَتِهِ إلَيْهَا ، وَيَجُوزُ مِثْلُ ذَلِكَ لِلْأَمِيرِ عِنْدَ حَاجَتِهِ ، وَلَا يُرَخَّصُ لِسَائِرِ الرَّعِيَّةِ ؛ لِئَلَّا يُفْضِيَ إلَى مَا ذَكَرْنَا .\r.","part":20,"page":449},{"id":9949,"text":"( 7441 ) فَصْلٌ يَنْبَغِي لِلْأَمِيرِ أَنْ يَرْفُقَ بِجَيْشِهِ ، وَيَسِيرُ بِهِمْ سَيْرَ أَضْعَفِهِمْ ، لِئَلَّا يَشُقَّ عَلَيْهِمْ ، وَإِنْ دَعَتْ الْحَاجَةُ إلَى الْجِدِّ فِي السَّيْرِ جَازَ لَهُ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { جَدَّ فِي السَّيْرِ جَدًّا شَدِيدًا ، حِينَ بَلَغَهُ قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ : لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ .\rلِيَشْتَغِلَ النَّاسُ عَنْ الْخَوْضِ فِيهِ } .\rوَإِنَّ ابْنَ عُمَرَ جَدَّ فِي السَّيْرِ حِينَ اسْتَصْرَخَ عَلَى صَفِيَّةَ امْرَأَتِهِ .\rوَلَا يَمِيلُ الْأَمِيرُ مَعَ مُوَافِقِيهِ فِي الْمَذْهَبِ وَالنَّسَبِ عَلَى مُخَالِفِيهِ فِيهِمَا لِئَلَّا يَكْسِرَ قُلُوبَهُمْ ، فَيَخْذُلُونَهُ عِنْدَ حَاجَتِهِ إلَيْهِمْ .\rوَيُكْثِرُ الْمُشَاوَرَةَ لِذَوِي الرَّأْيِ مِنْ أَصْحَابِهِ ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : { وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ } .\rوَيَتَخَيَّرُ الْمَنَازِلَ لِأَصْحَابِهِ ، وَإِذَا وَجَدَ رَجُلٌ رَجُلًا قَدْ أُصِيبَتْ فَرَسُهُ ، وَمَعَ الْآخَرِ فَضْلٌ ، اُسْتُحِبَّ لَهُ حَمْلُهُ ، وَلَمْ يَجِبْ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، فَإِنْ خَافَ تَلَفَهُ ، فَقَالَ الْقَاضِي : يَجِبُ عَلَيْهِ بَذْلُ فَضْلِ مَرْكُوبِهِ ؛ لِيُحْيِيَ بِهِ صَاحِبَهُ ، كَمَا يَلْزَمُهُ بَذْلُ فَضْلِ طَعَامِهِ لِلْمُضْطَرِّ إلَيْهِ ، وَتَخْلِيصُهُ مِنْ عَدُوِّهِ .","part":20,"page":450},{"id":9950,"text":"( 7442 ) فَصْلٌ وَسُئِلَ أَحْمَدُ عَنْ الرَّجُلَيْنِ يَشْتَرِيَانِ الْفَرَسَ بَيْنَهُمَا ، يَغْزُوَانِ عَلَيْهِ ، يَرْكَبُ هَذَا عَقَبَةً وَهَذَا عَقَبَةً : مَا سَمِعْت فِيهِ بِشَيْءٍ ، وَأَرْجُو أَنْ لَا يَكُونَ بِهِ بَأْسٌ .\rقِيلَ لَهُ : أَيُّمَا أَحَبُّ إلَيْك ؟ يَعْتَزِلُ الرَّجُلُ فِي الطَّعَامِ أَوْ يُرَافِقُ ؟ قَالَ : يُرَافِقُ ، هَذَا أَرْفَقُ ، يَتَعَاوَنُونَ ، وَإِذَا كُنْت وَحْدَك لَمْ يُمْكِنْك الطَّبْخُ وَلَا غَيْرُهُ ، وَلَا بَأْسَ بِالنَّهَدِ ، قَدْ تَنَاهَدَ الصَّالِحُونَ ، وَكَانَ الْحَسَنُ إذَا سَافَرَ أَلْقَى مَعَهُمْ ، وَيَزِيدُ أَيْضًا بَعْدَمَا يُلْقِي .\rوَمَعْنَى النَّهَدِ ، أَنْ يُخْرِجَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الرُّفْقَةِ شَيْئًا مِنْ النَّفَقَةِ ، يَدْفَعُونَهُ إلَى رَجُلٍ يُنْفِقُ عَلَيْهِمْ مِنْهُ ، وَيَأْكُلُونَ جَمِيعًا ، وَكَانَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ يَدْفَعُ إلَى وَكِيلِهِمْ مِثْلَ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ، ثُمَّ يَعُودُ فَيَأْتِي سِرًّا بِمِثْلِ ذَلِكَ ، يَدْفَعُهُ إلَيْهِ .\rوَقَالَ أَحْمَدُ : مَا أَرَى أَنْ يَغْزُوَ وَمَعَهُ مُصْحَفٌ .\rيَعْنِي لَا يَدْخُلُ بِهِ أَرْضَ الْعَدُوِّ ؛ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا تُسَافِرُوا بِالْقُرْآنِ إلَى أَرْضِ الْعَدُوِّ } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَالْأَثْرَمُ","part":20,"page":451},{"id":9951,"text":"( 7443 ) مَسْأَلَةٌ وَإِذَا غَزَا الْأَمِيرُ بِالنَّاسِ ، لَمْ يَجُزْ لِأَحَدٍ أَنْ يَتَعَلَّفَ ، وَلَا يَحْتَطِبَ ، وَلَا يُبَارِزَ عِلْجًا ، وَلَا يَخْرُجَ مِنْ الْعَسْكَرِ ، وَلَا يُحْدِثَ حَدَثًا ، إلَّا بِإِذْنِهِ يَعْنِي لَا يَخْرُجُ مِنْ الْعَسْكَرِ لِتَعَلُّفٍ ، وَهُوَ تَحْصِيلُ الْعَلَفِ لِلدَّوَابِّ ، وَلَا لِاحْتِطَابٍ ، وَلَا غَيْرِهِ إلَّا بِإِذْنِ الْأَمِيرِ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { إنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاَللَّهِ وَرَسُولِهِ } { وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ } .\rوَلِأَنَّ الْأَمِيرَ أَعْرَفُ بِحَالِ النَّاسِ ، وَحَالِ الْعَدُوِّ ، وَمَكَامِنِهِمْ ، وَمَوَاضِعِهِمْ ، وَقُرْبِهِمْ وَبُعْدِهِمْ .\rفَإِذَا خَرَجَ خَارِجٌ بِغَيْرِ إذْنِهِ ، لَمْ يَأْمَنْ أَنْ يُصَادِفَ كَمِينًا لِلْعَدُوِّ ، فَيَأْخُذُوهُ ، أَوْ طَلِيعَةً لَهُمْ ، أَوْ يَرْحَلَ الْأَمِيرُ بِالْمُسْلِمِينَ وَيَتْرُكَهُ فَيَهْلِكَ .\rوَإِذَا كَانَ بِإِذْنِ الْأَمِيرِ ، لَمْ يَأْذَنْ لَهُمْ إلَّا إلَى مَكَان آمِنٍ ، وَرُبَّمَا يَبْعَثُ مَعَهُمْ مِنْ الْجَيْشِ مَنْ يَحْرُسُهُمْ وَيَطَّلِعُ لَهُمْ .\rوَأَمَّا الْمُبَارَزَةُ ، فَتَجُوزُ بِإِذْنِ الْأَمِيرِ ، فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، إلَّا الْحَسَنَ ، فَإِنَّهُ لَمْ يَعْرِفْهَا ، وَكَرِهَهَا .\rوَلَنَا ، أَنَّ حَمْزَةَ ، وَعَلِيًّا وَعُبَيْدَةَ بْنِ الْحَارِثِ بَارَزُوا يَوْمَ بَدْرٍ ، بِإِذْنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rوَبَارَزَ عَلِيٌّ عَمْرَو بْنَ عَبْدِ وُدٍّ فِي غَزْوَةِ الْخَنْدَقِ فَقَتَلَهُ .\rوَبَارَزَ مَرْحَبًا يَوْمَ حُنَيْنٍ .\rوَقِيلَ بَارَزَهُ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ ، وَبَارَزَهُ قَبْلَ ذَلِكَ عَامِرُ بْنُ الْأَكْوَعِ فَاسْتُشْهِدَ .\rوَبَارَزَ الْبَرَاءُ بْنُ مَالِكٍ مَرْزُبَانَ الزَّأْرَةِ فَقَتَلَهُ ، وَأَخَذَ سَلَبَهُ فَبَلَغَ ثَلَاثِينَ أَلْفًا .\rوَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : قَتَلْت تِسْعَةً وَتِسْعِينَ رَئِيسًا مِنْ الْمُشْرِكِينَ مُبَارَزَةً ، سِوَى مَنْ شَارَكْت فِيهِ .\rوَبَارَزَ شِبْرُ بْنُ عَلْقَمَةَ أَسْوَارًا فَقَتَلَهُ ، فَبَلَغَ سَلَبُهُ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا ، فَنَفَلَهُ إيَّاهُ سَعْدٌ وَلَمْ يَزَلْ","part":20,"page":452},{"id":9952,"text":"أَصْحَابُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُبَارِزُونَ فِي عَصْرِ النَّبِيِّ وَبَعْدَهُ ، وَلَمْ يُنْكِرْهُ مُنْكِرٌ فَكَانَ ذَلِكَ إجْمَاعًا ، وَكَانَ أَبُو ذَرٍّ يُقْسِمُ أَنَّ قَوْله تَعَالَى { هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ } .\rنَزَلَتْ فِي الَّذِينَ تَبَارَزُوا يَوْمَ بَدْرٍ ، وَهُمْ حَمْزَةُ ، وَعَلِيٌّ ، وَعُبَيْدَةُ ، بَارَزُوا عُتْبَةَ ، وَشَيْبَةَ ، وَالْوَلِيدَ بْنَ عُتْبَةَ ، وَقَالَ أَبُو قَتَادَةُ بَارَزْت رَجُلًا يَوْمَ حُنَيْنٍ ، فَقَتَلْته .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يُسْتَأْذَنَ الْأَمِيرُ فِي الْمُبَارَزَةِ إذَا أَمْكَنَ .\rوَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَإِسْحَاقُ وَرَخَّصَ فِيهَا مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ لِخَبَرِ أَبِي قَتَادَةَ ، فَإِنَّهُ لَمْ يُعْلَمْ أَنَّهُ اسْتَأْذَنَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَذَلِكَ أَكْثَرُ مَنْ حَكَيْنَا عَنْهُمْ الْمُبَارَزَةَ ، لَمْ يُعْلَمْ مِنْهُمْ اسْتِئْذَانٌ .\rوَلَنَا أَنَّ الْإِمَامَ أَعْلَمُ بِفُرْسَانِهِ وَفُرْسَانِ الْعَدُوِّ ، وَمَتَى بَرَزَ الْإِنْسَانُ إلَى مَنْ لَا يُطِيقُهُ ، كَانَ مُعَرِّضًا نَفْسَهُ لِلْهَلَاكِ ، فَيَكْسِرُ قُلُوبَ الْمُسْلِمِينَ ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُفَوَّضَ ذَلِكَ إلَى الْإِمَامِ ، لِيَخْتَارَ لِلْمُبَارَزَةِ مَنْ يَرْضَاهُ لَهَا ، فَيَكُونَ أَقْرَبَ إلَى الظَّفَرِ وَجَبْرِ قُلُوبِ الْمُسْلِمِينَ وَكَسْرِ قُلُوبِ الْمُشْرِكِينَ .\rفَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ أَبَحْتُمْ لَهُ أَنْ يَنْغَمِسَ فِي الْكُفَّارِ ، وَهُوَ سَبَبٌ لِقَتْلِهِ .\rقُلْنَا : إذَا كَانَ مُبَارِزًا تَعَلَّقَتْ قُلُوبُ الْجَيْشِ بِهِ ، وَارْتَقَبُوا ظَفَرَهُ ، فَإِنْ ظَفِرَ جَبَرَ قُلُوبَهُمْ ، وَسَرَّهُمْ ، وَكَسَرَ قُلُوبَ الْكُفَّارِ ، وَإِنْ قُتِلَ كَانَ بِالْعَكْسِ ، وَالْمُنْغَمِسُ يَطْلُبُ الشَّهَادَةَ ، لَا يَتَرَقَّبُ مِنْهُ ظَفَرٌ وَلَا مُقَاوَمَةٌ .\rفَافْتَرَقَا .\rوَأَمَّا مُبَارَزَةُ أَبِي قَتَادَةُ فَغَيْرُ لَازِمَةٍ ، فَإِنَّهَا كَانَتْ بَعْدَ الْتِحَامِ الْحَرْبِ ، رَأَى رَجُلًا يُرِيدُ أَنْ يَقْتُلَ مُسْلِمًا ، فَضَرَبَهُ أَبُو قَتَادَةُ ، فَضَمَّهُ ضَمَّةً كَادَ يَقْتُلُهُ .\rوَلَيْسَ هَذَا هُوَ الْمُبَارَزَةُ","part":20,"page":453},{"id":9953,"text":"الْمُخْتَلَفُ فِيهَا ، بَلْ الْمُخْتَلَفُ فِيهَا أَنْ يَبْرُزَ رَجُلٌ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ قَبْلَ الْتِحَامِ الْحَرْبِ ، يَدْعُو إلَى الْمُبَارَزَةِ ، فَهَذَا هُوَ الَّذِي يُعْتَبَرُ لَهُ إذْنُ الْإِمَامِ ، لِأَنَّ عَيْنَ الطَّائِفَتَيْنِ تَمْتَدُّ إلَيْهِمَا ، وَقُلُوبَ الْفَرِيقَيْنِ تَتَعَلَّقُ بِهِمَا ، وَأَيُّهُمَا غَلَبَ سَرَّ أَصْحَابَهُ ، وَكَسَرَ قُلُوبَ أَعْدَائِهِ ، بِخِلَافِ غَيْرِهِ ، إذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَالْمُبَارَزَةُ تَنْقَسِمُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ مُسْتَحَبَّةٍ ، وَمُبَاحَةٍ ، وَمَكْرُوهَةٍ ، أَمَّا الْمُسْتَحَبَّةُ ؛ فَإِذَا خَرَجَ عِلْجٌ يَطْلُبُ الْبِرَازَ ، اُسْتُحِبَّ لِمَنْ يَعْلَمُ مِنْ نَفْسِهِ الْقُوَّةَ وَالشَّجَاعَةَ مُبَارَزَتُهُ بِإِذْنِ الْأَمِيرِ .\rلِأَنَّ فِيهِ رَدًّا عَنْ الْمُسْلِمِينَ ، وَإِظْهَارًا لِقُوَّتِهِمْ .\rوَالْمُبَاحُ ؛ أَنْ يَبْتَدِئَ الرَّجُلُ الشُّجَاعُ بِطَلَبِهَا ، فَيُبَاحُ وَلَا يُسْتَحَبُّ ؛ لِأَنَّهُ لَا حَاجَةَ إلَيْهَا ، وَلَا يَأْمَنُ أَنْ يُغْلَبَ ، فَيَكْسِرَ قُلُوبَ الْمُسْلِمِينَ ، إلَّا أَنَّهُ لَمَّا كَانَ شُجَاعًا وَاثِقًا مِنْ نَفْسِهِ ، أُبِيحَ لَهُ ؛ لِأَنَّهُ بِحُكْمِ الظَّاهِرِ غَالِبٌ ، وَالْمَكْرُوهُ أَنْ يَبْرُزَ الضَّعِيفُ الْمِنَّةِ ، الَّذِي لَا يَثِقُ مِنْ نَفْسِهِ ، فَتُكْرَهُ لَهُ الْمُبَارَزَةُ ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ كَسْرِ قُلُوبِ الْمُسْلِمِينَ بِقَتْلِهِ ظَاهِرًا .\r( 7444 ) فَصْلٌ : إذَا خَرَجَ كَافِرٌ يَطْلُبُ الْبِرَازَ ، جَازَ رَمْيُهُ وَقَتْلُهُ ؛ لِأَنَّهُ مُشْرِكٌ لَا عَهْدَ لَهُ ، وَلَا أَمَانَ لَهُ ، فَأُبِيحَ قَتْلُهُ كَغَيْرِهِ ، إلَّا أَنْ تَكُونَ الْعَادَةُ جَارِيَةً بَيْنَهُمْ أَنَّ مَنْ خَرَجَ يَطْلُبُ الْمُبَارَزَةَ لَا يُعْرَضُ لَهُ ، فَيَجْرِي ذَلِكَ مَجْرَى الشَّرْطِ .\rوَإِذَا خَرَجَ إلَيْهِ أَحَدٌ يُبَارِزُهُ بِشَرْطِ أَنْ لَا يُعِينَهُ عَلَيْهِ سِوَاهُ وَجَبَ الْوَفَاءُ بِشَرْطِهِ ؛ لِأَنَّ الْمُؤْمِنِينَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ ، فَإِنْ انْهَزَمَ الْمُسْلِمُ تَارِكًا لِلْقِتَالِ ، أَوْ مُثْخَنًا بِجِرَاحَتِهِ ، جَازَ لِكُلِّ أَحَدٍ قِتَالُهُ ؛ لِأَنَّ الْمُسْلِمَ إذَا صَارَ إلَى هَذِهِ الْحَالِ فَقَدْ انْقَضَى قِتَالُهُ ، وَإِنْ كَانَ الْمُسْلِمُ شَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ لَا","part":20,"page":454},{"id":9954,"text":"يُقَاتِلَ حَتَّى يَرْجِعَ إلَى صَفِّهِ وَفَّى لَهُ بِالشَّرْطِ ، إلَّا أَنْ يَتْرُكَ قِتَالَهُ ، أَوْ أَثْخَنَهُ بِالْجِرَاحِ ، فَيَتْبَعَهُ لِيَقْتُلَهُ ، أَوْ يُجْهِزَ عَلَيْهِ ، فَيَجُوزَ أَنْ يَحُولُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ ، فَإِنْ قَاتَلَهُمْ قَاتَلُوهُ ؛ لِأَنَّهُ إذَا مَنَعَهُمْ إنْقَاذَهُ فَقَدْ نَقَضَ أَمَانَهُ .\rوَإِنْ أَعَانَ الْكُفَّارُ صَاحِبَهُمْ ، فَعَلَى الْمُسْلِمِينَ أَنْ يُعِينُوا صَاحِبَهُمْ أَيْضًا ، وَيُقَاتِلُوا مَنْ أَعَانَ عَلَيْهِ ، وَلَا يُقَاتِلُونَهُ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِصُنْعٍ مِنْ جِهَتِهِ ، فَإِنْ كَانَ قَدْ اسْتَنْجَدَهُمْ ، أَوْ عُلِمَ مِنْهُ الرِّضَا بِفِعْلِهِمْ ، صَارَ نَاقِضًا لِأَمَانِهِ ، وَجَازَ لَهُمْ قَتْلُهُ .\rوَذَكَرَ الْأَوْزَاعِيُّ أَنَّهُ لَيْسَ لِلْمُسْلِمِينَ مُعَاوَنَةُ صَاحِبِهِمْ ، وَإِنْ أُثْخِنَ بِالْجِرَاحِ .\rقِيلَ لَهُ : فَخَافَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى صَاحِبِهِمْ ؟ قَالَ : وَإِنْ ؛ لِأَنَّ الْمُبَارَزَةَ إنَّمَا تَكُونُ هَكَذَا ، وَلَكِنْ لَوْ حَجَزُوا بَيْنَهُمَا ، وَخَلَّوْا سَبِيلَ الْعِلْجِ .\rقَالَ : فَإِنْ أَعَانَ الْعَدُوُّ صَاحِبَهُمْ ، فَلَا بَأْسَ أَنْ يُعِينَ الْمُسْلِمُونَ صَاحِبَهُمْ .\rوَلَنَا ، أَنَّ حَمْزَةَ ، وَعَلِيًّا أَعَانَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْحَارِثِ عَلَى قَتْلِ شَيْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ ، حِينَ أُثْخِنَ عُبَيْدَةُ","part":20,"page":455},{"id":9955,"text":"( 7445 ) فَصْلٌ : وَتَجُوزُ الْخُدْعَةُ فِي الْحَرْبِ لِلْمُبَارِزِ ، وَغَيْرِهِ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { الْحَرْبُ خُدْعَةٌ } .\rوَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ .\rوَرُوِيَ أَنَّ عَمْرَو بْنَ عَبْدِ وُدٍّ بَارَزَ عَلِيًّا كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ ، فَلَمَّا أَقْبَلَ عَلَيْهِ ، قَالَ عَلِيٌّ : مَا بَرَزْت لِأُقَاتِلَ اثْنَيْنِ .\rفَالْتَفَتَ عَمْرٌو فَوَثَبَ عَلَيْهِ فَضَرَبَهُ ، فَقَالَ عَمْرو : خَدَعْتنِي .\rفَقَالَ عَلِيٌّ : الْحَرْبُ خُدْعَةٌ .","part":20,"page":456},{"id":9956,"text":"( 7446 ) فَصْلٌ : قَالَ أَحْمَدُ : إذَا غَزَوْا فِي الْبَحْرِ ، فَأَرَادَ رَجُلٌ أَنْ يُقِيمَ بِالسَّاحِلِ ، يَسْتَأْذِنُ الْوَالِيَ الَّذِي هُوَ عَلَى جَمِيعِ الْمَرَاكِبِ ، وَلَا يُجْزِئُهُ أَنْ يَسْتَأْذِنَ الْوَالِيَ الَّذِي فِي مَرْكَبِهِ .","part":20,"page":457},{"id":9957,"text":"( 7447 ) مَسْأَلَةٌ وَمَنْ أُعْطِيَ شَيْئًا يَسْتَعِينُ بِهِ فِي غَزَاتِهِ ، فَمَا فَضَلَ فَهُوَ لَهُ ، فَإِنْ لَمْ يُعْطَ لِغَزَاةٍ بِعَيْنِهَا ، رَدَّ مَا فَضَلَ فِي الْغَزْوِ .\rإذَا حَمَلَ الرَّجُلُ عَلَى دَابَّةٍ فَهِيَ لَهُ حِينَ الرُّجُوعُ مِنْ الْغَزْوِ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ مَنْ أُعْطِيَ شَيْئًا مِنْ الْمَالِ يَسْتَعِينُ بِهِ فِي الْغَزْوِ ، لَمْ يَخْلُ ؛ إمَّا أَنْ يُعْطَى لِغَزْوَةٍ بِعَيْنِهَا ، أَوْ فِي الْغَزْوِ مُطْلَقًا ، فَإِنْ أُعْطِيَ لِغَزْوَةٍ بِعَيْنِهَا ، فَمَا فَضَلَ بَعْدَ الْغَزْوِ فَهُوَ لَهُ .\rهَذَا قَوْلُ عَطَاءٍ ، وَمُجَاهِدٍ ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ .\rوَكَانَ ابْنُ عُمَرَ إذَا أُعْطِيَ شَيْئًا فِي الْغَزْوِ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ : إذَا بَلَغْت وَادِي الْقُرَى فَشَأْنَك بِهِ .\rوَلِأَنَّهُ أَعْطَاهُ عَلَى سَبِيلِ الْمُعَاوَنَةِ وَالنَّفَقَةِ ، لَا عَلَى سَبِيلِ الْإِجَارَةِ ، فَكَانَ الْفَاضِلُ لَهُ ، كَمَا لَوْ وَصَّى أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ فُلَانٌ حَجَّةً بِأَلْفٍ .\rوَإِنْ أَعْطَاهُ شَيْئًا لِيُنْفِقَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، أَوْ فِي الْغَزْوِ مُطْلَقًا ، فَفَضَلَ مِنْهُ فَضْلٌ ، أَنْفَقَهُ فِي غَزَاةٍ أُخْرَى ؛ لِأَنَّهُ أَعْطَاهُ الْجَمِيعَ لِيُنْفِقَهُ فِي جِهَةِ قُرْبَةٍ ، فَلَزِمَهُ إنْفَاقُ الْجَمِيعِ فِيهَا ، كَمَا لَوْ وَصَّى أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ بِأَلْفٍ .\r( 7448 ) فَصْلٌ : وَمَنْ أُعْطِيَ شَيْئًا لِيَسْتَعِينَ بِهِ فِي الْغَزْوِ ، فَقَالَ أَحْمَدُ : لَا يَتْرُكُ لِأَهْلِهِ مِنْهُ شَيْئًا ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ يَمْلِكُهُ ، إلَّا أَنْ يَصِيرَ إلَى رَأْسِ مَغْزَاهُ ، فَيَكُونَ كَهَيْئَةِ مَالِهِ ، فَيَبْعَثَ إلَى عِيَالِهِ مِنْهُ ، وَلَا يَتَصَرَّفُ فِيهِ قَبْلَ الْخُرُوجِ ، لِئَلَّا يَتَخَلَّفَ عَنْ الْغَزْوِ ، فَلَا يَكُونُ مُسْتَحِقًّا لِمَا أَنْفَقَهُ ، إلَّا أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْهُ سِلَاحًا ، أَوْ آلَةَ الْغَزْوِ ، فَإِنْ قَصَدَ إعْطَاءَهُ لِمَنْ يَغْزُو بِهِ ، فَقَالَ أَحْمَدُ : لَا يَتَّخِذُ مِنْهُ سُفْرَةً فِيهَا طَعَامٌ ، فَيُطْعِمَ مِنْهَا أَحَدًا ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا أُعْطِيَهَا لِيُنْفِقَهَا فِي جِهَةٍ مَخْصُوصَةٍ ، وَهِيَ الْجِهَادُ .","part":20,"page":458},{"id":9958,"text":"( 7449 ) مَسْأَلَةٌ وَإِذَا حُمِلَ الرَّجُلُ عَلَى دَابَّةٍ ، فَإِذَا رَجَعَ مِنْ الْغَزْوِ فَهِيَ لَهُ .\rإلَّا أَنْ يَقُولَ : هِيَ حَبِيسٌ .\rفَلَا يَجُوزُ أَنْ تُبَاعَ إلَّا أَنْ تَصِيرَ فِي حَالٍ لَا تَصْلُحُ فِيهِ لِلْغَزْوِ ، فَتُبَاعَ ، وَتُجْعَلَ فِي حَبِيسٍ آخَرَ ، وَكَذَلِكَ الْمَسْجِدُ إذَا ضَاقَ بِأَهْلِهِ ، أَوْ كَانَ فِي مَكَان لَا يُنْتَفَعُ بِهِ ، جَازَ أَنْ يُبَاعَ ، وَيُجْعَلَ فِي مَكَان يُنْتَفَعُ بِهِ ، وَكَذَلِكَ الْأُضْحِيَّةَ إذَا أَبْدَلَهَا بِخَيْرٍ مِنْهَا قَوْلُهُ : حُمِلَ الرَّجُلُ عَلَى دَابَّةٍ .\rيَعْنِي أُعْطِيَهَا لِيَغْزُوَ عَلَيْهَا ، فَإِذَا غَزَا عَلَيْهَا ، مَلَكَهَا كَمَا يَمْلِكُ النَّفَقَةَ الْمَدْفُوعَةَ إلَيْهِ ، إلَّا أَنْ تَكُونَ عَارِيَّةً ، فَتَكُونَ لِصَاحِبِهَا ، أَوْ حَبِيسًا فَتَكُونَ حَبِيسًا بِحَالِهِ .\rقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : حَمَلْت عَلَى فَرَسٍ عَتِيقٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، فَأَضَاعَهُ صَاحِبُهُ الَّذِي كَانَ عِنْدَهُ ، فَأَرَدْت أَنْ أَشْتَرِيَهُ ، وَظَنَنْت أَنَّهُ بَائِعُهُ بِرُخْصٍ ، فَسَأَلْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : { لَا تَشْتَرِهِ ، وَلَا تَعُدْ فِي صَدَقَتِك ، وَإِنْ أَعْطَاكَهُ بِدِرْهَمٍ ، فَإِنَّ الْعَائِدَ فِي صَدَقَتِهِ ، كَالْكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مَلَكَهُ ، لَوْلَا ذَلِكَ مَا بَاعَهُ ، وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مَلَكَهُ بَعْدَ الْغَزْوِ ؛ لِأَنَّهُ أَقَامَهُ لِلْبَيْعِ بِالْمَدِينَةِ ، وَلَمْ يَكُنْ لِيَأْخُذَهُ مِنْ عُمَرَ ، ثُمَّ يُقِيمَهُ لِلْبَيْعِ فِي الْحَالِ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ أَقَامَهُ لِلْبَيْعِ بَعْدَ غَزْوِهِ عَلَيْهِ .\rوَذَكَرَ أَحْمَدُ نَحْوًا مِنْ هَذَا الْكَلَامِ .\rوَسُئِلَ : مَتَى يَطِيبُ لَهُ الْفَرَسُ ؟ قَالَ : إذَا غَزَا عَلَيْهِ .\rقِيلَ لَهُ : فَإِنَّ الْعَدُوَّ جَاءَنَا فَخَرَجَ عَلَى هَذَا الْفَرَسِ فِي الطَّلَبِ إلَى خَمْسَةِ فَرَاسِخَ ثُمَّ رَجَعَ .\rقَالَ : لَا ، حَتَّى يَكُونَ غَزْوٌ .\rقِيلَ لَهُ : فَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ : إذَا بَلَغْت وَادِي الْقُرَى ، فَشَأْنُك بِهِ ، قَالَ ابْنُ عُمَرَ كَانَ يَصْنَعُ ذَلِكَ فِي مَالِهِ ، وَرَأَى أَنَّهُ إنَّمَا يَسْتَحِقُّهُ","part":20,"page":459},{"id":9959,"text":"إذَا غَزَا عَلَيْهِ .\rوَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، مِنْهُمْ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ، وَالْقَاسِمُ ، وَيَحْيَى الْأَنْصَارِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَاللَّيْثُ ، وَالثَّوْرِيُّ .\rوَنَحْوُهُ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : وَلَمْ أَعْلَمْ أَحَدًا يَقُولُ : إنَّ لَهُ أَنْ يَبِيعَهُ فِي مَكَانِهِ .\rوَكَانَ مَالِكٌ لَا يَرَى أَنْ يُنْتَفَعَ بِثَمَنِهِ فِي غَيْرِ سَبِيلِ اللَّهِ ، إلَّا أَنْ يَقُولَ لَهُ : شَأْنَك بِهِ مَا أَرَدْت .\rوَلَنَا ، حَدِيثُ عُمَرَ ، وَلَيْسَ فِيهِ مَا اشْتَرَطَ مَالِكٌ ، فَأَمَّا إذَا قَالَ : هِيَ حَبِيسٌ .\rفَلَا يَجُوزُ بَيْعُهَا ، وَقَدْ سَبَقَ شَرْحُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي بَابِ الْوَقْفِ ، وَيَأْتِي شَرْحُ حُكْمِ الْأُضْحِيَّةِ فِي بَابِهَا ، إنْ شَاءَ اللَّهُ ( 7450 ) فَصْلٌ : قَالَ أَحْمَدُ : لَا يَرْكَبُ دَوَابَّ السَّبِيلِ فِي حَاجَةٍ ، وَيَرْكَبُهَا وَيَسْتَعْمِلُهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَلَا يَرْكَبُ فِي الْأَمْصَارِ وَالْقُرَى ، وَلَا بَأْسَ أَنْ يَرْكَبَهَا وَيَعْلِفَهَا ، وَأَكْرَهُ سِيَاقَ الرَّمَكِ عَلَى الْفَرَسِ الْحَبِيسِ ، وَسَهْمُ الْفَرَسِ الْحَبِيسِ لِمَنْ غَزَا عَلَيْهِ ، وَلَا يُبَاعُ الْفَرَسُ الْحَبِيسُ إلَّا مِنْ عِلَّةٍ ، إذَا عَطِبَ يَصِيرُ لِلطَّحْنِ ، وَيَصِيرُ ثَمَنُهُ فِي مِثْلِهِ ، أَوْ يُنْفَقُ ثَمَنُهُ عَلَى الدَّوَابِّ الْحَبِيسِ .\rوَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَشْتَرِيَ فَرَسًا لِيَحْمِلَ عَلَيْهِ ، فَقَالَ أَحْمَدُ : يُسْتَحَبُّ شِرَاؤُهَا مِنْ غَيْرِ الثَّغْرِ ، لِيَكُونَ تَوْسِعَةً عَلَى أَهْلِ الثَّغْرِ فِي الْجَلْبِ .","part":20,"page":460},{"id":9960,"text":"( 7451 ) مَسْأَلَةٌ وَإِذَا سَبَى الْإِمَامُ فَهُوَ مُخَيَّرٌ ، إنْ رَأَى قَتَلَهُمْ ، وَإِنْ رَأَى مَنَّ عَلَيْهِمْ وَأَطْلَقَهُمْ بِلَا عِوَضٍ ، وَإِنْ رَأَى أَطْلَقَهُمْ عَلَى مَالٍ يَأْخُذُهُ مِنْهُمْ ، وَإِنْ رَأَى فَادَى بِهِمْ ، وَإِنْ رَأَى اسْتَرَقَّهُمْ ، أَيَّ ذَلِكَ رَأَى فِيهِ نِكَايَةً لِلْعَدُوِّ وَحَظًّا لِلْمُسْلِمِينَ فَعَلَ ، وَجُمْلَتُهُ أَنَّ مَنْ أُسِرَ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ ؛ أَحَدُهَا ، النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ ، فَلَا يَجُوزُ قَتْلُهُمْ ، وَيَصِيرُونَ رَقِيقًا لِلْمُسْلِمِينَ بِنَفْسِ السَّبْيِ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { نَهَى عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَكَانَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ يَسْتَرِقُّهُمْ إذَا سَبَاهُمْ .\rالثَّانِي ، الرِّجَالُ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمَجُوس الَّذِينَ يُقَرُّونَ بِالْجِزْيَةِ ، فَيَتَخَيَّرُ الْإِمَامُ فِيهِمْ بَيْنَ أَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ ؛ الْقَتْلُ ، وَالْمَنُّ بِغَيْرِ عِوَضٍ ، وَالْمُفَادَاةُ بِهِمْ ، وَاسْتِرْقَاقُهُمْ .\rالثَّالِثُ ، الرِّجَالُ مِنْ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ وَغَيْرِهِمْ مِمَّنْ لَا يُقَرُّ بِالْجِزْيَةِ ، فَيَتَخَيَّرُ ، الْإِمَامُ فِيهِمْ بَيْنَ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ ؛ الْقَتْلُ ، أَوْ الْمَنُّ ، وَالْمُفَادَاةُ ، وَلَا يَجُوزُ اسْتِرْقَاقُهُمْ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ جَوَازُ اسْتِرْقَاقِهِمْ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rوَبِمَا ذَكَرْنَا فِي أَهْلِ الْكِتَابِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ .\rوَعَنْ مَالِكٍ كَمَذْهَبِنَا .\rوَعَنْهُ لَا يَجُوزُ الْمَنُّ بِغَيْرِ عِوَضٍ ؛ لِأَنَّهُ لَا مَصْلَحَةَ فِيهِ ، وَإِنَّمَا يَجُوزُ لِلْإِمَامِ فِعْلُ مَا فِيهِ الْمَصْلَحَةُ ، وَحُكِيَ عَنْ الْحَسَنِ ، وَعَطَاءٍ ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، كَرَاهَةُ قَتْلِ الْأَسْرَى .\rوَقَالُوا : لَوْ مَنَّ عَلَيْهِ أَوْ فَادَاهُ كَمَا صُنِعَ بِأُسَارَى بَدْرٍ .\rوَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : { فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً } .\rفَخَيَّرَ بَعْدَ الْأَسْرِ بَيْنَ هَذَيْنِ لَا غَيْرُ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ : إنْ شَاءَ ضَرَبَ أَعْنَاقَهُمْ ، وَإِنْ شَاءَ","part":20,"page":461},{"id":9961,"text":"اسْتَرَقَّهُمْ ، لَا غَيْرُ ، وَلَا يَجُوزُ مَنٌّ وَلَا فِدَاءٌ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : { فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ } .\rبَعْدَ قَوْلِهِ : { فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً } .\rوَكَانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَعِيَاضُ بْنُ عُقْبَةَ ، يَقْتُلَانِ الْأُسَارَى .\rوَلَنَا ، عَلَى جَوَازِ الْمَنِّ وَالْفِدَاءِ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً } .\rوَأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنَّ عَلَى ثُمَامَةَ بْنِ أُثَالٍ ، وَأَبِي عَزَّةَ الشَّاعِرِ ، وَأَبِي الْعَاصِ بْنِ الرَّبِيعِ ، وَقَالَ فِي أُسَارَى بَدْرٍ : لَوْ كَانَ مُطْعِمُ بْنُ عَدِيٍّ حَيًّا ، ثُمَّ سَأَلَنِي فِي هَؤُلَاءِ النَّتْنَى ، لَأَطْلَقْتهمْ لَهُ .\rوَفَادَى أُسَارَى بَدْرٍ ، وَكَانُوا ثَلَاثَةً وَسَبْعِينَ رَجُلًا ، كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ بِأَرْبَعِمِائَةٍ ، وَفَادَى يَوْمَ بَدْرٍ رَجُلًا بِرَجُلَيْنِ ، وَصَاحِبَ الْعَضْبَاءِ بِرَجُلَيْنِ .\rوَأَمَّا الْقَتْلُ ؛ فَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَتَلَ رِجَالَ بَنِي قُرَيْظَةَ ، وَهُمْ بَيْنَ السِّتِّمِائَةِ وَالسَّبْعِمِائَةِ ، وَقَتَلَ يَوْمَ بَدْرٍ النَّضْرَ بْنَ الْحَارِثِ ، وَعُقْبَةَ بْنَ أَبِي مُعَيْطٍ ، صَبْرًا ، وَقَتَلَ أَبَا عَزَّةَ يَوْمَ أُحُدٍ وَهَذِهِ قَصَصٌ عَمَّتْ وَاشْتَهَرَتْ ، وَفَعَلَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّاتٍ ، وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِهَا .\rوَلِأَنَّ كُلَّ خَصْلَةٍ مِنْ هَذِهِ الْخِصَالِ قَدْ تَكُونُ أَصْلَحَ فِي بَعْضِ الْأَسْرَى ، فَإِنَّ مِنْهُمْ مَنْ لَهُ قُوَّةٌ وَنِكَايَةٌ فِي الْمُسْلِمِينَ ، وَبَقَاؤُهُ ضَرَرٌ عَلَيْهِمْ ، فَقَتْلُهُ أَصْلَحُ ، وَمِنْهُمْ الضَّعِيفُ الَّذِي لَهُ مَالٌ كَثِيرٌ ، فَفِدَاؤُهُ أَصْلَحُ ، وَمِنْهُمْ حَسَنُ الرَّأْيِ فِي الْمُسْلِمِينَ ، يُرْجَى إسْلَامُهُ بِالْمَنِّ عَلَيْهِ ، أَوْ مَعُونَتُهُ لِلْمُسْلِمِينَ بِتَخْلِيصِ أَسْرَاهُمْ ، وَالدَّفْعِ عَنْهُمْ ، فَالْمَنُّ عَلَيْهِ أَصْلَحُ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُنْتَفَعُ بِخِدْمَتِهِ ، وَيُؤْمَنُ شَرُّهُ ، فَاسْتِرْقَاقُهُ أَصْلَحُ ، كَالنِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ ، وَالْإِمَامُ أَعْلَمُ","part":20,"page":462},{"id":9962,"text":"بِالْمَصْلَحَةِ ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُفَوَّضَ ذَلِكَ إلَيْهِ ، وقَوْله تَعَالَى : { فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ } عَامٌّ لَا يُنْسَخُ بِهِ الْخَاصُّ ، بَلْ يَنْزِلُ عَلَى مَا عَدَا الْمَخْصُوصَ ، وَلِهَذَا لَمْ يُحَرِّمُوا اسْتِرْقَاقَهُ ، فَأَمَّا عَبَدَةُ الْأَوْثَانِ ، فَفِي اسْتِرْقَاقِهِمْ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، لَا يَجُوزُ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَجُوزُ فِي الْعَجَمِ دُونَ الْعَرَبِ ، بِنَاءً عَلَى قَوْلِهِ فِي أَخْذِ الْجِزْيَةِ مِنْهُمْ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ كَافِرٌ لَا يُقَرُّ بِالْجِزْيَةِ ، فَلَمْ يُقَرّ بِالِاسْتِرْقَاقِ كَالْمُرْتَدِّ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا الدَّلِيلَ عَلَيْهِ ، إذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّ هَذَا تَخْيِيرُ مَصْلَحَةٍ وَاجْتِهَادٍ ، لَا تَخْيِيرُ شَهْوَةٍ ، فَمَتَى رَأَى الْمَصْلَحَةَ فِي خَصْلَةٍ مِنْ هَذِهِ الْخِصَالِ ، تَعَيَّنَتْ عَلَيْهِ ، وَلَمْ يَجُزْ الْعُدُولُ عَنْهَا ، وَمَتَى تَرَدَّدَ فِيهَا ، فَالْقَتْلُ أَوْلَى .\rقَالَ مُجَاهِدٌ فِي أَمِيرَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا يَقْتُلُ الْأَسْرَى : وَهُوَ أَفْضَلُ .\rوَكَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ .\rوَقَالَ إِسْحَاقُ : الْإِثْخَانُ أَحَبُّ إلَيَّ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ مَعْرُوفًا يَطْمَعُ بِهِ فِي الْكَثِيرِ .","part":20,"page":463},{"id":9963,"text":"( 7452 ) فَصْلٌ : وَإِنْ أَسْلَمَ الْأَسِيرُ صَارَ رَقِيقًا فِي الْحَالِ ، وَزَالَ التَّخْيِيرُ ، وَصَارَ حُكْمُهُ حُكْمَ النِّسَاءِ .\rوَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ .\rوَفِي الْآخَرِ يَسْقُطُ الْقَتْلُ ، وَيَتَخَيَّرُ بَيْنَ الْخِصَالِ الثَّلَاثِ لِمَا رُوِيَ أَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَسَرُوا رَجُلًا مِنْ بَنِي عَقِيلٍ ، فَمَرَّ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا مُحَمَّدُ عَلَامَ أُخِذْت وَأَخَذْت سَابِقَةُ الْحَاجِّ ؛ فَقَالَ : أُخِذْت بِجَرِيرَةِ حُلَفَائِك مِنْ ثَقِيفٍ ، فَقَدْ أَسَرَتْ رَجُلَيْنِ مِنْ أَصْحَابِي .\rفَمَضَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَادَاهُ : يَا مُحَمَّدُ ، يَا مُحَمَّدُ .\rفَقَالَ لَهُ : مَا شَأْنُك ؟ فَقَالَ : إنِّي مُسْلِمٌ ، فَقَالَ : { لَوْ قُلْتهَا وَأَنْتَ تَمْلِكُ أَمْرَك لَأَفْلَحْت كُلَّ الْفَلَاحِ .\rوَفَادَى بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الرَّجُلَيْنِ } ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ .\rوَلِأَنَّهُ سَقَطَ الْقَتْلُ بِإِسْلَامِهِ ، فَبَقِيَ بَاقِي الْخِصَالِ عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ أَسِيرٌ يَحْرُمُ قَتْلُهُ ، فَصَارَ رَقِيقًا كَالْمَرْأَةِ ، وَالْحَدِيثُ لَا يُنَافِي رِقَّهُ ، فَقَدْ يُفَادَى بِالْمَرْأَةِ وَهِيَ رَقِيقٌ ، كَمَا رَوَى سَلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ ، أَنَّهُ غَزَا مَعَ أَبِي بَكْرٍ ، فَنَفَلَهُ امْرَأَةً ، فَوَهَبَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَبَعَثَ بِهَا إلَى أَهْلِ مَكَّةَ ، وَفِي أَيْدِيهمْ أُسَارَى ، فَفَدَاهُمْ بِتِلْكَ الْمَرْأَةِ .\rإلَّا أَنَّهُ لَا يُفَادَى بِهِ ، وَلَا يُمَنُّ عَلَيْهِ ، إلَّا بِإِذْنِ الْغَانِمِينَ ؛ لِأَنَّهُ صَارَ مَالًا لَهُمْ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يَجُوزَ الْمَنُّ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يَجُوزُ الْمَنُّ عَلَيْهِ ، مَعَ كُفْرِهِ ، فَمَعَ إسْلَامِهِ أَوْلَى ، لِكَوْنِ الْإِسْلَامِ حَسَنَةً يَقْتَضِي إكْرَامَهُ ، وَالْإِنْعَامَ عَلَيْهِ ، لَا مَنْعَ ذَلِكَ فِي حَقِّهِ .\rوَلَا يَجُوزُ رَدُّهُ إلَى الْكُفَّارِ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ مَا يَمْنَعُهُ مِنْ الْمُشْرِكِينَ ، مِنْ عَشِيرَةٍ أَوْ نَحْوِهَا ، وَإِنَّمَا جَازَ فِدَاؤُهُ ؛","part":20,"page":464},{"id":9964,"text":"لِأَنَّهُ يَتَخَلَّصُ بِهِ مِنْ الرِّقِّ .\rفَأَمَّا إنْ أَسْلَمَ قَبْلَ أَسْرِهِ ، حَرُمَ قَتْلُهُ وَاسْتِرْقَاقُهُ وَالْمُفَادَاةُ بِهِ ، سَوَاءٌ أَسْلَمَ وَهُوَ فِي حِصْنٍ ، أَوْ جَوْفٍ ، أَوْ مَضِيقٍ ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ فِي أَيْدِي الْغَانِمِينَ بَعْدُ .","part":20,"page":465},{"id":9965,"text":"( 7453 ) فَصْلٌ : فَإِنْ سَأَلَ الْأُسَارَى مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ تَخْلِيَتَهُمْ عَلَى إعْطَاءِ الْجِزْيَةِ ، لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ فِي نِسَائِهِمْ وَذَرَارِيِّهِمْ ؛ لِأَنَّهُمْ صَارُوا غَنِيمَةً بِالسَّبْيِ ، وَأَمَّا الرِّجَالُ ، فَيَجُوزُ ذَلِكَ فِيهِمْ ، وَلَا يَزُولُ التَّخْيِيرُ الثَّابِتُ فِيهِمْ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ : يَحْرُمُ قَتْلُهُمْ ، كَمَا لَوْ أَسْلَمُوا .\rوَلَنَا أَنَّهُ بَدَلٌ لَا تَلْزَمُ الْإِجَابَةُ إلَيْهِ ، فَلَمْ يَحْرُمْ قَتْلُهُمْ ، كَبَدَلِ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ .","part":20,"page":466},{"id":9966,"text":"( 7454 ) فَصْلٌ : وَإِذَا أُسِرَ الْعَبْدُ صَارَ رَقِيقًا لِلْمُسْلِمِينَ ؛ لِأَنَّهُ مَالٌ لَهُمْ اُسْتُوْلِيَ عَلَيْهِ ، فَكَانَ لِلْغَانِمِينَ ، كَالْبَهِيمَةِ ، وَإِنْ رَأَى الْإِمَامُ قَتْلَهُ لِضَرَرٍ فِي بَقَائِهِ ، جَازَ قَتْلُهُ ؛ لِأَنَّ مِثْلَ هَذَا لَا قِيمَةَ لَهُ ، فَهُوَ كَالْمُرْتَدِّ ، وَأَمَّا مَنْ يَحْرُمُ قَتْلُهُمْ غَيْرَ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ ، كَالشَّيْخِ وَالزَّمِنِ وَالْأَعْمَى وَالرَّاهِبِ ، فَلَا يَحِلُّ سَبْيُهُمْ ؛ لِأَنَّ قَتْلَهُمْ حَرَامٌ ، وَلَا نَفْعَ فِي اقْتِنَائِهِمْ .\r( 7455 ) فَصْلٌ : ذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ أَنَّ الْكَافِرَ إذَا كَانَ مَوْلَى مُسْلِمٍ ، لَمْ يَجُزْ اسْتِرْقَاقُهُ ؛ لِأَنَّ فِي اسْتِرْقَاقِهِ تَفْوِيتَ وَلَاءِ الْمُسْلِمِ الْمَعْصُومِ .\rوَعَلَى قَوْلِهِ ، لَا يَسْتَرِقُّ وَلَدُهُ أَيْضًا إذَا كَانَ عَلَيْهِ وَلَاءٌ ؛ لِذَلِكَ .\rوَإِنْ كَانَ مُعْتِقُهُ ذِمِّيًّا ، جَازَ اسْتِرْقَاقُهُ ؛ لِأَنَّ سَيِّدَهُ يَجُوزُ اسْتِرْقَاقُهُ ، فَاسْتِرْقَاقُ مَوْلَاهُ أَوْلَى .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rوَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ جَوَازُ اسْتِرْقَاقِهِ ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ قَتْلُهُ ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ، فَجَازَ اسْتِرْقَاقُهُ ، كَغَيْرِهِ ، وَلِأَنَّ سَبَبَ جَوَازِ الِاسْتِرْقَاقِ قَدْ تَحَقَّقَ فِيهِ ، وَهُوَ الِاسْتِيلَاءُ عَلَيْهِ ، مَعَ كَوْنِ مَصْلَحَةِ الْمُسْلِمِينَ فِي اسْتِرْقَاقِهِ ، وَلِأَنَّهُ إنْ كَانَ الْمَسْبِيُّ امْرَأَةً أَوْ صَبِيًّا ، لَمْ يَجُزْ فِيهِ سِوَى الِاسْتِرْقَاقِ ، فَيَتَعَيَّنُ ذَلِكَ فِيهِ .\rوَمَا ذَكَرَهُ يَبْطُلُ بِالْقَتْلِ ؛ فَإِنَّهُ يُفَوِّتُ الْوَلَاءَ ، وَهُوَ جَائِزٌ فِيهِ ، وَكَذَلِكَ مَنْ عَلَيْهِ وَلَاءٌ لِذِمِّيٍّ يَجُوزُ اسْتِرْقَاقُهُ .\rوَقَوْلُهُمْ : إنَّ سَيِّدَهُ يَجُوزُ اسْتِرْقَاقُهُ .\rغَيْرُ صَحِيحٍ ، فَإِنَّ الذِّمِّيَّ لَا يَجُوزُ اسْتِرْقَاقُهُ ، وَلَا تَفْوِيتُ حُقُوقِهِ ، وَقَدْ قَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : إنَّمَا بَذَلُوا الْجِزْيَةَ لِتَكُونَ دِمَاؤُهُمْ كَدِمَائِنَا ، وَأَمْوَالُهُمْ كَأَمْوَالِنَا .","part":20,"page":467},{"id":9967,"text":"( 7456 ) مَسْأَلَةٌ : وَسَبِيلُ مَنْ اُسْتُرِقَّ مِنْهُمْ ، وَمَا أُخِذَ مِنْهُمْ عَلَى إطْلَاقِهِمْ ، سَبِيلُ تِلْكَ الْغَنِيمَةِ يَعْنِي مَنْ صَارَ مِنْهُمْ رَقِيقًا بِضَرْبِ الرِّقِّ عَلَيْهِ ، أَوْ فُودِيَ بِمَالٍ ، فَهُوَ كَسَائِرِ الْغَنِيمَةِ ، يُخَمَّسُ ثُمَّ يُقْسَمُ أَرْبَعَةُ أَخْمَاسِهِ بَيْنَ الْغَانِمِينَ .\rلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا ، فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَسَمَ فِدَاءَ أُسَارَى بَدْرٍ بَيْنَ الْغَانِمِينَ .\rوَلِأَنَّهُ مَالٌ غَنِمَهُ الْمُسْلِمُونَ ، فَأَشْبَهَ الْخَيْلَ وَالسِّلَاحَ .\rفَإِنْ قِيلَ : فَالْأَسْرُ لَمْ يَكُنْ لِلْغَانِمِينَ فِيهِ حَقٌّ ، فَكَيْفَ تَعَلَّقَ حَقُّهُمْ بِبَدَلِهِ ؟ قُلْنَا : إنَّمَا يَفْعَلُ الْإِمَامُ فِي الِاسْتِرْقَاقِ مَا يَرَى فِيهِ الْمَصْلَحَةَ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَصِرْ مَالًا ، فَإِذَا صَارَ مَالًا ، تَعَلَّقَ حَقُّ الْغَانِمِينَ بِهِ ؛ لِأَنَّهُمْ أَسَرُوهُ وَقَهَرُوهُ ، وَهَذَا لَا يَمْنَعُ ، أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ ، إذَا قُتِلَ قَتْلًا يُوجِبُ الْقِصَاصَ ، كَانَ لِوَرَثَتِهِ الْخِيَارُ ، فَإِذَا اخْتَارُوا الدِّيَةَ ، تَعَلَّقَ حَقُّ الْغُرَمَاءِ بِهَا .","part":20,"page":468},{"id":9968,"text":"( 7457 ) مَسْأَلَةٌ : وَإِنَّمَا يَكُونُ لَهُ اسْتِرْقَاقُهُمْ إذَا كَانُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أَوْ مَجُوسًا ، وَأَمَّا مَا سِوَى هَؤُلَاءِ مِنْ الْعَدُوِّ ، فَلَا يُقْبَلُ مِنْ بَالِغِي رِجَالِهِمْ إلَّا الْإِسْلَامُ أَوْ السَّيْفُ أَوْ الْفِدَاءُ قَدْ ذَكَرْنَا فِيمَا تَقَدَّمَ أَنَّ غَيْرَ أَهْلِ الْكِتَابِ لَا يَجُوزُ اسْتِرْقَاقُ رِجَالِهِمْ ، فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ .\r( 7458 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا النِّسَاءُ وَالصَّبِيَّانِ ، فَيَصِيرُونَ رَقِيقًا بِالسَّبْيِ .\rوَمَنَعَ أَحْمَدُ مِنْ فِدَاءِ النِّسَاءِ بِالْمَالِ ؛ لِأَنَّ فِي بَقَائِهِنَّ تَعْرِيضًا لَهُنَّ لِلْإِسْلَامِ ، لِبَقَائِهِنَّ عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ ، وَجَوَّزَ أَنْ يُفَادَى بِهِنَّ أُسَارَى الْمُسْلِمِينَ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَادَى بِالْمَرْأَةِ الَّتِي أَخَذَهَا مِنْ سَلَمَةَ بْنَ الْأَكْوَعِ ، وَلِأَنَّ فِي ذَلِكَ اسْتِنْقَاذَ مُسْلِمٍ مُتَحَقِّقٍ إسْلَامُهُ ، فَاحْتَمَلَ تَفْوِيتَ غَرَضِيَّةِ الْإِسْلَامِ مِنْ أَجْلِهِ .\rوَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ احْتِمَالُ فَوَاتِهَا ، لِتَحْصِيلِ الْمَالِ .\rفَأَمَّا الصِّبْيَانُ ، فَقَالَ أَحْمَدُ : لَا يُفَادَى بِهِمْ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الصَّبِيَّ يَصِيرُ مُسْلِمًا بِإِسْلَامِ سَابِيه ، فَلَا يَجُوزُ رَدُّهُ إلَى الْمُشْرِكِينَ .\rوَكَذَلِكَ الْمَرْأَةُ إذَا أَسْلَمَتْ لَمْ يَجُزْ رَدُّهَا إلَى الْكُفَّارِ بِفِدَاءٍ وَلَا غَيْرِهِ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ } .\rوَلِأَنَّ فِي رَدِّهَا إلَيْهِمْ تَعْرِيضًا لَهَا لِلرُّجُوعِ عَنْ الْإِسْلَامِ ، وَاسْتِحْلَالِ مَا لَا يَحِلُّ مِنْهَا .\rوَإِنْ كَانَ الصَّبِيُّ غَيْرَ مَحْكُومٍ بِإِسْلَامِهِ ، كَاَلَّذِي سُبِيَ مَعَ أَبَوَيْهِ ، لَمْ يَجُزْ فِدَاؤُهُ بِمَالِ .\rوَهَلْ يَجُوزُ فِدَاؤُهُ بِمُسْلِمٍ ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ .","part":20,"page":469},{"id":9969,"text":"( 7459 ) فَصْلٌ : وَلَمْ يُجَوِّزْ أَحْمَدُ بَيْعَ شَيْءٍ مِنْ رَقِيقِ الْمُسْلِمِينَ لِكَافِرٍ ، سَوَاءٌ كَانَ الرَّقِيقُ مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا .\rوَهَذَا قَوْلُ الْحَسَنِ .\rقَالَ أَحْمَدُ : لَيْسَ لِأَهْلِ الذِّمَّةِ أَنْ يَشْتَرُوا مِمَّا سَبَى الْمُسْلِمُونَ شَيْئًا .\rقَالَ : وَكَتَبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَنْهَى عَنْهُ أُمَرَاءَ الْأَمْصَارِ .\rهَكَذَا حَكَى أَهْلُ الشَّامِ ، وَلَيْسَ لَهُ إسْنَادٌ ، وَجَوَّزَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْنَعُ مِنْ إثْبَاتِ يَدِهِ عَلَيْهِ ، فَلَا يُمْنَعُ مِنْ ابْتِدَائِهِ ، كَالْمُسْلِمِ .\rوَلَنَا قَوْلُ عُمَرَ ، وَلَمْ يُنْكَرْ فَيَكُونُ إجْمَاعًا ، وَلِأَنَّ فِيهِ تَفْوِيتًا لِلْإِسْلَامِ الَّذِي يَظْهَرُ وُجُودُهُ ، فَإِنَّهُ إذَا بَقِيَ رَقِيقًا لِلْمُسْلِمِينَ الظَّاهِرُ إسْلَامُهُ ، فَيَفُوتُ ذَلِكَ بِبَيْعِهِ لِكَافِرٍ ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ رَقِيقًا لِكَافِرٍ فِي ابْتِدَائِهِ ، فَإِنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ لَهُ هَذِهِ الْغَرَضِيَّةُ ، وَالدَّوَامُ يُخَالِفُ الِابْتِدَاءَ لِقُوَّتِهِ .","part":20,"page":470},{"id":9970,"text":"( 7460 ) فَصْلٌ : وَمَنْ أَسَرَ أَسِيرًا ، لَمْ يَكُنْ لَهُ قَتْلُهُ ، حَتَّى يَأْتِيَ بِهِ الْإِمَامَ ، فَيَرَى فِيهِ رَأْيَهُ ؛ لِأَنَّهُ إذَا صَارَ أَسِيرًا ، فَالْخِيرَةُ فِيهِ إلَى الْإِمَامِ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدْ كَلَامٌ يَدُلُّ عَلَى إبَاحَةِ قَتْلِهِ ، فَإِنَّهُ قَالَ : لَا يَقْتُلُ أَسِيرَ غَيْرِهِ إلَّا أَنْ يَشَاءَ الْوَالِي .\rفَمَفْهُومُهُ أَنَّ لَهُ قَتْلَ أَسِيرِهِ بِغَيْرِ إذْنِ الْوَالِي ؛ لِأَنَّ لَهُ أَنْ يَقْتُلَهُ ابْتِدَاءً ، فَكَانَ لَهُ قَتْلُهُ دَوَامًا ، كَمَا لَوْ هَرَبَ مِنْهُ أَوْ قَاتَلَهُ .\rفَإِنْ امْتَنَعَ الْأَسِيرُ أَنْ يَنْقَادَ مَعَهُ ، فَلَهُ إكْرَاهُهُ بِالضَّرْبِ وَغَيْرِهِ ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ إكْرَاهُهُ ، فَلَهُ قَتْلُهُ .\rوَإِنْ خَافَهُ أَوْ خَافَ هَرَبَهُ ، فَلَهُ قَتْلُهُ أَيْضًا .\rوَإِنْ امْتَنَعَ مِنْ الِانْقِيَادِ مَعَهُ ، لِجُرْحٍ أَوْ مَرَضٍ ، فَلَهُ قَتْلُهُ أَيْضًا .\rوَتَوَقَّفَ أَحْمَدُ عَنْ قَتْلِهِ .\rوَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَقْتُلُهُ ، كَمَا يُذَفَّفُ عَلَى جَرِيحِهِمْ ، وَلِأَنَّ تَرْكَهُ حَيًّا ضَرَرٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ ، وَتَقْوِيَةٌ لِلْكُفَّارِ ، فَتَعَيَّنَ الْقَتْلُ ، كَحَالَةِ الِابْتِدَاءِ إذَا أَمْكَنَهُ قَتْلُهُ ، وَكَجَرِيحِهِمْ إذَا لَمْ يَأْسِرْهُ .\rفَأَمَّا أَسِيرُ غَيْرِهِ ، فَلَا يَجُوزُ لَهُ قَتْلُهُ ، إلَّا أَنْ يَصِيرَ إلَى حَالٍ يَجُوزُ قَتْلُهُ لِمَنْ أَسَرَهُ .\rوَقَدْ رَوَى يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرِ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { لَا يَتَعَاطَيَنَّ أَحَدُكُمْ أَسِيرَ صَاحِبِهِ إذَا أَخَذَهُ فَيَقْتُلُهُ } .\rرَوَاهُ سَعِيدٌ .\rفَإِنْ قَتَلَ أَسِيرَهُ ، أَوْ أَسِيرَ غَيْرِهِ قَبْلَ ذَلِكَ ، أَسَاءَ ، وَلَمْ يَلْزَمْهُ ضَمَانُهُ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ إنْ قَتَلَهُ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ بِهِ الْإِمَامَ ، لَمْ يَضْمَنْهُ ، وَإِنْ قَتَلَهُ بَعْدَ ذَلِكَ غَرِمَ ثَمَنَهُ ؛ لِأَنَّهُ أَتْلَفَ مِنْ الْغَنِيمَةِ مَا لَهُ قِيمَةٌ ، فَضَمِنَهُ ، كَمَا لَوْ قَتَلَ امْرَأَةً وَلَنَا ، أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ ، أَسَرَ أُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ وَابْنَهُ عَلِيًّا يَوْمَ بَدْرٍ ، فَرَآهُمَا بِلَالٌ ، فَاسْتَصْرَخَ","part":20,"page":471},{"id":9971,"text":"الْأَنْصَارَ عَلَيْهِمَا حَتَّى قَتَلُوهُمَا ، وَلَمْ يَغْرَمُوا شَيْئًا .\rوَلِأَنَّهُ أَتْلَفَ مَا لَيْسَ بِمَالٍ ، فَلَمْ يَغْرَمْهُ ، كَمَا لَوْ أَتْلَفَهُ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ بِهِ الْإِمَامَ ، وَلِأَنَّهُ أَتْلَفَ مَا لَا قِيمَةَ لَهُ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ بِهِ الْإِمَامَ ، فَلَمْ يَغْرَمْهُ ، كَمَا لَوْ أَتْلَفَ كَلْبًا ، فَأَمَّا إنْ قَتَلَ امْرَأَةً أَوْ صَبِيًّا ، غَرِمَهُ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ رَقِيقًا بِنَفْسِ السَّبْيِ .","part":20,"page":472},{"id":9972,"text":"( 7461 ) فَصْلٌ : وَمَنْ أُسِرَ فَادَّعَى أَنَّهُ كَانَ مُسْلِمًا ، لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ ؛ لِأَنَّهُ يَدَّعِي أَمْرًا الظَّاهِرُ خِلَافُهُ ، يَتَعَلَّقُ بِهِ إسْقَاطُ حَقٍّ يَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِهِ ، فَإِنْ شَهِدَ لَهُ وَاحِدٌ ، حَلَفَ مَعَهُ ، وَخُلِّيَ سَبِيلُهُ ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا تُقْبَلُ إلَّا شَهَادَةُ عَدْلَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَالٍ ، وَلَا يُقْصَدُ مِنْهُ الْمَالُ .\rوَلَنَا مَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ { ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ يَوْمَ بَدْرٍ : لَا يَبْقَى مِنْهُمْ أَحَدٌ إلَّا أَنْ يُفْدَى ، أَوْ يُضْرَبَ عُنُقُهُ .\rفَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ إلَّا سُهَيْلَ ابْنَ بَيْضَاءَ ، فَإِنِّي سَمِعْته يَذْكُرُ الْإِسْلَامَ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إلَّا سُهَيْلَ ابْنَ بَيْضَاءَ } فَقَبِلَ شَهَادَةَ عَبْدَ اللَّهِ وَحْدَهُ .","part":20,"page":473},{"id":9973,"text":"( 7462 ) مَسْأَلَةٌ : ( وَيُنَفِّلُ الْإِمَامُ وَمَنْ اسْتَخْلَفَهُ الْإِمَامُ كَمَا فَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَدَأَتْهُ الرُّبُعَ بَعْدَ الْخُمُسِ ، وَفِي رَجْعَتِهِ الثُّلُثَ بَعْدَ الْخُمُسِ ) النَّفَلُ زِيَادَةٌ تُزَادُ عَلَى سَهْمِ الْغَازِي ، وَمِنْهُ نَفْلُ الصَّلَاةِ ، وَهُوَ مَا زِيدَ عَلَى الْفَرْضِ ، وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً } .\rكَأَنَّهُ سَأَلَ اللَّهَ وَلَدًا ، فَأَعْطَاهُ مَا سَأَلَ وَزَادَهُ وَلَدَ الْوَلَدِ ، وَالْمُرَادُ بِالْبِدَايَةِ هَا هُنَا ، ابْتِدَاءُ دُخُولِ الْحَرْبِ ، وَالرَّجْعَةِ رُجُوعُهُ عَنْهَا .\rوَالنَّفَلُ فِي الْغَزْوِ يَنْقَسِمُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ ؛ أَحَدُهَا ، هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الْخِرَقِيِّ ، وَهُوَ أَنَّ الْإِمَامَ أَوْ نَائِبَهُ إذَا دَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ غَازِيًا ، بَعَثَ بَيْنَ يَدَيْهِ سَرِيَّةً تُغِيرُ عَلَى الْعَدُوِّ ، وَيَجْعَلُ لَهُمْ الرُّبُعَ بَعْدَ الْخُمُسِ ، فَمَا قَدِمَتْ بِهِ السَّرِيَّةُ مِنْ شَيْءٍ ، أَخْرَجَ خُمُسَهُ ، ثُمَّ أَعْطَى السَّرِيَّةَ مَا جَعَلَ لَهُمْ ، وَهُوَ رُبْعُ الْبَاقِي ، وَذَلِكَ خُمُسٌ آخَرُ ، ثُمَّ قَسَمَ مَا بَقِيَ فِي الْجَيْشِ وَالسَّرِيَّةُ مَعَهُ .\rفَإِذَا قَفَلَ ، بَعَثَ سَرِيَّةً تُغِيرُ ، وَجَعَلَ لَهُمْ الثُّلُثَ بَعْدَ الْخُمُسِ ، فَمَا قَدِمَتْ بِهِ السَّرِيَّةُ أَخْرَجَ خُمُسَهُ ، ثُمَّ أَعْطَى السَّرِيَّةَ ثُلُثَ مَا بَقِيَ ، ثُمَّ قَسَمَ سَائِرَهُ فِي الْجَيْشِ وَالسَّرِيَّةُ مَعَهُ .\rوَبِهَذَا قَالَ حَبِيبُ بْنُ مَسْلَمَةَ ، وَالْحَسَنُ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَجَمَاعَةٌ ، وَيُرْوَى عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، أَنَّهُ قَالَ : لَا نَفْلَ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rوَلَعَلَّهُ يَحْتَجُّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { يَسْأَلُونَك عَنْ الْأَنْفَالِ قُلْ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ } فَخَصَّهُ بِهَا ، وَكَانَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ، وَمَالِكٌ يَقُولَانِ : لَا نَفْلَ إلَّا مِنْ الْخُمُسِ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يُخْرَجُ مِنْ خُمُسِ الْخُمُسِ ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ { ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بَعَثَ سَرِيَّةً فِيهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ .","part":20,"page":474},{"id":9974,"text":"فَغَنِمُوا إبِلًا كَثِيرَةً ، فَكَانَتْ سُهْمَانُهُمْ اثْنَيْ عَشَرَ بَعِيرًا ، وَنُفِّلُوا بَعِيرًا بَعِيرًا .\r} مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَلَوْ أَعْطَاهُمْ مِنْ أَرْبَعَةِ الْأَخْمَاسِ الَّتِي هِيَ لَهُمْ ، لَمْ يَكُنْ نَفْلًا ، وَكَانَ مِنْ سِهَامِهِمْ وَلَنَا مَا رَوَى حَبِيبُ بْنُ مَسْلَمَةَ الْفِهْرِيُّ ، قَالَ : { شَهِدْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَفَلَ الرُّبُعَ فِي الْبَدَاءَةَ ، وَالثُّلُثَ فِي الرَّجْعَةِ } .\rوَفِي لَفْظٍ { : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُنَفِّلُ الرُّبُعَ بَعْدَ الْخُمُسِ ، وَالثُّلُثَ بَعْدَ الْخُمُسِ إذَا قَفَلَ } رَوَاهُمَا أَبُو دَاوُد وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ { ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُنَفِّلُ فِي الْبَدَاءَةِ الرُّبُعَ ، وَفِي الْقُفُولِ الثُّلُثَ } .\rرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَقَالَ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ .\rوَفِي لَفْظٍ قَالَ : { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُنَفِّلُهُمْ إذَا خَرَجُوا بَادِينَ الرُّبُعَ وَيُنَفِّلُهُمْ إذَا قَفَلُوا الثُّلُثَ } .\rرَوَاهُ الْخَلَّالُ بِإِسْنَادِهِ .\rوَرَوَى الْأَثْرَمُ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيِّ ، أَنَّهُ لَمَّا قَدِمَ عَلَى عُمَرَ فِي قَوْمِهِ ، قَالَ لَهُ عُمَرُ : هَلْ لَك أَنْ تَأْتِيَ الْكُوفَةَ ، وَلَك الثُّلُثُ بَعْدَ الْخُمُسِ مِنْ كُلِّ أَرْضٍ وَشَيْءٍ ؟ وَذَكَرَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ أَيْضًا عَنْ عُمَرَ .\rوَقَالَ إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ : يُنَفِّلُ السَّرِيَّةَ الثُّلُثَ وَالرُّبُعَ يُغْرِيهِمْ بِذَلِكَ .\rفَأَمَّا قَوْلُ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، فَإِنَّ مَكْحُولًا قَالَ لَهُ حِينَ قَالَ : لَا نَفْلَ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rوَذَكَرَ لَهُ حَدِيثَ حَبِيبِ بْنِ مَسْلَمَةَ : شَغَلَك أَكْلُ الزَّبِيبِ بِالطَّائِفِ .\rوَمَا ثَبَتَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَبَتَ لِلْأَئِمَّةِ بَعْدَهُ ، مَا لَمْ يَقُمْ عَلَى تَخْصِيصِهِ بِهِ دَلِيلٌ .\rفَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ ، فَهُوَ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ ، فَإِنَّ بَعِيرًا عَلَى اثْنَيْ عَشَرَ ، يَكُونُ جُزْءًا مِنْ ثَلَاثَةَ عَشَرَ ،","part":20,"page":475},{"id":9975,"text":"وَخُمُسُ الْخُمُسِ جُزْءٌ مِنْ خَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ ، وَجُزْءٌ مِنْ ثَلَاثَةَ عَشَرَ أَكْثَرُ ، فَلَا يُتَصَوَّرُ أَخْذُ الشَّيْءِ مِنْ أَقَلَّ مِنْهُ ، يُحَقِّقُهُ أَنَّ الِاثْنَيْ عَشَرَ إذَا كَانَتْ أَرْبَعَةَ أَخْمَاسٍ ، وَالْبَعِيرُ مِنْهَا ثُلُثُ الْخُمُسِ ، فَكَيْفَ يَتَصَوَّرُ أَخْذُ ثُلُثِ الْخُمُسِ مِنْ خُمُسِ الْخُمُسِ ؟ فَهَذَا مُحَالٌ ، فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِهِ ، أَوْ أَنَّ النَّفَلَ كَانَ لِلسَّرِيَّةِ دُونَ سَائِرِ الْجَيْشِ .\rعَلَى أَنَّ مَا رَوَيْنَاهُ صَرِيحٌ فِي الْحُكْمِ ، فَلَا يُعَارَضُ بِشَيْءٍ مُسْتَنْبَطٍ ، يَحْتَمِلُ غَيْرَ مَا حَمَلَهُ عَلَيْهِ مَنْ اسْتَنْبَطَهُ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُمْ إنَّمَا يَسْتَحِقُّونَ هَذَا النَّفَلَ بِالشَّرْطِ السَّابِقِ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ شَرَطَهُ لَهُمْ فَلَا ، فَإِنَّهُ قِيلَ لَهُ : أَلَيْسَ قَدْ نَفَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْبَدَاءَةِ الرُّبُعَ ، وَفِي الرُّجُوعِ الثُّلُثَ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، ذَاكَ إذَا نَفَلَ ، وَتَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِيهِ .\rفَعَلَى هَذَا إنْ رَأَى الْإِمَامُ أَنْ يُنَفِّلَهُمْ شَيْئًا ، فَلَهُ ذَلِكَ ، وَإِنْ رَأَى أَنْ يُنَفِّلَهُمْ دُونَ الثُّلُثِ وَالرُّبُعِ ، فَلَهُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ إذَا جَازَ أَنْ لَا يَجْعَلَ لَهُمْ شَيْئًا ، جَازَ أَنْ يَجْعَلَ لَهُمْ يَسِيرًا ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُنَفِّلَ أَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ ، نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .\rوَهُوَ قَوْلُ مَكْحُولٍ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَالْجُمْهُورِ مِنْ الْعُلَمَاءِ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا حَدَّ لِلنَّفْلِ ، بَلْ هُوَ مَوْكُولٌ إلَى اجْتِهَادِ الْإِمَامِ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَفَلَ مَرَّةً الثُّلُثَ ، وَأُخْرَى الرُّبُعَ .\rوَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ : نَفَلَ نِصْفَ السُّدُسِ .\rفَهَذَا يَدُلَّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِلنَّفْلِ حَدٌّ لَا يَتَجَاوَزُهُ الْإِمَامُ ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَوْكُولًا إلَى اجْتِهَادِهِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ نَفْلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انْتَهَى إلَى الثُّلُثِ ، فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَتَجَاوَزَهُ ، وَمَا ذَكَرَهُ الشَّافِعِيُّ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ","part":20,"page":476},{"id":9976,"text":"لَيْسَ لِأَقَلِّ النَّفْلِ حَدٌّ ، وَأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُنَفِّلَ أَقَلَّ مِنْ الثُّلُثِ وَالرُّبُعِ ، وَنَحْنُ نَقُولُ بِهِ ، عَلَى أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ مَعَ قَوْلِهِ : أَنَّ النَّفَلَ مِنْ خُمُسِ الْخُمُسِ تَنَاقَضَ .\rفَإِنْ شَرَطَ لَهُمْ الْإِمَامُ زِيَادَةً عَلَى الثُّلُثِ ، رُدُّوا إلَيْهِ ، وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : لَا يَنْبَغِي أَنْ يَشْرِطَ النِّصْفَ ، فَإِنْ زَادَهُمْ عَلَى ذَلِكَ ، فَلْيَفِ لَهُمْ بِهِ ، وَيَجْعَلْ ذَلِكَ مِنْ الْخُمُسِ .\rوَإِنَّمَا زِيدَ فِي الرَّجْعَةِ عَلَى الْبَدَاءَةِ فِي النَّفْلِ ؛ لِمَشَقَّتِهَا ، فَإِنَّ الْجَيْشَ فِي الْبَدَاءَةِ رِدْءٌ لِلسَّرِيَّةِ ، تَابِعٌ لَهَا ، وَالْعَدُوُّ خَائِفٌ ، وَرُبَّمَا كَانَ غَارًّا ، وَفِي الرَّجْعَةِ لَا رِدْءَ لِلسَّرِيَّةِ ؛ لِأَنَّ الْجَيْشَ مُنْصَرِفٌ عَنْهُمْ ، وَالْعَدُوَّ مُسْتَيْقِظٌ كَلِبٌ .\rقَالَ أَحْمَدُ : فِي الْبَدَاءَةِ إذَا كَانَ ذَاهِبًا الرُّبُعُ ، وَفِي الْقَفْلَةِ إذَا كَانَ فِي الرُّجُوعِ الثُّلُثُ ؛ لِأَنَّهُمْ يَشْتَاقُونَ إلَى أَهْلِيهِمْ ، فَهَذَا أَكْبَرُ .\rالْقِسْمُ الثَّانِي ، أَنْ يُنَفِّلَ الْإِمَامُ بَعْضَ الْجَيْشِ ؛ لِغَنَائِهِ وَبَأْسِهِ وَبَلَائِهِ ، أَوْ لِمَكْرُوهٍ تَحَمَّلَهُ دُونَ سَائِرِ الْجَيْشِ .\rقَالَ أَحْمَدُ : فِي الرَّجُلِ يَأْمُرُهُ الْأَمِيرُ يَكُونُ طَلِيعَةً ، أَوْ عِنْدَهُ ، يَدْفَعُ إلَيْهِ رَأْسًا مِنْ السَّبْيِ أَوْ دَابَّةً ، قَالَ : إذَا كَانَ رَجُلٌ لَهُ غَنَاءٌ ، وَيُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ ، ذَلِكَ أَنْفَعُ لَهُمْ ، يُحَرَّضُ هُوَ وَغَيْرُهُ ، يُقَاتِلُونَ وَيَغْنَمُونَ .\rوَقَالَ : إذَا نَفَّذَ الْإِمَامُ صَبِيحَةَ الْمَغَارِ الْخَيْلَ ، فَيُصِيبُ بَعْضُهُمْ ، وَبَعْضُهُمْ لَا يَأْتِي بِشَيْءٍ ، فَلِلْوَالِي أَنْ يَخُصَّ بَعْضَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ جَاءُوا بِشَيْءٍ دُونَ هَؤُلَاءِ .\rوَظَاهِرُ هَذَا أَنَّ لَهُ إعْطَاءَ مَنْ هَذِهِ حَالُهُ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ .\rوَحُجَّةُ هَذَا حَدِيثُ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ ، أَنَّهُ قَالَ : أَغَارَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُيَيْنَةَ عَلَى إبِلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاتَّبَعْتهمْ - فَذَكَرَ الْحَدِيثَ - فَأَعْطَانِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى","part":20,"page":477},{"id":9977,"text":"اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَهْمَ الْفَارِسِ وَالرَّاجِلِ .\rرَوَاهُ مُسْلِمٌ ، وَأَبُو دَاوُد .\rوَعَنْهُ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَمَّرَ أَبَا بَكْرٍ ، قَالَ فَبَيَّتْنَا عَدُوَّنَا ، فَقَتَلْت لَيْلَتئِذٍ تِسْعَةَ أَهْلِ أَبْيَاتٍ وَأَخَذْت مِنْهُمْ امْرَأَةً ، فَنَفَلَنِيهَا أَبُو بَكْرٍ ، فَلَمَّا قَدِمْت الْمَدِينَةَ ، اسْتَوْهَبَهَا مِنِّي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَوَهَبْتهَا لَهُ } .\rرَوَاهُ مُسْلِمٌ بِمَعْنَاهُ .\rالْقِسْمُ الثَّالِثُ ، أَنْ يَقُولَ الْأَمِيرُ : مَنْ طَلَعَ هَذَا الْحِصْنَ ، أَوْ هَدَمَ هَذَا السُّورَ ، أَوْ نَقَبَ هَذَا النَّقْبَ ، أَوْ فَعَلَ كَذَا ، فَلَهُ كَذَا .\rأَوْ : مَنْ جَاءَ بِأَسِيرٍ ، فَلَهُ كَذَا .\rفَهَذَا جَائِزٌ ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ؛ مِنْهُمْ الثَّوْرِيُّ ، قَالَ أَحْمَدُ : إذَا قَالَ : مَنْ جَاءَ بِعَشْرِ دَوَابَّ ، أَوْ بَقَرٍ ، أَوْ غَنَمٍ ، فَلَهُ وَاحِدٌ .\rفَمَنْ جَاءَ بِخَمْسَةٍ أَعْطَاهُ نِصْفَ مَا قَالَ لَهُمْ ، وَمَنْ جَاءَ بِشَيْءٍ أَعْطَاهُ بِقَدْرِهِ .\rقِيلَ لَهُ : إذَا قَالَ : مَنْ جَاءَ بِعِلْجٍ فَلَهُ كَذَا وَكَذَا .\rفَجَاءَ بِعِلْجٍ ، يَطِيبُ لَهُ مَا يُعْطَى ؟ قَالَ : نَعَمْ .\rوَكَرِهَ مَالِكٌ هَذَا الْقَسْمَ ، وَلَمْ يَرَهُ ، وَقَالَ : قِتَالُهُمْ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ إنَّمَا هُوَ لِلدُّنْيَا .\rوَقَالَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ : لَا نَفْلَ إلَّا بَعْدَ إحْرَازِ الْغَنِيمَةِ .\rقَالَ مَالِكٌ : وَلَمْ يَقُلْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ } .\rإلَّا بَعْدَ أَنْ بَرَدَ الْقِتَالُ .\rوَلَنَا ، مَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ حَبِيبٍ ، وَعُبَادَةَ ، وَمَا شَرَطَهُ عُمَرُ ، لِجَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، وَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ } .\rوَلِأَنَّ فِيهِ مَصْلَحَةً وَتَحْرِيضًا عَلَى الْقِتَالِ ، فَجَازَ ، كَاسْتِحْقَاقِ الْغَنِيمَةِ ، وَزِيَادَةِ السَّهْمِ لِلْفَارِسِ ، وَاسْتِحْقَاقِ السَّلَبِ ، وَمَا ذَكَرُوهُ يَبْطُلُ بِهَذِهِ الْمَسَائِلِ .\rوَقَوْلُهُ : إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّمَا جَعَلَ","part":20,"page":478},{"id":9978,"text":"السَّلَبَ لِلْقَاتِلِ بَعْدَ أَنْ بَرَدَ الْقِتَالُ .\rقُلْنَا : قَوْلُهُ ذَلِكَ ثَابِتُ الْحُكْمِ فِيمَا يَأْتِي مِنْ الْغَزَوَاتِ بَعْدَ قَوْلِهِ ، فَهُوَ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهَا كَالْمَشْرُوطِ فِي أَوَّلِ الْغَزَاةِ .\rقَالَ الْقَاضِي : وَلَا يَجُوزُ هَذَا ، إلَّا إذَا كَانَ فِيهِ مَصْلَحَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ فَائِدَةٌ ، لَمْ يَجُزْ ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَخْرُجُ عَلَى وَجْهِ الْمَصْلَحَةِ ، فَاعْتُبِرَتْ الْحَاجَةُ فِيهِ ، كَأُجْرَةِ الْحَمَّالِ وَالْحَافِظِ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّ النَّفَلَ لَا يَخْتَصُّ بِنَوْعٍ مِنْ الْمَالِ .\rوَذَكَرَ الْخَلَّالُ أَنَّهُ لَا نَفْلَ فِي الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ .\rوَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ ؛ لِأَنَّ الْقَاتِلَ لَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا مِنْهَا ، فَكَذَلِكَ غَيْرُهُ .\rوَلَنَا ، حَدِيثُ حَبِيبِ بْنِ مَسْلَمَةَ ، وَعُبَادَةَ ، وَجَرِيرٍ ، فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَعَلَ لَهُمْ الثُّلُثَ وَالرُّبُعَ ، وَهُوَ عَامٌّ فِي كُلِّ مَا غَنِمُوهُ ، وَلِأَنَّهُ نَوْعُ مَالٍ ، فَجَازَ النَّفَلُ فِيهِ ، كَسَائِرِ الْأَمْوَالِ .\rوَأَمَّا الْقَاتِلُ ، فَإِنَّمَا نَفْلُ السَّلَبِ ، وَلَيْسَتْ الدَّرَاهِمُ وَالدَّنَانِيرُ مِنْ السَّلَبِ ، فَلَمْ يَسْتَحِقَّ غَيْرَ مَا جُعِلَ لَهُ .","part":20,"page":479},{"id":9979,"text":"( 7463 ) فَصْلٌ : : نَقَلَ أَبُو دَاوُد ، عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ لَهُ : إذَا قَالَ مَنْ رَجَعَ إلَى السَّاقَةِ فَلَهُ دِينَارٌ ، وَالرَّجُلُ يَعْمَلُ فِي سِيَاقَةِ الْغَنَمِ قَالَ لَمْ يَزَلْ أَهْلُ الشَّامِ يَفْعَلُونَ هَذَا ، وَقَدْ يَكُونُ فِي رُجُوعِهِمْ إلَى السَّاقَةِ وَسِيَاقَةِ الْغَنَمِ مَنْفَعَةٌ .\rقِيلَ لَهُ : فَإِنْ أَغَارَ عَلَى قَرْيَةٍ ، فَنَزَلَ فِيهَا وَالسَّبْيُ وَالدَّوَابُّ وَالْخُرْثِيُّ مَعَهُمْ فِي الْقَرْيَةِ ، وَيَمْنَعُ النَّاسَ مِنْ جَمْعِهِ الْكَسَلُ ، لَا يَخَافُونَ عَلَيْهِ الْعَدُوَّ ، فَيَقُولُ الْإِمَامُ : مَنْ جَاءَ بِعَشَرَةِ أَثْوَابٍ ، فَلَهُ ثَوْبٌ ، وَلِمَنْ جَاءَ بِعَشَرَةِ رُءُوسٍ رَأْسٌ ؟ قَالَ : أَرْجُو أَنْ لَا يَكُونَ بِهِ بَأْسٌ .\rقِيلَ لَهُ : فَإِنْ قَالَ : مَنْ جَاءَ بِعَدْلٍ مِنْ دَقِيقِ الرُّومِ ، فَلَهُ دِينَارٌ ، يُرِيدهُ لِطَعَامِ السَّبْيِ ، مَا تَرَى فِي أَخْذِ الدِّينَارِ ؟ فَلَمْ يَرَ بِهِ بَأْسًا .\rقِيلَ فَالْإِمَامُ يُخْرِجُ السَّرِيَّةَ وَقَدْ نَفَلَهُمْ جَمِيعًا ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْمَغَارِ ، نَادَى : مَنْ جَاءَ بِعَشَرَةِ رُءُوسٍ ، فَلَهُ رَأْسٌ ، وَمَنْ جَاءَ بِكَذَا ، فَلَهُ كَذَا ، فَيَذْهَبُ النَّاسُ فَيَطْلُبُونَ ، فَمَا تَرَى فِي هَذَا النَّفْلِ ؟ قَالَ : لَا بَأْسَ بِهِ ، إذَا كَانَ يُحَرِّضُهُمْ عَلَى ذَلِكَ ، مَا لَمْ يَسْتَغْرِقْ الثُّلُثَ .\rقُلْت : فَلَا بَأْسَ بِنَفَلَيْنِ فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، مَا لَمْ يَسْتَغْرِقْ الثُّلُثَ ، غَيْرَ مَرَّةٍ سَمِعْته يَقُولُ ذَلِكَ .","part":20,"page":480},{"id":9980,"text":"( 7464 ) فَصْلٌ : وَيَجُوزُ لِلْإِمَامِ وَنَائِبِهِ أَنْ يَبْذُلَا جُعْلًا لِمَنْ يَدُلُّهُ عَلَى مَا فِيهِ مَصْلَحَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ ، مِثْلَ طَرِيقِ سَهْلٍ ، أَوْ مَاءٍ فِي مَفَازَةٍ ، أَوْ قَلْعَةٍ يَفْتَحُهَا ، أَوْ مَالٍ يَأْخُذُهُ ، أَوْ عَدُوٍّ يُغِيرُ عَلَيْهِ ، أَوْ ثُغْرَةٍ يَدْخُلُ مِنْهَا .\rلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ فِي مَصْلَحَةٍ ، فَجَازَ ، كَأُجْرَةِ الدَّلِيلِ ، وَقَدْ اسْتَأْجَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو بَكْرٍ فِي الْهِجْرَةِ مَنْ دَلَّهُمْ عَلَى الطَّرِيقِ .\rوَيَسْتَحِقُّ الْجُعْلُ بِفِعْلِ مَا جُعِلَ لَهُ الْجُعْلُ فِيهِ ، سَوَاءٌ كَانَ مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا ، مِنْ الْجَيْشِ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ .\rفَإِنْ جُعِلَ لَهُ الْجُعْلُ مِمَّا فِي يَدِهِ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا ؛ لِأَنَّهَا جَعَالَةٌ بِعِوَضٍ مِنْ مَالٍ مَعْلُومٍ ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا ، كَالْجَعَالَةِ فِي رَدِّ الْآبِقِ ، وَإِنْ كَانَ الْجُعْلُ مِنْ مَالِ الْكُفَّارِ ، جَازَ أَنْ يَكُونَ مَجْهُولًا ، جَهَالَةً لَا تَمْنَعُ التَّسْلِيمَ ، وَلَا تُفْضِي إلَى التَّنَازُعِ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَعَلَ لِلسَّرِيَّةِ الثُّلُثَ وَالرُّبُعَ مِمَّا غَنِمُوهُ ، وَهُوَ مَجْهُولٌ ؛ لِأَنَّ الْغَنِيمَةَ كُلَّهَا مَجْهُولَةٌ ، وَلِأَنَّهُ مِمَّا تَدْعُو الْحَاجَةُ إلَيْهِ ، وَالْجَعَالَةُ إنَّمَا تَجُوزُ بِحَسَبِ الْحَاجَةِ .\rفَإِنْ جَعَلَ لَهُ جَارِيَةً مُعَيَّنَةً إنْ دَلَّهُ عَلَى قَلْعَةٍ يَفْتَحُهَا ، مِثْلُ أَنَّ جَعَلَ لَهُ بِنْتَ رَجُلٍ عَيَّنَهُ مِنْ أَهْلِ الْقَلْعَةِ ، لَمْ يَسْتَحِقّ شَيْئًا حَتَّى يَفْتَحَ الْقَلْعَةَ ؛ لِأَنَّ جَعَالَةَ شَيْءٍ مِنْهُ اقْتَضَتْ اشْتِرَاطَ فَتْحِهَا ، فَإِذَا فُتِحَتْ الْقَلْعَةُ عَنْوَةً ، سُلِّمَتْ إلَيْهِ ، إلَّا أَنْ تَكُونَ قَدْ أَسْلَمَتْ قَبْلَ الْفَتْحِ ، فَإِنَّهَا عَصَمَتْ نَفْسَهَا بِإِسْلَامِهَا ، فَتَعَذَّرَ دَفْعُهَا إلَيْهِ ، فَتُدْفَعُ إلَيْهِ قِيمَتُهَا .\rفَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا صَالَحَ أَهْلَ مَكَّةَ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ ، عَلَى أَنَّ مَنْ جَاءَهُ مُسْلِمًا رَدَّهُ إلَيْهِمْ ، فَجَاءَهُ نِسَاءٌ","part":20,"page":481},{"id":9981,"text":"مُسْلِمَاتٌ ، مَنَعَهُ اللَّهُ مِنْ رَدِّهِنَّ .\rوَلَوْ كَانَ الْجُعْلُ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْقَلْعَةِ ، فَأَسْلَمَ قَبْلَ الْفَتْحِ ، عَصَمَ أَيْضًا نَفْسَهُ ، وَلَمْ يَجُزْ دَفْعُهُ ، وَكَانَ لِصَاحِبِ الْجُعْلِ قِيمَتُهُ .\rوَإِنْ كَانَ إسْلَامُ الْجَارِيَةِ أَوْ الرَّجُلِ بَعْدَ أَسْرِهِمْ ، سُلِّمَا إلَيْهِ إنْ كَانَ مُسْلِمًا ، وَإِنْ كَانَ كَافِرًا ، فَلَهُ قِيمَتُهُمَا ؛ لِأَنَّ الْكَافِرَ لَا يَبْتَدِئُ الْمِلْكَ عَلَى مُسْلِمٍ .\rوَإِنْ مَاتَا قَبْلَ الْفَتْحِ أَوْ بَعْدَهُ ، فَلَا شَيْءَ لَهُ ؛ لِأَنَّهُ عُلِّقَ حَقُّهُ بِشَيْءٍ مُعَيَّنٍ ، وَقَدْ تَلِفَ بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ ، فَسَقَطَ حَقُّهُ ، كَالْوَدِيعَةِ .\rوَفَارَقَ مَا إذَا أَسْلَمَا ، فَإِنَّ تَسْلِيمَهُمَا مُمْكِنٌ ، لَكِنْ مَنَعَ الشَّرْعُ مِنْهُ .\rوَإِنْ كَانَ الْفَتْحُ صُلْحًا ، فَاسْتَثْنَى الْإِمَامُ الْجَارِيَةَ وَالرَّجُلَ ، وَسُلَّمِهِمَا صَحَّ ، وَإِنْ وَقَعَ الصُّلْحُ مُطْلَقًا ، طُلِبَ الْجُعْلُ مِنْ صَاحِبِ الْقَلْعَةِ ، وَبُذِلَتْ لَهُ قِيمَتُهُمَا ، فَإِنْ سُلِّمَا إلَى الْإِمَامِ ، سَلَّمَهُمَا إلَى صَاحِبِهِمَا ، وَإِنْ أَبَى ، عُرِضَ عَلَى مُشْتَرِطِهِمَا قِيمَتُهُمَا ، فَإِنْ أَخَذَهَا ، أُعْطِيَهَا وَتَمَّ الصُّلْحُ ، وَإِنْ أَبَى ، فَقَالَ الْقَاضِي : يُفْسَخُ الصُّلْحُ ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ قَدْ تَعَذَّرَ إمْضَاءُ الصُّلْحِ فِيهِ ، لِأَنَّ صَاحِبَ الْجُعْلِ سَابِقٌ ، وَلَا يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصُّلْحِ .\rوَنَحْوُ هَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rوَلِصَاحِبِ الْقَلْعَةِ أَنْ يُحَصِّنَهَا مِثْلَمَا كَانَتْ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَمْضِيَ الصُّلْحُ ، وَتُدْفَعَ إلَى صَاحِبِ الْجُعْلِ قِيمَتُهُ ؛ لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ دَفْعُهُ إلَيْهِ مَعَ بَقَائِهِ ، فَدُفِعَتْ إلَيْهِ قِيمَتُهُ ، كَمَا لَوْ أَسْلَمَ الْجُعْلُ قَبْلَ الْفَتْحِ ، أَوْ أَسْلَمَ بَعْدَهُ وَصَاحِبُ الْجُعْلِ كَافِرٌ .\rوَقَوْلُهُمْ : إنَّ حَقَّ صَاحِبِ الْجُعْلِ سَابِقٌ .\rقُلْنَا : إلَّا أَنَّ الْمَفْسَدَةَ فِي فَسْخِ الصُّلْحِ أَعْظَمُ ؛ لِأَنَّ ضَرَرَهُ يَعُودُ عَلَى الْجَيْشِ كُلِّهِ ، وَرُبَّمَا عَادَ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ، فِي كَوْنِ هَذِهِ الْقَلْعَةِ يَتَعَذَّرُ","part":20,"page":482},{"id":9982,"text":"فَتْحُهَا بَعْدَ ذَلِكَ ، وَيَبْقَى ضَرَرُهَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ .\rوَلَا يَجُوزُ تَحَمُّلُ هَذِهِ الْمُضِرَّةِ لِدَفْعِ ضَرَرٍ يَسِيرٍ عَنْ وَاحِدٍ ، فَإِنَّ ضَرَرَ صَاحِبِ الْجُعْلِ إنَّمَا هُوَ فِي فَوَاتِ عَيْنِ الْجُعْلِ ، وَتَفَاوُتُ مَا بَيْنَ عَيْنِ الشَّيْءِ وَقِيمَتِهِ يَسِيرٌ ، سِيَّمَا وَهُوَ فِي حَقِّ شَخْصٍ وَاحِدٍ ، وَمُرَاعَاةُ حَقِّ الْمُسْلِمِينَ أَجْمَعِينَ بِدَفْعِ الضَّرَرِ الْكَثِيرِ عَنْهُمْ ، أَوْلَى مِنْ دَفْعِ الضَّرَرِ الْيَسِيرِ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَوْ مِنْ غَيْرِهِمْ ، وَلِهَذَا قُلْنَا فِي مَنْ وَجَدَ مَالَهُ قَبْلَ قَسْمِهِ : فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ ، فَإِنْ وَجَدَهُ بَعْدَ قَسْمِهِ ، لَمْ يَأْخُذْهُ إلَّا بِثَمَنِهِ ، لِئَلَّا يُؤَدِّيَ إلَى الضَّرَرِ بِنَقْصِ الْقِيمَةِ ، أَوْ حِرْمَانِ مَنْ وَقَعَ ذَلِكَ فِي سَهْمِهِ .","part":20,"page":483},{"id":9983,"text":"( 7465 ) فَصْلٌ : قَالَ أَحْمَدُ : وَالنَّفَلُ مِنْ أَرْبَعَةِ أَخْمَاسِ الْغَنِيمَةِ .\rهَذَا قَوْلُ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، وَفُقَهَاءِ الشَّامِ ؛ مِنْهُمْ رَجَاءُ بْنُ حَيْوَةَ ، وَعُبَادَةَ بْنُ نُسَيٍّ ، وَعَدِيُّ بْنُ عَدِيٍّ ، وَمَكْحُولٌ ، وَالْقَاسِمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَيَزِيدُ بْنُ أَبِي مَالِكٍ ، وَيَحْيَى بْنُ جَابِرٍ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَبِهِ قَالَ إِسْحَاقُ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ .\rوَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : وَالنَّاسُ الْيَوْمَ عَلَى هَذَا .\rقَالَ أَحْمَدُ : وَكَانَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ، وَمَالِكُ بْنُ أَنَسٍ يَقُولَانِ : لَا نَفْلَ إلَّا مِنْ الْخُمُسِ .\rفَكَيْفَ خَفِيَ عَلَيْهِمَا هَذَا مَعَ عِلْمِهِمَا ، وَقَالَ النَّخَعِيُّ وَطَائِفَةٌ : إنْ شَاءَ الْإِمَامُ نَفَلَهُمْ قَبْلَ الْخُمُسِ ، وَإِنْ شَاءَ بَعْدَهُ .\rوَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ : وَإِنَّمَا النَّفَلُ قَبْلَ الْخُمُسِ .\rوَاحْتَجَّ مَنْ ذَهَبَ إلَى هَذَا بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ الَّذِي أَوْرَدْنَاهُ .\rوَلَنَا مَا رَوَى مَعْنُ بْنُ يَزِيدَ السُّلَمِيُّ ، قَالَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَقُولُ : { لَا نَفْلَ إلَّا بَعْدَ الْخُمُسِ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ .\rوَهَذَا صَرِيحٌ .\rوَحَدِيثُ حَبِيبِ بْنِ مَسْلَمَةَ { ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُنَفِّلُ الرُّبُعَ بَعْدَ الْخُمُسِ ، وَالثُّلُثَ بَعْدَ الْخُمُسِ } .\rوَحَدِيثُ جَرِيرٍ حِينَ قَالَ لَهُ عُمَرُ وَلَك الثُّلُثُ بَعْدَ الْخُمُسِ .\rوَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَفَلَ الثُّلُثَ ، وَلَا يَتَصَوَّرُ إخْرَاجُهُ مِنْ الْخُمُسِ .\rوَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : { وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ } .\rيَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الْخُمُسُ خَارِجًا مِنْ الْغَنِيمَةِ كُلِّهَا .\rوَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ ، فَقَدْ رَوَاهُ شُعَيْبٌ ، عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ : { بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي جَيْشٍ قِبَلَ نَجْدٍ ، وَابْتُعِثَتْ سَرِيَّةٌ مِنْ الْجَيْشِ ، فَكَانَ سُهْمَانُ الْجَيْشِ اثْنَيْ عَشَرَ بَعِيرًا ، وَنَفَلَ أَهْلَ السَّرِيَّةِ بَعِيرًا","part":20,"page":484},{"id":9984,"text":"بَعِيرًا ، فَكَانَتْ سُهْمَانُهُمْ ثَلَاثَةَ عَشَرَ بَعِيرًا .\r} فَهَذَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ نَفْلُهُمْ مِنْ أَرْبَعَةِ أَخْمَاسِ الْغَنِيمَةِ دُونَ بَقِيَّةِ الْجَيْشِ ، كَمَا تُنْفَلَ السَّرَايَا .\rوَيَتَعَيَّنُ حَمْلُ الْخَبَرِ عَلَى هَذَا ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَعْطَى جَمِيعَ الْجَيْشِ ، لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ نَفْلًا ، وَكَانَ قَدْ قَسَمَ لَهُمْ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ الْأَخْمَاسِ وَهُوَ خِلَافُ الْآيَةِ وَالْأَخْبَارِ ( 7466 ) فَصْلٌ : وَكَلَامُ أَحْمَدَ فِي أَنَّ النَّفَلَ مِنْ أَرْبَعَةِ الْأَخْمَاسِ ، عَامٌّ ؛ لِعُمُومِ الْخَبَرِ فِيهِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى الْقِسْمَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ مِنْ النَّفْلِ ، فَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّالِثُ ، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ : مَنْ جَاءَ بِشَيْءٍ فَلَهُ كَذَا ، أَوْ : مَنْ جَاءَ بِعَشَرَةِ رُءُوسٍ فَلَهُ رَأْسٌ مِنْهَا .\rفَيَحْتَمِلُ أَنْ يَسْتَحِقَّ ذَلِكَ مِنْ الْغَنِيمَةِ كُلِّهَا ؛ لِأَنَّهُ يَنْزِلُ بِمَنْزِلَةِ الْجُعْلِ ، فَأَشْبَهَ السَّلَبَ ، فَإِنَّهُ غَيْرُ مَخْمُوسٍ .\rوَيَحْتَمِلُ فِي الْقِسْمِ الثَّانِي ، وَهُوَ زِيَادَةُ بَعْضِ الْغَانِمِينَ عَلَى سَهْمِهِ لِغِنَائِهِ ، أَنْ يَكُونَ مِنْ خُمُسِ الْخُمُسِ الْمُعَدِّ لِلْمَصَالِحِ ؛ لِأَنَّ عَطِيَّةَ هَذَا مِنْ الْمَصَالِحِ .\rوَالْمَذْهَبُ الْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ الْأَوَّلُ ؛ لِأَنَّ عَطِيَّةَ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ ، سَهْمَ الْفَارِسِ زِيَادَةً عَلَى سَهْمِهِ ، إنَّمَا كَانَ مِنْ أَرْبَعَةِ الْأَخْمَاسِ .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":20,"page":485},{"id":9985,"text":"( 7467 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَيَرُدُّ مَنْ نَفَلَ عَلَى مَنْ مَعَهُ فِي السَّرِيَّةِ ، إذْ بِقُوَّتِهِمْ صَارَ إلَيْهِ ) هَذَا فِي الصُّورَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا الْخِرَقِيِّ ، وَهِيَ الْقِسْمُ الْأَوَّلُ مِنْ أَقْسَامِ النَّفْلِ ، وَهُوَ إذَا بَعَثَ سَرِيَّةً ، وَنَفَلَهَا الثُّلُثَ أَوْ الرُّبُعَ ، فَدَفَعَ النَّفَلَ إلَى بَعْضِهِمْ ، وَخَصَّهُ بِهِ ، أَوْ جَاءَ بَعْضُهُمْ بِشَيْءٍ فَنَفَلَهُ ، وَلَمْ يَأْتِ بَعْضُهُمْ بِشَيْءٍ فَلَمْ يَنْفُلْهُ ، شَارَكَ مَنْ نُفِلَ مَنْ لَمْ يُنْفَلْ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ؛ لِأَنَّ هَؤُلَاءِ إنَّمَا أَخَذُوا بِقُوَّةِ هَؤُلَاءِ ، وَلِأَنَّهُمْ اسْتَحَقُّوا النَّفَلَ عَلَى وَجْهِ الْإِشَاعَةِ بَيْنَهُمْ بِالشَّرْطِ السَّابِقِ ، فَلَمْ يَخْتَصَّ بِهِ وَاحِدٌ مِنْهُمْ كَالْغَنِيمَةِ .\rفَأَمَّا فِي الْقِسْمَيْنِ الْآخَرَيْنِ اللَّذَيْنِ لَمْ يَذْكُرْهُمَا الْخِرَقِيِّ ، مِثْلُ أَنْ يَخُصَّ بَعْضَ الْجَيْشِ بِنَفْلٍ لِغَنَائِهِ ، أَوْ لِجَعْلِهِ لَهُ كَقَوْلِهِ : مَنْ جَاءَ بِعَشَرَةِ رُءُوسٍ فَلَهُ رَأْسٌ ، فَجَاءَ وَاحِدٌ بِعَشَرَةٍ دُونَ الْجَيْشِ ، فَإِنَّ مَنْ نُفِلَ يَخْتَصُّ بِنَفْلِهِ دُونَ غَيْرِهِ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا خَصَّ مِنْ قَتَلَ بِسَلَبِ قَتِيلِهِ اخْتَصَّ بِهِ ، وَلَمَّا خَصَّ سَلَمَةَ بْنَ الْأَكْوَعِ بِسَهْمِ الْفَارِسِ وَالرَّاجِلِ اخْتَصَّ بِهِ .\rوَكَذَلِكَ اخْتَصَّ بِالْمَرْأَةِ الَّتِي نَفْلهَا إيَّاهُ أَبُو بَكْرٍ دُونَ النَّاسِ ، وَلِأَنَّ هَذَا جُعِلَ تَحْرِيضًا عَلَى الْقِتَالِ ، وَحَثًّا عَلَى فِعْلِ مَا يَحْتَاجُ الْمُسْلِمُونَ إلَيْهِ ؛ لِيَحْمِلَ فَاعِلُهُ كُلْفَةَ فِعْلِهِ ، رَغْبَةً فِيمَا جُعِلَ لَهُ ، فَلَوْ لَمْ يَخْتَصَّ بِهِ فَاعِلُهُ ، مَا خَاطَرَ أَحَدٌ بِنَفْسِهِ فِي فِعْلِهِ ، وَلَا حَصَلَتْ مَصْلَحَةُ النَّفْلِ ، فَوَجَبَ أَنْ يَخْتَصَّ الْفَاعِلُ لِذَلِكَ بِنَفْلِهِ .\rكَثَوَابِ الْآخِرَةِ .","part":20,"page":486},{"id":9986,"text":"( 7468 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ ( وَمَنْ قَتَلَ أَحَدًا مِنْهُمْ مُقْبِلًا عَلَى الْقِتَالِ ، فَلَهُ سَلَبُهُ غَيْرَ مَخْمُوسٍ ، قَالَ ذَلِكَ الْإِمَامُ أَوْ لَمْ يَقُلْ ) فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فُصُولٌ سِتَّةٌ : ( 7469 ) الْفَصْلُ الْأَوَّلُ أَنَّ الْقَاتِلَ يَسْتَحِقُّ السَّلَبَ فِي الْجُمْلَةِ ، وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا ، وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ قَتَلَ كَافِرًا فَلَهُ سَلَبُهُ } .\rرَوَاهُ جَمَاعَةٌ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ مِنْهُمْ أَنَسٌ ، وَسَمُرَةُ بْنُ جُنْدُبٍ ، وَغَيْرُهُمَا ، وَرَوَى أَبُو قَتَادَةَ قَالَ : { خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامَ حُنَيْنٍ ، فَلَمَّا الْتَقَيْنَا ، رَأَيْت رَجُلًا مِنْ الْمُشْرِكِينَ قَدْ عَلَا رَجُلًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ ، فَاسْتَدَرْت لَهُ حَتَّى أَتَيْته مِنْ وَرَائِهِ ، فَضَرَبْته بِالسَّيْفِ عَلَى حَبْلِ عَاتِقِهِ ضَرْبَةً ، فَأَدْرَكَهُ الْمَوْتُ ثُمَّ إنَّ النَّاسَ رَجَعُوا ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا ، لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ ، فَلَهُ سَلَبُهُ .\rقَالَ : فَقُمْت فَقُلْت : مَنْ يَشْهَدُ لِي ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا لَك يَا أَبَا قَتَادَةَ .\rفَاقْتَصَصْت عَلَيْهِ الْقِصَّةَ ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ : صَدَقَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، سَلَبُ ذَلِكَ الْقَتِيلِ عِنْدِي ، فَأَرْضِهِ مِنْهُ ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ : لَا هَا اللَّهِ إذَا تَعْمِدُ إلَى أَسَدٍ مِنْ أُسْدِ اللَّهِ تَعَالَى ، يُقَاتِلُ عَنْ اللَّهِ وَعَنْ رَسُولِهِ ، فَيُعْطِيك سَلَبَهُ .\rفَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : صَدَقَ ، فَأَسْلِمْهُ إلَيْهِ .\rقَالَ : فَأَعْطَانِيهِ .\r} مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَعَنْ أَنَسٍ ، قَالَ { قَالَ : رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ حُنَيْنٍ : مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا ، فَلَهُ سَلَبُهُ .\r} فَقَتَلَ أَبُو طَلْحَةَ يَوْمَئِذٍ عِشْرِينَ رَجُلًا ، فَأَخَذَ أَسْلَابَهُمْ .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .","part":20,"page":487},{"id":9987,"text":"( 7470 ) أَنَّ السَّلَبَ لِكُلِّ قَاتِلٍ يَسْتَحِقُّ السَّهْمَ أَوْ الرَّضْخَ ، كَالْعَبْدِ وَالْمَرْأَةِ وَالصَّبِيِّ وَالْمُشْرِكِ .\rوَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، أَنَّ الْعَبْدَ إذَا بَارَزَ بِإِذْنِ مَوْلَاهُ فَقَتَلَ ، لَمْ يَسْتَحِقَّ السَّلَبَ ، وَيُرْضَخُ لَهُ مِنْهُ ؛ وَلِلشَّافِعِيِّ فِي مَنْ لَا سَهْمَ لَهُ قَوْلَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، لَا يَسْتَحِقُّ السَّلَبَ ؛ لِأَنَّ السَّهْمَ آكَدُ مِنْهُ ، لِلْإِجْمَاعِ عَلَيْهِ ، فَإِذَا لَمْ يَسْتَحِقَّهُ ، فَالسَّلَبُ أَوْلَى .\rوَلَنَا ، عُمُومُ الْخَبَرِ ، وَأَنَّهُ قَاتِلٌ مِنْ أَهْلِ الْغَنِيمَةِ ، ، فَاسْتَحَقَّ السَّلَبَ ، كَذَا السَّهْمَ ، وَلِأَنَّ الْأَمِيرَ لَوْ جَعَلَ جُعْلًا لِمَنْ صَنَعَ شَيْئًا فِيهِ نَفْعٌ لِلْمُسْلِمِينَ ، لَاسْتَحَقَّهُ فَاعِلُهُ مِنْ هَؤُلَاءِ ، فَاَلَّذِي جَعَلَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْلَى .\rوَفَارَقَ السَّهْمَ ؛ لِأَنَّهُ عُلِّقَ عَلَى الْمَظِنَّةِ ، وَلِهَذَا يُسْتَحَقُّ بِالْحُضُورِ ، وَيَسْتَوِي فِيهِ الْفَاعِلُ وَغَيْرُهُ ، وَالسَّلَبُ مُسْتَحَقٌّ بِحَقِيقَةِ الْفِعْلِ ، وَقَدْ وُجِدَ مِنْهُ ذَلِكَ ، فَاسْتَحَقَّهُ ، كَالْمَجْعُولِ لَهُ جُعْلًا عَلَى فِعْلٍ إذَا فَعَلَهُ .\rفَإِنْ كَانَ الْقَاتِلُ مِمَّنْ لَا يَسْتَحِقُّ سَهْمًا وَلَا رَضْخًا ، كَالْمُرْجِفِ وَالْمُخَذِّلِ وَالْمُعِينِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ ، لَمْ يَسْتَحِقَّ السَّلَبَ وَإِنْ قَتَلَ ؛ وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْجِهَادِ .\rوَإِنْ بَارِزَ الْعَبْدُ بِغَيْرِ إذْنِ مَوْلَاهُ ، لَمْ يَسْتَحِقَّ ، السَّلَبَ ، لِأَنَّهُ عَاصٍ .\rوَكَذَلِكَ كُلُّ عَاصٍ ، مِثْلُ مَنْ دَخَلَ بِغَيْرِ إذْنِ الْأَمِيرِ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ فِي مَنْ دَخَلَ بِغَيْرِ إذْنِ الْأَمِيرِ ، أَنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْهُ الْخُمُسُ ، وَبَاقِيه لَهُ ، جَعَلَهُ كَالْغَنِيمَةِ ، وَيُخْرَجُ فِي الْعَبْدِ الْمُبَارِزِ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ مِثْلُهُ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ سَلَبُ قَتِيلِ الْعَبْدِ لَهُ عَلَى كُلِّ حَالٍ ، لِأَنَّ مَا كَانَ لَهُ فَهُوَ لِسَيِّدِهِ ، فَفِي حِرْمَانِهِ السَّلَبَ حِرْمَانُ سَيِّدِهِ ، وَلَا مَعْصِيَةَ مِنْهُ .","part":20,"page":488},{"id":9988,"text":"( 7471 ) أَنَّ السَّلَبَ لِلْقَاتِلِ فِي كُلِّ حَالٍ ، إلَّا أَنْ يَنْهَزِمَ الْعَدُوُّ .\rوَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَدَاوُد ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ .\rوَقَالَ مَسْرُوقٌ : إذَا الْتَقَى الزَّحْفَانِ ، فَلَا سَلَبَ لَهُ ، إنَّمَا النَّفَلُ قَبْلُ وَبَعْدُ .\rوَنَحْوُهُ قَوْلُ نَافِعٍ .\rكَذَلِكَ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ ، وَسَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ السَّلَبُ لِلْقَاتِلِ ، مَا لَمْ تَمْتَدَّ الصُّفُوفُ بَعْضُهَا إلَى بَعْضٍ ، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ ، فَلَا سَلَبَ لِأَحَدٍ .\rوَلَنَا ، عُمُومُ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا ، فَلَهُ سَلَبُهُ } .\rوَلِأَنَّ أَبَا قَتَادَةَ إنَّمَا قَتَلَ الَّذِي أَخَذَ سَلَبَهُ فِي حَالِ الْتِقَاءِ الزَّحْفَيْنِ ، أَلَا تَرَاهُ يَقُولُ : فَلَمَّا الْتَقَيْنَا رَأَيْت رَجُلًا مِنْ الْمُشْرِكِينَ قَدْ عَلَا رَجُلًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ .\rوَكَذَلِكَ قَوْلُ أَنَسٍ : فَقَتَلَ أَبُو طَلْحَةَ يَوْمَئِذٍ عِشْرِينَ رَجُلًا ، وَأَخَذَ أَسْلَابَهُمْ .\rوَكَانَ ذَلِكَ بَعْدَ الْتِقَاءِ الزَّحْفَيْنِ ، لِأَنَّ هَوَازِنَ لَقُوا الْمُسْلِمِينَ فَجْأَةً ، فَأَلْحَمُوا الْحَرْبَ قَبْلَ أَنْ تَتَقَدَّمَهَا مُبَارَزَةٌ .\rوَرَوَى سَعِيدٌ : حَدَّثَنَا إسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَمْرٍو ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ .\rقَالَ : غَزَوْنَا إلَى طَرَفِ الشَّامِ ، فَأُمِّرَ عَلَيْنَا خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ ، فَانْضَمَّ إلَيْنَا رَجُلٌ مِنْ أَمْدَادِ حِمْيَرَ ، فَقُضِيَ لَنَا أَنَّا لَقِينَا عَدُوَّنَا ، فَقَاتَلُونَا قِتَالًا شَدِيدًا ، وَفِي الْقَوْمِ رَجُلٌ مِنْ الرُّومِ ، عَلَى فَرَسٍ لَهُ أَشْقَرَ ، وَسَرْجٍ مُذْهَبٍ ، وَمِنْطَقَةٍ مُلَطَّخَةٍ ، وَسَيْفٍ مِثْلِ ذَلِكَ ، فَجَعَلَ يَحْمِلُ عَلَى الْقَوْمِ ، وَيُغْرِي بِهِمْ ، فَلَمْ يَزَلْ الْمَدَدِيُّ يَحْتَالُ لِذَلِكَ الرُّومِيِّ حَتَّى مَرَّ بِهِ ، فَاسْتَقْفَاهُ ، فَضَرَبَ عُرْقُوبَ فَرَسِهِ بِالسَّيْفِ ، ثُمَّ وَقَعَ ، فَأَتْبَعَهُ ضَرْبًا بِالسَّيْفِ حَتَّى قَتَلَهُ فَلَمَّا فَتَحَ اللَّهُ الْفَتْحَ ، أَقْبَلَ بِسَلَبِ الْقَتِيلِ ، وَقَدْ شَهِدَ","part":20,"page":489},{"id":9989,"text":"لَهُ النَّاسُ أَنَّهُ قَاتِلُهُ ، فَأَعْطَاهُ خَالِدٌ بَعْضَ سَلَبِهِ ، وَأَمْسَكَ سَائِرَهُ ، فَلَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ اسْتَعْدَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَدَعَا خَالِدًا ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : \" مَا مَنَعَك يَا خَالِدُ أَنْ تَدْفَعَ إلَى هَذَا سَلَبَ قَتِيلِهِ ؟ \" .\rقَالَ : اسْتَكْثَرْته لَهُ .\rقَالَ : \" فَادْفَعْهُ إلَيْهِ \" .\rوَذَكَرَ الْحَدِيثَ .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .","part":20,"page":490},{"id":9990,"text":"( 7472 ) أَنَّهُ إنَّمَا يَسْتَحِقُّ السَّلَبَ بِشُرُوطٍ أَرْبَعَةٍ ؛ أَحَدُهَا ، أَنْ يَكُونَ الْمَقْتُولُ مِنْ الْمُقَاتِلَةِ الَّذِينَ يَجُوزُ قَتْلُهُمْ ، فَأَمَّا إنْ قَتَلَ امْرَأَةً ، أَوْ صَبِيًّا ، أَوْ شَيْخًا فَانِيًا ، أَوْ ضَعِيفًا مَهِينًا ، وَنَحْوَهُمْ مِمَّنْ لَا يُقَاتِلُ ، لَمْ يَسْتَحِقَّ سَلَبَهُ .\rلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا .\rوَإِنْ كَانَ أَحَدُ هَؤُلَاءِ يُقَاتِلُ ، اسْتَحَقَّ قَاتِلُهُ سَلَبَهُ ، لِأَنَّهُ يَجُوزُ قَتْلُهُ ، وَمَنْ قَتَلَ أَسِيرًا لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ ، لَمْ يَسْتَحِقَّ سَلَبَهُ ؛ لِذَلِكَ .\rالثَّانِي أَنْ يَكُونَ الْمَقْتُولُ فِيهِ مَنَعَةٌ ، غَيْرَ مُثْخَنٍ بِالْجِرَاحِ ، فَإِنْ كَانَ مُثْخَنًا بِالْجِرَاحِ ، فَلَيْسَ لِقَاتِلِهِ شَيْءٌ مِنْ سَلَبِهِ .\rوَبِهَذَا قَالَ مَكْحُولٌ ، وَجَرِيرُ بْنُ عُثْمَانَ ، وَالشَّافِعِيُّ ؛ لِأَنَّ مُعَاذَ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ أَثْبَتَ أَبَا جَهْلٍ ، وَذَفَّفَ عَلَيْهِ ابْنُ مَسْعُودٍ ، فَقَضَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسَلَبِهِ لِمُعَاذِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ ، وَلَمْ يُعْطِ ابْنَ مَسْعُودٍ شَيْئًا .\rوَإِنْ قَطَعَ يَدَيْ رَجُلٍ وَرِجْلَيْهِ ، وَقَتَلَهُ آخِرُ ، فَالسَّلَبُ لِلْقَاطِعِ دُونَ الْقَاتِلِ ؛ لِأَنَّ الْقَاطِعَ هُوَ الَّذِي كَفَى الْمُسْلِمِينَ شَرَّهُ .\rوَإِنْ قَطَعَ يَدَيْهِ أَوْ رَجُلَيْهِ ، وَقَتَلَهُ الْآخِرُ ، فَالسَّلَبُ لِلْقَاطِعِ ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ عَطَّلَهُ ، فَأَشْبَهَ الَّذِي قَتَلَهُ ، وَالثَّانِي سَلَبَهُ فِي الْغَنِيمَةِ ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَتْ رِجْلَاهُ سَالِمَتَيْنِ ، فَإِنَّهُ يَعْدُو وَيُكْثِرُ ، وَإِنْ كَانَتْ يَدَاهُ سَالِمَتَيْنِ ، فَإِنَّهُ يُقَاتِلُ بِهِمَا ، فَلَمْ يَكْفِ الْقَاطِعُ شَرَّهُ كُلَّهُ ، وَلَا يَسْتَحِقُّ الْقَاتِلُ سَلَبَهُ ؛ لِأَنَّهُ مُثْخَنٌ بِالْجِرَاحِ .\rوَإِنْ قَطَعَ يَدَهُ وَرِجْلَهُ مِنْ خِلَافٍ ، فَكَذَلِكَ .\rوَإِنْ قَطَعَ إحْدَى يَدَيْهِ وَإِحْدَى رِجْلَيْهِ ، ثُمَّ قَتَلَهُ آخَرُ ، فَسَلَبُهُ غَنِيمَةٌ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ لِلْقَاتِلِ ؛ لِأَنَّهُ قَاتِلٌ لِمَنْ لَمْ يَكْفِ الْمُسْلِمِينَ شَرَّهُ .\rوَإِنْ عَانَقَ رَجُلٌ رَجُلًا ، فَقَتَلَهُ آخَرُ ، فَالسَّلَبُ","part":20,"page":491},{"id":9991,"text":"لِلْقَاتِلِ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : هُوَ لِلْمُعَانِقِ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا ، فَلَهُ سَلَبُهُ .\r} وَلِأَنَّهُ كَفَى الْمُسْلِمِينَ شَرَّهُ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ يُعَانِقْهُ الْآخَرُ ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الْكَافِرُ مُقْبِلًا عَلَى رَجُلٍ يُقَاتِلُهُ ، فَجَاءَ آخِرُ مِنْ وَرَائِهِ ، فَضَرَبَهُ فَقَتَلَهُ ، فَسَلَبُهُ لِقَاتِلِهِ ، بِدَلِيلِ قِصَّةِ قَتِيلِ أَبِي قَتَادَةَ .\rالثَّالِثُ ، أَنْ يَقْتُلَهُ أَوْ يُثْخِنَهُ بِجِرَاحٍ تَجْعَلُهُ فِي حُكْمِ الْمَقْتُولِ .\rقَالَ أَحْمَدُ : لَا يَكُونُ السَّلَبُ إلَّا لِلْقَاتِلِ .\rوَإِنْ أَسَرَ رَجُلًا ، لَمْ يَسْتَحِقَّ سَلَبَهُ ، سَوَاءٌ قَتَلَهُ الْإِمَامُ أَوْ لَمْ يَقْتُلْهُ .\rوَقَالَ مَكْحُولٌ : لَا يَكُونُ السَّلَبُ إلَّا لِمَنْ أَسَرَ عِلْجًا أَوْ قَتَلَهُ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : إذَا أُسِرَ رَجُلٌ ، فَقَتَلَهُ الْإِمَامُ صَبْرًا ، فَسَلَبُهُ لِمَنْ أَسَرَهُ ؛ لِأَنَّ الْأَسْرَ أَصْعَبُ مِنْ الْقَتْلِ ، فَإِذَا اسْتَحَقَّ سَلَبَهُ بِالْقَتْلِ ، كَانَ تَنْبِيهًا عَلَى اسْتِحْقَاقِهِ بِالْأَسْرِ .\rقَالَ : وَإِنْ اسْتَبْقَاهُ الْإِمَامُ ، كَانَ لَهُ فِدَاؤُهُ ، أَوْ رَقَبَتُهُ وَسَلَبُهُ ، لِأَنَّهُ كَفَى الْمُسْلِمِينَ شَرَّهُ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الْمُسْلِمِينَ أَسَرُوا أَسْرَى يَوْمَ بَدْرٍ ، فَقَتَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عُقْبَةَ وَالنَّضْرَ بْنَ الْحَارِثِ ، وَاسْتَبْقَى سَائِرَهُمْ ، فَلَمْ يُعْطِ مَنْ أَسَرَهُمْ أَسْلَابَهُمْ ، وَلَا فِدَاءَهُمْ ، وَكَانَ فِدَاؤُهُمْ غَنِيمَةً .\rوَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّمَا جَعَلَ السَّلَبَ لِلْقَاتِلِ ، وَلَيْسَ الْآسِرُ بِقَاتِلٍ ، وَلِأَنَّ الْإِمَامَ مُخَيَّرٌ فِي الْأَسْرَى ، وَلَوْ كَانَ لِمَنْ أَسَرَهُ ، كَانَ أَمْرُهُ إلَيْهِ دُونَ الْإِمَامِ .\rالرَّابِعُ ، أَنْ يُغَرِّرَ بِنَفْسِهِ فِي قَتْلِهِ ، فَأَمَّا إنْ رَمَاهُ بِسَهْمٍ مِنْ صَفِّ الْمُسْلِمِينَ فَقَتَلَهُ ، فَلَا سَلَبَ لَهُ .\rقَالَ أَحْمَدُ : السَّلَبُ لِلْقَاتِلِ ، إنَّمَا هُوَ فِي الْمُبَارَزَةِ ، لَا يَكُونُ فِي الْهَزِيمَةِ .\rوَإِنْ حَمَلَ","part":20,"page":492},{"id":9992,"text":"جَمَاعَةٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ عَلَى وَاحِدٍ فَقَتَلُوهُ ، فَالسَّلَبُ فِي الْغَنِيمَةِ ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يُغَرِّرُوا بِأَنْفُسِهِمْ فِي قَتْلِهِ .\rوَإِنْ اشْتَرَكَ فِي قَتْلِهِ اثْنَانِ ، فَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ أَنَّ سَلَبَهُ غَنِيمَةٌ ، فَإِنَّهُ قَالَ ، فِي رِوَايَةِ حَرْبٍ : لَهُ السَّلَبُ إذَا انْفَرَدَ بِقَتْلِهِ .\rوَحَكَى أَبُو الْخَطَّابِ ، عَنْ الْقَاضِي ، إنَّهُمَا يَشْتَرِكَانِ فِي سَلَبِهِ ؛ لِقَوْلِهِ : { مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا ، فَلَهُ سَلَبُهُ } .\rوَهَذَا يَتَنَاوَلُ الْوَاحِدَ وَالْجَمَاعَةَ ، وَلِأَنَّهُمَا اشْتَرَكَا فِي السَّبَبِ ، فَاشْتَرَكَا فِي السَّلَبِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ السَّلَبَ إنَّمَا يُسْتَحَقُّ بِالتَّغْرِيرِ فِي قَتْلِهِ ، وَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ بِقَتْلِ الِاثْنَيْنِ ، فَلَمْ يُسْتَحَقَّ بِهِ السَّلَبُ ، كَمَا لَوْ قَتَلَهُ جَمَاعَةٌ ، وَلَمْ يَبْلُغْنَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَرَّكَ بَيْنَ اثْنَيْنِ فِي سَلَبٍ .\rفَإِنْ اشْتَرَكَ اثْنَانِ فِي ضَرْبِهِ ، وَكَانَ أَحَدُهُمَا أَبْلَغَ فِي قَتْلِهِ مِنْ الْآخَرِ ، فَالسَّلَبُ لَهُ ؛ لِأَنَّ أَبَا جَهْلٍ ضَرَبَهُ مُعَاذُ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ ، وَمُعَاذُ ابْنُ عَفْرَاءَ ، وَأَتَيَا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرَاهُ ، فَقَالَ : { كِلَاكُمَا قَتَلَهُ .\rوَقَضَى بِسَلَبِهِ لِمُعَاذِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ .\r} وَإِنْ انْهَزَمَ الْكُفَّارُ كُلُّهُمْ ، فَأَدْرَكَ إنْسَانٌ مُنْهَزِمًا مِنْهُمْ ، فَقَتَلَهُ ، فَلَا سَلَبَ لَهُ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُغَرِّرْ فِي قَتْلِهِ .\rوَإِنْ كَانَتْ الْحَرْبُ قَائِمَةً ، فَانْهَزَمَ أَحَدُهُمْ فَقَتَلَهُ إنْسَانٌ ، فَسَلَبُهُ لِقَاتِلِهِ ؛ لِأَنَّ الْحَرْبَ فَرٌّ وَكَرٌّ ، وَقَدْ قَتَلَ سَلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ طَلِيعَةً لِلْكُفَّارِ وَهُوَ مُنْهَزِمٌ ، { فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ قَتَلَهُ ؟ .\rقَالُوا : سَلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ .\rقَالَ : لَهُ سَلَبُهُ أَجْمَعُ } .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ ، وَدَاوُد ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ : السَّلَبُ لِكُلِّ قَاتِلٍ ؛ لِعُمُومِ الْخَبَرِ ، وَاحْتِجَاجًا بِحَدِيثِ سَلَمَةَ هَذَا .\rوَلَنَا ، أَنَّ ابْنَ","part":20,"page":493},{"id":9993,"text":"مَسْعُودٍ ذَفَّفَ عَلَى أَبِي جَهْلٍ ، فَلَمْ يُعْطِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَلَبَهُ ، وَأَمَرَ بِقَتْلِ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ وَالنَّضْرَ بْنَ الْحَارِثِ صَبْرًا ، وَلَمْ يُعْطِ سَلَبَهُمَا مَنْ قَتَلَهُمَا ، وَقَتَلَ بَنِي قُرَيْظَةَ صَبْرًا ، فَلَمْ يُعْطِ مَنْ قَتَلَهُمْ أَسْلَابَهُمْ ، وَإِنَّمَا أَعْطَى السَّلَبَ مَنْ قَتَلَ مُبَارِزًا ، أَوْ كَفَى الْمُسْلِمِينَ شَرَّهُ ، وَغَرَّرَ فِي قَتْلِهِ ، وَالْمُنْهَزِمُ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْحَرْبِ ، قَدْ كَفَى الْمُسْلِمِينَ شَرَّ نَفْسِهِ ، وَلَمْ يُغَرِّرْ قَاتِلُهُ بِنَفْسِهِ فِي قَتْلِهِ ، فَلَمْ يَسْتَحِقَّ سَلَبَهُ كَالْأَسِيرِ .\rوَأَمَّا الَّذِي قَتَلَهُ سَلَمَةُ ، فَكَانَ مُتَحَيِّزًا إلَى فِئَةٍ ، وَكَذَلِكَ مَنْ قُتِلَ حَالَ قِيَامِ الْحَرْبِ ، فَإِنَّهُ إنْ كَانَ مُنْهَزِمًا فَهُوَ مُتَحَيِّزٌ إلَى فِئَةٍ ، وَرَاجِعٌ إلَى الْقِتَالِ ، فَأَشْبَهَ الْكَارَّ ، فَإِنَّ الْقِتَالَ فَرٌّ وَكَرٌّ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي اسْتِحْقَاقِ السَّلَبِ أَنْ تَكُونَ الْمُبَارَزَةُ بِإِذْنِ الْأَمِيرِ ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَنْ قُضِيَ لَهُ بِالسَّلَبِ فِي عَصْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْسَ فِيهِمْ مَنْ نُقِلَ إلَيْنَا أَنَّهُ أُذِنَ لَهُ فِي الْمُبَارَزَةِ ، مَعَ أَنَّ عُمُومَ الْخَبَرِ يَقْتَضِي اسْتِحْقَاقَ السَّلَبِ لِكُلِّ قَاتِلٍ ، إلَّا مَنْ خَصَّهُ الدَّلِيلُ .","part":20,"page":494},{"id":9994,"text":"( 7473 ) أَنَّ السَّلَبَ لَا يُخْمَسُ .\rرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ .\rوَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ ، وَابْنُ جَرِيرٍ .\rوَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : يُخْمَسُ .\rوَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ ، وَمَكْحُولٌ ؛ لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى : { وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ } .\rوَقَالَ إِسْحَاقُ : إنْ اسْتَكْثَرَ الْإِمَامُ السَّلَبَ خَمَسَهُ .\rوَذَلِكَ إلَيْهِ ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ سِيرِينَ ، أَنَّ الْبَرَاءَ بْنَ مَالِكٍ بَارَزَ مَرْزُبَانَ الزَّأْرَةِ بِالْبَحْرَيْنِ ، فَطَعَنَهُ فَدَقَّ صُلْبَهُ ، وَأَخَذَ سِوَارَيْهِ وَسَلَبَهُ ، فَلَمَّا صَلَّى عُمَرُ الظُّهْرَ ، أَتَى أَبَا طَلْحَةَ فِي دَارِهِ ، فَقَالَ : إنَّا كُنَّا لَا نُخَمِّسُ السَّلَبَ ، وَإِنَّ سَلَبَ الْبَرَاءِ قَدْ بَلَغَ مَالًا ، وَأَنَا خَامِسُهُ .\rفَكَانَ أَوَّلُ سَلَبٍ خُمِسَ فِي الْإِسْلَامِ سَلَبَ الْبَرَاءِ .\rرَوَاهُ سَعِيدٌ فِي السُّنَنِ .\rوَفِيهَا أَنَّ سَلَبَ الْبَرَاءِ بَلَغَ ثَلَاثِينَ أَلْفًا .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى عَوْفُ بْنُ مَالِكٍ ، وَخَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى بِالسَّلَبِ لِلْقَاتِلِ ، وَلَمْ يَخْمُسْ السَّلَبَ .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَعُمُومُ الْأَخْبَارِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا ، وَخَبَرُ عُمَرَ حُجَّةٌ لَنَا ، فَإِنَّهُ قَالَ : إنَّا كُنَّا لَا نُخَمِّسُ السَّلَبَ .\rوَقَوْلُ الرَّاوِي : كَانَ أَوَّلَ سَلَبٍ خُمِسَ فِي الْإِسْلَامِ .\rيَعْنِي أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ صَدْرًا مِنْ خِلَافَتِهِ ، لَمْ يَخْمُسُوا سَلَبًا ، وَاتِّبَاعُ ذَلِكَ أَوْلَى .\rقَالَ الْجُوزَجَانِيُّ : لَا أَظُنُّهُ يَجُوزُ لِأَحَدٍ فِي شَيْءٍ سَبَقَ فِيهِ مِنْ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْءٌ إلَّا اتِّبَاعُهُ ، وَلَا حُجَّةَ فِي قَوْلِ أَحَدٍ مَعَ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rوَمَا ذَكَرْنَاهُ يَصْلُحُ أَنْ يُخَصَّصَ بِهِ عُمُومُ الْآيَةِ .\rوَإِذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّ السَّلَبَ مِنْ أَصْلِ الْغَنِيمَةِ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : يُحْتَسَبُ مِنْ خُمْسِ الْخُمْسِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى","part":20,"page":495},{"id":9995,"text":"اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى بِالسَّلَبِ لِلْقَاتِلِ مُطْلَقًا ، وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ أَنَّهُ احْتَسَبَ بِهِ مِنْ خُمْسِ الْخُمْسِ ، وَلِأَنَّهُ لَوْ احْتَسَبَ بِهِ مِنْ خُمْسِ الْخُمْسِ ، اُحْتِيجَ إلَى مَعْرِفَةِ قِيمَتِهِ وَقَدْرِهِ ، وَلَمْ يُنْقَلْ ذَلِكَ وَلِأَنَّ سَبَبَهُ لَا يَفْتَقِرُ إلَى اجْتِهَادِ الْإِمَامِ ، فَلَمْ يَكُنْ مِنْ خُمْسِ الْخُمْسِ ، كَسَهْمِ الْفَارِسِ وَالرَّاجِلِ .","part":20,"page":496},{"id":9996,"text":"( 7474 ) أَنَّ الْقَاتِلَ يَسْتَحِقُّ السَّلَبَ ، قَالَ ذَلِكَ الْإِمَامُ أَوْ لَمْ يَقُلْ .\rوَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ ، وَاللَّيْثُ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالثَّوْرِيُّ : لَا يَسْتَحِقُّهُ إلَّا أَنْ يَشْرِطَهُ الْإِمَامُ لَهُ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : لَا يَسْتَحِقُّهُ ، إلَّا أَنْ يَقُولَ الْإِمَامُ ذَلِكَ .\rوَلَمْ يَرَ أَنْ يَقُولَ الْإِمَامُ ذَلِكَ إلَّا بَعْدَ انْقِضَاءِ الْحَرْبِ ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ مَذْهَبِهِ فِي النَّفْلِ ، وَجَعَلُوا السَّلَبَ هَاهُنَا مِنْ جُمْلَةِ الْأَنْفَالِ .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ مِثْلُ قَوْلِهِمْ ، وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ ، وَاحْتَجُّوا بِمَا رَوَى عَوْفُ بْنُ مَالِكٍ أَنَّ مَدَدِيًّا اتَّبَعَهُمْ ، فَقَتَلَ عِلْجًا ، فَأَخَذَ خَالِدٌ بَعْضَ سَلَبَهُ ، وَأَعْطَاهُ بَعْضَهُ ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : { لَا تُعْطِهِ يَا خَالِدُ } .\rرَوَاهُ سَعِيدٌ ، وَأَبُو دَاوُد .\rوَأَنَا اخْتَصَرْته .\rوَرَوَيَا بِإِسْنَادِهِمَا عَنْ شِبْرِ بْنِ عَلْقَمَةَ ، قَالَ : بَارَزْت رَجُلًا يَوْمَ الْقَادِسِيَّةِ ، فَقَتَلْته ، وَأَخَذْت سَلَبَهُ ، فَأَتَيْت بِهِ سَعْدًا ، فَخَطَبَ سَعْدٌ أَصْحَابَهُ ، وَقَالَ : إنَّ هَذَا سَلَبُ شِبْرٍ ، خَيْرٌ مِنْ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا ، وَإِنَّا قَدْ نَفَلْنَاهُ إيَّاهُ .\rوَلَوْ كَانَ حَقًّا لَهُ ، لَمْ يَحْتَجْ إلَى نَفْلِهِ ، وَلِأَنَّ عُمَرَ أَخَذَ الْخُمُسَ مِنْ سَلَبِ الْبَرَاءِ ، وَلَوْ كَانَ حَقًّا لَهُ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ شَيْئًا ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَفَعَ سَلَبَ أَبِي قَتَادَةَ إلَيْهِ مِنْ غَيْرِ بَيِّنَةٍ وَلَا يَمِينٍ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا ، فَلَهُ سَلَبُهُ } .\rوَهَذَا مِنْ قَضَايَا رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَشْهُورَةِ ، الَّتِي عَمِلَ بِهَا الْخُلَفَاءُ بَعْدَهُ ، وَأَخْبَارُهُمْ الَّتِي احْتَجُّوا بِهَا تَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ ؛ فَإِنَّ عَوْفَ بْنَ مَالِكٍ احْتَجَّ عَلَى خَالِدٍ حِينَ أَخَذَ سَلَبَ الْمَدَدِيَّ ، فَقَالَ","part":20,"page":497},{"id":9997,"text":"لَهُ عَوْفٌ : أَمَّا تَعْلَمُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى بِالسَّلَبِ لِلْقَاتِلِ ؟ قَالَ : بَلَى .\rوَقَوْلُ عُمَرَ : إنَّا كُنَّا لَا نُخَمِّسُ السَّلَبَ .\rيَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذِهِ قَضِيَّةٌ عَامَّةٌ فِي كُلِّ غَزْوَةٍ ، وَحُكْمٌ مُسْتَمِرٌّ لِكُلِّ قَاتِلٍ ، وَإِنَّمَا أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَالِدًا أَنْ لَا يَرُدَّ عَلَى الْمَدَدِيِّ عُقُوبَةً ، حِينَ أَغْضَبَهُ عَوْفٌ بِتَقْرِيعِهِ خَالِدًا بَيْنَ يَدَيْهِ ، وَقَوْلُهُ : قَدْ أَنْجَزْت لَك مَا ذَكَرْت لَك مِنْ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rوَأَمَّا خَبَرُ شِبْرٍ ، فَإِنَّمَا أَنْفَذَ لَهُ سَعْدٌ مَا قَضَى لَهُ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسَمَّاهُ نَفْلًا ، لِأَنَّهُ فِي الْحَقِيقَةِ نَفْلٌ ؛ لِأَنَّهُ زِيَادَةٌ عَلَى سَهْمِهِ .\rوَأَمَّا أَبُو قَتَادَةَ ، فَإِنَّ خَصْمَهُ اعْتَرَفَ لَهُ بِهِ ، وَصَدَّقَهُ ، فَجَرَى مَجْرَى الْبَيِّنَةِ ، وَلِأَنَّ السَّلَبَ مَأْخُوذٌ مِنْ الْغَنِيمَةِ بِغَيْرِ تَقْدِيرِ الْإِمَامِ وَاجْتِهَادِهِ ، فَلَمْ يَفْتَقِرْ إلَى شَرْطِهِ ، كَالسَّهْمِ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّ أَحْمَدَ قَالَ : لَا يُعْجِبُنِي أَنْ يَأْخُذَ السَّلَبَ إلَّا بِإِذْنِ الْإِمَامِ .\rوَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ .\rوَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ ، وَالشَّافِعِيُّ : لَهُ أَخْذُهُ بِغَيْرِ إذْنٍ ؛ لِأَنَّهُ اسْتَحَقَّهُ بِجَعْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُ ذَلِكَ ، وَلَا يَأْمَنُ إنْ أَظْهَرَهُ عَلَيْهِ أَنْ لَا يُعْطَاهُ .\rوَوَجْهُ قَوْلِ أَحْمَدَ ، أَنَّهُ فِعْلٌ مُجْتَهَدٌ فِيهِ ، فَلَمْ يَنْفُذْ أَمْرُهُ فِيهِ إلَّا بِإِذْنِ الْإِمَامِ كَأَخْذِ سَهْمِهِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا مِنْ أَحْمَدَ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِحْبَابِ ، لِيَخْرُجَ مِنْ الْخِلَافِ ، لَا عَلَى سَبِيلِ الْإِيجَابِ فَعَلَى هَذَا ، إنْ أَخَذَهُ بِغَيْرِ إذْنٍ ، تَرَكَ الْفَضِيلَةَ ، وَلَهُ مَا أَخَذَهُ .","part":20,"page":498},{"id":9998,"text":"( 7475 ) مَسْأَلَة قَالَ : ( وَالدَّابَّةُ وَمَا عَلَيْهَا مِنْ آلَتِهَا مِنْ السَّلَبِ ، إذَا قُتِلَ وَهُوَ عَلَيْهَا ، وَكَذَلِكَ مَا عَلَيْهِ مِنْ السِّلَاحِ وَالثِّيَابِ وَإِنْ كَثُرَ ، فَإِنْ كَانَ مَعَهُ مَالٌ لَمْ يَكُنْ مِنْ السَّلَبِ .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ رَحِمَهُ اللَّهُ رِوَايَةٌ أُخْرَى ، أَنَّ الدَّابَّةَ لَيْسَتْ مِنْ السَّلَبِ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ السَّلَبَ مَا كَانَ الْقَتِيلُ لَابِسًا لَهُ ، مِنْ ثِيَابٍ ، وَعِمَامَةٍ ، وَقَلَنْسُوَةٍ وَمِنْطَقَةٍ ، وَدِرْعٍ ، وَمِغْفَرٍ ، وَبَيْضَةٍ ، وَتَاجٍ ، وَأَسْوِرَةٍ وَرَأَنٍ ، وَخُفٍّ ، بِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ حِلْيَةٍ ، وَنَحْوِ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الْمَفْهُومَ مِنْ السَّلَبِ اللِّبَاسُ ، وَكَذَلِكَ السِّلَاحُ ؛ مِنْ السَّيْفِ ، وَالرُّمْحِ ، وَالسِّكِّينِ ، وَاللَّتِّ ، وَنَحْوِهِ ، لِأَنَّهُ يَسْتَعِينُ بِهِ فِي قِتَالِهِ ، فَهُوَ أَوْلَى بِالْأَخْذِ مِنْ اللِّبَاسِ ، وَكَذَلِكَ الدَّابَّةُ ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَعِينُ بِهَا ، فَهِيَ كَالسِّلَاحِ وَأَبْلَغُ مِنْهُ ، وَلِذَلِكَ اسْتَحَقَّ بِهَا زِيَادَةَ السُّهْمَانِ ، بِخِلَافِ السِّلَاحِ .\rفَأَمَّا الْمَالُ الَّذِي مَعَهُ فِي كمرانه وَخَرِيطَتِهِ ، فَلَيْسَ بِسَلَبٍ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْمَلْبُوسِ ، وَلَا مِمَّا يَسْتَعِينُ بِهِ فِي الْحَرْبِ ، وَكَذَلِكَ رَحْلُهُ وَأَثَاثُهُ ، وَمَا لَيْسَتْ يَدُهُ عَلَيْهِ مِنْ مَالِهِ لَيْسَ مِنْ سَلَبِهِ .\rوَبِهَذَا قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ ، وَمَكْحُولٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، إلَّا أَنَّ الشَّافِعِيَّ قَالَ : مَا لَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ فِي الْحَرْبِ ، كَالتَّاجِ ، وَالسِّوَارِ ، وَالطَّوْقِ ، وَالْهِمْيَانِ الَّذِي لِلنَّفَقَةِ ، لَيْسَ مِنْ السَّلَبِ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا لَا يُسْتَعَانُ بِهِ فِي الْحَرْبِ ، فَأَشْبَهَ الْمَالَ الَّذِي فِي خَرِيطَتِهِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ فِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ ، أَنَّهُ بَارَزَ مَرْزُبَانَ الزَّأْرَةِ ، فَقَتَلَهُ ، فَبَلَغَ سِوَارَاهُ وَمِنْطَقَتُهُ ثَلَاثِينَ أَلْفًا ، فَخَمَسَهُ عُمَرُ ، وَدَفَعَهُ إلَيْهِ .\rوَفِي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ مَعْدِي كَرِبَ ، أَنَّهُ حَمَلَ عَلَى أَسْوَارٍ فَطَعَنَهُ ، فَدَقَّ صُلْبَهُ فَصَرَعَهُ ، فَنَزَلَ إلَيْهِ فَقَطَعَ","part":20,"page":499},{"id":9999,"text":"يَدَهُ ، وَأَخَذَ سِوَارَيْنِ كَانَا عَلَيْهِ ، وَيَلْمَقًا مِنْ دِيبَاجٍ ، وَسَيْفًا ، وَمِنْطَقَةً ، فَسُلِّمَ لَهُ ذَلِكَ .\rوَلِأَنَّهُ مَلْبُوسٌ لَهُ ، فَأَشْبَهَ ثِيَابَهُ ، وَلِأَنَّهُ دَاخِلٌ فِي اسْمِ السَّلَبِ ، فَأَشْبَهَ الثِّيَابَ وَالْمِنْطَقَةَ ، وَيَدْخُلُ فِي عُمُومِ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { فَلَهُ سَلَبُهُ } .\rوَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ ، فِي الدَّابَّةِ ، فَنُقِلَ عَنْهُ أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ السَّلَبِ .\rوَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ ؛ لِأَنَّ السَّلَبَ مَا كَانَ عَلَى يَدَيْهِ ، وَالدَّابَّةُ لَيْسَتْ كَذَلِكَ ، فَلَا يَدْخُلُ فِي الْخَبَرِ .\rقَالَ : وَذَكَرَ عَبْدَ اللَّهِ حَدِيثَ عَمْرِو بْنِ مَعْدِي كَرِبَ ، فَأَخَذَ سِوَارَيْهِ وَمِنْطَقَتَهُ .\rوَلَمْ يَذْكُرْ فَرَسَهُ .\rوَلَنَا مَا رَوَى عَوْفُ بْنُ مَالِكٍ ، قَالَ : \" خَرَجْت مَعَ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ ، فِي غَزْوَةِ مُؤْتَةَ ، وَرَافَقَنِي مَدَدِيٌّ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ ، فَلَقِينَا جُمُوعَ الرُّومِ ، وَفِيهِمْ رَجُلٌ عَلَى فَرَسٍ أَشْقَرَ ، عَلَيْهِ سَرْجٌ مُذْهَبٌ ، وَسِلَاحٌ مُذْهَبٌ ، فَجَعَلَ يُغْرِي بِالْمُسْلِمِينَ ، وَقَعَدَ لَهُ الْمَدَدِيُّ خَلْفَ صَخْرَةٍ ، فَمَرَّ بِهِ الرُّومِيُّ ، فَعَرْقَبَ فَرَسَهُ ، فَعَلَاهُ فَقَتَلَهُ ، وَحَازَ فَرَسَهُ وَسِلَاحَهُ ، فَلَمَّا فَتَحَ اللَّهُ لِلْمُسْلِمِينَ ، بَعَثَ إلَيْهِ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ ، فَأَخَذَ مِنْ السَّلَبِ ، قَالَ عَوْفٌ : فَأَتَيْته فَقُلْت لَهُ : يَا خَالِدُ ، أَمَا عَلِمْت أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى بِالسَّلَبِ لِلْقَاتِلِ ؟ قَالَ : بَلَى .\rرَوَاهُ الْأَثْرَمُ .\rوَفِي حَدِيثِ شِبْرِ بْنِ عَلْقَمَةَ ، أَنَّهُ أَخَذَ فَرَسَهُ .\rكَذَلِكَ قَالَ أَحْمَدُ : هُوَ فِيهِ .\rوَلِأَنَّ الْفَرَسَ يُسْتَعَانُ بِهَا فِي الْحَرْبِ ، فَأَشْبَهَتْ السِّلَاحَ ، وَمَا ذَكَرُوهُ يَبْطُلُ بِالرُّمْحِ وَالْقَوْسِ وَاللَّتِّ ، فَإِنَّهَا مِنْ السَّلَبِ وَلَيْسَتْ مَلْبُوسَةً .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّ الدَّابَّةَ وَمَا عَلَيْهَا ؛ مِنْ سَرْجِهَا ، وَلِجَامِهَا وَتَجْفِيفِهَا ، وَحِلْيَةٍ إنْ كَانَتْ عَلَيْهَا ، وَجَمِيعِ آلَتِهَا مِنْ السَّلَبِ ؛ لِأَنَّهُ","part":20,"page":500},{"id":10000,"text":"تَابِعٌ لَهَا ، وَيُسْتَعَانُ بِهِ فِي الْحَرْبِ ، وَإِنَّمَا يَكُونُ مِنْ السَّلَبِ إذَا كَانَ رَاكِبًا عَلَيْهَا ، فَإِنْ كَانَتْ فِي مَنْزِلِهِ أَوْ مَعَ غَيْرِهِ ، أَوْ مُنْفَلِتَةً ، لَمْ تَكُنْ مِنْ السَّلَبِ ، كَالسِّلَاحِ الَّذِي لَيْسَ مَعَهُ ، وَإِنْ كَانَ رَاكِبًا عَلَيْهَا فَصَرَعَهُ عَنْهَا ، أَوْ أَشْعَرَهُ عَلَيْهَا ، ثُمَّ قَتَلَهُ بَعْدَ نُزُولِهِ عَنْهَا ، فَهِيَ مِنْ السَّلَبِ .\rوَهَكَذَا قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ .\rوَإِنْ كَانَ مُمْسِكًا بِعِنَانِهَا ، غَيْرَ رَاكِبٍ عَلَيْهَا ، فَعَنْ أَحْمَدَ فِيهَا رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، مِنْ السَّلَبِ .\rوَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ مُتَمَكِّنٌ مِنْ الْقِتَالِ عَلَيْهَا ، فَأَشْبَهَتْ سَيْفَهُ أَوْ رُمْحَهُ فِي يَدِهِ .\rوَالثَّانِيَةُ ، لَيْسَتْ مِنْ السَّلَبِ .\rوَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ ، وَاخْتِيَارُ الْخَلَّالِ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِرَاكِبٍ عَلَيْهَا ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَتْ مَعَ غُلَامِهِ .\rوَإِنْ كَانَ عَلَى فَرَسٍ ، وَفِي يَدِهِ جَنِيبَةٌ ، لَمْ تَكُنْ الْجَنِيبَةُ مِنْ السَّلَبِ ، لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ رُكُوبُهُمَا مَعًا .","part":21,"page":1},{"id":10001,"text":"( 7476 ) فَصْل وَلَا تُقْبَلُ دَعْوَى الْقَتْلِ إلَّا بِبَيِّنَةٍ .\rوَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : يُعْطَى السَّلَبَ إذَا قَالَ : أَنَا قَتَلْته .\rوَلَا يُسْأَلُ بَيِّنَةً ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبِلَ قَوْلَ أَبِي قَتَادَةَ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا ، لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ ، فَلَهُ سَلَبُهُ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَأَمَّا أَبُو قَتَادَةُ ، فَإِنَّ خَصْمَهُ أَقَرَّ لَهُ ، فَاكْتَفَى بِإِقْرَارِهِ .\rقَالَ أَحْمَدُ : وَلَا يُقْبَلُ إلَّا شَاهِدَانِ .\rوَقَالَ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ : يُقْبَلُ شَاهِدٌ وَيَمِينٌ ؛ لِأَنَّهَا دَعْوَى فِي الْمَالِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقْبَلَ شَاهِدٌ بِغَيْرِ يَمِينٍ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبِلَ قَوْلَ الَّذِي شَهِدَ لِأَبِي قَتَادَةَ مِنْ غَيْرِ يَمِينٍ .\rوَوَجْهُ الْأَوَّلِ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اعْتَبَرَ الْبَيِّنَةَ ، وَإِطْلَاقُهَا يَنْصَرِفُ إلَى شَاهِدَيْنِ ، وَلِأَنَّهَا دَعْوَى لِلْقَتْلِ ، فَاعْتُبِرَ شَاهِدَانِ ، كَقَتْلِ الْعَمْدِ .","part":21,"page":2},{"id":10002,"text":"( 7477 ) فَصْل وَيَجُوزُ سَلْبُ الْقَتْلَى وَتَرْكُهُمْ عُرَاةً .\rوَهَذَا قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ .\rوَكَرِهَهُ الثَّوْرِيُّ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ ، لِمَا فِيهِ مِنْ كَشْفِ عَوْرَاتِهِمْ .\rوَلَنَا قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَتِيلِ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ : { لَهُ سَلَبُهُ أَجْمَعُ .\rوَقَالَ : مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا ، فَلَهُ سَلَبُهُ } .\rوَهَذَا يَتَنَاوَلُ جَمِيعَهُ .","part":21,"page":3},{"id":10003,"text":"( 7478 ) مَسْأَلَة قَالَ : ( وَمَنْ أَعْطَاهُمْ الْأَمَانَ مِنَّا ؛ مِنْ رَجُلٍ ، أَوْ امْرَأَةٍ ، أَوْ عَبْدٍ ، جَازَ أَمَانُهُ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْأَمَانَ إذَا أُعْطِيَ أَهْلَ الْحَرْبِ ، حَرُمَ قَتْلُهُمْ وَمَالُهُمْ وَالتَّعَرُّضُ لَهُمْ .\rوَيَصِحُّ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ بَالِغٍ عَاقِلٍ مُخْتَارٍ ، ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى ، حُرًّا كَانَ أَوْ عَبْدًا .\rوَبِهَذَا قَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَابْنُ الْقَاسِمِ ، وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَبُو يُوسُفَ : لَا يَصِحُّ أَمَانُ الْعَبْدِ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ مَأْذُونًا لَهُ فِي الْقِتَالِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْجِهَادُ ، فَلَا يَصِحُّ أَمَانُهُ ، كَالصَّبِيِّ ، وَلِأَنَّهُ مَجْلُوبٌ مِنْ دَارِ الْكُفْرِ ، فَلَا يُؤْمَنُ أَنْ يَنْظُرَ لَهُمْ فِي تَقْدِيمِ مَصْلَحَتِهِمْ .\rوَلَنَا ، مَا رُوِيَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أَنَّهُ قَالَ : { ذِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ ، يَسْعَى بِهَا أَدْنَاهُمْ ، فَمَنْ أَخْفَرَ مُسْلِمًا ، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ، لَا يُقْبَلُ مِنْهُ صَرْفٌ وَلَا عَدْلٌ } .\rرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ .\rوَرَوَى فُضَيْلٍ بْنُ يَزِيدَ الرَّقَاشِيُّ ، قَالَ : جَهَّزَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ جَيْشًا ، فَكُنْت فِيهِ ، فَحَصَرْنَا مَوْضِعًا ، فَرَأَيْنَا أَنَّا سَنَفْتَحُهَا الْيَوْمَ ، وَجَعَلْنَا نُقْبِلُ وَنَرُوحُ ، فَبَقِيَ عَبْدٌ مِنَّا ، فَرَاطَنَهُمْ وَرَاطَنُوهُ ، فَكَتَبَ لَهُمْ الْأَمَانَ فِي صَحِيفَةٍ ، وَشَدَّهَا عَلَى سَهْمٍ ، وَرَمَى بِهَا إلَيْهِمْ ، فَأَخَذُوهَا ، وَخَرَجُوا ، فَكُتِبَ بِذَلِكَ إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، فَقَالَ : الْعَبْدُ الْمُسْلِمُ رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ، ذِمَّتُهُ ذِمَّتُهُمْ .\rرَوَاهُ سَعِيدٌ .\rوَلِأَنَّهُ مُسْلِمٌ مُكَلَّفٌ ، فَصَحَّ أَمَانُهُ ، كَالْحُرِّ .\rوَمَا ذَكَرُوهُ مِنْ التُّهْمَةِ يَبْطُلُ بِمَا إذَا أُذِنَ لَهُ الْقِتَالِ ، فَإِنَّهُ يَصِحُّ أَمَانُهُ ، وَبِالْمَرْأَةِ ، فَإِنَّ أَمَانَهَا يَصِحُّ ، فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا","part":21,"page":4},{"id":10004,"text":".\rقَالَتْ عَائِشَةُ : إنْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ لَتُجِيرُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَيَجُوزُ .\rوَعَنْ أُمِّ هَانِئٍ ، أَنَّهَا قَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنِّي أَجَرْت أَحْمَائِي ، وَأَغْلَقْت عَلَيْهِمْ ، وَإِنَّ ابْنَ أُمِّي أَرَادَ قَتْلَهُمْ .\rفَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْت يَا أُمَّ هَانِئٍ ، إنَّمَا يُجْهِرُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَدْنَاهُمْ } .\rرَوَاهُمَا سَعِيدٌ .\rوَأَجَارَتْ زَيْنَبُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبَا الْعَاصِ بْنَ الرَّبِيعِ ، فَأَمْضَاهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( 7479 ) فَصْلٌ : وَيَصِحُّ أَمَانُ الْأَسِيرِ إذَا عَقَدَهُ غَيْرَ مُكْرَهٍ ؛ لِدُخُولِهِ فِي عُمُومِ الْخَبَرِ ، وَلِأَنَّهُ مُسْلِمٌ مُكَلَّفٌ مُخْتَارٌ ، فَأَشْبَهَ غَيْرَ الْأَسِيرِ .\rوَكَذَلِكَ أَمَانُ الْأَجِيرِ وَالتَّاجِرِ فِي دَارِ الْحَرْبِ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ الثَّوْرِيُّ : لَا يَصِحُّ أَمَانُ أَحَدٍ مِنْهُمْ .\rوَلَنَا عُمُومُ الْحَدِيثِ ، وَالْقِيَاسُ عَلَى غَيْرِهِمْ .\rفَأَمَّا الصَّبِيُّ الْمُمَيِّزُ ، فَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ : فِيهِ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، لَا يَصِحُّ أَمَانُهُ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ ، وَلَا يَلْزَمُهُ بِقَوْلِهِ حُكْمٌ ، فَلَا يَلْزَمُ غَيْرَهُ ، كَالْمَجْنُونِ .\rوَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ ، يَصِحُّ أَمَانُهُ .\rوَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ .\rوَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : يَصِحُّ أَمَانُهُ ، رِوَايَةً وَاحِدَةً .\rوَحَمَلَ رِوَايَةَ الْمَنْعِ عَلَى غَيْرِ الْمُمَيِّزِ ، وَاحْتَجَّ بِعُمُومِ الْحَدِيثِ ، وَلِأَنَّهُ مُسْلِمٌ مُمَيِّزٌ ، فَصَحَّ أَمَانُهُ ، كَالْبَالِغِ ، وَفَارَقَ الْمَجْنُونَ ، فَإِنَّهُ لَا قَوْلَ لَهُ أَصْلًا .\r( 7480 ) فَصْلٌ : وَلَا يَصِحُّ أَمَانُ كَافِرٍ ، وَإِنْ كَانَ ذِمِّيًّا ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { ذِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ ، يَسْعَى بِهَا أَدْنَاهُمْ .\r} فَجَعَلَ الذِّمَّةَ لِلْمُسْلِمِينَ ، فَلَا تَحْصُلُ لِغَيْرِهِمْ ، وَلِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ عَلَى الْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ ، فَأَشْبَهَ","part":21,"page":5},{"id":10005,"text":"الْحَرْبِيَّ .\rوَلَا يَصِحُّ أَمَانُ مَجْنُونٍ ، وَلَا طِفْلٍ ، لِأَنَّ كَلَامَهُ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ ، وَلَا يَثْبُتُ بِهِ حُكْمٌ .\rوَلَا يَصِحُّ أَمَانُ زَائِلِ الْعَقْلِ ، بِنَوْمٍ أَوْ سُكْرٍ أَوْ إغْمَاءٍ ؛ لِذَلِكَ ، وَلِأَنَّهُ لَا يَعْرِفُ الْمَصْلَحَةَ مِنْ غَيْرِهَا ، فَأَشْبَهَ الْمَجْنُونَ .\rوَلَا يَصِحُّ مِنْ مُكْرَهٍ ؛ لِأَنَّهُ قَوْلٌ أُكْرِهَ عَلَيْهِ بِغَيْرِ حَقٍّ ، فَلَمْ يَصِحَّ ، كَالْإِقْرَارِ .\r( 7481 ) فَصْلٌ : وَيَصِحُّ أَمَانُ الْإِمَامِ لِجَمِيعِ الْكُفَّارِ وَآحَادِهِمْ ؛ لِأَنَّ وِلَايَتَهُ عَامَّةٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ .\rوَيَصِحُّ أَمَانُ الْأَمِيرِ لِمَنْ أُقِيمَ بِإِزَائِهِ مِنْ الْمُشْرِكِينَ ، فَأَمَّا فِي حَقِّ غَيْرِهِمْ ، فَهُوَ كَآحَادِ الْمُسْلِمِينَ ، لِأَنَّ وِلَايَتَهُ عَلَى قِتَالِ أُولَئِكَ دُونَ غَيْرِهِمْ .\rوَيَصِحُّ أَمَانُ آحَادِ الْمُسْلِمِينَ لِلْوَاحِدِ ، وَالْعَشَرَةِ ، وَالْقَافِلَةِ الصَّغِيرَةِ ، وَالْحِصْنِ الصَّغِيرِ ؛ لِأَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَجَازَ أَمَانَ الْعَبْدِ لِأَهْلِ الْحِصْنِ الَّذِي ذَكَرْنَا حَدِيثَهُ .\rوَلَا يَصِحُّ أَمَانُهُ لِأَهْلِ بَلْدَةٍ ، وَرُسْتَاقٍ ، وَجَمْعٍ كَثِيرٍ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُفْضِي إلَى تَعْطِيلِ الْجِهَادِ ، وَالِافْتِيَاتِ عَلَى الْإِمَامِ .\r( 7482 ) فَصْلٌ : وَيَصِحُّ أَمَانُ الْإِمَامِ لِلْأَسِيرِ بَعْدَ الِاسْتِيلَاءِ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمَّا قَدِمَ عَلَيْهِ بِالْهُرْمُزَانِ أَسِيرًا ، قَالَ : لَا بَأْسَ عَلَيْك ، ثُمَّ أَرَادَ قَتْلَهُ ، فَقَالَ لَهُ أَنَسٌ : قَدْ أَمَّنْته ، فَلَا سَبِيلَ لَك عَلَيْهِ .\rوَشَهِدَ الزُّبَيْرُ بِذَلِكَ ، فَعَدُّوهُ أَمَانًا .\rرَوَاهُ سَعِيدٌ .\rوَلِأَنَّ لِلْإِمَامِ الْمَنَّ عَلَيْهِ ، وَالْأَمَانُ دُونَ ذَلِكَ .\rفَأَمَّا آحَادُ الرَّعِيَّةِ ، فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rوَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ ، أَنَّهُ يَصِحُّ أَمَانُهُ ؛ لِأَنَّ زَيْنَبَ ابْنَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجَارَتْ زَوْجَهَا أَبَا الْعَاصِ بْنَ الرَّبِيعِ بَعْدَ أَسْرِهِ ، فَأَجَازَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَانَهَا .\rوَحُكِيَ هَذَا عَنْ الْأَوْزَاعِيُّ .","part":21,"page":6},{"id":10006,"text":"وَلَنَا ، أَنَّ أَمْرَ الْأَسِيرِ مُفَوَّضٌ إلَى الْإِمَامِ ، فَلَمْ يَجُزْ الِافْتِيَاتُ عَلَيْهِ فِيمَا يَمْنَعُهُ ذَلِكَ ، كَقَتْلِهِ .\rوَحَدِيثُ زَيْنَبَ فِي أَمَانِهَا ، إنَّمَا صَحَّ بِإِجَازَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( 7483 ) فَصْلٌ : وَإِذَا شَهِدَ لِلْأَسِيرِ اثْنَانِ أَوْ أَكْثَرُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ، أَنَّهُمْ أَمَّنُوهُ ، قُبِلَ ، إذَا كَانُوا بِصِفَةِ الشُّهُودِ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ ؛ لِأَنَّهُمْ يَشْهَدُونَ عَلَى فِعْلِ أَنْفُسِهِمْ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُمْ عُدُولٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ، غَيْرُ مُتَّهَمِينَ ، شَهِدُوا بِأَمَانِهِ ، فَوَجَبَ أَنْ يُقْبَلَ كَمَا لَوْ شَهِدُوا عَلَى غَيْرِهِمْ أَنَّهُ أَمَّنَهُ .\rوَمَا ذَكَرُوهُ لَا يَصِحُّ ، فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبِلَ شَهَادَةَ الْمُرْضِعَةِ عَلَى فِعْلِهَا ، فِي حَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ .\rوَإِنْ شَهِدَ وَاحِدٌ أَنِّي أَمَّنْته .\rفَقَالَ الْقَاضِي : قِيَاسُ قَوْلِ أَحْمَدَ ، أَنَّهُ يُقْبَلُ ، كَمَا لَوْ قَالَ الْحَاكِمُ بَعْدَ عَزْلِهِ : كُنْت حَكَمْت لِفُلَانٍ عَلَى فُلَانٍ بِحَقٍّ .\rقُبِلَ قَوْلُهُ .\rوَعَلَى قَوْلِ أَبِي الْخَطَّابِ : يَصِحُّ أَمَانُهُ ، فَقُبِلَ خَبَرُهُ بِهِ ، كَالْحَاكِمِ فِي حَالِ وِلَايَتِهِ .\rوَهَذَا قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يُقْبَلَ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُؤَمِّنَهُ فِي الْحَالِ ، فَلَمْ يُقْبَلْ إقْرَارُهُ بِهِ ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِحَقٍّ عَلَى غَيْرِهِ .\rوَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي عُبَيْدَةَ .","part":21,"page":7},{"id":10007,"text":"( 7484 ) فَصْل إذَا جَاءَ الْمُسْلِمُ بِمُشْرِكٍ ادَّعَى أَنَّهُ أَسَرَهُ ، وَادَّعَى الْكَافِرُ أَنَّهُ أَمَّنَهُ ، فَفِيهَا ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ إحْدَاهُنَّ ، الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُسْلِمِ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ مَعَهُ فَإِنَّ الْأَصْلَ إبَاحَةُ دَمِ الْحَرْبِيِّ ، وَعَدَمُ الْأَمَانِ .\rوَالثَّانِيَةُ ، الْقَوْلُ ، قَوْلُ الْأَسِيرِ ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ صِدْقَهُ وَحَقْنَ دَمِهِ ، فَيَكُونُ هَذَا شُبْهَةً تَمْنَعُ مِنْ قَتْلِهِ .\rوَهَذَا اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ .\rوَالثَّالِثَةُ ، يُرْجَعُ إلَى قَوْلِ مَنْ ظَاهِرُ الْحَالِ يَدُلُّ عَلَى صِدْقِهِ ؛ فَإِنْ كَانَ الْكَافِرُ ذَا قُوَّةٍ ، مَعَهُ سِلَاحُهُ ، فَالظَّاهِرُ صِدْقُهُ ، وَإِنْ كَانَ ضَعِيفًا مَسْلُوبًا سِلَاحُهُ ، فَالظَّاهِرُ كَذِبُهُ ، فَلَا يُلْتَفَتُ إلَى قَوْلِهِ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ : لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ وَإِنْ صَدَّقَهُ الْمُسْلِمُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى أَمَانِهِ ، فَلَا يُقْبَلُ إقْرَارُهُ بِهِ .\rوَلَنَا أَنَّهُ كَافِرٌ ، لَمْ يَثْبُتْ أَسْرُهُ ، وَلَا نَازَعَهُ فِيهِ مُنَازِعٌ ، فَقُبِلَ قَوْلُهُ فِي الْأَمَانُ ، كَالرَّسُولِ .","part":21,"page":8},{"id":10008,"text":"( 7485 ) فَصْل وَمَنْ طَلَبَ الْأَمَانُ لِيَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهَ ، وَيَعْرِفَ شَرَائِعَ الْإِسْلَامِ وَجَبَ أَنْ يُعْطَاهُ ، ثُمَّ يُرَدَّ إلَى مَأْمَنِهِ .\rلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا .\rوَبِهِ قَالَ قَتَادَةُ ، وَمَكْحُولٌ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ .\rوَكَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بِذَلِكَ إلَى النَّاسِ ؛ وَذَلِكَ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَإِنْ أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَك فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهَ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ } .\rقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : هِيَ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ .\rوَيَجُوزُ عَقْدُ الْأَمَانُ لِلرَّسُولِ وَالْمُسْتَأْمِنِ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُؤَمِّنُ رُسُلَ الْمُشْرِكِينَ .\rوَلَمَّا جَاءَهُ رَسُولَا مُسَيْلِمَةَ ، قَالَ : { لَوْلَا أَنَّ الرُّسُلَ لَا تُقْتَلُ لَقَتَلْتُكُمَا } .\rوَلِأَنَّ الْحَاجَةَ تَدْعُو إلَى ذَلِكَ ، فَإِنَّنَا لَوْ قَتَلْنَا رُسُلَهُمْ ، لَقَتَلُوا رُسُلَنَا ، فَتَفُوتُ مَصْلَحَةُ الْمُرَاسَلَةِ .\rوَيَجُوزُ عَقْدُ الْأَمَانِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُطْلَقًا وَمُقَيَّدًا بِمُدَّةٍ ، سَوَاءٌ كَانَتْ طَوِيلَةً أَوْ قَصِيرَةً ، بِخِلَافِ الْهُدْنَةِ ، فَإِنَّهَا لَا تَجُوزُ إلَّا مُقَيَّدَةً ؛ لِأَنَّ فِي جَوَازِهَا مُطْلَقًا تَرْكًا لِلْجِهَادِ ، وَهَذَا بِخِلَافِهِ .\rقَالَ الْقَاضِي : وَيَجُوزُ أَنْ يُقِيمُوا مُدَّةَ الْهُدْنَةِ بِغَيْرِ جِزْيَةٍ .\rقَالَ أَبُو بَكْرٍ : وَهَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ ؛ لِأَنَّهُ قِيلَ لَهُ : قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : لَا يُتْرَكُ الْمُشْرِكُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ إلَّا أَنْ يُسْلِمَ أَوْ يُؤَدِّيَ .\rفَقَالَ أَحْمَدُ إذَا أَمَّنْته ، فَهُوَ عَلَى مَا أَمَّنْته .\rوَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ خَالَفَ قَوْلَ الْأَوْزَاعِيِّ .\rوَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : عِنْدِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقِيمَ سَنَةً بِغَيْرِ جِزْيَةٍ .\rوَهَذَا قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ ، وَالشَّافِعِيِّ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ } .\rوَوَجْهُ الْأَوَّلِ ، أَنَّ هَذَا كَافِرٌ أُبِيحَ لَهُ الْإِقَامَةُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ ، مِنْ غَيْرِ الْتِزَامِ جِزْيَةٍ ، فَلَمْ","part":21,"page":9},{"id":10009,"text":"تَلْزَمْهُ جِزْيَةٌ ، كَالنِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ ، وَلِأَنَّ الرَّسُولَ لَوْ كَانَ مِمَّنْ لَا يُجَوِّزُ أَخْذَ الْجِزْيَةِ مِنْهُ ، يَسْتَوِي فِي حَقِّهِ السَّنَةُ وَمَا دُونَهَا ، فِي أَنَّ الْجِزْيَةَ لَا تُؤْخَذُ مِنْهُ فِي الْمُدَّتَيْنِ ، فَإِذَا جَازَتْ لَهُ الْإِقَامَةُ فِي إحْدَاهُمَا ، جَازَتْ فِي الْأُخْرَى ، قِيَاسًا لَهَا عَلَيْهَا .\rوَقَوْلُهُ تَعَالَى : { حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ } .\rأَيْ يَلْتَزِمُونَهَا ، وَلَمْ يُرِدْ حَقِيقَةَ الْإِعْطَاءِ ، وَهَذَا مَخْصُوصٌ مِنْهَا بِالِاتِّفَاقِ ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ الْإِقَامَةُ مِنْ غَيْرِ الْتِزَامٍ لَهَا ، وَلِأَنَّ الْآيَةَ تَخَصَّصَتْ بِمَا دُونَ الْحَوْلِ ، فَنَقِيسَ عَلَى الْمَحَلِّ الْمَخْصُوصِ .","part":21,"page":10},{"id":10010,"text":"( 7486 ) فَصْل وَإِذَا دَخَلَ حَرْبِيٌّ دَارَ الْإِسْلَامِ بِأَمَانٍ ، فَأَوْدَعَ مَالَهُ مُسْلِمًا أَوْ ذِمِّيًّا ، أَوْ أَقْرَضَهُمَا إيَّاهُ ، ثُمَّ عَادَ إلَى دَارِ الْحَرْبِ ، نَظَرْنَا ؛ فَإِنْ دَخَلَ تَاجِرًا ، أَوْ رَسُولًا ، أَوْ مُتَنَزِّهًا ، أَوْ لِحَاجَةٍ يَقْضِيهَا ثُمَّ يَعُودُ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ ، فَهُوَ عَلَى أَمَانِهِ فِي نَفْسِهِ وَمَالِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ بِذَلِكَ عَنْ نِيَّةِ الْإِقَامَةِ بِدَارِ الْإِسْلَامِ ، فَأَشْبَهَ الذِّمِّيَّ إذَا دَخَلَ لِذَلِكَ ، وَإِنْ دَخَلَ مُسْتَوْطِنًا ، بَطَلَ الْأَمَانُ فِي نَفْسِهِ ، وَبَقِيَ فِي مَالِهِ ؛ لِأَنَّهُ بِدُخُولِهِ دَارَ الْإِسْلَامِ بِأَمَانٍ ؛ ثَبَتَ الْأَمَانُ لِمَالِهِ الَّذِي مَعَهُ ، فَإِذَا بَطَلَ فِي نَفْسِهِ بِدُخُولِهِ دَارَ الْحَرْبِ ، بَقِيَ فِي مَالِهِ ؛ لِاخْتِصَاصِ الْمُبْطِلِ بِنَفْسِهِ ، فَيَخُصُّ الْبُطْلَانَ بِهِ .\rفَإِنْ قُتِلَ : فَإِنَّمَا يَثْبُتُ الْأَمَانُ لِمَالِهِ تَبَعًا ، فَإِذَا بَطَلَ فِي الْمَتْبُوعِ ، بَطَلَ فِي التَّبَعِ .\rقُلْنَا : بَلْ يَثْبُتُ لَهُ الْأَمَانُ لِمَعْنًى وُجِدَ فِيهِ ، وَهُوَ إدْخَالُهُ مَعَهُ ، وَهَذَا يَقْتَضِي ثُبُوتَ الْأَمَانِ لَهُ .\rوَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ فِي نَفْسِهِ ، بِدَلِيلِ مَا لَوْ بَعَثَهُ مَعَ مُضَارِبٍ لَهُ أَوْ وَكِيلٍ ، فَإِنَّهُ يَثْبُتُ الْأَمَانُ ، وَلَمْ يَثْبُتُ الْأَمَانِ فِي نَفْسِهِ ، وَلَمْ يُوجَدْ فِيهِ هَا هُنَا مَا يَقْتَضِي الْأَمَانُ فِيهِ ، فَبَقِيَ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ .\rوَلَوْ أَخَذَهُ مَعَهُ إلَى دَارِ الْحَرْبِ لَنُقِضَ الْأَمَانُ فِيهِ ، كَمَا يَنْتَقِضُ فِي نَفْسِهِ ، لِوُجُودِ الْمُبْطِلِ مِنْهُمَا .\rفَإِذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّ صَاحِبَهُ إنْ طَلَبَهُ بُعِثَ إلَيْهِ ، وَإِنْ تَصَرَّفَ فِيهِ بِبَيْعِ أَوْ هِبَةٍ أَوْ غَيْرِهِمَا ، صَحَّ تَصَرُّفُهُ .\rوَإِنْ مَاتَ فِي دَارِ الْحَرْبِ انْتَقَلَ إلَى وَارِثِهِ ، وَلَمْ يَبْطُلْ الْأَمَانُ فِيهِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَبْطُلُ فِيهِ .\rوَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ صَارَ لِوَارِثِهِ ، وَلَمْ يَعْقِدْ فِيهِ أَمَانًا ، فَوَجَبَ أَنْ يَبْطُلَ فِيهِ ، كَسَائِرِ أَمْوَالِهِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الْأَمَانَ حَقٌّ لَهُ لَازِمٌ","part":21,"page":11},{"id":10011,"text":"مُتَعَلِّقٌ بِالْمَالِ ، فَإِذَا انْتَقَلَ إلَى الْوَارِثِ ، انْتَقَلَ لِحَقِّهِ ، كَسَائِرِ الْحُقُوقِ ؛ مِنْ الرَّهْنِ ، وَالضَّمِينِ ، وَالشُّفْعَةِ .\rوَهَذَا اخْتِيَارُ الْمُزَنِيّ .\rوَلِأَنَّهُ مَالٌ لَهُ أَمَانٌ ، فَيَنْتَقِلُ إلَى وَارِثِهِ مَعَ بَقَاءِ الْأَمَانُ فِيهِ ، كَالْمَالِ الَّذِي مَعَ مُضَارِبِهِ .\rوَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ ، صَارَ فَيْئًا لِبَيْتِ الْمَالِ .\rفَإِنْ كَانَ لَهُ وَارِثٌ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ ، فَقَالَ الْقَاضِي : لَا يَرِثُهُ ، لِاخْتِلَافِ الدَّارَيْنِ .\rوَالْأَوْلَى أَنَّهُ يَرِثُهُ ؛ لِأَنَّ مِلَّتَهُمَا وَاحِدَةٌ ، فَيَرِثُهُ كَالْمُسْلِمِينَ ، وَإِنْ مَاتَ الْمُسْتَأْمَنُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ ، فَهُوَ كَمَا لَوْ مَاتَ فِي دَارِ الْحَرْبِ ، سَوَاءٌ ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَأْمَنَ حَرْبِيٌّ تَجْرِي عَلَيْهِ أَحْكَامُهُمْ .\rوَإِنْ رَجَعَ إلَى دَارِ الْحَرْبِ ، فَسُبِيَ وَاسْتُرِقَّ ، فَقَالَ الْقَاضِي : يَكُونُ مَالُهُ مَوْقُوفًا حَتَّى يُعْلَمَ آخِرُ أَمْرِهِ ، بِمَوْتٍ أَوْ غَيْرِهِ ، فَإِنْ مَاتَ كَانَ فَيْئًا ؛ لِأَنَّ الرَّقِيقَ لَا يُورَثُ ، وَإِنْ عَتَقَ كَانَ لَهُ ، وَإِنْ لَمْ يُسْتَرَقَّ ، وَلَكِنْ مَنَّ عَلَيْهِ الْإِمَامُ ، أَوْ فَادَاهُ ، فَمَالُهُ لَهُ ، وَإِنْ قَتَلَهُ ، فَمَالُهُ لِوَرَثَتِهِ ، وَإِنْ لَمْ يُسْبَ وَلَكِنْ دَخَلَ دَارَ الْإِسْلَامِ بِغَيْرِ أَمَانٍ ، لِيَأْخُذَ مَالَهُ ، جَازَ قَتْلُهُ وَسَبْيُهُ ؛ لِأَنَّ ثُبُوتَ الْأَمَانِ لِمَالِهِ لَا يُثْبِتُ الْأَمَانَ لَهُ ، كَمَا لَوْ كَانَ مَالُهُ وَدِيعَةً بِدَارِ الْإِسْلَامِ وَهُوَ مُقِيمٌ بِدَارِ الْحَرْبِ .","part":21,"page":12},{"id":10012,"text":"( 7487 ) فَصْل وَإِذَا سَرَقَ الْمُسْتَأْمَنُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ ، أَوْ قَتَلَ ، أَوْ غَصَبَ ، ثُمَّ عَادَ إلَى وَطَنِهِ فِي دَارِ الْحَرْبِ ، ثُمَّ خَرَجَ مُسْتَأْمِنًا مَرَّةً ثَانِيَةً ، اُسْتُوْفِيَ مِنْهُ مَا لَزِمَهُ فِي أَمَانِهِ الْأَوَّلِ .\rوَإِنْ اشْتَرَى عَبْدًا مُسْلِمًا ، فَخَرَجَ بِهِ إلَى دَارِ الْحَرْبِ ، ثُمَّ قُدِرَ عَلَيْهِ ، لَمْ يُغْنَمْ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ مِلْكُهُ عَلَيْهِ ، لِكَوْنِ الشِّرَاءِ بَاطِلًا ، وَيَرُدُّ بَائِعُهُ الثَّمَنَ إلَى الْحَرْبِيِّ ؛ لِأَنَّهُ حَصَلَ فِي أَمَانٍ ، فَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ تَالِفًا ، فَعَلَى الْحَرْبِيِّ قِيمَتُهُ ، وَيَتَرَادَّانِ الْفَضْلَ .","part":21,"page":13},{"id":10013,"text":"فَصْلٌ : وَإِذَا دَخَلَتْ الْحَرْبِيَّةُ إلَيْنَا بِأَمَانٍ ، فَتَزَوَّجَتْ ذِمِّيًّا فِي دَارِنَا ، ثُمَّ أَرَادَتْ الرُّجُوعَ ، لَمْ تُمْنَعْ ، إذَا رَضِيَ زَوْجُهَا أَوْ فَارَقَهَا .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، تُمْنَعُ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ عَقْدٌ لَا يَلْزَمُ الرَّجُلَ الْمُقَامُ بِهِ ، فَلَا يَلْزَمُ الْمَرْأَةَ كَعَقْدِ الْإِجَارَةِ .","part":21,"page":14},{"id":10014,"text":"( 7489 ) مَسْأَلَة قَالَ : ( وَمَنْ طَلَبَ الْأَمَانَ لِيَفْتَحَ الْحِصْنَ ، فَفَعَلَ ، فَقَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ : أَنَا الْمُعْطِي .\rلَمْ يُقْتَلْ وَاحِدٌ مِنْهُمْ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ إذَا حَصَرُوا حِصْنًا ، فَنَادَاهُمْ رَجُلٌ : آمِنُونِي أَفْتَحْ لَكُمْ الْحِصْنَ .\rجَازَ أَنْ يُعْطُوهُ أَمَانًا ؛ فَإِنَّ زِيَادَ بْنَ لَبِيدٍ لَمَّا حُصِرَ النُّجَيْرُ ، قَالَ الْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ : أَعْطُونِي الْأَمَانَ لِعَشَرَةٍ ، أَفْتَحْ لَكُمْ الْحِصْنَ .\rفَفَعَلُوا .\rفَإِنْ أَشْكَلَ الَّذِي أَعْطَى الْأَمَانَ ، وَادَّعَاهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْحِصْنِ ، فَإِنْ عُرِفَ صَاحِبُ الْأَمَانِ ، عُمِلَ عَلَى ذَلِكَ ، وَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ ، لَمْ يَجُزْ قَتْلُ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَحْتَمِلُ صِدْقُهُ ، وَقَدْ اشْتَبَهَ الْمُبَاحُ بِالْمُحَرَّمِ فِيمَا لَا ضَرُورَةَ إلَيْهِ ، فَحَرُمَ الْكُلُّ ، كَمَا لَوْ اشْتَبَهَتْ مَيْتَةٌ بِمُذَكَّاةِ ، أَوْ أُخْتُهُ بِأَجْنَبِيَّاتٍ ، أَوْ اشْتَبَهَ زَانٍ مُحْصَنٌ بِرِجَالٍ مَعْصُومِينَ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا .\rوَفِي اسْتِرْقَاقِهِمْ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، يَحْرُمُ .\rوَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّ أَحْمَدَ نَصَّ عَلَيْهِ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا فِي الْقَتْلِ ، فَإِنَّ اسْتِرْقَاقَ مَنْ لَا يَحِلُّ اسْتِرْقَاقُهُ مُحَرَّمٌ .\rوَالثَّانِي ، يُقْرَعُ بَيْنَهُمْ ، فَيَخْرُجُ صَاحِبُ الْأَمَانِ بِالْقُرْعَةِ ، وَيَسْتَرِقُّ الْبَاقُونَ .\rقَالَهُ أَبُو بَكْرٍ ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ غَيْرُ مَعْلُومٍ ، فَيُقْرَعُ بَيْنَهُمْ ، كَمَا لَوْ أَعْتَقَ عَبْدًا مِنْ عَبِيدِهِ وَأَشْكَلَ ، وَيُخَالِفُ الْقَتْلَ ، فَإِنَّهُ إرَاقَةُ دَمٍ تَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ ، بِخِلَافِ الرِّقِّ ، وَلِهَذَا يُمْنَعُ الْقَتْلُ فِي النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ دُونَ الِاسْتِرْقَاقِ .\rوَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : إذَا أَسْلَمَ وَاحِدٌ مِنْ أَهْلِ الْحِصْنِ قَبْلَ فَتْحِهِ ، أَشْرَفَ عَلَيْنَا ، ثُمَّ أَشْكَلَ ، فَادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَنَّهُ الَّذِي أَسْلَمَ : يَسْعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِي قِيمَةِ نَفْسِهِ وَيُتْرَكُ لَهُ عُشْرُ","part":21,"page":15},{"id":10015,"text":"قِيمَتِهِ .\rوَقِيَاسُ مَذْهَبِنَا أَنَّ فِيهَا وَجْهَيْنِ ، كَاَلَّتِي قَبْلَهَا .","part":21,"page":16},{"id":10016,"text":"( 7490 ) فَصْل قَالَ أَحْمَدُ : إذَا قَالَ الرَّجُلُ : كُفَّ عَنِّي حَتَّى أَدُلَّك عَلَى كَذَا .\rفَبُعِثَ مَعَهُ قَوْمٌ لِيَدُلَّهُمْ ، فَامْتَنَعَ مِنْ الدَّلَالَةِ ، فَلَهُمْ ضَرْبُ عُنُقِهِ ؛ لِأَنَّ أَمَانَهُ بِشَرْطٍ ، وَلَمْ يُوجَدْ .\rوَقَالَ أَحْمَدُ : إذَا لَقِيَ عِلْجًا ، فَطَلَبَ مِنْهُ الْأَمَانَ ، فَلَا يُؤَمِّنُهُ ؛ لِأَنَّهُ يُخَافُ شَرُّهُ ، وَإِنْ كَانُوا سَرِيَّةً ، فَلَهُمْ أَمَانُهُ .\rيَعْنِي أَنَّ السَّرِيَّةَ لَا يَخَافُونَ مِنْ غَدْرِ الْعِلْجِ قَتْلَهُمْ ، بِخِلَافِ الْوَاحِدِ ، وَإِنْ لَقِيت السَّرِيَّةُ أَعْلَاجًا ، فَادَّعَوْا أَنَّهُمْ جَاءُوا مُسْتَأْمِنِينَ ، فَإِنْ كَانَ مَعَهُمْ سِلَاحٌ ، لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُمْ ؛ لِأَنَّ حَمْلَهُمْ السِّلَاحَ يَدُلُّ عَلَى مُحَارَبَتِهِمْ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ سِلَاحٌ ، قُبِلَ قَوْلُهُمْ ؛ لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى صِدْقِهِمْ .","part":21,"page":17},{"id":10017,"text":"( 7491 ) وَإِذَا دَخَلَ حَرْبِيٌّ دَارَ الْإِسْلَامِ بِغَيْرِ أَمَانٍ ، نَظَرْت ؛ فَإِنْ كَانَ مَعَهُ مَتَاعٌ يَبِيعُهُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ ، وَقَدْ جَرَتْ الْعَادَةُ بِدُخُولِهِمْ إلَيْنَا تُجَّارًا بِغَيْرِ أَمَانٍ ، لَمْ يُعْرَضْ لَهُمْ .\rوَقَالَ أَحْمَدُ : إذَا رَكِبَ الْقَوْمُ فِي الْبَحْرِ ، فَاسْتَقْبَلَهُمْ فِيهِ تُجَّارٌ مُشْرِكُونَ مِنْ أَرْضِ الْعَدُوِّ يُرِيدُونَ بِلَادَ الْإِسْلَامِ ، لَمْ يَعْرِضُوا لَهُمْ ، وَلَمْ يُقَاتِلُوهُمْ ، وَكُلُّ مَنْ دَخَلَ بِلَادَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ بِتِجَارَةٍ ، بُويِعَ ، وَلَمْ يُسْأَلْ عَنْ شَيْءٍ ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مَعَهُ تِجَارَةٌ ، فَقَالَ : جِئْت مُسْتَأْمِنًا .\rلَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ ، وَكَانَ الْإِمَامُ مُخَيَّرًا فِيهِ ، وَنَحْوُ هَذَا قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ .\rوَإِنْ كَانَ مِمَّنْ ضَلَّ الطَّرِيقَ ، أَوْ حَمَلَتْهُ الرِّيحُ فِي الْمَرْكَبِ إلَيْنَا ، فَهُوَ لِمَنْ أَخَذَهُ ، فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ ، وَالْأُخْرَى ، يَكُونُ فَيْئًا .","part":21,"page":18},{"id":10018,"text":"( 7492 ) قَالَ : ( وَمَنْ دَخَلَ إلَى أَرْضِهِمْ مِنْ الْغُزَاةِ فَارِسًا ، فَنَفَقَ فَرَسُهُ قَبْلَ إحْرَازِ الْغَنِيمَةِ ، فَلَهُ سَهْمُ رَاجِلٍ ، وَمِنْ دَخَلَ رَاجِلًا ، فَأُحْرِزَتْ الْغَنِيمَةُ وَهُوَ فَارِسٌ ، فَلَهُ سَهْمُ الْفَارِسِ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الِاعْتِبَارَ فِي اسْتِحْقَاقِ السَّهْمِ بِحَالَةِ الْإِحْرَازِ ، فَإِنْ أُحْرِزَتْ الْغَنِيمَةُ وَهُوَ رَاجِلٌ ، فَلَهُ سَهْمُ رَاجِلٍ ، وَإِنْ أُحْرِزَتْ وَهُوَ فَارِسٌ ، فَلَهُ سَهْمُ الْفَارِسِ ، سَوَاءٌ دَخَلَ فَارِسًا أَوْ رَاجِلًا .\rقَالَ أَحْمَدُ : أَنَا أَرَى أَنَّ كُلَّ مَنْ شَهِدَ الْوَقْعَةَ عَلَى أَيِّ حَالَةٍ كَانَ يُعْطَى ؛ إنْ كَانَ فَارِسًا فَفَارِسٌ ، وَإِنْ كَانَ رَاجِلًا فَرَاجِلٌ ؛ لِأَنَّ عُمَرَ قَالَ : الْغَنِيمَةُ لِمَنْ شَهِدَ الْوَقْعَةَ .\rوَبِهَذَا قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ .\rوَنَحْوَهُ قَالَ ابْنُ عُمَرَ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : الِاعْتِبَارُ بِدُخُولِ دَارِ الْحَرْبِ ، فَإِنْ دَخَلَ فَارِسًا فَلَهُ سَهْمُ فَارِسٍ وَإِنْ نَفَقَ فَرَسُهُ قَبْلَ الْقِتَالِ ، وَإِنْ دَخَلَ رَاجِلًا فَلَهُ سَهْمُ الرَّاجِلِ وَإِنْ اسْتَفَادَ فَرَسًا فَقَاتَلَ عَلَيْهِ .\rوَعَنْهُ رِوَايَةٌ أُخْرَى كَقَوْلِنَا .\rقَالَ أَحْمَدُ : كَانَ سُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى يَعْرِضُهُمْ إذَا أدربوا ، الْفَارِسُ فَارِسٌ ، وَالرَّاجِلُ رَاجِلٌ .\rلِأَنَّهُ دَخَلَ فِي الْحَرْبِ بِنِيَّةِ الْقِتَالِ ، فَلَا يَتَغَيَّرُ سَهْمُهُ بِذَهَابِ دَابَّتِهِ ، أَوْ حُصُولِ دَابَّةٍ لَهُ ، كَمَا لَوْ كَانَ بَعْدَ الْقِتَالِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الْفَرَسَ حَيَوَانٌ يُسْهَمُ لَهُ ، فَاعْتُبِرَ وُجُودُهُ حَالَ الْقِتَالِ ، فَيُسْهَمُ لَهُ مَعَ الْوُجُودِ فِيهِ ، وَلَا يُسْهَمُ لَهُ مَعَ الْعَدَمِ ، كَالْآدَمِيِّ ، وَالْأَصْلُ فِي هَذَا أَنَّ حَالَةَ اسْتِحْقَاقِ السَّهْمِ حَالَةٌ تَقْتَضِي الْحَرْبَ ، بِدَلِيلِ قَوْلِ عُمَرَ الْغَنِيمَةُ لِمَنْ شَهِدَ الْوَقْعَةَ .\rوَلِأَنَّهَا الْحَالُ الَّتِي يَحْصُلُ فِيهَا الِاسْتِيلَاءُ الَّذِي هُوَ سَبَبُ الْمِلْكِ ، بِخِلَافِ مَا قَبْلَ ذَلِكَ ، فَإِنَّ الْأَمْوَالَ فِي أَيْدِي أَصْحَابِهَا ، وَلَا نَدْرِي هَلْ يَظْفَرُ بِهِمْ أَوْ لَا ؟","part":21,"page":19},{"id":10019,"text":"وَلِأَنَّهُ لَوْ مَاتَ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ قَبْلَ الِاسْتِيلَاءِ ، لَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا ، وَلَوْ وُجِدَ مَدَدٌ فِي تِلْكَ الْحَالِ ، أَوْ انْفَلَتَ أَسِيرُ فَلَحِقَ بِالْمُسْلِمِينَ ، أَوْ أَسْلَمَ كَافِرٌ فَقَاتَلُوا ، اسْتَحَقُّوا السَّهْمَ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الِاعْتِبَارَ بِحَالَةِ الْإِحْرَازِ ، فَوَجَبَ اعْتِبَارُهُ دُونِ غَيْرِهِ .","part":21,"page":20},{"id":10020,"text":"( 7493 ) قَالَ : ( وَيُعْطِي ثَلَاثَةَ أَسْهُمٍ ؛ سَهْمٌ لَهُ ، وَسَهْمَانِ لِفَرَسِهِ ) أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْغَنِيمَةَ تُقْسَمُ لِلْفَارِسِ مِنْهَا ثَلَاثَةُ أَسْهُمٍ ؛ سَهْمٌ لَهُ ، وَسَهْمَانِ لِفَرَسِهِ ، وَلِلرَّاجِلِ سَهْمٌ .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : هَذَا مَذْهَبُ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَالْحَسَنِ ، وَابْنِ سِيرِينَ ، وَحُسَيْنِ بْنِ ثَابِتٍ ، وَعَوَامِّ عُلَمَاءِ الْإِسْلَامِ فِي الْقَدِيمِ وَالْحَدِيثِ ؛ مِنْهُمْ مَالِكٌ وَمَنْ تَبِعَهُ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ، وَالثَّوْرِيُّ وَمَنْ وَافَقَهُ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ وَمَنْ تَبِعَهُ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لِلْفَرَسِ سَهْمٌ وَاحِدٌ .\rلِمَا رَوَى مُجَمِّعُ بْنُ جَارِيَةَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَسَمَ خَيْبَرَ عَلَى أَهْلِ الْحُدَيْبِيَةِ ، فَأَعْطَى الْفَارِسَ سَهْمَيْنِ ، وَأَعْطَى الرَّاجِلَ سَهْمًا .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَلِأَنَّهُ حَيَوَانٌ ذُو سَهْمٍ ، فَلَمْ يَزِدْ عَلَى سَهْمٍ ، كَالْآدَمِيِّ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَسْهَمَ يَوْمَ خَيْبَرَ لِلْفَارِسِ ثَلَاثَةَ أَسْهُمٍ ؛ سَهْمَانِ لِفَرَسِهِ ، وَسَهْمٌ لَهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَعَنْ أَبِي رُهْمٍ وَأَخِيهِ ، أَنَّهُمَا كَانَا فَارِسَيْنِ يَوْمَ خَيْبَرَ ، فَأُعْطِيَا سِتَّةَ أَسْهُمٍ ؛ أَرْبَعَةَ أَسْهُمٍ لِفَرَسَيْهِمَا ، وَسَهْمَيْنِ لَهُمَا .\rرَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ ، وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْطَى الْفَارِسَ ثَلَاثَةَ أَسْهُمٍ وَأَعْطَى الرَّاجِلَ سَهْمًا .\rوَقَالَ خَالِدٌ الْحَذَّاءُ : لَا يُخْتَلَفُ فِيهِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ أَسْهَمَ هَكَذَا لِلْفَرَسِ سَهْمَيْنِ ، وَلِصَاحِبِهِ سَهْمًا ، وَلِلرَّاجِلِ سَهْمًا .\rوَكَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إلَى عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ : أَمَّا بَعْدُ ؛ فَإِنَّ سُهْمَانَ الْخَيْلِ","part":21,"page":21},{"id":10021,"text":"مِمَّا فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَهْمَيْنِ لِلْفَرَسِ ، وَسَهْمًا لِلرَّاجِلِ ، وَلَعَمْرِي لَقَدْ كَانَ حَدِيثًا مَا أَشْعَرَ أَنَّ أَحَدًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ هَمَّ بِانْتِقَاضِ ذَلِكَ ، فَمَنْ هَمَّ بِانْتِقَاضٍ فَعَاقِبْهُ ، وَالسَّلَامُ عَلَيْك .\rرَوَاهُمَا سَعِيدٌ ، وَالْأَثْرَمُ .\rوَهَذَا يَدُلُّ عَلَى ثُبُوتِ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَذَا ، وَأَنَّهُ أُجْمِعَ عَلَيْهِ ، فَلَا يُعَوَّلُ عَلَى مَا خَالَفَهُ .\rفَأَمَّا حَدِيثُ مُجَمِّعٍ ، فَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ أَعْطَى الْفَارِسَ سَهْمَيْنِ لِفَرَسِهِ ، وَأَعْطَى الرَّاجِلَ سَهْمًا ، يَعْنِي صَاحِبَهُ ، فَيَكُونُ ثَلَاثَةَ أَسْهُمٍ ، عَلَى أَنَّ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ أَصَحُّ مِنْهُ ، وَقَدْ وَافَقَهُ حَدِيثُ أَبِي رُهْمٍ وَأَخِيهِ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَهَؤُلَاءِ أَحْفَظُ وَأَعْلَمُ ، وَابْنُ عُمَرَ وَأَبُو رُهْمٍ وَأَخُوهُ مِمَّنْ شَهِدُوا وَأَخَذُوا السُّهْمَانَ ، وَأَخْبَرُوا عَنْ أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ أُعْطُوا ذَلِكَ ، فَلَا يُعَارَضُ ذَلِكَ بِخَبَرٍ شَاذٍّ تَعَيَّنَ غَلَطُهُ ، أَوْ حَمْلُهُ عَلَى مَا يُخَالِفُ ظَاهِرَهُ ، وَقِيَاسُ الْفَرَسِ عَلَى الْآدَمِيِّ غَيْرُ صَحِيحٍ ؛ لِأَنَّ أَثَرَهَا فِي الْحَرْبِ أَكْثَرُ ، وَكُلْفَتَهَا أَعْظَمُ ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ سَهْمُهَا أَكْثَرَ .","part":21,"page":22},{"id":10022,"text":"( 7494 ) قَالَ : ( إلَّا أَنْ يَكُونَ فَرَسُهُ هَجِينًا ، فَيُعْطَى سَهْمًا لَهُ ، وَسَهْمًا لِفَرَسِهِ ) الْهَجِينُ : الَّذِي أَبُوهُ عَرَبِيٌّ وَأُمُّهُ بِرْذَوْنَةٌ .\rوالمقرف : الَّذِي أَبُوهُ بِرْذَوْنٌ وَأُمُّهُ عَرَبِيَّةٌ ، قَالَتْ هِنْدُ بِنْتُ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ : وَمَا هِنْدٌ إلَّا مُهْرَةٌ عَرَبِيَّةٌ سَلِيلَةُ أَفْرَاسٍ تَحَلَّلَهَا بَغْلُ فَإِنْ وَلَدَتْ مُهْرًا كَرِيمًا فبالحري وَإِنْ يَكُ أقراف فَمَا أَنْجَبَ الْفَحْلُ وَأَرَادَ الْخِرَقِيُّ بِالْهَجِينِ هَا هُنَا مَا عَدَا الْعَرَبِيَّ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .\rوَقَدْ حُكِيَ عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّهُ قَالَ الْهَجِينُ الْبِرْذَوْنُ .\rوَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْهُ فِي سُهْمَانِهَا ، فَقَالَ الْخَلَّالُ : تَوَاتَرَتْ الرِّوَايَاتُ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ فِي سِهَامِ الْبِرْذَوْنِ ، أَنَّهُ سَهْمٌ وَاحِدٌ .\rوَاخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ ، وَالْخِرَقِيُّ ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ .\rقَالَ الْخَلَّالُ : وَرَوَى عَنْهُ ثَلَاثَةٌ مُتَيَقِّظُونَ أَنَّهُ يُسْهَمُ لِلْبِرْذَوْنِ مِثْلُ سَهْمِ الْعَرَبِيِّ .\rوَاخْتَارَهُ الْخَلَّالُ ، وَبِهِ قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : { وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ } .\rوَهَذِهِ مِنْ الْخَيْلِ ، وَلِأَنَّ الرُّوَاةَ رَوَوْا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَسْهَمَ لِلْفَرَسِ سَهْمَيْنِ ، وَلِصَاحِبِهِ سَهْمًا .\rوَهَذَا عَامٌّ فِي كُلِّ فَرَسٍ ، وَلِأَنَّهُ حَيَوَانٌ ذُو سَهْمٍ ، فَاسْتَوَى فِيهِ الْعَرَبِيُّ وَغَيْرُهُ ، كَالْآدَمِيِّ .\rوَحَكَى أَبُو بَكْرٍ ، عَنْ أَحْمَدَ .\rرَحِمَهُ اللَّهُ ، رِوَايَةٌ ثَالِثَةٌ ، أَنَّ الْبَرَاذِينَ إنْ أَدْرَكَتْ إدْرَاكَ الْعِرَابِ ، أُسْهِمَ لَهَا مِثْلُ الْفَرَسِ الْعَرَبِيِّ ، وَإِلَّا فَلَا .\rوَهَذَا قَوْلُ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ ، وَابْنِ أَبِي خَيْثَمَةَ ، وَأَبِي أَيُّوبَ ، وَالْجُوزَجَانِيِّ ؛ لِأَنَّهَا مِنْ الْخَيْلِ ، وَقَدْ عَمِلَتْ عَمَلَ الْعِرَابِ ، فَأُعْطِيَتْ سَهْمًا كَالْعَرَبِيِّ .\rوَحَكَى الْقَاضِي رِوَايَةً رَابِعَةً أَنَّهُ لَا يُسْهَمُ لَهَا .\rوَهُوَ قَوْلُ مَالِكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْخَثْعَمِيِّ ؛ لِأَنَّهُ","part":21,"page":23},{"id":10023,"text":"حَيَوَانٌ لَا يَعْمَلُ عَمَلَ الْخَيْلِ الْعِرَابِ ، فَأَشْبَهَ الْبِغَالَ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الرِّوَايَةُ فِيمَا لَا يُقَارِبُ الْعَتَاقَ مِنْهَا ؛ لِمَا رَوَى الْجُوزَجَانِيُّ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي مُوسَى ، أَنَّهُ كَتَبَ إلَى عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ : إنَّا وَجَدْنَا بِالْعِرَاقِ خَيْلًا عِرَاضًا دُكْنًا ، فَمَا تَرَى يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فِي سُهْمَانِهَا ؟ فَكَتَبَ إلَيْهِ : تِلْكَ الْبَرَاذِينُ ، فَمَا قَارَبَ الْعَتَاقَ مِنْهَا ، فَاجْعَلْ لَهُ سَهْمًا وَاحِدًا ، وَأَلْغِ مَا سِوَى ذَلِكَ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى سَعِيدٌ بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي الْأَقْمَرِ قَالَ : أَغَارَتْ الْخَيْلُ عَلَى الشَّامِ ، فَأَدْرَكَتْ الْعِرَابُ مِنْ يَوْمِهَا ، وَأَدْرَكَتْ الْكَوَادِنُ ضُحَى الْغَدِ ، وَعَلَى الْخَيْلِ رَجُلٌ مِنْ هَمْدَانَ ، يُقَالُ لَهُ : الْمُنْذِرُ بْنُ أَبِي حُمَيْضَةَ ، فَقَالَ : لَا أَجْعَلُ الَّذِي أَدْرَكَ مِنْ يَوْمِهِ مِثْلَ الَّذِي لَمْ يُدْرِكْ .\rفَفَضَّلَ الْخَيْلَ ، فَقَالَ عُمَرُ : هَبِلَتْ الْوَادِعِيَّ أُمُّهُ ، أَمْضُوهَا عَلَى مَا قَالَ .\rوَلَمْ يُعْرَفْ عَنْ الصَّحَابَةِ خِلَافُ هَذَا الْقَوْلِ .\rوَرَوَى مَكْحُولٌ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْطَى الْفَرَسَ الْعَرَبِيَّ سَهْمَيْنِ ، وَأَعْطَى الْهَجِينَ سَهْمًا .\rرَوَاهُ سَعِيدٌ أَيْضًا ، وَلِأَنَّ نَفْعَ الْعَرَبِيِّ وَأَثَرَهُ فِي الْحَرْبِ أَفْضَلُ ، فَيَكُونُ سَهْمُهُ أَرْجَحَ ، كَتَفَاضُلِ مَنْ يُرْضَخُ لَهُ .\rوَأَمَّا قَوْلُهُمْ : إنَّهُ مِنْ الْخَيْلِ .\rقُلْنَا : وَالْخَيْلُ فِي نَفْسِهَا تَتَفَاضَلُ ، فَتَتَفَاضَلُ سُهْمَانُهَا .\rوَأَمَّا قَوْلُهُمْ : إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَسَمَ لِلْفَرَسِ سَهْمَيْنِ ، مِنْ غَيْرِ تَفْرِيقٍ .\rقُلْنَا : هَذِهِ قَضِيَّةٌ فِي عَيْنٍ ، لَا عُمُومَ لَهَا ، فَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِيهَا بِرْذَوْنٌ ، وَهُوَ الظَّاهِرُ ، فَإِنَّهَا مِنْ خَيْلِ الْعَرَبِ ، وَلَا بَرَاذِينَ فِيهَا ، وَدَلَّ عَلَى صِحَّةِ هَذَا ، أَنَّهُمْ لَمَّا وَجَدُوا الْبَرَاذِينَ بِالْعِرَاقِ ، أَشْكَلَ عَلَيْهِمْ أَمْرُهَا ، وَأَنَّ عُمَرَ فَرَضَ لَهَا سَهْمًا وَاحِدًا ، وَأَمْضَى مَا قَالَ","part":21,"page":24},{"id":10024,"text":"الْمُنْذِرُ بْنُ أَبِي حُمَيْضَةَ فِي تَفْضِيلِ الْعِرَابِ عَلَيْهَا .\rوَلَوْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَوَّى بَيْنَهُمَا ، لَمْ يَخْفَ ذَلِكَ عَلَى عُمَرَ ، وَلَا خَالَفَهُ ، وَلَوْ خَالَفَهُ لَمْ يَسْكُتْ الصَّحَابَةُ عَنْ إنْكَارِهِ عَلَيْهِ ، سِيَّمَا وَابْنُهُ هُوَ رَاوِي الْخَبَرِ ، فَكَيْفَ يَخْفَى ذَلِكَ عَلَيْهِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ فَضَّلَ الْعِرَابَ أَيْضًا ، فَلَمْ يَذْكُرْهُ الرَّاوِي ، لِغَلَبَةِ الْعِرَابِ ، وَقِلَّةِ الْبَرَاذِينِ ، وَيَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ هَذَا التَّأْوِيلِ ، خَبَرُ مَكْحُولٍ الَّذِي رَوَيْنَاهُ ، وَقِيَاسُهَا عَلَى الْآدَمِيِّ لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ الْعَرَبِيَّ مِنْهُمْ لَا أَثَرَ لَهُ فِي الْحَرْبِ زِيَادَةً عَلَى غَيْرِهِ بِخِلَافِ الْعَرَبِيِّ مِنْ الْخَيْلِ عَلَى غَيْرِهِ .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":21,"page":25},{"id":10025,"text":"( 7495 ) قَالَ : ( وَلَا يُسْهَمُ لِأَكْثَرَ مِنْ فَرَسَيْنِ ) .\rيَعْنِي إذَا كَانَ مَعَ الرَّجُلِ خَيْلٌ ، أُسْهِمَ لِفَرَسَيْنِ أَرْبَعَةُ أَسْهُمٍ ، وَلِصَاحِبِهِمَا سَهْمٌ ، وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ : لَا يُسْهَمُ لِأَكْثَرِ مِنْ فَرَسٍ وَاحِدٍ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَاتِلَ عَلَى أَكْثَرَ مِنْهَا ، فَلَمْ يُسْهَمْ لِمَا زَادَ عَلَيْهَا ، كَالزَّائِدِ عَنْ الْفَرَسَيْنِ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى الْأَوْزَاعِيُّ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُسْهِمُ لِلْخَيْلِ ، وَكَانَ لَا يُسْهِمُ لِلرَّجُلِ فَوْقَ فَرَسَيْنِ ، وَإِنْ كَانَ مَعَهُ عَشَرَةُ أَفْرَاسٍ .\rوَعَنْ أَزْهَرَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَتَبَ إلَى أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ ، أَنْ يُسْهِمَ لِلْفَرَسِ سَهْمَيْنِ ، وَلِلْفَرَسَيْنِ أَرْبَعَةَ أَسْهُمٍ ، وَلِصَاحِبِهِمَا سَهْمٌ ، فَذَلِكَ خَمْسَةُ أَسْهُمٍ ، وَمَا كَانَ فَوْقَ الْفَرَسَيْنِ فَهِيَ جَنَائِبُ .\rرَوَاهُمَا سَعِيدٌ ، فِي \" سُنَنِهِ \" .\rوَلِأَنَّ بِهِ إلَى الثَّانِي حَاجَةً ، فَإِنَّ إدَامَةَ رُكُوبِ وَاحِدٍ تُضْعِفُهُ ، وَتَمْنَعُ الْقِتَالَ عَلَيْهِ ، فَيُسْهَمُ لَهُ كَالْأَوَّلِ ، بِخِلَافِ الثَّالِثِ ، فَإِنَّهُ مُسْتَغْنًى عَنْهُ .","part":21,"page":26},{"id":10026,"text":"( 7496 ) قَالَ : ( وَمَنْ غَزَا عَلَى بَعِيرٍ ، وَهُوَ لَا يَقْدِرُ عَلَى غَيْرِهِ ، قُسِمَ لَهُ وَلِبَعِيرِهِ سَهْمَانِ ) نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى هَذَا ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يُسْهَمُ لِلْبَعِيرِ مَعَ إمْكَانِ الْغَزْوِ عَلَى فَرَسٍ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّهُ يُسْهَمُ لِلْبَعِيرِ سَهْمٌ ، وَلَمْ يَشْتَرِطْ عَجَزَ صَاحِبُهُ عَنْ غَيْرِهِ .\rوَحُكِيَ نَحْوُ هَذَا عَنْ الْحَسَنِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : { فَمَا أَوَجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ } .\rوَلِأَنَّهُ حَيَوَانٌ تَجُوزُ الْمُسَابَقَةُ عَلَيْهِ بِعِوَضٍ ، فَيُسْهَمُ لَهُ ، كَالْفَرَسِ .\rيُحَقِّقُهُ أَنَّ تَجْوِيزَ الْمُسَابَقَةِ بِعِوَضٍ إنَّمَا أُبِيحَتْ فِي ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ دُونَ غَيْرِهَا ؛ لِأَنَّهَا آلَاتُ الْجِهَادِ ، فَأُبِيحَ أَخْذُ الرَّهْنِ فِي الْمُسَابَقَةِ بِهَا ، تَحْرِيضًا عَلَى رِيَاضَتِهَا ، وَتَعَلُّمِ الْإِتْقَانِ فِيهَا ، وَلَا يُزَادُ عَلَى سَهْمِ الْبِرْذَوْنِ ؛ لِأَنَّهُ دُونَهُ ، وَلَا يُسْهَمُ لَهُ إلَّا أَنْ يَشْهَدَ الْوَقْعَةَ عَلَيْهِ ، وَيَكُونَ مِمَّا يُمْكِنُ الْقِتَالُ عَلَيْهِ ، فَأَمَّا هَذِهِ الْإِبِلُ الثَّقِيلَةُ ، الَّتِي لَا تَصْلُحُ إلَّا لِلْحَمْلِ ، فَلَا يَسْتَحِقُّ رَاكِبُهَا شَيْئًا ؛ لِأَنَّهَا لَا تَكِرُّ وَلَا تَفِرُّ ، فَرَاكِبُهَا أَدْنَى حَالٍ مِنْ الرَّاجِلِ .\rوَاخْتَارَ أَبُو الْخَطَّابِ أَنَّهُ لَا يُسْهَمُ لَهُ بِحَالٍ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ أَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ، أَنَّ مَنْ غَزَا عَلَى بَعِيرٍ ، فَلَهُ سَهْمُ رَاجِلٍ .\rكَذَلِكَ قَالَ الْحَسَنُ ، وَمَكْحُولٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ أَنَّهُ أَسْهَمَ لِغَيْرِ الْخَيْلِ مِنْ الْبَهَائِمِ ، وَقَدْ كَانَ مَعَهُ يَوْمَ بَدْرٍ سَبْعُونَ بَعِيرًا ، وَلَمْ تَخْلُ غَزَاةٌ مِنْ غَزَوَاتِهِ مِنْ الْإِبِلِ ، بَلْ هِيَ كَانَتْ غَالِبُ دَوَابِّهِمْ ، فَلَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ أَنَّهُ أَسْهَمَ لَهَا ، وَلَوْ أَسْهَمَ لَهَا لَنُقِلَ ، وَكَذَلِكَ مِنْ بَعْدِ","part":21,"page":27},{"id":10027,"text":"النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ خُلَفَائِهِ وَغَيْرِهِمْ ، مَعَ كَثْرَةِ غَزَوَاتِهِمْ ، لَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ فِيمَا عَلِمْنَاهُ أَنَّهُ أَسْهَمَ لِبَعِيرٍ ، وَلَوْ أَسْهَمَ لِبَعِيرٍ لَمْ يَخْفَ ذَلِكَ ، وَلِأَنَّهُ لَا يَتَمَكَّنُ صَاحِبُهُ مِنْ الْكَرِّ وَالْفَرِّ ، فَلَمْ يُسْهَمْ لَهُ ، كَالْبَغْلِ وَالْحِمَارِ .\r( 7497 ) فَصْلٌ : وَمَا عَدَا الْخَيْلَ وَالْإِبِلَ ، مِنْ الْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ وَالْفِيَلَةِ وَغَيْرِهَا ، لَا يُسْهَمُ لَهَا ، بِغَيْرِ خِلَافٍ ، وَإِنْ عَظُمَ غَنَاؤُهَا ، وَقَامَتْ مَقَامَ الْخَيْلِ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُسْهِمْ لَهَا ، وَلَا أَحَدٌ مِنْ خُلَفَائِهِ ، وَلِأَنَّهَا مِمَّا لَا يَجُوزُ الْمُسَابَقَةُ عَلَيْهِ بِعِوَضٍ ، فَلَمْ يُسْهَمْ لَهَا ، كَالْبَقَرِ .\r( 7498 ) فَصْلٌ : وَيَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يَتَعَاهَدَ الْخَيْلَ عِنْدَ دُخُولِ الْحَرْبِ ، فَلَا يُدْخِلُ إلَّا شَدِيدًا ، وَلَا يُدْخِلُهَا حَطِمًا ، وَلَا ضَعِيفًا ، وَلَا ضَرِعًا ، وَلَا أَعْجَفَ رَازِحًا .\rفَإِنْ شَهِدَ أَحَدٌ الْوَقْعَةَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ لَمْ يُسْهَمْ لَهُ .\rوَبِهِ قَالَ مَالِكٌ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يُسْهَمُ لَهُ ؛ كَمَا يُسْهَمُ لِلْمَرِيضِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ لَا يُنْتَفَعُ بِهِ ، فَلَمْ يُسْهَمْ لَهُ ، كَالرَّجُلِ الْمُخَذِّلِ وَالْمُرْجِفِ ، وَلِأَنَّهُ حَيَوَانٌ يَتَعَيَّنُ مَنْعُ دُخُولِهِ ، فَلَمْ يُسْهَمْ لَهُ ، كَالْمُرْجِفِ .\rوَأَمَّا الْمَرِيضُ الَّذِي لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ الْقِتَالِ ، فَإِنْ خَرَجَ بِمَرَضِهِ عَنْ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الْجِهَادِ ، كَالزَّمِنِ وَالْأَشَلِّ وَالْمَفْلُوجِ ، فَلَا سَهْمَ لَهُ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنْ أَهْلِ الْجِهَادِ ، وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ بِمَرَضِهِ عَنْ ذَلِكَ ، كَالْمَحْمُومِ ، وَمَنْ بِهِ الصُّدَاعُ ، فَإِنَّهُ يُسْهَمُ لَهُ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْجِهَادِ ، وَيُعِينُ بِرَأْيِهِ ، وَتَكْثِيرِهِ ، وَدُعَائِهِ .","part":21,"page":28},{"id":10028,"text":"( 7499 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَمَنْ مَاتَ بَعْدَ إحْرَازِ الْغَنِيمَةِ ، قَامَ وَارِثُهُ مَقَامَهُ فِي سَهْمِهِ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْغَازِيَ إذَا مَاتَ أَوْ قُتِلَ ، نَظَرْت ؛ فَإِنْ كَانَ قَبْلَ حِيَازَةِ الْغَنِيمَةِ ، فَلَا سَهْمَ لَهُ ؛ لِأَنَّهُ مَاتَ قَبْلَ ثُبُوتِ مِلْكِ الْمُسْلِمِينَ عَلَيْهَا ، سَوَاءٌ مَاتَ حَالَ الْقِتَالِ أَوْ قَبْلَهُ ، وَإِنْ مَاتَ بَعْدَ ذَلِكَ ، فَسَهْمُهُ لِوَرَثَتِهِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إنْ مَاتَ قَبْلَ إحْرَازِ الْغَنِيمَةِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ ، أَوْ قَسَمَهَا فِي دَارِ الْحَرْبِ ، فَلَا شَيْءَ لَهُ ؛ لِأَنَّ مِلْكَ الْمُسْلِمِينَ لَا يَتِمُّ عَلَيْهَا إلَّا بِذَلِكَ .\rوَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : إنْ مَاتَ بَعْدَمَا يُدَرَّبُ قَاصِدًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَبْلُ أَوْ بَعْدُ ، أُسْهِمَ لَهُ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ : إنْ حَضَرَ الْقِتَالَ أُسْهِمَ لَهُ ، سَوَاءٌ مَاتَ قَبْلَ حِيَازَةِ الْغَنِيمَةِ أَوْ بَعْدَهَا ، وَإِنْ لَمْ يَحْضُرْ فَلَا سَهْمَ لَهُ .\rوَنَحْوَهُ قَالَ مَالِكٌ ، وَاللَّيْثُ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ إذَا مَاتَ قَبْلَ حِيَازَتِهَا ، فَقَدْ مَاتَ قَبْلَ مِلْكِهَا ، وَثُبُوتِ الْيَدِ عَلَيْهَا ، فَلَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا ، وَإِنْ مَاتَ بَعْدَهَا ، فَقَدْ مَاتَ بَعْدَ الِاسْتِيلَاءِ عَلَيْهَا ، فِي حَالٍ لَوْ قُسِمَتْ صَحَّتْ قِسْمَتُهَا ، وَكَانَ لَهُ سَهْمُهُ مِنْهَا ، فَيَجِبُ أَنْ يَسْتَحِقَّ سَهْمَهُ فِيهَا ، كَمَا لَوْ مَاتَ بَعْدَ إحْرَازِهَا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ .\rوَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ يَسْتَحِقُّهُ ، فَيَكُونُ لِوَرَثَتِهِ ، كَسَائِرِ أَمْلَاكِهِ وَحُقُوقِهِ .","part":21,"page":29},{"id":10029,"text":"( 7500 ) قَالَ : ( وَيُعْطَى الرَّاجِلَ سَهْمًا ) لَا خِلَافَ فِي أَنَّ لِلرَّاجِلِ سَهْمًا .\rوَقَدْ جَاءَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ أَعْطَى الرَّاجِلَ سَهْمًا ، فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ الْأَخْبَارِ ، وَلِأَنَّ الرَّاجِلَ يَحْتَاجُ إلَى أَقَلَّ مِمَّا يَحْتَاجُ إلَيْهِ الْفَارِسُ ، وَغَنَاؤُهُ دُونَ غَنَائِهِ ، فَاقْتَضَى ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ سَهْمُهُ دُونَ سَهْمِهِ .\r( 7501 ) فَصْلٌ : وَسَوَاءٌ كَانَتْ الْغَنِيمَةُ مِنْ فَتْحِ حِصْنٍ ، أَوْ مِنْ مَدِينَةٍ ، أَوْ مِنْ جَيْشٍ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَقَالَ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ : سَأَلْت الْأَوْزَاعِيَّ عَنْ إسْهَامِ الْخَيْلِ مِنْ غَنَائِمِ الْحُصُونِ .\rفَقَالَ : كَانَتْ الْوُلَاةُ مِنْ قَبْلِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، الْوَلِيدُ وَسُلَيْمَانُ ، لَا يُسْهِمُونَ الْخَيْلَ مِنْ الْحُصُونِ ، وَيَجْعَلُونَ النَّاسَ كُلَّهُمْ رَجَّالَةً ، حَتَّى وَلِيَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، فَأَنْكَرَ ذَلِكَ ، وَأَمَرَ بِإِسْهَامِهَا مِنْ فَتْحِ الْحُصُونِ وَالْمَدَائِنِ .\rوَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَسَمَ غَنَائِمَ خَيْبَرَ ؛ لِلْفَارِسِ ثَلَاثَةُ أَسْهُمٍ ، وَلِلرَّاجِلِ سَهْمٌ .\rوَهِيَ حُصُونٌ ، وَلِأَنَّ الْخَيْلَ رُبَّمَا اُحْتِيجَ إلَيْهَا ، بِأَنْ يَنْزِلَ أَهْلُ الْحِصْنِ ، فَيُقَاتِلُوا خَارِجًا مِنْهُ ، وَيَلْزَمُ صَاحِبَهُ مُؤْنَةٌ لَهُ ، فَيُقْسَمُ لَهُ ، كَمَا لَوْ كَانَ فِي غَيْرِ حِصْنٍ .","part":21,"page":30},{"id":10030,"text":"( 7502 ) قَالَ : ( وَيُرْضَخُ لِلْمَرْأَةِ وَالْعَبْدِ ) مَعْنَاهُ أَنَّهُمْ يُعْطَوْنَ شَيْئًا مِنْ الْغَنِيمَةِ دُونَ السَّهْمِ ، وَلَا يُسْهَمُ لَهُمْ سَهْمٌ كَامِلٌ ، وَلَا تَقْدِيرَ لِمَا يُعْطُونَهُ ، بَلْ ذَلِكَ إلَى اجْتِهَادِ الْإِمَامِ ، فَإِنْ رَأَى التَّسْوِيَةَ بَيْنَهُمْ سَوَّى بَيْنَهُمْ ، وَإِنْ رَأَى التَّفْضِيلَ فَضَّلَ .\rوَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ؛ مِنْهُمْ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ، وَمَالِكٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَاللَّيْثُ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ : يُسْهَمُ لِلْعَبْدِ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَالْحَسَنِ ، وَالنَّخَعِيِّ ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ الْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ ، أَنَّهُ شَهِدَ فَتْحَ الْقَادِسِيَّةِ عَبِيدٌ ، فَضَرَبَ لَهُمْ سِهَامَهُمْ .\rوَلِأَنَّ حُرْمَةَ الْعَبْدِ فِي الدِّينِ كَحُرْمَةِ الْحُرِّ ، وَفِيهِ مِنْ الْغَنَاءِ مِثْلُ مَا فِيهِ فَوَجَبَ أَنْ يُسْهَمَ لَهُ ، كَالْحُرِّ .\rوَحُكِيَ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ : لَيْسَ لِلْعَبِيدِ سَهْمٌ وَلَا رَضْخٌ ، إلَّا أَنْ يَجِيئُوا بِغَنِيمَةٍ ، أَوْ يَكُونَ لَهُمْ غَنَاءٌ ، فَيُرْضَخَ لَهُمْ .\rقَالَ : وَيُسْهَمُ لِلْمَرْأَةِ ؛ لِمَا رَوَى جَرِيرُ بْنُ زِيَادٍ ، عَنْ جَدَّتِهِ ، أَنَّهَا حَضَرَتْ فَتْحَ خَيْبَرَ ، قَالَتْ : فَأَسْهَمَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا أَسْهَمَ لِلرِّجَالِ .\rوَأَسْهَمَ أَبُو مُوسَى فِي غَزْوَةِ تُسْتَرَ لِنِسْوَةٍ مَعَهُ .\rوَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ : أَسْهَمْنَ النِّسَاءُ يَوْمَ الْيَرْمُوكِ .\rوَرَوَى سَعِيدٌ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ ابْنِ شِبْلِ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضَرَبَ لِسَهْلَةَ بِنْتِ عَاصِمٍ يَوْمَ حُنَيْنٍ بِسَهْمٍ ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ : أُعْطِيت سَهْلَةُ مِثْلَ سَهْمِي } .\rوَلَنَا ، مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّهُ قَالَ : { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَغْزُو بِالنِّسَاءِ ، فَيُدَاوِينَ الْجَرْحَى ، وَيُحْذَيْنَ مِنْ الْغَنِيمَةِ ، وَأَمَّا سَهْمٌ ، فَلَمْ يَضْرِبْ لَهُنَّ } رَوَاهُ مُسْلِمٌ .\rوَرَوَى سَعِيدٌ عَنْ يَزِيدَ","part":21,"page":31},{"id":10031,"text":"بْنِ هَارُونَ ، أَنَّ نَجْدَةَ كَتَبَ إلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ، يَسْأَلُهُ عَنْ الْمَرْأَةِ وَالْمَمْلُوكِ يَحْضُرَانِ الْفَتْحَ ، أَلَهُمَا مِنْ الْمَغْنَمِ شَيْءٌ ؟ قَالَ يُحْذَيَانِ ، وَلَيْسَ لَهُمَا شَيْءٌ .\rوَفِي رِوَايَةٍ قَالَ : لَيْسَ لَهُمَا سَهْمٌ ، وَقَدْ يُرْضَخُ لَهُمَا .\rوَعَنْ عُمَيْرٍ مَوْلَى آبِي اللَّحْمِ قَالَ شَهِدْت خَيْبَرَ مَعَ سَادَتِي ، فَكَلَّمُوا فِي رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأُخْبِرَ أَنِّي مَمْلُوكٌ ، فَأَمَرَ لِي بِشَيْءٍ مِنْ خُرْثِيِّ الْمَتَاعِ .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَاحْتَجَّ بِهِ أَحْمَدَ ، وَلِأَنَّهُمَا لَيْسَا مِنْ أَهْلِ الْقِتَالِ ، فَلَمْ يُسْهَمْ لَهُمَا ، كَالصَّبِيِّ .\rقَالَتْ عَائِشَةُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، هَلْ عَلَى النِّسَاءِ جِهَادٌ ؟ قَالَ : \" نَعَمْ ، جِهَادٌ لَا قِتَالَ فِيهِ ؛ الْحَجُّ ، وَالْعُمْرَةُ \" .\rوَقَالَ عُمَرُ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ : كُتِبَ الْقَتْلُ وَالْقِتَالُ عَلَيْنَا وَعَلَى الْمُحْصَنَاتِ جَرُّ الذُّيُولِ وَلِأَنَّ الْمَرْأَةَ ضَعِيفَةٌ ، يَسْتَوْلِي عَلَيْهَا الْخَوَرُ ، فَلَا تَصْلُحُ لِلْقِتَالِ ، وَلِهَذَا لَمْ تُقْتَلْ إذَا كَانَتْ حَرْبِيَّةً .\rفَأَمَّا مَا رُوِيَ فِي إسْهَامِ النِّسَاءِ ، فَيَحْتَمِلُ أَنَّ الرَّاوِيَ سَمَّى الرَّضْخَ سَهْمًا ، بِدَلِيلِ أَنَّ فِي حَدِيثِ حَشْرَجٍ ، أَنَّهُ جَعَلَ لَهُنَّ نَصِيبًا تَمْرًا .\rوَلَوْ كَانَ سَهْمًا ، مَا اخْتَصَّ التَّمْرَ ، وَلِأَنَّ خَيْبَرَ قُسِمَتْ عَلَى أَهْلِ الْحُدَيْبِيَةِ ، نَفَرٍ مَعْدُودِينَ فِي غَيْرِ حَدِيثِهَا ، وَلَمْ يُذْكَرْنَ مِنْهُمْ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَسْهَمَ لَهُنَّ مِثْلَ سِهَامِ الرِّجَالِ مِنْ التَّمْرِ خَاصَّةً ، أَوْ مِنْ الْمَتَاعِ دُونَ الْأَرْضِ .\rوَأَمَّا حَدِيثُ سَهْلَةَ ، فَإِنَّ فِي الْحَدِيثِ أَنَّهَا وَلَدَتْ ، فَأَعْطَاهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهَا وَلِوَلَدِهَا ، فَبَلَغَ رَضْخُهُمَا سَهْمَ رَجُلٍ ، وَلِذَلِكَ عَجِبَ الرَّجُلُ الَّذِي قَالَ : أُعْطِيت سَهْلَةُ مِثْلَ سَهْمِي .\rوَلَوْ كَانَ هَذَا مَشْهُورًا مِنْ فِعْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا عَجِبَ مِنْهُ .\r( 7503 ) فَصْلٌ : وَالْمُدَبَّرُ ، وَالْمَكَاتِبُ ، كَالْقِنِّ ؛","part":21,"page":32},{"id":10032,"text":"لِأَنَّهُمْ عَبِيدٌ .\rفَإِنْ عَتَقَ مِنْهُمْ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْحَرْبِ أُسْهِمَ لَهُمْ .\rوَكَذَلِكَ إنْ قُتِلَ سَيِّدُ الْمُدَبَّرِ قَبْلَ تَقَضِّي الْحَرْبِ ، وَهُوَ يَخْرُجُ مِنْ الثُّلُثِ ، عَتَقَ ، وَأُسْهِمَ لَهُ .\rوَأَمَّا مَنْ بَعْضُهُ حُرٌّ ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : يُرْضَخُ لَهُ بِقَدْرِ مَا فِيهِ مِنْ الرِّقِّ ، وَيُسْهَمُ لَهُ بِقَدْرِ مَا فِيهِ مِنْ الْحُرِّيَّةِ ؛ فَإِذَا كَانَ نِصْفُهُ حُرًّا ، أُعْطِيَ نِصْفَ سَهْمٍ ، وَرُضِخَ لَهُ نِصْفُ الرَّضْخِ ؛ لِأَنَّ هَذَا مِمَّا يُمْكِنُ تَبْعِيضُهُ ، يُقْسَمُ عَلَى قَدْرِ مَا فِيهِ مِنْ الْحُرِّيَّةِ وَالرِّقِّ وَالْمِيرَاثِ .\rوَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ ، أَنَّهُ يُرْضَخُ لَهُ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ وُجُوبِ الْقِتَالِ ، فَأَشْبَهَ الرَّقِيقَ .\r( 7504 ) فَصْلٌ : وَالْخُنْثَى الْمُشْكِلُ يُرْضَخُ لَهُ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ أَنَّهُ رَجُلٌ يَقْسِمُ لَهُ ، وَلِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ وُجُوبِ الْجِهَادِ ، فَأَشْبَهَ الْمَرْأَةَ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقْسَمَ لَهُ نِصْفُ سَهْمٍ وَنِصْفُ الرَّضْخِ كَالْمِيرَاثِ .\rفَإِنْ انْكَشَفَ حَالِهِ ، فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ رَجُلٌ ، أُتِمَّ لَهُ سَهْمُ رَجُلٍ ، سَوَاءٌ انْكَشَفَ قَبْلَ تَقَضِّي الْحَرْبِ أَوْ بَعْدَهُ ، أَوْ قَبْلَ الْقِسْمَةِ أَوْ بَعْدَهَا ؛ لِأَنَّنَا تَبَيَّنَّا أَنَّهُ كَانَ مُسْتَحِقًّا لِلسَّهْمِ ، وَأَنَّهُ أُعْطِيَ دُونَ حَقِّهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أُعْطِيَ بَعْضُ الرِّجَالِ دُونَ حَقِّهِ غَلَطًا .\r( 7505 ) فَصْلٌ : وَالصَّبِيُّ يُرْضَخُ ، وَلَا يُسْهَمُ لَهُ .\rوَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَاللَّيْثُ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ .\rوَعَنْ الْقَاسِمِ ، وَسَالِمٍ ، فِي الصَّبِيِّ يَغْزُو بِهِ ، لَيْسَ لَهُ شَيْءٌ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : يُسْهَمُ لَهُ إذَا قَاتَلَ ، وَأَطَاقَ ذَلِكَ ، وَمِثْلُهُ قَدْ بَلَغَ الْقِتَالَ ؛ لِأَنَّهُ حُرٌّ ذَكَرٌ مُقَاتِلٌ ، فَيُسْهَمُ لَهُ كَالرَّجُلِ .\rوَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : يُسْهَمُ لَهُ .\rوَقَالَ : أَسْهَمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلصِّبْيَانِ بِخَيْبَرَ ، وَأَسْهَمَ أَئِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ لِكُلِّ مَوْلُودٍ وُلِدَ فِي أَرْضِ الْحَرْبِ .\rوَرَوَى","part":21,"page":33},{"id":10033,"text":"الْجُوزَجَانِيُّ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ الْوَضِينِ بْنِ عَطَاءٍ ، قَالَ : حَدَّثَتْنِي جَدَّتِي ، قَالَتْ : كُنْت مَعَ حَبِيبِ بْنِ مَسْلَمَةَ ، وَكَانَ يُسْهِمُ لِأُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ ، لِمَا فِي بُطُونِهِنَّ .\rوَلَنَا ، مَا رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، قَالَ : كَانَ الصِّبْيَانُ وَالْعَبِيدُ يُحْذَوْنَ مِنْ الْغَنِيمَةِ إذَا حَضَرُوا الْغَزْوَ ، فِي صَدْرِ هَذِهِ الْأُمَّةِ .\rوَرَوَى الْجُوزَجَانِيُّ ، بِإِسْنَادِهِ ، أَنَّ تَمِيمَ بْنَ قَرْعٍ الْمَهْدِيَّ ، كَانَ فِي الْجَيْشِ الَّذِينَ فَتَحُوا الْإِسْكَنْدَرِيَّة ، فِي الْمَرَّةِ الْآخِرَةِ ، قَالَ : فَلَمْ يَقْسِمْ لِي عَمْرٌو مِنْ الْفَيْءِ شَيْئًا ، وَقَالَ : غُلَامٌ لَمْ يَحْتَلِمْ .\rحَتَّى كَادَ يَكُونُ بَيْنَ قُومِي وَبَيْنَ أُنَاسٍ مِنْ قُرَيْشٍ فِي ذَلِكَ ثَائِرَةٌ ، فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ : فِيكُمْ أُنَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاسْأَلُوهُمْ .\rفَسَأَلُوا أَبَا نَضْرَةَ الْغِفَارِيَّ ، وَعُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ ، فَقَالَا : اُنْظُرُوا ، فَإِنْ كَانَ قَدْ أَشْعَرَ ، فَاقْسِمُوا لَهُ ، فَنَظَرَ إلَيَّ بَعْضُ الْقَوْمِ ، فَإِذَا أَنَا قَدْ أَنْبَتُّ ، فَقَسَمَ لِي .\rقَالَ الْجُوزَجَانِيُّ هَذَا مِنْ مَشَاهِيرِ حَدِيثِ مِصْرَ وَجَيِّدِهِ .\rوَلِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْقِتَالِ ، فَلَمْ يُسْهَمْ لَهُ كَالْعَبْدِ ، وَلَمْ يَثْبُتْ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَسَمَ لِصَبِيٍّ ، بَلْ كَانَ لَا يُجِيزُهُمْ فِي الْقِتَالِ ، فَإِنَّ ابْنَ عُمَرَ قَالَ : عُرِضْت عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً ، فَلَمْ يُجِزْنِي فِي الْقِتَالِ ، وَعُرِضْت عَلَيْهِ وَأَنَا ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ ، فَأَجَازَنِي ، وَمَا ذَكَرُوهُ يَحْتَمِلُ أَنَّ الرَّاوِيَ سَمَّى الرَّضْخَ سَهْمًا ، بِدَلِيلِ مَا ذَكَرْنَاهُ .","part":21,"page":34},{"id":10034,"text":"( 7506 ) فَإِنْ انْفَرَدَ بِالْغَنِيمَةِ مَنْ لَا يُسْهَمُ لَهُ ، مِثْلُ عَبِيدٍ دَخَلُوا دَارَ الْحَرْبِ فَغَنِمُوا ، أَوْ صِبْيَانٍ ، أَوْ عَبِيدٍ وَصِبْيَانٍ ، أُخِذَ خُمْسُهُ ، وَمَا بَقِيَ لَهُمْ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقْسَمَ بَيْنَهُمْ ؛ لِلْفَارِسِ ثَلَاثَةُ أَسْهُمٍ ، وَلِلرَّاجِلِ سَهْمٌ ؛ لِأَنَّهُمْ تَسَاوَوْا ، فَأَشْبَهُوا الرِّجَالَ الْأَحْرَارَ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقْسَمَ بَيْنَهُمْ عَلَى مَا يَرَاهُ الْإِمَامُ مِنْ الْمُفَاضَلَةِ ؛ لِأَنَّهُمْ لَا تَجِبُ التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُمْ مَعَ غَيْرِهِمْ ، فَلَا تَجِبُ مَعَ الِانْفِرَادِ ، قِيَاسًا لِإِحْدَى الْحَالَتَيْنِ عَلَى الْأُخْرَى .\rوَإِنْ كَانَ فِيهِمْ رَجُلٌ حُرٌّ ، أُعْطِي سَهْمًا ، وَفُضِّلَ عَلَيْهِمْ ، بِقَدْرِ مَا يُفَضَّلُ الْأَحْرَارُ عَلَى الْعَبِيدِ وَالصِّبْيَانِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ ، وَيُقْسَمُ الْبَاقِي بَيْنَ مَنْ بَقِيَ عَلَى مَا يَرَاهُ الْإِمَامُ مِنْ التَّفْضِيلِ ؛ لِأَنَّ فِيهِمْ مَنْ لَهُ سَهْمٌ ، بِخِلَافِ الَّتِي قَبْلَهَا .","part":21,"page":35},{"id":10035,"text":"( 7507 ) قَالَ : ( وَيُسْهَمُ لِلْكَافِرِ ، إذَا غَزَا مَعَنَا ) اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ فِي الْكَافِرِ يَغْزُو مَعَ الْإِمَامِ بِإِذْنِهِ ، فَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّهُ يُسْهَمُ لَهُ كَالْمُسْلِمِ .\rوَبِهَذَا قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، قَالَ الْجُوزَجَانِيُّ : هَذَا مَذْهَبُ أَهْلِ الثُّغُورِ ، وَأَهْلِ الْعِلْمِ بِالصَّوَائِفِ وَالْبُعُوثِ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ لَا يُسْهَمُ لَهُ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الْجِهَادِ ، فَلَمْ يُسْهَمْ لَهُ ، كَالْعَبْدِ ، وَلَكِنْ يُرْضَخُ لَهُ ، كَالْعَبْدِ .\rوَلَنَا مَا رَوَى الزُّهْرِيُّ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَعَانَ بِنَاسٍ مِنْ الْيَهُودِ فِي حَرْبِهِ ، فَأَسْهَمَ لَهُمْ .\rرَوَاهُ سَعِيدٌ ، فِي \" سُنَنِهِ \" .\rوَرُوِيَ : أَنَّ صَفْوَانَ بْنَ أُمَيَّةَ ، خَرَجَ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ خَيْبَرَ ، وَهُوَ عَلَى شِرْكِهِ ، فَأَسْهَمَ لَهُ ، وَأَعْطَاهُ مِنْ سَهْمِ الْمُؤَلَّفَةِ ، وَلِأَنَّ الْكُفْرَ نَقْصٌ فِي الدِّينِ ، فَلَمْ يَمْنَعْ اسْتِحْقَاقَ السَّهْمِ ، كَالْفِسْقِ ، وَبِهَذَا فَارَقَ الْعَبْدَ ؛ فَإِنَّ نَقْصَهُ فِي دُنْيَاهُ وَأَحْكَامِهِ .\rوَإِنْ غَزَا بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ ، فَلَا سَهْمَ لَهُ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَأْمُونٍ عَلَى الدِّينِ ، فَهُوَ كَالْمُرْجِفِ ، وَشَرٌّ مِنْهُ .\rوَإِنْ غَزَا جَمَاعَةٌ مِنْ الْكُفَّارِ وَحْدَهُمْ فَغَنِمُوا ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ غَنِيمَتُهُمْ لَهُمْ ، لَا خُمُسَ فِيهَا ؛ لِأَنَّ هَذَا اكْتِسَابٌ مُبَاحٌ ، لَمْ يُؤْخَذْ عَلَى وَجْهِ الْجِهَادِ ، فَكَانَ لَهُمْ ، لَا خُمُسَ فِيهِ ، كَالِاحْتِشَاشِ وَالِاحْتِطَابِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يُؤْخَذَ خُمُسُهُ ، وَالْبَاقِي لَهُمْ ؛ لِأَنَّهُ غَنِيمَةُ قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ دَارِ الْإِسْلَامِ ، فَأَشْبَهَ غَنِيمَةَ الْمُسْلِمِينَ .","part":21,"page":36},{"id":10036,"text":"( 7508 ) فَصْلٌ : وَلَا يُسْتَعَانُ بِمُشْرِكٍ .\rوَبِهَذَا قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ ، وَالْجُوزَجَانِيُّ ، وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ الِاسْتِعَانَةِ بِهِ .\rوَكَلَامُ الْخِرَقِيِّ يَدُلُّ عَلَيْهِ أَيْضًا عِنْدَ الْحَاجَةِ ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِحَدِيثِ الزُّهْرِيِّ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ ، وَخَبَرِ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ مَنْ يُسْتَعَانُ بِهِ حَسَنَ الرَّأْيِ فِي الْمُسْلِمِينَ ، فَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَأْمُونٍ عَلَيْهِمْ ، لَمْ تُجْزِئْهُ الِاسْتِعَانَةُ بِهِ ؛ لِأَنَّنَا إذَا مَنَعْنَا الِاسْتِعَانَةَ بِمَنْ لَا يُؤْمَنُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ، مِثْلَ الْمُخَذِّلِ وَالْمُرْجِفِ ، فَالْكَافِرُ أَوْلَى .\rوَوَجْهُ الْأَوَّلِ ، مَا رَوَتْ عَائِشَةُ ، قَالَتْ : خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى بَدْرٍ ، حَتَّى إذَا كَانَ بِحَرَّةِ الْوَبَرَةِ ، أَدْرَكَهُ رَجُلٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ ، كَانَ يُذْكَرُ مِنْهُ جُرْأَةٌ وَنَجْدَةٌ ، فَسُرَّ الْمُسْلِمُونَ بِهِ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، جِئْت لِأَتْبَعْك ، وَأُصِيبَ مَعَك .\rفَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { أَتُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَرَسُولِهِ ؟ قَالَ : لَا .\rقَالَ : فَارْجِعْ ، فَلَنْ أَسْتَعِينَ بِمُشْرِكٍ .\rقَالَتْ : ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى إذَا كَانَ بِالْبَيْدَاءِ أَدْرَكَهُ ذَلِكَ الرَّجُلُ ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَتُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَرَسُولِهِ ؟ قَالَ : نَعَمْ .\rقَالَ : فَانْطَلِقْ } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَرَوَاهُ الْجُوزَجَانِيُّ .\rوَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَبِيبٍ ، قَالَ : أَتَيْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَهُوَ يُرِيدُ غَزْوَةً ، أَنَا وَرَجُلٌ مِنْ قُومِي ، وَلَمْ نُسْلِمْ ، فَقُلْنَا : إنَّا لَنَسْتَحْيِي أَنْ يَشْهَدَ قَوْمُنَا مَشْهَدًا لَا نَشْهَدُهُ مَعَهُمْ .\rقَالَ : { فَأَسْلَمْتُمَا ؟ قُلْنَا : لَا .\rقَالَ : فَإِنَّا لَا نَسْتَعِينُ بِالْمُشْرِكِينَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ } .\rقَالَ : فَأَسْلَمْنَا","part":21,"page":37},{"id":10037,"text":"، وَشَهِدْنَا مَعَهُ .\rوَلِأَنَّهُ غَيْرُ مَأْمُونٍ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَأَشْبَهَ الْمُخَذِّلَ وَالْمُرْجِفَ .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : وَاَلَّذِي ذُكِرَ أَنَّهُ اسْتَعَانَ بِهِمْ غَيْرُ ثَابِتٍ .","part":21,"page":38},{"id":10038,"text":"( 7509 ) وَلَا يَبْلُغُ بِالرَّضْخِ لِلْفَارِسِ سَهْمَ فَارِسٍ ، وَلَا لِلرَّاجِلِ سَهْمَ رَاجِلٍ ، كَمَا لَا يَبْلُغُ بِالتَّعْزِيرِ الْحَدَّ .\rوَيَفْعَلُ الْإِمَامُ بَيْنَ أَهْلِ الرَّضْخِ مَا يَرَى ، فَيُفَضِّلُ الْعَبْدَ الْمُقَاتِلَ وَذَا الْبَأْسِ ، عَلَى مَنْ لَيْسَ مِثْلَهُ ، وَيُفَضِّلُ الْمَرْأَةَ الْمُقَاتِلَةَ ، وَاَلَّتِي تَسْقِي الْمَاءَ ، وَتُدَاوِي الْجَرْحَى ، وَتَنْفَعُ ، عَلَى غَيْرِهَا .\rفَإِنْ قِيلَ : هَلَّا سَوَّيْتُمْ بَيْنَهُمْ ، كَمَا سَوَّيْتُمْ بَيْنَ أَهْلِ السُّهْمَانِ ؟ قُلْنَا : السَّهْمُ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ غَيْرُ مَوْكُولٍ إلَى اجْتِهَادِ الْإِمَامِ ، فَلَمْ يَخْتَلِفْ ، كَالْحَدِّ وَدِيَةِ الْحُرِّ ، وَالرَّضْخُ غَيْرُ مُقَدَّرٍ ، بَلْ هُوَ مُجْتَهَدٌ فِيهِ ، مَرْدُودٌ إلَى اجْتِهَادِ الْإِمَامِ ، فَاخْتَلَفَ ، كَالتَّعْزِيرِ ، وَقِيمَةِ الْعَبْدِ .\r( 7510 ) فَصْلٌ : وَفِي الرَّضْخِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا مِنْ أَصْلِ الْغَنِيمَةِ ؛ لِأَنَّهُ اُسْتُحِقَّ بِالْمُعَاوَنَةِ فِي تَحْصِيلِ الْغَنِيمَةِ ، فَأَشْبَهَ أُجْرَةَ النَّقَّالِينَ وَالْحَافِظِينَ لَهَا .\rوَالثَّانِي ، هُوَ مِنْ أَرْبَعَةِ الْأَخْمَاسِ ؛ لِأَنَّهُ اُسْتُحِقَّ بِحُضُورِ الْوَقْعَةِ ، فَأَشْبَهَ سِهَامَ الْغَانِمِينَ .\rوَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ ، كَهَذَيْنِ .","part":21,"page":39},{"id":10039,"text":"( 7511 ) أَوَّلُ مَا يَبْدَأُ فِي قِسْمَةِ الْغَنَائِمِ بِالْأَسْلَابِ ، فَيَدْفَعُهَا إلَى أَهْلِهَا ؛ لِأَنَّ صَاحِبَهَا مُعَيَّنُ ، ثُمَّ بِمُؤْنَةِ الْغَنِيمَةِ ؛ مِنْ أُجْرَةِ النَّقَّالِ وَالْحَمَّالِ وَالْحَافِظِ وَالْمُخَزِّنِ ، ثُمَّ بِالرَّضْخِ ، عَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ ، وَفِي الْآخَرِ بِالْخُمُسِ ، ثُمَّ بِالْأَنْفَالِ مِنْ أَرْبَعَةِ الْأَخْمَاسِ ، ثُمَّ يَقْسِمُ بَقِيَّةَ أَرْبَعَةِ الْأَخْمَاسِ بَيْنَ الْغَانِمِينَ .\rوَإِنَّمَا قَدَّمْنَا قِسْمَةَ أَرْبَعَةِ الْأَخْمَاسِ عَلَى قِسْمَةِ الْخُمُسِ ، لِسِتَّةِ مَعَانٍ ؛ أَحَدُهَا ، أَنَّ أَهْلَهَا حَاضِرُونَ ، وَأَهْلُ الْخُمْسِ غَائِبُونَ .\rالثَّانِي ؛ أَنَّ رُجُوعَ الْغَانِمِينَ إلَى أَوْطَانِهِمْ يَقِفُ عَلَى قِسْمَةِ الْغَنِيمَةِ ، وَأَهْلُ الْخُمُسِ فِي أَوْطَانِهِمْ ، فَكَانَ الِاشْتِغَالُ بِقَسْمِ نَصِيبِهِمْ لِيَعُودُوا إلَى أَوْطَانِهِمْ أَوْلَى .\rالثَّالِثُ ، أَنَّ الْغَنِيمَةَ حَصَلَتْ بِتَحْصِيلِ الْغَانِمِينَ وَتَعَبِهِمْ ، فَصَارُوا بِمَنْزِلَةِ مَنْ اسْتَحَقَّهَا بِعِوَضٍ ، وَأَهْلُ الْخَمْسِ بِخِلَافِهِ ، فَكَانَ أَهْلُ الْغَنِيمَةِ أَوْلَى .\rالرَّابِعُ ، أَنَّهُ إذَا قَسَمَ الْغَنِيمَةَ بَيْنَ الْغَانِمِينَ ، أَخَذَ كُلُّ إنْسَانٍ نَصِيبَهُ ، فَحَمَلَهُ ، وَاهْتَمَّ بِهِ ، وَكَفَى الْإِمَامَ مُؤْنَتَهُ ، وَالْخُمُسُ إذَا قُسِمَ لَيْسَ لَهُ مَنْ يَكْفِي الْإِمَامَ مُؤْنَتَهُ ، فَلَا تَحْصُلُ الْفَائِدَةُ بِقِسْمَتِهِ ، بَلْ كَانَ يَحْمِلُهُ مُجْتَمِعًا ، فَصَارَ يَحْمِلُهُ مُتَفَرِّقًا ، فَكَانَ تَأْخِيرُ قِسْمَتِهِ أَوْلَى .\rالْخَامِسُ ، أَنَّ الْخُمُسَ لَا يُمْكِنُ قَسْمُهُ بَيْنَ أَهْلِهِ كُلِّهِمْ ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى مَعْرِفَتِهِمْ وَعَدَدِهِمْ ، وَلَا يُمْكِنُ ذَلِكَ مَعَ غَيْبَتِهِمْ .\rالسَّادِسُ ؛ أَنَّ الْغَانِمِينَ يَنْتَفِعُونَ بِسِهَامِهِمْ ، وَيَتَمَكَّنُونَ مِنْ التَّصَرُّفِ فِيهَا لِحُضُورِهِمْ ، بِخِلَافِ أَهْلِ الْخَمْسِ .","part":21,"page":40},{"id":10040,"text":"( 7512 ) قَالَ : ( وَإِذَا غَزَا الْعَبْدُ عَلَى فَرَسٍ لِسَيِّدِهِ ، قُسِمَ لِلْفَرَسِ ، فَكَانَ لِسَيِّدِهِ ، وَيُرْضَخُ لِلْعَبْدِ ) .\rأَمَّا الرَّضْخُ لِلْعَبْدِ ، فَكَمَا تَقَدَّمَ ، وَأَمَّا الْفَرَسُ الَّتِي تَحْتَهُ ، فَيَسْتَحِقُّ مَالِكُهَا سَهْمَهَا ، فَإِنْ كَانَ مَعَهُ فَرَسَانِ أَوْ أَكْثَرُ ، أُسْهِمَ لِفَرَسَيْنِ ، وَيُرْضَخُ لِلْعَبْدِ .\rنَصَّ عَلَى هَذَا أَحْمَدُ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ : لَا يُسْهَمُ لِلْفَرَسِ ؛ لِأَنَّهُ تَحْتَ مَنْ لَا يُسْهَمُ لَهُ ، فَلَمْ يُسْهَمْ لَهُ ، كَمَا لَوْ كَانَ تَحْتَ مُخَذِّلٍ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ فَرَسٌ حَضَرَ الْوَقْعَةَ ، وَقُوتِلَ عَلَيْهِ ، فَاسْتَحَقَّ السَّهْمَ ، كَمَا لَوْ كَانَ السَّيِّدُ رَاكِبَهُ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّ سَهْمَ الْفَرَسِ وَرَضَخَ الْعَبْدِ لِسَيِّدِهِ ؛ لِأَنَّهُ مَالِكُهُ وَمَالِكُ فَرَسِهِ ، وَسَوَاءٌ حَضَرَ السَّيِّدُ الْقِتَالَ أَوْ غَابَ عَنْهُ .\rوَفَارَقَ فَرَسَ الْمُخَذِّلِ ؛ لِأَنَّ الْفَرَسَ لَهُ فَإِذًا لَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا بِحُضُورِهِ ، فَلَأَنْ لَا يَسْتَحِقَّ بِحُضُورِ فَرَسِهِ أَوْلَى .","part":21,"page":41},{"id":10041,"text":"( 7513 ) وَإِنْ غَزَا الصَّبِيُّ عَلَى فَرَسٍ ، أَوْ الْمَرْأَةُ أَوْ الْكَافِرُ إذَا قُلْنَا : لَا يَسْتَحِقُّ إلَّا الرَّضْخَ .\rلَمْ يُسْهَمْ لِلْفَرَسِ ، فِي ظَاهِرِ قَوْلِ أَصْحَابِنَا ؛ لِأَنَّهُمْ قَالُوا : لَا يَبْلُغُ بِالرَّضْخِ لِلْفَارِسِ سَهْمَ فَارِسٍ .\rوَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ يُرْضَخُ لَهُ وَلِفَرَسِهِ مَا لَا يَبْلُغُ سَهْمَ الْفَارِسِ .\rوَلِأَنَّ سَهْمَ الْفَرَسِ لَهُ ، فَإِذَا لَمْ يَسْتَحِقَّ السَّهْمَ بِحُضُورِهِ ، فَبِفَرَسِهِ أَوْلَى ، بِخِلَافِ الْعَبْدِ ، فَإِنَّ الْفَرَسَ لِغَيْرِهِ .","part":21,"page":42},{"id":10042,"text":"( 7514 ) وَإِذَا غَزَا الْمُرْجِفُ أَوْ الْمُخَذِّلُ عَلَى فَرَسٍ ، فَلَا شَيْءَ لَهُ ، وَلَا لِلْفَرَسِ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا ، وَإِنْ غَزَا الْعَبْدُ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ ، لَمْ يُرْضَخْ لَهُ ، لِأَنَّهُ عَاصٍ بِغَزْوِهِ ، فَهُوَ كَالْمُخَذِّلِ وَالْمُرْجِفِ ، وَإِنْ غَزَا الرَّجُلُ بِغَيْرِ إذْنِ وَالِدَيْهِ ، أَوْ بِغَيْرِ إذْنِ غَرِيمِهِ ، اسْتَحَقَّ السَّهْمَ ؛ لِأَنَّ الْجِهَادَ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ بِحُضُورِ الصَّفِّ ، فَلَا يَبْقَى عَاصِيًا فِيهِ ، بِخِلَافِ الْعَبْدِ .","part":21,"page":43},{"id":10043,"text":"( 7515 ) وَمَنْ اسْتَعَارَ فَرَسًا لِيَغْزُوَ عَلَيْهِ ، فَفَعَلَ ، فَسَهْمُ الْفَرَسِ لِلْمُسْتَعِيرِ ، وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ، لِأَنَّهُ يَتَمَكَّنُ مِنْ الْغَزْوِ عَلَيْهِ بِإِذْنٍ صَحِيحٍ شَرْعِيٍّ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ اسْتَأْجَرَهُ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ ، رِوَايَةٌ أُخْرَى ، أَنَّ سَهْمَ الْفَرَسِ لِمَالِكِهِ ، لِأَنَّهُ مِنْ نَمَائِهِ ، فَأَشْبَهَ وَلَدَهُ .\rوَبِهَذَا قَالَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ .\rوَقَالَ بَعْضُهُمْ : لَا سَهْمَ لِلْفَرَسِ ؛ لِأَنَّ مَالِكَهُ لَمْ يَسْتَحِقَّ سَهْمًا ، فَلَمْ يَسْتَحِقُّ لِلْفَرَسِ شَيْئًا ، كَالْمُخَذِّلِ وَالْمُرْجِفِ ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ؛ لِأَنَّهُ فَرَسٌ قَاتَلَ عَلَيْهِ مَنْ يَسْتَحِقُّ سَهْمًا ، وَهُوَ مَالِكٌ لِنَفْعِهِ ، فَاسْتَحَقَّ سَهْمَ الْفَرَسِ ، كَالْمُسْتَأْجِرِ ، وَلِأَنَّ سَهْمَ الْفَرَسِ مُسْتَحَقٌّ بِمَنْفَعَتِهِ ، وَهِيَ لِلْمُسْتَعِيرِ بِإِذْنِ الْمَالِكِ فِيهَا ، وَفَارَقَ النَّمَاءَ وَالْوَلَدَ ، فَإِنَّهُ غَيْرُ مَأْذُونٍ لَهُ فِيهِ .\rفَأَمَّا إنْ اسْتَعَارَهُ لِغَيْرِ الْغَزْوِ ، ثُمَّ غَزَا عَلَيْهِ ، فَهُوَ كَالْفَرَسِ الْمَغْصُوبِ ، عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ .","part":21,"page":44},{"id":10044,"text":"( 7516 ) وَإِنْ غَصَبَ فَرَسًا ، فَقَاتَلَ عَلَيْهِ ، فَسَهْمُ الْفَرَسِ لِمَالِكِهِ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .\rوَقَالَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ : لَا يُسْهَمُ لِلْفَرَسِ .\rوَهُوَ وَجْهٌ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ بَعْضُهُمْ : سَهْمُ الْفَرَسِ لِلْغَاصِبِ ، وَعَلَيْهِ أُجْرَتُهُ لِمَالِكِهِ ؛ لِأَنَّهُ آلَةٌ ، فَكَانَ الْحَاصِلُ بِهَا لِمُسْتَعْمِلِهَا كُلِّهِ ، كَمَا لَوْ غَصَبَ مِنْجَلًا فَاحْتَشَّ بِهَا ، أَوْ سَيْفًا فَقَاتَلَ بِهِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ فَرَسٌ قَاتَلَ عَلَيْهِ مَنْ يَسْتَحِقُّ السَّهْمَ ، فَاسْتَحَقَّ السَّهْمَ ، كَمَا لَوْ كَانَ مَعَ صَاحِبِهِ ، وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ لَهُ سَهْمًا كَانَ لِمَالِكِهِ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَعَلَ لِلْفَرَسِ سَهْمَيْنِ ، وَلِصَاحِبِهِ سَهْمًا ، وَمَا كَانَ لِلْفَرَسِ كَانَ لِمَالِكِهِ ، وَفَارَقَ مَا يَحْتَشُّ بِهِ ، فَإِنَّهُ لَا شَيْءَ لَهُ ، وَلِأَنَّ السَّهْمَ مُسْتَحَقٌّ بِنَفْعِ الْفَرَسِ ، وَنَفْعُهُ لِمَالِكِهِ ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مَا يَسْتَحِقُّ بِهِ لَهُ .\rوَالْحَمْدُ لِلَّهِ","part":21,"page":45},{"id":10045,"text":"( 7517 ) وَمَنْ اسْتَأْجَرَ فَرَسًا لِيَغْزُوَ عَلَيْهِ ، فَغَزَا عَلَيْهِ ، فَسَهْمُ الْفَرَسِ لَهُ .\rلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَحِقٌّ لِنَفْعِهِ اسْتِحْقَاقًا لَازِمًا ، فَكَانَ سَهْمُهُ لَهُ ، كَمَالِكِهِ .\r( 7518 ) فَصْلٌ : فَإِنْ كَانَ الْمُسْتَأْجِرُ وَالْمُسْتَعِيرُ مِمَّنْ لَا سَهْمَ لَهُ ؛ إمَّا لِكَوْنِهِ لَا شَيْءَ لَهُ كَالْمُرْجِفِ وَالْمُخَذِّلِ ، أَوْ مِمَّنْ يُرْضَخُ لَهُ كَالصَّبِيِّ ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ فَرَسِهِ ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا .\rوَإِنْ غَصَبَ فَرَسًا فَقَاتَلَ عَلَيْهِ ، احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ حُكْمُهُ حُكْمَ فَرَسِهِ ؛ لِأَنَّ الْفَرَسَ يَتْبَعُ الْفَارِسَ فِي حُكْمِهِ ، فَيَتْبَعُهُ إذَا كَانَ مَغْصُوبًا ، قِيَاسًا عَلَى فَرَسِهِ .\rوَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ سَهْمُ الْفَرَسِ لِمَالِكِهِ ؛ لِأَنَّ الْجِنَايَةَ مِنْ رَاكِبِهِ ، وَالنَّقْصَ فِيهِ ، فَيَخْتَصُّ الْمَنْعُ بِهِ ، وَبِمَا هُوَ تَابِعٌ لَهُ ، وَفَرَسُهُ تَابِعَةٌ لَهُ ؛ لِأَنَّ مَا كَانَ لَهَا فَهُوَ لَهُ ، وَالْفَرَسُ هَا هُنَا لِغَيْرِهِ ، وَسَهْمُهَا لِمَالِكِهَا ، فَلَا يَنْقُصُ سَهْمُهَا بِنَقْصِ سَهْمِهِ ، كَمَا لَوْ قَاتَلَ الْعَبْدُ عَلَى فَرَسٍ لِسَيِّدِهِ .\rوَلَوْ قَاتَلَ الْعَبْدُ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ عَلَى فَرَسٍ لِسَيِّدِهِ ، خُرِّجَ فِيهِ الْوَجْهَانِ اللَّذَانِ ذَكَرْنَاهُمَا فِيمَا إذَا غَصَبَ فَرَسًا فَقَاتَلَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ هَاهُنَا بِمَنْزِلَةِ الْمَغْصُوبِ .","part":21,"page":46},{"id":10046,"text":"( 7519 ) وَلَا يَجُوزُ تَفْضِيلُ بَعْضِ الْغَانِمِينَ عَلَى بَعْضٍ فِي الْقِسْمَةِ ، إلَّا أَنْ يُنَفِّلَ بَعْضُهُمْ مِنْ الْغَنِيمَةِ نَفْلًا ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي الْأَنْفَالِ ، فَأَمَّا غَيْرُ ذَلِكَ فَلَا ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَسَمَ لِلْفَارِسِ ثَلَاثَةَ أَسْهُمٍ ، وَلِلرَّاجِلِ سَهْمًا ، وَسَوَّى بَيْنَهُمْ .\rوَلِأَنَّهُمْ اشْتَرَكُوا فِي الْغَنِيمَةِ عَلَى سَبِيلِ التَّسْوِيَةِ ، فَتَجِبُ التَّسْوِيَةُ ، كَسَائِرِ الشُّرَكَاءِ .\r( 7520 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَالَ الْإِمَامُ : مَنْ أَخَذَ شَيْئًا فَهُوَ لَهُ .\rجَازَ ، فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَأَحَدُ قَوْلِي الشَّافِعِيِّ .\rقَالَ أَحْمَدُ ، فِي السَّرِيَّةِ تَخْرُجُ ، فَيَقُولُ الْوَالِي : مَنْ جَاءَ بِشَيْءٍ فَهُوَ لَهُ ، وَمَنْ لَمْ يَجِئْ بِشَيْءٍ فَلَا شَيْءَ لَهُ : الْأَنْفَالُ إلَى الْإِمَامِ ، مَا فَعَلَ مِنْ شَيْءٍ جَازَ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي يَوْمِ بَدْرٍ : \" مَنْ أَخَذَ شَيْئًا ، فَهُوَ لَهُ \" .\rوَلِأَنَّ عَلَى هَذَا غَزَوْا ، وَرَضُوا بِهِ .\rوَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ ، لَا يَجُوزُ .\rوَهُوَ الْقَوْلُ الثَّانِي لِلشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقْسِمُ الْغَنَائِمَ وَالْخُلَفَاءُ بَعْدَهُ ، وَلِأَنَّ ذَلِكَ يَقْضِي إلَى اشْتِغَالِهِمْ بِالنَّهْبِ عَنْ الْقِتَالِ ، وَظَفَرِ الْعَدُوِّ بِهِمْ ، فَلَا يَجُوزُ ، وَلِأَنَّ الِاغْتِنَامَ سَبَبٌ لِاسْتِحْقَاقِهِمْ لَهَا عَلَى سَبِيلِ التَّسَاوِي ، فَلَا يَزُولُ ذَلِكَ بُقُولِ الْإِمَامِ ، كَسَائِرِ الِاكْتِسَابِ .\rوَأَمَّا قَضِيَّةُ بَدْرٍ ، فَإِنَّهَا مَنْسُوخَةٌ ، فَإِنَّهُمْ اخْتَلَفُوا فِيهَا ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى : { يَسْأَلُونَك عَنْ الْأَنْفَالِ قُلْ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ .\r}","part":21,"page":47},{"id":10047,"text":"( 7521 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : ( وَإِذَا أُحْرِزَتْ الْغَنِيمَةُ ، لَمْ يَكُنْ فِيهَا لِمَنْ جَاءَهُمْ مَدَدًا ، أَوْ هَرَبَ مِنْ أَسْرٍ حَظٌّ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْغَنِيمَةَ لِمَنْ حَضَرَ الْمَوْقِعَةَ ، فَمَنْ تَجَدَّدَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ مَدَدٍ يَلْحَقُ بِالْمُسْلِمِينَ ، أَوْ أَسْرٍ يَنْفَلِتُ مِنْ الْكُفَّارِ ، فَيَلْحَقُ بِجَيْشِ الْمُسْلِمِينَ ، أَوْ كَافِرٍ يُسْلِمُ ، فَلَا حَقَّ لَهُمْ فِيهَا .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي الْمَدَدِ : إنْ لَحِقَهُمْ قَبْلَ الْقِسْمَةِ أَوْ إحْرَازِهَا بِدَارِ الْإِسْلَامِ ، شَارَكَهُمْ ؛ لِأَنَّ تَمَامَ مِلْكِهَا بِتَمَامِ الِاسْتِيلَاءِ ، وَهُوَ الْإِحْرَازُ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ ، أَوْ قِسْمَتُهَا ، فَمَنْ جَاءَ قَبْلَ ذَلِكَ فَقَدْ أَدْرَكَهَا قَبْلَ مِلْكِهَا ، فَاسْتَحَلَّ مِنْهَا ، كَمَا لَوْ جَاءَ فِي أَثْنَاءِ الْحَرْبِ .\rوَإِنْ مَاتَ أَحَدٌ مِنْ الْعَسْكَرِ قَبْلَ ذَلِكَ ، فَلَا شَيْءَ لَهُ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا ، وَقَدْ رَوَى الشَّعْبِيُّ ، أَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَتَبَ إلَى سَعْدٍ ، أَسْهِمْ لِمَنْ أَتَاك قَبْلَ أَنْ تَتَفَقَّأَ قَتْلَى فَارِسَ ، وَلَنَا ، مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ، { أَنَّ أَبَانَ بْنَ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ وَأَصْحَابَهُ ، قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِخَيْبَرَ ، بَعْدَ أَنْ فَتَحَهَا ، فَقَالَ أَبَانُ : اقْسِمْ لَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ .\rفَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اجْلِسْ يَا أَبَانُ .\rوَلَمْ يَقْسِمْ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَعَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ ، أَنَّ أَهْلَ الْبَصْرَةِ غَزَوْا نَهَاوَنْدَ ، فَأَمَدَّهُمْ أَهْلُ الْكُوفَةِ ، فَكُتِبَ فِي ذَلِكَ إلَى عُمَرَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَكَتَبَ عُمَرُ : إنَّ الْغَنِيمَةَ لِمَنْ شَهِدَ الْوَقْعَةَ .\rرَوَاهُ سَعِيدٌ ، فِي \" سُنَنِهِ \" .\rوَرُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ عُثْمَانَ فِي غَزْوَةِ أَرْمِينِيَةَ ، وَلِأَنَّهُ مَدَدٌ لَحِقَ بَعْدَ تَقَضِّي الْحَرْبِ ، أَشْبَهَ مَا لَوْ جَاءَ بَعْدَ الْقِسْمَةِ ، أَوْ بَعْدَ إحْرَازِهَا بِدَارِ الْإِسْلَامِ ، وَلِأَنَّ سَبَبَ مِلْكِهَا","part":21,"page":48},{"id":10048,"text":"الِاسْتِيلَاءُ عَلَيْهَا ، وَقَدْ حَصَلَ قَبْلَ مَجِيءِ الْمَدَدِ .\rوَقَوْلُهُمْ : إنَّ مِلْكَهَا بِإِحْرَازِهَا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ مَمْنُوعٌ ، بَلْ هُوَ بِالِاسْتِيلَاءِ ، وَقَدْ اسْتَوْلَى عَلَيْهَا الْجَيْشُ قَبْلَ الْمَدَدِ ، وَحَدِيثُ الشَّعْبِيِّ مُرْسَلٌ يَرْوِيه الْمُجَالِدُ ، وَقَدْ تَكَلَّمَ فِيهِ ، ثُمَّ هُمْ لَا يَعْمَلُونَ بِهِ ، وَلَا نَحْنُ ، فَقَدْ حَصَلَ الْإِجْمَاعُ مِنَّا عَلَى خِلَافِهِ ، فَكَيْفَ يُحْتَجُّ بِهِ ؟ ( 7522 ) فَصْلٌ : وَحُكْمُ الْأَسِيرِ يَهْرَبُ إلَى الْمُسْلِمِينَ حُكْمُ الْمَدَدِ ، سَوَاءٌ قَاتَلَ أَوْ لَمْ يُقَاتِلْ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يُسْهَمُ لَهُ إلَّا أَنْ يُقَاتِلَ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ لِلْقِتَالِ بِخِلَافِ الْمَدَدِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ مَنْ اسْتَحَقَّ إذَا قَاتَلَ اسْتَحَقَّ وَإِنْ لَمْ يُقَاتِلْ ، كَالْمَدَدِ ، وَسَائِرِ مَنْ حَضَرَ الْوَقْعَةَ .\r( 7523 ) فَصْلٌ : وَإِنْ لَحِقَهُمْ الْمَدَدُ بَعْدَ تَقَضِّي الْحَرْبِ ، وَقَبْلَ حِيَازَةِ الْغَنِيمَةِ ، أَوْ جَاءَهُمْ أَسِيرٌ ، فَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ ، أَنَّهُ يُشَارِكُهُمْ ؛ لِأَنَّهُ جَاءَ قَبْلَ إحْرَازِهَا .\rوَقَالَ الْقَاضِي : تُمْلَكُ الْغَنِيمَةُ بِانْقِضَاءِ الْحَرْبِ قَبْلَ حِيَازَتِهَا .\rفَعَلَى هَذَا لَا يُسْهَمُ لَهُمْ .\rوَإِنْ حَازُوا الْغَنِيمَةَ ، ثُمَّ جَاءَهُمْ قَوْمٌ مِنْ الْكُفَّارِ يُقَاتِلُونَهُمْ ، فَأَدْرَكَهُمْ الْمَدَدُ ، فَقَاتَلُوا مَعَهُمْ ، فَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ ، عَلَى أَنَّهُ لَا شَيْءَ لِلْمَدَدِ .\rفَإِنَّهُ قَالَ : إذَا غَنِمَ الْمُسْلِمُونَ غَنِيمَةً ، فَلَحِقَهُمْ الْعَدُوُّ وَجَاءَ الْمُسْلِمِينَ مَدَدٌ ، فَقَاتَلُوا الْعَدُوَّ مَعَهُمْ حَتَّى سَلَّمُوا الْغَنِيمَةَ ، فَلَا شَيْءَ لَهُمْ فِي الْغَنِيمَةِ ؛ لِأَنَّهُمْ إنَّمَا قَاتَلُوا عَنْ أَصْحَابِهِمْ ، وَلَمْ يُقَاتِلُوا عَنْ الْغَنِيمَةِ ؛ لِأَنَّ الْغَنِيمَةَ قَدْ صَارَتْ فِي أَيْدِيهمْ وَحَوَوْهَا .\rقِيلَ لَهُ : فَإِنَّ أَهْلَ الْمِصِّيصَةِ غَنِمُوا ثُمَّ اسْتَنْقَذَ مِنْهُمْ الْعَدُوُّ ، فَجَاءَ أَهْلُ طَرَسُوسَ ، فَقَاتَلُوا مَعَهُمْ حَتَّى اسْتَنْقَذُوهُ ؟ فَقَالَ : أَحَبُّ إلَى أَنْ يَصْطَلِحُوا ، .\rأَمَّا فِي الصُّورَةِ الْأَوْلَى ، فَإِنَّ","part":21,"page":49},{"id":10049,"text":"الْأَوَّلِينَ قَدْ أَحْرَزُوا الْغَنِيمَةَ وَمَلَكُوهَا بِحِيَازَتِهِمْ ، فَكَانَتْ لَهُمْ دُونَ مَنْ قَاتَلَ مَعَهُمْ .\rأَمَّا فِي الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ ، فَإِنَّمَا حَصَلَتْ الْغَنِيمَةُ بِقِتَالِ الَّذِينَ اسْتَنْقَذُوهَا فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَشْتَرِكُوا فِيهَا ، لِأَنَّ الْإِحْرَازَ الْأَوَّلَ قَدْ زَالَ بِأَخْذِ الْكُفَّارِ لَهَا ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّ الْأَوَّلِينَ قَدْ مَلَكُوهَا بِالْحِيَازَةِ الْأَوْلَى ، وَلَمْ يَزُلْ مِلْكُهُمْ بِأَخْذِ الْكُفَّارِ لَهَا مِنْهُمْ ، فَلِهَذَا أَحَبَّ أَنْ يَصْطَلِحُوا عَلَيْهَا .","part":21,"page":50},{"id":10050,"text":"( 7524 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : وَمَنْ بَعَثَهُ الْأَمِيرُ لِمَصْلَحَةِ الْجَيْشِ ، فَلَمْ يَحْضُرْ الْغَنِيمَةَ أَسْهَمَ لَهُ .\rهَذَا مِثْلُ الرَّسُولِ وَالدَّلِيلِ وَالطَّلِيعَةِ وَالْجَاسُوسِ وَأَشْبَاهِهِمْ ، يُبْعَثُونَ لِمَصْلَحَةِ الْجَيْشِ ، فَإِنَّهُمْ يُشَارِكُونَ الْجَيْشَ .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ ، وَرَاشِدُ بْنُ سَعْدٍ ، وَعَطِيَّةُ بْنُ قَيْسٍ ، قَالُوا : وَقَدْ تَخَلَّفَ عُثْمَانُ يَوْمَ بَدْرٍ ، فَأَجْرَى لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَهْمًا مِنْ الْغَنِيمَةِ .\rوَيُرْوَى عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ يَعْنِي يَوْمَ بَدْرٍ فَقَالَ : { إنَّ عُثْمَانَ انْطَلَقَ فِي حَاجَةِ اللَّهِ وَحَاجَةِ رَسُولِهِ ، وَإِنِّي أُبَايِعُ لَهُ .\rفَضَرَبَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسَهْمِهِ ، وَلَمْ يَضْرِبْ لِأَحَدٍ غَابَ غَيْرَهُ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَعَنْ ابْنِ عُمَرَ .\rقَالَ : إنَّمَا تَغَيَّبَ عُثْمَانُ عَنْ بَدْرٍ ، لِأَنَّهُ كَانَتْ تَحْتَهُ ابْنَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَتْ مَرِيضَةً ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إنَّ لَك أَجْرَ رَجُلٍ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا وَسَهْمَهُ } .\rرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ، وَلِأَنَّهُ فِي مَصْلَحَتِهِمْ ، فَاسْتَحَقَّ سَهْمًا مِنْ غَنِيمَتِهِمْ ، كَالسَّرِيَّةِ مَعَ الْجَيْشِ ، وَالْجَيْشِ مَعَ السَّرِيَّةِ .","part":21,"page":51},{"id":10051,"text":"( 7525 ) فَصْلٌ : وَسُئِلَ أَحْمَدُ عَنْ قَوْمٍ خَلَّفَهُمْ الْأَمِيرُ فِي بِلَادِ الْعَدُوِّ ، وَغَزَا ، وَغَنِمَ ، وَلَمْ يَمُرَّ بِهِمْ ، فَرَجَعُوا ، هَلْ يُسْهِمُ لَهُمْ ؟ قَالَ : نَعَمْ يُسْهِمُ لَهُمْ ؛ لِأَنَّ الْأَمِيرَ خَلَّفَهُمْ .\rقِيلَ لَهُ : فَإِنْ نَادَى الْأَمِيرُ : مَنْ كَانَ ضَعِيفًا فَلْيَتَخَلَّفْ .\rفَتَخَلَّفَ قَوْمٌ فَصَارُوا إلَى لُؤْلُؤَةٍ ، وَفِيهَا الْمُسْلِمُونَ ، فَأَقَامُوا حَتَّى فَصَلُوا ، فَقَالَ : إذَا كَانُوا قَدْ الْتَجَئُوا إلَى مَأْمَنٍ لَهُمْ ، لَمْ يُسْهِمْ لَهُمْ ، وَلَوْ تَخَلَّفُوا وَأَقَامُوا فِي مَوْضِعِ خَوْفٍ أَسْهَمَ لَهُمْ .\rوَقَالَ فِي قَوْمٍ خَلَّفَهُمْ الْأَمِيرُ ، وَأَغَارَ فِي جِلْدِ الْخَيْلِ ، فَقَالَ : إنْ أَقَامُوا فِي بَلَدِ الْعَدُوِّ حَتَّى رَجَعَ ، أَسْهَمَ لَهُمْ ، وَإِنْ رَجَعُوا حَتَّى صَارُوا إلَى مَأْمَنِهِمْ ، فَلَا شَيْءَ لَهُمْ .\rقِيلَ لَهُ : فَإِنْ اعْتَلَّ رَجُلٌ ، أَوْ اعْتَلَّتْ دَابَّتُهُ وَقَدْ أدرب ، فَقَالَ لَهُ الْأَمِيرُ : أَقِمْ أُسْهِمْ لَك ، أَوْ انْصَرِفْ إلَى أَهْلِك أُسْهِمْ لَك .\rفَكَرِهَهُ ، وَقَالَ : هَذَا يَنْصَرِفُ إلَى أَهْلِهِ ، فَكَيْفَ يُسْهِمُ لَهُ ، .","part":21,"page":52},{"id":10052,"text":"( 7526 ) فَصْلٌ : يَجُوزُ قَسْمُ الْغَنَائِمِ فِي دَارِ الْحَرْبِ .\rوَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ ، وَأَبُو ثَوْرٍ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ : لَا تَنْقَسِمُ إلَّا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ لَا يَتِمُّ عَلَيْهَا إلَّا بِالِاسْتِيلَاءِ التَّامِّ ، وَلَا يَحْصُلُ إلَّا بِإِحْرَازِهَا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ .\rوَإِنْ قُسِمَتْ أَسَاءَ قَاسِمُهَا ، وَجَازَتْ قِسْمَتُهُ ؛ لِأَنَّهَا مَسْأَلَةٌ مُجْتَهَدٌ فِيهَا ، فَإِذَا حَكَمَ الْإِمَامُ فِيهَا بِمَا يُوَافِقُ قَوْلَ بَعْضِ الْمُجْتَهِدِينَ ، نَفَذَ حُكْمُهُ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى أَبُو إِسْحَاقَ الْفَزَارِيّ .\rقَالَ : قُلْت لِلْأَوْزَاعِيِّ : هَلْ قَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْئًا مِنْ الْغَنَائِمِ بِالْمَدِينَةِ ؟ قَالَ : لَا أَعْلَمُهُ ، إنَّمَا كَانَ النَّاسُ يَتْبَعُونَ غَنَائِمَهُمْ ، وَيَقْسِمُونَهَا فِي أَرْضِ عَدُوِّهِمْ ، وَلَمْ يَقْفِلْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ غَزَاةٍ قَطُّ أَصَابَ فِيهَا غَنِيمَةً إلَّا خَمَسَهُ وَقَسَمَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَقْفِلَ ، مِنْ ذَلِكَ غَزْوَةُ بَنِي الْمُصْطَلِقِ ، وَهَوَازِنَ ، وَخَيْبَرَ .\rوَلِأَنَّ كُلَّ دَارٍ صَحَّتْ الْقِسْمَةُ فِيهَا جَازَتْ ، كَدَارِ الْإِسْلَامِ ، وَلِأَنَّ الْمِلْكَ ثَبَتَ فِيهَا بِالْقَهْرِ وَالِاسْتِيلَاءِ ، فَصَحَّتْ قِسْمَتُهَا ، كَمَا لَوْ أُحْرِزَتْ بِدَارِ الْإِسْلَامِ .\rوَالدَّلِيلُ عَلَى ثُبُوتِ الْمِلْكِ فِيهَا أُمُورٌ ثَلَاثَةٌ ؛ أَحَدُهَا ، أَنَّ سَبَبَ الْمِلْكِ الِاسْتِيلَاءُ التَّامُّ ، وَقَدْ وَجَدَ ، فَإِنَّنَا أَثْبَتَنَا أَيْدِيَنَا عَلَيْهَا حَقِيقَةً ، وَقَهَرْنَاهُمْ ، وَنَفَيْنَاهُمْ عَنْهَا ، وَالِاسْتِيلَاءُ يَدُلُّ عَلَى حَاجَةِ الْمُسْتَوْلِي ، فَيَثْبُتُ الْمِلْكُ ، كَمَا فِي الْمُبَاحَاتِ .\rالثَّانِي ، أَنَّ مُلْكَ الْكُفَّارِ قَدْ زَالَ عَنْهَا ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يَنْفُذُ عِتْقُهُمْ فِي الْعَبِيدِ الَّذِينَ حَصَلُوا فِي الْغَنِيمَةِ ، وَلَا يَصِحُّ تَصَرُّفُهُمْ فِيهَا ، وَلَمْ يَزُلْ مِلْكُهُمْ إلَى غَيْرِ مَالِكٍ ، إذْ لَيْسَتْ فِي هَذِهِ الْحَالِ مُبَاحَةً ، عَلِمَ أَنَّ مِلْكَهُمْ","part":21,"page":53},{"id":10053,"text":"زَالَ إلَى الْغَانِمِينَ .\rالثَّالِثُ ، أَنَّهُ لَوْ أَسْلَمَ عَبْدُ الْحَرْبِيِّ ، وَلَحِقَ بِجَيْشِ الْمُسْلِمِينَ ، صَارَ حُرًّا ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى زَوَالِ مِلْكِ الْكَافِرِ ، وَثُبُوتِ الْمِلْكِ لِمَنْ قَهَرَهُ ، وَبِهَذَا يَحْصُلُ الْجَوَابُ عَمَّا ذَكَرُوهُ .","part":21,"page":54},{"id":10054,"text":"( 7527 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : وَإِذَا سُبُوا ، لَمْ يُفَرَّقْ بَيْنَ الْوَالِدِ وَوَلَدِهِ ، وَلَا بَيْنَ الْوَالِدَةِ وَوَلَدِهَا أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ التَّفْرِيقَ بَيْنَ الْأُمِّ وَوَلَدِهَا الطِّفْلِ غَيْرُ جَائِزٍ .\rهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ فِي أَهْلِ الْمَدِينَةِ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ فِي أَهْلِ الشَّامِ ، وَاللَّيْثِ فِي أَهْلِ مِصْرَ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ فِيهِ .\rوَالْأَصْلُ فِيهِ مَا رَوَى أَبُو أَيُّوبَ ، قَالَ : سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : { مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ وَالِدَةٍ وَوَلَدِهَا ، فَرَّقَ اللَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَحِبَّتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ } .\rأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَقَالَ : حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ .\rوَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا تُولَهُ وَالِدَةٌ عَنْ وَلَدِهَا } .\rقَالَ أَحْمَدُ : لَا يُفَرَّقُ بَيْنَ الْأُمِّ وَوَلَدِهَا وَإِنْ رَضِيَتْ .\rوَذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمَ لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِضْرَارِ بِالْوَلَدِ ، وَلِأَنَّ الْمَرْأَةَ قَدْ تَرْضَى بِمَا فِيهِ ضَرَرُهَا ، ثُمَّ يَتَغَيَّرُ قَلْبُهَا بَعْدَ ذَلِكَ فَتَنْدَمُ .\rلَا يَجُوزُ التَّفْرِيقُ بَيْنَ الْأَبِ وَوَلَدِهِ .\rوَهَذَا قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ ، وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ : يَجُوزُ .\rوَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَاللَّيْثِ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْحَضَانَةِ بِنَفْسِهِ ، وَلِأَنَّهُ لَا نَصَّ فِيهِ ، وَلَا هُوَ فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ ، لِأَنَّ الْأُمَّ أَشْفَقُ مِنْهُ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ أَحَدُ الْأَبَوَيْنِ ، فَأَشْبَهَ الْأُمَّ ، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْحَضَانَةِ .\rوَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ ، أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ الْوَلَدِ كَبِيرًا بَالِغًا أَوْ طِفْلًا .\rوَهَذِهِ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ ؛ لِعُمُومِ الْخَبَرِ ، وَلِأَنَّ الْوَالِدَةَ تَتَضَرَّرُ بِمُفَارَقَةِ وَلَدِهَا الْكَبِيرِ ، وَلِهَذَا حَرُمَ عَلَيْهِ الْجِهَادُ بِدُونِ إذْنِهِمَا .\rوَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ ، يَخْتَصُّ تَحْرِيمُ التَّفْرِيقِ بِالصَّغِيرِ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ؛","part":21,"page":55},{"id":10055,"text":"مِنْهُمْ سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَمَالِكٌ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَاللَّيْثُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ .\rوَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ سَلَمَةَ بْنَ الْأَكْوَعِ أَتَى بِامْرَأَةٍ وَابْنَتِهَا ، فَنَفَلَهُ أَبُو بَكْرٍ ابْنَتَهَا ، فَاسْتَوْهَبَهَا مِنْهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَوَهَبَهَا لَهُ ، وَلَمْ يُنْكِرْ التَّفْرِيقَ بَيْنَهُمَا .\rوَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُهْدِيَتْ إلَيْهِ مَارِيَةُ وَأُخْتُهَا سِيرِينُ ، فَأَمْسَكَ مَارِيَةَ ، وَوَهَبَ سِيرِينَ لِحَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ .\rوَلِأَنَّ الْأَحْرَارَ يَتَفَرَّقُونَ بَعْدَ الْكِبَرِ ، فَإِنَّ الْمَرْأَةَ تُزَوَّجُ ابْنَتُهَا ، فَالْعَبِيدُ أَوْلَى .\rوَبِمَا ذَكَرْنَاهُ يَتَخَصَّصُ عُمُومُ حَدِيثِ النَّهْيِ .\rوَاخْتَلَفُوا فِي حَدِّ الْكِبَرِ الَّذِي يَجُوزُ مَعَهُ التَّفْرِيقُ ، فَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ : يَجُوزُ التَّفْرِيقُ بَيْنَهُمَا إذَا بَلَغَ الْوَلَدُ .\rوَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ ، وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : إذَا أَثْغَرَ .\rوَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ ، وَاللَّيْثُ : إذَا اسْتَغْنَى عَنْ أُمِّهِ ، وَنَفَعَ نَفْسَهُ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ : إذَا صَارَ ابْنَ سَبْعِ سِنِينَ أَوْ ثَمَانِ سِنِينَ .\rوَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ : إذَا كَانَ يَلْبَسُ وَحْدَهُ ، وَيَتَوَضَّأُ وَحْدَهُ ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ كَذَلِكَ يَسْتَغْنِي عَنْ أُمِّهِ ، وَكَذَلِكَ خُيِّرَ الْغُلَامُ بَيْنَ أُمِّهِ وَأَبِيهِ إذَا صَارَ كَذَلِكَ .\rوَلِأَنَّهُ جَازَ التَّفْرِيقُ بَيْنَهُمَا بِتَخْيِيرِهِ ، فَجَازَ بَيْعُهُ وَقِسْمَتُهُ .\rوَلَنَا ، مَا رُوِيَ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { لَا يُفَرَّقُ بَيْنَ الْوَالِدَةِ وَوَلَدِهَا .\rفَقِيلَ : إلَى مَتَى ؟ قَالَ : حَتَّى يَبْلُغَ الْغُلَامُ ، وَتَحِيضَ الْجَارِيَةُ } وَلِأَنَّ مَا دُونَ الْبُلُوغِ مُوَلَّى عَلَيْهِ ، فَأَشْبَهَ الطِّفْلَ .\r( 7528 ) فَصْلٌ : وَإِنْ فُرِّقَ بَيْنَهُمَا بِالْبَيْعِ ، فَالْبَيْعُ فَاسِدٌ .\rوَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَصِحُّ الْبَيْعُ ؛ لِأَنَّ","part":21,"page":56},{"id":10056,"text":"النَّهْيَ لِمَعْنًى فِي غَيْرِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ ، فَأَشْبَهَ الْبَيْعَ فِي وَقْتِ النِّدَاءِ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى أَبُو دَاوُد ، فِي \" سُنَنِهِ \" ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَ الْأُمِّ وَوَلَدِهَا ، فَنَهَاهُ رَسُولُ اللَّهِ عَنْ ذَلِكَ ، وَرَدَّ الْبَيْعَ .\rوَالْأَصْلُ مَمْنُوعٌ ، وَلَا يَصِحُّ مَا ذَكَرُوهُ ، فَإِنَّهُ نَهَى عَنْهُ لِمَا يَلْحَقُ الْمَبِيعَ مِنْ الضَّرَرِ ، فَهُوَ لِمَعْنًى فِيهِ .","part":21,"page":57},{"id":10057,"text":"( 7529 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَالْجَدُّ فِي ذَلِكَ كَالْأَبِ ، وَالْجَدَّةُ فِيهِ كَالْأُمِّ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْجَدَّ وَالْجَدَّةَ ، فِي تَحْرِيمِ التَّفْرِيقِ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ وَلَدِ وَلَدِهِمَا ، كَالْأَبَوَيْنِ ؛ لِأَنَّ الْجَدَّ أَبٌ ، وَالْجَدَّةَ أُمٌّ ، وَلِذَلِكَ يَقُومَانِ مَقَامَ الْأَبَوَيْنِ فِي اسْتِحْقَاقِ الْحَضَانَةِ وَالْمِيرَاثِ وَالنَّفَقَةِ ، فَقَامَا مَقَامَهُمَا فِي تَحْرِيمِ التَّفْرِيقِ ، وَيَسْتَوِي فِي ذَلِكَ الْجَدُّ وَالْجَدَّةُ مِنْ قِبَلِ الْأَبِ وَالْأُمِّ ؛ لِأَنَّ لِلْجَمِيعِ وِلَادَةً وَمَحْرَمِيَّةً ، فَاسْتَوَوْا فِي ذَلِكَ ، كَاسْتِوَائِهِمْ فِي مَنْعِ شَهَادَةِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ .","part":21,"page":58},{"id":10058,"text":"مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ أَخَوَيْنِ ، وَلَا أُخْتَيْنِ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ يَحْرُمُ التَّفْرِيقُ بَيْنَ الْإِخْوَةِ فِي الْقِسْمَةِ وَالْبَيْعِ ، وَبِهَذَا قَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَقَالَ مَالِكٌ ، وَاللَّيْثُ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ : يَجُوزُ ؛ لِأَنَّهَا قَرَابَةٌ لَا تَمْنَعُ قَبُولَ الشَّهَادَةِ ، فَلَمْ يَحْرُمْ التَّفْرِيقُ ، كَقَرَابَةِ ابْنِ الْعَمِّ .\rوَلَنَا ، مَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : وَهَبَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غُلَامَيْنِ أَخَوَيْنِ ، فَبِعْت أَحَدَهُمَا ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَا فَعَلَ غُلَامُك ؟ فَأَخْبَرْته ، فَقَالَ : رُدَّهُ ، رُدَّهُ .\r} رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ .\rوَقَالَ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ .\rوَرَوَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ فَرُّوخَ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : كَتَبَ إلَيْنَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : لَا تُفَرِّقُوا بَيْنَ الْأَخَوَيْنِ ، وَلَا بَيْنَ الْأُمِّ وَوَلَدِهَا ، فِي الْبَيْعِ .\rلِأَنَّهُ ذُو رَحِمٍ مَحْرَمٍ ، فَلَمْ يَجُزْ التَّفْرِيقُ بَيْنَهُمَا ، كَالْوَلَدِ وَالْوَالِدِ .","part":21,"page":59},{"id":10059,"text":"( 7531 ) فَصْلٌ : وَيَجُوزُ التَّفْرِيقُ بَيْنَ سَائِرِ الْأَقَارِبِ ، فِي ظَاهِرِ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ ، وَقَالَ غَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا : لَا يَجُوزُ التَّفْرِيقُ بَيْنَ ذَوِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ ، كَالْعَمَّةِ مَعَ ابْنِ أَخِيهَا ، وَالْخَالَةِ مَعَ ابْنِ أُخْتِهَا ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْقِيَاسِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الْأَصْلَ حِلُّ الْبَيْعِ وَالتَّفْرِيقِ ، وَلَا يَصِحُّ الْقِيَاسُ عَلَى الْإِخْوَةِ ؛ لِأَنَّهُمْ أَقْرَبُ ، وَلِذَلِكَ يَحْجُبُونَ غَيْرَهُمْ عَنْ الْمِيرَاثِ ، فَيَبْقَى فِي مَنْ عَدَاهُمْ عَلَى مُقْتَضَى الْأَصْلِ .\rفَأَمَّا مَنْ لَيْسَ بَيْنَهُمَا رَحِمٌ مَحْرَمٌ ، فَلَا يَمْنَعُ مِنْ التَّفْرِيقِ بَيْنَهُمْ عِنْدَ أَحَدٍ عَلِمْنَاهُ ؛ لِعَدَمِ النَّصِّ فِيهِمْ ، وَامْتِنَاعِ الْقِيَاسِ عَلَى الْمَنْصُوصِ .\rوَكَذَلِكَ يَجُوزُ التَّفْرِيقُ بَيْنَ الْأُمِّ مِنْ الرَّضَاعِ وَوَلَدِهَا وَالْأُخْتِ وَأُخْتِهَا ؛ لِذَلِكَ ، وَلِأَنَّ قَرَابَةَ الرَّضَاعِ لَا تُوجِبُ عِتْقَ أَحَدِهِمَا عَلَى صَاحِبِهِ ، وَلَا نَفَقَةً ، وَلَا مِيرَاثًا ، فَلَمْ تَمْنَعْ التَّفْرِيقَ ، كَالصَّدَاقَةِ .\r( 7532 ) فَصْلٌ : وَإِذَا كَانَ فِي الْمَغْنَمِ مَنْ لَا يَجُوزُ التَّفْرِيقُ بَيْنَهُمْ ، وَكَانَ قَدْرُهُمْ حِصَّةَ وَاحِدٍ مِنْ الْغَانِمِينَ ، دُفِعُوا إلَى وَاحِدٍ .\rوَإِنْ كَانَ فِيهِمْ فَضْلٌ ، فَرَضِيَ بِرَدِّ قِيمَةِ الْفَضْلِ ، جَازَ .\rوَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ ، بِيعُوا جُمْلَةً ، وَقُسِمَ ثَمَنُهُمْ ، أَوْ يَجْعَلُوا فِي الْخُمُسِ .\rوَيَجُوزُ التَّفْرِيقُ بَيْنَهُمْ فِي الْعِتْقِ وَالْفِدَاءِ ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ لَا تَفْرِقَةَ فِيهِ فِي الْمَكَانِ ، وَالْفِدَاءُ تَخْلِيصٌ ، فَهُوَ كَالْعِتْقِ .","part":21,"page":60},{"id":10060,"text":"( 7533 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَمَنْ اشْتَرَى مِنْهُمْ وَهُمْ مُجْتَمِعُونَ ، فَتَبَيَّنَ أَنْ لَا نَسَبَ بَيْنَهُمْ ، رَدَّ إلَى الْمُقَسِّمِ الْفَضْلَ الَّذِي فِيهِ بِالتَّفْرِيقِ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ مَنْ اشْتَرَى مِنْ الْمَغْنَمِ اثْنَيْنِ أَوْ أَكْثَرِ ، وَحَسِبُوا عَلَيْهِ بِنَصِيبِهِ ، بِنَاءً عَلَى أَنَّهُمْ أَقَارِبُ ، يَحْرُمُ التَّفْرِيقُ بَيْنَهُمْ ، فَبَانَ أَنَّهُ لَا نَسَبَ بَيْنَهُمْ وَجَبَ عَلَيْهِ رَدُّ الْفَضْلِ الَّذِي فِيهِمْ عَلَى الْمَغْنَمِ ؛ لِأَنَّ قِيمَتَهُمْ تَزِيدُ بِذَلِكَ ، فَإِنَّ اشْتَرَى اثْنَيْنِ ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ إحْدَاهُمَا أُمُّ الْأُخْرَى ، لَا يَحِلُّ لَهُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا فِي الْوَطْءِ ، وَلَا بَيْعُ إحْدَاهُمَا دُونَ الْأُخْرَى ، فَكَانَتْ قِيمَتُهُمَا قَلِيلَةً لِذَلِكَ ، فَإِنْ بَانَ أَنَّ إحْدَاهُمَا أَجْنَبِيَّةٌ مِنْ الْأُخْرَى ، أُبِيحَ لَهُ وَطْؤُهُمَا ، وَبَيْعُ إحْدَاهُمَا ، فَتَكْثُرُ قِيمَتُهُمَا ، فَيَجِبُ رَدُّ الْفَضْلِ ، كَمَا لَوْ اشْتَرَاهُمَا فَوَجَدَ مَعَهُمَا حُلِيًّا أَوْ ذَهَبًا فَتُكْثِرُ قِيمَتهمَا ، وَكَمَا لَوْ أَخَذَ دَرَاهِمَ ، فَبَانَتْ أَكْثَرَ مِمَّا حُسِبَ عَلَيْهِ .","part":21,"page":61},{"id":10061,"text":"مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَمَنْ سُبِيَ مِنْ أَطْفَالِهِمْ مُنْفَرِدًا ، أَوْ مَعَ أَحَدِ أَبَوَيْهِ ، فَهُوَ مُسْلِمٌ ، وَمَنْ سُبِيَ مَعَ أَبَوَيْهِ ، فَهُوَ عَلَى دِينِهِمَا ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ إذَا سُبِيَ مَنْ لَمْ يَبْلُغْ مِنْ أَوْلَادِ الْكُفَّارِ ، صَارَ رَقِيقًا ، وَلَا يَخْلُو مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ ؛ أَحَدُهُمَا ، أَنْ يُسْبَى مُنْفَرِدًا عَنْ أَبَوَيْهِ ، فَهَذَا يَصِيرُ مُسْلِمًا إجْمَاعًا ؛ لِأَنَّ الدِّينَ إنَّمَا يَثْبُتُ لَهُ تَبَعًا ، وَقَدْ انْقَطَعَتْ تَبَعِيَّتُهُ لِأَبَوَيْهِ ، لِانْقِطَاعِهِ عَنْهُمَا ، وَإِخْرَاجِهِ عَنْ دَارِهِمَا ، وَمَصِيرِهِ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ تَبَعًا لِسَابِيهِ الْمُسْلِمِ ، فَكَانَ تَابِعًا لَهُ فِي دِينِهِ .\rوَالثَّانِي ، أَنْ يُسْبَى مَعَ أَحَدِ أَبَوَيْهِ ، فَإِنَّهُ يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ أَيْضًا .\rوَبِهَذَا قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ : يَكُونُ تَابِعًا لِأَبِيهِ فِي الْكُفْرِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْفَرِدْ عَنْ أَحَدِ أَبَوَيْهِ ، فَلَمْ يُحْكَمْ بِإِسْلَامِهِ ، كَمَا لَوْ سُبِيَ مَعَهُمَا .\rوَقَالَ مَالِكٌ : إنْ سُبِيَ مَعَ أَبِيهِ يَتْبَعُهُ ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ يَتْبَعُ أَبَاهُ فِي الدِّينِ ، كَمَا يَتْبَعُهُ فِي النَّسَبِ ، وَإِنْ سُبِيَ مَعَ أُمِّهِ فَهُوَ مُسْلِمٌ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتْبَعُهَا فِي النَّسَبِ ، فَكَذَلِكَ فِي الدِّينِ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ ، أَوْ يُنَصِّرَانِهِ ، أَوْ يُمَجِّسَانِهِ } .\rفَمَفْهُومُهُ أَنَّهُ لَا يَتْبَعُ أَحَدَهُمَا ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ مَتَى عُلِّقَ بِشَيْئَيْنِ ، لَا يَثْبُتُ بِأَحَدِهِمَا ، وَلِأَنَّهُ يَتْبَعُ سَابِيه مُنْفَرِدًا ، فَيَتْبَعُهُ مَعَ أَحَدِ أَبَوَيْهِ ، قِيَاسًا عَلَى مَا لَوْ أَسْلَمَ أَحَدُ الْأَبَوَيْنِ ، يُحَقِّقُهُ أَنَّ كُلَّ شَخْصٍ غُلِّبَ حُكْمُ إسْلَامِهِ مُنْفَرِدًا غُلِّبَ مَعَ أَحَدِ الْأَبَوَيْنِ ، كَالْمُسْلِمِ مِنْ الْأَبَوَيْنِ .\rالثَّالِثُ ، أَنْ يُسْبَى مَعَ أَبَوَيْهِ ، فَإِنَّهُ يَكُونُ عَلَى دِينِهِمَا .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ","part":21,"page":62},{"id":10062,"text":"الْأَوْزَاعِيُّ : يَكُونُ مُسْلِمًا ؛ لِأَنَّ السَّابِيَ أَحَقُّ بِهِ ، لِكَوْنِهِ مَلَكَهُ بِالسَّبْيِ ، وَزَالَتْ وِلَايَةُ أَبَوَيْهِ عَنْهُ ، وَانْقَطَعَ مِيرَاثُهُمَا مِنْهُ وَمِيرَاثُهُ مِنْهُمَا ، فَكَانَ أَوْلَى بِهِ مِنْهُمَا .\rوَلَنَا ، قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ ، أَوْ يُنَصِّرَانِهِ ، أَوْ يُمَجِّسَانِهِ .\r} وَهُمَا مَعَهُ ، وَمِلْكُ السَّابِي لَهُ لَا يَمْنَعُ اتِّبَاعَهُ لِأَبَوَيْهِ ، بِدَلِيلِ مَا لَوْ وُلِدَ فِي مِلْكِهِ مِنْ عَبْدِهِ وَأَمَتِهِ الْكَافِرَيْنِ .","part":21,"page":63},{"id":10063,"text":"( 7535 ) فَصْلٌ : وَإِذَا سُبِيَ الْمُتَزَوِّجُ مِنْ الْكُفَّارِ ، لَمْ يَخْلُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ ؛ أَحَدُهَا ، أَنْ يُسْبَى الزَّوْجَانِ مَعًا ، فَلَا يَنْفَسِخُ نِكَاحُهُمَا .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ .\rوَقَالَ مَالِكٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَاللَّيْثُ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ : يَنْفَسِخُ نِكَاحُهُمَا ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ النِّسَاءِ إلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ } وَالْمُحْصَنَاتُ الْمُزَوَّجَاتُ { إلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ } بِالسَّبْيِ ، قَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ : نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي سَبْيِ أَوْطَاسٍ .\rوَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : إلَّا ذَوَاتِ الْأَزْوَاجِ مِنْ الْمَسْبِيَّاتِ .\rوَلِأَنَّهُ اسْتَوْلَى عَلَى مَحِلِّ حَقِّ الْكَافِرِ ، فَزَالَ مِلْكُهُ ، كَمَا لَوْ سَبَاهَا وَحْدَهَا .\rوَلَنَا ، أَنَّ الرِّقَّ مَعْنًى لَا يَمْنَعُ ابْتِدَاءَ النِّكَاحِ ، فَلَا يَقْطَعُ اسْتِدَامَتَهُ ، كَالْعِتْقِ ، وَالْآيَةُ نَزَلَتْ فِي سَبَايَا أَوْطَاسٍ ، وَكَانُوا أَخَذُوا النِّسَاءَ دُونَ أَزْوَاجِهِنَّ ، وَعُمُومُ الْآيَةِ مَخْصُوصٌ بِالْمَمْلُوكَةِ الْمُزَوَّجَةِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ ، فَيُخَصُّ مِنْهُ مَحَلُّ النِّزَاعِ بِالْقِيَاسِ عَلَيْهِ .\rالْحَالُ الثَّانِي ، أَنْ تُسْبَى الْمَرْأَةُ وَحْدَهَا ، فَيَنْفَسِخُ النِّكَاحُ ، بِلَا خِلَافٍ عَلِمْنَاهُ .\rوَالْآيَةُ دَالَّةٌ عَلَيْهِ ، وَقَدْ رَوَى أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، قَالَ : أَصَبْنَا سَبَايَا يَوْمَ أَوْطَاسٍ ، وَلَهُنَّ أَزْوَاجٌ فِي قَوْمِهِنَّ ، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَزَلَتْ : { وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ النِّسَاءِ إلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ } .\rرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَقَالَ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ .\rإلَّا أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ : إذَا سُبِيت الْمَرْأَةُ وَحْدَهَا ، ثُمَّ سُبِيَ زَوْجُهَا بَعْدَهَا بِيَوْمٍ ، لَمْ يَنْفَسِخْ النِّكَاحُ .\rوَلَنَا ، أَنَّ السَّبَبَ الْمُقْتَضِيَ لِلْفَسْخِ وُجِدَ ، فَانْفَسَخَ النِّكَاحُ ، كَمَا لَوْ سُبِيَ بَعْدَ شَهْرٍ .\rالْحَالُ الثَّالِثُ ، سُبِيَ الرَّجُلُ وَحْدَهُ ، فَلَا يَنْفَسِخُ النِّكَاحُ ؛ لِأَنَّهُ لَا نَصَّ فِيهِ","part":21,"page":64},{"id":10064,"text":"، وَلَا الْقِيَاسُ يَقْتَضِيه ، وَقَدْ سَبَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَبْعِينَ مِنْ الْكُفَّارِ يَوْمَ بَدْرٍ ، فَمَنَّ عَلَى بَعْضِهِمْ ، وَفَادَى بَعْضًا ، فَلَمْ يَحْكُمْ عَلَيْهِمْ بِفَسْخِ أَنْكِحَتِهِمْ .\rوَلِأَنَّنَا إذَا لَمْ نَحْكُمْ بِفَسْخِ النِّكَاحِ فِيمَا إذَا سُبِيَا مَعًا ، مَعَ الِاسْتِيلَاءِ عَلَى مَحَلِّ حَقِّهِ ، فَلَأَنْ لَا يَنْفَسِخَ نِكَاحُهُ مَعَ عَدَمِ الِاسْتِيلَاءِ أَوْلَى .\rوَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : إذَا سُبِيَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ ، انْفَسَخَ النِّكَاحُ .\rوَلَمْ يُفَرِّقْ .\rوَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّ الزَّوْجَيْنِ افْتَرَقَتْ بِهِمَا الدَّارُ ، وَطَرَأَ الْمِلْكُ عَلَى أَحَدِهِمَا ، فَانْفَسَخَ النِّكَاحُ ، كَمَا لَوْ سُبِيَتْ الْمَرْأَةُ وَحْدَهَا .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : إنْ سُبِيَ وَاسْتَرَقَّ ، انْفَسَخَ نِكَاحُهُ ، وَإِنْ مُنَّ عَلَيْهِ أَوْ فَوُدِّي ، لَمْ يَنْفَسِخْ .\rوَلَنَا ، مَا ذَكَرْنَاهُ ، وَأَنَّ السَّبْيَ لَمْ يُزِلْ مِلْكَهُ عَنْ مَالِهِ فِي دَارِ الْحَرْبِ ، فَلَمْ يُزِلْهُ عَنْ زَوْجَتِهِ ، كَمَا لَمْ يُزِلْهُ عَنْ أَمَتِهِ .\r( 7536 ) فَصْلٌ : وَلَمْ يُفَرِّقْ أَصْحَابُنَا فِي سَبْيِ الزَّوْجَيْنِ ، بَيْنَ أَنْ يَسْبِيَهُمَا رَجُلٌ وَاحِدٌ أَوْ رَجُلَانِ ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُمَا ، فَإِنَّهُمَا إذَا كَانَا مَعَ رَجُلَيْنِ ، كَانَ مَالِكٌ الْمَرْأَةِ مُنْفَرِدًا بِهَا ، وَلَا زَوْجَ مَعَهُ لَهَا ، فَتَحِلُّ لَهُ ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ النِّسَاءِ إلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ } .\rوَذَكَرَ الْأَوْزَاعِيُّ ، أَنَّ الزَّوْجَيْنِ إذَا سُبِيَا ، فَهُمَا عَلَى النِّكَاحِ فِي الْمُقَاسِمِ ، فَإِنْ اشْتَرَاهُمَا رَجُلٌ ، فَلَهُ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَهُمَا إنْ شَاءَ ، أَوْ يُقِرُّهُمَا عَلَى النِّكَاحِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ تَجَدُّدَ الْمِلْكِ فِي الزَّوْجَيْنِ لِرَجُلٍ لَا يَقْتَضِي جَوَازَ الْفَسْخِ ، كَمَا لَوْ اشْتَرَى زَوْجَيْنِ مُسْلِمَيْنِ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّهُ لَا يَحْرُمُ التَّفْرِيقُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ فِي الْقِسْمَةِ وَالْبَيْعِ ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ لَمْ يَرِدْ بِذَلِكَ .","part":21,"page":65},{"id":10065,"text":"( 7537 ) فَصْلٌ : إذَا أَسْلَمَ الْحَرْبِيُّ فِي دَارِ الْحَرْبِ ، حُقِنَ مَالُهُ وَدَمُهُ وَأَوْلَادُهُ الصِّغَارُ مِنْ السَّبْيِ .\rوَإِنْ دَخَلَ دَارَ الْإِسْلَامِ فَأَسْلَمَ ، وَلَهُ أَوْلَادٌ صِغَارٌ فِي دَارِ الْحَرْبِ ، صَارُوا مُسْلِمِينَ ، وَلَمْ يَجُزْ سَبْيُهُمْ .\rوَبِهِ قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : مَا كَانَ فِي يَدَيْهِ مِنْ مَالِهِ وَرَقِيقِهِ وَمَتَاعِهِ وَوَلَدِهِ الصِّغَارِ ، تُرِكَ لَهُ ، وَمَا كَانَ مِنْ أَمْوَالِهِ بِدَارِ الْحَرْبِ ، جَازَ سَبْيُهُمْ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ إسْلَامُهُمْ بِإِسْلَامِهِ ، لِاخْتِلَافِ الدَّارَيْنِ بَيْنَهُمْ ، وَلِهَذَا إذَا سُبِيَ الطِّفْلُ وَأَبَوَاهُ فِي دَارِ الْكُفْرِ ، لَمْ يَتْبَعُهَا ، وَيَتْبَعُ سَابِيه فِي الْإِسْلَامِ ، وَمَا كَانَ مِنْ أَرْضٍ أَوْ دَارٍ فَهُوَ فَيْءٌ ، وَكَذَلِكَ زَوْجَتُهُ إذَا كَانَتْ كَافِرَةً ، وَمَا فِي بَطْنِهَا فَيْءٌ .\rوَلَنَا ، أَنَّ أَوْلَادَهُ أَوْلَادُ مُسْلِمٍ ، فَوَجَبَ أَنْ يَتْبَعُوهُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ ، كَمَا لَوْ كَانُوا مَعَهُ فِي الدَّارِ ، وَلِأَنَّ مَالَهُ مَالُ مُسْلِمٍ ، فَلَا يَجُوزُ اغْتِنَامُهُ ، كَمَا لَوْ كَانَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ ، وَبِذَلِكَ يُفَارِقُ مَالَ الْحَرْبِيِّ وَأَوْلَادَهُ .\rوَمَا ذَكَرَهُ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يَلْزَمُ ؛ فَإِنَّنَا نَجْعَلُهُ تَبَعًا لِلسَّابِي ؛ لِأَنَّنَا لَا نَعْلَمُ بَقَاءَ أَبَوَيْهِ ، فَأَمَّا أَوْلَادُهُ الْكِبَارُ ، فَلَا يَعْصِمُهُمْ ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَتْبَعُونَهُ ، وَلَا يَعْصِمُ زَوْجَتَهُ لِذَلِكَ ، فَإِنْ سُبِيَتْ صَارَتْ رَقِيقًا ، وَلَمْ يَنْفَسِخْ نِكَاحُهُ بِرِقِّهَا ، وَلَكِنْ يَكُونُ حُكْمُهَا فِي النِّكَاحِ وَفَسْخِهِ حُكْمَ مَا لَوْ لَمْ تُسْبَ ، عَلَى مَا مَرَّ فِي نِكَاحِ أَهْلِ الشِّرْكِ فَإِنْ كَانَتْ حَامِلًا مِنْ زَوْجِهَا ، لَمْ يَجُزْ اسْتِرْقَاقُ الْحَمْلِ ، وَكَانَ حُرًّا مُسْلِمًا .\rوَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يُحْكَمُ بِرِقِّهِ مَعَ أُمِّهِ ؛ لِأَنَّ مَا سَرَى إلَيْهِ الْعِتْقُ سَرَى إلَيْهِ الرِّقُّ ، كَسَائِرِ أَعْضَائِهَا .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ مَحْكُومٌ بِحُرِّيَّتِهِ وَإِسْلَامِهِ ، فَلَمْ يَجُزْ","part":21,"page":66},{"id":10066,"text":"اسْتِرْقَاقُهُ ، كَالْمُنْفَصِلِ ، وَيُخَالِفُ الْأَعْضَاءَ ؛ لِأَنَّهَا لَا تَنْفَرِدُ بِحُكْمٍ عَنْ الْأَصْلِ .\r( 7538 ) فَصْلٌ : وَإِذَا أَسْلَمَ الْحَرْبِيُّ فِي دَارِ الْحَرْبِ ، وَلَهُ مَالٌ وَعَقَارٌ ، أَوْ دَخَلَ إلَيْهَا مُسْلِمٌ فَابْتَاعَ عَقَارًا أَوْ مَالًا ، فَظَهَرَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى مَالِهِ وَعَقَارِهِ لَمْ يَمْلِكُوهُ ، وَكَانَ لَهُ .\rوَبِهِ قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَغْنَمُ الْعَقَارُ ، وَأَمَّا غَيْرُهُ ، فَمَا كَانَ فِي يَدِهِ أَوْ يَدِ مُسْلِمٍ ، لَمْ يُغْنَمْ .\rوَاحْتَجَّ بِأَنَّهَا بُقْعَةٌ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ ، فَجَازَ اغْتِنَامُهَا ، كَمَا لَوْ كَانَتْ لِحَرْبِيٍّ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ مَالُ مُسْلِمٍ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ كَاتِبَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ .","part":21,"page":67},{"id":10067,"text":"( 7539 ) فَصْلٌ : إذَا اسْتَأْجَرَ الْمُسْلِمُ أَرْضًا مِنْ حَرْبِيٍّ ، ثُمَّ اسْتَوْلَى عَلَيْهَا الْمُسْلِمُونَ ، فَهِيَ غَنِيمَةٌ ، وَمَنَافِعُهَا لِلْمُسْتَأْجِرِ ؛ لِأَنَّ الْمَنَافِعَ مِلْكُ الْمُسْلِمِ .\rفَإِنْ قِيلَ : فَلِمَ أَجَزْتُمْ اسْتِرْقَاقَ الْكَافِرَةِ الْحَرْبِيَّةِ إذَا كَانَ زَوْجُهَا قَدْ أَسْلَمَ ، وَفِي اسْتِرْقَاقِهَا إبْطَالُ حَقِّ زَوْجِهَا ؟ قُلْنَا : يَجُوزُ اسْتِرْقَاقُهَا ؛ لِأَنَّهَا كَافِرَةٌ ، وَلَا أَمَانَ لَهَا ، فَجَازَ اسْتِرْقَاقُهَا ، كَمَا لَوْ لَمْ تَكُنْ زَوْجَةَ مُسْلِمٍ ، وَلَا يَبْطُلُ نِكَاحُهُ ، بَلْ هُوَ بَاقٍ ، وَلِأَنَّ مَنْفَعَةَ النِّكَاحِ لَا تَجْرِي مَجْرَى الْأَمْوَالِ ، بِدَلِيلِ أَنَّهَا لَا تُضْمَنُ بِالْيَدِ ، وَلَا يَجُوزُ أَخْذُ الْعِوَضِ عَنْهَا ، بِخِلَافِ حَقِّ الْإِجَارَةِ .","part":21,"page":68},{"id":10068,"text":"( 7540 ) فَصْلٌ : إذَا أَسْلَمَ عَبْدُ الْحَرْبِيِّ أَوْ أَمَتُهُ ، وَخَرَجَ إلَيْنَا ، فَهُوَ حُرٌّ ، وَإِنْ أَسَرَ سَيِّدَهُ وَأَوْلَادَهُ ، وَأَخَذَ مَالَهُ ، وَخَرَجَ إلَيْنَا ، فَهُوَ حُرٌّ ، وَالْمَالُ لَهُ ، وَالسَّبْيُ رَقِيقُهُ .\rوَإِنْ أَسْلَمَ وَأَقَامَ بِدَارِ الْحَرْبِ ، فَهُوَ عَلَى رِقِّهِ .\rوَإِنْ أَسْلَمَتْ أُمُّ وَلَدِ الْحَرْبِيِّ ، وَخَرَجَتْ إلَيْنَا ، عَتَقَتْ ، وَاسْتَبْرَأَتْ نَفْسَهَا .\rوَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : وَقَالَ بِهِ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ، إلَّا أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ فِي أُمِّ الْوَلَدِ : تُزَوَّجُ إنْ شَاءَتْ مِنْ غَيْرِ اسْتِبْرَاءٍ .\rوَأَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى خِلَافِهِ ، لِأَنَّهَا أُمُّ وَلَدٍ عَتَقَتْ ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ تَتَزَوَّجَ بِغَيْرِ اسْتِبْرَاءٍ ، كَمَا لَوْ كَانَتْ لِذِمِّيٍّ .\rوَرَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ، عَنْ الْحَجَّاجِ ، عَنْ الْحَكَمِ عَنْ مِقْسَمٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعْتِقُ الْعَبِيدَ إذَا جَاءُوا قَبْلَ مَوَالِيهمْ .\rوَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْأَعْشَمِ ، قَالَ : قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْعَبْدِ وَسَيِّدِهِ قَضِيَّتَيْنِ ؛ قَضَى أَنَّ الْعَبْدَ إذَا خَرَجَ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ قَبْلَ سَيِّدِهِ أَنَّهُ حُرٌّ ، فَإِنْ خَرَجَ سَيِّدُهُ بَعْدُ ، لَمْ يُرَدَّ عَلَيْهِ ، وَقَضَى أَنَّ السَّيِّدَ إذَا خَرَجَ قَبْلَ الْعَبْدِ ثُمَّ خَرَجَ الْعَبْدُ ، رُدَّ عَلَى سَيِّدِهِ .\rرَوَاهُ سَعِيدٌ أَيْضًا ، وَعَنْ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ ثَقِيفٍ ، قَالَ : سَأَلْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَرُدَّ عَلَيْنَا أَبَا بَكْرَةَ ، وَكَانَ عَبْدًا لَنَا ، أَتَى رَسُولَ اللَّهِ وَهُوَ مُحَاصِرٌ ثَقِيفًا ، فَأَسْلَمَ ، فَأَبَى أَنْ يَرُدَّهُ عَلَيْنَا ، { وَقَالَ : هُوَ طَلِيقُ اللَّهِ ، ثُمَّ طَلِيقُ رَسُولِهِ } .\rفَلَمْ يَرُدَّهُ عَلَيْنَا .","part":21,"page":69},{"id":10069,"text":"( 7541 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ ( وَمَا أَخَذَهُ أَهْلُ الْحَرْبِ مِنْ أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ وَعَبِيدِهِمْ ، فَأَدْرَكَهُ صَاحِبُهُ قَبْلَ قَسْمِهِ ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ ) .\rوَإِنْ أَدْرَكَهُ مَقْسُومًا ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ بِالثَّمَنِ الَّذِي ابْتَاعَهُ مِنْ الْمَغْنَمِ ، فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ ، وَالرِّوَايَةُ الْأُخْرَى ، إذَا قُسِمَ ، فَلَا حَقَّ لَهُ فِيهِ بِحَالٍ يَعْنِي إذَا أَخَذَ الْكُفَّارُ أَمْوَالَ الْمُسْلِمِينَ ، ثُمَّ قَهَرَهُمْ الْمُسْلِمُونَ ، فَأَخَذُوهَا مِنْهُمْ ، فَإِنْ عُلِمَ صَاحِبُهَا قَبْلَ قَسْمِهَا ، رُدَّتْ إلَيْهِ بِغَيْرِ شَيْءٍ ، فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ ؛ مِنْهُمْ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَعَطَاءٌ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَسَلْمَانُ بْنُ رَبِيعَةَ ، وَاللَّيْثُ ، وَمَالِكٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَقَالَ الزُّهْرِيُّ : لَا يُرَدُّ إلَيْهِ ، وَهُوَ لِلْجَيْشِ .\rوَنَحْوُهُ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ؛ لِأَنَّ الْكُفَّارَ مَلَكُوهُ بِاسْتِيلَائِهِمْ ، فَصَارَ غَنِيمَةً ، كَسَائِرِ أَمْوَالِهِمْ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ ، أَنَّ غُلَامًا لَهُ أَبَقَ إلَى الْعَدُوِّ ، فَظَهَرَ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ ، فَرَدَّهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى ابْنِ عُمَرَ ، وَلَمْ يُقْسَمْ .\rوَعَنْهُ ، قَالَ : ذَهَبَ فَرَسٌ لَهُ ، فَأَخَذَهَا الْعَدُوُّ ، فَظَهَرَ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ ، فَرُدَّ عَلَيْهِ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rرَوَاهُمَا أَبُو دَاوُد .\rوَعَنْ جَابِرِ بْنِ حَيْوَةَ ، أَنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ كَتَبَ إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، فِيمَا أَحْرَزَ الْمُشْرِكُونَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ، ثُمَّ ظَهَرَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِمْ بَعْدُ .\rقَالَ : مَنْ وَجَدَ مَالَهُ بِعَيْنِهِ ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ ، مَا لَمْ يُقْسَمْ .\rرَوَاهُ سَعِيدٌ ، وَالْأَثْرَمُ .\rفَأَمَّا مَا أَدْرَكَهُ بَعْدَ أَنْ قُسِمَ ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، أَنَّ صَاحِبَهُ أَحَقُّ بِهِ ، بِالثَّمَنِ الَّذِي حَسِبَ بِهِ عَلَى مَنْ أَخَذَهُ ، وَكَذَلِكَ إنْ بِيعَ ثُمَّ قُسِمَ ثَمَنُهُ ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ بِالثَّمَنِ .\rوَهَذَا قَوْلُ","part":21,"page":70},{"id":10070,"text":"أَبِي حَنِيفَةَ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَمَالِكٍ ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَجُلًا وَجَدَ بَعِيرًا لَهُ كَانَ الْمُشْرِكُونَ أَصَابُوهُ ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : \" إنْ أَصَبْته قَبْلَ أَنْ نَقْسِمَهُ ، فَهُوَ لَك ، وَإِنْ أَصَبْته بَعْدَمَا قُسِمَ ، أَخَذْته بِالْقِيمَةِ .\rوَلِأَنَّهُ إنَّمَا امْتَنَعَ أَخْذُهُ لَهُ بِغَيْرِ شَيْءٍ كَيْ لَا يُفْضِيَ إلَى حِرْمَانِ أَخْذِهِ مِنْ الْغَنِيمَةِ ، أَوْ يَضِيعَ الثَّمَنُ عَلَى الْمُشْتَرِي ، وَحَقُّهُمَا يَنْجَبِرُ بِالثَّمَنِ ، فَيَرْجِعُ صَاحِبُ الْمَالِ فِي عَيْنِ مَالِهِ ، بِمَنْزِلَةِ مُشْتَرِي الشِّقْصِ الْمَشْفُوعِ .\rإلَّا أَنَّ الْمَحْكِيَّ عَنْ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ ، أَنَّهُ يَأْخُذُهُ بِالْقِيمَةِ .\rوَيُرْوَى عَنْ مُجَاهِدٍ مِثْلُهُ .\rوَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّهُ إذَا قُسِمَ فَلَا حَقَّ لَهُ فِيهِ بِحَالٍ .\rنَصَّ عَلَيْهِ ، فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد وَغَيْرِهِ .\rوَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ ، وَعَلِيٍّ ، وَسَلْمَانَ بْنِ رَبِيعَةَ ، وَعَطَاءٍ ، وَالنَّخَعِيِّ ، وَاللَّيْثِ .\rقَالَ أَحْمَدُ : أَمَّا قَوْلُ مَنْ قَالَ : هُوَ أَحَقُّ بِالْقِيمَةِ .\rفَهُوَ قَوْلٌ ضَعِيفٌ عَنْ مُجَاهِدٍ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يَأْخُذُهُ صَاحِبُهُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ وَبَعْدَهَا ، وَيُعْطَى مُشْتَرِيه ثَمَنَهُ مِنْ خُمُسِ الْمَصَالِحِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَزُلْ عَنْ مِلْكِ صَاحِبِهِ ، فَوَجَبَ أَنْ يَسْتَحِقَّ أَخْذَهُ بِغَيْرِ شَيْءٍ ، كَمَا قَبْلَ الْقِسْمَةِ ، وَيُعْطِي مَنْ حُسِبَ عَلَيْهِ الْقِيمَةُ ؛ لِئَلَّا يُفْضِيَ إلَى حِرْمَانِ آخِذِهِ حَقَّهُ مِنْ الْغَنِيمَةِ ، وَجُعِلَ مِنْ سَهْمِ الْمَصَالِحِ ؛ لِأَنَّ هَذَا مِنْهَا .\rوَهَذَا قَوْلُ ابْنِ الْمُنْذِرِ .\rوَلَنَا ، مَا رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَتَبَ إلَى السَّائِبِ : أَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَصَابَ رَقِيقَهُ وَمَتَاعَهُ بِعَيْنِهِ ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ ، وَإِنْ أَصَابَهُ فِي أَيْدِي التُّجَّارِ بَعْدَمَا اُقْتُسِمَ ، فَلَا سَبِيلَ لَهُ إلَيْهِ .\rوَقَالَ سَلْمَانُ بْنُ رَبِيعَةَ : إذَا قُسِمَ فَلَا حَقَّ لَهُ فِيهِ .\rرَوَاهُمَا","part":21,"page":71},{"id":10071,"text":"سَعِيدٌ ، فِي \" سُنَنِهِ \" .\rوَلِأَنَّهُ إجْمَاعٌ .\rقَالَ أَحْمَدُ : إنَّمَا قَالَ النَّاسُ فِيهَا قَوْلَيْنِ ؛ إذَا قُسِمَ فَلَا شَيْءَ لَهُ .\rوَقَالَ قَوْمٌ : إذَا قُسِمَ فَهُوَ لَهُ بِالثَّمَنِ .\rفَأَمَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ بَعْدَ الْقِسْمَةِ بِغَيْرِ ذَلِكَ ، فَلَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ ، وَمَتَى مَا انْقَسَمَ أَهْلُ الْعَصْرِ عَلَى قَوْلَيْنِ فِي حُكْمٍ ، لَمْ يَجُزْ إحْدَاثُ قَوْلٍ ثَالِثٍ ، لِأَنَّهُ يُخَالِفُ الْإِجْمَاعَ ، فَلَمْ يَجُزْ الْمَصِيرُ إلَيْهِ .\rوَقَدْ رَوَى أَصْحَابُنَا عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { مَنْ أَدْرَكَ مَالَهُ قَبْلَ أَنْ يُقْسَمَ ، فَهُوَ لَهُ ، وَإِنْ أَدْرَكَهُ بَعْدَ أَنْ قُسِمَ ، فَلَيْسَ لَهُ فِيهِ شَيْءٌ .\r} وَالْمَعْمُولُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْإِجْمَاعِ ، وَقَوْلُهُمْ : لَمْ يَزُلْ مِلْكُ صَاحِبِهِ عَنْهُ .\rغَيْرُ مُسَلَّمٍ .\r( 7542 ) فَصْلٌ : وَإِنْ أَخَذَهُ أَحَدُ الرَّعِيَّةِ بِهِبَةٍ أَوْ سَرِقَةٍ أَوْ بِغَيْرِ شَيْءٍ ، فَصَاحِبُهُ أَحَقُّ بِهِ بِغَيْرِ شَيْءٍ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَأْخُذُهُ إلَّا بِالْقِيمَةِ ، لِأَنَّهُ صَارَ مِلْكًا لَوَاحِدٍ بِعَيْنِهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قُسِمَ .\rوَلَنَا ، مَا رُوِيَ ، أَنَّ قَوْمًا أَغَارُوا عَلَى سَرْحِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخَذُوا نَاقَتَهُ ، وَجَارِيَةً مِنْ الْأَنْصَارِ ، فَأَقَامَتْ عِنْدَهُمْ أَيَّامًا ، ثُمَّ خَرَجَتْ فِي بَعْضِ اللَّيْلِ ، قَالَتْ : فَمَا وَضَعْت يَدِي عَلَى نَاقَةٍ إلَّا رَغَتْ ، حَتَّى وَضَعْتهَا عَلَى نَاقَةٍ ذَلُولٍ ، فَامْتَطَيْتهَا ، ثُمَّ تَوَجَّهْت إلَى الْمَدِينَةِ ، وَنَذَرْت إنْ نَجَّانِي اللَّهُ عَلَيْهَا أَنْ أَنْحَرَهَا ، فَلَمَّا قَدِمْت الْمَدِينَةَ ، اسْتَعْرَفْت النَّاقَةَ ، فَإِذَا هِيَ نَاقَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخَذَهَا ، فَقُلْت : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنِّي نَذَرْت أَنْ أَنْحَرَهَا .\rفَقَالَ : { بِئْسَمَا جَازَيْتِهَا ، لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةٍ } .\rوَفِي رِوَايَةٍ : { لَا نَذْرَ فِيمَا لَا يَمْلِكُ ابْنُ آدَمَ } .\rرَوَاهُ أَحْمَدُ ، وَمُسْلِمٌ .\rوَلِأَنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ فِي يَدِهِ بِعِوَضٍ ، فَكَانَ","part":21,"page":72},{"id":10072,"text":"صَاحِبُهُ أَحَقَّ بِهِ ، كَمَا لَوْ أَدْرَكَهُ فِي الْغَنِيمَةِ قَبْلَ قَسْمِهِ .\rفَأَمَّا إنْ اشْتَرَاهُ رَجُلٌ مِنْ الْعَدُوِّ ، فَلَيْسَ لِصَاحِبِهِ أَخْذُهُ إلَّا بِثَمَنِهِ ؛ لِمَا رَوَى سَعِيدٌ ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ مَطَرٍ الشَّيْبَانِيُّ ، حَدَّثَنَا أَبُو حَرِيزٍ ، عَنْ الشَّعْبِيِّ ، قَالَ : أَغَارَ أَهْلُ مَاهَ وَأَهْلُ جَلُولَاءَ عَلَى الْعَرَبِ ، فَأَصَابُوا سَبَايَا مِنْ سَبَايَا الْعَرَبِ ، وَرَقِيقًا ، وَمَتَاعًا ، ثُمَّ إنَّ السَّائِبَ بْنَ الْأَقْرَعِ عَامِلَ عُمَرَ غَزَاهُمْ ، فَفَتَحَ مَاهَ ، فَكَتَبَ إلَى عُمَرَ فِي سَبَايَا الْمُسْلِمِينَ وَرَقِيقِهِمْ وَمَتَاعِهِمْ ، قَدْ اشْتَرَاهُ التُّجَّارُ مِنْ أَهْلِ مَاهَ ، فَكَتَبَ إلَيْهِ عُمَرُ : إنَّ الْمُسْلِمَ أَخُو الْمُسْلِمِ ، لَا يَخُونُهُ ، وَلَا يَخْذُلُهُ ، فَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَصَابَ رَقِيقَهُ وَمَتَاعَهُ بِعَيْنِهِ ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ ، وَإِنْ أَصَابَهُ فِي أَيْدِي التُّجَّارِ بَعْدَمَا اُقْتُسِمَ ، فَلَا سَبِيلَ إلَيْهِ ، وَأَيُّمَا حُرٍّ اشْتَرَاهُ التُّجَّارُ ، فَإِنَّهُ يُرَدُّ عَلَيْهِمْ رُءُوسُ أَمْوَالِهِمْ ، فَإِنَّ الْحُرَّ لَا يُبَاعُ وَلَا يُشْتَرَى .\rوَقَالَ الْقَاضِي : مَا حَصَلَ فِي يَدِهِ بِهِبَةٍ أَوْ سَرِقَةٍ أَوْ شِرَاءٍ ، فَهُوَ كَمَا لَوْ وَجَدَهُ صَاحِبُهُ بَعْدَ الْقِسْمَةِ ، هَلْ يَكُونُ صَاحِبُهُ أَحَقَّ بِهِ بِالْقِيمَةِ ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ ، وَالْأَوْلَى مَا ذَكَرْنَاهُ .\rوَإِنْ عَلِمَ الْإِمَامُ بِمَالِ الْمُسْلِمِ قَبْلَ قَسْمِهِ ، فَقَسَمَهُ ، وَجَبَ رَدُّهُ ، وَكَانَ صَاحِبُهُ أَحَقَّ بِهِ بِغَيْرِ شَيْءٍ ؛ لِأَنَّ قِسْمَتَهُ كَانَتْ بَاطِلَةً مِنْ أَصْلِهَا .","part":21,"page":73},{"id":10073,"text":"( 7543 ) فَصْلٌ : وَإِنْ غَنِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ شَيْئًا عَلَيْهِ عَلَامَةُ الْمُسْلِمِينَ ، فَلَمْ يُعْلَمْ صَاحِبُهُ ، فَهُوَ غَنِيمَةٌ .\rقَالَ أَحْمَدُ ، فِي مَرَاكِبَ تَجِيءُ مِنْ مِصْرَ ، يَقْطَعُ عَلَيْهَا الرُّومُ فَيَأْخُذُونَهَا ، ثُمَّ يَأْخُذُهَا الْمُسْلِمُونَ مِنْهُمْ : إنْ عُرِفَ صَاحِبُهَا فَلَا يُؤْكَلُ مِنْهَا .\rوَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ إذَا لَمْ يُعْرَفْ صَاحِبُهَا جَازَ الْأَكْلُ مِنْهَا .\rوَنَحْوُ هَذَا قَوْلُ الثَّوْرِيِّ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، قَالَا فِي الْمُصْحَفِ يَحْصُلُ فِي الْغَنَائِمِ : يُبَاعُ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يُوقَفُ حَتَّى يَجِيءَ صَاحِبُهُ .\rوَإِنْ وُجِدَ شَيْءٌ مَوْسُومٌ عَلَيْهِ : حُبِسَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، رُدَّ كَمَا كَانَ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .\rوَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ الثَّوْرِيُّ : يُقْسَمُ مَا لَمْ يَأْتِ صَاحِبُهُ .\rوَلَنَا ، أَنَّ هَذَا قَدْ عُرِفَ مَصْرِفُهُ وَهُوَ الْحَبْسُ ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةٍ مَا لَوْ عُرِفَ صَاحِبُهُ .\rقِيلَ لِأَحْمَدَ : فَالْجَوَامِيسُ تُدْرَكُ وَقَدْ سَاقَهَا الْعَدُوُّ لِلْمُسْلِمِينَ ، وَقَدْ رُدَّتْ ، يُؤْكَلُ مِنْهَا ؟ قَالَ : إذَا عُرِفَ لِمَنْ هِيَ ، فَلَا يُؤْكَلُ مِنْهَا .\rقِيلَ لِأَحْمَدَ : فَمَا حَازَ الْعَدُوُّ لِلْمُسْلِمِينَ ، فَأَصَابَهُ الْمُسْلِمُونَ ، أَعَلَيْهِمْ أَنْ يَقِفُوهُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ صَاحِبُهُ ؟ قَالَ : إذَا عُرِفَ فَقِيلَ : هُوَ لِفُلَانٍ .\rوَكَانَ صَاحِبُهُ بِالْقُرْبِ .\rقِيلَ لَهُ : أُصِيبَ غُلَامٌ فِي بِلَادِ الرُّومِ ، فَقَالَ : أَنَا لِفُلَانٍ ؛ رَجُلٍ ؟ قَالَ : إذَا عُرِفَ الرَّجُلُ ، لَمْ يُقْسَمْ مَالُهُ ، وَرُدَّ عَلَى صَاحِبِهِ .\rقِيلَ لَهُ : أَصَبْنَا مَرْكَبًا فِي بِلَادِ الرُّومِ ، فِيهَا النَّوَاتِيَّةُ ، قَالُوا : هَذَا لِفُلَانٍ ، وَهَذَا لِفُلَانٍ .\rقَالَ : هَذَا قَدْ عُرِفَ صَاحِبُهُ ، لَا يُقْسَمُ .","part":21,"page":74},{"id":10074,"text":"( 7544 ) فَصْلٌ : قَالَ الْقَاضِي : يَمْلِكُ الْكُفَّارُ أَمْوَالَ الْمُسْلِمِينَ بِالْقَهْرِ .\rوَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ .\rوَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : لَا يَمْلِكُونَهَا .\rوَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ .\rقَالَ : وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ ، حَيْثُ قَالَ : إنْ أَدْرَكَهُ صَاحِبُهُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ ؛ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ .\rوَإِنَّمَا مَنَعَهُ أَخْذَهُ بَعْدَ قَسْمِهِ ، لِأَنَّ قِسْمَةَ الْإِمَامِ لَهُ تَجْرِي مَجْرَى الْحُكْمِ ، وَمَتَى صَادَفَ الْحُكْمُ أَمْرًا مُجْتَهَدًا فِيهِ ، نَفَذَ حُكْمُهُ .\rوَحُكِيَ عَنْ أَحْمَدَ فِي ذَلِكَ رِوَايَتَانِ ، وَاحْتَجَّ مَنْ قَالَ : لَا يَمْلِكُونَهَا بِحَدِيثِ نَاقَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلِأَنَّهُ مَالٌ مَعْصُومٌ ، طَرَأَتْ عَلَيْهِ يَدٌ عَادِيَةٌ ، فَلَمْ يُمْلَكْ بِهَا ، كَالْغَصْبِ ، وَلِأَنَّ مَنْ لَا يَمْلِكُ رَقَبَةَ غَيْرِهِ بِالْقَهْرِ ، لَمْ يَمْلِكْ مَالَهُ بِهِ ، كَالْمُسْلِمِ مَعَ الْمُسْلِمِ .\rوَوَجْهُ الْأَوَّلِ ، أَنَّ الْقَهْرَ سَبَبٌ يَمْلِكُ بِهِ الْمُسْلِمُ مَالَ الْكَافِرِ ، فَمَلَكَ بِهِ الْكَافِرُ مَالَ الْمُسْلِمِ ، كَالْبَيْعِ .\rفَأَمَّا النَّاقَةُ ، فَإِنَّمَا أَخَذَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَنَّهُ أَدْرَكَهَا غَيْرَ مَقْسُومَةٍ وَلَا مُشْتَرَاةٍ .\rفَعَلَى هَذَا ، يَمْلِكُونَهَا قَبْلَ حِيَازَتِهَا إلَى دَارِ الْكُفْرِ .\rوَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ .\rوَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّهُمْ إنَّمَا يَمْلِكُونَهَا بِالْحِيَازَةِ إلَى دَارِهِمْ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ .\rوَحُكِيَ فِي ذَلِكَ عَنْ أَحْمَدَ رِوَايَتَانِ .\rوَوَجْهُ الْأَوَّلِ ، أَنَّ الِاسْتِيلَاءَ سَبَبٌ لِلْمِلْكِ ، فَيَثْبُتُ قَبْلَ الْحِيَازَةِ إلَى الدَّارِ ، كَاسْتِيلَاءِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى مَالِ الْكُفَّارِ ، وَلِأَنَّ مَا كَانَ سَبَبًا لِلْمِلْكِ ، أَثْبَتَهُ حَيْثُ وُجِدَ ، كَالْهِبَةِ وَالْبَيْعِ .\rوَفَائِدَةُ الْخِلَافِ فِي ثُبُوتِ الْمِلْكِ وَعَدَمِهِ ، أَنَّ مَنْ أَثْبَتَ الْمِلْكَ لِلْكُفَّارِ فِي أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ ، أَبَاحَ لِلْمُسْلِمِينَ إذَا ظَهَرُوا عَلَيْهَا قِسْمَتَهَا ، وَالتَّصَرُّفَ فِيهَا ، مَا لَمْ يَعْلَمُوا صَاحِبَهَا ، وَأَنَّ الْكَافِرَ إذَا","part":21,"page":75},{"id":10075,"text":"أَسْلَمَ وَهِيَ فِي يَدِهِ ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا .\rوَمَنْ لَمْ يُثْبِتْ الْمِلْكَ ، اقْتَضَى مَذْهَبُهُ عَكْسَ ذَلِكَ .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":21,"page":76},{"id":10076,"text":"( 7545 ) فَصْلٌ : وَلَا أَعْلَمَ خِلَافًا فِي أَنَّ الْكَافِرَ الْحَرْبِيَّ ، إذَا أَسْلَمَ ، أَوْ دَخَلَ إلَيْنَا بِأَمَانٍ ، بَعْدَ أَنْ اسْتَوْلَى عَلَى مَالِ مُسْلِمٍ فَأَتْلَفَهُ ، أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ ضَمَانُهُ .\rوَإِنْ أَسْلَمَ وَهُوَ فِي يَدِهِ ، فَهُوَ لَهُ ، بِغَيْرِ خِلَافٍ فِي الْمَذْهَبِ ؛ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ أَسْلَمَ عَلَى شَيْءٍ ، فَهُوَ لَهُ } .\rوَإِنْ كَانَ أَخَذَهُ مِنْ الْمُسْتَوْلَى عَلَيْهِ بِهِبَةٍ أَوْ سَرِقَةٍ أَوْ شِرَاءٍ ، فَكَذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ اسْتَوْلَى عَلَيْهِ فِي حَالِ كُفْرِهِ ، فَأَشْبَهَ مَا اسْتَوْلَى عَلَيْهِ بِقَهْرِهِ لِلْمُسْلِمِ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّ صَاحِبَهُ يَكُونُ أَحَقَّ بِهِ بِالْقِيمَةِ .\rوَإِنْ اسْتَوْلَى عَلَى جَارِيَةِ مُسْلِمٍ فَاسْتَوْلَدَهَا ، ثُمَّ أَسْلَمَ ، فَهِيَ لَهُ ، وَهِيَ أُمُّ وَلَدٍ لَهُ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ؛ لِأَنَّهَا مَالٌ ، فَأَشْبَهَتْ سَائِرَ الْأَمْوَالِ .\rوَإِنْ غَنِمَهَا الْمُسْلِمُونَ وَأَوْلَادَهَا قَبْلَ إسْلَامِ سَابِيهَا ، فَعُلِمَ صَاحِبُهَا ، رُدَّتْ إلَيْهِ ، وَكَانَ أَوْلَادُهَا غَنِيمَةً ؛ لِأَنَّهُمْ أَوْلَادُ كَافِرٍ حَدَثُوا بَعْدَ مِلْكِ الْكَافِرِ لَهَا .","part":21,"page":77},{"id":10077,"text":"( 7546 ) فَصْلٌ : وَإِنْ اسْتَوْلَوْا عَلَى حُرٍّ ، لَمْ يَمْلِكُوهُ ، سَوَاءٌ كَانَ مُسْلِمًا أَوْ ذِمِّيًّا .\rلَا أَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا ؛ لِأَنَّهُ لَا يُضْمَنُ بِالْقِيمَةِ ، وَلَا يَثْبُتُ عَلَيْهِ يَدٌ بِحَالٍ ، وَكُلُّ مَا يَضْمَنُ بِالْقِيمَةِ يَمْلِكُونَهُ بِالْقَهْرِ ، كَالْعُرُوضِ ، وَالْعَبْدِ الْقِنِّ ، وَالْمُدَبَّرِ ، وَالْمَكَاتِبِ ، وَأُمِّ الْوَلَدِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَمْلِكُونَ الْمَكَاتِبَ وَأُمَّ الْوَلَدِ ؛ لِأَنَّهُمَا لَا يَجُوزُ نَقْلُ الْمِلْكِ فِيهِمَا ، فَهُمَا كَالْحُرِّ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُمَا يَضْمَنَانِ بِالْقِيمَةِ ، فَيَمْلِكُونَهُمَا ، كَالْعَبْدِ الْقِنِّ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يَمْلِكُوا الْمَكَاتِبَ دُونَ أُمِّ الْوَلَدِ ؛ لِأَنَّ أُمَّ الْوَلَدِ لَا يَجُوزُ نَقْلُ الْمِلْكِ فِيهَا ، وَلَا يَثْبُتُ فِيهَا لِغَيْرِ سَيِّدِهَا .\rوَفَائِدَةُ الْخِلَافِ ؛ أَنَّ مَنْ قَالَ بِثُبُوتِ الْمِلْكِ فِيهِمَا ، قَالَ : مَتَى قُسِمَا ، أَوْ اشْتَرَاهُمَا إنْسَانٌ ، لَمْ يَكُنْ لِسَيِّدِهِمَا أَخْذُهُمَا إلَّا بِالثَّمَنِ .\rقَالَ الزُّهْرِيُّ ، فِي أُمِّ الْوَلَدِ : يَأْخُذُهَا سَيِّدُهَا بِقِيمَةِ عَدْلٍ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : يَفْدِيهَا الْإِمَامُ ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ ، يَأْخُذُهَا سَيِّدُهَا بِقِيمَةِ عَدْلٍ ، وَلَا يَدَعُهَا يَسْتَحِلُّ فَرْجَهَا مَنْ لَا تَحِلُّ لَهُ .\rوَمَنْ قَالَ : لَا يَثْبُتُ الْمِلْكُ فِيهِمَا .\rرُدَّا إلَى مَا كَانَا عَلَيْهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ ، كَالْحُرِّ ، وَإِنْ اشْتَرَاهُمَا إنْسَانٌ ، فَالْحُكْمُ فِيهِمَا كَالْحُكْمِ فِي الْحُرِّ إذَا اشْتَرَاهُ .\r( 7547 ) فَصْلٌ : إذَا أَبَقَ عَبْدُ الْمُسْلِمِ إلَى دَارِ الْحَرْبِ ، فَأَخَذُوهُ ، مَلَكُوهُ كَالْمَالِ .\rوَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ ، وَأَبِي يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٍ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَمْلِكُونَهُ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ مِثْلُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ إذَا صَارَ فِي دَارِ الْحَرْبِ ، زَالَتْ يَدُ مَوْلَاهُ عَنْهُ ، وَصَارَ فِي يَدِ نَفْسِهِ ، فَلَمْ يُمْلَكْ ، كَالْحُرِّ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ مَالٌ لَوْ أَخَذُوهُ مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ مَلَكُوهُ ، فَإِذَا أَخَذُوهُ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ مَلَكُوهُ ، كَالْبَهِيمَةِ .","part":21,"page":78},{"id":10078,"text":"( 7548 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَمَنْ قَطَعَ مِنْ مَوَاتِهِمْ حَجَرًا ، أَوْ عُودًا ، أَوْ صَادَ حُوتًا أَوْ ظَبْيًا ، رَدَّهُ عَلَى سَائِرِ الْجَيْشِ ، إذَا اسْتَغْنَى عَنْ أَكْلِهِ ، وَالْمَنْفَعَةِ بِهِ ) يَعْنِي إذَا أَخَذَ شَيْئًا لَهُ قِيمَةٌ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ ، فَالْمُسْلِمُونَ شُرَكَاؤُهُ فِيهِ .\rوَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالثَّوْرِيُّ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يَنْفَرِدُ آخِذُهُ بِمِلْكِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَخَذَهُ مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ مَلَكَهُ ، فَإِذَا أَخَذَهُ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ ، مَلَكَهُ ، كَالشَّيْءِ التَّافِهِ .\rوَهَذَا قَوْلُ مَكْحُولٍ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَنُقِلَ ذَلِكَ عَنْ الْقَاسِمِ ، وَسَالِمٍ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ مَالٌ ذُو قِيمَةٍ ، مَأْخُوذٌ مِنْ أَرْضِ الْحَرْبِ بِظَهْرِ الْمُسْلِمِينَ ، فَكَانَ غَنِيمَةً ، كَالْمَطْعُومَاتِ ، وَفَارَقَ مَا أَخَذُوهُ مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ ، لِأَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى الْجَيْشِ فِي أَخْذِهِ .\rفَأَمَّا إنْ احْتَاجَ إلَى أَكْلِهِ ، وَالِانْتِفَاعِ بِهِ ، فَلَهُ ذَلِكَ ، وَلَا يَرُدُّهُ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ وَجَدَ طَعَامًا مَمْلُوكًا لِلْكُفَّارِ ، كَانَ لَهُ أَكْلُهُ إذَا احْتَاجَ ، فَمَا أَخَذَهُ مِنْ الصَّيُودِ وَالْمُبَاحَاتِ أَوْلَى .\r( 7549 ) فَصْلٌ : وَإِنْ أَخَذَ مِنْ بُيُوتِهِمْ ، أَوْ خَارِجٍ مِنْهَا ، مَا لَا قِيمَةَ لَهُ فِي أَرْضِهِمْ ، كَالْمِسَنِّ ، وَالْأَقْلَامِ ، وَالْأَحْجَارِ ، وَالْأَدْوِيَةِ ، فَلَهُ أَخْذُهُ ، وَهُوَ أَحَقُّ بِهِ ، وَإِنْ صَارَتْ لَهُ قِيمَةٌ بِنَقْلِهِ أَوْ مُعَالَجَتِهِ .\rنَصَّ أَحْمَدُ عَلَى نَحْوِ هَذَا .\rوَبِهِ قَالَ مَكْحُولٌ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ الثَّوْرِيُّ : إذَا جَاءَ بِهِ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ .\rدَفَعَهُ فِي الْمُقْسِم ، وَإِنْ عَالَجَهُ فَصَارَ لَهُ ثَمَنٌ ، أُعْطِيَ بِقَدْرِ عَمَلِهِ فِيهِ ، وَبِقِيمَتِهِ فِي الْمُقْسِم .\rوَلَنَا ، أَنَّ الْقِيمَةَ إنَّمَا صَارَتْ لَهُ بِعَمَلِهِ أَوْ بِنَقْلِهِ ، فَلَمْ تَكُنْ غَنِيمَةً ، كَمَا لَوْ لَمْ تَصِرْ لَهُ قِيمَةٌ .","part":21,"page":79},{"id":10079,"text":"( 7550 ) فَصْلٌ : وَإِنْ تَرَكَ صَاحِبُ الْمَقْسِمِ شَيْئًا مِنْ الْغَنِيمَةِ ، عَجْزًا عَنْ حَمْلِهِ ، فَقَالَ : مَنْ أَخَذَ شَيْئًا فَهُوَ لَهُ .\rفَمَنْ حَمَلَ شَيْئًا فَهُوَ لَهُ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .\rوَسُئِلَ عَنْ قَوْمٍ غَنِمُوا غَنَائِمَ كَثِيرَةً ، فَيَبْقَى خُرْثِيُّ الْمَتَاعِ ، مِمَّا لَا يُبَاعُ وَلَا يُشْتَرَى ، فَيَدَعُهُ الْوَالِي بِمَنْزِلَةِ الْعَقَارِ وَالْفَخَّارِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ ، أَيَأْخُذُهُ الْإِنْسَانُ لِنَفْسِهِ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، إذَا تُرِكَ ، وَلَمْ يُشْتَرَ .\rوَنَحْوُ هَذَا قَوْلُ مَالِكٍ .\rوَنَقَلَ عَنْهُ أَبُو طَالِبٍ ، فِي الْمَتَاعِ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى حَمْلِهِ : إذَا حَمَلَهُ رَجُلٌ يُقْسَمُ .\rوَهَذَا قَوْلُ إبْرَاهِيمَ .\rقَالَ الْخَلَّالُ : رَوَى أَبُو طَالِبٍ هَذِهِ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ ؛ فِي مَوْضِعٍ مِنْهَا وَافَقَ أَصْحَابَهُ ، وَفِي مَوْضِعٍ خَالَفَهُمْ .\rقَالَ : وَلَا شَكَّ أَنَّ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ قَالَ هَذَا أَوَّلًا ، ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يُبِيحَهُ وَأَنْ يُحَرِّمَهُ ، وَأَنَّ لَهُمْ أَنْ يَأْخُذُوهُ إذَا تَرَكَهُ الْإِمَامُ إذَا لَمْ يَجِدْ مَنْ يَحْمِلُهُ ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَجِدْ مَنْ يَحْمِلُهُ ، وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى حَمْلِهِ ، بِمَنْزِلَةِ مَا لَا قِيمَةَ لَهُ ، فَصَارَ كَاَلَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي الْفَصْلِ قَبْلَ هَذَا .","part":21,"page":80},{"id":10080,"text":"( 7551 ) فَصْلٌ : وَإِنْ وَجَدَ فِي أَرْضِهِمْ رِكَازًا ، فَإِنْ كَانَ فِي مَوْضِعٍ يَقْدِرُ عَلَيْهِ بِنَفْسِهِ ، فَهُوَ كَمَا لَوْ وَجَدَهُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ ، فِيهِ الْخُمْسُ ، وَبَاقِيه لَهُ ، وَإِنْ قَدَرَ عَلَيْهِ بِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ ، فَهُوَ غَنِيمَةٌ .\rوَنَحْوُ هَذَا قَوْلُ مَالِكٍ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَاللَّيْثِ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : إنْ وَجَدَهُ فِي مَوَاتِهِمْ ، فَهُوَ كَمَا لَوْ وَجَدَهُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ .\rوَلَنَا ؛ مَا رَوَى عَاصِمُ بْنُ كُلَيْبٍ ، عَنْ أَبِي الْجُوَيْرِيَّةِ الْحَرَمِيِّ ، قَالَ : أَصَبْت بِأَرْضِ الرُّومِ جَرَّةً حَمْرَاءَ ، فِيهَا دَنَانِيرُ ، فِي إمْرَةِ مُعَاوِيَةَ ، وَعَلَيْنَا مَعْنُ بْنُ يَزِيدَ السُّلَمِيُّ ، فَأَتَيْته بِهَا ، فَقَسَمَهَا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ ، وَأَعْطَانِي مِثْلَ مَا أَعْطَى رَجُلًا مِنْهُمْ ، ثُمَّ قَالَ : لَوْلَا أَنِّي سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : { لَا نَفْلَ إلَّا بَعْدَ الْخُمْسِ } .\rلَأَعْطَيْتُك .\rثُمَّ أَخَذَ يَعْرِضُ عَلَيَّ مِنْ نَصِيبِهِ ، فَأَبَيْت .\rأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد .\rوَلِأَنَّهُ مَالُ مُشْرِكٍ ، ظَهَرَ عَلَيْهِ بِقُوَّةِ جَيْشِ الْمُسْلِمِينَ ، فَكَانَ غَنِيمَةً ، كَأَمْوَالِهِمْ الظَّاهِرَةِ .","part":21,"page":81},{"id":10081,"text":"( 7552 ) فَصْلٌ : وَسُئِلَ أَحْمَدُ ، عَنْ الدَّابَّةِ تَخْرُجُ مِنْ بَلَدِ الرُّومِ ، أَوْ تَنْفَلِتُ ، فَتَدْخُلُ الْقَرْيَةَ ، وَعَنْ الْقَوْمِ يَضِلُّونَ عَنْ الطَّرِيقِ ، فَيَدْخُلُونَ الْقَرْيَةَ مِنْ قُرَى الْمُسْلِمِينَ ، فَيَأْخُذُونَهُمْ ؟ فَقَالَ يَكُونُونَ لِأَهْلِ الْقَرْيَةِ كُلِّهِمْ ، يَتَقَاسَمُونَهُمْ .\rوَسُئِلَ عَنْ قَوْمٍ يَكُونُونَ فِي حِصْنٍ أَوْ رِبَاطٍ ، فَيَخْرُجُ مِنْهُمْ قَوْمٌ إلَى قِتَالِهِمْ ، فَيُصِيبُونَ دَوَابَّ أَوْ سِلَاحًا ؟ فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ : تَكُونُ بَيْنَ أَهْلِ الرِّبَاطِ وَأَهْلِ الْحَضْرَةِ مِنْ الْقَرْيَةِ .\rوَسُئِلَ عَنْ مَرْكَبٍ بَعَثَ بِهِ مَلِكُ الرُّومِ ، فِيهِ رِجَالُهُ ، فَطَرَحَتْهُ الرِّيحُ إلَى طَرْطُوسَ ، فَخَرَجَ إلَيْهِ أَهْلُ طَرْطُوس ، فَقَتَلُوا الرِّجَالَ ، وَأَخَذُوا الْأَمْوَالَ ؟ فَقَالَ : هَذَا فَيْءٌ الْمُسْلِمِينَ ، مِمَّا أَفَاءُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ .\rوَقَالَ الزُّهْرِيُّ : هُوَ لِمَنْ غَنِمَهُ ، وَفِيهِ الْخُمْسُ .\rوَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : مَنْ ضَلَّ الطَّرِيقَ مِنْهُمْ ، أَوْ حَمَلَتْهُ الرِّيحُ إلَيْنَا ، فَهُوَ لِمَنْ أَخَذَهُ .\rفِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ مَتَاعٌ أَخَذَهُ أَحَدُ الْمُسْلِمِينَ بِغَيْرِ قُوَّةِ مُسْلِمٍ ، فَكَانَ لَهُ ، كَالْحَطَبِ ، وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ ، يَكُونُ فَيْئًا .\rفَصْلٌ : وَمَنْ وَجَدَ فِي دَارِهِمْ لُقَطَةً ، فَإِنْ كَانَتْ مِنْ مَتَاعِ الْمُسْلِمِينَ ، فَهِيَ لُقَطَةٌ يُعَرِّفُهَا سَنَةً ثُمَّ يَمْلِكُهَا ، وَإِنْ كَانَتْ مِنْ مَتَاعِ الْمُشْرِكِينَ ، فَهِيَ غَنِيمَةٌ ، وَإِنْ احْتَمَلَ الْأَمْرَيْنِ ، عَرَّفَهَا حَوْلًا ، ثُمَّ جَعَلَهَا فِي الْغَنِيمَةِ ، نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .\rوَيُعَرِّفُهَا فِي بَلَدِ الْمُسْلِمِينَ ، لِأَنَّهَا تَحْتَمِلُ الْأَمْرَيْنِ ، فَغُلِّبَ فِيهَا حُكْمُ مَالِ الْمُسْلِمِينَ فِي التَّعْرِيفِ ، وَحُكْمُ مَالِ أَهْلِ الْحَرْبِ فِي كَوْنِهَا غَنِيمَةً احْتِيَاطًا .","part":21,"page":82},{"id":10082,"text":"( 7554 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَمَنْ تَعَلَّفَ فَضْلًا عَمَّا يَحْتَاجُ إلَيْهِ ، رَدَّهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ ، فَإِنْ بَاعَهُ ، رَدَّ ثَمَنَهُ فِي الْمُقْسِم ) أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ ، إلَّا مَنْ شَذَّ مِنْهُمْ ، عَلَى أَنَّ لِلْغُزَاةِ إذَا دَخَلُوا أَرْضَ الْحَرْبِ ، أَنْ يَأْكُلُوا مِمَّا وَجَدُوا مِنْ الطَّعَامِ ، وَيَعْلِفُوا دَوَابَّهُمْ مِنْ أَعْلَافِهِمْ ؛ مِنْهُمْ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ، وَعَطَاءٌ ، وَالْحَسَنُ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَالْقَاسِمُ ، وَسَالِمٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَقَالَ الزُّهْرِيُّ : لَا يُؤْخَذُ إلَّا بِإِذْنِ الْإِمَامِ .\rوَقَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى : لَا يُتْرَكُ إلَّا أَنْ يَنْهَى عَنْهُ الْإِمَامُ ، فَيُتَّقَى نَهْيُهُ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أَوْفَى ، قَالَ : أَصَبْنَا طَعَامًا يَوْمَ خَيْبَرَ ، فَكَانَ الرَّجُلُ يَأْخُذُ مِنْهُ مِقْدَارَ مَا يَكْفِيه ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ .\rرَوَاهُ سَعِيدٌ ، وَأَبُو دَاوُد ، وَرُوِيَ أَنَّ صَاحِبَ جَيْشِ الشَّامِ ، كَتَبَ إلَى عُمَرَ : إنَّا أَصَبْنَا أَرْضًا كَثِيرَةَ الطَّعَامِ وَالْعَلَفِ ، وَكَرِهْت أَنْ أَتَقَدَّمَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ .\rفَكَتَبَ إلَيْهِ : دَعْ النَّاسَ يَعْلِفُونَ وَيَأْكُلُونَ ، فَمَنْ بَاعَ مِنْهُمْ شَيْئًا بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ ، فَفِيهِ خُمْسُ اللَّهِ وَسِهَامُ الْمُسْلِمِينَ .\rرَوَاهُ سَعِيدٌ .\rوَقَدْ رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُغَفَّلٍ ، قَالَ : { دُلِّيَ جِرَابٌ مِنْ شَحْمٍ يَوْمَ خَيْبَرَ ، فَالْتَزَمْته ، وَقُلْت : وَاَللَّهِ لَا أُعْطِي أَحَدًا مِنْهُ شَيْئًا .\rفَالْتَفَتُّ ، فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَضْحَكُ ، فَاسْتَحْيَيْت مِنْهُ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَلِأَنَّ الْحَاجَةَ تَدْعُو إلَى هَذَا ، وَفِي الْمَنْعِ مِنْهُ مَضَرَّةٌ بِالْجَيْشِ وَبِدَوَابِّهِمْ ، فَإِنَّهُ يَعْسُرُ عَلَيْهِمْ نَقْلُ الطَّعَامِ وَالْعَلَفِ مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ ، وَلَا يَجِدُونَ بِدَارِ الْحَرْبِ مَا يَشْتَرُونَهُ ، وَلَوْ وَجَدُوهُ لَمْ يَجِدُوا ثَمَنَهُ ، وَلَا يُمْكِنُ قِسْمَةُ مَا يَأْخُذُهُ الْوَاحِدُ مِنْهُمْ ، وَلَوْ قُسِمَ لَمْ يَحْصُلْ","part":21,"page":83},{"id":10083,"text":"لِلْوَاحِدِ مِنْهُمْ شَيْءٌ يَنْتَفِعُ بِهِ ، وَلَا يَدْفَعُ بِهِ حَاجَتَهُ ، فَأَبَاحَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُمْ ذَلِكَ ، فَمَنْ أَخَذَ مِنْ الطَّعَامِ شَيْئًا مِمَّا يَقْتَاتُ أَوْ يَصْلُحُ بِهِ الْقُوتُ ، مِنْ الْأُدْمِ وَغَيْرِهِ ، أَوْ الْعَلَفِ لِدَابَّتِهِ ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ ، سَوَاءٌ كَانَ لَهُ مَا يَسْتَغْنِي بِهِ عَنْهُ ، أَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ ، وَيَكُونُ أَحَقَّ بِمَا يَأْخُذُهُ مِنْ غَيْرِهِ ، فَإِنْ فَضَلَ مِنْهُ مَا لَا حَاجَةَ بِهِ إلَيْهِ ، رَدَّهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا أُبِيحَ لَهُ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ .\rوَإِنْ أَعْطَاهُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْجَيْشِ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ ، جَازَ لَهُ أَخْذُهُ ، وَصَارَ أَحَقَّ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ .\rوَإِنْ بَاعَ شَيْئًا مِنْ الطَّعَامِ أَوْ الْعَلَفِ ، رَدَّ ثَمَنَهُ فِي الْغَنِيمَةِ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ .\rوَرُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ فُضَالَةَ بْنَ عُبَيْدٍ .\rوَبِهِ قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ .\rوَكَرِهَ الْقَاسِمُ وَسَالِمٌ وَمَالِكٌ بَيْعَهُ .\rقَالَ الْقَاضِي : لَا يَخْلُو ؛ إمَّا أَنْ يَبِيعَهُ مِنْ غَازٍ أَوْ غَيْرِهِ ، فَإِنْ بَاعَهُ لِغَيْرِهِ ، فَالْبَيْعُ بَاطِلٌ ؛ لِأَنَّهُ بَيْعُ مَالِ الْغَنِيمَةِ بِغَيْرِ وِلَايَةٍ وَلَا نِيَابَةٍ ، فَيَجِبُ رَدُّ الْمَبِيعِ ، وَنَقْضُ الْبَيْعِ ، فَإِنْ تَعَذَّرَ رَدُّهُ ، رَدَّ قِيمَتَهُ ، أَوْ ثَمَنَهُ إنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ إلَى الْمَغْنَمِ .\rوَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ ، كَلَامُ الْخِرَقِيِّ .\rوَإِنْ بَاعَهُ لِغَازٍ ، لَمْ يَحِلَّ ، إلَّا أَنْ يُبْدِلَهُ بِطَعَامٍ أَوْ عَلَفٍ مِمَّا لَهُ الِانْتِفَاعُ بِهِ أَوْ بِغَيْرِهِ ، فَإِنْ بَاعَهُ بِمِثْلِهِ ، فَلَيْسَ هَذَا بَيْعًا فِي الْحَقِيقَةِ ، إنَّمَا سَلَّمَ إلَيْهِ مُبَاحًا ، وَأَخَذَ مِثْلَهُ مُبَاحًا ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الِانْتِفَاعُ بِمَا أَخَذَهُ ، وَصَارَ أَحَقَّ بِهِ ؛ لِثُبُوتِ يَدِهِ عَلَيْهِ .\rفَعَلَى هَذَا ، لَوْ بَاعَ صَاعًا بِصَاعَيْنِ ، وَافْتَرَقَا قَبْلَ الْقَبْضِ ، جَازَ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِبَيْعٍ .\rوَإِنْ بَاعَهُ بِهِ نَسِيئَةً ، أَوْ أَقْرَضَهُ إيَّاهُ ، فَأَخَذَهُ ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ ، وَلَا يَلْزَمُهُ","part":21,"page":84},{"id":10084,"text":"إيفَاؤُهُ ، فَإِنْ وَفَّاهُ ، أَوْ رَدَّهُ إلَيْهِ ، عَادَتْ الْيَدُ إلَيْهِ ، وَإِنْ بَاعَهُ بِغَيْرِ الطَّعَامِ وَالْعَلَفِ ، فَالْبَيْعُ أَيْضًا غَيْرُ صَحِيحٍ ، وَيَصِيرُ الْمُشْتَرِي أَحَقَّ بِهِ ؛ لِثُبُوتِ يَدِهِ عَلَيْهِ ، وَلَا ثَمَنَ عَلَيْهِ .\rوَإِنْ أَخَذَ مِنْهُ وَجَبَ رَدُّهُ إلَيْهِ .\r( 7555 ) فَصْلٌ : وَإِنْ وَجَدَ دُهْنًا ، فَهُوَ كَسَائِرِ الطَّعَامِ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مُغَفَّلٍ ، وَلِأَنَّهُ طَعَامٌ ، فَأَشْبَهَ الْبُرَّ وَالشَّعِيرَ .\rوَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَأْكُولٍ ، فَاحْتَاجَ أَنْ يَدْهُنَ بِهِ ، أَوْ يَدْهُنَ دَابَّتَهُ ، فَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ جَوَازُهُ ، إذَا كَانَ مِنْ حَاجَةٍ .\rقَالَ أَحْمَدُ ، فِي زَيْتِ الرُّومِ : إذَا كَانَ مِنْ ضَرُورَةٍ أَوْ صُدَاعٍ ، فَلَا بَأْسَ ، فَأَمَّا التَّزَيُّنُ ، فَلَا يُعْجِبُنِي ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَيْسَ لَهُ دَهْنُ دَابَّتِهِ مِنْ جَرَبٍ وَلَا يُوَقِّحُهَا إلَّا بِالْقِيمَةِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا تَعُمُّ الْحَاجَةُ إلَيْهِ .\rوَيَحْتَمِلُ كَلَامُ أَحْمَدَ مِثْلَ هَذَا ؛ لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ بِطَعَامٍ وَلَا عَلَفٍ .\rوَوَجْهُ الْأَوَّلِ ، أَنَّ هَذَا مِمَّا لَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ لِإِصْلَاحِ نَفْسِهِ وَدَابَّتِهِ ، أَشْبَهَ الطَّعَامَ وَالْعَلَفَ .\rوَلَهُ أَكْلُ مَا يَتَدَاوَى بِهِ ، وَشُرْبُ الشَّرَابِ مِنْ الْجَلَّابِ وَالسَّكَنْجَبِينِ وَغَيْرِهِمَا ، عِنْدَ الْحَاجَةِ إلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الطَّعَامِ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ : لَيْسَ لَهُ تَنَاوُلُهُ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْقُوتِ ، وَلَا يَصْلُحُ بِهِ الْقُوتُ ، وَلِأَنَّهُ لَا يُبَاحُ مَعَ عَدَمِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ ، فَلَا يُبَاحُ مَعَ وُجُودِهَا ، كَغَيْرِ الطَّعَامِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ طَعَامٌ اُحْتِيجَ إلَيْهِ ، أَشْبَهَ الْفَوَاكِهَ ، وَمَا ذَكَرُوهُ يَبْطُلُ بِالْفَاكِهَةِ ، وَإِنَّمَا اعْتَبَرْنَا الْحَاجَةَ هَاهُنَا ، لِأَنَّ هَذَا لَا يُتَنَاوَلُ فِي الْعَادَةِ إلَّا عِنْدَ الْحَاجَةِ إلَيْهِ .\r( 7556 ) فَصْلٌ : قَالَ أَحْمَدُ : وَلَا يَغْسِلُ ثَوْبَهُ بِالصَّابُونِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِطَعَامٍ وَلَا عَلَفٍ ، وَيُرَادُ لِلتَّحْسِينِ وَالزِّينَةِ ، فَلَا يَكُونُ فِي مَعْنَاهُمَا .\rوَلَوْ كَانَ مَعَ","part":21,"page":85},{"id":10085,"text":"الْغَازِي فَهْدٌ أَوْ كَلْبُ الصَّيْدِ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ إطْعَامُهُ مِنْ الْغَنِيمَةِ ، فَإِنْ أَطْعَمَهَا غَرِمَ قِيمَةَ مَا أَطْعَمَهَا ؛ لِأَنَّ هَذَا يُرَادُ لِلتَّفَرُّجِ وَالزِّينَةِ ، وَلَيْسَ مِمَّا يُحْتَاجُ إلَيْهِ فِي الْغَزْوِ ، بِخِلَافِ الدَّوَابِّ .","part":21,"page":86},{"id":10086,"text":"( 7557 ) فَصْلٌ : وَلَا يَجُوزُ لُبْسُ الثِّيَابِ ، وَلَا رُكُوبُ دَابَّةٍ مِنْ الْمَغْنَمِ ، لِمَا رَوَى رُوَيْفِعٌ بْنُ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيُّ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ، فَلَا يَرْكَبْ دَابَّةً مِنْ فَيْءِ الْمُسْلِمِينَ ، حَتَّى إذَا أَعْجَفَهَا رَدَّهَا فِيهِ ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ، فَلَا يَلْبَسْ ثَوْبًا مِنْ فَيْءِ الْمُسْلِمِينَ ، حَتَّى إذَا أَخْلَقَهُ رَدَّهُ فِيهِ } .\rرَوَاهُ سَعِيدٌ .\r( 7558 ) .\rفَصْلٌ : وَلَا يَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِجُلُودِهِمْ ، وَاِتِّخَاذُ النَّعْلِ وَالْجُرُبِ مِنْهَا ، وَلَا الْخُيُوطِ وَالْحِبَالِ ، وَبِهَذَا قَالَ ابْنُ مُحَيْرِيزٍ ، وَيَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ ، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ ، وَالشَّافِعِيُّ .\rوَرَخَّصَ فِي اتِّخَاذِ الْجُرُبِ مِنْ جُلُودِ الْغَنَمِ سُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى .\rوَرَخَّصَ مَالِكٌ فِي الْإِبْرَةِ ، وَالْحَبْلِ يُتَّخَذُ مِنْ الشَّعْرِ ، وَالنَّعْلِ وَالْخُفِّ يُتَّخَذُ مِنْ جُلُودِ الْبَقَرِ .\rوَلَنَا مَا رَوَى قَيْسُ بْنُ أَبِي حَازِمٍ ، أَنَّ رَجُلًا أَتَى رَسُولَ اللَّهِ بِكُبَّةٍ مِنْ شَعَرٍ مِنْ الْمَغْنَمِ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنَّا لَنَعْمَلُ الشَّعَرَ ، فَهَبْهَا لِي .\rقَالَ : { نَصِيبِي مِنْهَا لَك } .\rرَوَاهُ سَعِيدٌ .\rوَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { أَدُّوا الْخَيْطَ وَالْمَخِيطَ ؛ فَإِنَّ الْغُلُولَ نَارٌ وَشَنَارٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ } .\rوَلِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ الْغَنِيمَةِ ، لَا تَدْعُو إلَى أَخْذِهِ حَاجَةٌ عَامَّةٌ ، فَلَمْ يَجُزْ أَخْذُهُ ، كَالثِّيَابِ .\r( 7559 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا كُتُبُهُمْ ، فَإِنْ كَانَتْ مِمَّا يُنْتَفَعُ بِهِ ، كَكُتُبِ الطِّبِّ وَاللُّغَةِ وَالشِّعْرِ ، فَهِيَ غَنِيمَةٌ ، وَإِنْ كَانَتْ مِمَّا لَا يُنْتَفَعُ بِهِ ، كَكِتَابِ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ ، فَأَمْكَنَ الِانْتِفَاعُ بِجُلُودِهَا أَوْ وَرَقِهَا بَعْدَ غَسْلِهِ ، غُسِلَ ، وَهُوَ غَنِيمَةٌ ، وَإِلَّا فَلَا يَجُوزُ بَيْعُهَا .","part":21,"page":87},{"id":10087,"text":"( 7560 ) فَصْلٌ : وَإِنْ أَخَذُوا مِنْ الْكُفَّارِ جَوَارِحَ لِلصَّيْدِ ، كَالْفُهُودِ وَالْبُزَاةِ ، فَهِيَ غَنِيمَةٌ تُقْسَمُ .\rوَإِنْ كَانَتْ كِلَابًا ، لَمْ يَجُزْ بَيْعُهَا .\rوَإِنْ لَمْ يُرِدْهَا أَحَدٌ مِنْ الْغَانِمِينَ ، جَازَ إرْسَالُهَا ، أَوْ إعْطَاؤُهَا غَيْرَ الْغَانِمِينَ ، وَإِنْ رَغِبَ فِيهَا بَعْضُ الْغَانِمِينَ دُونَ بَعْضٍ ، دُفِعَتْ إلَيْهِ ، وَلَمْ تَحْسِبْ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهَا لَا قِيمَةَ لَهَا ، وَإِنْ رَغِبَ فِيهَا الْجَمِيعُ ، أَوْ جَمَاعَةٌ كَثِيرَةٌ ، فَأَمْكَنَ قَسْمُهَا يَكُونُ عَدَدًا مِنْ غَيْرِ تَقْوِيمٍ ، وَإِنْ تَعَذَّرَ ذَلِكَ ، أَوْ تَنَازَعُوا فِي الْجَيِّدِ مِنْهَا ، فَطَلَبَهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ، أُقْرِعَ بَيْنَهُمْ فِيهَا .\rوَإِنْ وَجَدُوا خَنَازِيرَ ، قَتَلُوهَا ؛ لِأَنَّهَا مُؤْذِيَةٌ ، وَلَا نَفْعَ فِيهَا .\rوَإِنْ وَجَدُوا خَمْرًا أَرَاقُوهُ ، وَإِنْ كَانَ فِي ظُرُوفِهِ نَفْعٌ لِلْمُسْلِمِينَ ، أَخَذُوهَا ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا نَفْعٌ ، كَسَرُوهَا ؛ لِئَلَّا يَعُودُوا إلَى اسْتِعْمَالِهَا .\r( 7561 ) فَصْلٌ : وَلِلْغَازِي أَنْ يَعْلِفَ دَوَابَّهُ ، وَيُطْعِمَ رَقِيقَهُ ، مِمَّا يَجُوزُ لَهُ الْأَكْلُ مِنْهُ ، سَوَاءٌ كَانُوا لِلْقُنْيَةِ أَوْ لِلتِّجَارَةِ .\rقَالَ أَبُو دَاوُد : قُلْت لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ : يَشْتَرِي الرَّجُلُ السَّبْيَ فِي بِلَادِ الرُّومِ ، يُطْعِمُهُمْ مِنْ طَعَامِ الرُّومِ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، يُطْعِمُهُمْ .\rوَرَوَى عَنْهُ ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ ، قَالَ : سَأَلْت أَبِي عَنْ الرَّجُلِ يَدْخُلُ بِلَادَ الرُّومِ ، وَمَعَهُ الْجَارِيَةُ وَالدَّابَّةُ لِلتِّجَارَةِ ، إنْ أَطْعَمَهُمَا يَعْنِي الْجَارِيَةَ وَعَلَفَ الدَّابَّةِ ؟ قَالَ : لَا يُعْجِبُنِي ذَلِكَ .\rفَإِنْ لَمْ تَكُنْ لِلتِّجَارَةِ ، فَلَمْ يَرَ بِهِ بَأْسًا .\rفَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إطْعَامُ مَا كَانَ لِلتِّجَارَةِ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِمَّا يَسْتَعِينُ بِهِ عَلَى الْغَزْوِ .\rوَقَالَ الْخَلَّالُ : رَجَعَ أَحْمَدُ عَنْ هَذِهِ الرِّوَايَةِ ، وَرَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ بَعْدَ هَذَا ، أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْحَاجَةَ دَاعِيَةٌ إلَيْهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَا يُرَادُ بِهِ التِّجَارَةُ .","part":21,"page":88},{"id":10088,"text":"( 7562 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَيُشَارِكُ الْجَيْشُ سَرَايَاهُ فِيمَا غَنِمَتْ ، وَيُشَارِكُونَهُ فِيمَا غَنِمَ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْجَيْشَ إذَا فَصَلَ غَازِيًا ، فَخَرَجَتْ مِنْهُ سَرِيَّةٌ أَوْ أَكْثَرُ ، فَأَيُّهُمَا غَنِمَ ، شَارَكَهُ الْآخَرُ .\rفِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ ؛ مِنْهُمْ مَالِكٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَاللَّيْثُ ، وَحَمَّادٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَقَالَ النَّخَعِيُّ : إنْ شَاءَ الْإِمَامُ خَمَسَ مَا تَأْتِي بِهِ السَّرِيَّةُ ، وَإِنْ شَاءَ نَفَلَهُمْ إيَّاهُ كُلَّهُمْ .\rوَقَدْ رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ لَمَّا غَزَا هَوَازِنَ ، بَعَثَ سَرِيَّةً مِنْ الْجَيْشِ قِبَلَ أَوْطَاسٍ ، فَغَنِمَتْ السَّرِيَّةُ ، فَأَشْرَكَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْجَيْشِ .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : وَرَوَيْنَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { وَيَرُدُّ سَرَايَاهُمْ عَلَى قَعَدِهِمْ } .\rوَفِي تَنْفِيلِ النَّبِيِّ فِي الْبَدَاءَةِ الرُّبْعَ ، وَفِي الرَّجْعَةِ الثُّلُثَ ، دَلِيلٌ عَلَى اشْتِرَاكِهِمْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُمْ لَوْ اخْتَصُّوا بِمَا غَنِمُوهُ ، لِمَا كَانَ ثُلُثُهُ نَفْلًا ، وَلِأَنَّهُمْ جَيْشٌ وَاحِدٌ ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ رِدْءٌ لِصَاحِبِهِ ، فَيَشْتَرِكُونَ ، كَمَا لَوْ غَنِمَ أَحَدُ جَانِبَيْ الْجَيْشِ .\rوَإِنْ أَقَامَ الْأَمِيرُ بِبَلَدِ الْإِسْلَامِ ، وَبَعَثَ سَرِيَّةً أَوْ جَيْشًا ، فَمَا غَنِمَتْ السَّرِيَّةُ فَهُوَ لَهَا وَحْدَهَا ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَشْتَرِكُ الْمُجَاهِدُونَ ، وَالْمُقِيمُ فِي بَلَدِ الْإِسْلَامِ لَيْسَ بِمُجَاهِدٍ .\rوَإِنْ نَفَّذَ مِنْ بَلَدِ الْإِسْلَامِ جَيْشَيْنِ أَوْ سَرِيَّتَيْنِ ، فَكُلُّ وَاحِدَةٍ تَنْفَرِدُ بِمَا غَنِمَتْهُ ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا انْفَرَدَتْ بِالْغَزْوِ ، فَانْفَرَدَتْ بِالْغَنِيمَةِ ، بِخِلَافِ مَا إذَا فَصَلَ الْجَيْشُ ، فَدَخَلَ بِجُمْلَتِهِ بِلَادَ الْكُفَّارِ ، فَإِنَّ جَمِيعَهُمْ اشْتَرَكُوا فِي الْجِهَادِ ، فَاشْتَرَكُوا فِي الْغَنِيمَةِ .","part":21,"page":89},{"id":10089,"text":"( 7563 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَمَنْ فَضَلَ مَعَهُ مِنْ الطَّعَامِ ، فَأَدْخَلَهُ الْبَلَدَ ، طَرَحَهُ فِي مَقْسَم تِلْكَ الْغَزَاةِ ، فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ ) وَالْأُخْرَى ، يُبَاحُ لَهُ أَكْلُهُ إذَا كَانَ يَسِيرًا .\rأَمَّا الْكَثِيرُ ، فَيَجِبُ رَدُّهُ ، بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ ؛ لِأَنَّ مَا كَانَ مُبَاحًا لَهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ ، فَإِذَا أَخَذَهُ عَلَى وَجْهٍ يَفْضُلُ مِنْهُ كَثِيرٌ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ ، فَقَدْ أَخَذَ مَا لَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ ، فَيَلْزَمُهُ رَدُّهُ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ تَحْرِيمُهُ ، لِكَوْنِهِ مُشْتَرَكًا بَيْنَ الْغَانِمِينَ ، كَسَائِرِ الْمَالِ .\rوَإِنَّمَا أُبِيحَ مِنْهُ مَا دَعَتْ الْحَاجَةُ إلَيْهِ ، فَمَا زَادَ يَبْقَى عَلَى أَصْلِ التَّحْرِيمِ ، وَلِهَذَا لَمْ يُبَحْ لَهُ بَيْعُهُ .\rوَأَمَّا الْيَسِيرُ ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، يَجِبُ رَدُّهُ أَيْضًا ، وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ ، وَقَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ ، وَأَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا فِي الْكَثِيرِ ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { أَدُّوا الْخَيْطَ وَالْمَخِيطَ } .\rوَلِأَنَّهُ مِنْ الْغَنِيمَةِ ، وَلَمْ يُقْسَمْ ، فَلَمْ يُبَحْ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ كَالْكَبِيرِ ، أَوْ كَمَا لَوْ أَخَذَهُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ .\rوَالثَّانِيَةُ ، يُبَاحُ .\rوَهُوَ قَوْلُ مَكْحُولٍ ، وَخَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ ، وَعَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ ، وَمَالِكٍ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ .\rقَالَ أَحْمَدُ : أَهْلُ الشَّامِ يَتَسَاهَلُونَ فِي هَذَا .\rوَقَدْ رَوَى الْقَاسِمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : كُنَّا نَأْكُلُ الْجَزُورِ فِي الْغَزْوِ ، وَلَا نَقْسِمُهُ ، حَتَّى أَنْ كُنَّا لِنَرْجِعَ إلَى رِحَالِنَا وَأَخْرِجَتُنَا مُمْلَأَةٌ .\rرَوَاهُ سَعِيدٌ ، وَأَبُو دَاوُد .\rوَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَسَارٍ السُّلَمِيِّ ، قَالَ : دَخَلْت عَلَى رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَدَّمَ إلَيَّ تُمَيْرًا مِنْ تُمَيْرِ الرُّومِ ، فَقُلْت : لَقَدْ سَبَقْت النَّاسَ بِهَذَا .\rقَالَ : لَيْسَ هَذَا مِنْ","part":21,"page":90},{"id":10090,"text":"الْعَامِ ، هَذَا مِنْ الْعَامِ الْأَوَّلِ .\rرَوَاهُ الْأَثْرَمُ ، فِي \" سُنَنِهِ \" .\rوَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : أَدْرَكْت النَّاسَ يَقْدَمُونَ بِالْقَدِيدِ ، فَيُهْدِيه بَعْضُهُمْ إلَى بَعْضٍ ، لَا يُنْكِرُهُ إمَامٌ وَلَا عَامِلٌ وَلَا جَمَاعَةٌ .\rوَهَذَا نَقْلٌ لِلْإِجْمَاعِ .\rوَلِأَنَّهُ أُبِيحَ إمْسَاكُهُ عَنْ الْقِسْمَةِ ، فَأُبِيحَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ ، كَمُبَاحَاتِ دَارِ الْحَرْبِ الَّتِي لَا قِيمَةَ لَهَا فِيهَا .\rوَيُفَارِقُهُ الْكَبِيرَ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ إمْسَاكُهُ عَنْ الْقِسْمَةِ ، وَلِأَنَّ الْيَسِيرَ تَجْرِي الْمُسَامَحَةُ فِيهِ ، وَنَفْعُهُ قَلِيلٌ ، بِخِلَافِ الْكَثِيرِ .","part":21,"page":91},{"id":10091,"text":"( 7564 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِذَا اشْتَرَى الْمُسْلِمُ أَسِيرًا مِنْ أَيْدِي الْعَدُوِّ ، لَزِمَ الْأَسِيرَ أَنْ يُؤَدِّيَ إلَى الْمُشْتَرِي مَا اشْتَرَاهُ ) لَا يَخْلُو هَذَا مِنْ حَالَيْنِ ؛ أَحَدِهِمَا ، أَنْ يَشْتَرِيَهُ بِإِذْنِهِ ، فَهَذَا يَلْزَمُهُ أَنْ يُؤَدِّيَ إلَى الْمُشْتَرِي مَا أَدَّاهُ فِيهِ ، بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ ، إذَا وَزَنَ بِإِذْنِهِ ؛ لِأَنَّهُ إذَا أَذِنَ فِيهِ ، كَانَ نَائِبَهُ فِي شِرَاءِ نَفْسِهِ ، فَكَانَ الثَّمَنُ عَلَى الْآمِرِ ، كَالْوَكِيلِ .\rوَالثَّانِي ، أَنْ يَشْتَرِيَهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ ، فَيَلْزَمُ الْأَسِيرَ الثَّمَنُ أَيْضًا عِنْدَ أَحْمَدَ .\rوَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ .\rوَقَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ : لَا يَلْزَمُهُ ؛ لِأَنَّهُ تَبَرَّعَ بِمَا لَا يَلْزَمُهُ ، وَلَمْ يَأْذَنْ لَهُ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ عَمَّرَ دَارِهِ .\rوَقَالَ اللَّيْثُ إنْ كَانَ الْأَسِيرُ مُوسِرًا كَقَوْلِنَا ، وَإِنْ كَانَ مُعَسِّرًا ، أَدَّى ذَلِكَ مِنْ بَيْتِ الْمَالُ .\rوَلَنَا .\rمَا رَوَى سَعِيدٌ حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ مَطَرٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو حَرِيزٍ ، عَنْ الشَّعْبِيِّ ، قَالَ : أَغَارَ أَهْلُ مَاهَ وَأَهْلُ جَلُولَاءَ عَلَى الْعَرَبِ ، فَأَصَابُوا سَبَايَا مِنْ سَبَايَا الْعَرَبِ ، فَكَتَبَ السَّائِبُ بْنُ الْأَقْرَعِ إلَى عُمَرَ فِي سَبَايَا الْمُسْلِمِينَ وَرَقِيقِهِمْ وَمَتَاعِهِمْ ، قَدْ اشْتَرَاهُ التُّجَّارُ مِنْ أَهْلِ مَاهَ ، فَكَتَبَ عُمَرَ : أَيُّمَا رَجُلٍ أَصَابَ رَقِيقَهُ وَمَتَاعَهُ بِعَيْنِهِ ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ ، وَإِنْ أَصَابَهُ فِي أَيْدِي التُّجَّارِ بَعْدَمَا اُقْتُسِمَ ، فَلَا سَبِيلَ إلَيْهِ ، وَأَيُّمَا حُرٍّ اشْتَرَاهُ التُّجَّارُ ، فَإِنَّهُ يُرَدُّ إلَيْهِمْ رُءُوسُ أَمْوَالِهِمْ ؛ فَإِنَّ الْحُرَّ لَا يُبَاعُ وَلَا يُشْتَرَى .\rفَحَكَمَ لِلتُّجَّارِ بِرُءُوسِ أَمْوَالِهِمْ .\rوَلِأَنَّ الْأَسِيرَ يَجِبُ عَلَيْهِ فِدَاءُ نَفْسِهِ ، لِيَتَخَلَّصَ مِنْ حُكْمِ الْكُفَّارِ ، وَيَخْرُجَ مِنْ تَحْتِ أَيْدِيهِمْ ، فَإِذَا نَابَ عَنْهُ غَيْرُهُ فِي ذَلِكَ ، وَجَبَ عَلَيْهِ قَضَاؤُهُ ، كَمَا لَوْ قَضَى","part":21,"page":92},{"id":10092,"text":"الْحَاكِمُ عَنْهُ حَقًّا امْتَنَعَ مِنْ أَدَائِهِ .\r( 7565 ) فَصْلٌ : فَإِنْ اخْتَلَفَا فِي قَدْرِ مَا اشْتَرَاهُ بِهِ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْأَسِيرِ .\rوَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ إذَا أَذِنَ لَهُ .\rوَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي ؛ لِأَنَّهُمَا اخْتَلَفَا فِي فِعْلِهِ ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِفِعْلِهِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الْأَسِيرَ مُنْكِرٌ لِلزِّيَادَةِ ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ ، وَلِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ مِنْ هَذِهِ الزِّيَادَةِ ، فَيَتَرَجَّحُ قَوْلُهُ بِالْأَصْلِ .","part":21,"page":93},{"id":10093,"text":"( 7566 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِذَا سَبَى الْمُشْرِكُونَ مَنْ يُؤَدِّي إلَيْنَا الْجِزْيَةَ ، ثُمَّ قُدِرَ عَلَيْهِمْ ، رُدُّوا إلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ ، وَلَمْ يُسْتَرَقُّوا ، وَمَا أَخَذَهُ الْعَدُوُّ مِنْهُمْ مِنْ مَالٍ أَوْ رَقِيقٍ ، رُدَّ إلَيْهِمْ ، إذَا عُلِمَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يُقْسَمَ ، وَيُفَادَى بِهِمْ بَعْدَ أَنْ يُفَادَى بِالْمُسْلِمِينَ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ أَهْلَ الْحَرْبِ إذَا اسْتَوْلَوْا عَلَى أَهْلِ ذِمَّتِنَا ، فَسَبَوْهُمْ ، وَأَخَذُوا أَمْوَالَهُمْ ، ثُمَّ قُدِرَ عَلَيْهِمْ وَجَبَ رَدُّهُمْ إلَى ذِمَّتِهِمْ ، وَلَمْ يَجُزْ اسْتِرْقَاقُهُمْ .\rفِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ ؛ مِنْهُمْ الشَّعْبِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَاللَّيْثُ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَلَا نَعْلَمُ لَهُمْ مُخَالِفًا ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ ذِمَّتَهُمْ بَاقِيَةٌ ، وَلَمْ يُوجَدْ مِنْهُمْ مَا يُوجِبُ نَقْضَهَا .\rوَحُكْمُ أَمْوَالِهِمْ ، حُكْمُ أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ فِي حُرْمَتِهَا .\rقَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : إنَّمَا بَذَلُوا الْجِزْيَةَ لِتَكُونَ دِمَاؤُهُمْ كَدِمَائِنَا ، وَأَمْوَالُهُمْ كَأَمْوَالِنَا .\rفَمَتَى عُلِمَ صَاحِبُهَا قَبْلَ قَسَمَهَا وَجَبَ رَدُّهَا إلَيْهِ ، وَإِنْ عُلِمَ بَعْدَ الْقِسْمَةِ ، فَعَلَى الرِّوَايَتَيْنِ ؛ إحْدَاهُمَا ، لَا حَقَّ لَهُ فِيهِ .\rوَالثَّانِيَةُ ، هُوَ لَهُ بِثَمَنِهِ ؛ لِأَنَّ أَمْوَالَهُمْ مَعْصُومَةٌ كَأَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ .\rوَأَمَّا فِدَاؤُهُمْ ، فَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ ، أَنَّهُ يَجِبُ فِدَاؤُهُمْ ، سَوَاءٌ كَانُوا فِي مَعُونَتِنَا أَوْ لَمْ يَكُونُوا .\rوَهَذَا قَوْلُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَاللَّيْثِ ؛ لِأَنَّنَا الْتَزَمْنَا حِفْظَهُمْ ، بِمُعَاهَدَتِهِمْ ، وَأَخْذِ جِزْيَتِهِمْ ، فَلَزِمَنَا الْقِتَالُ مِنْ وَرَائِهِمْ ، وَالْقِيَامُ دُونَهُمْ ، فَإِذَا عَجَزْنَا عَنْ ذَلِكَ ، وَأَمْكَنَنَا تَخْلِيصُهُمْ ، لَزِمَنَا ذَلِكَ ، كَمَنْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ إتْلَافُ شَيْءٍ ، فَإِذَا أَتْلَفَهُ غَرِمَهُ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : إنَّمَا يَجِبُ فِدَاؤُهُمْ إذَا اسْتَعَانَ بِهِمْ الْإِمَامُ فِي قِتَالِهِ فَسُبُوا وَجَبَ عَلَيْهِ فِدَاؤُهُمْ ؛ لِأَنَّ أَسْرَهُمْ كَانَ لِمَعْنًى","part":21,"page":94},{"id":10094,"text":"مِنْ جِهَتِهِ .\rوَهُوَ الْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ .\rوَمَتَى وَجَبَ فِدَاؤُهُمْ ، فَإِنَّهُ يُبْدَأُ بِفِدَاءِ الْمُسْلِمِينَ قَبْلَهُمْ ؛ لِأَنَّ حُرْمَةَ الْمُسْلِمِ أَعْظَمُ ، وَالْخَوْفَ عَلَيْهِ أَشَدُّ ، وَهُوَ مُعَرَّضٌ لِفِتْنَتِهِ عَنْ دِينِ الْحَقِّ ، بِخِلَافِ أَهْلِ الذِّمَّةِ .\r( 7567 ) فَصْلٌ : وَيَجِبُ فِدَاءُ أَسْرَى الْمُسْلِمِينَ إذَا أَمْكَنَ .\rوَبِهَذَا قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَمَالِكٌ ، وَإِسْحَاقُ .\rوَيَرْوِي عَنْ ابْنِ الزُّبَيْرِ ، أَنَّهُ سَأَلَ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ : عَلَى مَنْ فِكَاكُ الْأَسِيرِ ؟ قَالَ : عَلَى الْأَرْضِ الَّتِي يُقَاتِلُ عَلَيْهَا .\rوَثَبَتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { أَطْعِمُوا الْجَائِعَ ، وَعُودُوا الْمَرِيضَ ، وَفُكُّوا الْعَانِيَ } .\rوَرَوَى سَعِيدٌ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ حِبَّانَ بْنِ أَبِي جَبَلَةَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { إنَّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي فَيْئِهِمْ أَنْ يُفَادُوا أَسِيرَهُمْ ، وَيُؤَدُّوا عَنْ غَارِمِهِمْ } .\rوَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَتَبَ كِتَابًا بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ \" أَنْ يَعْقِلُوا مَعَاقِلَهُمْ ، وَأَنْ يَفُكُّوا عَانِيَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ \" .\rوَفَادَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلَيْنِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ بِالرَّجُلِ الَّذِي أَخَذَهُ مِنْ بَنِي عَقِيلٍ ، وَفَادَى بِالْمَرْأَةِ الَّتِي اسْتَوْهَبَهَا مِنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ رَجُلَيْنِ .","part":21,"page":95},{"id":10095,"text":"( 7568 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِذَا حَازَ الْأَمِيرُ الْمَغَانِمَ ، وَوَكَّلَ مَنْ يَحْفَظُهَا ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يُؤْكَلَ مِنْهَا ، إلَّا أَنْ تَدْعُوَ الضَّرُورَةُ ، بِأَنْ لَا يَجِدُوا مَا يَأْكُلُونَ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْمَغَانِمَ إذَا جُمِعَتْ ، وَفِيهَا طَعَامٌ أَوْ عَلَفٌ ، لَمْ يَجُزْ لَأَحَدٍ أَخْذُهُ إلَّا لِضَرُورَةٍ ؛ لِأَنَّنَا إنَّمَا أَبَحْنَا أَخْذَهُ قَبْلَ جَمْعِهِ ، لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ فِيهِ مِلْكُ الْمُسْلِمِينَ بَعْدُ ، فَأَشْبَهَ الْمُبَاحَات مِنْ الْحَطَبِ وَالْحَشِيشِ ، فَإِذَا حِيزَتْ الْمَغَانِمُ ، ثَبَتَ مِلْكُ الْمُسْلِمِينَ فِيهَا ، فَخَرَجَتْ عَنْ حَيِّزِ الْمُبَاحَاتِ ، وَصَارَتْ كَسَائِرِ أَمْلَاكِهِمْ ، فَلَمْ يَجُزْ الْأَكْلُ مِنْهَا إلَّا لِضَرُورَةٍ ، وَهُوَ أَنْ لَا يَجِدُوا مَا يَأْكُلُونَهُ ، فَحِينَئِذٍ يَجُوزُ ؛ لِأَنَّ حِفْظَ نُفُوسِهِمْ وَدَوَابِّهِمْ أَهَمُّ ، وَسَوَاءٌ حِيزَتْ فِي دَارِ الْحَرْبِ أَوْ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : مَا كَانَتْ فِي دَارِ الْحَرْبِ ، جَازَ الْأَكْلُ مِنْهَا وَإِنْ حِيزَتْ ؛ لِأَنَّ دَارَ الْحَرْبِ مَظِنَّةُ الْحَاجَةِ ، لِعُسْرِ نَقْلِ الْمِيرَةِ إلَيْهَا ، بِخِلَافِ دَارِ الْإِسْلَامِ .\rوَكَلَامُ الْخِرَقِيِّ عَامٌّ فِي الْمَوْضِعَيْنِ ، وَالْمَعْنَى يَقْتَضِيه ؛ فَإِنَّ مَا ثَبَتَتْ عَلَيْهِ أَيْدِي الْمُسْلِمِينَ ، وَتَحَقَّقَ مِلْكُهُمْ لَهُ ، لَا يَنْبَغِي أَنْ يُؤْخَذَ إلَّا بِرِضَاهُمْ ، كَسَائِرِ أَمْلَاكِهِمْ ، وَلِأَنَّ حِيَازَتَهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ تُثْبِتُ الْمِلْكَ فِيهِ ، بِدَلِيلِ جَوَازِ قِسْمَتِهِ ، وَثُبُوتِ أَحْكَامِ الْمِلْكِ فِيهِ ، بِخِلَافِ مَا قَبْلَ الْحِيَازَةِ ، فَإِنَّ الْمِلْكَ لَمْ يَثْبُتْ فِيهِ بَعْدُ .","part":21,"page":96},{"id":10096,"text":"( 7569 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَمَنْ اشْتَرَى مِنْ الْمَغْنَمِ فِي بِلَادِ الرُّومِ ، فَغَلَبَ عَلَيْهِ الْعَدُوُّ ، لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ الثَّمَنِ ، وَإِنْ كَانَ قَدْ أُخِذَ مِنْهُ الثَّمَنُ ، رُدَّ إلَيْهِ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْأَمِيرَ إذَا بَاعَ مِنْ الْمَغْنَمِ شَيْئًا قَبْلَ قَسَمَهُ لِمَصْلَحَةٍ ، صَحَّ بَيْعُهُ ، فَإِنْ عَادَ الْكُفَّارُ ، فَغَلَبُوا عَلَى الْمَبِيعِ ، فَأَخَذُوهُ مِنْ الْمُشْتَرِي فِي دَارِ الْحَرْبِ ، نَظَرْنَا ؛ فَإِنْ كَانَ لِتَفْرِيطٍ مِنْ الْمُشْتَرِي ، مِثْلُ أَنْ خَرَجَ بِهِ مِنْ الْمُعَسْكَرِ ، وَنَحْو ذَلِكَ ، فَضَمَانُهُ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ ذَهَابَهُ حَصَلَ بِتَفْرِيطِهِ ، فَكَانَ مِنْ ضَمَانِهِ ، كَمَا لَوْ أَتْلَفَهُ ، وَإِنْ حَصَلَ بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، يَنْفَسِخُ الْبَيْعُ ، وَيَكُونُ مِنْ ضَمَانِ أَهْلِ الْغَنِيمَةِ ، فَإِنْ كَانَ الثَّمَنُ لَمْ يُؤْخَذْ مِنْ الْمُشْتَرِي ، سَقَطَ عَنْهُ ، وَإِنْ كَانَ أُخِذَ مِنْهُ ، رُدَّ إلَيْهِ ؛ لِأَنَّ الْقَبْضَ لَمْ يَكْمُلْ ، لِكَوْنِ الْمَالِ فِي دَارِ الْحَرْبِ غَيْرَ مُحْرِزٍ ، وَكَوْنِهِ عَلَى خَطَرٍ مِنْ الْعَدُوِّ ، فَأَشْبَهَ التَّمْرَ الْمَبِيعَ عَلَى رُءُوسِ الشَّجَرِ إذَا تَلِفَ قَبْلَ الْجُذَاذِ .\rوَالثَّانِيَةُ ، هُوَ مِنْ ضَمَانِ الْمُشْتَرِي ، وَعَلَيْهِ ثَمَنُهُ .\rوَهَذَا أَكْثَرُ الرِّوَايَاتِ عَنْ أَحْمَدَ .\rوَاخْتَارَهُ الْخَلَّالُ ، وَأَبُو بَكْرٍ صَاحِبُهُ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ مَالٌ مَقْبُوضٌ ، أُبِيحَ لِمُشْتَرِيهِ ، فَكَانَ ضَمَانُهُ عَلَيْهِ ، كَمَا لَوْ أُحْرِزَ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ ، وَلِأَنَّ أَخْذَ الْعَدُوِّ لَهُ تَلَفٌ ، فَلَمْ يَضْمَنْهُ الْبَائِعُ ، كَسَائِرِ أَنْوَاعِ التَّلَفِ ، وَلِأَنَّ نَمَاءَهُ لِلْمُشْتَرِي ، فَكَانَ ضَمَانُهُ عَلَيْهِ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ } .\r( 7570 ) فَصْلٌ : وَإِذَا قُسِمَتْ الْغَنَائِمُ فِي دَارِ الْحَرْبِ ، جَازَ لِمَنْ أَخَذَ سَهْمَهُ التَّصَرُّفُ فِيهِ ، بِالْبَيْعِ وَغَيْرِهِ .\rفَإِنْ بَاعَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا شَيْئًا مِنْهَا ، فَغَلَبَ عَلَيْهِ الْعَدُوُّ ، فَفِي ضَمَانِ الْبَائِعِ","part":21,"page":97},{"id":10097,"text":"لَهُ وَجْهَانِ ؛ بِنَاءً عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي الَّتِي قَبْلَهَا .\rوَإِنْ اشْتَرَاهُ مُشْتَرٍ مِنْ الْمُشْتَرِي ، فَكَذَلِكَ ، فَإِذَا قُلْنَا : هُوَ مِنْ ضَمَانِ الْبَائِعِ .\rرَجَعَ الثَّانِي عَلَى الْبَائِعِ الْأَوَّلِ ، بِمَا رَجَعَ بِهِ عَلَيْهِ .\r( 7571 ) فَصْلٌ : قَالَ أَحْمَدُ ، فِي الرَّجُلِ يَشْتَرِي الْجَارِيَةَ مِنْ الْمَغْنَمِ ، مَعَهَا الْحُلِيُّ فِي عُنُقِهَا وَالثِّيَابُ : يَرُدُّ ذَلِكَ فِي الْمَغْنَمِ ، إلَّا شَيْئًا تَلْبَسُهُ ، مِنْ قَمِيصٍ وَمِقْنَعَةٍ وَإِزَارٍ .\rوَهَذَا قَوْلُ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ ، وَمَكْحُولٍ ، وَيَزِيدَ بْنِ أَبِي مَالِكٍ ، وَالْمُتَوَكِّلِ ، وَإِسْحَاقَ ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ .\rوَيُشْبِهُ قَوْلَ الشَّافِعِيِّ .\rوَاحْتَجَّ إِسْحَاقُ بِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ بَاعَ عَبْدًا ، وَلَهُ مَالٌ ، فَمَالُهُ لِلْبَائِعِ } .\rوَقَالَ الشَّعْبِيُّ : يَجْعَلُهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ .\rوَكَانَ مَالِكٌ يُرَخِّصُ فِي الْيَسِيرِ ، كَالْقُرْطَيْنِ وَأَشْبَاهِهِمَا ، وَلَا يَرَى ذَلِكَ فِي الْكَثِيرِ .\rوَيُمْكِنُ أَنْ يُفَصَّلَ الْقَوْلُ فِي هَذَا ، فَيُقَالُ : مَا كَانَ عَلَيْهَا ظَاهِرًا مَرْئِيًّا ، يُشَاهِدُهُ الْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِي ، كَالْقُرْطِ وَالْخَاتَمِ وَالْقِلَادَةِ ، فَهُوَ لِلْمُشْتَرِي ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْبَائِعَ إنَّمَا بَاعَهَا بِمَا عَلَيْهَا ، وَالْمُشْتَرِيَ اشْتَرَاهَا بِذَلِكَ ، فَيَدْخُلُ فِي الْبَيْعِ ، كَثِيَابِ الْبِذْلَةِ وَحِلْيَةِ السَّيْفِ ، وَمَا خَفِيَ فَلَمْ يَعْلَمْ بِهِ الْبَائِعُ ، رَدَّهُ ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ وَقَعَ عَلَيْهَا بِدُونِهِ ، فَلَمْ يَدْخُلْ فِي الْبَيْعِ ، كَجَارِيَةٍ أُخْرَى .\r( 7572 ) .\rفَصْلٌ : قَالَ أَحْمَدُ : لَا يَجُوزُ لِأَمِيرِ الْجَيْشِ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْ مَغْنَمِ الْمُسْلِمِينَ شَيْئًا ؛ لِأَنَّهُ يُحَابَى ، وَلِأَنَّ عُمَرَ رَدَّ مَا اشْتَرَاهُ ابْنُهُ فِي غَزْوَةِ جَلُولَاءَ ، وَقَالَ : إنَّهُ يُحَابَى .\rاحْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ .\rوَلِأَنَّهُ هُوَ الْبَائِعُ أَوْ وَكِيلُهُ ، فَكَأَنَّهُ يَشْتَرِي مِنْ نَفْسِهِ أَوْ وَكِيلِ نَفْسِهِ .\rقَالَ أَبُو دَاوُد : قِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ : إذَا قَوَّمَ أَصْحَابُ الْمَغَانِمِ شَيْئًا","part":21,"page":98},{"id":10098,"text":"مَعْرُوفًا ، فَقَالُوا فِي جُلُودِ الْمَاعِزِ بِكَذَا .\rوَالْخِرْفَانِ بِكَذَا .\rيَحْتَاجُ إلَيْهِ ، يَأْخُذُهُ بِتِلْكَ الْقِيمَةِ ، وَلَا يَأْتِي الْمَغَانِمَ ؟ فَرَخَّصَ فِيهِ .\rوَذَلِكَ لِأَنَّهُ يَشُقُّ الِاسْتِئْذَانُ فِيهِ ، فَسُومِحَ فِيهِ ، كَمَا سُومِحَ فِي دُخُولِ الْحَمَّامِ ، وَرُكُوبِ سَفِينَةِ الْمَلَّاحِ ، مِنْ غَيْرِ تَقْدِيرِ أُجْرَةٍ .","part":21,"page":99},{"id":10099,"text":"مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِذَا حُورِبَ الْعَدُوُّ ، لَمْ يُحَرَّقُوا بِالنَّارِ ) أَمَّا الْعَدُوُّ إذَا قُدِرَ عَلَيْهِ ، فَلَا يَجُوزُ تَحْرِيقُهُ بِالنَّارِ ، بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ .\rوَقَدْ كَانَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَأْمُرُ بِتَحْرِيقِ أَهْلِ الرِّدَّةِ بِالنَّارِ .\rوَفَعَلَ ذَلِكَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ بِأَمْرِهِ ، فَأَمَّا الْيَوْمَ فَلَا أَعْلَمُ فِيهِ بَيْنَ النَّاسِ خِلَافًا .\rوَقَدْ رَوَى حَمْزَةُ الْأَسْلَمِيُّ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَّرَهُ عَلَى سَرِيَّةٍ ، قَالَ : فَخَرَجْت فِيهَا ، فَقَالَ : { إنْ أَخَذْتُمْ فُلَانًا ، فَأَحْرِقُوهُ بِالنَّارِ } .\rفَوَلَّيْت ، فَنَادَانِي ، فَرَجَعْت ، فَقَالَ : { إنْ أَخَذْتُمْ فُلَانًا ، فَاقْتُلُوهُ ، وَلَا تَحْرِقُوهُ ؛ فَإِنَّهُ لَا يُعَذِّبُ بِالنَّارِ إلَّا رَبُّ النَّارِ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَسَعِيدٌ .\rوَرَوَى أَحَادِيثَ سِوَاهُ فِي هَذَا الْمَعْنَى .\rوَرَوَى الْبُخَارِيُّ ، وَغَيْرُهُ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحْوَ حَدِيثِ حَمْزَةَ .\rفَأَمَّا رَمْيُهُمْ قَبْلَ أَخْذِهِمْ بِالنَّارِ ، فَإِنْ أَمْكَنَ أَخْذُهُمْ بِدُونِهَا ، لَمْ يَجُزْ رَمْيُهُمْ بِهَا ؛ لِأَنَّهُمْ فِي مَعْنَى الْمَقْدُورِ عَلَيْهِ ، وَأَمَّا عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْهُمْ بِغَيْرِهَا ، فَجَائِزٌ ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rوَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ .\rوَرَوَى سَعِيدٌ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ صَفْوَانِ بْنِ عَمْرٍو ، وَحَرِيزِ بْنِ عُثْمَانَ أَنَّ جُنَادَةَ بْنَ أُمَيَّةَ الْأَزْدِيَّ ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ قَيْسٍ الْفَزَارِيَّ ، وَغَيْرَهُمَا مِنْ وُلَاةِ الْبَحْرَيْنِ ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ ، كَانُوا يَرْمُونَ الْعَدُوَّ مِنْ الرُّومِ وَغَيْرِهِمْ بِالنَّارِ ، وَيُحَرِّقُونَهُمْ ، هَؤُلَاءِ لِهَؤُلَاءِ ، وَهَؤُلَاءِ لِهَؤُلَاءِ .\rقَالَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ قَيْسٍ : لَمْ يَزُلْ أَمْرُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى ذَلِكَ .\r( 7574 ) فَصْلٌ : وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي فَتْحِ الْبُثُوقِ عَلَيْهِمْ ، لِيُغْرِقَهُمْ ، إنْ قُدِرَ عَلَيْهِمْ بِغَيْرِهِ ، لَمْ يَجُزْ ،","part":21,"page":100},{"id":10100,"text":"إذَا تَضَمَّنَ ذَلِكَ إتْلَافَ النِّسَاءِ وَالذُّرِّيَّةِ ، الَّذِينَ يَحْرُمُ إتْلَافُهُمْ قَصْدًا ، وَإِنْ لَمْ يُقْدَرْ عَلَيْهِمْ إلَّا بِهِ ، جَازَ ، كَمَا يَجُوزُ الْبَيَاتُ الْمُتَضَمِّنُ لِذَلِكَ .\rوَيَجُوزُ نَصْبُ الْمَنْجَنِيقِ عَلَيْهِمْ .\rوَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ جَوَازُهُ مَعَ الْحَاجَةِ وَعَدَمِهَا ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَصَبَ الْمَنْجَنِيقَ عَلَى أَهْلِ الطَّائِفِ .\rوَمِمَّنْ رَأَى ذَلِكَ الثَّوْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : جَاءَ الْحَدِيثُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ نَصَبَ الْمَنْجَنِيقَ عَلَى أَهْلِ الطَّائِفِ .\rوَعَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ، أَنَّهُ نَصَبَ الْمَنْجَنِيقَ عَلَى أَهْلِ الْإِسْكَنْدَرِيَّة .\rوَلِأَنَّ الْقِتَالَ بِهِ مُعْتَادٌ ، فَأَشْبَهَ الرَّمْيَ بِالسِّهَامِ .\r( 7575 ) .\rفَصْلٌ : وَيَجُوزُ تَبْيِيتُ الْكُفَّارِ ، وَهُوَ كَسْبُهُمْ لَيْلًا ، وَقَتْلُهُمْ وَهُمْ غَارُّونَ .\rقَالَ أَحْمَدُ : لَا بَأْسَ بِالْبَيَاتِ ، وَهَلْ غَزْوُ الرُّومِ إلَّا الْبَيَاتُ ، قَالَ : وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا كَرِهَ بَيَاتَ الْعَدُوِّ .\rوَقَرَأَ عَلَيْهِ : سُفْيَانُ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ .\rقَالَ : سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُسْأَلُ عَنْ الدِّيَارِ مِنْ الْمُشْرِكِينَ ، نُبَيِّتُهُمْ فَنُصِيبُ مِنْ نِسَائِهِمْ وَذَرَارِيِّهِمْ ؟ فَقَالَ : \" هُمْ مِنْهُمْ \" .\rفَقَالَ : إسْنَادٌ جَيِّدٌ .\rفَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالذُّرِّيَّةِ .\rقُلْنَا : هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى التَّعَمُّدِ لِقَتْلِهِمْ .\rقَالَ أَحْمَدُ : أَمَّا أَنْ يَتَعَمَّدَ قَتْلَهُمْ ، فَلَا .\rقَالَ : وَحَدِيثُ الصَّعْبِ بَعْدَ نَهْيِهِ عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ ؛ لِأَنَّ نَهْيَهُ عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ حِينَ بَعَثَ إلَى ابْنِ أَبِي الْحَقِيقِ .\rوَعَلَى أَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا مُمْكِنٌ ، يُحْمَلُ النَّهْيُ عَلَى التَّعَمُّدِ ، وَالْإِبَاحَةُ عَلَى مَا عَدَاهُ .","part":21,"page":101},{"id":10101,"text":"( 7576 ) فَصْلٌ : قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : إذَا كَانَ فِي الْمَطْمُورَةِ الْعَدُوُّ ، فَعَلِمْت أَنَّك تَقْدِرُ عَلَيْهِمْ بِغَيْرِ النَّارِ ، فَأَحَبُّ إلَى أَنْ يَكُفَّ عَنْ النَّارِ وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ ذَلِكَ وَأَبَوْا أَنْ يَخْرُجُوا فَلَا أَرَى بَأْسًا ، وَإِنْ كَانَ مَعَهُمْ ذُرِّيَّةٌ ، قَدْ كَانَ الْمُسْلِمُونَ يُقَاتِلُونَ بِهَا .\rوَنَحْوَ ذَلِكَ قَالَ سُفْيَانُ ، وَهِشَامٌ .\rوَيُدَخَّنُ عَلَيْهِمْ .\rقَالَ أَحْمَدُ : أَهْلُ الشَّامِ أَعْلَمُ بِهَذَا","part":21,"page":102},{"id":10102,"text":"( 7757 ) ( 7577 ) فَصْلٌ : وَإِنْ تَتَرَّسُوا فِي الْحَرْبِ بِنِسَائِهِمْ وَصِبْيَانِهِمْ ، جَازَ رَمْيُهُمْ ، وَيَقْصِدُ الْمُقَاتِلَةَ ؛ { لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَمَاهُمْ بِالْمَنْجَنِيقِ وَمَعَهُمْ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ } ، وَلِأَنَّ كَفَّ الْمُسْلِمِينَ عَنْهُمْ يُفْضِي إلَى تَعْطِيلِ الْجِهَادِ ، لِأَنَّهُمْ مَتَى عَلِمُوا ذَلِكَ تَتَرَّسُوا بِهِمْ عِنْدَ خَوْفِهِمْ فَيَنْقَطِعُ الْجِهَادُ .\rوَسَوَاءٌ كَانَتْ الْحَرْبُ مُلْتَحِمَةً أَوْ غَيْرَ مُلْتَحِمَةٍ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ يَتَحَيَّنُ بِالرَّمْيِ حَالَ الْتِحَامِ الْحَرْبِ .","part":21,"page":103},{"id":10103,"text":"( 7578 ) فَصْلٌ : وَلَوْ وَقَفَتْ امْرَأَةٌ فِي صَفِّ الْكُفَّارِ أَوْ عَلَى حِصْنِهِمْ ، فَشَتَمَتْ الْمُسْلِمِينَ ، أَوْ تَكَشَّفَتْ لَهُمْ ، جَازَ رَمْيُهَا قَصْدًا ؛ لِمَا رَوَى سَعِيدٌ : حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، قَالَ : { لَمَّا حَاصَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَهْلَ الطَّائِفِ أَشْرَفَتْ امْرَأَةٌ ، فَكَشَفَتْ عَنْ قُبُلِهَا ، فَقَالَ : هَا دُونَكُمْ فَارْمُوهَا .\rفَرَمَاهَا رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ، فَمَا أَخْطَأَ ذَلِكَ مِنْهَا } .\rوَيَجُوزُ النَّظَرُ إلَى فَرْجِهَا لِلْحَاجَةِ إلَى رَمْيِهَا ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ ضَرُورَةِ رَمْيِهَا .\rوَكَذَلِكَ يَجُوزُ رَمْيُهَا إذَا كَانَتْ تَلْتَقِطُ لَهُمْ السِّهَامَ ، أَوْ تَسْقِيهِمْ ، أَوَتُحَرِّضُهُمْ عَلَى الْقِتَالِ ؛ لِأَنَّهَا فِي حُكْمِ الْمُقَاتِلِ .\rوَهَكَذَا الْحُكْمُ فِي الصَّبِيِّ وَالشَّيْخِ وَسَائِرِ مَنْ مُنِعَ مِنْ قَتْلِهِ مِنْهُمْ .","part":21,"page":104},{"id":10104,"text":"( 7579 ) فَصْلٌ : وَإِنْ تَتَرَّسُوا بِمُسْلِمٍ ، وَلَمْ تَدْعُ حَاجَةٌ إلَى رَمْيِهِمْ ، لِكَوْنِ الْحَرْبِ غَيْرَ قَائِمَةٍ ، أَوْ لِإِمْكَانِ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِمْ بِدُونِهِ ، أَوْ لِلْأَمْنِ مِنْ شَرِّهِمْ ، لَمْ يَجُزْ رَمْيُهُمْ .\rفَإِنْ رَمَاهُمْ فَأَصَابَ مُسْلِمًا ، فَعَلَيْهِ ضَمَانُهُ .\rوَإِنْ دَعَتْ الْحَاجَةُ إلَى رَمْيِهِمْ لِلْخَوْفِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ ، جَازَ رَمْيُهُمْ ؛ لِأَنَّهَا حَالُ ضَرُورَةٍ وَيَقْصِدُ الْكُفَّارَ .\rوَإِنْ لَمْ يُخَفْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ ، لَكِنْ لَمْ يُقْدَرْ عَلَيْهِمْ إلَّا بِالرَّمْيِ ، فَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ ، وَاللَّيْثُ : لَا يَجُوزُ رَمْيُهُمْ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ } الْآيَةَ .\r.\rقَالَ اللَّيْثُ : تَرْكُ فَتْحِ حِصْنٍ يُقْدَرُ عَلَى فَتْحِهِ ، أَفْضَلُ مِنْ قَتْلِ مُسْلِمٍ بِغَيْرِ حَقٍّ .\rوَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : كَيْفَ يَرْمُونَ مَنْ لَا يَرَوْنَهُ ، إنَّمَا يَرْمُونَ أَطْفَالَ الْمُسْلِمِينَ .\rوَقَالَ الْقَاضِي ، وَالشَّافِعِيُّ : يَجُوزُ رَمْيُهُمْ إذَا كَانَتْ الْحَرْبُ قَائِمَةً ؛ لِأَنَّ تَرْكَهُ يُفْضِي إلَى تَعْطِيلِ الْجِهَادِ .\rفَعَلَى هَذَا ، إنْ قَتَلَ مُسْلِمًا ، فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ ، وَفِي الدِّيَةِ عَلَى عَاقِلَتِهِ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، يَجِبُ ؛ لِأَنَّهُ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً ، فَيَدْخُلُ فِي عُمُومِ قَوْله تَعَالَى : { وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلَى أَهْلِهِ } .\rوَالثَّانِيَةُ ، لَا دِيَةَ لَهُ ؛ لِأَنَّهُ قُتِلَ فِي دَارِ الْحَرْبِ بِرَمْيٍ مُبَاحٍ ، فَيَدْخُلُ فِي عُمُومِ قَوْله تَعَالَى : { فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ } .\rوَلَمْ يَذْكُرْ دِيَةً .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا دِيَةَ لَهُ ، وَلَا كَفَّارَةَ فِيهِ ؛ لِأَنَّهُ رَمْيٌ أُبِيحَ مَعَ الْعِلْمِ بِحَقِيقَةِ الْحَالِ ، فَلَمْ يُوجِبْ شَيْئًا ، كَرَمْيِ مَنْ أُبِيحَ دَمُهُ .\rوَلَنَا ، الْآيَةُ الْمَذْكُورَةُ ، وَأَنَّهُ قَتَلَ مَعْصُومًا بِالْإِيمَانِ ، وَالْقَاتِلُ مِنْ أَهْلِ الضَّمَانِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ يَتَتَرَّسْ بِهِ .","part":21,"page":105},{"id":10105,"text":"( 7580 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : وَلَا يُغَرِّقُوا النَّحْلَ وَجُمْلَتُهُ أَنَّ تَغْرِيقَ النَّحْلِ وَتَحْرِيقَهُ لَا يَجُوزُ ، فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ ؛ مِنْهُمْ الْأَوْزَاعِيُّ ، وَاللَّيْثُ ، وَالشَّافِعِيُّ .\rوَقِيلَ لِمَالِكٍ : أَنُحَرِّقُ بُيُوتَ نَحْلِهِمْ ؟ قَالَ : أَمَّا النَّحْلُ فَلَا أَدْرِي مَا هُوَ ؟ وَمُقْتَضَى مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ إبَاحَتُهُ ؛ لِأَنَّ فِيهِ غَيْظًا لَهُمْ وَإِضْعَافًا ، فَأَشْبَهَ قَتْلَ بَهَائِمِهِمْ حَالَ قِتَالِهِمْ .\rوَلَنَا ، مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ لِيَزِيدَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ ، وَهُوَ يُوصِيهِ ، حِينَ بَعَثَهُ أَمِيرًا عَلَى الْقِتَالِ بِالشَّامِ : وَلَا تُحَرِّقْنَ نَحْلًا ، وَلَا تُغْرِقَنَّهُ .\rوَرُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ، أَنَّهُ قَدِمَ عَلَيْهِ ابْنُ أَخِيهِ مِنْ غَزَاةٍ غَزَاهَا ، فَقَالَ : لَعَلَّك حَرَّقْت حَرْثًا ؟ قَالَ : نَعَمْ .\rقَالَ : لَعَلَّك غَرَّقْت نَحْلًا ؟ قَالَ : نَعَمْ .\rقَالَ : لَعَلَّك قَتَلْت صَبِيًّا ؟ قَالَ : نَعَمْ .\rقَالَ : لِيَكُنْ غَزْوُك كَفَافًا .\rأَخْرَجَهُمَا سَعِيدٌ .\rوَنَحْوُ ذَلِكَ عَنْ ثَوْبَانَ .\rوَقَدْ ثَبَتَ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ قَتْلِ النَّحْلَةِ ، وَنَهَى أَنْ يُقْتَلَ شَيْءٌ مِنْ الدَّوَابِّ صَبْرًا } .\rوَلِأَنَّهُ إفْسَادٌ ، فَيَدْخُلُ فِي عُمُومِ قَوْله تَعَالَى : { وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاَللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ } .\rوَلِأَنَّهُ حَيَوَانٌ ذُو رُوحٍ ، فَلَمْ يَجُزْ قَتْلُهُ لِغَيْظِ الْمُشْرِكِينَ ، كَنِسَائِهِمْ وَصِبْيَانِهِمْ .\rوَأَمَّا أَخْذُ الْعَسَلِ وَأَكْلُهُ فَمُبَاحٌ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الطَّعَامِ الْمُبَاحِ .","part":21,"page":106},{"id":10106,"text":"( 7581 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : وَلَا يَعْقِرُ شَاةً ، وَلَا دَابَّةً ، إلَّا لِأَكْلٍ لَا بُدَّ لَهُمْ مِنْهُ أَمَّا عَقْرُ دَوَابِّهِمْ فِي غَيْرِ حَالِ الْحَرْبِ ، لِمُغَايَظَتِهِمْ ، وَالْإِفْسَادِ عَلَيْهِمْ ، فَلَا يَجُوزُ ، سَوَاءٌ خِفْنَا أَخْذَهُمْ لَهَا أَوْ لَمْ نَخَفْ .\rوَبِهَذَا قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ ، وَاللَّيْثُ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٌ : يَجُوزُ ؛ لِأَنَّ فِيهِ غَيْظًا لَهُمْ ، وَإِضْعَافًا لِقُوَّتِهِمْ ، فَأَشْبَهَ قَتْلَهَا حَالَ قِتَالِهِمْ .\rوَلَنَا ، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ فِي وَصِيَّتِهِ لِيَزِيدَ حِينَ بَعَثَهُ أَمِيرًا : يَا يَزِيدُ ، لَا تَقْتُلْ صَبِيًّا ، وَلَا امْرَأَةً ، وَلَا هَرِمًا ، وَلَا تُخَرِّبَنَّ عَامِرًا ، وَلَا تَعْقِرَنَّ شَجَرًا مُثْمِرًا ، وَلَا دَابَّةً عَجْمَاءَ ، وَلَا شَاةً ، إلَّا لِمَأْكَلَةٍ ، وَلَا تُحَرِّقَنَّ نَحْلًا ، وَلَا تُغْرِقَنَّهُ ، وَلَا تَغْلُلْ ، وَلَا تَجْبُنْ .\rوَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { نَهَى عَنْ قَتْلِ شَيْءٍ مِنْ الدَّوَابِّ صَبْرًا } .\rوَلِأَنَّهُ حَيَوَانٌ ذُو حُرْمَةٍ ، فَأَشْبَهَ النِّسَاءَ وَالصِّبْيَانَ .\rوَأَمَّا حَالُ الْحَرْبِ .\rفَيَجُوزُ فِيهَا قَتْلُ الْمُشْرِكِينَ كَيْفَ أَمْكَنَ ، بِخِلَافِ حَالِهِمْ إذَا قُدِرَ عَلَيْهِمْ ، وَلِهَذَا جَازَ قَتْلُ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ فِي الْبَيَاتِ ، وَفِي الْمَطْمُورَةِ ، إذَا لَمْ يَتَعَمَّدْ قَتْلَهُمْ مُنْفَرِدِينَ ، بِخِلَافِ حَالَةِ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِمْ ، وَقَتْلِ بَهَائِمِهِمْ يَتَوَصَّلُ بِهِ إلَى قَتْلِهِمْ وَهَزِيمَتِهِمْ .\rوَقَدْ ذَكَرْنَا حَدِيثَ الْمَدَدِيِّ الَّذِي عَقَرَ بِالرُّومِيِّ فَرَسَهُ .\rوَرُوِيَ أَنَّ حَنْظَلَةَ بْنَ الرَّاهِبِ ، عَقَرَ فَرَسَ أَبِي سُفْيَانَ بِهِ يَوْمَ أُحُدٍ ، فَرَمَتْ بِهِ ، فَخَلَّصَهُ ابْنُ شَعُوبٍ وَلَيْسَ فِي هَذَا خِلَافٌ .\r( 7582 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا عَقْرُهَا لِلْأَكْلِ ، فَإِنْ كَانَتْ الْحَاجَةُ دَاعِيَةً إلَيْهِ ، وَلَا بُدَّ مِنْهُ ، فَمُبَاحٌ ، بِغَيْرِ خِلَافٍ ؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ تُبِيحُ مَالَ الْمَعْصُومِ ، فَمَالُ الْكَافِرِ أَوْلَى .\rوَإِنْ لَمْ تَكُنْ الْحَاجَةُ","part":21,"page":107},{"id":10107,"text":"دَاعِيَةً إلَيْهِ نَظَرْنَا ؛ فَإِنْ كَانَ الْحَيَوَانُ لَا يُرَادُ إلَّا لِلْأَكْلِ ، كَالدَّجَاجِ وَالْحَمَامِ وَسَائِرِ الطَّيْرِ وَالصَّيْدِ ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ الطَّعَامِ .\rفِي قَوْلِ الْجَمِيعِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُرَادُ لِغَيْرِ الْأَكْلِ ، وَتَقِلُّ قِيمَتُهُ ، فَأَشْبَهَ الطَّعَامَ .\rوَإِنْ كَانَ مِمَّا يُحْتَاجُ إلَيْهِ فِي الْقِتَالِ ، كَالْخَيْلِ ، لَمْ يُبَحْ ذَبْحُهُ لِلْأَكْلِ ، فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا .\rوَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ ، كَالْغَنَمِ وَالْبَقَرِ ، لَمْ يُبَحْ فِي قَوْلِ الْخِرَقِيِّ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ إبَاحَتُهُ ؛ لِأَنَّ هَذَا الْحَيَوَانَ مِثْلُ الطَّعَامِ فِي بَابِ الْأَكْلِ وَالْقُوتِ ، فَكَانَ مِثْلَهُ فِي إبَاحَتِهِ .\rوَإِذَا ذَبَحَ الْحَيَوَانَ ، أَكَلَ لَحْمَهُ ، وَلَيْسَ لَهُ الِانْتِفَاعُ بِجِلْدِهِ ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا أُبِيحَ لَهُ مَا يَأْكُلُهُ دُونَ غَيْرِهِ .\rقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ : كُلُوا لَحْمَ الشَّاةِ ، وَرُدُّوا إهَابَهَا إلَى الْمَغْنَمِ .\rوَلِأَنَّ هَذَا حَيَوَانٌ مَأْكُولٌ ، فَأُبِيحَ أَكْلُهُ ، كَالطَّيْرِ .\rوَوَجْهُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ ، مَا رَوَى سَعِيدٌ : حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ ، عَنْ { ثَعْلَبَةَ بْنِ الْحَكَمِ ، قَالَ : أَصَبْنَا غَنَمًا لِلْعَدُوِّ ، فَانْتَهَبْنَا ، فَنَصَبْنَا قُدُورَنَا ، فَمَرَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْقُدُورِ وَهِيَ تَغْلِي ، فَأَمَرَ بِهَا فَأُكْفِئَتْ ، ثُمَّ قَالَ لَهُمْ : إنَّ النُّهْبَةَ لَا تَحِلُّ } .\rوَلِأَنَّ هَذِهِ الْحَيَوَانَاتِ تَكْثُرُ قِيمَتُهَا ، وَتَشِحُّ أَنْفُسُ الْغَانِمِينَ بِهَا ، وَيُمْكِنُ حَمْلُهَا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ ، بِخِلَافِ الطَّيْرِ وَالطَّعَامِ ، لَكِنْ إنْ أَذِنَ الْأَمِيرُ فِيهَا جَازَ ؛ لِمَا رَوَى عَطِيَّةُ بْنُ قَيْسٍ ، قَالَ : كُنَّا إذَا خَرَجْنَا فِي سَرِيَّةٍ ، فَأَصَبْنَا غَنَمًا ، نَادَى مُنَادِي الْإِمَامِ : أَلَا مَنْ أَرَادَ أَنْ يَتَنَاوَلَ شَيْئًا مِنْ هَذِهِ الْغَنَمِ فَلْيَتَنَاوَلْ ، إنَّا لَا نَسْتَطِيعُ سِيَاقَتَهَا .\rرَوَاهُ سَعِيدٌ .\rوَكَذَلِكَ إنْ قَسَمَهَا ؛ لِمَا رَوَى مُعَاذٌ ، قَالَ : { غَزَوْنَا مَعَ النَّبِيِّ","part":21,"page":108},{"id":10108,"text":"صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَيْبَرَ ، فَأَصَبْنَا غَنَمًا ، فَقَسَمَ بَيْنَنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَائِفَةً ، وَجَعَلَ بَقِيَّتَهَا فِي الْمَغْنَمِ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَقَالَ سَعِيدٌ : حَدَّثَنَا إسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدٍ ، أَنَّ رَجُلًا نَحَرَ جَزُورًا بِأَرْضِ الرُّومِ ، فَلَمَّا بَرَدَتْ ، قَالَ : يَا أَيُّهَا النَّاسُ ، خُذُوا مِنْ لَحْمِ هَذِهِ الْجَزُورِ ، فَقَدْ أَذِنَّا لَكُمْ .\rفَقَالَ مَكْحُولٌ : يَا غَسَّانِيُّ ، أَلَا تَأْتِينَا مِنْ لَحْمِ هَذِهِ الْجَزُورِ ؟ فَقَالَ الْغَسَّانِيُّ : يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ، أَمَا تَرَى عَلَيْهَا مِنْ النُّهْبَى ؟ قَالَ مَكْحُولٌ : لَا نُهْبَى فِي الْمَأْذُونِ فِيهِ .\r( 7583 ) .\rفَصْلٌ : وَلَمْ يُفَرِّقْ أَصْحَابُنَا بَيْنَ جَمِيعِ الْبَهَائِمِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ، وَيَقْوَى عِنْدِي أَنَّ مَا عَجَزَ الْمُسْلِمُونَ عَنْ سِيَاقَتِهِ وَأَخْذِهِ ، إنْ كَانَ مِمَّا يَسْتَعِينُ بِهِ الْكُفَّارُ فِي الْقِتَالِ ، كَالْخَيْلِ ، جَازَ عَقْرُهُ وَإِتْلَافُهُ ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا يَحْرُمُ إيصَالُهُ إلَى الْكُفَّارِ بِالْبَيْعِ فَتَرْكُهُ لَهُمْ بِغَيْرِ عِوَضٍ أَوْلَى بِالتَّحْرِيمِ ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا يَصْلُحُ لِلْأَكْلِ ، فَلِلْمُسْلِمِينَ ذَبْحُهُ ، وَالْأَكْلُ مِنْهُ ، مَعَ الْحَاجَةِ وَعَدَمِهَا وَمَا عَدَا هَذَيْنِ الْقِسْمَيْنِ ، لَا يَجُوزُ إتْلَافُهُ ؛ لِأَنَّهُ مُجَرَّدُ إفْسَادٍ وَإِتْلَافٍ ، وَقَدْ { نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَبْحِ الْحَيَوَانِ لِغَيْرِ مَأْكَلَةٍ } .","part":21,"page":109},{"id":10109,"text":"( 7584 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : وَلَا يَقْطَعُ شَجَرَهُمْ ، وَلَا يُحَرِّقُ زَرْعَهُمْ ، إلَّا أَنْ يَكُونُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ فِي بِلَادِنَا ، فَيُفْعَلُ ذَلِكَ بِهِمْ لِيَنْتَهُوا وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الشَّجَرَ وَالزَّرْعَ يَنْقَسِمُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ ؛ أَحَدُهَا ، مَا تَدْعُو الْحَاجَةُ إلَى إتْلَافِهِ كَاَلَّذِي يَقْرُبُ مِنْ حُصُونِهِمْ ، وَيَمْنَعُ مِنْ قِتَالِهِمْ ، أَوْ يُسْتَرُونَ بِهِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ، أَوْ يَحْتَاجُ إلَى قَطْعِهِ لِتَوْسِعَةِ طَرِيقٍ ، أَوْ تَمَكُّنٍ مِنْ قِتَالٍ ، أَوْ سَدِّ بَثْقٍ ، أَوْ إصْلَاحِ طَرِيقٍ ، أَوْ سِتَارَةِ مَنْجَنِيقٍ ، أَوْ غَيْرِهِ ، أَوْ يَكُونُونَ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ بِنَا ، فَيُفْعَلُ بِهِمْ ذَلِكَ ، لِيَنْتَهُوا ، فَهَذَا يَجُوزُ ، بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ .\rالثَّانِي ، مَا يَتَضَرَّرُ الْمُسْلِمُونَ بِقَطْعِهِ ، لِكَوْنِهِمْ يَنْتَفِعُونَ بِبَقَائِهِ لِعَلُوفَتِهِمْ ، أَوْ يَسْتَظِلُّونَ بِهِ ، أَوْ يَأْكُلُونَ مِنْ ثَمَرِهِ ، أَوْ تَكُونُ الْعَادَةُ لَمْ تَجْرِ بِذَلِكَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ عَدُوِّنَا ، فَإِذَا فَعَلْنَاهُ بِهِمْ فَعَلُوهُ بِنَا ، فَهَذَا يَحْرُمُ ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِضْرَارِ بِالْمُسْلِمِينَ .\rالثَّالِثُ ، مَا عَدَا هَذَيْنِ الْقِسْمَيْنِ ، مِمَّا لَا ضَرَرَ فِيهِ بِالْمُسْلِمِينَ ، وَلَا نَفْعٌ سِوَى غَيْظِ الْكُفَّارِ ، وَالْإِضْرَارِ بِهِمْ ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، لَا يَجُوزُ ؛ لِحَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ وَوَصِيَّتِهِ ، وَقَدْ رُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ مَرْفُوعًا إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلِأَنَّ فِيهِ إتْلَافًا مَحْضًا ، فَلَمْ يَجُزْ ، كَعَقْرِ الْحَيَوَانِ .\rوَبِهَذَا قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ ، وَاللَّيْثُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ .\rوَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ ، يَجُوزُ .\rوَبِهَذَا قَالَ وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ .\rقَالَ إِسْحَاقُ : التَّحْرِيقُ سُنَّةٌ ، إذَا كَانَ أَنْكَى فِي الْعَدُوِّ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ } .\rوَرَوَى ابْنُ عُمَرَ ، { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ","part":21,"page":110},{"id":10110,"text":"حَرَّقَ نَخْلَ بَنِي النَّضِيرِ ، وَقَطَعَ ، وَهُوَ الْبُوَيْرَةُ ، } فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى : { مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ } .\rوَلَهَا يَقُولُ حَسَّانُ : وَهَانَ عَلَى سَرَاةِ بَنِي لُؤَيٍّ حَرِيقٌ بِالْبُوَيْرَةِ مُسْتَطِيرُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَعَنْ الزُّهْرِيِّ ، قَالَ : { فَحَدَّثَنِي أُسَامَةُ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ عَهِدَ إلَيْهِ ، فَقَالَ : أَغِرْ عَلَى أُبْنَا صَبَاحًا وَحَرِّقْ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rقِيلَ لِأَبِي مُسْهِرٍ : أُبْنَا .\rقَالَ : نَحْنُ أَعْلَمُ ، هِيَ يُبْنَا فِلَسْطِينَ .\rوَالصَّحِيحُ أَنَّهَا أُبْنَا ، كَمَا جَاءَتْ الرِّوَايَةُ ، وَهِيَ قَرْيَةٌ مِنْ أَرْضِ الْكَرْكِ ، فِي أَطْرَافِ الشَّامِ ، فِي النَّاحِيَةِ الَّتِي قُتِلَ فِيهَا أَبُوهُ ، فَأَمَّا يُبْنَا فَهِيَ مِنْ أَرْضِ فِلَسْطِينَ ، وَلَمْ يَكُنْ أُسَامَةُ لِيَصِلَ إلَيْهَا ، وَلَا يَأْمُرُهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْإِغَارَةِ عَلَيْهَا ، لِبُعْدِهَا ، وَالْخَطَرِ بِالْمَصِيرِ إلَيْهَا ، لِتَوَسُّطِهَا فِي الْبِلَادِ ، وَبُعْدِهَا مِنْ طَرَفِ الشَّامِ ، فَمَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيَأْمُرَهُ بِالتَّغْرِيرِ بِالْمُسْلِمِينَ ، فَكَيْفَ يُحْمَلُ الْخَبَرُ عَلَيْهَا ، مَعَ مُخَالَفَةِ لَفْظِ الرِّوَايَةِ ، وَفَسَادِ الْمَعْنَى ، .","part":21,"page":111},{"id":10111,"text":"( 7585 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : وَلَا يَتَزَوَّجُ فِي أَرْضِ الْعَدُوِّ ، إلَّا أَنْ تَغْلِبَ عَلَيْهِ الشَّهْوَةُ ، فَيَتَزَوَّجَ مُسْلِمَةً ، وَيَعْزِلَ عَنْهَا .\rوَلَا يَتَزَوَّجَ مِنْهُمْ ، وَمَنْ اشْتَرَى مِنْهُمْ جَارِيَةً ، لَمْ يَطَأْهَا فِي الْفَرْجِ ، وَهُوَ فِي أَرْضِهِمْ يَعْنِي - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - مَنْ دَخَلَ أَرْضَ الْعَدُوِّ بِأَمَانٍ ، فَأَمَّا إنْ كَانَ فِي جَيْشِ الْمُسْلِمِينَ ، فَمُبَاحٌ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ ، أَنَّهُ بَلَغَهُ ، { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَوَّجَ أَبَا بَكْرٍ أَسْمَاءَ ابْنَةَ عُمَيْسٍ ، وَهُمْ تَحْتَ الرَّايَاتِ } .\rأَخْرَجَهُ سَعِيدٌ .\rوَلِأَنَّ الْكُفَّارَ لَا يَدَ لَهُمْ عَلَيْهِ ، فَأَشْبَهَ مَنْ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ .\rوَأَمَّا الْأَسِيرُ ، فَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهُ التَّزَوُّجُ مَا دَامَ أَسِيرًا ، لِأَنَّهُ مَنَعَهُ مِنْ وَطْءِ امْرَأَتِهِ إذَا أُسِرَتْ مَعَهُ ، مَعَ صِحَّةِ نِكَاحِهِمَا .\rوَهَذَا قَوْلُ الزُّهْرِيِّ ، فَإِنَّهُ قَالَ : لَا يَحِلُّ لِلْأَسِيرِ أَنْ يَتَزَوَّجَ ، مَا كَانَ فِي أَيْدِي الْعَدُوِّ .\rوَكَرِهَ الْحَسَنُ أَنْ يَتَزَوَّجَ مَا دَامَ فِي أَرْضِ الْمُشْرِكِينَ ؛ لِأَنَّ الْأَسِيرَ إذَا وُلِدَ لَهُ وَلَدٌ كَانَ رَقِيقًا لَهُمْ ، وَلَا يَأْمَنُ أَنْ يَطَأَ امْرَأَتَهُ غَيْرُهُ مِنْهُمْ .\rوَسُئِلَ أَحْمَدُ عَنْ أَسِيرٍ اشْتَرَيْت مَعَهُ امْرَأَتُهُ ، أَيَطَؤُهَا ؟ فَقَالَ : كَيْفَ يَطَؤُهَا ، فَلَعَلَّ غَيْرَهُ مِنْهُمْ يَطَؤُهَا ، قَالَ الْأَثْرَمُ : قُلْت لَهُ : وَلَعَلَّهَا تَعْلَقُ بِوَلَدٍ ، فَيَكُونُ مَعَهُمْ .\rقَالَ : وَهَذَا أَيْضًا .\rوَأَمَّا الَّذِي يَدْخُلُ إلَيْهِمْ بِأَمَانٍ ، كَالتَّاجِرِ وَنَحْوِهِ ، فَهُوَ الَّذِي أَرَادَ الْخِرَقِيِّ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ، فَلَا يَنْبَغِي لَهُ التَّزَوُّجُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَأْمَنُ أَنْ تَأْتِيَ امْرَأَتُهُ بِوَلَدٍ فَيَسْتَوْلِيَ عَلَيْهِ الْكُفَّارُ ، وَرُبَّمَا نَشَأَ بَيْنَهُمْ ، فَيَصِيرُ عَلَى دِينِهِمْ .\rفَإِنْ غَلَبَتْ عَلَيْهِ الشَّهْوَةُ ، أُبِيحَ لَهُ نِكَاحُ مُسْلِمَةٍ ؛ لِأَنَّهَا حَالُ ضَرُورَةٍ ، وَيَعْزِلُ عَنْهَا ، كَيْ","part":21,"page":112},{"id":10112,"text":"لَا تَأْتِيَ بِوَلَدٍ .\rوَلَا يَتَزَوَّجُ مِنْهُمْ ؛ لِأَنَّ امْرَأَتَهُ إذَا كَانَتْ مِنْهُمْ ، غَلَبَتْهُ عَلَى وَلَدِهَا ، فَيَتْبَعُهَا عَلَى دِينِهَا .\rوَقَالَ الْقَاضِي ، فِي قَوْلِ الْخِرَقِيِّ : هَذَا نَهْيُ كَرَاهَةٍ ، لَا نَهْيُ تَحْرِيمٍ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : { وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ } .\rوَلِأَنَّ الْأَصْلَ الْحِلُّ ، فَلَا يَحْرُمُ بِالشَّكِّ وَالتَّوَهُّمِ ، وَإِنَّمَا كَرِهْنَا لَهُ التَّزَوُّجَ مِنْهُمْ مَخَافَةَ أَنْ يَغْلِبُوا عَلَى وَلَدِهِ ، فَيَسْتَرِقُّوهُ ، وَيُعَلِّمُوهُ الْكُفْرَ ، فَفِي تَزْوِيجِهِ تَعْرِيضٌ لِهَذَا الْفَسَادِ الْعَظِيمِ ، وَازْدَادَتْ الْكَرَاهَةُ إذَا تَزَوَّجَ مِنْهُمْ ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ امْرَأَتَهُ تَغْلِبُهُ عَلَى وَلَدِهَا ، فَتُكَفِّرُهُ ، كَمَا أَنَّ حُكْمَ الْإِسْلَامِ تَغْلِيبُ الْإِسْلَامِ فِيمَا إذَا أَسْلَمَ أَحَدُ الْأَبَوَيْنِ ، أَوْ تَزَوَّجَ الْمُسْلِمُ ذِمِّيَّةً ، وَإِذَا اشْتَرَى مِنْهُمْ جَارِيَةً ، لَمْ يَطَأْهَا فِي الْفَرْجِ فِي أَرْضِهِمْ ، مَخَافَةَ أَنْ يَغْلِبُوهُ عَلَى وَلَدِهَا ، فَيَسْتَرِقُّوهُ ، وَيُكَفِّرُوهُ .","part":21,"page":113},{"id":10113,"text":"فَصْلٌ فِي الْهِجْرَةِ : وَهِيَ الْخُرُوجُ مِنْ دَارِ الْكُفْرِ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ .\rقَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { إنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمْ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا } .\rالْآيَاتِ .\rوَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { أَنَا بَرِيءٌ مِنْ مُسْلِمٍ بَيْنَ مُشْرِكَيْنِ ، لَا تَرَاءَا نَارَاهُمَا } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَمَعْنَاهُ لَا يَكُونُ بِمَوْضِعٍ يَرَى نَارَهُمْ ، وَيَرَوْنَ نَارَهُ ، إذَا أُوقِدَتْ .\rفِي آيٍ وَأَخْبَارٍ سِوَى هَذَيْنِ كَثِيرٍ .\rوَحُكْمُ الْهِجْرَةِ بَاقٍ ، لَا يَنْقَطِعُ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ .\rفِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rوَقَالَ قَوْمٌ : قَدْ انْقَطَعَتْ الْهِجْرَةُ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ } .\rوَقَالَ : { قَدْ انْقَطَعَتْ الْهِجْرَةُ ، وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ } .\rوَرُوِيَ { أَنَّ صَفْوَانَ بْنَ أُمَيَّةَ لَمَّا أَسْلَمَ ، قِيلَ لَهُ : لَا دِينَ لِمَنْ لَمْ يُهَاجِرْ .\rفَأَتَى الْمَدِينَةَ ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا جَاءَ بِك أَبَا وَهْبٍ ؟ قَالَ : قِيلَ إنَّهُ لَا دِينَ لِمَنْ لَمْ يُهَاجِرْ .\rقَالَ : ارْجِعْ أَبَا وَهْبٍ إلَى أَبَاطِحِ مَكَّةَ ، أَقِرُّوا عَلَى مَسَاكِنِكُمْ ، فَقَدْ انْقَطَعَتْ الْهِجْرَةُ ، وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ } .\rرَوَى ذَلِكَ كُلَّهُ سَعِيدٌ .\rوَلَنَا مَا رَوَى مُعَاوِيَةُ ، قَالَ : سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : { لَا تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ حَتَّى تَنْقَطِعَ التَّوْبَةُ ، وَلَا تَنْقَطِعُ التَّوْبَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ ، قَالَ : { لَا تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ مَا كَانَ الْجِهَادُ } .\rرَوَاهُ سَعِيدٌ ، وَغَيْرُهُ ، مَعَ إطْلَاقِ الْآيَاتِ وَالْأَخْبَارِ الدَّالَّةِ عَلَيْهَا ، وَتَحَقُّقِ الْمَعْنَى الْمُقْتَضِي لَهَا فِي كُلِّ زَمَانٍ .\rوَأَمَّا","part":21,"page":114},{"id":10114,"text":"الْأَحَادِيثُ الْأُوَلُ ، فَأَرَادَ بِهَا لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ مِنْ بَلَدٍ قَدْ فُتِحَ .\rوَقَوْلُهُ لِصَفْوَانَ : \" إنَّ الْهِجْرَةَ قَدْ انْقَطَعَتْ \" .\rيَعْنِي مِنْ مَكَّةَ ؛ لِأَنَّ الْهِجْرَةَ الْخُرُوجُ مِنْ بَلَدِ الْكُفَّارِ ، فَإِذَا فُتِحَ لَمْ يَبْقَ بَلَدَ الْكُفَّارِ ، فَلَا تَبْقَى مِنْهُ هِجْرَةٌ .\rوَهَكَذَا كُلِّ بَلَدٍ فُتِحَ لَا يَبْقَى مِنْهُ هِجْرَةٌ ، وَإِنَّمَا الْهِجْرَةُ إلَيْهِ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَالنَّاسُ فِي الْهِجْرَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ ؛ أَحَدُهَا ، مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ ، وَهُوَ مَنْ يَقْدِرُ عَلَيْهَا ، وَلَا يُمْكِنُهُ إظْهَارُ دِينِهِ ، وَلَا تُمْكِنُهُ إقَامَةُ وَاجِبَاتِ دِينِهِ مَعَ الْمُقَامِ بَيْنَ الْكُفَّارِ ، فَهَذَا تَجِبُ عَلَيْهِ الْهِجْرَةُ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { إنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمْ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا } .\rوَهَذَا وَعِيدٌ شَدِيدٌ يَدُلُّ عَلَى الْوُجُوبِ .\rوَلِأَنَّ الْقِيَامَ بِوَاجِبِ دِينِهِ وَاجِبٌ عَلَى مَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ ، وَالْهِجْرَةُ مِنْ ضَرُورَةِ الْوَاجِبِ وَتَتِمَّتِهِ ، وَمَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ .\rالثَّانِي ؛ مَنْ لَا هِجْرَةَ عَلَيْهِ .\rوَهُوَ مَنْ يَعْجِزُ عَنْهَا ، إمَّا لِمَرَضٍ ، أَوْ إكْرَاهٍ عَلَى الْإِقَامَةِ ، أَوْ ضَعْفٍ ؛ مِنْ النِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ وَشِبْهِهِمْ ، فَهَذَا لَا هِجْرَةَ عَلَيْهِ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { إلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا } .\rوَلَا تُوصَفُ بِاسْتِحْبَابٍ ؛ لِأَنَّهَا غَيْرُ مَقْدُورٍ عَلَيْهَا .\rوَالثَّالِثُ ، مَنْ تُسْتَحَبُّ لَهُ ، وَلَا تَجِبُ عَلَيْهِ .\rوَهُوَ مَنْ يَقْدِرُ عَلَيْهَا ، لَكِنَّهُ يَتَمَكَّنُ مِنْ إظْهَارِ دِينِهِ ، وَإِقَامَتِهِ فِي دَارِ الْكُفْرِ ، فَتُسْتَحَبُّ لَهُ ، لِيَتَمَكَّنَ مِنْ جِهَادِهِمْ","part":21,"page":115},{"id":10115,"text":"، وَتَكْثِيرِ الْمُسْلِمِينَ ، وَمَعُونَتِهِمْ ، وَيَتَخَلَّصَ مِنْ تَكْثِيرِ الْكُفَّارِ ، وَمُخَالَطَتِهِمْ ، وَرُؤْيَةِ الْمُنْكَرِ بَيْنَهُمْ .\rوَلَا تَجِبُ عَلَيْهِ ؛ لِإِمْكَانِ إقَامَةِ وَاجِبِ دِينِهِ بِدُونِ الْهِجْرَةِ .\rوَقَدْ كَانَ الْعَبَّاسُ عَمُّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُقِيمًا بِمَكَّةَ مَعَ إسْلَامِهِ .\rوَرَوَيْنَا { أَنَّ نُعَيْمَ النَّحَّامَ ، حِينَ أَرَادَ أَنْ يُهَاجِرَ ، جَاءَهُ قَوْمُهُ بَنُو عَدِيٍّ ، فَقَالُوا لَهُ : أَقِمْ عِنْدَنَا ، وَأَنْتَ عَلَى دِينِك ، وَنَحْنُ نَمْنَعُك مِمَّنْ يُرِيدُ أَذَاك ، وَاكْفِنَا مَا كُنْت تَكْفِينَا .\rوَكَانَ يَقُومُ بِيَتَامَى بَنِي عَدِيٍّ وَأَرَامِلِهِمْ ، فَتَخَلَّفَ عَنْ الْهِجْرَةِ مُدَّةً ، ثُمَّ هَاجَرَ بَعْدُ ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قَوْمُك كَانُوا خَيْرًا لَك مِنْ قَوْمِي لِي ، قَوْمِي أَخْرَجُونِي ، وَأَرَادُوا قَتْلِي ، وَقَوْمُك حَفِظُوك وَمَنَعُوك .\rفَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ : بَلْ قَوْمُك أَخْرَجُوك إلَى طَاعَةِ اللَّهِ ، وَجِهَادِ عَدُوِّهِ وَقَوْمِي ثَبَّطُونِي عَنْ الْهِجْرَةِ ، وَطَاعَةِ اللَّهِ أَوْ نَحْوَ هَذَا الْقَوْلِ } .","part":21,"page":116},{"id":10116,"text":"( 7587 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : مَنْ دَخَلَ إلَى أَرْضِ الْعَدُوِّ بِأَمَانٍ ، لَمْ يَخُنْهُمْ فِي مَالِهِمْ ، وَلَمْ يُعَامِلْهُمْ بِالرِّبَا أَمَّا تَحْرِيمُ الرِّبَا فِي دَارِ الْحَرْبِ ، فَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي الرِّبَا ، مَعَ أَنَّ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى : { وَحَرَّمَ الرِّبَا } وَسَائِرَ الْآيَاتِ وَالْأَخْبَارِ الدَّالَّةِ عَلَى تَحْرِيمِ الرِّبَا عَامَّةٌ تَتَنَاوَلُ الرِّبَا فِي كُلِّ مَكَان وَزَمَانٍ .\rوَأَمَّا خِيَانَتُهُمْ ، فَمُحَرَّمَةٌ ؛ لِأَنَّهُمْ إنَّمَا أَعْطَوْهُ الْأَمَانَ مَشْرُوطًا بِتَرْكِهِ خِيَانَتَهُمْ ، وَأَمْنِهِ إيَّاهُمْ مِنْ نَفْسِهِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مَذْكُورًا فِي اللَّفْظِ ، فَهُوَ مَعْلُومٌ فِي الْمَعْنَى ، وَلِذَلِكَ مَنْ جَاءَنَا مِنْهُمْ بِأَمَانٍ ، فَخَانَنَا ، كَانَ نَاقِضًا لِعَهْدِهِ .\rفَإِذَا ثَبَتَ هَذَا ، لَمْ تَحِلَّ لَهُ خِيَانَتُهُمْ ، لِأَنَّهُ غَدْرٌ ، وَلَا يَصْلُحُ فِي دِينِنَا الْغَدْرُ ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ { صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْمُسْلِمُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ } .\rفَإِنْ خَانَهُمْ ، أَوْ سَرَقَ مِنْهُمْ ، أَوْ اقْتَرَضَ شَيْئًا وَجَبَ عَلَيْهِ رَدُّ مَا أَخَذَ إلَى أَرْبَابِهِ ، فَإِنْ جَاءَ أَرْبَابُهُ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ بِأَمَانٍ أَوْ إيمَانٍ ، رَدَّهُ عَلَيْهِمْ ، وَإِلَّا بَعَثَ بِهِ إلَيْهِمْ ؛ لِأَنَّهُ أَخَذَهُ عَلَى وَجْهٍ حَرَّمَ عَلَيْهِ أَخْذُهُ ، فَلَزِمَهُ رَدَّ مَا أَخَذَ ، كَمَا لَوْ أَخَذَهُ مِنْ مَالِ مُسْلِمٍ .","part":21,"page":117},{"id":10117,"text":"( 7588 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : وَمَنْ كَانَ لَهُ مَعَ الْمُسْلِمِينَ عَهْدٌ ، فَنَقَضُوهُ حُورِبُوا ، وَقُتِلَ رِجَالُهُمْ ، وَلَمْ تُسْبَ ذَرَارِيُّهُمْ ، وَلَمْ يُسْتَرَقُّوا ، إلَّا مَنْ وُلِدَ بَعْدَ نَقْضِهِ وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ أَهْلَ الذِّمَّةِ إذَا نَقَضُوا الْعَهْدَ ، أَوْ أَخَذَ رَجُلٌ الْأَمَانَ لِنَفْسِهِ وَذُرِّيَّتِهِ ، ثُمَّ نَقَضَ الْعَهْدَ ، فَإِنَّهُ يُقْتَلُ رِجَالُهُمْ ، وَلَا تُسْبَى ذَرَارِيُّهُمْ الْمَوْجُودُونَ قَبْلَ النَّقْضِ ، لِأَنَّ الْعَهْدَ شَمِلَهُمْ جَمِيعًا ، وَدَخَلَتْ فِيهِمْ الذُّرِّيَّةُ ، وَالنَّقْضُ إنَّمَا وُجِدَ مِنْ رِجَالِهِمْ ، فَتَخْتَصُّ إبَاحَةُ الدِّمَاءِ بِهِمْ ، وَمِنْ الْمُمْكِنِ أَنْ يَنْفَرِدَ الرَّجُلُ بِالْعَهْدِ وَالْأَمَانِ ، دُونَ ذُرِّيَّتِهِ وَذُرِّيَّتُهُ دُونَهُ ، فَجَازَ أَنْ يَنْتَقِضَ الْعَهْدُ فِيهِ دُونَهُمْ ، وَالنَّقْضُ إنَّمَا وُجِدَ مِنْ الرِّجَالِ الْبَالِغِينَ ، دُونَ الذُّرِّيَّةِ ، فَيَجِبُ أَنْ يَخْتَصَّ حُكْمُهُ بِهِمْ .\rقَالَ أَحْمَدُ : قَالَتْ امْرَأَةُ عَلْقَمَةَ لَمَّا ارْتَدَّ : إنْ كَانَ عَلْقَمَةُ ارْتَدَّ ، فَأَنَا لَمْ أَرْتَدَّ .\rوَقَالَ الْحَسَنُ ، فِي مَنْ نَقَضَ الْعَهْدَ : لَيْسَ عَلَى الذُّرِّيَّةِ شَيْءٌ .\rفَأَمَّا مَنْ وُلِدَ فِيهِمْ بَعْدَ نَقْضِ الْعَهْدِ ، جَازَ اسْتِرْقَاقُهُ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ لَهُ أَمَانٌ بِحَالٍ .\rوَسَوَاءٌ فِيمَا ذَكَرْنَا لَحِقُوا بِدَارِ الْحَرْبِ ، أَوْ أَقَامُوا بِدَارِ الْإِسْلَامِ .\rفَأَمَّا نِسَاؤُهُمْ ، فَمَنْ لَحِقَتْ مِنْهُنَّ بِدَارِ الْحَرْبِ طَائِعَةً ، أَوْ وَافَقَتْ زَوْجَهَا فِي نَقْضِ الْعَهْدَ ، جَازَ سَبْيُهَا ؛ لِأَنَّهَا بَالِغَةٌ عَاقِلَةٌ نَقَضَتْ الْعَهْدَ ، فَأَشْبَهَتْ الرَّجُلَ ، وَمَنْ لَمْ تَنْقُضْ الْعَهْدَ ، لَمْ يَنْتَقِضْ عَهْدُهَا بِنَقْضِ زَوْجِهَا .","part":21,"page":118},{"id":10118,"text":"فَصْلٌ : فَأَمَّا أَهْلُ الْهُدْنَةِ إذَا نَقَضُوا الْعَهْدَ ، حَلَّتْ دِمَاؤُهُمْ وَأَمْوَالُهُمْ ، وَسَبْيُ ذَرَارِيِّهِمْ ؛ { لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَتَلَ رِجَالَ بَنِي قُرَيْظَةَ ، وَسَبَى ذَرَارِيَّهُمْ ، وَأَخَذَ أَمْوَالَهُمْ ، حِينَ نَقَضُوا عَهْدَهُ .\rوَلَمَّا هَادَنَ قُرَيْشًا فَنَقَضَتْ عَهْدَهُ ، حَلَّ لَهُ مِنْهُمْ مَا كَانَ حَرُمَ عَلَيْهِ مِنْهُمْ } .\rوَلِأَنَّ الْهُدْنَةَ عَهْدٌ مُؤَقَّتٌ ، يَنْتَهِي بِانْقِضَاءِ مُدَّتِهِ ، فَيَزُولُ بِنَقْضِهِ وَفَسْخِهِ ، كَعَقْدِ الْإِجَارَةِ ، بِخِلَافِ عَقْدِ الذِّمَّةِ .","part":21,"page":119},{"id":10119,"text":"( 7590 ) فَصْلٌ : وَمَعْنَى الْهُدْنَةِ ، أَنْ يَعْقِدَ لِأَهْلِ الْحَرْبِ عَقْدًا عَلَى تَرْكِ الْقِتَالِ مُدَّةً ، بِعِوَضٍ وَبِغَيْرِ عِوَضٍ .\rوَتُسَمَّى مُهَادَنَةً وَمُوَادَعَةً وَمُعَاهَدَةً ، وَذَلِكَ جَائِزٌ ، بِدَلِيلِ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { بَرَاءَةٌ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنْ الْمُشْرِكِينَ } .\rوَقَالَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى : { وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا } .\rوَرَوَى مَرْوَانُ ، وَمِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَالَحَ ، سُهَيْلَ بْنَ عَمْرٍو بِالْحُدَيْبِيَةِ ، عَلَى وَضْعِ الْقِتَالِ عَشْرَ سِنِينَ } .\rوَلِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ بِالْمُسْلِمِينَ ضَعْفٌ ، فَيُهَادِنُهُمْ حَتَّى يَقْوَى الْمُسْلِمُونَ .\rوَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ إلَّا لِلنَّظَرِ لِلْمُسْلِمِينَ ؛ إمَّا أَنْ يَكُونَ بِهِمْ ضَعْفٌ عَنْ قِتَالِهِمْ ، وَإِمَّا أَنْ يَطْمَعَ فِي إسْلَامِهِمْ بِهُدْنَتِهِمْ ، أَوْ فِي أَدَائِهِمْ الْجِزْيَةَ ، وَالْتِزَامِهِمْ أَحْكَامَ الْمِلَّةِ ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْمَصَالِحِ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّهُ لَا تَجُوزُ الْمُهَادَنَةُ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ تَقْدِيرِ مُدَّةٍ ؛ لِأَنَّهُ يُفْضِي إلَى تَرْكِ الْجِهَادِ بِالْكُلِّيَّةِ .\rوَلَا يَجُوزُ أَنْ يُشْتَرَطَ نَقْضُهَا لِمَنْ شَاءَ مِنْهُمَا ؛ لِأَنَّهُ يُفْضِي إلَى ضِدِّ الْمَقْصُودِ مِنْهَا .\rوَإِنْ شَرَطَ الْإِمَامُ لِنَفْسِهِ ذَلِكَ دُونَهُمْ ، لَمْ يَجُزْ أَيْضًا .\rذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ ؛ لِأَنَّهُ يُنَافِي مُقْتَضَى الْعَقْدِ ، فَلَمْ يَصِحَّ ، كَمَا لَوْ شُرِطَ ذَلِكَ فِي الْبَيْعِ وَالنِّكَاحِ .\rوَقَالَ الْقَاضِي ، وَالشَّافِعِيُّ : يَصِحُّ ؛ { لِأَنَّ النَّبِيَّ صَالَحَ أَهْلَ خَيْبَرَ عَلَى أَنْ يُقِرَّهُمْ مَا أَقَرَّهُمْ اللَّهُ تَعَالَى } .\rوَلَا يَصِحُّ هَذَا ، فَإِنَّهُ عَقْدٌ لَازِمٌ ، فَلَا يَجُوزُ اشْتِرَاطُ نَقْضِهِ ، كَسَائِرِ الْعُقُودِ اللَّازِمَةِ ، وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَيْنَ أَهْلِ خَيْبَرَ هُدْنَةٌ ، فَإِنَّهُ فَتَحَهَا عَنْوَةً ، وَإِنَّمَا سَاقَاهُمْ ، وَقَالَ لَهُمْ ذَلِكَ .\rوَهَذَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ الْمُسَاقَاةِ ، وَلَيْسَ","part":21,"page":120},{"id":10120,"text":"هَذَا بِهُدْنَةٍ اتِّفَاقًا ، وَقَدْ وَافَقُوا الْجَمَاعَةَ فِي أَنَّهُ لَوْ شَرَطَ فِي عَقْدِ الْهُدْنَةِ أَنِّي أُقِرُّكُمْ مَا أَقَرَّكُمْ اللَّهُ .\rلَمْ يَصِحَّ فَكَيْفَ يَصِحُّ مِنْهُمْ الِاحْتِجَاجُ بِهِ ، مَعَ إجْمَاعِهِمْ مَعَ غَيْرِهِمْ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ اشْتِرَاطُهُ ، ( 7591 ) فَصْلٌ : وَلَا يَجُوزُ عَقْدُ الْهُدْنَةِ إلَّا عَلَى مُدَّةٍ مُقَدَّرَةٍ مَعْلُومَةٍ ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ .\rقَالَ الْقَاضِي : وَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ ، أَنَّهَا لَا تَجُوزُ أَكْثَرَ مِنْ عَشْرِ سِنِينَ .\rوَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ ، وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ قَوْله تَعَالَى : { فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ } .\rعَامٌّ خُصَّ مِنْهُ مُدَّةُ الْعَشْرِ { لِمُصَالَحَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُرَيْشًا يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ عَشْرًا } ، فَفِيمَا زَادَ يَبْقَى عَلَى مُقْتَضَى الْعُمُومِ .\rفَعَلَى هَذَا ، إنْ زَادَ الْمُدَّةَ عَلَى عَشْرٍ ، بَطَلَ فِي الزِّيَادَةِ .\rوَهَلْ تَبْطُلُ فِي الْعَشْرِ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ ، بِنَاءً عَلَى تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ ، وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ ، أَنَّهُ يَجُوزُ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ عَشْرٍ ، عَلَى مَا يَرَاهُ الْإِمَامُ مِنْ الْمَصْلَحَةِ ، وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ يَجُوزُ فِي الْعَشْرِ ، فَجَازَتْ الزِّيَادَةُ عَلَيْهَا ، كَعَقْدِ الْإِجَارَةِ ، وَالْعَامُّ مَخْصُوصٌ فِي الْعَشْرِ لِمَعْنًى مَوْجُودٍ فِيمَا زَادَ عَلَيْهَا ، وَهُوَ أَنَّ الْمَصْلَحَةَ قَدْ تَكُونُ فِي الصُّلْحِ أَكْثَرَ مِنْهَا فِي الْحَرْبِ .","part":21,"page":121},{"id":10121,"text":"فَصْلٌ : وَتَجُوزُ مُهَادَنَتُهُمْ عَلَى غَيْرِ مَالٍ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَادَنَهُمْ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ عَلَى غَيْرِ مَالٍ .\rوَيَجُوزُ ذَلِكَ عَلَى مَالٍ يَأْخُذُهُ مِنْهُمْ ؛ فَإِنَّهَا إذَا جَازَتْ عَلَى غَيْرِ مَالٍ ، فَعَلَى مَالٍ أَوْلَى .\rوَأَمَّا إنْ صَالَحَهُمْ عَلَى مَالٍ نَبْذُلُهُ لَهُمْ ، فَقَدْ أَطْلَقَ أَحْمَدُ الْقَوْلَ بِالْمَنْعِ مِنْهُ ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ فِيهِ صَغَارًا لِلْمُسْلِمِينَ .\rوَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى غَيْرِ حَالِ الضَّرُورَةِ ، فَأَمَّا إنْ دَعَتْ إلَيْهِ ضَرُورَةٌ ، وَهُوَ أَنْ يَخَافَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ الْهَلَاكَ أَوْ الْأَسْرَ ، فَيَجُوزُ ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ لِلْأَسِيرِ فِدَاءُ نَفْسِهِ بِالْمَالِ ، فَكَذَا هَا هُنَا ، وَلِأَنَّ بَذْلَ الْمَالِ إنْ كَانَ فِيهِ صَغَارٌ ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ تَحَمُّلُهُ لِدَفْعِ صَغَارٍ أَعْظَمَ مِنْهُ ، وَهُوَ الْقَتْلُ ، وَالْأَسْرُ ، وَسَبْيُ الذُّرِّيَّةِ الَّذِينَ يُفْضِي سَبْيُهُمْ إلَى كُفْرِهِمْ .\rوَقَدْ رَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، فِي الْمَغَازِي ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، قَالَ : { أَرْسَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى عُيَيْنَةَ بْنِ حِصْنٍ ، وَهُوَ مَعَ أَبِي سُفْيَانَ - يَعْنِي يَوْمَ الْأَحْزَابِ - : أَرَأَيْت إنْ جَعَلْت لَك ثُلُثَ تَمْرِ الْأَنْصَارِ ، أَتَرْجِعُ بِمَنْ مَعَك مِنْ غَطَفَانَ ، وَتَخْذُلُ بَيْنَ الْأَحْزَابِ ؟ فَأَرْسَلَ إلَيْهِ عُيَيْنَةُ : إنْ جَعَلْت لِي الشَّطْرَ فَعَلْت } .\rقَالَ مَعْمَرٌ : فَحَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ ، { أَنَّ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ وَسَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ قَالَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَاَللَّهِ لَقَدْ كَانَ يَجُرُّ سُرْمَهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فِي عَامِ السَّنَةِ حَوْلَ الْمَدِينَةِ ، مَا يُطِيقُ أَنْ يَدْخُلَهَا ، فَالْآنَ حِينَ جَاءَ اللَّهُ بِالْإِسْلَامِ ، نُعْطِيهِمْ ذَلِكَ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَنَعَمْ إذًا } .\rوَلَوْلَا أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ ، لِمَا بَذَلَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rوَرُوِيَ { أَنَّ الْحَارِثَ بْنَ عَمْرٍو الْغَطَفَانِيَّ ، بَعَثَ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ","part":21,"page":122},{"id":10122,"text":"وَسَلَّمَ فَقَالَ : إنْ جَعَلْت لِي شَطْرَ ثِمَارِ الْمَدِينَةِ ، وَإِلَّا مَلَأْتهَا عَلَيْك خَيْلًا وَرَجْلًا .\rفَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : حَتَّى أُشَاوِرَ السُّعُودَ يَعْنِي .\rسَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ ، وَسَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ ، وَسَعْدَ بْنَ زُرَارَةَ ، فَشَاوَرَهُمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنْ كَانَ هَذَا أَمْرًا مِنْ السَّمَاءِ ، فَتَسْلِيمٌ لِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَإِنْ كَانَ بِرَأْيِك وَهَوَاك ، اتَّبَعْنَا رَأْيَك وَهَوَاك ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَمْرًا مِنْ السَّمَاءِ وَلَا بِرَأْيِك وَهَوَاك ، فَوَاَللَّهِ مَا كُنَّا نُعْطِيهِمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ بُسْرَةً وَلَا تَمْرَةً إلَّا شِرَاءً أَوْ قِرًى ، فَكَيْفَ وَقَدْ أَعَزَّنَا اللَّهُ بِالْإِسْلَامِ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِرَسُولِهِ : أَتَسْمَعُ ؟ } فَعَرَضَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيَعْلَمَ ضَعْفَهُمْ مِنْ قُوَّتِهِمْ ، فَلَوْلَا جَوَازُهُ عِنْدَ الضَّعْفِ ، لِمَا عَرَضَهُ عَلَيْهِمْ .","part":21,"page":123},{"id":10123,"text":"( 7593 ) فَصْلٌ : وَلَا يَجُوزُ عَقْدُ الْهُدْنَةِ وَلَا الذِّمَّةِ إلَّا مِنْ الْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ مَعَ جُمْلَةِ الْكُفَّارِ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لِغَيْرِهِ ، وَلِأَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِنَظَرِ الْإِمَامِ وَمَا يَرَاهُ مِنْ الْمَصْلَحَةِ ، عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ وَلِأَنَّ تَجْوِيزَهُ مِنْ غَيْرِ الْإِمَامِ يَتَضَمَّنُ تَعْطِيلَ الْجِهَادِ بِالْكُلِّيَّةِ ، أَوْ إلَى تِلْكَ النَّاحِيَةِ ، وَفِيهِ افْتِيَاتٌ عَلَى الْإِمَامِ .\rفَإِنْ هَادَنَهُمْ غَيْرُ الْإِمَامِ أَوْ نَائِبُهُ ، لَمْ يَصِحَّ .\rوَإِنْ دَخَلَ بَعْضُهُمْ دَارَ الْإِسْلَامِ بِهَذَا الصُّلْحِ ، كَانَ آمِنًا ؛ لِأَنَّهُ دَخَلَ مُعْتَقِدًا لِلْأَمَانِ ، وَيُرَدُّ إلَى دَارِ الْحَرْبِ ، وَلَا يُقَرُّ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ ؛ لِأَنَّ الْأَمَانَ لَمْ يَصِحَّ .\rوَإِنْ عَقَدَ الْإِمَامُ الْهُدْنَةَ ، ثُمَّ مَاتَ أَوْ عُزِلَ ، لَمْ يَنْتَقِضْ عَهْدُهُ ، وَعَلَى مَنْ بَعْدَهُ الْوَفَاءُ بِهِ ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ عَقَدَهُ بِاجْتِهَادِهِ ، فَلَمْ يَجُزْ لِلْحَاكِمِ نَقْضُ أَحْكَامِ مَنْ قَبْلَهُ بِاجْتِهَادِهِ .\rوَإِذَا عَقَدَ الْهُدْنَةَ ، لَزِمَهُ الْوَفَاءُ بِهَا ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ } .\rوَقَالَ تَعَالَى : { فَأَتِمُّوا إلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إلَى مُدَّتِهِمْ } .\rوَلِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَفِ بِهَا ، لَمْ يُسْكَنْ إلَى عَقْدِهِ ، وَقَدْ يَحْتَاجُ إلَى عَقْدِهَا ، فَإِنْ نَقَضُوا الْعَهْدَ ، جَازَ قِتَالُهُمْ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ } .\rوَقَالَ تَعَالَى : { فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ } { .\rوَلَمَّا نَقَضَتْ قُرَيْشٌ عَهْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، خَرَجَ إلَيْهِمْ ، فَقَاتَلَهُمْ ، وَفَتَحَ مَكَّةَ .\r} وَإِنْ نَقَضَ بَعْضُهُمْ دُونَ بَعْضٍ ، فَسَكَتَ بَاقِيهمْ عَنْ النَّاقِضِ ، وَلَمْ يُوجَدْ مِنْهُمْ إنْكَارٌ ، وَلَا مُرَاسَلَةُ الْإِمَامِ ، وَلَا تَبَرُّؤٌ ، فَالْكُلُّ نَاقِضُونَ { ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ لَمَّا هَادَنَ","part":21,"page":124},{"id":10124,"text":"قُرَيْشًا ، دَخَلَتْ خُزَاعَةُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَنُو بَكْرٍ مَعَ قُرَيْشٍ فَعَدَتْ بَنُو بَكْرٍ عَلَى خُزَاعَةَ ، وَأَعَانَهُمْ بَعْضُ قُرَيْشٍ ، وَسَكَتَ الْبَاقُونَ ، فَكَانَ ذَلِكَ نَقْضَ عَهْدِهِمْ ، وَسَارَ إلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَاتَلَهُمْ .\r} وَلِأَنَّ سُكُوتَهُمْ يَدُلُّ عَلَى رِضَاهُمْ ، كَمَا أَنَّ عَقْدَ الْهُدْنَةِ مَعَ بَعْضِهِمْ يَدْخُلُ فِيهِ جَمِيعُهُمْ ؛ لِدَلَالَةِ سُكُوتِهِمْ عَلَى رِضَاهُمْ ، كَذَلِكَ فِي النَّقْضِ .\rوَإِنْ أَنْكَرَ مَنْ لَمْ يَنْقُضْ عَلَى النَّاقِضِ ، بِقَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ ظَاهِرٍ ، أَوْ اعْتِزَالٍ ، أَوْ رَاسَلَ الْإِمَامَ بِأَنِّي مُنْكِرٌ لِمَا فَعَلَهُ النَّاقِضُ ، مُقِيمٌ عَلَى الْعَهْدِ ، لَمْ يَنْتَقِضْ فِي حَقِّهِ ، وَيَأْمُرُهُ الْإِمَامُ بِالتَّمَيُّزِ ، لِيَأْخُذَ النَّاقِضَ وَحْدَهُ ، فَإِنْ امْتَنَعَ مِنْ التَّمَيُّزِ ، أَوْ إسْلَامِ النَّاقِضِ ، صَارَ نَاقِضًا ؛ لِأَنَّهُ مَنَعَ مِنْ أَخْذِ النَّاقِضِ ، فَصَارَ بِمَنْزِلَتِهِ ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ التَّمَيُّزُ ، لَمْ يَنْتَقِضْ عَهْدُهُ ؛ لِأَنَّهُ كَالْأَسِيرِ .\rفَإِنْ أَسَرَ الْإِمَامُ مِنْهُمْ قَوْمًا ، فَادَّعَى الْأَسِيرُ أَنَّهُ لَمْ يَنْقُضْ ، وَأَشْكَلَ ذَلِكَ عَلَيْهِ ، قُبِلَ قَوْلُ الْأَسِيرِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُتَوَصَّلُ إلَى ذَلِكَ إلَّا مِنْ قِبَلِهِ .","part":21,"page":125},{"id":10125,"text":"( 7594 ) فَصْلٌ : وَإِنْ خَافَ نَقْضَ الْعَهْدِ مِنْهُمْ ، جَازَ أَنْ يَنْبِذَ إلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ } .\rيَعْنِي أَعْلِمْهُمْ بِنَقْضِ عَهْدِهِمْ ، حَتَّى تَصِيرَ أَنْتَ وَهُمْ سَوَاءٌ فِي الْعِلْمِ ، وَلَا يَكْفِي وُقُوعُ ذَلِكَ فِي قَبُولِهِ ، حَتَّى يَكُونَ عَنْ أَمَارَةٍ تَدُلُّ عَلَى مَا خَافَهُ .\rوَلَا يَجُوزُ أَنْ يَبْدَأَهُمْ بِقِتَالٍ وَلَا غَارَةٍ قَبْلَ إعْلَامِهِمْ بِنَقْضِ الْعَهْدِ ؛ لِلْآيَةِ ، وَلِأَنَّهُمْ آمِنُونَ مِنْهُ بِحُكْمِ الْعَهْدِ ، فَلَا يَجُوزُ قَتْلُهُمْ ، وَلَا أَخْذُ مَالِهِمْ .\rفَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ قُلْتُمْ : إنَّ الذِّمِّيَّ إذَا خِيفَ مِنْهُ الْخِيَانَةُ ، لَمْ يَنْتَقِضْ عَهْدُهُ .\rقُلْنَا : عَقْدُ الذِّمَّةِ آكَدُ ؛ لِأَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ إجَابَتُهُمْ إلَيْهِ ، وَهُوَ نَوْعُ مُعَاوَضَةٍ ، وَعَقْدٌ مُؤَبَّدٌ ، بِخِلَافِ الْهُدْنَةِ وَالْأَمَانِ ، وَلِهَذَا لَوْ نَقَضَ بَعْضُ أَهْلِ الذِّمَّةِ ، لَمْ يَنْتَقِضْ عَهْدُ الْبَاقِينَ ، بِخِلَافِ الْهُدْنَةِ ، وَلِأَنَّ أَهْلَ الذِّمَّةِ فِي قَبْضَةِ الْإِمَامِ ، وَتَجِبُ وِلَايَتُهُ ، وَلَا يُخْشَى الضَّرَرُ كَثِيرًا مِنْ نَقْضِهِمْ ، بِخِلَافِ أَهْلِ الْهُدْنَةِ ، فَإِنَّهُ يُخَافُ مِنْهُمْ الْغَارَةُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ ، وَالضَّرَرُ الْكَثِيرُ بِأَخْذِهِمْ لِلْمُسْلِمِينَ .","part":21,"page":126},{"id":10126,"text":"( 7595 ) فَصْلٌ : وَإِذَا عَقَدَ الْهُدْنَةَ ، فَعَلَيْهِ حِمَايَتُهُمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَأَهْلِ الذِّمَّةِ ؛ لِأَنَّهُ آمَنَهُمْ مِمَّنْ هُوَ فِي قَبْضَتِهِ وَتَحْتَ يَدِهِ ، كَمَا أَمَّنَ مَنْ فِي قَبْضَتِهِ مِنْهُمْ .\rوَمَنْ أَتْلَفَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَوْ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ عَلَيْهِمْ شَيْئًا ، فَعَلَيْهِ ضَمَانُهُ ، وَلَا تَلْزَمُهُ حِمَايَتُهُمْ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ ، وَلَا حِمَايَةُ بَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ ؛ لِأَنَّ الْهُدْنَةَ الْتِزَامُ الْكَفِّ عَنْهُمْ فَقَطْ .\rفَإِنْ أَغَارَ عَلَيْهِمْ قَوْمٌ آخَرُونَ فَسَبَوْهُمْ .\rلَمْ يَلْزَمْهُ اسْتِنْقَاذُهُمْ ، وَلَيْسَ لِلْمُسْلِمِينَ شِرَاؤُهُمْ ؛ لِأَنَّهُمْ فِي عَهْدِهِمْ ، فَلَا يَجُوزُ لَهُمْ أَذَاهُمْ وَلَا اسْتِرْقَاقُهُمْ .\rوَذَكَرَ الشَّافِعِيُّ مَا يَدُلُّ عَلَى هَذَا .\rوَيَحْتَمِلُ جَوَازَ ذَلِكَ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ ، لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ أَنْ يَدْفَعَ عَنْهُمْ ، فَلَا يَحْرُمُ اسْتِرْقَاقُهُمْ ، بِخِلَافِ أَهْلِ الذِّمَّةِ .\rفَعَلَى هَذَا ، إنْ اسْتَوْلَى الْمُسْلِمُونَ عَلَى الَّذِينَ أَسَرُوهُمْ ، وَأَخَذُوا أَمْوَالَهُمْ ، فَاسْتَنْقَذُوا ذَلِكَ مِنْهُمْ ، لَمْ يَلْزَمْ رَدُّهُ إلَيْهِمْ ، عَلَى هَذَا الْقَوْلِ .\rوَمُقْتَضَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ وُجُوبُ رَدِّهِ ، كَمَا تُرَدُّ أَمْوَالُ أَهْلِ الذِّمَّةِ إلَيْهِمْ .","part":21,"page":127},{"id":10127,"text":"( 7596 ) فَصْلٌ : وَإِذَا عَقَدَ الْهُدْنَةَ مُطْلَقًا ، فَجَاءَنَا مِنْهُمْ إنْسَانٌ مُسْلِمًا أَوْ بِأَمَانٍ ، لَمْ يَجِبْ رَدُّهُ إلَيْهِمْ ، وَلَمْ يَجُزْ ذَلِكَ ، سَوَاءٌ كَانَ حُرًّا أَوْ عَبْدًا ، أَوْ رَجُلًا أَوْ امْرَأَةً .\rوَلَا يَجِبُ رَدُّ مَهْرِ الْمَرْأَةِ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ : إنْ خَرَجَ الْعَبْدُ إلَيْنَا قَبْلَ إسْلَامِهِ ، ثُمَّ أَسْلَمَ ، لَمْ يُرَدَّ إلَيْهِمْ ، وَإِنْ أَسْلَمَ قَبْلَ خُرُوجِهِ ، ثُمَّ خَرَجَ إلَيْنَا ، لَمْ يَصِرْ حُرًّا ، لِأَنَّهُمْ فِي أَمَانٍ مِنَّا ، وَالْهُدْنَةُ تَمْنَعُ مِنْ جَوَازِ الْقَهْرِ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي قَوْلٍ لَهُ : إذَا جَاءَتْ امْرَأَةٌ لَهُ مُسْلِمَةٌ ، وَجَبَ رَدُّ مَهْرِهَا ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا } .\rيَعْنِي رُدَّ مَهْرُهَا إلَى زَوْجِهَا إذَا جَاءَ يَطْلُبُهَا ، وَإِنْ جَاءَ غَيْرُهُ ، لَمْ يُرَدَّ إلَيْهِ شَيْءٌ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ دَارِ الْإِسْلَامِ ، خَرَجَ إلَيْنَا ، فَلَمْ يَجِبْ رَدُّهُ ، وَلَا رَدُّ شَيْءٍ بَدَلًا عَنْهُ ، كَالْحُرِّ مِنْ الرِّجَالِ ، وَكَالْعَبْدِ إذَا خَرَجَ ثُمَّ أَسْلَمَ .\rقَوْلُهُمْ : إنَّهُمْ فِي أَمَانٍ مِنَّا .\rقُلْنَا : إنَّمَا أَمَّنَّاهُمْ مِمَّنْ هُوَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ ، الَّذِينَ هُمْ فِي قَبْضَةِ الْإِمَامِ ، فَأَمَّا مَنْ هُوَ فِي دَارِهِمْ ، وَمَنْ لَيْسَ فِي قَبْضَتِهِ ، فَلَا يُمْنَعُ مِنْهُ ، بِدَلِيلِ مَا لَوْ خَرَجَ الْعَبْدُ قَبْلَ إسْلَامِهِ ، وَلِهَذَا { لَمَّا قَتَلَ أَبُو بَصِيرٍ الرَّجُلَ الَّذِي جَاءَ لِرَدِّهِ ، لَمْ يُنْكِرْهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يُضَمِّنْهُ ، وَلَمَّا انْفَرَدَ هُوَ وَأَبُو جَنْدَلٍ وَأَصْحَابُهُمَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ ، فَقَطَعُوا الطَّرِيقَ عَلَيْهِمْ ، وَقَتَلُوا مَنْ قَتَلُوا مِنْهُمْ ، وَأَخَذُوا الْمَالَ ، لَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يَأْمُرْهُمْ بِرَدِّ مَا أَخَذُوهُ ، وَلَا غَرَامَةِ مَا أَتْلَفُوهُ } .\rوَهَذَا الَّذِي أَسْلَمَ كَانَ فِي دَارِهِمْ وَقَبْضَتِهِمْ ، وَقَهْرِهِمْ عَلَى نَفْسِهِ ، فَصَارَ حُرًّا ،","part":21,"page":128},{"id":10128,"text":"كَمَا لَوْ أَسْلَمَ بَعْدَ خُرُوجِهِ .\rوَأَمَّا الْمَرْأَةُ ، فَلَا يَجِبُ رَدُّ مَهْرِهَا ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَأْخُذْ مِنْهُ شَيْئًا ، وَلَوْ أَخَذَتْهُ كَانَتْ قَدْ قَهَرَتْهُمْ عَلَيْهِ فِي دَارِ الْقَهْرِ ، وَلَوْ وَجَبَ عَلَيْهَا عِوَضُهُ ، لَوَجَبَ مَهْرُ الْمِثْلِ دُونَ الْمُسَمَّى .\rوَالْآيَةُ ، قَالَ قَتَادَةُ : تُبِيحُ رَدَّ الْمَهْرِ .\rوَقَالَ عَطَاءٌ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ : لَا يُعْمَلُ بِهَا الْيَوْمَ .\rوَعَلَى أَنَّ الْآيَةَ إنَّمَا نَزَلَتْ فِي قَضِيَّةِ الْحُدَيْبِيَةِ ، حِينَ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَرَطَ لَهُمْ رَدَّ مَنْ جَاءَهُ مُسْلِمًا ، فَلَمَّا مَنَعَ اللَّهُ رَدَّ النِّسَاءِ ، أَمَرَ بِرَدِّ مُهُورِهِنَّ ، وَكَلَامُنَا فِيمَا إذَا وَقَعَ الصُّلْحُ مُطْلَقًا ، فَلَيْسَ هُوَ مَعْنَى مَا تَنَاوَلَهُ الْأَمْرُ .\rوَإِنْ وَقَعَ الْكَلَامُ فِيمَا إذَا شَرَطَ رَدَّ النِّسَاءِ ، لَمْ يَصِحَّ أَيْضًا ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ الَّذِي كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَرَطَهُ ، كَانَ صَحِيحًا ، وَقَدْ نُسِخَ ، فَإِذَا شُرِطَ الْآنَ كَانَ بَاطِلًا ، فَلَا يَجُوزُ قِيَاسُهُ عَلَى الصَّحِيحِ ، وَلَا إلْحَاقُهُ بِهِ .","part":21,"page":129},{"id":10129,"text":"( 7597 ) فَصْلٌ : وَالشُّرُوطُ فِي عَقْدِ الْهُدْنَةِ تَنْقَسِمُ قِسْمَيْنِ ؛ صَحِيحٌ ؛ مِثْلُ أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَيْهِمْ مَالًا ، أَوْ مَعُونَةَ الْمُسْلِمِينَ عِنْدَ حَاجَتِهِمْ إلَيْهِمْ ، أَوْ يَشْتَرِطَ لَهُمْ أَنْ يَرُدَّ مَنْ جَاءَهُ مِنْ الرِّجَالِ مُسْلِمًا أَوْ بِأَمَانٍ .\rفَهَذَا يَصِحُّ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ : لَا يَصِحُّ شَرْطُ رَدِّ الْمُسْلِمِ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ عَشِيرَةٌ تَحْمِيه وَتَمْنَعُهُ .\rوَلَنَا ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَرَطَ ذَلِكَ فِي صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ ، وَوَفَّى لَهُمْ بِهِ ، فَرَدَّ أَبَا جَنْدَلٍ وَأَبَا بَصِيرٍ } ، وَلَمْ يَخُصَّ بِالشَّرْطِ ذَا الْعَشِيرَةِ ، وَلِأَنَّ ذَا الْعَشِيرَةِ إذَا كَانَتْ عَشِيرَتُهُ هِيَ الَّتِي تَفْتِنُهُ وَتُؤْذِيه ، فَهُوَ كَمَنْ لَا عَشِيرَةَ لَهُ ، لَكِنْ لَا يَجُوزُ هَذَا الشَّرْطُ إلَّا عِنْدَ شِدَّةِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ ، وَتَعَيُّنِ الْمَصْلَحَةِ فِيهِ ، وَمَتَى شَرَطَ لَهُمْ ذَلِكَ ، لَزِمَ الْوَفَاءُ بِهِ ، بِمَعْنَى أَنَّهُمْ إذَا جَاءُوا فِي طَلَبِهِ ، لَمْ يَمْنَعْهُمْ أَخْذَهُ ، وَلَا يُجْبِرُهُ الْإِمَامُ عَلَى الْمُضِيِّ مَعَهُمْ .\rوَلَهُ أَنْ يَأْمُرَهُ سِرًّا بِالْهَرَبِ مِنْهُمْ ، وَمُقَاتَلَتِهِمْ { ، فَإِنَّ أَبَا بَصِيرٍ لَمَّا جَاءَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجَاءَ الْكُفَّارُ فِي طَلَبِهِ ، قَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إنَّا لَا يَصْلُحُ فِي دِينِنَا الْغَدْرُ ، وَقَدْ عَلِمْت مَا عَاهَدْنَاهُمْ عَلَيْهِ ، وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَ لَك فَرَجًا وَمَخْرَجًا .\rفَلَمَّا رَجَعَ مَعَ الرَّجُلَيْنِ ، قَتَلَ أَحَدَهُمَا فِي طَرِيقِهِ ، ثُمَّ رَجَعَ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَدْ أَوْفَى اللَّهُ ذِمَّتَك ، قَدْ رَدَدْتنِي إلَيْهِمْ ، فَأَنْجَانِي اللَّهُ مِنْهُمْ .\rفَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يَلُمْهُ ، بَلْ قَالَ : وَيْلُ أُمِّهِ مِسْعَرَ حَرْبٍ ، لَوْ كَانَ مَعَهُ رِجَالٌ ، } فَلَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ أَبُو بَصِيرٍ ، لَحِقَ بِسَاحِلِ الْبَحْرِ ، وَانْحَازَ إلَيْهِ أَبُو جَنْدَلِ بْنُ","part":21,"page":130},{"id":10130,"text":"سُهَيْلٍ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ الْمُسْتَضْعَفِينَ بِمَكَّةَ ، فَجَعَلُوا لَا تَمُرُّ عَلَيْهِمْ عِيرٌ لِقُرَيْشٍ إلَّا عَرَضُوا لَهَا ، فَأَخَذُوهَا ، وَقَتَلُوا مَنْ مَعَهَا ، فَأَرْسَلَتْ قُرَيْشٌ ، إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تُنَاشِدُهُ اللَّهَ وَالرَّحِمَ ، أَنْ يَضُمَّهُمْ إلَيْهِ ، وَلَا يَرُدُّ إلَيْهِمْ أَحَدًا جَاءَهُ ، فَفَعَلَ .\rفَيَجُوزُ حِينَئِذٍ لِمَنْ أَسْلَمَ مِنْ الْكُفَّارِ أَنْ يَتَحَيَّزُوا نَاحِيَةً ، وَيَقْتُلُونَ مَنْ قَدَرُوا عَلَيْهِ مِنْ الْكُفَّارِ ، وَيَأْخُذُونَ أَمْوَالَهُمْ ، وَلَا يَدْخُلُونَ فِي الصُّلْحِ .\rوَإِنْ ضَمَّهُمْ الْإِمَامُ إلَيْهِ بِإِذْنِ الْكُفَّارِ ، دَخَلُوا فِي الصُّلْحِ ، وَحَرُمَ عَلَيْهِمْ قَتْلُ الْكُفَّارِ وَأَمْوَالُهُمْ وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ لَمَّا جَاءَ أَبُو جَنْدَلٍ إلَى النَّبِيِّ هَارِبًا مِنْ الْكُفَّارِ ، يَرْسُفُ فِي قُيُودِهِ ، قَامَ إلَيْهِ أَبُوهُ فَلَطَمَهُ ، وَجَعَلَ يَرُدُّهُ ، قَالَ عُمَرُ : فَقُمْت إلَى جَانِبِ أَبِي جَنْدَلٍ ، فَقُلْت : إنَّهُمْ الْكُفَّارُ ، وَإِنَّمَا دَمُ أَحَدِهِمْ دَمُ كَلْبٍ .\rوَجَعَلْت أُدْنِي مِنْهُ قَائِمَ السَّيْفِ لَعَلَّهُ أَنْ يَأْخُذَهُ ، فَيَضْرِبَ بِهِ أَبَاهُ ، قَالَ : فَضَنَّ الرَّجُلُ بِأَبِيهِ .\rالثَّانِي ، شَرْطٌ فَاسِدٌ ، مِثْل أَنْ يَشْتَرِطَ رَدَّ النِّسَاءِ ، أَوْ مُهُورِهِنَّ ، أَوْ رَدَّ سِلَاحِهِمْ ، أَوْ إعْطَاءَهُمْ شَيْئًا مِنْ سِلَاحِنَا ، أَوْ مِنْ آلَاتِ الْحَرْبِ ، أَوْ يَشْتَرِطَ لَهُمْ مَالًا فِي مَوْضِعٍ لَا يَجُوزُ بَذْلُهُ ، أَوْ يَشْتَرِطَ نَقْضَهَا مَتَى شَاءُوا ، أَوْ أَنَّ لِكُلِّ طَائِفَةٍ مِنْهُمْ نَقْضًا ، أَوْ يَشْتَرِطَ رَدَّ الصِّبْيَانِ ، أَوْ رَدَّ الرِّجَالِ ، مَعَ عَدَمِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ .\rفَهَذِهِ كُلُّهَا شُرُوطٌ فَاسِدَةٌ ، لَا يَجُوزُ الْوَفَاءُ بِهَا .\rوَهَلْ يَفْسُدُ الْعَقْدُ بِهَا ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ ، بِنَاءً عَلَى الشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ فِي الْبَيْعِ ، إلَّا فِيمَا إذَا شَرَطَ أَنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ نَقْضَهَا مَتَى شَاءَ ، فَيَنْبَغِي أَنْ لَا تَصِحَّ وَجْهًا وَاحِدًا ، لِأَنَّ طَائِفَةَ الْكُفَّارِ يَبْنُونَ عَلَى هَذَا الشَّرْطِ ،","part":21,"page":131},{"id":10131,"text":"فَلَا يَحْصُلُ الْأَمْنُ مِنْهُمْ ، وَلَا أَمْنُهُمْ مِنَّا ، فَيَفُوتُ مَعْنَى الْهُدْنَةِ .\rوَإِنَّمَا لَمْ يَصِحَّ شَرْطُ رَدِّ النِّسَاءِ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { إذَا جَاءَكُمْ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ } إلَى قَوْلِهِ : { فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إلَى الْكُفَّارِ } .\rوَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إنَّ اللَّهَ مَنَعَ الصُّلْحَ فِي النِّسَاءِ } .\rوَتُفَارِقُ الْمَرْأَةُ الرَّجُلَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ ؛ أَحَدُهَا أَنَّهَا لَا تَأْمَنُ مِنْ أَنْ تُزَوَّجَ كَافِرًا يَسْتَحِلُّهَا ، أَوْ يُكْرِهُهَا مَنْ يَنَالُهَا ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ اللَّهُ تَعَالَى بِقَوْلِهِ : { لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ } .\rالثَّانِي ، أَنَّهَا رُبَّمَا فُتِنَتْ عَنْ دِينِهَا ؛ لِأَنَّهَا أَضْعَفُ قَلْبًا ، وَأَقَلُّ مَعْرِفَةً مِنْ الرَّجُلِ .\rالثَّالِثُ ، أَنَّ الْمَرْأَةَ لَا يُمْكِنُهَا فِي الْعَادَةِ الْهَرَبُ وَالتَّخَلُّصُ ، بِخِلَافِ الرَّجُلِ .\rوَلَا يَجُوزُ رَدُّ الصِّبْيَانِ الْعُقَلَاءِ إذَا جَاءُوا مُسْلِمِينَ ؛ لِأَنَّهُمْ بِمَنْزِلَةِ الْمَرْأَةِ فِي الضَّعْفِ فِي الْعَقْلِ وَالْمَعْرِفَةِ ، وَالْعَجْزِ عَنْ التَّخَلُّصِ وَالْهَرَبِ .\rفَأَمَّا الطِّفْلُ الَّذِي لَا يَصِحُّ إسْلَامُهُ ، فَيَجُوزُ رَدُّهُ ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُسْلِمٍ .","part":21,"page":132},{"id":10132,"text":"( 7598 ) فَصْلٌ : وَإِذَا طَلَبَتْ امْرَأَةٌ أَوْ صَبِيَّةٌ مُسْلِمَةٌ ، الْخُرُوجَ مِنْ عِنْدِ الْكُفَّارِ ، جَازَ لِكُلِّ مُسْلِمٍ إخْرَاجُهَا ؛ لِمَا رُوِيَ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ ، وَقَفَتْ ابْنَةُ حَمْزَةَ عَلَى الطَّرِيقِ فَلَمَّا مَرَّ بِهَا عَلِيٌّ قَالَتْ : يَا ابْنَ عَمِّ ، إلَى مَنْ تَدَعُنِي ؟ فَتَنَاوَلَهَا ، فَدَفَعَهَا إلَى فَاطِمَةَ ، حَتَّى قَدِمَ بِهَا الْمَدِينَةَ } .","part":21,"page":133},{"id":10133,"text":"( 7599 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : وَإِذَا اسْتَأْجَرَ الْأَمِيرُ قَوْمًا يَغْزُونَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ لِمَنَافِعِهِمْ ، لَمْ يُسْهِمْ لَهُمْ ، وَأُعْطُوا مَا اُسْتُؤْجِرُوا بِهِ نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى هَذَا ، فِي رِوَايَةِ جَمَاعَةٍ ، فَقَالَ ، فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ وَحَنْبَلٍ ، فِي الْإِمَامِ يَسْتَأْجِرُ قَوْمًا يَدْخُلُ بِهِمْ بِلَادَ الْعَدُوِّ : لَا يُسْهِمُ لَهُمْ ، وَيُوفِي لَهُمْ بِمَا اُسْتُؤْجِرُوا عَلَيْهِ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى اسْتِئْجَارِ مَنْ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْجِهَادُ ، كَالْعَبِيدِ وَالْكُفَّارِ .\rأَمَّا الرِّجَالُ الْمُسْلِمُونَ الْأَحْرَارُ ، فَلَا يَصِحُّ اسْتِئْجَارُهُمْ عَلَى الْجِهَادِ ؛ لِأَنَّ الْغَزْوَ يَتَعَيَّنُ بِحُضُورِهِ عَلَى مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِهِ ، فَإِذَا تَعَيَّنَ عَلَيْهِ الْفَرْضُ ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يَفْعَلَهُ عَنْ غَيْرِهِ ، كَمَنْ عَلَيْهِ حَجَّةُ الْإِسْلَامِ ، لَا يَجُوزُ أَنْ يَحُجَّ عَنْ غَيْرِهِ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يُحْمَلَ كَلَامُ أَحْمَدَ وَالْخِرَقِيِّ عَلَى ظَاهِرِهِ ، فِي صِحَّةِ الِاسْتِئْجَارِ عَلَى الْغَزْوِ لِمَنْ لَمْ يَتَعَيَّنْ عَلَيْهِ ؛ لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { لِلْغَازِي أَجْرُهُ ، وَلِلْجَاعِلِ أَجْرُهُ } .\rوَرَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَثَلُ الَّذِينَ يَغْزُونَ مِنْ أُمَّتِي ، وَيَأْخُذُونَ الْجُعْلَ ، وَيَتَقَوَّوْنَ بِهِ عَلَى عَدُوِّهِمْ ، مَثَلُ أُمِّ مُوسَى ، تُرْضِعُ وَلَدَهَا ، وَتَأْخُذُ أَجْرَهَا } .\rوَلِأَنَّهُ أَمْرٌ لَا يَخْتَصُّ فَاعِلُهُ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْقُرْبَةِ ، فَصَحَّ الِاسْتِئْجَارُ عَلَيْهِ ، كَبِنَاءِ الْمَسَاجِدِ ، أَوْ لَمْ يَتَعَيَّنْ عَلَيْهِ الْجِهَادُ ، فَصَحَّ أَنْ يُؤْجِرَ نَفْسَهُ عَلَيْهِ كَالْعَبْدِ .\rوَيُفَارِقُ الْحَجَّ ، حَيْثُ إنَّهُ لَيْسَ بِفَرْضِ عَيْنٍ ، وَإِنَّ الْحَاجَةَ دَاعِيَةٌ إلَيْهِ ، وَفِي الْمَنْعِ مِنْ أَخْذِ الْجُعْلِ عَلَيْهِ تَعْطِيلٌ لَهُ ، وَمَنْعٌ لَهُ مِمَّا","part":21,"page":134},{"id":10134,"text":"فِيهِ لِلْمُسْلِمِينَ نَفْعٌ ، وَبِهِمْ إلَيْهِ حَاجَةٌ ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَجُوزَ ، بِخِلَافِ الْحَجِّ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنْ قُلْنَا بِالْأَوَّلِ ، فَالْإِجَارَةُ فَاسِدَةٌ ، وَعَلَيْهِ الْأُجْرَةُ يَرُدُّهَا ، وَلَهُ سَهْمُهُ ؛ لِأَنَّ غَزْوَهُ بِغَيْرِ أُجْرَةٍ .\rوَإِنْ قُلْنَا بِصِحَّتِهِ ، فَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ وَالْخِرَقِيِّ ، رَحِمَهُمَا اللَّهُ ، أَنَّهُ لَا سَهْمَ لَهُ ؛ لِأَنَّ غَزْوَهُ بِعِوَضٍ ، فَكَأَنَّهُ وَاقِعٌ مِنْ غَيْرِهِ ، فَلَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا .\rوَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ يَعْلَى بْنِ مُنَبَّهٍ ، قَالَ { : أَذِنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْغَزْوِ ، وَأَنَا شَيْخٌ كَبِيرٌ ، لَيْسَ لِي خَادِمٌ ، فَالْتَمَسْت أَجِيرًا يَكْفِينِي ، وَأُجْرِي لَهُ سَهْمَهُ ، فَوَجَدْت رَجُلًا ، فَلَمَّا دَنَا الرَّحِيلُ ، قَالَ : مَا أَدْرِي مَا السُّهْمَانُ وَمَا يَبْلُغُ سَهْمِي ، فَسَمِّ لِي شَيْئًا كَانَ السَّهْمَ أَوْ لَمْ يَكُنْ .\rفَسَمَّيْت لَهُ ثَلَاثَةَ دَنَانِيرَ ، فَلَمَّا حَضَرَتْ غَنِيمَةٌ أَرَدْت أَنْ أُجْرِيَ لَهُ سَهْمَهُ ، فَذَكَرْت الدَّنَانِيرَ ، فَجِئْت إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرْت لَهُ أَمْرَهُ ، فَقَالَ : مَا أَجِدُ لَهُ فِي غَزْوَتِهِ هَذِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ إلَّا دَنَانِيرَهُ الَّتِي سَمَّى } .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يُسْهَمَ لَهُ .\rوَهُوَ اخْتِيَارُ الْخَلَّالِ .\rقَالَ : وَرَوَى جَمَاعَةٌ عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّ لِلْأَجِيرِ السَّهْمَ إذَا قَاتَلَ .\rوَرَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ ، أَنَّ كُلَّ مَنْ شَهِدَ الْقِتَالَ فَلَهُ السَّهْمُ .\rقَالَ : وَهَذَا الَّذِي أَعْتَمِدُ عَلَيْهِ مِنْ قَوْلِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ .\rوَوَجْهُ ذَلِكَ ، مَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، وَحَدِيثِ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ ، وَقَوْلِ عُمَرَ : الْغَنِيمَةُ لِمَنْ شَهِدَ الْوَقْعَةَ .\rوَلِأَنَّهُ حَاضِرٌ لِلْوَقْعَةِ مِنْ أَهْلِ الْقِتَالِ ، فَيُسْهَمُ لَهُ كَغَيْرِ الْأَجِيرِ .\rفَأَمَّا الَّذِينَ يُعْطُونَ مِنْ حَقِّهِمْ مِنْ الْفَيْءِ ، فَلَهُمْ سِهَامُهُمْ ، لِأَنَّ ذَلِكَ حَقٌّ جَعَلَهُ اللَّهُ لَهُمْ لِيَغْزُوَ ، لَا أَنَّهُ عِوَضٌ عَنْ جِهَادِهِ ،","part":21,"page":135},{"id":10135,"text":"بَلْ نَفْعُ جِهَادِهِ لَهُ لَا لِغَيْرِهِ .\rوَكَذَلِكَ مَنْ يُعْطَوْنَ مِنْ الصَّدَقَاتِ ، وَهُمْ الَّذِينَ إذَا نَشِطُوا لِلْغَزْوِ أُعْطُوا ، فَإِنَّهُمْ يُعْطَوْنَ مَعُونَةً ، لَا عِوَضًا ، وَلِذَلِكَ إذَا دَفَعَ إلَى الْغُزَاةِ مَا يَتَقَوَّوْنَ بِهِ ، وَيَسْتَعِينُونَ بِهِ ، كَانَ لَهُ فِيهِ الثَّوَابُ ، وَلَمْ يَكُنْ عِوَضًا .\rقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ جَهَّزَ غَازِيًا ، كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ } .","part":21,"page":136},{"id":10136,"text":"( 7600 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا الْأَجِيرُ لِلْخِدْمَةِ فِي الْغَزْوِ ، أَوْ الَّذِي يُكْرِي دَابَّةً لَهُ ، وَيَخْرُجُ مَعَهَا ، وَيَشْهَدُ الْوَقْعَةَ ، فَعَنْ أَحْمَدْ ، فِيهِ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، لَا سَهْمَ لَهُ .\rوَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ ، وَإِسْحَاقَ ، قَالَا : الْمُسْتَأْجَرُ عَلَى خِدْمَةِ الْقَوْمِ لَا سَهْمَ لَهُ .\rوَوَجْهُهُ حَدِيثُ يَعْلَى بْنِ مُنَبِّهٍ .\rوَالثَّانِيَةُ ، يُسْهَمُ لَهُمَا ، إذَا شَهِدَا الْقِتَالَ مَعَ النَّاسِ .\rوَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ .\rوَبِهِ قَالَ اللَّيْثُ إذَا قَاتَلَ ، وَإِنْ اشْتَغَلَ بِالْخِدْمَةِ فَلَا سَهْمَ لَهُ .\rوَاحْتَجَّ ابْنُ الْمُنْذِرِ بِحَدِيثِ { سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ ، أَنَّهُ كَانَ أَجِيرًا لِطَلْحَةَ حِينَ أَدْرَكَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عُيَيْنَةَ ، حِينَ أَغَارَ عَلَى سَرْحِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَأَعْطَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَهْمَ الْفَارِسِ وَالرَّاجِلِ } .\rوَقَالَ الْقَاضِي : يُسْهَمُ لَهُ إذَا كَانَ مَعَ الْمُجَاهِدِينَ ، وَقَصْدُهُ الْجِهَادَ ، فَأَمَّا لِغَيْرِ ذَلِكَ فَلَا .\rوَقَالَ الثَّوْرِيُّ : يُسْهَمُ لَهُ إذَا قَاتَلَ ، وَيُرْفَعُ عَمَّنْ اسْتَأْجَرَهُ نَفَقَةُ مَا اشْتَغَلَ عَنْهُ .","part":21,"page":137},{"id":10137,"text":"( 7601 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا التَّاجِرُ وَالصَّانِعُ ، كَالْخَيَّاطِ وَالْخَبَّازِ وَالْبَيْطَارِ وَالْحَدَّادِ وَالْإِسْكَافِ ، فَقَالَ أَحْمَدُ : يُسْهَمُ لَهُمْ إذَا حَضَرُوا .\rقَالَ أَصْحَابُنَا : قَاتَلُوا أَوْ لَمْ يُقَاتِلُوا .\rوَبِهِ قَالَ فِي التَّاجِرِ الْحَسَنُ ، وَابْنُ سِيرِينَ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ وَمَالِكٌ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ : لَا يُسْهَمُ لَهُمْ ، إلَّا أَنْ يُقَاتِلُوا .\rوَعَنْ الشَّافِعِيِّ كَقَوْلِنَا .\rوَعَنْهُ لَا يُسْهَمُ لَهُ بِحَالٍ .\rقَالَ الْقَاضِي ، فِي التَّاجِرِ وَالْأَجِيرِ : إذَا كَانَا مَعَ الْمُجَاهِدِينَ ، وَقَصْدُهُمَا الْجِهَادُ ، وَإِنَّمَا مَعَهُ الْمَتَاعُ إنْ طُلِبَ مِنْهُ بَاعَهُ ، وَالْأَجِيرُ قَصْدُهُ الْجِهَادُ أَيْضًا ، فَهَذَانِ يُسْهَمُ لَهُمَا ؛ لِأَنَّهُمَا غَازِيَانِ ، وَالصُّنَّاعُ بِمَنْزِلَةِ التُّجَّارِ ، مَتَى كَانُوا مُسْتَعِدِّينَ لِلْقِتَالِ ، وَمَعَهُمْ السِّلَاحُ ، فَمَتَى عَرَضَ اشْتَغَلُوا بِهِ ، أُسْهِمَ لَهُمْ ؛ لِأَنَّهُمْ فِي الْجِهَادِ بِمَنْزِلَةِ غَيْرِهِمْ ، وَإِنَّمَا يَشْتَغِلُونَ بِغَيْرِهِ عِنْدَ فَرَاغِهِمْ مِنْهُ .","part":21,"page":138},{"id":10138,"text":"( 7602 ) فَصْلٌ : إذَا دَخَلَ قَوْمٌ لَا مَنَعَةَ لَهُمْ دَارَ الْحَرْبِ ، بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ ، فَغَنِمُوا ، فَعَنْ أَحْمَدَ فِيهِ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ ؛ إحْدَاهُنَّ ، أَنَّ غَنِيمَتَهُمْ كَغَنِيمَةِ غَيْرِهِمْ ، يُخَمِّسُهُ الْإِمَامُ ، وَيَقْسِمُ بَاقِيه بَيْنَهُمْ .\rوَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، مِنْهُمْ الشَّافِعِيُّ ؛ لِعُمُومِ قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ : { وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ } .\rالْآيَةَ .\rوَالْقِيَاسُ عَلَى مَا إذَا دَخَلُوا بِإِذْنِ الْإِمَامِ .\rوَالثَّانِيَةُ ، هُوَ لَهُمْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُخَمَّسَ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّهُ اكْتِسَابٌ مُبَاحٌ مِنْ غَيْرِ جِهَادٍ ، فَكَانَ لَهُمْ أَشْبَهَ الِاحْتِطَابَ ، فَإِنَّ الْجِهَادَ إنَّمَا يَكُونُ بِإِذْنِ الْإِمَامِ ، أَوْ مِنْ طَائِفَةٍ لَهُمْ مَنَعَةٌ وَقُوَّةٌ ، فَأَمَّا هَذَا فَتَلَصُّصٌ وَسَرِقَةٌ وَمُجَرَّدُ اكْتِسَابٍ .\rوَالثَّالِثَةُ ، أَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُمْ فِيهِ .\rقَالَ أَحْمَدُ ، فِي عَبْدٍ أَبَقَ إلَى الرُّومِ ، ثُمَّ رَجَعَ وَمَعَهُ مَتَاعٌ : فَالْعَبْدُ لِمَوْلَاهُ ، وَمَا مَعَهُ مِنْ الْمَتَاعِ وَالْمَالِ فَهُوَ لِلْمُسْلِمِينَ ؛ لِأَنَّهُمْ عُصَاةٌ بِفِعْلِهِمْ ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ فِيهِ حَقٌّ .\rوَالْأُولَى أَوْلَى قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : لَمَّا أَقْفَلَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْجَيْشَ الَّذِي كَانَ مَعَ مَسْلَمَةَ ، كُسِرَ مَرْكَبُ بَعْضِهِمْ ، فَأَخَذَ الْمُشْرِكُونَ نَاسًا مِنْ الْقِبْطِ ، فَكَانُوا خَدَمًا لَهُمْ ، فَخَرَجُوا يَوْمًا إلَى عِيدٍ لَهُمْ ، وَخَلَّفُوا الْقِبْطَ فِي مَرْكَبِهِمْ ، وَشَرِبَ الْآخَرُونَ ، وَرَفَعَ الْقِبْطُ الْقَلْعَ وَفِي الْمَرْكَبِ مَتَاعُ الْآخَرِينَ وَسِلَاحُهُمْ ، فَلَمْ يَضَعُوا قَلْعَهُمْ حَتَّى أَتَوْا بَيْرُوتَ ، فَكُتِبَ فِي ذَلِكَ إلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيز ، فَكَتَبَ عُمَرُ : نَفِّلُوهُمْ الْقَلْعَ وَكُلَّ شَيْءٍ جَاءُوا بِهِ إلَّا الْخُمْسَ .\rرَوَاهُ سَعِيدٌ ، وَالْأَثْرَمُ .\rوَإِنْ كَانَتْ الطَّائِفَةُ ذَاتَ مَنَعَةٍ ، غَزَوْا بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، لَا شَيْءَ لَهُمْ ، وَهُوَ فَيْءٌ لِلْمُسْلِمِينَ .","part":21,"page":139},{"id":10139,"text":"وَالثَّانِيَةُ ، يُخَمَّسُ ، وَالْبَاقِي لَهُمْ .\rوَهَذَا أَصَحُّ .\rوَوَجْهُ الرِّوَايَتَيْنِ مَا تَقَدَّمَ .\rوَيُخَرَّجُ فِيهِ وَجْهٌ كَالرِّوَايَةِ الثَّالِثَةِ ، وَهُوَ أَنَّ الْجَمِيعَ لَهُمْ مِنْ غَيْرِ خُمْسٍ ؛ لِكَوْنِهِ اكْتِسَابُ مُبَاحٍ مِنْ غَيْرِ جِهَادٍ .","part":21,"page":140},{"id":10140,"text":"( 7603 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : وَمَنْ غَلَّ مِنْ الْغَنِيمَةِ ، حُرِّقَ رَحْلُهُ كُلُّهُ ، إلَّا الْمُصْحَفَ ، وَمَا فِيهِ رُوحٌ الْغَالُّ : هُوَ الَّذِي يَكْتُمُ مَا يَأْخُذُهُ مِنْ الْغَنِيمَةِ ، فَلَا يُطْلِعُ الْإِمَامَ عَلَيْهِ ، وَلَا يَضَعُهُ مَعَ الْغَنِيمَةِ ، فَحُكْمُهُ أَنْ يُحَرَّقَ رَحْلُهُ كُلُّهُ .\rوَبِهَذَا قَالَ الْحَسَنُ ، وَفُقَهَاءُ الشَّامِ ، مِنْهُمْ مَكْحُولٌ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالْوَلِيدُ بْنُ هِشَامٍ ، وَيَزِيدُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ .\rوَأُتِيَ سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بِغَالٍّ ، فَجَمَعَ مَالَهُ وَأَحْرَقَهُ ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيز حَاضِرٌ ذَلِكَ ، فَلَمْ يَعِبْهُ .\rوَقَالَ يَزِيدُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ : السُّنَّةُ فِي الَّذِي يَغُلُّ ، أَنْ يُحَرَّقَ رَحْلُهُ .\rرَوَاهُمَا سَعِيدٌ ، فِي سُنَنِهِ .\rوَقَالَ وَمَالِكٌ ، وَاللَّيْثُ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ : لَا يُحَرَّقُ ؛ { لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُحَرِّقْ } ، فَإِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو رَوَى ، { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إذَا أَصَابَ غَنِيمَةً ، أَمَرَ بِلَالًا فَنَادَى فِي النَّاسِ ، فَيَجِيئُونَ بِغَنَائِمِهِمْ ، فَيُخَمِّسُهُ ، وَيَقْسِمُهُ ، فَجَاءَ رَجُلٌ بَعْدَ ذَلِكَ بِزِمَامٍ مِنْ شَعَرٍ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، هَذَا فِيمَا كُنَّا أَصَبْنَا مِنْ الْغَنِيمَةِ .\rفَقَالَ : سَمِعْت بِلَالًا نَادَى ثَلَاثًا ؟ .\rقَالَ : نَعَمْ قَالَ فَمَا مَنَعَك أَنْ تَجِيءَ بِهِ ؟ .\rفَاعْتَذَرَ ، فَقَالَ : كُنْ أَنْتَ تَجِيءُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، فَلَنْ أَقْبَلَهُ مِنْك } .\rأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد .\rوَلِأَنَّ إحْرَاقَ الْمَتَاعِ إضَاعَةٌ لَهُ ، وَقَدْ { نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ إضَاعَةِ الْمَالِ .\r} وَلَنَا ؛ مَا رَوَى صَالِحُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زُرَارَةَ ، قَالَ : دَخَلْت مَعَ مَسْلَمَةَ أَرْضَ الرُّومِ ، فَأُتِيَ بِرَجُلٍ قَدْ غَلَّ ، فَسَأَلَ سَالِمًا عَنْهُ ، فَقَالَ : سَمِعْت أَبِي يُحَدِّثُ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { إذَا وَجَدْتُمْ الرَّجُلَ","part":21,"page":141},{"id":10141,"text":"قَدْ غَلَّ ، فَاحْرِقُوا مَتَاعَهُ ، وَاضْرِبُوهُ } .\rقَالَ فَوَجَدْنَا فِي مَتَاعِهِ مُصْحَفًا ، فَسَأَلَ سَالِمًا عَنْهُ ، فَقَالَ : بِعْهُ ، وَتَصَدَّقْ بِثَمَنِهِ .\rأَخْرَجَهُ سَعِيدٌ ، وَأَبُو دَاوُد ، وَالْأَثْرَمُ .\rوَرَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ أَحْرَقُوا مَتَاعَ الْغَالَّ } .\rفَأَمَّا حَدِيثُهُمْ ، فَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ ، فَإِنَّ الرَّجُلَ لَمْ يَعْتَرِفْ أَنَّهُ أَخَذَ مَا أَخَذَهُ عَلَى سَبِيلِ الْغُلُولِ ، وَلَا أَخَذَهُ لِنَفْسِهِ ، وَإِنَّمَا تَوَانَى فِي الْمَجِيءِ بِهِ ، وَلَيْسَ الْخِلَافُ فِيهِ ، وَلِأَنَّ الرَّجُلَ جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ تَائِبًا مُعْتَذِرًا ، وَالتَّوْبَةُ تَجُبُّ مَا قَبْلَهَا ، وَتَمْحُو الْحَوْبَةَ .\rوَأَمَّا النَّهْيُ عَنْ إضَاعَةِ الْمَالِ ، فَإِنَّمَا نُهِيَ عَنْهُ إذَا لَمْ تَكُنْ فِيهِ مَصْلَحَةٌ ، فَأَمَّا إذَا كَانَ فِيهِ مَصْلَحَةٌ ، فَلَا بَأْسَ بِهِ ، وَلَا يُعَدُّ تَضْيِيعًا ، كَإِلْقَاءِ الْمَتَاعِ فِي الْبَحْرِ إذَا خِيفَ الْغَرَقُ ، وَقَطْعِ يَدِ الْعَبْدِ السَّارِقِ ، مَعَ أَنَّ الْمَالَ لَا تَكَادُ الْمَصْلَحَةُ تَحْصُلُ بِهِ إلَّا بِذَهَابِهِ ، فَأَكْلُهُ إتْلَافُهُ ، وَإِنْفَاقُهُ إذْهَابُهُ ، وَلَا يُعَدُّ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ تَضْيِيعًا وَلَا إفْسَادًا ، وَلَا يُنْهَى عَنْهُ .\rوَأَمَّا الْمُصْحَفُ ، فَلَا يُحَرَّقُ ؛ لِحُرْمَتِهِ ، وَلِمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِ سَالِمٍ فِيهِ ، وَالْحَيَوَانُ لَا يُحَرَّقُ ؛ { لِنَهْيِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُعَذِّبَ بِالنَّارِ إلَّا رَبُّهَا } ، وَلِحُرْمَةِ الْحَيَوَانِ فِي نَفْسِهِ ، وَلِأَنَّهُ لَا يَدْخُلُ فِي اسْمِ الْمَتَاعِ الْمَأْمُورِ بِإِحْرَاقِهِ .\rوَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ .\rوَلَا تُحَرَّقُ آلَةُ الدَّابَّةِ أَيْضًا .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ؛ لِأَنَّهُ يُحْتَاجُ إلَيْهَا لِلِانْتِفَاعِ بِهَا ، وَلِأَنَّهَا تَابِعَةٌ لِمَا يُحَرَّقُ ، فَأَشْبَهَ جِلْدَ الْمُصْحَفِ وَكِيسَهُ .\rوَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : يُحَرَّقُ سَرْجُهُ وَإِكَافُهُ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ مَلْبُوسُ حَيَوَانٍ ، فَلَا يُحَرَّقُ ، كَثِيَابِ","part":21,"page":142},{"id":10142,"text":"الْغَالِّ .\rوَلَا تُحَرَّقُ ثِيَابُ الْغَالِّ الَّتِي عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَرْكُهُ عُرْيَانًا ، وَلَا مَا غَلَّ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ غَنِيمَةِ الْمُسْلِمِينَ .\rقِيلَ لِأَحْمَدَ : فَاَلَّذِي أَصَابَ فِي الْغُلُولِ ، أَيَّ شَيْءٍ يُصْنَعُ بِهِ ؟ قَالَ : يُرْفَعُ إلَى الْمَغْنَمِ .\rوَكَذَلِكَ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ .\rوَلَا سِلَاحُهُ ؛ لِأَنَّهُ يُحْتَاجُ إلَيْهِ لِلْقِتَالِ ، وَلَا نَفَقَتُهُ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا لَا يُحَرَّقُ عَادَةً ، وَجَمِيعُ ذَلِكَ ، أَوْ مَا أَبْقَتْ النَّارُ مِنْ حَدِيدٍ أَوْ غَيْرِهِ ، فَهُوَ لِصَاحِبِهِ ؛ لِأَنَّ مِلْكَهُ كَانَ ثَابِتًا عَلَيْهِ ، وَلَمْ يُوجَدْ مَا يُزِيلُهُ ، وَإِنَّمَا عُوقِبَ بِإِحْرَاقِ مَتَاعِهِ ، فَمَا لَمْ يَحْتَرِقْ يَبْقَى عَلَى مَا كَانَ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يُبَاعَ الْمُصْحَفُ ، وَيُتَصَدَّقَ بِهِ ؛ لِقَوْلِ سَالِمٍ فِيهِ .\rوَإِنْ كَانَ مَعَهُ شَيْءٌ مِنْ كُتُبِ الْحَدِيثِ أَوْ الْعِلْمِ ، فَيَنْبَغِي أَنْ لَا تُحَرَّقَ أَيْضًا ؛ لِأَنَّ نَفْعَ ذَلِكَ يَعُودُ إلَى الدِّينِ ، وَلَيْسَ الْمَقْصُودُ الْإِضْرَارَ بِهِ فِي دِينِهِ ، وَإِنَّمَا الْقَصْدُ الْإِضْرَارُ بِهِ فِي شَيْءٍ مِنْ دُنْيَاهُ .","part":21,"page":143},{"id":10143,"text":"( 7604 ) فَصْلٌ : وَإِنْ لَمْ يُحَرَّقْ رَحْلُهُ حَتَّى اسْتَحْدَثَ مَتَاعًا آخَرَ ، أَوْ رَجَعَ إلَى بَلَدِهِ ، أُحْرِقَ مَا كَانَ مَعَهُ حَالِ الْغُلُولِ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي الَّذِي يَرْجِعُ إلَى بَلَدِهِ .\rقَالَ : يَنْبَغِي أَنْ يُحَرَّقَ مَا كَانَ مَعَهُ فِي أَرْضِ الْعَدُوِّ .\rوَإِنْ مَاتَ قَبْلَ إحْرَاقِ رَحْلِهِ ، لَمْ يُحَرَّقْ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ؛ لِأَنَّهَا عُقُوبَةٌ ، فَتَسْقُطُ بِالْمَوْتِ ، كَالْحُدُودِ ، لِأَنَّهُ بِالْمَوْتِ انْتَقَلَ إلَى وَرَثَتِهِ ، فَإِحْرَاقُهُ عُقُوبَةٌ لِغَيْرِ الْجَانِي .\rوَإِنْ بَاعَ مَتَاعَهُ ، أَوْ وَهَبَهُ ، احْتَمَلَ أَنْ لَا يُحَرَّقَ ؛ لِأَنَّهُ صَارَ لِغَيْرِهِ ، أَشْبَهَ مَا لَوْ انْتَقَلَ عَنْهُ بِالْمَوْتِ .\rوَاحْتَمَلَ أَنْ يُنْقَضَ الْبَيْعُ وَالْهِبَةُ وَيُحَرَّقَ ؛ لِأَنَّهُ تَعَلَّقَ بِهِ حَقٌّ سَابِقٌ عَلَى الْبَيْعِ وَالْهِبَةِ ، فَوَجَبَ تَقْدِيمُهُ ، كَالْقِصَاصِ فِي حَقِّ الْجَانِي .","part":21,"page":144},{"id":10144,"text":"( 7605 ) فَصْلٌ : وَإِنْ كَانَ الْغَالُّ صَبِيًّا ، لَمْ يُحَرَّقْ مَتَاعُهُ .\rوَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ ؛ لِأَنَّ الْإِحْرَاقَ عُقُوبَةٌ .\rوَلَيْسَ هُوَ مِنْ أَهْلِهَا ، فَأَشْبَهَ الْحَدَّ .\rوَإِنْ كَانَ عَبْدًا ، لَمْ يُحَرَّقْ مَتَاعُهُ ؛ لِأَنَّهُ لِسَيِّدِهِ ، فَلَا يُعَاقَبُ سَيِّدُهُ بِجِنَايَةِ عَبْدِهِ .\rوَإِنْ اسْتَهْلَكَ مَا غَلَّهُ ، فَهُوَ فِي رَقَبَتِهِ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ جِنَايَتِهِ .\rوَإِنْ غَلَّتْ امْرَأَةٌ أَوْ ذِمِّيٌّ أُحْرِقَ مَتَاعُهُمَا ؛ لِأَنَّهُمَا مِنْ أَهْلِ الْعُقُوبَةِ ، وَلِذَلِكَ يُقْطَعَانِ فِي السَّرِقَةِ ، وَيُحَدَّانِ فِي الزِّنَى وَغَيْرِهِ .\rوَإِنْ أَنْكَرَ الْغُلُولَ ، وَذَكَرَ أَنَّهُ ابْتَاعَ مَا بِيَدِهِ ، لَمْ يُحَرَّقْ مَتَاعُهُ ، حَتَّى يَثْبُتَ غُلُولُهُ بِبَيِّنَةٍ أَوْ إقْرَارٍ ؛ لِأَنَّهُ عُقُوبَةٌ بِهِ ، فَلَا يَجِبُ قَبْلَ ثُبُوتِهِ بِذَلِكَ ، كَالْحَدِّ ، وَلَا يُقْبَلُ فِي بَيِّنَتِهِ إلَّا عَدْلَانِ ؛ لِذَلِكَ .\r( 7606 ) فَصْلٌ : وَلَا يُحْرَمُ الْغَالُّ سَهْمَهُ .\rوَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : فِي ذَلِكَ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، يُحْرَمُ سَهْمَهُ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ : يُحْرَمُ سَهْمَهُ .\rفَإِنْ صَحَّ ، فَالْحُكْمُ لَهُ .\rوَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ ، فِي الصَّبِيِّ يَغُلُّ : يُحْرَمُ سَهْمَهُ ، وَلَا يُحَرَّقُ مَتَاعُهُ .\rوَلَنَا ، أَنَّ سَبَبَ الِاسْتِحْقَاقِ مَوْجُودٌ ، فَيَسْتَحِقَّ ، كَمَا لَوْ لَمْ يَعْلَمْ ، وَلَمْ يَثْبُتْ حِرْمَانُ سَهْمِهِ فِي خَبَرٍ ، وَلَا قِيَاسٍ ، فَيَبْقَى بِحَالِهِ ، وَلَا يُحَرَّقُ سَهْمُهُ ، لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ رَحْلِهِ .","part":21,"page":145},{"id":10145,"text":"( 7607 ) فَصْلٌ : إذَا تَابَ الْغَالُّ قَبْلَ الْقِسْمَةِ ، رَدَّ مَا أَخَذَهُ فِي الْمُقْسَمِ ، بِغَيْرِ خِلَافٍ ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ تَعَيَّنَ رَدُّهُ إلَى أَهْلِهِ .\rفَإِنْ تَابَ بَعْدَ الْقِسْمَةِ ، فَمُقْتَضَى الْمَذْهَبِ أَنْ يُؤَدِّيَ خُمُسَهُ إلَى الْإِمَامِ ، وَيَتَصَدَّقَ بِالْبَاقِي .\rوَهَذَا قَوْلُ الْحَسَنِ ، وَالزُّهْرِيِّ ، وَمَالِكٍ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَاللَّيْثِ .\rوَرَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَمْرٍو .\rعَنْ حَوْشَبِ بْنِ سَيْفٍ ، قَالَ : غَزَا النَّاسُ الرُّومَ ، وَعَلَيْهِمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ ، فَغَلَّ رَجُلٌ مِائَةَ دِينَارٍ ، فَلَمَّا قُسِمَتْ الْغَنِيمَةُ ، وَتَفَرَّقَ النَّاسُ ، نَدِمَ ، فَأَتَى عَبْدَ الرَّحْمَنِ ، فَقَالَ : قَدْ غَلَلْت مِائَةَ دِينَارٍ ، فَاقْبِضْهَا .\rقَالَ : قَدْ تَفَرَّقَ النَّاسُ ، فَلَنْ أَقْبِضَهَا مِنْك حَتَّى تُوَافِيَ اللَّهَ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ .\rفَأَتَى مُعَاوِيَةَ ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ ، فَقَالَ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ .\rفَخَرَجَ وَهُوَ يَبْكِي ، فَمَرَّ بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشَّاعِرِ السَّكْسَكِيِّ ، فَقَالَ : مَا يُبْكِيك ؟ فَأَخْبَرَهُ ، فَقَالَ : إنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ ، أَمُطِيعِي أَنْتَ يَا عَبْدَ اللَّهِ ؟ قَالَ : نَعَمْ .\rقَالَ : فَانْطَلِقْ إلَى مُعَاوِيَةَ فَقُلْ لَهُ : خُذْ مِنِّي خُمْسَك ، فَأَعْطِهِ عِشْرِينَ دِينَارًا ، وَانْظُرْ إلَى الثَّمَانِينَ الْبَاقِيَةِ ، فَتَصَدَّقْ بِهَا عَنْ ذَلِكَ الْجَيْشِ ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَعْلَمُ أَسْمَاءَهُمْ وَمَكَانَهُمْ ، وَإِنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ .\rفَقَالَ مُعَاوِيَةُ : أَحْسَنَ وَاَللَّهِ ، لَأَنْ أَكُنْ أَنَا أَفْتَيْته بِهَذَا أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ لِي مِثْلُ كُلِّ شَيْءٍ امْتَلَكْت .\rوَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ، أَنَّهُ رَأَى أَنْ يَتَصَدَّقَ بِالْمَالِ الَّذِي لَا يُعْرَفُ صَاحِبُهُ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا أَعْرِفُ لِلصَّدَقَةِ وَجْهًا ، وَقَدْ جَاءَ فِي حَدِيثِ الْغَالِّ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { لَا أَقْبَلُهُ مِنْك ، حَتَّى تَجِيءَ بِهِ","part":21,"page":146},{"id":10146,"text":"يَوْمَ الْقِيَامَةِ } .\rوَلَنَا قَوْلُ مَنْ ذَكَرْنَا مِنْ الصَّحَابَةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ ، وَلَمْ نَعْرِفْ لَهُمْ مُخَالِفًا فِي عَصْرِهِمْ ، فَيَكُونُ إجْمَاعًا ، وَلِأَنَّ تَرْكَهُ تَضْيِيعٌ لَهُ ، وَتَعْطِيلٌ لِمَنْفَعَتِهِ الَّتِي خُلِقَ لَهَا ، وَلَا يَتَخَفَّفُ بِهِ شَيْءٌ مِنْ إثْمِ الْغَالِّ ، وَفِي الصَّدَقَةِ نَفْعٌ لِمَنْ يَصِلُ إلَيْهِ مِنْ الْمَسَاكِينِ ، وَمَا يَحْصُلُ مِنْ أَجْرِ الصَّدَقَةِ يَصِلُ إلَى صَاحِبِهِ ، فَيَذْهَبُ بِهِ الْإِثْمُ عَنْ الْغَالِّ ، فَيَكُونُ أَوْلَى .","part":21,"page":147},{"id":10147,"text":"( 7608 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : وَلَا يُقَامُ الْحَدُّ عَلَى مُسْلِمٍ فِي أَرْضِ الْعَدُوِّ .\rوَجُمْلَتُهُ أَنَّ مَنْ أَتَى حَدًّا مِنْ الْغُزَاةِ ، أَوْ مَا يُوجِبُ قِصَاصًا ، فِي أَرْضِ الْحَرْبِ ، لَمْ يُقَمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَقْفِلَ ، فَيُقَامَ عَلَيْهِ حَدُّهُ .\rوَبِهَذَا قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ .\rوَقَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ : يُقَامُ الْحَدُّ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ ؛ لِأَنَّ أَمْرَ اللَّهِ تَعَالَى بِإِقَامَتِهِ مُطْلَقٌ فِي كُلِّ مَكَان وَزَمَانٍ ، إلَّا أَنَّ الشَّافِعِيَّ قَالَ : إذَا لَمْ يَكُنْ أَمِيرُ الْجَيْشِ الْإِمَامَ ، أَوْ أَمِيرَ إقْلِيمٍ ، فَلَيْسَ لَهُ إقَامَةُ الْحَدِّ ، وَيُؤَخَّرُ حَتَّى يَأْتِيَ الْإِمَامَ ؛ لِأَنَّ إقَامَةَ الْحُدُودِ إلَيْهِ ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ بِالْمُسْلِمِينَ حَاجَةٌ إلَى الْمَحْدُودِ ، أَوْ قُوَّةٌ بِهِ ، أَوْ شُغْلٌ عَنْهُ ، أُخِّرَ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا حَدَّ وَلَا قِصَاصَ فِي دَارِ الْحَرْبِ ، وَلَا إذَا رَجَعَ .\rوَلَنَا ، عَلَى وُجُوبِ الْحَدِّ ، أَمْرُ اللَّهِ تَعَالَى وَرَسُولِهِ بِهِ ، وَعَلَى تَأْخِيرِهِ ، مَا رَوَى بِشْرُ بْنُ أَبِي أَرْطَاةَ ، أَنَّهُ أُتِيَ بَرْجَلٍ فِي الْغَزَاةِ قَدْ سَرَقَ بُخْتِيَّةً ، فَقَالَ : لَوْلَا أَنِّي سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : { لَا تُقْطَعُ الْأَيْدِي فِي الْغَزَاةِ } لَقَطَعْتُك .\rأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ .\rوَلِأَنَّهُ إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ .\rوَرَوَى سَعِيدٌ ، فِي سُنَنِهِ بِإِسْنَادِهِ عَنْ الْأَحْوَصِ بْنِ حَكِيمٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، أَنَّ عُمَرَ كَتَبَ إلَى النَّاسِ ، أَنْ لَا يَجْلِدَنَّ أَمِيرُ جَيْشٍ وَلَا سَرِيَّةٍ رَجُلًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ حَدًّا ، وَهُوَ غَازٍ ، حَتَّى يَقْطَعَ الدَّرْبَ قَافِلًا ؛ لِئَلَّا تَلْحَقَهُ حَمِيَّةُ الشَّيْطَانِ ، فَيَلْحَقَ بِالْكُفَّارِ .\rوَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ مِثْلُ ذَلِكَ .\rوَعَنْ عَلْقَمَةَ ، قَالَ : كُنَّا فِي جَيْشٍ فِي أَرْضِ الرُّومِ ، وَمَعَنَا حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ ، وَعَلَيْنَا الْوَلِيدُ بْنُ عُقْبَةَ يَشْرَبُ الْخَمْرَ ، فَأَرَدْنَا أَنْ نَحُدَّهُ ، فَقَالَ حُذَيْفَةُ :","part":21,"page":148},{"id":10148,"text":"أَتَحُدُّونَ أَمِيرَكُمْ وَقَدْ دَنَوْتُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ ، فَيَطْمَعُوا فِيكُمْ .\rوَأُتِيَ سَعْدٌ بِأَبِي مِحْجَنٍ يَوْمَ الْقَادِسِيَّةِ ، وَقَدْ شَرِبَ الْخَمْرَ ، فَأَمَرَ بِهِ إلَى الْقَيْدِ ، فَلَمَّا الْتَقَى النَّاسُ قَالَ أَبُو مِحْجَنٍ : كَفَى حَزَنًا أَنْ تُطْرَدَ الْخَيْلُ بِالْقَنَا وَأُتْرَكَ مَشْدُودًا عَلَيَّ وَثَاقِيَا وَقَالَ لِابْنَةِ حَفْصَةَ امْرَأَةِ سَعْدٍ : أَطْلِقِينِي ، وَلَك اللَّهُ عَلَيَّ إنْ سَلَّمَنِي اللَّهُ أَنْ أَرْجِعَ حَتَّى أَضَعَ رِجْلِي فِي الْقَيْدِ ، فَإِنْ قُتِلْت ، اسْتَرَحْتُمْ مِنِّي .\rقَالَ : فَحَلَّتْهُ حِينَ الْتَقَى النَّاسُ ، وَكَانَتْ بِسَعْدٍ جِرَاحَةٌ ، فَلَمْ يَخْرُجْ يَوْمَئِذٍ إلَى النَّاسِ .\rقَالَ : وَصَعِدُوا بِهِ فَوْقَ الْعُذَيْبِ يَنْظُرُ إلَى النَّاسِ ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَى الْخَيْلِ خَالِدَ بْنَ عُرْفُطَةَ ، فَوَثَبَ أَبُو مِحْجَنٍ عَلَى فَرَسٍ لِسَعْدٍ يُقَال لَهَا الْبَلْقَاءُ ، ثُمَّ أَخَذَ رُمْحًا ، ثُمَّ خَرَجَ ، فَجَعَلَ لَا يَحْمِلُ عَلَى نَاحِيَةٍ مِنْ الْعَدُوِّ إلَّا هَزَمَهُمْ ، وَجَعَلَ النَّاسُ يَقُولُونَ : هَذَا مَلَكٌ ؛ لِمَا يَرَوْنَهُ يَصْنَعُ ، وَجَعَلَ سَعْدٌ يَقُولُ : الضَّبْرُ ضَبْرُ الْبَلْقَاءِ ، وَالطَّعْنُ طَعْنُ أَبِي مِحْجَنٍ ، وَأَبُو مِحْجَنٍ فِي الْقَيْدِ .\rفَلَمَّا هُزِمَ الْعَدُوُّ ، رَجَعَ أَبُو مِحْجَنٍ حَتَّى وَضَعَ رِجْلَيْهِ فِي الْقَيْدِ .\rفَأَخْبَرَتْ ابْنَةُ حَفْصَةَ سَعْدًا بِمَا كَانَ مِنْ أَمْرِهِ ، فَقَالَ سَعْدٌ : لَا وَاَللَّهِ ، لَا أَضْرِبُ الْيَوْمَ رَجُلًا أَبْلَى اللَّهُ الْمُسْلِمِينَ بِهِ مَا أَبْلَاهُمْ .\rفَخَلَّى سَبِيلَهُ .\rفَقَالَ أَبُو مِحْجَنٍ : قَدْ كُنْت أَشْرَبُهَا إذْ يُقَامُ عَلَيَّ الْحَدُّ وَأَطْهُرُ مِنْهَا ، فَأَمَّا إذَا بَهْرَجَتْنِي ، فَوَاَللَّهِ لَا أَشْرَبُهَا أَبَدًا .\rوَهَذَا اتِّفَاقٌ لَمْ يَظْهَرْ خِلَافُهُ .\rفَأَمَّا إذَا رَجَعَ ، فَإِنَّهُ يُقَامُ الْحَدُّ عَلَيْهِ ؛ لِعُمُومِ الْآيَاتِ وَالْأَخْبَارِ ، وَإِنَّمَا أُخِّرَ لِعَارِضٍ ، كَمَا يُؤَخَّرُ لِمَرَضٍ أَوْ شُغْلٍ ، فَإِذَا زَالَ الْعَارِضُ ، أُقِيمَ الْحَدُّ ، لِوُجُودِ مُقْتَضِيه ، وَانْتِفَاءِ مُعَارِضِهِ ، وَلِهَذَا قَالَ عُمَرُ : حَتَّى يَقْطَعَ الدَّرْبَ","part":21,"page":149},{"id":10149,"text":"قَافِلًا .","part":21,"page":150},{"id":10150,"text":"( 7609 ) فَصْلٌ : وَتُقَامُ الْحُدُودُ فِي الثُّغُورِ ، بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ ؛ لِأَنَّهَا مِنْ بِلَادِ الْإِسْلَامِ ، وَالْحَاجَةُ دَاعِيَةٌ إلَى زَجْرِ أَهْلِهَا ، كَالْحَاجَةِ إلَى زَجْرِ غَيْرِهِمْ ، وَقَدْ كَتَبَ عُمَرُ إلَى أَبِي عُبَيْدَةَ ، أَنْ يَجْلِدَ مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ ثَمَانِينَ ، وَهُوَ بِالشَّامِ ، وَهُوَ مِنْ الثُّغُورِ .","part":21,"page":151},{"id":10151,"text":"( 7610 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : وَإِذَا فُتِحَ حِصْنٌ ، لَمْ يُقْتَلْ مَنْ لَمْ يَحْتَلِمْ ، أَوْ يُنْبِتْ ، أَوْ يَبْلُغْ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً .\rوَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْإِمَامَ إذَا ظَفِرَ بِالْكُفَّارِ ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يَقْتُلَ صَبِيًّا لَمْ يَبْلُغْ ، بِغَيْرِ خِلَافٍ .\rوَقَدْ رَوَى ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { نَهَى عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَلِأَنَّ الصَّبِيَّ يَصِيرُ رَقِيقًا بِنَفْسِ السَّبْيِ ، فَفِي قَتْلِهِ إتْلَافُ الْمَالِ ، وَإِذَا سُبِيَ مُنْفَرِدًا صَارَ مُسْلِمًا ، فَإِتْلَافُهُ إتْلَافُ مَنْ يُمْكِنُ جَعْلُهُ مُسْلِمًا ، وَالْبُلُوغُ يَحْصُلُ بِأَحَدِ أَسْبَابٍ ثَلَاثَةٍ ؛ أَحَدُهَا ، الِاحْتِلَامُ ، وَهُوَ خُرُوجُ الْمَنِيِّ مِنْ ذَكَرِ الرَّجُلِ أَوْ قُبُلِ الْأُنْثَى فِي يَقَظَةٍ أَوْ مَنَامٍ .\rوَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنكُمْ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَاَلَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ } ثُمَّ قَالَ : { وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمْ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ } .\rوَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا يُتْمَ بَعْدَ احْتِلَامٍ } .\rوَقَالَ لِمُعَاذٍ : { خُذْ مِنْ كُلِّ حَالِمٍ دِينَارًا } .\rرَوَاهُمَا أَبُو دَاوُد .\rالثَّانِي ، إنْبَاتُ الشَّعْرِ الْخَشِنِ حَوْلَ الْقُبُلِ ، وَهُوَ عَلَامَةٌ عَلَى الْبُلُوغِ ، بِدَلِيلِ مَا رَوَى { عَطِيَّةُ الْقُرَظِيّ ، قَالَ : كُنْت مِنْ سَبْيِ قُرَيْظَةَ ، فَكَانُوا يَنْظُرُونَ ، فَمَنْ أَنْبَتَ الشَّعْرَ قُتِلَ ، وَمَنْ لَمْ يُنْبِتْ لَمْ يُقْتَلْ ، فَكُنْت فِي مَنْ لَمْ يُنْبِتْ } .\rأَخْرَجَهُ الْأَثْرَمُ ، وَالتِّرْمِذِيُّ .\rوَقَالَ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ .\rوَعَنْ كَثِيرِ بْنِ السَّائِبِ ، قَالَ : { حَدَّثَنِي أَبْنَاءُ قُرَيْظَةَ ، أَنَّهُمْ عُرِضُوا عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمَنْ كَانَ مِنْهُمْ مُحْتَلِمًا أَوْ نَبَتَتْ عَانَتُهُ قُتِلَ ، وَمَنْ لَا ، تُرِكَ .\r} أَخْرَجَهُ","part":21,"page":152},{"id":10152,"text":"الْأَثْرَمُ .\rوَعَنْ أَسْلَمَ مَوْلَى عُمَرَ ، أَنَّ عُمَرَ كَانَ يَكْتُبُ إلَى أُمَرَاءِ الْأَجْنَادِ ، أَنْ لَا يَقْتُلُوا إلَّا مِمَّنْ جَرَتْ عَلَيْهِ الْمَوَاسِي ، وَلَا يَأْخُذُوا الْجِزْيَةَ إلَّا مِمَّنْ جَرَتْ عَلَيْهِ الْمَوَاسِي .\rوَحُكِيَ عَنْ الشَّافِعِيِّ ، أَنَّ هَذَا بُلُوغٌ فِي حَقِّ الْكُفَّارِ ، لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الرُّجُوعُ إلَى قَوْلِهِمْ فِي الِاحْتِلَامِ ، وَعَدَدِ السِّنِينَ ، وَلَيْسَ بِعَلَامَةٍ عَلَيْهِ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِينَ ؛ لِإِمْكَانِ ذَلِكَ فِيهِمْ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ أَبِي نَضْرَةَ ، وَعُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ، حِينَ اُخْتُلِفَ فِي بُلُوغِ تَمِيمِ بْنِ فَرْعٍ الْمَهْرِيِّ : اُنْظُرُوا ، فَإِنْ كَانَ قَدْ أَشْعَرَ ، فَاقْسِمُوا لَهُ .\rفَنَظَرَ إلَيْهِ بَعْضُ الْقَوْمِ ، فَإِذَا هُوَ قَدْ أَنْبَتَ ، فَقَسَمُوا لَهُ .\rوَلَمْ يَظْهَرْ خِلَافُ هَذَا ، فَكَانَ إجْمَاعًا .\rوَلِأَنَّهُ عَلَمٌ عَلَى الْبُلُوغِ فِي حَقِّ الْكَافِرِ ، فَكَانَ عَلَمًا عَلَيْهِ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ كَالْعَلَمَيْنِ الْآخَرَيْنِ ، وَلِأَنَّهُ أَمْرٌ يُلَازِمُ الْبُلُوغَ غَالِبًا ، فَكَانَ عَلَمًا عَلَيْهِ ، كَالِاحْتِلَامِ .\rوَقَوْلُهُمْ : إنَّهُ يَتَعَذَّرُ فِي حَقِّ الْكَافِرِ مَعْرِفَةُ الِاحْتِلَامِ وَالسِّنِّ .\rقُلْنَا : لَا تَتَعَذَّرُ مَعْرِفَةُ السِّنِّ فِي الذِّمِّيِّ النَّاشِئِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ ، ثُمَّ تَعَذُّرُ الْمَعْرِفَةِ لَا يُوجِبُ جَعْلَ مَا لَيْسَ بِعَلَامَةٍ ، كَغَيْرِ الْإِنْبَاتِ .\rالثَّالِثُ ، بُلُوغُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ ، قَالَ : { عُرِضْت عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً ، فَلَمْ يُجِزْنِي فِي الْقِتَالِ ، وَعُرِضْت عَلَيْهِ ، وَأَنَا ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ ، فَأَجَازَنِي فِي الْمُقَاتِلَةِ .\r} قَالَ نَافِعٌ : فَحَدَّثْت عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ بِهَذَا الْحَدِيثِ ، فَقَالَ : هَذَا فَصْلُ مَا بَيْنَ الرِّجَالِ وَبَيْنَ الْغِلْمَانِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَهَذِهِ الْعَلَامَاتُ الثَّلَاثُ فِي حَقِّ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى ، وَتَزِيدُ الْأُنْثَى بِعَلَامَتَيْنِ ؛ الْحَيْضِ وَالْحَمْلِ ، فَمَنْ لَمْ يُوجَدْ فِيهِ عَلَامَةٌ مِنْهُنَّ ، فَهُوَ","part":21,"page":153},{"id":10153,"text":"صَبِيٌّ يَحْرُمُ قَتْلُهُ .","part":21,"page":154},{"id":10154,"text":"( 7611 ) فَصْلٌ : وَلَا تُقْتَلُ امْرَأَةٌ ، وَلَا شَيْخٌ فَانٍ .\rوَبِذَلِكَ قَالَ وَمَالِكٌ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ، وَمُجَاهِدٍ .\rوَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْله تَعَالَى : { وَلَا تَعْتَدُوا } .\rيَقُولُ : لَا تَقْتُلُوا النِّسَاءَ وَالصِّبْيَانَ وَالشَّيْخَ الْكَبِيرَ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ : يَجُوزُ قَتْلُ الشُّيُوخِ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { اُقْتُلُوا شُيُوخَ الْمُشْرِكِينَ ، وَاسْتَحْيُوا شَرْخَهُمْ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَقَالَ : حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ .\rوَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : { فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ } .\rوَهَذَا عَامٌّ يَتَنَاوَلُ بِعُمُومِهِ الشُّيُوخَ .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : لَا أَعْرِفُ حُجَّةً فِي تَرْكِ قَتْلِ الشُّيُوخِ يُسْتَثْنَى بِهَا مِنْ عُمُومِ قَوْلِهِ : { فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ } .\rوَلِأَنَّهُ كَافِرٌ لَا نَفْعَ فِي حَيَاتِهِ ، فَيُقْتَلُ كَالشَّابِّ .\rوَلَنَا ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { لَا تَقْتُلُوا شَيْخًا فَانِيًا ، وَلَا طِفْلًا ، وَلَا امْرَأَةً } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، فِي سُنَنِهِ .\rوَرُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ وَصَّى يَزِيدَ حِينَ وَجَّهَهُ إلَى الشَّامِ ، فَقَالَ : لَا تَقْتُلْ صَبِيًّا ، وَلَا امْرَأَةً ، وَلَا هَرِمًا .\rوَعَنْ عُمَرَ ، أَنَّهُ وَصَّى سَلَمَةَ بْنَ قَيْسٍ ، فَقَالَ : لَا تَقْتُلُوا امْرَأَةً ، وَلَا صَبِيًّا ، وَلَا شَيْخًا هَرِمًا .\rرَوَاهُمَا سَعِيدٌ .\rوَلِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْقِتَالِ ، فَلَا يُقْتَلْ ، كَالْمَرْأَةِ .\rوَقَدْ أَوْمَأَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى هَذِهِ الْعِلَّةِ فِي الْمَرْأَةِ ، فَقَالَ : { مَا بَالُ هَذِهِ قُتِلَتْ ، وَهِيَ لَا تُقَاتِلُ } .\rوَالْآيَةُ مَخْصُوصَةٌ بِمَا رَوَيْنَا ، وَلِأَنَّهُ قَدْ خَرَجَ مِنْ عُمُومِهَا الْمَرْأَةُ ، وَالشَّيْخُ الْهَرِمُ فِي مَعْنَاهَا ، فَنَقِيسُهُ عَلَيْهَا .\rوَأَمَّا حَدِيثُهُمْ ، فَأَرَادَ بِهِ الشُّيُوخَ الَّذِينَ فِيهِمْ قُوَّةٌ عَلَى الْقِتَالِ ، أَوْ","part":21,"page":155},{"id":10155,"text":"مَعُونَةٌ عَلَيْهِ ، بِرَأْيِ أَوْ تَدْبِيرٍ ، جَمْعًا بَيْنَ الْأَحَادِيثِ ، وَلِأَنَّ أَحَادِيثَنَا خَاصَّةٌ فِي الْهَرِمِ ، وَحَدِيثَهُمْ عَامٌّ فِي الشُّيُوخِ كُلِّهِمْ ، وَالْخَاصُّ يُقَدَّمُ عَلَى الْعَامِّ ، وَقِيَاسُهُمْ يَنْتَقِضُ بِالْعَجُوزِ الَّتِي لَا نَفْعَ فِيهَا .","part":21,"page":156},{"id":10156,"text":"( 7612 ) فَصْلٌ : وَلَا يُقْتَلُ زَمِنٌ وَلَا أَعْمَى وَلَا رَاهِبٌ ، وَالْخِلَافُ فِيهِمْ كَالْخِلَافِ فِي الشَّيْخِ ، وَحُجَّتُهُمْ هَا هُنَا حُجَّتُهُمْ فِيهِ .\rوَلَنَا ، فِي الزَّمِنِ وَالْأَعْمَى ، أَنَّهُمَا لَيْسَا مِنْ أَهْلِ الْقِتَالِ ، فَأَشْبَهَا الْمَرْأَةَ ، وَفِي الرَّاهِبِ ، مَا رُوِيَ فِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : { وَسَتَمُرُّونَ عَلَى أَقْوَامٍ فِي الصَّوَامِعِ ، قَدْ حَبَسُوا أَنْفُسَهُمْ فِيهَا ، فَدَعُوهُمْ حَتَّى يُمِيتَهُمْ اللَّهُ عَلَى ضَلَالِهِمْ } .\rوَلِأَنَّهُمْ لَا يُقَاتِلُونَ تَدَيُّنًا ، فَأَشْبَهُوا مَنْ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْقِتَالِ .","part":21,"page":157},{"id":10157,"text":"( 7613 ) فَصْلٌ : وَلَا يُقْتَلُ الْعَبِيدُ .\rوَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { أَدْرِكُوا خَالِدًا ، فَمُرُوهُ أَنْ لَا يَقْتُلَ ذُرِّيَّةً ، وَلَا عَسِيفًا } .\rوَهُمْ الْعَبِيدُ ؛ وَلِأَنَّهُمْ يَصِيرُونَ رَقِيقًا لِلْمُسْلِمِينَ بِنَفْسِ السَّبْيِ ، فَأَشْبَهُوا النِّسَاءَ وَالصِّبْيَانَ .","part":21,"page":158},{"id":10158,"text":"( 7614 ) فَصْلٌ : وَمَنْ قَاتَلَ مِمَّنْ ذَكَرْنَا جَمِيعِهِمْ ، جَازَ قَتْلُهُ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { قَتَلَ يَوْمَ قُرَيْظَةَ امْرَأَةً أَلْقَتْ رَحًى عَلَى مَحْمُودِ بْنِ سَلَمَةَ } .\rوَمَنْ كَانَ مِنْ هَؤُلَاءِ الرِّجَالِ الْمَذْكُورِينَ ذَا رَأْيٍ يُعِينُ بِهِ فِي الْحَرْبِ ، جَازَ قَتْلُهُ { ؛ لِأَنَّ دُرَيْدَ بْنَ الصِّمَّةِ قُتِلَ يَوْمَ حُنَيْنٍ ، وَهُوَ شَيْخٌ لَا قِتَالَ فِيهِ ، وَكَانُوا خَرَجُوا بِهِ مَعَهُمْ ، يَتَيَمَّنُونَ بِهِ ، وَيَسْتَعِينُونَ بِرَأْيِهِ ، فَلَمْ يُنْكِرْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَتْلَهُ .\r} وَلِأَنَّ الرَّأْيَ مِنْ أَعْظَمِ الْمَعُونَةِ فِي الْحَرْبِ ، وَقَدْ جَاءَ عَنْ مُعَاوِيَةَ ، أَنَّهُ قَالَ لِمَرْوَانَ وَالْأَسْوَدِ : أَمْدَدْتُمَا عَلِيًّا بِقَيْسِ بْنِ سَعْدٍ ، وَبِرَأْيِهِ وَمُكَايَدَتِهِ ، فَوَاَللَّهِ لَوْ أَنَّكُمَا أَمْدَدْتُمَاهُ بِثَمَانِيَةِ آلَافِ مُقَاتِلٍ ، مَا كَانَ بِأَغْيَظَ لِي مِنْ ذَلِكَ .","part":21,"page":159},{"id":10159,"text":"مَسْأَلَةٌ ، قَالَ : ( وَمَنْ قَاتَلَ مِنْ هَؤُلَاءِ أَوْ النِّسَاءِ أَوْ الْمَشَايِخِ أَوْ الرُّهْبَانِ فِي الْمَعْرَكَةِ قُتِلَ ) لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا وَبِهَذَا قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَاللَّيْثُ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ، وَقَدْ جَاءَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : { مَرَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِامْرَأَةٍ مَقْتُولَةٍ يَوْمَ الْخَنْدَقِ فَقَالَ : مَنْ قَتَلَ هَذِهِ ؟ قَالَ رَجُلٌ : أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ : وَلِمَ ؟ قَالَ : نَازَعَتْنِي قَائِمَ سَيْفِي قَالَ : فَسَكَتَ } { وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَفَ عَلَى امْرَأَةٍ مَقْتُولَةٍ ، فَقَالَ : مَا بَالُهَا قُتِلَتْ ، وَهِيَ لَا تُقَاتِلُ } .\rوَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ إنَّمَا نَهَى عَنْ قَتْلِ الْمَرْأَةِ إذَا لَمْ تُقَاتِلْ ، وَلِأَنَّ هَؤُلَاءِ إنَّمَا لَمْ يُقْتَلُوا لِأَنَّهُمْ فِي الْعَادَةِ لَا يُقَاتِلُونَ .","part":21,"page":160},{"id":10160,"text":"( 7616 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا الْمَرِيضُ ، فَيُقْتَلُ إذَا كَانَ مِمَّنْ لَوْ كَانَ صَحِيحًا قَاتَلَ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْإِجْهَازِ عَلَى الْجَرِيحِ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ مَأْيُوسًا مِنْ بُرْئِهِ فَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الزَّمِنِ ، لَا يُقْتَلُ ، لِأَنَّهُ لَا يُخَافُ مِنْهُ أَنْ يَصِيرَ إلَى حَالٍ يُقَاتِلُ فِيهَا .","part":21,"page":161},{"id":10161,"text":"( 7617 ) فَصْلٌ فَأَمَّا الْفَلَّاحُ الَّذِي لَا يُقَاتِلُ ، فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُقْتَلَ ، لِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : اتَّقُوا اللَّهَ فِي الْفَلَّاحِينَ ، الَّذِينَ لَا يَنْصِبُونَ لَكُمْ الْحَرْبَ وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ لَا يُقْتَلُ الْحَرَّاثُ ، إذَا عُلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْمُقَاتِلَةِ ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يُقْتَلُ ، إلَّا أَنْ يُؤَدِّيَ الْجِزْيَةَ ، لِدُخُولِهِ فِي عُمُومِ الْمُشْرِكِينَ ، وَلَنَا قَوْلُ عُمَرَ وَأَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَقْتُلُوهُمْ حِينَ فَتَحُوا الْبِلَادَ ، وَلِأَنَّهُمْ لَا يُقَاتِلُونَ ، فَأَشْبَهُوا الشُّيُوخَ وَالرُّهْبَانَ .","part":21,"page":162},{"id":10162,"text":"( 7618 ) فَصْلٌ : إذَا حَاصَرَ الْإِمَامُ حِصْنًا ، لَزِمَتْهُ مُصَابَرَتُهُ ، وَلَا يَنْصَرِفُ عَنْهُ إلَّا بِخُصْلَةٍ مِنْ خِصَالٍ خَمْسٍ أَحَدِهَا ، أَنْ يُسْلِمُوا ، فَيُحْرِزُوا بِالْإِسْلَامِ دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : أُمِرْت أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا : لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ .\rفَإِذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إلَّا بِحَقِّهَا } وَإِنْ أَسْلَمُوا بَعْدَ الْفَتْحِ ، عَصَمُوا دِمَاءَهُمْ دُونَ أَمْوَالِهِمْ ، وَيَرِقُّونَ .\rالثَّانِيَةُ ، أَنْ يَبْذُلُوا مَالًا عَلَى الْمُوَادَعَةِ ، فَيَجُوزُ قَبُولُهُ مِنْهُمْ ، سَوَاءٌ أَعْطَوْهُ جُمْلَةً أَوْ جَعَلُوهُ خَرَاجًا مُسْتَمِرًّا يُؤْخَذُ مِنْهُمْ كُلَّ عَامٍ ، فَإِنْ كَانُوا مِمَّنْ تُقْبَلُ مِنْهُمْ الْجِزْيَةَ ، فَبَذَلُوهَا ، لَزِمَهُ قَبُولُهَا مِنْهُمْ ، وَحَرُمَ قِتَالُهُمْ ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ } وَإِنْ بَذَلُوا مَالًا عَلَى غَيْرِ وَجْهِ الْجِزْيَةِ ، فَرَأَى الْمَصْلَحَةَ فِي قَبُولِهِ ، قَبِلَهُ ، وَلَا يَلْزَمُهُ قَبُولُهُ إذَا لَمْ يَرَ الْمَصْلَحَةَ فِيهِ .\rالثَّالِثَةُ ، أَنْ يَفْتَحَهُ .\rالرَّابِعَةُ ، أَنْ يَرَى الْمَصْلَحَةَ فِي الِانْصِرَافِ عَنْهُ ، إمَّا لِضَرَرٍ فِي الْإِقَامَةِ ، وَإِمَّا لِلْيَأْسِ مِنْهُ ، وَإِمَّا لِمَصْلَحَةٍ يَنْتَهِزُهَا تَفُوتُ بِإِقَامَتِهِ ، فَيَنْصَرِفُ عَنْهُ لِمَا رُوِيَ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَاصَرَ أَهْلَ الطَّائِفِ فَلَمْ يَنَلْ مِنْهُمْ شَيْئًا ، فَقَالَ : إنَّا قَافِلُونَ إنْ شَاءَ اللَّهُ غَدًا فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ : أَنَرْجِعُ عَنْهُ وَلَمْ نَفْتَحْهُ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اُغْدُوا عَلَى الْقِتَالِ فَغَدَوْا عَلَيْهِ ، فَأَصَابَهُمْ الْجِرَاحُ ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إنَّا قَافِلُونَ غَدًا .\rفَأَعْجَبَهُمْ ، فَقَفَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ الْخَامِسَةُ ، أَنْ يَنْزِلُوا عَلَى حُكْمِ حَاكِمٍ ، فَيَجُوزُ ، لِمَا رُوِيَ { أَنَّ","part":21,"page":163},{"id":10163,"text":"النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ لَمَّا حَاصَرَ بَنِي قُرَيْظَةَ ، رَضُوا بِأَنْ يَنْزِلُوا عَلَى حُكْمِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ فَأَجَابَهُمْ إلَى ذَلِكَ } وَالْكَلَامُ فِيهِ فِي فَصْلَيْنِ ، أَحَدُهُمَا ، صِفَةُ الْحَاكِمِ .\rوَالثَّانِي ، صِفَةُ الْحُكْمِ فَيُعْتَبَرُ فِيهِ سَبْعَةُ شُرُوطٍ ، أَنْ يَكُونَ الْحَاكِمُ حُرًّا ، مُسْلِمًا ، عَاقِلًا ، بَالِغًا ، ذَكَرًا ، عَدْلًا ، فَقِيهًا ، كَمَا يُشْتَرَطُ فِي حَاكِمِ الْمُسْلِمِينَ .\rوَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَعْمَى ، لِأَنَّ عَدَمَ الْبَصَرِ لَا يَضُرُّ فِي مَسْأَلَتِنَا لِأَنَّ الْمَقْصُودَ رَأْيُهُ ، وَمَعْرِفَةُ الْمَصْلَحَةِ فِي أَحَدِ أَقْسَامِ الْحُكْمِ ، وَلَا يَضُرُّ عَدَمُ الْبَصَرِ فِيهِ ، بِخِلَافِ الْقَضَاءِ ، فَإِنَّهُ لَا يَسْتَغْنِي عَنْ الْبَصَرِ ، لِيَعْرِفَ الْمُدَّعِي مِنْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ، وَالشَّاهِدَ مِنْ الْمَشْهُودِ لَهُ وَالْمَشْهُودِ عَلَيْهِ ، وَالْمُقِرَّ مِنْ الْمُقَرِّ لَهُ وَيُعْتَبَرُ مِنْ الْفِقْهِ هَاهُنَا مَا يَتَعَلَّقُ بِهَذَا الْحُكْمِ ، مِمَّا يَجُوزُ فِيهِ ، وَيُعْتَبَرُ لَهُ ، وَنَحْوُ ذَلِكَ .\rوَلَا يُعْتَبَرُ فِقْهُهُ فِي جَمِيعِ الْأَحْكَامِ الَّتِي لَا تَعَلُّقَ لَهَا بِهَذَا لِهَذَا حَكَمَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ ، وَلَمْ يَثْبُتْ أَنَّهُ كَانَ عَالِمًا بِجَمِيعِ الْأَحْكَامِ وَإِذَا حَكَّمُوا رَجُلَيْنِ جَازَ ، وَيَكُونُ الْحُكْمُ مَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ وَإِنْ جَعَلُوا الْحُكْمَ إلَى رَجُلٍ يُعَيِّنُهُ الْإِمَامُ ، جَازَ ، لِأَنَّهُ لَا يَخْتَارُ إلَّا مَنْ يَصْلُحُ وَإِنْ نَزَلُوا عَلَى حُكْمِ رَجُلٍ مِنْهُمْ ، أَوْ جَعَلُوا التَّعْيِينَ إلَيْهِمْ ، لَمْ يَجُزْ لِأَنَّهُمْ رُبَّمَا اخْتَارُوا مَنْ لَا يَصْلُحُ ، وَإِنْ عَيَّنُوا رَجُلًا يَصْلُحُ ، فَرَضِيَهُ الْإِمَامُ ، جَازَ ، لِأَنَّ بَنِي قُرَيْظَةَ رَضُوا بِحُكْمِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ وَعَيَّنُوهُ ، فَرَضِيَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَجَازَ حُكْمَهُ .\rوَقَالَ { لَقَدْ حَكَمْت فِيهِمْ بِحُكْمِ اللَّهِ } وَإِنْ مَاتَ مَنْ اتَّفَقُوا عَلَيْهِ فَاتَّفَقُوا عَلَى غَيْرِهِ مِمَّنْ يَصْلُحُ ، قَامَ مُقَامَهُ ، وَإِنْ لَمْ يَتَّفِقُوا عَلَى مَنْ يَقُومُ مُقَامَهُ ، أَوْ طَلَبُوا","part":21,"page":164},{"id":10164,"text":"حَكَمًا لَا يَصْلُحُ ، رُدُّوا إلَى مَأْمَنِهِمْ ، وَكَانُوا عَلَى الْحِصَارِ حَتَّى يَتَّفِقُوا ، وَكَذَلِكَ إنْ رَضُوا بِاثْنَيْنِ ، فَمَاتَ أَحَدُهُمَا ، فَاتَّفَقُوا عَلَى مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ ، جَازَ ، وَإِلَّا رُدُّوا إلَى مَأْمَنِهِمْ وَكَذَلِكَ إنْ رَضُوا بِتَحْكِيمِ مَنْ لَمْ تَجْتَمِعْ الشَّرَائِطُ فِيهِ ، وَوَافَقَهُمْ الْإِمَامُ عَلَيْهِ ، ثُمَّ بَانَ أَنَّهُ لَا يَصْلُحُ ، لَمْ يُحَكَّمْ ، وَيُرَدُّونَ إلَى مَأْمَنِهِمْ كَمَا كَانُوا .\rوَأَمَّا صِفَةُ الْحُكْمِ ، فَإِنْ حَكَمَ أَنْ تُقْتَلَ مُقَاتِلَتُهُمْ ، وَتُسْبَى ذَرَارِيُّهُمْ ، نُفِّذَ حُكْمُهُ لِأَنَّ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ حَكَمَ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ بِذَلِكَ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَقَدْ حَكَمْت فِيهِمْ بِحُكْمِ اللَّهِ مِنْ فَوْقِ سَبْعَةِ أَرْقِعَةٍ } وَإِنْ حَكَمَ بِالْمَنِّ عَلَى الْمُقَاتِلَةِ ، وَسَبْيِ الذُّرِّيَّةِ فَقَالَ الْقَاضِي : يَلْزَمُ حُكْمُهُ ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ لِأَنَّ الْحُكْمَ إلَيْهِ فِيمَا يَرَى الْمَصْلَحَةَ فِيهِ ، فَكَانَ لَهُ الْمَنُّ ، كَالْإِمَامِ فِي الْأَسِيرِ .\rوَاخْتَارَ أَبُو الْخَطَّابِ أَنَّ حُكْمَهُ لَا يَلْزَمُ ، لِأَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يَحْكُمَ بِمَا فِيهِ الْحَظُّ ، وَلَا حَظَّ لِلْمُسْلِمِينَ فِي الْمَنِّ وَإِنْ حَكَمَ بِالْمَنِّ عَلَى الذُّرِّيَّةِ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَجُوزَ ، لِأَنَّ الْإِمَامَ لَا يَمْلِكُ الْمَنَّ عَلَى الذُّرِّيَّةِ إذَا سُبُوا فَكَذَلِكَ الْحَاكِمُ ، وَيَحْتَمِلُ الْجَوَازَ ، لِأَنَّ هَؤُلَاءِ لَمْ يَتَعَيَّنْ السَّبْيُ فِيهِمْ ، بِخِلَافِ مَنْ سُبِيَ ، فَإِنَّهُ يَصِيرُ رَقِيقًا بِنَفْسِ السَّبْيِ وَإِنْ حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِالْفِدَاءِ جَازَ لِأَنَّ الْإِمَامَ مُخَيَّرُ فِي الْأَسْرَى بَيْنَ الْقَتْلِ وَالْفِدَاءِ ، وَالِاسْتِرْقَاقِ وَالْمَنِّ .\rفَكَذَلِكَ الْحَاكِمُ وَإِنْ حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِإِعْطَاءِ الْجِزْيَةِ لَمْ يَلْزَمْ حُكْمُهُ ، لِأَنَّ عَقْدَ الذِّمَّةِ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ ، فَلَا يَثْبُتُ إلَّا بِالتَّرَاضِي ، وَلِذَلِكَ لَا يَمْلِكُ الْإِمَامُ إجْبَارَ الْأَسِيرِ عَلَى إعْطَاءِ الْجِزْيَةِ .\rوَإِنْ حَكَمَ بِالْقَتْلِ وَالسَّبْيِ جَازَ لِلْإِمَامِ الْمَنُّ عَلَى","part":21,"page":165},{"id":10165,"text":"بَعْضِهِمْ ، { لِأَنَّ ثَابِتَ بْنَ قَيْسٍ سَأَلَ فِي الزُّبَيْرِ بْنِ بَاطَا ، مِنْ قُرَيْظَةَ ، وَمَالِهِ ، رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَجَابَهُ } .\rوَيُخَالِفُ مَالَ الْغَنِيمَةِ إذَا حَازَهُ الْمُسْلِمُونَ ، لِأَنَّ مِلْكَهُمْ اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ وَإِنْ أَسْلَمُوا قَبْلَ الْحُكْمِ عَلَيْهِمْ ، عَصَمُوا دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ ، لِأَنَّهُمْ أَسْلَمُوا وَهُمْ أَحْرَارٌ ، وَأَمْوَالُهُمْ لَهُمْ ، فَلَمْ يَجُزْ اسْتِرْقَاقُهُ ، بِخِلَافِ الْأَسِيرِ ، فَإِنَّ الْأَسِيرَ قَدْ ثَبَتَتْ الْيَدُ عَلَيْهِ ، كَمَا تَثْبُتُ عَلَى الذُّرِّيَّةِ ، فَلِذَلِكَ جَازَ اسْتِرْقَاقُهُ .\rوَإِنْ أَسْلَمُوا بَعْدَ الْحُكْمِ عَلَيْهِمْ ، نَظَرْت ، فَإِنْ كَانَ قَدْ حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِالْقَتْلِ ، سَقَطَ ، لِأَنَّ مَنْ أَسْلَمَ فَقَدْ عَصَمَ دَمَهُ ، وَلَمْ يَجُزْ اسْتِرْقَاقُهُمْ ، لِأَنَّهُمْ أَسْلَمُوا قَبْلَ اسْتِرْقَاقِهِمْ قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : وَيَحْتَمِلُ جَوَازُ اسْتِرْقَاقِهِمْ ، كَمَا لَوْ أَسْلَمُوا بَعْدَ الْأَسْرِ ، وَيَكُونُ الْمَالُ عَلَى مَا حَكَمَ فِيهِ ، وَإِنْ حَكَمَ بِأَنَّ الْمَالَ لِلْمُسْلِمِينَ ، كَانَ غَنِيمَةً ، لِأَنَّهُمْ أَخَذُوهُ بِالْقَهْرِ وَالْحَصْرِ .","part":21,"page":166},{"id":10166,"text":"( 7619 ) مَسْأَلَةٌ ، قَالَ : ( وَإِذَا خُلِّيَ الْأَسِيرُ مِنَّا ، وَحَلَفَ أَنْ يَبْعَثَ إلَيْهِمْ بِشَيْءٍ يُعَيِّنُهُ أَوْ يَعُودَ إلَيْهِمْ ، فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ ، لَمْ يَرْجِعْ إلَيْهِمْ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْأَسِيرَ إذَا خَلَّيْهِ الْكُفَّارُ ، وَاسْتَحْلَفُوهُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ إلَيْهِمْ بِفِدَائِهِ أَوْ يَعُودَ إلَيْهِمْ ، نَظَرْت ، فَإِنْ أَكْرَهُوهُ بِالْعَذَابِ ، لَمْ يَلْزَمْهُ الْوَفَاءُ لَهُمْ بِرُجُوعٍ وَلَا فِدَاءٍ ، لِأَنَّهُ مُكْرَهٌ فَلَمْ يَلْزَمْهُ مَا أُكْرِهَ عَلَيْهِ ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : عُفِيَ لِأُمَّتِي عَنْ الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ ، وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ } وَإِنْ لَمْ يُكْرَهْ عَلَيْهِ ، وَقَدَرَ عَلَى الْفِدَاءِ الَّذِي الْتَزَمَهُ ، لَزِمَهُ أَدَاؤُهُ وَبِهَذَا قَالَ عَطَاءٌ ، وَالْحَسَنُ وَالزُّهْرِيُّ وَالنَّخَعِيّ وَالثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، أَيْضًا : لَا يَلْزَمُهُ ، لِأَنَّهُ حُرٌّ لَا يَسْتَحِقُّونَ بَدَلَهُ وَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إذَا عَاهَدْتُمْ } { وَلَمَّا صَالَحَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَهْلَ الْحُدَيْبِيَةِ عَلَى رَدِّ مَنْ جَاءَهُ مُسْلِمًا وَفَّى لَهُمْ بِذَلِكَ .\rوَقَالَ : إنَّا لَا يَصْلُحُ فِي دِينِنَا الْغَدْرُ } وَلِأَنَّ فِي الْوَفَاءِ مَصْلَحَةً لِلْأُسَارَى ، وَفِي الْغَدْرِ مَفْسَدَةً فِي حَقِّهِمْ ، لِأَنَّهُمْ لَا يُؤَمَّنُونَ بَعْدَهُ ، وَالْحَاجَةُ دَاعِيَةٌ إلَيْهِ ، فَلَزِمَهُ الْوَفَاءُ بِهِ ، كَمَا يَلْزَمُهُ الْوَفَاءُ بِعَقْدِ الْهُدْنَةِ ، وَلِأَنَّهُ عَاهَدَهُمْ عَلَى أَدَاءِ مَالٍ ، فَلَزِمَهُ الْوَفَاءُ بِهِ ، كَثَمَنِ الْمَبِيعِ ، وَالْمَشْرُوطُ فِي عَقْدِ الْهُدْنَةِ فِي مَوْضِعٍ يَجُوزُ شَرْطُهُ ، وَمَا ذَكَرُوهُ بَاطِلٌ بِمَا إذَا شَرَطَ رَدَّ مَنْ جَاءَهُ مُسْلِمًا ، أَوْ شَرَطَ لَهُمْ مَالًا فِي عَقْدِ الْهُدْنَةِ .\rفَأَمَّا إنْ عَجَزَ عَنْ الْفِدَاءِ ، نَظَرْنَا ، فَإِنْ كَانَ الْمُفَادَى امْرَأَةً ، لَمْ تُرْجَعْ إلَيْهِمْ ، وَلَمْ يَحِلَّ لَهَا ذَلِكَ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إلَى الْكُفَّارِ } وَلِأَنَّ فِي","part":21,"page":167},{"id":10167,"text":"رُجُوعِهَا تَسْلِيطًا لَهُمْ عَلَى وَطْئِهَا حَرَامًا ، وَقَدْ مَنَعَ اللَّهُ تَعَالَى رَسُولَهُ رَدَّ النِّسَاءِ إلَى الْكُفَّارِ بَعْدَ صُلْحِهِ عَلَى رَدِّهِنَّ فِي قِصَّةِ الْحُدَيْبِيَةِ ، وَفِيهَا : فَجَاءَ نِسْوَةٌ مُؤْمِنَاتٌ فَنَهَاهُمْ اللَّهُ أَنْ يَرُدُّوهُنَّ .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ وَإِنْ كَانَ رَجُلًا ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ ، إحْدَاهُمَا ، لَا يُرْجَعُ أَيْضًا ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ وَالنَّخَعِيِّ وَالثَّوْرِيِّ وَالشَّافِعِيِّ لِأَنَّ الرُّجُوعَ إلَيْهِمْ مَعْصِيَةٌ فَلَمْ يَلْزَمُ بِالشَّرْطِ ، كَمَا لَوْ كَانَ امْرَأَةً ، وَكَمَا لَوْ شَرَطَ قَتْلَ مُسْلِمٍ ، أَوْ شُرْبَ الْخَمْرِ .\rوَالثَّانِيَةُ ، يَلْزَمُهُ .\rوَهُوَ قَوْلُ عُثْمَانَ وَالزُّهْرِيِّ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَمُحَمَّدِ بْنِ سُوقَةَ لِمَا ذَكَرْنَا فِي بَعْثِ الْفِدَاءِ { وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ عَاهَدَ قُرَيْشًا عَلَى رَدِّ مَنْ جَاءَهُ مُسْلِمًا ، وَرَدَّ أَبَا بَصِيرٍ وَقَالَ : إنَّا لَا يَصْلُحُ فِي دِينِنَا الْغَدْرُ } وَفَارَقَ رَدَّ الْمَرْأَةِ ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى فَرَّقَ بَيْنَهُمَا فِي هَذَا الْحُكْمِ ، حِينَ صَالَحَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُرَيْشًا عَلَى رَدِّ مَنْ جَاءَهُ مِنْهُمْ مُسْلِمًا ، فَأَمْضَى اللَّهُ ذَلِكَ فِي الرِّجَالِ ، وَنَسَخَهُ فِي النِّسَاءِ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ تَقَدَّمَتْ .","part":21,"page":168},{"id":10168,"text":"( 7620 ) فَصْلٌ : فَإِنْ أَطْلَقُوهُ وَآمَنُوهُ ، صَارُوا فِي أَمَانٍ مِنْهُ لِأَنَّ أَمَانَهُمْ لَهُ يَقْتَضِي سَلَامَتَهُمْ مِنْهُ فَإِنْ أَمْكَنَهُ الْمُضِيُّ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ ، لَزِمَهُ ، وَإِنْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ أَقَامَ ، وَكَانَ حُكْمُهُ حُكْمَ مَنْ أَسْلَمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَإِنْ أَخَذَ فِي الْخُرُوجِ ، فَأَدْرَكُوهُ وَتَبِعُوهُ ، قَاتَلَهُمْ ، وَبَطَلَ الْأَمَانُ لِأَنَّهُمْ طَلَبُوا مِنْهُ الْمُقَامَ وَهُوَ مَعْصِيَةٌ ، فَأَمَّا إنْ أَطْلَقُوهُ وَلَمْ يُؤَمِّنُوهُ ، فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُمْ مَا قَدَرَ ، عَلَيْهِ وَيَسْرِقَ وَيَهْرَبَ ، لِأَنَّهُ لَمْ يُؤَمِّنْهُمْ وَلَمْ يُؤَمِّنُوهُ ، وَإِنْ أَطْلَقُوهُ ، وَشَرَطُوا عَلَيْهِ الْمُقَامَ عِنْدَهُمْ ، لَزِمَهُ مَا شَرَطُوا عَلَيْهِ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : الْمُؤْمِنُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ } .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ : لَا يَلْزَمُهُ فَأَمَّا إنْ أَطْلَقُوهُ عَلَى أَنَّهُ رَقِيقٌ لَهُمْ ، فَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : لَهُ أَنْ يَسْرِقَ وَيَهْرَبَ وَيَقْتُلَ ، لِأَنَّ كَوْنَهُ رَقِيقًا حُكْمٌ شَرْعِيٌّ ، لَا يَثْبُتُ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ ، وَلَوْ ثَبَتَ لَمْ يَقْتَضِ أَمَانًا لَهُ مِنْهُمْ ، وَلَا لَهُمْ مِنْهُ وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rوَإِنْ أَحَلَفُوا عَلَى هَذَا ، فَإِنْ كَانَ مُكْرَهًا عَلَى الْيَمِينِ ، لَمْ تَنْعَقِدْ يَمِينُهُ ، وَإِنْ كَانَ مُخْتَارًا فَحَنِثَ ، كَفَّرَ يَمِينَهُ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ تَلْزَمَهُ الْإِقَامَةُ ، عَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي تُلْزِمُهُ الرُّجُوعَ إلَيْهِمْ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى ، وَهُوَ قَوْلُ اللَّيْثِ .","part":21,"page":169},{"id":10169,"text":"( 7621 ) فَصْلٌ : وَإِنْ اشْتَرَى الْأَسِيرُ شَيْئًا مُخْتَارًا ، أَوْ اقْتَرَضَهُ ، فَالْعَقْدُ صَحِيحٌ ، وَيَلْزَمُهُ الْوَفَاءُ لَهُمْ لِأَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ فَعَلَهُ غَيْرُ الْأَسِيرِ ، وَإِنْ كَانَ مُكْرَهًا ، لَمْ يَصِحَّ ، فَإِنْ أَكْرَهُوهُ عَلَى قَبْضِهِ ، لَمْ يَضْمَنْهُ ، وَلَكِنْ عَلَيْهِ رَدُّهُ إلَيْهِمْ إنْ كَانَ بَاقِيًا ، لِأَنَّهُمْ دَفَعُوهُ إلَيْهِ بِحُكْمِ الْعَقْدِ ، وَإِنْ قَبَضَهُ بِاخْتِيَارِهِ ، ضَمِنَهُ ، لِأَنَّهُ قَبَضَهُ عَنْ عَقْدٍ فَاسِدٍ ، وَإِنْ بَاعَهُ وَالْعَيْنُ قَائِمَةٌ لَزِمَهُ رَدُّهَا ، لِأَنَّ الْعَقْدَ بَاطِلٌ ، وَإِنْ عَدِمَتْ الْعَيْنُ ، رَدَّ قِيمَتَهَا .","part":21,"page":170},{"id":10170,"text":"( 7622 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ ( وَلَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْرَبَ مِنْ كَافِرَيْنِ ، وَمُبَاحٌ لَهُ أَنْ يَهْرَبَ مِنْ ثَلَاثَةٍ ، فَإِنْ خَشِيَ الْأَسْرَ ، قَاتَلَ حَتَّى يُقْتَلَ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ إذَا الْتَقَى الْمُسْلِمُونَ وَالْكُفَّارُ ، وَجَبَ الثَّبَاتُ ، وَحَرُمَ الْفِرَارُ بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا لَقِيتُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمْ الْأَدْبَارَ } الْآيَةَ وَقَالَ تَعَالَى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } { وَذَكَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْفِرَارَ يَوْمَ الزَّحْفِ ، فَعَدَّهُ مِنْ الْكَبَائِرِ } .\rوَحُكِيَ عَنْ الْحَسَنِ وَالضَّحَّاكِ أَنَّ هَذَا كَانَ يَوْمَ بَدْرٍ خَاصَّةً وَلَا يَجِبُ فِي غَيْرِهَا ، وَالْأَمْرُ مُطْلَقٌ وَخَبَرُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامٌّ ، فَلَا يَجُوزُ التَّقْيِيدُ وَالتَّخْصِيصُ إلَّا بِدَلِيلٍ ، وَإِنَّمَا يَجِبُ الثَّبَاتُ بِشَرْطَيْنِ ، أَحَدُهُمَا ، أَنْ يَكُونَ الْكُفَّارُ لَا يَزِيدُونَ عَلَى ضِعْفِ الْمُسْلِمِينَ ، فَإِنْ زَادُوا عَلَيْهِ جَازَ الْفِرَارُ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ } .\rوَهَذَا إنْ كَانَ لَفْظُهُ لَفْظَ الْخَبَرِ ، فَهُوَ أَمْرٌ ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ : { الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ } وَلَوْ كَانَ خَبَرًا عَلَى حَقِيقَتِهِ ، لَمْ يَكُنْ رَدُّنَا مِنْ غَلَبَةِ الْوَاحِدِ لِلْعَشَرَةِ إلَى غَلَبَةِ الِاثْنَيْنِ تَخْفِيفًا ، وَلِأَنَّ خَبَرَ اللَّهِ تَعَالَى صِدْقٌ لَا يَقَعُ بِخِلَافِ مُخْبِرِهِ وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ الظَّفَرَ وَالْغَلَبَةَ لَا يَحْصُلُ لِلْمُسْلِمِينَ فِي كُلِّ مَوْطِنٍ يَكُونُ الْعَدُوُّ فِيهِ ضِعْفَ الْمُسْلِمِينَ فَمَا دُونَ ، فَعُلِمَ أَنَّهُ أَمْرٌ وَفَرْضٌ ، وَلَمْ يَأْتِ شَيْءٌ يَنْسَخُ هَذِهِ الْآيَةَ ، لَا فِي كِتَابٍ وَلَا سُنَّةٍ ، فَوَجَبَ الْحُكْمُ بِهَا .\rقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : نَزَلَتْ : { إنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا","part":21,"page":171},{"id":10171,"text":"مِائَتَيْنِ } فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ حِينَ فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أَلَّا يَفِرَّ وَاحِدٌ مِنْ عَشَرَةٍ ، ثُمَّ جَاءَ تَخْفِيفٌ فَقَالَ : { الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ إلَى قَوْلِهِ : يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ } فَلَمَّا خَفَّفَ اللَّهُ عَنْهُمْ مِنْ الْعَدَدِ ، نَقَصَ مِنْ الصَّبْرِ بِقَدْرِ مَا خَفَّفَ مِنْ الْعَدَدِ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ مَنْ فَرَّ مِنْ اثْنَيْنِ ، فَقَدْ فَرَّ ، وَمَنْ فَرَّ مِنْ ثَلَاثَةٍ فَمَا فَرَّ الثَّانِي ، أَنْ لَا يَقْصِدَ بِفِرَارِهِ التَّحَيُّزَ إلَى فِئَةٍ ، وَلَا التَّحَرُّفَ لِقِتَالٍ ، فَإِنْ قَصَدَ أَحَدَ هَذَيْنِ ، فَهُوَ مُبَاحٌ لَهُ ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : { إلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إلَى فِئَةٍ } .\rوَمَعْنَى التَّحَرُّفِ لِلْقِتَالِ ، أَنْ يَنْحَازَ إلَى مَوْضِعٍ يَكُونُ الْقِتَالُ فِيهِ أَمْكَنَ ، مِثْلُ أَنْ يَنْحَازَ مِنْ مُوَاجَهَةِ الشَّمْسِ ، أَوْ الرِّيحِ إلَى اسْتِدْبَارِهِمَا أَوْ مِنْ نَزْلَةٍ إلَى عُلُوٍّ ، أَوْ مِنْ مَعْطَشَةٍ إلَى مَوْضِعِ مَاءٍ ، أَوْ يَفِرَّ بَيْنَ أَيْدِيهمْ لِتَنْتَقِضَ صُفُوفُهُمْ ، أَوْ تَنْفَرِدَ خَيْلُهُمْ مِنْ رَجَّالَتِهِمْ ، أَوْ لِيَجِدَ فِيهِمْ فُرْصَةً ، أَوْ لِيَسْتَنِدَ إلَى جَبَلٍ ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا جَرَتْ بِهِ عَادَةُ أَهْلِ الْحَرْبِ .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَوْمًا فِي خُطْبَتِهِ إذْ قَالَ : يَا سَارِيَةُ بْنُ زُنَيْمٍ ، الْجَبَلَ ، ظَلَمَ الذِّئْبَ مَنْ اسْتَرْعَاهُ الْغَنَمَ .\rفَأَنْكَرَهَا النَّاسُ فَقَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : دَعُوهُ .\rفَلَمَّا نَزَلَ سَأَلُوهُ عَمَّا قَالَ ، فَلَمْ يَعْتَرِفْ بِهِ ، وَكَانَ قَدْ بَعَثَ سَارِيَةَ إلَى نَاحِيَةِ الْعِرَاقِ لِغَزْوِهِمْ فَلَمَّا قَدِمَ ذَلِكَ الْجَيْشُ أَخْبَرُوا أَنَّهُمْ لَقُوا عَدُوَّهُمْ يَوْمَ جُمُعَةَ ، فَظَهَرَ عَلَيْهِمْ ، فَسَمِعُوا صَوْتَ عُمَرَ فَتَحَيَّزُوا إلَى الْجَبَلِ ، فَنَجَوْا مِنْ عَدُوِّهِمْ فَانْتَصَرُوا عَلَيْهِمْ وَأَمَّا التَّحَيُّزُ إلَى فِئَةٍ ، فَهُوَ أَنْ يَصِيرَ إلَى فِئَةٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ، لِيَكُونَ مَعَهُمْ ، فَيَقْوَى بِهِمْ عَلَى عَدُوِّهِمْ وَسَوَاءٌ بَعُدَتْ","part":21,"page":172},{"id":10172,"text":"الْمَسَافَةُ أَوْ قَرُبَتْ .\rقَالَ الْقَاضِي : لَوْ كَانَتْ الْفِئَةُ بِخُرَاسَانَ .\rوَالْفِئَةُ بِالْحِجَازِ ، جَازَ التَّحَيُّزُ إلَيْهَا وَنَحْوَهُ ذَكَرَ الشَّافِعِيِّ لِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ رَوَى ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إنِّي فِئَةٌ لَكُمْ وَكَانُوا بِمَكَانٍ بَعِيدٍ مِنْهُ } وَقَالَ عُمَرُ أَنَا فِئَةُ كُلِّ مُسْلِمٍ .\rوَكَانَ بِالْمَدِينَةِ وَجُيُوشُهُ بِمِصْرَ وَالشَّامِ وَالْعِرَاقِ وَخُرَاسَانِ رَوَاهُمَا سَعِيدٌ .\rوَقَالَ عُمَرُ رَحِمَ اللَّهُ أَبَا عُبَيْدَةَ لَوْ كَانَ تَحَيَّزَ إلَيَّ لَكُنْت لَهُ فِئَةً وَإِذَا خَشِيَ الْأَسْرَ فَالْأَوْلَى لَهُ أَنْ يُقَاتِلَ حَتَّى يُقْتَلَ ، وَلَا يُسْلِمَ نَفْسَهُ لِلْأَسْرِ ، لِأَنَّهُ يَفُوزُ بِثَوَابِ الدَّرَجَةِ الرَّفِيعَةِ ، وَيَسْلَمُ مِنْ تَحَكُّمِ الْكُفَّارِ عَلَيْهِ بِالتَّعْذِيبِ وَالِاسْتِخْدَامِ وَالْفِتْنَةِ .\rوَإِنْ اسْتَأْسَرَ جَازَ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ عَشَرَةً عَيْنًا ، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ عَاصِمَ بْنَ ثَابِتٍ ، فَنَفَرَتْ إلَيْهِمْ هُذَيْلٌ بِقَرِيبٍ مِنْ مِائَةِ رَجُلٍ رَامٍ ، فَلَمَّا أَحَسَّ بِهِمْ عَاصِمٌ وَأَصْحَابُهُ ، لَجَئُوا إلَى فَدَدٍ فَقَالُوا لَهُمْ : انْزِلُوا فَأَعْطُونَا مَا بِأَيْدِيكُمْ ، وَلَكُمْ الْعَهْدُ وَالْمِيثَاقُ أَنْ لَا نَقْتُلَ مِنْكُمْ أَحَدًا فَقَالَ عَاصِمٌ : .\rأَمَّا أَنَا فَلَا أَنْزِلُ فِي ذِمَّةِ كَافِرٍ فَرَمَوْهُمْ بِالنَّبْلِ ، فَقَتَلُوا عَاصِمًا فِي سَبْعَةٍ مَعَهُ ، وَنَزَلَ إلَيْهِمْ ثَلَاثَةٌ عَلَى الْعَهْدِ وَالْمِيثَاقِ ، مِنْهُمْ خُبَيْبٌ وَزَيْدُ بْنُ الدَّثِنَةِ ، فَلَمَّا اسْتَمْكَنُوا مِنْهُمْ ، أَطْلَقُوا أَوْتَارَ قِسِيِّهِمْ ، فَرَبَطُوهُمْ بِهَا } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فَعَاصِمٌ أَخَذَ بِالْعَزِيمَةِ ، وَخُبَيْبٌ وَزَيْدٌ أَخَذَا بِالرُّخْصَةِ ، وَكُلُّهُمْ مَحْمُودٌ غَيْرُ مَذْمُومٍ وَلَا مَلُومٍ .","part":21,"page":173},{"id":10173,"text":"( 7623 ) فَصْلٌ : وَإِذَا كَانَ الْعَدُوُّ أَكْثَرَ مِنْ ضِعْفِ الْمُسْلِمِينَ ، فَغَلَبَ عَلَى ظَنِّ الْمُسْلِمِينَ الظَّفَرُ ، فَالْأَوْلَى لَهُمْ الثَّبَاتُ ، لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْمَصْلَحَةِ ، وَإِنْ انْصَرَفُوا جَازَ ، لِأَنَّهُمْ لَا يَأْمَنُونَ الْعَطَبَ وَالْحُكْمُ عُلِّقَ عَلَى مَظِنَّتِهِ ، وَهُوَ كَوْنُهُمْ أَقَلَّ مِنْ نِصْفِ عَدَدِهِمْ ، وَلِذَلِكَ لَزِمَهُمْ الثَّبَاتُ إذَا كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ النِّصْفِ ، وَإِنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِمْ الْهَلَاكُ فِيهِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يَلْزَمَهُمْ الثَّبَاتُ إنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِمْ الظَّفَرُ ، لِمَا فِيهِ مِنْ الْمَصْلَحَةِ وَإِنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِمْ الْهَلَاكُ فِي الْإِقَامَةِ ، وَالنَّجَاةُ فِي الِانْصِرَافِ فَالْأَوْلَى لَهُمْ الِانْصِرَافُ ، وَإِنْ ثَبَتُوا جَازَ ، لِأَنَّ لَهُمْ غَرَضًا فِي الشَّهَادَةِ ، وَيَجُوزُ أَنْ يَغْلِبُوا أَيْضًا وَإِنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِمْ الْهَلَاكُ فِي الْإِقَامَةِ وَالِانْصِرَافِ ، فَالْأَوْلَى لَهُمْ الثَّبَاتُ ، لِيَنَالُوا دَرَجَةَ الشُّهَدَاءِ الْمُقْبِلِينَ عَلَى الْقِتَالِ مُحْتَسَبِينَ ، فَيَكُونُونَ أَفْضَلَ مِنْ الْمُوَلِّينَ ، وَلِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَغْلِبُوا أَيْضًا ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ : { كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاَللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ } وَلِذَلِكَ صَبَرَ عَاصِمٌ وَأَصْحَابُهُ ، فَقَاتَلُوا حَتَّى أَكْرَمَهُمْ اللَّهُ بِالشَّهَادَةِ .","part":21,"page":174},{"id":10174,"text":"( 7624 ) فَصْلٌ : فَإِنْ جَاءَ الْعَدُوُّ بَلَدًا ، فَلِأَهْلِهِ التَّحَصُّنُ مِنْهُمْ ، وَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِهِمْ لِيَلْحَقَهُمْ مَدَدٌ أَوْ قُوَّةٌ ، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ تَوَلِّيًا وَلَا فِرَارًا ، إنَّمَا التَّوَلِّي بَعْدَ لِقَاءِ الْعَدُوِّ وَإِنْ لَقُوهُمْ خَارِجَ الْحِصْنِ فَلَهُمْ التَّحَيُّزُ إلَى الْحِصْنِ ، لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ التَّحَرُّفِ لِلْقِتَالِ ، أَوْ التَّحَيُّزِ إلَى فِئَةٍ .\rوَإِنْ غَزَوْا فَذَهَبَتْ دَوَابُّهُمْ ، فَلَيْسَ ذَلِكَ عُذْرًا فِي الْفِرَارِ ، لِأَنَّ الْقِتَالَ مُمْكِنٌ لِلرَّجَّالَةِ وَإِنْ تَحَيَّزُوا إلَى جَبَلٍ لِيُقَاتِلُوا فِي رَجَّالَةٍ ، فَلَا بَأْسَ ، لِأَنَّهُ تَحَرُّفٌ لِلْقِتَالِ وَإِنْ ذَهَبَ سِلَاحُهُمْ ، فَتَحَيَّزُوا إلَى مَكَان يُمْكِنُهُمْ الْقِتَالُ فِيهِ بِالْحِجَارَةِ ، وَالتَّسَتُّرُ بِالشَّجَرِ وَنَحْوِهِ أَوْ لَهُمْ فِي التَّحَيُّزِ إلَيْهِ فَائِدَةٌ جَازَ .","part":21,"page":175},{"id":10175,"text":"( 7625 ) فَصْلٌ : فَإِنْ وَلَّى قَوْمٌ قَبْلَ إحْرَازِ الْغَنِيمَةِ ، وَأَحْرَزَهَا الْبَاقُونَ ، فَلَا شَيْءَ لِلْفَارِّينَ ، لِأَنَّ إحْرَازَهَا حَصَلَ بِغَيْرِهِمْ ، فَكَانَ مِلْكُهَا لِمَنْ أَحْرَزَهَا وَإِنْ ذَكَرُوا أَنَّهُمْ فَرُّوا مُتَحَيِّزِينَ إلَى فِئَةٍ ، أَوْ مُتَحَرِّفِينَ لِلْقِتَالِ ، فَلَا شَيْءَ لَهُمْ أَيْضًا ، لِذَلِكَ وَإِنْ فَرُّوا بَعْدَ إحْرَازِ الْغَنِيمَةِ ، لَمْ يَسْقُطْ حَقُّهُمْ مِنْهَا لِأَنَّهُمْ مَلَكُوا الْغَنِيمَةَ بِحِيَازَتِهَا ، فَلَمْ يَزُلْ مِلْكُهُمْ عَنْهَا بِفِرَارِهِمْ","part":21,"page":176},{"id":10176,"text":"( 7626 ) فَصْلٌ : فَإِذَا أَلْقَى الْكُفَّارُ نَارًا فِي سَفِينَةٍ فِيهَا مُسْلِمُونَ فَاشْتَعَلَتْ فِيهَا ، فَمَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِمْ السَّلَامَةُ فِيهِ ، مِنْ بَقَائِهِمْ فِي مَرْكَبِهِمْ ، أَوْ إلْقَاءِ نُفُوسِهِمْ فِي الْمَاءِ ، فَالْأَوْلَى لَهُمْ فِعْلُهُ ، وَإِنْ اسْتَوَى عِنْدَهُمْ الْأَمْرَانِ ، فَقَالَ أَحْمَدُ كَيْفَ شَاءَ يَصْنَعُ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ هُمَا مَوْتَتَانِ ، فَاخْتَرْ أَيْسَرَهُمَا .\rوَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ فِيهِ رِوَايَةٌ أُخْرَى أَنَّهُمْ يَلْزَمُهُمْ الْمُقَامُ ، لِأَنَّهُمْ إذَا رَمَوْا نُفُوسَهُمْ فِي الْمَاءِ ، كَانَ مَوْتُهُمْ بِفِعْلِهِمْ ، وَإِنْ أَقَامُوا فَمَوْتُهُمْ بِفِعْلِ غَيْرِهِمْ .","part":21,"page":177},{"id":10177,"text":"( 7627 ) مَسْأَلَةٌ ، قَالَ : ( وَمَنْ أَجَرَ نَفْسَهُ ، بَعْدَ أَنْ غَنِمُوا ، عَلَى حِفْظِ الْغَنِيمَةِ ، فَمُبَاحٌ لَهُ مَا أَخَذَ ، إنْ كَانَ رَاجِلًا ، أَوْ عَلَى دَابَّةٍ يَمْلِكُهَا ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْغَنِيمَةَ إذَا احْتَاجَتْ إلَى مَنْ يَحْفَظُهَا ، أَوْ سَوْقِ الدَّوَابِّ الَّتِي هِيَ مِنْهَا ، أَوْ يَرْعَاهَا ، أَوْ يَحْمِلُهَا ، فَإِنْ لِلْإِمَامِ أَنْ يَسْتَأْجِرَ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ ، وَيُؤَدِّيَ أُجْرَتَهَا مِنْهَا لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ مُؤْنَتِهَا ، فَهُوَ كَعَلَفِ الدَّوَابِّ ، وَطَعَامِ السَّبْيِ ، وَمَنْ أَجَرَ نَفْسَهُ عَلَى فِعْلِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ ، فَلَهُ أُجْرَتُهُ مُبَاحَةً ، لِأَنَّهُ أَجَرَ نَفْسَهُ لِفِعْلٍ بِالْمُسْلِمِينَ إلَيْهِ حَاجَةٌ ، فَحَلَّتْ لَهُ أُجْرَتُهُ كَمَا لَوْ أَجَرَ نَفْسَهُ عَلَى الدَّلَالَةِ إلَى الطَّرِيقِ .\rفَأَمَّا قَوْلُهُ : إنْ كَانَ رَاجِلًا أَوْ عَلَى دَابَّةٍ يَمْلِكُهَا .\rفَإِنَّهُ يَعْنِي بِهِ لَا يَرْكَبُ مِنْ دَوَابِّ الْمَغْنَمِ ، وَلَا فَرَسًا حَبِيسًا .\rقَالَ أَحْمَدُ لَا بَأْسَ أَنْ يُؤَجِّرَ الرَّجُلُ نَفْسَهُ عَلَى دَابَّتِهِ وَكَرِهَ أَنْ يَسْتَأْجِرَ الْقَوْمَ عَلَى سِبَاقِ الرَّمَكِ عَلَى فَرَسٍ حَبِيسٍ ، لِأَنَّهُ يَسْتَعْمِلُ الْفَرَسَ الْمَوْقُوفَةَ لِلْجِهَادِ فِيمَا يَخْتَصُّ مَنْفَعَةَ نَفْسِهِ فَإِنْ أَجَرَ نَفْسَهُ ، فَرَكِبَ الدَّابَّةَ الْحَبِيسَ ، أَوْ دَابَّةً مِنْ الْمَغْنَمِ ، لَمْ تَطِبْ لَهُ أُجْرَةٌ ، لِأَنَّ الْمُعِينَ لَهُ عَلَى الْعَمَلِ يَخْتَصُّ مَنْفَعَةَ نَفْسِهِ ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَسْتَعْمِلَ فِيهِ دَوَابَّ الْمَغْنَمِ ، وَلَا دَوَابَّ الْحَبِيسِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَلْزَمَهُ بِقَدْرِ أَجْرِ الدَّابَّةِ ، يُرَدُّ فِي الْغَنِيمَةِ إنْ كَانَتْ مِنْ الْغَنِيمَةِ ، أَوْ يُصْرَفَ فِي نَفَقَةِ دَوَابِّ الْحَبِيسِ إنْ كَانَ الْفَرَسُ حَبِيسًا .\r( 7628 ) فَصْلٌ : فَإِنْ شَرَطَ فِي الْإِجَارَةِ رُكُوبَ دَابَّةٍ مِنْ الْغَنِيمَةِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَجُوزَ ، لِأَنَّ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ أُجْرَةٍ تُدْفَعُ مِنْ الْمَغْنَمِ .\rوَلَوْ أَجَرَ نَفْسَهُ بِدَابَّةٍ مُعَيَّنَةٍ مِنْ الْمَغْنَمِ ، صَحَّ فَإِذَا جَعَلَ أَجْرَهُ رُكُوبَهَا ، كَانَ أَوْلَى ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْعَمَلُ","part":21,"page":178},{"id":10178,"text":"مَجْهُولًا ، فَلَا يَجُوزُ ، لِأَنَّ مِنْ شَرْطِ صِحَّةِ إجَارَتِهَا كَوْنَ عِوَضِهَا مَعْلُومًا .\rوَإِنْ شَرَطَ فِي الْإِجَارَةِ رُكُوبَ دَابَّةٍ مِنْ الْحَبِيسِ لَمْ يَجُزْ ، لِأَنَّهَا إنَّمَا حُبِسَتْ عَلَى الْجِهَادِ ، وَلَيْسَ هَذَا بِجِهَادٍ ، إنَّمَا هُوَ نَفْعٌ لِأَهْلِ الْغَنِيمَةِ","part":21,"page":179},{"id":10179,"text":"( 7629 ) فَصْلٌ : وَلَا يَجُوزُ الِانْتِفَاعُ مِنْ الْغَنِيمَةِ بِرُكُوبِ دَابَّةٍ مِنْهَا وَلَا لُبْسِ ثَوْبٍ مِنْ ثِيَابِهَا ، لِمَا رَوَى رُوَيْفِعُ بْنُ ثَابِتٍ ، قَالَ : لَا أَقُولُ لَكُمْ إلَّا مَا سَمِعْت مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ يَوْمَ خَيْبَرَ { : مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ، فَلَا يَرْكَبْ دَابَّةً مِنْ فَيْءِ الْمُسْلِمِينَ ، حَتَّى إذَا أَعْجَفَهَا ، رَدَّهَا فِيهِ ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ، فَلَا يَلْبَسْ ثَوْبًا مِنْ فَيْءِ الْمُسْلِمِينَ ، حَتَّى إذَا أَخْلَقَهُ ، رَدَّهُ فِيهِ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَالْأَثْرَمُ وَعَنْ رَجُلٍ مِنْ بُلَيْدَةٌ قَالَ : { أَتَيْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ بِوَادِي الْقُرَى ، فَقُلْت : مَا تَقُولُ فِي الْغَنِيمَةِ ؟ فَقَالَ : لِلَّهِ خُمُسُهَا ، وَأَرْبَعَةُ أَخْمَاسِهَا لِلْجَيْشِ فَقُلْت : فَمَا أَحَدٌ أَوْلَى بِهِ أَحَدٌ ؟ قَالَ : لَا ، وَلَا السَّهْمُ تَسْتَخْرِجُهُ مِنْ جَنْبِك أَنْتَ أَحَقُّ بِهِ مِنْ أَخِيك الْمُسْلِمِ } رَوَاهُ الْأَثْرَمُ .\rوَلِأَنَّ الْغَنِيمَةَ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَ الْغَانِمِينَ وَأَهْلِ الْخُمْسِ ، فَلَمْ يَجُزْ لِوَاحِدٍ الِاخْتِصَاصُ بِمَنْفَعَتِهِ ، كَغَيْرِهِ مِنْ الْأَمْوَالِ الْمُشْتَرَكَةِ ، فَإِنْ دَعَتْ الْحَاجَةُ إلَى الْقِتَالِ بِسِلَاحِهِمْ ، فَلَا بَأْسَ قَالَ أَحْمَدُ إذَا كَانَ أَنْكَى فِيهِمْ ، أَوْ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ ، فَنَعَمْ وَذَكَرَ حَدِيثَ سَيْف أَبِي جَهْلٍ .\rوَهُوَ مَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ قَالَ : انْتَهَيْت إلَى أَبِي جَهْلٍ يَوْمَ بَدْرٍ وَقَدْ ضُرِبَتْ رِجْلُهُ ، فَقُلْت : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَخْزَاك يَا أَبَا جَهْلٍ فَأَضْرِبُهُ بِسَيْفٍ مَعِي غَيْرِ طَائِلٍ ، فَوَقَعَ سَيْفُهُ مِنْ يَدِهِ ، فَأَخَذْت سَيْفَهُ ، فَضَرَبْته بِهِ حَتَّى بَرَدَ رَوَاهُ الْأَثْرَمُ وَفِي رُكُوبِ الْفَرَسِ لِلْجِهَادِ رِوَايَتَانِ ، إحْدَاهُمَا ، يَجُوزُ ، كَمَا يَجُوزُ فِي السِّلَاحِ ، وَالثَّانِيَةُ ، لَا يَجُوزُ ، لِأَنَّهَا تَتَعَرَّضُ لِلْعَطَبِ غَالِبًا ، وَقِيمَتُهَا كَثِيرَةٌ ، بِخِلَافِ السِّلَاحِ .","part":21,"page":180},{"id":10180,"text":"( 7630 ) مَسْأَلَةٌ ، قَالَ : ( وَمَنْ لَقِيَ عِلْجًا ، فَقَالَ لَهُ : قِفْ ، أَوْ : أَلْقِ سِلَاحَك فَقَدْ أَمَّنَهُ ) .\rقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي مَنْ يَصِحُّ أَمَانُهُ ، وَنَذْكُرُ هَاهُنَا صِفَةَ الْأَمَانِ ، فَاَلَّذِي وَرَدَ بِهِ الشَّرْعُ لَفْظَتَانِ ؛ أَجَرْتُك وَأَمَّنْتُك لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَإِنْ أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ } وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْت ، وَأَمَّنَّا مَنْ أَمَّنْت } .\rوَقَالَ : { مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ ، وَمَنْ أَغْلَقَ بَابَهُ فَهُوَ آمِنٌ } .\rوَفِي مَعْنَى ذَلِكَ إذَا قَالَ : لَا تَخَفْ ، لَا تَذْهَلْ ، لَا تَخْشَ ، لَا خَوْفَ عَلَيْك ، لَا بَأْسَ عَلَيْك وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ : إذَا قُلْتُمْ : لَا بَأْسَ ، أَوْ لَا تَذْهَلْ ، أَوْ مَتْرَسٌ فَقَدْ أَمَّنْتُمُوهُمْ .\rفَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَعْلَمُ الْأَلْسِنَةَ وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى : إذَا قَالَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ : لَا تَخَفْ فَقَدْ أَمَّنَهُ ، وَإِذَا قَالَ : لَا تَذْهَلْ .\rفَقَدْ أَمَّنَهُ .\rفَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ الْأَلْسِنَةَ .\rوَرُوِيَ أَنَّ عُمَرَ قَالَ لِلْهُرْمُزَانِ : تَكَلَّمْ ، وَلَا بَأْسَ عَلَيْك .\rفَلَمَّا تَكَلَّمَ ، أَمَرَ عُمَرُ بِقَتْلِهِ ، فَقَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ لَيْسَ لَك إلَى ذَلِكَ سَبِيلٌ ، قَدْ أَمَّنْته فَقَالَ عُمَرُ كَلًّا ، فَقَالَ الزُّبَيْرُ قَدْ قُلْت لَهُ : تَكَلَّمْ ، وَلَا بَأْسَ عَلَيْك فَدَرَأَ عَنْهُ عُمَرُ الْقَتْلَ رَوَاهُ سَعِيدٌ وَغَيْرُهُ .\rوَهَذَا كُلُّهُ لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا فَأَمَّا إنْ قَالَ لَهُ : قُمْ ، أَوْ قِفْ ، أَوْ أَلْقِ سِلَاحَك .\rفَقَالَ أَصْحَابُنَا : هُوَ أَمَانٌ أَيْضًا ، لِأَنَّ الْكَافِرَ يَعْتَقِدُ هَذَا أَمَانًا ، فَأَشْبَهَ قَوْلَهُ : أَمَّنْتُك وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ إنْ ادَّعَى الْكَافِرُ أَنَّهُ آمِنٌ ، أَوْ قَالَ : إنَّمَا وَقَفْت لِنِدَائِك فَهُوَ آمِنٌ ، إنْ لَمْ يَدَّعِ ذَلِكَ فَلَا يُقْبَلُ .\r.\rوَيَحْتَمِلُ أَنَّ هَذَا لَيْسَ بِأَمَانٍ ، لِأَنَّ لَفْظَهُ لَا يُشْعِرُ بِهِ ، وَهُوَ يُسْتَعْمَلُ لِلْإِرْهَابِ وَالتَّخْوِيفِ ، فَلَمْ يَكُنْ أَمَانًا ، لِقَوْلِهِ","part":21,"page":181},{"id":10181,"text":": لَأَقْتُلَنَّك لَكِنْ يُرْجَعُ إلَى الْقَائِلِ ، فَإِنْ قَالَ : نَوَيْت بِهِ الْأَمَانَ .\rفَهُوَ أَمَانٌ ، وَإِنْ قَالَ : لَمْ أَرُدُّ أَمَانَهُ .\rنَظَرْنَا فِي الْكَافِرِ ، فَإِنْ قَالَ : اعْتَقَدْته أَمَانًا رُدَّ إلَى مَأْمَنِهِ ، وَلَمْ يَجُزْ قَتْلُهُ ، وَإِنْ لَمْ يَعْتَقِدْهُ أَمَانًا فَلَيْسَ بِأَمَانٍ ، كَمَا لَوْ أَشَارَ إلَيْهِمْ بِمَا اعْتَقَدُوهُ أَمَانًا .","part":21,"page":182},{"id":10182,"text":"( 7631 ) فَصْلٌ : فَإِنْ أَشَارَ الْمُسْلِمُ إلَيْهِمْ بِمَا يَرَوْنَهُ أَمَانًا وَقَالَ : أَرَدْت بِهِ الْأَمَانَ فَهُوَ أَمَانٌ وَإِنْ قَالَ : لَمْ أُرِدْ بِهِ الْأَمَانَ .\rفَالْقَوْلُ قَوْلُهُ ، لِأَنَّهُ أَعْلَمُ بِنِيَّتِهِ فَإِنْ خَرَجَ الْكُفَّارُ مِنْ حِصْنِهِمْ بِنَاءً عَلَى هَذِهِ الْإِشَارَةِ ، لَمْ يَجُزْ قَتْلُهُمْ ، وَلَكِنْ يَرُدُّونَ إلَى مَأْمَنِهِمْ .\rقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : وَاَللَّهِ لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَشَارَ بِإِصْبَعِهِ إلَى السَّمَاءِ إلَى مُشْرِكٍ ، فَنَزَلَ بِأَمَانِهِ ، فَقَتَلَهُ ، لَقَتَلْته بِهِ رَوَاهُ سَعِيدٌ وَإِنْ مَاتَ الْمُسْلِمُ أَوْ غَابَ ، فَإِنَّهُمْ يَرُدُّونَ إلَى مَأْمَنِهِمْ ، وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَابْنُ الْمُنْذِرِ فَإِنْ قِيلَ : فَكَيْفَ صَحَّحْتُمْ الْأَمَانَ بِالْإِشَارَةِ ، مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى النُّطْقِ ، بِخِلَافِ الْبَيْعِ وَالطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ ؟ قُلْنَا : تَغْلِيبًا لِحَقْنِ الدَّمِ ، كَمَا حُقِنَ دَمُ مَنْ لَهُ شُبْهَةُ كِتَابٍ ، تَغْلِيبًا لِحَقْنِ دَمِهِ ، وَلِأَنَّ الْكُفَّارَ فِي الْغَالِبِ لَا يَفْهَمُونَ كَلَامَ الْمُسْلِمِينَ ، وَالْمُسْلِمُونَ لَا يَفْهَمُونَ كَلَامَهُمْ ، فَدَعَتْ الْحَاجَةُ إلَى التَّكْلِيمِ بِالْإِشَارَةِ ، بِخِلَافِ غَيْرِهِ","part":21,"page":183},{"id":10183,"text":"( 7632 ) فَصْلٌ : إذَا سُبِيَتْ كَافِرَةٌ ، فَجَاءَ ابْنُهَا يَطْلُبُهَا ، وَقَالَ : إنَّ عِنْدِي أَسِيرًا مُسْلِمًا فَأَطْلِقُوهَا حَتَّى أُحْضِرَهُ .\rفَقَالَ الْإِمَامُ : أَحْضِرْهُ فَأَحْضَرَهُ ، لَزِمَ إطْلَاقُهَا لِأَنَّ الْمَفْهُومَ مِنْ هَذَا إجَابَتُهُ إلَى مَا سَأَلَ وَإِنْ قَالَ الْإِمَامُ : لَمْ أُرِدْ إجَابَتَهُ ، لَمْ يُجْبَرْ عَلَى تَرْكِ أَسِيرِهِ ، وَرُدَّ إلَى مَأْمَنِهِ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ : يُطْلَقُ الْأَسِيرُ ، وَلَا تُطْلَقُ الْمُشْرِكَةُ ، لِأَنَّ الْمُسْلِمَ حُرٌّ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ثَمَنًا لِمَمْلُوكَةٍ وَيُقَالُ لَهُ : إنْ اخْتَرْت شِرَاءَهَا ، فَأْتِ بِثَمَنِهَا وَلَنَا ، أَنَّ هَذَا يُفْهَمُ مِنْهُ الشَّرْطُ ، فَيَجِبُ الْوَفَاءُ بِهِ ، كَمَا لَوْ صَرَّحَ بِهِ وَلِأَنَّ الْكَافِرَ فَهِمَ مِنْهُ ذَلِكَ ، وَبَنَى عَلَيْهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ فَهِمَ الْأَمَانَ مِنْ الْإِشَارَةِ ، وَقَوْلُهُمْ : إنَّ الْحُرَّ لَا يَكُونُ ثَمَنَ مَمْلُوكَةٍ .\rقُلْنَا : لَكِنْ يَصِحُّ أَنْ يُفَادَى بِهَا ، فَقَدْ فَادَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْأَسِيرَةِ الَّتِي أَخَذَهَا مِنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ بِرَجُلَيْنِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَفَادَى رَجُلَيْنِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ بِأَسِيرٍ مِنْ الْكُفَّارِ ، وَوَفَّى لَهُمْ بِرَدِّ مَنْ جَاءَهُ مُسْلِمًا ، وَقَالَ { : إنَّهُ لَا يَصْلُحُ فِي دِينِنَا الْغَدْرُ } وَإِنْ كَانَ رَدُّ الْمُسْلِمِ إلَيْهِمْ لَيْسَ بِحَقٍّ لَهُمْ ، وَلِأَنَّهُ الْتَزَمَ إطْلَاقَهَا ، فَلَزِمَهُ ذَلِكَ ، لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ { : الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ } وَقَوْلِهِ : { إنَّهُ لَا يَصْلُحُ فِي دِينِنَا الْغَدْرُ .\r}","part":21,"page":184},{"id":10184,"text":"( 7633 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : ( وَمَنْ سَرَقَ مِنْ الْغَنِيمَةِ مِمَّنْ لَهُ فِيهَا حَقٌّ ، أَوْ لِوَلَدِهِ ، أَوْ لِسَيِّدِهِ ، لَمْ يُقْطَعْ ) يَعْنِي إذَا كَانَ السَّارِقُ بَعْضَ الْغَانِمِينَ ، أَوْ أَبَاهُ ، أَوْ سَيِّدَهُ ، فَلَا قَطْعَ عَلَيْهِ ، لِأَنَّ لَهُ شُبْهَةً وَهُوَ حَقُّهُ الْمُتَعَلِّقُ بِهَا ، فَيَكُونُ ذَلِكَ مَانِعًا مِنْ قَطْعِهِ ، لِأَنَّ الْحُدُودَ تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ سَرَقَ مِنْ مَالٍ مُشْتَرَكٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ ، وَهَكَذَا إنْ كَانَ لِابْنِهِ وَإِنْ عَلَا ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ .\rوَزَادَ أَبُو حَنِيفَةَ إذَا كَانَ لِذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهُ فِيهَا حَقٌّ لَمْ يُقْطَعْ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُقْطَعُ بِسَرِقَةِ مَالِهِمْ ، وَقَدْ سَبَقَ الْكَلَامُ فِي هَذَا وَلَوْ كَانَ لِأَحَدِ الزَّوْجَيْنِ فِيهَا حَقٌّ فَسَرَقَ مِنْهَا الْآخِرُ ، لَمْ يُقْطَعْ عِنْدَ مَنْ لَا يَرَى أَنَّ أَحَدَهُمَا يُقْطَعُ بِسَرِقَةِ مَالِ الْآخَرِ .\rوَقَدْ سَبَقَ ذِكْرُ هَذَا","part":21,"page":185},{"id":10185,"text":"( 7634 ) فَصْلٌ : وَالسَّارِقُ مِنْ الْغَنِيمَةِ غَيْرُ الْغَالِّ ، فَلَا يَجْرِي مَجْرَاهُ فِي إحْرَاقِ رَحْلِهِ ، وَلَا يَجْرِي الْغَالُّ مَجْرَى السَّارِقِ فِي قَطْعِ يَدِهِ .\rوَذَكَرَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا أَنَّ السَّارِقَ يُحْرَقُ رَحْلُهُ ، لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْغَالِّ ، وَلِأَنَّهُ لَمَّا دُرِئَ عَنْهُ الْحَدُّ ، وَجَبَ أَنْ يُشْرَعَ فِي حَقِّهِ عُقُوبَةٌ أُخْرَى ، كَسَارِقِ الثَّمَرِ يَغْرَمُ مِثْلَيْ مَا سَرَقَ .\rوَلَنَا ، أَنَّ هَذَا لَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الْغَالِّ حَقِيقَةً ، وَلَا هُوَ فِي مَعْنَاهُ لِأَنَّ الْغُلُولَ يَكْثُرُ ، لِكَوْنِهِ أَخْذَ مَالٍ لَا حَافِظَ لَهُ ، وَلَا يُطَّلَعُ عَلَيْهِ غَالِبًا فَيَحْتَاجُ إلَى زَاجِرٍ عَنْهُ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ السَّرِقَةُ ، فَإِنَّهَا أَخْذُ مَالٍ مَحْفُوظٍ ، فَالْحَاجَةُ إلَى الزَّجْرِ عَنْهُ أَقَلُّ .","part":21,"page":186},{"id":10186,"text":"( 7635 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَإِنْ وَطِئَ جَارِيَةً قَبْلَ أَنْ يُقْسَمَ ، أُدِّبَ ، وَلَمْ يُبْلَغْ بِهِ حَدُّ الزَّانِي ، وَأُخِذَ مِنْهُ مَهْرُ مِثْلِهَا ، فَطُرِحَ فِي الْمَقْسَمِ ، إلَّا أَنْ تَلِدَ مِنْهُ ، فَتَكُونَ عَلَيْهِ قِيمَتُهَا ) .\rيَعْنِي إذَا كَانَ الْوَاطِئُ مِنْ الْغَانِمِينَ ، أَوْ مِمَّنْ لِوَلَدِهِ فِيهَا حَقٌّ ، فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ لِأَنَّ الْمِلْكَ يَثْبُت لِلْغَانِمِينَ فِي الْغَنِيمَةِ ، فَيَكُونُ لِلْوَاطِئِ حَقٌّ فِي هَذِهِ الْجَارِيَةِ وَإِنْ كَانَ قَلِيلًا ، فَيُدْرَأُ عَنْهُ الْحَدُّ لِلشُّبْهَةِ .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو ثَوْرٍ : عَلَيْهِ الْحَدُّ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى { الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ } وَهَذَا زَانٍ ، وَلِأَنَّهُ وَطِئَ فِي غَيْرِ مِلْكٍ ، عَامِدًا عَالِمًا بِالتَّحْرِيمِ ، فَلَزِمَهُ الْحَدُّ ، كَمَا لَوْ وَطِئَ جَارِيَةَ غَيْرِهِ .\rوَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ كُلُّ مَنْ سَلَفَ مِنْ عُلَمَائِنَا يَقُولُ : عَلَيْهِ أَدْنَى الْحَدَّيْنِ ، مِائَةُ جَلْدَةٍ ، وَمَنَعَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ ثُبُوتَ الْمِلْكِ فِي الْغَنِيمَةِ ، وَقَالَ : إنَّمَا يَثْبُتُ بِالْأَخْبَارِ بِدَلِيلِ أَنَّ أَحَدَهُمْ لَوْ قَالَ : أَسْقَطْت حَقِّي .\rسَقَطَ ، وَلَوْ ثَبَتَ مِلْكُهُ ، لَمْ يَزُلْ بِذَلِكَ ، كَالْوَارِثِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ لَهُ فِيهَا شُبْهَةَ الْمِلْكِ ، فَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الْحَدُّ ، كَوَطْءِ الْجَارِيَةِ الْمُشْتَرَكَةِ ، وَالْآيَةُ مَخْصُوصَةٌ بِوَطْءِ الْجَارِيَةِ الْمُشْتَرَكَةِ وَجَارِيَةِ ابْنِهِ ، فَنَقِيسُ عَلَيْهِ هَذَا ، وَمَنْعُ الْمِلْكِ لَا يَصِحُّ ، لِأَنَّ مِلْكَ الْكُفَّارِ ، قَدْ زَالَ ، وَلَا يَزُولُ ، إلَّا إلَى مَالِكٍ ، وَلِأَنَّهُ تَصِحُّ قِسْمَتُهُ ، وَيَمْلِكُ الْغَانِمُونَ طَلَبَ قِسْمَتِهَا ، فَأَشْبَهَتْ مَالَ الْوَارِثِ ، إنَّمَا كَثُرَ الْغَانِمُونَ فَقَلَّ نَصِيبُ الْوَاطِئِ ، وَلَمْ يَسْتَقِرَّ فِي شَيْءٍ بِعَيْنِهِ ، وَكَانَ لِلْإِمَامِ تَعْيِينُ نَصِيبِ كُلِّ وَاحِدٍ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ ، فَلِذَلِكَ جَازَ أَنْ يَسْقُطَ بِالْإِسْقَاطِ ، بِخِلَافِ الْمِيرَاثِ .\rوَضَعْفُ الْمِلْكِ لَا يُخْرِجُهُ","part":21,"page":187},{"id":10187,"text":"عَنْ كَوْنِهِ شُبْهَةً فِي الْحَدِّ الَّذِي يُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ ، وَلِهَذَا يَسْقُطُ الْحَدُّ بِأَدْنَى شَيْءٍ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَقِيقَةَ الْمِلْكِ فَهُوَ شُبْهَةٌ ، إذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّهُ يُعَزَّرُ ، وَلَا يُبْلَغُ بِالتَّعْزِيرِ الْحَدُّ ، عَلَى مَا أَسْلَفْنَاهُ ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ مَهْرُ مِثْلِهَا ، فَيُطْرَحُ فِي الْمَقْسَمِ وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : إنَّهُ يَسْقُطُ عَنْهُ مِنْ الْمَهْرِ قَدْرُ حِصَّتِهِ مِنْهَا ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ بَقِيَّتُهُ ، كَمَا لَوْ وَطِئَ جَارِيَةً مُشْتَرَكَةً بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ ، وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ ، لِأَنَّنَا إذَا أَسْقَطْنَا عَنْهُ حِصَّتَهُ ، وَأَخَذْنَا الْبَاقِيَ فَطَرَحْنَاهُ فِي الْمَغْنَمِ ، ثُمَّ قَسَمْنَاهُ عَلَى الْجَمِيعِ وَهُوَ فِيهِمْ ، عَادَ إلَيْهِ سَهْمٌ مِنْ حِصَّةِ غَيْرِهِ ، وَلِأَنَّ قَدْرَ حِصَّتِهِ قَدْ لَا تُمْكِنُ مَعْرِفَتُهُ ، لِقِلَّةِ الْمَهْرِ وَكَثْرَةِ الْغَانِمِينَ ، ثُمَّ إذَا أَخَذْنَاهُ ، فَإِنْ قَسَمْنَاهُ مُفْرَدًا عَلَى مَنْ سِوَاهُ ، لَمْ يُمْكِنْ ، وَإِنْ خَلَطْنَاهُ بِبَقِيَّةِ الْغَنِيمَةِ ، ثُمَّ قَسَمْنَاهُ عَلَى الْجَمِيعِ ، أَخَذَ سَهْمًا مِمَّا لَيْسَ لَهُ فِيهِ حَقٌّ إذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنْ وَلَدَتْ مِنْهُ ، فَالْوَلَدُ حُرٌّ ، يَلْحَقُهُ نَسَبُهُ ، وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ هُوَ رَقِيقٌ ، لَا يَلْحَقُهُ نَسَبُهُ ، لِأَنَّ الْغَانِمِينَ إنَّمَا يَمْلِكُونَ بِالْقِسْمَةِ ، فَقَدْ صَادَفَ وَطْؤُهُ غَيْرَ مِلْكِهِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ وَطْءٌ سَقَطَ فِيهِ الْحَدُّ بِشُبْهَةِ الْمِلْكِ ، فَيَلْحَقُ فِيهِ النَّسَبُ ، كَوَطْءِ جَارِيَةِ ابْنِهِ ، وَمَا ذَكَرُوهُ غَيْرُ مُسَلَّمٍ ، ثُمَّ يَبْطُلُ بِوَطْءِ جَارِيَةِ ابْنِهِ ، وَيُفَارِقُ الزِّنَى ، فَإِنَّهُ يُوجِبُ الْحَدَّ .\rوَإِذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّ الْأَمَةَ تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ فِي الْحَالِ ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ فِي الْحَالِ ، لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِلْكًا لَهُ .\rفَإِذَا مَلَكَهَا بَعْدَ ذَلِكَ ، فَهَلْ تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ ؟ فِيهَا قَوْلَانِ ، وَلَنَا ، أَنَّهُ وَطْءٌ يَلْحَقُ بِهِ النَّسَبُ لِشُبْهَةِ الْمِلْكِ ،","part":21,"page":188},{"id":10188,"text":"فَتَصِيرُ بِهِ أُمَّ وَلَدٍ ، كَوَطْءِ جَارِيَةِ ابْنِهِ ، وَيَبْطُلُ مَا ذَكَرُوهُ بِجَارِيَةِ الِابْنِ ، وَلَا نُسَلِّمُ مَا ذَكَرُوهُ ، فَإِنَّا قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْمِلْكَ يَثْبُتُ فِي الْغَنِيمَةِ بِمُجَرَّدِ الِاغْتِنَامِ ، وَعَلَيْهِ قِيمَتُهَا تُطْرَحَ فِي الْمَغْنَمِ ، لِأَنَّهُ فَوَّتَهَا عَلَيْهِمْ ، وَأَخْرَجَهَا مِنْ الْغَنِيمَةِ بِفِعْلِهِ ، فَلَزِمَتْهُ قِيمَتُهَا ، كَمَا لَوْ قَتَلَهَا ، فَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا كَانَ فِي ذِمَّتِهِ قِيمَتُهَا .\rوَقَالَ الْقَاضِي : إنْ كَانَ مُعْسِرًا حُسِبَ قَدْرُ حِصَّتِهِ مِنْ الْغَنِيمَةِ ، فَصَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ ، وَبَاقِيهَا رَقِيقٌ لِلْغَانِمِينَ ، لِأَنَّ كَوْنَهَا أُمَّ وَلَدٍ إنَّمَا يَثْبُتُ بِالسِّرَايَةِ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ ، فَلَمْ يَسْرِ فِي حَقِّ الْمُعْسِرِ ، كَالْإِعْتَاقِ ، وَلَنَا ، أَنَّهُ اسْتِيلَادٌ جَعَلَ بَعْضَهَا أُمَّ وَلَدٍ ، فَيَجْعَلُ جَمِيعَهَا أُمَّ وَلَدٍ ، كَاسْتِيلَادِ جَارِيَةِ الِابْنِ ، وَفَارَقَ الْعِتْقَ ، لِأَنَّ الِاسْتِيلَادَ أَقْوَى ، لِكَوْنِهِ فِعْلًا ، وَيَنْفُذُ مِنْ الْمَجْنُونِ .\rفَأَمَّا قِيمَةُ الْوَلَدِ ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ فِيهَا رِوَايَتَانِ ، إحْدَاهُمَا تَلْزَمُهُ قِيمَتُهُ حِينَ وَضْعِهِ ، تُطْرَحُ فِي الْمَغْنَمِ ، لِأَنَّهُ فَوَّتَ رِقَّهُ ، فَأَشْبَهَ وَلَدَ الْمَغْرُورِ ، وَالثَّانِيَةُ ، لَا تَلْزَمُهُ ، ، لِأَنَّهُ مَلَكَهَا حِينَ عَلِقَتْ ، وَلَمْ يَثْبُتْ مِلْكُ الْغَانِمِينَ فِي الْوَلَدِ بِحَالٍ ، فَأَشْبَهَ وَلَدَ الْأَبِ مِنْ جَارِيَةِ ابْنِهِ إذَا وَطِئَهَا ، وَلِأَنَّهُ يَعْتِقُ حِينَ عُلُوقِهِ ، وَلَا قِيمَةَ لَهُ حِينَئِذٍ ، وَقَالَ الْقَاضِي : إذَا صَارَ نِصْفُهَا أُمَّ وَلَدٍ ، يَكُونُ الْوَلَدُ كُلُّهُ حُرًّا ، وَعَلَيْهِ قِيمَةُ نِصْفِهِ .","part":21,"page":189},{"id":10189,"text":"( 7636 ) فَصْلٌ : وَإِذَا كَانَ فِي الْغَنِيمَةِ مَنْ يَعْتِقُ عَلَى بَعْضِ الْغَانِمِينَ ، نَظَرْت ، فَإِنْ كَانَ رَجُلًا لَمْ يَعْتِقْ لِأَنَّ الْعَبَّاسَ عَمَّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَمَّ عَلِيٍّ ، وَعَقِيلًا أَخَا عَلِيٍّ كَانَا فِي أَسْرَى بَدْرٍ ، فَلَمْ يَعْتِقَا عَلَيْهِمَا وَلِأَنَّ الرَّجُلَ لَا يَصِيرُ رَقِيقًا بِنَفْسِ السَّبْيِ وَإِنْ اُسْتُرِقَّ ، أَوْ كَانَ الْأَسِيرُ امْرَأَةً أَوْ صَبِيًّا عَتَقَ عَلَيْهِ قَدْرُ نَصِيبِهِ وَسَرَى إلَى بَاقِيه إنْ كَانَ مُوسِرًا ، وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا لَمْ يَعْتِقْ عَلَيْهِ إلَّا مِلْكُهُ مِنْهُ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يَعْتِقُ مِنْهُ شَيْءٌ ، وَهَذَا مُقْتَضَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ .\rلِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ بِمُجَرَّدِ الِاغْتِنَامِ ، وَلَوْ مَلَكَ لَمْ يَتَعَيَّنْ مِلْكُهُ فِيهِ ، وَإِنْ قَسَمَهُ ، وَجَعَلَهُ فِي نَصِيبِهِ وَاخْتَارَ تَمَلُّكَهُ ، عَتَقَ عَلَيْهِ ، وَإِلَّا فَلَا ، وَإِنْ جُعِلَ لَهُ بَعْضُهُ ، فَاخْتَارَ تَمَلُّكَهُ ، عَتَقَ عَلَيْهِ وَقُوِّمَ عَلَيْهِ الْبَاقِي .\rوَلَنَا ، مَا بَيَّنَّاهُ مِنْ أَنَّ الْمِلْكَ يَثْبُتُ لِلْغَانِمِينَ لِكَوْنِ الِاسْتِيلَاءِ التَّامِّ وُجِدَ مِنْهُمْ ، وَهُوَ سَبَبٌ لِلْمِلْكِ ، وَلِأَنَّ مِلْكَ الْكُفَّارِ قَدْ زَالَ ، وَلَا يَزُولُ إلَّا إلَى الْمُسْلِمِينَ .","part":21,"page":190},{"id":10190,"text":"( 7637 ) فَصْلٌ : فَإِنْ أَعْتَقَ بَعْضُ الْغَانِمِينَ عَبْدًا مِنْ الْغَنِيمَةِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ ، فَإِنْ كَانَ مِمَّنْ لَمْ يَثْبُتْ فِيهِ الرِّقُّ ، كَالرَّجُلِ قَبْلَ اسْتِرْقَاقِهِ لَمْ يَعْتِقْ ، لِمَا ذَكَرْنَاهُ قَبْلُ ، وَإِنْ كَانَ رَقِيقًا كَالْمَرْأَةِ وَالصَّبِيِّ ، عَتَقَ عَلَيْهِ قَدْرُ حِصَّتِهِ ، وَسَرَى إلَى بَاقِيه إنْ كَانَ مُوسِرًا ، وَعَلَيْهِ قِيمَةُ بَاقِيه تُطْرَحُ فِي الْمَقْسَمِ ، وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا عَتَقَ عَلَيْهِ قَدْرُ مِلْكِهِ مِنْ الْغَنِيمَةِ ، لِأَنَّهُ مُوسِرٌ بِقَدْرِ حِصَّتِهِ مِنْ الْغَنِيمَةِ ، فَإِنْ كَانَ بِقَدْرِ حَقِّهِ مِنْ الْغَنِيمَةِ ، عَتَقَ وَلَمْ يَأْخُذْ شَيْئًا ، وَإِنْ كَانَ دُونَ حَقِّهِ ، أَخَذَ بَاقِيَ حَقِّهِ ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ حَقِّهِ ، لَمْ يَعْتِقْ إلَّا قَدْرُ حَقِّهِ ، فَإِنْ أَعْتَقَ عَبْدًا ثَانِيًا ، وَفَضَلَ مِنْ حَقِّهِ عَنْ الْأَوَّلِ شَيْءٌ ، عَتَقَ بِقَدْرِهِ مِنْ الثَّانِي ، وَإِنْ لَمْ يَفْضُلْ شَيْءٌ ، لَمْ يَعْتِقْ مِنْ الثَّانِي شَيْءٌ .","part":21,"page":191},{"id":10191,"text":"( 7638 ) فَصْلٌ : يُكْرَهُ نَقْل رُءُوسِ الْمُشْرِكِينَ مِنْ بَلَدٍ إلَى بَلَدٍ ، وَالْمُثْلَةُ بِقَتْلَاهُمْ وَتَعْذِيبُهُمْ لِمَا رَوَى سَمُرَةُ بْنُ جُنْدُبٍ ، قَالَ : { كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَحُثُّنَا عَلَى الصَّدَقَةِ ، وَيَنْهَانَا عَنْ الْمُثْلَةِ } وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : إنَّ أَعَفَّ النَّاسِ قِتْلَةً أَهْلُ الْإِيمَانِ } رَوَاهُمَا أَبُو دَاوُد وَعَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rقَالَ { : إنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذَّبْحَ } رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرٍ أَنَّهُ قَدِمَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ، بِرَأْسِ الْبِطْرِيقِ فَأَنْكَرَ ذَلِكَ ، فَقَالَ : يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ ، فَإِنَّهُمْ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ بِنَا .\rقَالَ : فَاسْتِنَانٌ بِفَارِسَ وَالرُّومِ ، لَا يُحْمَلُ إلَيَّ رَأْسٌ ، فَإِنَّمَا يَكْفِي الْكِتَابُ وَالْخَبَرُ .\rوَقَالَ الزُّهْرِيُّ : لَمْ يُحْمَلْ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأْسٌ قَطُّ ، وَحُمِلَ إلَى أَبِي بَكْرٍ رَأْسٌ فَأَنْكَرَ ، وَأَوَّلُ مَنْ حُمِلَتْ إلَيْهِ الرُّءُوسُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ وَيُكْرَهُ رَمْيُهَا فِي الْمَنْجَنِيقِ ، نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ وَإِنْ فَعَلُوا ذَلِكَ لِمَصْلَحَةٍ جَازَ ، لِمَا رَوَيْنَا ، أَنَّ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ حِينَ حَاصَرَ الْإِسْكَنْدَرِيَّة ، ظُفِرَ بِرَجُلٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ، فَأَخَذُوا رَأْسَهُ ، فَجَاءَ قَوْمُهُ عَمْرًا مُغْضَبِينَ ، فَقَالَ لَهُمْ عَمْرٌو خُذُوا رَجُلًا مِنْهُمْ فَاقْطَعُوا رَأْسَهُ ، فَارْمُوا بِهِ إلَيْهِمْ فِي الْمَنْجَنِيقِ ، فَفَعَلُوا ذَلِكَ ، فَرَمَى أَهْلُ الْإِسْكَنْدَرِيَّة رَأْسَ الْمُسْلِمِ إلَى قَوْمِهِ .","part":21,"page":192},{"id":10192,"text":"فَصْلٌ : يَجُوزُ قَبُولُ هَدِيَّةِ الْكُفَّارِ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ { لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبِلَ هَدِيَّةَ الْمُقَوْقِسِ صَاحِبِ مِصْرَ ، } فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ فِي حَالِ الْغَزْوِ ، فَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : مَا أَهْدَاهُ الْمُشْرِكُونَ لِأَمِيرِ الْجَيْشِ ، أَوْ لِبَعْضِ قُوَّادِهِ ، فَهُوَ غَنِيمَةٌ ، لِأَنَّهُ لَا يَفْعَلُ ذَلِكَ إلَّا لِخَوْفِهِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ .\rفَظَاهِرُ هَذَا ، أَنَّ مَا أُهْدِيَ لِآحَادِ الرَّعِيَّةِ فَهُوَ لَهُ ، وَقَالَ الْقَاضِي : هُوَ غَنِيمَةٌ أَيْضًا وَإِنْ كَانَ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ ، فَهُوَ لِمَنْ أُهْدِيَ لَهُ ، سَوَاءٌ كَانَ الْإِمَامَ أَوْ غَيْرَهُ { لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبِلَ الْهَدِيَّةَ ، } فَكَانَتْ لَهُ دُونَ غَيْرِهِ .\rوَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَمُحَمَّدٍ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : هُوَ لِلْمُهْدَى لَهُ بِكُلِّ حَالٍ ، لِأَنَّهُ خُصَّ بِهَا ، أَشْبَهَ إذَا كَانَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ ، وَحُكِيَ ذَلِكَ رِوَايَةً عَنْ أَحْمَدَ وَلَنَا ، أَنَّهُ أَخَذَ ذَلِكَ بِظَهْرِ الْجَيْشِ ، أَشْبَهَ مَا لَوْ أَخَذَهُ قَهْرًا ، وَلِأَنَّهُ إذَا أُهْدِيَ لِلْإِمَامِ أَوْ الْأَمِيرِ ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُدَارِي عَنْ نَفْسِهِ بِهِ ، فَأَشْبَهَ مَا أُخِذَ مِنْهُ قَهْرًا .\rوَأَمَّا إنْ أُهْدِيَ لِآحَادِ الْمُسْلِمِينَ ، فَلَمْ يَقْصِدْ بِهِ ذَلِكَ فِي الظَّاهِرِ ، لِعَدَمِ الْخَوْفِ مِنْهُ ، فَيَكُونُ لَهُ ، كَمَا لَوْ أَهْدَى إلَيْهِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يُنْظَرَ ، فَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا مُهَادَاةٌ قَبْلَ ، ذَلِكَ ، فَلَهُ مَا أَهْدَى إلَيْهِ ، وَإِنْ تَجَدَّدَ ذَلِكَ بِالدُّخُولِ إلَى دَارِهِمْ ، فَهُوَ لِلْمُسْلِمِينَ ، كَقَوْلِنَا فِي الْهَدِيَّةِ إلَى الْقَاضِي .","part":21,"page":193},{"id":10193,"text":"كِتَابُ الْجِزْيَةِ وَهِيَ الْوَظِيفَةُ الْمَأْخُوذَةُ مِنْ الْكَافِرِ ، لِإِقَامَتِهِ بِدَارِ الْإِسْلَامِ فِي كُلِّ عَامٍ ، وَهِيَ فِعْلَةٌ مِنْ جَزَى يَجْزِي : إذَا قَضَى قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا } تَقُولُ الْعَرَبُ : جَزَيْت دَيْنِي .\rإذَا قَضَيْته ، .\rوَالْأَصْلُ فِيهَا الْكِتَابُ ، وَالسُّنَّةُ ، وَالْإِجْمَاعُ ، أَمَّا الْكِتَابُ ، فَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابِ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ } .\rوَأَمَّا السُّنَّةُ ، فَمَا رَوَى { الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ ، أَنَّهُ قَالَ لِجُنْدِ كِسْرَى يَوْمَ نَهَاوَنْدَ : أَمَرَنَا نَبِيُّنَا رَسُولُ رَبِّنَا أَنْ نُقَاتِلَكُمْ حَتَّى تَعْبُدُوا اللَّهَ وَحْدَهُ أَوْ تُؤَدُّوا الْجِزْيَةَ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ .\r} وَعَنْ بُرَيْدَةَ ، أَنَّهُ قَالَ : { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا بَعَثَ أَمِيرًا عَلَى سَرِيَّةٍ أَوْ جَيْشٍ ، أَوْصَاهُ بِتَقْوَى اللَّهِ تَعَالَى فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ ، وَبِمَنْ مَعَهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ خَيْرًا ، وَقَالَ لَهُ : إذَا لَقِيتَ عَدُوَّكَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ فَادْعُهُمْ إلَى إحْدَى خِصَالٍ ثَلَاثٍ ، اُدْعُهُمْ إلَى الْإِسْلَامِ ، فَإِنْ أَجَابُوك ، فَاقْبَلْ ، وَكُفَّ عَنْهُمْ ، فَإِنْ أَبَوْا فَادْعُهُمْ إلَى إعْطَاءِ الْجِزْيَةِ ، فَإِنْ أَجَابُوك ، فَاقْبَلْ مِنْهُمْ ، وَكُفَّ عَنْهُمْ ، فَإِنْ أَبَوْا فَاسْتَعِنْ بِاَللَّهِ وَقَاتِلْهُمْ } فِي أَخْبَارٍ كَثِيرَةٍ ، وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى جَوَازِ أَخْذِ الْجِزْيَةِ فِي الْجُمْلَةِ .","part":21,"page":194},{"id":10194,"text":"( 7640 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ ( وَلَا تُقْبَلُ الْجِزْيَةُ إلَّا مِنْ يَهُودِيٍّ ، أَوْ نَصْرَانِيٍّ ، أَوْ مَجُوسِيٍّ ، إذَا كَانُوا مُقِيمِينَ عَلَى مَا عُوهِدُوا عَلَيْهِ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الَّذِينَ تُقْبَلُ مِنْهُمْ الْجِزْيَةُ صِنْفَانِ ، أَهْلُ كِتَابٍ ، وَمَنْ لَهُ شُبْهَةُ كِتَابٍ ، فَأَهْلُ الْكِتَابِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى وَمَنْ دَانَ بِدِينِهِمْ ، كَالسَّامِرَةِ يَدِينُونَ بِالتَّوْرَاةِ ، وَيَعْمَلُونَ بِشَرِيعَةِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَإِنَّمَا خَالَفُوهُمْ فِي فُرُوعِ دِينِهِمْ .\rوَفِرَقِ النَّصَارَى مِنْ الْيَعْقُوبِيَّةِ ، والنسطورية ، وَالْمَلْكِيَّةِ ، وَالْفِرِنْجِ وَالرُّومِ ، وَالْأَرْمَنِ ، وَغَيْرِهِمْ ، مِمَّنْ دَانَ بِالْإِنْجِيلِ ، وَمَنْ عَدَا هَؤُلَاءِ مِنْ الْكُفَّارِ ، فَلَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ، بِدَلِيلِ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { أَنْ تَقُولُوا إنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا } .\rوَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي الصَّابِئِينَ ، فَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُمْ جِنْسٌ مِنْ النَّصَارَى .\rوَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ : بَلَغَنِي أَنَّهُمْ يُسْبِتُونَ ، فَهَؤُلَاءِ إذَا أَسْبَتُوا فَهُمْ مِنْ الْيَهُودِ .\rوَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ ، أَنَّهُ قَالَ : هُمْ يُسْبِتُونَ وَقَالَ مُجَاهِدٌ هُمْ بَيْنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى .\rوَقَالَ السُّدِّيَّ وَالرَّبِيعُ هُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ .\rوَتَوَقَّفَ الشَّافِعِيُّ فِي أَمْرِهِمْ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يُنْظَرُ فِيهِمْ ، فَإِنْ كَانُوا يُوَافِقُونَ أَحَدَ أَهْلِ الْكِتَابَيْنِ فِي نَبِيِّهِمْ وَكِتَابِهِمْ فَهُمْ مِنْهُمْ ، وَإِنْ خَالَفُوهُمْ فِي ذَلِكَ ، فَلَيْسَ هُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَيُرْوَى عَنْهُمْ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ : إنَّ الْفَلَكَ حَيٌّ نَاطِقٌ ، وَإِنَّ الْكَوَاكِبَ السَّبْعَةَ آلِهَةٌ .\rفَإِنْ كَانُوا كَذَلِكَ ، فَهُمْ كَعَبَدَةِ الْأَوْثَانِ .\rوَأَمَّا أَهْلُ صُحُفِ إبْرَاهِيمَ وَشِيثٍ وَزَبُورِ دَاوُد ، فَلَا تُقْبَلُ مِنْهُمْ الْجِزْيَةُ لِأَنَّهُمْ مِنْ غَيْرِ الطَّائِفَتَيْنِ ، وَلِأَنَّ هَذِهِ الصُّحُفَ لَمْ تَكُنْ فِيهَا شَرَائِعُ ، إنَّمَا هِيَ مَوَاعِظُ وَأَمْثَالٌ ، كَذَلِكَ وَصَفَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ","part":21,"page":195},{"id":10195,"text":"صُحُفَ إبْرَاهِيمَ وَزَبُورَ دَاوُد فِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ .\rوَأَمَّا الَّذِينَ لَهُمْ شُبْهَةُ كِتَابٍ فَهُمْ الْمَجُوسُ فَإِنَّهُ يُرْوَى أَنَّهُ كَانَ لَهُمْ كِتَابٌ فَرُفِعَ ، فَصَارَ لَهُمْ بِذَلِكَ شُبْهَةٌ أَوْجَبَتْ حَقْنَ دِمَائِهِمْ ، وَأَخْذَ الْجِزْيَةِ مِنْهُمْ .\rوَلَمْ يَنْتَهِضْ فِي إبَاحَةِ نِكَاحِ نِسَائِهِمْ وَلَا ذَبَائِحِهِمْ دَلِيلٌ .\rهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَنُقِلَ عَنْ أَبِي ثَوْرٍ أَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ، وَتَحِلُّ نِسَاؤُهُمْ وَذَبَائِحُهُمْ .\rلِمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : أَنَا أَعْلَمُ النَّاسِ بِالْمَجُوسِ ، كَانَ لَهُمْ عِلْمٌ يَعْلَمُونَهُ ، وَكِتَابٌ يَدْرُسُونَهُ ، وَإِنَّ مَلِكَهُمْ سَكِرَ ، فَوَقَعَ عَلَى بِنْتِهِ أَوْ أُخْتِهِ ، فَاطَّلَعَ عَلَيْهِ بَعْضُ أَهْلِ مَمْلَكَتِهِ ، فَلَمَّا صَحَا جَاءُوا يُقِيمُونَ عَلَيْهِ الْحَدَّ ، فَامْتَنَعَ مِنْهُمْ ، وَدَعَا أَهْلَ مَمْلَكَتِهِ ، وَقَالَ : أَتَعْلَمُونَ دِينًا خَيْرًا مِنْ دِينِ آدَمَ ، وَقَدْ أَنْكَحَ بَنِيهِ بَنَاتِهِ ، فَأَنَا عَلَى دِينِ آدَمَ قَالَ : فَتَابَعَهُ قَوْمٌ ، وَقَاتَلُوا الَّذِينَ يُخَالِفُونَهُمْ ، حَتَّى قَتَلُوهُمْ ، فَأَصْبَحُوا وَقَدْ أُسْرِيَ بِكِتَابِهِمْ ، وَرُفِعَ الْعِلْمُ الَّذِي فِي صُدُورِهِمْ ، فَهُمْ أَهْلُ كِتَابٍ { وَقَدْ أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو بَكْرٍ وَأُرَاهُ قَالَ : وَعُمَرُ - مِنْهُمْ الْجِزْيَةَ } .\rرَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَسَعِيدٌ وَغَيْرُهُمَا وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ } .\rوَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { أَنْ تَقُولُوا إنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا } .\rوَالْمَجُوسُ مِنْ غَيْرِ الطَّائِفَتَيْنِ ، وَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ } .\rيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ غَيْرُهُمْ وَرَوَى الْبُخَارِيُّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ بَجَالَةَ ، أَنَّهُ قَالَ : وَلَمْ يَكُنْ عُمَرُ أَخَذَ الْجِزْيَةَ مِنْ الْمَجُوسِ ، حَتَّى حَدَّثَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ أَنَّ رَسُولَ","part":21,"page":196},{"id":10196,"text":"اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَخَذَهَا مِنْ مَجُوسِ هَجَرَ ، } وَلَوْ كَانُوا أَهْلَ كِتَابٍ ، لَمَا وَقَفَ عُمَرُ فِي أَخْذِ الْجِزْيَةِ مِنْهُمْ مَعَ أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى بِأَخْذِ الْجِزْيَةِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ، وَمَا ذَكَرُوهُ هُوَ الَّذِي صَارَ لَهُمْ بِهِ شُبْهَةُ الْكِتَابِ .\rوَقَدْ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : لَا أَحْسِبُ مَا رَوَوْهُ عَنْ عَلِيٍّ فِي هَذَا مَحْفُوظًا ، وَلَوْ كَانَ لَهُ أَصْلٌ ، لَمَا حَرَّمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نِسَاءَهُمْ ، وَهُوَ كَانَ أَوْلَى بِعِلْمِ ذَلِكَ .\rوَيَجُوزُ أَنْ يَصِحَّ هَذَا مَعَ تَحْرِيمِ نِسَائِهِمْ وَذَبَائِحِهِمْ ، لِأَنَّ الْكِتَابَ الْمُبِيحَ لِذَلِكَ هُوَ الْكِتَابُ الْمُنَزَّلُ عَلَى إحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ ، وَلَيْسَ هَؤُلَاءِ مِنْهُمْ ، وَلِأَنَّ كِتَابَهُمْ رُفِعَ ، فَلَمْ يَنْتَهِضْ لِلْإِبَاحَةِ ، وَيَثْبُتُ بِهِ حَقْنُ دِمَائِهِمْ .\rفَأَمَّا قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ فِي حِلِّ ذَبَائِحِهِمْ وَنِسَائِهِمْ ، فَيُخَالِفُ الْإِجْمَاعَ ، فَلَا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ ، وَقَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ : ( سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابُ ) فِي أَخْذِ الْجِزْيَةِ مِنْهُمْ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّ أَخْذَ الْجِزْيَةِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمَجُوس ثَابِتٌ بِالْإِجْمَاعِ .\rلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا ، فَإِنَّ الصَّحَابَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى ذَلِكَ ، وَعَمِلَ بِهِ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ إلَى زَمَنِنَا هَذَا ، مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ وَلَا مُخَالِفٍ ، وَبِهِ يَقُولُ أَهْلُ الْعِلْمِ مِنْ أَهْلِ الْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ وَالشَّامِ وَمِصْرَ وَغَيْرِهِمْ مَعَ دَلَالَةِ الْكِتَابِ عَلَى أَخْذِ الْجِزْيَةِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَدَلَالَةِ السُّنَّةِ عَلَى أَخْذِ الْجِزْيَةِ مِنْ الْمَجُوسِ بِمَا رَوَيْنَا مِنْ قَوْلِ الْمُغِيرَةِ لِأَهْلِ فَارِسَ : { أَمَرَنَا نَبِيُّنَا أَنْ نُقَاتِلَكُمْ حَتَّى تَعْبُدُوا اللَّهَ وَحْدَهُ ، أَوْ تُؤَدُّوا الْجِزْيَةَ } وَحَدِيثِ بُرَيْدَةَ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ } وَلَا فَرْقَ بَيْنَ","part":21,"page":197},{"id":10197,"text":"كَوْنِهِمْ عَجَمًا أَوْ عَرَبًا .\rوَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ : لَا تُؤْخَذُ الْجِزْيَةُ مِنْ الْعَرَبِ لِأَنَّهُمْ شَرُفُوا بِكَوْنِهِمْ مِنْ رَهْطِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَنَا عُمُومُ الْآيَةِ ، { وَأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ إلَى دَوْمَةِ الْجَنْدَلِ فَأَخَذَ أُكَيْدِرَ دُومَةَ فَصَالَحَهُ عَلَى الْجِزْيَةِ وَهُوَ مِنْ الْعَرَبِ } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد { وَأَخَذَ الْجِزْيَةَ مِنْ نَصَارَى نَجْرَانَ ، وَهُمْ عَرَبٌ وَبَعَثَ مُعَاذًا إلَى الْيَمَنِ ، فَقَالَ : إنَّك تَأْتِي قَوْمًا أَهْلَ كِتَابٍ } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\r{ وَأَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ كُلِّ حَالِمٍ دِينَارًا ، } وَكَانُوا عَرَبًا .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَلَمْ يَبْلُغْنَا أَنَّ قَوْمًا مِنْ الْعَجَمِ كَانُوا سُكَّانًا بِالْيُمْنِ حَيْثُ وَجَّهَ مُعَاذًا وَلَوْ كَانَ ، لَكَانَ فِي أَمْرِهِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ جَمِيعِهِمْ مِنْ كُلِّ حَالِمٍ دِينَارًا ، دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْعَرَبَ تُؤْخَذُ مِنْهُمْ الْجِزْيَةُ .\rوَحَدِيثُ بُرَيْدَةَ فِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَأْمُرُ مَنْ بَعَثَهُ عَلَى سَرِيَّةٍ ، أَنْ يَدْعُوَ عَدُوَّهُ إلَى أَدَاءِ الْجِزْيَةِ ، وَلَمْ يَخُصَّ بِهَا عَجَمِيًّا دُونَ غَيْرِهِ ، وَأَكْثَرُ مَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَغْزُو الْعَرَبَ ، وَلِأَنَّ ذَلِكَ إجْمَاعٌ ، فَإِنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَرَادَ الْجِزْيَةَ مِنْ نَصَارَى بَنِي تَغْلِبَ فَأَبَوْا ذَلِكَ وَسَأَلُوهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُمْ مِثْلَمَا يَأْخُذُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ، فَأَبَى ذَلِكَ عَلَيْهِمْ ، حَتَّى لَحِقُوا بِالرُّومِ ، ثُمَّ صَالَحَهُمْ عَلَى مَا يَأْخُذُهُ مِنْهُمْ عِوَضًا عَنْ الْجِزْيَةِ ، فَالْمَأْخُوذُ مِنْهُمْ جِزْيَةٌ ، غَيْرَ أَنَّهُ عَلَى غَيْرِ صِفَةِ جِزْيَةِ غَيْرِهِمْ ، وَمَا أَنْكَرَ أَخْذَ الْجِزْيَةِ مِنْهُمْ أَحَدٌ ، فَكَانَ ذَلِكَ إجْمَاعًا .\rوَقَدْ ثَبَتَ بِالْقَطْعِ وَالْيَقِينِ أَنَّ كَثِيرًا مِنْ نَصَارَى الْعَرَبِ وَيَهُودِهِمْ ، كَانُوا فِي عَصْرِ","part":21,"page":198},{"id":10198,"text":"الصَّحَابَةِ فِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ ، وَلَا يَجُوزُ إقْرَارُهُمْ فِيهَا بِغَيْرِ جِزْيَةٍ ، فَثَبَتَ يَقِينًا أَنَّهُمْ أَخَذُوا الْجِزْيَةَ مِنْهُمْ ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ مَنْ دَخَلَ فِي دِينِهِمْ ، قَبْلَ تَبْدِيلِ كِتَابِهِمْ أَوْ بَعْدَهُ ، وَلَا بَيْنَ أَنْ يَكُونَ ابْنَ كِتَابِيَّيْنِ ، أَوْ ابْنَ وَثَنِيَّيْنِ ، أَوْ ابْنَ كِتَابِيٍّ وَوَثَنِيٍّ وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : مَنْ دَخَلَ فِي دِينِهِمْ بَعْدَ تَبْدِيلِ كِتَابِهِمْ ، لَمْ تُقْبَلْ مِنْهُ الْجِزْيَةُ ، وَمَنْ وُلِدَ بَيْنَ أَبَوَيْنِ أَحَدُهُمَا تُقْبَلُ مِنْهُ الْجِزْيَةُ ، وَالْآخَرُ لَا تُقْبَلُ مِنْهُ ، فَهَلْ تُقْبَلُ مِنْهُ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَلَنَا عُمُومُ النَّصِّ فِيهِمْ ، وَلِأَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ دِينٍ تُقْبَلُ مِنْ أَهْلِهِ الْجِزْيَةُ ، فَيُقَرُّونَ بِهَا كَغَيْرِهِمْ ، وَإِنَّمَا تُقْبَلُ مِنْهُمْ الْجِزْيَةُ إذَا كَانُوا مُقِيمِينَ عَلَى مَا عُوهِدُوا عَلَيْهِ ، مِنْ بَذْلِ الْجِزْيَةِ وَالْتِزَامِ أَحْكَامِ الْمِلَّةِ ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِقِتَالِهِمْ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ ، أَيْ يَلْتَزِمُوا أَدَاءَهَا ، فَمَا لَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ ، يَبْقُوا عَلَى إبَاحَةِ دِمَائِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ .","part":21,"page":199},{"id":10199,"text":"فَصْلٌ : وَلَا يَجُوزُ عَقْدُ الذِّمَّةِ الْمُؤَبَّدَةِ إلَّا بِشَرْطَيْنِ ، أَحَدُهُمَا ، أَنْ يَلْتَزِمُوا إعْطَاءَ الْجِزْيَةِ فِي كُلِّ حَوْلٍ وَالثَّانِي الْتِزَامُ أَحْكَامِ الْإِسْلَامِ ، وَهُوَ قَبُولُ مَا يَحْكُمُ بِهِ عَلَيْهِمْ مِنْ أَدَاءِ حَقٍّ ، أَوْ تَرْكِ مُحَرَّمٍ ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ } .\rوَقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثِ بُرَيْدَةَ : { فَادْعُهُمْ إلَى أَدَاءِ الْجِزْيَةِ فَإِنْ أَجَابُوك فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ } وَلَا تُعْتَبَرُ حَقِيقَةُ الْإِعْطَاءِ ، وَلَا جَرَيَانُ الْأَحْكَامِ ، لِأَنَّ إعْطَاءَ الْجِزْيَةِ إنَّمَا يَكُونُ فِي آخِرِ الْحَوْلِ ، وَالْكَفَّ عَنْهُمْ فِي ابْتِدَائِهِ عِنْدَ الْبَذْلِ .\rوَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ : { حَتَّى يُعْطُوا } أَيْ يَلْتَزِمُوا الْإِعْطَاءَ ، وَيُجِيبُوا إلَى بَذْلِهِ ، كَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ } وَالْمُرَادُ بِهِ الْتِزَامُ ذَلِكَ دُونَ حَقِيقَتِهِ ، فَإِنَّ الزَّكَاةَ إنَّمَا يَجِبُ أَدَاؤُهَا عِنْدَ الْحَوْلِ ، لَقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ { : لَا زَكَاةَ فِي مَالٍ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ }","part":21,"page":200},{"id":10200,"text":"( 7642 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : ( وَمَنْ سِوَاهُمْ ، فَالْإِسْلَامُ أَوْ الْقَتْلُ ) يَعْنِي مَنْ سِوَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوس لَا تُقْبَلُ مِنْهُمْ الْجِزْيَةُ ، وَلَا يُقَرُّونَ بِهَا ، وَلَا يُقْبَلُ مِنْهُمْ إلَّا الْإِسْلَامُ ، فَإِنْ لَمْ يُسْلِمُوا قُتِلُوا ، هَذَا ظَاهِرُ مَذْهَبِ أَحْمَدَ ، وَرَوَى عَنْهُ الْحَسَنُ بْنُ ثَوَابٍ ، أَنَّهَا تُقْبَلُ مِنْ جَمِيعِ الْكُفَّارِ ، إلَّا عَبَدَةَ الْأَوْثَانِ مِنْ الْعَرَبِ ، لِأَنَّ حَدِيثَ بُرَيْدَةَ يَدُلُّ بِعُمُومِهِ عَلَى قَبُولِ الْجِزْيَةِ مِنْ كُلِّ كَافِرٍ ، إلَّا أَنَّهُ خَرَجَ مِنْهُ عَبَدَةُ الْأَوْثَانِ مِنْ الْعَرَبِ ، لِتَغَلُّظِ كُفْرِهِمْ مِنْ وَجْهَيْنِ ، أَحَدُهُمَا ، دِينُهُمْ ، وَالثَّانِي ، كَوْنُهُمْ مِنْ رَهْطِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا تُقْبَلُ إلَّا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمَجُوس ، لَكِنَّ فِي أَهْلِ الْكُتُبِ غَيْرِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى ، مِثْلُ أَهْلِ صُحُفِ إبْرَاهِيمَ وَشِيثٍ وَزَبُورِ دَاوُد وَمَنْ تَمَسَّكَ بِدِينِ آدَمَ وَإِدْرِيسَ وَجْهَانِ ، أَحَدُهُمَا ، يُقَرُّونَ بِالْجِزْيَةِ ، لِأَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ، فَأَشْبَهُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : تُقْبَلُ مِنْ جَمِيعِ الْكُفَّارِ إلَّا الْعَرَبَ ، لِأَنَّهُمْ رَهْطُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَا يُقَرُّونَ عَلَى غَيْرِ دِينِهِ ، وَغَيْرُهُمْ يُقَرُّ بِالْجِزْيَةِ ، لِأَنَّهُ يُقَرُّ بِالِاسْتِرْقَاقِ ، فَأُقِرُّوا بِالْجِزْيَةِ ، كَالْمَجُوسِ ، وَعَنْ مَالِكٍ أَنَّهَا تُقْبَلُ مِنْ جَمِيعِهِمْ إلَّا مُشْرِكِي قُرَيْشٍ لِأَنَّهُمْ ارْتَدُّوا وَعَنْ الْأَوْزَاعِيِّ وَسَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، أَنَّهَا تُقْبَلُ مِنْ جَمِيعِهِمْ .\rوَهُوَ قَوْلُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ ، لِحَدِيثِ بُرَيْدَةَ ، وَلِأَنَّهُ كَافِرٌ ، فَيُقَرُّ بِالْجِزْيَةِ ، كَأَهْلِ الْكِتَابِ وَلَنَا ، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ } وَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : أُمِرْت أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ .","part":21,"page":201},{"id":10201,"text":"فَإِذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إلَّا بِحَقِّهَا } .\rوَهَذَا عَامٌّ خُصَّ مِنْهُ أَهْلُ الْكِتَابِ بِالْآيَةِ ، وَالْمَجُوسُ بِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ } .\rفَمَنْ عَدَاهُمْ مِنْ الْكُفَّارِ يَبْقَى عَلَى قَضِيَّةِ الْعُمُومِ ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ أَهْلَ الصُّحُفِ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الْكِتَابِ الْمُرَادُ بِالْآيَةِ فِيمَا تَقَدَّمَ .","part":21,"page":202},{"id":10202,"text":"فَصْلٌ : وَإِذَا عَقَدَ الذِّمَّةَ لِكَفَّارٍ ، زَعَمُوا أَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُمْ عَبَدَةُ الْأَوْثَانِ فَالْعَقْدُ بَاطِلٌ مِنْ أَصْلِهِ .\rوَإِنْ شَكَكْنَا فِيهِمْ ، لَمْ يُنْتَقَضْ عَهْدُهُمْ بِالشَّكِّ ، لِأَنَّ الْأَصْلَ صِحَّتُهُ ، فَإِنْ أَقَرَّ بَعْضُهُمْ بِذَلِكَ دُونَ بَعْضٍ قُبِلَ مِنْ الْمُقِرِّ فِي نَفْسِهِ ، فَانْتَقَضَ عَهْدُهُ ، وَبَقِيَ فِي حَقِّ مَنْ لَمْ يُقِرَّ بِحَالِهِ .","part":21,"page":203},{"id":10203,"text":"( 7644 ) مَسْأَلَةٌ ، قَالَ : ( وَالْمَأْخُوذُ مِنْهُمْ الْجِزْيَةُ عَلَى ثَلَاثِ طَبَقَاتٍ ، فَيُؤْخَذُ مِنْ أَدْوَنِهِمْ اثْنَا عَشَرَ دِرْهَمًا ، وَمِنْ أَوْسَطِهِمْ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ دِرْهَمًا ، وَمِنْ أَيْسَرِهِمْ ثَمَانِيَةٌ وَأَرْبَعُونَ دِرْهَمًا ) الْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي فَصْلَيْنِ : ( 7645 ) .\rالْفَصْلُ الْأَوَّلُ فِي تَقْدِيرِ الْجِزْيَةِ وَالثَّانِي ، فِي كَمِّيَّةِ مِقْدَارِهَا فَأَمَّا الْأَوَّلُ ، فَفِيهِ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ ؛ إحْدَاهَا أَنَّهَا مُقَدَّرَةٌ بِمِقْدَارٍ لَا يُزَادُ عَلَيْهِ ، وَلَا يُنْقَصُ مِنْهُ وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَضَهَا مُقَدَّرَةً ، بِقَوْلِهِ لِمُعَاذٍ { خُذْ مِنْ كُلِّ حَالِمٍ دِينَارًا ، أَوْ عَدْلَهُ مَغَافِرَ } وَفَرَضَهَا عُمَرُ مُقَدَّرَةً بِمَحْضَرٍ مِنْ الصَّحَابَةِ ، فَلَمْ يُنْكَرْ فَكَانَ إجْمَاعًا وَالثَّانِيَةُ ، أَنَّهَا غَيْرُ مُقَدَّرَةٍ ، بَلْ يُرْجَعُ فِيهَا إلَى اجْتِهَادِ الْإِمَامِ فِي الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ .\rقَالَ الْأَثْرَمُ : قِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ فَيُزَادُ الْيَوْمَ فِيهِ وَيُنْقَصُ ؟ يَعْنِي مِنْ الْجِزْيَةِ .\rقَالَ : نَعَمْ ، يُزَادُ فِيهِ وَيُنْقَصُ عَلَى قَدْرِ طَاقَتِهِمْ ، عَلَى قَدْرِ مَا يَرَى الْإِمَامُ ، وَذَكَرَ أَنَّهُ زِيدَ عَلَيْهِمْ فِيمَا مَضَى دِرْهَمَانِ ، فَجَعَلَهُ خَمْسِينَ قَالَ الْخَلَّالُ الْعَمَلُ فِي قَوْلِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عَلَى مَا رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ فَإِنَّهُ : لَا بَأْسَ لِلْإِمَامِ أَنْ يَزِيدَ فِي ذَلِكَ وَيُنْقِصَ ، عَلَى مَا رَوَاهُ عَنْهُ أَصْحَابُهُ ، فِي عَشَرَةِ مَوَاضِعَ ، فَاسْتَقَرَّ قَوْلُهُ عَلَى ذَلِكَ .\rوَهَذَا قَوْلُ الثَّوْرِيِّ وَأَبِي عُبَيْدٍ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَمَرَ مُعَاذًا أَنْ يَأْخُذَ مِنْ كُلِّ حَالِمٍ دِينَارًا } { وَصَالَحَ أَهْلَ نَجْرَانَ عَلَى أَلْفَيْ حُلَّةٍ ، النِّصْفُ فِي صَفَرٍ ، وَالنِّصْفُ فِي رَجَبٍ ، } رَوَاهُمَا أَبُو دَاوُد وَعُمَرُ جَعَلَ الْجِزْيَةَ عَلَى ثَلَاثِ طَبَقَاتٍ ، عَلَى الْغَنِيِّ ثَمَانِيَةً وَأَرْبَعِينَ دِرْهَمًا ، وَعَلَى الْمُتَوَسِّطِ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ","part":21,"page":204},{"id":10204,"text":"دِرْهَمًا ، وَعَلَى الْفَقِيرِ اثْنَيْ عَشَرَ دِرْهَمًا .\rوَصَالَحَ بَنِي تَغْلِبَ عَلَى مِثْلَيْ مَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ مِنْ الزَّكَاةِ .\rوَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا إلَى رَأْيِ الْإِمَامِ ، لَوْلَا ذَلِكَ لَكَانَتْ عَلَى قَدْرٍ وَاحِدٍ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الْمَوَاضِعِ ، وَلَمْ يَجُزْ أَنْ تَخْتَلِفَ .\rقَالَ الْبُخَارِيُّ .\rقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ : عَنْ أَبِي نَجِيحٍ قُلْت لِمُجَاهِدٍ : مَا شَأْنُ أَهْلِ الشَّامِ عَلَيْهِمْ أَرْبَعَةُ دَنَانِيرَ ، وَأَهْلُ الْيَمَنِ عَلَيْهِمْ دِينَارٌ ؟ قَالَ : جُعِلَ ذَلِكَ مِنْ أَجْلِ الْيَسَارِ ، وَلِأَنَّهَا عِوَضٌ فَلَمْ تُقَدَّرْ كَالْأُجْرَةِ وَالرِّوَايَةُ الثَّالِثَةُ ، أَنَّ أَقَلَّهَا مُقَدَّرٌ بِدِينَارٍ ، وَأَكْثَرَهَا غَيْرُ مُقَدَّرٍ ، وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ ، فَتَجُوزُ الزِّيَادَةُ ، وَلَا يَجُوزُ النُّقْصَانُ لِأَنَّ عُمَرَ زَادَ عَلَى مَا فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يُنْقِصْ مِنْهُ ، وَرُوِيَ أَنَّهُ زَادَ عَلَى ثَمَانِيَةٍ وَأَرْبَعِينَ ، فَجَعَلَهَا خَمْسِينَ .\r( 7646 ) الْفَصْلُ الثَّانِي : أَنَّنَا إذَا قُلْنَا بِالرِّوَايَةِ الْأُولَى ، وَأَنَّهَا مُقَدَّرَةٌ ، فَقَدْرُهَا فِي حَقِّ الْمُوسِرِ ثَمَانِيَةٌ وَأَرْبَعُونَ دِرْهَمًا ، وَفِي حَقِّ الْمُتَوَسِّطِ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ ، وَفِي حَقِّ الْفَقِيرِ اثْنَا عَشَرَ ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَ مَالِكٍ : هِيَ فِي حَقِّ الْغَنِيِّ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا أَوْ أَرْبَعَةُ دَنَانِيرَ ، وَفِي حَقِّ الْفَقِيرِ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ أَوْ دِينَارٌ ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : الْوَاجِبُ دِينَارٌ فِي حَقِّ كُلِّ وَاحِدٍ لِحَدِيثِ { مُعَاذٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ كُلِّ حَالِمٍ دِينَارًا } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ ، إلَّا أَنَّ الْمُسْتَحَبَّ جَعْلُهَا عَلَى ثَلَاثِ طَبَقَاتٍ ، كَمَا ذَكَرْنَاهُ ، لِنَخْرُجَ مِنْ الْخِلَافِ ، قَالُوا : وَقَضَاءُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْلَى بِالِاتِّبَاعِ مِنْ غَيْرِهِ وَلَنَا حَدِيثُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَهُوَ حَدِيثٌ لَا شَكَّ فِي صِحَّتِهِ وَشُهْرَتِهِ","part":21,"page":205},{"id":10205,"text":"بَيْنَ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَغَيْرِهِمْ وَلَمْ يُنْكِرْهُ مُنْكِرٌ ، وَلَا خِلَافَ فِيهِ ، وَعَمِلَ بِهِ مَنْ بَعْدَهُ مِنْ الْخُلَفَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ فَصَارَ إجْمَاعًا لَا يَجُوزُ الْخَطَأُ عَلَيْهِ ، وَقَدْ وَافَقَ الشَّافِعِيُّ عَلَى اسْتِحْبَابِ الْعَمَلِ بِهِ ، وَأَمَّا حَدِيثُ مُعَاذٍ ، فَلَا يَخْلُو مِنْ وَجْهَيْنِ ، أَحَدُهُمَا ، أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ لِغَلَبَةِ الْفَقْرِ عَلَيْهِمْ ، بِدَلِيلِ قَوْلِ مُجَاهِدٍ : إنَّ ذَلِكَ مِنْ أَجْلِ الْيَسَارِ .\rوَالْوَجْهُ الثَّانِي ، أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ غَيْرَ وَاجِبٍ ، بَلْ هُوَ مَوْكُولٌ إلَى اجْتِهَادِ الْإِمَامِ وَلِأَنَّ الْجِزْيَةَ وَجَبَتْ صِغَارًا أَوْ عُقُوبَةً ، فَتَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ أَحْوَالِهِمْ ، كَالْعُقُوبَةِ فِي الْبَدَنِ ، مِنْهُمْ مَنْ يُقْتَلُ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُسْتَرَقُّ ، وَلَا يَصِحُّ كَوْنُهَا عِوَضًا عَنْ سُكْنَى الدَّارِ ، لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ كَذَلِكَ لَوَجَبَتْ عَلَى النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ وَالزَّمْنَى وَالْمَكَافِيفِ .\r( 7647 ) فَصْلٌ وَحَدُّ الْيَسَارِ فِي حَقِّهِمْ ، مَا عَدَّهُ النَّاسُ غِنًى فِي الْعَادَةِ ، وَلَيْسَ بِمُقَدَّرٍ ، لِأَنَّ التَّقْدِيرَاتِ بَابُهَا التَّوْقِيفُ ، وَلَا تَوْقِيفَ فِي هَذَا ، فَيُرْجِعُ فِيهِ إلَى الْعَادَةِ وَالْعُرْفِ .","part":21,"page":206},{"id":10206,"text":"( 7648 ) فَصْلٌ : إذَا بَذَلُوا الْجِزْيَةَ ، لَزِمَ قَبُولُهَا ، وَحَرُمَ قِتَالُهُمْ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى { قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ } إلَى قَوْلِهِ : { حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ } فَجَعَلَ إعْطَاءَ الْجِزْيَةِ غَايَةً لِقِتَالِهِمْ .\rفَمَتَى بَذَلُوهَا ، لَمْ يَجُزْ قِتَالُهُمْ ، وَقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { فَادْعُهُمْ إلَى أَدَاءِ الْجِزْيَةِ ، فَإِنْ أَجَابُوك ، فَاقْبَلْ مِنْهُمْ ، وَكُفَّ عَنْهُمْ } وَإِنْ قُلْنَا : إنَّ الْجِزْيَةَ غَيْرُ مُقَدَّرَةِ الْأَكْثَرِ ، لَمْ يُحْرِمْ قِتَالُهُمْ حَتَّى يُجِيبُوا إلَى بَذْلِ مَا لَا يَجُوزُ طَلَبُ أَكْثَرَ مِنْهُ ، مِمَّا يَحْتَمِلُهُ حَالُهُمْ .","part":21,"page":207},{"id":10207,"text":"( 7649 ) فَصْلٌ وَتَجِبُ الْجِزْيَةُ فِي آخِرِ كُلِّ حَوْلٍ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : تَجِبُ بِأَوَّلِهِ ، وَيُطَالَبُ بِهَا عَقِيبَ الْعَقْدِ ، وَتَجِبُ الثَّانِيَةُ فِي أَوَّلِ الْحَوْلِ الثَّانِي ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ } وَلَنَا ، أَنَّهُ مَالٌ يَتَكَرَّرُ بِتَكَرُّرِ الْحَوْلِ أَوْ يُؤْخَذُ فِي آخِرِ كُلِّ حَوْلٍ ، فَلَمْ يَجِبْ بِأَوَّلِهِ كَالزَّكَاةِ وَالدِّيَةِ ، وَأَمَّا الْآيَةُ فَالْمُرَادُ بِهَا الْتِزَامُ إعْطَائِهَا ، دُونَ نَفْسِ الْإِعْطَاءِ ، وَلِهَذَا يَحْرُمُ قِتَالُهُمْ بِمُجَرَّدِ بَذْلِهَا قَبْلَ أَخْذِهَا .","part":21,"page":208},{"id":10208,"text":"( 7650 ) فَصْلٌ : وَتُؤْخَذُ الْجِزْيَةُ مِمَّا يُسِّرَ مِنْ أَمْوَالِهِمْ وَلَا يَتَعَيَّنُ أَخْذُهَا مِنْ ذَهَبٍ وَلَا فِضَّةٍ ، نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي عُبَيْدٍ وَغَيْرِهِمْ { لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا بَعَثَ مُعَاذًا إلَى الْيَمَنِ أَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ كُلِّ حَالِمٍ دِينَارًا أَوْ عَدْلَهُ مَغَافِرَ .\r} { وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْخُذُ مِنْ نَصَارَى نَجْرَانَ أَلْفَيْ حُلَّةٍ } وَكَانَ عُمَرُ يُؤْتَى بِنَعَمٍ كَثِيرَةٍ يَأْخُذُهَا مِنْ الْجِزْيَةِ .\rوَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَأْخُذُ الْجِزْيَةَ مِنْ كُلِّ ذِي صَنْعَةٍ مِنْ مَتَاعِهِ ، مِنْ صَاحِبِ الْإِبَرِ إبَرًا ، وَمِنْ صَاحِبِ الْمُسَالِ مُسَالًا ، وَمِنْ صَاحِبِ الْحِبَالِ حِبَالًا ، ثُمَّ يَدْعُو النَّاسَ فَيُعْطِيهِمْ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ فَيَقْتَسِمُونَهُ ثُمَّ يَقُولُ : خُذُوا فَاقْتَسِمُوا ، فَيَقُولُونَ : لَا حَاجَةَ لَنَا فِيهِ ، فَيَقُولُ : أَخَذْتُمْ خِيَارَهُ ، وَتَرَكْتُمْ شِرَارَهُ ، لَتَحْمِلُنَّهُ .\rوَإِذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّهُ يُؤْخَذُ بِالْقِيمَةِ ، لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ { أَوْ عَدْلَهُ مَغَافِرَ .\r}","part":21,"page":209},{"id":10209,"text":"( 7651 ) فَصْلٌ : وَلَا يَصِحُّ عَقْدُ الذِّمَّةِ وَالْهُدْنَةِ ، إلَّا مِنْ الْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ ، وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا ، لِأَنَّ ذَلِكَ يَتَعَلَّقُ بِنَظَرِ الْإِمَامِ وَمَا يَرَاهُ مِنْ الْمَصْلَحَةِ ، وَلِأَنَّ عَقْدَ الذِّمَّةِ عَقْدٌ مُؤَبَّدٌ ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُفْتَاتَ بِهِ عَلَى الْإِمَامِ ، فَإِنْ فَعَلَهُ غَيْرُ الْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ ، لَمْ يَصِحَّ ، لَكِنْ إنْ عَقَدَهُ عَلَى مَا لَا يَجُوزُ أَنْ يُطْلَبَ مِنْهُمْ أَكْثَرُ مِنْهُ ، لَزِمَ الْإِمَامَ إجَابَتُهُمْ إلَيْهِ ، وَعَقْدُهَا عَلَيْهِ .","part":21,"page":210},{"id":10210,"text":"( 7652 ) فَصْلٌ : وَيَجُوزُ أَنْ يَشْرُطَ عَلَيْهِمْ فِي عَقْدِ الذِّمَّةِ ، ضِيَافَةَ مَنْ يَمُرُّ بِهِمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ، لِمَا رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ أَنَّ عُمَرَ شَرَطَ عَلَيْهِمْ ضِيَافَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ ، وَأَنْ يُصْلِحُوا الْقَنَاطِرَ ، وَإِنْ قُتِلَ رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ بِأَرْضِهِمْ فَعَلَيْهِمْ دِيَتُهُ ، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَضَى عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ ، ضِيَافَةَ مَنْ يَمُرُّ بِهِمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ، وَعَلْفَ دَوَابِّهِمْ ، وَمَا يُصْلِحُهُمْ .\rوَرُوِيَ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضَرَبَ عَلَى نَصَارَى أَيْلَةَ ثَلَاثَمِائَةِ دِينَارٍ ، وَكَانُوا ثَلَاثَمِائَةِ نَفْسٍ ، فِي كُلِّ سَنَةٍ ، وَأَنْ يُضِيفُوا مَنْ مَرَّ بِهِمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ، } وَلِأَنَّ فِي هَذَا ضَرْبًا مِنْ الْمَصْلَحَةِ ، لِأَنَّهُمْ رُبَّمَا امْتَنَعُوا مِنْ مُبَايَعَةِ الْمُسْلِمِينَ إضْرَارًا بِهِمْ ، فَإِذَا شُرِطَتْ عَلَيْهِمْ الضِّيَافَةُ أُمِنَ ذَلِكَ ، وَإِنْ لَمْ تُشْتَرَطْ الضِّيَافَةُ عَلَيْهِمْ ، لَمْ تَجِبْ ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rوَمِنْ أَصْحَابِنَا مِنْ قَالَ : تَجِبُ بِغَيْرِ شَرْطٍ ، كَوُجُوبِهَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ، لِأَنَّهُ أَدَاءُ مَالٍ ، فَلَمْ يَجِبْ بِغَيْرِ رِضَاهُمْ ، كَالْجِزْيَةِ ، فَإِنْ شَرَطَهَا عَلَيْهِمْ ، فَامْتَنَعُوا مِنْ قَبُولِهَا ، لَمْ تُعْقَدْ لَهُمْ الذِّمَّةُ ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يَجُوزُ قِتَالُهُمْ عَلَيْهَا .\rوَلَنَا أَنَّهُ شَرْطٌ سَائِغٌ ، امْتَنَعُوا مِنْ قَبُولِهِ ، فَقُوتِلُوا عَلَيْهِ كَالْجِزْيَةِ .\r( 7653 ) فَصْلٌ : ذَكَرَ الْقَاضِي ، أَنَّهُ إذَا شَرَطَ الضِّيَافَةَ ، فَإِنَّهُ يُبَيِّنُ أَيَّامَ الضِّيَافَةِ ، وَعَدَدَ مَنْ يُضَافُ مِنْ الرَّجَّالَةِ وَالْفَرَسَانِ ، فَيَقُولُ : تُضِيفُونَ فِي كُلِّ سَنَةٍ مِائَةَ يَوْمٍ عَشَرَةً مِنْ الْمُسْلِمِينَ ، مِنْ خُبْزِ كَذَا وَأُدْمِ كَذَا ، وَلِلْفَرَسِ مِنْ التِّبْنِ كَذَا ، وَمِنْ الشَّعِيرِ كَذَا فَإِنْ شَرَطَ الضِّيَافَةَ مُطْلَقًا ، صَحَّ فِي الظَّاهِرِ ،","part":21,"page":211},{"id":10211,"text":"لِأَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ شَرَطَ عَلَيْهِمْ ضِيَافَةَ مَنْ يَمُرُّ بِهِمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ، مِنْ غَيْرِ عَدَدٍ وَلَا تَقْدِيرٍ .\rقَالَ أَبُو بَكْرٍ : إذَا أَطْلَقَ مُدَّةَ الضِّيَافَةِ فَالْوَاجِبُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ ، لِأَنَّ ذَلِكَ الْوَاجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ ، وَلَا يُكَلَّفُونَ الذَّبِيحَةَ ، وَلَا ضِيَافَتَهُمْ بِأَرْفَعَ مِنْ طَعَامِهِمْ ، لِأَنَّهُ يُرْوَى عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ شَكَا إلَيْهِ أَهْلُ الذِّمَّةِ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ يُكَلِّفُونَهُمْ الذَّبِيحَةَ ، فَقَالَ : أَطْعِمُوهُمْ مِمَّا تَأْكُلُونَ .\rوَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَلَا يُكَلَّفُونَ الذَّبِيحَةَ وَلَا الشَّعِيرَ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : إذَا وَقَعَ الشَّرْطُ مُطْلَقًا لَمْ يَلْزَمْهُمْ الشَّعِيرُ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَلْزَمَهُمْ ذَلِكَ لِلْخَيْلِ ، لِأَنَّ الْعَادَةَ جَارِيَةٌ بِهِ ، فَهُوَ كَالْخُبْزِ لِلرَّجُلِ .\rوَلِلْمُسْلِمِينَ النُّزُولُ فِي الْكَنَائِسِ وَالْبِيَعِ ، فَإِنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ صَالَحَ أَهْلَ الشَّامِ عَلَى أَنْ يُوَسِّعُوا أَبْوَابَ بِيَعِهِمْ وَكَنَائِسِهِمْ لِمَنْ يَجْتَازُ بِهِمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ، لِيَدْخُلُوهَا رُكْبَانًا ، فَإِنْ لَمْ يَجِدُوا مَكَانًا ، فَلَهُمْ النُّزُولُ فِي الْأَفْنِيَةِ وَفُضُولِ الْمَنَازِلِ ، وَلَيْسَ لَهُمْ تَحْوِيلُ صَاحِبِ الْمَنْزِلِ مِنْهُ .\rوَالسَّابِقُ إلَى مَنْزِلٍ أَحَقُّ بِهِ مِمَّنْ يَأْتِي بَعْدَهُ فَإِنْ امْتَنَعَ بَعْضُهُمْ مِنْ الْقِيَامِ بِمَا شُرِطَ ، أُجْبِرَ عَلَيْهِ ، فَإِنْ امْتَنَعَ الْجَمِيعُ ، أُجْبِرُوا ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ إلَّا بِالْمُقَاتَلَةِ ، قُوتِلُوا ، فَإِنْ قَاتَلُوا فَقَدْ نَقَضُوا الْعَهْدَ .\r( 7654 ) فَصْلٌ : وَتُقْسَمُ الضِّيَافَةُ بَيْنَهُمْ عَلَى قَدْرِ جِزْيَتِهِمْ فَإِنْ جَعَلَ الضِّيَافَةَ مَكَانَ الْجِزْيَةِ ، جَازَ ، لِمَا رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَتَبَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ لِرَاهِبٍ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ : إنَّنِي إنْ وَلِيت هَذِهِ الْأَرْضَ ، أَسْقَطْت عَنْك خَرَاجَك .\rفَلَمَّا قَدِمَ الْجَابِيَةَ وَهُوَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ جَاءَهُ بِكِتَابِهِ ، فَعَرَفَهُ ، وَقَالَ : إنَّنِي جَعَلْت لَك مَا لَيْسَ لِي ، وَلَكِنْ اخْتَرْ ، إنْ شِئْت أَدَاءَ","part":21,"page":212},{"id":10212,"text":"الْخَرَاجِ ، وَإِنْ شِئْت أَنْ تُضِيفَ الْمُسْلِمِينَ ، فَاخْتَارَ الضِّيَافَةَ وَيُشْتَرَطُ عَلَيْهِ ضِيَافَةٌ يَبْلُغُ قَدْرُهَا أَقَلَّ الْجِزْيَةِ ، إذَا قُلْنَا : الْجِزْيَةُ مُقَدَّرَةُ الْأَقَلِّ .\rلِئَلَّا يَنْقُصَ خَرَاجُهُ عَنْ أَقَلِّ الْجِزْيَةِ .\rوَذُكِرَ أَنَّ مِنْ الشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ اشْتِرَاطَ الِاكْتِفَاءِ بِضِيَافَتِهِمْ عَنْ جِزْيَتِهِمْ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِقِتَالِهِمْ مَمْدُودًا إلَى إعْطَاءِ الْجِزْيَةِ ، فَإِنْ لَمْ يُعْطِهَا ، كَانَ قِتَالُهُمْ مُبَاحًا ، وَوَجْهُ الْأَوَّلِ اشْتِرَاطُ مَالٍ ، يَبْلُغُ قَدْرَ الْجِزْيَةِ ، فَجَازَ ، كَمَا لَوْ شَرَطَ عَلَيْهِمْ عَدْلَ الْجِزْيَةِ مَغَافِرَ .","part":21,"page":213},{"id":10213,"text":"( 7655 ) فَصْلٌ : وَإِذَا شَرَطَ فِي عَقْدِ الذِّمَّةِ شَرْطًا فَاسِدًا مِثْلَ أَنْ يَشْتَرِطَ أَنْ لَا جِزْيَةَ عَلَيْهِمْ ، أَوْ إظْهَارَ الْمُنْكَرِ ، أَوْ إسْكَانَهُمْ الْحِجَازَ ، أَوْ إدْخَالَهُمْ الْحَرَمَ ، وَنَحْوَ هَذَا ، فَقَالَ الْقَاضِي : يَفْسُدُ الْعَقْدُ بِهِ ؛ لِأَنَّهُ شَرَطَ فِعْلَ مُحَرَّمٍ ، فَأَفْسَدَ الْعَقْدَ ، كَمَا لَوْ شَرَطَ قِتَالَ الْمُسْلِمِينَ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يَفْسُدَ الشَّرْطُ وَحْدَهُ ، وَيَصِحُّ الْعَقْدُ ، بِنَاءً عَلَى الشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ فِي الْبَيْعِ وَالْمُضَارَبَةِ .","part":21,"page":214},{"id":10214,"text":"( 7656 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَلَا جِزْيَةَ عَلَى صَبِيٍّ ، وَلَا زَائِلِ الْعَقْلِ ، وَلَا امْرَأَةٍ ) لَا نَعْلَمُ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ خِلَافًا فِي هَذَا وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ أَصْحَابُهُ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : وَلَا أَعْلَمُ عَنْ غَيْرِهِمْ خِلَافَهُمْ وَقَدْ دَلَّ عَلَى صِحَّةِ هَذَا أَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَتَبَ إلَى أُمَرَاءِ الْأَجْنَادِ ، أَنْ اضْرِبُوا الْجِزْيَةَ ، وَلَا تَضْرِبُوهَا عَلَى النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ ، وَلَا تَضْرِبُوهَا إلَّا عَلَى مَنْ جَرَتْ عَلَيْهِ الْمَوَاسِي رَوَاهُ سَعِيدٌ وَأَبُو عُبَيْدٍ وَالْأَثْرَمُ وَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمُعَاذٍ : { خُذْ مِنْ كُلِّ حَالِمٍ دِينَارًا } دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهَا لَا تَجِبُ عَلَى غَيْرِ بَالِغٍ ، وَلِأَنَّ الدِّيَةَ تُؤْخَذُ لِحَقْنِ الدَّمِ ، وَهَؤُلَاءِ دِمَاؤُهُمْ مَحْقُونَةٌ بِدُونِهَا .","part":21,"page":215},{"id":10215,"text":"فَصْلٌ : وَإِنْ بَذَلَتْ الْمَرْأَةُ الْجِزْيَةَ ، أُخْبِرَتْ أَنَّهَا لَا جِزْيَةَ عَلَيْهَا ، فَإِنْ قَالَتْ : فَأَنَا أَتَبَرَّعُ بِهَا .\rأَوْ : أَنَا أُؤَدِّيهَا .\rقُبِلَتْ مِنْهَا ، وَلَمْ تَكُنْ جِزْيَةً ، بَلْ هِبَةً تَلْزَمُ بِالْقَبْضِ .\rفَإِنْ شَرَطَتْهُ عَلَى نَفْسِهَا ، ثُمَّ رَجَعَتْ ، كَانَ لَهَا ذَلِكَ وَإِنْ بَذَلَتْ الْجِزْيَةَ ؛ لِتَصِيرَ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ ، مُكِّنَتْ مِنْ ذَلِكَ بِغَيْرِ شَيْءٍ ، وَلَكِنْ يُشْتَرَطُ عَلَيْهَا الْتِزَامُ أَحْكَامِ الْإِسْلَامِ ، وَتُعْقَدُ لَهَا الذِّمَّةُ ، وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا شَيْءٌ ، إلَّا أَنْ تَتَبَرَّعَ بِهِ بَعْدَ مَعْرِفَتِهَا أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهَا .\rوَإِنْ أُخِذَ مِنْهَا شَيْءٌ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ ، رُدَّ إلَيْهَا ؛ لِأَنَّهَا بَذَلَتْهُ مُعْتَقِدَةً أَنَّهُ عَلَيْهَا ، وَأَنَّ دَمَهَا لَا يُحْقَنُ إلَّا بِهِ ، فَأَشْبَهَ مَنْ أَدَّى مَالًا إلَى مَنْ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ لَهُ ، فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ .\rوَلَوْ حَاصَرَ الْمُسْلِمُونَ حِصْنًا لَيْسَ فِيهِ إلَّا نِسَاءٌ ، فَبَذَلْنَ الْجِزْيَةَ ؛ لِتُعْقَدَ لَهُنًّ الذِّمَّةُ ، عُقِدَتْ لَهُنَّ بِغَيْرِ شَيْءٍ ، وَحَرُمَ اسْتِرْقَاقُهُنَّ ، كَاَلَّتِي قَبْلَهَا سَوَاءً .\rفَإِنْ كَانَ فِي الْحِصْنِ مَعَهُنَّ رِجَالٌ ، فَسَأَلُوا الصُّلْحَ ، لِتَكُونَ الْجِزْيَةُ عَلَى النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ دُونَ الرِّجَالِ ، لَمْ تَصِحَّ ، لِأَنَّهُمْ جَعَلُوهَا عَلَى غَيْرِ مَنْ هِيَ عَلَيْهِ ، وَبَرَّءُوا مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ .\rوَإِنْ بَذَلُوا جِزْيَةً عَنْ الرِّجَالِ ، وَيُؤَدُّوا عَنْ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ مِنْ أَمْوَالِهِمْ ، جَازَ ، وَكَانَ ذَلِكَ زِيَادَةً فِي جِزْيَتِهِمْ .\rوَإِنْ كَانَ مِنْ أَمْوَالِ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ ، لَمْ يَجُزْ ؛ لِأَنَّهُمْ يَجْعَلُونَ الْجِزْيَةَ عَلَى مَنْ لَا تَلْزَمُهُ .\rفَإِنْ كَانَ الْقَدْرُ الَّذِي بَذَلُوهُ مِنْ أَمْوَالِهِمْ مِمَّا يُجْزِئُ فِي الْجِزْيَةِ ، أُخِذَ مِنْهُمْ ، وَسَقَطَ الْبَاقِي .","part":21,"page":216},{"id":10216,"text":"( 7658 ) فَصْلٌ : وَمَنْ بَلَغَ مِنْ أَوْلَادِ أَهْلِ الذِّمَّةِ ، أَوْ أَفَاقَ مِنْ مَجَانِينِهِمْ ، فَهُوَ مِنْ أَهْلِهَا بِالْعَقْدِ الْأَوَّلِ ، لَا يَحْتَاجُ إلَى اسْتِئْنَافِ عَقْدٍ لَهُ .\rوَقَالَ الْقَاضِي ، فِي مَوْضِعٍ : هُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْتِزَامِ الْعَقْدِ وَبَيْنَ أَنْ يُرَدَّ إلَى مَأْمَنِهِ ، فَإِنْ اخْتَارَ الذِّمَّةَ ، عُقِدَتْ لَهُ ، وَإِلَّا أُلْحِقَ بِمَأْمَنِهِ .\rوَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ لَمْ يَأْتِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ خُلَفَائِهِ ، تَجْدِيدُ الْعَقْدِ لِهَؤُلَاءِ ، وَلِأَنَّ الْعَقْدَ يَكُونُ مَعَ سَادَتِهِمْ ، فَيَدْخُلُ فِيهِ سَائِرهمْ ، وَلِأَنَّهُ عَقْدُ عَهْدٍ مَعَ الْكُفَّارِ ، فَلَمْ يَحْتَجْ إلَى اسْتِئْنَافِهِ لِذَلِكَ ، كَالْهُدْنَةِ ، وَلِأَنَّ الصِّغَارَ وَالْمَجَانِينَ دَخَلُوا فِي الْعَقْدِ ، فَلَمْ يَحْتَجْ إلَى تَجْدِيدِهِ لَهُمْ عِنْدَ تَغَيُّرِ أَحْوَالِهِمْ ، كَغَيْرِهِمْ ، وَلِأَنَّهُ عَقْدٌ دَخَلُوا فِيهِ ، فَيَلْزَمُهُمْ بَعْدَ الْبُلُوغِ وَالْإِفَاقَةِ ، كَالْإِسْلَامِ .\rإذَا ثَبَتَ ، هَذَا فَإِنْ كَانَ الْبُلُوغُ وَالْإِفَاقَةُ فِي أَوَّلِ حَوْلِ قَوْمِهِ ، أُخِذَ مِنْهُ فِي آخِرِهِ مَعَهُمْ ، وَإِنْ كَانَ فِي أَثْنَاءِ الْحَوْلِ ، أُخِذَ مِنْهُ عِنْدَ تَمَامِ الْحَوْلِ بِقِسْطِهِ ، وَلَمْ يُتْرَكْ حَتَّى يَتِمَّ حَوْلُهُ ، لِئَلَّا يُحْتَاجَ إلَى إفْرَادِهِ بِحَوْلٍ ، وَضَبْطُ حَوْلِ كُلِّ إنْسَانٍ مِنْهُمْ ، وَرُبَّمَا أَفْضَى إلَى أَنْ يَصِيرَ لِكُلِّ وَاحِدٍ حَوْلٌ مُنْفَرِدًا .","part":21,"page":217},{"id":10217,"text":"( 7659 ) فَصْلٌ : وَمَنْ كَانَ يُجَنُّ وَيُفِيقُ ، فَلَهُ ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ ؛ أَحَدُهَا ، أَنْ يَكُونَ جُنُونُهُ غَيْرَ مَضْبُوطٍ ، مِثْلَ مَنْ يُفِيقُ سَاعَةً مِنْ يَوْمٍ أَوْ أَيَّامٍ ، أَوْ يُصْرَعُ سَاعَةً مِنْ يَوْمٍ أَوْ أَيَّامٍ ، فَهَذَا يُعْتَبَرُ حَالُهُ بِالْأَغْلَبِ ؛ لِأَنَّ مُدَّةَ الْإِفَاقَةِ غَيْرُ مُمْكِنٍ مُرَاعَاتُهَا ، لِتَعَذُّرِ ضَبْطِهَا .\rالثَّانِي ، أَنْ يَكُونَ مَضْبُوطًا ، مِثْلَ مَنْ يُجَنُّ يَوْمًا وَيُفِيقُ يَوْمَيْنِ ، أَوْ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ ، أَوْ أَكْثَرَ ، إلَّا أَنَّهُ مَضْبُوطُ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، يُعْتَبَرُ الْأَغْلَبُ مِنْ حَالِهِ ، وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ؛ لِأَنَّهُ يُجَنُّ وَيُفِيقُ ، فَيُعْتَبَرُ الْأَغْلَبُ مِنْ حَالِهِ كَالْأَوَّلِ .\rوَالثَّانِي ، تُلَفَّقُ أَيَّامُ إفَاقَتِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مُفِيقًا فِي الْكُلِّ وَجَبَتْ الْجِزْيَةُ ، فَإِذَا وُجِدَتْ الْإِفَاقَةُ فِي بَعْضِ الْحَوْلِ وَجَبَ فِيمَا يَجِبْ بِهِ لَوْ انْفَرَدَ .\rفَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ ، فِي أَخْذِ الْجِزْيَةِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، أَنَّ أَيَّامَهُ تُلَفَّقُ ، فَإِذَا كَمُلَتْ حَوْلًا ، أُخِذَتْ مِنْهُ ؛ لِأَنَّ أَخْذَهَا قَبْلَ ذَلِكَ ، أَخْذٌ لِجِزْيَتِهِ قَبْلَ كَمَالِ الْحَوْلِ ، فَلَمْ يَجُزْ ، كَالصَّحِيحِ .\rوَالثَّانِي ، يُؤْخَذُ مِنْهُ فِي آخِرِ كُلِّ حَوْلٍ بِقَدْرِ مَا أَفَاقَ مِنْهُ ، كَمَا لَوْ أَفَاقَ فِي بَعْضِ الْحَوْلِ إفَاقَةً مُسْتَمِرَّةً .\rوَإِنْ كَانَ يُجَنُّ ثُلُثَ الْحَوْلِ ، وَيُفِيقُ ثُلُثَيْهِ ، أَوْ بِالْعَكْسِ ، فَفِيهِ الْوَجْهَانِ .\rكَمَا ذَكَرْنَا .\rفَإِنْ اسْتَوَتْ إفَاقَتُهُ وَجُنُونُهُ ، مِثْلُ مَنْ يُجَنُّ يَوْمًا وَيُفِيقُ يَوْمًا ، أَوْ يُجَنُّ نِصْفَ الْحَوْلِ وَيُفِيقُ نِصْفَهُ عَادَةً ، لُفِّقَتْ إفَاقَتُهُ ؛ لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ اعْتِبَارُ الْأَغْلَبِ لِعَدَمِهِ ، فَتَعَيَّنَ الِاحْتِمَالُ الْآخَرُ .\rالْحَالُ الثَّالِثُ ، أَنْ يُجَنَّ نِصْفَ حَوْلٍ ، ثُمَّ يُفِيقَ إفَاقَةً مُسْتَمِرَّةً ، أَوْ يُفِيقَ نِصْفَهُ ، ثُمَّ يُجَنَّ جُنُونًا مُسْتَمِرًّا ، فَلَا جِزْيَةَ عَلَيْهِ فِي الثَّانِي ، وَعَلَيْهِ فِي الْأَوَّلِ مِنْ الْجِزْيَةِ بِقَدْرِ مَا أَفَاقَ","part":21,"page":218},{"id":10218,"text":"مِنْ الْحَوْلِ ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ شَرْحُهُ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":21,"page":219},{"id":10219,"text":"( 7660 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : وَلَا عَلَى فَقِيرٍ .\rيَعْنِي الْفَقِيرَ الْعَاجِزَ عَنْ أَدَائِهَا .\rوَهَذَا أَحَدُ أَقْوَالِ الشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ فِي الْآخَرِ : يَجِبُ عَلَيْهِ { ؛ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : خُذْ مِنْ كُلِّ حَالِمٍ دِينَارًا } .\rوَلِأَنَّ دَمَهُ غَيْرُ مَحْقُونٍ ، فَلَا تَسْقُطُ عَنْهُ الْجِزْيَةُ ، كَالْقَادِرِ عَلَيْهِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ جَعَلَ الْجِزْيَةَ عَلَى ثَلَاثِ طَبَقَاتٍ ، جَعَلَ أَدْنَاهَا عَلَى الْفَقِيرِ الْمُعْتَمِلِ ، فَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُعْتَمِلَ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ ، وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : { لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَا } .\rوَلِأَنَّ هَذَا مَالٌ يَجِبُ بِحُلُولِ الْحَوْلِ ، فَلَا يَلْزَمُ الْفَقِيرَ الْعَاجِزَ ، كَالزَّكَاةِ وَالْعَقْلِ ، وَلِأَنَّ الْخَرَاجَ يَنْقَسِمُ إلَى خَرَاجِ أَرْضٍ ، وَخَرَاجِ رُءُوسٍ ، ثُمَّ ثَبَتَ أَنَّ خَرَاجَ الْأَرْضِ عَلَى قَدْرِ طَاقَتِهَا ، وَمَا لَا طَاقَةَ لَهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ ، كَذَلِكَ خَرَاجُ الرُّءُوسِ .\rوَأَمَّا الْحَدِيثُ ، فَيَتَنَاوَلُ الْأَخْذَ مِمَّنْ يُمْكِنُ الْأَخْذُ مِنْهُ ، وَمَنْ لَا يُمْكِنُ الْأَخْذُ مِنْهُ ، فَالْأَخْذُ مِنْهُ مُسْتَحِيلٌ ، فَكَيْفَ يُؤْمَرُ بِهِ .","part":21,"page":220},{"id":10220,"text":"( 7661 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : وَلَا شَيْخٍ فَانٍ ، وَلَا زَمِنٍ ، وَلَا أَعْمَى هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةُ وَمَنْ فِي مَعْنَاهُمْ مِمَّنْ بِهِ دَاءٌ لَا يَسْتَطِيعُ مَعَهُ الْقِتَالَ ، وَلَا يُرْجَى بُرْؤُهُ ، لَا جِزْيَةَ عَلَيْهِمْ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ : عَلَيْهِمْ الْجِزْيَةُ بِنَاءً عَلَى قَتْلِهِمْ .\rوَقَدْ سَبَقَ قَوْلُنَا فِي أَنَّهُمْ لَا يُقْتَلُونَ ، فَلَا تَجِبُ عَلَيْهِمْ الْجِزْيَةُ ، كَالنِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ .","part":21,"page":221},{"id":10221,"text":"( 7662 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : وَلَا عَلَى سَيِّدِ عَبْدٍ عَنْ عَبْدِهِ ، إذَا كَانَ السَّيِّدُ مُسْلِمًا لَا خِلَافَ فِي هَذَا نَعْلَمُهُ ، لِأَنَّهُ يُرْوَى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { لَا جِزْيَةَ عَلَى الْعَبْدِ } .\rوَعَنْ ابْنِ عُمَرَ مِثْلُهُ .\rوَلِأَنَّ مَا لَزِمَ الْعَبْدَ إنَّمَا يُؤَدِّيه سَيِّدُهُ ، فَيُؤَدِّي إيجَابُهُ عَلَى عَبْدِ الْمُسْلِمِ إلَى إيجَابِ الْجِزْيَةِ عَلَى مُسْلِمٍ .\rفَأَمَّا إنْ كَانَ الْعَبْدُ لِكَافِرٍ ، فَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ لَا جِزْيَةَ عَلَيْهِ أَيْضًا .\rوَهُوَ قَوْلُ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ، عَلَى أَنَّهُ لَا جِزْيَةَ عَلَى الْعَبْدِ .\rوَذَلِكَ لِمَا ذُكِرَ مِنْ الْحَدِيثِ ، وَلِأَنَّهُ مَحْقُونُ الدَّمِ ، فَأَشْبَهَ النِّسَاءَ وَالصِّبْيَانَ ، أَوْ لَا مَالَ لَهُ ، فَأَشْبَهَ الْفَقِيرَ الْعَاجِزَ .\rوَيَحْتَمِلُ كَلَامُ الْخِرَقِيِّ إيجَابَ الْجِزْيَةِ عَلَيْهِ يُؤَدِّيهَا سَيِّدُهُ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ أَيْضًا عَنْ أَحْمَدَ وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : لَا تَشْتَرُوا رَقِيقَ أَهْلِ الذِّمَّةِ ، وَلَا مِمَّا فِي أَيْدِيهمْ ؛ لِأَنَّهُمْ أَهْلُ خَرَاجٍ ، يَبِيعُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا ، وَلَا يُقِرَّنَّ أَحَدُكُمْ بِالصَّغَارِ بَعْدَ إذْ أَنْقَذَهُ اللَّهُ مِنْهُ .\rقَالَ أَحْمَدُ : أَرَادَ أَنْ يُوَفِّرَ الْجِزْيَةَ ؛ لِأَنَّ الْمُسْلِمَ إذَا اشْتَرَاهُ سَقَطَ عَنْهُ أَدَاءُ مَا يُؤْخَذُ مِنْهُ ، وَالذِّمِّيُّ يُؤَدِّي عَنْهُ وَعَنْ مَمْلُوكِهِ خَرَاجَ جَمَاجِمِهِمْ .\rوَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ مِثْلُ حَدِيثِ عُمَرَ .\rوَلِأَنَّهُ ذَكَرٌ مُكَلَّفٌ قَوِيٌّ مُكْتَسِبٌ ، فَوَجَبَتْ عَلَيْهِ الْجِزْيَةُ ، كَالْحُرِّ .\rوَالْأَوَّلُ أَوْلَى .","part":21,"page":222},{"id":10222,"text":"( 7663 ) فَصْلٌ : وَمَنْ بَعْضُهُ حُرٌّ فَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنَّ عَلَيْهِ مِنْ الْجِزْيَةِ بِقَدْرِ مَا فِيهِ مِنْ الْحُرِّيَّةِ ؛ لِأَنَّهُ حُكْمٌ يَتَجَزَّأُ ، يَخْتَلِفُ بِالرِّقِّ وَالْحُرِّيَّةِ ، فَيُقْسَمُ عَلَى قَدْرِ مَا فِيهِ كَالْإِرْثِ .","part":21,"page":223},{"id":10223,"text":"( 7664 ) فَصْلٌ : وَلَا جِزْيَةَ عَلَى أَهْلِ الصَّوَامِعِ مِنْ الرُّهْبَانِ .\rوَيَحْتَمِلُ وُجُوبُهَا عَلَيْهِمْ .\rوَهَذَا أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ .\rوَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، أَنَّهُ فَرَضَ عَلَى رُهْبَانِ الدِّيَارَاتِ الْجِزْيَةَ عَلَى كُلِّ رَاهِبٍ دِينَارَيْنِ .\rوَوَجْهُ ذَلِكَ عُمُومُ النُّصُوصِ ، وَلِأَنَّهُ كَافِرٌ صَحِيحٌ قَادِرٌ عَلَى أَدَاءِ الْجِزْيَةِ ، فَأَشْبَهَ الشَّمَّاسَ .\rوَوَجْهُ الْأَوَّلِ ، أَنَّهُمْ مَحْقُونُونَ بِدُونِ الْجِزْيَةِ ، فَلَمْ تَجِبْ عَلَيْهِمْ ، كَالنِّسَاءِ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهُ يَحْرُمُ قَتْلُهُمْ ، وَالنُّصُوصُ مَخْصُوصَةٌ بِالنِّسَاءِ ، وَهَؤُلَاءِ فِي مَعْنَاهُنَّ ، وَلِأَنَّهُ لَا كَسْبَ لَهُ ، فَأَشْبَهَ الْفَقِيرَ غَيْرَ الْمُعْتَمِلِ .","part":21,"page":224},{"id":10224,"text":"( 7665 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : وَمَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الْجِزْيَةُ ، فَأَسْلَمَ قَبْلَ أَنْ تُؤْخَذَ مِنْهُ ، سَقَطَتْ عَنْهُ الْجِزْيَةُ وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الذِّمِّيَّ إذَا أَسْلَمَ فِي أَثْنَاءِ الْحَوْلِ ، لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ الْجِزْيَةُ ، وَإِنْ أَسْلَمَ بَعْدَ الْحَوْلِ سَقَطَتْ عَنْهُ .\rوَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ ، وَالثَّوْرِيِّ وَأَبِي عُبَيْدٍ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ : إنْ أَسْلَمْ بَعْدَ الْحَوْلِ ، لَمْ تَسْقُطْ ؛ لِأَنَّهَا دَيْنٌ يَسْتَحِقُّهُ صَاحِبُهُ ، وَاسْتَحَقَّ الْمُطَالَبَةَ بِهِ فِي حَالِ الْكُفْرِ فَلَمْ يَسْقُطْ بِالْإِسْلَامِ ، كَالْخَرَاجِ وَسَائِرِ الدُّيُونِ .\rوَلِلشَّافِعِيِّ فِيمَا إذَا أَسْلَمَ فِي أَثْنَاءِ الْحَوْلِ قَوْلَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، عَلَيْهِ مِنْ الْجِزْيَةِ بِالْقِسْطِ ، كَمَا لَوْ أَفَاقَ بَعْدَ الْحَوْلِ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ } .\rوَرَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِ جِزْيَةٌ } .\rرَوَاهُ الْخَلَّالُ .\rوَذُكِرَ أَنَّ أَحْمَدَ سُئِلَ عَنْهُ ، فَقَالَ : لَيْسَ يَرْوِيه غَيْرُ جَرِيرٍ .\rقَالَ أَحْمَدُ : وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ : إنْ أَخَذَهَا فِي كَفِّهِ ثُمَّ أَسْلَمَ ، رَدَّهَا عَلَيْهِ .\rوَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { لَا يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ أَنْ يُؤَدِّيَ الْخَرَاجَ } .\rيَعْنِي الْجِزْيَةَ .\rوَرُوِيَ أَنَّ ذِمِّيًّا أَسْلَمَ ، فَطُولِبَ بِالْجِزْيَةِ ، وَقِيلَ : إنَّمَا أَسْلَمْت تَعَوُّذًا .\rقَالَ : إنَّ فِي الْإِسْلَامِ مَعَاذًا .\rفَرُفِعَ إلَى عُمَرَ ، فَقَالَ عُمَرُ : إنَّ فِي الْإِسْلَامِ مَعَاذًا .\rوَكَتَبَ أَلَّا تُؤْخَذَ مِنْهُ الْجِزْيَةُ .\rرَوَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ بِنَحْوٍ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى .\rوَلِأَنَّ الْجِزْيَةَ صَغَارٌ ، فَلَا تُؤْخَذُ مِنْهُ ، كَمَا لَوْ أَسْلَمَ قَبْلَ الْحَوْلِ ، وَلِأَنَّ الْجِزْيَةَ عُقُوبَةٌ تَجِبُ بِسَبَبِ الْكُفْرِ ، فَيُسْقِطُهَا الْإِسْلَامُ ، كَالْقَتْلِ .\rوَبِهَذَا فَارَقَ سَائِرَ","part":21,"page":225},{"id":10225,"text":"الدُّيُونِ .","part":21,"page":226},{"id":10226,"text":"( 7666 ) فَصْلٌ : وَإِنْ مَاتَ الذِّمِّيُّ بَعْدَ الْحَوْلِ ، لَمْ تَسْقُطْ الْجِزْيَةُ عَنْهُ ، فِي ظَاهِرِ كَلَامِ أَحْمَدَ .\rذَكَرَهُ أَحْمَدُ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rوَحَكَى أَبُو الْخَطَّابِ ، عَنْ الْقَاضِي ، أَنَّهَا تَسْقُطُ بِالْمَوْتِ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ .\rوَرَوَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ؛ لِأَنَّهَا عُقُوبَةٌ ، فَتَسْقُطُ بِالْمَوْتِ ، كَالْحُدُودِ ، وَلِأَنَّهَا تَسْقُطُ بِالْإِسْلَامِ ، فَتَسْقُطُ بِالْمَوْتِ ، كَمَا قَبْلَ الْحَوْلِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ دَيْنٌ وَجَبَ عَلَيْهِ فِي حَيَاتِهِ ، فَلَمْ يَسْقُطْ بِمَوْتِهِ ، كَدُيُونِ الْآدَمِيِّينَ ، وَالْحَدُّ يَسْقُطُ بِفَوَاتِ مَحِلِّهِ ، وَتَعَذُّرِ اسْتِيفَائِهِ ، بِخِلَافِ الْجِزْيَةِ .\rوَفَارَقَ الْإِسْلَامَ ؛ فَإِنَّهُ الْأَصْلُ ، وَالْجِزْيَةُ بَدَلٌ عَنْهُ ، فَإِذَا أَتَى بِالْأَصْلِ اسْتَغْنَى عَنْ الْبَدَلِ ، كَمَنْ وَجَدَ الْمَاءَ لَا يَحْتَاجُ مَعَهُ إلَى التَّيَمُّمِ ، بِخِلَافِ الْمَوْتِ ، وَلِأَنَّ الْإِسْلَامَ قُرْبَةٌ وَطَاعَةٌ ، يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مَعَاذًا مِنْ الْجِزْيَةِ ، كَمَا ذَكَرَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، وَالْمَوْتُ بِخِلَافِهِ .","part":21,"page":227},{"id":10227,"text":"( 7667 ) فَصْلٌ : وَلَا تَتَدَاخَلُ الْجِزْيَةُ ، بَلْ إذَا اجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ جِزْيَةُ سِنِينَ ، اُسْتُوْفِيَتْ مِنْهُ كُلُّهَا .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : تَتَدَاخَلُ ؛ لِأَنَّهَا عُقُوبَةٌ ، فَتَتَدَاخَلُ ، كَالْحُدُودِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهَا حَقُّ مَالٍ ، يَجِبُ فِي آخِرِ كُلِّ حَوْلٍ ، فَلَمْ تَتَدَاخَلْ ، كَالدِّيَةِ .","part":21,"page":228},{"id":10228,"text":"( 7668 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : وَإِذَا أُعْتِقَ ، لَزِمَتْهُ الْجِزْيَةُ لِمَا يُسْتَقْبَلُ ، سَوَاءٌ كَانَ الْمُعْتِقُ لَهُ مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا هَذَا الصَّحِيحُ عَنْ أَحْمَدَ رَوَاهُ عَنْهُ جَمَاعَةٌ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ .\rوَبِهِ قَالَ سُفْيَانُ ، وَاللَّيْثُ ، وَابْنُ لَهِيعَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ ، يُقَرُّ بِغَيْرِ جِزْيَةٍ .\rوَرُوِيَ نَحْوُ هَذَا عَنْ الشَّعْبِيِّ ؛ لِأَنَّ الْوَلَاءَ شُعْبَةٌ مِنْ الرِّقِّ ، وَهُوَ ثَابِتٌ عَلَيْهِ .\rوَوَهَّنَ الْخِلَالُ هَذِهِ الرِّوَايَةَ ، وَقَالَ : هَذَا قَوْلٌ قَدِيمٌ ، رَجَعَ عَنْهُ أَحْمَدُ ، وَالْعَمَلُ عَلَى مَا رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ .\rوَعَنْ مَالِكٍ كَقَوْلِ الْجَمَاعَةِ .\rوَعَنْهُ ، إنْ كَانَ الْمُعْتَقُ لَهُ مُسْلِمًا ، فَلَا جِزْيَةَ عَلَيْهِ ، لِأَنَّ عَلَيْهِ الْوَلَاءَ لِمُسْلِمٍ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَ عَلَيْهِ الرِّقُّ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ حُرٌّ مُكَلَّفٌ مُوسِرٌ مِنْ أَهْلِ الْقَتْلِ ، فَلَمْ يُقَرَّ فِي دَارِنَا بِغَيْرِ جِزْيَةٍ ، كَالْحُرِّ الْأَصْلِيِّ .\rفَإِذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّ حُكْمَهُ فِيمَا يُسْتَقْبَلُ مِنْ جِزْيَتِهِ حُكْمُ مَنْ بَلَغَ مِنْ صِبْيَانِهِمْ ، أَوْ أَفَاقَ مِنْ مَجَانِينُهُمْ ، عَلَى مَا مَضَى .","part":21,"page":229},{"id":10229,"text":"( 7669 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : وَلَا تُؤْخَذُ الْجِزْيَةُ مِنْ نَصَارَى بَنِي تَغْلِبَ ، وَتُؤْخَذُ الزَّكَاةُ مِنْ أَمْوَالِهِمْ وَمَوَاشِيهمْ وَثَمَرِهِمْ ، مِثْلَيْ مَا يُؤْخَذُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ بَنُو تَغْلِبَ بْنِ وَائِلٍ ، مِنْ الْعَرَبِ ، مِنْ رَبِيعَةَ بْنِ نِزَارٍ ، انْتَقَلُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ إلَى النَّصْرَانِيَّةِ ، فَدَعَاهُمْ عُمَرُ إلَى بَذْلِ الْجِزْيَةِ ، فَأَبَوْا ، وَأَنِفُوا ، وَقَالُوا : نَحْنُ عَرَبٌ ، خُذْ مِنَّا كَمَا يَأْخُذُ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ بِاسْمِ الصَّدَقَةِ .\rفَقَالَ عُمَرُ : لَا آخُذُ مِنْ مُشْرِكٍ صَدَقَةً .\rفَلَحِقَ بَعْضُهُمْ بِالرُّومِ ، فَقَالَ النُّعْمَانُ بْنُ زُرْعَةَ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، إنَّ الْقَوْمَ لَهُمْ بَأْسٌ وَشِدَّةٌ ، وَهُمْ عَرَبٌ يَأْنَفُونَ مِنْ الْجِزْيَةِ ، فَلَا تُعِنْ عَلَيْك عَدُوَّك بِهِمْ ، وَخُذْ مِنْهُمْ الْجِزْيَةَ بِاسْمِ الصَّدَقَةِ .\rفَبَعَثَ عُمَرُ فِي طَلَبِهِمْ ، فَرَدَّهُمْ ، وَضَعَّفَ عَلَيْهِمْ مِنْ الْإِبِلِ مِنْ كُلِّ خَمْسٍ شَاتَيْنِ ، وَمِنْ كُلِّ ثَلَاثِينَ بَقَرَةً تَبِيعَيْنِ ، وَمِنْ كُلِّ عِشْرِينَ دِينَارًا دِينَارًا ، وَمِنْ كُلِّ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ ، وَفِيمَا سَقَتْ السَّمَاءُ الْخُمُسَ ، وَفِيمَا سُقِيَ بِنَضْحٍ أَوْ غَرْبٍ أَوْ دُولَابٍ الْعُشْرَ .\rفَاسْتَقَرَّ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِ عُمَرَ ، وَلَمْ يُخَالِفْهُ أَحَدٌ مِنْ الصَّحَابَةِ ، فَصَارَ إجْمَاعًا .\rوَقَالَ بِهِ الْفُقَهَاءُ بَعْدَ الصَّحَابَةِ ؛ مِنْهُمْ ابْنُ أَبِي لَيْلَى ، وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحِ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَبُو يُوسُفَ ، وَالشَّافِعِيُّ .\rوَيُرْوَى عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، أَنَّهُ أَبَى عَلَى نَصَارَى بَنِي تَغْلِبَ إلَّا الْجِزْيَةَ ، وَقَالَ : لَا وَاَللَّهِ إلَّا الْجِزْيَةَ ، وَإِلَّا فَقَدْ آذَنْتُكُمْ بِالْحَرْبِ .\rوَالْحُجَّةُ لِهَذَا عُمُومُ الْآيَةِ فِيهِمْ .\rوَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : لَئِنْ تَفَرَّغْت لِبَنِي تَغْلِبَ لَيَكُونَن لِي فِيهِمْ رَأْيٌ ، لِأَقْتُلَن مُقَاتِلَتَهُمْ ، وَلِأَسْبِيَن ذَرَارِيَّهُمْ ، فَقَدْ نَقَضُوا الْعَهْدَ ، وَبَرِئَتْ مِنْهُمْ الذِّمَّةُ حِينَ نَصَّرُوا أَوْلَادَهُمْ .\rوَذَلِكَ أَنَّ","part":21,"page":230},{"id":10230,"text":"عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ صَالَحَهُمْ عَلَى أَنْ لَا يُنَصِّرُوا أَوْلَادَهُمْ .\rوَالْعَمَلُ عَلَى الْأَوَّلِ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْإِجْمَاعِ وَأَمَّا الْآيَةُ ، فَإِنَّ هَذَا الْمَأْخُوذَ مِنْهُمْ جِزْيَةٌ بِاسْمِ الصَّدَقَةِ ، فَإِنَّ الْجِزْيَةَ يَجُوزُ أَخْذُهَا مِنْ الْعُرُوضِ .","part":21,"page":231},{"id":10231,"text":"( 7670 ) فَصْلٌ : قَالَ أَصْحَابُنَا : تُؤْخَذُ الصَّدَقَةُ مُضَاعَفَةً مِنْ مَال مَنْ تُؤْخَذُ مِنْهُ الزَّكَاةُ لَوْ كَانَ مُسْلِمًا .\rوَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَأَبِي عُبَيْدٍ .\rوَذُكِرَ أَنَّهُ قَوْلُ أَهْلِ الْحِجَازِ .\rفَعَلَى هَذَا ، تُؤْخَذُ مِنْ مَالِ نِسَائِهِمْ وَصِبْيَانِهِمْ وَمَجَانِينِهِمْ وَزَمْنَاهُمْ وَمَكَافِيفِهِمْ وَشُيُوخِهِمْ ، إلَّا أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ لَا يُوجِبُ الزَّكَاةَ فِي مَالِ صَبِيٍّ وَلَا مَجْنُونٍ ، فَكَذَا الْوَاجِبُ عَلَى بَنِي تَغْلِبَ ، لَا يَجِبُ فِي مَالِ صَبِيٍّ وَلَا مَجْنُونٍ ، إلَّا فِي الْأَرْضِ خَاصَّةً .\rوَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إلَى أَنَّ هَذَا جِزْيَةٌ تُؤْخَذُ بِاسْمِ الصَّدَقَةِ ، فَلَا تُؤْخَذُ مِمَّنْ لَا جِزْيَةَ عَلَيْهِ ، كَالنِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ وَالْمَجَانِينِ .\rقَالَ : وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ : هَؤُلَاءِ حَمْقَى ، رَضُوا بِالْمَعْنَى ، وَأَبَوْا الِاسْمَ .\rوَقَالَ النُّعْمَانُ بْنُ زُرْعَةَ خُذْ مِنْهُمْ الْجِزْيَةَ بِاسْمِ الصَّدَقَةِ .\rوَلِأَنَّهُمْ أَهْلُ ذِمَّةٍ ، فَكَانَ الْوَاجِبُ عَلَيْهِمْ جِزْيَةً لَا صَدَقَةً ، كَغَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ ، وَلِأَنَّهُ مَالٌ يُؤْخَذُ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لِحَقْنِ دِمَائِهِمْ وَمَسَاكِنِهِمْ ، فَكَانَ جِزْيَةً ، كَمَا لَوْ أُخِذَ بِاسْمِ الْجِزْيَةِ ، يُحَقِّقُهُ أَنَّ الزَّكَاةَ طُهْرَةٌ ، وَهَؤُلَاءِ لَا طُهْرَةَ لَهُمْ .\rفَعَلَى هَذَا ، يَكُونُ مَصْرِفُ الْمَأْخُوذِ مِنْهُمْ مَصْرِفَ الْفَيْءِ ، لَا مَصْرِفَ الصَّدَقَاتِ ، وَهَذَا أَقْيَسُ .\rوَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِأَنَّهُمْ سَأَلُوا عُمَرَ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُمْ مَا يَأْخُذُ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ .\rفَأَجَابَهُمْ عُمَرُ إلَيْهِ بَعْدَ الِامْتِنَاعِ مِنْهُ ، وَاَلَّذِي يَأْخُذُهُ بَعْضُنَا مِنْ بَعْضٍ هُوَ الزَّكَاةُ ، مِنْ كُلِّ مَالٍ زَكَوِيٍّ لِأَيِّ مُسْلِمٍ كَانَ ، مِنْ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ ، وَصَحِيحٍ وَمَرِيضٍ ، كَذَلِكَ الْمَأْخُوذُ مِنْ بَنِي تَغْلِبَ ، وَلِأَنَّ نِسَاءَهُمْ وَصِبْيَانَهُمْ صِينُوا عَنْ السَّبْيِ بِهَذَا الصُّلْحِ ، وَدَخَلُوا فِي حُكْمِهِ ، فَجَازَ أَنْ يَدْخُلُوا فِي الْوَاجِبِ بِهِ ، كَالرِّجَالِ الْعُقَلَاءِ .\rوَعَلَى هَذَا ، مَنْ كَانَ مِنْهُمْ","part":21,"page":232},{"id":10232,"text":"فَقِيرًا أَوْ لَهُ مَالٌ غَيْرُ زَكَوِيٍّ كَالدُّورِ ، وَثِيَابِ الْبِذْلَةِ ، وَعَبِيدِ الْخِدْمَةِ ، لَا شَيْءَ عَلَيْهِ ، كَمَا لَا يَجِبُ ذَلِكَ عَلَى أَهْلِ الزَّكَاةِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ، وَلَا تُؤْخَذُ مِمَّا لَمْ يَبْلُغْ نِصَابًا .\rفَأَمَّا مَصْرِفُ الْمَأْخُوذِ مِنْهُمْ ، فَاخْتَارَ الْقَاضِي أَنَّ مَصْرِفَهُ مَصْرِفُ الْفَيْءِ ؛ لِأَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ مُشْرِكٍ ، وَلِأَنَّهُ جِزْيَةٌ مُسَمَّاةٌ بِالصَّدَقَةِ .\rوَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : مَصْرِفُهُ إلَى أَهْلِ الصَّدَقَاتِ ؛ لِأَنَّهُ مُسَمًّى بِاسْمِ الصَّدَقَةِ مَسْلُوكٌ بِهِ فِي مَنْ يُؤْخَذُ مِنْهُ - مَسْلَكُ الصَّدَقَةِ ، فَيَكُونُ مَصْرِفُهُ مَصْرِفَهَا .\rوَالْأَوَّلُ أَقْيَسُ وَأَصَحُّ ؛ لِأَنَّ مَعْنَى الشَّيْءِ أَخَصُّ بِهِ مِنْ اسْمِهِ ، وَلِهَذَا لَوْ سُمِّيَ رَجُلٌ أَسَدًا ، أَوْ نَمِرًا ، أَوْ أَسْوَدَ ، أَوْ أَحْمَرَ ، لَمْ يَصِرْ لَهُ حُكْمُ الْمُسَمَّى بِذَلِكَ ، وَلِأَنَّ هَذَا لَوْ كَانَ صَدَقَةً عَلَى الْحَقِيقَةِ ، لَجَازَ دَفْعُهَا إلَى فُقَرَاءِ مَنْ أُخِذَتْ مِنْهُمْ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { أَعْلِمْهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً ، تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ ، فَتُرَدُّ فِي فُقَرَائِهِمْ } .","part":21,"page":233},{"id":10233,"text":"( 7671 ) فَصْلٌ : فَإِنْ بَذَلَ التَّغْلِبِيُّ أَدَاءَ الْجِزْيَةِ ، وَتُحَطُّ عَنْهُ الصَّدَقَةُ ، لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ ، لِأَنَّ الصُّلْحَ وَقَعَ عَلَى هَذَا ، فَلَا يُغَيَّرُ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ } .\rوَهَذَا قَدْ أَعْطَى الْجِزْيَةَ ، وَإِنْ كَانَ بَاذِلُ الْجِزْيَةِ مِنْهُمْ حَرْبِيًّا ، قُبِلَتْ مِنْهُ ؛ لِلْآيَةِ ، وَخَبَرِ بُرَيْدَةَ : { اُدْعُهُمْ إلَى أَدَاءِ الْجِزْيَةِ ، فَإِنْ أَجَابُوك ، فَاقْبَلْ مِنْهُمْ ، وَكُفَّ عَنْهُمْ } .\rوَلِأَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ فِي صُلْحِ الْأَوَّلِينَ ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ حُكْمُهُ ، وَهُوَ كِتَابِيٌّ بَاذِلٌ لِلْجِزْيَةِ ، فَيُحْقَنُ بِهَا دَمُهُ .\rوَإِنْ أَرَادَ إمَامٌ نَقْضَ صُلْحِهِمْ ، وَتَجْدِيدَ الْجِزْيَةِ عَلَيْهِمْ كَفِعْلِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ عَقْدَ الذِّمَّةِ عَلَى التَّأْبِيدِ ، وَقَدْ عَقَدَهُ مَعَهُمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، فَلَمْ يَكُنْ لِغَيْرِهِ نَقْضُهُ مَا دَامُوا عَلَى الْعَهْدِ .","part":21,"page":234},{"id":10234,"text":"( 7672 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا سَائِرُ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ النَّصَارَى وَالْيَهُودِ الْعَرَبِ وَغَيْرِهِمْ ، فَالْجِزْيَةُ مِنْهُمْ مَقْبُولَةٌ ، وَلَا يُؤْخَذُونَ بِمَا يُؤْخَذُ بِهِ نَصَارَى بَنِي تَغْلِبَ .\rنَصَّ أَحْمَدُ عَلَى هَذَا وَرَوَاهُ عَنْ الزُّهْرِيِّ .\rقَالَ : وَنَذْهَبُ إلَى أَنْ يَأْخُذَ مِنْ مَوَاشِي بَنِي تَغْلِبَ خَاصَّةً الصَّدَقَةَ ، وَنُضَعِّفُ عَلَيْهِمْ ، كَمَا فَعَلَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .\rوَذَكَرَ الْقَاضِي وَأَبُو الْخَطَّابِ ، أَنَّ حُكْمَ مَنْ تَنَصَّرَ مِنْ تَنُوخِ وَبَهْرَاءَ ، أَوْ تَهَوَّدَ مِنْ كِنَانَةَ وَحِمْيَرَ ، أَوْ تَمَجَّسَ مِنْ تَمِيمٍ ، حُكْمُ بَنِي تَغْلِبَ ، سَوَاءً .\rوَذُكِرَ ذَلِكَ عَنْ الشَّافِعِيِّ .\rنَصَّ عَلَيْهِ ، فِي تَنُوخِ وَبَهْرَاءَ ؛ لِأَنَّهُمْ مِنْ الْعَرَبِ ، فَأَشْبَهُوا بَنِي تَغْلِبَ .\rوَلَنَا عُمُومُ قَوْله تَعَالَى : { حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ } .\rوَأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ مُعَاذًا إلَى الْيَمَنِ ، فَقَالَ : { خُذْ مِنْ كُلِّ حَالِمٍ دِينَارًا } .\rوَهُمْ عَرَبٌ .\rوَقَبِلَ الْجِزْيَةَ مِنْ أَهْلِ نَجْرَانَ ، وَهُمْ مِنْ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ كَعْبٍ .\rقَالَ الزُّهْرِيُّ : أَوَّلُ مَنْ أَعْطَى الْجِزْيَةَ أَهْلُ نَجْرَانَ ، وَكَانُوا نَصَارَى .\rوَأَخَذَ الْجِزْيَةَ مِنْ أُكَيْدِرَ دُومَةَ ، وَهُوَ عَرَبِيٌّ .\rوَحُكْمُ الْجِزْيَةِ ثَابِتٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ، فِي كُلِّ كِتَابِيٍّ ، عَرَبِيًّا كَانَ أَوْ غَيْرَ عَرَبِيٍّ ، إلَّا مَا خُصَّ بِهِ بَنُو تَغْلِبَ ، لِمُصَالَحَةِ عُمَرَ إيَّاهُمْ ، فَفِي مَا عَدَاهُمْ يَبْقَى الْحُكْمُ عَلَى عُمُومِ الْكِتَابِ وَشَوَاهِدِ السُّنَّةِ ، وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَ غَيْرِ بَنِي تَغْلِبَ وَبَيْنَ أَحَدٍ مِنْ الْأَئِمَّةِ صُلْحٌ كَصُلْحِ بَنِي تَغْلِبَ ، فِيمَا بَلَغَنَا ، وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُ غَيْرِ بَنِي تَغْلِبَ عَلَيْهِمْ ؛ لِوُجُوهٍ ؛ أَحَدُهَا ، أَنَّ قِيَاسَ سَائِرِ الْعَرَبِ عَلَيْهِمْ يُخَالِفُ النُّصُوصَ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا ، وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ عَلَى مَا تَلْزَمُ مِنْهُ مُخَالَفَةُ النَّصِّ .\rالثَّانِي ، أَنَّ الْعِلَّةَ فِي بَنِي تَغْلِبَ الصُّلْحُ ، وَلَمْ","part":21,"page":235},{"id":10235,"text":"يُوجَدْ الصُّلْحُ مَعَ غَيْرِهِمْ ، وَلَا يَصِحُّ الْقِيَاسُ مَعَ تَخَلُّفِ الْعِلَّةِ .\rالثَّالِثُ ، أَنَّ بَنِي تَغْلِبَ كَانُوا ذَوِي قُوَّةٍ وَشَوْكَةٍ ، لَحِقُوا بِالرُّومِ ، وَخِيفَ مِنْهُمْ الضَّرَرُ إنْ لَمْ يُصَالَحُوا ، وَلَمْ يُوجَدْ هَذَا فِي غَيْرِهِمْ .\rفَإِنْ وُجِدَ هَذَا فِي غَيْرِهِمْ ، فَامْتَنَعُوا مِنْ أَدَاءِ الْجِزْيَةِ ، وَخِيفَ الضَّرَرُ بِتَرْكِ مُصَالَحَتِهِمْ ، فَرَأَى الْإِمَامُ مُصَالَحَتَهُمْ عَلَى أَدَاءِ الْجِزْيَةِ بِاسْمِ الصَّدَقَةِ ، جَازَ ذَلِكَ ، إذَا كَانَ الْمَأْخُوذُ مِنْهُمْ بِقَدْرِ مَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنْ الْجِزْيَةِ أَوْ زِيَادَةً قَالَ عَلِيُّ بْنُ سَعِيدٍ : سَمِعْت أَحْمَدَ يَقُولُ : أَهْلُ الْكِتَابِ لَيْسَ عَلَيْهِمْ فِي مَوَاشِيهمْ صَدَقَةٌ ، وَلَا فِي أَمْوَالِهِمْ ، إنَّمَا تُؤْخَذُ مِنْهُمْ الْجِزْيَةُ ، إلَّا أَنْ يَكُونُوا صُولِحُوا عَلَى أَنْ تُؤْخَذَ مِنْهُمْ ، كَمَا صَنَعَ عُمَرُ فِي نَصَارَى بَنِي تَغْلِبَ ، حِينَ أَضْعَفَ عَلَيْهِمْ الصَّدَقَةَ فِي صُلْحِهِ إيَّاهُمْ ، وَذَكَرَ هَذَا أَبُو إِسْحَاقَ صَاحِبُ الْمُهَذَّبِ ، فِي كِتَابِهِ .\rوَالْحُجَّةُ فِي هَذَا قِصَّةُ بَنِي تَغْلِبَ ، وَقِيَاسُهُمْ عَلَيْهِمْ .\rإذَا كَانُوا فِي مَعْنَاهُمْ .\rأَمَّا قِيَاسُ مَنْ لَمْ يُصَالِحُ عَلَيْهِمْ ، فِي جَعْلِ جِزْيَتِهِمْ صَدَقَةً ، فَلَا يَصِحُّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":21,"page":236},{"id":10236,"text":"( 7673 ) فَصْلٌ : وَإِذَا اتَّجَرَ نَصْرَانِيٌّ تَغْلِبِيٌّ ، فَمَرَّ بِالْعَاشِرِ ، فَقَالَ أَحْمَدُ : يُؤْخَذُ مِنْهُ الْعُشْرُ ضِعْفُ مَا يُؤْخَذُ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ .\rوَرَوَى بِإِسْنَادِهِ ، عَنْ زِيَادِ بْنِ حُدَيْرٍ ، أَنَّ عُمَرَ بَعَثَهُ مُصَدِّقًا ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ نَصَارَى بَنِي تَغْلِبَ الْعُشْرَ ، وَمِنْ نَصَارَى أَهْلِ الْكِتَابِ نِصْفَ الْعُشْرِ .\rوَرَوَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ .\rوَقَالَ : حَدِيثُ دَاوُد بْنِ كُرْدُوسٍ ، وَالنُّعْمَانِ بْنِ زُرْعَةَ ، هُوَ الَّذِي عَلَيْهِ الْعَمَلُ ، أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِمْ الضِّعْفُ مِمَّا عَلَى الْمُسْلِمِينَ ، أَلَا تَسْمَعُهُ يَقُولُ : مِنْ كُلِّ عِشْرِينَ دِرْهَمًا دِرْهَمًا ؟ وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ إذَا مَرُّوا بِأَمْوَالِهِمْ رُبْعُ الْعُشْرِ مِنْ كُلِّ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا دِرْهَمٌ ، فَذَاكَ ضِعْفُ هَذَا .\rوَهَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ ؛ لِقَوْلِهِ : مِثْلَيْ مَا يُؤْخَذُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ .\rوَهُوَ أَقْيَسُ ؛ فَإِنَّ الْوَاجِبَ فِي سَائِرِ أَمْوَالِهِمْ ضِعْفُ مَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ ، لَا ضِعْفُ مَا عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ .","part":21,"page":237},{"id":10237,"text":"( 7674 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : وَلَا تُؤْكَلُ ذَبَائِحُهُمْ ، وَلَا تُنْكَحُ نِسَاؤُهُمْ .\rفِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ، رَحِمَهُ اللَّهُ .\rوَالرِّوَايَةُ الْأُخْرَى ، تُؤْكَلُ ذَبَائِحُهُمْ ، وَتُنْكَحُ نِسَاؤُهُمْ اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ، فِي أَكْلِ ذَبَائِحِهِمْ ، وَنِكَاحِ نِسَائِهِمْ ، فَعَنْهُ لَا يَحِلُّ ذَلِكَ .\rوَهُوَ قَوْلُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ، وَلَمْ يُبِحْ الشَّافِعِيُّ ذَبَائِحَ الْعَرَبِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ كُلِّهِمْ .\rوَكَرِهَ ذَبَائِحَ بَنِي تَغْلِبَ عَطَاءٌ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ ، وَالنَّخَعِيُّ .\rوَقَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إنَّهُمْ لَمْ يَتَمَسَّكُوا مِنْ دِينِهِمْ إلَّا بِشُرْبِ الْخَمْرِ .\rوَلِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنَّهُمْ دَخَلُوا فِي دِينِ الْكُفْرِ بَعْدَ التَّبْدِيلِ ، فَلَمْ يَحِلَّ ذَلِكَ مِنْهُمْ .\rوَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ ، تَحِلُّ ذَبَائِحُهُمْ وَنِسَاؤُهُمْ .\rوَهَذَا الصَّحِيحُ عَنْ أَحْمَدَ رَوَاهُ عَنْهُ الْجَمَاعَةُ ، وَكَانَ آخِرَ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ .\rقَالَ إبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَارِثِ : فَكَانَ آخِرُ قَوْلِهِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَرَى بِذَبَائِحِهِمْ بَأْسًا .\rوَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ .\rوَرُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .\rوَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَعَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ ، وَالْحَكَمُ ، وَحَمَّادٌ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rقَالَ الْأَثْرَمُ : وَمَا عَلِمْت أَحَدًا كَرِهَهُ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَّا عَلِيًّا .\rوَذَلِكَ لِدُخُولِهِمْ فِي عُمُومِ قَوْله تَعَالَى : { وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ } .\rوَلِأَنَّهُمْ أَهْلُ كِتَابٍ يُقَرُّونَ عَلَى دِينِهِمْ بِبَذْلِ الْمَالِ ، فَتَحِلُّ ذَبَائِحُهُمْ وَنِسَاؤُهُمْ ، كَبَنِي إسْرَائِيلَ .","part":21,"page":238},{"id":10238,"text":"( 7675 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : وَمَنْ يُجَزْ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ إلَى غَيْرِ بَلَدِهِ ، أُخِذَ مِنْهُ نِصْفُ الْعُشْرِ فِي السَّنَةِ اشْتَهَرَ هَذَا عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَصَحَّتْ الرِّوَايَةُ عَنْهُ بِهِ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا الْجِزْيَةُ ، إلَّا أَنْ يَدْخُلَ أَرْضَ الْحِجَازِ ، فَيُنْظَرَ فِي حَالِهِ ؛ فَإِنْ كَانَ لِرِسَالَةٍ ، أَوْ نَقْلِ مِيرَةٍ ، أَذِنَ لَهُ بِغَيْرِ شَيْءٍ ، وَإِنْ كَانَ لِتِجَارَةٍ لَا حَاجَةَ بِأَهْلِ الْحِجَازِ إلَيْهَا ، لَمْ يَأْذَنْ لَهُ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَيْهِ عِوَضًا بِحَسَبِ مَا يَرَاهُ وَالْأَوْلَى أَنْ يَشْتَرِطَ نِصْفَ الْعُشْرِ ؛ لِأَنَّ عُمَرَ شَرَطَ نِصْفَ الْعُشْرِ عَلَى مَنْ دَخَلَ الْحِجَازَ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ عُشُورٌ ، إنَّمَا الْعُشُورُ عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ هِشَامٍ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ سِيرِينَ ، قَالَ : بَعَثَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ إلَى الْعُشُورِ ، فَقُلْت : تَبْعَثُنِي إلَى الْعُشُورِ مِنْ بَيْنِ عُمَّالِك ، قَالَ : أَمَا تَرْضَى أَنْ أَجْعَلَك عَلَى مَا جَعَلَنِي عَلَيْهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ؟ أَمَرَنِي أَنْ آخُذَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ رُبْعَ الْعُشْرِ ، وَمِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ نِصْفَ الْعُشْرِ .\rوَهَذَا كَانَ بِالْعِرَاقِ .\rوَرَوَى أَبُو عُبَيْدٍ ، فِي كِتَابِ الْأَمْوَالِ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ لَاحِقِ بْنِ حُمَيْدٍ ، أَنَّ عُمَرَ بَعَثَ عُثْمَانَ بْنَ حُنَيْفٍ إلَى الْكُوفَةِ ، فَجَعَلَ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ فِي أَمْوَالِهِمْ الَّتِي يَخْتَلِفُونَ فِيهَا ، فِي كُلِّ عُشْرِينَ دِرْهَمًا دِرْهَمًا .\rوَقَدْ ذَكَرْنَا حَدِيثَ زِيَادِ بْنِ حُدَيْرٍ ، أَنَّ عُمَرَ أَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ نَصَارَى بَنِي تَغْلِبَ الْعُشْرَ ، وَمِنْ نَصَارَى أَهْلِ الْكِتَابِ نِصْفَ الْعُشْرِ .\rوَهَذَا كَانَ بِالْعِرَاقِ ، وَاشْتَهَرَتْ هَذِهِ الْقِصَصُ وَلَمْ تُنْكَرْ ، فَكَانَتْ إجْمَاعًا ، وَعَمِلَ بِهِ الْخُلَفَاءُ بَعْدَهُ ، وَلَمْ يَأْتِ تَخْصِيصُ الْحِجَازِ بِنِصْفِ","part":21,"page":239},{"id":10239,"text":"الْعُشْرِ فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَحَادِيثِ عَلِمْنَاهُ ، لَا عَنْ عُمَرَ وَلَا عَنْ غَيْرِهِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، بَلْ ظَاهِرُ أَحَادِيثِهِمْ ، أَنَّ ذَلِكَ فِي غَيْرِ الْحِجَازِ ، وَمَا وَجَبَ مِنْ الْمَالِ فِي الْحِجَازِ وَجَبَ فِي غَيْرِهِ كَالدُّيُونِ وَالصَّدَقَاتِ .","part":21,"page":240},{"id":10240,"text":"( 7676 ) فَصْلٌ : وَلَا تُؤْخَذُ مِنْهُمْ فِي السَّنَةِ إلَّا مَرَّةً .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، فِي رِوَايَةِ جَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ .\rوَقَالَ : كَذَا رُوِيَ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيّ ، عَنْ عُمَرَ حِينَ كَتَبَ ، أَلَّا يَأْخُذَ فِي السَّنَةِ إلَّا مَرَّةً ، أَنْ يَأْخُذَ مِنْ الذِّمِّيِّ نِصْفَ الْعُشْرِ .\rوَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، فِي الدَّاخِلِينَ أَرْضَ الْحِجَازِ وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ ، بِإِسْنَادِهِ ، قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ نَصْرَانِيٌّ إلَى عُمَرَ ، فَقَالَ : إنَّ عَامِلَك عَشَرَنِي فِي السَّنَةِ مَرَّتَيْنِ .\rقَالَ : وَمَنْ أَنْتَ ؟ قَالَ : أَنَا الشَّيْخُ النَّصْرَانِيُّ .\rقَالَ عُمَرُ : وَأَنَا الشَّيْخُ الْحَنِيفُ .\rثُمَّ كَتَبَ إلَى عَامِلِهِ ، أَنْ لَا تَعْشِرُوا فِي السَّنَةِ إلَّا مَرَّةً .\rوَلِأَنَّ الْجِزْيَةَ وَالزَّكَاةَ إنَّمَا تُؤْخَذُ فِي السَّنَةِ مَرَّةً وَاحِدَةً ، فَكَذَلِكَ هَذَا .\rفَإِذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّهُ مَتَى أَخَذَ مِنْهُمْ ذَلِكَ مَرَّةً ، كَتَبَ لَهُمْ حُجَّةً بِأَدَائِهِمْ ؛ لِتَكُونَ وَثِيقَةً لَهُمْ ، وَحُجَّةً عَلَى مَنْ يَمُرُّونَ عَلَيْهِ ، فَلَا يَعْشِرُهُمْ ثَانِيَةً ، فَإِنْ مَرَّ ثَانِيَةً بِأَكْثَرَ مِنْ الْمَالِ الَّذِي أُخِذَ مِنْهُ ، أَخَذَ مِنْ الزِّيَادَةِ ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تُعْشَرْ .","part":21,"page":241},{"id":10241,"text":"فَصْلٌ : وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهُمْ مِنْ غَيْرِ مَالِ التِّجَارَةِ ، فَلَوْ مَرَّ بِالْعَاشِرِ مِنْهُمْ مُنْتَقِلٌ وَمَعَهُ أَمْوَالُهُ أَوْ سَائِمَةٌ ، لَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُ شَيْءٌ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، وَإِنْ كَانَتْ مَاشِيَتُهُ لِلتِّجَارَةِ أُخِذَ مِنْهُ نِصْفُ عُشْرِهَا .\rوَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ فِي الْقَدْرِ الَّذِي يُؤْخَذُ مِنْهُ نِصْفُ الْعُشْرِ ، فَرَوَى عَنْهُ صَالِحٌ ، مِنْ كُلِّ عِشْرِينَ دِينَارًا دِينَارٌ .\rيَعْنِي فَإِذَا نَقَصَتْ مِنْ الْعِشْرِينَ فَلَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ ، لِأَنَّ مَا دُونَ النِّصَابِ لَا تَجِبُ فِيهِ زَكَاةٌ عَلَى مُسْلِمٍ ، وَلَا عَلَى تَغْلِبِيٍّ ، فَلَا يَجِبُ فِيهِ عَلَى ذِمِّيٍّ شَيْءٌ ، كَاَلَّذِي دُونَ الْعَشَرَةِ .\rوَرَوَى صَالِحٌ أَيْضًا ، أَنَّهُ قَالَ : إذَا مَرُّوا بِالْعَاشِرِ ، فَإِنْ كَانُوا أَهْلَ الْحَرْبِ ، أَخَذَ مِنْهُمْ الْعُشْرَ ، مِنْ الْعَشَرَةِ وَاحِدًا ، وَإِنْ كَانُوا مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ أَخَذَ مِنْهُمْ نِصْفَ الْعُشْرِ ، مِنْ كُلِّ عِشْرِينَ دِينَارًا دِينَارًا ، فَإِذَا نَقَصَتْ فَلَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ وَإِنْ نَقَصَ مَالُ الْحَرْبِيِّ عَنْ عَشَرَةِ دَنَانِيرَ ، لَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُ شَيْءٌ ، وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهُمْ إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً ، الْمُسْلِمُ وَالذِّمِّيُّ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّ فِي الْعَشَرَةِ نِصْفَ مِثْقَالٍ ، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ الْعَشَرَةِ شَيْءٌ .\rنَصَّ عَلَى هَذَا ، فِي رِوَايَةِ أَبِي الْحَارِثِ ، قَالَ : قُلْت إذَا كَانَ مَعَ الذِّمِّيِّ عَشَرَةُ دَنَانِيرَ ؟ قَالَ : تَأْخُذُ مِنْهُ نِصْفَ دِينَارٍ .\rقُلْت : فَإِنْ كَانَ مَعَهُ أَقَلُّ مِنْ عَشَرَةِ دَنَانِيرَ ؟ قَالَ : إذَا نَقَصَتْ لَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُ شَيْءٌ .\rوَذَلِكَ لِأَنَّ الْعَشَرَةَ مَالٌ يَبْلُغُ وَاجِبُهُ نِصْفَ دِينَارٍ ، فَوَجَبَ فِيهِ ، كَالْعِشْرِينَ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ .\rأَوْ نَقُولُ : مَالٌ مَعْشُورٌ فَوَجَبَ فِي الْعَشَرَةِ مِنْهُ كَمَالِ الْحَرْبِيِّ .\rوَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ : يُؤْخَذُ عُشْرُ الْحَرْبِيِّ وَنِصْفُ عُشْرِ الذِّمِّيِّ ، مِنْ مَا قَلَّ أَوْ كَثُرَ ؛ لِأَنَّ عُمَرَ قَالَ : خُذْ مِنْ كُلِّ عِشْرِينَ دِرْهَمًا دِرْهَمًا .\rوَلِأَنَّهُ حَقٌّ عَلَيْهِ ، فَوَجَبَ فِي","part":21,"page":242},{"id":10242,"text":"قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ ، كَنَصِيبِ الْمَالِكِ فِي أَرْضِهِ الَّتِي عَامَلَهُ عَلَيْهَا .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ عُشْرٌ أَوْ نِصْفُ عُشْرٍ وَجَبَ بِالشَّرْعِ ، فَاعْتُبِرَ لَهُ نِصَابٌ ، كَزَكَاةِ الزَّرْعِ وَالثَّمَرِ ، وَلِأَنَّهُ حَقٌّ يَتَقَدَّرُ بِالْحَوْلِ ، فَاعْتُبِرَ لَهُ النِّصَابُ ، كَالزَّكَاةِ .\rوَأَمَّا قَوْلُ عُمَرَ ، فَالْمُرَادُ بِهِ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - بَيَانُ قَدْرِ الْمَأْخُوذِ ، وَأَنَّهُ نِصْفُ الْعُشْرِ ، وَمَعْنَاهُ إذَا كَانَ مَعَهُ عَشَرَةُ دَنَانِيرَ فَخُذْ مِنْ كُلِّ عِشْرِينَ دِرْهَمًا دِرْهَمًا ؛ لِأَنَّ فِي صَدْرِ الْحَدِيثِ أَنَّ عُمَرَ بَعَثَ مُصَدِّقًا ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ مِنْ كُلِّ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا دِرْهَمًا ، وَمِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ مِنْ كُلِّ عِشْرِينَ دِرْهَمًا دِرْهَمًا ، وَمِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ مِنْ كُلِّ عَشَرَةٍ وَاحِدًا .\rوَإِنَّمَا يُؤْخَذُ ذَلِكَ مِنْ الْمُسْلِمِ إذَا كَانَ مَعَهُ نِصَابٌ ، فَكَذَلِكَ مِنْ غَيْرِهِ .","part":21,"page":243},{"id":10243,"text":"( 7678 ) فَصْلٌ : وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ ، فِي الْعَاشِرِ يَمُرُّ عَلَيْهِ الذِّمِّيُّ بِخَمْرٍ أَوْ خِنْزِيرٍ ، فَقَالَ فِي مَوْضِعٍ : قَالَ عُمَرُ : وَلُّوهُمْ بَيْعَهَا .\rلَا يَكُونُ إلَّا عَلَى الْآخِذِ مِنْهَا .\rوَرَوَى بِإِسْنَادِهِ ، عَنْ سُوَيْد بْنِ غَفَلَةَ ، فِي قَوْلِ عُمَرَ : وَلُّوهُمْ بَيْعَ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ بِعُشْرِهَا .\rقَالَ أَحْمَدُ : إسْنَادٌ جَيِّدٌ .\rوَمِمَّنْ رَأَى ذَلِكَ مَسْرُوقٌ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ .\rوَوَافَقَهُمْ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ فِي الْخَمْرِ خَاصَّةً .\rوَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّ أَحْمَدَ نَصَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُؤْخَذُ مِنْهُمْ شَيْءٌ .\rوَبِهِ قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ ، وَأَبُو ثَوْرٍ .\rقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ : الْخَمْرُ لَا يَعْشِرُهَا مُسْلِمٌ .\rوَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ عُتْبَةَ بْنَ فَرْقَدٍ بَعَثَ إلَيْهِ بِأَرْبَعِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ صَدَقَةَ الْخَمْرِ ، فَكَتَبَ إلَيْهِ عُمَرُ : بَعَثْت إلَيَّ بِصَدَقَةِ الْخَمْرِ ، وَأَنْتَ أَحَقُّ بِهَا مِنْ الْمُهَاجِرِينَ .\rفَأَخْبَرَ بِذَلِكَ النَّاسَ ، وَقَالَ : وَاَللَّهِ لَا أَسْتَعْمِلَنك عَلَى شَيْءٍ بَعْدَهَا .\rقَالَ : فَنَزَعَهُ .\rقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : وَمَعْنَى قَوْلِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : وَلُّوهُمْ بَيْعَهَا ، وَخُذُوا أَنْتُمْ مِنْ الثَّمَنِ .\rأَنَّ الْمُسْلِمِينَ كَانُوا يَأْخُذُونَ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ الْخَمْرَ وَالْخَنَازِيرَ مِنْ جِزْيَتِهِمْ ، وَخَرَاجِ أَرْضِهِمْ بِقِيمَتِهَا ، ثُمَّ يَتَوَلَّى الْمُسْلِمُونَ بَيْعَهَا فَأَنْكَرَهُ عُمَرُ ، ثُمَّ رَخَّصَ لَهُمْ أَنْ يَأْخُذُوا مِنْ أَثْمَانِهَا ، إذَا كَانَ أَهْلُ الذِّمَّةِ الْمُتَوَلِّينَ بَيْعَهَا .\rوَرَوَى بِإِسْنَادِهِ عَنْ سُوَيْد بْنِ غَفَلَةَ ، أَنَّ بِلَالًا قَالَ لِعُمَرَ : إنَّ عُمَّالَك يَأْخُذُونَ الْخَمْرَ وَالْخَنَازِيرَ فِي الْخَرَاجِ .\rفَقَالَ : لَا تَأْخُذُوهَا مِنْهُمْ ، وَلَكِنْ وَلُّوهُمْ بَيْعَهَا ، وَخُذُوا أَنْتُمْ مِنْ الثَّمَنِ .","part":21,"page":244},{"id":10244,"text":"( 7679 ) فَصْلٌ : وَيَجُوزُ أَخْذُ ثَمَنِ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ مِنْهُمْ عَلَى جِزْيَةِ رُءُوسِهِمْ ، وَخَرَاجِ أَرْضِهِمْ ، احْتِجَاجًا بِقَوْلِ عُمَرَ هَذَا ؛ وَلِأَنَّهَا مِنْ أَمْوَالِهِمْ الَّتِي نُقِرُّهُمْ عَلَى اقْتِنَائِهَا وَالتَّصَرُّفِ فِيهَا ، فَجَازَ أَخْذُ أَثْمَانِهَا مِنْهُمْ ، كَثِيَابِهِمْ .","part":21,"page":245},{"id":10245,"text":"( 7680 ) فَصْلٌ : وَإِذَا مَرَّ الذِّمِّيُّ بِالْعَاشِرِ ، وَعَلَيْهِ دَيْنٌ بِقَدْرِ مَا مَعَهُ ، أَوْ يَنْقُصُ عَنْ النِّصَابِ ، فَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ ، أَنَّ ذَلِكَ يَمْنَعُ أَخْذَ نِصْفِ الْعُشْرِ مِنْهُ ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ يُعْتَبَرُ لَهُ النِّصَابُ وَالْحَوْلُ ، فَيَمْنَعُهُ الدَّيْنُ ، كَالزَّكَاةِ .\rفَإِنْ ادَّعَى أَنَّ عَلَيْهِ دَيْنًا ، لَمْ يُقْبَلْ ذَلِكَ إلَّا بِبَيِّنَةٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ مِنْهُ .\rوَإِنْ مَرَّ بِجَارِيَةٍ ، فَادَّعَى أَنَّهَا بِنْتُهُ أَوْ أُخْتُهُ ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، يُقْبَلُ قَوْلُهُ .\rقَالَ الْخَلَّالُ : وَهُوَ أَشْبَهُ الْقَوْلَيْنِ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ مِلْكِهِ فِيهَا .\rوَالثَّانِيَةُ ، لَا يُقْبَلُ ؛ إلَّا بِبَيِّنَةٍ لِأَنَّهَا فِي يَدِهِ ، فَأَشْبَهَتْ بَهِيمَتَهُ .","part":21,"page":246},{"id":10246,"text":"( 7681 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : وَإِذَا دَخَلَ إلَيْنَا مِنْهُمْ تَاجِرٌ حَرْبِيٌّ بِأَمَانٍ ، أُخِذَ مِنْهُ الْعُشْرُ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يُؤْخَذُ مِنْهُ شَيْءٌ ، إلَّا أَنْ يَكُونُوا يَأْخُذُونَ مِنَّا شَيْئًا ، فَنَأْخُذُ مِنْهُمْ مِثْلَهُ ، لِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ لَاحِقِ بْنِ حُمَيْدٍ ، قَالَ : قَالُوا لِعُمَرَ : كَيْفَ نَأْخُذُ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ إذَا قَدِمُوا عَلَيْنَا ؟ قَالَ : كَيْفَ يَأْخُذُونَ مِنْكُمْ إذَا دَخَلْتُمْ إلَيْهِمْ ؟ قَالُوا : الْعُشْرَ .\rقَالَ : فَكَذَلِكَ خُذُوا مِنْهُمْ .\r.\rوَعَنْ زِيَادِ بْنِ حُدَيْرٍ ، قَالَ : كُنَّا لَا نَعْشِرُ مُسْلِمًا وَلَا مُعَاهَدًا .\rقَالَ : مَنْ كُنْتُمْ تَعْشِرُونَ ؟ قَالَ : كُفَّارَ أَهْلِ الْحَرْبِ ، فَنَأْخُذُ مِنْهُمْ كَمَا يَأْخُذُونَ مِنَّا .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : إنْ دَخَلَ إلَيْنَا بِتِجَارَةٍ لَا يَحْتَاجُ إلَيْهَا الْمُسْلِمُونَ ، لَمْ يَأْذَنْ لَهُ الْإِمَامُ إلَّا بِعِوَضٍ يَشْرِطُهُ عَلَيْهِ ، وَمَهْمَا شَرَطَ جَازَ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَشْتَرِطَ الْعُشْرَ ، لِيُوَافِقَ فِعْلُهُ فِعْلَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَإِنْ أَذِنَ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ ، فَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَا يُؤْخَذُ مِنْهُمْ شَيْءٌ ، لِأَنَّهُ أَمَانٌ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ ، فَلَمْ يُسْتَحَقَّ بِهِ شَيْءٌ ، كَالْهُدْنَةِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يَجِبَ الْعُشْرُ ؛ لِأَنَّ عُمَرَ أَخَذَهُ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَيْنَاهُ فِي الْمَسْأَلَةِ الَّتِي قَبْلَهَا ، وَلِأَنَّ عُمَرَ أَخَذَ مِنْهُمْ الْعُشْرَ ، وَاشْتَهَرَ ذَلِكَ فِيمَا بَيْنَ الصَّحَابَةِ ، وَعَمِلَ بِهِ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ بَعْدَهُ ، وَالْأَئِمَّةُ بَعْدَهُ فِي كُلِّ عَصْرٍ ، مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ ، فَأَيُّ إجْمَاعٍ يَكُونُ أَقْوَى مِنْ هَذَا ؟ وَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُ شَرَطَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ عِنْدَ دُخُولِهِمْ ، وَلَا يَثْبُتُ ذَلِكَ بِالتَّخْمِينِ مِنْ غَيْرِ نَقْلٍ ، وَلِأَنَّ مُطْلَقَ الْأَمْرِ يُحْمَلُ عَلَى الْمَعْهُودِ فِي الشَّرْعِ ، وَقَدْ اسْتَمَرَّ أَخْذُ الْعُشْرِ مِنْهُمْ فِي زَمَنِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ ، فَيَجِبُ أَخْذُهُ .\rفَأَمَّا سُؤَالُ عُمَرَ عَمَّا يَأْخُذُونَ مِنَّا ، فَإِنَّمَا كَانَ لِأَنَّهُمْ سَأَلُوهُ عَنْ","part":21,"page":247},{"id":10247,"text":"كَيْفِيَّةِ الْأَخْذِ وَمِقْدَارِهِ ، ثُمَّ اسْتَمَرَّ الْأَخْذُ مِنْ غَيْرِ سُؤَالٍ ، وَلَوْ تَقَيَّدَ أَخْذُنَا مِنْهُمْ بِأَخْذِهِمْ مِنَّا ، لَوَجَبَ أَنْ يُسْأَلَ عَنْهُ فِي كُلِّ وَقْتٍ .","part":21,"page":248},{"id":10248,"text":"فَصْلٌ : وَيُؤْخَذُ مِنْهُمْ الْعُشْرُ مِنْ كُلِّ مَالٍ لِلتِّجَارَةِ ، فِي ظَاهِرِ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : إذَا دَخَلُوا فِي نَقْلِ مِيرَةٍ بِالنَّاسِ إلَيْهَا حَاجَةٌ ، أُذِنَ لَهُمْ فِي الدُّخُولِ بِغَيْرِ عُشْرٍ يُؤْخَذُ مِنْهُمْ .\rوَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ دُخُولَهُمْ نَفْعٌ لِلْمُسْلِمِينَ .\rوَلَنَا ، عُمُومُ مَا رَوَيْنَاهُ .\rوَرَوَى صَالِحٌ عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عُمَرَ ، أَنَّهُ كَانَ يَأْخُذُ مِنْ النَّبَطِ مِنْ الْقُطْنِيَّةِ الْعُشْرَ ، وَمِنْ الْحِنْطَةِ وَالزَّبِيبِ نِصْفَ الْعُشْرِ ، لِيَكْثُرَ الْحَمْلُ إلَى الْمَدِينَةِ .\rوَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يُخَفِّفُ عَنْهُمْ إذَا رَأَى الْمَصْلَحَةَ فِيهِ ، وَلَهُ التَّرْكُ أَيْضًا إذَا رَأَى الْمَصْلَحَةَ .","part":21,"page":249},{"id":10249,"text":"( 7683 ) فَصْلٌ : وَيُؤْخَذُ الْعُشْرُ مِنْ كُلِّ حَرْبِيٍّ تَاجِرٍ ، وَنِصْفُ الْعُشْرِ مِنْ كُلِّ ذِمِّيٍّ تَاجِرٍ ، سَوَاءٌ كَانَ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى ، أَوْ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا ، وَقَالَ الْقَاضِي : لَيْسَ عَلَى الْمَرْأَةِ عُشْرٌ وَلَا نِصْفُ عُشْرٍ ، سَوَاءٌ كَانَتْ حَرْبِيَّةً أَوْ ذِمِّيَّةً ، لَكِنْ إنْ دَخَلَتْ الْحِجَازَ عُشِرَتْ ؛ لِأَنَّهَا مَمْنُوعَةٌ مِنْ الْإِقَامَةِ بِهِ .\rوَلَا يُعْرَفُ هَذَا التَّفْصِيلُ عَنْ أَحْمَدَ ، وَلَا يَقْتَضِيه مَذْهَبُهُ ؛ لِأَنَّهُ يُوجِبُ الصَّدَقَةَ فِي أَمْوَالِ نِسَاءِ بَنِي تَغْلِبَ وَصِبْيَانِهِمْ ، فَكَذَلِكَ يُوجِبُ الْعُشْرَ أَوْ نِصْفَهُ فِي مَالِ النِّسَاءِ ، وَعُمُومُ الْأَحَادِيثِ الْمَرْوِيَّةِ لَيْسَ فِيهَا تَخْصِيصٌ لِلرِّجَالِ دُونَ النِّسَاءِ ، وَلَيْسَ هَذَا بِجِزْيَةٍ ، وَإِنَّمَا هُوَ حَقٌّ يَخْتَصُّ بِمَالِ التِّجَارَةِ ، لِتَوَسُّعِهِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ ، وَانْتِفَاعِهِ بِالتِّجَارَةِ فِيهَا ، فَيَسْتَوِي فِيهِ الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ ، كَالزَّكَاةِ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِينَ .","part":21,"page":250},{"id":10250,"text":"( 7684 ) فَصْلٌ : وَلَا يُعْشَرُونَ فِي السَّنَةِ إلَّا مَرَّةً ، وَلَا يُؤْخَذُ مِنْ أَقَلَّ مِنْ عَشَرَةِ دَنَانِيرَ .\rنَصَّ عَلَيْهِمَا أَحْمَدُ .\rوَحُكِيَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَامِدٍ ، أَنَّ الْحَرْبِيَّ يُعْشَرُ كَلَّمَا دَخَلَ إلَيْنَا .\rوَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّنَا لَوْ أَخَذْنَا مِنْهُ مَرَّةً وَاحِدَةً ، لَا نَأْمَنُ أَنْ يَدْخُلُوا ، فَإِذَا جَاءَ وَقْتُ السَّنَةِ الْأُخْرَى لَمْ يَدْخُلُوا ، فَتَعَذَّرَ الْأَخْذُ مِنْهُمْ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ حَقٌّ يُؤْخَذُ مِنْ التِّجَارَةِ ، فَلَا يُؤْخَذُ أَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ فِي السَّنَةِ ، كَالزَّكَاةِ ، وَنِصْفِ الْعُشْرِ مِنْ الذِّمِّيِّ .\rوَقَوْلُهُمْ : يَفُوتُ .\rغَيْرُ صَحِيحٍ ؛ فَإِنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْهُ أَوَّلَ مَا يَدْخُلُ مَرَّةً ، وَيَكْتُبُ الْآخِذُ لَهُ بِمَا أَخَذَ مِنْهُ ، فَلَا يُؤْخَذُ مِنْهُ شَيْءٌ حَتَّى تَمْضِيَ تِلْكَ السَّنَةُ ، فَإِذَا جَاءَ فِي الْعَامِ الثَّانِي ، أُخِذَ مِنْهُ ، فِي أَوَّلِ مَا يَدْخُلُ ، وَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ ، فَمَا فَاتَ مِنْ حَقِّ السَّنَةِ الْأُولَى شَيْءٌ .","part":21,"page":251},{"id":10251,"text":"( 7685 ) فَصْلٌ وَلَيْسَ لِأَهْلِ الْحَرْبِ دُخُولُ دَارِ الْإِسْلَامِ بِغَيْرِ أَمَانٍ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ أَنْ يَدْخُلَ جَاسُوسًا ، أَوْ مُتَلَصِّصًا ، فَيَضُرُّ بِالْمُسْلِمِينَ ، فَإِنْ دَخَلَ بِغَيْرِ أَمَانٍ ، سُئِلَ ، فَإِنْ قَالَ : جِئْت رَسُولًا .\rفَالْقَوْلُ قَوْلُهُ ؛ لِأَنَّهُ تَتَعَذَّرُ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَى ذَلِكَ ، وَلَمْ تَزَلْ الرُّسُلُ تَأْتِي مِنْ غَيْرِ تَقَدُّمِ أَمَانٍ .\rوَإِنْ قَالَ : جِئْت تَاجِرًا .\rنَظَرْنَا ؛ فَإِنْ كَانَ مَعَهُ مَتَاعٌ يَبِيعُهُ ، قُبِلَ قَوْلُهُ أَيْضًا ، وَحُقِنَ دَمُهُ ؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ جَارِيَةٌ بِدُخُولِ تُجَّارِهِمْ إلَيْنَا وَتُجَّارِنَا إلَيْهِمْ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ مَا يَتَّجِرُ بِهِ ، لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ ؛ لِأَنَّ التِّجَارَةَ لَا تُحَصَّلُ بِغَيْرِ مَالٍ .\rوَكَذَلِكَ مُدَّعِي الرِّسَالَةِ ، إذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ رِسَالَةٌ يُؤَدِّيهَا ، أَوْ كَانَ مِمَّنْ لَا يَكُونُ مِثْلُهُ رَسُولًا .\rوَإِنْ قَالَ : أَمَّنَنِي مُسْلِمٌ .\rفَهَلْ يُقْبَلُ مِنْهُ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، يُقْبَلُ ، تَغْلِيبًا لِحَقْنِ دَمِهِ ، كَمَا يُقْبَلُ مِنْ الرَّسُولِ وَالتَّاجِرِ .\rوَالثَّانِي ، لَا يُقْبَلُ ؛ لِأَنَّ إقَامَةَ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ مُمْكِنَةٌ .\rفَإِنْ قَالَ : مُسْلِمٌ : أَنَا أَمَّنْته .\rقُبِلَ قَوْلُهُ ؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ أَنْ يُؤَمِّنَهُ ، فَقُبِلَ قَوْلُهُ فِيهِ ، كَالْحَاكِمِ إذَا قَالَ : حَكَمْت لِفُلَانٍ عَلَى فُلَانٍ بِحَقٍّ .\rوَإِنْ كَانَ جَاسُوسًا ، خُيِّرَ الْإِمَامُ فِيهِ بَيْنَ أَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ ؛ كَالْأَسِيرِ .\rوَإِنْ كَانَ مِمَّنْ ضَلَّ الطَّرِيقَ ، أَوْ حَمَلَتْهُ الرِّيحُ إلَيْنَا فِي مَرْكَبٍ ، فَقَدْ ذَكَرْنَا حُكْمَهُ .","part":21,"page":252},{"id":10252,"text":"( 7686 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَمَنْ نَقَضَ الْعَهْدَ ، بِمُخَالَفَةِ شَيْءٍ مِمَّا صُولِحُوا عَلَيْهِ ، حَلَّ دَمُهُ وَمَالُهُ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ ، أَنَّهُ يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ عِنْدَ عَقْدِ الْهُدْنَةِ أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَيْهِمْ شُرُوطًا ، نَحْوَ مَا شَرَطَهُ عُمَرُ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .\rوَقَدْ رُوِيَتْ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، فِي ذَلِكَ أَخْبَارٌ ، مِنْهَا مَا رَوَاهُ الْخَلَّالُ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ، قَالُوا : كَتَبَ أَهْلُ الْجَزِيرَةِ إلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ : إنَّا حِينَ قَدِمْنَا مِنْ بِلَادِنَا ، طَلَبْنَا إلَيْك الْأَمَانَ لِأَنْفُسِنَا وَأَهْلِ مِلَّتِنَا ، عَلَى أَنَّا شَرَطْنَا لَك عَلَى أَنْفُسِنَا أَنْ لَا نُحْدِثَ فِي مَدِينَتِنَا كَنِيسَةً ، وَلَا فِيمَا حَوْلَهَا دَيْرًا ، وَلَا قلاية ، وَلَا صَوْمَعَةَ رَاهِبٍ وَلَا نُجَدِّدَ مَا خَرِبَ مِنْ كَنَائِسِنَا ، وَلَا مَا كَانَ مِنْهَا فِي خُطَطِ الْمُسْلِمِينَ ، وَلَا نَمْنَعَ كَنَائِسَنَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَنْزِلُوهَا فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ، وَأَنْ نُوَسِّعَ أَبْوَابَهَا لِلْمَارَّةِ وَابْنِ السَّبِيلِ ، وَلَا نُؤْوِيَ فِيهَا وَلَا فِي مَنَازِلِنَا جَاسُوسًا ، وَأَنْ لَا نَكْتُمَ أَمْرَ مَنْ غَشَّ الْمُسْلِمِينَ ، وَأَنْ لَا نَضْرِبَ نَوَاقِيسَنَا إلَّا ضَرْبًا خَفِيًّا فِي جَوْفِ كَنَائِسِنَا ، وَلَا نُظْهِرَ عَلَيْهَا صَلِيبًا ، وَلَا نَرْفَعَ أَصْوَاتَنَا فِي الصَّلَاةِ ، وَلَا الْقِرَاءَةِ فِي كَنَائِسِنَا فِيمَا يَحْضُرُهُ الْمُسْلِمُونَ ، وَلَا نُخْرِجَ صَلِيبَنَا وَلَا كِتَابَنَا فِي سُوقِ الْمُسْلِمِينَ ، وَأَلَّا نَخْرُجَ بَاعُوثًا وَلَا شَعَانِينَ ، وَلَا نَرْفَعَ أَصْوَاتَنَا مَعَ أَمْوَاتِنَا ، وَلَا نُظْهِرَ النِّيرَانَ مَعَهُمْ فِي أَسْوَاقِ الْمُسْلِمِينَ ، وَأَنْ لَا نُجَاوِرَهُمْ بِالْخَنَازِيرِ ، وَلَا نَبِيعَ الْخُمُورَ ، وَلَا نُظْهِرَ شِرْكًا ، وَلَا نَرْغَبَ فِي دِينِنَا ، وَلَا نَدْعُوَ إلَيْهِ أَحَدًا ، وَلَا نَتَّخِذَ شَيْئًا مِنْ الرَّقِيقِ الَّذِينَ جَرَتْ عَلَيْهِمْ سِهَامُ الْمُسْلِمِينَ ، وَأَنْ لَا نَمْنَعَ أَحَدًا مِنْ أَقْرِبَائِنَا إذَا","part":21,"page":253},{"id":10253,"text":"أَرَادَ الدُّخُولَ فِي الْإِسْلَامِ وَأَنْ نَلْزَمَ زِيَّنَا حَيْثُمَا كُنَّا ، وَأَنْ لَا نَتَشَبَّهَ بِالْمُسْلِمِينَ فِي لُبْسِ قَلَنْسُوَةٍ وَلَا عِمَامَةٍ وَلَا نَعْلَيْنِ ، وَلَا فَرْقِ شَعْرٍ ، وَلَا فِي مَوَاكِبِهِمْ ، وَلَا نَتَكَلَّمَ بِكَلَامِهِمْ ، وَإِنْ لَا نَتَكَنَّى بِكُنَاهُمْ ، وَأَنْ نَجُزَّ مَقَادِمَ رُءُوسِنَا ، وَلَا نَفْرِقَ نَوَاصِيَنَا ، وَنَشُدُّ الزَّنَانِيرَ عَلَى أَوْسَاطِنَا ، وَلَا نَنْقُشَ خَوَاتِيمَنَا بِالْعَرَبِيَّةِ ، وَلَا نَرْكَبَ السُّرُوجَ ، وَلَا نَتَّخِذَ شَيْئًا مِنْ السِّلَاحِ وَلَا نَحْمِلَهُ ، وَلَا نَتَقَلَّدَ السُّيُوفَ ، وَأَنْ نُوَقِّرَ الْمُسْلِمِينَ فِي مَجَالِسِهِمْ ، وَنُرْشِدَ الطَّرِيقَ ، وَنَقُومَ لَهُمْ عَنْ الْمَجَالِسَ إذَا أَرَادُوا الْمَجَالِسَ ، وَلَا نَطَّلِعَ عَلَيْهِمْ فِي مَنَازِلِهِمْ ، وَلَا نُعَلِّمَ أَوْلَادَنَا الْقُرْآنَ ، وَلَا يُشَارِكْ أَحَدٌ مِنَّا مُسْلِمًا فِي تِجَارَةٍ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ إلَى الْمُسْلِمِ أَمْرُ التِّجَارَةِ ، وَأَنْ نُضِيفَ كُلَّ مُسْلِمٍ عَابِرِ سَبِيلٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ، وَنُطْعِمَهُ مِنْ أَوْسَطِ مَا نَجِدُ ، ضَمِنَّا ذَلِكَ عَلَى أَنْفُسِنَا ، وَذَرَارِيِّنَا ، وَأَزْوَاجِنَا وَمَسَاكِنِنَا ، وَإِنْ نَحْنُ غَيَّرْنَا ، أَوْ خَالَفْنَا عَمَّا شَرَطْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا ، وَقَبِلْنَا الْأَمَانَ عَلَيْهِ فَلَا ذِمَّةَ لَنَا ، وَقَدْ حَلَّ لَك مِنَّا مَا يَحِلُّ لِأَهْلِ الْمُعَانَدَةِ وَالشِّقَاقِ .\rفَكَتَبَ بِذَلِكَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ غَنْمٍ إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَكَتَبَ لَهُمْ عُمَرُ : أَنْ أَمْضِ لَهُمْ مَا سَأَلُوهُ ، وَأَلْحِقْ فِيهِ حَرْفَيْنِ ، اشْتَرِطْ عَلَيْهِمْ مَعَ مَا شَرَطُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنْ لَا يَشْتَرُوا مِنْ سَبَايَانَا شَيْئًا ، وَمَنْ ضَرَبَ مُسْلِمًا عَمْدًا ، فَقَدْ خَلَعَ عَهْدَهُ .\rفَأَنْفَذَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ غَنْمٍ ذَلِكَ وَأَقَرَّ مَنْ أَقَامَ مِنْ الرُّومِ فِي مَدَائِنِ الشَّامِ عَلَى هَذَا الشَّرْطِ .\rفَهَذِهِ جُمْلَةُ شُرُوطِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَإِذَا صُولِحُوا عَلَيْهَا ، ثُمَّ نَقَضَ بَعْضُهُمْ شَيْئًا مِنْهَا ، فَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ أَنَّ عَهْدَهُ يَنْتَقِضُ بِهِ","part":21,"page":254},{"id":10254,"text":".\rوَهُوَ ظَاهِرُ مَا رَوَيْنَاهُ ؛ لِقَوْلِهِمْ فِي الْكِتَابِ : إنْ نَحْنُ خَالَفْنَا ، فَقَدْ حَلَّ لَك مَنَّا مَا يَحِلُّ لَك مِنْ أَهْلِ الْمُعَانَدَةِ وَالشِّقَاقِ .\rوَقَالَ عُمَرُ : وَمَنْ ضَرَبَ مُسْلِمًا عَمْدًا فَقَدْ خَلَعَ عَهْدَهُ .\rوَلِأَنَّهُ عَقْدٌ بِشَرْطٍ فَمَتَى لَمْ يُوجَدْ الشَّرْطُ ، زَالَ حُكْمُ الْعَقْدِ ، كَمَا لَوْ امْتَنَعَ مِنْ الْتِزَامِ الْأَحْكَامِ .\rوَذَكَرَ الْقَاضِي ، وَالشَّرِيفُ أَبُو جَعْفَرٍ ، أَنَّ الشُّرُوطَ قِسْمَانِ ؛ أَحَدُهُمَا يَنْتَقِضُ الْعَهْدُ بِمُخَالَفَتِهِ ، وَهُوَ أَحَدَ عَشَرَ شَيْئًا ؛ الِامْتِنَاعُ مِنْ بَذْلِ الْجِزْيَةِ ، وَجَرْيِ أَحْكَامِنَا عَلَيْهِمْ إذَا حَكَمَ بِهَا حَاكِمٌ ، وَالِاجْتِمَاعُ عَلَى قِتَالِ الْمُسْلِمِينَ ، وَالزِّنَى بِمُسْلِمَةٍ وَإِصَابَتُهَا بِاسْمِ نِكَاحٍ ، وَفَتْنُ مُسْلِمٍ عَنْ دِينِهِ ، وَقَطْعُ الطَّرِيقِ عَلَيْهِ ، وَقَتْلُهُ ، وَإِيوَاءُ جَاسُوسِ الْمُشْرِكِينَ ، وَالْمُعَاوَنَةُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ بِدَلَالَةِ الْمُشْرِكِينَ عَلَى عَوْرَاتِهِمْ أَوْ مُكَاتَبَتِهِمْ ، وَذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ كِتَابِهِ أَوْ دِينِهِ أَوْ رَسُولِهِ بِسُوءِ ، فَالْخَصْلَتَانِ الْأُولَيَانِ يَنْتَقِضُ الْعَهْدُ بِهِمَا بِلَا خِلَافٍ فِي الْمَذْهَبِ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rوَفِي مَعْنَاهُمَا قِتَالُهُمْ لِلْمُسْلِمِينَ مُنْفَرِدِينَ أَوْ مَعَ أَهْلِ الْحَرْبِ ؛ لِأَنَّ إطْلَاقَ الْأَمَانِ يَقْتَضِي ذَلِكَ ، فَإِذَا فَعَلُوهُ نَقَضُوا الْأَمَانَ ؛ لِأَنَّهُمْ إذَا قَاتَلُونَا ، لَزِمَنَا قِتَالُهُمْ ، وَذَلِكَ ضِدُّ الْأَمَانِ ، وَسَائِرُ الْخِصَالِ فِيهَا رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، أَنَّ الْعَهْدَ يُنْتَقَضُ بِهَا ، سَوَاءٌ شُرِطَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ أَوْ لَمْ يُشْتَرَطْ .\rوَظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ قَرِيبٌ مِنْ هَذَا .\rإلَّا أَنَّ مَا لَمْ يَشْتَرِطْ عَلَيْهِمْ ، لَا يَنْتَقِضُ الْعَهْدُ بِتَرْكِهِ ، مَا خَلَا الْخِصَالَ الثَّلَاثَ الْأُولَى ، فَإِنَّهُ يَتَعَيَّنُ شَرْطُهَا ، وَيَنْتَقِضُ الْعَهْدُ بِتَرْكِهَا بِكُلِّ حَالٍ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَنْتَقِضُ الْعَهْدُ إلَّا بِالِامْتِنَاعِ مِنْ الْإِمَامِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَتَعَذَّرُ مَعَهُ أَخْذُ الْجِزْيَةِ","part":21,"page":255},{"id":10255,"text":"مِنْهُمْ .\rوَلَنَا ، مَعَ مَا ذَكَرْنَاهُ ، مَا رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ رُفِعَ إلَيْهِ رَجُلٌ قَدْ أَرَادَ اسْتِكْرَاهَ امْرَأَةٍ مُسْلِمَةٍ عَلَى الزِّنَا ، فَقَالَ : مَا عَلَى هَذَا صَالَحْنَاكُمْ .\rوَأَمَرَ بِهِ فَصُلِبَ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ .\rوَلِأَنَّ فِيهِ ضَرَرًا عَلَى الْمُسْلِمِينَ ، فَأَشْبَهَ الِامْتِنَاعَ مِنْ بَذْلِ الْجِزْيَةِ .\rوَكُلُّ مَوْضِعٍ قُلْنَا : لَا يُنْتَقَضُ عَهْدُهُ .\rفَإِنَّهُ إنْ فَعَلَ مَا فِيهِ حَدٌّ أُقِيمَ عَلَيْهِ حَدُّهُ أَوْ قِصَاصُهُ ، وَإِنْ لَمْ يُوجِبْ حَدًّا ، عُزِّرَ وَيُفْعَلُ بِهِ مَا يَنْكَفُ بِهِ أَمْثَالُهُ عَنْ فِعْلِهِ .\rفَإِنْ أَرَادَ أَحَدٌ مِنْهُمْ فِعْلَ ذَلِكَ كُفَّ عَنْهُ ، فَإِنْ مَانَعَ بِالْقِتَالِ نُقِضَ عَهْدُهُ .\rوَمَنْ حَكَمْنَا بِنَقْضِ عَهْدِهِ مِنْهُمْ ، خُيِّرَ الْإِمَامُ فِيهِ بَيْنَ أَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ ؛ الْقَتْلُ ، وَالِاسْتِرْقَاقُ ، وَالْفِدَاءُ ، وَالْمَنُّ ، كَالْأَسِيرِ الْحَرْبِيِّ ؛ لِأَنَّهُ كَافِرٌ قَدَرْنَا عَلَيْهِ فِي دَارِنَا بِغَيْرِ عَهْدٍ وَلَا عَقْدٍ ، وَلَا شُبْهَةِ ذَلِكَ ، فَأَشْبَهَ اللِّصَّ الْحَرْبِيَّ .\rوَيَخْتَصُّ ذَلِكَ بِهِ دُونَ ذُرِّيَّتِهِ ؛ لِأَنَّ النَّقْضَ إنَّمَا وُجِدَ مِنْهُ دُونَهُمْ ، فَاخْتَصَّ بِهِ ، كَمَا لَوْ أَتَى مَا يُوجِبُ حَدًّا أَوْ تَعْزِيرًا .","part":21,"page":256},{"id":10256,"text":"( 7687 ) فَصْلٌ : أَمْصَارُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ ؛ أَحَدُهَا ، مَا مَصَّرَهُ الْمُسْلِمُونَ ، كَالْبَصْرَةِ وَالْكُوفَةِ وَبَغْدَادَ وَوَاسِطَ ، فَلَا يَجُوزُ فِيهِ إحْدَاثُ كَنِيسَةٍ وَلَا بِيعَةٍ وَلَا مُجْتَمَعٍ لِصَلَاتِهِمْ ، وَلَا يَجُوزُ صُلْحُهُمْ عَلَى ذَلِكَ ، بِدَلِيلِ مَا رُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ ، قَالَ : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : أَيُّمَا مِصْرٍ مَصَّرَتْهُ الْعَرَبُ ، فَلَيْسَ لِلْعَجَمِ أَنْ يَبْنُوا فِيهِ بِيعَةً ، وَلَا يَضْرِبُوا فِيهِ نَاقُوسًا ، وَلَا يُشْرِبُوا فِيهِ خَمْرًا ، وَلَا يَتَّخِذُوا فِيهِ خِنْزِيرًا .\rرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ، وَاحْتَجَّ بِهِ .\rوَلِأَنَّ هَذَا الْبَلَدَ مِلْكٌ لِلْمُسْلِمِينَ ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَبْنُوا فِيهِ مَجَامِعَ لِلْكُفْرِ .\rوَمَا وُجِدَ فِي هَذِهِ الْبِلَادِ مِنْ الْبِيَعِ وَالْكَنَائِسِ ، مِثْلُ كَنِيسَةِ الرُّومِ فِي بَغْدَادَ ، فَهَذِهِ كَانَتْ فِي قُرَى أَهْلِ الذِّمَّةِ ، فَأُقِرَّتْ عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ .\rالْقِسْمُ الثَّانِي ، مَا فَتَحَهُ الْمُسْلِمُونَ عَنْوَةً ، فَلَا يَجُوزُ إحْدَاثُ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فِيهِ ؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ مِلْكًا لِلْمُسْلِمِينَ ، وَمَا كَانَ فِيهِ مِنْ ذَلِكَ فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، يَجِبُ هَدْمُهُ ، وَتَحْرُمُ تَبْقِيَتُهُ ؛ لِأَنَّهَا بِلَادٌ مَمْلُوكَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ تَكُونَ فِيهَا بِيعَةٌ ، كَالْبِلَادِ الَّتِي اخْتَطَّهَا الْمُسْلِمُونَ .\rوَالثَّانِي يَجُوزُ ؛ لِأَنَّ فِي حَدِيثِ ابْنَ عَبَّاسٍ : أَيُّمَا مِصْرٍ مَصَّرَتْهُ الْعَجَمُ ، فَفَتَحَهُ اللَّهُ عَلَى الْعَرَبِ ، فَنَزَلُوهُ ، فَإِنَّ لِلْعَجَمِ مَا فِي عَهْدِهِمْ .\rوَلِأَنَّ الصَّحَابَةَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، فَتَحُوا كَثِيرًا مِنْ الْبِلَادِ عَنْوَةً ، فَلَمْ يَهْدِمُوا شَيْئًا مِنْ الْكَنَائِسِ .\rوَيَشْهَدُ لِصِحَّةِ هَذَا ، وُجُودُ الْكَنَائِسِ وَالْبِيَعِ فِي الْبِلَادِ الَّتِي فُتِحَتْ عَنْوَةً ، وَمَعْلُومٌ أَنَّهَا مَا أَحْدَثَتْ ، فَيَلْزَمُ أَنْ تَكُونَ مَوْجُودَةً فَأُبْقِيَتْ .\rوَقَدْ كَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إلَى عُمَّالِهِ ، أَنْ لَا يَهْدِمُوا بِيعَةً وَلَا كَنِيسَةً وَلَا بَيْت نَارٍ .","part":21,"page":257},{"id":10257,"text":"وَلِأَنَّ الْإِجْمَاعَ قَدْ حَصَلَ عَلَى ذَلِكَ ، فَإِنَّهَا مَوْجُودَةٌ فِي بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ .\rالْقِسْمُ الثَّالِثُ مَا فُتِحَ صُلْحًا ، وَهُوَ نَوْعَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، أَنْ يُصَالِحَهُمْ عَلَى أَنَّ الْأَرْضَ لَهُمْ ، وَلَنَا الْخَرَاجُ عَنْهَا ، فَلَهُمْ إحْدَاثُ مَا يَحْتَاجُونَ فِيهَا ؛ لِأَنَّ الدَّارَ لَهُمْ وَالثَّانِي ، أَنْ يُصَالِحَهُمْ عَلَى أَنَّ الدَّارَ لِلْمُسْلِمِينَ ، وَيُؤَدُّونَ الْجِزْيَةَ إلَيْنَا ، فَالْحُكْمُ فِي الْبِيَعِ وَالْكَنَائِسِ عَلَى مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الصُّلْحُ مَعَهُمْ ، مِنْ إحْدَاثِ ذَلِكَ ، وَعِمَارَتِهِ ؛ لِأَنَّهُ إذَا جَازَ أَنْ يَقَعَ الصُّلْحُ مَعَهُمْ عَلَى أَنَّ الْكُلَّ لَهُمْ ، جَازَ أَنْ يُصَالَحُوا عَلَى أَنْ يَكُونَ بَعْضُ الْبَلَدِ لَهُمْ ، وَيَكُونَ مَوْضِعُ الْكَنَائِسِ وَالْبِيَعِ مُعَيَّنًا وَالْأَوْلَى أَنْ يُصَالِحَهُمْ عَلَى مَا صَالَحَهُمْ عَلَيْهِ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَيَشْتَرِطَ عَلَيْهِمْ الشُّرُوطَ الْمَذْكُورَةَ فِي كِتَابِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ ، أَنْ لَا يُحْدِثُوا بِيعَةً ، وَلَا كَنِيسَةً ، وَلَا صَوْمَعَةَ رَاهِبٍ ، وَلَا قلاية .\rوَإِنْ وَقَعَ الصُّلْحُ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ ، حُمِلَ عَلَى مَا وَقَعَ عَلَيْهِ صُلْحُ عُمَرَ ، وَأُخِذُوا بِشُرُوطِهِ .\rفَأَمَّا الَّذِينَ صَالَحَهُمْ عُمَرُ ، وَعَقَدَ مَعَهُمْ الذِّمَّةَ ، فَهُمْ عَلَى مَا فِي كِتَابِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ ، مَأْخُوذُونَ بِشُرُوطِهِ كُلِّهَا وَمَا وُجِدَ فِي بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ الْكَنَائِسِ وَالْبِيَعِ ، فَهِيَ عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ فِي زَمَنِ فَاتِحِيهَا وَمَنْ بَعْدَهُمْ ، وَكُلُّ مَوْضِعٍ قُلْنَا : يَجُوزُ إقْرَارُهَا .\rلَمْ يَجُزْ هَدْمُهَا ، وَلَهُمْ رَمُّ مَا تَشَعَّثَ مِنْهَا ، وَإِصْلَاحُهَا ؛ لِأَنَّ الْمَنْعَ مِنْ ذَلِكَ يُفْضِي إلَى خَرَابِهَا وَذَهَابِهَا ، فَجَرَى مَجْرَى هَدْمِهَا .\rوَإِنْ وَقَعَتْ كُلُّهَا ، لَمْ يَجُزْ بِنَاؤُهَا .\rوَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ يَجُوزُ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ بِنَاءٌ لِمَا اسْتَهْدَمَ فَأَشْبَهَ بِنَاءَ بَعْضِهَا إذَا انْهَدَمَ","part":21,"page":258},{"id":10258,"text":"وَرَمِّ شَعْثِهَا ، وَلِأَنَّ اسْتِدَامَتَهَا جَائِزَةٌ وَبِنَاؤُهَا كَاسْتِدَامَتِهَا .\rوَحَمَلَ الْخَلَّالُ قَوْلَ أَحْمَدَ : لَهُمْ أَنْ يَبْنُوا مَا انْهَدَمَ مِنْهَا .\rأَيْ إذَا انْهَدَمَ بَعْضُهَا ، وَمَنْعَهُ مِنْ بِنَاءِ مَا انْهَدَمَ ، عَلَى مَا إذَا انْهَدَمَتْ كُلُّهَا ، فَجَمَعَ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ فِي كِتَابِ أَهْلِ الْجَزِيرَةِ لِعِيَاضِ بْنِ غَنْمٍ : وَلَا نُجَدِّدَ مَا خَرِبَ مِنْ كَنَائِسِنَا .\rوَرَوَى كَثِيرُ بْنُ مُرَّةَ ، قَالَ : سَمِعْت عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ قَالَ : رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا تُبْنَى الْكَنِيسَةُ فِي الْإِسْلَامِ وَلَا يُجَدَّدُ مَا خَرِبَ مِنْهَا } .\rوَلِأَنَّ هَذَا بِنَاءُ كَنِيسَةٍ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ ، فَلَمْ يَجُزْ ، كَمَا لَوْ اُبْتُدِئَ بِنَاؤُهَا .\rوَفَارَقَ رَمَّ شَعْثِهَا ؛ فَإِنَّهُ إبْقَاءٌ وَاسْتِدَامَةٌ ، وَهَذَا إحْدَاثٌ .","part":21,"page":259},{"id":10259,"text":"( 7688 ) فَصْلٌ : وَمَنْ اسْتَحْدَثَ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ بِنَاءً ، لَمْ يَجُزْ لَهُ مَنْعُهُ حَتَّى يَكُونَ أَطْوَلَ مِنْ بِنَاءِ الْمُسْلِمِينَ الْمُجَاوِرِينَ لَهُ ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { الْإِسْلَامُ يَعْلُو وَلَا يُعْلَى } .\rوَلِأَنَّ فِي ذَلِكَ رُتْبَةً عَلَى الْمُسْلِمِينَ ، وَأَهْلُ الذِّمَّةِ مَمْنُوعُونَ مِنْ ذَلِكَ ، وَلِهَذَا يُمْنَعُونَ مِنْ صُدُورِ الْمَجَالِسِ ، وَيَلْجَئُونَ إلَى أَضْيَقِ الطُّرُقِ .\rوَلَا يُمْنَعُ مِنْ تَعْلِيَةِ بِنَائِهِ عَلَى مَنْ لَيْسَ بِمُجَاوِرٍ لَهُ ؛ لِأَنَّ عُلُوَّهَا إنَّمَا يَكُونُ ضَرَرًا عَلَى الْمُجَاوِرِ لَهَا ، دُونَ غَيْرِهِ .\rوَفِي جَوَازِ مُسَاوَاةِ الْمُسْلِمِينَ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، الْجَوَازُ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُسْتَطِيلٍ عَلَى الْمُسْلِمِينَ .\rوَالثَّانِي ، الْمَنْعُ ؛ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { الْإِسْلَامُ يَعْلُو وَلَا يُعْلَى } .\rوَلِأَنَّهُمْ مُنِعُوا مِنْ مُسَاوَاةِ الْمُسْلِمِينَ فِي لِبَاسِهِمْ وَشُعُورِهِمْ وَرُكُوبِهِمْ ، كَذَلِكَ فِي بِنَائِهِمْ ، فَإِنْ كَانَ لِلذِّمِّيِّ دَارٌ عَالِيَةٌ ، فَمَلَكَ الْمُسْلِمُ دَارًا إلَى جَانِبِهَا ، أَوْ بَنَى الْمُسْلِمُ إلَى جَانِبِ دَارِ ذِمِّيٍّ دَارًا دُونَهَا ، أَوْ اشْتَرَى ذِمِّيٌّ دَارًا عَالِيَةً لِمُسْلِمٍ ، فَلَهُ سُكْنَى دَارِهِ ، وَلَا يَلْزَمُهُ هَدْمُهَا ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُعْلِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ شَيْئًا .\rفَإِنْ انْهَدَمَتْ دَارُهُ الْعَالِيَةُ ، ثُمَّ جَدَّدَ بِنَاءَهَا ، لَمْ يَجُزْ لَهُ تَعْلِيَتُهُ عَلَى بِنَاءِ الْمُسْلِمِينَ .\rوَإِنْ انْهَدَمَ مَا عَلَا مِنْهَا ، لَمْ تَكُنْ لَهُ إعَادَتُهُ .\rوَإِنْ تَشَعَّثَ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَمْ يَنْهَدِمْ ، فَلَهُ رَمُّهُ وَإِصْلَاحُهُ ؛ لِأَنَّهُ مَلَكَ اسْتِدَامَتَهُ ، فَمَلَكَ رَمَّ شَعْثِهِ ، كَالْكَنِيسَةِ .","part":21,"page":260},{"id":10260,"text":"( 7689 ) فَصْلٌ : وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ سُكْنَى الْحِجَازِ .\rوَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ .\rإلَّا أَنَّ مَالِكًا قَالَ : أَرَى أَنْ يُجْلَوْا مِنْ أَرْضِ الْعَرَبِ كُلِّهَا ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { لَا يَجْتَمِعُ دِينَانِ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ } .\rوَرَوَى أَبُو دَاوُد ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ عُمَرَ ، أَنَّهُ { سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : لَأُخْرِجَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ ، فَلَا أَتْرُكُ فِيهَا إلَّا مُسْلِمًا } .\rقَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ .\rوَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : { أَوْصَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ ، قَالَ : أَخْرِجُوا الْمُشْرِكِينَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ ، وَأَجِيزُوا الْوَفْدَ بِنَحْوِ مَا كُنْت أُجِيزُهُمْ } .\rوَسَكَتَ عَنْ الثَّالِثِ .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَجَزِيرَةُ الْعَرَبِ مَا بَيْنَ الْوَادِي إلَى أَقْصَى الْيَمَنِ .\rقَالَهُ سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ .\rوَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ وَأَبُو عُبَيْدٍ : هِيَ مِنْ رِيفِ الْعِرَاقِ إلَى عَدَنَ طُولًا ، وَمِنْ تِهَامَةَ وَمَا وَرَاءَهَا إلَى أَطْرَافِ الشَّامِ عَرْضًا .\rوَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ : هِيَ مِنْ حَفْرِ أَبِي مُوسَى إلَى الْيَمَنِ طُولًا ، وَمِنْ رَمْلِ تِبْرِينَ إلَى مُنْقَطِعِ السَّمَاوَةِ عَرْضًا .\rقَالَ الْخَلِيلُ : إنَّمَا قِيلَ لَهَا جَزِيرَةٌ ؛ لِأَنَّ بَحْرَ الْحَبَشِ وَبَحْرَ فَارِسَ وَالْفُرَاتَ قَدْ أَحَاطَتْ بِهَا ، وَنُسِبَتْ إلَى الْعَرَبِ ، لِأَنَّهَا أَرْضُهَا وَمَسْكَنُهَا وَمَعْدِنُهَا .\rوَقَالَ أَحْمَدُ : جَزِيرَةُ الْعَرَبِ الْمَدِينَةُ وَمَا وَالَاهَا .\rيَعْنِي أَنَّ الْمَمْنُوعَ مِنْ سُكْنَى الْكُفَّارِ الْمَدِينَةُ وَمَا وَالَاهَا ، وَهُوَ مَكَّةُ وَالْيَمَامَةُ ، وَخَيْبَرُ وَالْيَنْبُعُ وَفَدَكُ وَمَخَالِيفُهَا ، وَمَا وَالَاهَا .\rوَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يُجْلَوْا مِنْ تَيْمَاءَ ، وَلَا مِنْ الْيَمَنِ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ ، أَنَّهُ قَالَ : { إنَّ آخِرَ مَا تَكَلَّمَ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ","part":21,"page":261},{"id":10261,"text":"وَسَلَّمَ .\rأَنَّهُ قَالَ : أَخْرِجُوا الْيَهُودَ مِنْ الْحِجَازِ } .\rفَأَمَّا إخْرَاجُ أَهْلِ نَجْرَانَ مِنْهُ ، فَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَالَحَهُمْ عَلَى تَرْكِ الرِّبَا ، فَنَقَضُوا عَهْدَهُ .\rفَكَأَنَّ جَزِيرَةَ الْعَرَبِ فِي تِلْكَ الْأَحَادِيثِ أُرِيدَ بِهَا الْحِجَازُ ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ حِجَازًا ، لِأَنَّهُ حَجَزَ بَيْنَ تِهَامَةَ وَنَجْدٍ .\rوَلَا يُمْنَعُونَ أَيْضًا مِنْ أَطْرَافِ الْحِجَازِ ، كَتَيْمَاءَ وَفَيْدَ وَنَحْوِهِمَا ؛ لِأَنَّ عُمَرَ لَمْ يَمْنَعْهُمْ مِنْ ذَلِكَ .","part":21,"page":262},{"id":10262,"text":"( 7690 ) فَصْلٌ : وَيَجُوزُ لَهُمْ دُخُولُ الْحِجَازِ لِلتِّجَارَةِ ؛ لِأَنَّ النَّصَارَى كَانُوا يَتَّجِرُونَ إلَى الْمَدِينَةِ فِي زَمَنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَتَاهُ شَيْخٌ بِالْمَدِينَةِ ، فَقَالَ : أَنَا الشَّيْخُ النَّصْرَانِيُّ ، وَإِنَّ عَامِلَك عَشَرَنِي مَرَّتَيْنِ .\rفَقَالَ عُمَرُ : وَأَنَا الشَّيْخُ الْحَنِيفُ .\rوَكَتَبَ لَهُ عُمَرُ ، أَنْ لَا يُعْشَرُوا فِي السَّنَةِ إلَّا مَرَّةً .\rوَلَا يَأْذَنُ لَهُمْ فِي الْإِقَامَةِ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ - عَلَى مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ثُمَّ يَنْتَقِلُ عَنْهُ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : يُقِيمُ أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ حَدَّ مَا يُتِمُّ الْمُسَافِرُ الصَّلَاةَ .\rوَالْحُكْمُ فِي دُخُولِهِمْ إلَى الْحِجَازِ فِي اعْتِبَارِ الْإِذْنِ ، كَالْحُكْمِ فِي دُخُولِ أَهْلِ الْحَرْبِ دَارَ الْإِسْلَامِ .\rوَإِذَا مَرِضَ بِالْحِجَازِ ، جَازَتْ لَهُ الْإِقَامَةُ ، لِأَنَّهُ يَشُقُّ الِانْتِقَالُ عَلَى الْمَرِيضِ ، وَتَجُوزُ الْإِقَامَةُ لِمَنْ يُمَرِّضُهُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَغْنِي عَنْهُ .\rوَإِنْ كَانَ لَهُ دَيْنٌ عَلَى أَحَدٍ وَكَانَ حَالًّا ، أُجْبِرَ غَرِيمُهُ عَلَى وَفَائِهِ فَإِنْ تَعَذَّرَ وَفَاؤُهُ لِمَطْلٍ ، أَوْ تَغَيَّبَ عَنْهُ ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُمَكِّنَ مِنْ الْإِقَامَةِ ، لِيَسْتَوْفِيَ دِينَهُ ؛ لِأَنَّ التَّعَدِّيَ مِنْ غَيْرِهِ ، وَفِي إخْرَاجِهِ ذَهَابُ مَالِهِ .\rوَإِنْ كَانَ الدَّيْنُ مُؤَجَّلًا ، لَمْ يُمَكَّنْ مِنْ الْإِقَامَةِ ، وَيُوَكِّلُ مَنْ يَسْتَوْفِيه لَهُ ؛ لِأَنَّ التَّفْرِيطَ مِنْهُ ، وَإِنْ دَعَتْ الْحَاجَةُ إلَى الْإِقَامَةِ لِيَبِيعَ بِضَاعَتَهُ ، احْتَمَلَ أَنْ يَجُوزَ ؛ لِأَنَّ فِي تَكْلِيفِهِ تَرْكَهَا أَوْ حَمْلَهَا مَعَهُ ضَيَاعَ مَالِهِ ، وَذَلِكَ مِمَّا يَمْنَعُ مِنْ الدُّخُولِ بِالْبَضَائِعِ إلَى الْحِجَازِ ، فَتَفُوتُ مَصْلَحَتُهُمْ ، وَتَلْحَقُهُمْ الْمَضَرَّةُ ، بِانْقِطَاعِ الْجَلَبِ عَنْهُمْ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يُمْنَعُ مِنْ الْإِقَامَةِ ؛ لِأَنَّ لَهُ مِنْ الْإِقَامَةِ بُدًّا .\rفَإِنْ أَرَادَ الِانْتِقَالَ إلَى مَكَان آخَرَ مِنْ الْحِجَازِ ، جَازَ ، وَيُقِيمُ فِيهِ أَيْضًا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ، أَوْ أَرْبَعَةً ، عَلَى الْخِلَافِ فِيهِ ،","part":21,"page":263},{"id":10263,"text":"وَكَذَلِكَ إذَا انْتَقَلَ مِنْهُ إلَى مَكَان آخَرَ ، جَازَ ، وَلَوْ حَصَلَتْ الْإِقَامَةُ فِي الْجَمِيعِ شَهْرًا .\rوَإِذَا مَاتَ بِالْحِجَازِ دُفِنَ بِهِ ؛ لِأَنَّهُ يَشُقُّ نَقْلُهُ ، وَإِذَا جَازَتْ الْإِقَامَةُ لِلْمَرِيضِ ، فَدَفْنُ الْمَيِّتِ أَوْلَى .","part":21,"page":264},{"id":10264,"text":"( 7691 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا الْحَرَمُ ، فَلَيْسَ لَهُمْ دُخُولُهُ بِحَالٍ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَهُمْ دُخُولُهُ كَالْحِجَازِ كُلِّهِ ، وَلَا يَسْتَوْطِنُونَ بِهِ ، وَلَهُمْ دُخُولُ الْكَعْبَةِ وَالْمَنْعُ مِنْ الِاسْتِيطَانِ لَا يَمْنَعُ الدُّخُولَ وَالتَّصَرُّفَ ، كَالْحِجَازِ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { إنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا } .\rوَالْمُرَادُ بِهِ الْحَرَمُ ، بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى : { وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً } يُرِيدُ : ضَرَرًا بِتَأْخِيرِ الْجَلْبِ عَنْ الْحَرَمِ دُونَ الْمَسْجِدِ .\rوَيَجُوزُ تَسْمِيَةُ الْحَرَمِ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ ، بِدَلِيلِ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى { سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى } .\rوَإِنَّمَا أُسْرِيَ بِهِ مِنْ بَيْتِ أُمِّ هَانِئٍ مِنْ خَارِجِ الْمَسْجِدِ .\rوَيُخَالِفُ الْحِجَازَ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مَنَعَ مِنْهُ مَعَ إذْنِهِ فِي الْحِجَازِ ، فَإِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ وَالْيَهُودُ بِخَيْبَرَ وَالْمَدِينَةِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ الْحِجَازِ ، وَلَمْ يُمْنَعُوا مِنْ الْإِقَامَةِ بِهِ ، وَأَوَّلُ مَنْ أَجْلَاهُمْ عُمَرُ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .\rوَلِأَنَّ الْحَرَمَ أَشْرَفُ ، لِتَعَلُّقِ النُّسُكِ بِهِ ، وَيَحْرُمُ صَيْدُهُ وَشَجَرُهُ وَالْمُلْتَجِئُ إلَيْهِ ، فَلَا يُقَاسُ غَيْرُهُ عَلَيْهِ .\rفَإِنْ أَرَادَ كَافِرٌ الدُّخُولَ إلَيْهِ ، مُنِعَ مِنْهُ .\rفَإِنْ كَانَتْ مَعَهُ مِيرَةٌ أَوْ تِجَارَةٌ ، خَرَجَ إلَيْهِ مَنْ يَشْتَرِي مِنْهُ ، وَلَمْ يُتْرَكْ هُوَ يَدْخُلُ .\rوَإِنْ كَانَ رَسُولًا إلَى إمَامٍ بِالْحَرَمِ ، خَرَجَ إلَيْهِ مَنْ يَسْمَعُ رِسَالَتَهُ ، وَيُبَلِّغُهَا إيَّاهُ .\rفَإِنْ قَالَ : لَا بُدَّ لِي مِنْ لِقَاءِ الْإِمَامِ ، وَكَانَتْ الْمَصْلَحَةُ فِي ذَلِكَ ، خَرَجَ إلَيْهِ الْإِمَامُ ، وَلَمْ يَأْذَنْ لَهُ فِي الدُّخُولِ ، فَإِنْ دَخَلَ الْحَرَمَ عَالِمًا بِالْمَنْعِ عُزِّرَ ، وَإِنْ دَخَلَ جَاهِلًا ، نُهِيَ وَهُدِّدَ .\rفَإِنْ مَرِضَ بِالْحَرَمِ أَوْ مَاتَ ، أُخْرِجَ وَلَمْ يُدْفَنْ بِهِ ؛ لِأَنَّ حُرْمَةَ الْحَرَمِ أَعْظَمُ .","part":21,"page":265},{"id":10265,"text":"وَيُفَارِقُ الْحِجَازَ مِنْ وَجْهَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، أَنَّ دُخُولَهُ إلَى الْحَرَمِ حَرَامٌ ، وَإِقَامَتَهُ بِهِ حَرَامٌ ، بِخِلَافِ الْحِجَازِ .\rوَالثَّانِي ، أَنَّ خُرُوجَهُ مِنْ الْحَرَمِ سَهْلٌ مُمْكِنٌ ، لِقُرْبِ الْحِلِّ مِنْهُ ، وَخُرُوجَهُ مِنْ الْحِجَازِ فِي مَرَضِهِ صَعْبٌ مُمْتَنِعٌ .\rوَإِنْ دُفِنَ ، نُبِشَ وَأُخْرِجَ ، إلَّا أَنْ يَصْعُبَ إخْرَاجُهُ ؛ لِنَتِنِهِ وَتَقَطُّعِهِ .\rوَإِنْ صَالَحَهُمْ الْإِمَامُ عَلَى دُخُولِ الْحَرَمِ بِعِوَضٍ ، فَالصُّلْحُ بَاطِلٌ .\rفَإِنْ دَخَلُوا إلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي صَالَحَهُمْ عَلَيْهِ ، لَمْ يُرَدَّ عَلَيْهِمْ الْعِوَضُ ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ اسْتَوْفُوا مَا صَالَحَهُمْ عَلَيْهِ .\rوَإِنْ وَصَلُوا إلَى بَعْضِهِ ، أُخِذَ مِنْ الْعِوَضِ بِقَدْرِهِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرَدَّ عَلَيْهِمْ بِكُلِّ حَالٍ ؛ لِأَنَّ مَا اسْتَوْفَوْا لَا قِيمَةَ لَهُ ، وَالْعَقْدُ لَمْ يُوجِبْ الْعِوَضَ ، لِكَوْنِهِ بَاطِلًا .","part":21,"page":266},{"id":10266,"text":"( 7692 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا مَسَاجِدُ الْحِلِّ ، فَلَيْسَ لَهُمْ دُخُولُهَا بِغَيْرِ إذْنِ الْمُسْلِمِينَ ، لِأَنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بَصُرَ بِمَجُوسِيٍّ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ ، وَقَدْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ ، فَنَزَلَ ، وَضَرَبَهُ ، وَأَخْرَجَهُ مِنْ أَبْوَابِ كِنْدَةَ .\rفَإِنْ أُذِنَ لَهُمْ فِي دُخُولِهَا ، جَازَ فِي الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدِمَ عَلَيْهِ وَفْدُ أَهْلِ الطَّائِفِ ، فَأَنْزَلَهُمْ مِنْ الْمَسْجِدِ قَبْلَ إسْلَامِهِمْ .\rوَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ : قَدْ كَانَ أَبُو سُفْيَانَ يَدْخُلُ مَسْجِدَ الْمَدِينَةِ وَهُوَ عَلَى شِرْكِهِ .\rوَقَدِمَ عُمَيْرُ بْنُ وَهْبٍ ، فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِ ، لِيَفْتِكَ بِهِ ، فَرَزَقَهُ اللَّهُ الْإِسْلَامَ .\rوَفِيهِ رِوَايَةٌ أُخْرَى ، لَيْسَ لَهُمْ دُخُولُهُ بِحَالٍ ؛ لِأَنَّ أَبَا مُوسَى دَخَلَ عَلَى عُمَرَ وَمَعَهُ كِتَابٌ قَدْ كُتِبَ فِيهِ حِسَابُ عَمَلِهِ ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ : اُدْعُ الَّذِي كَتَبَهُ لِيَقْرَأَهُ .\rقَالَ : إنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْمَسْجِدَ .\rقَالَ : وَلِمَ ؟ قَالَ : إنَّهُ نَصْرَانِيٌّ ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى شُهْرَةِ ذَلِكَ بَيْنَهُمْ ، وَتَقَرُّرِهِ عَنَدَهُمْ .\rوَلِأَنَّ حَدَثَ الْجَنَابَةِ وَالْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ يَمْنَعُ الْمُقَامَ فِي الْمَسْجِدِ ، فَحَدَثُ الشِّرْكِ أَوْلَى .","part":21,"page":267},{"id":10267,"text":"( 7693 ) فَصْلٌ : وَالْمَأْخُوذُ فِي أَحْكَامِ الذِّمَّةِ يَنْقَسِمُ خَمْسَةَ أَقْسَامٍ ؛ أَحَدُهَا ، مَا لَا يَتِمُّ الْعَقْدُ إلَّا بِذِكْرِهِ وَهُوَ شَيْئَانِ ؛ الْتِزَامُ الْجِزْيَةِ ، وَجَرَيَانُ أَحْكَامِنَا عَلَيْهِمْ .\rفَإِنْ أَخَلَّ بِذِكْرِ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ، لَمْ يَصِحَّ الْعَقْدُ .\rوَفِي مَعْنَاهُمَا تَرْكُ قِتَالِ الْمُسْلِمِينَ ، فَإِنَّهُ وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ لَفْظَهُ ، فَذِكْرُ الْمُعَاهَدَةِ يَقْتَضِيه .\rالْقِسْمُ الثَّانِي ، مَا فِيهِ ضَرَرٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي أَنْفُسِهِمْ ، وَهُوَ ثَمَانِي خِصَالٍ ، ذَكَرْنَاهَا فِيمَا تَقَدَّمَ .\rالْقِسْمُ الثَّالِثُ ، مَا فِيهِ غَضَاضَةٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ ، وَهُوَ ذِكْرُ رَبِّهِمْ أَوْ كِتَابِهِمْ أَوْ دِينِهِمْ أَوْ رَسُولِهِمْ بِسُوءٍ .\rالْقِسْمُ الرَّابِعُ ، مَا فِيهِ إظْهَارُ مُنْكَرٍ ، وَهُوَ خَمْسَةُ أَشْيَاءَ ؛ إحْدَاثُ الْبِيَعِ وَالْكَنَائِسِ وَنَحْوِهَا ، وَرَفْعُ أَصْوَاتِهِمْ بِكُتُبِهِمْ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ ، وَإِظْهَارُ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ وَالضَّرْبُ بِالنَّوَاقِيسِ ، وَتَعْلِيَةُ الْبُنْيَانِ عَلَى أَبْنِيَةِ الْمُسْلِمِينَ وَالْإِقَامَةُ بِالْحِجَازِ ، وَدُخُولُ الْحَرَمِ ، فَيَلْزَمُهُمْ الْكَفُّ عَنْهُ ، سَوَاءٌ شَرَطَ عَلَيْهِمْ أَوْ لَمْ يَشْرُطْ ، فِي جَمِيعِ مَا فِي هَذِهِ الْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ .\rالْقِسْمُ الْخَامِسُ ، التَّمَيُّزُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي أَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ ؛ لِبَاسِهِمْ ، وَشُعُورِهِمْ وَرُكُوبِهِمْ ، وَكُنَاهُمْ .\rأَمَّا لِبَاسُهُمْ ، فَهُوَ أَنْ يَلْبَسُوا ثَوْبًا يُخَالِفُ لَوْنُهُ لَوْنَ سَائِرِ الثِّيَابِ ، فَعَادَةُ الْيَهُودِ الْعَسَلِيُّ ، وَعَادَةُ النَّصَارَى الْأَدْكَنُ ، وَهُوَ الْفَاخِتِيُّ ، وَيَكُونُ هَذَا فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ ، لَا فِي جَمِيعِهَا ، لِيَقَعَ الْفَرْقُ ، وَيُضِيفُ إلَى هَذَا شَدَّ الزُّنَّارِ فَوْقَ ثَوْبِهِ ، إنْ كَانَ نَصْرَانِيًّا ، أَوْ عَلَامَةً أُخْرَى إنْ لَمْ يَكُنْ نَصْرَانِيًّا ، كَخِرْقَةٍ يَجْعَلُهَا فِي عِمَامَتِهِ أَوْ قَلَنْسُوَتِهِ ، يُخَالِفُ لَوْنُهَا لَوْنَهَا ، وَيُخْتَمُ فِي رَقَبَتِهِ خَاتَمَ رَصَاصٍ أَوْ حَدِيدٍ أَوْ جُلْجُلٍ ؛ لِيُفَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فِي الْحَمَّامِ ،","part":21,"page":268},{"id":10268,"text":"وَيَلْبَسُ نِسَاؤُهُمْ ثَوْبًا مُلَوَّنًا ، وَيُشَدُّ الزُّنَّارُ تَحْتَ ثِيَابِهِمْ ، وَتُخْتَمُ فِي رَقَبَتِهَا .\rوَلَا يُمْنَعُونَ لُبْسَ فَاخِرِ الثِّيَابِ ، وَلَا الْعَمَائِمِ ، وَلَا الطَّيْلَسَانِ ؛ لِأَنَّ التَّمْيِيزَ حَصَلَ بِالْغِيَارِ وَالزُّنَّارِ .\rوَأَمَّا الشُّعُورُ ، فَإِنَّهُمْ يَحْذِفُونَ مَقَادِيمَ رُءُوسِهِمْ ، وَيَجُزُّونَ شُعُورَهُمْ ، وَلَا يَفْرَقُونَ شُعُورَهُمْ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَقَ شَعَرَهُ .\rوَأَمَّا الرُّكُوبُ ، فَلَا يَرْكَبُونَ الْخَيْلَ ؛ لِأَنَّ رُكُوبَهَا عِزٌّ ، وَلَهُمْ رُكُوبُ مَا سِوَاهَا ، وَلَا يَرْكَبُونَ السُّرُوجَ وَيَرْكَبُونَ عَرْضًا ؛ رِجْلَاهُ إلَى جَانِبٍ وَظَهْرُهُ إلَى آخَرَ ؛ لِمَا رَوَى الْخَلَّالُ ، بِإِسْنَادِهِ ، أَنَّ عُمَرَ أَمَرَ بِجَزِّ نَوَاصِي أَهْلِ الذِّمَّةِ ، وَأَنْ يَشُدُّوا الْمَنَاطِقَ ، وَأَنْ يَرْكَبُوا الْأُكُفَ بِالْعَرْضِ .\rوَيُمْنَعُونَ تَقَلُّدَ السُّيُوفِ ، وَحَمْلَ السِّلَاحِ وَاِتِّخَاذَهُ .\rوَأَمَّا الْكُنَى ، فَلَا يَكْتَنُوا بِكُنَى الْمُسْلِمِينَ ، كَأَبِي الْقَاسِمِ ، وَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ ، وَأَبِي مُحَمَّدٍ ، وَأَبِي بَكْرٍ ، وَأَبِي الْحَسَنِ ، وَشِبْهِهَا ، وَلَا يُمْنَعُونَ الْكُنَى بِالْكُلِّيَّةِ ، فَإِنَّ أَحْمَدَ قَالَ لِطَبِيبٍ نَصْرَانِيٍّ : يَا أَبَا إِسْحَاقَ .\rوَقَالَ : أَلَيْسَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا دَخَلَ عَلَى سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ قَالَ : \" أَمَا تَرَى مَا يَقُولُ أَبُو الْخَبَّابِ ؟ { .\rوَقَالَ لِأُسْقُفِ نَجْرَانَ : أَسْلِمْ أَبَا الْحَارِثِ } .\rوَقَالَ عُمَرُ لِنَصْرَانِيٍّ : يَا أَبَا حَسَّانَ ، أَسْلِمْ تَسْلَمْ .","part":21,"page":269},{"id":10269,"text":"( 7694 ) فَصْلٌ : وَإِذَا عَقَدَ مَعَهُمْ الذِّمَّةَ ، كَتَبَ أَسْمَاءَهُمْ ، وَأَسْمَاءَ آبَائِهِمْ ، وَعَدَدَهُمْ ، وَحِلَّيْهِمْ وَدَيْنَهُمْ ، فَيَقُولُ : فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ الْفُلَانِيُّ ، طَوِيلٌ أَوْ قَصِيرٌ أَوْ رَبْعَةٌ ، أَسْمَرُ أَوْ أَبِيضُ ، أَدْعَجُ الْعَيْنَيْنِ ، أَقْنَى الْأَنْفِ ، مَقْرُونُ الْحَاجِبَيْنِ .\rوَنَحْوَ هَذَا مِنْ صِفَاتِهِمْ الَّتِي يَتَمَيَّزُ بِهَا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْآخَرِ ، وَيَجْعَلُ لِكُلِّ عَشَرَةٍ عَرِيفًا يُرَاعِي مَنْ يَبْلُغُ مِنْهُمْ أَوْ يُفِيقُ مِنْ جُنُونٍ ، أَوْ يَقْدَمُ مِنْ غَيْبَةٍ ، أَوْ يُسْلِمُ ، أَوْ يَمُوتُ ، أَوْ يَغِيبُ ، وَيَجْبِي جِزْيَتَهُمْ ، فَيَكُونُ ذَلِكَ أَحْوَطَ لِحِفْظِ جِزْيَتِهِمْ .","part":21,"page":270},{"id":10270,"text":"( 7695 ) فَصْلٌ : وَإِذَا مَاتَ الْإِمَامُ ، أَوْ عُزِلَ ، وَوَلِيَ غَيْرُهُ ، فَإِنْ عَرَفَ مَا عَقَدَ عَلَيْهِ عَقْدَ الذِّمَّةِ مَنْ كَانَ قَبْلَهُ ، وَكَانَ عَقْدًا صَحِيحًا ، أَقَرَّهُمْ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ الْخُلَفَاءَ أَقَرُّوا عَقْدَ عُمَرَ ، وَلَمْ يُجَدِّدُوا عَقْدًا سِوَاهُ ، وَلِأَنَّ عَقْدَ الذِّمَّةِ مُؤَبَّدٌ .\rوَإِنْ كَانَ فَاسِدًا رَدَّهُ إلَى الصِّحَّةِ .\rوَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ ، فَشَهِدَ بِهِ مُسْلِمَانِ ، أَوْ كَانَ أَمْرُهُ ظَاهِرًا ، عَمِلَ بِهِ .\rوَإِنْ أَشْكَلَ عَلَيْهِ ، سَأَلَهُمْ ، فَإِنْ ادَّعَوْا الْعَهْدَ بِمَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ جِزْيَةً ، قَبِلَ قَوْلَهُمْ ، وَعَمِلَ بِهِ ، وَإِنْ شَاءَ اسْتَحْلَفَهُمْ اسْتِظْهَارًا ، فَإِنْ بَانَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّهُمْ نَقَضُوا مِنْ الْمَشْرُوطِ عَلَيْهِمْ شَيْئًا ، رَجَعَ بِمَا نَقَضُوا ، وَإِنْ قَالُوا كُنَّا نُؤَدِّي كَذَا وَكَذَا جِزْيَةً وَكَذَا وَكَذَا هَدِيَّةً .\rاسْتَحْلَفَهُمْ يَمِينًا وَاحِدَةً ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ فِيمَا يَدْفَعُونَهُ أَنَّهُ جِزْيَةٌ .\rوَاخْتَارَ أَبُو الْخَطَّابِ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَعْرِفْ مَا عُوهِدُوا عَلَيْهِ ، اسْتَأْنَفَ الْعَقْدَ مَعَهُمْ ؛ لِأَنَّ عَقْدَ الْأَوَّلِ لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَهُ ، فَصَارَ كَالْمَعْدُومِ .","part":21,"page":271},{"id":10271,"text":"مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَمَنْ هَرَبَ مِنْ ذِمَّتِنَا إلَى دَارِ الْحَرْبِ ، نَاقِضًا لِلْعَهْدِ عَادَ حَرْبِيًّا ) يَعْنِي يَصِيرُ حُكْمُهُ حُكْمَ أَهْلِ الْحَرْبِ ، سَوَاءٌ كَانَ رَجُلًا أَوْ امْرَأَةً ، وَمَتَى قُدِرَ عَلَيْهِ ، أُبِيحَ مِنْهُ مَا يُبَاحُ مِنْ الْحَرْبِيِّ ؛ مِنْ الْقَتْلِ ، وَالِاسْتِرْقَاقِ ، وَأَخْذِ الْمَالِ .\rوَإِنْ هَرَبَ الذِّمِّيُّ بِأَهْلِهِ وَذُرِّيَّتِهِ ، أُبِيحَ مِنْ الْبَالِغِينَ مِنْهُمْ مَا يُبَاحُ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ ، وَلَمْ يُبَحْ سَبْيُ الذُّرِّيَّةِ ؛ لِأَنَّ النَّقْضَ إنَّمَا وُجِدَ مِنْ الْبَالِغِينَ دُونَ الذُّرِّيَّةِ .","part":21,"page":272},{"id":10272,"text":"( 7697 ) فَصْلٌ : وَإِنْ نَقَضَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ ، جَازَ غَزْوُهُمْ وَقَتْلُهُمْ .\rوَإِنْ نَقَضَ بَعْضُهُمْ دُونَ بَعْضٍ اخْتَصَّ حُكْمُ النَّقْضِ بِالنَّاقِضِ دُونَ غَيْرِهِ .\rوَإِنْ لَمْ يَنْقُضُوا ، لَكِنْ خَافَ النَّقْضَ مِنْهُمْ ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يَنْبِذَ إلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ ؛ لِأَنَّ عَقْدَ الذِّمَّةِ لَحِقَهُمْ ، بِدَلِيلِ أَنَّ الْإِمَامَ تَلْزَمُهُ إجَابَتُهُمْ إلَيْهِ ، بِخِلَافِ عَقْدِ الْأَمَانِ وَالْهُدْنَةِ ؛ فَإِنَّهُ لِمَصْلَحَةِ الْمُسْلِمِينَ .\rوَلِأَنَّ عَقْدَ الذِّمَّةِ آكَدُ ؛ لِأَنَّهُ مُؤَبَّدٌ ، وَهُوَ مُعَاوَضَةٌ ، وَلِذَلِكَ إذَا نَقَضَ بَعْضُ أَهْلِ الذِّمَّةِ الْعَهْدَ ، وَسَكَتَ بَعْضُهُمْ ، لَمْ يَكُنْ سُكُوتُهُمْ نَقْضًا ، وَفِي عَقْدِ الْهُدْنَةِ يَكُونُ نَقْضًا .","part":21,"page":273},{"id":10273,"text":"( 7698 ) فَصْلٌ : وَإِذَا عَقَدَ الذِّمَّةَ ، فَعَلَيْهِ حِمَايَتُهُمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَأَهْلِ الْحَرْبِ وَأَهْلِ الذِّمَّةِ ؛ لِأَنَّهُ الْتَزَمَ بِالْعَهْدِ حِفْظَهُمْ ، وَلِهَذَا قَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : إنَّمَا بَذَلُوا الْجِزْيَةَ لِتَكُونَ أَمْوَالُهُمْ كَأَمْوَالِنَا ، وَدِمَاؤُهُمْ كَدِمَائِنَا .\rوَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي وَصِيَّتِهِ لِلْخَلِيفَةِ بَعْدَهُ : وَأُوصِيه بِأَهْلِ ذِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ خَيْرًا ، أَنْ يُوفِيَ لَهُمْ بِعَهْدِهِمْ ، وَيُحَاطُ مِنْ وَرَائِهِمْ .","part":21,"page":274},{"id":10274,"text":"( 7699 ) فَصْلٌ : وَإِذَا تَحَاكَمَ إلَيْنَا مُسْلِمٌ مَعَ ذِمِّيٍّ وَجَبَ الْحُكْمُ بَيْنَهُمْ ؛ لِأَنَّ عَلِيًّا حَفِظَ الذِّمِّيَّ مِنْ ظُلْمِ الْمُسْلِمِ ، وَحَفِظَ الْمُسْلِمَ مِنْهُ .\rوَإِنْ تَحَاكَمَ بَعْضُهُمْ مَعَ بَعْضٍ ، أَوْ اسْتَعْدَى بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ ، خُيِّرَ الْحَاكِمُ بَيْنَ الْحُكْمِ بَيْنَهُمْ وَالْإِعْرَاضِ عَنْهُمْ ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ } .\rفَإِنْ حَكَمَ بَيْنَهُمْ ، لَمْ يَحْكُمْ إلَّا بِحُكْمِ الْإِسْلَامِ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ } .\rوَقَالَ تَعَالَى : { وَأَنْ اُحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ } .\rوَإِذَا اسْتَعْدَتْ الْمَرْأَةُ عَلَى زَوْجِهَا فِي طَلَاقٍ أَوْ ظِهَارٍ أَوْ إيلَاءٍ ، فَإِنْ شَاءَ أَعْدَاهَا ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَهَا ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ } .\rفَإِنْ أُحْضِرَ زَوْجُهَا ، حُكِمَ عَلَيْهِ بِمَا يُحْكَمُ عَلَى الْمُسْلِمِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ .\rفَإِنْ كَانَ قَدْ ظَاهَرَ مِنْهَا ، مَنَعَهُ وَطْأَهَا حَتَّى يُكَفِّرَ ، وَتَكْفِيرُهُ بِالْإِطْعَامِ وَحْدَهُ ، لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ رَقَبَةَ مُسْلِمٍ ، وَلَا يَمْلِكُ شِرَاءَهَا ، وَلَا يَصِحُّ مِنْهُ الصِّيَامُ .","part":21,"page":275},{"id":10275,"text":"( 7700 ) فَصْلٌ : وَلَا يَجُوزُ تَمْكِينُهُ مِنْ شِرَاءِ مُصْحَفٍ ، وَلَا حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا فِقْهٍ ، فَإِنْ فَعَلَ ، فَالشِّرَاءُ بَاطِلٌ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَتَضَمَّنُ ابْتِذَالَهُ .\rوَكَرِهَ أَحْمَدُ بَيْعَهُمْ الثِّيَابَ الْمَكْتُوبَ عَلَيْهَا ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى .\rقَالَ مُهَنَّا : سَأَلْت أَحْمَدَ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ : هَلْ تَكْرَهُ لِلرَّجُلِ الْمُسْلِمِ أَنْ يُعَلِّمَ غُلَامًا مَجُوسِيًّا شَيْئًا مِنْ الْقُرْآنِ ؟ قَالَ : إنْ أَسْلَمَ فَنَعَمْ ، وَإِلَّا فَأَكْرَهُ أَنْ يَضَعَ الْقُرْآنَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ .\rقُلْت : فَيُعَلِّمُهُ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قَالَ : نَعَمْ .\rوَقَالَ الْفَضْلُ بْنُ زِيَادٍ : سَأَلْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَنْ الرَّجُلِ يَرْهَنُ الْمُصْحَفَ عِنْدَ أَهْلِ الذِّمَّةِ ؟ قَالَ : لَا ، { نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُسَافَرَ بِالْقُرْآنِ إلَى أَرْضِ الْعَدُوِّ ، مَخَافَةَ أَنْ يَنَالَهُ الْعَدُوُّ } .","part":21,"page":276},{"id":10276,"text":"( 7701 ) فَصْلٌ : وَلَا يَجُوزُ تَصْدِيرُهُمْ فِي الْمَجَالِسِ ، وَلَا بَدَاءَتَهُمْ بِالسَّلَامِ ؛ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { لَا تَبْدَءُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى بِالسَّلَامِ ، وَإِذَا لَقِيتُمْ أَحَدَهُمْ فِي الطَّرِيقِ ، فَاضْطَرُّوهُمْ إلَى أَضْيَقِهَا } .\rأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَقَالَ : حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ .\rوَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { إنَّا غَادُونَ غَدًا ، فَلَا تَبْدَءُوهُمْ بِالسَّلَامِ ، وَإِنْ سَلَّمُوا عَلَيْكُمْ ، فَقُولُوا : وَعَلَيْكُمْ } .\rأَخْرَجَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ .\rبِإِسْنَادِهِ عَنْ أَنَسٍ ، أَنَّهُ قَالَ : { نُهِينَا ، أَوْ أُمِرْنَا ، أَنْ لَا نَزِيدَ أَهْلَ الْكِتَابِ عَلَى وَعَلَيْكُمْ } .\rقَالَ أَبُو دَاوُد : قُلْت لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ : تَكْرَهُ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِلذِّمِّيِّ : كَيْفَ أَصْبَحْت ؟ أَوْ كَيْفَ حَالُك ؟ أَوْ كَيْفَ أَنْتَ ؟ أَوْ نَحْوَ هَذَا ؟ قَالَ : نَعَمْ ، هَذَا عِنْدِي أَكْثَرُ مِنْ السَّلَامِ .\rوَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ : إذَا لَقِيته فِي الطَّرِيقِ ، فَلَا تُوسِعْ لَهُ .\rوَذَلِكَ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ .\rوَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، أَنَّهُ مَرَّ عَلَى رَجُلٍ ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ ، فَقِيلَ إنَّهُ كَافِرٌ .\rفَقَالَ : رُدَّ عَلَى مَا سَلَّمْت عَلَيْك .\rفَرَدَّ عَلَيْهِ فَقَالَ : أَكْثَرَ اللَّهُ مَالَك وَوَلَدَك .\rثُمَّ الْتَفَتَ إلَى أَصْحَابِهِ ، فَقَالَ : أَكْثَرَ لِلْجِزْيَةِ .\rوَقَالَ يَعْقُوبُ بْنُ بُخْتَانَ : سَأَلْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ، فَقُلْت نُعَامِلُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى ، فَنَأْتِيهِمْ فِي مَنَازِلِهِمْ ، وَعِنْدَهُمْ قَوْمٌ مُسْلِمُونَ ، أُسَلِّمُ عَلَيْهِمْ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، تَنْوِي السَّلَامَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ .\rوَسُئِلَ عَنْ مُصَافَحَةِ أَهْلِ الذِّمَّةِ ، فَكَرِهَهُ .","part":21,"page":277},{"id":10277,"text":"( 7702 ) فَصْلٌ : وَمَا يَذْكُرُ بَعْضُ أَهْلِ الذِّمَّةِ مِنْ أَنَّ الْجِزْيَةَ لَا تَلْزَمُهُمْ ، وَأَنَّ مَعَهُمْ كِتَابًا مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِإِسْقَاطِهَا عَنْهُمْ ، لَا يَصِحُّ .\rوَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ أَبُو الْعَبَّاسِ بْنِ سُرَيْجٍ ، فَقَالَ : مَا نَقَلَ ذَلِكَ أَحَدٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ .\rوَذَكَرَ أَنَّهُمْ طُولِبُوا بِذَلِكَ ، فَأَخْرَجُوا كِتَابًا ذَكَرُوا أَنَّهُ بِخَطِّ عَلِيٍّ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَتَبَهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ فِيهِ شَهَادَةُ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ ، وَمُعَاوِيَةَ ، وَتَارِيخُهُ بَعْدَ مَوْتِ سَعْدٍ وَقَبْلَ إسْلَامِ مُعَاوِيَةَ ، فَاسْتُدِلَّ بِذَلِكَ عَلَى بُطْلَانِهِ .\rوَلِأَنَّ قَوْلَهُمْ غَيْرُ مَقْبُولٍ ، وَلَمْ يَرْوِ ذَلِكَ مَنْ يُعْتَمَدُ عَلَى رِوَايَتِهِ .","part":21,"page":278},{"id":10278,"text":"( 7703 ) فَصْلٌ : قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : يَمْتَهِنُونَ عِنْدَ أَخْذِ الْجِزْيَةِ ، وَيُطَالُ قِيَامُهُمْ ، وَتُجَرُّ أَيْدِيهمْ عِنْدَ أَخْذِهَا .\rذَهَبَ إلَى قَوْله تَعَالَى : { : حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ } .\rوَقِيلَ : الصِّغَارُ الْتِزَامُهُمْ الْجِزْيَةَ ، وَجَرَيَانُ أَحْكَامِنَا عَلَيْهِمْ .\rوَلَا يُقْبَلُ مِنْهُمْ إرْسَالُهَا ، بَلْ يَحْضُرُ الذِّمِّيُّ بِنَفْسِهِ بِهَا ، وَيُؤَدِّيهَا وَهُوَ قَائِمٌ وَالْآخِذُ جَالِسٌ ، وَلَا يَشْتَطُّ عَلَيْهِمْ فِي أَخْذِهَا ، وَلَا يُعَذَّبُونَ إذَا أَعْسَرُوا عَنْ أَدَائِهَا ؛ فَإِنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أُتِيَ بِمَالٍ كَثِيرٍ ، قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : وَأَحْسَبُهُ مِنْ الْجِزْيَةِ ، فَقَالَ : إنِّي لَأَظُنُّكُمْ قَدْ أَهْلَكْتُمْ النَّاسَ .\rقَالُوا : لَا وَاَللَّهِ ، مَا أَخَذْنَا إلَّا عَفْوًا صَفْوًا .\rقَالَ : بِلَا سَوْطٍ وَلَا بَوْطٍ ؟ قَالُوا : نَعَمْ .\rقَالَ : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَجْعَلْ ذَلِكَ عَلَى يَدِي ، وَلَا فِي سُلْطَانِي .\rوَقَدِمَ عَلَيْهِ سَعِيدُ بْنُ عَامِرِ بْنِ حِذْيَمٍ ، فَعَلَاهُ عُمَرُ بِالدِّرَّةِ ، فَقَالَ سَعِيدٌ : سَبَقَ سَيْلُك مَطَرَك ، إنْ تُعَاقِبْ نَصْبِرْ ، وَإِنْ تَعْفُ نَشْكُرْ ، وَإِنْ تَسْتَعْتِبْ نَعْتِبْ .\rفَقَالَ : مَا عَلَى الْمُسْلِمِ إلَّا هَذَا مَا لَك تُبْطِئُ بِالْخَرَاجِ ؟ فَقَالَ : أَمَرْتنَا أَنْ لَا نَزِيدَ الْفَلَّاحِينَ عَلَى أَرْبَعَةِ دَنَانِيرَ ، فَلَسْنَا نَزِيدُهُمْ عَلَى ذَلِكَ ، وَلَكِنْ نُؤَخِّرُهُمْ إلَى غَلَّاتِهِمْ .\rقَالَ عُمَرُ : لَا أَعْزِلَنَّك مَا حَيِيت .\rرَوَاهُمَا أَبُو عُبَيْدٍ .\r.\rوَقَالَ : إنَّمَا وَجْهُ التَّأْخِيرِ إلَى الْغَلَّةِ الرِّفْقُ بِهِمْ قَالَ : وَلَمْ نَسْمَعْ فِي اسْتِيدَاءِ الْخَرَاجِ وَالْجِزْيَةِ وَقْتًا غَيْرَ هَذَا .\rوَاسْتَعْمَلَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَجُلًا عَلَى عُكْبَرَى ، فَقَالَ لَهُ عَلَى رُءُوسِ النَّاسِ : لَا تَدَعْنَ لَهُمْ دِرْهَمًا مِنْ الْخَرَاجِ .\rوَشَدَّدَ عَلَيْهِ الْقَوْلَ ، ثُمَّ قَالَ : الْقَنِي عِنْدَ انْتِصَافِ النَّهَارِ .\rفَأَتَاهُ فَقَالَ : إنِّي كُنْت أَمَرْتُك بِأَمْرٍ ، وَإِنِّي أَتَقَدَّمُ إلَيْك الْآنَ ، فَإِنْ عَصَيْتنِي نَزَعْتُك ، لَا","part":21,"page":279},{"id":10279,"text":"تَبِيعَن لَهُمْ فِي خَرَاجِهِمْ حِمَارًا ، وَلَا بَقَرَةً ، وَلَا كِسْوَةَ شِتَاءٍ وَلَا صَيْفٍ ، وَارْفُقْ بِهِمْ ، وَافْعَلْ بِهِمْ .","part":21,"page":280},{"id":10280,"text":"( 7704 ) فَصْلٌ : قَالَ أَحْمَدُ ، فِي الرَّجُلِ لَهُ الْمَرْأَةُ النَّصْرَانِيَّةُ : لَا يَأْذَنُ لَهَا أَنْ تَخْرُجَ إلَى عِيدٍ ، أَوْ تَذْهَبَ إلَى بِيعَةٍ ، وَلَهُ أَنْ يَمْنَعَهَا ذَلِكَ .\rوَكَذَلِكَ فِي الْأَمَةِ .\rقِيلَ لَهُ : وَأَلَهُ أَنْ يَمْنَعَهَا شُرْبَ الْخَمْرِ ؟ قَالَ : يَأْمُرُهَا ، فَإِنْ لَمْ تَقْبَلْ فَلَيْسَ لَهُ مَنْعُهَا .\rقِيلَ لَهُ : فَإِنْ طَلَبَتْ مِنْهُ أَنْ يَشْتَرِيَ لَهَا زُنَّارًا ؟ قَالَ : لَا يَشْتَرِي زُنَّارًا ، وَتَخْرُجُ هِيَ تَشْتَرِي لِنَفْسِهَا .\rوَسُئِلَ عَنْ الذِّمِّيِّ يُعَامِلُ بِالرِّبَا ، وَيَبِيعُ الْخَمْرَ وَالْخِنْزِيرَ ، ثُمَّ يُسْلِمُ ، وَذَلِكَ الْمَالُ فِي يَدِهِ ، فَقَالَ : لَا يَلْزَمُهُ أَنْ يُخْرِجَ مِنْهُ شَيْئًا ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مُضِيُّ حَالِ كُفْرِهِ ، فَأَشْبَهَ نِكَاحَهُمْ فِي الْكُفْرِ إذَا أَسْلَمَ .\rوَسُئِلَ عَنْ الْمَجُوسِيَّيْنِ يَجْعَلَانِ وَلَدَهُمَا مُسْلِمًا ، فَيَمُوتُ وَهُوَ ابْنُ خَمْسِ سِنِينَ ؟ فَقَالَ : يُدْفَنُ فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ } .\rيَعْنِي أَنَّ هَذَيْنِ لَمْ يُمَجِّسَاهُ ، فَيَبْقَى عَلَى الْفِطْرَةِ .\rوَسُئِلَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَوْلَادِ الْمُشْرِكِينَ ؟ فَقَالَ : أَذْهَبُ إلَى قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ } .\rقَالَ : وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ : \" فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ \" حَتَّى سَمِعَ : \" اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ \" .\rفَتَرَكَ قَوْلَهُ .\rوَسَأَلَهُ ابْنُ الشَّافِعِيِّ ، فَقَالَ : يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ذَرَارِيُّ الْمُشْرِكِينَ أَوْ الْمُسْلِمِينَ ؟ فَقَالَ : هَذِهِ مَسَائِلُ أَهْلِ الزَّيْغِ .\rوَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ : سَأَلَ بِشْرُ بْنُ السَّرِيِّ سُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ ، عَنْ أَطْفَالِ الْمُشْرِكِينَ ، فَصَاحَ بِهِ ، وَقَالَ : يَا صَبِيُّ ، أَنْتَ تَسْأَلُ عَنْ هَذَا ؟ قَالَ أَحْمَدُ : وَنَحْنُ نُمِرُّ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ عَلَى مَا جَاءَتْ ، وَلَا نَقُولُ شَيْئًا .\rوَسُئِلَ عَنْ أَطْفَالِ الْمُسْلِمِينَ ، فَقَالَ :","part":21,"page":281},{"id":10281,"text":"لَيْسَ فِيهِ اخْتِلَافٌ أَنَّهُمْ فِي الْجَنَّةِ .\rوَذَكَرُوا لَهُ حَدِيثَ عَائِشَةَ ، الَّذِي قَالَتْ فِيهِ : عُصْفُورٌ مِنْ عَصَافِيرِ الْجَنَّةِ .\rفَقَالَ : وَهَذَا حَدِيثٌ ، وَذَكَرَ فِيهِ رَجُلًا ضَعَّفَهُ طَلْحَةُ .\rوَسُئِلَ عَنْ الرَّجُلِ يُسْلِمُ بِشَرْطِ أَنْ لَا يُصَلِّيَ إلَّا صَلَاتَيْنِ ؟ فَقَالَ : يَصِحُّ إسْلَامُهُ ، وَيُؤْخَذُ بِالْخَمْسِ .\rوَقَالَ : مَعْنَى حَدِيثِ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ : { بَايَعْت النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَنْ لَا أَخِرَّ إلَّا قَائِمًا } .\rأَنَّهُ لَا يَرْكَعُ فِي الصَّلَاةِ ، بَلْ يَقْرَأُ ثُمَّ يَسْجُدُ مِنْ غَيْرِ رُكُوعٍ .\rقَالَ : وَحَدِيثُ قَتَادَةَ عَنْ نَصْرِ بْنِ عَاصِمٍ ، { أَنَّ رَجُلًا مِنْهُمْ بَايَعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُصَلِّيَ طَرَفَيْ النَّهَارِ } .","part":21,"page":282},{"id":10282,"text":"كِتَابُ الصَّيْدِ وَالذَّبَائِحِ الْأَصْلُ فِي إبَاحَةِ الصَّيْدِ ، الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ ؛ أَمَّا الْكِتَابُ : فَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا } .\rوَقَالَ سُبْحَانَهُ : { وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا } .\rوَقَالَ سُبْحَانَهُ : { يَسْأَلُونَك مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمْ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنْ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمْ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ } .\rوَأَمَّا السُّنَّةُ ، فَرَوَى أَبُو ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيُّ ، قَالَ { : أَتَيْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْت : يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّا بِأَرْضِ صَيْدٍ ، أَصِيدُ بِقَوْسِي ، وَأَصِيدُ بِكَلْبِي الْمُعَلَّمِ ، وَأَصِيدُ بِكَلْبِي الَّذِي لَيْسَ بِمُعَلَّمٍ ، فَأَخْبِرْنِي مَاذَا يَصْلُحُ لِي ؟ قَالَ : أَمَّا مَا ذَكَرْت أَنَّكُمْ بِأَرْضِ صَيْدٍ ، فَمَا صِدْت بِقَوْسِك ، وَذَكَرْت اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلْ ، وَمَا صِدْت بِكَلْبِك الْمُعَلَّمِ ، وَذَكَرْت اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ ، فَكُلْ ، وَمَا صِدْت بِكَلْبِك الَّذِي لَيْسَ بِمُعَلَّمٍ ، فَأَدْرَكْت ذَكَاتَهُ ، فَكُلْ } .\rوَعَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ ، قَالَ : { قُلْت : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنَّا نُرْسِلُ الْكَلْبَ الْمُعَلَّمَ ، فَيُمْسِكُ عَلَيْنَا ؟ قَالَ : كُلْ .\rقُلْت : وَإِنْ قَتَلَ ؟ قَالَ : كُلْ مَا لَمْ يَشْرَكْهُ كَلْبٌ غَيْرُهُ } .\rقَالَ : { وَسُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ صَيْدِ الْمِعْرَاضِ ، فَقَالَ : مَا خَرَقَ فَكُلْ ، وَمَا قَتَلَ بِعَرْضِهِ فَلَا تَأْكُلْ } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا .\rوَأَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى إبَاحَةِ الِاصْطِيَادِ وَالْأَكْلِ مِنْ الصَّيْدِ .","part":21,"page":283},{"id":10283,"text":"( 7705 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ : ( وَإِذَا سَمَّى وَأَرْسَلَ كَلْبَهُ أَوْ فَهْدَهُ الْمُعَلَّمَ ، وَاصْطَادَ ، وَقَتَلَ ، وَلَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ ، جَازَ أَكْلُهُ ) أَمَّا مَا أَدْرَكَ ذَكَاتَهُ مِنْ الصَّيْدِ ، فَلَا يُشْتَرَطُ فِي إبَاحَتِهِ سِوَى صِحَّةِ التَّذْكِيَةِ ؛ وَلِذَلِكَ { قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ : وَمَا صِدْت بِكَلْبِك الَّذِي لَيْسَ بِمُعَلَّمٍ ، فَأَدْرَكْت ذَكَاتَهُ ، فَكُلْ } .\rوَأَمَّا مَا قَتَلَ الْجَارِحُ ، فَيُشْتَرَطُ فِي إبَاحَتِهِ شُرُوطٌ سَبْعَةٌ ؛ أَحَدُهَا ، أَنْ يَكُونَ الصَّائِدُ مِنْ أَهْلِ الذَّكَاةِ ، فَإِنْ كَانَ وَثَنِيًّا ، أَوْ مُرْتَدًّا ، أَوْ مَجُوسِيًّا ، أَوْ مِنْ غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ وَأَهْلِ الْكِتَابِ ، أَوْ مَجْنُونًا ، لَمْ يُبَحْ صَيْدُهُ ؛ لِأَنَّ الِاصْطِيَادَ أُقِيمَ مُقَامَ الذَّكَاةِ ، وَالْجَارِحُ آلَةٌ كَالسِّكِّينِ ، وَعَقْرُهُ لِلْحَيَوَانِ بِمَنْزِلَةِ إفْرَاءِ الْأَوْدَاجِ .\rقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { فَإِنَّ أَخْذَ الْكَلْبِ ذَكَاتُهُ } .\rوَالصَّائِدُ بِمَنْزِلَةِ الْمُذَكِّي ، فَتُشْتَرَطُ الْأَهْلِيَّةُ فِيهِ .","part":21,"page":284},{"id":10284,"text":"الشَّرْطُ الثَّانِي ، أَنْ يُسَمِّيَ عِنْدَ إرْسَالِ الْجَارِحِ ، فَإِنْ تَرَكَ التَّسْمِيَةَ عَمْدًا أَوْ سَهْوًا ، لَمْ يُبَحْ ، هَذَا تَحْقِيقُ الْمَذْهَبِ وَهُوَ قَوْلُ الشَّعْبِيِّ ، وَأَبِي ثَوْرٍ وَدَاوُد .\rوَنَقَلَ حَنْبَلٌ ، عَنْ أَحْمَدَ ، إنْ نَسِيَ التَّسْمِيَةَ عَلَى الذَّبِيحَةِ وَالْكَلْبِ ، أُبِيحَ .\rقَالَ الْخَلَّالُ : سَهَا حَنْبَلٌ فِي نَقْلِهِ ؛ فَإِنَّ فِي أَوَّلِ مَسْأَلَتِهِ ، إذَا نَسِيَ وَقَتَلَ ، لَمْ يَأْكُلْ .\rوَمِمَّنْ أَبَاحَ مَتْرُوكَ التَّسْمِيَةِ فِي النِّسْيَانِ دُونَ الْعَمْدِ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { عُفِيَ لِأُمَّتِي عَنْ الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ } .\rوَلِأَنَّ إرْسَالَ الْجَارِحَةِ جَرَى مَجْرَى التَّذْكِيَةِ ، فَعُفِيَ عَنْ النِّسْيَانِ فِيهِ ، كَالذَّكَاةِ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّ التَّسْمِيَةَ تُشْتَرَطُ عَلَى إرْسَالِ الْكَلْبِ فِي الْعَمْدِ وَالنِّسْيَانِ ، وَلَا يَلْزَمُ ذَلِكَ فِي إرْسَالِ السَّهْمِ ؛ إلَيْهِ حَقِيقَةً ، وَلَيْسَ لَهُ اخْتِيَارٌ ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ السِّكِّينِ ، بِخِلَافِ الْحَيَوَانِ ، فَإِنَّهُ يَفْعَلُ بِاخْتِيَارِهِ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يُبَاحُ مَتْرُوكُ التَّسْمِيَةِ عَمْدًا أَوْ سَهْوًا ؛ لِأَنَّ الْبَرَاءَ رَوَى ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { الْمُسْلِمُ يَذْبَحُ عَلَى اسْمِ اللَّهِ سَمَّى أَوْ لَمْ يُسَمِّ } .\rوَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ فَقِيلَ : أَرَأَيْت الرَّجُلَ مِنَّا يَذْبَحُ وَيَنْسَى أَنْ يُسَمِّيَ اللَّهَ ؟ فَقَالَ : اسْمُ اللَّهِ فِي قَلْبِ كُلِّ مُسْلِمٍ } .\rوَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى مِثْلُ هَذَا .\rوَلَنَا ، قَوْله تَعَالَى : { وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرْ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ } .\rوَقَالَ { فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ } .\rوَقَالَ النَّبِيُّ { إذَا أَرْسَلْت كَلْبَك ، وَسَمَّيْت ، فَكُلْ .\rقُلْت أُرْسِلُ كَلْبِي فَأَجِدُ مَعَهُ كَلْبًا آخَرَ ؟ قَالَ : لَا تَأْكُلْ ، فَإِنَّك إنَّمَا سَمَّيْت عَلَى كَلْبِك ، وَلَمْ تُسَمِّ عَلَى الْآخَرِ }","part":21,"page":285},{"id":10285,"text":"مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَفِي لَفْظٍ : \" وَإِذَا خَالَطَ كِلَابًا لَمْ يُذْكَرْ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهَا ، فَأَمْسَكْنَ وَقَتَلْنَ ، فَلَا تَأْكُلْ \" .\rوَفِي حَدِيثِ أَبِي ثَعْلَبَةَ : { وَمَا صِدْت بِقَوْسِك ، وَذَكَرْت اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ ، فَكُلْ } .\rوَهَذِهِ نُصُوصٌ صَحِيحَةٌ لَا يُعْرَجُ عَلَى مَا خَالَفَهَا .\rوَقَوْلُهُ : { عُفِيَ لِأُمَّتِي عَنْ الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ } .\rيَقْتَضِي نَفْيَ الْإِثْمِ ، لَا جَعْلَ الشَّرْطِ الْمَعْدُومِ كَالْمَوْجُودِ ، بِدَلِيلِ مَا لَوْ نَسِيَ شَرْطَ الصَّلَاةِ .\rوَالْفَرْقُ بَيْنَ الصَّيْدِ وَالذَّبِيحَةِ ، أَنَّ الذَّبْحَ وَقَعَ فِي مَحِلِّهِ ، فَجَازَ أَنْ يُتَسَامَحَ فِيهِ ، بِخِلَافِ الصَّيْدِ .\rوَأَمَّا أَحَادِيثُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ، فَلَمْ يَذْكُرْهَا أَصْحَابُ السُّنَنِ الْمَشْهُورَةِ ، وَإِنْ صَحَّتْ فَهِيَ فِي الذَّبِيحَةِ ، وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُ الصَّيْدِ عَلَيْهَا ؛ لِمَا ذَكَرْنَا ، مَعَ مَا فِي الصَّيْدِ مِنْ النُّصُوصِ الْخَاصَّةِ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَالتَّسْمِيَةُ الْمُعْتَبَرَةُ قَوْلُهُ : \" بِسْمِ اللَّهِ \" .\rلِأَنَّ إطْلَاقَ التَّسْمِيَةِ يَنْصَرِفُ إلَى ذَلِكَ ، وَقَدْ ثَبَتَ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إذَا ذَبَحَ قَالَ : بِسْمِ اللَّهِ ، وَاَللَّهُ أَكْبَرُ } .\rوَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُهُ .\rوَلَا خِلَافُ فِي أَنَّ قَوْلَهُ : \" بِسْمِ اللَّهِ \" يُجْزِئُهُ .\rوَإِنْ قَالَ : اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي .\rلَمْ يَكْفِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ طَلَبُ حَاجَةٍ .\rوَإِنْ هَلَّلَ ، أَوْ سَبَّحَ ، أَوْ كَبَّرَ ، أَوْ حَمِدَ اللَّهَ تَعَالَى ، احْتَمَلَ الْإِجْزَاءَ ؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَ اسْمَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى وَجْهِ التَّعْظِيمِ ، وَاحْتَمَلَ الْمَنْعَ ؛ لِأَنَّ إطْلَاقَ التَّسْمِيَةِ لَا يَتَنَاوَلُهُ .\rوَإِنْ ذَكَرَ اسْمَ اللَّهِ تَعَالَى بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ ، أَجْزَأَهُ وَإِنْ أَحْسَنَ الْعَرَبِيَّةَ ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ ذِكْرُ اسْمِ اللَّهِ ، وَهُوَ يَحْصُلُ بِجَمِيعِ اللُّغَاتِ ، بِخِلَافِ التَّكْبِيرِ فِي الصَّلَاةِ ، فَإِنَّ الْمَقْصُودَ لَفْظُهُ .\rوَتُعْتَبَرُ التَّسْمِيَةُ عِنْدَ الْإِرْسَالِ ؛ لِأَنَّهُ الْفِعْلُ الْمَوْجُودُ مِنْ الْمُرْسِلِ ، فَتُعْتَبَرُ","part":21,"page":286},{"id":10286,"text":"التَّسْمِيَةُ عِنْدَهُ ، كَمَا تُعْتَبَرُ عِنْدَ الذَّبْحِ مِنْ الذَّابِحِ ، وَعِنْدَ إرْسَالِ السَّهْمِ مِنْ الرَّامِي .\rنَصَّ أَحْمَدُ عَلَى هَذَا .\rوَلَا تُشْرَعُ الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ التَّسْمِيَةِ فِي ذَبْحٍ وَلَا صَيْدٍ .\rوَبِهِ قَالَ اللَّيْثُ .\rوَاخْتَارَ أَبُو إِسْحَاقَ بْنُ شَاقِلَا اسْتِحْبَابَ ذَلِكَ .\rوَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ صَلَّى عَلَيَّ مَرَّةً ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ عَشْرًا } .\rوَجَاءَ فِي تَفْسِيرِ قَوْله تَعَالَى : { وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ } .\rلَا أُذْكَرُ إلَّا ذُكِرْت مَعِي .\rوَلَنَا ، قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ \" مَوْطِنَانِ لَا أُذْكَرُ فِيهِمَا ؛ عِنْدَ الذَّبِيحَةِ ، وَالْعُطَاسِ \" .\rرَوَاهُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْخَلَّالُ بِإِسْنَادِهِ ، وَلِأَنَّهُ إذَا ذَكَرَ غَيْرَ اللَّهِ تَعَالَى أَشْبَهَ الْمُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ .","part":21,"page":287},{"id":10287,"text":"الشَّرْطُ الثَّالِثُ ، أَنْ يُرْسِلَ الْجَارِحَةَ عَلَى الصَّيْدِ ، فَإِنْ اسْتَرْسَلَتْ بِنَفْسِهَا فَقَتَلَتْ ، لَمْ يُبَحْ .\rوَبِهَذَا قَالَ رَبِيعَةُ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَقَالَ عَطَاءٌ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ : يُؤْكَلُ صَيْدُهُ إذَا أَخْرَجَهُ لِلصَّيْدِ .\rوَقَالَ إِسْحَاقُ : إذَا سَمَّى عِنْدَ انْفِلَاتِهِ ، أُبِيحَ صَيْدُهُ .\rوَرَوَى بِإِسْنَادِهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الْكِلَابِ تَنْفَلِتُ مِنْ مَرَابِضِهَا فَتَصِيدُ الصَّيْدَ ؟ قَالَ : اُذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ ، وَكُلْ .\rوَقَالَ إِسْحَاقُ : فَهَذَا الَّذِي أَخْتَارُ إذَا لَمْ يَتَعَمَّدْ هُوَ إرْسَالَهُ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ اسْمِ اللَّهِ عَلَيْهِ .\rقَالَ الْخَلَّالُ : هَذَا عَلَى مَعْنَى قَوْلِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إذَا أَرْسَلْت كَلْبَك ، وَسَمَّيْت ، فَكُلْ } .\rوَلِأَنَّ إرْسَالَ الْجَارِحَةِ جُعِلَ بِمَنْزِلَةِ الذَّبْحِ ، وَلِهَذَا اُعْتُبِرْت التَّسْمِيَةُ مَعَهُ ، وَإِنْ اسْتَرْسَلَ بِنَفْسِهِ فَسَمَّى صَاحِبُهُ وَزَجَرَهُ ، فَزَادَ فِي عَدْوِهِ ، أُبِيحَ صَيْدُهُ .\rوَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يُبَاحُ .\rوَعَنْ عَطَاءٍ كَالْمَذْهَبَيْنِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ زَجْرَهُ أَثَّرَ فِي عَدْوِهِ ، فَصَارَ كَمَا لَوْ أَرْسَلَهُ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ فِعْلَ الْإِنْسَانِ مَتَى انْضَافَ إلَى فِعْلِ غَيْرِهِ ، فَالِاعْتِبَارُ بِفِعْلِ الْإِنْسَانِ ، بِدَلِيلِ مَا لَوْ صَالَ الْكَلْبُ عَلَى إنْسَانٍ ، فَأَغْرَاهُ إنْسَانٌ ، فَالضَّمَانُ عَلَى مَنْ أَغْرَاهُ .\rوَإِنْ أَرْسَلَهُ بِغَيْرِ تَسْمِيَةٍ ، ثُمَّ سَمَّى وَزَجَرَهُ ، فَزَادَ فِي عَدْوِهِ ، فَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ يُبَاحُ ؛ فَإِنَّهُ قَالَ : إذَا أَرْسَلَ ، ثُمَّ سَمَّى فَانْزَجَرَ ، أَوْ أَرْسَلَ وَسَمَّى ، فَالْمَعْنَى قَرِيبٌ مِنْ السَّوَاءِ .\rوَظَاهِرُ هَذَا الْإِبَاحَةُ ؛ لِأَنَّهُ انْزَجَرَ بِتَسْمِيَتِهِ وَزَجْرِهِ ، فَأَشْبَهَ الَّتِي قَبْلَهَا .\rوَقَالَ الْقَاضِي : لَا يُبَاحُ صَيْدُهُ ؛ لِأَنَّ الْحَكَمَ يَتَعَلَّقُ بِالْإِرْسَالِ الْأَوَّلِ ، بِخِلَافِ مَا إذَا اسْتَرْسَلَ بِنَفْسِهِ ،","part":21,"page":288},{"id":10288,"text":"فَإِنَّهُ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حَظْرٌ وَلَا إبَاحَةٌ .","part":21,"page":289},{"id":10289,"text":"الشَّرْطُ الرَّابِعُ ، أَنْ يَكُونَ الْجَارِحُ مُعَلَّمًا .\rوَلَا خِلَافَ فِي اعْتِبَارِ هَذَا الشَّرْطِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : { وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنْ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمْ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ } .\rوَمَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي ثَعْلَبَةَ .\rوَيُعْتَبَرُ فِي تَعْلِيمِهِ ثَلَاثَةُ شُرُوطٍ ؛ إذَا أَرْسَلَهُ اسْتَرْسَلَ ، وَإِذَا زَجَرَهُ انْزَجَرَ ، وَإِذَا أَمْسَكَ لَمْ يَأْكُلْ .\rوَيَتَكَرَّرُ هَذَا مِنْهُ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى حَتَّى يَصِيرَ مُعَلَّمًا فِي حُكْمِ الْعُرْفِ ، وَأَقَلُّ ذَلِكَ ثَلَاثٌ .\rقَالَهُ الْقَاضِي .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٍ .\rوَلَمْ يُقَدِّرْ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ عَدَدَ الْمَرَّاتِ ؛ لِأَنَّ التَّقْدِيرَ بِالتَّوْقِيفِ ، وَلَا تَوْقِيفَ فِي هَذَا ، بَلْ قَدْرُهُ بِمَا يَصِيرُ بِهِ فِي الْعُرْفِ مُعَلَّمًا .\rوَحُكِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ، أَنَّهُ إذَا تَكَرَّرَ مَرَّتَيْنِ ، صَارَ مُعَلَّمًا ؛ لِأَنَّ التَّكْرَارَ يَحْصُلُ بِمَرَّتَيْنِ .\rوَقَالَ الشَّرِيفُ أَبُو جَعْفَرٍ ، وَأَبُو الْخَطَّابِ : يَحْصُلُ ذَلِكَ بِمَرَّةٍ ، وَلَا يُعْتَبَرُ التَّكْرَارُ ؛ لِأَنَّهُ تَعَلُّمُ صَنْعَةٍ ، فَلَا يُعْتَبَرُ فِيهِ التَّكْرَارُ ، كَسَائِرِ الصَّنَائِعِ .\rوَلَنَا أَنَّ تَرْكَهُ لِلْأَكْلِ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لِشِبَعٍ ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ لِتَعَلُّمٍ ، فَلَا يَتَمَيَّزُ ذَلِكَ إلَّا بِالتَّكْرَارِ ، وَمَا اُعْتُبِرَ فِيهِ التَّكْرَارُ اُعْتُبِرَ ثَلَاثًا ، كَالْمَسْحِ فِي الِاسْتِجْمَارِ ، وَعَدَدِ الْإِقْرَارِ وَالشُّهُودِ فِي الْعِدَّةِ ، وَالْغَسَلَاتِ فِي الْوُضُوءِ .\rوَيُفَارِقُ الصَّنَائِعَ ، فَإِنَّهَا لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ فِعْلِهَا إلَّا مَنْ تَعَلَّمَهَا ، فَإِذَا فَعَلَهَا عُلِمَ أَنَّهُ قَدْ تَعَلَّمَهَا وَعَرَفَهَا ، وَتَرْكُ الْأَكْلِ مُمْكِنُ الْوُجُودِ مِنْ الْمُتَعَلِّمِ وَغَيْرِهِ ، وَيُوجَدُ مِنْ الصِّنْفَيْنِ جَمِيعًا ، فَلَا يَتَمَيَّزُ بِهِ أَحَدُهُمَا مِنْ الْآخَرِ حَتَّى يَتَكَرَّرَ .\rوَحُكِيَ عَنْ رَبِيعَةَ وَمَالِكٍ ، أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ تَرْكُ الْأَكْلِ ؛ لِمَا رَوَى أَبُو ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيُّ ، قَالَ : قَالَ","part":21,"page":290},{"id":10290,"text":"رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إذَا أَرْسَلْت كَلْبَك الْمُعَلَّمَ ، وَذَكَرْت اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ ، فَكُلْ ، وَإِنْ أَكَلَ } .\rذَكَرَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَلَنَا ، أَنَّ الْعَادَةَ فِي الْمُعَلَّمِ تَرْكُ الْأَكْلِ ، فَاعْتُبِرَ شَرْطًا ، كَالِانْزِجَارِ إذَا زُجِرَ ، وَحَدِيثُ أَبِي ثَعْلَبَةَ مُعَارَضٌ بِمَا رُوِيَ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ ، { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : فَإِنْ أَكَلَ فَلَا تَأْكُلْ ، فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَكُونَ إنَّمَا أَمْسَكَ عَلَى نَفْسِهِ } .\rوَهَذَا أَوْلَى بِالتَّقْدِيمِ لِأَنَّهُ ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَلِأَنَّهُ مُتَضَمِّنٌ لِلزِّيَادَةِ ، وَهُوَ ذِكْرُ الْحُكْمِ مُعَلَّلًا .\rثُمَّ إنَّ حَدِيثَ أَبِي ثَعْلَبَةَ مَحْمُولٌ عَلَى جَارِحَةٍ ثَبَتَ تَعْلِيمُهَا ؛ لِقَوْلِهِ : \" إذَا أَرْسَلْت كَلْبَك الْمُعَلَّمَ \" .\rوَلَا يَثْبُتُ التَّعْلِيمُ حَتَّى يَتْرُكَ الْأَكْلَ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّ الِانْزِجَارَ بِالزَّجْرِ إنَّمَا يُعْتَبَرُ بِإِرْسَالِهِ عَلَى الصَّيْدِ ، أَوْ رُؤْيَتِهِ ، أَمَّا بَعْدَ ذَلِكَ ، فَإِنَّهُ لَا يَنْزَجِرُ بِحَالٍ .","part":21,"page":291},{"id":10291,"text":"الشَّرْطُ الْخَامِسُ ، أَنْ لَا يَأْكُلَ مِنْ الصَّيْدِ فَإِنْ أَكَلَ مِنْهُ ، لَمْ يُبَحْ ، فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ .\rوَيُرْوَى ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ .\rوَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ ، وَطَاوُسٌ ، وَعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ ، وَالشَّعْبِيِّ ، وَالنَّخَعِيِّ ، وَسُوَيْدِ بْنِ غَفَلَةَ ، وَأَبُو بُرْدَةَ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَعِكْرِمَةُ ، وَالضَّحَّاكُ ، وَقَتَادَةُ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَأَبُو ثَوْرٍ .\rوَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ : يُبَاحُ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ، وَسَلْمَانَ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ، وَابْنِ عُمَرَ .\rحَكَاهُ عَنْهُمْ الْإِمَامُ أَحْمَدُ .\rوَبِهِ قَالَ مَالِكٌ .\rوَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ ، كَالْمَذْهَبَيْنِ .\rوَاحْتَجَّ مَنْ أَبَاحَهُ بِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى { فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ } .\rوَحَدِيثِ أَبِي ثَعْلَبَةَ ، وَلِأَنَّهُ صَيْدٌ جَارِحٌ مُعَلَّمٌ ، فَأُبِيحَ ، كَمَا لَوْ لَمْ يَأْكُلْ .\rفَإِنَّ الْأَكْلَ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لِفَرْطِ جُوعٍ أَوْ غَيْظٍ عَلَى الصَّيْدِ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثِ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ : { إذَا أَرْسَلْت كَلْبَك الْمُعَلَّمَ ، وَذَكَرْت اسْمَ اللَّهِ تَعَالَى ، فَكُلْ مِمَّا أَمْسَكَ عَلَيْك .\rقُلْت : وَإِنْ قَتَلَ ؟ قَالَ : وَإِنْ قَتَلَ ، إلَّا أَنْ يَأْكُلَ الْكَلْبُ فَإِنْ أَكَلَ ، فَلَا تَأْكُلْ ، فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَكُونُ إنَّمَا أَمْسَكَ عَلَى نَفْسِهِ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَلِأَنَّ مَا كَانَ شَرْطًا فِي الصَّيْدِ الْأَوَّلِ ، كَانَ شَرْطًا فِي سَائِرِ صُيُودِهِ ، كَالْإِرْسَالِ وَالتَّعْلِيمِ .\rوَأَمَّا الْآيَةُ فَلَا تَتَنَاوَلُ هَذَا الصَّيْدَ ؛ فَإِنَّهُ قَالَ : { فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ } .\rوَهَذَا إنَّمَا أَمْسَكَ عَلَى نَفْسِهِ .\rوَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي ثَعْلَبَةَ ، فَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ : يَخْتَلِفُونَ عَنْ هُشَيْمٍ فِيهِ .\rوَعَلَى أَنَّ حَدِيثَنَا أَصَحُّ ؛ لِأَنَّهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَعَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ أَضْبَطُ ، وَلَفْظُهُ أَبْيَنُ ؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَ الْحُكْمَ وَالْعِلَّةَ .\rقَالَ أَحْمَدُ : حَدِيثُ الشَّعْبِيِّ عَنْ عَدِيٍّ ،","part":21,"page":292},{"id":10292,"text":"مِنْ أَصَحِّ مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالشَّعْبِيُّ يَقُولُ : كَانَ جَارِي وَرَبِيطِي ، فَحَدَّثَنِي .\rوَالْعَمَلُ عَلَيْهِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَكَلَ مِنْهُ بَعْدَ أَنْ قَتَلَهُ وَانْصَرَفَ عَنْهُ ، وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِذًا لَا يَحْرُمُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ صَيُودِهِ ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَحْرُمُ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مُعَلَّمًا مَا أَكَلَ وَلَنَا ، عُمُومُ الْآيَةِ وَالْأَخْبَارِ ، وَإِنَّمَا خُصَّ مِنْهُ مَا أَكَلَ مِنْهُ ، فَفِيمَا عَدَاهُ يَجِبُ الْقَضَاءُ بِالْعُمُومِ ، وَلِأَنَّ اجْتِمَاعَ شُرُوطِ التَّعْلِيمِ حَاصِلَةٌ ، فَوَجَبَ الْحُكْمُ بِهِ ، وَلِهَذَا حَكَمْنَا بِحِلِّ صَيْدِهِ ، فَإِذَا وُجِدَ الْأَكْلُ ، احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ لِنِسْيَانٍ ، أَوْ لِفَرْطِ جُوعِهِ ، أَوْ نَسِيَ التَّعْلِيمَ ، فَلَا يُتْرَكُ مَا ثَبَتَ يَقِينًا بِالِاحْتِمَالِ .\r( 7706 ) فَصْلٌ : فَإِنْ شَرِبَ دَمَهُ ، وَلَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ ، لَمْ يَحْرُمْ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .\rوَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَكَرِهَهُ الشَّعْبِيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْأَكْلِ .\rوَلَنَا ، عُمُومُ الْآيَةِ وَالْأَخْبَارِ ، وَإِنَّمَا خَرَجَ مِنْهُ مَا أَكَلَ مِنْهُ بِحَدِيثِ عَدِيٍّ : \" فَإِنْ أَكَلَ مِنْهُ ، فَلَا تَأْكُلْ \" .\rوَهَذَا لَمْ يَأْكُلْ ، وَلِأَنَّ الدَّمَ لَا يَقْصِدُهُ الصَّائِدُ مِنْهُ ، وَلَا يَنْتَفِعُ بِهِ ، فَلَا يَخْرُجُ بِشُرْبِهِ عَنْ أَنْ يَكُونَ مُمْسِكًا عَلَى صَائِدِهِ .\r( 7707 ) فَصْلٌ : وَلَا يَحْرُمُ مَا صَادَهُ الْكَلْبُ بَعْدَ الصَّيْدِ الَّذِي أَكَلَ مِنْهُ .\rوَيَحْتَمِلُ كَلَامُ الْخِرَقِيِّ أَنَّهُ يَخْرُجُ عَنْ أَنْ يَكُونَ مُعَلَّمًا ، فَتُعْتَبَرُ لَهُ شُرُوطُ التَّعْلِيمِ ابْتِدَاءً .\rوَالْأَوَّلُ أَوْلَى ؛ لِمَا ذَكَرْنَا فِي صَيْدِهِ الَّذِي قَبْلَ الْأَكْلِ .","part":21,"page":293},{"id":10293,"text":"الشَّرْطُ السَّادِسُ ، أَنْ يُجْرَحَ الصَّيْدَ ، فَإِنْ خَنَقَهُ ، أَوْ قَتَلَهُ بِصَدْمَتِهِ ، لَمْ يُبَحْ .\rقَالَ الشَّرِيفُ : وَبِهِ قَالَ أَكْثَرُهُمْ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، فِي قَوْلٍ لَهُ : يُبَاحُ ؛ لِعُمُومِ الْآيَةِ وَالْخَبَرِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ قَتَلَهُ بِغَيْرِ جَرْحٍ ، أَشْبَهَ مَا قَتَلَهُ بِالْحَجَرِ وَالْبُنْدُقِ ، وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَرَّمَ الْمَوْقُوذَةَ ، وَهَذَا كَذَلِكَ ، وَهَذَا يَخُصُّ مَا ذَكَرُوهُ ، وَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَا أَنْهَرَ الدَّمَ ، وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ ، فَكُلْ } .\rيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُبَاحُ مَا لَمْ يَنْهَرْ الدَّمَ .","part":21,"page":294},{"id":10294,"text":"الشَّرْطُ السَّابِعُ ، أَنْ يُرْسِلَهُ عَلَى صَيْدٍ ، فَإِنْ أَرْسَلَهُ وَهُوَ لَا يَرَى شَيْئًا ، وَلَا يُحِسُّ بِهِ ، فَأَصَابَ صَيْدًا ، لَمْ يُبَحْ .\rوَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُرْسِلْهُ عَلَى الصَّيْدِ ، وَإِنَّمَا اسْتَرْسَلَ بِنَفْسِهِ .\rوَهَكَذَا إنْ رَمَى سَهْمًا إلَى غَرَضٍ ، فَأَصَابَ صَيْدًا ، أَوْ رَمَى بِهِ إلَى فَوْقِ رَأْسِهِ فَوَقَعَ عَلَى صَيْدٍ فَقَتَلَهُ ، لَمْ يُبَحْ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ بِرَمْيِهِ عَيْنًا ، فَأَشْبَهَ مَنْ نَصَبَ سِكِّينًا ، فَانْذَبَحَتْ بِهَا شَاةٌ .","part":21,"page":295},{"id":10295,"text":"( 7708 ) فَصْلٌ : وَكُلُّ مَا يَقْبَلُ التَّعْلِيمَ ، وَيُمْكِنُ الِاصْطِيَادُ بِهِ مِنْ سِبَاعِ الْبَهَائِمِ ، كَالْفَهْدِ ، أَوْ جَوَارِحِ الطَّيْرِ ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْكَلْبِ فِي إبَاحَةِ صَيْدِهِ .\rقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ، فِي قَوْله تَعَالَى : { وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنْ الْجَوَارِحِ } : هِيَ الْكِلَابُ الْمُعَلَّمَةُ ، وَكُلُّ طَيْرٍ تَعَلَّمَ الصَّيْدَ ، وَالْفُهُودُ وَالصُّقُورُ وَأَشْبَاهُهَا .\rوَبِمَعْنَى هَذَا قَالَ طَاوُسٌ ، وَيَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ ، وَالْحَسَنُ ، وَمَالِكٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ .\rوَحُكِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، وَمُجَاهِدٍ ، أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الصَّيْدُ إلَّا بِالْكَلْبِ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنْ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ } .\rيَعْنِي كَلَّبْتُمْ مِنْ الْكِلَابِ .\rوَلَنَا ، مَا رُوِيَ عَنْ عَدِيٍّ ، قَالَ : { سَأَلْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ صَيْدِ الْبَازِي ، فَقَالَ : إذَا أَمْسَكَ عَلَيْك ، فَكُلْ } .\rوَلِأَنَّهُ جَارِحٌ يُصَادُ بِهِ عَادَةً ، وَيَقْبَلُ التَّعْلِيمَ ، فَأَشْبَهَ الْكَلْبَ .\rفَأَمَّا الْآيَةُ ، فَإِنَّ الْجَوَارِحَ الْكَوَاسِبُ .\r{ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ } .\rأَيْ كَسَبْتُمْ .\rوَفُلَانٌ جَارِحَةُ أَهْلِهِ ، أَيْ كَاسِبُهُمْ .\r( مُكَلِّبِينَ ) مِنْ التَّكْلِيبِ وَهُوَ الْإِغْرَاءُ .","part":21,"page":296},{"id":10296,"text":"فَصْلٌ : وَهَلْ يَجِبُ غُسْلُ أَثَرِ فَمِ الْكَلْبِ مِنْ الصَّيْدِ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، لَا يَجِبُ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَرَسُولَهُ أَمَرَا بِأَكْلِهِ ، وَلَمْ يَأْمُرَا بِغَسْلِهِ وَالثَّانِي ، يَجِبُ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَتْ نَجَاسَتُهُ ، فَيَجِبُ غَسْلُ مَا أَصَابَهُ ، كَبَوْلِهِ .\r\"","part":21,"page":297},{"id":10297,"text":"( 7710 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِذَا أَرْسَلَ الْبَازِي ، وَمَا أَشْبَهَهُ فَصَادَ وَقَتَلَ ، أَكَلَ ، وَإِنْ أَكَلَ مِنْ الصَّيْدِ ؛ لِأَنَّ تَعْلِيمَهُ بِأَنْ يَأْكُلَ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الصَّيْدِ بِالْبَازِي مَا يُشْتَرَطُ فِي الصَّيْدِ بِالْكَلْبِ ، إلَّا تَرْكُ الْأَكْلِ ، فَلَا يُشْتَرَطُ ، وَيُبَاحُ صَيْدُهُ وَإِنْ أَكَلَ مِنْهُ .\rوَبِهَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ .\rوَإِلَيْهِ ذَهَبَ النَّخَعِيُّ ، وَحَمَّادٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ .\rوَنَصَّ الشَّافِعِيُّ عَلَى أَنَّهُ كَالْكَلْبِ فِي تَحْرِيمِ مَا أَكَلَ مِنْهُ مِنْ صَيْدِهِ ؛ لِأَنَّ مُجَالِدًا رَوَى عَنْ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ ، { عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَإِنْ أَكَلَ الْكَلْبُ وَالْبَازِي ، فَلَا تَأْكُلْ } .\rوَلِأَنَّهُ جَارِحٌ أَكَلَ مِمَّا صَادَهُ عَقِيبَ قَتْلِهِ ، فَأَشْبَهَ سِبَاعَ الْبَهَائِمِ .\rوَلَنَا ، إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ ، رَوَى الْخَلَّالُ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : إذَا أَكَلَ الْكَلْبُ ، فَلَا تَأْكُلْ مِنْ الصَّيْدِ ، وَإِذَا أَكَلَ الصَّقْرُ ، فَكُلْ ؛ لِأَنَّك تَسْتَطِيعُ أَنْ تَضْرِبَ الْكَلْبَ ، وَلَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تَضْرِبَ الصَّقْرَ .\rوَقَدْ ذَكَرْنَا عَنْ أَرْبَعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ إبَاحَةَ مَا أَكَلَ مِنْهُ الْكَلْبُ ، وَخَالَفَهُمْ ابْنُ عَبَّاسٍ فِيهِ وَوَافَقَهُمْ فِي الصَّقْرِ ، وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَحَدٍ فِي عَصْرِهِمْ خِلَافُهُمْ ، وَلِأَنَّ جَوَارِحَ الطَّيْرِ تُعَلَّمُ بِالْأَكْلِ ، وَيَتَعَذَّرُ تَعْلِيمُهَا بِتَرْكِ الْأَكْلِ ، فَلَمْ يَقْدَحْ فِي تَعْلِيمِهَا ، بِخِلَافِ الْكَلْبِ وَالْفَهْدِ .\rوَأَمَّا الْخَبَرُ ، فَلَا يَصِحُّ ، يَرْوِيهِ مُجَالِدٌ ، وَهُوَ ضَعِيفٌ .\rقَالَ أَحْمَدُ : مُجَالِدٌ يُصَيِّرُ الْقِصَّةَ وَاحِدَةً ، كَمْ مِنْ أُعْجُوبَةٍ لِمُجَالِدٍ .\rوَالرِّوَايَاتُ الصَّحِيحَةُ تُخَالِفُهُ ، وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُ الطَّيْرِ عَلَى السِّبَاعِ ؛ لِمَا بَيْنَهُمَا مِنْ الْفَرْقِ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَكُلُّ جَارِحٍ مِنْ الطَّيْرِ أَمْكَنَ تَعْلِيمُهُ ، وَالِاصْطِيَادُ بِهِ ، مِنْ الْبَازِي وَالصَّقْرِ وَالشَّاهِينِ وَالْعُقَابِ ، حَلَّ","part":21,"page":298},{"id":10298,"text":"صَيْدُهَا عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ .","part":21,"page":299},{"id":10299,"text":"( 7711 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَلَا يُؤْكَلُ مَا صِيدَ بِالْكَلْبِ الْأَسْوَدِ ، إذَا كَانَ بَهِيمًا ؛ لِأَنَّهُ شَيْطَانٌ ) الْبَهِيمُ : الَّذِي لَا يُخَالِطُ لَوْنَهُ لَوْنٌ سِوَاهُ .\rقَالَ أَحْمَدُ : الَّذِي لَيْسَ فِيهِ بَيَاضٌ .\rقَالَ ثَعْلَبٌ ، وَإِبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ : كُلُّ لَوْنٍ لَمْ يُخَالِطْهُ لَوْنٌ آخَرُ بَهِيمٌ .\rقِيلَ لَهُمَا : مِنْ كُلِّ لَوْنٍ ؟ قَالَا : نَعَمْ .\rوَمِمَّنْ كَرِهَ صَيْدَهُ الْحَسَنُ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَقَتَادَةُ ، وَإِسْحَاقُ .\rقَالَ أَحْمَدُ : مَا أَعْرِفُ أَحَدًا يُرَخِّصُ فِيهِ .\rيَعْنِي مِنْ السَّلَفِ .\rوَأَبَاحَ صَيْدَهُ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ؛ لِعُمُومِ الْآيَةِ وَالْخَبَرِ وَالْقِيَاسِ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ الْكِلَابِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ كَلْبٌ يَحْرُمُ اقْتِنَاؤُهُ ، وَيَجِبُ قَتْلُهُ ، فَلَمْ يُبَحْ صَيْدُهُ ، كَغَيْرِ الْمُعَلَّمِ ، وَدَلِيلُ تَحْرِيمِ اقْتِنَائِهِ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { فَاقْتُلُوا مِنْهَا كُلَّ أَسْوَدَ بَهِيمٍ } .\rرَوَاهُ سَعِيدٌ ، وَغَيْرُهُ .\rوَرَوَى مُسْلِمٌ ، فِي \" صَحِيحِهِ \" ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُغَفَّلِ ، قَالَ : { أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَتْلِ الْكِلَابِ ، ثُمَّ نَهَى عَنْ قَتْلِهَا ، فَقَالَ : عَلَيْكُمْ بِالْأَسْوَدِ الْبَهِيمِ ، ذِي النُّكْتَتَيْنِ ، فَإِنَّهُ شَيْطَانٌ } .\rفَأَمَرَ بِقَتْلِهِ ، وَمَا وَجَبَ قَتْلُهُ حَرُمَ اقْتِنَاؤُهُ وَتَعْلِيمُهُ ، فَلَمْ يُبَحْ صَيْدُهُ لِغَيْرِ الْمُعَلَّمِ ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَمَّاهُ شَيْطَانًا ، وَلَا يَجُوزُ اقْتِنَاءُ الشَّيْطَانِ ، وَإِبَاحَةُ الصَّيْدِ الْمَقْتُولِ رُخْصَةٌ ، فَلَا تُسْتَبَاحُ بِمُحْرِمِ كَسَائِرِ الرُّخَصِ ، وَالْعُمُومَاتِ مَخْصُوصَةٌ بِمَا ذَكَرْنَاهُ ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ نُكْتَتَانِ فَوْقَ عَيْنَيْهِ ، لَمْ يَخْرُجْ بِذَلِكَ عَنْ كَوْنِهِ نَهْيًا ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ الْخَبَرِ .","part":21,"page":300},{"id":10300,"text":"( 7712 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِذَا أَدْرَكَ الصَّيْدَ وَفِيهِ رُوحٌ ، فَلَمْ يُذَكِّهِ حَتَّى مَاتَ ، لَمْ يُؤْكَلْ ) يَعْنِي ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ، مَا كَانَ فِيهِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ ، فَأَمَّا مَا كَانَتْ حَيَاتُهُ كَحَيَاةِ الْمَذْبُوحِ ، فَهَذَا يُبَاحُ مِنْ غَيْرِ ذَبْحٍ ، فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا ، فَإِنَّ الذَّكَاةَ فِي مِثْلِ هَذَا لَا تُفِيدُ شَيْئًا .\rوَكَذَلِكَ لَوْ ذَبَحَهُ مَجُوسِيٌّ ، ثُمَّ أَعَادَ ذَبْحَهُ مُسْلِمٌ .\rلَمْ يَحِلَّ ، فَأَمَّا إنْ أَدْرَكَهُ وَفِيهِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ ، فَلَمْ يَذْبَحْهُ حَتَّى مَاتَ ، نَظَرْت ؛ فَإِنْ لَمْ يَتَّسِعْ الزَّمَانُ لِذَكَاتِهِ حَتَّى مَاتَ ، حَلَّ أَيْضًا .\rقَالَ قَتَادَةُ : يَأْكُلُهُ مَا لَمْ يَتَوَانَ فِي ذَكَاتِهِ ، أَوْ يَتْرُكْهُ عَمْدًا وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُذَكِّيَهُ .\rوَنَحْوُهُ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ .\rوَرُوِيَ عَنْ الْحَسَنِ ، وَالنَّخَعِيِّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَحِلُّ ؛ لِأَنَّهُ أَدْرَكَهُ حَيًّا حَيَاةً مُسْتَقِرَّةً ، فَتَعَلَّقَتْ إبَاحَتُهُ بِتَذْكِيَتِهِ ، كَمَا لَوْ اتَّسَعَ الزَّمَانُ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى ذَكَاتِهِ بِوَجْهٍ يُنْسَبُ فِيهِ إلَى التَّفْرِيطِ ، وَلَمْ يَتَّسِعْ لَهَا الزَّمَانُ ، فَكَانَ عَقْرُهُ ذَكَاتَهُ ، كَاَلَّذِي قَتَلَهُ .\rوَيُفَارِقُ مَا قَاسُوا عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنَهُ ذَكَاتُهُ ، وَفَرَّطَ بِتَرْكِهَا .\rوَلَوْ أَدْرَكَهُ وَفِيهِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ يَعِيشُ بِهَا طَوِيلًا ، وَأَمْكَنَتْهُ ذَكَاتُهُ ، فَلَمْ يُدْرِكْهُ حَتَّى مَاتَ ، لَمْ يُبَحْ ، سَوَاءٌ كَانَ بِهِ جُرْحٌ يَعِيشُ مَعَهُ أَوْ لَا ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ ، وَاللَّيْثُ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ؛ لِأَنَّ مَا كَانَ كَذَلِكَ .\rفَهُوَ فِي حُكْمِ الْحَيِّ .\rبِدَلِيلِ أَنَّ عُمَرَ .\rرَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .\rكَانَتْ جِرَاحَاتُهُ مُوحِيَةً .\rفَأَوْصَى .\rوَأُجِيزَتْ وَصَايَاهُ وَأَقْوَالُهُ فِي تِلْكَ الْحَالِ .\rوَلَا سَقَطَتْ عَنْهُ الصَّلَاةُ وَالْعِبَادَاتُ .\rوَلِأَنَّهُ تَرَكَ تَذْكِيَتَهُ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهَا .\rفَأَشْبَهَ غَيْرَ الصَّيْدِ .\r( 7713 ) .\rمَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( فَإِنْ لَمْ","part":21,"page":301},{"id":10301,"text":"يَكُنْ مَعَهُ مَا يُذَكِّيه بِهِ .\rأَشْلَى الصَّائِدُ لَهُ عَلَيْهِ .\rحَتَّى يَقْتُلَهُ .\rفَيُؤْكَلَ ) يَعْنِي : أَغْرَى الْكَلْبَ بِهِ .\rوَأَرْسَلَهُ عَلَيْهِ .\rوَمَعْنَى أَشْلَى فِي الْعَرَبِيَّةِ : دَعَا .\rإلَّا أَنَّ الْعَامَّةَ تَسْتَعْمِلُهُ بِمَعْنَى أَغْرَاهُ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنَّ الْخِرَقِيِّ أَرَادَ دَعَاهُ ثُمَّ أَرْسَلَهُ ؛ لِأَنَّ إرْسَالَهُ عَلَى الصَّيْدِ يَتَضَمَّنُ دُعَاءَهُ إلَيْهِ .\rوَاخْتَلَفَ قَوْلُ أَحْمَدَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ .\rفَعَنْهُ مِثْلُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ .\rوَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ .\rوَإِبْرَاهِيمَ .\rوَقَالَ فِي مَوْضِعٍ : إنِّي لَأَقْشَعِرُّ مِنْ هَذَا .\rيَعْنِي أَنَّهُ لَا يَرَاهُ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ؛ لِأَنَّهُ مَقْدُورٌ عَلَيْهِ .\rفَلَمْ يُبَحْ بِقَتْلِ الْجَارِحِ لَهُ .\rكَبَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ .\rوَكَمَا لَوْ أَخَذَهُ سَلِيمًا .\rوَوَجْهُ الْأُولَى .\rأَنَّهُ صَيْدٌ قَتَلَهُ الْجَارِحُ لَهُ مِنْ غَيْرِ إمْكَانِ ذَكَاتِهِ .\rفَأُبِيحَ كَمَا لَوْ أَدْرَكَهُ مَيِّتًا .\rوَلِأَنَّهَا حَالٌ تَتَعَذَّرُ فِيهَا الذَّكَاةُ فِي الْحَلْقِ وَاللَّبَّةِ غَالِبًا .\rفَجَازَ أَنْ تَكُونَ ذَكَاتُهُ عَلَى حَسَبِ الْإِمْكَانِ .\rكَالْمُتَرَدِّيَةِ فِي بِئْرٍ .\rوَحُكِيَ عَنْ الْقَاضِي .\rأَنَّهُ قَالَ فِي هَذَا يَتْرُكُهُ حَتَّى يَمُوتَ فَيَحِلَّ ؛ لِأَنَّهُ صَيْدٌ تَعَذَّرَتْ تَذْكِيَتُهُ .\rفَأُبِيحَ بِمَوْتِهِ مِنْ عَقْرِ الصَّائِدِ لَهُ .\rكَاَلَّذِي تَعَذَّرَتْ تَذْكِيَتُهُ لِقِلَّةِ لبته .\rوَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ؛ لِأَنَّهُ حَيَوَانٌ لَا يُبَاحُ بِغَيْرِ التَّذْكِيَةِ إذَا كَانَ مَعَهُ آلَةُ الذَّكَاةِ .\rفَلَمْ يُبَحْ بِغَيْرِهَا إذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ آلَةٌ .\rكَسَائِرِ الْمَقْدُورِ عَلَى تَذْكِيَتِهِ .\rوَمَسْأَلَةُ الْخِرَقِيِّ مَحْمُولَةٌ عَلَى مَا يُخَافُ مَوْتُهُ إنْ لَمْ يَقْتُلْهُ الْحَيَوَانُ أَوْ يُذَكَّى .\rفَإِنْ كَانَ بِهِ حَيَاةٌ يُمْكِنُ بَقَاؤُهُ إلَى أَنْ يَأْتِيَ بِهِ مَنْزِلَهُ .\rفَلَيْسَ فِيهِ اخْتِلَافٌ أَنَّهُ لَا يُبَاحُ إلَّا بِالذَّكَاةِ .\rلِأَنَّهُ مَقْدُورٌ عَلَى تَذْكِيَتِهِ .","part":21,"page":302},{"id":10302,"text":"( 7714 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِذَا أَرْسَلَ كَلْبَهُ ، فَأَضَافَ مَعَهُ غَيْرَهُ ، لَمْ يُؤْكَلْ إلَّا أَنْ يُدْرِكَ الْحَيَاةَ ، فَيُذَكِّيَ ) مَعْنَى الْمَسْأَلَةِ أَنْ يُرْسِلَ كَلْبَهُ عَلَى صَيْدٍ ، فَيَجِدَ الصَّيْدَ مَيِّتًا ، وَيَجِدَ مَعَ كَلْبِهِ كَلْبًا لَا يَعْرِفُ ، وَلَا يَدْرِي هَلْ وُجِدَتْ فِيهِ شَرَائِطُ صَيْدِهِ أَوْ لَا ، وَلَا يَعْلَمُ أَيُّهُمَا قَتَلَهُ ؟ أَوْ يَعْلَمُ أَنَّهُمَا جَمِيعًا قَتَلَاهُ ، أَوْ أَنَّ قَاتِلَهُ الْكَلْبُ الْمَجْهُولُ ، فَإِنَّهُ لَا يُبَاحُ ، إلَّا أَنْ يُدْرِكَهُ حَيًّا فَيُذَكِّيَهُ .\rوَبِهَذَا قَالَ عَطَاءٌ ، وَالْقَاسِمُ بْنُ مُخَيْمِرَةَ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَلَا نَعْلَمُ لَهُمْ مُخَالِفًا .\rوَالْأَصْلُ فِيهِ مَا رَوَى عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ قَالَ : { سَأَلْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْت : أُرْسِلُ كَلْبِي فَأَجِدُ مَعَهُ كَلْبًا آخَرَ ؟ قَالَ : لَا تَأْكُلْ ، فَإِنَّك إنَّمَا سَمَّيْت عَلَى كَلْبِك ، وَلَمْ تُسَمِّ عَلَى الْآخَرِ } .\rوَفِي لَفْظٍ : { فَإِنْ وَجَدْت مَعَ كَلْبِك كَلْبًا آخَرَ ، فَخَشِيت أَنْ يَكُونَ أَخَذَ مَعَهُ ، وَقَدْ قَتَلَهُ ، فَلَا تَأْكُلْهُ ، فَإِنَّك إنَّمَا ذَكَرْت اسْمَ اللَّهِ عَلَى كَلْبِك } .\rوَفِي لَفْظٍ : \" فَإِنَّك لَا تَدْرِي أَيُّهُمَا قَتَلَ \" .\rأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ، .\rوَلِأَنَّهُ شَكَّ فِي الِاصْطِيَادِ الْمُبِيحِ ، فَوَجَبَ إبْقَاءُ حُكْمِ التَّحْرِيمِ ، فَأَمَّا إنْ عَلِمَ أَنَّ كَلْبَهُ الَّذِي قَتَلَ وَحْدَهُ ، أَوْ أَنَّ الْكَلْبَ الْآخَرَ مِمَّا يُبَاحُ صَيْدُهُ ، أُبِيحَ ؛ بِدَلَالَةِ تَعْلِيلِ تَحْرِيمِهِ : \" فَإِنَّك إنَّمَا سَمَّيْت عَلَى كَلْبِك ، وَلَمْ تُسَمِّ عَلَى الْآخَرِ \" .\rوَقَوْلِهِ : \" فَإِنَّك لَا تَدْرِي أَيُّهُمَا قَتَلَ \" .\rوَلِأَنَّهُ لَمْ يَشُكَّ فِي الْمُبِيحِ ، فَلَمْ يَحْرُمْ ، كَمَا لَوْ كَانَ هُوَ أَرْسَلَ الْكَلْبَيْنِ وَسَمَّى .\rوَلَوْ جَهْلَ حَالَ الْكَلْبِ الْمُشَارِكِ لِكَلْبِهِ ، ثُمَّ انْكَشَفَ لَهُ أَنَّهُ مُسَمًّى عَلَيْهِ ، مُجْتَمِعَةٌ فِيهِ الشَّرَائِطُ ، حَلَّ الصَّيْدُ ، وَلَوْ اعْتَقَدَ حِلَّهُ لِجَهْلِهِ بِمُشَارَكَةِ الْآخَرِ لَهُ ،","part":21,"page":303},{"id":10303,"text":"أَوْ لِاعْتِقَادِهِ أَنَّهُ كَلْبٌ مُسَمًّى عَلَيْهِ ، ثُمَّ بَانَ بِخِلَافِهِ ، حَرُمَ ؛ لِأَنَّ حَقِيقَةَ الْإِبَاحَةِ وَالتَّحْرِيمِ لَا تَتَغَيَّرُ بِاعْتِقَادِهِ خِلَافَهَا ، وَلَا الْجَهْلِ بِوُجُودِهَا .","part":21,"page":304},{"id":10304,"text":"( 7715 ) فَصْلٌ : وَإِنْ أَرْسَلَ كَلْبَهُ ، فَأَرْسَلَ مَجُوسِيٌّ كَلْبَهُ ، فَقَتَلَا صَيْدًا ، لَمْ يَحِلَّ ؛ لِأَنَّ صَيْدَ الْمَجُوسِيِّ حَرَامٌ ، فَإِذَا اجْتَمَعَ الْحَظْرُ وَالْإِبَاحَةُ غَلَبَ الْحَظْرُ ، كَالْمُتَوَلِّدِ بَيْنَ مَا يُؤْكَلُ وَمَا لَا يُؤْكَلُ ، وَلِأَنَّ الْأَصْلَ الْحَظْرُ ، وَالْحِلُّ مَوْقُوفٌ عَلَى شَرْطٍ ، وَهُوَ تَذْكِيَةُ مَنْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الذَّكَاةِ ، أَوْ صَيْدُهُ الَّذِي حَصَلَتْ التَّذْكِيَةُ بِهِ ، وَلَمْ يَتَحَقَّقْ ذَلِكَ .\rوَكَذَلِكَ إنْ رَمَيَاهُ بِسَهْمَيْهِمَا ، فَأَصَابَاهُ ، فَمَاتَ ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَقَعَ سَهْمَاهُمَا فِيهِ دَفْعَةً وَاحِدَةً ، أَوْ يَقَعَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ الْآخَرِ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْأَوَّلُ قَدْ عَقَرَهُ عَقْرًا موحيا ، مِثْلَ أَنْ ذَبَحَهُ ، أَوْ جَعَلَهُ فِي حُكْمِ الْمَذْبُوحِ ، ثُمَّ أَصَابَهُ الثَّانِي وَهُوَ غَيْرُ مَذْبُوحٍ ، فَيَكُونُ الْحُكْمُ لِلْأَوَّلِ ، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ الْمُسْلِمَ ، أُبِيحَ ، وَإِنْ كَانَ الْمَجُوسِيَّ ، لَمْ يُبَحْ .\rوَإِنْ كَانَ الثَّانِي موحيا أَيْضًا ، فَقَالَ أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا : الْحُكْمُ لِلْأَوَّلِ أَيْضًا ؛ لِأَنَّ الْإِبَاحَةَ حَصَلَتْ بِهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَ الثَّانِي غَيْرَ مُوحٍ .\rوَيَجِيءُ عَلَى قَوْلِ الْخِرَقِيِّ أَنَّهُ لَا يُبَاحُ ؛ لِقَوْلِهِ : وَإِذَا ذَبَحَ فَأَتَى عَلَى الْمَقَاتِلِ ، فَلَمْ تَخْرُجْ الرُّوحُ حَتَّى وَقَعَتْ فِي الْمَاءِ ، أَوْ وَطِئَ عَلَيْهَا شَيْءٌ ، لَمْ تُؤْكَلْ .\rوَلِأَنَّ الرُّوحَ خَرَجَتْ بِالْجُرْحَيْنِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ جَرَحَاهُ مَعًا .\rوَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ لَيْسَ بِمُوحٍ ، وَالثَّانِي مُوحٍ ، فَالْحُكْمُ لِلثَّانِي فِي الْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ .\rوَإِنْ أَرْسَلَ الْمُسْلِمُ وَالْمَجُوسِيُّ كَلْبًا وَاحِدًا ، فَقَتَلَ صَيْدًا ، لَمْ يُبَحْ لِذَلِكَ ، وَكَذَلِكَ لَوْ أَرْسَلَهُ مُسْلِمَانِ وَسَمَّى أَحَدُهُمَا دُونَ الْآخَرِ .\rوَكَذَلِكَ لَوْ أَرْسَلَ الْمُسْلِمُ كَلْبَيْنِ ، أَحَدُهُمَا مُعَلَّمٌ وَالْآخَرُ غَيْرُ مُعَلَّمٍ ، فَقَتَلَا صَيْدًا ، لَمْ يَحِلَّ .\rوَكَذَلِكَ إنْ أَرْسَلَ كَلْبَهُ الْمُعَلَّمَ ، فَاسْتَرْسَلَ مَعَهُ مُعَلَّمٌ آخَرُ بِنَفْسِهِ ، فَقَتَلَا الصَّيْدَ","part":21,"page":305},{"id":10305,"text":"، لَمْ يَحِلَّ ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ؛ مِنْهُمْ رَبِيعَةُ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : يَحِلُّ هَاهُنَا .\rوَلَنَا ، أَنَّ إرْسَالَ الْكَلْبِ عَلَى الصَّيْدِ شَرْطٌ لِمَا بَيَّنَّاهُ ، وَلَمْ يُوجَدْ فِي أَحَدِهِمَا .","part":21,"page":306},{"id":10306,"text":"( 7716 ) فَصْلٌ : فَإِنْ أَرْسَلَ مُسْلِمٌ كَلْبَهُ ، وَأَرْسَلَ مَجُوسِيٌّ كَلْبَهُ ، فَرَدَّ كَلْبُ الْمَجُوسِيّ الصَّيْدَ إلَى كَلْبِ الْمُسْلِمِ ، فَقَتَلَهُ ، حَلَّ أَكْلُهُ .\rوَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي ثَوْرٍ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَحِلُّ ؛ لِأَنَّ كَلْبَ الْمَجُوسِيِّ عَاوَنَ فِي اصْطِيَادِهِ ، فَأَشْبَهَ إذَا عَقَرَهُ .\rوَلَنَا ، أَنَّ جَارِحَةَ الْمُسْلِمِ انْفَرَدَتْ بِقَتْلِهِ ، فَأُبِيحَ ، كَمَا لَوْ رَمَى الْمَجُوسِيُّ سَهْمَهُ فَرَدَّ الصَّيْدَ ، فَأَصَابَهُ سَهْمُ مُسْلِمٍ ، فَقَتَلَهُ ، أَوْ أَمْسَكَ مَجُوسِيٌّ شَاةً فَذَبَحَهَا مُسْلِمٌ .\rوَبِهَذَا يَبْطُلُ مَا قَالَهُ .","part":21,"page":307},{"id":10307,"text":"( 7717 ) فَصْلٌ : وَإِذَا صَادَ الْمَجُوسِيُّ بِكَلْبِ مُسْلِمٍ ، لَمْ يُبَحْ صَيْدُهُ .\rفِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا .\rوَإِنْ صَادَ الْمُسْلِمُ ، بِكَلْبِ الْمَجُوسِيِّ ، فَقَتَلَ ، حَلَّ صَيْدُهُ .\rوَبِهَذَا قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ، وَالْحَكَمُ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ : لَا يُبَاحُ .\rوَكَرِهَهُ جَابِرٌ ، وَالْحَسَنُ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنْ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ } .\rوَهَذَا لَمْ يُعَلِّمْهُ .\rوَعَنْ الْحَسَنِ ، أَنَّهُ كَرِهَ الصَّيْدَ بِكَلْبِ الْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ ، لِهَذِهِ الْآيَةِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ آلَةٌ صَادَ بِهَا الْمُسْلِمُ ، فَحَلَّ صَيْدُهُ ، كَالْقَوْسِ وَالسَّهْمِ .\rقَالَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ : هِيَ بِمَنْزِلَةِ شَفْرَتِهِ .\rوَالْآيَةُ دَلَّتْ عَلَى إبَاحَةِ الصَّيْدِ بِمَا عَلَّمْنَاهُ وَمَا عَلَّمَهُ غَيْرُنَا ، فَهُوَ فِي مَعْنَاهُ ، فَيَثْبُتُ الْحَكَمُ بِالْقِيَاسِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ ، يُحَقِّقُهُ أَنَّ التَّعْلِيمَ إنَّمَا أَثَّرَ فِي جَعْلِهِ آلَةً ، وَلَا تُشْرَطُ الْأَهْلِيَّةُ فِي ذَلِكَ ، كَعَمَلِ الْقَوْسِ وَالسَّهْمِ ، وَإِنَّمَا تُشْتَرَطُ فِيمَا أُقِيمَ مُقَامَ الذَّكَاةِ ، وَهُوَ إرْسَالُ الْآلَةِ ، مِنْ الْكَلْبِ وَالسَّهْمِ ، وَقَدْ وُجِدَ الشَّرْطُ هَاهُنَا .","part":21,"page":308},{"id":10308,"text":"( 7718 ) فَصْلٌ : إذَا أَرْسَلَ جَمَاعَةٌ كِلَابًا ، وَسَمَّوْا ، فَوَجَدُوا الصَّيْدَ قَتِيلًا ، لَا يَدْرُونَ مَنْ قَتَلَهُ ، حَلَّ أَكْلُهُ .\rفَإِنْ اخْتَلَفُوا فِي قَاتِلِهِ ، وَكَانَتْ الْكِلَابُ مُتَعَلِّقَةً بِهِ ، فَهُوَ بَيْنَهُمْ عَلَى السَّوَاءِ ؛ لِأَنَّ الْجَمِيعَ مُشْتَرِكَةٌ فِي إمْسَاكِهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَ فِي أَيْدِي الصَّيَّادِينَ أَوْ عَبِيدِهِمْ .\rوَإِنْ كَانَ الْبَعْضُ مُتَعَلِّقًا بِهِ دُونَ بَاقِيهَا ، فَهُوَ لِمَنْ كَلْبُهُ مُتَعَلِّقٌ بِهِ ، وَعَلَى مَنْ حَكَمْنَا لَهُ بِهِ الْيَمِينُ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ ؛ لِأَنَّ دَعْوَاهُ مُحْتَمِلَةٌ ، فَكَانَتْ الْيَمِينُ عَلَيْهِ ، كَصَاحِبِ الْيَدِ .\rوَإِنْ كَانَ قَتِيلًا وَالْكِلَابُ نَاحِيَةً وَقَفَ الْأَمْرُ حَتَّى يَصْطَلِحُوا .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقْرَعَ بَيْنَهُمْ ، فَمَنْ قَرَعَ صَاحِبَهُ حَلَفَ ، وَكَانَ لَهُ .\rوَهَذَا قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ .\rقِيَاسًا عَلَى مَا لَوْ تَدَاعَيَا دَابَّةً فِي يَدِ غَيْرِهِمَا .\rوَعَلَى الْأَوَّلِ ، إذَا خِيفَ فَسَادُهُ ، قَبْلَ اصْطِلَاحِهِمْ عَلَيْهِ ، بَاعُوهُ ، ثُمَّ اصْطَلَحُوا عَلَى ثَمَنِهِ .","part":21,"page":309},{"id":10309,"text":"مَسْأَلَةٌ قَالَ : ( وَإِذَا سَمَّى ، وَرَمَى صَيْدًا ، فَأَصَابَتْ ، غَيْرَهُ ، جَازَ أَكْلُهُ ) وَجُمْلَة ذَلِكَ الْأَمْرِ ، أَنَّ الصَّيْدَ بِالسِّهَامِ وَكُلِّ مُحَدَّدٍ جَائِزٌ ، بِلَا خِلَافٍ ، وَهُوَ دَاخِلٌ فِي مُطْلَقِ قَوْله تَعَالَى : { فَاصْطَادُوا } .\rوَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { فَمَا صِدْت بِقَوْسِك ، وَذَكَرْت اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ ، فَكُلْ } .\rوَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ أَنَّهُ { كَانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَأَى حِمَارًا وَحْشِيًّا ، فَاسْتَوَى عَلَى فَرَسِهِ ، وَأَخَذَ رُمْحَهُ ، ثُمَّ شَدَّ عَلَى الْحِمَارِ فَقَتَلَهُ ، فَلَمَّا أَدْرَكُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَأَلُوهُ عَنْ ذَلِكَ ، فَقَالَ : إنَّمَا هِيَ طُعْمَةٌ أَطْعَمَكُمُوهَا اللَّهُ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَيُعْتَبَرُ فِيهِ مِنْ الشُّرُوطِ مَا ذَكَرْنَا فِي الْجَارِحِ ، إلَّا التَّعْلِيمَ .\rوَتُعْتَبَرُ التَّسْمِيَةُ عِنْدَ إرْسَالِ السَّهْمِ وَالطَّعْنِ إنْ كَانَ بِرُمْحٍ وَالضَّرْبِ إنْ كَانَ مِمَّا يُضْرَبُ ؛ لِأَنَّهُ الْفِعْلُ الصَّادِرُ مِنْهُ .\rوَإِنْ تَقَدَّمَتْ التَّسْمِيَةُ بِزَمَنٍ يَسِيرٍ ، جَازَ ، كَمَا ذَكَرْنَا فِي النِّيَّةِ فِي الْعِبَادَاتِ .\rوَيُعْتَبَرُ أَنْ يَقْصِدَ الصَّيْدَ ، فَلَوْ رَمَى هَدَفًا فَأَصَابَ صَيْدًا ، أَوْ قَصَدَ رَمْيَ إنْسَانٍ أَوْ حَجَرٍ ، أَوْ رَمَى عَبَثًا غَيْرَ قَاصِدٍ صَيْدًا فَقَتَلَهُ ، لَمْ يَحِلَّ .\rوَإِنْ قَصَدَ صَيْدًا ، فَأَصَابَهُ وَغَيْرَهُ ، حَلَّا جَمِيعًا ، وَالْجَارِحُ فِي هَذَا بِمَنْزِلَةِ السَّهْمِ .\rنَصَّ أَحْمَدُ عَلَى هَذِهِ الْمَسَائِلِ .\rوَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ ، وَقَتَادَةَ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيِّ ، إلَّا أَنَّ الشَّافِعِيَّ قَالَ : إذَا أَرْسَلَ الْكَلْبَ عَلَى صَيْدٍ ، فَأَخَذَ آخَرَ فِي طَرِيقِهِ ، حَلَّ ، وَإِنْ عَدَلَ عَنْ طَرِيقِهِ إلَيْهِ ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : إذَا أَرْسَلَ كَلْبَهُ عَلَى صَيْدٍ بِعَيْنِهِ ، فَأَخَذَ غَيْرَهُ ، لَمْ يُبَحْ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ صَيْدَهُ ، إلَّا أَنْ يُرْسِلَهُ عَلَى صُيُودٍ كِبَارٍ ، فَتَتَفَرَّقَ عَنْ صِغَارٍ ، فَإِنَّهَا تُبَاحُ إذَا أَخَذَهَا .","part":21,"page":310},{"id":10310,"text":"وَلَنَا ، عُمُومُ قَوْله تَعَالَى : { فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ } .\rوَقَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { إذَا أَرْسَلْت كَلْبَك ، وَذَكَرْت اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ ، فَكُلْ مِمَّا أَمْسَكَ عَلَيْك } .\rوَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { كُلْ مَا رَدَّتْ عَلَيْك قَوْسُك } .\rوَلِأَنَّهُ أَرْسَلَ آلَةَ الصَّيْدِ عَلَى صَيْدٍ ، فَحَلَّ مَا صَادَهُ ، كَمَا لَوْ أَرْسَلَهَا عَلَى كِبَارٍ فَتَفَرَّقَتْ عَنْ صِغَارٍ فَأَخَذَهَا ، عَلَى مَالِكٍ ، أَوْ كَمَا لَوْ أَخَذَ صَيْدًا فِي طَرِيقِهِ ، عَلَى الشَّافِعِيِّ .\rوَلِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ تَعْلِيمُ الْجَارِحِ اصْطِيَادَ وَاحِدٍ بِعَيْنِهِ دُونَ وَاحِدٍ ، فَسَقَطَ اعْتِبَارُهُ ، فَأَمَّا إنْ أَرْسَلَ سَهْمَهُ أَوْ الْجَارِحَ ، وَلَا يَرَى صَيْدًا ، وَلَا يَعْلَمُهُ ، فَصَادَ ، لَمْ يَحِلَّ صَيْدُهُ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ صَيْدًا ، لِأَنَّ الْقَصْدَ لَا يَتَحَقَّقُ لِمَا لَا يَعْلَمُهُ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْكَلْبِ .\rوَقَالَ الْحَسَنُ ، وَمُعَاوِيَةُ بْنُ قُرَّةَ : يَأْكُلُهُ ؛ لِعُمُومِ الْآيَةِ وَالْخَبَرِ ، وَلِأَنَّهُ قَصَدَ الصَّيْدَ ، فَحَلَّ لَهُ مَا صَادَهُ ، كَمَا لَوْ رَآهُ .\rوَلَنَا ، أَنَّ قَصْدَ الصَّيْدِ شَرْطٌ ، وَلَا يَصِحُّ الْقَصْدُ مَعَ عَدَمِ الْعِلْمِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ يَقْصِدْ الصَّيْدَ .","part":21,"page":311},{"id":10311,"text":"( 7720 ) فَصْلٌ وَإِنْ رَأَى سَوَادًا ، أَوْ سَمِعَ حِسًّا ، فَظَنَّهُ آدَمِيًّا ، أَوْ بَهِيمَةً ، أَوْ حَجَرًا ، فَرَمَاهُ فَقَتَلَهُ ، فَإِذَا هُوَ صَيْدٌ ، لَمْ يُبَحْ .\rوَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يُبَاحُ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يُبَاحُ إنْ كَانَ الْمُرْسَلُ سَهْمًا ، وَلَا يُبَاحُ إنْ كَانَ جَارِحًا .\rوَاحْتَجَّ مَنْ أَبَاحَهُ بِعُمُومِ الْآيَةِ وَالْخَبَرِ ، وَلِأَنَّهُ قَصَدَ الِاصْطِيَادَ ، وَسَمَّى فَأَشْبَهَ مَا لَوْ عَلِمَهُ صَيْدًا وَلَنَا ، أَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ الصَّيْدَ ، فَلَمْ يُبَحْ ، كَمَا لَوْ رَمَى هَدَفًا فَأَصَابَ صَيْدًا ، وَكَمَا فِي الْجَارِحِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ .\rوَإِنْ ظَنَّهُ كَلْبًا أَوْ خِنْزِيرًا ، لَمْ يُبَحْ ؛ لِذَلِكَ .\rوَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ : يُبَاحُ ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا يُبَاحُ قَتْلُهُ .\rوَلَنَا ، مَا تَقَدَّمَ .\rفَأَمَّا إنْ ظَنَّهُ صَيْدًا ، حَلَّ ؛ لِأَنَّهُ ظَنَّ وُجُودَ الصَّيْدِ ، أَشْبَهَ مَا لَوْ رَآهُ .\rوَإِنْ شَكَّ هَلْ هُوَ صَيْدٌ أَوْ لَا ؟ أَوْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ لَيْسَ بِصَيْدٍ ، لَمْ يُبَحْ ؛ لِأَنَّ صِحَّةَ الْقَصْدِ تَنْبَنِي عَلَى الْعِلْمِ ، وَلَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ .\rوَإِنْ رَمَى حَجَرًا يَظُنُّهُ صَيْدًا ، فَقَتَلَ صَيْدًا ، فَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : لَا يُبَاحُ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ صَيْدًا عَلَى الْحَقِيقَةِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يُبَاحَ ؛ لِأَنَّ صِحَّةَ الْقَصْدِ تَنْبِي عَلَى الظَّنِّ ، وَقَدْ وُجِدَ ، فَصَحَّ قَصْدُهُ ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَحِلَّ صَيْدُهُ .","part":21,"page":312},{"id":10312,"text":"( 7721 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ ( وَإِذَا رَمَى ، فَغَابَ عَنْ عَيْنِهِ فَوَجَدَهُ مَيِّتًا سَهْمُهُ فِيهِ وَلَا أَثَرَ بِهِ غَيْرُهُ حَلَّ أُكُلُهُ ) هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ أَحْمَدَ ، وَكَذَلِكَ لَوْ أَرْسَلَ كَلْبَهُ عَلَى صَيْدٍ ، فَغَابَ عَنْ عَيْنِهِ ، ثُمَّ وَجَدَهُ مَيِّتًا ، وَمَعَهُ كَلْبُهُ ، حَلَّ .\rوَهَذَا قَوْلُ الْحَسَنِ ، وَقَتَادَةَ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ ، إنْ غَابَ نَهَارًا ، فَلَا بَأْسَ ، وَإِنْ غَابَ لَيْلًا ، لَمْ يَأْكُلْهُ .\rوَعَنْ مَالِكٍ كَالرِّوَايَتَيْنِ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ إنْ غَابَ مُدَّةً طَوِيلَةً ، لَمْ يُبَحْ ، وَإِنْ كَانَتْ يَسِيرَةً ، أُبِيحَ ؛ لِأَنَّهُ قِيلَ لَهُ : إنْ غَابَ يَوْمًا ؟ قَالَ : يَوْمٌ كَثِيرٌ .\rوَوَجْهُ ذَلِكَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ : إذَا رَمَيْت فَأَقْعَصْت ، فَكُلْ ، وَإِنْ رَمَيْت فَوَجَدْت فِيهِ سَهْمَك مِنْ يَوْمِك أَوْ لَيْلَتِك ، فَكُلْ ، وَإِنْ بَاتَ عَنْك لَيْلَةً ، فَلَا تَأْكُلْ ؛ فَإِنَّك لَا تَدْرِي مَا حَدَثَ فِيهِ بَعْدَ ذَلِكَ .\rوَكَرِهَ عَطَاءٌ وَالثَّوْرِيُّ أَكْلَ مَا غَابَ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ مِثْلُ ذَلِكَ .\rوَلِلشَّافِعِيِّ فِيهِ قَوْلَانِ ؛ لِأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ : كُلْ مَا أَصْمَيْت ، وَمَا أَنْمَيْت فَلَا تَأْكُلْ .\rقَالَ الْحَكَمُ : الْإِصْمَاءُ : الْإِقْعَاصُ .\rيَعْنِي أَنَّهُ يَمُوتُ فِي الْحَالِ .\rوَالْإِنْمَاءُ أَنْ يَغِيبَ عَنْك .\rيَعْنِي أَنَّهُ لَا يَمُوتُ فِي الْحَالِ قَالَ الشَّاعِرُ : فَهُوَ لَا تَنْمِي رَمْيَتُهُ مَالَهُ لَا عُدَّ مِنْ نَفَرِهِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يُبَاحُ إنْ لَمْ يَكُنْ تَرَكَ طَلَبَهُ ، وَإِنْ تَشَاغَلَ عَنْهُ ثُمَّ وَجَدَهُ ، لَمْ يُبَحْ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { إذَا رَمَيْت الصَّيْدَ ، فَوَجَدْته بَعْدَ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ ، لَيْسَ بِهِ إلَّا أَثَرُ سَهْمِك ، فَكُلْ ، وَإِنْ وَجَدْته غَرِيقًا فِي الْمَاءِ ، فَلَا تَأْكُلْ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، { أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَفْتِنِي فِي سَهْمِي .\rقَالَ : مَا","part":21,"page":313},{"id":10313,"text":"رَدَّ عَلَيْك سَهْمُك ، فَكُلْ .\rقَالَ : وَإِنْ تَغَيَّبَ عَنِّي ؟ قَالَ : وَإِنْ تَغَيَّبَ عَنْك ، مَا لَمْ تَجِدْ فِيهِ أَثَرًا غَيْرَ سَهْمِك ، أَوْ تَجِدْهُ قَدْ صَلَّ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَعَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { إذَا رَمَيْت الصَّيْدَ ، فَأَدْرَكْته بَعْدَ ثَلَاثٍ وَسَهْمُك فِيهِ ، فَكُلْهُ ، مَا لَمْ يُنْتِنْ } .\rوَلِأَنَّ جَرْحَهُ بِسَهْمِهِ سَبَبُ إبَاحَتِهِ ، وَقَدْ وُجِدَ يَقِينًا ، وَالْمُعَارِضُ لَهُ مَشْكُوكٌ فِيهِ ، فَلَا تَزُولُ عَنْ الْيَقِينِ بِالشَّكِّ ، وَلِأَنَّهُ وَجَدَهُ وَسَهْمُهُ فِيهِ ، وَلَمْ يَجِدْ بِهِ أَثَرًا آخَرَ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ يَتْرُكْ طَلَبَهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ، أَوْ كَمَا لَوْ غَابَ نَهَارًا ، أَوْ مُدَّةً يَسِيرَةً ، أَوْ كَمَا لَوْ لَمْ يَغِبْ ، إذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي حِلِّهِ شَرْطَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، أَنْ يَجِدَ سَهْمَهُ فِيهِ ، أَوْ أَثَرَهُ وَيَعْلَمَ أَنَّهُ أَثَرُ سَهْمِهِ ، لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ ، فَهُوَ شَاكٌّ فِي وُجُودِ الْمُبِيحِ ، فَلَا يَثْبُتُ بِالشَّكِّ .\rوَالثَّانِي ، أَنْ لَا يَجِدَ بِهِ أَثَرًا غَيْرَ سَهْمِهِ ، مِمَّا يَحْتَمِلُ أَنَّهُ قَتَلَهُ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَا لَمْ تَجِدْ فِيهِ أَثَرًا غَيْرَ سَهْمِك } وَفِي لَفْظٍ : \" وَإِنْ وَجَدْت فِيهِ أَثَرًا غَيْرَ سَهْمِك ، فَلَا تَأْكُلْهُ ، فَإِنَّك لَا تَدْرِي ، أَقَتَلْته أَنْتَ أَوْ غَيْرُك \" .\rرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ .\rوَفِي لَفْظٍ : \" إذَا وَجَدْت فِيهِ سَهْمَك ، وَلَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ سَبُعٌ ، فَكُلْ مِنْهُ \" .\rرَوَاهُ النَّسَائِيّ ، وَفِي حَدِيثِ عَدِيٍّ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : فَإِنْ رَمَيْت الصَّيْدَ ، فَوَجَدْته بَعْدَ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ ، لَيْسَ بِهِ إلَّا أَثَرُ سَهْمِك ، فَكُلْ ، وَإِنْ وَقَعَ الْمَاءَ ، فَلَا تَأْكُلْ } .\rرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ .\rوَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ : \" وَإِنْ وَجَدْته غَرِيقًا فِي الْمَاءِ ، فَلَا تَأْكُلْ \" .\rوَلِأَنَّهُ إذَا كَانَ بِهِ أَثَرٌ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ قَدْ قَتَلَهُ ، فَقَدْ تَحَقَّقَ الْمُعَارِضُ","part":21,"page":314},{"id":10314,"text":"، فَلَمْ يُبَحْ ، كَمَا لَوْ وَجَدَ مَعَ كَلْبِهِ كَلْبًا سِوَاهُ ، فَأَمَّا إنْ كَانَ الْأَثَرُ مِمَّا لَا يَقْتُلُ مِثْلُهُ ، مِثْلُ أَكْلِ حَيَوَانٍ ضَعِيفٍ ، كَالسِّنَّوْرِ وَالثَّعْلَبِ ، مِنْ حَيَوَانٍ قَوِيٍّ ، فَهُوَ مُبَاحٌ ؛ لِأَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ هَذَا لَمْ يَقْتُلْهُ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ تَهَشَّمَ مِنْ وَقْعَتِهِ .","part":21,"page":315},{"id":10315,"text":"( 7722 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ \" ( وَإِذَا رَمَاهُ ، فَوَقَعَ فِي مَاءٍ ، أَوْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ ، لَمْ يُؤْكَلْ ) يَعْنِي وَقَعَ فِي مَاءٍ يَقْتُلُهُ مِثْلُهُ ، أَوْ تَرَدَّى تَرَدِّيًا يَقْتُلُهُ مِثْلُهُ .\rوَلَا فَرْقَ فِي قَوْلِ الْخِرَقِيِّ بَيْنَ كَوْنِ الْجِرَاحَةِ مُوحِيَةً أَوْ غَيْرَ مُوحِيَةٍ .\rهَذَا الْمَشْهُورُ عَنْ أَحْمَدَ ، وَظَاهِرُ قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَعَطَاءٍ ، وَرَبِيعَةَ ، وَإِسْحَاقَ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَأَكْثَرُ أَصْحَابِنَا الْمُتَأَخِّرِينَ يَقُولُونَ : إنْ كَانَتْ الْجِرَاحَةُ مُوحِيَةً ، مِثْلُ أَنْ ذَبَحَهُ أَوْ أَبَانَ حَشْوَتَهُ ، لَمْ يَضُرَّ وُقُوعُهُ فِي الْمَاءِ وَلَا تَرَدِّيه .\rوَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَمَالِكٍ ، وَاللَّيْثِ ، وَقَتَادَةَ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ؛ لِأَنَّ هَذَا صَارَ فِي حُكْمِ الْمَيِّتِ بِالذَّبْحِ ، فَلَا يُؤَثِّرُ فِيهِ مَا أَصَابَهُ .\rوَوَجْهُ الْأَوَّلِ ، قَوْلُهُ : \" وَإِنْ وَقَعَ فِي الْمَاءِ ، فَلَا تَأْكُلْ \" .\rوَلِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنَّ الْمَاءَ أَعَانَ عَلَى خُرُوجِ رُوحِهِ ، فَصَارَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ كَانَتْ الْجِرَاحَةُ غَيْرَ مُوحِيَةٍ ، وَلَا خِلَافَ فِي تَحْرِيمِهِ إذَا كَانَتْ الْجِرَاحَةُ غَيْرَ مُوحِيَةٍ .\rوَلَوْ وَقَعَ الْحَيَوَانُ فِي الْمَاءِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَقْتُلُهُ ، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ رَأْسُهُ خَارِجًا مِنْ الْمَاءِ ، أَوْ يَكُونَ مِنْ طَيْرِ الْمَاءِ الَّذِي لَا يَقْتُلُهُ الْمَاءُ ، أَوْ كَانَ التَّرَدِّي لَا يَقْتُلُ مِثْلَ ذَلِكَ الْحَيَوَانِ ، فَلَا خِلَافَ فِي إبَاحَتِهِ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : \" فَإِنْ وَجَدْته غَرِيقًا فِي الْمَاءِ فَلَا تَأْكُلْهُ \" وَلِأَنَّ الْوُقُوعَ فِي الْمَاءِ وَالتَّرَدِّي إنَّمَا حُرِّمَ خَشْيَةَ أَنْ يَكُونَ قَاتِلًا أَوْ مُعِينًا عَلَى الْقَتْلِ ، وَهَذَا مُنْتَفٍ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ .","part":21,"page":316},{"id":10316,"text":"( 7723 ) فَصْلٌ : فَإِنْ رَمَى طَائِرًا فِي الْهَوَاءِ ، أَوْ عَلَى شَجَرَةٍ ، أَوْ جَبَلٍ ، فَوَقَعَ إلَى الْأَرْضِ ، فَمَاتَ ، حَلَّ ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ وَقَالَ مَالِكٌ : لَا يَحِلُّ ، إلَّا أَنْ تَكُونَ الْجِرَاحَةُ مُوحِيَةً ، أَوْ يَمُوتَ قَبْلَ سُقُوطِهِ ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَالْمُتَرَدِّيَةُ } .\rوَلِأَنَّهُ اجْتَمَعَ الْمُبِيحُ وَالْحَاظِرُ ، فَغُلِّبَ الْحَظْرُ ، كَمَا لَوْ غَرِقَ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ صَيْدٌ سَقَطَ بِالْإِصَابَةِ سُقُوطًا لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازِ عَنْ سُقُوطِهِ عَلَيْهِ ، فَوَجَبَ أَنْ يَحِلَّ ، كَمَا لَوْ أَصَابَ الصَّيْدَ فَوَقَعَ عَلَى جَنْبِهِ .\rوَيُخَالِفُ مَا ذَكَرُوهُ ، فَإِنَّ الْمَاءَ يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ ، وَهُوَ قَاتِلٌ ، بِخِلَافِ الْأَرْضِ .","part":21,"page":317},{"id":10317,"text":"( 7724 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِذَا رَمَى صَيْدًا ، فَقَتَلَ جَمَاعَةً ، فَكُلُّهُ حَلَالٌ ) قَدْ سَبَقَ شَرْحُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ، فِيمَا إذَا رَمَى صَيْدًا فَأَصَابَ غَيْرَهُ .","part":21,"page":318},{"id":10318,"text":"( 7725 ) فَصْلٌ : قَالَ أَحْمَدُ : لَا بَأْسَ بِصَيْدِ اللَّيْلِ .\rفَقِيلَ لَهُ : قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { أَقِرُّوا الطَّيْرَ عَلَى وُكُنَاتِهَا } .\rفَقَالَ : هَذَا كَانَ أَحَدُكُمْ يُرِيدُ الْأَمْرَ ، فَيُثِيرُ الطَّيْرَ حَتَّى يَتَفَاءَلَ ، إنْ كَانَ عَنْ يَمِينِهِ قَالَ كَذَا ، وَإِنْ جَاءَ عَنْ يَسَارِهِ قَالَ كَذَا ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { أَقِرُّوا الطَّيْرَ عَلَى وُكُنَاتِهَا } .\rوَرُوِيَ لَهُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { لَا تَطْرُقُوا الطَّيْرَ فِي أَوْكَارِهَا ؛ فَإِنَّ اللَّيْلَ لَهَا أَمَانٌ } .\rفَقَالَ : هَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ ، يَرْوِيه فُرَاتُ بْنُ السَّائِبِ ، وَلَيْسَ بِشَيْءٍ ، وَرَوَاهُ عَنْهُ حَفْصُ بْنُ عُمَرَ ، وَلَا أَعْرِفُهُ .\rقَالَ يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ : مَا عَلِمْت أَنَّ أَحَدًا كَرِهَ صَيْدَ اللَّيْلِ .\rوَقَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ : لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ .\rوَسُئِلَ : هَلْ يُكْرَهُ لِلرَّجُلِ صَيْدُ الْفِرَاخِ الصِّغَارِ ، مِثْلُ الورشان وَغَيْرِهِ ؟ يَعْنِي مِنْ أَوْكَارِهَا .\rفَلَمْ يَكْرَهْهُ .","part":21,"page":319},{"id":10319,"text":"( 7726 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِذَا رَمَى صَيْدًا ، فَأَبَانَ مِنْهُ عُضْوًا ، لَمْ يُؤْكَلْ مَا أَبَانَ مِنْهُ وَيُؤْكَلُ مَا سِوَاهُ ، فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ ، وَالْأُخْرَى يَأْكُلُهُ وَمَا أَبَانَ مِنْهُ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ إذَا رَمَى صَيْدًا ، أَوْ ضَرَبَهُ ، فَبَانَ بَعْضُهُ ، لَمْ يَخْلُ مِنْ أَحْوَالٍ ثَلَاثَةٍ ؛ أَحَدُهُمَا ، أَنْ يَقْطَعَهُ قِطْعَتَيْنِ ، أَوْ يَقْطَعَ رَأْسَهُ ، فَهَذَا جَمِيعُهُ حَلَالٌ ، سَوَاءٌ كَانَتْ الْقِطْعَتَانِ مُتَسَاوِيَتَيْنِ أَوْ مُتَفَاوِتَتَيْنِ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عِكْرِمَةَ ، وَالنَّخَعِيِّ ، وَقَتَادَةَ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إنْ كَانَتَا مُتَسَاوِيَتَيْنِ ، أَوْ الَّتِي مَعَ الرَّأْسِ أَقَلَّ ، حَلَّتَا ، وَإِنْ كَانَتْ الْأُخْرَى أَقَلَّ ، لَمْ يَحِلَّ ، وَحَلَّ الرَّأْسُ وَمَا مَعَهُ ، لِأَنَّ { النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَا أُبِينَ مِنْ حَيٍّ فَهُوَ مَيِّتٌ } .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ جُزْءٌ لَا تَبْقَى فِيهِ الْحَيَاةُ مَعَ فَقْدِهِ ، فَأُبِيحَ ، كَمَا لَوْ تَسَاوَتْ الْقِطْعَتَانِ .\rالْحَالُ الثَّانِي ، أَنْ يَبِينَ مِنْهُ عُضْوٌ ، وَتَبْقَى فِيهِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ ، فَالْبَائِنُ مُحَرَّمٌ بِكُلِّ حَالٍ ، سَوَاءٌ بَقِيَ الْحَيَوَانُ حَيًّا ، أَوْ أَدْرَكَهُ فَذَكَّاهُ ، أَوْ رَمَاهُ بِسَهْمٍ آخَرَ فَقَتَلَهُ ، إلَّا أَنَّهُ إنْ ذَكَّاهُ حَلَّ بِكُلِّ حَالٍ دُونَ مَا أَبَانَ مِنْهُ .\rوَإِنْ ضَرَبَهُ فِي غَيْرِ مَذْبَحِهِ فَقَتَلَهُ ، نَظَرْت ؛ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَثْبَتَهُ بِالضَّرْبَةِ الْأُولَى حَلَّ ، دُونَ مَا أَبَانَ مِنْهُ ، وَإِنْ كَانَ أَثْبَتَهُ ، لَمْ يَحِلَّ شَيْءٌ مِنْهُ ؛ لِأَنَّ ذَكَاةَ الْمَقْدُورِ عَلَيْهِ فِي الْحَلْقِ وَاللَّبَّةِ .\rالْحَالُ الثَّالِثُ ، أَبَانَ مِنْهُ عُضْوًا ، وَلَمْ تَبْقَ فِيهِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ ، فَهَذِهِ الَّتِي ذَكَرَ الْخِرَقِيِّ فِيهَا رِوَايَتَيْنِ ؛ أَشْهَرُهُمَا عَنْ أَحْمَدَ ، إبَاحَتُهُمَا .\rقَالَ أَحْمَدُ : إنَّمَا حَدِيثُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَا قَطَعْت مِنْ الْحَيِّ مَيْتَةٌ .\rإذَا قُطِعَتْ وَهِيَ حَيَّةٌ ، تَمْشِي وَتَذْهَبُ .\r} أَمَّا إذَا كَانَتْ","part":21,"page":320},{"id":10320,"text":"الْبَيْنُونَةُ وَالْمَوْتُ جَمِيعًا ، أَوْ بَعْدَهُ بِقَلِيلٍ ، إذَا كَانَ فِي عِلَاجِ الْمَوْتِ ، فَلَا بَأْسَ بِهِ ، أَلَا تَرَى الَّذِي يُذْبَحُ رُبَّمَا مَكَثَ سَاعَةً ، وَرُبَّمَا مَشَى حَتَّى يَمُوتَ ، وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ ، وَعَطَاءٍ ، وَالْحَسَنِ .\rوَقَالَ قَتَادَةُ ، وَإِبْرَاهِيمُ ، وَعِكْرِمَةُ : إنْ وَقَعَا مَعًا أَكَلَهُمَا ، وَإِنْ مَشَى بَعْدَ قَطْعِ الْعُضْوِ أَكَلَهُ ، وَلَمْ يَأْكُلْ الْعُضْوَ .\rوَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ ، لَا يُبَاحُ مَا بَانَ مِنْهُ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَا أُبِينَ مِنْ حَيٍّ فَهُوَ مَيِّتٌ } .\rوَلِأَنَّ هَذِهِ الْبَيْنُونَةَ لَا تَمْنَعُ بَقَاءَ الْحَيَوَانِ فِي الْعَادَةِ ، فَلَمْ يُبَحْ أَكْلُ الْبَائِنِ ، كَمَا لَوْ أَدْرَكَهُ الصَّيَّادُ وَفِيهِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ .\rوَالْأُولَى الْمَشْهُورَةُ ؛ لِأَنَّ مَا كَانَ ذَكَاةً لِبَعْضِ الْحَيَوَانِ ، كَانَ ذَكَاةً لِجَمِيعِهِ ، كَمَا لَوْ قَدَّهُ نِصْفَيْنِ ، وَالْخَبَرُ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الْبَاقِي حَيًّا ، حَتَّى يَكُونَ الْمُنْفَصِلُ مِنْهُ مَيِّتًا ، وَكَذَا نَقُولُ ، قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : فَإِنْ بَقِيَ مُعَلَّقًا بِجِلْدِهِ ، حَلَّ رِوَايَةً وَاحِدَةً .","part":21,"page":321},{"id":10321,"text":"( 7727 ) فَصْلٌ : قَالَ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ الْحَسَنِ ، أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى بِالطَّرِيدَةِ بَأْسًا ، كَانَ الْمُسْلِمُونَ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ فِي مَغَازِيهِمْ ، وَمَا زَالَ النَّاسُ يَفْعَلُونَهُ فِي مَغَازِيهِمْ .\rوَاسْتَحْسَنَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ .\rقَالَ : وَالطَّرِيدَةُ الصَّيْدُ يَقَعُ بَيْنَ الْقَوْمِ ، فَيَقْطَعُ ذَا مِنْهُ بِسَيْفِهِ قِطْعَةً ، وَيَقْطَعُ الْآخَرُ أَيْضًا ، حَتَّى يُؤْتَى عَلَيْهِ وَهُوَ حَيٌّ .\rقَالَ : وَلَيْسَ هُوَ عِنْدِي إلَّا أَنَّ الصَّيْدَ يَقَعُ بَيْنَهُمْ ، لَا يَقْدِرُونَ عَلَى ذَكَاتِهِ ، فَيَأْخُذُونَهُ قِطَعًا .","part":21,"page":322},{"id":10322,"text":"( 7728 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَكَذَلِكَ إذَا نَصَبَ الْمَنَاجِلَ لِلصَّيْدِ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ إذَا نَصَبَ الْمَنَاجِلَ لِلصَّيْدِ ، فَعَقَرَتْ صَيْدًا ، أَوْ قَتَلَتْهُ ، حَلَّ .\rفَإِنْ بَانَ مِنْهُ عُضْوٌ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْبَائِنِ بِضَرْبَةِ الصَّائِدِ .\rرُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ .\rوَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ ، وَقَتَادَةَ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يُبَاحُ بِحَالٍ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُذَكِّهِ أَحَدٌ ، وَإِنَّمَا قَتَلْت الْمَنَاجِلُ بِنَفْسِهَا ، وَلَمْ يُوجَدْ مِنْ الصَّائِدِ إلَّا السَّبَبُ ، فَجَرَى ذَلِكَ مَجْرَى مَنْ نَصَبَ سِكِّينًا ، فَذَبَحَتْ شَاةً ، وَلِأَنَّهُ لَوْ رَمَى سَهْمًا وَهُوَ لَا يَرَى صَيْدًا ، فَقَتَلَ صَيْدًا ، لَمْ يَحِلَّ ، فَهَذَا أَوْلَى .\rوَلَنَا ، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { كُلْ مَا رَدَّتْ عَلَيْك يَدُك } .\rوَلِأَنَّهُ قَتَلَ الصَّيْدَ بِحَدِيدَةٍ عَلَى الْوَجْهِ الْمُعْتَادِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ رَمَاهُ بِهَا ، وَلِأَنَّهُ قَصَدَ قَتْلَ الصَّيْدِ بِمَا لَهُ حَدٌّ جَرَتْ الْعَادَةُ بِالصَّيْدِ بِهِ ، أَشْبَهَ مَا ذَكَرْنَا ، وَالسَّبَبُ جَرَى مَجْرَى الْمُبَاشَرَةِ فِي الضَّمَانِ ، فَكَذَلِكَ فِي إبَاحَةِ الصَّيْدِ ، وَفَارَقَ مَا إذَا نَصَبَ سِكِّينًا ؛ فَإِنَّ الْعَادَةَ لَمْ تَجْرِ بِالصَّيْدِ بِهَا ، وَإِذَا رَمَى سَهْمًا ، وَلَمْ يَرَ صَيْدًا ، فَلَيْسَ ذَلِكَ بِمُعْتَادٍ ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يُصِيبُ صَيْدًا ، فَلَمْ يَصِحَّ قَصْدُهُ ، وَهَذَا بِخِلَافِهِ .","part":21,"page":323},{"id":10323,"text":"( 7729 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا مَا قَتَلَتْهُ الشَّبَكَةُ أَوْ الْحَبْلُ ، فَهُوَ مُحَرَّمٌ .\rلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا ، إلَّا عَنْ الْحَسَنِ ، أَنَّهُ يُبَاحُ مَا قَتَلَهُ الْحَبْلُ إذَا سَمَّى ، فَدَخَلَ فِيهِ وَجَرَحَهُ .\rوَهَذَا قَوْلٌ شَاذٌّ ، يُخَالِفُ عَوَامَّ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَلِأَنَّهُ قَتَلَهُ بِمَا لَيْسَ لَهُ حَدٌّ ، أَشْبَهَ مَا لَوْ قَتَلَهُ بِالْبُنْدُقِ .","part":21,"page":324},{"id":10324,"text":"( 7730 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِذَا صَادَ بِالْمِعْرَاضِ ، أَكَلَ مَا قَتَلَ بِحَدِّهِ ، وَلَا يَأْكُلُ مَا قَتَلَ بِعَرْضِهِ ) الْمِعْرَاضُ : عُودٌ مُحَدَّدٌ ، وَرُبَّمَا جُعِلَ فِي رَأْسِهِ حَدِيدَةٌ .\rقَالَ أَحْمَدُ : الْمِعْرَاضُ يُشْبِهُ السَّهْمَ ، يُحْذَفُ بِهِ الصَّيْدُ بِحَدِّهِ ، فَرُبَّمَا خَرَقَ وَقَتَلَ ، فَيُبَاحُ ، وَرُبَّمَا أَصَابَ بِعَرْضِهِ ، فَقَتَلَ بِثِقَلِهِ ، فَيَكُونُ مَوْقُوذًا ، فَلَا يُبَاحُ .\rوَهَذَا قَوْلُ عَلِيٍّ وَعُثْمَانَ ، وَعَمَّارٍ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ .\rوَبِهِ قَالَ النَّخَعِيُّ ، وَالْحَكَمُ ، وَمَالِكٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ .\rوَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ ، وَأَهْلُ الشَّامِ : يُبَاحُ مَا قَتَلَهُ بِحَدِّهِ وَعَرْضِهِ .\rوَقَالَ ابْنُ عُمَرَ : مَا رُمِيَ مِنْ الصَّيْدِ بجلاهق أَوْ مِعْرَاضٍ ، فَهُوَ مِنْ الْمَوْقُوذَةِ .\rوَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ ، قَالَ : { سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ صَيْدِ الْمِعْرَاضِ ، فَقَالَ : مَا خَرَقَ فَكُلْ ، وَمَا قَتَلَ بِعَرْضِهِ فَهُوَ وَقِيذٌ ، فَلَا تَأْكُلْ } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَهَذَا نَصٌّ ، وَلِأَنَّ مَا قَتَلَهُ بِحَدِّهِ بِمَنْزِلَةِ مَا طَعَنَهُ بِرُمْحِهِ ، أَوْ رَمَاهُ بِسَهْمِهِ ، وَلِأَنَّهُ مُحَدَّدٌ خَرَقَ وَقَتَلَ بِحَدِّهِ ، وَمَا قَتَلَ بِعَرْضِهِ إنَّمَا يَقْتُلُهُ بِثِقَلِهِ .\rفَهُوَ مَوْقُوذٌ ، كَاَلَّذِي رَمَاهُ بِحَجَرٍ أَوْ بِبُنْدُقَةٍ .","part":21,"page":325},{"id":10325,"text":"( 7731 ) فَصْلٌ : قَالَ وَحُكْمُ سَائِرِ آلَاتِ الصَّيْدِ حُكْمُ الْمِعْرَاضِ ، فِي أَنَّهَا إذَا قَتَلَتْ بِعَرْضِهَا وَلَمْ تَجْرَحْ ، لَمْ يُبَحْ الصَّيْدُ ، كَالسَّهْمِ يُصِيبُ الطَّائِرَ بِعَرْضِهِ فَيَقْتُلُهُ ، وَالرُّمْحِ وَالْحَرْبَةِ وَالسَّيْفِ يُضْرَبُ بِهِ صَفْحًا فَيَقْتُلُ ، فَكُلُّ ذَلِكَ حَرَامٌ .\rوَهَكَذَا إنْ أَصَابَ بِحَدِّهِ فَلَمْ يَجْرَحْ ، وَقَتَلَ بِثِقَلِهِ ، لَمْ يُبَحْ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَا خَرَقَ ، فَكُلْ } .\rوَلِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَجْرَحْهُ ، فَإِنَّمَا يَقْتُلُهُ بِثِقَلِهِ ، فَأَشْبَهَ مَا أَصَابَ بِعَرْضِهِ .","part":21,"page":326},{"id":10326,"text":"( 7732 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِذَا رَمَى صَيْدًا فَعَقَرَهُ ، وَرَمَاهُ آخَرُ فَأَثْبَتَهُ ، وَرَمَاهُ آخَرُ فَقَتَلَهُ ، لَمْ يُؤْكَلْ ، وَكَانَ لِمَنْ أَثْبَتَهُ الْقِيمَةُ مَجْرُوحًا عَلَى قَاتِلِهِ ) أَمَّا الَّذِي عَقَرَهُ وَلَمْ يُثْبِتْهُ ، فَلَا شَيْءَ لَهُ وَلَا عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ حِينَ ضَرَبَهُ كَانَ مُبَاحًا لَا مِلْكَ لِأَحَدٍ فِيهِ ، وَلَمْ يَثْبُتْ لَهُ فِيهِ حَقٌّ ؛ لِأَنَّهُ بَاقٍ عَلَى امْتِنَاعِهِ ، وَأَمَّا الَّذِي أَثْبَتَهُ فَقَدْ مَلَكَهُ ؛ لِأَنَّهُ أَزَالَ امْتِنَاعَهُ ، فَصَارَ بِمَنْزِلَةِ إمْسَاكِهِ ، فَإِذَا ضَرَبَهُ الثَّالِثُ فَقَتَلَهُ ، فَعَلَيْهِ ضَمَانُهُ ؛ لِأَنَّهُ قَتَلَ حَيَوَانًا مَمْلُوكًا لِغَيْرِهِ .\rوَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ جُرْحَ الْمُثْبَتِ لَيْسَ بِمُوحٍ ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ نَسَبَ الْقَتْلَ إلَى الثَّالِثِ ، وَيَضْمَنُهُ مَجْرُوحًا حِينَ الْجُرْحِ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي ؛ لِأَنَّهُ قَتَلَهُ وَهُمَا فِيهِ .\rفَأَمَّا إبَاحَتُهُ ، فَيُنْظَرُ فِيهِ ، فَإِنْ كَانَ الْقَاتِلُ أَصَابَ مَذْبَحَهُ حَلَّ ؛ لِأَنَّهُ صَادَفَ مَحَلَّ الذَّبْحِ ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا أَرْشُ ذَبْحِهِ ، كَمَا لَوْ ذَبَحَ شَاةً لِغَيْرِهِ ، وَإِنْ كَانَ أَصَابَ غَيْرَ مَذْبَحِهِ لَمْ يَحِلَّ ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا أَثْبَتَهُ صَارَ مَقْدُورًا عَلَيْهِ لَا يَحِلُّ إلَّا بِالذَّبْحِ فِي الْحَلْقِ وَاللَّبَّةِ ، فَإِذَا قَتَلَهُ بِغَيْرِ ذَلِكَ لَمْ يَحِلَّ ، كَمَا لَوْ قَتَلَ شَاةً .\rوَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٍ .","part":21,"page":327},{"id":10327,"text":"( 7733 ) فَصْلٌ : وَإِنْ رَمَى صَيْدًا فَأَثْبَتَهُ ، ثُمَّ رَمَاهُ آخَرُ فَأَصَابَهُ ، لَمْ تَخْلُ رَمْيَةُ الْأَوَّلِ مِنْ قِسْمَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، أَنْ تَكُونَ مُوحِيَةً ، مِثْلُ أَنْ تَنْحَرَهُ ، أَوْ تَذْبَحَهُ ، أَوْ تَقَعَ فِي خَاصِرَتِهِ أَوْ قَلْبِهِ ، فَيُنْظَرَ فِي رَمْيَةِ الثَّانِي ، فَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مُوحِيَةٍ ، فَهُوَ حَلَالٌ ، وَلَا ضَمَانَ عَلَى الثَّانِي ، إلَّا أَنْ يُنْقِصَهُ بِرَمْيِهِ شَيْئًا ، فَيَضْمَنَ مَا نَقَصَهُ ؛ لِأَنَّهُ بِالرَّمْيَةِ الْأُولَى صَارَ مَذْبُوحًا .\rوَإِنْ كَانَتْ رَمْيَةُ الثَّانِي مُوحِيَةً ، فَقَالَ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ : يَحِلُّ ، كَاَلَّتِي قَبْلَهَا .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rوَيَجِيءُ عَلَى قَوْلِ الْخِرَقِيِّ أَنْ يَكُونَ حَرَامًا ، كَقَوْلِهِ فِي مَنْ ذَبَحَ ، فَأَتَى عَلَى الْمَقَاتِلِ ، فَلَمْ تَخْرُجْ الرُّوحُ حَتَّى وَقَعَتْ فِي الْمَاءِ ، أَوْ وَطِئَ عَلَيْهَا شَيْءٌ ، لَمْ يُؤْكَلْ .\rالْقِسْمُ الثَّانِي ، أَنْ يَكُونَ جُرْحُ الْأَوَّلِ غَيْرَ مُوحٍ ، فَيُنْظَرَ فِي رَمْيَةِ الثَّانِي ، فَإِنْ كَانَتْ مُوحِيَةً ، فَهُوَ مُحَرَّمٌ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا ، إلَّا أَنْ تَكُونَ ذَبَحَتْهُ أَوْ نَحَرَتْهُ ، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مُوحِيَةٍ ، فَلَهَا ثَلَاثُ صُوَرٍ ؛ إحْدَاهَا ، أَنَّهُ ذُكِّيَ بَعْدَ ذَلِكَ ، فَيَحِلُّ .\rوَالثَّانِيَةُ ، لَمْ يُذَكَّ حَتَّى مَاتَ ، فَإِنَّهُ يَحْرُمُ ؛ لِأَنَّهُ مَاتَ مِنْ جُرْحَيْنِ ؛ مُبِيحٍ وَمُحَرِّمٍ ، فَحَرُمَ ، كَمَا لَوْ مَاتَ مِنْ جُرْحِ مُسْلِمٍ وَمَجُوسِيٍّ ، وَعَلَى الثَّانِي ضَمَانُ جَمِيعِهِ ؛ لِأَنَّ جُرْحَهُ هُوَ الَّذِي حَرَّمَهُ ، فَكَانَ جَمِيعُ الضَّمَانِ عَلَيْهِ .\rوَالثَّالِثَةُ ، قَدَرَ عَلَى ذَكَاتِهِ فَلَمْ يُذَكِّهِ حَتَّى مَاتَ ، حَرُمَ لِمَعْنَيَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، أَنَّهُ تَرَكَ ذَكَاتَهُ مَعَ إمْكَانِهَا .\rوَالثَّانِي ، أَنَّهُ مَاتَ مِنْ جُرْحَيْنِ ؛ مُبِيحٍ ، وَمُحَرِّمٍ ، وَيَلْزَمُ الثَّانِيَ الضَّمَانُ ، وَفِي قَدْرِهِ احْتِمَالَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، يَضْمَنُ جَمِيعَهُ ، كَاَلَّتِي قَبْلَهَا .\rقَالَ الْقَاضِي : هَذَا قَوْلُ الْخِرَقِيِّ ؛ لِإِيجَابِهِ الضَّمَانَ فِي مَسْأَلَتِهِ عَلَى الثَّالِثِ مِنْ غَيْرِ تَفْرِيقٍ .\rوَلَيْسَتْ هَذِهِ","part":21,"page":328},{"id":10328,"text":"مَسْأَلَةُ الْخِرَقِيِّ لِقَوْلِهِ : ثُمَّ رَمَاهُ الثَّالِثُ فَقَتَلَهُ .\rفَتَعَيَّنَ حَمْلُهَا عَلَى أَنَّ جُرْحَ الثَّانِي كَانَ مُوحِيًا لَا غَيْرُ .\rالِاحْتِمَالُ الثَّانِي ، أَنْ يَضْمَنَ الثَّانِي بِقِسْطِ جُرْحِهِ ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ إذَا تَرَكَ الذَّبْحَ مَعَ إمْكَانِهِ ، صَارَ جُرْحُهُ حَاظِرًا أَيْضًا ، بِدَلِيلِ مَا لَوْ انْفَرَدَ وَقَتَلَ الصَّيْدَ ، فَيَكُونُ الضَّمَانُ مُنْقَسِمًا عَلَيْهِمَا ، وَذَكَرَ الْقَاضِي ، فِي قِسْمَتِهِ عَلَيْهِمَا ، أَنَّهُ يُقَسِّطُ أَرْشَ جُرْحِ الْأَوَّلِ ، وَعَلَى الثَّانِي أَرْشُ جِرَاحَتِهِ ، ثُمَّ يُقْسَمُ مَا بَقِيَ مِنْ الْقِيمَةِ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ .\rوَفَرَضَ الْمَسْأَلَةَ فِي صَيْدٍ قِيمَتُهُ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ ، نَقَصَهُ جُرْحُ الْأَوَّلِ دِرْهَمًا ، وَنَقَصَهُ جُرْحُ الثَّانِي دِرْهَمًا ، فَعَلَيْهِ دِرْهَمٌ ، وَيُقْسَمُ الْبَاقِي وَهُوَ ثَمَانِيَةٌ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ ، فَيَكُونُ عَلَى الثَّانِي خَمْسَةُ دَرَاهِمَ ؛ دِرْهَمٌ بِالْمُبَاشَرَةِ ، وَأَرْبَعَةٌ بِالسِّرَايَةِ ، وَتَسْقُطُ حِصَّةُ الْأَوَّلِ وَهِيَ خَمْسَةٌ ، وَإِنْ كَانَ أَرْشُ جُرْحِ الثَّانِي دِرْهَمَيْنِ ، لَزِمَاهُ ، وَيَلْزَمُهُ نِصْفُ السَّبْعَةِ الْبَاقِيَةِ ، ثَلَاثَةٌ وَنِصْفٌ ، فَيَلْزَمُهُ خَمْسَةٌ وَنِصْفٌ ، وَتَسْقُطُ حِصَّةُ الْأَوَّلِ أَرْبَعَةٌ وَنِصْفٌ .\rوَإِنْ كَانَتْ جِنَايَتُهُمَا عَلَى حَيَوَانٍ مَمْلُوكٍ لِغَيْرِهِمَا ، قُسِمَ الضَّمَانُ عَلَيْهِمَا كَذَلِكَ .\rوَيَتَوَجَّهُ عَلَى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ ، أَنَّهُ سَوَّى بَيْنَ الْجِنَايَتَيْنِ ، مَعَ أَنَّ الثَّانِيَ جَنَى عَلَيْهِ وَقِيمَتُهُ دُونَ قِيمَتِهِ يَوْمَ جَنَى عَلَيْهِ الْأَوَّلُ ، وَأَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ أَرْشُ الْجِنَايَةِ فِي بَدَلِ النَّفْسِ ، كَمَا يَدْخُلُ فِي الْجِنَايَةِ عَلَى الْآدَمِيِّ .\rوَالْجَوَابُ عَنْ هَذَا ، أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا انْفَرَدَ بِإِتْلَافِ مَا قِيمَتُهُ دِرْهَمٌ ، وَتَسَاوَيَا فِي إتْلَافِ الْبَاقِي بِالسِّرَايَةِ ، فَتَسَاوَيَا فِي الضَّمَانِ ، وَإِنَّمَا يَدْخُلُ أَرْشُ الْجِنَايَةِ فِي بَدَلِ النَّفْسِ الَّتِي لَا يَنْقُصُ بَدَلُهَا بِإِتْلَافِ بَعْضِهَا ، وَهُوَ الْآدَمِيُّ ، أَمَّا الْبَهَائِمُ ، فَإِنَّهُ إذَا جَنَى","part":21,"page":329},{"id":10329,"text":"عَلَيْهَا جِنَايَةً أَرْشُهَا دِرْهَمٌ ، نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ قِيمَتِهَا ، فَإِذَا سَرَى إلَى النَّفْسِ ، أَوْجَبْنَا مَا بَقِيَ مِنْ قِيمَةِ النَّفْسِ ، وَلَمْ يَدْخُلْ الْأَرْشُ فِيهَا .\rوَذَكَرَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ فِي قِسْمَةِ الضَّمَانِ طُرُقًا سِتَّةً ؛ أَصَحُّهُ عِنْدَهُمْ أَنْ يُقَالَ : إنَّ الْأَوَّلَ أَتْلَفَ نِصْفَ نَفْسٍ قِيمَتُهَا عَشَرَةٌ ، فَيَلْزَمُهُ خَمْسَةٌ ، وَالثَّانِي أَتْلَفَ نِصْفَ نَفْسٍ قِيمَتُهَا تِسْعَةٌ ، فَيَلْزَمُهُ أَرْبَعَةٌ وَنِصْفٌ ، فَيَكُونُ الْمَجْمُوعُ تِسْعَةً وَنِصْفًا ، وَهِيَ أَقَلُّ مِنْ قِيمَتِهِ ، لِأَنَّهَا عَشَرَةٌ ، فَتُقْسَمُ الْعَشَرَةُ عَلَى تِسْعَةٍ وَنِصْفٍ ، فَيَسْقُطُ عَنْ الْأَوَّلِ مَا يُقَابِلُ أَرْبَعَةً وَنِصْفًا ، وَيَتَوَجَّهُ عَلَى هَذَا ، أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَلْزَمُهُ أَكْثَرُ مِنْ قِيمَةِ نِصْفِ الصَّيْدِ حِينَ جَنَى عَلَيْهِ .\rوَإِنْ كَانَتْ الْجِرَاحَاتُ مِنْ ثَلَاثَةٍ ، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ هُوَ أَثْبَتَهُ ، فَعَلَى طَرِيقَةِ الْقَاضِي ، عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ أَرْشُ جُرْحِهِ ، وَتُقْسَمُ السِّرَايَةِ عَلَيْهِمْ أَثْلَاثًا ، وَإِنْ كَانَ الْمُثْبِتُ لَهُ هُوَ الثَّانِيَ ، فَجُرْحُهُ الْأَوَّلُ هَدْرٌ لَا عِبْرَةَ بِهَا ، وَالْحُكْمُ فِي جِرَاحَةَ الْآخَرِينَ كَمَا ذَكَرْنَا ، وَعَلَى الطَّرِيقَةِ الْأُخْرَى ، الْأَوَّلُ أَتْلَفَ ثُلُثَ نَفْسٍ قِيمَتُهَا عَشَرَةٌ ، فَيَلْزَمُهُ ثَلَاثَةٌ وَثُلُثٌ وَالثَّانِي أَتْلَفَ ثُلُثَهَا ، وَقِيمَتُهَا تِسْعَةٌ ، فَيَلْزَمُهُ ثَلَاثَةٌ ، وَالثَّالِثُ أَتْلَفَ ثُلُثَهَا ، وَقِيمَتُهَا ثَمَانِيَةٌ ، فَيَلْزَمُهُ دِرْهَمَانِ وَثُلُثَانِ ، فَمَجْمُوعُ ذَلِكَ تِسْعَةٌ ، تُقْسَمُ عَلَيْهَا الْعَشَرَةُ ، حِصَّةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَا يُقَابِلُ مَا أَتْلَفَهُ .\rوَإِنْ أَتْلَفُوا شَاةً مَمْلُوكَةً لِغَيْرِهِمْ ضَمِنُوهَا كَذَلِكَ .\rفَصْلٌ : فَإِنْ رَمَيَاهُ مَعًا فَقَتَلَاهُ ، كَانَ حَلَالًا ، وَمَلَكَاهُ ؛ لِأَنَّهُمَا اشْتَرَكَا فِي سَبَبِ الْمِلْكِ وَالْحِلِّ ، تَسَاوَى الْجُرْحَانِ أَوْ تَفَاوَتَا ؛ لِأَنَّ مَوْتَهُ كَانَ بِهِمَا ، فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا مُوحِيًا وَالْآخَرُ غَيْرَ مُوحٍ ، وَلَا يُثْبِتُهُ مِثْلُهُ ، فَهُوَ لِصَاحِبِ الْجُرْحِ","part":21,"page":330},{"id":10330,"text":"الْمُوحِي ، لِأَنَّهُ الَّذِي أَثْبَتَهُ وَقَتَلَهُ ، وَلَا شَيْءَ عَلَى الْآخَرِ ؛ لِأَنَّ جُرْحَهُ كَانَ قَبْلَ ثُبُوتِ مِلْكِ الْآخَرِ فِيهِ .\rوَإِنْ أَصَابَهُ أَحَدُهُمَا بَعْدَ صَاحِبِهِ ، فَوَجَدْنَاهُ مَيِّتًا ، وَلَمْ نَعْلَمْ هَلْ صَارَ بِالْأَوَّلِ مُمْتَنِعًا أَوْ لَا ؟ حَلَّ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ الِامْتِنَاعُ ، وَيَكُونُ بَيْنَهُمَا ؛ لِأَنَّ أَيْدِيَهُمَا عَلَيْهِ .\rفَإِنْ قَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا : أَنَا أَثْبَتُّهُ ، ثُمَّ قَتَلْته أَنْتَ .\rحَرُمَ ؛ لِأَنَّهُمَا اتَّفَقَا عَلَى تَحْرِيمِهِ ، وَيَتَحَالَفَانِ لِأَخْذِ الضَّمَانِ .\rوَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى الْأَوَّلِ مِنْهُمَا ، فَادَّعَى الْأَوَّلُ أَنَّهُ أَثْبَتَهُ ، ثُمَّ قَتَلَهُ ، وَأَنْكَرَ الثَّانِي إثْبَاتَ الْأَوَّلِ لَهُ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الثَّانِي ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ امْتِنَاعِهِ ، وَيَحْرُمُ عَلَى الْأَوَّلِ ؛ لِإِقْرَارِهِ بِتَحْرِيمِهِ ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الثَّانِي فِي عَدَمِ الِامْتِنَاعِ مَعَ يَمِينِهِ .\rوَإِنْ عُلِمَتْ جِرَاحَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ، نَظَرْنَا فِيهَا ، فَإِنْ عُلِمَ أَنَّ جِرَاحَةَ الْأَوَّلِ لَا يَبْقَى مَعَهَا امْتِنَاعٌ ، مِثْلُ أَنْ كَسَرَ جَنَاحَ الطَّائِرِ ، أَوْ سَاقَ الظَّبْيِ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْأَوَّلِ بِغَيْرِ يَمِينٍ ، وَإِنْ عُلِمَ أَنَّهُ لَا يُزِيلُ الِامْتِنَاعَ ، مِثْلُ خَدْشِ الْجِلْدِ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الثَّانِي ، وَإِنْ احْتَمَلَ الْأَمْرَيْنِ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الثَّانِي ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ مَعَهُ ، وَعَلَيْهِ الْيَمِينُ ؛ لِأَنَّ مَا ادَّعَاهُ الْأَوَّلُ مُحْتَمِلٌ .","part":21,"page":331},{"id":10331,"text":"( 7735 ) فَصْلٌ : وَإِنْ رَمَى صَيْدًا فَأَصَابَهُ ، وَبَقِيَ عَلَى امْتِنَاعِهِ حَتَّى دَخَلَ دَارَ إنْسَانٍ فَأَخَذَهُ ، فَهُوَ لِمَنْ أَخَذَهُ ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ لَمْ يَمْلِكْهُ ، لِكَوْنِهِ مُمْتَنِعًا ، فَمَلَكَهُ الثَّانِي بِأَخْذِهِ .\rوَلَوْ رَمَى طَائِرًا عَلَى شَجَرَةٍ فِي دَارِ قَوْمٍ ، فَطَرَحَهُ فِي دَارِهِمْ فَأَخَذُوهُ ، فَهُوَ لِلرَّامِي دُونَهُمْ ؛ لِأَنَّهُ مَلَكَهُ بِإِزَالَةِ امْتِنَاعِهِ .","part":21,"page":332},{"id":10332,"text":"( 7736 ) فَصْلٌ : قَالَ أَصْحَابُنَا : وَإِذَا تَعَلَّقَ صَيْدٌ فِي شَرَكِ إنْسَانٍ أَوْ شَبَكَتِهِ ؛ مَلَكَهُ ؛ لِأَنَّهُ أَثْبَته بِآلَتِهِ ، فَإِنْ أَخَذَهُ أَحَدٌ ، لَزِمَهُ رَدُّهُ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ آلَتَهُ أَثْبَتَتْهُ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَثْبَتَهُ بِسَهْمِهِ .\rفَإِنْ لَمْ تُمْسِكْهُ الشَّبَكَةُ ، بَلْ انْفَلَتَ مِنْهَا فِي الْحَالِ ، أَوْ بَعْدَ حِينٍ ، لَمْ يَمْلِكْهُ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُثْبِتْهُ .\rوَإِنْ أَخَذَ الشَّبَكَةَ وَانْفَلَتَ بِهَا ، فَصَادَهُ إنْسَانٌ ، مَلَكَهُ ، وَيَرُدُّ الشَّبَكَةَ عَلَى صَاحِبِهَا ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُثْبِتْهُ .\rوَإِنْ كَانَ يَمْشِي بِالشَّبَكَةِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَقْدِرُ عَلَى الِامْتِنَاعِ ، فَهُوَ لِصَاحِبِهَا ؛ لِأَنَّهَا أَزَالَتْ امْتِنَاعَهُ .\rوَإِذَا أَمْسَكَهُ الصَّائِدُ ، وَثَبَتَتْ يَدُهُ عَلَيْهِ ، ثُمَّ انْفَلَتَ مِنْهُ ، لَمْ يَزُلْ مِلْكُهُ عَنْهُ ؛ لِأَنَّهُ امْتَنَعَ مِنْهُ بَعْدَ ثُبُوتِ مِلْكِهِ ، فَلَمْ يَزُلْ مِلْكُهُ عَنْهُ ، كَمَا لَوْ شَرَدَتْ فَرَسُهُ ، أَوْ نَدَّ بَعِيرُهُ .\rفَإِنْ اصْطَادَ صَيْدًا ، فَوَجَدَ عَلَيْهِ عَلَامَةً ، مِثْلُ أَنْ يَجِدَ فِي عُنُقِهِ قِلَادَةً ، أَوْ فِي أُذُنِهِ قُرْطًا ، لَمْ يَمْلِكْهُ ؛ لِأَنَّ الَّذِي اصْطَادَهُ مَلَكَهُ ، فَلَا يَزُولُ مِلْكُهُ بِالِانْفِلَاتِ .\rوَكَذَلِكَ إنْ وَجَدَ طَائِرًا مَقْصُوصَ الْجَنَاحِ .\rفَإِنْ قِيلَ : يَحْتَمِلُ أَنَّ الَّذِي أَمْسَكَهُ أَوَّلًا مُحْرِمٌ لَمْ يَمْلِكْهُ ، أَوْ أَنَّهُ أَرْسَلَهُ عَلَى سَبِيلِ التَّخْلِيَةِ وَإِزَالَةِ الْمِلْكِ عَنْهُ ، كَإِلْقَاءِ الشَّيْءِ التَّافِهِ .\rقُلْنَا : أَمَّا الْأَوَّلُ فَنَادِرٌ ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِلظَّاهِرِ ؛ لِأَنَّ ظَاهَرَ حَالِ الْمُحْرِمِ أَنَّهُ لَا يَصِيدُ مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ ، وَأَمَّا الثَّانِي فَخِلَافُ الْأَصْلِ ، فَإِنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ مِلْكِهِ عَلَيْهِ ، وَمَا ذَكَرُوهُ مُحْتَمِلٌ ، فَلَا يَزُولُ الْمِلْكُ بِالشَّكِّ .\rوَإِنْ عُلِمَ أَنَّ مَالِكَهُ أَرْسَلَهُ اخْتِيَارًا ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا : لَا يَزُولُ الْمِلْكُ عَنْهُ بِالْإِرْسَالِ وَالْإِعْتَاقِ ، كَمَا لَوْ أَرْسَلَ الْبَعِيرَ وَالْبَقَرَةَ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يَزُولَ الْمِلْكُ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ","part":21,"page":333},{"id":10333,"text":"الْإِبَاحَةُ ، فَالْإِرْسَالُ يَرُدُّهُ إلَى أَصْلِهِ ، وَيُفَارِقُ بَهِيمَةَ الْأَنْعَامِ مِنْ وَجْهَيْنِ ؛ أَحَدِهِمَا ، أَنَّ الْأَصْلَ هَاهُنَا الْإِبَاحَةُ ، وَبَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ بِخِلَافِهِ .\rالثَّانِي ، أَنَّ الْإِرْسَالَ هَاهُنَا يُفِيدُ ، وَهُوَ رَدُّ الصَّيْدِ إلَى الْخَلَاصِ مِنْ أَيْدِي الْآدَمِيِّينَ وَحَبْسِهِمْ ، وَلِهَذَا رُوِيَ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ، أَنَّهُ اشْتَرَى عُصْفُورًا مِنْ صَبِيٍّ فَأَرْسَلَهُ .\rوَيَجِبُ إرْسَالُ الصَّيْدِ عَلَى الْمُحْرِمِ إذَا أَحْرَمَ ، أَوْ دَخَلَ الْحَرَمَ وَهُوَ فِي يَدِهِ ، بِخِلَافِ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ ، فَإِنَّ إرْسَالَهُ تَضْيِيعٌ لَهُ ، وَرُبَّمَا هَلَكَ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مَنْ يَقُومُ بِهِ .","part":21,"page":334},{"id":10334,"text":"( 7737 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَمَنْ كَانَ فِي سَفِينَةٍ ، فَوَثَبَتْ سَمَكَةٌ ، فَسَقَطَتْ فِي حِجْرِهِ ، فَهِيَ لَهُ دُونَ صَاحِبِ السَّفِينَةِ ) وَذَلِكَ لِأَنَّ السَّمَكَةَ مِنْ الصَّيْدِ الْمُبَاحِ ، يُمْلَكُ بِالسَّبْقِ إلَيْهِ ، وَهَذِهِ حَصَلَتْ فِي يَدِ الَّذِي هِيَ فِي حِجْرِهِ ، وَحِجْرُهُ لَهُ ، وَيَدُهُ عَلَيْهِ ، دُونَ صَاحِبِ السَّفِينَةِ ، أَلَا تَرَى أَنَّهُمَا لَوْ تَنَازَعَا كِيسًا فِي حِجْرِهِ ، كَانَ أَحَقَّ بِهِ مِنْ صَاحِبِ السَّفِينَةِ ، كَذَا هَاهُنَا .\rوَمَفْهُومُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ أَنَّ السَّمَكَةَ إذَا وَقَعَتْ فِي السَّفِينَةِ ، فَهِيَ لِصَاحِبِهَا .\rوَذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى ؛ لِأَنَّ السَّفِينَةَ مِلْكُهُ ، وَيَدُهُ عَلَيْهَا ، فَمَا حَصَلَ مِنْ الْمُبَاحِ فِيهَا ، كَانَ أَحَقَّ بِهِ ، كَحِجْرِهِ .\r( 7738 ) فَصْلٌ : فَإِنْ كَانَتْ السَّمَكَةُ وَثَبَتْ بِسَبَبِ فِعْلِ إنْسَانٍ لِقَصْدِ الصَّيْدِ ، كَالصَّيَّادِ الَّذِي يَجْعَلُ فِي السَّفِينَةِ ضَوْءًا بِاللَّيْلِ ، وَيَدُقُّ بِشَيْءٍ كَالْجَرَسِ لِيَثِبَ السَّمَكُ فِي السَّفِينَةِ ، فَهَذَا لِلصَّائِدِ دُونَ مَنْ وَقَعَ فِي حِجْرِهِ ؛ لِأَنَّ الصَّائِدَ أَثْبَتَهَا بِذَلِكَ ، فَصَارَ كَمَنْ رَمَى طَائِرًا فَأَلْقَاهُ فِي دَارِ قَوْمٍ .\rوَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ الصَّيْدَ بِهَذَا ، بَلْ حَصَلَ اتِّفَاقًا ، كَانَتْ لِمَنْ وَقَعَتْ فِي حِجْرِهِ .","part":21,"page":335},{"id":10335,"text":"( 7739 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَلَا يُصَادُ السَّمَكُ بِشَيْءٍ نَجِسٍ ) وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنْ يُتْرَكَ فِي الْمَاءِ شَيْءٌ نَجِسٌ ، كَالْعَذِرَةِ وَالْمَيْتَةِ وَشِبْهِهَا ، لِيَأْكُلَهُ السَّمَكُ ، فَيَصِيدُوهُ بِهِ ، فَكَرِهَ أَحْمَدُ ذَلِكَ ، وَقَالَ : هُوَ حَرَامٌ ، لَا يُصَادُ بِهِ .\rوَإِنَّمَا كَرِهَ أَحْمَدُ ذَلِكَ ؛ لِمَا يَتَضَمَّنُ مِنْ أَكْلِ السَّمَكِ النَّجَاسَةُ .\rوَسَوَاءٌ فِي هَذَا مَا يَتَفَرَّقُ ، كَالدَّمِ وَالْعَذِرَةِ ، وَمَا لَا يَتَفَرَّقُ ، كَالْجُرَذِ وَقِطْعَةٍ مِنْ الْمَيْتَةِ ، وَكَرِهَ أَحْمَدُ الصَّيْدَ بِبَنَاتِ وَرْدَانَ ، وَقَالَ : إنَّ مَأْوَاهَا الْحُشُوشُ .\rوَكَرِهَ الصَّيْدَ بِالضَّفَادِعِ ، وَقَالَ : الضُّفْدَعُ نُهِيَ عَنْ قَتْلِهِ .","part":21,"page":336},{"id":10336,"text":"( 7740 ) فَصْلٌ : وَكُرِهَ الصَّيْدُ بِالْخَرَاطِيمِ ، وَكُلِّ شَيْءٍ فِيهِ الرُّوحُ ، لِمَا فِيهِ مِنْ تَعْذِيبِ الْحَيَوَانِ ، فَإِنْ اصْطَادَ ، فَالصَّيْدُ مُبَاحٌ .\rوَكَرِهَ الصَّيْدَ بالشباش ، وَهُوَ طَائِرٌ يَخِيطُ عَيْنَهُ أَوْ يُرْبَطُ ، مِنْ أَجْلِ تَعْذِيبِهِ .\rوَلَمْ يَرَ بَأْسًا بِالصَّيْدِ بِالشَّبَكَةِ ، وَالشَّرَكِ ، وَشَيْءٍ فِيهِ دبق يَمْنَعُ الطَّيْرَ مِنْ الطَّيَرَانِ ، وَأَنْ يُطْعَمَ شَيْئًا إذَا أَكَلَهُ سَكِرَ وَأَخَذَهُ .","part":21,"page":337},{"id":10337,"text":"( 7741 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَلَا يُؤْكَلُ صَيْدُ مُرْتَدٍّ ، وَلَا ذَبِيحَتُهُ ، وَإِنْ تَدَيَّنَ بِدِينِ أَهْلِ الْكِتَابِ ) يَعْنِي مَا قَتَلَهُ مِنْ الصَّيْدِ وَلَمْ تُدْرَكْ ذَكَاتُهُ .\rوَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، مِنْهُمْ ؛ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ .\rوَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ : تُبَاحُ ذَبِيحَتُهُ إذَا ذَهَبَ إلَى النَّصْرَانِيَّةِ أَوْ الْيَهُودِيَّةِ ؛ لِأَنَّ مَنْ تَوَلَّى قَوْمًا فَهُوَ مِنْهُمْ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ كَافِرٌ لَا يُقَرُّ عَلَى كُفْرِهِ ، فَلَمْ تُبَحْ ذَبِيحَتُهُ ، كَعَبَدَةِ الْأَوْثَانِ .\rوَقَدْ مَضَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِي بَابَ الْمُرْتَدِّ .","part":21,"page":338},{"id":10338,"text":"( 7742 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَمَنْ تَرَكَ التَّسْمِيَةَ عَلَى الصَّيْدِ عَامِدًا أَوْ سَاهِيًا ، لَمْ يُؤْكَلْ ، وَإِنْ تَرَكَ التَّسْمِيَةَ عَلَى الذَّبِيحَةِ عَامِدًا ، لَمْ تُؤْكَلْ ، وَإِنْ تَرَكَهَا سَاهِيًا ، أُكِلَتْ ) أَمَّا الصَّيْدُ فَقَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِيهِ ، وَأَمَّا الذَّبِيحَةُ فَالْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ أَحْمَدَ ، أَنَّهَا شَرْطٌ مَعَ الذِّكْرِ ، وَتَسْقُطُ بِالسَّهْوِ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ .\rوَبِهِ قَالَ مَالِكٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَإِسْحَاقُ .\rوَمِمَّنْ أَبَاحَ مَا نَسِيَتْ التَّسْمِيَةُ عَلَيْهِ ، عَطَاءٌ ، وَطَاوُسٌ ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ، وَالْحَسَنُ ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى ، وَجَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، وَرَبِيعَةُ ، وَعَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّهَا مُسْتَحَبَّةٌ غَيْرُ وَاجِبَةٍ فِي عَمْدٍ وَلَا سَهْوٍ .\rوَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا فِي الصَّيْدِ قَالَ أَحْمَدُ : إنَّمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرْ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ } .\rيَعْنِي الْمَيْتَةَ .\rوَذُكِرَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ : مَنْ نَسِيَ التَّسْمِيَةَ فَلَا بَأْسَ .\rوَرَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ رَاشِدِ بْنِ رَبِيعَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { ذَبِيحَةُ الْمُسْلِمِ حَلَالٌ وَإِنْ لَمْ يُسَمِّ ، إذَا لَمْ يَتَعَمَّدْ } .\rوَلِأَنَّهُ قَوْلُ مَنْ سَمَّيْنَا ، وَلَمْ نَعْرِفْ لَهُمْ فِي الصَّحَابَةِ مُخَالِفًا .\rوقَوْله تَعَالَى { وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرْ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ } .\rمَحْمُولٌ عَلَى مَا تُرِكَتْ التَّسْمِيَةُ عَلَيْهِ عَمْدًا ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ : { وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ } .\rوَالْأَكْلُ مِمَّا نُسِيَتْ التَّسْمِيَةُ عَلَيْهِ لَيْسَ بِفِسْقٍ .\rوَيُفَارِقُ الصَّيْدَ ؛ لِأَنَّ ذَبْحَهُ فِي غَيْرِ مَحَلٍّ ، فَاعْتُبِرَتْ التَّسْمِيَةُ تَقْوِيَةً لَهُ ، وَالذَّبِيحَةُ بِخِلَافِ ذَلِكَ .","part":21,"page":339},{"id":10339,"text":"( 7743 ) فَصْلٌ : وَالتَّسْمِيَةُ عَلَى الذَّبِيحَةِ مُعْتَبَرَةٌ حَالَ الذَّبْحِ ، أَوْ قَرِيبًا مِنْهُ ، كَمَا تُعْتَبَرُ عَلَى الطَّهَارَةِ .\rوَإِنْ سَمَّى عَلَى شَاةٍ ، ثُمَّ أَخَذَ أُخْرَى فَذَبَحَهَا بِتِلْكَ التَّسْمِيَةِ ، لَمْ يَجُزْ ، سَوَاءٌ أَرْسَلَ الْأُولَى أَوْ ذَبَحَهَا ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ الثَّانِيَةَ بِهَذِهِ التَّسْمِيَةِ .\rوَإِنْ رَأَى قَطِيعًا مِنْ الْغَنَمِ ، فَقَالَ : بِسْمِ اللَّهِ .\rثُمَّ أَخَذَ شَاةً فَذَبَحَهَا بِغَيْرِ تَسْمِيَةٍ ، لَمْ يَحِلَّ .\rوَإِنْ جَهِلَ كَوْنَ ذَلِكَ لَا يُجْزِئُ ، لَمْ يَجْرِ مَجْرَى النِّسْيَانِ ؛ لِأَنَّ النِّسْيَانَ يُسْقِطُ الْمُؤَاخَذَةَ ، وَالْجَاهِلُ مُؤَاخَذٌ ، وَلِذَلِكَ يُفْطِرُ الْجَاهِلُ بِالْأَكْلِ فِي الصَّوْمِ دُونَ النَّاسِي .\rوَإِنْ أَضْجَعَ شَاةً لِيَذْبَحَهَا ، وَسَمَّى ، ثُمَّ أَلْقَى السِّكِّينَ ، وَأَخَذَ أُخْرَى ، أَوْ رَدَّ سَلَامًا ، أَوْ كَلَّمَ إنْسَانًا ، أَوْ اسْتَسْقَى مَاءً ، وَنَحْوَ ذَلِكَ ، وَذَبَحَ ، حَلَّ ، لِأَنَّهُ سَمَّى عَلَى تِلْكَ الشَّاةِ بِعَيْنِهَا ، وَلَمْ يَفْصِلْ بَيْنَهُمَا إلَّا بِفَصْلٍ يَسِيرٍ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ يَتَكَلَّمْ .","part":21,"page":340},{"id":10340,"text":"( 7744 ) فَصْلٌ : وَإِنْ سَمَّى الصَّائِدُ عَلَى صَيْدٍ ، فَأَصَابَ غَيْرَهُ ، حَلَّ .\rوَإِنْ سَمَّى عَلَى سَهْمٍ ثُمَّ أَلْقَاهُ ، وَأَخَذَ غَيْرَهُ فَرَمَى بِهِ ، لَمْ يُبَحْ مَا صَادَهُ بِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يُمْكِنْ اعْتِبَارُ التَّسْمِيَةِ عَلَى صَيْدٍ بِعَيْنِهِ ، اُعْتُبِرَتْ عَلَى الْآلَةِ الَّتِي يَصِيدُ بِهَا ، بِخِلَافِ الذَّبِيحَةِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يُبَاحَ ، قِيَاسًا عَلَى مَا لَوْ سَمَّى عَلَى سِكِّينٍ ، ثُمَّ أَلْقَاهَا وَأَخَذَ غَيْرَهَا .\rوَسُقُوطُ اعْتِبَارِ تَعْيِينِ الصَّيْدِ لِمَشَقَّتِهِ ، لَا يَقْتَضِي اعْتِبَارَ تَعْيِينِ الْآلَةِ ، فَلَا يُعْتَبَرُ .","part":21,"page":341},{"id":10341,"text":"( 7745 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِذَا نَدَّ بَعِيرٌ ، فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ ، فَرَمَاهُ بِسَهْمٍ أَوْ نَحْوِهِ ، مِمَّا يَسِيلُ بِهِ دَمُهُ ، فَقَتَلَهُ ، أُكِلَ ) وَكَذَلِكَ إنْ تَرَدَّى فِي بِئْرٍ ، فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى تَذْكِيَتِهِ ، فَجَرَحَهُ فِي أَيِّ مَوْضِعٍ قَدَرَ عَلَيْهِ ، فَقَتَلَهُ ، أُكِلَ ، إلَّا أَنْ تَكُونَ رَأْسُهُ فِي الْمَاءِ ، فَلَا يُؤْكَلُ ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ يُعِينُ عَلَى قَتْلِهِ .\rهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ .\rرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ ، وَابْنِ عُمَرَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَعَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَبِهِ قَالَ مَسْرُوقٌ ، وَالْأَسْوَدُ ، وَالْحَسَنُ ، وَعَطَاءٌ ، وَطَاوُسٌ ، وَإِسْحَاقُ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَالْحَكَمُ ، وَحَمَّادٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : لَا يَجُوزُ أَكْلُهُ إلَّا أَنْ يُذَكَّى .\rوَهُوَ قَوْلُ رَبِيعَةَ ، وَاللَّيْثِ .\rقَالَ أَحْمَدُ : لَعَلَّ مَالِكًا لَمْ يَسْمَعْ حَدِيثَ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ .\rوَاحْتُجَّ لِمَالِكٍ بِأَنَّ الْحَيَوَانَ الْإِنْسِيَّ إذَا تَوَحَّشَ لَمْ يَثْبُتْ لَهُ حُكْمُ الْوَحْشِيِّ ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى الْمُحْرِمِ الْجَزَاءُ بِقَتْلِهِ ، وَلَا يَصِيرُ الْحِمَارُ الْأَهْلِيُّ مُبَاحًا إذَا تَوَحَّشَ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ ، قَالَ { : كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَدَّ بَعِيرٌ ، وَكَانَ فِي الْقَوْمِ خَيْلٌ يَسِيرَةٌ ، فَطَلَبُوهُ فَأَعْيَاهُمْ ، فَأَهْوَى إلَيْهِ رَجُلٌ بِسَهْمٍ ، فَحَبَسَهُ اللَّهُ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إنَّ لِهَذِهِ الْبَهَائِمِ أَوَابِدَ كَأَوَابِدِ الْوَحْشِ ، فَمَا غَلَبَكُمْ مِنْهَا ، فَاصْنَعُوا بِهِ هَكَذَا } .\rوَفِي لَفْظٍ { : فَمَا نَدَّ عَلَيْكُمْ ، فَاصْنَعُوا بِهِ هَكَذَا } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَحَرِبَ ثَوْرٌ فِي بَعْضِ دُورِ الْأَنْصَارِ ، فَضَرَبَهُ رَجُلٌ بِالسَّيْفِ ، وَذَكَرَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ ، فَسُئِلَ عَنْهُ عَلِيٌّ فَقَالَ ذَكَاةٌ وَحِيَّةٌ .\rفَأَمَرَهُمْ بِأَكْلِهِ .\rوَتَرَدَّى بَعِيرٌ فِي بِئْرٍ ، فَذُكِّيَ مِنْ قِبَلِ شَاكِلَتِهِ ،","part":21,"page":342},{"id":10342,"text":"فَبِيعَ بِعِشْرِينَ دِرْهَمًا ، فَأَخَذَ ابْنُ عُمَرَ عُشْرَهُ بِدِرْهَمَيْنِ .\rوَلِأَنَّ الِاعْتِبَارَ فِي الذَّكَاةِ بِحَالِ الْحَيَوَانِ وَقْتَ ذَبْحِهِ ، لَا بِأَصْلِهِ ، بِدَلِيلِ الْوَحْشِيِّ إذَا قُدِرَ عَلَيْهِ وَجَبَتْ تَذْكِيَتُهُ فِي الْحَلْقِ وَاللَّبَّةِ ، فَكَذَلِكَ الْأَهْلِيُّ إذَا تَوَحَّشَ يُعْتَبَرُ بِحَالِهِ .\rوَبِهَذَا فَارَقَ مَا ذَكَرُوهُ ، فَإِذَا تَرَدَّى فَلَمْ يُقْدَرْ عَلَى تَذْكِيَتِهِ ، فَهُوَ مَعْجُوزٌ عَنْ تَذْكِيَتِهِ ، فَأَشْبَهَ الْوَحْشِيَّ ، فَأَمَّا إنْ كَانَ رَأْسُ الْمُتَرَدِّي فِي الْمَاءِ ، لَمْ يُبَحْ ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ يُعِينُ عَلَى قَتْلِهِ ، فَيَحْصُلُ قَتْلُهُ بِمُبِيحٍ وَحَاظِرٍ ، فَيَحْرُمُ ، كَمَا لَوْ جَرَحَهُ مُسْلِمٌ وَمَجُوسِيٌّ .","part":21,"page":343},{"id":10343,"text":"( 7746 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَالْمُسْلِمُ وَالْكِتَابِيُّ فِي كُلِّ مَا وَصَفْت سَوَاءٌ ) يَعْنِي فِي الِاصْطِيَادِ وَالذَّبْحِ .\rوَأَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى إبَاحَةِ ذَبَائِحِ أَهْلِ الْكِتَابِ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ } .\rيَعْنِي ذَبَائِحَهُمْ .\rقَالَ الْبُخَارِيُّ : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : طَعَامُهُمْ ذَبَائِحُهُمْ .\rوَكَذَلِكَ قَالَ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ .\rوَرُوِيَ مَعْنَاهُ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ يَرَوْنَ إبَاحَةَ صَيْدِهِمْ أَيْضًا .\rقَالَ ذَلِكَ عَطَاءٌ ، وَاللَّيْثُ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا حَرَّمَ صَيْدَ أَهْلِ الْكِتَابِ إلَّا مَالِكًا ، أَبَاحَ ذَبَائِحَهُمْ ، وَحَرَّمَ صَيْدَهُمْ .\rوَلَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ صَيْدَهُمْ مِنْ طَعَامِهِمْ ، فَيَدْخُلُ فِي عُمُومِ الْآيَةِ ، وَلِأَنَّ مَنْ حَلَّتْ ذَبِيحَتُهُ ، حَلَّ صَيْدُهُ ، كَالْمُسْلِمِ .\r( 7747 ) فَصْلٌ : وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْعَدْلِ وَالْفَاسِقِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَأَهْلِ الْكِتَابِ .\rوَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ : رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَا تُؤْكَلُ ذَبِيحَةُ الْأَقْلَفِ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ مِثْلُهُ .\rوَالصَّحِيحُ إبَاحَتُهُ ؛ فَإِنَّهُ مُسْلِمٌ ، فَأَشْبَهَ سَائِرَ الْمُسْلِمِينَ ، وَإِذَا أُبِيحَتْ ذَبِيحَةُ الْقَاذِفِ وَالزَّانِي وَشَارِبِ الْخَمْرِ ، مَعَ تَحْقِيقِ فِسْقِهِ ، وَذَبِيحَةُ النَّصْرَانِيِّ وَهُوَ كَافِرٌ أَقْلَفُ ، فَالْمُسْلِمُ أَوْلَى .","part":21,"page":344},{"id":10344,"text":"فَصْلٌ : وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْحَرْبِيِّ وَالذِّمِّيِّ ، فِي إبَاحَةِ ذَبِيحَةِ الْكِتَابِيِّ مِنْهُمْ ، وَتَحْرِيمِ ذَبِيحَةِ مَنْ سِوَاهُ ، وَسُئِلَ أَحْمَدُ عَنْ ذَبَائِحِ نَصَارَى أَهْلِ الْحَرْبِ ، فَقَالَ : لَا بَأْسَ بِهَا ، حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ فِي الشَّحْمِ .\rقَالَ إِسْحَاقُ : أَجَادَ .\rوَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعَ عَلَى هَذَا كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ؛ مِنْهُمْ مُجَاهِدٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْكِتَابِيِّ الْعَرَبِيُّ وَغَيْرِهِ ، إلَّا أَنَّ فِي نَصَارَى الْعَرَبِ اخْتِلَافًا ذَكَرْنَاهُ فِي بَابِ الْجِزْيَةِ .\rوَسُئِلَ مَكْحُولٌ عَنْ ذَبَائِحِ الْعَرَبِ .\rفَقَالَ : أَمَّا بَهْرَاءُ وَتَنُوخُ وَسُلَيْحٌ ، فَلَا بَأْسَ ، وَأَمَّا بَنُو تَغْلِبَ فَلَا خَيْرَ فِي ذَبَائِحِهِمْ .\rوَالصَّحِيحُ إبَاحَةُ ذَبَائِحِ الْجَمِيعِ ؛ لِعُمُومِ الْآيَةِ فِيهِمْ .","part":21,"page":345},{"id":10345,"text":"( 7749 ) فَصْلٌ : فَإِنْ كَانَ أَحَدُ أَبَوَيْ الْكِتَابِيِّ مِمَّنْ لَا تَحِلُّ ذَبِيحَتُهُ ، وَالْآخَرُ مِمَّنْ تَحِلُّ ذَبِيحَتُهُ ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا : لَا يَحِلُّ صَيْدُهُ وَلَا ذَبِيحَتُهُ .\rوَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ إذَا كَانَ الْأَبُ غَيْرَ كِتَابِيٍّ ، وَإِنْ كَانَ الْأَبُ كِتَابِيًّا فَفِيهِ قَوْلَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، تُبَاحُ .\rوَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَأَبِي ثَوْرٍ .\rوَالثَّانِي ، لَا تُبَاحُ ؛ لِأَنَّهُ وُجِدَ مَا يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ ، وَالْإِبَاحَةَ ، فَغُلِّبَ مَا يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ ، كَمَا لَوْ جَرَحَهُ مُسْلِمٌ وَمَجُوسِيٌّ ، وَبَيَانُ وُجُودِ مَا يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ ، أَنَّ كَوْنَهُ ابْنَ مَجُوسِيٍّ أَوْ وَثَنِيٍّ يَقْتَضِي تَحْرِيمَ ذَبِيحَتِهِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : تُبَاحُ ذَبِيحَتُهُ بِكُلِّ حَالٍ ؛ لِعُمُومِ النَّصِّ ، وَلِأَنَّهُ كِتَابِيٌّ يُقَرُّ عَلَى دِينِهِ ، فَتَحِلُّ ذَبِيحَتُهُ ، كَمَا لَوْ كَانَ ابْنَ كِتَابِيَّيْنِ .\rوَأَمَّا إنْ كَانَ ابْنَ وَثَنِيَّيْنِ أَوْ مَجُوسِيَّيْنِ ، فَمُقْتَضَى مَذْهَبِ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ تَحْرِيمُهُ ، وَمُقْتَضَى مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ حِلُّهُ ؛ لِأَنَّ الِاعْتِبَارَ بِدِينِ الذَّابِحِ ، لَا بِدِينِ أَبِيهِ ، بِدَلِيلِ أَنَّ الِاعْتِبَارَ فِي قَبُولِ الْجِزْيَةِ بِذَلِكَ ، وَلِعُمُومِ النَّصِّ وَالْقِيَاسِ .","part":21,"page":346},{"id":10346,"text":"( 7750 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا مَا ذَبَحُوهُ لِكَنَائِسِهِمْ وَأَعْيَادِهِمْ ، فَنَنْظُرُ فِيهِ ؛ فَإِنْ ذَبَحَهُ لَهُمْ مُسْلِمٌ ، فَهُوَ مُبَاحٌ .\rنَصَّ عَلَيْهِ .\rوَقَالَ أَحْمَدُ ، وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، فِي الْمَجُوسِيِّ يَذْبَحُ لِإِلَهِهِ ، وَيَدْفَعُ الشَّاةَ إلَى الْمُسْلِمِ يَذْبَحُهَا فَيُسَمِّي : يَجُوزُ الْأَكْلُ مِنْهَا .\rوَقَالَ إسْمَاعِيلُ بْنُ سَعِيدٍ : سَأَلْت أَحْمَدَ عَمَّا يُقَرَّبُ لِآلِهَتِهِمْ ، يَذْبَحُهُ رَجُلٌ مُسْلِمٌ ، قَالَ : لَا بَأْسَ بِهِ .\rوَإِنْ ذَبَحَهَا الْكِتَابِيُّ ، وَسَمَّى اللَّهَ وَحْدَهُ ، حَلَّتْ أَيْضًا ؛ لِأَنَّ شَرْطَ الْحِلِّ وُجِدَ .\rوَإِنْ عُلِمَ أَنَّهُ ذَكَرَ اسْمَ غَيْرِ اللَّهِ عَلَيْهَا ، أَوْ تَرَكَ التَّسْمِيَةَ عَمْدًا ، لَمْ تَحِلَّ .\rقَالَ حَنْبَلٌ : سَمِعْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : لَا يُؤْكَلُ .\rيَعْنِي مَا ذُبِحَ لِأَعْيَادِهِمْ وَكَنَائِسِهِمْ ؛ لِأَنَّهُ أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ .\rوَقَالَ فِي مَوْضِعٍ : يَدَعُونَ التَّسْمِيَةَ عَلَى عَمْدٍ ، إنَّمَا يَذْبَحُونَ لِلْمَسِيحِ .\rفَأَمَّا مَا سِوَى ذَلِكَ ، فَرُوِيَتْ عَنْ أَحْمَدَ الْكَرَاهَةُ فِيمَا ذُبِحَ لِكَنَائِسِهِمْ وَأَعْيَادِهِمْ مُطْلَقًا .\rوَهُوَ قَوْلُ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ ؛ لِأَنَّهُ ذُبِحَ لِغَيْرِ اللَّهِ .\rوَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ إبَاحَتُهُ .\rوَسُئِلَ عَنْهُ الْعِرْبَاضُ بْنُ سَارِيَةَ ، فَقَالَ : كُلُوا ، وَأَطْعِمُونِي .\rوَرُوِيَ مِثْلُ ذَلِكَ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ ، وَأَبِي مُسْلِمٍ الْخَوْلَانِيِّ .\rوَأَكَلَهُ أَبُو الدَّرْدَاءِ ، وَجُبَيْرُ بْنُ نُفَيْرٍ .\rوَرَخَّصَ فِيهِ عَمْرُو بْنُ الْأَسْوَدِ ، وَمَكْحُولٌ ، وَضَمْرَةُ بْنُ حَبِيبٍ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى { وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ } .\rوَهَذَا مِنْ طَعَامِهِمْ .\rقَالَ الْقَاضِي : مَا ذَبَحَهُ الْكِتَابِيُّ لِعِيدِهِ أَوْ نَجْمٍ أَوْ صَنَمٍ أَوْ نَبِيٍّ ، فَسَمَّاهُ عَلَى ذَبِيحَتِهِ ، حَرُمَ ؛ { : وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ } .\rوَإِنْ سَمَّى اللَّهَ وَحْدَهُ ، حَلَّ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى { : فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ } .\rلَكِنَّهُ يُكْرَهُ ؛ لِقَصْدِهِ بِقَلْبِهِ الذَّبْحَ لِغَيْرِ اللَّهِ","part":21,"page":347},{"id":10347,"text":".","part":21,"page":348},{"id":10348,"text":"مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَلَا يُؤْكَلُ مَا قُتِلَ بِالْبُنْدُقِ أَوْ الْحَجَرِ ؛ لِأَنَّهُ مَوْقُوذٌ ) يَعْنِي الْحَجَرَ الَّذِي لَا حَدَّ لَهُ ، فَأَمَّا الْمُحَدَّدُ كَالصَّوَّانِ ، فَهُوَ كَالْمِعْرَاضِ ، إنْ قُتِلَ بِحَدِّهِ أُبِيحَ ، وَإِنْ قُتِلَ بِعَرْضِهِ أَوْ ثِقَلِهِ فَهُوَ وَقِيذٌ لَا يُبَاحُ .\rوَهَذَا قَوْلُ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ .\rوَقَالَ ابْنُ عُمَرَ ، فِي الْمَقْتُولَةِ بِالْبُنْدُقِ : تِلْكَ الْمَوْقُوذَةُ .\rوَكَرِهَ ذَلِكَ سَالِمٌ ، وَالْقَاسِمُ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَعَطَاءٌ ، وَالْحَسَنُ وَإِبْرَاهِيمُ ، وَمَالِكٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ .\rوَرَخَّصَ فِيمَا قُتِلَ بِهَا ابْنُ الْمُسَيِّبِ .\rوَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ عَمَّارٍ ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى .\rوَلَنَا ، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى { : وَالْمَوْقُوذَةُ } وَرَوَى سَعِيدٌ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ إبْرَاهِيمَ ، عَنْ عَدِيٍّ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { وَلَا تَأْكُلْ مِنْ الْبُنْدُقَةِ إلَّا مَا ذَكَّيْت } .\rوَقَالَ فِي الْمِعْرَاضِ : { إذَا أُصِيبَ بِعَرْضِهِ ، فَقَتَلَ ، فَإِنَّهُ وَقِيذٌ } .\rوَقَالَ عُمَرُ : لِيَتَّقِ أَحَدُكُمْ أَنْ يَحْذِفَ الْأَرْنَبَ بِالْعَصَا وَالْحَجَرِ .\rثُمَّ قَالَ : وَلْيُذَكِّ لَكُمْ الْأَسَلُ ؛ الرِّمَاحُ وَالنَّبْلُ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَسَوَاءٌ شَدَخَهُ أَوْ لَمْ يَشْدَخْهُ ، حَتَّى لَوْ رَمَاهُ بِبُنْدُقَةٍ فَقَطَعَتْ حُلْقُومَ طَائِرٍ وَمَرِيئَهُ ، أَوْ أَطَارَتْ رَأْسَهُ ، لَمْ يَحِلَّ .\rوَكَذَلِكَ إنْ فَعَلَ ذَلِكَ بِحَجَرٍ غَيْرِ مُحَدَّدٍ .","part":21,"page":349},{"id":10349,"text":"( 7752 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَلَا يُؤْكَلُ صَيْدُ الْمَجُوسِيِّ وَذَبِيحَتُهُ ، إلَّا مَا كَانَ مِنْ حُوتٍ فَإِنَّهُ لَا ذَكَاةَ لَهُ ) أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى تَحْرِيمِ صَيْدِ الْمَجُوسِيِّ وَذَبِيحَتِهِ ، إلَّا مَا لَا ذَكَاةَ لَهُ ، كَالسَّمَكِ وَالْجَرَادِ ، فَإِنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى إبَاحَتِهِ ، غَيْرَ أَنَّ مَالِكًا ، وَاللَّيْثَ ، وَأَبَا ثَوْرٍ ، شَذُّوا عَنْ الْجَمَاعَةِ ، وَأَفْرَطُوا ؛ فَأَمَّا مَالِكٌ وَاللَّيْثُ فَقَالَا : لَا نَرَى أَنْ يُؤْكَلَ الْجَرَادُ إذَا صَادَهُ الْمَجُوسِيُّ .\rوَرَخَّصَا فِي السَّمَكِ وَأَبُو ثَوْرٍ أَبَاحَ صَيْدَهُ وَذَبِيحَتَهُ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ } .\rوَلِأَنَّهُمْ يُقَرُّونَ بِالْجِزْيَةِ ، فَيُبَاحُ صَيْدُهُمْ وَذَبَائِحُهُمْ ، كَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى .\rوَاحْتَجَّ بِرِوَايَةٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ .\rوَهَذَا قَوْلٌ يُخَالِفُ الْإِجْمَاعَ ، فَلَا عِبْرَةَ بِهِ .\rقَالَ إبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ : خَرَقَ أَبُو ثَوْرٍ الْإِجْمَاعَ .\rقَالَ أَحْمَدُ : هَاهُنَا قَوْمٌ لَا يَرَوْنَ بِذَبَائِحِ الْمَجُوسِ بَأْسًا ، مَا أَعْجَبَ هَذَا يُعَرِّضُ بِأَبِي ثَوْرٍ .\rوَمِمَّنْ رُوِيَتْ عَنْهُ كَرَاهِيَةُ ذَبَائِحِهِمْ ابْنُ مَسْعُودٍ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ ، وَعَلِيٌّ ، وَجَابِرٌ ، وَأَبُو بُرْدَةَ ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ، وَعِكْرِمَةُ ، وَالْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، وَعَطَاءٌ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَمُرَّةُ الْهَمْدَانِيُّ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rقَالَ أَحْمَدُ : وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا قَالَ بِخِلَافِهِ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ صَاحِبَ بِدْعَةٍ .\rوَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : { وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ } فَمَفْهُومُهُ تَحْرِيمُ طَعَامِ غَيْرِهِمْ مِنْ الْكُفَّارِ ، وَلِأَنَّهُمْ لَا كِتَابَ لَهُمْ ، فَلَمْ تَحِلَّ ذَبَائِحُهُمْ كَأَهْلِ الْأَوْثَانِ .\rوَقَدْ رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ قَيْسِ بْنِ سَكَنٍ الْأَسَدِيِّ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى","part":21,"page":350},{"id":10350,"text":"اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إنَّكُمْ نَزَلْتُمْ بِفَارِسَ مِنْ النَّبَطِ ، فَإِذَا اشْتَرَيْتُمْ لَحْمًا ، فَإِنْ كَانَ مِنْ يَهُودِيٍّ أَوْ نَصْرَانِيٍّ فَكُلُوا ، وَإِنْ كَانَتْ ذَبِيحَةَ مَجُوسِيٍّ فَلَا تَأْكُلُوا } .\rوَلِأَنَّ كُفْرَهُمْ مَعَ كَوْنِهِمْ غَيْرَ أَهْلِ كِتَابٍ ، يَقْتَضِي تَحْرِيمَ ذَبَائِحِهِمْ وَنِسَائِهِمْ ، بِدَلِيلِ ، سَائِرِ الْكُفَّارِ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الْكِتَابِ ، وَإِنَّمَا أُخِذَتْ مِنْهُمْ الْجِزْيَةِ ؛ لِأَنَّ شُبْهَةَ الْكِتَابِ تَقْتَضِي التَّحْرِيمَ لِدِمَائِهِمْ ، فَلَمَّا غُلِّبَتْ فِي التَّحْرِيمِ لِدِمَائِهِمْ ، فَيَجِبُ أَنْ يُغَلَّبَ عَدَمُ الْكِتَابِ فِي تَحْرِيمِ الذَّبَائِحِ وَالنِّسَاءِ ، احْتِيَاطًا لِلتَّحْرِيمِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ ، وَلِأَنَّهُ إجْمَاعٌ ، فَإِنَّهُ قَوْلُ مَنْ سَمَّيْنَا ، وَلَا مُخَالِفَ لَهُمْ فِي عَصْرِهِمْ ، وَلَا فِي مَنْ بَعْدَهُمْ ، إلَّا رِوَايَةً عَنْ سَعِيدٍ ، رُوِيَ عَنْهُ خِلَافُهَا .\rوَلَا خِلَافَ فِي إبَاحَةِ مَا صَادُوهُ مِنْ الْحِيتَانِ .\rحُكِيَ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ ، أَنَّهُ قَالَ : رَأَيْت سَبْعِينَ مِنْ الصَّحَابَةِ يَأْكُلُونَ صَيْدَ الْمَجُوسِيِّ مَنْ لَا يَخْتَلِجُ فِي صُدُورِهِمْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ .\rرَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ .\rوَالْجَرَادُ كَالْحِيتَانِ فِي ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ لَا ذَكَاةَ لَهُ ، وَلِأَنَّهُ تُبَاحُ مَيْتَتُهُ ، فَلَمْ يَحْرُمْ بِصَيْدِ الْمَجُوسِيِّ ، كَالْحُوتِ .\r( 7753 ) فَصْلٌ : وَحُكْمُ سَائِرِ الْكُفَّارِ ، مِنْ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ وَالزَّنَادِقَةِ وَغَيْرِهِمْ ، حُكْمُ الْمَجُوسِيِّ ، فِي تَحْرِيمِ ذَبَائِحِهِمْ وَصَيْدِهِمْ ، إلَّا الْحِيتَانَ وَالْجَرَادَ وَسَائِرَ مَا تُبَاحُ مَيْتَتُهُ ، فَإِنَّ مَا صَادُوهُ مُبَاحٌ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَزِيدُ بِذَلِكَ عَنْ مَوْتِهِ بِغَيْرِ سَبَبٍ .\rوَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ ؛ السَّمَكُ ، وَالْجَرَادُ } .\rوَقَالَ فِي الْبَحْرِ { هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ ، الْحِلُّ مَيْتَتُهُ .\r} ( 7754 ) فَصْلٌ : قَالَ أَحْمَدُ : وَطَعَامُ الْمَجُوسِ لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ أَنْ يُؤْكَلَ ، وَإِذَا أُهْدِيَ إلَيْهِ أَنْ يُقْبَلَ ، إنَّمَا تُكْرَهُ ذَبَائِحُهُمْ ،","part":21,"page":351},{"id":10351,"text":"أَوْ شَيْءٌ فِيهِ دَسَمٌ .\rيَعْنِي مِنْ اللَّحْمِ .\rوَلَمْ يَرَ بِالسَّمْنِ وَالْخُبْزِ بَأْسًا .\rوَسُئِلَ عَمَّا يَصْنَعُ الْمَجُوسُ لِأَمْوَاتِهِمْ ، وَيُزَمْزِمُونَ عَلَيْهِمْ أَيَّامًا عَشْرًا ، ثُمَّ يَقْتَسِمُونَ ذَلِكَ فِي الْجِيرَانِ ؟ قَالَ : لَا بَأْسَ بِذَلِكَ .\rوَعَنْ الشَّعْبِيِّ : كُلْ مَعَ الْمَجُوسِيِّ وَإِنْ زَمْزَمَ .\rوَرَوَى أَحْمَدُ ، أَنَّ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ كَانَ يَأْكُلُ مِنْ كَوَامِيخِ الْمَجُوسِ ، وَأَعْجَبَهُ ذَلِكَ .\rوَرَوَى هِشَامٌ ، عَنْ الْحَسَنِ أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى بَأْسًا بِطَعَامِ الْمَجُوسِ فِي الْمِصْرِ ، وَلَا بِشَوَارِيزِهِمْ ، وَلَا بِكَوَامِيخِهِمْ .","part":21,"page":352},{"id":10352,"text":"( 7755 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا مَاتَ مِنْ الْحِيتَانِ فِي الْمَاءِ وَإِنْ طَفَا ) قَوْلُهُ طَفَا : يَعْنِي ارْتَفَعَ عَلَى وَجْهِ الْمَاءِ .\rقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ : وَأَنَّ الْعَرْشَ فَوْقَ الْمَاءِ طَافٍ وَفَوْقَ الْعَرْشِ رَبُّ الْعَالَمِينَا وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ السَّمَكَ وَغَيْرَهُ مِنْ ذَوَاتِ الْمَاءِ الَّتِي لَا تَعِيشُ إلَّا فِيهِ ، إذَا مَاتَتْ فَهِيَ حَلَالٌ ، سَوَاءٌ مَاتَتْ بِسَبَبٍ أَوْ غَيْرِ سَبَبٍ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْبَحْرِ : { هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ } .\rقَالَ أَحْمَدُ : هَذَا خَيْرٌ مِنْ مِائَةِ حَدِيثٍ .\rوَأَمَّا مَا مَاتَ بِسَبَبٍ ، مِثْلُ أَنْ صَادَهُ إنْسَانٌ ، أَوْ نَبَذَهُ الْبَحْرُ ، أَوْ جَزَرَ عَنْهُ ، فَإِنَّ الْعُلَمَاءَ أَجْمَعُوا عَلَى إبَاحَتِهِ ، وَكَذَلِكَ مَا حُبِسَ فِي الْمَاءِ بِحَظِيرَةٍ حَتَّى يَمُوتَ ، فَلَا خِلَافَ أَيْضًا فِي حِلِّهِ .\rقَالَ أَحْمَدُ : الطَّافِي يُؤْكَلُ ، وَمَا جَزَرَ عَنْهُ الْمَاءُ أَجْوَدُ ، وَالسَّمَكُ الَّذِي نَبَذَهُ الْبَحْرُ لَمْ يَخْتَلِفْ النَّاسُ فِيهِ ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي الطَّافِي ، وَلَيْسَ بِهِ بَأْسٌ .\rوَمِمَّنْ أَبَاحَ الطَّافِيَ مِنْ السَّمَكِ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ، وَأَبُو أَيُّوبَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا .\rوَبِهِ قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ .\rوَمِمَّنْ أَبَاحَ مَا وُجِدَ مِنْ الْحِيتَانِ عَطَاءٌ ، وَمَكْحُولٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالنَّخَعِيُّ .\rوَكَرِهَ الطَّافِيَ جَابِرٌ ، وَطَاوُسٌ ، وَابْنُ سِيرِينَ ، وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ؛ لِأَنَّ جَابِرًا قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَا أَلْقَى الْبَحْرُ ، أَوْ جَزَرَ عَنْهُ ، فَكُلُوهُ ، وَمَا مَاتَ فِيهِ وَطَفَا ، فَلَا تَأْكُلُوهُ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَلَنَا ، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ } .\rقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : طَعَامُهُ مَا مَاتَ فِيهِ .\rوَأَيْضًا الْحَدِيثُ الَّذِي قَدَّمْنَاهُ .\rوَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الطَّافِي حَلَالٌ .","part":21,"page":353},{"id":10353,"text":"وَلِأَنَّهُ لَوْ مَاتَ فِي الْبَرِّ أُبِيحَ ، فَإِذَا مَاتَ فِي الْبَحْرِ أُبِيحَ ، كَالْجَرَادِ .\rفَأَمَّا حَدِيثُ جَابِرٍ ، فَإِنَّمَا هُوَ مَوْقُوفٌ عَلَيْهِ ، كَذَلِكَ قَالَ أَبُو دَاوُد : رَوَاهُ الثِّقَاتُ فَأَوْقَفُوهُ عَلَى جَابِرٍ ، وَقَدْ أُسْنِدَ مِنْ وَجْهٍ ضَعِيفٍ .\rوَإِنْ صَحَّ فَنَحْمِلُهُ عَلَى نَهْيِ الْكَرَاهَةِ ؛ لِأَنَّهُ إذَا مَاتَ رَسَبَ فِي أَسْفَلِهِ ، فَإِذَا أَنْتَنَ طَفَا ، فَكَرِهَهُ لِنَتْنِهِ ، لَا لِتَحْرِيمِهِ .","part":21,"page":354},{"id":10354,"text":"( 7756 ) فَصْلٌ : يُبَاحُ أَكْلُ الْجَرَادِ بِإِجْمَاعِ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rوَقَدْ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أَوْفَى : { غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَبْعَ غَزَوَاتٍ ، نَأْكُلُ الْجَرَادَ } .\rرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ، وَأَبُو دَاوُد .\r.\rوَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَمُوتَ بِسَبَبٍ أَوْ بِغَيْرِ سَبَبٍ ، فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ ؛ مِنْهُمْ الشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الْحَدِيثِ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ وَابْنُ الْمُنْذِرِ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّهُ إذَا قَتَلَهُ الْبَرْدُ ، لَمْ يُؤْكَلْ .\rوَعَنْهُ ، لَا يُؤْكَلْ إذَا مَاتَ بِغَيْرِ سَبَبٍ .\rوَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ .\rوَيَرْوِي أَيْضًا عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ .\rوَلَنَا ، عُمُومُ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ ، } فَالْمَيْتَتَانِ السَّمَكُ وَالْجَرَادُ \" .\rوَلَمْ يُفَصِّلْ .\rوَلِأَنَّهُ تُبَاحُ مَيْتَتُهُ ، فَلَمْ يُعْتَبَرْ لَهُ سَبَبٌ ، كَالسَّمَكِ ، وَلِأَنَّهُ لَوْ افْتَقَرَ إلَى سَبَبٍ ، لَافْتَقَرَ إلَى ذَبْحٍ وَذَابِحٍ وَآلَةٍ ، كَبَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ .\r( 7757 ) فَصْلٌ : وَيُبَاحُ أَكْلُ الْجَرَادِ بِمَا فِيهِ ، وَكَذَلِكَ السَّمَكُ ، يَجُوزُ أَنْ يُقْلَى مِنْ غَيْرِ أَنْ يُشَقَّ بَطْنُهُ ، وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ فِي السَّمَكِ : لَا يَجُوزُ ؛ لِأَنَّ رَجْعِيَّهُ نَجِسٌ .\rوَلَنَا ، عُمُومُ النَّصِّ فِي إبَاحَتِهِ ، وَمَا ذَكَرُوهُ غَيْرُ مُسَلَّمٍ .\rوَإِنْ بَلَعَ إنْسَانٌ شَيْئًا مِنْهُ حَيًّا كُرِهَ ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَعْذِيبًا لَهُ .","part":21,"page":355},{"id":10355,"text":"( 7758 ) فَصْلٌ : وَسُئِلَ أَحْمَدُ عَنْ السَّمَكِ يُلْقَى فِي النَّارِ ؟ فَقَالَ : مَا يُعْجِبُنِي .\rوَالْجَرَادُ أَسْهَلُ ، فَإِنَّ هَذَا لَهُ دَمٌ .\rوَلَمْ يَكْرَهْ أَكْلَ السَّمَكِ إذَا أُلْقِيَ فِي النَّارِ ، إنَّمَا كَرِهَ تَعْذِيبَهُ بِالنَّارِ .\rوَأَمَّا الْجَرَادُ فَسَهَّلَ فِي إلْقَائِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا دَمَ لَهُ ، وَلِأَنَّ السَّمَكَ لَا حَاجَةَ إلَى إلْقَائِهِ فِي النَّارِ ، لِإِمْكَانِ تَرْكِهِ حَتَّى يَمُوتَ بِسُرْعَةٍ ، وَالْجَرَادُ لَا يَمُوتُ فِي الْحَالِ ، بَلْ يَبْقَى مُدَّةً طَوِيلَةً .\rوَفِي \" مُسْنَدِ الشَّافِعِيِّ \" أَنَّ كَعْبًا كَانَ مُحْرِمًا ، فَمَرَّتْ بِهِ رِجْلٌ مِنْ جَرَادٍ ، فَنَسِيَ ، وَأَخَذَ جَرَادَتَيْنِ ، فَأَلْقَاهُمَا فِي النَّارِ ، وَشَوَاهُمَا ، وَذَكَرَ ذَلِكَ لِعُمَرَ ، فَلَمْ يُنْكِرْ عُمَرُ تَرْكَهُمَا فِي النَّارِ .\rوَذُكِرَ لَهُ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ : كَانَ الْجَرَادُ يُقْلَى لَهُ .\rفَقَالَ : إنَّمَا يُؤْخَذُ الْجَرَادُ فَتُقْطَعُ أَجْنِحَتُهُ ، ثُمَّ يُلْقَى فِي الزَّيْتِ وَهُوَ حَيٌّ .","part":21,"page":356},{"id":10356,"text":"( 7759 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَذَكَاةُ الْمَقْدُورِ عَلَيْهِ مِنْ الصَّيْدِ وَالْأَنْعَامِ فِي الْحَلْقِ وَاللَّبَّةِ ) قَدْ ذَكَرْنَا حُكْمَ الْمَعْجُوزِ عَنْهُ ، مِنْ الصَّيْدِ وَالْأَنْعَامِ ، فَأَمَّا الْمَقْدُورُ عَلَيْهِ مِنْهُمَا ، فَلَا يُبَاحُ إلَّا بِالذَّكَاةِ ، بِلَا خِلَافٍ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rوَتَفْتَقِرُ الذَّكَاةُ إلَى خَمْسَةِ أَشْيَاءَ ؛ ذَابِحٍ ، وَآلَةٍ ، وَمَحَلٍّ ، وَفِعْلٍ ، وَذِكْرٍ .\rأَمَّا الذَّابِحُ فَيُعْتَبَرُ لَهُ شَرْطَانِ ؛ دِينُهُ ، وَهُوَ كَوْنُهُ مُسْلِمًا أَوْ كِتَابِيًّا ، وَعَقْلُهُ ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ ذَا عَقْلٍ يَعْرِفُ الذَّبْحَ لِيَقْصِدَ ، فَإِنْ كَانَ لَا يَعْقِلُ ، كَالطِّفْلِ الَّذِي لَا يُمَيِّزُ ، وَالْمَجْنُونِ ، وَالسَّكْرَانِ ، لَمْ يَحِلَّ مَا ذَبَحَهُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ مِنْهُ الْقَصْدُ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ ضَرَبَ إنْسَانًا بِالسَّيْفِ فَقَطَعَ عُنُقَ شَاةٍ .\rوَأَمَّا الْآلَةُ ، فَلَهَا شَرْطَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، أَنْ تَكُونَ مُحَدَّدَةً ، تَقْطَعُ أَوْ تَخْرِقُ بِحَدِّهَا ، لَا بِثِقَلِهَا .\rوَالثَّانِي ، أَنْ لَا تَكُونَ سِنًّا وَلَا ظُفْرًا .\rفَإِذَا اجْتَمَعَ هَذَانِ الشَّرْطَانِ فِي شَيْءٍ ، حَلَّ الذَّبْحُ بِهِ ، سَوَاءٌ كَانَ حَدِيدًا ، أَوْ حَجَرًا ، أَوْ بَلْطَةً ، أَوْ خَشَبًا ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَا أَنْهَرَ الدَّمَ ، وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ ، فَكُلُوا ، مَا لَمْ يَكُنْ سِنًّا أَوْ ظُفْرًا } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَعَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ : قُلْت : { يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَرَأَيْت إنْ أَحَدُنَا أَصَابَ صَيْدًا ، وَلَيْسَ مَعَهُ سِكِّينٌ ، أَيَذْبَحُ بِالْمَرْوَةِ وَشَقَّةِ الْعَصَا ؟ فَقَالَ : اُمْرُرْ الدَّمَ بِمَا شِئْت ، وَاذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ } .\rوَالْمَرْوَةُ : الصَّوَّانُ .\rوَعَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي حَارِثَةَ ، { أَنَّهُ كَانَ يَرْعَى لِقْحَةً ، فَأَخَذَهَا الْمَوْتُ ، فَلَمْ يَجِدْ شَيْئًا يَنْحَرُهَا بِهِ ، فَأَخَذَ وَتَدًا ، فَوَجَأَهَا بِهِ فِي لَبَّتِهَا حَتَّى أُهْرِيقَ دَمُهَا ، ثُمَّ جَاءَ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَمَرَهُ بِأَكْلِهَا } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَبِهَذَا قَالَ","part":21,"page":357},{"id":10357,"text":"الشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ .\rوَنَحْوُهُ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ .\rوَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، إلَّا فِي السِّنِّ وَالظُّفْرِ ، قَالَ : إذَا كَانَا مُتَّصِلَيْنِ ، لَمْ يَجُزْ الذَّبْحُ بِهِمَا ، وَإِنْ كَانَا مُنْفَصِلَيْنِ ، جَازَ .\rوَلَنَا ، عُمُومُ حَدِيثِ رَافِعٍ ، وَلِأَنَّ مَا لَمْ تَجُزْ الذَّكَاةُ بِهِ مُتَّصِلًا ، لَمْ تَجُزْ مُنْفَصِلًا ، كَغَيْرِ الْمُحَدَّدِ .\rوَأَمَّا الْعَظْمُ غَيْرُ السِّنِّ ، فَمُقْتَضَى إطْلَاقِ قَوْلِ أَحْمَدَ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ، إبَاحَةُ الذَّبْحِ بِهِ .\rوَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ .\rوَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : يُذَكَّى بِعَظْمِ الْحِمَارِ ، وَلَا يُذَكَّى بِعَظْمِ الْقِرْدِ ؛ لِأَنَّك تُصَلِّي عَلَى الْحِمَارِ وَتَسْقِيه فِي جَفْنَتِك .\rوَعَنْ أَحْمَدَ : لَا يُذَكَّى بِعَظْمِ وَلَا ظُفْرٍ .\rوَقَالَ النَّخَعِيُّ : لَا يُذَكَّى بِالْعَظْمِ وَالْقَرْنِ .\rوَوَجْهُهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { مَا أَنْهَرَ الدَّمَ ، وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ ، فَكُلُوا ، لَيْسَ السِّنَّ وَالظُّفْرَ ، وَسَأُحَدِّثُكُمْ عَنْ ذَلِكَ ، أَمَّا السِّنُّ فَعَظْمٌ ، وَأَمَّا الظُّفْرُ فَمُدَى الْحَبَشَةِ } .\rفَعَلَّلَهُ بِكَوْنِهِ عَظْمًا ، فَكُلُّ عَظْمٍ فَقَدْ وُجِدَتْ فِيهِ الْعِلَّةُ .\rوَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ؛ لِأَنَّ الْعَظْمَ دَخَلَ فِي عُمُومِ اللَّفْظِ الْمُبِيحِ ، ثُمَّ اُسْتُثْنِيَ السِّنُّ وَالظُّفْرُ خَاصَّةً ، فَيَبْقَى سَائِرُ الْعِظَامِ دَاخِلًا فِيمَا يُبَاحُ الذَّبْحُ بِهِ ، وَالْمَنْطُوقُ مُقَدَّمٌ عَلَى التَّعْلِيلِ ، وَلِهَذَا عَلَّلَ الظُّفْرَ بِكَوْنِهِ مِنْ مُدَى الْحَبَشَةِ ، وَلَا يَحْرُمُ الذَّبْحُ بِالسِّكِّينِ وَإِنْ كَانَتْ مُدْيَةً لَهُمْ ، وَلِأَنَّ الْعِظَامَ يَتَنَاوَلُهَا سَائِرُ الْأَحَادِيثِ الْعَامَّةِ ، وَيَحْصُلُ بِهَا الْمَقْصُودُ ، فَأَشْبَهَتْ سَائِرَ الْآلَاتِ .\rوَأَمَّا الْمَحِلُّ فَالْحَلْقُ وَاللَّبَّةُ وَهِيَ الْوَهْدَةُ الَّتِي بَيْنَ أَصْلِ الْعُنُقِ وَالصَّدْرِ .\rوَلَا يَجُوزُ الذَّبْحُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَحِلِّ بِالْإِجْمَاعِ ، وَقَدْ رُوِيَ فِي","part":21,"page":358},{"id":10358,"text":"حَدِيثٍ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { الذَّكَاةُ فِي الْحَلْقِ وَاللَّبَّةِ } .\rقَالَ أَحْمَدُ : الذَّكَاةُ فِي الْحَلْقِ وَاللَّبَّةِ .\rوَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ عُمَرَ ، وَهُوَ مَا رَوَى سَعِيدٌ ، وَالْأَثْرَمُ ، بِإِسْنَادِهِمَا عَنْ الْفُرَافِصَةِ ، قَالَ : كُنَّا عِنْدَ عُمَرَ ، فَنَادَى أَنَّ النَّحْرَ فِي اللَّبَّةِ وَالْحَلْقِ لِمَنْ قَدَرَ .\rوَإِنَّمَا نَرَى أَنَّ الذَّكَاةَ اخْتَصَّتْ بِهَذَا الْمَحِلِّ ؛ لِأَنَّهُ مَجْمَعُ الْعُرُوقِ ، فَتَنْفَسِخُ بِالذَّبْحِ فِيهِ الدِّمَاءُ السَّيَّالَةُ ، وَيُسْرِعُ زُهُوقَ النَّفْسِ ، فَيَكُونُ أَطْيَبَ لِلَّحْمِ ، وَأَخَفَّ عَلَى الْحَيَوَانِ .\rقَالَ أَحْمَدُ : لَوْ كَانَ حَدِيثُ أَبِي الْعُشَرَاءِ حَدِيثًا .\rيَعْنِي مَا رَوَى أَبُو الْعُشَرَاءِ عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أَنَّهُ سُئِلَ : أَمَّا تَكُونُ الذَّكَاةُ إلَّا فِي الْحَلْقِ وَاللَّبَّةِ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَوْ طَعَنْت فِي فَخِذِهَا ، لَأَجْزَأَ عَنْك } .\rقَالَ أَحْمَدُ : أَبُو الْعُشَرَاءِ هَذَا لَيْسَ بِمَعْرُوفٍ .\rوَأَمَّا الذِّكْرُ فَالتَّسْمِيَةُ ، وَقَدْ مَرَّ ذِكْرُهَا .\rوَأَمَّا الْفِعْلُ فَيُعْتَبَرُ قَطْعُ الْحُلْقُومِ وَالْمَرِيءِ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ ، رِوَايَةٌ أُخْرَى ، أَنَّهُ يُعْتَبَرُ مَعَ هَذَا قَطْعُ الْوَدَجَيْنِ .\rوَبِهِ قَالَ مَالِكٌ ، وَأَبُو يُوسُفَ ؛ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : { نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ شَرِيطَةِ الشَّيْطَانِ } .\rوَهِيَ الَّتِي تُذْبَحُ فَتَقْطَعُ الْجِلْدَ وَلَا تَفْرِي الْأَوْدَاجَ ، ثُمَّ تُتْرَكُ حَتَّى تَمُوتَ .\rرَوَاهُ .\rأَبُو دَاوُد .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يُعْتَبَرُ قَطْعُ الْحُلْقُومِ وَالْمَرِيءِ وَأَحَدِ الْوَدَجَيْنِ .\rوَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ الْأَكْمَلَ قَطْعُ الْأَرْبَعَةِ ؛ الْحُلْقُومِ ، وَالْمَرِيءِ وَالْوَدَجَيْنِ ، فَالْحُلْقُومُ مَجْرَى النَّفَسِ ، وَالْمَرِيءُ وَهُوَ مَجْرَى الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ ، وَالْوَدَجَانِ ، وَهُمَا عِرْقَانِ مُحِيطَانِ بِالْحُلْقُومِ ؛ لِأَنَّهُ","part":21,"page":359},{"id":10359,"text":"أَسْرَعُ لِخُرُوجِ رُوحِ الْحَيَوَانِ ، فَيَخِفُّ عَلَيْهِ ، وَيَخْرُجُ مِنْ الْخِلَافِ ، فَيَكُونُ أَوْلَى .\rوَالْأَوَّلُ يُجْزِئُ ؛ لِأَنَّهُ قَطَعَ فِي مَحِلِّ الذَّبْحِ مَا لَا تَبْقَى الْحَيَاةُ مَعَ قَطْعِهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَطَعَ الْأَرْبَعَةَ .","part":21,"page":360},{"id":10360,"text":"( 7760 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُنْحَرَ ، الْبَعِيرُ ، وَيُذْبَحَ مَا سِوَاهُ ) لَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ ، فِي أَنَّ الْمُسْتَحَبَّ نَحْرُ الْإِبِلِ ، وَذَبْحُ مَا سِوَاهَا .\rقَالَ اللَّهُ تَعَالَى { : فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ } .\rوَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى { : إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً } .\rقَالَ مُجَاهِدٌ : أُمِرْنَا بِالنَّحْرِ ، وَأُمِرَ بَنُو إسْرَائِيلَ بِالذَّبْحِ ، فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بُعِثَ فِي قَوْمٍ مَاشِيَتُهُمْ الْإِبِلُ ، فَسُنَّ النَّحْرُ ، وَكَانَتْ بَنُو إسْرَائِيلَ مَاشِيَتُهُمْ الْبَقَرُ ، فَأُمِرُوا بِالذَّبْحِ .\r{ وَثَبَتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحَرَ بَدَنَةً ، وَضَحَّى بِكَبْشَيْنِ أَقْرَنَيْنِ ذَبَحَهُمَا بِيَدِهِ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَمَعْنَى النَّحْرِ ، أَنْ يَضْرِبَهَا بِحَرْبَةٍ أَوْ نَحْوِهَا فِي الْوَهْدَةِ الَّتِي بَيْنَ أَصْلِ عُنُقِهَا وَصَدْرِهَا .\r( 7761 ) فَصْلٌ : وَيُسَنُّ الذَّبْحُ بِسِكِّينٍ حَادٍّ ؛ لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد ، عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ ، قَالَ : { خَصْلَتَانِ سَمِعْتُهُمَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذَّبْحَ ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ ، وَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ } .\rوَيُكْرَه أَنْ يَسُنَّ السِّكِّينَ وَالْحَيَوَانُ يُبْصِرُهُ .\rوَرَأَى عُمَرُ رَجُلًا قَدْ وَضَعَ رِجْلَهُ عَلَى شَاةٍ ، وَهُوَ يَحُدُّ السِّكِّينَ ، فَضَرَبَهُ حَتَّى أَفْلَتَ الشَّاةَ .\rوَيُكْرَهُ أَنْ يَذْبَحَ شَاةً وَالْأُخْرَى تَنْظُرُ إلَيْهِ ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَسْتَقْبِلَ بِهَا الْقِبْلَةَ .\rوَاسْتَحَبَّ ذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ ، وَابْنُ سِيرِينَ ، وَعَطَاءٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَكَرِهَ ابْنُ عُمَرَ ، وَابْنُ سِيرِينَ أَكْلَ مَا ذُبِحَ لِغَيْرِ الْقِبْلَةِ .\rوَقَالَ سَائِرُهُمْ : لَيْسَ ذَلِكَ مَكْرُوهًا ؛ لِأَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ يَذْبَحُونَ لِغَيْرِ الْقِبْلَةِ ، وَقَدْ أَحَلَّ اللَّهُ ذَبَائِحَهُمْ .","part":21,"page":361},{"id":10361,"text":"( 7762 ) فَصْلٌ : قَالَ أَحْمَدُ : لَا تُؤْكَلُ الْمَصْبُورَةُ ، وَلَا الْمُجَثَّمَةُ .\rوَبِهِ قَالَ إِسْحَاقُ .\rوَالْمُجَثَّمَةُ : هِيَ الطَّائِرُ أَوْ الْأَرْنَبُ يُجْعَلُ غَرَضًا ، ثُمَّ يُرْمَى حَتَّى يُقْتَلَ .\rوَالْمَصْبُورَةُ مِثْلُهُ ، إلَّا أَنَّ الْمُجَثَّمَةَ لَا تَكُونُ إلَّا فِي الطَّائِرِ وَالْأَرْنَبِ وَأَشْبَاهِهَا ، وَالْمَصْبُورَةُ كُلُّ حَيَوَانٍ .\rوَأَصْلُ الصَّبْرِ الْحَبْسُ .\rوَالْأَصْلُ فِي تَحْرِيمِهِ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ صَبْرِ الْبَهَائِمِ ، وَقَالَ { : لَا تَتَّخِذُوا شَيْئًا فِيهِ الرُّوحُ غَرَضًا } .\rوَرَوَى سَعِيدٌ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ : { نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ كُلِّ مُجَثَّمَةٍ } .\rوَبِإِسْنَادِهِ عَنْ مُجَاهِدٍ ، قَالَ : { نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْمُجَثَّمَةِ وَعَنْ أَكْلِهَا ، وَنَهَى عَنْ الْمَصْبُورَةِ وَعَنْ أَكْلِهَا } وَلِأَنَّهُ حَيَوَانٌ مَقْدُورٌ عَلَيْهِ ، فَلَمْ يُبَحْ بِغَيْرِ الذَّكَاةِ ، كَالْبَعِيرِ وَالْبَقَرَةِ .","part":21,"page":362},{"id":10362,"text":"( 7763 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( فَإِنْ ذَبَحَ مَا يُنْحَرُ ، أَوْ نَحَرَ مَا يُذْبَحُ فَجَائِزٌ ) هَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ؛ مِنْهُمْ عَطَاءٌ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَقَتَادَةُ ، وَمَالِكٌ ، وَاللَّيْثُ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ .\rوَحُكِيَ عَنْ دَاوُد ، أَنَّ الْإِبِلَ لَا تُبَاحُ إلَّا بِالنَّحْرِ ، وَلَا يُبَاحُ غَيْرُهَا إلَّا بِالذَّبْحِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ { : إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً } .\rوَالْأَمْرُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ ، وَقَالَ تَعَالَى { : فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ } .\rوَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحَرَ الْبُدْنَ ، وَذَبَحَ الْغَنَمَ ، وَإِنَّمَا تُؤْخَذُ الْأَحْكَامُ مِنْ جِهَتِهِ .\rوَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ ، أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ فِي الْإِبِلِ إلَّا النَّحْرُ ؛ لِأَنَّ أَعْنَاقَهَا طَوِيلَةٌ ، فَإِذَا ذُبِحَ تَعَذَّبَ بِخُرُوجِ رُوحِهِ .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : إنَّمَا كَرِهَهُ ، وَلَمْ يُحَرِّمْهُ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { اُمْرُرْ الدَّمَ بِمَا شِئْت } .\rوَقَالَتْ أَسْمَاءُ : نَحَرْنَا فَرَسًا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَكَلْنَاهُ وَنَحْنُ بِالْمَدِينَةِ .\rوَعَنْ عَائِشَةَ ، قَالَتْ : { نَحَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حِجَّةِ الْوَدَاعِ بَقَرَةً وَاحِدَةً } .\rوَلِأَنَّهُ ذَكَاةٌ فِي مَحِلِّ الذَّكَاةِ ، فَجَازَ أَكْلُهُ ، كَالْحَيَوَانِ الْآخَرِ .","part":21,"page":363},{"id":10363,"text":"( 7764 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِذَا ذَبَحَ فَأَتَى عَلَى الْمَقَاتِلَ ، فَلَمْ تَخْرُجْ الرُّوحُ حَتَّى وَقَعَتْ فِي الْمَاءِ ، أَوْ وَطِئَ عَلَيْهَا شَيْءٌ ، لَمْ تُؤْكَلْ ) .\rيَعْنِي إذَا وَطِئَ عَلَيْهَا شَيْءٌ يَقْتُلُهَا مِثْلُهُ غَالِبًا ، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الْخِرَقِيِّ نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .\rوَقَالَ أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا الْمُتَأَخِّرِينَ : لَا يَحْرُمُ بِهَذَا .\rوَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ ؛ لِأَنَّهَا إذَا ذُبِحَتْ فَقَدْ صَارَتْ فِي حُكْمِ الْمَيِّتِ ، وَكَذَلِكَ لَوْ أُبِينَ رَأْسُهَا بَعْدَ الذَّبْحِ ، لَمْ تَحْرُمْ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .\rوَلَوْ ذُبِحَ إنْسَانٌ ثُمَّ ضَرَبَ آخَرُ عُنُقَهُ أَوْ غَرَّقَهُ ، لَمْ يَلْزَمْهُ قِصَاصٌ وَلَا دِيَةٌ .\rوَوَجْهُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثِ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ : { وَإِنْ وَقَعَتْ فِي الْمَاءِ ، فَلَا تَأْكُلْ } .\rوَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ : مَنْ رَمَى طَائِرًا فَوَقَعَ فِي الْمَاءِ ، فَغَرِقَ فِيهِ ، فَلَا تَأْكُلْهُ .\rوَلِأَنَّ الْغَرَقَ سَبَبٌ يَقْتُلُ ، فَإِذَا اجْتَمَعَ مَعَ الذَّبْحِ ، فَقَدْ اجْتَمَعَ مَا يُبِيحُ وَيُحَرِّمُ ، فَيُغَلَّبُ الْحَظْرُ ، وَلِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ أَنْ يُعِينَ عَلَى خُرُوجِ الرُّوحِ ، فَتَكُونَ قَدْ خَرَجَتْ بِفِعْلَيْنِ مُبِيحٍ وَمُحَرِّمٍ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ وُجِدَ الْأَمْرَانِ فِي حَالٍ وَاحِدَةٍ ، أَوْ رَمَاهُ مُسْلِمٌ وَمَجُوسِيٌّ فَمَاتَ .","part":21,"page":364},{"id":10364,"text":"( 7765 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِذَا ذَبَحَهَا مِنْ قَفَاهَا ، وَهُوَ مُخْطِئٌ ، فَأَتَتْ السِّكِّينُ عَلَى مَوْضِعِ ذَبْحِهَا ، وَهِيَ فِي الْحَيَاةِ ، أُكِلَتْ ) قَالَ الْقَاضِي : مَعْنَى الْخَطَأِ أَنْ تَلْتَوِيَ الذَّبِيحَةُ عَلَيْهِ ، فَتَأْتِيَ السِّكِّينُ عَلَى الْقَفَا ؛ لِأَنَّهَا مَعَ الْتِوَائِهَا مَعْجُوزٌ عَنْ ذَبْحِهَا ، فَسَقَطَ اعْتِبَارُ الْمَحَلِّ ، كَالْمُتَرَدِّيَةِ فِي بِئْرٍ ، فَأَمَّا مَعَ عَدَمِ الْتِوَائِهَا ، فَلَا تُبَاحُ بِذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الْجَرْحَ فِي الْقَفَا سَبَبٌ لِلزَّهُوقِ ، وَهُوَ فِي غَيْرِ مَحَلِّ الذَّبْحِ ، فَإِذَا اجْتَمَعَ مَعَ الذَّبْحِ ، مُنِعَ حِلُّهُ ، كَمَا لَوْ بَقَرَ بَطْنَهَا .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ ، مَا يَدُلُّ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى ، فَإِنَّ الْفَضْلَ بْنَ زِيَادٍ قَالَ : سَأَلْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَنْ مَنْ ذَبَحَ فِي الْقَفَا ؟ قَالَ : عَامِدًا أَوْ غَيْرَ عَامِدٍ ؟ قُلْت : عَامِدًا .\rقَالَ : لَا تُؤْكَلُ ، فَإِذَا كَانَ غَيْرَ عَامِدٍ ، كَأَنْ الْتَوَى عَلَيْهِ ، فَلَا بَأْسَ .\r( 7766 ) فَصْلٌ : فَإِنْ ذَبَحَهَا مِنْ قَفَاهَا اخْتِيَارًا ، فَقَدْ ذَكَرْنَا عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّهَا لَا تُؤْكَلُ .\rوَهُوَ مَفْهُومُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ .\rوَحُكِيَ هَذَا عَنْ عَلِيٍّ ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، وَمَالِكٍ ، وَإِسْحَاقَ .\rقَالَ إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ : تُسَمَّى هَذِهِ الذَّبِيحَةُ الْقَفِينَةُ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : إنْ بَقِيَتْ فِيهَا حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ قَبْلَ قَطْعِ الْحُلْقُومِ وَالْمَرِيءِ حَلَّتْ ، وَإِلَّا فَلَا ، وَيُعْتَبَرُ ذَلِكَ بِالْحَرَكَةِ الْقَوِيَّةِ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rوَهَذَا أَصَحُّ ؛ لِأَنَّ الذَّبْحَ إذَا أَتَى عَلَى مَا فِيهِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ ، أَحَلَّهُ ، كَأَكِيلَةِ السَّبُعِ ، وَالْمُتَرَدِّيَةِ وَالنَّطِيحَةِ .\rوَلَوْ ضَرَبَ عُنُقَهَا بِالسَّيْفِ فَأَطَارَ رَأْسَهَا ، حَلَّتْ بِذَلِكَ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، فَقَالَ : لَوْ أَنَّ رَجُلًا ضَرَبَ رَأْسَ بَطَّةٍ أَوْ شَاةٍ بِالسَّيْفِ ، يُرِيدُ بِذَلِكَ الذَّبِيحَةَ ، كَانَ لَهُ أَنْ يَأْكُلَهُ .\rوَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، أَنَّهُ قَالَ : تِلْكَ ذَكَاةٌ وَحِيَّةٌ .\rوَأَفْتَى","part":21,"page":365},{"id":10365,"text":"بِأَكْلِهَا عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ .\rوَبِهِ قَالَ الشَّعْبِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَالثَّوْرِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو بَكْرٍ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ فِيهَا قَوْلَانِ .\rوَالصَّحِيحُ أَنَّهَا مُبَاحَةٌ ؛ لِأَنَّهُ اجْتَمَعَ قَطْعُ مَا تَبْقَى الْحَيَاةُ مَعَهُ مَعَ الذَّبْحِ ، فَأُبِيحَ ، كَمَا ذَكَرْنَا مَعَ قَوْلِ مَنْ ذَكَرْنَا قَوْلَهُ مِنْ الصَّحَابَةِ مِنْ غَيْرِ مُخَالِفٍ .\r( 7767 ) فَصْلٌ : فَإِنْ ذَبَحَهَا مِنْ قَفَاهَا ، فَلَمْ يَعْلَمْ هَلْ كَانَتْ فِيهَا حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ قَبْلَ قَطْعِ الْحُلْقُومِ وَالْمَرِيءِ أَوْ لَا ؟ نَظَرْت ؛ فَإِنْ كَانَ الْغَالِبُ بَقَاءَ ذَلِكَ ، لِحِدَّةِ الْآلَةِ ، وَسُرْعَةِ الْقَتْلِ ، فَالْأَوْلَى إبَاحَتُهُ ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ مَا قُطِعَتْ عُنُقَهُ بِضَرْبَةِ السَّيْفِ ، وَإِنْ كَانَتْ الْآلَةُ كَالَّةً ، وَأَبْطَأَ قَطْعُهُ ، وَطَالَ تَعْذِيبُهُ ، لَمْ يُبَحْ ؛ لِأَنَّهُ مَشْكُوكٌ فِي وُجُودِ مَا يُحِلُّهُ ، فَيَحْرُمُ ، كَمَا لَوْ أَرْسَلَ كَلْبَهُ عَلَى الصَّيْدِ ، فَوَجَدَ مَعَهُ كَلْبًا آخَرَ لَا يَعْرِفُهُ .","part":21,"page":366},{"id":10366,"text":"( 7768 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَذَكَاتُهَا ذَكَاةُ جَنِينِهَا ، أَشْعَرَ أَوْ لَمْ يُشْعِرْ ) يَعْنِي إذَا خَرَجَ الْجَنِينُ مَيِّتًا مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ بَعْدَ ذَبْحِهَا ، أَوْ وَجَدَهُ مَيِّتًا فِي بَطْنِهَا ، أَوْ كَانَتْ حَرَكَتُهُ بَعْدَ خُرُوجِهِ كَحَرَكَةِ الْمَذْبُوحِ ، فَهُوَ حَلَالٌ .\rرُوِيَ هَذَا عَنْ عُمَرَ ، وَعَلِيٍّ .\rوَبِهِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ .\rوَقَالَ ابْنُ عُمَرَ : ذَكَاتُهُ ذَكَاةُ أُمِّهِ إذَا أَشْعَرَ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَطَاءٍ ، وَطَاوُسٍ ، وَمُجَاهِدٍ ، وَالزُّهْرِيِّ ، وَالْحَسَنِ ، وَقَتَادَةَ ، وَمَالِكٍ ، وَاللَّيْثِ ، وَالْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ؛ لِأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ، قَالَ : كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُونَ : إذَا أَشْعَرَ الْجَنِينُ ، فَذَكَاتُهُ ذَكَاةُ أُمِّهِ .\rوَهَذَا إشَارَةٌ إلَى جَمِيعِهِمْ ، فَكَانَ إجْمَاعًا .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَحِلُّ إلَّا أَنْ يَخْرُجَ حَيًّا فَيُذَكَّى ؛ لِأَنَّهُ حَيَوَانٌ يَنْفَرِدُ بِحَيَاتِهِ ، فَلَا يَتَذَكَّى بِذَكَاةِ غَيْرِهِ ، كَمَا بَعْدَ الْوَضْعِ .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : كَانَ النَّاسُ عَلَى إبَاحَتِهِ ، لَا نَعْلَمُ أَحَدًا مِنْهُمْ خَالَفَ مَا قَالُوا ، إلَى أَنْ جَاءَ النُّعْمَانُ ، فَقَالَ : لَا يَحِلُّ ؛ لِأَنَّ ذَكَاةَ نَفْسٍ لَا تَكُونُ ذَكَاةَ نَفْسَيْنِ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ ، قَالَ : قِيلَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنَّ أَحَدَنَا يَنْحَرُ النَّاقَةَ ، وَيَذْبَحُ الْبَقَرَةَ وَالشَّاةَ ، فَيَجِدُ فِي بَطْنِهَا الْجَنِينَ ، أَنَأْكُلُهُ أَمْ نُلْقِيه ؟ قَالَ { كُلُوهُ إنْ شِئْتُمْ ، فَإِنَّ ذَكَاتَهُ ذَكَاةُ أُمِّهِ } .\rوَعَنْ جَابِرٍ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { : ذَكَاةُ الْجَنِينِ ذَكَاةُ أُمِّهِ } .\rرَوَاهُمَا أَبُو دَاوُد .\rوَلِأَنَّ هَذَا إجْمَاعٌ مِنْ الصَّحَابَةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ ، فَلَا يُعَوَّلُ عَلَى مَا خَالَفَهُ ، وَلِأَنَّ الْجَنِينَ مُتَّصِلٌ بِهَا اتِّصَالَ خِلْقَةٍ ، يَتَغَذَّى بِغِذَائِهَا ، فَتَكُونُ ذَكَاتُهُ ذَكَاتَهَا ،","part":21,"page":367},{"id":10367,"text":"كَأَعْضَائِهَا ، وَلِأَنَّ الذَّكَاةَ فِي الْحَيَوَانِ تَخْتَلِفُ عَلَى حَسَبِ الْإِمْكَانِ فِيهِ وَالْقُدْرَةِ ، بِدَلِيلِ الصَّيْدِ الْمُمْتَنِعِ وَالْمَقْدُورِ عَلَيْهِ وَالْمُتَرَدِّيَةِ ، وَالْجَنِينُ لَا يُتَوَصَّلُ إلَى ذَبْحِهِ بِأَكْثَرَ مِنْ ذَبْحِ أُمِّهِ ، فَيَكُونُ ذَكَاةً لَهُ .\r( 7769 ) فَصْلٌ : وَاسْتَحَبَّ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ أَنْ يَذْبَحَهُ وَإِنْ خَرَجَ مَيِّتًا ؛ لِيَخْرُجَ الدَّمُ الَّذِي فِي جَوْفِهِ ، وَلِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يُعْجِبُهُ أَنْ يُرِيقُوا مِنْ دَمِهِ وَإِنْ كَانَ مَيِّتًا .\r( 7770 ) فَصْلٌ : فَإِنْ خَرَجَ حَيًّا حَيَاةً مُسْتَقِرَّةً ، يُمْكِنُ أَنْ يُذَكَّى ، فَلَمْ يُذَكِّهِ حَتَّى مَاتَ ، فَلَيْسَ بِذَكِيٍّ .\rقَالَ أَحْمَدُ : إنْ خَرَجَ حَيًّا ، فَلَا بُدَّ مِنْ ذَكَاتِهِ ؛ لِأَنَّهُ نَفْسٌ أُخْرَى .","part":21,"page":368},{"id":10368,"text":"( 7771 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَلَا يُقْطَعُ عُضْوٌ مِمَّا ذُكِّيَ حَتَّى تَزْهَقَ نَفْسُهُ ) كَرِهَ ذَلِكَ أَهْلُ الْعِلْمِ ؛ مِنْهُمْ عَطَاءٌ ، وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَلَا نَعْلَمُ لَهُمْ مُخَالِفًا .\rوَقَدْ قَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : لَا تُعَجِّلُوا الْأَنْفُسَ حَتَّى تُزْهَقَ .\rفَإِنْ قُطِعَ عُضْوٌ قَبْلَ زُهُوقَ النَّفْسِ وَبَعْدَ الذَّبْحِ ، فَالظَّاهِرُ إبَاحَتُهُ ؛ فَإِنَّ أَحْمَدَ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ ذَبَحَ دَجَاجَةً ، فَأَبَانَ رَأْسَهَا ؟ قَالَ : يَأْكُلُهَا .\rقِيلَ لَهُ : وَاَلَّذِي بَانَ مِنْهَا أَيْضًا ؟ قَالَ : نَعَمْ .\rقَالَ الْبُخَارِيُّ : قَالَ ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ : إذَا قَطَعَ الرَّأْسَ .\rفَلَا بَأْسَ بِهِ .\rوَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ ، وَالْحَسَنُ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ قَطْعَ ذَلِكَ الْعُضْوِ بَعْدَ حُصُولِ الذَّكَاةِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَطَعَهُ بَعْدَ الْمَوْتِ .\r( 7772 ) فَصْلٌ : وَيُكْرَهُ سَلْخُ الْحَيَوَانِ قَبْلَ أَنْ يَبْرُدَ ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَعْذِيبًا لِلْحَيَوَانِ ، فَهُوَ كَقَطْعِ الْعُضْوِ .\rوَيُكْرَهُ النَّفْخُ فِي اللَّحْمِ الَّذِي يُرِيدُهُ لِلْبَيْعِ ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ الْغِشِّ .\r( 7773 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قُطِعَ مِنْ الْحَيَوَانِ شَيْءٌ ، وَفِيهِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ ، فَهُوَ مَيْتَةٌ ؛ لِمَا رَوَى أَبُو وَاقِدٍ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَا قُطِعَ مِنْ الْبَهِيمَةِ ، وَهِيَ حَيَّةٌ ، فَهُوَ مَيْتَةٌ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَلِأَنَّ إبَاحَتَهُ إنَّمَا تَكُونُ بِالذَّبْحِ ، وَلَيْسَ هَذَا بِذَبْحٍ .","part":21,"page":369},{"id":10369,"text":"( 7774 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَذَبِيحَةُ مَنْ أَطَاقَ الذَّبْحَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَأَهْلِ الْكِتَابِ حَلَالٌ ، إذَا سَمَّوْا ، أَوْ نَسُوا التَّسْمِيَةَ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ كُلَّ مَنْ أَمْكَنَهُ الذَّبْحُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَأَهْلِ الْكِتَابِ ، إذَا ذَبَحَ ، حَلَّ أَكْلُ ذَبِيحَتِهِ ، رَجُلًا كَانَ أَوْ امْرَأَةً ، بَالِغًا أَوْ صَبِيًّا ، حُرًّا كَانَ أَوْ عَبْدًا ، لَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ، عَلَى إبَاحَةِ ذَبِيحَةِ الْمَرْأَةِ وَالصَّبِيِّ .\rوَقَدْ رُوِيَ { أَنَّ جَارِيَةً لِكَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ، كَانَتْ تَرْعَى غَنَمًا بِسِلْعٍ ، فَأُصِيبَتْ شَاةٌ مِنْهَا ، فَأَدْرَكَتْهَا فَذَكَّتْهَا بِحَجَرٍ ، فَسَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : كُلُوهَا } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَفِي هَذَا الْحَدِيثِ فَوَائِدُ سَبْعٌ ؛ أَحَدُهَا ، إبَاحَةُ ذَبِيحَةِ الْمَرْأَةِ وَالثَّانِيَةُ ، إبَاحَةُ ذَبِيحَةِ الْأَمَةِ .\rوَالثَّالِثَةُ إبَاحَةُ ذَبِيحَةِ الْحَائِضِ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَسْتَفْصِلْ .\rوَالرَّابِعَةُ ، إبَاحَةُ الذَّبْحِ بِالْحَجَرِ .\rوَالْخَامِسَةُ ، إبَاحَةُ ذَبْحِ مَا خِيفَ عَلَيْهِ الْمَوْتُ .\rوَالسَّادِسَةُ ، حِلُّ مَا يَذْبَحُهُ غَيْرُ مَالِكِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ .\rوَالسَّابِعَةُ ، إبَاحَةُ ذَبْحِهِ لِغَيْرِ مَالِكِهِ عِنْدَ الْخَوْفِ عَلَيْهِ .\rوَيَشْتَرِطُ أَنْ يَكُونَ عَاقِلًا ، فَإِنْ كَانَ طِفْلًا ، أَوْ مَجْنُونًا ، أَوْ سَكْرَانَ لَا يَعْقِلُ ، لَمْ يَصِحَّ مِنْهُ الذَّبْحُ .\rوَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يُعْتَبَرُ الْعَقْلُ .\rوَلَهُ فِيمَا إذَا أَرْسَلَ الْمَجْنُونُ الْكَلْبَ عَلَى صَيْدٍ وَجْهَانِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الذَّكَاةَ يُعْتَبَرُ لَهَا الْقَصْدُ ، فَيُعْتَبَرُ لَهَا الْعَقْلُ ، كَالْعِبَادَةِ ، فَإِنَّ مَنْ لَا عَقْلَ لَهُ لَا يَصِحُّ مِنْهُ الْقَصْدُ ، فَيَصِيرُ ذَبْحُهُ كَمَا لَوْ وَقَعَتْ الْحَدِيدَةُ بِنَفْسِهَا عَلَى حَلْقِ شَاةٍ فَذَبَحَتْهَا .\rوَقَوْلُهُ : إذَا سَمَّوْا أَوْ نَسُوا التَّسْمِيَةَ .\rفَالتَّسْمِيَةُ مُشْتَرَطَةٌ فِي كُلِّ ذَابِحٍ مَعَ","part":21,"page":370},{"id":10370,"text":"الْعَمْدِ ، سَوَاءٌ كَانَ مُسْلِمًا أَوْ كِتَابِيًّا ، فَإِنْ تَرَكَ الْكِتَابِيُّ التَّسْمِيَةَ عَنْ عَمْدٍ ، أَوْ ذَكَرَ اسْمَ غَيْرِ اللَّهِ ، لَمْ تَحِلَّ ذَبِيحَتُهُ .\rرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ .\rوَبِهِ قَالَ النَّخَعِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَحَمَّادٌ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَقَالَ عَطَاءٌ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَمَكْحُولٌ : إذَا ذَبَحَ النَّصْرَانِيُّ بِاسْمِ الْمَسِيحِ حَلَّ ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَحَلَّ لَنَا ذَبِيحَتَهُ ، وَقَدْ عَلِمَ أَنَّهُ سَيَقُولُ ذَلِكَ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى { : وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرْ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ } .\rوَقَوْلُهُ : { وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ } وَالْآيَةُ أُرِيدَ بِهَا مَا ذَبَحُوهُ بِشَرْطِهِ كَالْمُسْلِمِ .\rفَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ أَسَمَّى الذَّابِحُ أَمْ لَا ؟ أَوْ ذَكَرَ اسْمَ غَيْرِ اللَّهِ أَمْ لَا ؟ فَذَبِيحَتُهُ حَلَالٌ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَبَاحَ لَنَا أَكْلَ مَا ذَبَحَهُ الْمُسْلِمُ وَالْكِتَابِيُّ ، وَقَدْ عَلِمَ أَنَّنَا لَا نَقِفُ عَلَى كُلِّ ذَابِحٍ .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا { أَنَّهُمْ قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنَّ قَوْمًا حَدِيثُو عَهْدٍ بِشِرْكٍ ، يَأْتُونَنَا بِلَحْمٍ لَا نَدْرِي أَذَكَرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ أَمْ لَمْ يَذْكُرُوا ؟ قَالَ : سَمُّوا أَنْتُمْ ، وَكُلُوا } .\rأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ .","part":21,"page":371},{"id":10371,"text":"( 7775 ) فَصْلٌ : وَإِذَا ذَبَحَ الْكِتَابِيُّ مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ ، مِثْلَ كُلِّ ذِي ظُفْرٍ .\rقَالَ قَتَادَةُ : هِيَ الْأَيْلُ وَالنَّعَامُ وَالْبَطُّ ، وَمَا لَيْسَ بِمَشْقُوقِ الْأَصَابِعِ .\rأَوْ ذَبَحَ دَابَّةً لَهَا شَحْمٌ مُحَرَّمٌ عَلَيْهِ ، فَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ وَالْخِرَقِيِّ إبَاحَتُهُ ؛ فَإِنَّ أَحْمَدَ حَكَى عَنْ مَالِكٍ ، فِي الْيَهُودِيِّ يَذْبَحُ الشَّاةَ ، قَالَ : لَا يَأْكُلُ مِنْ شَحْمِهَا .\rقَالَ أَحْمَدُ : هَذَا مَذْهَبٌ دَقِيقٌ .\rوَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ لَمْ يَرَهُ صَحِيحًا .\rوَهَذَا اخْتِيَارُ ابْنِ حَامِدٍ ، وَأَبِي الْخَطَّابِ .\rوَذَهَبَ أَبُو الْحَسَنِ التَّمِيمِيُّ ، وَالْقَاضِي ، إلَى تَحْرِيمِهَا .\rوَحَكَاهُ التَّمِيمِيُّ عَنْ الضَّحَّاكِ ، وَمُجَاهِدٍ ، وَسَوَّارٍ .\rوَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : { وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ } .\rوَلَيْسَ هَذَا مِنْ طَعَامِهِمْ .\rوَلِأَنَّهُ جُزْءٌ مِنْ الْبَهِيمَةِ ، لَمْ يُبَحْ لِذَابِحِهَا ، فَلَمْ يُبَحْ لِغَيْرِهِ ، كَالدَّمِ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُغَفَّلٍ { ، قَالَ : دُلِّيَ جِرَابٌ مِنْ شَحْمٍ مِنْ قَصْرِ خَيْبَرَ ، فَنَزَوْت لِآخُذَهُ ، فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَبَسَّمُ إلَيَّ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَلِأَنَّهَا ذَكَاةٌ أَبَاحَتْ اللَّحْمَ وَالْجِلْدَ ، فَأَبَاحَتْ الشَّحْمَ ، كَذَكَاةِ الْمُسْلِمِ .\rوَالْآيَةُ حُجَّةٌ لَنَا ؛ فَإِنَّ مَعْنَى طَعَامِهِمْ ذَبَائِحُهُمْ ، كَذَلِكَ فَسَّرَهُ الْعُلَمَاءُ ، وَقِيَاسُهُمْ يَنْتَقِضُ بِمَا ذَبَحَهُ الْغَاصِبُ .\r( 7776 ) فَصْلٌ : وَإِنْ ذَبَحَ شَيْئًا يَزْعُمُ أَنَّهُ مُحَرَّمٌ عَلَيْهِ ، وَلَمْ يَثْبُتْ أَنَّهُ مُحَرَّمٌ عَلَيْهِ ، فَهُوَ حَلَالٌ ؛ لِعُمُومِ الْآيَةِ .\rوَقَوْلُهُ : إنَّهُ حَرَامٌ .\rغَيْرُ مَقْبُولٍ .","part":21,"page":372},{"id":10372,"text":"( 7777 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( فَإِنْ كَانَ أَخْرَسَ ، أَوْمَأَ إلَى السَّمَاءِ ) قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ، عَلَى إبَاحَةِ ذَبِيحَةِ الْأَخْرَسِ ؛ مِنْهُمْ اللَّيْثُ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ .\rوَهُوَ قَوْلُ الشَّعْبِيِّ ، وَقَتَادَةَ ، وَالْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِنَّهُ يُشِيرُ إلَى السَّمَاءِ ؛ لِأَنَّ إشَارَتَهُ تَقُومُ مَقَامَ نُطْقِ النَّاطِقِ ، وَإِشَارَتُهُ إلَى السَّمَاءِ تَدُلُّ عَلَى قَصْدِهِ تَسْمِيَةَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ .\rوَنَحْوِ هَذَا قَالَ الشَّعْبِيُّ .\rوَقَدْ دَلَّ عَلَى هَذَا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ { أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِجَارِيَةٍ أَعْجَمِيَّةٍ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنَّ عَلَيَّ رَقَبَةً مُؤْمِنَةً ، أَفَأُعْتِقُ هَذِهِ ؟ فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَيْنَ اللَّهُ ؟ .\rفَأَشَارَتْ إلَى السَّمَاءِ ، فَقَالَ : مَنْ أَنَا ؟ .\rفَأَشَارَتْ بِإِصْبَعِهَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِلَى السَّمَاءِ ، أَيْ أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ .\rفَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَعْتِقْهَا ، فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ } .\rرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ، وَالْقَاضِي الْبِرْتِيُّ ، فِي \" مُسْنَدَيْهِمَا \" .\rفَحَكَمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِإِيمَانِهَا بِإِشَارَتِهَا إلَى السَّمَاءِ ، تُرِيدُ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ فِيهَا ، فَأَوْلَى أَنْ يُكْتَفَى بِذَلِكَ عَلَمًا عَلَى التَّسْمِيَةِ .\rوَلَوْ أَنَّهُ أَشَارَ إشَارَةً تَدُلُّ عَلَى التَّسْمِيَةِ ، وَعُلِمَ ذَلِكَ ، كَانَ كَافِيًا .","part":21,"page":373},{"id":10373,"text":"( 7778 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِنْ كَانَ جُنُبًا ، جَازَ أَنْ يُسَمِّيَ وَيَذْبَحَ ) وَذَلِكَ أَنَّ الْجُنُبَ تَجُوزُ لَهُ التَّسْمِيَةُ ، وَلَا يُمْنَعُ مِنْهَا ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُمْنَعُ مِنْ الْقُرْآنِ ، لَا مِنْ الذِّكْرِ ، وَلِهَذَا تُشْرَعُ لَهُ التَّسْمِيَةُ عِنْد اغْتِسَالِهِ ، وَلَيْسَتْ الْجَنَابَةُ أَعْظَمَ مِنْ الْكُفْرِ ، وَالْكَافِرُ يُسَمِّي وَيَذْبَحُ ، وَمِمَّنْ رَخَّصَ فِي ذَبْحِ الْجُنُبِ الْحَسَنُ ، وَالْحَكَمُ ، وَاللَّيْثُ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا مَنَعَ مِنْ ذَلِكَ .\rوَتُبَاحُ ذَبِيحَةُ الْحَائِضِ ؛ لِأَنَّهَا فِي مَعْنَى الْجُنُبِ .","part":21,"page":374},{"id":10374,"text":"( 7779 ) فَصْلٌ : وَالْمُنْخَنِقَةُ ، وَالْمَوْقُوذَةُ ، وَالْمُتَرَدِّيَةُ ، وَالنَّطِيحَةُ ، وَأَكِيلَةُ السَّبُعِ ، وَمَا أَصَابَهَا مَرَضٌ فَمَاتَتْ بِهِ ، مُحَرَّمَةٌ ، إلَّا أَنْ تُدْرَكْ ذَكَاتُهَا ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى { : إلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ } .\rوَفِي حَدِيثِ جَارِيَةِ كَعْبٍ { ، أَنَّهَا أُصِيبَتْ شَاةٌ مِنْ غَنَمِهَا ، فَأَدْرَكَتْهَا ، فَذَبَحَتْهَا بِحَجَرٍ ، فَسَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : كُلُوهَا } .\rفَإِنْ كَانَتْ لَمْ يَبْقَ مِنْ حَيَاتِهَا إلَّا مِثْلُ حَرَكَةِ الْمَذْبُوحِ ، لَمْ تُبَحْ بِالذَّكَاةِ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ ذَبَحَ مَا ذَبَحَهُ الْمَجُوسِيُّ ، لَمْ يُبَحْ ، وَإِنْ أَدْرَكَهَا وَفِيهَا حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ ، بِحَيْثُ يُمْكِنُهُ ذَبْحُهَا ، حَلَّتْ ؛ لِعُمُومِ الْآيَةِ وَالْخَبَرِ .\rوَسَوَاءٌ كَانَتْ قَدْ انْتَهَتْ إلَى حَالٍ يَعْلَمُ أَنَّهَا لَا تَعِيشُ مَعَهُ أَوْ تَعِيشُ ؛ لِعُمُومِ الْآيَةِ وَالْخَبَرِ ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَسْأَلْ ، وَلَمْ يَسْتَفْصِلْ .\rوَقَدْ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ، فِي ذِئْبٍ عَدَا عَلَى شَاةٍ ، فَعَقَرَهَا ، فَوَقَعَ قَصَبُهَا بِالْأَرْضِ ، فَأَدْرَكَهَا ، فَذَبَحَهَا بِحَجَرٍ ، قَالَ : يُلْقِي مَا أَصَابَ الْأَرْضَ ، وَيَأْكُلُ سَائِرَهَا .\rوَقَالَ أَحْمَدُ فِي بَهِيمَةٍ عَقَرَتْ بَهِيمَةً ، حَتَّى تَبَيَّنَ فِيهَا آثَارُ الْمَوْتِ ، إلَّا أَنَّ فِيهَا الرُّوحَ .\rيَعْنِي فَذُبِحَتْ .\rفَقَالَ : إذَا مَصَعَتْ بِذَنَبِهَا ، وَطَرَفَتْ بِعَيْنِهَا ، وَسَالَ الدَّمُ ، فَأَرْجُو إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ لَا يَكُونَ بِأَكْلِهَا بَأْسٌ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَقِيلِ بْنِ عُمَيْرٍ ، وَطَاوُسٍ .\rوَقَالَا : تَحَرَّكَتْ .\rوَلَمْ يَقُولَا : سَالَ الدَّمُ .\rوَهَذَا عَلَى مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ .\rوَقَالَ إسْمَاعِيلُ بْنُ سَعِيدٍ : سَأَلْت أَحْمَدَ عَنْ شَاةٍ مَرِيضَةٍ ، خَافُوا عَلَيْهَا الْمَوْتَ ، فَذَبَحُوهَا ، فَلَمْ يُعْلَمْ مِنْهَا أَكْثَرُ مِنْ أَنَّهَا طَرَفَتْ بِعَيْنِهَا ، أَوْ حَرَّكَتْ يَدَهَا أَوْ رِجْلَهَا أَوْ ذَنَبَهَا بِضَعْفٍ ، فَنَهَرَ الدَّمُ ؟ قَالَ : فَلَا بَأْسَ بِهِ .\rوَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى : إذَا","part":21,"page":375},{"id":10375,"text":"انْتَهَتْ إلَى حَدٍّ لَا تَعِيشُ مَعَهُ ، لَمْ تُبَحْ بِالذَّكَاةِ .\rوَنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، فَقَالَ : إذَا شَقَّ الذِّئْبُ بَطْنَهَا ، فَخَرَجَ قَصَبُهَا ، فَذَبَحَهَا ، لَا تُؤْكَلُ .\rوَقَالَ : إنْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهَا تَمُوتُ مِنْ عَقْرِ السَّبُعِ ، فَلَا تُؤْكَلُ وَإِنْ ذَكَّاهَا .\rوَقَدْ يَخَافُ عَلَى الشَّاةِ الْمَوْتَ مِنْ الْعِلَّةِ وَالشَّيْءَ يُصِيبُهَا ، فَيُبَادِرُهَا فَيَذْبَحُهَا ، فَيَأْكُلُهَا .\rوَلَيْسَ هَذَا مِثْلَ هَذِهِ ، لَا يَدْرِي ، لَعَلَّهَا تَعِيشُ ، وَاَلَّتِي قَدْ خَرَجَتْ أَمْعَاؤُهَا ، يَعْلَمُ أَنَّهَا لَا تَعِيشُ .\rوَهَذَا قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ .\rوَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ؛ لِأَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ انْتَهَى بِهِ الْجُرْحُ إلَى حَدٍّ عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَعِيشُ مَعَهُ ، فَوَصَّى ، فَقُبِلَتْ وَصَايَاهُ ، وَوَجَبَتْ الْعِبَادَةُ عَلَيْهِ ، وَفِيمَا ذَكَرْنَا مِنْ عُمُومِ الْآيَةِ وَالْخَبَرِ ، وَكَوْنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَسْتَفْصِلْ فِي حَدِيثِ جَارِيَةِ كَعْبٍ ، مَا يَرُدُّ هَذَا ، وَتُحْمَلُ نُصُوصُ أَحْمَدَ ، عَلَى شَاةٍ خَرَجَتْ أَمْعَاؤُهَا ، وَبَانَتْ مِنْهَا ، فَتِلْكَ لَا تَحِلُّ بِالذَّكَاةِ ؛ لِأَنَّهَا فِي حُكْمِ الْمَيِّتِ ، وَلَا تَبْقَى حَرَكَتُهَا إلَّا كَحَرَكَةِ الْمَذْبُوحِ ، فَأَمَّا مَا خَرَجَتْ أَمْعَاؤُهَا ، وَلَمْ تَبِنْ مِنْهَا ، فَهِيَ فِي حُكْمِ الْحَيَاةِ تُبَاحُ بِالذَّبْحِ ، وَلِهَذَا قَالَ الْخِرَقِيِّ ، فِي مَنْ شَقَّ بَطْنَ رَجُلٍ ، فَأَخْرَجَ حَشْوَتَهُ ، فَقَطَعَهَا فَأَبَانَهَا ، ثُمَّ ضَرَبَ عُنُقَهُ آخَرُ ، فَالْقَاتِلُ هُوَ الْأَوَّلُ .\rوَلَوْ شَقَّ بَطْنَ رَجُلٍ ، وَضَرَبَ عُنُقَهُ آخَرُ فَالْقَاتِلُ هُوَ الثَّانِي .\rوَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا : إذَا كَانَتْ تَعِيشُ مُعْظَمَ الْيَوْمِ ، حَلَّتْ بِالذَّكَاةِ .\rوَهَذَا التَّحْدِيدُ بَعِيدٌ ، يُخَالِفُ ظَوَاهِرَ النُّصُوصِ ، وَلَا سَبِيلَ إلَى مَعْرِفَتِهِ .\rوَقَوْلُهُ فِي حَدِيثِ جَارِيَةِ كَعْبٍ : فَأَدْرَكَتْهَا فَذَكَّتْهَا بِحَجَرٍ .\rيَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا بَادَرَتْهَا بِالذَّكَاةِ حِينَ خَافَتْ مَوْتَهَا فِي سَاعَتِهَا .\rوَالصَّحِيحُ أَنَّهَا إذَا كَانَتْ تَعِيشُ زَمَنًا يَكُونُ الْمَوْتُ","part":21,"page":376},{"id":10376,"text":"بِالذَّبْحِ أَسْرَعَ مِنْهُ ، حَلَّتْ بِالذَّبْحِ ، وَأَنَّهَا مَتَى كَانَتْ مِمَّا لَا يُتَيَقَّنُ مَوْتُهَا ، كَالْمَرِيضَةِ ، أَنَّهَا مَتَى تَحَرَّكَتْ ، وَسَالَ دَمُهَا ، حَلَّتْ وَاَللَّه أَعْلَمُ .","part":21,"page":377},{"id":10377,"text":"( 7780 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَالْمُحَرَّمُ مِنْ الْحَيَوَانِ ، مَا نَصَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ فِي كِتَابِهِ ، وَمَا كَانَتْ الْعَرَبُ تُسَمِّيه طَيِّبًا فَهُوَ حَلَالٌ ، وَمَا كَانَتْ تُسَمِّيه خَبِيثًا ، فَهُوَ مُحَرَّمٌ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى { : وَيُحِلُّ لَهُمْ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ الْخَبَائِثَ } ) يَعْنِي بِقَوْلِهِ : مَا سَمَّى اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ .\rقَوْلَهُ سُبْحَانَهُ : { حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ } .\rوَمَا عَدَا هَذَا ، فَمَا اسْتَطَابَتْهُ الْعَرَبُ ، فَهُوَ حَلَالٌ ؛ لِقَوْلِ اللَّهُ تَعَالَى { : وَيُحِلُّ لَهُمْ الطَّيِّبَاتِ } .\rيَعْنِي يَسْتَطِيبُونَهُ دُونَ الْحَلَالِ ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى { : يَسْأَلُونَك مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمْ الطَّيِّبَاتُ } .\rوَلَوْ أَرَادَ الْحَلَالَ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ جَوَابًا لَهُمْ .\rوَمَا اسْتَخْبَثَتْهُ الْعَرَبُ ، فَهُوَ مُحَرَّمٌ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى { : وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ الْخَبَائِثَ } .\rوَاَلَّذِينَ تُعْتَبَرُ اسْتِطَابَتُهُمْ وَاسْتِخْبَاثُهُمْ هُمْ أَهْلُ الْحِجَازِ ، مِنْ أَهْلِ الْأَمْصَارِ ؛ لِأَنَّهُمْ الَّذِينَ نَزَلَ عَلَيْهِمْ الْكِتَابُ ، وَخُوطِبُوا بِهِ وَبِالسُّنَّةِ ، فَرُجِعَ فِي مُطْلَقِ أَلْفَاظِهِمَا إلَى عُرْفِهِمْ دُونَ غَيْرِهِمْ ، وَلَمْ يُعْتَبَرْ أَهْلُ الْبَوَادِي ؛ لِأَنَّهُمْ لِلضَّرُورَةِ وَالْمَجَاعَةِ يَأْكُلُونَ مَا وَجَدُوا ، وَلِهَذَا سُئِلَ بَعْضُهُمْ عَمَّا يَأْكُلُونَ ؟ فَقَالَ : مَا دَبَّ وَدَرَجَ ، إلَّا أُمَّ حُبَيْنٍ .\rفَقَالَ : لِتَهْنَ أُمَّ حُبَيْنٍ الْعَافِيَةُ .\rوَمَا وُجِدَ فِي أَمْصَارِ الْمُسْلِمِينَ ، مِمَّا لَا يَعْرِفُهُ أَهْلُ الْحِجَازِ ، رُدَّ إلَى أَقْرَبِ مَا يُشْبِهُهُ فِي الْحِجَازِ ، فَإِنْ لَمْ يُشْبِهْ شَيْئًا مِنْهَا ، فَهُوَ مُبَاحٌ ؛ لِدُخُولِهِ فِي عُمُومِ قَوْله تَعَالَى { : قُلْ لَا أَجِدُ فِيمَا أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا } .\rالْآيَةَ ، وَلِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : وَمَا سَكَتَ اللَّهُ عَنْهُ ، فَهُوَ مِمَّا عَفَا عَنْهُ } .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَمِنْ","part":21,"page":378},{"id":10378,"text":"الْمُسْتَخْبَثَاتِ الْحَشَرَاتُ ، كَالدِّيدَانِ ، وَالْجُعَلَانِ ، وَبَنَاتِ وَرْدَانَ ، وَالْخَنَافِسِ ، وَالْفَأْرِ ، وَالْأَوْزَاغِ ، وَالْحِرْبَاءِ ، وَالْعَضَاةِ ، وَالْجَرَاذِينَ ، وَالْعَقَارِبِ ، وَالْحَيَّاتِ .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ .\rوَرَخَّصَ مَالِكٌ ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، فِي هَذَا كُلِّهِ ، إلَّا الْأَوْزَاغَ ، فَإِنَّ ابْنَ عَبْدِ الْبَرِّ قَالَ : هُوَ مُجْمَعٌ عَلَى تَحْرِيمِهِ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : الْحَيَّةُ حَلَالٌ إذَا ذُكِّيَتْ .\rوَاحْتَجُّوا بِعُمُومِ الْآيَةِ الْمُبِيحَةِ .\rوَلَنَا ، قَوْله تَعَالَى { : وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ الْخَبَائِثَ } وَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { خَمْسٌ فَوَاسِقُ ، يُقْتَلْنَ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ ؛ الْعَقْرَبُ ، وَالْفَأْرَةُ ، وَالْغُرَابُ ، وَالْحِدَأَةُ ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ } .\rوَفِي حَدِيثٍ : \" الْحَيَّةُ \" مَكَانَ : \" الْفَأْرَةِ \" .\rوَلَوْ كَانَتْ مِنْ الصَّيْدِ الْمُبَاحِ ، لَمْ يُبَحْ قَتْلُهَا ، وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : { لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ } .\rوَقَالَ : { وَحَرَّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدَ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا } .\rوَلِأَنَّهَا مُسْتَخْبَثَةٌ ، فَحُرِّمَتْ ، كَالْوَزَغِ أَوْ مَأْمُورٌ بِقَتْلِهَا ، فَأَشْبَهَتْ الْوَزَغَ .","part":21,"page":379},{"id":10379,"text":"( 7781 ) فَصْلٌ : وَالْقُنْفُذُ حَرَامٌ .\rقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : هُوَ حَرَامٌ .\rوَكَرِهَهُ مَالِكٌ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ .\rوَرَخَّصَ فِيهِ الشَّافِعِيُّ ، وَاللَّيْثُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ .\rوَلَنَا ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ : { ذُكِرَ الْقُنْفُذُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : هُوَ خَبِيثٌ مِنْ الْخَبَائِثِ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَلِأَنَّهُ يُشْبِهُ الْمُحَرَّمَاتِ ، وَيَأْكُلُ الْحَشَرَاتِ ، فَأَشْبَهَ الْجُرَذَ .","part":21,"page":380},{"id":10380,"text":"( 7782 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَبِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْحُمُرُ الْأَهْلِيَّةُ ) أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ يَرَوْنَ تَحْرِيمَ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ .\rقَالَ أَحْمَدُ : خَمْسَةَ عَشَرَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَرِهُوهَا .\rقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : لَا خِلَافَ بَيْنَ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ الْيَوْمَ فِي تَحْرِيمِهَا وَحُكِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَعَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، أَنَّهُمَا كَانَا يَقُولَانِ بِظَاهِرِ قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ : { قُلْ لَا أَجِدُ فِيمَا أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ } وَتَلَاهَا ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَقَالَ : مَا خَلَا هَذَا ، فَهُوَ حَلَالٌ .\rوَسُئِلَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا عَنْ الْفَأْرَةِ ، فَقَالَتْ : مَا هِيَ بِحَرَامٍ .\rوَتَلَتْ هَذِهِ الْآيَةَ .\rوَلَمْ يَرَ عِكْرِمَةُ وَأَبُو وَائِلٍ بِأَكْلِ الْحُمُرِ بَأْسًا ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ غَالِبِ بْنِ الْحُرِّ قَالَ : أَصَابَتْنَا سَنَةٌ فَقُلْت : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَصَابَتْنَا سَنَةٌ ، وَلَمْ يَكُنْ فِي مَالِي مَا أُطْعِمُ أَهْلِي إلَّا سِمَانُ حُمُرٍ ، وَإِنَّك حَرَّمْت لُحُومَ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ .\rفَقَالَ { : أَطْعِمْ أَهْلَك مِنْ سَمِينِ حُمُرِك ، فَإِنَّمَا حَرَّمْتهَا مِنْ أَجْلِ حَوَالَيْ الْقَرْيَةِ } وَلَنَا ، مَا رَوَى جَابِرٌ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى يَوْمَ خَيْبَرَ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ ، وَأَذِنَ فِي لُحُومِ الْخَيْلِ .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : وَرَوَى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَحْرِيمَ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ عَلِيٌّ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو ، وَجَابِرٌ ، وَالْبَرَاءُ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أَوْفَى ، وَأَنَسٌ ، وَزَاهِرٌ الْأَسْلَمِيُّ ، بِأَسَانِيدَ صِحَاحٍ حِسَانٍ ، وَحَدِيثُ غَالِبِ بْنِ أَبْجَرَ لَا يُعْرَجُ عَلَى مِثْلِهِ مَعَ مَا عَارَضَهُ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَخَّصَ لَهُمْ فِي","part":21,"page":381},{"id":10381,"text":"مَجَاعَتِهِمْ ، وَبَيَّنَ عِلَّةَ تَحْرِيمِهَا الْمُطْلَقِ ، لِكَوْنِهَا تَأْكُلُ الْعَذِرَاتِ .\rقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أَوْفَى : حَرَّمَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَلْبَتَّةَ ، مِنْ أَجْلِ أَنَّهَا تَأْكُلُ الْعَذِرَةَ .\rمُتَّفِقٌ عَلَيْهِ .","part":21,"page":382},{"id":10382,"text":"( 7783 ) فَصْلٌ : وَالْبِغَالُ حَرَامٌ عِنْدَ كُلِّ مَنْ حَرَّمَ الْحُمُرَ الْأَهْلِيَّةَ ؛ لِأَنَّهَا مُتَوَلِّدَةٌ مِنْهَا ، وَالْمُتَوَلِّدُ مِنْ الشَّيْءِ لَهُ حُكْمُهُ فِي التَّحْرِيمِ .\rوَهَكَذَا إنْ تَوَلَّدَ مِنْ بَيْنَ الْإِنْسِيِّ وَالْوَحْشِيِّ وَلَدٌ ، فَهُوَ مُحَرَّمٌ ، تَغْلِيبًا لِلتَّحْرِيمِ ، وَالسِّمْعُ الْمُتَوَلِّدُ مِنْ بَيْنَ الذِّئْبِ وَالضَّبُعِ ، مُحَرَّمٌ .\rقَالَ قَتَادَةُ : مَا الْبَغْلُ إلَّا شَيْءٌ مِنْ الْحِمَارِ .\rوَعَنْ جَابِرٍ قَالَ : ذَبَحْنَا يَوْمَ خَيْبَرَ الْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ ، فَنَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ ، وَلَمْ يَنْهَنَا عَنْ الْخَيْلِ .","part":21,"page":383},{"id":10383,"text":"( 7784 ) فَصْلٌ : وَأَلْبَانُ الْحُمُرِ مُحَرَّمَةٌ ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِهِمْ .\rوَرَخَّصَ فِيهَا عَطَاءٌ ، وَطَاوُسٌ وَالزُّهْرِيُّ .\rوَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْأَلْبَانِ حُكْمُ اللُّحْمَانِ .","part":21,"page":384},{"id":10384,"text":"( 7785 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَكُلُّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ ، وَهِيَ الَّتِي تَضْرِبُ بِأَنْيَابِهَا الشَّيْءَ وَتَفْرِسُ ) أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ يَرَوْنَ تَحْرِيمَ كُلِّ ذِي نَابٍ قَوِيٍّ مِنْ السِّبَاعِ ، يَعْدُو بِهِ وَيَكْسِرُ ، إلَّا الضَّبُعَ ، مِنْهُمْ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابُ الْحَدِيثِ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ .\rوَقَالَ الشَّعْبِيُّ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَبَعْضُ أَصْحَابِ مَالِكٍ : هُوَ مُبَاحٌ ؛ لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى : { قُلْ لَا أَجِدُ فِيمَا أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ } .\rوَقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ : { إنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ } وَلَنَا ، مَا رَوَى أَبُو ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيُّ ، قَالَ : { نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { : أَكْلُ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ حَرَامٌ } .\rقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : هَذَا حَدِيثٌ ثَابِتٌ صَحِيحٌ مُجْمَعٌ عَلَى صِحَّتِهِ .\rوَهَذَا نَصٌّ صَرِيحٌ يَخُصُّ عُمُومَ الْآيَاتِ ، فَيَدْخُلُ فِي هَذَا الْأَسَدُ ، وَالنَّمِرُ ، وَالْفَهْدُ ، وَالذِّئْبُ ، وَالْكَلْبُ ، وَالْخِنْزِيرُ .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ الشَّعْبِيِّ ، أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ يَتَدَاوَى بِلَحْمِ الْكَلْبِ ؟ فَقَالَ : لَا شَفَاهُ اللَّهُ .\rوَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ رَأَى تَحْرِيمَهُ .","part":21,"page":385},{"id":10385,"text":"( 7786 ) فَصْلٌ : وَلَا يُبَاحُ أَكْلُ الْقِرْدِ .\rوَكَرِهَهُ عُمَرُ ، وَعَطَاءٌ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَمَكْحُولٌ ، وَالْحَسَنُ ، وَلَمْ يُجِيزُوا بَيْعَهُ .\rقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : لَا أَعْلَمُ بَيْنَ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ خِلَافًا أَنَّ الْقِرْدَ لَا يُؤْكَلُ ، وَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ .\rوَرُوِيَ عَنْ الشَّعْبِيِّ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ لَحْمِ الْقِرْدِ .\rوَلِأَنَّهُ سَبُعٌ ، فَيَدْخُلُ فِي عُمُومِ الْخَبَرِ ، وَهُوَ مَسْخٌ أَيْضًا ، فَيَكُونُ مِنْ الْخَبَائِثِ الْمُحَرَّمَةِ .","part":21,"page":386},{"id":10386,"text":"( 7787 ) فَصْلٌ : وَابْنُ آوَى ، وَالنِّمْسُ ، وَابْنُ عِرْسٍ ، حَرَامٌ .\rسُئِلَ أَحْمَدُ عَنْ ابْنِ آوَى وَابْنِ عِرْسٍ فَقَالَ : كُلُّ شَيْءٍ يَنْهَشُ بِأَنْيَابِهِ فَهُوَ مِنْ السِّبَاعِ .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : ابْنُ عِرْسٍ مُبَاحٌ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ نَابٌ قَوِيٌّ ، فَأَشْبَهَ الضَّبَّ .\rوَلِأَصْحَابِهِ فِي ابْنِ آوَى وَجْهَانِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهَا مِنْ السِّبَاعِ ، فَتَدْخُلُ فِي عُمُومِ النَّهْيِ ، وَلِأَنَّهَا مُسْتَخْبَثَةٌ ، غَيْرُ مُسْتَطَابَةٍ ، فَإِنَّ ابْنَ آوَى يُشْبِهُ الْكَلْبَ ، وَرَائِحَتُهُ كَرِيهَةٌ ، فَيَدْخُلُ فِي عُمُومِ قَوْله تَعَالَى { : وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ الْخَبَائِثَ .\r}","part":21,"page":387},{"id":10387,"text":"( 7788 ) فَصْلٌ : وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ فِي الثَّعْلَبِ ، فَأَكْثَرُ الرِّوَايَاتِ عَنْ أَحْمَدَ تَحْرِيمُهُ .\rوَهَذَا قَوْلُ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَمَالِكٍ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّهُ سَبُعٌ ، فَيَدْخُلُ فِي عُمُومِ النَّهْيِ .\rوَنُقِلَ عَنْ أَحْمَدَ إبَاحَتُهُ .\rاخْتَارَهُ الشَّرِيفُ أَبُو جَعْفَرٍ .\rوَرَخَّصَ فِيهِ عَطَاءٌ ، وَطَاوُسٌ ، وَقَتَادَةُ ، وَاللَّيْثُ ، وَسُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ ؛ لِأَنَّهُ يُفْدَى فِي الْإِحْرَامِ وَالْحَرَمِ .\rوَقَالَ أَحْمَدُ وَعَطَاءٌ : كُلُّ مَا يُودَى إذَا أَصَابَهُ الْمُحْرِمُ ، فَإِنَّهُ يُؤْكَلُ .\rوَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ فِي سِنَّوْرِ الْبَرِّ كَاخْتِلَافِهَا فِي الثَّعْلَبِ .\rوَالْقَوْلُ فِيهِ كَالْقَوْلِ فِي الثَّعْلَبِ .\rوَلِلشَّافِعِيِّ فِي سِنَّوْرِ الْبَرِّ وَجْهَانِ .\rفَأَمَّا الْأَهْلِيُّ ، فَمُحَرَّمٌ فِي قَوْلِ إمَامِنَا ، وَمَالِكٍ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيِّ .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ نَهَى عَنْ أَكْلِ الْهِرِّ .","part":21,"page":388},{"id":10388,"text":"( 7789 ) فَصْلٌ : وَالْفِيلُ مُحَرَّمٌ .\rقَالَ أَحْمَدُ : لَيْسَ هُوَ مِنْ أَطْعِمَةِ الْمُسْلِمِينَ .\rوَقَالَ الْحَسَنُ : هُوَ مَسْخٌ .\rوَكَرِهَهُ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ .\rوَرَخَّصَ فِي أَكْلِهِ الشَّعْبِيُّ .\rوَلَنَا ، نَهْيُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ .\rوَهُوَ مِنْ أَعْظَمِهَا نَابًا ، وَلِأَنَّهُ مُسْتَخْبَثٌ ، فَيَدْخُلُ فِي عُمُومِ الْآيَةِ الْمُحَرِّمَةِ .","part":21,"page":389},{"id":10389,"text":"( 7790 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا الدُّبُّ ، فَيُنْظَرُ فِيهِ ؛ فَإِنْ كَانَ ذَا نَابٍ يَفْرِسُ بِهِ ، فَهُوَ مُحَرَّمٌ ، وَإِلَّا فَهُوَ مُبَاحٌ .\rقَالَ أَحْمَدُ : إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نَابٌ ، فَلَا بَأْسَ بِهِ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ : هُوَ سَبُعٌ ؛ لِأَنَّهُ أَشْبَهُ شَيْءٍ بِالسِّبَاعِ ، فَلَا يُؤْكَلُ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الْأَصْلَ الْإِبَاحَةُ ، وَلَمْ يَتَحَقَّقْ وُجُودُ الْمُحَرِّمِ ، فَيَبْقَى عَلَى الْأَصْلِ ، وَشَبَهُهُ بِالسِّبَاعِ إنَّمَا يُعْتَبَرُ فِي وُجُودِ الْعِلَّةِ الْمُحَرِّمَةِ ، وَهُوَ كَوْنُهُ ذَا نَابٍ يَصِيدُ بِهِ وَيَفْرِسُ ، فَإِذَا لَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ ، كَانَ دَاخِلًا فِي عُمُومِ النُّصُوصِ الْمُبِيحَةِ .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":21,"page":390},{"id":10390,"text":"( 7791 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَكُلُّ ذِي مِخْلَبٍ مِنْ الطَّيْرِ ، وَهِيَ الَّتِي تُعَلِّقُ بِمَخَالِبِهَا الشَّيْءَ ، وَتَصِيدُ بِهَا ) هَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rوَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَقَالَ مَالِكٌ ، وَاللَّيْثُ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ : لَا يَحْرُمُ مِنْ الطَّيْرِ شَيْءٌ .\rقَالَ مَالِكٌ : لَمْ أَرَ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَكْرَهُ سِبَاعَ الطَّيْرِ .\rوَاحْتَجُّوا بِعُمُومِ الْآيَاتِ الْمُبِيحَةِ ، وَقَوْلِ أَبِي الدَّرْدَاءِ وَابْنِ عَبَّاسٍ : مَا سَكَتَ اللَّهُ عَنْهُ ، فَهُوَ مَا عَفَا عَنْهُ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ : { نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ ، وَكُلِّ ذِي مِخْلَبٍ مِنْ الطَّيْرِ } .\rوَعَنْ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : حَرَامٌ عَلَيْكُمْ الْحُمُرُ الْأَهْلِيَّةُ ، وَكُلُّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ ، وَكُلُّ ذِي مِخْلَبٍ مِنْ الطَّيْرِ } .\rرَوَاهُمَا أَبُو دَاوُد .\rوَهَذَا يَخُصُّ عُمُومَ الْآيَاتِ ، وَيُقَدَّمُ عَلَى مَا ذَكَرُوهُ ، فَيَدْخُلُ فِي هَذَا كُلُّ مَا لَهُ مِخْلَبٌ يَعْدُو بِهِ ، كَالْعُقَابِ ، وَالْبَازِي ، وَالصَّقْرِ ، وَالشَّاهِينِ وَالْبَاشَقِ ، وَالْحِدَأَةِ ، وَالْبُومَةِ ، وَأَشْبَاهِهَا .\r( 7792 ) فَصْلٌ : وَيَحْرُمُ مِنْهَا مَا يَأْكُلُ الْجِيَفَ ، كَالنُّسُورِ وَالرَّخَمِ ، وَغُرَابِ الْبَيْنِ ، وَهُوَ أَكْبَرُ الْغِرْبَانِ ، وَالْأَبْقَعِ .\rقَالَ عُرْوَةُ : وَمَنْ يَأْكُلُ الْغُرَابَ وَقَدْ سَمَّاهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاسِقًا ، وَاَللَّهِ مَا هُوَ مِنْ الطَّيِّبَاتِ .\rوَلَعَلَّهُ يَعْنِي قَوْلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : خَمْسٌ فَوَاسِقُ يُقْتَلْنَ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ ؛ الْغُرَابُ ، وَالْحِدَأَةُ ، وَالْفَأْرَةُ ، وَالْعَقْرَبُ ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ } .\rفَهَذِهِ الْخَمْسُ مُحَرَّمَةٌ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبَاحَ قَتْلَهَا فِي الْحَرَمِ ، وَلَا يَجُوزُ قَتْلُ صَيْدٍ مَأْكُولٍ فِي الْحَرَمِ ، وَلِأَنَّ","part":21,"page":391},{"id":10391,"text":"مَا يُؤْكَلُ لَا يَحِلُّ قَتْلُهُ إذَا قُدِرَ عَلَيْهِ ، وَإِنَّمَا يُذْبَحُ وَيُؤْكَلُ .\rوَسُئِلَ أَحْمَدُ ، عَنْ الْعَقْعَقِ ، فَقَالَ : إنْ لَمْ يَكُنْ يَأْكُلُ الْجِيَفَ ، فَلَا بَأْسَ بِهِ .\rقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا : هُوَ يَأْكُلُ الْجِيَفَ ، فَيَكُونُ عَلَى هَذَا مُحَرَّمًا .","part":21,"page":392},{"id":10392,"text":"( 7793 ) فَصْلٌ : وَيَحْرُمُ الْخُطَّافُ وَالْخُشَافُ وَالْخُفَّاشُ وَهُوَ الْوَطْوَاطُ .\rقَالَ الشَّاعِرُ : مِثْلُ النَّهَارِ يَزِيدُ أَبْصَارَ الْوَرَى نُورًا وَيُعْمِي أَعْيُنَ الْخُفَّاشِ قَالَ أَحْمَدُ : وَمَنْ يَأْكُلُ الْخُشَّافَ ؟ وَسُئِلَ عَنْ الْخُطَّافِ ؟ فَقَالَ : لَا أَدْرِي .\rوَقَالَ النَّخَعِيُّ : كُلُّ الطَّيْرِ حَلَالٌ إلَّا الْخُفَّاشَ .\rوَإِنَّمَا حُرِّمَتْ هَذِهِ ؛ لِأَنَّهَا مُسْتَخْبَثَةٌ ، لَا تَسْتَطِيبُهَا الْعَرَبُ ، وَلَا تَأْكُلُهَا .\rوَيَحْرُمُ الزَّنَابِيرُ ، وَالْيَعَاسِيبُ ، وَالنَّحْلُ ، وَأَشْبَاهُهَا ؛ لِأَنَّهَا مُسْتَخْبَثَةٌ ، غَيْرُ مُسْتَطَابَةٍ .\r( 7794 ) فَصْلٌ : وَمَا عَدَا مَا ذَكَرْنَاهُ ، فَهُوَ مُبَاحٌ ؛ لِعُمُومِ النُّصُوصِ الدَّالَّةِ عَلَى الْإِبَاحَةِ ، مِنْ ذَلِكَ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ ، وَهِيَ الْإِبِلُ ، وَالْبَقَرُ ، وَالْغَنَمُ .\rقَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ } .\rوَمِنْ الصُّيُودِ الظِّبَاءُ ، وَحُمُرُ الْوَحْشِ .\rوَقَدْ أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبَا قَتَادَةَ وَأَصْحَابَهُ بِأَكْلِ الْحِمَارِ الَّذِي صَادَهُ .\rوَكَذَلِكَ بَقَرُ الْوَحْشِ كُلُّهَا مُبَاحَةٌ ، عَلَى اخْتِلَافِ أَنْوَاعِهَا ، مِنْ الْإِبِلِ ، وَالتَّيْتَلِ ، وَالْوَعْلِ ، وَالْمَهَا ، وَغَيْرِهَا مِنْ الصُّيُودِ ، كُلُّهَا مُبَاحَةٌ ، وَتُفْدَى فِي الْإِحْرَامِ .\rوَيُبَاحُ النَّعَامُ ، وَقَدْ قَضَى الصَّحَابَةُ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، فِي النَّعَامَةِ بِبَدَنَةٍ .\rوَهَذَا كُلُّهُ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ ، لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا ، إلَّا مَا يُرْوَى عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ قَالَ إنَّ الْحِمَارَ الْوَحْشِيَّ إذَا أَنِسَ وَاعْتَلَفَ ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْأَهْلِيِّ .\rقَالَ أَحْمَدُ : وَمَا ظَنَنْت أَنَّهُ رُوِيَ فِي هَذَا شَيْءٌ ، وَلَيْسَ الْأَمْرُ عِنْدِي كَمَا قَالَ .\rوَأَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى خِلَافِهِ ؛ لِأَنَّ الظِّبَاءَ إذَا تَأَنَّسَتْ لَمْ تَحْرُمْ ، وَالْأَهْلِيُّ إذَا تَوَحَّشَ لَمْ يَحِلَّ ، وَلَا يَتَغَيَّرُ مِنْهَا شَيْءٌ عَنْ أَصْلِهِ وَمَا كَانَ عَلَيْهِ .\rقَالَ عَطَاءٌ ، فِي حِمَارِ الْوَحْشِ : إذَا تَنَاسَلَ فِي الْبُيُوتِ ، لَا تَزُولُ عَنْهُ أَسْمَاءُ","part":21,"page":393},{"id":10393,"text":"الْوَحْشِ .\rوَسَأَلُوا أَحْمَدَ عَنْ الزَّرَافَةِ تُؤْكَلُ ؟ قَالَ : نَعَمْ .\rوَهِيَ دَابَّةٌ تُشْبِهُ الْبَعِيرَ ، إلَّا أَنَّ عُنُقَهَا أَطُولُ مِنْ عُنُقِهِ ، وَجِسْمَهَا أَلْطَفُ مِنْ جِسْمِهِ ، وَأَعْلَى مِنْهُ ، وَيَدَاهَا أَطْوَلُ مِنْ رِجْلَيْهَا .","part":21,"page":394},{"id":10394,"text":"( 7795 ) فَصْلٌ : وَتُبَاحُ لُحُومُ الْخَيْلِ كُلُّهَا عِرَابُهَا وَبَرَاذِينُهَا .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .\rوَبِهِ قَالَ ابْنُ سِيرِينَ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ الزُّبَيْرِ ، وَالْحَسَنِ ، وَعَطَاءٍ ، وَالْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ .\rوَبِهِ قَالَ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، وَاللَّيْثُ ، وَابْنُ الْمُبَارَكِ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ .\rقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ : مَا أَكَلْت شَيْئًا أَطْيَبَ مِنْ مَعْرَفَةِ بِرْذَوْنٍ .\rوَحَرَّمَهَا أَبُو حَنِيفَةَ .\rوَكَرِهَهُ مَالِكٌ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى { : وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا } وَعَنْ خَالِدٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { حَرَامٌ عَلَيْكُمْ الْحُمُرُ الْأَهْلِيَّةُ ، وَخَيْلُهَا ، وَبِغَالُهَا .\rوَلِأَنَّهُ دُونِ حَافِرٍ ، فَأَشْبَهَ الْحِمَارَ .\r} وَلَنَا ، قَوْلُ جَابِرٍ { : نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ خَيْبَرَ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ ، وَأَذِنَ فِي لُحُومِ الْخَيْلِ } .\rوَقَالَتْ أَسْمَاءُ { : نَحَرْنَا فَرَسًا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَكَلْنَاهُ ، وَنَحْنُ بِالْمَدِينَةِ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا .\rوَلِأَنَّهُ حَيَوَانٌ طَاهِرٌ مُسْتَطَابٌ ، لَيْسَ بِذِي نَابٍ وَلَا مِخْلَبٍ ، فَيَحِلُّ ، كَبَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ ، وَلِأَنَّهُ دَاخِلٌ فِي عُمُومِ الْآيَاتِ وَالْأَخْبَارِ الْمُبِيحَةِ .\rوَأَمَّا الْآيَةُ فَإِنَّمَا يَتَعَلَّقُونَ بِدَلِيلِ خِطَابِهَا ، وَهُمْ لَا يَقُولُونَ بِهِ .\rوَحَدِيثُ خَالِدٍ لَيْسَ لَهُ إسْنَادٌ جَيِّدٌ .\rقَالَهُ أَحْمَدُ .\rقَالَ : وَفِيهِ رَجُلَانِ لَا يُعْرَفَانِ ، يَرْوِيهِ ثَوْرٌ عَنْ رَجُلٍ لَيْسَ بِمَعْرُوفٍ .\rوَقَالَ : لَا نَدَعُ أَحَادِيثَنَا لِمِثْلِ هَذَا الْحَدِيثِ الْمُنْكَرِ .","part":21,"page":395},{"id":10395,"text":"( 7796 ) فَصْلٌ : وَالْأَرْنَبُ مُبَاحَةٌ ، أَكَلَهَا سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ .\rوَرَخَّصَ فِيهَا أَبُو سَعِيدٍ ، وَعَطَاءٌ ، وَابْنُ الْمُسَيِّبِ ، وَاللَّيْثُ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ .\rوَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا قَائِلًا بِتَحْرِيمِهَا ، إلَّا شَيْئًا رُوِيَ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ .\rوَقَدْ صَحَّ عَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ قَالَ : { أَنْفَجْنَا أَرْنَبًا ، فَسَعَى الْقَوْمُ فَلَغَبُوا ، فَأَخَذْتهَا ، فَجِئْت بِهَا إلَى أَبِي طَلْحَةَ ، فَذَبَحَهَا فَبَعَثَ بِوَرِكِهَا - أَوْ قَالَ - فَخِذِهَا إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَبِلَهُ .\r} مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ صَفْوَانَ ، أَوْ صَفْوَانَ بْنِ مُحَمَّدٍ ، { أَنَّهُ قَالَ : صِدْت أَرْنَبَيْنِ ، فَذَبَحْتهمَا بِمَرْوَةِ ، فَسَأَلْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَمَرَنِي بِأَكْلِهِمَا .\r} رَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَلِأَنَّهَا حَيَوَانٌ مُسْتَطَابٌ ، لَيْسَ بِذِي نَابٍ ؛ فَأَشْبَهَ الظَّبْيَ .\r( 7797 ) فَصْلٌ : وَيُبَاحُ الْوَبَرُ .\rوَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ ، وَطَاوُسٌ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ وَالشَّافِعِيُّ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ ، وَأَبُو يُوسُفَ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : هُوَ مُحَرَّمٌ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ ، إلَّا أَبَا يُوسُفَ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ يُفْدَى فِي الْإِحْرَامِ وَالْحَرَمِ ، وَهُوَ مِثْلُ الْأَرْنَبِ ، يَعْتَلِفُ النَّبَاتَ وَالْبُقُولَ ، فَكَانَ مُبَاحًا كَالْأَرْنَبِ ، وَلِأَنَّ الْأَصْلَ الْإِبَاحَةُ ، وَعُمُومُ النُّصُوصِ يَقْتَضِيهَا ، وَلَمْ يَرِدْ فِيهِ تَحْرِيمٌ ، فَتَجِبُ إبَاحَتُهُ .","part":21,"page":396},{"id":10396,"text":"( 7798 ) فَصْلٌ : وَسُئِلَ أَحْمَدُ عَنْ الْيَرْبُوعِ ، فَرَخَّصَ فِيهِ .\rوَهَذَا قَوْلُ عُرْوَةَ ، وَعَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : هُوَ مُحَرَّمٌ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَحْمَدَ أَيْضًا .\rوَعَنْ ابْنِ سِيرِينَ ، وَالْحَكَمِ ، وَحَمَّادٍ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ ؛ لِأَنَّهُ يُشْبِهُ الْفَأْرَ .\rوَلَنَا ، أَنَّ عُمَرَ حَكَمَ فِيهِ بِجِفْرَةٍ .\rوَلِأَنَّ الْأَصْلَ الْإِبَاحَةُ مَا لَمْ يَرِدْ فِيهِ تَحْرِيمٌ .\rوَأَمَّا السِّنْجَابُ ، فَقَالَ الْقَاضِي : هُوَ مُحَرَّمٌ ؛ لِأَنَّهُ يَنْهَشُ بِنَابِهِ ، فَأَشْبَهَ الْجُرَذَ وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ مُبَاحٌ ؛ لِأَنَّهُ يُشْبِهُ الْيَرْبُوعَ ، وَمَتَى تَرَدَّدَ بَيْنَ الْإِبَاحَةِ وَالتَّحْرِيمِ ، غَلَبَتْ الْإِبَاحَةُ ؛ لِأَنَّهَا الْأَصْلُ ، وَعُمُومُ النُّصُوصِ يَقْتَضِيهَا .","part":21,"page":397},{"id":10397,"text":"( 7799 ) فَصْلٌ : وَيُبَاحُ مِنْ الطُّيُورِ مَا لَمْ نَذْكُرْهُ فِي الْمُحَرَّمَاتِ ، مِنْ ذَلِكَ الدَّجَاجُ .\rقَالَ أَبُو مُوسَى : { رَأَيْت النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْكُلُ الدَّجَاجَ .\rوَالْحُبَارَى ؛ لِمَا رَوَى سَفِينَةُ ، قَالَ : أَكَلْت مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَحْمَ حُبَارَى .\r} رَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَيُبَاحُ الزَّاغُ .\rوَبِذَلِكَ قَالَ الْحَكَمُ ، وَحَمَّادٌ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ ، وَالشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ .\rوَيُبَاحُ غُرَابُ الزَّرْعِ ، وَهُوَ الْأَسْوَدُ الْكَبِيرُ الَّذِي يَأْكُلُ الزَّرْعَ ، وَيَطِيرُ مَعَ الزَّاغِ ؛ لِأَنَّ مَرْعَاهُمَا الزَّرْعُ وَالْحُبُوبُ ، فَأَشْبَهَا الْحَجَلَ .\rوَتُبَاحُ الْعَصَافِيرُ كُلُّهَا .\rقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو : إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { : مَا مِنْ إنْسَانٍ يَقْتُلُ عُصْفُورًا فَمَا فَوْقَهَا بِغَيْرِ حَقِّهَا ، إلَّا سَأَلَهُ اللَّهُ عَنْهَا .\rقِيلَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَمَا حَقُّهَا ؟ قَالَ : يَذْبَحُهَا فَيَأْكُلُهَا ، وَلَا يَقْطَعُ رَأْسَهَا وَيَرْمِي بِهَا } .\rرَوَاهُ النَّسَائِيّ .\rوَيُبَاحُ الْحَمَامُ كُلُّهُ ، عَلَى اخْتِلَافِ أَنْوَاعِهِ ، مِنْ الجوازل وَالْفَوَاخِتِ ، والرقاطي وَالْقَطَا وَالْحَجَلِ ، وَغَيْرِهَا ، وَتُبَاحُ الْكَرَاكِيُّ ، وَالْإِوَزُّ ، وَطَيْرُ الْمَاءِ كُلُّهُ ، وَالْغَرَانِيقُ ، وَالطَّوَاوِيسُ ، وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ .\rلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا .\rوَاخْتُلِفَ عَنْ أَحْمَدَ فِي الْهُدْهُدِ وَالصُّرَدِ فَعَنْهُ أَنَّهُمَا حَلَالٌ ؛ لِأَنَّهُمَا لَيْسَا مِنْ ذَوَاتِ الْمِخْلَبِ ، وَلَا يُسْتَخْبَثَانِ .\rوَعَنْهُ تَحْرِيمُهُمَا { ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ قَتْلِ الْهُدْهُدِ ، وَالصُّرَدِ ، وَالنَّمْلَةِ وَالنَّحْلَةِ .\rوَكُلُّ مَا كَانَ لَا يَصِيدُ بِمِخْلَبِهِ ، وَلَا يَأْكُلُ الْجِيَفَ ، وَلَا يُسْتَخْبَثُ ، فَهُوَ حَلَالٌ .\r}","part":21,"page":398},{"id":10398,"text":"( 7800 ) فَصْلٌ : قَالَ أَحْمَدُ : أَكْرَهْ لُحُومَ الْجَلَّالَةِ وَأَلْبَانَهَا .\rقَالَ الْقَاضِي ، فِي \" الْمُجَرَّدِ \" : هِيَ الَّتِي تَأْكُلُ الْقَذَرَ ، فَإِذَا كَانَ أَكْثَرُ عَلَفِهَا النَّجَاسَةَ ، حُرُمَ لَحْمُهَا وَلَبَنُهَا .\rوَفِي بَيْضِهَا رِوَايَتَانِ .\rوَإِنْ كَانَ أَكْثَرُ عَلَفِهَا الطَّاهِرَ ، لَمْ يَحْرُمْ أَكْلُهَا وَلَا لَبَنُهَا .\rوَتَحْدِيدُ الْجَلَّالَةِ بِكَوْنِ أَكْثَرِ عَلَفِهَا النَّجَاسَةَ ، لَمْ نَسْمَعْهُ عَنْ أَحْمَدَ ، وَلَا هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ ، لَكِنَّ يُمْكِنُ تَحْدِيدُهُ بِمَا يَكُونُ كَثِيرًا فِي مَأْكُولِهَا ، وَيُعْفَى عَنْ الْيَسِيرِ .\rوَقَالَ اللَّيْثُ : إنَّمَا كَانُوا يَكْرَهُونَ الْجَلَّالَةَ الَّتِي لَا طَعَامَ لَهَا إلَّا الرَّجِيعُ وَمَا أَشْبَهَهُ .\rوَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى : فِي الْجَلَّالَةِ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، أَنَّهَا مُحَرَّمَةٌ .\rوَالثَّانِيَةُ ، أَنَّهَا مَكْرُوهَةٌ غَيْرُ مُحَرَّمَةٍ .\rوَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ .\rوَكَرِهَ أَبُو حَنِيفَةَ لُحُومَهَا ، وَالْعَمَلَ عَلَيْهَا حَتَّى تُحْبَسَ .\rوَرَخَّصَ الْحَسَنُ فِي لُحُومِهَا وَأَلْبَانِهَا ؛ لِأَنَّ الْحَيَوَانَاتِ لَا تَنْجُسُ بِأَكْلِ النَّجَاسَاتِ ، بِدَلِيلِ أَنَّ شَارِبَ الْخَمْرِ لَا يُحْكَمُ بِتَنْجِيسِ أَعْضَائِهِ ، وَالْكَافِرَ الَّذِي يَأْكُلُ الْخِنْزِيرَ وَالْمُحَرَّمَاتِ ، لَا يَكُونُ ظَاهِرُهُ نَجِسًا ، وَلَوْ نَجُسَ لَمَا طَهُرَ بِالْإِسْلَامِ ، وَلَا الِاغْتِسَالِ ، وَلَوْ نَجُسَتْ الْجَلَّالَة ، لَمَا طَهُرَتْ بِالْحَبْسِ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ ، قَالَ : { نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَكْلِ الْجَلَّالَةِ وَأَلْبَانِهَا .\r} رَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ، قَالَ : { نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْإِبِلِ الْجَلَّالَةِ ، أَنْ يُؤْكَلَ لَحْمُهَا ، وَلَا يُحْمَلَ عَلَيْهَا إلَّا الْأُدْمُ ، وَلَا يَرْكَبَهَا النَّاسُ حَتَّى تُعْلَفَ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً .\r} رَوَاهُ الْخَلَّالُ بِإِسْنَادِهِ .\rوَلِأَنَّ لَحْمَهَا يَتَوَلَّدُ ، مِنْ النَّجَاسَةِ ، فَيَكُونُ نَجِسًا ، كَرَمَادِ النَّجَاسَةِ .\rوَأَمَّا شَارِبُ","part":21,"page":399},{"id":10399,"text":"الْخَمْرِ ، فَلَيْسَ ذَلِكَ أَكْثَرَ غِذَائِهِ ، وَإِنَّمَا يَتَغَذَّى الطَّاهِرَاتِ ، وَكَذَلِكَ الْكَافِرُ فِي الْغَالِبِ .\r( 7801 ) فَصْلٌ : وَتَزُولُ الْكَرَاهَةُ بِحَبْسِهَا اتِّفَاقًا .\rوَاخْتُلِفَ فِي قَدْرِهِ ، فَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ ؛ أَنَّهَا تُحْبَسُ ثَلَاثًا ، سَوَاءٌ كَانَتْ طَائِرًا أَوْ بَهِيمَةً .\rوَكَانَ ابْنُ عُمَرَ إذَا أَرَادَ أَكْلَهَا حَبَسَهَا ثَلَاثًا .\rوَهَذَا قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ ، لِأَنَّ مَا طَهَّرَ حَيَوَانًا طَهَّرَ الْآخَرَ ، كَاَلَّذِي نَجُسَ ظَاهِرُهُ .\rوَالْأُخْرَى ، تُحْبَسُ الدَّجَاجَةُ ثَلَاثًا ، وَالْبَعِيرُ وَالْبَقَرَةُ وَنَحْوُهُمَا يُحْبَسُ أَرْبَعِينَ .\rوَهَذَا قَوْلُ عَطَاءٍ ، فِي النَّاقَةِ وَالْبَقَرَةِ ؛ لِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، لِأَنَّهُمَا أَعْظَمُ جِسْمًا ، وَبَقَاءُ عَلَفِهِمَا فِيهِمَا أَكْثَرُ مِنْ بَقَائِهِ فِي الدَّجَاجَةِ وَالْحَيَوَانِ الصَّغِيرِ .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .\r( 7802 ) فَصْلٌ : وَيُكْرَهُ رُكُوبُ الْجَلَّالَةِ .\rوَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ ، وَابْنِهِ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ ؛ لِحَدِيثِ { عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ رُكُوبِهَا } .\rوَلِأَنَّهَا رُبَّمَا عَرِقَتْ ، فَتَلَوَّثَ بِعَرَقِهَا .","part":21,"page":400},{"id":10400,"text":"( 7803 ) فَصْلٌ : وَتَحْرُمُ الزُّرُوعُ وَالثِّمَارُ الَّتِي سُقِيَتْ بِالنَّجَاسَاتِ ، أَوْ سُمِّدَتْ بِهَا .\rوَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ : يَحْتَمِلُ أَنْ يُكْرَهَ ذَلِكَ ، وَلَا يَحْرُمَ .\rوَلَا يُحْكَمُ بِتَنْجِيسِهَا ، لِأَنَّ النَّجَاسَةَ تَسْتَحِيلُ فِي بَاطِنِهَا ، فَتُطَهَّرُ بِالِاسْتِحَالَةِ ، كَالدَّمِ يَسْتَحِيلُ فِي أَعْضَاءِ الْحَيَوَانِ لَحْمًا ، وَيَصِيرُ لَبَنًا .\rوَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ ؛ مِنْهُمْ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَكَانَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ يَدْمُلُ أَرْضَهُ بِالْعُرَّةِ ، وَيَقُولُ : مِكْتَلُ عُرَّةٍ مِكْتَلُ بُرٍّ .\rوَالْعُرَّةُ : عَذِرَةُ النَّاسِ .\rوَلَنَا ، مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : كُنَّا نُكْرِي أَرَاضِيَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَشْتَرِطُ عَلَيْهِمْ أَنْ لَا يَدْمُلُوهَا بِعَذِرَةِ النَّاسِ .\rوَلِأَنَّهَا تَتَغَذَّى بِالنَّجَاسَاتِ ، وَتَتَرَقَّى فِيهَا أَجْزَاؤُهَا ، وَالِاسْتِحَالَةُ لَا تُطَهِّرُ .\rفَعَلَى هَذَا تَطْهُرُ إذَا سُقِيَتْ الطَّاهِرَاتِ ، كَالْجَلَّالَةِ إذَا حُبِسَتْ وَأُطْعِمَتْ الطَّاهِرَاتِ .","part":21,"page":401},{"id":10401,"text":"( 7804 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَمَنْ اُضْطُرَّ إلَى الْمَيْتَةِ ، فَلَا يَأْكُلْ مِنْهَا إلَّا مَا يَأْمَنُ مَعَهُ الْمَوْتَ ) أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى تَحْرِيمِ الْمَيْتَةِ حَالَ الِاخْتِيَارِ ، وَعَلَى إبَاحَةِ الْأَكْلِ مِنْهَا فِي الِاضْطِرَارِ .\rوَكَذَلِكَ سَائِرُ الْمُحَرَّمَاتِ .\rوَالْأَصْلُ فِي هَذَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى { : إنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمِنْ اُضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إثْمَ عَلَيْهِ } .\rوَيُبَاحُ لَهُ أَكْلُ مَا يَسُدُّ الرَّمَقَ ، وَيَأْمَنُ مَعَهُ الْمَوْتَ بِالْإِجْمَاعِ .\rوَيَحْرُمُ مَا زَادَ عَلَى الشِّبَعِ ، بِالْإِجْمَاعِ أَيْضًا .\rوَفِي الشِّبَعِ رِوَايَتَانِ ؛ أَظْهَرُهُمَا ، لَا يُبَاحُ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ .\rوَإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ مَالِكٍ .\rوَأَحَدُ الْقَوْلَيْنِ لِلشَّافِعِيِّ .\rقَالَ الْحَسَنُ : يَأْكُلُ قَدْرَ مَا يُقِيمُهُ ؛ لِأَنَّ الْآيَةَ دَلَّتْ عَلَى تَحْرِيمِ الْمَيْتَةِ ، وَاسْتُثْنِيَ مَا اُضْطُرَّ إلَيْهِ ، فَإِذَا انْدَفَعَتْ الضَّرُورَةُ ، لَمْ يَحِلَّ لَهُ الْأَكْلُ ، كَحَالَةِ الِابْتِدَاءِ ، وَلِأَنَّهُ بَعْدَ سَدِّ الرَّمَقِ غَيْرُ مُضْطَرٍّ ، فَلَمْ يَحِلَّ لَهُ الْأَكْلُ ؛ لِلْآيَةِ ، يُحَقِّقُهُ أَنَّهُ بَعْدَ سَدِّ رَمَقِهِ كَهُوَ قَبْلَ أَنْ يَضْطَرَّ .\rوَثَمَّ لَمْ يُبَحْ لَهُ الْأَكْلُ ، كَذَا هَاهُنَا .\rوَالثَّانِيَةُ ، يُبَاحُ لَهُ الشِّبَعُ .\rاخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ لِمَا رَوَى جَابِرُ بْنُ سَمُرَةَ ، { أَنَّ رَجُلًا نَزَلَ الْحَرَّةَ ، فَنَفَقَتْ عِنْدَهُ نَاقَةٌ ، فَقَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ : اسْلَخْهَا ، حَتَّى نُقَدِّدَ شَحْمَهَا وَلَحْمَهَا ، وَنَأْكُلَهُ .\rفَقَالَ : حَتَّى أَسْأَلْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rفَسَأَلَهُ ، فَقَالَ : هَلْ عِنْدَك غِنًى يُغْنِيك ؟ .\rقَالَ : لَا .\rقَالَ : فَكُلُوهَا } .\rوَلَمْ يُفَرِّقْ .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَلِأَنَّ مَا جَازَ سَدُّ الرَّمَقِ مِنْهُ ، جَازَ الشِّبَعُ مِنْهُ ، كَالْمُبَاحِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ مَا إذَا كَانَتْ الضَّرُورَةُ مُسْتَمِرَّةً ، وَبَيْنَ مَا إذَا كَانَتْ مَرْجُوَّةَ الزَّوَالِ","part":21,"page":402},{"id":10402,"text":"، فَمَا كَانَتْ مُسْتَمِرَّةً ، كَحَالَةِ الْأَعْرَابِيِّ الَّذِي سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَازَ الشِّبَعُ ؛ لِأَنَّهُ إذَا اقْتَصَرَ عَلَى سَدِّ الرَّمَقِ ، عَادَتْ الضَّرُورَةُ إلَيْهِ عَنْ قُرْبٍ ، وَلَا يَتَمَكَّنُ مِنْ الْبُعْدِ عَنْ الْمَيْتَةِ ، مَخَافَةَ الضَّرُورَةِ الْمُسْتَقْبَلَةِ ، وَيُفْضِي إلَى ضَعْفِ بَدَنِهِ ، وَرُبَّمَا أَدَّى ذَلِكَ إلَى تَلَفِهِ ، بِخِلَافِ الَّتِي لَيْسَتْ مُسْتَمِرَّةً ، فَإِنَّهُ يَرْجُو الْغِنَى عَنْهَا بِمَا يَحِلُّ لَهُ .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّ الضَّرُورَةَ الْمُبِيحَةَ ، هِيَ الَّتِي يَخَافُ التَّلَفَ بِهَا إنْ تَرَكَ الْأَكْلَ .\rقَالَ أَحْمَدُ : إذَا كَانَ يَخْشَى عَلَى نَفْسِهِ ، سَوَاءٌ كَانَ مِنْ جُوعٍ ، أَوْ يَخَافُ إنْ تَرَكَ الْأَكْلَ عَجَزَ عَنْ الْمَشْيِ ، وَانْقَطَعَ عَنْ الرُّفْقَةِ فَهَلَكَ ، أَوْ يَعْجِزُ عَنْ الرُّكُوبِ فَيَهْلَكُ ، وَلَا يَتَقَيَّدُ ذَلِكَ بِزَمَنٍ مَحْصُورٍ .","part":21,"page":403},{"id":10403,"text":"( 7805 ) فَصْلٌ : وَهَلْ يَجِبُ الْأَكْلُ مِنْ الْمَيْتَةِ عَلَى الْمُضْطَرِّ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا : يَجِبُ .\rوَهُوَ قَوْلُ مَسْرُوقٍ ، وَأَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ .\rقَالَ الْأَثْرَمُ : سُئِلَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عَنْ الْمُضْطَرِّ يَجِدُ الْمَيْتَةَ ، وَلَمْ يَأْكُلْ ؟ فَذَكَرَ قَوْلَ مَسْرُوقٍ : مَنْ اُضْطُرَّ ، فَلَمْ يَأْكُلْ وَلَمْ يَشْرَبْ ، فَمَاتَ ، دَخَلَ النَّارَ .\rوَهَذَا اخْتِيَارُ ابْنِ حَامِدٍ ؛ وَذَلِكَ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلَى التَّهْلُكَةِ } .\rوَتَرْكُ الْأَكْلِ مَعَ إمْكَانِهِ فِي هَذَا الْحَالِ إلْقَاءٌ بِيَدِهِ إلَى التَّهْلُكَةِ ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى { : وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا } .\rوَلِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى إحْيَاءِ نَفْسِهِ بِمَا أَحَلَّهُ اللَّهُ لَهُ ، فَلَزِمَهُ ، كَمَا لَوْ كَانَ مَعَهُ طَعَامٌ حَلَالٌ .\rوَالثَّانِي : لَا يَلْزَمُهُ ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذَافَةَ السَّهْمِيِّ ، صَاحِبِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ طَاغِيَةَ الرُّومِ حَبَسَهُ فِي بَيْتٍ ، وَجَعَلَ مَعَهُ خَمْرًا مَمْزُوجًا بِمَاءٍ ، وَلَحْمَ خِنْزِيرٍ مَشْوِيٍّ ، ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ، فَلَمْ يَأْكُلْ وَلَمْ يَشْرَبْ ، حَتَّى مَالَ رَأْسُهُ مِنْ الْجُوعِ وَالْعَطَشِ ، وَخَشُوا مَوْتَهُ ، فَأَخْرَجُوهُ ، فَقَالَ : قَدْ كَانَ اللَّهُ أَحَلَّهُ لِي ؛ لِأَنِّي مُضْطَرٌّ ، وَلَكِنْ لَمْ أَكُنْ لِأُشْمِتَك بِدِينِ الْإِسْلَامِ .\rوَلِأَنَّ إبَاحَةَ الْأَكْلِ رُخْصَةٌ ، فَلَا تَجِبُ عَلَيْهِ ، كَسَائِرِ الرُّخَصِ ؛ وَلِأَنَّ لَهُ غَرَضًا فِي اجْتِنَابِ النَّجَاسَةِ ، وَالْأَخْذِ بِالْعَزِيمَةِ ، وَرُبَّمَا لَمْ تَطِبْ نَفْسُهُ بِتَنَاوُلِ الْمَيْتَةِ ، وَفَارَقَ الْحَلَالَ فِي الْأَصْلِ مِنْ هَذِهِ الْوُجُوهِ .","part":21,"page":404},{"id":10404,"text":"( 7806 ) فَصْلٌ : وَتُبَاحُ الْمُحَرَّمَاتُ عِنْدَ الِاضْطِرَارِ إلَيْهَا ، فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ جَمِيعًا ؛ لِأَنَّ الْآيَةَ مُطْلَقَةٌ ، غَيْرُ مُقَيَّدَةٍ بِإِحْدَى الْحَالَتَيْنِ ، وَقَوْلُهُ { : فَمَنْ اُضْطُرَّ } .\rلَفْظٌ عَامٌّ فِي حَقِّ كُلِّ مُضْطَرٍّ ؛ وَلِأَنَّ الِاضْطِرَارَ يَكُونُ فِي الْحَضَرِ فِي سَنَةِ الْمَجَاعَةِ ، وَسَبَبُ الْإِبَاحَةِ الْحَاجَةُ إلَى حِفْظِ النَّفْسِ عَنْ الْهَلَاكِ ؛ لِكَوْنِ هَذِهِ الْمَصْلَحَةِ أَعْظَمَ مِنْ مَصْلَحَةِ اجْتِنَابِ النَّجَاسَاتِ ، وَالصِّيَانَةِ عَنْ تَنَاوُلِ الْمُسْتَخْبَثَاتِ ، وَهَذَا الْمَعْنَى عَامٌّ فِي الْحَالَيْنِ .\rوَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ : أَنَّ الْمَيْتَةَ لَا تَحِلُّ لِمَنْ يَقْدِرُ عَلَى دَفْعِ ضَرُورَتِهِ بِالْمَسْأَلَةِ .\rوَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّهُ قَالَ : أَكْلُ الْمَيْتَةِ إنَّمَا يَكُونُ فِي السَّفَرِ .\rيَعْنِي أَنَّهُ فِي الْحَضَرِ يُمْكِنُهُ السُّؤَالُ .\rوَهَذَا مِنْ أَحْمَدَ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ ، فَإِنَّ الْغَالِبَ أَنَّ الْحَضَرَ يُوجَدُ فِيهِ الطَّعَامُ الْحَلَالُ ، وَيُمْكِنُ دَفْعُ الضَّرُورَةِ بِالسُّؤَالِ ، وَلَكِنَّ الضَّرُورَةَ أَمْرٌ مُعْتَبَرٌ بِوُجُودِ حَقِيقَتِهِ ، لَا يُكْتَفَى فِيهِ بِالْمَظِنَّةِ ، بَلْ مَتَى وُجِدَتْ الضَّرُورَةُ أَبَاحَتْ ، سَوَاءٌ وُجِدَتْ الْمَظِنَّةُ أَوْ لَمْ تُوجَدْ ، وَمَتَى انْتَفَتْ ، لَمْ يُبَحْ الْأَكْلُ لِوُجُودِ مَظِنَّتِهَا بِحَالٍ .","part":21,"page":405},{"id":10405,"text":"فَصْلٌ : قَالَ أَصْحَابُنَا : لَيْسَ لِلْمُضْطَرِّ فِي سَفَرِ الْمَعْصِيَةِ الْأَكْلُ مِنْ الْمَيْتَةِ ، كَقَاطِعِ الطَّرِيقِ ، وَالْآبِقِ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى { : فَمَنْ اُضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إثْمَ عَلَيْهِ } .\rقَالَ مُجَاهِدٌ : غَيْرَ بَاغٍ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَلَا عَادٍ عَلَيْهِمْ .\rوَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ : إذَا خَرَجَ يَقْطَعُ الطَّرِيقَ ، فَلَا رُخْصَةَ لَهُ ، فَإِنْ تَابَ وَأَقْلَعَ عَنْ مَعْصِيَتِهِ ، حَلَّ لَهُ الْأَكْلُ .\r( 7808 ) فَصْلٌ : وَهَلْ لِلْمُضْطَرِّ التَّزَوُّدُ مِنْ الْمَيْتَةِ ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ ؛ أَصَحُّهُمَا : لَهُ ذَلِكَ .\rوَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ؛ لِأَنَّهُ لَا ضَرَرَ فِي اسْتِصْحَابِهَا ، وَلَا فِي إعْدَادِهَا لِدَفْعِ ضَرُورَتِهِ وَقَضَاءِ حَاجَتِهِ ، وَلَا يَأْكُلُ مِنْهَا إلَّا عِنْدَ ضَرُورَتِهِ .\rوَالثَّانِيَةُ : لَا يَجُوزُ ؛ لِأَنَّهُ تَوَسُّعٌ فِيمَا لَمْ يُبَحْ إلَّا لِلضَّرُورَةِ ، فَإِنْ اسْتَصْحَبَهَا ، فَلَقِيَهُ مُضْطَرٌّ آخَرُ ، لَمْ يَجُزْ لَهُ بَيْعُهَا إيَّاهُ ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا أُبِيحَ لَهُ مِنْهَا مَا يَدْفَعُ بِهِ الضَّرُورَةَ ، وَلَا ضَرُورَةَ إلَى الْبَيْعِ ؛ وَلِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُهُ ، وَيَلْزَمُهُ إعْطَاءُ الْآخَرِ بِغَيْرِ عِوَضٍ ، إذَا لَمْ يَكُنْ هُوَ مُضْطَرًّا فِي الْحَالِ إلَى مَا مَعَهُ ؛ لِأَنَّ ضَرُورَةَ الَّذِي لَقِيَهُ مَوْجُودَةٌ ، وَحَامِلُهَا يَخَافُ الضَّرَرَ فِي ثَانِي الْحَالِ .","part":21,"page":406},{"id":10406,"text":"( 7809 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَمَنْ مَرَّ بِثَمَرَةٍ ، فَلَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا ، وَلَا يَحْمِلَ ) هَذَا يَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ فِي حَالِ الْجُوعِ وَالْحَاجَةِ ؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَهُ عَقِيبَ مَسْأَلَةِ الْمُضْطَرِّ .\rقَالَ أَحْمَدُ : إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا حَائِطٌ ، يَأْكُلُ إذَا كَانَ جَائِعًا ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ جَائِعًا ، فَلَا يَأْكُلُ .\rوَقَالَ : قَدْ فَعَلَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَكِنْ إذَا كَانَ عَلَيْهِ حَائِطٌ ، لَمْ يَأْكُلْ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ صَارَ شِبْهَ الْحَرِيمِ .\rوَقَالَ فِي مَوْضِعٍ : إنَّمَا الرُّخْصَةُ لِلْمُسَافِرِ .\rإلَّا أَنَّهُ لَمْ يَعْتَبِرْ هَاهُنَا حَقِيقَةَ الِاضْطِرَارِ ؛ لِأَنَّ الِاضْطِرَارَ يُبِيحُ مَا وَرَاءَ الْحَائِطِ .\rوَرُوِيَتْ عَنْهُ الرُّخْصَةُ فِي الْأَكْلِ مِنْ غَيْرِ الْمَحُوطَةِ مُطْلَقًا ، مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ جُوعٍ وَلَا غَيْرِهِ .\rوَرُوِيَ عَنْ أَبِي زَيْنَبَ التَّيْمِيِّ ، قَالَ : سَافَرْت مَعَ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ وَأَبِي بُرْدَةَ ، فَكَانُوا يَمُرُّونَ بِالثِّمَارِ ، فَيَأْكُلُونَ فِي أَفْوَاهِهِمْ .\rوَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي بُرْدَةَ .\rقَالَ عُمَرُ : يَأْكُلُ ، وَلَا يَتَّخِذُ خُبْنَةً .\rوَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ : يَأْكُلُ مِمَّا تَحْتَ الشَّجَرِ ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ تَحْتَ الشَّجَرِ فَلَا يَأْكُلُ ثِمَارَ النَّاسِ ، وَهُوَ غَنِيٌّ عَنْهُ .\rوَلَا يَضْرِبُ بِحَجَرٍ ، وَلَا يَرْمِي ؛ لِأَنَّ هَذَا يُفْسِدُ .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ رَافِعِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ : كُنْت أَرْمِي نَخْلَ الْأَنْصَارِ ، فَأَخَذُونِي ، فَذَهَبُوا بِي إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ { : يَا رَافِعُ ، لِمَ تَرْمِي نَخْلَهُمْ ؟ } .\rقُلْت : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، الْجُوعُ .\rقَالَ { : لَا تَرْمِ ، وَكُلْ مَا وَقَعَ ، أَشْبَعَكَ اللَّهُ وَأَرْوَاكَ } .\rأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ .\rوَقَالَ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ .\rوَقَالَ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ : لَا يُبَاحُ الْأَكْلُ فِي الضَّرُورَةِ ؛ لِمَا رَوَى الْعِرْبَاضُ بْنُ سَارِيَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ","part":21,"page":407},{"id":10407,"text":"{ : أَلَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يُحِلَّ لَكُمْ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتَ أَهْلِ الْكِتَابِ إلَّا بِإِذْنٍ ، وَلَا ضَرْبَ نِسَائِهِمْ ، وَلَا أَكْلَ ثِمَارِهِمْ ، إذَا أَعْطَوْكُمْ الَّذِي عَلَيْهِمْ .\r} أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد .\rوَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : إنَّ دِمَاءَكُمْ ، وَأَمْوَالَكُمْ ، وَأَعْرَاضَكُمْ ، حَرَامٌ ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الثَّمَرِ الْمُعَلَّقِ ، فَقَالَ { : مَا أَصَابَ مِنْهُ مِنْ ذِي حَاجَةٍ ، غَيْرَ مُتَّخِذٍ خُبْنَةً ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ ، وَمَنْ أَخْرَجَ مِنْهُ شَيْئًا ، فَعَلَيْهِ غَرَامَةُ مِثْلَيْهِ وَالْعُقُوبَةُ } .\rقَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ .\rوَرَوَى أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ { : إذَا أَتَيْت عَلَى حَائِطِ بُسْتَانٍ فَنَادِ صَاحِبَ الْبُسْتَانِ ثَلَاثًا ، فَإِنْ أَجَابَك ، وَإِلَّا فَكُلْ مِنْ غَيْرِ أَنْ تُفْسِدَ } .\rوَرَوَى سَعِيدٌ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ الْحَسَنِ ، عَنْ سَمُرَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَهُ ، .\rوَلِأَنَّهُ قَوْلُ مَنْ سَمَّيْنَا مِنْ الصَّحَابَةِ مِنْ غَيْرِ مُخَالِفٍ ، فَيَكُونُ إجْمَاعًا .\rفَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ أَبَى سَعْدٌ أَنْ يَأْكُلَ ؟ قُلْنَا : امْتِنَاعُ سَعْدٍ مِنْ أَكْلِهِ لَيْسَ بِمُخَالِفٍ لَهُمْ ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يَتْرُكُ الْمُبَاحَ غِنًى عَنْهُ ، أَوْ تَوَرُّعًا ، أَوْ تَقَذُّرًا ، كَتَرْكِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَكْلَ الضَّبِّ .\rفَأَمَّا أَحَادِيثُهُمْ ، فَهِيَ مَخْصُوصَةٌ بِمَا رَوَيْنَاهُ مِنْ الْحَدِيثِ وَالْإِجْمَاعِ ، فَإِنْ كَانَتْ مَحُوطَةً ، لَمْ يَجُزْ الدُّخُولُ إلَيْهَا ؛ لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ : إنْ كَانَ عَلَيْهَا حَائِطٌ فَهُوَ حَرِيمٌ ، فَلَا تَأْكُلْ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا حَائِطٌ ، فَلَا بَأْسَ .\rوَلِأَنَّ إحْرَازَهُ بِالْحَائِطِ يَدُلُّ عَلَى شُحِّ صَاحِبِهِ بِهِ ، وَعَدَمِ الْمُسَامَحَةِ فِيهِ .\rقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا :","part":21,"page":408},{"id":10408,"text":"إذَا كَانَ عَلَيْهِ نَاطُورٌ ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْمَحُوطِ ، فِي أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ إلَيْهِ ، وَلَا يَأْكُلُ مِنْهُ إلَّا فِي الضَّرُورَةِ .","part":21,"page":409},{"id":10409,"text":"( 7810 ) فَصْلٌ : وَعَنْ أَحْمَدَ فِي الْأَكْلِ مِنْ الزَّرْعِ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا : قَالَ لَا : يَأْكُلُ ، إنَّمَا رُخِّصَ فِي الثِّمَارِ ، لَيْسَ الزَّرْعِ .\rوَقَالَ : مَا سَمِعْنَا فِي الزَّرْعِ أَنْ يُمَسَّ مِنْهُ .\rوَوَجْهُهُ أَنَّ الثِّمَارَ خَلَقَهَا اللَّهُ تَعَالَى لِلْأَكْلِ رَطْبَةً ، وَالنُّفُوسُ تَتُوقُ إلَيْهَا ، وَالزَّرْعُ بِخِلَافِهَا .\rوَالثَّانِيَةُ : قَالَ : يَأْكُلُ مِنْ الْفَرِيكِ ؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ جَارِيَةٌ بِأَكْلِهِ رَطْبًا ، أَشْبَهَ الثَّمَرَ .\rوَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي الْبَاقِلَا ، وَالْحِمَّصِ ، وَشِبْهِهِ مِمَّا يُؤْكَلُ رَطْبًا .\rفَأَمَّا الشَّعِيرُ ، وَمَا لَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِأَكْلِهِ : فَلَا يَجُوزُ الْأَكْلُ مِنْهُ .\rوَالْأَوْلَى فِي الثِّمَارِ وَغَيْرِهَا أَنْ لَا يَأْكُلَ مِنْهَا إلَّا بِإِذْنٍ ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ الْخِلَافِ وَالْأَخْبَارِ الدَّالَّةِ عَلَى التَّحْرِيمِ .","part":21,"page":410},{"id":10410,"text":"( 7811 ) فَصْلٌ : وَعَنْ أَحْمَدَ فِي حَلْبِ لَبَنِ الْمَاشِيَةِ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا : يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَحْلِبَ ، وَيَشْرَبَ ، وَلَا يَحْمِلَ ؛ لِمَا رَوَى الْحَسَنُ عَنْ سَمُرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { : إذَا أَتَى أَحَدُكُمْ عَلَى مَاشِيَةٍ ، فَإِنْ كَانَ فِيهَا صَاحِبُهَا ، فَلْيَسْتَأْذِنْهُ ، فَإِنْ أَذِنَ فَلْيَحْلِبْ ، وَلْيَشْرَبْ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا ، فَلْيُصَوِّتْ ثَلَاثًا ، فَإِنْ أَجَابَهُ أَحَدٌ ، فَلْيَسْتَأْذِنْهُ ، وَإِنْ لَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ ، فَلْيَحْلِبْ ، وَلْيَشْرَبْ ، وَلَا يَحْمِلْ } .\rرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَقَالَ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ، وَالْعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rوَبِهِ يَقُولُ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ .\rوَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ : لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَحْلِبَ وَلَا يَشْرَبَ ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { : لَا يَحْلِبَنَّ أَحَدٌ مَاشِيَةَ أَحَدٍ إلَّا بِإِذْنِهِ ، أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تُؤْتَى مَشْرُبَتُهُ ، فَتُكْسَرَ خِزَانَتُهُ ، فَيُنْقَلَ طَعَامُهُ ، فَإِنَّمَا تَخْزُنُ لَهُمْ ضُرُوعُ مَوَاشِيهِمْ أَطْعِمَتَهُمْ ، فَلَا يَحْلِبَنَّ أَحَدٌ مَاشِيَةَ أَحَدٍ إلَّا بِإِذْنِهِ } .\rوَفِي لَفْظٍ { : فَإِنَّ مَا فِي ضُرُوعِ مَوَاشِيهِمْ مِثْلَ مَا فِي مَشَارِبِهِمْ } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .","part":21,"page":411},{"id":10411,"text":"مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَمَنْ اُضْطُرَّ ، فَأَصَابَ الْمَيْتَةَ وَخُبْزًا لَا يَعْرِفُ مَالِكَهُ ، أَكَلَ الْمَيْتَةَ ) وَبِهَذَا قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : إنْ كَانُوا يُصَدِّقُونَهُ أَنَّهُ مُضْطَرٌّ ، أَكَلَ مِنْ الزَّرْعِ وَالثَّمَرِ ، وَشَرِبَ اللَّبَنَ ، وَإِنْ خَافَ أَنْ تُقْطَعَ يَدُهُ ، أَوْ لَا يُقْبَلَ مِنْهُ ، أَكَلَ الْمَيْتَةَ .\rوَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا : يَأْكُلُ الطَّعَامَ .\rوَهُوَ قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ؛ لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى الطَّعَامِ الْحَلَالِ ، فَلَمْ يَجُزْ لَهُ أَكْلُ الْمَيْتَةِ ، كَمَا لَوْ بَذَلَهُ لَهُ صَاحِبُهُ .\rوَلَنَا أَنَّ أَكْلَ الْمَيْتَةِ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ ، وَمَالَ الْآدَمِيِّ مُجْتَهَدٌ فِيهِ ، وَالْعُدُولُ إلَى الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ أَوْلَى ؛ وَلِأَنَّ حُقُوقَ اللَّهِ تَعَالَى مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْمُسَامَحَةِ وَالْمُسَاهَلَةِ وَحُقُوقَ الْآدَمِيِّ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الشُّحِّ وَالتَّضْيِيقِ ؛ وَلِأَنَّ حَقَّ الْآدَمِيِّ تَلْزَمُهُ غَرَامَتُهُ ، وَحَقَّ اللَّهِ لَا عِوَضَ لَهُ .\r( 7813 ) .\rفَصْلٌ : إذَا وَجَدَ الْمُضْطَرُّ مَنْ يُطْعِمُهُ وَيَسْقِيهِ ، لَمْ يَحِلَّ لَهُ الِامْتِنَاعُ مِنْ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ ، وَلَا الْعُدُولُ إلَى أَكْلِ الْمَيْتَةِ ، إلَّا أَنْ يَخَافَ أَنْ يَسُمَّهُ فِيهِ ، أَوْ يَكُونَ الطَّعَامُ الَّذِي يُطْعَمُهُ مِمَّا يَضُرُّهُ ، وَيَخَافُ أَنْ يُهْلِكَهُ أَوْ يُمْرِضَهُ .\r( 7814 ) .\rفَصْلٌ : وَإِنْ وَجَدَ طَعَامًا مَعَ صَاحِبِهِ ، فَامْتَنَعَ مِنْ بَذْلِهِ لَهُ ، أَوْ بَيْعِهِ مِنْهُ ، وَوَجَدَ ثَمَنَهُ ، لَمْ يَجُزْ لَهُ مُكَابَرَتُهُ عَلَيْهِ ، وَأَخْذُهُ مِنْهُ ، وَعَدَلَ إلَى الْمَيْتَةِ ، سَوَاءٌ كَانَ قَوِيًّا يَخَافُ مِنْ مُكَابَرَتِهِ التَّلَفَ أَوْ لَمْ يَخَفْ ، فَإِنْ بَذَلَهُ لَهُ بِثَمَنِ مِثْلِهِ ، وَقَدَرَ عَلَى الثَّمَنِ ، لَمْ يَحِلَّ لَهُ أَكْلُ الْمَيْتَةِ ؛ لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى طَعَامٍ حَلَالٍ .\rوَإِنْ بَذَلَهُ بِزِيَادَةٍ عَلَى ثَمَنِ الْمِثْلِ ، لَا يُجْحِفُ بِمَالِهِ ، لَزِمَهُ شِرَاؤُهُ أَيْضًا ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ ، وَإِنْ كَانَ عَاجِزًا عَنْ الثَّمَنِ ، فَهُوَ فِي حُكْمِ الْعَادِمِ ،","part":21,"page":412},{"id":10412,"text":"وَإِنْ امْتَنَعَ مِنْ بَذْلِهِ إلَّا بِأَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِ مِثْلِهِ ، فَاشْتَرَاهُ الْمُضْطَرُّ بِذَلِكَ ، لَمْ يَلْزَمْهُ أَكْثَرُ مِنْ ثَمَنِ مِثْلِهِ ؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ أَحْوَجُ إلَى بَدَلِهَا بِغَيْرِ حَقٍّ ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ ، كَالْمُكْرَهِ .","part":21,"page":413},{"id":10413,"text":"( 7815 ) فَصْلٌ : وَإِنْ وَجَدَ الْمُحْرِمُ مَيْتَةً وَصَيْدًا ، أَكَلَ الْمَيْتَةَ .\rوَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ وَمَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ : يَأْكُلُ الصَّيْدَ ، وَيَفْدِيهِ .\rوَهُوَ قَوْلُ الشَّعْبِيِّ ؛ لِأَنَّ الضَّرُورَةَ تُبِيحُهُ ، وَمَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ لَا تَحِلُّ الْمَيْتَةُ ؛ لِغِنَاهُ عَنْهَا .\rوَلَنَا أَنَّ إبَاحَةَ الْمَيْتَةِ مَنْصُوصٌ عَلَيْهَا ، وَإِبَاحَةَ الصَّيْدِ مُجْتَهَدٌ فِيهَا ، وَتَقْدِيمُ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ أَوْلَى .\rفَإِنْ لَمْ يَجِدْ مَيْتَةً ، ذَبَحَ الصَّيْدَ وَأَكَلَهُ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ؛ لِأَنَّهُ مُضْطَرٌّ إلَيْهِ عَيْنًا .\rوَقَدْ قِيلَ : إنَّ فِي الصَّيْدِ تَحْرِيمَاتٍ ثَلَاثًا ؛ تَحْرِيمَ قَتْلِهِ ، وَأَكْلِهِ ، وَتَحْرِيمَ الْمَيْتَةِ ؛ لِأَنَّ مَا ذَبَحَهُ الْمُحْرِمُ مِنْ الصَّيْدِ يَكُونُ مَيْتَةً ، فَقَدْ سَاوَى الْمَيْتَةَ فِي هَذَا ، وَفُضِّلَ عَلَيْهَا بِتَحْرِيمِ الْقَتْلِ وَالْأَكْلِ ، وَلَكِنْ يُقَالُ عَلَى هَذَا : إنَّ الشَّارِعَ إذَا أَبَاحَ لَهُ ذَبْحَهُ ، لَمْ يَصِرْ مَيْتَةً .\rوَلِهَذَا لَوْ لَمْ يَجِدْ الْمَيْتَةَ فَذَبَحَهُ ، كَانَ ذَكِيًّا طَاهِرًا ، وَلَيْسَ بِنَجَسٍ وَلَا مَيْتَةٍ ؛ وَلِهَذَا يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ ذَبْحُهُ فِي حِلِّ الذَّبْحِ ، وَتُعْتَبَرُ شُرُوطُ الذَّكَاةِ فِيهِ ، وَلَا يَجُوزُ قَتْلُهُ ، وَلَوْ كَانَ مَيْتَةً لَمْ يَتَعَيَّنْ ذَلِكَ عَلَيْهِ .\r( 7816 ) فَصْلٌ : وَإِذَا ذَبَحَ الْمُحْرِمُ الصَّيْدَ عِنْدَ الضَّرُورَةِ ، جَازَ لَهُ أَنْ يَشْبَعَ مِنْهُ ؛ لِأَنَّهُ لَحْمٌ ذَكِيٌّ لَا حَقَّ فِيهِ لِآدَمِيٍّ سِوَاهُ ، فَأُبِيحَ لَهُ الشِّبَعُ مِنْهُ ، كَمَا لَوْ ذَبَحَهُ حَلَالٌ مِنْ أَجْلِهِ .\r( 7817 ) فَصْلٌ : فَإِنْ لَمْ يَجِدْ الْمُضْطَرُّ شَيْئًا ، لَمْ يُبَحْ لَهُ أَكْلُ بَعْضِ أَعْضَائِهِ .\rوَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ : لَهُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ لَهُ أَنْ يَحْفَظَ الْجُمْلَةَ بِقَطْعِ عُضْوٍ ، كَمَا لَوْ وَقَعَتْ فِيهِ الْأَكِلَةُ .\rوَلَنَا أَنَّ أَكْلَهُ مِنْ نَفْسِهِ رُبَّمَا قَتَلَهُ ، فَيَكُونُ قَاتِلًا لِنَفْسِهِ ، وَلَا يُتَيَقَّنُ حُصُولُ الْبَقَاءِ بِأَكْلِهِ .\rأَمَّا قَطْعُ الْأَكِلَةِ : فَإِنَّهُ","part":21,"page":414},{"id":10414,"text":"يُخَافُ الْهَلَاكُ بِذَلِكَ الْعُضْوِ ، فَأُبِيحَ لَهُ إبْعَادُهُ ، وَدَفْعُ ضَرَرِهِ الْمُتَوَجِّهِ مِنْهُ بِتَرْكِهِ ، كَمَا أُبِيحَ قَتْلُ الصَّائِلِ عَلَيْهِ وَلَمْ يُبَحْ لَهُ قَتْلُهُ لِيَأْكُلَهُ .","part":21,"page":415},{"id":10415,"text":"( 7818 ) فَصْلٌ : وَإِنْ لَمْ يَجِدْ إلَّا آدَمِيًّا مَحْقُونَ الدَّمِ ، لَمْ يُبَحْ لَهُ قَتْلُهُ إجْمَاعًا ، وَلَا إتْلَافُ عُضْوٍ مِنْهُ ، مُسْلِمًا كَانَ أَوْ كَافِرًا ؛ لِأَنَّهُ مِثْلُهُ ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُبْقِيَ نَفْسَهُ بِإِتْلَافِهِ .\rوَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ .\rوَإِنْ كَانَ مُبَاحَ الدَّمِ ، كَالْحَرْبِيِّ وَالْمُرْتَدِّ ، فَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّ لَهُ قَتْلَهُ وَأَكْلَهُ ؛ لِأَنَّ قَتْلَهُ مُبَاحٌ .\rوَهَكَذَا قَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ لَا حُرْمَةَ لَهُ ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ السِّبَاعِ .\rوَإِنْ وَجَدَهُ مَيِّتًا ، أُبِيحَ أَكْلُهُ ؛ لِأَنَّ أَكْلَهُ مُبَاحٌ بَعْدَ قَتْلِهِ ، فَكَذَلِكَ بَعْدَ مَوْتِهِ .\rوَإِنْ وَجَدَ مَعْصُومًا مَيِّتًا ، لَمْ يُبَحْ أَكْلُهُ .\rفِي قَوْلِ أَصْحَابِنَا .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَبَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ : يُبَاحُ .\rوَهُوَ أَوْلَى ؛ لِأَنَّ حُرْمَةَ الْحَيِّ أَعْظَمُ .\rوَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ دَاوُد : أَبَاحَ الشَّافِعِيُّ أَكْلَ لُحُومِ الْأَنْبِيَاءِ .\rوَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : كَسْرُ عَظْمِ الْمَيِّتِ ، كَكَسْرِ عَظْمِ الْحَيِّ } .\rوَاخْتَارَ أَبُو الْخَطَّابِ أَنَّ لَهُ أَكْلَهُ .\rوَقَالَ : لَا حُجَّةَ فِي الْحَدِيثِ هَاهُنَا ؛ لِأَنَّ الْأَكْلَ مِنْ اللَّحْمِ لَا مِنْ الْعَظْمِ ، وَالْمُرَادُ بِالْحَدِيثِ التَّشْبِيهُ فِي أَصْلِ الْحُرْمَةِ ، لَا فِي مِقْدَارِهَا ؛ بِدَلِيلِ اخْتِلَافِهِمَا فِي الضَّمَانِ وَالْقِصَاصِ وَوُجُوبِ صِيَانَةِ الْحَيِّ بِمَا لَا يَجِبُ بِهِ صِيَانَةُ الْمَيِّتِ .","part":21,"page":416},{"id":10416,"text":"( 7819 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( فَإِنْ لَمْ يُصِبْ إلَّا طَعَامًا لَمْ يَبِعْهُ مَالِكُهُ ، أَخَذَهُ قَهْرًا لِيُحْيِيَ بِهِ نَفْسَهُ ، وَأَعْطَاهُ ثَمَنَهُ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ بِصَاحِبِهِ مِثْلُ ضَرُورَتِهِ ) .\rوَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ إذَا اُضْطُرَّ ، فَلَمْ يَجِدْ إلَّا طَعَامًا لِغَيْرِهِ ، نَظَرْنَا ؛ فَإِنْ كَانَ صَاحِبُهُ مُضْطَرًّا إلَيْهِ ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ ، وَلَمْ يَجُزْ لِأَحَدٍ أَخْذُهُ مِنْهُ ؛ لِأَنَّهُ سَاوَاهُ فِي الضَّرُورَةِ ، وَانْفَرَدَ بِالْمِلْكِ ، فَأَشْبَهَ غَيْرَ حَالِ الضَّرُورَةِ ، وَإِنْ أَخَذَهُ مِنْهُ أَحَدٌ فَمَاتَ ، لَزِمَهُ ضَمَانُهُ ؛ لِأَنَّهُ قَتَلَهُ بِغَيْرِ حَقٍّ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ صَاحِبُهُ مُضْطَرًّا إلَيْهِ ، لَزِمَهُ بَذْلُهُ لِلْمُضْطَرِّ ؛ لِأَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِهِ إحْيَاءُ نَفْسِ آدَمِيٍّ مَعْصُومٍ ، فَلَزِمَهُ بَذْلُهُ لَهُ ، كَمَا يَلْزَمُهُ بَذْلُ مَنَافِعِهِ فِي إنْجَائِهِ مِنْ الْغَرَقِ وَالْحَرِيقِ ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَلِلْمُضْطَرِّ أَخْذُهُ مِنْهُ ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَحِقٌّ لَهُ دُونَ مَالِكِهِ ، فَجَازَ لَهُ أَخْذُهُ ، كَغَيْرِ مَالِهِ ، فَإِنْ اُحْتِيجَ فِي ذَلِكَ إلَى قِتَالٍ ، فَلَهُ الْمُقَاتَلَةُ عَلَيْهِ ، فَإِنْ قُتِلَ الْمُضْطَرُّ فَهُوَ شَهِيدٌ ، وَعَلَى قَاتِلِهِ ضَمَانُهُ ، وَإِنْ آلَ أَخْذُهُ إلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ ، فَهُوَ هَدَرٌ ؛ لِأَنَّهُ ظَالِمٌ بِقِتَالِهِ ، فَأَشْبَهَ الصَّائِلَ ، إلَّا أَنْ يُمْكِنَ أَخْذُهُ بِشِرَاءٍ أَوْ اسْتِرْضَاءٍ ، فَلَيْسَ لَهُ الْمُقَاتَلَةُ عَلَيْهِ ، لِإِمْكَانِ الْوُصُولِ إلَيْهِ دُونَهَا ، فَإِنْ لَمْ يَبِعْهُ إلَّا بِأَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِ مِثْلِهِ ، فَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّ لَهُ قِتَالَهُ .\rوَالْأَوْلَى أَنْ لَا يَجُوزَ لَهُ ذَلِكَ ؛ لِإِمْكَانِ الْوُصُولِ إلَيْهِ بِدُونِهَا .\rوَإِنْ اشْتَرَاهُ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِ مِثْلِهِ ، لَمْ يَلْزَمْهُ إلَّا ثَمَنُ مِثْلِهِ ؛ لِأَنَّهُ صَارَ مُسْتَحِقًّا لَهُ بِقِيمَتِهِ ، وَيَلْزَمُهُ عِوَضُهُ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ أَخَذَهُ ، فَإِنْ كَانَ مَعَهُ فِي الْحَالِ ، وَإِلَّا لَزِمَهُ فِي ذِمَّتِهِ .\rوَلَا يُبَاحُ لِلْمُضْطَرِّ مِنْ مَالِ أَخِيهِ ، إلَّا مَا يُبَاحُ مِنْ الْمَيْتَةِ .\rقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : قُلْنَا : يَا","part":21,"page":417},{"id":10417,"text":"رَسُولَ اللَّهِ ، مَا يَحِلُّ لِأَحَدِنَا مِنْ مَالِ أَخِيهِ إذَا اُضْطُرَّ إلَيْهِ ؟ قَالَ { : يَأْكُلُ وَلَا يَحْمِلُ ، وَيَشْرَبُ وَلَا يَحْمِلُ .\r}","part":21,"page":418},{"id":10418,"text":"( 7820 ) فَصْلٌ : وَإِذَا اشْتَدَّتْ الْمَخْمَصَةُ فِي سَنَةِ الْمَجَاعَةِ ، وَأَصَابَتْ الضَّرُورَةُ خَلْقًا كَثِيرًا ، أَوْ كَانَ عِنْدَ بَعْضِ النَّاسِ قَدْرُ كِفَايَتِهِ وَكِفَايَةِ عِيَالِهِ ، لَمْ يَلْزَمْهُ بَذْلُهُ لِلْمُضْطَرِّينَ ، وَلَيْسَ لَهُمْ أَخْذُهُ مِنْهُ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُفْضِي إلَى وُقُوعِ الضَّرُورَةِ بِهِ ، وَلَا يَدْفَعُهَا عَنْهُمْ .\rوَكَذَلِكَ إنْ كَانُوا فِي سَفَرٍ وَمَعَهُ قَدْرُ كِفَايَتِهِ مِنْ غَيْرِ فَضْلَةٍ ، لَمْ يَلْزَمْهُ بَذْلُ مَا مَعَهُ لِلْمُضْطَرِّينَ .\rوَلَمْ يُفَرِّقْ أَصْحَابُنَا بَيْنَ هَذِهِ الْحَالِ وَبَيْنَ كَوْنِهِ لَا يَتَضَرَّرُ بِدَفْعِ مَا مَعَهُ إلَيْهِمْ ، فِي أَنَّ ذَلِكَ وَاجِبٌ عَلَيْهِ ؛ لِكَوْنِهِ غَيْرَ مُضْطَرٍّ فِي الْحَالِ ، وَالْآخَرُ مُضْطَرٌّ ، فَوَجَبَ تَقْدِيمُ حَاجَةِ الْمُضْطَرِّ .\rوَلَنَا أَنَّ هَذَا مُفْضٍ بِهِ إلَى هَلَاكِ نَفْسِهِ ، وَهَلَاكِ عِيَالِهِ ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ ، كَمَا لَوْ أَمْكَنَهُ إنْجَاءُ الْغَرِيقِ بِتَغْرِيقِ نَفْسِهِ .\rوَلِأَنَّ فِي بَذْلِهِ إلْقَاءً بِيَدِهِ إلَى التَّهْلُكَةِ ، وَقَدْ نَهَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ .","part":21,"page":419},{"id":10419,"text":"( 7821 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَلَا بَأْسَ بِأَكْلِ الضَّبِّ وَالضَّبُعِ ) أَمَّا الضَّبُّ : فَإِنَّهُ مُبَاحٌ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ؛ مِنْهُمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَأَبُو سَعِيدٍ ، وَأَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ قَالَ أَبُو سَعِيدٍ : كُنَّا مَعْشَرَ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَأَنْ يُهْدَى إلَى أَحَدِنَا ضَبٌّ أَحَبُّ إلَيْهِ مِنْ دَجَاجَةٍ .\rوَقَالَ عُمَرُ : مَا يَسُرُّنِي أَنَّ مَكَانَ كُلِّ ضَبٍّ دَجَاجَةٌ سَمِينَةٌ ، وَلَوَدِدْت أَنَّ فِي كُلِّ جُحْرِ ضَبٍّ ضَبَّيْنِ .\rوَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ وَاللَّيْثُ وَالشَّافِعِيُّ وَابْنُ الْمُنْذِرِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : هُوَ حَرَامٌ .\rوَبِهَذَا قَالَ الثَّوْرِيُّ ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ نَهَى عَنْ أَكْلِ لَحْمِ الضَّبِّ .\rوَرُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ عَلِيٍّ ؛ وَلِأَنَّهُ يَنْهَشُ ، فَأَشْبَهَ ابْنَ عِرْسٍ .\rوَلَنَا مَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ : دَخَلْت أَنَا وَخَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْتَ مَيْمُونَةَ ، فَأُتِيَ بِضَبٍّ مَحْنُوذٍ ، فَقِيلَ : هُوَ ضَبٌّ يَا رَسُولَ اللَّهِ .\rفَرَفَعَ يَدَهُ ، فَقُلْت : أَحَرَامٌ هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ { : لَا ، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِأَرْضِ قَوْمِي ، فَأَجِدُنِي أَعَافُهُ } .\rقَالَ خَالِدٌ : فَاجْتَرَرْته فَأَكَلْته ، وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْظُرُ .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : تَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الضَّبَّ تَقَذُّرًا ، وَأُكِلَ عَلَى مَائِدَتِهِ ، وَلَوْ كَانَ حَرَامًا مَا أُكِلَ عَلَى مَائِدَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rوَقَالَ عُمَرُ : إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَمْ يُحَرِّمْ الضَّبَّ ، وَلَكِنَّهُ قَذِرَهُ } ، وَلَوْ كَانَ عِنْدِي لَأَكَلْته .\rوَلِأَنَّ الْأَصْلَ الْحِلُّ ، وَلَمْ يُوجَدْ الْمُحَرِّمُ ، فَبَقِيَ عَلَى الْإِبَاحَةِ ، وَلَمْ يَثْبُتْ فِيهِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ","part":21,"page":420},{"id":10420,"text":"نَهْيٌ وَلَا تَحْرِيمٌ ؛ وَلِأَنَّ الْإِبَاحَةَ قَوْلُ مَنْ سَمَّيْنَا مِنْ الصَّحَابَةِ ، وَلَمْ يَثْبُتْ عَنْهُمْ خِلَافُهُ ، فَيَكُونُ إجْمَاعًا .\r( 7822 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا الضَّبُعُ : فَرُوِيَتْ الرُّخْصَةُ فِيهَا عَنْ سَعْدٍ وَابْنِ عُمَرَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ وَعِكْرِمَةَ وَإِسْحَاقَ .\rوَقَالَ عُرْوَةُ : مَازَالَتْ الْعَرَبُ تَأْكُلُ الضَّبُعَ وَلَا تَرَى بِأَكْلِهَا بَأْسًا .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ وَمَالِكٌ : هُوَ حَرَامٌ .\rوَرُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ؛ لِأَنَّهَا مِنْ السِّبَاعِ ، وَقَدْ نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ .\rوَهِيَ مِنْ السِّبَاعِ ، فَتَدْخُلُ فِي عُمُومِ النَّهْيِ .\rوَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الضَّبُعِ ، فَقَالَ { : وَمَنْ يَأْكُلُ الضَّبُعَ ؟ } .\rوَلَنَا مَا رَوَى جَابِرٌ ، قَالَ : أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَكْلِ الضَّبُعِ .\rقُلْت : صَيْدٌ هِيَ ؟ قَالَ { : نَعَمْ } .\rاحْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ .\rوَفِي لَفْظٍ قَالَ : سَأَلْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الضَّبُعِ .\rفَقَالَ { : هُوَ صَيْدٌ ، وَيُجْعَلُ فِيهِ كَبْشٌ إذَا صَادَهُ الْمُحْرِمُ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : هَذَا لَا يُعَارِضُ حَدِيثَ النَّهْيِ عَنْ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ ؛ لِأَنَّهُ أَقْوَى مِنْهُ .\rقُلْنَا : هَذَا تَخْصِيصٌ لَا مُعَارِضٌ ، وَلَا يُعْتَبَرُ فِي التَّخْصِيصِ كَوْنُ الْمُخَصَّصِ فِي رُتْبَةِ الْمُخَصِّصِ ؛ بِدَلِيلِ تَخْصِيصِ عُمُومِ الْكِتَابِ بِأَخْبَارِ الْآحَادِ .\rفَأَمَّا الْخَبَرُ الَّذِي فِيهِ : \" وَمَنْ يَأْكُلُ الضَّبُعَ ؟ \" فَحَدِيثٌ طَوِيلٌ ، يَرْوِيهِ عَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ أَبِي الْمُخَارِقِ ، يَنْفَرِدُ بِهِ ، وَهُوَ مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ .\rوَلِأَنَّ الضَّبُعَ قَدْ قِيلَ : إنَّهَا لَيْسَ لَهَا نَابٌ .\rوَسَمِعْت مَنْ يَذْكُرُ أَنَّ جَمِيعَ أَسْنَانِهَا عَظْمٌ وَاحِدٌ كَصَفْحَةِ نَعْلِ الْفَرَسِ .\rفَعَلَى هَذَا لَا تَدْخُلُ فِي عُمُومِ النَّهْيِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":21,"page":421},{"id":10421,"text":"( 7823 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَلَا يُؤْكَلُ التِّرْيَاقُ ؛ لِأَنَّهُ يَقَعُ فِيهِ لُحُومُ الْحَيَّاتِ ) التِّرْيَاقُ : دَوَاءٌ يُتَعَالَجُ بِهِ مِنْ السُّمِّ ، وَيُجْعَلُ فِيهِ مِنْ لُحُومِ الْحَيَّاتِ ، فَلَا يُبَاحُ أَكْلُهُ وَلَا شُرْبُهُ ؛ لِأَنَّ لَحْمَ الْحَيَّةِ حَرَامٌ .\rوَمِمَّنْ كَرِهَهُ الْحَسَنُ ، وَابْنُ سِيرِينَ .\rوَرَخَّصَ فِيهِ الشَّعْبِيُّ ، وَمَالِكٌ ؛ لِأَنَّهُ يَرَى إبَاحَةَ لُحُومِ الْحَيَّاتِ .\rوَيَقْتَضِيهِ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِإِبَاحَتِهِ التَّدَاوِيَ بِبَعْضِ الْمُحَرَّمَاتِ .\rوَلَنَا أَنَّ لَحْمَ الْحَيَّاتِ حَرَامٌ ، بِمَا قَدْ ذَكَرْنَاهُ فِيمَا مَضَى .\rوَلَا يَجُوزُ التَّدَاوِي بِمُحَرَّمٍ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : إنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْ شِفَاءَ أُمَّتِي فِيمَا حَرَّمَ عَلَيْهَا .\r}","part":21,"page":422},{"id":10422,"text":"( 7824 ) فَصْلٌ : وَلَا يَجُوزُ التَّدَاوِي بِمُحَرَّمٍ ، وَلَا بِشَيْءٍ فِيهِ مُحَرَّمٌ ، مِثْلِ أَلْبَانِ الْأُتُنِ ، وَلَحْمِ شَيْءٍ مِنْ الْمُحَرَّمَاتِ ، وَلَا شُرْبِ الْخَمْرِ لِلتَّدَاوِي بِهِ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْخَبَرِ ؛ وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذُكِرَ لَهُ النَّبِيذُ يُصْنَعُ لِلدَّوَاءِ فَقَالَ { : إنَّهُ لَيْسَ بِدَوَاءٍ وَلَكِنَّهُ دَاءٌ } .","part":21,"page":423},{"id":10423,"text":"( 7825 ) فَصْلٌ : وَيَجُوزُ أَكْلُ الْأَطْعِمَةِ الَّتِي فِيهَا الدُّودُ وَالسُّوسُ ، كَالْفَوَاكِهِ ، وَالْقِثَّاءِ ، وَالْخِيَارِ ، وَالْبِطِّيخِ ، وَالْحُبُوبِ ، وَالْخَلِّ إذَا لَمْ تَقْذَرْهُ نَفْسُهُ ، وَطَابَتْ بِهِ ؛ لِأَنَّ التَّحَرُّزَ مِنْ ذَلِكَ يَشُقُّ .\rوَيَجُوزُ أَكْلُ الْعَسَلِ بِقَشِّهِ وَفِيهِ فِرَاخٌ ؛ لِذَلِكَ ، وَإِنْ نَقَّاهُ فَحَسَنٌ ، فَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ أُتِيَ بِتَمْرٍ عَتِيقٍ ، فَجَعَلَ يُفَتِّشُهُ ، وَيُخْرِجُ السُّوسَ مِنْهُ ، وَيُنَقِّيهِ .\rوَهَذَا أَحْسَنُ .","part":21,"page":424},{"id":10424,"text":"( 7826 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَلَا يُؤْكَلُ الصَّيْدُ إذَا رُمِيَ بِسَهْمٍ مَسْمُومٍ إذَا عُلِمَ أَنَّ السُّمَّ أَعَانَ عَلَى قَتْلِهِ ) إنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ ؛ لِأَنَّ مَا قَتَلَهُ السُّمُّ مُحَرَّمٌ ، وَمَا قَتَلَهُ السَّهْمُ وَحْدَهُ مُبَاحٌ ، فَإِذَا مَاتَ بِسَبَبٍ مُبِيحٍ وَمُحَرِّمٍ ، حَرُمَ ، كَمَا لَوْ مَاتَ بِرَمْيَةِ مُسْلِمٍ وَمَجُوسِيٍّ ، أَوْ قَتَلَ الصَّيْدَ كَلْبٌ مُعَلَّمٌ وَغَيْرُهُ ، أَوْ وَجَدَ مَعَ كَلْبِهِ كَلْبًا لَا يَعْرِفُ ، أَوْ رَمَى صَيْدًا بِسَهْمٍ ، فَوَجَدَهُ غَرِيقًا فِي الْمَاءِ ، أَوْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ ، أَوْ وَطِئَ عَلَيْهِ شَيْءٌ .\rفَإِنْ عَلِمَ أَنَّ السُّمَّ لَمْ يُعِنْ عَلَى قَتْلِهِ ؛ لِكَوْنِ السَّهْمِ أَوْحَى مِنْهُ ، فَهُوَ مُبَاحٌ ، لِانْتِفَاءِ الْمُحَرِّمِ .","part":21,"page":425},{"id":10425,"text":"( 7827 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَمَا كَانَ مَأْوَاهُ الْبَحْرُ ، وَهُوَ يَعِيشُ فِي الْبَرِّ ، لَمْ يُؤْكَلْ إذَا مَاتَ فِي بَرٍّ أَوْ بَحْرٍ ) كُلُّ مَا يَعِيشُ فِي الْبَرِّ مِنْ دَوَابِّ الْبَحْرِ ، لَا يَحِلُّ بِغَيْرِ ذَكَاةٍ ، كَطَيْرِ الْمَاءِ ، وَالسُّلَحْفَاةِ ، وَكَلْبِ الْمَاءِ ، إلَّا مَا لَا دَمَ فِيهِ ، كَالسَّرَطَانِ ، فَإِنَّهُ يُبَاحُ بِغَيْرِ ذَكَاةٍ .\rقَالَ أَحْمَدُ : السَّرَطَانُ لَا بَأْسَ بِهِ .\rقِيلَ لَهُ : يُذْبَحُ ؟ قَالَ : لَا .\rوَذَلِكَ لِأَنَّ مَقْصُودَ الذَّبْحِ إنَّمَا هُوَ إخْرَاجُ الدَّمِ مِنْهُ ، وَتَطْيِيبُ اللَّحْمِ بِإِزَالَتِهِ عَنْهُ ، فَمَا لَا دَمَ فِيهِ ، لَا حَاجَةَ إلَى ذَبْحِهِ .\rوَأَمَّا سَائِرُ مَا ذَكَرْنَا ، فَلَا يَحِلُّ إلَّا أَنْ يُذْبَحَ .\rقَالَ أَحْمَدُ : كَلْبُ الْمَاءِ يَذْبَحُهُ ، وَلَا أَرَى بَأْسًا بِالسُّلَحْفَاةِ إذَا ذَبَحَ ، وَالرَّقُّ يَذْبَحُهُ .\rوَقَالَ قَوْمٌ : يَحِلُّ مِنْ غَيْرِ ذَكَاةٍ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْبَحْرِ { هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ ، الْحِلُّ مَيْتَتُهُ } .\rوَلِأَنَّهُ مِنْ حَيَوَانِ الْبَحْرِ ، فَأُبِيحَ بِغَيْرِ ذَكَاةٍ كَالسَّمَكِ وَالسَّرَطَانِ .\rوَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كُلُّ مَا فِي الْبَحْرِ قَدْ ذَكَّاهُ اللَّهُ تَعَالَى لَكُمْ .\rوَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ شُرَيْحٍ رَجُلٍ أَدْرَكَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ { كُلُّ شَيْءٍ فِي الْبَحْرِ مَذْبُوحٌ .\r} وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ { : إنَّ اللَّهَ ذَبَحَ كُلَّ شَيْءٍ فِي الْبَحْرِ لِابْنِ آدَمَ } .\rوَلَنَا أَنَّهُ حَيَوَانٌ يَعِيشُ فِي الْبَرِّ ، لَهُ نَفْسٌ سَائِلَةٌ ، فَلَمْ يُبَحْ بِغَيْرِ ذَبْحٍ ، كَالطَّيْرِ ، وَلَا خِلَافَ فِي الطَّيْرِ فِيمَا عَلِمْنَاهُ ، وَالْأَخْبَارُ مَحْمُولَةٌ عَلَى مَا لَا يَعِيشُ إلَّا فِي الْبَحْرِ ، كَالسَّمَكِ وَشِبْهِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُتَمَكَّنُ مِنْ تَذْكِيَتِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُذْبَحُ إلَّا بَعْدَ إخْرَاجِهِ مِنْ الْمَاءِ ، وَإِذَا خَرَجَ مَاتَ .","part":21,"page":426},{"id":10426,"text":"( 7828 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا مَا لَا يَعِيشُ إلَّا فِي الْمَاءِ ، كَالسَّمَكِ وَشِبْهِهِ ، فَإِنَّهُ يُبَاحُ بِغَيْرِ ذَكَاةٍ .\rلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْأَخْبَارِ .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ { : أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ ، أَمَّا الْمَيْتَتَانِ فَالسَّمَكُ وَالْجَرَادُ } .\rوَقَدْ صَحَّ أَنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ وَأَصْحَابَهُ وَجَدُوا عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ دَابَّةً ، يُقَالُ لَهَا الْعَنْبَرُ ، مَيِّتَةً ، فَأَكَلُوا مِنْهَا شَهْرًا حَتَّى سَمِنُوا ، وَادَّهَنُوا ، فَلَمَّا قَدِمُوا عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْبَرُوهُ ، فَقَالَ { : هُوَ رِزْقٌ أَخْرَجَهُ اللَّهُ لَكُمْ ، فَهَلْ مَعَكُمْ مِنْ لَحْمِهِ شَيْءٌ تُطْعِمُونَا } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\r( 7829 ) فَصْلٌ : وَكُلُّ صَيْدِ الْبَحْرِ مُبَاحٌ ، إلَّا الضُّفْدَعَ .\rوَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ الشَّعْبِيُّ : لَوْ أَكَلَ أَهْلِي الضَّفَادِعَ لَأَطْعَمْتُهُمْ .\rوَرُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : فِي كُلِّ مَا فِي الْبَحْرِ قَدْ ذَكَّاهُ اللَّهُ لَكُمْ .\rوَعُمُومُ قَوْله تَعَالَى { : أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ } .\rيَدُلُّ عَلَى إبَاحَةِ جَمِيعِ صَيْدِهِ .\rوَرَوَى عَطَاءٌ وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ أَنَّهُمَا بَلَغَهُمَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ { : إنَّ اللَّهَ ذَبَحَ كُلَّ شَيْءٍ فِي الْبَحْرِ لِابْنِ آدَمَ } .\rفَأَمَّا الضُّفْدَعُ : فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ قَتْلِهِ .\rرَوَاهُ النَّسَائِيّ .\rفَيَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى تَحْرِيمِهِ ، فَأَمَّا التِّمْسَاحُ : فَقَدْ نُقِلَ عَنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُؤْكَلُ .\rوَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : لَا بَأْسَ بِهِ لِمَنْ اشْتَهَاهُ .\rوَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ : لَا يُؤْكَلُ التِّمْسَاحُ وَلَا الْكَوْسَجُ ؛ لِأَنَّهُمَا يَأْكُلَانِ النَّاسَ .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ وَغَيْرِهِ : أَنَّهُ قَالَ : كَانُوا يَكْرَهُونَ سِبَاعَ الْبَحْرِ ، كَمَا يَكْرَهُونَ سِبَاعَ الْبَرِّ .\rوَذَلِكَ لِنَهْيِ النَّبِيِّ","part":21,"page":427},{"id":10427,"text":"صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ .\rوَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ النَّجَّادُ : مَا حَرُمَ نَظِيرُهُ فِي الْبَرِّ ، فَهُوَ حَرَامٌ فِي الْبَحْرِ ، كَكَلْبِ الْمَاءِ وَخِنْزِيرِهِ وَإِنْسَانِهِ .\rوَهُوَ قَوْلُ اللَّيْثِ ، إلَّا فِي كَلْبِ الْمَاءِ ، فَإِنَّهُ يَرَى إبَاحَةَ كَلْبِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يُبَاحُ إلَّا السَّمَكُ .\rقَالَ مَالِكٌ : كُلُّ مَا فِي الْبَحْرِ مُبَاحٌ ؛ لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى { : أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ .\r}","part":21,"page":428},{"id":10428,"text":"( 7830 ) فَصْلٌ : وَكَلْبُ الْمَاءِ مُبَاحٌ ، وَرَكِبَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ سَرْجًا عَلَيْهِ جِلْدٌ مِنْ جُلُودِ كِلَابِ الْمَاءِ .\rوَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَاللَّيْثِ .\rوَيَقْتَضِيهِ قَوْلُ الشَّعْبِيِّ وَالْأَوْزَاعِيِّ .\rوَلَا يُبَاحُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيٍّ النَّجَّادِ ، وَبَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ .\rوَلَنَا عُمُومُ الْآيَةِ وَالْخَبَرِ .\rقَالَ عَبْدُ اللَّهِ : سَأَلْت أَبِي عَنْ كَلْبِ الْمَاءِ ، فَقَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، وَأَبِي الزُّبَيْرِ ، سَمِعَا شُرَيْحًا - رَجُلٌ أَدْرَكَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ { : كُلُّ شَيْءٍ فِي الْبَحْرِ فَهُوَ مَذْبُوحٌ } .\rقَالَ : فَذَكَرْت ذَلِكَ لِعَطَاءٍ ، فَقَالَ : أَمَّا الطَّيْرُ فَنَذْبَحُهُ .\rوَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ : كَلْبُ الْمَاءِ نَذْبَحُهُ .\r( 7831 ) فَصْلٌ : قِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ : يُكْرَهُ الْجَرْيُ ؟ قَالَ : لَا وَاَللَّهِ ، وَكَيْفَ لَنَا بِالْجَرِيِّ ؟ وَرَخَّصَ فِيهِ عَلِيٌّ وَالْحَسَنُ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ، وَسَائِرُ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rوَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ الْجَرِّيُّ لَا تَأْكُلُهُ الْيَهُودُ .\rوَوَافَقَهُمْ الرَّافِضَةُ ، وَمُخَالَفَتُهُمْ صَوَابٌ .","part":21,"page":429},{"id":10429,"text":"( 7832 ) فَصْلٌ : وَعَنْ أَحْمَدَ فِي السَّمَكَةِ تُوجَدُ فِي بَطْنِ سَمَكَةٍ أُخْرَى ، أَوْ حَوْصَلَةِ طَائِرٍ ، أَوْ يُوجَدُ فِي حَوْصَلَتِهِ جَرَادٌ ، فَقَالَ فِي مَوْضِعٍ : كُلُّ شَيْءٍ أُكِلَ مَرَّةً لَا يُؤْكَلُ .\rوَقَالَ فِي مَوْضِعٍ : الطَّافِي أَشَدُّ مِنْ هَذَا ، وَقَدْ رَخَّصَ فِيهِ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .\rوَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ .\r.\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فِيمَا فِي بَطْنِ السَّمَكَةِ ، دُونَ مَا فِي حَوْصَلَةِ الطَّائِرِ ؛ لِأَنَّهُ كَالرَّجِيعِ ، وَرَجِيعُ الطَّائِرِ عِنْدَهُ نَجِسٌ .\rوَلَنَا قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ } .\rوَلِأَنَّهُ حَيَوَانٌ طَاهِرٌ فِي مَحَلٍّ طَاهِرٍ ، لَا تُعْتَبَرُ لَهُ ذَكَاةٌ ، فَأُبِيحَ ، كَالطَّافِي فِي السَّمَكِ .\rوَهَكَذَا يُخَرَّجُ فِي الشَّعِيرِ يُوجَدُ فِي بَعْرِ الْجَمَلِ ، أَوْ خِثْيِ الْجَوَامِيسِ ، وَنَحْوِهَا .","part":21,"page":430},{"id":10430,"text":"( 7833 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِذَا وَقَعَتْ النَّجَاسَةُ فِي مَائِعٍ ، كَالدُّهْنِ وَمَا أَشْبَهَهُ ، نَجِسَ ، وَاسْتَصْبَحَ بِهِ إنْ أَحَبَّ ، وَلَمْ يَحِلَّ أَكْلُهُ وَلَا ثَمَنُهُ ) ظَاهِرُ هَذَا أَنَّ النَّجَاسَةَ إذَا وَقَعَتْ فِي مَائِعٍ غَيْرِ الْمَاءِ ، نَجَّسَتْهُ وَإِنْ كَثُرَ .\rوَهَذَا ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ ، رِوَايَةٌ أُخْرَى ، أَنَّهُ لَا يُنَجِّسُ إذَا كَثُرَ .\rقَالَ حَرْبٌ : سَأَلْت أَحْمَدَ عَنْ كَلْبٍ وَلَغَ فِي سَمْنٍ أَوْ زَيْتٍ ؟ قَالَ : إذَا كَانَ فِي آنِيَةٍ كَبِيرَةٍ ، مِثْلِ حُبٍّ أَوْ نَحْوِهِ ، رَجَوْت أَنْ لَا يَكُونَ بِهِ بَأْسٌ ، يُؤْكَلُ ، وَإِذَا كَانَ فِي آنِيَةٍ صَغِيرَةٍ ، فَلَا يُعْجِبُنِي أَنْ يُؤْكَلَ .\rوَسُئِلَ عَنْ كَلْبٍ وَقَعَ فِي خَلٍّ أَكْثَرَ مِنْ قُلَّتَيْنِ ، فَخَرَجَ مِنْهُ وَهُوَ حَيٌّ ؟ فَقَالَ : هَذَا أَسْهَلُ مِنْ أَنَّهُ لَوْ مَاتَ .\rوَعَنْهُ ، رِوَايَةٌ ثَالِثَةٌ : مَا أَصْلُهُ الْمَاءُ كَالْخَلِّ التَّمْرِيِّ ، يَدْفَعُ النَّجَاسَةَ عَنْ نَفْسِهِ إذَا كَثُرَ ، وَمَا لَيْسَ أَصْلُهُ الْمَاءَ ، لَا يَدْفَعُ عَنْ نَفْسِهِ .\rقَالَ الْمَرُّوذِيُّ : قُلْت لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ : فَإِنْ وَقَعَتْ النَّجَاسَةُ فِي خَلٍّ أَوْ دِبْسٍ ؟ فَقَالَ : أَمَّا الْخَلُّ فَأَصْلُهُ الْمَاءُ ، يَعُودُ إلَى أَنْ يَكُونَ مَاءً إذَا حُمِلَ عَلَيْهِ .\rوَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ ، فِي فَأْرَةٍ وَقَعَتْ فِي سَمْنٍ : إنَّمَا حَرُمَ مِنْ الْمَيْتَةِ لَحْمُهَا وَدَمُهَا .\rوَلَنَا مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ فَأْرَةٍ وَقَعَتْ فِي سَمْنٍ ؟ فَقَالَ : إنْ كَانَ جَامِدًا فَخُذُوهَا وَمَا حَوْلَهَا ، فَأَلْقُوهُ ، وَإِنْ كَانَ مَائِعًا ، فَلَا تَقْرَبُوهُ } .\rوَلِأَنَّ غَيْرَ الْمَاءِ لَيْسَ بِطَهُورٍ ، فَلَا يَدْفَعُ النَّجَاسَةَ عَنْ نَفْسِهِ ، وَحُكْمُ الْجَامِدِ قَدْ ذَكَرْنَاهُ فِيمَا تَقَدَّمَ .\rوَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ فِي الِاسْتِصْبَاحِ بِالزَّيْتِ النَّجِسِ ، فَأَكْثَرُ الرِّوَايَاتِ إبَاحَتُهُ ؛ لِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ أَمَرَ أَنْ يُسْتَصْبَحَ بِهِ .\rوَيَجُوزُ أَنْ تُطْلَى بِهِ سَفِينَةٌ .\rوَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ .\rوَعَنْ","part":21,"page":431},{"id":10431,"text":"أَحْمَدَ ، لَا يَجُوزُ الِاسْتِصْبَاحُ بِهِ .\rوَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْمُنْذِرِ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ عَنْ شُحُومِ الْمَيْتَةِ تُطْلَى بِهَا السُّفُنُ ، وَتُدْهَنُ بِهَا الْجُلُودُ ، وَيَسْتَصْبِحُ بِهَا النَّاسُ ؟ فَقَالَ { : لَا ، هُوَ حَرَامٌ } .\rوَهَذَا فِي مَعْنَاهُ .\rوَلَنَا أَنَّهُ زَيْتٌ أَمْكَنَ الِانْتِفَاعُ بِهِ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ ، فَجَازَ ، كَالطَّاهِرِ .\rوَقَدْ جَاءَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْعَجِينِ الَّذِي عُجِنَ بِمَاءٍ مِنْ آبَارِ ثَمُودَ ، أَنَّهُ نَهَاهُمْ عَنْ أَكْلِهِ ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَعْلِفُوهُ النَّوَاضِحَ .\rوَهَذَا الزَّيْتُ لَيْسَ بِمَيْتَةٍ ، وَلَا هُوَ مِنْ شُحُومِهَا ، فَيَتَنَاوَلَهُ الْخَبَرُ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّهُ يَسْتَصْبِحُ بِهِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَمَسُّهُ ، وَلَا تَتَعَدَّى نَجَاسَتُهُ إلَيْهِ ؛ إمَّا أَنْ يَجْعَلَ الزَّيْتَ فِي إبْرِيقٍ لَهُ بُلْبُلَةٌ ، وَيَصُبَّ مِنْهُ فِي الْمِصْبَاحِ ، وَلَا يَمَسَّهُ ، وَإِمَّا أَنْ يَدَعَ عَلَى رَأْسِ الْجَرَّةِ الَّتِي فِيهَا الزَّيْتُ سِرَاجًا مَثْقُوبًا ، أَوْ قِنْدِيلًا فِيهِ ثَقْبٌ ، وَيُطَيِّنَهُ عَلَى رَأْسِ إنَاءِ الزَّيْتِ ، أَوْ يُشَمِّعَهُ ، وَكُلَّمَا نَقَصَ زَيْتُ السِّرَاجِ صَبَّ فِيهِ مَاءً ، بِحَيْثُ يَرْتَفِعُ الزَّيْتُ ، فَيَمْلَأُ السِّرَاجَ ، وَمَا أَشْبَهَ هَذَا ، وَلَمْ يَرَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ أَنْ تُدْهَنَ بِهَا الْجُلُودُ ، وَقَالَ : يُجْعَلُ مِنْهُ الْأَسْقِيَةُ وَالْقِرَبُ .\rوَنُقِلَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ تُدْهَنُ بِهِ الْجُلُودُ .\rوَعَجِبَ أَحْمَدُ مِنْ هَذَا ، وَقَالَ : إنَّ فِي هَذَا لَعَجَبًا ، شَيْءٌ يُلْبَسُ يُطَيَّبُ بِشَيْءٍ فِيهِ مَيْتَةٌ ، فَعَلَى قَوْلِ أَحْمَدَ ، كُلُّ انْتِفَاعٍ يُفْضِي إلَى تَنْجِيسِ إنْسَانٍ لَا يَجُوزُ ، وَإِنْ لَمْ يُفْضِ إلَى ذَلِكَ جَازَ .\rفَأَمَّا أَكْلُهُ : فَلَا إشْكَالَ فِي تَحْرِيمِهِ ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { : لَا تَقْرَبُوهُ } .\rوَلِأَنَّ النَّجِسَ خَبِيثٌ ، وَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ الْخَبَائِثَ .\rوَأَمَّا بَيْعُهُ ، فَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَحْرِيمُهُ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى","part":21,"page":432},{"id":10432,"text":"اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : إذَا حَرَّمَ اللَّهُ شَيْئًا ، حَرَّمَ ثَمَنَهُ } .\rوَقَالَ أَبُو مُوسَى : لُتُّوهُ بِالسَّوِيقِ وَبِيعُوهُ ، وَلَا تَبِيعُوهُ مِنْ مُسْلِمٍ ، وَبَيِّنُوهُ .\rوَحَكَى أَبُو الْخَطَّابِ عَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةً ، أَنَّهُ يُبَاعُ لِكَافِرٍ بِشَرْطِ أَنْ يَعْلَمَ بِنَجَاسَتِهِ ؛ لِأَنَّ الْكُفَّارَ يَعْتَقِدُونَ حِلَّهُ ، وَيَسْتَبِيحُونَ أَكْلَهُ .\rوَلَنَا قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ ، حُرِّمَتْ عَلَيْهِمْ الشُّحُومُ ، فَجَمَّلُوهَا ، وَبَاعُوهَا ، وَأَكَلُوا أَثْمَانَهَا ، إنَّ اللَّهَ إذَا حَرَّمَ شَيْئًا حَرَّمَ ثَمَنَهُ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَكَوْنُهُمْ يَعْتَقِدُونَ حِلَّهُ ، لَا يُجَوِّزُ لَنَا بَيْعَهُ لَهُمْ كَالْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ .","part":21,"page":433},{"id":10433,"text":"( 7834 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا شُحُومُ الْمَيْتَةِ ، وَشَحْمُ الْخِنْزِيرِ ، فَلَا يَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِهِ بِاسْتِصْبَاحٍ وَلَا غَيْرِهِ ، وَلَا أَنْ تُطْلَى بِهِ السُّفُنُ وَلَا الْجُلُودُ ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ { : إنَّ اللَّهَ حَرَّمَ الْمَيْتَةَ وَالْخِنْزِيرَ وَالْأَصْنَامَ .\rقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، شُحُومُ الْمَيْتَةِ تُطْلَى بِهَا السُّفُنُ ، وَيُدْهَنُ بِهَا الْجُلُودُ وَيَسْتَصْبِحُ النَّاسُ ؟ قَالَ : لَا ، هِيَ حَرَامٌ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ( 7835 ) .\rفَصْلٌ : إذَا اُسْتُصْبِحَ بِالزَّيْتِ النَّجِسِ ، فَدُخَانُهُ نَجَسٌ ؛ لِأَنَّهُ جُزْءٌ يَسْتَحِيلُ مِنْهُ ، وَالِاسْتِحَالَةُ لَا تُطَهِّرُ .\rفَإِنْ عَلِقَ ، بِشَيْءٍ ، وَكَانَ يَسِيرًا ، عُفِيَ عَنْهُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ ، فَأَشْبَهَ دَمَ الْبَرَاغِيثِ ، وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا ، لَمْ يُعْفَ عَنْهُ .","part":21,"page":434},{"id":10434,"text":"فَصْلٌ : سُئِلَ أَحْمَدُ عَنْ خَبَّازٍ خَبَزَ خُبْزًا ، فَبَاعَ مِنْهُ ، ثُمَّ نَظَرَ فِي الْمَاءِ الَّذِي عَجَنَ مِنْهُ ، فَإِذَا فِيهِ فَأْرَةٌ ؟ فَقَالَ : لَا يَبِيعُ الْخُبْزَ مِنْ أَحَدٍ ، وَإِنْ بَاعَهُ اسْتَرَدَّهُ ، فَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ صَاحِبَهُ ، تَصَدَّقَ بِثَمَنِهِ ، وَيُطْعِمُهُ مِنْ الدَّوَابِّ مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ ، وَلَا يُطْعِمُ مَا يُؤْكَلُ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ إذَا أَطْعَمَهُ لَمْ يُذْبَحْ حَتَّى يَكُونَ لَهُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ .\rعَلَى مَعْنَى الْجَلَّالَةِ .\rقِيلَ لَهُ : أَلَيْسَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : لَا تَنْتَفِعُوا مِنْ الْمَيْتَةِ ؟ } .\rقَالَ : لَيْسَ هَذَا بِمَنْزِلَةِ الْمَيِّتِ ، إنَّمَا اشْتَبَهَ عَلَيْهِ .\rقِيلَ لَهُ : فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ كَسْبِ الْحَجَّامِ ، يُطْعَمُ النَّاضِحَ وَالرَّقِيقَ ؟ قَالَ : هَذَا أَشَدُّ عِنْدِي ، لَا يُطْعَمُ الرَّقِيقَ ، لَكِنْ يَعْلِفُهُ الْبَهَائِمَ .\rقِيلَ لَهُ : أَيْنَ الْحُجَّةُ ؟ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ ، عَنْ صَخْرٍ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، أَنَّ قَوْمًا اخْتَبَزُوا مِنْ آبَارِ الَّذِينَ مُسِخُوا ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : أَطْعِمُوهُ النَّوَاضِحَ } .\r( 7837 ) فَصْلٌ : قَالَ أَحْمَدُ : لَا أَرَى أَنْ يُطْعِمَ كَلْبَهُ الْمُعَلَّمَ الْمَيْتَةَ ، وَلَا الطَّيْرَ الْمُعَلَّمَ ؛ لِأَنَّهُ يَضْرِيهِ عَلَى الْمَيْتَةِ ، فَإِنْ أَكَلَ الْكَلْبُ ، فَلَا أَرَى صَاحِبَهُ حَرِجًا .\rوَلَعَلَّ أَحْمَدَ كَرِهَ أَنْ يَكُونَ الْكَلْبُ الْمُعَلَّمُ إذَا صَادَ وَقَتَلَ أَكَلَ مِنْهُ ، لِتَضْرِيَتِهِ بِإِطْعَامِهِ الْمَيْتَةَ .\rوَلَمْ يَكْرَهْ مَالِكٌ إطْعَامَ كَلْبِهِ وَطَيْرِهِ الْمَيْتَةَ ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَأْكُولٍ ، إذَا كَانَ لَا يَشْرَبُ فِي إنَائِهِ .","part":21,"page":435},{"id":10435,"text":"( 7838 ) فَصْلٌ : قَالَ أَحْمَدُ : أَكْرَهُ أَكْلَ الطِّينِ ، وَلَا يَصِحُّ فِيهِ حَدِيثٌ ، إلَّا أَنَّهُ يَضُرُّ بِالْبَدَنِ ، وَيُقَالُ : إنَّهُ رَدِيءٌ ، وَتَرْكُهُ خَيْرٌ مِنْ أَكْلِهِ .\rوَإِنَّمَا كَرِهَهُ أَحْمَدُ لِأَجْلِ مَضَرَّتِهِ .\rفَإِنْ كَانَ مِنْهُ مَا يُتَدَاوَى بِهِ كَالطِّينِ ، الْأَرْمَنِيِّ ، فَلَا يُكْرَهُ ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا مَضَرَّةَ فِيهِ وَلَا نَفْعَ ، كَالشَّيْءِ الْيَسِيرِ ، جَازَ أَكْلُهُ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ الْإِبَاحَةُ ، وَالْمَعْنَى الَّذِي لِأَجْلِهِ كُرِهَ مَا يَضُرُّ ، وَهُوَ مُنْتَفٍ هَاهُنَا ، فَلَمْ يُكْرَهْ .","part":21,"page":436},{"id":10436,"text":"( 7839 ) فَصْلٌ : وَيُكْرَهُ أَكْلُ الْبَصَلِ ، وَالثُّومِ وَالْكُرَّاثِ ، وَالْفُجْلِ ، وَكُلِّ ذِي رَائِحَةٍ كَرِيهَةٍ ، مِنْ أَجْلِ رَائِحَتِهِ ، سَوَاءٌ أَرَادَ دُخُولَ الْمَسْجِدِ أَوْ لَمْ يُرِدْ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { : إنَّ الْمَلَائِكَةَ تَتَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ النَّاسُ } رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ .\rوَإِنْ أَكَلَهُ لَمْ يَقْرَبْ مِنْ الْمَسْجِدِ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : مَنْ أَكَلَ مِنْ هَاتَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ ، فَلَا يَقْرَبَنَّ مُصَلَّانَا } .\rوَفِي رِوَايَةٍ : { فَلَا يَقْرَبْنَا فِي مَسَاجِدِنَا } .\rرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَقَالَ : حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ .\rوَلَيْسَ أَكْلُهَا مُحَرَّمًا ؛ لِمَا رَوَى أَبُو أَيُّوبَ { ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ إلَيْهِ بِطَعَامٍ لَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فِيهِ الثُّومُ .\rفَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَحَرَامٌ هُوَ ؟ قَالَ : لَا ، وَلَكِنَّنِي أَكْرَهُهُ مِنْ أَجْلِ رِيحِهِ } .\rقَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ .\rوَقَدْ رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِعَلِيٍّ { : كُلْ الثُّومَ ، فَلَوْلَا أَنَّ الْمَلَكَ يَأْتِينِي لَأَكَلْته } .\rوَإِنَّمَا مُنِعَ أَكْلُهَا لِئَلَّا يُؤْذِيَ النَّاسَ بِرَائِحَتِهِ ؛ وَلِذَلِكَ نُهِيَ عَنْ قُرْبَانِ الْمَسَاجِدِ ، فَإِنْ أَتَى الْمَسَاجِدَ كُرِهَ لَهُ ذَلِكَ ، وَلَمْ يَحْرُمْ عَلَيْهِ ؛ لِمَا رَوَى الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ ، قَالَ : { أَكَلْت ثُومًا ، وَأَتَيْت مُصَلَّى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ سُبِقْت بِرَكْعَةٍ ، فَلَمَّا دَخَلْت الْمَسْجِدَ ، وَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رِيحَ الثُّومِ ، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ ، قَالَ : مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ ، فَلَا يَقْرَبْنَا حَتَّى يَذْهَبَ رِيحُهَا .\rفَجِئْت ، فَقُلْت : يَا رَسُولَ اللَّهِ : لِتُعْطِنِي يَدَك .\rقَالَ : فَأَدْخَلْت يَدَهُ فِي كُمِّ قَمِيصِي إلَى صَدْرِي ، فَإِذَا أَنَا","part":21,"page":437},{"id":10437,"text":"مَعْصُوبُ الصَّدْرِ ، فَقَالَ : إنَّ لَك عُذْرًا } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّهُ يَأْثَمُ ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَ النَّهْيِ التَّحْرِيمُ ، وَلِأَنَّ أَذَى الْمُسْلِمِينَ حَرَامٌ وَهَذَا فِيهِ أَذَاهُمْ .","part":21,"page":438},{"id":10438,"text":"فَصْلٌ : وَيُكْرَهُ أَكْلُ الْغُدَّةِ ، وَأُذُنِ الْقَلْبِ ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ ، قَالَ : كَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الشَّاةِ سِتًّا .\rوَذَكَرَ هَذَيْنِ .\rوَلِأَنَّ النَّفْسَ تَعَافُهُمَا وَتَسْتَخْبِثُهُمَا ، وَلَا أَظُنُّ أَحْمَدَ كَرِهَهُمَا إلَّا لِذَلِكَ ، لَا لِلْخَبَرِ ؛ لِأَنَّهُ قَالَ فِيهِ : هَذَا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ .\rوَلِأَنَّ فِي الْخَبَرِ ذِكْرَ الطِّحَالِ .\rوَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ : لَا بَأْسَ بِهِ ، وَلَا أَكْرَهُ مِنْهُ شَيْئًا .\r( 7841 ) فَصْلٌ : وَقِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْجُبْنُ ؟ قَالَ : يُؤْكَلُ مِنْ كُلٍّ .\rوَسُئِلَ عَنْ الْجُبْنِ الَّذِي يَصْنَعُهُ الْمَجُوسُ ؟ فَقَالَ مَا أَدْرِي ، إلَّا أَنَّ أَصَحَّ حَدِيثٍ فِيهِ حَدِيثُ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ ، قَالَ : سُئِلَ عُمَرُ عَنْ الْجُبْنِ ، وَقِيلَ لَهُ : يُعْمَلُ فِيهِ الْإِنْفَحَةُ الْمَيِّتَةُ .\rفَقَالَ : سَمُّوا أَنْتُمْ ، وَكُلُوا .\rرَوَاهُ أَبُو مُعَاوِيَةَ ، عَنْ الْأَعْمَشِ .\rوَقَالَ أَلَيْسَ الْجُبْنُ الَّذِي نَأْكُلُهُ عَامَّتُهُ يَصْنَعُهُ الْمَجُوسُ ؟ .\r( 7842 ) فَصْلٌ : وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِيَ الْجَوْزَ الَّذِي يَتَقَامَرُ بِهِ الصِّبْيَانُ ، وَلَا الْبَيْضَ الَّذِي يَتَقَامَرُونَ بِهِ يَوْمَ الْعِيدِ ؛ لِأَنَّهُمْ يَأْخُذُونَهُ بِغَيْرِ حَقٍّ .","part":21,"page":439},{"id":10439,"text":"( 7843 ) فَصْلٌ : قَالَ أَحْمَدُ : وَالضِّيَافَةُ عَلَى كُلِّ الْمُسْلِمِينَ ، كُلُّ مَنْ نَزَلَ عَلَيْهِ ضَيْفٌ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يُضِيفَهُ .\rقِيلَ إنْ ضَافَ الرَّجُلَ ضَيْفٌ كَافِرٌ يُضِيفُهُ ؟ قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : لَيْلَةُ الضَّيْفِ حَقٌّ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ } .\rوَهَذَا الْحَدِيثُ بَيِّنٌ ، وَلَمَّا أَضَافَ الْمُشْرِكَ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُسْلِمَ وَالْمُشْرِكَ يُضَافُ ، وَأَنَا أَرَاهُ كَذَلِكَ .\rوَالضِّيَافَةُ مَعْنَاهَا مَعْنَى صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ عَلَى الْمُسْلِمِ وَالْكَافِرِ .\rوَالْيَوْمُ وَاللَّيْلَةُ حَقٌّ وَاجِبٌ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : ذَلِكَ مُسْتَحَبٌّ ، وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُضْطَرٍّ إلَى طَعَامِهِ ، فَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ بَذْلُهُ ، كَمَا لَوْ لَمْ يُضِفْهُ .\rوَلَنَا مَا رَوَى الْمِقْدَامُ أَبُو كَرِيمَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : لَيْلَةُ الضَّيْفِ حَقٌّ وَاجِبٌ ، فَإِنْ أَصْبَحَ بِفِنَائِهِ فَهُوَ دَيْنٌ عَلَيْهِ ، إنْ شَاءَ اقْتَضَى ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ } .\rحَدِيثٌ صَحِيحٌ .\rوَفِي لَفْظٍ { : أَيُّمَا رَجُلٍ ضَافَ قَوْمًا ، فَأَصْبَحَ الضَّيْفُ مَحْرُومًا ، فَإِنَّ نَصْرَهُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ حَقٌّ ، يَأْخُذُ بِحَقِّهِ مِنْ زَرْعِهِ وَمَالِهِ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَالْوَاجِبُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ ، وَالْكَمَالُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ ؛ لِمَا رَوَى أَبُو شُرَيْحٍ الْخُزَاعِيُّ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : الضِّيَافَةُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ ، وَجَائِزَتُهُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ ، وَلَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يُقِيمَ عِنْدَ أَخِيهِ حَتَّى يُؤْثِمَهُ .\rقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، كَيْفَ يُؤْثِمُهُ ؟ قَالَ : يُقِيمُ عِنْدَهُ وَلَيْسَ عِنْدَهُ مَا يَقْرِيهِ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rقَالَ أَحْمَدُ : جَائِزَتُهُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ \" كَأَنَّهُ أَوْكَدُ مِنْ سَائِرِ الثَّلَاثَةِ ، وَلَمْ يُرِدْ يَوْمًا وَلَيْلَةً سِوَى الثَّلَاثَةِ ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ ، وَقَدْ قَالَ : \" وَمَا زَادَ عَلَى الثَّلَاثَةِ ، فَهُوَ صَدَقَةٌ \" .\rفَإِنْ امْتَنَعَ مِنْ إضَافَتِهِ ، فَلِلضَّيْفِ بِقَدْرِ","part":21,"page":440},{"id":10440,"text":"ضِيَافَتِهِ .\rقَالَ أَحْمَدُ : لَهُ أَنْ يُطَالِبَهُمْ بِحَقِّهِ الَّذِي جَعَلَهُ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا يَأْخُذُ شَيْئًا إلَّا بِعِلْمِ أَهْلِهِ .\rوَعَنْهُ ، رِوَايَةٌ أُخْرَى ، أَنَّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مَا يَكْفِيهِ بِغَيْرِ إذْنِهِمْ ؛ لِمَا رَوَى عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ ، قَالَ : قُلْنَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنَّك تَبْعَثُنَا ، فَنَنْزِلُ بِقَوْمٍ لَا يَقْرُونَنَا .\rقَالَ { : إذَا نَزَلْتُمْ بِقَوْمٍ ، فَأَمَرُوا لَكُمْ بِمَا يَنْبَغِي لِلضَّيْفِ ، فَاقْبَلُوا ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا ، فَخُذُوا مِنْهُمْ حَقَّ الضَّيْفِ الَّذِي يَنْبَغِي لَهُمْ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَقَالَ أَحْمَدُ ، فِي تَفْسِيرِ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : فَلَهُ أَنْ يُعْقِبَهُمْ بِمِثْلِ قِرَاهُ } .\rيَعْنِي أَنْ يَأْخُذَ مِنْ أَرْضِهِمْ وَزَرْعِهِمْ وَضَرْعِهِمْ بِقَدْرِ مَا يَكْفِيهِ ، بِغَيْرِ إذْنِهِمْ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ ، رِوَايَةٌ أُخْرَى ، أَنَّ الضِّيَافَةَ عَلَى أَهْلِ الْقُرَى دُونَ أَهْلِ الْأَمْصَارِ .\rقَالَ الْأَثْرَمُ : سَمِعْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يُسْأَلُ عَنْ الضِّيَافَةِ ، أَيَّ شَيْءٍ تَذْهَبُ فِيهَا ؟ قَالَ هِيَ مُؤَكَّدَةٌ ، وَكَأَنَّهَا عَلَى أَهْلِ الطُّرُقِ وَالْقُرَى الَّذِينَ يَمُرُّ بِهِمْ النَّاسُ أَوْكَدُ ، فَأَمَّا مِثْلُنَا الْآنَ ، فَكَأَنَّهُ لَيْسَ مِثْلَ أُولَئِكَ .","part":21,"page":441},{"id":10441,"text":"( 7844 ) فَصْلٌ : قَالَ الْمَرُّوذِيُّ : سَأَلْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ، قُلْت : تَكْرَهُ الْخُبْزَ الْكِبَارَ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، أَكْرَهَهُ ، لَيْسَ فِيهِ بَرَكَةٌ ، إنَّمَا الْبَرَكَةُ فِي الصِّغَارِ .\rوَقَالَ : مُرْهُمْ أَنْ لَا يَخْبِزُوا كِبَارًا .\rقَالَ : رَأَيْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يَغْسِلُ يَدَيْهِ قَبْلَ الطَّعَامِ وَبَعْدَهُ ، وَإِنْ كَانَ عَلَى وُضُوءٍ .\rوَقَالَ مُهَنَّا : ذَكَرْت لِيَحْيَى بْنِ مَعِينٍ حَدِيثَ قَيْسِ بْنِ الرَّبِيعِ ، عَنْ أَبِي هَاشِمٍ ، عَنْ زَاذَانَ ، عَنْ سَلْمَانَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { : بَرَكَةُ الطَّعَامِ الْوُضُوءُ قَبْلَهُ وَبَعْدَهُ } .\rفَقَالَ لِي يَحْيَى : مَا أَحْسَنَ الْوُضُوءَ قَبْلَهُ وَبَعْدَهُ .\rوَذَكَرْت الْحَدِيثَ لِأَحْمَدَ فَقَالَ : مَا حَدَّثَ بِهَذَا إلَّا قَيْسُ بْنُ الرَّبِيعِ ، وَهُوَ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ .\rقُلْت : بَلَغَنِي عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ قَالَ : كَانَ سُفْيَانُ يَكْرَهُ غَسْلَ الْيَدِ عِنْدَ الطَّعَامِ ، لِمَ كَرِهَ سُفْيَانُ ذَلِكَ ؟ قَالَ : لِأَنَّهُ مِنْ زِيِّ الْعَجَمِ .\rقُلْت : بَلَغَنِي عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، قَالَ : كَانَ سُفْيَانُ يَكْرَهُ أَنْ يَكُونَ تَحْتَ الْقَصْعَةِ الرَّغِيفُ ، لِمَ كَرِهَهُ سُفْيَانُ ؟ قَالَ : كَرِهَ أَنْ يُسْتَعْمَلَ الطَّعَامُ .\rقُلْت : تَكْرَهُهُ أَنْتَ ؟ قَالَ : نَعَمْ .\rوَرُوِيَ عَنْ عَقِيلٍ ، قَالَ : حَضَرْت مَعَ ابْنِ شِهَابٍ وَلِيمَةً ، فَفَرَشُوا الْمَائِدَةَ بِالْخُبْزِ ، فَقَالَ : لَا تَتَّخِذُوا الْخُبْزَ بِسَاطًا .\rوَقَالَ الْمَرُّوذِيُّ : قُلْت لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ : إنَّ أَبَا مَعْمَرٍ قَالَ : إنَّ أَبَا أُسَامَةَ قَدَّمَ إلَيْهِمْ خُبْزًا ، فَكَسَرَهُ .\rقَالَ : هَذَا لِئَلَّا تَعْرِفُوا كَمْ تَأْكُلُونَ .\rوَقِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ : يُكْرَهُ الْأَكْلُ مُتَّكِئًا ؟ قَالَ : أَلَيْسَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : لَا آكُلُ مُتَّكِئًا } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَعَنْ شُعَيْبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : { مَا رُئِيَ رَسُولُ اللَّهِ يَأْكُلُ مُتَّكِئًا قَطُّ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَعَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ { : نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ","part":21,"page":442},{"id":10442,"text":"عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَأْكُلَ الرَّجُلُ وَهُوَ مُنْبَطِحٌ } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد .","part":21,"page":443},{"id":10443,"text":"( 7845 ) فَصْلٌ : وَتُسْتَحَبُّ التَّسْمِيَةُ عِنْدَ الطَّعَامِ ، وَحَمْدُ اللَّهِ عِنْدَ آخِرِهِ ؛ لِمَا رَوَى عُمَرُ بْنُ أَبِي مَسْلَمَةَ ، قَالَ : أَكَلْت مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجَالَتْ يَدِي فِي الْقَصْعَةِ ، فَقَالَ { : سَمِّ اللَّهَ ، وَكُلْ بِيَمِينِك ، وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ } .\rقَالَ فَمَازَالَتْ أَكْلَتِي بَعْدُ .\rرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ بِمَعْنَاهُ ، وَأَبُو دَاوُد .\rوَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : لَا أَعْلَمُهُ إلَّا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { لِلطَّاعِمِ الشَّاكِرِ مِثْلُ مَا لِلصَّائِمِ الصَّابِرِ } .\rقَالَ أَحْمَدُ : مَعْنَاهُ إذَا أَكَلَ وَشَرِبَ ، يَشْكُرُ اللَّهَ وَيَحْمَدُهُ عَلَى مَا رَزَقَهُ .\rوَعَنْ عَائِشَةَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { : إذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ ، فَإِنْ نَسِيَ أَنْ يَذْكُرَ اسْمَ اللَّهِ فِي أَوَّلِهِ ، فَلْيَقُلْ : بِاسْمِ اللَّهِ أَوَّلَهُ وَآخِرَهُ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَعَنْ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { مَنْ أَكَلَ طَعَامًا ، فَقَالَ : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَطْعَمَنِي هَذَا ، وَرَزَقَنِيهِ ، مِنْ غَيْرِ حَوْلٍ مِنِّي وَلَا قُوَّةٍ .\rغُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ } .\rوَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ ، قَالَ { : كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا أَكَلَ طَعَامًا قَالَ : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَطْعَمَنَا ، وَسَقَانَا ، وَجَعَلَنَا مُسْلِمِينَ } .\rوَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ { ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إذَا رُفِعَ طَعَامُهُ ، أَوْ مَا بَيْنَ يَدَيْهِ ، قَالَ : الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا كَثِيرًا مُبَارَكًا فِيهِ ، غَيْرَ مَكْفِيٍّ ، وَلَا مُوَدَّعٍ } .\rرَوَاهُنَّ ابْنُ مَاجَهْ ( 7846 ) فَصْلٌ : وَيَأْكُلُ بِيَمِينِهِ ، وَيَشْرَبُ بِهَا ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { إذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَأْكُلْ بِيَمِينِهِ ، وَإِذَا شَرِبَ فَلْيَشْرَبْ بِيَمِينِهِ ؛ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ","part":21,"page":444},{"id":10444,"text":"يَأْكُلُ بِشِمَالِهِ ، وَيَشْرَبُ بِشِمَالِهِ } .\rرَوَاهُ مُسْلِمٌ ، وَأَبُو دَاوُد ، وَابْنُ مَاجَهْ .\rوَيُسْتَحَبُّ الْأَكْلُ بِثَلَاثِ أَصَابِعَ ؛ لِمَا رَوَى كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ ، قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْكُلُ بِثَلَاثِ أَصَابِعَ ، وَلَا يَمْسَحُ يَدَهُ حَتَّى يَلْعَقَهَا .\rرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ .\rوَذُكِرَ لَهُ حَدِيثٌ تَرْوِيهِ ابْنَةُ الزُّهْرِيِّ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَأْكُلُ بِكَفِّهِ كُلِّهَا ، فَلَمْ يُصَحِّحْهُ ، وَلَمْ يَرَ إلَّا ثَلَاثَ أَصَابِعَ .\rوَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ أَكَلَ خَبِيصًا بِكَفِّهِ كُلِّهَا .\rوَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ ، أَنَّهُ كَانَ يَنْهَى بَنَاتَهُ أَنْ يَأْكُلْنَ بِثَلَاثِ أَصَابِعَ ، وَقَالَ : لَا تَشَبَّهْنَ بِالرِّجَالِ .","part":21,"page":445},{"id":10445,"text":"( 7847 ) فَصْلٌ : قَالَ مُهَنَّا : سَأَلْت أَحْمَدَ ، عَنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { لَا تَقْطَعُوا اللَّحْمَ بِالسِّكِّينِ ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ صَنِيعُ الْأَعَاجِمِ } .\rفَقَالَ : لَيْسَ بِصَحِيحٍ ، لَا نَعْرِفُ هَذَا .\rوَقَالَ : حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيِّ خِلَافُ هَذَا ، كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَحْتَزُّ مِنْ لَحْمِ الشَّاةِ ، فَقَامَ إلَى الصَّلَاةِ ، وَطَرَحَ السِّكِّينَ .\rوَحَدِيثُ مِسْعَرٍ ، عَنْ جَامِعِ بْنِ شَدَّادٍ ، عَنْ الْمُغِيرَةِ الْيَشْكُرِيِّ ، عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ { : ضِفْت بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَأَمَرَ بِجَنْبٍ فَشُوِيَ ، ثُمَّ أَخَذَ الشَّفْرَةَ ، فَجَعَلَ يَحُزُّ ، فَجَاءَ بِلَالٌ يُؤْذِنُهُ بِالصَّلَاةِ ، فَأَلْقَى الشَّفْرَةَ } .\rقَالَ : وَسَأَلْت أَحْمَدَ ، عَنْ حَدِيثِ أَبِي جُحَيْفَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { اُكْفُفْ جُشَاءَك يَا أَبَا جُحَيْفَةَ ، فَإِنَّ أَكْثَرَكُمْ شِبَعًا الْيَوْمَ أَكْثَرُكُمْ جُوعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ } .\rفَقَالَ هُوَ وَيَحْيَى جَمِيعًا : لَيْسَ بِصَحِيحٍ .\r( 7848 ) فَصْلٌ : وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : { لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْفُخُ فِي طَعَامٍ وَلَا شَرَابٍ ، وَلَا يَتَنَفَّسُ فِي الْإِنَاءِ } .\rوَعَنْ أَنَسٍ ، قَالَ : { مَا أَكَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى خِوَانٍ وَلَا فِي سُكْرُجَةٍ .\rقَالَ قَتَادَةُ : فَعَلَامَ كَانُوا يَأْكُلُونَ ؟ قَالَ : عَلَى السُّفَرِ } .\rوَعَنْ عَائِشَةَ { ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى أَنْ يُقَامَ عَلَى الطَّعَامِ حَتَّى يُرْفَعَ } .\rوَعَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إذَا وُضِعَتْ الْمَائِدَةُ ، فَلَا يَقُمْ رَجُلٌ حَتَّى تُرْفَعَ الْمَائِدَةُ ، وَلَا يَرْفَعُ يَدَهُ وَإِنْ شَبِعَ حَتَّى يَفْرُغَ الْقَوْمُ ، وَلْيُعْذِرْ فَإِنَّ الرَّجُلَ يُخْجِلُ جَلِيسَهُ ، فَيَقْبِضُ يَدَهُ ، وَعَسَى أَنْ يَكُونَ لَهُ فِي الطَّعَامِ حَاجَةٌ } .\rوَعَنْ","part":21,"page":446},{"id":10446,"text":"نُبَيْشَةَ ، قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : مَنْ أَكَلَ فِي قَصْعَةٍ ، فَلَحِسَهَا ، اسْتَغْفَرَتْ لَهُ الْقَصْعَةُ } .\rوَعَنْ جَابِرٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : لَا يَمْسَحْ أَحَدُكُمْ يَدَهُ حَتَّى يَلْعَقَهَا ، فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي فِي أَيِّ طَعَامِهِ الْبَرَكَةُ } .\rرَوَاهُنَّ ابْنُ مَاجَهْ .","part":21,"page":447},{"id":10447,"text":"( 7849 ) فَصْلٌ : وَسُئِلَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عَنْ غَسْلِ الْيَدِ بِالنُّخَالَةِ ؟ فَقَالَ : لَا بَأْسَ بِهِ ، نَحْنُ نَفْعَلُهُ .\rوَسُئِلَ عَنْ الرَّجُلِ يَأْتِي الْقَوْمَ ، وَهُمْ عَلَى طَعَامٍ ، فَجْأَةً لَمْ يُدْعَ إلَيْهِ ، فَلَمَّا دَخَلَ إلَيْهِمْ دَعَوْهُ ، هَلْ يَأْكُلُ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، وَمَا بَأْسٌ .\rوَسُئِلَ عَنْ حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { ، أَنَّهُ ادَّخَرَ لِأَهْلِهِ قُوتَ سَنَةٍ } .\rهُوَ صَحِيحٌ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، وَلَكِنَّهُمْ يَخْتَلِفُونَ فِي لَفْظِهِ .\r( 7850 ) فَصْلٌ : عَنْ أَنَسٍ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَاءَ إلَى سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ ، فَجَاءَ بِخُبْزٍ وَزَيْتٍ ، فَأَكَلَ ، ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَفْطَرَ عِنْدَكُمْ الصَّائِمُونَ ، وَأَكَلَ طَعَامَكُمْ الْأَبْرَارُ ، وَصَلَّتْ عَلَيْكُمْ الْمَلَائِكَةُ } .\rوَعَنْ جَابِرٍ ، قَالَ : { صَنَعَ أَبُو الْهَيْثَمِ بْنُ التَّيْهَانِ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَعَامًا ، فَدَعَا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابَهُ ، فَلَمَّا فَرَغُوا قَالَ : أَثِيبُوا أَخَاكُمْ } .\rقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَمَا إثَابَتُهُ ؟ قَالَ { : إنَّ الرَّجُلَ إذَا دُخِلَ بَيْتُهُ ، فَأُكِلَ طَعَامُهُ ، وَشُرِبَ شَرَابُهُ ، فَدَعَوْا لَهُ ، فَذَلِكَ إثَابَتُهُ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":21,"page":448},{"id":10448,"text":"كِتَابُ الْأَضَاحِيِّ : الْأَصْلُ فِي مَشْرُوعِيَّةِ الْأُضْحِيَّةِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ .\rأَمَّا الْكِتَابُ : فَقَوْلُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ : { فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ } .\rقَالَ بَعْضُ أَهْلِ التَّفْسِيرِ : الْمُرَادُ بِهِ الْأُضْحِيَّةُ بَعْدَ صَلَاةِ الْعِيدِ .\rوَأَمَّا السُّنَّةُ : فَمَا رَوَى أَنَسٌ ، قَالَ : { ضَحَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ أَقْرَنَيْنِ ذَبَحَهُمَا بِيَدِهِ ، وَسَمَّى ، وَكَبَّرَ ، وَوَضَعَ رِجْلَهُ عَلَى صِفَاحِهِمَا } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَالْأَمْلَحُ : الَّذِي فِيهِ بَيَاضٌ وَسَوَادٌ ، وَبَيَاضُهُ أَغْلَبُ .\rقَالَهُ الْكِسَائِيُّ .\rوَقَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ : هُوَ النَّقِيُّ الْبَيَاضِ .\rقَالَ الشَّاعِرُ : حَتَّى اكْتَسَى الرَّأْسُ قِنَاعًا أَشْيَبَا أَمْلَحَ لَا لُدَّا وَلَا مُحَبَّبَا وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الْأُضْحِيَّةِ .\r( 7851 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : وَالْأُضْحِيَّةُ سُنَّةٌ ، لَا يُسْتَحَبُّ تَرْكُهَا لِمَنْ يَقْدِرُ عَلَيْهَا ، أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ يَرَوْنَ الْأُضْحِيَّةَ سُنَّةً مُؤَكَّدَةً غَيْرَ وَاجِبَةٍ .\rرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَبِلَالٍ وَأَبِي مَسْعُودٍ الْبَدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، وَبِهِ قَالَ سُوَيْد بْنُ غَفَلَةَ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَعَلْقَمَةُ وَالْأَسْوَدُ وَعَطَاءٌ وَالشَّافِعِيُّ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ .\rوَقَالَ رَبِيعَةُ وَمَالِكٌ وَالثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَاللَّيْثُ وَأَبُو حَنِيفَةَ : هِيَ وَاجِبَةٌ ؛ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { مَنْ كَانَ لَهُ سَعَةٌ ، وَلَمْ يُضَحِّ ، فَلَا يَقْرَبَنَّ مُصَلَّانَا } .\rوَعَنْ مِخْنَفِ بْنِ سُلَيْمٍ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { : يَا أَيُّهَا النَّاسُ ، إنَّ عَلَى كُلِّ أَهْلِ بَيْتٍ ، فِي كُلِّ عَامٍ ، أَضْحَاةً وَعَتِيرَةً } .\rوَلَنَا مَا رَوَى الدَّارَقُطْنِيّ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { : ثَلَاثٌ كُتِبَتْ عَلَيَّ ، وَهُنَّ لَكُمْ تَطَوُّعٌ } .","part":21,"page":449},{"id":10449,"text":"وَفِي رِوَايَةٍ { : الْوِتْرُ ، وَالنَّحْرُ ، وَرَكْعَتَا الْفَجْرِ } .\rوَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { : مَنْ أَرَادَ أَنْ يُضَحِّيَ ، فَدَخَلَ الْعَشْرُ ، فَلَا يَأْخُذْ مِنْ شَعْرِهِ وَلَا بَشَرَتِهِ شَيْئًا } .\rرَوَاهُ مُسْلِمٌ .\rعَلَّقَهُ عَلَى الْإِرَادَةِ ، وَالْوَاجِبُ لَا يُعَلَّقُ عَلَى الْإِرَادَةِ ؛ وَلِأَنَّهَا ذَبِيحَةٌ لَمْ يَجِبْ تَفْرِيقُ لَحْمِهَا ، فَلَمْ تَكُنْ وَاجِبَةً ، كَالْعَقِيقَةِ ، فَأَمَّا حَدِيثُهُمْ فَقَدْ ضَعَّفَهُ أَصْحَابُ الْحَدِيثِ ، ثُمَّ نَحْمِلُهُ عَلَى تَأْكِيدِ الِاسْتِحْبَابِ ، كَمَا قَالَ { : غُسْلُ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ } .\rوَقَالَ { مَنْ أَكَلَ مِنْ هَاتَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ ، فَلَا يَقْرَبَنَّ مُصَلَّانَا } .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ ، فِي الْيَتِيمِ : يُضَحِّي عَنْهُ وَلِيُّهُ إذَا كَانَ مُوسِرًا .\rوَهَذَا عَلَى سَبِيلِ التَّوْسِعَةِ فِي يَوْمِ الْعِيدِ ، لَا عَلَى سَبِيلِ الْإِيجَابِ .\r( 7852 ) فَصْلٌ : وَالْأُضْحِيَّةُ أَفْضَلُ مِنْ الصَّدَقَةِ بِقِيمَتِهَا .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .\rوَبِهَذَا قَالَ رَبِيعَةُ وَأَبُو الزِّنَادِ .\rوَرُوِيَ عَنْ بِلَالٍ ، أَنَّهُ قَالَ : مَا أُبَالِي أَنْ لَا أُضَحِّيَ إلَّا بِدِيكٍ ، وَلَأَنْ أَضَعَهُ فِي يَتِيمٍ قَدْ تَرِبَ فُوهُ ، فَهُوَ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أُضَحِّيَ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّعْبِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ .\rوَقَالَتْ عَائِشَةُ : لَأَنْ أَتَصَدَّقَ بِخَاتَمِي هَذَا أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أُهْدِيَ إلَى الْبَيْتِ أَلْفًا .\rوَلَنَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضَحَّى وَالْخُلَفَاءَ بَعْدَهُ ، وَلَوْ عَلِمُوا أَنَّ الصَّدَقَةَ أَفْضَلُ ، لَعَدَلُوا إلَيْهَا .\rوَرَوَتْ عَائِشَةُ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { : مَا عَمِلَ ابْنُ آدَمَ يَوْمَ النَّحْرِ عَمَلًا أَحَبَّ إلَى اللَّهِ مِنْ إرَاقَةِ دَمٍ ، وَإِنَّهُ لَيُؤْتَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِقُرُونِهَا وَأَظْلَافِهَا وَأَشْعَارِهَا ، وَإِنَّ الدَّمَ لَيَقَعُ مِنْ اللَّهِ بِمَكَانٍ قَبْلَ أَنْ يَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ ، فَطِيبُوا بِهَا نَفْسًا } .\rرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ .\rوَلِأَنَّ إيثَارَ الصَّدَقَةِ عَلَى الْأُضْحِيَّةِ","part":21,"page":450},{"id":10450,"text":"يُفْضِي إلَى تَرْكِ سُنَّةٍ سَنَّهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rفَأَمَّا قَوْلُ عَائِشَةَ ، فَهُوَ فِي الْهَدْيِ دُونَ الْأُضْحِيَّةِ ، وَلَيْسَ الْخِلَافُ فِيهِ .","part":21,"page":451},{"id":10451,"text":"( 7853 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُضَحِّيَ ، فَدَخَلَ الْعَشْرُ ، فَلَا يَأْخُذْ مِنْ شَعْرِهِ وَلَا بَشَرَتِهِ شَيْئًا ) ظَاهِرُ هَذَا تَحْرِيمُ قَصِّ الشَّعْرِ .\rوَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِنَا .\rوَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ أَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ .\rوَقَالَ الْقَاضِي ، وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا : هُوَ مَكْرُوهٌ ، غَيْرُ مُحَرَّمٍ .\rوَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ ؛ لِقَوْلِ عَائِشَةَ : كُنْت أَفْتِلُ قَلَائِدَ هَدْيِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ يُقَلِّدُهَا بِيَدِهِ ، ثُمَّ يَبْعَثُ بِهَا ، وَلَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ شَيْءٌ أَحَلَّهُ اللَّهُ لَهُ ، حَتَّى يَنْحَرَ الْهَدْيَ .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يُكْرَهُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ الْوَطْءُ وَاللِّبَاسُ ، فَلَا يُكْرَهُ لَهُ حَلْقُ الشَّعْرِ ، وَتَقْلِيمُ الْأَظْفَارِ ، كَمَا لَوْ لَمْ يُرِدْ أَنْ يُضَحِّيَ .\rوَلَنَا مَا رَوَتْ أُمُّ سَلَمَةَ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { إذَا دَخَلَ الْعَشْرُ ، وَأَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يُضَحِّيَ ، فَلَا يَأْخُذْ مِنْ شَعْرِهِ وَلَا مِنْ أَظْفَارِهِ شَيْئًا ، حَتَّى يُضَحِّيَ } .\rرَوَاهُ مُسْلِمٌ وَمُقْتَضَى النَّهْيِ التَّحْرِيمُ ، وَهَذَا يَرُدُّ الْقِيَاسَ وَيُبْطِلُهُ ، وَحَدِيثُهُمْ عَامٌّ ، وَهَذَا خَاصٌّ يَجِبُ تَقْدِيمُهُ ، بِتَنْزِيلِ الْعَامِّ عَلَى مَا عَدَا مَا تَنَاوَلَهُ الْحَدِيثُ الْخَاصُّ ؛ وَلِأَنَّهُ يَجِبُ حَمْلُ حَدِيثِهِمْ عَلَى غَيْرِ مَحَلِّ النِّزَاعِ لِوُجُوهٍ ؛ مِنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ لِيَفْعَلَ مَا نَهَى عَنْهُ وَإِنْ كَانَ مَكْرُوهًا ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى إخْبَارًا عَنْ شُعَيْبٍ { : وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ } .\rوَلِأَنَّ أَقَلَّ أَحْوَالِ النَّهْيِ أَنْ يَكُونَ مَكْرُوهًا ، وَلَمْ يَكُنْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيَفْعَلَهُ ، فَيَتَعَيَّنُ حَمْلُ مَا فَعَلَهُ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ عَلَى غَيْرِهِ ؛ وَلِأَنَّ عَائِشَةَ تَعْلَمُ ظَاهِرًا مَا يُبَاشِرُهَا بِهِ مِنْ","part":21,"page":452},{"id":10452,"text":"الْمُبَاشَرَةِ ، أَوْ مَا يَفْعَلُهُ دَائِمًا ، كَاللِّبَاسِ وَالطِّيبِ ، فَأَمَّا مَا يَفْعَلُهُ نَادِرًا ، كَقَصِّ الشَّعْرِ ، وَقَلْمِ الْأَظْفَارِ ، مِمَّا لَا يَفْعَلُهُ فِي الْأَيَّامِ إلَّا مَرَّةً ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهَا لَمْ تُرِدْهُ بِخَبَرِهَا ، وَإِنْ احْتَمَلَ إرَادَتَهَا إيَّاهُ ، فَهُوَ احْتِمَالٌ بَعِيدٌ ، وَمَا كَانَ هَكَذَا ، فَاحْتِمَالُ تَخْصِيصِهِ قَرِيبٌ ، فَيَكْفِي فِيهِ أَدْنَى دَلِيلٍ ، وَخَبَرُنَا دَلِيلٌ قَوِيٌّ ، فَكَانَ أَوْلَى بِالتَّخْصِيصِ ؛ وَلِأَنَّ عَائِشَةَ تُخْبِرُ عَنْ فِعْلِهِ وَأُمَّ سَلَمَةَ عَنْ قَوْلِهِ ، وَالْقَوْلُ يُقَدَّمُ عَلَى الْفِعْلِ ؛ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ فِعْلُهُ خَاصًّا لَهُ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّهُ يَتْرُكُ قَطْعَ الشَّعْرِ وَتَقْلِيمَ الْأَظْفَارِ ، فَإِنْ فَعَلَ اسْتَغْفَرَ اللَّهَ تَعَالَى .\rوَلَا فِدْيَةَ فِيهِ إجْمَاعًا ، سَوَاءٌ فَعَلَهُ عَمْدًا أَوْ نِسْيَانًا .","part":21,"page":453},{"id":10453,"text":"( 7854 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَتُجْزِئُ الْبَدَنَةُ عَنْ سَبْعَةٍ ، وَكَذَلِكَ الْبَقَرَةُ ) وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عُمَرَ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ وَطَاوُسٌ وَسَالِمٌ وَالْحَسَنُ وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ وَالثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَعَنْ عُمَرَ ، أَنَّهُ قَالَ : لَا تُجْزِئُ نَفْسٌ وَاحِدَةٌ عَنْ سَبْعَةٍ .\rوَنَحْوُهُ قَوْلُ مَالِكٍ .\rقَالَ أَحْمَدُ : مَا عَلِمْت أَحَدًا إلَّا يُرَخِّصُ فِي ذَلِكَ ، إلَّا ابْنَ عُمَرَ .\rوَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، أَنَّ الْجَزُورَ عَنْ عَشَرَةٍ ، وَالْبَقَرَةَ عَنْ سَبْعَةٍ .\rوَبِهِ قَالَ إِسْحَاقُ ؛ لِمَا رَوَى رَافِعٌ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَسَمَ فَعَدَلَ عَشَرَةً مِنْ الْغَنَمِ بِبَعِيرٍ .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ ، فَحَضَرَ الْأَضْحَى ، فَاشْتَرَكْنَا فِي الْجَزُورِ عَنْ عَشَرَةٍ ، وَالْبَقَرَةِ عَنْ سَبْعَةٍ .\rرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ .\rوَلَنَا مَا رَوَى جَابِرٌ ، قَالَ : نَحَرْنَا بِالْحُدَيْبِيَةِ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْبَدَنَةَ عَنْ سَبْعَةٍ ، وَالْبَقَرَةَ عَنْ سَبْعَةٍ .\rوَقَالَ أَيْضًا : كُنَّا نَتَمَتَّعُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَذْبَحُ الْبَقَرَةَ عَنْ سَبْعَةٍ ، نَشْتَرِكُ فِيهَا .\rرَوَاهُ مُسْلِمٌ .\rوَهَذَانِ أَصَحُّ مِنْ حَدِيثِهِمْ .\rوَأَمَّا حَدِيثُ رَافِعٍ ، فَهُوَ فِي الْقِسْمَةِ ، لَا فِي الْأُضْحِيَّةِ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَسَوَاءٌ كَانَ الْمُشْتَرِكُونَ مِنْ أَهْلِ بَيْتٍ ، أَوْ لَمْ يَكُونُوا ، مُفْتَرِضِينَ أَوْ مُتَطَوِّعِينَ أَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ يُرِيدُ الْقُرْبَةَ وَبَعْضُهُمْ يُرِيدُ اللَّحْمَ ؛ لِأَنَّ كُلَّ إنْسَانٍ مِنْهُمْ إنَّمَا يُجْزِئُ عَنْهُ نَصِيبُهُ ، فَلَا تَضُرُّهُ نِيَّةُ غَيْرِهِ فِي عُشْرِهِ .","part":21,"page":454},{"id":10454,"text":"( 7855 ) فَصْلٌ : وَلَا بَأْسَ أَنْ يَذْبَحَ الرَّجُلُ عَنْ أَهْلِ بَيْتِهِ شَاةً وَاحِدَةً ، أَوْ بَقَرَةً أَوْ بَدَنَةً .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .\rوَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَاللَّيْثُ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَإِسْحَاقُ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ .\rقَالَ صَالِحٌ : قُلْت لِأَبِي : يُضَحَّى بِالشَّاةِ عَنْ أَهْلِ الْبَيْتِ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، لَا بَأْسَ ، قَدْ ذَبَحَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَبْشَيْنِ ، فَقَرَّبَ أَحَدَهُمَا ، فَقَالَ : { بِسْمِ اللَّهِ ، اللَّهُمَّ هَذَا عَنْ مُحَمَّدٍ وَأَهْلِ بَيْتِهِ } .\rوَقَرَّبَ الْآخَرَ ، فَقَالَ { : بِسْمِ اللَّهِ ، اللَّهُمَّ هَذَا مِنْك وَلَك ، عَمَّنْ وَحَّدَك مِنْ أُمَّتِي } .\rوَحُكِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّهُ كَانَ يُضَحِّي بِالشَّاةِ ، فَتَجِيءُ ابْنَتُهُ ، فَتَقُولُ : عَنِّي ؟ فَيَقُولُ : وَعَنْك .\rوَكَرِهَ ذَلِكَ الثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّ الشَّاةَ لَا تُجْزِئُ عَنْ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ ، فَإِذَا اشْتَرَكَ فِيهَا اثْنَانِ ، لَمْ تُجْزِ عَنْهُمَا ، كَالْأَجْنَبِيَّيْنِ .\rوَلَنَا مَا رَوَى مُسْلِمٌ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَائِشَةَ { ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُتِيَ بِكَبْشٍ لِيُضَحِّيَ بِهِ ، فَأَضْجَعَهُ ، ثُمَّ ذَبَحَهُ ، ثُمَّ قَالَ : بِسْمِ اللَّهِ ، اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنْ مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ } .\rوَعَنْ جَابِرٍ ، قَالَ { ذَبَحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الذَّبْحِ كَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ أَقْرَنَيْنِ ، فَلَمَّا وَجَّهَهُمَا قَالَ : وَجَّهْت وَجْهِي لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ ، عَلَى مِلَّةِ ، إبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ، مُسْلِمًا ، وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ ، إنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ، لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْت وَأَنَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ ، اللَّهُمَّ مِنْك وَلَك ، عَنْ مُحَمَّدٍ وَأُمَّتِهِ ، بِسْمِ اللَّهِ ، وَاَللَّهُ أَكْبَرُ .\rثُمَّ ذَبَحَ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ ، قَالَ { : كَانَ الرَّجُلُ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُضَحِّي بِالشَّاةِ","part":21,"page":455},{"id":10455,"text":"عَنْهُ وَعَنْ أَهْلِ بَيْتِهِ ، فَيَأْكُلُونَ ، وَيُطْعِمُونَ النَّاسَ } .\rحَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ .\r( 7856 ) فَصْلٌ : وَأَفْضَلُ الْأَضَاحِيِّ الْبَدَنَةُ ، ثُمَّ الْبَقَرَةُ ، ثُمَّ الشَّاةُ ، ثُمَّ شِرْكٌ فِي بَقَرَةٍ .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : الْأَفْضَلُ الْجَذَعُ مِنْ الضَّأْنِ ، ثُمَّ الْبَقَرَةُ ، ثُمَّ الْبَدَنَةُ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضَحَّى بِكَبْشَيْنِ ، وَلَا يَفْعَلُ إلَّا الْأَفْضَلَ ، وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ خَيْرًا مِنْهُ لَفَدَى بِهِ إِسْحَاقَ .\rوَلَنَا قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { فِي الْجُمُعَةِ : مَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الْأُولَى ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً ، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةً ، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ كَبْشًا ، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الرَّابِعَةِ ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ دَجَاجَةً ، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الْخَامِسَةِ ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَيْضَةً } .\rوَلِأَنَّهُ ذَبْحٌ يَتَقَرَّبُ بِهِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى ، فَكَانَتْ الْبَدَنَةُ فِيهِ أَفْضَلَ ، كَالْهَدْيِ فَإِنَّهُ قَدْ سَلَّمَهُ ؛ وَلِأَنَّهَا أَكْثَرُ ثَمَنًا وَلَحْمًا وَأَنْفَعُ ، فَأَمَّا التَّضْحِيَةُ بِالْكَبْشِ ؛ فَلِأَنَّهُ أَفْضَلُ أَجْنَاسِ الْغَنَمِ ، وَكَذَلِكَ حُصُولُ الْفِدَاءِ بِهِ أَفْضَلُ ، وَالشَّاةُ أَفْضَلُ مِنْ شِرْكٍ فِي بَدَنَةٍ ؛ لِأَنَّ إرَاقَةَ الدَّمِ مَقْصُودَةٌ فِي الْأُضْحِيَّةِ ، وَالْمُنْفَرِدُ يَتَقَرَّبُ بِإِرَاقَتِهِ كُلِّهِ .\rوَالْكَبْشُ أَفْضَلُ الْغَنَمِ ؛ لِأَنَّهُ أُضْحِيَّةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ أَطْيَبُ لَحْمًا .\rوَذَكَرَ الْقَاضِي ، أَنَّ جَذَعَ الضَّأْنِ أَفْضَلُ مِنْ ثَنِيِّ الْمَعْزِ ؛ لِذَلِكَ ، وَلِأَنَّهُ يُرْوَى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ { : نِعْمَ الْأُضْحِيَّةُ الْجَذَعُ مِنْ الضَّأْنِ } .\rوَهُوَ حَدِيثٌ غَرِيبٌ وَيَحْتَمِلُ أَنَّ الثَّنِيَّ أَفْضَلُ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا تَذْبَحُوا إلَّا مُسِنَّةً ، فَإِنْ عَسِرَ","part":21,"page":456},{"id":10456,"text":"عَلَيْكُمْ ، فَاذْبَحُوا الْجَذَعَ مِنْ الضَّأْنِ } .\rرَوَاهُ مُسْلِمٌ ، وَأَبُو دَاوُد .\rوَهَذَا يَدُلُّ عَلَى فَضْلِ الثَّنِيِّ عَلَى الْجَذَعِ ؛ لِكَوْنِهِ جَعَلَ الثَّنِيَّ أَصْلًا وَالْجَذَعَ بَدَلًا ، لَا يُنْتَقَلُ إلَيْهِ إلَّا عِنْدَ عَدَمِ الثَّنِيِّ .","part":21,"page":457},{"id":10457,"text":"( 7857 ) فَصْلٌ : وَيُسَنُّ اسْتِسْمَانُ الْأُضْحِيَّةِ وَاسْتِحْسَانُهَا ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ } .\rقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : تَعْظِيمُهَا اسْتِسْمَانُهَا وَاسْتِعْظَامُهَا وَاسْتِحْسَانُهَا .\rوَلِأَنَّ ذَلِكَ أَعْظَمُ لِأَجْرِهَا ، وَأَكْثَرُ لِنَفْعِهَا .\rوَالْأَفْضَلُ فِي الْأُضْحِيَّةِ مِنْ الْغَنَمِ فِي لَوْنِهَا الْبَيَاضُ ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ مَوْلَاةِ أَبِي وَرَقَةَ بْنِ سَعِيدٍ ، قَالَتْ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : دَمُ عَفْرَاءَ ، أَزْكَى عِنْدَ اللَّهِ مِنْ دَمِ سَوْدَاوَيْنِ } .\rرَوَاهُ أَحْمَدُ بِمَعْنَاهُ .\rوَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : دَمُ بَيْضَاءَ ، أَحَبُّ إلَى اللَّهِ مِنْ دَمِ سَوْدَاوَيْنِ .\rوَلِأَنَّهُ لَوْنُ أُضْحِيَّةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ مَا كَانَ أَحْسَنَ لَوْنًا ، فَهُوَ أَفْضَلُ .","part":21,"page":458},{"id":10458,"text":"( 7858 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَلَا يُجْزِئُ إلَّا الْجَذَعُ مِنْ الضَّأْنِ ، وَالثَّنِيُّ مِنْ غَيْرِهِ ) وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ وَاللَّيْثُ وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَقَالَ ابْنُ عُمَرَ ، وَالزُّهْرِيُّ : لَا يُجْزِئُ الْجَذَعُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُجْزِئُ مِنْ غَيْرِ الضَّأْنِ ، فَلَا يُجْزِئُ مِنْهُ كَالْحَمَلِ ، وَعَنْ عَطَاءٍ وَالْأَوْزَاعِيِّ فَلَا يُجْزِئُ الْجَذَعُ مِنْ جَمِيعِ الْأَجْنَاسِ ؛ لِمَا رَوَى مُجَاشِعُ بْنُ سُلَيْمٍ ، قَالَ سَمِعْت النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : { إنَّ الْجَذَعَ يُوفِي مِمَّا يُوفِي مِنْهُ الثَّنِيُّ } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَالنَّسَائِيُّ ، .\rوَلَنَا عَلَى أَنَّ الْجَذَعَ مِنْ الضَّأْنِ يُجْزِئُ ، حَدِيثُ مُجَاشِعٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَغَيْرِهِمَا ، وَعَلَى أَنَّ الْجَذَعَةَ مِنْ غَيْرِهَا لَا تُجْزِئُ ، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : لَا تَذْبَحُوا إلَّا مُسِنَّةً ، فَإِنْ عَسِرَ عَلَيْكُمْ ، فَاذْبَحُوا الْجَذَعَ مِنْ الضَّأْنِ } .\rوَقَالَ أَبُو بُرْدَةَ بْنُ نِيَارٍ { : عِنْدِي جَذَعَةٌ ، أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ شَاتَيْنِ ، فَهَلْ تُجْزِئُ عَنِّي ؟ قَالَ : نَعَمْ ، وَلَا تُجْزِئُ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَك } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَحَدِيثُهُمْ مَحْمُولٌ عَلَى الْجَذَعِ مِنْ الضَّأْنِ لِمَا ذَكَرْنَا .\rقَالَ إبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ : إنَّمَا يُجْزِئُ الْجَذَعُ مِنْ الضَّأْنِ ؛ لِأَنَّهُ يَنْزُو فَيُلَقِّحُ ، فَإِذَا كَانَ مِنْ الْمَعْزِ لَمْ يُلَقِّحْ حَتَّى يَكُونَ ثَنِيًّا .\r( 7859 ) فَصْلٌ : وَلَا يُجْزِئُ فِي الْأُضْحِيَّةِ غَيْرُ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ ، وَإِنْ كَانَ أَحَدُ أَبَوَيْهِ وَحْشِيًّا ، لَمْ يُجْزِئْ أَيْضًا .\rوَحُكِيَ عَنْ الْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ أَنَّ بَقَرَةَ الْوَحْشِ تُجْزِئُ عَنْ سَبْعَةٍ ، وَالظَّبْيَ عَنْ وَاحِدٍ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ : وَلَدُ الْبَقَرِ الْإِنْسِيَّةِ يُجْزِئُ ، وَإِنْ كَانَ أَبُوهُ وَحْشِيًّا .\rوَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ : يُجْزِئُ إذَا كَانَ مَنْسُوبًا إلَى بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ .\rوَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى { : لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ","part":21,"page":459},{"id":10459,"text":"الْأَنْعَامِ } .\rوَهِيَ الْإِبِلُ وَالْبَقَرُ وَالْغَنَمُ .\rوَعَلَى أَصْحَابِ الرَّأْيِ ، أَنَّهُ مُتَوَلِّدٌ مِنْ بَيْنِ مَا يُجْزِئُ وَمَا لَا يُجْزِئُ ، فَلَمْ يُجْزِئْ ، كَمَا لَوْ كَانَتْ الْأُمُّ وَحْشِيَّةً .","part":21,"page":460},{"id":10460,"text":"( 7860 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَالْجَذَعُ مِنْ الضَّأْنِ مَا لَهُ سِتَّةُ أَشْهُرٍ ، وَدَخَلَ فِي السَّابِعِ ) قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ : وَسَمِعْت أَبِي يَقُولُ : سَأَلْت بَعْضَ أَهْلِ الْبَادِيَةِ : كَيْفَ تَعْرِفُونَ الضَّأْنَ إذَا أَجْذَعَ ؟ قَالَ : لَا تَزَالُ الصُّوفَةُ قَائِمَةً عَلَى ظَهْرِهِ مَادَامَ حَمَلًا ، فَإِذَا نَامَتْ الصُّوفَةُ عَلَى ظَهْرِهِ ، عُلِمَ أَنَّهُ قَدْ أَجْذَعَ .\rوَثَنِيُّ الْمَعْزِ إذَا تَمَّتْ لَهُ سَنَةٌ وَدَخَلَ فِي الثَّانِيَةِ ، وَالْبَقَرَةُ إذَا صَارَ لَهَا سَنَتَانِ وَدَخَلَتْ فِي الثَّالِثَةِ ، وَالْإِبِلُ إذَا كَمَلَ لَهَا خَمْسُ سِنِينَ وَدَخَلَتْ فِي السَّادِسَةِ .\rقَالَ الْأَصْمَعِيُّ أَبُو زِيَادٍ الْكِلَابِيُّ ، وَأَبُو زَيْدٍ الْأَنْصَارِيُّ : إذَا مَضَتْ السَّنَةُ الْخَامِسَةُ عَلَى الْبَعِيرِ ، وَدَخَلَ فِي السَّادِسَةِ ، وَأَلْقَى ثَنِيَّتَهُ ، فَهُوَ حِينَئِذٍ ثَنِيٌّ ، وَنَرَى إنَّمَا سُمِّيَ ثَنِيًّا ؛ لِأَنَّهُ أَلْقَى ثَنِيَّتَهُ .\rوَأَمَّا الْبَقَرَةُ : فَهِيَ الَّتِي لَهَا سَنَتَانِ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { لَا تَذْبَحُوا إلَّا مُسِنَّةً } .\rوَمُسِنَّةُ الْبَقَرِ الَّتِي لَهَا سَنَتَانِ .\rوَقَالَ وَكِيعٌ : الْجَذَعُ مِنْ الضَّأْنِ يَكُونُ ابْنَ سَبْعَةِ أَوْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ .","part":21,"page":461},{"id":10461,"text":"( 7861 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَيُجْتَنَبُ فِي الضَّحَايَا الْعَوْرَاءُ الْبَيِّنُ عَوَرُهَا ، وَالْعَجْفَاءُ الَّتِي لَا تُنْقِي ، وَالْعَرْجَاءُ الْبَيِّنُ عَرَجُهَا ، وَالْمَرِيضَةُ الَّتِي لَا يُرْجَى بُرْؤُهَا ، وَالْعَضْبَاءُ ، وَالْعَضَبُ ذَهَابُ أَكْثَرِ مِنْ نِصْفِ الْأُذُنِ أَوْ الْقَرْنِ ) أَمَّا الْعُيُوبُ الْأَرْبَعَةُ الْأُوَلُ ، فَلَا نَعْلَمُ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ خِلَافًا فِي أَنَّهَا تَمْنَعُ الْإِجْزَاءَ ؛ لِمَا رَوَى الْبَرَاءُ قَالَ : قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ { : أَرْبَعٌ لَا تَجُوزُ فِي الْأَضَاحِيِّ ؛ الْعَوْرَاءُ الْبَيِّنُ عَوَرُهَا ، وَالْمَرِيضَةُ الْبَيِّنُ مَرَضُهَا ، وَالْعَرْجَاءُ الْبَيِّنُ ظَلْعُهَا وَالْعَجْفَاءُ الَّتِي لَا تُنْقِي } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَالنَّسَائِيُّ .\rوَمَعْنَى الْعَوْرَاءِ الْبَيِّنِ عَوَرُهَا ، الَّتِي قَدْ انْخَسَفَتْ عَيْنُهَا ، وَذَهَبَتْ ؛ لِأَنَّهَا قَدْ ذَهَبَتْ عَيْنُهَا ، وَالْعَيْنُ عُضْوٌ مُسْتَطَابٌ ، فَإِنْ كَانَ عَلَى عَيْنِهَا بَيَاضٌ وَلَمْ تَذْهَبْ ، جَازَتْ التَّضْحِيَةُ بِهَا ؛ لِأَنَّ عَوَرَهَا لَيْسَ بِبَيِّنٍ ، وَلَا يَنْقُصُ ذَلِكَ لَحْمَهَا .\rوَالْعَجْفَاءُ الْمَهْزُولَةُ الَّتِي لَا تُنْقِي ، هِيَ الَّتِي لَا مُخَّ لَهَا فِي عِظَامِهَا ؛ لِهُزَالِهَا ، وَالنِّقْيُ : الْمُخُّ ، قَالَ الشَّاعِرُ : لَا يَشْتَكِينَ عَمَلًا مَا أَنْقَيْنَ مَا دَامَ مُخٌّ فِي سُلَامَى أَوْ عَيْن فَهَذِهِ لَا تُجْزِئُ ؛ لِأَنَّهَا لَا لَحْمَ فِيهَا ، إنَّمَا هِيَ عِظَامٌ مُجْتَمِعَةٌ .\rوَأَمَّا الْعَرْجَاءُ الْبَيِّنُ عَرَجُهَا : فَهِيَ الَّتِي بِهَا عَرَجٌ فَاحِشٌ ، وَذَلِكَ يَمْنَعُهَا مِنْ اللِّحَاقِ بِالْغَنَمِ فَتَسْبِقُهَا إلَى الْكَلَإِ فَيَرْعَيْنَهُ وَلَا تُدْرِكُهُنَّ ، فَيَنْقُصُ لَحْمُهَا ، فَإِنْ كَانَ عَرَجًا يَسِيرًا لَا يُفْضِي بِهَا إلَى ذَلِكَ ، أَجْزَأَتْ .\rوَأَمَّا الْمَرِيضَةُ الَّتِي لَا يُرْجَى بُرْؤُهَا : فَهِيَ الَّتِي بِهَا مَرَضٌ قَدْ يَئِسَ مِنْ زَوَالِهِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَنْقُصُ لَحْمَهَا وَقِيمَتَهَا نَقْصًا كَبِيرًا ، وَاَلَّذِي فِي الْحَدِيثِ الْمَرِيضَةُ الْبَيِّنُ مَرَضُهَا ، وَهِيَ الَّتِي يَبِينُ أَثَرُهُ عَلَيْهَا ؛","part":21,"page":462},{"id":10462,"text":"لِأَنَّ ذَلِكَ يَنْقُصُ لَحْمَهَا وَيُفْسِدُهُ ، وَهُوَ أَصَحُّ .\rوَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمَرِيضَةِ الْجَرْبَاءُ ؛ لِأَنَّ الْجَرَبَ يُفْسِدُ اللَّحْمَ وَيُهْزِلُ إذَا كَثُرَ .\rوَهَذَا قَوْلُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ .\rوَهَذَا تَقْيِيدٌ لِلْمُطْلَقِ ، وَتَخْصِيصٌ لِلْعُمُومِ بِلَا دَلِيلٍ ، وَالْمَعْنَى يَقْتَضِي الْعُمُومَ كَمَا يَقْتَضِيهِ اللَّفْظُ ، فَإِنْ كَانَ الْمَرَضُ يُفْسِدُ اللَّحْمَ وَيَنْقُصُهُ ، فَلَا مَعْنَى لِلتَّخْصِيصِ مَعَ عُمُومِ اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى .\rوَأَمَّا الْعَضَبُ : فَهُوَ ذَهَابُ أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ الْأُذُنِ أَوْ الْقَرْنِ ، وَذَلِكَ يَمْنَعُ الْإِجْزَاءَ أَيْضًا .\rوَبِهِ قَالَ النَّخَعِيُّ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ : تُجْزِئُ مَكْسُورَةُ الْقَرْنِ .\rوَرُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ وَعُمَرَ وَعَمَّارٍ وَابْنِ الْمُسَيِّبِ وَالْحَسَنِ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : إنْ كَانَ قَرْنُهَا يَدْمَى ، لَمْ يَجُزْ ، وَإِلَّا جَازَ .\rوَقَالَ عَطَاءٌ وَمَالِكٌ : إذَا ذَهَبَتْ الْأُذُنُ كُلُّهَا ، لَمْ يَجُزْ ، وَإِنْ ذَهَبَ يَسِيرٌ ، جَازَ .\rوَاحْتَجُّوا بِأَنَّ قَوْلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : أَرْبَعٌ لَا تَجُوزُ فِي الْأَضَاحِيِّ } .\rيَدُلُّ عَلَى أَنَّ غَيْرَهُ يُجْزِئُ ؛ وَلِأَنَّ فِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ فَيْرُوزَ ، قَالَ : قُلْت لِلْبَرَاءِ فَإِنِّي أَكْرَهُ النَّقْصَ مِنْ الْقَرْنِ وَمِنْ الذَّنَبِ .\rفَقَالَ : اكْرَهْ لِنَفْسِك مَا شِئْت ، وَإِيَّاكَ أَنْ تُضَيِّقَ عَلَى النَّاسِ .\rوَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ اللَّحْمُ ، وَلَا يُؤَثِّرُ ذَهَابُ ذَلِكَ فِيهِ .\rوَلَنَا مَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ { نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُضَحَّى بِأَعْضَبِ الْقَرْنِ وَالْأُذُنِ .\r} قَالَ قَتَادَةُ : فَسَأَلْت سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ ، فَقَالَ : نَعَمْ ، الْعَضَبُ النِّصْفُ فَأَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ .\rرَوَاهُ الشَّافِعِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ وَعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ { : أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ نَسْتَشْرِفَ الْعَيْنَ وَالْأُذُنَ } .\rرَوَاهُ أَبُو","part":21,"page":463},{"id":10463,"text":"دَاوُد ، وَالنَّسَائِيُّ .\rوَهَذَا مَنْطُوقٌ يُقَدَّمُ عَلَى الْمَفْهُومِ .\r( 7862 ) فَصْلٌ : وَلَا تُجْزِئُ الْعَمْيَاءُ ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ عَنْ الْعَوْرَاءِ تَنْبِيهٌ عَلَى الْعَمْيَاءِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَمَاهَا بَيِّنًا ؛ لِأَنَّ الْعَمَى يَمْنَعُ مَشْيَهَا مَعَ الْغَنَمِ ، وَمُشَارَكَتَهَا فِي الْعَلَفِ .\rوَلَا تُجْزِئُ مَا قُطِعَ مِنْهَا عُضْوٌ ، كَالْأَلْيَةِ وَالْأَطْبَاءِ ؛ لِأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ ، قَالَ : لَا تَجُوزُ الْعَجْفَاءُ ، وَلَا الْجَدَّاءُ .\rقَالَ أَحْمَدُ : هِيَ الَّتِي قَدْ يَبِسَ ضَرْعُهَا .\rوَلِأَنَّ ذَلِكَ أَبْلَغُ فِي الْإِخْلَالِ بِالْمَقْصُودِ مِنْ ذَهَابِ شَحْمَةِ الْعَيْنِ .","part":21,"page":464},{"id":10464,"text":"( 7863 ) فَصْلٌ : وَيُجْزِئُ الْخَصِيُّ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضَحَّى بِكَبْشَيْنِ مَوْجُوءَيْنِ وَالْوَجَأُ رَضُّ الْخُصْيَتَيْنِ ، وَمَا قُطِعَتْ خُصْيَتَاهُ أَوْ شَلَّتَا ، فَهُوَ كَالْمَوْجُوءِ ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَاهُ ؛ وَلِأَنَّ الْخِصَاءَ ذَهَابُ عُضْوٍ غَيْرِ مُسْتَطَابٍ ، يَطِيبُ اللَّحْمُ بِذَهَابِهِ ، وَيَكْثُرُ وَيَسْمَنُ .\rقَالَ الشَّعْبِيُّ : مَا زَادَ فِي لَحْمِهِ وَشَحْمِهِ أَكْثَرُ مِمَّا ذَهَبَ مِنْهُ .\rوَبِهَذَا قَالَ الْحَسَنُ وَعَطَاءٌ وَالشَّعْبِيُّ وَالنَّخَعِيُّ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَلَا نَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا .\r( 7864 ) فَصْلٌ : وَتُجْزِئُ الْجَمَّاءُ ، وَهِيَ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ لَهَا قَرْنٌ ، وَالصَّمْعَاءُ ، وَهِيَ الصَّغِيرَةُ الْأُذُنِ ، وَالْبَتْرَاءُ ، وَهِيَ الَّتِي لَا ذَنَبَ لَهَا ، سَوَاءٌ كَانَ خِلْقَةً أَوْ مَقْطُوعًا .\rوَمِمَّنْ لَمْ يَرَ بَأْسًا بِالْبَتْرَاءِ ابْنُ عُمَرَ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَالْحَسَنُ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَالنَّخَعِيُّ وَالْحَكَمُ .\rوَكَرِهَ اللَّيْثُ أَنْ يُضَحَّى بِالْبَتْرَاءِ مَا فَوْقَ الْقَصَبَةِ .\rوَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ : لَا تَجُوزُ التَّضْحِيَةُ بِالْجَمَّاءِ ؛ لِأَنَّ ذَهَابَ أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ الْقَرْنِ يَمْنَعُ ، فَذَهَابُ جَمِيعِهِ أَوْلَى ؛ وَلِأَنَّ مَا مَنَعَ مِنْهُ الْعَوَرُ ، مَنَعَ مِنْهُ الْعَمَى ، فَكَذَلِكَ مَا مَنَعَ مِنْهُ الْعَضَبُ ، يَمْنَعُ مِنْهُ كَوْنُهُ أَجَمَّ أَوْلَى .\rوَلَنَا أَنَّ هَذَا نَقْصٌ لَا يَنْقُصُ اللَّحْمَ ، وَلَا يُخِلُّ بِالْمَقْصُودِ ، وَلَمْ يَرِدْ بِهِ نَهْيٌ ، فَوَجَبَ أَنْ يُجْزِئَ ، وَفَارَقَ الْعَضَبَ ، فَإِنَّ النَّهْيَ عَنْهُ وَارِدٌ ، وَهُوَ عَيْبٌ ، فَإِنَّهُ رُبَّمَا أَدْمَى وَآلَمَ الشَّاةَ ، فَيَكُونُ كَمَرَضِهَا ، وَيُقَبِّحُ مَنْظَرَهَا ، بِخِلَافِ الْأَجَمِّ ، فَإِنَّهُ حُسْنٌ فِي الْخِلْقَةِ لَيْسَ بِمُرْضٍ وَلَا عَيْبٍ ، إلَّا أَنَّ الْأَفْضَلَ مَا كَانَ كَامِلَ الْخِلْقَةِ ، فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ضَحَّى بِكَبْشٍ أَقْرَنَ أَمْلَحَ .\rوَقَالَ { : خَيْرُ الْأُضْحِيَّةِ الْكَبْشُ الْأَقْرَنُ } .\rوَأَمَرَ","part":21,"page":465},{"id":10465,"text":"بِاسْتِشْرَافِ الْعَيْنِ وَالْأُذُنِ .","part":21,"page":466},{"id":10466,"text":"( 7865 ) فَصْلٌ : وَتُكْرَهُ الْمَشْقُوقَةُ الْأُذُنِ ، وَالْمَثْقُوبَةُ ، وَمَا قُطِعَ شَيْءٌ مِنْهَا ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : { أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ نَسْتَشْرِفَ الْعَيْنَ وَالْأُذُنَ ، وَلَا نُضَحِّيَ بِمُقَابَلَةٍ ، وَلَا مُدَابَرَةٍ ، وَلَا خَرْقَاءَ ، وَلَا شَرْقَاءَ .\rقَالَ زُهَيْرٌ قُلْت لِأَبِي إِسْحَاقَ ، مَا الْمُقَابَلَةُ ؟ قَالَ يُقْطَعُ طَرَفُ الْأُذُنِ .\rقُلْت : فَمَا الْمُدَابَرَةُ ؟ قَالَ يُقْطَعُ مِنْ مُؤَخَّرِ الْأُذُنِ .\rقُلْت : فَمَا الشَّرْقَاءُ ؟ قَالَ : تُشَقُّ الْأُذُنُ .\rقُلْت : فَمَا الْخَرْقَاءُ ؟ قَالَ : تَشُقُّ أُذُنَهَا السِّمَةُ .\r} رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ .\rقَالَ الْقَاضِي : الْخَرْقَاءُ الَّتِي انْثَقَبَتْ أُذُنُهَا .\rوَهَذَا نَهْيُ تَنْزِيهٍ ، وَيَحْصُلُ الْإِجْزَاءُ بِهَا ، لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا ؛ وَلِأَنَّ اشْتِرَاطَ السَّلَامَةِ مِنْ ذَلِكَ يَشُقُّ إذْ لَا يَكَادُ يُوجَدُ سَالِمٌ مِنْ هَذَا كُلِّهِ .","part":21,"page":467},{"id":10467,"text":"( 7866 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : وَلَوْ أَوْجَبَهَا سَلِيمَةً ، فَعَابَتْ عِنْدَهُ ، ذَبَحَهَا ، وَكَانَتْ أُضْحِيَّةً وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ إذَا أَوْجَبَ أُضْحِيَّةً صَحِيحَةً سَلِيمَةً مِنْ الْعُيُوبِ ، ثُمَّ حَدَثَ بِهَا عَيْبٌ يَمْنَعُ الْإِجْزَاءَ ، ذَبَحَهَا ، وَأَجْزَأَتْهُ .\rرُوِيَ هَذَا عَنْ عَطَاءٍ ، وَالْحَسَنِ ، وَالنَّخَعِيِّ ، وَالزُّهْرِيِّ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَمَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَإِسْحَاقَ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ : لَا تُجْزِئْهُ ؛ لِأَنَّ الْأُضْحِيَّةَ عِنْدَهُمْ وَاجِبَةٌ ، فَلَا يَبْرَأُ مِنْهَا إلَّا بِإِرَاقَةِ دَمِهَا سَلِيمَةً ، كَمَا لَوْ أَوْجَبَهَا فِي ذِمَّتِهِ ، ثُمَّ عَيَّنَهَا ، فَعَابَتْ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ قَالَ : { ابْتَعْنَا كَبْشًا نُضَحِّي بِهِ ، فَأَصَابَ الذِّئْبُ مِنْ أَلْيَتِهِ ، فَسَأَلْنَا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَمَرَنَا أَنْ نُضَحِّيَ بِهِ .\r} رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ .\rوَلِأَنَّهُ عَيْبٌ حَدَثَ فِي الْأُضْحِيَّةِ الْوَاجِبَةِ ، فَلَمْ يَمْنَعْ الْإِجْزَاءَ ، كَمَا لَوْ حَدَثَ بِهَا عَيْبٌ بِمُعَالَجَةِ الذَّبْحِ ، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهَا وَاجِبَةٌ فِي الذِّمَّةِ ، وَإِنَّمَا تَعَلَّقَ الْوُجُوبُ بِعَيْنِهَا .\rفَأَمَّا إنْ تَعَيَّبَتْ بِفِعْلِهِ ، فَعَلَيْهِ بَدَلُهَا .\rوَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إذَا عَالَجَ ذَبْحَهَا ، فَقَلَعَتْ السِّكِّينُ عَيْنَهَا ، أَجْزَأَتْ ، اسْتِحْسَانًا .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ عَيْبٌ أَحْدَثَهُ بِهَا قَبْلَ ذَبْحِهَا ، فَلَمْ تُجْزِئْهُ ، كَمَا لَوْ كَانَ قَبْلَ مُعَالَجَةِ الذَّبْحِ .","part":21,"page":468},{"id":10468,"text":"( 7867 ) فَصْلٌ : وَإِنْ نَذَرَ أُضْحِيَّةً فِي ذِمَّتِهِ ، ثُمَّ عَيَّنَهَا فِي شَاةٍ ، تَعَيَّنَتْ ، فَإِنْ عَابَتْ تِلْكَ الشَّاةُ قَبْلَ ذَبْحِهَا ، لَمْ تُجْزِئْ ؛ لِأَنَّ ذِمَّتَهُ لَا تَبْرَأُ إلَّا بِذَبْحِ شَاةٍ سَلِيمَةٍ ، كَمَا لَوْ نَذَرَ عِتْقَ رَقَبَةٍ ، أَوْ كَانَ عَلَيْهِ عِتْقُ رَقَبَةٍ فِي كَفَّارَةٍ ، فَاشْتَرَاهَا ، ثُمَّ عَابَتْ عِنْدَهُ ، لَمْ تُجْزِئْهُ ، وَإِنْ قَالَ : لِلَّهِ عَلَيَّ عِتْقُ هَذَا الْعَبْدِ فَعَابَ ، أَجْزَأَ عَنْهُ .","part":21,"page":469},{"id":10469,"text":"( 7868 ) فَصْلٌ : إذَا أَتْلَفَ الْأُضْحِيَّةَ الْوَاجِبَةَ ، فَعَلَيْهِ قِيمَتُهَا ؛ لِأَنَّهَا مِنْ الْمُتَقَوِّمَاتِ ، وَتُعْتَبَرُ الْقِيمَةُ يَوْمَ أَتْلَفَهَا ، فَإِنْ غَلَتْ الْغَنَمُ ، فَصَارَ مِثْلُهَا خَيْرًا مِنْ قِيمَتِهَا ، فَقَالَ : أَبُو الْخَطَّابِ : يَلْزَمُهُ مِثْلُهَا ؛ لِأَنَّهُ أَكْثَرُ الْأَمْرَيْنِ ، وَلِأَنَّهُ تَعَلَّقَ بِهَا حَقُّ اللَّهِ - تَعَالَى - فِي ذَبْحِهَا ، فَوَجَبَ عَلَيْهِ مِثْلُهَا ، كَمَا لَوْ لَمْ تَتَعَيَّبْ ، بِخِلَافِ الْآدَمِيِّ ، وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَظَاهِرُ قَوْلِ الْقَاضِي ، أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ إلَّا الْقِيمَةُ يَوْمَ إتْلَافِهَا .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّهُ إتْلَافٌ أَوْجَبَ الْقِيمَةَ ، فَلَمْ يَجِبْ أَكْثَرُ مِنْ الْقِيمَةِ يَوْمَ الْإِتْلَافِ ، كَمَا لَوْ أَتْلَفَهَا أَجْنَبِيٌّ ، وَكَسَائِرِ الْمَضْمُونَاتِ .\rفَإِنْ رَخُصَتْ الْغَنَمُ ، فَزَادَتْ قِيمَتُهَا عَلَى مِثْلِهَا ، مِثْلَ أَنْ كَانَتْ قِيمَتُهَا عِنْدَ إتْلَافِهَا عَشَرَةً ، فَصَارَتْ قِيمَةُ مِثْلِهَا خَمْسَةً ، فَعَلَيْهِ عَشَرَةٌ ، وَجْهًا وَاحِدًا ، فَإِنْ شَاءَ اشْتَرَى بِهَا أُضْحِيَّةً وَاحِدَةً تُسَاوِي عَشَرَةً ، وَإِنْ شَاءَ اشْتَرَى اثْنَتَيْنِ ، وَإِنْ شَاءَ اشْتَرَى أُضْحِيَّةً وَاحِدَةً ، فَإِنْ فَضَلَ مِنْ الْعَشَرَةِ مَا لَا يَجِيءُ بِهِ أُضْحِيَّةٌ ، اشْتَرَى بِهِ شِرْكًا فِي بَدَنَةٍ ، فَإِنْ لَمْ يَتَّسِعْ لِذَلِكَ ، أَوْ لَمْ تُمْكِنْهُ الْمُشَارَكَةُ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، يَشْتَرِي لَحْمًا ، وَيَتَصَدَّقُ بِهِ ؛ لِأَنَّ الذَّبْحَ وَتَفْرِقَةَ اللَّحْمِ مَقْصُودَانِ ، فَإِذَا تَعَذَّرَ أَحَدُهُمَا وَجَبَ الْآخَرُ .\rوَالثَّانِي ، يَتَصَدَّقُ بِالْفَضْلِ ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَحْصُلْ لَهُ التَّقَرُّبُ بِإِرَاقَةِ الدَّمِ ، كَانَ اللَّحْمُ وَثَمَنُهُ سَوَاءً .\rفَإِنْ كَانَ الْمُتْلِفُ أَجْنَبِيًّا ، فَعَلَيْهِ قِيمَتُهَا يَوْمَ أَتَلَفَهَا ، وَجْهًا وَاحِدًا ، وَيَلْزَمُهُ دَفْعُهَا إلَى صَاحِبِهَا ، فَإِنْ زَادَ عَلَى ثَمَنِ مِثْلِهَا ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ مَا لَوْ أَتْلَفَهَا صَاحِبُهَا ، وَإِنْ لَمْ تَبْلُغْ الْقِيمَةُ ثَمَنَ أُضْحِيَّةٍ ، فَالْحُكْمُ فِيهِ عَلَى مَا مَضَى فِيمَا زَادَ عَلَى","part":21,"page":470},{"id":10470,"text":"ثَمَنِ الْأُضْحِيَّةِ فِي حَقِّ الْمُضَحِّي .\rفَإِنْ تَلِفَتْ الْأُضْحِيَّةُ فِي يَدِهِ بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ ، أَوْ سُرِقَتْ ، أَوْ ضَلَّتْ ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهَا أَمَانَةٌ فِي يَدِهِ ، فَلَمْ يَضْمَنْهَا إذَا لَمْ يُفَرِّطْ كَالْوَدِيعَةِ .","part":21,"page":471},{"id":10471,"text":"( 7869 ) فَصْل : وَإِنْ اشْتَرَى أُضْحِيَّةً ، فَلَمْ يُوجِبْهَا حَتَّى عَلِمَ بِهَا عَيْبًا ، فَلَهُ رَدُّهَا إنْ شَاءَ ، وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ أَرْشَهَا ، ثُمَّ إنْ كَانَ عَيْبُهَا يَمْنَعُ إجْزَاءَهَا ، لَمْ يَكُنْ لَهُ التَّضْحِيَةُ بِهَا ، وَإِلَّا فَلَهُ أَنْ يُضَحِّيَ بِهَا ، وَالْأَرْشُ لَهُ .\rوَإِنْ أَوْجَبَهَا ، ثُمَّ عَلِمَ أَنَّهَا مَعِيبَةٌ ، فَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ رَدِّهَا وَأَخْذِ أَرْشِهَا ، فَإِنْ أَخَذَ أَرْشَهَا ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ الزَّائِدِ عَنْ قِيمَةِ الْأُضْحِيَّةِ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْأَرْشُ لَهُ ؛ لِأَنَّ إيجَابَهَا إنَّمَا صَادَفَهَا بِدُونِ هَذَا الَّذِي أَخَذَ أَرْشَهُ ، فَلَمْ يَتَعَلَّقْ الْإِيجَابُ بِالْأَرْشِ ، وَلَا بِمُبْدَلِهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ تَصَدَّقَ بِهَا ثُمَّ أَخَذَ أَرْشَهَا .\rوَعَلَى قَوْلِ أَبِي الْخَطَّابِ : لَا يَمْلِكُ رَدَّهَا ؛ لِأَنَّهُ قَدْ زَالَ مِلْكُهُ عَنْهَا بِإِيجَابِهَا ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ اشْتَرَى عَبْدًا مَعِيبًا فَأَعْتَقَهُ ، ثُمَّ عَلِمَ عَيْبَهُ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ، فَعَلَى هَذَا يَتَعَيَّن أَخْذُ الْأَرْشِ .\rوَفِي كَوْنِ الْأَرْشِ لِلْمُشْتَرِي ، وَوُجُوبِهِ فِي التَّضْحِيَةِ ، وَجْهَانِ ، ثُمَّ نَنْظُرُ فَإِنْ كَانَ عَيْبُهَا لَا يَمْنَعُ إجْزَاءَهَا ، فَقَدْ صَحَّ إيجَابُهَا ، وَالتَّضْحِيَةُ بِهَا ، وَإِنْ كَانَ عَيْبُهَا يَمْنَعُ إجْزَاءَهَا ، فَحُكْمُهَا حُكْمُ مَا لَوْ أَوْجَبَهَا عَالِمًا بِعَيْبِهَا ، عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ فِي مَوْضِعِهِ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .","part":21,"page":472},{"id":10472,"text":"( 7870 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : وَإِنْ وَلَدَتْ ، ذَبَحَ وَلَدَهَا مَعَهَا وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ إذَا عَيَّنَ أُضْحِيَّةً فَوَلَدَتْ فَوَلَدُهَا تَابِعٌ لَهَا ، حُكْمُهُ حُكْمُهَا ، سَوَاءٌ كَانَ حَمْلًا حِينَ التَّعْيِينِ أَوْ حَدَثَ بَعْدَهُ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ، لَا يَذْبَحُهُ ، وَيَدْفَعُهُ إلَى الْمَسَاكِينِ حَيًّا ، وَإِنْ ذَبَحَهُ ، دَفَعَهُ إلَيْهِمْ مَذْبُوحًا ، وَأَرْشَ مَا نَقَصَهُ الذَّبْحُ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ نَمَائِهَا ، فَلَزِمَهُ دَفْعُهُ إلَيْهِمْ عَلَى صِفَتِهِ ، كَصُوفِهَا وَشَعْرِهَا .\rوَلَنَا ، أَنَّ اسْتِحْقَاقَ وَلَدِهَا حُكْمٌ يَثْبُتُ لِلْوَلَدِ بِطَرِيقِ السِّرَايَةِ مِنْ الْأُمِّ ، فَيَثْبُتُ لَهُ مَا يَثْبُتُ لَهَا ، كَوَلَدِ أُمِّ الْوَلَدِ وَالْمُدَبَّرَةِ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّهُ يَذْبَحُهُ كَمَا يَذْبَحُهَا ؛ لِأَنَّهُ صَارَ أُضْحِيَّةً عَلَى وَجْهِ التَّبَعِ لِأُمِّهِ ، وَلَا يَجُوزُ ذَبْحُهُ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ ، وَلَا تَأْخِيرُهُ عَنْ أَيَّامِهِ ، كَأُمِّهِ .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَهُ ، فَقَالَ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، إنِّي اشْتَرَيْت هَذِهِ الْبَقَرَةَ لِأُضَحِّيَ بِهَا ، وَإِنَّهَا وَضَعَتْ هَذَا الْعِجْلَ ؟ فَقَالَ عَلِيٌّ : لَا تَحْلُبْهَا إلَّا فَضْلًا عَنْ تَيْسِيرِ وَلَدِهَا ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْأَضْحَى ، فَاذْبَحْهَا وَوَلَدَهَا عَنْ سَبْعَةٍ .\rرَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ ، عَنْ زُهَيْرٍ الْعَبْسِيِّ ، عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ حَذْفٍ ، عَنْ عَلِيٍّ ( 7871 ) فَصْلٌ : وَلَا يَشْرَبُ مِنْ لَبَنِهَا إلَّا الْفَاضِلَ عَنْ وَلَدِهَا ، فَإِنْ لَمْ يَفْضُلْ عَنْهُ شَيْءٌ ، أَوَكَانَ الْحَلْبُ يَضُرُّ بِهَا ، أَوْ يُنْقِصُ لَحْمَهَا ، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَخْذُهُ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ ، فَلَهُ أَخْذُهُ وَالِانْتِفَاعُ بِهِ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَحْلُبُهَا ، وَيَرُشُّ عَلَى الضَّرْعِ الْمَاءَ حَتَّى يَنْقَطِعَ اللَّبَنُ ، فَإِنْ احْتَلَبَهَا ، تَصَدَّقَ ، بِهِ ؛ لِأَنَّ اللَّبَنَ مُتَوَلِّدٌ مِنْ الْأُضْحِيَّةِ الْوَاجِبَةِ ، فَلَمْ يَجُزْ لِلْمُضَحِّي","part":21,"page":473},{"id":10473,"text":"الِانْتِفَاعُ بِهِ ، كَالْوَلَدِ وَلَنَا ، قَوْلُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَحْلُبُهَا إلَّا فَضْلًا عَنْ تَيْسِيرِ وَلَدِهَا .\rوَلِأَنَّهُ انْتِفَاعٌ لَا يَضُرُّهَا ، فَأَشْبَهُ الرُّكُوبَ ، يُفَارِقُ الْوَلَدَ ، فَإِنَّهُ يُمْكِنُ إيصَالُهُ إلَى مَحَلِّهِ ، أَمَّا اللَّبَنُ ، فَإِنْ حَلَبَهُ وَتَرَكَهُ فَسَدَ ، وَإِنْ لَمْ يَحْلُبْهُ ، تَعَقَّدَ الضَّرْعُ ، وَأَضَرَّ بِهَا ، فَجُوِّزَ لَهُ شُرْبُهُ ، وَإِنْ تَصَدَّقَ بِهِ كَانَ أَفْضَلَ .\rوَإِنْ احْتَلَبَ مَا يَضُرُّ بِهَا أَوْ بِوَلَدِهَا ، لَمْ يَجُزْ لَهُ ، وَعَلَيْهِ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ .\rفَإِنْ قِيلَ : فَصُوفُهَا شَعْرُهَا ، وَوَبَرُهَا إذَا جَزَّهُ ، تَصَدَّقَ بِهِ ، وَلَمْ يَنْتَفِعْ بِهِ ، فَلِمَ أَجَزْتُمْ لَهُ الِانْتِفَاعَ بِاللَّبَنِ ؟ قُلْنَا : الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا مِنْ وَجْهَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا : أَنَّ لَبَنَهَا يَتَوَلَّدُ مِنْ غِذَائِهَا وَعَلَفِهَا ، وَهُوَ الْقَائِمُ بِهِ ، فَجَازَ صَرْفُهُ إلَيْهِ ، كَمَا أَنَّ الْمُرْتَهِنَ إذَا عَلَفَ الرَّهْنَ كَانَ لَهُ أَنْ يَحْلُبَ ، وَيَرْكَبَ ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ الصُّوفَ وَلَا الشَّعْرَ .\rالثَّانِي ، أَنَّ الصُّوفَ وَالشَّعْرَ يُنْتَفَعُ بِهِ عَلَى الدَّوَامِ ، فَجَرَى مَجْرَى جِلْدِهَا وَأَجْزَائِهَا ، وَاللَّبَنُ يُشْرَبُ وَيُؤْكَلُ شَيْئًا فَشَيْئًا فَجَرَى مَجْرَى مَنَافِعِهَا وَرُكُوبِهَا ، وَلِأَنَّ اللَّبَنَ يَتَجَدَّدُ كُلَّ يَوْمٍ ، وَالصُّوفُ وَالشَّعْرُ عَيْنٌ مَوْجُودَةٌ دَائِمَةٌ فِي جَمِيعِ الْحَوْلِ .\r( 7872 ) فَصْلٌ : وَأَمَّا صُوفُهَا ، فَإِنْ كَانَ جَزُّهُ أَنْفَعَ لَهَا ، مِثْلَ أَنْ يَكُونَ فِي زَمَنِ الرَّبِيعِ ، تَخِفُّ بِجَزِّهِ وَتَسْمَنُ ، جَازَ جَزُّهُ ، وَيَتَصَدَّقُ بِهِ ، وَإِنْ كَانَ لَا يَضُرُّ بِهَا ؛ لِقُرْبِ مُدَّةِ الذَّبْحِ أَوْ كَانَ بَقَاؤُهُ أَنْفَعَ لَهَا ؛ لِكَوْنِهِ يَقِيهَا الْحَرَّ وَالْبَرْدَ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَخْذُهُ ، كَمَا أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَخْذُ بَعْضِ أَجْزَائِهَا .","part":21,"page":474},{"id":10474,"text":"( 7873 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : وَإِيجَابُهَا أَنْ يَقُولَ : هِيَ أُضْحِيَّةٌ وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الَّذِي تَجِبُ بِهِ الْأُضْحِيَّةُ ، وَتَتَعَيَّنُ بِهِ ، هُوَ الْقَوْلُ دُونَ النِّيَّةِ .\rوَهَذَا مَنْصُوصُ الشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ مَالِكٌ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ : إذَا اشْتَرَى شَاةً أَوَغَيْرَهَا بِنِيَّةِ الْأُضْحِيَّةِ ، صَارَتْ أُضْحِيَّةً ؛ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِشِرَاءِ أُضْحِيَّةٍ ، فَإِذَا اشْتَرَاهَا بِالنِّيَّةِ وَقَعَتْ عَنْهَا ، كَالْوَكِيلِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ إزَالَةُ مِلْكٍ عَلَى وَجْهِ الْقُرْبَةِ ، فَلَا تُؤَثِّرُ فِيهِ النِّيَّةُ الْمُقَارِنَةُ لِلشِّرَاءِ ، كَالْعِتْقِ وَالْوَقْفِ ، وَيُفَارِقُ الْبَيْعَ ، فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ جَعْلُهُ لِمُوَكِّلِهِ بَعْدَ إيقَاعِهِ ، وَهَا هُنَا بَعْدَ الشِّرَاءِ يُمْكِنُهُ جَعْلُهَا أُضْحِيَّةً .\rفَأَمَّا إذَا قَالَ : هَذِهِ أُضْحِيَّةٌ .\rصَارَتْ وَاجِبَةً ، كَمَا يَعْتِقُ الْعَبْدُ بُقُولِ سَيِّدِهِ : هَذَا حُرٌّ .\rوَلَوْ أَنَّهُ قَلَّدَهَا أَوَأَشْعَرَهَا يَنْوِي بِهِ جَعْلَهَا أُضْحِيَّةً ، لَمْ تَصِرْ أُضْحِيَّةً حَتَّى يَنْطِقَ بِهِ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا .","part":21,"page":475},{"id":10475,"text":"( 7874 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : وَلَوْ أَوْجَبَهَا نَاقِصَةً ، ذَبَحَهَا ، وَلَمْ تُجْزِئْهُ يَعْنِي إذَا كَانَتْ نَاقِصَةً نَقْصًا يَمْنَعُ الْإِجْزَاءَ فَأَوْجَبَهَا ، وَجَبَ عَلَيْهِ ذَبْحُهَا ؛ لِأَنَّ إيجَابَهَا كَالنَّذْرِ لِذَبْحِهَا ، فَيَلْزَمُهُ الْوَفَاءُ بِهِ ، وَلِأَنَّ إيجَابَهَا كَنَذْرِ هَدْيٍ مِنْ غَيْرِ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ الْوَفَاءُ بِهِ ، وَلَا يُجْزِئُهُ عَنْ الْأُضْحِيَّةِ الشَّرْعِيَّةِ وَلَا تَكُونُ أُضْحِيَّةً ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَرْبَعٌ لَا تُجْزِئُ فِي الْأَضَاحِيِّ ) .\rوَلَكِنَّهُ يَذْبَحُهَا ، وَيُثَابُ عَلَى مَا يَتَصَدَّقُ بِهِ مِنْهَا ، كَمَا يُثَابُ عَلَى الصَّدَقَةِ بِمَا لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ هَدْيًا ، وَكَمَا لَوْ أَعْتَقَ عَنْ كَفَّارَتِهِ عَبْدًا لَا يُجْزِئُ فِي الْكَفَّارَةِ ، إلَّا أَنَّهُ هَاهُنَا لَا يَلْزَمُهُ بَدَلُهَا ؛ لِأَنَّ الْأُضْحِيَّةَ فِي الْأَصْلِ غَيْرُ وَاجِبَةٍ ، وَلَمْ يُوجَدْ مِنْهُ مَا يُوجِبُهَا .\rوَإِنْ كَانَتْ الْأُضْحِيَّةُ وَاجِبَةً عَلَيْهِ ، مِثْلَ مَنْ نَذَرَ أُضْحِيَّةً فِي ذِمَّتِهِ ، أَوْ أَتْلَفَ أُضْحِيَّتَهُ الَّتِي أَوْجَبَهَا ، لَمْ تُجْزِئْهُ هَذِهِ عَمَّا فِي ذِمَّتِهِ .\rفَإِنْ زَالَ عَيْبُهَا ، كَأَنْ كَانَتْ عَجْفَاءَ فَزَالَ عَجَفُهَا ، أَوْ مَرِيضَةً فَبَرَأَتْ ، أَوْ عَرْجَاءَ فَزَالَ عَرَجُهَا ، فَقَالَ الْقَاضِي : قِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنَّهَا تُجْزِئُ ، .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ : لَا تُجْزِئُ ؛ لِأَنَّ الِاعْتِبَارَ بِحَالِ إيجَابِهَا ، وَلِأَنَّ الزِّيَادَةَ فِيهَا كَانَتْ لِلْمَسَاكِينِ ، كَمَا أَنَّ نَقْصَهَا بَعْدَ إيجَابِهَا عَلَيْهِمْ لَا يَمْنَعُ مِنْ كَوْنِهَا أُضْحِيَّةً .\rوَلَنَا ، أَنَّ هَذِهِ أُضْحِيَّةٌ يُجْزِئُ مِثْلُهَا ، فَتُجْزِئُ ، كَمَا لَوْ لَمْ يُوجِبْهَا إلَّا بَعْدَ زَوَالِ عَيْنِهَا .","part":21,"page":476},{"id":10476,"text":"( 7875 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : وَلَا تُبَاعُ أُضْحِيَّةُ الْمَيِّتِ فِي دَيْنِهِ ، وَيَأْكُلُهَا وَرَثَتُهُ يَعْنِي إذَا أَوْجَبَ أُضْحِيَّةً ثُمَّ مَاتَ ، لَمْ يَجُزْ بَيْعُهَا ، وَإِنْ كَانَ عَلَى الْمَيِّتِ دَيْنٌ لَا وَفَاءَ لَهُ .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو ثَوْرٍ ، وَيُشْبِهُ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : إنْ تَرَكَ دَيْنًا لَا وَفَاءَ لَهُ إلَّا مِنْهَا ، بِيعَتْ فِيهِ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : إنْ تَشَاجَرَ الْوَرَثَةُ فِيهَا بَاعُوهَا .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ تَعَيَّنَ ذَبْحُهَا ، فَلَمْ يَصِحَّ بَيْعُهَا فِي دَيْنِهِ ، كَمَا لَوْ كَانَ حَيًّا .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّ وَرَثَتَهُ يَقُومُونَ مَقَامَهُ فِي الْأَكْلِ وَالصَّدَقَةِ وَالْهَدِيَّةِ ؛ لِأَنَّهُمْ يَقُومُونَ مَقَامَ مَوْرُوثِهِمْ فِيمَا لَهُ وَعَلَيْهِ .","part":21,"page":477},{"id":10477,"text":"( 7876 ) فَصْلٌ : وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ ، هَلْ تَجُوزُ التَّضْحِيَةُ عَنْ الْيَتِيمِ مِنْ مَالِهِ ؟ فَرُوِيَ أَنَّهُ لَيْسَ لِلْوَلِيِّ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ إخْرَاجُ شَيْءٍ مِنْ مَالِهِ بِغَيْرِ عِوَضٍ ، فَلَمْ يَجُزْ ، كَالصَّدَقَةِ وَالْهَدِيَّةِ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَرُوِيَ أَنَّ لِلْوَلِيِّ أَنْ يُضَحِّيَ عَنْهُ إذَا كَانَ مُوسِرًا .\rوَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٍ .\rقَالَ مَالِكٌ : إذَا كَانَ لَهُ ثَلَاثُونَ دِينَارًا ، يُضَحِّي عَنْهُ بِالشَّاةِ ، بِنِصْفِ دِينَارٍ ؛ لِأَنَّهُ إخْرَاجُ مَالٍ يَتَعَلَّقُ بِيَوْمِ الْعِيدِ ، فَجَازَ إخْرَاجُهُ مِنْ مَالِ الْيَتِيمِ كَصَدَقَةِ الْفِطْرِ .\rفَعَلَى هَذَا ، يَكُونُ إخْرَاجُهَا مِنْ مَالِهِ عَلَى سَبِيلِ التَّوْسِعَةِ عَلَيْهِ ، وَالتَّطْيِيبِ لِقَلْبِهِ ، وَإِشْرَاكِهِ لِأَمْثَالِهِ فِي مِثْلِ هَذَا الْيَوْمِ ، كَمَا يَشْتَرِي لَهُ الثِّيَابَ الرَّفِيعَةَ لِلتَّجَمُّلِ ، وَالطَّعَامَ الطَّيِّبَ ، وَيُوَسِّعُ عَلَيْهِ فِي النَّفَقَةِ وَإِنْ لَمْ يَجِبْ ذَلِكَ .\rوَيُحْتَمَلُ أَنْ يُحْمَلَ كَلَامُ أَحْمَدَ فِي الرِّوَايَتَيْنِ عَلَى حَالَيْنِ ؛ فَالْمَوْضِعُ الَّذِي مَنَعَ التَّضْحِيَةَ ، إذَا كَانَ الْيَتِيمُ طِفْلًا لَا يَعْقِلُ التَّضْحِيَةَ ، وَلَا يَفْرَحُ بِهَا ، وَلَا يَنْكَسِرُ قَلْبُهُ بِتَرْكِهَا ؛ لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ فِيهَا ، فَيُحَصِّلُ إخْرَاجُ ثَمَنِهَا تَضْيِيعَ مَالٍ لَا فَائِدَةَ فِيهِ ، وَالْمَوْضِعُ الَّذِي أَجَازَهَا ، إذَا كَانَ الْيَتِيمُ يَعْقِلُهَا ، وَيَنْجَبِرُ قَلْبُهُ بِهَا وَيَنْكَسِرُ بِتَرْكِهَا ؛ لِحُصُولِ الْفَائِدَةِ مِنْهَا ، وَالضَّرَرِ بِتَفْوِيتِهَا .\rوَاسْتَدَلَّ أَبُو الْخَطَّابِ بُقُولِ أَحْمَدَ : يُضَحِّي عَنْهُ .\rعَلَى وُجُوبِ الْأُضْحِيَّةِ .\rوَالصَّحِيحُ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ، مَا ذَكَرْنَاهُ .\rوَعَلَى كُلِّ حَالٍ ، مَتَى ضَحَّى عَنْ الْيَتِيمِ ، لَمْ يَتَصَدَّقْ بِشَيْءٍ مِنْهَا ، وَيُوَفِّرُهَا لِنَفْسِهِ ، لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ الصَّدَقَةُ بِشَيْءِ مِنْ مَالِ الْيَتِيمِ تَطَوُّعًا .","part":21,"page":478},{"id":10478,"text":"( 7877 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : وَالِاسْتِحْبَابُ أَنْ يَأْكُلَ ثُلُثَ أُضْحِيَّتِهِ ، وَيُهْدِيَ ثُلُثَهَا ، وَيَتَصَدَّقَ بِثُلُثِهَا ، وَلَوْ أَكَلَ أَكْثَرَ جَازَ قَالَ أَحْمَدُ : نَحْنُ نَذْهَبُ إلَى حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ : يَأْكُلُ هُوَ الثُّلُثَ ، وَيُطْعِمُ مَنْ أَرَادَ الثُّلُثَ ، وَيَتَصَدَّقُ عَلَى الْمَسَاكِينِ بِالثُّلُثِ .\rقَالَ عَلْقَمَةُ : بَعَثَ مَعِي عَبْدُ اللَّهِ بِهَدِيَّةٍ ، فَأَمَرَنِي أَنْ آكُلَ ثُلُثًا ، وَأَنْ أُرْسِلَ إلَى أَهْلِ أَخِيهِ عُتْبَةَ بِثُلُثٍ ، وَأَنْ أَتَصَدَّقَ بِثُلُثٍ ، وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : الضَّحَايَا وَالْهَدَايَا ثُلُثٌ لَك ، وَثُلُثٌ لِأَهْلِك ، وَثُلُثٌ لِلْمَسَاكِينِ .\rوَهَذَا قَوْلُ إِسْحَاقَ ، وَأَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ وَقَالَ فِي الْآخَرِ : يَجْعَلُهَا نِصْفَيْنِ ، يَأْكُلُ نِصْفًا ، وَيَتَصَدَّقُ بِنِصْفٍ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ } .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ : مَا كَثُرَ مِنْ الصَّدَقَةِ فَهُوَ أَفْضَلُ ؛ لِأَنَّ { النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَهْدَى مِائَةَ بَدَنَةٍ ، وَأَمَرَ مِنْ كُلِّ بَدَنَةٍ بِبِضْعَةٍ ، فَجُعِلَتْ فِي قِدْرٍ ، فَأَكَلَ هُوَ وَعَلِيٌّ مِنْ لَحْمِهَا ، وَحَسِيَا مِنْ مَرَقِهَا .\rوَنَحَرَ خَمْسَ بَدَنَاتٍ ، أَوْ سِتَّ بَدَنَاتٍ ، وَقَالَ : مَنْ شَاءَ فَلْيَقْتَطِعْ .\rوَلَمْ يَأْكُلْ مِنْهُنَّ شَيْئًا } .\rوَلَنَا ، مَا رُوِيَ { عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، فِي صِفَةِ أُضْحِيَّةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : يُطْعِمُ أَهْلَ بَيْتِهِ الثُّلُثَ ، وَيُطْعِمُ فُقَرَاءَ جِيرَانِهِ الثُّلُثَ ، وَيَتَصَدَّقُ عَلَى السُّؤَّالِ بِالثُّلُثِ .\r} رَوَاهُ الْحَافِظُ أَبُو مُوسَى الْأَصْفَهَانِيُّ ، فِي الْوَظَائِفِ ، وَقَالَ : حَدِيثٌ حَسَنٌ .\rوَلِأَنَّهُ قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عُمَرَ ، وَلَمْ نَعْرِفْ لَهُمَا مُخَالِفًا فِي الصَّحَابَةِ ، فَكَانَ إجْمَاعًا ؛ وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : { فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ } .\rوَالْقَانِعُ : السَّائِلُ يُقَالُ : قَنِعَ قَنُوعًا .\rإذَا سَأَلَ وَقَنِعَ قَنَاعَةً إذَا رَضِيَ .\rقَالَ الشَّاعِر : لَمَالُ الْمَرْءِ","part":21,"page":479},{"id":10479,"text":"يُصْلِحُهُ فَيُغْنِي مَفَاقِرَهُ أَعَفُّ مِنْ الْقَنُوعِ وَالْمُعْتَرُّ : الَّذِي يَعْتَرِيك .\rأَيْ يَتَعَرَّضُ لَك لِتُطْعِمَهُ ، فَلَا يَسْأَلُ ، فَذَكَرَ ثَلَاثَةَ أَصْنَافِ ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُقْسَمَ بَيْنَهُمْ أَثْلَاثًا .\rوَأَمَّا الْآيَةُ الَّتِي احْتَجَّ بِهَا أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ ، فَإِنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - لَمْ يُبَيِّنْ قَدْرَ الْمَأْكُولِ مِنْهَا وَالْمُتَصَدَّقِ بِهِ ، وَقَدْ نَبَّهَ عَلَيْهِ فِي آيَتِنَا ، وَفَسَّرَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِفِعْلِهِ ، وَابْنُ عُمَرَ بِقَوْلِهِ ، وَابْنُ مَسْعُودٍ بِأَمْرِهِ .\rوَأَمَّا خَبَرُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ ، فَهُوَ فِي الْهَدْيِ ، وَالْهَدْيُ يَكْثُرُ ، فَلَا يَتَمَكَّنُ الْإِنْسَانُ مِنْ قَسْمِهِ ، وَأَخْذِ ثُلُثِهِ ، فَتَتَعَيَّنُ الصَّدَقَةُ بِهَا ، وَالْأَمْرُ فِي هَذَا وَاسِعٌ ، فَلَوْ تَصَدَّقَ بِهَا كُلِّهَا أَوْ بِأَكْثَرِهَا جَازَ ، وَإِنْ أَكَلَهَا كُلَّهَا إلَّا أُوقِيَّةً تَصَدَّقَ بِهَا جَازَ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ : يَجُوزُ أَكْلُهَا كُلِّهَا .\rوَلَنَا ، أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : { فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ } .\rوَقَالَ : { وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ } وَالْأَمْرُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ : يَجِبُ الْأَكْلُ مِنْهَا ، وَلَا تَجُوزُ الصَّدَقَةُ بِجَمِيعِهَا ؛ لِلْأَمْرِ بِالْأَكْلِ مِنْهَا .\rوَلَنَا ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحَرَ خَمْسَ بَدَنَاتٍ ، وَلَمْ يَأْكُلْ مِنْهُنَّ شَيْئًا ، وَقَالَ \" مَنْ شَاءَ فَلْيَقْتَطِعْ \" .\rوَلِأَنَّهَا ذَبِيحَةٌ يُتَقَرَّبُ إلَى اللَّهِ - تَعَالَى - بِهَا فَلَمْ يَجِبْ الْأَكْلُ مِنْهَا ، كَالْعَقِيقَةِ ، وَالْأَمْرُ لِلِاسْتِحْبَابِ ، أَوْ الْإِبَاحَةِ ، كَالْأَمْرِ بِالْأَكْلِ مِنْ الثِّمَارِ وَالزَّرْعِ ، وَالنَّظَرِ إلَيْهَا .","part":21,"page":480},{"id":10480,"text":"( 7878 ) فَصْلٌ : وَيَجُوزُ ادِّخَارُ لُحُومِ الْأَضَاحِيِّ فَوْقَ ثَلَاثٍ ، فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rوَلَمْ يُجِزْهُ عَلِيٌّ ، وَلَا ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ ادِّخَارِ لُحُومِ الْأَضَاحِيِّ فَوْقَ ثَلَاثٍ .\rوَلَنَا ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { كُنْت نَهَيْتُكُمْ عَنْ ادِّخَارِ لُحُومِ الْأَضَاحِيِّ فَوْقَ ثَلَاثٍ فَامْسِكُوا مَا بَدَا لَكُمْ } رَوَاهُ .\rمُسْلِمٌ .\rوَرَوَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { إنَّمَا نَهَيْتُكُمْ لِلدَّافَّةِ الَّتِي دَفَّتْ ، فَكُلُوا ، وَتَزَوَّدُوا ، وَتَصَدَّقُوا ، وَادَّخِرُوا } .\rوَقَالَ أَحْمَدُ : فِيهِ أَسَانِيدُ صِحَاحٌ فَأَمَّا عَلِيٌّ وَابْنُ عُمَرَ فَلَمْ يَبْلُغْهُمَا تَرْخِيصُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ كَانُوا سَمِعُوا النَّهْيَ ، فَرَوَوْا عَلَى مَا سَمِعُوا .","part":21,"page":481},{"id":10481,"text":"( 7879 ) فَصْلٌ : وَيَجُوزُ أَنْ يُطْعِمَ مِنْهَا كَافِرًا .\rوَبِهَذَا قَالَ الْحَسَنُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : غَيْرُهُمْ أَحَبُّ إلَيْنَا .\rوَكَرِهَ مَالِكٌ وَاللَّيْثُ إعْطَاءَ النَّصْرَانِيِّ جِلْدَ الْأُضْحِيَّةِ .\rوَلَنَا أَنَّهُ طَعَامٌ لَهُ أَكْلُهُ فَجَازَ إطْعَامُهُ لِلذِّمِّيِّ ، كَسَائِرِ طَعَامِهِ ، وَلِأَنَّهُ صَدَقَةُ تَطَوُّعٍ ، فَجَازَ إطْعَامُهَا الذِّمِّيَّ وَالْأَسِيرَ ، كَسَائِرِ صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ .\rفَأَمَّا الصَّدَقَةُ الْوَاجِبَةُ مِنْهَا ، فَلَا يُجْزِئُ دَفْعُهَا إلَى كَافِرٍ لِأَنَّهَا صَدَقَةٌ وَاجِبَةٌ ، فَأَشْبَهَتْ الزَّكَاةَ ، وَكَفَّارَةَ الْيَمِينِ .","part":21,"page":482},{"id":10482,"text":"( 7880 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : وَلَا يُعْطَى الْجَازِرُ بِأُجْرَتِهِ شَيْئًا مِنْهَا .\rوَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَرَخَّصَ الْحَسَنُ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ ، فِي إعْطَائِهِ الْجِلْدَ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ { أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ أَقُومَ عَلَى بُدْنِهِ ، وَأَنْ أَقْسِمَ جُلُودَهَا وَجِلَالَهَا ، وَأَنْ لَا أُعْطِيَ الْجَازِرَ مِنْهَا شَيْئًا ، وَقَالَ : نَحْنُ نُعْطِيهِ مِنْ عِنْدِنَا } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَلِأَنَّ مَا يَدْفَعُهُ إلَى الْجَزَّارِ أُجْرَةً عِوَضٌ عَنْ عَمَلِهِ وَجِزَارَتِهِ ، وَلَا تَجُوزُ الْمُعَاوَضَةُ بِشَيْءٍ مِنْهَا .\rفَأَمَّا إنْ دَفَعَ إلَيْهِ لِفَقْرِهِ ، أَوْ عَلَى سَبِيلِ الْهَدِيَّةِ ، فَلَا بَأْسَ ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَحِقٌّ لِلْأَخْذِ ، فَهُوَ كَغَيْرِهِ ، بَلْ هُوَ أَوْلَى ؛ لِأَنَّهُ بَاشَرَهَا ، وَتَاقَتْ نَفْسُهُ إلَيْهَا .","part":21,"page":483},{"id":10483,"text":"( 7881 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : وَلَهُ أَنْ يَنْتَفِعَ بِجِلْدِهَا ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَبِيعَهُ ، وَلَا شَيْئًا مِنْهَا .\rوَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ شَيْءٍ مِنْ الْأُضْحِيَّةِ ، لَا لَحْمِهَا وَلَا جِلْدِهَا ، وَاجِبَةً كَانَتْ أَوْ تَطَوُّعًا لِأَنَّهَا تَعَيَّنَتْ بِالذَّبْحِ .\rقَالَ أَحْمَدُ : لَا يَبِيعُهَا ، وَلَا يَبِيعُ شَيْئًا مِنْهَا .\rوَقَالَ : سُبْحَانَ اللَّهِ كَيْفَ يَبِيعُهَا ، وَقَدْ جَعَلَهَا لِلَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ، وَقَالَ الْمَيْمُونِيُّ : قَالُوا لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ : فَجِلْدُ الْأُضْحِيَّةِ يُعْطَاهُ السَّلَّاخُ ؟ قَالَ : لَا .\rوَحَكَى قَوْلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا يُعْطَى الْجَازِرُ فِي جِزَارَتِهَا شَيْئًا مِنْهَا .\rثُمَّ قَالَ إسْنَادُهُ جَيِّدٌ .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rوَرَخَّصَ الْحَسَنُ ، وَالنَّخَعِيُّ فِي الْجِلْدِ أَنْ يَبِيعَهُ وَيَشْتَرِيَ بِهِ الْغِرْبَالَ وَالْمُنْخُلَ وَآلَةَ الْبَيْتِ .\rوَرُوِيَ نَحْوُ هَذَا عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ يَنْتَفِعُ بِهِ هُوَ وَغَيْرُهُ ، فَجَرَى مَجْرَى تَفْرِيقِ اللَّحْمِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَبِيعُ مَا شَاءَ مِنْهَا ، وَيَتَصَدَّقُ بِثَمَنِهِ .\rوَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، أَنَّهُ يَبِيعُ الْجِلْدَ ، وَيَتَصَدَّقُ بِثَمَنِهِ .\rوَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ أَحْمَدَ ، وَإِسْحَاقَ .\rوَلَنَا ، أَمْرُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَسْمِ جُلُودِهَا وَجِلَالِهَا ، وَنَهْيُهُ أَنْ يُعْطَى الْجَازِرُ شَيْئًا مِنْهَا .\rوَلِأَنَّهُ جَعَلَهُ لِلَّهِ - تَعَالَى ، فَلَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ ، كَالْوَقْفِ ، وَمَا ذَكَرُوهُ فِي شِرَاءِ آلَةِ الْبَيْتِ ، يَبْطُلُ بِاللَّحْمِ ، لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ بِآلَةِ الْبَيْتِ وَإِنْ كَانَ يَنْتَفِعُ بِهِ ، فَأَمَّا جَوَازُ الِانْتِفَاعِ بِجُلُودِهَا وَجِلَالِهَا ، فَلَا خِلَافَ فِيهِ ؛ لِأَنَّهُ جُزْءٌ مِنْهَا ، فَجَازَ لِلْمُضَحِّي الِانْتِفَاعُ بِهِ ، كَاللَّحْمِ ، وَكَانَ عَلْقَمَةُ وَمَسْرُوقٌ يَدْبُغَانِ جِلْدَ أُضْحِيَّتِهِمَا ، وَيُصَلِّيَانِ عَلَيْهِ .\rوَرَوَتْ عَائِشَةُ ، قَالَتْ : { قُلْت : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَدْ كَانُوا","part":21,"page":484},{"id":10484,"text":"يَنْتَفِعُونَ مِنْ ضَحَايَاهُمْ ، يُجَمِّلُونَ مِنْهَا الْوَدَكَ ، وَيَتَّخِذُونَ مِنْهَا الْأَسْقِيَةَ .\rقَالَ : وَمَا ذَاكَ ؟ قَالَتْ : نَهَيْت عَنْ إمْسَاكِ لُحُومِ الْأَضَاحِيِّ فَوْق ثَلَاثٍ .\rقَالَ : إنَّمَا نَهَيْتُكُمْ لِلدَّافَّةِ الَّتِي دَفَّتْ ، فَكُلُوا ، وَتَزَوَّدُوا ، وَتَصَدَّقُوا .\r} حَدِيثٌ صَحِيحٌ ، رَوَاهُ مَالِكٌ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ عَنْ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا وَلِأَنَّهُ انْتِفَاعٌ بِهِ ، فَجَازَ كَلَحْمِهَا .","part":21,"page":485},{"id":10485,"text":"( 7882 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ وَيَجُوزَ أَنْ يُبَدِّلَ الْأُضْحِيَّةَ إذَا أَوْجَبَهَا بِخَيْرٍ مِنْهَا هَذَا الْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ .\rوَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَعِكْرِمَةُ ، وَمَالِكٌ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ ، وَاخْتَارَ أَبُو الْخَطَّابِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُهَا ، وَلَا إبْدَالُهَا ؛ لِأَنَّ أَحْمَدَ نَصَّ فِي الْهَدْيِ إذَا عَطِبَ ، أَنَّهُ يُجْزِئُ عَنْهُ ، وَفِي الْأُضْحِيَّةِ إذَا هَلَكَتْ ، أَوْ ذَبَحَهَا فَسُرِقَتْ ، لَا بَدَلَ عَلَيْهِ .\rوَلَوْ كَانَ مِلْكَهُ مَازَالَ عَنْهَا ، لَزِمَهُ بَدَلُهَا فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي يُوسُفَ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ جَعَلَهَا لِلَّهِ تَعَالَى فَلَمْ يَمْلِكْ التَّصَرُّفَ فِيهَا بِالْبَيْعِ وَالْإِبْدَالِ ، كَالْوَقْفِ .\rوَلَنَا ، مَا رُوِيَ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَاقَ مِائَةَ بَدَنَةٍ فِي حِجَّتِهِ ، وَقَدِمَ عَلِيٌّ مِنْ الْيَمَنِ ، فَأَشْرَكَهُ فِيهَا } .\rرَوَاهُ مُسْلِمٌ .\rوَهَذَا نَوْعٌ مِنْ الْهِبَةِ أَوْ بَيْعٌ ، وَلِأَنَّهُ عَدَلَ عَنْ عَيْنٍ وَجَبَتْ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى إلَى خَيْرٍ مِنْهَا مِنْ جِنْسِهَا ، فَجَازَ ، كَمَا لَوْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ بِنْتُ لَبُونٍ ، فَأَخْرَجَ حِقَّةً فِي الزَّكَاةِ ، فَأَمَّا بَيْعُهَا ، فَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ ، أَنَّهُ لَا يَجُوزُ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : يَجُوزُ أَنْ يَبِيعَهَا ، وَيَشْتَرِيَ خَيْرًا مِنْهَا ، وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ ، وَمُجَاهِدٍ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ حَدِيثِ بُدْنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِشْرَاكِهِ فِيهَا ، وَلِأَنَّ مِلْكَهُ لَمْ يَزُلْ عَنْهَا ، بِدَلِيلِ جَوَازِ إبْدَالِهَا ، وَلِأَنَّهَا عَيْنٌ يَجُوزُ إبْدَالُهَا ، فَجَازَ بَيْعُهَا كَمَا قَبْلَ إيجَابِهَا .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ جَعَلَهَا لِلَّهِ تَعَالَى ، فَلَمْ يَجُزْ بَيْعُهَا ، كَالْوَقْفِ ، وَإِنَّمَا جَازَ إبْدَالُهَا بِجِنْسِهَا ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَزُلْ الْحَقُّ فِيهَا عَنْ جِنْسِهَا ، وَإِنَّمَا انْتَقَلَ إلَى خَيْرٍ مِنْهَا ، فَكَأَنَّهُ فِي الْمَعْنَى ضَمُّ زِيَادَةٍ إلَيْهَا ، وَقَدْ جَازَ إبْدَالُ الْمُصْحَفِ ، وَلَمْ","part":21,"page":486},{"id":10486,"text":"يَجُزْ بَيْعُهُ .\rوَأَمَّا حَدِيثُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَالظَّاهِرُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَبِعْهَا ، وَإِنَّمَا شَرَكَ عَلِيًّا فِي ثَوَابِهَا وَأَجْرِهَا .\rوَيُحْتَمَلُ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْلَ إيجَابِهَا .\rوَقَوْلُ الْخِرَقِيِّ : بِخَيْرٍ مِنْهَا .\rيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بِدُونِهَا ، وَلَا خِلَافَ فِي هَذَا ؛ لِأَنَّهُ تَفْوِيتُ جُزْءٍ مِنْهَا ، فَلَمْ يَجُزْ ، كَإِتْلَافِهِ .\rوَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ بِمِثْلِهَا ؛ لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ فِي هَذَا .\rوَقَالَ الْقَاضِي : فِي إبْدَالِهَا بِمِثْلِهَا احْتِمَالَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، جَوَازُهُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَنْقُصُ مِمَّا وَجَبَ عَلَيْهِ شَيْءٌ ، وَلَنَا أَنَّهُ بِغَيْرِ مَا أَوْجَبَهُ لِغَيْرِ فَائِدَةٍ ، فَلَمْ يَجُزْ ، كَإِبْدَالِهِ بِمَا دُونَهَا .","part":21,"page":487},{"id":10487,"text":"( 7883 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ وَإِذَا مَضَى مِنْ نَهَارِ يَوْمِ الْأَضْحَى مِقْدَارُ صَلَاةِ الْعِيدِ وَخُطْبَتِهِ ، فَقَدْ حَلَّ الذَّبْحُ إلَى آخِر يَوْمَيْنِ مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ نَهَارًا ، وَلَا يَجُوزُ لَيْلًا الْكَلَامُ فِي وَقْتِ الذَّبْحِ فِي ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ أَوَّلِهِ ، وَآخِرِهِ ، وَعُمُومِ وَقْتِهِ أَوْ خُصُوصِهِ .\rأَمَّا أَوَّلُهُ ، فَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ أَنَّهُ إذَا مَضَى مِنْ نَهَارِ يَوْمِ الْعِيدِ قَدْرٌ تَحُلُّ فِيهِ الصَّلَاةُ ، وَقَدْرُ الصَّلَاةِ وَالْخُطْبَتَيْنِ التَّامَّتَيْنِ فِي أَخَفِّ مَا يَكُونُ ، فَقَدْ حَلَّ وَقْتُ الذَّبْحِ ، وَلَا تُعْتَبَرُ نَفْسُ الصَّلَاةِ ، لَا فَرْقَ فِي هَذَا بَيْنَ أَهْلِ الْمِصْرِ وَغَيْرِهِمْ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ وَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ ، أَنَّ مِنْ شَرْطِ جَوَازِ التَّضْحِيَةِ فِي حَقِّ أَهْلِ الْمِصْرِ صَلَاةَ الْإِمَامِ وَخُطْبَتَهُ .\rوَرُوِيَ نَحْوُ هَذَا عَنْ الْحَسَنِ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَمَالِكٍ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَإِسْحَاقَ ؛ لِمَا رَوَى جُنْدُبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيُّ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ فَلْيُعِدْ مَكَانَهَا أُخْرَى .\r} وَعَنْ الْبَرَاءِ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ صَلَّى صَلَاتَنَا ، وَنَسَكَ نُسُكَنَا ، فَقَدْ أَصَابَ النُّسُكَ ، وَمَنْ ذَبَحَ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ ، فَلْيُعِدْ مَكَانَهَا أُخْرَى } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَفِي لَفْظٍ قَالَ : إنَّ أَوَّلَ نُسُكِنَا فِي يَوْمِنَا هَذَا الصَّلَاةُ ثُمَّ ، الذَّبْحُ ، فَمِنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلَاةِ ، فَتِلْكَ شَاةُ لَحْمٍ قَدَّمَهَا لِأَهْلِهِ ، لَيْسَ مِنْ النُّسُكِ فِي شَيْءٍ \" وَظَاهِرُ هَذَا اعْتِبَارُ نَفْسِ الصَّلَاةِ .\rوَقَالَ عَطَاءٌ : وَقْتُهَا إذَا طَلَعَتْ الشَّمْسُ ؛ لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ يَتَعَلَّقُ آخِرُهَا بِالْوَقْتِ ، فَتَعَلَّقَ أَوَّلُهَا بِالْوَقْتِ ، كَالصِّيَامِ .\rوَهَذَا وَجْهُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ وَمَنْ وَافَقَهُ .\rوَالصَّحِيحُ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ، أَنَّ وَقْتَهَا فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي يُصَلَّى فِيهِ بَعْدَ الصَّلَاةِ ؛","part":21,"page":488},{"id":10488,"text":"لِظَاهِرِ الْخَبَرِ ، وَالْعَمَلُ بِظَاهِرِهِ أَوْلَى .\rفَأَمَّا غَيْرُ أَهْلِ الْأَمْصَارِ وَالْقُرَى ، فَأَوَّلُ وَقْتِهَا فِي حَقِّهِمْ قَدْرُ الصَّلَاةِ وَالْخُطْبَةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ ؛ لِأَنَّهُ لَا صَلَاةَ فِي حَقِّهِمْ تُعْتَبَرُ ، فَوَجَبَ الِاعْتِبَارُ بِقَدْرِهَا .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : أَوَّلُ وَقْتِهَا فِي حَقِّهِمْ إذَا طَلَعَ الْفَجْرُ الثَّانِي ؛ لِأَنَّهُ مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ ، فَكَانَ وَقْتُهَا مِنْهُ كَسَائِرِ الْيَوْمِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهَا عِبَادَةٌ وَقْتُهَا فِي حَقِّ أَهْلِ الْمِصْرِ بَعْدَ إشْرَاقِ الشَّمْسِ ، فَلَا تَتَقَدَّمُ وَقْتَهَا فِي حَقِّ غَيْرِهِمْ ، كَصَلَاةِ الْعِيدِ .\rوَمَا ذَكَرُوهُ يَبْطُلُ بِأَهْلِ الْأَمْصَارِ فَإِنْ لَمْ يُصَلِّ الْإِمَامُ فِي الْمِصْرِ ، لَمْ يَجْزِ الذَّبْحُ حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ ؛ لِأَنَّهَا حِينَئِذٍ تَسْقُطُ ، فَكَأَنَّهُ قَدْ صَلَّى ، وَسَوَاءٌ تَرَكَ الصَّلَاةَ عَمْدًا أَوْ غَيْرَ عَمْدٍ ، لِعُذْرٍ أَوْ غَيْرِهِ .\rفَأَمَّا الذَّبْحُ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي ، فَهُوَ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ فِيهِ غَيْرُ وَاجِبَةٍ ، وَلِأَنَّ الْوَقْتَ قَدْ دَخَلَ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ ، وَهَذَا مِنْ أَثْنَائِهِ ، فَلَا تُعْتَبَرُ فِيهِ صَلَاةٌ وَلَا غَيْرُهَا .\rوَإِنْ صَلَّى الْإِمَامُ فِي الْمُصَلَّى ، وَاسْتَخْلَفَ مَنْ صَلَّى فِي الْمَسْجِدِ ، فَمَتَى صَلَّوْا فِي أَحَدِ الْمَوْضِعَيْنِ جَازَ الذَّبْحُ ؛ لِوُجُودِ الصَّلَاةِ الَّتِي يَسْقُطُ بِهَا الْفَرْضُ عَنْ سَائِرِ النَّاسِ فَإِنْ ذَبَحَ بَعْدَ الصَّلَاةِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ أَجْزَأَ ، فِي ظَاهِرِ كَلَامِ أَحْمَدَ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَّقَ الْمَنْعَ عَلَى فِعْلِ الصَّلَاةِ ، فَلَا يَتَعَلَّقُ بِغَيْرِهِ ، وَلِأَنَّ الْخُطْبَةَ غَيْرُ وَاجِبَةٍ .\rوَهَذَا قَوْلُ الثَّوْرِيِّ .\rالثَّانِي ، آخِرُ الْوَقْتِ ، وَآخِرُهُ آخِرُ الْيَوْمِ الثَّانِي مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ فَتَكُونُ أَيَّامُ النَّحْرِ ثَلَاثَةً ؛ يَوْمُ الْعِيدِ ، وَيَوْمَانِ بَعْدَهُ .\rوَهَذَا قَوْلُ عُمَرَ ، وَعَلِيٍّ ، وَابْنِ عُمَرَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ، وَأَنَسٍ .\rقَالَ أَحْمَدُ : أَيَّامُ النَّحْرِ ثَلَاثَةٌ ،","part":21,"page":489},{"id":10489,"text":"عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rوَفِي رِوَايَةٍ ، قَالَ : خَمْسَةٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rوَلَمْ يَذْكُرْ أَنَسًا .\rوَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ .\rوَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ، آخِرُ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ، وَقَوْلُ عَطَاءٍ ، وَالْحَسَنِ ؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { أَيَّامُ مِنًى كُلُّهَا مَنْحَرٌ } .\rوَلِأَنَّهَا أَيَّامُ تَكْبِيرٍ وَإِفْطَارٍ ، فَكَانَتْ مَحَلًّا لِلنَّحْرِ كَالْأَوَّلَيْنِ .\rوَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ : لَا تَجُوزُ إلَّا فِي يَوْمِ النَّحْرِ خَاصَّةً ؛ لِأَنَّهَا وَظِيفَةُ عِيدٍ ، فَلَا تَجُوزُ إلَّا فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ ، كَأَدَاءِ الْفِطْرِ .\rيَوْمَ الْفِطْرِ .\rوَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ ، كَقَوْلِ ابْنِ سِيرِينَ فِي أَهْلِ الْأَمْصَارِ ، وَقَوْلِنَا فِي أَهْلِ مِنًى ، وَعَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَعَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ : تَجُوزُ التَّضْحِيَةُ إلَى هِلَالِ الْمُحَرَّمِ .\rوَقَالَ أَبُو أُمَامَةَ بْنُ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ : كَانَ الرَّجُلُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ يَشْتَرِي أُضْحِيَّةً ، فَيُسَمِّنُهَا حَتَّى يَكُونَ آخِرُ ذِي الْحِجَّةِ ، فَيُضَحِّيَ بِهَا .\rرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادِهِ .\rوَقَالَ : هَذَا الْحَدِيثُ عَجِيبٌ .\rوَقَالَ : أَيَّامُ الْأَضْحَى الَّتِي أُجْمِعَ عَلَيْهَا ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ .\rوَلَنَا ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ ادِّخَارِ لُحُومِ الْأَضَاحِيِّ فَوْقَ ثَلَاثٍ .\rوَلَا يَجُوزُ الذَّبْحُ فِي وَقْتٍ لَا يَجُوزُ ادِّخَارُ الْأُضْحِيَّةِ إلَيْهِ ، وَلِأَنَّ الْيَوْمَ الرَّابِعَ لَا يَجِبُ الرَّمْيُ فِيهِ ، فَلَمْ تَجُزْ التَّضْحِيَةُ فِيهِ ، كَاَلَّذِي بَعْدَهُ ، وَلِأَنَّهُ قَوْلُ مَنْ سَمَّيْنَا مِنْ الصَّحَابَةِ ، وَلَا مُخَالِفَ لَهُمْ إلَّا رِوَايَةً عَنْ عَلِيٍّ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ مِثْلُ مَذْهَبِنَا ، وَحَدِيثُهُمْ إنَّمَا هُوَ : \" وَمِنًى كُلُّهَا مَنْحَرٌ \" .\rلَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ الْأَيَّامِ ،","part":21,"page":490},{"id":10490,"text":"وَالتَّكْبِيرُ أَعَمُّ مِنْ الذَّبْحِ ، وَكَذَلِكَ الْإِفْطَارُ ، بِدَلِيلِ أَوَّلِ يَوْمِ النَّحْرِ ، وَيَوْمُ عَرَفَةَ يَوْمُ تَكْبِيرٍ ، وَلَا يَجُوزُ الذَّبْحُ فِيهِ .\rالثَّالِثُ ، فِي زَمَنِ الذَّبْحِ ، وَهُوَ النَّهَارُ دُونَ اللَّيْلِ نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ .\rوَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ .\rوَرُوِيَ عَنْ عَطَاءٍ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ .\rوَحُكِيَ عَنْ أَحْمَدَ ، رِوَايَةٌ أُخْرَى ، أَنَّ الذَّبْحَ يَجُوزُ لَيْلًا .\rوَهُوَ اخْتِيَارُ أَصْحَابِنَا الْمُتَأَخِّرِينَ ، وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَإِسْحَاقَ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابه ؛ لِأَنَّ اللَّيْلَ زَمَنٌ يَصِحُّ فِيهِ الرَّمْيُ ، فَأَشْبَهَ النَّهَارَ .\rوَوَجْهُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ } وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ نَهَى عَنْ الذَّبْحِ بِاللَّيْلِ .\rوَلِأَنَّهُ لَيْلُ يَوْمٍ يَجُوزُ الذَّبْحُ فِيهِ ، فَأَشْبَهَ لَيْلَةَ يَوْمِ النَّحْرِ ، وَلِأَنَّ اللَّيْلَ تَتَعَذَّرُ فِيهِ تَفْرِقَةُ اللَّحْمِ فِي الْغَالِبِ ، فَلَا يُفَرَّقُ طَرِيًّا ، فَيَفُوتُ بَعْضُ الْمَقْصُودِ ؛ وَلِهَذَا قَالُوا : يُكْرَهُ الذَّبْحُ فِيهِ .\rفَعَلَى هَذَا ، إنْ ذَبَحَ لَيْلًا لَمْ يُجْزِئْهُ عَنْ الْوَاجِبِ ، وَإِنْ كَانَ تَطَوُّعًا فَذَبَحَهَا ، كَانَتْ شَاةَ لَحْمٍ ، وَلَمْ تَكُنْ أُضْحِيَّةً ، فَإِنْ فَرَّقَهَا ، حَصَلَتْ الْقُرْبَةُ بِتَفْرِيقِهَا ، دُونَ ذَبْحِهَا .","part":21,"page":491},{"id":10491,"text":"( 7884 ) فَصْلٌ : إذَا فَاتَ وَقْتُ الذَّبْحِ ، ذَبَحَ الْوَاجِبَ قَضَاءً ، وَصَنَعَ بِهِ مَا يُصْنَعُ بِالْمَذْبُوحِ فِي وَقْتِهِ ، وَهُوَ مُخَيَّرٌ فِي التَّطَوُّعِ ، فَإِنْ فَرَّقَ لَحْمَهَا كَانَتْ الْقُرْبَةُ بِذَلِكَ دُونَ الذَّبْحِ ؛ لِأَنَّهَا شَاةُ لَحْمٍ ، وَلَيْسَتْ أُضْحِيَّةً ، وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يُسَلِّمُهَا إلَى الْفُقَرَاءِ ، وَلَا يَذْبَحُهَا ، فَإِنْ ذَبَحَهَا فَرَّقَ لَحْمَهَا ، وَعَلَيْهِ أَرْشُ مَا نَقَصَهَا الذَّبْحُ ؛ لِأَنَّ الذَّبْحَ قَدْ سَقَطَ بِفَوَاتِ وَقْتِهِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الذَّبْحَ أَحَدُ مَقْصُودَيْ الْأُضْحِيَّةِ ، فَلَا يَسْقُطُ بِفَوَاتِ وَقْتِهِ كَتَفْرِقَةِ اللَّحْمِ ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ ذَبَحَهَا فِي الْأَيَّامِ ، ثُمَّ خَرَجَتْ قَبْلَ تَفْرِيقِهَا ، فَرَّقَهَا بَعْدَ ذَلِكَ .\rوَيُفَارِقُ الْوُقُوفَ وَالرَّمْيَ ، وَلِأَنَّ الْأُضْحِيَّةَ لَا تَسْقُطُ بِفَوَاتِهَا ، بِخِلَافِ ذَلِكَ .","part":21,"page":492},{"id":10492,"text":"( 7885 ) فَصْلٌ : إذَا وَجَبَتْ الْأُضْحِيَّةُ بِإِيجَابِهِ لَهَا ، فَضَلَّتْ أَوْ سُرِقَتْ بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ مِنْهُ ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ ، لِأَنَّهَا أَمَانَةٌ فِي يَدِهِ ، فَإِنْ عَادَتْ إلَيْهِ ذَبَحَهَا ، سَوَاءٌ كَانَ فِي زَمَنِ الذَّبْحِ ، أَوْ فِيمَا بَعْدُ ، عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ .","part":21,"page":493},{"id":10493,"text":"( 7886 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ فَإِنْ ذَبَحَ قَبْلَ ذَلِكَ لَمْ يُجْزِئْهُ ، وَلَزِمَهُ الْبَدَلُ وَذَلِكَ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ فَلْيُعِدْ مَكَانَهَا أُخْرَى } .\rوَلِأَنَّهَا نَسِيكَةٌ وَاجِبَةٌ ، ذَبَحَهَا قَبْلَ وَقْتِهَا ، فَلَزِمَهُ بَدَلُهَا ، كَالْهَدْيِ إذَا ذَبَحَهُ قَبْلَ مَحِلِّهِ .\rوَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ بَدَلُهَا مِثْلَهَا أَوْ خَيْرًا مِنْهَا ؛ لِأَنَّ ذَبْحَهَا قَبْلَ مَحِلِّهَا إتْلَافٌ لَهَا .\rوَكَلَامُ الْخِرَقِيِّ ، وَمَنْ أَطْلَقَ مِنْ أَصْحَابِنَا ، مَحْمُولٌ عَلَى الْأُضْحِيَّةِ الْوَاجِبَةِ بِنَذْرٍ أَوْ تَعْيِينٍ ، فَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ وَاجِبَةٍ بِوَاحِدٍ مِنْ الْأَمْرَيْنِ ، فَهِيَ شَاةُ لَحْمٍ ، وَلَا بَدَلَ عَلَيْهِ ، إلَّا أَنْ يَشَاءَ ؛ لِأَنَّهُ قَصَدَ التَّطَوُّعَ فَأَفْسَدَهُ ، فَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ بَدَلُهُ ، كَمَا لَوْ خَرَجَ بِصَدَقَةِ تَطَوُّعٍ فَدَفَعَهَا إلَى غَيْرِ مُسْتَحِقِّهَا ، وَالْحَدِيثُ يُحْمَلُ عَلَى أَحَدِ أَمْرَيْنِ ؛ إمَّا النَّدْبُ ، وَإِمَّا عَلَى التَّخْصِيصِ بِمَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ ؛ بِدَلِيلِ مَا ذَكَرْنَا .\rفَأَمَّا الشَّاةُ الْمَذْبُوحَةُ ، فَهِيَ شَاةُ لَحْمٍ ، كَمَا وَصَفَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَعْنَاهُ يَصْنَعُ بِهَا مَا شَاءَ ، كَشَاةٍ ذَبَحَهَا لِلَحْمِهَا ، لَا لِغَيْرِ ذَلِكَ ، فَإِنَّ هَذِهِ إنْ كَانَتْ وَاجِبَةً ، فَقَدْ لَزِمَهُ إبْدَالُهَا ، وَذَبْحُ مَا يَقُومُ مَقَامَهَا ، فَخَرَجَتْ هَذِهِ عَنْ كَوْنِهَا وَاجِبَةً ، كَالْهَدْيِ الْوَاجِبِ ، إذَا عَطِبَ دُونَ مَحِلِّهِ ، وَإِنْ كَانَ تَطَوُّعًا ، فَقَدْ أَخْرَجَهَا بِذَبْحِهِ إيَّاهَا قَبْلَ مَحِلِّهَا عَنْ الْقُرْبَةِ ، فَبَقِيَتْ مُجَرَّدَ شَاةِ لَحْمٍ .\rوَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ حُكْمُهَا حُكْمَ الْأُضْحِيَّةِ ، كَالْهَدْيِ إذَا عَطِبَ ؛ لَا يَخْرُجُ عَنْ حُكْمِ الْهَدْيِ عَلَى رِوَايَةٍ ، وَيَكُونُ ، مَعْنَى قَوْلِهِ \" شَاةُ لَحْمٍ \" .\rأَيْ فِي فَضْلِهَا وَثَوَابِهَا خَاصَّةً ، دُونَ مَا يَصْنَعُ بِهَا .","part":21,"page":494},{"id":10494,"text":"( 7887 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : وَلَا يُسْتَحَبُّ أَنْ يَذْبَحَهَا إلَّا مُسْلِمٌ ، وَإِنْ ذَبَحَهَا بِيَدِهِ كَانَ أَفْضَلَ وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَذْبَحَ الْأُضْحِيَّةَ إلَّا مُسْلِمٌ ؛ لِأَنَّهَا قُرْبَةٌ ، فَلَا يَلِيهَا غَيْرُ أَهْلِ الْقُرْبَةِ ، وَإِنْ اسْتَنَابَ ذِمِّيًّا فِي ذَبْحِهَا ، جَازَ مَعَ الْكَرَاهَةِ .\rوَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ .\rوَحُكِيَ عَنْ أَحْمَدَ ، لَا يَجُوزُ أَنْ يَذْبَحَهَا إلَّا مُسْلِمٌ .\rوَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ وَمِمَّنْ كَرِهَ ذَلِكَ عَلِيٌّ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ ، وَجَابِرٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ ، وَابْنُ سِيرِينَ .\rوَقَالَ جَابِرٌ : لَا يَذْبَحُ النُّسُكَ إلَّا مُسْلِمٌ ؛ لِمَا رُوِيَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ الطَّوِيلِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : \" وَلَا يَذْبَحْ ضَحَايَاكُمْ إلَّا طَاهِرٌ \" .\rوَلِأَنَّ الشُّحُومَ تَحْرُمُ عَلَيْنَا مِمَّا يَذْبَحُونَهُ عَلَى رِوَايَةٍ ، فَيَكُونُ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ إتْلَافِهِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ مَنْ جَازَ لَهُ ذَبْحُ غَيْرِ الْأُضْحِيَّةِ ، جَازَ لَهُ ذَبْحُ الْأُضْحِيَّةِ ، كَالْمُسْلِمِ ، وَيَجُوزُ أَنْ يَتَوَلَّى الْكَافِرُ مَا كَانَ قُرْبَةً لِلْمُسْلِمِ ، كَبِنَاءِ الْمَسَاجِدِ وَالْقَنَاطِرِ ، وَلَا نُسَلِّمُ تَحْرِيمَ الشُّحُومِ عَلَيْنَا بِذَبْحِهِمْ ، وَالْحَدِيثُ مَحْمُولٌ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ ، وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَذْبَحَهَا الْمُسْلِمُ لِيَخْرُجَ مِنْ الْخِلَافِ .\rوَإِنْ ذَبَحَهَا بِيَدِهِ كَانَ أَفْضَلَ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضَحَّى بِكَبْشَيْنِ أَقْرَنَيْنِ أَمْلَحَيْنِ ، ذَبَحَهُمَا بِيَدِهِ ، وَسَمَّى وَكَبَّرَ ، وَوَضَعَ رِجْلَهُ عَلَى صِفَاحِهِمَا .\rوَنَحَرَ الْبَدَنَاتِ السِّتَّ بِيَدِهِ .\rوَنَحَرَ مِنْ الْبُدْنِ الَّتِي سَاقَهَا فِي حِجَّتِهِ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ بَدَنَةً بِيَدِهِ .\rوَلِأَنَّ فِعْلَهُ قُرْبَةٌ ، وَفِعْلُ الْقُرْبَةِ أَوْلَى مِنْ اسْتِنَابَتِهِ فِيهَا فَإِنْ اسْتَنَابَ فِيهَا ، جَازَ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَنَابَ مَنْ نَحَرَ بَاقِيَ بُدْنِهِ بَعْدَ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ .\rوَهَذَا لَا شَكَّ","part":21,"page":495},{"id":10495,"text":"فِيهِ .\rوَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَحْضُرَ ذَبْحَهَا ؛ لِأَنَّ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ الطَّوِيلِ \" وَاحْضُرُوهَا إذَا ذَبَحْتُمْ فَإِنَّهُ يُغْفَرُ لَكُمْ عِنْدَ أَوَّلِ قَطْرَةٍ مِنْ دَمِهَا \" .\rوَرُوِيَ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِفَاطِمَةَ : اُحْضُرِي أُضْحِيَّتَك ، يُغْفَرْ لَك بِأَوَّلِ قَطْرَةٍ مِنْ دَمِهَا .\r}","part":21,"page":496},{"id":10496,"text":"( 7888 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ وَيَقُولُ عِنْدَ الذَّبْحِ : بِسْمِ اللَّهِ ، وَاَللَّهُ أَكْبَرُ .\rوَإِنْ نَسِيَ فَلَا يَضُرُّهُ .\rثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { كَانَ إذَا ذَبَحَ قَالَ : بِسْمِ اللَّهِ ، وَاَللَّهُ أَكْبَرُ } وَفِي حَدِيثِ أَنَسٌ : وَسَمَّى وَكَبَّرَ .\rوَكَذَلِكَ كَانَ يَقُولُ ابْنُ عُمَرَ .\rوَبِهِ يَقُولُ أَصْحَابُ الرَّأْيِ ، وَلَا نَعْلَمُ فِي اسْتِحْبَابِ هَذَا خِلَافًا ، وَلَا فِي أَنَّ التَّسْمِيَةَ مُجْزِئَةٌ .\rوَإِنْ نَسِيَ التَّسْمِيَةَ ، أَجْزَأَهُ ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي الذَّبَائِحِ .\rوَإِنْ زَادَ فَقَالَ : اللَّهُمَّ هَذَا مِنْك وَلَك ، اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنِّي ، أَوْ مِنْ فُلَانٍ .\rفَحَسَنٌ .\rوَبِهِ قَالَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يُكْرَهُ أَنْ يَذْكُرَ اسْمَ غَيْرِ اللَّهِ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ } .\rوَلَنَا ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُتِيَ بِكَبْشٍ لَهُ لِيَذْبَحَهُ ، فَأَضْجَعَهُ ، ثُمَّ قَالَ : اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنْ مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ وَأُمَّةِ مُحَمَّدٍ .\rثُمَّ ضَحَّى } .\rرَوَاهُ مُسْلِمٌ .\rوَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { اللَّهُمَّ مِنْك وَلَك ، عَنْ مُحَمَّدٍ وَأُمَّتِهِ ، بِسْمِ اللَّهِ ، وَاَللَّهُ اكْبَرْ .\rثُمَّ ذَبَحَ } .\rوَهَذَا نَصٌّ لَا يُعَرَّجُ عَلَى خِلَافِهِ .\r( 7889 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَقُولَ عِنْدَ الذَّبْحِ عَمَّنْ لِأَنَّ النِّيَّةَ تُجْزِئُ لَا أَعْلَمُ خِلَافًا فِي أَنَّ النِّيَّةَ تُجْزِئُ ، وَإِنْ ذَكَرَ مَنْ يُضَحِّي عَنْهُ فَحَسَنٌ ؛ لِمَا رَوَيْنَا مِنْ الْحَدِيثِ .\rقَالَ الْحَسَنُ : يَقُولُ بِسْمِ اللَّهِ ، وَاَللَّهُ أَكْبَرُ ، هَذَا مِنْك وَلَك ، تَقَبَّلْ مِنْ فُلَانٍ .\rوَكَرِهَ أَهْلُ الرَّأْي هَذَا .\rوَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي الَّتِي قَبْلَهَا .","part":21,"page":497},{"id":10497,"text":"( 7890 ) فَصْلٌ : وَإِنْ عَيَّنَ أُضْحِيَّةً ، فَذَبَحَهَا غَيْرُهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ ، أَجْزَأَتْ عَنْ صَاحِبِهَا ، وَلَا ضَمَانَ عَلَى ذَابِحِهَا .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَقَالَ مَالِكٌ : هِيَ شَاةُ لَحْمٍ ، لِصَاحِبِهَا أَرْشُهَا ، وَعَلَيْهِ بَدَلُهَا ؛ لِأَنَّ الذَّبْحَ عِبَادَةٌ ، فَإِذَا فَعَلَهَا غَيْرُ صَاحِبِهَا عَنْهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ لَمْ تَقَعْ الْمَوْقِعَ ، كَالزَّكَاةِ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : تُجْزِئُ عَنْ صَاحِبِهَا ، وَلَهُ عَلَى ذَابِحِهَا أَرْشُ مَا بَيْنَ قِيمَتِهَا صَحِيحَةً وَمَذْبُوحَةً ؛ لِأَنَّ الذَّبْحَ أَحَدُ مَقْصُودَيْ الْهَدْيِ ، فَإِذَا فَعَلَهُ فَاعِلٌ بِغَيْرِ إذْنِ الْمُضَحِّي ، ضَمِنَهُ ، كَتَفْرِقَةِ اللَّحْمِ .\rوَلَنَا ، عَلَى مَالِكٍ ، أَنَّهُ فِعْلٌ لَا يَفْتَقِرُ إلَى النِّيَّةِ ، فَإِذَا فَعَلَهُ غَيْرُ الصَّاحِبِ أَجْزَأَ عَنْهُ ، كَغَسْلِ ثَوْبِهِ مِنْ النَّجَاسَةِ .\rوَعَنْ الشَّافِعِيِّ ، أَنَّهَا أُضْحِيَّةٌ أَجْزَأَتْ عَنْ صَاحِبِهَا ، وَوَقَعَتْ مَوْقِعَهَا ، فَلَمْ يَضْمَنْ ذَابِحُهَا ، كَمَا لَوْ كَانَ بِإِذْنٍ ، وَلِأَنَّهُ إرَاقَةُ دَمٍ تَعَيَّنَ إرَاقَتُهُ لِحَقِّ اللَّهِ - تَعَالَى ، فَلَمْ يَضْمَنْ مُرِيقُهُ ، كَقَاتِلِ الْمُرْتَدِّ بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ ، وَلِأَنَّ الْأَرْشَ لَوْ وَجَبَ ، فَإِنَّمَا يَجِبُ مَا بَيْنَ كَوْنِهَا مُسْتَحَقَّةَ الذَّبْحِ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ مُتَعَيِّنَةً لَهُ وَمَا بَيْنَ كَوْنِهَا مَذْبُوحَةً ، وَلَا قِيمَةَ لِهَذِهِ الْحَيَاةِ ، وَلَا تَفَاوُتَ بَيْنَ الْقِيمَتَيْنِ ، فَتَعَذَّرَ وُجُودُ الْأَرْشِ وَوُجُوبُهُ ، وَلِأَنَّهُ لَوْ وَجَبَ الْأَرْشُ لَمْ يَخْلُ إمَّا أَنْ يَجِبَ لِلْمُضَحِّي ، أَوْ لِلْفُقَرَاءِ ، لَا جَائِزٌ أَنْ يَجِبَ لِلْفُقَرَاءِ ؛ لِأَنَّهُمْ إنَّمَا يَسْتَحِقُّونَهَا مَذْبُوحَةً ، وَلَوْ دَفَعَهَا إلَيْهِمْ فِي الْحَيَاةِ لَمْ يَجُزْ ، وَلَا جَائِزٌ أَنْ يَجِبَ لَهُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَأْخُذَ بَدَلَ شَيْءٍ مِنْهَا ، كَعُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهَا ، وَلِأَنَّهُمْ وَافَقُونَا فِي أَنَّ الْأَرْشَ لَا يُدْفَعُ إلَيْهِ ، فَيَتَعَذَّرُ إيجَابُهُ ، لِعَدَمِ مُسْتَحِقِّهِ .","part":21,"page":498},{"id":10498,"text":"( 7891 ) فَصْلٌ : وَإِنْ نَذَرَ أُضْحِيَّةً فِي ذِمَّتِهِ ثُمَّ ذَبَحَهَا ، فَلَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا .\rوَقَالَ الْقَاضِي : مِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ مَنَعَ الْأَكْلَ مِنْهَا .\rوَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ ، وَبَنَاهُ عَلَى الْهَدْيِ الْمَنْذُورِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ النَّذْرَ مَحْمُولٌ عَلَى الْمَعْهُودِ ، وَالْمَعْهُودُ مِنْ الْأُضْحِيَّةِ الشَّرْعِيَّةِ ذَبْحُهَا ، وَالْأَكْلُ مِنْهَا ، وَالنَّذْرُ لَا يُغَيِّرُ مِنْ صِفَةِ الْمَنْذُورِ إلَّا الْإِيجَابَ ، وَفَارَقَ الْهَدْيَ الْوَاجِبَ بِأَصْلِ الشَّرْعِ ؛ لَا يَجُوزُ الْأَكْلُ مِنْهُ ، فَالْمَنْذُورُ مَحْمُولٌ عَلَيْهِ ، بِخِلَافِ الْأُضْحِيَّةِ .","part":21,"page":499},{"id":10499,"text":"( 7892 ) فَصْلٌ : وَلَا يُضَحِّي عَمَّا فِي الْبَطْنِ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ .\rوَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ .\rوَلَا نَعْلَمُ مُخَالِفًا لَهُمْ .\rوَلَيْسَ لِلْعَبْدِ ، وَالْمُدَبَّرِ ، وَالْمُكَاتَبِ ، وَأُمِّ الْوَلَدِ ، أَنْ يُضَحُّوا إلَّا بِإِذْنِ سَادَتِهِمْ ؛ لِأَنَّهُمْ مَمْنُوعُونَ مِنْ التَّصَرُّفِ بِغَيْرِ إذْنِهِمْ ، إلَّا الْمَكَاتِب ، فَإِنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْ التَّبَرُّعِ ، وَالْأُضْحِيَّةُ تَبَرُّعٌ .\rوَأَمَّا مَنْ نِصْفُهُ حُرٌّ إذَا مَلَكَ بِجُزْئِهِ الْحُرِّ شَيْئًا ، فَلَهُ أَنْ يُضَحِّيَ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ ؛ لِأَنَّ لَهُ أَنْ يَتَبَرَّعَ بِغَيْرِ إذْنِهِ","part":21,"page":500},{"id":10500,"text":"( 7893 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : وَيَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِكَ السَّبْعَةُ ، فَيُضَحُّوا بِالْبَدَنَةِ وَالْبَقَرَةِ وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِكَ فِي التَّضْحِيَةِ بِالْبَدَنَةِ وَالْبَقَرَةِ سَبْعَةٌ ، وَاجِبًا كَانَ أَوْ تَطَوُّعًا ، سَوَاءٌ كَانُوا كُلُّهُمْ مُتَقَرِّبِينَ ، أَوْ يُرِيدُ بَعْضُهُمْ الْقُرْبَةَ وَبَعْضُهُمْ اللَّحْمَ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ مَالِكٌ : لَا يَجُوزُ الِاشْتِرَاكُ فِي الْهَدْيِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَجُوزُ لِلْمُتَقَرِّبِينَ ، وَلَا يَجُوزُ إذَا كَانَ بَعْضُهُمْ غَيْرَ مُتَقَرِّبٍ ؛ لِأَنَّ الذَّبْحَ وَاحِدٌ ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ تَخْتَلَّ نِيَّةُ الْقُرْبَةِ فِيهِ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى جَابِرٌ ، قَالَ : { أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ نَشْتَرِكَ فِي الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ ، كُلُّ سَبْعَةٍ مِنَّا فِي بَدَنَةٍ } رَوَاهُ مُسْلِمٌ .\rوَلَنَا ، عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ ، أَنَّ الْجُزْءَ الْمُجَزَّأَ لَا يَنْقُصُ بِإِرَادَةِ الشَّرِيكِ غَيْرَ الْقُرْبَةِ ، فَجَازَ ، كَمَا لَوْ اخْتَلَفَتْ جِهَاتُ الْقُرْبِ ، فَأَرَادَ بَعْضُهُمْ التَّضْحِيَةَ ، وَبَعْضُهُمْ الْفِدْيَةَ .\r( 7894 ) فَصْلٌ : وَيَحُوزُ لِلْمُشْتَرَكِينَ قِسْمَةُ اللَّحْمِ ، وَمَنَعَ مِنْهُ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ فِي وَجْهٍ ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْقِسْمَةَ بَيْعٌ ، وَبَيْعُ لَحْمِ الْهَدْيِ وَالْأُضْحِيَّةِ غَيْرُ جَائِزٍ .\rوَلَنَا ، أَنَّ أَمْرَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالِاشْتِرَاكِ ، مَعَ أَنَّ سُنَّةَ الْهَدْيِ وَالْأُضْحِيَّةِ الْأَكْلُ مِنْهَا ، دَلِيلٌ عَلَى تَجْوِيزِ الْقِسْمَةِ ، إذْ لَا يَتَمَكَّنُ وَاحِدٌ مِنْهُمْ مِنْ الْأَكْلِ إلَّا بِالْقِسْمَةِ ، وَكَذَلِكَ الصَّدَقَةُ وَالْهَدِيَّةُ ، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْقِسْمَةَ بَيْعٌ ، بَلْ هِيَ إفْرَازُ حَقٍّ ، عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فِي بَابِ الْقِسْمَةُ .","part":22,"page":1},{"id":10501,"text":"( 7895 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ وَالْعَقِيقَةُ سُنَّةٌ ، عَنْ الْغُلَامِ شَاتَانِ ، وَعَنْ الْجَارِيَةِ شَاةٌ الْعَقِيقَةُ : الذَّبِيحَةُ الَّتِي تُذْبَحُ عَنْ الْمَوْلُودِ ، وَقِيلَ : هِيَ الطَّعَامُ الَّذِي يُصْنَعُ وَيُدْعَى إلَيْهِ مِنْ أَجْلِ الْمَوْلُودِ .\rقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : الْأَصْلُ فِي الْعَقِيقَةِ .\rالشَّعْرُ الَّذِي عَلَى الْمَوْلُودِ ، وَجَمْعُهَا عَقَائِقُ ، وَمِنْهَا قَوْلُ الشَّاعِر : أَيَا هِنْدُ لَا تَنْكِحِي بُوهَةً عَلَيْهِ عَقِيقَتُهُ أَحْسَبَا ثُمَّ إنَّ الْعَرَبَ سَمَّتْ الذَّبِيحَةَ عِنْدَ حَلْقِ شَعْرِهِ عَقِيقَةً ، عَلَى عَادَاتِهِمْ فِي تَسْمِيَةِ الشَّيْءِ بِاسْمِ سَبَبِهِ أَوْ مَا جَاوَرَهُ ، ثُمَّ اُشْتُهِرَ ذَلِكَ حَتَّى صَارَ مِنْ الْأَسْمَاءِ الْعُرْفِيَّةِ ، وَصَارَتْ الْحَقِيقَةُ مَغْمُورَةً فِيهِ ، فَلَا يُفْهَمُ مِنْ الْعَقِيقَةِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ إلَّا الذَّبِيحَةُ .\rوَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : أَنْكَرَ أَحْمَدُ هَذَا التَّفْسِيرَ ، وَقَالَ : إنَّمَا الْعَقِيقَةُ الذَّبْحُ نَفْسُهُ .\rوَوَجْهُهُ أَنَّ أَصْلَ الْعَقِّ الْقَطْعُ ، وَمِنْهُ عَقَّ وَالِدَيْهِ ، إذَا قَطَعَهُمَا .\rوَالذَّبْحُ قَطْعُ الْحُلْقُومِ وَالْمَرِيءِ وَالْوَدَجَيْنِ .\rوَالْعَقِيقَةُ سُنَّةٌ فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ ؛ مِنْهُمْ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَابْنُ عُمَرَ ، وَعَائِشَةُ ، وَفُقَهَاءُ التَّابِعِينَ ، وَأَئِمَّةُ الْأَمْصَارِ ، إلَّا أَصْحَابَ الرَّأْيِ ، قَالُوا لَيْسَتْ سُنَّةً ، وَهِيَ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ .\rوَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الْعَقِيقَةِ ، فَقَالَ : إنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - لَا يُحِبُّ الْعُقُوقَ .\rفَكَأَنَّهُ كَرِهَ الِاسْمَ ، وَقَالَ : مَنْ وُلِدَ لَهُ مَوْلُودٌ ، فَأَحَبَّ أَنْ يَنْسُكَ عَنْهُ فَلْيَفْعَلْ .\r} رَوَاهُ مَالِكٌ فِي \" مُوَطَّئِهِ \" لَوْ .\rوَقَالَ الْحَسَنُ وَدَاوُد : هِيَ وَاجِبَةٌ .\rوَرُوِيَ عَنْ بُرَيْدَةَ ، أَنَّ النَّاسَ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا ، كَمَا يُعْرَضُونَ عَلَى الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ ؛ لِمَا رَوَى سَمُرَةُ بْنُ جُنْدُبٍ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { كُلُّ غُلَامٍ رَهِينَةٌ بِعَقِيقَتِهِ ، تُذْبَحُ عَنْهُ","part":22,"page":2},{"id":10502,"text":"يَوْمَ سَابِعِهِ ، وَيُسَمَّى فِيهِ ، وَتُحْلَقُ رَأْسُهُ } .\rوَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مِثْلُهُ .\rقَالَ أَحْمَدُ : إسْنَادُهُ جَيِّدٌ ، وَرَوَى حَدِيثَ سَمُرَةَ الْأَثْرَمُ ، وَأَبُو دَاوُد .\rوَعَنْ عَائِشَةَ ، { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَهُمْ عَنْ الْغُلَامِ بِشَاتَيْنِ ، وَعَنْ الْجَارِيَةِ بِشَاةٍ .\r} وَظَاهِرُ الْأَمْرِ الْوُجُوبُ .\rوَلَنَا ، عَلَى اسْتِحْبَابِهَا هَذِهِ الْأَحَادِيثُ ، وَعَنْ أُمِّ كَرْزٍ الْكَعْبِيَّةِ ، قَالَتْ : سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : { عَنْ الْغُلَامِ شَاتَانِ مُكَافِئَتَانِ ، وَعَنْ الْجَارِيَةِ شَاةٌ } .\rوَفِي لَفْظٍ : { عَنْ الْغُلَامِ شَاتَانِ مِثْلَانِ ، وَعَنْ الْجَارِيَةِ شَاةٌ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ : \" الْعَقِيقَةُ عَنْ الْغُلَامِ شَاتَانِ \" .\rوَالْإِجْمَاعُ ، قَالَ أَبُو الزِّنَادِ : الْعَقِيقَةُ مِنْ أَمْرِ النَّاسِ ، كَانُوا يَكْرَهُونَ تَرْكَهُ .\rوَقَالَ أَحْمَدُ : الْعَقِيقَةُ سُنَّةٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ عَقَّ عَنْ الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ ، وَفَعَلَهُ أَصْحَابُهُ ، وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : \" الْغُلَامُ مُرْتَهَنٌ بِعَقِيقَتِهِ \" .\rوَهُوَ إسْنَادٌ جَيِّدٌ ، يَرْوِيهِ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rوَجَعَلَهَا أَبُو حَنِيفَةَ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ ، وَذَلِكَ لِقِلَّةِ عِلْمِهِ وَمَعْرِفَتِهِ بِالْأَخْبَارِ .\rوَأَمَّا بَيَانُ كَوْنِهَا غَيْرَ وَاجِبَةٍ ، فَدَلِيلُهُ مَا احْتَجَّ بِهِ أَصْحَابُ الرَّأْيِ مِنْ الْخَبَرِ ، وَمَا رَوَوْهُ مَحْمُولٌ عَلَى تَأْكِيدِ الِاسْتِحْبَابِ ، جَمْعًا بَيْنَ الْأَخْبَارِ ، وَلِأَنَّهَا ذَبِيحَةٌ لِسُرُورٍ حَادِثٍ ، فَلَمْ تَكُنْ وَاجِبَةً ، كَالْوَلِيمَةِ وَالنَّقِيعَةِ .","part":22,"page":3},{"id":10503,"text":"( 7896 ) فَصْلٌ : وَالْعَقِيقَةُ أَفْضَلُ مِنْ الصَّدَقَةِ بِقِيمَتِهَا .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، وَقَالَ : إذَا لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مَا يَعُقُّ ، فَاسْتَقْرَضَ ، رَجَوْت أَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَلَيْهِ ، إحْيَاءَ سُنَّةٍ .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : صَدَقَ أَحْمَدُ ، إحْيَاءُ السُّنَنِ وَاتِّبَاعُهَا أَفْضَلُ ، وَقَدْ وَرَدَ فِيهَا مِنْ التَّأْكِيدِ فِي الْأَخْبَارِ الَّتِي رَوَيْنَاهَا مَا لَمْ يَرِدْ فِي غَيْرِهَا .\rوَلِأَنَّهَا ذَبِيحَةٌ أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَا ، فَكَانَتْ أَوْلَى ، كَالْوَلِيمَةِ وَالْأُضْحِيَّةِ .","part":22,"page":4},{"id":10504,"text":"( 7897 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ عَنْ الْغُلَامِ ، وَعَنْ الْجَارِيَةِ شَاةٌ .\rهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ الْقَائِلِينَ بِهَا وَبِهِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَعَائِشَةُ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ .\rوَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُول : شَاةٌ شَاةٌ عَنْ الْغُلَامِ وَالْجَارِيَةِ .\rلِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَنَّهُ عَقَّ عَنْ الْحَسَنِ شَاةً ، وَعَنْ الْحُسَيْنِ شَاةً } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد كَانَ الْحَسَنُ ، وَقَتَادَةُ ، لَا يَرَيَانِ عَنْ الْجَارِيَةِ عَقِيقَةً ؛ لِأَنَّ الْعَقِيقَةَ شُكْرٌ لِلنِّعْمَةِ الْحَاصِلَةِ بِالْوَلَدِ ، وَالْجَارِيَةُ لَا يَحْصُلُ بِهَا سُرُورٌ ، فَلَا يُشْرَعُ لَهَا عَقِيقَةٌ .\rوَلَنَا ، حَدِيثُ عَائِشَةَ ، وَأُمِّ كَرْزٍ ، وَهَذَا نَصٌّ ، وَمَا رَوَوْهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْجَوَازِ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ تَكُونَ الشَّاتَانِ مُتَمَاثِلَتَيْنِ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : \" شَاتَانِ مُكَافِئَتَانِ \" .\rوَفِي رِوَايَةٍ \" مِثْلَانِ \" قَالَ أَحْمَدُ : يَعْنِي مُتَمَاثِلَتَيْنِ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" شَاتَانِ مُكَافِئَتَانِ \" وَفِي رِوَايَةٍ : \" مِثْلَانِ \" .\rقَالَ أَحْمَدُ : يَعْنِي لِمَا جَاءَ مِنْ الْحَدِيثِ فِيهِ ، وَيَجُوزُ فِيهَا الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى لِمَا رُوِيَ فِي حَدِيثِ أُمِّ كَرْزٍ ، أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : { عَنْ الْغُلَامِ شَاتَانِ مُكَافِئَتَانِ ، وَعَنْ الْجَارِيَةِ شَاةٌ ، وَلَا بَأْسَ أَنْ يَكُونَ ذُكُورًا أَوْ إنَاثًا } .\rرَوَاهُ سَعِيدٌ ، وَأَبُو دَاوُد .\rوَالذَّكَرُ أَفْضَلُ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَقَّ عَنْ الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ بِكَبْشٍ كَبْشٍ ، وَضَحَّى بِكَبْشَيْنِ أَقْرَنَيْنِ .\rوَالْعَقِيقَةُ تَجْرِي مَجْرَى الْأُضْحِيَّةِ .\rوَالْأَفْضَلُ فِي لَوْنِهَا الْبَيَاضُ ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي الْأُضْحِيَّةِ ؛ لِأَنَّهَا تُشْبِهُهَا .\rوَيُسْتَحَبُّ اسْتِسْمَانُهَا ، وَاسْتِعْظَامُهَا ، وَاسْتِحْسَانُهَا كَذَلِكَ .\rوَإِنْ خَالَفَ ذَلِكَ ، أَوْ عَقَّ بِكَبْشٍ وَاحِدٍ أَجْزَأَ ؛ لِمَا رَوَيْنَا مِنْ حَدِيثِ","part":22,"page":5},{"id":10505,"text":"الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ .","part":22,"page":6},{"id":10506,"text":"( 7898 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ وَيُذْبَحُ يَوْمَ السَّابِعِ قَالَ أَصْحَابُنَا : السُّنَّةُ أَنْ تُذْبَحَ يَوْمَ السَّابِعِ ، فَإِنْ فَاتَ فَفِي أَرْبَعَ عَشْرَةَ ، فَإِنْ فَاتَ فَفِي إحْدَى وَعِشْرِينَ .\rوَيُرْوَى هَذَا عَنْ عَائِشَةَ .\rوَبِهِ قَالَ إِسْحَاقُ .\rوَعَنْ مَالِكٍ ، فِي الرَّجُلِ يُرِيدُ أَنْ يَعُقَّ عَنْ وَلَدِهِ ، فَقَالَ : مَا عَلِمْت هَذَا مِنْ أَمْرِ النَّاسِ ، وَمَا يُعْجِبُنِي .\rوَلَا نَعْلَمُ خِلَافًا بَيْن أَهْلِ الْعِلْمِ الْقَائِلِينَ بِمَشْرُوعِيَّتِهَا فِي اسْتِحْبَابِ ذَبْحِهَا يَوْمَ السَّابِعِ .\rوَالْأَصْلُ فِيهِ حَدِيثُ سَمُرَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { كُلُّ غُلَامٍ رَهِينَةٌ بِعَقِيقَتِهِ ، تُذْبَحُ عَنْهُ يَوْمَ سَابِعِهِ ، وَيُسَمَّى فِيهِ ، وَيُحْلَقُ رَأْسُهُ } .\rوَأَمَّا كَوْنُهُ فِي أَرْبَعَ عَشْرَةَ ، ثُمَّ فِي أَحَدٍ وَعِشْرِينَ ، فَالْحُجَّةُ فِيهِ قَوْلُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا وَهَذَا تَقْدِيرٌ ، الظَّاهِرُ أَنَّهَا لَا تَقُولُهُ إلَّا تَوْقِيفًا .\rوَإِنْ ذَبَحَ قَبْلَ ذَلِكَ أَوْ بَعْدَهُ ، أَجْزَأَهُ ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ يَحْصُلُ .\rوَإِنْ تَجَاوَزَ أَحَدًا وَعِشْرِينَ ، احْتَمَلَ أَنْ يُسْتَحَبَّ فِي كُلِّ سَابِعٍ ، فَيَجْعَلَهُ فِي ثَمَانِيَةٍ وَعُشْرِينَ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ ، فَفِي خَمْسَةٍ وَثَلَاثِينَ ، وَعَلَى هَذَا ، قِيَاسًا عَلَى مَا قَبْلَهُ ، وَاحْتَمَلَ أَنْ يَجُوزَ فِي كُلِّ وَقْتٍ ؛ لِأَنَّ هَذَا قَضَاءُ فَائِتٍ ، فَلَمْ يَتَوَقَّفْ ، كَقَضَاءِ الْأُضْحِيَّةِ وَغَيْرِهَا .\rوَإِنْ لَمْ يَعُقَّ أَصْلًا ، فَبَلَغَ الْغُلَامُ ، وَكَسَبَ ، فَلَا عَقِيقَةَ عَلَيْهِ .\rوَسُئِلَ أَحْمَدُ عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ، فَقَالَ : ذَلِكَ عَلَى الْوَالِدِ .\rيَعْنِي لَا يَعُقُّ عَنْ نَفْسِهِ ؛ لِأَنَّ السُّنَّةَ فِي حَقِّ غَيْرِهِ .\rوَقَالَ عَطَاءٌ ، وَالْحَسَنُ : يَعُقُّ عَنْ نَفْسِهِ ؛ لِأَنَّهَا مَشْرُوعَةٌ عَنْهُ وَلِأَنَّهُ مُرْتَهَنٌ بِهَا ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُشْرَعَ لَهُ فِكَاكُ نَفْسِهِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهَا مَشْرُوعَةٌ فِي حَقِّ الْوَالِدِ ، فَلَا يَفْعَلُهَا غَيْرُهُ ، كَالْأَجْنَبِيِّ ، وَكَصَدَقَةِ الْفِطْرِ .","part":22,"page":7},{"id":10507,"text":"( 7899 ) فَصْلٌ : وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُحْلَقَ رَأْسُ الصَّبِيِّ يَوْمَ السَّابِعِ ، وَيُسَمَّى ؛ لِحَدِيثِ سَمُرَةَ .\rوَإِنْ تَصَدَّقَ بِزِنَةِ شَعْرِهِ فِضَّةً فَحَسَنٌ ؛ لِمَا رُوِيَ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِفَاطِمَةَ ، لَمَّا وَلَدَتْ الْحَسَنَ : احْلِقِي رَأْسَهُ ، وَتَصَدَّقِي بِزِنَةِ شَعْرِهِ فِضَّةً عَلَى الْمَسَاكِينِ وَالْأَفَاوِضِ } .\rيَعْنِي أَهْلَ الصُّفَّةِ .\rرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ .\rوَرَوَى سَعِيدٌ ، فِي سُنَنِهِ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ ، { أَنَّ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَقَّ عَنْ الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ بِكَبْشٍ كَبْشٍ ، وَأَنَّهُ تَصَدَّقَ بِوَزْنِ شُعُورِهِمَا وَرِقًا } ، وَأَنَّ فَاطِمَةَ كَانَتْ إذَا وَلَدَتْ وَلَدًا ، حَلَقَتْ شَعَرَهُ ، وَتَصَدَّقَتْ بِوَزْنِهِ وَرِقًا .\rوَإِنْ سَمَّاهُ قَبْلَ السَّابِعِ ، جَازَ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { : وُلِدَ اللَّيْلَةَ لِي غُلَامٌ ، فَسَمَّيْتُهُ بِاسْمِ أَبِي إبْرَاهِيمَ .\r} وَسَمَّى الْغُلَامَ الَّذِي جَاءَهُ بِهِ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ، فَحَنَّكَهُ وَسَمَّاهُ عَبْدَ اللَّهِ .\rوَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُحْسِنَ اسْمَهُ ؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ { إنَّكُمْ تُدْعَوْنَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِأَسْمَائِكُمْ ، وَأَسْمَاءِ آبَائِكُمْ ، فَأَحْسِنُوا أَسْمَاءَكُمْ } .\rوَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ { أَحَبُّ الْأَسْمَاءِ إلَيَّ عَبْدُ اللَّهِ ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ } حَدِيثٌ صَحِيحٌ .\rوَرُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، أَنَّهُ قَالَ : أَحَبُّ الْأَسْمَاءِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى ، أَسْمَاءُ الْأَنْبِيَاءِ ، { وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَسَمَّوْا بِاسْمِي ، وَلَا تَكَنَّوْا بِكُنْيَتِي } .\rوَفِي رِوَايَةٍ : { لَا تَجْمَعُوا بَيْنَ اسْمِي وَبَيْنَ كُنْيَتِي .\r}","part":22,"page":8},{"id":10508,"text":"( 7900 ) فَصْلٌ : وَيُكْرَهُ أَنْ يُلَطَّخَ رَأْسُهُ بِدَمٍ .\rكَرِهَ ذَلِكَ أَحْمَدُ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ .\rوَحُكِيَ عَنْ الْحَسَنِ ، وَقَتَادَةَ ، أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ ؛ لِمَا رُوِيَ فِي حَدِيثِ سَمُرَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { : الْغُلَامُ مُرْتَهَنٌ بِعَقِيقَتِهِ ، تُذْبَحُ عَنْهُ يَوْمَ السَّابِعِ ، وَيُدْمَى } .\rرَوَاهُ هَمَّامٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ الْحَسَنِ ، عَنْ سَمُرَةَ .\rقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : لَا أَعْلَمُ أَحَدًا قَالَ هَذَا إلَّا الْحَسَنَ وَقَتَادَةَ ، وَأَنْكَرَهُ سَائِرُ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَكَرِهُوهُ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { مَعَ الْغُلَامِ عَقِيقَتُهُ فَأَهْرِيقُوا عَنْهُ دَمًا ، وَأَمِيطُوا عَنْهُ الْأَذَى } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ لَا يُمَسَّ بِدَمٍ ؛ لِأَنَّهُ أَذًى .\rوَرَوَى يَزِيدُ بْنُ عَبْدٍ الْمُزَنِيّ ، عَنْ أَبِيهِ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { يُعَقُّ عَنْ الْغُلَامِ ، وَلَا يُمَسُّ رَأْسُهُ بِدَمٍ } .\rقَالَ مُهَنَّا : ذَكَرْت هَذَا الْحَدِيثَ لِأَحْمَدَ ، فَقَالَ : مَا أَظْرَفَهُ .\rوَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ ، وَلَمْ يَقُلْ : عَنْ أَبِيهِ .\rوَلِأَنَّ هَذَا تَنْجِيسٌ لَهُ ، فَلَا يُشْرَعُ ، كَلَطْخِهِ بِغَيْرِهِ مِنْ النَّجَاسَاتِ ، وَقَالَ بُرَيْدَةَ : كُنَّا فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، إذَا وُلِدَ لِأَحَدِنَا غُلَامٌ ، ذَبَحَ شَاةً ، وَيُلَطِّخُ رَأْسَهُ بِدَمِهَا ، فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَامُ ، كُنَّا نَذْبَحُ شَاةً ، وَنَحْلِقُ رَأْسَهُ ، وَنُلَطِّخُهُ بِزَعْفَرَانٍ .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rفَأَمَّا رِوَايَةُ مَنْ رَوَى : \" وَيُدْمَى \" فَقَالَ أَبُو دَاوُد \" وَيُسَمَّى \" أَصَحُّ .\rهَكَذَا قَالَ سَلَّامٍ بْنُ أَبِي مُطِيعٍ ، عَنْ قَتَادَةَ ، وَإِيَاسُ بْنُ دَغْفَلٍ ، عَنْ الْحَسَنِ ، وَوَهَمَ هَمَّامٌ ، فَقَالَ : \" وَيُدْمَى \" ، قَالَ أَحْمَدُ : قَالَ فِيهِ ابْنُ أَبِي عَرُوبَةَ \" يُسَمَّى \" .\rوَقَالَ هَمَّامٌ \" يُدْمَى \" وَمَا أُرَاهُ إلَّا خَطَأً .\rوَقَدْ قِيلَ : هُوَ تَصْحِيفٌ مِنْ الرَّاوِي .","part":22,"page":9},{"id":10509,"text":"( 7901 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : وَيُجْتَنَبُ فِيهَا مِنْ الْعَيْبِ مَا يُجْتَنَبُ فِي الْأُضْحِيَّةِ وَجُمْلَتُهُ أَنَّ حُكْمَ الْعَقِيقَةِ حُكْمُ الْأُضْحِيَّةِ ؛ فِي سَنِّهَا ، وَأَنَّهُ يُمْنَعُ فِيهَا مِنْ الْعَيْبِ مَا يُمْنَعُ فِيهَا ، وَيُسْتَحَبُّ فِيهَا مِنْ الصِّفَةِ مَا يُسْتَحَبُّ فِيهَا .\rوَكَانَتْ عَائِشَةُ تَقُولُ : ائْتُونِي بِهِ أَعْيَنَ أَقْرَنَ .\rوَقَالَ عَطَاءٌ : لَذَكَرٌ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ الْأُنْثَى ، وَالضَّأْنُ أَحَبُّ مِنْ الْمَعْزِ .\rفَلَا يُجْزِئُ فِيهَا أَقَلُّ مِنْ الْجَذَعِ مِنْ الضَّأْنِ وَالثَّنِيِّ مِنْ الْمَعْزِ ، وَلَا تَجُوزُ فِيهَا الْعَوْرَاءُ الْبَيِّنُ عَوَرُهَا ، وَالْعَرْجَاءُ الْبَيِّنُ ظَلْعُهَا ، وَالْمَرِيضَةُ الْبَيِّنُ مَرَضُهَا ، وَالْعَجْفَاءُ الَّتِي لَا تُنَقَّى ، وَالْعَضْبَاءُ الَّتِي ذَهَبَ أَكْثَرُ مِنْ نِصْفِ أُذُنِهَا أَوْ قَرْنِهَا .\rوَتُكْرَهُ فِيهَا الشَّرْقَاءُ ، وَالْخَرْقَاءُ ، وَالْمُقَابَلَةُ ، وَالْمُدَابَرَةُ ، وَيُسْتَحَبُّ اسْتِشْرَافُ الْعَيْنِ وَالْأُذُنِ ، كَمَا ذَكَرْنَا فِي الْأُضْحِيَّةِ سَوَاءً ؛ لِأَنَّهَا تُشْبِهُهَا ، فَتُقَاسُ عَلَيْهَا .","part":22,"page":10},{"id":10510,"text":"( 7902 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : وَسَبِيلُهَا فِي الْأَكْلِ وَالْهَدِيَّةِ وَالصَّدَقَةِ سَبِيلُهَا ، إلَّا أَنَّهَا تُطْبَخُ أَجْدَالًا .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ : اصْنَعْ بِلَحْمِهَا كَيْف شِئْت .\rوَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٌ : تُطْبَخُ بِمَاءٍ وَمِلْحٍ ، وَتُهْدَى الْجِيرَانَ وَالصَّدِيقَ ، وَلَا يُتَصَدَّقُ مِنْهَا بِشَيْءٍ ، وَسُئِلَ أَحْمَدُ عَنْهَا ، فَحَكَى قَوْلَ ابْنِ سِيرِينَ .\rوَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ ذَهَبَ إلَيْهِ .\rوَسُئِلَ هَلْ يَأْكُلُهَا كُلَّهَا ؟ قَالَ : لَمْ أَقُلْ يَأْكُلُهَا كُلَّهَا ، وَلَا يَتَصَدَّقُ مِنْهَا بِشَيْءٍ .\rوَالْأَشْبَهُ قِيَاسُهَا عَلَى الْأُضْحِيَّةِ ؛ لِأَنَّهَا نَسِيكَةٌ مَشْرُوعَةٌ غَيْرُ وَاجِبَةٍ ، فَأَشْبَهَتْ الْأُضْحِيَّةَ ، وَلِأَنَّهَا أَشْبَهَتْهَا فِي صِفَاتِهَا وَسَنِّهَا وَقَدْرِهَا وَشُرُوطِهَا ، فَأَشْبَهَتْهَا فِي مَصْرِفِهَا .\rوَإِنْ طَبَخَهَا ، وَدَعَا إخْوَانَهُ فَأَكَلُوهَا ، فَحَسَنٌ .\rوَيُسْتَحَبُّ أَنْ تُفْصَلَ أَعْضَاؤُهَا ، وَلَا تُكْسَرَ عِظَامُهَا ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ ، أَنَّهَا قَالَتْ : السُّنَّةُ شَاتَانِ مُكَافِئَتَانِ عَنْ الْغُلَامِ ، وَعَنْ الْجَارِيَةِ شَاةٌ ، تُطْبَخُ جُدُولًا ، وَلَا يُكْسَرُ عَظْمٌ ، يَأْكُلُ ، وَيُطْعِمُ ، وَيَتَصَدَّقُ ، وَذَلِكَ يَوْمُ السَّابِعُ .\rقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الْهَرَوِيُّ فِي الْعَقِيقَةِ تُطْبَخُ جُدُولًا ، لَا يُكْسَرُ لَهَا عَظْمٌ .\rأَيْ عُضْوًا عُضْوًا ، وَهُوَ الْجَدْلُ ، بِالدَّالِ غَيْرِ الْمُعْجَمَةِ ، وَالْإِرْبُ ، وَالشِّلْوُ ، وَالْعُضْوُ وَالْوَصْلُ ، كُلُّهُ وَاحِدٌ .\rوَإِنَّمَا فُعِلَ بِهَا ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهَا أَوَّلُ ذَبِيحَةٍ ذُبِحَتْ عَنْ الْمَوْلُودِ ، فَاسْتُحِبَّ فِيهَا ذَلِكَ تَفَاؤُلًا بِالسَّلَامَةِ .\rكَذَلِكَ قَالَتْ عَائِشَةُ .\rوَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ عَطَاءٍ ، وَابْنِ جُرَيْجٍ .\rوَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ .","part":22,"page":11},{"id":10511,"text":"( 7903 ) فَصْلٌ : قَالَ أَحْمَدُ : يُبَاعُ الْجِلْدُ وَالرَّأْسُ وَالسِّقْطُ ، يُتَصَدَّقُ بِهِ .\rوَقَدْ نَصَّ فِي الْأُضْحِيَّةِ عَلَى خِلَافِ هَذَا ، وَهُوَ أَقْيَسُ فِي مَذْهَبِهِ ؛ لِأَنَّهَا ذَبِيحَةٌ لِلَّهِ ، فَلَا يُبَاعُ مِنْهَا شَيْءٌ ، كَالْهَدْيِ ، وَلِأَنَّهُ تُمْكِنُ الصَّدَقَةُ بِذَلِكَ بِعَيْنِهِ ، فَلَا حَاجَةَ إلَى بَيْعِهِ .\rوَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : يُحْتَمَلُ أَنْ يُنْقَلَ حُكْمُ إحْدَاهُمَا إلَى الْأُخْرَى ، فَيَخْرُج فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ رِوَايَتَانِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُمَا مِنْ حَيْثُ إنَّ الْأُضْحِيَّةَ ذَبِيحَةٌ شُرِعَتْ يَوْمَ النَّحْرِ ، فَأَشْبَهَتْ الْهَدْيَ ، وَالْعَقِيقَةُ شُرِعَتْ عِنْدَ سُرُورِ حَادِثٍ ، وَتَجَدُّدِ نِعْمَةٍ ، فَأَشْبَهْت الذَّبِيحَةَ فِي الْوَلِيمَةِ ، وَلِأَنَّ الذَّبِيحَةَ هَاهُنَا لَمْ تَخْرُجْ عَنْ مِلْكِهِ ، فَكَانَ لَهُ أَنْ يَفْعَلَ بِهَا مَا شَاءَ ، مِنْ بَيْعٍ وَغَيْرِهِ ، وَالصَّدَقَةُ بِثَمَنِ مَا بِيعَ مِنْهَا بِمَنْزِلَةِ الصَّدَقَةِ بِهِ فِي فَضْلِهَا ، وَثَوَابِهَا ، وَحُصُولِ النَّفْعِ بِهِ ، فَكَانَ لَهُ ذَلِكَ","part":22,"page":12},{"id":10512,"text":"( 7904 ) فَصْلٌ : قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْم : يُسْتَحَبُّ لِلْوَالِدِ أَنْ يُؤَذِّنَ فِي أُذُنِ ابْنِهِ حِينَ يُولَدُ ؛ لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَافِعٍ ، عَنْ أُمِّهِ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَذَّنَ فِي أُذُنِ الْحَسَنِ حِينَ وَلَدَتْهُ فَاطِمَةُ } .\rوَعَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، أَنَّهُ كَانَ إذَا وُلِدَ لَهُ مَوْلُودٌ ، أَخَذَهُ فِي خِرْقَةٍ ، فَأَذَّنَ فِي أُذُنِهِ الْيُمْنَى ، وَأَقَامَ فِي الْيُسْرَى ، وَسَمَّاهُ .\rوَرَوَيْنَا أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِرَجُلٍ عِنْدَ الْحَسَنِ يُهَنِّئُهُ بِابْنٍ لَهُ : لِيَهْنِكَ الْفَارِسُ .\rفَقَالَ الْحَسَنُ : وَمَا يُدْرِيكَ أَنَّهُ فَارِسٌ هُوَ أَوْ حِمَارٌ ؟ فَقَالَ : كَيْفَ نَقُولُ ؟ قَالَ : قُلْ : بُورِكَ فِي الْمَوْهُوبِ ، وَشَكَرْت الْوَاهِبَ ، وَبَلَغَ أَشُدَّهُ ، وَرُزِقْت بِرَّهُ .\rوَرُوِيَ أَنَّ { النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُحَنِّكُ أَوْلَادَ الْأَنْصَارِ بِالتَّمْرِ } .\rوَرَوَى أَنَسٌ قَالَ : { ذَهَبْت بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ وُلِدَ قَالَ : هَلْ مَعَك تَمْرٌ ؟ .\rفَنَاوَلْته تَمَرَاتٍ ، فَلَاكَهُنَّ ، ثُمَّ فَغَرَ فَاهُ ثُمَّ مَجَّهُ فِيهِ ، فَجَعَلَ يَتَلَمَّظُ .\rفَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : حُبُّ الْأَنْصَارِ التَّمْرُ وَسَمَّاهُ عَبْدَ اللَّهِ } .","part":22,"page":13},{"id":10513,"text":"فَصْلٌ : قَالَ أَصْحَابُنَا : لَا تُسَنُّ الْفَرَعَةُ وَلَا الْعَتِيرَةُ .\rوَهُوَ قَوْلُ عُلَمَاءِ الْأَمْصَارِ سِوَى ابْنِ سِيرِينَ ، فَإِنَّهُ كَانَ يَذْبَحُ الْعَتِيرَةَ فِي رَجَبٍ ، وَيَرْوِي فِيهَا شَيْئًا .\rوَالْفَرَعَةُ وَالْفَرَعُ ؛ بِفَتْحِ الرَّاءِ : أَوَّلُ وَلَدِ النَّاقَةِ .\rكَانُوا يَذْبَحُونَهُ لِآلِهَتِهِمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَنُهُوا عَنْهَا .\rقَالَ ذَلِكَ أَبُو عَمْرٍو الشَّيْبَانِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الْعَتِيرَةُ هِيَ الرَّجَبِيَّةُ ، كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ إذَا طَلَبَ أَحَدُهُمْ أَمْرًا ، نَذَرَ أَنْ يَذْبَحَ مِنْ غَنَمِهِ شَاةً فِي رَجَبٍ ، وَهِيَ الْعَتَائِرُ .\rوَالصَّحِيحُ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ، أَنَّهُمْ كَانُوا يَذْبَحُونَهَا فِي رَجَبٍ مِنْ غَيْرِ نَذْرٍ ، جَعَلُوا ذَلِكَ سُنَّةً فِيمَا بَيْنَهُمْ ، كَالْأُضْحِيَّةِ فِي الْأَضْحَى ، وَكَانَ مِنْهُمْ مَنْ يَنْذِرُهَا كَمَا قَدْ تُنْذَرُ الْأُضْحِيَّةِ ، بِدَلِيلِ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { عَلَى كُلِّ أَهْلِ بَيْتٍ أَضْحَاةٌ وَعَتِيرَةٌ } .\rوَهَذَا الَّذِي قَالَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَدْءِ الْإِسْلَامِ تَقْرِيرٌ لِمَا كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، وَهُوَ يَقْتَضِي ثُبُوتَهَا بِغَيْرِ نَذْرٍ ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بَعْدُ .\rوَلِأَنَّ الْعَتِيرَةَ لَوْ كَانَتْ هِيَ الْمَنْذُورَةَ لَمْ تَكُنْ مَنْسُوخَةً ، فَإِنَّ الْإِنْسَانَ لَوْ نَذَرَ ذَبْحَ شَاةٍ فِي أَيِّ وَقْتٍ كَانَ ، لَزِمَهُ الْوَفَاءُ بِنَذْرِهِ .\rوَاَللَّه أَعْلَمُ .\rوَرُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ : { أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْفَرَعَةِ ، مِنْ كُلِّ خَمْسٍ وَاحِدَةٌ } .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : هَذَا حَدِيثٌ ثَابِتٌ .\rوَلَنَا مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { لَا فَرَعَ ، وَلَا عَتِيرَةَ .\r} مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَهَذَا الْحَدِيثُ مُتَأَخِّرٌ عَنْ الْأَمْرِ بِهَا ، فَيَكُونُ نَاسِخًا ، وَدَلِيلُ تَأَخُّرِهِ أَمْرَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، أَنَّ رَاوِيَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ ، وَهُوَ مُتَأَخِّرُ الْإِسْلَامِ ، فَإِنَّ إسْلَامَهُ فِي سَنَةِ فَتْحِ","part":22,"page":14},{"id":10514,"text":"خَيْبَرَ ، وَهِيَ السَّنَةُ السَّابِعَةُ مِنْ الْهِجْرَةِ .\rوَالثَّانِي ، أَنَّ الْفَرَعَ وَالْعَتِيرَةَ كَانَ فِعْلُهُمَا أَمْرًا مُتَقَدِّمًا عَلَى الْإِسْلَامِ ، فَالظَّاهِرُ بَقَاؤُهُمْ عَلَيْهِ إلَى حِينِ نَسْخِهِ ، وَاسْتِمْرَارُ النَّسْخِ مِنْ غَيْرِ رَفْعٍ لَهُ ، وَلَوْ قَدَّرْنَا تَقَدُّمَ النَّهْيِ عَلَى الْأَمْرِ بِهَا ، لَكَانَتْ قَدْ نُسِخَتْ ثُمَّ نُسِخَ نَاسِخُهَا ، وَهَذَا خِلَافُ الظَّاهِرِ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِنَّ الْمُرَادَ بِالْخَبَرِ نَفْيُ كَوْنِهَا سُنَّةً ، لَا تَحْرِيمُ فِعْلِهَا ، وَلَا كَرَاهَتُهُ ، فَلَوْ ذَبَحَ إنْسَانٌ ذَبِيحَةً فِي رَجَبٍ ، أَوْ ذَبَحَ وَلَدَ النَّاقَةِ لِحَاجَتِهِ إلَى ذَلِكَ ، أَوْ لِلصَّدَقَةِ بِهِ وَإِطْعَامِهِ ، لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مَكْرُوهًا ، وَاَللَّه - تَعَالَى - أَعْلَمُ .","part":22,"page":15},{"id":10515,"text":"كِتَابُ السَّبْقِ وَالرَّمْيِ الْمُسَابَقَةُ جَائِزَةٌ بِالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ .\rأَمَّا السُّنَّةُ ، فَرَوَى ابْنُ عُمَرَ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَابَقَ بَيْنَ الْخَيْلِ الْمُضَمَّرَةِ مِنْ الْحَفْيَاءِ إلَى ثَنِيَّةِ الْوَدَاعِ ، وَبَيْنَ الَّتِي لَمْ تُضَمَّرْ مِنْ ثَنِيَّةِ الْوَدَاعِ إلَى مَسْجِدِ بَنِي زُرَيْقٍ .\r} مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rقَالَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ : مِنْ الْحَفْيَاءِ .\rإلَى ثَنِيَّةِ الْوَدَاعِ سِتَّةُ أَمْيَالٍ أَوْ سَبْعَةُ أَمْيَالٍ .\rوَقَالَ سُفْيَانُ : مِنْ الثَّنِيَّةِ إلَى مَسْجِدِ بَنِي زُرَيْقٍ مِيلٌ أَوْ نَحْوُهُ .\rوَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى جَوَازِ الْمُسَابَقَةِ فِي الْجُمْلَةِ .\rوَالْمُسَابَقَةُ عَلَى ضَرْبَيْنِ ؛ مُسَابَقَةٌ بِغَيْرِ عِوَضٍ ، وَمُسَابَقَةٌ بِعِوَضٍ .\rفَأَمَّا الْمُسَابَقَةُ بِغَيْرِ عِوَضٍ ، فَتَجُوزُ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِشَيْءٍ مُعَيَّنٍ ، كَالْمُسَابَقَةِ عَلَى الْأَقْدَامِ ، وَالسُّفُنِ ، وَالطُّيُورِ ، وَالْبِغَالِ ، وَالْحَمِيرِ ، وَالْفِيَلَةِ ، وَالْمَزَارِيقِ ، وَتَجُوزُ الْمُصَارَعَةُ ، وَرَفْعُ الْحَجَرِ ، لِيُعْرَفَ الْأَشَدُّ ، وَغَيْرِ هَذَا ؛ لِأَنَّ { النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ فِي سَفَرٍ مَعَ عَائِشَةَ فَسَابَقَتْهُ عَلَى رِجْلِهَا ، فَسَبَقَتْهُ ، قَالَتْ : فَلَمَّا حَمَلْت اللَّحْمَ ، سَابَقْته ، فَسَبَقَنِي ، فَقَالَ : هَذِهِ بِتِلْكَ } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَسَابَقَ سَلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ بَيْنَ يَدَيْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي يَوْمِ ذِي قَرَدٍ .\r{ صَارَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رُكَانَةَ ، فَصَرَعَهُ } .\rرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ .\rوَمَرَّ بِقَوْمٍ يُرَبِّعُونَ حَجَرًا - يَعْنِي يَرْفَعُونَهُ لِيَعْرِفُوا الْأَشَدَّ مِنْهُمْ - فَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمْ .\rوَسَائِرُ الْمُسَابَقَةِ يُقَاسُ عَلَى هَذَا .\rوَأَمَّا الْمُسَابَقَةُ بِعِوَضٍ ، فَلَا تَجُوزُ إلَّا بَيْنَ الْخَيْلِ ، وَالْإِبِلِ ، وَالرَّمْيِ ؛ لِمَا سَنَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .\rوَاخْتُصَّتْ هَذِهِ الثَّلَاثَةُ بِتَجْوِيزِ الْعِوَضِ فِيهَا ؛ لِأَنَّهَا مِنْ آلَاتِ الْحَرْبِ","part":22,"page":16},{"id":10516,"text":"الْمَأْمُورِ بِتَعَلُّمِهَا ، وَإِحْكَامِهَا ، وَالتَّفَوُّقِ فِيهَا ، وَفِي الْمُسَابَقَةِ بِهَا مَعَ الْعِوَضِ مُبَالَغَةٌ فِي الِاجْتِهَادِ فِي النِّهَايَةِ لَهَا ، وَالْإِحْكَامِ لَهَا ، وَقَدْ وَرَدَ الشَّرْعُ بِالْأَمْرِ بِهَا ، وَالتَّرْغِيبِ فِي فِعْلِهَا ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ } .\rوَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { أَلَا إنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ ، أَلَا إنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ } .\rوَرَوَى سَعِيدٌ فِي \" سُنَنِهِ \" عَنْ خَالِدِ بْن زَيْدٍ ، قَالَ : كُنْت رَجُلًا رَامِيًا { ، وَكَانَ عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ الْجُهَنِيُّ يَمُرُّ بِي فَيَقُولُ : يَا خَالِدُ ، اُخْرُجْ بِنَا نَرْمِي .\rفَلَمَّا كَانَ ذَاتَ يَوْمٍ ، أَبْطَأْت عَنْهُ ، فَقَالَ : هَلُمَّ أُحَدِّثْك حَدِيثًا سَمِعْته مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : إنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ بِالسَّهْمِ الْوَاحِدِ ثَلَاثَةً الْجَنَّةَ صَانِعَهُ يَحْتَسِبُ فِي صُنْعِهِ الْخَيْرَ ، وَالرَّامِيَ بِهِ ، وَمُنَبِّلَهُ ، ارْمُوا وَارْكَبُوا ، وَأَنْ تَرْمُوا أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ تَرْكَبُوا ، وَلَيْسَ مِنْ اللَّهْوِ إلَّا ثَلَاثٌ ؛ تَأْدِيبُ الرَّجُلِ فَرَسَهُ ، وَمُلَاعَبَتُهُ أَهْلَهُ ، وَرَمْيُهُ بِقَوْسِهِ وَنَبْلِهِ ، وَمَنْ تَرَكَ الرَّمْيَ بَعْدَ مَا عَلِمَهُ ، رَغْبَةً عَنْهُ ، فَإِنَّهَا نِعْمَةٌ تَرَكَهَا } .\rوَعَنْ مُجَاهِدٍ ، قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { : إنَّ الْمَلَائِكَةَ لَا تَحْضُرُ مِنْ لَهْوِكُمْ إلَّا الرِّهَانَ وَالنِّضَالَ } .\rقَالَ الْأَزْهَرِيُّ : النِّضَالُ فِي الرَّمْيِ ، وَالرِّهَانُ فِي الْخَيْلِ ، وَالسِّبَاقُ فِيهِمَا .\rقَالَ مُجَاهِدٌ : وَرَأَيْت ابْنَ عُمَرَ يَشْتَدُّ بَيْنَ الْهَدَفَيْنِ ، إذَا أَصَابَ خَصْلَةً قَالَ : أَنَا بِهَا ، أَنَا بِهَا .\rوَعَنْ حُذَيْفَةَ مِثْلُهُ .","part":22,"page":17},{"id":10517,"text":"( 7906 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَالسَّبْقُ فِي النَّصْلِ وَالْحَافِرِ وَالْخُفِّ لَا غَيْرُ ) السَّبْقُ بِسُكُونِ الْبَاءِ ، الْمُسَابِقَةُ وَالسَّبَقُ بِفَتْحِهَا : الْجُعْلُ الْمُخْرَجُ فِي الْمُسَابَقَةِ .\rوَالْمُرَادُ بِالنَّصْلِ هَاهُنَا السَّهْمُ ذُو النَّصْلِ ، وَبِالْحَافِرِ الْفَرَسُ ، وَبِالْخُفِّ الْبَعِيرُ ، عَبَّرَ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا بِجُزْءٍ مِنْهُ يَخْتَصُّ بِهِ .\rوَمُرَادُ الْخِرَقِيِّ أَنَّ الْمُسَابَقَةَ بِعِوَضِ لَا تَجُوزُ إلَّا فِي هَذِهِ الثَّلَاثَةِ .\rوَبِهَذَا قَالَ : الزُّهْرِيُّ ، وَمَالِكٌ وَقَالَ أَهْلُ الْعِرَاقِ : يَجُوزُ ذَلِكَ فِي الْمُسَابَقَةِ عَلَى الْأَقْدَامِ ، وَالْمُصَارَعَةِ ؛ لِوُرُودِ الْأَثَرِ بِهِمَا { ، فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَابَقَ عَائِشَةَ ، وَصَارَعَ رُكَانَةَ .\r} وَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَجْهَانِ ، كَالْمَذْهَبَيْنِ .\rوَلَهُمْ فِي الْمُسَابَقَةِ فِي الطُّيُورِ وَالسُّفُنِ وَجْهَانِ ، بِنَاءً عَلَى الْوَجْهَيْنِ فِي الْمُسَابَقَةِ عَلَى الْأَقْدَامِ وَالْمُصَارَعَةِ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { لَا سَبْقَ إلَّا فِي نَصْلٍ ، أَوْ خُفٍّ ، أَوْ حَافِرٍ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rفَنَفَى السَّبْقَ فِي غَيْرِ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ .\rوَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ نَفْيُ الْجُعْلِ ، أَيْ لَا يَجُوزُ الْجُعْلُ إلَّا فِي هَذِهِ الثَّلَاثَةِ .\rوَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ نَفْيُ الْمُسَابَقَةِ بِعِوَضٍ ، فَإِنَّهُ يَتَعَيَّنُ حَمْلُ الْخَبَرِ عَلَى أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ ، لِلْإِجْمَاعِ عَلَى جَوَازِ الْمُسَابَقَةِ بِغَيْرِ عِوَضٍ فِي هَذِهِ الثَّلَاثَةِ ، وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ فَالْحَدِيثُ حُجَّةٌ لَنَا .\rوَلِأَنَّ غَيْرَ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ لَا يُحْتَاجُ إلَيْهَا فِي الْجِهَادِ ، كَالْحَاجَةِ إلَيْهَا ، فَلَمْ تَجُزْ الْمُسَابَقَةُ عَلَيْهَا بِعِوَضٍ ، كَالرَّمْيِ بِالْحِجَارَةِ وَرَفْعِهَا .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَالْمُرَادُ بِالنَّصْلِ السِّهَامُ مِنْ النُّشَّابِ وَالنَّبْلِ دُونَ غَيْرِهِمَا ، وَالْحَافِرِ الْخَيْلُ وَحْدَهَا ، وَالْخُفِّ الْإِبِلُ وَحْدَهَا .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ : تَجُوزُ","part":22,"page":18},{"id":10518,"text":"الْمُسَابَقَةُ بِكُلِّ مَا لَهُ نَصْلٌ مِنْ الْمَزَارِيقِ ، وَفِي الرُّمْحِ وَالسَّيْفِ وَجْهَانِ ، وَفِي الْفِيلِ وَالْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ وَجْهَانِ لِأَنَّ لِلْمَزَارِيقِ وَالرِّمَاحِ وَالسُّيُوفِ نَصْلًا ، وَلِلْفِيلِ خُفٌّ ، وَلِلْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ حَوَافِرُ ، فَتَدْخُلُ فِي عُمُومِ الْخَبَرِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ هَذِهِ الْحَيَوَانَاتِ الْمُخْتَلَفَ فِيهَا لَا تَصْلُحُ لِلْكَرِّ وَالْفَرِّ ، وَلَا يُقَاتَلُ عَلَيْهَا ، وَلَا يُسْهَمُ لَهَا ، وَالْفِيلُ لَا يُقَاتِلُ عَلَيْهِ أَهْلُ الْإِسْلَامِ ، وَالرِّمَاحُ وَالسُّيُوفُ لَا يُرْمَى بِهَا ، فَلَمْ تَجُزْ الْمُسَابَقَةُ عَلَيْهَا ، كَالْبَقَرِ وَالتِّرَاسِ ، وَالْخَبَرُ لَيْسَ بِعَامٍّ فِيمَا تَجُوزُ الْمُسَابَقَةُ بِهِ ؛ لِأَنَّهُ نَكِرَةٌ فِي إثْبَاتٍ ، وَإِنَّمَا هُوَ عَامٌّ فِي نَفْيِ مَا لَا تَجُوزُ الْمُسَابَقَةُ بِهِ بِعِوَضٍ ؛ لِكَوْنِهِ نَكِرَةً فِي سِيَاقِ النَّفْيِ ، ثُمَّ لَوْ كَانَ عَامًّا ، لَحُمِلَ عَلَى مَا عُهِدَتْ الْمُسَابِقَةُ عَلَيْهِ ، وَوَرَدَ الشَّرْعُ بِالْحَثِّ عَلَى تَعَلُّمِهِ ، وَهُوَ مَا ذَكَرْنَاهُ .","part":22,"page":19},{"id":10519,"text":"( 7907 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ وَإِذَا أَرَادَا أَنْ يَسْتَبِقَا ، أَخْرَجَ أَحَدُهُمَا ، وَلَمْ يُخْرِجْ الْآخَرُ ، فَإِنْ سَبَقَ مَنْ أَخْرَجَ ، أَحْرَزَ سَبْقَهُ ، وَلَمْ يَأْخُذْ مِنْ الْمَسْبُوقِ شَيْئًا وَإِنْ سَبَقَ مَنْ لَمْ يُخْرِجْ ، أَحْرَزَ سَبْقَ صَاحِبِهِ وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْمُسَابَقَةَ إذَا كَانَتْ بَيْنَ اثْنَيْنِ أَوْ حِزْبَيْنِ ، لَمْ تَخْلُ إمَّا أَنْ يَكُونَ الْعِوَضُ مِنْهُمَا ، أَوْ مِنْ غَيْرِهِمَا ، فَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِهِمَا نَظَرْت ، فَإِنْ كَانَ مِنْ الْإِمَامِ جَازَ ، سَوَاءٌ كَانَ مِنْ مَالِهِ ، أَوْ مِنْ بَيْت الْمَالِ ؛ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ مَصْلَحَةً وَحَثًّا عَلَى تَعَلُّمِ الْجِهَادِ ، وَنَفْعًا لِلْمُسْلِمِينَ .\rوَإِنْ كَانَ غَيْرَ إمَامٍ ، جَازَ لَهُ بَذْلُ الْعِوَضِ مِنْ مَالِهِ .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : لَا يَجُوزُ بَذْلُ الْعِوَضِ مِنْ غَيْرِ الْإِمَامِ ؛ لِأَنَّ هَذَا مِمَّا يُحْتَاجُ إلَيْهِ لِلْجِهَادِ ، فَاخْتُصَّ بِهِ الْإِمَامُ لِتَوْلِيَةِ الْوِلَايَات وَتَأْمِيرِ الْأُمَرَاءِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ بَذْلٌ لِمَالِهِ فِيمَا فِيهِ مَصْلَحَةٌ وَقُرْبَةٌ فَجَازَ كَمَا لَوْ اشْتَرَى بِهِ خَيْلًا وَسِلَاحًا .\rفَأَمَّا إنْ كَانَ مِنْهُمَا ، اُشْتُرِطَ كَوْنُ الْجُعْلِ مِنْ أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ ، فَيَقُولُ : إنْ سَبَقْتَنِي فَلَكَ عَشَرَةٌ ، وَإِنْ سَبَقْتُك فَلَا شَيْءَ عَلَيْك .\rفَهَذَا جَائِزٌ .\rوَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ ، أَنَّهُ لَا يَجُوزُ ؛ لِأَنَّهُ قِمَارٌ .\rوَلَنَا ، أَنَّ أَحَدُهُمَا يَخْتَصُّ بِالسَّبْقِ ، فَجَازَ ، كَمَا لَوْ أَخْرَجَهُ الْإِمَامُ .\rوَلَا يَصِحُّ مَا ذَكَرَهُ ؛ لِأَنَّ الْقِمَارَ أَنْ لَا يَخْلُوَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ أَنْ يَغْنَمَ أَوْ يَغْرَمَ ، وَهَا هُنَا لَا خَطَرَ عَلَى أَحَدِهِمَا ، فَلَا يَكُونُ قِمَارًا فَإِذَا سَبَقَ الْمُخْرِجُ أَحْرَزَ سَبَقَهُ ، وَلَا شَيْءَ لَهُ عَلَى صَاحِبِهِ ، وَإِنْ سَبَقَ الْآخَرُ أَخَذَ سَبْقَ الْمُخْرِجِ فَمَلَكَهُ ، وَكَانَ كَسَائِرِ مَالِهِ ؛ لِأَنَّهُ عِوَضٌ فِي الْجَعَالَةِ ، فَيُمْلَكُ فِيهَا ، كَالْعِوَضِ الْمَجْعُولِ فِي رَدِّ الضَّالَّةِ وَالْآبِقِ .\rوَإِنْ كَانَ الْعِوَضُ فِي الذِّمَّةِ ، فَهُوَ","part":22,"page":20},{"id":10520,"text":"دَيْنٌ يُقْضَى بِهِ عَلَيْهِ ، وَيُجْبَرُ عَلَى تَسْلِيمِهِ إنْ كَانَ مُوسِرًا ، وَإِنْ أَفْلَسَ ، ضُرِبَ بِهِ مَعَ الْغُرَمَاءِ .","part":22,"page":21},{"id":10521,"text":"( 7908 ) فَصْلٌ : وَالْمُسَابَقَةُ عَقْدٌ جَائِزٌ .\rذَكَرَهُ ابْنُ حَامِدٍ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَأَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ ، وَقَالَ فِي الْآخَرِ : هُوَ لَازِمٌ إنْ كَانَ الْعِوَضُ مِنْهُمَا ، وَجَائِزٌ إذَا كَانَ مِنْ أَحَدِهِمَا أَوْ مِنْ غَيْرِهِمَا .\rوَذَكَرَهُ الْقَاضِي احْتِمَالًا ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ مِنْ شَرْطِهِ أَنْ يَكُونَ الْعِوَضُ وَالْمُعَوَّضُ مَعْلُومَيْنِ ، فَكَانَ لَازِمًا ، كَالْإِجَارَةِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ عَقْدٌ عَلَى مَا لَا تَتَحَقَّقُ الْقُدْرَةُ عَلَى تَسْلِيمِهِ ، فَكَانَ جَائِزًا ، كَرَدِّ الْآبِقِ ، فَإِنَّهُ عَقْدٌ عَلَى الْإِصَابَةِ ، وَلَا يَدْخُلُ تَحْتَ قُدْرَتِهِ ، وَبِهَذَا فَارَقَ الْإِجَارَةَ .\rفَعَلَى هَذَا ، لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُتَعَاقِدَيْنِ الْفَسْخُ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الْمُسَابَقَةِ ، وَإِنْ أَرَادَ أَحَدُهُمَا الزِّيَادَةَ فِيهَا أَوْ النُّقْصَانَ مِنْهَا ، لَمْ يَلْزَمْ الْآخَرَ إجَابَتُهُ ، فَأَمَّا بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي الْمُسَابَقَةِ ، فَإِنْ كَانَ لَمْ يَظْهَرْ لِأَحَدِهِمَا فَضْلٌ عَلَى الْآخَرِ ، جَازَ الْفَسْخُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ، وَإِنْ ظَهَرَ لِأَحَدِهِمَا فَضْلٌ ، مِثْلُ أَنْ يَسْبِقَهُ بِفَرَسِهِ فِي بَعْضِ الْمُسَابَقَةِ ، أَوْ يُصِيبَ بِسِهَامِهِ أَكْثَرَ مِنْهُ ، فَلِلْفَاضِلِ الْفَسْخُ ، وَلَا يَجُوزُ لِلْمَفْضُولِ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ جَازَ لَهُ ذَلِكَ لَفَاتَ غَرَضُ الْمُسَابَقَةِ ، لِأَنَّهُ مَتَى بَانَ لَهُ سَبْقُ صَاحِبِهِ لَهُ فَسَخَهَا ، وَتَرَكَ الْمُسَابِقَةَ ، فَلَا يَحْصُلُ الْمَقْصُودُ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ : إذَا قُلْنَا : الْعَقْدُ جَائِزٌ .\rفَقِي جَوَازِ الْفَسْخِ مِنْ الْمَفْضُولِ وَجْهَانِ .","part":22,"page":22},{"id":10522,"text":"( 7909 ) فَصْلٌ : وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الْعِوَضُ مَعْلُومًا ؛ لِأَنَّهُ مَالٌ فِي عَقْدٍ فَكَانَ مَعْلُومًا ، كَسَائِرِ الْعُقُودِ ، وَيَكُونُ مَعْلُومًا بِالْمُشَاهَدَةِ ، أَوْ بِالْقَدْرِ وَالصِّفَةِ ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ .\rوَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًّا وَمُؤَجَّلًا ، كَالْعِوَضِ فِي الْبَيْعِ .\rوَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بَعْضُهُ حَالًّا وَبَعْضُهُ مُؤَجَّلًا ، فَلَوْ قَالَ : إنْ نَضَلْتنِي فَلَكَ دِينَارٌ حَالٌّ ، وَقَفِيزُ حِنْطَةٍ بَعْدَ شَهْرٍ .\rجَازَ وَصَحَّ النِّضَالُ ؛ لِأَنَّ مَا جَازَ أَنْ يَكُونَ حَالًّا وَمُؤَجَّلًا ، جَازَ أَنْ يَكُونَ بَعْضُهُ حَالًّا وَبَعْضُهُ مُؤَجَّلًا ، كَالثَّمَنِ ، غَيْرَ أَنَّهُ يُحْتَاجُ إلَى صِفَةِ الْحِنْطَةِ بِمَا تَصِيرُ بِهِ مَعْلُومَةً .","part":22,"page":23},{"id":10523,"text":"( 7910 ) فَصْلٌ : فَإِنْ شَرْطَ أَنْ يُطْعِمَ السَّبَقَ أَصْحَابَهُ ، فَالشَّرْطُ فَاسِدٌ ؛ لِأَنَّهُ عِوَضٌ عَلَى عَمَلٍ ، فَلَا يَسْتَحِقُّهُ غَيْرُ الْعَامِلِ ، كَالْعِوَضِ فِي رَدِّ الْآبِقِ ، وَلَا يَفْسُدُ الْعَقْدُ .\rوَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يَفْسُدُ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ عَقْدٌ لَا تَقِفُ صِحَّتُهُ عَلَى تَسْمِيَةِ بَدَلٍ ، فَلَمْ يَفْسُدْ بِالشَّرْطِ الْفَاسِدِ كَالنِّكَاحِ .\rوَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّ الشُّرُوطَ الْفَاسِدَةَ فِي الْمُسَابَقَةِ تَنْقَسِمُ قِسْمَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، مَا يُخِلُّ بِشَرْطِ صِحَّةِ الْعَقْدِ ، نَحْوَ أَنْ يَعُودَ إلَى جَهَالَةِ الْعِوَضِ ، أَوْ الْمَسَافَةِ ، وَنَحْوِهِمَا ، فَيَفْسُدُ الْعَقْدُ ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ لَا يَصِحُّ مَعَ فَوَاتِ شَرْطِهِ .\rوَالثَّانِي ، مَا لَا يُخِلُّ بِشَرْطِ الْعَقْدِ ، نَحْوَ أَنْ يَشْتَرِطَ أَنْ يُطْعِمَ السَّبْقَ أَصْحَابُهُ أَوْ غَيْرُهُمْ ، أَوْ يَشْرِطَ أَنَّهُ إذَا نَضَلَ لَا يَرْمِي أَبَدًا ، أَوْ لَا يَرْمِي شَهْرًا أَوْ شَرَطَا أَنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَوْ لِأَحَدِهِمَا فَسْخَ الْعَقْدِ مَتَى شَاءَ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي الْعَمَلِ ، وَأَشْبَاهَ هَذَا ، فَهَذِهِ شُرُوطٌ بَاطِلَةٌ فِي نَفْسِهَا ، وَفِي الْعَقْدِ الْمُقْتَرِنِ بِهَا وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، صِحَّتُهُ ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ تَمَّ بِأَرْكَانِهِ وَشُرُوطِهِ ، فَإِذَا حُذِفَ الزَّائِدُ الْفَاسِدُ ، بَقِيَ الْعَقْدُ صَحِيحًا .\rوَالثَّانِي ، يَبْطُلُ ؛ لِأَنَّهُ بَذَلَ الْعِوَضَ لِهَذَا الْغَرَضِ ، فَإِذَا لَمْ يَحْصُلْ لَهُ غَرَضُهُ لَا يَلْزَمُهُ الْعِوَضُ .\rوَكُلُّ مَوْضِعٍ فَسَدَتْ الْمُسَابَقَةُ ، فَإِنْ كَانَ السَّابِقُ الْمُخْرِجَ أَمْسَكَ سَبْقَهُ ، وَإِنْ كَانَ الْآخَرَ ، فَلَهُ أَجْرُ عَمَلِهِ ؛ لِأَنَّهُ عَمَلٌ بِعِوَضٍ لَمْ يُسَلَّمْ لَهُ ، فَاسْتَحَقَّ أَجْرَ الْمِثْلِ ، كَالْإِجَارَةِ الْفَاسِدَةِ .","part":22,"page":24},{"id":10524,"text":"( 7911 ) فَصْلٌ : وَإِذَا كَانَ الْمُخْرِجُ غَيْرَ الْمُتَسَابِقَيْنِ ، فَقَالَ لَهُمَا أَوْ لِجَمَاعَةٍ : أَيُّكُمْ سَبَقَ فَلَهُ عَشَرَةٌ .\rجَازَ ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَطْلُبُ أَنْ يَكُونَ سَابِقًا ، وَأَيُّهُمْ سَبَقَ ، اسْتَحَقَّ الْعَشَرَةَ ، وَإِنْ جَاءُوا جَمِيعًا ، فَلَا شَيْءَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ ؛ لِأَنَّهُ لَا سَابِقَ فِيهِمْ .\rوَإِنْ قَالَ لِاثْنَيْنِ : أَيّكُمَا سَبَقَ فَلَهُ عَشَرَةٌ ، وَأَيُّكُمَا صَلَّى فَلَهُ عَشَرَةٌ .\rلَمْ يَصِحَّ ؛ لِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِي طَلَبِ السَّبْقِ ، فَلَا يَحْرِصُ عَلَيْهِ ، لِعَدَمِ فَائِدَتِهِ فِيهِ .\rوَإِنْ قَالَ : وَمَنْ صَلَّى فَلَهُ خَمْسَةٌ صَحَّ ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ يَطْلُبُ السَّبْقَ لِفَائِدَتِهِ فِيهِ بِزِيَادَةِ الْجُعْلِ .\rوَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ اثْنَيْنِ ، فَقَالَ : مَنْ سَبَقَ فَلَهُ عَشَرَةٌ ، وَمَنْ صَلَّى فَلَهُ كَذَلِكَ .\rصَحَّ ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَطْلُبُ أَنْ يَكُونَ سَابِقًا أَوْ مُصَلِّيًا ، وَالْمُصَلِّي هُوَ الثَّانِي ؛ لِأَنَّ رَأْسَهُ عِنْدَ صَلَى الْآخَرِ ، وَالصَّلَوَانِ : هُمَا الْعَظْمَانِ النَّاتِئَانِ مِنْ جَانِبَيْ الذَّنَبِ .\rوَفِي الْأَثَرِ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : \" سَبَقَ أَبُو بَكْرٍ ، وَصَلَّى عُمَرُ ، وَخَبَطَتْنَا عَشْوَاءٌ وَقَالَ الشَّاعِرُ : إنْ تَبْتَدِرْ غَايَةً يَوْمًا لِمَكْرُمَةٍ تَلْقَ السَّوَابِقَ مِنَّا وَالْمُصَلِّينَا فَإِنْ قَالَ : لِلْمُجَلِّي - وَهُوَ الْأَوَّلُ - مِائَةٌ ، وَلِلْمُصَلِّي - وَهُوَ الثَّانِي - تِسْعُونَ ، وَلِلتَّالِي - وَهُوَ الثَّالِثُ - ثَمَانُونَ ، وَلِلنَّازِعِ - وَهُوَ الرَّابِعُ - سَبْعُونَ ، وَلِلْمُرْتَاحِ وَهُوَ الْخَامِسُ - سِتُّونَ ، وَلِلْحَظِّيِّ - وَهُوَ السَّادِسُ - خَمْسُونَ ، وَلِلْعَاطِفِ - وَهُوَ السَّابِعُ - أَرْبَعُونَ ، وَلِلْمُؤَمِّلِ - وَهُوَ الثَّامِنُ - ثَلَاثُونَ ، وَلِلَّطِيمِ - وَهُوَ التَّاسِعُ - عِشْرُونَ ، وَلِلسِّكِّيتِ - وَهُوَ الْعَاشِرُ - عَشَرَةٌ ، وَلِلْفَسْكَلِ - وَهُوَ الْآخِرُ - خَمْسَةٌ .\rصَحَّ ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ يَطْلُبُ السَّبْقَ ، فَإِذَا فَاتَهُ طَلَبَ مَا يَلِي السَّابِقَ ، وَالْفِسْكِلُ اسْمٌ لِلْآخِرِ ، ثُمَّ يُسْتَعْمَلُ هَذَا فِي","part":22,"page":25},{"id":10525,"text":"غَيْرِ الْمُسَابَقَةِ بِالْخَيْلِ تَجَوُّزًا ، كَمَا رُوِيَ أَنَّ أَسْمَاءَ ابْنَةَ عُمَيْسٍ ، كَانَتْ تَزَوَّجَتْ جَعْفَرَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ، وَوَلَدَتْ لَهُ عَبْدَ اللَّهِ وَمُحَمَّدًا وَعَوْنًا ، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ، فَوَلَدَتْ لَهُ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ ، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فَقَالَتْ لَهُ : إنَّ ثَلَاثَةً أَنْتَ آخِرُهُمْ لَأَخْيَارٌ .\rفَقَالَ لِوَلَدِهَا : فَسْكَلَتْنِي أُمُّكُمْ .\rوَإِنْ جَعَلَ لِلْمُصَلِّي أَكْثَرَ مِنْ السَّابِقِ ، أَوْ مِثْلَهُ ، أَوْ جَعَلَ لِلتَّالِي أَكْثَرَ مِنْ الْمُصَلِّي أَوْ مِثْلَهُ ، أَوْ لَمْ يَجْعَلْ لِلْمُصَلِّي شَيْئًا .\rلَمْ يَجُزْ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُفْضِي إلَى أَنْ لَا يَقْصِدَ السَّبْقَ .\rبَلْ يَقْصِدُ التَّأَخُّرَ ، فَيُفَوِّتُ الْمَقْصُودَ .","part":22,"page":26},{"id":10526,"text":"( 7912 ) فَصْلٌ : إذَا قَالَ لِعَشَرَةٍ : مَنْ سَبَقَ مِنْكُمْ فَلَهُ عَشَرَةٌ .\rصَحَّ .\rفَإِنْ جَاءُوا مَعًا ، فَلَا شَيْءَ لَهُمْ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ الشَّرْطُ الَّذِي يُسْتَحَقُّ بِهِ الْجُعْلُ فِي وَاحِدٍ مِنْهُمْ .\rوَإِنْ سَبَقَهُمْ وَاحِدٌ ، فَلَهُ الْعَشَرَةُ ؛ لِوُجُودِ الشَّرْطِ فِيهِ .\rوَإِنْ سَبَقَ اثْنَانِ ، فَلَهُمَا الْعَشَرَةُ .\rوَإِنْ سَبَقَ تِسْعَةٌ ، وَتَأَخَّرَ وَاحِدٌ ، فَالْعَشَرَةُ لِلتِّسْعَةِ ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ وُجِدَ فِيهِمْ ، فَكَانَ الْجُعْلُ بَيْنَهُمْ ، كَمَا لَوْ قَالَ : مَنْ رَدَّ عَبْدِي الْآبِقَ فَلَهُ عَشَرَةٌ .\rفَرَدَّهُ تِسْعَةٌ .\rوَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ السَّابِقِينَ عَشَرَةٌ ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ سَابِقٌ ، فَيَسْتَحِقُّ الْجُعْلَ بِكَمَالِهِ ، كَمَا لَوْ قَالَ : مَنْ رَدَّ عَبْدًا لِي فَلَهُ عَشَرَةٌ .\rفَرَدَّ كُلُّ وَاحِدٍ عَبْدًا .\rوَفَارَقَ مَا لَوْ قَالَ : مَنْ رَدَّ عَبْدِي .\rفَرَدَّهُ تِسْعَةٌ ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ لَمْ يَرُدَّهُ ، إنَّمَا رَدُّهُ حَصَلَ مِنْ الْكُلِّ .\rوَيَصِيرُ هَذَا كَمَا لَوْ قَالَ : مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ .\rفَإِنْ قَتَلَ كُلُّ وَاحِدٍ وَاحِدًا ، فَلِكُلِّ وَاحِدٍ سَلَبُ قَتِيلِهِ كَامِلًا ، وَإِنْ قَتَلَ الْجَمَاعَةُ وَاحِدًا ، فَلِجَمِيعِهِمْ سَلَبٌ وَاحِدٌ .\rوَهَا هُنَا كُلُّ وَاحِدٍ لَهُ سَبْقٌ مُفْرَدٌ ، فَكَانَ لَهُ الْجُعْلُ كَامِلًا .\rفَعَلَى هَذَا ، لَوْ قَالَ : مَنْ سَبَقَ فَلَهُ عَشَرَةٌ ، وَمِنْ صَلَّى فَلَهُ خَمْسَةٌ ، فَسَبَقَ خَمْسَةٌ ، وَصَلَّى خَمْسَةٌ ، فَعَلَى الْأَوَّلِ مِنْ الْوَجْهَيْنِ ، لِلسَّابِقِينَ عَشَرَةٌ ، لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ دِرْهَمَانِ ، وَلِلْمُصَلِّينَ خَمْسَةٌ ، لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ دِرْهَمٌ .\rوَعَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي ، لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ السَّابِقِينَ عَشَرَةٌ ، فَيَكُونُ لَهُمْ خَمْسُونَ ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُصَلِّينَ خَمْسَةٌ ، فَيَكُونُ لَهُمْ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ .\rوَمَنْ قَالَ بِالْوَجْهِ الْأَوَّلِ ، اُحْتُمِلَ عَلَى قَوْلِهِ أَنْ لَا يَصِحَّ الْعَقْدُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ ؛ لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَسْبِقَ تِسْعَةٌ ، فَيَكُونَ لَهُمْ عَشَرَةٌ ، لِكُلِّ وَاحِدٍ دِرْهَمٌ","part":22,"page":27},{"id":10527,"text":"وَتُسْعٌ ، وَيُصَلِّيَ وَاحِدٌ ، فَيَكُونَ لَهُ خَمْسَةٌ ، فَيَصِيرَ لِلْمُصَلِّي مِنْ الْجُعْلِ فَوْقَ مَا لِلسَّابِقِ ، فَيَفُوتَ الْمَقْصُودُ .","part":22,"page":28},{"id":10528,"text":"( 7913 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ ؛ وَإِنْ أَخْرَجَا جَمِيعًا ، لَمْ يَجُزْ إلَّا أَنْ يُدْخِلَا بَيْنَهُمَا مُحَلِّلًا يُكَافِئُ فَرَسُهُ فَرَسَيْهِمَا ، أَوْ بَعِيرُهُ بَعِيرَيْهِمَا ، أَوْ رَمْيُهُ رَمْيَيْهِمَا ، فَإِنْ سَبَقَهُمَا أَحْرَزَ سَبْقَيْهِمَا ، وَإِنْ كَانَ السَّابِقُ أَحَدَهُمَا ، أَحْرَزَ سَبَقَهُ ، وَأَخَذَ سَبَقَ صَاحِبِهِ فَكَانَ كَسَائِرِ مَالِهِ ، وَلَمْ يَأْخُذْ مِنْ الْمُحَلِّلِ شَيْئًا السَّبَقُ ؛ بِالْفَتْحِ : الْجُعْلُ الَّذِي يُسَابَقُ عَلَيْهِ ، وَيُسَمَّى الْخَطَرَ وَالنَّدَبَ وَالْقَرَعَ وَالرَّهْنَ .\rوَيُقَالُ : سَبَقَ .\rإذَا أَخَذَ وَإِذَا أَعْطَى .\rوَمِنْ الْأَضْدَادِ .\rوَمَتَى اسْتَبَقَ الِاثْنَانِ ، وَالْجُعْلُ بَيْنَهُمَا ، فَأَخْرَجَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ، لَمْ يَجُزْ ، وَكَانَ قِمَارًا ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَغْنَمَ أَوْ يَغْرَمَ ، وَسَوَاءٌ كَانَ مَا أَخْرَجَاهُ مُتَسَاوِيًا ، مِثْلَ أَنْ يُخْرِجَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَشَرَةً ، أَوْ مُتَفَاوِتًا مِثْلَ أَنْ أَخْرَجَ أَحَدُهُمَا عَشَرَةً وَالْآخَرُ خَمْسَةً .\rوَلَوْ قَالَ : إنْ سَبَقْتَنِي فَلَكَ عَلَيَّ عَشَرَةٌ ، وَإِنْ سَبَقْتُك فَلِي عَلَيْك قَفِيزٌ حِنْطَةً .\rأَوْ قَالَ إنْ سَبَقْتَنِي فَلَكَ عَلَيَّ عَشَرَةٌ وَلِي عَلَيْك قَفِيزٌ لَمْ يَجُزْ ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ .\rفَإِنْ أَدْخَلَا بَيْنَهُمَا مُحَلِّلًا ، وَهُوَ ثَالِثٌ لَمْ يُخْرِجْ شَيْئًا ، جَازَ .\rوَبِهَذَا قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَحَكَى أَشْهَبُ ، عَنْ مَالِكٍ ، أَنَّهُ قَالَ فِي الْمُحَلِّلِ : لَا أُحِبُّهُ .\rوَعَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ ، أَنَّهُ قِيلَ لَهُ : إنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانُوا لَا يَرَوْنَ بِالدَّخِيلِ بَأْسًا .\rقَالَ : هُمْ أَعَفُّ مِنْ ذَلِكَ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { مَنْ أَدْخَلَ فَرَسًا بَيْنَ فَرَسَيْنِ ، وَهُوَ لَا يُؤْمَنُ أَنْ يَسْبِقَ ، فَلَيْسَ بِقِمَارٍ ، وَمَنْ أَدْخَلَ فَرَسًا بَيْنَ فَرَسَيْنِ ، وَقَدْ أُمِنَ أَنْ يَسْبِقَ فَهُوَ قِمَارٌ } .\rرَوَاهُ أَبُو","part":22,"page":29},{"id":10529,"text":"دَاوُد .\rفَجَعْلُهُ قِمَارًا إذَا أُمِنَ أَنْ يَسْبِقَ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ أَنْ يَغْنَمَ أَوْ يَغْرَمَ ، وَإِذَا لَمْ يُؤْمَنْ أَنْ يَسْبِقَ ، لَمْ يَكُنْ قِمَارًا ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَجُوزُ أَنْ يَخْلُوَ عَنْ ذَلِكَ .\rوَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ فَرَسُ الْمُحَلِّلِ مُكَافِئًا لِفَرَسَيْهِمَا ، أَوْ بَعِيرُهُ مُكَافِئًا لِبَعِيرَيْهِمَا ، وَرَمْيُهُ لِرَمِيَّيْهِمَا ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُكَافِئًا ، مِثْلَ أَنْ يَكُونَ فَرَسَاهُمَا جَوَادَيْنِ وَفَرَسُهُ بَطِيئٌ ، فَهُوَ قِمَارٌ ؛ لِلْخَبَرِ ، وَلِأَنَّهُ مَأْمُونٌ سَبْقُهُ ، فَوُجُودُهُ كَعَدَمِهِ .\rوَإِنْ كَانَ مُكَافِئًا لَهُمَا ، جَازَ .\rفَإِنْ جَاءُوا كُلُّهُمْ الْغَايَةَ دَفْعَةً وَاحِدَةً ، أَحْرَزَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا سَبَقَ نَفْسِهِ ، وَلَا شَيْءَ لِلْمُحَلِّلِ ؛ لِأَنَّهُ لَا سَابِقَ فِيهِمَا ، وَكَذَلِكَ إنْ سَبَقَ الْمُسْتَبِقَانِ الْمُحَلِّلَ ، وَإِنْ سَبَقَ الْمُحَلِّلُ وَحْدَهُ ، أَحْرَزَ السَّبَقَيْنِ بِالِاتِّفَاقِ ، وَإِنْ سَبَقَ أَحَدُ الْمُسْتَبِقَيْنِ وَحْدَهُ ، أَحْرَزَ سَبَقَ نَفْسِهِ ، وَأَخَذَ سَبَقَ صَاحِبِهِ ، وَلَمْ يَأْخُذْ مِنْ الْمُحَلِّلِ شَيْئًا ، وَإِنْ سَبَقَ أَحَدُ الْمُسْتَبِقَيْنِ وَالْمُحَلِّلُ ، أَحْرَزَ السَّابِقُ مَالَ نَفْسِهِ ، وَيَكُونُ سَبَقُ الْمَسْبُوقِ بَيْنَ السَّابِقِ وَالْمُحَلِّلِ نِصْفَيْنِ ، سَوَاءٌ كَانَ الْمُسْتَبِقُونَ اثْنَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ ، حَتَّى لَوْ كَانُوا مِائَةً ، وَبَيْنَهُمْ مُحَلِّلٌ لَا سَبَقَ مِنْهُ ، جَازَ .\rوَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الْمُحَلِّلُ جَمَاعَةً ، جَازَ ؛ لِأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الِاثْنَيْنِ وَالْجَمَاعَةِ .\rوَهَذَا كُلُّهُ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .","part":22,"page":30},{"id":10530,"text":"( 7914 ) فَصْلٌ : وَيُشْتَرَطُ فِي الْمُسَابَقَةِ بِالْحَيَوَانِ تَحْدِيدُ الْمَسَافَةِ ، وَأَنْ يَكُونَ لِابْتِدَاءِ عَدْوِهِمَا وَآخِرِهِ غَايَةٌ لَا يَخْتَلِفَانِ فِيهَا ؛ لِأَنَّ الْغَرَضَ مَعْرِفَةُ أَسْبَقِهِمَا ، وَلَا يُعْلَمُ ذَلِكَ إلَّا بِتَسَاوِيهِمَا فِي الْغَايَةِ ، وَلِأَنَّ أَحَدَهُمَا قَدْ يَكُونُ مُقَصِّرًا فِي أَوَّلِ عَدْوِهِ ، سَرِيعًا فِي انْتِهَائِهِ ، وَقَدْ يَكُونُ بِضِدِّ ذَلِكَ ، فَيَحْتَاجُ إلَى غَايَةٍ تَجْمَعُ حَالَيْهِ ، وَمِنْ الْخَيْلِ مَا هُوَ أَصْبَرُ ، وَالْقَارِحُ أَصْبَرُ مِنْ غَيْرِهِ .\rوَقَدْ رَوَى ابْنُ عُمَرَ ، { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَبَّقَ بَيْنَ الْخَيْلِ ، وَفَضَّلَ الْقُرَّحَ فِي الْغَايَةِ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَسَبَّقَ بَيْنَ الْخَيْلِ الْمُضَمَّرَةِ مِنْ الْحَفْيَاءِ إلَى ثَنِيَّةِ الْوَدَاعِ ، وَذَلِكَ سِتَّةُ أَمْيَالٌ أَوْ سَبْعَةٌ ، وَبَيْنَ الَّتِي لَمْ تُضَمَّرْ مِنْ الثَّنِيَّةِ إلَى مَسْجِدِ بَنِي زُرَيْقٍ ، وَذَلِكَ مِيلٌ أَوْ نَحْوُهُ .\rفَإِنْ اسْتَبَقَا بِغَيْرِ غَايَةٍ ، لِيُنْظَر أَيُّهُمَا يَقِفُ أَوَّلًا ، لَمْ يَجُزْ ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى أَنْ لَا يَقِفَ أَحَدُهُمَا حَتَّى يَنْقَطِعَ فَرَسُهُ ، وَيَتَعَذَّرَ الْإِشْهَادُ عَلَى السَّبْقِ فِيهِ .\rوَيُشْتَرَطُ فِي الْمُسَابَقَةِ إرْسَالُ الْفَرَسَيْنِ أَوْ الْبَعِيرَيْنِ دَفْعَةً وَاحِدَةً ، فَإِنْ أَرْسَلَ أَحَدَهُمَا قَبْلَ الْآخَرِ ، لِيُعْلَمَ هَلْ يُدْرِكُهُ الْآخَرُ أَوْ لَا لَمْ يَجُزْ هَذَا فِي الْمُسَابَقَةِ بِعِوَضٍ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ لَا يُدْرِكُهُ مَعَ كَوْنِهِ أَسْرَعَ مِنْهُ ، لِبُعْدِ الْمَسَافَةِ بَيْنَهُمَا .\rوَيَكُونُ عِنْد أَوَّلِ الْمَسَافَةِ مَنْ يُشَاهِدُ إرْسَالَهُمَا ، وَيُرَتِّبُهُمَا ، وَعِنْدَ الْغَايَةِ مَنْ يَضْبِطُ السَّابِقَ مِنْهُمَا ؛ لِئَلَّا يَخْتَلِفَا فِي ذَلِكَ .\rوَيَحْصُلُ السَّبَقُ فِي الْخَيْلِ بِالرَّأْسِ إذَا تَمَاثَلَتْ الْأَعْنَاقُ ، فَإِنْ اخْتَلَفَا فِي طُولِ الْعُنُقِ ، أَوْ كَانَ ذَلِكَ فِي الْإِبِلِ ، اُعْتُبِرَ السَّبَقُ بِالْكَتِفِ ؛ لِأَنَّ الِاعْتِبَارَ بِالرَّأْسِ مُتَعَذِّرٌ ، فَإِنَّ طَوِيلَ الْعُنُقِ قَدْ يَسْبِقُ رَأْسَهُ لِطُولِ عُنُقِهِ ، لَا","part":22,"page":31},{"id":10531,"text":"لِسُرْعَةِ عَدْوِهِ .\rوَفِي الْإِبِلِ مَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ ، وَفِيهَا مَا يَمُدُّ عُنُقَهُ ، فَرُبَّمَا سَبَقَ رَأْسُهُ لِمَدِّ عُنُقِهِ ، لَا لِسَبْقِهِ ، فَلِذَلِكَ اعْتَبَرْنَا الْكَتِفَ ، فَإِنْ سَبَقَ رَأْسُ قَصِيرِ الْعُنُقِ فَهُوَ سَابِقٌ ؛ لِأَنَّ مِنْ ضَرُورَةِ ذَلِكَ كَوْنَهُ سَابِقًا ، وَإِنْ سَبَقَ طَوِيلُ الْعُنُقِ بِأَكْثَرَ مِمَّا بَيْنَهُمَا فِي طُولِ الْعُنُقِ ، فَقَدْ سَبَقَ ، وَإِنْ كَانَ بِقَدْرِهِ لَمْ يَسْبِقْهُ ، وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ ، فَالْآخَرُ السَّابِقُ .\rوَنَحْوُ هَذَا كُلُّهُ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَقَالَ الثَّوْرِيُّ : إذَا سَبَقَ أَحَدُهُمَا بِالْأُذُنِ كَانَ سَابِقًا .\rوَلَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا قَدْ يَرْفَعُ رَأْسَهُ وَيَمُدُّ الْآخَرُ عُنُقَهُ ، فَيَكُونُ سَابِقًا بِأُذُنِهِ لِذَلِكَ لَا لِسَبْقِهِ .\rوَإِنْ شَرَطَا السَّبْقَ بِأَقْدَامٍ مَعْلُومَةٍ ، كَثَلَاثَةٍ أَوْ أَكْثَرَ أَوْ أَقَلِّ ، لَمْ يَصِحّ .\rوَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ : يَصِحُّ ، وَيَتَخَاطَّانِ ذَلِكَ ، كَمَا فِي الرَّمْيِ .\rوَلَيْسَ بِصَحِيحٍ ؛ لِأَنَّ هَذَا لَا يَنْضَبِطُ ، وَلَا يَقِفُ الْفَرَسَانِ عَنَدَ الْغَايَةِ ، بِحَيْثُ يُعْرَفُ مِسَاحَةُ مَا بَيْنَهُمَا .\rوَقَدْ رَوَى الدَّارَقُطْنِيّ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ { ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِعَلِيٍّ قَدْ جَعَلْت لَك هَذِهِ السَّبْقَةَ بَيْنَ النَّاسِ } .\rفَخَرَجَ عَلِيٌّ فَدَعَا سُرَاقَةَ بْنَ مَالِكٍ ، فَقَالَ : يَا سُرَاقَةُ ، إنِّي قَدْ جَعَلْت إلَيْك مَا جَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي عُنُقِي مِنْ هَذِهِ السَّبْقَةِ فِي عُنُقِك ، فَإِذَا أَتَيْت الْمِيطَانَ - قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمِيطَانُ مُرْسِلُهَا مِنْ الْغَايَةِ - فَصُفَّ الْخَيْلَ ، ثُمَّ نَادِ : هَلْ مِنْ مُصْلِحٍ لَلِجَامٍ ، أَوْ حَامِلٍ لِغُلَامٍ ، أَوْ طَارِحٍ لِجَلٍّ .\rفَإِذَا لَمْ يُجِبْك أَحَدٌ ، فَكَبِّرْ ثَلَاثًا ، ثُمَّ خَلِّهَا عِنْدَ الثَّالِثَةِ ، فَيُسْعِدُ اللَّهُ بِسَبَقِهِ مَنْ شَاءَ مِنْ خَلْقِهِ .\rوَكَانَ عَلِيٌّ يَقْعُدُ عَلَى مُنْتَهَى الْغَايَةِ يَخُطُّ خَطًّا ، وَيُقِيمُ رَجُلَيْنِ مُتَقَابِلَيْنِ عِنْدَ طَرَفِ","part":22,"page":32},{"id":10532,"text":"الْخَطِّ طَرَفَيْهِ بَيْنَ إبْهَامَيْ أَرْجُلِهِمَا ، وَتَمُرُّ الْخَيْلُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ ، وَيَقُولُ لَهُمَا : إذَا خَرَجَ أَحَدُ الْفَرَسَيْنِ عَلَى صَاحِبِهِ بِطَرَفِ أُذُنَيْهِ ، أَوْ أُذُنٍ ، أَوْ عَذَارٍ فَاجْعَلَا السَّبْقَةَ لَهُ ، فَإِنْ شَكَكْتُمَا ، فَاجْعَلُوا سَبَقَهُمَا نِصْفَيْنِ ، فَإِذَا قَرَنْتُمْ ثِنْتَيْنِ ، فَاجْعَلَا الْغَايَةَ مِنْ غَايَةِ أَصْغَرِ الثِّنْتَيْنِ ، وَلَا جَلَبَ وَلَا جَنَبَ وَلَا شِغَارَ فِي الْإِسْلَامِ .\rوَهَذَا الْأَدَبُ الَّذِي ذَكَرَهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، فِي ابْتِدَاءِ الْإِرْسَالِ وَانْتِهَاءِ الْغَايَةِ ، مِنْ أَحْسَنِ مَا قِيلَ فِي هَذَا ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي قَضِيَّةٍ أَمَرَهُ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفَوَّضَهَا إلَيْهِ ، فَيَنْبَغِي أَنْ تُتَّبَعَ ، وَيُعْمَلَ بِهَا .","part":22,"page":33},{"id":10533,"text":"( 7915 ) فَصْلٌ : وَيُشْتَرَطُ فِي الرِّهَانِ أَنْ تَكُونَ الدَّابَّتَانِ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ ، فَإِنْ كَانَتَا مِنْ جِنْسَيْنِ ، كَالْفَرَسِ وَالْبَعِيرِ ، لَمْ يَجُزْ ؛ لِأَنَّ الْبَعِيرَ لَا يَكَادُ يَسْبِقُ الْفَرَسَ ، فَلَا يَحْصُلُ الْغَرَضُ مِنْ هَذِهِ الْمُسَابَقَةِ .\rوَإِنْ كَانَتَا مِنْ نَوْعَيْنِ ، كَالْعَرَبِيِّ وَالْبِرْذَوْنِ ، أَوْ الْبُخْتِيِّ وَالْعِرَابِيِّ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، لَا يَصِحُّ .\rذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ ؛ لِأَنَّ التَّفَاوُتَ بَيْنَهُمَا فِي الْجَرْيِ مَعْلُومٌ بِحُكْمِ الْعَادَةِ ، فَأَشْبَهَا الْجِنْسَيْنِ .\rوَالثَّانِي : يَصِحُّ ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُمَا مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ ، وَقَدْ يَسْبِقُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْآخَرَ ، وَالضَّابِطُ الْجِنْسُ وَقَدْ وُجِدَ ، وَيَكْفِي فِي الْمَظِنَّةِ احْتِمَالُ الْحِكْمَةِ ، وَلَوْ عَلَى بُعْدٍ .","part":22,"page":34},{"id":10534,"text":"( 7916 ) فُصُولٌ فِي الْمُنَاضَلَةِ : وَهِيَ الْمُسَابَقَةُ فِي الرَّمْيِ بِالسِّهَامِ ، وَالْمُنَاضَلَةُ ، مَصْدَرُ نَاضَلْته نِضَالًا وَمُنَاضَلَةً ، وَسُمِّيَ الرَّمْيُ نِضَالًا ؛ لِأَنَّ السَّهْمَ التَّامَّ يُسَمَّى نَضْلًا ، فَالرَّمْيُ بِهِ عَمَلٌ بِالنَّضْلِ ، فَسُمِّيَ نِضَالًا وَمُنَاضَلَةً ، مِثْلَ قَاتَلْتُهُ قِتَالًا وَمُقَاتَلَةً ، وَجَادَلْته جِدَالًا وَمُجَادَلَةً .\rوَيُشْتَرَطُ لِصِحَّتِهِ ثَمَانِيَةُ شُرُوطٍ ؛ أَحَدُهَا : أَنْ يَكُونَ عَدَدُ ، الرَّشْقِ مَعْلُومًا ، وَالرِّشْقُ ؛ بِكَسْرِ الرَّاءِ : عَدَدُ الرَّمْيِ .\rوَأَهْلُ اللُّغَةِ يَقُولُونَ : هُوَ عِبَارَةٌ عَمَّا بَيْنَ الْعِشْرِينَ وَالثَّلَاثِينَ .\rوَالرَّشْقُ ؛ بِفَتْحِ الرَّاءِ الرَّمْيُ نَفْسُهُ ، مَصْدَرُ رَشَقْتُهُ رَشْقًا .\rأَيْ رَمَيْت رَمْيًا .\rوَإِنَّمَا اُشْتُرِطَ عِلْمُهُ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مَجْهُولًا لَأَفْضَى إلَى الْخِلَافِ ؛ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا يُرِيدُ الْقَطْعَ ، وَالْآخَرُ يُرِيدُ الزِّيَادَةَ ، فَيَخْتَلِفَانِ .\rالثَّانِي ، أَنْ يَكُونَ عَدَدُ الْإِصَابَةِ مَعْلُومًا ، فَيَقُولَانِ : الرِّشْقُ عِشْرُونَ ، وَالْإِصَابَةُ خَمْسَةٌ أَوْ سِتَّةٌ ، أَوْ مَا يَتَّفِقَانِ عَلَيْهِ مِنْهَا ، إلَّا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ اشْتِرَاطُ إصَابَةٍ نَادِرَةٍ ، كَإِصَابَةِ جَمِيعِ الرَّشْقِ أَوْ إصَابَةِ تِسْعَةِ أَعْشَارِهِ ، وَنَحْوِ هَذَا ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ هَذَا لَا يُوجَدُ ، فَيَفُوتُ الْغَرَضُ .\rالثَّالِثُ ، اسْتِوَاؤُهُمَا فِي عَدَدِ الرَّشْقِ وَالْإِصَابَةِ ، وَصِفَتِهَا ، وَسَائِرِ أَحْوَالِ الرَّمْيِ .\rفَإِنْ جَعَلَا رَشْقَ أَحَدِهِمَا عَشَرَةً ، وَالْآخَرِ عِشْرِينَ ، أَوْ شَرَطَا أَنْ يُصِيبَ أَحَدُهُمَا خَمْسَةً ، وَالْآخَرُ ثَلَاثَةً ، أَوْ شَرَطَا إصَابَةَ أَحَدِهِمَا خَوَاسِقَ وَالْآخَرِ خَوَاصِلَ ، أَوْ شَرَطَا أَنْ يَحُطَّ أَحَدُهُمَا مِنْ إصَابَتِهِ سَهْمَيْنِ ، أَوْ يَحُطَّ سَهْمَيْنِ مِنْ إصَابَتِهِ بِسَهْمٍ مِنْ إصَابَةِ صَاحِبِهِ ، أَوْ شَرَطَا أَنْ يَرْمِيَ أَحَدُهُمَا مِنْ بُعْدٍ ، وَالْآخَرُ مِنْ قُرْبٍ ، أَوْ أَنْ يَرْمِيَ أَحَدُهُمَا وَبَيْنَ أَصَابِعِهِ سَهْمٌ ، وَالْآخَرُ بَيْنَ أَصَابِعِهِ سَهْمَانِ ، أَوْ أَنْ يَرْمِيَ أَحَدُهُمَا وَعَلَى رَأْسِهِ","part":22,"page":35},{"id":10535,"text":"شَيْءٌ وَالْآخَرُ خَالٍ عَنْ شَاغِلٍ ، أَوْ أَنْ يَحُطَّ عَنْ أَحَدِهِمَا وَاحِدًا مِنْ خَطَئِهِ لَا لَهُ وَلَا عَلَيْهِ ، وَأَشْبَاهِ هَذَا مِمَّا تَفُوتُ بِهِ الْمُسَاوَاةُ ، لَمْ يَصِحَّ ؛ لِأَنَّ مَوْضُوعَهَا عَلَى الْمُسَاوَاةِ ، وَالْغَرَضُ مَعْرِفَةُ الْحِذْقِ ، وَزِيَادَةِ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ فِيهِ ، وَمَعَ التَّفَاضُلِ لَا يَحْصُلُ ، فَإِنَّهُ رُبَّمَا أَصَابَ أَحَدُهُمَا لِكَثْرَةِ رَمْيِهِ لَا لِحِذْقِهِ ، فَاعْتُبِرَتْ الْمُسَاوَاةُ ، كَالْمُسَابَقَةِ عَلَى الْحَيَوَانِ .\rالرَّابِعُ ، أَنْ يَصِفَا الْإِصَابَةَ ، فَيَقُولَانِ : خَوَاصِلُ .\rوَهُوَ الْمُصِيبُ لِلْغَرَضِ كَيْفَمَا كَانَ .\rقَالَ الْأَزْهَرِيُّ : يُقَالُ خَصَلْت مُنَاضِلِي خَصْلَةً وَخُصَلًا .\rوَيُسَمَّى ذَلِكَ الْقَرَعَ .\rوَالْقَرْطَسَةَ ، يُقَالُ : قَرْطَسَ .\rإذَا أَصَابَ .\rأَوْ حَوَابِي .\rوَهُوَ مَا وَقَعَ بَيْنَ يَدَيْ الْغَرَضِ ، ثُمَّ وَثَبَ إلَيْهِ .\rوَمِنْهُ يُقَالُ : حَبَا الصَّبِيُّ .\rأَوْ خَوَاصِرُ .\rوَهُوَ مَا وَقَعَ فِي أَحَدِ جَانِبَيْ الْغَرَضِ ، وَمِنْهُ قِيلَ : الْخَاصِرَةُ .\rلِأَنَّهَا فِي جَانِبِ الْإِنْسَانِ .\rأَوْ خَوَارِقُ .\rوَهُوَ مَا خَرَقَ الْغَرَضَ ، ثُمَّ وَقَعَ بَيْنَ يَدَيْهِ .\rأَوْ خَوَاسِقُ وَهُوَ مَا خَرَقَ الْغَرَضَ ، وَثَبَتَ فِيهِ .\rأَوْ مَوَارِقُ .\rوَهُوَ مَا أَنْفَذَ الْغَرَضَ ، وَوَقَعَ مِنْ وَرَائِهِ .\rأَوْ خَوَازِمُ .\rوَهُوَ مَا خَزَمَ جَانِبَ الْغَرَضِ .\rوَإِنْ شَرَطَا الْخَوَاسِقَ وَالْحَوَابِيَ مَعًا ، صَحَّ .\rالْخَامِسُ ، قَدْرُ الْغَرَضِ ، وَالْغَرَضُ هُوَ مَا يُقْصَدُ إصَابَتُهُ مِنْ قِرْطَاسٍ أَوْ وَرَقٍ أَوْ جِلْدٍ أَوْ خَشَبٍ أَوْ قَرْعٍ أَوْ غَيْرِهِ ، وَيُسَمَّى غَرَضًا ؛ لِأَنَّهُ يُقْصَدُ ، وَيُسَمَّى شَارَةً وَشَنًّا .\rقَالَ الْأَزْهَرِيُّ : مَا نُصِبَ فِي الْهَدَفِ فَهُوَ الْقِرْطَاسُ ، وَمَا نُصِبَ فِي الْهَوَاءِ فَهُوَ الْغَرَضُ .\rوَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ قَدْرُهُ مَعْلُومًا بِالْمُشَاهَدَةِ ، أَوْ بِتَقْدِيرِهِ بِشِبْرٍ أَوْ شِبْرَيْنِ ، بِحَسَبِ الِاتِّفَاقِ ، فَإِنَّ الْإِصَابَةَ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ سَعَتِهِ وَضِيقِهِ .\rالسَّادِسُ .\rمَعْرِفَةُ الْمَسَافَةِ ؛ إمَّا بِالْمُشَاهَدَةِ ، أَوْ بِالذُّرْعَانِ ، فَيَقُولُ : مِائَةَ","part":22,"page":36},{"id":10536,"text":"ذِرَاعٍ ؛ أَوْ مِائَتَيْ ذِرَاعٍ ؛ لِأَنَّ الْإِصَابَةَ تَخْتَلِفُ بِقُرْبِهَا وَبُعْدِهَا ، وَمَهْمَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ جَازَ ، إلَّا أَنْ يَجْعَلَا مَسَافَةً بَعِيدَةً تَتَعَذَّرُ الْإِصَابَةُ فِي مِثْلِهَا ، وَهُوَ مَا زَادَ عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ ذِرَاعٍ فَلَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ الْغَرَضَ يَفُوتُ بِذَلِكَ ، وَقَدْ قِيلَ : إنَّهُ مَا رَمَى إلَى أَرْبَعِمِائَةِ ذِرَاعٍ إلَّا عُقْبَهُ بْنُ عَامِرٍ الْجُهَنِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .\rالسَّابِعُ ، تَعْيِينُ الرُّمَاةِ ، فَلَا يَصِحُّ مَعَ الْإِبْهَامِ ؛ لِأَنَّ الْغَرَضَ مَعْرِفَةٌ حِذْقِ الرَّامِي بِعَيْنِهِ ، لَا مَعْرِفَةُ حِذْقِ رَامِ فِي الْجُمْلَةِ .\rوَلَوْ عَقَدَ اثْنَانِ نِضَالًا عَلَى أَرْبَعٍ مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ثَلَاثَةٌ ، لَمْ يَجُزْ لِذَلِكَ .\rوَلَا يُشْتَرَطُ تَعْيِينُ الْقَوْسِ وَالسِّهَامِ ، وَلَوْ عَيَّنَهَا لَمْ تَتَعَيَّنْ ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ مَعْرِفَةُ الْحِذْقِ ، وَهَذَا لَا يَخْتَلِفُ إلَّا بِالرَّامِي ، لَا بِاخْتِلَافِ الْقَوْسِ وَالسِّهَامِ .\rوَفِي الرِّهَانِ يُعْتَبَرُ تَعْيِينُ الْحَيَوَانِ الَّذِي يُسَابَقُ بِهِ ، وَلَا يُعْتَبَرُ تَعْيِينُ الرَّاكِبِ ؛ لِأَنَّ الْغَرَضَ مَعْرِفَةُ عَدْوِ الْفَرَسِ ، لَا حِذْقِ الرَّاكِبِ .\rوَكُلُّ مَا يُعْتَبَرُ تَعْيِينُهُ ، إذَا تَلِفَ انْفَسَخَ الْعَقْدُ ، وَلَمْ يَقُمْ غَيْرُهُ مَقَامَهُ ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ تَعَلَّقَ بِعَيْنِهِ ، فَانْفَسَخَ بِتَلَفِ الْعَيْنِ ، وَلِأَنَّ الْغَرَضَ مَعْرِفَةُ حِذْقِ الرَّامِي ، أَوْ عَدْوِ الْفَرَسِ ، وَقَدْ فَاتَتْ مَعْرِفَةُ ذَلِكَ بِمَوْتِهِ ، وَلَا يُعْرَفُ حِذْقُهُ مِنْ غَيْرِهِ .\rوَمَا لَا يَتَعَيَّنُ ، يَجُوزُ إبْدَالُهُ لِعُذْرٍ وَغَيْرِهِ ، وَإِذَا تَلِفَ ، قَامَ غَيْرُهُ مَقَامَهُ .\rفَإِنْ شَرَطَا أَنْ لَا يَرْمِيَ بِغَيْرِ هَذَا الْقَوْسِ ، وَلَا بِغَيْرِ هَذَا السَّهْمِ ، أَوْ لَا يَرْكَبَ غَيْرُ هَذَا الرَّاكِبِ فَهَذِهِ شُرُوطٌ فَاسِدَةٌ ؛ لِأَنَّهَا تُنَافِي مُقْتَضَى الْعَقْدِ ، أَشْبَهَتْ مَا إذَا شَرْطَ إصَابَةً بِإِصَابَتَيْنِ .\rالثَّامِنُ ، أَنْ تَكُونَ الْمُسَابَقَةُ فِي الْإِصَابَةِ .\rوَلَوْ قَالَا : السَّبَقُ لِأَبْعَدِنَا رَمْيًا ، لَمْ يَجُزْ ؛ لِأَنَّ الْغَرَضَ مِنْ الرَّمْيِ","part":22,"page":37},{"id":10537,"text":"الْإِصَابَةُ .\rلَا بُعْدُ الْمَسَافَةِ ، فَإِنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الرَّمْيِ إمَّا قَتْلُ الْعَدُوِّ ، أَوْ جَرْحُهُ ، أَوْ الصَّيْدُ ، أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ ، وَكُلُّ هَذَا إنَّمَا يَحْصُلُ مِنْ الْإِصَابَةِ ، لَا مِنْ الْإِبْعَادِ .","part":22,"page":38},{"id":10538,"text":"( 7917 ) فَصْلٌ : وَالْمُنَاضَلَةُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ ؛ أَحَدُهَا ، تُسَمَّى الْمُبَادَرَةَ ، وَهُوَ أَنْ يَقُولَا : مَنْ سَبَقَ إلَى خَمْسِ إصَابَاتٍ مِنْ عِشْرِينَ رَمْيَةً فَهُوَ السَّابِقُ .\rفَأَيُّهُمَا سَبَقَ إلَيْهَا مَعَ تَسَاوِيهِمَا فِي الرَّشْقِ ، فَقَدْ سَبَقَ .\rفَإِذَا رَمَيَا عَشَرَةً عَشَرَةً ، فَأَصَابَ أَحَدُهُمَا خَمْسًا ، وَلَمْ يُصِبْ الْآخَرُ خَمْسًا ، فَالْمُصِيبُ خَمْسًا هُوَ السَّابِقُ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ سَبَقَ إلَى خَمْسٍ ، وَسَوَاءٌ أَصَابَ الْآخَرُ أَرْبَعًا ، أَوْ مَا دُونَهَا ، أَوْ لَمْ يُصِبْ شَيْئًا ، وَلَا حَاجَةَ إلَى إتْمَامِ الرَّشْقِ ؛ لِأَنَّ السَّبْقَ قَدْ حَصَلَ بِسَبْقِهِ إلَى مَا شَرَطَا السَّبْقَ إلَيْهِ ، وَإِنْ أَصَابَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ الْعَشْرِ خَمْسًا ، فَلَا سَابِقَ فِيهِمَا وَلَا يُكْمِلَانِ الرَّشْقَ ؛ لِأَنَّ جَمِيعَ الْإِصَابَةِ الْمَشْرُوطَةِ قَدْ حَصَلَتْ ، وَاسْتَوَيَا فِيهَا ، فَإِنْ رَمَى أَحَدُهُمَا عَشْرًا فَأَصَابَ خَمْسًا ، وَرَمَى الْآخَرُ تِسْعًا فَأَصَابَ أَرْبَعًا ، لَمْ يُحْكَمْ بِالسَّبْقِ وَلَا بِعَدَمِهِ ، حَتَّى يَرْمِيَ الْعَاشِرَ ، فَإِنْ أَخْطَأَ بِهِ ، فَقَدْ سَبَقَ الْأَوَّلُ ، وَإِنْ أَصَابَ بِهِ ، فَلَا سَابِقَ فِيهِمَا .\rوَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَصَابَ مِنْ التِّسْعَةِ إلَّا ثَلَاثًا ، فَقَدْ سَبَقَهُ الْأَوَّلُ ، وَلَا يَحْتَاجُ إلَى رَمْيِ الْعَاشِرِ ؛ لِأَنَّ أَكْثَرَ مَا يُحْتَمَلُ أَنَّهُ يُصِيبُ بِهِ ، وَلَا يُخْرِجُهُ ذَلِكَ عَنْ كَوْنِهِ مَسْبُوقًا .\rالضَّرْبُ الثَّانِي ، أَنْ يَقُولَ : أَيُّنَا فَضَلَ صَاحِبَهُ بِإِصَابَةٍ أَوْ إصَابَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثٍ مِنْ عِشْرِينَ رَمْيَةً ، فَقَدْ سَبَقَ .\rوَيُسَمَّى مُفَاضَلَةً وَمُحَاطَّةً ؛ لِأَنَّ مَا تَسَاوَيَا فِيهِ مِنْ الْإِصَابَةِ مَحْطُوطٌ غَيْرُ مُعْتَدٍّ بِهِ .\rوَيَلْزَمُ إكْمَالُ الرَّشْقِ ؛ إذَا كَانَ فِي إتْمَامِهِ فَائِدَةٌ ، فَإِذَا قَالَا : أَيُّنَا فَضَلَ صَاحِبَهُ بِثَلَاثٍ ، فَهُوَ سَابِقٌ .\rفَرَمَيَا اثْنَتَيْ عَشَرَةَ رَمْيَةً ، فَأَصَابَهَا أَحَدُهُمَا ، وَأَخْطَأَهَا الْآخَرُ كُلَّهَا ، لَمْ يَلْزَمْ إتْمَامُ الرَّشْقِ ؛ لِأَنَّ أَكْثَرَ مَا يُحْتَمَلُ أَنْ يُصِيبَ الْآخَرُ الثَّمَانِيَ الْبَاقِيَةَ ،","part":22,"page":39},{"id":10539,"text":"يَحُطُّهَا الْأَوَّلُ ، وَلَا يَخْرُجُ الْأَوَّلُ بِهَذَا عَنْ كَوْنِهِ سَابِقًا .\rوَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ إنَّمَا أَصَابَ مِنْ الِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ عَشْرًا ، لَزِمَهُمَا أَنْ يَرْمِيَا الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ ، فَإِنْ أَصَابَاهَا ، أَوْ أَخْطَآ ، أَوْ أَصَابَهَا الْأَوَّلُ وَحْدَهُ .\rفَقَدْ سَبَقَ ، وَلَا يَحْتَاجُ إلَى إتْمَامِ الرَّشْقِ ، فَإِنْ أَصَابَهَا الْآخَرُ ، وَأَخْطَأَهَا الْأَوَّلُ ، فَعَلَيْهِمَا أَنْ يَرْمِيَا الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ ، وَالْحَكَمُ فِيهَا وَفِيمَا بَعْدَهَا كَالْحُكْمِ فِي الثَّالِثَةِ عَشْرَةَ ، وَأَنَّهُ مَتَى أَصَابَاهَا ، أَوْ أَخْطَآ ، أَوْ أَصَابَهَا الْأَوَّلُ ، فَقَدْ سَبَقَ ، وَلَا يَرْمِيَانِ مَا بَعْدَهَا .\rوَإِنْ أَصَابَهَا الْآخَرُ وَحْدَهُ ، رَمَيَا مَا بَعْدَهَا .\rوَهَكَذَا كُلُّ مَوْضِعٍ كَانَ فِي إتْمَامِ ، الرَّشْقِ فَائِدَةٌ لِأَحَدِهِمَا لَزِمَ إتْمَامُهُ ، وَإِنْ يَئِسَ مِنْ الْفَائِدَةِ ، لَمْ يَلْزَمْ إتْمَامُهُ ، فَإِذَا بَقِيَ مِنْ الْعَدَدِ مَا يُمْكِنُ أَنْ يَسْبِقَ أَحَدُهُمَا بِهِ صَاحِبَهُ ، أَوْ يُسْقِطَ أَحَدُهُمَا بِهِ سَبْقَ صَاحِبِهِ ، لَزِمَ الْإِتْمَامُ ، وَإِلَّا فَلَا ، فَإِذَا كَانَ السَّبْقُ يَحْصُلُ بِثَلَاثِ إصَابَاتٍ مِنْ عِشْرِينَ ، فَرَمَيَا ثَمَانِي عَشْرَةَ ، فَأَخْطَآهَا ، أَوْ أَصَابَاهَا ، أَوْ تَسَاوَيَا فِي الْإِصَابَةِ فِيهَا ، لَمْ يَلْزَمْ إتْمَامُ الرَّشْقِ لِأَنَّ ؛ أَكْثَرَ مَا يُحْتَمَلُ أَنْ يُصِيبَ أَحَدُهُمَا هَاتَيْنِ الرَّمْيَتَيْنِ ، وَيُخْطِئَهُمَا الْآخَرُ ، وَلَا يَحْصُلُ السَّبْقُ بِذَلِكَ .\rوَكَذَلِكَ إنْ فَضَلَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ بِخَمْسِ إصَابَاتٍ فَمَا زَادَ ، لَمْ يَلْزَمْ الْإِتْمَامُ ؛ لِأَنَّ إصَابَةَ الْآخَرِ بِالسَّهْمَيْنِ الْبَاقِيَيْنِ لَا يُخْرِجُ الْآخَرَ عَنْ كَوْنِهِ فَاضِلًا بِثَلَاثِ إصَابَاتٍ ، وَإِنْ لَمْ يَفْضُلْهُ إلَّا بِأَرْبَعٍ ، رَمَيَا السَّهْمَ الْآخَرَ ، فَإِنْ أَصَابَهُ الْمَفْضُولُ وَحْدَهُ ، فَعَلَيْهِمَا رَمْيُ الْآخَرِ فَإِنْ أَصَابَهُ الْمَفْضُولُ أَيْضًا ، سَقَطَ سَبْقُ الْأَوَّلِ ، وَإِنْ أَخْطَآ فِي أَحَدِ السَّهْمَيْنِ ، أَوْ أَصَابَ الْأَوَّلُ فِي أَحَدِهِمَا ، فَهُوَ سَابِقٌ .\rفَصْلٌ : الثَّالِثُ أَنْ يَقُولَا : أَيُّنَا","part":22,"page":40},{"id":10540,"text":"أَصَابَ خَمْسًا مِنْ عِشْرِينَ ، فَهُوَ سَابِقٌ .\rفَمَتَى أَصَابَ أَحَدُهُمَا خَمْسًا مِنْ الْعِشْرِينَ ، وَلَمْ يُصِبْهَا الْآخَرُ ، فَالْأَوَّلُ سَابِقٌ ، وَإِنْ أَصَابَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا خَمْسًا ، أَوْ لَمْ يُصِبْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا خَمْسًا ، فَلَا سَابِقَ فِيهِمَا .\rوَهَذِهِ فِي مَعْنَى الْمُحَاطَّةِ ، فِي أَنَّهُ يَلْزَمُ إتْمَامُ الرَّشْقِ مَا كَانَ فِي إِتْمَامِهِ فَائِدَة ، فَإِذَا خَلَا عَنْ الْفَائِدَةِ ، لَمْ يَلْزَمْ إتْمَامُهُ .\rوَمَتَى أَصَابَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا خَمْسًا ، لَمْ يَلْزَمْ إتْمَامُهُ ، وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمَا سَابِقٌ .\rإنْ رَمَيَا سِتَّ عَشْرَةَ رَمْيَةً ، وَلَمْ يُصِبْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا شَيْئًا ، لَمْ يَلْزَمْ إتْمَامُهُ ، وَلَا سَابِقَ فِيهِمَا ؛ لِأَنَّ أَكْثَرَ مَا يُحْتَمَلُ أَنْ يُصِيبَ أَحَدُهُمَا الْأَرْبَعَةَ كُلَّهَا ، وَلَا يَحْصُلُ السَّبْقُ بِذَلِكَ .\rوَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا ، فَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : لَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَةِ الرَّمْيِ ، هَلْ هُوَ مُبَادَرَةٌ أَوْ مُحَاطَّةٌ أَوْ مُفَاضَلَةٌ ؟ لِأَنَّ غَرَضَ الرُّمَاةِ يَخْتَلِفُ ؛ فَمِنْهُمْ مَنْ تَكْثُرُ إصَابَتُهُ فِي الِابْتِدَاءِ دُونَ الِانْتِهَاءِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ هُوَ بِالْعَكْسِ ، فَوَجَبَ بَيَانُ ذَلِكَ ، لِيُعْلَمَ مَا دَخَلَ فِيهِ .\rوَظَاهِرُ كَلَامِ الْقَاضِي ، أَنَّهُ لَا يُحْتَاجُ إلَى اشْتِرَاطِ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ مُقْتَضَى النِّضَالِ الْمُبَادَرَةُ ، وَأَنَّ مَنْ بَادَرَ إلَى الْإِصَابَةِ فَهُوَ السَّابِقُ ؛ فَإِنَّهُ إذَا شُرِطَ أَنَّ السَّبْقَ لِمَنْ أَصَابَ خَمْسَةً مِنْ عِشْرِينَ ، فَسَبَقَ إلَيْهَا وَاحِدٌ ، فَقَدْ وُجِدَ الشَّرْطُ .\rوَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَجْهَانِ ، كَهَذَيْنِ .","part":22,"page":41},{"id":10541,"text":"( 7919 ) فَصْلٌ فَإِنْ شَرَطَا إصَابَةَ مَوْضِعٍ مِنْ الْهَدَفِ ، عَلَى أَنْ يَسْقُطَ مَا قَرُبَ مِنْ إصَابَةِ أَحَدِهِمَا مَا بَعُدَ مِنْ إصَابَةِ الْآخَرِ ، فَفَعَلَ ، ثُمَّ فَضَلَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ بِمَا شَرَطَاهُ ، كَانَ سَابِقًا .\rذَكَرَهُ الْقَاضِي .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ هَذَا نَوْعٌ مِنْ الْمُحَاطَّةِ ، فَإِذَا أَصَابَ أَحَدُهُمَا مَوْضِعًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْغَرَضِ شِبْرٌ ، وَأَصَابَ الْآخَرُ مَوْضِعًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْغَرَضِ أَقَلُّ مِنْ شِبْرٍ ، أَسْقَطَ الْأَوَّلَ ، وَأَنْ أَصَابَ الْأَوَّلُ الْغَرَضَ ، أَسْقَطَ الثَّانِيَ ، فَإِنْ أَصَابَ الثَّانِي الدَّائِرَةَ الَّتِي فِي الْغَرَضِ ، لَمْ يُسْقِطْ بِهِ الْأَوَّلَ ؛ لِأَنَّ الْغَرَضَ كُلَّهُ مَوْضِعٌ لِلْإِصَابَةِ ، فَلَا يَفْضُلُ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ إذَا أَصَابَاهُ جَمِيعًا إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَا ذَلِكَ .\rوَإِنْ شَرَطَا إنْ يَحْسِبَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا خَاسِقَهُ بِإِصَابَتَيْنِ ، جَازَ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا لَمْ يَفْضُلْ صَاحِبَهُ فِي شَيْءٍ ، فَقَدْ اسْتَوَيَا .","part":22,"page":42},{"id":10542,"text":"( 7920 ) فَصْلٌ : وَالسُّنَّةُ أَنْ يَكُونَ لَهُمَا غَرَضَانِ يَرْمِيَانِ أَحَدَهُمَا ، ثُمَّ يَمْضِيَانِ إلَيْهِ ، فَيَأْخُذَانِ السِّهَامَ يَرْمِيَانِ الْآخَرَ ؛ لِأَنَّ هَذَا كَانَ فِعْلَ أَصْحَابِ رَسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ { : مَا بَيْنَ الْغَرَضَيْنِ رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ ، الْجَنَّةِ } وَقَالَ إبْرَاهِيمُ التَّيْمِيُّ : رَأَيْت حُذَيْفَةَ يَشْتَدُّ بَيْنَ الْهَدَفَيْنِ يَقُولُ : أَنَا بِهَا ، أَنَا بِهَا .\rفِي قَمِيصٍ .\rوَعَنْ ابْنِ عُمَرَ مِثْلُ ذَلِكَ .\rوَالْهَدَفُ مَا يُنْصَبُ الْغَرَضُ عَلَيْهِ ؛ إمَّا تُرَابٌ مَجْمُوعٌ ، وَإِمَّا حَائِطٌ .\rوَيُرْوَى عَنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَشْتَدُّونَ بَيْنَ الْأَغْرَاضِ ، يَضْحَكُ بَعْضُهُمْ إلَى بَعْضٍ فَإِذَا جَاءَ اللَّيْلُ كَانُوا رُهْبَانًا .\rفَإِنْ جَعَلُوا غَرَضًا وَاحِدًا ، جَازَ ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ يَحْصُلُ بِهِ ، وَهُوَ عَادَةُ أَهْلِ عَصْرِنَا .\rوَلَا بُدَّ فِي الْمُنَاضَلَةِ أَنْ يَبْتَدِئَ أَحَدُهُمَا بِالرَّمْيِ ، لِأَنَّهُمَا لَوْ رَمَيَا مَعًا ، أَفْضَى إلَى الِاخْتِلَافِ ، وَلَمْ يُعْرَفْ الْمُصِيبُ مِنْهُمَا .\rفَإِنْ كَانَ الْمُخْرِجُ أَجْنَبِيًّا ، قُدِّمَ مَنْ يَخْتَارُهُ مِنْهُمَا ، فَإِنْ لَمْ يَخْتَرْ وَتَشَاحَّا ، أَقْرَعَ بَيْنَهُمَا ، وَأَيُّهُمَا كَانَ أَحَقَّ بِالتَّقْدِيمِ فَبَدَرَهُ الْآخَرُ فَرَمَى ، لَمْ يُعْتَدَّ لَهُ بِسَهْمِهِ ، أَصَابَ أَوْ أَخْطَأَ .\rوَإِذَا بَدَأَ أَحَدُهُمَا فِي وَجْهٍ ، بَدَأَ الْآخَرُ فِي الثَّانِي ، تَعْدِيلًا بَيْنَهُمَا .\rوَإِنْ شَرَطَا الْبُدَاءَةَ لِأَحَدِهِمَا فِي كُلِّ الْوُجُوهِ ، لَمْ يَصِحَّ ؛ لِأَنَّ مَوْضُوعَ الْمُنَاضَلَةِ عَلَى الْمُسَاوَاةِ ، وَهَذَا تَفَاضُلٌ ، فَإِنْ فُعِلَ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ بِاتِّفَاقٍ مِنْهُمَا ، جَازَ ؛ لِأَنَّ الْبُدَاءَةَ لَا أَثَرَ لَهَا فِي الْإِصَابَةِ ، وَلَا فِي تَجْوِيدِ الرَّمْيِ ، وَإِنْ شَرَطَا أَنْ يَبْدَأَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ وَجْهَيْنِ مُتَوَالِيَيْنِ ، جَازَ ؛ لِتَسَاوِيهِمَا .\rوَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ اشْتِرَاطُ الْبُدَاءَةِ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ","part":22,"page":43},{"id":10543,"text":"ذَكَرْنَا غَيْرَ لَازِمٍ ، وَلَا يُؤَثِّرُ فِي الْعَقْدِ ؛ لِأَنَّهُ لَا أَثَرَ لَهُ فِي تَجْوِيدِ رَمْيٍ ، وَلَا كَثْرَةِ إصَابَةٍ ، وَكَثِيرٌ مِنْ الرُّمَاةِ يَخْتَارُ التَّأَخُّرَ عَلَى الْبِدَايَةِ ، فَيَكُونُ وُجُودُ هَذَا الشَّرْطِ كَعَدَمِهِ .\rإذَا رَمَى الْبَادِئُ بِسَهْمٍ ، رَمَى الثَّانِي بِسَهْمٍ كَذَلِكَ ، حَتَّى يَقْضِيَا رَمْيَهُمَا ؛ لِأَنَّ إطْلَاقَ الْمُنَاضَلَةِ يَقْتَضِي الْمُرَاسَلَةَ ، وَلِأَنَّ ذَلِكَ أَقْرَبُ إلَى التَّسَاوِي ، وَأَنْجَزُ لِلرَّمْيِ ؛ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا يُصْلِحُ قَوْسَهُ وَيَعْدِلُ سَهْمَهُ ، حَتَّى يَرْمِيَ الْآخَرُ .\rوَإِنْ رَمَيَا بِسَهْمَيْنِ سَهْمَيْنِ ، فَحَسَنٌ ، وَهُوَ الْعَادَةُ بَيْنَ الرُّمَاةِ فِيمَا رَأَيْنَا .\rوَإِنْ اشْتَرَطَا أَنْ يَرْمِيَ أَحَدُهُمَا رَشْقًا ، ثُمَّ يَرْمِيَ الْآخَرُ ، أَوْ يَرْمِيَ أَحَدُهُمَا عَدَدًا ، ثُمَّ يَرْمِيَ الْآخَرُ مِثْلَهُ ، جَازَ ؛ لِأَنَّ هَذَا لَا يُؤَثِّرُ فِي مَقْصُودِ الْمُنَاضَلَةِ ، وَإِنْ خَالَفَ مُقْتَضَى الْإِطْلَاقِ ، كَمَا يَجُوزُ أَنْ يُشْتَرَطَ فِي الْبَيْعِ مَا لَا يَقْتَضِيهِ الْإِطْلَاقُ مِنْ النُّقُودِ وَالْخِيَارِ وَالْأَجَلِ لِمَا كَانَ غَيْرَ مَانِعٍ مِنْ الْمَقْصُودِ .","part":22,"page":44},{"id":10544,"text":"( 7921 ) فَصْلٌ : وَإِنْ شَرَطَا أَنْ يَرْمِيَا أَرْشَاقًا كَثِيرَةً ، جَازَ ؛ لِأَنَّهُ إذَا جَازَ عَلَى الْقَلِيلِ ، جَازَ عَلَى الْكَثِيرِ ، وَلَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ مَعْلُومَةً .\rثُمَّ إنْ شَرَطَا أَنْ يَرْمِيَا مِنْهَا كُلَّ يَوْمٍ قَدْرًا اتَّفَقَا عَلَيْهِ ، جَازَ ؛ لِأَنَّ الْغَرَضَ فِي هَذَا صَحِيحٌ ، فَإِنَّهُمَا أَوْ أَحَدَهُمَا قَدْ يَضْعُفُ عَنْ الرَّمْيِ كُلِّهِ مَعَ حِذْقِهِ .\rوَإِنْ أَطْلَقَا الْعَقْدَ ، جَازَ وَحُمِلَ عَلَى التَّعْجِيلِ وَالْحُلُولِ ، كَسَائِرِ الْعُقُودِ ، فَيَرْمِيَانِ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ إلَى آخِرِهِ ، إلَّا أَنْ يَعْرِضَ عُذْرٌ يَمْنَعُ مِنْ مَرَضٍ ، أَوْ رِيحٍ أَوْ تَشَوُّشِ السِّهَامِ ، أَوْ لِحَاجَتِهِ إلَى طَعَامٍ أَوْ شَرَابٍ أَوْ صَلَاةٍ أَوْ قَضَاءِ حَاجَةٍ ؛ لِأَنَّ هَذِهِ مُسْتَثْنَاةٌ بِالْعُرْفِ ، وَكَذَلِكَ الْمَطَرُ فَإِنَّهُ يُرْخِي الْوَتَرَ ، وَيُفْسِدُ الرَّشْقَ إذَا جَاءَ اللَّيْلُ تَرَكَاهُ ؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ تَرْكُ الرَّمْيِ بِاللَّيْلِ ، فَحُمِلَ الْعَقْدُ عَلَيْهِ مَعَ الْإِطْلَاقِ ، إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَا الرَّمْيَ لَيْلًا ، فَيَأْخُذَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ بِذَلِكَ .\rفَإِنْ كَانَتْ اللَّيْلَةُ مُقْمِرَةً ، مُنِيرَةً ، اُكْتُفِيَ بِذَلِكَ ، وَإِلَّا رَمَيَا فِي ضَوْءِ شَمْعَةٍ أَوْ مِشْعَلٍ .\rوَإِنْ عَرَضَ عَارِضٌ يَمْنَعُ الرَّمْيَ ، كَمَا ذَكَرْنَاهُ ، أَوْ كُسِرَ قَوْسٌ ، أَوْ قُطِعَ وَتَرٌ ، أَوْ انْكَسَرَ سَهْمٌ ، جَازَ إبْدَالُهُ .\rفَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ ، أُخِّرَ الرَّمْيُ حَتَّى يَزُولَ الْعَارِضُ .","part":22,"page":45},{"id":10545,"text":"( 7922 ) فَصْلٌ : فَإِنْ أَرَادَ أَحَدُهُمَا التَّطْوِيلَ ، وَالتَّشَاغُلَ عَنْ الرَّمْيِ بِمَا لَا حَاجَةَ إلَيْهِ ، مِنْ مَسْحِ الْقَوْسِ وَالْوَتَرِ ، وَنَحْوِ ذَلِكَ ، إرَادَةَ التَّطْوِيلِ عَلَى صَاحِبِهِ ، لَعَلَّهُ يَنْسَى الْقَصْدَ الَّذِي أَصَابَ بِهِ ، أَوْ يَفْتُرُ ، مُنِعَ مِنْ ذَلِكَ ، وَطُولِبَ بِالرَّمْيِ ، وَلَا يُدْهَشُ بِالِاسْتِعْجَالِ بِالْكُلِّيَّةِ ، بِحَيْثُ يُمْنَعُ مِنْ تَحَرِّي الْإِصَابَةِ .\rوَيُمْنَعُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ الْكَلَامِ الَّذِي يَغِيظُ بِهِ صَاحِبَهُ ، مِثْلُ أَنْ يَرْتَجِزَ ، وَيَفْتَخِرَ ، وَيَتَبَجَّحَ بِالْإِصَابَةِ ، وَيُعَنِّفَ صَاحِبَهُ عَلَى الْخَطَأِ ، أَوْ يُظْهِرَ لَهُ أَنَّهُ يُعَلِّمُهُ .\rوَهَكَذَا الْحَاضِرُ مَعَهُمَا ، مِثْلُ الْأَمِيرِ وَالشَّاهِدَيْنِ وَغَيْرِهِمْ ، يُكْرَهُ لَهُمْ مَدْحُ الْمُصِيبِ ، وَزَهْزَهَتُهُ ، وَتَعْنِيفُ الْمُخْطِئِ وَزَجْرُهُ ؛ لِأَنَّ فِيهِ كَسْرَ قَلْبِ أَحَدِهِمَا وَغَيْظَهُ .","part":22,"page":46},{"id":10546,"text":"( 7923 ) فَصْلٌ : وَإِذَا تَشَاحَّا فِي مَوْضِعِ الْوُقُوفِ ، فَإِنْ كَانَ مَا طَلَبَهُ أَحَدُهُمَا أَوْلَى ، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ فِي أَحَدِ الْمَوْقِفَيْنِ يَسْتَقْبِلُ الشَّمْسَ ، أَوْ رِيحًا يُؤْذِيهِ اسْتِقْبَالُهَا ، وَنَحْو ذَلِكَ ، وَالْآخَرُ يَسْتَدْبِرُهَا ، قُدِّمَ قَوْلُ مَنْ طَلَبَ اسْتِدْبَارَهَا ؛ لِأَنَّهُ الْعُرْفُ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي شَرْطِهِمَا اسْتِقْبَالُ ذَلِكَ ، فَالشَّرْطُ أَمْلَكُ ، كَمَا قُلْنَا فِي الرَّمْيِ لَيْلًا .\rوَإِنْ كَانَ الْمَوْقِفَانِ سَوَاءً ، كَانَ ذَلِكَ إلَى الَّذِي لَهُ الْبُدَاءَةُ ، فَيَتْبَعُهُ الْآخَرُ ، فَإِذَا كَانَ فِي الْوَجْهِ الثَّانِي ، وَقَفَ حَيْثُ شَاءَ ، وَيَتْبَعُهُ الْأَوَّلُ .","part":22,"page":47},{"id":10547,"text":"( 7924 ) فَصْلٌ : وَيَجُوزُ عَقْدُ النِّضَالِ عَلَى جَمَاعَةٍ ؛ لِأَنَّهُ يُرْوَى { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ عَلَى أَصْحَابٍ لَهُ يَنْتَضِلُونَ ، فَقَالَ : ارْمُوا ، وَأَنَا مَعَ ابْنِ الْأَدْرَعِ .\rفَأَمْسَكَ الْآخَرُونَ ، وَقَالُوا : كَيْفَ نَرْمِي وَأَنْتَ مَعَ ابْنِ الْأَدْرَعِ ؟ قَالَ : ارْمُوا ، وَأَنَا مَعَكُمْ كُلِّكُمْ .\r} رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ .\rوَلِأَنَّهُ إذَا جَازَ أَنْ يَكُونَا اثْنَيْنِ ، جَازَ أَنْ يَكُونُوا جَمَاعَتَيْنِ ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مَعْرِفَةُ الْحِذْقِ ، وَهَذَا يَحْصُلُ فِي الْجَمَاعَتَيْنِ ، فَجَازَ ، كَمَا فِي سِبَاقِ الْخَيْلِ .\rوَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَبَّقَ بَيْنَ الْخَيْلِ الْمُضَمَّرَةِ ، وَسَبَّقَ بَيْنَ الْخَيْلِ الَّتِي لَمْ تُضَمَّرْ .\rوَعَلَى هَذَا يَكُونُ كُلُّ حِزْبٍ بِمَنْزِلَةِ وَاحِدٍ .\rفَإِنْ عَقَدَ النِّضَالَ جَمَاعَةٌ لِيَتَنَاضَلُوا حِزْبَيْنِ .\rفَذَكَرَ الْقَاضِي ، أَنَّهُ يَجُوزُ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَجُوزَ ؛ لِأَنَّ التَّعْيِينَ شَرْطٌ ، وَقَبْلَ التَّفَاضُلِ لَمْ يَتَعَيَّنْ مَنْ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْحِزْبَيْنِ .\rفَعَلَى هَذَا ، إذَا تَفَاضَلُوا ، عَقَدُوا النِّضَالَ بَعْدَهُ .\rوَعَلَى قَوْلِ الْقَاضِي ، يَجُوزُ الْعَقْدُ قَبْلَ التَّفَاضُلِ .\rوَلَا يَجُوزُ أَنْ يَقْتَسِمُوا بِالْقُرْعَةِ ؛ لِأَنَّهَا رُبَّمَا وَقَعَتْ عَلَى الْحُذَّاقِ فِي أَحَدِ الْحِزْبَيْنِ ، وَعَلَى الْكَوَادِنِ فِي الْآخَرِ ، فَيَبْطُلُ مَقْصُودُ النِّضَالِ ، بَلْ يَكُونُ لِكُلِّ حِزْبٍ رَئِيسٌ ، فَيَخْتَارُ أَحَدُهُمَا وَاحِدًا ، ثُمَّ يَخْتَارُ الْآخَرُ وَاحِدًا كَذَلِكَ ، حَتَّى يَتَفَاضَلُوا جَمِيعًا ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُجْعَلَ الْخِيَارُ إلَى أَحَدِهِمَا فِي الْجَمِيعِ ، وَلَا أَنْ يَخْتَارَ جَمِيعَ حِزْبِهِ أَوَّلًا ؛ لِأَنَّهُ يَخْتَارُ الْحُذَّاقَ كُلَّهُمْ فِي حِزْبِهِ .\rوَلَا يَجُوزُ أَنْ يُجْعَلَ رَئِيسُ الْحِزْبَيْنِ وَاحِدًا ؛ لِأَنَّهُ يَمِيلُ إلَى حِزْبِهِ ، فَتَلْحَقُهُ التُّهْمَةُ .\rوَلَا يَجُوزُ أَنْ يَخْتَارَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الرَّئِيسَيْنِ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ ؛ لِأَنَّهُ أَبْعَدُ مِنْ التَّسَاوِي .","part":22,"page":48},{"id":10548,"text":"وَإِذَا اخْتَلَفَا فِي الْمُبْتَدِئِ بِالْخِيَارِ مِنْهُمَا ، أَقْرَعَ بَيْنَهُمَا .\rوَلَوْ قَالَ أَحَدُهُمَا : أَنَا أَخْتَارُ أَوَّلًا ، وَأُخْرِجُ السَّبَقَ ، أَوْ يُخْرِجُهُ أَصْحَابِي .\rلَمْ يَحُزْ لِأَنَّ السَّبَقَ إنَّمَا يُسْتَحَقُّ بِالسَّبْقِ لَا فِي مُقَابَلَةِ تَفَضُّلِ أَحَدِهِمَا بِشَيْءٍ .","part":22,"page":49},{"id":10549,"text":"( 7925 ) فَصْلٌ : وَإِذَا أَخْرَجَ أَحَدُ الزَّعِيمِينَ السَّبَقَ مِنْ عِنْدِهِ ، فَسَبَقَ حِزْبُهُ ، لَمْ يَكُنْ عَلَى حِزْبِهِ شَيْءٌ ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَهُ عَلَى نَفْسِهِ دُونَهُمْ .\rوَإِنْ شَرَطَهُ عَلَيْهِمْ ، فَهُوَ عَلَيْهِمْ بِالسَّوِيَّةِ ، وَيَكُونُ لِلْحِزْبِ الْآخَرِ بِالسَّوِيَّةِ ، مَنْ أَصَابَ مِنْهُمْ وَمَنْ لَمْ يُصِبْ ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ ، كَمَا أَنَّهُ عَلَى الْحِزْبِ الْآخَرِ بِالسَّوِيَّةِ .\rوَفِي الْوَجْهِ الْآخَرِ ، يُقْسَمُ بَيْنَهُمْ عَلَى قَدْرِ الْإِصَابَةِ .\rوَلَيْسَ لِمَنْ لَمْ يُصِبْ مِنْهُمْ شَيْءٌ ؛ لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَهُ بِالْإِصَابَةِ ، فَكَانَ عَلَى قَدْرِهَا ، وَاخْتَصَّ بِمَنْ وُجِدَتْ مِنْهُ ، بِخِلَافِ الْمَسْبُوقِينَ فَإِنَّهُ وَجَبَ عَلَيْهِمْ ؛ لِالْتِزَامِهِمْ لَهُ ، وَقَدْ اسْتَوَوْا فِي ذَلِكَ .\r\"","part":22,"page":50},{"id":10550,"text":"( 7926 ) فَصْلٌ : وَمَتَى كَانَ النِّضَالُ بَيْنَ حِزْبَيْنِ ، اُشْتُرِطَ كَوْنُ الرَّشْقِ يُمْكِنُ قَسْمُهُ بَيْنَهُمْ بِغَيْرِ كَسْرٍ ، وَيَتَسَاوُونَ فِيهِ ، فَإِنْ كَانُوا ثَلَاثَةً ، وَجَبَ أَنْ يَكُونَ لَهُ ثُلُثٌ ، وَإِنْ كَانُوا أَرْبَعَةً ، وَجَبَ أَنْ يَكُونَ لَهُ رُبُعٌ ، وَكَذَلِكَ مَا زَادَ ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ ، بَقِيَ سَهْمٌ أَوْ أَكْثَرُ ، لَا يُمْكِنُ الْجَمَاعَةَ الِاشْتِرَاكُ فِيهِ .","part":22,"page":51},{"id":10551,"text":"( 7927 ) فَصْلٌ : وَإِذَا كَانُوا حِزْبَيْنِ ، فَدَخَلَ مَعَهُمْ رَجُلٌ لَا يَعْرِفُونَهُ فِي أَحَدِ الْحِزْبَيْنِ ، وَكَانَ يُحْسِنُ الرَّمْيَ ، جَازَ ، وَإِنْ كَانَ لَا يُحْسِنُهُ ، بَطَلَ الْعَقْدُ فِيهِ ، وَأُخْرِجَ مِنْ الْحِزْبِ الْآخَرِ مَنْ جُعِلَ بِإِزَائِهِ ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ يُجْعَلُ فِي مُقَابَلَتِهِ آخَرُ ، أَوْ يَخْتَارُ أَحَدُ الزَّعِيمَيْنِ وَاحِدًا ، وَيَخْتَارُ الْآخَرُ آخَرَ فِي مُقَابَلَتِهِ .\rوَهَلْ يَبْطُلُ فِي الْبَاقِينَ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ ، بِنَاءً عَلَى تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ .\rفَإِنْ قُلْنَا : لَا يَبْطُلُ .\rفَلِكُلِّ حِزْبٍ الْخِيَارُ لِتَبْعِيضِ الصَّفْقَةِ فِي حَقِّهِمْ .\rوَإِنْ بَانَ رَامِيًا ، لَكِنَّهُ قَلِيلُ الْإِصَابَةِ ، فَقَالَ حِزْبُهُ : ظَنَنَّاهُ كَثِيرَ الْإِصَابَةِ ، أَوْ لَمْ نَعْلَمْ ، أَوْ بَانَ كَثِيرَ الْإِصَابَةِ .\rفَقَالَ الْحِزْبُ الْآخِرُ : ظَنَنَّاهُ قَلِيلَ الْإِصَابَةِ .\rلَمْ يُسْمَعْ ذَلِكَ مِنْهُمْ ، وَكَانَ كَمَنْ عَرَفُوهُ ؛ لِأَنَّ شَرْطَ دُخُولِهِ أَنْ يَكُونَ فِي الْعَقْدِ مِنْ أَهْلِ الصَّنْعَةِ دُونَ الْحِذْقِ ، كَمَا لَوْ اشْتَرَى عَبْدًا عَلَى أَنَّهُ كَاتِبٌ ، فَبَانَ حَاذِقًا أَوْ نَاقِصًا فِيهَا ، لَمْ يُؤَثِّرْ .","part":22,"page":52},{"id":10552,"text":"( 7928 ) فَصْلٌ : وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَقُولُوا : نُقْرِعُ ، فَمَنْ خَرَجَتْ قُرْعَتُهُ ، فَهُوَ السَّابِقُ .\rوَلَا أَنَّ مَنْ خَرَجَتْ قُرْعَتُهُ ، فَالسَّبَقُ { عَلَيْهِ } .\rوَلَا أَنْ يَقُولُوا : نَرْمِي ، فَأَيُّنَا أَصَابَ فَالسَّبَقُ عَلَى الْآخَرِ ؛ لِأَنَّهُ عِوَضٌ فِي عَقْدٍ ، فَلَا يُسْتَحَقُّ بِالْقُرْعَةِ ، وَلَا بِالْإِصَابَةِ ، وَإِنْ شَرَطُوا أَنْ يَكُونَ فُلَانٌ مُقَدَّمَ حِزْبٍ ، وَفُلَانٌ مُقَدَّمَ الْآخَرِ ، ثُمَّ فُلَانٌ ثَانِيًا مِنْ الْحِزْبِ الْأَوَّلِ ، وَفُلَانٌ ثَانِيًا مِنْ الْحِزْبِ الثَّانِي ، كَانَ فَاسِدًا ؛ لِأَنَّ تَقْدِيمَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْحِزْبِ يَكُونُ إلَى زَعِيمِهِ ، وَلَيْسَ لِلْحِزْبِ الْآخَرِ مُشَارَكَتُهُ فِي ذَلِكَ ، فَإِذَا شَرَطُوهُ كَانَ فَاسِدًا .","part":22,"page":53},{"id":10553,"text":"( 7929 ) فَصْلٌ : وَإِذَا تَنَاضَلَ اثْنَانِ ، وَأَخْرَجَ أَحَدُهُمَا السَّبَقَ ، فَقَالَ أَجْنَبِيٌّ : أَنَا شَرِيكُك فِي الْغُنْمِ وَالْغُرْمِ ، إنْ نَضَلَكَ فَنِصْفُ السَّبَقِ عَلَيَّ ، وَإِنْ نَضَلْته فَنِصْفُهُ لِي .\rلَمْ يَجُزْ .\rوَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الْمُتَنَاضِلُونَ ثَلَاثَةً فِيهِمْ مُحَلِّلٌ ، فَقَالَ رَابِعٌ لِلْمُسْتَبِقَيْنِ : أَنَا شَرِيكُكُمَا فِي الْغُنْمِ وَالْغُرْمِ .\rكَانَ بَاطِلًا ؛ لِأَنَّ الْغُنْمَ وَالْغُرْمَ إنَّمَا يَكُونَ مِنْ الْمُنَاضِلِ ، فَأَمَّا مَنْ لَا يَرْمِي ، فَلَا يَكُونُ لَهُ غُنْمٌ وَلَا غُرْمٌ .\rوَلَوْ شَرَطَا فِي النِّضَالِ أَنَّهُ إذَا جَلَسَ الْمُسْتَبِقُ كَانَ عَلَيْهِ السَّبَقُ ، لَمْ يَجُزْ ؛ لِأَنَّ السَّبَقَ عَلَى النِّضَالِ ، وَهَذَا الشَّرْطُ يُخَالِفُ مُقْتَضَى النِّضَالِ ، فَكَانَ فَاسِدًا .","part":22,"page":54},{"id":10554,"text":"( 7930 ) فَصْلٌ : وَلَوْ فَضَلَ أَحَدُ الْمُتَنَاضِلَيْنِ صَاحِبَهُ ، فَقَالَ الْمَفْضُولُ : اطْرَحْ فَضْلَك ، وَأُعْطِيك دِينَارًا .\rلَمْ يَجُزْ ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مَعْرِفَةُ الْحِذْقِ ، وَذَلِكَ يُمْنَعُ مِنْهُ .\rوَإِنْ فَسَخَا الْعَقْدَ ، وَعَقَدَا عَقْدًا آخَرَ ، جَازَ .\rوَإِنْ لَمْ يَفْسَخَاهُ ، وَلَكِنْ رَمَيَا تَمَامَ الرَّشْقِ ، فَتَمَّتْ الْإِصَابَةُ لَهُ مَعَ مَا أَسْقَطَهُ ، اسْتَحَقَّ السَّبَقَ ، وَرَدَّ الدِّينَارَ إنْ كَانَ أَخَذَهُ .","part":22,"page":55},{"id":10555,"text":"( 7931 ) فَصْلٌ : إذَا كَانَ شَرْطُهُمَا حَوَاصِلَ ، وَهِيَ الْإِصَابَةُ الْمُطْلَقَةُ ، اُعْتُدَّ بِهَا كَيْفَمَا وُجِدَتْ ، بِشَرْطِ أَنْ يُصِيبَ بِنَصْلِ السَّهْمِ ، فَإِنْ أَصَابَ بِعَرْضِهِ ، أَوْ بِفَوْقِهِ ، نَحْوَ أَنْ يَنْقَلِبَ السَّهْمُ بَيْنَ يَدَيْ الْغَرَضِ ، فَيُصِيبَ فَوْقَهُ الْغَرَضَ ، لَمْ يُعْتَدَّ بِهِ ؛ لِأَنَّ هَذَا مِنْ سَيِّئِ الْخَطَأِ .\rوَإِنْ انْقَطَعَ السَّهْمُ قِطْعَتَيْنِ ، فَأَصَابَتْ الْقِطْعَةُ الْأُخْرَى ، لَمْ يُحْتَسَبْ بِهِ .\rفَإِنْ كَانَ الْغَرَضُ جِلْدًا خِيطَ عَلَيْهِ شَنْبَرٌ كَشَنْبَرِ الْمُنْخُلِ ، وَجَعَلَا لَهُ عُرًى وَخُيُوطًا تُعَلَّقُ بِهِ فِي الْعُرَى ، فَأَصَابَ الشَّنْبَرَ أَوْ الْعُرَى ، نَظَرْت فِي شَرْطِهِمَا ؛ فَإِنْ شُرِطَ إصَابَةُ الْغَرَضِ ، اُعْتُدَّ لَهُ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ الْغَرَضِ ، فَأَمَّا الْمَعَالِيقُ ، وَهِيَ الْخُيُوطُ ، فَلَا يُعْتَدُّ لَهُ بِإِصَابَتِهَا عَلَى كِلَا الشَّرْطَيْنِ ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ الْجِلْدَةِ ، وَلَا مِنْ الْغَرَضِ ، فَأَشْبَهَ إصَابَةَ الْهَدَفِ .","part":22,"page":56},{"id":10556,"text":"( 7932 ) فَصْلٌ : وَإِنْ أَطَارَتْ الرِّيحُ الْغَرَضَ ، فَوَقَعَ السَّهْمُ فِي مَوْضِعِهِ ، فَإِنْ كَانَ شَرْطُهُمَا حَوَاصِلَ ، اُحْتُسِبَ لَهُ بِهِ ؛ لِعِلْمِنَا أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْغَرَضُ فِي مَوْضِعِهِ أَصَابَهُ .\rوَإِنْ كَانَ شَرْطُهُمَا خَوَاسِقَ ، فَقَالَ الْقَاضِي : يُنْظَرُ فَإِنْ كَانَتْ صَلَابَةُ الْهَدَفِ كَصَلَابَةِ الْغَرَضِ ، فَثَبَتَ فِي الْهَدَفِ ، اُحْتُسِبَ لَهُ بِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ بَقِيَ مَكَانَهُ لَثَبَتَ فِيهِ ، كَثُبُوتِهِ فِي الْهَدَفِ ، وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ فِيهِ مَعَ التَّسَاوِي ، لَمْ يُحْتَسَبْ .\rوَإِنْ كَانَ الْهَدَفُ أَصْلَبَ فَلَمْ يَثْبُتْ فِيهِ ، أَوْ كَانَ رِخْوًا ، لَمْ يُحْتَسَبْ السَّهْمُ لَهُ وَلَا عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّنَا لَا نَعْلَمُ هَلْ كَانَ يَثْبُتُ فِي الْغَرَضِ لَوْ بَقِيَ مَكَانَهُ أَوَّلًا ؟ وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : إنْ كَانَ شَرْطُهُمَا خَوَاسِقَ ، لَمْ يُحْتَسَبْ لَهُ بِالسَّهْمِ الَّذِي وَقَعَ فِي مَوْضِعِهِ ، وَلَا عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّنَا لَا نَدْرِي هَلْ يَثْبُتُ فِي الْغَرَضِ لَوْ كَانَ مَوْجُودًا أَوْ لَا ؟ وَإِنْ وَقَعَ السَّهْمُ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ الْغَرَضِ ، اُحْتُسِبَ بِهِ عَلَى رَامِيهِ ؛ لِأَنَّهُ خَطَأٌ ، وَلَوْ وَقَعَ فِي الْغَرَضِ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي طَارَ إلَيْهِ ، حُسِبَ عَلَيْهِ أَيْضًا ، لَا لَهُ إلَّا أَنْ يَكُونَا اتَّفَقَا عَلَى رَمْيِهِ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي طَارَ إلَيْهِ .\rوَكَذَلِكَ الْحُكْمُ إذَا أَلْقَتْ الرِّيحُ الْغَرَضَ عَلَى وَجْهِهِ .","part":22,"page":57},{"id":10557,"text":"( 7933 ) فَصْلٌ : وَإِذَا رَمَى فَأَخْطَأَ لِعَارِضٍ ؛ مِنْ كَسْرِ قَوْسٍ ، أَوْ قَطْعِ وَتَرٍ ، أَوْ حَيَوَانٍ اعْتَرَضَ بَيْنَ يَدَيْهِ أَوْ رِيحٍ شَدِيدَةٍ تَرُدُّ السَّهْمَ عَرْضًا ، لَمْ يُحْسَبْ عَلَيْهِ بِذَلِكَ السَّهْمِ ؛ لِأَنَّ خَطَأَهُ لِلْعَارِضِ ، لَا لِسُوءِ رَمْيِهِ .\rقَالَ الْقَاضِي : وَلَوْ أَصَابَ ، لَمْ يُحْتَسَبْ لَهُ ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يُحْتَسَبْ عَلَيْهِ لَمْ يُحْتَسَبْ لَهُ ، وَلِأَنَّ الرِّيحَ الشَّدِيدَةَ كَمَا يَجُوزُ أَنْ تَصْرِفَ الرَّمْيَ الشَّدِيدَ فَيُخْطِئَ ، يَجُوزُ أَنْ تَصْرِفَ السَّهْمَ الْمُخْطِئَ عَنْ خَطَئِهِ فَيَقَعَ مُصِيبًا ، فَتَكُونَ إصَابَتُهُ بِالرِّيحِ ، لَا بِحِذْقِ رَمْيِهِ .\rفَأَمَّا إنْ وَقَعَ السَّهْمُ فِي حَائِلٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْغَرَضِ ، فَمَرَقَهُ ، وَأَصَابَ الْغَرَضَ حُسِبَ لَهُ ؛ لِأَنَّ إصَابَتَهُ لِسَدَادِ رَمْيِهِ ، وَمُرُوقَهُ لِقُوَّتِهِ ، فَهُوَ أَوْلَى مِنْ غَيْرِهِ .\rوَإِنْ كَانَتْ الرِّيحُ لَيِّنَةً خَفِيفَةً ، لَا تَرُدُّ السَّهْمَ عَادَةً ، لَمْ يُمْنَعْ ؛ لِأَنَّ الْجَوَّ لَا يَخْلُو مِنْ رِيحٍ ، وَلِأَنَّ الرِّيحَ اللَّيِّنَةَ لَا تُؤَثِّرُ إلَّا فِي الرَّمْيِ الرَّخْوِ الَّذِي لَا يُنْتَفَعُ بِهِ .","part":22,"page":58},{"id":10558,"text":"( 7934 ) فَصْلٌ : وَإِنْ كَانَ شَرْطُهُمَا خَوَاسِقَ ، وَالْخَاسِقُ : مَا ثَقَبَ الْغَرَضَ ، وَثَبَتَ فِيهِ .\rفَمَتَى أَصَابَ الْغَرَضَ بِنَصْلِهِ ، وَثَبَتَ فِيهِ ، حُسِبَ لَهُ ، وَإِنْ خَدَشَهُ وَلَمْ يَثْقُبْهُ ، لَمْ يُحْتَسَبْ لَهُ ، وَحُسِبَ بِهِ عَلَيْهِ ، وَإِنْ مَرَقَ مِنْهُ اُحْتُسِبَ لَهُ بِهِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لِقُوَّةِ رَمْيِهِ ، فَهُوَ أَبْلَغُ مِنْ الْخَاسِقِ ، وَإِنْ خَرَقَهُ ، وَهُوَ أَنْ يَثْقُبَهُ ، وَيَقَعَ بَيْنَ يَدَيْهِ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، يُحْتَسَبُ لَهُ ؛ لِأَنَّهُ ثَقَبَ ثَقْبًا يَصْلُحُ لِلْخَسْقِ ، وَإِنَّمَا لَمْ يَثْبُتْ السَّهْمُ لِسَبَبٍ آخَرَ ، مِنْ سَعَةِ الثَّقْبِ أَوْ غَيْرِهِ .\rوَالثَّانِي ، لَا يُحْتَسَبُ لَهُ ؛ لِأَنَّ شَرْطَهُمَا الْخَوَاسِقُ ، وَالْخَاسِقُ مَا ثَبَتَ ، وَثُبُوتُهُ يَكُونُ بِحِذْقِ الرَّامِي ، وَقَصْدِهِ بِرَمْيِهِ مَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ .\rفَإِنْ كَانَ امْتِنَاعُ السَّهْمِ مِنْ الثُّبُوتِ لِمُصَادَفَتِهِ مَا يَمْنَعُ الثُّبُوتَ ؛ مِنْ حَصَاةٍ ، أَوْ حَجَرٍ ، أَوْ عَظْمٍ ، أَوْ أَرْضٍ غَلِيظَةٍ ، فَفِيهِ الْوَجْهَانِ ، إلَّا أَنَّهُ إذَا لَمْ يُحْتَسَبْ لَهُ ، لَمْ يُعَدَّ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ الْعَارِضَ مَنَعَهُ مِنْ الثُّبُوتِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ مَنَعَهُ عَارِضٌ مِنْ الْإِصَابَةِ .\rوَإِنْ اخْتَلَفَا فِي وُجُودِ الْعَارِضِ ، نَظَرْت ، فَإِنْ عُلِمَ مَوْضِعُ الثَّقْبِ بِاتِّفَاقِهِمَا أَوْ بِبَيِّنَةٍ ، نُظِرَ فِي الْمَوْضِعِ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَا يَمْنَعُ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ مَا يَمْنَعُ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُدَّعِي ، وَلَا يَمِينَ ؛ لِأَنَّ الْحَالَ تَشْهَدُ بِصِدْقِ مَا ادَّعَاهُ .\rوَإِنْ لَمْ يَعْلَمَا مَوْضِعَ الثَّقْبِ ، إلَّا أَنَّهُمَا اتَّفَقَا عَلَى أَنَّهُ خَرَقَ الْغَرَضَ ، وَلَمْ يَكُنْ وَرَاءَهُ شَيْءٌ يَمْنَعُ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ بِغَيْرِ يَمِينٍ أَيْضًا ؛ لِأَنَّهُ لَا مَانِعَ .\rوَإِنْ كَانَ وَرَاءَهُ مَا يَمْنَعُ ، وَادَّعَى الْمُصَابُ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ السَّهْمُ فِي مَوْضِعٍ وَرَاءَهُ مَا يَمْنَعُ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْإِصَابَةِ مَعَ احْتِمَالِ مَا يَقُولُهُ","part":22,"page":59},{"id":10559,"text":"الْمُصِيبُ .\rوَإِنْ أَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ خَرَقَ أَيْضًا ، فَالْقَوْلُ أَيْضًا قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ .","part":22,"page":60},{"id":10560,"text":"فَصْلٌ : وَإِنْ شَرَطًا خَاسِقًا ، فَوَقَعَ السَّهْمُ فِي ثَقْبٍ فِي الْغَرَضِ أَوْ مَوْضِعٍ بَالٍ ، فَنَقَبَهُ وَثَبَتَ فِي الْهَدَفِ مُعَلَّقًا فِي الْغَرَضِ نَظَرْت ؛ فَإِنْ كَانَ الْهَدَفُ صَلِيبًا كَصَلَابَةِ الْغَرَضِ ، فَثَبَتَ فِيهِ ، حُسِبَ لَهُ ؛ لِأَنَّهُ عُلِمَ أَنَّ الْغَرَضَ لَوْ كَانَ صَحِيحًا لَثَبَتَ فِيهِ ، وَإِنْ كَانَ الْهَدَفُ تُرَابًا أُهِيلَ ، لَمْ يُحْتَسَبْ لَهُ وَلَا عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّنَا لَا نَعْلَمُ هَلْ كَانَ يَثْبُتُ فِي الْغَرَضِ لَوْ أَصَابَ مَوْضِعًا مِنْهُ قَوِيًّا أَوْ لَا .\rوَإِنْ صَادَفَ السَّهْمَ فِي ثَقْبٍ فِي الْغَرَضِ قَدْ ثَبَتَ فِي الْهَدَفِ مَعَ قِطْعَةٍ مِنْ الْغَرَضِ ، فَقَالَ الرَّامِي : خُسِقَتْ ، وَهَذِهِ الْجِلْدَةُ قَطَعَهَا سَهْمِي لِشِدَّةِ الرَّمْيَةِ .\rفَأَنْكَرَ صَاحِبُهُ ، وَقَالَ : بَلْ هِيَ كَانَتْ مَقْطُوعَةً .\rفَإِنْ عُلِمَ أَنَّ الْغَرَضَ كَانَ صَحِيحًا ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الرَّامِي ، وَإِنْ اخْتَلَفَا ، فَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّهَا كَاَلَّتِي قَبْلَهَا ؛ إنْ كَانَ الْهَدَفُ رِخْوًا لَمْ يُعْتَدَّ بِهِ ، وَإِنْ كَانَ قَوِيًّا صُلْبًا ، اُعْتُدَّ بِهِ ، وَإِنْ وَقَعَ سَهْمُهُ فِي سَهْمٍ ثَابِتٍ فِي الْغَرَضِ ، اُعْتُدَّ لَهُ بِهِ ، وَإِنْ كَانَ شَرْطُهُمَا خَوَاسِقَ ، لَمْ يُحْتَسَبْ لَهُ بِهِ وَلَا عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّنَا لَا نَعْلَمُ يَقِينًا أَنَّهُ لَوْلَا فَوْقَ السَّهْمِ الثَّابِتِ لَخَسَقَ .\rوَإِنْ أَصَابَ السَّهْمُ ، ثُمَّ سَبَحَ عَنْهُ ، فَخَسَقَ ، اُحْتُسِبَ لَهُ بِهِ .","part":22,"page":61},{"id":10561,"text":"( 7936 ) فَصْلٌ : إذَا قَالَ رَجُلٌ لِآخَرَ : ارْمِ هَذَا السَّهْمَ ، فَإِنْ أَصَبْت بِهِ ، فَلَكَ دِرْهَمٌ .\rصَحَّ ، وَكَانَ جَعَالَةً ؛ لِأَنَّهُ بَذَلَ مَالًا لَهُ فِي فِعْلٍ لَهُ فِيهِ غَرَضٌ صَحِيحٌ ، وَلَمْ يَكُنْ هَذَا نِضَالًا ؛ لِأَنَّ النِّضَالَ يَكُونُ بَيْنَ اثْنَيْنِ أَوْ جَمَاعَةٍ عَلَى أَنْ يَرْمُوا جَمِيعًا ، وَيَكُونُ الْجُعْلُ لِبَعْضِهِمْ إذَا كَانَ سَابِقًا .\rوَإِنْ قَالَ : إنْ أَصَبْت بِهِ فَلَكَ دِرْهَمٌ ، وَإِنْ أَخْطَأْت فَعَلَيْك دِرْهَمٌ .\rلَمْ يَصِحَّ ؛ لِأَنَّهُ قِمَارٌ .\rوَإِنْ قَالَ : ارْمِ عَشَرَةَ أَسْهُمٍ ، فَإِنْ كَانَ صَوَابُك أَكْثَرَ مِنْ خَطَئِك ، فَلَكَ دِرْهَمٌ .\rصَحَّ ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ الْجُعْلَ فِي مُقَابَلَةِ الْإِصَابَةِ الْمَعْلُومَةِ ، فَإِنَّ أَكْثَرَ الْعَشَرَةِ أَقَلُّهُ سِتَّةٌ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِمَجْهُولٍ ؛ لِأَنَّهُ بِالْأَقَلِّ يَسْتَحِقُّ الْجُعْلَ .\rوَإِنْ قَالَ : إنْ كَانَ صَوَابُك أَكْثَرَ ، فَلَكَ بِكُلِّ سَهْمٍ أَصَبْت بِهِ دِرْهَمٌ .\rصَحَّ .\rوَكَذَلِكَ إنْ قَالَ : ارْمِ عَشَرَةً ، وَلَك بِكُلِّ سَهْمٍ أَصَبْت بِهِ مِنْهَا دِرْهَمٌ .\rأَوْ قَالَ : فَلَكَ بِكُلِّ سَهْمٍ زَائِدٍ عَلَى النِّصْفِ مِنْ الْمُصِيبَاتِ دِرْهَمٌ .\rلِأَنَّ الْجُعْلَ مَعْلُومٌ بِتَقْدِيرِهِ بِالْإِصَابَةِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَالَ اسْتَقِ لِي مِنْ هَذَا الْبِئْرِ ، وَلَك بِكُلِّ دَلْوٍ تَمْرَةٌ .\rأَوْ قَالَ : مَنْ رَدَّ عَبْدًا مِنْ عَبِيدِي ، فَلَهُ بِكُلِّ عَبْدٍ دِرْهَمٌ .\rوَإِنْ قَالَ : وَإِنْ كَانَ خَطَؤُك أَكْثَرَ ، فَعَلَيْك دِرْهَمٌ .\rأَوْ نَحْوَ هَذَا ، لَمْ يَجُزْ ؛ لِأَنَّهُ قِمَارٌ .\rوَإِنْ قَالَ : ارْمِ عَشَرَةً ، فَإِنْ أَخْطَأْتهَا فَعَلَيْك دِرْهَمٌ .\rأَوْ نَحْوَ هَذَا ، لَمْ يَجُزْ ؛ لِأَنَّ الْجُعْلَ يَكُونُ فِي مُقَابَلَةِ عَمَلٍ ، وَلَمْ يُوجَدْ مِنْ الْقَابِلِ عَمَلٌ يَسْتَحِقُّ بِهِ شَيْئًا .\rوَلَوْ قَالَ الرَّامِي لِأَجْنَبِيٍّ : إنْ أَخْطَأْت ، فَلَكَ دِرْهَمٌ .\rلَمْ يَصِحَّ ؛ لِذَلِكَ .","part":22,"page":62},{"id":10562,"text":"( 7937 ) فَصْلٌ : وَإِذَا عَقَدَا النِّضَالَ ، وَلَمْ يَذْكُرَا قَوْسًا ، فَظَاهِرُ كَلَامِ الْقَاضِي ، أَنَّهُ يَصِحُّ ، وَيَسْتَوِيَانِ فِي الْقَوْسِ ، إمَّا الْعَرَبِيَّةِ ، وَإِمَّا الْعَجَمِيَّةِ ، وَقَالَ غَيْرُهُ : لَا يَصِحُّ حَتَّى يَذْكُرَا نَوْعَ الْقَوْسِ الَّذِي يَرْمِيَانِ عَلَيْهِ فِي الِابْتِدَاءِ ؛ لِأَنَّ إطْلَاقَهُ رُبَّمَا أَفْضَى إلَى الِاخْتِلَافِ ، وَقَدْ أَمْكَنَ التَّحَرُّزُ عَنْهُ بِالتَّعْيِينِ لِلنَّوْعِ ، فَيَجِبُ ذَلِكَ .\rوَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى أَنَّهُمَا يَرْمِيَانِ بِالنُّشَّابِ فِي الِابْتِدَاءِ ، صَحَّ ، وَيَنْصَرِفُ إلَى الرَّمْيِ بِالْقَوْسِ الْأَعْجَمِيَّةِ ؛ لِأَنَّ سِهَامَهَا هُوَ الْمُسَمَّى بِالنُّشَّابِ ، وَسِهَامُ الْعَرَبِيَّةِ يُسَمَّى نَبْلًا .\rفَإِنْ عَيَّنَ نَوْعًا مِنْ الْقِسِيِّ ، لَمْ يَجُزْ الْعُدُولُ عَنْهَا إلَى غَيْرِهَا ؛ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا قَدْ يَكُونُ أَحْذَقَ بِالرَّمْيِ بِأَحَدِ النَّوْعَيْنِ دُونَ الْآخَرِ .\rوَإِنْ عَيَّنَا قَوْسًا بِعَيْنِهَا ، لَمْ تَتَعَيَّنْ ؛ لِأَنَّهَا قَدْ تَنْكَسِرُ ، وَيُحْتَاجُ إلَى إبْدَالِهَا ؛ لِأَنَّ الْحِذْقَ لَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ عَيْنِ الْقَوْسِ ، بِخِلَافِ النَّوْعِ .\rوَإِنْ تَنَاضَلَا عَلَى أَنْ يَرْمِيَ أَحَدُهُمَا بِالْعَرَبِيَّةِ ، وَالْآخَرُ بِالْفَارِسِيَّةِ ، أَوْ أَحَدُهُمَا بِقَوْسِ الزُّنْبُورِ ، وَالْآخَرُ بِقَوْسِ الْجَرْخِ ، أَوْ قَوْسِ الْحُسْبَانِ ، وَهُوَ قَوْسٌ سِهَامُهُ قِصَارٌ ، يُجْعَلُ فِي مَجْرًى مِثْلِ الْقَصَبَةِ ، ثُمَّ يَرْمِي بِهَا ، فَفِيهَا وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، يَصِحُّ .\rوَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي ، وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُمَا نَوْعَا جِنْسٍ ، فَصَحَّتْ الْمُسَابَقَةُ مَعَ اخْتِلَافِهِمَا ، كَالْخَيْلِ وَالْإِبِلِ .\rوَالثَّانِي ، لَا تَصِحُّ الْمُسَابَقَةُ مَعَ اخْتِلَافِهِمَا ؛ لِأَنَّهُمَا يَخْتَلِفَانِ فِي الْإِصَابَةِ ، فَجَرَى مَجْرَى الْمُسَابَقَةِ بَيْنَ جِنْسَيْنِ .\rوَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي الْمُسَابَقَةِ بَيْنَ نَوْعَيْ الْخَيْلِ وَالْإِبِلِ .","part":22,"page":63},{"id":10563,"text":"( 7938 ) فَصْلٌ : وَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ إبَاحَةُ الرَّمْيِ بِالْقَوْسِ الْفَارِسِيَّةِ .\rوَنَصَّ عَلَى جَوَازِ الْمُسَابَقَةِ بِهَا ، وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ جَعْفَرٍ : يُكْرَهُ ؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَنَّهُ رَأَى مَعَ رَجُلٍ قَوْسًا فَارِسِيَّةً ، فَقَالَ : أَلْقِهَا ، فَإِنَّهَا مَلْعُونَةٌ وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِالْقِسِيِّ الْعَرَبِيَّةِ ، وَبِرِمَاحِ الْقَنَا ، فَبِهَا يُؤَيِّدُ اللَّهُ الدِّينَ ، وَبِهَا يُمَكِّنُ اللَّهُ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ } .\rرَوَاهُ الْأَثْرَمُ .\rوَلَنَا ، انْعِقَادُ الْإِجْمَاعِ عَلَى الرَّمْيِ بِهَا ، وَإِبَاحَةِ حَمْلِهَا ، فَإِنَّ ذَلِكَ جَازَ فِي أَكْثَرِ الْأَعْصَارِ ، وَهِيَ الَّتِي يَحْصُلُ الْجِهَادُ بِهَا فِي عَصْرِنَا وَأَكْثَرِ الْأَعْصَارِ الْمُتَقَدِّمَةِ .\rوَأَمَّا الْخَبَرُ ، فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ لَعَنَهَا لِأَنَّ حَمَلَتَهَا فِي ذَلِكَ الْعَصْرِ الْعَجَمُ ، وَلَمْ يَكُونُوا أَسْلَمُوا بَعْدُ ، وَمَنَعَ الْعَرَبَ مِنْ حَمْلِهَا لِعَدَمِ مَعْرِفَتِهِمْ بِهَا ، وَلِهَذَا أَمَرَ بِرِمَاحِ الْقَنَا ، وَلَوْ حَمَلَ إنْسَانٌ رُمْحًا غَيْرَهَا لَمْ يَكُنْ مَذْمُومًا .\rوَحَكَى أَحْمَدُ ، أَنَّ قَوْمًا اسْتَدَلُّوا عَلَى الْقِسِيِّ الْفَارِسِيَّةِ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ } .\rيَعْنِي أَنَّ هَذَا مِمَّا اسْتَطَاعَهُ مِنْ الْقُوَّةِ ، فَيَدْخُلُ فِي عُمُومِ الْآيَةِ .","part":22,"page":64},{"id":10564,"text":"( 7939 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَلَا يَجُوزُ إذَا أُرْسِلَ الْفُرْسَانُ أَنْ يُجَنِّبَ أَحَدُهُمَا إلَى فَرَسِهِ فَرَسًا ، يُحَرِّضُهُ عَلَى الْعَدْوِ ، وَلَا يَصِيحُ بِهِ وَقْتَ سِبَاقِهِ ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { لَا جَنَبَ وَلَا جَلَبَ } ) مَعْنَى الْجَنَبِ ، أَنْ يُجَنِّبَ الْمُسَابِقُ إلَى فَرَسِهِ فَرَسًا لَا رَاكِبَ عَلَيْهِ ، يُحَرِّضُ الَّذِي تَحْتَهُ عَلَى الْعَدْوِ ، وَيَحُثُّهُ عَلَيْهِ .\rهَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : مَعْنَاهُ أَنْ يُجَنِّبَ فَرَسًا يَتَحَوَّلُ عِنْدَ الْغَايَةِ عَلَيْهِ ؛ لِكَوْنِهَا أَقَلَّ كَلَالًا وَإِعْيَاءً .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : كَذَا قِيلَ ، وَلَا أَحْسَبُ هَذَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ الْفَرَسَ الَّتِي يُسَابَقُ عَلَيْهَا لَا بُدَّ مِنْ تَعْيِينِهَا ، فَإِنْ كَانَتْ الَّتِي يَتَحَوَّلُ عَنْهَا ، فَمَا حَصَلَ السَّبْقُ بِهَا ، وَإِنْ كَانَتْ الَّتِي يَتَحَوَّلُ إلَيْهَا ، فَمَا حَصَلَتْ الْمُسَابَقَةُ بِهَا فِي جَمِيعِ الْحَلْبَةِ ، وَمِنْ شَرْطِ السِّبَاقِ ذَلِكَ ، وَلِأَنَّ هَذَا مَتَى احْتَاجَ إلَى التَّحَوُّلِ وَالِاشْتِغَالِ بِهِ ، فَرُبَّمَا سُبِقَ بِاشْتِغَالِهِ ، لَا سُرْعَةِ غَيْرِهِ ، وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ مَعْرِفَةُ عَدْوِ الْفَرَسِ فِي الْحَلْبَةِ كُلِّهَا ، فَمَتَى كَانَ إنَّمَا يَرْكَبُهُ فِي آخِرِ الْحَلْبَةِ ، فَمَا حَصَلَ الْمَقْصُودُ .\rوَأَمَّا الْجَلَبُ ، فَهُوَ أَنْ يَتْبَعَ الرَّجُلُ فَرَسَهُ ، يَرْكُضُ خَلْفَهُ ، وَيَجْلِبُ عَلَيْهِ ، وَيَصِيحُ وَرَاءَهُ ، يَسْتَحِثُّهُ بِذَلِكَ عَلَى الْعَدْوِ .\rهَكَذَا فَسَّرَهُ مَالِكٌ .\rوَقَالَ قَتَادَةُ : الْجَلَبُ وَالْجَنَبُ فِي الرِّهَانِ .\rوَرُوِيَ عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ كَقَوْلِ مَالِكٍ .\rوَحُكِيَ عَنْهُ ، أَنَّ مَعْنَى الْجَلَبِ أَنْ يَحْشُرَ السَّاعِي أَهْلَ الْمَاشِيَةِ لِيَصْدُقَهُمْ ، قَالَ : فَلَا يَفْعَلْ ، لِيَأْتِهِمْ عَلَى مِيَاهِهِمْ فَيَصْدُقَهُمْ .\rوَالتَّفْسِيرُ الْأَوَّلُ هُوَ الصَّحِيحُ ؛ لِمَا رَوَى عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { لَا جَلَبَ ، وَلَا جَنَبَ فِي الرِّهَانِ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَفِي","part":22,"page":65},{"id":10565,"text":"حَدِيثِ عَلِيٍّ فِي السِّبَاقِ وَفِي آخِرِهِ : { وَلَا جَلَبَ ، وَلَا جَنَبَ ، وَلَا شِغَارَ فِي الْإِسْلَامِ } .\rوَيُرْوَى عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { مَنْ أَجْلَبَ عَلَى الْخَيْلِ يَوْمَ الرِّهَانِ ، فَلَيْسَ مِنَّا .\r}","part":22,"page":66},{"id":10566,"text":"كِتَابُ الْأَيْمَانِ الْأَصْلُ فِي مَشْرُوعِيَّتِهَا وَثُبُوتِ حُكْمِهَا ، الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ .\rأَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ : { لَا يُؤَاخِذُكُمْ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمْ الْأَيْمَانَ } .\rالْآيَةَ ، وَقَالَ تَعَالَى : { وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا } .\rوَأَمَرَ نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْحَلِفِ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ ، فَقَالَ : { وَيَسْتَنْبِئُونَك أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إي وَرَبِّي إنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ } .\rوَقَالَ تَعَالَى : { قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ } .\rوَالثَّالِثُ : { قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ } .\rوَأَمَّا السُّنَّةُ : فَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إنِّي وَاَللَّهِ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ ، لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ ، فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا ، إلَّا أَتَيْت الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَتَحَلَّلْتهَا } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَكَانَ أَكْثَرُ قَسَمِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : \" وَمُصَرِّفِ الْقُلُوبِ ، وَمُقَلِّبِ الْقُلُوبِ \" .\rثَبَتَ هَذَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي آيٍ وَأَخْبَارٍ سِوَى هَذَيْنِ كَثِيرٍ ، وَأَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الْيَمِينِ ، وَثُبُوتِ أَحْكَامِهَا .\rوَوَضْعُهَا فِي الْأَصْلِ لِتَوْكِيدِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ .\r( 7940 ) فَصْلٌ : وَتَصِحُّ مِنْ كُلِّ مُكَلَّفٍ مُخْتَارٍ قَاصِدٍ إلَى الْيَمِينِ ، وَلَا تَصِحُّ مِنْ غَيْرِ مُكَلَّفٍ ، كَالصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ وَالنَّائِمِ ؛ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ } .\rوَلِأَنَّهُ قَوْلٌ يَتَعَلَّقُ بِهِ وُجُوبُ حَقٍّ ، فَلَمْ يَصِحَّ مِنْ غَيْرِ مُكَلَّفٍ ، أَوْ غَيْرِ مُكَلَّفٍ ؟ وَلَا تَنْعَقِدُ يَمِينُ مُكْرَهٍ .\rوَبِهِ قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : تَنْعَقِدُ ؛ لِأَنَّهَا يَمِينُ مُكَلَّفٍ ، فَانْعَقَدَتْ ، كَيَمِينِ الْمُخْتَارِ .\rوَلَنَا مَا رَوَى أَبُو أُمَامَةَ ، وَوَاثِلَةُ بْنُ الْأَسْقَعِ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : {","part":22,"page":67},{"id":10567,"text":"لَيْسَ عَلَى مَقْهُورٍ يَمِينٌ } .\rوَلِأَنَّهُ قَوْلٌ حُمِلَ عَلَيْهِ بِغَيْرِ حَقٍّ ، فَلَمْ يَصِحّ كَكَلِمَةِ الْكُفْرِ .","part":22,"page":68},{"id":10568,"text":"( 7941 ) فَصْلٌ : وَتَصِحُّ الْيَمِينُ مِنْ الْكَافِرِ ، وَتَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ بِالْحِنْثِ ، سَوَاءٌ حَنِثَ فِي كُفْرِهِ أَوْ بَعْدَ إسْلَامِهِ .\rوَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ إذَا حَنِثَ بَعْدَ إسْلَامِهِ .\rوَقَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ : لَا يَنْعَقِدُ يَمِينُهُ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُكَلَّفٍ .\rوَلَنَا { ، أَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ نَذَرَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَنْ يَعْتَكِفَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ، فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْوَفَاءِ بِنَذْرِهِ } .\rوَلِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْقَسَمِ ، بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى : { فَيُقْسِمَانِ بِاَللَّهِ } .\rوَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ ، وَإِنَّمَا تَسْقُطُ عَنْهُ الْعِبَادَاتُ بِإِسْلَامِهِ ؛ لِأَنَّ الْإِسْلَامَ يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ ، فَأَمَّا مَا يَلْزَمُهُ بِنَذْرِهِ أَوْ يَمِينِهِ ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَبْقَى حُكْمُهُ فِي حَقِّهِ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ جِهَتِهِ .","part":22,"page":69},{"id":10569,"text":"( 7942 ) فَصْلٌ : وَلَا يَجُوزُ الْحَلِفُ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَصِفَاتِهِ ، نَحْوَ أَنْ يَحْلِفَ بِأَبِيهِ ، أَوْ الْكَعْبَةِ ، أَوْ صَحَابِيٍّ ، أَوْ إمَامٍ قَالَ الشَّافِعِيُّ : أَخْشَى أَنْ يَكُونَ مَعْصِيَةً .\rقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : وَهَذَا أَصْلُ مَجْمَعٌ عَلَيْهِ .\rوَقِيلَ : يَجُوزُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ اللَّهِ تَعَالَى أَقْسَمَ بِمَخْلُوقَاتِهِ ، فَقَالَ : { وَالصَّافَّاتِ صَفًّا } .\r{ وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا } .\r{ وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا } .\r{ وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْأَعْرَابِيِّ السَّائِلِ عَنْ الصَّلَاةِ : أَفْلَحَ ، وَأَبِيهِ ، إنْ صَدَقَ } .\rوَقَالَ فِي حَدِيثِ أَبِي الْعُشَرَاءِ : { وَأَبِيك لَوْ طَعَنْت فِي فَخِذِهَا لَأَجْزَأَك } .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَدْرَكَهُ وَهُوَ يَحْلِفُ بِأَبِيهِ ، فَقَالَ : { إنَّ اللَّهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ ، مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاَللَّهِ ، أَوْ لِيَصْمُتْ } .\rقَالَ عُمَرُ : فَمَا حَلَفْت بِهَا بَعْدَ ذَلِكَ ، ذَاكِرًا وَلَا آثَرَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rيَعْنِي وَلَا حَاكِيًا لَهَا عَنْ غَيْرِي .\rوَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ ، فَقَدْ أَشْرَكَ } .\rقَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ .\rوَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { مَنْ حَلَفَ بِاللَّاتِ وَالْعُزَّى فَلْيَقُلْ : لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ } وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { مَنْ حَلَفَ بِمِلَّةٍ غَيْرِ الْإِسْلَامِ كَاذِبًا ، فَهُوَ كَمَا قَالَ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَفِي لَفْظٍ : { مَنْ حَلَفَ إنَّهُ بَرِيءٌ مِنْ الْإِسْلَامِ ، فَإِنْ كَانَ قَدْ كَذَبَ ، فَهُوَ كَمَا قَالَ ، وَإِنْ كَانَ صَادِقًا ، لَمْ يَرْجِعْ إلَى الْإِسْلَامِ سَالِمًا } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rفَأَمَّا قَسَمُ اللَّهِ بِمَصْنُوعَاتِهِ ، فَإِنَّمَا أَقْسَمَ بِهِ دَلَالَةً عَلَى قُدْرَتِهِ وَعَظَمَتِهِ ، وَلِلَّهِ - تَعَالَى - أَنْ يُقْسِمَ بِمَا شَاءَ مِنْ","part":22,"page":70},{"id":10570,"text":"خَلْقِهِ ، وَلَا وَجْهَ لِلْقِيَاسِ عَلَى إقْسَامِهِ .\rوَقَدْ قِيلَ : إنَّ فِي إقْسَامِهِ إضْمَارَ الْقَسَمِ بِرَبِّ هَذِهِ الْمَخْلُوقَاتِ ، فَقَوْلُهُ : { وَالضُّحَى } .\rأَيْ وَرَبِّ الضُّحَى .\rوَأَمَّا قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" أَفْلَحَ ، وَأَبِيهِ إنَّ صَدَقَ \" .\rفَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : هَذِهِ اللَّفْظَةُ غَيْرُ مَحْفُوظَةٍ مِنْ وَجْهٍ صَحِيحٍ ، فَقَدْ رَوَاهُ مَالِكٌ وَغَيْرُهُ مِنْ الْحُفَّاظِ فَلَمْ يَقُولُوهَا فِيهِ .\rوَحَدِيثُ أَبِي الْعُشَرَاءِ ، قَدْ قَالَ أَحْمَدُ : لَوْ كَانَ يَثْبُتُ .\rيَعْنِي أَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ ، وَلِهَذَا لَمْ يَعْمَلْ بِهِ الْفُقَهَاءُ فِي إبَاحَةِ الذَّبْحِ فِي الْفَخِذِ .\rثُمَّ لَوْ ثَبَتَ فَالظَّاهِرُ أَنَّ النَّهْيَ بَعْدَهُ ؛ لِأَنَّ عُمَرَ قَدْ كَانَ يَحْلِفُ بِهَا كَمَا حَلَفَ بِهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ نُهِيَ عَنْ الْحَلِفِ بِهَا ، وَلَمْ يَرِدْ بَعْدَ النَّهْيِ إبَاحَةٌ ، وَلِذَلِكَ قَالَ عُمَرُ ، وَهُوَ يَرْوِي الْحَدِيثَ بَعْدَ مَوْتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَمَا حَلَفْت بِهَا ذَاكِرًا ، وَلَا آثَرَا .\rثُمَّ إنْ لَمْ يَكُنْ الْحَلِفُ بِغَيْرِ اللَّهِ مُحَرَّمًا فَهُوَ مَكْرُوهٌ ، فَإِنْ حَلَفَ فَلْيَسْتَغْفِرْ اللَّهِ تَعَالَى ، أَوْ لِيَذْكُرَ اللَّهَ تَعَالَى ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ حَلَفَ بِاللَّاتِ وَالْعُزَّى ، فَلْيَقُلْ : لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ } .\rلِأَنَّ الْحَلِفَ بِغَيْرِ اللَّهِ سَيِّئَةٌ ، وَالْحَسَنَةُ تَمْحُو السَّيِّئَةَ ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { إنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ } .\rوَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إذَا عَمِلْت سَيِّئَةً ، فَأَتْبِعْهَا حَسَنَةً تَمْحُهَا } .\rوَلِأَنَّ مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ ، فَقَدْ عَظَّمَ غَيْرَ اللَّهِ تَعْظِيمًا يُشْبِهُ تَعْظِيمَ الرَّبِّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ، وَلِهَذَا سُمِّيَ شِرْكًا ؛ لِكَوْنِهِ أَشْرَكَ غَيْرَ اللَّهِ مَعَ اللَّهِ - تَعَالَى - فِي تَعْظِيمِهِ بِالْقَسَمِ بِهِ ، فَيَقُولُ : لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ .\rتَوْحِيدًا لِلَّهِ - تَعَالَى ، وَبَرَاءَةً مِنْ الشِّرْكِ .","part":22,"page":71},{"id":10571,"text":"وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ - تَعَالَى ، فَلْيَقُلْ : أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ .","part":22,"page":72},{"id":10572,"text":"( 7943 ) فَصْلٌ : وَيُكْرَهُ الْإِفْرَاطُ فِي الْحَلِفِ بِاَللَّهِ تَعَالَى ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ } .\rوَهَذَا ذَمٌّ لَهُ يَقْتَضِي كَرَاهَةَ فِعْلِهِ .\rفَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ إلَى حَدِّ الْإِفْرَاطِ ، فَلَيْسَ بِمَكْرُوهٍ ، إلَّا أَنْ يَقْتَرِنَ بِهِ مَا يُوجِبُ كَرَاهَتَهُ .\rوَمِنْ النَّاسِ مَنْ قَالَ : الْأَيْمَانُ كُلُّهَا مَكْرُوهَةٌ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ } .\rوَلَنَا ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَحْلِفُ كَثِيرًا ، وَقَدْ كَانَ يَحْلِفُ فِي الْحَدِيثِ الْوَاحِدِ أَيْمَانًا كَثِيرَةً ، وَرُبَّمَا كَرَّرَ الْيَمِينَ الْوَاحِدَةَ ثَلَاثًا ، فَإِنَّهُ { قَالَ فِي خُطْبَةِ الْكُسُوفِ : وَاَللَّهِ يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ، مَا أَحَدٌ أَغْيَرُ مِنْ اللَّهِ أَنْ يَزْنِيَ عَبْدُهُ ، أَوْ تَزْنِيَ أَمَتُهُ ، يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ، وَاَللَّهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ ، لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا ، وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا .\rوَلَقِيَتْهُ امْرَأَةٌ مِنْ الْأَنْصَارِ ، مَعَهَا أَوْلَادُهَا ، فَقَالَ : وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ، إنَّكُمْ لَأَحَبُّ النَّاسِ إلَيَّ .\rثَلَاثَ مَرَّاتٍ .\rوَقَالَ : وَاَللَّهِ لَأَغْزُوَنَّ قُرَيْشًا ، وَاَللَّهِ لَأَغْزُوَنَّ قُرَيْشًا ، وَاَللَّهِ لَأَغْزُوَنَّ قُرَيْشًا } .\rوَلَوْ كَانَ هَذَا مَكْرُوهًا ، لَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ .\rوَلِأَنَّ الْحَلِفَ بِاَللَّهِ تَعْظِيمٌ لَهُ ، وَرُبَّمَا ضَمَّ إلَى يَمِينِهِ وَصْفَ اللَّهِ - تَعَالَى - بِتَعْظِيمِهِ وَتَوْحِيدِهِ ، فَيَكُونُ مُثَابًا عَلَى ذَلِكَ .\rوَقَدْ رُوِيَ { أَنَّ رَجُلًا حَلَفَ عَلَى شَيْءٍ ، فَقَالَ : وَاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ ، مَا فَعَلْت كَذَا .\rفَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَمَا إنَّهُ قَدْ كَذَبَ ، وَلَكِنْ قَدْ غُفِرَ لَهُ بِتَوْحِيدِهِ } .\rوَأَمَّا الْإِفْرَاطُ فِي الْحَلِفِ ، فَإِنَّمَا كُرِهَ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَكَادُ يَخْلُو مِنْ الْكَذِبِ .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .\rفَأَمَّا قَوْلُهُ : { وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ } .\rفَمَعْنَاهُ لَا","part":22,"page":73},{"id":10573,"text":"تَجْعَلُوا أَيْمَانَكُمْ بِاَللَّهِ مَانِعَةً لَكُمْ مِنْ الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَالْإِصْلَاحِ بَيْنَ النَّاسِ ، وَهُوَ أَنْ يَحْلِفَ بِاَللَّهِ أَنْ لَا يَفْعَلَ بِرًّا وَلَا تَقْوَى وَلَا يُصْلِحَ بَيْنَ النَّاسِ ، ثُمَّ يَمْتَنِعَ مِنْ فِعْلِهِ ، لِيَبَرَّ فِي يَمِينِهِ ، وَلَا يَحْنَثَ فِيهَا ، فَنُهُوا عَنْ الْمُضِيِّ فِيهَا .\rقَالَ أَحْمَدُ ، وَذَكَرَ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ بِإِسْنَادِهِ ، فِي قَوْله تَعَالَى : { وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ } : الرَّجُلُ يَحْلِفُ أَنْ لَا يَصِلَ قَرَابَتَهُ ، وَقَدْ جَعَلَ اللَّهَ لَهُ مَخْرَجًا فِي التَّكْفِيرِ ، فَأَمَرَهُ أَنْ لَا يَعْتَلَّ بِاَللَّهِ ، فَلِيُكَفِّرْ ، وَلْيَبَرَّ .\rوَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَأَنْ يَسْتَلِجَّ أَحَدُكُمْ فِي يَمِينِهِ ، آثَمُ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ أَنْ يُؤَدِّيَ الْكَفَّارَةَ الَّتِي فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهِ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إذَا حَلَفْت عَلَى يَمِينٍ فَرَأَيْت غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا ، فَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِك .\rوَقَالَ : إنِّي وَاَللَّهِ لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ ، فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا ، إلَّا أَتَيْت الَّذِي هُوَ خَيْرٌ ، وَتَحَلَّلْتهَا } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا .\rوَإِنْ كَانَ النَّهْيُ عَادَ إلَى الْيَمِينِ ، فَالْمَنْهِيُّ عَنْهُ الْحَلِفُ عَلَى تَرْكِ الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَالْإِصْلَاحِ بَيْنَ النَّاسِ ، لَا عَلَى كُلِّ يَمِينٍ ، فَلَا حُجَّةَ فِيهَا لَهُمْ إذًا .","part":22,"page":74},{"id":10574,"text":"( 7944 ) فَصْلٌ : وَالْأَيْمَانُ تَنْقَسِمُ خَمْسَةَ أَقْسَامٍ ؛ أَحَدُهَا ، وَاجِبٌ ، وَهِيَ الَّتِي يُنْجِي بِهَا إنْسَانًا مَعْصُومًا مِنْ هَلَكَةٍ ، كَمَا رُوِيَ عَنْ سُوَيْد بْنِ حَنْظَلَةَ ، قَالَ : خَرَجْنَا نُرِيدُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَعَنَا وَائِلُ بْنُ حُجْرٍ ، فَأَخَذَهُ عَدُوٌّ لَهُ ، فَتَحَرَّجَ الْقَوْمُ أَنْ يَحْلِفُوا ، وَحَلَفْت أَنَا أَنَّهُ أَخِي ، فَذَكَرْت ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { صَدَقْت ، الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَالنَّسَائِيُّ .\rفَهَذَا وَمِثْلُهُ وَاجِبٌ لِأَنَّ إنْجَاءَ الْمَعْصُومِ وَاجِبٌ ، وَقَدْ تَعَيَّنَ فِي الْيَمِينِ ، فَيَجِبُ ، وَكَذَلِكَ إنْجَاءُ نَفْسِهِ ، مِثْلُ أَنْ تَتَوَجَّهَ عَلَيْهِ أَيْمَانُ الْقَسَامَةِ فِي دَعْوَى الْقَتْلِ عَلَيْهِ ، وَهُوَ بَرِيءٌ .\rالثَّانِي ، مَنْدُوبٌ ، وَهُوَ الْحَلِفُ الَّذِي تَتَعَلَّقُ بِهِ مَصْلَحَةٌ ؛ مِنْ إصْلَاحٍ بَيْنَ مُتَخَاصِمَيْنِ ، أَوْ إزَالَةِ حِقْدٍ مِنْ قَلْبِ مُسْلِمٍ عَنْ الْحَالِفِ أَوْ غَيْرِهِ ، أَوْ دَفْعِ شَرٍّ ، فَهَذَا مَنْدُوبٌ ؛ لِأَنَّ فِعْلَ هَذِهِ الْأُمُورِ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ ، وَالْيَمِينُ مُفْضِيَةٌ إلَيْهِ .\rوَإِنْ حَلَفَ عَلَى فِعْلِ طَاعَةٍ ، أَوْ تَرْكِ مَعْصِيَةٍ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، أَنَّهُ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ .\rوَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِنَا ، وَأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَدْعُوهُ إلَى فِعْلِ الطَّاعَاتِ ، وَتَرْكِ الْمَعَاصِي .\rوَالثَّانِي ، لَيْسَ بِمَنْدُوبٍ إلَيْهِ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابَهُ لَمْ يَكُونُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ فِي الْأَكْثَرِ الْأَغْلَبِ ، وَلَا حَثَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَدًا عَلَيْهِ ، وَلَا نَدَبَهُ إلَيْهِ ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ طَاعَةً لَمْ يُخِلُّوا بِهِ ، وَلِأَنَّ ذَلِكَ يَجْرِي مَجْرَى النَّذْرِ ، وَقَدْ { نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ النَّذْرِ ، وَقَالَ : إنَّهُ لَا يَأْتِي بِخَيْرٍ ، وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنْ الْبَخِيلِ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .","part":22,"page":75},{"id":10575,"text":"الثَّالِثُ ، الْمُبَاحُ ، مِثْلُ الْحَلِفِ عَلَى فِعْلِ مُبَاحٍ أَوْ تَرْكِهِ ، وَالْحَلِفِ عَلَى الْخَبَرِ بِشَيْءِ ، وَهُوَ صَادِقٌ فِيهِ ، أَوْ يَظُنُّ أَنَّهُ فِيهِ صَادِقٌ ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : { لَا يُؤَاخِذُكُمْ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ } .\rوَمِنْ صُورِ اللَّغْوِ قَوْلُهُ أَنْ يَحْلِفَ عَلَى شَيْءٍ يَظُنُّهُ كَمَا حَلَفَ عَلَيْهِ ، وَيَبِينُ بِخِلَافِهِ .\rفَأَمَّا الْحَلِفُ عَلَى الْحُقُوقِ عِنْدَ الْحَاكِمِ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، أَنَّ تَرْكَهُ أَوْلَى مِنْ فِعْلِهِ ، فَيَكُونُ مَكْرُوهًا .\rذَكَرَ ذَلِكَ أَصْحَابُنَا ، وَأَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِمَا رُوِيَ أَنَّ عُثْمَانَ وَالْمِقْدَادَ تَحَاكَمَا إلَى عُمَرَ ، فِي مَالٍ اسْتَقْرَضَهُ الْمِقْدَادُ ، فَجَعَلَ عُمَرُ الْيَمِينَ عَلَى الْمِقْدَادِ ، فَرَدَّهَا عَلَى عُثْمَانَ ، فَقَالَ عُمَرُ : لَقَدْ أَنْصَفَك .\rفَأَخَذَ عُثْمَانُ مَا أَعْطَاهُ الْمِقْدَادُ ، وَلَمْ يَحْلِفْ ، فَقَالَ : خِفْت أَنْ يُوَافِقَ قَدَرٌ بَلَاءً ، فَيُقَالَ : بِيَمِينِ عُثْمَانَ .\rوَالثَّانِي ، أَنَّهُ مُبَاحٌ فِعْلُهُ كَتَرْكِهِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - أَمَرَ نَبِيَّهُ بِالْحَلِفِ عَلَى الْحَقِّ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ .\rوَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيّ ، أَنَّ عُمَرَ قَالَ عَلَى الْمِنْبَرِ ، وَفِي يَدِهِ عَصًا : يَا أَيُّهَا النَّاسُ ، لَا تَمْنَعُكُمْ الْيَمِينُ مِنْ حُقُوقِكُمْ ، فَوَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ، إنَّ فِي يَدِي لَعَصًا .\rوَرَوَى عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ ، فِي كِتَابِ \" قُضَاةِ الْبَصْرَةِ \" ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ الشَّعْبِيِّ ، أَنَّ عُمَرَ وَأُبَيًّا تَحَاكَمَا إلَى زَيْدٍ فِي نَخْلٍ ادَّعَاهُ أُبَيٌّ ، فَتَوَجَّهَتْ الْيَمِينُ عَلَى عُمَرَ ، فَقَالَ زَيْدٌ : أَعْفِ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ .\rفَقَالَ عُمَرُ : وَلِمَ يُعْفِي أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ؟ إنْ عَرَفْت شَيْئًا اسْتَحْقَقْته بِيَمِينِي ، وَإِلَّا تَرَكْته ، وَاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ ، إنَّ النَّخْلَ لَنَخْلِي ، وَمَا لِأُبَيٍّ فِيهِ حَقٌّ .\rفَلَمَّا خَرَجَا وَهَبَ النَّخْلَ لِأُبَيٍّ ، فَقِيلَ لَهُ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ هَلَّا كَانَ هَذَا قَبْلَ الْيَمِينِ ؟ فَقَالَ : خِفْت أَنْ لَا","part":22,"page":76},{"id":10576,"text":"أَحْلِفَ ، فَلَا يَحْلِفُ النَّاسُ عَلَى حُقُوقِهِمْ بَعْدِي ، فَيَكُونَ سُنَّةً .\rوَلِأَنَّهُ حَلِفُ صِدْقٍ عَلَى حَقٍّ ، فَأَشْبَهَ الْحَلِفَ عِنْدَ غَيْرِ الْحَاكِمِ .\rالرَّابِعُ ، الْمَكْرُوهُ ، وَهُوَ الْحَلِفُ عَلَى فِعْلِ مَكْرُوهٍ ، أَوْ تَرْكِ مَنْدُوبٍ .\rقَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ } .\rوَرُوِيَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حَلَفَ لَا يُنْفِقُ عَلَى مِسْطَحٍ بَعْدَ الَّذِي قَالَ لِعَائِشَةَ مَا قَالَ ، وَكَانَ مِنْ جُمْلَةِ أَهْلِ الْإِفْكِ الَّذِينَ تَكَلَّمُوا فِي عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا } وَقِيلَ : الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ : { وَلَا يَأْتَلِ } أَيْ لَا يَمْتَنِعْ .\rوَلِأَنَّ الْيَمِينَ عَلَى ذَلِكَ مَانِعَةٌ مِنْ فِعْلِ الطَّاعَةِ ، أَوْ حَامِلَةٌ عَلَى فِعْلِ الْمَكْرُوهِ ، فَتَكُونُ مَكْرُوهَةً .\rفَإِنْ قِيلَ : لَوْ كَانَتْ مَكْرُوهَةً لَأَنْكَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْأَعْرَابِيِّ الَّذِي سَأَلَهُ عَنْ الصَّلَوَاتِ ، فَقَالَ : هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا ؟ فَقَالَ : \" لَا ، إلَّا أَنْ تَطَوَّعَ \" .\rفَقَالَ : وَاَلَّذِي بَعَثَك بِالْحَقِّ ، لَا أَزِيدُ عَلَيْهَا وَلَا أَنْقُصُ مِنْهَا .\rوَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، بَلْ قَالَ : \" أَفْلَحَ الرَّجُلُ إنْ صَدَقَ \" .\rقُلْنَا : لَا يَلْزَمُ هَذَا ، فَإِنَّ الْيَمِينَ عَلَى تَرْكِهَا ، لَا تَزِيدُ عَلَى تَرْكِهَا ، وَلَوْ تَرَكَهَا لَمْ يُنْكِرْهُ عَلَيْهِ ، وَيَكْفِي فِي ذَلِكَ بَيَانُ أَنَّ مَا تَرَكَهُ تَطَوُّعٌ ، وَقَدْ بَيَّنَهُ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلِهِ : \" إلَّا أَنْ تَطَوَّعَ \" .\rوَلِأَنَّ هَذِهِ الْيَمِينَ إنْ تَضَمَّنَتْ تَرْكَ الْمَنْدُوبِ ، فَقَدْ تَنَاوَلَتْ فِعْلَ الْوَاجِبِ ، وَالْمُحَافَظَةَ عَلَيْهِ كُلِّهِ ، بِحَيْثُ لَا يَنْقُصُ مِنْهُ شَيْئًا ، وَهَذَا","part":22,"page":77},{"id":10577,"text":"فِي الْفَضْلِ يَزِيدُ عَلَى مَا قَابَلَهُ مِنْ تَرْكِ التَّطَوُّعِ ، فَيَتَرَجَّحُ جَانِبُ الْإِثْبَاتِ بِهَا عَلَى تَرْكِهَا ، فَيَكُونُ مِنْ قَبِيلِ الْمَنْدُوبِ ، فَكَيْفَ يُنْكَرُ ، وَلِأَنَّ فِي الْإِقْرَارِ عَلَى هَذِهِ الْيَمِينِ بَيَانَ حُكْمٍ مُحْتَاجٍ إلَيْهِ ، وَهُوَ بَيَانُ أَنَّ تَرْكَ التَّطَوُّعِ غَيْرُ مُؤَاخَذٍ بِهِ ، وَلَوْ أَنْكَرَ عَلَى الْحَالِفِ ، لَحَصَلَ ضِدُّ هَذَا ، وَتَوَهَّمَ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ لُحُوقَ الْإِثْمِ بِتَرْكِهِ فَيَفُوتُ الْغَرَضُ .\rوَمِنْ قِسْمِ الْمَكْرُوهِ الْحَلِفُ فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { الْحَلِفُ مُنْفِقٌ لِلسِّلْعَةِ ، مُمْحِقٌ لِلْبَرَكَةِ } .\rرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ .\rالْقِسْمُ الْخَامِسُ ، الْمُحَرَّمُ ، وَهُوَ الْحَلِفُ الْكَاذِبُ ؛ فَإِنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - ذَمَّهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ } .\rوَلِأَنَّ الْكَذِبَ حَرَامٌ ، فَإِذَا كَانَ مَحْلُوفًا عَلَيْهِ ، كَانَ أَشَدَّ فِي التَّحْرِيمِ .\rوَإِنْ أَبْطَلَ بِهِ حَقًّا ، أَوْ اقْتَطَعَ بِهِ مَالَ مَعْصُومٍ ، كَانَ أَشَدَّ ؛ فَإِنَّهُ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { مَنْ حَلَفَ يَمِينًا فَاجِرَةً ، يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ } .\rوَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي ذَلِكَ : { إنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمْ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } .\rوَمِنْ هَذَا الْقِسْمِ الْحَلِفُ عَلَى فِعْلِ مَعْصِيَةٍ ، أَوْ تَرْكِ وَاجِبٍ ؛ فَإِنَّ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ حَرَامٌ ، فَكَانَ الْحَلِفُ حَرَامًا ؛ لِأَنَّهُ وَسِيلَةٌ إلَيْهِ ، وَالْوَسِيلَةُ تَأْخُذُ حُكْمَ الْمُتَوَسَّلِ إلَيْهِ .","part":22,"page":78},{"id":10578,"text":"( 7945 ) فَصْلٌ : وَمَتَى كَانَتْ الْيَمِينُ عَلَى فِعْلِ وَاجِبٍ ، أَوْ تَرْكِ مُحَرَّمٍ ، كَانَ حَلُّهَا مُحَرَّمًا ؛ لِأَنَّ حَلَّهَا بِفِعْلِ الْمُحَرَّمِ وَهُوَ مُحَرَّمٌ .\rوَإِنْ كَانَتْ عَلَى فِعْلِ مَنْدُوبٍ ، أَوْ تَرْكِ مَكْرُوهٍ ، فَحَلُّهَا مَكْرُوهٌ .\rوَإِنْ كَانَتْ عَلَى فِعْلِ مُبَاحٍ ، فَحَلُّهَا مُبَاحٌ .\rفَإِنْ قِيلَ : فَكَيْفَ يَكُونُ حَلُّهَا مُبَاحًا ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا } ؟ قُلْنَا : هَذَا فِي الْأَيْمَانِ فِي الْعُهُودِ وَالْمَوَاثِيقِ بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى : { وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا } إلَى قَوْلِهِ : { تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ } .\rوَالْعَهْدُ يَجِبُ الْوَفَاءُ بِهِ بِغَيْرِ يَمِينٍ ، فَمَعَ الْيَمِينِ أَوْلَى ؛ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : { وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إذَا عَاهَدْتُمْ } وَقَالَ : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ } .\rوَلِهَذَا نَهَى عَنْ نَقْضِ الْيَمِينِ ، وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ ، وَذَمَّهُمْ عَلَيْهِ ، وَضَرَبَ لَهُمْ مَثَلَ الَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا ، وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ الْحَلَّ الْمُخْتَلَفَ فِيهِ لَا يَدْخُلُهُ شَيْءٌ مِنْ هَذَا .\rوَإِنْ كَانَتْ عَلَى فِعْلِ مَكْرُوهٍ ، أَوْ تَرْكِ مَنْدُوبٍ ، فَحَلُّهَا مَنْدُوبٌ إلَيْهِ ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { إذَا حَلَفْت عَلَى يَمِينٍ ، فَرَأَيْت غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا ، فَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ ، وَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِك } .\rوَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إنِّي وَاَللَّهِ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ ، لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ ، فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا ، إلَّا أَتَيْت الَّذِي هُوَ خَيْرٌ ، وَتَحَلَّلْتهَا } .\rوَإِنْ كَانَتْ الْيَمِينُ عَلَى فِعْلِ مُحَرَّمٍ ، أَوْ تَرْكِ وَاجِبٍ ، فَحَلُّهَا وَاجِبٌ ؛ لِأَنَّ حَلَّهَا بِفِعْلِ الْوَاجِبِ ، وَفِعْلُ الْوَاجِبِ وَاجِبٌ .","part":22,"page":79},{"id":10579,"text":"( 7946 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَمَنْ حَلَفَ أَنْ يَفْعَلَ شَيْئًا ، فَلَمْ يَفْعَلْهُ ، أَوْ لَا يَفْعَلَ شَيْئًا ، فَفَعَلَهُ ، فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ ) لَا خِلَافَ فِي هَذَا عِنْدَ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ .\rقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : الْيَمِينُ الَّتِي فِيهَا الْكَفَّارَةُ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ ، هِيَ الَّتِي عَلَى الْمُسْتَقْبَلِ مِنْ الْأَفْعَالِ .\rوَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ إلَى أَنَّ الْحِنْثَ مَتَى كَانَ طَاعَةً ، لَمْ يُوجِبْ كَفَّارَةً .\rوَقَالَ قَوْمٌ : مَنْ حَلَفَ عَلَى فِعْلِ مَعْصِيَةٍ ، فَكَفَّارَتُهَا تَرْكُهَا .\rوَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ : اللَّغْوُ أَنْ يَحْلِفَ الرَّجُلُ فِيمَا لَا يَنْبَغِي لَهُ .\rيَعْنِي فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ فِي الْحِنْثِ .\rوَقَدْ رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا نَذْرَ وَلَا يَمِينَ فِيمَا لَا يَمْلِكُ ابْنُ آدَمَ ، وَلَا فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ - تَعَالَى وَلَا فِي قَطِيعَةِ رَحِمٍ ، وَمَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا ، فَلْيَدَعْهَا ، وَلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ ، فَإِنَّ تَرْكَهَا كَفَّارَةٌ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَلِأَنَّ الْكَفَّارَةَ إنَّمَا تَجِبُ لِرَفْعِ الْإِثْمِ ، وَلَا إثْمَ فِي الطَّاعَةِ .\rوَلِأَنَّ الْيَمِينَ كَالنَّذْرِ ، وَلَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ - تَعَالَى .\rوَلَنَا ، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ ، فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا ، فَلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ ، وَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ .\rوَقَالَ : إنِّي وَاَللَّهِ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ ، لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ ، فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا ، إلَّا أَتَيْت الَّذِي هُوَ خَيْرٌ ، وَكَفَّرْت عَنْ يَمِينِي } .\rأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ .\rوَحَدِيثُهُمْ لَا يُعَارِضُ حَدِيثَنَا ؛ لِأَنَّ حَدِيثَنَا أَصَحُّ مِنْهُ وَأَثْبَتُ .\rثُمَّ إنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّ تَرْكَهَا كَفَّارَةٌ لِإِثْمِ الْحَلِفِ ، وَالْكَفَّارَةُ الْمُخْتَلَفُ فِيهَا كَفَّارَةُ الْمُخَالَفَةِ .\rوَقَوْلُهُمْ : إنَّ الْحِنْثَ طَاعَةٌ .\rقُلْنَا : فَالْيَمِينُ غَيْرُ طَاعَةٍ ،","part":22,"page":80},{"id":10580,"text":"فَتَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ ؛ لِلْمُخَالَفَةِ ، وَلِتَعْظِيمِ اسْمِ اللَّهِ - تَعَالَى - إذَا حَلَفَ بِهِ وَلَمْ يَبَرَّ يَمِينَهُ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، نَظَرْنَا فِي يَمِينِهِ ، فَإِنْ كَانَتْ عَلَى تَرْكِ شَيْءٍ فَفَعَلَهُ ، حَنِثَ ، وَوَجَبَتْ الْكَفَّارَةُ .\rوَإِنْ كَانَتْ عَلَى فِعْلِ شَيْءٍ فَلَمْ يَفْعَلْهُ ، وَكَانَتْ يَمِينُهُ مُؤَقَّتَةً بِلَفْظِهِ ، أَوْ نِيَّتِهِ ، أَوْ قَرِينَةِ حَالِهِ ، فَفَاتَ الْوَقْتُ ، حَنِثَ ، وَكَفَّرَ .\rوَإِنْ كَانَتْ مُطْلَقَةً ، لَمْ يَحْنَثْ إلَّا بِفَوَاتِ وَقْتِ الْإِمْكَانِ ؛ لِأَنَّهُ مَا دَامَ فِي الْوَقْتِ وَالْفِعْلُ مُمْكِنٌ ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَفْعَلَ فَلَا يَحْنَثُ ؛ وَلِهَذَا { قَالَ عُمَرُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَلَمْ تُخْبِرْنَا أَنَّا نَأْتِي الْبَيْتَ ، وَنَطُوفُ بِهِ ؟ قَالَ : فَأَخْبَرْتُك أَنَّك تَأْتِيهِ الْعَامَ ؟ قَالَ : لَا .\rقَالَ : فَإِنَّك آتِيهِ وَمُطَوِّفٌ بِهِ } .\rوَقَدْ قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى : { قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ } .\rوَهُوَ حَقٌّ ، وَلَمْ يَأْتِ بَعْدُ .","part":22,"page":81},{"id":10581,"text":"( 7947 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِنْ فَعَلَهُ نَاسِيًا ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ إذَا كَانَتْ الْيَمِينُ بِغَيْرِ الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ مَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَفْعَلَ شَيْئًا ، فَفَعَلَهُ نَاسِيًا .\rفَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ .\rنَقَلَهُ عَنْ أَحْمَدَ الْجَمَاعَةُ ، إلَّا فِي الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ ، فَإِنَّهُ يَحْنَثُ .\rهَذَا ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ .\rوَاخْتَارَهُ الْخَلَّالُ وَصَاحِبُهُ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدٍ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ ، رِوَايَةٌ أُخْرَى ، أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ فِي الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ أَيْضًا ، وَهَذَا قَوْلُ عَطَاءٍ ، وَعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، وَابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، وَإِسْحَاقَ ، قَالُوا : لَا حِنْثَ عَلَى النَّاسِي فِي طَلَاقٍ وَلَا غَيْرِهِ .\rوَهُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ } .\rوَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لِأُمَّتِي عَنْ الْخَطَأِ ، وَالنِّسْيَانِ ، وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ } .\rوَلِأَنَّهُ غَيْرُ قَاصِدٍ لِلْمُخَالَفَةِ ، فَلَمْ يَحْنَثْ ، كَالنَّائِمِ وَالْمَجْنُونِ .\rوَلِأَنَّهُ أَحَدُ طَرَفِي الْيَمِينِ فَاعْتُبِرَ فِيهِ الْقَصْدُ ، كَحَالَةِ الِابْتِدَاءِ بِهَا .\rوَعَنْ أَحْمَدَ ، رِوَايَةٌ أُخْرَى ، أَنَّهُ يَحْنَثُ فِي الْجَمِيعِ ، وَتَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ فِي الْيَمِينِ الْمُكَفَّرَةِ .\rوَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَمُجَاهِدٍ ، وَالزُّهْرِيِّ ، وَقَتَادَةَ ، وَرَبِيعَةَ ، وَمَالِكٍ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ ، وَالْقَوْلُ الثَّانِي لِلشَّافِعِيَّ ؛ لِأَنَّهُ فَعَلَ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ قَاصِدًا لِفِعْلِهِ ، فَلَزِمَهُ الْحِنْثُ ، كَالذَّاكِرِ ، وَكَمَا لَوْ كَانَتْ الْيَمِينُ بِالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ .\rوَلَنَا ، عَلَى أَنَّ الْكَفَّارَةَ لَا تَجِبُ فِي الْيَمِينِ الْمُكَفَّرَةِ ، مَا تَقَدَّمَ ، وَلِأَنَّهَا تَجِبُ لِرَفْعِ الْإِثْمِ ، وَلَا إثْمَ عَلَى النَّاسِي .\rوَأَمَّا الطَّلَاقُ وَالْعَتَاقُ ، فَهُوَ مُعَلَّقٌ بِشَرْطٍ ، فَيَقَعُ بِوُجُودِ شَرْطِهِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ كَمَا لَوْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ ، إنْ طَلَعَتْ","part":22,"page":82},{"id":10582,"text":"الشَّمْسُ ، أَوْ قَدِمَ الْحَاجُّ .","part":22,"page":83},{"id":10583,"text":"( 7948 ) فَصْلٌ : وَإِنْ فَعَلَهُ غَيْرَ عَالِمٍ بِالْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ ، كَرَجُلٍ حَلَفَ لَا يُكَلِّمُ فُلَانًا ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ يَحْسَبُهُ أَجْنَبِيًّا ، أَوْ حَلَفَ إنَّهُ لَا يُفَارِقُ غَرِيمَهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ حَقَّهُ ، فَأَعْطَاهُ قَدْرَ حَقِّهِ ، فَفَارَقَهُ ظَنًّا مِنْهُ أَنَّهُ قَدْ بَرَّ ، فَوَجَدَ مَا أَخَذَهُ رَدِيئًا ، أَوْ حَلَفَ : لَا بِعْت لِزَيْدٍ ثَوْبًا .\rفَوَكَّلَ زَيْدٌ مَنْ يَدْفَعُهُ إلَى مَنْ يَبِيعُهُ ، فَدَفَعَهُ إلَى الْحَالِفِ ، فَبَاعَهُ مِنْ غَيْرِ عِلْمِهِ ، فَهُوَ كَالنَّاسِي ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ قَاصِدٍ لِلْمُخَالَفَةِ ، أَشْبَهَ النَّاسِيَ .","part":22,"page":84},{"id":10584,"text":"( 7949 ) فَصْلٌ : وَالْمُكْرَهُ عَلَى الْفِعْلِ يَنْقَسِمُ قِسْمَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا : أَنْ يُلْجَأَ إلَيْهِ ، مِثْلَ مَنْ يَحْلِفُ لَا يَدْخُلُ دَارًا ، فَحُمِلَ فَأُدْخِلَهَا .\rأَوْ لَا يَخْرُجُ مِنْهَا ، فَأُخْرِجَ مَحْمُولًا ، أَوْ مَدْفُوعًا بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ ، وَلَمْ يُمْكِنْهُ الِامْتِنَاعُ .\rفَهَذَا لَا يَحْنَثُ فِي قَوْلِ أَكْثَرِهِمْ .\rوَبِهِ قَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : إنْ دَخَلَ مَرْبُوطًا ، لَمْ يَحْنَثْ .\rوَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ الدُّخُولَ وَالْخُرُوجَ ، فَلَمْ يَحْنَثْ ، كَمَا لَوْ لَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ .\rالثَّانِي أَنْ يُكْرَهَ بِالضَّرْبِ وَالتَّهْدِيدِ بِالْقَتْلِ وَنَحْوِهِ ، فَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : فِيهِ رِوَايَتَانِ ، كَالنَّاسِي .\rوَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ .\rوَقَالَ مَالِكٌ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ : يَحْنَثُ ؛ لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ لَا تَسْقُطُ بِالشُّبْهَةِ ، فَوَجَبَ مَعَ الْإِكْرَاهِ وَالنِّسْيَانِ ، كَكَفَّارَةِ الصَّيْدِ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { عُفِيَ لِأُمَّتِي عَنْ الْخَطَأِ ، وَالنِّسْيَانِ ، وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ } .\rوَلِأَنَّهُ نَوْعُ إكْرَاهٍ ، فَلَمْ يَحْنَثْ بِهِ ، كَمَا لَوْ حُمِلَ وَلَمْ يُمْكِنْهُ الِامْتِنَاعُ ، وَلِأَنَّ الْفِعْلَ لَا يُنْسَبُ إلَيْهِ ، فَأَشْبَهَ مَنْ لَمْ يَفْعَلْهُ ، وَلَا نُسَلِّمُ الْكَفَّارَةَ فِي الصَّيْدِ ، بَلْ إنَّمَا تَجِبُ عَلَى الْمُكْرَهِ .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":22,"page":85},{"id":10585,"text":"( 7950 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَمَنْ حَلَفَ عَلَى شَيْءٍ ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ كَاذِبٌ ، فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ الَّذِي أَتَى بِهِ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ تَكُونَ فِيهِ الْكَفَّارَةُ ) .\rهَذَا ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ ، نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ عَنْ أَحْمَدَ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، مِنْهُمْ ؛ ابْنُ مَسْعُودٍ ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ، وَالْحَسَنُ ، وَمَالِكٌ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَاللَّيْثُ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابُ الْحَدِيثِ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ .\rوَهَذِهِ الْيَمِينُ تُسَمَّى يَمِينَ الْغَمُوسِ ؛ لِأَنَّهَا تَغْمِسُ صَاحِبَهَا فِي الْإِثْمِ .\rقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ : كُنَّا نَعُدُّ مِنْ الْيَمِينِ الَّتِي لَا كَفَّارَةَ لَهَا ، الْيَمِينَ الْغَمُوسَ .\rوَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، قَالَ : هِيَ مِنْ الْكَبَائِرِ ، وَهِيَ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ تُكَفَّرَ .\rوَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّ فِيهَا الْكَفَّارَةَ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَطَاءٍ ، وَالزُّهْرِيِّ ، وَالْحَكَمِ ، وَالْبَتِّيِّ .\rوَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ وُجِدَتْ مِنْهُ الْيَمِينُ بِاَللَّهِ تَعَالَى ، وَالْمُخَالَفَةُ مَعَ الْقَصْدِ ، فَلَزِمَتْهُ الْكَفَّارَةُ ، كَالْمُسْتَقْبِلَةِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهَا يَمِينٌ غَيْرُ مُنْعَقِدَةٍ ، فَلَا تُوجِبُ الْكَفَّارَةَ ، كَاللَّغْوِ ، أَوْ يَمِينٌ عَلَى مَاضٍ ، فَأَشْبَهْت اللَّغْوَ ، وَبَيَانُ كَوْنِهَا غَيْرَ مُنْعَقِدَةٍ ، أَنَّهَا لَا تُوجِبُ بِرًّا ، وَلَا يُمْكِنُ فِيهَا ؛ وَلِأَنَّهُ قَارَنَهَا مَا يُنَافِيهَا ، وَهُوَ الْحِنْثُ ، فَلَمْ تَنْعَقِدْ ، كَالنِّكَاحِ الَّذِي قَارَنَهُ الرَّضَاعُ ، وَلِأَنَّ الْكَفَّارَةَ لَا تَرْفَعُ إثْمَهَا ، فَلَا تُشْرَعُ فِيهَا ، وَدَلِيلُ ذَلِكَ أَنَّهَا كَبِيرَةٌ ، فَإِنَّهُ يُرْوَى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { مِنْ الْكَبَائِرِ الْإِشْرَاكُ بِاَللَّهِ ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ ، وَقَتْلُ النَّفْسِ ، وَالْيَمِينُ الْغَمُوسُ } .\rرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ، وَرُوِيَ فِيهِ : { خَمْسٌ مِنْ الْكَبَائِرِ لَا كَفَّارَةَ لَهُنَّ ؛ الْإِشْرَاكُ بِاَللَّهِ ، وَالْفِرَارُ مِنْ الزَّحْفِ","part":22,"page":86},{"id":10586,"text":"، وَبَهْتُ الْمُؤْمِنِ ، وَقَتْلُ الْمُسْلِمِ بِغَيْرِ حَقٍّ ، وَالْحَلِفُ عَلَى يَمِينٍ فَاجِرَةٍ يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ } .\rوَلَا يَصِحُّ الْقِيَاسُ عَلَى الْمُسْتَقْبَلَةِ ؛ لِأَنَّهَا يَمِينٌ مُنْعَقِدَةٌ ، يُمْكِنُ حَلُّهَا وَالْبِرُّ فِيهَا ، وَهَذِهِ غَيْرُ مُنْعَقِدَةٍ ، فَلَا حَلَّ لَهَا .\rوَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { فَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ ، وَلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ } .\rيَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْكَفَّارَةَ إنَّمَا تَجِبُ بِالْحَلِفِ عَلَى فِعْلٍ يَفْعَلُهُ فِيمَا يَسْتَقْبِلُهُ .\rقَالَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ .","part":22,"page":87},{"id":10587,"text":"( 7951 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَالْكَفَّارَةُ إنَّمَا تَلْزَمُ مَنْ حَلَفَ يُرِيدُ عَقْدَ الْيَمِينِ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْيَمِينَ الَّتِي تَمُرُّ عَلَى لِسَانِهِ فِي عَرَضِ حَدِيثِهِ ، مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ إلَيْهَا ، لَا كَفَّارَةَ فِيهَا ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ؛ لِأَنَّهَا مِنْ لَغْوِ الْيَمِينِ .\rنَقَلَ عَبْدُ اللَّهِ ، عَنْ أَبِيهِ ، أَنَّهُ قَالَ : اللَّغْوُ عِنْدِي أَنْ يَحْلِفَ عَلَى الْيَمِينِ ، يَرَى أَنَّهَا كَذَلِكَ ، وَالرَّجُلُ يَحْلِفُ فَلَا يَعْقِدُ قَلْبَهُ عَلَى شَيْءٍ .\rوَمِمَّنْ قَالَ : إنَّ اللَّغْوَ الْيَمِينُ الَّتِي لَا يَعْقِدُ عَلَيْهَا قَلْبَهُ ؛ عُمَرُ ، وَعَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا .\rوَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ ، وَالْقَاسِمُ ، وَعِكْرِمَةُ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ عَطَاءٍ ، قَالَ : قَالَتْ عَائِشَةُ : إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ، يَعْنِي اللَّغْوَ فِي الْيَمِينِ : { هُوَ كَلَامُ الرَّجُلِ فِي بَيْتِهِ ، لَا وَاَللَّهِ .\rوَبَلَى وَاَللَّهِ } .\rأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد .\rقَالَ : وَرَوَاهُ الزُّهْرِيُّ ، وَعَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ ، وَمَالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنْ عَائِشَةَ ، مَوْقُوفًا .\rوَرَوَى الزُّهْرِيُّ ، أَنَّ عُرْوَةَ حَدَّثَهُ ، عَنْ عَائِشَةَ ، قَالَتْ ، أَيْمَانُ اللَّغْوِ ، مَا كَانَ فِي الْمِرَاءِ ، وَالْهَزْلِ ، وَالْمُزَاحَةِ ، وَالْحَدِيثِ الَّذِي لَا يُعْقَدُ عَلَيْهِ الْقَلْبُ ، وَأَيْمَانُ الْكَفَّارَةِ كُلُّ يَمِينٍ حَلَفَ عَلَيْهَا عَلَى وَجْهٍ مِنْ الْأَمْرِ ، فِي غَضَبٍ أَوْ غَيْرِهِ ، لَيَفْعَلَنَّ ، أَوْ لَيَتْرُكَنَّ ، فَذَلِكَ عَقْدُ الْأَيْمَانِ الَّتِي فَرَضَ اللَّهُ - تَعَالَى - فِيهَا الْكَفَّارَةَ .\rوَلِأَنَّ اللَّغْوَ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ الْكَلَامُ غَيْرُ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ .\rوَهَذَا كَذَلِكَ .\rوَمِمَّنْ قَالَ : لَا كَفَّارَةَ فِي هَذَا ؛ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ ، وَأَبُو مَالِكٍ ، وَزُرَارَةُ بْنُ أَوْفَى ، وَالْحَسَنُ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَمَالِكٌ .\rوَهُوَ قَوْلُ مَنْ قَالَ : إنَّهُ مِنْ لَغْوِ الْيَمِينِ .\rوَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا .\rوَوَجْهُ ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ","part":22,"page":88},{"id":10588,"text":"تَعَالَى : { لَا يُؤَاخِذُكُمْ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمْ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ } .\rفَجَعَلَ الْكَفَّارَةَ لِلْيَمِينِ الَّتِي يُؤَاخَذُ بِهَا ، وَنَفَى الْمُؤَاخَذَةَ بِاللَّغْوِ ، فَيَلْزَمُ انْتِفَاءُ الْكَفَّارَةِ ، وَلِأَنَّ الْمُؤَاخَذَةَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهَا إيجَابَ الْكَفَّارَةِ ، بِدَلِيلِ أَنَّهَا تَجِبُ فِي الْأَيْمَانِ الَّتِي لَا مَأْثَمَ فِيهَا ، وَإِذَا كَانَتْ الْمُؤَاخَذَةُ إيجَابَ الْكَفَّارَةِ ، فَقَدْ نَفَاهَا فِي اللَّغْوِ ، فَلَا تَجِبُ ، وَلِأَنَّهُ قَوْلُ مَنْ سَمَّيْنَا مِنْ الصَّحَابَةِ ، وَلَمْ نَعْرِفْ لَهُمْ مُخَالِفًا فِي عَصْرِهِمْ ، فَكَانَ إجْمَاعًا ، وَلِأَنَّ قَوْلَ عَائِشَةَ فِي تَفْسِيرِ اللَّغْوِ ، وَبَيَانِ الْأَيْمَانِ الَّتِي فِيهَا الْكَفَّارَةُ ، خَرَجَ مِنْهَا تَفْسِيرًا لِكَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَتَفْسِيرُ الصَّحَابِيِّ مَقْبُولٌ .","part":22,"page":89},{"id":10589,"text":"( 7952 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَمَنْ حَلَفَ عَلَى شَيْءٍ يَظُنُّهُ كَمَا حَلَفَ ، فَلَمْ يَكُنْ ، فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ لَغْوِ الْيَمِينِ ) أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْيَمِينَ لَا كَفَّارَةَ فِيهَا .\rقَالَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ .\rيُرْوَى هَذَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ، وَأَبِي مَالِكٍ ، وَزُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى ، وَالْحَسَنِ ، وَالنَّخَعِيِّ ، وَمَالِكٍ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَالثَّوْرِيِّ .\rوَمِمَّنْ قَالَ : هَذَا لَغْوُ الْيَمِينِ .\rمُجَاهِدٌ ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ .\rوَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ لَغْوَ الْيَمِينِ لَا كَفَّارَةَ فِيهِ .\rوَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى هَذَا .\rوَقَدْ حُكِيَ عَنْ النَّخَعِيِّ فِي الْيَمِينِ عَلَى شَيْءٍ يَظُنُّهُ حَقًّا ، فَيَتَبَيَّنُ بِخِلَافِهِ ، أَنَّهُ مِنْ لَغْوِ الْيَمِينِ ، وَفِيهِ الْكَفَّارَةُ .\rوَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ .\rوَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّ فِيهِ الْكَفَّارَةَ ، وَلَيْسَ مِنْ لَغْوِ الْيَمِينِ ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ بِاَللَّهِ - تَعَالَى - وُجِدَتْ مَعَ الْمُخَالَفَةِ ، فَأَوْجَبَتْ الْكَفَّارَةَ ، كَالْيَمِينِ عَلَى مُسْتَقْبَلٍ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { لَا يُؤَاخِذُكُمْ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ } .\rوَهَذِهِ مِنْهُ ، وَلِأَنَّهَا يَمِينٌ غَيْرُ مُنْعَقِدَةٍ ، فَلَمْ تَجِبْ فِيهَا كَفَّارَةٌ ، كَيَمِينِ الْغَمُوسِ ، وَلِأَنَّهُ غَيْرُ مَقْصُودٍ لِلْمُخَالَفَةِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ حَنِثَ نَاسِيًا .\rوَفِي الْجُمْلَةِ ، لَا كَفَّارَةَ فِي يَمِينٍ عَلَى مَاضٍ ؛ لِأَنَّهَا تَنْقَسِمُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ ؛ مَا هُوَ صَادِقٌ فِيهِ ، فَلَا كَفَّارَةَ فِيهِ إجْمَاعًا .\rوَمَا تَعَمَّدَ الْكَذِبَ فِيهِ ، فَهُوَ يَمِينُ الْغَمُوسِ ، لَا كَفَّارَةَ فِيهَا ؛ لِأَنَّهَا أَعْظَمُ مِنْ أَنْ تَكُونَ فِيهَا كَفَّارَةٌ .\rوَمَا يَظُنُّهُ حَقًّا ، فَيَتَبَيَّنُ بِخِلَافِهِ ، فَلَا كَفَّارَةَ فِيهِ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ لَغْوِ الْيَمِينِ .\rفَأَمَّا الْيَمِينُ عَلَى الْمُسْتَقْبَلِ ، فَمَا عَقَدَ عَلَيْهِ قَلْبَهُ ، وَقَصَدَ","part":22,"page":90},{"id":10590,"text":"الْيَمِينَ عَلَيْهِ ، ثُمَّ خَالَفَ ، فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ ، وَمَا لَمْ يَعْقِدْ عَلَيْهِ قَلْبَهُ ، وَلَمْ يَقْصِدْ الْيَمِينَ عَلَيْهِ ، وَإِنَّمَا جَرَتْ عَلَى لِسَانِهِ ، فَهُوَ مِنْ لَغْوِ الْيَمِينِ .\rوَكَلَامُ عَائِشَةَ يَدُلُّ عَلَى هَذَا ، فَإِنَّهَا قَالَتْ : أَيْمَانُ اللَّغْوِ ؛ مَا كَانَ فِي الْمِرَاءِ وَالْمُزَاحَةِ ، وَالْهَزْلِ ، وَالْحَدِيثِ الَّذِي لَا يُعْقَدُ عَلَيْهِ الْقَلْبُ ، وَأَيْمَانُ الْكَفَّارَةِ ؛ كُلُّ يَمِينٍ حَلَفَ عَلَيْهَا عَلَى وَجْهٍ مِنْ الْأَمْرِ ، فِي غَضَبٍ أَوْ غَيْرِهِ ، لَيَفْعَلَنَّ أَوْ لَيَتْرُكَنَّ ، فَذَلِكَ عَقْدُ الْأَيْمَانِ الَّتِي فَرَضَ اللَّهُ فِيهَا الْكَفَّارَةَ .\rوَقَالَ الثَّوْرِيُّ ، فِي \" جَامِعِهِ \" : الْأَيْمَانُ أَرْبَعَةٌ ؛ يَمِينَانِ يُكَفَّرَانِ ، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ : وَاَللَّهِ لَا أَفْعَلُ .\rفَيَفْعَلُ .\rأَوْ يَقُولَ : وَاَللَّهِ لَأَفْعَلَنَّ .\rثُمَّ لَا يَفْعَلُ .\rوَيَمِينَانِ لَا يُكَفَّرَانِ ، أَنْ يَقُولَ : وَاَللَّهِ مَا فَعَلْت .\rوَقَدْ فَعَلَ ، أَوْ يَقُولَ : وَاَللَّهِ لَقَدْ فَعَلْت .\rوَمَا فَعَلَ .","part":22,"page":91},{"id":10591,"text":"( 7953 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَالْيَمِينُ الْمُكَفَّرَةُ ، أَنْ يَحْلِفَ بِاَللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ ، أَوْ بِاسْمِ مِنْ أَسْمَائِهِ ) أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ مَنْ حَلَفَ بِاَللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ ، فَقَالَ : وَاَللَّهِ ، أَوْ بِاَللَّهِ ، أَوْ تَاللَّهِ .\rفَحَنِثَ ، أَنَّ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةَ .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : وَكَانَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ، يَقُولُونَ : مَنْ حَلَفَ بَاسِمٍ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ - تَعَالَى ، فَحَنِثَ ، أَنَّ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةَ .\rوَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا إذَا كَانَ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ ، الَّتِي لَا يُسَمَّى بِهَا سِوَاهُ .\rوَأَسْمَاءُ اللَّهِ تَنْقَسِمُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ ؛ أَحَدُهَا ، مَا لَا يُسَمَّى بِهَا غَيْرُهُ ، نَحْوُ قَوْلِهِ : وَاَللَّهِ وَالرَّحْمَنِ ، وَالْأَوَّلِ الَّذِي لَيْسَ قَبْلَهُ شَيْءٌ ، وَالْآخِرِ الَّذِي لَيْسَ بَعْدَهُ شَيْءٌ ، وَرَبِّ الْعَالَمِينَ ، وَمَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ، وَرَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ، وَالْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ .\rوَنَحْوِ هَذَا ، فَالْحَلِفُ بِهَذَا يَمِينٌ بِكُلِّ حَالٍ .\rوَالثَّانِي ، مَا يُسَمَّى بِهِ غَيْرُ اللَّهِ تَعَالَى مَجَازًا ، وَإِطْلَاقُهُ يَنْصَرِفُ إلَى اللَّهِ - سُبْحَانَهُ ، مِثْلَ الْخَالِقِ ، وَالرَّازِقِ ، وَالرَّبِّ ، وَالرَّحِيمِ ، وَالْقَادِرِ ، وَالْقَاهِرِ ، وَالْمَلِكِ ، وَالْجَبَّارِ .\rوَنَحْوِهِ ، فَهَذَا يُسَمَّى بِهِ غَيْرُ اللَّهِ مَجَازًا ؛ بِدَلِيلِ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَتَخْلُقُونَ إفْكًا } .\r{ وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ } .\rوَقَوْلُهُ : { ارْجِعْ إلَى رَبِّكَ } وَ .\r{ اُذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ .\r} فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ وَقَالَ : { فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ } .\rوَقَالَ : { بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ } .\rفَهَذَا إنْ نَوَى بِهِ اسْمَ اللَّهِ تَعَالَى ، أَوْ أَطْلَقَ ، كَانَ يَمِينًا ؛ لِأَنَّهُ بِإِطْلَاقِهِ يَنْصَرِفُ إلَيْهِ .\rوَإِنْ نَوَى بِهِ غَيْرَ اللَّهِ - تَعَالَى ، لَمْ يَكُنْ يَمِينًا ؛ لِأَنَّهُ يُسْتَعْمَلُ فِي غَيْرِهِ ، فَيَنْصَرِفُ بِالنِّيَّةِ إلَى مَا نَوَاهُ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ","part":22,"page":92},{"id":10592,"text":"الشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ طَلْحَةُ الْعَاقُولِيُّ إذَا قَالَ : وَالرَّبِّ ، وَالْخَالِقِ وَالرَّازِقِ .\rكَانَ يَمِينًا عَلَى كُلِّ حَالٍ ، كَالْأَوَّلِ ؛ لِأَنَّهَا لَا تُسْتَعْمَلُ مَعَ التَّعْرِيفِ فَاللَّامُ التَّعْرِيفِ إلَّا فِي اسْمِ اللَّهِ ، فَأَشْبَهَتْ الْقِسْمَ الْأَوَّلَ .\rالثَّالِثُ ، مَا يُسَمَّى بِهِ اللَّهُ - تَعَالَى ، وَغَيْرُهُ ، وَلَا يَنْصَرِفُ إلَيْهِ بِإِطْلَاقِهِ ، كَالْحَيِّ ، وَالْعَالِمِ ، وَالْمَوْجُودِ ، وَالْمُؤْمِنِ ، وَالْكَرِيمِ ، وَالشَّاكِرِ .\rفَهَذَا إنْ قَصَدَ بِهِ الْيَمِينَ بِاسْمِ اللَّهِ - تَعَالَى - كَانَ يَمِينًا ، وَإِنْ أَطْلَقَ ، أَوْ قَصَدَ غَيْرَ اللَّهِ - تَعَالَى ، لَمْ يَكُنْ يَمِينًا ، فَيَخْتَلِفُ هَذَا الْقِسْمُ وَاَلَّذِي قَبْلَهُ فِي حَالَةِ الْإِطْلَاقِ ، فَفِي الْأَوَّلِ يَكُونُ يَمِينًا ، وَفِي الثَّانِي لَا يَكُونُ يَمِينًا .\rوَقَالَ الْقَاضِي ، وَالشَّافِعِيُّ ، فِي هَذَا الْقِسْمِ : لَا يَكُونُ يَمِينًا ، وَإِنْ قَصَدَ بِهِ اسْمَ اللَّهِ - تَعَالَى ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ إنَّمَا تَنْعَقِدُ لِحُرْمَةِ الِاسْمِ ، فَمَعَ الِاشْتِرَاكِ لَا تَكُونُ لَهُ حُرْمَةٌ ، وَالنِّيَّةُ الْمُجَرَّدَةُ لَا تَنْعَقِدُ بِهَا الْيَمِينُ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ أَقْسَمَ بِاسْمِ اللَّهِ تَعَالَى ، قَاصِدًا بِهِ الْحَلِفَ بِهِ ، فَكَانَ يَمِينًا مُكَفَّرَةً ، كَالْقِسْمِ الَّذِي قَبْلَهُ .\rوَقَوْلُهُمْ : إنَّ النِّيَّةَ الْمُجَرَّدَةَ لَا تَنْعَقِدُ بِهَا الْيَمِينُ .\rنَقُولُ بِهِ ، وَمَا انْعَقَدَ بِالنِّيَّةِ الْمُجَرَّدَةِ إنَّمَا انْعَقَدَ بِالِاسْمِ الْمُحْتَمِلِ ، الْمُرَادِ بِهِ اسْمُ اللَّهِ تَعَالَى ، فَإِنَّ النِّيَّةَ تَصْرِفُ اللَّفْظَ الْمُحْتَمِلَ إلَى أَحَدِ مُحْتَمَلَاتِهِ ، فَيَصِيرُ كَالْمُصَرَّحِ بِهِ ، كَالْكِنَايَاتِ وَغَيْرِهَا ، وَلِهَذَا لَوْ نَوَى بِالْقِسْمِ الَّذِي قَبْلَهُ غَيْرَ اللَّهِ - تَعَالَى ، لَمْ يَكُنْ يَمِينًا ، لِنِيَّتِهِ .","part":22,"page":93},{"id":10593,"text":"( 7954 ) فَصْلٌ : وَالْقَسَمُ بِصِفَاتِ اللَّهِ - تَعَالَى ، كَالْقَسَمِ بِأَسْمَائِهِ .\rوَصِفَاتُهُ تَنْقَسِمُ أَيْضًا ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ ؛ أَحَدُهَا ، مَا هُوَ صِفَاتٌ لِذَاتِ اللَّهِ - تَعَالَى ، لَا يَحْتَمِلُ غَيْرَهَا ، كَعِزَّةِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَعَظَمَتِهِ ، وَجَلَالِهِ ، وَكِبْرِيَائِهِ ، وَكَلَامِهِ .\rفَهَذِهِ تَنْعَقِدُ بِهَا الْيَمِينُ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا .\rوَبِهِ يَقُولُ الشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ؛ لِأَنَّ هَذِهِ مِنْ صِفَاتِ ذَاتِهِ ، لَمْ يَزَلْ مَوْصُوفًا بِهَا ، وَقَدْ وَرَدَ الْأَثَرُ بِالْقَسَمِ بِبَعْضِهَا ، فَرُوِيَ أَنَّ النَّارَ تَقُولُ : \" قَطُّ قَطُّ ، وَعِزَّتِك \" .\rرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ .\rوَاَلَّذِي يَخْرُجُ مِنْ النَّارِ يَقُولُ : \" وَعِزَّتِك ، لَا أَسْأَلُك غَيْرَهَا \" .\rوَفِي كِتَابِ اللَّهِ - تَعَالَى - : { فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ } .\rالثَّانِي ، مَا هُوَ صِفَةٌ لِلذَّاتِ ، وَيُعَبَّرُ بِهِ عَنْ غَيْرِهَا مَجَازًا ، كَعِلْمِ اللَّهِ وَقُدْرَتِهِ ، فَهَذِهِ صِفَةٌ لِلذَّاتِ لَمْ يَزَلْ مَوْصُوفًا بِهَا ، وَقَدْ تُسْتَعْمَلُ فِي الْمَعْلُومِ وَالْمَقْدُورِ اتِّسَاعًا ، كَقَوْلِهِمْ : اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنَا عِلْمَك فِينَا .\rوَيُقَالُ : اللَّهُمَّ قَدْ أَرَيْتنَا قُدْرَتَك ، فَأَرِنَا عَفْوَك .\rوَيُقَالُ : اُنْظُرْ إلَى قُدْرَةِ اللَّهِ .\rأَيْ مَقْدُورِهِ .\rفَمَتَى أَقْسَمَ بِهَذَا ، كَانَ يَمِينًا .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، إذَا قَالَ : وَعِلْمِ اللَّهِ .\rلَا يَكُونُ يَمِينًا ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ الْمَعْلُومَ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الْعِلْمَ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ - تَعَالَى ، فَكَانَتْ الْيَمِينُ بِهِ يَمِينًا مُوجِبَةً لِلْكَفَّارَةِ ، كَالْعَظَمَةِ ، وَالْعِزَّةِ ، وَالْقُدْرَةِ ، وَيَنْتَقِضُ مَا ذَكَرُوهُ بِالْقُدْرَةِ ، فَإِنَّهُمْ قَدْ سَلَّمُوهَا ، وَهِيَ قَرِينَتُهَا .\rفَأَمَّا إنْ نَوَى الْقَسَمَ بِالْمَعْلُومِ ، وَالْمَقْدُورِ ، اُحْتُمِلَ أَنْ لَا يَكُونَ يَمِينًا .\rوَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ نَوَى بِالِاسْمِ غَيْرَ صِفَةٍ لِلَّهِ ، مَعَ احْتِمَالِ اللَّفْظِ مَا نَوَاهُ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ نَوَى الْقَسَمَ بِمَحْلُوفٍ فِي","part":22,"page":94},{"id":10594,"text":"الْأَسْمَاءِ الَّتِي يُسَمَّى بِهَا غَيْرُ اللَّهِ - تَعَالَى .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّ ذَلِكَ يَكُونُ يَمِينًا بِكُلِّ حَالٍ ، وَلَا تُقْبَلُ مِنْهُ نِيَّةُ غَيْرِ صِفَةِ اللَّهِ - تَعَالَى .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ فِي الْقُدْرَةِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مَوْضُوعٌ لِلصِّفَةِ ، فَلَا يُقْبَلُ مِنْهُ نِيَّةُ غَيْرِ الصِّفَةِ ، كَالْعَظَمَةِ .\rوَقَدْ ذَكَرَ طَلْحَةُ الْعَاقُولِيُّ ، فِي أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى الْمُعَرَّفَةِ فَاللَّامُ التَّعْرِيفِ ، كَالْخَالِقِ وَالرَّازِقِ ، أَنَّهَا تَكُونُ يَمِينًا بِكُلِّ حَالٍ ؛ لِأَنَّهَا لَا تَنْصَرِفُ إلَّا إلَى اسْمِ اللَّهِ ، كَذَا هَذَا .\rالثَّالِثُ ، مَالًا يَنْصَرِفُ بِإِطْلَاقِهِ إلَى صِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى ، لَكِنْ يَنْصَرِفُ بِإِضَافَتِهِ إلَى اللَّهِ - سُبْحَانَهُ - لَفْظًا أَوْ نِيَّةً ، كَالْعَهْدِ ، وَالْمِيثَاقِ ، وَالْأَمَانَةِ ، وَنَحْوِهِ .\rفَهَذَا لَا يَكُونُ يَمِينًا مُكَفَّرَةً إلَّا بِإِضَافَتِهِ أَوْ نِيَّتِهِ .\rوَسَنَذْكُرُ ذَلِكَ فِيمَا بَعْدُ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .","part":22,"page":95},{"id":10595,"text":"( 7955 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَالَ : وَحَقِّ اللَّهِ فَهِيَ يَمِينٌ مُكَفَّرَةٌ .\rوَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا كَفَّارَةَ لَهَا ؛ لِأَنَّ حَقَّ اللَّهِ طَاعَتُهُ وَمَفْرُوضَاتُهُ ، وَلَيْسَتْ صِفَةً لَهُ .\rوَلَنَا ، أَنَّ لِلَّهِ حُقُوقًا يَسْتَحِقُّهَا لِنَفْسِهِ ؛ مِنْ الْبَقَاءِ ، وَالْعَظَمَةِ ، وَالْجَلَالِ ، وَالْعِزَّةِ ، وَقَدْ اقْتَرَنَ عُرْفُ الِاسْتِعْمَالِ بِالْحَلِفِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ ، فَتَنْصَرِفُ إلَى صِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى ، كَقَوْلِهِ : وَقُدْرَةِ اللَّهِ .\rوَإِنْ نَوَى بِذَلِكَ الْقَسَمَ بِمَخْلُوقٍ ، فَالْقَوْلُ فِيهِ كَالْقَوْلِ فِي الْحَلِفِ بِالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ ، إلَّا أَنَّ احْتِمَالَ الْمَخْلُوقِ بِهَذَا اللَّفْظِ أَظْهَرُ .","part":22,"page":96},{"id":10596,"text":"( 7956 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَالَ : لَعَمْرُ اللَّهِ .\rفَهِيَ يَمِينٌ مُوجِبَةٌ لِلْكَفَّارَةِ .\rوَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، إنْ قَصَدَ الْيَمِينَ ، فَهِيَ يَمِينٌ ، وَإِلَّا فَلَا .\rوَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ ؛ لِأَنَّهَا إنَّمَا تَكُونُ يَمِينًا بِتَقْدِيرِ خَبَرٍ مَحْذُوفٍ ، فَكَأَنَّهُ قَالَ : لَعَمْرُ اللَّهِ مَا أُقْسِمُ بِهِ .\rفَيَكُونُ مَجَازًا ، وَالْمَجَازُ لَا يَنْصَرِفُ إلَيْهِ الْإِطْلَاقُ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ أَقْسَمَ بِصِفَةٍ مِنْ صِفَاتِ ذَاتِ اللَّهِ ، فَكَانَ يَمِينًا مُوجِبًا لِلْكَفَّارَةِ ، كَالْحَلِفِ بِبَقَاءِ اللَّهِ - تَعَالَى ، فَإِنَّ مَعْنَى ذَلِكَ الْحَلِفُ بِبَقَاءِ اللَّهِ - تَعَالَى ، وَحَيَاتِهِ .\rوَيُقَالُ : الْعَمْرُ وَالْعُمُرُ وَاحِدٌ .\rوَقِيلَ : مَعْنَاهُ وَحَقِّ اللَّهِ .\rوَقَدْ ثَبَتَ لَهُ عُرْفُ الشَّرْعِ وَالِاسْتِعْمَالِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { لَعَمْرُك إنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ } .\rوَقَالَ النَّابِغَةُ : فَلَا لَعَمْرُ الَّذِي قَدْ زُرْتُهُ حِجَجًا وَمَا أُرِيقَ عَلَى الْأَنْصَابِ مِنْ جَسَدِ وَقَالَ آخَرُ : إذَا رَضِيَتْ كِرَامُ بَنِي قُشَيْرٍ لَعَمْرُ اللَّهِ أَعْجَبَنِي رِضَاهَا وَقَالَ آخَرُ : وَلَكِنْ لَعَمْرُ اللَّهِ مَا ظَلَّ مُسْلِمًا كَغُرِّ الثَّنَايَا وَاضِحَاتِ الْمَلَاغِمِ وَهَذَا فِي الشِّعْرِ ، وَالْكَلَامِ كَثِيرٌ .\rوَأَمَّا احْتِيَاجُهُ إلَى التَّقْدِيرِ ، فَلَا يَصِحُّ ؛ فَإِنَّ اللَّفْظَ إذَا اشْتَهَرَ فِي الْعُرْفِ ، صَارَ مِنْ الْأَسْمَاءِ الْعُرْفِيَّةِ ، يَجِبُ حَمْلُهُ عَلَيْهِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ دُونَ مَوْضُوعِهِ الْأَصْلِيِّ ، عَلَى مَا عُرِفَ مِنْ سَائِرِ الْأَسْمَاءِ الْعُرْفِيَّةِ ، وَمَتَى احْتَاجَ اللَّفْظُ إلَى التَّقْدِيرِ ، وَجَبَ التَّقْدِيرُ لَهُ ، وَلَمْ يَجُزْ اطِّرَاحُهُ ، وَلِهَذَا يُفْهَمُ مُرَادُ الْمُتَكَلِّمِ بِهِ مِنْ غَيْرِ اطِّلَاعٍ عَلَى نِيَّةِ قَائِلِهِ وَقَصْدِهِ ، كَمَا يُفْهَمُ أَنَّ مُرَادَ الْمُتَكَلِّمِ بِهَذَا مِنْ الْمُتَقَدِّمِينَ الْقَسَمُ ، وَيُفْهَمُ مِنْ الْقَسَمِ بِغَيْرِ حَرْفِ الْقَسَمِ فِي أَشْعَارِهِمْ الْقَسَمُ فِي مِثْلِ قَوْلِهِ : فَقُلْت يَمِينَ اللَّهِ أَبْرَحُ قَاعِدًا وَيُفْهَمُ مِنْ الْقَسَمِ الَّذِي","part":22,"page":97},{"id":10597,"text":"حُذِفَ فِي جَوَابِهِ حَرْفُ \" لَا \" أَنَّهُ مُقَدَّرٌ مُرَادٌ ، كَهَذَا الْبَيْتِ ، وَيُفْهَمُ مِنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَاسْأَلْ الْقَرْيَةَ } - .\r{ وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمْ الْعِجْلَ } .\rالتَّقْدِيرُ ، فَكَذَا هَاهُنَا .\rوَإِنْ قَالَ : عَمْرَك اللَّهَ كَمَا فِي قَوْلِهِ : أَيُّهَا الْمُنْكِحُ الثُّرَيَّا سُهَيْلًا عَمْرَك اللَّهَ كَيْفَ يَلْتَقِيَانِ فَقَدْ قِيلَ : هُوَ مِثْلُ قَوْلِهِ : نَشَدْتُك اللَّهَ .\rوَلِهَذَا يُنْصَبُ اسْمُ اللَّهِ تَعَالَى فِيهِ .\rوَإِنْ قَالَ : لَعَمْرِي ، أَوْ عَمْرَك .\rفَلَيْسَ بِيَمِينٍ ؛ فِي قَوْلِ أَكْثَرِهِمْ .\rوَقَالَ الْحَسَنُ ، فِي قَوْلِهِ : لَعَمْرُك : عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ أَقْسَمَ بِحَيَاةِ مَخْلُوقٍ ، فَلَمْ تَلْزَمْهُ كَفَّارَةٌ ، كَمَا لَوْ قَالَ : وَحَيَاتِي .\rوَذَلِكَ لِأَنَّ هَذَا اللَّفْظَ يَكُونُ قَسَمًا بِحَيَاةِ الَّذِي أُضِيفَ إلَيْهِ الْعَمْرُ ، فَإِنَّ التَّقْدِيرَ ، لَعَمْرُك قَسَمِي ، أَوْ مَا أُقْسِمُ بِهِ ، وَالْعَمْرُ : الْحَيَاةُ أَوْ الْبَقَاءُ .","part":22,"page":98},{"id":10598,"text":"( 7957 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَالَ : وَاَيْمُ اللَّهِ ، أَوْ وَايُمْن اللَّهِ .\rفَهِيَ يَمِينٌ مُوجِبَةٌ لِلْكَفَّارَةِ ، وَالْخِلَافُ فِيهِ كَاَلَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي الْفَصْلِ الَّذِي قَبْلَهُ .\rوَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقْسِمُ بِهِ ، وَانْضَمَّ إلَيْهِ عُرْفُ الِاسْتِعْمَالِ ، فَوَجَبَ أَنْ يُصْرَفَ إلَيْهِ .\rوَاخْتُلِفَ فِي اشْتِقَاقِهِ ، فَقِيلَ : هُوَ جَمْعُ يَمِينٍ ، وَحُذِفَتْ النُّونُ فِيهِ فِي الْبَعْضِ تَخْفِيقًا لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ .\rوَقِيلَ : هُوَ مِنْ الْيَمِينِ ، فَكَأَنَّهُ قَالَ : وَيَمِينُ اللَّهِ لَأَفْعَلَنَّ .\rوَأَلِفُهُ أَلِفُ وَصْلٍ .","part":22,"page":99},{"id":10599,"text":"( 7958 ) فَصْلٌ : وَحُرُوفُ الْقَسَمِ ثَلَاثَةٌ ؛ الْبَاءُ ، وَهِيَ الْأَصْلُ ، وَتَدْخُلُ عَلَى الْمُظْهَرِ وَالْمُضْمَرِ جَمِيعًا .\rوَالْوَاوُ ، وَهِيَ بَدَلٌ مِنْ الْبَاءِ ، وَتَدْخُلُ عَلَى الْمُظْهَرِ دُونَ الْمُضْمَرِ لِذَلِكَ ، وَهِيَ أَكْثَرُ اسْتِعْمَالًا ، وَبِهَا جَاءَتْ أَكْثَرُ الْأَقْسَامِ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ؛ وَإِنَّمَا كَانَتْ الْبَاءُ الْأَصْلَ ، لِأَنَّهَا الْحَرْفُ الَّذِي تَصِلُ بِهِ الْأَفْعَالُ الْقَاصِرَةُ عَنْ التَّعَدِّي إلَى مَفْعُولَاتِهَا ، وَالتَّقْدِيرُ فِي الْقَسَمِ ، أُقْسِمُ بِاَللَّهِ ، كَمَا قَالَ اللَّهِ تَعَالَى : { وَأَقْسَمُوا بِاَللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ } .\rوَالتَّاءُ بَدَلٌ مِنْ الْوَاوِ ، وَتَخْتَصُّ بَاسِمٍ وَاحِدٍ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ - تَعَالَى ، وَهُوَ اللَّهُ ، وَلَا تَدْخُلُ عَلَى غَيْرِهِ فَيُقَالُ : تَاللَّهِ .\rوَلَوْ قَالَ : تَالرَّحْمَنِ ، أَوْ تَالرَّحِيمِ .\rلَمْ يَكُنْ قَسَمًا .\rفَإِذَا أَقْسَمَ بِأَحَدِ هَذِهِ الْحُرُوفِ الثَّلَاثَةِ فِي مَوْضِعِهِ ، كَانَ قَسَمًا صَحِيحًا ؛ لِأَنَّهُ مَوْضُوعٌ لَهُ .\rوَقَدْ جَاءَ فِي كِتَابِ اللَّهِ - تَعَالَى ، وَكَلَامِ الْعَرَبِ ، قَالَ اللَّهِ تَعَالَى : { تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ } .\r{ تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا } .\r{ تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ } .\r{ تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ } .\r{ تَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ } .\rوَقَالَ الشَّاعِرُ : تَاللَّهِ يَبْقَى عَلَى الْأَيَّامِ ذُو حَيَدٍ بِمُشْمَخِرٍّ بِهِ الضَّيَّانُ وَالْآسُ فَإِنْ قَالَ : مَا أَرَدْت بِهِ الْقَسَمَ .\rلَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِاللَّفْظِ الصَّرِيحِ فِي الْقَسَمِ ، وَاقْتَرَنَتْ بِهِ قَرِينَةٌ دَالَّةٌ عَلَيْهِ ، وَهُوَ الْجَوَابُ بِجَوَابِ الْقَسَمِ .\rوَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ فِي قَوْلِهِ : تَاللَّهِ لَأَقُومَنَّ .\rإذَا قَالَ : أَرَدْت أَنَّ قِيَامِي بِمَعُونَةِ اللَّهِ وَفَضْلِهِ .\rلِأَنَّهُ فَسَّرَ كَلَامَهُ بِمَا يَحْتَمِلُهُ .\rوَلَا يُقْبَلُ فِي الْحَرْفَيْنِ الْآخَرَيْنِ ؛ لِعَدَمِ الِاحْتِمَالِ .\rوَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يُقْبَلَ بِحَالٍ ؛ لِأَنَّهُ أَجَابَ بِجَوَابِ الْقَسَمِ ، فَيُمْنَعُ صَرْفُهُ إلَى","part":22,"page":100},{"id":10600,"text":"غَيْرِهِ .","part":22,"page":101},{"id":10601,"text":"( 7959 ) فَصْلٌ : وَإِنْ أَقْسَمَ بِغَيْرِ حَرْفِ الْقَسَمِ ، فَقَالَ : اللَّهِ لَأَقُومَنَّ .\rبِالْجَرِّ أَوْ النَّصْبِ ، كَانَ يَمِينًا .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يَكُونُ يَمِينًا ، إلَّا أَنْ يَنْوِيَ ؛ لِأَنَّ ذِكْرَ اسْمَ اللَّهِ تَعَالَى بِغَيْرِ حَرْفِ الْقَسَمِ ، لَيْسَ بِصَرِيحٍ فِي الْقَسَمِ ، فَلَا يَنْصَرِفُ إلَيْهِ إلَّا بِالنِّيَّةِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ سَائِغٌ فِي الْعَرَبِيَّةِ ، وَقَدْ وَرَدَ بِهِ عُرْفُ الِاسْتِعْمَالِ فِي الشَّرْعِ ، فَرُوِيَ { أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ أَخْبَرَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَتَلَ أَبَا جَهْلٍ ، فَقَالَ : آللَّهِ إنَّك قَتَلْته ؟ .\rقَالَ : اللَّهِ إنِّي قَتَلْته } .\rذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ .\r{ وَقَالَ لِرُكَانَةَ بْنِ عَبْدِ يَزِيدَ : اللَّهِ مَا أَرَدْت إلَّا وَاحِدَةً ؟ قَالَ مَا أَرَدْت إلَّا وَاحِدَةً } .\rوَقَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ : فَقُلْت يَمِينَ اللَّهِ أَبْرَحُ قَاعِدًا وَقَالَ أَيْضًا : فَقَالَتْ يَمِينَ اللَّهِ مَا لَكَ حِيلَةٌ وَقَدْ اقْتَرَنَتْ بِهِ قَرِينَتَانِ تَدُلَّانِ عَلَيْهِ ؛ إحْدَاهُمَا ؛ الْجَوَابُ بِجَوَابِ الْقَسَمِ .\rوَالثَّانِي ، النَّصْبُ وَالْجَرُّ فِي اسْمِ اللَّهِ - تَعَالَى ؛ فَوَجَبَ أَنْ تَكُونَ يَمِينًا ، كَمَا لَوْ قَالَ : وَاَللَّهِ .\rوَإِنْ قَالَ : اللَّهُ لَأَفْعَلَنَّ .\rبِالرَّفْعِ ، وَنَوَى الْيَمِينَ ، فَهِيَ يَمِينٌ ، لَكِنَّهُ قَدْ لَحَنَ ، فَهُوَ كَمَا لَوْ قَالَ : وَاَللَّهُ .\rبِالرَّفْعِ .\rوَإِنْ لَمْ يَنْوِ الْيَمِينَ ، فَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : يَكُونُ يَمِينًا ؛ لِأَنَّ قَرِينَةَ الْجَوَابِ بِجَوَابِ الْقَسَمِ كَافِيَةٌ ، وَالْعَامِّيُّ لَا يَعْرِفُ الْإِعْرَابَ فَيَأْتِي بِهِ ، إلَّا أَنْ يَكُونُ مِنْ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ ، فَإِنَّ عُدُولَهُ عَنْ إعْرَابِ الْقَسَمِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُرِدْهُ .\rوَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَكُونَ قَسَمًا فِي حَقِّ الْعَامِّيِّ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِقَسَمٍ فِي حَقِّ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ ، فَلَمْ يَكُنْ قَسَمًا فِي غَيْرِهِمْ ، كَمَا لَوْ لَمْ يُجِبْهُ بِجَوَابِ الْقَسَمِ .","part":22,"page":102},{"id":10602,"text":"( 7960 ) فَصْلٌ وَيُجَابُ الْقَسَمُ بِأَرْبَعَةِ أَحْرُفٍ ؛ حَرْفَانِ لِلنَّفْيِ ، وَهُمَا \" مَا \" وَ \" لَا \" ، وَحَرْفَانِ لِلْإِثْبَاتِ ، وَهُمَا \" إنَّ \" وَ \" اللَّامُ \" الْمَفْتُوحَةُ .\rوَتَقُومُ \" إنْ \" الْمَكْسُورَةُ ، مَقَامَ \" مَا \" النَّافِيَةِ ، مِثْلَ قَوْلِهِ : { وَلَيَحْلِفُنَّ إنْ أَرَدْنَا إلَّا الْحُسْنَى } .\rوَإِنْ قَالَ : وَاَللَّهِ أَفْعَلُ .\rبِغَيْرِ حَرْفٍ ، فَالْمَحْذُوفُ هَاهُنَا \" لَا \" ، وَتَكُونُ يَمِينُهُ عَلَى النَّفْيِ ؛ لِأَنَّ مَوْضُوعَهُ فِي الْعَرَبِيَّةِ كَذَلِكَ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ } أَيْ لَا تَفْتَأُ .\rوَقَالَ الشَّاعِرُ : تَاللَّهِ يَبْقَى عَلَى الْأَيَّامِ ذُو حَيَدٍ وَقَالَ آخَرُ : فَقُلْت يَمِينَ اللَّهِ أَبْرَحُ قَاعِدًا أَيْ : لَا أَبْرَحُ .","part":22,"page":103},{"id":10603,"text":"( 7961 ) فَصْلٌ : فَإِنْ قَالَ : لَاهَا اللَّهِ .\rوَنَوَى الْيَمِينَ .\rفَهُوَ يَمِينٌ ؛ لِمَا رُوِيَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ فِي سَلَبَ قَتِيلِ أَبِي قَتَادَةَ : لَاهَا اللَّهِ ، إذَا تَعَمَّدَ إلَى أَسَدٍ مِنْ أُسْدِ اللَّهِ ، يُقَاتِلُ عَنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ، فَيُعْطِيك سَلَبَهُ ؟ { فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : صَدَقَ .\rوَإِنْ لَمْ يَنْوِ الْيَمِينَ } ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَكُونُ يَمِينًا ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْتَرِنْ بِهِ عُرْفٌ وَلَا نِيَّةٌ ، وَلَا فِي جَوَابِهِ حَرْفٌ يَدُلُّ عَلَى الْقَسَمِ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .","part":22,"page":104},{"id":10604,"text":"( 7962 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( أَوْ بِآيَةٍ مِنْ الْقُرْآنِ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْحَلِفَ بِالْقُرْآنِ ، أَوْ بِآيَةٍ مِنْهُ ، أَوْ بِكَلَامِ اللَّهِ ، يَمِينٌ مُنْعَقِدَةٌ ، تَجِبُ الْكَفَّارَةُ بِالْحِنْثِ فِيهَا .\rوَبِهَذَا قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ ، وَالْحَسَنُ ، وَقَتَادَةُ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ ، وَعَامَّةُ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ : لَيْسَ بِيَمِينٍ ، وَلَا تَجِبُ بِهِ كَفَّارَةٌ ، فَمِنْهُمْ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ مَخْلُوقٌ ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : لَا يُعْهَدُ الْيَمِينُ بِهِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ ، وَصِفَةٌ مِنْ صِفَاتِ ذَاتِهِ ، فَتَنْعَقِدُ الْيَمِينُ بِهِ ، كَمَا لَوْ قَالَ : وَجَلَالِ اللَّهِ ، وَعَظَمَتِهِ .\rوَقَوْلُهُمْ : هُوَ مَخْلُوقٌ .\rقُلْنَا : هَذَا كَلَامُ الْمُعْتَزِلَةِ ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ مَعَ الْفُقَهَاءِ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { الْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ } .\rوَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي قَوْله تَعَالَى : { قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ } .\rأَيْ : غَيْرَ مَخْلُوقٍ .\rوَأَمَّا قَوْلُهُمْ : لَا يُعْهَدُ الْيَمِينُ بِهِ .\rفَيَلْزَمُهُمْ قَوْلُهُمْ : وَكِبْرِيَاءِ اللَّهِ ، وَعَظَمَتِهِ ، وَجَلَالِهِ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّ الْحَلِفَ بِآيَةٍ مِنْهُ كَالْحَلِفِ بِجَمِيعِهِ ؛ لِأَنَّهَا مِنْ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى .","part":22,"page":105},{"id":10605,"text":"( 7963 ) فَصْلٌ : وَإِنْ حَلَفَ بِالْمُصْحَفِ ، انْعَقَدَتْ يَمِينُهُ .\rوَكَانَ قَتَادَةُ يَحْلِفُ بِالْمُصْحَفِ .\rوَلَمْ يَكْرَهْ ذَلِكَ إمَامُنَا ، وَإِسْحَاقُ ؛ لِأَنَّ الْحَالِفَ بِالْمُصْحَفِ إنَّمَا قَصَدَ الْحَلِفَ بِالْمَكْتُوبِ فِيهِ ، وَهُوَ الْقُرْآنُ ، فَإِنَّهُ بَيْنَ دَفَّتَيْ الْمُصْحَفِ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ .","part":22,"page":106},{"id":10606,"text":"( 7964 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( أَوَتَصَدَّقَ بِمِلْكِهِ ، أَوْ بِالْحَجِّ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ إذَا أَخْرَجَ النَّذْرَ مَخْرَجَ الْيَمِينِ ، بِأَنْ يَمْنَعَ نَفْسَهُ أَوْ غَيْرَهُ بِهِ شَيْئًا ، أَوْ يَحُثَّ بِهِ عَلَى شَيْءٍ ، مِثْلَ أَنْ يَقُولَ : إنْ كَلَّمْت زَيْدًا ، فَلِلَّهِ عَلَيَّ الْحَجُّ ، أَوْ صَدَقَةُ مَالِي ، أَوْ صَوْمُ سَنَةٍ .\rفَهَذَا يَمِينٌ ، حُكْمُهُ أَنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْوَفَاءِ بِمَا حَلَفَ عَلَيْهِ ، فَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ ، وَبَيْنَ أَنْ يَحْنَثَ ، فَيَتَخَيَّرَ بَيْنَ فِعْلِ الْمَنْذُورِ ، وَبَيْنَ كَفَّارَةِ يَمِينٍ ، وَيُسَمَّى نَذْرَ اللَّجَاجِ وَالْغَضَبِ ، وَلَا يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ الْوَفَاءُ بِهِ ، وَإِنَّمَا يَلْزَمُ نَذْرُ التَّبَرُّرِ ، وَسَنَذْكُرُهُ فِي بَابِهِ .\rوَهَذَا قَوْلُ عُمَرَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَابْنِ عُمَرَ ، وَعَائِشَةَ ، وَحَفْصَةَ ، وَزَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ .\rوَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ ، وَطَاوُسٌ ، وَعِكْرِمَةُ ، وَالْقَاسِمُ ، وَالْحَسَنُ ، وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَقَتَادَةُ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَرِيكٍ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَالْعَنْبَرِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ .\rوَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ : لَا شَيْءَ فِي الْحَلِفِ بِالْحَجِّ .\rوَعَنْ الشَّعْبِيِّ ، وَالْحَارِثِ الْعُكْلِيِّ ، وَحَمَّادٍ ، وَالْحَكَمِ : لَا شَيْءَ فِي الْحَلِفِ بِصَدَقَةِ مَالِهِ ؛ لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ إنَّمَا تَلْزَمُ بِالْحَلِفِ بِاَللَّهِ تَعَالَى ، لِحُرْمَةِ الِاسْمِ ، وَهَذَا مَا حَلَفَ بِاسْمِ اللَّهِ ، وَلَا يَجِبُ مَا سَمَّاهُ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُخْرِجْهُ مَخْرَجَ الْقُرْبَةِ ، وَإِنَّمَا الْتَزَمَهُ عَلَى طَرِيقِ الْعُقُوبَةِ ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٌ : يَلْزَمُهُ الْوَفَاءُ بِنَذْرِهِ ؛ لِأَنَّهُ نَذْرٌ فَيَلْزَمُهُ الْوَفَاءُ بِهِ ، كَنَذْرِ التَّبَرُّرِ .\rوَرُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ الشَّعْبِيِّ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ ، قَالَ : سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : { لَا نَذْرَ فِي غَضَبٍ ، وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ } .\rرَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ","part":22,"page":107},{"id":10607,"text":"، وَالْجُوزَجَانِيُّ ، فِي \" الْمُتَرْجَمِ \" .\rوَعَنْ عَائِشَةَ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { مَنْ حَلَفَ بِالْمَشْيِ ، أَوْ الْهَدْيِ ، أَوْ جَعْلِ مَالِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، أَوْ فِي الْمَسَاكِينِ ، أَوْ فِي رِتَاجِ الْكَعْبَةِ ، فَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ } .\rوَلِأَنَّهُ قَوْلُ مَنْ سَمَّيْنَا مِنْ الصَّحَابَةِ ، وَلَا مُخَالِفَ لَهُمْ فِي عَصْرِهِمْ ، وَلِأَنَّهُ يَمِينٌ ، فَيَدْخُلُ فِي عُمُومِ قَوْله تَعَالَى : { وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمْ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ } .\rوَدَلِيلُ أَنَّهُ يَمِينٌ ، أَنَّهُ يُسَمَّى بِذَلِكَ ، وَيُسَمَّى قَائِلُهُ حَالِفًا ، وَفَارَقَ نَذْرَ التَّبَرُّرِ ؛ لِكَوْنِهِ قَصَدَ بِهِ التَّقَرُّبَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَالْبِرَّ ، وَلَمْ يُخْرِجْهُ مَخْرَجَ الْيَمِينِ ، وَهَا هُنَا خَرَجَ مَخْرَجَ الْيَمِينِ ، وَلَمْ يَقْصِدْ بِهِ قُرْبَةً وَلَا بِرًّا ، فَأَشْبَهَ الْيَمِينَ مِنْ وَجْهٍ وَالنَّذْرَ مِنْ وَجْهٍ ، فَخُيِّرَ بَيْنَ الْوَفَاءِ بِهِ وَبَيْنَ الْكَفَّارَةِ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ ، رِوَايَةٌ ثَانِيَةٌ ، أَنَّهُ تَتَعَيَّنُ الْكَفَّارَةُ ، وَلَا يُجْزِئُهُ الْوَفَاءُ بِنَذْرِهِ .\rوَهُوَ قَوْلٌ لِبَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ يَمِينٌ .\rوَالْأَوَّلُ أُولَى ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا الْتَزَمَ فِعْلَ مَا نَذَرَهُ ، فَلَا يَلْزَمُهُ أَكْثَرُ مِنْهُ ، كَنَذْرِ التَّبَرُّرِ .\rوَفَارَقَ الْيَمِينَ بِاَللَّهِ تَعَالَى ؛ لِأَنَّهُ أَقْسَمَ بِالِاسْمِ الْمُحْتَرَمِ ، فَاذًّا خَالَفَ لَزِمَتْهُ الْكَفَّارَةُ ، تَعْظِيمًا لِلِاسْمِ ، بِخِلَافِ هَذَا .","part":22,"page":108},{"id":10608,"text":"مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( أَوْ بِالْعَهْدِ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ إذَا حَلَفَ بِالْعَهْدِ ، أَوْ قَالَ : وَعَهْدِ اللَّهِ ، وَكَفَالَتِهِ .\rفَذَلِكَ يَمِينٌ ، يَجِبُ تَكْفِيرُهَا إذَا حَنِثَ فِيهَا .\rوَبِهَذَا قَالَ الْحَسَنُ ، وَطَاوُسٌ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَالْحَارِثُ الْعُكْلِيُّ ، وَقَتَادَةُ ، وَالْحَكَمُ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَمَالِكٌ .\rوَحَلَفَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا بِالْعَهْدِ أَنْ لَا تُكَلِّمَ ابْنَ الزُّبَيْرَ ، فَلَمَّا كَلَّمَتْهُ أَعْتَقَتْ أَرْبَعِينَ رَقَبَةً ، وَكَانَتْ إذَا ذَكَرَتْهُ تَبْكِي ، وَتَقُولُ : وَاعْهَدَاهُ .\rقَالَ أَحْمَدُ : الْعَهْدُ شَدِيدٌ فِي عَشَرَةِ مَوَاضِعَ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ : { وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا } .\rوَيَتَقَرَّبُ إلَى اللَّهِ - تَعَالَى - إذَا حَلَفَ بِالْعَهْدِ وَحَنِثَ ، مَا اسْتَطَاعَ .\rوَعَائِشَةُ أَعْتَقَتْ أَرْبَعِينَ رَقَبَةً ، ثُمَّ تَبْكِي حَتَّى تَبُلَّ خِمَارَهَا ، وَتَقُولُ : وَاعْهَدَاهُ .\rوَقَالَ عَطَاءٌ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ : لَا يَكُونُ يَمِينًا إلَّا أَنْ يَنْوِيَ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يَكُونُ يَمِينًا إلَّا أَنْ يَنْوِيَ الْيَمِينَ بِعَهْدِ اللَّهِ ، الَّذِي هُوَ صِفَتُهُ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَيْسَ بِيَمِينٍ .\rوَلَعَلَّهمْ ذَهَبُوا إلَى أَنَّ الْعَهْدَ مِنْ صِفَاتِ الْفِعْلِ ، فَلَا يَكُونُ الْحَلِفُ بِهِ يَمِينًا ، كَمَا لَوْ قَالَ : وَخَلْقِ اللَّهِ .\rوَقَدْ وَافَقَنَا أَبُو حَنِيفَةَ فِي أَنَّهُ إذَا قَالَ : عَلَيَّ عَهْدُ اللَّهِ وَمِيثَاقُهُ لَأَفْعَلَنَّ .\rثُمَّ حَنِثَ ، أَنَّهُ يَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ .\rوَلَنَا ، أَنَّ عَهْدَ اللَّهِ يَحْتَمِلُ كَلَامَهُ الَّذِي أَمَرَنَا بِهِ وَنَهَانَا ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : { أَلَمْ أَعْهَدْ إلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ } .\rوَكَلَامُهُ قَدِيمٌ صِفَةٌ لَهُ ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ اسْتِحْقَاقُهُ لِمَا تَعَبَّدَنَا بِهِ ، وَقَدْ ثَبَتَ لَهُ عُرْفُ الِاسْتِعْمَالِ ، فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ يَمِينًا بِإِطْلَاقِهِ ، كَمَا لَوْ قَالَ : وَكَلَامِ اللَّهِ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّهُ إنْ قَالَ : عَلَيَّ عَهْدُ اللَّهِ وَمِيثَاقُهُ لَأَفْعَلَنَّ .\rأَوْ قَالَ : وَعَهْدِ اللَّهِ وَمِيثَاقِهِ","part":22,"page":109},{"id":10609,"text":"لَأَفْعَلَنَّ .\rفَهُوَ يَمِينٌ ، وَإِنْ قَالَ : وَالْعَهْدِ وَالْمِيثَاقِ لَأَفْعَلَنَّ .\rوَنَوَى عَهْدَ اللَّهِ ، كَانَ يَمِينًا ؛ لِأَنَّهُ نَوَى الْحَلِفَ بِصِفَةٍ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ - تَعَالَى .\rوَإِنْ أَطْلَقَ ، فَقَالَ الْقَاضِي : فِيهِ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا يَكُونُ يَمِينًا ؛ لِأَنَّ لَامَ التَّعْرِيفِ إنْ كَانَتْ لِلْعَهْدِ ، يَجِبُ أَنْ تَنْصَرِفَ إلَى عَهْدِ اللَّهِ ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي عُهِدَتْ الْيَمِينُ بِهِ ، وَإِنْ كَانَتْ لِلِاسْتِغْرَاقِ ، دَخَلَ فِيهِ ذَلِكَ وَالثَّانِيَةُ ، لَا يَكُونُ يَمِينًا ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ غَيْرَ مَا وَجَبَتْ بِهِ الْكَفَّارَةُ ، وَلَمْ يَصْرِفْهُ إلَى ذَلِكَ بِنِيَّتِهِ ، فَلَا تَجِبُ الْكَفَّارَةُ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهَا .","part":22,"page":110},{"id":10610,"text":"( 7966 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( أَوْ بِالْخُرُوجِ مِنْ الْإِسْلَامِ ) اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ ، فِي الْحَلِفِ بِالْخُرُوجِ مِنْ الْإِسْلَامِ ، مِثْلَ أَنْ يَقُولَ : هُوَ يَهُودِيٌّ ، أَوْ نَصْرَانِيٌّ ، أَوْ مَجُوسِيٌّ ، إنْ فَعَلَ كَذَا أَوْ : هُوَ بَرِيءٌ مِنْ الْإِسْلَامِ ، أَوْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ مِنْ الْقُرْآنِ ، إنْ فَعَلَ .\rأَوْ يَقُولَ : هُوَ يَعْبُدُ الصَّلِيبَ ، أَوْ يَعْبُدُك ، أَوْ يَعْبُدُ غَيْرَ اللَّهِ - تَعَالَى ، إنْ فَعَلَ .\rأَوْ نَحْوَ هَذَا ، فَعَنْ أَحْمَدَ : عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ إذَا حَنِثَ .\rيُرْوَى هَذَا عَنْ عَطَاءٍ ، وَطَاوُسٍ ، وَالْحَسَنِ ، وَالشَّعْبِيِّ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَإِسْحَاقَ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ .\rوَيُرْوَى ذَلِكَ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .\rوَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ : لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ .\rوَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَاللَّيْثِ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَحْلِفْ بِاسْمِ اللَّهِ ، وَلَا صِفَتِهِ ، فَلَمْ تَلْزَمْهُ كَفَّارَةٌ ، كَمَا لَوْ قَالَ : عَصَيْت اللَّهَ فِيمَا أَمَرَنِي .\rوَيُحْتَمَلُ أَنْ يُحْمَلَ كَلَامُ أَحْمَدَ فِي الرِّوَايَةِ الْأُولَى عَلَى النَّدْبِ ، دُونَ الْإِيجَابِ ؛ لِأَنَّهُ قَالَ ، فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ : إذَا قَالَ : أَكْفُرُ بِاَللَّهِ ، أَوْ أُشْرِكُ بِاَللَّهِ .\rفَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يُكَفِّرَ كَفَّارَةَ يَمِينٍ إذَا حَنِثَ .\rوَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى ، مَا رُوِيَ عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الرَّجُلِ يَقُولُ : هُوَ يَهُودِيٌّ ، أَوْ نَصْرَانِيٌّ ، أَوْ مَجُوسِيٌّ ، أَوْ بَرِيءٌ مِنْ الْإِسْلَامِ .\rفِي الْيَمِينِ يَحْلِفُ بِهَا ، فَيَحْنَثُ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ ، فَقَالَ : { عَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ } .\rأَخْرَجَهُ أَبُو بَكْرٍ .\rوَلِأَنَّ الْبَرَاءَةَ مِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ تُوجِبُ الْكُفْرَ بِاَللَّهِ ، فَكَانَ الْحَلِفُ يَمِينًا ، كَالْحَلِفِ بِاَللَّهِ - تَعَالَى .\rوَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ أَصَحُّ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ -","part":22,"page":111},{"id":10611,"text":"تَعَالَى ، فَإِنَّ الْوُجُوبَ مِنْ الشَّارِعِ ، وَلَمْ يَرِدْ فِي هَذِهِ الْيَمِينِ نَصٌّ ، وَلَا هِيَ فِي قِيَاسِ الْمَنْصُوصِ ، فَإِنَّ الْكَفَّارَةَ إنَّمَا وَجَبَتْ فِي الْحَلِفِ بِاسْمِ اللَّهِ تَعْظِيمًا لِاسْمِهِ ، وَإِظْهَارًا لِشَرَفِهِ وَعَظَمَتِهِ ، وَلَا تَتَحَقَّقُ التَّسْوِيَةُ .","part":22,"page":112},{"id":10612,"text":"( 7967 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَالَ : هُوَ يَسْتَحِلُّ الْخَمْرَ وَالزِّنَى إنْ فَعَلَ .\rثُمَّ حَنِثَ ، أَوْ قَالَ : هُوَ يَسْتَحِلُّ تَرْكَ الصَّلَاةِ أَوْ الصِّيَامِ أَوْ الزَّكَاةِ .\rفَهُوَ كَالْحَلِفِ بِالْبَرَاءَةِ مِنْ الْإِسْلَامِ ؛ لِأَنَّ اسْتِحْلَالَ ذَلِكَ يُوجِبُ الْكُفْرَ .\rوَإِنْ قَالَ : عَصَيْت اللَّهَ فِيمَا أَمَرَنِي ، أَوْ فِي كُلِّ مَا افْتَرَضَ عَلَيَّ ، أَوْ مَحَوْت الْمُصْحَفَ ، أَوْ أَنَا أَسْرِقُ ، أَوْ أَقْتُلُ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إنْ فَعَلْت .\rوَحَنِثَ ، لَمْ تَلْزَمْهُ كَفَّارَةٌ ؛ لِأَنَّ هَذَا دُونَ الشِّرْكِ ، وَإِنْ قَالَ : أَخْزَاهُ اللَّهُ ، أَوْ أَقْطَعَ يَدَهُ ، أَوْ لَعَنَهُ اللَّهُ ، إنْ فَعَلَ .\rثُمَّ حَنِثَ ، فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .\rوَبِهَذَا قَالَ عَطَاءٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَقَالَ طَاوُسٌ ، وَاللَّيْثُ : عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ .\rوَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ إذَا قَالَ : عَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ هَذَا لَا يُوجِبُ الْكُفْرَ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَالَ : مَحَوْت الْمُصْحَفَ .\rوَإِنْ قَالَ : لَا يَرَانِي اللَّهُ فِي مَوْضِعِ كَذَا إنْ فَعَلْت .\rوَحَنِثَ .\rفَقَالَ الْقَاضِي : عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ .\rوَذَكَرَ أَنَّ أَحْمَدَ نَصَّ عَلَيْهِ .\rوَالصَّحِيحُ أَنَّ هَذَا لَا كَفَّارَةَ فِيهِ ؛ لِأَنَّ إيجَابَهَا فِي هَذَا وَمِثْلِهِ تَحَكُّمٌ بِغَيْرِ نَصٍّ ، وَلَا قِيَاسٍ صَحِيحٍ .","part":22,"page":113},{"id":10613,"text":"( 7968 ) فَصْلٌ : وَلَا يَجُوزُ الْحَلِفُ بِالْبَرَاءَةِ مِنْ الْإِسْلَامِ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { مَنْ قَالَ : إنِّي بَرِيءٌ مِنْ الْإِسْلَامِ .\rفَإِنْ كَانَ كَاذِبًا ، فَهُوَ كَمَا قَالَ ، وَإِنْ كَانَ صَادِقًا ، لَمْ يَعُدْ إلَى الْإِسْلَامِ سَالِمًا } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .","part":22,"page":114},{"id":10614,"text":"( 7969 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( أَوْ بِتَحْرِيمِ مَمْلُوكِهِ ، أَوْ شَيْءٍ مِنْ مَالِهِ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ إذَا قَالَ : هَذَا حَرَامٌ عَلَيَّ إنْ فَعَلْت .\rوَفَعَلَ ، أَوْ قَالَ : مَا أَحَلَّ اللَّهُ عَلَيَّ حَرَامٌ إنْ فَعَلْت .\rثُمَّ فَعَلَ ، فَهُوَ مُخَيَّرٌ ، إنْ شَاءَ تَرَكَ مَا حَرَّمَهُ عَلَى نَفْسِهِ ، وَإِنْ شَاءَ كَفَّرَ .\rوَإِنْ قَالَ : هَذَا الطَّعَامُ حَرَامٌ عَلَيَّ .\rفَهُوَ كَالْحَلِفِ عَلَى تَرْكِهِ .\rوَيُرْوَى نَحْوُ هَذَا عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَالْحَسَنِ ، وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ ، وَقَتَادَةَ ، وَإِسْحَاقَ ، ، وَأَهْلِ الْعِرَاقِ .\rوَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، فِيمَنْ قَالَ : الْحِلُّ عَلَيَّ حَرَامٌ : يَمِينٌ مِنْ الْأَيْمَانِ ، يُكَفِّرُهَا .\rوَقَالَ الْحَسَنُ : هِيَ يَمِينٌ ، إلَّا أَنْ يَنْوِيَ طَلَاقَ امْرَأَتِهِ .\rوَعَنْ إبْرَاهِيمَ مِثْلُهُ .\rوَعَنْهُ : إنْ نَوَى طَلَاقًا ، وَإِلَّا فَلَيْسَ بِشَيْءٍ .\rوَعَنْ الضَّحَّاكِ ، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَابْنَ مَسْعُودٍ قَالُوا : الْحَرَامُ يَمِينُ طَلَاقٍ .\rوَقَالَ طَاوُسٌ : هُوَ مَا نَوَى .\rوَقَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ : لَيْسَ بِيَمِينٍ ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ قَصَدَ تَغْيِيرَ الْمَشْرُوعِ ، فَلَغَا مَا قَصَدَهُ ، كَمَا لَوْ قَالَ هَذِهِ رَبِيبَتِي .\rوَلَنَا ، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَك } إلَى قَوْلِهِ { قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ } .\rسَمَّى تَحْرِيمَ مَا أَحَلَّ اللَّهُ يَمِينًا ، وَفَرَضَ لَهُ تَحِلَّةً ، وَهِيَ الْكَفَّارَةُ .\rوَقَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمْكُثُ عِنْدَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ ، وَيَشْرَبُ عِنْدَهَا عَسَلًا ، فَتَوَاصَيْت أَنَا وَحَفْصَةُ ، أَنَّ أَيَّتُنَا دَخَلَ عَلَيْهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلْتَقُلْ : إنِّي أَجِدُ مِنْكَ رِيحَ مَغَافِيرَ .\rفَدَخَلَ عَلَى إحْدَانَا ، فَقَالَتْ لَهُ ذَلِكَ ، فَقَالَ : { لَا ، بَلْ شَرِبْت عَسَلًا عِنْدَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ ، وَلَنْ أَعُودَ لَهُ } .\rفَنَزَلَ : { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ","part":22,"page":115},{"id":10615,"text":"تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ، فَإِنْ قِيلَ : إنَّمَا نَزَلَتْ الْآيَةُ فِي تَحْرِيمِ مَارِيَةَ الْقِبْطِيَّةِ ، كَذَلِكَ قَالَ الْحَسَنُ ، وَقَتَادَةُ .\rقُلْنَا : مَا ذَكَرْنَاهُ أَصَحُّ ؛ فَإِنَّهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ، وَقَوْلُ عَائِشَةَ صَاحِبَةِ الْقِصَّةِ الْحَاضِرَةِ لِلتَّنْزِيلِ ، الْمُشَاهِدَةِ لِلْحَالِ ، أَوْلَى ، وَالْحَسَنُ وَقَتَادَةُ لَوْ سَمِعَا قَوْلَ عَائِشَةَ ، لَمْ يَعْدِلَا بِهِ شَيْئًا ، وَلَمْ يَصِيرَا إلَى غَيْرِهِ ، فَكَيْفَ يُصَارُ إلَى قَوْلِهِمَا ، وَيُتْرَكُ قَوْلُهَا ؟ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَابْنِ عُمَرَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ جَعَلَ تَحْرِيمَ الْحَلَالِ يَمِينًا .\rوَلَوْ ثَبَتَ أَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي تَحْرِيمِ مَارِيَةَ ، كَانَ حُجَّةً لَنَا ؛ لِأَنَّهَا مِنْ الْحَلَالِ الَّذِي حُرِّمَ ، وَلَيْسَتْ زَوْجَةً ، فَوُجُوبُ الْكَفَّارَةِ بِتَحْرِيمِهَا يَقْتَضِي وُجُوبَهُ فِي كُلِّ حَلَالٍ حُرِّمَ ، بِالْقِيَاسِ عَلَيْهَا ؛ لِأَنَّهُ حَرَّمَ الْحَلَالَ فَأَوْجَبَ الْكَفَّارَةَ ، كَتَحْرِيمِ الْأَمَةِ وَالزَّوْجَةِ ، وَمَا ذَكَرُوهُ يَبْطُلُ بِتَحْرِيمِهَا .\rوَإِذَا قَالَ : هَذِهِ رَبِيبَتِي .\rيَقْصِدُ تَحْرِيمَهَا ، فَهُوَ ظِهَارٌ .","part":22,"page":116},{"id":10616,"text":"( 7970 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( أَوْ يَقُولُ : أُقْسِمُ بِاَللَّهِ ، أَوْ أَشْهَدُ بِاَللَّهِ ، أَوْ أَعْزِمُ بِاَللَّهِ ) هَذَا قَوْلُ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ ، لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا ، وَسَوَاءٌ نَوَى الْيَمِينَ ، أَوْ أَطْلَقَ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ : بِاَللَّهِ .\rوَلَمْ يَقُلْ : أُقْسِمُ ، وَلَا أَشْهَدُ ، وَلَمْ يَذْكُرْ الْفِعْلَ ، كَانَ يَمِينًا ، وَإِنَّمَا كَانَ يَمِينًا بِتَقْدِيرِ الْفِعْلِ قَبْلَهُ ؛ لِأَنَّ الْبَاءَ تَتَعَلَّقُ بِفِعْلِ مُقَدَّرٍ ، عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ ، فَإِذَا أَظْهَرَ الْفِعْلَ ، وَنَطَقَ بِالْمُقَدَّرِ ، كَانَ أَوْلَى بِثُبُوتِ حُكْمِهِ ، وَقَدْ ثَبَتَ لَهُ عُرْفُ الِاسْتِعْمَالِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { فَيُقْسِمَانِ بِاَللَّهِ } .\rوَقَالَ تَعَالَى : { وَأَقْسَمُوا بِاَللَّهِ } .\rوَقَالَ : { فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاَللَّهِ إنَّهُ لَمِنْ الصَّادِقِينَ } وَيَقُولُ الْمُلَاعِنُ فِي لِعَانِهِ : أَشْهَدُ بِاَللَّهِ إنِّي لَمِنْ الصَّادِقِينَ .\rوَتَقُولُ الْمَرْأَةُ : أَشْهَدُ بِاَللَّهِ إنَّهُ لَمِنْ الْكَاذِبِينَ .\rوَأَنْشَدَ أَعْرَابِيٌّ عُمَرَ أُقْسِمُ بِاَللَّهِ لَتَفْعَلَنَّهُ وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ إنْ ذَكَرَ الْفِعْلَ بِلَفْظِ الْمَاضِي ، فَقَالَ : أَقْسَمْت بِاَللَّهِ ، أَوْ شَهِدْت بِاَللَّهِ .\rقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ : أَقْسَمْت بِاَللَّهِ لَتَنْزِلَنَّهُ وَإِنْ أَرَادَ بِقَوْلِهِ : أَقْسَمْت بِاَللَّهِ .\rالْخَبَرَ عَنْ قَسَمٍ مَاضٍ ، أَوْ بِقَوْلِهِ : أُقْسِمُ بِاَللَّهِ .\rعَنْ قَسَمٍ يَأْتِي بِهِ ، فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ .\rوَإِنَّ ادَّعَى إرَادَةَ ذَلِكَ ، قُبِلَ مِنْهُ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : لَا يُقْبَلُ فِي الْحُكْمِ .\rوَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ هَذَا حُكْمٌ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ - تَعَالَى ، فَإِذَا عَلِمَ مِنْ نَفْسِهِ أَنَّهُ نَوَى شَيْئًا أَوْ أَرَادَهُ ، مَعَ احْتِمَالِ اللَّفْظِ إيَّاهُ ، لَمْ تَلْزَمْهُ كَفَّارَةٌ .\rوَإِنْ قَالَ : شَهِدْت بِاَللَّهِ أَنِّي آمَنْت بِاَللَّهِ .\rفَلَيْسَ بِيَمِينٍ .\rوَإِنْ قَالَ : أَعْزِمُ بِاَللَّهِ .\rيَقْصِدُ الْيَمِينَ ، فَهُوَ يَمِينٌ .\rوَإِنْ أَطْلَقَ ،","part":22,"page":117},{"id":10617,"text":"فَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ أَنَّهُ يَمِينٌ .\rوَهُوَ قَوْلُ ابْنِ حَامِدٍ .\rوَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : لَيْسَ بِيَمِينٍ .\rوَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ لَهُ عُرْفُ الشَّرْعِ ، وَلَا الِاسْتِعْمَالِ ، وَظَاهِرُهُ غَيْرُ الْيَمِينِ ؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُ أَقْصِدُ بِاَللَّهِ لَأَفْعَلَنَّ .\rوَوَجْهُ الْأَوَّلِ ، أَنَّهُ يَحْتَمِلُ الْيَمِينَ ، وَقَدْ اقْتَرَنَ بِهِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ ، وَهُوَ جَوَابُهُ بِجَوَابِ الْقَسَمِ ، فَيَكُونُ يَمِينًا .\rفَأَمَّا إنْ نَوَى بِقَوْلِهِ غَيْرَ الْيَمِينَ ، لَمْ يَكُنْ يَمِينًا .","part":22,"page":118},{"id":10618,"text":"( 7971 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَالَ : أَحْلِفُ بِاَللَّهِ ، أَوْ أُولِي بِاَللَّهِ ، أَوْ حَلَفْت بِاَللَّهِ ، أَوْ آلَيْت بِاَللَّهِ ، أَوْ أَلْيَةً بِاَللَّهِ ، أَوْ حَلِفًا بِاَللَّهِ ، أَوْ قَسَمًا بِاَللَّهِ .\rفَهُوَ يَمِينٌ ، سَوَاءٌ نَوَى بِهِ الْيَمِينَ أَوْ أَطْلَقَ ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ فِي : أُقْسِمُ بِاَللَّهِ .\rوَحُكْمُهُ حُكْمُهُ فِي تَفْصِيلِهِ ؛ لِأَنَّ الْإِيلَاءَ وَالْحَلِفَ وَالْقَسَمَ وَاحِدٌ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ } .\rوَقَالَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ : أَحْلِفُ بِاَللَّهِ ، لَقَدْ جَاءَكُمْ أُسَيْدَ بِغَيْرِ الْوَجْهِ الَّذِي ذَهَبَ بِهِ .\rوَقَالَ الشَّاعِرُ : أُولِي بِرَبِّ الرَّاقِصَاتِ إلَى مِنًى وَمَطَارِحِ الْأَكْوَارِ حَيْثُ تَبِيتُ وَقَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ : أَلِيَّةً بِالْيَعْمُلَاتِ تَرْتَمِي بِهَا النَّجَاءُ بَيْنَ أَجْوَازِ الْفَلَا وَقَالَ : بَلْ قَسَمًا بِالشُّمِّ مِنْ يَعْرُبَ هَلْ لِمُقْسِمٍ مِنْ بَعْدِ هَذَا مُنْتَهَى","part":22,"page":119},{"id":10619,"text":"( 7972 ) فَصْلٌ : فَإِنْ قَالَ : أَقْسَمْت ، أَوْ آلَيْت ، أَوْ حَلَفْت ، أَوْ شَهِدْت لَأَفْعَلَنَّ .\rوَلَمْ يَذْكُرْ بِاَللَّهِ ، فَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، أَنَّهَا يَمِينٌ ، سَوَاءٌ نَوَى الْيَمِينَ أَوْ أَطْلَقَ .\rوَرُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَالنَّخَعِيِّ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابِهِ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ ، إنْ نَوَى الْيَمِينَ بِاَللَّهِ كَانَ يَمِينًا ، وَإِلَّا فَلَا .\rوَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَإِسْحَاقَ ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ الْقَسَمَ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَبِغَيْرِهِ ، فَلَمْ تَكُنْ يَمِينًا حَتَّى يَصْرِفَهُ بِنِيَّتِهِ إلَى مَا تَجِبُ بِهِ الْكَفَّارَةُ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَيْسَ بِيَمِينٍ وَإِنْ نَوَى .\rوَرُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ عَطَاءٍ ، وَالْحَسَنِ ، وَالزُّهْرِيِّ ، وَقَتَادَةَ ، وَأَبِي عُبَيْدٍ ؛ لِأَنَّهَا عَرِيَتْ عَنْ اسْمِ اللَّهِ وَصِفَتِهِ ، فَلَمْ تَكُنْ يَمِينًا ، كَمَا لَوْ قَالَ : أَقْسَمْت بِالْبَيْتِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ لَهَا عُرْفُ الشَّرْعِ وَالِاسْتِعْمَالِ ، فَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ قَالَ : أَقْسَمْت عَلَيْك يَا رَسُولَ اللَّهِ ، لَتُخْبِرَنِّي بِمَا أَصَبْت مِمَّا أَخْطَأْت .\rفَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا تُقْسِمْ يَا أَبَا بَكْرٍ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَقَالَ الْعَبَّاسُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَقْسَمْت عَلَيْك يَا رَسُولَ اللَّهِ ، لَتُبَايِعَنَّهُ .\rفَبَايَعَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ : { أَبْرَرْت قَسَمَ عَمِّي ، وَلَا هِجْرَةَ } .\rوَفِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى : { إذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ } إلَى قَوْلِهِ { اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً } .\rفَسَمَّاهَا يَمِينًا ، وَسَمَّاهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَسَمًا .\rوَقَالَتْ عَاتِكَةُ بِنْتُ عَبْدِ الْمُطَّلَبِ ، عَمَّةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : حَلَفْت لَئِنْ عَادُوا لَنَصْطَلِمَنّهُم لَجَاءُوا تَرَدَّى حُجْرَتَيْهَا الْمَقَانِبُ وَقَالَتْ عَاتِكَةُ بِنْتُ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ","part":22,"page":120},{"id":10620,"text":": فَآلَيْت لَا تَنْفَكُّ عَيْنِي حَزِينَةً عَلَيْك وَلَا يَنْفَكُّ جِلْدِي أَغْبَرَا وَقَوْلُهُمْ : يَحْتَمِلُ الْقَسَمَ بِغَيْرِ اللَّهِ .\rقُلْنَا : إنَّمَا يُحْمَلُ عَلَى الْقَسَمِ الْمَشْرُوعِ ، وَلِهَذَا لَمْ يَكُنْ هَذَا مَكْرُوهًا ، وَلَوْ حُمِلَ عَلَى الْقَسَمِ بِغَيْرِ اللَّهِ ، كَانَ مَكْرُوهًا ، وَلَوْ كَانَ مَكْرُوهًا لَمْ يَفْعَلْهُ أَبُو بَكْرٍ بَيْنَ يَدَيْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا أَبَرَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَسَمَ الْعَبَّاسِ حِينَ أَقْسَمَ عَلَيْهِ .","part":22,"page":121},{"id":10621,"text":"( 7973 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَالَ : أَعْزِمُ ، أَوْ عَزَمْت .\rلَمْ يَكُنْ قَسَمًا ، نَوَى بِهِ الْقَسَمَ أَوْ لَمْ يَنْوِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ لِهَذَا اللَّفْظِ عُرْفٌ فِي شَرْعٍ وَلَا اسْتِعْمَالٍ ، وَلَا هُوَ مَوْضِعٌ لِلْقَسَمِ ، وَلَا فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَيْهِ ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ : أَسْتَعِينُ بِاَللَّهِ ، أَوْ أَعْتَصِمُ بِاَللَّهِ ، أَوْ أَتَوَكَّلُ عَلَى اللَّهِ ، أَوْ عَلِمَ اللَّهُ ، أَوْ عَزَّ اللَّهُ ، أَوْ تَبَارَكَ اللَّهُ .\rوَنَحْوُ هَذَا ، لَمْ يَكُنْ يَمِينًا ، نَوَى أَوْ لَمْ يَنْوِ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَوْضُوعٍ لِلْقَسَمِ لُغَةً ، وَلَا ثَبَتَ لَهُ عُرْفٌ فِي شَرْعٍ وَلَا اسْتِعْمَالٍ ، فَلَمْ يَجِبْ بِهِ شَيْءٌ ، كَمَا لَوْ قَالَ : سُبْحَانَ اللَّهِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ ، وَلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ، وَاَللَّهُ أَكْبَرُ .","part":22,"page":122},{"id":10622,"text":"( 7974 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( أَوْ بِأَمَانَةِ اللَّهِ ) قَالَ الْقَاضِي : لَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ فِي أَنَّ الْحَلِفَ بِأَمَانَةِ اللَّهِ يَمِينٌ مُكَفَّرَةٌ .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا تَنْعَقِدُ الْيَمِينُ بِهَا ، إلَّا أَنْ يَنْوِيَ الْحَلِفَ بِصِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى ؛ لِأَنَّ الْأَمَانَةَ تُطْلَقُ عَلَى الْفَرَائِضِ وَالْوَدَائِعِ وَالْحُقُوقِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { إنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ } .\rوَقَالَ تَعَالَى : { إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إلَى أَهْلِهَا } .\rيَعْنِي الْوَدَائِعَ وَالْحُقُوقَ .\rوَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { أَدِّ الْأَمَانَةَ إلَى مَنْ ائْتَمَنَكَ ، وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ } .\rوَإِذَا كَانَ اللَّفْظُ مُحْتَمِلًا ، لَمْ يُصْرَفْ إلَى أَحَدِ مُحْتَمَلَاتِهِ إلَّا بِنِيَّتِهِ أَوْ دَلِيلٍ صَارِفٍ إلَيْهِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ أَمَانَةَ اللَّهِ صِفَةٌ لَهُ ، بِدَلِيلِ وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ عَلَى مَنْ حَلَفَ بِهَا إذَا نَوَى ، وَيَجِبُ حَمْلُهَا عَلَى ذَلِكَ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ ، لِوُجُوهٍ ؛ أَحَدُهَا ، أَنَّ حَمْلَهَا عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ صَرْفٌ لِيَمِينِ الْمُسْلِمِ إلَى الْمَعْصِيَةِ ، أَوْ الْمَكْرُوهِ ؛ لِكَوْنِهِ قَسَمًا بِمَخْلُوقٍ ، وَالظَّاهِرُ مِنْ حَالِ الْمُسْلِمِ خِلَافُهُ .\rوَالثَّانِي ، أَنَّ الْقَسَمَ فِي الْعَادَةِ يَكُونُ بِالْمُعَظَّمِ الْمُحْتَرَمِ دُونَ غَيْرِهِ ، وَصِفَةُ اللَّهِ تَعَالَى أَعْظَمُ حُرْمَةً وَقَدْرًا .\rوَالثَّالِثُ ، أَنَّ مَا ذَكَرُوهُ مِنْ الْفَرَائِضِ وَالْوَدَائِعِ لَمْ يُعْهَدْ الْقَسَمُ بِهَا ، وَلَا يُسْتَحْسَنُ ذَلِكَ لَوْ صُرِّحَ بِهِ ، فَكَذَلِكَ لَا يُقْسَمُ بِمَا هُوَ عِبَارَةٌ عَنْهُ .\rالرَّابِعُ ، أَنَّ أَمَانَةَ اللَّهِ الْمُضَافَةَ إلَيْهِ ، هِيَ صِفَتُهُ ، وَغَيْرُهَا يُذْكَرُ غَيْرَ مُضَافٍ إلَيْهِ ، كَمَا ذُكِرَ فِي الْآيَاتِ وَالْخَبَرِ .\rالْخَامِسُ ، أَنَّ اللَّفْظَ عَامٌ فِي كُلِّ أَمَانَةِ اللَّهِ ؛ لِأَنَّ اسْمَ الْجِنْسِ إذَا أُضِيفَ إلَى مَعْرِفَةٍ ، أَفَادَ","part":22,"page":123},{"id":10623,"text":"الِاسْتِغْرَاقَ ، فَيَدْخُلُ فِيهِ أَمَانَةُ اللَّهِ الَّتِي هِيَ صِفَتُهُ ، فَتَنْعَقِدُ الْيَمِينُ بِهَا مُوجِبَةً لِلْكَفَّارَةِ ، كَمَا لَوْ نَوَاهَا .","part":22,"page":124},{"id":10624,"text":"( 7975 ) فَصْلٌ : فَإِنْ قَالَ : وَالْأَمَانَةِ لَا فَعَلْت .\rوَنَوَى الْحَلِفَ بِأَمَانَةِ اللَّهِ ، فَهُوَ يَمِينٌ مُكَفَّرَةٌ مُوجِبَةٌ لِلْكَفَّارَةِ .\rوَإِنْ أَطْلَقَ ، فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ ؛ إحْدَاهُمَا ؛ يَكُونُ يَمِينًا ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْوُجُوهِ .\rوَالثَّانِيَةُ ، لَا يَكُونُ يَمِينًا ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُضِفْهَا إلَى اللَّهِ - تَعَالَى ، فَيَحْتَمِلُ غَيْرَ ذَلِكَ .\rقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ : وَالْعَهْدِ ، وَالْمِيثَاقِ ، وَالْجَبَرُوتِ ، وَالْعَظَمَةِ ، وَالْأَمَانَاتِ .\rفَإِنْ نَوَى يَمِينًا كَانَ يَمِينًا ، وَإِلَّا فَلَا .\rوَقَدْ ذَكَرْنَا فِي الْأَمَانَةِ رِوَايَتَيْنِ ، فَيَخْرُجُ فِي سَائِرِ مَا ذَكَرُوهُ وَجْهَانِ ، قِيَاسًا عَلَيْهَا .","part":22,"page":125},{"id":10625,"text":"( 7976 ) فَصْلٌ : وَيُكْرَهُ الْحَلِفُ بِالْأَمَانَةِ ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { مَنْ حَلَفَ بِالْأَمَانَةِ ، فَلَيْسَ مِنَّا } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَرُوِيَ عَنْ زِيَادِ بْنِ حُدَيْرٍ : أَنَّ رَجُلًا حَلَفَ عِنْدَهُ بِالْأَمَانَةِ ، فَجَعَلَ يَبْكِي بُكَاءً شَدِيدًا ، فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ : هَلْ كَانَ هَذَا يُكْرَهُ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، كَانَ عُمَرُ يَنْهَى عَنْ الْحَلِفِ بِالْأَمَانَةِ أَشَدَّ النَّهْيِ .","part":22,"page":126},{"id":10626,"text":"( 7977 ) فَصْلٌ : وَلَا تَنْعَقِدُ الْيَمِينُ بِالْحَلِفِ بِمَخْلُوقٍ ؛ كَالْكَعْبَةِ ، وَالْأَنْبِيَاءِ ، وَسَائِرِ الْمَخْلُوقَاتِ ، وَلَا تَجِبُ الْكَفَّارَةُ بِالْحِنْثِ فِيهَا .\rهَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ .\rوَقَالَ أَصْحَابُنَا : الْحَلِفُ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمِينٌ مُوجِبَةٌ لِلْكَفَّارَةِ .\rوَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ : إذَا حَلَفَ بِحَقِّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَحَنِثَ ، فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ .\rقَالَ أَصْحَابُنَا : لِأَنَّهُ أَحَدُ شَرْطَيْ الشَّهَادَةِ ، فَالْحَلِفُ بِهِ مُوجِبٌ لِلْكَفَّارَةِ ، كَالْحَلِفِ بِاسْمِ اللَّهِ - تَعَالَى .\rوَوَجْهُ الْأَوَّلِ ، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ كَانَ حَالِفًا ، فَلْيَحْلِفْ بِاَللَّهِ ، أَوْ لِيَصْمُتْ } .\rوَلِأَنَّهُ حَلِفٌ بِغَيْرِ اللَّهِ ، فَلَمْ يُوجِبُ الْكَفَّارَةَ ، كَسَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ ، وَلِأَنَّهُ مَخْلُوقٌ ، فَلَمْ تَجِبْ الْكَفَّارَةُ بِالْحَلِفِ بِهِ ، كَإِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَلِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَنْصُوصٍ عَلَيْهِ ، وَلَا فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ ، وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُ اسْمِ غَيْرِ اللَّهِ عَلَى اسْمِهِ ؛ لِعَدَمِ الشَّبَهِ ، وَانْتِفَاءِ الْمُمَاثَلَةِ .\rوَكَلَامُ أَحْمَدَ فِي هَذَا يُحْمَلُ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ دُونَ الْإِيجَابِ .","part":22,"page":127},{"id":10627,"text":"( 7978 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَلَوْ حَلَفَ بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ كُلِّهَا عَلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ ، فَحَنِثَ ، فَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ إذَا حَلَفَ بِجَمِيعِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ الَّتِي ذَكَرَهَا الْخِرَقِيِّ ، وَمَا يَقُومُ مَقَامَهَا ، أَوْ كَرَّرَ الْيَمِينَ عَلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ ، مِثْلَ إنْ قَالَ : وَاَللَّهِ لَأَغْزُوَنَّ قُرَيْشًا ، وَاَللَّهِ لَأَغْزُوَنَّ قُرَيْشًا ، وَاَللَّهِ لَأَغْزُوَنَّ قُرَيْشًا .\rفَحَنِثَ ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ .\rرُوِيَ نَحْوُ هَذَا عَنْ ابْنِ عُمَرَ .\rوَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ ، وَعُرْوَةُ ، وَإِسْحَاقُ .\rوَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ عَطَاءٍ ، وَعِكْرِمَةَ ، وَالنَّخَعِيِّ ، وَحَمَّادٍ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ .\rوَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ ، فِيمَنْ قَالَ : عَلَيَّ عَهْدُ اللَّهِ وَمِيثَاقُهُ وَكَفَالَتُهُ .\rثُمَّ حَنِثَ : فَعَلَيْهِ ثَلَاثُ كَفَّارَاتٍ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ : عَلَيْهِ بِكُلِّ يَمِينٍ كَفَّارَةٌ ، إلَّا أَنْ يُرِيدَ التَّأْكِيدَ وَالتَّفْهِيمَ .\rوَنَحْوُهُ عَنْ الثَّوْرِيِّ ، وَأَبِي ثَوْرٍ .\rوَعَنْ الشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ ، كَالْمَذْهَبَيْنِ .\rوَعَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، إنْ كَانَ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ كَقَوْلِنَا ، وَإِنْ كَانَ فِي مَجَالِسَ كَقَوْلِهِمْ .\rوَاحْتَجُّوا بِأَنَّ أَسْبَابَ الْكَفَّارَاتِ تَكَرَّرَتْ ، فَتُكَرَّرُ الْكَفَّارَاتُ ، كَالْقَتْلِ لِآدَمِيٍّ ، وَصَيْدِ حَرَمِيٍّ .\rوَلِأَنَّ الْيَمِينَ الثَّانِيَةَ مِثْلُ الْأُولَى ، فَتَقْتَضِي مَا تَقْتَضِيهِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ حِنْثٌ وَاحِدٌ أَوْجَبَ جِنْسًا وَاحِدًا مِنْ الْكَفَّارَاتِ ، فَلَمْ يَجِبْ بِهِ أَكْثَرُ مِنْ كَفَّارَةٍ ، كَمَا لَوْ قَصْدَ التَّأْكِيدَ وَالتَّفْهِيمَ .\rوَقَوْلُهُمْ : إنَّهَا أَسْبَابٌ تَكَرَّرَتْ .\rلَا نُسَلِّمُهُ ؛ فَإِنَّ السَّبَبَ الْحِنْثُ ، وَهُوَ وَاحِدٌ ، وَإِنْ سَلَّمْنَا ، فَيَنْتَقِضُ بِمَا إذَا تَكَرَّرَ الْوَطْءُ فِي رَمَضَانَ فِي أَيَّامٍ ، وَبِالْحُدُودِ إذَا تَكَرَّرَتْ أَسْبَابُهَا ، فَإِنَّهَا كَفَّارَاتٌ ، وَبِمَا إذَا قَصْدَ التَّأْكِيدَ ، وَلَا يَصِحُّ الْقِيَاسُ عَلَى الصَّيْدِ الْحَرَمِيِّ ؛ لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ بَدَلٌ ، وَلِذَلِكَ تَزْدَادُ بِكِبَرِ","part":22,"page":128},{"id":10628,"text":"الصَّيْدِ ، وَتَتَقَدَّرُ بِقَدْرِهِ ، فَهِيَ كَدِيَةِ الْقَتِيلِ ، وَلَا عَلَى كَفَّارَةِ قَتْلِ الْآدَمِيِّ ؛ لِأَنَّهَا أُجْرِيَتْ مَجْرَى الْبَدَلِ أَيْضًا لِحَقِّ اللَّهِ - تَعَالَى ، لِأَنَّهُ لَمَّا أَتْلَفَ آدَمِيًّا عَابِدًا لِلَّهِ تَعَالَى ، نَاسَبَ أَنْ يُوجِدَ عَبْدًا يَقُومُ مَقَامَهُ فِي الْعِبَادَةِ ، فَلَمَّا عَجَزَ عَنْ الْإِيجَادِ ، لَزِمَهُ إعْتَاقُ رَقَبَةٍ ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ إيجَادٌ لِلْعَبْدِ بِتَخْلِيصِهِ مِنْ رِقِّ الْعُبُودِيَّةِ وَشُغْلِهَا ، إلَى فَرَاغِ الْبَالِ لِلْعِبَادَةِ بِالْحُرِّيَّةِ الَّتِي حَصَلَتْ بِالْإِعْتَاقِ .\rثُمَّ الْفَرْقُ ظَاهِرٌ ، وَهُوَ أَنَّ السَّبَبَ هَاهُنَا تَكَرَّرَ بِكَمَالِهِ وَشُرُوطِهِ ، وَفِي مَحَلِّ النِّزَاعِ لَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الْحِنْثَ إمَّا أَنْ يَكُونَ هُوَ السَّبَبَ ، أَوْ جُزْءًا مِنْهُ ، أَوْ شَرْطًا لَهُ ، بِدَلِيلِ تَوَقُّفِ الْحُكْمِ عَلَى وُجُودِهِ ، وَأَيًّا مَا كَانَ ، فَلَمْ يَتَكَرَّرْ ، فَلَمْ يَجُزْ الْإِلْحَاقُ ثَمَّ ، وَإِنْ صَحَّ الْقِيَاسُ ، فَقِيَاسُ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ عَلَى مِثْلِهَا ، أَوْلَى مِنْ قِيَاسِهَا عَلَى الْقَتْلِ ؛ لِبُعْدِ مَا بَيْنَهُمَا .","part":22,"page":129},{"id":10629,"text":"( 7979 ) فَصْلٌ : وَإِذَا حَلَفَ يَمِينًا وَاحِدَةً عَلَى أَجْنَاسٍ مُخْتَلِفَةٍ ، فَقَالَ : وَاَللَّهِ لَا أَكَلْت ، وَلَا شَرِبْت ، وَلَا لَبِسْت .\rفَحَنِثَ فِي الْجَمِيعِ ، فَكَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ .\rلَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ وَاحِدَةٌ ، وَالْحِنْثَ وَاحِدٌ ، فَإِنَّهُ بِفِعْلِ وَاحِدٍ مِنْ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ يَحْنَثُ ، وَتَنْحَلُّ الْيَمِينُ .\rوَإِنْ حَلَفَ أَيْمَانًا عَلَى أَجْنَاسٍ ، فَقَالَ : وَاَللَّهِ لَا أَكَلَتْ ، وَاَللَّهِ لَا شَرِبْت ، وَاَللَّهِ لَا لَبِسْت .\rفَحَنِثَ فِي وَاحِدَةٍ مِنْهَا ، فَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ ، فَإِنْ أَخْرَجَهَا ثُمَّ حَنِثَ فِي يَمِينٍ أُخْرَى ، لَزِمَتْهُ كَفَّارَةٌ أُخْرَى .\rلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا أَيْضًا خِلَافًا ؛ لِأَنَّ الْحِنْثَ فِي الثَّانِيَةِ تَجِبُ بِهِ الْكَفَّارَةُ بَعْدَ أَنْ كَفَّرَ عَنْ الْأُولَى ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ وَطِئَ فِي رَمَضَانَ فَكَفَّرَ ، ثُمَّ وَطِئَ مَرَّةً أُخْرَى .\rوَإِنْ حَنِثَ فِي الْجَمِيعِ قَبْلَ التَّكْفِيرِ ، فَعَلَيْهِ فِي كُلِّ يَمِينٍ كَفَّارَةٌ .\rهَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ .\rوَرَوَاهُ الْمَرُّوذِيُّ عَنْ أَحْمَدَ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rوَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : تُجْزِئُهُ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ .\rوَرَوَاهَا ابْنُ مَنْصُورٍ عَنْ أَحْمَدَ .\rقَالَ الْقَاضِي : وَهِيَ الصَّحِيحَةُ .\rوَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : مَا نَقَلَهُ الْمَرُّوذِيُّ عَنْ أَحْمَدَ قَوْلٌ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ ، وَمَذْهَبُهُ أَنَّ كَفَّارَةً وَاحِدَةً تُجْزِئُهُ .\rوَهُوَ قَوْلُ إِسْحَاقَ ؛ لِأَنَّهَا كَفَّارَاتٌ مِنْ جِنْسٍ ، فَتَدَاخَلَتْ ، كَالْحُدُودِ مِنْ جِنْسٍ ، وَإِنْ اخْتَلَفَتْ مَحَالُّهَا ، بِأَنْ يَسْرِقَ مِنْ جَمَاعَةٍ ، أَوْ يَزْنِيَ بِنِسَاءٍ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُنَّ أَيْمَانٌ لَا يَحْنَثُ فِي إحْدَاهُنَّ بِالْحِنْثِ فِي الْأُخْرَى ، فَلَمْ تَتَكَفَّرْ إحْدَاهُمَا بِكَفَّارَةِ الْأُخْرَى ، كَمَا لَوْ كَفَّرَ عَنْ إحْدَاهُمَا قَبْلَ الْحِنْثِ فِي الْأُخْرَى ، وَكَالْأَيْمَانِ الْمُخْتَلِفَةِ الْكَفَّارَةِ ، وَبِهَذَا فَارَقَ الْأَيْمَانَ عَلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ ؛ فَإِنَّهُ مَتَى حَنِثَ فِي إحْدَاهُمَا كَانَ حَانِثًا فِي الْأُخْرَى ، فَإِنْ كَانَ الْحِنْثُ وَاحِدًا ،","part":22,"page":130},{"id":10630,"text":"كَانَتْ الْكَفَّارَةُ وَاحِدَةً ، وَهَا هُنَا تَعَدَّدَ الْحِنْثُ ، فَتَعَدَّدَتْ الْكَفَّارَاتُ ، وَفَارَقَ الْحُدُودَ ؛ فَإِنَّهَا وَجَبَتْ لِلزَّجْرِ ، وَتَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا ، وَلِأَنَّ الْحُدُودَ عُقُوبَةٌ بَدَنِيَّةٌ ، فَالْمُوَالَاةُ بَيْنَهَا رُبَّمَا أَفْضَتْ إلَى التَّلَفِ ، فَاجْتُزِئَ بِأَحَدِهَا ، وَهَا هُنَا الْوَاجِبُ إخْرَاجُ مَالٍ يَسِيرٍ ، أَوْ صِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ، فَلَا يَلْزَمُ الضَّرَرُ الْكَثِيرُ بِالْمُوَالَاةِ فِيهِ ، وَلَا يُخْشَى مِنْهُ التَّلَفُ .","part":22,"page":131},{"id":10631,"text":"( 7980 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَلَوْ حَلَفَ عَلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ بِيَمِينَيْنِ مُخْتَلِفَيْ الْكَفَّارَةِ ، لَزِمَتْهُ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ الْيَمِينَيْنِ كَفَّارَتُهَا ) هَذَا مِثْلُ الْحَلِفِ بِاَللَّهِ وَبِالظِّهَارِ ، وَبِعِتْقِ عَبْدِهِ ، فَإِذَا حَنِثَ ، فَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ ، وَكَفَّارَةُ ظِهَارٍ ، وَيَعْتِقُ الْعَبْدُ ؛ لِأَنَّ تَدَاخُلَ الْأَحْكَامِ إنَّمَا يَكُونُ مَعَ اتِّحَادِ الْجِنْسِ ، كَالْحُدُودِ مِنْ جِنْسٍ ، وَالْكَفَّارَاتُ هَاهُنَا أَجْنَاسٌ ، وَأَسْبَابُهَا مُخْتَلِفَةٌ ، فَلَمْ تَتَدَاخَلْ ، كَحَدِّ الزِّنَى وَالسَّرِقَةِ وَالْقَذْفِ وَالشُّرْبِ .","part":22,"page":132},{"id":10632,"text":"( 7981 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَمَنْ حَلَفَ بِحَقِّ الْقُرْآنِ ، لَزِمَتْهُ بِكُلِّ آيَةٍ كَفَّارَةُ يَمِينٍ ) نَصَّ عَلَى هَذَا أَحْمَدُ .\rوَهُوَ قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَالْحَسَنِ .\rوَعَنْهُ ، أَنَّ الْوَاجِبَ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ .\rوَهُوَ قِيَاسُ الْمَذْهَبِ .\rوَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي عُبَيْدٍ ؛ لِأَنَّ الْحَلِفَ بِصِفَاتِ اللَّهِ كُلِّهَا ، وَتَكَرُّرَ الْيَمِينِ بِاَللَّهِ سُبْحَانَهُ ، لَا يُوجِبُ أَكْثَرَ مِنْ كَفَّارَةٍ وَاحِدَةٍ ، فَالْحَلِفُ بِصِفَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ أَوْلَى أَنْ تُجْزِئَهُ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ .\rوَوَجْهُ الْأَوَّلِ ، مَا رَوَى مُجَاهِدٌ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ حَلَفَ بِسُورَةٍ مِنْ الْقُرْآنِ ، فَعَلَيْهِ بِكُلِّ آيَةٍ كَفَّارَةُ يَمِينٍ صَبْرٍ ، فَمَنْ شَاءَ بَرَّ ، وَمَنْ شَاءَ فَجَرَ } .\rرَوَاهُ الْأَثْرَمُ .\rوَلِأَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ قَالَ : عَلَيْهِ بِكُلِّ آيَةٍ كَفَّارَةُ يَمِينٍ .\rوَلَمْ نَعْرِفْ مُخَالِفًا لَهُ فِي الصَّحَابَةِ ، فَكَانَ إجْمَاعًا .\rقَالَ أَحْمَدُ : وَمَا أَعْلَمُ شَيْئًا يَدْفَعُهُ .\rوَيُحْتَمَلُ أَنَّ كَلَامَ أَحْمَدَ ، فِي كُلِّ آيَةٍ كَفَّارَةٌ ، عَلَى الِاسْتِحْبَابِ لِمَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ ، فَإِنَّهُ قَالَ : عَلَيْهِ بِكُلِّ آيَةٍ كَفَّارَةٌ ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ فَكَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ .\rوَرَدُّهُ إلَى وَاحِدَةٍ عِنْدَ الْعَجْزِ ، دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَا زَادَ عَلَيْهَا غَيْرُ وَاجِبٍ .\rوَكَلَامُ ابْنِ مَسْعُودٍ أَيْضًا يُحْمَلُ عَلَى الِاخْتِيَارِ ، وَالِاحْتِيَاطِ لِكَلَامِ اللَّهِ ، وَالْمُبَالَغَةِ فِي تَعْظِيمِهِ ، كَمَا أَنَّ عَائِشَةَ أَعْتَقَتْ أَرْبَعِينَ رَقَبَةً حِينَ حَلَفَتْ بِالْعَهْدِ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِوَاجِبٍ ، وَلَا يَجِبُ أَكْثَرُ مِنْ كَفَّارَةٍ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ - تَعَالَى : { لَا يُؤَاخِذُكُمْ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمْ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ } .\rوَهَذِهِ يَمِينٌ ، فَتَدْخُلُ فِي عُمُومِ الْأَيْمَانِ الْمُنْعَقِدَةِ ، وَلِأَنَّهَا يَمِينٌ وَاحِدَةٌ ، فَلَمْ تُوجِبْ كَفَّارَاتٍ ، كَسَائِرِ الْأَيْمَانِ ، وَلِأَنَّ إيجَابَ","part":22,"page":133},{"id":10633,"text":"كَفَّارَاتٍ بِعَدَدِ الْآيَاتِ يُفْضِي إلَى الْمَنْعِ مِنْ الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَالْإِصْلَاحِ بَيْنَ النَّاسِ ؛ لِأَنَّ مَنْ عَلِمَ أَنَّهُ بِحِنْثِهِ تَلْزَمُهُ هَذِهِ الْكَفَّارَاتُ كُلُّهَا ، تَرَكَ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ كَائِنًا مَا كَانَ ، وَقَدْ يَكُونُ بِرًّا وَتَقْوَى وَإِصْلَاحًا ، فَتَمْنَعُهُ مِنْهُ ، وَقَدْ نَهَى اللَّهُ - تَعَالَى - عَنْهُ بِقَوْلِهِ : { وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ } .\rوَإِنْ قُلْنَا بِوُجُوبِ كَفَّارَاتٍ بِعَدَدِ الْآيَاتِ ، فَلَمْ يُطِقْ ، أَجْزَأَتْهُ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .","part":22,"page":134},{"id":10634,"text":"( 7982 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَعَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ، فِيمَنْ حَلَفَ بِنَحْرِ وَلَدِهِ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، كَفَّارَةُ يَمِينٍ ، وَالْأُخْرَى يَذْبَحُ كَبْشًا ) اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ فِيمَنْ حَلَفَ بِنَحْرِ وَلَدِهِ ، نَحْوَ أَنْ يَقُولَ : إنَّ فَعَلْت كَذَا ، فَلِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَذْبَحَ وَلَدِي .\rأَوْ يَقُولَ : وَلَدِي نَحِيرٌ إنْ فَعَلْت كَذَا .\rأَوْ نَذَرَ ذَبْحَ وَلَدِهِ مُطْلَقًا ، غَيْرَ مُعَلَّقٍ بِشَرْطٍ .\rفَعَنْ أَحْمَدَ ، عَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ .\rوَهَذَا قِيَاسُ الْمَذْهَبِ ؛ لِأَنَّ هَذَا نَذْرُ مَعْصِيَةٍ ، أَوْ نَذْرُ لَجَاجٍ ، وَكِلَاهُمَا يُوجِبُ الْكَفَّارَةَ .\rوَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ ؛ فَإِنَّهُ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ لِامْرَأَةٍ نَذَرَتْ أَنْ تَذْبَحَ ابْنَهَا : لَا تَنْحَرِي ابْنَك ، وَكَفِّرِي عَنْ يَمِينِك .\rوَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ ، كَفَّارَتُهُ ذَبْحُ كَبْشٍ ، وَيُطْعِمُهُ لِلْمَسَاكِينِ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ .\rوَيُرْوَى ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا ؛ لِأَنَّ نَذْرَ ذَبْحِ الْوَلَدِ جُعِلَ فِي الشَّرْعِ كَنَذْرِ ذَبْحِ شَاةٍ ، بِدَلِيلِ أَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى أَمَرَ إبْرَاهِيمَ بِذَبْحِ وَلَدِهِ ، وَكَانَ أَمْرًا بِذَبْحِ شَاةٍ ، وَشَرْعُ مَنْ قَبْلَنَا شَرْعٌ لَنَا مَا لَمْ يَثْبُتْ نَسْخُهُ ، وَدَلِيلُ أَنَّهُ أُمِرَ بِذَبْحِ شَاةٍ ، أَنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ ، وَلَا بِالْمَعَاصِي ، وَذَبْحُ الْوَلَدِ مِنْ كَبَائِرِ الْمَعَاصِي .\rقَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إمْلَاقٍ } .\rوَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { أَكْبَرُ الْكَبَائِرِ أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ .\rقِيلَ : ثُمَّ أَيٌّ ؟ قَالَ : أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ ؛ خَشْيَةَ أَنْ يُطْعِمَ مَعَكَ } .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَيْسَ هَذَا بِشَيْءِ ، وَلَا يَجِبُ بِهِ شَيْءٌ ؛ لِأَنَّهُ نَذْرُ مَعْصِيَةٍ لَا يَجِبُ الْوَفَاءُ بِهِ ، وَلَا يَجُوزُ ، وَلَا تَجِبُ بِهِ كَفَّارَةٌ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةٍ ، وَلَا فِيمَا لَا يَمْلِكُ ابْنُ آدَمَ } .\rوَلِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { وَمَنْ","part":22,"page":135},{"id":10635,"text":"نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللَّهَ ، فَلَا يَعْصِهِ } .\rوَلَنَا ، قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةٍ ، وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ } .\rوَلِأَنَّ النَّذْرَ حُكْمُهُ حُكْمُ الْيَمِينِ ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { النَّذْرُ حَلِفُهُ ، وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ } .\rفَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ مَنْ حَلَفَ لَيَذْبَحَنَّ وَلَدَهُ .\rوَقَوْلُهُمْ : إنَّ النَّذْرَ لِذَبْحِ الْوَلَدِ كِنَايَةٌ عَنْ ذَبْحِ كَبْشٍ .\rلَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ إبْرَاهِيمَ لَوْ كَانَ مَأْمُورًا بِذَبْحِ كَبْشٍ ، لَمْ يَكُنْ الْكَبْشُ فِدَاءً ، وَلَا كَانَ مُصَدِّقًا لِلرُّؤْيَا قَبْلَ ذَبْحِ الْكَبْشِ ، وَإِنَّمَا أُمِرَ بِذَبْحِ ابْنِهِ ابْتِلَاءً ، ثُمَّ فُدِيَ بِالْكَبْشِ ، وَهَذَا أَمْرٌ اخْتَصَّ بِإِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، لَا يَتَعَدَّاهُ إلَى غَيْرِهِ ، لَحِكْمَةٍ عَلِمَهَا اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ .\rثُمَّ لَوْ كَانَ إبْرَاهِيمُ مَأْمُورًا بِذَبْحِ كَبْشٍ ، فَقَدْ وَرَدَ شَرْعُنَا بِخِلَافِهِ ، فَإِنَّ نَذْرَ ذَبْحِ الِابْنِ لَيْسَ بِقُرْبَةٍ فِي شَرْعِنَا ، وَلَا مُبَاحٍ ، بَلْ هُوَ مَعْصِيَةٌ ، فَتَكُونُ كَفَّارَتُهُ كَكَفَّارَةِ سَائِرِ نُذُورِ الْمَعَاصِي .","part":22,"page":136},{"id":10636,"text":"( 7983 ) فَصْلٌ : وَإِنْ نَذَرَ ذَبْحَ نَفْسِهِ ، أَوْ أَجْنَبِيٍّ ، فَفِيهِ أَيْضًا عَنْ أَحْمَدَ رِوَايَتَانِ ، وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا فِيهِ رِوَايَتَانِ ؛ نَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ عَنْ أَحْمَدَ ، فِيمَنْ نَذَرَ أَنْ يَنْحَرَ نَفْسَهُ إذَا حَنِثَ : يَذْبَحُ شَاةً .\rوَكَذَلِكَ إنْ نَذَرَ ذَبْحَ أَجْنَبِيٍّ ؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، فِي الَّذِي قَالَ : أَنَا أَنْحَرُ فُلَانًا .\rفَقَالَ : عَلَيْهِ ذَبْحُ كَبْشٍ .\rوَلِأَنَّهُ نَذَرَ ذَبْحَ آدَمِيٍّ ، فَكَانَ عَلَيْهِ ذَبْحُ كَبْشٍ ، كَنَذْرِ ذَبْحِ ابْنِهِ .\rوَالثَّانِيَةُ ، عَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ ؛ لِأَنَّهُ نَذْرُ مَعْصِيَةٍ ، فَكَانَ مُوجَبُهُ كَفَّارَةً ، لِمَا ذَكَرْنَا فِيمَا تَقَدَّمَ .\rوَرَوَى الْجُوزَجَانِيُّ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو عُبَيْدٍ ، قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ إلَى ابْنِ عُمَرَ ، فَقَالَ : إنِّي نَذَرْت أَنَّ أَنْحَرَ نَفْسِي .\rقَالَ : فَتَجَهَّمَهُ ابْنُ عُمَرَ ، وَأَفَّفَ مِنْهُ ، ثُمَّ أَتَى ابْنَ عَبَّاسٍ ، فَقَالَ لَهُ : أَهْدِ مِائَةَ بَدَنَةٍ .\rثُمَّ أَتَى عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ ، فَقَالَ لَهُ : أَرَأَيْت لَوْ نَذَرْت أَنْ لَا تُكَلِّمَ أَبَاكَ أَوْ أَخَاكَ ؟ إنَّمَا هَذِهِ خُطْوَةٌ مِنْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ، اسْتَغْفِرْ اللَّهَ ، وَتُبْ إلَيْهِ .\rثُمَّ رَجَعَ إلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَأَخْبَرَهُ ، فَقَالَ : أَصَابَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ .\rوَرَجَعَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ .\rوَالصَّحِيحُ فِي هَذَا ، أَنَّهُ نَذْرُ مَعْصِيَةٍ ، حُكْمُهُ حُكْمُ نَذْرِ سَائِرِ الْمَعَاصِي لَا غَيْرُ .","part":22,"page":137},{"id":10637,"text":"( 7984 ) فَصْلٌ : قَالَ أَحْمَدُ ، فِي امْرَأَةٍ نَذَرَتْ نَحْرَ وَلَدِهَا ، وَلَهَا ثَلَاثَةُ أَوْلَادٍ : تَذْبَحُ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ كَبْشًا ، وَتُكَفِّرُ يَمِينَهَا .\rوَهَذَا عَلَى قَوْلِهِ : إنَّ كَفَّارَةَ نَذْرِ ذَبْحِ الْوَلَدِ ذَبْحُ كَبْشٍ .\rجَعَلَ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ كَبْشًا ؛ لِأَنَّ لَفْظَ الْوَاحِدِ إذَا أُضِيفَ اقْتَضَى التَّعْمِيمَ ، فَكَانَ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ كَبْشٌ .\rفَإِنْ عَنَتْ بِنَذْرِهَا وَاحِدًا فَإِنَّمَا عَلَيْهَا كَبْشٌ وَاحِدٌ ؛ بِدَلِيلِ أَنَّ إبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، لَمَّا أُمِرَ بِذَبْحِ ابْنِهِ الْوَاحِدِ ، فُدِيَ بِكَبْشٍ وَاحِدٍ ، وَلَمْ يَفْدِ غَيْرَ مَنْ أُمِرَ بِذَبْحِهِ مِنْ أَوْلَادِهِ ، وَكَذَا هَاهُنَا ، وَعَبْدُ الْمُطَّلِبِ لَمَّا نَذَرَ ذَبْحَ ابْنٍ مِنْ بَنِيهِ إنْ بَلَغُوا عَشَرَةً ، لَمْ يَفْدِ مِنْهُمْ إلَّا وَاحِدًا .\rوَسَوَاءٌ نَذَرَتْهُ مُعَيَّنًا ، أَوْ عَنَتْ وَاحِدًا غَيْرَ مُعَيَّنٍ ، فَأَمَّا قَوْلُ أَحْمَدَ : وَتُكَفِّرُ يَمِينَهَا .\rفَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ أَنَّ ذَبْحَ الْكِبَاشِ كَفَّارَةُ يَمِينِهَا .\rوَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ كَانَ مَعَ نَذْرِهَا يَمِينٌ .\rوَأَمَّا عَلَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى ، تُجْزِئُهَا كَفَّارَةُ يَمِينٍ ، عَلَى مَا سَبَقَ .","part":22,"page":138},{"id":10638,"text":"( 7985 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَمَنْ حَلَفَ بِعِتْقِ مَا يَمْلِكُ ، فَحَنِثَ ، عَتَقَ عَلَيْهِ كُلُّ مَا يَمْلِكُ مِنْ عَبِيدِهِ ، وَإِمَائِهِ ، وَمُكَاتَبِيهِ ، وَمُدَبَّرِيهِ ، وَأُمَّهَاتِ أَوْلَادِهِ ، وَشِقْصٍ يَمْلِكُهُ مِنْ مَمْلُوكِهِ ) مَعْنَاهُ إذَا قَالَ : إنْ فَعَلْت كَذَا ، فَكُلُّ مَمْلُوكٍ لِي حُرٌّ أَوْ عَتِيقٌ ، أَوْ فَكُلٌّ مَا أَمْلِكُ حُرٌّ .\rفَإِنَّ هَذَا إذَا حَنِثَ عَتَقَ مَمَالِيكُهُ ، وَلَمْ تُغْنِ عَنْهُ كَفَّارَةٌ .\rرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ .\rوَبِهِ قَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَاللَّيْثُ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ .\rوَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ، وَعَائِشَةَ ، وَأَبِي سَلَمَةَ ، وَحَفْصَةَ ، وَزَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ ، وَالْحَسَنِ ، وَأَبِي ثَوْرٍ : تُجْزِئُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ .\rلِأَنَّهَا يَمِينٌ ، فَتَدْخُلُ فِي عُمُومِ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { فَكَفَّارَتُهُ إطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ } .\rوَرُوِيَ عَنْ أَبِي رَافِعٍ ، قَالَ : قَالَتْ مَوْلَاتِي لَيْلَى بِنْتُ الْعَجْمَاءِ : كُلُّ مَمْلُوكٍ لَهَا مُحَرَّرٌ ، وَكُلُّ مَالٍ لَهَا هَدْيٌ ، وَهِيَ يَهُودِيَّةٌ وَهِيَ نَصْرَانِيَّةٌ إنْ لَمْ تُفَرِّقْ بَيْنَك وَبَيْنَ امْرَأَتِك .\rقَالَ : فَأَتَيْت زَيْنَبَ بِنْتَ أُمِّ سَلَمَةَ ، ثُمَّ أَتَيْت حَفْصَةَ .\rإلَى أَنْ قَالَ : ثُمَّ أَتَيْت ابْنَ عُمَرَ ، فَجَاءَ مَعِي إلَيْهَا ، فَقَامَ عَلَى الْبَابِ فَسَلَّمَ ، فَقَالَ : أَمِنْ حِجَارَةٍ أَنْتِ أَمْ مِنْ حَدِيدٍ ؟ أَفْتَتْكِ زَيْنَبُ ، وَأَفْتَتْكِ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ ، كَفِّرِي عَنْ يَمِينِك ، وَخَلِّي بَيْنَ الرَّجُلِ وَامْرَأَتِهِ .\rرَوَاهُ الْأَثْرَمُ ، وَالْجُوزَجَانِيُّ مُطَوَّلًا .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ عَلَّقَ الْعِتْقَ عَلَى شَرْطٍ ، وَهُوَ قَابِلٌ لِلتَّعْلِيقِ ، فَيَقَعُ بِوُجُودِ شَرْطِهِ ، كَالطَّلَاقِ ، وَالْآيَةُ مَخْصُوصَةٌ بِالطَّلَاقِ ، وَالْعِتْقُ فِي مَعْنَاهُ ، وَلِأَنَّ الْعِتْقَ لَيْسَ بِيَمِينٍ فِي الْحَقِيقَةِ ، إنَّمَا هُوَ تَعْلِيقٌ عَلَى شَرْطٍ ، فَأَشْبَهَ الطَّلَاقَ .\rفَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي رَافِعٍ ، قَالَ أَحْمَدُ : قَالَ فِيهِ : كَفِّرِي يَمِينَك ،","part":22,"page":139},{"id":10639,"text":"وَأَعْتِقِي جَارِيَتَك .\rوَهَذِهِ زِيَادَةٌ يَجِبُ قَبُولُهَا .\rوَيُحْتَمَلُ أَنَّهَا لَمْ يَكُنْ لَهَا مَمْلُوكٌ سِوَاهَا .","part":22,"page":140},{"id":10640,"text":"( 7986 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا إنْ قَالَ : إنْ فَعَلْت ، فَلِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أُعْتِقَ عَبْدِي أَوْ أُحَرِّرَهُ .\rأَوْ نَحْوَ هَذَا ، لَمْ يُعْتَقْ بِحِنْثِهِ ، وَكَفَّرَ كَفَّارَةَ يَمِينٍ ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي نَذْرِ اللَّجَاجِ ؛ لِأَنَّ هَذَا لَمْ يُعَلِّقْ عِتْقَ الْعَبْدِ ، إنَّمَا حَلَفَ عَلَى تَعْلِيقِ الْعِتْقِ بِشَرْطٍ ، بِخِلَافِ الَّذِي قَبْلَهُ .\r( 7987 ) فَصْلٌ : وَإِذَا حَنِثَ ، عَتَقَ عَلَيْهِ عَبِيدُهُ ، وَإِمَاؤُهُ ، وَمُدَبَّرُوهُ ، وَأُمَّهَاتُ أَوْلَادِهِ ، وَمُكَاتَبُوهُ ، وَالْأَشْقَاصُ الَّتِي يَمْلِكُهَا مِنْ الْعَبِيدِ وَالْإِمَاءِ .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو ثَوْرٍ ، وَالْمُزَنِيُّ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ ، رِوَايَةٌ أُخْرَى ؛ لَا يَعْتِقُ الشِّقْصُ إلَّا أَنْ يَنْوِيَهُ .\rوَلَعَلَّهُ ذَهَبَ إلَى أَنَّ الشِّقْصَ لَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الْعَبْدِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَصَاحِبَاهُ ، وَإِسْحَاقُ : لَا يَعْتِقُ الْمُكَاتَبُ .\rوَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ خَارِجٌ عَنْ مِلْكِ سَيِّدِهِ وَتَصَرُّفِهِ ، فَلَمْ يَدْخُلْ فِي اسْمِ مَمَالِيكِهِ ، كَالْحُرِّ .\rوَقَالَ الرَّبِيعُ : سَمَاعِي مِنْ الشَّافِعِيِّ ، أَنَّهُ يَعْتِقُ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ مَمْلُوكُهُ ، فَيَعْتِقُ ، كَالْمُدَبَّرِ ؛ وَدَلِيلُ كَوْنِهِ مَمْلُوكَهُ ، قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { الْمُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ } .\rوَقَوْلُهُ لِعَائِشَةَ : { اشْتَرِي بَرِيرَةَ ، وَأَعْتِقِيهَا } وَكَانَتْ مُكَاتَبَةً ، وَلَا يَصِحُّ شِرَاءُ غَيْرِ الْمَمْلُوكِ وَلَا عِتْقُهُ ، وَلِأَنَّهُ يَصِحُّ إعْتَاقُهُ بِالْإِجْمَاعِ ، وَأَحْكَامُهُ أَحْكَامُ الْعَبِيدِ ، وَلِأَنَّهُ مَمْلُوكٌ ، فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ مَالِكٍ ، وَلِأَنَّهُ يَصِحُّ إعْتَاقُهُ بِالْمُبَاشَرَةِ ، فَدَخَلَ فِي الْعِتْقِ بِالتَّعْلِيقِ ، كَسَائِرِ عَبِيدِهِ .\rوَأَمَّا الشِّقْصُ ، فَإِنَّهُ مَمْلُوكٌ لَهُ ، قَابِلٌ لِلتَّحْرِيرِ ، فَيَدْخُلُ فِي عُمُومِ لَفْظِهِ .","part":22,"page":141},{"id":10641,"text":"( 7988 ) فَصْلٌ : فَإِنْ قَالَ : عَبْدُ فُلَانٍ حُرٌّ ، إنْ دَخَلْت الدَّارَ .\rثُمَّ دَخَلَهَا ، لَمْ يَعْتِقْ الْعَبْدُ ، بِغَيْرِ خِلَافٍ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَعْتِقُ بِإِعْتَاقِهِ نَاجِزًا ، فَلَا يَعْتِقُ بِالتَّعْلِيقِ أَوْلَى .\rوَهَلْ تَلْزَمُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ ؟ فِيهِ عَنْ أَحْمَدَ رِوَايَتَانِ ، ذَكَرَهُمَا ابْنُ أَبِي مُوسَى ؛ إحْدَاهُمَا ؛ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ ؛ لِأَنَّهُ حَلَفَ بِالْعِتْقِ فِيمَا لَا يَقَعُ بِالْحِنْثِ ، فَلَزِمَتْهُ كَفَّارَةٌ ، كَمَا لَوْ قَالَ : لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أُعْتِقَ فُلَانًا .\rوَالثَّانِيَةُ ، لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ حَلَفَ بِإِخْرَاجِ مَالِ غَيْرِهِ ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ ، كَمَا لَوْ قَالَ : مَالُ فُلَانٍ صَدَقَةٌ ، إنْ دَخَلْت الدَّارَ .\rوَلِأَنَّهُ تَعْلِيقٌ لِلْعِتْقِ عَلَى صِفَةٍ ، فَلَمْ تَجِبْ بِهِ كَفَّارَةٌ ، كَسَائِرِ التَّعْلِيقِ .\rوَأَمَّا إذَا قَالَ : لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَعْتِقَ عَبْدًا .\rفَإِنَّهُ نَذْرٌ ، فَأَوْجَبَ الْكَفَّارَةَ ؛ لِكَوْنِ النَّذْرِ كَالْيَمِينِ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ هَاهُنَا ، فَإِنَّهُ إنَّمَا عَلَّقَ الْعِتْقَ عَلَى صِفَةٍ ، فَوُجُودُ الصِّفَةِ أَثَّرَ فِي جَعْلِ الْمُعَلَّقِ كَالْمُنْجَزِ ، وَلَوْ نَجَزَ الْعِتْقُ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ ، فَكَذَلِكَ هَاهُنَا .","part":22,"page":142},{"id":10642,"text":"( 7989 ) فَصْلٌ فَإِنْ قَالَ إنْ فَعَلْت كَذَا فَمَالُ فُلَانٍ صَدَقَةٌ ، أَوْ فَعَلَى فُلَانٍ حِجَّةٌ ، أَوْ فَمَالُ فُلَانٍ حَرَامٌ عَلَيْهِ أَوْ هُوَ بَرِيءٌ مِنْ الْإِسْلَامِ .\rوَأَشْبَاهَ هَذَا ، فَلَيْسَ ذَلِكَ بِيَمِينٍ ، وَلَا تَجِبُ بِهِ كَفَّارَةٌ .\rوَلَا نَعْلَمُ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِيهِ خِلَافًا ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ الشَّرْعُ فِيهِ بِكَفَّارَةٍ وَلَا هُوَ فِي مَعْنَى مَا وَرَدَ الشَّرْعُ بِهِ .","part":22,"page":143},{"id":10643,"text":"( 7990 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : وَمَنْ حَلَفَ فَهُوَ مُخَيَّرٌ فِي الْكَفَّارَةِ قَبْلَ الْحِنْثِ وَبَعْدَهُ ، وَسَوَاءٌ كَانَتْ الْكَفَّارَةُ صَوْمًا ، أَوْ غَيْرَهُ ، إلَّا فِي الظِّهَارِ وَالْحَرَامِ ، فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ قَبْلَ الْحِنْثِ الظِّهَارُ وَالْحَرَامُ شَيْءٌ وَاحِدٌ ، وَإِنَّمَا عَطَفَ أَحَدَهُمَا عَلَى الْآخَرِ لِاخْتِلَافِ اللَّفْظَيْنِ ، وَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ ، فِيمَا عَلِمْنَاهُ ، فِي وُجُوبِ تَقْدِيمِ كَفَّارَتِهِ عَلَى الْوَطْءِ ، وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا } .\rفَأَمَّا كَفَّارَةُ سَائِرِ الْأَيْمَانِ ، فَإِنَّهَا تَجُوزُ قَبْلَ الْحِنْثِ وَبَعْدَهُ ، صَوْمًا كَانَتْ أَوْ غَيْرَهُ ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rوَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَمِمَّنْ رُوِيَ عَنْهُ جَوَازُ تَقْدِيمِ التَّكْفِيرِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ، وَابْنُهُ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ وَسَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ ، وَمَسْلَمَةُ بْنُ مَخْلَدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ ، وَابْنُ سِيرِينَ ، وَرَبِيعَةُ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَابْنُ الْمُبَارَكِ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ ، وَأَبُو خَيْثَمَةَ ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُد .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ : لَا تُجْزِئُ الْكَفَّارَةُ قَبْلَ الْحِنْثِ ؛ لِأَنَّهُ تَكْفِيرٌ قَبْلَ وُجُودِ سَبَبِهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ كَفَّرَ قَبْلَ الْيَمِينِ ، وَدَلِيلُ ذَلِكَ أَنَّ سَبَبَ التَّكْفِيرِ الْحِنْثُ ، إذْ هُوَ هَتْكُ الِاسْمِ الْمُعَظَّمِ الْمُحْتَرَمِ ، وَلَمْ يُوجَدْ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ كَقَوْلِنَا فِي الْإِعْتَاقِ وَالْإِطْعَامِ وَالْكِسْوَةِ ، وَكَقَوْلِهِمْ فِي الصِّيَامِ ، مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ عِبَادَةٌ بَدَنِيَّةٌ .\rفَلَمْ يَجُزْ فِعْلُهُ قَبْلَ وُجُوبِهِ لِغَيْرِ مَشَقَّةٍ ، كَالصَّلَاةِ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَمُرَةَ ، قَالَ : قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إذَا حَلَفْت عَلَى يَمِينٍ ، فَرَأَيْت غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا ، فَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ ، ثُمَّ ائْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَفِي لَفْظٍ : { وَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ }","part":22,"page":144},{"id":10644,"text":"رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ، وَالْأَثْرَمُ وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ، وَأَبُو الدَّرْدَاءِ ، وَعْدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحْوَ ذَلِكَ .\rرَوَاهُ الْأَثْرَمُ .\rوَعَنْ أَبِي مُوسَى ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { إنِّي إنْ شَاءَ لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ ، فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا ، إلَّا كَفَّرْت عَنْ يَمِينِي ، وَأَتَيْت الَّذِي هُوَ خَيْرٌ .\rأَوْ أَتَيْت الَّذِي هُوَ خَيْرٌ ، وَكَفَّرْت عَنْ يَمِينِي } رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ .\rوَلِأَنَّهُ كَفَّرَ بَعْدَ وُجُودِ السَّبَبِ ، فَأَجْزَأَ ، كَمَا لَوْ كَفَّرَ بَعْدَ الْجَرْحِ ، وَقَبْلَ الزَّهُوقِ ، وَالسَّبَبُ هُوَ الْيَمِينُ بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى { ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ } .\rوَقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ { قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ } .\rوَقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { وَكَفَّرْت عَنْ يَمِينِي وَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِك } .\rوَتَسْمِيَةِ الْكَفَّارَةِ كَفَّارَةَ الْيَمِينِ ، وَبِهَذَا يَنْفَصِلُ عَمَّا ذَكَرُوهُ ، فَإِنَّ الْحِنْثَ شَرْطٌ وَلَيْسَ بِسَبَبٍ ، وَتَعْجِيلُ حَقِّ الْمَالِ بَعْدَ وُجُودِ سَبَبِهِ وَقَبْلَ وُجُودِ شَرْطِهِ جَائِزٌ ، بِدَلِيلِ تَعْجِيلِ الزَّكَاةِ بَعْدَ وُجُودِ النِّصَابِ وَقَبْلَ الْحَوْلِ ، وَكَفَّارَةِ الْقَتْلِ بَعْدَ الْجَرْحِ وَقَبْلَ الزَّهُوقِ .\rقَالَ ابْنُ عَبْدَ الْبَرِّ : الْعَجَبُ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ ، أَجَازُوا تَقْدِيمَ الزَّكَاةِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَرْوُوا فِيهَا مِثْلَ هَذِهِ الْآثَارِ الْوَارِدَةِ فِي تَقْدِيمِ الْكَفَّارَةِ ، وَيَأْبُونَ تَقْدِيمَ الْكَفَّارَةِ مَعَ كَثْرَةِ الرِّوَايَةِ الْوَارِدَةِ فِيهَا ، وَالْحُجَّةُ فِي السُّنَّةِ ، وَمَنْ خَالَفَهَا مَحْجُوجٌ بِهَا .\rفَأَمَّا أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ فَهُمْ مَحْجُوجُونَ بِالْأَحَادِيثِ ، مَعَ أَنَّهُمْ قَدْ احْتَجُّوا بِهَا فِي الْبَعْضِ ، وَخَالَفُوهَا فِي الْبَعْضِ ، وَفَرَّقُوا بَيْنَ مَا جَمَعَ بَيْنَهُ النَّصُّ وَلِأَنَّ الصِّيَامَ نَوْعُ تَكْفِيرٍ ، فَجَازَ قَبْلَ الْحِنْثِ ، كَالتَّكْفِيرِ بِالْمَالِ ، وَقِيَاسُ الْكَفَّارَةِ عَلَى الْكَفَّارَةِ أَوْلَى مِنْ","part":22,"page":145},{"id":10645,"text":"قِيَاسِهَا عَلَى الصَّلَاةِ الْمَفْرُوضَةِ بِأَصْلِ الْوَضْعِ .","part":22,"page":146},{"id":10646,"text":"( 7991 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا التَّكْفِيرُ قَبْلَ الْيَمِينِ ، فَلَا يَجُوزُ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ ؛ لِأَنَّهُ تَقْدِيمٌ لِلْحُكْمِ قَبْلَ سَبَبِهِ ، فَلَمْ يَجُزْ ، كَتَقْدِيمِ الزَّكَاةِ قَبْلَ مِلْكِ النِّصَابِ ، وَكَفَّارَةِ الْقَتْلِ قَبْلَ الْجَرْحِ .","part":22,"page":147},{"id":10647,"text":"( 7992 ) فَصْلٌ وَالتَّكْفِيرُ قَبْلَ الْحِنْثِ وَبَعْدَهُ سَوَاءٌ فِي الْفَضِيلَةِ .\rوَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى : بَعْدَهُ أَفْضَلُ عِنْدَ أَحْمَدَ .\rوَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَمَالِكٍ ، وَالثَّوْرِيِّ ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ الْخُرُوجِ مِنْ الْخِلَافِ وَحُصُولِ الْيَقِينِ بِبَرَاءَةِ الذِّمَّةِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الْأَحَادِيثَ الْوَارِدَةَ فِيهِ ، فِيهَا التَّقْدِيمُ مَرَّةً وَالتَّأْخِيرُ أُخْرَى ، وَهَذَا دَلِيلُ التَّسْوِيَةِ ، وَلِأَنَّهُ تَعْجِيلُ مَالٍ يَجُوزُ تَعْجِيلُهُ قَبْلَ وُجُوبِهِ ، فَلَمْ يَكُنْ التَّأْخِيرُ أَفْضَلَ ، كَتَعْجِيلِ الزَّكَاةِ وَكَفَّارَةِ الْقَتْلِ ، وَمَا ذَكَرُوهُ مُعَارَضٌ بِتَعْجِيلِ النَّفْعِ لِلْفُقَرَاءِ ، وَالتَّبَرُّعِ بِمَا لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ ، وَعَلَى أَنَّ الْخِلَافَ الْمُخَالِفَ لِلنُّصُوصِ لَا يُوجِبُ تَفْضِيلَ الْمُجْمَعِ عَلَيْهِ ، كَتَرْكِ الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ .","part":22,"page":148},{"id":10648,"text":"( 7993 ) فَصْلٌ : وَإِنْ كَانَ الْحِنْثُ فِي الْيَمِينِ مَحْظُورًا ، فَعَجَّلَ الْكَفَّارَةَ قَبْلَهُ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَجَّلَ أَحَدَهُمَا تُجْزِئُهُ ؛ لِأَنَّهُ عَجَّلَ الْكَفَّارَةَ بَعْدَ سَبَبَهَا ، فَأَجْزَأَتْهُ ، كَمَا لَوْ كَانَ الْحِنْثُ مُبَاحًا .\rوَالثَّانِي ، لَا تُجْزِئُهُ ؛ لِأَنَّ التَّعْجِيلَ رُخْصَةٌ ، فَلَا يُسْتَبَاحُ بِالْمَعْصِيَةِ ؛ كَالْقَصْرِ فِي سَفَرِ الْمَعْصِيَةِ ، وَالْحَدِيثُ لَمْ يَتَنَاوَلْ الْمَعْصِيَةَ ؛ فَإِنَّهُ قَالَ : { إذَا حَلَفْت عَلَى يَمِينٍ ، فَرَأَيْت غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا ، فَكَفِّرْ } .\rوَهَذَا لَمْ يَرَ غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا .\rوَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ فِي هَذَا وَجْهَانِ ، كَمَا ذَكَرْنَا .","part":22,"page":149},{"id":10649,"text":"( 7994 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : وَإِذَا حَلَفَ ، فَقَالَ : إنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى .\rفَإِنْ شَاءَ فَعَلَ ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ ، وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ ، إذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الِاسْتِثْنَاءِ وَالْيَمِينِ كَلَامٌ وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْحَالِفَ إذَا قَالَ : إنْ شَاءَ اللَّهُ .\rمَعَ يَمِينِهِ ، فَهَذَا يُسَمَّى اسْتِثْنَاءً ، فَإِنَّ ابْنَ عُمَرَ رَوَى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ { : مَنْ حَلَفَ ، فَقَالَ : إنْ شَاءَ اللَّهُ .\rفَقَدْ اسْتَثْنَى } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى تَسْمِيَتِهِ اسْتِثْنَاءً ، وَأَنَّهُ مَتَى اسْتَثْنَى فِي يَمِينِهِ لِمَ يَحْنَثْ فِيهَا ، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { مَنْ حَلَفَ فَقَالَ : إنْ شَاءَ اللَّهُ .\rلَمْ يَحْنَثْ } رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَرَوَى أَبُو دَاوُد : { مَنْ حَلَفَ ، فَاسْتَثْنَى فَإِنْ شَاءَ رَجَعَ ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ } وَلِأَنَّهُ مَتَى قَالَ : لَأَفْعَلَنَّ إنْ شَاءَ اللَّهُ .\rفَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّهُ مَتَى شَاءَ اللَّهُ فَعَلَ ، وَمَتَى لَمْ يَفْعَلْ لَمْ يَشَأْ اللَّهُ ذَلِكَ ، فَإِنَّ مَا شَاءَ اللَّهُ كَانَ ، وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّهُ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الِاسْتِثْنَاءُ مُتَّصِلًا بِالْيَمِينِ ، بِحَيْثُ لَا يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا كَلَامٌ أَجْنَبِيٌّ ، وَلَا يَسْكُتُ بَيْنَهُمَا سُكُوتًا يُمْكِنُهُ الْكَلَامُ فِيهِ ، فَأَمَّا السُّكُوتُ لِانْقِطَاعِ نَفَسِهِ أَوْ صَوْتِهِ ، أَوْ عَيٍّ ، أَوْ عَارِضٍ ، مِنْ عَطْسَةٍ ، أَوْ شَيْءٍ غَيْرِهَا ، فَلَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الِاسْتِثْنَاءِ ، وَثُبُوتَ حُكْمِهِ ، وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ ، وَإِسْحَاقُ الرَّأْيِ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { مَنْ حَلَفَ ، فَاسْتَثْنَى } وَهَذَا يَقْتَضِي كَوْنَهُ عَقِيبَهُ ، وَلِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مِنْ تَمَامِ الْكَلَامِ ، فَاعْتُبِرَ اتِّصَالُهُ بِهِ ، كَالشَّرْطِ وَجَوَابِهِ ، وَخَبَرِ الْمُبْتَدَأِ ، وَالِاسْتِثْنَاءِ بِإِلَّا ، وَلِأَنَّ الْحَالِفَ إذَا سَكَتَ ثَبَتَ حُكْمُ يَمِينِهِ ،","part":22,"page":150},{"id":10650,"text":"وَانْعَقَدَتْ مُوجِبَةً لِحُكْمِهَا ، وَبَعْدَ ثُبُوتِهِ لَا يُمْكِنُ دَفْعُهُ وَلَا تَغْيِيرُهُ .\rقَالَ أَحْمَدُ : حَدِيثُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ : { إذَا حَلَفْت عَلَى يَمِينٍ ، فَرَأَيْت غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا ، فَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِك } .\rوَلَمْ يَقُلْ : فَاسْتَثْنِ .\rوَلَوْ جَازَ الِاسْتِثْنَاءُ فِي كُلِّ حَالٍ ، لَمْ يَحْنَثْ حَانِثٌ بِهِ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ ، رِوَايَةٌ أُخْرَى ، أَنَّهُ يَجُوزُ الِاسْتِثْنَاءُ إذَا لَمْ يَطُلْ الْفَصْلُ بَيْنَهُمَا .\rقَالَ ، فِي رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيِّ : حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { وَاَللَّهِ لَأَغْزُوَنَّ قُرَيْشًا .\rثُمَّ سَكَتَ ، ثُمَّ قَالَ : إنْ شَاءَ اللَّهُ } إنَّمَا هُوَ اسْتِثْنَاءٌ بِالْقُرْبِ ، وَلَمْ يَخْلِطْ كَلَامَهُ بِغَيْرِهِ .\rوَنَقَلَ عَنْهُ إسْمَاعِيلُ بْنُ سَعِيدٍ مِثْلَ هَذَا ، وَزَادَ قَالَ : وَلَا أَقُولُ فِيهِ بِقَوْلِ هَؤُلَاءِ .\rيَعْنِي مَنْ لَمْ يَرَ ذَلِكَ إلَّا مُتَّصِلًا .\rوَيَحْتَمِلُ كَلَامُ الْخِرَقِيِّ هَذَا ؛ لِأَنَّهُ قَالَ : إذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الِاسْتِثْنَاءِ وَالْيَمِينِ كَلَامٌ .\rوَلَمْ يَشْتَرِطْ اتِّصَالَ الْكَلَامِ وَعَدَمَ السُّكُوتِ .\rوَهَذَا قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ ، قَالَ فِي رَجُلٍ حَلَفَ : لَا أَفْعَلُ كَذَا وَكَذَا .\rثُمَّ سَكَتَ سَاعَةً لَا يَتَكَلَّمُ ، وَلَا يُحَدِّثُ نَفْسَهُ بِالِاسْتِثْنَاءِ ، فَقَالَ لَهُ إنْسَانٌ : قُلْ : إنْ شَاءَ اللَّهُ .\rفَقَالَ : إنْ شَاءَ اللَّهُ .\rأَيُكَفِّرُ ، يَمِينَهُ ؟ قَالَ : أُرَاهُ قَدْ اسْتَثْنَى .\rوَقَالَ قَتَادَةُ : لَهُ أَنْ يَسْتَثْنِي قَبْلَ أَنْ يَقُومَ أَوْ يَتَكَلَّمَ .\rوَوَجْهُ ذَلِكَ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَثْنَى بَعْدَ سُكُوتِهِ ، إذْ قَالَ : { وَاَللَّهِ لَأَغْزُوَنَّ قُرَيْشًا .\rثُمَّ سَكَتَ ، ثُمَّ قَالَ : إنْ شَاءَ اللَّهُ } وَاحْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَزَادَ : قَالَ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ : ثُمَّ لَمْ يَغْزُهُمْ .\rوَيُشْتَرَطُ ، عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَة ، أَنْ لَا يُطِيلَ الْفَصْلَ بَيْنَهُمَا ، وَلَا يَتَكَلَّمَ بَيْنَهُمَا بِكَلَامٍ","part":22,"page":151},{"id":10651,"text":"أَجْنَبِيٍّ وَحَكَى ابْنُ أَبِي مُوسَى ، عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا ، أَنَّهُ قَالَ : يَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ مَا دَامَ فِي الْمَجْلِسِ .\rوَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ الْحَسَنِ وَعَطَاءٍ ، وَعَنْ عَطَاءٍ أَنَّهُ قَالَ : قَدْرُ حَلْبِ النَّاقَةِ الْغَرُوزَةِ ، وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّ لَهُ أَنْ يَسْتَثْنِيَ بَعْدَ حِينٍ وَهُوَ قَوْلُ مُجَاهِدٍ .\rوَهَذَا الْقَوْلُ لَا يَصِحُّ ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ ، وَتَقْدِيرُهُ بِمَجْلِسٍ أَوْ غَيْرِهِ لَا يَصْلُحُ ؛ لِأَنَّ التَّقْدِيرَاتِ بَابُهَا التَّوْقِيفُ ، فَلَا يُصَارُ إلَيْهَا بِالتَّحَكُّمِ .","part":22,"page":152},{"id":10652,"text":"( 7995 ) فَصْلٌ وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَسْتَثْنِيَ بِلِسَانِهِ ، وَلَا يَنْفَعُهُ الِاسْتِثْنَاءُ بِالْقَلْبِ .\rفِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ ؛ مِنْهُمْ الْحَسَنُ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَاللَّيْثُ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ ، وَلَا نَعْلَمُ لَهُمْ مُخَالِفًا ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { مَنْ حَلَفَ ، فَقَالَ : إنْ شَاءَ اللَّهُ } .\rوَالْقَوْلُ هُوَ النُّطْقُ ، وَلِأَنَّ الْيَمِينَ لَا تَنْعَقِدُ بِالنِّيَّةِ ، فَكَذَلِكَ الِاسْتِثْنَاءُ .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ : إنْ كَانَ مَظْلُومًا فَاسْتَثْنَى فِي نَفْسِهِ ؛ رَجَوْت أَنْ يَجُوزَ إذَا خَافَ عَلَى نَفْسِهِ .\rفَهَذَا فِي حَقِّ الْخَائِفِ عَلَى نَفْسِهِ ؛ لِأَنَّ يَمِينَهُ غَيْرُ مُنْعَقِدَةٍ أَوْ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْمُتَأَوِّلِ ، وَأَمَّا فِي حَقِّ غَيْرِهِ فَلَا .\r( 7996 ) فَصْلٌ : وَاشْتَرَطَ الْقَاضِي أَنْ يَقْصِدَ الِاسْتِثْنَاءَ ، فَلَوْ أَرَادَ الْجَزْمَ ، فَسَبَقَ لِسَانُهُ إلَى الِاسْتِثْنَاءِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ ، أَوْ كَانَتْ عَادَتُهُ جَارِيَةً بِالِاسْتِثْنَاءِ ، فَجَرَى لِسَانُهُ عَلَى الْعَادَةِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ ، لَمْ يَصِحَّ ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ لَمَّا لَمْ يَنْعَقِدْ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ ، فَكَذَلِكَ الِاسْتِثْنَاءُ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rوَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ حَتَّى يَقْصِدَهُ مَعَ ابْتِدَاءِ يَمِينِهِ ، فَلَوْ حَلَفَ غَيْرَ قَاصِدٍ لِلِاسْتِثْنَاءِ ، ثُمَّ عَرَضَ لَهُ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ الْيَمِينِ فَاسْتَثْنَى لَمْ يَنْفَعْهُ .\rوَلَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ هَذَا يُخَالِفُ عُمُومَ الْخَبَرِ ، فَإِنَّهُ قَالَ : { مَنْ حَلَفَ ، فَقَالَ : إنْ شَاءَ اللَّهُ لَمْ يَحْنَثْ } وَلِأَنَّ لَفْظَ الِاسْتِثْنَاءِ يَكُونُ عَقِيبَ يَمِينِهِ ، فَكَذَلِكَ نِيَّتُهُ","part":22,"page":153},{"id":10653,"text":"( 7997 ) فَصْلٌ : يَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ فِي كُلِّ يَمِينٍ مُكَفَّرَةٍ ، كَالْيَمِينِ بِاَللَّهِ تَعَالَى ، وَالظِّهَارِ ، وَالنَّذْرِ .\rقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى : مَنْ اسْتَثْنَى فِي يَمِينٍ تَدْخُلُهَا كَفَّارَةٌ ، فَلَهُ ثُنْيَاهُ ، لِأَنَّهَا أَيْمَانٌ مُكَفَّرَةٌ ، فَدَخَلَهَا الِاسْتِثْنَاءُ ، كَالْيَمِينِ بِاَللَّهِ تَعَالَى ، فَلَوْ قَالَ : أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .\rأَوْ : أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ .\rأَوْ : إنْ دَخَلْت الدَّارَ ، فَأَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي ، إنْ شَاءَ اللَّهُ .\rأَوْ : لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ .\rلَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ ؛ لِأَنَّهَا أَيْمَانٌ فَتَدْخُلُ فِي عُمُومِ قَوْلِهِ : { مَنْ حَلَفَ ، فَقَالَ : إنْ شَاءَ اللَّهُ .\rلَمْ يَحْنَثْ } .","part":22,"page":154},{"id":10654,"text":"( 7998 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَالَ : وَاَللَّهِ لَأَشْرَبَنَّ الْيَوْمَ ، إلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ .\rأَوْ : لَا أَشْرَبُ إلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ .\rلَمْ يَحْنَثْ بِالشُّرْبِ وَلَا بِتَرْكِهِ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا فِي الْإِثْبَاتِ .\rوَلَا فَرْقَ بَيْنَ تَقْدِيمِ الِاسْتِثْنَاءِ وَتَأْخِيرِهِ فِي هَذَا كُلِّهِ ، فَإِذَا قَالَ : وَاَللَّهِ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ ، لَا أَشْرَبُ الْيَوْمَ .\rأَوْ : لَأَشْرَبَنَّ الْيَوْمَ .\rفَفَعَلَ أَوْ تَرَكَ ، لَمْ يَحْنَثْ ؛ لِأَنَّ تَقْدِيمَ الشَّرْطِ وَتَأْخِيرَهُ سَوَاءٌ ، قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى : { إنْ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ } .","part":22,"page":155},{"id":10655,"text":"( 7999 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَالَ : وَاَللَّهِ لَأَشْرَبَنَّ الْيَوْمَ ، إنْ شَاءَ زَيْدٌ .\rفَشَاءَ زَيْدٌ ، لَزِمَهُ الشُّرْبُ ، فَإِنْ تَرَكَهُ حَتَّى مَضَى الْيَوْمُ حَنِثَ ، وَإِنْ لَمْ يَشَأْ زَيْدٌ لَمْ يَلْزَمْهُ يَمِينٌ ، فَإِنْ لَمْ تُعْلَمْ مَشِيئَتُهُ لِغَيْبَةٍ أَوْ جُنُونٍ أَوْ مَوْتٍ ، انْحَلَّتْ الْيَمِينُ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ الشَّرْطُ .\rوَإِنْ قَالَ : وَاَللَّهِ لَا أَشْرَبُ ، إلَّا أَنْ يَشَاءَ زَيْدٌ فَقَدْ مَنَعَ نَفْسَهُ الشُّرْبَ إلَّا أَنْ تُوجَدَ مَشِيئَةُ زَيْدٍ فَإِنْ شَاءَ فَلَهُ الشُّرْبُ ، وَإِنْ لَمْ يَشَأْ لَمْ يَشْرَبْ ، وَإِنْ خَفِيَتْ مَشِيئَتُهُ لِغِيبَةٍ أَوْ مَوْتٍ أَوْ جُنُونٍ ، لَمْ يَشْرَبْ ، وَإِنْ شَرِبَ حَنِثَ ؛ لِأَنَّهُ مَنَعَ نَفْسَهُ إلَّا أَنْ تُوجَدَ الْمَشِيئَةُ ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَشْرَبَ قَبْلَ وُجُودِهَا .\rوَإِنْ قَالَ : وَاَللَّهِ لَأَشْرَبَنَّ ، إلَّا أَنْ يَشَاءَ زَيْدٌ .\rفَقَدْ أَلْزَمَ نَفْسَهُ الشُّرْبَ إلَّا أَنْ يَشَاءَ زَيْدٌ أَنْ لَا يَشْرَبَ ؛ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ ضِدُّ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ ، وَالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ إيجَابٌ لِشُرْبِهِ بِيَمِينِهِ ، فَإِنْ شَرِبَ قَبْلَ مَشِيئَةِ زَيْدٍ بَرَّ .\rوَإِنْ قَالَ زَيْدٌ : قَدْ شِئْت أَنْ لَا يَشْرَبَ .\rانْحَلَّتْ الْيَمِينُ ؛ لِأَنَّهَا مُعَلَّقَةٌ بِعَدَمِ مَشِيئَتِهِ لِتَرْكِ الشُّرْبِ ، وَلَمْ تَتَقَدَّمْ ، فَلَمْ يُوجَدْ شَرْطُهَا .\rوَإِنْ قَالَ : قَدْ شِئْت أَنْ يَشْرَبَ .\rأَوْ : مَا شِئْت أَنْ لَا يَشْرَبَ .\rلَمْ تَنْحَلَّ الْيَمِينُ ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْمَشِيئَةَ غَيْرُ الْمُسْتَثْنَاةِ ، فَإِنْ خَفِيَتْ مَشِيئَتُهُ ، لَزِمَهُ الشُّرْبُ لِأَنَّهُ عَلَّقَ وُجُوبَ الشُّرْبِ بِعَدَمِ الْمَشِيئَةِ ، وَهِيَ مَعْدُومَةٌ بِحُكْمِ الْأَصْلِ .\rوَإِنْ قَالَ : وَاَللَّهِ لَا أَشْرَبُ الْيَوْمَ ، إنْ شَاءَ زَيْدٌ .\rفَقَالَ زَيْدٌ : قَدْ شِئْت أَنْ لَا تَشْرَبَ .\rفَشَرِبَ حَنِثَ ، وَإِنْ شَرِبَ قَبْلَ مَشِيئَتِهِ ، لَمْ يَحْنَثْ ؛ لِأَنَّ الِامْتِنَاعَ مِنْ الشُّرْبِ مُعَلَّقٌ بِمَشِيئَتِهِ ، وَلَمْ تَثْبُتْ مَشِيئَتُهُ ، فَلَمْ يَثْبُتْ الِامْتِنَاعُ ، بِخِلَافِ الَّتِي قَبْلَهَا .\rوَإِنْ خَفِيَتْ مَشِيئَتُهُ ، فَهِيَ فِي حُكْمِ الْمَعْدُومَةِ .","part":22,"page":156},{"id":10656,"text":"وَالْمَشِيئَةُ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ أَنْ يَقُولَ بِلِسَانِهِ .","part":22,"page":157},{"id":10657,"text":"( 8000 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : وَإِذَا اسْتَثْنَى فِي الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ ، فَأَكْثَرُ الرِّوَايَاتِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، أَنَّهُ تَوَقَّفَ عَنْ الْجَوَابِ .\rوَقَدْ قَطَعَ فِي مَوْضِعٍ ، أَنَّهُ لَا يَنْفَعُهُ الِاسْتِثْنَاءُ يَعْنِي إذَا قَالَ لِزَوْجَتِهِ : أَنْتِ طَالِقٌ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ .\rأَوْ لِعَبْدِهِ : أَنْتَ حُرٌّ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ .\rفَقَدْ تَوَقَّفَ أَحْمَدُ فِي الْجَوَابِ ؛ لِاخْتِلَافِ النَّاسِ فِيهَا ، وَتَعَارُضِ الْأَدِلَّةِ ، وَفِي مَوْضِعٍ قَطَعَ أَنَّهُ لَا يَنْفَعُهُ الِاسْتِثْنَاءُ فِيهِمَا .\rقَالَ ، فِي رِوَايَةِ إِسْحَاقَ بْنِ مَنْصُورٍ وَحَنْبَلٍ : مَنْ حَلَفَ ، فَقَالَ : إنْ شَاءَ اللَّهُ .\rلَمْ يَحْنَثْ ، وَلَيْسَ لَهُ اسْتِثْنَاءٌ فِي الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ .\rقَالَ حَنْبَلٌ : قَالَ : لِأَنَّهُمَا لَيْسَا مِنْ الْأَيْمَانِ .\rوَبِهِ قَالَ مَالِكٌ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالْحَسَنُ ، وَقَتَادَةُ .\rوَقَالَ طَاوُسٌ ، وَحَمَّادٌ ، وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ : يَجُوزُ الِاسْتِثْنَاءُ فِيهِمَا ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { مَنْ حَلَفَ ، فَقَالَ : إنْ شَاءَ اللَّهُ لَمْ يَحْنَثْ } .\rوَلِأَنَّهُ عَلَّقَ الطَّلَاقَ وَالْعَتَاقَ بِشَرْطٍ لَمْ يَتَحَقَّقْ وُجُودُهُ ، فَلَمْ يَقَعَا ، كَمَا لَوْ عَلَّقَهُ بِمَشِيئَةِ زَيْدٍ ، وَلَمْ تَتَحَقَّقْ مَشِيئَتُهُ وَلَنَا ، أَنَّهُ أَوْقَعَ الطَّلَاقَ وَالْعَتَاقَ فِي مَحَلٍّ قَابِلٍ ، فَوَقَعَ ، كَمَا لَوْ لَمْ يَسْتَثْنِ ، وَالْحَدِيثُ إنَّمَا تَنَاوَلَ الْأَيْمَانَ ، وَلِيس هَذَا بِيَمِينٍ ، إنَّمَا هُوَ تَعْلِيقٌ عَلَى شَرْطٍ .\rقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : إنَّمَا وَرَدَّ التَّوْقِيفُ بِالِاسْتِثْنَاءِ فِي الْيَمِينِ بِاَللَّهِ - تَعَالَى ، وَقَوْلُ الْمُتَقَدِّمِينَ : الْأَيْمَانُ بِالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ .\rإنَّمَا جَاءَ عَلَى التَّقْرِيبِ ، وَالِاتِّسَاعِ وَلَا يَمِينَ فِي الْحَقِيقَةِ إلَّا بِاَللَّهِ - تَعَالَى ، وَهَذَا طَلَاقٌ وَعَتَاقٌ .\rوَقَدْ ذَكَرْنَا هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي الطَّلَاقِ بِأَبْسَطَ مِنْ هَذَا .","part":22,"page":158},{"id":10658,"text":"( 8001 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : وَإِذَا قَالَ : إنْ تَزَوَّجْت فُلَانَةَ فَهِيَ طَالِقٌ .\rلَمْ تَطْلُقْ إنْ تَزَوَّجَ بِهَا .\rوَإِنْ قَالَ : إذَا مَلَكْت فُلَانًا فَهُوَ حُرٌّ فَمَلَكَهُ صَارَ حُرًّا اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ فِي هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ ، فَعَنْهُ : لَا يَقَعُ طَلَاقٌ ، وَلَا عِتْقٌ .\rرُوِيَ هَذَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ .\rوَبِهِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ، وَعَطَاءٌ ، وَالْحَسَنُ ، وَعُرْوَةُ وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ ، وَسَوَّارٌ وَالْقَاضِي ، وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ .\rوَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَلِيٍّ ، وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَعَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ ، وَشُرَيْحٍ ، وَغَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ فُقَهَاءِ التَّابِعِينَ ، قَالَ : وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ؛ لِمَا رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَا نَذْرَ لِابْنِ آدَمَ فِيمَا لَا يَمْلِكُ ، وَلَا عِتْقَ فِيمَا لَا يَمْلِكُ ، وَلَا طَلَاقَ لِابْنِ آدَمَ فِيمَا لَا يَمْلِكُ } قَالَ التِّرْمِذِيُّ وَهَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ ، وَهُوَ أَحْسَنُ مَا رُوِيَ فِي هَذَا الْبَابِ .\rوَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { لَا طَلَاقَ وَلَا عَتَاقَ فِيمَا لَا يَمْلِكُ ابْنُ آدَمَ ، وَإِنْ عَيَّنَهَا } رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَرَوَى أَبُو بَكْرٍ فِي الشَّافِي عَنْ الْخَلَّالِ ، عَنْ الرَّمَادِيِّ ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ جُوَيْبِرٍ ، عَنْ الضَّحَّاكِ ، عَنْ النَّزَّالِ بْنِ سَبْرَةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { لَا طَلَاقَ قَبْلَ نِكَاحٍ } .\rقَالَ أَحْمَدُ : هَذَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعِدَّةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ .\rوَلِأَنَّ مَنْ لَا يَقَعُ طَلَاقُهُ وَعِتْقُهُ بِالْمُبَاشَرَةِ ، لَمْ تَنْعَقِدْ لَهُ صِفَةٌ ، كَالْمَجْنُونِ ، وَلِأَنَّهُ قَوْلُ مَنْ سَمَّيْنَا مِنْ الصَّحَابَةِ ، وَلَمْ نَعْرِفْ لَهُمْ مُخَالِفًا فِي عَصْرِهِمْ ، فَيَكُونُ إجْمَاعًا .","part":22,"page":159},{"id":10659,"text":"وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ عَنْ أَحْمَدْ ، أَنَّهُ يَصِحُّ فِي الْعِتْقِ وَلَا يَصِحُّ فِي الطَّلَاقِ .\rقَالَ ، فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ : إذَا قَالَ : إنْ اشْتَرَيْت هَذَا الْغُلَامَ فَهُوَ حُرٌّ .\rفَاشْتَرَاهُ عَتَقَ ، وَإِنْ قَالَ : إنْ تَزَوَّجْت فُلَانَةَ فَهِيَ طَالِقٌ .\rفَهَذَا غَيْرُ الطَّلَاقِ ، هَذَا حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى ، وَالطَّلَاقُ يَمِينٌ ، لَيْسَ هُوَ لِلَّهِ تَعَالَى ، وَلَا فِيهِ قُرْبَةٌ إلَى اللَّهِ - تَعَالَى .\rقَالَ أَبُو بَكْرٍ فِي كِتَابِ الشَّافِي : لَا يَخْتَلِفُ قَوْلُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ، أَنَّ الطَّلَاقَ إذَا وَقَعَ قَبْلَ النِّكَاحِ لَا يَقَعُ ، وَأَنَّ الْعَتَاقَ يَقَعُ ، إلَّا مَا رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ هَارُونُ فِي الْعِتْقِ ، أَنَّهُ لَا يَقَعُ ، وَمَا أُرَاهُ إلَّا غَلَطًا ، كَذَلِكَ سَمِعْت الْخَلَّالَ يَقُولُ ، فَإِنْ كَانَ حَفِظَ فَهُوَ قَوْلٌ آخَرُ .\rوَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا ، أَنَّ نَاذِرَ الْعِتْقِ يَلْزَمُهُ الْوَفَاءُ بِهِ ، وَأَنَّ نَاذِرَ الطَّلَاقِ لَا يَلْزَمُهُ الْوَفَاءُ بِهِ ، فَكَمَا افْتَرَقَا فِي النَّذْرِ ، جَازَ أَنْ يَفْتَرِقَا فِي الْيَمِينِ ، وَلِأَنَّهُ لَوْ قَالَ لِأَمَتِهِ : أَوَّلُ وَلَدٍ تَلِدِينَهُ فَهُوَ حُرُّ .\rفَإِنَّهُ يَصِحُّ وَهُوَ تَعْلِيقٌ لِلْحُرِّيَّةِ عَلَى الْمِلْكِ .\rوَعَنْ أَحْمَدْ ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، مَا يَدُلُّ عَلَى وُقُوعِ الطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ .\rوَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ ؛ لِأَنَّهُ يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ عَلَى الْأَخْطَارِ ، فَصَحَّ تَعْلِيقُهُ عَلَى حُدُوثِ الْمِلْكِ ، كَالْوَصِيَّةِ وَالنَّذْرِ وَالْيَمِينِ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : إنْ خَصَّ جِنْسًا مِنْ الْأَجْنَاسِ ، أَوْ عَبْدًا بِعَيْنِهِ ، عَتَقَ إذَا مَلَكَهُ ، وَإِنْ قَالَ : كُلُّ عَبْدٍ أَمْلِكُهُ فَهُوَ حُرٌّ .\rلَمْ يَصِحَّ .\rوَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى ؛ لِأَنَّهُ تَعْلِيقٌ لِلطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ قَبْلَ الْمِلْكِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَالَ لِأَجْنَبِيَّةٍ : إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ .\rأَوْ لِأَمَةِ غَيْرِهِ : إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ حُرَّةٌ ثُمَّ تَزَوَّجَ الْأَجْنَبِيَّةَ ، وَمَلَكَ الْأَمَةَ ، وَدَخَلَتَا الدَّارَ ، فَإِنَّ الطَّلَاقَ","part":22,"page":160},{"id":10660,"text":"لَا يَقَعُ ، وَلَا تَعْتِقُ الْأَمَةُ ، بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ .","part":22,"page":161},{"id":10661,"text":"( 8002 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : وَلَوْ حَلَفَ أَنْ لَا يَنْكِحَ فُلَانَةَ ، أَوْ : لَا اشْتَرَيْت فُلَانَةَ .\rفَنَكَحَهَا نِكَاحًا فَاسِدًا ، أَوْ اشْتَرَاهَا شِرَاءً فَاسِدًا ، لَمْ يَحْنَثْ وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إذَا قَالَ لِعَبْدِهِ : إنْ زَوَّجْتُك ، أَوْ بِعْتُك ، فَأَنْتَ حُرٌّ .\rفَزَوَّجَهُ تَزْوِيجًا فَاسِدًا ، لَمْ يَعْتِقْ ، وَإِنْ بَاعَهُ بَيْعًا فَاسِدًا يُمْلَكُ بِهِ ، حَنِثَ ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ الْفَاسِدَ عِنْدَهُ يَثْبُتُ بِهِ الْمِلْكُ ، إذَا اتَّصَلَ بِهِ الْقَبْضُ .\rوَلَنَا ، أَنَّ اسْمَ الْبَيْعِ يَنْصَرِفُ إلَى الصَّحِيحِ ؛ بِدَلِيلِ أَنَّ قَوْلَ اللَّهِ - تَعَالَى : { وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ } .\rوَأَكْثَرُ أَلْفَاظِهِ فِي الْبَيْعِ إنَّمَا يَنْصَرِفُ إلَى الصَّحِيحِ ، فَلَا يَحْنَثُ بِمَا دُونَهُ ، كَمَا فِي النِّكَاحِ ، وَكَالصَّلَاةِ ، وَغَيْرِهِمَا ، وَمَا ذَكَرُوهُ مِنْ ثُبُوتِ الْمِلْكِ بِهِ لَا نُسَلِّمُهُ .\rوَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى : لَا يَحْنَثُ بِالنِّكَاحِ الْفَاسِدِ .\rوَهَلْ يَحْنَثُ بِالْبَيْعِ الْفَاسِدِ ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ .\rوَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : إنْ نَكَحَهَا نِكَاحًا مُخْتَلَفًا فِيهِ ، مِثْلَ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا بِلَا وَلِيٍّ وَلَا شُهُودٍ ، أَوْ بَاعَ فِي وَقْتِ النِّدَاءِ ، فَعَلَى وَجْهَيْنِ .\rوَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى إنْ تَزَوَّجَهَا تَزْوِيجًا مُخْتَلَفًا فِيهِ ، أَوْ مَلَكَ مِلْكًا مُخْتَلَفًا فِيهِ ، حَنِثَ فِيهِمَا جَمِيعًا .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ نِكَاحٌ فَاسِدٌ ، وَبَيْعٌ فَاسِدٌ ، فَلَمْ يَحْنَثْ بِهِمَا ، كَالْمُتَّفَقِ عَلَى فَسَادِهِمَا .\r( 8003 ) فَصْلٌ : وَالْمَاضِي وَالْمُسْتَقْبَلُ سَوَاءٌ فِي هَذَا .\rوَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ : إذَا حَلَفَ مَا صَلَّيْت وَلَا تَزَوَّجْت ، وَلَا بِعْت ، وَكَانَ قَدْ فَعَلَهُ فَاسِدًا ، حَنِثَ ؛ لِأَنَّ الْمَاضِيَ لَا يُقْصَدُ مِنْهُ إلَّا الِاسْمُ ، وَالِاسْمُ يَتَنَاوَلُهُ ، وَالْمُسْتَقْبَلُ بِخِلَافِهِ ، فَإِنَّهُ يُرَادُ بِالنِّكَاحِ وَالْبَيْعِ الْمِلْكُ ، وَبِالصَّلَاةِ الْقُرْبَةُ .\rوَلَنَا ، أَنَّ مَا لَا يَتَنَاوَلُهُ الِاسْمُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ ، لَا يَتَنَاوَلُهُ فِي الْمَاضِي ، كَالْإِيجَابِ ، وَكَغَيْرِ","part":22,"page":162},{"id":10662,"text":"الْمُسَمَّى وَمَا ذَكَرُوهُ لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ الِاسْمَ لَا يَتَنَاوَلُهُ إلَّا الشَّرْعِيُّ ، وَلَا يَحْصُلُ .","part":22,"page":163},{"id":10663,"text":"( 8004 ) فَصْلٌ : وَإِنْ حَلَفَ لَا يَبِيعُ ، فَبَاعَ بَيْعًا فِيهِ الْخِيَارُ ، حَنِثَ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَحْنَثُ ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ لَا يَثْبُتُ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ ، فَأَشْبَهَ الْبَيْعَ الْفَاسِدَ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ بَيْعٌ صَحِيحٌ شَرْعِيٌّ ، فَيَحْنَثُ بِهِ ، كَالْبَيْعِ اللَّازِمِ ، وَمَا ذَكَرُوهُ لَا يَصِحُّ فَإِنَّ بَيْعَ الْخِيَارِ يَثْبُتُ الْمِلْكُ بِهِ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْخِيَارِ بِالِاتِّفَاقِ ، وَهُوَ سَبَبٌ لَهُ ، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْمِلْكَ لَا يَثْبُتُ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ","part":22,"page":164},{"id":10664,"text":"فَصْلٌ : وَإِنْ حَلَفَ لَا يَبِيعُ ، أَوْ لَا يُزَوِّجُ ، فَأَوْجَبَ الْبَيْعَ وَالنِّكَاحَ ، وَلَمْ يَقْبَلْ الْمُتَزَوِّجُ وَالْمُشْتَرِي ، لَمْ يَحْنَثْ .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ .\rوَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ وَالنِّكَاحَ عَقْدَانِ لَا يَتِمَّانِ إلَّا بِالْقَبُولِ فَلَمْ يَقَعْ الِاسْمُ عَلَى الْإِيجَابِ بِدُونِهِ ، فَلَمْ يَحْنَثْ بِهِ .\rوَإِنْ حَلَفَ لَا يَهَبُ ، وَلَا يُعِيرُ فَأَوْجَبَ ذَلِكَ ، وَلَمْ يَقْبَلْ الْآخَرُ ، فَقَالَ الْقَاضِي : يَحْنَثُ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَابْنِ سُرَيْجٍ ، لِأَنَّ الْهِبَةَ وَالْعَارِيَّةَ لَا عِوَضَ فِيهِمَا ، فَكَانَ مُسَمَّاهُمَا الْإِيجَابَ ، وَالْقَبُولُ شَرْطٌ لِنَقْلِ الْمِلْكِ ، وَلَيْسَ هُوَ مِنْ السَّبَبِ ، فَيَحْنَثُ بِمُجَرَّدِ الْإِيجَابِ فِيهِمَا ، كَالْوَصِيَّةِ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يَحْنَثُ بِمُجَرَّدِ الْإِيجَابِ ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ لَا يَتِمُّ إلَّا بِالْقَبُولِ ، فَلَمْ يَحْنَثْ فِيهِ بِمُجَرَّدِ الْإِيجَابِ ، كَالنِّكَاحِ وَالْبَيْعِ .\rفَأَمَّا الْوَصِيَّةُ وَالْهَدِيَّةُ وَالصَّدَقَةُ ، فَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : يَحْنَثُ فِيهَا بِمُجَرَّدِ الْإِيجَابِ .\rوَلَا أَعْلَمُ قَوْلَ الشَّافِعِيِّ فِيهَا ، إلَّا أَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ لَا يُخَالِفُ فِي الْوَصِيَّةِ وَالْهَدِيَّةِ ؛ لِأَنَّ الِاسْمَ يَقَعُ عَلَيْهِمَا بِدُونِ الْقَبُولِ ، وَلِهَذَا لَمَّا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { كُتِبَ عَلَيْكُمْ إذَا حَضَرَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ إنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ } إنَّمَا أَرَادَ الْإِيجَابَ دُونَ الْقَبُولِ ، وَلِأَنَّ الْوَصِيَّةَ صَحِيحَةٌ قَبْلَ مَوْتِ الْمُوصِي ، وَلَا قَبُولَ لَهَا حِينَئِذٍ .\r( 8006 ) فَصْلٌ : وَإِنْ حَلَفَ لَا يَتَزَوَّجُ ، حَنِثَ بِمُجَرَّدِ الْإِيجَابِ ، وَالْقَبُولُ الصَّحِيحُ .\rلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَحْصُلُ بِهِ الْمُسَمَّى الشَّرْعِيُّ ، فَتَنَاوَلَهُ يَمِينُهُ .\rوَإِنْ حَلَفَ لَيَتَزَوَّجَنَّ ، بَرَّ بِذَلِكَ ، سَوَاءٌ كَانَتْ لَهُ امْرَأَةٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ ، وَسَوَاءٌ تَزَوَّجَ نَظِيرَتَهَا أَوْ دُونَهَا أَوْ أَعْلَى مِنْهَا ، إلَّا أَنْ يَحْتَالَ عَلَى","part":22,"page":165},{"id":10665,"text":"حَلِّ يَمِينِهِ بِتَزْوِيجٍ لَا يُحَصِّلُ مَقْصُودَهَا ، مِثْلَ أَنْ يُوَاطِئَ امْرَأَتَهُ عَلَى نِكَاحٍ لَا يَغِيظُهَا بِهِ ، لِيَبَرَّ فِي يَمِينِهِ ، فَلَا يَبَرُّ بِهَذَا .\rوَقَالَ أَصْحَابُنَا : إذَا حَلَفَ لَيَتَزَوَّجَنَّ عَلَى امْرَأَتِهِ ، لَا يَبَرُّ حَتَّى يَتَزَوَّجَ نَظِيرَتَهَا ، وَيَدْخُلَ بِهَا .\rوَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ؛ لِأَنَّهُ قَصَدَ غَيْظَ زَوْجَتِهِ ، وَلَا يَحْصُلُ إلَّا بِذَلِكَ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ تَزَوَّجَ تَزْوِيجًا صَحِيحًا ، فَبَرَّ بِهِ ، كَمَا لَوْ تَزَوَّجَ نَظِيرَتَهَا ، وَدَخَلَ بِهَا ، وَقَوْلُهُمْ : إنَّ الْغَيْظَ لَا يَحْصُلُ إلَّا بِتَزْوِيجِ نَظِيرَتِهَا ، وَالدُّخُولِ بِهَا غَيْرُ مُسَلَّمٍ ؛ فَإِنَّ الْغَيْظَ يَحْصُلُ بِمُجَرَّدِ الْخِطْبَةِ ، وَإِنْ حَصَلَ بِمَا ذَكَرُوهُ زِيَادَةٌ فِي الْغَيْظِ فَلَا تَلْزَمُهُ الزِّيَادَةُ عَلَى الْغَيْظِ الَّذِي يَحْصُلُ بِمَا تَنَاوَلَتْهُ يَمِينُهُ ، كَمَا أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ نِكَاحُ اثْنَتَيْنِ وَلَا ثَلَاثٍ ، وَلَا أَعْلَى مِنْ نَظِيرَتِهَا ، وَاَلَّذِي تَنَاوَلَتْهُ يَمِينُهُ مُجَرَّدُ التَّزْوِيجِ ، وَلِذَلِكَ لَوْ حَلَفَ لَا يَتَزَوَّجُ عَلَى امْرَأَتِهِ ، حَنِثَ بِهَذَا ، فَكَذَلِكَ يَحْصُلُ الْبَرُّ بِهِ ؛ لِأَنَّ الْمُسَمَّى وَاحِدٌ ، فَمَا تَنَاوَلَهُ النَّفْيُ تَنَاوَلَهُ فِي الْإِثْبَاتِ ، وَإِنَّمَا لَا يَبَرُّ إذَا تَزَوَّجَ تَزْوِيجًا لَا يَحْصُلُ بِهِ الْغَيْظُ ، كَمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ الصُّورَةِ وَنَظَائِرِهَا ؛ لِأَنَّ مَبْنَى الْأَيْمَانِ عَلَى الْمَقَاصِدِ وَالنِّيَّاتِ ، وَلَمْ يَحْصُلْ مَقْصُودُهُ ، وَلِأَنَّ التَّزْوِيجَ هَاهُنَا يَحْصُلُ حِيلَةً عَلَى التَّخَلُّصِ مِنْ يَمِينِهِ بِمَا لَا يُحَصِّلُ مَقْصُودَهَا ، فَلَمْ تُقْبَلْ مِنْهُ حِيلَتُهُ .\rوَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى هَذَا ، فَقَالَ : إذَا حَلَفَ لَيَتَزَوَّجَنَّ عَلَى امْرَأَتِهِ ، فَتَزَوَّجَ بِعَجُوزٍ أَوْ زِنْجِيَّةٍ ، لَا يَبَرُّ ؛ لِأَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يُغَيِّرَهَا وَيَغُمَّهَا ، وَبِهَذَا لَا تَغَارُ وَلَا تَغْتَمُّ .\rفَعَلَّلَهُ أَحْمَدُ بِمَا لَا يَغِيظُ بِهِ الزَّوْجَةَ ، وَلَمْ يَعْتَبِرْ أَنْ تَكُونَ نَظِيرَتَهَا ؛ لِأَنَّ الْغَيْظَ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى ذَلِكَ ، وَلَوْ قَدَّرَ أَنْ","part":22,"page":166},{"id":10666,"text":"تَزَوُّجَ الْعَجُوزِ يَغِيظُهَا وَالزِّنْجِيَّةِ ، لَبَرَّ بِهِ ، وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ أَحْمَدُ ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّهُ لَا يَغِيظُهَا ، لِأَنَّهَا تَعْلَمُ أَنَّهُ إنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ حِيلَةً لِئَلَّا يَغِيظَهَا ، وَيَبَرَّ بِهِ .","part":22,"page":167},{"id":10667,"text":"( 8007 ) فَصْلٌ : إذَا حَلَفَ : لَا تَسَرَّيْت .\rفَوَطِئَ جَارِيَتَهُ ، حَنِثَ ، ذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : لَا يَحْنَثُ حَتَّى يَطَأَ فَيُنْزِلَ ، فَحْلًا كَانَ أَوْ خَصِيًّا .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَحْنَثُ حَتَّى يُحْصِنَهَا وَيَحْجُبَهَا عَنْ النَّاسِ ؛ لِأَنَّ التَّسَرِّيَ مَأْخُوذٌ مِنْ السِّرِّ .\rوَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ كَهَذِهِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ التَّسَرِّيَ مَأْخُوذٌ مِنْ السِّرِّ ، وَهُوَ الْوَطْءُ لِأَنَّهُ يَكُونُ فِي السِّرِّ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا } وَقَالَ الشَّاعِرُ : فَلَنْ تَطْلُبُوا سِرَّهَا لِلْغِنَى وَلَنْ تُسْلِمُوهَا لِإِزْهَادِهَا وَقَالَ آخِرُ أَلَا زَعَمَتْ بَسْبَاسَةُ الْقَوْمِ أَنَّنِي كَبِرْت وَأَنْ لَا يُحْسِنَ السِّرَّ أَمْثَالِي وَلِأَنَّ كُلَّ حُكْمٍ تَعَلَّقَ بِالْوَطْءِ لَمْ يُعْتَبَرْ فِيهِ الْإِنْزَالُ وَلَا التَّحْصِينُ ، كَسَائِرِ الْأَحْكَامِ .","part":22,"page":168},{"id":10668,"text":"( 8008 ) فَصْلٌ : إذَا حَلَفَ لَا يَهَبُ لَهُ ، فَأَهْدَى إلَيْهِ ، أَوْ أَعْمَرَهُ حَنِثَ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِ الْهِبَةِ ، وَإِنْ أَعْطَاهُ مِنْ الصَّدَقَةِ الْوَاجِبَةِ ، أَوْ نَذْرٍ أَوْ كَفَّارَةٍ ، لَمْ يَحْنَثْ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ حَقٌّ لِلَّهِ - تَعَالَى عَلَيْهِ ، يَجِبُ إخْرَاجُهُ ، فَلَيْسَ هُوَ بِهِبَةٍ مِنْهُ ، وَإِنْ تَصَدَّقَ عَلَيْهِ تَطَوُّعًا ، فَقَالَ الْقَاضِي : يَحْنَثُ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : لَا يَحْنَثُ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ ؛ لِأَنَّهُمَا يَخْتَلِفَانِ اسْمًا وَحُكْمًا ؛ بِدَلِيلِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { هُوَ عَلَيْهَا صَدَقَةٌ ، وَلَنَا هَدِيَّةٌ } .\rوَكَانَتْ الصَّدَقَةُ مُحَرَّمَةً عَلَيْهِ ، وَالْهَدِيَّةُ حَلَالٌ لَهُ ، وَكَانَ يَقْبَلُ الْهَدِيَّةَ وَلَا يَقْبَلُ الصَّدَقَةَ ، وَمَعَ هَذَا الِاخْتِلَافِ لَا يَحْنَثُ فِي أَحَدِهِمَا بِفِعْلِ الْآخَرِ .\rوَوَجْهُ الْأَوَّلِ ، أَنَّهُ تَبَرَّعَ بِعَيْنٍ فِي الْحَيَاةِ ، فَحَنِثَ بِهِ ، كَالْهَدِيَّةِ ، وَلِأَنَّ الصَّدَقَةَ تُسَمَّى هِبَةً ، فَلَوْ تَصَدَّقَ بِدِرْهَمٍ ، قِيلَ : وَهَبَ دِرْهَمًا ، وَتَبَرَّعَ بِدِرْهَمٍ .\rوَاخْتِلَافُ التَّسْمِيَة لِكَوْنِ الصَّدَقَةِ نَوْعًا مِنْ الْهِبَةِ ، فَيَخْتَصُّ بَاسِمٍ دُونَهَا ، كَاخْتِصَاصِ الْهَدِيَّةِ وَالْعُمْرَى بِاسْمَيْنِ ، وَلَمْ يُخْرِجْهُمَا ذَلِكَ عَنْ كَوْنِهِمَا هِبَةً ، وَكَذَلِكَ اخْتِلَافُ الْأَحْكَامِ ، فَإِنَّهُ قَدْ يَثْبُتُ لِلنَّوْعِ مَا لَا يَثْبُتُ لِلْجِنْسِ ، كَمَا يَثْبُتُ لِلْآدَمِيِّ مِنْ الْأَحْكَامِ مَا لَا يَثْبُتُ لِمُطْلَقِ الْحَيَوَانِ .\rوَإِنْ وَصَّى لَهُ ، لَمْ يَحْنَثْ ؛ لِأَنَّ الْهِبَةَ تَمْلِيكٌ فِي الْحَيَاةِ ، وَالْوَصِيَّةُ إنَّمَا تُمْلَكُ بِالْقَبُولِ بَعْدَ الْمَوْتِ .\rوَإِنْ أَعَارَهُ ، لَمْ يَحْنَثْ ؛ لِأَنَّ الْهِبَةَ تَمْلِيكُ الْأَعْيَانِ ، وَلَيْسَ فِي الْعَارِيَّةِ تَمْلِيكُ عَيْنٍ ، وَلِأَنَّ الْمُسْتَعِيرَ لَا يَمْلِكُ الْمَنْفَعَةَ ، وَإِنَّمَا يَسْتَبِيحُهَا ، وَلِهَذَا يَمْلِكُ الْمُعِيرُ الرُّجُوعَ فِيهَا ، وَلَا يَمْلِكُ الْمُسْتَعِيرُ إجَارَتَهَا ، وَلَا إعَارَتَهَا .\rهَذَا قَوْلُ الْقَاضِي ،","part":22,"page":169},{"id":10669,"text":"وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : يَحْنَثُ ؛ لِأَنَّ الْعَارِيَّةَ هِبَةُ الْمَنْفَعَةِ .\rوَالْأَوَّلُ أَصَحُّ .\rوَإِنْ أَضَافَهُ ، لَمْ يَحْنَثْ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُمْلِكْهُ شَيْئًا ، وَإِنَّمَا أَبَاحَهُ ، وَلِهَذَا لَا يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ بِغَيْرِ الْأَكْلِ .\rوَإِنْ بَاعَهُ وَحَابَاهُ ، لَمْ يَحْنَثْ ؛ لِأَنَّهُ مُعَاوَضَةٌ يَمْلِكُ الشَّفِيعُ أَخْذَ جَمِيعِ الْمَبِيعِ ، وَلَوْ كَانَ هِبَةً أَوْ بَعْضُهُ هِبَةً ، لَمْ يَمْلِكْ أَخْذَهُ كُلَّهُ .\rوَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : يَحْنَثُ ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ يَتْرُكُ لَهُ بَعْضَ الْمَبِيعِ بِغَيْرِ ثَمَنٍ ، أَوْ وَهَبَهُ بَعْضَ الثَّمَنِ .\rوَإِنْ وَقَفَ عَلَيْهِ ، فَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : يَحْنَثُ ؛ لِأَنَّهُ تَبَرَّعَ لَهُ بِعَيْنٍ فِي الْحَيَاةِ .\rوَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَحْنَثَ ؛ لِأَنَّ الْوَقْفَ لَا يُمْلَكُ ، فِي رِوَايَةٍ .\rوَإِنْ حَلَفَ لَا يَتَصَدَّقُ عَلَيْهِ ، فَوَهَبَ لَهُ ، لَمْ يَحْنَثْ ؛ لِأَنَّ الصَّدَقَةَ نَوْعٌ مِنْ الْهِبَةِ ، وَلَا يَحْنَثُ الْحَالِفُ عَلَى نَوْعٍ بِفِعْلِ نَوْعٍ آخَرَ ، وَلَا يَثْبُتُ لِلْجِنْسِ حُكْمُ النَّوْعِ ، وَلِهَذَا حَرُمَتْ الصَّدَقَةُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلَمْ تَحْرُمْ الْهِبَةُ وَلَا الْهَدِيَّةُ .\rوَإِنْ حَلَفَ لَا يَهَبُ لَهُ شَيْئًا ، فَأَسْقَطَ عَنْهُ دَيْنًا ، لَمْ يَحْنَثْ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ ؛ لِأَنَّ الْهِبَةَ تَمْلِيكُ عَيْنٍ ، وَلَيْسَ لَهُ إلَّا دَيْنٌ فِي ذِمَّتِهِ .","part":22,"page":170},{"id":10670,"text":"مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : وَلَوْ حَلَفَ أَنْ لَا يَشْتَرِيَ فُلَانًا ، أَوْ لَا يَضْرِبَهُ ، فَوَكَّلَ فِي الشِّرَاءِ وَالضَّرْبِ ، حَنِثَ وَجُمْلَتُهُ أَنَّ مَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَفْعَلَ شَيْئًا ، فَوَكَّلَ مَنْ فَعَلَهُ ، حَنِثَ ، إلَّا أَنْ يَنْوِيَ مُبَاشَرَتَهُ بِنَفْسِهِ .\rوَنَحْوُ هَذَا قَوْلُ مَالِكٍ ، وَأَبِي ثَوْرٍ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يَحْنَثُ ، إلَّا أَنْ يَنْوِيَ بِيَمِينِهِ أَنْ لَا يَسْتَنِيبَ فِي فِعْلِهِ ، أَوْ يَكُونَ مِمَّنْ لَمْ تَجْرِ عَادَتُهُ بِمُبَاشَرَتِهِ ؛ لِأَنَّ إطْلَاقَ إضَافَةِ الْفِعْلِ يَقْتَضِي مُبَاشَرَتَهُ ؛ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ وَكُلَّهُ فِي الْبَيْعِ لَمْ يَجُزْ لِلْوَكِيلِ تَوْكِيلُ غَيْرِهِ .\rوَإِنْ حَلَفَ لَا يَبِيعُ وَلَا يَضْرِبُ ، فَأَمَرَ مَنْ فِعْلِهِ ، فَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يَتَوَلَّى ذَلِكَ بِنَفْسِهِ ، لَمْ يَحْنَثْ ، وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ لَا يَتَوَلَّاهُ ، كَالسُّلْطَانِ ، فَفِيهِ قَوْلَانِ .\rوَإِنْ حَلَفَ لَا يَحْلِقُ رَأْسَهُ ، فَأَمَرَ مَنْ حَلَقَهُ ، فَقِيلَ : فِيهِ قَوْلَانِ وَقِيلَ : يَحْنَثُ ، قَوْلًا وَاحِدًا .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ : إنْ حَلَفَ لَا يَبِيعُ ، فَوَكَّلَ مَنْ بَاعَ ، لَمْ يَحْنَثْ ، وَإِنْ حَلَفَ لَا يَضْرِبُ ، وَلَا يَتَزَوَّجُ ، فَوَكَّلَ مَنْ فَعَلَهُ ، حَنِثَ .\rوَلَنَا أَنَّ الْفِعْلَ يُطْلَقُ عَلَى مَنْ وَكَّلَ فِيهِ ، وَأَمَرَ بِهِ ، فَيَحْنَثُ بِهِ ، كَمَا لَوْ كَانَ مِمَّنْ لَا يَتَوَلَّاهُ بِنَفْسِهِ ، وَكَمَا لَوْ حَلَفَ لَا يَحْلِقُ رَأْسَهُ ، فَأَمَرَ مَنْ حَلَقَهُ ، أَوْ لَا يَضْرِبُ ، فَوَكَّلَ مَنْ ضَرَبَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ } وَقَالَ : { مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ } .\rوَكَانَ هَذَا مُتَنَاوِلًا لِلِاسْتِنَابَةِ فِيهِ .\rوَلِأَنَّ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ وُجِدَ مِنْ نَائِبِهِ ، فَحَنِثَ بِهِ ، كَمَا لَوْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ دَارًا ، فَأَمَرَ مَنْ حَمَلَهُ إلَيْهَا .\rوَقَوْلُهُمْ : إنَّ إضَافَةَ الْفِعْلِ إلَيْهِ تَقْتَضِي الْمُبَاشَرَةَ بِمَنْعِهِ .\rوَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ إذَا وَكَّلَ فِي فِعْلٍ يَمْتَنِعُ عَلَى الْوَكِيلِ التَّوْكِيلُ فِيهِ ، وَلَئِنْ","part":22,"page":171},{"id":10671,"text":"سَلَّمْنَا ، فَلِأَنَّ التَّوْكِيلَ يُقْصَدُ بِهِ الْأَمَانَةُ وَالْحِذْقُ ، وَالنَّاسُ يَخْتَلِفُونَ فِيهِمَا ، فَإِذَا عَيَّنَ وَاحِدًا ، لَمْ تَجُزْ مُخَالَفَةُ تَعْيِينِهِ ، بِخِلَافِ الْيَمِينِ .\rفَأَمَّا إنْ نَوَى بِيَمِينِهِ الْمُبَاشَرَةَ لِلْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ ، أَوْ كَانَ سَبَبُ يَمِينِهِ يَقْتَضِيهَا ، أَوْ قَرِينَةُ حَالِهِ ، تَخَصَّصَ بِهَا ؛ لِأَنَّ إطْلَاقَهُ يُقَيَّدُ بِنِيَّتِهِ ، أَوْ بِمَا دَلَّ عَلَيْهَا ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ صَرَّحَ بِهِ بِلَفْظِهِ .\rوَإِنْ حَلَفَ لَيَشْتَرِيَنَّ ، أَوْ لَيَبِيعَنَّ ، أَوْ لَيَضْرِبَنَّ ، فَوَكَّلَ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ ، بَرَّ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا فِي طَرَفِ النَّفْيِ ، وَلِذَلِكَ لَمَّا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { رَحِمَ اللَّهُ الْمُحَلِّقِينَ } .\rتَنَاوَلَ مَنْ حُلِقَ رَأْسُهُ بِأَمْرِهِ .","part":22,"page":172},{"id":10672,"text":"( 8010 ) فَصْلٌ : وَإِنْ حَلَفَ لَيُطَلِّقَنَّ زَوْجَتَهُ ، أَوْ لَا يُطَلِّقُهَا ، فَوَكَّلَ مَنْ طَلَّقَهَا ، أَوْ قَالَ لَهَا : طَلِّقِي نَفْسَكِ فَطَلَّقَهَا أَوْ قَالَ لَهَا : اخْتَارِي ، أَوْ أَمْرُكِ بِيَدِك .\rفَطَلَّقَتْ نَفْسَهَا ، بَرَّ ، وَحَنِثَ .\rوَالْخِلَافُ فِيهِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ .\rوَإِنْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ إنْ شِئْت ، أَوْ إنْ قُمْت .\rفَشَاءَتْ ، أَوْ قَامَتْ حَنِثَ .\rبِغَيْرِ خِلَافٍ ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ مِنْهُ ، وَإِنَّمَا هِيَ حَقَّقَتْ شَرْطَهُ .","part":22,"page":173},{"id":10673,"text":"( 8011 ) فَصْلٌ : فَإِنْ حَلَفَ لَا يَضْرِبُ امْرَأَتَهُ ، فَلَطَمَهَا ، أَوْ لَكَمَهَا ، أَوْ ضَرَبَهَا بِعَصًا أَوْ غَيْرِهَا ، حَنِثَ .\rبِغَيْرِ خِلَافٍ .\rوَإِنْ عَضَّهَا ، أَوْ خَنَقَهَا ، أَوْ جَزَّ شَعْرَهَا جَزًّا يُؤْلِمُهَا ، قَاصِدًا لِلْإِضْرَارِ بِهَا ، حَنِثَ .\rوَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يَحْنَثُ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُسَمَّى ضَرْبًا ، فَلَا يَحْنَثُ بِهِ ، كَمَا لَوْ شَتَمَهَا شَتْمًا آلَمَهَا .\rوَقَدْ نُقِلَ عَنْ أَحْمَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى هَذَا ؛ فَإِنَّ مُهَنَّا نَقَلَ عَنْهُ ، فِيمَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ : إنْ لَمْ أَضْرِبْك الْيَوْمَ ، فَأَنْتِ طَالِقٌ .\rفَعَضَّهَا ، أَوْ قَرَصَهَا ، أَوْ أَمْسَكَ شَعْرَهَا ، فَهُوَ عَلَى مَا نَوَى مِنْ ذَلِكَ .\rقَالَ الْقَاضِي : فَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ لَمْ يُدْخِلْهُ فِي إطْلَاقِ اسْمِ الضَّرْبِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ هَذَا فِي الْعُرْفِ يُسْتَعْمَلُ لِكَفِّ الْأَذَى الْمُؤْلِمِ لِلْجِسْمِ ، فَيَدْخُلُ فِيهِ كُلُّ مَا اخْتَلَفْنَا فِيهِ ، وَلِهَذَا يُقَالُ : تَضَارَبَا .\rإذَا فَعَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا هَذَا بِصَاحِبِهِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُمَا آلَةٌ ، وَفَارَقَ الشَّتْمَ ؛ فَإِنَّهُ لَا يُؤْلِمُ الْجِسْمَ ، وَإِنَّمَا يُؤْلِمُ الْقَلْبَ .","part":22,"page":174},{"id":10674,"text":"( 8012 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : وَمَنْ حَلَفَ بِعِتْقٍ أَوْ طَلَاقٍ ، أَنْ لَا يَفْعَلَ شَيْئًا ، فَفَعَلَهُ نَاسِيًا ، حَنِثَ وَبِهَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَقَتَادَةُ ، وَرَبِيعَةُ ، وَمَالِكٌ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ الشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ عَطَاءٌ ، وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ وَابْنُ أَبِي نَجِيحٍ وَإِسْحَاقُ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ : لَا يَحْنَثُ .\rوَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ ؛ لِأَنَّ النَّاسِيَ لَا يُكَلَّفُ حَالَ نِسْيَانِهِ ، فَلَا يَلْزَمُهُ الْحِنْثُ ، كَالْحَلِفِ بِاَللَّهِ - تَعَالَى .\rوَلَنَا ، أَنَّ هَذَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّ آدَمِيٍّ ، فَتَعَلَّقَ الْحُكْمُ بِهِ مَعَ النِّسْيَانِ ، كَالْإِتْلَافِ ، وَلِأَنَّهُ حُكْمٌ عُلِّقَ عَلَى شَرْطٍ ، فَيُوجَدُ بِوِجْدَانِ شَرْطِهِ ، كَالْمَنْعِ مِنْ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْعَصْرِ ، وَقَدْ سَبَقَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ .","part":22,"page":175},{"id":10675,"text":"( 8013 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : وَإِذَا حَلَفَ ، فَتَأَوَّلَ فِي يَمِينِهِ ، فَلَهُ تَأْوِيلُهُ إذَا كَانَ مَظْلُومًا ، وَإِنْ كَانَ ظَالِمًا ، لَمْ يَنْفَعْهُ تَأْوِيلُهُ ، لِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ { يَمِينُك عَلَى مَا يُصَدِّقُكَ بِهِ صَاحِبُك } مَعْنَى التَّأْوِيلِ ، أَنْ يَقْصِدَ بِكَلَامِهِ مُحْتَمَلًا يُخَالِفُ ظَاهِرَهُ ، نَحْوَ أَنْ يَحْلِفَ إنَّهُ أَخِي ، يَقْصِدُ أُخُوَّةَ الْإِسْلَامِ ، أَوْ الْمُشَابَهَةَ ، أَوْ يَعْنِي بِالسَّقْفِ وَالْبِنَاءِ السَّمَاءَ ، وَبِالْبِسَاطِ وَالْفِرَاشِ الْأَرْضَ ، وَبِالْأَوْتَادِ الْجِبَالَ ، وَبِاللِّبَاسِ اللَّيْلَ ، أَوْ يَقُولَ : مَا رَأَيْت فُلَانًا .\rيَعْنِي مَا ضَرَبْت رِئَتَهُ .\rوَلَا ذَكَرْتُهُ .\rيُرِيدُ مَا قَطَعْت ذَكَرَهُ .\rأَوْ يَقُولَ : جَوَارِيَّ أَحْرَارٌ .\rيَعْنِي سُفُنَهُ .\rوَنِسَائِي طَوَالِقُ .\rيَعْنِي نِسَاءَ الْأَقَارِبِ مِنْهُ .\rأَوْ يَقُولَ : مَا كَاتَبْت فُلَانًا ، وَلَا عَرَفْته ، وَلَا أَعْلَمْته ، وَلَا سَأَلْته حَاجَةً ، وَلَا أَكَلْت لَهُ دَجَاجَةً ، وَلَا فَرُّوجَةً ، وَلَا شَرِبْت لَهُ مَاءً ، وَلَا فِي بَيْتِي فُرُشٌ وَلَا حَصِيرٌ ، وَلَا بَارِيَةٌ وَيَنْوِي بِالْمُكَاتَبَةِ مُكَاتَبَةَ الرَّقِيقِ ، وَبِالتَّعْرِيفِ جَعْلَهُ عَرِيفًا ، وَبِالْإِعْلَامِ جَعْلَهُ أَعْلَمَ الشَّفَةِ ، وَالْحَاجَةِ شَجَرَةً صَغِيرَةً ، وَالدَّجَاجَةِ الْكَنَّةَ مِنْ الْغَزْلِ ، وَالْفَرُّوجَةِ الدُّرَّاعَةَ ، وَالْفُرُشِ صِغَارَ الْإِبِلِ ، وَالْحَصِيرِ الْحَبْسَ ، وَالْبَارِيَةِ السِّكِّينَ الَّتِي يُبْرَى بِهَا .\rأَوْ يَقُولَ : مَا لِفُلَانٍ عِنْدِي وَدِيعَةٌ ، وَلَا شَيْءٌ .\rيَعْنِي بِ \" مَا \" \" الَّذِي \" .\rأَوْ يَقُولَ : مَا فُلَانٌ هَاهُنَا .\rوَيَعْنِي مَوْضِعًا بِعَيْنِهِ .\rأَوْ يَقُولَ : وَاَللَّهِ مَا أَكَلْت مِنْ هَذَا شَيْئًا ، وَلَا أَخَذْت مِنْهُ .\rيَعْنِي الْبَاقِيَ بَعْدَ أَخْذِهِ وَأَكْلِهِ .\rفَهَذَا وَأَشْبَاهُهُ مِمَّا يَسْبِقُ إلَى فَهْمِ السَّامِعِ خِلَافُهُ ، إذَا عَنَاهُ بِيَمِينِهِ ، فَهُوَ تَأْوِيلٌ ؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ .\rوَلَا يَخْلُو حَالُ الْحَالِفِ الْمُتَأَوِّلِ ، مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ ؛ أَحَدُهَا ؛ أَنْ يَكُونَ","part":22,"page":176},{"id":10676,"text":"مَظْلُومًا ، مِثْلَ مَنْ يَسْتَحْلِفُهُ ظَالِمٌ عَلَى شَيْءٍ ، لَوْ صَدَقَهُ لَظَلَمَهُ ، أَوْ ظَلَمَ غَيْرَهُ ، أَوْ نَالَ مُسْلِمًا مِنْهُ ضَرَرٌ .\rفَهَذَا لَهُ تَأْوِيلُهُ .\rقَالَ مُهَنَّا : سَأَلْت أَحْمَدَ ، عَنْ رَجُلٍ لَهُ امْرَأَتَانِ ، اسْمُ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا فَاطِمَةُ ، فَمَاتَتْ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا ، فَحَلَفَ بِطَلَاقِ فَاطِمَةَ ، وَنَوَى الَّتِي مَاتَتْ ؟ قَالَ : إنْ كَانَ الْمُسْتَحْلِفُ لَهُ ظَالِمًا ، فَالنِّيَّةُ نِيَّةُ صَاحِبِ الطَّلَاقِ ، وَإِنْ كَانَ الْمُطَلِّقُ هُوَ الظَّالِمَ ، فَالنِّيَّةُ نِيَّةُ الَّذِي اسْتَحْلَفَ .\rوَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ سُوَيْد بْنِ حَنْظَلَةَ ، قَالَ : خَرَجْنَا نُرِيدُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَعَنَا وَائِلُ بْنُ حُجْرٍ ، فَأَخَذَهُ عَدُوٌّ لَهُ ، فَتَحَرَّجَ الْقَوْمُ أَنْ يَحْلِفُوا ، فَحَلَفْت أَنَّهُ أَخِي ، فَخَلَّى سَبِيلَهُ ، فَأَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرْت ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ : { أَنْتَ أَبَرُّهُمْ وَأَصْدَقُهُمْ ، الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ } وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إنَّ فِي الْمَعَارِيضِ لَمَنْدُوحَةً عَنْ الْكَذِبِ } .\rيَعْنِي سَعَةَ الْمَعَارِيضِ الَّتِي يُوهِمُ بِهَا السَّامِعَ غَيْرَ مَا عَنَاهُ .\rقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ : الْكَلَامُ أَوْسَعُ مِنْ أَنْ يَكْذِبَ ظَرِيفٌ يَعْنِي لَا يَحْتَاجُ أَنْ يَكْذِبَ ؛ لِكَثْرَةِ الْمَعَارِيضِ ، وَخَصَّ الظَّرِيفَ بِذَلِكَ ؛ يَعْنِي بِهِ الْكَيِّسَ الْفَطِنَ ، فَإِنَّهُ يَفْطِنُ لِلتَّأْوِيلِ ، فَلَا حَاجَةَ بِهِ إلَى الْكَذِبِ .\rالْحَالُ الثَّانِي ، أَنْ يَكُونَ الْحَالِفُ ظَالِمًا ، كَاَلَّذِي يَسْتَحْلِفُهُ الْحَاكِمُ عَلَى حَقٍّ عِنْدَهُ ، فَهَذَا يَنْصَرِفُ يَمِينُهُ إلَى ظَاهِرِ اللَّفْظِ الَّذِي عَنَاهُ الْمُسْتَحْلِفُ ، وَلَا يَنْفَعُ الْحَالِفَ تَأْوِيلُهُ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَلَا نَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا فَإِنَّ أَبَا هُرَيْرَة قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { يَمِينُك عَلَى مَا يُصَدِّقُك بِهِ صَاحِبُك } رَوَاهُ مُسْلِمٌ ، وَأَبُو دَاوُد وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ :","part":22,"page":177},{"id":10677,"text":"قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { الْيَمِينُ عَلَى نِيَّةِ الْمُسْتَحْلِفِ } .\rرَوَاهُ مُسْلِمٌ ، وَقَالَتْ عَائِشَةُ : الْيَمِينُ عَلَى مَا وَقَعَ لِلْمَحْلُوفِ لَهُ وَلِأَنَّهُ لَوْ سَاغَ التَّأْوِيلُ ، لَبَطَلَ الْمَعْنَى الْمُبْتَغَى بِالْيَمِينِ ، إذْ مَقْصُودُهَا تَخْوِيفُ الْحَالِفِ لِيَرْتَدِعَ عَنْ الْجُحُودِ ، خَوْفًا مِنْ عَاقِبَةِ الْيَمِينِ الْكَاذِبَةِ ، فَمَتَى سَاغَ التَّأْوِيلُ لَهُ ، انْتَفَى ذَلِكَ ، وَصَارَ التَّأْوِيلُ وَسِيلَةً إلَى جَحْدِ الْحُقُوقِ ، وَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا .\rقَالَ إبْرَاهِيمُ ، فِي رَجُلٍ اسْتَحْلَفَهُ السُّلْطَانُ بِالطَّلَاقِ عَلَى شَيْءٍ ، فَوَرَّى فِي يَمِينِهِ إلَى شَيْءٍ آخَرَ : أَجْزَأَ عَنْهُ ، وَإِنْ كَانَ ظَالِمًا لَمْ تُجْزِئْ عَنْهُ التَّوْرِيَةُ الْحَالُ الثَّالِثُ ، لَمْ يَكُنْ ظَالِمًا وَلَا مَظْلُومًا ، فَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ ، أَنَّ لَهُ تَأْوِيلَهُ ، فَرُوِيَ أَنَّ مُهَنَّا كَانَ عِنْدَهُ ، هُوَ وَالْمَرُّوذِيُّ وَجَمَاعَةٌ ، فَجَاءَ رَجُلٌ يَطْلُبُ الْمَرُّوذِيَّ ، وَلَمْ يُرِدْ الْمَرُّوذِيُّ أَنْ يُكَلِّمَهُ ، فَوَضَعَ مُهَنَّا أُصْبُعَهُ فِي كَفِّهِ ، وَقَالَ : لَيْسَ الْمَرُّوذِيُّ هَاهُنَا ، وَمَا يَصْنَعُ الْمَرُّوذِيُّ هَاهُنَا ؟ يُرِيدُ : لَيْسَ هُوَ فِي كَفِّهِ .\rوَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ وَرُوِيَ أَنَّ مُهَنَّا قَالَ لَهُ : إنِّي أُرِيدُ الْخُرُوجَ - يَعْنِي السَّفَرَ إلَى بَلَدِهِ - وَأُحِبُّ أَنْ تُسْمِعَنِي الْجُزْءَ الْفُلَانِيَّ .\rفَأَسْمَعَهُ إيَّاهُ ، ثُمَّ رَآهُ بَعْدَ ذَلِكَ ، فَقَالَ : أَلَمْ تَقُلْ إنَّك تُرِيدُ الْخُرُوجَ ؟ فَقَالَ لَهُ مُهَنَّا : قُلْت لَك : إنِّي أُرِيدُ الْخُرُوجَ الْآنَ ؟ فَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rوَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا .\rرَوَى سَعِيدٌ ، عَنْ جَرِيرٍ عَنْ الْمُغِيرَةِ ، قَالَ : كَانَ إذَا طَلَبَ إنْسَانٌ إبْرَاهِيمَ ، وَلَمْ يُرِدْ إبْرَاهِيمُ أَنْ يَلْقَاهُ ، خَرَجَتْ إلَيْهِ الْخَادِمُ ، وَقَالَتْ : اُطْلُبُوهُ فِي الْمَسْجِدِ .\rوَقَالَ لَهُ رَجُلٌ : إنِّي ذَكَرْت رَجُلًا بِشَيْءٍ ، فَكَيْفَ لِي أَنْ أَعْتَذِرَ إلَيْهِ ؟ قَالَ : قُلْ لَهُ : وَاَللَّهِ إنَّ","part":22,"page":178},{"id":10678,"text":"اللَّهَ يَعْلَمُ مَا قُلْت مِنْ ذَلِكَ مِنْ شَيْءٍ .\rوَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمْزَحُ ، وَلَا يَقُولُ إلَّا حَقًّا وَمُزَاحُهُ أَنْ يُوهِمَ السَّامِعَ بِكَلَامِهِ غَيْرَ مَا عَنَاهُ ، وَهُوَ التَّأْوِيلُ ، فَقَالِ لِعَجُوزٍ : { لَا تَدْخُلَ الْجَنَّةَ عَجُوزٌ } .\rيَعْنِي أَنَّ اللَّهَ يُنْشِئُهُنَّ أَبْكَارًا عُرُبًا أَتْرَابًا .\rوَقَالَ أَنَسٌ : إنَّ رَجُلًا جَاءَ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، احْمِلْنِي .\rفَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ { : إنَّا حَامِلُوك عَلَى وَلَدِ النَّاقَةِ .\rقَالَ : وَمَا أَصْنَعُ بِوَلَدِ النَّاقَةِ ؟ قَالَ : وَهَلْ تَلِدُ الْإِبِلَ إلَّا النُّوقُ ؟ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَقَالَ لِامْرَأَةٍ وَقَدْ ذَكَرَتْ لَهُ زَوْجَهَا : أَهُوَ الَّذِي فِي عَيْنِهِ بَيَاضٌ فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنَّهُ لَصَحِيحُ الْعَيْنِ .\rوَأَرَادَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْبَيَاضَ الَّذِي حُولَ الْحَدَقِ .\rوَقَالَ لِرَجُلٍ احْتَضَنَهُ مِنْ وَرَائِهِ : { مَنْ يَشْتَرِي هَذَا الْعَبْدَ ؟ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، تَجِدُنِي إذًا كَاسِدًا .\rقَالَ : لَكِنَّك عِنْدَ اللَّهِ لَسْت بِكَاسِدٍ } وَهَذَا كُلُّهُ مِنْ التَّأْوِيلِ وَالْمَعَارِيضِ ، وَقَدْ سَمَّاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَقًّا ، فَقَالَ { لَا أَقُولُ إلَّا حَقًّا } .\rوَرُوِيَ عَنْ شُرَيْحٍ ، أَنَّهُ خَرَجَ مِنْ عِنْدِ زِيَادٍ ، وَقَدْ حَضَرَهُ الْمَوْتُ ، فَقِيلَ لَهُ : كَيْفَ تَرَكْت الْأَمِيرَ ؟ قَالَ : تَرَكْتُهُ يَأْمُرُ وَيَنْهَى .\rفَلَمَّا مَاتَ قِيلَ لَهُ : كَيْفَ قُلْت ذَلِكَ ؟ قَالَ : تَرَكْته يَأْمُرُ بِالصَّبْرِ ، وَيَنْهَى عَنْ الْبُكَاءِ وَالْجَزَعِ .\rوَيُرْوَى عَنْ شَقِيقٍ ، أَنَّ رَجُلًا خَطَبَ امْرَأَةً ، وَتَحْتَهُ أُخْرَى ، فَقَالُوا : لَا نُزَوِّجُك حَتَّى تُطَلِّقَ امْرَأَتَك .\rفَقَالَ : اشْهَدُوا أَنِّي قَدْ طَلَّقْت ثَلَاثًا .\rفَزَوَّجُوهُ ، فَأَقَامَ عَلَى امْرَأَتِهِ ، فَقَالُوا : قَدْ طَلَّقْت ثَلَاثًا قَالَ : أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّهُ كَانَ لِي ثَلَاثُ نِسْوَةٍ فَطَلَّقْتهنَّ قَالُوا : بَلَى .\rقَالَ قَدْ طَلَّقْت ثَلَاثًا .\rفَقَالُوا : مَا","part":22,"page":179},{"id":10679,"text":"هَذَا أَرَدْنَا .\rفَذَكَرَ ذَلِكَ شَقِيقٌ لِعُثْمَانَ فَجَعَلَهَا نِيَّتَهُ .\rوَرُوِيَ عَنْ الشَّعْبِيِّ ، أَنَّهُ كَانَ فِي مَجْلِسٍ ، فَنَظَرَ إلَيْهِ رَجُلٌ ظَنَّ أَنَّهُ طَلَبَ مِنْهُ التَّعْرِيفَ بِهِ وَالثَّنَاءَ عَلَيْهِ ، فَقَالَ الشَّعْبِيُّ : إنَّ لَهُ بَيْتًا وَشَرَفًا .\rفَقِيلَ لِلشَّعْبِيِّ بَعْدَ مَا ذَهَبَ الرَّجُلُ : تَعْرِفُهُ ؟ قَالَ : لَا ، وَلَكِنَّهُ نَظَرَ إلَيَّ .\rقِيلَ : فَكَيْفَ أَثْنَيْت عَلَيْهِ ؟ قَالَ : شَرَفُهُ أُذُنَاهُ ، وَبَيْتُهُ الَّذِي يَسْكُنُهُ .\rوَرُوِيَ أَنَّ رَجُلًا أُخِذَ عَلَى شَرَابٍ ، فَقِيلَ لَهُ : مَنْ أَنْتَ ؟ فَقَالَ : أَنَا ابْنُ الَّذِي لَا يُنْزِلُ الدَّهْرُ قِدْرَهُ وَإِنْ نَزَلَتْ يَوْمًا فَسَوْفَ تَعُودُ تَرَى النَّاسَ أَفْوَاجًا عَلَى بَابِ دَارِهِ فَمِنْهُمْ قِيَامٌ حَوْلَهَا وَقُعُودُ فَظَنُّوهُ شَرِيفًا ، فَخَلَّوْا سَبِيلَهُ ، فَسَأَلُوا عَنْهُ ، فَإِذَا هُوَ ابْنُ الْبَاقِلَّانِيِّ .\rوَأَخَذَ الْخَوَارِجُ رَافِضِيًّا ، فَقَالُوا لَهُ : تَبْرَأُ مِنْ عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ .\rفَقَالَ : أَنَا مِنْ عَلِيٍّ ، وَمِنْ عُثْمَانَ بَرِيءٌ .\rفَهَذَا وَشِبْهُهُ هُوَ التَّأْوِيلُ الَّذِي لَا يُعْذَرُ بِهِ الظَّالِمُ ، وَيَسُوغُ لِغَيْرِهِ مَظْلُومًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مَظْلُومٍ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ ذَلِكَ فِي الْمُزَاحِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ بِهِ إلَيْهِ .","part":22,"page":180},{"id":10680,"text":"( 8014 ) فَصْلٌ : وَالْمُسْتَحِيلُ نَوْعَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، مُسْتَحِيلٌ عَادَةً ، كَصُعُودِ السَّمَاءِ ، وَالطَّيَرَانِ ، وَقَطْعِ الْمَسَافَةِ الْبَعِيدَةِ فِي مُدَّةٍ قَلِيلَةٍ ، فَإِذَا حَلَفَ عَلَى فِعْلِهِ ، انْعَقَدَتْ يَمِينُهُ .\rذَكَرَهُ الْقَاضِي ، وَأَبُو الْخَطَّابِ ؛ لِأَنَّهُ يُتَصَوَّرُ وُجُودُهُ ، فَإِذَا حَلَفَ عَلَيْهِ ، انْعَقَدَتْ يَمِينُهُ ، وَلَزِمَتْهُ الْكَفَّارَةُ فِي الْحَالِ ؛ لِأَنَّهُ مَأْيُوسٌ مِنْ الْبِرِّ فِيهَا ، فَوَجَبَتْ الْكَفَّارَةُ ، كَمَا لَوْ حَلَفَ لَيُطَلِّقَنَّ امْرَأَتَهُ فَمَاتَتْ .\rوَالثَّانِي ، الْمُسْتَحِيلُ عَقْلًا ، كَرَدِّ أَمْسِ وَشُرْبِ الْمَاءِ الَّذِي فِي الْكُوزِ وَلَا مَاءَ فِيهِ .\rفَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : لَا تَنْعَقِدُ يَمِينُهُ ، وَلَا تَجِبُ بِهَا كَفَّارَةٌ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ ؛ لِأَنَّهَا يَمِينٌ قَارَنَهَا مَا يَحُلُّهَا ، فَلَمْ تَنْعَقِدْ ، كَيَمِينِ الْغَمُوسِ ، أَوْ يَمِينٌ عَلَى غَيْرِ مُتَصَوِّرٍ ، فَأَشْبَهَتْ يَمِينَ الْغَمُوسِ ، وَهَذَا لِأَنَّ الْيَمِينَ إنَّمَا تَنْعَقِدُ عَلَى مُتَصَوَّرٍ ، أَوْ مُتَوَهَّمِ التَّصَوُّرِ ، وَلَيْسَ هَاهُنَا وَاحِدٌ مِنْهُمَا .\rوَقَالَ الْقَاضِي : تَنْعَقِدُ مُوجِبَةً لِلْكَفَّارَةِ فِي الْحَالِ .\rوَهَذَا قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ ، وَالشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ حَلَفَ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ ، وَلَمْ يَفْعَلْ ، كَمَا لَوْ حَلَفَ لَيُطَلِّقَنَّ امْرَأَتَهُ ، فَمَاتَتْ قَبْلَ طَلَاقِهَا ، وَبِالْقِيَاسِ عَلَى الْمُسْتَحِيلِ عَادَةً ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَعْلَمَ اسْتِحَالَتَهُ أَوْ لَا يَعْلَمَ ، مِثْلَ أَنْ يَحْلِفَ لَيَشْرَبَنَّ الْمَاءَ الَّذِي فِي الْكُوزِ وَلَا مَاءَ فِيهِ ، فَالْحُكْمُ وَاحِدٌ فِيمَنْ عَلِمَ أَنَّهُ لَا مَاءَ فِيهِ ، وَمَنْ لَا يَعْلَمُ .\rوَإِنْ حَلَفَ لَيَقْتُلَنَّ فُلَانًا ، وَهُوَ مَيِّتٌ ، فَهُوَ كَالْمُسْتَحِيلِ عَادَةً ؛ لِأَنَّهُ يُتَصَوَّرُ أَنْ يُحْيِيَهُ اللَّهُ فَيَقْتُلَهُ ، وَتَنْعَقِدُ يَمِينُهُ عَلَى قَوْلِ أَصْحَابِنَا .\rوَإِنْ حَلَفَ لَأَقْتُلَنَّ الْمَيِّتَ .\rيَعْنِي فِي حَالِ مَوْتِهِ ، فَهُوَ مُسْتَحِيلٌ عَقْلًا ، فَيَكُونُ فِيهِ مِنْ الْخِلَافِ مَا قَدْ ذَكَرْنَاهُ .","part":22,"page":181},{"id":10681,"text":"( 8015 ) فَصْلٌ : فَإِنْ قَالَ : وَاَللَّهِ لَيَفْعَلَنَّ فُلَانٌ كَذَا ، أَوْ لَا يَفْعَلُ .\rأَوْ حَلَفَ عَلَى حَاضِرٍ ، فَقَالَ : وَاَللَّهِ لَتَفْعَلَنَّ كَذَا .\rفَأَحْنَثَهُ ، وَلَمْ يَفْعَلْ ، فَالْكَفَّارَةُ عَلَى الْحَالِفِ .\rكَذَا قَالَ ابْنُ عُمَرَ ، وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ ، وَعَطَاءٌ ، وَقَتَادَةُ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَأَهْلُ الْعِرَاقِ ، وَالشَّافِعِيُّ ؛ لِأَنَّ الْحَالِفَ هُوَ الْحَانِثُ ، فَكَانَتْ الْكَفَّارَةُ عَلَيْهِ ، كَمَا لَوْ كَانَ هُوَ الْفَاعِلَ لِمَا يُحْنِثُهُ ، وَلِأَنَّ سَبَبَ الْكَفَّارَةِ إمَّا الْيَمِينُ ، وَإِمَّا الْحِنْثُ ، أَوْ هُمَا ، وَأَيُّ ذَلِكَ قُدِّرَ فَهُوَ مَوْجُودٌ فِي الْحَالِفِ .\rوَإِنْ قَالَ : أَسْأَلُك بِاَللَّهِ لَتَفْعَلَنَّ .\rوَأَرَادَ الْيَمِينَ ، فَهِيَ كَاَلَّتِي قَبْلَهَا .\rوَإِنْ أَرَادَ الشَّفَاعَةَ إلَيْهِ بِاَللَّهِ فَلَيْسَ بِيَمِينٍ ، وَلَا كَفَّارَةَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا .\rوَإِنْ قَالَ : بِاَللَّهِ لَتَفْعَلَنَّ .\rفَهِيَ يَمِينٌ ؛ لِأَنَّهُ أَجَابَ بِجَوَابِ الْقَسَمِ ، إلَّا أَنْ يَنْوِيَ مَا يَصْرِفُهَا ، وَإِنْ قَالَ بِاَللَّهِ أَفْعَلُ .\rفَلَيْسَتْ يَمِينًا ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُجِبْهَا بِجَوَابِ الْقَسَمَ ، وَلِذَلِكَ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَقُولَ : وَاَللَّهِ أَفْعَلُ .\rوَلَا : بِاَللَّهِ أَفْعَلُ .\rوَإِنَّمَا صَلَحَ ذَلِكَ فِي التَّاءِ ؛ لِأَنَّهَا لَا تَخْتَصُّ بِالْقَسَمِ فَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ سُؤَالٌ ، فَلَا تَجِبُ بِهِ كَفَّارَةٌ .\r( 8016 ) فَصْلٌ : وَثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِإِبْرَارِ الْمُقْسِمِ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَهَذَا ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ، عَلَى سَبِيلِ النَّدْبِ ، لَا عَلَى سَبِيلِ الْإِيجَابِ ؛ بِدَلِيلِ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ قَالَ : أَقْسَمْت عَلَيْك يَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَتُخْبِرَنِّي بِمَا أَصَبْت مِمَّا أَخْطَأْت .\rفَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَا تُقْسِمْ يَا أَبَا بَكْرٍ } وَلَمْ يُخْبِرْهُ .\rوَلَوْ وَجَبَ عَلَيْهِ إبْرَارُهُ لَأَخْبَرَهُ .\rوَيُحْتَمَلُ أَنْ يَجِبَ عَلَيْهِ إبْرَارُهُ ، إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ ضَرَرٌ ، وَيَكُونُ امْتِنَاعُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ","part":22,"page":182},{"id":10682,"text":"وَسَلَّمَ مِنْ إبْرَارِ أَبِي بَكْرٍ لِمَا عَلِمَ مِنْ الضَّرَرِ فِيهِ .\rوَإِنْ أَجَابَهُ إلَى صُورَةِ مَا أَقْسَمَ عَلَيْهِ دُونَ مَعْنَاهُ عِنْدَ تَعَذُّرِ الْمَعْنَى ، فَحَسَنٌ ؛ فَإِنَّهُ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ الْعَبَّاسَ جَاءَهُ بِرَجُلٍ لِيُبَايِعَهُ عَلَى الْهِجْرَةِ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ } .\rوَقَالَ الْعَبَّاسُ : أَقْسَمْت عَلَيْك يَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَتُبَايِعَنَّهُ .\rفَوَضَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَهُ فِي يَدِهِ ، وَقَالَ : { أَبْرَرْت قَسَمَ عَمِّي ، وَلَا هِجْرَةَ } .\rوَأَجَابَهُ إلَى صُورَةِ الْمُبَايَعَةِ ، دُونَ مَا قَصَدَ بِيَمِينِهِ .","part":22,"page":183},{"id":10683,"text":"( 8017 ) فَصْلٌ : وَيُسْتَحَبُّ إجَابَةُ مَنْ سَأَلَ بِاَللَّهِ ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { مَنْ اسْتَعَاذَ بِاَللَّهِ فَأَعِيذُوهُ ، وَمَنْ سَأَلَكُمْ بِاَللَّهِ فَأَعْطُوهُ ، وَمَنْ اسْتَجَارَ بِاَللَّهِ فَأَجِيرُوهُ ، وَمَنْ أَتَى إلَيْكُمْ مَعْرُوفًا فَكَافِئُوهُ ، فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا ، فَادْعُوا لَهُ حَتَّى تَعْلَمُوا أَنْ قَدْ كَافَأْتُمُوهُ } وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { ثَلَاثَةٌ يُحِبُّهُمْ اللَّهُ ، وَثَلَاثَةٌ يَبْغَضُهُمْ اللَّهُ ؛ أَمَّا الَّذِينَ يُحِبُّهُمْ اللَّهُ ؛ فَرَجُلٌ سَأَلَ قَوْمًا ، فَسَأَلَهُمْ بِاَللَّهِ ، وَلَمْ يَسْأَلْهُمْ بِقَرَابَةٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ ، فَتَخَلَّفَ رَجُلٌ بِأَعْقَابِهِمْ ، فَأَعْطَاهُ سِرًّا ، لَا يَعْلَمُ بِعَطِيَّتِهِ إلَّا اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - وَاَلَّذِي أَعْطَاهُ ، وَقَوْمٌ سَارُوا لَيْلَتَهُمْ حَتَّى إذَا كَانَ النَّوْمُ أَحَبَّ إلَيْهِمْ مِمَّا يَعْدِلُ بِهِ ، فَوَضَعُوا رُءُوسَهُمْ ، فَقَامَ يَتَمَلَّقُنِي وَيَتْلُو آيَاتِي ، وَرَجُلٌ كَانَ فِي سَرِيَّةٍ ، فَلَقُوا الْعَدُوَّ فَهُزِمُوا ، فَأَقْبَلَ بِصَدْرِهِ حَتَّى يُقْتَلَ أَوْ يُفْتَحَ لَهُ ، وَالثَّلَاثَةُ الَّذِينَ يَبْغَضُهُمْ اللَّهُ ؛ الشَّيْخُ الزَّانِي ، وَالْفَقِيرُ الْمُخْتَالُ ، وَالْغَنِيُّ الظَّلُومُ } رَوَاهُمَا النَّسَائِيّ .","part":22,"page":184},{"id":10684,"text":"( 8018 ) فَصْلٌ : إذَا قَالَ : حَلَفْت .\rوَلَمْ يَكُنْ حَلَفَ ، فَقَالَ أَحْمَدُ : هِيَ كِذْبَةٌ ، لَيْسَ عَلَيْهِ يَمِينٌ .\rوَعَنْهُ : عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ ؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ عَلَى نَفْسِهِ .\rوَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَذْهَبُ ، لِأَنَّهُ حُكْمٌ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ - تَعَالَى ، فَإِذَا كَذَبَ فِي الْخَبَرِ بِهِ ، لَمْ يَلْزَمْهُ حُكْمُهُ ، كَمَا لَوْ قَالَ : مَا صَلَّيْت .\rوَقَدْ صَلَّى .\rوَلَوْ قَالَ : عَلَيَّ يَمِينٌ .\rوَنَوَى الْخَبَرَ ، فَهِيَ كَاَلَّتِي قَبْلَهَا ، وَإِنْ نَوَى الْقَسَمَ ، فَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : هِيَ يَمِينٌ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَيْسَ بِيَمِينٍ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِاسْمِ اللَّهِ - تَعَالَى - الْمُعَظَّمِ ، وَلَا صِفَتِهِ ، فَلَمْ يَكُنْ يَمِينًا ، كَمَا لَوْ قَالَ : حَلَفْت .\rوَهَذَا أَصَحُّ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ ؛ فَإِنَّ هَذِهِ لَيْسَتْ صِيغَةَ الْيَمِينِ وَالْقَسَمِ ، وَإِنَّمَا هِيَ صِيغَةُ الْخَبَرِ ، فَلَا يَكُونُ بِهَا حَالِفًا ، وَإِنْ قُدِّرَ ثُبُوتُ حُكْمِهَا ، لَزِمَهُ أَقَلُّ مَا يَتَنَاوَلُهُ الِاسْمُ ، وَهُوَ يَمِينٌ مَا ، وَلَيْسَتْ كُلُّ يَمِينٍ مُوجِبَةً لِلْكَفَّارَةِ ، فَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ .\rوَوَجْهُ الْأَوَّلِ ، أَنَّهُ كِنَايَةٌ عَنْ الْيَمِينِ وَقَدْ نَوَى بِهَا الْيَمِينَ ، فَتَكُونُ يَمِينًا ، كَالصَّرِيحِ .","part":22,"page":185},{"id":10685,"text":"( 8019 ) فَصْلٌ : وَإِذَا حَلَفَ عَلَى تَرْكِ شَيْءٍ ، أَوْ حَرَّمَهُ ، لَمْ يَصِرْ مُحَرَّمًا .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَصِيرُ مُحَرَّمًا ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَك } .\rوَقَوْلِهِ : { قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ } وَلِأَنَّ الْحِنْثَ يَتَضَمَّنُ هَتْكَ حُرْمَةِ الِاسْمِ الْمُعَظَّمِ ، فَيَكُونُ حَرَامًا ، وَلِأَنَّهُ إذَا حَرَّمَهُ ، فَقَدْ حَرَّمَ الْحَلَالَ فَيَحْرُمُ كَمَا لَوْ حَرَّمَ زَوْجَتَهُ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ إذَا أَرَادَ التَّكْفِيرَ ، فَلَهُ فِعْلُ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ ، وَحَلُّ فِعْلِهِ مَعَ كَوْنِهِ مُحَرَّمًا تَنَاقُضٌ وَتَضَادٌّ ، وَالْعَجَبُ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ لَا يُجَوِّزُ التَّكْفِيرَ إلَّا بَعْدَ الْحِنْثِ ، وَقَدْ فَرَضَ اللَّهُ تَعَالَى تَحِلَّةَ الْيَمِينِ ، فَعَلَى قَوْلِهِ ، يَلْزَمُ كَوْنُ الْمُحَرَّمِ مَفْرُوضًا ، أَوْ مِنْ ضَرُورَةِ الْمَفْرُوضِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِلُ إلَى التَّحِلَّةِ إلَّا بِفِعْلِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ ، وَهُوَ عِنْدَهُ مُحَرَّمٌ ، وَهَذَا غَيْرُ جَائِزٍ ، وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مُحَرَّمًا ، لَوَجَبَ تَقْدِيمُ الْكَفَّارَةِ عَلَيْهِ ، كَالظِّهَارِ ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { إذَا حَلَفْت عَلَى يَمِينٍ ، فَرَأَيْت غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا ، فَائْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ ، وَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِك } .\rفَأَمَرَ بِفِعْلِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ ، وَلَوْ كَانَ مُحَرَّمًا ، لَمْ يَأْمُرْ بِهِ .\rوَسَمَّاهُ خَيْرًا ، وَالْمُحَرَّمُ لَيْسَ بِخَيْرٍ ، وَأَمَّا الْآيَةُ ، فَإِنَّمَا أَرَادَ بِهَا قَوْلَهُ : هُوَ عَلَيَّ حَرَامٌ .\rأَوْ مَنْعَ نَفْسِهِ مِنْهُ ، وَذَلِكَ يُسَمَّى تَحْرِيمًا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا } .\rوَقَالَ : { وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمْ اللَّهُ } وَلَمْ يَثْبُتْ فِيهِ التَّحْرِيمُ حَقِيقَةً وَلَا شَرْعًا .","part":22,"page":186},{"id":10686,"text":"كِتَابُ الْكَفَّارَاتِ الْأَصْلُ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ ، الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ ؛ أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { لَا يُؤَاخِذُكُمْ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمْ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } الْآيَةَ وَأَمَّا السُّنَّةُ ، فَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إذَا حَلَفْت عَلَى يَمِينٍ ، فَرَأَيْت غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَائْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ ، وَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِك } .\rفِي أَخْبَارٍ سِوَى هَذَا .\rوَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الْكَفَّارَةِ فِي الْيَمِينِ بِاَللَّهِ تَعَالَى .","part":22,"page":187},{"id":10687,"text":"( 8020 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ رَحِمَهُ اللَّهُ : ( وَمَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ بِالْحِنْثِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ ، فَهُوَ مُخَيَّرٌ إنْ شَاءَ أَطْعَمَ عَشَرَةَ مَسَاكِينَ مُسْلِمِينَ أَحْرَارًا ، كِبَارًا كَانُوا أَوْ صِغَارًا ، إذَا أَكَلُوا الطَّعَامَ ) أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ ، عَلَى أَنَّ الْحَانِثَ فِي يَمِينِهِ بِالْخِيَارِ ؛ إنْ شَاءَ أَطْعَمَ ، وَإِنْ شَاءَ كَسَا ، وَإِنْ شَاءَ أَعْتَقَ ، أَيَّ ذَلِكَ فَعَلَ أَجْزَأَهُ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - عَطَفَ بَعْضَ هَذِهِ الْخِصَالِ عَلَى بَعْضٍ بِحَرْفِ \" أَوْ \" ، وَهُوَ لِلتَّخْيِيرِ .\rقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : مَا كَانَ فِي كِتَابِ اللَّهِ ( أَوْ ) فَهُوَ مُخَيَّرٌ فِيهِ ، وَمَا كَانَ ( فَمَنْ لَمْ يَجِدْ ) فَالْأَوَّلَ الْأَوَّلَ .\rذَكَرَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي \" التَّفْسِيرِ \" .\rوَالْوَاجِبُ فِي الْإِطْعَامِ إطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ ؛ لِنَصِّ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى عَدَدِهِمْ ، إلَّا أَنْ لَا يَجِدَ عَشَرَةَ مَسَاكِينَ فَيَأْتِي ذِكْرُهُ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .\rوَيُعْتَبَرُ فِي الْمَدْفُوعِ إلَيْهِمْ أَرْبَعَةُ أَوْصَافٍ ؛ أَنْ يَكُونُوا مَسَاكِينَ ، وَهُمْ الصِّنْفَانِ اللَّذَانِ تُدْفَعُ إلَيْهِمْ الزَّكَاةُ ، الْمَذْكُورَانِ فِي أَوَّلِ أَصْنَافِهِمْ ، فِي قَوْله تَعَالَى : { إنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ } وَالْفُقَرَاءُ مَسَاكِينُ وَزِيَادَةٌ ؛ لِكَوْنِ الْفَقِيرِ أَشَدَّ حَاجَةً مِنْ الْمِسْكِينِ ، عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ وَلِأَنَّ الْفَقْرَ وَالْمَسْكَنَةَ فِي غَيْرِ الزَّكَاةِ شَيْءٌ وَاحِدٌ ؛ لِأَنَّهُمَا جَمِيعًا اسْمٌ لِلْحَاجَةِ إلَى مَا لَا بُدَّ مِنْهُ فِي الْكِفَايَةِ ، وَلِذَلِكَ لَوْ وَصَّى لِلْفُقَرَاءِ ، أَوْ وَقَفَ عَلَيْهِمْ ، أَوْ لِلْمَسَاكِينِ ، لَكَانَ ذَلِكَ لَهُمْ جَمِيعًا ، وَإِنَّمَا جُعِلَا صِنْفَيْنِ فِي الزَّكَاةِ ، وَفُرِّقَ بَيْنَهُمَا ؛ لِأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى ذَكَرَ الصِّنْفَيْنِ جَمِيعًا بِاسْمَيْنِ ، فَاحْتِيجَ إلَى التَّفْرِيقِ بَيْنَهُمَا ، فَأَمَّا فِي غَيْرِ الزَّكَاةِ .\rفَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الِاسْمَيْنِ يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ الصِّنْفَيْنِ ؛ لِأَنَّ جِهَةَ اسْتِحْقَاقِهِمْ وَاحِدَةٌ ، وَهِيَ الْحَاجَةُ إلَى مَا تَتِمُّ","part":22,"page":188},{"id":10688,"text":"بِهِ الْكِفَايَةُ ، وَلَا يَجُوزُ صَرْفُهَا إلَى غَيْرِهِمْ ، سَوَاءٌ كَانَ مِنْ أَصْنَافِ الزَّكَاةِ ، أَوْ لَمْ يَكُنْ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِهَا لِلْمَسَاكِينِ ، وَخَصَّهُمْ بِهَا ، فَلَا تُدْفَعُ إلَى غَيْرِهِمْ ، وَلِأَنَّ الْقَدْرَ الْمَدْفُوعَ إلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْكَفَّارَةِ قَدْرٌ يَسِيرٌ ، يُرَادُ بِهِ دَفْعُ حَاجَةِ يَوْمِهِ فِي مُؤْنَتِهِ ، وَغَيْرُهُمْ مِنْ الْأَصْنَافِ لَا تَنْدَفِعُ حَاجَتُهُمْ بِهَذَا ؛ لِكَثْرَةِ حَاجَتِهِمْ ، وَإِذَا صَرَفُوا مَا يَأْخُذُونَهُ فِي حَاجَتِهِمْ ، صَرَفُوهُ إلَى غَيْرِ مَا شُرِعَ لَهُ .\rالثَّانِي ، أَنْ يَكُونُوا أَحْرَارًا ، فَلَا يُجْزِئُ دَفْعُهَا إلَى عَبْدٍ ، وَلَا مُكَاتَبٍ ، وَلَا أُمِّ وَلَدٍ .\rوَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ .\rوَاخْتَارَ الشَّرِيفُ أَبُو جَعْفَرٍ جَوَازَ دَفْعِهَا إلَى مُكَاتَبِ نَفْسِهِ وَغَيْرِهِ .\rوَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ يَتَخَرَّجُ جَوَازُ دَفْعِهَا إلَيْهِ ، بِنَاءً عَلَى جَوَازِ إعْتَاقِهِ فِي كَفَّارَتِهِ ؛ لِأَنَّهُ يَأْخُذُ مِنْ الزَّكَاةِ ، لِحَاجَتِهِ ، فَأَشْبَهَ الْمِسْكِينَ .\rوَلَنَا ، أَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - عَدَّهُ صِنْفًا فِي الزَّكَاةِ غَيْرَ صِنْفِ الْمَسَاكِينِ ، وَلَا هُوَ فِي مَعْنَى الْمَسَاكِينِ ؛ لِأَنَّ حَاجَتَهُ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ حَاجَتِهِمْ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِمِسْكِينٍ ، وَالْكَفَّارَةُ إنَّمَا هِيَ لِلْمَسَاكِينِ ؛ بِدَلِيلِ الْآيَةِ ، وَلِأَنَّ الْمِسْكِينَ يُدْفَعُ إلَيْهِ لِتَتِمَّ كِفَايَتُهُ ، وَالْمُكَاتَبُ إنَّمَا يَأْخُذُ لِفِكَاكِ رَقَبَتِهِ ، أَمَّا كِفَايَتُهُ فَإِنَّهَا حَاصِلَةٌ بِكَسْبِهِ وَمَالِهِ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ كَسْبٌ وَلَا مَالٌ ، عَجَّزَهُ سَيِّدُهُ ، وَرَجَعَ إلَيْهِ ، وَاسْتَغْنَى بِإِنْفَاقِهِ ، وَخَالَفَ الزَّكَاةَ ؛ فَإِنَّهَا تُصْرَفُ إلَى الْغَنِيِّ ، وَالْكَفَّارَةُ بِخِلَافِهَا .\rالثَّالِثُ ، أَنْ يَكُونُوا مُسْلِمِينَ ، وَلَا يَجُوزُ صَرْفُهَا إلَى كَافِرٍ ، ذِمِّيًّا كَانَ أَوْ حَرْبِيًّا .\rوَبِذَلِكَ قَالَ الْحَسَنُ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ .\rوَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ : يَجُوزُ","part":22,"page":189},{"id":10689,"text":"دَفْعُهَا إلَى الذِّمِّيِّ ؛ لِدُخُولِهِ فِي اسْمِ الْمَسَاكِينِ ، فَيَدْخُلُ فِي عُمُومِ الْآيَةِ ، وَلِأَنَّهُ مِسْكِينٌ مِنْ أَهْلِ دَارِ الْإِسْلَامِ ، فَأَجْزَأَ الدَّفْعُ إلَيْهِ مِنْ الْكَفَّارَةِ ، كَالْمُسْلِمِ .\rوَرُوِيَ نَحْوُ هَذَا عَنْ الشَّعْبِيِّ .\rوَخَرَّجَهُ أَبُو الْخَطَّابِ وَجْهًا فِي الْمَذْهَبِ ؛ بِنَاءً عَلَى جَوَازِ إعْتَاقِهِ فِي الْكَفَّارَةِ .\rوَقَالَ الثَّوْرِيُّ يُعْطِيهِمْ إنْ لَمْ يَجِدْ غَيْرَهُمْ .\rوَلَنَا ، إنَّهُمْ كُفَّارٌ ، فَلَمْ يَجُزْ إعْطَاؤُهُمْ ، كَمُسْتَأْمَنِي أَهْلِ الْحَرْبِ ، وَالْآيَةُ مَخْصُوصَةٌ بِهَذَا ، فَنَقِيسُ .\rالرَّابِعُ : أَنْ يَكُونُوا قَدْ أَكَلُوا الطَّعَامَ ، فَإِنْ كَانَ طِفْلًا لَمْ يُطْعِمْ ، لَمْ يَجُزْ الدَّفْعُ إلَيْهِ ، فِي ظَاهِرِ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ ، وَقَوْلِ الْقَاضِي .\rوَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ مَالِكٍ ؛ فَإِنَّهُ قَالَ : يَجُوزُ الدَّفْعُ إلَى الْفَطِيمِ .\rوَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ .\rوَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ ، يَجُوزُ دَفْعُهَا إلَى الصَّغِيرِ الَّذِي لَمْ يُطْعِمْ ، وَيَقْبِضُ لِلصَّغِيرِ وَلِيُّهُ .\rوَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ فِي الْمَذْهَبُ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ ؛ لِأَنَّهُ حُرٌّ مُسْلِمٌ مُحْتَاجٌ ، فَأَشْبَهَ الْكَبِيرَ ، وَلِأَنَّ أَكْلَهُ لِلْكَفَّارَةِ لَيْسَ بِشَرْطٍ ، وَهَذَا يَصْرِفُ الْكَفَّارَةَ إلَى مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ ، مِمَّا تَتِمُّ بِهِ كِفَايَتُهُ ، فَأَشْبَهَ الْكَبِيرَ .\rوَلَنَا ، قَوْله تَعَالَى : { إطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ } .\rوَهَذَا يَقْتَضِي أَكْلَهُمْ لَهُ ، فَإِذَا لَمْ تُعْتَبَرْ حَقِيقَةُ أَكْلِهِ اُعْتُبِرَ إمْكَانُهُ وَمَظِنَّتُهُ ، وَلَا تَتَحَقَّقُ مَظِنَّتُهُ فِيمَنْ لَا يَأْكُلُ ، وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمَقْصُودُ دَفْعَ حَاجَتِهِ ، لَجَازَ دَفْعُ الْقِيمَةِ ، وَلَمْ يَتَعَيَّنْ الْإِطْعَامُ ، وَهَذَا يُقَيِّدُ مَا ذَكَرُوهُ .\rفَإِذَا اجْتَمَعَتْ هَذِهِ الْأَوْصَافُ الْأَرْبَعَةُ فِي وَاحِدٍ ، جَازَ الدَّفْعُ إلَيْهِ ، سَوَاءٌ كَانَ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا ، مَحْجُورًا عَلَيْهِ أَوْ غَيْرَ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ ، إلَّا","part":22,"page":190},{"id":10690,"text":"أَنَّ مَنْ لَا حَجْرَ عَلَيْهِ يَقْبِضُ لِنَفْسِهِ ، أَوْ يَقْبِضُ لَهُ وَكِيلُهُ ، وَالْمَحْجُورُ عَلَيْهِ كَالصَّغِيرِ وَالْمَجْنُونِ ، يَقْبِضُ لَهُ وَلِيُّهُ .","part":22,"page":191},{"id":10691,"text":"( 8021 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( لِكُلِّ مِسْكِينٍ مُدٌّ مِنْ حِنْطَةٍ أَوْ دَقِيقٍ ، أَوْ رِطْلَانِ خُبْزًا ، أَوْ مُدَّانِ تَمْرًا أَوْ شَعِيرًا ) أَمَّا مِقْدَارُ مَا يُعْطَى كُلُّ مِسْكِينٍ وَجِنْسُهُ ، فَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي بَابِ الظِّهَارِ .\rوَنَصَّ الْخِرَقِيِّ عَلَى أَنَّهُ يُجْزِئُ الدَّقِيقُ وَالْخُبْزُ .\rوَنَصَّ أَحْمَدُ عَلَيْهِ أَيْضًا .\rوَرُوِيَ عَنْهُ ، لَا يُجْزِئُ الْخُبْزُ ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَقَالَ : لَا يُجْزِئُهُ دَقِيقٌ وَلَا سَوِيقٌ ؛ لِأَنَّهُ خَرَجَ عَنْ حَالَةِ الْكَمَالِ وَالِادِّخَارِ وَلَا يُجْزِئُ فِي الزَّكَاةِ ، فَلَمْ يُجْزِئْ فِي الْكَفَّارَةِ ، كَالْقِيمَةِ .\rوَلَنَا ؛ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { فَكَفَّارَتُهُ إطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ } .\rوَهَذَا قَدْ أَطْعَمَهُمْ مِنْ أَوْسَطِ مَا يُطْعِمُ أَهْلَهُ ، فَوَجَبَ أَنْ يُجْزِئَهُ .\rرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ ، فِي كِتَابِ التَّفْسِيرِ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ : { مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ } .\rقَالَ : الْخُبْزُ وَاللَّبَنُ .\rوَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ ، قَالَ : { مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلَيْكُمْ } .\rالْخُبْزُ وَالتَّمْرُ ، وَالْخُبْزُ وَالزَّيْتُ ، وَالْخُبْزُ وَالسَّمْنُ .\rوَقَالَ أَبُو رَزِينٍ : { مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلَيْكُمْ } : خُبْزٌ وَزَيْتٌ وَخَلٌّ .\rوَقَالَ الْأَسْوَدُ بْنُ يَزِيدَ الْخُبْزُ وَالتَّمْرُ .\rوَعَنْ عَلِيٍّ .\rالْخُبْزُ : وَالتَّمْرُ ، الْخُبْزُ وَالسَّمْنُ ، الْخُبْزُ وَاللَّحْمُ .\rوَعَنْ ابْنِ سِيرِينَ ، قَالَ : كَانُوا يَقُولُونَ : أَفْضَلُهُ الْخُبْزُ وَاللَّحْمُ ، وَأَوْسَطُهُ الْخُبْزُ وَالسَّمْنُ ، وَأَخَسُّهُ الْخُبْزُ وَالتَّمْرُ .\rوَقَالَ عُبَيْدَةَ الْخُبْزُ وَالزَّيْتُ .\rوَسَأَلَ رَجُلٌ شُرَيْحًا مَا أَوْسَطُ طَعَامِ أَهْلِي ؟ فَقَالَ شُرَيْحٌ إنَّ الْخُبْزَ وَالْخَلَّ وَالزَّيْتَ لَطَيِّبٌ .\rفَقَالَ لَهُ رَجُلٌ : أَفَرَأَيْت الْخُبْزَ وَاللَّحْمَ ؟ قَالَ : أَرْفَعُ طَعَامِ أَهِلَك ، وَطَعَامِ النَّاسِ ؟ وَعَنْ عَلِيٍّ وَالْحَسَنِ ، وَالشَّعْبِيِّ ، وَقَتَادَةَ ، وَمَالِكٍ ، وَأَبِي ثَوْرٍ يُغَدِّيهِمْ أَوْ يُعَشِّيهِمْ .","part":22,"page":192},{"id":10692,"text":"وَهَذَا اتِّفَاقٌ عَلَى تَفْسِيرِ مَا فِي الْآيَةِ بِالْخُبْزِ ، وَلِأَنَّهُ أَطْعَمَ الْمَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ طَعَامِ أَهْلِهِ ، فَأَجْزَأَهُ ، كَمَا لَوْ أَعْطَاهُ حَبًّا ، وَيُفَارِقُ الزَّكَاةَ مِنْ وَجْهَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، أَنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ عُشْرُ الْحَبِّ وَعُشْرُ الْحَبِّ حَبٌّ ، فَاعْتُبِرَ الْوَاجِبُ ، وَهَا هُنَا الْوَاجِبُ الْإِطْعَامُ ، وَالْخُبْزُ أَقْرَبُ إلَيْهِ .\rوَالثَّانِي ، أَنَّ دَفْعَ الزَّكَاةِ يُرَادُ لِلِاقْتِيَاتِ فِي جَمِيعِ الْعَامِ ، فَيَحْتَاجُ إلَى ادِّخَارِهِ ، فَاعْتُبِرَ أَنْ يَكُونَ عَلَى صِفَةٍ تُمَكِّنُ مِنْ ادِّخَارَهُ عَامًا ، وَالْكَفَّارَةُ تُرَادُ لِدَفْعِ حَاجَةِ يَوْمِهِ ، وَلِهَذَا تَقَدَّرَتْ بِمَا الْغَالِبُ أَنَّهُ يَكْفِيهِ لِيَوْمِهِ ، وَالْخُبْزُ أَقْرَبُ إلَى ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ كَفَاهُ مُؤْنَةَ طَحْنِهِ وَخَبْزِهِ .\rإذَا تَقَرَّرَ هَذَا ، فَإِنَّهُ إنْ أَعْطَى الْمِسْكِينَ رِطْلَيْ خُبْزٍ بِالْعِرَاقِيِّ ، أَجْزَأَهُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ مِنْ أَقَلَّ مِنْ مُدٍّ ، وَقُدِّرَ ذَلِكَ بِالرِّطْلِ الدِّمَشْقِيِّ الَّذِي هُوَ سِتُّمِائَةِ دِرْهَمٍ ، خَمْسُ أَوَاقٍ وَسُبْعُ أُوقِيَّةٍ ، وَإِنْ طَحَنَ مُدًّا ، وَخَبَزَهُ ، أَجْزَأَهُ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .\rوَكَذَلِكَ إذَا دَفَعَ دَقِيقَ الْمُدِّ إلَى الْمِسْكِينِ ، أَجْزَأَهُ .\rوَإِنْ دَفَعَ الدَّقِيقَ مِنْ غَيْرِ تَقْدِيرِ حِنْطَتِهِ ، فَقَالَ أَحْمَدُ : يُجْزِئُهُ بِالْوَزْنِ رِطْلٌ وَثُلُثٌ ، وَلَا يُجْزِئُهُ إخْرَاجُ مُدِّ دَقِيقٍ بِالْكَيْلِ ؛ لِأَنَّهُ يَرُوعُ بِالطَّحْنِ ، فَحُصِّلَ فِي مُدِّ دَقِيقِ الْحَبِّ أَقَلُّ مِنْ مُدٍّ الْحَبِّ .\rوَإِنْ زَادَ فِي الدَّقِيقِ عَنْ مُدٍّ ، بِحَيْثُ يُعْلَمُ إنَّهُ قَدْرُ مُدِّ حِنْطَةٍ ، جَازَ .\rوَقَوْلُ الْخِرَقِيِّ فِي مُدِّ مِنْ دَقِيقٍ .\rيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ إخْرَاجَهُ بِالْوَزْنِ ، كَمَا ذَكَرَ أَحْمَدُ ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ مُدًّا مِنْ الْحِنْطَةِ ، طَحَنَهُ ثُمَّ أَخْرَجَ دَقِيقَهُ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ إخْرَاجَ مَا يَعْلَمُ أَنَّ حَبَّهُ مُدٌّ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا .\rوَيَجِبُ أَنْ يُحْمَلَ قَوْلُهُ فِي الدَّقِيقِ وَالْخُبْزِ عَلَى دَقِيقِ الْحِنْطَةِ وَخُبْزِهَا ، فَإِنْ","part":22,"page":193},{"id":10693,"text":"أَعْطَى مِنْ الشَّعِيرِ ، لَمْ يُجْزِئْهُ إلَّا ضِعْفُ ذَلِكَ ، كَمَا لَا يُجْزِئُ مِنْ حَبِّهَا إلَّا ضِعْفُ مَا يُجْزِئُ مِنْ حَبِّ الْبَرِّ .\r( 8022 ) فَصْلٌ : وَالْأَفْضَلُ إخْرَاجُ الْحَبِّ ؛ لِأَنَّ فِيهِ خُرُوجًا مِنْ الْخِلَافِ .\rقَالَ أَحْمَدُ التَّمْرُ أَعْجَبُ إلَيَّ ، وَالدَّقِيقُ ضَعِيفٌ ، وَالتَّمْرُ أَحَبُّ إلَيَّ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ إخْرَاجُ الْخُبْزِ أَفْضَلَ ؛ لِأَنَّهُ أَنْفَعُ لِلْمِسْكِينِ ، وَأَقَلُّ كُلْفَةً ، وَأَقْرَبُ إلَى حُصُولِ الْمَقْصُودِ مِنْهُ بِغُنْيَتِهِ ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمِسْكِينَ يَأْكُلُهُ ، وَيَسْتَغْنِي بِهِ فِي يَوْمِهِ ذَلِكَ ، وَالْحَبُّ يَعْجِزُ عَنْ طَحْنِهِ وَعَجْنِهِ ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى بَيْعِهِ ، ثُمَّ يَشْتَرِي بِثَمَنِهِ خُبْزًا ، فَيَتَكَلَّفُ حَمْلَ كُلْفَةِ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ ، وَغَبْنَ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي لَهُ ، وَتَأَخُّرَ حُصُولِ النَّفْعِ بِهِ ، وَرُبَّمَا لَمْ يَحْصُلْ لَهُ بِثَمَنِهِ مِنْ الْخُبْزِ مَا يَكْفِيهِ لِيَوْمِهِ ، فَيَفُوتُ الْمَقْصُودُ مَعَ حُصُولِ الضَّرَرِ .","part":22,"page":194},{"id":10694,"text":"فَصْلٌ : وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْمُخْرَجُ فِي الْكَفَّارَةِ سَالِمًا مِنْ الْعَيْبِ ، فَلَا يَكُونُ الْحَبُّ مَسُوسًا ، وَلَا مُتَغَيِّرًا طَعْمُهُ ، وَلَا فِيهِ زُؤَانٌ أَوْ تُرَابٌ يَحْتَاجُ إلَى تَنْقِيَةٍ ، وَكَذَلِكَ دَقِيقُهُ وَخُبْزُهُ ؛ لِأَنَّهُ مُخْرَجٌ فِي حَقِّ اللَّهِ - تَعَالَى ، عَمَّا وَجَبَ فِي الذِّمَّةِ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ مَعِيبًا كَالشَّاةِ فِي الزَّكَاةِ .","part":22,"page":195},{"id":10695,"text":"( 8024 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ ( وَلَوْ أَعْطَاهُمْ مَكَانَ الطَّعَامِ أَضْعَافَ قِيمَتِهِ وَرِقًا ، لَمْ يُجْزِهِ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ فِي الْكَفَّارَةِ إخْرَاجُ قِيمَةِ الطَّعَامِ ، وَلَا الْكِسْوَةِ ، فِي قَوْلِ إمَامِنَا وَمَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ مَنْ سَمَّيْنَا قَوْلَهُمْ فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ ، فِي الْمَسْأَلَةِ الَّتِي قَبْلَهَا وَهُوَ ظَاهِرٌ مِنْ قَوْلِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَعَطَاءٍ ، وَمُجَاهِدٍ ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَالنَّخَعِيِّ .\rوَأَجَازَهُ الْأَوْزَاعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ دَفْعُ حَاجَةِ الْمِسْكِينِ ، وَهُوَ يَحْصُلُ بِالْقِيمَةِ وَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ - تَعَالَى : { إطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ } .\rوَهَذَا ظَاهِرٌ فِي عَيْنِ الطَّعَامِ وَالْكِسْوَةِ ، فَلَا يَحْصُلُ التَّكْفِيرُ بِغَيْرِهِ لِأَنَّهُ لَمْ يُؤَدِّ الْوَاجِبَ إذَا لَمْ يُؤَدِّ مَا أَمَرَهُ اللَّهُ بِأَدَائِهِ ، وَلِأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى خَيَّرَ بَيْنَ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ وَلَوْ جَازَتْ الْقِيمَةُ لَمْ يَنْحَصِرْ التَّخْيِيرُ فِي الثَّلَاثَةِ ، وَلِأَنَّهُ ، لَوْ أُرِيدَتْ الْقِيمَةُ لَمْ يَكُنْ لِلتَّخْيِيرِ مَعْنًى ؛ لِأَنَّ قِيمَةَ الطَّعَامِ إنْ سَاوَتْ قِيمَةَ الْكِسْوَةِ ، فَهُمَا شَيْءٌ وَاحِدٌ ، فَكَيْفَ يُخَيَّرُ بَيْنَهُمَا ؟ وَإِنْ زَادَتْ قِيمَةُ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ ، فَكَيْفَ يُخَيَّرُ بَيْنَ شَيْءٍ وَبَعْضِهِ ؟ ثُمَّ يَنْبَغِي أَنَّهُ إذَا أَعْطَاهُ فِي الْكِسْوَةِ مَا يُسَاوِي إطْعَامَهُ أَنْ يُجْزِئَهُ ، وَهُوَ خِلَافُ الْآيَةِ ، وَكَذَلِكَ لَوْ غَلَتْ قِيمَةُ الطَّعَامِ ، فَصَارَ نِصْفُ الْمُدِّ يُسَاوِي كِسْوَةَ الْمِسْكِينِ ، يَنْبَغِي أَنْ يُجْزِئَهُ نِصْفُ الْمُدِّ وَهُوَ خِلَافُ الْآيَةِ ، وَلِأَنَّهُ أَحَدُ مَا يُكَفِّرُ بِهِ فَتَعَيَّنَ مَا وَرَدَ بِهِ النَّصُّ كَالْعِتْقِ أَوْ فَلَا تُجْزِئُ فِيهِ الْقِيمَةُ كَالْعِتْقِ فَعَلَى هَذَا ، لَوْ أَعْطَاهُمْ أَضْعَافَ قِيمَةِ الطَّعَامِ ، لَا يُجْزِئُهُ لِأَنَّهُ لَمْ يُؤَدِّ الْوَاجِبَ فَلَا يَخْرُجُ عَنْ عُهْدَتِهِ .","part":22,"page":196},{"id":10696,"text":"( 8025 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : ( وَيُعْطِي مِنْ أَقَارِبِهِ مَنْ يَجُوزُ أَنْ يُعْطِيَهُ مِنْ زَكَاةِ مَالِهِ ) وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا ، وَلِأَنَّ الْكَفَّارَةَ حَقُّ مَالٍ يَجِبُ لِلَّهِ - تَعَالَى ، فَجَرَى مَجْرَى الزَّكَاةِ ، فِيمَنْ يَدْفَعُ إلَيْهِ مِنْ أَقَارِبِهِ ، وَمَنْ لَا يَدْفَعُ إلَيْهِ وَقَدْ سَبَقَ ذَلِكَ فِي بَابِ الزَّكَاةِ ( 8026 ) فَصْلٌ : وَكُلُّ مَنْ يَمْنَعُ الزَّكَاةَ مِنْ الْغَنِيِّ وَالْكَافِرِ ، وَالرَّقِيقِ يُمْنَعُ أَخْذَ الْكَفَّارَةِ ، وَهَلْ يُمْنَعُ مِنْهَا بَنُو هَاشِمٍ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا يُمْنَعُونَ مِنْهَا ، لِأَنَّهَا صَدَقَةٌ وَاجِبَةٌ فَمُنِعُوا مِنْهَا لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إنَّا لَا تَحِلُّ لَنَا الصَّدَقَةُ } .\rوَقِيَاسًا عَلَى الزَّكَاةِ .\rوَالثَّانِي ، لَا يُمْنَعُونَ ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَجِبْ بِأَصْلِ الشَّرْعِ ، فَأَشْبَهَتْ صَدَقَةَ التَّطَوُّعِ .","part":22,"page":197},{"id":10697,"text":"( 8027 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ ( وَمَنْ لَمْ يُصِبْ إلَّا مِسْكِينًا وَاحِدًا ، رَدَّدَ عَلَيْهِ فِي كُلِّ يَوْمٍ تَتِمَّةَ عَشَرَةِ أَيَّامٍ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْمُكَفِّرَ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَجِدَ الْمَسَاكِينَ بِكَمَالِ عَدَدِهِمْ ، أَوَّلًا يَجِدَهُمْ ، فَإِنْ وَجَدَهُمْ ، لَمْ يُجْزِئُهُ إطْعَامُ أَقَلَّ مِنْ عَشَرَةٍ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ ، وَلَا أَقَلَّ مِنْ سِتِّينَ فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ وَكَفَّارَةِ الْجِمَاعِ فِي رَمَضَانَ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ .\rوَأَجَازَ الْأَوْزَاعِيُّ دَفْعَهَا إلَى وَاحِدٍ .\rوَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ إنْ خَصَّ بِهَا أَهْلَ بَيْتٍ شَدِيدِي الْحَاجَةِ ، جَازَ ، بِدَلِيلِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِلْمُجَامِعِ فِي رَمَضَانَ ، حِينَ أَخْبَرَهُ بِشِدَّةِ حَاجَتِهِ وَحَاجَةِ أَهْلِهِ : ( أَطْعِمْهُ عِيَالَك ) وَلِأَنَّهُ دَفَعَ حَقَّ اللَّهِ - تَعَالَى - إلَى مَنْ هُوَ مَنْ أَهْلِ الِاسْتِحْقَاقِ ، فَأَجْزَأَهُ ، كَمَا لَوْ دَفَعَ زَكَاتَهُ إلَى وَاحِدٍ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ : يَجُوزُ أَنْ يُرَدِّدَهَا عَلَى مِسْكِينٍ وَاحِدٍ فِي عَشَرَةِ أَيَّامٍ ، إنْ كَانَتْ كَفَّارَةَ يَمِينٍ ، أَوْ فِي سِتِّينَ إنْ كَانَ الْوَاجِبُ إطْعَامَ سِتِّينَ مِسْكِينًا ، وَلَا يَجُوزُ دَفْعُهَا إلَيْهِ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ .\rوَحَكَاهُ أَبُو الْخَطَّابِ رِوَايَةً عَنْ أَحْمَدْ ؛ لِأَنَّهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ قَدْ أَطْعَمَ مِسْكِينًا مَا يَجِبُ لِلْمِسْكِينِ ، فَأَجْزَأَ ، كَمَا لَوْ أَعْطَى غَيْرَهُ ، وَلِأَنَّهُ لَوْ أَطْعَمَ هَذَا الْمِسْكِينَ مِنْ كَفَّارَةٍ أُخْرَى ، أَجْزَأَهُ ، فَكَذَلِكَ إذَا أَطْعَمَهُ مِنْ هَذِهِ الْكَفَّارَةِ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ اللَّهِ - تَعَالَى : { فَكَفَّارَتُهُ إطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ } .\rوَمَنْ أَطْعَمَ وَاحِدًا ، فَمَا أَطْعَمَ عَشَرَةً ، فَمَا امْتَثَلَ الْأَمْرَ ، فَلَا يُجْزِئُهُ ، وَلِأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - جَعَلَ كَفَّارَتَهُ إطْعَامَ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ ، فَإِذَا لَمْ يُطْعِمْ عَشَرَةً فَمَا أَتَى بِالْكَفَّارَةِ ، وَلِأَنَّ مَنْ لَمْ يَجُزْ الدَّفْعُ إلَيْهِ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ ، لَمْ يَجُزْ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي ، مَعَ اتِّفَاقِ","part":22,"page":198},{"id":10698,"text":"الْحَالِ ، كَالْوَلَدِ ، فَأَمَّا الْوَاقِعُ عَلَى أَهْلِهِ ، فَإِنَّمَا أَسْقَطَ اللَّهُ - تَعَالَى - الْكَفَّارَةَ عَنْهُ ، لِعَجْزِهِ عَنْهَا ، فَإِنَّهُ لَا خِلَافَ فِي أَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَأْكُلُ كَفَّارَةَ نَفْسِهِ ، وَلَا يُطْعِمُهَا عَائِلَتَهُ ، وَقَدْ أُمِرَ بِذَلِكَ الْحَالُ الثَّانِي الْعَاجِزُ عَنْ عَدَدِ الْمَسَاكِينِ كُلِّهِمْ ، فَإِنَّهُ يُرَدِّدُ عَلَى الْمَوْجُودِينَ مِنْهُمْ فِي كُلِّ يَوْمٍ حَتَّى تَتِمَّ عَشَرَةً ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ إلَّا وَاحِدًا ، رَدَّدَ عَلَيْهِ ، تَتِمَّةَ عَشَرَةِ أَيَّامٍ ، وَإِنْ وَجَدَ اثْنَيْنِ ، رَدَّدَ عَلَيْهِمَا خَمْسَةَ أَيَّامٍ ، وَعَلَى هَذَا وَنَحْوُ هَذَا .\rقَالَ الثَّوْرِيِّ .\rوَهُوَ اخْتِيَارُ أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ ، رِوَايَةٌ أُخْرَى ، لَا يُجْزِئُهُ إلَّا كَمَالُ الْعَدَدِ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا فِي حَالِ الْقُدْرَةِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ تَرْدِيدَ الْإِطْعَامِ فِي عَشَرَةِ أَيَّامٍ ، فِي مَعْنَى إطْعَامِ عَشَرَةٍ ؛ لِأَنَّهُ يَدْفَعُ الْحَاجَةَ فِي عَشَرَةِ أَيَّامٍ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَطْعَمَ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَاحِدًا ، وَالشَّيْءُ بِمَعْنَاهُ يَقُومُ مَقَامَهُ بِصُورَتِهِ عِنْدَ تَعَذُّرِهَا ، وَلِهَذَا شُرِعَتْ الْأَبْدَالُ ؛ لِقِيَامِهَا مَقَامَ الْمُبْدَلَاتِ فِي الْمَعْنَى ، وَلَا يُجْتَزَأُ بِهَا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْمُبْدَلَاتِ ، كَذَا هَاهُنَا .","part":22,"page":199},{"id":10699,"text":"( 8028 ) فَصْل : وَإِنْ أَطْعَمَ كُلَّ يَوْمٍ مِسْكِينًا ، حَتَّى أَكْمَلَ الْعَشَرَةَ ، أَجْزَأَهُ ، بِلَا خِلَافٍ نَعْلَمُهُ ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ إطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ ، وَقَدْ أَطْعَمَهُمْ .\rوَإِنْ دَفَعَهَا إلَى مَنْ يَظُنُّهُ مِسْكِينًا ، فَبَانَ غَنِيًّا ، فَفِي ذَلِكَ وَجْهَانِ ، بِنَاءً عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي دَفْعِ الزَّكَاةِ إلَيْهِ ؛ أَحَدُهُمَا ، لَا يُجْزِئُهُ .\rوَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي يُوسُفَ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُطْعِمْ الْمَسَاكِينَ ، فَلَمْ يُجْزِئْهُ ، كَمَا لَوْ عَلِمَ .\rوَالثَّانِي ، يُجْزِئُهُ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَمُحَمَّدٍ ؛ لِأَنَّهُ دَفَعَهَا إلَى مَنْ يَظُنُّهُ مِسْكِينًا ، وَظَاهِرُهُ الْمَسْكَنَةُ ، فَأَجْزَأَهُ ، كَمَا لَوْ لَمْ يَعْلَمْ ، وَهَذَا لِأَنَّ الْفَقْرَ يَخْفَى ، وَتَشُقُّ مَعْرِفَةُ حَقِيقَتِهِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمْ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنْ التَّعَفُّفِ } فَوَجَبَ أَنْ يَكْتَفِيَ بِظُهُورِهِ وَظَنِّهِ ، وَكَذَلِكَ لَمَّا سَأَلَ الرَّجُلَانِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الصَّدَقَةِ ، قَالَ : { إنْ شِئْتُمَا أَعْطَيْتُكُمَا مِنْهَا ، وَلَا حَظَّ فِيهَا لِغَنِيٍّ ، وَلَا لِقَوِيٍّ مُكْتَسِبٍ } .\rوَإِنْ بَانَ كَافِرًا أَوْ عَبْدًا ، لَمْ يُجْزِئْهُ ، وَجْهًا وَاحِدًا ، كَقَوْلِنَا فِي الزَّكَاةِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَكَادُ يَخْفَى ، وَلَيْسَ هُوَ فِي مَظِنَّةِ الْخَفَاءِ فَإِنْ كَانَ الدَّافِعُ الْإِمَامَ ، فَأَخْطَأَ فِي الْفَقْرِ ، لَمْ يَضْمَنْ ، وَإِنْ أَخْطَأَ فِي الْحُرِّيَّةِ وَالْإِسْلَامِ ، فَهَلْ يَضْمَنُ ؟ عَلَى الْوَجْهَيْنِ ؛ بِنَاءً عَلَى خَطَئِهِ فِي الْحَدِّ .","part":22,"page":200},{"id":10700,"text":"( 8029 ) فَصْلٌ : إذَا أَطْعَمَ مِسْكِينًا فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ مِنْ كَفَّارَتَيْنِ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، يُجْزِئُهُ ؛ لِأَنَّهُ أَطْعَمَ عَنْ كُلِّ كَفَّارَةٍ عَشَرَةَ مَسَاكِينَ ، فَأَجْزَأَهُ ، كَمَا لَوْ أَطْعَمَهُ فِي يَوْمَيْنِ ، وَلِأَنَّ مَنْ جَازَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ اثْنَيْنِ ، جَازَ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ وَاحِدٍ ، كَالْقَدْرِ الَّذِي يَجُوزُ لَهُ أَخْذُهُ مِنْ الزَّكَاةِ .\rوَالثَّانِي ، لَا يُجْزِئُهُ إلَّا عَنْ وَاحِدٍ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَأَبِي يُوسُفَ ؛ لِأَنَّهُ أَعْطَى مِسْكِينًا فِي يَوْمٍ طَعَامَ اثْنَيْنِ ، فَلَمْ يُجْزِئْهُ إلَّا عَنْ وَاحِدٍ ، كَمَا لَوْ كَانَ فِي كَفَّارَةٍ وَاحِدَةٍ .\rوَإِنْ أَطْعَمَ اثْنَيْنِ مِنْ كَفَّارَتَيْنِ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ ، جَازَ .\rوَلَا نَعْلَمُ فِي جَوَازِهِ خِلَافًا .\rوَكَذَلِكَ إنْ أَطْعَمَ وَاحِدًا مِنْ كَفَّارَتَيْنِ فِي يَوْمَيْنِ ، ، جَازَ أَيْضًا ، بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ .\rفَلَوْ كَانَ عَلَى وَاحِدٍ عَشْرُ كَفَّارَاتٍ ، وَعِنْدَهُ عَشَرَةُ مَسَاكِينَ ، يُطْعِمُهُمْ كُلَّ يَوْمٍ كَفَّارَةً يُفَرِّقُهَا عَلَيْهِمْ ، جَازَ ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِمَا أُمِرَ بِهِ ، فَخَرَجَ عَنْ عُهْدَتِهِ ، وَبَيَانُ أَنَّهُ أَتَى بِمَا أُمِرَ ، أَنَّهُ أَطْعَمَ عَنْ كُلِّ كَفَّارَةٍ عَشَرَةَ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا يُطْعِمُ أَهْلَهُ ، وَالْحُكْمُ فِي الْكِسْوَةِ كَالْحُكْمِ فِي الطَّعَامِ ، عَلَى مَا فَصَّلْنَاهُ .","part":22,"page":201},{"id":10701,"text":"( 8030 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ ( وَإِنْ شَاءَ كَسَا عَشَرَةَ مَسَاكِينَ ؛ لِلرَّجُلِ ثَوْبٌ يُجْزِئُهُ أَنْ يُصَلِّيَ فِيهِ ، وَلِلْمَرْأَةِ دِرْعٌ وَخِمَارٌ ) لَا خِلَافَ فِي أَنَّ الْكِسْوَةَ أَحَدُ أَصْنَافِ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ لِنَصِّ اللَّهِ - تَعَالَى - عَلَيْهَا فِي كِتَابِهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { أَوْ كِسْوَتُهُمْ } .\rوَلَا تَدْخُلُ فِي كَفَّارَةٍ غَيْرِ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ ، وَلَا يُجْزِئُهُ أَقَلُّ مِنْ كِسْوَةِ عَشَرَةٍ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ - تَعَالَى : { فَكَفَّارَتُهُ إطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلَيْكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ } .\rوَتَتَقَدَّرُ الْكِسْوَةُ بِمَا يُجْزِئُ الصَّلَاةُ فِيهِ ؛ فَإِنْ كَانَ رَجُلًا ، فَثَوْبٌ تُجْزِئُهُ الصَّلَاةُ فِيهِ ، وَإِنْ كَانَتْ امْرَأَةً ، فَدِرْعٌ وَخِمَارٌ .\rوَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ .\rوَمِمَّنْ قَالَ : لَا يُجْزِئُهُ السَّرَاوِيلُ .\rالْأَوْزَاعِيُّ ، وَأَبُو يُوسُفَ .\rوَقَالَ إبْرَاهِيمُ : ثَوْبٌ جَامِعٌ وَقَالَ الْحَسَنُ : كُلُّ مِسْكِينٍ حُلَّةٌ ؛ إزَارٌ وَرِدَاءٌ .\rوَقَالَ ابْنُ عُمَرَ ، وَعَطَاءٌ ، وَطَاوُسٌ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَعِكْرِمَةُ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ : يُجْزِئُهُ ثَوْبٌ ثَوْبٌ .\rوَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ وَحُكِيَ عَنْ الْحَسَنِ قَالَ : يُجْزِئُ الْعِمَامَةُ .\rوَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ عَبَاءَةٌ وَعِمَامَةٌ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يُجْزِئُ أَقَلُّ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الِاسْمُ ، مِنْ سَرَاوِيلَ ، أَوْ إزَارٍ ، أَوْ رِدَاءٍ ، أَوْ مُقَنَّعَةٍ ، أَوْ عِمَامَةٍ ، وَفِي الْقَلَنْسُوَةِ وَجْهَانِ .\rوَاحْتَجُّوا بِأَنَّ ذَلِكَ يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الْكِسْوَةِ ، فَأَجْزَأَ ، كَاَلَّذِي تَجُوزُ الصَّلَاةُ فِيهِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الْكِسْوَةَ أَحَدُ أَنْوَاعِ الْكَفَّارَةِ ، فَلَمْ يَجُزْ فِيهِ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الِاسْمُ ، كَالْإِطْعَامِ وَالْإِعْتَاقِ ، وَلِأَنَّ التَّكْفِيرَ عِبَادَةٌ تُعْتَبَرُ فِيهَا الْكِسْوَةُ ، فَلَمْ يَجُزْ فِيهَا أَقَلُّ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ ، كَالصَّلَاةِ ، وَلِأَنَّهُ مَصْرُوفٌ إلَى الْمَسَاكِينِ فِي الْكَفَّارَةِ ، فَيَتَقَدَّرُ ، كَالْإِطْعَامِ ، وَلِأَنَّ اللَّابِسَ مَا لَا يَسْتُرُ عَوْرَتَهُ إنَّمَا يُسَمَّى","part":22,"page":202},{"id":10702,"text":"عُرْيَانًا ، وَلَا مُكْتَسِيًا ، وَكَذَلِكَ لَابِسُ السَّرَاوِيلِ وَحْدَهُ ، أَوْ مِئْزَرٍ ، يُسَمَّى عُرْيَانًا ، فَلَا يُجْزِئُهُ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ - تَعَالَى { أَوْ كِسْوَتُهُمْ } إذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّهُ إذَا كَسَا امْرَأَةً ، أَعْطَاهَا دِرْعًا وَخِمَارًا ؛ لِأَنَّهُ أَقَلُّ مَا يَسْتُرُ عَوْرَتَهَا ، وَتُجْزِئُهَا الصَّلَاةُ فِيهِ وَإِنْ ، أَعْطَاهَا ثَوْبًا وَاسِعًا ، يُمْكِنُهَا أَنْ تَسْتُرَ بِهِ بَدَنَهَا وَرَأْسَهَا ، أَجْزَأَهُ ذَلِكَ .\rوَإِنْ كَسَا الرَّجُلَ أَجْزَأَهُ قَمِيصٌ ، أَوْ ثَوْبٌ يُمْكِنُهُ أَنْ يَسْتُرَ بِهِ عَوْرَتَهُ ، وَيَجْعَلَ عَلَى عَاتِقِهِ مِنْهُ شَيْئًا ، أَوْ ثَوْبَيْنِ يَأْتَزِرُ بِأَحَدِهِمَا ، وَيَرْتَدِي بِالْآخَرِ .\rوَلَا يُجْزِئُهُ مِئْزَرٌ وَحْدَهُ ؛ وَلَا سِرْوَالٌ وَحْدَهُ ، لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَا يُصَلِّي أَحَدُكُمْ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ ، لَيْسَ عَلَى عَاتِقِهِ مِنْهُ شَيْءٌ .\r}","part":22,"page":203},{"id":10703,"text":"( 8031 ) فَصْلٌ : وَيَجُوزُ أَنْ يَكْسُوَهُمْ مِنْ جَمِيعِ أَصْنَافِ الْكِسْوَةِ ؛ مِنْ الْقُطْنِ ، وَالْكَتَّانِ ، وَالصُّوفِ ، وَالشَّعْرِ ، وَالْوَبَرِ ، وَالْخَزِّ ، وَالْحَرِيرِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - أَمَرَ بِكِسْوَتِهِمْ وَلَمْ يُعَيِّنْ جِنْسًا فَأَيَّ جِنْسٍ كَسَاهُمْ مِنْهُ ، خَرَجَ بِهِ عَنْ الْعُهْدَةِ ؛ لِوُجُودِ الْكِسْوَةِ الْمَأْمُورِ بِهَا .\rوَيَجُوزُ أَنْ يَكْسُوَهُمْ لَبِيسًا أَوْ جَدِيدًا ، إلَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّا قَدْ بَلِيَ وَذَهَبَتْ ، مَنْفَعَتُهُ ، فَلَا يُجْزِئُ ؛ لِأَنَّهُ مَعِيبٌ ، كَالْحَبِّ الْمَعِيبِ ، وَالرَّقَبَةِ إذَا بَطَلَتْ مَنْفَعَتُهَا .\rوَسَوَاءٌ كَانَ مَا أَعْطَاهُمْ مَصْبُوغًا أَوْ غَيْرَ مَصْبُوغٍ ، أَوْ خَامًا أَوْ مَقْصُورًا ؛ لِأَنَّهُ تَحْصُلُ الْكِسْوَةُ الْمَأْمُورُ بِهَا ، وَالْحِكْمَةُ الْمَقْصُودَةُ مِنْهَا .","part":22,"page":204},{"id":10704,"text":"( 8032 ) فَصْلٌ : وَاَلَّذِينَ تُجْزِئُ كِسْوَتُهُمْ ، هُمْ الْمَسَاكِينُ الَّذِينَ يُجْزِئُ إطْعَامُهُمْ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى قَالَ : { فَكَفَّارَتُهُ إطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ } .\rفَيَنْصَرِفُ الضَّمِيرُ إلَيْهِمْ .\rوَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي الْمَسَاكِينِ وَأَصْنَافِهِمْ .","part":22,"page":205},{"id":10705,"text":"( 8033 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِنْ شَاءَ أَعْتَقَ رَقَبَةً مُؤْمِنَةً ، قَدْ صَلَّتْ وَصَامَتْ ؛ لِأَنَّ الْإِيمَانَ قَوْلٌ وَعَمَلٌ ، وَتَكُونُ سَلِيمَةً ، لَيْسَ فِيهَا نَقْصٌ يَضُرُّ بِالْعَمَلِ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ إعْتَاقَ الرَّقَبَةِ أَحَدُ خِصَالِ الْكَفَّارَةِ ، بِغَيْرِ خِلَافٍ ؛ لِنَصِّ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ ، بِقَوْلِهِ : { أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ } .\rوَيُعْتَبَرُ فِي الرَّقَبَةِ ثَلَاثَةُ أَوْصَافٍ ؛ أَحَدُهَا ، أَنْ تَكُونَ مُؤْمِنَةً .\rفِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ .\rوَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي عُبَيْدٍ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ ، رِوَايَةٌ أُخْرَى ، أَنَّ الذِّمِّيَّةَ تُجْزِئُ .\rوَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ - تَعَالَى : { فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ } وَهَذَا مُطْلَقٌ ، فَتَدْخُلُ فِيهِ الْكَافِرَةُ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ تَحْرِيرٌ فِي كَفَّارَةٍ ، فَلَا يُجْزِئُ فِيهِ الْكَافِرَةُ ، كَكَفَّارَةِ الْقَتْلِ ، وَالْجَامِعُ بَيْنَهُمَا ، أَنَّ الْإِعْتَاقَ يَتَضَمَّنُ تَفْرِيغَ الْعَبْدِ الْمُسْلِمِ لِعِبَادَةِ رَبِّهِ ، وَتَكْمِيلَ أَحْكَامِهِ وَعِبَادَتِهِ وَجِهَادِهِ ، وَمَعُونَةَ الْمُسْلِمِ ، فَنَاسَبَ ذَلِكَ شَرْعُ إعْتَاقِهِ فِي الْكَفَّارَةِ ، تَحْصِيلًا لِهَذِهِ الْمَصَالِحِ ، وَالْحُكْمُ مَقْرُونٌ بِهَا فِي كَفَّارَةِ الْقَتْلِ الْمَنْصُوصِ عَلَى الْإِيمَانِ فِيهَا ، فَيُعَلَّلُ بِهَا ، وَيَتَعَدَّى ذَلِكَ الْحَكَمُ إلَى كُلِّ تَحْرِيرٍ فِي كَفَّارَةٍ ، فَيَخْتَصُّ بِالْمُؤْمِنَةِ ، لِاخْتِصَاصِهَا بِهَذِهِ الْحِكْمَةِ .\rوَأَمَّا الْمُطْلَقُ الَّذِي احْتَجُّوا بِهِ ، فَإِنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى الْمُقَيَّدِ فِي كَفَّارَةِ الْقَتْلِ ، كَمَا حُمِلَ مُطْلَقُ قَوْله تَعَالَى : { وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ } .\rعَلَى الْمُقَيَّدِ فِي قَوْله تَعَالَى : { وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ } .\rوَإِنْ لَمْ يُحْمَلْ عَلَيْهِ مِنْ جِهَةِ اللُّغَةِ ، حُمِلَ عَلَيْهِ مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ .\rالثَّانِي ، أَنْ تَكُونَ قَدْ صَلَّتْ وَصَامَتْ .\rوَهَذَا قَوْلُ الشَّعْبِيِّ ، وَمَالِكٍ ، وَإِسْحَاقَ .\rقَالَ الْقَاضِي : لَا يُجْزِئُ مَنْ لَهُ دُونَ السَّبْعِ ؛ لِأَنَّهُ لَا","part":22,"page":206},{"id":10706,"text":"تَصِحُّ مِنْهُ الْعِبَادَاتُ ، فِي ظَاهِرِ كَلَامِ أَحْمَدَ .\rوَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ ، الْمُعْتَبَرَ الْفِعْلُ دُونَ السِّنِّ ، فَمَنْ صَلَّى وَصَامَ مِمَّنْ لَهُ عَقْلٌ يَعْرِفُ الصَّلَاةَ وَالصِّيَامَ ، وَيَتَحَقَّقُ مِنْهُ الْإِتْيَانُ بِهِ بِنِيَّتِهِ وَأَرْكَانِهِ ، فَإِنَّهُ يُجْزِئُ فِي الْكَفَّارَةِ وَإِنْ كَانَ صَغِيرًا وَلَمْ يُوجَدَا مِنْهُ ، لَمْ يُجْزِئْ فِي الْكَفَّارَةِ وَإِنْ كَانَ كَبِيرًا .\rوَقَالَ أَبُو بَكْرٍ ، وَغَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا : يَجُوزُ إعْتَاقُ الطِّفْلِ فِي الْكَفَّارَةِ .\rوَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ ، وَعَطَاءٍ ، وَالزُّهْرِيِّ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْإِيمَانِ هَاهُنَا الْإِسْلَامُ ؛ بِدَلِيلِ إعْتَاقِ الْفَاسِقِ .\rقَالَ الثَّوْرِيُّ الْمُسْلِمُونَ كُلُّهُمْ مُؤْمِنُونَ عِنْدَنَا فِي الْأَحْكَامِ ، وَلَا نَدْرِي مَا هُمْ عِنْدَ اللَّهِ .\rوَلِهَذَا تَعَلَّقَ حُكْمُ الْقَتْلِ بِكُلِّ مُسْلِمٍ ، بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً } .\rوَالصَّبِيُّ مَحْكُومٌ بِإِسْلَامِهِ ، يَرِثُهُ الْمُسْلِمُونَ وَيَرِثُهُمْ ، وَيُدْفَنُ فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ ، وَيُغَسَّلُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ ، وَإِنْ سُبِيَ مُنْفَرِدًا عَنْ أَبَوَيْهِ أَجْزَأَهُ عِتْقُهُ ؛ لِأَنَّهُ مَحْكُومٌ بِإِسْلَامِهِ ، وَكَذَلِكَ إنْ سُبِيَ مَعَ أَحَدِ أَبَوَيْهِ ، وَلَوْ كَانَ أَحَدُ أَبَوَيْ الطِّفْلِ مُسْلِمًا ، وَالْآخَرُ كَافِرًا ، أَجْزَأَ إعْتَاقُهُ ؛ لِأَنَّهُ مَحْكُومٌ بِإِسْلَامِهِ .\rوَقَالَ الْقَاضِي ، فِي مَوْضِعٍ : يُجْزِئُ إعْتَاقُ الصَّغِيرِ فِي جَمِيعِ الْكَفَّارَاتِ ، إلَّا كَفَّارَةَ الْقَتْلِ ؛ فَإِنَّهَا عَلَى رِوَايَتَيْنِ .\rوَقَالَ إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ مَا كَانَ فِي الْقُرْآنِ مِنْ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ، فَلَا يُجْزِئُ إلَّا مَا صَامَ وَصَلَّى ، وَمَا كَانَ فِي الْقُرْآنِ رَقَبَةً لَيْسَتْ بِمُؤْمِنَةٍ ، فَالصَّبِيُّ يُجْزِئُ .\rوَنَحْوُ هَذَا قَوْلُ الْحَسَنِ .\rوَوَجْهُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ ، أَنَّ الْوَاجِبَ رَقَبَةٌ مُؤْمِنَةٌ ، وَالْإِيمَانُ قَوْلٌ وَعَمَلٌ ، فَمَا لَمْ تَحْصُلْ الصَّلَاةُ وَالصِّيَامُ ، لَمْ يَحْصُلْ الْعَمَلُ .\rوَقَالَ مُجَاهِدٌ ، وَعَطَاءٌ ، فِي قَوْلِهِ :","part":22,"page":207},{"id":10707,"text":"{ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ } قَالَ : قَدْ صَلَّتْ .\rوَنَحْوُ هَذَا قَوْلُ الْحَسَنِ ، وَإِبْرَاهِيمَ .\rوَقَالَ مَكْحُولٌ إذَا وُلِدَ الْمَوْلُودُ فَهُوَ نَسَمَةٌ ، فَإِذَا تَقَلَّبَ ظَهْرًا لِبَطْنٍ فَهُوَ رَقَبَةٌ ، فَإِذَا صَلَّى فَهُوَ مُؤْمِنَةٌ .\rوَلِأَنَّ الطِّفْلَ لَا تَصِحُّ مِنْهُ عِبَادَةٌ ؛ لِفَقْدِ التَّكْلِيفِ ، فَلَمْ يُجْزِئْ فِي الْكَفَّارَةِ ، كَالْمَجْنُونِ ، وَلِأَنَّ الصِّبَا نَقْصٌ يَسْتَحِقّ بِهِ النَّفَقَةَ عَلَى الْقَرِيبِ ، أَشْبَهَ الزَّمَانَةَ .\rوَالْقَوْلُ الْآخَرُ أَقْرَبُ إلَى الصِّحَّةِ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى ؛ لِأَنَّ الْإِيمَانَ الْإِسْلَامُ ، وَهُوَ حَاصِلٌ فِي حَقِّ الصَّغِيرِ وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا { ، أَنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ الْحَكَمِ السُّلَمِيَّ ، أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِجَارِيَةٍ ، فَقَالَ لَهَا : أَيْنَ اللَّهُ ؟ قَالَتْ : فِي السَّمَاءِ قَالَ : مَنْ أَنَا ؟ .\rقَالَتْ : أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ .\rقَالَ : أَعْتِقْهَا ، فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ } .\rرَوَاهُ مُسْلِمٌ .\rوَفِي حَدِيثٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، { أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِجَارِيَةٍ أَعْجَمِيَّةٍ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ : إنَّ عَلَيَّ رَقَبَةً .\rفَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَيْنَ اللَّهُ ؟ فَأَشَارَتْ بِرَأْسِهَا إلَى السَّمَاءِ .\rقَالَ : مَنْ أَنَا ؟ .\rفَأَشَارَتْ إلَى رَسُولِ اللَّهِ وَإِلَى السَّمَاءِ .\rأَيْ : أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ .\rقَالَ : أَعْتِقْهَا ؛ } .\rفَحَكَمَ لَهَا بِالْإِيمَانِ بِهَذَا الْقَوْلِ .","part":22,"page":208},{"id":10708,"text":"( 8034 ) فَصْلٌ : وَلَا يُجْزِئُ إعْتَاقُ الْجَنِينِ .\rفِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rوَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ : يُجْزِئُ ؛ لِأَنَّهُ آدَمِيٌّ مَمْلُوكٌ ، فَصَحَّ إعْتَاقُهُ عَنْ الرَّقَبَةِ ، كَالْمَوْلُودِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ لَمْ تَثْبُتْ لَهُ أَحْكَامُ الدُّنْيَا بَعْدُ ؛ فَإِنَّهُ لَا يَمْلِكُ إلَّا بِالْإِرْثِ وَالْوَصِيَّةِ ، وَلَا يُشْتَرَطُ لَهُمَا كَوْنُهُ آدَمِيًّا ؛ لِكَوْنِهِ ثَبَتَ لَهُ ذَلِكَ وَهُوَ نُطْفَةٌ أَوْ عَلَقَةٌ ، وَلَيْسَ بِآدَمِيٍّ فِي تِلْكَ الْحَالِ .\rالثَّالِثُ ، أَنْ لَا يَكُونَ بِهَا نَقْصٌ يَضُرُّ بِالْعَمَلِ .\rوَقَدْ شَرَحْنَا ذَلِكَ فِي الظِّهَارِ .\rوَيُجْزِئُ الصَّبِيُّ وَإِنْ كَانَ عَاجِزًا عَنْ الْعَمَلِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مَاضٍ إلَى زَوَالٍ ، وَصَاحِبُهُ سَائِرٌ إلَى الْكَمَالِ .\rوَلَا يُجْزِئُ الْمَجْنُونُ ؛ لِأَنَّ نَقْصَهُ لَا غَايَةَ لِزَوَالِهِ مَعْلُومَةٌ ، فَأَشْبَهَ الزَّمِنَ .","part":22,"page":209},{"id":10709,"text":"( 8035 ) فَصْلٌ : فَإِنْ أَعْتَقَ غَائِبًا تُعْلَمُ حَيَاتُهُ ، وَتَجِيءُ أَخْبَارُهُ صَحَّ ، وَأَجْزَأَهُ عَنْ الْكَفَّارَةِ ، كَالْحَاضِرِ .\rوَإِنْ شُكَّ فِي حَيَاتِهِ وَانْقَطَعَ خَبَرُهُ ، لَمْ يُحْكَمْ بِالْإِجْزَاءِ فِيهِ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ شَغْلُ ذِمَّتِهِ ، وَلَا تَبْرَأُ بِالشَّكِّ ، وَهَذَا الْعَبْدُ مَشْكُوكٌ فِيهِ فِي وُجُودِهِ ، فَشُكَّ فِي إعْتَاقِهِ .\rفَإِنْ قِيلَ : الْأَصْلُ حَيَاتُهُ .\rقُلْنَا : إلَّا أَنَّهُ قَدْ عُلِمَ أَنَّ الْمَوْتَ لَا بُدَّ مِنْهُ ، وَقَدْ وُجِدَتْ دَلَالَةٌ عَلَيْهِ ، وَهُوَ انْقِطَاعُ أَخْبَارِهِ ، فَإِنْ تَبَيَّنَ بَعْدَ هَذَا كَوْنُهُ حَيًّا تَبَيَّنَّا صِحَّةَ عِتْقِهِ وَبَرَاءَةَ الذِّمَّةِ مِنْ الْكَفَّارَةِ ، وَإِلَّا فَلَا .","part":22,"page":210},{"id":10710,"text":"( 8036 ) فَصْلٌ : وَإِنْ أَعْتَقَ غَيْرُهُ عَنْهُ بِغَيْرِ أَمْرِهِ ، لَمْ يَقَعْ عَنْ الْمُعْتَقِ عَنْهُ ، إذَا كَانَ حَيًّا ، وَوَلَاؤُهُ لِلْمُعْتِقِ ، وَلَا يُجْزِئُ عَنْ كَفَّارَتِهِ ، وَإِنْ نَوَى ذَلِكَ .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ .\rوَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ ، أَنَّهُ إذَا أَعْتَقَ عَنْ وَاجِبٍ عَلَى غَيْرِهِ بِغَيْرِ أَمْرِهِ ، صَحَّ ؛ لِأَنَّهُ قَضَى عَنْهُ وَاجِبًا فَصَحَّ ، كَمَا لَوْ قَضَى عَنْهُ دَيْنًا .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ عِبَادَةٌ مِنْ شَرْطِهَا النِّيَّةُ ، فَلَمْ يَصِحَّ أَدَاؤُهَا عَمَّنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ بِغَيْرِ أَمْرِهِ ، مَعَ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الْأَمْرِ ، كَالْحَجِّ وَلِأَنَّهُ أَحَدُ خِصَالِ الْكَفَّارَةِ ، فَلَمْ يَصِحَّ عَنْ الْمُكَفِّرِ بِغَيْرِ أَمْرِهِ ، كَالصِّيَامِ .\rوَهَكَذَا الْخِلَافُ فِيمَا إذَا كَفَّرَ عَنْهُ بِإِطْعَامٍ أَوْ كِسْوَةٍ .\rوَلَا يَجُوزُ أَنْ يَنُوبَ عَنْهُ فِي الصِّيَامِ بِإِذْنِهِ ، وَلَا بِغَيْرِ إذْنِهِ ؛ لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ بَدَنِيَّةٌ ، فَلَا تَدْخُلُهَا النِّيَابَةُ .\rفَأَمَّا إنْ أَعْتَقَ عَنْهُ بِأَمْرِهِ ، نَظَرْت ؛ فَإِنْ جَعَلَ لَهُ عِوَضًا ، صَحَّ الْعِتْقُ عَنْ الْمُعْتَقِ عَنْهُ ، وَلَهُ وَلَاؤُهُ ، وَأَجْزَأَ عَنْ كَفَّارَتِهِ ، بِغَيْرِ خِلَافٍ عَلِمْنَاهُ .\rوَبِهِ يَقُولُ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَغَيْرُهُمْ ؛ لِأَنَّهُ حَصَلَ الْعِتْقُ عَنْهُ بِمَالِهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ اشْتَرَاهُ وَوَكَّلَ الْبَائِعَ فِي إعْتَاقِهِ عَنْهُ ، وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ عِوَضًا ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، يَقَعُ الْعِتْقُ عَنْ الْمُعْتَقِ عَنْهُ ، وَيُجْزِئُ فِي كَفَّارَتِهِ .\rوَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ أَعْتَقَ بِأَمْرِهِ ، فَصَحَّ كَمَا لَوْ شَرَطَ عِوَضًا .\rوَالْأُخْرَى ، لَا يُجْزِئُ ، وَوَلَاؤُهُ لِلْمُعْتِقِ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ بِعِوَضٍ كَالْبَيْعِ ، وَبِغَيْرِ عِوَضٍ كَالْهِبَةِ ، وَمِنْ شَرْطِ الْهِبَةِ الْقَبْضُ ، وَلَمْ يَحْصُلْ ، فَلَمْ يَقَعْ عَنْ الْمَوْهُوبِ لَهُ ، وَفَارَقَ الْبَيْعَ ، فَإِنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْقَبْضُ .\rفَإِنْ كَانَ الْمُعْتَقُ عَنْهُ مَيِّتًا ، نَظَرْت ؛ فَإِنْ","part":22,"page":211},{"id":10711,"text":"وَصَّى بِالْعِتْقِ ، صَحَّ ؛ لِأَنَّهُ بِأَمْرِهِ وَإِنْ لَمْ يُوَصِّ بِهِ ، فَأَعْتَقَ عَنْهُ أَجْنَبِيٌّ ، لَمْ يَصِحَّ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِنَائِبٍ عَنْهُ ، وَإِنْ أَعْتَقَ عَنْهُ وَارِثُهُ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ وَاجِبٌ ، لَمْ يَصِحَّ الْعِتْقُ عَنْهُ ، وَوَقَعَ عَنْ الْمُعْتِقِ ، وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ عِتْقٌ وَاجِبٌ ، صَحَّ الْعِتْقُ عَنْهُ ؛ لِأَنَّهُ نَائِبٌ لَهُ فِي مَالِهِ وَأَدَاءِ وَاجِبَاتِهِ .\rفَإِنْ كَانَتْ عَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ فَكَسَا عَنْهُ أَوْ أَطْعَمَ عَنْهُ ، جَازَ ، وَإِنْ أَعْتَقَ عَنْهُ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَعَيَّنٍ ، فَجَرَى مَجْرَى التَّطَوُّعِ .\rوَالثَّانِي يُجْزِئُ ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ يَقَعُ وَاجِبًا ، لِأَنَّ الْوُجُوبَ يَتَعَيَّنُ فِيهِ بِالْفِعْلِ ، فَأَشْبَهَ الْمُعَيَّنَ مِنْ الْعِتْقِ ، وَلِأَنَّهُ أَحَدُ خِصَالِ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ ، فَجَازَ أَنْ يَفْعَلَهُ عَنْهُ ، كَالْإِطْعَامِ وَالْكِسْوَةِ .\rوَلَوْ قَالَ مَنْ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ : أَطْعِمْ عَنْ كَفَّارَتِي .\rأَوْ : اُكْسُ فَفَعَلَ ، صَحَّ ، رِوَايَةً وَاحِدَةً ، سَوَاءٌ ضَمِنَ لَهُ عِوَضًا ، أَوْ لَمْ يَضْمَنْ لَهُ عِوَضًا .","part":22,"page":212},{"id":10712,"text":"( 8037 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَلَوْ اشْتَرَاهَا بِشَرْطِ الْعِتْقِ فَأَعْتَقَهَا فِي الْكَفَّارَةِ ، عَتَقَتْ ، وَلَمْ تُجْزِئْهُ عَنْ الْكَفَّارَةِ ) وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rوَرُوِيَ عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ إذَا اشْتَرَاهَا بِشَرْطِ الْعِتْقِ ، فَالظَّاهِرُ أَنَّ الْبَائِعَ نَقَصَهُ مِنْ الثَّمَنِ لِأَجْلِ هَذَا الشَّرْطِ ، فَكَأَنَّهُ أَخَذَ عَنْ الْعِتْقِ عِوَضًا ، فَلَمْ يُجْزِئْهُ عَنْ الْكَفَّارَةِ .\rقَالَ أَحْمَدُ : إنْ كَانَتْ رَقَبَةً وَاجِبَةً ، لَمْ يُجْزِئْهُ ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ رَقَبَةً سَلِيمَةً ، وَلِأَنَّ عِتْقَهَا يَسْتَحِقُّ بِسَبَبٍ آخَرَ ، وَهُوَ الشَّرْطُ ، فَلَمْ يُجْزِئْهُ ، كَمَا لَوْ اشْتَرَى قَرِيبَهُ ، فَنَوَى بِشِرَائِهِ الْعِتْقَ عَنْ الْكَفَّارَةِ ، أَوْ قَالَ : إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتَ حُرٌّ .\rثُمَّ نَوَى عِنْدَ دُخُولِهِ أَنَّهُ عَنْ كَفَّارَتِهِ .","part":22,"page":213},{"id":10713,"text":"( 8038 ) فَصْلٌ : وَلَوْ قَالَ لَهُ رَجُلٌ : أَعْتِقْ عَبْدَك عَنْ كَفَّارَتِك ، وَلَك عَشَرَةُ دَنَانِيرَ .\rفَفَعَلَ ، لَمْ يُجْزِئْهُ عَنْ الْكَفَّارَةِ ؛ لِأَنَّ الرَّقَبَةَ لَمْ تَقَعْ خَالِصَةً عَنْ الْكَفَّارَةِ .\rوَقَالَ الْقَاضِي الْعِتْقُ كُلُّهُ يَقَعُ عَنْ بَاذِلِ الْعِوَضِ ، وَلَهُ وَلَاؤُهُ .\rوَهَذَا فِيهِ نَظَرٌ ؛ فَإِنَّ الْمُعْتِقَ لَمْ يُعْتِقْهُ عَنْ بَاذِلِ الْعِوَضِ ، وَلَا رَضِيَ بِإِعْتَاقِهِ عَنْهُ ، وَلَا بَاذِلُ الْعِوَضِ طَلَبَ ذَلِكَ ، وَالصَّحِيحُ أَنَّ إعْتَاقَهُ مِنْ الْمُعْتِقِ ، وَالْوَلَاءُ لَهُ .\rوَقَدْ ذَكَرَ الْخِرَقِيِّ أَنَّهُ إذَا قَالَ : أَعْتِقْهُ ، وَالثَّمَنُ عَلَيَّ .\rفَالثَّمَنُ عَلَيْهِ وَالْوَلَاءُ لِلْمُعْتِقِ .\rفَإِنْ رَدَّ الْعَشَرَةَ عَلَى بَاذِلِهَا ، لِيَكُونَ الْعِتْقُ عَنْ الْكَفَّارَةِ وَحْدَهَا ، أَوْ عَزَمَ عَلَى رَدِّ الْعَشَرَةِ ، أَوْ رَدَّ الْعَشَرَةَ قَبْلَ الْعِتْقِ وَأَعْتَقَهُ عَنْ كَفَّارَتِهِ ، أَجْزَأَهُ .","part":22,"page":214},{"id":10714,"text":"( 8039 ) فَصْلٌ : وَإِذَا اشْتَرَى عَبْدًا يَنْوِي إعْتَاقَهُ عَنْ كَفَّارَتِهِ ، فَوَجَدَ بِهِ عَيْبًا لَا يَمْنَعُ مِنْ الْإِجْزَاءِ فِي الْكَفَّارَةِ ، فَأَخَذَ أَرْشَهُ ثُمَّ أَعْتَقَ الْعَبْدَ عَنْ كَفَّارَتِهِ ، أَجْزَأَهُ ، وَكَانَ الْأَرْشُ لَهُ ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ إنَّمَا وَقَعَ عَلَى الْعَبْدِ الْمَعِيبِ دُونَ الْأَرْشِ .\rوَإِنْ أَعْتَقَهُ قَبْلَ الْعِلْمِ بِالْعَيْبِ ، ثُمَّ ظَهَرَ عَلَى الْعَيْبِ ، فَأَخَذَ أَرْشَهُ ، فَهُوَ لَهُ أَيْضًا ، كَمَا لَوْ أَخَذَهُ قَبْلَ إعْتَاقِهِ .\rوَعَنْهُ ، أَنَّهُ يَصْرِفُ ذَلِكَ الْأَرْشَ فِي الرِّقَابِ ؛ لِأَنَّهُ أَعْتَقَهُ مُعْتَقِدًا أَنَّهُ سَلِيمٌ ، فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ الْعِوَضِ عَنْ حَقِّ اللَّهِ - تَعَالَى - ، وَكَفَّارَةُ الْأَرْشِ مَصْرُوفَةٌ فِي حَقِّ اللَّهِ - تَعَالَى ، كَمَا لَوْ بَاعَهُ كَانَ الْأَرْشُ لِلْمُشْتَرِي .\rوَإِنْ عَلِمَ الْعَيْبَ ، وَلَمْ يَأْخُذْ أَرْشَهُ حَتَّى أَعْتَقَهُ ، كَانَ الْأَرْشُ لِلْمُعْتِقِ ؛ لِأَنَّهُ أَعْتَقَهُ مَعِيبًا عَالِمًا بِعَيْبِهِ ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ أَرْشٌ ، كَمَا لَوْ بَاعَهُ وَلَمْ يَعْلَمْ عَيْبَهُ .","part":22,"page":215},{"id":10715,"text":"( 8040 ) مَسْأَلَة ؛ قَالَ ( وَكَذَلِكَ وَلَوْ اشْتَرَى بَعْضَ مَنْ يَعْتِقُ عَلَيْهِ إذَا مَلَكَهُ ، يَنْوِي بِشِرَائِهِ الْكَفَّارَةَ ، عَتَقَ ، وَلَمْ يُجْزِئْهُ ) وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ : يُجْزِئُهُ : اسْتِحْسَانًا ؛ لِأَنَّهُ يُجْزِئُ عَنْ كَفَّارَةِ الْبَائِعِ ، فَأَجْزَأَ عَنْ كَفَّارَةِ الْمُشْتَرِي ، كَغَيْرِهِ .\rوَلَنَا ، قَوْله تَعَالَى : { فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ } .\rوَالتَّحْرِيرُ فِعْلُ الْعِتْقِ ، وَلَمْ يَحْصُلْ الْعِتْقُ هَاهُنَا بِتَحْرِيرٍ مِنْهُ ، وَلَا إعْتَاقٍ ، فَلَمْ يَكُنْ مُمْتَثِلًا لِلْأَمْرِ ، وَلِأَنَّ عِتْقَهُ مُسْتَحَقٌّ بِسَبَبٍ آخَرَ ، فَلَمْ يُجْزِئْهُ ، كَمَا لَوْ وَرِثَهُ يَنْوِي بِهِ الْعِتْقَ عَنْ كَفَّارَتِهِ ، أَوْ كَأُمِّ الْوَلَدِ ، وَيُخَالِفُ الْمُشْتَرِي الْبَائِعَ مِنْ وَجْهَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، أَنَّ الْبَائِعَ يُعْتِقُهُ ، وَالْمُشْتَرِي لَمْ يُعْتِقْهُ ، إنَّمَا يَعْتِقُ بِإِعْتَاقِ الشَّرْعِ ، وَهَذَا عَنْ غَيْرِ اخْتِيَارٍ مِنْهُ .\rوَالثَّانِي ، أَنَّ الْبَائِعَ لَا يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ إعْتَاقَهُ ، وَالْمُشْتَرِي بِخِلَافِهِ .","part":22,"page":216},{"id":10716,"text":"( 8041 ) فَصْلٌ : إذَا مَلَكَ نِصْفَ عَبْدٍ ، فَأَعْتَقَهُ عَنْ كَفَّارَتِهِ ، عَتَقَ ، وَسَرَى إلَى بَاقِيهِ إنْ كَانَ مُوسِرًا بِقِيمَةِ بَاقِيهِ ، وَلَمْ يُجْزِئْهُ عَنْ كَفَّارَتِهِ ، فِي قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ الْخَلَّالِ ، وَصَاحِبِهِ ، وَحَكَاهُ عَنْ أَحْمَدَ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّ عِتْقَ نَصِيبِ شَرِيكِهِ لَمْ يَحْصُلْ بِإِعْتَاقِهِ ، إنَّمَا حَصَلَ بِالسِّرَايَةِ ، وَهِيَ غَيْرُ فِعْلِهِ ، وَإِنَّمَا هِيَ مِنْ آثَارِ فِعْلِهِ فَأَشْبَهَ مَا لَوْ اشْتَرَى مَنْ يَعْتِقُ عَلَيْهِ يَنْوِي بِهِ الْكَفَّارَةَ ، يُحَقِّقُ هَذَا ، أَنَّهُ لَمْ يُبَاشِرْ بِالْإِعْتَاقِ إلَّا نَصِيبَهُ ، فَسَرَى إلَى غَيْرِهِ ، وَلَوْ خَصَّ نَصِيبَ غَيْرِهِ بِالْإِعْتَاقِ ، لَمْ يُعْتَقْ مِنْهُ شَيْءٌ ، وَلِأَنَّهُ إنَّمَا يَمْلِكُ إعْتَاقَ نَصِيبِهِ ، لَا نَصِيبِ غَيْرِهِ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : قَالَ غَيْرُهُمَا مِنْ أَصْحَابِنَا : يُجْزِئُهُ إذَا نَوَى إعْتَاقَ جَمِيعِهِ عَنْ كَفَّارَتِهِ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ أَعْتَقَ عَبْدًا كَامِلَ الرِّقِّ ، سَلِيمَ الْخَلْقِ ، غَيْرَ مُسْتَحِقِّ الْعِتْقِ ، نَاوِيًا بِهِ الْكَفَّارَةَ ، فَأَجْزَأَهُ ، كَمَا لَوْ كَانَ الْجَمِيعُ مِلْكَهُ .\rوَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ ، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ أَعْتَقَ الْعَبْدَ كُلَّهُ ، وَإِنَّمَا أَعْتَقَ نِصْفَهُ ، وَعَتَقَ الْبَاقِي عَلَيْهِ ، فَأَشْبَهَ شِرَاءَ قَرِيبِهِ ، وَلِأَنَّ إعْتَاقَ بَاقِيهِ مُسْتَحَقٌّ بِالسِّرَايَةِ ، فَهُوَ كَالْقَرِيبِ ، فَعَلَى هَذَا : هَلْ يُجْزِئُهُ عِتْقُ نِصْفِهِ الَّذِي هُوَ مِلْكُهُ وَيُعْتِقُ نِصْفًا آخَرَ ، فَتَكْمُلُ الْكَفَّارَةُ ؟ يَنْبَنِي عَلَى مَا إذَا أَعْتَقَ نِصْفَيْ عَبْدَيْنِ ، وَسَنَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى .\rوَإِنْ نَوَى عِتْقَ نَصِيبِهِ عَنْ الْكَفَّارَةِ ، وَلَمْ يَنْوِ ذَلِكَ فِي نَصِيبِ شَرِيكِهِ ، لَمْ يُجْزِئْهُ نَصِيبُ شَرِيكِهِ وَفِي نَصِيبِهِ نَفْسِهِ مَا سَنَذْكُرُهُ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .\rوَلَوْ كَانَ مُعْسِرًا ، فَأَعْتَقَ نَصِيبَهُ عَنْ كَفَّارَتِهِ ، فَكَذَلِكَ ، فَإِنْ مَلَكَ بَاقِيَهُ ، فَأَعْتَقَهُ عَنْ الْكَفَّارَةِ ، أَجْزَأَهُ ذَلِكَ ، وَإِنْ أَرَادَ صِيَامَ","part":22,"page":217},{"id":10717,"text":"شَهْرٍ ، وَإِطْعَامَ ثَلَاثِينَ مِسْكِينًا ، لَمْ يُجْزِئْهُ ، كَمَا لَوْ أَعْتَقَ نِصْفَ عَبْدٍ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ ، وَأَطْعَمَ خَمْسَةَ مَسَاكِينَ أَوْ كَسَاهُمْ ، لَمْ يُجْزِئْهُ .","part":22,"page":218},{"id":10718,"text":"( 8042 ) فَصْلٌ : وَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ كُلُّهُ لَهُ ، فَأَعْتَقَ جُزْءًا مِنْهُ مُعَيَّنًا ، أَوْ مُشَاعًا عَتَقَ جَمِيعُهُ .\rفَإِنْ كَانَ نَوَى بِهِ الْكَفَّارَةَ ، أَجْزَأَ عَنْهُ ؛ لِأَنَّ إعْتَاقَ بَعْضِ الْعَبْدِ إعْتَاقٌ لِجَمِيعِهِ ، وَإِنْ نَوَى إعْتَاقَ الْجُزْءِ الَّذِي بَاشَرَهُ بِالْإِعْتَاقِ عَنْ الْكَفَّارَةِ دُونَ غَيْرِهِ ، لَمْ يُجْزِئْهُ عِتْقُ غَيْرِهِ .\rوَهَلْ يُحْتَسَبُ بِمَا نَوَى بِهِ الْكَفَّارَةَ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ .","part":22,"page":219},{"id":10719,"text":"( 8043 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَالَ : إنْ مَلَكْت فُلَانًا ، فَهُوَ حُرٌّ .\rوَقُلْنَا : يَصِحُّ هَذَا التَّعْلِيقُ .\rفَاشْتَرَاهُ يَنْوِي الْعِتْقَ عَنْ كَفَّارَتِهِ ، عَتَقَ ، وَلَمْ يُجْزِئْهُ عَنْ الْكَفَّارَةِ ، وَيُخَرَّجُ فِيهِ مِنْ الْخِلَافِ مِثْلُ مَا فِي شِرَاءِ قَرِيبِهِ .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":22,"page":220},{"id":10720,"text":"( 8044 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَلَا تُجْزِئُ فِي الْكَفَّارَةِ أُمُّ وَلَدٍ ) هَذَا ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ .\rوَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ ، رِوَايَةٌ أُخْرَى ، أَنَّهَا تُجْزِئُ .\rوَيُرْوَى ذَلِكَ عَنْ الْحَسَنِ ، وَطَاوُسٍ ، وَالنَّخَعِيِّ ، وَعُثْمَانَ الْبَتِّيِّ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ - تَعَالَى : { فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ } .\rوَمُعْتِقُهَا قَدْ حَرَّرَهَا .\rوَلَنَا ، أَنَّ عِتْقَهَا يُسْتَحَقُّ بِسَبَبٍ آخَرَ ، فَلَمْ يُجْزِئْ عَنْهُ ، كَمَا لَوْ اشْتَرَى قَرِيبَهُ ، أَوْ عَبْدًا بِشَرْطِ الْعِتْقِ فَأَعْتَقَهُ ، وَكَمَا لَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ : أَنْتَ حُرٌّ إنْ أُدْخِلْت الدَّارَ .\rثُمَّ نَوَى عِتْقَهُ عَنْ كَفَّارَتِهِ عِنْدَ دُخُولِهِ .\rوَالْآيَةُ مَخْصُوصَةٌ بِمَا ذَكَرْنَاهُ ، فَنَقِيسُ عَلَيْهِ مَا اخْتَلَفْنَا فِيهِ .\r( 8045 ) فَصْلٌ : وَلَدُ أُمِّ الْوَلَدِ الَّذِي وَلَدَتْهُ بَعْدَ كَوْنِهَا أُمَّ وَلَدٍ ، حُكْمُهُ حُكْمُهَا فِيمَا ذَكَرْنَاهُ ؛ لِأَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُهَا فِي الْعِتْقِ بِمَوْتِ سَيِّدِهَا .","part":22,"page":221},{"id":10721,"text":"( 8046 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَلَا مُكَاتَبٌ قَدْ أَدَّى مِنْ كِتَابَتِهِ شَيْئًا ) رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، فِي الْمُكَاتَبِ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ ؛ إحْدَاهُنَّ ، يُجْزِئُ مُطْلَقًا .\rاخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي ثَوْرٍ ؛ لِأَنَّ الْمُكَاتَبَ عَبْدٌ يَجُوزُ بَيْعُهُ ، فَأَجْزَأَ عِتْقُهُ ، كَالْمُدَبَّرِ ، وَلِأَنَّهُ رَقَبَةٌ ، فَدَخَلَ فِي مُطْلَقِ قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ : { فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ } .\rوَالثَّانِيَةُ ، لَا يُجْزِئُ مُطْلَقًا .\rوَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي عُبَيْدٍ ؛ لِأَنَّ عِتْقَهُ مُسْتَحَقٌّ بِسَبَبٍ آخَرَ ، وَلِهَذَا لَا يَمْلِكُ إبْطَالَ كِتَابَتِهِ ، فَأَشْبَهَ أُمَّ الْوَلَدِ .\rوَالثَّالِثَةُ ، إنْ أَدَّى مِنْ كِتَابَتِهِ شَيْئًا لَمْ يُجْزِئْهُ ، وَإِلَّا أَجْزَأَهُ .\rوَبِهَذَا قَالَ اللَّيْثُ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rقَالَ الْقَاضِي : هُوَ الصَّحِيحُ ؛ لِأَنَّهُ إذَا أَدَّى شَيْئًا فَقَدْ حَصَلَ الْعِوَضُ عَنْ بَعْضِهِ ، فَلَمْ يُجْزِئْ ، كَمَا لَوْ أَعْتَقَ بَعْضَ رَقَبَةٍ ، وَإِذَا لَمْ يُؤَدِّ ، فَقَدْ أَعْتَقَ رَقَبَةً كَامِلَةً مُؤْمِنَةً سَالِمَةَ الْخَلْقِ تَامَّةَ الْمِلْكِ ، لَمْ يَحْصُلْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهَا عِوَضٌ ، فَأَجْزَأَ عِتْقُهُ ، كَالْمُدَبَّرِ .\rوَلَوْ أَعْتَقَ عَبْدًا عَلَى مَالٍ ، فَأَخَذَهُ مِنْ الْعَبْدِ ، لَمْ يُجْزِئْ عَنْ كَفَّارَتِهِ ، فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا .","part":22,"page":222},{"id":10722,"text":"( 8047 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَيُجْزِئُهُ الْمُدَبَّرُ ) وَهَذَا قَوْلُ طَاوُسٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ .\rوَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ : لَا يُجْزِئُ ؛ لِأَنَّ عِتْقَهُ مُسْتَحَقٌّ بِسَبَبٍ آخَرَ ، فَأَشْبَهَ أُمَّ الْوَلَدِ ، وَلِأَنَّ بَيْعَهُ عِنْدَهُمْ غَيْرُ جَائِزٍ ، فَأَشْبَهَ أُمَّ الْوَلَدِ .\rوَلَنَا ، قَوْله تَعَالَى : { فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ } .\rوَقَدْ حَرَّرَ رَقَبَةً ، وَلِأَنَّهُ عَبْدٌ كَامِلُ الْمَنْفَعَةِ ، يَجُوزُ بَيْعُهُ ، وَلَمْ يَحْصُلْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ عِوَضٌ ، فَجَازَ عِتْقُهُ ، كَالْقِنِّ ، وَالدَّلِيلُ عَلَى جَوَازِ بَيْعِهِ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَاعَ مُدَبَّرًا .\rوَسَنَذْكُرُ حَدِيثَهُ فِي بَابِهِ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى وَلِأَنَّ التَّدْبِيرَ إمَّا أَنْ يَكُونَ وَصِيَّةً أَوْ عِتْقًا بِصِفَةٍ ، وَأَيًّا مَا كَانَ ، فَلَا يُمْنَعُ التَّكْفِيرُ بِإِعْتَاقِهِ قَبْلَ وُجُودِ الصِّفَةِ ، وَالصِّفَةُ هَاهُنَا الْمَوْتُ ، وَلَمْ يُوجَدْ .","part":22,"page":223},{"id":10723,"text":"مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَالْخَصِيُّ ) لَا نَعْلَمُ فِي إجْزَاءِ الْخَصِيِّ خِلَافًا ، سَوَاءٌ كَانَ مَقْطُوعًا أَوْ مَشْلُولًا أَوْ مَوْجُوءًا ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ نَقْصٌ لَا يَضُرُّ بِالْعَمَلِ ، وَلَا يُؤَثِّرُ فِيهِ ، بَلْ رُبَّمَا زَادَتْ بِذَلِكَ قِيمَتُهُ ، فَانْدَفَعَ فِيهِ ضَرَرُ شَهْوَتِهِ ، فَأَجْزَأَ ، كَالْفَحْلِ .","part":22,"page":224},{"id":10724,"text":"( 8049 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَوَلَدُ الزِّنَى ) هَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، رُوِيَ ، ذَلِكَ عَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ .\rوَبِهِ قَالَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ ، وَالْحَسَنُ ، وَطَاوُسٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ .\rوَرُوِيَ عَنْ عَطَاءٍ ، وَالشَّعْبِيِّ ، وَالنَّخَعِيِّ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَحَمَّادٍ ، أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ ؛ لِأَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رَوَى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ { : وَلَدَ الزِّنَى شَرُّ الثَّلَاثَةِ } .\rقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : لَأَنْ أُمَتِّعَ بِسَوْطٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أَعْتِقَ وَلَدَ زَنِيَّةٍ .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَلَنَا ، دُخُولُهُ فِي مُطْلَقِ قَوْله تَعَالَى : { فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ } .\rوَلِأَنَّهُ مَمْلُوكٌ مُسْلِمٌ كَامِلُ الْعَمَلِ ، لَمْ يَعْتَضْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ ، وَلَا اسْتَحَقَّ عِتْقَهُ بِسَبَبٍ آخَرَ ، فَأَجْزَأَ عِتْقُهُ ، كَوَلَدِ الرَّشِيدَةِ .\rفَأَمَّا الْأَحَادِيثُ الْوَارِدَةُ فِي ذَمِّهِ ، فَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي تَفْسِيرِهَا ؛ فَقَالَ الطَّحَاوِيُّ : وَلَدُ الزِّنَى هُوَ الْمُلَازِمُ لِلزِّنَى ، كَمَا يُقَالُ : ابْنُ السَّبِيلِ الْمُلَازِمُ لَهَا ، وَوَلَدُ اللَّيْلِ الَّذِي لَا يَهَابُ السَّرِقَةِ .\rوَقَالَ الْخَطَّابِيُّ ، عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، قَالَ : هُوَ شَرُّ الثَّلَاثَةِ أَصْلًا وَعُنْصُرًا وَنَسَبًا ؛ لِأَنَّهُ خُلِقَ مِنْ مَاءِ الزِّنَى ، وَهُوَ خَبِيثٌ .\rوَأَنْكَرَ قَوْمٌ هَذَا التَّفْسِيرَ ، وَقَالُوا : لَيْسَ عَلَيْهِ مِنْ وِزْرِ وَالِدَيْهِ شَيْءٌ ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى } وَفِي الْجُمْلَةِ ، هَذَا يَرْجِعُ إلَى أَحْكَامِ الْآخِرَةِ ، أَمَّا أَحْكَامُ الدُّنْيَا ، فَهُوَ كَغَيْرِهِ ، فِي صِحَّةِ إمَامَتِهِ ، وَبَيْعِهِ ، وَعِتْقِهِ وَقَبُولِ شَهَادَتِهِ ، فَكَذَلِكَ فِي إجْزَاءِ عِتْقِهِ عَنْ الْكَفَّارَةِ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَحْكَامِ الدُّنْيَا .","part":22,"page":225},{"id":10725,"text":"( 8050 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ ( فَإِنْ لَمْ يَجِدْ مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ وَاحِدًا ، أَجْزَأَهُ صِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَةٍ ) يَعْنِي إنْ لَمْ يَجِدْ إطْعَامًا ، وَلَا كِسْوَةً ، وَلَا عِتْقًا ، انْتَقَلَ إلَى صِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { فَكَفَّارَتُهُ إطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ } .\rوَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ ، إلَّا فِي اشْتِرَاطِ التَّتَابُعِ فِي الصَّوْمِ ، وَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ اشْتِرَاطُهُ ، كَذَلِكَ قَالَ إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَرُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .\rوَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَعِكْرِمَةُ .\rوَحَكَى ابْنُ أَبِي مُوسَى ، عَنْ أَحْمَدَ ، رِوَايَةً أُخْرَى ، أَنَّهُ يَجُوزُ تَفْرِيقُهَا .\rوَبِهِ قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ بِالصَّوْمِ مُطْلَقٌ ، فَلَا يَجُوزُ تَقْيِيدُهُ إلَّا بِدَلِيلٍ ، وَلِأَنَّهُ صَامَ الْأَيَّامَ الثَّلَاثَةَ ، فَلَمْ يَجِبْ التَّتَابُعُ فِيهِ ، كَصِيَامِ الْمُتَمَتِّعِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ .\rوَلَنَا ، أَنَّ فِي قِرَاءَةِ أُبَيٍّ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ : \" فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَاتٍ \" .\rكَذَلِكَ ذَكَرَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ، فِي \" التَّفْسِيرِ \" عَنْ جَمَاعَةٍ ، وَهَذَا إنْ كَانَ قُرْآنًا ، فَهُوَ حُجَّةٌ ؛ لِأَنَّهُ كَلَامُ اللَّهِ الَّذِي لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قُرْآنًا ، فَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ إذْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَا سَمِعَاهُ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَفْسِيرًا فَظَنَّاهُ قُرْآنًا ، فَثَبَتَتْ لَهُ رُتْبَةُ الْخَبَرِ ، وَلَا يَنْقُصُ عَنْ دَرَجَةِ تَفْسِيرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْآيَةِ ، وَعَلَى كِلَا التَّقْدِيرَيْنِ ، فَهُوَ حُجَّةٌ يُصَارُ إلَيْهِ ، وَلِأَنَّهُ صِيَامٌ","part":22,"page":226},{"id":10726,"text":"فِي كَفَّارَةٍ فَوَجَبَ فِيهِ التَّتَابُعُ كَكَفَّارَةِ الْقَتْلِ وَالظِّهَارِ ، وَالْمُطْلَقُ يُحْمَلُ عَلَى الْمُقَيَّدِ عَلَى مَا قَرَّرْنَاهُ فِيمَا مَضَى .\rفَعَلَى هَذَا ، إنْ أَفْطَرَتْ الْمَرْأَةُ لِمَرَضٍ أَوْ حَيْضٍ ، أَوْ الرَّجُلُ لِمَرَضٍ ، لَمْ يَنْقَطِعْ التَّتَابُعُ .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو ثَوْرٍ ، وَإِسْحَاقُ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَنْقَطِعُ فِيهِمَا ؛ لِأَنَّ التَّتَابُعَ لَمْ يُوجَدْ ، وَفَوَاتُ الشَّرْطِ يَبْطُلُ بِهِ الْمَشْرُوطُ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يَنْقَطِعُ فِي الْمَرَضِ ، فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ .\rوَلَا يَنْقَطِعُ فِي الْحَيْضِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ عُذْرٌ يُبِيحُ الْفِطْرَ ، أَشْبَهَ الْحَيْضَ فِي كَفَّارَةِ الْقَتْلِ .","part":22,"page":227},{"id":10727,"text":"( 8051 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَلَوْ كَانَ الْحَانِثُ عَبْدًا ، لَمْ يُكَفِّرْ بِغَيْرِ الصَّوْمِ ) لَا خِلَافَ فِي أَنَّ الْعَبْدَ يُجْزِئُهُ الصِّيَامُ فِي الْكَفَّارَةِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ فَرْضُ الْمُعْسِرِ مِنْ الْأَحْرَارِ ، وَهُوَ أَحْسَنُ حَالًا مِنْ الْعَبْدِ فَإِنَّهُ يَمْلِكُ فِي الْجُمْلَةِ ، وَلِأَنَّ الْعَبْدَ دَاخِلٌ فِي قَوْله تَعَالَى { فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ } .\rوَإِنْ أَذِنَ السَّيِّدُ لِعَبْدِهِ فِي التَّكْفِيرِ بِالْمَالِ ، لَمْ يَلْزَمْهُ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَالِكٍ لِمَا أُذِنَ لَهُ فِيهِ .\rوَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ ، أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ التَّكْفِيرُ بِغَيْرِ الصِّيَامِ .\rوَقَدْ قَالَ غَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا ، فِيمَا إذَا أَذِنَ لَهُ سَيِّدُهُ فِي التَّكْفِيرِ بِالْمَالِ ، رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، يَجُوزُ تَكْفِيرُهُ بِهِ .\rوَالْأُخْرَى ، لَا يَجُوزُ إلَّا بِالصِّيَامِ .\rوَقَدْ ذَكَرْنَا عِلَلَ ذَلِكَ فِي الظِّهَارِ ، وَالِاخْتِلَافَ فِيهِ .\rوَذَكَرَ الْقَاضِي ، أَنَّ أَصْلَ هَذَا عِنْدَهُ الرِّوَايَتَانِ فِي مِلْكِ الْعَبْدِ بِالتَّمْلِيكِ ، إنْ قُلْنَا : يَمْلِكُ بِالتَّمْلِيكِ .\rفَمَلَّكَهُ سَيِّدُهُ ، وَأَذِنَ لَهُ بِالتَّكْفِيرِ ، بِالْمَالِ جَازَ ؛ لِأَنَّهُ مَالِكٌ لِمَا يُكَفِّرُ بِهِ وَإِنْ قُلْنَا : لَا يَمْلِكُ بِالتَّمْلِيكِ .\rفَفَرْضُهُ الصِّيَامُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ شَيْئًا يُكَفِّرُ بِهِ .\rوَكَذَلِكَ إنْ قُلْنَا : يَمْلِكُ وَلَمْ يَأْذَنْ لَهُ سَيِّدُهُ بِالتَّكْفِيرِ فِي الْمَالِ ، فَفَرْضُهُ الصِّيَامُ ، وَإِنْ مَلَكَ ؛ لِأَنَّهُ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ ، مَمْنُوعٌ مِنْ التَّصَرُّفِ فِيمَا فِي يَدَيْهِ .\rقَالَ : وَأَصْحَابُنَا يَجْعَلُونَ فِي الْعَبْدِ رِوَايَتَيْنِ مُطْلَقًا ، سَوَاءٌ قُلْنَا : يَمْلِكُ .\rأَوْ لَا يَمْلِكُ .\rثُمَّ عَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي تُجِيزُ لَهُ التَّكْفِيرَ بِالْمَالِ ، لَهُ أَنْ يُطْعِمَ ، وَهَلْ لَهُ أَنْ يَعْتِقَ ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ ؛ إحْدَاهُمَا ، لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ يَقْتَضِي الْوَلَاءَ وَالْوِلَايَةَ وَالْإِرْثَ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لِلْعَبْدِ ، وَلَكِنْ يُكَفِّرُ بِالْإِطْعَامِ .\rوَهَذَا رِوَايَةٌ عَنْ مَالِكٍ .\rوَبِهِ قَالَ","part":22,"page":228},{"id":10728,"text":"الشَّافِعِيُّ ، عَلَى الْقَوْلِ الَّذِي يُجِيزُ لَهُ التَّكْفِيرَ بِالْمَالِ .\rوَالثَّانِيَةُ لَهُ التَّكْفِيرُ بِالْعِتْقِ ؛ لِأَنَّ مَنْ صَحَّ تَكْفِيرُهُ بِالْمَالِ ، صَحَّ بِالْعِتْقِ ، كَالْحُرِّ ، وَلِأَنَّهُ يَمْلِكُ الْعَبْدَ ، فَصَحَّ تَكْفِيرُهُ بِإِعْتَاقِهِ ، كَالْحُرِّ .\rوَقَوْلُهُمْ : إنَّ الْعِتْقَ يَقْتَضِي الْوَلَاءَ وَالْوِلَايَةَ .\rلَا نُسَلِّمُ ذَلِكَ فِي الْعِتْقِ فِي الْكَفَّارَةِ ، عَلَى مَا أَسْلَفْنَاهُ ، وَإِنْ سَلَّمْنَا ، فَتَخَلُّفُ بَعْضِ الْأَحْكَامِ لَا يَمْنَعُ ثُبُوتَ الْمُقْتَضِي ، فَإِنَّ الْحُكْمَ يَتَخَلَّفُ لِتَخَلُّفِ سَبَبِهِ لَا لِتَخَلُّفِ أَحْكَامِهِ ، كَمَا أَنَّهُ يَثْبُتُ لِوُجُودِ سَبَبِهِ ، وَلِأَنَّ تَخَلُّفَ بَعْضِ الْأَحْكَامِ مَعَ وُجُودِ الْمُقْتَضِي ، إنَّمَا يَكُونُ لِمَانِعٍ مَنَعَهَا ، وَيَجُوزُ أَنْ يَخْتَصَّ الْمَنْعُ بِهَا دُونَ غَيْرِهَا .\rوَلِهَذَا السَّبَبِ الْمُقْتَضِي لِهَذِهِ الْأَحْكَامِ لَا يَمْنَعُ ثُبُوتُهُ تَخَلُّفَهَا عَنْهُ فِي الرَّقِيقِ ، عَلَى أَنَّ الْوَلَاءَ يَثْبُتُ بِإِعْتَاقِ الْعَبْدِ ، لَكِنْ لَا يَرِثُ بِهِ ، كَمَا لَوْ اخْتَلَفَ دِينَاهُمَا .\rوَهَذَا اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ ، وَفَرَّعَ عَلَيْهِ إذَا أَذِنَ لَهُ سَيِّدُهُ فَأَعْتَقَ نَفْسَهُ ، فَفِيهِ قَوْلَانِ .\rأَحَدُهُمَا ، يُجْزِئُهُ ؛ لِأَنَّهُ رَقَبَةٌ تُجْزِئُ عَنْ غَيْرِهِ فَأَجْزَأَتْ عَنْ نَفْسِهِ كَغَيْرِهِ .\rوَالْآخَرُ لَا يُجْزِئُهُ ؛ لِأَنَّ الْإِذْنَ لَهُ فِي الْإِعْتَاقِ يَنْصَرِفُ إلَى إعْتَاقِ غَيْرِهِ .\rوَهَذَا التَّعْلِيلُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ سَيِّدَهُ لَوْ أَذِنَ لَهُ فِي إعْتَاقِ نَفْسِهِ عَنْ كَفَّارَتِهِ جَازَ ، فَأَمَّا إنْ أَطْلَقَ الْإِذْنَ فِي الْإِعْتَاقِ ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُعْتِقَ إلَّا أَقَلَّ رَقَبَةٍ تُجْزِئُ عَنْ الْوَاجِبِ ، وَلَيْسَ لَهُ إعْتَاقُ نَفْسِهِ إذَا كَانَتْ أَفْضَلَ مِمَّا يُجْزِئُ .\rوَهَذَا مِنْ أَبِي بَكْرٍ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ فِي التَّكْفِيرِ أَنْ يُمَلِّكَهُ سَيِّدُهُ مَا يُكَفِّرُ بِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ نَفْسَهُ ، بَلْ مَتَى أَذِنَ لَهُ فِي التَّكْفِيرِ بِالْعِتْقِ أَوْ الْإِطْعَامِ ، أَجْزَأَهُ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ اعْتَبَرَ التَّمْلِيكَ ، لَمَا صَحَّ لَهُ","part":22,"page":229},{"id":10729,"text":"أَنْ يُعْتِقَ نَفْسَهُ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُهَا ، وَلِأَنَّ التَّمْلِيكَ لَا يَكُونُ إلَّا فِي مُعَيَّنٍ ، فَلَا يَصِحُّ أَنْ يَأْذَنَ فِيهِ مُطْلَقًا .","part":22,"page":230},{"id":10730,"text":"( 8052 ) فَصْلٌ : وَإِذَا أَعْتَقَ الْعَبْدُ عَبْدًا عَنْ كَفَّارَتِهِ ، بِإِذْنِ سَيِّدِهِ ، وَقُلْنَا : إنَّ الْإِعْتَاقَ فِي الْكَفَّارَةِ يَثْبُتُ بِهِ الْوَلَاءُ لِمُعْتِقِهِ .\rثَبَتَ وَلَاؤُهُ لِلْعَبْدِ الَّذِي أَعْتَقَهُ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : \" إنَّمَا الْوَلَاءُ لِلْمُعْتِقِ \" .\rوَلَا يَرِثُ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْمِيرَاثِ ، وَلَا يَمْتَنِعُ ثُبُوتُ الْوَلَاءِ مَعَ انْتِفَاءِ الْإِرْثِ ، كَمَا لَوْ اخْتَلَفَ دِينُهُمَا ، أَوْ قَتَلَ الْمُعْتِقُ عَتِيقَهُ ؛ فَإِنَّهُ لَا يَرِثُهُ مَعَ ثُبُوتِ الْوَلَاءِ لَهُ عَلَيْهِ .\rفَإِنْ عَتَقَ الْمُعْتِقُ لَهُ وَرِثَ بِالْوَلَاءِ ، لِزَوَالِ الْمَانِعِ ، كَمَا إذَا كَانَا مُخْتَلِفَيْ الدِّينِ ، فَأَسْلَمَ الْكَافِرُ مِنْهُمَا .\rذَكَرَ هَذَا طَلْحَةُ الْعَاقُولِيُّ .\rوَمُقْتَضَى هَذَا أَنَّ سَيِّدَ الْعَبْدِ لَا يَرِثُ عَتِيقَهُ فِي حَيَاةِ عَبْدِهِ ، كَمَا لَا يَرِثُ وَلَدَ عَبْدِهِ ، فَإِنْ أَعْتَقَ عَبْدَهُ ، ثُمَّ مَاتَ وَرِثَ السَّيِّدُ مَوْلَى عَبْدِهِ ؛ لِأَنَّهُ مَوْلَى مَوْلَاهُ ، كَمَا أَنَّهُ لَوْ أَعْتَقَ الْعَبْدَ ، وَلَهُ وَلَدٌ عَلَيْهِ الْوَلَاءُ لِمَوْلَى أُمِّهِ يَجُرُّ وَلَاءَهُ ، وَيَرِثُهُ سَيِّدُهُ إذَا مَاتَ أَبُوهُ .","part":22,"page":231},{"id":10731,"text":"( 8053 ) فَصْلٌ : وَلَيْسَ لِلسَّيِّدِ مَنْعُ عَبْدِهِ مِنْ التَّكْفِيرِ بِالصِّيَامِ ، سَوَاءٌ كَانَ الْحَلِفُ أَوْ الْحِنْثُ بِإِذْنِهِ أَوْ بِغَيْرِ إذْنِهِ ، وَسَوَاءٌ أَضَرَّ بِهِ الصِّيَامُ أَوْ لَمْ يَضُرَّ بِهِ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : إنْ حَنِثَ بِغَيْرِ إذْنِهِ ، وَالصَّوْمُ يَضُرُّ بِهِ ، فَلَهُ مَنْعُهُ ؛ لِأَنَّ السَّيِّدَ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ فِيمَا أَلْزَمَهُ نَفْسَهُ ، مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِهِ ضَرَرٌ عَلَى السَّيِّدِ ، فَكَانَ لَهُ مَنْعُهُ وَتَحْلِيلُهُ ، كَمَا لَوْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ بِغَيْرِ إذْنِهِ وَلَنَا ، أَنَّهُ صَوْمٌ وَاجِبٌ لِحَقِّ اللَّهِ - تَعَالَى ، فَلَمْ يَكُنْ لِسَيِّدِهِ مَنْعُهُ مِنْهُ ، كَصِيَامِ رَمَضَانَ وَقَضَائِهِ ، وَيُفَارِقُ الْحَجَّ ؛ لِأَنَّ ضَرَرَهُ كَثِيرٌ ؛ لِطُولِ مُدَّتِهِ ، وَغَيْبَتِهِ عَنْ سَيِّدِهِ ، وَتَفْوِيتِ خِدْمَتِهِ ، وَلِهَذَا مَلَكَ تَحْلِيلَ زَوْجَتِهِ مِنْهُ ، وَلَمْ يَمْلِكْ مَنْعَهَا صَوْمَ الْكَفَّارَةِ .\rفَأَمَّا صَوْمُ التَّطَوُّعِ ، فَإِنْ كَانَ فِيهِ ضَرَرٌ عَلَيْهِ ، فَلِلسَّيِّدِ مَنْعُهُ مِنْهُ ؛ لِأَنَّهُ يُفَوِّتُ حَقَّهُ بِمَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ عَلَيْهِ ، وَإِنْ كَانَ لَا يَضُرُّ بِهِ ، لَمْ يَكُنْ لِسَيِّدِهِ مَنْعُهُ مِنْهُ ؛ لِأَنَّهُ يَعْبُدُ رَبَّهُ بِمَا لَا مَضَرَّةَ فِيهِ ، فَأَشْبَهَ ذِكْرَ اللَّهِ - تَعَالَى ، وَصَلَاةَ النَّافِلَةِ فِي غَيْرِ وَقْتِ خِدْمَتِهِ ، وَلِلزَّوْجِ مَنْعُ زَوْجَتِهِ مِنْهُ فِي كُلِّ حَالٍ ؛ لِأَنَّهُ يُفَوِّتُ حَقَّهُ مِنْ الِاسْتِمْتَاعِ ، وَيَمْنَعُهُ مِنْهُ .","part":22,"page":232},{"id":10732,"text":"( 8054 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَلَوْ حَنِثَ وَهُوَ عَبْدٌ فَلَمْ يُكَفِّرْ حَتَّى عَتَقَ عَلَيْهِ فَعَلَيْهِ الصَّوْمُ لَا يُجْزِئُهُ غَيْرُهُ ) ظَاهِرُ هَذَا أَنَّ الِاعْتِبَارَ فِي الْكَفَّارَاتِ بِحَالَةِ الْحِنْثِ ؛ لِأَنَّهُ وَقْتُ الْوُجُوبِ ، وَهُوَ حِينَئِذٍ عَبْدٌ ، فَوَجَبَ عَلَيْهِ الصَّوْمُ ، فَلَا يُجْزِئُهُ غَيْرُ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ ، وَقَالَ الْقَاضِي : هَذَا فِيهِ نَظَرٌ ؛ فَإِنَّ الْمَنْصُوصَ أَنَّهُ يُكَفِّرُ كَفَّارَةَ عَبْدٍ ، لِأَنَّهُ إنَّمَا يُكَفَّرُ بِمَا وَجَبَ عَلَيْهِ يَوْمَ حَنِثَ وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ التَّكْفِيرُ بِالْمَالِ ، فَإِنْ كَفَّرَ بِهِ أَجْزَأَهُ .\rوَهَذَا مَنْصُوصٌ ، عَنْ الشَّافِعِيِّ ، وَمِنْ أَصْحَابِهِ مَنْ قَالَ بِقَوْلِ الْخِرَقِيِّ ، وَلَيْسَ عَلَى الْخِرَقِيِّ حُجَّةٌ مِنْ كَلَامِ أَحْمَدَ ، بَلْ هُوَ حُجَّةٌ لَهُ ؛ لِقَوْلِهِ : إنَّمَا يُكَفِّرُ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ .\r\" وَإِنَّمَا \" لِلْحَصْرِ ، تُثْبِتُ الْمَذْكُورَ وَتَنْفِي مَا عَدَاهُ ، وَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ إلَّا الصَّوْمُ ، فَلَا يُكَفِّرُ بِغَيْرِهِ .\rوَوَجْهُ ذَلِكَ ، أَنَّهُ حُكْمٌ تَعَلَّقَ بِالْعَبْدِ فِي رِقِّهِ ، فَلَمْ يَتَغَيَّرْ بِحُرِّيَّتِهِ ، كَالْحَدِّ ، وَهَذَا عَلَى الْقَوْلِ الَّذِي لَمْ يَجُزْ فِيهِ لِلْعَبْدِ التَّكْفِيرُ بِالْمَالِ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ ، فَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ ، فَلَهُ التَّكْفِيرُ هَاهُنَا بِطَرِيقِ الْأَوْلَى ؛ لِأَنَّهُ إذَا جَازَ لَهُ فِي حَالِ رِقِّهِ التَّكْفِيرُ بِالْمَالِ ، فَفِي حَالِ حُرِّيَّتِهِ أَوْلَى ، وَإِنَّمَا احْتَاجَ إلَى إذْنِ سَيِّدِهِ فِي حَالِ رِقِّهِ ؛ لِأَنَّ الْمَالَ لِسَيِّدِهِ ، أَوْ لِتَعَلُّقِ حَقِّهِ بِمَالِهِ ، وَبَعْدَ الْحُرِّيَّةِ قَدْ زَالَ ذَلِكَ ، فَلَا حَاجَةَ إلَى إذْنِهِ .\rوَإِنْ قُلْنَا : التَّكْفِيرُ بِأَغْلَظِ الْأَحْوَالِ .\rلَمْ يَكُنْ لَهُ التَّكْفِيرُ بِغَيْرِ الْمَالِ إنْ كَانَ مُوسِرًا .\rوَإِنْ حَلَفَ عَبْدٌ ، وَحَنِثَ وَهُوَ حُرٌّ ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْأَحْرَارِ ؛ لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ لَا تَجِبُ قَبْلَ الْحِنْثِ ، فَمَا وَجَبَتْ إلَّا وَهُوَ حُرٌّ .","part":22,"page":233},{"id":10733,"text":"( 8055 ) فَصْلٌ : مَنْ نِصْفُهُ حُرٌّ ، حُكْمُهُ فِي التَّكْفِيرِ حُكْمُ الْحُرِّ الْكَامِلِ ، فَإِذَا مَلَكَ بِجُزْئِهِ الْحُرِّ مَا لَا يُكَفِّرُ بِهِ ، لَمْ يَجُزْ لَهُ الصِّيَامُ ، وَلَهُ التَّكْفِيرُ بِأَحَدِ الْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ .\rوَظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ ، أَنَّ لَهُ التَّكْفِيرَ بِالْإِطْعَامِ وَالْكِسْوَةِ دُونَ الْإِعْتَاقِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَثْبُتُ لَهُ الْوَلَاءُ .\rوَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : لَا يُجْزِئُهُ إلَّا الصِّيَامُ ؛ لِأَنَّهُ مَنْقُوصٌ بِالرِّقِّ ، أَشْبَهَ الْقِنَّ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ } .\rوَهَذَا وَاجِدٌ ؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ مِلْكًا تَامًّا ، فَأَشْبَهَ الْحُرَّ الْكَامِلَ ، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ لَهُ الْوَلَاءُ ، ثُمَّ إنَّ امْتِنَاعَ بَعْضِ أَحْكَامِهِ ، لَا يَمْنَعُ صِحَّتَهُ ، كَعِتْقِ الْمُسْلِمِ رَقِيقَهُ الْكَافِرَ .","part":22,"page":234},{"id":10734,"text":"( 8056 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَيُكَفِّرُ بِالصَّوْمِ مَنْ لَمْ يَفْضُلْ عَنْ قُوتِهِ وَقُوتِ عِيَالِهِ ، يَوْمَهُ وَلَيْلَتَهُ ، مِقْدَارُ مَا يُكَفِّرُ بِهِ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ ، أَنَّ كَفَّارَةَ الْيَمِينِ تَجْمَعُ تَخْيِيرًا وَتَرْتِيبًا ، فَيَتَخَيَّرُ بَيْنَ الْخِصَالِ الثَّلَاثِ ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْهَا انْتَقَلَ إلَى صِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ، وَيُعْتَبَرُ أَنْ لَا يَجِدَ فَاضِلًا عَنْ قُوتِهِ وَقُوتِ عِيَالِهِ ، يَوْمَهُ وَلَيْلَتَهُ ، قَدْرًا يُكَفِّرُ بِهِ .\rوَهَذَا قَوْلُ إِسْحَاقَ .\rوَنَحْوُهُ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : مَنْ جَازَ لَهُ الْأَخْذُ مِنْ الزَّكَاةِ لِحَاجَتِهِ وَفَقْرِهِ ، أَجْزَأَهُ الصِّيَامُ ؛ لِأَنَّهُ فَقِيرٌ .\rوَلِأَنَّ النَّخَعِيّ قَالَ : إذَا كَانَ مَالِكًا لِعِشْرِينَ دِرْهَمًا ، فَلَهُ الصِّيَامُ .\rوَقَالَ عَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ : لَا يَصُومُ مَنْ مَلَكَ عِشْرِينَ دِرْهَمًا ، وَلِمَنْ يَمْلِكُ دُونَهَا الصِّيَامُ .\rوَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ : إذَا لَمْ يَمْلِكْ إلَّا ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ ، كَفَّرَ بِهَا .\rوَقَالَ الْحَسَنُ : دِرْهَمَيْنِ .\rوَهَذَانِ الْقَوْلَانِ نَحْوُ قَوْلِنَا .\rوَوَجْهُ ذَلِكَ ، أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى اشْتَرَطَ لِلصِّيَامِ أَنْ لَا يَجِدَ ، بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ } وَمَنْ وَجَدَ مَا يُكَفِّرُ بِهِ فَاضِلًا عَنْ قُوتِهِ وَقُوتِ عِيَالِهِ ، فَهُوَ وَاجِدٌ ، فَيَلْزَمُهُ التَّكْفِيرُ بِالْمَالِ لِظَاهِرِ الْآيَةِ ، وَلِأَنَّهُ حَقٌّ لَا يَزِيدُ بِزِيَادَةِ الْمَالِ ، فَاعْتُبِرَ فِيهِ الْفَاضِلُ عَنْ قُوتِهِ وَقُوتِ عِيَالِهِ ، يَوْمَهُ وَلَيْلَتَهُ ، كَصَدَقَةِ الْفِطْرِ .","part":22,"page":235},{"id":10735,"text":"( 8057 ) فَصْلٌ : فَلَوْ مَلَكَ مَا يُكَفِّرُ بِهِ ، وَعَلَيْهِ دَيْنٌ مِثْلُهُ ، وَهُوَ مُطَالَبٌ بِهِ فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ حَقُّ آدَمِيٍّ ، وَالْكَفَّارَةُ حَقٌّ لِلَّهِ - تَعَالَى ، فَإِذَا كَانَ مُطَالَبًا بِالدَّيْنِ ، وَجَبَ تَقْدِيمُهُ ، كَزَكَاةِ الْفِطْرِ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُطَالَبًا بِالدَّيْنِ ، فَكَلَامُ أَحْمَدَ يَقْتَضِي رِوَايَتَيْنِ ؛ إحْدَاهُمَا تَجِبُ الْكَفَّارَةُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ فِيهَا قَدْرٌ مِنْ الْمَالِ ، فَلَمْ تَسْقُطْ بِالدَّيْنِ ، كَزَكَاةِ الْفِطْرِ .\rوَالثَّانِيَةُ لَا تَجِبُ ؛ لِأَنَّهَا حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى ، يَجِبُ فِي الْمَالِ فَأَسْقَطَهَا الدَّيْنُ ، كَزَكَاةِ الْمَالِ .\rوَهَذَا أَصَحُّ ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْآدَمِيِّ أَوْلَى بِالتَّقْدِيمِ ، لِشُحِّهِ ، وَحَاجَتِهِ إلَيْهِ ، وَفِيهِ نَفْعٌ لِلْغَرِيمِ ، وَتَفْرِيغُ ذِمَّةِ الْمَدِينِ ، وَحَقُّ اللَّهِ - تَعَالَى - مَبْنِيٌّ عَلَى الْمُسَامَحَةِ ؛ لِكَرَمِهِ وَغِنَاهُ ، وَلِأَنَّ الْكَفَّارَةَ بِالْمَالِ لَهَا بَدَلٌ ، وَدَيْنُ الْآدَمِيِّ لَا بَدَلَ لَهُ ، وَيُفَارِقُ صَدَقَةَ الْفِطْرِ ؛ لِكَوْنِهَا أُجْرِيَتْ مُجْرَى النَّفَقَةِ وَلِهَذَا يَتَحَمَّلُهَا الْإِنْسَانُ عَنْ غَيْرِهِ ، كَالزَّوْجِ عَنْ امْرَأَتِهِ وَعَائِلَتِهِ وَرَقِيقِهِ ، وَلَا بَدَلَ لَهَا ، بِخِلَافِ الْكَفَّارَةِ .","part":22,"page":236},{"id":10736,"text":"( 8058 ) فَصْلٌ : فَإِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ غَائِبٌ ، أَوْ دَيْنٌ يَرْجُو وَفَاءَهُ ، لَمْ يُكَفِّرْ بِالصِّيَامِ .\rوَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يُجْزِئُهُ الصِّيَامُ ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ وَاجِدٍ ، فَأَجْزَأَهُ الصِّيَامُ ، عَمَلًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ } .\rوَقِيَاسًا عَلَى الْمُعْسِرِ ، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ وَاجِدٍ أَنَّ الْمُتَمَتِّعَ لَوْ عَدِمَ الْهَدْيَ فِي مَوْضِعِهِ ، انْتَقَلَ إلَى الصِّيَامِ ، وَلَوْ عَدِمَ الْمَاءَ فِي مَوْضِعِهِ ، انْتَقَلَ إلَى التَّيَمُّمِ ، وَلَوْ عَدِمَ الْمُظَاهِرُ الْمَالَ فِي مَوْضِعِهِ ، انْتَقَلَ إلَى الصِّيَامِ ، وَالِانْتِقَالُ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ مَشْرُوطٌ بِعَدَمِ الْوِجْدَانِ ، وَلِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَمَكِّنٍ مِنْ التَّكْفِيرِ بِالْمَالِ ، أَشْبَهَ هَذِهِ الْأُصُولَ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ حَقُّ مَالٍ يَجِبُ عَلَى وَجْهِ الطُّهْرَةِ ، فَلَمْ تَمْنَعْ الْغَيْبَةُ وُجُوبَهُ ، كَالزَّكَاةِ ، وَلِأَنَّهُ غَيْرُ مُؤَقَّتٍ ، وَلَا ضَرَرَ فِي تَأْخِيرِهِ ، فَلَمْ يَسْقُطْ بِغَيْبَتِهِ ، كَالزَّكَاةِ ، وَفَارَقَ الْهَدْيَ ؛ فَإِنَّ لَهُ وَقْتًا يَفُوتُ بِالتَّأْخِيرِ ، وَالتَّيَمُّمُ يُفْضِي تَأْخِيرُهُ إلَى فَوَاتِ الصَّلَاةِ ، وَتَأْخِيرُ كَفَّارَةِ الظِّهَارِ يُفْضِي إلَى تَرْكِ الْوَطْءِ ، وَفِيهِ ضَرَرٌ ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا ، وَلَا نُسَلِّمُ عَدَمَ التَّمَكُّنِ ؛ وَلِهَذَا صَحَّ بَيْعُ الْغَائِبِ ، مَعَ أَنَّ التَّمَكُّنَ مِنْ التَّسْلِيمِ شَرْطٌ .","part":22,"page":237},{"id":10737,"text":"( 8059 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ ( وَمَنْ لَهُ دَارٌ لَا غِنَى لَهُ عَنْ سُكْنَاهَا ، أَوْ دَابَّةٌ يَحْتَاجُ إلَى رُكُوبِهَا ، أَوْ خَادِمٌ يَحْتَاجُ إلَى خِدْمَتِهِ ، أَجْزَأَهُ الصِّيَامُ فِي الْكَفَّارَةِ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْكَفَّارَةَ إنَّمَا تَجِبُ فِيمَا يَفْضُلُ عَنْ حَاجَتِهِ الْأَصْلِيَّةِ ، وَالسُّكْنَى مِنْ الْحَوَائِجِ الْأَصْلِيَّةِ ، وَكَذَلِكَ الدَّابَّةُ الَّتِي يَحْتَاجُ إلَى رُكُوبِهَا ؛ لِكَوْنِهِ لَا يُطِيقُ الْمَشْيَ فِيمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ ، أَوْ لَمْ تَجْرِ عَادَتُهُ بِهِ ، وَكَذَلِكَ الْخَادِمُ الَّذِي يَحْتَاجُ إلَى خِدْمَتِهِ لِكَوْنِهِ مِمَّنْ لَا يَخْدُمُ نَفْسَهُ ؛ لِمَرَضٍ ، أَوْ كِبَرٍ ، أَوْ لَمْ تَجْرِ عَادَتُهُ بِهِ ، فَهَذِهِ الثَّلَاثَةُ مِنْ الْحَوَائِجِ الْأَصْلِيَّةِ لَا تَمْنَعُ التَّكْفِيرَ بِالصِّيَامِ ، وَلَا الزَّكَاةِ مِنْ الْأَخْذِ وَالْكَفَّارَةِ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٌ : مَنْ مَلَكَ رَقَبَةً تُجْزِئُ فِي الْكَفَّارَةِ ، لَا يُجْزِئُهُ الصِّيَامُ ، وَإِنْ كَانَ مُحْتَاجًا إلَيْهَا لِخِدْمَتِهِ ؛ لِأَنَّهُ وَاجِدٌ لِرَقَبَةٍ يُعْتِقُهَا ، فَيَلْزَمُهُ ذَلِكَ ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ } .\rفَاشْتَرَطَ لِلصِّيَامِ أَنْ لَا يَجِدَهَا وَلَنَا ، أَنَّهَا مُسْتَغْرِقَةٌ لِحَاجَتِهِ الْأَصْلِيَّةِ ، فَلَمْ تَمْنَعْ جَوَازَ الِانْتِقَالِ ، كَالْمَسْكَنِ وَالْمَرْكُوبِ وَالطَّعَامِ الَّذِي هُوَ مُحْتَاجٌ ، إلَيْهِ وَمَا ذَكَرُوهُ يَبْطُلُ بِالطَّعَامِ الْمُحْتَاجِ إلَيْهِ ، وَبِمَا إذَا وَجَدَ الْمَاءَ وَهُوَ مُحْتَاجٌ إلَيْهِ لِلْعَطَشِ ، فَإِنَّهُ لَا يَمْنَعُ الِانْتِقَالَ إلَى التَّيَمُّمِ ، وَلِأَنَّ وِجْدَانَ ثَمَنِ الرَّقَبَةِ كَوِجْدَانِهَا ، وَلِهَذَا لَمْ يَجُزْ لِمَنْ وَجَدَ ثَمَنَهَا الِانْتِقَالُ إلَى الصِّيَامِ ، وَمَعَ هَذَا ، لَوْ وَجَدَ ثَمَنَهَا الَّذِي يَحْتَاجُ إلَيْهِ ، لَمْ يَمْنَعْهُ الِانْتِقَالَ ، كَذَا هَاهُنَا .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّهُ إنْ كَانَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فَضْلٌ عَنْ حَاجَتِهِ ، مِثْلُ مَنْ لَهُ دَارٌ كَبِيرَةٌ تُسَاوِي أَكْثَرَ مِنْ دَارِ مِثْلِهِ ، وَدَابَّةٌ فَوْقَ","part":22,"page":238},{"id":10738,"text":"دَابَّةِ مِثْلِهِ ، وَخَادِمٌ فَوْقَ خَادِمِ مِثْلِهِ ، يُمْكِنُ أَنْ يُحَصِّلَ بِهِ قَدْرَ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ وَتَفْضُلَ فَضْلَةٌ يُكَفِّرُ بِهَا ، فَإِنَّهُ يُبَاعُ مِنْهُ الْفَاضِلُ عَنْ كِفَايَتِهِ ، أَوْ يُبَاعُ الْجَمِيعُ ، وَيَبْتَاعُ لَهُ قَدْرَ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ ، وَيُكَفِّرُ بِالْبَاقِي .\rوَإِنْ تَعَذَّرَ بَيْعُهُ ، أَوْ أَمْكَنَ الْبَيْعُ وَلَمْ يُمْكِنْ شِرَاءُ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ ، تُرِكَ ذَلِكَ ، وَكَانَ لَهُ الِانْتِقَالُ إلَى الصِّيَامِ ؛ لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْقِيَامِ بِحَاجَتِهِ وَالتَّكْفِيرِ بِالْمَالِ فَأَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ فَضْلٌ ( 8060 ) .\rفَصْلٌ : وَمَنْ لَهُ عَقَارٌ يَحْتَاجُ إلَى أُجْرَتِهِ لِمُؤْنَتِهِ أَوْ حَوَائِجِهِ الْأَصْلِيَّةِ ، أَوْ بِضَاعَةٌ يَخْتَلُّ رِبْحُهَا الْمُحْتَاجُ إلَيْهِ بِالتَّكْفِيرِ مِنْهَا ، أَوْ سَائِمَةٌ يَحْتَاجُ إلَى نَمَائِهَا حَاجَةً أَصْلِيَّةً ، أَوْ أَثَاثٌ يَحْتَاجُ إلَيْهِ ، وَأَشْبَاهُ هَذَا ، فَلَهُ التَّكْفِيرُ بِالصِّيَامِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مُسْتَغْرِقٌ لِحَاجَتِهِ الْأَصْلِيَّةِ ، فَأَشْبَهَ الْمُعْدِمَ .","part":22,"page":239},{"id":10739,"text":"( 8061 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ ( وَيُجْزِئُهُ إنْ أَطْعَمَ خَمْسَةَ مَسَاكِينَ ، وَكَسَا خَمْسَةً ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ إذَا أَطْعَمَ بَعْضَ الْمَسَاكِينِ ، وَكَسَا الْبَاقِينَ ، بِحَيْثُ يَسْتَوْفِي الْعَدَدَ ، أَجْزَأَهُ ، فِي قَوْلِ إمَامِنَا ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يُجْزِئُهُ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ - تَعَالَى : { فَكَفَّارَتُهُ إطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ } فَوَجْهُ الدَّلَالَةِ مِنْ وَجْهَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ جَعَلَ الْكَفَّارَةَ أَحَدَ هَذِهِ الْخِصَالِ الثَّلَاثَةِ ، وَلَمْ يَأْتِ بِوَاحِدٍ مِنْهَا .\rالثَّانِي ، أَنَّ اقْتِصَارَهُ عَلَى هَذِهِ الْخِصَالِ الثَّلَاثِ دَلِيلٌ عَلَى انْحِصَارِ التَّكْفِيرِ فِيهَا ، وَمَا ذَكَرْتُمُوهُ خَصْلَةٌ رَابِعَةٌ ، وَلِأَنَّهُ نَوْعٌ مِنْ التَّكْفِيرِ ، فَلَمْ يُجْزِئُهُ تَبْعِيضُهُ ، كَالْعِتْقِ ، وَلِأَنَّهُ لَفَّقَ الْكَفَّارَةَ مِنْ نَوْعَيْنِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَعْتَقَ نِصْفَ عَبْدٍ وَأَطْعَمَ خَمْسَةً أَوْ كَسَاهُمْ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ أَخْرَجَ مِنْ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ بِعَدِّهِ الْعَدَدَ الْوَاجِبَ ، فَأَجْزَأَ كَمَا لَوْ أَخْرَجَهُ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ ، وَلِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ النَّوْعَيْنِ يَقُومُ مَقَامَ صَاحِبِهِ فِي جَمِيعِ الْعَدَدِ ، فَقَامَ مَقَامَهُ فِي بَعْضِهِ ، كَالْكَفَّارَتَيْنِ ، وَكَالتَّيَمُّمِ لَمَّا قَامَ مَقَامَ الْمَاءِ فِي الْبَدَنِ كُلِّهِ فِي الْجَنَابَةِ ، جَازَ فِي بَعْضِهِ فِي طَهَارَةِ الْحَدَثِ ، فِيمَا إذَا كَانَ بَعْضُ بَدَنِهِ صَحِيحًا وَبَعْضُهُ جَرِيحًا ، وَفِيمَا إذَا وَجَدَ مِنْ الْمَاءِ مَا يَكْفِي بَعْضَ بَدَنِهِ ، وَلِأَنَّ مَعْنَى الطَّعَامِ وَالْكِسْوَةِ مُتَقَارِبٌ ؛ إذْ الْقَصْدُ مِنْهُمَا سَدُّ الْخَلَّةِ ، وَدَفْعُ الْحَاجَةِ ، وَقَدْ اسْتَوَيَا فِي الْعَدَدِ ، وَاعْتِبَارُ الْمَسْكَنَةِ فِي الْمَدْفُوعِ إلَيْهِ ، وَتَنَوُّعُهُمَا مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُمَا فِي الْإِطْعَامِ سَدًّا لِجَوْعِهِ .\rوَفِي الْكِسْوَةِ سَتْرُ الْعَوْرَةِ ، لَا يَمْنَعُ الْإِجْزَاءَ فِي الْكَفَّارَة الْمُلَفَّقَةِ مِنْهُمَا ، كَمَا لَوْ كَانَ أَحَدُ الْفَقِيرَيْنِ مُحْتَاجًا إلَى","part":22,"page":240},{"id":10740,"text":"سَتْرِ عَوْرَتِهِ ، وَالْآخَرُ إلَى الِاسْتِدْفَاءِ ، وَلِأَنَّهُ قَدْ خَرَجَ عَنْ عُهْدَةِ الَّذِينَ أَطْعَمَهُمْ بِالْإِطْعَامِ ، وَيَخْرُجُ عَنْ عُهْدَةِ الَّذِينَ كَسَاهُمْ بِالْكِسْوَةِ ؛ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ بِالْإِنْفَاقِ أَكْثَرُ مِنْ إطْعَامِ مَنْ بَقِيَ ، وَلَا كِسْوَةُ أَكْثَرَ مِمَّنْ بَقِيَ ، وَإِذَا خَرَجَ عَنْ عُهْدَةِ عَشَرَةَ مَسَاكِينَ ، وَجَبَ أَنْ يُجْزِئَهُ ، كَمَا لَوْ اتَّفَقَ النَّوْعُ .\rوَأَمَّا الْآيَةُ ، فَإِنَّهَا تَدُلُّ بِمَعْنَاهَا عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ ، فَإِنَّهَا دَلَّتْ عَلَى أَنَّهُ مُخَيَّرٌ فِي كُلِّ فَقِيرٍ بَيْنَ أَنْ يُطْعِمَهُ أَوْ يَكْسُوَهُ ، وَهَذَا يَقْتَضِي مَا ذَكَرْنَاهُ ، وَيَصِيرُ كَمَا يُخَيَّرُ فِي الصَّيْدِ الْحَرَمِيِّ بَيْنَ أَنْ يَفْدِيَهُ بِالنَّظِيرِ ، أَوْ يُقَوِّمَ النَّظِيرِ بِدَرَاهِمَ ، فَيَشْتَرِيَ بِهَا طَعَامًا يَتَصَدَّقُ بِهِ ، أَوْ يَصُومَ عَنْ كُلِّ مُدٍّ يَوْمًا ، فَلَوْ صَامَ عَنْ بَعْضِ الْأَمْدَادِ ، وَأَطْعَمَ بَعْضًا ، أَجْزَأَ كَذَلِكَ هَاهُنَا .\rوَكَذَلِكَ الدِّيَةُ ، لِمَا كَانَ مُخَيَّرًا بَيْنَ إخْرَاجِ أَلْفِ دِينَارٍ ، أَوْ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ ، لَوْ أَعْطَى الْبَعْضَ ذَهَبًا ، وَالْبَعْضَ دَرَاهِمَ ، جَازَ .\rوَفَارَقَ مَا إذَا أَعْتَقَ نِصْفَ عَبْدٍ .\rوَأَطْعَمَ خَمْسَةً أَوْ كَسَاهُمْ ؛ لِأَنَّ تَنْصِيفَ الْعِتْقِ يُخِلُّ بِالْآخَرِ ؛ لِمَا سَنَذْكُرُهُ بَعْدَ هَذَا .","part":22,"page":241},{"id":10741,"text":"( 8062 ) فَصْلٌ : وَإِنْ أَطْعَمَ الْمِسْكِينَ بَعْضَ الطَّعَامِ ، وَكَسَاهُ بَعْضَ الْكِسْوَةِ ، لَمْ يُجْزِئْهُ ؛ لِأَنَّهُ مَا أَطْعَمَهُ الطَّعَامَ الْوَاجِبَ لَهُ ، وَلَا كَسَاهُ الْكِسْوَةَ الْوَاجِبَةَ ، فَصَارَ كَمَنْ لَمْ يُطْعِمْهُ شَيْئًا وَلَمْ يَكْسُهُ ، وَإِنْ أَطْعَمَ بَعْضَ الْمَسَاكِينِ بُرًّا ، وَبَعْضَهُمْ تَمْرًا ، أَوْ مِنْ جِنْسٍ آخَرَ ، أَجْزَأَ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يُجْزِئُهُ .\rوَلَنَا ، قَوْله تَعَالَى : { فَكَفَّارَتُهُ إطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ } .\rوَقَدْ أَطْعَمَهُمْ مِنْ جِنْسِ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ ، وَلِأَنَّهُ لَوْ كَسَا بَعْضَ الْمَسَاكِينِ قُطْنًا ، وَبَعْضَهُمْ كَتَّانًا ، جَازَ ، مَعَ اخْتِلَافِ النَّوْعِ ، كَذَلِكَ الْإِطْعَامُ .","part":22,"page":242},{"id":10742,"text":"( 8063 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِنْ أَعْتَقَ نِصْفَيْ عَبْدَيْنِ ، أَوْ نِصْفَيْ أَمَتَيْنِ ، أَوْ نِصْفَيْ عَبْدٍ وَأَمَةٍ ، أَجْزَأَ عَنْهُ ) قَالَ الشَّرِيفُ أَبُو جَعْفَرٍ : هَذَا قَوْلُ أَكْثَرِهِمْ .\rيَعْنِي أَكْثَرَ الْفُقَهَاءِ .\rوَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ جَعْفَرٍ : لَا يُجْزِئُ ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْعِتْقِ تَكْمِيلُ الْأَحْكَامِ ، وَلَا يَحْصُلُ مِنْ إعْتَاقِ نِصْفَيْنِ .\rوَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ ؛ فَمِنْهُمْ مِنْ قَالَ كَقَوْلِ الْخِرَقِيِّ ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ كَقَوْلِ أَبِي بَكْرٍ ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : إنْ كَانَ نِصْفُ الرَّقِيقِ حُرًّا ، أَجْزَأَ ؛ لِأَنَّهُ يَحْصُلُ تَكْمِيلُ الْأَحْكَامِ ، وَإِنْ كَانَ رَقِيقًا ، لَمْ يَجُزْ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْصُلُ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الْأَشْقَاصَ كَالْأَشْخَاصِ فِيمَا لَا يُمْنَعُ مِنْهُ الْعَيْبُ الْيَسِيرُ ، دَلِيلُهُ الزَّكَاةُ ، وَنَعْنِي بِهِ إذَا كَانَ لَهُ نِصْفُ ثَمَانِينَ شَاةً مُشَاعًا ، وَجَبَتْ الزَّكَاةُ ، كَمَا لَوْ مَلَكَ أَرْبَعِينَ مُنْفَرِدَةً ، وَكَالْهَدَايَا وَالضَّحَايَا إذَا اشْتَرَكُوا فِيهَا .\rوَالْأَوْلَى أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ إعْتَاقُ نِصْفَيْنِ ، إذَا لَمْ يَكُنْ الْبَاقِي بَيْنَهُمَا حُرًّا ؛ لِأَنَّ إطْلَاقَ الرَّقَبَةِ إنَّمَا يَنْصَرِفُ إلَى إعْتَاقِ الْكَامِلَةِ ، وَلَا يَحْصُلُ مِنْ الشِّقْصَيْنِ مَا يَحْصُلُ مِنْ الرَّقَبَةِ الْكَامِلَةِ مِنْ تَكْمِيلِ الْأَحْكَامِ ، وَتَخْلِيصِ الْآدَمِيِّ مِنْ ضَرَرِ الرِّقِّ وَنَقْصِهِ ، فَلَا يَثْبُتُ بِهِ مِنْ الْأَحْكَامِ مَا يَثْبُتُ بِإِعْتَاقِ رَقَبَةٍ كَامِلَةٍ ، وَيَمْتَنِعُ قِيَاسُ الشِّقْصَيْنِ عَلَى الرَّقَبَةِ الْكَامِلَةِ ، وَلِهَذَا لَوْ أَمَرَ إنْسَانًا بِشِرَاءِ رَقَبَةٍ أَوْ بَيْعِهَا ، أَوْ بِإِهْدَاءِ حَيَوَانٍ أَوْ بِالصَّدَقَةِ بِهِ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُشَقِّصَهُ ، كَذَا هَاهُنَا .","part":22,"page":243},{"id":10743,"text":"مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِنْ أَعْتَقَ نِصْفَ عَبْدٍ ، وَأَطْعَمَ خَمْسَةَ مَسَاكِينَ ، أَوْ كَسَاهُمْ ، لَمْ يُجْزِئْهُ ) لَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا ، وَذَلِكَ لِأَنَّ مَقْصُودَهُمَا مُخْتَلِفٌ مُتَبَايِنٌ ؛ إذْ كَانَ الْقَصْدُ مِنْ الْعِتْقِ تَكْمِيلَ الْأَحْكَامِ ، وَتَخْلِيصَ الْمُعْتَقِ مِنْ الرِّقِّ ، وَالْقَصْدُ مِنْ الْإِطْعَامِ وَالْكِسْوَةِ سَدَّ الْخَلَّةِ ، وَإِبْقَاءَ النَّفْسِ ، بِدَفْعِ الْمَجَاعَةِ فِي الْإِطْعَامِ ، وَسَتْرِ الْعَوْرَةِ ، وَدَفْعِ ضَرَرِ الْحَرِّ وَالْبَرْدِ فِي الْكِسْوَةِ ، فَلِتَقَارُبِ مَعْنَاهُمَا ، وَاتِّحَادِ مَصْرِفِهِمَا ، جَرَيَا مَجْرَى الْجِنْسِ الْوَاحِدِ ، فَكُمِّلَتْ الْكَفَّارَةُ مِنْ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ ، وَلِذَلِكَ سُوِّيَ بَيْنَ عَدَدِهِمَا ، وَلِتَبَاعُدِ مَقْصِدِ الْعِتْقِ مِنْهُمَا ، وَاخْتِلَافِ مَصْرِفِهِمَا ، وَمُبَايَنَتِهِمَا لَهُ ، لَمْ يَجْرِيَا مَجْرَى الْجِنْسِ الْوَاحِدِ ، فَلَمْ يُكَمَّلْ بِهِ وَاحِدٌ مِنْهُمَا ، وَلِذَلِكَ خَالَفَ عَدَدُهُ عَدَدَهُمَا .","part":22,"page":244},{"id":10744,"text":"( 8065 ) فَصْلٌ : وَلَوْ أَطْعَمَ بَعْضَ الْمَسَاكِينِ ، أَوْ كَسَاهُمْ ، أَوْ أَعْتَقَ نِصْفَ عَبْدٍ ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَا يُتِمُّ بِهِ الْكَفَّارَةَ ، فَصَامَ عَنْ الْبَاقِي ، لَمْ يُجْزِئْهُ ؛ وَلِأَنَّهُ بَدَلٌ فِي الْكَفَّارَةِ ، فَلَمْ تُكَمَّلْ بِهِ ، كَسَائِرِ الْأَبْدَالِ مَعَ مُبْدَلَاتِهَا ، وَلِأَنَّ الصَّوْمَ مِنْ الطَّعَامِ ، وَالْكِسْوَةُ أَبْعَدُ مِنْ الْعِتْقِ ، فَإِذَا لَمْ يَجُزْ تَكْمِيلُ أَحَدِ نَوْعَيْ الْمُبْدَلِ مِنْ الْآخَرِ ، فَتَكْمِيلُهُ بِالْبَدَلِ أَوْلَى .\rفَإِنْ قِيلَ : يَبْطُلُ هَذَا بِالْغُسْلِ وَالْوُضُوءِ مَعَ التَّيَمُّم .\rقُلْنَا : التَّيَمُّمُ لَا يَأْتِي بِبَعْضِهِ بَدَلًا عَنْ بَعْضِ الطَّهَارَةِ ، وَإِنَّمَا يَأْتِي بِهِ بِكَمَالِهِ ، وَهَا هُنَا لَوْ أَتَى بِالصِّيَامِ جَمِيعِهِ ، أَجْزَأَهُ .","part":22,"page":245},{"id":10745,"text":"( 8066 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَمَنْ دَخَلَ فِي الصَّوْمِ ، ثُمَّ أَيْسَرَ ، لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ الْخُرُوجُ مِنْ الصَّوْمِ إلَى الْعِتْقِ ، أَوْ الْإِطْعَامِ ، إلَّا أَنْ يَشَاءَ ) ( 8067 ) مَسْأَلَةٌ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَصْلَانِ : الْفَصْلُ الْأَوَّلُ : أَنَّهُ إذَا شَرَعَ فِي الصَّوْمِ ، ثُمَّ قَدَرَ عَلَى الْعِتْقِ أَوْ الْإِطْعَامِ أَوْ الْكِسْوَةِ ، لَمْ يَلْزَمْهُ الرُّجُوعُ إلَيْهَا .\rرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ الْحَسَنِ ، وَقَتَادَةَ .\rوَبِهِ قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ .\rوَرُوِيَ عَنْ النَّخَعِيِّ ، وَالْحَكَمِ ، أَنَّهُ يَلْزَمُهُ الرُّجُوعُ ، إلَى أَحَدِهَا .\rوَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ؛ لِأَنَّهُ قَدَرَ عَلَى الْمُبْدَلِ قَبْلَ إتْمَامِ الْبَدَلِ ، فَلَزِمَهُ الرُّجُوعُ ، كَالْمُتَيَمِّمِ إذَا قَدَرَ عَلَى الْمَاءِ قَبْلَ إتْمَامِ صَلَاتِهِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ بَدَلٌ لَا يَبْطُلُ بِالْقُدْرَةِ عَلَى الْمُبْدَلِ ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ الرُّجُوعُ إلَى الْمُبْدَلِ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِيهِ ، كَمَا لَوْ شَرَعَ الْمُتَمَتِّعُ الْعَاجِزُ عَنْ الْهَدْيِ فِي صَوْمِ السَّبْعَةِ الْأَيَّامِ ، فَإِنَّهُ لَا يَخْرُجُ ، بِلَا خِلَافٍ .\rوَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْبَدَلَ لَا يَبْطُلُ ، أَنَّ الْبَدَلَ الصَّوْمُ ، وَهُوَ صَحِيحٌ مَعَ قُدْرَتِهِ اتِّفَاقًا ، وَفَارَقَ التَّيَمُّمَ ، فَإِنَّهُ يَبْطُلُ بِالْقُدْرَةِ عَلَى الْمَاءِ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْهُ ، وَلِأَنَّ الرُّجُوعَ إلَى طَهَارَةِ الْمَاءِ لَا مَشَقَّةَ فِيهِ ؛ لِيُسْرِهِ ، وَالْكَفَّارَةُ يَشُقُّ الْجَمْعُ فِيهَا بَيْنَ خَصْلَتَيْنِ ، وَإِيجَابُ الرُّجُوعِ يُفْضِي إلَى ذَلِكَ فَإِنْ .\rقِيلَ : يَنْتَقِضُ دَلِيلُكُمْ بِمَا إذَا شَرَعَ الْمُتَمَتِّعُ فِي صَوْمِ الثَّلَاثَةِ .\rقُلْنَا : إذَا قَدَرَ عَلَى الْهَدْيِ فِي صَوْمِ الثَّلَاثَةِ ، تَبَيَّنَّا أَنَّهُ لَيْسَ بِعَادِمٍ لَهُ فِي وَقْتِهِ ؛ لِأَنَّ وَقْتَ الْهَدْيِ يَوْمُ النَّحْرِ ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا .\r( 8068 ) الْفَصْلُ الثَّانِي : أَنَّهُ إنْ أَحَبَّ الِانْتِقَالَ إلَى الْأَعْلَى ، فَلَهُ ذَلِكَ ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِهِمْ ، وَلَا نَعْلَمُ خِلَافًا .\rإلَّا فِي الْعَبْدِ إذَا","part":22,"page":246},{"id":10746,"text":"حَنِثَ ثُمَّ عَتَقَ .\rوَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : لَا يَجُوزُ الِانْتِقَالُ فِي مَسْأَلَتِنَا .\rمُحْتَجًّا بِقَوْلِ الْخِرَقِيِّ : إذَا حَنِثَ ، وَهُوَ عَبْدٌ ، فَلَمْ يُكَفِّرْ حَتَّى عَتَقَ .\rقَالَ : وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ ؛ لِقَوْلِهِ فِي الْعَبْدِ : إنَّمَا يُكَفِّرُ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الْعِتْقَ وَالْإِطْعَامَ الْأَصْلُ ، فَأَجْزَأَهُ التَّكْفِيرُ بِهِ ، كَمَا لَوْ تَكَلَّفَ الْفَقِيرُ فَاسْتَدَانَ وَأَعْتَقَ .\rفَأَمَّا الْعَبْدُ إذَا عَتَقَ ، فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ يَجُوزَ لَهُ الِانْتِقَالُ كَمَسْأَلَتِنَا ، وَيُحْمَلُ كَلَامُ أَحْمَدَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الِانْتِقَالُ ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ يُفَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحُرِّ ، مِنْ حَيْثُ إنَّ الْحُرَّ كَانَ يُجْزِئُهُ التَّكْفِيرُ بِالْمَالِ لَوْ تَكَلَّفَهُ ، وَالْعَبْدُ لَمْ يَكُنْ يُجْزِئُهُ إلَّا الصِّيَامُ ، عَلَى رِوَايَةٍ .","part":22,"page":247},{"id":10747,"text":"( 8069 ) فَصْلٌ : وَلَوْ وَجَبَتْ الْكَفَّارَةُ عَلَى مُوسِرٍ فَأَعْسَرَ ، لَمْ يُجْزِئُهُ الصِّيَامُ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ : يُجْزِئُهُ ؛ لِأَنَّهُ عَاجِزٌ عَنْ الْمُبْدَلِ فَجَازَ لَهُ الْعُدُولُ إلَى الْبَدَلِ ، كَمَا لَوْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَمَعَهُ مَاءٌ فَانْدَفَقَ قَبْلَ الْوُضُوءِ بِهِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الْإِطْعَامَ وَجَبَ عَلَيْهِ فِي الْكَفَّارَةِ ، فَلَمْ يَسْقُطْ بِالْعَجْزِ عَنْهُ ، كَالْإِطْعَامِ فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ ، وَفَارَقَ الْوُضُوءَ ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ وَاجِبَةٌ ، وَلَا بُدَّ مِنْ أَدَائِهَا ، فَاحْتِيجَ إلَى الطَّهَارَةِ لَهَا فِي وَقْتِهَا ، بِخِلَافِ الْكَفَّارَةِ .","part":22,"page":248},{"id":10748,"text":"( 8070 ) فَصْلٌ : وَالْكَفَّارَةُ فِي حَقِّ الْعَبْدِ وَالْحُرِّ ، وَالرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ ، وَالْمُسْلِمِ وَالْكَافِرِ ، سَوَاءٌ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - ذَكَرَ الْكَفَّارَةَ بِلَفْظٍ عَامٍّ فِي جَمِيعِ الْمُخَاطَبِينَ ، فَدَخَلَ الْكُلُّ فِي عُمُومِهِ إلَّا أَنَّ الْكَافِرَ لَا يَصِحُّ مِنْهُ التَّكْفِيرُ بِالصِّيَامِ ؛ لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ ، وَلَيْسَ هُوَ مِنْ أَهْلِهَا ، وَلَا بِالْإِعْتَاقِ ؛ لِأَنَّ مِنْ شَرْطِهِ الْإِيمَانَ فِي الرَّقَبَةِ ، وَلَا يَجُوزُ لَكَافِرٍ شِرَاءُ مُسْلِمٍ ، إلَّا أَنْ يَتَّفِقَ إسْلَامُهُ فِي يَدَيْهِ ، أَوْ يَرِثَ مُسْلِمًا فَيُعْتِقَهُ فَيَصِحَّ إعْتَاقُهُ ، وَإِنْ لَمْ يَتَّفِقْ ذَلِكَ فَتَكْفِيرُهُ بِالْإِطْعَامِ أَوْ الْكِسْوَةِ ، فَإِذَا كَفَّرَ بِهِ ثُمَّ أَسْلَمَ ، لَمْ يَلْزَمْهُ إعَادَةُ التَّكْفِيرِ .\rوَإِنْ أَسْلَمَ قَبْلَ التَّكْفِيرِ ، كَفَّرَ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِ فِي تِلْكَ الْحَالِ ؛ مِنْ إعْتَاقٍ ، أَوْ إطْعَامٍ أَوْ كِسْوَةٍ أَوْ صِيَامٍ وَيُحْتَمَلُ عَلَى قَوْلِ الْخِرَقِيِّ ، أَلَّا يُجْزِئَهُ الصِّيَامُ ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُكَفِّرُ بِمَا وَجَبَ عَلَيْهِ حِينَ الْحِنْثِ ، وَلَمْ يَكُنْ الصِّيَامُ مِمَّا وَجَبَ عَلَيْهِ","part":22,"page":249},{"id":10749,"text":"بَابٌ جَامِعُ الْأَيْمَانِ .\r( 8071 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - : ( وَيُرْجَعُ فِي الْأَيْمَانِ إلَى النِّيَّةِ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ مَبْنَى الْيَمِينِ عَلَى نِيَّةِ الْحَالِفِ ، فَإِذَا نَوَى بِيَمِينِهِ مَا يَحْتَمِلُهُ ، انْصَرَفَتْ يَمِينُهُ إلَيْهِ ، سَوَاءٌ كَانَ مَا نَوَاهُ مُوَافِقًا لِظَاهِرِ اللَّفْظِ ، أَوْ مُخَالِفًا لَهُ ، فَالْمُوَافِقُ لِلظَّاهِرِ أَنْ يَنْوِيَ بِاللَّفْظِ مَوْضُوعَهُ الْأَصْلِيَّ ، مِثْلَ أَنْ يَنْوِيَ بِاللَّفْظِ الْعَامِّ الْعُمُومَ ، وَبِالْمُطْلَقِ الْإِطْلَاقَ ، وَبِسَائِرِ الْأَلْفَاظِ مَا يَتَبَادَرُ إلَى الْأَفْهَامِ مِنْهَا ، وَالْمُخَالِفُ يَتَنَوَّعُ أَنْوَاعًا ؛ أَحَدُهَا ، أَنْ يَنْوِيَ بِالْعَامِّ الْخَاصَّ ، مِثْلَ أَنْ يَحْلِفَ لَا يَأْكُلُ لَحْمًا وَلَا فَاكِهَةً .\rوَيُرِيدُ لَحْمًا بِعَيْنِهِ ، وَفَاكِهَةً بِعَيْنِهَا .\rوَمِنْهَا ، أَنْ يَحْلِفَ عَلَى فِعْلِ شَيْءٍ أَوْ تَرْكِهِ مُطْلَقًا ، وَيَنْوِيَ فِعْلَهُ أَوْ تَرْكَهُ فِي وَقْتٍ بِعَيْنِهِ ، مِثْلَ أَنْ يَحْلِفَ : لَا أَتَغَدَّى .\rيَعْنِي الْيَوْمَ ، أَوْ : لَآكُلَنَّ .\rيَعْنِي السَّاعَةَ .\rوَمِنْهَا ، أَنْ يَنْوِيَ بِيَمِينِهِ غَيْرَ مَا يَفْهَمُهُ السَّامِعُ مِنْهُ ، كَمَا ذَكَرْنَا فِي الْمَعَارِيضِ ، فِي مَسْأَلَةِ إذَا تَأَوَّلَ فِي يَمِينِهِ فَلَهُ تَأْوِيلُهُ .\rوَمِنْهَا ، أَنْ يُرِيدَ بِالْخَاصِّ الْعَامَّ ، مِثْلَ أَنْ يَحْلِفُ : لَا شَرِبْت لِفُلَانٍ الْمَاءَ مِنْ الْعَطَشِ .\rيَنْوِي قَطْعَ كُلِّ مَا لَهُ فِيهِ مِنَّةٌ ، أَوْ : لَا يَأْوِي مَعَ امْرَأَتِهِ فِي دَارٍ .\rيُرِيدُ جَفَاءَهَا بِتَرْكِ اجْتِمَاعِهَا مَعَهُ فِي جَمِيعِ الدُّورِ ، أَوْ حَلَفَ : لَا يَلْبَسُ ثَوْبًا مِنْ غَزْلِهَا .\rيُرِيدُ قَطْعَ مِنَّتَهَا بِهِ ، فَيَتَعَلَّقُ يَمِينُهُ بِالِانْتِفَاعِ بِهِ ، أَوْ بِثَمَنِهِ ، مِمَّا لَهَا فِيهِ مِنَّةٌ عَلَيْهِ .\rوَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ : لَا عِبْرَةَ بِالنِّيَّةِ وَالسَّبَبِ فِيمَا يُخَالِفُ لَفْظَهُ ؛ لِأَنَّ الْحِنْثَ مُخَالَفَةُ مَا عَقَدَ عَلَيْهِ الْيَمِينَ ، وَالْيَمِينُ لَفْظُهُ ، فَلَوْ أَحْنَثْنَاهُ عَلَى مَا سِوَاهُ ، لَأَحْنَثْنَاهُ عَلَى","part":22,"page":250},{"id":10750,"text":"مَا نَوَى لَا ، عَلَى مَا حَلَفَ ، وَلِأَنَّ النِّيَّةَ بِمُجَرَّدِهَا لَا تَنْعَقِدُ بِهَا الْيَمِينُ ، فَكَذَلِكَ لَا يَحْنَثُ بِمُخَالَفَتِهَا .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ نَوَى بِكَلَامِهِ مَا يَحْتَمِلُهُ ، وَيَسُوغُهُ فِي اللُّغَةِ التَّعْبِيرُ بِهِ ، عَنْهُ ، فَيَنْصَرِفُ يَمِينُهُ إلَيْهِ كَالْمَعَارِيضِ ، وَبَيَانُ احْتِمَالِ اللَّفْظِ ، أَنَّهُ يَسُوغُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ التَّعْبِيرُ بِالْخَاصِّ عَنْ الْعَامِّ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ } .\r{ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا } .\r{ فَإِذًا لَا يَأْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا } وَالْقِطْمِيرُ : لِفَافَةُ النَّوَاةِ .\rوَالْفَتِيلُ مَا فِي شِقِّهَا .\rوَالنَّقِيرُ : النُّقْرَةُ الَّتِي فِي ظَهْرِهَا .\rوَلَمْ يُرِدْ ذَلِكَ بِعَيْنِهِ ، بَلْ نَفْيَ كُلِّ شَيْءٍ ، وَقَالَ الْحُطَيْئَةُ يَهْجُو بَنِي الْعَجْلَانِ : وَلَا يَظْلِمُونَ النَّاسَ حَبَّةَ خَرْدَلٍ وَلَمْ يُرِدْ الْحَبَّةَ بِعَيْنِهَا ، إنَّمَا أَرَادَ لَا يَظْلِمُونَهُمْ شَيْئًا .\rوَقَدْ يُذْكَرُ الْعَامُّ ، وَيُرَادُ بِهِ الْخَاصُّ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : { الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ النَّاسُ } - يَعْنِي رَجُلًا وَاحِدًا - .\r{ إنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ } .\rيَعْنِي أَبَا سُفْيَانَ .\rوَقَالَ تَعَالَى : { تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ } .\rوَلَمْ يُرِدْ السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَلَا مَسَاكِنَهُمْ .\rوَإِذَا احْتَمَلَهُ اللَّفْظُ ، وَجَبَ صَرْفُ الْيَمِينِ إلَيْهِ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ \" إنَّمَا لِامْرِئٍ مَا نَوَى \" .\rوَلِأَنَّ كَلَامَ الشَّارِعِ يُحْمَلُ عَلَى مُرَادِهِ ، إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ بِالدَّلِيلِ ، فَكَذَلِكَ كَلَامُ غَيْرِهِ .\rوَقَوْلُهُمْ : إنَّ الْحِنْثَ مُخَالَفَةُ مَا عُقِدَ عَلَيْهِ الْيَمِينُ .\rقُلْنَا : وَهَذَا كَذَلِكَ ، فَإِنَّمَا انْعَقَدَتْ عَلَيْهِ الْيَمِينُ عَلَى مَا نَوَاهُ ، وَلَفْظُهُ مَصْرُوفٌ إلَيْهِ ، وَلَيْسَتْ هَذِهِ نِيَّةً مُجَرَّدَةً ، بَلْ لَفْظٌ مَنْوِيٌّ بِهِ مَا يَحْتَمِلُهُ .\rفَصْلٌ : وَمِنْ شَرْطِ انْصِرَافِ اللَّفْظِ إلَى مَا نَوَاهُ ، احْتِمَالُ اللَّفْظِ لَهُ ، فَإِنْ نَوَى مَا لَا يَحْتَمِلُهُ اللَّفْظُ ، مِثْلَ أَنْ يَحْلِفَ لَا يَأْكُلُ خُبْزًا ، يَعْنِي بِهِ لَا","part":22,"page":251},{"id":10751,"text":"يَدْخُلُ بَيْتًا ، فَإِنَّ يَمِينَهُ لَا تَنْصَرِفُ إلَى الْمَنْوِيِّ ؛ لِأَنَّهَا نِيَّةٌ مُجَرَّدَةٌ ، لَا يَحْتَمِلُهَا اللَّفْظُ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ نَوَى ذَلِكَ بِغَيْرِ يَمِينٍ .","part":22,"page":252},{"id":10752,"text":"( 8073 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( فَإِنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا ، رُجِعَ إلَى سَبَبِ الْيَمِينِ وَمَا هَيَّجَهَا ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ إذَا عَدِمَتْ النِّيَّةُ ، نَظَرْنَا فِي سَبَبِ الْيَمِينِ ، وَمَا أَثَارَهَا ؛ لِدَلَالَتِهِ عَلَى النِّيَّةِ ، فَإِذَا حَلَفَ لَا يَأْوِي مَعَ امْرَأَتِهِ فِي هَذِهِ الدَّارِ ، نَظَرْنَا ؛ فَإِنْ كَانَ سَبَبُ يَمِينِهِ غَيْظًا مِنْ جِهَةِ الدَّارِ ، لِضَرَرٍ لَحِقَهُ مِنْهَا ، أَوْ مِنَّةً عَلَيْهِ بِهَا ، اخْتَصَّتْ بِيَمِينِهِ بِهَا ، وَإِنْ كَانَ لِغَيْظٍ لَحِقَهُ مِنْ الْمَرْأَةِ يَقْتَضِي جَفَاءَهَا ، وَلَا أَثَرَ لِلدَّارِ فِيهِ ، تَعَلَّقَ ذَلِكَ بِإِيوَائِهِ مَعَهَا فِي كُلِّ دَارٍ وَكَذَلِكَ إذَا حَلَفَ لَا يَلْبَسُ ثَوْبًا مِنْ غَزْلِهَا ، إنْ كَانَ سَبَبُهُ الْمِنَّةَ عَلَيْهِ مِنْهَا ، فَكَيْفَمَا انْتَفَعَ بِهِ أَوْ بِثَمَنِهِ حَنِثَ وَإِنْ كَانَ سَبَبُ يَمِينِهِ خُشُونَةَ غَزْلِهَا وَرَدَاءَتَهُ لَمْ يَتَعَدَّ بِيَمِينِهِ لُبْسَهُ ، وَالْخِلَافُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ كَالْخِلَافِ فِي الَّتِي قَبْلَهَا ، وَقَدْ دَلَّلْنَا عَلَى تَعَلُّقِ الْيَمِينُ بِمَا نَوَاهُ ، وَالسَّبَبُ دَلِيلٌ عَلَى النِّيَّةِ ، فَيَتَعَلَّقُ الْيَمِينُ بِهِ ، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ كَلَامَ الشَّارِعِ إذَا كَانَ خَاصًّا فِي شَيْءٍ لِسَبَبٍ عَامٍّ ، تَعَدَّى إلَى مَا يُوجَدُ فِيهِ السَّبَبُ ، كَتَنْصِيصِهِ عَلَى تَحْرِيمِ التَّفَاضُلِ فِي أَعْيَانٍ سِتَّةٍ ، أَثْبَتَ الْحُكْمَ فِي كُلِّ مَا يُوجَدُ فِيهِ مَعْنَاهَا ، كَذَلِكَ فِي كَلَامِ الْآدَمِيِّ مِثْلُهُ ، فَأَمَّا إنْ كَانَ اللَّفْظُ عَامًّا وَالسَّبَبُ خَاصًّا ، مِثْلَ مَنْ دُعِيَ إلَى غَدَاءٍ فَحَلَفَ لَا يَتَغَدَّى ، أَوْ حَلَفَ لَا يَقْعُدَ ، فَإِنْ كَانَتْ لَهُ نِيَّةٌ فَيَمِينُهُ عَلَى مَا نَوَى وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ فَكَلَامُ أَحْمَدَ يَقْتَضِي رِوَايَتَيْنِ ؛ إحْدَاهُمَا ، أَنَّ الْيَمِينَ مَحْمُولَةٌ عَلَى الْعُمُومِ ؛ لِأَنَّ أَحْمَدَ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ حَلَفَ أَنْ لَا يَدْخُلَ بَلَدًا ، لِظُلْمٍ رَآهُ فِيهِ ، فَزَالَ الظُّلْمُ ؟ فَقَالَ : النَّذْرُ يُوفِي بِهِ .\rيَعْنِي لَا يَدْخُلُهُ .\rوَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ لَفْظَ الشَّارِعِ إذَا كَانَ عَامًّا ، لِسَبَبٍ خَاصٍّ ، وَجَبَ","part":22,"page":253},{"id":10753,"text":"الْأَخْذُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ دُونَ خُصُوصِ السَّبَبِ ، كَذَلِكَ يَمِينُ الْحَالِفِ .\rوَذَكَرَ الْقَاضِي فِيمَنْ حَلَفَ عَلَى زَوْجَتِهِ أَوْ عَبْدِهِ أَنْ لَا يَخْرُجَ إلَّا بِإِذْنِهِ ، فَعَتَقَ الْعَبْدُ ، وَطَلَّقَ الزَّوْجَةَ ، وَخَرَجَا بِغَيْرِ إذْنِهِ ، لَا يَحْنَثُ ؛ لِأَنَّ قَرِينَةَ الْحَالِ تَنْقُلُ حُكْمَ الْكَلَامِ إلَى نَفْسِهَا ، وَإِنَّمَا يَمْلِكُ مَنْعَ الزَّوْجَةِ وَالْعَبْدِ مَعَ وِلَايَتِهِ عَلَيْهِمَا ، فَكَأَنَّهُ قَالَ : مَا دُمْتُمَا فِي مِلْكِي .\rوَلِأَنَّ السَّبَبَ يَدُلُّ عَلَى النِّيَّةِ فِي الْخُصُوصِ ، كَدَلَالَتِهِ عَلَيْهَا فِي الْعُمُومِ وَلَوْ نَوَى الْخُصُوصَ لَاخْتَصَّتْ يَمِينُهُ بِهِ ، فَكَذَلِكَ إذَا وَجَدَ مَا يَدُلُّ عَلَيْهَا .\rوَلَوْ حَلَفَ لِعَامِلٍ لَا يَخْرُجَ إلَّا بِإِذْنِهِ فَعُزِلَ ، أَوْ حَلَفَ أَنْ لَا يَرَى مُنْكَرًا إلَّا رَفَعَهُ إلَى فُلَانٍ الْقَاضِي فَعُزِلَ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ، بِنَاءً عَلَى مَا تَقَدَّمَ ؛ أَحَدُهُمَا : لَا تَنْحَلُّ الْيَمِينُ بِعَزْلِهِ .\rقَالَ الْقَاضِي : هَذَا قِيَاسُ الْمَذْهَبِ ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ إذَا تَعَلَّقَتْ بِعَيْنٍ مَوْصُوفَةٍ ، تَعَلَّقَتْ بِالْعَيْنِ وَإِنْ تَغَيَّرَتْ الصِّفَةُ .\rوَهَذَا أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ .\rوَالْوَجْهُ الْآخَرُ ، تَنْحَلُّ الْيَمِينُ بِعَزْلِهِ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُقَالُ : رَفَعَهُ إلَيْهِ .\rإلَّا فِي حَالِ وِلَايَتِهِ .\rفَعَلَى هَذَا إنْ رَأَى الْمُنْكَرَ فِي وِلَايَتِهِ ، فَأَمْكَنَهُ رَفْعُهُ فَلَمْ يَرْفَعْهُ إلَيْهِ حَتَّى عُزِلَ ، لَمْ يَبَرَّ بِرَفْعِهِ إلَيْهِ حَالَ كَوْنِهِ مَعْزُولًا .\rوَهَلْ يَحْنَثُ بِعَزْلِهِ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، يَحْنَثُ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ فَاتَ رَفَعَهُ إلَيْهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ مَاتَ .\rوَالثَّانِي ، لَا يَحْنَثُ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَحَقَّقْ فَوَاتُهُ ، لِاحْتِمَالِ أَنْ يَلِيَ فَيَرْفَعَهُ إلَيْهِ ، بِخِلَافِ مَا إذَا مَاتَ ، فَإِنَّهُ يَحْنَثُ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَحَقَّقَ فَوَاتُهُ ، وَإِذَا مَاتَ قَبْلَ إمْكَانِ رَفْعِهِ إلَيْهِ ، حَنِثَ أَيْضًا ؛ لِأَنَّهُ قَدْ فَاتَ فَأَشْبَهَ مَا لَوْ حَلَفَ لَيَضْرِبَنَّ عَبْدَهُ فِي غَدٍ ، فَمَاتَ الْعَبْدُ","part":22,"page":254},{"id":10754,"text":"الْيَوْمَ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَحْنَثَ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ فِعْلِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ ، فَأَشْبَهَ الْمُكْرَهَ .\rوَإِنْ قُلْنَا : لَا تَنْحَلُّ يَمِينُهُ بِعَزْلِهِ .\rفَرَفَعَهُ إلَيْهِ بَعْدَ عَزْلِهِ ، بَرَّ بِذَلِكَ .","part":22,"page":255},{"id":10755,"text":"( 8074 ) فَصْلٌ : فَإِنْ اخْتَلَفَ السَّبَبُ وَالنِّيَّةُ ، مِثْلَ أَنْ امْتَنَّتْ عَلَيْهِ امْرَأَتُهُ بِغَزْلِهَا ، فَحَلَفَ أَنْ لَا يَلْبَسَ ثَوْبًا مِنْ غَزْلِهَا ، يَنْوِي اجْتِنَابَ اللُّبْسِ خَاصَّةً ، دُونَ الِانْتِفَاعِ بِثَمَنِهِ وَغَيْرِهِ ، قُدِّمَتْ النِّيَّةُ عَلَى السَّبَبِ ، وَجْهًا وَاحِدًا ؛ لِأَنَّ النِّيَّةَ وَافَقَتْ مُقْتَضَى اللَّفْظِ .\rوَإِنْ نَوَى بِيَمِينِهِ ثَوْبًا وَاحِدًا ، فَكَذَلِكَ فِي ظَاهِرِ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : يُقَدَّمُ السَّبَبُ ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ ظَاهِرٌ فِي الْعُمُومِ ، وَالسَّبَبُ يُؤَكِّدُ ذَلِكَ الظَّاهِرَ وَيُقَوِّيهِ ؛ لِأَنَّ السَّبَبَ هُوَ الِامْتِنَانُ ، وَظَاهِرُ حَالِهِ قَطْعُ النِّيَّةِ ، فَلَا يُلْتَفَتُ إلَى نِيَّتِهِ الْمُخَالِفَةِ لِلظَّاهِرَيْنِ ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ؛ لِأَنَّ السَّبَبَ إنَّمَا اُعْتُبِرَ لِدَلَالَتِهِ عَلَى الْقَصْدِ ، فَإِذَا خَالَفَ حَقِيقَةَ الْقَصْدِ ، لَمْ يُعْتَبَرْ ، وَكَانَ وُجُودُهُ كَعَدَمِهِ ، فَلَمْ يَبْقَ إلَّا لَفْظُهُ بِعُمُومِهِ ، وَالنِّيَّةُ تَخُصُّهُ ، عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ فِيمَا مَضَى .","part":22,"page":256},{"id":10756,"text":"( 8075 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ ( وَلَوْ حَلَفَ لَا يَسْكُنَ دَارًا هُوَ سَاكِنُهَا ، خَرَجَ مِنْ وَقْتِهِ ، وَإِنْ تَخَلَّفَ عَنْ الْخُرُوجِ مِنْ وَقْتِهِ ، حَنِثَ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ إنَّ سَاكِنَ الدَّارِ إذَا حَلَفَ لَا يَسْكُنُهَا ، فَمَتَى أَقَامَ فِيهَا بَعْدَ يَمِينِهِ زَمَنًا يُمْكِنُهُ فِيهِ الْخُرُوجُ ، حَنِثَ ؛ لِأَنَّ اسْتِدَامَةَ السُّكْنَى كَابْتِدَائِهَا ، فِي وُقُوعِ اسْمِ السُّكْنَى عَلَيْهَا ، أَلَا تَرَاهُ يَقُولُ : سَكَنْت هَذِهِ الدَّارَ شَهْرًا .\rكَمَا يَقُولُ : لَبِسْت هَذَا الثَّوْبَ شَهْرًا ؟ وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَإِنْ أَقَامَ لِنَقْلِ رَحْلِهِ وَقُمَاشِهِ ، لَمْ يَحْنَثْ ؛ لِأَنَّ الِانْتِقَالَ لَا يَكُونُ إلَّا بِالْأَهْلِ وَالْمَالِ ، فَيَحْتَاجُ أَنْ يَنْقُلَ ذَلِكَ مَعَهُ ، حَتَّى يَكُونَ مُنْتَقِلًا .\rوَيُحْكَى عَنْ مَالِكٍ ، أَنَّهُ إنْ أَقَامَ دُونَ الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ ، لَمْ يَحْنَثْ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ قَلِيلٌ يَحْتَاجُ إلَيْهِ فِي الِانْتِقَالِ ، فَلَمْ يَحْنَثْ بِهِ .\rوَعَنْ زُفَرَ ، أَنَّهُ قَالَ : يَحْنَثُ وَإِنْ انْتَقَلَ فِي الْحَالِ ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ سَاكِنًا عَقِيبَ يَمِينِهِ وَلَوْ لَحْظَةً ، فَيَحْنَثُ بِهَا .\rوَلَيْسَ بِصَحِيحٍ ؛ فَإِنَّ مَا لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ لَا يُرَادُ بِالْيَمِينِ ، وَلَا يَقَعُ عَلَيْهِ ، وَأَمَّا إذَا أَقَامَ زَمَنًا يُمْكِنُهُ الِانْتِقَالُ فِيهِ ، فَإِنَّهُ يَحْنَثُ ؛ لِأَنَّهُ فَعَلَ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ السُّكْنَى ، فَحَنِثَ بِهِ ، كَمَوْضِعِ الِاتِّفَاقِ ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ الدَّارَ ، فَدَخَلَ إلَى أَوَّلِ جُزْءٍ مِنْهَا ، حَنِثَ ، وَإِنْ كَانَ قَلِيلًا ؟ ( 8076 ) فَصْلٌ : وَإِنْ أَقَامَ لِنَقْلِ مَتَاعِهِ وَأَهْلِهِ ، لَمْ يَحْنَثْ .\rوَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يَحْنَثُ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الِانْتِقَالَ إنَّمَا يَكُونُ بِالْأَهْلِ وَالْمَالِ ، عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ ، فَلَا يُمْكِنُهُ التَّحَرُّزُ مِنْ هَذِهِ الْإِقَامَةِ ، فَلَا يَقَعُ الْيَمِينُ عَلَيْهَا .\rوَعَلَى هَذَا ، إنْ خَرَجَ بِنَفْسِهِ ، وَتَرَكَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ فِي الْمَسْكَنِ مَعَ إمْكَانِ نَقْلِهِمْ عَنْهُ ، حَنِثَ .\rوَقَالَ","part":22,"page":257},{"id":10757,"text":"الشَّافِعِيُّ : لَا يَحْنَثُ إذَا خَرَجَ بِنِيَّةِ الِانْتِقَالِ ؛ لِأَنَّهُ إذَا خَرَجَ بِنِيَّةِ الِانْتِقَالِ ، فَلَيْسَ بِسَاكِنٍ وَلِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُرِيدَ السُّكْنَى وَحْدَهُ دُونَ أَهْلِهِ وَمَالِهِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ السُّكْنَى تَكُونُ بِالْأَهْلِ وَالْمَالِ ، وَلِهَذَا يُقَالُ : فُلَانٌ سَاكِنُ الْبَلَدِ الْفُلَانِيِّ .\rوَهُوَ غَائِبٌ عَنْهُ بِنَفْسِهِ .\rوَإِذَا نَزَلَ بَلَدًا بِأَهْلِهِ وَمَالِهِ يُقَالُ : سَكَنَهُ .\rوَلَوْ نَزَلَهُ بِنَفْسِهِ ، لَا يُقَالُ : سَكَنَهُ .\rوَقَوْلُهُمْ : إنَّهُ نَوَى السُّكْنَى بِنَفْسِهِ .\rلَا يَصِحُّ ؛ فَإِنَّ مَنْ خَرَجَ إلَى مَكَان لِيَنْقُلَ أَهْلَهُ إلَيْهِ ، وَلَمْ يَنْوِ السُّكْنَى بِنَفْسِهِ ، فَأَشْبَهَ مَنْ خَرَجَ يَشْتَرِي مَتَاعًا .\rوَإِنْ خَرَجَ عَازِمًا عَلَى السُّكْنَى بِنَفْسِهِ ، مُنْفَرِدًا عَنْ أَهْلِهِ الَّذِي فِي الدَّارِ ، لَمْ يَحْنَثْ ، وَيَدِينُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ - تَعَالَى .\rذَكَرَهُ الْقَاضِي .\rوَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ ، أَنَّهُ اعْتَبَرَ نَقْلَ عِيَالِهِ دُونَ مَالِهِ .\rوَالْأَوْلَى ، إنْ شَاءَ اللَّهُ ، أَنَّهُ إذَا انْتَقَلَ بِأَهْلِهِ ، فَسَكَنَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ ، فَإِنَّهُ لَا يَحْنَثُ ، وَإِنْ بَقِيَ مَتَاعُهُ فِي الدَّارِ ؛ لِأَنَّ مَسْكَنَهُ حَيْثُ حَلَّ أَهْلُهُ بِهِ ، وَنَوَى الْإِقَامَةَ بِهِ ، وَلِهَذَا لَوْ حَلَفَ لَا يَسْكُنُ دَارًا لَمْ يَكُنْ سَاكِنًا لَهَا ، فَنَزَلَهَا بِأَهْلِهِ نَاوِيًا لِلسُّكْنَى بِهَا ، حَنِثَ وَقَالَ .\rالْقَاضِي : إنْ نَقَلَ إلَيْهَا مَا يَتَأَثَّثُ بِهِ ، وَيَسْتَعْمِلُهُ فِي مَنْزِلِهِ ، فَهُوَ سَاكِنٌ وَإِنْ سَكَنَهَا بِنَفْسِهِ .\r( 8077 ) فَصْلٌ : وَإِنْ أُكْرِهَ عَلَى الْمُقَامِ ، لَمْ يَحْنَثْ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : عُفِيَ لِأُمَّتِي عَنْ الْخَطَأِ ، وَالنِّسْيَانِ ، وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ } .\rوَكَذَلِكَ إنْ كَانَ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ فِي وَقْتٍ لَا يَجِدُ مَنْزِلًا يَتَحَوَّلُ إلَيْهِ ، أَوْ يَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَنْزِلِ أَبْوَابٌ مُغْلَقَةٌ لَا يُمْكِنُهُ فَتْحُهَا ، أَوْ خَوْفٌ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ أَهْلِهِ أَوْ مَالِهِ ، فَأَقَامَ فِي طَلَبِ النَّقْلَةِ ، أَوْ انْتِظَارًا","part":22,"page":258},{"id":10758,"text":"لِزَوَالِ الْمَانِعِ مِنْهَا ، أَوْ خَرَجَ طَالِبًا لِلنَّقْلَةِ فَتَعَذَّرَتْ عَلَيْهِ ؛ إمَّا لِكَوْنِهِ لَمْ يَجِدْ مَسْكَنًا يَتَحَوَّلُ إلَيْهِ ، لِتَعَذُّرِ الْكِرَاءِ أَوْ غَيْرِهِ ، أَوْ لَمْ يَجِدْ بَهَائِمَ يَنْتَقِلُ عَلَيْهَا ، وَلَا يُمْكِنُهُ النَّقْلَةُ بِدُونِهَا ، فَأَقَامَ نَاوِيًا ، لِلنَّقْلَةِ مَتَى قَدَرَ عَلَيْهَا ، لَمْ يَحْنَثْ ، وَإِنْ أَقَامَ أَيَّامًا وَلَيَالِيَ ؛ لِأَنَّ إقَامَتَهُ عَنْ غَيْرِ اخْتِيَارٍ مِنْهُ ، لِعَدَمِ تَمَكُّنِهِ مِنْ النَّقْلَةِ ، فَإِنَّهُ إذَا لَمْ يَجِدْ مَسْكَنًا لَا يُمْكِنُهُ تَرْكُ أَهْلِهِ ، وَإِلْقَاءُ مَتَاعِهِ فِي الطَّرِيقِ ، فَلَمْ يَحْنَثْ بِهِ ، كَالْمُقِيمِ لِلْإِكْرَاهِ .\rوَإِنْ أَقَامَ فِي هَذَا الْوَقْتِ ، غَيْرَ نَاوٍ لِلنَّقْلَةِ ، حَنِثَ ، وَيَكُونُ نَقْلُهُ لِمَا يَحْتَاجُ إلَى نَقْلِهِ ، عَلَى مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ ، فَلَوْ كَانَ ذَا مَتَاعٍ كَثِيرٍ ، فَنَقَلَهُ قَلِيلًا قَلِيلًا عَلَى الْعَادَةِ ، بِحَيْثُ لَا يَتْرُكُ النَّقْلَ الْمُعْتَادَ ، لَمْ يَحْنَثْ وَإِنْ أَقَامَ أَيَّامًا ، وَلَا يَلْزَمُهُ جَمْعُ دَوَابِّ الْبَلَدِ لِنَقْلِهِ ، وَلَا النَّقْلَةُ بِاللَّيْلِ ، وَلَا وَقْتَ الِاسْتِرَاحَةِ عَنَدَ التَّعَبِ ، وَلَا أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ ؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ لَمْ تَجْرِ بِالنَّقْلِ فِيهَا ، وَلَوْ ذَهَبَ رَحْلُهُ أَوْ أَوْدَعَهُ أَوْ أَعَارَهُ وَخَرَجَ ، لَمْ يَحْنَثْ ؛ لِأَنَّ يَدَهُ زَالَتْ عَنْ الْمَتَاعِ .\rوَإِنْ تَرَدَّدَ إلَى الدَّارِ لِنَقْلِ الْمَتَاعِ ، أَوْ عَائِدًا لِمَرِيضٍ ، أَوْ زَائِرًا لِصَدِيقٍ ، لَمْ يَحْنَثْ وَقَالَ الْقَاضِي : إنْ دَخَلَهَا وَمِنْ رَأْيِهِ الْجُلُوسُ عِنْدَهُ ، حَنِثَ ، وَإِلَّا فَلَا .\rوَلَنَا ، أَنَّ هَذَا لَيْسَ بِسُكْنَى ، وَلِذَلِكَ لَوْ حَلَفَ لَيَسْكُنَنَّ دَارًا ، لَمْ يَبَرَّ بِالْجُلُوسِ فِيهَا ؛ لِأَنَّهُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ ، وَلَا يُسَمَّى سَاكِنًا بِهِ بِهَذَا الْعُذْرِ ، فَلَمْ يَحْنَثْ بِهِ ، كَمَا لَوْ لَمْ يَنْوِ الْجُلُوسَ .\rوَإِنْ كَانَ لَهُ فِي الدَّارِ امْرَأَةٌ أَوْ عَائِلَةٌ ، فَأَرَادَهُمْ عَلَى الْخُرُوجِ مَعَهُ ، وَالِانْتِقَالِ عَنْهَا ، فَأَبَوْا ، وَلَمْ يُمْكِنْهُ إخْرَاجُهُمْ ، فَخَرَجَ وَتَرَكَهُمْ ، لَمْ","part":22,"page":259},{"id":10759,"text":"يَحْنَثْ ؛ لِأَنَّ هَذَا مِمَّا لَا يُمْكِنُهُ ، فَأَشْبَهَ مَا لَمْ يُمْكِنْهُ نَقْلُهُ مِنْ رَحْلِهِ .","part":22,"page":260},{"id":10760,"text":"( 8078 ) فَصْلٌ : وَإِنْ حَلَفَ لَا يُسَاكِنُ فُلَانًا ، فَالْحُكْمُ فِي الِاسْتِدَامَةِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي الْحَلِفِ عَلَى السُّكْنَى .\rوَإِنْ انْتَقَلَ أَحَدُهُمَا ، وَبَقِيَ الْآخَرُ ، لَمْ يَحْنَثَ ؛ لِزَوَالِ الْمُسَاكَنَةِ .\rوَإِنْ سَكَنَا فِي دَارٍ وَاحِدَةٍ ، وَكُلُّ وَاحِدٍ فِي بَيْتٍ ذِي بَابٍ وَغَلْقٍ ، رُجِعَ إلَى بَيْتِهِ بِيَمِينِهِ أَوْ إلَى سَبَبِهَا ، وَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ قَرَائِنُ أَحْوَالِهِ فِي الْمَحْلُوفِ عَلَى الْمُسَاكَنَةِ فِيهِ ، فَإِنْ عَدِمَ ذَلِكَ كُلُّهُ ، حَنِثَ .\rوَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : إنْ كَانَتْ الدَّارُ صَغِيرَةً ، فَهُمَا مُتَسَاكِنَانِ ؛ لِأَنَّ الصَّغِيرَةَ مَسْكَنٌ وَاحِدٌ ، وَإِنْ كَانَتْ كَبِيرَةً ، إلَّا أَنَّ أَحَدَهُمَا فِي الْبَيْتِ ، وَالْآخَرُ فِي الصُّفَّةِ ، أَوْ كَانَا فِي صُفَّتَيْنِ أَوْ بَيْتَيْنِ لَيْسَ عَلَى أَحَدِهِمَا غَلْقٌ ، دُونَ صَاحِبِهِ ، فَهُمَا مُتَسَاكِنَانِ .\rوَإِنْ كَانَا فِي بَيْتَيْنِ ، كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَهُ غَلْقٌ ، أَوْ كَانَا فِي خَانٍ ، فَلَيْسَا مُتَسَاكَنِينَ ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَنْفَرِدُ بِمَسْكَنِهِ دُونَ الْآخَرِ ، فَأَشْبَهَا الْمُتَجَاوِرَيْنِ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَنْفَرِدُ بِمَسْكَنِهِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُمَا فِي دَارٍ وَاحِدَةٍ ، فَكَانَا مُتَسَاكِنَيْنِ ، كَالصَّغِيرَةِ ، وَفَارَقَ الْمُتَجَاوِرَيْنِ فِي الدَّارَيْنِ ، فَإِنَّهُمَا لَيْسَا مُتَسَاكِنَيْنِ ، وَيَمِينُهُ عَلَى نَفْيِ الْمُسَاكَنَةِ ، لَا عَلَى الْمُجَاوَرَةِ .\rوَلَوْ كَانَا فِي دَارٍ وَاحِدَةٍ حَالَةَ الْيَمِينِ ، فَخَرَجَ أَحَدُهُمَا مِنْهَا ، وَقَسَمَاهَا حُجْرَتَيْنِ ، وَفَتَحَا لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بَابًا ، وَبَيْنَهُمَا حَاجِزٌ ، ثُمَّ سَكَنَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي حُجْرَةٍ ، لَمْ يَحْنَثْ ؛ لِأَنَّهُمَا غَيْرُ مُتَسَاكِنَيْنِ .\rوَإِنْ تَشَاغَلَا بِبِنَاءِ الْحَاجِزِ بَيْنَهُمَا ، وَهُمَا مُتَسَاكِنَانِ ، حَنِثَ ؛ لِأَنَّهُمَا تَسَاكَنَا قَبْلَ انْفِرَادِ إحْدَى الدَّارَيْنِ مِنْ الْأُخْرَى وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ .\rوَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا ( 8079 ) .\rفَصْلٌ : وَإِنْ حَلَفَ : لَا سَاكَنْت فُلَانًا فِي هَذِهِ الدَّارِ .\rوَقَسَمَاهَا","part":22,"page":261},{"id":10761,"text":"حُجْرَتَيْنِ ، وَبَنَيَا بَيْنَهُمَا حَائِطًا ، وَفَتَحَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِنَفْسِهِ بَابًا ، ثُمَّ سَكَنَا فِيهِمَا ، لَمْ يَحْنَثْ ، لِمَا ذَكَرْنَا فِي الَّتِي قَبْلَهَا .\rوَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : لَا يُعْجِبُنِي ذَلِكَ .\rوَيَحْتَمِلُهُ قِيَاسُ الْمَذْهَبِ ؛ لِكَوْنِهِ عَيْنَ الدَّارِ ، فَلَا يَنْحَلُّ بِتَغَيُّرِهَا ، كَمَا لَوْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُهَا فَصَارَتْ نَصًّا .\rوَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُسَاكِنْهُ فِيهَا ، لِكَوْنِ الْمُسَاكَنَةِ فِي الدَّارِ لَا تَحْصُلُ مَعَ كَوْنِهِمَا دَارَيْنِ ، ، وَفَارَقَ الدُّخُولَ ، فَإِنَّهُ دَخَلَهَا مُتَغَيِّرَةً .","part":22,"page":262},{"id":10762,"text":"( 8080 ) فَصْلٌ : وَإِنْ حَلَفَ لَيَخْرُجَنَّ مِنْ هَذِهِ الدَّارِ ، اقْتَضَتْ يَمِينُهُ الْخُرُوجَ بِنَفْسِهِ وَأَهْلِهِ ، كَمَا لَوْ حَلَفَ لَا يَسْكُنْهَا وَإِنَّ حَلَفَ لَيَخْرُجْنَ مِنْ هَذِهِ الْبَلْدَةِ ، تَنَاوَلَتْ يَمِينُهُ الْخُرُوجَ بِنَفْسِهِ ؛ لِأَنَّ الدَّارَ يَخْرُجُ مِنْهَا صَاحِبُهَا فِي الْيَوْمِ مَرَّاتٍ عَادَةً ، فَظَاهِرُ حَالِهِ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ الْخُرُوجَ الْمُعْتَادَ ، وَإِنَّمَا أَرَادَ الْخُرُوجَ الَّذِي هُوَ النَّقْلَةُ ، وَالْخُرُوجُ مِنْ الْبَلَدِ بِخِلَافِ ذَلِكَ .\rوَإِذَا خَرَجَ الْحَالِفُ ، فَهَلْ لَهُ الْعَوْدُ فِيهِ ؟ عَنْ أَحْمَدَ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، لَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي الْعَوْدِ وَلَا يَحْنَثُ بِهِ ؛ لِأَنَّ يَمِينَهُ عَلَى الْخُرُوجِ وَقَدْ خَرَجَ ، فَانْحَلَّتْ يَمِينُهُ ، لِفِعْلِ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ ، فَلَمْ يَحْنَثْ فِيمَا بَعْدُ .\rوَالثَّانِيَةُ ، يَحْنَثُ بِالْعَوْدِ ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَ حَالِهِ قَصْدُ هِجْرَانِ مَا حَلَفَ عَلَى الرَّحِيلِ مِنْهُ ، وَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ بِالْعَوْدِ .\rوَيُمْكِنُ حَمْلُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ عَلَى أَنَّ لِلْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ سَبَبًا هَيَّجَ يَمِينَهُ ، أَوْ دَلَّتْ قَرِينَةُ حَالِهِ عَلَى إرَادَتِهِ هِجْرَانَهُ ، أَوْ نَوَى ذَلِكَ بِيَمِينِهِ ، فَاقْتَضَتْ يَمِينُهُ دَوَامَ اجْتِنَابِهَا .\rوَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ ، لَمْ يَحْنَثْ بِالْعَوْدِ ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ تُحْمَلُ عِنْدَ عَدَمِ ذَلِكَ عَلَى مُقْتَضَى اللَّفْظِ ، وَمُقْتَضَاهُ هَاهُنَا الْخُرُوجُ ، وَقَدْ فَعَلَهُ ، فَانْحَلَّتْ يَمِينُهُ .\rوَكَذَلِكَ الْحُكْمُ إذَا حَلَفَ عَلَى الرَّحِيلِ مِنْهَا ، إلَّا أَنَّهُ إذَا حَلَفَ عَلَى الرَّحِيلِ مِنْ بَلَدٍ ، لَمْ يَبَرَّ إلَّا بِالرَّحِيلِ بِأَهْلِهِ .","part":22,"page":263},{"id":10763,"text":"( 8081 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَلَوْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ دَارًا ، فَحُمِلَ فَأُدْخِلَهَا ، وَلَمْ يُمْكِنْهُ الِامْتِنَاعُ ، لَمْ يَحْنَثْ ) نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ هَذَا ، فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ .\rوَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ .\rوَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا وَذَلِكَ لِأَنَّ الْفِعْلَ غَيْرُ مَوْجُودٍ مِنْهُ ، وَلَا مَنْسُوبٍ إلَيْهِ .\rوَإِنْ حُمِلَ بِأَمْرِهِ ، فَأُدْخِلَهَا ، حَنِثَ ؛ لِأَنَّهُ دَخَلَ مُخْتَارًا ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ دَخَلَ رَاكِبًا .\rوَإِنْ حُمِلَ بِغَيْرِ أَمْرِهِ ، وَلَكِنَّهُ أَمْكَنَهُ الِامْتِنَاعُ فَلَمْ يَمْتَنِعْ ، حَنِثَ أَيْضًا ؛ لِأَنَّهُ دَخَلَهَا غَيْرَ مُكْرَهٍ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ حُمِلَ بِأَمْرِهِ .\rوَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : فِي الْحِنْثِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، لَا يَحْنَثُ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ الدُّخُولَ ، وَلَمْ يَأْمُرْ بِهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ يُمْكِنْهُ الِامْتِنَاعُ .\rوَمَتَى دَخَلَ بِاخْتِيَارِهِ ، حَنِثَ ، سَوَاءٌ كَانَ مَاشِيًا ، أَوْ رَاكِبًا ، أَوْ مَحْمُولًا ، أَوْ أَلْقَى نَفْسَهُ فِي مَاءٍ فَجَرَّهُ إلَيْهَا ، أَوْ سَبَحَ فِيهِ فَدَخَلَهَا ، وَسَوَاءٌ دَخَلَهَا مِنْ بَابِهَا ، أَوْ تَسَوَّرَ حَائِطَهَا ، أَوْ دَخَلَ مِنْ طَاقَةٍ فِيهَا ، أَوْ نَقَبَ حَائِطًا ، وَدَخَلَ مِنْ ظَهْرِهَا ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ .\r( 8082 ) فَصْلٌ : وَإِنْ أُكْرِهْ بِالضَّرْبِ وَنَحْوِهِ عَلَى دُخُولِهَا ، فَدَخَلَهَا ، لَمْ يَحْنَثْ ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ ، وَهُوَ أَحَدُ ، قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ .\rوَفِي الْآخَرِ يَحْنَثُ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ ، وَنَحْوُهُ قَوْلُ النَّخَعِيِّ .\rلِأَنَّهُ فَعَلَ مَا حَلَفَ عَلَى تَرْكِهِ وَدَخَلَهَا .\rوَلَنَا ، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { عُفِيَ لِأُمَّتِي عَنْ الْخَطَأِ ، وَالنِّسْيَانِ ، وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ } .\rوَلِأَنَّهُ دَخَلَهَا مُكْرَهًا ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ حُمِلَ مُكْرَهًا .","part":22,"page":264},{"id":10764,"text":"( 8083 ) فَصْلٌ : وَإِنْ رُقِّيَ فَوْقَ سَطْحِهَا ، حَنِثَ .\rوَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يَحْنَثُ .\rوَلِأَصْحَابِهِ فِيمَا إذَا كَانَ السَّطْحُ مُحَجَّرًا وَجْهَانِ ، وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ السَّطْحَ يَقِيهَا الْحَرَّ وَالْبَرْدَ ، وَيُحْرِزُهَا ، فَهُوَ كَحِيطَانِهَا .\rوَلَنَا ، أَنَّ سَطْحَ الدَّارِ مِنْهَا ، وَحُكْمُهُ حُكْمُهَا سَوَاءً ، فَحَنِثَ بِدُخُولِهِ ، كَالْمُحَجَّرِ ، أَوْ كَمَا لَوْ دَخَلَ بَيْنَ حِيطَانِهَا ، وَدَلِيلُ ذَلِكَ ، أَنَّهُ يَصِحُّ الِاعْتِكَافُ فِي سَطْحِ الْمَسْجِدِ ، وَيُمْنَعُ الْجُنُبُ مِنْ اللُّبْثِ فِيهِ ، وَلَوْ حَلَفَ لَيَخْرُجَنَّ مِنْ الدَّارِ ، فَصَعِدَ سَطْحَهَا ، لَمْ يَبَرَّ ، وَلَوْ حَلَفَ أَنْ لَا يَخْرُجَ مِنْهَا ، فَصَعِدَ سَطْحَهَا ، لَمْ يَحْنَثْ ، وَلِأَنَّهُ دَاخِلٌ فِي حُدُودِ الدَّارِ ، وَمَمْلُوكٌ لِصَاحِبِهَا ، وَيُمْلَكُ بِشِرَائِهَا ، وَيَخْرُجُ مِنْ مِلْكِ صَاحِبِهَا بِبَيْعِهَا ، وَالْبَائِتُ عَلَيْهِ ، يُقَالُ : بَاتَ فِي دَارِهِ .\rوَبِهَذَا يُفَارِقُ مَا وَرَاءَ حَائِطِهَا .\rوَإِنْ كَانَ فِي الْيَمِينِ قَرِينَةٌ لَفْظِيَّةٌ أَوْ حَالِيَّةٌ تَقْتَضِي اخْتِصَاصَ الْإِرَادَةِ بِدَاخِلِ الدَّارِ ، مِثْلَ أَنْ يَكُونَ سَطْحُ الدَّارِ طَرِيقًا ، وَسَبَبُ يَمِينِهِ يَقْتَضِي تَرْكَ صِلَةِ أَهْلِ الدَّارِ ، لَمْ يَحْنَثْ بِالْمُرُورِ عَلَى سَطْحِهَا ، وَكَذَلِكَ إنْ نَوَى بِيَمِينِهِ بَاطِنَ الدَّارِ ، تَقَيَّدَتْ يَمِينُهُ بِمَا نَوَاهُ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لِلْمَرْءِ إلَّا مَا نَوَاهُ .\r( 8084 ) فَصْلٌ : فَإِنْ تَعَلَّقَ بِغُصْنِ شَجَرَةٍ فِي الدَّارِ ، لَمْ يَحْنَثْ .\rوَإِنْ صَعِدَ حَتَّى صَارَ فِي مُقَابَلَةِ سَطْحِهَا بَيْنَ حِيطَانِهَا ، حَنِثَ .\rوَإِنْ لَمْ يَنْزِلْ بَيْنَ حِيطَانِهَا ، احْتَمَلَ أَنْ يَحْنَثَ ؛ لِأَنَّهُ فِي هَوَائِهَا ، وَهَوَاؤُهَا مِلْكٌ لِصَاحِبِهَا ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَامَ عَلَى سَطْحِهَا ، وَاحْتَمَلَ أَنْ لَا يَحْنَثَ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى دَاخِلًا ، وَلَا هُوَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ أَجْزَائِهَا ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَتْ الشَّجَرَةُ فِي غَيْرِ الدَّارِ ، فَتَعَلَّقَ بِفَرْعٍ مَادٍّ عَلَى الدَّارِ فِي مُقَابَلَةِ","part":22,"page":265},{"id":10765,"text":"سَطْحِهَا .\rوَإِنْ قَامَ عَلَى حَائِطِ الدَّارِ ، احْتَمَلَ وَجْهَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا إنَّهُ يَحْنَثُ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ ؛ لِأَنَّهُ دَاخِلٌ فِي حَدِّهَا ، فَأَشْبَهَ الْقَائِمَ عَلَى سَطْحِهَا .\rوَالثَّانِي ، لَا يَحْنَثُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى دُخُولًا .\rوَإِنْ قَامَ فِي طَبَقِ الْبَابِ فَكَذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ حَائِطِهَا .\rوَقَالَ الْقَاضِي : إذَا قَامَ عَلَى الْعَتَبَةِ ، لَمْ يَحْنَثْ ؛ لِأَنَّ الْبَابَ إذَا أُغْلِقَ حَصَلَ خَارِجًا مِنْهَا ، وَلَا يُسَمَّى دَاخِلًا فِيهَا .","part":22,"page":266},{"id":10766,"text":"( 8085 ) فَصْلٌ : وَإِنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَضَعَ قَدَمَهُ فِي الدَّارِ ، فَدَخَلَهَا رَاكِبًا أَوْ مَاشِيًا ، مَنْقُولًا أَوْ حَافِيًا ، حَنِثَ ، كَمَا لَوْ حَلَفَ أَنْ لَا يَدْخُلَهَا .\rوَبِهَذَا قَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ : إنْ دَخَلَهَا رَاكِبًا ، لَمْ يَحْنَثْ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَضَعْ قَدَمَهُ فِيهَا .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ قَدْ دَخَلَ الدَّارَ ، فَحَنِثَ ، كَمَا لَوْ دَخَلَهَا مَاشِيًا ، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ لَمْ يَضَعْ قَدَمَهُ فِيهَا ، فَإِنَّ قَدَمَهُ مَوْضُوعَةٌ عَلَى الدَّابَّةِ فِيهَا .\rفَأَشْبَهَ مَا لَوْ دَخَلَهَا مُنْتَعِلًا .\rوَعَلَى أَنَّ هَذَا فِي الْعُرْفِ عِبَارَةٌ عَنْ اجْتِنَابِ الدُّخُولِ ، فَتُحْمَلُ الْيَمِينُ عَلَيْهِ .\rفَإِنْ قِيلَ : هَذَا مَجَازٌ لَا يُحْمَلُ الْيَمِينُ عَلَيْهِ .\rقُلْنَا : الْمَجَازُ إذَا اشْتَهَرَ ، صَارَ مِنْ الْأَسْمَاءِ الْعُرْفِيَّةِ ، فَيَنْصَرِفُ اللَّفْظُ بِإِطْلَاقِهِ إلَيْهِ ، كَلَفْظِ الرِّوَايَةِ وَالدَّابَّةِ ، وَغَيْرِهِمَا .","part":22,"page":267},{"id":10767,"text":"( 8086 ) فَصْلٌ : وَإِنْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ هَذِهِ الدَّارَ مِنْ بَابِهَا ، فَدَخَلَهَا مِنْ غَيْرِ الْبَابِ ، لَمْ يَحْنَثْ ؛ لِأَنَّ يَمِينَهُ لَمْ تَتَنَاوَلْ غَيْرَ الْبَابِ .\rوَيَتَخَرَّجُ أَنَّهُ يَحْنَثَ إذَا أَرَادَ بِيَمِينِهِ اجْتِنَابَ الدَّارِ ، وَلَمْ يَكُنْ لِلْبَابِ سَبَبٌ هَيَّجَ يَمِينَهُ ، كَمَا لَوْ حَلَفَ لَا يَأْوِي مَعَ زَوْجَتِهِ فِي دَارٍ ، فَآوَى مَعَهَا فِي غَيْرِهَا .\rوَإِنْ حُوِّلَ بَابُهَا فِي مَكَان آخَرَ ، فَدَخَلَ فِيهِ ، حَنِثَ ؛ لِأَنَّهُ دَخَلَهَا مِنْ بَابِهَا .\rوَهَذَا أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ .\rوَإِنْ حَلَفَ : لَا دَخَلْت مِنْ بَابِ هَذِهِ الدَّارِ .\rفَكَذَلِكَ .\rوَإِنْ جُعِلَ لَهَا بَابٌ آخَرُ ، مَعَ بَقَاءِ الْأَوَّلِ ، فَدَخَلَ مِنْهُ ، حَنِثَ ؛ لِأَنَّهُ دَخَلَ مِنْ بَابِ الدَّارِ .\rوَإِنْ قُلِعَ الْبَابُ ، وَنُصِبَ فِي دَارٍ أُخْرَى ، وَبَقِيَ الْمَمَرُّ ، حَنِثَ بِدُخُولِهِ ، وَلَا يَحْنَثُ بِالدُّخُولِ مِنْ الْمَوْضِعِ الَّذِي نُصِبَ فِيهِ الْبَابُ ؛ لِأَنَّ الدُّخُولَ فِي الْمَمَرِّ لَا مِنْ الْمِصْرَاعِ .","part":22,"page":268},{"id":10768,"text":"( 8087 ) فَصْلٌ : فَإِنْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ دَارَ فُلَانٍ ، فَدَخَلَ دَارًا مَمْلُوكَةً لَهُ ، أَوْ دَارًا يَسْكُنُهَا بِأُجْرَةٍ أَوْ عَارِيَّةٍ أَوْ غَصْبٍ ، حَنِثَ .\rوَبِذَلِكَ قَالَ أَبُو ثَوْرٍ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يَحْنَثُ إلَّا بِدُخُولِ دَارٍ يَمْلِكُهَا ؛ لِأَنَّ الْإِضَافَةَ فِي الْحَقِيقَةِ إلَى الْمَالِكِ ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ قَالَ : هَذِهِ الدَّارُ لِفُلَانٍ .\rكَانَ مُقِرًّا لَهُ بِمِلْكِهَا .\rوَلَوْ قَالَ : أَرَدْت أَنَّهُ يَسْكُنُهَا .\rلَمْ يُقْبَلْ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الدَّارَ تُضَافُ إلَيَّ سَاكِنِهَا ، كَإِضَافَتِهَا إلَى مَالِكِهَا ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ } .\rأَرَادَ بُيُوتَ أَزْوَاجِهِنَّ الَّتِي يَسْكُنُهَا .\rوَقَالَ تَعَالَى : { وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ } .\rوَلِأَنَّ الْإِضَافَةَ لِلِاخْتِصَاصِ ، وَكَذَلِكَ يُضَافُ الرَّجُلُ إلَى أَخِيهِ بِالْأُخُوَّةِ ، وَإِلَى أَبِيهِ بِالْبُنُوَّةِ ، وَإِلَى وَلَدِهِ بِالْأُبُوَّةِ ، وَإِلَى امْرَأَتِهِ بِالزَّوْجِيَّةِ ، وَسَاكِنُ الدَّارِ مُخْتَصٌّ بِهَا ، فَكَانَتْ إضَافَتُهَا إلَيْهِ صَحِيحَةً ، وَهِيَ مُسْتَعْمَلَةٌ فِي الْعُرْفِ ، فَوَجَبَ أَنْ يَحْنَثَ بِدُخُولِهَا ، كَالْمَمْلُوكَةِ لَهُ .\rوَقَوْلُهُمْ : إنَّ هَذِهِ الْإِضَافَةُ .\rمَجَازٌ مَمْنُوعٌ ، بَلْ هِيَ حَقِيقَةٌ ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ ، وَلَوْ كَانَتْ مَجَازًا ، لَكِنَّهُ مَشْهُورٌ ، فَيَتَنَاوَلُهُ اللَّفْظُ ، كَمَا لَوْ حَلَفَ : لَا شَرِبْت مِنْ رِوَايَةِ فُلَانٍ .\rفَإِنَّهُ يَحْنَثُ بِالشُّرْبِ مِنْ مَزَادَتِهِ .\rوَأَمَّا الْإِقْرَارُ ، فَإِنَّهُ لَوْ قَالَ : هَذِهِ دَارُ زَيْدٍ وَفَسَّرَ إقْرَارَهُ بِسُكْنَاهَا ، احْتَمَلَ أَنْ نَقُولَ : يُقْبَلُ تَفْسِيرُهُ .\rوَإِنْ سَلَّمْنَا ، فَإِنَّ قَرِينَةَ الْإِقْرَارِ تَصْرِفُهُ إلَى الْمِلْكِ ، وَكَذَلِكَ لَوْ حَلَفَ : لَا دَخَلْت مَسْكَنَ زَيْدٍ .\rحَنِثَ بِدُخُولِهِ الدَّارَ الَّتِي يَسْكُنُهَا .\rوَلَوْ قَالَ : هَذَا الْمَسْكَنُ لِزَيْدٍ .\rكَانَ مُقِرًّا لَهُ بِهَا ، وَلَا خِلَافَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ، وَهِيَ نَظِيرَةُ مَسْأَلَتِنَا .","part":22,"page":269},{"id":10769,"text":"( 8088 ) فَصْلٌ : وَلَوْ حَلَفَ لَا يَرْكَبُ دَابَّةَ فُلَانٍ ، فَرَكِبَ دَابَّةً اسْتَأْجَرَهَا فُلَانٌ ، حَنِثَ وَإِنْ رَكِبَ دَابَّةً اسْتَعَارَهَا ، لَمْ يَحْنَثْ .\rذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ .\rوَكَذَلِكَ لَوْ رَكِبَ دَابَّةً غَصَبَهَا فُلَانٌ .\rوَفَارَقَ مَسْأَلَةَ الدَّارِ ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَحْنَثْ فِي الدَّارِ لِكَوْنِهِ اسْتَعَارَهَا ، وَلَا غَصَبَهَا ، وَإِنَّمَا حَنِثَ لِسُكْنَاهُ بِهَا ، فَأُضِيفَتْ الدَّارُ إلَيْهِ لِذَلِكَ ، وَلَوْ غَصَبَهَا أَوْ اسْتَعَارَهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَسْكُنَهَا ، لَمْ تَصِحَّ إضَافَتُهَا إلَيْهِ ، وَلَا يَحْنَثُ الْحَالِفُ ، فَيَكُونُ كَمُسْتَعِيرِ الدَّابَّةِ وَغَاصِبِهَا سَوَاءً .","part":22,"page":270},{"id":10770,"text":"( 8089 ) فَصْلٌ : وَإِنْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ دَارَ هَذَا الْعَبْدِ ، وَلَا يَرْكَبُ دَابَّتَهُ ، وَلَا يَلْبَسُ ثَوْبَهُ ، فَدَخَلَ دَارًا جُعِلَتْ بِرَسْمِهِ ، أَوْ رَكِبَ دَابَّةً جُعِلَتْ بِرَسْمِهِ ، أَوْ لَبِسَ ثَوْبًا جُعِلَ بِرَسْمِهِ ، حَنِثَ .\rوَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ لَا يَحْنَثُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ شَيْئًا ، وَالْإِضَافَةُ تَقْتَضِي الْمِلْكَ ، وَقَدْ قَدَّمْنَا الْكَلَامَ مَعَهُ فِي الْفَصْلِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا .\rوَيُخَصُّ هَذَا الْفَصْلُ بِأَنَّ الْمِلْكِيَّةَ لَا تُمْكِنُ هَاهُنَا ، وَلَا تَصِحُّ الْإِضَافَةُ بِمَعْنَاهَا ، فَتَعَيَّنَ حَمْلُ الْإِضَافَةِ هَاهُنَا عَلَى إضَافَةِ الِاخْتِصَاصِ دُونَ الْمِلْكِ .\rوَإِنْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ دَارَ زَيْدٍ ، فَدَخَلَ دَارَ عَبْدِهِ ، حَنِثَ .\rوَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ .\rوَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا ؛ لِأَنَّ دَارَ الْعَبْدِ مِلْكٌ لِسَيِّدِهِ .\rوَإِنْ حَلَفَ لَا يَلْبَسُ ثَوْبَ السَّيِّدِ ، وَلَا يَرْكَبُ دَابَّتَهُ ، فَلَبِسَ ثَوْبَ عَبْدِهِ ، وَرَكِبَ دَابَّتَهُ ، حَنِثَ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَحْنَثُ ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ بِهِمَا أَخَصُّ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُمَا مَمْلُوكَانِ لِلسَّيِّدِ ، فَتَنَاوَلَهُمَا يَمِينُ الْحَالِفِ ، كَالدَّارِ ، وَمَا ذَكَرُوهُ يَبْطُلُ بِالدَّارِ .","part":22,"page":271},{"id":10771,"text":"( 8090 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَلَوْ حَلَفَ لَا يَدْخُلَ دَارًا ، فَأَدْخَلَ يَدَهُ أَوْ رِجْلَهُ أَوْ رَأْسَهُ أَوْ شَيْئًا مِنْهُ ، حَنِثَ .\rوَلَوْ حَلَفَ أَنْ يَدْخُلَ ، لَمْ يَبَرَّ حَتَّى يَدْخُلَ بِجَمِيعِهِ ، أَمَّا إذَا حَلَفَ لَيَدْخُلَنَّ أَوْ يَفْعَلَ شَيْئًا ، لَمْ يَبَرَّ إلَّا بِفِعْلِ جَمِيعِهِ ، وَالدُّخُولِ إلَيْهَا بِجُمْلَتِهِ ) لَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ ، وَلَا نَعْلَمُ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِيهِ اخْتِلَافًا ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ تَنَاوَلَتْ فِعْلَ الْجَمِيعِ ، كَمَا لَوْ أَمَرَهُ اللَّهُ - تَعَالَى بِفِعْلِ شَيْءٍ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ عُهْدَةِ الْأَمْرِ إلَّا بِفِعْلِ الْجَمِيعِ ، وَلِأَنَّ الْيَمِينَ عَلَى فِعْلِ شَيْءٍ إخْبَارٌ بِفِعْلِهِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ مُؤَكَّدٌ بِالْقَسَمِ ، وَالْخَبَرُ بِفِعْلِ شَيْءٍ يَقْتَضِي فِعْلَهُ كُلَّهُ ، فَأَمَّا إنْ حَلَفَ لَا يَدْخُلَ ، فَأَدْخَلَ بَعْضَهُ ، وَلَا يَفْعَلَ شَيْئًا ، فَفَعَلَ بَعْضَهُ ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، لَا يَحْنَثُ .\rحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ يَقْتَضِي الْمَنْعَ مِنْ فِعْلِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ ، فَاقْتَضَتْ الْمَنْعَ مِنْ فِعْلِ شَيْءٍ مِنْهُ ، كَالنَّهْيِ ، فَنَظِيرُ الْحَالِفِ عَلَى الدُّخُولِ قَوْله تَعَالَى : { وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا } .\r{ اُدْخُلُوا عَلَيْهِمْ الْبَابَ } .\rفَلَا يَكُونُ الْمَأْمُورُ مُمْتَثِلًا إلَّا بِدُخُولِ جُمْلَتِهِ ، وَنَظِيرُ الْحَلِفِ عَلَى تَرْكِ الدُّخُولِ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ : { لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ } .\rوَقَوْلُهُ : { لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ } .\rلَا يَكُونُ الْمَنْهِيُّ مُمْتَثِلًا إلَّا بِتَرْكِ الدُّخُولِ كُلِّهِ ، فَكَذَلِكَ الْحَالِفُ عَلَى تَرْكِ الدُّخُولِ ، لَا يَبْرَأُ إلَّا بِتَرْكِهِ كُلِّهِ ، فَمَتَى أَدْخَلَ بَعْضَهُ لَمْ يَكُنْ تَارِكًا لِمَا حَلَفَ عَلَيْهِ ، فَكَانَ مُخَالِفًا ، كَالْمَنْهِيِّ عَنْ الدُّخُولِ .\rوَوَجْهُ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا ، أَنَّ الْآمِرَ وَالنَّاهِيَ يَقْصِدُ الْحَمْلَ عَلَى فِعْلِ الشَّيْءِ أَوْ الْمَنْعَ مِنْهُ ، وَالْحَالِفُ يَقْصِدُ بِيَمِينِهِ ذَلِكَ ، فَكَانَا سَوَاءً ، يُحَقِّقُهُ أَنَّ الْآمِرَ بِالْفِعْلِ أَوْ","part":22,"page":272},{"id":10772,"text":"الْحَالِفَ عَلَيْهِ ، يَقْصِدُ فِعْلَ الْجَمِيعِ ، فَلَا يَكُونُ مُمْتَثِلًا وَلَا بَارًّا إلَّا بِفِعْلِهِ كُلِّهِ ، وَالنَّاهِيَ وَالْحَالِفَ عَلَى التَّرْكِ ، يَقْصِدُ تَرْكَ الْجَمِيعِ ، فَلَا يَكُونُ مُمْتَثِلًا وَلَا بَارًّا إلَّا بِتَرْكِ الْجَمِيعِ ، وَفَاعِلُ الْبَعْضِ مَا فَعَلَ الْجَمِيعَ ، وَلَا تَرَكَ الْجَمِيعَ ، فَلَا يَكُونُ مُمْتَثِلًا لِلْأَمْرِ وَلَا النَّهْيِ ، وَلَا بَارًّا بِالْحَلِفِ عَلَى الْفِعْلِ وَلَا التَّرْكِ .\rوَالرِّوَايَةُ ، الثَّانِيَةُ لَا يَحْنَثُ إلَّا بِأَنْ يَدْخُلَ كُلُّهُ .\rقَالَ أَحْمَدُ ، فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ ، وَحَنْبَلٍ ، فِيمَنْ حَلَفَ عَلَى امْرَأَتِهِ لَا تَدْخُلُ بَيْتَ أَخِيهَا : لَمْ تَطْلُقْ حَتَّى تَدْخُلَ كُلُّهَا ، أَلَا تَرَى أَنَّ عَوْفَ بْنَ مَالِكٍ ، قَالَ : كُلِّي أَوْ بَعْضِي ؟ لِأَنَّ الْكُلَّ لَا يَكُونُ بَعْضًا ، وَالْبَعْضُ لَا يَكُونُ كُلًّا .\rوَهَذَا اخْتِيَارُ أَبِي الْخَطَّابِ ، وَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيِّ .\rوَهَكَذَا كُلُّ شَيْءٍ حَلَفَ أَنْ لَا يَفْعَلَهُ ، فَفَعَلَ بَعْضَهُ ، لَا يَحْنَثُ حَتَّى يَفْعَلَهُ كُلَّهُ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُخْرِجُ رَأْسَهُ إلَى عَائِشَةَ وَهُوَ مُعْتَكِفٌ ، فَتُرَجِّلُهُ وَهِيَ حَائِضٌ .\rوَالْمُعْتَكِفُ مَمْنُوعٌ مِنْ الْخُرُوجِ مِنْ الْمَسْجِدِ ، وَالْحَائِضُ مَمْنُوعَةٌ مِنْ اللُّبْثِ فِيهِ .\rوَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ لِأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ : \" إنِّي لَا أَخْرُجُ مِنْ الْمَسْجِدِ حَتَّى أُعَلِّمَكَ سُورَةً \" ، فَلَمَّا أَخْرَجَ رِجْلَهُ مِنْ الْمَسْجِدِ عَلَّمَهُ إيَّاهَا .\rوَلِأَنَّ يَمِينَهُ تَعَلَّقَتْ بِالْجَمِيعِ ، فَلَمْ تَنْحَلَّ بِالْبَعْضِ ، كَالْإِثْبَاتِ .\rوَهَذَا الْخِلَافُ فِي الْيَمِينِ الْمُطْلَقَةِ ، فَأَمَّا إنْ نَوَى الْجَمِيعَ أَوْ الْبَعْضَ فَيَمِينُهُ عَلَى مَا نَوَى .\rوَكَذَلِكَ إنْ اقْتَرَنَتْ بِهِ قَرِينَةٌ تَقْتَضِي أَحَدَ الْأَمْرَيْنِ ، تَعَلَّقَتْ يَمِينُهُ بِهِ ، فَلَوْ قَالَ : وَاَللَّهِ لَا شَرِبْت هَذَا النَّهْرَ ، أَوْ هَذِهِ الْبِرْكَةَ .\rتَعَلَّقَتْ يَمِينُهُ بِبَعْضِهِ ، وَجْهًا وَاحِدًا ؛ لِأَنَّ فِعْلَ الْجَمِيعِ مُمْتَنِعٌ","part":22,"page":273},{"id":10773,"text":"، فَلَا يَنْصَرِفُ يَمِينُهُ إلَيْهِ ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ : وَاَللَّهِ لَا آكُلُ الْخُبْزَ ، وَلَا أَشْرَبُ الْمَاءَ .\rوَمَا أَشْبَهَهُ مِمَّا عُلِّقَ عَلَى اسْمِ جِنْسٍ ، أَوْ عَلَّقَهُ عَلَى اسْمِ جَمْعٍ ، كَالْمُسْلِمِينَ ، وَالْمُشْرِكِينَ ، وَالْفُقَرَاءِ ، وَالْمَسَاكِينِ ، فَإِنَّمَا يَحْنَثُ بِالْبَعْضِ .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : وَسَلَّمَهُ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ فِي اسْمِ الْجِنْسِ دُونَ الْجَمْعِ .\rوَإِنْ عَلَّقَهُ عَلَى اسْمِ جِنْسٍ مُضَافٍ ، كَمَاءِ النَّهْرِ ، حَنِثَ أَيْضًا بِفِعْلِ الْبَعْضِ ، إذَا كَانَ مِمَّا لَا يُمْكِنُ شُرْبُهُ كُلُّهُ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَأَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ، وَالْآخَرُ ، لَا يَحْنَثُ ؛ لِأَنَّ لَفْظَهُ يَقْتَضِي جَمِيعَهُ ، فَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِبَعْضِهِ ، كَمَاءِ الْإِدَاوَةِ .\rوَلَنَا ؛ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ شُرْبُ جَمِيعِهِ ، فَتَعَلَّقَتْ الْيَمِينُ بِبَعْضِهِ ، كَمَا لَوْ حَلَفَ لَا يُكَلِّمُ النَّاسَ ، فَكَلَّمَ بَعْضَهُمْ ، وَبِهَذَا فَارَقَ مَاءَ الْإِدَاوَةِ ، وَإِنْ نَوَى بِيَمِينِهِ فِعْلَ الْجَمِيعِ ، أَوْ كَانَ فِي لَفْظِهِ مَا يَقْتَضِي ذَلِكَ ، لَمْ يَحْنَثْ إلَّا بِفِعْلِ الْجَمِيعِ ، وَإِنْ قَالَ : وَاَللَّهِ لَا صُمْت يَوْمًا .\rلَمْ يَحْنَثْ حَتَّى يُكْمِلَهُ .\rوَإِنْ حَلَفَ : لَا صَلَّيْت صَلَاةً ، وَلَا أَكَلْت أَكْلَةً .\rلَمْ يَحْنَثْ حَتَّى يُكْمِلَ الصَّلَاةَ وَالْأَكْلَةَ .\rوَإِنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ : إنْ حِضْت حَيْضَةً ، فَأَنْتِ طَالِقٌ .\rلَمْ تَطْلُقْ حَتَّى تَطْهُرَ مِنْ حَيْضَةٍ مُسْتَقْبَلَةٍ .\rوَإِنْ قَالَ لِامْرَأَتَيْهِ : إنْ حِضْتُمَا ، فَأَنْتُمَا طَالِقَتَانِ .\rلَمْ تَطْلُقْ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا حَتَّى تَحِيضَا كِلْتَاهُمَا فَهَذَا وَأَشْبَاهُهُ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى إرَادَتِهِ فِعْلَ الْجَمِيعِ ، فَوَجَبَ تَعَلُّقُ الْيَمِينِ بِهِ .\rوَقَالَ أَحْمَدُ فِي رَجُلٍ قَالَ لِامْرَأَتِهِ : إذَا صُمْت يَوْمًا ، فَأَنْتِ طَالِقٌ : إذَا غَابَتْ الشَّمْسُ مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ طَلُقَتْ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : إذَا حَلَفَ : لَا صَلَّيْت صَلَاةً .\rلَمْ يَحْنَثْ حَتَّى يَفْرُغَ مِمَّا يُسَمَّى صَلَاةً .\rوَلَوْ حَلَفَ لَا يُصَلِّي ، وَلَا يَصُومُ ،","part":22,"page":274},{"id":10774,"text":"حَنِثَ فِي الصَّلَاةِ بِتَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ ، وَفِي الصِّيَامِ بِطُلُوعِ الْفَجْرِ إذَا نَوَى الصِّيَامَ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَوَافَقَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي الصِّيَامِ ، وَقَالَ فِي الصَّلَاةِ : لَا يَحْنَثُ حَتَّى يَسْجُدَ سَجْدَةً .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ يُسَمَّى مُصَلِّيًا بِدُخُولِهِ فِي الصَّلَاةِ ، فَحَنِثَ بِهِ ، كَمَا لَوْ سَجَدَ سَجْدَةً ، وَلِأَنَّهُ شَرَعَ فِيمَا حَلَفَ عَلَيْهِ ، أَشْبَهَ الصِّيَامَ يَشْرَعُ فِيهِ .\rوَاخْتَارَ أَبُو الْخَطَّابِ أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَةً بِسَجْدَتَيْهَا ، وَلَا يَحْنَثُ فِي الصِّيَامِ حَتَّى يَصُومَ يَوْمًا كَامِلًا ؛ لِأَنَّ مَا دُونَ ذَلِكَ لَا يَكُونُ بِمُفْرَدِهِ صَوْمًا وَلَا صَلَاةً .\rوَالْأَوَّلُ أَوْلَى ؛ فَإِنَّ كُلَّ جُزْءٍ مِنْ ذَلِكَ صَلَاةٌ وَصِيَامٌ ، لَكِنْ يُشْتَرَطُ لِصِحَّتِهِ إتْمَامُهُ ، وَكَذَلِكَ يُقَالُ لِمَنْ أَفْسَدَ ذَلِكَ : بَطَلَ صَوْمُهُ وَصَلَاتُهُ .","part":22,"page":275},{"id":10775,"text":"( 8091 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَمَنْ حَلَفَ أَلَّا يَلْبَسَ ثَوْبًا وَهُوَ لَابِسُهُ ، نَزَعَهُ مِنْ وَقْتِهِ ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ ، حَنِثَ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ مَنْ حَلَفَ لَا يَلْبَسُ ثَوْبًا هُوَ لَابِسُهُ ، فَإِنْ نَزَعَهُ فِي الْحَالِ وَإِلَّا حَنِثَ ، وَكَذَلِكَ إنْ حَلَفَ لَا يَرْكَبُ دَابَّةً هُوَ رَاكِبُهَا ، فَإِنْ نَزَلَ فِي أَوَّلِ حَالَةِ الْإِمْكَانِ ، وَإِلَّا حَنِثَ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ : لَا يَحْنَثُ بِاسْتِدَامَةِ اللُّبْسِ وَالرُّكُوبِ حَتَّى يَبْتَدِئَهُ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ حَلَفَ لَا يَتَزَوَّجُ وَلَا يَتَطَهَّرُ ، فَاسْتَدَامَ ذَلِكَ ، لَمْ يَحْنَثْ .\rكَذَا هَاهُنَا .\rوَلَنَا ، أَنَّ اسْتِدَامَةَ اللُّبْسِ وَالرُّكُوبِ تُسَمَّى لُبْسًا وَرُكُوبًا ، وَيُسَمَّى بِهِ لَابِسًا وَرَاكِبًا ، وَلِذَلِكَ يُقَالُ : لَبِسْت هَذَا الثَّوْبَ شَهْرًا ، وَرَكِبْت دَابَّتِي يَوْمًا .\rفَحَنِثَ ، بِاسْتِدَامَتِهِ ، كَمَا لَوْ حَلَفَ لَا يَسْكُنُ ، فَاسْتَدَامَ السُّكْنَى ، وَقَدْ اعْتَبَرَ الشَّرْعُ هَذَا فِي الْإِحْرَامِ ، حَيْثُ حَرَّمَ لُبْسَ الْمَخِيطِ ، فَأَوْجَبَ الْكَفَّارَةَ فِي اسْتِدَامَتِهِ ، كَمَا أَوْجَبَهَا فِي ابْتِدَائِهِ ، وَفَارَقَ التَّزْوِيجَ ، فَإِنَّهُ لَا يُطْلَقُ عَلَى الِاسْتِدَامَةِ ، فَلَا يُقَالُ : تَزَوَّجْت شَهْرًا .\rوَإِنَّمَا يُقَالُ : مُنْذُ شَهْرٍ .\rوَلِهَذَا لَمْ تَحْرُمْ اسْتِدَامَتُهُ فِي الْإِحْرَامِ كَابْتِدَائِهِ .","part":22,"page":276},{"id":10776,"text":"( 8092 ) فَصْلٌ : وَإِنْ حَلَفَ لَا يَتَزَوَّجُ ، وَلَا يَتَطَيَّبُ ، وَلَا يَتَطَهَّرُ ، فَاسْتَدَامَ ذَلِكَ ، لَمْ يَحْنَثْ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا ؛ لِأَنَّهُ لَا يُطْلَقُ عَلَى مُسْتَدِيمِ هَذِهِ الْأَفْعَالِ اسْمُ الْفِعْلِ ، فَلَا يُقَالُ : تَزَوَّجْت شَهْرًا .\rوَلَا : تَطَهَّرْت شَهْرًا .\rوَلَا : تَطَيَّبْت شَهْرًا .\rوَإِنَّمَا يُقَالُ : مُنْذُ شَهْرٍ .\rوَلَمْ يُنَزِّلْ الشَّارِعُ اسْتِدَامَةَ التَّزْوِيجِ وَالطِّيبِ مَنْزِلَةَ ابْتِدَائِهَا فِي تَحْرِيمِهِ فِي الْإِحْرَامِ ، وَإِيجَابِ الْكَفَّارَةِ فِيهِ .","part":22,"page":277},{"id":10777,"text":"( 8093 ) فَصْلٌ : وَإِنْ حَلَفَ لَا يَدْخُلَ دَارًا هُوَ فِيهَا ، فَأَقَامَ فِيهَا ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، يَحْنَثُ ؛ لِأَنَّ اسْتِدَامَةَ الْمُقَامِ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ كَابْتِدَائِهِ فِي التَّحْرِيمِ ، قَالَ أَحْمَدُ فِي رَجُلٍ حَلَفَ عَلَى امْرَأَتِهِ : لَا دَخَلْت أَنَا وَأَنْتِ هَذِهِ الدَّارَ .\rوَهُمَا جَمِيعًا فِيهَا ، قَالَ : أَخَافُ أَنْ يَكُونَ قَدْ حَنِثَ .\rوَالثَّانِي ، لَا يَحْنَثُ .\rذَكَرَهُ الْقَاضِي ، وَاخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ ؛ لِأَنَّ الدُّخُولَ لَا يُسْتَعْمَلُ فِي الِاسْتِدَامَةِ ، وَلِهَذَا يُقَالُ : دَخَلْتهَا مُنْذُ شَهْرٍ .\rوَلَا يُقَالُ : دَخَلْتهَا شَهْرًا .\rفَجَرَى مَجْرَى التَّزْوِيجِ ، وَلِأَنَّ الدُّخُولَ الِانْفِصَالُ مِنْ خَارِجٍ إلَى دَاخِلٍ ، وَلَا يُوجَدُ فِي الْإِقَامَةِ .\rوَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ ، كَالْوَجْهَيْنِ .\rوَيُحْتَمَلُ أَنَّ مَنْ أَحْنَثَهُ إنَّمَا كَانَ لِأَنَّ ظَاهِرَ حَالِ الْحَالِفِ أَنَّهُ يَقْصِدُ هِجْرَانَ الدَّارِ وَمُبَايَنَتَهَا ، وَالْإِقَامَةُ فِيهَا تُخَالِفُ ذَلِكَ ، فَجَرَى مَجْرَى الْحَالِفِ عَلَى تَرْكِ السُّكْنَى بِهَا .","part":22,"page":278},{"id":10778,"text":"( 8094 ) فَصْلٌ : فَإِنْ حَلَفَ لَا يُضَاجِعُ امْرَأَتَهُ عَلَى فِرَاشٍ ، وَهُمَا مُتَضَاجِعَانِ ، فَاسْتَدَامَ ذَلِكَ ، حَنِثَ ؛ لِأَنَّ الْمُضَاجَعَةَ تَقَعُ عَلَى الِاسْتِدَامَةِ ، وَلِهَذَا يُقَالُ : اضْطَجَعَ عَلَى الْفِرَاشِ لَيْلَةً .\rوَإِنْ كَانَ هُوَ مُضْطَجِعًا عَلَى الْفِرَاشِ وَحْدَهُ ، فَاضْطَجَعَتْ عِنْدَهُ عَلَيْهِ نَظَرْت ؛ فَإِنْ قَامَ لِوَقْتِهِ ، لَمْ يَحْنَثْ ، وَإِنْ اسْتَدَامَ ، حَنِثَ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا .\rوَإِنْ حَلَفَ لَا يَصُومُ ، وَهُوَ صَائِمٌ ، فَأَتَمَّ يَوْمَهُ ، فَقَالَ الْقَاضِي : لَا يَحْنَثُ .\rوَيُحْتَمَلُ أَنْ يَحْنَثَ ؛ لِأَنَّ الصَّوْمَ يَقَعُ عَلَى الِاسْتِدَامَةِ ، يُقَالُ : صَامَ يَوْمًا .\rلَوْ شَرَعَ فِي صَوْمِ يَوْمِ الْعِيدِ ، فَظَنَّ أَنَّهُ مِنْ رَمَضَانَ ، فَبَانَ أَنَّهُ يَوْمُ الْعِيدِ ، حَرُمَتْ عَلَيْهِ اسْتِدَامَتُهُ .\rوَإِنْ حَلَفَ لَا يُسَافِرُ ، وَهُوَ مُسَافِرٌ ، فَأَخَذَ فِي الْعَوْدِ أَوْ أَقَامَ ، لَمْ يَحْنَثْ ، وَإِنْ مَضَى فِي سَفَرِهِ ، حَنِثَ ؛ لِأَنَّ الِاسْتِدَامَةَ سَفَرٌ ، وَلِهَذَا يُقَالُ : سَافَرْت شَهْرًا .","part":22,"page":279},{"id":10779,"text":"( 8095 ) فَصْلٌ : وَإِنْ حَلَفَ لَا يَلْبَسُ هَذَا الثَّوْبَ ، وَكَانَ رِدَاءً فِي حَالِ حَلِفِهِ ، فَارْتَدَى بِهِ ، أَوْ ائْتَزَرَ ، أَوْ اعْتَمَّ بِهِ ، أَوْ جَعَلَهُ قَمِيصًا ، أَوْ سَرَاوِيلَ ، أَوْ قَبَاءً ، وَلَبِسَهُ ، حَنِثَ ، وَكَذَلِكَ إنَّ كَانَ قَمِيصًا فَارْتَدَى بِهِ ، أَوْ سَرَاوِيلَ فَأْتَزَرَ بِهِ ، حَنِثَ .\rوَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ لَبِسَهُ .\rوَإِنْ قَالَ فِي يَمِينِهِ : لَا أَلْبَسُهُ ، وَهُوَ رِدَاءٌ .\rفَغَيَّرَهُ عَنْ كَوْنِهِ رِدَاءً ، وَلَبِسَهُ ، لَمْ يَحْنَثْ ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ وَقَعَتْ عَلَى تَرْكِ لُبْسِهِ رِدَاءً .\rوَإِنْ قَالَ : وَاَللَّهِ لَا لَبِسْت شَيْئًا .\rفَلَبِسَ قَمِيصًا ، أَوْ عِمَامَةً ، أَوْ قَلَنْسُوَةً ، أَوْ دِرْعًا ، أَوْ جَوْشَنًا أَوْ خُفًّا ، أَوْ نَعْلًا ، حَنِثَ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ : فِي الْخُفِّ وَالنَّعْلِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، لَا يَحْنَثُ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ مَلْبُوسٌ حَقِيقَةً وَعُرْفًا ، فَحَنِثَ بِهِ ، كَالثِّيَابِ ، وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ النَّجَاشِيَّ أَهْدَى إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خُفَّيْنِ ، فَلَبِسَهُمَا .\rوَقِيلَ لِابْنِ عُمَرَ : إنَّك تَلْبَسُ هَذَا النِّعَالَ ؟ قَالَ : إنِّي رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَلْبَسُهُمَا .\rفَإِنْ تَرَكَ الْقَلَنْسُوَةَ فِي رِجْلِهِ ، أَوْ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي الْخُفِّ أَوْ النَّعْلِ ، لَمْ يَحْنَثْ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِلُبْسٍ لَهُمَا .","part":22,"page":280},{"id":10780,"text":"( 8096 ) فَصْلٌ : وَإِنْ حَلَفَ لَيُلْبِسَنَّ امْرَأَتَهُ حُلِيًّا ، فَأَلْبَسَهَا خَاتَمًا مِنْ فِضَّةٍ ، أَوْ مِخْنَقَةً مِنْ لُؤْلُؤٍ ، أَوْ جَوْهَرٍ وَحْدَهُ ، بَرَّ فِي يَمِينِهِ .\rوَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَبَرُّ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِحُلِيٍّ وَحْدَهُ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا } وَقَالَ تَعَالَى : { يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا } .\rوَجَاءَ فِي الْحَدِيثِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، أَنَّهُ قَالَ : قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى لِلْبَحْرِ الشَّرْقِيِّ : إنِّي جَاعِلٌ فِيكَ الْحِلْيَةَ وَالصَّيْدَ وَالطَّيِّبَ وَلِأَنَّ الْفِضَّةَ حُلِيٌّ إذَا كَانَتْ سِوَارًا أَوْ خَلْخَالًا ، فَكَانَتْ حُلِيًّا إذَا كَانَتْ خَاتَمًا ، كَالذَّهَبِ ، وَالْجَوْهَرُ وَاللُّؤْلُؤُ حُلِيٌّ مَعَ غَيْرِهِ ، فَكَانَ حُلِيًّا وَحْدَهُ ، كَالذَّهَبِ .\rفَإِنْ أَلْبَسَهَا عَقِيقًا ، أَوْ سَبَجًا ، لَمْ يَبَرَّ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : إنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ السَّوَادِ بَرَّ ، وَفِي غَيْرِهِمْ وَجْهَانِ ؛ لِأَنَّ هَذَا حُلِيٌّ فِي عُرْفِهِمْ .\rوَلَنَا ، أَنَّ هَذَا لَيْسَ بِحُلِيٍّ ، فَلَا يَبَرُّ بِهِ ، كَالْوَدَعِ ، وَخَرَزِ الزُّجَاجِ .\rوَمَا ذَكَرُوهُ يَبْطُلُ بِالْوَدَعِ .\rوَإِنْ حَلَفَ لَا يَلْبَسُ حُلِيًّا ، فَلَبِسَ دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ فِي مُرْسَلَةٍ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا لَا ، يَحْنَثُ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِحُلِيٍّ إذَا لَمْ يَلْبَسْهُ ، فَكَذَلِكَ إذَا لَبِسَهُ .\rوَالثَّانِي : يَحْنَثُ ؛ لِأَنَّهُ ذَهَبٌ وَفِضَّةٌ لَبِسَهُ ، فَكَانَ حُلِيًّا ، كَالسِّوَارِ وَالْخَاتَمِ .\rوَإِنْ لَبِسَ سَيْفًا مُحَلًّى ، لَمْ يَحْنَثْ ؛ لِأَنَّ السَّيْفَ لَيْسَ بِحُلِيٍّ .\rوَإِنْ لَبِسَ مِنْطَقَةً مُحَلَّاةً ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، لَا يَحْنَثُ ؛ لِأَنَّ الْحِلْيَةَ لَهَا دُونَهُ ، فَأَشْبَهَ السَّيْفَ الْمُحَلَّى .\rوَالثَّانِي ، يَحْنَثُ ؛ لِأَنَّهَا مِنْ حُلِيِّ الرِّجَالِ ، وَلَا يُقْصَدُ بِلُبْسِهَا مُحَلَّاةً فِي الْغَالِبِ إلَّا التَّجَمُّلُ بِهَا .\rوَإِنْ حَلَفَ لَا يَلْبَسُ خَاتَمًا ، فَلَبِسَهُ فِي غَيْرِ الْخِنْصَرِ مِنْ أَصَابِعِهِ","part":22,"page":281},{"id":10781,"text":"، حَنِثَ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يَحْنَثُ ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ تَقْتَضِي لُبْسًا مُعَيَّنًا ، مُعْتَادًا ، وَلَيْسَ هَذَا مُعْتَادًا ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَدْخَلَ الْقَلَنْسُوَةَ فِي رِجْلِهِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ لَابِسٌ لِمَا حَلَفَ عَلَى تَرْكِ لُبْسِهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ ائْتَزَرَ بِالسَّرَاوِيلِ ، وَأَمَّا إدْخَالُ الْقَلَنْسُوَةِ فِي رِجْلِهِ ، فَهُوَ عَبَثٌ وَسَفَهٌ ، بِخِلَافِ هَذَا ، فَإِنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْخِنْصَرِ وَغَيْرِهَا ، إلَّا مِنْ حَيْثُ الِاصْطِلَاحُ عَلَى تَخْصِيصِهِ بِالْخِنْصَرِ .","part":22,"page":282},{"id":10782,"text":"( 8097 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَلَوْ حَلَفَ أَنْ لَا يَأْكُلَ طَعَامًا اشْتَرَاهُ زَيْدٌ ، فَأَكَلَ طَعَامًا ، اشْتَرَاهُ زَيْدٌ وَبَكْرٌ ، حَنِثَ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ أَرَادَ أَنْ لَا يَتَفَرَّدَ أَحَدُهُمَا بِالشِّرَاءِ ) وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٌ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يَحْنَثُ .\rوَذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ احْتِمَالًا ؛ لِأَنَّ كُلَّ جُزْءٍ لَمْ يَنْفَرِدْ أَحَدُهُمَا بِشِرَائِهِ ، فَلَمْ يَحْنَثْ بِهِ ، كَمَا لَوْ حَلَفَ لَا يَلْبَسُ ثَوْبًا اشْتَرَاهُ زَيْدٌ ، فَلَبِسَ ثَوْبًا اشْتَرَاهُ زَيْدٌ هُوَ وَغَيْرُهُ .\rوَلَنَا ، أَنَّ زَيْدًا مُشْتَرٍ لِنِصْفِهِ ، وَهُوَ طَعَامٌ ، وَقَدْ أَكَلَهُ ، فَيَجِبُ أَنْ يَحْنَثَ ، كَمَا لَوْ اشْتَرَاهُ زَيْدٌ ، ثُمَّ خَلَطَهُ بِمَا اشْتَرَاهُ عَمْرٌو ، فَأَكَلَ الْجَمِيعَ ، وَأَمَّا الثَّوْبُ ، فَلَا نُسَلِّمُ ، وَإِنْ سَلَّمْنَاهُ ، فَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ نِصْفَ الثَّوْبِ لَيْسَ بِثَوْبٍ ، وَنِصْفُ الطَّعَامِ طَعَامٌ ، وَقَدْ أَكَلَهُ بَعْدَ أَنْ اشْتَرَاهُ زَيْدٌ .\rوَإِنْ اشْتَرَى زَيْدٌ نِصْفَهُ مُشَاعًا ، أَوْ اشْتَرَى نِصْفَهُ ، ثُمَّ اشْتَرَى الْآخَرُ بَاقِيَهُ ، فَأَكَلَ مِنْهُ ، حَنِثَ .\rوَالْخِلَافُ فِيهِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ .\rوَلَوْ اشْتَرَى زَيْدٌ نِصْفَهُ مُعَيَّنًا ، ثُمَّ خَلَطَهُ بِالنِّصْفِ الْآخَرِ ، فَأَكَلَ الْجَمِيعَ ، أَوْ أَكْثَرَ مِنْ النِّصْفِ ، حَنِثَ ، بِغَيْرِ خِلَافٍ ؛ لِأَنَّهُ أَكَلَ مِمَّا اشْتَرَاهُ زَيْدٌ يَقِينًا .\rوَإِنْ أَكَلَ نِصْفَهُ ، أَوْ أَقَلَّ مِنْ نِصْفِهِ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، يَحْنَثُ ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَحِيلُ فِي الْعَادَةِ انْفِرَادُ مَا اشْتَرَاهُ زَيْدٌ مِنْ غَيْرِهِ ، فَيَكُونُ الْحِنْثُ ظَاهِرًا ظُهُورًا كَثِيرًا .\rوَالثَّانِي ، لَا يَحْنَثُ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْحِنْثِ ، وَلَمْ يَتَيَقَّنْ أَكْلَهُ مِمَّا اشْتَرَاهُ زَيْدٌ ، وَكُلُّ مَوْضِعٍ لَا يَحْنَثُ ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ مَنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ تَمْرَةً ، فَوَقَعَتْ فِي تَمْرٍ ، فَأَكَلَ مِنْهُ وَاحِدَةً ، عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .\rوَإِنْ أَكَلَ مِنْ طَعَامٍ اشْتَرَاهُ زَيْدٌ ، ثُمَّ بَاعَهُ ، أَوْ اشْتَرَاهُ لِغَيْرِهِ ، حَنِثَ .","part":22,"page":283},{"id":10783,"text":"وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَحْنَثَ .","part":22,"page":284},{"id":10784,"text":"( 8098 ) فَصْلٌ : فَإِنْ حَلَفَ لَا يَلْبَسُ مِنْ غَزْلِ فُلَانَةَ ، فَلَبِسَ ثَوْبًا مِنْ غَزْلِهَا وَغَزْلِ غَيْرِهَا ، حَنِثَ .\rوَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَإِنْ حَلَفَ لَا يَلْبَسُ ثَوْبًا مِنْ غَزْلِهَا ، وَغَزْلِ غَيْرِهَا ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا يَحْنَثُ ، كَاَلَّتِي قَبْلَهَا .\rوَالثَّانِيَةُ ، لَا يَحْنَثُ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَلْبَسُ ثَوْبًا كَامِلًا مِنْ غَزْلِهَا .\rوَكَذَلِكَ إنْ حَلَفَ لَا يَلْبَسُ ثَوْبًا نَسَجَهُ زَيْدٌ ، وَلَا يَأْكُلُ مِنْ قِدْرٍ طَبَخَهَا ، وَلَا يَدْخُلُ دَارًا اشْتَرَاهَا ، أَوْ لَا يَلْبَسُ ثَوْبًا خَاطَهُ زَيْدٌ .\rفَلَبِسَ ثَوْبًا نَسَجَهُ هُوَ وَغَيْرُهُ أَوْ خَاطَاهُ ، أَوْ أَكَلَ مِنْ قِدْرٍ طَبَخَاهَا ، أَوْ دَخَلَ دَارًا اشْتَرَيَاهَا ، فَفِي هَذَا كُلِّهِ مِنْ الْخِلَافِ وَالْقَوْلِ مِثْلَمَا فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى .\rوَإِنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَلْبَسَ مَا خَاطَهُ زَيْدٌ ، حَنِثَ بِلُبْسِ ثَوْبٍ خَاطَاهُ جَمِيعًا ؛ لِأَنَّهُ لَبِسَ مِمَّا خَاطَهُ زَيْدٌ ، بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ : ثَوْبًا خَاطَهُ زَيْدٌ .\rوَإِنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَدْخُلَ دَارًا لِزَيْدٍ ، فَدَخَلَ دَارًا لَهُ وَلِغَيْرِهِ ، خَرَجَ فِيهِ وَجْهَانِ ، وَالْخِلَافُ فِيهَا عَلَى مَا مَضَى .","part":22,"page":285},{"id":10785,"text":"( 8099 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَلَوْ حَلَفَ لَا يَزُورهُمَا ، أَوْ لَا يُكَلِّمهُمَا ، فَزَارَ أَوْ كَلَّمَ أَحَدَهُمَا ، حَنِثَ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ أَرَادَ أَلَّا يَجْتَمِعَ فِعْلُهُ بِهِمَا ) يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مَبْنِيَّةً عَلَى مَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَفْعَلَ شَيْئًا ، فَفَعَلَ بَعْضَهُ ، فَإِنَّ هَذَا حَالِفٌ عَلَى كَلَامِ شَخْصَيْنِ وَزِيَارَتِهِمَا ، فَتَكْلِيمُهُ أَحَدَهُمَا وَزِيَارَتُهُ فِعْلٌ لِبَعْضِ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ ، وَقَدْ مَضَى الْكَلَامُ فِي هَذَا ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ : تَقْدِيرُ يَمِينِهِ : لَا كَلَّمْت هَذَا ، وَلَا كَلَّمْت هَذَا .\rلِأَنَّ الْمَعْطُوفَ يُقَدَّرُ لَهُ بَعْدَ حَرْفِ الْعَطْفِ فِعْلٌ وَعَامِلٌ ، مِثْلَ الْعَامِلِ الَّذِي قَبْلَ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ ، فَيَصِيرُ كَقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ : { حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ } .\rأَيْ : وَحُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ بَنَاتُكُمْ .\rفَيَصِيرُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَحْلُوفًا عَلَيْهِ مُنْفَرِدًا ، فَيَحْنَثُ بِهِ ، فَإِنْ قَصَدَ أَلَّا يَجْتَمِعَ فِعْلُهُ بِهِمَا ، لَمْ يَحْنَثْ إلَّا بِذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ قَصَدَ بِيَمِينِهِ مَا يَحْتَمِلُهُ ، فَانْصَرَفَ إلَيْهِ ، وَإِنْ قَصَدَ تَرْكَ كَلَامِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُنْفَرِدًا ، حَنِثَ بِفِعْلِهِ ؛ لِأَنَّهُ عَقَدَ يَمِينَهُ عَلَى تَرْكِ ذَلِكَ .\rوَإِنْ قَالَ : وَاَللَّهِ لَا كَلَّمْت زَيْدًا وَلَا عَمْرًا .\rحَنِثَ بِكَلَامِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ، بِغَيْرِ إشْكَالٍ ؛ فَإِنَّ هَذَا يَقْتَضِي تَرْكَ كَلَامِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُنْفَرِدًا ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا } .\rأَيْ لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ .","part":22,"page":286},{"id":10786,"text":"( 8100 ) فَصْلٌ : فَإِنْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ ، إنْ كَلَّمْت زَيْدًا وَعُمْرًا .\rأَوْ : عَبْدِي حُرٌّ ، إنْ كَلَّمْت زَيْدًا وَعُمْرًا .\rلَمْ يَقَعْ الطَّلَاقُ وَلَا الْعِتْقُ إلَّا بِتَكْلِيمِهِمَا ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ تَكْلِيمَهُمَا مَعًا شَرْطًا لِوُقُوعِ ذَلِكَ ، وَلَا يَثْبُتُ الْمَشْرُوطُ إلَّا بِوُجُودِ الشَّرْطِ جَمِيعِهِ .\rوَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ لِامْرَأَتَيْهِ : إنْ حِضْتُمَا ، فَأَنْتُمَا طَالِقَتَانِ .\rلَمْ يَقَعْ الطَّلَاقُ عَلَى وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا إلَّا بِحَيْضِهِمَا جَمِيعًا ، وَتُفَارِقُ الْيَمِينَ بِاَللَّهِ - تَعَالَى ، فَإِنَّ مُقْتَضَاهَا الْمَنْعُ مِنْ فِعْلِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ ، فَتَحْصُلُ الْمُخَالَفَةُ بِفِعْلِ الْبَعْضِ .\rوَقَدْ جَمَعَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا بَيْنَهُمَا فِي الْحِنْثِ بِفِعْلِ الْبَعْضِ ؛ لِكَوْنِ الْمَقْصُودِ مِنْ الْحَلِفِ كُلِّهِ عَلَى تَرْكِ شَيْءٍ ، الْمَنْعَ مِنْ فِعْلِهِ ، فَيَسْتَوِيَانِ .\rأَمَّا إذَا قَالَ : إذَا حِضْتُمَا ، فَأَنْتُمَا طَالِقَتَانِ .\rفَلَيْسَ ذَلِكَ بِيَمِينٍ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُقْصَدُ بِهَذَا مَنْعٌ مِنْ شَيْءٍ ، وَلَا حَثٌّ عَلَيْهِ ، إنَّمَا هُوَ شَرْطٌ مُجَرَّدٌ ، وَلَيْسَ فِيهِ مَعْنَى الْيَمِينِ .","part":22,"page":287},{"id":10787,"text":"( 8101 ) فَصْلٌ : وَمَنْ حَلَفَ عَلَى فِعْلِ شَيْءٍ فَقَالَ : وَاَللَّهِ لَا آكُلُ خُبْزًا وَلَحْمًا ، وَلَا زُبْدًا وَتَمْرًا ، وَلَا أَدْخُلُ هَاتَيْنِ الدَّارَيْنِ ، وَلَا أَعْصِي اللَّهَ فِي هَذَيْنِ الْبَلَدَيْنِ ، وَلَا أُمْسِكُ هَاتَيْنِ الْمَرْأَتَيْنِ .\rفَفَعَلَ بَعْضَ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ ، مِثْلَ أَنْ أَكَلَ أَحَدَهُمَا ، أَوْ دَخَلَ إحْدَى الدَّارَيْنِ ، وَعَصَى اللَّهَ فِي أَحَدِ الْبَلَدَيْنِ ، أَوْ أَمْسَكَ إحْدَى الْمَرْأَتَيْنِ ، فَهَلْ يَحْنَثُ ؟ يُخَرَّجُ عَلَى رِوَايَتَيْنِ .\rوَإِنْ قَصَدَ بِيَمِينِهِ أَنْ لَا يَجْمَعَ بَيْنَهُمَا ، أَوْ الْمَنْعَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ، فَيَمِينُهُ عَلَى مَا نَوَاهُ .\rوَإِنْ قَالَ : وَاَللَّهِ لَا آكُلُ سَمَكًا وَأَشْرَبَ لَبَنًا .\rبِالْفَتْحِ ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ ، لَمْ يَحْنَثْ إلَّا بِالْجَمْعِ بَيْنَهُمَا ؛ لِأَنَّ الْوَاوُ هَاهُنَا بِمَعْنَى ( مَعَ ) ، وَلِذَلِكَ اقْتَضَتْ الْفَتْحَ ، وَإِنْ عَطَفَ أَحَدَهُمَا عَلَى الْآخَرِ بِتَكْرَارِ \" لَا \" ، اقْتَضَى الْمَنْعَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُنْفَرِدًا ، وَحَنِثَ بِفِعْلِهِ .","part":22,"page":288},{"id":10788,"text":"( 8102 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَلَوْ حَلَفَ أَنْ لَا يَلْبَسَ ثَوْبًا ، فَاشْتَرَى بِهِ أَوْ بِثَمَنِهِ ثَوْبًا ، فَلَبِسَهُ ، حَنِثَ إذَا كَانَ مِمَّنْ اُمْتُنَّ عَلَيْهِ بِذَلِكَ الثَّوْبِ ، وَكَذَلِكَ إنْ انْتَفَعَ بِثَمَنِهِ ) هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فَرْعُ أَصْلٍ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي أَوَّلِ الْبَابِ ، وَهُوَ أَنَّ الْأَسْبَابَ مُعْتَبَرَةٌ فِي الْأَيْمَانِ فَيَتَعَدَّى ، الْحُكْمُ بِتَعَدِّيهَا ، فَإِذَا اُمْتُنَّ عَلَيْهِ بِثَوْبٍ ، فَحَلَفَ أَنْ لَا يَلْبَسَهُ ، لِتَنْقَطِعَ الْمِنَّةُ بِهِ حَنِثَ بِالِانْتِفَاعِ بِهِ فِي غَيْرِ اللُّبْسِ مِنْ أَخْذِ ثَمَنِهِ ؛ لِأَنَّهُ نَوْعُ انْتِفَاعٍ بِهِ يُلْحِقُ الْمِنَّةَ بِهِ ، فَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ قَطْعَ الْمِنَّةِ ، وَلَا كَانَ سَبَبُ يَمِينِهِ يَقْتَضِي ذَلِكَ ، لَمْ يَحْنَثْ إلَّا بِمَا تَنَاوَلَتْهُ يَمِينُهُ ، وَهُوَ لُبْسُهُ خَاصَّةً ، فَلَوْ أَبْدَلَهُ بِثَوْبِ غَيْرِهِ ، ثُمَّ لَبِسَهُ ، أَوْ انْتَفَعَ بِهِ فِي غَيْرِ اللُّبْسِ ، أَوْ بَاعَهُ وَأَخَذَ ثَمَنَهُ ، لَمْ يَحْنَثْ ؛ لِعَدَمِ تَنَاوُلِ الْيَمِينِ لَهُ لَفْظًا وَنِيَّةً وَسَبَبًا .\r( 8103 ) فَصْلٌ : فَإِنْ فَعَلَ شَيْئًا عَلَيْهِ فِيهِ لَهَا مِنَّةٌ سِوَى الِانْتِفَاعِ بِالثَّوْبِ ، وَبِعِوَضِهِ ، مِثْلَ أَنْ سَكَنَ ، دَارَهَا ، أَوْ أَكَلَ طَعَامَهَا ، أَوْ لَبِسَ ثَوْبًا لَهَا غَيْرَ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ ، لَمْ يَحْنَثْ ؛ لِأَنَّ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ الثَّوْبُ ، فَتَعَلَّقَتْ يَمِينُهُ بِهِ ، أَوْ بِمَا حَصَلَ بِهِ ، وَلَمْ يَتَعَدَّ إلَى غَيْرِهِ ؛ لِاخْتِصَاصِ الْيَمِينِ وَالسَّبَبِ بِهِ .","part":22,"page":289},{"id":10789,"text":"( 8104 ) فَصْلٌ : وَإِنْ امْتَنَّتْ عَلَيْهِ امْرَأَتُهُ بِثَوْبٍ ، فَحَلَفَ أَنْ لَا يَلْبَسَهُ ، قَطْعًا لِمِنَّتِهَا ، فَاشْتَرَاهُ غَيْرُهَا ثُمَّ ، كَسَاهُ إيَّاهُ ، أَوْ اشْتَرَاهُ الْحَالِفُ ، وَلَبِسَهُ عَلَى وَجْهٍ لَا مِنَّةَ لَهَا فِيهِ ، فَهَلْ يَحْنَثُ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، يَحْنَثُ لِمُخَالَفَتِهِ لِيَمِينِهِ ، وَلِأَنَّ لَفْظَ الشَّارِعِ إذَا كَانَ أَعَمَّ مِنْ السَّبَبِ ، وَجَبَ الْأَخْذُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ دُونَ خُصُوصِ السَّبَبِ كَذَا فِي الْيَمِينِ ، وَلِأَنَّهُ لَوْ خَاصَمَتْهُ امْرَأَةٌ لَهُ ، فَقَالَ : نِسَائِي طَوَالِقُ .\rطُلِّقْنَ كُلُّهُنَّ ، وَإِنْ كَانَ سَبَبُ الطَّلَاقِ وَاحِدَةً ، كَذَا هَاهُنَا .\rوَالثَّانِي ، لَا يَحْنَثُ ؛ لِأَنَّ السَّبَبَ اقْتَضَى تَقْيِيدَ لَفْظِهِ بِمَا وُجِدَ فِيهِ السَّبَبُ فَصَارَ كَالْمَنْوِيِّ ، أَوْ كَمَا لَوْ خَصَّصَهُ بِقَرِينَةٍ لَفْظِيَّةٍ .","part":22,"page":290},{"id":10790,"text":"( 8105 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَلَوْ حَلَفَ أَنْ لَا يَأْوِيَ مَعَ زَوْجَتِهِ فِي دَارٍ ، فَأَوَى مَعَهَا فِي غَيْرِهَا ، حَنِثَ ، إذَا كَانَ أَرَادَ ، بِيَمِينِهِ جَفَاءَ زَوْجَتِهِ ، وَلَمْ يَكُنْ لِلدَّارِ سَبَبٌ هَيَّجَ يَمِينَهُ ) وَهَذِهِ أَيْضًا مِنْ فُرُوعِ اعْتِبَارِ النِّيَّةِ ، وَذَلِكَ أَنَّهُ مَتَى قَصَدَ جَفَاءَهَا بِتَرْكِ الْأَوْيِ مَعَهَا ، وَلَمْ يَكُنْ لِلدَّارِ أَثَرٌ فِي يَمِينِهِ ، كَانَ ذِكْرُ الدَّارِ كَعَدَمِهِ ، وَكَأَنَّهُ حَلَفَ عَلَى أَلَّا يَأْوِيَ مَعَهَا ، فَإِذَا أَوَى مَعَهَا فِي غَيْرِهَا ، فَقَدْ أَوَى مَعَهَا ، فَحَنِثَ ؛ لِمُخَالَفَتِهِ مَا حَلَفَ عَلَى تَرْكِهِ ، وَصَارَ هَذَا بِمَنْزِلَةِ سُؤَالِ الْأَعْرَابِيِّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَاقَعْت أَهْلِي فِي نَهَارِ رَمَضَانَ .\rفَقَالَ : \" أَعْتِقْ رَقَبَةً \" .\rلَمَّا كَانَ ذِكْرُ أَهْلِهِ لَا أَثَرَ لَهُ فِي إيجَابِ الْكَفَّارَةِ ، حَذَفْنَاهُ مِنْ السَّبَبِ ، وَصَارَ السَّبَبُ الْوِقَاعَ ، سَوَاءٌ كَانَ لِأَهْلٍ أَوْ لِغَيْرِهِمْ .\rوَإِنْ كَانَ لِلدَّارِ أَثَرٌ فِي يَمِينِهِ ، مِثْلَ أَنْ كَانَ يَكْرَهُ سُكْنَاهَا ، أَوْ خُوصِمَ مِنْ أَجْلِهَا ، أَوْ اُمْتُنَّ عَلَيْهِ بِهَا ، لَمْ يَحْنَثْ إذَا أَوَى مَعَهَا فِي غَيْرِهَا ؛ لِأَنَّهُ قَصَدَ بِيَمِينِهِ الْجَفَاءَ فِي الدَّارِ بِعَيْنِهَا ، فَلَمْ يُخَالِفْ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ .\rوَإِنْ عَدِمَ السَّبَبَ وَالنِّيَّةَ ، لَمْ يَحْنَثْ إلَّا بِفِعْلِ مَا تَنَاوَلَهُ لَفْظُهُ ، وَهُوَ الْأَوْيُ مَعَهَا فِي تِلْكَ الدَّارِ بِعَيْنِهَا ؛ لِأَنَّهُ يَجِبُ اتِّبَاعُ لَفْظِهِ ، إذَا لَمْ تَكُنْ نِيَّةٌ وَلَا سَبَبٌ يَصْرِفُ اللَّفْظَ عَنْ مُقْتَضَاهُ ، أَوْ يَقْتَضِي زِيَادَةً عَلَيْهِ ، وَمَعْنَى الْأَوْيِ الدُّخُولُ ، فَمَتَى حَلَفَ لَا يَأْوِي مَعَهَا ، فَدَخَلَ مَعَهَا الدَّارَ حَنِثَ ، قَلِيلًا كَانَ لُبْثُهُمَا أَوْ كَثِيرًا ، قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى - مُخْبِرًا عَنْ فَتَى مُوسَى : { إذْ أَوَيْنَا إلَى الصَّخْرَةِ } .\rقَالَ أَحْمَدُ : مَا كَانَ ذَلِكَ إلَّا سَاعَةً ، أَوْ مَا شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى - يُقَالُ : وَأَوَيْت أَنَا ، وَآوَيْت غَيْرِي .\rقَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { إذْ أَوَى الْفِتْيَةُ","part":22,"page":291},{"id":10791,"text":"إلَى الْكَهْفِ } وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَآوَيْنَاهُمَا إلَى رَبْوَةٍ .\r}","part":22,"page":292},{"id":10792,"text":"( 8106 ) فَصْلٌ : وَإِنْ بَرَّهَا بِهَدِيَّةٍ أَوْ غَيْرِهَا ، أَوْ اجْتَمَعَ مَعَهَا فِيمَا لَيْسَ بِدَارٍ وَلَا بَيْتٍ ، لَمْ يَحْنَثْ ، سَوَاءٌ كَانَتْ الدَّارُ سَبَبًا فِي يَمِينِهِ أَوْ لَمْ يَكُنْ ؛ لِأَنَّهُ قَصَدَ جَفَاءَهَا بِهَذَا النَّوْعِ ، فَلَمْ يَحْنَثْ بِغَيْرِهِ .\rوَإِنْ حَلَفَ لَا يَأْوِي مَعَهَا فِي دَارٍ لِسَبَبٍ ، فَزَالَ السَّبَبُ الْمُوجِبُ لِيَمِينِهِ ، مِثْلَ أَنْ كَانَ السَّبَبُ امْتِنَانَهَا بِهَا عَلَيْهِ ، فَمَلَكَ الدَّارَ ، أَوْ صَارَتْ لِغَيْرِهَا ، فَأَوَى مَعَهَا فِيهَا ، فَهَلْ يَحْنَثُ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ ، تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمَا وَتَعْلِيلُهُمَا .","part":22,"page":293},{"id":10793,"text":"( 8107 ) فَصْلٌ : فَإِنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَدْخُلَ عَلَيْهَا فِيمَا لَيْسَ بِبَيْتٍ ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْمَسْأَلَةُ الَّتِي قَبْلَهَا ؛ إذَا قَصَدَ جَفَاءَهَا ، وَلَمْ يَكُنْ الْبَيْتُ سَبَبًا هَيَّجَ يَمِينَهُ ، حَنِثَ ، وَإِلَّا فَلَا .\rفَإِنْ دَخَلَ عَلَى جَمَاعَةٍ هِيَ فِيهِمْ ، يَقْصِدُ الدُّخُولَ عَلَيْهَا مَعَهُمْ ، حَنِثَ ، وَكَذَلِكَ إنْ لَمْ يَقْصِدْ شَيْئًا .\rوَإِنْ اسْتَثْنَاهَا بِقَلْبِهِ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا : لَا يَحْنَثُ ، كَمَا لَوْ حَلَفَ أَنْ لَا يُسَلِّمَ عَلَيْهَا ، فَسَلَّمَ عَلَى جَمَاعَةٍ هِيَ فِيهِمْ ، يَقْصِدُ بِقَلْبِهِ السَّلَامَ عَلَى غَيْرِهَا ، فَإِنَّهُ لَا يَحْنَثُ .\rوَالثَّانِي : يَحْنَثُ ؛ لِأَنَّ الدُّخُولَ فِعْلٌ لَا يَتَمَيَّزُ ، فَلَا يَصِحُّ تَخْصِيصُهُ بِالْقَصْدِ ، وَقَدْ وُجِدَ فِي حَقِّ الْكُلِّ عَلَى السَّوَاءِ ، وَهِيَ فِيهِمْ فَيَحْنَثُ بِهِ ، كَمَا لَوْ لَمْ يَقْصِدْ اسْتِثْنَاءَهَا ، وَفَارَقَ السَّلَامَ ؛ فَإِنَّهُ قَوْلٌ يَصِحُّ تَخْصِيصُهُ بِالْقَصْدِ ، وَلِهَذَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ : السَّلَامُ عَلَيْكُمْ إلَّا فُلَانًا .\rوَلَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ دَخَلْت عَلَيْكُمْ إلَّا فُلَانًا .\rوَلِأَنَّ السَّلَامَ قَوْلٌ يَتَنَاوَلُ مَا يَتَنَاوَلُهُ الضَّمِيرُ فِي \" عَلَيْكُمْ \" ، وَالضَّمِيرُ عَامٌ يَصِحُّ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْخَاصُّ ، فَصَحَّ أَنْ يُرَادَ بِهِ مَنْ سِوَاهَا ، وَالْفِعْلُ لَا يَتَأَتَّى هَذَا فِيهِ .\rوَإِنْ دَخَلَ بَيْتًا لَا يَعْلَمُ أَنَّهَا فِيهِ ، فَوَجَدَهَا فِيهِ ، فَهُوَ كَالدُّخُولِ عَلَيْهَا نَاسِيًا ، فَإِنْ قُلْنَا : لَا يَحْنَثُ بِذَلِكَ .\rفَخَرَجَ حِينَ عَلِمَ بِهَا ، لَمْ يَحْنَثْ .\rوَكَذَلِكَ إنْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ عَلَيْهَا ، فَدَخَلَتْ هِيَ عَلَيْهِ ، فَخَرَجَ فِي الْحَالِ ، لَمْ يَحْنَثْ .\rوَإِنْ أَقَامَ فَهَلْ يَحْنَثُ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ ؛ بِنَاءً عَلَى مَنْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ دَارًا هُوَ فِيهَا ، فَاسْتَدَامَ الْمُقَامَ بِهَا ، فَهَلْ يَحْنَثُ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ .","part":22,"page":294},{"id":10794,"text":"( 8108 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَلَوْ حَلَفَ أَنْ يَضْرِبَ عَبْدَهُ فِي غَدٍ ، فَمَاتَ الْحَالِفُ مِنْ يَوْمِهِ ، فَلَا حِنْثَ عَلَيْهِ ، وَإِنْ مَاتَ الْعَبْدُ ، حَنِثَ ) أَمَّا إذَا مَاتَ الْحَالِفُ مِنْ يَوْمِهِ فَلَا حِنْثَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ الْحِنْثَ إنَّمَا يَحْصُلُ بِفَوَاتِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ فِي وَقْتِهِ ، وَهُوَ الْغَدُ ، وَالْحَالِفُ قَدْ خَرَجَ عَنْ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ التَّكْلِيفِ قَبْلَ الْغَدِ ، فَلَا يُمْكِنُ حِنْثُهُ .\rوَكَذَلِكَ إنْ جُنَّ الْحَالِفُ فِي يَوْمِهِ .\rفَلَمْ يُفِقْ إلَّا بَعْدَ خُرُوجِ الْغَدِ ؛ لِأَنَّهُ خَرَجَ عَنْ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ التَّكْلِيفِ .\rوَإِنْ هَرَبَ الْعَبْدُ ، أَوْ مَرِضَ الْعَبْدُ أَوْ الْحَالِفُ ، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ ، فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى ضَرْبِهِ فِي الْغَدِ ، حَنِثَ .\rوَإِنْ لَمْ يَمُتْ الْحَالِفُ ، فَفِيهِ مَسَائِلُ أَحَدُهَا ، أَنْ يَضْرِبَ الْعَبْدَ فِي غَدٍ ، أَيَّ وَقْتٍ كَانَ مِنْهُ ، فَإِنَّهُ يَبَرُّ فِي يَمِينِهِ ، بِلَا خِلَافٍ .\rالثَّانِيَةُ ، أَمْكَنَهُ ضَرْبُهُ فِي غَدٍ ، فَلَمْ يَضْرِبْهُ حَتَّى مَضَى الْغَدُ ، وَهُمَا فِي الْحَيَاةِ ، حَنِثَ أَيْضًا ، بِلَا خِلَافٍ .\rالثَّالِثَةُ ، مَاتَ الْعَبْدُ مِنْ يَوْمِهِ ، فَإِنَّهُ يَحْنَثُ .\rوَهَذَا أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ .\rوَيَتَخَرَّجُ أَنْ لَا يَحْنَثَ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٍ ، وَالْقَوْلُ الثَّانِي لِلشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ فَقَدَ ضَرْبَهُ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ ، فَلَمْ يَحْنَثْ ، كَالْمُكْرَهِ وَالنَّاسِي .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ فِي وَقْتِهِ ، مِنْ غَيْرِ إكْرَاهٍ وَلَا نِسْيَانٍ ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْحِنْثِ ، فَحَنِثَ ، كَمَا لَوْ أَتْلَفَهُ بِاخْتِيَارِهِ ، وَكَمَا لَوْ حَلَفَ لَيَحُجَّنَّ الْعَامَ ، فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْحَجِّ ؛ لِمَرَضٍ ، أَوْ عَدَمِ النَّفَقَةِ ، وَفَارَقَ الْإِكْرَاهَ وَالنِّسْيَانَ ، فَإِنَّ الِامْتِنَاعَ لِمَعْنًى فِي الْحَالِفِ ، وَهَا هُنَا الِامْتِنَاعُ لِمَعْنًى فِي الْمَحَلِّ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ تَرَكَ ضَرْبَهُ لِصُعُوبَتِهِ ، أَوْ تَرَكَ الْحَالِفُ الْحَجَّ لِصُعُوبَةِ الطَّرِيقِ وَبُعْدِهَا عَلَيْهِ فَأَمَّا .\rإنْ كَانَ تَلَفُ الْمَحْلُوفِ","part":22,"page":295},{"id":10795,"text":"عَلَيْهِ بِفِعْلِهِ أَوْ اخْتِيَارِهِ ، حَنِثَ ، وَجْهًا وَاحِدًا ؛ لِأَنَّهُ فَوَّتَ الْفِعْلَ عَلَى نَفْسِهِ .\rقَالَ الْقَاضِي : وَيَحْنَثُ الْحَالِفُ سَاعَةَ مَوْتِهِ ؛ لِأَنَّ يَمِينَهُ انْعَقَدَتْ مِنْ حِينِ حَلِفِهِ ، وَقَدْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ الْفِعْلُ ، فِي الْحَالِ ، كَمَا لَوْ لَمْ يُؤَقِّتْ ، وَيَتَخَرَّجُ أَنْ لَا يَحْنَثَ قَبْلَ الْغَدِ ؛ لِأَنَّ الْحِنْثَ مُخَالَفَةُ مَا عَقَدَ يَمِينَهُ عَلَيْهِ ، فَلَا تَحْصُلُ الْمُخَالَفَةُ إلَّا بِتَرْكِ الْفِعْلِ فِي وَقْتِهِ .\rالرَّابِعَةُ ، مَاتَ الْعَبْدُ فِي غَدٍ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنْ ضَرْبِهِ ، فَهُوَ كَمَا لَوْ مَاتَ فِي يَوْمِهِ .\rالْخَامِسَةُ ، مَاتَ الْعَبْدُ فِي غَدٍ ، بَعْدَ التَّمَكُّنِ مِنْ ضَرْبِهِ ، قَبْلَ ضَرْبِهِ ، فَإِنَّهُ يَحْنَثُ ، وَجْهًا وَاحِدًا .\rوَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ : يَحْنَثُ قَوْلًا وَاحِدًا .\rوَقَالَ بَعْضُهُمْ : فِيهِ قَوْلَانِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ يُمْكِنُهُ ضَرْبُهُ فِي وَقْتِهِ ، فَلَمْ يَضْرِبْهُ ، فَحَنِثَ ، كَمَا لَوْ مَضَى الْغَدُ قَبْلَ ضَرْبِهِ .\rالسَّادِسَةُ ، مَاتَ الْحَالِفُ فِي غَدٍ ، بَعْدَ التَّمَكُّنِ مِنْ ضَرْبِهِ ، فَلَمْ يَضْرِبْهُ ، حَنِثَ ، وَجْهًا وَاحِدًا ؛ لِمَا ذَكَرْنَا .\rالسَّابِعَةُ ، ضَرَبَهُ فِي يَوْمِهِ ، فَإِنَّهُ لَا يَبَرُّ .\rوَهَذَا قَوْلُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ الْقَاضِي ، وَأَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ : يَبَرُّ ؛ لِأَنَّ يَمِينَهُ لِلْحَثِّ عَلَى ضَرْبِهِ ، فَإِذَا ضَرَبَهُ الْيَوْمَ ، فَقَدْ فَعَلَ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ وَزِيَادَةً ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ حَلَفَ لَيَقْضِيَنَّهُ حَقَّهُ فِي غَدٍ ، فَقَضَاهُ الْيَوْمَ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ فِي وَقْتِهِ ، فَلَمْ يَبَرَّ ، كَمَا لَوْ حَلَفَ لَيَصُومَنَّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ، فَصَامَ يَوْمَ الْخَمِيسِ ، وَفَارَقَ قَضَاءَ الدَّيْنِ ، فَإِنَّ الْمَقْصُودَ تَعْجِيلُهُ لَا غَيْرُ ، وَفِي قَضَاءِ الْيَوْمِ زِيَادَةٌ فِي التَّعْجِيلِ ، فَلَا يَحْنَثُ فِيهَا ؛ لِأَنَّهُ عُلِمَ مِنْ قَصْدِهِ إرَادَةُ أَنْ لَا يَتَجَاوَزَ غَدًا بِالْقَضَاءِ ، فَصَارَ كَالْمَلْفُوظِ بِهِ ، إذْ كَانَ مَبْنَى الْأَيْمَانِ عَلَى النِّيَّةِ ، وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُ مَا","part":22,"page":296},{"id":10796,"text":"لَيْسَ بِمِثْلِهِ عَلَيْهِ ، وَسَائِرُ الْمَحْلُوفَاتِ لَا تُعْلَمُ مِنْهَا إرَادَةُ التَّعْجِيلِ عَنْ الْوَقْتِ الَّذِي وَقَّتَهُ لَهَا ، فَامْتَنَعَ الْإِلْحَاقُ ، وَتَعَيَّنَ التَّمَسُّكُ بِاللَّفْظِ .\rالثَّامِنَةُ ، ضَرَبَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ ، لَمْ يَبَرَّ ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ تَنْصَرِفُ إلَى ضَرْبِهِ حَيًّا ، يَتَأَلَّمُ بِالضَّرْبِ ، وَقَدْ زَالَ هَذَا بِالْمَوْتِ .\rالتَّاسِعَةُ ، ضَرَبَهُ ضَرْبًا لَا يُؤْلِمُهُ ، لَمْ يَبَرّ ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ .\rالْعَاشِرَةُ ، خَنَقَهُ ، أَوْ نَتَفَ شَعْرَهُ ، أَوْ عَصَرَ سَاقَهُ ، بِحَيْثُ يُؤْلِمُهُ ، فَإِنَّهُ يَبَرُّ ؛ لِأَنَّهُ يُسَمَّى ضَرْبًا ؛ لِمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُنَا لَهُ .\rالْحَادِيَةَ عَشْرَةَ ، جُنَّ الْعَبْدُ ، فَضَرَبَهُ ، فَإِنَّهُ يَبَرُّ ؛ لِأَنَّهُ حَيٌّ يَتَأَلَّمُ بِالضَّرْبِ ، وَإِنْ لَمْ يَضْرِبْهُ ، حَنِثَ .\rوَإِنْ حَلَفَ لَا يَضْرِبُهُ فِي غَدٍ ، فَفِيهِ نَحْوٌ مِنْ هَذِهِ الْمَسَائِلِ .\rوَمَتَى فَاتَ ضَرْبُهُ بِمَوْتِهِ أَوْ غَيْرِهِ ، لَمْ يَحْنَثْ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَضْرِبْهُ .","part":22,"page":297},{"id":10797,"text":"( 8109 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَالَ : وَاَللَّهِ لَأَشْرَبَنَّ مَاءَ هَذَا الْكُوزِ غَدًا .\rفَانْدَفَقَ الْيَوْمَ ، أَوْ : لَآكُلَنَّ هَذَا الْخُبْزَ غَدًا .\rفَتَلِفَ ، فَهُوَ عَلَى نَحْوٍ مِمَّا ذَكَرْنَا فِي الْعَبْدِ .\rقَالَ صَالِحٌ : سَأَلْت أَبِي عَنْ الرَّجُلِ يَحْلِفُ أَنْ يَشْرَبَ هَذَا الْمَاءَ ، فَانْصَبَّ ؟ قَالَ : يَحْنَثُ .\rوَكَذَلِكَ إنَّ حَلَفَ أَنْ يَأْكُلَ هَذَا الرَّغِيفَ ، فَأَكَلَهُ كَلْبٌ ؟ قَالَ : يَحْنَثُ ؛ لِأَنَّ هَذَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ .","part":22,"page":298},{"id":10798,"text":"( 8110 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَمَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يُكَلِّمَهُ حِينًا ، فَكَلَّمَهُ قَبْلَ السِّتَّةِ أَشْهُرٍ ، حَنِثَ ) .\rوَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا حَلَفَ لَا يُكَلِّمُهُ حِينًا ، فَإِنْ قَيَّدَ ذَلِكَ بِلَفْظِهِ أَوْ بِنِيَّتِهِ بِزَمَنٍ ، تَقَيَّدَ بِهِ ، وَإِنْ أَطْلَقَهُ ، انْصَرَفَ إلَى سِتَّةِ أَشْهُرٍ .\rرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ .\rوَقَالَ مُجَاهِدٌ ، وَالْحَكَمُ ، وَحَمَّادٌ ، وَمَالِكٌ : هُوَ سَنَةٌ ؛ لِقَوْلِهِ اللَّهِ تَعَالَى : { تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا } .\rأَيْ كُلَّ عَامٍ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ : لَا قَدْرَ لَهُ ، وَيَبَرُّ بِأَدْنَى زَمَنٍ ؛ لِأَنَّ الْحِينَ اسْمٌ مُبْهَمٌ يَقَعُ عَلَى الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ } .\rقِيلَ : أَرَادَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ .\rوَقَالَ : { هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنْ الدَّهْرِ } .\rوَقَالَ : { فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ } .\rوَقَالَ : { حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ } .\rوَيُقَالُ : جِئْت مُنْذُ حِينٍ .\rوَإِنْ كَانَ أَتَاهُ مِنْ سَاعَةٍ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الْحِينَ الْمُطْلَقَ فِي كَلَامِ اللَّهِ - تَعَالَى - أَقَلُّهُ سِتَّةُ أَشْهُرٍ .\rقَالَ عِكْرِمَةُ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ فِي قَوْله تَعَالَى : { تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ } : إنَّهُ سِتَّةُ أَشْهُرٍ .\rفَيُحْمَلُ مُطْلَقُ كَلَامِ الْآدَمِيِّ عَلَى مُطْلَقِ كَلَامِ اللَّهِ - تَعَالَى ، وَلِأَنَّهُ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَلَا نَعْلَمُ لَهُ مُخَالِفًا فِي الصَّحَابَةِ ، وَمَا اسْتَشْهَدُوا بِهِ مِنْ الْمُطْلَقِ فِي كَلَامِ اللَّهِ - تَعَالَى ، فَمَا ذَكَرْنَاهُ أَقَلُّهُ ، فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ الْيَقِينُ .","part":22,"page":299},{"id":10799,"text":"( 8111 ) فَصْلٌ : فَإِنْ حَلَفَ لَا يُكَلِّمُهُ حُقْبًا .\rفَذَلِكَ ثَمَانُونَ عَامًا ، وَقَالَ مَالِكٌ أَرْبَعُونَ عَامًا ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُرْوَى عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ .\rوَقَالَ الْقَاضِي ، وَأَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ : هُوَ أَدْنَى زَمَانٍ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ فِيهِ عَنْ أَهْلِ اللُّغَةِ تَقْدِيرٌ .\rوَلَنَا ، مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّهُ قَالَ فِي تَفْسِيرِ قَوْله تَعَالَى : { لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا } : الْحُقْبُ ثَمَانُونَ سَنَةً .\rوَمَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي ، وَأَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ قَوْلَ ابْنِ عَبَّاسٍ حُجَّةٌ ، وَلِأَنَّ مَا ذَكَرُوهُ يُفْضِي إلَى حَمْلِ كَلَامِ اللَّهِ - تَعَالَى : { لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا } وَقَوْلِ مُوسَى : { أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا } إلَى اللُّكْنَةِ ؛ لِأَنَّهُ أَخْرَجَ ذَلِكَ مَخْرَجَ التَّكْثِيرِ ، فَإِذَا صَارَ مَعْنَى ذَلِكَ ( لَابِثِينَ فِيهَا ) سَاعَاتٍ أَوْ لَحَظَاتٍ أَوْ ، أَمْضِيَ لَحَظَاتٍ وَسَاعَاتٍ ، صَارَ مُقْتَضَى ذَلِكَ التَّقْلِيلَ ، وَهُوَ ضِدُّ مَا أَرَادَ اللَّهُ - تَعَالَى بِكَلَامِهِ ، وَضِدُّ الْمَفْهُومِ مِنْهُ ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ أَحَدٌ مِنْ الْمُفَسِّرِينَ فِيمَا نَعْلَمُ ، فَلَا يَجُوزُ تَفْسِيرُ الْحُقْبِ بِهِ .","part":22,"page":300},{"id":10800,"text":"( 8112 ) فَصْلٌ : فَإِنْ حَلَفَ لَا يُكَلِّمَهُ زَمَنًا ، أَوْ وَقْتًا ، أَوْ دَهْرًا ، أَوْ عُمْرًا ، أَوْ مَلِيًّا ، أَوْ طَوِيلًا ، أَوْ بَعِيدًا ، أَوْ قَرِيبًا بَرَّ بِالْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ ، فِي قَوْلِ أَبِي الْخَطَّابِ ، وَمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَسْمَاءَ لَا حَدَّ لَهَا فِي اللُّغَةِ ، وَتَقَعُ عَلَى الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ ، فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلَى أَقَلِّ مَا تَنَاوَلَهُ اسْمُهُ ، وَقَدْ يَكُونُ الْقَرِيبُ بَعِيدًا بِالنِّسْبَةِ إلَى مَا هُوَ أَقْرَبُ مِنْهُ ، وَقَرِيبًا بِالنِّسْبَةِ إلَى مَا هُوَ أَبْعَدُ مِنْهُ ، وَلَا يَجُوزُ التَّحْدِيدُ بِالتَّحَكُّمِ ، وَإِنَّمَا يُصَارُ إلَيْهِ بِالتَّوْقِيفِ ، وَلَا تَوْقِيفَ هَاهُنَا ، فَيَجِبُ حَمْلُهُ عَلَى الْيَقِينِ ، وَهُوَ أَقَلُّ مَا يَتَنَاوَلُهُ الِاسْمُ .\rوَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى : الزَّمَانُ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ .\rوَقَالَ طَلْحَةُ الْعَاقُولِيُّ : الْحِينُ وَالزَّمَانُ وَالْعُمْرُ وَاحِدٌ ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يُفَرِّقُونَ فِي الْعَادَةِ بَيْنَهُمَا ، وَالنَّاسُ يَقْصِدُونَ بِذَلِكَ التَّبْعِيدَ ، فَلَوْ حُمِلَ عَلَى الْقَلِيلِ ، حُمِلَ عَلَى خِلَافِ قَصْدِ الْحَالِفِ .\rوَالدَّهْرُ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ كَالْحِينِ أَيْضًا لِهَذَا الْمَعْنَى .\rوَقَالَ فِي \" بَعِيدٍ \" و \" مَلِيءٍ \" ، \" وَطَوِيلٍ \" : هُوَ أَكْثَرُ مِنْ شَهْرٍ .\rوَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ ضِدُّ الْقَلِيلِ ، فَلَا يَجُوزُ حَمْلُهُ عَلَى ضِدِّهِ .\rوَلَوْ حَمَلَ الْعُمْرَ عَلَى أَرْبَعِينَ عَامًا ، كَانَ حَسَنًا ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ - تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ نَبِيِّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { فَقَدْ لَبِثْت فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ } .\rوَكَانَ أَرْبَعِينَ سَنَةً ، فَيَجِبُ حَمْلُ الْكَلَامِ عَلَيْهِ ، وَلِأَنَّ الْعُمْرَ فِي الْغَالِبِ لَا يَكُونُ إلَّا مُدَّة طَوِيلَةً ، فَلَا يُحْمَلُ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ .\r( 8113 ) فَصْلٌ : فَإِنْ حَلَفَ لَا يُكَلِّمُهُ الدَّهْرَ ، أَوْ الْأَبَدَ ، أَوْ الزَّمَانَ .\rفَذَلِكَ عَلَى الْأَبَدِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ ، وَهِيَ لِلِاسْتِغْرَاقِ فَتَقْتَضِي الدَّهْرَ كُلَّهُ .","part":22,"page":301},{"id":10801,"text":"( 8114 ) فَصْلٌ : إنْ حَلَفَ عَلَى أَيَّامٍ ، فَهِيَ ثَلَاثَةٌ ؛ لِأَنَّهَا أَقَلُّ الْجَمْعِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى { وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ } .\rوَهِيَ أَيَّامُ التَّشْرِيقِ .\rوَإِنْ حَلَفَ عَلَى أَشْهُرٍ ، فَهِيَ ثَلَاثَةٌ ؛ لِأَنَّهَا أَقَلُّ الْجَمْعِ .\rوَإِنْ حَلَفَ عَلَى شُهُورٍ ، فَاخْتَارَ أَبُو الْخَطَّابِ ، أَنَّهَا ثَلَاثَةٌ ؛ لِذَلِكَ .\rوَقَالَ غَيْرُهُ : يَتَنَاوَلُ يَمِينُهُ اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { إنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا } .\rوَلِأَنَّ الشُّهُورَ جَمْعُ الْكَثْرَةِ ، وَأَقَلُّهُ عَشَرَةٌ ، فَلَا يُحْمَلُ عَلَى مَا يُحْمَلُ عَلَيْهِ جَمْعُ الْقِلَّةِ .","part":22,"page":302},{"id":10802,"text":"( 8115 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ ( وَلَوْ حَلَفَ أَنْ يَقْضِيَهُ حَقَّهُ فِي وَقْتٍ ، فَقَضَاهُ قَبْلَهُ ، لَمْ يَحْنَثْ ، إذَا كَانَ أَرَادَ بِيَمِينِهِ إنْ لَا يُجَاوِزَ ذَلِكَ الْوَقْتَ ) وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَمُحَمَّدٌ ، وَأَبُو ثَوْرٍ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ يَحْنَثُ إذَا قَضَاهُ قَبْلَهُ ؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ فِعْلَ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ مُخْتَارًا ، فَحَنِثَ ، كَمَا لَوْ قَضَاهُ بَعْدَهُ .\rوَلَنَا ، أَنَّ مُقْتَضَى هَذِهِ الْيَمِينِ ، تَعْجِيلُ الْقَضَاءِ قَبْلَ خُرُوجِ الْغَدِ ، فَإِذَا قَضَاهُ قَبْلَهُ ، فَقَدْ قَضَى قَبْلَ خُرُوجِ الْغَدِ ، وَزَادَ خَيْرًا ، وَلِأَنَّ مَبْنَى الْأَيْمَانِ عَلَى النِّيَّةِ ، وَنِيَّةُ هَذَا بِيَمِينِهِ تَرْكُ تَعْجِيلِ الْقَضَاءِ قَبْلَ خُرُوجِ الْغَدِ ، فَتَعَلَّقَتْ يَمِينُهُ بِهَذَا الْمَعْنَى ، كَمَا لَوْ صَرَّحَ بِهِ ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ رُجِعَ إلَى سَبَبِ الْيَمِينِ ، فَإِنْ كَانَتْ تَقْتَضِي التَّعْجِيلَ ، فَهُوَ كَمَا لَوْ نَوَاهُ ؛ لِأَنَّ السَّبَبَ يَدُلُّ عَلَى النِّيَّةِ ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ ذَلِكَ ، وَلَا كَانَ السَّبَبُ يَقْتَضِيهِ ، فَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ ، أَنَّهُ لَا يَبَرُّ إلَّا بِقَضَائِهِ فِي الْغَدِ ، وَلَا يَبَرُّ بِقَضَائِهِ قَبْلَهُ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : يَبَرُّ عَلَى كُلِّ حَالٍ ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ لِلْحَثِّ عَلَى الْفِعْلِ ، فَمَتَى عَجَّلَهُ ، فَقَدْ أَتَى بِالْمَقْصُودِ ، فِيهِ ، كَمَا لَوْ نَوَى ذَلِكَ .\rوَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ ؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ فِعْلَ مَا تَنَاوَلَتْهُ يَمِينُهُ لَفْظًا ، وَلَمْ تَصْرِفْهَا عَنْهُ نِيَّةٌ وَلَا سَبَبٌ ، فَتُصْرَفُ كَمَا لَوْ حَلَفَ لَيَصُومَنَّ شَعْبَانَ ، فَصَامَ رَجَبًا .\rوَيُحْتَمَلُ مَا قَالَهُ الْقَاضِي فِي الْقَضَاءِ خَاصَّةً ؛ لِأَنَّ عُرْفَ هَذِهِ الْيَمِينِ فِي الْقَضَاءِ التَّعْجِيلُ ، فَتَنْصَرِفُ الْيَمِينُ الْمُطْلَقَةُ إلَيْهِ .\r( 8116 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا غَيْرُ قَضَاءِ الْحَقِّ ، كَأَكْلِ شَيْءٍ ، أَوْ شُرْبِهِ ، أَوْ بَيْعِ شَيْءٍ ، أَوْ شِرَائِهِ ، أَوْ ضَرْبِ عَبْدٍ ، وَنَحْوِهِ ، فَمَتَى عَيَّنَ وَقْتَهُ ، وَلَمْ يَنْوِ مَا يَقْتَضِي تَعْجِيلَهُ ، وَلَا كَانَ سَبَبُ يَمِينِهِ يَقْتَضِيهِ ، لَمْ","part":22,"page":303},{"id":10803,"text":"يَبَرَّ إلَّا بِفِعْلِهِ فِي وَقْتِهِ .\rوَذَكَرَ الْقَاضِي ، أَنَّهُ يَبَرُّ بِتَعْجِيلِهِ عَنْ وَقْتِهِ .\rوَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ فِي وَقْتِهِ ، مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ تَصْرِفُ يَمِينَهُ ، وَلَا سَبَبٍ ، فَيَحْنَثُ ، كَالصِّيَامِ .\rوَلَوْ فَعَلَ بَعْضَ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ قَبْلَ وَقْتِهِ ، وَبَعْضَهُ فِي وَقْتِهِ ، لَمْ يَبَرَّ ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ فِي الْإِثْبَاتِ لَا يَبَرُّ فِيهَا إلَّا بِفِعْلِ جَمِيعِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ ، فَتَرْكُ بَعْضِهِ فِي وَقْتِهِ ، كَتَرْكِ جَمِيعِهِ ، إلَّا أَنْ يَنْوِي أَنْ لَا يُجَاوِزَ ذَلِكَ الْوَقْتَ ، أَوْ يَقْتَضِيَ ذَلِكَ سَبَبُهَا .","part":22,"page":304},{"id":10804,"text":"( 8117 ) فَصْلٌ : وَمَنْ حَلَفَ لَا يَبِيعُ ثَوْبَهُ بِعَشَرَةٍ ، فَبَاعَهُ بِهَا أَوْ بِأَقَلَّ مِنْهَا ، حَنِثَ .\rوَإِنْ بَاعَهُ بِأَكْثَرَ مِنْهَا ، لَمْ يَحْنَثْ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يَحْنَثُ إذَا بَاعَهُ بِأَقَلَّ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَنَاوَلْهُ يَمِينُهُ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الْعُرْفَ فِي هَذَا أَنْ لَا يَبِيعَهُ بِهَا ، وَلَا بِأَقَلَّ مِنْهَا ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ وَكَّلَ فِي بَيْعِهِ إنْسَانًا ، وَأَمَرَهُ أَنْ لَا يَبِيعَهُ بِعَشَرَةٍ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ بَيْعُهُ بِأَقَلَّ مِنْهَا ، وَلِأَنَّ هَذَا تَنْبِيهٌ عَلَى امْتِنَاعِهِ مِنْ بَيْعِهِ بِمَا دُونَ الْعَشَرَةِ ، وَالْحُكْمُ يَثْبُتُ بِالْبَيِّنَةِ ، كَثُبُوتِهِ بِاللَّفْظِ .\rإنْ حَلَفَ : لَا اشْتَرَيْتُهُ بِعَشَرَةٍ .\rفَاشْتَرَاهُ بِأَقَلَّ ، لَمْ يَحْنَثْ .\rوَإِنْ اشْتَرَاهُ بِهَا أَوْ بِأَكْثَرَ ، حَنِثَ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا .\rوَمُقْتَضَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ ، أَنْ لَا يَحْنَثَ إذَا اشْتَرَاهُ بِأَكْثَرَ مِنْهَا ؛ لِأَنَّ يَمِينَهُ لَمْ تَتَنَاوَلْهُ لَفْظًا .\rوَلَنَا ، أَنَّهَا تَنَاوَلَتْهُ عُرْفًا وَتَنْبِيهًا ، فَكَانَ حَانِثًا ، كَمَا لَوْ حَلَفَ : مَا لَهُ عَلَيَّ حَبَّةٌ .\rفَإِنَّهُ يَحْنَثُ إذَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِ أَكْثَرُ مِنْهَا ، وَيَبْرَأُ بِيَمِينِهِ مِمَّا زَادَ عَلَيْهَا ، كَبَرَاءَتِهِ مِنْهَا .\rقِيلَ لِأَحْمَدَ رَجُلٌ إنْ حَلَفَ لَا يَنْقُصُ هَذَا الثَّوْبُ عَنْ كَذَا .\rقَالَ : قَدْ أَخَذْته ، وَلَكِنْ هَبْ لِي كَذَا .\rقَالَ : هَذَا حِيلَةٌ .\rقِيلَ لَهُ : فَإِنْ قَالَ الْبَائِعُ : بِعْتُك بِكَذَا ، وَأَهَبُ لِفُلَانٍ شَيْئًا آخَرَ .\rقَالَ هَذَا كُلُّهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ .\rفَكَرِهَهُ .","part":22,"page":305},{"id":10805,"text":"( 8118 ) فَصْلٌ : فَإِنْ حَلَفَ لَيَقْضِيَنَّهُ حَقَّهُ فِي غَدٍ ، فَمَاتَ الْحَالِفُ مِنْ يَوْمِهِ ، لَمْ يَحْنَثْ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا فِيمَا إذَا حَلَفَ لَيَضْرِبَنَّ عَبْدَهُ فِي غَدٍ ، فَمَاتَ مِنْ يَوْمِهِ .\rوَإِنْ مَاتَ ، الْمُسْتَحِقُّ فَحُكِيَ عَنْ الْقَاضِي أَنَّهُ يَحْنَثُ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَعَذَّرَ قَضَاؤُهُ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ حَلَفَ لَيَضْرِبَنَّ عَبْدَهُ غَدًا ، فَمَاتَ الْعَبْدُ قَبْلَ الْيَوْمَ .\rوَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : إنْ قَضَى وَرَثَتَهُ ، لَمْ يَحْنَثْ ؛ لِأَنَّ قَضَاءَ وَرَثَتِهِ يَقُومُ مَقَامَ قَضَائِهِ فِي إبْرَاءِ ذِمَّتِهِ ، فَكَذَلِكَ فِي الْبِرِّ فِي يَمِينِهِ ، بِخِلَافِ مَا إذَا مَاتَ الْعَبْدُ ، فَإِنَّهُ لَا يَقُومُ ضَرْبُ غَيْرِهِ مَقَامَ ضَرْبِهِ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ ، وَأَبُو ثَوْرٍ : تَنْحَلُّ الْيَمِينُ بِمَوْتِ الْمُسْتَحِقِّ ، وَلَا يَحْنَثُ ، سَوَاءٌ قَضَى وَرَثَتَهُ أَوْ لَمْ يَقْضِهِمْ ؛ لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ فِعْلُ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ ، أَشْبَهَ الْمُكْرَهَ ، وَقَدْ سَبَقَ الْكَلَامُ عَلَى هَذَا ، فِي مَسْأَلَةِ مَنْ حَلَفَ لَيَضْرِبَنَّ عَبْدَهُ غَدًا ، فَمَاتَ الْعَبْدُ الْيَوْمَ .\rوَإِنْ أَبْرَأَهُ الْمُسْتَحِقُّ مِنْ الْحَقِّ ، فَهَلْ يَحْنَثُ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ ، بِنَاءً عَلَى الْمُكْرَهِ هَلْ يَحْنَثُ ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ ، وَإِنْ قَضَاهُ عِوَضًا عَنْ حَقِّهِ ، لَمْ يَحْنَثْ ، عِنْدَ ابْنِ حَامِدٍ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ قَضَى حَقَّهُ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : يَحْنَثُ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْضِهِ الْحَقَّ الَّذِي عَلَيْهِ بِعَيْنِهِ .","part":22,"page":306},{"id":10806,"text":"( 8119 ) فَصْلٌ : فَإِنْ حَلَفَ لَيَقْضِيَنَّهُ عِنْدَ رَأْسِ الْهِلَالِ ، أَوْ مَعَ رَأْسِهِ ، أَوْ إلَى رَأْسِ الْهِلَالِ ، أَوْ إلَى اسْتِهْلَالِهِ ، أَوْ عِنْدَ رَأْسِ الشَّهْرِ ، أَوْ مَعَ رَأْسِهِ ، فَقَضَاهُ عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ مِنْ لَيْلَةِ الشَّهْرِ ، بَرَّ فِي يَمِينِهِ .\rوَإِنْ أَخَّرَ ذَلِكَ مَعَ إمْكَانِهِ ، حَنِثَ .\rوَإِنْ شَرَعَ فِي عَدِّهِ أَوْ كَيْلِهِ أَوْ وَزْنِهِ ، فَتَأَخَّرَ الْقَضَاءُ لِكَثْرَتِهِ ، لَمْ يَحْنَثْ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتْرُكْ الْقَضَاءَ .\rوَكَذَلِكَ إذَا حَلَفَ لَيَأْكُلَنَّ هَذَا الطَّعَامَ ، فِي هَذَا الْوَقْتِ ، فَشَرَعَ فِي أَكْلِهِ فِيهِ ، وَتَأَخَّرَ الْفَرَاغُ لِكَثْرَتِهِ ، لَمْ يَحْنَثْ ؛ لِأَنَّ أَكْلَهُ كُلَّهُ غَيْرُ مُمْكِنٍ فِي هَذَا الْوَقْتِ الْيَسِيرِ ، فَكَانَتْ يَمِينُهُ عَلَى الشُّرُوعِ فِيهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ ، أَوْ عَلَى مُقَارَنَةِ فِعْلِهِ لِذَلِكَ الْوَقْتِ ، لِلْعِلْمِ بِالْعَجْزِ عَنْ غَيْرِ ذَلِكَ .\rوَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فِي هَذَا كُلِّهِ كَمَا ذَكَرْنَا .","part":22,"page":307},{"id":10807,"text":"( 8120 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَلَوْ حَلَفَ أَنْ لَا يَشْرَبَ مَاءَ هَذَا الْإِنَاءِ ، فَشَرِبَ بَعْضَهُ ، حَنِثَ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ أَرَادَ أَنْ لَا يَشْرَبَهُ كُلَّهُ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا حَلَفَ لَيَفْعَلَنَّ شَيْئًا ، لَمْ يَبَرَّ إلَّا بِفِعْلِ جَمِيعِهِ ، وَإِنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَفْعَلَهُ ، وَأَطْلَقَ ، فَفَعَلَ بَعْضَهُ ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ ، تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمَا .\rوَإِنْ نَوَى فِعْلَ جَمِيعِهِ ، أَوْ كَانَ فِي يَمِينِهِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ ، لَمْ يَحْنَثْ إلَّا بِفِعْلِ جَمِيعِهِ .\rوَإِنْ نَوَى فِعْلَ الْبَعْضِ .\rأَوْ كَانَ فِي يَمِينِهِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ ، حَنِثَ بِفِعْلِ الْبَعْضِ ، رِوَايَةً وَاحِدَةً .\rفَإِنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَشْرَبَ مَاءَ هَذَا الْإِنَاءِ ، فَشَرِبَ بَعْضَهُ ، فَهَلْ يَحْنَثُ بِذَلِكَ ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ .\rوَإِنْ حَلَفَ : لَا يَشْرَبُ مَاءَ دِجْلَةَ ، أَوْ مَاءَ هَذَا النَّهْرِ .\rحَنِثَ بِشُرْبِ أَدْنَى شَيْءٍ مِنْهُ ؛ لِأَنَّ شُرْبَ جَمِيعِهِ مُمْتَنَعٌ بِغَيْرِ يَمِينِهِ ، فَلَا حَاجَةَ إلَى تَوْكِيدِ الْمَنْعِ بِيَمِينِهِ ، فَتُصْرَفُ يَمِينُهُ إلَى مَنْعِ نَفْسِهِ مِمَّا يُمْكِنُ فِعْلُهُ ، وَهُوَ شُرْبُ الْبَعْضِ ، كَمَا لَوْ حَلَفَ : لَا شَرِبْت الْمَاءَ .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ : إنْ حَلَفَ عَلَى الْجِنْسِ ، كَالنَّاسِ وَالْمَاءِ وَالْخُبْزِ وَالتَّمْرِ وَنَحْوِهِ ، حَنِثَ بِفِعْلِ الْبَعْضِ ، وَإِنْ تَنَاوَلَتْ يَمِينُهُ الْجَمِيعَ ، كَالْمُسْلِمِينَ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمَسَاكِينِ ، لَمْ يَحْنَثْ بِفِعْلِ الْبَعْضِ ، وَإِنْ تَنَاوَلَتْ اسْمَ جِنْسٍ يُضَافُ ، كَمَاءِ النَّهْرِ ، وَمَاءِ دِجْلَةَ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ حَلَفَ عَلَى - مَا لَا يُمْكِنُهُ فِعْلُ جَمِيعِهِ ، فَتَنَاوَلَتْ يَمِينُهُ بَعْضَهُ مُنْفَرِدًا ، كَاسْمِ الْجِنْسِ فَإِنْ حَلَفَ : لَا شَرِبْت مِنْ الْفُرَاتِ ، فَشَرِبَ مِنْ مَائِهِ ، حَنِثَ ، سَوَاءٌ كَرَعَ فِيهِ ، أَوْ اغْتَرَفَ مِنْهُ ثُمَّ شَرِبَ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَحْنَثُ حَتَّى يَكْرَعَ فِيهِ ؛ لِأَنَّ حَقِيقَةَ ذَلِكَ الْكَرْعُ ، فَلَمْ","part":22,"page":308},{"id":10808,"text":"يَحْنَثْ بِغَيْرِهِ ، كَمَا لَوْ حَلَفَ : لَا شَرِبْت مِنْ هَذَا الْإِنَاءِ .\rفَصَبَّ مِنْهُ فِي غَيْرِهِ وَشَرِبَ .\rوَلَنَا ، أَنَّ مَعْنَى يَمِينِهِ أَنْ لَا يَشْرَبَ مِنْ مَاءِ الْفُرَاتِ ؛ لِأَنَّ الشُّرْبَ يَكُونُ مِنْ مَائِهَا ، وَمِنْهَا فِي الْعُرْفِ ، فَحُمِلَتْ الْيَمِينُ عَلَيْهِ ، كَمَا لَوْ حَلَفَ : لَا شَرِبْت مِنْ هَذِهِ الْبِئْرِ ، وَلَا أَكَلْت مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ ، وَلَا شَرِبْت مِنْ هَذِهِ الشَّاةِ .\rوَيُفَارِقُ الْكُوزَ ؛ فَإِنَّ الشُّرْبَ فِي الْعُرْفِ مِنْهُ ، لِأَنَّهُ آلَةٌ لِلشُّرْبِ ، بِخِلَافِ النَّهْرِ ، وَمَا ذَكَرُوهُ يَبْطُلُ بِالْبِئْرِ وَالشَّاةِ وَالشَّجَرَةِ ، وَقَدْ سَلَّمُوا أَنَّهُ لَوْ اسْتَقَى مِنْ الْبِئْرِ ، أَوْ احْتَلَبَ لَبَنَ الشَّاةِ ، أَوْ الْتَقَطَ مِنْ الشَّجَرَةِ ، وَشَرِبَ وَأَكَلَ ، حَنِثَ ، فَكَذَا فِي مَسْأَلَتِنَا .","part":22,"page":309},{"id":10809,"text":"( 8121 ) فَصْلٌ : وَإِنْ حَلَفَ لَا يَشْرَبُ مِنْ مَاءِ الْفُرَاتِ ، فَشَرِبَ مِنْ نَهْرٍ يَأْخُذُ مِنْهُ ، حَنِثَ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ مَاءِ الْفُرَاتِ ، وَلَوْ حَلَفَ لَا يَشْرَبُ مِنْ مَاء الْفُرَاتِ ، فَشَرِبَ مِنْ نَهْرٍ يَأْخُذُ مِنْهُ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، يَحْنَثُ ؛ لِأَنَّ مَعْنَى الشُّرْبِ مِنْهُ الشُّرْبُ مِنْ مَائِهِ ، فَحَنِثَ ، كَمَا لَوْ حَلَفَ : لَا شَرِبْت مِنْ مَائِهِ .\rوَهَذَا أَحَدُ الِاحْتِمَالَيْنِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ .\rوَالثَّانِي ، لَا يَحْنَثُ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ ، إلَّا أَبَا يُوسُفَ ، فَإِنَّ عَنْهُ رِوَايَةً ، أَنَّهُ يَحْنَثُ .\rوَإِنَّمَا قُلْنَا : إنَّهُ لَا يَحْنَثُ ؛ لِأَنَّ مَا أَخَذَهُ النَّهْرُ يُضَافُ إلَى ذَلِكَ النَّهْرِ ، لَا إلَى الْفُرَاتِ ، وَيَزُولُ بِإِضَافَتِهِ إلَيْهِ عَنْ إضَافَتِهِ إلَى الْفُرَاتِ ، فَلَا يَحْنَثُ بِهِ ، كَغَيْرِ الْفُرَاتِ .","part":22,"page":310},{"id":10810,"text":"( 8122 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَلَوْ قَالَ : وَاَللَّهِ لَا فَارَقْتُك حَتَّى أَسْتَوْفِيَ حَقِّي مِنْك .\rفَهَرَبَ مِنْهُ ، لَمْ يَحْنَثْ .\rوَلَوْ قَالَ : لَا افْتَرَقْنَا .\rفَهَرَبَ مِنْهُ ، حَنِثَ ) أَمَّا إذَا حَلَفَ : لَا فَارَقْتُك .\rفَفِيهِ مَسَائِلُ عَشْرٌ ؛ أَحَدُهَا ، أَنْ يُفَارِقَهُ الْحَالِفُ مُخْتَارًا ، فَيَحْنَثُ ، بِلَا خِلَافٍ ، سَوَاءٌ أَبْرَأَهُ مِنْ الْحَقِّ أَوْ فَارَقَهُ ، وَالْحَقُّ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ فَارَقَهُ قَبْلَ اسْتِيفَاءِ حَقِّهِ مِنْهُ .\rالثَّانِيَةُ ، فَارَقَهُ مُكْرَهًا ، فَيُنْظَرُ ؛ فَإِنْ حُمِلَ مُكْرَهًا حَتَّى فَرَّقَ بَيْنَهُمَا ، لَمْ يَحْنَثْ .\rوَإِنْ أُكْرِهَ بِالضَّرْبِ وَالتَّهْدِيدِ ، لَمْ يَحْنَثْ .\rوَفِي قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ : يَحْنَثُ .\rوَفِي النَّاسِي تَفْصِيلٌ ذَكَرْنَاهُ فِيمَا مَضَى .\rالثَّالِثَةُ ، هَرَبَ مِنْهُ الْغَرِيمُ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ ، فَلَا يَحْنَثُ .\rوَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّهُ يَحْنَثُ ؛ لِأَنَّ مَعْنَى يَمِينِهِ أَنْ لَا تَحْصُلَ بَيْنَهُمَا فُرْقَةٌ ، وَقَدْ حَصَلَتْ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ حَلَفَ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ فِي الْفُرْقَةِ ، وَمَا فَعَلَ ، وَلَا فَعَلَ بِاخْتِيَارِهِ ، فَلَمْ يَحْنَثْ ، كَمَا لَوْ حَلَفَ : لَا قُمْت .\rفَقَامَ غَيْرُهُ .\rالرَّابِعَةُ ، أَذِنَ لَهُ الْحَالِفُ فِي الْفُرْقَةِ ، فَفَارَقَهُ ، فَمَفْهُومُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ ، أَنَّهُ يَحْنَثُ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يَحْنَثُ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : وَهُوَ قَوْلُ الْخِرَقِيِّ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ الْفُرْقَةَ الَّتِي حَلَفَ إنَّهُ لَا يَفْعَلُهَا .\rوَلَنَا ، أَنَّ مَعْنَى يَمِينِهِ لَأُلْزِمَنَّك .\rوَإِذَا فَارَقَهُ بِإِذْنِهِ فَمَا لَزِمَهُ ، وَيُفَارِقُ مَا إذَا هَرَبَ مِنْهُ ؛ لِأَنَّهُ فَرَّ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ ، وَلَيْسَ هَذَا قَوْلَ الْخِرَقِيِّ ؛ وَلِأَنَّ الْخِرَقِيِّ قَالَ : فَهَرَبَ مِنْهُ .\rفَمَفْهُومُهُ أَنَّهُ إذَا فَارَقَهُ بِغَيْرِ هَرَبٍ ، أَنَّهُ يَحْنَثُ .\rالْخَامِسَةُ ، فَارَقَهُ مِنْ غَيْرِ إذْنٍ ، وَلَا هَرَبَ ، عَلَى وَجْهٍ يُمْكِنُهُ مُلَازَمَتُهُ ، وَالْمَشْيُ مَعَهُ ،","part":22,"page":311},{"id":10811,"text":"وَإِمْسَاكُهُ ، فَلَمْ يَفْعَلْ ، فَالْحُكْمُ فِيهَا كَاَلَّتِي قَبْلَهَا .\rالسَّادِسَةُ ، قَضَاهُ قَدْرَ حَقِّهِ ، فَفَارَقَهُ ظَنًّا مِنْهُ أَنَّهُ وَفَّاهُ ، فَخَرَجَ رَدِيئًا أَوْ بَعْضُهُ ، فَيُخَرَّجُ فِي الْحِنْثِ رِوَايَتَانِ ؛ بِنَاءً عَلَى النَّاسِي .\rوَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ ، كَالرِّوَايَتَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، يَحْنَثُ .\rوَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، لِأَنَّهُ فَارَقَهُ قَبْلَ اسْتِيفَاءِ حَقِّهِ مُخْتَارًا .\rوَالثَّانِي ، لَا يَحْنَثُ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ إذَا وَجَدَهَا زُيُوفًا ، وَإِنْ وَجَدَ أَكْثَرَهَا نُحَاسًا فَإِنَّهُ يَحْنَثُ .\rوَإِنْ وَجَدَهَا مُسْتَحَقَّةً ، فَأَخَذَهَا صَاحِبُهَا ، خُرِّجَ أَيْضًا عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي النَّاسِي ؛ لِأَنَّهُ ظَانٌّ أَنَّهُ مُسْتَوْفٍ حَقَّهُ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ وَجَدَهَا رَدِيئَةً .\rوَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ .\rوَأَصْحَابُ الرَّأْيِ : لَا يَحْنَثُ ، وَإِنْ عِلْمَ بِالْحَالِ فَفَارَقَهُ ، حَنِثَ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوَفِّهِ حَقَّهُ .\rالسَّابِعَةُ ، فَلَّسَهُ الْحَاكِمُ ، فَفَارَقَهُ ، نَظَرْت ؛ فَإِنْ أَلْزَمَهُ الْحَاكِمُ ، فَهُوَ كَالْمُكْرَهِ ، وَإِنْ لَمْ يُلْزِمْهُ مُفَارَقَتَهُ ، لَكِنَّهُ فَارَقَهُ لِعِلْمِهِ بِوُجُوبِ مُفَارَقَتِهِ ، حَنِثَ ؛ لِأَنَّهُ فَارَقَهُ مِنْ غَيْرِ إكْرَاهٍ ، فَحَنِثَ ، كَمَا لَوْ حَلَفَ لَا يُصَلِّي ، فَوَجَبَتْ عَلَيْهِ صَلَاةٌ فَصَلَّاهَا .\rالثَّامِنَةُ ، أَحَالَهُ الْغَرِيمُ بِحَقِّهِ ، فَفَارَقَهُ ، فَإِنَّهُ يَحْنَثُ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَمُحَمَّدٌ : لَا يَحْنَثُ .\rلِأَنَّهُ قَدْ بَرِئَ إلَيْهِ مِنْهُ وَلَنَا ، أَنَّهُ مَا اسْتَوْفَى حَقَّهُ مِنْهُ ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَمْ يَصِلْ إلَيْهِ شَيْءٌ ، وَلِذَلِكَ يَمْلِكُ الْمُطَالَبَةَ بِهِ ، فَحَنِثَ ، كَمَا لَوْ لَمْ يُحِلْهُ .\rفَإِنْ ظَنَّ أَنَّهُ قَدْ بَرَّ بِذَلِكَ ، فَفَارَقَهُ ، فَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : يُخَرَّجُ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ .\rوَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَحْنَثُ ؛ لِأَنَّ هَذَا جَهْلٌ بِحُكْمِ الشَّرْعِ فِيهِ ، فَلَا يَسْقُطُ عَنْهُ الْحِنْثُ ، كَمَا لَوْ جَهِلَ كَوْنَ هَذِهِ الْيَمِينِ مُوجِبَةً لِلْكَفَّارَةِ .\rفَأَمَّا إنْ","part":22,"page":312},{"id":10812,"text":"كَانَتْ يَمِينُهُ : لَا فَارَقْتُك وَلِي قِبَلَك حَقٌّ .\rفَأَحَالَهُ بِهِ ، فَفَارَقَهُ ، لَمْ يَحْنَثْ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ لَهُ قِبَلَهُ حَقٌّ .\rوَإِنْ أَخَذَ بِهِ ضَمِينًا أَوْ كَفِيلًا أَوْ رَهْنًا ، فَفَارَقَهُ ، حَنِثَ ، بِلَا إشْكَالٍ ؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ مُطَالَبَةَ الْغَرِيمِ .\rالتَّاسِعَةُ ، قَضَاهُ عَنْ حَقِّهِ عِوَضًا عَنْهُ ، ثُمَّ فَارَقَهُ .\rفَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ : لَا يَحْنَثُ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ قَضَاهُ .\rحَقَّهُ وَبَرِئَ إلَيْهِ مِنْهُ بِالْقَضَاءِ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : يَحْنَثُ ؛ لِأَنَّ يَمِينَهُ عَلَى نَفْسِ الْحَقِّ ، وَهَذَا بَدَلُهُ .\rوَإِنْ كَانَتْ يَمِينُهُ : لَا فَارَقْتُك حَتَّى تَبْرَأَ مِنْ حَقِّي ، أَوْ : لِي قِبَلَك حَقٌّ .\rلَمْ يَحْنَثْ ، وَجْهًا وَاحِدًا ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ لَهُ قِبَلَهُ حَقٌّ ، وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rوَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ اسْتَوْفَى حَقَّهُ .\rالْعَاشِرَةُ ، وَكَّلَ وَكِيلًا يَسْتَوْفِي لَهُ حَقَّهُ ، فَإِنْ فَارَقَهُ قَبْلَ اسْتِيفَاءِ الْوَكِيلِ ، حَنِثَ ؛ لِأَنَّهُ فَارَقَهُ قَبْلَ اسْتِيفَاءِ حَقِّهِ .\rوَإِنْ اسْتَوْفَى الْوَكِيلُ ، ثُمَّ فَارَقَهُ ، لَمْ يَحْنَثْ ؛ لِأَنَّ اسْتِيفَاءَ وَكِيلِهِ اسْتِيفَاءٌ لَهُ ، يَبْرَأُ بِهِ غَرِيمُهُ ، وَيَصِيرُ فِي ضَمَانِ الْمُوَكِّلِ .","part":22,"page":313},{"id":10813,"text":"( 8123 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا إنْ قَالَ : لَا فَارَقْتنِي حَتَّى أَسْتَوْفِيَ حَقِّي مِنْك .\rنَظَرْت ؛ فَإِنْ فَارَقَهُ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ مُخْتَارًا ، حَنِثَ .\rوَإِنْ أُكْرِهَ عَلَى فِرَاقِهِ ، لَمْ يَحْنَثْ .\rوَإِنْ فَارَقَهُ الْحَالِفُ مُخْتَارًا ، حَنِثَ ، إلَّا عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي تَأْوِيلِ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ، وَسَائِرُ الْفُرُوعِ تَأْتِي هَاهُنَا عَلَى نَحْوِ مَا ذَكَرْنَاهُ .","part":22,"page":314},{"id":10814,"text":"( 8124 ) فَصْلٌ : وَإِنْ كَانَتْ يَمِينُهُ : لَا افْتَرَقْنَا فَهَرَبَ مِنْهُ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ ، حَنِثَ ؛ لِأَنَّ يَمِينَهُ تَقْتَضِي أَلَّا تَحْصُلَ بَيْنَهُمَا فُرْقَةٌ بِوَجْهٍ ، وَقَدْ حَصَلَتْ الْفُرْقَةُ بِهَرَبِهِ .\rوَإِنْ أُكْرِهَا عَلَى الْفُرْقَةِ ، لَمْ يَحْنَثْ ، إلَّا عَلَى قَوْلِ مَنْ لَمْ يَرَ الْإِكْرَاهَ عُذْرًا .","part":22,"page":315},{"id":10815,"text":"( 8125 ) فَصْلٌ : فَإِنْ حَلَفَ : لَا فَارَقْتُك حَتَّى أُوَفِّيَك حَقَّك .\rفَأَبْرَأَهُ الْغَرِيمُ مِنْهُ ، فَهَلْ يَحْنَثُ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ ؛ بِنَاءً عَلَى الْمُكْرَهِ .\rوَإِنْ كَانَ الْحَقُّ عَيْنًا ، فَوَهَبَهَا لَهُ الْغَرِيمُ ، فَقَبِلَهَا ، حَنِثَ ؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ إيفَاءَهَا لَهُ بِاخْتِيَارِهِ .\rوَإِنْ قَبَضَهَا مِنْهُ ، ثُمَّ وَهَبَهَا إيَّاهُ ، لَمْ يَحْنَثْ .\rوَإِنْ كَانَتْ يَمِينُهُ : لَا فَارَقْتُك وَلَك قِبَلِي حَقٌّ .\rلَمْ يَحْنَثْ إذَا أَبْرَأهُ ، أَوْ وَهَبَ الْعَيْنَ لَهُ .\r( 8126 ) فَصْلٌ : وَالْفُرْقَةُ فِي هَذَا كُلِّهِ ، مَا عَدَّهُ النَّاسُ فِرَاقًا فِي الْعَادَةِ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا الْفُرْقَةَ فِي الْبَيْعِ ، وَمَا نَوَاهُ بِيَمِينِهِ مِمَّا يَحْتَمِلُهُ لَفْظُهُ ، فَهُوَ عَلَى مَا نَوَاهُ .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":22,"page":316},{"id":10816,"text":"( 8127 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَلَوْ حَلَفَ عَلَى زَوْجَتِهِ أَنْ لَا تَخْرُجَ إلَّا بِإِذْنِهِ ، فَذَلِكَ عَلَى كُلِّ مَرَّةٍ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ نَوَى مَرَّةً ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ مَنْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ : إنْ خَرَجْت إلَّا بِإِذْنِي ، أَوْ بِغَيْرِ إذْنِي ، فَأَنْتِ طَالِقٌ .\rأَوْ قَالَ : إنْ خَرَجْت إلَّا أَنْ آذَنَ لَك ، أَوْ حَتَّى آذَنَ لَك ، أَوْ إلَى أَنْ آذَنَ لَك .\rفَالْحُكْمُ فِي هَذِهِ الْأَلْفَاظِ الْخَمْسَةِ ، أَنَّهَا مَتَى خَرَجَتْ بِغَيْرِ إذْنِهِ ، طَلُقَتْ ، وَانْحَلَّتْ يَمِينُهُ ؛ لِأَنَّ حَرْفَ \" أَنْ \" لَا يَقْتَضِي تَكْرَارًا ، فَإِذَا حَنِثَ مَرَّةً ، انْحَلَّتْ ، كَمَا لَوْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ إنْ شِئْت .\rوَإِنْ خَرَجَتْ بِإِذْنِهِ ، لَمْ يَحْنَثْ ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ مَا وُجِدَ .\rوَلَيْسَ فِي هَذَا اخْتِلَافٌ .\rوَلَا تَنْحَلُّ الْيَمِينُ ، فَمَتَى خَرَجَتْ بَعْدَ هَذَا بِغَيْرِ إذْنِهِ ، طَلُقَتْ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : تَنْحَلُّ ، فَلَا يَحْنَثُ بِخُرُوجِهَا بَعْدَ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ تَعَلَّقَتْ بِخُرُوجِ وَاحِدٍ ، بِحَرْفٍ لَا يَقْتَضِي التَّكْرَارَ ، فَإِذَا وُجِدَ بِغَيْرِ إذْنٍ ، حَنِثَ ، وَإِنْ وُجِدَ بِإِذْنٍ ، بَرَّ ؛ لِأَنَّ الْبَرَّ يَتَعَلَّقُ بِمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْحِنْثُ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، فِي قَوْلِهِ : إنْ خَرَجْت إلَّا بِإِذْنِي ، أَوْ بِغَيْرِ إذْنِي .\rكَقَوْلِنَا ؛ لِأَنَّ الْخُرُوجَ بِإِذْنِهِ فِي هَذَيْنِ الْمَوْضِعَيْنِ مُسْتَثْنًى مِنْ يَمِينِهِ ، فَلَمْ يَدْخُلْ فِيهَا ، وَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ بِرٌّ وَلَا حِنْثٌ .\rوَإِنْ قَالَ : إنْ خَرَجْت إلَّا أَنْ آذَنَ لَك ، أَوْ حَتَّى آذَنَ لَك ، أَوْ إلَى أَنْ آذَنَ لَك .\rمَتَى أَذِنَ لَهَا ، انْحَلَّتْ يَمِينُهُ ، وَلَمْ يَحْنَثْ بَعْدَ ذَلِكَ بِخُرُوجِهَا بِغَيْرِ إذْنِهِ ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ الْإِذْنَ فِيهَا غَايَةً لِيَمِينِهِ ، وَجَعَلَ الطَّلَاقَ مُعَلَّقًا عَلَى الْخُرُوجِ قَبْلَ إذْنِهِ ، فَمَتَى أَذِنَ انْتَهَتْ غَايَةُ يَمِينِهِ ، وَزَالَ حُكْمُهَا ، كَمَا لَوْ قَالَ : إنْ خَرَجْت إلَى أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ ، أَوْ إلَّا أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ ، أَوْ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ ، فَأَنْتِ طَالِقٌ .\rفَخَرَجَتْ بَعْدَ طُلُوعِهَا ،","part":22,"page":317},{"id":10817,"text":"وَلِأَنَّ حَرْفَ \" إلَى \" \" وَحَتَّى \" لِلْغَايَةِ ، لَا لِلِاسْتِثْنَاءِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ عَلَّقَ الطَّلَاقَ عَلَى شَرْطٍ ، وَقَدْ وُجِدَ ، فَيَقَعُ الطَّلَاقُ ، كَمَا لَوْ لَمْ تَخْرُجْ بِإِذْنِهِ .\rوَقَوْلُهُمْ : قَدْ بَرَّ .\rغَيْرُ صَحِيحٍ ؛ لِوَجْهَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، أَنَّ الْمَأْذُونَ فِيهِ مُسْتَثْنًى مِنْ يَمِينِهِ ، غَيْرُ دَاخِلٍ فِيهَا ، فَكَيْفَ يَبَرُّ ؟ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ لَهَا : إنْ كَلَّمْت رَجُلًا إلَّا أَخَاكِ ، أَوْ غَيْرَ أَخِيك ، فَأَنْتِ طَالِقٌ .\rفَكَلَّمَتْ أَخَاهَا ، ثُمَّ كَلَّمَتْ رَجُلًا آخَرَ ، فَإِنَّهَا تَطْلُقُ ، وَلَا تَنْحَلُّ يَمِينُهُ بِتَكْلِيمِهَا أَخَاهَا ؟ وَالثَّانِي ، أَنَّ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ خُرُوجٌ مَوْصُوفٌ بِصِفَةٍ ، فَلَا تَنْحَلُّ الْيَمِينُ بِوُجُودِ مَا لَمْ تُوجَدْ فِيهِ الصِّفَةُ ، وَلَا يَحْنَثُ بِهِ ، وَلَا يَتَعَلَّقُ بِمَا عَدَاهُ بِرٌّ وَلَا حِنْثٌ ، كَمَا لَوْ قَالَ : إنْ خَرَجْت عُرْيَانَةً ، فَأَنْتِ طَالِقٌ ، أَوْ إنْ خَرَجْت رَاكِبَةً ، فَأَنْتِ طَالِقٌ .\rفَخَرَجَتْ مُسْتَتِرَةً مَاشِيَةً ، لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ بِرٌّ وَلَا حِنْثٌ ، وَلِأَنَّهُ لَوْ قَالَ لَهَا : إنْ كَلَّمْت رَجُلًا فَاسِقًا ، أَوْ مِنْ غَيْرِ مَحَارِمِك ، فَأَنْتِ طَالِقٌ .\rلَمْ يَتَعَلَّقْ بِتَكْلِيمِهَا لِغَيْرِ مَنْ هُوَ مَوْصُوفٌ بِتِلْكَ الصِّفَةِ بِرٌّ وَلَا حِنْثٌ ، فَكَذَلِكَ فِي الْأَفْعَالِ .\rوَقَوْلُهُمْ : تَعَلَّقَتْ الْيَمِينُ بِخُرُوجِ وَاحِدٍ .\rقُلْنَا : إلَّا أَنَّهُ خُرُوجٌ مَوْصُوفٌ بِصِفَةٍ ، فَلَا تَنْحَلُّ الْيَمِينُ بِوُجُودِ غَيْرِهِ ، وَلَا يَحْنَثُ بِهِ .\rوَأَمَّا قَوْلُ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ : إنَّ الْأَلْفَاظَ الثَّلَاثَةَ لَيْسَتْ مِنْ أَلْفَاظِ الِاسْتِثْنَاءِ .\rقُلْنَا : قَوْلُهُ : إلَّا أَنْ آذَنَ لَك .\rمِنْ أَلْفَاظِ الِاسْتِثْنَاءِ ، وَاللَّفْظَتَانِ الْأُخْرَيَانِ فِي مَعْنَاهُ ، فِي إخْرَاجِ الْمَأْذُونِ مِنْ يَمِينِهِ ، فَكَانَ حُكْمُهُمَا كَحُكْمِهِ .\rهَذَا الْكَلَامُ فِيمَا إذَا أَطْلَقَ ، فَإِنْ نَوَى تَعْلِيقَ الطَّلَاقِ عَلَى خُرُوجٍ وَاحِدٍ ، تَعَلَّقَتْ يَمِينُهُ بِهِ ، وَقُبِلَ قَوْلُهُ فِي الْحُكْمِ ؛ لِأَنَّهُ فَسَّرَ لَفْظَهُ بِمَا يَحْتَمِلُهُ احْتِمَالًا غَيْرَ","part":22,"page":318},{"id":10818,"text":"بَعِيدٍ .\rوَإِنْ أَذِنَ لَهَا مَرَّةً وَاحِدَةً ، وَنَوَى الْإِذْنَ فِي كُلِّ مَرَّةٍ ، فَهُوَ عَلَى مَا نَوَى .\rوَقَدْ نَقَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ ، عَنْ أَبِيهِ ، إذَا حَلَفَ أَنْ لَا تَخْرُجَ امْرَأَتُهُ إلَّا بِإِذْنِهِ : إذَا أَذِنَ لَهَا مَرَّةً ، فَهُوَ إذْنٌ لِكُلِّ مَرَّةٍ ، وَتَكُونُ يَمِينُهُ عَلَى مَا نَوَى .\rوَإِنْ قَالَ : كُلَّمَا خَرَجْت ، فَهُوَ بِإِذْنِي .\rأَجْزَأَهُ مَرَّةً وَاحِدَةً .\rوَإِنْ نَوَى بِقَوْلِهِ : إلَى أَنْ آذَنَ لَك ، أَوْ حَتَّى آذَنَ لَك ، الْغَايَةَ ، وَأَنَّ الْخُرُوجَ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ مَا قَبْلَ الْغَايَةِ ، دُونَ مَا بَعْدَهَا ، قُبِلَ قَوْلُهُ ، وَانْحَلَّتْ يَمِينُهُ بِالْإِذْنِ ؛ لِنِيَّتِهِ ، فَإِنَّ مَبْنَى الْأَيْمَانِ عَلَى النِّيَّةِ .","part":22,"page":319},{"id":10819,"text":"( 8128 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَالَ : إنْ خَرَجْت بِغَيْرِ إذْنِي ، فَأَنْتِ طَالِقٌ .\rفَأَذِنَ لَهَا ، ثُمَّ نَهَاهَا ، فَخَرَجَتْ طَلُقَتْ ؛ لِأَنَّهَا خَرَجَتْ بِغَيْرِ إذْنِهِ .\rوَكَذَلِكَ إنْ قَالَ : إلَّا بِإِذْنِي .\rوَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ : لَا يَحْنَثُ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَذِنَ .\rوَلَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ نَهْيَهُ قَدْ أَبْطَلَ إذْنَهُ ، فَصَارَتْ خَارِجَةً بِغَيْرِ إذْنِهِ .\rوَكَذَلِكَ لَوْ أَذِنَ لِوَكِيلِهِ فِي بَيْعٍ ، ثُمَّ نَهَاهُ عَنْهُ ، فَبَاعَهُ ، كَانَ بَاطِلًا .\rوَإِنْ قَالَ : إنْ خَرَجْت بِغَيْرِ إذْنِي ، لِغَيْرِ عِيَادَةِ مَرِيضٍ ، فَأَنْتِ طَالِقٌ .\rفَخَرَجَتْ لِعِيَادَةِ مَرِيضٍ ، ثُمَّ تَشَاغَلَتْ بِغَيْرِهِ ، أَوْ قَالَ : إنْ خَرَجْت إلَى غَيْرِ الْحَمَّامِ ، بِغَيْرِ إذْنِي ، فَأَنْتِ طَالِقٌ .\rفَخَرَجَتْ إلَى الْحَمَّامِ ، ثُمَّ عَدَلَتْ إلَى غَيْرِهِ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، لَا يَحْنَثُ ؛ لِأَنَّهَا مَا خَرَجَتْ لِغَيْرِ عِيَادَةِ مَرِيضٍ ، وَلَا إلَى غَيْرِ الْحَمَّامِ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rالثَّانِي ، يَحْنَثُ ؛ لِأَنَّ قَصْدَهُ فِي الْغَالِبِ أَنْ لَا تَذْهَبَ إلَى غَيْرِ الْحَمَّامِ ، وَعِيَادَةِ الْمَرِيضِ ، وَقَدْ ذَهَبَتْ إلَى غَيْرِهِمَا ، وَلِأَنَّ حُكْمَ الِاسْتِدَامَةِ حُكْمُ الِابْتِدَاءِ ، وَلِهَذَا لَوْ حَلَفَ أَنْ لَا يَدْخُلَ دَارًا هُوَ دَاخِلُهَا ، فَأَقَامَ فِيهَا ، حَنِثَ ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ .\rوَإِنْ قَصَدَتْ بِخُرُوجِهَا الْحَمَّامَ وَغَيْرَهُ ، أَوْ الْعِيَادَةَ وَغَيْرَهَا ، حَنِثَ ؛ لِأَنَّهَا خَرَجَتْ لِغَيْرِهِمَا .\rوَإِنْ قَالَ : إنْ خَرَجْت لَا لِعِيَادَةِ مَرِيضٍ ، فَأَنْتِ طَالِقٌ .\rفَخَرَجَتْ لِعِيَادَةِ مَرِيضٍ وَغَيْرِهِ ، لَمْ يَحْنَثْ ؛ لِأَنَّ الْخُرُوجَ لِعِيَادَةِ الْمَرِيضِ ، وَإِنْ قَصَدَتْ مَعَهُ غَيْرَهُ .\rوَإِنْ قَالَ : إنْ خَرَجْت بِغَيْرِ إذْنِي ، فَأَنْتِ طَالِقٌ .\rثُمَّ أَذِنَ لَهَا وَلَمْ تَعْلَمْ ، فَخَرَجَتْ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، تَطْلُقُ .\rوَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٌ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ .\rوَالثَّانِي ، لَا يَحْنَثُ .\rوَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي يُوسُفَ ؛ لِأَنَّهَا خَرَجَتْ بَعْدَ وُجُودِ الْإِذْنِ","part":22,"page":320},{"id":10820,"text":"مِنْ جِهَتِهِ ، فَلَمْ يَحْنَثْ ، كَمَا لَوْ عَلِمَتْ بِهِ ، وَلِأَنَّهُ لَوْ عَزَلَ وَكِيلَهُ انْعَزَلَ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِالْعَزْلِ ، فَكَذَلِكَ تَصِيرُ مَأْذُونًا لَهَا وَإِنْ لَمْ تَعْلَمْ .\rوَوَجْهُ الْأَوَّلِ ، أَنَّ الْإِذْنَ إعْلَامٌ ، وَكَذَلِكَ قِيلَ فِي قَوْلِهِ : { أَذِنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ } .\rأَيْ أَعْلَمْتُكُمْ فَاسْتَوَيَا فِي الْعِلْمِ .\r{ وَأَذَانٌ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ } .\rأَيْ إعْلَامٌ .\r{ فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ } .\rفَاعْلَمُوا بِهِ .\rوَاشْتِقَاقُهُ مِنْ الْإِذْنِ ، يَعْنِي أَوْقَعْته فِي إذْنِك ، وَأَعْلَمْتُك بِهِ .\rوَمَعَ عَدَمِ الْعِلْمِ لَا يَكُونُ إعْلَامًا ، فَلَا يَكُونُ إذْنًا ، وَلِأَنَّ إذْنَ الشَّارِعِ فِي أَوَامِرِهِ وَنَوَاهِيهِ ، لَا يَثْبُتُ إلَّا بَعْدَ الْعِلْمِ بِهَا ، كَذَلِكَ إذْنُ الْآدَمِيِّ ، وَعَلَى هَذَا يُمْنَعُ وُجُودُ الْإِذْنِ مِنْ جِهَتِهِ .","part":22,"page":321},{"id":10821,"text":"( 8129 ) فَصْلٌ : فَإِنْ حَلَفَ عَلَيْهَا أَنْ لَا تَخْرُجَ مِنْ هَذِهِ الدَّارِ إلَّا بِإِذْنِهِ ، فَصَعِدَتْ سَطْحَهَا ، أَوْ خَرَجَتْ إلَى صَحْنِهَا ، لَمْ يَحْنَثْ ، لِأَنَّهَا لَمْ تَخْرُجْ مِنْ الدَّارِ .\rوَإِنْ حَلَفَ لَا تَخْرُجُ مِنْ الْبَيْتِ ، فَخَرَجَتْ إلَى الصَّحْنِ ، أَوْ إلَى سَطْحِهِ ، حَنِثَ .\rوَهَذَا مُقْتَضَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ .\rوَلَوْ حَلَفَ عَلَى زَوْجَتِهِ لَا تَخْرُجُ ، ثُمَّ حَمَلَهَا فَأَخْرَجَهَا ، فَإِنْ أَمْكَنَهَا الِامْتِنَاعُ فَلَمْ تَمْتَنِعْ ، حَنِثَ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يَحْنَثُ ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَخْرُجْ ، إنَّمَا أُخْرِجَتْ .\rوَلَنَا ، أَنَّهَا خَرَجَتْ مُخْتَارَةً ، فَحَنِثَ ، كَمَا لَوْ أَمَرَتْ مَنْ حَمَلَهَا ، وَالدَّلِيلُ عَلَى خُرُوجِهَا ، أَنَّ الْخُرُوجَ الِانْفِصَالُ مِنْ دَاخِلٍ إلَى خَارِجٍ ، وَقَدْ وُجِدَ ذَلِكَ .\rوَمَا ذَكَرَهُ يَبْطُلُ بِمَا إذَا أَمَرَتْ مَنْ حَمَلَهَا ، فَأَمَّا إنْ لَمْ يُمْكِنْهَا الِامْتِنَاعُ ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَحْنَثَ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ ؛ لِأَنَّ الْخُرُوجَ لَا يُنْسَبُ إلَيْهَا ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ حَمَلَهَا غَيْرُ الْحَالِفِ .\rوَيُحْتَمَلُ أَنْ يَحْنَثَ ؛ لِأَنَّهُ مُخْتَارٌ لِفِعْلِ مَا حَلَفَ عَلَى تَرْكِهِ .\rوَإِنْ حَلَفَ لَا تَخْرُجِي إلَّا بِإِذْنِ زَيْدٍ ، فَمَاتَ زَيْدٌ وَلَمْ يَأْذَنْ ، فَخَرَجَتْ ، حَنِثَ الْحَالِفُ ؛ لِأَنَّهُ عَلَّقَهُ عَلَى شَرْطٍ ، وَلَمْ يُوجَدْ ، وَلَا يَجُوزُ فِعْلُ الْمَشْرُوطِ .","part":22,"page":322},{"id":10822,"text":"( 8130 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَلَوْ حَلَفَ أَنْ لَا يَأْكُلَ هَذَا الرُّطَبَ ، فَأَكَلَهُ تَمْرًا ، حَنِثَ .\rوَكَذَلِكَ كُلُّ مَا تَوَلَّدَ مِنْ ذَلِكَ الرُّطَبِ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا حَلَفَ عَلَى شَيْءٍ عَيَّنَهُ بِالْإِشَارَةِ ، مِثْلَ أَنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ هَذَا الرُّطَبَ ، لَمْ يَخْلُ مِنْ حَالَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، أَنْ يَأْكُلَهُ رُطَبًا ، فَيَحْنَثَ ، بِلَا خِلَافٍ بَيْنَ الْجَمِيعِ ؛ لِكَوْنِهِ فَعَلَ مَا حَلَفَ عَلَى تَرْكِهِ صَرِيحًا .\rالثَّانِي : أَنْ تَتَغَيَّرَ صِفَتُهُ ، وَذَلِكَ يُقَسَّمُ خَمْسَةَ أَقْسَامٍ ؛ أَحَدُهَا ، أَنْ تَسْتَحِيلَ أَجْزَاؤُهُ .\rوَيَتَغَيَّرَ اسْمُهُ ، مِثْلَ أَنْ يَحْلِفَ : لَا أَكَلْت هَذِهِ الْبَيْضَةَ .\rفَصَارَتْ فَرْخًا .\rأَوْ لَا أَكَلْت هَذِهِ الْحِنْطَةَ .\rفَصَارَتْ زَرْعًا فَأَكَلَهُ ، فَهَذَا لَا يَحْنَثُ ؛ لِأَنَّهُ زَالَ وَاسْتَحَالَتْ أَجْزَاؤُهُ .\rوَعَلَى قِيَاسِهِ ، إذَا حَلَفَ : لَا شَرِبْت هَذَا الْخَمْرَ .\rفَصَارَتْ خَلًّا ، فَشَرِبَهُ .\rالْقِسْمُ الثَّانِي ، تَغَيَّرَتْ صِفَتُهُ ، وَزَالَ اسْمُهُ ، مَعَ بَقَاءِ أَجْزَائِهِ ، مِثْلَ أَنْ يَحْلِفَ : لَا آكُلُ هَذَا الرُّطَبَ .\rفَصَارَ تَمْرًا ، وَلَا أُكَلِّمُ هَذَا الصَّبِيَّ .\rفَصَارَ شَيْخًا ، وَلَا آكُلُ هَذَا الْحَمَلَ .\rفَصَارَ كَبْشًا .\rأَوْ لَا آكُلُ هَذَا الرُّطَبَ .\rفَصَارَ دِبْسًا ، أَوْ خَلًّا ، أَوْ نَاطِفًا ، أَوْ غَيْرَهُ مِنْ الْحَلْوَاءِ .\rوَلَا يَأْكُلُ هَذِهِ الْحِنْطَةَ ، فَصَارَتْ دَقِيقًا ، أَوْ سَوِيقًا ، أَوْ خُبْزًا ، أَوْ هَرِيسَةً .\rأَوْ : لَا أَكَلْت هَذَا الْعَجِينَ ، أَوْ هَذَا الدَّقِيقَ .\rفَصَارَ خُبْزًا .\rأَوْ : لَا أَكَلْت هَذَا اللَّبَنَ .\rفَصَارَ سَمْنًا ، أَوْ جُبْنًا ، أَوْ كُشْكًا .\rأَوْ : لَا دَخَلْت هَذِهِ الدَّارَ .\rفَصَارَتْ مَسْجِدًا ، أَوْ حَمَّامًا ، أَوْ فَضَاءً ، ثُمَّ دَخَلَهَا أَوْ أَكَلَهُ ، حَنِثَ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ .\rوَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، فِيمَا إذَا حَلَفَ : لَا كَلَّمْت هَذَا الصَّبِيَّ .\rفَصَارَ شَيْخًا .\rوَلَا أَكَلْت هَذَا الْحَمَلَ .\rفَصَارَ كَبْشًا .\rوَلَا : دَخَلْت هَذِهِ الدَّارَ .\rفَدَخَلَهَا بَعْدَ تَغَيُّرِهَا .\rوَقَالَ بِهِ أَبُو يُوسُفَ ، فِي الْحِنْطَةِ إذَا صَارَتْ","part":22,"page":323},{"id":10823,"text":"دَقِيقًا .\rوَلِلشَّافِعِيِّ فِي الرُّطَبِ إذَا صَارَ تَمْرًا ، وَالصَّبِيِّ إذَا صَارَ شَيْخًا ، وَالْحَمَلِ إذَا صَارَ كَبْشًا ، وَجْهَانِ .\rوَقَالُوا فِي سَائِرِ الصُّوَرِ : لَا يَحْنَثُ ؛ لِأَنَّ اسْمَ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ وَصُورَتَهُ زَالَتْ ، فَلَمْ يَحْنَثْ ، كَمَا لَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ هَذِهِ الْبَيْضَةَ ، فَصَارَتْ فَرْخًا .\rوَلَنَا ، أَنَّ عَيْنَ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ بَاقِيَةٌ ، فَحَنِثَ بِهَا ، كَمَا لَوْ حَلَفَ : لَا أَكَلَتْ هَذَا الْحَمَلَ .\rفَأَكَلَ لَحْمَهُ .\rأَوْ : لَا لَبِسْت هَذَا الْغَزْلَ .\rفَصَارَ ثَوْبًا ، فَلَبِسَهُ .\rأَوْ : لَا لَبِسْت هَذَا الرِّدَاءَ .\rفَلَبِسَهُ بَعْدَ أَنْ صَارَ قَمِيصًا أَوْ سَرَاوِيلَ .\rوَفَارَقَ الْبَيْضَةَ إذَا صَارَتْ فَرْخًا ؛ لِأَنَّ أَجْزَاءَهَا اسْتَحَالَتْ ، فَصَارَتْ عَيْنًا أُخْرَى ، وَلَمْ تَبْقَ عَيْنُهَا ، وَلِأَنَّهُ لَا اعْتِبَارَ بِالِاسْمِ مَعَ التَّعْيِينِ ، كَمَا لَوْ حَلَفَ : لَا كَلَّمْت زَيْدًا هَذَا .\rفَغَيَّرَ اسْمَهُ .\rأَوْ : لَا كَلَّمْت صَاحِبَ هَذَا الطَّيْلَسَانِ .\rفَكَلَّمَهُ بَعْدَ بَيْعِهِ .\rوَلِأَنَّهُ مَتَى اجْتَمَعَ التَّعْيِينُ مَعَ غَيْرِهِ مِمَّا يُعْرَفُ بِهِ ، كَانَ الْحُكْمُ لِلتَّعْيِينِ ، كَمَا لَوْ اجْتَمَعَ مَعَ الْإِضَافَةِ .\rالْقِسْمُ الثَّالِثُ ، تَبَدَّلَتْ الْإِضَافَةُ ، مِثْلَ أَنْ حَلَفَ : لَا كَلَّمْت زَوْجَةَ زَيْدٍ هَذِهِ ، وَلَا عَبْدَهُ هَذَا ، وَلَا دَخَلْت دَارِهِ هَذِهِ .\rفَطَلَّقَ الزَّوْجَةَ ، وَبَاعَ الْعَبْدَ وَالدَّارَ ، فَكَلَّمَهُمَا ، وَدَخَلَ الدَّارَ ، حَنِثَ .\rوَبِهِ قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَمُحَمَّدٌ ، وَزُفَرُ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَبُو يُوسُفَ : لَا يَحْنَثُ ، إلَّا فِي الزَّوْجَةِ ؛ لِأَنَّ الدَّارَ لَا تُوَالَى وَلَا تُعَادَى ، وَإِنَّمَا الِامْتِنَاعُ لِأَجْلِ مَالِكِهَا ، فَتَعَلَّقَتْ الْيَمِينُ بِهَا ، مَعَ بَقَاءِ مِلْكِهِ عَلَيْهَا ، وَكَذَلِكَ الْعَبْدُ فِي الْغَالِبِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ إذَا اجْتَمَعَ فِي الْيَمِينِ التَّعْيِينُ وَالْإِضَافَةُ ، كَانَ الْحُكْمُ لِلتَّعْيِينِ ، كَمَا لَوْ قَالَ : وَاَللَّهِ لَا كَلَّمْت زَوْجَةَ فُلَانٍ ، وَلَا صَدِيقَهُ .\rوَمَا ذَكَرُوهُ لَا يَصِحُّ فِي الْعَبْدِ ؛ لِأَنَّهُ","part":22,"page":324},{"id":10824,"text":"يُوَالِي وَيُعَادِي ، وَيَلْزَمُهُ فِي الدَّارِ إذَا أَطْلَقَ ، وَلَمْ يَذْكُرْ مَالِكَهَا ، فَإِنَّهُ يَحْنَثُ بِدُخُولِهَا بَعْدَ بَيْعِ مَالِكِهَا إيَّاهَا .\rالْقِسْمُ الرَّابِعُ ، إذَا تَغَيَّرَتْ صِفَتُهُ بِمَا يُزِيلُ اسْمَهُ ثُمَّ عَادَتْ ، كَمِقَصٍّ انْكَسَرَ ثُمَّ أُعِيدَ ، وَقَلَمٍ انْكَسَرَ ثُمَّ بُرِيَ ، وَسَفِينَةٍ تَفَصَّمَتْ ثُمَّ أُعِيدَتْ ، وَدَارٍ هُدِمَتْ ثُمَّ بُنِيَتْ ، وَأُسْطُوَانَةٍ نُقِضَتْ ثُمَّ أُعِيدَتْ ، فَإِنَّهُ يَحْنَثُ ؛ لِأَنَّ أَجْزَاءَهَا وَاسْمَهَا مَوْجُودٌ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ تَتَغَيَّرْ .\rالْقِسْمُ الْخَامِسُ ، إذَا تَغَيَّرَتْ صِفَتُهُ بِمَا لَمْ يُزِلْ اسْمَهُ ، كَلَحْمٍ شُوِيَ أَوْ طُبِخَ ، وَعَبْدٍ بِيعَ ، وَرَجُلٍ مَرِضَ ، فَإِنَّهُ يَحْنَثُ بِهِ ، بِلَا خِلَافٍ نَعْلَمُهُ ؛ لِأَنَّ الِاسْمَ الَّذِي عَلَّقَ عَلَيْهِ الْيَمِينَ لَمْ يَزُلْ ، وَلَا زَالَ التَّغَيُّرُ ، فَحَنِثَ بِهِ ، كَمَا لَوْ لَمْ يَتَغَيَّرْ حَالُهُ .","part":22,"page":325},{"id":10825,"text":"( 8131 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَالَ : وَاَللَّهِ لَا كَلَّمْت سَعْدًا زَوْجَ هِنْدٍ أَوْ سَيِّدَ صُبَيْحٍ ، أَوْ صَدِيقَ عَمْرٍو ، أَوْ مَالِكَ هَذِهِ الدَّارِ ، أَوْ صَاحِبَ هَذَا الطَّيْلَسَانِ .\rأَوْ : لَا كَلَّمْت هِنْدَ امْرَأَةَ سَعْدٍ ، أَوْ صُبَيْحًا عَبْدَهُ ، أَوْ عَمْرًا صَدِيقَهُ .\rفَطَلَّقَ الزَّوْجَةَ ، وَبَاعَ الْعَبْدَ وَالدَّارَ وَالطَّيْلَسَانَ ، وَعَادَى عَمْرًا ، وَكَلَّمَهُمْ ، حَنِثَ ؛ لِأَنَّهُ مَتَى اجْتَمَعَ الِاسْمُ وَالْإِضَافَةُ ، غَلَبَ الِاسْمُ ؛ بِجَرَيَانِهِ مَجْرَى التَّعْيِينِ لِتَعْرِيفِ الْمَحَلِّ .\r( 8132 ) فَصْلٌ : وَمَتَى نَوَى بِيَمِينِهِ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ ، مَا دَامَ عَلَى تِلْكَ الصِّفَةِ أَوْ الْإِضَافَةِ ، أَوْ لَمْ يَتَغَيَّرْ ، فَيَمِينُهُ عَلَى مَا نَوَاهُ ؛ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : \" وَإِنَّمَا لِامْرِئِ مَا نَوَى \" .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":22,"page":326},{"id":10826,"text":"( 8133 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَلَوْ حَلَفَ أَنْ لَا يَأْكُلَ تَمْرًا ، فَأَكَلَ رُطَبًا ، لَمْ يَحْنَثْ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا لَمْ يُعَيِّنْ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ ، وَلَمْ يَنْوِ بِيَمِينِهِ مَا يُخَالِفُ ظَاهِرَ اللَّفْظِ ، وَلَا صَرَفَهُ السَّبَبُ عَنْهُ ، تَعَلَّقَتْ يَمِينُهُ بِمَا تَنَاوَلَهُ الِاسْمُ الَّذِي عَلَّقَ عَلَيْهِ يَمِينَهُ ، وَلَمْ يَتَجَاوَزْهُ ، فَإِذَا حَلَفَ أَلَّا يَأْكُلَ تَمْرًا ، لَمْ يَحْنَثْ إذَا أَكَلَ رُطَبًا وَلَا بُسْرًا وَلَا بَلَحًا .\rوَإِذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ رُطَبًا ، لَمْ يَحْنَثْ إذَا أَكَلَ تَمْرًا وَلَا بُسْرًا وَلَا بَلَحًا ، وَلَا سَائِرَ مَا لَا يُسَمَّى رُطَبًا .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ .\rوَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا .","part":22,"page":327},{"id":10827,"text":"( 8134 ) فَصْلٌ : وَلَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ عِنَبًا ، فَأَكَلَ زَبِيبًا أَوْ دِبْسًا أَوْ خَلًّا أَوْ نَاطِفًا ، أَوْ لَا يُكَلِّمُ شَابًّا ، فَكَلَّمَ شَيْخًا ، أَوْ لَا يَشْتَرِيَ جَدْيًا ، فَاشْتَرَى تَيْسًا ، أَوْ لَا يَضْرِبَ عَبْدًا ، فَضَرَبَ عَتِيقًا ، لَمْ يَحْنَثْ ، بِغَيْرِ خِلَافٍ ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ تَعَلَّقَتْ بِالصِّفَةِ دُونَ الْعَيْنِ ، وَلَمْ تُوجَدْ الصِّفَةُ ، فَجَرَى مَجْرَى قَوْلِهِ : لَا أَكَلْت هَذِهِ التَّمْرَةَ .\rفَأَكَلَ غَيْرَهَا .","part":22,"page":328},{"id":10828,"text":"( 8135 ) فَصْلٌ : فَإِنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ رُطَبًا ، فَأَكَلَ مُنَصَّفًا ، وَهُوَ الَّذِي بَعْضُهُ بُسْرٌ وَبَعْضُهُ تَمْرٌ ، أَوْ مُذَنَّبًا ، وَهُوَ الَّذِي بَدَأَ فِيهِ الْإِرْطَابُ مِنْ ذَنَبِهِ وَبَاقِيهِ بُسْرٌ ، أَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ بُسْرًا ، فَأَكَلَ ذَلِكَ ، حَنِثَ .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَمُحَمَّدٌ ، وَالشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو يُوسُفَ ، وَبَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ : لَا يَحْنَثُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى رُطَبًا وَلَا تَمْرًا .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ أَكَلَ رُطَبًا وَبُسْرًا ، فَحَنِثَ ، كَمَا لَوْ أَكَلَ نِصْفَ رُطَبَةٍ وَنِصْفَ بُسْرَةٍ مُنْفَرِدَتَيْنِ .\rوَمَا ذَكَرُوهُ لَا يَصِحُّ ؛ فَإِنَّ الْقَدْرَ الَّذِي أَرْطُبْ رُطَبٌ ، وَالْبَاقِيَ بُسْرٌ ، وَلَوْ أَنَّهُ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ الرُّطَبَ ، فَأَكَلَ الْقَدْرَ الَّذِي أَرْطَبُ مِنْ النِّصْفِ ، حَنِثَ ، وَلَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ الْبُسْرَ ، فَأَكَلَ الْبُسْرَ الَّذِي فِي النِّصْفِ حَنِثَ .\rوَإِنْ أَكَلَ الْبُسْرَ مَنْ يَمِينُهُ عَلَى الرُّطَبِ ، وَأَكَلَ الرُّطَبَ مَنْ يَمِينُهُ عَلَى الْبُسْرِ ، لَمْ يَحْنَثْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا .\rوَإِنْ حَلَفَ وَاحِدٌ لَيَأْكُلَنَّ رُطَبًا ، وَآخَرُ لَيَأْكُلَنَّ بُسْرًا ، فَأَكَلَ الْحَالِفُ عَلَى أَكْلِ الرُّطَبِ مَا فِي الْمُنَصَّفِ مِنْ الرُّطَبَةِ ، وَأَكَلَ الْآخَرُ بَاقِيَهَا ، بَرَّا جَمِيعًا .\rوَإِنْ حَلَفَ لَيَأْكُلَنَّ رُطَبَةً أَوْ بُسْرَةً ، أَوْ لَا يَأْكُلُ ذَلِكَ ، فَأَكَلَ مُنَصَّفًا ، لَمْ يَبَرَّ وَلَمْ يَحْنَثْ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ رُطَبَةٌ وَلَا بُسْرَةٌ .","part":22,"page":329},{"id":10829,"text":"( 8136 ) فَصْلٌ : وَإِنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ لَبَنًا ، فَأَكَلَ مِنْ لَبَنِ الْأَنْعَامِ ، أَوْ الصَّيْدِ ، أَوْ لَبَنِ آدَمِيَّةٍ ، حَنِثَ ؛ لِأَنَّ الِاسْمَ يَتَنَاوَلُهُ حَقِيقَةً وَعُرْفًا ، وَسَوَاءٌ كَانَ حَلِيبًا أَوْ رَائِبًا ، أَوْ مَائِعًا أَوْ مُجَمَّدًا ؛ لِأَنَّ الْجَمِيعَ لَبَنٌ ، وَلَا يَحْنَثُ بِأَكْلِ الْجُبْنِ وَالسَّمْنِ وَالْمَصْلِ وَالْأَقِطِ وَالْكُشْكِ وَنَحْوِهِ .\rوَإِنْ أَكَلَ زُبْدًا ، لَمْ يَحْنَثْ .\rنَصَّ عَلَيْهِ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : يُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ فِي الزُّبْدِ : إنْ ظَهَرَ فِيهِ لَبَنٌ ، حَنِثَ بِأَكْلِهِ ، وَإِلَّا فَلَا .\rكَمَا قُلْنَا فِيمَنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ سَمْنًا ، فَأَكَلَ خَبِيصًا فِيهِ سَمْنٌ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rوَإِنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ زُبْدًا ، فَأَكَلَ سَمْنًا أَوْ لَبَنًا لَمْ يَظْهَرْ فِيهِ الزُّبْدُ ، لَمْ يَحْنَثْ .\rوَإِنْ كَانَ الزُّبْدُ ظَاهِرًا فِيهِ ، حَنِثَ .\rوَإِنْ أَكَلَ جُبْنًا ، لَمْ يَحْنَثْ .\rوَكَذَلِكَ سَائِرُ مَا يُصْنَعُ مِنْ اللَّبَنِ .\rوَإِنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ سَمْنًا ، فَأَكَلَ زُبْدًا ، أَوْ لَبَنًا ، أَوْ شَيْئًا مِمَّا يُصْنَعُ مِنْ اللَّبَنِ سِوَى السَّمْنِ ، لَمْ يَحْنَثْ .\rوَإِنْ أَكَلَ السَّمْنَ مُنْفَرِدًا ، أَوْ فِي عَصِيدَةٍ ، أَوْ حَلْوَاءَ أَوْ طَبِيخٍ ، فَظَهَرَ فِيهِ طَعْمُهُ ، حَنِثَ .\rوَلِذَلِكَ إذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ لَبَنًا ، فَأَكَلَ طَبِيخًا فِيهِ لَبَنٌ ، أَوْ لَا يَأْكُلُ خَلًّا ، فَأَكَلَ طَبِيخًا فِيهِ خَلٌّ ، يَظْهَرُ طَعْمُهُ فِيهِ ، حَنِثَ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ : لَا يَحْنَثُ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُفْرِدْهُ بِالْأَكْلِ .\rوَلَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّهُ أَكَلَ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ ، وَأَضَافَ إلَيْهِ غَيْرَهُ ، فَحَنِثَ ، كَمَا لَوْ أَكَلَهُ ثُمَّ أَكَلَ غَيْرَهُ .","part":22,"page":330},{"id":10830,"text":"( 8137 ) فَصْلٌ : وَإِنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ شَعِيرًا ، فَأَكَلَ حِنْطَةً فِيهَا حَبَّاتُ شَعِيرٍ ، حَنِثَ ؛ لِأَنَّهُ أَكَلَ شَعِيرًا فَحَنِثَ ، كَمَا لَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ رُطَبًا ، فَأَكَلَ مُنَصَّفًا .\rوَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَحْنَثَ ؛ لِأَنَّهُ يُسْتَهْلَكُ فِي الْحِنْطَةِ ، فَأَشْبَهَ السَّمْنَ فِي الْخَبِيصِ .\rوَإِنْ نَوَى بِيَمِينِهِ أَنْ لَا يَأْكُلَ الشَّعِيرَ مُنْفَرِدًا ، أَوْ كَانَ سَبَبُ يَمِينِهِ يَقْتَضِي ذَلِكَ ، أَوْ يَقْتَضِي أَكْلَ شَعِيرٍ يُظْهِرُ أَثَرَ أَكْلِهِ ، لَمْ يَحْنَثْ إلَّا بِذَلِكَ ، لِمَا قَدَّمْنَا .","part":22,"page":331},{"id":10831,"text":"( 8138 ) فَصْلٌ : وَإِنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ فَاكِهَةً ، حَنِثَ بِأَكْلِ كُلِّ مَا يُسَمَّى فَاكِهَةً ، وَهِيَ كُلُّ ثَمَرَةٍ تَخْرُجُ مِنْ الشَّجَرَةِ يُتَفَكَّهُ بِهَا ، مِنْ الْعِنَبِ ، وَالرُّطَبِ ، وَالرُّمَّانِ ، وَالسَّفَرْجَلِ ، وَالتُّفَّاحِ ، وَالْكُمَّثْرَى ، وَالْخَوْخِ ، وَالْمِشْمِشِ ، وَالْأُتْرُجِّ ، وَالتُّوتِ ، وَالنَّبْقِ ، وَالْمَوْزِ ، وَالْجَوْزِ ، وَالْجُمَّيْزِ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَبُو ثَوْرٍ : لَا يَحْنَثُ بِأَكْلِ ثَمَرَةِ النَّخْلِ وَالرُّمَّانِ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ } .\rوَالْمَعْطُوفُ يُغَايِرُ الْمَعْطُوفَ عَلَيْهِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُمَا ثَمَرَةُ شَجَرَةٍ يُتَفَكَّهُ بِهِمَا ، فَكَانَا مِنْ الْفَاكِهَةِ ، كَسَائِرِ مَا ذَكَرْنَا ، وَلِأَنَّهُمَا فِي عُرْفِ النَّاسِ فَاكِهَةٌ ، وَيُسَمَّى بَائِعُهُمَا فَاكِهَانِيًّا .\rوَمَوْضِعُ بَيْعِهِمَا دَارَ الْفَاكِهَةِ ، وَالْأَصْلُ فِي الْعُرْفِ الْحَقِيقَةُ ، وَالْعَطْفُ لِشَرَفِهِمَا وَتَخْصِيصِهِمَا ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : { مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ } .\rوَهُمَا مِنْ الْمَلَائِكَةِ ، فَأَمَّا يَابِسُ هَذِهِ الْفَوَاكِهِ ، كَالزَّبِيبِ وَالتَّمْرِ وَالتِّينِ وَالْمِشْمِشِ الْيَابِسِ وَالْإِجَّاصِ وَنَحْوِهَا ، فَهُوَ مِنْ الْفَاكِهَةِ ؛ لِأَنَّهُ ثَمَرُ شَجَرَةٍ يُتَفَكَّهُ بِهَا .\rوَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْهَا ؛ لِأَنَّهُ يُدَّخَرُ ، وَمِنْهُ مَا يُقْتَاتُ ، فَأَشْبَهَ الْحُبُوبَ .\rوَالزَّيْتُونُ لَيْسَ بِفَاكِهَةٍ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُتَفَكَّهُ بِأَكْلِهِ ، وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ زَيْتُهُ ، وَمَا يُؤْكَلُ مِنْهُ يُقْصَدُ بِهِ التَّأَدُّمُ لَا التَّفَكُّهُ .\rوَالْبُطْمُ فِي مَعْنَاهُ ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ زَيْتُهُ .\rوَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ فَاكِهَةٌ ؛ لِأَنَّهُ ثَمَرُ شَجَرٍ يُؤْكَلُ غَضًّا وَيَابِسًا عَلَى جِهَتِهِ ، فَأَشْبَهَ التُّوتَ .\rوَالْبَلُّوطُ لَيْسَ بِفَاكِهَةٍ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُتَفَكَّهُ بِهِ ، وَإِنَّمَا يُؤْكَلُ عِنْدَ الْمَجَاعَةِ ، أَوْ التَّدَاوِي .\rوَكَذَلِكَ سَائِرُ ثَمَرِ شَجَرِ","part":22,"page":332},{"id":10832,"text":"الْبَرِّ الَّذِي لَا يُسْتَطَابُ ، كَالزُّعْرُورِ الْأَحْمَرِ ، وَثَمَرِ الْقَيْقَبِ ، وَالْعَفْصِ ، وَحَبِّ الْآسِ ، وَنَحْوِهِ ، وَإِنْ كَانَ فِيهَا مَا يُسْتَطَابُ ، كَحَبِّ الصَّنَوْبَرِ ، فَهُوَ فَاكِهَةٌ ؛ لِأَنَّهُ ثَمَرَةُ شَجَرَةٍ يُتَفَكَّهُ بِهِ .\r( 8139 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا الْقِثَّاءُ ، وَالْخِيَارُ ، وَالْقَرْعُ ، وَالْبَاذِنْجَانُ ، فَهُوَ مِنْ الْخُضَرِ ، وَلَيْسَ بِفَاكِهَةٍ .\rوَفِي الْبِطِّيخِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، هُوَ مِنْ الْفَاكِهَةِ .\rذَكَرَهُ الْقَاضِي .\rوَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي ثَوْرٍ لِأَنَّهُ يَنْضَجُ وَيَحْلُو ، أَشْبَهَ ثَمَرَ الشَّجَرِ .\rوَالثَّانِي ، لَيْسَ مِنْ الْفَاكِهَةِ ؛ لِأَنَّهُ ثَمَرُ بَقْلَةٍ ، أَشْبَهَ الْخِيَارَ وَالْقِثَّاءَ .\rوَأَمَّا مَا يَكُونُ فِي الْأَرْضِ ، كَالْجَزَرِ ، وَاللِّفْتِ ، وَالْفُجْلِ ، وَالْقُلْقَاسِ ، وَالسَّوْطَلِ ، وَنَحْوِهِ ، فَلَيْسَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فَاكِهَةً ؛ لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى بِهَا ، وَلَا هُوَ فِي مَعْنَاهَا .","part":22,"page":333},{"id":10833,"text":"( 8140 ) فَصْلٌ : وَإِنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ أُدْمًا ، حَنِثَ بِأَكْلِ كُلِّ مَا جَرَتْ الْعَادَةُ بِأَكْلِ الْخُبْزِ بِهِ ؛ لِأَنَّ هَذَا مَعْنَى التَّأَدُّمِ ، وَسَوَاءٌ فِي هَذَا مَا يُصْطَبَغُ ، كَالطَّبِيخِ وَالْمَرَقِ وَالْخَلِّ وَالزَّيْتِ وَالسَّمْنِ وَالشَّيْرَجِ وَاللَّبَنِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الزَّيْتِ : { وَصِبْغٍ لِلْآكِلَيْنِ } .\rوَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { نِعْمَ الْإِدَامُ الْخَلُّ } .\rوَقَالَ : { ائْتَدِمُوا بِالزَّيْتِ ، وَادَّهِنُوا بِهِ ، فَإِنَّهُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ } .\rرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ .\rأَوْ مِنْ الْجَامِدَاتِ ، كَالشِّوَاءِ وَالْجُبْنِ وَالْبَاقِلَاءِ وَالزَّيْتُونِ وَالْبَيْضِ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَبُو يُوسُفَ : مَا لَا يُصْطَبَغُ بِهِ فَلَيْسَ بِأُدْمٍ ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُرْفَعُ إلَى الْفَمِ مُنْفَرِدًا .\rوَلَنَا ، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { سَيِّدُ الْإِدَامِ اللَّحْمُ } .\rوَقَالَ : { سَيِّدُ إدَامِكُمْ الْمِلْحُ } .\rرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ .\rلِأَنَّهُ يُؤْكَلُ بِهِ الْخُبْزُ عَادَةً ، فَكَانَ أُدْمًا ، كَاَلَّذِي يُصْطَبَغُ بِهِ ، وَلِأَنَّ كَثِيرًا مِمَّا ذَكَرْنَا لَا يُؤْكَلُ فِي الْعَادَةِ وَحْدَهُ ، إنَّمَا يُعَدُّ لِلتَّأَدُّمِ بِهِ ، وَأَكْلِ الْخُبْزِ بِهِ ، فَكَانَ أُدْمًا ، كَالْخَلِّ وَاللَّبَنِ .\rوَقَوْلُهُمْ : إنَّهُ يُرْفَعُ إلَى الْفَمِ وَحْدَهُ مُفْرَدًا .\rعَنْهُ جَوَابَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، أَنَّ مِنْهُ مَا يُرْفَعُ مَعَ الْخُبْزِ ، كَالْمِلْحِ وَنَحْوِهِ .\rوَالثَّانِي ، أَنَّهُمَا يَجْتَمِعَانِ فِي الْفَمِ وَالْمَضْغِ وَالْبَلْعِ ، الَّذِي هُوَ حَقِيقَةُ الْأَكْلِ ، فَلَا يَضُرُّ افْتِرَاقُهُمَا قَبْلَهُ ، فَأَمَّا التَّمْرُ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، هُوَ أُدْمٌ ؛ لِمَا رَوَى يُوسُفُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ ، قَالَ : { رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَضَعَ تَمْرَةً عَلَى كِسْرَةٍ ، وَقَالَ : هَذِهِ إدَامُ هَذِهِ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَذَكَرَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ .\rوَالثَّانِي ، لَيْسَ بِأُدْمٍ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُؤْتَدَمُ بِهِ عَادَةً ، إنَّمَا","part":22,"page":334},{"id":10834,"text":"يُؤْكَلُ قُوتًا أَوْ حَلَاوَةً .\rوَإِنْ أَكَلَ الْمِلْحَ مَعَ الْخُبْزِ فَهُوَ إدَامٌ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْخَبَرِ ، وَلِأَنَّهُ يُؤْكَلُ بِهِ الْخَبَرُ ، وَلَا يُؤْكَلُ مُنْفَرِدًا عَادَةً ، أَشْبَهَ الْجُبْنَ وَالزَّيْتُونَ .","part":22,"page":335},{"id":10835,"text":"( 8141 ) فَصْلٌ : فَإِنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ طَعَامًا ، فَأَكَلَ مَا يُسَمَّى طَعَامًا ؛ مِنْ قُوتٍ ، وَأُدْمٍ ، وَحَلْوَاءَ ، وَتَمْرٍ ، وَجَامِدٍ ، وَمَائِعٍ حَنِثَ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إسْرَائِيلَ إلَّا مَا حَرَّمَ إسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ } .\rوَقَالَ تَعَالَى : { وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ } .\rيَعْنِي عَلَى مَحَبَّةِ الطَّعَامِ ؛ لِحَاجَتِهِمْ إلَيْهِ ، وَقِيلَ : عَلَى حُبِّ اللَّهِ تَعَالَى .\rوَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { قُلْ لَا أَجِدُ فِيمَا أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ } .\r{ وَسَمَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اللَّبَنَ طَعَامًا ، فَقَالَ : إنَّمَا يَخْزُنُ لَهُمْ ضُرُوعُ مَوَاشِيهمْ أَطْعِمَتَهُمْ } .\rوَفِي الْمَاءِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، هُوَ طَعَامٌ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { إنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهْرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي } .\rوَالطَّعَامُ مَا يُطْعَمُ ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَمَّى اللَّبَنَ طَعَامًا ، وَهُوَ مَشْرُوبٌ ، فَكَذَلِكَ الْمَاءُ .\rوَالثَّانِي ، لَيْسَ بِطَعَامٍ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى طَعَامًا ، وَلَا يُفْهَمُ مِنْ إطْلَاقِ اسْمِ الطَّعَامِ ، وَلِهَذَا يُعْطَفُ عَلَيْهِ ، فَيُقَالُ : طَعَامٌ وَشَرَابٌ .\rوَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إنِّي لَا أَعْلَمُ مَا يُجْزِئُ مِنْ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ إلَّا اللَّبَنَ } .\rرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ .\rوَيُقَالُ : بَابُ الْأَطْعِمَةِ وَالْأَشْرِبَةِ .\rوَلِأَنَّهُ إنْ كَانَ طَعَامًا فِي الْحَقِيقَةِ ، فَلَيْسَ بِطَعَامٍ فِي الْعُرْفِ ، فَلَا يَحْنَثُ بِشُرْبِهِ ، لِأَنَّ مَبْنَى الْأَيْمَانِ عَلَى الْعُرْفِ ، لِكَوْنِ الْحَالِفِ فِي الْغَالِبِ لَا يُرِيدُ بِلَفْظِهِ إلَّا مَا يَعْرِفُهُ ، وَإِنْ أَكَلَ دَوَاءً ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، يَحْنَثُ ؛ لِأَنَّهُ يُطْعَمُ حَالَ الِاخْتِيَارِ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rوَالثَّانِي ، لَا يَحْنَثُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدْخُلُ فِي إطْلَاقِ اسْمِ الطَّعَامِ","part":22,"page":336},{"id":10836,"text":"، وَلَا يُؤْكَلُ إلَّا عِنْدَ الضَّرُورَةِ .\rفَإِنْ أَكَلَ مِنْ نَبَاتِ الْأَرْضِ مَا جَرَتْ الْعَادَةُ بِأَكْلِهِ ، حَنِثَ .\rوَإِنْ أَكَلَ مَا لَمْ تَجْرِ بِهِ عَادَةٌ ، كَوَرَقِ الشَّجَرِ ، وَنُشَارَةِ الْخَشَبِ ، احْتَمَلَ وَجْهَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، يَحْنَثُ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَكَلَهُ ، فَأَشْبَهَ مَا جَرَتْ الْعَادَةُ بِأَكْلِهِ ، وَلِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْ عُتْبَةَ بْنِ غَزْوَانَ ، أَنَّهُ قَالَ : { لَقَدْ رَأَيْتنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَابِعَ سَبْعَةٍ ، مَا لَنَا طَعَامٌ إلَّا وَرَقُ الْحُبْلَةِ ، حَتَّى قَرِحَتْ أَشْدَاقُنَا } .\rوَالثَّانِي ، لَا يَحْنَثُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَنَاوَلُهُ اسْمُ الطَّعَامِ فِي الْعُرْفِ .","part":22,"page":337},{"id":10837,"text":"( 8142 ) فَصْلٌ : فَإِنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ قُوتًا ، فَأَكَلَ خُبْزًا ، أَوْ تَمْرًا ، أَوْ زَبِيبًا ، أَوْ لَحْمًا ، أَوْ لَبَنًا ، حَنِثَ ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ يُقْتَاتُ فِي بَعْضِ الْبُلْدَانِ .\rوَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَحْنَثَ إلَّا بِأَكْلِ مَا يَقْتَاتُهُ أَهْلُ بَلَدِهِ ؛ لِأَنَّ يَمِينَهُ تَنْصَرِفُ إلَى الْقُوتِ الْمُتَعَارَفِ عِنْدَهُمْ فِي بَلَدِهِمْ .\rوَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَجْهَانِ كَهَذَيْنِ .\rوَإِنْ أَكَلَ سَوِيقًا ، أَوْ اسْتَفَّ دَقِيقًا ، حَنِثَ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُقْتَاتُ كَذَلِكَ ، وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُ اللُّصُوصِ : لَا تَخْبِزَا خُبْزًا وَبُسَّابَسَّا وَلَا تُطِيلَا بِمُقَامٍ حَبْسَا وَإِنْ أَكَلَ حَبًّا يُقْتَاتُ خُبْزُهُ ، حَنِثَ ؛ لِأَنَّهُ يُسَمَّى قُوتًا ، وَلِذَلِكَ رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَدَّخِرُ قُوتَ عِيَالِهِ لِسَنَةٍ .\rوَإِنَّمَا يُدَّخَرُ الْحَبُّ .\rوَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَحْنَثَ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُقْتَاتُ كَذَلِكَ .\rوَإِنْ أَكَلَ عِنَبًا ، أَوْ حِصْرِمًا ، أَوْ خَلًّا ، لَمْ يَحْنَثْ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَصِرْ قُوتًا .","part":22,"page":338},{"id":10838,"text":"( 8143 ) فَصْلٌ : وَإِنْ حَلَفَ لَا يَمْلِكُ مَالًا ، حَنِثَ بِمِلْكِ كُلِّ مَا يُسَمَّى مَالًا ، سَوَاءٌ كَانَ مِنْ الْأَثْمَانِ ، أَوْ غَيْرِهَا مِنْ الْعَقَارِ وَالْأَثَاثِ وَالْحَيَوَانِ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّهُ إذَا نَذَرَ الصَّدَقَةَ بِجَمِيعِ مَالِهِ ، إنَّمَا يَتَنَاوَلُ نَذْرُهُ الصَّامِتَ مِنْ مَالِهِ .\rذَكَرَهَا ابْنُ أَبِي مُوسَى ؛ لِأَنَّ إطْلَاقَ الْمَالِ يَنْصَرِفُ إلَيْهِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَحْنَثُ إلَّا إنْ مَلَكَ مَالًا زَكَوِيًّا ، اسْتِحْسَانًا ؛ لِأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى قَالَ : { وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ } .\rفَلَمْ يَتَنَاوَلْ إلَّا الزَّكَوِيَّةَ .\rوَلَنَا ، أَنَّ غَيْرَ الزَّكَوِيَّةِ أَمْوَالٌ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ } .\rوَهِيَ مِمَّا يَجُوزُ ابْتِغَاءُ النِّكَاحِ بِهَا .\rوَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إنَّ أَحَبَّ أَمْوَالِي إلَيَّ بَيْرُحَاءَ .\rيَعْنِي حَدِيقَةً .\rوَقَالَ عُمَرُ : أَصَبْت مَالًا بِأَرْضِ خَيْبَرَ ، لَمْ أُصِبْ مَالًا قَطُّ أَنْفَسَ عِنْدِي مِنْهُ .\rوَقَالَ أَبُو قَتَادَةَ : اشْتَرَيْت مَخْرَفًا ، فَكَانَ أَوَّلَ مَالٍ تَأَثَّلْتُهُ .\rوَفِي الْحَدِيثِ : { خَيْرُ الْمَالِ سِكَّةٌ مَأْبُورَةٌ ، أَوْ مُهْرَةٌ مَأْمُورَةٌ } .\rوَيُقَال : خَيْرُ الْمَالِ عَيْنٌ خَرَّارَةٌ ، فِي أَرْضٍ خَوَّارَةٍ .\rوَلِأَنَّهُ يُسَمَّى مَالًا ، فَحَنِثَ بِهِ ، كَالزَّكَوِيِّ .\rوَأَمَّا قَوْلُهُ : { وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ } .\rفَالْحَقُّ هَاهُنَا غَيْرُ الزَّكَاةِ ، لِأَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ مَكِّيَّةٌ ، نَزَلَتْ قَبْلَ فَرْضِ الزَّكَاةِ ، فَإِنَّ الزَّكَاةَ إنَّمَا فُرِضَتْ بِالْمَدِينَةِ ، ثُمَّ لَوْ كَانَ الْحَقُّ الزَّكَاةَ ، فَلَا حُجَّةَ فِيهَا ، فَإِنَّ الْحَقَّ إذَا كَانَ فِي بَعْضِ الْمَالِ ، فَهُوَ فِي الْمَالِ ، كَمَا أَنَّ مَنْ هُوَ فِي بَيْتٍ مِنْ دَارٍ ، أَوْ فِي بَلْدَةٍ ، فَهُوَ فِي الدَّارِ وَالْبَلْدَةِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ } .\rوَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ فِي كُلِّ أَقْطَارِهَا .\rثُمَّ لَوْ اقْتَضَى هَذَا الْعُمُومَ ،","part":22,"page":339},{"id":10839,"text":"لَوَجَبَ تَخْصِيصُهُ ، فَإِنَّ مَا دُونَ النِّصَابِ مَالٌ ، وَلَا زَكَاةَ فِيهِ .\rفَإِنْ حَلَفَ لَا مَالَ لَهُ ، وَلَهُ دَيْنٌ ، حَنِثَ .\rذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ .\rوَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَحْنَثُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُنْتَفَعُ بِهِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ يَنْعَقِدُ عَلَيْهِ حَوْلُ الزَّكَاةِ ، وَيَصِحُّ إخْرَاجُهَا عَنْهُ ، وَيَصِحُّ التَّصَرُّفُ فِيهِ بِالْإِبْرَاءِ ، وَالْحَوَالَةِ ، وَالْمُعَاوَضَةِ عَنْهُ لِمَنْ هُوَ فِي ذِمَّتِهِ ، وَالتَّوْكِيلِ فِي اسْتِيفَائِهِ ، فَيَحْنَثُ بِهِ ، كَالْمُودَعِ .\rوَإِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ مَغْصُوبٌ ، حَنِثَ ؛ لِأَنَّهُ بَاقٍ عَلَى مِلْكِهِ .\rوَإِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ ضَائِعٌ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا : يَحْنَثُ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاؤُهُ عَلَى مِلْكِهِ .\rوَالثَّانِي ، لَا يَحْنَثُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ بَقَاؤُهُ .\rوَإِنْ ضَاعَ عَلَى وَجْهٍ قَدْ يَئِسَ مِنْ عَوْدِهِ ، كَاَلَّذِي يَسْقُطُ فِي بَحْرٍ ، لَمْ يَحْنَثْ ؛ لِأَنَّ وُجُودَهُ كَعَدَمِهِ .\rوَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَحْنَثَ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ لَا يَقْدِرُ عَلَى أَخْذِ مَالِهِ ، كَالْمَجْحُودِ ، وَالْمَغْصُوبِ ، وَاَلَّذِي عَلَى غَيْرِ مَلِيءٍ ؛ لِأَنَّهُ لَا نَفْعَ فِيهِ ، وَحُكْمُهُ حُكْمُ الْمَعْدُومِ ، فِي جَوَازِ الْأَخْذِ مِنْ الزَّكَاةِ ، وَانْتِفَاءِ وُجُوبِ أَدَائِهَا عَلَيْهِ عَنْهُ .\rوَإِنْ تَزَوَّجَ لَمْ يَحْنَثْ ؛ لِأَنَّ مَا يَمْلِكُهُ لَيْسَ بِمَالٍ .\rوَإِنْ وَجَبَ لَهُ حَقُّ شُفْعَةٍ ، لَمْ يَحْنَثْ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ لَهُ الْمِلْكُ بِهِ .\rوَإِنْ اسْتَأْجَرَ عَقَارًا أَوْ غَيْرَهُ ، لَمْ يَحْنَثْ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى مَالِكًا لِمَالٍ .","part":22,"page":340},{"id":10840,"text":"( 8144 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَلَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ لَحْمًا ، فَأَكَلَ الشَّحْمَ ، أَوْ الْمُخَّ ، أَوْ الدِّمَاغَ ، لَمْ يَحْنَثْ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ أَرَادَ اجْتِنَابَ الدَّسَمِ ، فَيَحْنَثُ بِأَكْلِ الشَّحْمِ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْحَالِفَ عَلَى تَرْكِ أَكْلِ اللَّحْمِ ، لَا يَحْنَثُ بِأَكْلِ مَا لَيْسَ بِلَحْمٍ ، مِنْ الشَّحْمِ وَالْمُخِّ ، وَهُوَ الَّذِي فِي الْعِظَامِ ، وَالدِّمَاغِ ، وَهُوَ الَّذِي فِي الرَّأْسِ فِي قِحْفِهِ ، وَلَا الْكَبِدِ وَالطِّحَالِ ، وَالرِّئَةِ ، وَالْقَلْبِ ، وَالْكَرِشِ ، وَالْمُصْرَانِ ، وَالْقَانِصَةِ ، وَنَحْوِهَا .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٌ : يَحْنَثُ بِأَكْلِ هَذَا كُلِّهِ ؛ لِأَنَّهُ لَحْمٌ حَقِيقَةً ، وَيُتَّخَذُ مِنْهُ مَا يُتَّخَذُ مِنْ اللَّحْمِ ، فَأَشْبَهَ لَحْمَ الْفَخِذِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ لَا يُسَمَّى لَحْمًا ، وَيَنْفَرِدُ عَنْهُ بِاسْمِهِ وَصِفَتِهِ ، وَلَوْ أَمَرَ وَكِيلَهُ بِشِرَاءِ لَحْمٍ ، فَاشْتَرَى هَذَا ، لَمْ يَكُنْ مُمْتَثِلًا لِأَمْرِهِ ، وَلَا يَنْفُذُ الشِّرَاءُ لِلْمُوَكِّلِ ، فَلَمْ يَحْنَثْ بِأَكْلِهِ ، كَالْبَقْلِ ، وَقَدْ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْكَبِدَ وَالطِّحَالَ لَيْسَتَا بِلَحْمٍ ، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ ؛ أَمَّا الدَّمَانِ فَالْكَبِدُ وَالطِّحَالُ } .\rوَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ لَحْمٌ حَقِيقَةً ، بَلْ هُوَ مِنْ الْحَيَوَانِ مَعَ اللَّحْمِ ، كَالْعَظْمِ وَالدَّمِ .\rفَأَمَّا إنْ قَصَدَ اجْتِنَابَ الدَّسَمِ ، حَنِثَ بِأَكْلِ الشَّحْمِ ؛ لِأَنَّ لَهُ دَسَمًا ، وَكَذَلِكَ الْمُخُّ ، وَكُلُّ مَا فِيهِ دَسَمٌ .\r( 8145 ) فَصْلٌ : وَلَا يَحْنَثُ بِأَكْلِ الْأَلْيَةِ .\rوَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ : يَحْنَثُ ؛ لِأَنَّهَا نَابِتَةٌ فِي اللَّحْمِ ، وَتُشْبِهُهُ فِي الصَّلَابَةِ .\rوَلَيْسَ بِصَحِيحٍ ؛ لِأَنَّهَا لَا تُسَمَّى لَحْمًا ، وَلَا يُقْصَدُ بِهَا مَا يُقْصَدُ بِهِ ، وَتُخَالِفُهُ فِي اللَّوْنِ وَالذَّوْبِ وَالطَّعْمِ ، فَلَمْ يَحْنَثْ بِأَكْلِهَا ، كَشَحْمِ الْبَطْنِ .\rفَأَمَّا الشَّحْمُ الَّذِي عَلَى الظَّهْرِ وَالْجَنْبِ وَفِي تَضَاعِيفِ اللَّحْمِ ، فَلَا يَحْنَثُ","part":22,"page":341},{"id":10841,"text":"بِأَكْلِهِ ، فِي ظَاهِرِ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ .\rفَإِنَّهُ قَالَ : اللَّحْمُ لَا يَخْلُو مِنْ شَحْمٍ .\rيُشِيرُ إلَى مَا يُخَالِطُ اللَّحْمَ مِمَّا تُذِيبُهُ النَّارُ ، وَهَذَا كَذَلِكَ .\rوَهَذَا قَوْلُ طَلْحَةَ الْعَاقُولِيِّ .\rوَمِمَّنْ قَالَ : هَذَا شَحْمٌ .\rأَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : هُوَ لَحْمٌ ، يَحْنَثُ بِأَكْلِهِ ، وَلَا يَحْنَثُ بِأَكْلِهِ مَنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ شَحْمًا .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى شَحْمًا ، وَلَا بَائِعُهُ شَحَّامًا ، وَلَا يُفْرَدُ عَنْ اللَّحْمِ مَعَ الشَّحْمِ ، وَيُسَمَّى بَائِعُهُ لَحَّامًا ، وَيُسَمَّى لَحْمًا سَمِينًا ، وَلَوْ وَكَّلَ فِي شِرَاءِ لَحْمٍ ، فَاشْتَرَاهُ الْوَكِيلُ ، لَزِمَهُ ، وَلَوْ اشْتَرَاهُ الْوَكِيلُ فِي شِرَاءِ الشَّحْمِ ، لَمْ يَلْزَمْهُ .\rوَلَنَا ، قَوْله تَعَالَى : { وَمِنْ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوْ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ } .\rوَلِأَنَّهُ يُشْبِهُ الشَّحْمَ فِي صِفَتِهِ وَذَوْبِهِ ، وَيُسَمَّى دُهْنًا ، فَكَانَ شَحْمًا كَاَلَّذِي فِي الْبَطْنِ ، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ لَا يُسَمَّى شَحْمًا ، وَلَا أَنَّهُ يُسَمَّى بِمُفْرَدِهِ لَحْمًا ، وَإِنَّمَا يُسَمَّى اللَّحْمُ الَّذِي هُوَ عَلَيْهِ لَحْمًا سَمِينًا ، وَلَا يُسَمَّى بَائِعُهُ شَحَّامًا ؛ لِأَنَّهُ لَا يُبَاعُ بِمُفْرَدِهِ ، وَإِنَّمَا يُبَاعُ تَبَعًا لِلَّحْمِ ، وَهُوَ تَابِعٌ لَهُ فِي الْوُجُودِ وَالْبَيْعِ ، فَلِذَلِكَ سُمِّيَ بَائِعُهُ لَحَّامًا ، وَلَمْ يُسَمَّ شَحَّامًا ، لِأَنَّهُ سُمِّيَ بِمَا هُوَ الْأَصْلُ فِيهِ ، دُونَ التَّبَعِ .\r( 8146 ) فَصْلٌ : وَإِنْ أَكَلَ الْمَرَقَ ، لَمْ يَحْنَثْ .\rذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ .\rقَالَ : وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّهُ قَالَ : لَا يُعْجِبُنِي الْأَكْلُ مِنْ الْمَرَقِ .\rوَهَذَا عَلَى طَرِيقِ الْوَرَعِ .\rوَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى ، وَالْقَاضِي : يَحْنَثُ ؛ لِأَنَّ الْمَرَقَ لَا يَخْلُو مِنْ أَجْزَاءِ اللَّحْمِ الذَّائِبَةِ ، وَقَدْ قِيلَ : الْمَرَقُ أَحَدُ اللَّحْمَيْنِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ لَيْسَ بِلَحْمٍ حَقِيقَةً ، وَلَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُهُ ، فَلَمْ يَحْنَثْ","part":22,"page":342},{"id":10842,"text":"بِهِ ، كَالْكَبِدِ ، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ أَجْزَاءَ اللَّحْمِ فِيهِ ، وَإِنَّمَا فِيهِ مَاءُ اللَّحْمِ وَدُهْنُهُ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِلَحْمٍ .\rوَأَمَّا الْمِثْلُ ، فَإِنَّمَا أُرِيدَ بِهِ الْمَجَازُ ، كَمَا فِي نَظَائِرِهِ ، مِنْ قَوْلِهِمْ : الدُّعَاءُ أَحَدُ الصَّدَقَتَيْنِ .\rوَقِلَّةُ الْعِيَالِ أَحَدُ الْيَسَارَيْنِ .\rوَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ بِلَحْمٍ ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَهَا غَيْرَ اللَّحْمِ الْحَقِيقِيِّ .\r( 8147 ) فَصْلٌ : وَإِنْ أَكَلَ رَأْسًا ، أَوْ كَارِعًا ، فَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ ، مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ ؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَنْ حَلَفَ لَا يَشْتَرِي لَحْمًا ، فَاشْتَرَى رَأْسًا أَوْ كَارِعًا ، لَا يَحْنَثُ ، إلَّا أَنْ يَنْوِيَ أَنْ لَا يَشْتَرِيَ مِنْ الشَّاةِ شَيْئًا .\rقَالَ الْقَاضِي : لِأَنَّ إطْلَاقَ اسْمِ اللَّحْمِ لَا يَتَنَاوَلُ الرُّءُوسَ وَالْكَوَارِعَ ، وَلَوْ وَكَّلَهُ فِي شِرَاءِ لَحْمٍ ، فَاشْتَرَى رَأْسًا أَوْ كَارِعًا ، لَمْ يَلْزَمْهُ ، وَيُسَمَّى بَائِعُ ذَلِكَ رَآَّسًا ، وَلَا يُسَمَّى لَحَّامًا .\rوَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : يَحْنَثُ بِأَكْلِ لَحْمِ الْخَدِّ ؛ لِأَنَّهُ لَحْمٌ حَقِيقَةً .\rوَحُكِيَ عَنْ أَبِي مُوسَى ، أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ ، إلَّا أَنْ يَنْوِيَهُ بِالْيَمِينِ .\rوَإِنْ أَكَلَ اللِّسَانَ ، احْتَمَلَ وَجْهَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، يَحْنَثُ ؛ لِأَنَّهُ لَحْمٌ حَقِيقَةً .\rوَالثَّانِي : لَا يَحْنَثُ ؛ لِأَنَّهُ يَنْفَرِدُ عَنْ اللَّحْمِ بِاسْمِهِ وَصِفَتِهِ ، فَأَشْبَهَ الْقَلْبَ .","part":22,"page":343},{"id":10843,"text":"( 8148 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( فَإِنْ حَلَفَ أَلَّا يَأْكُلَ الشَّحْمَ ، فَأَكَلَ اللَّحْمَ ، حَنِثَ ؛ لِأَنَّ اللَّحْمَ لَا يَخْلُو مِنْ شَحْمٍ ) ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ ، أَنَّ الشَّحْمَ كُلُّ مَا يَذُوبُ بِالنَّارِ مِمَّا فِي الْحَيَوَانِ ، فَظَاهِرُ الْآيَةِ وَالْعُرْفِ يَشْهَدُ لِقَوْلِهِ ، وَهَذَا ظَاهِرُ قَوْلِ أَبِي الْخَطَّابِ ، وَطَلْحَةَ ، وَقَالَ بِهِ أَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ .\rفَعَلَى هَذَا ، لَا يَكَادُ لَحْمٌ يَخْلُو مِنْ شَيْءٍ مِنْهُ ، وَإِنْ قَلَّ ، فَيَحْنَثُ بِهِ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : الشَّحْمُ هُوَ الَّذِي يَكُونُ فِي الْجَوْفِ ، مِنْ شَحْمِ الْكُلَى أَوْ غَيْرِهِ ، وَإِنْ أَكَلَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مِنْ الشَّاةِ ، مِنْ لَحْمِهَا الْأَحْمَرِ وَالْأَبْيَضِ ، وَالْأَلْيَةِ ، وَالْكَبِدِ ، وَالطِّحَالِ ، وَالْقَلْبِ ، فَقَالَ شَيْخُنَا : لَا يَحْنَثُ - يَعْنِي ابْنَ حَامِدٍ - لِأَنَّ اسْمَ الشَّحْمِ لَا يَقَعُ عَلَيْهِ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيِّ .\rوَقَدْ سَبَقَ الْكَلَامُ فِي أَنَّ شَحْمَ الظَّهْرِ وَالْجَنْبِ شَحْمٌ ، فَيَحْنَثُ بِهِ .\rوَأَمَّا إنْ أَكَلَ لَحْمًا أَحْمَرَ وَحْدَهُ ، لَا يَظْهَرُ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ الشَّحْمِ ، فَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ أَنَّهُ يَحْنَثُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو مِنْ شَحْمٍ وَإِنْ قَلَّ ، وَيَظْهَرُ فِي الطَّبْخِ ، فَإِنَّهُ يَبِينُ عَلَى وَجْهِ الْمَرَقِ ، وَإِنْ قَلَّ ، وَبِهَذَا يُفَارِقُ مَنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ سَمْنًا ، فَأَكَلَ خَبِيصًا فِيهِ سَمْنٌ لَا يَظْهَرُ فِيهِ طَعْمُهُ وَلَا لَوْنُهُ ، فَإِنَّ هَذَا قَدْ يَظْهَرُ الدُّهْنُ فِيهِ .\rوَقَالَ غَيْرُ الْخِرَقِيِّ مِنْ أَصْحَابِنَا : لَا يَحْنَثُ .\rوَهُوَ الصَّحِيحُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى شَحْمًا ، وَلَا يَظْهَرُ فِيهِ طَعْمُهُ وَلَا لَوْنُهُ ، وَاَلَّذِي يَظْهَرُ فِي الْمَرَقِ قَدْ فَارَقَ اللَّحْمَ ، فَلَا يَحْنَثُ بِأَكْلِ اللَّحْمِ الَّذِي كَانَ فِيهِ .\r( 8149 ) فَصْلٌ : وَيَحْنَثُ بِالْأَكْلِ مِنْ الْأَلْيَةِ ، فِي ظَاهِرِ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ وَمُوَافِقِيهِ ؛ لِأَنَّهَا دُهْنٌ يَذُوبُ بِالنَّارِ ، وَيُبَاعُ مَعَ الشَّحْمِ ، وَلَا يُبَاعُ مَعَ اللَّحْمِ .\rوَعَلَى قَوْلِ الْقَاضِي وَمُوَافِقِيهِ :","part":22,"page":344},{"id":10844,"text":"لَيْسَتْ شَحْمًا وَلَا لَحْمًا ، فَلَا يَحْنَثُ بِهِ الْحَالِفُ عَلَى تَرْكِهَا .","part":22,"page":345},{"id":10845,"text":"( 8150 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِذَا حَلَفَ أَلَّا يَأْكُلَ لَحْمًا ، وَلَمْ يُرِدْ لَحْمًا بِعَيْنِهِ ، فَأَكَلَ مِنْ لَحْمِ الْأَنْعَامِ ، أَوْ الطُّيُورِ ، أَوْ السَّمَكِ ، حَنِثَ ) أَمَّا إذَا أَكَلَ مِنْ لَحْمِ الْأَنْعَامِ أَوْ الصَّيْدِ أَوْ الطَّائِرِ ، فَإِنَّهُ يَحْنَثُ ، فِي قَوْلِ عَامَّةِ عُلَمَاءِ الْأَمْصَارِ .\rوَأَمَّا السَّمَكُ ، فَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يَحْنَثُ بِأَكْلِهِ .\rوَبِهَذَا قَالَ قَتَادَةُ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَأَبُو يُوسُفَ .\rوَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى ، فِي \" الْإِرْشَادِ \" : لَا يَحْنَثُ بِهِ ، إلَّا أَنْ يَنْوِيَهُ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَنْصَرِفُ إلَيْهِ إطْلَاقُ اسْمِ اللَّحْمِ ، وَلَوْ وَكَّلَ وَكِيلًا فِي شِرَاءِ اللَّحْمِ ، فَاشْتَرَى لَهُ سَمَكًا ، لَمْ يَلْزَمْهُ ، وَيَصِحُّ أَنْ يَنْفِيَ عَنْهُ الِاسْمَ ، فَيَقُولَ : مَا أَكَلْت لَحْمًا ، وَإِنَّمَا أَكَلْت سَمَكًا .\rفَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ الْحِنْثُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ ، كَمَا لَوْ حَلَفَ : لَا قَعَدْت تَحْتَ سَقْفٍ .\rفَإِنَّهُ لَا يَحْنَثُ بِالْقُعُودِ تَحْتَ السَّمَاءِ ، وَقَدْ سَمَّاهَا اللَّهُ تَعَالَى { سَقْفًا مَحْفُوظًا } لِأَنَّهُ مَجَازٌ ، كَذَا هَاهُنَا .\rوَلَنَا ، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمْ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا } .\rوَقَالَ : { وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا } .\rوَلِأَنَّهُ مِنْ جِسْمِ حَيَوَانٍ ، وَيُسَمَّى لَحْمًا ، فَحَنِثَ بِأَكْلِهِ ، كَلَحْمِ الطَّائِرِ ، وَمَا ذَكَرُوهُ يَبْطُلُ بِلَحْمِ الطَّائِرِ .\rوَأَمَّا السَّمَاءُ ، فَإِنَّ الْحَالِفَ أَلَّا يَقْعُدَ تَحْتَ سَقْفٍ ، لَا يُمْكِنُهُ التَّحَرُّزُ مِنْ الْقُعُودِ تَحْتَهَا ، فَيُعْلَمُ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْهَا بِيَمِينِهِ ، وَلِأَنَّ التَّسْمِيَةَ ثَمَّ مَجَازٌ ، وَهَا هُنَا هِيَ حَقِيقَةٌ ؛ لِكَوْنِهِ مِنْ جِسْمِ حَيَوَانٍ يَصْلُحُ لِلْأَكْلِ ، فَكَانَ الِاسْمُ فِيهِ حَقِيقَةً ، كَلَحْمِ الطَّائِرِ ، حَيْثُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ } .\r( 8151 ) فَصْلٌ : وَيَحْنَثُ بِأَكْلِ اللَّحْمِ الْمُحَرَّمِ ، كَلَحْمِ الْمَيْتَةِ","part":22,"page":346},{"id":10846,"text":"وَالْخِنْزِيرِ وَالْمَغْصُوبِ .\rوَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ : لَا يَحْنَثُ بِأَكْلِ الْمُحَرَّمِ بِأَصْلِهِ ؛ لِأَنَّ يَمِينَهُ تَنْصَرِفُ إلَى مَا يَحِلُّ لَا إلَى مَا يَحْرُمُ ، فَلَمْ يَحْنَثْ بِمَا لَا يَحِلُّ ، كَمَا لَوْ حَلَفَ لَا يَبِيعُ ، فَبَاعَ بَيْعًا فَاسِدًا ، لَمْ يَحْنَثْ .\rوَلَنَا ، أَنَّ هَذَا لَحْمٌ حَقِيقَةً وَعُرْفًا ، فَيَحْنَثُ بِأَكْلِهِ ، كَالْمَغْصُوبِ ، وَقَدْ سَمَّاهُ اللَّهُ - تَعَالَى - لَحْمًا ، فَقَالَ : { وَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ } .\rوَمَا ذَكَرُوهُ يَبْطُلُ بِمَا إذَا حَلَفَ لَا يَلْبَسُ ثَوْبًا ، فَلَبِسَ ثَوْبَ حَرِيرٍ .\rوَأَمَّا الْبَيْعُ الْفَاسِدُ ، فَلَا يَحْنَثُ بِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِبَيْعٍ فِي الْحَقِيقَةِ .","part":22,"page":347},{"id":10847,"text":"( 8152 ) فَصْلٌ : وَالْأَسْمَاءُ تَنْقَسِمُ إلَى سِتَّةِ أَقْسَامٍ ؛ أَحَدُهَا ، مَا لَهُ مُسَمًّى وَاحِدٌ ، كَالرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ وَالْإِنْسَانِ وَالْحَيَوَانِ ، فَهَذَا تَنْصَرِفُ الْيَمِينُ إلَى مُسَمَّاهُ بِغَيْرِ خِلَافٍ .\rالثَّانِي ، مَا لَهُ مَوْضُوعٌ شَرْعِيٌّ ، وَمَوْضُوعٌ لُغَوِيٌّ ، كَالْوُضُوءِ وَالطَّهَارَةِ وَالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصَّوْمِ وَالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ وَالْبَيْعِ وَنَحْوِ ذَلِكَ ، فَهَذَا تَنْصَرِفُ الْيَمِينُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ إلَى مَوْضُوعِهِ الشَّرْعِيِّ دُونَ اللُّغَوِيِّ ، لَا نَعْلَمُ فِيهِ أَيْضًا خِلَافًا ، غَيْرَ مَا ذَكَرْنَاهُ فِيمَا تَقَدَّمَ .\rالثَّالِثُ ، مَا لَهُ مَوْضُوعٌ حَقِيقِيٌّ وَمَجَازٌ لَمْ يَشْتَهِرْ أَكْثَرَ مِنْ الْحَقِيقَةِ ، كَالْأَسَدِ وَالْبَحْرِ ، فَيَمِينُ الْحَالِفِ تَنْصَرِفُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ إلَى الْحَقِيقَةِ دُونَ الْمَجَازِ ؛ لِأَنَّ كَلَامَ الشَّارِعِ إذَا وَرَدَ فِي مِثْلِ هَذَا ، حُمِلَ عَلَى حَقِيقَتِهِ دُونَ مَجَازِهِ ، كَذَلِكَ الْيَمِينُ .\rالرَّابِعُ ، الْأَسْمَاءُ الْعُرْفِيَّةُ ، وَهِيَ مَا يَشْتَهِرُ مَجَازُهُ حَتَّى تَصِيرَ الْحَقِيقَةُ مَغْمُورَةً فِيهِ ، فَهَذَا عَلَى ضُرُوبٍ ؛ أَحَدُهَا ، مَا يَغْلِبُ عَلَى الْحَقِيقَةِ ، بِحَيْثُ لَا يَعْلَمُهَا أَكْثَرُ النَّاسِ ، كَالرَّاوِيَةِ ، هِيَ فِي الْعُرْفِ اسْمُ الْمَزَادَةِ ، وَفِي الْحَقِيقَةِ اسْمٌ لِمَا يُسْتَقَى عَلَيْهِ مِنْ الْحَيَوَانَاتِ ، وَالظَّعِينَةِ فِي الْعُرْفِ الْمَرْأَةُ ، وَفِي الْحَقِيقَةِ النَّاقَةُ الَّتِي يُظْعَنُ عَلَيْهَا ، وَالْعَذِرَةِ وَالْغَائِطِ فِي الْعُرْفِ الْفَضْلَةُ الْمُسْتَقْذَرَةُ ، وَفِي الْحَقِيقَةِ الْعَذِرَةُ فِنَاءُ الدَّارِ ، وَلِذَلِكَ قَالَ عَلِيٌّ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، لِقَوْمٍ : مَا لَكُمْ لَا تُنَظِّفُونَ عَذِرَاتِكُمْ ؟ يُرِيدُ أَفْنِيَتَكُمْ .\rوَالْغَائِطُ الْمَكَانُ الْمُطْمَئِنُّ .\rفَهَذَا وَأَشْبَاهُهُ تَنْصَرِفُ يَمِينُ الْحَالِفِ إلَى الْمَجَازِ دُونَ الْحَقِيقَةِ ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي يُرِيدُهُ بِيَمِينِهِ ، وَيُفْهَمُ مِنْ كَلَامِهِ ، فَأَشْبَهَ الْحَقِيقَةَ فِي غَيْرِهِ .\rالضَّرْبُ الثَّانِي ، أَنْ يَخُصَّ عُرْفُ الِاسْتِعْمَالِ بَعْضَ الْحَقِيقَةِ بِالِاسْمِ ، وَهَذَا","part":22,"page":348},{"id":10848,"text":"يَتَنَوَّعُ أَنْوَاعًا ؛ فَمِنْهُ مَا يَشْتَهِرُ التَّخْصِيصُ فِيهِ ، كَلَفْظِ الدَّابَّةِ ، هُوَ فِي الْحَقِيقَةِ اسْمٌ لِكُلِّ مَا يَدِبُّ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا } .\rوَقَالَ : { إنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا } .\rوَفِي الْعُرْفِ اسْمٌ لِلْبِغَالِ وَالْخَيْلِ وَالْحَمِيرِ ، وَلِذَلِكَ لَوْ وَصَّى إنْسَانٌ لِرَجُلٍ بِدَابَّةٍ مِنْ دَوَابِّهِ ، كَانَ لَهُ أَحَدُ هَذِهِ الثَّلَاثِ ، فَالظَّاهِرُ أَنَّ يَمِينَ الْحَالِفِ تَنْصَرِفُ إلَى الْعُرْفِ دُونَ الْحَقِيقَةِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ ، كَاَلَّذِي قَبْلَهُ .\rوَيُحْتَمَلُ أَنْ تَتَنَاوَلَ يَمِينُهُ الْحَقِيقَةَ ؛ بِنَاءً عَلَى قَوْلِهِمْ فِيمَا سَنَذْكُرُهُ ، وَعَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ فِي الْحَالِفِ عَلَى تَرْكِ أَكْلِ اللَّحْمِ : إنَّ يَمِينَهُ تَتَنَاوَلُ السَّمَكَ .\rوَمِنْ هَذَا النَّوْعِ إذَا حَلَفَ لَا يَشُمُّ الرَّيْحَانَ ، فَإِنَّهُ فِي الْعُرْفِ اسْمٌ مُخْتَصٌّ بِالرَّيْحَانِ الْفَارِسِيِّ ، وَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ اسْمٌ لِكُلِّ نَبْتٍ أَوْ زَهْرٍ طَيِّبِ الرِّيحِ ، مِثْلِ الْوَرْدِ وَالْبَنَفْسَجِ وَالنِّرْجِسِ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : لَا يَحْنَثُ إلَّا بِشَمِّ الرِّيحَانِ الْفَارِسِيِّ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ الْحَالِفَ لَا يُرِيدُ بِيَمِينِهِ فِي الظَّاهِرِ سِوَاهُ .\rوَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : يَحْنَثُ بِشَمِّ مَا يُسَمَّى فِي الْحَقِيقَةِ رَيْحَانًا ؛ لِأَنَّ الِاسْمَ يَتَنَاوَلُهُ حَقِيقَةً .\rوَلَا يَحْنَثُ بِشَمِّ الْفَاكِهَةِ ، وَجْهًا وَاحِدًا ؛ لِأَنَّهَا لَا تُسَمَّى رَيْحَانًا حَقِيقَةً وَلَا عُرْفًا .\rوَمِنْ هَذَا لَوْ حَلَفَ لَا يَشُمُّ وَرْدًا ، وَلَا بَنَفْسَجًا ، فَشَمَّ دُهْنَ الْبَنَفْسَجِ ، وَمَاءَ الْوَرْدِ ، فَقَالَ الْقَاضِي : لَا يَحْنَثُ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَشُمّ وَرْدًا وَلَا بَنَفْسَجًا .\rوَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : يَحْنَثُ ؛ لِأَنَّ الشَّمَّ إنَّمَا هُوَ لِلرَّائِحَةِ دُونَ الذَّاتِ ، وَرَائِحَةُ الْوَرْدِ وَالْبَنَفْسَجِ مَوْجُودَةٌ فِيهِمَا .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَحْنَثُ بِشَمِّ دُهْنِ الْبَنَفْسَجِ ؛ لِأَنَّهُ يُسَمَّى بَنَفْسَجًا ،","part":22,"page":349},{"id":10849,"text":"وَلَا يَحْنَثُ بِشَمِّ مَاءِ الْوَرْدِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى وَرْدًا .\rوَالْأَوَّلُ أَقْرَبُ إلَى الصِّحَّةِ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .\rوَإِنْ شَمَّ الْوَرْدَ وَالْبَنَفْسَجَ الْيَابِسَ ، حَنِثَ .\rوَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ : لَا يَحْنَثُ ، كَمَا لَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ رُطَبًا ، فَأَكَلَ تَمْرًا .\rوَلَنَا ، أَنَّ حَقِيقَتَهُ بَاقِيَةٌ ، فَحَنِثَ بِهِ كَمَا لَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ لَحْمًا ، فَأَكَلَ قَدِيدًا ، وَفَارَقَ مَا ذَكَرُوهُ ، فَإِنَّ التَّمْرَ لَيْسَ رُطَبًا .\rوَإِنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ شِوَاءً ، حَنِثَ بِأَكْلِ اللَّحْمِ الْمَشْوِيِّ ، دُونَ غَيْرِهِ مِنْ الْبَيْضِ الْمَشْوِيِّ وَمَا عَدَاهُ .\rوَبِهِ قَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَقَالَ أَبُو يُوسُفَ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ : يَحْنَثُ بِأَكْلِ كُلِّ مَا يُشْوَى ؛ لِأَنَّهُ شِوَاءٌ .\rوَلَنَا ، أَنَّ هَذَا لَا يُسَمَّى شِوَاءً ، فَلَمْ يَحْنَثْ بِأَكْلِهِ ، كَالْمَطْبُوخِ ، وَقَوْلُهُمْ : هُوَ شِوَاءٌ فِي الْحَقِيقَةِ .\rقُلْنَا : لَكِنَّهُ لَا يُسَمَّى شِوَاءً فِي الْعُرْفِ ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ إنَّمَا يُرِيدُ الْمُسَمَّى شِوَاءً فِي عُرْفِهِمْ .\rوَإِنْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ بَيْتًا ، فَدَخَلَ مَسْجِدًا ، أَوْ حَمَّامًا ، فَإِنَّهُ يَحْنَثُ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .\rوَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَحْنَثَ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى بَيْتًا فِي الْعُرْفِ ، فَأَشْبَهَ مَا قَبْلَهُ مِنْ الْأَنْوَاعِ .\rوَالْأَوَّلُ الْمَذْهَبُ ، لِأَنَّهُمَا بَيْتَانِ حَقِيقَةً ، وَقَدْ سَمَّى اللَّهُ الْمَسَاجِدَ بُيُوتًا ، فَقَالَ : { فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ } .\rوَقَالَ : { إنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةِ مُبَارَكًا } .\rوَرُوِيَ فِي حَدِيثٍ : { الْمَسْجِدُ بَيْتُ كُلِّ تَقِيٍّ } .\rوَرُوِيَ فِي خَبَرٍ : \" بِئْسَ الْبَيْتُ الْحَمَّامُ \" .\rوَإِذَا كَانَ بَيْتًا فِي الْحَقِيقَةِ ، وَيُسَمِّيهِ الشَّارِعُ بَيْتًا ، حَنِثَ بِدُخُولِهِ ، كَبَيْتِ الْإِنْسَانِ ، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ مِنْ الْأَنْوَاعِ ، فَإِنَّ هَذَا يُسَمَّى بَيْتًا فِي الْعُرْفِ ، بِخِلَافِ الَّذِي قَبْلَهُ .\rوَإِنْ دَخَلَ بَيْتًا مِنْ شَعْرٍ ، أَوْ غَيْرِهِ ، حَنِثَ ،","part":22,"page":350},{"id":10850,"text":"سَوَاءٌ كَانَ الْحَالِفُ حَضَرِيًّا أَوْ بَدَوِيًّا ، فَإِنَّ اسْمَ الْبَيْتِ يَقَعُ عَلَيْهِ حَقِيقَةً وَعُرْفًا ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَاَللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ } .\rفَأَمَّا مَا لَا يُسَمَّى فِي الْعُرْفِ بَيْتًا ، كَالْخَيْمَةِ ، فَالْأَوْلَى أَنْ لَا يَحْنَثَ بِدُخُولِهِ مَنْ لَا يُسَمِّيهِ بَيْتًا ؛ لِأَنَّ يَمِينَهُ لَا تَنْصَرِفُ إلَيْهِ .\rوَإِنْ دَخَلَ دِهْلِيزَ دَارٍ أَوْ صِفَتَهَا ، لَمْ يَحْنَثْ .\rوَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَحْنَثُ ؛ لِأَنَّ جَمِيعَ الدَّارِ بَيْتٌ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ لَا يُسَمَّى بَيْتًا ، وَلِهَذَا يُقَالُ : مَا دَخَلْت الْبَيْتَ ، إنَّمَا وَقَفْت فِي الصَّحْنِ .\rوَإِنْ حَلَفَ لَا يَرْكَبُ ، فَرَكِبَ سَفِينَةً ، فَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : يَحْنَثُ ؛ لِأَنَّهُ رُكُوبٌ ، قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى : { ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا } .\rوَقَالَ : { فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ } .\rالضَّرْبُ الثَّالِثُ ، أَنْ يَكُونَ الِاسْمُ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ عَامًّا ، لَكِنْ أَضَافَ إلَيْهِ فِعْلًا لَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِهِ ، إلَّا فِي بَعْضِهِ ، أَوْ اُشْتُهِرَ فِي الْبَعْضِ دُونَ الْبَعْضِ ، مِثْلَ أَنْ يَحْلِفَ أَنْ لَا يَأْكُلَ رَأْسًا ، فَإِنَّهُ يَحْنَثُ بِأَكْلِ رَأْسِ كُلِّ حَيَوَانٍ مِنْ النَّعَمِ وَالصَّيُودِ وَالطُّيُورِ وَالْحِيتَانِ وَالْجَرَادِ .\rذَكَرَهُ الْقَاضِي .\rوَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : لَا يَحْنَثُ إلَّا بِأَكْلِ رَأْسٍ جَرَتْ الْعَادَةُ بِبَيْعِهِ لِلْأَكْلِ مُنْفَرِدًا .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يَحْنَثُ إلَّا بِأَكْلِ رُءُوسِ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ دُونَ غَيْرِهَا ، إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي بَلَدٍ تَكْثُرُ فِيهِ الصَّيُودُ ، وَتُمَيَّزُ رُءُوسُهَا ، فَيَحْنَثُ بِأَكْلِهَا .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَحْنَثُ بِأَكْلِ رُءُوسِ الْإِبِلِ ؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ لَمْ تَجْرِ بِبَيْعِهَا مُفْرَدَةً .\rوَقَالَ صَاحِبَاهُ : لَا يَحْنَثُ إلَّا بِأَكْلِ رُءُوسِ الْغَنَمِ ؛ لِأَنَّهَا الَّتِي تُبَاعُ فِي الْأَسْوَاقِ دُونَ غَيْرِهَا ، فَيَمِينُهُ تَنْصَرِفُ","part":22,"page":351},{"id":10851,"text":"إلَيْهَا .\rوَوَجْهُ الْأَوَّلِ ، أَنَّ هَذِهِ رُءُوسٌ - حَقِيقَةً وَعُرْفًا - مَأْكُولَةٌ ، فَحَنِثَ بِأَكْلِهَا ، كَمَا لَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ لَحْمًا ، فَأَكَلَ مِنْ لَحْمِ النَّعَامِ وَالزَّرَافَةِ ، وَمَا يَنْدُرُ وُجُودُهُ وَبَيْعُهُ ، وَمِنْ ذَلِكَ إذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ بَيْضًا ، حَنِثَ بِأَكْلِ بَيْضِ كُلِّ حَيَوَانٍ ، سَوَاءٌ كُثْرَ وُجُودُهُ ، كَبَيْضِ الدَّجَاجِ ، أَوْ قَلَّ وُجُودُهُ كَبَيْضِ النَّعَامِ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ : لَا يَحْنَثُ بِأَكْلِ بَيْضِ النَّعَامِ .\rوَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ : لَا يَحْنَثُ إلَّا بِأَكْلِ بَيْضِ الدَّجَاجِ ، وَمَا يُبَاعُ فِي السُّوقِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ هَذَا كُلَّهُ بَيْضٌ حَقِيقَةً وَعُرْفًا ، وَهُوَ مَأْكُولٌ ، فَيَحْنَثُ بِأَكْلِهِ ، كَبَيْضِ الدَّجَاجِ ، وَلِأَنَّهُ لَوْ حَلَفَ لَا يَشْرَبُ مَاءً ، فَشَرِبَ مَاءَ الْبَحْرِ ، أَوْ مَاءً نَجِسًا ، أَوْ لَا يَأْكُلُ خُبْزًا ، فَأَكَلَ الْأُرْزَ أَوْ الذُّرَةَ ، فِي مَكَان لَا يُعْتَادُ أَكْلُهُ فِيهِ ، حَنِثَ .\rفَأَمَّا إنْ أَكَلَ بَيْضَ السَّمَكِ أَوْ الْجَرَادِ ، فَقَالَ الْقَاضِي : يَحْنَثُ ؛ لِأَنَّهُ بَيْضُ حَيَوَانٍ ، أَشْبَهَ بَيْضَ النَّعَامِ .\rوَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : لَا يَحْنَثُ إلَّا بِأَكْلِ بَيْضٍ يُزَايَلُ بَائِضُهُ فِي الْحَيَاةِ .\rوَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ ، وَأَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ .\rوَهُوَ الصَّحِيحُ ؛ لِأَنَّ هَذَا لَا يُفْهَمُ مِنْ إطْلَاقِ اسْمِ الْبَيْضِ ، وَلَا يُذْكَرُ إلَّا مُضَافًا إلَى بَائِضِهِ ، وَلَا يَحْنَثُ بِأَكْلِ شَيْءٍ يُسَمَّى بَيْضًا غَيْرَ بَيْضِ الْحَيَوَانِ ، وَلَا بِأَكْلِ شَيْءٍ يُسَمَّى رَأْسًا غَيْرَ رُءُوسِ الْحَيَوَانِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِرَأْسٍ وَلَا بِيضٍ فِي الْحَقِيقَةِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":22,"page":352},{"id":10852,"text":"( 8153 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِنْ حَلَفَ أَلَّا يَأْكُلَ سَوِيقًا ، فَشَرِبَهُ ، أَوْ لَا يَشْرَبَهُ ، فَأَكَلَهُ ، حَنِثَ ، إلَّا أَنْ تَكُونُ لَهُ نِيَّةٌ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ مَنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ شَيْئًا ، فَشَرِبَهُ ، أَوْ لَا يَشْرَبُهُ ، فَأَكَلَهُ ، فَقَدْ نُقِلَ عَنْ أَحْمَدَ ، مَا يَدُلُّ عَلَى رِوَايَتَيْنِ ؛ إحْدَاهُمَا ، يَحْنَثُ ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ عَلَى تَرْكِ أَكْلِ شَيْءٍ أَوْ شُرْبِهِ يُقْصَدُ بِهَا فِي الْعُرْفِ اجْتِنَابُ ذَلِكَ الشَّيْءِ ، فَحُمِلَتْ الْيَمِينُ عَلَيْهِ ، إلَّا أَنْ يَنْوِيَ ، أَلَا تَرَى أَنَّ قَوْله تَعَالَى : { وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ } وَ : { إنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا } لَمْ يُرِدْ بِهِ الْأَكْلَ عَلَى الْخُصُوصِ ؟ وَلَوْ قَالَ طَبِيبٌ لِمَرِيضٍ : لَا تَأْكُلْ الْعَسَلَ .\rلَكَانَ نَاهِيًا لَهُ عَنْ شُرْبِهِ .\rوَالثَّانِيَةُ ، لَا يَحْنَثُ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ ؛ لِأَنَّ الْأَفْعَالَ أَنْوَاعٌ كَالْأَعْيَانِ ، وَلَوْ حَلَفَ عَلَى نَوْعٍ مِنْ الْأَعْيَانِ ، لَمْ يَحْنَثْ بِغَيْرِهِ ، وَكَذَلِكَ الْأَفْعَالُ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : إنَّمَا الرِّوَايَتَانِ ، فِيمَنْ عَيَّنَ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ ، مِثْلَ مَنْ حَلَفَ : لَا أَكَلْت هَذَا السَّوِيقَ .\rفَشَرِبَهُ ، أَوْ لَا يَشْرَبُهُ ، فَأَكَلَهُ ، أَمَّا إذَا أَطْلَقَ ، فَقَالَ : لَا أَكَلْت سَوِيقًا ، فَشَرِبَهُ ، لَمْ يَحْنَثْ ، رِوَايَةً وَاحِدَةً ، لَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ فِيهِ .\rوَهَذَا مُخَالِفٌ لِإِطْلَاقِ الْخِرَقِيِّ ، وَلَيْسَ لِلتَّعْيِينِ أَثَرٌ فِي الْحِنْثِ وَعَدَمِهِ ، فَإِنَّ الْحِنْثَ فِي الْمُعَيَّنِ إنَّمَا هُوَ لِتَنَاوُلِهِ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ ، وَإِجْرَاءِ مَعْنَى الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ عَلَى التَّنَاوُلِ الْعَامِّ فِيهِمَا ، وَهَذَا لَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ التَّعْيِينِ وَعَدَمِهِ ، وَعَدَمُ الْحِنْثِ يُتَعَلَّلُ بِأَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ الْفِعْلَ الَّذِي حَلَفَ عَلَى تَرْكِهِ ، وَإِنَّمَا فَعَلَ غَيْرَهُ ، وَهَذَا فِي الْمُعَيَّنِ كَهُوَ فِي الْمُطْلَقِ ، فَإِذَا كَانَ فِي الْمُعَيَّنِ رِوَايَتَانِ ، كَانَتَا فِي الْمُطْلَقِ ؛ لِعَدَمِ الْفَارِقِ بَيْنَهُمَا ،","part":22,"page":353},{"id":10853,"text":"وَلِأَنَّ الرِّوَايَةَ فِي الْحِنْثِ أُخِذَتْ مِنْ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ ، وَلَيْسَ فِيهِ تَعْيِينٌ ، وَرِوَايَةُ عَدَمِ الْحِنْثِ ، أُخِذَتْ مِنْ رِوَايَةِ مُهَنَّا عَنْ أَحْمَدَ ، فِيمَنْ حَلَفَ لَا يَشْرَبُ هَذَا النَّبِيذَ ، فَأَكَلَهُ ، لَا يَحْنَثُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى شُرْبًا ، وَهَذَا فِي الْمُعَيَّنِ ، فَإِنْ عَدَّيْت كُلَّ رِوَايَةٍ إلَى مَحَلِّ الْأُخْرَى ، وَجَبَ أَنْ يَكُونَ فِي الْجَمِيعِ رِوَايَتَانِ ، وَإِنْ قَصَرْت كُلَّ رِوَايَةٍ عَلَى مَحَلِّهَا ، كَانَ الْأَمْرُ عَلَى خِلَافِ مَا قَالَ الْقَاضِي ، وَهُوَ أَنْ يَحْنَثَ فِي الْمُطْلَقِ ، وَلَا يَحْنَثَ فِي الْمُعَيَّنِ .\rفَأَمَّا إنْ حَلَفَ لَيَأْكُلَنَّ شَيْئًا فَشَرِبَهُ .\rأَوْ لَيَشْرَبَنَّهُ فَأَكَلَهُ ، فَيُخَرَّجُ فِيهِ وَجْهَانِ ؛ بِنَاءً عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي الْحِنْثِ إذَا حَلَفَ عَلَى التَّرْكِ ، وَمَتَى تَقَيَّدَتْ يَمِينُهُ بِنِيَّةٍ ، أَوْ سَبَبٍ يَدُلُّ عَلَيْهَا ، كَانَتْ يَمِينُهُ عَلَى مَا نَوَاهُ ، أَوْ دَلَّ عَلَيْهِ السَّبَبُ ؛ لِأَنَّ مَبْنَى الْأَيْمَانِ عَلَى النِّيَّةِ .","part":22,"page":354},{"id":10854,"text":"( 8154 ) فَصْلٌ : وَإِنْ حَلَفَ لَا يَشْرَبُ شَيْئًا ، فَمَصَّهُ وَرَمَى بِهِ ، فَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ ، فِيمَنْ حَلَفَ لَا يَشْرَبُ ، فَمَصَّ قَصَبَ السُّكْرِ : لَا يَحْنَثُ .\rوَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى : إذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ وَلَا يَشْرَبُ ، فَمَصَّ قَصَبَ السُّكَّرِ ، لَا يَحْنَثُ .\rوَهَذَا قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ ؛ فَإِنَّهُمْ : قَالُوا إذَا حَلَفَ لَا يَشْرَبُ ، فَمَصَّ حَبَّ رُمَّانٍ ، وَرَمَى بِالثُّفْلِ ، لَا يَحْنَثُ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِأَكْلٍ وَلَا شُرْبٍ .\rوَيَجِيءُ عَلَى قَوْلِ الْخِرَقِيِّ : إنَّهُ يَحْنَثُ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَنَاوَلَهُ ، وَوَصَلَ إلَى بَطْنِهِ وَحَلْقِهِ ، فَإِنَّهُ يَحْنَثُ ، عَلَى مَا قُلْنَا فِيمَنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ شَيْئًا فَشَرِبَهُ ، أَوْ لَا يَشْرَبُهُ فَأَكَلَهُ .\rوَإِنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ سُكَّرًا ، فَتَرَكَهُ فِي فِيهِ حَتَّى ذَابَ ، وَابْتَلَعَهُ ، خُرِّجَ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ .\rوَإِنْ حَلَفَ لَا يَطْعَمُ شَيْئًا ، حَنِثَ بِالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالْمَصِّ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ طُعْمٌ ، قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى فِي النَّهْرِ : { وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ } .\rوَإِنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُهُ ، أَوْ لَا يَشْرَبُهُ ، فَذَاقَهُ ، لَمْ يَحْنَثْ ، فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِأَكْلٍ وَلَا شُرْبٍ ، وَلِذَلِكَ لَمْ يُفْطِرْ بِهِ الصَّائِمُ .\rوَإِنْ حَلَفَ لَا يَذُوقُهُ ، فَأَكَلَهُ أَوْ شَرِبَهُ ، أَوْ مَصَّهُ ، حَنِثَ ؛ لِأَنَّهُ ذَوْقٌ وَزِيَادَةٌ ، وَإِنْ مَضَغَهُ وَرَمَى بِهِ ، حَنِثَ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ ذَاقَهُ .","part":22,"page":355},{"id":10855,"text":"( 8155 ) فَصْلٌ : وَإِنْ حَلَفَ لَيَأْكُلَنَّ أَكْلَةً ، بِالْفَتْحِ ، لَمْ يَبَرَّ حَتَّى يَأْكُلَ مَا يَعُدُّهُ النَّاسُ أَكْلَةً ، وَهِيَ الْمَرَّةُ مِنْ الْأَكْلِ ، وَالْأُكْلَةُ ، بِالضَّمِّ ، اللُّقْمَةُ ، وَمِنْهُ : \" فَلْيُنَاوِلْهُ فِي يَدِهِ أُكْلَةً ، أَوْ أُكْلَتَيْنِ \" .","part":22,"page":356},{"id":10856,"text":"( 8156 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ ( وَمَنْ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ أَلَّا يَأْكُلَ تَمْرَةً ، فَوَقَعَتْ فِي تَمْرٍ ، فَأَكَلَ مِنْهُ وَاحِدَةً ، مُنِعَ مِنْ وَطْءِ زَوْجَتِهِ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّهَا لَيْسَتْ الَّتِي وَقَعَتْ الْيَمِينُ عَلَيْهَا ، وَلَا يَتَحَقَّقُ حِنْثُهُ حَتَّى يَأْكُلَ التَّمْرَ كُلَّهُ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ حَالِفَ هَذِهِ الْيَمِينِ لَا يَخْلُو مِنْ أَحْوَالٍ ثَلَاثَةٍ ؛ أَحَدُهَا ، أَنْ يَتَحَقَّقَ أَكْلَ التَّمْرَةِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهَا ، فَأَمَّا أَنْ يَعْرِفَهَا بِعَيْنِهَا أَوْ بِصِفَتِهَا ، أَوْ يَأْكُلَ التَّمْرَ كُلَّهُ ، أَوْ الْجَانِبَ الَّذِي وَقَعَتْ فِيهِ كُلَّهُ ، فَهَذَا يَحْنَثُ ، بِلَا خِلَافٍ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rوَبِهِ يَقُولُ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ؛ لِأَنَّهُ أَكَلَ التَّمْرَةَ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهَا .\rالثَّانِي ، أَنْ يَتَحَقَّقَ أَنَّهُ لَمْ يَأْكُلْهَا ؛ إمَّا بِأَنْ لَا يَأْكُلَ مِنْ التَّمْرِ شَيْئًا ، أَوْ أَكَلَ شَيْئًا يَعْلَمُ أَنَّهُ غَيْرُهَا ، فَلَا يَحْنَثُ أَيْضًا ، بِلَا خِلَافٍ ، وَلَا يَلْزَمُهُ اجْتِنَابُ زَوْجَتِهِ .\rالثَّالِثُ ، أَكَلَ مِنْ التَّمْرِ شَيْئًا ؛ إمَّا وَاحِدَةً ، أَوْ أَكْثَرَ ، إلَى أَنْ لَا يَبْقَى مِنْهُ إلَّا وَاحِدَةٌ ، وَلَمْ يَدْرِ هَلْ أَكَلَهَا أَمْ لَا ؟ فَهَذِهِ مَسْأَلَةُ الْخِرَقِيِّ ، وَلَا يَتَحَقَّقُ حِنْثُهُ ؛ لِأَنَّ الْبَاقِيَةَ يُحْتَمَلُ أَنَّهَا الْمَحْلُوفُ عَلَيْهَا ، وَيَقِينُ النِّكَاحِ ثَابِتٌ ، فَلَا يَزُولُ بِالشَّكِّ .\rوَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ .\rفَعَلَى هَذَا ، يَكُونُ حُكْمُ الزَّوْجِيَّةِ بَاقِيًا ، فِي لُزُومِ نَفَقَتِهَا وَكِسْوَتِهَا وَمَسْكَنِهَا ، وَسَائِرِ أَحْكَامِهَا ، إلَّا الْوَطْءَ ؛ فَإِنَّ الْخِرَقِيِّ قَالَ : يُمْنَعُ وَطْأَهَا ؛ لِأَنَّهُ شَاكٌّ فِي حِلِّهَا ، فَحَرُمَتْ عَلَيْهِ ، كَمَا لَوْ اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِ امْرَأَتُهُ بِأَجْنَبِيَّةٍ .\rوَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ ، أَنَّهَا بَاقِيَةٌ عَلَى الْحِلِّ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ الْحِلُّ ، فَلَا يَزُولُ بِالشَّكِّ ، كَسَائِرِ أَحْكَامِ النِّكَاحِ ، وَلِأَنَّ النِّكَاحَ بَاقٍ حُكْمًا ،","part":22,"page":357},{"id":10857,"text":"فَأَثْبَتَ الْحِلَّ ، كَمَا لَوْ شَكَّ هَلْ طَلَّقَ أَمْ لَا ؟ وَإِنْ كَانَتْ يَمِينُهُ لَيَأْكُلَنَّ هَذِهِ التَّمْرَةَ ، فَلَا يَتَحَقَّقُ بِرُّهُ حَتَّى يَتَحَقَّقَ أَنَّهُ أَكَلَهَا .","part":22,"page":358},{"id":10858,"text":"( 8157 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَلَوْ حَلَفَ أَنْ يَضْرِبَهُ عَشَرَةَ أَسْوَاطٍ ، فَجَمَعَهَا ، فَضَرَبَهُ بِهَا ضَرْبَةً وَاحِدَةً ، لَمْ يَبَرَّ فِي يَمِينِهِ ) وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ : يَبَرُّ لِأَنَّ أَحْمَدَ قَالَ ، فِي الْمَرِيضِ عَلَيْهِ الْحَدُّ : يُضْرَبُ بِعِثْكَالِ النَّخْلِ ، وَيَسْقُطُ عَنْهُ الْحَدُّ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ إذَا عَلِمَ أَنَّهَا مَسَّتْهُ كُلُّهَا ، وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهَا لَمْ تَمَسَّهُ كُلُّهَا ، لَمْ يَبَرَّ .\rوَإِنْ شَكَّ ، لَا يَحْنَثْ فِي الْحُكْمِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى قَالَ : { وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ } .\r{ وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَرِيضِ الَّذِي زَنَى : خُذُوا لَهُ عُثْكَالًا فِيهِ مِائَةُ شِمْرَاخٍ ، فَاضْرِبُوهُ بِهَا ضَرْبَةً وَاحِدَةً } .\rوَلِأَنَّهُ ضَرَبَهُ بِعَشَرَةِ أَسْوَاطٍ ، فَبَرَّ فِي يَمِينِهِ ، كَمَا لَوْ فَرَّقَ الضَّرْبَ .\rوَلَنَا ، أَنَّ مَعْنَى يَمِينِهِ أَنْ يَضْرِبَهُ عَشْرَ ضَرَبَاتٍ ، وَلَمْ يَضْرِبْهُ إلَّا ضَرْبَةً وَاحِدَةً ، فَلَمْ يَبَرَّ ، كَمَا لَوْ حَلَفَ لَيَضْرِبَنَّهُ عَشْرَ مَرَّاتٍ بِسَوْطٍ ، وَالدَّلِيلُ عَلَى هَذَا أَنَّهُ لَوْ ضَرَبَهُ عَشْرَ ضَرَبَاتٍ بِسَوْطٍ وَاحِدٍ ، يَبَرُّ فِي يَمِينِهِ ، بِغَيْرِ خِلَافٍ ، وَلَوْ عَادَ الْعَدَدُ إلَى السَّوْطِ ، لَمْ يَبَرَّ بِالضَّرْبِ بِسَوْطٍ وَاحِدٍ ، كَمَا لَوْ حَلَفَ لَيَضْرِبَنَّهُ بِعَشَرَةِ أَسْوَاطٍ ، وَلِأَنَّ السَّوْطَ هَاهُنَا آلَةٌ أُقِيمَتْ مَقَامَ الْمَصْدَرِ ، وَانْتَصَبَ انْتِصَابَهُ ، فَمَعْنَى كَلَامِهِ ، لَأَضْرِبَنَّهُ عَشْرَ ضَرَبَاتٍ بِسَوْطٍ .\rوَهَذَا هُوَ الْمَفْهُومُ مِنْ يَمِينِهِ ، وَاَلَّذِي يَقْتَضِيهِ لُغَةً ، فَلَا يَبَرُّ بِمَا يُخَالِفُ ذَلِكَ .\rوَأَمَّا أَيُّوبُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَإِنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - أَرْخَصَ لَهُ رِفْقًا بِامْرَأَتِهِ ، لِبِرِّهَا بِهِ ، وَإِحْسَانِهَا إلَيْهِ ، لِيَجْمَعَ لَهُ بَيْنَ بِرِّهِ فِي يَمِينِهِ وَرِفْقِهِ بِامْرَأَتِهِ ، وَلِذَلِكَ امْتَنَّ عَلَيْهِ بِهَذَا ، وَذَكَرَهُ فِي جُمْلَةِ مَا مَنَّ عَلَيْهِ بِهِ ، مِنْ مُعَافَاتِهِ إيَّاهُ مِنْ","part":22,"page":359},{"id":10859,"text":"بَلَائِهِ ، وَإِخْرَاجِ الْمَاءِ لَهُ ، فَيَخْتَصُّ هَذَا بِهِ ، كَاخْتِصَاصِهِ بِمَا ذُكِرَ مَعَهُ ، وَلَوْ كَانَ هَذَا الْحُكْمُ عَامًّا لِكُلِّ وَاحِدٍ لَمَا اُخْتُصَّ أَيُّوبُ بِالْمِنَّةِ عَلَيْهِ .\rوَكَذَلِكَ الْمَرِيضُ الَّذِي يُخَافُ تَلَفُهُ ، أُرْخِصَ لَهُ بِذَلِكَ فِي الْحَدِّ دُونَ غَيْرِهِ ، وَإِذَا لَمْ يَتَعَدَّهُ هَذَا الْحُكْمُ فِي الْحَدِّ الَّذِي وَرَدَ النَّصُّ بِهِ فِيهِ ، فَلِئَلَّا يَتَعَدَّاهُ إلَى الْيَمِينِ أَوْلَى ، وَلَوْ خُصَّ بِالْبِرِّ مَنْ لَهُ عُذْرٌ يُبِيحُ الْعُدُولَ فِي الْحَدِّ إلَى الضَّرْبِ بِالْعُثْكَالِ ، لَكَانَ لَهُ وَجْهٌ .\rوَأَمَّا تَعْدِيَتُهُ إلَى غَيْرِهِ فَبَعِيدَةٌ جِدًّا .\rوَلَوْ حَلَفَ أَنْ يَضْرِبَهُ بِعَشَرَةِ أَسْوَاطٍ ، فَجَمَعَهَا ، فَضَرَبَهُ بِهَا ، بَرَّ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ فَعَلَ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ .\rوَإِنْ حَلَفَ لَيَضْرِبَنَّهُ عَشْرَ مَرَّاتٍ ، لَمْ يَبَرَّ بِضَرْبِهِ بِعَشَرَةِ أَسْوَاطٍ ، دَفْعَةً وَاحِدَة ، بِغَيْرِ خِلَافٍ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ مَا تَنَاوَلَتْهُ يَمِينُهُ .\rوَإِنْ حَلَفَ لَيَضْرِبَنَّهُ عَشْرَ ضَرَبَاتٍ ، فَكَذَلِكَ ، إلَّا وَجْهًا لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ، أَنَّهُ يَبَرُّ .\rوَلَيْسَ بِصَحِيحِ ؛ لِأَنَّ هَذِهِ ضَرْبَةٌ وَاحِدَةٌ بِأَسْوَاطٍ ، وَلِهَذَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ : مَا ضَرَبْتُهُ إلَّا ضَرْبَةً وَاحِدَةً .\rوَلَوْ حَلَفَ لَا يَضْرِبُهُ أَكْثَرَ مِنْ ضَرْبَةٍ وَاحِدَةٍ .\rفَفَعَلَ هَذَا ، لَمْ يَحْنَثْ فِي يَمِينِهِ .\r( 8158 ) فَصْلٌ : وَلَا يَبَرُّ حَتَّى يَضْرِبَهُ ضَرْبًا يُؤْلِمُهُ .\rوَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يَبَرُّ بِمَا لَا يُؤْلِمُ ؛ لِأَنَّهُ يَتَنَاوَلُهُ الِاسْمُ ، فَوَقَعَ الْبِرُّ بِهِ .\rكَالْمُؤْلِمِ ، وَلَنَا ، أَنَّ هَذَا يُقْصَدُ بِهِ فِي الْعُرْفِ التَّأْلِيمُ ، فَلَا يَبَرُّ بِغَيْرِهِ .\rوَكَذَلِكَ كُلُّ مَوْضِعٍ وَجَبَ الضَّرْبُ فِي الشَّرْعِ ، فِي حَدٍّ ، أَوْ تَعْزِيرٍ ، كَانَ مِنْ شَرْطِهِ التَّأْلِيمُ ، كَذَا هَاهُنَا .","part":22,"page":360},{"id":10860,"text":"( 8159 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَلَوْ حَلَفَ أَنْ لَا يُكَلِّمَهُ ، فَكَتَبَ إلَيْهِ ، أَوْ أَرْسَلَ إلَيْهِ رَسُولًا ، حَنِثَ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ أَرَادَ أَنْ لَا يُشَافِهَهُ ) أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا عَلَى هَذَا .\rوَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ .\rوَقَدْ رَوَى الْأَثْرَمُ وَغَيْرُهُ ، عَنْ أَحْمَدَ ، فِي رَجُلٍ حَلَفَ أَنْ لَا يُكَلِّمَ رَجُلًا ، فَكَتَبَ إلَيْهِ كِتَابًا ، قَالَ : وَأَيُّ شَيْءٍ كَانَ سَبَبَ ذَلِكَ ؟ إنَّمَا يُنْظَرُ إلَى سَبَبِ يَمِينِهِ ، وَلِمَ حَلَفَ إنَّ الْكِتَابَ قَدْ يَجْرِي مَجْرَى الْكَلَامِ ، وَالْكِتَابُ قَدْ يَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الْكَلَامِ فِي بَعْضِ الْحَالَاتِ .\rوَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ بِالْكِتَابِ ، إلَّا أَنْ تَكُونَ نِيَّتُهُ أَوْ سَبَبُ يَمِينِهِ يَقْتَضِي هِجْرَانَهُ ، وَتَرْكَ صِلَتِهِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ ، لَمْ يَحْنَثْ بِكِتَابٍ وَلَا رَسُولٍ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِتَكَلُّمٍ فِي الْحَقِيقَةِ ، وَهَذَا يَصِحُّ نَفْيُهُ ، فَيُقَالُ : مَا كَلَّمْتُهُ ، وَإِنَّمَا كَاتَبْتُهُ أَوْ رَاسَلْتُهُ .\rوَلِذَلِكَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ } .\rوَقَالَ : { يَا مُوسَى إنِّي اصْطَفَيْتُك عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي } .\rوَقَالَ : { وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا } .\rوَلَوْ كَانَتْ الرِّسَالَةُ تَكْلِيمًا ، لَشَارَكَ مُوسَى غَيْرُهُ مِنْ الرُّسُلِ ، وَلَمْ يَخْتَصَّ بِكَوْنِهِ كَلِيمَ اللَّهِ وَنَجِيَّهُ .\rوَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ ، حِينَ مَاتَ بِشْرٌ الْحَافِي : لَقَدْ كَانَ فِيهِ أُنْسٌ ، وَمَا كَلَّمْته قَطُّ .\rوَقَدْ كَانَتْ بَيْنَهُمَا مُرَاسَلَةٌ ، وَمِمَّنْ قَالَ : لَا يَحْنَثُ بِهَذَا .\rالثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ ، وَالشَّافِعِيُّ فِي الْجَدِيدِ .\rوَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ } .\rفَاسْتَثْنَى الرَّسُولَ مِنْ التَّكَلُّمِ ، وَالْأَصْلُ أَنْ يَكُونَ الْمُسْتَثْنَى مِنْ جِنْسِ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ ، وَلِأَنَّهُ وُضِعَ لِإِفْهَامِ","part":22,"page":361},{"id":10861,"text":"الْآدَمِيِّينَ ، أَشْبَهَ الْخِطَابَ .\rوَالصَّحِيحُ أَنَّ هَذَا لَيْسَ بِتَكَلُّمٍ ، وَهَذَا الِاسْتِثْنَاءُ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ ، كَمَا قَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى : { آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إلَّا رَمْزًا } .\rوَالرَّمْزُ لَيْسَ بِتَكَلُّمٍ ، لَكِنْ إنْ نَوَى تَرْكَ مُوَاصَلَتِهِ ، أَوْ كَانَ سَبَبُ يَمِينِهِ يَقْتَضِي هِجْرَانَهُ ، حَنِثَ ؛ لِذَلِكَ ، وَلِذَلِكَ ، قَالَ أَحْمَدُ : إنَّ الْكِتَابَ يَجْرِي مَجْرَى الْكَلَامِ ، وَقَدْ يَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الْكَلَامِ .\rفَلَمْ يَجْعَلْهُ كَلَامًا ، إنَّمَا قَالَ هُوَ بِمَنْزِلَتِهِ فِي بَعْضِ الْحَالَاتِ إذَا كَانَ السَّبَبُ يَقْتَضِي ذَلِكَ .\rوَإِذَا أَطْلَقَ ، احْتَمَلَ أَنْ لَا يَحْنَثَ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُكَلِّمْهُ .\rوَاحْتَمَلَ أَنْ يَحْنَثَ لِأَنَّ الْغَالِبَ مِنْ الْحَالِفِ هَذِهِ الْيَمِينَ قَصْدُ تَرْكِ الْمُوَاصَلَةِ ، فَتَعَلَّقَ يَمِينُهُ بِمَا يُرَادُ فِي الْغَالِبِ ، كَقَوْلِنَا فِي الْمَسْأَلَةِ قَبْلَهَا .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .\r( 8160 ) فَصْلٌ : وَإِنْ أَشَارَ إلَيْهِ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ قَالَ الْقَاضِي : يَحْنَثُ ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْمُكَاتَبَةِ وَالْمُرَاسَلَةِ فِي الْإِفْهَامِ ، وَالثَّانِي لَا يَحْنَثُ ذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِكَلَامٍ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِمَرْيَمَ عَلَيْهَا السَّلَامُ { : فَقُولِي إنِّي نَذَرْت لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إنْسِيًّا } .\rإلَى قَوْلِهِ : { فَأَشَارَتْ إلَيْهِ } .\rوَقَالَ فِي زَكَرِيَّا { : آيَتُك أَنْ لَا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا } .\rإلَى قَوْلِهِ : { فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنْ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا } .\rوَلِأَنَّ الْكَلَامَ حُرُوفٌ وَأَصْوَاتٌ ، وَلَا يُوجَدُ فِي الْإِشَارَةِ ، وَلِأَنَّ الْكَلَامَ شَيْءٌ مَسْمُوعٌ ، وَتَبْطُلُ بِهِ الصَّلَاةُ ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : إنَّ صَلَاتَنَا هَذِهِ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ } وَالْإِشَارَةُ بِخِلَافِ هَذَا .\rفَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إلَّا","part":22,"page":362},{"id":10862,"text":"رَمْزًا } .\rقُلْنَا : هَذَا اسْتِثْنَاءٌ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ ، بِدَلِيلِ مَا ذَكَرْنَا ، وَصِحَّةِ نَفْيِهِ عَنْهُ ، فَيُقَالُ : مَا كَلَّمَهُ ، وَإِنَّمَا أَشَارَ إلَيْهِ .","part":22,"page":363},{"id":10863,"text":"( 8161 ) فَصْلٌ : فَإِنْ كَلَّمَ غَيْرَ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ ، بِقَصْدِ إسْمَاعِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ ، فَقَالَ أَحْمَدُ : يَحْنَثُ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَرَادَ تَكْلِيمَهُ ، وَقَدْ رَوَيْنَا عَنْ أَبِي بَكْرَةَ نُفَيْعِ بْنِ الْحَارِثِ ، أَنَّهُ كَانَ قَدْ حَلَفَ أَنْ لَا يُكَلِّمَ أَخَاهُ زِيَادًا ، فَلَمَّا أَرَادَ زِيَادٌ الْحَجَّ ، جَاءَ أَبُو بَكْرَةَ إلَى قَصْرِ زِيَادٍ فَدَخَلَ فَأَخَذَ بُنَيًّا لِزِيَادٍ صَغِيرًا فِي حِجْرِهِ ، ثُمَّ قَالَ : يَا ابْنَ أَخِي ؛ إنَّ أَبَاكَ يُرِيدُ الْحَجَّ ، وَلَعَلَّهُ يَمُرُّ بِالْمَدِينَةِ ، فَيَدْخُلُ عَلَى أُمِّ حَبِيبَةَ زَوْجِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَذَا النَّسَبِ الَّذِي ادَّعَاهُ ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَيْسَ بِصَحِيحٍ ، وَأَنَّ هَذَا لَا يَحِلُّ لَهُ .\rثُمَّ قَامَ فَخَرَجَ .\rوَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَعْتَقِدْ ذَلِكَ تَكْلِيمًا لَهُ .\rوَوَجْهُ الْأَوَّلِ أَنَّهُ أَسْمَعَهُ كَلَامَهُ قَاصِدًا لِإِسْمَاعِهِ وَإِفْهَامِهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ خَاطَبَهُ .\rوَقَالَ الشَّاعِرُ : إيَّاكِ أَعْنِي فَاسْمَعِي يَا جَارَة","part":22,"page":364},{"id":10864,"text":"( 8162 ) فَصْلٌ : فَإِنْ نَادَاهُ بِحَيْثُ يَسْمَعُ ، فَلَمْ يَسْمَعُ ، لِتَشَاغُلِهِ ، أَوْ غَفْلَتِهِ ، حَنِثَ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فَإِنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ حَلَفَ أَنْ لَا يُكَلِّمَ فُلَانًا ، فَنَادَاهُ ، وَالْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ لَا يَسْمَعُ ؟ قَالَ : يَحْنَثُ .\rلِأَنَّهُ قَدْ أَرَادَ تَكْلِيمَهُ ، وَهَذَا لِكَوْنِ ذَلِكَ يُسَمَّى تَكْلِيمًا ، يُقَالُ : كَلَّمْتُهُ ، فَلَمْ يَسْمَعْ .\rوَإِنْ كَانَ مَيِّتًا ، أَوْ غَائِبًا ، أَوْ مُغْمًى عَلَيْهِ ، أَوْ أَصَمَّ لَا يَعْلَمُ بِتَكْلِيمِهِ إيَّاهُ ، لَمْ يَحْنَثْ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَحُكِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهُ يَحْنَثُ بِنِدَاءِ الْمَيِّتِ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَلَّمَهُمْ وَنَادَاهُمْ ، وَقَالَ : { مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ } .\rوَلَنَا ، قَوْله تَعَالَى : { وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ } .\rوَلِأَنَّهُ قَدْ بَطَلَتْ حَوَاسُّهُ ، وَذَهَبَتْ نَفْسُهُ ، فَكَانَ أَبْعَدَ مِنْ السَّمَاعِ مِنْ الْغَائِبِ الْبَعِيدِ ، لِبَقَاءِ الْحَوَاسِّ فِي حَقِّهِ ، وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَرَامَةً لَهُ ، وَأَمْرًا اخْتَصَّ بِهِ ، فَلَا يُقَاسُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ .","part":22,"page":365},{"id":10865,"text":"فَصْلٌ : وَإِنْ سَلَّمَ عَلَى الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ ، حَنِثَ لِأَنَّ السَّلَامَ كَلَامٌ تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِهِ .\rوَإِنْ سَلَّمَ عَلَى جَمَاعَةٍ هُوَ فِيهِمْ ، أَوْ كَلَّمَهُمْ ، فَإِنْ قَصَدَ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ مَعَ الْجَمَاعَةِ ، حَنِثَ ؛ لِأَنَّهُ كَلَّمَهُ ، وَإِنْ قَصَدَهُمْ دُونَهُ ، لَمْ يَحْنَثْ .\rقَالَ الْقَاضِي : لَا يَحْنَثُ ، رِوَايَةً وَاحِدَةً .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ الْعَامَّ يَحْتَمِلُ التَّخْصِيصَ ، فَإِذَا نَوَاهُ بِهِ ، فَهُوَ عَلَى مَا نَوَاهُ .\rوَإِنْ أَطْلَقَ ، حَنِثَ .\rوَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ وَمَالِكٌ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّهُ مُكَلِّمٌ لِجَمِيعِهِمْ ؛ لِأَنَّ مُقْتَضَى اللَّفْظِ الْعُمُومُ ، فَيُحْمَلُ عَلَى مُقْتَضَاهُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : فِيهِ رِوَايَتَانِ .\rوَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، لَا يَحْنَثُ ؛ لِأَنَّ الْعَامَّ يَصْلُحُ لِلْخُصُوصِ ، فَلَا يَحْنَثُ بِالِاحْتِمَالِ وَالْأَوَّلُ أَوْلَى ؛ لِأَنَّ هَذَا الِاحْتِمَالَ مَرْجُوحٌ ، فَيَتَعَيَّنُ الْعَمَلُ بِالرَّاجِحِ ، كَمَا احْتَمَلَ اللَّفْظُ الْمَجَازَ الَّذِي لَيْسَ بِمُشْتَهِرٍ فَإِنَّهُ لَا يَمْنَعُ حَمْلَهُ عَلَى الْحَقِيقَةِ عِنْدَ إطْلَاقِهِ .\rفَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ فِيهِمْ ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، لَا يَحْنَثُ لِأَنَّهُ لَمْ يُرِدْهُ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ اسْتَثْنَاهُ .\rوَالثَّانِيَةُ ، يَحْنَثُ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَرَادَهُمْ بِسَلَامِهِ ، وَهُوَ مِنْهُمْ ، وَهَذَا بِمَنْزِلَةِ النَّاسِي .\rوَإِنْ كَانَ وَحْدَهُ ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَلَا يَعْرِفُهُ ، فَقَالَ أَحْمَدُ : يَحْنَثُ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَحْنَثَ ؛ بِنَاءً عَلَى النَّاسِي وَالْجَاهِلِ .","part":22,"page":366},{"id":10866,"text":"( 8164 ) فَصْلٌ : فَإِنْ حَلَفَ لَا يُكَلِّمُهُ .\rثُمَّ وَصَلَ يَمِينَهُ بِكَلَامِهِ ، مِثْلَ أَنْ قَالَ : فَتَحَقَّقْ ذَلِكَ ، أَوْ فَاذْهَبْ .\rفَقَالَ أَصْحَابُنَا : يَحْنَثُ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ : لَا يَحْنَثُ بِالْقَلِيلِ ؛ لِأَنَّ هَذَا تَمَامُ الْكَلَامِ الْأَوَّلِ ، وَاَلَّذِي يَقْتَضِيهِ يَمِينُهُ أَنْ لَا يُكَلِّمَهُ كَلَامًا مُسْتَأْنَفًا .\rوَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِأَنَّ هَذَا الْقَلِيلَ كَلَامٌ مِنْهُ لَهُ حَقِيقَةً ، وَقَدْ وُجِدَ بَعْدَ يَمِينِهِ ، فَيَحْنَثُ بِهِ ، كَمَا لَوْ فَصَلَهُ ، وَلِأَنَّ مَا يَحْنَثُ بِهِ إذَا فَصَلَهُ ، يَحْنَثُ بِهِ إذَا وَصَلَهُ ، كَالْكَثِيرِ .\rوَقَوْلُهُمْ : إنَّ الْيَمِينَ يَقْتَضِي خِطَابًا مُسْتَأْنَفًا .\rقُلْنَا : هَذَا الْخِطَابُ مُسْتَأْنَفٌ ، غَيْرُ الْأَوَّلِ ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ قَطَعَهُ حَنِثَ بِهِ .\rوَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ ؛ لِأَنَّ قَرِينَةَ صِلَتِهِ هَذَا الْكَلَامَ بِيَمِينِهِ ، تَدُلُّ عَلَى إرَادَة كَلَامٍ يَسْتَأْنِفُهُ بَعْدَ انْقِضَاءِ هَذَا الْكَلَامِ الْمُتَّصِلِ ، فَلَا يَحْنَثُ بِهِ ، كَمَا لَوْ وُجِدَتْ النِّيَّةُ حَقِيقَةً .\rوَإِنْ نَوَى كَلَامًا غَيْرَ هَذَا ، لَمْ يَحْنَثْ بِهَذَا فِي الْمَذْهَبَيْنِ .","part":22,"page":367},{"id":10867,"text":"( 8165 ) فَصْلٌ : وَإِنْ صَلَّى بِالْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ إمَامًا ، ثُمَّ سَلَّمَ مِنْ الصَّلَاةِ ، لَمْ يَحْنَثْ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .\rوَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ : يَحْنَثُ لِأَنَّهُ شُرِعَ لَهُ أَنْ يَنْوِيَ السَّلَامَ عَلَى الْحَاضِرِينَ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ قَوْلٌ مَشْرُوعٌ فِي الصَّلَاةِ ، فَلَمْ يَحْنَثْ بِهِ ، كَتَكْبِيرِهَا ، وَلَيْسَتْ نِيَّةُ الْحَاضِرِينَ بِسَلَامِهِ وَاجِبَةً فِي السَّلَامِ .\rوَإِنْ اُرْتُجَّ عَلَيْهِ فِي الصَّلَاةِ ، فَفَتَحَ عَلَيْهِ الْحَالِفُ ، لَمْ يَحْنَثْ لِأَنَّ ذَلِكَ كَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى ، وَلَيْسَ بِكَلَامِ الْآدَمِيِّينَ .","part":22,"page":368},{"id":10868,"text":"( 8166 ) فَصْلٌ : وَإِنْ حَلَفَ لَا يَتَكَلَّمُ ، فَقَرَأَ ، لَمْ يَحْنَثْ .\rوَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إنْ قَرَأَ فِي الصَّلَاةِ ، لَمْ يَحْنَثْ ، وَإِنْ قَرَأَ خَارِجًا مِنْهَا ، حَنِثَ لِأَنَّهُ يَتَكَلَّمُ بِكَلَامِ اللَّهِ .\rوَإِنْ ذَكَرَ اللَّهَ - تَعَالَى ، لَمْ يَحْنَثْ .\rوَمُقْتَضَى مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يَحْنَثُ ؛ لِأَنَّهُ كَلَامٌ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى } .\rوَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَفْضَلُ الْكَلَامِ أَرْبَعٌ ؛ سُبْحَانَ اللَّهِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ ، وَلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ، وَاَللَّهُ أَكْبَرُ } .\rوَقَالَ { كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ ، ثَقِيلَتَانِ فِي الْمِيزَانِ ، حَبِيبَتَانِ إلَى الرَّحْمَنِ ، سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ } .\rوَلَنَا ، أَنَّ الْكَلَامَ فِي الْعُرْفِ لَا يُطْلَقُ إلَّا عَلَى كَلَامِ الْآدَمِيِّينَ ، وَلِهَذَا لَمَّا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إنَّ اللَّهَ يُحْدِثُ مِنْ أَمْرِهِ مَا يَشَاءُ ، وَإِنَّهُ قَدْ أَحْدَثَ أَنْ لَا تَتَكَلَّمُوا فِي الصَّلَاةِ } .\rلَمْ يَتَنَاوَلْ الْمُخْتَلَفَ فِيهِ .\rوَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ : كُنَّا نَتَكَلَّمُ فِي الصَّلَاةِ ، حَتَّى نَزَلَتْ : { وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ } .\rفَأُمِرْنَا بِالسُّكُوتِ ، وَنُهِينَا عَنْ الْكَلَامِ .\rوَقَالَ اللَّهُ - تَعَالَى : { آيَتُك أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّك كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ } فَأَمَرَهُ بِالتَّسْبِيحِ مَعَ قَطْعِ الْكَلَامِ عَنْهُ .\rوَلِأَنَّ مَا لَا يَحْنَثُ بِهِ فِي الصَّلَاةِ ، لَا يَحْنَثُ بِهِ خَارِجًا مِنْهَا ، كَالْإِشَارَةِ ، وَمَا ذَكَرُوهُ يَبْطُلُ بِالْقِرَاءَةِ وَالتَّسْبِيحِ فِي الصَّلَاةِ ، وَذِكْرِ اللَّهِ الْمَشْرُوعِ فِيهَا .\rوَإِنْ اسْتَأْذَنَ عَلَيْهِ إنْسَانٌ ، فَقَالَ : { اُدْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ } .\rيَقْصِدُ الْقُرْآنَ ، لَمْ يَحْنَثْ ، وَإِلَّا حَنِثَ .","part":22,"page":369},{"id":10869,"text":"( 8167 ) فَصْلٌ : وَإِنْ حَلَفَ لَا يَتَكَلَّمُ ثَلَاثَ لَيَالٍ ، أَوْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَتَكَلَّمَ فِي الْأَيَّامِ الَّتِي بَيْنَ اللَّيَالِي ، وَلَا فِي اللَّيَالِي الَّتِي بَيْنَ الْأَيَّامِ ، إلَّا أَنْ يَنْوِيَ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى قَالَ : { آيَتُك أَنْ لَا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إلَّا رَمْزًا } .\rوَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ : { ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا } .\rفَكَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ اللَّفْظَيْنِ عِبَارَةً عَنْ الزَّمَانَيْنِ جَمِيعًا ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ } .\rفَدَخَلَ فِيهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ .","part":22,"page":370},{"id":10870,"text":"( 8168 ) فَصْلٌ : وَمَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَتَكَفَّلَ بِمَالٍ ، فَكَفَلَ بِبَدَنِ إنْسَانٍ ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا : يَحْنَثُ ؛ لِأَنَّ الْمَالَ يَلْزَمُهُ بِكَفَالَتِهِ إذَا تَعَذَّرَ تَسْلِيمُ الْمَكْفُولِ بِهِ .\rوَالْقِيَاسُ أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكْفُلْ بِمَالٍ ، وَإِنَّمَا يَلْزَمُهُ الْمَالُ بِتَعَذُّرِ إحْضَارِ الْمَكْفُولِ بِهِ ، وَأَمَّا قَبْلَ ذَلِكَ ، فَلَا يَلْزَمُهُ ، وَلِأَنَّ هَذَا لَا يُسَمَّى كَفَالَةً بِالْمَالِ ، وَلَا يَصِحُّ نَفْيُهَا عَنْهُ ، فَيُقَالُ : مَا تَكَفَّلَ بِمَالٍ ، وَإِنَّمَا تَكَفَّلَ بِالْبَدَنِ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيِّ .","part":22,"page":371},{"id":10871,"text":"( 8169 ) فَصْلٌ : وَإِنْ حَلَفَ لَا يَسْتَخْدِمُ عَبْدًا ، فَخَدَمَهُ وَهُوَ سَاكِتٌ ، لَمْ يَأْمُرْهُ وَلَمْ يَنْهَهُ ، فَقَالَ الْقَاضِي : إنْ كَانَ عَبْدَهُ حَنِثَ ، وَإِنْ كَانَ عَبْدَ غَيْرِهِ لَمْ يَحْنَثْ .\rوَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّ عَبْدَهُ يَخْدِمُهُ عِبَادَةً بِحُكْمِ اسْتِحْقَاقِهِ ذَلِكَ عَلَيْهِ ، فَيَكُونُ مَعْنَى يَمِينِهِ : لَا مَنَعَتْك خِدْمَتِي .\rفَإِذَا لَمْ يَنْهَهُ ، لَمْ يَمْنَعْهُ ، فَيَحْنَثُ ، وَعَبْدُ غَيْرِهِ بِخِلَافِهِ .\rوَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ يَحْنَثُ فِي الْحَالَيْنِ ؛ لِأَنَّ إقْرَارَهُ عَلَى الْخِدْمَةِ اسْتِخْدَامٌ ، وَلِهَذَا يُقَالُ : فُلَانٌ يَسْتَخْدِمُ عَبْدَهُ إذَا خَدَمَهُ ، وَإِنْ لَمْ يَأْمُرْهُ ، وَلِأَنَّ مَا حَنِثَ بِهِ فِي عَبْدِهِ ، حَنِثَ بِهِ فِي غَيْرِهِ ، كَسَائِرِ الْأَشْيَاءِ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يَحْنَثُ فِي الْحَالَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ حَلَفَ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ ، وَلَا يَحْنَثُ بِفِعْلِ غَيْرِهِ كَسَائِرِ الْأَفْعَالِ .","part":22,"page":372},{"id":10872,"text":"( 8170 ) فَصْلٌ : وَإِذَا حَلَفَ رَجُلٌ بِاَللَّهِ لَا يَفْعَلُ شَيْئًا ، فَقَالَ لَهُ آخَرُ يَمِينِي فِي يَمِينِك .\rلَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ ؛ لِأَنَّ يَمِينَ الْأَوَّلِ لَيْسَتْ ظَرْفًا لِيَمِينِ الثَّانِي .\rوَإِنْ نَوَى أَنَّهُ يَلْزَمُنِي مِنْ الْيَمِينِ مَا يَلْزَمُك ، لَمْ يَلْزَمْهُ حُكْمُهَا .\rقَالَهُ الْقَاضِي .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ بِاَللَّهِ لَا تَنْعَقِدُ بِالْكِنَايَةِ ؛ لِأَنَّ تَعَلُّقَ الْكَفَّارَةِ بِهَا لِحُرْمَةِ اللَّفْظِ بِاسْمِ اللَّهِ الْمُحْتَرَمِ ، أَوْ صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ ، وَلَا يُوجَدُ ذَلِكَ فِي الْكِنَايَةِ ، وَإِنْ حَلَفَ بِطَلَاقٍ ، فَقَالَ آخَرُ : يَمِينِي فِي يَمِينِك .\rيَنْوِي بِهِ ، أَنَّهُ يَلْزَمُنِي مِنْ الْيَمِينَ مَا يَلْزَمُك ، انْعَقَدَتْ يَمِينُهُ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .\rوَسُئِلَ عَنْ رَجُلٍ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ لَا يُكَلِّمُ رَجُلًا ، فَقَالَ رَجُلٌ : وَأَنَا عَلَى مِثْلِ يَمِينِك ؟ فَقَالَ : عَلَيْهِ مِثْلُ مَا قَالَهُ الَّذِي حَلَفَ .\rلِأَنَّ الْكِنَايَةَ تَدْخُلُ فِي الطَّلَاقِ ، وَكَذَلِكَ يَمِينُ الْعَتَاقِ وَالظِّهَارِ .\rوَإِنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا ، لَمْ تَنْعَقِدْ يَمِينُهُ ؛ لِأَنَّ الْكِنَايَةَ لَا تَعْمَلُ بِغَيْرِ نِيَّةٍ ، وَلَيْسَ هَذَا بِصَرِيحٍ .\rوَإِنْ كَانَ الْمَقُولُ لَهُ لَمْ يَحْلِفْ بَعْدُ ، وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ مَا يَلْزَمُ الْآخَرَ مِنْ يَمِينٍ يَحْلِفُ بِهَا ، فَحَلَفَ الْمَقُولُ لَهُ ، لَمْ تَنْعَقِدْ يَمِينُ الْقَائِلِ ، وَإِنْ كَانَ فِي الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ مَا يُكَنَّى عَنْهُ ، وَلَيْسَ هَاهُنَا مَا يُكَنَّى عَنْهُ .\rوَذَكَرَ الْقَاضِي ، فِي مَوْضِعٍ آخَرَ ، فِيمَنْ قَالَ : أَيْمَانُ الْبَيْعَةِ تَلْزَمُنِي .\rأَنَّهُ إنْ عَرَفَهَا ، وَنَوَى جَمِيعَ مَا فِيهَا ، انْعَقَدَتْ يَمِينُهُ بِجَمِيعِ مَا فِيهَا .\rوَهَذَا خِلَافُ مَا قَالَهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ، فَيَكُونُ فِيهَا وَجْهَانِ .","part":22,"page":373},{"id":10873,"text":"( 8171 ) فَصْلٌ : فَإِنْ قَالَ أَيْمَانُ الْبَيْعَةِ تَلْزَمُنِي .\rفَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ابْنُ بَطَّةَ : كُنْت عِنْدَ أَبِي الْقَاسِمِ الْخِرَقِيِّ ، وَقَدْ سَأَلَهُ رَجُلٌ عَنْ أَيْمَانِ الْبَيْعَةِ ، فَقَالَ : لَسْت أُفْتِي فِيهَا بِشَيْءٍ ، وَلَا رَأَيْت أَحَدًا مِنْ شُيُوخِنَا يُفْتِي فِي هَذِهِ الْيَمِينِ .\rقَالَ : وَكَانَ أَبِي ، رَحِمَهُ اللَّهُ - يَعْنِي أَبَا عَلِيِّ - يَهَابُ الْكَلَامَ فِيهَا .\rثُمَّ قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ : إلَّا أَنْ يَلْتَزِمَ الْحَالِفُ بِهَا جَمِيعَ مَا فِيهَا مِنْ الْأَيْمَانِ .\rفَقَالَ لَهُ السَّائِلُ : عَرَفَهَا أَوْ لَمْ يَعْرِفْهَا ؟ فَقَالَ : نَعَمْ .\rوَأَيْمَانُ الْبَيْعَةِ هِيَ الَّتِي رَتَّبَهَا الْحَجَّاجُ يَسْتَحْلِفُ بِهَا عِنْدَ الْبَيْعَةِ وَالْأَمْرِ الْمُهِمِّ لِلسُّلْطَانِ .\r{ وَكَانَتْ الْبَيْعَةُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَخُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ بِالْمُصَافَحَةِ } ، فَلَمَّا وُلِّيَ الْحَجَّاجُ رَتَّبَهَا أَيْمَانًا تَشْتَمِلُ عَلَى الْيَمِينِ بِاَللَّهِ وَالطَّلَاقِ ، وَالْعَتَاقِ ، وَصَدَقَةِ الْمَالِ .\rفَمَنْ لَمْ يَعْرِفْهَا ، لَمْ تَنْعَقِدْ يَمِينُهُ بِشَيْءٍ مِمَّا فِيهَا ؛ لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ بِصَرِيحٍ فِي الْقَسَمِ ، وَالْكِنَايَةُ لَا تَصِحُّ إلَّا بِالنِّيَّةِ ، وَمَنْ لَمْ يَعْرِفْ شَيْئًا لَمْ يَصِحّ أَنْ يَنْوِيَهُ .\rوَإِنْ عَرَفَهَا ، وَلَمْ يَنْوِ عَقْدَ الْيَمِينِ بِمَا فِيهَا لَمْ يَصِحَّ أَيْضًا ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ .\rوَمَنْ عَرَفَهَا ، وَنَوَى الْيَمِينَ بِمَا فِيهَا ، صَحَّ فِي الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ بِهَا تَنْعَقِدُ بِالْكِنَايَةِ ، وَمَا عَدَا ذَلِكَ مِنْ الْيَمِينِ بِاَللَّهِ - تَعَالَى ، وَمَا عَدَا الطَّلَاقَ وَالْعَتَاقَ ، فَقَالَ الْقَاضِي هَاهُنَا : تَنْعَقِدُ يَمِينُهُ أَيْضًا ؛ لِأَنَّهَا يَمِينٌ ، فَتَنْعَقِدُ بِالْكِنَايَةِ الْمَنْوِيَّةِ ، كَيَمِينِ الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ .\rوَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ : لَا تَنْعَقِدُ الْيَمِينُ بِاَللَّهِ بِالْكِنَايَةِ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ وَجَبَتْ فِيهَا لِمَا ذُكِرَ فِيهَا مِنْ اسْمِ اللَّهِ الْعَظِيمِ الْمُحْتَرَمِ ، وَلَا يُوجَدُ ذَلِكَ","part":22,"page":374},{"id":10874,"text":"فِي الْكِنَايَةِ .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":22,"page":375},{"id":10875,"text":"كِتَابُ النُّذُورِ الْأَصْلُ فِي النَّذْرِ الْكِتَابُ ، وَالسُّنَّةُ ، وَالْإِجْمَاعُ .\rأَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { يُوفُونَ بِالنَّذْرِ } .\rوَقَالَ : { وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ } .\rوَأَمَّا السُّنَّةُ ، فَرَوَتْ عَائِشَةُ .\rقَالَتْ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللَّهَ فَلَا يَعْصِهِ } .\r.\rوَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ { : خَيْرُكُمْ قَرْنِي ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ، ثُمَّ يَجِيءُ قَوْمٌ يَنْذُرُونَ وَلَا يَفُونَ ، وَيَخُونُونَ وَلَا يُؤْتَمَنُونَ ، وَيَشْهَدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ ، وَيَظْهَرُ فِيهِمْ السِّمَنُ .\r} رَوَاهُمَا الْبُخَارِيُّ .\rوَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى صِحَّةِ النَّذْرِ فِي الْجُمْلَةِ ، وَلُزُومِ الْوَفَاءِ بِهِ .\r( 8172 ) فَصْلٌ : وَلَا يُسْتَحَبُّ لِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ رَوَى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { ، أَنَّهُ نَهَى عَنْ النَّذْرِ وَأَنَّهُ قَالَ : لَا يَأْتِي بِخَيْرٍ ، وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنْ الْبَخِيلِ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَهَذَا نَهْيُ كَرَاهَةٍ ، لَا نَهْيُ تَحْرِيمٍ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ حَرَامًا لَمَا مَدَحَ الْمُوفِينَ بِهِ ؛ لِأَنَّ ذَنْبَهُمْ فِي ارْتِكَابِ الْمُحَرَّمِ أَشَدُّ مِنْ طَاعَتِهِمْ فِي وَفَائِهِ ؛ وَلِأَنَّ النَّذْرَ لَوْ كَانَ مُسْتَحَبًّا ، لَفَعَلَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَفَاضِلُ أَصْحَابِهِ .","part":22,"page":376},{"id":10876,"text":"( 8173 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ - عَزَّ وَجَلَّ ، لَزِمَهُ الْوَفَاءُ بِهِ ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَهُ ، لَمْ يَعْصِهِ ، وَكَفَّرَ كَفَّارَةَ يَمِينٍ ) ، وَنَذْرُ الطَّاعَةِ ؛ الصَّلَاةُ ، وَالصِّيَامُ ، وَالْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ ، وَالْعِتْقُ ، وَالصَّدَقَةُ ، وَالِاعْتِكَافُ ، وَالْجِهَادُ ، وَمَا فِي هَذِهِ الْمَعَانِي ، سَوَاءٌ نَذَرَهُ مُطْلَقًا بِأَنْ يَقُولَ : لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَفْعَلَ كَذَا وَكَذَا .\rأَوْ عَلَّقَهُ بِصِفَةٍ مِثْلَ قَوْلِهِ : إنْ شَفَانِي اللَّهُ مِنْ عِلَّتِي ، أَوْ شَفَى فُلَانًا ، أَوْ سَلِمَ مَالِي الْغَائِبُ .\rأَوْ مَا كَانَ فِي هَذَا الْمَعْنَى ، فَأَدْرَكَ مَا أَمَّلَ بُلُوغَهُ مِنْ ذَلِكَ ، فَعَلَيْهِ الْوَفَاءُ بِهِ .\rوَنَذْرُ الْمَعْصِيَةِ ، ، أَنْ يَقُولَ : لِلَّهِ عَلَيَّ أَنَّ أَشْرَبَ الْخَمْرَ ، أَوْ أَقْتُلَ النَّفْسَ الْمُحَرَّمَةَ .\rوَمَا أَشْبَهَهُ ، فَلَا يَفْعَلُ ذَلِكَ ، وَيُكَفِّرُ كَفَّارَةَ يَمِينٍ ؛ وَإِذَا قَالَ : لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَرْكَبَ دَابَّتِي ، أَوْ أَسْكُنَ دَارِي ، أَوْ أَلْبَسَ أَحْسَنَ ثِيَابِي .\rوَمَا أَشْبَهَهُ ، لَمْ يَكُنْ هَذَا نَذْرَ طَاعَةٍ وَلَا مَعْصِيَةٍ ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْهُ كَفَّرَ كَفَّارَةَ يَمِينٍ ؛ لِأَنَّ النَّذْرَ كَالْيَمِينِ .\rوَإِذَا نَذَرَ أَنْ يُطَلِّقَ زَوْجَتَهُ ، اُسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ لَا يُطَلِّقَهَا ، وَيُكَفِّرَ كَفَّارَةَ يَمِينٍ .\rوَجُمْلَتُهُ أَنَّ النَّذْرَ سَبْعَةُ أَقْسَامٍ ؛ أَحَدُهَا ، نَذْرُ اللَّجَاجِ وَالْغَضَبِ ، وَهُوَ الَّذِي يُخْرِجُهُ مَخْرَجَ الْيَمِينِ ، لِلْحَثِّ عَلَى فِعْلِ شَيْءٍ أَوْ الْمَنْعِ مِنْهُ ، غَيْرَ قَاصِدٍ بِهِ لِلنَّذْرِ ، وَلَا الْقُرْبَةِ ، فَهَذَا حُكْمُهُ حُكْمُ الْيَمِينِ ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي بَابِ الْأَيْمَانِ .\rوَالْقِسْمُ الثَّانِي ، نَذْرُ طَاعَةٍ وَتُبَرَّرُ ؛ مِثْلُ الَّذِي ذَكَرَ الْخِرَقِيِّ .\rفَهَذَا يَلْزَمُ الْوَفَاءُ بِهِ ؛ لِلْآيَتَيْنِ وَالْخَبَرَيْنِ ، وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ ؛ أَحَدُهَا ، الْتِزَامُ طَاعَةٍ فِي مُقَابَلَةِ نِعْمَةٍ اسْتَجْلَبَهَا ، أَوْ نِقْمَةٍ اسْتَدْفَعَهَا ، كَقَوْلِهِ : إنْ شَفَانِي اللَّهُ ، فَلِلَّهِ عَلَيَّ صَوْمُ شَهْرٍ .\rفَتَكُونُ","part":22,"page":377},{"id":10877,"text":"الطَّاعَةُ الْمُلْتَزَمَةُ مِمَّا لَهُ أَصْلٌ فِي الْوُجُوبِ بِالشَّرْعِ ، كَالصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ وَالصَّدَقَةِ وَالْحَجِّ ، فَهَذَا يَلْزَمُ الْوَفَاءُ بِهِ ، بِإِجْمَاعِ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rالنَّوْعُ الثَّانِي ، الْتِزَامُ طَاعَةٍ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ ، كَقَوْلِهِ ابْتِدَاءً : لِلَّهِ عَلَيَّ صَوْمُ شَهْرٍ .\rفَيَلْزَمُهُ الْوَفَاءُ بِهِ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَهْلِ الْعِرَاقِ .\rوَظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ لَا يَلْزَمُ الْوَفَاءُ بِهِ ؛ لِأَنَّ أَبَا عُمَرَ غُلَامَ ثَعْلَبٍ قَالَ : النَّذْرُ عِنْدَ الْعَرَبِ وَعْدٌ .\rبِشَرْطٍ .\rوَلِأَنَّ مَا الْتَزَمَهُ الْآدَمِيُّ بِعِوَضٍ ، يَلْزَمُهُ بِالْعَقْدِ ، كَالْمَبِيعِ وَالْمُسْتَأْجَرِ ، وَمَا الْتَزَمَهُ بِغَيْرِ عِوَضٍ لَا يَلْزَمُهُ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ كَالْهِبَةِ .\rالنَّوْعُ الثَّالِثُ ، نَذْرُ طَاعَةٍ لَا أَصْلَ لَهَا فِي الْوُجُوبِ ، كَالِاعْتِكَافِ وَعِيَادَةِ الْمَرِيضِ ، فَيَلْزَمُ الْوَفَاءُ بِهِ ؛ لِأَنَّ النَّذْرَ فَرْعٌ عَلَى الْمَشْرُوعِ ، فَلَا يَجِبُ بِهِ مَا لَا يَجِبُ لَهُ نَظِيرٌ بِأَصْلِ الشَّرْعِ .\rوَلَنَا : قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ } .\rوَذَمُّهُ الَّذِينَ يَنْذُرُونَ وَلَا يُوفُونَ ، وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { وَمِنْهُمْ مِنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنْ الصَّالِحِينَ فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ } .\rوَقَدْ صَحَّ { أَنَّ عُمَرَ قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنِّي نَذَرْت أَنْ أَعْتَكِفَ لَيْلَةً فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ؟ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَوْفِ بِنَذْرِك } .\rوَلِأَنَّهُ أَلْزَمَ نَفْسَهُ قُرْبَةً عَلَى وَجْهِ التَّبَرُّرِ ، فَتَلْزَمُهُ ، كَمَوْضِعِ الْإِجْمَاعِ ، وَكَمَا لَوْ أَلْزَمَ نَفْسَهُ أُضْحِيَّةً ، أَوْ أَوْجَبَ هَدْيًا ، وَكَالِاعْتِكَافِ ،","part":22,"page":378},{"id":10878,"text":"وَكَالْعُمْرَةِ ، فَإِنَّهُمْ قَدْ سَلَّمُوهَا ، وَلَيْسَتْ وَاجِبَةً عِنْدَهُمْ ، وَمَا ذَكَرُوهُ يَبْطُلُ بِهَذَيْنِ الْأَصْلَيْنِ ، وَمَا حَكَوْهُ عَنْ أَبِي عُمَرَ لَا يَصِحُّ فَإِنَّ الْعَرَبَ تُسَمِّي الْمُلْتَزَمَ نَذْرًا ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِشَرْطٍ ، قَالَ جَمِيلٌ : فَلَيْتَ رِجَالًا فِيكَ قَدْ نَذَرُوا دَمِي وَهَمُّوا بِقَتْلِي يَا بُثَيْنَ لَقَوْنِي وَالْجَعَالَةُ وَعْدٌ بِشَرْطٍ ، وَلَيْسَتْ بِنَذْرٍ .","part":22,"page":379},{"id":10879,"text":"الْقِسْمُ الثَّالِثُ : النَّذْرُ الْمُبْهَمُ .\rوَهُوَ أَنْ يَقُولَ : لِلَّهِ عَلَى نَذْرٌ .\rفَهَذَا تَجِبُ بِهِ الْكَفَّارَةُ ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَجَابِرٍ وَعَائِشَةَ .\rوَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ ، وَعَطَاءٌ ، وَطَاوُسٌ ، وَالْقَاسِمُ ، وَسَالِمٌ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَعِكْرِمَةُ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَمَالِكٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ .\rوَلَا أَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا إلَّا الشَّافِعِيَّ ، قَالَ لَا يَنْعَقِدُ نَذْرُهُ ، وَلَا كَفَّارَةَ فِيهِ ؛ لِأَنَّ مِنْ النَّذْرِ مَا لَا كَفَّارَةَ فِيهِ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { كَفَّارَةُ النَّذْرِ إذَا لَمْ يُسَمِّهِ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ .\r} رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ .\rوَقَالَ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ .\rوَلِأَنَّهُ نَصٌّ ، وَهَذَا قَوْلُ مَنْ سَمَّيْنَا مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ ، وَلَا نَعْرِفُ لَهُمْ فِي عَصْرِهِمْ مُخَالِفًا ، فَيَكُونُ إجْمَاعًا .","part":22,"page":380},{"id":10880,"text":"الْقِسْمُ الرَّابِعُ ، نَذْرُ الْمَعْصِيَةِ ، فَلَا يَحِلُّ الْوَفَاءُ بِهِ إجْمَاعًا ؛ وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { مَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللَّهَ فَلَا يَعْصِهِ .\r} وَلِأَنَّ مَعْصِيَةَ اللَّهِ تَعَالَى لَا تَحِلُّ فِي حَالٍ ، وَيَجِبُ عَلَى النَّاذِرِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ .\rرُوِيَ نَحْوُ هَذَا عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَجَابِرٍ ، وَعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ، وَسَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ .\rوَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ .\rوَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ ، فَإِنَّهُ قَالَ ، فِيمَنْ نَذَرَ لَيَهْدِمَنَّ دَارَ غَيْرِهِ لَبِنَةً لَبِنَةً : لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ .\rوَهَذَا فِي مَعْنَاهُ .\rوَرُوِيَ هَذَا عَنْ مَسْرُوقٍ ، وَالشَّعْبِيِّ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ؛ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ ، وَلَا فِيمَا لَا يَمْلِكُ الْعَبْدُ .\r} رَوَاهُ مُسْلِمٌ .\rوَقَالَ { لَيْسَ عَلَى الرَّجُلِ نَذْرٌ فِيمَا لَا يَمْلِكُ .\r} مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَقَالَ : { لَا نَذْرَ إلَّا مَا اُبْتُغِيَ بِهِ وَجْهُ اللَّهِ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَقَالَ : { مَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللَّهَ فَلَا يَعْصِهِ } .\rوَلَمْ يَأْمُرْ بِكَفَّارَةٍ .\r{ وَلَمَّا نَذَرَتْ الْمَرْأَةُ الَّتِي كَانَتْ مَعَ الْكُفَّارِ ، فَنَجَتْ عَلَى نَاقَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ تَنْحَرَهَا ، قَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنِّي نَذَرْت إنْ أَنْجَانِي اللَّهُ عَلَيْهَا أَنْ أَنْحَرَهَا ؟ قَالَ : بِئْسَ مَا جَزَيْتِهَا ، لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ ، وَلَا فِيمَا لَا يَمْلِكُ الْعَبْدُ } رَوَاهُ مُسْلِمٌ .\rوَلَمْ يَأْمُرْهَا بِكَفَّارَةٍ { .\rوَقَالَ لِأَبِي إسْرَائِيلَ حِينَ نَذَرَ أَنْ يَقُومَ فِي الشَّمْسِ ، وَلَا يَقْعُدَ ، وَلَا يَسْتَظِلَّ ، وَلَا يَتَكَلَّمَ : مُرُوهُ فَلْيَتَكَلَّمْ ، وَلْيَجْلِسْ ، وَلْيَسْتَظِلَّ ، وَلِيُتِمَّ صَوْمَهُ .\r} .\rرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ .\rوَلَمْ يَأْمُرْهُ بِكَفَّارَةٍ .\rلِأَنَّ النَّذْرَ الْتِزَامُ الطَّاعَةِ ، وَهَذَا الْتِزَامُ مَعْصِيَةٍ","part":22,"page":381},{"id":10881,"text":"، وَلِأَنَّهُ نَذْرٌ غَيْرُ مُنْعَقِدٍ ، فَلَمْ يُوجِبْ شَيْئًا ، كَالْيَمِينِ غَيْرِ الْمُنْعَقِدَةِ .\rوَوَجْهُ الْأَوَّلِ ، مَا رَوَتْ عَائِشَةُ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةٍ ، وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ .\r} رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ، فِي \" مُسْنَدِهِ \" ، وَأَبُو دَاوُد ، فِي \" سُنَنِهِ \" .\rوَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : هُوَ حَدِيثٌ غَرِيبٌ .\rوَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلُهُ .\rرَوَى الْجُوزَجَانِيُّ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ، قَالَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ { : النَّذْرُ نَذْرَانِ ؛ فَمَا كَانَ مِنْ نَذْرٍ فِي طَاعَةِ اللَّهِ ، فَذَلِكَ لِلَّهِ ، وَفِيهِ الْوَفَاءُ ، وَمَا كَانَ مِنْ نَذْرٍ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ ، فَلَا وَفَاءَ فِيهِ ، وَيُكَفِّرُهُ مَا يُكَفِّرُ الْيَمِينَ .\r} وَهَذَا نَصٌّ .\rوَلِأَنَّ النَّذْرَ يَمِينٌ ، بِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { النَّذْرُ حَلْفَةٌ } { .\rوَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأُخْتِ عُقْبَةَ ، لَمَّا نَذَرَتْ الْمَشْيَ إلَى بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ ، فَلَمْ تُطِقْهُ : تُكَفِّرُ يَمِينَهَا .\r} صَحِيحٌ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد .\rوَفِي رِوَايَةٍ : \" وَلْتَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ \" .\rقَالَ أَحْمَدُ : إلَيْهِ أَذْهَبُ .\rوَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي الَّتِي نَذَرَتْ ذَبْحَ ابْنِهَا : كَفِّرِي يَمِينَك .\rوَلَوْ حَلَفَ عَلَى فِعْلِ مَعْصِيَةٍ ، لَزِمَتْهُ الْكَفَّارَةُ ، فَكَذَلِكَ إذَا نَذَرَهَا .\rفَأَمَّا أَحَادِيثُهُمْ ، فَمَعْنَاهَا لَا وَفَاءَ بِالنَّذْرِ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ .\rوَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ ، وَقَدْ جَاءَ مُصَرَّحًا بِهِ هَكَذَا فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ .\rوَيَدُلُّ عَلَى هَذَا أَيْضًا أَنَّ فِي سِيَاقِ الْحَدِيثِ { : وَلَا يَمِينَ فِي قَطِيعَةِ رَحِمٍ } .\rيَعْنِي لَا يَبَرُّ فِيهَا .\rوَلَوْ لَمْ يُبَيِّنْ الْكَفَّارَةَ فِي أَحَادِيثِهِمْ ، فَقَدْ بَيَّنَهَا فِي أَحَادِيثِنَا فَإِنْ فَعَلَ مَا نَذَرَهُ مِنْ الْمَعْصِيَةِ ، فَلَا كَفَّارَةَ","part":22,"page":382},{"id":10882,"text":"عَلَيْهِ .\rكَمَا لَوْ حَلَفَ لَيَفْعَلَنَّ مَعْصِيَةً ، فَفَعَلَهَا .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ تَلْزَمَهُ الْكَفَّارَةُ حَتْمًا ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَيَّنَ فِيهِ الْكَفَّارَةَ ، وَنَهَى عَنْ فِعْلِ الْمَعْصِيَةِ .","part":22,"page":383},{"id":10883,"text":"الْقِسْمُ الْخَامِسُ ، الْمُبَاحُ ؛ كَلُبْسِ الثَّوْبِ ، وَرُكُوبِ الدَّابَّةِ ، وَطَلَاقِ الْمَرْأَةِ عَلَى وَجْهٍ مُبَاحٍ ، فَهَذَا يَتَخَيَّرُ النَّاذِرُ فِيهِ ، بَيْنَ فِعْلِهِ فَيَبَرُّ بِذَلِكَ ؛ لِمَا رُوِيَ { أَنَّ امْرَأَةً أَتَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ : إنِّي نَذَرْت أَنْ أَضْرِبَ عَلَى رَأْسِك بِالدُّفِّ .\rفَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَوْفِ بِنَذْرِك .\r} رَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَلِأَنَّهُ لَوْ حَلَفَ عَلَى فِعْلِ مُبَاحٍ بَرَّ بِفِعْلِهِ ، فَكَذَلِكَ إذَا نَذَرَهُ ؛ لِأَنَّ النَّذْرَ كَالْيَمِينِ .\rوَإِنْ شَاءَ تَرَكَهُ وَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ .\rوَيَتَخَرَّجُ أَنْ لَا كَفَّارَةَ فِيهِ ؛ فَإِنَّ أَصْحَابَنَا ، قَالُوا فِيمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْتَكِفَ أَوْ يُصَلِّيَ فِي مَسْجِدٍ مُعَيَّنٍ : كَانَ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ وَيَعْتَكِفَ فِي غَيْرِهِ ، وَلَا كَفَّارَةَ ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِمَالِهِ كُلِّهِ ، أَجْزَأَتْهُ الصَّدَقَةُ بِثُلُثِهِ بِلَا كَفَّارَةٍ .\rوَهَذَا مِثْلُهُ .\rوَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ : لَا يَنْعَقِدُ نَذْرُهُ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : لَا نَذْرَ إلَّا فِيمَا اُبْتُغِيَ بِهِ وَجْهُ اللَّهِ .\r} وَقَدْ رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ ، قَالَ { : بَيْنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ ، إذْ هُوَ بِرَجُلٍ قَائِمٍ ، فَسَأَلَ عَنْهُ ، فَقَالُوا : أَبُو إسْرَائِيلَ ، نَذَرَ أَنْ يَقُومَ فِي الشَّمْسِ ، وَلَا يَسْتَظِلَّ ، وَلَا يَتَكَلَّمَ ، وَيَصُومَ .\rفَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مُرُوهُ فَلْيَسْتَظِلَّ وَلْيَجْلِسْ ، وَلْيَتَكَلَّمْ ، وَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ } رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ .\rوَعَنْ أَنَسٍ قَالَ : { نَذَرَتْ امْرَأَةٌ أَنْ تَمْشِيَ إلَى بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ ، فَسُئِلَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ ، فَقَالَ : إنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنْ مَشْيِهَا ، مُرُوهَا فَلْتَرْكَبْ } .\rقَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ .\rوَلَمْ يَأْمُرْ بِكَفَّارَةٍ .\rوَرُوِيَ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى رَجُلًا يُهَادَى بَيْنَ","part":22,"page":384},{"id":10884,"text":"اثْنَيْنِ ، فَسَأَلَ عَنْهُ ، فَقَالُوا : نَذَرَ أَنْ يَحُجَّ مَاشِيًا .\rفَقَالَ : إنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنْ تَعْذِيبِ هَذَا نَفْسَهُ ، مُرُوهُ فَلْيَرْكَبْ .\r} مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَلَمْ يَأْمُرْهُ بِكَفَّارَةٍ ، وَلِأَنَّهُ نَذْرٌ غَيْرُ مُوجِبٍ لِفِعْلِ مَا نَذَرَهُ ، فَلَمْ يُوجِبْ كَفَّارَةً ، كَنَذْرِ الْمُسْتَحِيلِ .\rوَلَنَا ، مَا تَقَدَّمَ فِي الْقِسْمِ الَّذِي قَبْلَهُ .\rفَأَمَّا حَدِيثُ الَّتِي نَذَرَتْ الْمَشْيَ ، فَقَدْ أَمَرَ فِيهِ بِالْكَفَّارَةِ فِي حَدِيثٍ آخَرَ ، وَرَوَى عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ ، أَنَّ { أُخْتَهُ نَذَرَتْ أَنْ تَمْشِيَ إلَى بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ ، فَسُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ ، فَقَالَ : مُرُوهَا فَلْتَرْكَبْ ، وَلْتُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهَا .\r} صَحِيحٌ ، أَخْرُجَهُ أَبُو دَاوُد .\rوَهَذِهِ زِيَادَةٌ يَجِبُ الْأَخْذُ بِهَا ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الرَّاوِي لِلْحَدِيثِ رَوَى الْبَعْضَ وَتَرَكَ الْبَعْضَ أَوْ يَكُونَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَرَكَ ذِكْرَ الْكَفَّارَةِ فِي بَعْضِ الْحَدِيثِ ، إحَالَةً عَلَى مَا عُلِمَ مِنْ حَدِيثِهِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ .\rوَمِنْ هَذَا الْقِسْمِ إذَا نَذَرَ فِعْلَ مَكْرُوهٍ ، كَطَلَاقِ امْرَأَتِهِ ، فَإِنَّهُ مَكْرُوهٌ ، بِدَلِيلِ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { أَبْغَضُ الْحَلَالِ إلَى اللَّهِ الطَّلَاقُ } .\rفَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَفِيَ ، وَيُكَفِّرَ ، فَإِنْ وَفَى بِنَذْرِهِ ، فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ ، وَالْخِلَافُ فِيهِ كَاَلَّذِي قَبْلَهُ .","part":22,"page":385},{"id":10885,"text":"الْقِسْمُ السَّادِسُ ، نَذْرُ الْوَاجِبِ ، كَالصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا : لَا يَنْعَقِدُ نَذْرُهُ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ النَّذْرَ الْتِزَامٌ ، وَلَا يَصِحُّ الْتِزَامُ مَا هُوَ لَازِمٌ .\rلَهُ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَنْعَقِدَ نَذْرُهُ مُوجِبًا كَفَّارَةَ يَمِينِ إنْ تَرَكَهُ ، كَمَا لَوْ حَلَفَ عَلَى فِعْلِهِ ؛ فَإِنَّ النَّذْرَ كَالْيَمِينِ ، وَقَدْ سَمَّاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمِينًا .\rوَكَذَلِكَ لَوْ نَذَرَ مَعْصِيَةً أَوْ مُبَاحًا ، لَمْ يَلْزَمْهُ ، وَيُكَفِّرُ إذَا لَمْ يَفْعَلْهُ .","part":22,"page":386},{"id":10886,"text":"الْقِسْمُ السَّابِعُ ، نَذْرُ الْمُسْتَحِيلِ ، كَصَوْمِ أُمْسِ ، فَهَذَا لَا يَنْعَقِدُ ، وَلَا يُوجِبُ شَيْئًا لِأَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ انْعِقَادُهُ ، وَلَا الْوَفَاءُ بِهِ ، وَلَوْ حَلَفَ عَلَى فِعْلِهِ لَمْ تَلْزَمْهُ كَفَّارَةٌ ، فَالنَّذْرُ أَوْلَى ، وَعَقْدُ الْبَابِ فِي صَحِيحِ الْمَذْهَبِ ، أَنَّ النَّذْرَ كَالْيَمِينِ ، وَمُوجَبُهُ مُوجَبُهَا ، إلَّا فِي لُزُومِ الْوَفَاءِ بِهِ ، إذَا كَانَ قُرْبَةً وَأَمْكَنَهُ فِعْلُهُ ؛ وَدَلِيلُ هَذَا الْأَصْلِ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأُخْتِ عُقْبَةَ ، { لَمَّا نَذَرْت الْمَشْيَ فَلَمْ تُطِقْهُ وَلْتُكَفِّرْ يَمِينَهَا } .\rوَفِي رِوَايَةٍ : \" فَلْتَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ \" .\rقَالَ أَحْمَدُ : إلَيْهِ أَذْهَبُ .\rوَعَنْ عُقْبَةَ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { كَفَّارَةُ النَّذْرِ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ } .\rأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ .\rوَقَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ لِلَّتِي نَذَرَتْ ذَبْحَ وَلَدِهَا : كَفِّرِي يَمِينَك .\rوَلِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ أَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الْيَمِينِ فِي أَحَدِ أَقْسَامِهِ ، وَهُوَ نَذْرُ اللَّجَاجِ ، فَكَذَلِكَ سَائِرُهُ ، فِي سِوَى مَا اسْتَثْنَاهُ الشَّرْعُ .","part":22,"page":387},{"id":10887,"text":"( 8174 ) فَصْلٌ : وَإِنْ نَذَرَ فِعْلَ طَاعَةٍ ، وَمَا لَيْسَ بِطَاعَةٍ ، لَزِمَهُ فِعْلُ الطَّاعَةِ ، كَمَا فِي خَبَرِ أَبِي إسْرَائِيلَ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَهُ بِإِتْمَامِ الصَّوْمِ ، وَتَرْكِ مَا سِوَاهُ ؛ لِكَوْنِهِ لَيْسَ بِطَاعَةٍ .\rوَفِي وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ لِمَا تَرَكَهُ الِاخْتِلَافُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ .\rوَقَدْ رَوَى عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ .\rقَالَ : { نَذَرَتْ أُخْتِي أَنْ تَمْشِيَ إلَى بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ حَافِيَةً غَيْرَ مُخْتَمِرَةٍ ، فَذَكَرَ ذَلِكَ عُقْبَةُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : مُرْ أُخْتَك فَلْتَرْكَبْ ، وَلْتَخْتَمِرْ ، وَلْتَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ .\r} رَوَاهُ الْجُوزَجَانِيُّ ، وَالتِّرْمِذِيُّ .\rفَإِنْ كَانَ الْمَتْرُوكُ خِصَالًا كَثِيرَةً ، أَجْزَأَتْهُ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ ؛ لِأَنَّهُ نَذْرٌ وَاحِدٌ ، فَتَكُونُ كَفَّارَتُهُ وَاحِدَةً ، كَالْيَمِينِ الْوَاحِدَةِ عَلَى أَفْعَالٍ ، وَلِهَذَا لَمْ يَأْمُرْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُخْتَ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ فِي تَرْكِ الْتَّحَفِّي وَالِاخْتِمَارِ ، بِأَكْثَرَ مِنْ كَفَّارَةٍ .","part":22,"page":388},{"id":10888,"text":"( 8175 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : : ( وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِمَالِهِ كُلِّهِ ، أَجْزَأَهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِثُلُثِهِ ، كَمَا رُوِيَ عَنْ { النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ لِأَبِي لُبَابَةَ ، حِينَ قَالَ إنَّ مِنْ تَوْبَتِي يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مَالِي .\rفَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يُجْزِئُكَ الثُّلُثُ } ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ مَنْ نَذَرَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِمَالِهِ كُلِّهِ ، أَجْزَأَهُ ثُلُثُهُ .\rوَبِهَذَا قَالَ الزُّهْرِيُّ ، وَمَالِكٌ .\rوَرَوَى الْحُسَيْنُ بْنُ إِسْحَاقَ الْخِرَقِيِّ ، عَنْ أَحْمَدَ ، قَالَ : سَأَلْتُهُ عَنْ رَجُلٍ قَالَ : جَمِيعُ مَا أَمْلِكُ فِي الْمَسَاكِينِ صَدَقَةٌ .\rقَالَ : كَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ .\rقَالَ وَسُئِلَ عَنْ رَجُلٍ قَالَ مَا يَرِثُ عَنْ فُلَانٍ ، فَهُوَ لِلْمَسَاكِينِ .\rفَذَكَرُوا أَنَّهُ قَالَ : يُطْعِمُ عَشَرَةَ مَسَاكِينَ .\rوَقَالَ رَبِيعَةُ : يَتَصَدَّقُ مِنْهُ بِقَدْرِ الزَّكَاةِ ؛ لِأَنَّ الْمُطْلَقَ مَحْمُولٌ عَلَى مَعْهُودِ الشَّرْعِ ، وَلَا يَجِبُ فِي الشَّرْعِ إلَّا قَدْرُ الزَّكَاةِ .\rوَعَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ : قَالَ : إنْ كَانَ كَثِيرًا ، وَهُوَ أَلْفَانِ ، تَصَدَّقَ بِعَشَرَةٍ ، وَإِنْ كَانَ مُتَوَسِّطًا وَهُوَ أَلْفٌ ، تَصَدَّقَ بِسَبْعَةٍ ، وَإِنْ كَانَ قَلِيلًا ، وَهُوَ خَمْسُمِائَةٍ ، تَصَدَّقَ بِخَمْسَةٍ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَتَصَدَّقُ بِالْمَالِ الزَّكَوِيِّ كُلِّهِ .\rوَعَنْهُ فِي غَيْرِهِ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، يَتَصَدَّقُ بِهِ .\rوَالثَّانِيَةُ ، لَا يَلْزَمُهُ مِنْهُ شَيْءٌ .\rوَقَالَ النَّخَعِيُّ ، وَالْبَتِّيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ : يَتَصَدَّقُ بِمَالِهِ كُلِّهِ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ } .\rوَلِأَنَّهُ نَذْرُ طَاعَةٍ ، فَلَزِمَهُ الْوَفَاءُ بِهِ ، كَنَذْرِ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ .\rوَلَنَا ، { قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَبِي لُبَابَةَ ، حِينَ قَالَ : إنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مَالِي صَدَقَةً إلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ .\rفَقَالَ : يُجْزِئُكَ الثُّلُثُ } .\rوَعَنْ كَعْبِ بْنِ","part":22,"page":389},{"id":10889,"text":"مَالِكٍ ، قَالَ : { قُلْت : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مَالِي صَدَقَةً إلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ .\rفَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَمْسِكْ عَلَيْك بَعْضَ مَالِكَ .\r} مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَلِأَبِي دَاوُد : { يُجْزِئُ عَنْك الثُّلُثُ } .\rفَإِنْ قَالُوا : هَذَا لَيْسَ بِنَذْرٍ ، وَإِنَّمَا أَرَادَ الصَّدَقَةَ بِجَمِيعِهِ ، فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالِاقْتِصَارِ عَلَى ثُلُثِهِ ، كَمَا أَمَرَ سَعْدًا حِينَ أَرَادَ الْوَصِيَّةَ بِجَمِيعِ مَالِهِ ، بِالِاقْتِصَارِ عَلَى الْوَصِيَّةِ بِثُلُثِهِ ، وَلَيْسَ هَذَا مَحَلَّ النِّزَاعِ ، إنَّمَا النِّزَاعُ فِيمَنْ نَذَرَ الصَّدَقَةَ بِجَمِيعِهِ .\rقُلْنَا : عَنْهُ جَوَابَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، أَنَّ قَوْلَهُ : { يُجْزِئُ عَنْك الثُّلُثُ } .\rدَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ أَتَى بِلَفْظٍ يَقْتَضِي الْإِيجَابَ ؛ لِأَنَّهَا إنَّمَا تُسْتَعْمَلُ غَالِبًا فِي الْوَاجِبَاتِ ، وَلَوْ كَانَ مُخَيَّرًا بِإِرَادَةِ الصَّدَقَةِ ، لَمَا لَزِمَهُ شَيْءٌ يُجْزِئُ عَنْهُ بَعْضُهُ .\rالثَّانِي ، أَنَّ مَنْعَهُ مِنْ الصَّدَقَةِ بِزِيَادَةٍ عَلَى الثُّلُثِ ، دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِقُرْبَةٍ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَمْنَعُ أَصْحَابَهُ مِنْ الْقُرَبِ ، وَنَذْرُ مَا لَيْسَ بِقُرْبَةٍ لَا يَلْزَمُ الْوَفَاءُ بِهِ .\rوَمَا قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ ، فَقَدْ سَبَقَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ .\rوَمَا قَالَهُ رَبِيعَةُ ، لَا يَصِحُّ ؛ فَإِنَّ هَذَا لَيْسَ بِزَكَاةٍ ، وَلَا فِي مَعْنَاهَا ، فَإِنَّ الصَّدَقَةَ وَجَبَتْ لِإِغْنَاءِ الْفُقَرَاءِ وَمُوَاسَاتِهِمْ ، وَهَذِهِ صَدَقَةٌ تَبَرَّعَ بِهَا صَاحِبُهَا تَقَرُّبًا إلَى اللَّهِ - تَعَالَى ، ثُمَّ إنَّ الْمَحْمُولَ عَلَى مَعْهُودِ الشَّرْعِ الْمُطْلَقُ ، وَهَذِهِ صَدَقَةٌ مُعَيَّنَةٌ غَيْرُ مُطْلَقَةٍ ، ثُمَّ تَبْطُلُ بِمَا لَوْ نَذَرَ صِيَامًا ، فَإِنَّهُ لَا يُحْمَلُ عَلَى صَوْمِ رَمَضَانَ ، وَكَذَلِكَ الصَّلَاةُ .\rوَمَا ذَكَرَهُ جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ ، تَحَكُّمٌ بِغَيْرِ دَلِيلٍ .","part":22,"page":390},{"id":10890,"text":"( 8176 ) فَصْلٌ : وَإِذَا نَذَرَ الصَّدَقَةَ بِمُعَيَّنٍ مِنْ مَالِهِ ، أَوْ بِمُقَدَّرٍ ، كَأَلْفٍ ، فَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ يَجُوزُ ثُلُثُهُ ؛ لِأَنَّهُ مَالٌ نَذَرَ الصَّدَقَةَ بِهِ ، فَأَجْزَأَهُ ثُلُثُهُ ، كَجَمِيعِ الْمَالِ .\rوَالصَّحِيحُ فِي الْمَذْهَبِ لُزُومُ الصَّدَقَةِ بِجَمِيعِهِ ؛ لِأَنَّهُ مَنْذُورٌ ، وَهُوَ قُرْبَةٌ ، فَيَلْزَمُهُ الْوَفَاءُ بِهِ ، كَسَائِرِ الْمَنْذُورَاتِ ، وَلِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى : { يُوفُونَ بِالنَّذْرِ } .\rوَإِنَّمَا خُولِفَ هَذَا فِي جَمِيعِ الْمَالِ ؛ لِلْأَثَرِ فِيهِ ، وَلِمَا فِي الصَّدَقَةِ بِجَمِيعِ الْمَالِ مِنْ الضَّرَرِ اللَّاحِقِ بِهِ ، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمَنْذُورُ هَاهُنَا يَسْتَغْرِقُ جَمِيعَ الْمَالِ ، فَيَكُونَ كَنَذْرِ ذَلِكَ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ إنْ كَانَ الْمَنْذُورُ ثُلُثَ الْمَالِ فَمَا دُونُ ، لَزِمَهُ وَفَاءُ نَذْرِهِ ، وَإِنْ زَادَ عَلَى الثُّلُثِ ، لَزِمَهُ الصَّدَقَةُ بِقَدْرِ الثُّلُثِ مِنْهُ ؛ لِأَنَّهُ حُكْمٌ يُعْتَبَرُ فِيهِ الثُّلُثُ ، فَأَشْبَهَ الْوَصِيَّةَ بِهِ .","part":22,"page":391},{"id":10891,"text":"( 8177 ) فَصْلٌ : وَإِذَا نَذَرَ الصَّدَقَةَ بِقَدْرٍ مِنْ الْمَالِ ، فَأَبْرَأَ غَرِيمَهُ مِنْ قَدْرِهِ ، يَقْصِدُ بِهِ وَفَاءَ النَّذْرِ لَمْ يُجْزِئْهُ ، وَإِنْ كَانَ الْغَرِيمُ مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَةِ .\rقَالَ أَحْمَدُ : لَا يُجْزِئُهُ حَتَّى يَقْبِضَهُ .\rوَذَلِكَ لِأَنَّ الصَّدَقَةَ تَقْتَضِي التَّمْلِيكَ ، وَهَذَا إسْقَاطٌ ، فَلَمْ يُجْزِئْهُ ، كَمَا فِي الزَّكَاةِ .\rوَقَالَ أَحْمَدُ ، فِيمَنْ نَذَرَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِمَالٍ ، وَفِي نَفْسِهِ أَنَّهُ أَلْفٌ : أَجْزَأَهُ أَنْ يُخْرِجَ مَا شَاءَ .\rوَذَلِكَ لِأَنَّ اسْمَ الْمَالِ يَقَعُ عَلَى الْقَلِيلِ ، وَمَا نَوَاهُ زِيَادَةٌ عَلَى مَا تَنَاوَلَهُ الِاسْمُ ، وَالنَّذْرُ لَا يَلْزَمُ بِالنِّيَّةِ .\rوَالْقِيَاسُ أَنْ يَلْزَمَهُ مَا نَوَاهُ ؛ لِأَنَّهُ نَوَى بِكَلَامِهِ مَا يَحْتَمِلُهُ ، فَتَعَلَّقَ الْحُكْمُ بِهِ كَالْيَمِينِ .\rوَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ فِيمَنْ نَوَى صَوْمًا أَوْ صَلَاةً ، وَفِي نَفْسِهِ أَكْثَرُ مِمَّا يَتَنَاوَلُهُ لَفْظُهُ ، أَنَّهُ يَلْزَمُهُ ذَلِكَ ، وَهَذَا كَذَلِكَ .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":22,"page":392},{"id":10892,"text":"( 8178 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَصُومَ ، وَهُوَ شَيْخٌ كَبِيرٌ لَا يُطِيقُ الصِّيَامَ ، كَفَّرَ كَفَّارَةَ يَمِينٍ ، وَأَطْعَمَ لِكُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ مَنْ نَذَرَ طَاعَةً لَا يُطِيقُهَا ، أَوْ كَانَ قَادِرًا عَلَيْهَا ، فَعَجَزَ عَنْهَا ، فَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ ؛ لِمَا رَوَى عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ ، قَالَ : { نَذَرَتْ أُخْتِي أَنْ تَمْشِيَ إلَى بَيْتِ اللَّهِ حَافِيَةً ، فَأَمَرَتْنِي أَنْ أَسْتَفْتِيَ لَهَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاسْتَفْتَيْته ، فَقَالَ : لِتَمْشِ ، وَلْتَرْكَبْ } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَلِأَبِي دَاوُد : { وَتُكَفِّرْ يَمِينَهَا } .\rوَلِلتِّرْمِذِيِّ : { وَلْتَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ } .\rوَعَنْ عَائِشَة ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ ، وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ .\rقَالَ : وَمَنْ نَذَرَ نَذْرًا لَا يُطِيقُهُ ، فَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ .\r} رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَقَالَ : وَقَفَهُ مَنْ رَوَاهُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ .\rوَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : مَنْ نَذَرَ نَذْرًا لَمْ يُسَمِّهِ ، فَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ ، وَمَنْ نَذَرَ نَذْرًا فِي مَعْصِيَةٍ ، فَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ ، وَمَنْ نَذَرَ نَذْرًا لَا يُطِيقُهُ ، فَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ ، وَمَنْ نَذَرَ نَذْرًا يُطِيقُهُ ، فَلْيَفِ اللَّهَ بِمَا نَذَرَ .\rفَإِذَا كَفَّرَ ، وَكَانَ الْمَنْذُورُ غَيْرَ الصِّيَامِ ، لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ آخَرُ .\rوَإِنْ كَانَ صِيَامًا .\rفَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، يَلْزَمُهُ لِكُلِّ يَوْمٍ إطْعَامُ مِسْكِينٍ .\rقَالَ الْقَاضِي : وَهَذِهِ أَصَحُّ ؛ لِأَنَّهُ صَوْمٌ وُجِدَ سَبَبُ إيجَابِهِ عَيْنًا ، فَإِذَا عَجَزَ عَنْهُ ، لَزِمَهُ أَنْ يُطْعِمَ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا ، كَصِيَامِ رَمَضَانَ ، وَلِأَنَّ الْمُطْلَقَ مِنْ كَلَامِ الْآدَمِيِّينَ يُحْمَلُ عَلَى الْمَعْهُودِ شَرْعًا ، وَلَوْ عَجَزَ عَنْ الصَّوْمِ الْمَشْرُوعِ ، أَطْعَمَ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا ، وَكَذَلِكَ إذَا عَجَزَ عَنْ الصَّوْمِ الْمَنْذُورِ .\rوَالثَّانِيَةُ ، لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ آخَرُ مِنْ إطْعَامٍ وَلَا","part":22,"page":393},{"id":10893,"text":"غَيْرِهِ ؛ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ { : وَمَنْ نَذَرَ نَذْرًا لَا يُطِيقُهُ ، فَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ } .\rوَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ تَكُونَ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ جَمِيعَ كَفَّارَتِهِ ، وَلِأَنَّهُ نَذْرٌ عَجَزَ عَنْ الْوَفَاءِ بِهِ ، فَكَانَ الْوَاجِبُ فِيهِ كَفَّارَةَ يَمِينٍ ، كَسَائِرِ النُّذُورِ ، وَلِأَنَّ مُوجَبَ النَّذْرِ مُوجَبُ الْيَمِينِ ، إلَّا مَعَ إمْكَانِ الْوَفَاءِ بِهِ إذَا كَانَ قُرْبَةً ، وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُهُ عَلَى صَوْمِ رَمَضَانَ ؛ لِوَجْهَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، أَنَّ رَمَضَانَ يُطْعَمُ عَنْهُ عِنْدَ الْعَجْزِ بِالْمَوْتِ ، فَكَذَلِكَ فِي الْحَيَاةِ ، وَهَذَا بِخِلَافِهِ ، وَلِأَنَّ صَوْمِ رَمَضَانَ آكَدُ ؛ بِدَلِيلِ وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ بِالْجِمَاعِ فِيهِ ، وَعِظَمِ إثْمِ مَنْ أَفْطَرَ بِغَيْرِ عُذْرٍ .\rوَالثَّانِي ، أَنَّ قِيَاسَ الْمَنْذُورِ عَلَى الْمَنْذُورِ أَوْلَى مِنْ قِيَاسِهِ عَلَى الْمَفْرُوضِ بِأَصْلِ الشَّرْعِ ، وَلِأَنَّ هَذَا قَدْ وَجَبَتْ فِيهِ كَفَّارَةٌ ، فَأَجْزَأَتْ عَنْهُ ، بِخِلَافِ الْمَشْرُوعِ .\rوَقَوْلُهُمْ : إنَّ الْمُطْلَقَ مِنْ كَلَامِ الْآدَمِيِّ مَحْمُولٌ عَلَى الْمَعْهُودِ فِي الشَّرْعِ .\rقُلْنَا : لَيْسَ هَذَا بِمُطْلَقٍ ، وَإِنَّمَا هُوَ مَنْذُورٌ مُعَيَّنٌ ، وَيَتَخَرَّجُ أَنْ لَا تَلْزَمَهُ كَفَّارَةٌ فِي الْعَجْزِ عَنْهُ ، كَمَا فِي الْعَجْزِ الْوَاجِبِ بِأَصْلِ الشَّرْعِ .\r( 8179 ) فَصْلٌ : وَإِنْ عَجَزَ لِعَارِضٍ يُرْجَى زَوَالُهُ ، مِنْ مَرَضٍ ، أَوْ نَحْوِهِ انْتَظَرَ زَوَالَهُ ، وَلَا تَلْزَمُهُ كَفَّارَةٌ وَلَا غَيْرُهَا لِأَنَّهُ لَمْ يَفُتْ الْوَقْتُ ، فَيُشْبِهُ الْمَرِيضَ فِي شَهْرِ رَمَضَانِ ، فَإِنْ اسْتَمَرَّ عَجْزُهُ إلَى أَنْ صَارَ غَيْرَ مَرْجُوِّ الزَّوَالِ ، صَارَ إلَى الْكَفَّارَةِ وَالْفِدْيَةِ ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْخِلَافِ فِيهِ .\rفَإِنْ كَانَ الْعَجْزُ الْمَرْجُوُّ الزَّوَالِ عَنْ صَوْمٍ مُعَيَّنٍ ، فَاتَ وَقْتُهُ ، انْتَظَرَ الْإِمْكَانَ لِيَقْضِيَهُ .\rوَهَلْ تَلْزَمُهُ لِفَوَاتِ الْوَقْتِ كَفَّارَةٌ ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ ، ذَكَرَهُمَا أَبُو الْخَطَّابِ ؛ إحْدَاهُمَا ، تَجِبُ الْكَفَّارَةُ لِأَنَّهُ أَخَلَّ بِمَا نَذَرَهُ عَلَى وَجْهِهِ ، فَلَزِمَتْهُ","part":22,"page":394},{"id":10894,"text":"الْكَفَّارَةُ ، كَمَا لَوْ نَذَرَ الْمَشْيَ إلَى بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ فَعَجَزَ ، وَلِأَنَّ النَّذْرَ كَالْيَمِينِ ، وَلَوْ حَلَفَ لَيَصُومَنَّ هَذَا الشَّهْرَ ، فَأَفْطَرَهُ لِعُذْرٍ .\rلَزِمَتْهُ كَفَّارَةٌ ، كَذَا هَاهُنَا .\rوَالثَّانِيَةُ ، لَا تَلْزَمُهُ ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِصِيَامٍ أَجْزَأَهُ عَنْ نَذْرِهِ مِنْ غَيْرِ تَفْرِيطٍ مِنْهُ ، فَلَمْ تَلْزَمْهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ ، كَمَا لَوْ صَامَ مَا عَيَّنَهُ .\r( 8180 ) فَصْلٌ : وَإِنْ نَذَرَ غَيْرَ الصِّيَامِ ، فَعَجَزَ عَنْهُ ، كَالصَّلَاةِ وَنَحْوِهَا ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا الْكَفَّارَةُ لِأَنَّ الشَّرْعَ لَمْ يَجْعَلْ لِذَلِكَ بَدَلًا يُصَارُ إلَيْهِ ، فَوَجَبْت الْكَفَّارَةُ ؛ لِمُخَالَفَتِهِ نَذْرَهُ فَقَطْ وَإِنْ عَجَزَ عَنْهُ لِعَارِضٍ ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ الصِّيَامِ سَوَاءً ، فِيمَا فَصَّلْنَاهُ .","part":22,"page":395},{"id":10895,"text":"( 8181 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِذَا نَذَرَ صِيَامًا ، وَلَمْ يَذْكُرْ عَدَدًا ، وَلَمْ يَنْوِهِ ، فَأَقَلُّ ذَلِكَ صِيَامُ يَوْمٍ ، وَأَقَلُّ الصَّلَاةِ رَكْعَتَانِ ) أَمَّا إذَا نَذَرَ صِيَامًا مُطْلَقًا ، فَأَقَلُّ ذَلِكَ يَقُومُ صِيَامُ يَوْمٍ ، لَا خِلَافَ فِيهِ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الشَّرْعِ صَوْمٌ مُفْرَدٌ أَقَلُّ مِنْ يَوْمٍ ، فَيَلْزَمُهُ ؛ لِأَنَّهُ الْيَقِينُ ، وَأَمَّا الصَّلَاةُ ، فَفِيهَا رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، يُجْزِئُهُ رَكْعَةٌ .\rنَقْلَهَا إسْمَاعِيلُ بْنُ سَعِيدٍ ؛ لِأَنَّ أَقَلَّ الصَّلَاةِ رَكْعَةٌ فَإِنَّ الْوِتْرَ صَلَاةٌ مَشْرُوعَةٌ ، وَهِيَ رَكْعَةٌ وَاحِدَةٌ .\rوَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ تَطَوَّعَ بِرَكْعَةِ وَاحِدَةٍ .\rوَالثَّانِيَةُ ، لَا يُجْزِئُهُ إلَّا رَكْعَتَانِ .\rوَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّ أَقَلَّ صَلَاةٍ وَجَبَتْ بِالشَّرْعِ رَكْعَتَانِ ، فَوَجَبَ حَمْلُ النَّذْرِ عَلَيْهِ ، وَأَمَّا الْوِتْرُ ، فَهُوَ نَفْلٌ ، وَالنَّذْرُ فَرْضٌ ، فَحَمْلُهُ عَلَى الْمَفْرُوضِ أَوْلَى ، وَلِأَنَّ الرَّكْعَةَ لَا تُجْزِئُ فِي الْفَرْضِ ، فَلَا تُجْزِئُ فِي النَّفْلِ كَالسَّجْدَةِ .\rوَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ ، كَالرِّوَايَتَيْنِ .\rفَأَمَّا إنْ عَيَّنَ بِنَذْرِهِ عَدَدًا ، لَزِمَهُ ، قَلَّ أَوْ كَثُرَ ؛ لِأَنَّ النَّذْرَ ثَابِتٌ بِقَوْلِهِ ، وَكَذَلِكَ عَدَدُهُ ، فَإِنْ نَوَى عَدَدًا فَهُوَ كَمَا لَوْ سَمَّاهُ ؛ لِأَنَّهُ نَوَى بِلَفْظِهِ مَا يَحْتَمِلُهُ ، فَلَزِمَهُ حُكْمُهُ ، كَالْيَمِينِ .","part":22,"page":396},{"id":10896,"text":"( 8182 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِذَا نَذَرَ الْمَشْيَ إلَى بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ ، لَمْ يُجْزِئْهُ إلَّا أَنْ يَمْشِيَ فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ ، فَإِنْ عَجَزَ عَنْ الْمَشْيِ ، رَكِبَ ، وَكَفَّرَ كَفَّارَةَ يَمِينٍ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ مَنْ نَذَرَ الْمَشْيَ إلَى بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ ، لَزِمَهُ الْوَفَاءُ بِنَذْرِهِ .\rوَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلَّا إلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ ؛ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ، وَمَسْجِدِي هَذَا ، وَالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى .\r} وَلَا يُجْزِئُهُ الْمَشْيُ إلَّا فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ .\rوَبِهِ يَقُولُ الشَّافِعِيُّ .\rوَلَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَشْيَ الْمَعْهُودَ فِي الشَّرْعِ ، هُوَ الْمَشْيُ فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ ، فَإِذَا أَطْلَقَ النَّاذِرُ ، حُمِلَ عَلَى الْمَعْهُودِ الشَّرْعِيِّ ، وَيَلْزَمُهُ الْمَشْيُ فِيهِ ؛ لِنَذْرِهِ ، فَإِنْ عَجَزَ عَنْ الْمَشْيِ ، رَكِبَ ، وَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ ، رِوَايَةٌ أُخْرَى ، أَنَّهُ يَلْزَمُهُ دَمٌ .\rوَهُوَ قَوْلٌ لِلشَّافِعِيِّ .\rوَأَفْتَى بِهِ عَطَاءٌ لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ ، { أَنَّ أُخْتَ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ نَذَرَتْ الْمَشْيَ إلَى بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ ، فَأَمَرَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ تَرْكَبَ ، وَتُهْدِيَ هَدْيًا } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَفِيهِ ضَعْفٌ .\rوَلِأَنَّهُ أَخَلَّ بِوَاجِبٍ فِي الْإِحْرَامِ ، فَلَزِمَهُ هَدْيٌ ، كَتَارِكِ الْإِحْرَامِ مِنْ الْمِيقَاتِ .\rوَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ ، قَالَا : يَحُجُّ مِنْ قَابِلٍ ، وَيَرْكَبُ مَا مَشَى وَيَمْشِي مَا رَكِبَ .\rوَنَحْوَهُ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَزَادَ فَقَالَ : وَيُهْدِي .\rوَعَنْ الْحَسَنِ مِثْلُ الْأَقْوَالِ الثَّلَاثَةِ ، وَعَنْ النَّخَعِيِّ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، كَقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ .\rوَالثَّانِيَةُ ، كَقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ .\rوَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : عَلَيْهِ هَدْيٌ سَوَاءٌ عَجَزَ عَنْ","part":22,"page":397},{"id":10897,"text":"الْمَشْيِ أَوْ قَدَرَ عَلَيْهِ ، وَأَقَلُّ الْهَدْيِ شَاةٌ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا تَلْزَمُهُ مَعَ الْعَجْزِ كَفَّارَةٌ بِحَالٍ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ النَّذْرُ مَشْيًا إلَى بَيْتِ اللَّهِ ، فَهَلْ يَلْزَمُهُ هَدْيٌ ؟ فِيهِ قَوْلَانِ ، وَأَمَّا غَيْرُهُ ، فَلَا يَلْزَمُهُ مَعَ الْعَجْزِ شَيْءٌ .\rوَلَنَا ، { قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ قَالَ لِأُخْتِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ، لَمَّا نَذَرَتْ الْمَشْيَ إلَى بَيْتِ اللَّهِ : لِتَمْشِ ، وَلْتَرْكَبْ ، وَلْتُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهَا } .\rوَفِي رِوَايَةٍ : { فَلْتَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ } .\rوَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { كَفَّارَةُ النَّذْرِ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ } .\rوَلِأَنَّ الْمَشْيَ مِمَّا لَا يُوجِبُهُ الْإِحْرَامُ ، فَلَمْ يَجِبْ الدَّمُ بِتَرْكِهِ ، كَمَا لَوْ نَذَرَ صَلَاةَ رَكْعَتَيْنِ ، فَتَرَكَهُمَا ، وَحَدِيثُ الْهَدْيِ ضَعِيفٌ ، وَهَذَا حُجَّةٌ عَلَى الشَّافِعِيِّ ، حَيْثُ أَوْجَبَ الْكَفَّارَةَ عَلَيْهَا مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ الْعَجْزِ .\rفَإِنْ قِيلَ : فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْجَبَ الْكَفَّارَةَ عَلَيْهَا مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ الْعَجْزِ .\rقُلْنَا : يَتَعَيَّنُ حَمْلُهُ عَلَى حَالَةِ الْعَجْزِ ؛ لِأَنَّ الْمَشْيَ قُرْبَةٌ ، لِأَنَّهُ مَشْيٌ إلَى عِبَادَةٍ ، وَالْمَشْيُ إلَى الْعِبَادَةِ أَفْضَلُ وَلِهَذَا رُوِيَ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَرْكَبْ فِي عِيدٍ وَلَا جِنَازَةٍ .\r} فَلَوْ كَانَتْ قَادِرَةً عَلَى الْمَشْيِ ، لَأَمَرَهَا بِهِ .\rوَلَمْ يَأْمُرْهَا بِالرُّكُوبِ وَالتَّكْفِيرِ ، وَلِأَنَّ الْمَشْيَ الْمَقْدُورَ عَلَيْهِ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ وَاجِبًا أَوْ مُبَاحًا ؛ فَإِنْ كَانَ وَاجِبًا ، لَزِمَ الْوَفَاءُ بِهِ ، وَإِنْ كَانَ مُبَاحًا ، لَمْ تَجِبْ الْكَفَّارَةُ بِتَرْكِهِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ ، وَقَدْ أَوْجَبَ الْكَفَّارَةَ هَاهُنَا .\rوَتَرْكُ ذِكْرِهِ فِي الْحَدِيثِ ؛ إمَّا لِعِلْمِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِحَالِهَا وَعَجْزِهَا ، وَإِمَّا لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ حَالِ الْمَرْأَةِ الْعَجْزُ عَنْ الْمَشْيِ إلَى مَكَّةَ .\rأَوْ يَكُونُ قَدْ ذُكِرَ فِي","part":22,"page":398},{"id":10898,"text":"الْخَبَرِ فَتَرَكَ الرَّاوِي ذِكْرَهُ .\rوَقَوْلُ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ : إنَّهُ أَخَلَّ بِوَاجِبٍ فِي الْحَجِّ .\rقُلْنَا : الْمَشْيُ لَمْ يُوجِبْهُ الْإِحْرَامُ ، وَلَا هُوَ مِنْ مَنَاسِكِهِ ، فَلَمْ يَجِبْ بِتَرْكِهِ هَدْيٌ ، كَمَا لَوْ نَذَرَ صَلَاةَ رَكْعَتَيْنِ فِي الْحَجِّ ، فَلَمْ يُصَلِّهِمَا .\rفَأَمَّا إنْ تَرَكَ الْمَشْيَ مَعَ إمْكَانِهِ ، فَقَدْ أَسَاءَ ، وَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ أَيْضًا ؛ لِتَرْكِهِ صِفَةَ النَّذْرِ .\rوَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنْ يَلْزَمَهُ اسْتِئْنَافُ الْحَجِّ مَاشِيًا ؛ لِتَرْكِهِ صِفَةَ الْمَنْذُورِ ، كَمَا لَوْ نَذَرَ صَوْمًا مُتَتَابِعًا فَأَتَى بِهِ مُتَفَرِّقًا .\rوَإِنْ عَجَزَ عَنْ الْمَشْيِ بَعْدَ الْحَجِّ ، كَفَّرَ ، وَأَجْزَأَهُ .\rوَإِنْ مَشَى بَعْضَ الطَّرِيقِ ، وَرَكِبَ بَعْضًا ، فَعَلَى هَذَا الْقِيَاسِ ، يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ كَقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ ، وَهُوَ أَنْ يَحُجَّ فَيَمْشِيَ مَا رَكِبَ ، وَيَرْكَبَ مَا مَشَى .\rوَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يُجْزِئَهُ إلَّا حَجٌّ يَمْشِي فِي جَمِيعِهِ ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَ النَّذْرِ يَقْتَضِي هَذَا .\rوَوَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ ، أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ بِتَرْكِ الْمَشْيِ الْمَقْدُورِ عَلَيْهِ أَكْثَرُ مِنْ كَفَّارَةٍ ؛ لِأَنَّ الْمَشْيَ غَيْرُ مَقْصُودٍ فِي الْحَجِّ ، وَلَا وَرَدَ الشَّرْعُ بِاعْتِبَارِهِ فِي مَوْضِعٍ ، فَلَمْ يَلْزَمْ بِتَرْكِهِ أَكْثَرُ مِنْ كَفَّارَةٍ ، كَمَا لَوْ نَذَرَ الْتَّحَفِّي وَشِبْهَهُ ، وَفَارَقَ التَّتَابُعَ فِي الصِّيَامِ ؛ فَإِنَّهَا صِفَةٌ مَقْصُودَةٌ فِيهِ ، اعْتَبَرَهَا الشَّرْعُ فِي صِيَامِ الْكَفَّارَاتِ ، كَفَّارَةِ الظِّهَارِ وَالْجِمَاعِ وَالْيَمِينِ .","part":22,"page":399},{"id":10899,"text":"( 8183 ) فَصْلٌ : فَإِنْ نَذَرَ الْحَجَّ رَاكِبًا ، لَزِمَهُ الْحَجُّ كَذَلِكَ ؛ لِأَنَّ فِيهِ إنْفَاقًا فِي الْحَجِّ فَإِنْ تَرَكَ الرُّكُوبَ فَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ : يَلْزَمُهُ دَمٌ لِتَرَفُّهِهِ بِتَرْكِ الْإِنْفَاقِ وَقَدْ تَبَيَّنَّا أَنَّ الْوَاجِبَ بِتَرْكِ النَّذْرِ الْكَفَّارَةُ دُونَ الْهَدْيِ ، إلَّا أَنَّ هَذَا إذَا مَشَى وَلَمْ يَرْكَبْ مَعَ إمْكَانِهِ ، لَمْ يَلْزَمْهُ أَكْثَرُ مِنْ كَفَّارَةٍ ؛ لِأَنَّ الرُّكُوبَ فِي نَفْسِهِ لَيْسَ بِطَاعَةٍ وَلَا قُرْبَةٍ .\rوَكُلُّ مَوْضِعٍ نَذَرَ الْمَشْيَ فِيهِ أَوْ الرُّكُوبَ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ الْإِتْيَانُ بِذَلِكَ مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِهِ ، إلَّا أَنْ يَنْوِيَ مَوْضِعًا بِعَيْنِهِ ، فَيَلْزَمَهُ مِنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ ؛ لِأَنَّ النَّذْرَ مَحْمُولٌ عَلَى أَصْلِهِ فِي الْفَرْضِ ، وَالْحَجُّ الْمَفْرُوضُ بِأَصْلِ الشَّرْعِ يَجِبُ كَذَلِكَ .\rوَيُحْرِمُ لِلْمَنْذُورِ مِنْ حَيْثُ يُحْرِمُ لِلْوَاجِبِ .\rقَالَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ : يَجِبُ الْإِحْرَامُ مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِهِ ؛ لِأَنَّ إتْمَامَ الْحَجِّ كَذَلِكَ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الْمُطْلَقَ مَحْمُولٌ عَلَى الْمَعْهُودِ فِي الشَّرْعِ وَالْإِحْرَامُ الْوَاجِبُ إنَّمَا هُوَ مِنْ الْمِيقَاتِ ، وَيَلْزَمُهُ الْمَنْذُورُ مِنْ الْمَشْيِ أَوْ الرُّكُوبِ فِي الْحَجِّ أَوْ الْعُمْرَةِ إلَى أَنْ يَتَحَلَّلَ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ انْقِضَاءُ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ .\rقَالَ أَحْمَدُ : يَرْكَبُ فِي الْحَجِّ إذَا رَمَى ، وَفِي الْعُمْرَةِ إذَا سَعَى ؛ لِأَنَّهُ لَوْ وَطِئَ بَعْدَ ذَلِكَ ، لَمْ يُفْسِدْ حَجًّا وَلَا عُمْرَةً .\rوَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ إنَّمَا يَلْزَمُهُ فِي الْحَجِّ التَّحَلُّلُ الْأَوَّلُ .","part":22,"page":400},{"id":10900,"text":"( 8184 ) فَصْلٌ : وَإِذَا نَذَرَ الْمَشْيَ إلَى بَيْتِ اللَّهِ ، أَوْ الرُّكُوبَ إلَيْهِ ، وَلَمْ يُرِدْ بِذَلِكَ حَقِيقَةَ الْمَشْيِ وَالرُّكُوبِ ، إنَّمَا أَرَادَ إتْيَانَهُ لَزِمَهُ إتْيَانُهُ ، لَزِمَهُ فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ ، وَلَمْ يَتَعَيَّنْ عَلَيْهِ مَشْيٌ وَلَا رُكُوبٌ ؛ لِأَنَّهُ عَنَى ذَلِكَ بِنَذْرِهِ ، وَهُوَ مُحْتَمِلٌ لَهُ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ صَرَّحَ بِهِ .\rوَلَوْ نَذَرَ أَنْ يَأْتِيَ بَيْتَ اللَّهِ الْحَرَامَ ، أَوْ يَذْهَبَ إلَيْهِ ، لَزِمَهُ إتْيَانُهُ فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ .\rوَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ : لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ ؛ لِأَنَّ مُجَرَّدَ إتْيَانِهِ لَيْسَ بِقُرْبَةٍ وَلَا طَاعَةٍ .\rوَلَنَا ؛ أَنَّهُ عَلَّقَ نَذْرَهُ بِوُصُولِ الْبَيْتِ ، فَلَزِمَهُ ، كَمَا لَوْ قَالَ : لِلَّهِ عَلَيَّ الْمَشْيُ إلَى الْكَعْبَةِ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَهُوَ مُخَيَّرٌ فِي الْمَشْيِ وَالرُّكُوبِ .\rوَكَذَلِكَ إذَا نَذَرَ أَنْ يَحُجَّ الْبَيْتَ أَوْ يَزُورَهُ ؛ لِأَنَّ الْحَجَّ يَحْصُلُ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْأَمْرَيْنِ ، فَلَمْ يَتَعَيَّنْ أَحَدُهُمَا ، وَإِنْ قَالَ : لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ آتِيَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ ، غَيْرَ حَاجٍّ وَلَا مُعْتَمِرٍ .\rلَزِمَهُ الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ ، وَسَقَطَ شَرْطُهُ .\rوَهَذَا أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ : لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ آتِيَ الْبَيْتَ .\rيَقْتَضِي حَجًّا أَوْ عُمْرَةً ، وَشَرْطُ سُقُوطِ ذَلِكَ يُنَاقِضُ نَذْرَهُ ، فَسَقَطَ حُكْمُهُ .","part":22,"page":401},{"id":10901,"text":"( 8185 ) فَصْلٌ : إذَا نَذَرَ الْمَشْيَ إلَى الْبَلَدِ الْحَرَامِ ، أَوْ بُقْعَةٍ مِنْهُ ، كَالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَأَبِي قُبَيْسٍ ، أَوْ مَوْضِعٍ فِي الْحَرَمِ ، لَزِمَهُ الْحَجُّ أَوْ عُمْرَةٌ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .\rوَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَلْزَمُهُ إلَّا أَنْ يَنْذُرَ الْمَشْيَ إلَى الْكَعْبَةِ ، أَوْ إلَى مَكَّةَ .\rوَقَالَ أَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ إنَّ نَذَرَ الْمَشْيَ إلَى الْحَرَمِ ، أَوْ إلَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَقَوْلِنَا ، وَفِي بَاقِي الصُّوَرِ كَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَلَنَا ، أَنَّهُ نَذَرَ الْمَشْيَ إلَى مَوْضِعٍ مِنْ الْحَرَمِ أَشْبَهَ النَّذْرَ إلَى مَكَّةَ .\rفَأَمَّا إنْ نَذَرَ الْمَشْيَ إلَى غَيْرِ الْحَرَمِ ، كَعَرَفَةَ ، وَمَوَاقِيتِ الْإِحْرَامِ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ ، لَمْ يَلْزَمُهُ ذَلِكَ ، وَيَكُونُ كَنَذْرِ الْمُبَاحِ .\rوَكَذَلِكَ إنْ نَذَرَ إتْيَانَ مَسْجِدٍ سِوَى الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ ، لَمْ يَلْزَمْهُ إتْيَانُهُ .\rوَإِنْ نَذَرَ الصَّلَاةَ فِيهِ ، لَزِمَهُ الصَّلَاةُ دُونَ الْمَشْيِ ، فَفِي أَيِّ مَوْضِعٍ صَلَّى أَجْزَأَهُ ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ لَا تَخُصُّ مَكَانًا دُونَ مَكَان ، فَلَزِمَتْهُ الصَّلَاةُ دُونَ الْمَوْضِعِ .\rوَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا إلَّا عَنْ اللَّيْثِ ، فَإِنَّهُ قَالَ : لَوْ نَذَرَ صَلَاةً أَوْ صِيَامًا بِمَوْضِعٍ ، لَزِمَهُ فِعْلُهُ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ ، وَمَنْ نَذَرَ الْمَشْيَ إلَى مَسْجِدٍ ، مَشَى إلَيْهِ .\rقَالَ الطَّحَاوِيُّ : وَلَمْ يُوَافِقْهُ عَلَى ذَلِكَ أَحَدٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلَّا إلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ ، الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ، وَمَسْجِدِي هَذَا ، وَالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى .\r} مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَلَوْ لَزِمَهُ الْمَشْيُ إلَى مَسْجِدٍ بَعِيدٍ لَشَدَّ الرَّحْلَ إلَيْهِ ؛ وَلِأَنَّ الْعِبَادَةَ لَا تَخْتَصُّ بِمَكَانٍ دُونَ مَكَان ، فَلَا يَكُونُ فِعْلُهَا فِيمَا نَذَرَ فِعْلَهَا فِيهِ قُرْبَةً ، فَلَا تَلْزَمُهُ بِنَذْرِهِ ، وَفَارَقَ مَا لَوْ نَذَرَ الْعِبَادَةَ فِي يَوْمٍ بِعَيْنِهِ ، لَزِمَهُ فِعْلُهَا فِيهِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى -","part":22,"page":402},{"id":10902,"text":"عَيَّنَ لِعِبَادَتِهِ زَمَنًا وَوَقْتًا مُعَيَّنًا ، وَلَمْ يُعَيِّنْ لَهَا مَكَانًا وَمَوْضِعًا ، وَالنُّذُورُ مَرْدُودَةٌ إلَى أُصُولِهَا فِي الشَّرْعِ ، فَتَعَيَّنَتْ بِالزَّمَانِ دُونَ الْمَكَانِ .","part":22,"page":403},{"id":10903,"text":"( 8186 ) فَصْلٌ : وَإِنْ نَذَرَ الْمَشْيَ إلَى بَيْتِ اللَّهِ - تَعَالَى ، وَلَمْ يَنْوِ بِهِ شَيْئًا ، وَلَمْ يُعَيِّنْهُ انْصَرَفَ إلَى بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ ؛ لِأَنَّهُ الْمَخْصُوصُ بِالْقَصْدِ دُونَ غَيْرِهِ وَإِطْلَاقُ بَيْتِ اللَّهِ يَنْصَرِفُ إلَيْهِ دُونَ غَيْرِهِ فِي الْعُرْفِ ، فَيَنْصَرِفُ إلَيْهِ إطْلَاقُ النَّذْرِ .","part":22,"page":404},{"id":10904,"text":"( 8187 ) فَصْلٌ : وَإِنْ نَذَرَ الْمَشْيَ إلَى مَسْجِدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى ، لَزِمَهُ ذَلِكَ .\rوَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ .\rوَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ ، وَقَالَ فِي الْآخَرِ : لَا يَبِينُ لِي وُجُوبُ الْمَشْي إلَيْهِمَا ؛ لِأَنَّ الْبِرَّ بِإِتْيَانِ بَيْتِ اللَّهِ فَرْضٌ ، وَالْبِرَّ بِإِتْيَانِ هَذَيْنِ نَفْلٌ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلَّا إلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ ، الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ، وَمَسْجِدِي هَذَا ، وَالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى .\r} وَلِأَنَّهُ أَحَدُ الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ ، فَيَلْزَمُ الْمَشْيُ إلَيْهِ بِالنَّذْرِ ، كَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ، وَلَا يَلْزَمُ مَا ذَكَرَهُ ؛ لِأَنَّ كُلَّ قُرْبَةٍ تَجِبُ بِالنَّذْرِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا أَصْلُ فِي الْوُجُوبِ ، كَعِيَادَةِ الْمَرِيضِ ، وَشُهُودِ الْجَنَائِزِ ، وَيَلْزَمُهُ بِهَذَا النَّذْرِ أَنْ يُصَلِّيَ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي أَتَاهُ رَكْعَتَيْنِ ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ بِالنَّذْرِ الْقُرْبَةُ وَالطَّاعَةُ ، وَإِنَّمَا تَحْصِيلُ ذَلِكَ بِالصَّلَاةِ ، فَتَضَمَّنَ ذَلِكَ نَذْرُهُ ، كَمَا يَلْزَمُ نَاذِرَ الْمَشْيِ إلَى بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ أَحَدُ النُّسُكَيْنِ ، وَنَذْرُ الصَّلَاةِ فِي أَحَدِ الْمَسْجِدَيْنِ كَنَذْرِ الْمَشْيِ إلَيْهِ ، كَمَا أَنَّ نَذْرَ أَحَدِ النُّسُكَيْنِ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَنَذْرِ الْمَشْيِ إلَيْهِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا تَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ فِي مَوْضِعٍ بِالنَّذْرِ ، سَوَاءٌ كَانَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ؛ أَوْ غَيْرِهِ ؛ لِأَنَّ مَا لَا أَصْلَ لَهُ فِي الشَّرْعِ لَا يَجِبُ بِالنَّذْرِ ؛ بِدَلِيلِ نَذْرِ الصَّلَاةِ فِي سَائِرِ الْمَسَاجِدِ .\rوَلَنَا ، مَا رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، { إنِّي نَذَرْت أَنْ أَعْتَكِفَ لَيْلَةً فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ .\rفَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَوْفِ بِنَذْرِك } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَلِأَنَّ الصَّلَاةَ فِيهَا أَفْضَلُ مِنْ غَيْرِهَا ؛ بِدَلِيلِ قَوْلِ النَّبِيِّ","part":22,"page":405},{"id":10905,"text":"صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا ، خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ ، إلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَرُوِيَ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { صَلَاةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ، بِمِائَةِ أَلْفِ صَلَاةٍ } .\rوَإِذَا كَانَ فَضِيلَةً وَقُرْبَةً ، لَزِمَ بِالنَّذْرِ ، كَمَا لَوْ نَذَرَ طُولَ الْقِرَاءَةِ .\rوَمَا ذَكَرُوهُ يَبْطُلُ بِالْعُمْرَةِ ، فَإِنَّهَا تَلْزَمُ بِنَذْرِهَا ، وَهِيَ غَيْرُ وَاجِبَةٍ عِنْدَهُمْ .","part":22,"page":406},{"id":10906,"text":"( 8188 ) فَصْلٌ : وَإِذَا نَذَرَ الصَّلَاةَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ، لَمْ تُجْزِئْهُ الصَّلَاةُ فِي غَيْرِهِ لِأَنَّهُ أَفْضَلُ الْمَسَاجِدِ وَخَيْرُهَا ، وَأَكْثَرُهَا ثَوَابًا لِلْمُصَلِّي فِيهَا .\rوَإِنْ نَذَرَ الصَّلَاةَ فِي الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى ، أَجْزَأَتْهُ الصَّلَاةُ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ؛ لِمَا رَوَى جَابِرٌ ، أَنَّ { رَجُلًا يَوْمَ الْفَتْحِ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنِّي نَذَرْت إنْ فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْك أَنْ أُصَلِّيَ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ رَكْعَتَيْنِ .\rقَالَ : صَلِّ هَاهُنَا .\rثُمَّ أَعَادَ عَلَيْهِ ، فَقَالَ : صَلِّ هَاهُنَا .\rثُمَّ أَعَادَ عَلَيْهِ ، قَالَ : صَلِّ هَاهُنَا .\rثُمَّ أَعَادَ عَلَيْهِ ، فَقَالَ : شَأْنُك } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ، وَلَفْظُهُ { وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ، لَوْ صَلَّيْت هَا هُنَا لَأَجْزَأَ عَنْك كُلَّ صَلَاةٍ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ } .\rوَإِنْ نَذَرَ إتْيَانَ الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى ، وَالصَّلَاةَ فِيهِ ، أَجْزَأَتْهُ الصَّلَاةُ فِيهِ ، وَفِي مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ ؛ لِأَنَّهُ أَفْضَلُ .\rوَإِنْ نَذَرَ ذَلِكَ فِي مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ ، لَمْ يُجْزِئْهُ فِعْلُهُ فِي الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى ؛ لِأَنَّهُ مَفْضُولٌ .\rوَقَدْ سَبَقَ هَذَا فِي بَابِ الِاعْتِكَافِ .","part":22,"page":407},{"id":10907,"text":"( 8189 ) فَصْلٌ : وَإِنْ أَفْسَدَ الْحَجَّ الْمَنْذُورَ مَاشِيًا ، وَجَبَ الْقَضَاءُ مَاشِيًا ؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ يَكُونُ عَلَى صِفَةِ الْأَدَاءِ .\rوَكَذَلِكَ إنْ فَاتَهُ الْحَجُّ ، لَكِنْ إنْ فَاتَهُ الْحَجُّ ، سَقَطَ تَوَابِعُ الْوُقُوفِ ، مِنْ الْمَبِيتِ بِمُزْدَلِفَةَ وَمِنًى ، وَالرَّمْيِ ، وَتَحَلَّلَ بِعُمْرَةٍ ، وَيَمْشِي بِالْحَجِّ الْفَاسِدِ مَاشِيًا ، حَتَّى يَتَحَلَّلَ مِنْهُ .","part":22,"page":408},{"id":10908,"text":"( 8190 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِذَا نَذَرَ عِتْقَ رَقَبَةٍ ، فَهِيَ الَّتِي تُجْزِئُ عَنْ الْوَاجِبِ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ نَوَى رَقَبَةً بِعَيْنِهَا ) يَعْنِي : لَا تُجْزِئُهُ إلَّا رَقَبَةٌ مُؤْمِنَةٌ سَلِيمَةٌ مِنْ الْعُيُوبِ الْمُضِرَّةِ بِالْعَمَلِ ، وَهِيَ الَّتِي تُجْزِئ فِي الْكَفَّارَةِ ؛ لِأَنَّ النَّذْرَ الْمُطْلَقَ يُحْمَلُ عَلَى الْمَعْهُودِ فِي الشَّرْعِ ، وَالْوَاجِبُ بِأَصْلِ الشَّرْعِ كَذَلِكَ .\rوَهَذَا أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ، وَالْوَجْهُ الْآخَرُ : يُجْزِئُهُ أَيُّ رَقَبَةٍ كَانَتْ صَحِيحَةً أَوْ مَعِيبَةً ، مُسْلِمَةً أَوْ كَافِرَةً ؛ لِأَنَّ الِاسْمَ يَتَنَاوَلُ جَمِيعَ ذَلِكَ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الْمُطْلَقَ يُحْمَلُ عَلَى مَعْهُودِ الشَّرْعِ ، وَهُوَ الْوَاجِبُ فِي الْكَفَّارَةِ ، وَمَا ذَكَرُوهُ يَبْطُلُ بِنَذْرِ الْمَشْيِ إلَى بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ ، فَإِنَّهُ لَا يُحْمَلُ عَلَى مَا تَنَاوَلَهُ الِاسْمُ .\rفَأَمَّا إنْ نَوَى رَقَبَةً بِعَيْنِهَا ، أَجْزَأَهُ عِتْقُهَا ، أَيَّ رَقَبَةٍ كَانَتْ ؛ لِأَنَّهُ نَوَى بِلَفْظِهِ مَا يَحْتَمِلُهُ .\rوَإِنْ نَوَى مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الرَّقَبَةِ ، أَجْزَأَهُ مَا نَوَاهُ ، لِمَا ذَكَرْنَاهُ ، فَإِنَّ الْمُطْلَقَ يَتَقَيَّدُ بِالنِّيَّةِ ، كَمَا يَتَقَيَّدُ بِالْقَرِينَةِ اللَّفْظِيَّةِ .\rقَالَ أَحْمَدُ ، فِيمَنْ نَذَرَ عِتْقَ عَبْدٍ بِعَيْنِهِ ، فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يُعْتِقَهُ : تَلْزَمُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ ، وَلَا يَلْزَمُهُ عِتْقُ عَبْدٍ ؛ لِأَنَّ هَذَا شَيْءٌ فَاتَهُ ، عَلَى حَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ، وَإِلَيْهِ أَذْهَبُ فِي الْفَائِتِ ، وَمَا عَجَزَ عَنْهُ .","part":22,"page":409},{"id":10909,"text":"( 8191 ) فَصْلٌ : وَإِذَا نَذَرَ هَدْيًا مُطْلَقًا ، لَمْ يُجْزِئْهُ إلَّا مَا يُجْزِئُ فِي الْأُضْحِيَّةِ .\rوَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ ، فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ ؛ لِأَنَّ الْمُطْلَقَ يُحْمَلُ عَلَى مَعْهُودِ الشَّرْعِ .\rوَإِنْ عَيَّنَ الْهَدْيَ بِلَفْظِهِ ، أَوْ نِيَّتِهِ ، أَجْزَأَهُ مَا عَيَّنَهُ ، صَغِيرًا كَانَ أَوْ كَبِيرًا ، جَلِيلًا كَانَ أَوْ حَقِيرًا ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُسَمَّى هَدْيًا ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الْخَامِسَةِ ، فَكَأَنَّمَا أَهْدَى بَيْضَةً } .\rوَإِنَّمَا صَرَفْنَا الْمُطْلَقَ إلَى مَعْهُودِ الشَّرْعِ ، لِأَنَّهُ غَلَبَ عَلَى الِاسْمِ ، كَمَا لَوْ نَذَرَ أَنْ يُصَلِّيَ ، لَزِمَتْهُ صَلَاةٌ شَرْعِيَّةٌ دُونَ اللُّغَوِيَّةِ .\rوَإِنْ قَالَ : لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أُهْدِيَ بَدَنَةً ، أَوْ بَقَرَةً ، أَوْ قَالَ : شَاةً لَزِمَهُ أَقَلُّ مَا يُجْزِئُ مِنْ ذَلِكَ الْجِنْسِ الَّذِي عَيَّنَهُ .\rفَإِنْ نَذَرَ بَدَنَةً ، أَجْزَأَهُ ثَنِيَّةٌ مِنْ الْإِبِلِ أَوْ ثَنِيٌّ ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ مِنْ الْإِبِلِ ، فَبَقَرَةٌ ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ ، فَسَبْعٌ مِنْ الْغَنَمِ ؛ لِأَنَّ النَّذْرَ مَحْمُولٌ عَلَى مَعْهُودٍ الشَّرْعِ ، وَقَدْ تَقَرَّرَ فِي الشَّرْعِ أَنَّ الْبَقَرَةَ تَقُومُ مَقَامَ الْبَدَنَةِ ، وَكَذَلِكَ سَبْعٌ مِنْ الْغَنَمِ فَإِنْ أَرَادَ إخْرَاجَ الْبَقَرَةِ أَوْ الْغَنَمِ ، مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْبَدَنَةِ ، فَقَالَ الْقَاضِي : لَا يُجْزِئُهُ .\rوَهُوَ الْمَنْصُوصُ عَنْ الشَّافِعِيِّ .\rوَاَلَّذِي يَقْتَضِيهِ مَذْهَبُ الْخِرَقِيِّ ، جَوَازُ ذَلِكَ ؛ لِقَوْلِهِ : وَمِنْ وَجَبَ عَلَيْهِ بَدَنَةٌ ، فَذَبَحَ سَبْعًا مِنْ الْغَنَمِ ، أَجْزَأَهُ .\rفَإِنْ نَوَى بِنَذْرِهِ بَدَنَةً مِنْ الْإِبِلِ ، لَمْ يُجْزِئْهُ غَيْرُهَا مَعَ وُجُودِهَا ، وَجْهًا وَاحِدًا ؛ لِأَنَّهَا وَجَبَتْ بِإِيجَابِهِ ، بِخِلَافِ مَا إذَا أَطْلَقَ فَإِنَّهَا انْصَرَفَتْ إلَى الْإِبِلِ بِمَعْهُودِ الشَّرْعِ ، وَمَعْهُودُ الشَّرْعِ فِيهَا أَنْ تَقُومَ الْبَقَرَةُ مَقَامَهَا .\rفَأَمَّا إنْ نَوَاهَا مِنْ الْإِبِلِ أَوْ غَيْرِهِ ، فَمُقْتَضَى الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا يَقُومُ غَيْرُهَا مَقَامَهَا ، كَسَائِرِ","part":22,"page":410},{"id":10910,"text":"الْمَنْذُورَاتِ وَكَذَلِكَ إنْ صَرَّحَ بِهَا فِي نَذْرِهِ .\rمِثْلَ أَنْ يَقُولَ : لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أُهْدِيَ نَاقَةً .\rوَيُحْتَمَلُ أَنْ تَقُومَ الْبَقَرَةُ مَقَامَهَا عِنْدَ عَدَمِهَا ؛ لِأَنَّهَا تَعَيَّنَتْ هَدْيًا شَرْعِيًّا ، وَالْهَدْيُ الشَّرْعِيُّ لَهُ بَدَلٌ .","part":22,"page":411},{"id":10911,"text":"( 8192 ) فَصْلٌ : وَمَنْ نَذَرَ هَدْيًا ، لَزِمَهُ إيصَالُهُ إلَى مَسَاكِينِ الْحَرَمِ ؛ لِأَنَّ إطْلَاقَ الْهَدْيِ يَقْتَضِي ذَلِكَ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ } .\rفَإِنْ عَيَّنَ شَيْئًا بِنَذْرِهِ ، مِثْلَ أَنْ يَقُولَ : أُهْدِي شَاةً ، أَوْ ثَوْبًا ، أَوْ بُرًّا ، أَوْ ذَهَبًا .\rوَكَانَ مِمَّا يُنْقَلُ ، حُمِلَ إلَى الْحَرَمِ ، فَفُرِّقَ فِي مَسَاكِينِهِ ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يُنْقَلُ ، نَحْوَ أَنْ يَقُولَ : لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أُهْدِيَ دَارِي هَذِهِ ، أَوْ أَرْضِي ، أَوْ شَجَرَتِي هَذِهِ .\rبِيعَتْ ، وَبُعِثَ بِثَمَنِهَا إلَى الْحَرَمِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ إهْدَاؤُهُ بِعَيْنِهِ ، فَانْصَرَفَ بِذَلِكَ إلَى بَدَلِهِ .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، أَنَّ رَجُلًا سَأَلَهُ ، فِي امْرَأَةٍ نَذَرَتْ أَنْ تُهْدِيَ دَارًا ، فَقَالَ : تَبِيعُهَا ، وَتَتَصَدَّقُ بِثَمَنِهَا عَلَى مَسَاكِينِ الْحَرَمِ .\rوَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الْمَنْذُورُ مِمَّا يُنْقَلُ ، لَكِنْ يَشُقُّ نَقْله ، كَخَشَبَةٍ ثَقِيلَةٍ ، فَإِنَّهُ يَبِيعُهَا ؛ لِأَنَّهُ أَحَظُّ لِلْمَسَاكِينِ مِنْ نَقْلِهَا .\rوَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا كُلْفَةَ فِي نَقْلِهِ ، إلَّا أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ تَفْرِيقُهُ بِنَفْسِهِ ، وَيَحْتَاجُ إلَى الْبَيْعِ ، نُظِرَ إلَى الْحَظِّ لِلْمَسَاكِينِ فِي بَيْعِهِ فِي بَلَدِهِ ، أَوْ نَقْلِهِ لِيُبَاعَ ثَمَّ .\rوَإِنْ اسْتَوَى الْأَمْرَانِ ، بِيعَ فِي أَيِّ مَوْضِعٍ شَاءَ .","part":22,"page":412},{"id":10912,"text":"( 8193 ) فَصْلٌ : وَإِنْ نَذَرَ أَنْ يُهْدِيَ إلَى غَيْرِ مَكَّةَ ، كَالْمَدِينَةِ ، أَوْ الثُّغُورِ ، أَوْ يَذْبَحَ بِهَا ، لَزِمَهُ الذَّبْحُ ، وَإِيصَالُ مَا أَهْدَاهُ إلَى ذَلِكَ الْمَكَانِ ، وَتَفْرِقَةُ الْهَدْيِ وَلَحْمِ الذَّبِيحَةِ عَلَى أَهْلِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ بِذَلِكَ الْمَكَانِ مَا لَا يَجُوزُ النَّذْرُ لَهُ ، كَكَنِيسَةٍ ، أَوْ صَنَمٍ ، أَوْ نَحْوِهِ ، مِمَّا يُعَظِّمُهُ الْكُفَّارُ أَوْ غَيْرُهُمْ ، مِمَّا لَا يَجُوزُ تَعْظِيمُهُ ، كَشَجَرَةٍ ، أَوْ قَبْرٍ ، أَوْ حَجَرٍ ، أَوْ عَيْنِ مَاءٍ ، وَنَحْوِ ذَلِكَ ؛ لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد ، قَالَ : { نَذَرَ رَجُلٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَنْحَرَ إبِلًا بِبُوَانَةَ ، فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هَلْ كَانَ بِهَا وَثَنٌ مِنْ أَوْثَانِ الْجَاهِلِيَّةِ يُعْبَدُ ؟ قَالُوا : لَا .\rقَالَ : هَلْ كَانَ فِيهَا عِيدٌ مِنْ أَعْيَادِهِمْ ؟ .\rقَالُوا : لَا .\rقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَوْفِ بِنَذْرِك } .\rوَلِأَنَّهُ ضَمَّنَ نَذْرَهُ نَفْعَ فُقَرَاءِ ذَلِكَ الْبَلَدِ ، بِإِيصَالِ اللَّحْمِ إلَيْهِمْ ، وَهَذِهِ قُرْبَةٌ .\rفَتَلْزَمُهُ ، كَمَا لَوْ نَذَرَ التَّصَدُّقَ عَلَيْهِمْ .\rفَإِنْ كَانَ بِهَا شَيْءٌ مِمَّا ذَكَرْنَا ، لَمْ يَجُزْ النَّذْرُ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { هَلْ كَانَ بِهَا وَثَنٌ ، أَوْ عِيدٌ مِنْ أَعْيَادِ الْجَاهِلِيَّةِ ؟ } .\rوَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ بِهَا ذَلِكَ ، لَمَنَعَهُ مِنْ الْوَفَاءِ بِنَذْرِهِ وَلِأَنَّ فِي هَذَا تَعْظِيمًا لِغَيْرِ مَا عَظَّمَ اللَّهُ ، يُشْبِهُ تَعْظِيمَ الْكُفَّارِ لِلْأَصْنَامِ ، فَحَرُمَ ، كَتَعْظِيمِ الْأَصْنَامِ ، وَلِذَلِكَ لَعَنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُتَّخِذَاتِ عَلَى الْقُبُورِ الْمَسَاجِدَ وَالسَّرْجِ ، وَقَالَ : { لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ ، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ } .\rيُحَذِّرُ مِثْلَمَا صَنَعُوا .\rوَعَلَى هَذَا نَذْرُ الشَّمْعِ وَالزَّيْتِ ، وَأَشْبَاهِهِ ، لِلْأَمَاكِنِ الَّتِي فِيهَا الْقُبُورُ ، لَا يَصِحُّ","part":22,"page":413},{"id":10913,"text":".","part":22,"page":414},{"id":10914,"text":"( 8194 ) فَصْلٌ : وَإِنْ نَذَرَ الذَّبْحَ بِمَكَّةَ ، فَهُوَ كَنَذْرِ الْهَدْيِ إلَيْهَا ؛ لِأَنَّ مُطْلَقَ النَّذْرِ مَحْمُولٌ عَلَى مَعْهُودِ الشَّرْعِ ، وَمَعْهُودُ الشَّرْعِ فِي الذَّبْحِ الْوَاجِبِ بِهَا أَنْ يُفَرَّقَ اللَّحْمُ بِهَا .","part":22,"page":415},{"id":10915,"text":"( 8195 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِذَا نَذَرَ صِيَامَ شَهْرٍ مِنْ يَوْمِ يَقْدَمُ فُلَانٌ ، فَقَدِمَ أَوَّلَ يَوْمٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ ، أَجْزَأَهُ صِيَامُهُ لِرَمَضَانَ وَنَذْرِهِ ) ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ ، أَنَّ نَذْرَ هَذَا مُنْعَقِدٌ ، لَكِنَّ صِيَامَهُ يُجْزِئُ عَنْ النَّذْرِ وَرَمَضَانَ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ .\rوَهُوَ قِيَاسُ قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَعِكْرِمَةَ ؛ لِأَنَّهُ نَذَرَ صَوْمًا فِي وَقْتٍ ، وَقَدْ صَامَ فِيهِ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ ، أَنَّ النَّذْرَ غَيْرُ مُنْعَقِدٍ ؛ لِأَنَّ نَذْرَهُ وَافَقَ زَمَنًا يُسْتَحَقُّ صَوْمُهُ ، فَلَمْ يَنْعَقِدْ نَذْرُهُ ، كَنَذْرِ صَوْمِ رَمَضَانَ .\rقَالَ : وَالصَّحِيحُ عِنْدِي صِحَّةُ النَّذْرِ ؛ لِأَنَّهُ نَذْرُ طَاعَةٍ يُمْكِنُ الْوَفَاءُ بِهِ غَالِبًا ، فَانْعَقَدَ ، كَمَا لَوْ وَافَقَ شَعْبَانَ .\rفَعَلَى هَذَا يَصُومُ رَمَضَانَ ، ثُمَّ يَقْضِي ، وَيُكَفِّرُ .\rوَهَذَا اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ .\rوَنَقَلَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ .\rوَقَوْلُ الْخِرَقِيِّ : أَجْزَأَهُ صِيَامُهُ لِرَمَضَانَ وَنَذْرِهِ .\rدَلِيلٌ عَلَى أَنَّ نَذْرَهُ انْعَقَدَ عِنْدَهُ ، لَوْلَا ذَلِكَ لَمَا كَانَ صَوْمُهُ عَنْ نَذْرِهِ .\rوَقَدْ نَقَلَ أَبُو الْخَطَّابِ ، عَنْ أَحْمَدَ ، فِيمَنْ نَذَرَ أَنْ يَحُجَّ وَعَلَيْهِ حِجَّةٌ مَفْرُوضَةٌ ، فَأَحْرَمَ عَنْ النَّذْرِ ، وَقَعَتْ عَنْ الْمَفْرُوضِ ، وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ آخَرُ .\rوَهَذَا مِثْلُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ .\rوَرَوَى عِكْرِمَةُ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، فِي رَجُلٍ نَذَرَ أَنْ يَحُجَّ ، وَلَمْ يَكُنْ حَجَّ الْفَرِيضَةَ ، قَالَ : يُجْزِئُ لَهُمَا جَمِيعًا .\rوَعَنْ عِكْرِمَةَ ، أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ ، فَقَالَ عِكْرِمَةُ : يَقْضِي حِجَّتَهُ عَنْ نَذْرِهِ وَعَنْ حِجَّةِ الْإِسْلَامِ ، أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَنَّ رَجُلًا نَذَرَ أَنْ يُصَلِّيَ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ ، فَصَلَّى الْعَصْرَ ، أَلَيْسَ ذَلِكَ يُجْزِئُهُ مِنْ الْعَصْرِ وَالنَّذْرِ ؟ قَالَ : فَذَكَرْت قَوْلِي لِابْنِ عَبَّاسٍ ، فَقَالَ : أَصَبْت وَأَحْسَنْت .\rوَقَالَ ابْنُ عُمَرَ ، وَأَنَسٌ ، وَعُرْوَةُ : يَبْدَأُ بِحِجَّةِ الْإِسْلَامِ ، ثُمَّ يَحُجُّ","part":22,"page":416},{"id":10916,"text":"لِنَذْرِهِ .\rوَفَائِدَةُ انْعِقَادِ نَذْرِهِ ، لُزُومُ الْكَفَّارَةِ بِتَرْكِهِ ، وَأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَنْوِهِ لِنَذْرِهِ ، لَزِمَهُ قَضَاؤُهُ .\rوَعَلَى هَذَا لَوْ وَافَقَ نَذْرُهُ بَعْضَ رَمَضَانَ ، وَبَعْضَ شَهْرٍ آخَرَ ، إمَّا شَعْبَانَ ، وَإِمَّا شَوَّالَ ، لَزِمَهُ صَوْمُ مَا خَرَجَ عَنْ رَمَضَانَ ، وَيُتِمُّهُ مِنْ رَمَضَانَ .\rوَلَوْ قَالَ : لِلَّهِ عَلَيَّ صَوْمُ رَمَضَانَ .\rفَعَلَى قِيَاسِ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ ، يَصِحُّ نَذْرُهُ ، وَيُجْزِئُهُ صِيَامُهُ عَنْ الْأَمْرَيْنِ ، وَتَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ إنْ أَخَلَّ بِهِ .\rوَعَلَى قَوْلِ الْقَاضِي ، لَا يَنْعَقِدُ نَذْرُهُ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ صَوْمُهُ عَنْ النَّذْرِ ، فَأَشْبَهَ اللَّيْلَ .\rوَلَنَا ، أَنَّ النَّذْرَ يَمِينٌ ، فَيَنْعَقِدُ فِي الْوَاجِبِ مُوجِبًا لِلْكَفَّارَةِ ، كَالْيَمِينِ بِاَللَّهِ تَعَالَى .","part":22,"page":417},{"id":10917,"text":"( 8196 ) فَصْلٌ : وَنُقِلَ عَنْ أَحْمَدَ ، فِيمَنْ نَذَرَ أَنْ يَحُجَّ الْعَامَ ، وَعَلَيْهِ حِجَّةُ الْإِسْلَامِ ، رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، تُجْزِئُهُ حِجَّةُ الْإِسْلَامِ عَنْهَا وَعَنْ نَذْرِهِ .\rنَقَلَهَا أَبُو طَالِبٍ .\rوَالثَّانِيَةُ ، يَنْعَقِدُ نَذْرُهُ مُوجِبًا لِحِجَّةٍ غَيْرِ حِجَّةِ الْإِسْلَامِ يَبْدَأُ بِحِجَّةِ الْإِسْلَامِ ، ثُمَّ يَقْضِي نَذْرَهُ .\rنَقَلَهَا ابْنُ مَنْصُورٍ ؛ لِأَنَّهُمَا عِبَادَتَانِ تَجِبَانِ بِسَبَبَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ ، فَلَمْ تَسْقُطْ إحْدَاهُمَا بِالْأُخْرَى ، كَمَا لَوْ نَذَرَ حِجَّتَيْنِ ، وَوَجْهُ الْأُولَى ، أَنَّهُ نَذَرَ عِبَادَةً فِي وَقْتٍ مُعَيَّنٍ ، وَقَدْ أَتَى بِهَا فِيهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَالَ : لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَصُومَ رَمَضَانَ .","part":22,"page":418},{"id":10918,"text":"( 8197 ) فَصْلٌ : فَإِنْ قَالَ : لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَصُومَ شَهْرًا .\rفَنَوَى صِيَامَ شَهْرِ رَمَضَانَ ، لِنَذْرِهِ وَرَمَضَانَ ، لَمْ يُجْزِئْهُ ؛ لِأَنَّ شَهْرَ رَمَضَانَ وَاجِبٌ بِفَرْضِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَنَذْرُهُ يَقْتَضِي إيجَابَ شَهْرٍ ، فَيَجِبُ شَهْرَانِ بِسَبَبَيْنِ ، وَلَا يُجْزِئُ أَحَدُهُمَا عَنْ الْآخَرِ ، كَمَا لَوْ نَذَرَ صَوْمِ شَهْرَيْنِ ، وَكَمَا لَوْ نَذَرَ أَنْ يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ ، لَمْ تُجْزِئْهُ صَلَاةُ الْفَجْرِ عَنْ نَذْرِهِ ، وَعَنْ صَلَاةِ الْفَجْرِ .","part":22,"page":419},{"id":10919,"text":"( 8198 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِذَا نَذَرَ أَنْ يَصُومَ يَوْمَ يَقْدَمُ فُلَانٌ ، فَقَدِمَ يَوْمَ فِطْرٍ ، أَوْ أَضْحَى ، لَمْ يَصُمْهُ ، وَصَامَ يَوْمًا مَكَانَهُ ، وَكَفَّرَ كَفَّارَةَ يَمِينٍ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ مَنْ نَذَرَ أَنْ يَصُومَ يَوْمَ يَقْدَمُ فُلَانٌ ، فَإِنَّ نَذْرَهُ صَحِيحٌ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَأَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ ، وَقَالَ فِي الْآخَرِ : لَا يَصِحُّ نَذْرُهُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ صَوْمُهُ بَعْدَ وُجُودِ شَرْطِهِ ، فَلَمْ يَصِحَّ ، كَمَا لَوْ قَالَ : لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَصُومَ الْيَوْمَ الَّذِي قَبْلَ الْيَوْمِ الَّذِي يَقْدَمُ فِيهِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ زَمَنٌ صَحَّ فِيهِ صَوْمُ التَّطَوُّعِ ، فَانْعَقَدَ نَذْرُهُ لِصَوْمِهِ ، كَمَا لَوْ أَصْبَحَ صَائِمًا تَطَوُّعًا ، قَالَ : لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَصُومَ يَوْمِي .\rوَقَوْلُهُمْ : لَا يُمْكِنُ صَوْمُهُ .\rلَا يَصِحُّ فَإِنَّهُ قَدْ يَعْلَمُ الْيَوْمَ الَّذِي يَقْدَمُ فِيهِ قَبْلَ قُدُومِهِ ، فَيَنْوِيَ صَوْمَهُ مِنْ اللَّيْلِ ، لِأَنَّهُ قَدْ يَجِبُ عَلَيْهِ مَا لَا يُمْكِنُهُ ، كَالصَّبِيِّ يَبْلُغُ فِي أَثْنَاءِ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ ، أَوْ الْحَائِضِ تَطْهُرُ فِيهِ ، وَلَا نُسَلِّمُ مَا قَاسُوا عَلَيْهِ ، إذَا ثَبَتَتْ صِحَّتُهُ ، وَلَا يَخْلُو مِنْ أَقْسَامٍ خَمْسَةٍ : أَحَدُهَا ، أَنْ يَعْلَمَ قُدُومَهُ مِنْ اللَّيْلِ ، فَيَنْوِيَ صَوْمَهُ ، وَيَكُونَ يَوْمًا يَجُوزُ فِيهِ صَوْمُ النَّذْرِ فَيَصِحَّ صَوْمُهُ وَيُجْزِئَهُ ؛ لِأَنَّهُ وَفَى بِنَذْرِهِ .\rالثَّانِي ، أَنْ يَقْدَمَ يَوْمَ فِطْرٍ أَوْ أَضْحَى ، فَاخْتَلَفْت الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ ، فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ؛ فَعَنْهُ : لَا يَصُومُهُ ، وَيَقْضِي ، وَيُكَفِّرُ .\rنَقْلَهُ عَنْ أَحْمَدَ جَمَاعَةٌ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا ، وَمَذْهَبُ الْحَكَمِ ، وَحَمَّادٍ .\rالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ ، يَقْضِي ، وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ .\rوَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَأَبِي عُبَيْدٍ ، وَقَتَادَةَ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَأَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ ؛ فَإِنَّهُ فَاتَهُ الصَّوْمُ الْوَاجِبُ بِالنَّذْرِ ، فَلَزِمَهُ قَضَاؤُهُ ، كَمَا لَوْ تَرَكَهُ نِسْيَانًا ، وَلَمْ تَلْزَمْهُ كَفَّارَةٌ ؛","part":22,"page":420},{"id":10920,"text":"لِأَنَّ الشَّرْعَ مَنَعَهُ مِنْ صَوْمِهِ ، فَهُوَ كَالْمُكْرَهِ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ ، رِوَايَةٌ ثَالِثَةٌ ، إنْ صَامَهُ صَحَّ صَوْمُهُ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّهُ وَفَى بِمَا نَذَرَ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ نَذَرَ مَعْصِيَةً فَفَعَلَهَا .\rوَيَتَخَرَّجُ أَنْ يُكَفِّرَ مِنْ غَيْرِ قَضَاءٍ ؛ لِأَنَّهُ وَافَقَ يَوْمًا صَوْمُهُ حَرَامٌ ، فَكَانَ مُوجَبُهُ الْكَفَّارَةَ ، كَمَا لَوْ نَذَرْت الْمَرْأَةُ صَوْمَ يَوْمِ حَيْضِهَا .\rوَيَتَخَرَّجُ أَنْ لَا يَلْزَمَهُ شَيْءٌ مِنْ كَفَّارَةٍ وَلَا قَضَاءٍ ؛ بِنَاءً عَلَى مَنْ نَذَرَ الْمَعْصِيَةَ .\rوَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ ؛ بِنَاءً عَلَى نَذْرِ الْمَعْصِيَةِ .\rوَوَجْهُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ ، أَنَّ النَّذْرَ يَنْعَقِدُ ؛ لِأَنَّهُ نَذَرَ نَذْرًا يُمْكِنُ الْوَفَاءُ بِهِ غَالِبًا ، فَكَانَ مُنْعَقِدًا كَمَا لَوْ وَافَقَ غَيْرَ يَوْمِ الْعِيدِ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَصُومَ يَوْمَ الْعِيدِ ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ حَرَّمَ صَوْمَهُ ، فَأَشْبَهَ زَمَنَ الْحَيْضِ ، وَلَزِمَهُ الْقَضَاءُ ؛ لِأَنَّهُ نَذْرٌ مُنْعَقِدٌ ، وَقَدْ فَاتَهُ الصِّيَامُ بِالْعُذْرِ ، وَلَزِمَتْهُ الْكَفَّارَةُ ؛ لِفَوَاتِهِ ، كَمَا لَوْ فَاتَهُ بِمَرَضٍ .\rوَإِنْ وَافَقَ يَوْمَ حَيْضٍ أَوْ نِفَاسٍ ، فَهُوَ كَمَا لَوْ وَافَقَ يَوْمَ فِطْرٍ أَوْ أَضْحَى ، إلَّا أَنَّهُ لَا يَصُومُهُ .\rبِغَيْرِ خِلَافٍ فِي الْمَذْهَبِ ، وَلَا بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rالثَّالِثُ ، أَنْ يَقْدَمَ فِي يَوْمٍ يَصِحُّ صَوْمُهُ ، وَالنَّاذِرُ مُفْطِرٌ ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ ؛ لِأَنَّهُ نَذَرَ صَوْمًا نَذْرًا صَحِيحًا ، وَلَمْ يَفِ بِهِ ، فَلَزِمَهُ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ ، كَسَائِرِ الْمَنْذُورَاتِ .\rوَيَتَخَرَّجُ أَنْ لَا تَلْزَمَهُ كَفَّارَةٌ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ الْمَنْذُورَ لِعُذْرٍ .\rوَالثَّانِيَةُ ، لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ ، مِنْ قَضَاءٍ وَلَا غَيْرِهِ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ وَابْنِ الْمُنْذِرِ ؛ لِأَنَّهُ قَدِمَ فِي زَمَنٍ لَا يَصِحُّ صَوْمُهُ فِيهِ ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ ، كَمَا لَوْ قَدِمَ لَيْلًا .\rالرَّابِعُ ،","part":22,"page":421},{"id":10921,"text":"قَدِمَ وَالنَّاذِرُ صَائِمٌ ، فَلَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ تَطَوُّعًا أَوْ فَرْضًا ؛ فَإِنْ كَانَ تَطَوُّعًا ، فَقَالَ الْقَاضِي : يَصُومُ بَقِيَّتَهُ ، وَيَعْقِدُهُ عَنْ نَذْرِهِ ، وَيُجْزِئُهُ ، وَلَا قَضَاءَ وَلَا كَفَّارَةَ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ صَوْمُ يَوْمٍ بَعْضُهُ تَطَوُّعٌ وَبَعْضُهُ وَاجِبٌ ، كَمَا لَوْ نَذَرَ فِي أَثْنَاءِ التَّطَوُّعِ إتْمَامَ صَوْمِ ذَلِكَ الْيَوْمِ ، وَإِنَّمَا وُجِدَ سَبَبُ الْوُجُوبِ فِي بَعْضِهِ .\rوَذَكَرَ الْقَاضِي احْتِمَالًا آخَرَ ، أَنَّهُ يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ ؛ لِأَنَّهُ صَوْمٌ وَاجِبٌ ، فَلَمْ يَصِحَّ بِنِيَّةٍ مِنْ النَّهَارِ ، كَقَضَاءِ رَمَضَانَ .\rوَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ هَذَيْنِ الِاحْتِمَالَيْنِ رِوَايَتَيْنِ .\rوَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ فَقَطْ ، كَمَا لَوْ قَدِمَ وَهُوَ مُفْطِرٌ .\rوَيَتَخَرَّجُ لَنَا مِثْلُهُ .\rوَأَمَّا إنْ كَانَ الصَّوْمُ وَاجِبًا ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ .\rوَإِنْ قَدِمَ وَهُوَ مُمْسِكٌ ، لَمْ يَنْوِ الصِّيَامَ ، وَلَمْ يَفْعَلْ مَا يُفْطِرُهُ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الصَّائِمِ تَطَوُّعًا .\rالْخَامِسُ ، أَنْ يَقْدَمَ لَيْلًا ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْدَمْ فِي الْيَوْمِ ، وَلَا فِي وَقْتٍ يَصِحُّ فِيهِ الصِّيَامُ .\r( 8199 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَالَ : لِلَّهِ عَلَيَّ صَوْمُ يَوْمِ الْعِيدِ .\rفَهَذَا نَذْرُ مَعْصِيَةٍ ، عَلَى نَاذِرِهِ الْكَفَّارَةُ لَا غَيْرُ .\rنَقَلَهَا حَنْبَلٌ عَنْ أَحْمَدَ .\rوَفِيهِ رِوَايَةٌ أُخْرَى ، أَنَّ عَلَيْهِ الْقَضَاءَ مَعَ الْكَفَّارَةِ ، كَالْمَسْأَلَةِ الْمَذْكُورَة .\rوَالْأُولَى هِيَ الصَّحِيحَةُ .\rقَالَهُ الْقَاضِي ؛ لِأَنَّ هَذَا نَذْرُ مَعْصِيَةٍ ، فَلَمْ يُوجِبْ قَضَاءً ، كَسَائِرِ الْمَعَاصِي .\rوَفَارَقَ الْمَسْأَلَةَ الَّتِي قَبْلَهَا ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ بِنَذْرِهِ الْمَعْصِيَةَ ، وَإِنَّمَا وَقَعَ اتِّفَاقًا ، وَهَا هُنَا تَعَمَّدَهَا بِالنَّذْرِ ، فَلَمْ يَنْعَقِدْ نَذْرُهُ ، وَيَدْخُلُ فِي قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ { : لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةٍ } .\rوَيَتَخَرَّجُ أَنْ لَا يَلْزَمَهُ شَيْءٌ ؛ بِنَاءً","part":22,"page":422},{"id":10922,"text":"عَلَى نَذْرِ الْمَعْصِيَةِ فِيمَا تَقَدَّمَ .\rوَإِنْ نَذَرَتْ الْمَرْأَةُ صَوْمَ يَوْمِ حَيْضِهَا وَنِفَاسِهَا ، فَعَلَيْهَا الْكَفَّارَةُ لَا غَيْرُ .\rوَلَمْ أَعْلَمْ عَنْ أَصْحَابِنَا فِي هَذَا خِلَافًا .\r( 8200 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِنْ وَافَقَ قُدُومُهُ يَوْمًا مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ ، صَامَهُ ، فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ، رَحِمَهُ اللَّهُ .\rوَالرِّوَايَةُ الْأُخْرَى ، لَا يَصُومُهُ وَيَصُومُ يَوْمًا مَكَانَهُ ، وَيُكَفِّرُ كَفَّارَةَ يَمِينٍ ) اخْتَلَفْت الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، فِي صِيَامِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ عَنْ الْفَرْضِ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ فِي الصِّيَامِ ، فَإِنْ قُلْنَا : يَصُومُهَا عَنْ الْفَرْضِ .\rصَامَهَا هَاهُنَا ، وَأَجْزَأَتْهُ .\rوَإِنْ قُلْنَا : لَا يَصُومُهَا .\rفَحُكْمُهُ حُكْمُ مَنْ وَافَقَ يَوْمَ الْعِيدِ ، وَقَدْ مَضَى .","part":22,"page":423},{"id":10923,"text":"( 8201 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَالَ : لِلَّهِ عَلَيَّ صَوْمُ يَوْمِ يَقْدَمُ فُلَانٌ أَبَدًا .\rأَوْ قَالَ : لِلَّهِ عَلَيَّ صَوْمُ يَوْمِ كُلِّ خَمِيسٍ أَبَدًا .\rلَزِمَهُ ذَلِكَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ ، فَأَمَّا الْيَوْمُ الَّذِي يَقْدَمُ فِيهِ ، فَقَدْ مَضَى بَيَانُ حُكْمِهِ ، وَلَا يَدْخُلُ فِي نَذْرِهِ ذَلِكَ الْيَوْمُ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ ؛ لِأَنَّ رَمَضَانَ ؛ لَا يُتَصَوَّرُ انْفِكَاكُهُ عَنْ دُخُولِ ذَلِكَ الْيَوْمِ فِيهِ ، وَلَا يُمْكِنُهُ صَوْمُهُ عَنْ غَيْرِ رَمَضَانَ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُقْبَلُ ذَلِكَ .\rوَيَجِيءُ عَلَى قَوْلِ الْخِرَقِيِّ ، أَنْ يَدْخُلَ فِي نَذْرِهِ ، وَيُجْزِئُهُ صَوْمُهُ لِرَمَضَانَ وَنَذْرِهِ .\rوَإِنْ وَافَقَ يَوْمَ عِيدٍ ، أَوْ يَوْمًا مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ ، أَوْ يَوْمَ حَيْضٍ ، فَفِيهِ مِنْ الِاخْتِلَافِ مَا قَدْ مَضَى .\rوَإِنْ وَجَبَ عَلَيْهِ صَوْمُ شَهْرَيْنِ عَنْ كَفَّارَةِ الظِّهَارِ أَوْ نَحْوِهِ ، صَامَهُمَا عَنْ الْكَفَّارَةِ دُونَ النَّذْرِ ؛ لِأَنَّهُ مَتَى نَوَى النَّذْرَ فِي ابْتِدَائِهِمَا ، انْقَطَعَ التَّتَابُعُ ، فَلَا يَقْدِرُ عَلَى التَّكْفِيرِ ، فَحِينَئِذٍ يَقْضِي نَذْرَهُ ، وَيُكَفِّرُ ؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ صَوْمَ النَّذْرِ مَعَ إمْكَانِهِ لِعُذْرٍ ، وَيُفَارِقُ الْأَيَّامَ الَّتِي دَخَلَتْ فِي رَمَضَانَ ، فَإِنَّهَا لَمْ تَدْخُلْ فِي نَذْرِهِ ؛ لِعَدَمِ انْفِكَاكِهِ عَنْهَا ، وَهَا هُنَا تَنْفَكُّ الْأَيَّامُ عَنْ دُخُولِ الْكَفَّارَةِ فِيهَا ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ نَذْرِهِ قَبْلَ وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ أَوْ بَعْدَهَا ؛ لِأَنَّ الْأَيَّامَ الَّتِي فِي رَمَضَانَ لَا يَصِحُّ صَوْمُهَا عَنْ نَذْرِهِ ، وَأَيَّامُ الْكَفَّارَةِ يَصِحُّ صَوْمُهَا عَنْ نَذْرِهِ ، وَإِذَا نَوَاهَا عَنْ نَذْرِهِ ، انْقَطَعَ التَّتَابُعُ ، وَأَجْزَأَتْ عَنْ الْمَنْذُورِ .\rوَإِنْ فَاتَتْهُ أَيَّامٌ كَثِيرَةٌ ، لَزِمَتْهُ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ عَنْ الْجَمِيعِ ، فَإِذَا كَفَّرَ ثُمَّ فَاتَهُ شَيْءٌ بَعْدَ ذَلِكَ ، لَزِمَتْهُ كَفَّارَةٌ ثَانِيَةٌ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ؛ فَإِنَّهُ قَالَ ، فِيمَنْ نَذَرَ صِيَامَ أَيَّامٍ ، فَمَرِضَ فَإِنْ كَانَ قَدْ كَفَّرَ عَنْ الْأَوَّلِ ، ثُمَّ أَفْطَرَ بَعْدَ ذَلِكَ ، كَفَّرَ كَفَّارَةً أُخْرَى ، وَإِنْ","part":22,"page":424},{"id":10924,"text":"لَمْ يَكُنْ كَفَّرَ عَنْ الْأَوَّلِ ، فَكَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ ، وَلَا يَكُونُ مِثْلَ الْيَمِينَ ، إذَا حَنِثَ وَكَفَّرَ ، سَقَطَتْ عَنْهُ .\rوَيَتَخَرَّجُ أَنَّهُ مَتَى كَفَّرَ مَرَّةً ، لَمْ تَلْزَمْهُ كَفَّارَةٌ أُخْرَى ؛ لِأَنَّ النَّذْرَ كَالْيَمِينِ ، وَيُشْبِهُ الْيَمِينَ ، وَإِيجَابُ الْكَفَّارَةِ فِيهِ لِذَلِكَ ، وَالْيَمِينُ لَا يُوجِبُ أَكْثَرَ مِنْ كَفَّارَةٍ ، فَمَتَى كَفَّرَهَا ، لَمْ يَجِبْ بِهَا أُخْرَى ، كَذَلِكَ النَّذْرُ .\rفَعَلَى هَذَا ، مَتَى فَاتَهُ شَيْءٌ فَكَفَّرَ عَنْهُ ، ثُمَّ فَاتَهُ شَيْءٌ آخَرُ ، قَضَاهُ مِنْ غَيْرِ كَفَّارَةٍ ؛ لِأَنَّ وُجُوبَ الْكَفَّارَةِ الثَّانِيَةِ لَا نَصَّ فِيهِ ، وَلَا إجْمَاعَ وَلَا قِيَاسَ ، فَلَا يُمْكِنُ إيجَابُهَا بِغَيْرِ دَلِيلٍ .","part":22,"page":425},{"id":10925,"text":"( 8202 ) فَصْلٌ : إذَا نَذَرَ صَوْمَ سَنَةٍ بِعَيْنِهَا ، لَمْ يَدْخُلْ فِي نَذْرِهِ رَمَضَانُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْبَلُ غَيْرَ صَوْمِ رَمَضَانَ ، فَأَشْبَهَ اللَّيْلَ ، وَلَا يَوْمَا الْعِيدَيْنِ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ صِيَامِهِمَا ، وَلَا يَصِحُّ صَوْمُهُمَا عَنْ النَّذْرِ ، فَأَشْبَهَا رَمَضَانَ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ فِيمَنْ نَذَرَ صَوْمِ شَوَّالٍ ، يَقْضِي يَوْمَ الْفِطْرِ ، وَيُكَفِّرُ .\rفَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ ، يَدْخُلُ فِي نَذْرِهِ الْعِيدَانِ وَأَيَّامُ التَّشْرِيقِ ؛ لِأَنَّهَا أَيَّامٌ مِنْ جُمْلَةِ السَّنَةِ .\rوَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ، وَفِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ رِوَايَتَانِ .\rوَإِنْ نَذَرَ صَوْمَ سَنَةٍ مُطْلَقَةٍ ، فَهَلْ يَلْزَمُهُ صَوْمُ سَنَةٍ مُتَتَابِعَةٍ أَوْ لَا ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، يَلْزَمُهُ ؛ لِأَنَّ السَّنَةَ الْمُطْلَقَةَ تَنْصَرِفُ إلَى الْمُتَتَابِعَةِ .\rفَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ ، حُكْمُهَا حُكْمُ الْمُعَيَّنَةِ ، فِي أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ فِيهَا الْعِيدَانِ وَلَا رَمَضَانُ ، وَفِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ رِوَايَتَانِ ، فَإِنْ ابْتَدَأَهَا مِنْ أَوَّلِ شَهْرٍ ، أَتَمَّ أَحَدَ عَشَرِ شَهْرًا بِالْهِلَالِ ، إلَّا شَهْرَ شَوَّالٍ ، فَإِنَّهُ يُتِمُّهُ بِالْعَدَدِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَصُمْ مِنْ أَوَّلِهِ ، وَإِنْ ابْتَدَأَهَا مِنْ أَثْنَاءِ شَهْرٍ ، أَتَمَّ ذَلِكَ الشَّهْرَ بِالْعَدَدِ ، وَالْبَاقِيَ بِالْهِلَالِ ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا .\rوَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ : لَا تَلْزَمُهُ مُتَابَعَةٌ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ الْمُتَفَرِّقَةَ تُسَمَّى سَنَةً ، فَيَتَنَاوَلُهَا نَذْرُهُ ، فَيَلْزَمُهُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا بِالْأَهِلَّةِ ، إنْ شَاءَ ، وَإِنْ شَاءَ صَامَهَا بِالْعَدَدِ .\rوَإِنْ ابْتَدَأَ الشَّهْرَ مِنْ أَثْنَائِهِ ، أَتَمَّهُ ثَلَاثِينَ يَوْمًا .\rوَإِنَّمَا لَزِمَهُ هَاهُنَا اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ حَمْلُ النَّذْرِ عَلَى سَنَةٍ لَيْسَ فِيهَا رَمَضَانُ ، وَلَا الْأَيَّامُ الَّتِي لَا يَجُوزُ صِيَامُهَا ، فَجُعِلَ نَذْرُهُ عَلَى مَا يَنْعَقِدُ فِيهِ النَّذْرُ ، بِخِلَافِ مَا إذَا عَيَّنَ السَّنَةَ ، وَهَذَا كَمَنْ عَيَّنَ سِلْعَةً بِالْعَقْدِ ،","part":22,"page":426},{"id":10926,"text":"فَوَجَدَ بِهَا عَيْبًا ، لَمْ يَكُنْ لَهُ إبْدَالُهَا ، وَلَوْ وَصَفَهَا ثُمَّ وَجَدَهَا مَعِيبَةً ، مَلَكَ إبْدَالَهَا ، وَيُتِمُّ شَوَّالًا بِالْعَدَدِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْدَأْهُ مِنْ أَوَّلِهِ .\rوَإِنْ صَامَ ذَا الْحِجَّةِ مِنْ أَوَّلِهِ ، قَضَى أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ ، تَامًّا كَانَ أَوْ نَاقِصًا ؛ لِأَنَّهُ بَدَأَهُ مِنْ أَوَّلِهِ .\rوَقِيلَ : إنْ كَانَ نَاقِصًا قَضَى خَمْسَةً لِيُكْمِلَهُ ثَلَاثِينَ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَصُمْ الشَّهْرَ كُلَّهُ ، فَأَشْبَهَ شَوَّالًا .\rوَإِنْ شَرَطَ التَّتَابُعَ ، صَارَ حُكْمُهَا حُكْمَ الْمُعَيَّنَةِ .","part":22,"page":427},{"id":10927,"text":"( 8203 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَصُومَ شَهْرًا مُتَتَابِعًا ، وَلَمْ يُسَمِّهِ ، فَمَرِضَ فِي بَعْضِهِ ، فَإِذَا عُوفِيَ ، بَنَى ، وَكَفَّرَ كَفَّارَةَ يَمِينٍ ، وَإِنْ أَحَبَّ أَتَى بِشَهْرٍ مُتَتَابِعٍ ، وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ ، وَكَذَلِكَ الْمَرْأَةُ إذَا نَذَرَتْ صِيَامَ شَهْرٍ مُتَتَابِعٍ ، وَحَاضَتْ فِيهِ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ مَنْ نَذَرَ صِيَامًا مُتَتَابِعًا غَيْرَ مُعَيَّنٍ ، ثُمَّ أَفْطَرَ فِيهِ ، لَمْ يَخْلُ مِنْ حَالَيْنِ .\rأَحَدُهُمَا ، أَنْ يُفْطِرَ لِعُذْرٍ ؛ مِنْ حَيْضٍ ، أَوْ مَرَضٍ ، وَنَحْوِهِمَا ، فَهَذَا مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يَبْتَدِئَ الصَّوْمَ ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِالْمَنْذُورِ عَلَى وَجْهِهِ ، وَبَيْنَ أَنْ يَبْنِيَ عَلَى صِيَامِهِ وَيُكَفِّرَ ؛ لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ تَلْزَمُ لِتَرْكِهِ الْمَنْذُورَ وَإِنْ كَانَ عَاجِزًا ، بِدَلِيلِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ أُخْتَ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ بِالْكَفَّارَةِ ، لِعَجْزِهَا عَنْ الْمَشْيِ ؛ وَلِأَنَّ النَّذْرَ كَالْيَمِينِ ، وَلَوْ حَلَفَ لَيَصُومَنَّ مُتَتَابِعًا ، ثُمَّ لَمْ يَأْتِ بِهِ مُتَتَابِعًا ، لَزِمَتْهُ الْكَفَّارَةُ ، وَإِنَّمَا جُوِّزَ لَهُ الْبِنَاءُ هَاهُنَا ؛ لِأَنَّ الْفِطْرَ لِعُذْرٍ لَا يَقْطَعُ التَّتَابُعَ حُكْمًا ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ أَفْطَرَ فِي صِيَامِ الشَّهْرَيْنِ الْمُتَتَابِعَيْنِ مِنْ عُذْرٍ ، كَانَ لَهُ الْبِنَاءُ ، فَإِنْ كَانَ الْعُذْرُ يُبِيحُ الْفِطْرَ كَالسَّفَرِ ، فَهَلْ يَقْطَعُ التَّتَابُعَ ؟ فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، يَقْطَعُهُ ؛ لِأَنَّهُ يُفْطِرُ بِاخْتِيَارِهِ .\rوَالثَّانِي ، لَا يَقْطَعُهُ ؛ لِأَنَّهُ عُذْرٌ فِي فِطْرِ رَمَضَانَ ، فَأَشْبَهَ الْمَرَضَ .\rوَالثَّانِي ، أَنْ يُفْطِرَ لِغَيْرِ عُذْرٍ ، فَهَذَا يَلْزَمُهُ اسْتِئْنَافُ الصِّيَامِ ، وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ التَّتَابُعَ الْمَنْذُورَ لِغَيْرِ عُذْرٍ ، مَعَ إمْكَانِ الْإِتْيَانِ بِهِ .\rفَلَزِمَهُ فِعْلُهُ ، كَمَا لَوْ نَذَرَ صَوْمًا مُعَيَّنًا فَصَامَ قَبْلَهُ .\rوَبِهَذَا الْفَصْلِ قَالَ الشَّافِعِيُّ ، إلَّا فِي الْكَفَّارَةِ ، فَإِنَّهُ لَا يُوجِبُهَا فِي الْمَنْذُورِ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا","part":22,"page":428},{"id":10928,"text":"دَلِيلَ وُجُوبِهَا فَصْلٌ : إذَا صَامَ شَهْرًا مِنْ أَوَّلِ الْهِلَالِ ، أَجْزَأَهُ ، نَاقِصًا كَانَ أَوْ تَامًّا ؛ لِأَنَّ مَا بَيْنَ الْهِلَالَيْنِ شَهْرٌ ، وَلِذَلِكَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إنَّمَا الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ } .\rوَإِنْ بَدَأَ مِنْ أَثْنَاءِ شَهْرٍ ، لَزِمَهُ شَهْرٌ بِالْعَدَدِ ، ثَلَاثُونَ يَوْمًا ؛ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ ، فَأَكْمِلُوا ثَلَاثِينَ } .\rفَإِنْ صَامَ شَوَّالًا ، لَزِمَهُ إكْمَالُهُ ثَلَاثِينَ ؛ لِأَنَّهُ بَدَأَ مِنْ أَثْنَائِهِ ، وَإِنْ كَانَ نَاقِصًا ، قَضَى يَوْمَيْنِ ، وَإِنْ كَانَ تَامًّا أَتَمَّ يَوْمًا وَاحِدًا .\rوَإِنْ صَامَ ذَا الْحِجَّةِ أَفْطَرَ يَوْمَ الْأَضْحَى وَأَيَّامَ التَّشْرِيقِ ، وَلَمْ يَنْقَطِعْ تَتَابُعُهُ ، كَمَا لَوْ أَفْطَرْت الْمَرْأَةُ بِحَيْضٍ ، وَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ ، وَيَقْضِي أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ إنْ كَانَ تَامًّا ، وَخَمْسَةً إنْ كَانَ نَاقِصًا .\rوَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَلْزَمَهُ إلَّا الْأَرْبَعَةُ ، وَإِنْ كَانَ نَاقِصًا ؛ لِأَنَّهُ بَدَأَهُ مِنْ أَوَّلِهِ ، فَيَقْضِي الْمَتْرُوكَ مِنْهُ لَا غَيْرُ .\rوَلَوْ صَامَ شَهْرًا مِنْ أَوَّلِ الْهِلَالِ ، فَمَرِضَ فِيهِ أَيَّامًا مَعْلُومَةً ، أَوْ حَاضَتْ الْمَرْأَةُ فِيهِ ثُمَّ طَهُرَتْ قَبْلَ خُرُوجِهِ ، قَضَى مَا أَفْطَرَ مِنْهُ بِعِدَّتِهِ إنْ كَانَ الشَّهْرُ تَامًّا ، وَإِنْ كَانَ نَاقِصًا ، فَهَلْ يَلْزَمُهُ الْإِتْيَانُ بِيَوْمٍ آخَرَ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ ؛ بِنَاءً عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي فِطْرِ الْعِيدِ وَأَيَّامِ التَّشْرِيقِ .","part":22,"page":429},{"id":10929,"text":"( 8205 ) فَصْلٌ : وَمَنْ نَذَرَ صِيَامَ شَهْرٍ ، فَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يَصُومَ شَهْرًا بِالْهِلَالِ ، وَهُوَ أَنْ يَبْتَدِئَهُ مِنْ أَوَّلِهِ ، فَيُجْزِئَهُ ، وَبَيْنَ أَنْ يَصُومَهُ بِالْعَدَدِ ثَلَاثِينَ يَوْمًا .\rوَهَلْ يَلْزَمُهُ التَّتَابُعُ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، يَلْزَمُهُ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ ؛ لِأَنَّ إطْلَاقَ الشَّهْرِ يَقْتَضِي التَّتَابُعَ .\rوَالثَّانِي ، لَا يَلْزَمُهُ التَّتَابُعُ .\rوَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ ؛ لِأَنَّ الشَّهْرَ يَقَعُ عَلَى مَا بَيْنَ الْهِلَالَيْنِ ، وَعَلَى ثَلَاثِينَ يَوْمًا ، وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ يُجْزِئُهُ ثَلَاثُونَ يَوْمًا ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ التَّتَابُعُ ، كَمَا لَوْ نَذَرَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا .\rفَأَمَّا إنْ نَذَرَ صِيَامَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا ، لَمْ يَلْزَمْهُ التَّتَابُعُ فِيهَا .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ ، فِيمَنْ قَالَ : لِلَّهِ عَلَيَّ صِيَامُ عَشَرَةِ أَيَّامٍ : يَصُومُهَا مُتَتَابِعَةً .\rوَهَذَا يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ التَّتَابُعِ فِي الْأَيَّامِ الْمَنْذُورَةِ .\rوَحَمَلَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا كَلَامَ أَحْمَدَ عَلَى مَنْ شَرَطَ التَّتَابُعَ أَوْ نَوَاهُ ؛ لِأَنَّ لَفْظَ الْعَشَرَةِ لَا يَقْتَضِي تَتَابُعًا ، وَالنَّذْرُ لَا يَقْتَضِيهِ ، مَا لَمْ يَكُنْ فِي لَفْظِهِ أَوْ نِيَّتِهِ .\rوَقَالَ بَعْضُهُمْ : كَلَامُ أَحْمَدَ عَلَى ظَاهِرِهِ ، وَيَلْزَمُهُ التَّتَابُعُ فِي نَذْرِ الْعَشَرَةِ ، دُونَ الثَّلَاثِينَ ؛ لِأَنَّ الثَّلَاثِينَ شَهْرٌ ، فَلَوْ أَرَادَ التَّتَابُعَ لَقَالَ : شَهْرًا .\rفَعُدُولُهُ إلَى الْعَدَدِ دَلِيلٌ عَلَى إرَادَةِ التَّفْرِيقِ ، بِخِلَافِ الْعَشَرَةِ .\rوَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ التَّتَابُعُ ، فَإِنَّ عَدَمَ مَا يَدُلُّ عَلَى التَّفْرِيقِ لَيْسَ بِدَلِيلٍ عَلَى إرَادَةِ التَّتَابُعِ ، فَإِنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - قَالَ فِي قَضَاءِ رَمَضَانَ : { فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ } .\rوَلَمْ يَذْكُرْ تَفْرِيقَهَا وَلَا تَتَابُعَهَا ، وَلَمْ يَجِبْ التَّتَابُعُ فِيهَا بِالِاتِّفَاقِ .\rوَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا : إنْ نَذَرَ اعْتِكَافَ أَيَّامٍ ، لَزِمَهُ التَّتَابُعُ ، وَلَا يَلْزَمُهُ مِثْلُ ذَلِكَ فِي الصِّيَامِ ؛","part":22,"page":430},{"id":10930,"text":"لِأَنَّ الِاعْتِكَافَ يَتَّصِلُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ ، وَالصَّوْمُ يَتَخَلَّلُهُ اللَّيْلُ ، فَيَفْصِلُ بَعْضَهُ مِنْ بَعْضٍ ، وَلِذَلِكَ لَوْ نَذَرَ اعْتِكَافَ يَوْمَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ ، لَدَخَلَ فِيهِ اللَّيْلُ .\rوَالصَّحِيحُ التَّسْوِيَةُ ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ مَا اقْتَضَاهُ لَفْظُهُ ، وَلَفْظُهُ لَا يَقْتَضِي التَّتَابُعَ ، بِدَلِيلِ نَذْرِ الصَّوْمِ ، وَمَا ذَكَرُوهُ مِنْ الْعُرْفِ لَا أَثَرَ لَهُ .\rوَمَنْ قَالَ : يَلْزَمُهُ التَّتَابُعُ ، لَزِمَتْهُ اللَّيَالِي الَّتِي بَيْنَ أَيَّامِ الِاعْتِكَافِ ، كَمَا لَوْ قَالَ : مُتَتَابِعَةً .","part":22,"page":431},{"id":10931,"text":"( 8206 ) فَصْلٌ : إذَا نَذَرَ صِيَامَ أَشْهُرٍ مُتَتَابِعَةٍ ، فَابْتَدَأَهَا مِنْ أَوَّلِ شَهْرٍ ، أَجْزَأَهُ صَوْمُهَا بِالْأَهِلَّةِ ، بِلَا خِلَافٍ .\rوَإِنْ ابْتَدَأَهَا مِنْ أَثْنَاءِ شَهْرٍ ، كَمَّلَهُ بِالْعَدَدِ ، وَبَاقِي الْأَشْهُرِ بِالْأَهِلَّةِ .\rوَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ .\rوَالرِّوَايَةُ الْأُخْرَى : يُكَمِّلُ الْجَمِيعَ بِالْعَدَدِ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَحْمَدَ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَوْجِيهُ الرِّوَايَتَيْنِ .","part":22,"page":432},{"id":10932,"text":"( 8207 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَصُومَ شَهْرًا بِعَيْنِهِ ، فَأَفْطَرَ يَوْمًا بِغَيْرِ عُذْرٍ ، ابْتَدَأَ شَهْرًا ، وَكَفَّرَ كَفَّارَةَ يَمِينٍ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ إذَا نَذَرَ صَوْمَ شَهْرٍ مُعَيَّنٍ ، فَأَفْطَرَ فِي أَثْنَائِهِ ، لَمْ يَخْلُ مِنْ حَالَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، أَفْطَرَ لِغَيْرِ عُذْرٍ ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، يَقْطَعُ صَوْمَهُ ، وَيَلْزَمُهُ اسْتِئْنَافُهُ ؛ لِأَنَّهُ صَوْمٌ يَجِبُ مُتَتَابِعًا بِالنَّذْرِ ، فَأَبْطَلَهُ الْفِطْرُ لِغَيْرِ عُذْرٍ ، كَمَا لَوْ شَرَطَ التَّتَابُعَ ، وَفَارَقَ رَمَضَانَ ؛ فَإِنَّ تَتَابُعَهُ بِالشَّرْعِ لَا بِالنَّذْرِ ، وَهَا هُنَا أَوْجَبَهُ عَلَى نَفْسِهِ عَلَى صِفَةٍ ثُمَّ فَوَّتَهَا ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ شَرَطَهُ مُتَتَابِعًا .\rالثَّانِيَةُ ، لَا يَلْزَمُهُ الِاسْتِئْنَافُ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ شَرَطَ التَّتَابُعَ .\rوَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ وُجُوبَ التَّتَابُعِ ضَرُورَةُ التَّعْيِينِ لَا بِالشَّرْطِ ، فَلَمْ يُبْطِلْهُ الْفِطْرُ فِي أَثْنَائِهِ ، كَشَهْرِ رَمَضَانَ ، وَلِأَنَّ الِاسْتِئْنَافَ يَجْعَلُ الصَّوْمَ فِي الْوَقْتِ الَّذِي لَمْ يُعَيِّنْهُ ، وَالْوَفَاءَ بِنَذْرِهِ فِي غَيْرِ وَقْتِهِ ، وَتَفْوِيتُ يَوْمٍ وَاحِدٍ لَا يُوجِبُ تَفْوِيتَ غَيْرِهِ مِنْ الْأَيَّامِ .\rفَعَلَى هَذَا ، يُكَفِّرُ عَنْ فِطْرِهِ ، وَيَقْضِي يَوْمًا مَكَانَهُ بَعْدَ إتْمَامِ صَوْمِهِ .\rوَهَذَا أَقْيَسُ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى .\rوَعَلَى الرِّوَايَةِ الْأُولَى ، يَلْزَمُهُ الِاسْتِئْنَافُ عَقِيبَ الْيَوْمِ الَّذِي أَفْطَرَ فِيهِ ، وَلَا يَجُوزُ تَأْخِيرُهُ ؛ لِأَنَّ بَاقِيَ الشَّهْرِ مَنْذُورٌ ، وَلَا يَجُوزُ تَرْكُ الصَّوْمِ فِيهِ ، وَتَلْزَمُهُ كَفَّارَةٌ أَيْضًا ؛ لِإِخْلَالِهِ بِصَوْمِ هَذَا الْيَوْمِ الَّذِي أَفْطَرَهُ .\rالْحَالُ الثَّانِي ، أَفْطَرَ لِعُذْرٍ ، فَإِنَّهُ يَبْنِي عَلَى مَا مَضَى مِنْ صِيَامِهِ ، وَيَقْضِي وَيُكَفِّرُ .\rهَذَا قِيَاسُ الْمَذْهَبِ .\rوَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : فِيهِ رِوَايَةٌ أُخْرَى ، أَنَّهُ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي عُبَيْدٍ ؛ لِأَنَّ الْمَنْذُورَ مَحْمُولٌ عَلَى الْمَشْرُوعِ ، وَلَوْ","part":22,"page":433},{"id":10933,"text":"أَفْطَرَ رَمَضَانَ لِعُذْرٍ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ فَاتَ مَا نَذَرَهُ ، فَلَزِمَتْهُ كَفَّارَةٌ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأُخْتِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ : { وَلْتُكَفِّرْ يَمِينَهَا } .\rوَفَارَقَ رَمَضَانَ ؛ فَإِنَّهُ لَوْ أَفْطَرَ لِغَيْرِ عُذْرٍ ، لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ إلَّا فِي الْجِمَاعِ ( 8208 ) فَصْلٌ : فَإِنْ جُنَّ جَمِيعَ الشَّهْرِ الْمُعَيَّنِ ، لَمْ يَلْزَمْهُ قَضَاءٌ وَلَا كَفَّارَةٌ .\rوَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ التَّكْلِيفِ حَالَةَ نَذْرِهِ وَقَضَائِهِ ، فَلَزِمَهُ الْقَضَاءُ ، كَالْمُغْمَى عَلَيْهِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ التَّكْلِيفِ فِي وَقْتِ الْوُجُوبِ ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ الْقَضَاءُ ، كَمَا لَوْ كَانَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ .\rوَإِنْ حَاضَتْ الْمَرْأَةُ جَمِيعَ الزَّمَنِ الْمُعَيَّنِ ، فَعَلَيْهَا الْقَضَاءُ ؛ وَفِي الْكَفَّارَةِ وَجْهَانِ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهَا ، وَفِي الْقَضَاءِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، لَا يَلْزَمُهَا النَّذْرُ ؛ لِأَنَّ زَمَنَ الْحَيْضِ لَا يُمْكِنُ الصَّوْمُ فِيهِ ، وَلَا يَدْخُلُ فِي النَّذْرِ ، كَزَمَنِ رَمَضَانَ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الْمَنْذُورَ يُحْمَلُ عَلَى الْمَشْرُوعِ ابْتِدَاءً ، وَلَوْ حَاضَتْ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ ، لَزِمَهَا الْقَضَاءُ ، فَكَذَلِكَ الْمَنْذُورُ .","part":22,"page":434},{"id":10934,"text":"( 8209 ) فَصْلٌ : وَلَوْ قَالَ : لِلَّهِ عَلَيَّ الْحَجُّ فِي عَامِي هَذَا .\rفَلَمْ يَحُجَّ لِعُذْرٍ أَوْ غَيْرِهِ ، فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ .\rوَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ إذَا كَانَ مَعْذُورًا .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : إنْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ الْحَجُّ ، لِعَدَمِ أَحَدِ الشَّرَائِطِ السَّبْعَةِ ، أَوْ مَنَعَهُ مِنْهُ سُلْطَانٌ أَوْ عَدُوٌّ ، فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ .\rوَإِنْ حَدَثَ بِهِ مَرَضٌ ، أَوْ أَخْطَأَ عَدَدًا ، أَوْ نَسِيَ ، أَوْ تَوَانَى ، قَضَاهُ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ فَاتَهُ الْحَجُّ الْمَنْذُورُ ، فَلَزِمَهُ قَضَاؤُهُ ، كَمَا لَوْ مَرِضَ ، وَلِأَنَّ الْمَنْذُورَ مَحْمُولٌ عَلَى الْمَشْرُوعِ ابْتِدَاءً ، وَلَوْ فَاتَهُ الْمَشْرُوعُ ، لَزِمَهُ قَضَاؤُهُ ، فَكَذَلِكَ الْمَنْذُورُ .","part":22,"page":435},{"id":10935,"text":"( 8210 ) فَصْلٌ : وَلَوْ نَذَرَ صَوْمَ شَهْرٍ بِعَيْنِهِ ، أَوْ الْحَجَّ فِي عَامٍ بِعَيْنِهِ ، وَفَعَلَ ذَلِكَ قَبْلَهُ ، لَمْ يُجْزِئْهُ .\rوَقَالَ أَبُو يُوسُفَ : يُجْزِئُهُ ، كَمَا لَوْ حَلَفَ لَيَقْضِيَنَّهُ حَقَّهُ فِي وَقْتٍ ، فَقَضَاهُ قَبْلَهُ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الْمَنْذُورَ مَحْمُولٌ عَلَى الْمَشْرُوعِ ، وَلَوْ صَامَ قَبْلَ رَمَضَانَ لَمْ يُجْزِئْهُ ، فَكَذَلِكَ إذَا صَامَ الْمَنْذُورَ قَبْلَهُ ، وَلِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِالْمَنْذُورِ فِي وَقْتِهِ ، فَلَمْ يُجْزِئْهُ ، كَمَا لَوْ لَمْ يَفْعَلْهُ أَصْلًا .","part":22,"page":436},{"id":10936,"text":"( 8211 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَصُومَ ، فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ بِهِ ، صَامَ عَنْهُ وَرَثَتُهُ مِنْ أَقَارِبِهِ ، وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا كَانَ مَنْ نَذَرَ طَاعَةً ) يَعْنِي مَنْ نَذَرَ حَجًّا ، أَوْ صِيَامًا ، أَوْ صَدَقَةً ، أَوْ عِتْقًا ، أَوْ اعْتِكَافًا ، أَوْ صَلَاةً ، أَوْ غَيْرَهُ مِنْ الطَّاعَاتِ ، وَمَاتَ قَبْلَ فِعْلِهِ ، فَعَلَهُ الْوَلِيُّ عَنْهُ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ فِي الصَّلَاةِ : لَا يُصَلَّى عَنْ الْمَيِّتِ ؛ لِأَنَّهَا لَا بَدَلَ لَهَا بِحَالٍ ، وَأَمَّا سَائِرُ الْأَعْمَالِ فَيَجُوزُ أَنْ يَنُوبَ الْوَلِيُّ عَنْهُ فِيهَا ، وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ عَلَيْهِ ، وَلَكِنْ يُسْتَحَبُّ لَهُ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الصِّلَةِ لَهُ وَالْمَعْرُوفِ .\rوَأَفْتَى بِذَلِكَ ابْنُ عَبَّاسٍ ، فِي امْرَأَةٍ نَذَرَتْ أَنْ تَمْشِيَ إلَى قُبَاءً ، فَمَاتَتْ وَلَمْ تَقْضِهِ ، أَنْ تَمْشِيَ ابْنَتُهَا عَنْهَا .\rوَرَوَى سَعِيدٌ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ ، أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ نَذْرٍ كَانَ عَلَى أُمِّهِ مِنْ اعْتِكَافٍ .\rقَالَ : صُمْ عَنْهَا ، وَاعْتَكِفْ عَنْهَا .\rوَقَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ مُهَاجِرٍ ، عَنْ عَامِرِ بْنِ شُعَيْبٍ ، أَنَّ عَائِشَةَ اعْتَكَفَتْ عَنْ أَخِيهَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ بَعْدَ مَا مَاتَ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : لَا يَمْشِي أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ ، وَلَا يُصَلِّي ، وَلَا يَصُومُ عَنْهُ ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ أَعْمَالِ الْبَدَنِ ، قِيَاسًا عَلَى الصَّلَاةِ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يَقْضِي عَنْهُ الْحَجَّ ، وَلَا يَقْضِي الصَّلَاةَ ، قَوْلًا وَاحِدًا ، وَلَا يَقْضِي الصَّوْمَ ، فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ ، وَيُطْعَمُ عَنْهُ لِكُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينٌ ؛ لِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامُ شَهْرٍ ، فَلْيُطْعَمْ عَنْهُ مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينٌ } أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ .\rوَقَالَ أَهْلُ الظَّاهِرِ : يَجِبُ الْقَضَاءُ عَلَى وَلِيِّهِ ، بِظَاهِرِ الْأَخْبَارِ الْوَارِدَةِ فِيهِ .\rوَجُمْهُورُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِوَاجِبٍ عَلَى الْوَلِيِّ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ حَقًّا","part":22,"page":437},{"id":10937,"text":"فِي الْمَالِ ، وَيَكُونَ لِلْمَيِّتِ تَرِكَةٌ ، وَأَمْرُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى النَّدْبِ وَالِاسْتِحْبَابِ ، بِدَلِيلِ قَرَائِنَ فِي الْخَبَرِ ؛ مِنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَبَّهَهُ بِالدَّيْنِ ، وَقَضَاءُ الدَّيْنِ عَلَى الْمَيِّتِ لَا يَجِبُ عَلَى الْوَارِثِ مَا لَمْ يُخَلِّفْ تَرِكَةً يُقْضَى بِهَا ، وَمِنْهَا أَنَّ السَّائِلَ سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هَلْ يَفْعَلُ ذَلِكَ أَمْ لَا ؟ .\rوَجَوَابُهُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ مُقْتَضَى سُؤَالِهِ ، فَإِنْ كَانَ مُقْتَضَاهُ السُّؤَالَ عَنْ الْإِبَاحَةِ ، فَالْأَمْرُ فِي جَوَابِهِ يَقْتَضِي الْإِبَاحَةَ ، وَإِنْ كَانَ السُّؤَالُ عَنْ الْإِجْزَاءِ ، فَأَمْرُهُ يَقْتَضِي الْإِجْزَاءَ ، كَقَوْلِهِمْ { : أَنُصَلِّي فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ ؟ قَالَ : صَلُّوا فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ } .\rوَإِنْ كَانَ سُؤَالُهُمْ عَنْ الْوُجُوبِ فَأَمْرُهُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ ، كَقَوْلِهِمْ : { أَنَتَوَضَّأُ مِنْ لُحُومِ الْإِبِلِ ؟ قَالَ : تَوَضَّئُوا مِنْ لُحُومِ الْإِبِلِ } .\rوَسُؤَالُ السَّائِلِ فِي مَسْأَلَتِنَا كَانَ عَنْ الْإِجْزَاءِ ، فَأَمْرُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْفِعْلِ يَقْتَضِيهِ لَا غَيْرُ .\rوَلَنَا ، عَلَى جَوَازِ الصِّيَامِ عَنْ الْمَيِّتِ ، مَا رَوَتْ عَائِشَةُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { مَنْ مَاتَ ، وَعَلَيْهِ صِيَامٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ } .\rوَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : { جَاءَ رَجُلٌ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمُ شَهْرٍ ، أَفَأَصُومُ عَنْهَا ؟ قَالَ : أَرَأَيْت لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّك دَيْنٌ ، أَكُنْتَ قَاضِيَهُ ؟ قَالَ : نَعَمْ .\rقَالَ : فَدَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى } .\rوَفِي رِوَايَةٍ قَالَ : { جَاءَتْ امْرَأَةٌ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمٌ ، أَفَأَصُومُ عَنْهَا ؟ قَالَ : أَرَأَيْت لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّك دَيْنٌ فَقَضَيْتِهِ ، كَانَ يُؤَدَّى ذَلِكَ","part":22,"page":438},{"id":10938,"text":"عَنْهَا ؟ قَالَتْ : نَعَمْ .\rقَالَ : فَصُومِي عَنْ أُمِّك } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِنَّ .\rوَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّ { سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ الْأَنْصَارِيَّ اسْتَفْتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي نَذْرٍ كَانَ عَلَى أُمِّهِ ، فَتُوُفِّيَتْ قَبْلَ أَنْ تَقْضِيَهُ ، فَأَفْتَاهُ أَنْ يَقْضِيَهُ ، فَكَانَتْ سُنَّةً بَعْدُ } .\rوَعَنْهُ { أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : إنَّ أُخْتِي نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ ، وَإِنَّهَا مَاتَتْ .\rفَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَوْ كَانَ عَلَيْهَا دَيْنٌ ، أَكُنْتَ قَاضِيَهُ ؟ .\rقَالَ : نَعَمْ .\rقَالَ : فَاقْضِ اللَّهَ ، فَهُوَ أَحَقُّ بِالْقَضَاءِ } .\rرَوَاهُمَا الْبُخَارِيُّ .\rوَهَذَا صَرِيحٌ فِي الصَّوْمِ وَالْحَجِّ ، وَمُطْلَقٌ فِي النَّذْرِ ، وَمَا عَدَا الْمَذْكُورَ فِي الْحَدِيثِ يُقَاسُ ، عَلَيْهِ وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فِي الصَّوْمِ الْوَاجِبِ بِأَصْلِ الشَّرْعِ ، وَيَتَعَيَّنُ حَمْلُهُ عَلَيْهِ جَمْعًا بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ ، وَلَوْ قُدِّرَ التَّعَارُضُ ، لَكَانَتْ أَحَادِيثُنَا أَصَحَّ ، وَأَكْثَرَ ، وَأَوْلَى بِالتَّقْدِيمِ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّ الْأَوْلَى أَنْ يَقْضِيَ النَّذْرَ عَنْهُ وَارِثُهُ ، فَإِنْ قَضَاهُ غَيْرُهُ ، أَجْزَأَهُ عَنْهُ ، كَمَا لَوْ قَضَى عَنْهُ دَيْنَهُ ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَبَّهَهُ بِالدَّيْنِ ، وَقَاسَهُ عَلَيْهِ ، وَلِأَنَّ مَا يَقْضِيهِ الْوَارِثُ إنَّمَا هُوَ تَبَرُّعٌ مِنْهُ ، وَغَيْرُهُ مِثْلُهُ فِي التَّبَرُّعِ .\rوَإِنْ كَانَ النَّذْرُ فِي مَالٍ ، تَعَلَّقَ بِتَرِكَتِهِ .","part":22,"page":439},{"id":10939,"text":"( 8212 ) فَصْلٌ : وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَطُوفَ عَلَى أَرْبَعٍ ، فَعَلَيْهِ طَوَافَانِ .\rقَالَ ذَلِكَ ابْنُ عَبَّاسٍ ؛ لِمَا رَوَى { مُعَاوِيَةُ بْنُ خَدِيجٍ الْكِنْدِيُّ ، أَنَّهُ قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَعَهُ أُمُّهُ كَبْشَةُ بِنْتُ مَعْدِيكَرِبَ عَمَّةُ الْأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي آلَيْتُ أَنْ أَطُوفَ بِالْبَيْتِ حَبْوًا .\rفَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : طُوفِي عَلَى رِجْلَيْك سَبْعَيْنِ ؛ سَبْعًا عَنْ يَدَيْك ، وَسَبْعًا عَنْ رِجْلَيْك } .\rأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيّ ، بِإِسْنَادِهِ وَقَالَ ابْنِ عَبَّاسٍ ، فِي امْرَأَةٍ نَذَرَتْ أَنْ تَطُوفَ بِالْبَيْتِ عَلَى أَرْبَعٍ ، قَالَ : تَطُوفُ عَنْ يَدَيْهَا سَبْعًا ، وَعَنْ رِجْلَيْهَا سَبْعًا .\rرَوَاهُ سَعِيدٌ .\rوَالْقِيَاسُ أَنْ يَلْزَمَهُ طَوَافٌ وَاحِدٌ عَلَى رِجْلَيْهِ ، وَلَا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ عَلَى يَدَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَشْرُوعٍ ، فَيَسْقُطُ ، كَمَا أَنَّ { أُخْتَ عُقْبَةَ نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ غَيْرَ مُخْتَمِرَةٍ ، فَأَمَرَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ تَحُجَّ وَتَخْتَمِرَ } .\rوَرَوَى عِكْرِمَةُ ، أَنَّ { النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ فِي سَفَرٍ ، فَحَانَتْ مِنْهُ نَظْرَةٌ ، فَإِذَا امْرَأَةٌ نَاشِرَةٌ شَعْرَهَا ، فَقَالَ : مُرُوهَا فَلْتَخْتَمِرْ وَمَرَّ بِرَجُلَيْنِ مُقْتَرِنَيْنِ ، فَقَالَ : أَطْلِقَا قِرَانَكُمَا } .\rوَقَدْ ذَكَرْنَا حَدِيثَ أَبِي إسْرَائِيلَ ، الَّذِي نَذَرَ أَنْ يَصُومَ ، وَيَفْعَلَ أَشْيَاءَ ، فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالصَّوْمِ وَحْدَهُ ، وَنَهَاهُ عَنْ سَائِرِ نُذُورِهِ .\rوَهَلْ تَلْزَمُهُ كَفَّارَةٌ ؟ يُخَرَّجُ فِيهِ وَجْهَانِ ؛ بِنَاءً عَلَى مَا تَقَدَّمَ .\rوَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ لُزُومُ الْكَفَّارَةِ ؛ لِإِخْلَالِهِ بِصِفَةِ نَذْرِهِ ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَشْرُوعٍ ، كَمَا لَوْ كَانَ أَصْلُ النَّذْرِ غَيْرَ مَشْرُوعٍ .\rوَأَمَّا وَجْهُ الْأَوَّلِ ، فَلِأَنَّ مَنْ نَذَرَ الطَّوَافَ عَلَى أَرْبَعٍ ، فَقَدْ نَذَرَ الطَّوَافَ عَلَى يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ ، فَأُقِيمَ الطَّوَافُ الثَّانِي مَقَامَ","part":22,"page":440},{"id":10940,"text":"طَوَافِهِ عَلَى يَدَيْهِ .","part":22,"page":441},{"id":10941,"text":"( 8213 ) فَصْلٌ : فَإِنْ نَذَرَ صَوْمَ الدَّهْرِ ، لَزِمَهُ ، وَلَمْ يَدْخُلْ فِي نَذْرِهِ رَمَضَانُ ، وَلَا أَيَّامُ الْعِيدِ وَالتَّشْرِيقِ .\rفَإِنْ أَفْطَرَ لِعُذْرٍ أَوْ غَيْرِهِ ، لَمْ يَقْضِهِ ؛ لِأَنَّ الزَّمَنَ مُسْتَغْرَقٌ بِالصَّوْمِ الْمَنْذُورِ ، وَلَكِنْ تَلْزَمُهُ كَفَّارَةٌ لِتَرْكِهِ .\rوَإِنْ لَزِمَهُ قَضَاءٌ مِنْ رَمَضَانَ ، أَوْ كَفَّارَةٌ ، قَدَّمَهُ عَلَى النَّذْرِ ؛ لِأَنَّهُ وَاجِبٌ بِأَصْلِ الشَّرْعِ ، فَقُدِّمَ عَلَى مَا أَوْجَبَهُ عَلَى نَفْسِهِ ، كَتَقْدِيمِ حِجَّةِ الْإِسْلَامِ عَلَى الْمَنْذُورَةِ .\rفَإِذَا لَزِمَتْهُ كَفَّارَةٌ لِتَرْكِهِ صَوْمَ يَوْمٍ ، أَوْ أَكْثَرَ ، وَكَانَتْ كَفَّارَتُهُ الصِّيَامَ ، احْتَمَلَ أَنْ لَا يَجِبَ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ التَّكْفِيرُ إلَّا بِتَرْكِ الصَّوْمِ الْمَنْذُورِ ، وَتَرْكُهُ يُوجِبُ كَفَّارَةً ، فَيَقْضِي ذَلِكَ إلَى التَّسَلْسُلِ ، وَتَرْكِ الْمَنْذُورِ بِالْكُلِّيَّةِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ تَجِبَ الْكَفَّارَةُ ، وَلَا تَجِبُ بِفِعْلِهَا كَفَّارَةٌ ؛ لِأَنَّ تَرْكَ النَّذْرِ لِعُذْرٍ لَا يُوجِبُ كَفَّارَةً ، فَلَا يَقْضِي إلَى التَّسَلْسُلِ .","part":22,"page":442},{"id":10942,"text":"( 8214 ) فَصْلٌ : وَصِيغَةُ النَّذْرِ أَنْ يَقُولَ : لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَفْعَلَ كَذَا .\rوَإِنْ قَالَ : عَلَيَّ نَذْرُ كَذَا .\rلَزِمَهُ أَيْضًا ؛ لِأَنَّهُ صَرَّحَ بِلَفْظِ النَّذْرِ .\rوَإِنْ قَالَ : إنْ شَفَانِي اللَّهُ ، فَعَلَيَّ صَوْمُ شَهْرٍ .\rكَانَ نَذْرًا .\rوَإِنْ قَالَ : لِلَّهِ عَلَيَّ الْمَشْيُ إلَى بَيْتِ اللَّهِ ، قَالَ ابْنُ عُمَرَ ، فِي الرَّجُلِ يَقُولُ : عَلَيَّ الْمَشْيُ إلَى الْكَعْبَةِ لِلَّهِ .\rقَالَ : هَذَا نَذْرٌ ، فَلْيَمْشِ .\rوَنَحْوُهُ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، وَيَزِيدَ بْنِ إبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ ، وَمَالِكٍ ، وَجَمَاعَةٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ .\rوَاخْتُلِفَ فِيهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، وَالْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، فَرُوِيَ عَنْهُمَا مِثْلُ قَوْلِهِمْ ، وَرُوِيَ عَنْهُمَا فِيمَنْ قَالَ : عَلَيَّ الْمَشْيُ إلَى بَيْتِ اللَّهِ : فَلَيْسَ بِشَيْءٍ ، إلَّا أَنْ يَقُولَ : عَلَيَّ نَذْرُ مَشْيٍ إلَى بَيْتِ اللَّهِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ لَفْظَةَ : \" عَلَيَّ \" لِلْإِيجَابِ عَلَى نَفْسِهِ ، فَإِذَا قَالَ : عَلَيَّ الْمَشْيُ إلَى بَيْتِ اللَّهِ .\rفَقَدْ أَوْجَبَهُ عَلَى نَفْسِهِ فَلَزِمَهُ ، كَمَا لَوْ قَالَ : هُوَ عَلَيَّ نَذْرٌ .\rوَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ .","part":22,"page":443},{"id":10943,"text":"كِتَابُ الْقَضَاءِ الْأَصْلُ فِي الْقَضَاءِ وَمَشْرُوعِيَّتِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ .\rأَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { يَا دَاوُد إنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعْ الْهَوَى فَيُضِلّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ } .\rوَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { وَأَنْ اُحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ } .\rوَقَوْلُهُ : { وَإِذَا دُعُوا إلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ } .\rوقَوْله تَعَالَى : { فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْت وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا } .\rوَأَمَّا السُّنَّةُ ، فَمَا رَوَى عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { إذَا اجْتَهَدَ الْحَاكِمُ فَأَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ ، وَإِذَا اجْتَهَدَ فَأَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rفِي آيٍ وَأَخْبَارٍ سِوَى ذَلِكَ كَثِيرَةٍ .\rوَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ نَصْبِ الْقَضَاءِ ، وَالْحُكْمِ بَيْنَ النَّاسِ .\r( 8215 ) فَصْلٌ : وَالْقَضَاءُ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ ؛ لِأَنَّ أَمْرَ النَّاسِ لَا يَسْتَقِيمُ بِدُونِهِ ، فَكَانَ وَاجِبًا عَلَيْهِمْ ، كَالْجِهَادِ وَالْإِمَامَةِ .\rقَالَ أَحْمَدُ : لَا بُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ حَاكِمٍ ، أَتَذْهَبُ حُقُوقُ النَّاسِ ، وَفِيهِ فَضْلٌ عَظِيمٌ لِمَنْ قَوِيَ عَلَى الْقِيَامِ بِهِ ، وَأَدَاءِ الْحَقِّ فِيهِ ، وَلِذَلِكَ جَعَلَ اللَّهُ فِيهِ أَجْرًا مَعَ الْخَطَأِ ، وَأَسْقَطَ عَنْهُ حُكْمَ الْخَطَأِ ، وَلِأَنَّ فِيهِ أَمْرًا بِالْمَعْرُوفِ ، وَنُصْرَةَ الْمَظْلُومِ ، وَأَدَاءَ الْحَقِّ إلَى مُسْتَحَقِّهِ ، وَرَدًّا لِلظَّالِمِ عَنْ ظُلْمِهِ ، وَإِصْلَاحًا بَيْنَ النَّاسِ ، وَتَخْلِيصًا لَبَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ ، وَذَلِكَ مِنْ أَبْوَابِ الْقُرَبِ ؛ وَلِذَلِكَ تَوَلَّاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْأَنْبِيَاءُ قَبْلَهُ ، فَكَانُوا يَحْكُمُونَ لِأُمَمِهِمْ ، وَبَعَثَ عَلِيًّا إلَى الْيَمَنِ قَاضِيًا ، وَبَعَثَ أَيْضًا مُعَاذًا قَاضِيًا .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ، أَنَّهُ قَالَ :","part":22,"page":444},{"id":10944,"text":"لَأَنْ أَجْلِسَ قَاضِيًا بَيْنَ اثْنَيْنِ ، أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ عِبَادَةِ سَبْعِينَ سَنَةً .\rوَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ، قَالَ : { جَاءَ خَصْمَانِ يَخْتَصِمَانِ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لِي : اقْضِ بَيْنَهُمَا .\rقُلْت : أَنْتَ أَوْلَى بِذَلِكَ .\rقَالَ : وَإِنْ كَانَ .\rقُلْت : عَلَامَ أَقْضِي قَالَ : اقْضِ ، فَإِنْ أَصَبْت فَلَكَ عَشَرَةُ أُجُورٍ ، وَإِنْ أَخْطَأْت فَلَكَ أَجْرٌ وَاحِدٌ } .\rرَوَاهُ سَعِيدٌ فِي \" سُنَنِهِ \" .\r( 8216 ) فَصْلٌ : وَفِيهِ خَطَرٌ عَظِيمٌ وَوِزْرٌ كَبِيرٌ لِمَنْ لَمْ يُؤَدِّ الْحَقَّ فِيهِ ، وَلِذَلِكَ كَانَ السَّلَفُ ، رَحْمَةُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ، يَمْتَنِعُونَ مِنْهُ أَشَدَّ الِامْتِنَاعِ ، وَيَخْشَوْنَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ خَطَرَهُ .\rقَالَ خَاقَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ : أُرِيدَ أَبُو قِلَابَةَ عَلَى قَضَاءِ الْبَصْرَةِ ، فَهَرَبَ إلَى الْيَمَامَةِ ، فَأُرِيدَ عَلَى قَضَائِهَا ، فَهَرَبَ إلَى الشَّامِ ، فَأُرِيدَ عَلَى قَضَائِهَا ، وَقِيلَ : لَيْسَ هَاهُنَا غَيْرُك .\rقَالَ : فَانْزِلُوا الْأَمْرَ عَلَى مَا قُلْتُمْ ، فَإِنَّمَا مَثَلِي مَثَلُ سَابِحٍ وَقَعَ فِي الْبَحْرِ ، فَسَبَحَ يَوْمَهُ ، فَانْطَلَقَ ، ثُمَّ سَبَحَ الْيَوْمَ الثَّانِيَ ، فَمَضَى أَيْضًا ، فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الثَّالِثُ فَتُرَتْ يَدَاهُ .\rوَكَانَ يُقَالُ : أَعْلَمُ النَّاسِ بِالْقَضَاءِ أَشَدُّهُمْ لَهُ كَرَاهَةً .\rوَلِعَظْمِ خَطَرِهِ ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ جُعِلَ قَاضِيًا ، فَقَدْ ذُبِحَ بِغَيْرِ سِكِّينٍ } .\rقَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ وَقِيلَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : إنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ مَخْرَجَ الذَّمِّ لِلْقَضَاءِ ، وَإِنَّمَا وَصَفَهُ بِالْمَشَقَّةِ ؛ فَكَأَنَّ مَنْ وَلِيَهُ قَدْ حُمِلَ عَلَى مَشَقَّةٍ ، كَمَشَقَّةِ الذَّبْحِ .","part":22,"page":445},{"id":10945,"text":"( 8217 ) فَصْلٌ : وَالنَّاسُ فِي الْقَضَاءِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ ؛ مِنْهُمْ مَنْ لَا يَجُوزُ لَهُ الدُّخُولُ فِيهِ ، وَهُوَ مَنْ لَا يُحْسِنُهُ ، وَلَمْ تَجْتَمِعْ فِيهِ شُرُوطُهُ ، فَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { الْقُضَاةُ ثَلَاثَةٌ ذَكَرَ مِنْهُمْ رَجُلًا قَضَى بَيْنَ النَّاسَ بِجَهْلٍ ، فَهُوَ فِي النَّارِ } .\rوَلِأَنَّ مَنْ لَا يُحْسِنُهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْعَدْلِ فِيهِ ، فَيَأْخُذُ الْحَقَّ مِنْ مُسْتَحَقِّهِ وَيَدْفَعُهُ إلَى غَيْرِهِ .\rوَمِنْهُمْ ، مَنْ يَجُوزُ لَهُ ، وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ ، وَهُوَ مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْعَدَالَةِ وَالِاجْتِهَادِ ، وَيُوجَدُ غَيْرُهُ مِثْلُهُ ، فَلَهُ أَنْ يَلِيَ الْقَضَاءَ بِحُكْمِ حَالِهِ وَصَلَاحِيَتِهِ ، وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَيَّنْ لَهُ .\rوَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ ، أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ لَهُ الدُّخُولُ فِيهِ ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ الْخَطَرِ وَالْغَرَرِ ، وَفِي تَرْكِهِ مِنْ السَّلَامَةِ ، وَلِمَا وَرَدَ فِيهِ مِنْ التَّشْدِيدِ وَالذَّمِّ ، وَلِأَنَّ طَرِيقَةَ السَّلَفِ الِامْتِنَاعُ مِنْهُ وَالتَّوَقِّي ، وَقَدْ أَرَادَ عُثْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ تَوْلِيَةَ ابْنِ عُمَرَ الْقَضَاءَ فَأَبَاهُ .\rوَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ حَامِدٍ : إنْ كَانَ رَجُلًا خَامِلًا ، لَا يُرْجَعُ إلَيْهِ فِي الْأَحْكَامِ ، وَلَا يُعْرَفُ فَالْأَوْلَى لَهُ تَوَلِّيهِ ، لِيُرْجَعَ إلَيْهِ فِي الْأَحْكَامِ ، وَيَقُومَ بِهِ الْحَقُّ ، وَيَنْتَفِعَ بِهِ الْمُسْلِمُونَ ، وَإِنْ كَانَ مَشْهُورًا فِي النَّاسِ بِالْعِلْمِ ، يُرْجَعُ إلَيْهِ فِي تَعْلِيمِ الْعِلْمِ وَالْفَتْوَى ، فَالْأَوْلَى الِاشْتِغَالُ بِذَلِكَ ، لِمَا فِيهِ مِنْ النَّفْعِ مَعَ الْأَمْنِ مِنْ الْغَرَرِ .\rوَنَحْوَ هَذَا قَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ ، وَقَالُوا أَيْضًا : إذَا كَانَ ذَا حَاجَةٍ ، وَلَهُ فِي الْقَضَاءِ رِزْقٌ ، فَالْأَوْلَى لَهُ الِاشْتِغَالُ بِهِ ، فَيَكُونُ أَوْلَى مِنْ سَائِرِ الْمَكَاسِبِ ؛ لِأَنَّهُ قُرْبَةٌ وَطَاعَةٌ .\rوَعَلَى كُلِّ حَالٍ ، فَإِنَّهُ يُكْرَهُ لِلْإِنْسَانِ طَلَبُهُ ، وَالسَّعْيُ فِي تَحْصِيلِهِ ؛ لِأَنَّ أَنَسًا رَوَى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ","part":22,"page":446},{"id":10946,"text":"عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { مَنْ ابْتَغَى الْقَضَاءَ ، وَسَأَلَ فِيهِ شُفَعَاءَ ، وُكِلَ إلَى نَفْسِهِ ، وَمَنْ أُكْرِهَ عَلَيْهِ ، أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ مَلَكًا يُسَدِّدُهُ } .\rقَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ .\r{ وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ : يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ ، لَا تَسْأَلْ الْإِمَارَةَ ؛ فَإِنَّك إنْ أُعْطِيتهَا عَنْ مَسْأَلَةٍ وُكِلْتَ إلَيْهَا ، وَإِنْ أُعْطِيتهَا مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ أُعِنْتَ عَلَيْهَا } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rالثَّالِثُ : مَنْ يَجِبُ عَلَيْهِ ، وَهُوَ مَنْ يَصْلُحُ لِلْقَضَاءِ ، وَلَا يُوجَدُ سِوَاهُ ، فَهَذَا يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ فَرْضُ كِفَايَةٍ ، لَا يَقْدِرُ عَلَى الْقِيَامِ بِهِ غَيْرُهُ فَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ ، كَغُسْلِ الْمَيِّتِ وَتَكْفِينِهِ .\rوَقَدْ نُقِلَ عَنْ أَحْمَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ ، فَإِنَّهُ سُئِلَ : هَلْ يَأْثَمُ الْقَاضِي إذَا لَمْ يُوجَدْ غَيْرُهُ ؟ قَالَ : لَا يَأْثَمُ .\rفَهَذَا يُحْتَمَلُ أَنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى ظَاهِرِهِ ، فِي أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ ، لِمَا فِيهِ مِنْ الْخَطَرِ بِنَفْسِهِ ، فَلَا يَلْزَمُهُ الْإِضْرَارُ بِنَفْسِهِ لِنَفْعِ غَيْرِهِ ، وَلِذَلِكَ امْتَنَعَ أَبُو قِلَابَةَ مِنْهُ ، وَقَدْ قِيلَ لَهُ : لَيْسَ غَيْرُك .\rوَيُحْتَمَلُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى مَنْ لَمْ يُمْكِنْهُ الْقِيَامُ بِالْوَاجِبِ ، لِظُلْمِ السُّلْطَانِ أَوْ غَيْرِهِ ؛ فَإِنَّ أَحْمَدَ قَالَ : لَا بُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ حَاكِمٍ ، أَتَذْهَبُ حُقُوقُ النَّاسِ ، .","part":22,"page":447},{"id":10947,"text":"( 8218 ) فَصْلٌ : وَيَجُوزُ لِلْقَاضِي أَخْذُ الرِّزْقِ ، وَرَخَّصَ فِيهِ شُرَيْحٌ ، وَابْنُ سِيرِينَ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rوَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ اسْتَعْمَلَ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ عَلَى الْقَضَاءِ ، وَفَرَضَ لَهُ رِزْقًا .\rوَرَزَقَ شُرَيْحًا فِي كُلِّ شَهْرٍ مِائَةَ دِرْهَمٍ .\rوَبَعَثَ إلَى الْكُوفَةِ عَمَّارًا وَعُثْمَانَ بْنَ حُنَيْفٍ وَابْنَ مَسْعُودٍ ، وَرَزَقَهُمْ كُلَّ يَوْمٍ شَاةً ؛ نِصْفُهَا لِعَمَّارٍ وَنِصْفُهَا لِابْنِ مَسْعُودٍ وَعُثْمَانَ ، وَكَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ قَاضِيَهُمْ وَمُعَلِّمَهُمْ .\rوَكَتَبَ إلَى مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ، وَأَبِي عُبَيْدَةَ ، حِينَ بَعَثَهُمَا إلَى الشَّامِ ، أَنَّ اُنْظُرَا رِجَالًا مِنْ صَالِحِي مَنْ قِبَلَكُمْ ، فَاسْتَعْمِلُوهُمْ عَلَى الْقَضَاءِ ، وَأَوْسِعُوا عَلَيْهِمْ ، وَارْزُقُوهُمْ ، وَاكْفُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : يَجُوزُ لَهُ أَخْذُ الرِّزْقِ مَعَ الْحَاجَةِ ، فَأَمَّا مَعَ عَدَمِهَا فَعَلَى وَجْهَيْنِ .\rوَقَالَ أَحْمَدُ : مَا يُعْجِبُنِي أَنْ يَأْخُذَ عَلَى الْقَضَاءِ أَجْرًا ، وَإِنْ كَانَ فَبِقَدْرِ شُغْلِهِ ، مِثْلَ وَالِي الْيَتِيمِ .\rوَكَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَالْحَسَنُ يَكْرَهَانِ الْأَجْرَ عَلَى الْقَضَاءِ .\rوَكَانَ مَسْرُوقٌ ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، لَا يَأْخُذَانِ عَلَيْهِ أَجْرًا ، وَقَالَا : لَا نَأْخُذُ أَجْرًا عَلَى أَنْ نَعْدِلَ بَيْنَ اثْنَيْنِ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ : إنْ لَمْ يَكُنْ مُتَعَيِّنًا جَازَ لَهُ أَخْذُ الرِّزْقِ عَلَيْهِ ، وَإِنْ تَعَيَّنَ لَمْ يَجُزْ إلَّا مَعَ الْحَاجَةِ .\rوَالصَّحِيحُ جَوَازُ أَخْذِ الرِّزْقِ عَلَيْهِ بِكُلِّ حَالٍ ؛ لِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمَّا وَلِي الْخِلَافَةَ ، فَرَضُوا لَهُ الرِّزْقَ كُلَّ يَوْمٍ دِرْهَمَيْنِ .\rوَلِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ أَنَّ عُمَرَ رَزَقَ زَيْدًا وَشُرَيْحًا وَابْنَ مَسْعُودٍ ، وَأَمَرَ بِفَرْضِ الرِّزْقِ لِمَنْ تَوَلَّى مِنْ الْقُضَاةِ ، وَلِأَنَّ بِالنَّاسِ حَاجَةً إلَيْهِ ، وَلَوْ لَمْ يَجُزْ فَرْضُ الرِّزْقِ لَتَعَطَّلَ ، وَضَاعَتْ الْحُقُوقُ .\rفَأَمَّا الِاسْتِئْجَارُ عَلَيْهِ ، فَلَا","part":22,"page":448},{"id":10948,"text":"يَجُوزُ قَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : لَا يَنْبَغِي لِقَاضِي الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَأْخُذَ عَلَى الْقَضَاءِ أَجْرًا .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ، وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ قُرْبَةٌ يَخْتَصُّ فَاعِلُهُ أَنْ يَكُونَ فِي أَهْلِ الْقُرْبَةِ ، فَأَشْبَهَ الصَّلَاةَ ؛ وَلِأَنَّهُ لَا يَعْمَلُهُ الْإِنْسَانُ عَنْ غَيْرِهِ ، وَإِنَّمَا يَقَعُ عَنْ نَفْسِهِ ، فَأَشْبَهَ الصَّلَاةَ ، وَلِأَنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ مَعْلُومٍ .\rفَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْقَاضِي رِزْقٌ ، فَقَالَ لِلْخَصْمَيْنِ : لَا أَقْضِي بَيْنَكُمَا حَتَّى تَجْعَلَا لِي رِزْقًا عَلَيْهِ .\rجَازَ .\rوَيَحْتَمِلَ أَنْ لَا يَجُوزَ .","part":22,"page":449},{"id":10949,"text":"( 8219 ) فَصْلٌ : وَإِذَا كَانَ الْإِمَامُ فِي بَلَدٍ ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَبْعَثَ الْقُضَاةَ إلَى الْأَمْصَارِ غَيْرِ بَلَدِهِ ؛ { فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ عَلِيًّا قَاضِيًا إلَى الْيَمَنِ ، وَبَعَثَ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ إلَى الْيَمَنِ أَيْضًا .\rوَقَالَ لَهُ : بِمَ تَحْكُمُ ؟ قَالَ : بِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى .\rقَالَ : فَإِنْ لَمْ تَجِدْ قَالَ : فَبِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rقَالَ : فَإِنْ لَمْ تَجِدْ قَالَ : أَجْتَهِدُ رَأْيِي .\rقَالَ : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَفَّقَ رَسُولَ رَسُولِ اللَّهِ لِمَا يُرْضِي رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\r} وَبَعَثَ عُمَرُ شُرَيْحًا عَلَى قَضَاءِ الْكُوفَةِ وَكَعْبَ بْنَ سَوَّارٍ عَلَى قَضَاءِ الْبَصْرَةِ .\rوَكَتَبَ إلَى أَبِي عُبَيْدَةَ وَمُعَاذٍ يَأْمُرُهُمَا بِتَوْلِيَةِ الْقَضَاءِ فِي الشَّامِ ؛ لِأَنَّ أَهْلَ كُلِّ بَلَدٍ يَحْتَاجُونَ إلَى الْقَاضِي ، وَلَا يُمْكِنُهُمْ الْمَصِيرُ إلَى بَلَدِ الْإِمَامِ ، وَمَنْ أَمْكَنَهُ ذَلِكَ شَقَّ عَلَيْهِ ، فَوَجَبَ إغْنَاؤُهُمْ عَنْهُ .","part":22,"page":450},{"id":10950,"text":"( 8220 ) فَصْلٌ : وَإِذَا أَرَادَ الْإِمَامُ تَوْلِيَةَ قَاضٍ ، فَإِنْ كَانَ لَهُ خِبْرَةٌ بِالنَّاسِ وَيَعْرِفُ مَنْ يَصْلُحُ لِلْقَضَاءِ ، وَلَّاهُ ، وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ ذَلِكَ ، سَأَلَ أَهْلَ الْمَعْرِفَةِ بِالنَّاسِ ، وَاسْتَرْشَدَهُمْ عَلَى مَنْ يَصْلُحُ .\rوَإِنْ ذُكِرَ لَهُ رَجُلٌ لَا يَعْرِفُهُ ، أَحْضَرَهُ وَسَأَلَهُ ، وَإِنْ عَرَفَ عَدَالَتَهُ ، وَإِلَّا بَحَثَ عَنْ عَدَالَتِهِ ، فَإِذَا عَرَفَهَا وَلَّاهُ ، وَيَكْتُبُ لَهُ عَهْدًا يَأْمُرُهُ فِيهِ بِتَقْوَى اللَّهِ ، وَالتَّثَبُّتِ فِي الْقَضَاءِ ، وَمُشَاوَرَةِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَتَصَفُّحِ أَحْوَالِ الشُّهُودِ ، وَتَأَمُّلِ الشَّهَادَاتِ ، وَتَعَاهُدِ الْيَتَامَى ، وَحِفْظِ أَمْوَالِهِمْ وَأَمْوَالِ الْوُقُوفِ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَحْتَاجُ إلَى مُرَاعَاتِهِ .\rثُمَّ إنْ كَانَ الْبَلَدُ الَّذِي وَلَّاهُ قَضَاءَهُ بَعِيدًا ، لَا يَسْتَفِيضُ إلَيْهِ الْخَبَرُ بِمَا يَكُونُ فِي بَلَدِ الْإِمَامِ ، أَحْضَرَ شَاهِدَيْنِ عَدْلَيْنِ وَقَرَأَ عَلَيْهِمَا الْعَهْدَ ، وَأَقْرَآهُ غَيْرَهُ بِحَضْرَتِهِ ، وَأَشْهَدَهُمَا عَلَى تَوْلِيَتِهِ ؛ لِيَمْضِيَا مَعَهُ إلَى بَلَدِ وِلَايَتِهِ ، فَيُقِيمَا لَهُ الشَّهَادَةَ ، وَيَقُولَ لَهُمَا : اشْهَدَا عَلَى أَنِّي قَدْ وَلَّيْتُهُ قَضَاءَ الْبَلَدِ الْفُلَانِيِّ ، وَتَقَدَّمْت إلَيْهِ بِمَا اشْتَمَلَ هَذَا الْعَهْدُ عَلَيْهِ .\rوَإِنْ كَانَ الْبَلَدُ قَرِيبًا مِنْ بَلَدِ الْإِمَامِ ، يَسْتَفِيضُ إلَيْهِ مَا يَجْرِي فِي بَلَدِ الْإِمَامِ ، مِثْلَ أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا خَمْسَةُ أَيَّامٍ أَوْ مَا دُونَهَا ، جَازَ أَنْ يَكْتَفِيَ بِالِاسْتِفَاضَةِ دُونَ الشَّهَادَةِ ؛ لِأَنَّ الْوِلَايَةَ تَثْبُتُ بِالِاسْتِفَاضَةِ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ، إلَّا أَنَّ عِنْدَهُ فِي ثُبُوتِ الْوِلَايَةِ بِالِاسْتِفَاضَةِ فِي الْبَلَدِ الْقَرِيبِ وَجْهَيْنِ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ : تَثْبُتُ بِالِاسْتِفَاضَةِ .\rوَلَمْ يُفَصِّلُوا بَيْنَ الْقَرِيبِ وَالْبَعِيدِ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَّى عَلِيًّا وَمُعَاذًا قَضَاءَ الْيَمَنِ وَهُوَ بَعِيدٌ ، مِنْ غَيْرِ شَهَادَةٍ ، وَوَلَّى الْوُلَاةَ فِي الْبُلْدَانِ الْبَعِيدَةِ وَفَوَّضَ إلَيْهِمْ","part":22,"page":451},{"id":10951,"text":"الْوِلَايَةَ وَالْقَضَاءَ ، وَلَمْ يُشْهِدْ ، وَكَذَلِكَ خُلَفَاؤُهُ .\rوَلَمْ يُنْقَلْ عَنْهُمْ الْإِشْهَادُ عَلَى تَوْلِيَةِ الْقَضَاءِ ، مَعَ بُعْدِ بُلْدَانِهِمْ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الْقَضَاءَ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِأَحَدِ الْأَمْرَيْنِ ، وَقَدْ تَعَذَّرَتْ الِاسْتِفَاضَةُ فِي الْبَلَدِ الْبَعِيدِ ؛ لِعَدَمِ وُصُولِهَا إلَيْهِ ، فَتَعَيَّنَ الْإِشْهَادُ ، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُشْهِدْ عَلَى تَوْلِيَتِهِ ، فَإِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ لَمْ يَبْعَثْ وَالِيًا إلَّا وَمَعَهُ جَمَاعَةٌ ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ أَشْهَدَهُمْ ، وَعَدَمُ نَقْلِهِ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ عَدَمُ فِعْلِهِ ، وَقَدْ قَامَ دَلِيلُهُ فَتَعَيَّنَ وُجُودُهُ .","part":22,"page":452},{"id":10952,"text":"( 8221 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى : ( وَلَا يُوَلَّى قَاضٍ حَتَّى يَكُونَ بَالِغًا ، عَاقِلًا ، مُسْلِمًا ، حُرًّا ، عَدْلًا ، عَالِمًا ، فَقِيهًا ، وَرِعًا ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الْقَاضِي ثَلَاثَةُ شُرُوطٍ ؛ أَحَدُهَا ، الْكَمَالُ ، وَهُوَ نَوْعَانِ ؛ كَمَالُ الْأَحْكَامِ ، وَكَمَالُ الْخِلْقَةِ ، أَمَّا كَمَالُ الْأَحْكَامِ فَيُعْتَبَرُ فِي أَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ ؛ أَنْ يَكُونَ بَالِغًا عَاقِلًا حُرًّا ذَكَرًا .\rوَحُكِيَ عَنْ ابْنِ جَرِيرٍ أَنَّهُ لَا تُشْتَرَطُ الذُّكُورِيَّةُ ؛ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مُفْتِيَةً ، فَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ قَاضِيَةً .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ قَاضِيَةً فِي غَيْرِ الْحُدُودِ ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ شَاهِدَةً فِيهِ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَا أَفْلَحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمْ امْرَأَةً } .\rوَلِأَنَّ الْقَاضِيَ يَحْضُرُ مَحَافِلَ الْخُصُومِ وَالرِّجَالِ ، وَيُحْتَاجُ فِيهِ إلَى كَمَالِ الرَّأْيِ وَتَمَامِ الْعَقْلِ وَالْفِطْنَةِ ، وَالْمَرْأَةُ نَاقِصَةُ الْعَقْلِ ، قَلِيلَةُ الرَّأْيِ ، لَيْسَتْ أَهْلًا لِلْحُضُورِ فِي مَحَافِلِ الرِّجَالِ ، وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهَا ، وَلَوْ كَانَ مَعَهَا أَلْفُ امْرَأَةٍ مِثْلِهَا ، مَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُنَّ رَجُلٌ ، وَقَدْ نَبَّهَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى ضَلَالِهِنَّ وَنِسْيَانِهِنَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى { أَنْ تَضِلَّ إحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إحْدَاهُمَا الْأُخْرَى } وَلَا تَصْلُحُ لِلْإِمَامَةِ الْعُظْمَى ، وَلَا لِتَوْلِيَةِ الْبُلْدَانِ ؛ وَلِهَذَا لَمْ يُوَلِّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا أَحَدٌ مِنْ خُلَفَائِهِ ، وَلَا مَنْ بَعْدَهُمْ ، امْرَأَةً قَضَاءً وَلَا وِلَايَةَ بَلَدٍ ، فِيمَا بَلَغَنَا ، وَلَوْ جَازَ ذَلِكَ لَمْ يَخْلُ مِنْهُ جَمِيعُ الزَّمَانِ غَالِبًا .\rوَأَمَّا كَمَالُ الْخِلْقَةِ ، فَأَنْ يَكُونَ مُتَكَلِّمًا سَمِيعًا بَصِيرًا ؛ لِأَنَّ الْأَخْرَسَ لَا يُمْكِنُهُ النُّطْقُ بِالْحُكْمِ ، وَلَا يَفْهَمُ جَمِيعُ النَّاسِ إشَارَتَهُ ، وَالْأَصَمُّ لَا يَسْمَعُ قَوْلَ الْخَصْمَيْنِ ، وَالْأَعْمَى لَا يَعْرِفُ","part":22,"page":453},{"id":10953,"text":"الْمُدَّعِيَ مِنْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ، وَالْمُقِرَّ مِنْ الْمُقَرَّ لَهُ ، وَالشَّاهِدَ مِنْ الْمَشْهُودِ لَهُ .\rوَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَعْمَى ؛ لِأَنَّ شُعَيْبًا كَانَ أَعْمَى .\rوَلَهُمْ فِي الْأَخْرَسِ الَّذِي تُفْهَمُ إشَارَتُهُ وَجْهَانِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ هَذِهِ الْحَوَاسَّ تُؤَثِّرُ فِي الشَّهَادَةِ ، فَيَمْنَعُ فَقْدُهَا وِلَايَةَ الْقَضَاءِ كَالسَّمْعِ ؛ وَهَذَا لِأَنَّ مَنْصِبَ الشَّهَادَةِ دُونَ مَنْصِبِ الْقَضَاءِ ، وَالشَّاهِدُ يَشْهَدُ فِي أَشْيَاءَ يَسِيرَةٍ يُحْتَاجُ إلَيْهِ فِيهَا ، وَرُبَّمَا أَحَاطَ بِحَقِيقَةِ عِلْمِهَا ، وَالْقَاضِي وِلَايَتُهُ عَامَّةٌ ، وَيَحْكُمُ فِي قَضَايَا النَّاسِ عَامَّةً ، فَإِذَا لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ الشَّهَادَةُ ، فَالْقَضَاءُ أَوْلَى ، وَمَا ذَكَرُوهُ عَنْ شُعَيْبٍ فَلَا نُسَلِّمُ فِيهِ ، فَإِنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ أَنَّهُ كَانَ أَعْمَى ، وَلَوْ ثَبَتَ فِيهِ ذَلِكَ ، فَلَا يَلْزَمُ هَاهُنَا ، فَإِنَّ شُعَيْبًا عَلَيْهِ السَّلَامُ ، كَانَ مَنْ آمَنَ مَعَهُ مِنْ النَّاسِ قَلِيلًا ، وَرُبَّمَا لَا يَحْتَاجُونَ إلَى حَكَمٍ بَيْنَهُمْ لِقِلَّتِهِمْ وَتَنَاصُفِهِمْ ، فَلَا يَكُونُ حُجَّةً فِي مَسْأَلَتِنَا .\rالشَّرْطُ الثَّانِي ، الْعَدَالَةُ ، فَلَا يَجُوزُ تَوْلِيَةُ فَاسِقٍ ، وَلَا مَنْ فِيهِ نَقْصٌ يَمْنَعُ الشَّهَادَةَ ، وَسَنَذْكُرُ ذَلِكَ فِي الشَّهَادَةِ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى .\rوَحُكِيَ عَنْ الْأَصَمِّ ، أَنَّهُ قَالَ : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْقَاضِي فَاسِقًا ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { سَيَكُونُ بَعْدِي أُمَرَاءُ يُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ عَنْ أَوْقَاتِهَا ، فَصَلُّوهَا لِوَقْتِهَا ، وَاجْعَلُوا صَلَاتَكُمْ مَعَهُمْ سُبْحَةً } .\rوَلَنَا ، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا } .\rفَأَمَرَ بِالتَّبَيُّنِ عِنْدَ قَوْلِ الْفَاسِقِ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْحَاكِمُ مِمَّنْ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ ، وَيَجِبُ التَّبَيُّنُ عِنْدَ حُكْمِهِ ؛ وَلِأَنَّ الْفَاسِقَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ شَاهِدًا ، فَلِئَلَّا يَكُونَ قَاضِيًا أَوْلَى .\rفَأَمَّا الْخَبَرُ","part":22,"page":454},{"id":10954,"text":"فَأَخْبَرَ بِوُقُوعِ كَوْنِهِمْ أُمَرَاءَ ، لَا بِمَشْرُوعِيَّتِهِ ، وَالنِّزَاعُ فِي صِحَّةِ تَوْلِيَتِهِ ، لَا فِي وُجُودِهَا .\rالشَّرْطُ الثَّالِثُ ، أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ .\rوَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ ، وَبَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ .\rوَقَالَ بَعْضُهُمْ : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَامِّيًّا فَيَحْكُمَ بِالتَّقْلِيدِ ؛ لِأَنَّ الْغَرَضَ مِنْهُ فَصْلُ الْخَصَائِمِ ، فَإِذَا أَمْكَنَهُ ذَلِكَ بِالتَّقْلِيدِ جَازَ ، كَمَا يُحْكَمُ بِقَوْلِ الْمُقَوِّمِينَ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { وَأَنْ اُحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ } .\rوَلَمْ يَقُلْ بِالتَّقْلِيدِ ، وَقَالَ : { لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاك اللَّهُ } .\rوَقَالَ : { فَإِنَّ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ } .\rوَرَوَى بُرَيْدَةَ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { الْقُضَاةُ ثَلَاثَةٌ ؛ اثْنَانِ فِي النَّارِ وَوَاحِدٌ فِي الْجَنَّةِ ، رَجُلٌ عَلِمَ الْحَقَّ فَقَضَى بِهِ ، فَهُوَ فِي الْجَنَّةِ ، وَرَجُلٌ ، قَضَى لِلنَّاسِ عَلَى جَهْلٍ ، فَهُوَ فِي النَّارِ ، وَرَجُلٌ جَارَ فِي الْحُكْمِ ، فَهُوَ فِي النَّارِ } .\rرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ .\rوَالْعَامِّيُّ يَقْضِي عَلَى الْجَهْلِ ، وَلِأَنَّ الْحُكْمَ آكَدُ مِنْ الْفُتْيَا ؛ لِأَنَّهُ فُتْيَا وَإِلْزَامٌ ، ثُمَّ الْمُفْتِي لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَامِّيًّا مُقَلِّدًا ، فَالْحَكَمُ أَوْلَى .\rفَإِنْ قِيلَ : فَالْمُفْتِي يَجُوزُ أَنْ يُخْبِرَ بِمَا سَمِعَ .\rقُلْنَا : نَعَمْ .\rإلَّا أَنَّهُ لَا يَكُونُ مُفْتِيًا فِي تِلْكَ الْحَالِ ، وَإِنَّمَا هُوَ مُخْبِرٌ ، فَيَحْتَاجُ أَنْ يُخْبِرَ عَنْ رَجُلٍ بِعَيْنِهِ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ فَيَكُونُ مَعْمُولًا بِخَبَرِهِ لَا بِفُتْيَاهُ ، وَيُخَالِفُ قَوْلَ الْمُقَوِّمِينَ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُمْكِنُ الْحَاكِمَ مَعْرِفَتُهُ بِنَفْسِهِ ، بِخِلَافِ الْحُكْمِ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَمِنْ شَرْطِ الِاجْتِهَادِ مَعْرِفَةُ سِتَّةِ أَشْيَاءَ ؛ الْكِتَابِ ، وَالسُّنَّةِ ، وَالْإِجْمَاعِ ، وَالِاخْتِلَافِ ، وَالْقِيَاسِ ، وَلِسَانِ الْعَرَبِ .\rأَمَّا الْكِتَابُ ، فَيَحْتَاجُ أَنْ يَعْرِفَ مِنْهُ عَشَرَةَ أَشْيَاءَ","part":22,"page":455},{"id":10955,"text":"؛ الْخَاصَّ ، وَالْعَامَّ ، وَالْمُطْلَقَ ، وَالْمُقَيَّدَ ، وَالْمُحْكَمَ ، وَالْمُتَشَابِهَ ، وَالْمُجْمَلَ ، وَالْمُفَسَّرَ ، وَالنَّاسِخَ ، وَالْمَنْسُوخَ فِي الْآيَاتِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْأَحْكَامِ ، وَذَلِكَ نَحْوُ خَمْسِمِائَةٍ ، وَلَا يَلْزَمُهُ مَعْرِفَةُ سَائِرِ الْقُرْآنِ .\rفَأَمَّا السُّنَّةُ ، فَيَحْتَاجُ إلَى مَعْرِفَةِ مَا يَتَعَلَّقُ مِنْهَا بِالْأَحْكَامِ دُونَ سَائِرِ الْأَخْبَارِ ، مِنْ ذِكْرِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ وَالرَّقَائِقِ ، وَيَحْتَاجُ أَنْ يَعْرِفَ مِنْهَا مَا يَعْرِفُ مِنْ الْكِتَابِ ، وَيَزِيدُ مَعْرِفَةَ التَّوَاتُرِ ، وَالْآحَادِ ، وَالْمُرْسَلِ ، وَالْمُتَّصِلِ ، وَالْمُسْنَدِ ، وَالْمُنْقَطِعِ ، وَالصَّحِيحِ ، وَالضَّعِيفِ ، وَيَحْتَاجُ إلَى مَعْرِفَةِ مَا أُجْمِعَ عَلَيْهِ ، وَمَا اُخْتُلِفَ فِيهِ ، وَمَعْرِفَةِ الْقِيَاسِ ، وَشُرُوطِهِ ، وَأَنْوَاعِهِ ، وَكَيْفِيَّةِ اسْتِنْبَاطِهِ الْأَحْكَامَ ، وَمَعْرِفَةِ لِسَانِ الْعَرَبِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِمَا ذُكِرَ ؛ لِيَتَعَرَّفَ بِهِ اسْتِنْبَاطَ الْأَحْكَامِ مِنْ أَصْنَافِ عُلُومِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ، وَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى اشْتِرَاطِ ذَلِكَ لِلْفُتْيَا ، وَالْحُكْمُ فِي مَعْنَاهُ .\rفَإِنْ قِيلَ : هَذِهِ شُرُوطٌ لَا تَجْتَمِعُ ، فَكَيْفَ يَجُوزُ اشْتِرَاطُهَا ؟ .\rقُلْنَا : لَيْسَ مِنْ شَرْطِهِ أَنْ يَكُونَ مُحِيطًا بِهَذِهِ الْعُلُومِ إحَاطَةً تَجْمَعُ أَقْصَاهَا ، وَإِنَّمَا يَحْتَاجُ إلَى أَنْ يَعْرِفَ مِنْ ذَلِكَ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْأَحْكَامِ مِنْ الْكِتَابِ وَالسَّنَةِ وَلِسَانِ الْعَرَبِ ، وَلَا أَنْ يُحِيطَ بِجَمِيعِ الْأَخْبَارِ الْوَارِدَةِ فِي هَذَا ، فَقَدْ كَانَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ وَعُمَرُ بْنُ الْخِطَابِ ، خَلِيفَتَا رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَوَزِيرَاهُ ، وَخَيْرُ النَّاسِ بَعْدَهُ ، فِي حَالِ إمَامَتِهِمَا يُسْأَلَانِ عَنْ الْحُكْمِ فَلَا يَعْرِفَانِ مَا فِيهِ مِنْ السُّنَّةِ ، حَتَّى يَسْأَلَا النَّاسَ فَيُخْبَرَا { ، فَسُئِلَ أَبُو بَكْرٍ عَنْ مِيرَاثِ الْجَدَّةِ ، فَقَالَ : مَا لَكِ فِي كِتَابِ اللَّهِ شَيْءٌ ، وَلَا أَعْلَمُ لَكِ فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْئًا ، وَلَكِنْ ارْجِعِي","part":22,"page":456},{"id":10956,"text":"حَتَّى أَسْأَلَ النَّاسَ .\rثُمَّ قَامَ فَقَالَ : أَنْشُدُ اللَّهَ مَنْ يَعْلَمُ قَضَاءَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْجَدَّةِ ؟ فَقَامَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ ، فَقَالَ : أَشْهَدُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ أَعْطَاهَا السُّدُسَ .\rوَسَأَلَ عُمَرُ عَنْ إمْلَاصِ الْمَرْأَةِ ، فَأَخْبَرَهُ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ أَنَّ النَّبِيَّ قَضَى فِيهِ بِغُرَّةٍ } .\rوَلَا يُشْتَرَطُ مَعْرِفَةُ الْمَسَائِلِ الَّتِي فَرَّعَهَا الْمُجْتَهِدُونَ فِي كُتُبِهِمْ ، فَإِنَّ هَذِهِ فُرُوعٌ فَرَّعَهَا الْفُقَهَاءُ بَعْدَ حِيَازَةِ مَنْصِبِ الِاجْتِهَادِ ، فَلَا تَكُونُ شَرْطًا لَهُ وَهُوَ سَابِقٌ عَلَيْهَا .\rوَلَيْسَ مِنْ شَرْطِ الِاجْتِهَادِ فِي مَسْأَلَةٍ أَنْ يَكُونَ مُجْتَهِدًا فِي كُلِّ الْمَسَائِلِ ، بَلْ مَنْ عَرَفَ أَدِلَّةَ مَسْأَلَةٍ ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا ، فَهُوَ مُجْتَهِدٌ فِيهَا ، وَإِنْ جَهِلَ غَيْرَهَا ، كَمَنْ يَعْرِفُ الْفَرَائِضَ وَأُصُولَهَا ، لَيْسَ مِنْ شَرْطِ اجْتِهَادِهِ فِيهَا مَعْرِفَتُهُ بِالْبَيْعِ ، وَلِذَلِكَ مَا مِنْ إمَامٍ إلَّا وَقَدْ تَوَقَّفَ فِي مَسَائِلَ .\rوَقِيلَ : مَنْ يُجِيبُ فِي كُلِّ مَسْأَلَةٍ فَهُوَ مَجْنُونٌ ، وَإِذَا تَرَكَ الْعَالِمُ : لَا أَدْرِي .\rأُصِيبَتْ مُقَاتِلُهُ .\rوَحُكِيَ أَنَّ مَالِكًا سُئِلَ عَنْ أَرْبَعِينَ مَسْأَلَةً ، فَقَالَ فِي سِتٍّ وَثَلَاثِينَ مِنْهَا : لَا أَدْرِي .\rوَلَمْ يُخْرِجْهُ ذَلِكَ عَنْ كَوْنِهِ مُجْتَهِدًا .\rوَإِنَّمَا الْمُعْتَبَرُ أُصُولُ هَذِهِ الْأُمُورِ ، وَهُوَ مَجْمُوعٌ مُدَوَّنٌ فِي فُرُوعِ الْفِقْهِ وَأُصُولِهِ ، فَمَنْ عَرَفَ ذَلِكَ ، وَرُزِقَ فَهْمَهُ ، كَانَ مُجْتَهِدًا ، لَهُ الْفُتْيَا وَوِلَايَةُ الْحُكْمِ إذَا وُلِّيَهُ .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":22,"page":457},{"id":10957,"text":"( 8222 ) فَصْلٌ : لَيْسَ مِنْ شَرْطِ الْحَاكِمِ كَوْنُهُ كَاتِبًا .\rوَقِيلَ : يُشْتَرَطُ ذَلِكَ ؛ لِيَعْلَمَ مَا يَكْتُبُهُ كَاتِبُهُ ، وَلَا يَتَمَكَّنُ مِنْ إخْفَائِهِ عَنْهُ .\rوَلَنَا ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ أُمِّيًّا ، وَهُوَ سَيِّدُ الْحُكَّامِ ، وَلَيْسَ مِنْ ضَرُورَةِ الْحَاكِمِ الْكِتَابَةُ ، فَلَا تُعْتَبَرُ شُرُوطُهَا ، وَإِنْ احْتَاجَ إلَى ذَلِكَ جَازَ تَوْلِيَتُهُ لِمَنْ يَعْرِفُهُ ، كَمَا أَنَّهُ قَدْ يَحْتَاجُ إلَى الْقِسْمَةِ بَيْنَ النَّاسِ ، وَلَيْسَ مِنْ شَرْطِهِ مَعْرِفَةُ الْمِسَاحَةِ ، وَيَحْتَاجُ إلَى التَّقْوِيمِ ، وَلَيْسَ مِنْ شَرْطِ الْقَضَاءِ أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِقِيمَةِ الْأَشْيَاءِ ، وَلَا مَعْرِفَتُهُ بِعُيُوبِ كُلِّ شَيْءٍ .","part":22,"page":458},{"id":10958,"text":"فَصْلٌ : وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْحَاكِمُ قَوِيًّا مِنْ غَيْرِ عُنْفٍ ، لَيِّنًا مِنْ غَيْرِ ضَعْفٍ ، لَا يَطْمَعُ الْقَوِيُّ فِي بَاطِلِهِ ، وَلَا يَيْأَسُ الضَّعِيفُ مِنْ عَدْلِهِ ، وَيَكُونَ حَلِيمًا ، مُتَأَنِّيًا ، ذَا فِطْنَةٍ وَتَيَقُّظٍ ، لَا يُؤْتَى مِنْ غَفْلَةٍ ، وَلَا يُخْدَعُ لِغِرَّةٍ ، صَحِيحَ السَّمْعِ وَالْبَصَرِ ، عَالِمًا بِلُغَاتِ أَهْلِ وِلَايَتِهِ ، عَفِيفًا ، وَرَعًا ، نَزِهًا ، بَعِيدًا مِنْ الطَّمَعِ ، صَدُوقَ اللَّهْجَةِ ، ذَا رَأْيٍ وَمَشُورَةٍ ، لِكَلَامِهِ لِينٌ إذَا قَرُبَ ، وَهَيْبَةٌ إذَا أَوْعَدَ ، وَوَفَاءٌ إذَا وَعَدَ ، وَلَا يَكُونُ جَبَّارًا ، وَلَا عَسُوفًا ، فَيَقْطَعُ ذَا الْحُجَّةِ عَنْ حُجَّتِهِ .\rقَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : لَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْقَاضِي قَاضِيًا حَتَّى تَكُونَ فِيهِ خَمْسُ خِصَالٍ ؛ عَفِيفٌ ، حَلِيمٌ ، عَالِمٌ بِمَا كَانَ قَبْلَهُ ، يَسْتَشِيرُ ذَوِي الْأَلْبَابِ ، لَا يَخَافُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ .\rوَعَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ تَجْتَمِعَ فِيهِ سَبْعُ خِلَالٍ ، إنْ فَاتَتْهُ وَاحِدَةٌ كَانَتْ فِيهِ وَصْمَةٌ : الْعَقْلُ ، وَالْفِقْهُ ، وَالْوَرَعُ ، وَالنَّزَاهَةُ ، وَالصَّرَامَةُ ، وَالْعِلْمُ بِالسُّنَنِ ، وَالْحِكَمِ .\rوَرَوَاهُ سَعِيدٌ .\rوَفِيهِ : يَكُونُ فَهِمَا ، حَلِيمًا ، عَفِيفًا ، صُلْبًا ، سَآَّلًا عَمَّا لَا يَعْلَمُ .\rوَفِي رِوَايَةٍ : مُحْتَمِلًا لِلْأَئِمَّةِ ؛ وَلَا يَكُونُ ضَعِيفًا ، مَهِينًا ، لِأَنَّ ذَلِكَ يَبْسُطُ الْمُتَخَاصِمِينَ إلَى التَّهَاتُرِ وَالتَّشَاتُمِ بَيْنَ يَدَيْهِ ، وَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : لَأَعْزِلَنَّ فُلَانًا عَنْ الْقَضَاءِ ، وَلِأَسْتَعْمِلَن رَجُلًا إذَا رَآهُ الْفَاجِرُ فَرَّقَهُ .\r( 8224 ) فَصْلٌ : وَلَهُ أَنْ يَنْتَهِرَ الْخَصْمَ إذَا الْتَوَى ، وَيَصِيحَ عَلَيْهِ ، وَإِنْ اسْتَحَقَّ التَّعْزِيرَ عَزَّرَهُ بِمَا يَرَى مِنْ أَدَبٍ أَوْ حَبْسٍ .\rوَإِنْ افْتَاتَ عَلَيْهِ بِأَنْ يَقُولَ : حَكَمْت عَلَيَّ بِغَيْرِ الْحَقِّ .\rأَوْ : ارْتَشَيْت .\rفَلَهُ تَأْدِيبُهُ .\rوَلَهُ أَنْ يَعْفُوَ .\rوَإِنْ بَدَأَ الْمُنْكِرُ بِالْيَمِينِ ، قَطَعَهَا عَلَيْهِ ، وَقَالَ :","part":22,"page":459},{"id":10959,"text":"الْبَيِّنَةُ عَلَى خَصْمِك .\rفَإِنْ عَادَ نَهَرَهُ ، فَإِنْ عَادَ عَزَّرَهُ إنْ رَأَى .\rوَأَمْثَالُ ذَلِكَ مِمَّا فِيهِ إسَاءَةُ الْأَدَبِ ، فَلَهُ مُقَابَلَةُ فَاعِلِهِ ، وَلَهُ الْعَفْوُ .","part":22,"page":460},{"id":10960,"text":"( 8225 ) فَصْلٌ : وَإِنْ وَلَّى الْإِمَامُ رَجُلًا الْقَضَاءَ ، فَإِنْ كَانَتْ وِلَايَتُهُ فِي غَيْرِ بَلَدِهِ ، فَأَرَادَ السَّيْرَ إلَى بِلَادِ وِلَايَتِهِ ، بَحَثَ عَنْ قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ ذَلِكَ الْبَلَدِ لِيَسْأَلَهُمْ عَنْهُ ، وَيَتَعَرَّفَ مِنْهُمْ مَا يَحْتَاجُ إلَى مَعْرِفَتِهِ ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ ، سَأَلَ فِي طَرِيقِهِ ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ ، سَأَلَ إذَا دَخَلَ الْبَلَدَ عَنْ أَهْلِهِ ، وَمَنْ بِهِ مِنْ الْعُلَمَاءِ وَالْفُضَلَاءِ وَأَهْلِ الْعَدَالَةِ وَالسَّتْرِ ، وَسَائِرِ مَا يَحْتَاجُ إلَى مَعْرِفَتِهِ ، وَإِذَا قَرُبَ مِنْ الْبَلَدِ ، بَعَثَ مَنْ يُعْلِمُهُمْ بِقُدُومِهِ لِيَتَلَقَّوْهُ ، وَيَجْعَلُ قُدُومَهُ يَوْمَ الْخَمِيسَ إنْ أَمْكَنَهُ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ كَانَ إذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ ، قَدِمَ يَوْمَ الْخَمِيسِ ، ثُمَّ يَقْصِدُ الْجَامِعَ ، فَيُصَلِّي فِيهِ رَكْعَتَيْنِ ، كَمَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَفْعَلُ إذَا دَخَلَ الْمَدِينَةَ ، وَيَسْأَلُ اللَّهَ - تَعَالَى التَّوْفِيقَ وَالْعِصْمَةَ وَالْمَعُونَةَ ، وَأَنْ يَجْعَلَ عَمَلَهُ صَالِحًا ، وَيَجْعَلَهُ لِوَجْهِهِ خَالِصًا ، وَلَا يَجْعَلَ لِأَحَدٍ فِيهِ شَيْئًا ، وَيُفَوِّضُ أَمَرَهُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى ، وَيَتَوَكَّلُ عَلَيْهِ ، وَيَأْمُرُ مُنَادِيَهُ فَيُنَادِي فِي الْبَلَدِ ، أَنَّ فُلَانًا قَدِمَ عَلَيْكُمْ قَاضِيًا ، فَاجْتَمِعُوا لِقِرَاءَةِ عَهْدِهِ ، وَقْتَ كَذَا وَكَذَا .\rوَيَنْصَرِفُ إلَى مَنْزِلِهِ الَّذِي قَدْ أُعِدَّ لَهُ ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِي وَسَطِ الْبَلَدِ ؛ لِيَتَسَاوَى أَهْلُ الْمَدِينَةِ فِيهِ ، وَلَا يَشُقُّ عَلَى بَعْضِهِمْ قَصْدُهُ ، فَإِذَا اجْتَمَعُوا ، أَمَرَ بِعَهْدِهِ فَقُرِئَ عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا التَّوْلِيَةَ ، وَيَأْتُوا إلَيْهِ ، وَيَعِدُ النَّاسَ يَوْمًا يَجْلِسُ فِيهِ لِلْقَضَاءِ ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ إلَى مَنْزِلِهِ .\rوَأَوَّلُ مَا يَبْدَأُ فِيهِ مِنْ أَمْرِ الْحُكْمِ ، أَنْ يَبْعَثَ إلَى الْحَاكِمِ الْمَعْزُولِ فَيَأْخُذَ مِنْهُ دِيوَانَ الْحُكْمِ ؛ وَهُوَ مَا فِيهِ وَثَائِقُ النَّاسِ مِنْ الْمَحَاضِرِ ، وَهِيَ نُسَخُ مَا ثَبَتَ عِنْدَ الْحَاكِمِ ، وَالسِّجِلَّاتُ نُسَخُ مَا حَكَمَ بِهِ ، وَمَا كَانَ عِنْدَهُ مِنْ","part":22,"page":461},{"id":10961,"text":"حُجَجِ النَّاسِ وَوَثَائِقِهِمْ مُودَعَةً فِي دِيوَانِ الْحُكْمِ ، فَكَانَتْ عِنْدَهُ بِحُكْمِ الْوِلَايَةِ ، فَإِذَا انْتَقَلْت الْوِلَايَةُ إلَى غَيْرِهِ ، كَانَ عَلَيْهِ تَسْلِيمُهَا إلَيْهِ ، فَتَكُونُ مُودَعَةً عِنْدَهُ فِي دِيوَانِهِ ، ثُمَّ يَخْرُجُ فِي الْيَوْمِ الَّذِي وَعَدَ بِالْجُلُوسِ فِيهِ إلَى مَجْلِسِهِ ، عَلَى أَكْمَلِ حَالَةٍ وَأَعْدَلِهَا ، خَلِيًّا مِنْ الْغَضَبِ ، وَالْجُوعِ الشَّدِيدِ وَالْعَطَشِ ، وَالْفَرَحِ الشَّدِيدِ وَالْحُزْنِ الْكَثِيرِ ، وَالْهَمِّ الْعَظِيمِ ، وَالْوَجَعِ الْمُؤْلِمِ ، وَمُدَافَعَةِ الْأَخْبَثَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا ، وَالنُّعَاسِ الَّذِي يَغْمُرُ الْقَلْبَ ؛ لِيَكُونَ أَجْمَعَ لِقَلْبِهِ ، وَأَحْضَرَ لِذِهْنِهِ ، وَأَبْلَغَ فِي تَيَقُّظِهِ لِلصَّوَابِ ، وَفِطْنَتِهِ لِمَوْضِعِ الرَّأْيِ ؛ وَلِذَلِكَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا يَقْضِي الْقَاضِي بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ } .\rفَنَصَّ عَلَى الْغَضَبِ ، وَنَبَّهَ عَلَى مَا فِي مَعْنَاهُ مِنْ سَائِرِ مَا ذَكَرْنَاهُ .\rوَيُسَلِّمُ عَلَى مَنْ يَمُرُّ بِهِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فِي طَرِيقِهِ ، وَيَذْكُرُ اللَّهَ بِقَلْبِهِ وَلِسَانِهِ حَتَّى يَأْتِيَ مَجْلِسَهُ ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَجْعَلَهُ فِي مَوْضِعٍ بَارِزٍ لِلنَّاسِ فَسِيحٍ ، كَالرَّحْبَةِ وَالْفَضَاءِ الْوَاسِعِ أَوْ الْجَامِعِ .\rوَلَا يُكْرَهُ الْقَضَاءُ فِي الْمَسَاجِدِ ، فَعَلَ ذَلِكَ شُرَيْحٌ ، وَالْحَسَنُ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَمُحَارِبُ بْنُ دِثَارٍ ، وَيَحْيَى بْنُ يَعْمُرَ ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى ، وَابْنُ خَلْدَةَ ، قَاضٍ لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ ، أَنَّهُمْ كَانُوا يَقْضُونَ فِي الْمَسْجِدِ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : الْقَضَاءُ فِي الْمَسْجِدِ مِنْ أَمْرِ النَّاسِ الْقَدِيمِ .\rوَبِهِ قَالَ مَالِكٌ ، وَإِسْحَاقُ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يُكْرَهُ ذَلِكَ ، إلَّا أَنْ يَتَّفِقَ خَصْمَانِ عِنْدَهُ فِي الْمَسْجِدِ ؛ لِمَا رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ كَتَبَ إلَى الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، أَنْ لَا تَقْضِي فِي الْمَسْجِدِ ؛ لِأَنَّهُ تَأْتِيك الْحَائِضُ وَالْجَنْبُ .\rوَلِأَنَّ الْحَاكِمَ","part":22,"page":462},{"id":10962,"text":"يَأْتِيهِ الذِّمِّيُّ وَالْحَائِضُ وَالْجُنُبُ ، وَتَكْثُرُ غَاشِيَتُهُ ، وَيَجْرِي بَيْنَهُمْ اللَّغَطُ وَالتَّكَاذُبُ وَالتَّجَاحُدُ ، وَرُبَّمَا أَدَّى إلَى السَّبِّ وَمَا لَمْ تُبْنَ لَهُ الْمَسَاجِدُ .\rوَلَنَا ، إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ بِمَا قَدْ رَوَيْنَاهُ عَنْهُمْ .\rوَقَالَ الشَّعْبِيُّ : رَأَيْت عُمَرَ وَهُوَ مُسْتَنِدٌ إلَى الْقِبْلَةِ ، يَقْضِي بَيْنَ النَّاسِ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : هُوَ مِنْ أَمْرِ النَّاسِ الْقَدِيمِ .\rوَلِأَنَّ الْقَضَاءَ قُرْبَةٌ وَطَاعَةٌ وَإِنْصَافٌ بَيْنَ النَّاسِ ، فَلَمْ يُكْرَهْ فِي الْمَسْجِدِ ، وَلَا نَعْلَمُ صِحَّةَ مَا رَوَوْهُ عَنْ عُمَرَ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ خِلَافُهُ .\rوَأَمَّا الْحَائِضُ ، فَإِنْ عَرَضَتْ لَهَا حَاجَةٌ إلَى الْقَضَاءِ ، وَكَّلَتْ ، أَوْ أَتَتْهُ فِي مَنْزِلِهِ .\rوَالْجُنُبُ يَغْتَسِلُ وَيَدْخُلُ ، وَالذِّمِّيُّ يَجُوزُ دُخُولُهُ بِإِذْنِ مُسْلِمٍ .\rوَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَجْلِسُ فِي مَسْجِدِهِ ، مَعَ حَاجَةِ النَّاسِ إلَيْهِ لِلْحُكُومَةِ وَالْفُتْيَا وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ حَوَائِجِهِمْ ، وَكَانَ أَصْحَابُهُ يُطَالِبُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا بِالْحُقُوقِ فِي الْمَسْجِدِ ، وَرُبَّمَا رَفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ .\rفَقَدْ رُوِيَ عَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ : { تَقَاضَيْت ابْنَ أَبِي حَدْرَدٍ دَيْنًا فِي الْمَسْجِدِ ، حَتَّى ارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُنَا ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَشَارَ إلَيَّ ، أَنْ ضَعْ مِنْ دَيْنِك الشَّطْرَ .\rفَقُلْت : نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَقَالَ : فَقُمْ فَاقْضِهِ } .\rوَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ جُلُوسُهُ فِي وَسَطِ الْبَلَدِ ، لِئَلَّا يَبْعُدَ عَلَى قَاصِدِيهِ ، وَلَا يَتَّخِذَ حَاجِبًا يَحْجُبُ النَّاسَ عَنْ الْوُصُولِ إلَيْهِ ؛ لِمَا رَوَى الْقَاسِمُ بْنُ مُخَيْمِرَةَ ، عَنْ أَبِي مَرْيَمَ صَاحِبِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : { مَنْ وَلِيَ مِنْ أُمُورِ النَّاسِ شَيْئًا ، وَاحْتَجَبَ دُونَ حَاجَتِهِمْ ، احْتَجَبَ اللَّهُ دُونَ حَاجَتِهِ وَفَاقَتِهِ وَفَقْرِهِ } .\rرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ .\rوَلِأَنَّ حَاجِبَهُ","part":22,"page":463},{"id":10963,"text":"رُبَّمَا قَدَّمَ الْمُتَأَخِّرَ وَأَخَّرَ الْمُتَقَدِّمَ لِغَرَضٍ لَهُ ، وَرُبَّمَا كَسَرَهُمْ بِحَجْبِهِمْ وَالِاسْتِئْذَانِ لَهُمْ .\rوَلَا بَأْسَ بِاِتِّخَاذِ حَاجِبٍ فِي غَيْرِ مَجْلِسِ الْقَضَاءِ .\rوَيُبْسَطُ لَهُ شَيْءٌ يَجْلِسُ عَلَيْهِ وَلَا يَجْلِسُ عَلَى التُّرَابِ ، وَلَا عَلَى حَصِيرِ الْمَسْجِدِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُذْهِبُ بِهَيْبَتِهِ مِنْ أَعْيُنِ الْخُصُومِ ، وَيَجْعَلُ جُلُوسَهُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ ؛ لِأَنَّ خَيْرَ الْمَجَالِسِ مَا اُسْتُقْبِلَ بِهِ الْقِبْلَةُ .\rوَهَذِهِ الْآدَابُ الْمَذْكُورَةُ فِي هَذَا الْفَصْلِ لَيْسَتْ شَرْطًا فِي الْحُكْمِ ، إلَّا الْخُلُوَّ مِنْ الْغَضَبِ وَمَا فِي مَعْنَاهُ ، فَإِنَّ فِي اشْتِرَاطِهِ رِوَايَتَيْنِ .","part":22,"page":464},{"id":10964,"text":"فَصْلٌ : وَإِذَا جَلَسَ الْحَاكِمُ فِي مَجْلِسِهِ ، فَأَوَّلُ مَا يَنْظُرُ فِيهِ أَمْرُ الْمَحْبُوسِينَ ؛ لِأَنَّ الْحَبْسَ عَذَابٌ ، وَرُبَّمَا كَانَ فِيهِمْ مَنْ لَا يَسْتَحِقُّ الْبَقَاءَ فِيهِ ، فَيَنْفُذُ إلَى حَبْسِ الْقَاضِي الَّذِي كَانَ قَبْلَهُ ثِقَةً ، يَكْتُبُ اسْمَ كُلِّ مَحْبُوسٍ ، وَفِيمَ حُبِسَ ؟ وَلِمَنْ حُبِسَ ؟ فَيَحْمِلُهُ إلَيْهِ ، فَيَأْمُرُ مُنَادِيًا يُنَادِي فِي الْبَلَدِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ : أَلَا إنَّ الْقَاضِيَ فُلَانَ بْنَ فُلَانٍ يَنْظُرُ فِي أَمْرِ الْمَحْبُوسِينَ يَوْمَ كَذَا ، فَمَنْ كَانَ لَهُ مَحْبُوسٌ فَلْيَحْضُرْ .\rفَإِذَا حَضَرَ ذَلِكَ الْيَوْمُ ، وَحَضَرَ النَّاسُ ، تَرَكَ الرِّقَاعَ الَّتِي فِيهَا اسْمُ الْمَحْبُوسِينَ بَيْنَ يَدَيْهِ ، وَمَدَّ يَدَهُ إلَيْهَا ، فَمَا وَقَعَ فِي يَدِهِ مِنْهَا نَظَرَ إلَى اسْمِ الْمَحْبُوسِ ، وَقَالَ : مَنْ خَصْمُ فُلَانٍ الْمَحْبُوسِ .\rفَإِذَا قَالَ خَصْمُهُ : أَنَا .\rبَعَثَ مَعَهُ ثِقَةً إلَى الْحَبْسِ ، فَأَخْرَجَ خَصْمَهُ ، وَحَضَرَ مَعَهُ مَجْلِسَ الْحُكْمِ ، وَيَفْعَلُ ذَلِكَ فِي قَدْرِ مَا يَعْلَمُ أَنَّهُ يَتَّسِعُ زَمَانُهُ لِلنَّظَرِ فِيهِ فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ ، وَلَا يُخْرِجُ غَيْرَهُمْ ، فَإِذَا حَضَرَ الْمَحْبُوسُ وَخَصْمُهُ ، لَمْ يَسْأَلْ خَصْمَهُ : لِمَ حَبَسْته ؟ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْحَاكِمَ إنَّمَا حَبَسَهُ بِحَقٍّ ، لَكِنْ يَسْأَلُ الْمَحْبُوسَ : بِمَ حُبِسْت ؟ وَلَا يَخْلُو جَوَابُهُ مِنْ خَمْسَةِ أَقْسَامٍ ؛ أَحَدُهَا ، أَنْ يَقُولَ : حَبَسَنِي بِحَقِّ لَهُ حَالٍّ ، أَنَا مَلِيءٌ بِهِ .\rفَيَقُولَ لَهُ الْحَاكِمُ : اقْضِهِ ، وَإِلَّا رَدَدْتُك فِي الْحَبْسِ .\rالثَّانِي ، أَنْ يَقُولَ : لَهُ عَلَيَّ دَيْنٌ ، أَنَا مُعَسِّرٌ بِهِ .\rفَيَسْأَلُ خَصْمَهُ ، فَإِنْ صَدَّقَهُ ، فَلَّسَهُ الْحَاكِمُ وَأَطْلَقَهُ .\rوَإِنْ كَذَّبَهُ ، نَظَرَ فِي سَبَبِ الدَّيْنِ ، فَإِنْ كَانَ شَيْئًا حَصَلَ لَهُ بِهِ مَالٌ ، كَقَرْضٍ أَوْ شِرَاءٍ ، لَمْ يَقْبَلْ قَوْلَهُ فِي الْإِعْسَارِ إلَّا بِبَيِّنَةٍ بِأَنَّ مَالَهُ تَلِفَ أَوْ نَفِدَ ، أَوْ بِبَيِّنَةٍ أَنَّهُ مُعَسِّرٌ ، فَيَزُولُ الْأَصْلُ الَّذِي ثَبَتَ ، وَيَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَهُ فِيمَا يَدَّعِيهِ عَلَيْهِ مِنْ الْمَالِ .","part":22,"page":465},{"id":10965,"text":"وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ لَهُ أَصْلُ مَالٍ ، وَلَمْ تَكُنْ لِخَصْمِهِ بَيِّنَةٌ بِذَلِكَ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَحْبُوسِ مَعَ يَمِينِهِ أَنَّهُ مُعَسِّرٌ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ الْإِعْسَارُ .\rوَإِنْ شَهِدَتْ لِخَصْمِهِ بَيِّنَةٌ بِأَنَّ لَهُ مَالًا ، لَمْ تُقْبَلْ حَتَّى تُعَيِّنَ ذَلِكَ الْمَالَ بِمَا يَتَمَيَّزُ بِهِ ، فَإِنْ شَهِدَتْ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ بِدَارٍ مُعَيَّنَةٍ أَوْ غَيْرِهَا ، وَصَدَّقَهَا ، فَلَا كَلَامَ ، وَإِنْ كَذَّبَهَا ، وَقَالَ : لَيْسَ هَذَا لِي ، وَإِنَّمَا هُوَ فِي يَدَيَّ لِغَيْرِي .\rلَمْ يُقْبَلْ إلَّا أَنْ يُقِرَّ بِهِ إلَى وَاحِدٍ بِعَيْنِهِ ، فَإِنْ كَانَ الَّذِي أَقَرَّ لَهُ بِهِ حَاضِرًا ، نَظَرْت ، فَإِنْ كَذَّبَهُ فِي إقْرَارِهِ ، سَقَطَ ، وَقُضِيَ مِنْ الْمَالِ دَيْنُهُ ، وَإِنْ صَدَّقَهُ نَظَرْت ، فَإِنْ كَانَ لَهُ بِهِ بَيِّنَةٌ ، فَهُوَ أَوْلَى ؛ لِأَنَّ لَهُ بَيِّنَةً ، وَصَاحِبُ الْيَدِ يُقِرُّ لَهُ بِهِ ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ ، فَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُمَا ، وَيُقْضَى الدَّيْنُ مِنْهُ ؛ لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ شَهِدَتْ لِصَاحِبِ الْيَدِ بِالْمِلْكِ ، فَتَضَمَّنَتْ شَهَادَتُهَا وُجُوبَ الْقَضَاءِ مِنْهُ ، فَإِذَا لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهَا فِي حَقِّ نَفْسِهِ ، قُبِلَتْ فِيمَا تَضَمَّنَتْهُ ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ لِغَيْرِهِ ؛ وَلِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ فِي إقْرَارِهِ لِغَيْرِهِ ، لِأَنَّهُ قَدْ يَفْعَلُ ذَلِكَ لِيُخَلِّصَ مَالَهُ ، وَيَعُودَ إلَيْهِ ، فَتَلْحَقُهُ تُهْمَةٌ ، فَلَمْ تَبْطُلْ الْبَيِّنَةُ بِقَوْلِهِ .\rوَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ ، يَثْبُتُ الْإِقْرَارُ ، وَتَسْقُطُ الْبَيِّنَةُ ؛ لِأَنَّهَا تَشْهَدُ بِالْمِلْكِ لِمَنْ لَا يَدَّعِيهِ وَيُنْكِرُهُ .\rالْجَوَابُ الثَّالِثُ ، أَنْ يَقُولَ : حَبَسَنِي لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ شَهِدَتْ عَلَيَّ لِخَصْمِي بِحَقٍّ لِيَبْحَثَ عَنْ حَالِ الشُّهُودِ .\rفَهَذَا يَنْبَنِي عَلَى أَصْلٍ ، وَهُوَ أَنَّ الْحَاكِمَ هَلْ لَهُ ذَلِكَ أَوْ لَا ؟ فِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا : لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الْحَبْسَ عَذَابٌ ، فَلَا يَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ قَبْلَ ثُبُوتِ الْحَقِّ عَلَيْهِ .\rفَعَلَى هَذَا لَا يَرُدُّهُ إلَى الْحَبْسِ إنْ صَدَّقَهُ خَصْمُهُ فِي هَذَا .\rوَالثَّانِي","part":22,"page":466},{"id":10966,"text":"، يَجُوزُ حَبْسُهُ ؛ لِأَنَّ الْمُدَّعِيَ قَدْ أَقَامَ مَا عَلَيْهِ ، وَإِنَّمَا بَقِيَ مَا عَلَى الْحَاكِمِ مِنْ الْبَحْثِ .\rوَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَجْهَانِ كَهَذَيْنِ ، فَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ ، يَرُدُّهُ إلَى الْحَبْسِ حَتَّى يَكْشِفَ عَنْ حَالِ شُهُودِهِ .\rوَإِنْ كَذَّبَهُ خَصْمُهُ ، وَقَالَ : بَلْ قَدْ عَرَفَ الْحَاكِمُ عَدَالَةَ شُهُودِي ، وَحَكَمَ عَلَيْهِ بِالْحَقِّ .\rفَالْقَوْلُ قَوْلُهُ ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ حَبْسَهُ بِحَقٍّ .\rالْجَوَابُ الرَّابِعُ ، أَنْ يَقُولَ : حَبَسَنِي الْحَاكِمُ بِثَمَنِ كَلْبٍ ، أَوْ قِيمَةِ خَمْرٍ أَرَقْته لِذِمِّيٍّ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يَرَى ذَلِكَ .\rفَإِنْ صَدَّقَهُ خَصْمُهُ ، فَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّهُ يُطْلِقُهُ ؛ لِأَنَّ غُرْمَ هَذَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ .\rوَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ ، أَنَّ الْحَاكِمَ يُنَفِّذُ حُكْمَ الْحَاكِمِ الْأَوَّلِ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ نَقْضُ حُكْمِ غَيْرِهِ بِاجْتِهَادِهِ .\rوَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ ، أَنَّهُ يَتَوَقَّفُ وَيَجْتَهِدُ أَنْ يَصْطَلِحَا عَلَى شَيْءٍ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ فِعْلُ أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ الْمُتَقَدِّمَيْنِ .\rوَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ ، كَهَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ .\rوَإِنْ كَذَّبَهُ خَصْمُهُ ، وَقَالَ : بَلْ حُبِسْت بِحَقِّ وَاجِبٍ غَيْرِ هَذَا .\rفَالْقَوْلُ قَوْلُهُ ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ حَبْسُهُ بِحَقٍّ .\rالْجَوَابُ الْخَامِسُ ، أَنْ يَقُولَ : حُبِسْت ظُلْمًا ، وَلَا حَقَّ عَلَيَّ .\rفَيُنَادِي مُنَادِي الْحَاكِمِ بِذِكْرِ مَا قَالَهُ ، فَإِنْ حَضَرَ رَجُلٌ فَقَالَ : أَنَا خَصْمُهُ .\rفَأَنْكَرَهُ ، وَكَانَتْ لِلْمُدَّعِي بَيِّنَةٌ كُلِّفَ الْجَوَابَ عَلَى مَا مَضَى ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ ، أَوْ لَمْ يَظْهَرْ لَهُ خَصْمٌ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ أَنَّهُ لَا خَصْمَ لَهُ ، أَوْ لَا حَقَّ عَلَيْهِ ، وَيُخْلَى سَبِيلُهُ .","part":22,"page":467},{"id":10967,"text":"( 8227 ) فَصْلٌ : ثُمَّ يَنْظُرُ فِي أَمْرِ الْأَوْصِيَاءِ ؛ لِأَنَّهُمْ يَكُونُونَ نَاظِرِينَ فِي أَمْوَالِ الْيَتَامَى وَالْمَجَانِينِ وَتَفْرِقَةِ الْوَصِيَّةِ بَيْنَ الْمَسَاكِينِ ، فَيَقْصِدُهُمْ الْحَاكِمُ بِالنَّظَرِ ؛ لِأَنَّ الْمَنْظُورَ عَلَيْهِ لَا يُمْكِنُهُ الْمُطَالَبَةُ بِحَقِّهِ ، فَإِنَّ الصَّغِيرَ وَالْمَجْنُونَ لَا قَوْلَ لَهُمَا ، وَالْمَسَاكِينُ لَا يَتَعَيَّنُ الْأَخْذُ مِنْهُمْ ، فَإِذَا قَدِمَ إلَيْهِ الْوَصِيُّ ، فَإِنْ كَانَ الْحَاكِمُ قَبْلَهُ نَفَّذَ وَصِيَّتَهُ ، لَمْ يَعْزِلْهُ ؛ لِأَنَّ الْحَاكِمَ مَا نَفَّذَ وَصِيَّتَهُ إلَّا وَقَدْ عَرَفَ أَهْلِيَّتَهُ فِي الظَّاهِرِ ، وَلَكِنْ يُرَاعِيهِ ، فَإِنْ تَغَيَّرَتْ حَالُهُ بِفِسْقٍ أَوْ ضَعْفٍ ، أَضَافَ إلَيْهِ أَمِينًا قَوِيًّا يُعِينُهُ ، وَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ مَا نَفَّذَ وَصِيَّتَهُ ، نَظَرَ فِيهِ ، فَإِنْ كَانَ أَمِينًا قَوِيًّا ، أَقَرَّهُ ، وَإِنْ كَانَ أَمِينًا أَوْ ضَعِيفًا ، ضَمَّ إلَيْهِ مَنْ يُعِينُهُ ، وَإِنْ كَانَ فَاسِقًا ، عَزَلَهُ وَأَقَامَ غَيْرَهُ .\rوَعَلَى قَوْلِ الْخِرَقِيِّ ، يُضَمُّ إلَيْهِ أَمِينٌ يَنْظُرُ عَلَيْهِ .\rوَإِنْ كَانَ قَدْ تَصَرَّفَ ، أَوْ فَرَّقَ الْوَصِيَّةَ ، وَهُوَ أَهْلٌ لِلْوَصِيَّةِ ، نَفَّذَ تَصَرُّفَهُ ، وَإِنْ كَانَ لَيْسَ بِأَهْلٍ ، وَكَانَ أَهْلُ الْوَصِيَّةِ بَالِغِينَ عَاقِلِينَ مُعِينِينَ ، صَحَّ الدَّفْعُ إلَيْهِمْ ؛ لِأَنَّهُمْ قَبَضُوا حُقُوقَهُمْ ، وَإِنْ كَانُوا غَيْرَ مُعِينِينَ ، كَالْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، عَلَيْهِ الضَّمَانُ ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي ، وَأَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ التَّصَرُّفُ .\rوَالثَّانِي ، لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ أَوْصَلَهُ إلَى أَهْلِهِ .\rوَكَذَلِكَ إنْ فَرَّقَ الْوَصِيَّةَ غَيْرُ الْمُوصَى إلَيْهِ بِتَفْرِيقِهَا ، فَعَلَى وَجْهَيْنِ .","part":22,"page":468},{"id":10968,"text":"( 8228 ) فَصْلٌ : ثُمَّ يَنْظُرُ فِي أُمَنَاءِ الْحَاكِمِ ، وَهُمْ مَنْ رَدَّ إلَيْهِمْ الْحَاكِمُ النَّظَرَ فِي أَمْرِ الْأَطْفَالِ ، وَتَفْرِقَةِ الْوَصَايَا الَّتِي لَمْ يُعَيَّنْ لَهَا وَصِيٌّ ، فَإِنْ كَانُوا بِحَالِهِمْ ، أَقَرَّهُمْ ؛ لِأَنَّ الَّذِي قَبْلَهُ وَلَّاهُمْ ، وَمَنْ تَغَيَّرَ حَالُهُ مِنْهُمْ ، عَزَلَهُ إنْ فَسَقَ ، وَإِنْ ضَعُفَ ، ضَمَّ إلَيْهِ أَمِينًا .","part":22,"page":469},{"id":10969,"text":"( 8229 ) فَصْلٌ : ثُمَّ يَنْظُرُ فِي أَمْرِ الضَّوَالِّ وَاللُّقَطَةِ الَّتِي تَوَلَّى الْحَاكِمُ حِفْظَهَا ؛ فَإِنْ كَانَتْ مِمَّا يُخَافُ تَلَفُهُ كَالْحَيَوَانِ ، أَوْ فِي حِفْظِهِ مُؤْنَةٌ كَالْأَمْوَالِ الْجَافِيَةِ ، بَاعَهَا ، وَحَفِظَ ثَمَنَهَا لِأَرْبَابِهَا ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ كَالْأَثْمَانِ ، حَفِظَهَا لِأَرْبَابِهَا ، وَيَكْتُبُ عَلَيْهَا لِتُعْرَفَ .","part":22,"page":470},{"id":10970,"text":"( 8230 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَلَا يَحْكُمُ الْحَاكِمُ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ ) لَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِيمَا عَلِمْنَاهُ ، فِي أَنَّ الْقَاضِيَ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَقْضِيَ وَهُوَ غَضْبَانُ .\rكَرِهَ ذَلِكَ شُرَيْحٌ ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ .\r{ وَكَتَبَ أَبُو بَكْرَةَ إلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ وَهُوَ قَاضٍ بِسِجِسْتَانَ ، أَنْ لَا تَحْكُمَ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَأَنْتَ غَضْبَانُ ؛ فَإِنِّي سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : لَا يَحْكُمْ أَحَدٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَكَتَبَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إلَى أَبِي مُوسَى : إيَّاكَ وَالْغَضَبَ ، وَالْقَلَقَ ، وَالضَّجَرَ ، وَالتَّأَذِّي بِالنَّاسِ ، وَالتَّنَكُّرَ لَهُمْ عِنْدَ الْخُصُومَةِ ، فَإِذَا رَأَيْت الْخَصْمَ يَتَعَمَّدُ الظُّلْمَ ، فَأَوْجِعْ رَأْسَهُ .\rوَلِأَنَّهُ إذَا غَضِبَ تَغَيَّرَ عَقْلُهُ ، وَلَمْ يَسْتَوْفِ رَأْيَهُ وَفِكْرَهُ .\rوَفِي مَعْنَى الْغَضَبِ كُلُّ مَا شَغَلَ فِكْرَهُ مِنْ الْجُوعِ الْمُفْرِطِ ، وَالْعَطَشِ الشَّدِيدِ ، وَالْوَجَعِ الْمُزْعِجِ ، وَمُدَافَعَةِ أَحَدِ الْأَخْبَثَيْنِ ، وَشِدَّةِ النُّعَاسِ ، وَالْهَمِّ ، وَالْغَمِّ ، وَالْحُزْنِ ، وَالْفَرَحِ ، فَهَذِهِ كُلُّهَا تَمْنَعُ الْحَاكِمَ ؛ لِأَنَّهَا تَمْنَعُ حُضُورَ الْقَلْبِ ، وَاسْتِيفَاءَ الْفِكْرِ ، الَّذِي يُتَوَصَّلُ بِهِ إلَى إصَابَةِ الْحَقِّ فِي الْغَالِبِ ، فَهِيَ فِي مَعْنَى الْغَضَبِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ ، فَتَجْرِي مَجْرَاهُ .\rفَإِنْ حَكَمَ فِي الْغَضَبِ أَوْ مَا شَاكَلَهُ ، فَحُكِيَ عَنْ الْقَاضِي ، أَنَّهُ لَا يَنْفُذُ قَضَاؤُهُ ؛ لِأَنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ ، وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي فَسَادَ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ .\rوَقَالَ فِي \" الْمُجَرَّدِ \" : يَنْفُذُ قَضَاؤُهُ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِمَا رُوِيَ ، أَنَّ { النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اخْتَصَمَ إلَيْهِ الزُّبَيْرُ وَرَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ ، فِي شِرَاجِ الْحَرَّةِ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلزُّبَيْرِ : اسْقِ ، ثُمَّ أَرْسِلْ الْمَاءَ إلَى جَارِك .\rفَقَالَ","part":22,"page":471},{"id":10971,"text":"الْأَنْصَارِيُّ : أَنْ كَانَ ابْنَ عَمَّتِك .\rفَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ لِلزُّبَيْرِ : اسْقِ ، ثُمَّ احْبِسْ الْمَاءَ حَتَّى يَبْلُغَ الْجُدُرَ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rفَحَكَمَ فِي حَالِ غَضَبِهِ .\rوَقِيلَ : إنَّمَا يَمْنَعُ الْغَضَبُ الْحَاكِمَ إذَا كَانَ قَبْلَ أَنْ يَتَّضِحَ لَهُ الْحُكْمُ فِي الْمَسْأَلَةِ ، فَأَمَّا إنَّ اتَّضَحَ الْحُكْمُ ، ثُمَّ عَرَضَ الْغَضَبُ ، لَمْ يَمْنَعْهُ ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ قَدْ اسْتَبَانَ قَبْلَ الْغَضَبِ ، فَلَا يُؤَثِّرُ الْغَضَبُ فِيهِ .","part":22,"page":472},{"id":10972,"text":"( 8231 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِذَا نَزَلَ بِهِ الْأَمْرُ الْمُشْكِلُ عَلَيْهِ مِثْلُهُ ، شَاوَرَ فِيهِ أَهْلَ الْعِلْمِ وَالْأَمَانَةِ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْحَاكِمَ إذَا حَضَرَتْهُ قَضِيَّةٌ تَبَيَّنَ لَهُ حُكْمُهَا فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى ، أَوْ سُنَّةِ رَسُولِهِ ، أَوْ إجْمَاعٍ ، أَوْ قِيَاسٍ جَلِيٍّ ، حَكَمَ وَلَمْ يَحْتَجْ إلَى رَأْيِ غَيْرِهِ ؛ { لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمُعَاذٍ حِينَ بَعَثَهُ إلَى الْيَمَنِ : بِمَ تَحْكُمُ ؟ قَالَ : بِكِتَابِ اللَّهِ .\rقَالَ : فَإِنْ لَمْ تَجِدْ ؟ .\rقَالَ : بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rقَالَ : فَإِنْ لَمْ تَجِدْ ؟ .\rقَالَ : أَجْتَهِدُ رَأْيِي ، وَلَا آلُو .\rقَالَ : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَفَّقَ رَسُولَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَا يُرْضِي رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ } .\rوَإِنْ احْتَاجَ إلَى الِاجْتِهَادِ ، اُسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ يُشَاوِرَ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ } .\rقَالَ الْحَسَنُ : إنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَغَنِيًّا عَنْ مُشَاوَرَتِهِمْ ، وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنْ يَسْتَنَّ بِذَلِكَ الْحُكَّامُ بَعْدَهُ .\rوَقَدْ شَاوَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَصْحَابَهُ فِي أُسَارَى بَدْرٍ ، وَفِي مُصَالَحَةِ الْكُفَّارِ يَوْمَ الْخَنْدَقِ ، وَفِي لِقَاءِ الْكُفَّارِ يَوْمَ بَدْرٍ .\rوَرُوِيَ : مَا كَانَ أَحَدٌ أَكْثَرَ مُشَاوَرَةً لِأَصْحَابِهِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rوَشَاوَرَ أَبُو بَكْرٍ النَّاسَ فِي مِيرَاثِ الْجَدَّةِ ، وَعُمَرُ فِي دِيَةِ الْجَنِينِ ، وَشَاوَرَ الصَّحَابَةَ فِي حَدِّ الْخَمْرِ .\rوَرُوِيَ : أَنَّ عُمَرَ كَانَ يَكُونُ عِنْدَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهُمْ عُثْمَانُ ، وَعَلِيٌّ ، وَطَلْحَةُ ، وَالزُّبَيْرُ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ ، إذَا نَزَلَ بِهِ الْأَمْرُ شَاوَرَهُمْ فِيهِ .\rوَلَا مُخَالِفَ فِي اسْتِحْبَابِ ذَلِكَ ، قَالَ أَحْمَدُ : لَمَّا وَلِي سَعْدُ بْنُ إبْرَاهِيمَ قَضَاءَ الْمَدِينَةِ ، كَانَ","part":22,"page":473},{"id":10973,"text":"يَجْلِسُ بَيْنَ الْقَاسِمِ وَسَالِمٍ يُشَاوِرُهُمَا ، وَوَلِيَ مُحَارِبُ بْنُ دِثَارٍ قَضَاءَ الْكُوفَةِ ، فَكَانَ يَجْلِسُ بَيْنَ الْحَكَمِ وَحَمَّادٍ يُشَاوِرُهُمَا ، مَا أَحْسَنَ هَذَا لَوْ كَانَ الْحُكَّامُ يَفْعَلُونَهُ ، يُشَاوِرُونَ وَيَنْتَظِرُونَ .\rوَلِأَنَّهُ قَدْ يَنْتَبِهُ بِالْمُشَاوِرَةِ ، وَيَتَذَكَّرُ مَا نَسِيَهُ بِالْمُذَاكَرَةِ ، وَلِأَنَّ الْإِحَاطَةَ بِجَمِيعِ الْعُلُومِ مُتَعَذِّرَةٌ .\rوَقَدْ يَنْتَبِهُ لِإِصَابَةِ الْحَقِّ وَمَعْرِفَةِ الْحَادِثَةِ مَنْ هُوَ دُونَ الْقَاضِي ، فَكَيْفَ بِمَنْ يُسَاوِيهِ أَوْ يَزِيدُ عَلَيْهِ ، فَقَدْ رُوِيَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، جَاءَتْهُ الْجَدَّتَانِ ، فَوَرَّثَ أُمَّ الْأُمِّ ، وَأَسْقَطَ أُمَّ الْأَبِ ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَهْلٍ : يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ ، لَقَدْ أَسْقَطْت الَّتِي لَوْ مَاتَتْ وَرِثَهَا ، وَوَرَّثْت الَّتِي لَوْ مَاتَتْ لَمْ يَرِثْهَا .\rفَرَجَعَ أَبُو بَكْرٍ ، فَأَشْرَكَ بَيْنَهُمَا .\rوَرَوَى عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ ، عَنْ الشَّعْبِيِّ أَنَّ كَعْبَ بْنَ سَوَّارٍ ، كَانَ جَالِسًا عِنْدَ عُمَرَ ، فَجَاءَتْهُ امْرَأَةٌ ، فَقَالَتْ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، مَا رَأَيْت رَجُلًا قَطُّ أَفْضَلَ مِنْ زَوْجِي ، وَاَللَّهِ إنَّهُ لَيَبِيتُ لَيْلَهُ قَائِمًا ، وَيَظَلُّ نَهَارَهُ صَائِمًا فِي الْيَوْمِ الْحَارِّ مَا يُفْطِرُ .\rفَاسْتَغْفَرَ لَهَا ، وَأَثْنَى عَلَيْهَا ، وَقَالَ : مِثْلُك أَثْنَى الْخَيْرِ .\rقَالَ : وَاسْتَحْيَتْ الْمَرْأَةُ فَقَامَتْ رَاجِعَةً ، فَقَالَ كَعْبٌ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ هَلَّا أَعْدَيْت الْمَرْأَةَ عَلَى زَوْجِهَا ؟ قَالَ : وَمَا شَكَتْ ؟ قَالَ : شَكَتْ زَوْجَهَا أَشَدَّ الشِّكَايَةِ .\rقَالَ : أَوْ ذَاكَ أَرَادَتْ ؟ قَالَ : نَعَمْ .\rقَالَ : رُدُّوا عَلَيَّ الْمَرْأَةَ .\rفَقَالَ : لَا بَأْسَ بِالْحَقِّ أَنْ تَقُولِيهِ ، إنَّ هَذَا زَعَمَ أَنَّك جِئْت تَشْكِينَ زَوْجَك ، أَنَّهُ يَجْتَنِبُ فِرَاشَك .\rقَالَتْ : أَجَلْ ، إنِّي امْرَأَةٌ شَابَّةٌ ، وَإِنِّي لَأَبْتَغِيَ مَا يَبْتَغِي النِّسَاءُ .\rفَأَرْسَلَ إلَى زَوْجِهَا ، فَجَاءَ ، فَقَالَ لِكَعْبٍ : اقْضِ بَيْنَهُمَا .\rقَالَ : أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ أَحَقُّ","part":22,"page":474},{"id":10974,"text":"أَنْ يَقْضِيَ بَيْنَهُمَا .\rقَالَ : عَزَمْت عَلَيْك لَتَقْضِيَنَّ بَيْنَهُمَا ، فَإِنَّك فَهِمْت مِنْ أَمْرِهِمَا مَا لَمْ أَفْهَمْ .\rقَالَ : فَإِنِّي أَرَى كَأَنَّهَا عَلَيْهَا ثَلَاثُ نِسْوَةٍ ، هِيَ رَابِعَتُهُنَّ ، فَأَقْضِي لَهُ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ بِلَيَالِيِهِنَّ يَتَعَبَّدُ فِيهِنَّ ، وَلَهَا يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ .\rفَقَالَ عُمَرُ : وَاَللَّهِ مَا رَأْيُك الْأَوَّلُ أَعْجَبُ إلَيَّ مِنْ الْآخَرِ ، اذْهَبْ فَأَنْتَ قَاضٍ عَلَى الْبَصْرَةِ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّهُ يُشَاوِرُ أَهْلَ الْعِلْمِ وَالْأَمَانَةِ ؛ لِأَنَّ مَنْ لَيْسَ كَذَلِكَ فَلَا قَوْلَ لَهُ فِي الْحَادِثَةِ ، وَلَا يُسْكَنُ إلَى قَوْلِهِ .\rقَالَ سُفْيَانُ : وَلْيَكُنْ أَهْلُ مَشُورَتِك أَهْلَ التَّقْوَى وَأَهْلَ الْأَمَانَةِ .\rوَيُشَاوِرُ الْمُوَافِقِينَ وَالْمُخَالِفِينَ ، وَيَسْأَلُهُمْ عَنْ حُجَّتِهِمْ ، لِيَبِينَ لَهُ الْحَقُّ .\r( 8232 ) فَصْلٌ : وَالْمُشَاوَرَةُ هَاهُنَا لِاسْتِخْرَاجِ الْأَدِلَّةِ ، وَيَعْرِفُ الْحَقَّ بِالِاجْتِهَادِ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَلِّدَ غَيْرَهُ ، وَيَحْكُمَ بُقُولِ سِوَاهُ ، سَوَاءٌ ظَهَرَ لَهُ الْحَقُّ فَخَالَفَهُ غَيْرُهُ فِيهِ ، أَوْ لَمْ يَظْهَرْ لَهُ شَيْءٌ ، وَسَوَاءٌ ضَاقَ الْوَقْتُ ، أَوْ لَمْ يَضِقْ .\rوَكَذَلِكَ لَيْسَ لِلْمُفْتِي الْفُتْيَا بِالتَّقْلِيدِ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إذَا كَانَ الْحَاكِمُ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ ، جَازَ لَهُ تَرْكُ رَأْيِهِ لِرَأْيِ مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ عِنْدَهُ إذَا صَارَ إلَيْهِ ، فَهُوَ ضَرْبٌ مِنْ الِاجْتِهَادِ .\rوَلِأَنَّهُ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ أَعْرَفُ مِنْهُ بِطَرِيقِ الِاجْتِهَادِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ ، فَلَمْ يَجُزْ لَهُ تَقْلِيدُ غَيْرِهِ ، كَمَا لَوْ كَانَ مِثْلَهُ ، كَالْمُجْتَهِدِينَ فِي الْقِبْلَةِ ، وَمَا ذَكَرَهُ لَيْسَ بِصَحِيحٍ ؛ فَإِنَّ مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ يَجُوزُ عَلَيْهِ الْخَطَأُ ، فَإِذَا اعْتَقَدَ أَنَّ مَا قَالَهُ خَطَأٌ ، لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يَبِنْ لَهُ الْحَقُّ ، فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَحْكُمَ بِمَا يَجُوزُ أَنْ يَبِينَ لَهُ خَطَؤُهُ إذَا اجْتَهَدَ .","part":22,"page":475},{"id":10975,"text":"فَصْلٌ : قَالَ أَصْحَابُنَا : يُسْتَحَبُّ أَنْ يُحْضِرَ مَجْلِسَهُ أَهْلَ الْعِلْمِ مِنْ كُلِّ مَذْهَبٍ ، حَتَّى إذَا حَدَثَتْ حَادِثَةٌ ، يُفْتَقَرُ إلَى أَنْ يَسْأَلَهُمْ عَنْهَا سَأَلَهُمْ ، لِيَذْكُرُوا أَدِلَّتَهُمْ فِيهَا وَجَوَابَهُمْ عَنْهَا ، فَإِنَّهُ أَسْرَعُ لِاجْتِهَادِهِ ، وَأَقْرَبُ لِصَوَابِهِ ، فَإِنْ حَكَمَ بِاجْتِهَادِهِ ، فَلَيْسَ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِ وَإِنْ خَالَفَ اجْتِهَادَهُ ؛ لِأَنَّ فِيهِ افْتِيَاتًا عَلَيْهِ ، إلَّا أَنْ يَحْكُمَ بِمَا يُخَالِفُ .\rنَصًّا أَوْ إجْمَاعًا .","part":22,"page":476},{"id":10976,"text":"( 8234 ) فَصْلٌ : وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُحْضِرَ شُهُودَهُ مَجْلِسَهُ ، لِيَسْتَوْفِيَ بِهِمْ الْحُقُوقَ ، وَتَثْبُتَ بِهِمْ الْحُجَجُ وَالْمَحَاضِرُ ، فَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يَحْكُمُ بِعِلْمِهِ ، فَإِنْ شَاءَ أَدْنَاهُمْ إلَيْهِ ، وَإِنْ شَاءَ بَاعَدَهُمْ مِنْهُ ، بِحَيْثُ إذَا احْتَاجَ إلَى إشْهَادِهِمْ عَلَى حُكْمِهِ اسْتَدْعَاهُمْ لِيَشْهَدُوا بِذَلِكَ ، وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ لَا يَحْكُمُ بِعِلْمِهِ ، أَجْلَسَهُمْ بِالْقُرْبِ مِنْهُ حَتَّى يَسْمَعُوا كَلَامَ الْمُتَخَاصِمَيْنِ ، لِئَلَّا يُقِرَّ مِنْهُمْ مُقِرٌّ ثُمَّ يُنْكِرَ وَيَجْحَدَ ، فَيَحْفَظُوا عَلَيْهِ إقْرَارَهُ ، وَيَشْهَدُوا بِهِ .","part":22,"page":477},{"id":10977,"text":"( 8235 ) فَصْلٌ : وَإِذَا اتَّصَلَتْ بِهِ الْحَادِثَةُ ، وَاسْتَنَارَتْ الْحُجَّةُ لِأَحَدِ الْخَصْمَيْنِ ، حَكَمَ .\rوَإِنْ كَانَ فِيهَا لَبْسٌ ، أَمَرَهُمَا بِالصُّلْحِ ، فَإِنْ أَبَيَا أَخَّرَهُمَا إلَى الْبَيَانِ ، فَإِنَّ عَجَّلَهَا قَبْلَ الْبَيَانِ ، لَمْ يَصْلُحْ حُكْمُهُ .\rوَمِمَّنْ رَأَى الْإِصْلَاحَ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ ، شُرَيْحٌ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُتْبَةَ وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَالْعَنْبَرِيُّ ، وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ ، أَنَّهُ قَالَ : رُدُّوا الْخُصُومَ حَتَّى يَصْطَلِحُوا ، فَإِنَّ فَصْلَ الْقَضَاءِ يُحْدِثُ بَيْنَ الْقَوْمِ الضَّغَائِنَ .\rقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : إنَّمَا يَسَعُهُ الصُّلْحُ فِي الْأُمُورِ الْمُشْكِلَةِ ، أَمَّا إذَا اسْتَنَارَتْ الْحُجَّةُ لِأَحَدِ الْخَصْمَيْنِ ، وَتَبَيَّنَ لَهُ مَوْضِعُ الظَّالِمِ ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَحْمِلَهُمَا عَلَى الصُّلْحِ .\rوَنَحْوُهُ قَوْلُ عَطَاءٍ .\rوَاسْتَحْسَنَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ .\rوَرُوِيَ عَنْ شُرَيْحٍ أَنَّهُ مَا أَصْلَحَ بَيْنَ مُتَحَاكِمَيْنِ إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً .","part":22,"page":478},{"id":10978,"text":"( 8236 ) فَصْلٌ : وَإِذَا حَدَثَتْ حَادِثَةٌ نَظَرَ فِي كِتَابِ اللَّهِ ، فَإِنْ وَجَدَهَا ، وَإِلَّا نَظَرَ فِي سُنَّةِ رَسُولِهِ ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْهَا ، نَظَرَ فِي الْقِيَاسِ ، فَأَلْحَقَهَا بِأَشْبَهِ الْأُصُولِ بِهَا ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ حَدِيثِ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ، وَهُوَ حَدِيثٌ يَرْوِيهِ عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ ابْنُ أَخِي الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ، عَنْ رِجَالٍ مِنْ أَصْحَابِ مُعَاذٍ مِنْ أَهْلِ حِمْصَ ، وَعَمْرٌو وَالرِّجَالُ مَجْهُولُونَ ، إلَّا أَنَّهُ حَدِيثٌ مَشْهُورٌ فِي كُتُبِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ ، وَالْإِمَامُ أَحْمَدُ ، وَغَيْرُهُمَا ، تَلَقَّاهُ الْعُلَمَاءُ بِالْقَبُولِ ، وَجَاءَ عَنْ الصَّحَابَةِ مِنْ قَوْلِهِمْ مَا يُوَافِقُهُ ، فَرَوَى سَعِيدٌ ، أَنَّ عُمَرَ قَالَ لِشُرَيْحٍ : اُنْظُرْ مَا يَتَبَيَّنُ لَك فِي كِتَابِ اللَّهِ ، فَلَا تَسْأَلْ عَنْهُ أَحَدًا ، وَمَا لَا يَتَبَيَّنُ لَك فِي كِتَابِ اللَّهِ ، فَاتَّبِعْ فِيهِ السُّنَّةَ ، وَمَا لَمْ يَتَبَيَّنْ لَك فِي السُّنَّةِ ، فَاجْتَهِدْ فِيهِ رَأْيَك .\rوَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ مِثْلُ ذَلِكَ .","part":22,"page":479},{"id":10979,"text":"( 8237 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَلَا يَحْكُمُ الْحَاكِمُ بِعِلْمِهِ ) ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّ الْحَاكِمَ لَا يَحْكُمُ بِعِلْمِهِ فِي حَدٍّ وَلَا غَيْرِهِ ، لَا فِيمَا عَلِمَهُ قَبْلَ الْوِلَايَةِ وَلَا بَعْدَهَا .\rهَذَا قَوْلُ شُرَيْحٍ ، وَالشَّعْبِيِّ ، وَمَالِكٍ ، وَإِسْحَاقَ ، وَأَبِي عُبَيْدٍ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ .\rوَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى : يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَالْقَوْلُ الثَّانِي لِلشَّافِعِيِّ ، وَاخْتِيَارُ الْمُزَنِيّ ؛ { لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا قَالَتْ لَهُ هِنْدٌ : إنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ ، لَا يُعْطِينِي مِنْ النَّفَقَةِ مَا يَكْفِينِي وَوَلَدِي .\rقَالَ : خُذِي مَا يَكْفِيك وَوَلَدَك بِالْمَعْرُوفِ } .\rفَحَكَمَ لَهَا مِنْ غَيْرِ بَيِّنَةٍ وَلَا إقْرَارٍ ، لِعِلْمِهِ بِصِدْقِهَا .\rوَرَوَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، فِي \" كِتَابِهِ \" أَنَّ عُرْوَةَ وَمُجَاهِدًا رَوَيَا ، أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ اسْتَعْدَى عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ عَلَى أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ ، أَنَّهُ ظَلَمَهُ حَدًّا فِي مَوْضِعِ كَذَا وَكَذَا .\rقَالَ عُمَرُ : إنِّي لَأَعْلَمُ النَّاسِ بِذَلِكَ ، وَرُبَّمَا لَعِبْت أَنَا وَأَنْتَ فِيهِ ، وَنَحْنُ غِلْمَانٌ ، فَأْتِنِي بِأَبِي سُفْيَانَ .\rفَأَتَاهُ بِهِ ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ : يَا أَبَا سُفْيَانَ ، انْهَضْ بِنَا إلَى مَوْضِعِ كَذَا وَكَذَا .\rفَنَهَضُوا ، وَنَظَرَ عُمَرُ ، فَقَالَ : يَا أَبَا سُفْيَانَ ، خُذْ هَذَا الْحَجَرَ مِنْ هَاهُنَا فَضَعْهُ هَاهُنَا .\rفَقَالَ : وَاَللَّهِ لَا أَفْعَلُ .\rفَقَالَ : وَاَللَّهِ لَتَفْعَلَنَّ .\rفَقَالَ : وَاَللَّهِ لَا أَفْعَلُ .\rفَعَلَاهُ بِالدِّرَّةِ ، وَقَالَ : خُذْهُ لَا أُمَّ لَك ، فَضَعْهُ هَاهُنَا ، فَإِنَّك مَا عَلِمْت قَدِيمَ الظُّلْمِ .\rفَأَخَذَ أَبُو سُفْيَانَ الْحَجَرَ ، وَوَضَعَهُ حَيْثُ قَالَ عُمَرُ ، ثُمَّ إنَّ عُمَرَ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ ، فَقَالَ : اللَّهُمَّ لَك الْحَمْدُ حَيْثُ لَمْ تُمِتْنِي حَتَّى غَلَبْت أَبَا سُفْيَانَ عَلَى رَأْيِهِ ، وَأَذْلَلْته لِي بِالْإِسْلَامِ .\rقَالَ : فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ أَبُو","part":22,"page":480},{"id":10980,"text":"سُفْيَانَ ، وَقَالَ : اللَّهُمَّ لَك الْحَمْدُ ، إذْ لَمْ تُمِتْنِي حَتَّى جَعَلْت فِي قَلْبِي مِنْ الْإِسْلَامِ مَا أَذِلُّ بِهِ لِعُمَرَ .\rقَالُوا : فَحَكَمَ بِعِلْمِهِ .\rوَلِأَنَّ الْحَاكِمَ يَحْكُمُ بِالشَّاهِدَيْنِ ، لِأَنَّهُمَا يَغْلِبَانِ عَلَى الظَّنِّ ، فَمَا تَحَقَّقَهُ وَقَطَعَ بِهِ ، كَانَ أَوْلَى ، وَلِأَنَّهُ يَحْكُمُ بِعِلْمِهِ فِي تَعْدِيلِ الشُّهُودِ وَجَرْحِهِمْ ، فَكَذَلِكَ فِي ثُبُوتِ الْحَقِّ ، قِيَاسًا عَلَيْهِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : مَا كَانَ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ ، لَا يَحْكُمُ فِيهِ بِعِلْمِهِ ؛ لِأَنَّ حُقُوقَ اللَّهِ تَعَالَى مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْمُسَاهَلَةِ وَالْمُسَامَحَةِ ، وَأَمَّا حُقُوقُ الْآدَمِيِّينَ فَمَا عَلِمَهُ قَبْلَ وِلَايَتِهِ لَمْ يَحْكُمْ بِهِ ، وَمَا عَلِمَهُ فِي وِلَايَتِهِ ، حَكَمَ بِهِ ؛ لِأَنَّ مَا عَلِمَهُ قَبْلَ وِلَايَتِهِ بِمَنْزِلَةِ مَا سَمِعَهُ مِنْ الشُّهُودِ قَبْلَ وِلَايَتِهِ ، وَمَا عَلِمَهُ فِي وِلَايَتِهِ ، بِمَنْزِلَةِ مَا سَمِعَهُ مِنْ الشُّهُودِ فِي وِلَايَتِهِ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إنَّمَا أَنَا بَشَرٌ ، وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إلَيَّ ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ ، فَأَقْضِيَ لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ مِنْهُ } .\rفَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ إنَّمَا يَقْضِي بِمَا يَسْمَعُ ، لَا بِمَا يَعْلَمُ { .\rوَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَضِيَّةِ الْحَضْرَمِيِّ وَالْكِنْدِيِّ : شَاهِدَاك أَوْ يَمِينُهُ ، لَيْسَ لَك مِنْهُ إلَّا ذَاكَ } .\rوَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ تَدَاعَى عِنْدَهُ رَجُلَانِ ، فَقَالَ لَهُ أَحَدُهُمَا : أَنْتَ شَاهِدِي .\rفَقَالَ : إنَّ شِئْتُمَا شَهِدْت وَلَمْ أَحْكُمُ ، أَوْ أَحْكُمُ وَلَا أَشْهَدُ .\rوَذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، فِي \" كِتَابِهِ \" ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { بَعَثَ أَبَا جَهْمٍ عَلَى الصَّدَقَةِ ، فَلَاحَاهُ رَجُلٌ فِي فَرِيضَةٍ ، فَوَقَعَ بَيْنَهُمَا شِجَاجٌ ، فَأَتَوْا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَعْطَاهُمْ الْأَرْشَ ، ثُمَّ قَالَ : إنِّي خَاطِبٌ","part":22,"page":481},{"id":10981,"text":"النَّاسَ ، وَمُخْبِرُهُمْ أَنَّكُمْ قَدْ رَضِيتُمْ ، أَرَضِيتُمْ ؟ قَالُوا : نَعَمْ .\rفَصَعِدَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمِنْبَرَ فَخَطَبَ ، وَذَكَرَ الْقِصَّةَ ، وَقَالَ : أَرَضِيتُمْ ؟ قَالُوا : لَا .\rفَهَمَّ بِهِمْ الْمُهَاجِرُونَ ، فَنَزَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَعْطَاهُمْ ، ثُمَّ صَعِدَ ، فَخَطَبَ النَّاسَ ، ثُمَّ قَالَ : أَرَضِيتُمْ ؟ .\rقَالُوا : نَعَمْ } .\rوَهَذَا يُبَيِّنُ أَنَّهُ لَمْ يَأْخُذْ بِعِلْمِهِ .\rوَرُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : لَوْ رَأَيْت حَدًّا عَلَى رَجُلٍ ، لَمْ أَحُدَّهُ حَتَّى تَقُومَ الْبَيِّنَةُ .\rوَلِأَنَّ تَجْوِيزَ الْقَضَاءِ بِعِلْمِهِ يُفْضِي إلَى تُهْمَتِهِ ، وَالْحُكْمِ بِمَا اشْتَهَى ، وَيُحِيلُهُ عَلَى عِلْمِهِ .\rفَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي سُفْيَانَ ، فَلَا حُجَّةَ فِيهِ ؛ لِأَنَّهُ فُتْيَا لَا حُكْمٌ ، بِدَلِيلِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَفْتَى فِي حَقِّ أَبِي سُفْيَانَ مِنْ غَيْرِ حُضُورِهِ ، وَلَوْ كَانَ حُكْمًا عَلَيْهِ لَمْ يَحْكُمْ عَلَيْهِ فِي غَيْبَتِهِ .\rوَحَدِيثُ عُمَرَ الَّذِي رَوَوْهُ ، كَانَ إنْكَارًا لِمُنْكَرٍ رَآهُ ، لَا حُكْمًا ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ مَا وُجِدَتْ مِنْهُمَا دَعْوَى وَإِنْكَارٌ بِشُرُوطِهِمَا وَدَلِيلُ ذَلِكَ مَا رَوَيْنَاهُ عَنْهُ ، ثُمَّ لَوْ كَانَ حُكْمًا ، كَانَ مُعَارَضًا بِمَا رَوَيْنَاهُ عَنْهُ ، وَيُفَارِقُ الْحُكْمَ بِالشَّاهِدَيْنِ ؛ فَإِنَّهُ لَا يُفْضِي إلَى تُهْمَةٍ ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا .\rوَأَمَّا الْجَرْحُ وَالتَّعْدِيلُ ، فَإِنَّهُ يَحْكُمُ فِيهِ بِعِلْمِهِ ، بِغَيْرِ خِلَافٍ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَحْكُمْ فِيهِ بِعِلْمِهِ ، لَتَسَلْسَلَ ، فَإِنَّ الْمُزَكِّيَيْنِ يَحْتَاجُ إلَى مَعْرِفَةِ عَدَالَتِهِمَا وَجَرْحِهِمَا ، فَإِذَا لَمْ يَعْمَلْ بِعِلْمِهِ ، احْتَاجَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إلَى مُزَكِّيَيْنِ ، ثُمَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَحْتَاجُ إلَى مُزَكِّيَيْنِ ، فَيَتَسَلْسَلُ ، وَمَا نَحْنُ فِيهِ بِخِلَافِهِ .","part":22,"page":482},{"id":10982,"text":"( 8238 ) فَصْلٌ : وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَحْكُمَ بِالْبَيِّنَةِ وَالْإِقْرَارِ فِي مَجْلِسِ حُكْمِهِ ، إذَا سَمِعَهُ مَعَهُ شَاهِدَانِ ، فَإِنْ لَمْ يَسْمَعْهُ مَعَهُ أَحَدٌ ، أَوْ سَمِعَهُ شَاهِدٌ ، فَنَصَّ أَحْمَدُ عَلَى أَنَّهُ يَحْكُمُ بِهِ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : لَا يَحْكُمُ بِهِ حَتَّى يَسْمَعَهُ مَعَهُ شَاهِدَانِ ؛ لِأَنَّهُ حَكَمَ بِعِلْمِهِ .","part":22,"page":483},{"id":10983,"text":"( 8239 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَلَا يَنْقُضُ مِنْ حُكْمِ غَيْرِهِ إذَا رُفِعَ إلَيْهِ ، إلَّا مَا خَالَفَ نَصَّ كِتَابٍ ، أَوْ سُنَّةٍ ، أَوْ إجْمَاعًا ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْحَاكِمَ إذَا رُفِعَتْ إلَيْهِ قَضِيَّةٌ قَدْ قَضَى بِهَا حَاكِمٌ سِوَاهُ ، فَبَانَ لَهُ خَطَؤُهُ ، أَوْ بَانَ لَهُ خَطَأُ نَفْسِهِ ، نَظَرْت ؛ فَإِنْ كَانَ الْخَطَأُ لِمُخَالَفَةِ نَصِّ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ أَوْ إجْمَاعٍ ، نَقَضَ حُكْمَهُ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَزَادَ : إذَا خَالَفَ نَصًّا جَلِيًّا نَقَضَهُ وَعَنْ مَالِكٍ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ، أَنَّهُمَا قَالَا : لَا يَنْقُضُ الْحُكْمَ إلَّا إذَا خَالَفَ الْإِجْمَاعَ .\rثُمَّ نَاقَضَا ذَلِكَ ، فَقَالَ مَالِكٌ : إذَا حَكَمَ بِالشُّفْعَةِ لِلْجَارِ نَقَضَ حُكْمَهُ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إذَا حَكَمَ بِبَيْعِ مَتْرُوكِ التَّسْمِيَةِ ، أَوْ حَكَمَ بَيْنَ الْعَبِيدِ بِالْقُرْعَةِ ، نَقَضَ حُكْمَهُ .\rوَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ : إذَا حَكَمَ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ ، نَقَضَ حُكْمَهُ .\rوَهَذِهِ مَسَائِلُ خِلَافٍ مُوَافَقَةٌ لِلسُّنَّةِ .\rوَاحْتَجُّوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَنْقُضُ مَا لَمْ يُخَالِفْ الْإِجْمَاعَ بِأَنَّهُ يَسُوغُ فِيهِ الْخِلَافُ ، فَلَمْ يَنْقُضْ حُكْمَهُ فِيهِ ، كَمَا لَا نَصَّ فِيهِ .\rوَحُكِيَ عَنْ أَبِي ثَوْرٍ ، وَدَاوُد أَنَّهُ يَنْقُضُ جَمِيعَ مَا بَانَ لَهُ خَطَؤُهُ ؛ لِأَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَتَبَ إلَى أَبِي مُوسَى : لَا يَمْنَعَنَّك قَضَاءٌ قَضَيْته بِالْأَمْسِ ، ثُمَّ رَاجَعْت نَفْسَك فِيهِ الْيَوْمَ ، فَهُدِيت لِرُشْدِك أَنْ تُرَاجِعَ فِيهِ الْحَقَّ ؛ فَإِنَّ الرُّجُوعَ إلَى الْحَقِّ خَيْرٌ مِنْ التَّمَادِي فِي الْبَاطِلِ ، وَلِأَنَّهُ خَطَأٌ ، فَوَجَبَ الرُّجُوعُ عَنْهُ ، كَمَا لَوْ خَالَفَ الْإِجْمَاعَ .\rوَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ وَافَقَهُمَا فِي قَضَاءِ نَفْسِهِ .\rوَلَنَا ، عَلَى نَقْضِهِ إذَا خَالَفَ نَصًّا أَوْ إجْمَاعًا ، أَنَّهُ قَضَاءٌ لَمْ يُصَادِفْ شَرْطَهُ ، فَوَجَبَ نَقْضُهُ ، كَمَا لَوْ لَمْ يُخَالِفْ الْإِجْمَاعَ ، وَبَيَانُ مُخَالَفَتِهِ لِلشَّرْطِ ، أَنَّ شَرْطَ الْحُكْمِ بِالِاجْتِهَادِ عَدَمُ النَّصِّ ، بِدَلِيلِ خَبَرِ مُعَاذٍ ، وَلِأَنَّهُ إذَا تَرَكَ","part":22,"page":484},{"id":10984,"text":"الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ ، فَقَدْ فَرَّطَ ، فَوَجَبَ نَقْضُ حُكْمِهِ ، كَمَا لَوْ خَالَفَ الْإِجْمَاعَ ، أَوْ كَمَا لَوْ حَكَمَ بِشَهَادَةِ كَافِرَيْنِ .\rوَمَا قَالُوهُ يَبْطُلُ بِمَا حَكَيْنَاهُ عَنْهُمْ فَإِنْ قِيلَ : أَلَيْسَ إذَا صَلَّى بِالِاجْتِهَادِ إلَى جِهَةٍ ، ثُمَّ بَانَ لَهُ الْخَطَأُ لَمْ يُعِدْ ؟ قُلْنَا : الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ ؛ أَحَدُهَا ، أَنَّ اسْتِقْبَالَ الْقِبْلَةِ يَسْقُطُ حَالَ الْعُذْرِ فِي حَالِ الْمُسَايَفَةِ وَالْخَوْفِ مِنْ عَدُوٍّ أَوْ سَبُعٍ أَوْ نَحْوِهِ ، مَعَ الْعِلْمِ ، وَلَا يَجُوزُ تَرْكُ الْحَقِّ إلَى غَيْرِهِ مَعَ الْعِلْمِ بِحَالٍ .\rالثَّانِي ، أَنَّ الصَّلَاةَ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ - تَعَالَى ، تَدْخُلُهَا الْمُسَامَحَةُ الثَّالِثُ ، أَنَّ الْقِبْلَةَ يَتَكَرَّرُ فِيهَا اشْتِبَاهُ الْقِبْلَةِ ، فَيَشُقُّ الْقَضَاءُ .\rوَهَا هُنَا إذَا بَانَ لَهُ الْخَطَأُ لَا يَعُودُ الِاشْتِبَاهُ بَعْدَ ذَلِكَ .\rوَأَمَّا إذَا تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُخَالِفَ نَصًّا وَلَا إجْمَاعًا ، أَوْ خَالَفَ اجْتِهَادُهُ اجْتِهَادَ مَنْ قَبْلَهُ ، لَمْ يَنْقُضْهُ لِمُخَالَفَتِهِ ؛ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، أَجْمَعُوا عَلَى ذَلِكَ ، فَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ حَكَمَ فِي مَسَائِلَ بِاجْتِهَادِهِ ، وَخَالَفَهُ عُمَرُ ، وَلَمْ يَنْقُضْ أَحْكَامَهُ وَعَلِيٌّ خَالَفَ عُمَرَ فِي اجْتِهَادِهِ ، فَلَمْ يَنْقُضْ أَحْكَامَهُ ، وَخَالَفَهُمَا عَلِيٌّ ، فَلَمْ يَنْقُضْ أَحْكَامَهُمَا ، فَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ سَوَّى بَيْنَ النَّاسِ فِي الْعَطَاءِ ، وَأَعْطَى الْعَبِيدَ ، وَخَالَفَهُ عُمَرُ ، فَفَاضَلَ بَيْنَ النَّاسِ ، وَخَالَفَهُمَا عَلِيٌّ فَسَوَّى بَيْنَ النَّاسِ وَحَرَّمَ الْعَبِيدَ ، وَلَمْ يَنْقُضْ وَاحِدٌ مِنْهُمْ مَا فَعَلَهُ مَنْ قَبْلَهُ وَجَاءَ أَهْلُ نَجْرَانَ إلَى عَلِيٍّ فَقَالُوا : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، كِتَابُك بِيَدِك ، وَشَفَاعَتُك بِلِسَانِك .\rفَقَالَ : وَيْحَكُمْ ، إنَّ عُمَرَ كَانَ رَشِيدَ الْأَمْرِ ، وَلَنْ أَرُدَّ قَضَاءً قَضَى بِهِ عُمَرُ .\rرَوَاهُ سَعِيدٌ وَرُوِيَ أَنَّ عُمَرَ حَكَمَ فِي الْمُشْتَرَكَةِ بِإِسْقَاطِ الْإِخْوَةِ مِنْ الْأَبَوَيْنِ ، ثُمَّ شَرَّكَ بَيْنَهُمْ بَعْدُ ،","part":22,"page":485},{"id":10985,"text":"وَقَالَ : تِلْكَ عَلَى مَا قَضَيْنَا ، وَهَذِهِ عَلَى مَا قَضَيْنَا .\rوَقَضَى فِي الْجَدِّ بِقَضَايَا مُخْتَلِفَةٍ ، وَلَمْ يَرُدَّ الْأُولَى .\rوَلِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى نَقْضِ الْحُكْمِ بِمِثْلِهِ ، وَهَذَا يُؤَدِّي إلَى أَنْ لَا يَثْبُتَ الْحُكْمُ أَصْلًا ؛ لِأَنَّ الْحَاكِمَ الثَّانِيَ يُخَالِفُ الَّذِي قَبْلَهُ ، وَالثَّالِثَ يُخَالِفُ الثَّانِيَ ، فَلَا يَثْبُتُ حُكْمٌ .\rفَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ رُوِيَ أَنَّ شُرَيْحًا حُكْمَ فِي ابْنَيْ عَمٍّ ، أَحَدُهُمَا أَخٌ لِأُمٍّ ، أَنَّ الْمَالَ لِلْأَخِ ، فَرُفِعَ ذَلِكَ إلَى عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَالَ : عَلَيَّ بِالْعَبْدِ .\rفَجِيءَ بِهِ .\rفَقَالَ : فِي أَيِّ كِتَابِ اللَّهِ وَجَدْت ذَلِكَ ؟ فَقَالَ : قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَأُولُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ } .\rفَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ : فَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوْ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ } .\rوَنَقَضَ حُكْمَهُ .\rقُلْنَا : لَمْ يَثْبُتْ عَنَدْنَا أَنَّ عَلِيًّا نَقَضَ حُكْمَهُ ، وَلَوْ ثَبَتَ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ اعْتَقَدَ أَنَّهُ خَالَفَ نَصَّ الْكِتَابِ فِي الْآيَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا ، فَنَقَضَ حُكْمَهُ لِذَلِكَ .","part":22,"page":486},{"id":10986,"text":"( 8240 ) فَصْلٌ : إذَا تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ قَبْلَ الْحُكْمِ ، فَإِنَّهُ يَحْكُمُ بِمَا تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ إلَيْهِ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَحْكُمَ بِاجْتِهَادِهِ الْأَوَّلِ ؛ لِأَنَّهُ إذَا حَكَمَ فَقَدْ حَكَمَ بِمَا يَعْتَقِدُ أَنَّهُ بَاطِلٌ ، وَهَذَا كَمَا قُلْنَا فِيمَنْ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ فِي الْقِبْلَةِ بَعْدَ مَا صَلَّى لَا يُعِيدُ ، وَإِنْ كَانَ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ ، صَلَّى إلَى الْجِهَةِ الَّتِي تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ إلَيْهَا .\rوَلِذَلِكَ إذَا بَانَ فِسْقُ الشُّهُودِ قَبْلَ الْحُكْمِ ، لَمْ يَحْكُمْ بِشَهَادَتِهِمْ ، وَلَوْ بَانَ بَعْدَ الْحُكْمِ ، لَمْ يَنْقُضْهُ .","part":22,"page":487},{"id":10987,"text":"( 8241 ) فَصْلٌ : وَلَيْسَ عَلَى الْحَاكِمِ تَتَبُّعُ قَضَايَا مَنْ كَانَ قَبْلَهُ ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ صِحَّتُهَا وَصَوَابُهَا ، وَأَنَّهُ لَا يُوَلِّي الْقَضَاءَ إلَّا مَنْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الْوِلَايَةِ ، فَإِنْ تَتَبَّعَهَا نَظَرَ فِي الْحَاكِمِ قَبْلَهُ ، فَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يَصْلُحُ لِلْقَضَاءِ ، فَمَا وَافَقَ مِنْ أَحْكَامِهِ الصَّوَابَ ، أَوْ لَمْ يُخَالِفْ كِتَابًا وَلَا سُنَّةً وَلَا إجْمَاعًا ، لَمْ يَسُغْ نَقْضُهُ ، وَإِنْ كَانَ مُخَالِفًا لِأَحَدِ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ ، وَكَانَ فِي حَقٍّ لِلَّهِ - تَعَالَى ، كَالْعَتَاقِ وَالطَّلَاقِ ، نَقَضَهُ ؛ لِأَنَّ لَهُ النَّظَرَ فِي حُقُوقِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ ، وَإِنْ كَانَ يَتَعَلَّقُ بِحَقِّ آدَمِيٍّ ، لَمْ يَنْقُضْهُ إلَّا بِمُطَالَبَةِ صَاحِبِهِ ؛ لِأَنَّ الْحَاكِمَ لَا يَسْتَوْفِي حَقًّا لِمَنْ لَا وِلَايَةَ عَلَيْهِ بِغَيْرِ مُطَالَبَتِهِ ، فَإِنْ طَلَبَ صَاحِبُهُ ؛ ذَلِكَ نَقَضَهُ .\rوَإِنْ كَانَ الْقَاضِي قَبْلَهُ لَا يَصْلُحُ لِلْقَضَاءِ ، نُقِضَتْ قَضَايَاهُ الْمُخَالِفَةُ لِلصَّوَابِ كُلُّهَا ، سَوَاءٌ كَانَتْ مِمَّا يَسُوغُ فِيهِ الِاجْتِهَادُ أَوْ لَا يَسُوغُ ؛ لِأَنَّ حُكْمَهُ غَيْرُ صَحِيحٍ ، وَقَضَاؤُهُ كَلَا قَضَاءٍ ، لِعَدَمِ شَرْطِ الْقَضَاءِ فِيهِ ، وَلَيْسَ فِي نَقْضِ قَضَايَاهُ نَقْضُ الِاجْتِهَادِ بِالِاجْتِهَادِ ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ لَيْسَ بِاجْتِهَادٍ ، وَلَا يَنْقُضُ مَا وَافَقَ الصَّوَابَ ؛ لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ فِي نَقْضِهِ ، فَإِنَّ الْحَقَّ وَصَلَ إلَى مُسْتَحِقِّهِ .\rوَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ يَنْقُضُ قَضَايَاهُ كُلَّهَا ؛ مَا أَخْطَأَ فِيهِ وَمَا أَصَابَ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ وُجُودَ قَضَائِهِ كَعَدَمِهِ .\rوَلَا أَعْلَمُ فِيهِ فَائِدَةً ، فَإِنَّ الْحَقَّ لَوْ وَصَلَ إلَى مُسْتَحِقِّهِ بِطَرِيقِ الْقَهْرِ مِنْ غَيْرِ حُكْمٍ ، لَمْ يُغَيَّرْ ذَلِكَ ، وَكَذَلِكَ إذَا كَانَ بِقَضَاءٍ وُجُودُهُ كَعَدَمِهِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":22,"page":488},{"id":10988,"text":"( 8242 ) فَصْلٌ : وَحُكْمُ الْحَاكِمِ لَا يُزِيلُ الشَّيْءَ عَنْ صِفَتِهِ ، فِي قَوْلِ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ ؛ مِنْهُمْ مَالِكٌ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَدَاوُد ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ بِعَقْدٍ أَوْ فَسْخٍ أَوْ طَلَاقٍ ، نَفَذَ حُكْمُهُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا ، فَلَوْ أَنَّ رَجُلَيْنِ تَعَمَّدَا الشَّهَادَةَ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ، فَقَبِلَهُمَا الْقَاضِي بِظَاهِرِ عَدَالَتِهِمَا ، فَفَرَّقَ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ ، لَجَازَ لِأَحَدِ الشَّاهِدَيْنِ نِكَاحُهَا بَعْدَ قَضَاءِ عِدَّتِهَا ، وَهُوَ عَالِمٌ بِتَعَمُّدِهِ الْكَذِبَ ، وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا ادَّعَى نِكَاحَ امْرَأَةٍ ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ كَاذِبٌ ، وَأَقَامَ شَاهِدَيْ زُورٍ ، فَحَكَمَ الْحَاكِمُ ، حَلَّتْ لَهُ بِذَلِكَ ، وَصَارَتْ زَوْجَتَهُ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : وَتَفَرَّدَ أَبُو حَنِيفَةَ ، فَقَالَ : لَوْ اسْتَأْجَرَتْ امْرَأَةٌ شَاهِدَيْنِ ، شَهِدَا لَهَا بِطَلَاقِ زَوْجِهَا ، وَهُمَا يَعْلَمَانِ كَذِبَهُمَا وَتَزْوِيرَهُمَا ، فَحَكَمَ الْحَاكِمُ بِطَلَاقِهَا ، لَحَلَّ لَهَا أَنْ تَتَزَوَّجَ ، وَحَلَّ لِأَحَدِ الشَّاهِدَيْنِ نِكَاحُهَا .\rوَاحْتَجَّ بِمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَجُلًا ادَّعَى عَلَى امْرَأَةٍ نِكَاحَهَا .\rفَرَفَعَهَا إلَى عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَشَهِدَ لَهُ شَاهِدَانِ بِذَلِكَ ، فَقَضَى بَيْنَهُمَا بِالزَّوْجِيَّةِ ، فَقَالَتْ : وَاَللَّهِ مَا تَزَوَّجَنِي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، اعْقِدْ بَيْنَنَا عَقْدًا حَتَّى أَحِلَّ لَهُ .\rفَقَالَ : شَاهِدَاك زَوَّجَاك .\rفَدَلَّ عَلَى أَنَّ النِّكَاحَ ثَبَتَ بِحُكْمِهِ .\rوَلِأَنَّ اللِّعَانِ يَنْفَسِخُ بِهِ النِّكَاحُ وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا كَاذِبًا ، فَالْحُكْمُ أَوْلَى .\rوَلَنَا ، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : إنَّمَا أَنَا بَشَرٌ ، وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إلَيَّ ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ يَكُونُ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ ، فَأَقْضِيَ لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ مِنْهُ ، فَمَنْ قَضَيْت لَهُ بِشَيْءٍ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ ، فَلَا يَأْخُذْ مِنْهُ","part":22,"page":489},{"id":10989,"text":"شَيْئًا ، فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنْ النَّارِ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَهَذَا يَدْخُلُ فِيهِ مَا إذَا ادَّعَى أَنَّهُ اشْتَرَى مِنْهُ شَيْئًا ، فَحَكَمَ لَهُ ، وَلِأَنَّهُ حُكْمٌ بِشَهَادَةِ زُورٍ ، فَلَا يُحِلُّ لَهُ مَا كَانَ مُحَرَّمًا عَلَيْهِ ، كَالْمَالِ الْمُطْلَقِ .\rوَأَمَّا الْخَبَرُ عَنْ عَلِيٍّ إنْ صَحَّ ، فَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ ؛ لِأَنَّهُ أَضَافَ التَّزْوِيجَ إلَى الشَّاهِدَيْنِ ، لَا إلَى حُكْمِهِ ، وَلَمْ يُجِبْهَا إلَى التَّزْوِيجِ ؛ لِأَنَّ فِيهِ طَعْنًا عَلَى الشُّهُودِ .\rفَأَمَّا اللِّعَانُ ، فَإِنَّمَا حَصَلْت الْفُرْقَةُ بِهِ ، لَا بِصِدْقِ الزَّوْجِ ، وَلِهَذَا لَوْ قَامَتْ الْبَيِّنَةُ بِهِ ، لَمْ يَنْفَسِخْ النِّكَاحُ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِذَا شَهِدَ عَلَى امْرَأَةٍ بِنِكَاحٍ ، وَحَكَمَ بِهِ الْحَاكِمُ ، وَلَمْ تَكُنْ زَوْجَتَهُ ، فَإِنَّهَا لَا تَحِلُّ لَهُ ، وَيَلْزَمُهَا فِي الظَّاهِرِ ، وَعَلَيْهَا أَنْ تَمْتَنِعَ مَا أَمْكَنَهَا ، فَإِنْ أَكْرَهَهَا عَلَيْهِ ، فَالْإِثْمُ عَلَيْهِ دُونَهَا ، وَإِنْ وَطِئَهَا الرَّجُلُ ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا ، وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ : عَلَيْهِ الْحَدُّ ؛ لِأَنَّهُ وَطِئَهَا وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهَا أَجْنَبِيَّةٌ .\rوَقِيلَ : لَا حَدَّ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ وَطْءٌ مُخْتَلَفٌ فِي حِلِّهِ ، فَيَكُونُ ذَلِكَ شُبْهَةً وَلَيْسَ لَهَا أَنْ تَتَزَوَّجَ غَيْرَهُ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ : تَحِلُّ لِزَوْجٍ ثَانٍ ، غَيْرَ أَنَّهَا مَمْنُوعَةٌ مِنْهُ فِي الْحُكْمِ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : يَصِحُّ النِّكَاحُ .\rوَلَنَا ، أَنَّ هَذَا يَقْضِي إلَى الْجَمْعِ بَيْنَ الْوَطْءِ لِلْمَرْأَةِ مِنْ اثْنَيْنِ ، أَحَدُهُمَا يَطَؤُهَا بِحُكْمِ الظَّاهِرِ ، وَالْآخَرُ ، بِحُكْمِ الْبَاطِنِ .\rوَهَذَا فَسَادٌ ، فَلَا يُشْرَعُ ، وَلِأَنَّهَا مَنْكُوحَةٌ لِهَذَا الَّذِي قَامَتْ لَهُ الْبَيِّنَةُ ، فِي قَوْلِ بَعْضِ الْأَئِمَّةِ ، فَلَمْ يَجُزْ تَزْوِيجُهَا لِغَيْرِهِ ، كَالْمُتَزَوِّجَةِ بِغَيْرِ وَلِيٍّ .\rوَحَكَى أَبُو الْخَطَّابِ ، عَنْ أَحْمَدَ ، رِوَايَةً أُخْرَى ، مِثْلَ مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ ، فِي أَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ يُزِيلُ الْفُسُوخَ وَالْعُقُودَ .\rوَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَذْهَبُ .","part":22,"page":490},{"id":10990,"text":"( 8243 ) فَصْل : وَإِذَا اسْتَعْدَى رَجُلٌ عَلَى رَجُلٍ إلَى الْحَاكِمِ ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، أَنَّهُ يَلْزَمُهُ أَنْ يُعْدِيَهُ ، وَيَسْتَدْعِيَ خَصْمَهُ ، سَوَاءٌ عَلِمَ بَيْنَهُمَا مُعَامَلَةً أَوْ لَمْ يَعْلَمْ ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْمُسْتَعْدِي مِمَّنْ يُعَامِلُ الْمُسْتَعْدَى عَلَيْهِ أَوْ لَا يُعَامِلُهُ ، كَالْفَقِيرِ يَدَّعِي عَلَى ذِي ثَرْوَةٍ وَهَيْئَةٍ .\rنَصَّ عَلَى هَذَا ، فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ ، فِي الرَّجُلِ يَسْتَعْدِي ، عَلَى الْحَاكِمِ ، أَنَّهُ يُحْضِرُهُ وَيَسْتَحْلِفُهُ .\rوَهَذَا اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ ، وَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ فِي تَرْكِهِ تَضْيِيعًا لِلْحُقُوقِ ، وَإِقْرَارًا لِلظُّلْمِ ، فَإِنَّهُ قَدْ ثَبَتَ لَهُ الْحَقُّ عَلَى مَنْ هُوَ أَرْفَعُ مِنْهُ بِغَصْبٍ ، أَوْ يَشْتَرِي مِنْهُ شَيْئًا وَلَا يُوَفِّيهِ ، أَوْ يُودِعُهُ شَيْئًا ، أَوْ يُعِيرُهُ إيَّاهُ فَلَا يَرُدُّهُ ، وَلَا تُعْلَمُ بَيْنَهُمَا مُعَامَلَةٌ ، فَإِذَا لَمْ يَعْدُ عَلَيْهِ ، سَقَطَ حَقُّهُ ، وَهَذَا أَعْظَمُ ضَرَرًا مِنْ حُضُورِ مَجْلِسِ الْحَاكِمِ ، فَإِنَّهُ لَا نَقِيصَةَ فِيهِ ، وَقَدْ حَضَرَ عُمَرُ وَأُبَيُّ عِنْدَ زَيْدٍ ، وَحَضَرَ هُوَ وَآخَرُ عِنْدَ شُرَيْحٍ ، وَحَضَرَ عَلِيٌّ عِنْدَ شُرَيْحٍ وَحَضَرَ الْمَنْصُورُ عِنْدَ رَجُلٍ وَلَدِ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ .\rوَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ ، لَا يَسْتَدْعِيهِ إلَّا أَنْ يَعْلَمَ بَيْنَهُمَا مُعَامَلَةً ، وَيَتَبَيَّنَ أَنَّ لِمَا ادَّعَاهُ أَصْلًا .\rرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ ؛ لِأَنَّ فِي ادِّعَائِهِ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ تَبْذِيلَ أَهْلِ الْمُرُوءَاتِ ، وَإِهَانَةً لِذَوِي الْهَيْئَاتِ ، فَإِنَّهُ لَا يَشَاءُ أَحَدٌ أَنْ يَبْذُلَهُمْ عِنْدَ الْحَاكِمِ إلَّا فَعَلَ ، وَرُبَّمَا فَعَلَ هَذَا مَنْ لَا حَقَّ لَهُ لِيَفْتَدِيَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مِنْ حُضُورِهِ وَشَرِّ خَصْمِهِ بِطَائِفَةٍ مِنْ مَالِهِ ، وَالْأُولَى أَوْلَى ؛ لِأَنَّ ضَرَرَ تَضْيِيعِ الْحَقِّ أَعْظَمُ مِنْ هَذَا .\rوَلِلْمُسْتَدْعَى عَلَيْهِ أَنْ يُوَكِّلَ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ أَنْ كَرِهَ الْحُضُورَ .\rوَإِنْ كَانَ الْمُسْتَدْعَى عَلَيْهِ امْرَأَةً","part":22,"page":491},{"id":10991,"text":"نَظَرْت ؛ فَإِنْ كَانَتْ بَرْزَةً ، وَهِيَ الَّتِي تَبْرُزُ لِقَضَاءِ حَوَائِجِهَا ، فَحُكْمُهَا حُكْمُ الرَّجُلِ .\rوَإِنْ كَانَتْ مُخَدَّرَةً ، وَهِيَ الَّتِي لَا تَبْرُزُ لِقَضَاءِ حَوَائِجِهَا ، أُمِرَتْ بِالتَّوْكِيلِ .\rفَإِنْ تَوَجَّهْت الْيَمِينُ عَلَيْهَا ، بَعَثَ الْحَاكِمُ أَمِينًا مَعَهُ شَاهِدَانِ ، فَيَسْتَحْلِفُهَا بِحَضْرَتِهِمَا ، فَإِنْ أَقَرَّتْ ، شَهِدَا عَلَيْهَا .\rوَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّ الْحَاكِمَ يَبْعَثُ مَنْ يَقْضِيَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ خَصْمِهَا فِي دَارِهَا .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { : وَاغْدُ يَا أُنَيْسُ إلَى امْرَأَةِ هَذَا ، فَإِنْ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا } فَبَعَثَ إلَيْهَا وَلَمْ يَسْتَدْعِهَا .\rوَإِذَا حَضَرُوا عِنْدَهَا ، كَانَ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُمْ سِتْرٌ تَتَكَلَّمُ مِنْ وَرَائِهِ ، فَإِنْ اعْتَرَفَتْ لِلْمُدَّعِي أَنَّهَا خَصْمُهُ ، حَكَمَ بَيْنَهُمَا ، وَإِنْ أَنْكَرَتْ ذَلِكَ ، جِيءَ بِشَاهِدَيْنِ مِنْ ذَوِي رَحِمِهَا ، يَشْهَدَانِ أَنَّهَا الْمُدَّعَى عَلَيْهَا ، ثُمَّ يُحْكَمُ بَيْنَهُمَا ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ ، الْتَحَفَتْ بِجِلْبَابِهَا ، وَأُخْرِجَتْ مِنْ وَرَاءِ السِّتْرِ لِمَوْضِعِ الْحَاجَةِ .\rوَمَا ذَكَرْنَاهُ أَوْلَى ، إنْ شَاءَ اللَّهُ ؛ لِأَنَّهُ أَسْتَرُ لَهَا ، وَإِذَا كَانَتْ خَفِرَةً ، مَنَعَهَا الْحَيَاءُ مِنْ النُّطْقِ بِحُجَّتِهَا ، وَالتَّعْبِيرِ عَنْ نَفْسِهَا ، سِيَّمَا مَعَ جَهْلِهَا بِالْحُجَّةِ ، وَقِلَّةِ مَعْرِفَتِهَا بِالشَّرْعِ وَحُجَجِهِ .\r( 8244 ) فَصْلٌ : وَلَا يَخْلُو الْمُسْتَعْدَى عَلَيْهِ مِنْ أَنْ يَكُونَ حَاضِرًا أَوْ غَائِبًا ؛ فَإِنْ كَانَ حَاضِرًا فِي الْبَلَدِ أَوْ قَرِيبًا مِنْهُ ، فَإِنْ شَاءَ الْحَاكِمُ بَعَثَ مَعَ الْمُسْتَعِدِّي عَوْنًا يُحْضِرُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ، وَإِنْ شَاءَ بَعَثَ مَعَهُ قِطْعَةً مِنْ شَمْعٍ أَوْ طِينٍ مَخْتُومًا بِخَاتَمِهِ ، فَإِذَا بَعَثَ مَعَهُ خَتْمًا ، فَعَادَ فَذَكَرَ أَنَّهُ امْتَنَعَ ، أَوْ كَسَرَ الْخَتْمَ ، بَعَثَ إلَيْهِ عُيُونًا ، فَإِنْ امْتَنَعَ ، أَنْفَذَ صَاحِبَ الْمَعُونَةِ فَأَحْضَرَهُ ، فَإِذَا حَضَرَ وَشَهِدَ عَلَيْهِ شَاهِدَانِ بِالِامْتِنَاعِ ،","part":22,"page":492},{"id":10992,"text":"عَزَّرَهُ إنْ رَأَى ذَلِكَ ، بِحَسَبِ مَا يَرَاهُ ، تَأْدِيبًا لَهُ إمَّا بِالْكَلَامِ وَكَشْفِ رَأْسِهِ ، أَوْ بِالضَّرْبِ أَوْ بِالْحَبْسِ ، فَإِنْ اخْتَبَأَ بَعَثَ الْحَاكِمُ مَنْ يُنَادِي عَلَى بَابِهِ ثَلَاثًا أَنَّهُ إنْ لَمْ يَحْضُرْ سَمَّرَ بَابَهُ ، وَخَتَمَ عَلَيْهِ ، وَيَجْمَعُ أَمَاثِلَ جِيرَانِهِ وَيُشْهِدُهُمْ عَلَى إعْذَارِهِ ، فَإِنْ لَمْ يَحْضُرْ ، وَسَأَلَ الْمُدَّعِي أَنْ يُسَمَّرَ عَلَيْهِ مَنْزِلُهُ ، وَيَخْتِمَ عَلَيْهِ .\rوَتَقَرَّرَ عِنْدَ الْحَاكِمِ أَنَّ الْمَنْزِلَ مَنْزِلُهُ ، سَمَّرَهُ أَوْ خَتَمَهُ فَإِنْ لَمْ يَحْضُرْ ، بَعَثَ الْحَاكِمُ مَنْ يُنَادِي عَلَى بَابِهِ بِحَضْرَةِ شَاهِدَيْ عَدْلٍ ، أَنَّهُ إنْ لَمْ يَحْضُرْ مَعَ فُلَانٍ ، أَقَامَ عَنْهُ وَكِيلًا ، وَحَكَمَ عَلَيْهِ ، فَإِنْ لَمْ يَحْضُرْ ، أَقَامَ عَنْهُ وَكِيلًا ، وَسَمِعَ الْبَيِّنَةَ عَلَيْهِ ، وَحَكَمَ عَلَيْهِ كَمَا يَحْكُمُ عَلَى الْغَائِبِ ، وَقَضَى حَقَّهُ مِنْ مَالِهِ إنْ وَجَدَ لَهُ مَالًا .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي يُوسُفَ ، وَأَهْلِ الْبَصْرَةِ .\rحَكَاهُ عَنْهُمْ أَحْمَدُ .\rوَإِنْ لَمْ يَجِدْ لَهُ مَالًا ، وَلَمْ تَكُنْ لِلْمُدَّعِي بَيِّنَةٌ ، فَكَانَ أَحْمَدُ يُنْكِرُ التَّهَجُّمَ عَلَيْهِ ، وَيَشْتَدُّ عَلَيْهِ حَتَّى يُظْهِرَ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : إنْ عَلِمَ لَهُ مَكَانًا ، أَمَرَ بِالْهُجُومِ عَلَيْهِ ، فَيَبْعَثُ خُصْيَانًا أَوْ غِلْمَانًا لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ ، وَثِقَاتٍ مِنْ النِّسَاءِ مَعَهُمْ ذَوُو عَدْلٍ مِنْ الرِّجَالِ ، فَيُدْخِلُ النِّسَاءَ وَالصَّبِيَّانِ ، فَإِذَا حَصَلُوا فِي صَحْنِ الدَّارِ دَخَلَ الرِّجَالُ ، وَيُؤْمَرُ الْخُصْيَانُ بِالتَّفْتِيشِ ، وَيَتَفَقَّدُ النِّسَاءُ النِّسَاءَ ، فَإِنْ ظَفِرُوا بِهِ ، أَخَذُوهُ فَأَحْضَرُوهُ .\rوَإِنْ اسْتَعْدَى عَلَى غَائِبٍ نَظَرْت ؛ فَإِنْ كَانَ الْغَائِبُ فِي غَيْرِ وِلَايَةِ الْقَاضِي ، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُعَدِّي عَلَيْهِ ، وَلَهُ الْحُكْمُ عَلَيْهِ ، عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .\rوَإِنْ كَانَ فِي وِلَايَتِهِ ، وَلَهُ فِي بَلَدِهِ خَلِيفَةٌ ، فَإِنْ كَانَتْ لَهُ بَيِّنَةٌ ، ثَبَتَ الْحَقُّ عِنْدَهُ ، وَكَتَبَ بِهِ إلَى خَلِيفَتِهِ ، وَلَمْ","part":22,"page":493},{"id":10993,"text":"يُحْضِرْهُ ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ ، حَاضِرَةٌ ، نَفَّذَهُ إلَى خَصْمِهِ لِيُخَاصِمَهُ عِنْدَ خَلِيفَتِهِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِيهِ خَلِيفَةٌ ، وَكَانَ فِيهِ مَنْ يَصْلُحُ لِلْقَضَاءِ ، أَذِنَ لَهُ فِي الْحُكْمِ بَيْنَهُمَا ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَنْ يَصْلُحُ لِلْقَضَاءِ ، قِيلَ لَهُ : حَرِّرْ دَعْوَاك ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَا يَدَّعِيهِ لَيْسَ بِحَقٍّ عَنَدَهُ ، كَالشُّفْعَةِ لِلْجَارِ ، وَقِيمَةِ الْكَلْبِ ، أَوْ خَمْرِ الذِّمِّيِّ ، فَلَا يُكَلِّفُهُ الْحُضُورَ لِمَا لَا يُقْضَى عَلَيْهِ بِهِ ، مَعَ الْمَشَقَّةِ فِيهِ ، بِخِلَافِ الْحَاضِرِ ، فَإِنَّهُ لَا مَشَقَّةَ فِي حُضُورِهِ ، فَإِذَا تَحَرَّرَتْ ، بَعَثَ فَأَحْضَرَ خَصْمَهُ بَعُدَتْ الْمَسَافَةُ أَوْ قَرُبَتْ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو يُوسُفَ : إنْ كَانَ يُمْكِنُهُ أَنْ يَحْضُرَ وَيَعُودَ فَيَأْوِيَ إلَى مَوْضِعِهِ ، أَحْضَرَهُ ، وَإِلَّا لَمْ يُحْضِرْهُ ، وَيُوجَدُ مَنْ يَحْكُمُ بَيْنَهُمَا .\rوَقِيلَ : إنْ كَانَتْ الْمَسَافَةُ دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ ، أَحْضَرَهُ ، وَإِلَّا فَلَا .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ فَصْلِ الْخُصُومَةِ بَيْنَ الْمُتَخَاصِمَيْنِ ، فَإِذَا لَمْ يُمْكِنْ إلَّا بِمَشَقَّةٍ ، فَعَلَ ذَلِكَ كَمَا لَوْ امْتَنَعَ مِنْ الْحُضُورِ ، فَإِنَّهُ يُؤَدَّبُ وَيُعَزَّرُ ، وَلِأَنَّ إلْحَاقَ الْمَشَقَّةِ بِهِ أَوْلَى مِنْ إلْحَاقِهَا بِمَنْ يَنْفُذُهُ الْحَاكِمُ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمَا .\rوَإِنْ كَانَتْ امْرَأَةً بَرْزَةً ، لَمْ يُشْتَرَطْ فِي سَفَرِهَا هَذَا مَحْرَمٌ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ؛ لِأَنَّهُ لِحَقِّ آدَمِيٍّ ، وَحَقُّ الْآدَمِيِّ مَبْنِيٌّ عَلَى الشُّحِّ وَالضِّيقِ .","part":22,"page":494},{"id":10994,"text":"( 8245 ) فَصْلٌ : وَإِنْ اسْتَعْدَى عَلَى الْحَاكِمِ الْمَعْزُولِ ، لَمْ يُعْدِهِ حَتَّى يَعْرِفَ مَا يَدَّعِيهِ ، فَيَسْأَلَهُ عَنْهُ ، صِيَانَةً لِلْقَاضِي عَنْ الِامْتِهَانِ .\rفَإِنْ ذَكَرَ أَنَّهُ يَدَّعِي عَلَيْهِ حَقًّا مِنْ دَيْنٍ أَوْ غَصْبٍ ، أَعْدَاهُ وَحَكَمَ بَيْنَهُمَا كَغَيْرِ الْقَاضِي .\rوَكَذَلِكَ إنْ ادَّعَى أَنَّهُ أَخَذَ مِنْهُ رِشْوَةً عَلَى الْحُكْمِ ؛ لِأَنَّ أَخْذَ الرِّشْوَةِ عَلَيْهِ لَا يَجُوزُ ، فَهِيَ كَالْغَصْبِ .\rوَإِنْ ادَّعَى عَلَيْهِ الْجَوْزَ فِي الْحُكْمِ ، وَكَانَ لِلْمُدَّعِي بَيِّنَةٌ ، أَحْضَرَهُ ، وَحَكَمَ بِالْبَيِّنَةِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ بَيِّنَةٌ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، لَا يُحْضِرُهُ ؛ لِأَنَّ فِي إحْضَارِهِ وَسُؤَالِهِ امْتِهَانًا لَهُ ؛ وَأَعْدَاءُ الْقَاضِي كَثِيرٌ ، وَإِذَا فَعَلَ هَذَا مَعَهُ ، لَمْ يُؤْمَنْ أَلَّا يَدْخُلَ فِي الْقَضَاءِ أَحَدٌ ، خَوْفًا مِنْ عَاقِبَتِهِ .\rوَالثَّانِي ، يُحْضِرُهُ ؛ لِجَوَازِ أَنْ يَعْتَرِفَ ، فَإِنْ حَضَرَ وَاعْتَرَفَ ، حَكَمَ عَلَيْهِ ، وَإِنْ أَنْكَرَ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مِنْ غَيْرِ يَمِينٍ ؛ لِأَنَّ قَوْلَ الْقَاضِي مَقْبُولٌ بَعْدَ الْعَزْلِ ، كَمَا يُقْبَلُ فِي وِلَايَتِهِ .\rوَإِنْ ادَّعَى عَلَيْهِ أَنَّهُ قَتَلَ ابْنَهُ ظُلْمًا ، فَهَلْ يَسْتَحْضِرُهُ مِنْ غَيْرِ بَيِّنَةٍ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ ، فَإِنْ أَحْضَرَهُ ، فَاعْتَرَفَ ، حَكَمَ عَلَيْهِ ، وَإِلَّا فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ .\rوَإِنْ ادَّعَى أَنَّهُ أَخْرَجَ عَيْنًا مِنْ يَدِهِ بِغَيْرِ حَقٍّ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْحَاكِمِ مِنْ غَيْرِ يَمِينٍ ، وَيُقْبَلُ قَوْلُهُ لِلْمَحْكُومِ لَهُ بِهَا ، عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .","part":22,"page":495},{"id":10995,"text":"( 8246 ) فَصْلٌ : وَإِنْ ادَّعَى عَلَى شَاهِدَيْنِ أَنَّهُمَا شَهِدَا عَلَيْهِ زُورًا ، أَحْضَرَهُمَا ، فَإِنْ اعْتَرَفَا ، أَغْرَمَهُمَا ، وَإِنْ أَنْكَرَا ، وَلِلْمُدَّعِي بَيِّنَةٌ عَلَى إقْرَارِهِمَا بِذَلِكَ ، فَأَقَامَهَا ، لَزِمَهُمَا ذَلِكَ ، وَإِنْ أَنْكَرَا لَمْ يَسْتَحْلِفَا ؛ لِأَنَّ إحْلَافَهُمَا يَطْرُقُ عَلَيْهِمَا الدَّعَاوَى فِي الشَّهَادَةِ وَالِامْتِهَانَ ، وَرُبَّمَا مَنَعَ ذَلِكَ إقَامَةَ الشَّهَادَةِ .\rوَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ .\rوَلَا نَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا .","part":22,"page":496},{"id":10996,"text":"( 8247 ) مَسْأَلَةٌ ، قَالَ ( وَإِذَا شَهِدَ عِنْدَهُ مَنْ لَا يَعْرِفُهُ ، سَأَلَ عَنْهُ ، فَإِنْ عَدَّلَهُ اثْنَانِ ، قَبِلَ شَهَادَتَهُ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ إذَا شَهِدَ عِنْدَ الْحَاكِمِ شَاهِدَانِ ، فَإِنْ عَرَفَهُمَا عَدْلَيْنِ ، حَكَمَ بِشَهَادَتِهِمَا ، وَإِنْ عَرَفَهُمَا فَاسِقَيْنِ ، لَمْ يَقْبَلْ قَوْلَهُمَا ، وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْهُمَا ، سَأَلَ عَنْهُمَا ؛ لِأَنَّ مَعْرِفَةَ الْعَدَالَةِ شَرْطٌ فِي قَبُولِ الشَّهَادَةِ بِجَمِيعِ الْحُقُوقِ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى : يَحْكُمُ بِشَهَادَتِهِمَا إذَا عَرَفَ إسْلَامَهُمَا ، بِظَاهِرِ الْحَالِ ، إلَّا أَنْ يَقُولَ الْخَصْمُ : هُمَا فَاسِقَانِ .\rوَهَذَا قَوْلُ الْحَسَنِ وَالْمَالُ وَالْحَدُّ فِي هَذَا سَوَاءٌ ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ الْعَدَالَةُ ، وَلِهَذَا قَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : الْمُسْلِمُونَ عُدُولٌ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَرُوِيَ { ، أَنَّ أَعْرَابِيًّا جَاءَ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَشَهِدَ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ؟ .\rفَقَالَ : نَعَمْ .\rفَقَالَ : أَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ ؟ .\rقَالَ : نَعَمْ .\rفَصَامَ ، وَأَمَرَ النَّاسَ بِالصِّيَامِ } .\rوَلِأَنَّ الْعَدَالَةَ أَمْرٌ خَفِيٌّ ، سَبَبُهَا الْخَوْفُ مِنْ اللَّهِ - تَعَالَى ، وَدَلِيلُ ذَلِكَ الْإِسْلَامُ ، فَإِذَا وُجِدَ ، فَلْيَكْتَفِ بِهِ ، مَا لِمَ يَقُمْ عَلَى خِلَافِهِ دَلِيلٌ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ كَالرِّوَايَةِ الْأُولَى ، وَفِي سَائِرِ الْحُقُوقِ كَالثَّانِيَةِ ؛ لِأَنَّ الْحُدُودَ وَالْقِصَاصَ مِمَّا يُحْتَاطُ لَهَا وَتَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ ، بِخِلَافِ غَيْرِهَا وَلَنَا ، أَنَّ الْعَدَالَةَ شَرْطٌ ، فَوَجَبَ الْعِلْمُ بِهَا كَالْإِسْلَامِ ، أَوْ كَمَا لَوْ طَعَنَ الْخَصْمُ فِيهِمَا .\rفَأَمَّا الْأَعْرَابِيُّ الْمُسْلِمُ ، فَإِنَّهُ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ ثَبَتَتْ عَدَالَتُهُمْ بِثَنَاءِ اللَّهِ - تَعَالَى - عَلَيْهِمْ ، فَإِنَّ","part":22,"page":497},{"id":10997,"text":"مَنْ تَرَكَ دِينَهُ فِي زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إيثَارًا لِدِينِ الْإِسْلَامِ ، وَصُحْبَةِ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَبَتَتْ عَدَالَتُهُ .\rوَأَمَّا قَوْلُ عُمَرَ ، فَالْمُرَادُ بِهِ أَنَّ الظَّاهِرَ الْعَدَالَةُ ، وَلَا يَمْنَعُ ذَلِكَ وُجُوبَ الْبَحْثِ ، وَمَعْرِفَةِ حَقِيقَةِ الْعَدَالَةِ ، فَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ ، أَنَّهُ أُتِيَ بِشَاهِدَيْنِ ، فَقَالَ لَهُمَا عُمَرُ : لَسْت أَعْرِفُكُمَا ، وَلَا يَضُرُّكُمَا إنْ لَمْ أَعْرِفْكُمَا ، جِيئَا بِمَنْ يَعْرِفُكُمَا .\rفَأَتَيَا بِرَجُلٍ ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ : تَعْرِفُهُمَا ؟ فَقَالَ : نَعَمْ .\rفَقَالَ عُمَرُ : صَحِبْتهمَا فِي السَّفَرِ الَّذِي تَبِينُ فِيهِ جَوَاهِرُ النَّاسِ ؟ قَالَ : لَا .\rقَالَ : عَامَلْتهمَا فِي الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ الَّتِي تُقْطَعُ فِيهَا الرَّحِمُ ؟ قَالَ : لَا .\rقَالَ : كُنْت جَارًا لَهُمَا تَعْرِفُ صَبَاحَهُمَا وَمَسَاءَهُمَا ؟ قَالَ لَا .\rقَالَ : يَا ابْنَ أَخِي ، لَسْت تَعْرِفُهُمَا ، جِيئَا بِمَنْ يَعْرِفُكُمَا وَهَذَا بَحْثٌ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَكْتَفِي بِدُونِهِ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِنَّ الشَّاهِدَ يُعْتَبَرُ فِيهِ أَرْبَعَةُ شُرُوطٍ ؛ الْإِسْلَامُ وَالْبُلُوغُ ، وَالْعَقْلُ ، وَالْعَدَالَةُ ، وَلَيْسَ فِيهَا مَا يَخْفَى وَيَحْتَاجُ إلَى الْبَحْثِ إلَّا الْعَدَالَةُ ، فَيَحْتَاجُ إلَى الْبَحْثِ عَنْهَا ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنْ الشُّهَدَاءِ } .\rوَلَا نَعْلَمُ أَنَّهُ مَرْضِيٌّ حَتَّى نَعْرِفَهُ ، أَوْ نُخْبَرَ عَنْهُ ، فَيَأْمُرُ الْحَاكِمُ بِكَتْبِ أَسْمَائِهِمْ ، وَكُنَاهُمْ ، وَنَسَبِهِمْ ، وَيُرْفَعُونَ فِيهَا بِمَا يَتَمَيَّزُونَ بِهِ عَنْ غَيْرِهِمْ ، وَيَكْتُبُ صَنَائِعَهُمْ ، وَمَعَايِشَهُمْ ، وَمَوْضِعَ مَسَاكِنِهِمْ ، وَصَلَاتِهِمْ ؛ لِيَسْأَلَ عَنْ جِيرَانِهِمْ ، وَأَهْلِ سُوقِهِمْ وَمَسْجِدِهِمْ ، وَمَحَلَّتِهِمْ ، وَنِحْلَتِهِمْ ، فَيَكْتُبُ : أَسْوَدُ أَوْ أَبْيَضُ ، أَوْ أَنْزَعُ أَوْ أَغَمُّ ، أَوَأَشْهَلُ أَوْ أَكْحَلُ ، أَقْنَى الْأَنْفِ أَوْ أَفْطَسُ ، أَوْ رَقِيقُ الشَّفَتَيْنِ أَوْ غَلِيظُهُمَا ، طَوِيلٌ أَوْ قَصِيرٌ أَوْ رَبْعَةٌ ، وَنَحْوَ هَذَا ، لِيَتَمَيَّزَ","part":22,"page":498},{"id":10998,"text":"، وَلَا يَقَعُ اسْمٌ عَلَى اسْمٍ ، وَيَكْتُبُ اسْمَ الْمَشْهُودِ لَهُ وَالْمَشْهُودِ عَلَيْهِ ، وَقَدْرَ الْحَقِّ ، وَيَكْتُبُ ذَلِكَ كُلَّهُ لِأَصْحَابِ مَسَائِلِهِ ، لِكُلِّ وَاحِدٍ رُقْعَةً .\rوَإِنَّمَا ذَكَرْنَا الْمَشْهُودَ لَهُ ، لِئَلَّا يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الشَّاهِدِ قَرَابَةٌ تَمْنَعُ الشَّهَادَةَ ، أَوْ شَرِكَةٌ ، وَذَكَرْنَا اسْمَ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ ؛ لِئَلَّا تَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الشَّاهِدِ عَدَاوَةٌ ، وَذَكَرْنَا قَدْرَ الْحَقِّ ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا كَانَ مِمَّنْ يَرَوْنَ قَبُولَهُ فِي الْيَسِيرِ دُونِ الْكَثِيرِ ، فَتَطِيبُ نَفْسُ الْمُزَكَّى بِهِ إذَا كَانَ يَسِيرًا ، وَلَا تَطِيبُ إذَا كَانَ كَثِيرًا .\rوَيَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يُخْفِيَ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ مَسَائِلِهِ مَا يُعْطِي الْآخَرَ مِنْ الرِّقَاعِ ؛ لِئَلَّا يَتَوَاطَئُوا .\rوَإِنْ شَاءَ الْحَاكِمُ عَيَّنَ لِصَاحِبِ مَسَائِلِهِ مَنْ يَسْأَلُهُ مِمَّنْ يَعْرِفُهُ ، مِنْ جِوَارِ الشَّاهِدِ ، وَأَهْلِ الْخِبْرَةِ بِهِ ، وَإِنْ شَاءَ أَطْلَقَ ، وَلَمْ يُعَيِّنْ الْمَسْئُولَ ، وَيَكُونُ السُّؤَالُ سِرًّا ؛ لِئَلَّا يَكُونَ فِيهِ هَتْكُ الْمَسْئُولِ عَنْهُ ، وَرُبَّمَا يَخَافُ الْمَسْئُولُ مِنْ الشَّاهِدَ أَوْ مِنْ الْمَشْهُودِ لَهُ أَوْ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ أَنْ يُخْبِرَ بِمَا عِنْدَهُ ، أَوْ يَسْتَحْيِيَ .\rوَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ أَصْحَابُ مَسَائِلِهِ غَيْرَ مَعْرُوفِينَ لَهُ ؛ لِئَلَّا يُقْصَدُوا بِهَدِيَّةِ أَوْ رِشْوَةٍ ، وَأَنْ يَكُونُوا أَصْحَابَ عَفَافٍ فِي الطُّعْمَةِ وَالْأَنْفُسِ ، ذَوِي عُقُولٍ وَافِرَةٍ ، أَبْرِيَاءَ مِنْ الشَّحْنَاءِ وَالْبُغْضِ ؛ لِئَلَّا يَطْعَنُوا فِي الشُّهُودِ ، أَوْ يَسْأَلُوا عَنْ الشَّاهِدِ عَدُوَّهُ فَيَطْعَنَ فِيهِ ، فَيَضِيعَ حَقُّ الْمَشْهُودِ لَهُ ، وَلَا يَكُونُونَ مِنْ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ وَالْعَصَبِيَّةِ ، يَمِيلُونَ إلَى مَنْ وَافَقَهُمْ عَلَى مَنْ خَالَفَهُمْ ، وَيَكُونُونَ أُمَنَاءَ ثِقَاتٍ ؛ لِأَنَّ هَذَا مَوْضِعُ أَمَانَةٍ .\rفَإِذَا رَجَعَ أَصْحَابُ مَسَائِلِهِ ، فَأَخْبَرَ اثْنَانِ بِالْعَدَالَةِ ، قَبِلَ شَهَادَتَهُ ، وَإِنْ أَخْبَرَا بِالْجَرْحِ ، رَدَّ شَهَادَتَهُ ، وَإِنْ أَخْبَرَ أَحَدُهُمَا بِالْعَدَالَةِ ،","part":22,"page":499},{"id":10999,"text":"وَالْآخِرُ بِالْجَرْحِ ، بَعَثَ آخَرَيْنِ ، فَإِنْ عَادَا فَأَخْبَرَا بِالتَّعْدِيلِ ، تَمَّتْ بَيِّنَةُ التَّعْدِيلِ ، وَسَقَطَ الْجَرْحُ ؛ لِأَنَّ بَيِّنَتَهُ لَمْ تَتِمَّ ، وَإِنْ أَخْبَرَا بِالْجَرْحِ ، ثَبَتَ وَرَدَّ الشَّهَادَةَ ، وَإِنْ أَخْبَرَ أَحَدُهُمَا بِالْجَرْحِ وَالْآخَرُ بِالتَّعْدِيلِ ، تَمَّتْ الْبَيِّنَتَانِ ، وَيُقَدِّمُ الْجَرْحَ ، وَلَا يَقْبَلُ الْجَرْحَ وَالتَّعْدِيلَ إلَّا مِنْ اثْنَيْنِ ، وَيَقْبَلُ قَوْلَ أَصْحَابِ الْمَسَائِلِ .\rوَقِيلَ : لَا يَقْبَلُ إلَّا شَهَادَةَ الْمَسْئُولِينَ ، وَيُكَلِّفُ اثْنَيْنِ مِنْهُمْ أَنْ يَشْهَدُوا بِالتَّزْكِيَةِ وَالْجَرْحِ عِنْدَهُ ، عَلَى شُرُوطِ الشَّهَادَةِ فِي اللَّفْظِ وَغَيْرِهِ ، وَلَا تُقْبَلُ مِنْ صَاحِبِ الْمَسْأَلَةِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ شَهَادَةٌ عَلَى شَهَادَةٍ ، مَعَ حُضُورِ شُهُودِ الْأَصْلِ .\rوَوَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ ، أَنَّ شَهَادَةَ أَصْحَابِ الْمَسَائِلِ شَهَادَةُ اسْتِفَاضَةٍ ، لَا شَهَادَةٌ عَلَى شَهَادَةٍ ، فَيَكْتَفِي بِمَنْ يَشْهَدُ بِهَا ، كَسَائِرِ شَهَادَاتِ الِاسْتِفَاضَةِ ؛ وَلِأَنَّهُ مَوْضِعُ حَاجَةٍ فَلَا يَلْزَمُ الْمُزَكِّيَ الْحُضُورُ لِلتَّزْكِيَةِ ، وَلَيْسَ لِلْحَاكِمِ إجْبَارُهُ عَلَيْهَا ، فَصَارَ كَالْمَرَضِ وَالْغَيْبَةِ فِي سَائِرِ الشَّهَادَاتِ ، وَلِأَنَّنَا لَوْ لَمْ نَكْتَفِ بِشَهَادَةِ أَصْحَابِ الْمَسَائِلِ ، لَتَعَذَّرَتْ التَّزْكِيَةُ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَتَّفِقُ أَنْ لَا يَكُونَ فِي جِيرَانِ الشَّاهِدِ مَنْ يَعْرِفُهُ الْحَاكِمُ ، فَلَا يَقْبَلُ قَوْلَهُ ، فَيَفُوتُ التَّعْدِيلُ وَالْجَرْحُ .","part":22,"page":500},{"id":11000,"text":"( 8248 ) فَصْلٌ : قَالَ الْقَاضِي : وَلَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَةِ إسْلَامِ الشَّاهِدِ ، وَيَحْصُلُ ذَلِكَ بِأَحَدِ أَرْبَعَةِ أُمُورٍ ؛ أَحَدُهَا ، إخْبَارُهُ عَنْ نَفْسِهِ أَنَّهُ مُسْلِمٌ ، أَوْ إتْيَانُهُ بِكَلِمَةِ الْإِسْلَامِ ، وَهِيَ شَهَادَةُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ مُسْلِمًا صَارَ مُسْلِمًا بِذَلِكَ .\rالثَّانِي ، اعْتِرَافُ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ بِإِسْلَامِهِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ حَقٌّ عَلَيْهِ .\rالثَّالِثُ ، خِبْرَةُ الْحَاكِمِ ؛ لِأَنَّنَا اكْتَفَيْنَا بِذَلِكَ فِي عَدَالَتِهِ ، فَكَذَلِكَ فِي إسْلَامِهِ .\rالرَّابِعُ ، بَيِّنَةٌ تَقُومُ بِهِ .\rوَلَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَةِ الْحُرِّيَّةِ فِي مَوْضِعٍ تُعْتَبَرُ فِيهِ ، وَيَكْفِي فِي ذَلِكَ أَحَدُ أُمُورٍ ثَلَاثَةٍ ؛ بَيِّنَةٌ ، أَوْ اعْتِرَافُ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ ، أَوْ خِبْرَةُ الْحَاكِمِ .\rوَلَا يَكْفِي اعْتِرَافُ الشَّاهِدِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ أَنْ يَصِيرَ حُرًّا ، فَلَا يَمْلِكُ الْإِقْرَارَ بِهِ ، بِخِلَافِ الْإِسْلَامِ .","part":23,"page":1},{"id":11001,"text":"( 8249 ) فَصْلٌ : وَإِذَا شَهِدَ عِنْدَ الْحَاكِمِ مَجْهُولُ الْحَالِ ، فَقَالَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ : هُوَ عَدْلٌ .\rفَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، يَلْزَمُ الْحَاكِمَ الْحُكْمُ بِشَهَادَتِهِ ؛ لِأَنَّ الْبَحْثَ عَنْ عَدَالَتِهِ لِحَقِّ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ ، وَقَدْ اعْتَرَفَ بِهَا ، وَلِأَنَّهُ إذَا أَقَرَّ بِعَدَالَتِهِ ، فَقَدْ أَقَرَّ بِمَا يُوجِبُ الْحُكْمَ لِخَصْمِهِ عَلَيْهِ ، فَيُؤْخَذُ بِإِقْرَارِهِ ، كَسَائِرِ أَقَارِيرِهِ .\rوَالثَّانِي ، لَا يَجُوزُ الْحُكْمُ بِشَهَادَتِهِ ؛ لِأَنَّ فِي الْحُكْمِ بِهَا تَعْدِيلًا لَهُ ، فَلَا يَثْبُتُ بِقَوْلِ وَاحِدٍ ، وَلِأَنَّ اعْتِبَارَ الْعَدَالَةِ فِي الشَّاهِدِ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى ، وَلِهَذَا لَوْ رَضِيَ الْخَصْمُ بِأَنْ يُحْكَمَ عَلَيْهِ بِقَوْلِ فَاسِقٍ ، لَمْ يَجُزْ الْحُكْمُ بِهِ ، وَلِأَنَّهُ لَا يَخْلُو ؛ إمَّا أَنْ يَحْكُمَ عَلَيْهِ مَعَ تَعْدِيلِهِ ، أَوْ مَعَ انْتِفَائِهِ ، لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ مَعَ تَعْدِيلِهِ ؛ لِأَنَّ التَّعْدِيلَ لَا يَثْبُتُ بِقَوْلِ الْوَاحِدِ ، وَلَا يَجُوزُ مَعَ انْتِفَاءِ تَعْدِيلِهِ ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ بِشَهَادَةِ غَيْرِ الْعَدْلِ غَيْرُ جَائِزٍ ، بِدَلِيلِ شَهَادَةِ مَنْ ظَهَرَ فِسْقُهُ .\rوَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ مِثْلُ هَذَا ، فَإِنْ قُلْنَا بِالْأَوَّلِ ، فَلَا يَثْبُتُ تَعْدِيلُهُ فِي حَقِّ غَيْرِ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ تُوجَدْ بَيِّنَةُ التَّعْدِيلِ ، وَإِنَّمَا حُكِمَ عَلَيْهِ لِإِقْرَارِهِ بِوُجُودِ شُرُوطِ الْحُكْمِ ، وَإِقْرَارُهُ يَثْبُتُ فِي حَقِّهِ دُونَ غَيْرِهِ ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِحَقٍّ عَلَيْهِ وَعَلَى غَيْرِهِ ، ثَبَتَ فِي حَقِّهِ دُونَ غَيْرِهِ .","part":23,"page":2},{"id":11002,"text":"( 8250 ) مَسْأَلَةٌ ، قَالَ : ( وَإِنْ عَدَّلَهُ اثْنَانِ ، وَجَرَّحَهُ اثْنَانِ ، فَالْجِرَاحَةُ أَوْلَى ) وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : يُنْظَرُ أَيُّهُمَا أَعْدَلُ ؟ اللَّذَانِ جَرَّحَاهُ ، أَوْ اللَّذَانِ عَدَّلَاهُ ؟ فَيُؤْخَذُ بِقَوْلِ أَعْدَلِهِمَا .\rوَلَنَا ، أَنَّ الْجَارِحَ مَعَهُ زِيَادَةُ عِلْمٍ خَفِيَتْ عَلَى الْمُعَدِّلِ ، فَوَجَبَ تَقْدِيمُهُ ؛ لِأَنَّ التَّعْدِيلَ يَتَضَمَّنُ تَرْكَ الرَّيْبِ وَالْمَحَارِمِ ، وَالْجَارِحُ مُثْبِتٌ لِوُجُودِ ذَلِكَ ، وَالْإِثْبَاتُ مُقَدَّمٌ عَلَى النَّفْيِ ، وَلِأَنَّ الْجَارِحَ يَقُولُ : رَأَيْته يَفْعَلُ كَذَا .\rوَالْمُعَدِّلُ مُسْتَنَدُهُ أَنَّهُ لَمْ يَرَهُ يَفْعَلُ ، وَيُمْكِنُ صِدْقُهُمَا ، وَالْجَمْعُ بَيْنَ قَوْلَيْهِمَا بِأَنْ يَرَاهُ الْجَارِحُ يَفْعَلُ الْمَعْصِيَةَ ، وَلَا يَرَاهُ الْمُعَدِّلُ ، فَيَكُونُ مَجْرُوحًا .","part":23,"page":3},{"id":11003,"text":"( 8251 ) فَصْلٌ : وَلَا يُقْبَلُ الْجَرْحُ وَالتَّعْدِيلُ إلَّا مِنْ اثْنَيْنِ .\rوَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ .\rوَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ : يُقْبَلُ ذَلِكَ مِنْ وَاحِدٍ .\rوَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ وَقَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّهُ خَبَرٌ لَا يُعْتَبَرُ فِيهِ لَفْظُ الشَّهَادَةِ ، فَقُبِلَ مِنْ وَاحِدٍ ، كَالرِّوَايَةِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ إثْبَاتُ صِفَةِ مَنْ يَبْنِي الْحَاكِمُ حُكْمَهُ عَلَى صِفَتِهِ ، فَاعْتُبِرَ فِيهِ الْعَدَدُ ، كَالْحَضَانَةِ ، وَفَارَقَ الرِّوَايَةَ ؛ فَإِنَّهَا عَلَى الْمُسَاهَلَةِ ، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهَا لَا تَفْتَقِرُ إلَى لَفْظِ الشَّهَادَةِ ، وَيُعْتَبَرُ فِي التَّعْدِيلِ وَالْجَرْحِ لَفْظُ الشَّهَادَةِ ، فَيَقُولُ فِي التَّعْدِيلِ : أَشْهَدُ أَنَّهُ عَدْلٌ .\rوَيَكْفِي هَذَا .\rوَإِنْ لَمْ يَقُلْ : عَلَيَّ وَلِي .\rوَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَبِهِ يَقُولُ شُرَيْحٌ وَأَهْلُ الْعِرَاقِ ، وَمَالِكٌ ، وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ .\rوَقَالَ أَكْثَرُهُمْ : لَا يَكْفِيهِ إلَّا أَنْ يَقُولَ : عَدْلٌ عَلَيَّ وَلِي .\rوَاخْتَلَفُوا فِي تَعْلِيلِهِ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : لِئَلَّا تَكُونَ بَيْنَهُمَا عَدَاوَةٌ أَوْ قَرَابَةٌ .\rوَقَالَ بَعْضُهُمْ : لِئَلَّا يَكُونَ عَدْلًا فِي شَيْءٍ دُونَ شَيْءٍ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ } فَإِذَا شَهِدَا أَنَّهُ عَدْلٌ ، ثَبَتَ ذَلِكَ بِشَهَادَتِهِمَا ، فَيَدْخُلُ ذَلِكَ فِي عُمُومِ الْأَمْرِ ، لِأَنَّهُ إذَا كَانَ عَدْلًا ، لَزِمَ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَعَلَيْهِ ، وَفِي حَقِّ سَائِرِ النَّاسِ ، وَفِي كُلِّ شَيْءٍ ، وَلَا يَحْتَاجُ إلَى ذِكْرِهِ .\rوَلَا يَصِحُّ مَا ذَكَرُوهُ ؛ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَكُونُ عَدْلًا فِي شَيْءٍ دُونَ شَيْءٍ ، وَلَا فِي حَقِّ شَخْصٍ دُونَ شَخْصٍ ، فَإِنَّهَا لَا تُوصَفُ بِهَذَا ، وَلَا تَنْتَفِي أَيْضًا بِقَوْلِهِ : عَدْلٌ وَلِي فَإِنَّ مَنْ ثَبَتَتْ عَدَالَتُهُ ، لَمْ تَزُلْ بِقَرَابَةٍ وَلَا عَدَاوَةٍ ، وَإِنَّمَا تُرَدُّ شَهَادَتُهُ لِلتُّهْمَةِ مَعَ كَوْنِهِ عَدْلًا ، ثُمَّ إنَّ هَذَا إذَا كَانَ مَعْلُومًا انْتِقَاؤُهُ بَيْنَهُمَا ، لَمْ يَحْتَجْ إلَى","part":23,"page":4},{"id":11004,"text":"ذِكْرِهِ وَلَا نَفْيِهِ عَنْ نَفْسِهِ ، كَمَا لَوْ شَهِدَ بِالْحَقِّ مَنْ عَرَفَ الْحَاكِمُ عَدَالَتَهُ ، لَمْ يَحْتَجْ إلَى أَنْ يَنْفِيَ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ ، وَلِأَنَّ الْعَدَاوَةَ لَا تَمْنَعُ مِنْ شَهَادَتِهِ لَهُ بِالتَّزْكِيَةِ ، وَإِنَّمَا تَمْنَعُ الشَّهَادَةَ عَلَيْهِ ، وَهَذَا شَاهِدٌ لَهُ بِالتَّزْكِيَةِ وَالْعَدَالَةِ ، فَلَا حَاجَةَ بِهِ إلَى نَفْيِ الْعَدَاوَةِ .","part":23,"page":5},{"id":11005,"text":"( 8252 ) فَصْلٌ : وَلَا يَكْفِي أَنْ يَقُولَ : لَا أَعْلَمُ مِنْهُ إلَّا الْخَيْرَ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ أَبُو يُوسُفَ : يَكْفِي ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ مِنْ أَهْلِ الْخِبْرَةِ بِهِ ، وَلَا يَعْلَمُ إلَّا الْخَيْرَ ، فَهُوَ عَدْلٌ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ لَمْ يُصَرِّحْ بِالتَّعْدِيلِ ، فَلَمْ يَكُنْ تَعْدِيلًا ، كَمَا لَوْ قَالَ : أَعْلَمُ مِنْهُ خَيْرًا .\rوَمَا ذَكَرُوهُ لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ الْجَاهِلَ بِحَالِ أَهْلِ الْفِسْقِ ، لَا يَعْلَمُ مِنْهُمْ إلَّا الْخَيْرَ ، لِأَنَّهُ يَعْلَمُ إسْلَامَهُمْ ، وَهُوَ خَيْرٌ ، وَلَا يَعْلَمُ مِنْهُمْ غَيْرَ ذَلِكَ وَهُمْ غَيْرُ عُدُولٍ .","part":23,"page":6},{"id":11006,"text":"( 8253 ) فَصْلٌ : قَالَ أَصْحَابُنَا : لَا يُقْبَلُ التَّعْدِيلُ إلَّا مِنْ أَهْلِ الْخِبْرَةِ الْبَاطِنَةِ ، وَالْمَعْرِفَةِ الْمُتَقَادِمَةِ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِخَبَرِ عُمَرَ الَّذِي قَدَّمْنَاهُ ، وَلِأَنَّ عَادَةَ النَّاسِ إظْهَارُ الصَّالِحَاتِ وَإِسْرَارُ الْمَعَاصِي ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ ذَا خِبْرَةٍ بَاطِنَةٍ ، فَرُبَّمَا اغْتَرَّ بِحُسْنِ ظَاهِرِهِ ، وَهُوَ فَاسِقٌ فِي الْبَاطِنِ .\rوَهَذَا يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدُوا بِهِ أَنَّ الْحَاكِمَ إذَا عِلْمَ أَنَّ الْمُعَدِّلَ لَا خِبْرَةَ لَهُ ، لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ بِالتَّعْدِيلِ ، كَمَا فَعَلَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُمْ أَرَادُوا أَنَّهُ لَا تَجُوزُ لِلْمُعَدِّلِ الشَّهَادَةُ بِالْعَدَالَةِ ، إلَّا أَنْ تَكُونَ لَهُ خِبْرَةٌ بَاطِنَةٌ .\rفَأَمَّا الْحَاكِمُ إذَا شَهِدَ عِنْدَهُ الْعَدْلُ بِالتَّعْدِيلِ ، وَلَا يَعْرِفُ حَقِيقَةَ الْحَالِ ، فَلَهُ أَنْ يَقْبَلَ الشَّهَادَةَ مِنْ غَيْرِ كَشْفٍ ، وَإِنْ اسْتَكْشَفَ الْحَالَ ، كَمَا فَعَلَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَلَا بَأْسَ .","part":23,"page":7},{"id":11007,"text":"( 8254 ) فَصْلٌ : وَلَا يُسْمَعُ الْجَرْحُ إلَّا مُفَسَّرًا ، وَيُعْتَبَرُ فِيهِ اللَّفْظُ فَيَقُولُ : أَشْهَدُ أَنَّنِي رَأَيْته يَشْرَبُ الْخَمْرَ ، أَوْ يُعَامِلُ بِالرِّبَا ، أَوْ يَظْلِمُ النَّاسَ بِأَخْذِ أَمْوَالِهِمْ أَوْ ضَرْبِهِمْ ، أَوْ سَمِعْته يَقْذِفُ .\rأَوْ يُعْلَمُ ذَلِكَ بِاسْتِفَاضَتِهِ فِي النَّاسِ .\rوَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ السَّبَبِ وَتَعْيِينِهِ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَسَوَّارٌ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يُقْبَلُ الْجَرْحُ الْمُطْلَقُ ، وَهُوَ أَنْ يَشْهَدَ أَنَّهُ فَاسِقٌ ، أَوْ أَنَّهُ لَيْسَ بِعَدْلٍ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ مِثْلُهُ ؛ لِأَنَّ التَّعْدِيلَ يُسْمَعُ مُطْلَقًا ؛ فَكَذَلِكَ الْجَرْحُ ، وَلِأَنَّ التَّصْرِيحَ بِالسَّبَبِ يَجْعَلُ الْجَارِحَ فَاسِقًا ، وَيُوجِبُ عَلَيْهِ الْحَدَّ فِي بَعْضِ الْحَالَاتِ ، وَهُوَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْهِ بِالزِّنَى ، فَيُفْضِي الْجَرْحُ إلَى جَرْحِ الْجَارِحِ ، وَتَبْطِيلِ شَهَادَتِهِ ، وَلَا يَتَجَرَّحُ بِهَا الْمَجْرُوحُ .\rوَلَنَا ، أَنَّ النَّاسَ يَخْتَلِفُونَ فِي أَسْبَابِ الْجَرْحِ ، كَاخْتِلَافِهِمْ فِي شَارِبِ النَّبِيذِ ، فَوَجَبَ أَنْ لَا يُقْبَلَ مُجَرَّدُ الْجَرْحِ ، لِئَلَّا يَجْرَحَهُ بِمَا لَا يَرَاهُ الْقَاضِي جَرْحًا ؛ وَلِأَنَّ الْجَرْحَ يَنْقُلُ عَنْ الْأَصْلِ ، فَإِنَّ الْأَصْلَ فِي الْمُسْلِمِينَ الْعَدَالَةُ ، وَالْجُرْحُ يَنْقُلُ عَنْهَا ، فَلَا بُدَّ أَنْ يُعْرَفَ النَّاقِلُ ، لِئَلَّا يُعْتَقَدَ نَقْلُهُ بِمَا لَا يَرَاهُ الْحَاكِمُ نَاقِلًا .\rوَقَوْلُهُمْ : إنَّهُ يُفْضِي إلَى جَرْحِ الْجَارِحِ ، وَإِيجَابِ الْحَدِّ عَلَيْهِ .\rقُلْنَا : لَيْسَ كَذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ التَّعْرِيضُ مِنْ غَيْرِ تَصْرِيحٍ .\rفَإِنْ قِيلَ : فَفِي بَيَانِ السَّبَبِ هَتْكُ الْمَجْرُوح .\rقُلْنَا : لَا بُدَّ مِنْ هَتْكِهِ ؛ فَإِنَّ الشَّهَادَةَ عَلَيْهِ بِالْفِسْقِ هَتْكٌ لَهُ .\rوَلَكِنْ جَازَ ذَلِكَ لِلْحَاجَةِ الدَّاعِيَةِ إلَيْهِ ، كَمَا جَازَتْ الشَّهَادَةُ عَلَيْهِ بِهِ لِإِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ ، بَلْ هَاهُنَا أَوْلَى ؛ فَإِنَّ فِيهِ دَفْعَ الظُّلْمِ عَنْ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ ، وَهُوَ حَقُّ آدَمِيٍّ ، فَكَانَ أَوْلَى بِالْجَوَازِ ، وَلِأَنَّ هَتْكَ عِرْضِهِ بِسَبَبِهِ ،","part":23,"page":8},{"id":11008,"text":"لِأَنَّهُ تَعَرَّضَ لِلشَّهَادَةِ مَعَ ارْتِكَابِهِ مَا يُوجِبُ جَرْحَهُ ، فَكَانَ هُوَ الْهَاتِكَ لِنَفْسِهِ ، إذْ كَانَ فِعْلُهُ هُوَ الْمُحْوِجَ لِلنَّاسِ إلَى جَرْحِهِ .\rفَإِنْ صَرَّحَ الْجَارِحُ بِقَذْفِهِ بِالزِّنَى ، فَعَلَيْهِ الْحَدُّ إنْ لَمْ يَأْتِ بِتَمَامِ أَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا حَدَّ عَلَيْهِ إذَا كَانَ بِلَفْظِ الشَّهَادَةِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ إدْخَالَ الْمَعَرَّةِ عَلَيْهِ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى { : وَاَلَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً } .\rالْآيَةَ .\rوَلِأَنَّ أَبَا بَكْرَةَ وَرَفِيقَيْهِ شَهِدُوا عَلَى الْمُغِيرَةِ بِالزِّنَى ، وَلَمْ يُكْمِلْ زِيَادٌ شَهَادَتَهُ فَجَلَدَهُمْ عُمَرُ حَدَّ الْقَذْفِ بِمَحْضَرِ الصَّحَابَةِ ، فَلَمْ يُنْكِرْهُ مُنْكِرٌ ، فَكَانَ إجْمَاعًا .\rوَيَبْطُلُ مَا ذَكَرُوهُ بِمَا إذَا شَهِدُوا عَلَيْهِ لِإِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ .","part":23,"page":9},{"id":11009,"text":"( 8255 ) فَصْلٌ : وَإِذَا أَقَامَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بَيِّنَةً ، أَنَّ هَذَيْنِ الشَّاهِدَيْنِ شَهِدَا بِهَذَا الْحَقِّ عِنْدَ حَاكِمٍ ، فَرَدَّ شَهَادَتَهُمَا لِفِسْقِهِمَا ، بَطَلَتْ شَهَادَتُهُمَا ؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ إذَا رُدَّتْ لِفِسْقٍ ، لَمْ تُقْبَلْ مَرَّةً ثَانِيَةً .","part":23,"page":10},{"id":11010,"text":"( 8256 ) فَصْلٌ : وَلَا يُقْبَلُ الْجَرْحُ وَالتَّعْدِيلُ مِنْ النِّسَاءِ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يُقْبَلُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ فِيهِ لَفْظُ الشَّهَادَةِ ، فَأَشْبَهَ الرِّوَايَةَ ، وَأَخْبَارَ الدِّيَاتِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهَا شَهَادَةٌ فِيمَا لَيْسَ بِمَالٍ ، وَلَا الْمَقْصُودُ مِنْهُ الْمَالُ ، وَيَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ فِي غَالِبِ الْأَحْوَالِ ، فَأَشْبَهَ الشَّهَادَةَ فِي الْقِصَاصِ .\rوَمَا ذَكَرُوهُ غَيْرُ مُسَلَّمٍ .","part":23,"page":11},{"id":11011,"text":"( 8257 ) فَصْلٌ : وَلَا يُقْبَلُ الْجَرْحُ مِنْ الْخَصْمِ .\rبِلَا خِلَافٍ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ .\rفَلَوْ قَالَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ : هَذَانِ فَاسِقَانِ ، أَوْ عَدُوَّانِ لِي ، أَوْ آبَاءُ لِلْمَشْهُودِ لَهُ .\rلَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ ؛ لِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ فِي قَوْلِهِ ، وَيَشْهَدُ بِمَا يَجُرُّ إلَيْهِ نَفْعًا ، فَأَشْبَهَ الشَّهَادَةَ لِنَفْسِهِ ، وَلَوْ قَبِلْنَا قَوْلَهُ ، لَمْ يَشَأْ أَحَدٌ أَنْ يُبْطِلَ شَهَادَةَ مَنْ شَهِدَ عَلَيْهِ إلَّا أَبْطَلَهَا ، فَتَضِيعَ الْحُقُوقُ ، وَتَذْهَبَ حِكْمَةُ شَرْعِ الْبَيِّنَةِ .","part":23,"page":12},{"id":11012,"text":"( 8258 ) فَصْلٌ : وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْمُتَوَسِّمِينَ ، وَذَلِكَ إذَا حَضَرَ مُسَافِرَانِ ، فَشَهِدَا عِنْدَ حَاكِمٍ لَا يَعْرِفُهُمَا لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُمَا .\rوَقَالَ مَالِكٌ : يَقْبَلُهُمَا إذَا رَأَى فِيهِمَا سِيمَا الْخَيْرِ ؛ لِأَنَّهُ لَا سَبِيلَ إلَى مَعْرِفَةِ عَدَالَتِهِمَا ، فَفِي التَّوَقُّفِ عَنْ قَبُولِهِمَا تَضْيِيعُ الْحُقُوقِ ، فَوَجَبَ الرُّجُوعُ فِيهِمَا إلَى السِّيمَاءِ الْجَمِيلَةِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ عَدَالَتَهُمَا مَجْهُولَةٌ ، فَلَمْ يَجُزْ الْحُكْمُ بِشَهَادَتِهِمَا ، كَشَاهِدَيْ الْحَضَرِ .\rوَمَا ذَكَرُوهُ مُعَارَضٌ بِأَنَّ قَبُولَ شَهَادَتِهِمَا يُفْضِي إلَى أَنْ يَقْضِي بِشَهَادَتِهِمَا بِدَفْعِ الْحَقِّ إلَى غَيْرِ مُسْتَحِقِّهِ .","part":23,"page":13},{"id":11013,"text":"( 8259 ) فَصْلٌ : قَالَ أَحْمَدُ : يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَسْأَلَ عَنْ شُهُودِهِ كُلَّ قَلِيلٍ ؛ لِأَنَّ الرَّجُلَ يَنْتَقِلُ مِنْ حَالٍ إلَى حَالٍ .\rوَهَلْ هَذَا مُسْتَحَبُّ أَوْ وَاجِبٌ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، مُسْتَحَبٌّ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ مَا كَانَ ، فَلَا يَزُولُ حَتَّى يَثْبُت الْجَرْحُ .\rوَالثَّانِي ، يَجِبُ الْبَحْثُ كُلَّمَا مَضَتْ مُدَّةٌ يَتَغَيَّرُ الْحَالُ فِيهَا ؛ لِأَنَّ الْعَيْبَ يَحْدُثُ ، وَذَلِكَ عَلَى مَا يَرَاهُ الْحَاكِمُ .\rوَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَجْهَانِ ، مِثْلُ هَذَيْنِ .","part":23,"page":14},{"id":11014,"text":"( 8260 ) فَصْلٌ : وَلَيْسَ لِلْحَاكِمِ أَنْ يُرَتِّبَ شُهُودًا لَا يَقْبَلُ غَيْرَهُمْ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : { وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ } وَلِأَنَّ فِيهِ إضْرَارًا بِالنَّاسِ ؛ لِأَنَّ كَثِيرًا مِنْ الْوَقَائِعِ الَّتِي يُحْتَاجُ إلَى الْبَيِّنَةِ فِيهَا تَقَعُ عِنْدَ غَيْرِ الْمُرَتَّبِينَ ، فَمَتَى ادَّعَى إنْسَانٌ شَهَادَةَ غَيْرِ الْمُرَتَّبِينَ ، وَجَبَ عَلَى الْحَاكِمِ سَمَاعُ بَيِّنَتِهِ ، وَالنَّظَرُ فِي عَدَالَةِ شَاهِدَيْهِ ، وَلَا يَجُوزُ رَدُّهُمْ بِكَوْنِهِمْ مِنْ غَيْرِ الْمُرَتَّبِينَ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُخَالِفُ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ وَالْإِجْمَاعَ ، لَكِنْ لَهُ أَنْ يُرَتِّبَ شُهُودًا يُشْهِدُهُمْ النَّاسُ ، فَيَسْتَغْنُونَ بِإِشْهَادِهِمْ عَنْ تَعْدِيلِهِمْ ، وَيَسْتَغْنِي الْحَاكِمُ عَنْ الْكَشْفِ عَنْ أَحْوَالِهِمْ ، فَيَكُونُ فِيهِ تَخْفِيفٌ مِنْ وَجْهٍ ، وَيَكُونُونَ أَيْضًا يُزَكُّونَ مَنْ عَرَفُوا عَدَالَتَهُ مِنْ غَيْرِهِمْ إذَا شَهِدَ .","part":23,"page":15},{"id":11015,"text":"( 8261 ) فَصْلٌ : وَلَا بَأْسَ أَنْ يَعِظَ الشَّاهِدَيْنِ ، كَمَا رُوِيَ عَنْ شُرَيْحٍ ، أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ لِلشَّاهِدَيْنِ إذَا حَضَرَا : يَا هَذَانِ ، أَلَا تَرَيَانِ ؟ إنِّي لَمْ أَدْعُكُمَا ، وَلَسْت أَمْنَعُكُمَا أَنْ تَرْجِعَا ، وَإِنَّمَا يَقْضِي عَلَى هَذَا أَنْتُمَا ، وَأَنَا مُتَّقٍ بِكُمَا ، فَاتَّقِيَا .\rوَفِي لَفْظٍ : وَإِنِّي بِكُمَا أَقْضِي الْيَوْمَ ، وَبِكُمَا أَتَّقِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَرَوَى أَبُو حَنِيفَةَ قَالَ كُنْت عِنْدَ مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ وَهُوَ قَاضِي الْكُوفَةِ ، فَجَاءَ رَجُلٌ ، فَادَّعَى عَلَى رَجُلٍ حَقًّا ، فَأَنْكَرَهُ ، فَأَحْضَرَ الْمُدَّعِي شَاهِدَيْنِ ، فَشَهِدَا لَهُ ، فَقَالَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ : وَاَلَّذِي بِهِ تَقُومُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ لَقَدْ كَذَبَا عَلَيَّ فِي الشَّهَادَةِ .\rوَكَانَ مُحَارِبُ بْنُ دِثَارٍ مُتَّكِئًا فَاسْتَوَى جَالِسًا ، وَقَالَ : سَمِعْت ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ : سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : { إنَّ الطَّيْرَ لَتَخْفِقُ بِأَجْنِحَتِهَا ، وَتَرْمِي مَا فِي حَوَاصِلِهَا ، مِنْ هَوْلِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، وَإِنَّ شَاهِدَ الزُّورِ لَا تَزُولُ قَدَمَاهُ حَتَّى يَتَبَوَّأَ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ } .\rفَإِنْ صَدَقْتُمَا فَاثْبُتَا ، وَإِنْ كَذَبْتُمَا فَغَطِّيَا رُءُوسَكُمَا وَانْصَرِفَا .\rفَغَطَّيَا رُءُوسَهُمَا وَانْصَرَفَا .","part":23,"page":16},{"id":11016,"text":"( 8262 ) مَسْأَلَةٌ ، قَالَ : ( وَيَكُونُ كَاتِبُهُ عَدْلًا ، وَكَذَلِكَ قَاسِمُهُ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَتَّخِذَ كَاتِبًا ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَكْتَبَ زِيدَ بْنَ ثَابِتٍ ، وَغَيْرَهُ ، وَلِأَنَّ الْحَاكِمَ تَكْثُرُ أَشْغَالُهُ وَنَظَرُهُ ، فَلَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَتَوَلَّى الْكِتَابَةَ بِنَفْسِهِ ، وَإِنْ أَمْكَنَهُ تَوَلِّي الْكِتَابَةِ بِنَفْسِهِ ، جَازَ ، وَالِاسْتِنَابَةُ فِيهِ أَوْلَى .\rوَلَا يَجُوزُ أَنْ يَسْتَنِيبَ فِي ذَلِكَ إلَّا عَدْلًا ؛ لِأَنَّ الْكِتَابَةَ مَوْضِعُ أَمَانَةٍ .\rوَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ فَقِيهًا ؛ لِيَعْرِفَ مَوَاقِعَ الْأَلْفَاظِ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِهَا الْأَحْكَامُ ، وَيُفَرِّقَ بَيْنَ الْجَائِزِ وَالْوَاجِبِ ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ وَافِرَ الْعَقْلِ ، وَرِعًا ، نَزِهًا ؛ لِئَلَّا يُسْتَمَالَ بِالطَّمَعِ ، وَيَكُونَ مُسْلِمًا ؛ لِأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى قَالَ : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا } وَيُرْوَى أَنَّ أَبَا مُوسَى قَدِمَ عَلَى عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَمَعَهُ كَاتِبٌ نَصْرَانِيٌّ ، فَأَحْضَرَ أَبُو مُوسَى شَيْئًا مِنْ مَكْتُوبَاتِهِ عِنْدَ عُمَرَ ، فَاسْتَحْسَنَهُ ، وَقَالَ : قُلْ لِكَاتِبِك يَجِيءُ ، فَيَقْرَأُ كِتَابَهُ .\rقَالَ : إنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْمَسْجِدَ .\rقَالَ : وَلِمَ ؟ قَالَ : إنَّهُ نَصْرَانِيٌّ .\rفَانْتَهَرَهُ عُمَرُ ، وَقَالَ : لَا تَأْتَمِنُوهُمْ ، وَقَدْ خَوَّنَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى ، وَلَا تُقَرِّبُوهُمْ ، وَقَدْ أَبْعَدَهُمْ اللَّهُ - تَعَالَى ، وَلَا تُعِزُّوهُمْ ، وَقَدْ أَذَلَّهُمْ اللَّهُ تَعَالَى .\rوَلِأَنَّ الْإِسْلَامَ مِنْ شُرُوطِ الْعَدَالَةِ ، وَالْعَدَالَةُ شَرْطٌ .\r، وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ : فِي اشْتِرَاطِ عَدَالَتِهِ وَإِسْلَامِهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، تُشْتَرَطُ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا .\rوَالثَّانِي ، لَا تُشْتَرَطُ ؛ لِأَنَّ مَا يَكْتُبُهُ لَا بُدَّ مِنْ وُقُوفِ الْقَاضِي عَلَيْهِ ، فَتُؤْمَنُ الْخِيَانَةُ فِيهِ .\rوَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ جَيِّدَ الْخَطِّ ؛ لِأَنَّهُ أَكْمَلُ .\rوَأَنْ يَكُونَ حُرًّا ؛ لِيَخْرُجَ مِنْ الْخِلَافِ .","part":23,"page":17},{"id":11017,"text":"وَإِنْ كَانَ عَبْدًا ، جَازَ ؛ لِأَنَّ شَهَادَةَ الْعَبْدِ جَائِزَةٌ .\rوَيَكُونَ الْقَاسِمُ عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي ذَكَرْنَا فِي الْكَاتِبِ ، وَلَا بُدَّ مِنْ كَوْنِهِ حَاسِبًا ؛ لِأَنَّهُ عَمَلُهُ ، وَبِهِ يَقْسِمُ ، فَهُوَ كَالْحَظِّ لِلْكَاتِبِ وَالْفِقْهِ لِلْحَاكِمِ .\rوَيُسْتَحَبُّ لِلْحَاكِمِ أَنْ يُجْلِسَ كَاتِبَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ ؛ لِيُشَاهِدَ مَا يَكْتُبُهُ ، وَيُشَافِهَهُ بِمَا يُمْلِي عَلَيْهِ ، وَإِنْ قَعَدَ نَاحِيَةً ، جَازَ ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ يَحْصُلُ ، فَإِنَّ مَا يَكْتُبُهُ يُعْرَضُ عَلَى الْحَاكِمِ ، فَيَسْتَبْرِئُهُ .","part":23,"page":18},{"id":11018,"text":"( 8263 ) فَصْلٌ : وَإِذَا تَرَافَعَ إلَى الْحَاكِمِ خَصْمَانِ ، فَأَقَرَّ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ ، فَقَالَ الْمُقَرُّ لَهُ لِلْحَاكِمِ : أَشْهِدْ لِي عَلَى إقْرَارِهِ شَاهِدَيْنِ .\rلَزِمَهُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الْحَاكِمَ لَا يَحْكُمُ بِعِلْمِهِ ، فَرُبَّمَا جَحَدَ الْمُقِرُّ ، فَلَا يُمْكِنُهُ الْحُكْمُ عَلَيْهِ بِعِلْمِهِ ، وَلَوْ كَانَ يَحْكُمُ بِعِلْمِهِ اُحْتُمِلَ أَنْ يَنْسَى ، فَإِنَّ الْإِنْسَانَ عُرْضَةُ النِّسْيَانِ ، فَلَا يُمْكِنُهُ الْحُكْمُ بِإِقْرَارِهِ .\rوَإِنْ ثَبَتَ عِنْدَهُ حَقٌّ بِنُكُولِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ، أَوْ بِيَمِينِ الْمُدَّعِي بَعْدَ النُّكُولِ ، فَسَأَلَهُ الْمُدَّعِي أَنْ يُشْهِدَ عَلَى نَفْسِهِ ، لَزِمَهُ ؛ لِأَنَّهُ لَا حُجَّةَ لِلْمُدَّعِي سِوَى الْإِشْهَادِ ، وَإِنْ ثَبَتَتْ عِنْدَهُ بَيِّنَةٌ فَسَأَلَهُ الْإِشْهَادَ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، لَا يَلْزَمُهُ ؛ لِأَنَّ بِالْحَقِّ بَيِّنَةً ، فَلَا يَجِبُ جَعْلُ بَيِّنَةٍ أُخْرَى .\rوَالثَّانِي ، يَجِبُ ؛ لِأَنَّ فِي الْإِشْهَادِ فَائِدَةً جَدِيدَةً ، وَهِيَ إثْبَاتُ تَعْدِيلِ بَيِّنَتِهِ ، وَإِلْزَامُ خَصْمِهِ وَإِنْ حَلَفَ الْمُنْكِرُ وَسَأَلَ الْحَاكِمُ الْإِشْهَادَ عَلَى بَرَاءَتِهِ لَزِمَهُ لِيَكُونَ حُجَّةً لَهُ .\rفِي سُقُوطِ الْمُطَالَبَةِ مَرَّةً أُخْرَى ، وَفِي جَمِيعِ ذَلِكَ ، إذَا سَأَلَهُ أَنْ يَكْتُبَ لَهُ مَحْضَرًا بِمَا جَرَى ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، يَلْزَمُهُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ وَثِيقَةٌ لَهُ ، فَهُوَ كَالْإِشْهَادِ ؛ لِأَنَّ الشَّاهِدَيْنِ رُبَّمَا نَسِيَا الشَّهَادَةَ ، أَوْ نَسِيَا الْخَصْمَيْنِ ، فَلَا يُذَكِّرُهُمَا إلَّا رُؤْيَةُ خَطَّيْهِمَا .\rوَالثَّانِي ، لَا يَلْزَمُهُ ؛ لِأَنَّ الْإِشْهَادَ يَكْفِيهِ .\rوَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ؛ لِأَنَّ الشُّهُودَ تَكْثُرُ عَلَيْهِمْ الشَّهَادَاتُ ، وَيَطُولُ عَلَيْهِمْ الْأَمَدُ ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُمَا لَا يَتَحَقَّقَانِ الشَّهَادَةَ تَحَقُّقًا يَحْصُلُ بِهِ أَدَاؤُهَا ، فَلَا يَتَقَيَّدُ إلَّا بِالْكِتَابِ .\rفَإِنْ اخْتَارَ أَنْ يَكْتُبَ لَهُ مَحْضَرًا ، فَصِفَتُهُ : حَضَرَ الْقَاضِي فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ الْفُلَانِيُّ ، قَاضِي عَبْدِ اللَّهِ الْإِمَامِ فُلَانٍ ، عَلَى كَذَا وَكَذَا .\rوَإِنْ كَانَ","part":23,"page":19},{"id":11019,"text":"خَلِيفَةَ الْقَاضِي قَالَ : خَلِيفَةُ الْقَاضِي فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ الْفُلَانِيِّ عَبْدُ اللَّهِ قَاضِي الْإِمَامِ بِمَجْلِسِ حُكْمِهِ وَقَضَائِهِ .\rفَإِنْ كَانَ يَعْرِفُ الْمُدَّعِيَ وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِأَسْمَائِهِمَا وَأَنْسَابِهِمَا ، قَالَ : فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ الْفُلَانِيُّ ، وَأَحْضَرَ مَعَهُ فُلَانَ بْنَ فُلَانٍ الْفُلَانِيَّ .\rوَيَرْفَعُ فِي نَسَبِهِمَا حَتَّى يَتَمَيَّزَ وَيُسْتَحَبُّ ذِكْرُ حِلْيَتِهِمَا ، وَإِنْ أَخَلَّ بِهِ ، جَازَ ؛ لِأَنَّ ذِكْرَ نَسَبِهِمَا إذَا رَفَعَ فِيهِ أَغْنَى عَنْ ذِكْرِ الْحِلْيَةِ .\rوَإِنْ كَانَ الْحَاكِمُ لَا يَعْرِفُ الْخَصْمَيْنِ ، قَالَ : مُدَّعٍ ذَكَرَ أَنَّهُ فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ الْفُلَانِيُّ ، وَأَحْضَرَ مَعَهُ مُدَّعًى عَلَيْهِ ذَكَرَ أَنَّهُ فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ الْفُلَانِيُّ .\rوَيَرْفَعُ فِي نَسَبِهِمَا ، وَيَذْكُرُ حِلْيَتَهُمَا ؛ لِأَنَّ الِاعْتِمَادَ عَلَيْهَا ، فَرُبَّمَا اسْتَعَارَ النَّسَبَ .\rوَيَقُولُ : أَغَمُّ ، أَوْ أَنْزَعُ .\rوَيَذْكُرُ صِفَةَ الْعَيْنَيْنِ وَالْأَنْفِ وَالْفَمِ وَالْحَاجِبَيْنِ ، وَاللَّوْنَ وَالطُّولَ وَالْقِصَرَ .\rمَا ادَّعَى عَلَيْهِ كَذَا وَكَذَا ، فَأَقَرَّ لَهُ .\rوَلَا يَحْتَاجُ أَنْ يَقُولَ : بِمَجْلِسِ حُكْمِهِ .\rلِأَنَّ الْإِقْرَارَ يَصِحُّ فِي غَيْرِ مَجْلِسِ الْحُكْمِ .\rوَإِنْ كَتَبَ أَنَّهُ شَهِدَ عَلَى إقْرَارِهِ شَاهِدَانِ ، كَانَ أَوْكَدَ .\rوَيَكْتُبُ الْحَاكِمُ عَلَى رَأْسِ الْمَحْضَرِ : الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ .\rأَوَ مَا أَحَبَّ مِنْ ذَلِكَ .\rفَأَمَّا إنْ أَنْكَرَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ، وَشَهِدَتْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ ، قَالَ : فَادَّعَى عَلَيْهِ كَذَا وَكَذَا ، فَأَنْكَرَ ، فَسَأَلَ الْحَاكِمُ الْمُدَّعِيَ : أَلِك بَيِّنَةٌ ؟ فَأَحْضَرَهَا ، وَسَأَلَ الْحَاكِمُ سَمَاعَهَا فَفَعَلَ ، وَسَأَلَهُ أَنْ يَكْتُبَ لَهُ مَحْضَرًا بِمَا جَرَى ، فَأَجَابَهُ إلَيْهِ ، وَذَلِكَ فِي وَقْتِ كَذَا .\rوَيَحْتَاجُ هَاهُنَا أَنْ يَذْكُرَ : بِمَجْلِسِ حُكْمِهِ وَقَضَائِهِ .\rبِخِلَافِ الْإِقْرَارِ ؛ لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ لَا تُسْمَعُ إلَّا فِي مَجْلِسِ الْحُكْمِ ، وَالْإِقْرَارُ بِخِلَافِهِ .\rوَيَكْتُبُ الْحَاكِمُ فِي آخِرِ الْمَحْضَرِ : شَهِدَا عِنْدِي بِذَلِكَ .\rفَإِنْ","part":23,"page":20},{"id":11020,"text":"كَانَ مَعَ الْمُدَّعِي كِتَابٌ فِيهِ خَطُّ الشَّاهِدِ كَتَبَ تَحْتَ خُطُوطِهِمَا أَوْ تَحْت خَطِّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا : شَهِدَ عِنْدِي بِذَلِكَ .\rوَيَكْتُبُ عَلَامَتَهُ فِي رَأْسِ الْمَحْضَرِ ، وَإِنْ اقْتَصَرَ عَلَى ذَلِكَ دُونَ الْمَحْضَرِ ، جَازَ .\rفَأَمَّا إنْ لَمْ تَكُنْ لِلْمُدَّعِي بَيِّنَةٌ ، فَاسْتَحْلَفَ الْمُنْكِرَ ، ثُمَّ سَأَلَ الْمُنْكِرُ الْحَاكِمَ مَحْضَرًا لِئَلَّا يَحْلِفَ فِي ذَلِكَ ثَانِيًا ، كَتَبَ لَهُ مِثْلَ مَا تَقَدَّمَ ، إلَّا أَنَّهُ يَقُولُ : فَأَنْكَرَ ، فَسَأَلَ الْحَاكِمُ الْمُدَّعِيَ : أَلَكَ بَيِّنَةٌ ؟ فَلَمْ تَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ فَقَالَ : لَك يَمِينُهُ .\rفَسَأَلَهُ أَنْ يَسْتَحْلِفَهُ ، فَاسْتَحْلَفَهُ فِي مَجْلِسِ حُكْمِهِ وَقَضَائِهِ ، فِي وَقْتِ كَذَا وَكَذَا .\rوَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ تَحْلِيفِهِ ؛ لِأَنَّ الِاسْتِحْلَافَ لَا يَكُونُ إلَّا فِي مَجْلِسِ الْحُكْمِ ، وَيُعْلَمُ فِي أَوَّلِهِ خَاصَّةً .\rوَإِنْ نَكِلَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَنْ الْيَمِينِ ، قَالَ : فَعُرِضَ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ، فَنَكِلَ عَنْهَا ، فَسَأَلَ خَصْمُهُ الْحَاكِمَ أَنْ يَقْضِيَ عَلَيْهِ بِالْحَقِّ ، فَقَضَى عَلَيْهِ فِي وَقْتِ كَذَا .\rوَيُعْلِمُ فِي آخِرِهِ ، وَيَذْكُرُ أَنَّ ذَلِكَ فِي مَجْلِسِ حُكْمِهِ وَقَضَائِهِ .\rفَهَذِهِ صِفَةُ الْمَحْضَرِ .\rفَأَمَّا إنْ سَأَلَ صَاحِبُ الْحَقِّ الْحَاكِمَ أَنْ يَحْكُمَ لَهُ بِمَا ثَبَتَ فِي الْمَحْضَرِ ، لَزِمَهُ أَنْ يَحْكُمَ لَهُ بِهِ ، وَيَنْفُذَهُ ، فَيَقُولَ : حَكَمْت لَهُ بِهِ ، أَلْزَمْته الْحَقَّ ، أَنْفَذَتْ الْحُكْمَ بِهِ .\rفَإِنْ طَلَبَهُ أَنْ يَشْهَدَ لَهُ عَلَى حُكْمِهِ ، لَزِمَهُ ذَلِكَ ، لِتَحْصُلَ لَهُ الْوَثِيقَةُ بِهِ .\rفَإِنْ طَالَبَهُ أَنْ يُسَجِّلَ لَهُ بِهِ ، وَهُوَ أَنْ يَكْتُبَ فِي الْمَحْضَرِ وَيَشْهَدَ عَلَى إنْقَاذِهِ ، سَجَّلَ لَهُ .\rوَفِي وُجُوبِ ذَلِكَ ، الْوَجْهَانِ الْمَذْكُورَانِ فِي الْمَحْضَرِ .\rوَهَذِهِ صُورَةُ السِّجِلِّ : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذَا مَا أَشْهَدَ عَلَيْهِ الْقَاضِي فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ الْفُلَانِيُّ ، قَاضِي عَبْدِ اللَّهِ الْإِمَامِ ، عَلَى كَذَا وَكَذَا فِي مَجْلِسِ حُكْمِهِ وَقَضَائِهِ ، فِي مَوْضِعِ كَذَا وَكَذَا ، فِي","part":23,"page":21},{"id":11021,"text":"وَقْتِ كَذَا وَكَذَا ، أَنَّهُ ثَبَتَ عِنْدَهُ بِشَهَادَةِ فُلَانٍ وَفُلَانٍ وَنَسَبِهِمَا ، وَقَدْ عَرَفَهُمَا بِمَا سَاغَ لَهُ بِهِ قَبُولُ شَهَادَتِهِمَا عِنْدَهُ بِمَا فِي كِتَابٍ نَسَخَهُ وَيَنْسَخُ الْكِتَابَ إنْ كَانَ مَعَهُ ، أَوْ الْمَحْضَرَ فِي أَيِّ حُكْمٍ كَانَ ، فَإِذَا فَرَغَ مِنْهُ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ : فَحَكَمَ بِهِ ، فَأَنْفَذَهُ وَأَمْضَاهُ ، بَعْدَ أَنْ سَأَلَهُ فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ ، أَنْ يَحْكُمَ لَهُ بِهِ .\rوَلَا يَحْتَاجُ أَنْ يَذْكُرَ أَنَّهُ بِمَحْضَرِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ عَلَى الْغَائِبِ جَائِزٌ ، فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَذْكُرَهُ احْتِيَاطًا ، قَالَ : بَعْدَ أَنْ حَضَرَهُ مَنْ سَاغَ لَهُ الدَّعْوَى عَلَيْهِ .\rوَيَكْتُبُ الْحَاكِمُ بِالسِّجِلِّ وَالْمَحْضَرِ نُسْخَتَيْنِ ؛ إحْدَاهُمَا ، تَكُونُ فِي يَدِ صَاحِبِ الْحَقِّ .\rوَالْأُخْرَى ، تَكُونُ فِي دِيوَانِ الْحُكْمِ ، فَإِنْ هَلَكَتْ إحْدَاهُمَا نَابَتْ الْأُخْرَى عَنْهَا ، وَيُخْتَمُ الَّذِي فِي دِيوَانِ الْحُكْمِ ، وَيَكْتُبُ عَلَى طَيِّهِ : سِجِلُّ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ ، أَوْ مَحْضَرُ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ ، أَوْ وَثِيقَةُ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ .\rفَإِنْ كَثُرَ مَا عِنْدَهُ جَمَعَ مَا يَجْتَمِعُ فِي كُلِّ يَوْمٍ أَوْ أُسْبُوعٍ أَوْ شَهْرٍ ، عَلَى قَدْرِ كَثْرَتِهَا وَقِلَّتِهَا وَشَدَّهَا إضْبَارَةً ، وَيَكْتُبُ عَلَيْهَا : أُسْبُوعُ كَذَا ، مِنْ شَهْرِ كَذَا ، مِنْ سَنَةِ كَذَا .\rثُمَّ يَضُمُّ مَا يَجْتَمِعُ فِي السَّنَةِ ، وَيَدَعُهَا نَاحِيَةً ، وَيَكْتُبُ عَلَيْهَا : كُتِبَ سَنَةَ كَذَا .\rحَتَّى إذَا حَضَرَ مَنْ يَطْلُبُ شَيْئًا مِنْهَا ، سَأَلَهُ عَنْ السَّنَةِ ، فَيُخْرِجُ كُتُبَ تِلْكَ السَّنَةِ ، وَيَسْهُلُ .\rوَيَنْبَغِي أَنْ يَتَوَلَّى جَمْعَهَا وَشَدَّهَا بِنَفْسِهِ ؛ لِئَلَّا يُزَوَّرَ عَلَيْهِ ، فَإِنْ تَوَلَّى ذَلِكَ ثِقَةٌ مِنْ ثِقَاتِهِ ، جَازَ .","part":23,"page":22},{"id":11022,"text":"( 8264 ) فَصْلٌ : وَيَنْبَغِي أَنْ يُجْعَلَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ شَيْءٌ بِرَسْمِ الْكَاغَدِ الَّذِي يُكْتَبُ فِيهِ الْمَحَاضِرُ وَالسِّجِلَّاتُ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْمَصَالِحِ ، فَإِنَّهُ ، يُحْفَظُ بِهِ الْوَثَائِقُ ، وَيُذَكِّرُ الْحَاكِمَ حُكْمَهُ ، وَالشَّاهِدَ شَهَادَتَهُ ، وَيُرْجَعُ بِالدَّرْكِ عَلَى مَنْ رَجَعَ عَلَيْهِ ، فَإِنْ أَعْوَزَ ذَلِكَ ، لَمْ يَلْزَمْ الْحَاكِمَ ذَلِكَ ، وَيَقُولُ لِصَاحِبِ الْحَقِّ : إنْ شِئْت جِئْت بِكَاغَدٍ ، أَكْتُبُ لَك فِيهِ ، فَإِنَّهُ حُجَّةٌ لَك ، وَلَسْت أُكْرِهُك عَلَيْهِ .","part":23,"page":23},{"id":11023,"text":"( 8265 ) فَصْلٌ : وَإِذَا ارْتَفَعَ إلَيْهِ خَصْمَانِ ، فَذَكَرَ أَحَدُهُمَا أَنَّ حُجَّتَهُ فِي دِيوَانِ الْحُكْمِ ، فَأَخْرَجَهَا الْحَاكِمُ مِنْ دِيوَانِهِ ، فَوَجَدَهَا مَكْتُوبَةً بِخَطِّهِ تَحْت خَتْمِهِ ، وَفِيهَا حُكْمُهُ ، فَإِنْ ذَكَرَ ذَلِكَ ، حَكَمَ بِهِ ، وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْهُ ، لَمْ يَحْكُمْ بِهِ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، فِي الشَّهَادَةِ ، قَالَهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ وَعَنْ أَحْمَدَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ يَحْكُمُ بِهِ .\rوَبِهِ قَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى .\rوَهَذَا الَّذِي رَأَيْته عَنْ أَحْمَدَ فِي الشَّهَادَةِ ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ فِي قِمْطَرِهِ تَحْتَ خَتْمِهِ ، لَمْ يَحْتَمِلْ أَنْ يَكُونَ إلَّا صَحِيحًا .\rوَوَجْهُ الْأُولَى ، أَنَّهُ حُكْمُ حَاكِمٍ لَمْ يَعْلَمْهُ ، فَلَمْ يَجُزْ إنْفَاذُهُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ ، كَحُكْمِ غَيْرِهِ ، وَلِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُزَوَّرَ عَلَيْهِ وَعَلَى خَتْمِهِ ، وَالْخَطُّ يُشْبِهُ الْخَطَّ .\rفَإِنْ قِيلَ : فَلَوْ وَجَدَ فِي دَفْتَرِ أَبِيهِ حَقًّا عَلَى إنْسَانٍ ، جَازَ لَهُ أَنْ يَدَّعِيَهُ ، وَيَحْلِفَ عَلَيْهِ .\rقُلْنَا : هَذَا يُخَالِفُ الْحُكْمَ وَالشَّهَادَةَ ، بِدَلِيلِ الْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّهُ لَوْ وَجَدَ بِخَطِّ أَبِيهِ شَهَادَةً ، لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَحْكُمَ بِهَا ، وَلَا يَشْهَدَ بِهَا ، وَلَوْ وَجَدَ حُكْمَ أَبِيهِ مَكْتُوبًا بِخَطِّهِ ، لَمْ يَجُزْ لَهُ إنْقَاذُهُ ، وَلِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ الرُّجُوعُ فِيمَا حَكَمَ بِهِ عَلَيْهِ إلَى نَفْسِهِ ، لِأَنَّهُ فِعْلُ نَفْسِهِ ، فَرُوعِيَ ذَلِكَ .\rوَأَمَّا مَا كَتَبَهُ أَبُوهُ ، فَلَا يُمْكِنُهُ الرُّجُوعُ فِيمَا حَكَمَ بِهِ إلَى نَفْسِهِ ، فَيَكْفِي فِيهِ الظَّنُّ .","part":23,"page":24},{"id":11024,"text":"( 8266 ) فَصْلٌ : فَإِنْ ادَّعَى رَجُلٌ عَلَى الْحَاكِمِ ، أَنَّك حَكَمْت لِي بِهَذَا الْحَقِّ عَلَى خَصْمِي .\rفَذَكَرَ الْحَاكِمُ حُكْمَهُ ، أَمْضَاهُ ، وَأَلْزَمَ خَصْمَهُ مَا حَكَمَ بِهِ عَلَيْهِ .\rوَلَيْسَ هَذَا حُكْمًا بِالْعِلْمِ ، إنَّمَا هُوَ إمْضَاءٌ لِحُكْمِهِ السَّابِقِ .\rوَإِنْ لَمْ يَذْكُرْهُ الْقَاضِي ، فَشَهِدَ عِنْدَهُ شَاهِدَانِ عَلَى حُكْمِهِ ، لَزِمَهُ قَبُولُهَا ، وَإِمْضَاءُ الْقَضَاءِ .\rوَبِهِ قَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ .\rقَالَ الْقَاضِي : هَذَا قِيَاسُ قَوْلِ أَحْمَدَ ؛ لِأَنَّهُ قَالَ : يَرْجِعُ الْإِمَامُ إلَى قَوْلِ اثْنَيْنِ فَصَاعِدًا مِنْ الْمَأْمُومِينَ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَبُو يُوسُفَ ، وَالشَّافِعِيُّ : لَا يَقْبَلُ ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ الرُّجُوعُ إلَى الْإِحَاطَةِ وَالْعِلْمِ ، فَلَا يَرْجِعُ إلَى الظَّنِّ ، كَالشَّاهِدِ إذَا نَسِيَ شَهَادَتَهُ ، فَشَهِدَ عِنْدَهُ شَاهِدَانِ أَنَّهُ شَهِدَ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُمَا لَوْ شَهِدَا عِنْدَهُ بِحُكْمِ غَيْرِهِ قَبِلَ ، فَكَذَلِكَ إذَا شَهِدَا عِنْدَهُ بِحُكْمِ نَفْسِهِ ، وَلِأَنَّهُمَا شَهِدَا بِحُكْمِ حَاكِمٍ .\rوَمَا ذَكَرُوهُ لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ ذِكْرَ مَا نَسِيَهُ لَيْسَ إلَيْهِ ، وَيُخَالِفُ الشَّاهِدَ ؛ لِأَنَّ الْحَاكِمَ يُمْضِي مَا حَكَمَ بِهِ إذَا ثَبَتَ عِنْدَهُ ، وَالشَّاهِدُ لَا يَقْدِرُ عَلَى إمْضَاءِ شَهَادَتِهِ ، وَإِنَّمَا يُمْضِيهَا الْحَاكِمُ .","part":23,"page":25},{"id":11025,"text":"( 8267 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَلَا يَقْبَلُ هَدِيَّةَ مَنْ لَمْ يَكُنْ يُهْدِي إلَيْهِ قَبْلَ وِلَايَتِهِ ) وَذَلِكَ لِأَنَّ الْهَدِيَّةَ يُقْصَدُ بِهَا فِي الْغَالِبِ اسْتِمَالَةُ قَلْبِهِ ، لِيَعْتَنِيَ بِهِ فِي الْحُكْمِ ، فَتُشْبِهُ الرِّشْوَةَ .\rقَالَ مَسْرُوقٌ : إذَا قَبِلَ الْقَاضِي الْهَدِيَّةَ ، أَكَلَ السُّحْتَ ، وَإِذَا قَبِلَ الرِّشْوَةَ ، بَلَغَتْ بِهِ الْكُفْرَ .\rوَقَدْ رَوَى أَبُو حُمَيْدٍ السَّاعِدِيُّ ، قَالَ : بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا مِنْ الْأَزْدِ ، يُقَالُ لَهُ ابْنُ اللُّتْبِيَّةِ عَلَى الصَّدَقَةِ ، فَقَالَ : هَذَا لَكُمْ ، وَهَذَا أُهْدِيَ إلَيَّ .\rفَقَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَحَمِدَ اللَّهَ ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، ثُمَّ قَالَ : { مَا بَالُ الْعَامِلِ نَبْعَثُهُ ، فَيَجِيءُ فَيَقُولُ : هَذَا لَكُمْ ، وَهَذَا أُهْدِيَ إلَيَّ ، أَلَا جَلَسَ فِي بَيْتِ أُمِّهِ ، فَيَنْظُرَ أَيُهْدَى إلَيْهِ أَمْ لَا ؟ وَاَلَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ ، لَا نَبْعَثُ أَحَدًا مِنْكُمْ ، فَيَأْخُذُ شَيْئًا ، إلَّا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَحْمِلُهُ عَلَى رَقَبَتِهِ ، إنْ كَانَ بَعِيرًا لَهُ رُغَاءٌ ، أَوْ بَقَرَةً لَهَا خُوَارٌ ، أَوْ شَاةً تَيْعَرُ .\rفَرَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى رَأَيْت عُفْرَةَ إبْطَيْهِ ، فَقَالَ : اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْت ثَلَاثًا ؟ } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَلِأَنَّ حُدُوثَ الْهَدِيَّةِ عَنَدَ حُدُوثِ الْوِلَايَةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا مِنْ أَجْلِهَا ، لِيَتَوَسَّلَ بِهَا إلَى مَيْلِ الْحَاكِمِ مَعَهُ عَلَى خَصْمِهِ ، فَلَمْ يَجُزْ قَبُولُهَا مِنْهُ كَالرِّشْوَةِ ، فَأَمَّا إنْ كَانَ يُهْدِي إلَيْهِ قَبْلَ وِلَايَتِهِ ، جَازَ قَبُولُهَا مِنْهُ بَعْدَ الْوِلَايَةِ ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ مِنْ أَجْلِ الْوِلَايَةِ ؛ لِوُجُودِ سَبَبِهَا قَبْلَ الْوِلَايَةِ ، بِدَلِيلِ وُجُودِهَا قَبْلَهَا .\rقَالَ الْقَاضِي : وَيُسْتَحَبُّ لَهُ التَّنَزُّهُ عَنْهَا .\rوَإِنْ أَحَسَّ أَنَّهُ يُقَدِّمُهَا بَيْنَ يَدَيْ خُصُومِهِ ، أَوْ فَعَلَهَا حَالَ الْحُكُومَةِ ، حَرُمَ أَخْذُهَا فِي هَذِهِ الْحَالِ ؛ لِأَنَّهَا كَالرِّشْوَةِ .\rوَهَذَا كُلُّهُ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rوَرُوِيَ عَنْ أَبِي","part":23,"page":26},{"id":11026,"text":"حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ ، أَنَّ قَبُولَ الْهَدِيَّةِ مَكْرُوهٌ غَيْرُ مُحَرَّمٍ .\rوَفِيمَا ذَكَرْنَاهُ دَلَالَةٌ عَلَى التَّحْرِيمِ .","part":23,"page":27},{"id":11027,"text":"( 8268 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا الرِّشْوَةُ فِي الْحُكْمِ ، وَرِشْوَةُ الْعَامِلِ ، فَحَرَامٌ بِلَا خِلَافٍ .\rقَالَ اللَّهُ تَعَالَى { أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ } قَالَ الْحَسَنُ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، فِي تَفْسِيرِهِ : هُوَ الرِّشْوَةُ .\rوَقَالَ : إذَا قَبِلَ الْقَاضِي الرِّشْوَةَ ، بَلَغَتْ بِهِ إلَى الْكُفْرِ وَرَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : { لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الرَّاشِيَ وَالْمُرْتَشِيَ .\r} قَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ .\rوَرَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ ، وَزَادَ : \" فِي الْحُكْمِ \" .\rوَرَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ ، فِي \" زَادِ الْمُسَافِرِ \" ، وَزَادَ : \" وَالرَّائِشَ \" وَهُوَ السَّفِيرُ بَيْنَهُمَا .\rوَلِأَنَّ الْمُرْتَشِيَ إنَّمَا يَرْتَشِي لِيَحْكُمَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ، أَوْ لِيُوقِفَ الْحُكْمَ عَنْهُ ، وَذَلِكَ مِنْ أَعْظَمِ الظُّلْمِ .\rقَالَ مَسْرُوقٌ : سَأَلْت ابْنَ مَسْعُودٍ عَنْ السُّحْتِ ، أَهْوَ الرِّشْوَةُ فِي الْحُكْمِ ؟ قَالَ : لَا ، { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ } وَ { الظَّالِمُونَ } وَ { الْفَاسِقُونَ } وَلَكِنَّ السُّحْتَ أَنْ يَسْتَعِينَك الرَّجُلُ عَلَى مَظْلَمَةٌ ، فَيُهْدِيَ لَك ، فَلَا تَقْبَلْ .\rوَقَالَ قَتَادَةُ : قَالَ كَعْبٌ : الرِّشْوَةُ تُسَفِّهُ الْحَلِيمَ ، وَتُعْمِي عَيْنَ الْحَكِيمِ .\rفَأَمَّا الرَّاشِي فَإِنْ رَشَاهُ لِيَحْكُمَ لَهُ بِبَاطِلٍ ، أَوْ يَدْفَعَ عَنْهُ حَقًّا ، فَهُوَ مَلْعُونٌ ، وَإِنْ رَشَاهُ لِيَدْفَعَ ظُلْمَهُ ، وَيَجْزِيَهُ عَلَى وَاجِبِهِ ، فَقَدْ قَالَ عَطَاءٌ ، وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ ، وَالْحَسَنُ : لَا بَأْسَ أَنْ يُصَانِعَ عَنْ نَفْسِهِ .\rقَالَ جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ : مَا رَأَيْنَا فِي زَمَنِ زِيَادٍ أَنْفَعَ لَنَا مِنْ الرِّشَا .\rوَلِأَنَّهُ يَسْتَنْقِذُ مَالَهُ كَمَا يَسْتَنْقِذُ الرَّجُلُ أَسِيرَهُ .\rفَإِنْ ارْتَشَى الْحَاكِمُ ، أَوْ قَبِلَ هَدِيَّةً لَيْسَ لَهُ قَبُولُهَا ، فَعَلَيْهِ رَدُّهَا إلَى أَرْبَابِهَا ؛ لِأَنَّهُ أَخَذَهَا بِغَيْرِ حَقٍّ ، فَأَشْبَهَ الْمَأْخُوذَ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ .\rوَيُحْتَمَلُ أَنْ يَجْعَلَهَا فِي بَيْتِ الْمَالِ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ","part":23,"page":28},{"id":11028,"text":"يَأْمُرْ ابْنَ اللُّتْبِيَّةِ بِرَدِّهَا عَلَى أَرْبَابِهَا .\rوَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ : إذَا أَهْدَى الْبِطْرِيقُ لِصَاحِبِ الْجَيْشِ عَيْنًا أَوْ فِضَّةً ، لَمْ تَكُنْ لَهُ دُونَ سَائِرِ الْجَيْشِ .\rقَالَ أَبُو بَكْرٍ : يَكُونُونَ فِيهِ سَوَاءً .","part":23,"page":29},{"id":11029,"text":"( 8269 ) فَصْلٌ : وَلَا يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَتَوَلَّى الْبَيْعَ وَالشِّرَاءَ بِنَفْسِهِ ؛ لِمَا رَوَى أَبُو الْأَسْوَدِ الْمَالِكِيُّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { : مَا عَدَلَ وَالٍ اتَّجَرَ فِي رَعِيَّتِهِ أَبَدًا } وَلِأَنَّهُ يُعْرَفُ فَيُحَابَى ، فَيَكُونُ كَالْهَدِيَّةِ ، وَلِأَنَّ ذَلِكَ يَشْغَلُهُ عَنْ النَّظَرِ فِي أُمُورِ النَّاسِ .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ لَمَّا بُويِعَ ، أَخَذَ الذِّرَاعَ وَقَصْدَ السُّوقَ ، فَقَالُوا : يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَسَعُك أَنْ تَشْتَغِلَ عَنْ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ .\rقَالَ : فَإِنِّي لَا أَدَعُ عِيَالِي يَضِيعُونَ .\rقَالُوا : فَنَحْنُ نَفْرِضُ لَك مَا يَكْفِيك .\rفَفَرَضُوا لَهُ كُلَّ يَوْمٍ دِرْهَمَيْنِ .\rفَإِنْ بَاعَ وَاشْتَرَى ، صَحَّ الْبَيْعُ ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ تَمَّ بِشُرُوطِهِ وَأَرْكَانِهِ .\rوَإِنْ احْتَاجَ إلَى مُبَاشَرَتِهِ ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَنْ يَكْفِيهِ ، جَازَ ذَلِكَ ، وَلَمْ يُكْرَهْ ؛ لِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَصْدَ السُّوقَ لِيَتَّجِرَ فِيهِ ، حَتَّى فَرَضُوا لَهُ مَا يَكْفِيهِ ، وَلِأَنَّ الْقِيَامَ بِعِيَالِهِ فَرْضُ عَيْنٍ ، فَلَا يَتْرُكُهُ لِوَهْمِ مَضَرَّةٍ ، وَأَمَّا إذَا اسْتَغْنَى عَنْ مُبَاشَرَتِهِ ، وَوَجَدَ مَنْ يَكْفِيهِ ذَلِكَ كُرِهَ لَهُ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْمَعْنَيَيْنِ .\rوَيَنْبَغِي أَنْ يُوَكِّلَ فِي ذَلِكَ مَنْ لَا يُعْرَفُ أَنَّهُ وَكِيلُهُ ؛ لِئَلَّا يُحَابَى .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rوَحُكِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ، أَنَّهُ قَالَ : لَا يُكْرَهُ لَهُ الْبَيْعُ وَالشِّرَاءُ وَتَوْكِيلُ مَنْ يُعْرَفُ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ قَضِيَّةِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَلَنَا ، مَا ذَكَرْنَاهُ .\rوَرُوِيَ عَنْ شُرَيْحٍ ، أَنَّهُ قَالَ : شَرَطَ عَلَيَّ عُمَرُ حِينَ وَلَّانِي الْقَضَاءَ أَنْ لَا أَبِيعَ ، وَلَا أَبْتَاعَ ، وَلَا أَرْتَشِيَ ، وَلَا أَقْضِيَ وَأَنَا غَضْبَانُ .\rوَقَضِيَّةُ أَبِي بَكْرٍ حُجَّةٌ لَنَا ؛ فَإِنَّ الصَّحَابَةَ أَنْكَرُوا عَلَيْهِ ، فَاعْتَذَرَ بِحِفْظِ عِيَالِهِ عَنْ","part":23,"page":30},{"id":11030,"text":"الضَّيَاعِ ، فَلَمَّا أَغْنَوْهُ عَنْ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ بِمَا فَرَضُوا لَهُمْ ، قَبِلَ قَوْلَهُمْ ، وَتَرَكَ التِّجَارَةَ ، فَحَصَلَ الِاتِّفَاقُ مِنْهُمْ عَلَى تَرْكِهَا عِنْدَ الْغِنَى عَنْهَا .","part":23,"page":31},{"id":11031,"text":"( 8270 ) فَصْلٌ : وَيَجُوزُ لِلْحَاكِمِ حُضُورُ الْوَلَائِمِ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَحْضُرُهَا ، وَيَأْمُرُ بِحُضُورِهَا ، وَقَالَ : { مَنْ لَمْ يُجِبْ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ } فَإِنْ كَثُرَتْ وَازْدَحَمَتْ ، تَرَكَهَا كُلَّهَا ، وَلَمْ يُجِبْ أَحَدًا ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَشْغَلُهُ عَنْ الْحُكْمِ الَّذِي قَدْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ ، لَكِنَّهُ يَعْتَذِرُ إلَيْهِمْ ، وَيَسْأَلُهُمْ التَّحْلِيلَ ، وَلَا يُجِيبُ بَعْضًا دُونَ بَعْضٍ ؛ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ كَسْرًا لِقَلْبِ مَنْ لَمْ يُجِبْهُ ، إلَّا أَنْ يَخْتَصَّ بَعْضُهَا بِعُذْرٍ يَمْنَعُهُ دُونَ بَعْضٍ ، مِثْلَ أَنْ يَكُونَ فِي إحْدَاهُمَا مُنْكَرٌ ، أَوْ تَكُونَ فِي مَكَان بَعِيدٍ ، أَوْ يَشْتَغِلَ بِهَا زَمَنًا طَوِيلًا ، وَالْأُخْرَى بِخِلَافِ ذَلِكَ فَلَهُ الْإِجَابَةُ إلَيْهَا دُونَ الْأُولَى ؛ لِأَنَّ عُذْرَهُ ظَاهِرٌ فِي التَّخَلُّفِ عَنْ الْأُولَى .","part":23,"page":32},{"id":11032,"text":"( 8271 ) فَصْلٌ : وَلَهُ عِيَادَةُ الْمَرْضَى ، وَشُهُودُ الْجَنَائِزِ ، وَإِتْيَانُ مَقْدَمِ الْغَائِبِ ، وَزِيَارَةُ إخْوَانِهِ وَالصَّالِحِينَ مِنْ النَّاسِ ؛ لِأَنَّهُ قُرْبَةٌ وَطَاعَةٌ ، وَإِنْ كَثُرَ ذَلِكَ ، فَلَيْسَ لَهُ الِاشْتِغَالُ بِهِ عَنْ الْحُكْمِ ؛ لِأَنَّ هَذَا تَبَرُّعٌ ، فَلَا يَشْتَغِلُ بِهِ عَنْ الْفَرْضِ ، وَلَهُ حُضُورُ الْبَعْضِ دُونَ الْبَعْضِ ؛ لِأَنَّ هَذَا يَفْعَلُهُ لِنَفْعِ نَفْسِهِ لِتَحْصِيلِ الْأَجْرِ ، وَالْقُرْبَةِ لَهُ ، وَالْوَلَائِمُ يُرَاعَى فِيهَا حَقُّ الدَّاعِي ، فَيَنْكَسِرُ قَلْبُ مَنْ لَمْ يُجِبْهُ إذَا أَجَابَ غَيْرَهُ .","part":23,"page":33},{"id":11033,"text":"( 8272 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَيَعْدِلُ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ فِي الدُّخُولِ عَلَيْهِ ، وَالْمَجْلِسِ ، وَالْخِطَابِ ) وَجُمْلَتُهُ ، أَنَّ عَلَى الْقَاضِي الْعَدْلَ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ فِي كُلِّ شَيْءٍ ، مِنْ الْمَجْلِسِ ، وَالْخِطَابِ وَاللَّحْظِ وَاللَّفْظِ وَالدُّخُولِ عَلَيْهِ ، وَالْإِنْصَاتِ إلَيْهِمَا ، وَالِاسْتِمَاعِ مِنْهُمَا .\rوَهَذَا قَوْلُ شُرَيْحٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيِّ .\rوَلَا أَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا .\rوَقَدْ رَوَى عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ ، فِي كِتَابِ \" قُضَاةِ الْبَصْرَةِ \" بِإِسْنَادِهِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { مَنْ بُلِيَ بِالْقَضَاءِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ ، فَلْيَعْدِلْ بَيْنَهُمْ فِي لَفْظِهِ ، وَإِشَارَتِهِ ، وَمَقْعَدِهِ ، وَلَا يَرْفَعْ صَوْتَهُ عَلَى أَحَدِ الْخَصْمَيْنِ مَا لَا يَرْفَعُهُ عَلَى الْآخَرِ .\rوَفِي رِوَايَةٍ : فَلْيُسَوِّ بَيْنَهُمْ ؛ فِي النَّظَرِ ، وَالْمَجْلِسِ ، وَالْإِشَارَةِ } وَكَتَبَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إلَى أُبَيٍّ : سَوِّ بَيْنَ النَّاسِ فِي مَجْلِسِك وَعَدْلِك ، حَتَّى لَا يَيْأَسَ الضَّعِيفُ مِنْ عَدْلِك ، وَلَا يَطْمَعَ شَرِيفٌ فِي حَيْفِك .\rوَقَالَ سَعِيدٌ ، ثنا هُشَيْمٌ ، ثنا سَيَّارٌ ثنا الشَّعْبِيُّ ، قَالَ : كَانَ بَيْنَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأُبَيُّ بْنِ كَعْبٍ بِدَارٍ فِي شَيْءٍ ، فَجَعَلَا بَيْنَهُمَا زِيدَ بْنَ ثَابِتٍ ، فَأَتَيَاهُ فِي مَنْزِلِهِ ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ : أَتَيْنَاك لِتَحْكُمَ بَيْنَنَا ، فِي بَيْتِهِ يُؤْتَى الْحَكَمُ فَوَسَّعَ لَهُ زَيْدٌ عَنْ صَدْرِ فِرَاشِهِ ، فَقَالَ : هَاهُنَا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ .\rفَقَالَ لَهُ عُمَرُ : جُرْت فِي أَوَّلِ الْقَضَاءِ ، وَلَكِنْ أَجْلِسُ مَعَ خَصْمِي .\rفَجَلَسَا بَيْن يَدَيْهِ ، فَادَّعَى أُبَيٍّ وَأَنْكَرَ عُمَرُ ، فَقَالَ زَيْدٌ لِأُبَيٍّ ، أَعْفِ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ الْيَمِينِ ، وَمَا كُنْت لِأَسْأَلَهَا لِأَحَدٍ غَيْرِهِ .\rفَحَلَفَ عُمَرُ ، ثُمَّ أَقْسَمَ : لَا يُدْرِكُ زَيْدٌ بَابَ الْقَضَاءِ ، حَتَّى يَكُونَ عُمَرُ وَرَجُلٌ مِنْ عَرَضِ الْمُسْلِمِينَ عِنْدَهُ سَوَاءً وَرَوَاهُ عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ ، وَفِيهِ : فَلَمَّا أَتَيَا","part":23,"page":34},{"id":11034,"text":"بَابَ زَيْدٍ ، خَرَجَ فَقَالَ : السَّلَامُ عَلَيْك يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، لَوْ أَرْسَلْت إلَيَّ لَأَتَيْتُك .\rقَالَ : فِي بَيْتِهِ يُؤْتَى الْحَكَمُ .\rفَلَمَّا دَخَلَا عَلَيْهِ ، قَالَ : هَاهُنَا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ .\rقَالَ : بَلْ أَجْلِسُ مَعَ خَصْمِي .\rفَادَّعَى أُبَيٌّ وَأَنْكَرَ عُمَرُ ، وَلَمْ تَكُنْ لِأُبَيٍّ ، بَيِّنَةٌ ، فَقَالَ زَيْدٌ : أَعْفِ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ الْيَمِينِ .\rفَقَالَ عُمَرُ : تَاللَّهِ إنْ زِلْت ظَالِمًا ، السَّلَامُ عَلَيْك يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ .\rهَاهُنَا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ .\rأَعْفِ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ .\rإنْ كَانَ لِي حَقٌّ اسْتَحْقَقْته بِيَمِينِي ، وَإِلَّا تَرَكْته ، وَاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ ، إنَّ النَّخْلَ لَنَخْلِي ، وَمَا لِأُبَيٍّ فِيهَا حَقٌّ .\rثُمَّ أَقْسَمَ عُمَرُ : لَا يُصِيبُ زَيْدٌ وَجْهَ الْقَضَاءِ حَتَّى يَكُونَ عُمَرُ وَغَيْرُهُ مِنْ النَّاسِ عِنْدَهُ سَوَاءً .\rفَلَمَّا خَرَجَا وَهَبَ النَّخْلَ لِأُبَيٍّ ، فَقِيلَ لَهُ : يَا أَمِيرَ ، الْمُؤْمِنِينَ ، فَهَلَّا كَانَ هَذَا قَبْلَ أَنْ تَحْلِفَ ؟ قَالَ : خِفْت أَنْ أَتْرُكَ الْيَمِينَ ، فَتَصِيرَ سُنَّةً ، فَلَا يَحْلِفُ النَّاسُ عَلَى حُقُوقِهِمْ .\rوَقَالَ إبْرَاهِيمُ : جَاءَ رَجُلٌ إلَى شُرَيْحٍ ، وَعِنْدَهُ السَّرِيُّ بْنُ وَقَّاصٍ ، فَقَالَ الرَّجُلُ لِشُرَيْحٍ : أَعِنِّي عَلَى هَذَا الْجَالِسِ عِنْدَك .\rفَقَالَ شُرَيْحٌ لِلسَّرِيِّ : قُمْ فَاجْلِسْ مَعَ خَصْمِك .\rقَالَ : إنِّي أُسْمِعُك مِنْ مَكَانِي .\rقَالَ : لَا قُمْ فَاجْلِسْ مَعَ خَصْمِك .\rفَأَبَى أَنْ يَسْمَعَ مِنْهُ حَتَّى أَجْلَسَهُ مَعَ خَصْمِهِ .\rوَفِي رِوَايَةٍ قَالَ إنَّ مَجْلِسَك يُرِيبُهُ ، وَإِنِّي لَا أَدَعُ النُّصْرَةَ وَأَنَا عَلَيْهَا قَادِرٌ .\rوَلَمَّا تَحَاكَمَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَالْيَهُودِيُّ إلَى شُرَيْحٍ ، قَالَ عَلِيٌّ إنَّ خَصْمِي لَوْ كَانَ مُسْلِمًا لَجَلَسْت مَعَهُ بَيْنَ يَدَيْك وَلِأَنَّ الْحَاكِمَ إذَا مَيَّزَ أَحَدَ الْخَصْمَيْنِ عَلَى الْآخَرِ حُصِرَ ، وَانْكَسَرَ قَلْبُهُ وَرُبَّمَا لَمْ تَقُمْ حُجَّتُهُ ، فَأَدَّى ذَلِكَ إلَى ظُلْمَةٍ .\rوَإِنْ أَذِنَ أَحَدُ الْخَصْمَيْنِ لِلْحَاكِمِ فِي رَفْعِ الْخَصْمِ الْآخَرِ","part":23,"page":35},{"id":11035,"text":"عَلَيْهِ فِي الْمَجْلِسِ ، جَازَ ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُ ، وَلَا يَنْكَسِرُ قَلْبُهُ إذَا كَانَ هُوَ الَّذِي رَفَعَهُ .\rوَالسُّنَّةُ أَنْ يَجْلِسَ الْخَصْمَانِ بَيْنَ يَدَيْ الْقَاضِي ؛ لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى أَنْ يَجْلِسَ الْخَصْمَانِ بَيْنَ يَدَيْ الْحَاكِمِ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَقَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : لَوْ أَنَّ خَصْمِي مُسْلِمٌ لَجَلَسْت مَعَهُ بَيْنَ يَدَيْك .\rوَلِأَنَّ ذَلِكَ أَمْكَنُ لِلْحَاكِمِ فِي الْعَدْلِ بَيْنَهُمَا ، وَالْإِقْبَالِ عَلَيْهِمَا ، وَالنَّظَرِ فِي خُصُومَتِهِمَا .\rوَإِنْ كَانَ الْخَصْمَانِ ذِمِّيَّيْنِ ، سَوَّى بَيْنَهُمَا أَيْضًا ؛ لِاسْتِوَائِهِمَا فِي دِينِهِمَا ، وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا مُسْلِمًا وَالْآخَرُ ذِمِّيًّا ، جَازَ رَفْعُ الْمُسْلِمِ عَلَيْهِ ، لِمَا رَوَى إبْرَاهِيمُ التَّيْمِيُّ ، قَالَ : وَجَدَ عَلِيٌّ ، كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ ، دِرْعَهُ مَعَ يَهُودِيٍّ ، فَقَالَ : دِرْعِي ، سَقَطَتْ وَقْتَ كَذَا وَكَذَا .\rفَقَالَ الْيَهُودِيُّ : دِرْعِي ، وَفِي يَدِي ، بَيْنِي وَبَيْنَك قَاضِي الْمُسْلِمِينَ ، فَارْتَفَعَا إلَى شُرَيْحٍ ، فَلَمَّا رَآهُ شُرَيْحٌ قَامَ مِنْ مَجْلِسِهِ ، وَأَجْلِسَهُ فِي مَوْضِعِهِ ، وَجَلَسَ مَعَ الْيَهُودِيِّ بَيْنَ يَدَيْهِ فَقَالَ عَلِيٌّ : إنَّ خَصْمِي لَوْ كَانَ مُسْلِمًا لَجَلَسْت مَعَهُ بَيْنَ يَدَيْك ، وَلَكِنِّي سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ { لَا تُسَاوُوهُمْ فِي الْمَجَالِسِ } ذَكَرَهُ : أَبُو نُعَيْمٍ ، فِي الْحِلْيَةِ .\rوَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُضَيِّفَ أَحَدَ الْخَصْمَيْنِ دُونَ صَاحِبِهِ ، إمَّا أَنْ يُضَيِّفَهُمَا مَعًا أَوْ يَدَعَهُمَا .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ، كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ ، أَنَّهُ نَزَلَ بِهِ رَجُلٌ ، فَقَالَ لَهُ : إنَّك خَصْمٌ ؟ قَالَ : نَعَمْ .\rقَالَ : تَحُلُّ عَنَّا ، فَإِنِّي سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ { : لَا تُضَيِّفُوا أَحَدَ الْخَصْمَيْنِ إلَّا وَمَعَهُ خَصْمُهُ } .\rوَلِأَنَّ ذَلِكَ يُوهِمُ الْخَصْمَ مَيْلَ الْحَاكِمِ إلَى مَنْ أَضَافَهُ .\rوَلَا يُلَقِّنُ أَحَدَهُمَا حُجَّتَهُ ، وَلَا مَا فِيهِ ضَرَرٌ عَلَى خَصْمِهِ ،","part":23,"page":36},{"id":11036,"text":"مِثْلَ أَنْ يُرِيدَ أَحَدُهُمَا الْإِقْرَارَ ، فَيُلَقِّنَهُ الْإِنْكَارَ ، أَوْ الْيَمِينَ فَيُلَقِّنَهُ النُّكُولَ ، أَوْ النُّكُولَ ، فَيُجْزِئَهُ عَلَى الْيَمِينِ ، أَوْ يُحِسَّ مِنْ الشَّاهِدِ بِالتَّوَقُّفِ ، فَيُجَسِّرَهُ عَلَى الشَّهَادَةِ ، أَوْ يَكُونَ مُقْدِمًا عَلَى الشَّهَادَةِ ، فَيُوقِفَهُ عَنْهَا ، أَوْ يَقُولَ لِأَحَدِهِمَا وَحْدَهُ : تَكَلَّمْ .\rوَنَحْوَ هَذَا مِمَّا فِيهِ إضْرَارٌ بِخَصْمِهِ ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ الْعَدْلَ بَيْنَهُمَا .\rفَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ لَقَّنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ السَّارِقَ ، فَقَالَ : \" مَا أَخَالُكَ سَرَقْت \" .\rوَقَالَ عُمَرُ لِزِيَادٍ : أَرْجُو أَنْ لَا يَفْضَحَ اللَّهُ عَلَى يَدَيْك رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rقُلْنَا : لَا يَرِدُ هَذَا الْإِلْزَامُ هَاهُنَا ؛ فَإِنَّ هَذَا فِي حُقُوقِ اللَّهِ وَحُدُودِهِ ، وَلَا خَصْمَ لِلْمُقِرِّ ، وَلَا لِلْمَشْهُودِ عَلَيْهِ ، فَلَيْسَ فِي تَلْقِينِهِ حَيْفٌ عَلَى أَحَدِ الْخَصْمَيْنِ ، وَلَا تَرْكٌ لِلْعَدْلِ فِي أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ ، وَاَلَّذِي قُلْنَا فِي الْمُخْتَلِفَيْنِ فِي حَقٍّ مِنْ حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ .\rوَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُعَنِّتَ الشَّاهِدَ ، وَلَا يُدَاخِلَهُ فِي كَلَامِهِ ، وَيُعَنِّفَهُ فِي أَلْفَاظِهِ .","part":23,"page":37},{"id":11037,"text":"( 8273 ) فَصْلٌ : وَإِذَا حَضَرَ الْقَاضِيَ خُصُومٌ كَثِيرَةٌ ، قُدِّمَ الْأَوَّلُ فَالْأَوَّلُ .\rوَيَنْبَغِي أَنْ يَبْعَثَ مَنْ يَكْتُبُ مَنْ جَاءَ الْأَوَّلَ فَالْأَوَّلَ ، فَيَقْدَمُهُ .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : الْأَحْسَنُ أَنْ يَتَّخِذَ خَيْطًا مَمْدُودًا ، طَرَفُهُ يَلِي مَجْلِسَ الْحَاكِمِ ، وَالطَّرَفُ الْآخَرُ مَجْلِسَ الْخُصُومِ ، فَكُلُّ مَنْ جَاءَ كَتَبَ اسْمَهُ فِي رُقْعَةٍ ، وَثَقَبَهَا ، وَأَدْخَلَهَا فِي الْخَيْطِ مِمَّا يَلِي مَجْلِسَ الْخُصُومِ ، حَتَّى يَأْتِيَ عَلَى آخِرِهِمْ ، فَإِذَا جَلَسَ الْقَاضِي مَدَّ يَدَهُ إلَى الطَّرَفِ الَّذِي يَلِيهِ ، فَأَخَذَ الرُّقْعَةَ الَّتِي تَلِيهِ ، ثُمَّ الَّتِي بَعْدَهَا كَذَلِكَ ، حَتَّى يَأْتِيَ عَلَى آخِرِهَا فَإِنْ بَقِيَ مِنْهَا شَيْءٌ ، وَزَالَ الْوَقْتُ الَّذِي يَقْضِي فِيهِ ، عَرَفَ الطَّرَفَ الَّذِي يَلِيهِ حِينَ يَجْلِسُ ، فَيَتَنَاوَلُ فِي الْمَجْلِسِ الثَّانِي الرِّقَاعَ ، كَفِعْلِهِ بِالْأَمْسِ .\rوَالِاعْتِبَارُ بِسَبْقِ الْمُدَّعِي ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُ ، وَمَتَى قَدَّمَ رَجُلًا لِسَبْقِهِ فَحَكَمَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ خَصْمِهِ ، فَقَالَ : لِي دَعْوَى أُخْرَى .\rلَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ قَدَّمَهُ بِسَبْقِهِ فِي خُصُومَةٍ ، فَلَا يُقَدِّمُهُ بِأُخْرَى ، وَيَقُولُ لَهُ : اجْلِسْ حَتَّى إذَا لَمْ يَبْقَ أَحَدٌ مِنْ الْحَاضِرِينَ ، نَظَرْت فِي دَعْوَاك الْأُخْرَى إنْ أَمْكَنَ .\rفَإِذَا فَرَغَ الْكُلُّ ، فَقَالَ الْأَخِيرُ بَعْدَ فَصْلِ خُصُومَتِهِ : لِي دَعْوَى أُخْرَى .\rلَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ ، حَتَّى يَسْمَعَ دَعْوَى الْأَوَّلِ الثَّانِيَةَ ، ثُمَّ يَسْمَعُ دَعْوَاهُ .\rوَإِنْ ادَّعَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ، عَلَى الْمُدَّعِي ، حَكَمَ بَيْنَهُمَا ؛ لِأَنَّنَا إنَّمَا نَعْتَبِرُ الْأَوَّلَ فَالْأَوَّلَ فِي الدَّعْوَى ، لَا فِي الْمُدَّعَى عَلَيْهِ .\rوَإِذَا تَقَدَّمَ الثَّانِي ، فَادَّعَى عَلَى الْمُدَّعِي الْأَوَّلِ ، أَوْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْأَوَّلِ ، حَكَمَ بَيْنَهُمَا .\rوَإِنْ حَضَرَ اثْنَانِ ، أَوْ جَمَاعَةٌ دَفْعَةً وَاحِدَةً ، أَقْرَعَ بَيْنَهُمْ ، فَقَدَّمَ مَنْ خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ ؛ لِتَسَاوِي حُقُوقِهِمْ ، وَإِنْ كَثُرَ عَدَدُهُمْ ، كَتَبَ أَسْمَاءَهُمْ فِي رِقَاعٍ ،","part":23,"page":38},{"id":11038,"text":"وَتَرَكَهَا بَيْنَ يَدَيْهِ ، وَمَدَّ يَدَهُ فَأَخَذَ رُقْعَةً رُقْعَةً ، وَاحِدَةً بَعْدَ أُخْرَى ، وَيُقَدِّمُ صَاحِبَهَا حَسَبَ مَا يَتَّفِقُ .\r( 8274 ) فَصْلٌ : فَإِنْ حَضَرَ مُسَافِرُونَ وَمُقِيمُونَ ، وَكَانَ الْمُسَافِرُونَ قَلِيلًا ، بِحَيْثُ لَا يَضُرُّ تَقْدِيمُهُمْ عَلَى الْمُقِيمِينَ ، قَدَّمَهُمْ ؛ لِأَنَّهُمْ عَلَى جَنَاحِ السَّفَرِ ، يَشْتَغِلُونَ بِمَا يَصْلُحُ لِلرَّحِيلِ ، وَقَدْ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْهُمْ الصَّوْمَ وَشَطَرَ الصَّلَاةَ تَحْقِيقًا عَنْهُمْ ، وَفِي تَأْخِيرِهِمْ ضَرَرٌ بِهِمْ ، فَإِنْ شَاءَ أَفْرَدَ لَهُمْ يَوْمًا يَفْرُغُ مِنْ حَوَائِجِهِمْ فِيهِ ، وَإِنْ شَاءَ قَدَّمَهُمْ مِنْ غَيْرِ إفْرَادِ يَوْمٍ لَهُمْ .\rفَإِنْ كَانُوا كَثِيرًا ، بِحَيْثُ يَضُرُّ تَقْدِيمُهُمْ ، فَهُمْ وَالْمُقِيمُونَ سَوَاءٌ ، لِأَنَّ تَقْدِيمَهُمْ مَعَ الْقِلَّةِ ، إنَّمَا كَانَ لِدَفْعِ الضَّرَرِ الْمُخْتَصِّ بِهِمْ فَإِذَا آلَ دَفْعُ الضَّرَرِ عَنْهُمْ إلَى الضَّرَرِ بِغَيْرِهِمْ ، تَسَاوَوْا .\rوَلَا خِلَافَ فِي أَكْثَرِ هَذِهِ الْآدَابِ ، وَأَنَّهَا لَيْسَتْ شَرْطًا فِي صِحَّةِ الْقَضَاءِ ، فَلَوْ قَدَّمَ الْمَسْبُوقَ ، أَوْ قَدَّمَ الْحَاضِرِينَ ، أَوْ نَحْوَهُ ، كَانَ قَضَاؤُهُ صَحِيحًا .","part":23,"page":39},{"id":11039,"text":"( 8275 ) فَصْلٌ : وَإِذَا تَقَدَّمَ إلَيْهِ خَصْمَانِ ، فَإِنْ شَاءَ قَالَ : مَنْ الْمُدَّعِي مِنْكُمَا ؟ لِأَنَّهُمَا حَضَرَا لِذَلِكَ ، وَإِنْ شَاءَ سَكَتَ ، وَيَقُولُ الْقَائِمُ عَلَى رَأْسِهِ : مَنْ الْمُدَّعِي مِنْكُمَا ؟ إنْ سَكَتَا جَمِيعًا .\rوَلَا يَقُولُ الْحَاكِمُ وَلَا صَاحِبُهُ لِأَحَدِهِمَا : تَكَلَّمْ .\rلِأَنَّ فِي إفْرَادِهِ بِذَلِكَ تَفْضِيلًا لَهُ ، وَتَرْكًا لِلْإِنْصَافِ .\rقَالَ عُمَرُ بْنُ قَيْسٍ : شَهِدْت شُرَيْحًا إذَا جَلَسَ إلَيْهِ الْخَصْمَانِ ، وَرَجُلٌ قَائِمٌ عَلَى رَأْسِهِ يَقُولُ : أَيُّكُمَا الْمُدَّعِي فَلْيَتَكَلَّمْ ؟ وَإِنْ ذَهَبَ الْآخَرُ يَشْغَبُ ، غَمَزَهُ حَتَّى يَفْرُغَ الْمُدَّعِي ، ثُمَّ يَقُولُ : تَكَلَّمْ .\rفَإِنْ بَدَأَ أَحَدُهُمَا ، فَادَّعَى ، فَقَالَ خَصْمُهُ : أَنَا الْمُدَّعِي .\rلَمْ يَلْتَفِتْ الْحَاكِمُ إلَيْهِ ، وَقَالَ : أَجِبْ عَنْ دَعْوَاهُ ، ثُمَّ ادَّعِ بَعْدُ مَا شِئْت .\rفَإِنْ ادَّعَيَا مَعًا ، فَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنْ يُقْرَعَ بَيْنَهُمَا .\rوَهُوَ قِيَاسُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا لَيْسَ بِأَوْلَى مِنْ الْآخَرِ ، وَقَدْ تَعَذَّرَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا ، فَيُقْرَعُ بَيْنَهُمَا ، كَالْمَرْأَتَيْنِ إذَا زُفَّتَا فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ .\rوَاسْتَحْسَنَ ابْنُ الْمُنْذِرِ أَنْ يَسْمَعَ مِنْهُمَا جَمِيعًا .\rوَقِيلَ : يُرْجَأُ أَمْرُهُمَا حَتَّى يَتَبَيَّنَ الْمُدَّعِي مِنْهُمَا .\rوَمَا ذَكَرْنَاهُ أَوْلَى ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْحُكْمِ فِي الْقَضِيَّتَيْنِ مَعًا ، وَإِرْجَاءُ أَمْرِهِمَا إضْرَارٌ بِهِمَا ، وَفِيمَا ذَكَرْنَا دَفْعٌ الضَّرَرِ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ ، وَلَهُ نَظِيرٌ فِي مَوَاضِعَ مِنْ الشَّرْعِ ، فَكَانَ أَوْلَى .","part":23,"page":40},{"id":11040,"text":"( 8276 ) فَصْلٌ : وَلَا يَسْمَعُ الْحَاكِمُ الدَّعْوَى إلَّا مُحَرَّرَةً ، إلَّا فِي الْوَصِيَّةِ وَالْإِقْرَارِ ؛ لِأَنَّ الْحَاكِمَ يَسْأَلُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَمَّا ادَّعَاهُ ، فَإِنْ اعْتَرَفَ بِهِ لَزِمَهُ ، وَلَا يُمْكِنُهُ أَنْ تَلْزَمَهُ مَجْهُولَةً وَيُفَارِقُ الْإِقْرَارَ ؛ فَإِنَّ الْحَقَّ عَلَيْهِ ، فَلَا يَسْقُطُ بِتَرْكِهِ إثْبَاتَهُ ، وَإِنَّمَا صَحَّتْ الدَّعْوَى فِي الْوَصِيَّةِ مَجْهُولَةً ؛ لِأَنَّهَا تَصِحُّ مَجْهُولَةً ؛ فَإِنَّهُ لَوْ وَصَّى لَهُ بِشَيْءٍ أَوْ سَهْمٍ صَحَّ ، فَلَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَدَّعِيَهَا إلَّا مَجْهُولَةً كَمَا ثَبَتَ ، وَكَذَلِكَ الْإِقْرَارُ ، لَمَّا صَحَّ أَنْ يُقِرَّ بِمَجْهُولٍ ، صَحَّ لِخَصْمِهِ أَنْ يَدَّعِيَ عَلَيْهِ أَنَّهُ أَقَرَّ لَهُ بِمَجْهُولٍ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنْ كَانَ الْمُدَّعَى أَثْمَانًا ، فَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ ؛ الْجِنْسُ ، وَالنَّوْعُ ، وَالْقَدْرُ ، فَيَقُولَ عَشَرَةُ دَنَانِيرَ بَصْرِيَّةً .\rوَإِنْ اخْتَلَفَتْ بِالصِّحَاحِ وَالْمُكَسَّرَةِ ، قَالَ : صِحَاحٌ .\rأَوْ قَالَ : مُكَسَّرَةٌ .\rوَإِنْ كَانَتْ الدَّعْوَى فِي غَيْرِ الْأَثْمَانِ ، وَكَانَتْ عَيْنًا تَنْضَبِطُ بِالصِّفَاتِ ، كَالْحُبُوبِ وَالثِّيَابِ وَالْحَيَوَانِ ، احْتَاجَ أَنْ يَذْكُرَ الصِّفَاتِ الَّتِي تُشْتَرَطُ فِي السِّلْمِ ، وَإِنْ ذَكَرَ الْقِيمَةَ كَانَ آكَدَ ، إلَّا أَنَّ الصِّفَةَ تُغْنِي فِيهِ كَمَا تُغْنِي فِي الْعَقْدِ .\rوَإِنْ كَانَتْ جَوَاهِرَ وَنَحْوَهَا مِمَّا لَا يَنْضَبِطُ بِالصِّفَةِ ، فَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ قِيمَتِهَا ؛ لِأَنَّهَا لَا تَنْضَبِطُ إلَّا بِهَا .\rوَإِنْ كَانَ الْمُدَّعَى تَالِفًا ، وَهُوَ مِمَّا لَهُ مِثْلٌ ، كَالْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ ، ادَّعَى مِثْلَهُ ، وَضَبَطَهُ بِصِفَتِهِ .\rوَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا مِثْلَ لَهُ ، كَالنَّبَاتِ وَالْحَيَوَانِ ، ادَّعَى قِيمَتَهُ ؛ لِأَنَّهَا تَجِبُ بِتَلَفِهِ .\rوَإِنْ كَانَ التَّالِفُ شَيْئًا مُحَلًّى بِفِضَّةٍ أَوْ بِذَهَبٍ ، قَوَّمَهُ بِغَيْرِ جِنْسِ حِلْيَتِهِ ، وَإِنْ كَانَ مُحَلًّى بِذَهَبٍ وَفِضَّةٍ ، قَوَّمَهُ بِمَا شَاءَ مِنْهُمَا ؛ لِأَنَّهُ مَوْضِعُ حَاجَةٍ .\rوَإِنْ كَانَ الْمُدَّعَى عَقَارًا ، فَلَا بُدَّ مِنْ بَيَانِ","part":23,"page":41},{"id":11041,"text":"مَوْضِعِهِ وَحُدُودِهِ ، فَيَدَّعِي أَنَّ هَذِهِ الدَّارَ بِحُدُودِهَا وَحُقُوقِهَا لِي ، وَأَنَّهَا فِي يَدِهِ ظُلْمًا ، وَأَنَا أُطَالِبُهُ بِرَدِّهَا عَلَيَّ .\rوَإِنْ ادَّعَى عَلَيْهِ أَنَّ هَذِهِ الدَّارَ لِي ، وَأَنَّهُ يَمْنَعُنِي مِنْهَا ، صَحَّتْ الدَّعْوَى وَإِنْ لَمْ يَقُلْ إنَّهَا فِي يَدِهِ ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُنَازِعَهُ وَيَمْنَعَهُ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ فِي يَدِهِ .\rوَإِنْ ادَّعَى جِرَاحَةً لَهَا أَرْشٌ مَعْلُومٌ ، كَالْمُوضِحَةِ مِنْ الْحُرِّ ، جَازَ أَنْ يَدَّعِيَ الْجِرَاحَةَ وَلَا يَذْكُرَ أَرْشَهَا ؛ لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ .\rوَإِنْ كَانَتْ مِنْ عَبْدٍ ، أَوْ كَانَتْ مِنْ حُرٍّ لَا مُقَدَّرَ فِيهَا ، فَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ أَرْشِهَا .\rوَإِنْ ادَّعَى عَلَى أَبِيهِ دَيْنًا ، لَمْ تُسْمَعْ الدَّعْوَى حَتَّى يَدَّعِيَ أَنَّ أَبَاهُ مَاتَ ، وَتَرَكَ فِي يَدِهِ مَالًا ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ لَا يَلْزَمُهُ قَضَاءُ دِينِ وَالِدِهِ مَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ .\rوَيَحْتَاجُ أَنْ يَذْكُرَ تَرِكَةَ أَبِيهِ ، وَيُحَرِّرَهَا ، وَيَذْكُرَ قَدْرَهَا ، كَمَا يَصْنَعُ فِي قَدْرِ الدَّيْنِ .\rهَكَذَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي .\rوَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى ذِكْرِ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ ؛ تَحْرِيرُ دَيْنِهِ ، وَمَوْتُ أَبِيهِ ، وَأَنَّهُ وَصَلَ إلَيْهِ مِنْ تَرِكَةِ أَبِيهِ مَا فِيهِ وَفَاءٌ لِدَيْنِهِ .\rوَإِنْ قَالَ : مَا فِيهِ وَفَاءٌ لِبَعْضِ دَيْنِهِ .\rاحْتَاجَ أَنْ يَذْكُرَ ذَلِكَ الْقَدْرَ .\rوَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ، فِي نَفْيِ تَرِكَةِ الْأَبِ مَعَ يَمِينِهِ .\rوَإِنْ أَنْكَرَ مَوْتَ أَبِيهِ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ ، وَيَكْفِيهِ أَنْ يَحْلِفَ عَلَى نَفْي الْعِلْمِ ؛ لِأَنَّهُ عَلَى نَفْيِ فِعْلِ الْغَيْرِ ، وَقَدْ يَمُوتُ وَلَا يَعْلَمُ بِهِ ابْنُهُ ، وَيَكْفِيهِ أَنْ يَحْلِفَ أَنَّ مَا وَصَلَ إلَيْهِ مِنْ تَرِكَةِ أَبِيهِ مَا فِيهِ وَفَاءُ حَقِّهِ ، وَلَا شَيْءٌ مِنْهُ ، وَلَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَحْلِفَ أَنَّ أَبَاهُ لَمْ يُخَلِّفْ شَيْئًا ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُخَلِّفُ تَرِكَةً فَلَا تَصِلُ إلَيْهِ ، فَلَا يَلْزَمُهُ الْإِيفَاءُ مِنْهُ ، فَإِنْ لَمْ يُحْسِنْ الْمُدَّعِي تَحْرِيرَ الدَّعْوَى ، فَهَلْ لِلْحَاكِمِ أَنْ يُلَقِّنَهُ تَحْرِيرَهَا ؟","part":23,"page":42},{"id":11042,"text":"يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، يَجُوزُ ؛ لِأَنَّهُ لَا ضَرَرَ عَلَى صَاحِبِهِ فِي ذَلِكَ .\rوَالثَّانِي ، لَا يَجُوزُ ؛ لِأَنَّ فِيهِ إعَانَةَ أَحَدِ الْخَصْمَيْنِ فِي حُكُومَتِهِ .","part":23,"page":43},{"id":11043,"text":"( 8277 ) فَصْلٌ : إذَا حَرَّرَ الْمُدَّعِي دَعْوَاهُ ، فَلِلْحَاكِمِ أَنْ يَسْأَلَ خَصْمَهُ الْجَوَابَ قَبْلَ أَنْ يَطْلُبَ مِنْهُ الْمُدَّعِي ذَلِكَ ، لِأَنَّ شَاهِدَ الْحَالِ يَدُلُّ عَلَيْهِ ، لِأَنَّ إحْضَارَهُ الدَّعْوَى إنَّمَا يُرَادُ لِيَسْأَلَ الْحَاكِمُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ، فَقَدْ أَغْنَى ذَلِكَ عَنْ سُؤَالِهِ ، فَيَقُولُ لِخَصْمِهِ : مَا تَقُولُ فِيمَا يَدَّعِيهِ ؟ فَإِنْ أَقَرَّ لَزِمَهُ ، وَلَيْسَ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَحْكُمَ عَلَيْهِ إلَّا بِمَسْأَلَةِ الْمُقَرِّ لَهُ ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ عَلَيْهِ حَقٌّ لَهُ ، فَلَا يَسْتَوْفِيهِ إلَّا بِمَسْأَلَةٍ مُسْتَحَقَّةٍ ، هَكَذَا ذَكَرَ أَصْحَابُنَا .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يَجُوزَ لَهُ الْحُكْمُ عَلَيْهِ قَبْلَ مَسْأَلَةِ الْمُدَّعِي ؛ لِأَنَّ الْحَالَ تَدُلُّ عَلَى إرَادَتِهِ ذَلِكَ ، فَاكْتُفِيَ بِهَا ، كَمَا اُكْتُفِيَ بِهَا فِي مَسْأَلَةِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْجَوَابَ ، وَلِأَنَّ كَثِيرًا مِنْ النَّاسِ لَا يَعْرِفُ مُطَالَبَةَ الْحَاكِمِ بِذَلِكَ ، فَيَتْرُكُ مُطَالَبَتَهُ بِهِ لِجَهْلِهِ ، فَيَضِيعُ حَقُّهُ ، فَعَلَى هَذَا يَجُوزُ لَهُ الْحُكْمُ قَبْلَ مَسْأَلَتِهِ .\rوَعَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ ، إنْ سَأَلَهُ الْخَصْمُ فَقَالَ : اُحْكُمْ لِي .\rحَكَمَ عَلَيْهِ ، وَالْحُكْمُ أَنْ يَقُولَ : قَدْ أَلْزَمْتُك ذَلِكَ ، أَوْ قَضَيْت عَلَيْك لَهُ .\rأَوْ يَقُولَ : اُخْرُجْ لَهُ مِنْهُ .\rفَمَتَى قَالَ لَهُ أَحَدَ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ ، كَانَ حُكْمًا بِالْحَقِّ ، وَإِنْ أَنْكَرَ فَقَالَ : لَا حَقَّ لَك قِبَلِي .\rفَهَذَا مَوْضِعُ الْبَيِّنَةِ ، قَالَ الْحَاكِمُ : أَلَكَ بَيِّنَةٌ ؟ لِمَا رُوِيَ { أَنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ حَضْرَمِيٌّ وَكِنْدِيٌّ ، فَقَالَ الْحَضْرَمِيُّ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنَّ هَذَا غَلَبَنِي عَلَى أَرْضٍ لِي .\rفَقَالَ الْكِنْدِيُّ : هِيَ أَرْضِي ، وَفِي يَدِي ، وَلَيْسَ لَهُ فِيهَا حَقٌّ .\rفَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْحَضْرَمِيِّ : أَلَك بَيِّنَةٌ ؟ قَالَ : لَا .\rقَالَ : فَلَكَ يَمِينُهُ } .\rوَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ .\rوَإِنْ كَانَ الْمُدَّعِي عَارِفًا بِأَنَّهُ مَوْضِعُ الْبَيِّنَةِ ، فَالْحَاكِمُ مُخَيَّرٌ","part":23,"page":44},{"id":11044,"text":"بَيْنَ أَنْ يَقُولَ : أَلَك بَيِّنَةٌ ؟ وَبَيْنَ أَنْ يَسْكُتَ ، فَإِذَا قَالَ لَهُ : أَلَك بَيِّنَةٌ ؟ فَذَكَرَ أَنَّ لَهُ بَيِّنَةً حَاضِرَةً ، لَمْ يَقُلْ لَهُ الْحَاكِمُ : أَحْضِرْهَا .\rلِأَنَّ ذَلِكَ حَقٌّ لَهُ ، فَلَهُ أَنْ يَفْعَلَ مَا يَرَى .\rوَإِذَا أَحْضَرَهَا لَمْ يَسْأَلْهَا الْحَاكِمُ عَمَّا عِنْدَهَا حَتَّى يَسْأَلَهُ الْمُدَّعِي ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ لَهُ فَلَا يَسْأَلُهُ ، وَلَا يَتَصَرَّفُ فِيهِ مِنْ غَيْرِ إذْنِهِ ، فَإِذَا سَأَلَهُ الْمُدَّعِي سُؤَالَهَا ، قَالَ : مَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ شَهَادَةٌ فَلْيَذْكُرْهَا ، إنْ شَاءَ ؟ وَلَا يَقُولُ لَهُمَا : اشْهَدَا .\rلِأَنَّهُ أَمْرٌ .\rوَكَانَ شُرَيْحٌ يَقُولُ لِلشَّاهِدَيْنِ : مَا أَنَا دَعَوْتُكُمَا ، وَلَا أَنْهَاكُمَا أَنْ تَرْجِعَا ، وَمَا يَقْضِي عَلَى هَذَا الْمُسْلِمِ غَيْرُكُمَا ، وَإِنِّي بِكُمَا أَقْضِي الْيَوْمَ ، وَبِكُمَا أَتَّقِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ .\rوَإِنْ رَأَى الْحَاكِمُ عَلَيْهِمَا مَا يُوجِبُ رَدَّ شَهَادَتِهِمَا ، رَدَّهَا .\rكَمَا رُوِيَ عَنْ شُرَيْحٍ ، أَنَّهُ شَهِدَ عِنْدَهُ شَاهِدٌ ، وَعَلَيْهِ قَبَاءٌ مَخْرُوطُ الْكُمَّيْنِ ، فَقَالَ لَهُ شُرَيْحٌ : أَتُحْسِنُ أَنْ تَتَوَضَّأَ ؟ قَالَ : نَعَمْ .\rقَالَ : فَاحْسُرْ عَنْ ذِرَاعَيْك .\rفَذَهَبَ يَحْسُرُ عَنْهُمَا ، فَلَمْ يَسْتَطِعْ ، فَقَالَ لَهُ شُرَيْحٌ : قُمْ ، فَلَا شَهَادَةَ لَك .\rوَإِنْ أَدَّيَا الشَّهَادَةَ عَلَى غَيْرِ وَجْهِهَا ، مِثْلَ أَنْ يَقُولَا : بَلَغَنَا أَنَّ عَلَيْهِ أَلْفًا ، أَوْ سَمِعْنَا ذَلِكَ .\rرُدَّتْ شَهَادَتُهُمَا .\rوَشَهِدَ رَجُلٌ عِنْدَ شُرَيْحٍ ، فَقَالَ : أَشْهَدُ أَنَّهُ اتَّكَأَ عَلَيْهِ بِمِرْفَقِهِ حَتَّى مَاتَ .\rفَقَالَ شُرَيْحٌ : أَتَشْهَدُ أَنَّهُ قَتَلَهُ ؟ قَالَ : أَشْهَدُ أَنَّهُ اتَّكَأَ عَلَيْهِ بِمِرْفَقِهِ حَتَّى مَاتَ .\rقَالَ أَتَشْهَدُ أَنَّهُ قَتَلَهُ قَالَ أَشْهَدُ أَنَّهُ اتَّكَأَ عَلَيْهِ بِمِرْفَقِهِ حَتَّى مَاتَ .\rقَالَ : قُمْ ، لَا شَهَادَةَ لَك .\rوَإِنْ كَانَتْ شَهَادَةً صَحِيحَةً ، وَعَرَفَ الْحَاكِمُ عَدَالَتَهُمْ ، قَالَ لِلْمَشْهُودِ عَلَيْهِ : قَدْ شَهِدَا عَلَيْك ، فَإِنْ كَانَ عِنْدَكِ مَا يَقْدَحُ فِي شَهَادَتِهِمَا ، فَبَيِّنِهِ عِنْدِي .\rفَإِنْ سَأَلَ الْإِنْظَارَ","part":23,"page":45},{"id":11045,"text":"، أَنْظِرْهُ الْيَوْمَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ .\rفَإِنْ لَمْ يَجْرَحْ حَكَمَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ قَدْ وَضَحَ عَلَى وَجْهٍ لَا إشْكَالَ فِيهِ .\rوَإِنْ ارْتَابَ بِشَهَادَتِهِمْ ، فَرَّقَهُمْ ، فَسَأَلَ كُلَّ وَاحِدٍ عَنْ شَهَادَتِهِ وَصِفَتِهَا ، فَيَقُولُ : كُنْت أَوَّلَ مَنْ شَهِدَ ، أَوْ كَتَبْت ، أَوْ لَمْ تَكْتُبْ ، وَفِي أَيِّ مَكَان شَهِدْت ، وَفِي أَيِّ شَهْرٍ ، وَأَيِّ يَوْمٍ ؟ وَهَلْ كُنْت وَحْدَك ، أَوْ مَعَك غَيْرُك ؟ فَإِنْ اخْتَلَفُوا ، سَقَطَتْ شَهَادَتُهُمْ ، وَإِنْ اتَّفَقُوا بَحَثَ عَنْ عَدَالَتِهِمْ .\rوَيُقَالُ : أَوَّلُ مَنْ فَعَلَ هَذَا دَنْيَالُ .\rوَيُقَالُ : فَعَلَهُ سُلَيْمَانُ ، وَهُوَ صَغِيرٌ .\rوَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ سَبْعَةَ نَفَرٍ خَرَجُوا ، فَفُقِدَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ ، فَأَتَتْ زَوْجَتُهُ عَلِيًّا ، فَدَعَا السِّتَّةَ ، فَسَأَلَهُمْ عَنْهُ ، فَأَنْكَرُوا ، فَفَرَّقَهُمْ ، وَأَقَامَ كُلَّ وَاحِدٍ عِنْدَ سَارِيَةٍ ، وَوَكَّلَ بِهِ مَنْ يَحْفَظُهُ ، وَدَعَا وَاحِدًا مِنْهُمْ ، فَسَأَلَهُ فَأَنْكَرَ ، فَقَالَ : اللَّهُ أَكْبَرُ .\rفَظَنَّ الْبَاقُونَ أَنَّهُ قَدْ اعْتَرَفَ ، فَدَعَاهُمْ فَاعْتَرَفُوا ، فَقَالَ لِلْأَوَّلِ : قَدْ شَهِدُوا عَلَيْك ، وَأَنَا قَاتِلُك .\rفَاعْتَرَفَ ، فَقَتَلَهُمْ .\rوَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ عَدَالَتَهُمَا ، بَحَثَ عَنْهَا ، فَإِنْ لَمْ تَثْبُتْ عَدَالَتُهُمَا ، قَالَ لِلْمُدَّعِي : زِدْنِي شُهُودًا .\rوَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ ، عَرَّفَهُ الْحَاكِمُ أَنَّ لَك يَمِينَهُ .\rوَلَيْسَ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَسْتَحْلِفَهُ قَبْلَ مَسْأَلَةِ الْمُدَّعِي ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ حَقٌّ لَهُ ، فَلَمْ يَجُزْ اسْتِيفَاؤُهَا مِنْ غَيْرِ مُطَالَبَةِ مُسْتَحَقِّهَا ، كَنَفْسِ الْحَقِّ .\rفَإِنْ اسْتَحْلَفَهُ مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ ، أَوْ بَادَرَ الْمُنْكِرُ فَحَلَفَ ، لَمْ يُعْتَدَّ بِيَمِينِهِ .\rلِأَنَّهُ أَتَى بِهَا فِي غَيْرِ وَقْتِهَا .\rوَإِذَا سَأَلَهَا الْمُدَّعِي ، أَعَادَهَا لَهُ ؛ لِأَنَّ الْأُولَى لَمْ تَكُنْ يَمِينَهُ .\rوَإِنْ أَمْسَكَ الْمُدَّعِي عَنْ إحْلَافِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ، ثُمَّ أَرَادَ إحْلَافَهُ بِالدَّعْوَى الْمُتَقَدِّمَةِ ، جَازَ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُسْقِطْ حَقَّهُ مِنْهَا ،","part":23,"page":46},{"id":11046,"text":"وَإِنَّمَا أَخَّرَهَا .\rوَإِنْ قَالَ : أَبْرَأْتُك مِنْ هَذِهِ الْيَمِينِ .\rسَقَطَ حَقُّهُ مِنْهَا فِي هَذِهِ الدَّعْوَى ، وَلَهُ أَنْ يَسْتَأْنِفَ الدَّعْوَى ؛ لِأَنَّ حَقَّهُ لَا يَسْقُطُ بِالْإِبْرَاءِ مِنْ الْيَمِينِ .\rفَإِنْ اسْتَأْنَفَ الدَّعْوَى ، فَأَنْكَرَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ، فَلَهُ أَنْ يُحَلِّفَهُ ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الدَّعْوَى غَيْرُ الدَّعْوَى الَّتِي أَبْرَأَهُ فِيهَا مِنْ الْيَمِينِ ، فَإِنْ حَلَفَ سَقَطَتْ الدَّعْوَى ، وَلَمْ يَكُنْ لِلْمُدَّعِي أَنْ يُحَلِّفَهُ يَمِينًا أُخْرَى ، لَا فِي هَذَا الْمَجْلِسِ ، وَلَا فِي غَيْرِهِ .\rوَإِنْ كَانَ الْحَقُّ لِجَمَاعَةٍ فَرَضُوا بِيَمِينٍ وَاحِدَةٍ ، جَازَ ، وَسَقَطَتْ دَعْوَاهُمْ بِالْيَمِينِ ؛ لِأَنَّهَا حَقُّهُمْ ؛ وَلِأَنَّهُ لَمَّا جَازَ ثُبُوتُ الْحَقِّ بِبَيِّنَةٍ وَاحِدَةٍ لِجَمَاعَةٍ ، جَازَ سُقُوطُهُ بِيَمِينٍ وَاحِدَةٍ .\rقَالَ الْقَاضِي : وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَصِحَّ حَتَّى يَحْلِفَ لِكُلِّ وَاحِدٍ يَمِينًا .\rوَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ حُجَّةٌ فِي حَقِّ الْوَاحِدِ ، فَإِذَا رَضِيَ بِهَا اثْنَانِ ، صَارَتْ الْحُجَّةُ فِي حَقِّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نَاقِصَةً ، وَالْحُجَّةُ النَّاقِصَةُ لَا تَكْمُلُ بِرِضَى الْخَصْمِ ، كَمَا لَوْ رَضِيَ أَنْ يَحْكُمَ عَلَيْهِ بِشَاهِدٍ وَاحِدٍ .\rوَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمَا ، فَإِذَا رَضِيَا بِهِ ، جَازَ ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ رِضَاهُمَا بِيَمِينٍ وَاحِدَةٍ ، أَنْ يَكُونَ لِكُلِّ وَاحِدٍ بَعْضُ الْيَمِينِ ، كَمَا أَنَّ الْحُقُوقَ إذَا قَامَتْ بِهَا بَيِّنَةٌ وَاحِدَةٌ ، لَا يَكُونُ لِكُلِّ حَقٍّ بَعْضُ الْبَيِّنَةِ ، فَأَمَّا إنْ حَلَّفَهُ لِجَمِيعِهِمْ يَمِينًا وَاحِدَةً بِغَيْرِ رِضَاهُمْ ، لَمْ تَصِحَّ يَمِينُهُ .\rبِلَا خِلَافٍ نَعْلَمُهُ .\rوَقَدْ حَكَى الْإِصْطَخْرِيُّ ، أَنَّ إسْمَاعِيلَ بْنَ إِسْحَاقَ الْقَاضِيَ ، حَلَّفَ رَجُلًا بِحَقِّ لِرَجُلَيْنِ يَمِينًا وَاحِدَةً ، فَخَطَّأَهُ أَهْلُ عَصْرِهِ .\rوَإِنْ قَالَ الْمُدَّعِي : لِي بَيِّنَةٌ غَائِبَةٌ .\rقَالَ لَهُ الْحَاكِمُ : لَك يَمِينُهُ ، فَإِنْ شِئْت فَاسْتَحْلِفْهُ ، وَإِنْ شِئْت أَخَّرْته إلَى أَنْ تُحْضِرَ بَيِّنَتَك ، وَلَيْسَ","part":23,"page":47},{"id":11047,"text":"لَك مُطَالَبَتُهُ بِكَفِيلٍ ، وَلَا مُلَازَمَتُهُ حَتَّى تُحْضِرَ الْبَيِّنَةَ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { شَاهِدَاك أَوْ يَمِينُهُ ، لَيْسَ لَك إلَّا ذَلِكَ } .\rفَإِنْ أَحْلَفَهُ ، ثُمَّ حَضَرَتْ بَيِّنَتُهُ ، حَكَمَ بِهَا ، وَلَمْ تَكُنْ مُزِيلَةً لِلْحَقِّ ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ إنَّمَا يُصَارُ إلَيْهَا عِنْدَ عَدَمِ الْبَيِّنَةِ ، فَإِذَا وُجِدَتْ الْبَيِّنَةُ بَطَلَتْ الْيَمِينُ ، وَتَبَيَّنَ كَذِبُهَا .\rوَإِنْ قَالَ : لِي بَيِّنَةٌ حَاضِرَةٌ ، وَأُرِيدُ يَمِينَهُ ثُمَّ أُقِيمُ بَيِّنَتِي .\rلَمْ يَمْلِكْ ذَلِكَ .\rوَقَالَ أَبُو يُوسُفَ : يَسْتَحْلِفُهُ ، وَإِنْ نَكِلَ قَضَى عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ فِي الِاسْتِحْلَافِ فَائِدَةً ، وَهُوَ أَنَّهُ رُبَّمَا نَكِلَ ، فَقَضَى عَلَيْهِ ، فَأَغْنَى عَنْ الْبَيِّنَةِ .\rوَلَنَا ، قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { شَاهِدَاك أَوْ يَمِينُهُ ، لَيْسَ لَك إلَّا ذَلِكَ } .\rوَ \" أَوْ \" لِلتَّخْيِيرِ بَيْنَ شَيْئَيْنِ ، فَلَا يَكُونُ لَهُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا ، وَلِأَنَّهُ أَمْكَنَ فَصْلُ الْخُصُومَةِ بِالْبَيِّنَةِ ، فَلَمْ يُشْرَعْ غَيْرُهَا مَعَ إرَادَةِ الْمُدَّعِي إقَامَتَهَا وَحُضُورَهَا ، كَمَا لَوْ لَمْ يَطْلُبْ يَمِينَهُ ، وَلِأَنَّ الْيَمِينَ بَدَلٌ ، فَلَمْ يَجِبْ الْجَمْعُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مُبْدَلِهَا ، كَسَائِرِ الْأَبْدَالِ مَعَ مُبْدَلَاتِهَا ، وَإِنْ قَالَ الْمُدَّعِي : لَا أُرِيدُ إقَامَتَهَا ، وَإِنَّمَا أُرِيدُ يَمِينَهُ أَكْتَفِي بِهَا .\rاسْتَحْلَفَ ؛ لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ حَقُّهُ ، فَإِذَا رَضِيَ بِإِسْقَاطِهَا ، وَتَرْكِ إقَامَتِهَا ، فَلَهُ ذَلِكَ ، كَنَفْسِ الْحَقِّ .\rفَإِنْ حَلَفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ، ثُمَّ أَرَادَ الْمُدَّعِي إقَامَةَ بَيِّنَتِهِ ، فَهَلْ يَمْلِكُ ذَلِكَ ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، لَهُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ لَا تَبْطُلُ بِالِاسْتِحْلَافِ ، كَمَا لَوْ كَانَتْ غَائِبَةً .\rوَالثَّانِي ، لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَسْقَطَ حَقَّهُ مِنْ إقَامَتِهَا ، وَلِأَنَّ تَجْوِيزَ إقَامَتِهَا ، يَفْتَحُ بَابَ الْحِيلَةِ ، لِأَنَّهُ يَقُولُ : لَا أُرِيدُ إقَامَتَهَا .\rلِيَحْلِفَ","part":23,"page":48},{"id":11048,"text":"خَصْمُهُ ، ثُمَّ يُقِيمُهَا .\rفَإِنْ كَانَ لَهُ شَاهِدٌ وَاحِدٌ فِي الْأَمْوَالِ ، عَرَّفَهُ الْحَاكِمُ أَنَّ لَهُ أَنْ يَحْلِفَ مَعَ شَاهِدِهِ ، وَيَسْتَحِقُّ ، فَإِنْ قَالَ : لَا أَحْلِفُ أَنَا ، وَأَرْضَى بِيَمِينِهِ .\rاسْتَحْلَفَ لَهُ ، فَإِذَا حَلَفَ ، سَقَطَ الْحَقُّ عَنْهُ ، فَإِنْ عَادَ الْمُدَّعِي بَعْدَهَا ، فَقَالَ : أَنَا أَحْلِفُ مَعَ شَاهِدِي .\rلَمْ يَسْتَحْلِفْ ، وَلَمْ يُسْمَعْ مِنْهُ .\rذَكَرَهُ الْقَاضِي .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ فِعْلُهُ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَيْهَا ، فَأَمْكَنَهُ أَنْ يُسْقِطَهَا ، بِخِلَافِ الْبَيِّنَةِ .\rوَإِنْ عَادَ قَبْلَ أَنْ يَحْلِفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ، فَبَذَلَ الْيَمِينَ ، فَقَالَ الْقَاضِي : لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ فِي هَذَا الْمَجْلِسِ .\rوَكُلُّ مَوْضِعٍ قُلْنَا : يَسْتَحْلِفُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ .\rفَإِنَّ الْحَاكِمَ يَقُولُ لَهُ : إنْ حَلَفْت ، وَإِلَّا جَعَلْتُك نَاكِلًا ، وَقَضَيْت عَلَيْك .\rثَلَاثًا ، فَإِنْ حَلَفَ ، وَإِلَّا حَكَمَ عَلَيْهِ بِنُكُولِهِ إذَا سَأَلَهُ الْمُدَّعِي ذَلِكَ .\rفَإِنْ سَكَتَ عَنْ جَوَابِ الدَّعْوَى ، فَلَمْ يُقِرَّ وَلَمْ يُنْكِرْ ، حَبَسَهُ الْحَاكِمُ حَتَّى يُجِيبَ ، وَلَا يَجْعَلُهُ بِذَلِكَ نَاكِلًا .\rذَكَرَهُ الْقَاضِي ، فِي الْمُجَرَّدِ .\rوَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : يَقُولُ لَهُ الْحَاكِمُ : إنْ أَجَبْت ، وَإِلَّا جَعَلْتُك نَاكِلًا ، وَحَكَمْت عَلَيْك .\rوَيُكَرِّرُ ذَلِكَ عَلَيْهِ ، فَإِنْ أَجَابَ وَإِلَّا جَعَلَهُ نَاكِلًا ، وَحَكَمَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ نَاكِلٌ عَمَّا تَوَجَّهَ عَلَيْهِ الْجَوَابُ فِيهِ ، فَيُحْكَمُ عَلَيْهِ بِالنُّكُولِ عَنْهُ ، كَالْيَمِينِ .","part":23,"page":49},{"id":11049,"text":"( 8278 ) مَسْأَلَةٌ ، قَالَ : وَإِذَا حَكَمَ عَلَى رَجُلٍ فِي عَمَلِ غَيْرِهِ فَكَتَبَ بِإِنْفَاذِ الْقَضَاءِ عَلَيْهِ إلَى قَاضِي ذَلِكَ الْبَلَدِ ، قَبِلَ كِتَابَهُ ، وَأَخَذَ الْمَحْكُومَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ الْحَقِّ ثُمَّ الْأَصْلُ فِي كِتَابِ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي وَالْأَمِيرِ إلَى الْأَمِيرِ ، الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ ؛ أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { إنِّي أُلْقِيَ إلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ إنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أَلَّا تَعْلُو عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ } .\rوَأَمَّا السُّنَّةُ ، { فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَتَبَ إلَى كِسْرَى ، وَقَيْصَرَ ، وَالنَّجَاشِيِّ ، وَمُلُوكِ الْأَطْرَافِ ، وَكَانَ يَكْتُبُ إلَى وُلَاتِهِ ، وَيَكْتُبُ لِعُمَّالِهِ وَسُعَاتِهِ ، وَكَانَ فِي كِتَابِهِ إلَى قَيْصَرَ : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ .\rمِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ ، إلَى قَيْصَرَ عَظِيمِ الرُّومِ ، أَمَّا بَعْدُ ، فَأَسْلِمْ تَسْلَمْ ، وَأَسْلِمْ يُؤْتِك اللَّهُ أَجْرًا عَظِيمًا ، فَإِنْ تَوَلَّيْت ، فَإِنَّ عَلَيْك إثْمَ الْأَرِيسِيِّينَ ، { وَ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ } } .\rوَرَوَى الضَّحَّاكُ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَ { كَتَبَ إلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَنْ وَرِّثْ امْرَأَةَ أَشْيَمَ الضَّبَابِيِّ مِنْ دِيَةِ زَوْجِهَا } .\rوَأَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى كِتَابِ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي .\rوَلِأَنَّ الْحَاجَةَ إلَى قَبُولِهِ دَاعِيَةٌ ، فَإِنَّ مَنْ لَهُ حَقٌّ فِي بَلَدٍ غَيْرِ بَلَدِهِ ، وَلَا يُمْكِنُهُ إتْيَانُهُ ، وَالْمُطَالَبَةُ بِهِ ، إلَّا بِكِتَابِ الْقَاضِي ، فَوَجَبَ قَبُولُهُ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّ كِتَابَ الْقَاضِي يُقْبَلُ فِي الْأَمْوَالِ ، وَمَا يُقْصَدُ بِهِ الْمَالُ ، وَلَا يُقْبَلُ فِي الْحُدُودِ ، كَحَقِّ اللَّهِ - تَعَالَى .\rوَهَلْ يُقْبَلُ فِيمَا عَدَا هَذَا ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ .\rوَبِهَذَا قَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ : يُقْبَلُ فِي كُلِّ حَقٍّ لِآدَمِيٍّ ، مِنْ الْجِرَاحِ وَغَيْرِهَا ، وَهَلْ يُقْبَلُ فِي","part":23,"page":50},{"id":11050,"text":"الْحُدُودِ الَّتِي لِلَّهِ تَعَالَى ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ .\rوَتَمَامُ الْكَلَامِ فِي هَذَا الْفَصْلِ يُذْكَرُ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .\rوَالْكِتَابُ عَلَى ضَرْبَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، أَنْ يَكْتُبَ بِمَا حَكَمَ بِهِ ، وَذَلِكَ مِثْلُ أَنْ يَحْكُمَ عَلَى رَجُلٍ بِحَقٍّ ، فَيَغِيبَ قَبْلَ إيفَائِهِ ، أَوْ يَدَّعِيَ حَقًّا عَلَى غَائِبٍ ، وَيُقِيمَ بِهِ بَيِّنَةً ، وَيَسْأَلَ الْحَاكِمَ الْحُكْمَ عَلَيْهِ ، فَيَحْكُمَ عَلَيْهِ ، وَيَسْأَلَهُ أَنْ يَكْتُبَ لَهُ كِتَابًا يَحْمِلُهُ إلَى قَاضِي الْبَلَدِ الَّذِي فِيهِ الْغَائِبُ ، فَيَكْتُبَ لَهُ إلَيْهِ ، أَوْ تَقُومَ الْبَيِّنَةُ عَلَى حَاضِرٍ ، فَيَهْرُبَ قَبْلَ الْحُكْمِ عَلَيْهِ ، فَيَسْأَلَ صَاحِبُ الْحَقِّ الْحَاكِمَ الْحُكْمَ عَلَيْهِ ، وَأَنْ يَكْتُبَ لَهُ كِتَابًا بِحُكْمِهِ .\rفَفِي هَذِهِ الصُّوَرِ الثَّلَاثِ ، يَلْزَمُ الْحَاكِمَ إجَابَتُهُ إلَى الْكِتَابَةِ ، وَيَلْزَمُ الْمَكْتُوبَ إلَيْهِ قَبُولُهُ ، سَوَاءٌ كَانَتْ بَيْنَهُمَا مَسَافَةٌ بَعِيدَةٌ أَوْ قَرِيبَةٌ ، حَتَّى لَوْ كَانَا فِي جَانِبَيْ بَلَدٍ أَوْ مَجْلِسٍ ، لَزِمَهُ قَبُولُهُ وَإِمْضَاؤُهُ ، سَوَاءٌ كَانَ حُكْمًا عَلَى حَاضِرٍ أَوْ غَائِبٍ .\rلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ يَجِبُ إمْضَاؤُهُ عَلَى كُلِّ حَاكِمٍ .\rالضَّرْبُ الثَّانِي ، أَنْ يَكْتُبَ يُعْلِمُهُ بِشَهَادَةِ شَاهِدَيْنِ عِنْدَهُ بِحَقٍّ لِفُلَانٍ ، مِثْلَ أَنْ تَقُومَ الْبَيِّنَةُ عِنْدَهُ بِحَقٍّ لِرَجُلٍ عَلَى آخَرَ ، وَلَمْ يَحْكُمْ بِهِ ، فَيَسْأَلُهُ صَاحِبُ الْحَقِّ أَنْ يَكْتُبَ لَهُ كِتَابًا بِمَا حَصَلَ عِنْدَهُ ، فَإِنَّهُ يَكْتُبُ لَهُ أَيْضًا .\rقَالَ الْقَاضِي : وَيَكُونُ فِي كِتَابِهِ : شَهِدَ عِنْدِي فُلَانٌ وَفُلَانٌ بِكَذَا وَكَذَا .\rلِيَكُونَ الْمَكْتُوبُ إلَيْهِ هُوَ الَّذِي يَقْضِي بِهِ ، وَلَا يَكْتُبُ : ثَبَتَ عِنْدِي ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ : ثَبَتَ عِنْدِي .\rحُكْمٌ بِشَهَادَتِهِمَا ، فَهَذَا لَا يَقْبَلُهُ الْمَكْتُوبُ إلَيْهِ ، إلَّا فِي الْمَسَافَةِ الْبَعِيدَةِ ، الَّتِي هِيَ مَسَافَةُ الْقَصْرِ ، وَلَا يَقْبَلُهُ فِيمَا دُونَهَا ؛ لِأَنَّهُ نَقْلُ شَهَادَةٍ ، فَاعْتُبِرَ فِيهِ مَا يُعْتَبَرُ فِي","part":23,"page":51},{"id":11051,"text":"الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ .\rوَنَحْوُ هَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ أَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ : يَجُوزُ أَنْ يَقْبَلَهُ فِي بَلَدِهِ .\rوَحُكِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ مِثْلُ هَذَا .\rوَقَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَصْحَابِهِ : الَّذِي يَقْتَضِيهِ مَذْهَبُهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ .\rوَاحْتَجَّ مَنْ أَجَازَهُ بِأَنَّهُ كِتَابُ الْحَاكِمِ بِمَا ثَبَتَ عِنْدَهُ ، فَجَازَ قَبُولُهُ مَعَ الْقُرْبِ ، كَكِتَابِهِ بِحُكْمِهِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ ذَلِكَ نَقْلُ الشَّهَادَةِ إلَى الْمَكْتُوبِ إلَيْهِ ، فَلَمْ يَجُزْ مَعَ الْقُرْبِ ، كَالشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ ، وَيُفَارِقُ كِتَابَهُ بِالْحُكْمِ ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِنَقْلٍ ، وَإِنَّمَا هُوَ خَبَرٌ ، وَكُلُّ مَوْضِعٍ يَلْزَمُهُ قَبُولُ الْكِتَابِ ، فَإِنَّهُ يَأْخُذُ الْمَحْكُومَ عَلَيْهِ بِالْحَقِّ الَّذِي حَكَمَ عَلَيْهِ بِهِ ، فَيَبْعَثُ إلَيْهِ ، فَيَسْتَدْعِيهِ ، فَإِنْ اعْتَرَفَ بِالْحَقِّ ، أَمَرَهُ بِأَدَائِهِ ، وَأَلْزَمَهُ إيَّاهُ .\rوَإِنْ قَالَ : لَسْت الْمُسَمَّى فِي هَذَا الْكِتَابِ .\rفَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ ، إلَّا أَنْ يُقِيمَ الْمُدَّعِي بَيِّنَةً أَنَّهُ الْمُسَمَّى فِي الْكِتَابِ .\rوَإِنْ اعْتَرَفَ أَنَّ هَذَا الِاسْمَ اسْمُهُ ، وَالنَّسَبَ نَسَبُهُ ، وَالصِّفَةَ صِفَتُهُ ، إلَّا أَنَّ الْحَقَّ لَيْسَ هُوَ عَلَيْهِ ، إنَّمَا هُوَ عَلَى آخَرَ يُشَارِكُهُ فِي الِاسْمِ وَالنَّسَبِ وَالصِّفَةِ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُدَّعِي فِي نَفْيِ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ عَدَمُ الْمُشَارَكَةِ فِي هَذَا كُلِّهِ ، فَإِنْ أَقَامَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بَيِّنَةً بِمَا ادَّعَاهُ مِنْ وُجُودِ مُشَارِكٍ لَهُ فِي هَذَا كُلِّهِ ، أَحْضَرَهُ الْحَاكِمُ ، وَسَأَلَهُ عَنْ الْحَقِّ ، فَإِنْ اعْتَرَفَ بِهِ ، أَلْزَمَهُ بِهِ ، وَتَخَلَّصَ الْأَوَّلُ ، وَإِنْ أَنْكَرَهُ ، وَقَفَ الْحُكْمَ ، وَيَكْتُبُ إلَى الْحَاكِمِ الْكَاتِبُ يُعْلِمُهُ الْحَالَ ، وَمَا وَقَعَ مِنْ الْإِشْكَالِ ، حَتَّى يُحْضِرَ الشَّاهِدَيْنِ ، فَيَشْهَدَا عِنْدَهُ بِمَا يَتَمَيَّزُ بِهِ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ مِنْهُمَا .\rوَإِنْ ادَّعَى الْمُسَمَّى أَنَّهُ كَانَ فِي الْبَلَدِ مَنْ","part":23,"page":52},{"id":11052,"text":"يُشَارِكُهُ فِي الِاسْمِ وَالصِّفَةِ ، وَقَدْ مَاتَ ، نَظَرْنَا ؛ فَإِنْ كَانَ مَوْتُهُ قَبْلَ وُقُوعِ الْمُعَامَلَةِ الَّتِي وَقَعَ الْحُكْمُ بِهَا ، أَوْ كَانَ مِمَّنْ لَمْ يُعَاصِرْهُ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ ، أَوْ الْمَحْكُومُ لَهُ ، لَمْ يَقَعْ إشْكَالٌ ، وَكَانَ وُجُودُهُ كَعَدَمِهِ .\rوَإِنْ كَانَ مَوْتُهُ بَعْدَ الْحُكْمِ ، أَوْ بَعْدَ الْمُعَامَلَةِ ، وَكَانَ مِمَّنْ أَمْكَنَ أَنْ تَجْرِيَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَحْكُومِ لَهُ مُعَامَلَةٌ ، فَقَدْ وَقَعَ الْإِشْكَالُ ، كَمَا لَوْ كَانَ حَيًّا ؛ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الْحَقُّ عَلَى الَّذِي مَاتَ .","part":23,"page":53},{"id":11053,"text":"( 8279 ) فَصْلٌ : وَإِذَا كَتَبَ الْحَاكِمُ بِثُبُوتِ بَيِّنَةٍ ، أَوْ إقْرَارٍ بِدَيْنٍ ، جَازَ ، وَحَكَمَ بِهِ الْمَكْتُوبُ إلَيْهِ ، وَأَخَذَ الْمَحْكُومَ عَلَيْهِ بِهِ ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ عَيْنًا ؛ كَعَقَارٍ مَحْدُودٍ ، أَوْ عَيْنٍ مَشْهُودَةٍ ، لَا تَشْتَبِهُ بِغَيْرِهَا ، كَعَبْدٍ مَعْرُوفٍ مَشْهُورٍ ، أَوْ دَابَّةٍ كَذَلِكَ ، حَكَمَ بِهِ الْمَكْتُوبُ إلَيْهِ أَيْضًا ، وَأُلْزِمَ تَسْلِيمَهُ إلَى الْمَحْكُومِ لَهُ بِهِ ، وَإِنْ كَانَ عَيْنًا لَا تَتَمَيَّزُ إلَّا بِالصِّفَةِ ، كَعَبْدٍ غَيْرِ مَشْهُودٍ ، أَوْ غَيْرِهِ مِنْ الْأَعْيَانِ الَّتِي لَا تَتَمَيَّزُ إلَّا بِالْوَصْفِ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، لَا يَقْبَلُ كِتَابَهُ .\rوَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ .\rوَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ الْوَصْفَ لَا يَكْفِي ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ أَنْ يَشْهَدَ لِرَجُلٍ بِالْوَصْفِ وَالتَّحْلِيَةِ ، كَذَلِكَ الْمَشْهُودُ بِهِ .\rوَالثَّانِي ، يَجُوزُ ؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ فِي الذِّمَّةِ بِالْعَقْدِ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ ، فَأَشْبَهَ الدَّيْنَ ، وَيُخَالِفُ الْمَشْهُودَ لَهُ ، فَإِنَّهُ لَا حَاجَةَ إلَى ذَلِكَ فِيهِ ، فَإِنَّ الشَّهَادَةَ لَهُ لَا تَثْبُتُ إلَّا بَعْدَ دَعْوَاهُ ، وَلِأَنَّ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ يَثْبُتُ بِالصِّفَةِ وَالتَّحْلِيَةِ ، فَكَذَلِكَ الْمَشْهُودُ بِهِ .\rفَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ ، يَنْفُذُ الْعَيْنَ مَخْتُومَةً ، وَإِنْ كَانَ عَبْدٌ أَوْ أَمَةٌ خَتَمَ فِي عُنُقِهِ ، وَبَعَثَهُ إلَى الْقَاضِي الْكَاتِبِ ، لِيَشْهَدَ الشَّاهِدَانِ عَلَى عَيْنِهِ ، فَإِنْ شَهِدَا عَلَيْهِ ، دُفِعَ إلَى الْمَشْهُودِ لَهُ بِهِ ، وَإِنْ لَمْ يَشْهَدَا عَلَى عَيْنِهِ ، أَوْ قَالَ : الْمَشْهُودُ بِهِ غَيْرُ هَذَا .\rوَجَبَ عَلَى آخِذِهِ رَدُّهُ إلَى صَاحِبِهِ ، وَيَكُونُ حُكْمُهُ حُكْمَ الْمَغْصُوبِ فِي ضَمَانِهِ ، وَضَمَانِ نَقْصِهِ وَمَنْفَعَتِهِ ، فَيَلْزَمُهُ أَجْرُهُ إنْ كَانَ لَهُ أَجْرٌ مِنْ يَوْمِ أَخْذِهِ ، إلَى أَنْ يَصِلَ إلَى صَاحِبِهِ ؛ لِأَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْ صَاحِبِهِ قَهْرًا بِغَيْرِ حَقٍّ .","part":23,"page":54},{"id":11054,"text":"( 8280 ) فَصْلٌ : وَمَنْ اسْتَوْفَى الْحَقَّ مِنْ الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ ، فَقَالَ لِلْحَاكِمِ عَلَيْهِ : اُكْتُبْ لِي مَحْضَرًا بِمَا جَرَى ؛ لِئَلَّا يَلْقَانِي خَصْمِي فِي مَوْضِعٍ آخَرَ ، فَيُطَالِبَنِي بِهِ مَرَّةً أُخْرَى .\rفَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، تَلْزَمُهُ إجَابَتُهُ ؛ لِيَخْلُصَ مِنْ الْمَحْذُورِ الَّذِي يَخَافُهُ .\rوَالثَّانِي ، لَا تَلْزَمُهُ ؛ لِأَنَّ الْحَاكِمَ إنَّمَا يَكْتُبُ بِمَا ثَبَتَ عِنْدَهُ ، أَوْ حَكَمَ بِهِ ، فَأَمَّا اسْتِئْنَافُ ابْتِدَاءٍ ، فَيَكْفِيهِ فِيهِ الْإِشْهَادُ ، فَيُطَالِبُهُ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى نَفْسِهِ بِقَبْضِ الْحَقِّ ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ ثَبَتَ عَلَيْهِ بِالشَّهَادَةِ .\rوَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ حَكَمَ عَلَيْهِ بِهَذَا الْحَقِّ ، وَيَخَافُ الضَّرَرَ بِدُونِ الْمَحْضَرِ ، فَأَشْبَهَ مَا حَكَمَ بِهِ ابْتِدَاءً .\rوَإِنْ طَالِبَ الْمَحْكُومُ لَهُ بِدَفْعِ الْكِتَابِ الَّذِي ثَبَتَ بِهِ الْحَقُّ ، لَمْ يَلْزَمْهُ دَفْعُهُ إلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ مِلْكُهُ ، فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ دَفْعُهُ إلَى غَيْرِهِ .\rوَكَذَلِكَ كُلُّ مَنْ لَهُ كِتَابٌ بِدَيْنٍ ، فَاسْتَوْفَاهُ ، أَوْ عَقَارٌ فَبَاعَهُ ، لَا يَلْزَمُهُ دَفْعُ الْكِتَابِ ؛ لِأَنَّهُ مِلْكُهُ ؛ وَلِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُخْرِجَ مَا قَبَضَهُ مُسْتَحَقًّا ، فَيَعُودَ إلَى مَالِهِ .","part":23,"page":55},{"id":11055,"text":"( 8281 ) فَصْلٌ : وَيُقْبَلُ الْكِتَابُ مِنْ قَاضِي مِصْرٍ إلَى قَاضِي مِصْرٍ ، وَإِلَى قَاضِي قَرْيَةٍ ، وَمِنْ قَاضِي قَرْيَةٍ إلَى قَاضِي قَرْيَةٍ ، وَقَاضِي مِصْرٍ .\rوَمِنْ الْقَاضِي إلَى خَلِيفَتِهِ ، وَمِنْ خَلِيفَتِهِ إلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ كِتَابٌ مِنْ قَاضٍ إلَى قَاضٍ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ اسْتَوَيَا .\rوَيَجُوزُ أَنْ يَكْتُبَ إلَى قَاضٍ مُعَيَّنٍ ، وَإِلَى مَنْ وَصَلَهُ كِتَابِيّ مِنْ قُضَاةِ الْمُسْلِمِينَ وَحُكَّامِهِمْ ، مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ ، وَيَلْزَمُ مَنْ وَصَلَهُ قَبُولُهُ .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو ثَوْرٍ .\rوَاسْتَحْسَنَهُ أَبُو يُوسُفَ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَجُوزُ أَنْ يَكْتُبَ إلَى غَيْرِ مُعَيَّنٍ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ كِتَابُ حَاكِمٍ مِنْ وِلَايَتِهِ ، وَصَلَ إلَى حَاكِمٍ ، فَلَزِمَهُ قَبُولُهُ ، كَمَا لَوْ كَانَ الْكِتَابُ إلَيْهِ بِعَيْنِهِ .","part":23,"page":56},{"id":11056,"text":"فَصْلٌ : وَصِفَةُ الْكِتَابِ : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سَبَبُ هَذَا الْكِتَابِ أَطَالَ اللَّهُ بَقَاءَ مَنْ يَصِلُ إلَيْهِ مِنْ قُضَاةِ الْمُسْلِمِينَ وَحُكَّامِهِمْ ، أَنَّهُ ثَبَتَ عِنْدِي فِي مَجْلِسِ حُكْمِي وَقَضَائِي ، الَّذِي أَتَوَلَّاهُ بِمَكَانِ كَذَا .\rوَإِنْ كَانَ نَائِبًا ، قَالَ : الَّذِي أَنُوبُ فِيهِ عَنْ الْقَاضِي فُلَانٍ ، بِمَحْضَرٍ مِنْ خَصْمَيْنِ ؛ مُدَّعٍ ، وَمُدَّعًى عَلَيْهِ ، جَازَ اسْتِمَاعُ الدَّعْوَى مِنْهُمَا ، وَقَبُولُ الْبَيِّنَةِ مِنْ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ ، بِشَهَادَةِ فُلَانٍ وَفُلَانٍ ، وَهُمَا مِنْ الشُّهُودِ الْمُعَدَّلِينَ عِنْدِي ، عَرَفْتُهُمَا ، وَقَبِلْت شَهَادَتَهُمَا ، بِمَا رَأَيْت مَعَهُ قَبُولَهَا مَعْرِفَةَ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ الْفُلَانِيِّ ، بِعَيْنِهِ وَاسْمِهِ وَنَسَبِهِ .\rفَإِنْ كَانَ فِي إثْبَاتِ أَسْرِ أَسِيرٍ قَالَ : وَإِنَّ الْفِرِنْجَ ، خَذَلَهُمْ اللَّهُ ، أَسَرُوهُ بِمَكَانِ كَذَا ، فِي وَقْتِ كَذَا ، وَأَخَذُوهُ إلَى مَكَانِ كَذَا ، وَهُوَ مُقِيمٌ تَحْتَ حَوْطَتِهِمْ ، أَبَادَهُمْ اللَّهُ ، وَإِنَّهُ رَجُلٌ فَقِيرٌ مِنْ فُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ ، لَيْسَ لَهُ شَيْءٌ مِنْ الدُّنْيَا ، وَلَا يَقْدِرُ عَلَى فِكَاكِ نَفْسِهِ ، وَلَا عَلَى شَيْءٍ مِنْهُ ، وَإِنَّهُ مُسْتَحِقٌّ لِلصَّدَقَةِ ، عَلَى مَا يَقْتَضِيهِ كِتَابُ الْمَحْضَرِ الْمُشَارُ إلَيْهِ ، الْمُتَّصِلُ أَوَّلُهُ بِآخِرِ كِتَابِي هَذَا ، الْمُؤَرَّخِ بِكَذَا .\rوَإِنْ كَانَ فِي إثْبَاتِ دَيْنٍ كَتَبَ : وَإِنَّهُ اسْتَحَقَّ فِي ذِمَّةِ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ الْفُلَانِيِّ - وَيَرْفَعُ فِي نَسَبِهِ ، وَيَصِفُهُ بِمَا يَتَمَيَّزُ بِهِ مِنْ الدِّينِ - كَذَا وَكَذَا ، دَيْنًا عَلَيْهِ حَالًّا ، وَحَقًّا وَاجِبًا لَازِمًا ، وَإِنَّهُ يَسْتَحِقُّ مُطَالَبَتَهُ وَاسْتِيفَاءَهُ مِنْهُ .\rوَإِنْ كَانَ فِي إثْبَاتِ عَيْنٍ ، كَتَبَ : وَإِنَّهُ مَالِكٌ لِمَا فِي يَدَيْ فُلَانٍ مِنْ الشَّيْءِ الْفُلَانِيِّ - وَيَصِفُهُ صِفَةً يَتَمَيَّزُ بِهَا - مُسْتَحِقٌّ لِأَخْذِهِ وَتَسْلِيمِهِ ، عَلَى مَا يَقْتَضِيهِ كِتَابُ الْمَحْضَرِ الْمُتَّصِلُ بِآخِرِ كِتَابِي هَذَا ، الْمُؤَرَّخُ بِتَارِيخِ كَذَا ، وَقَالَ الشَّاهِدَانِ الْمَذْكُورَانِ : إنَّهُمَا","part":23,"page":57},{"id":11057,"text":"بِمَا شَهِدَا بِهِ مِنْهُ عَالِمَانِ ، وَلَهُ مُحَقِّقَانِ ، وَإِنَّهُمَا لَا يَعْلَمَانِ خِلَافَ مَا شَهِدَا بِهِ إلَى حِينَ أَقَامَا الشَّهَادَةَ عِنْدِي ، فَأَمْضَيْت مَا ثَبَتَ عِنْدِي مِنْ ذَلِكَ ، وَحَكَمْت بِمُوجِبِهِ بِسُؤَالِ مَنْ جَازَتْ مَسْأَلَتُهُ ، وَسَأَلَنِي مَنْ جَازَ سُؤَالُهُ ، وَسَوَّغَتْ الشَّرِيعَةُ الْمُطَهَّرَةُ إجَابَتَهُ الْمُكَاتَبَةَ بِذَلِكَ إلَى الْقُضَاةِ وَالْحُكَّامِ ، فَأَجَبْتُهُ إلَى مُلْتَمَسِهِ ؛ لِجَوَازِهِ لَهُ شَرْعًا ، وَتَقَدَّمْت بِهَذَا الْكِتَابِ فَكُتِبَ ، وَبِإِلْصَاقِ الْمَحْضَرِ الْمُشَارِ إلَيْهِ فَأُلْصِقَ ، فَمَنْ وَقَفَ عَلَيْهِ مِنْهُمْ ، وَتَأَمَّلَ مَا ذَكَرْته ، وَتَصَفَّحَ مَا سَطَّرْته ، وَاعْتَمَدَ فِي إنْفَاذِهِ وَالْعَمَلِ بِمُوجَبِ مَا يُوجِبُهُ الشَّرْعُ الْمُطَهَّرُ ، أَحْرَزَ مِنْ الْأَجْرِ أَجْزَلَهُ .\rوَكَتَبَ مِنْ مَجْلِسِ الْحُكْمِ الْمَحْرُوسِ ، مِنْ مَكَانِ كَذَا ، فِي وَقْتِ كَذَا .\rوَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَذْكُرَ الْقَاضِي اسْمَهُ فِي الْعِنْوَانِ ، وَلَا ذِكْرُ اسْمِ الْمَكْتُوبِ إلَيْهِ فِي بَاطِنِهِ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إذَا لَمْ يَذْكُرْ اسْمَهُ ، فَلَا يُقْبَلُ ؛ لِأَنَّ الْكِتَابَ لَيْسَ إلَيْهِ ، وَلَا يَكْفِي ذِكْرُ اسْمِهِ فِي الْعِنْوَانِ دُونَ بَاطِنِهِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَقَعْ عَلَى وَجْهِ الْمُخَاطَبَةِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الْمُعَوَّلَ فِيهِ عَلَى شَهَادَةِ الشَّاهِدَيْنِ عَلَى الْقَاضِي الْكَاتِبِ بِالْحُكْمِ ، وَذَلِكَ لَا يَقْدَحُ فِيهَا ، وَلَوْ ضَاعَ الْكِتَابُ أَوْ امْتَحَا ، سُمِعَتْ شَهَادَتُهُمَا ، وَحُكِمَ بِهَا .","part":23,"page":58},{"id":11058,"text":"( 8283 ) مَسْأَلَةٌ ، قَالَ : وَلَا يُقْبَلُ الْكِتَابُ إلَّا بِشَهَادَةِ عَدْلَيْنِ يَقُولَانِ : قَرَأَهُ عَلَيْنَا ، أَوْ قُرِئَ عَلَيْهِ بِحَضْرَتِنَا ، فَقَالَ : اشْهَدَا عَلَى أَنَّهُ كِتَابِي إلَى فُلَانٍ وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ لِقَبُولِ كِتَابِ الْقَاضِي شُرُوطٌ ثَلَاثَةٌ ؛ أَحَدُهَا ، أَنْ يَشْهَدَ بِهِ شَاهِدَانِ عَدْلَانِ ، وَلَا يَكْفِي مَعْرِفَةُ الْمَكْتُوبِ إلَيْهِ خَطَّ الْكَاتِبِ ، وَخَتْمَهُ ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ قَبُولُهُ بِذَلِكَ ، فِي قَوْلِ أَئِمَّةِ الْفَتْوَى .\rوَحُكِيَ عَنْ الْحَسَنِ ، وَسَوَّارٍ ، وَالْعَنْبَرِيِّ ، أَنَّهُمْ قَالُوا : إذَا كَانَ يَعْرِفُ خَطَّهُ وَخَتْمَهُ ، قَبِلَهُ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ ، وَالْإِصْطَخْرِيِّ .\rوَيَتَخَرَّجُ لَنَا مِثْلُهُ بِنَاءً عَلَى قَوْلِهِ فِي الْوَصِيَّةِ إذَا وُجِدَتْ بِخَطِّهِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ تَحْصُلُ بِهِ غَلَبَةُ الظَّنِّ ، فَأَشْبَهَ شَهَادَةَ الشَّاهِدَيْنِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ مَا أَمْكَنَ إثْبَاتُهُ بِالشَّهَادَةِ ، لَمْ يَجُزْ الِاقْتِصَارُ فِيهِ عَلَى الظَّاهِرِ ، كَإِثْبَاتِ الْعُقُودِ ؛ وَلِأَنَّ الْخَطَّ يُشْبِهُ الْخَطَّ ، وَالْخَتْمَ يُمْكِنُ التَّزْوِيرُ عَلَيْهِ ، وَيُمْكِنُ الرُّجُوعُ إلَى الشَّهَادَةِ ، فَلَمْ يُعَوَّلْ عَلَى الْخَطِّ ، كَالشَّاهِدِ لَا يُعَوَّلُ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الْخَطِّ ، وَفِي هَذَا انْفِصَالٌ عَمَّا ذَكَرُوهُ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّ الْقَاضِيَ إذَا كَتَبَ الْكِتَابَ ، دَعَا رَجُلَيْنِ يَخْرُجَانِ إلَى الْبَلَدِ الَّذِي فِيهِ الْقَاضِي الْمَكْتُوبُ إلَيْهِ ، فَيَقْرَأُ عَلَيْهِمَا الْكِتَابَ ، أَوْ يَقْرَؤُهُ غَيْرُهُ عَلَيْهِمَا ، وَالْأَحْوَطُ أَنْ يَنْظُرَا مَعَهُ فِيمَا يَقْرَآهُ ، فَإِنْ لَمْ يَنْظُرَا ، جَازَ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَقْرِئُ إلَّا ثِقَةً ، فَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمَا قَالَ : اشْهَدَا عَلَيَّ أَنَّ هَذَا كِتَابِي إلَى فُلَانٍ .\rوَإِنْ قَالَ : اشْهَدَا عَلَيَّ بِمَا فِيهِ .\rكَانَ أَوْلَى ، وَإِنْ اقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ : هَذَا كِتَابِي إلَى فُلَانٍ .\rفَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ ؛ لِأَنَّهُ يُحَمِّلُهُمَا الشَّهَادَةَ ، فَاعْتُبِرَ فِيهِ أَنْ يَقُولَ : اشْهَدَا عَلَيَّ .\rكَالشَّهَادَةِ عَلَى","part":23,"page":59},{"id":11059,"text":"الشَّهَادَةِ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : يُجْزِئُ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rثُمَّ إنْ كَانَ مَا فِي الْكِتَابِ قَلِيلًا ، اعْتَمَدَ عَلَى حِفْظِهِ ، وَإِنْ كَثُرَ فَلَمْ يَقْدِرَا عَلَى حِفْظِهِ ، كَتَبَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَضْمُونَهُ ، وَقَابَلَ بِهَا لِتَكُونَ مَعَهُ ، يَذْكُرُ بِهَا مَا يَشْهَدُ بِهِ ، وَيَقْبِضَانِ الْكِتَابَ قَبْلَ أَنْ يَغِيبَا ؛ لِئَلَّا يَدْفَعَ إلَيْهِمَا غَيْرَهُ ، فَإِذَا وَصَلَ الْكِتَابُ مَعَهُمَا إلَيْهِ ، قَرَأَهُ الْحَاكِمُ أَوْ غَيْرُهُ عَلَيْهِمَا ، فَإِذَا سَمِعَاهُ قَالَا : نَشْهَدُ أَنَّ هَذَا كِتَابُ فُلَانٍ الْقَاضِي إلَيْك ، أَشْهَدَنَا عَلَى نَفْسِهِ بِمَا فِيهِ .\rلِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ كِتَابُهُ غَيْرَ الَّذِي أَشْهَدَهُمَا عَلَيْهِ .\rقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : وَلَا يُقْبَلُ إلَّا أَنْ يَقُولَا : نَشْهَدُ أَنَّ هَذَا كِتَابُ فُلَانٍ .\rلِأَنَّهَا أَدَاءُ شَهَادَةٍ ، فَلَا بُدَّ فِيهَا مِنْ لَفْظِ الشَّهَادَةِ .\rوَيَجِبُ أَنْ يَقُولَا : مِنْ عَمَلِهِ .\rلِأَنَّ الْكِتَابَ لَا يُقْبَلُ إلَّا إذَا وَصَلَ مِنْ مَجْلِسِ عَمَلِهِ .\rوَسَوَاءٌ وَصَلَ الْكِتَابُ مَخْتُومًا أَوْ غَيْرَ مَخْتُومٍ ، مَقْبُولًا أَوْ غَيْرَ مَقْبُولٍ ؛ لِأَنَّ الِاعْتِمَادَ عَلَى شَهَادَتِهِمَا ، لَا عَلَى الْخَطِّ وَالْخَتْمِ .\rفَإِنْ امْتَحَا الْكِتَابُ ، وَكَانَا يَحْفَظَانِ مَا فِيهِ ، جَازَ لَهُمَا أَنْ يَشْهَدَا بِذَلِكَ ، وَإِنْ لَمْ يَحْفَظَا مَا فِيهِ ، لَمْ تُمْكِنْهُمَا الشَّهَادَةُ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَبُو ثَوْرٍ : لَا يُقْبَلُ الْكِتَابُ حَتَّى يَشْهَدَ شَاهِدَانِ عَلَى خَتْمِ الْقَاضِي .\rوَلَنَا ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَتَبَ كِتَابًا إلَى قَيْصَرَ ، وَلَمْ يَخْتِمْهُ ، فَقِيلَ لَهُ : إنَّهُ لَا يَقْرَأُ كِتَابًا غَيْرَ مَخْتُومٍ ، فَاتَّخَذَ الْخَاتَمَ .\r} وَاقْتِصَارُهُ عَلَى الْكِتَابِ دُونَ الْخَتْمِ ، دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْخَتْمَ لَيْسَ بِشَرْطٍ فِي الْقَبُولِ ، وَإِنَّمَا فَعَلَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيَقْرَءُوا كِتَابَهُ ، وَلِأَنَّهُمَا شَهِدَا بِمَا فِي الْكِتَابِ وَعَرَفَا مَا فِيهِ ، فَوَجَبَ قَبُولُهُ ، كَمَا لَوْ وَصَلَ مَخْتُومًا وَشَهِدَا بِالْخَتْمِ","part":23,"page":60},{"id":11060,"text":".\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّهُ إنَّمَا يُعْتَبَرُ ضَبْطُهُمَا لِمَعْنَى الْكِتَابِ ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْحُكْمُ .\rقَالَ الْأَثْرَمُ : سَمِعْت أَبَا عَبْدِ اللَّهُ يُسْأَلُ عَنْ قَوْمٍ شَهِدُوا عَلَى صَحِيفَةٍ ، وَبَعْضُهُمْ يَنْظُرُ فِيهَا ، وَبَعْضُهُمْ لَا يَنْظُرُ ؟ قَالَ : إذَا حَفِظَ فَلْيَشْهَدْ .\rقِيلَ : كَيْفَ يَحْفَظُ ، وَهُوَ كَلَامٌ كَثِيرٌ ، قَالَ : يَحْفَظُ مَا كَانَ عَلَيْهِ الْكَلَامُ وَالْوَضْعُ .\rقُلْت : يَحْفَظُ الْمَعْنَى ؟ قَالَ : نَعَمْ .\rقِيلَ لَهُ : وَالْحُدُودَ وَالثَّمَنَ وَأَشْبَاهَ ذَلِكَ ؟ قَالَ : نَعَمْ .\rوَلَوْ أَدْرَجَ الْكِتَابَ وَخَتَمَهُ ، وَقَالَ : هَذَا كِتَابِي ، اشْهَدَا عَلَيَّ بِمَا فِيهِ .\rأَوْ قَدْ : أَشْهَدْتُكُمَا عَلَى نَفْسِي بِمَا فِيهِ .\rلَمْ يَصِحَّ هَذَا التَّحَمُّلُ .\rوَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو يُوسُفَ : إذَا خَتَمَهُ بِخَتْمِهِ وَعِنْوَانِهِ ، جَازَ أَنْ يَتَحَمَّلَا الشَّهَادَةَ عَلَيْهِ مُدْرَجًا ، فَإِذَا وَصَلَ الْكِتَابُ شَهِدَا عِنْدَهُ أَنَّهُ كِتَابُ فُلَانٍ .\rوَيَتَخَرَّجُ لَنَا مِثْلُ هَذَا ؛ لِأَنَّهُمَا شَهِدَا بِمَا فِي الْكِتَابِ ، فَجَازَ ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمَا تَفْصِيلَهُ ، كَمَا لَوْ شَهِدَا لِرَجُلٍ بِمَا فِي هَذَا الْكِيسِ مِنْ الدَّرَاهِمِ ، جَازَتْ الشَّهَادَةُ ، وَإِنْ لَمْ يَعْرِفَا قَدْرَهَا .\rوَلَنَا ، أَنَّهُمَا شَهِدَا بِمَجْهُولٍ لَا يَعْلَمَانِهِ ، فَلَمْ تَصِحَّ شَهَادَتُهُمَا ، كَمَا لَوْ شَهِدَا أَنَّ لِفُلَانٍ عَلَى فُلَانٍ مَالًا .\rوَفَارَقَ مَا ذَكَرَهُ ، فَإِنَّ تَعْيِينَهُ الدَّرَاهِمَ الَّتِي فِي الْكِيسِ أَغْنَى عَنْ مَعْرِفَةِ قَدْرِهَا ، وَهَا هُنَا الشَّهَادَةُ عَلَى مَا فِي الْكِتَابِ دُونَ الْكِتَابِ ، وَهُمَا لَا يَعْرِفَانِهِ .\rالشَّرْطُ الثَّانِي ، أَنْ يَكْتُبَهُ الْقَاضِي مِنْ مَوْضِعِ وِلَايَتِهِ وَحُكْمِهِ فَإِنْ كَتَبَهُ مِنْ غَيْرِ وِلَايَتِهِ ، لَمْ يَسُغْ قَبُولُهُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَسُوغُ لَهُ فِي غَيْرِ وِلَايَتِهِ حُكْمٌ ، فَهُوَ فِيهِ كَالْعَامِّيِّ .\rالشَّرْطُ الثَّالِثُ ، أَنْ يَصِلَ الْكِتَابُ إلَى الْمَكْتُوبِ إلَيْهِ فِي مَوْضِعِ وِلَايَتِهِ ، فَإِنْ وَصَلَهُ فِي غَيْرِهِ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ قَبُولُهُ حَتَّى","part":23,"page":61},{"id":11061,"text":"يَصِيرَ إلَى مَوْضِعِ وِلَايَتِهِ .\rوَلَوْ تَرَافَعَ إلَيْهِ خَصْمَانِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ وِلَايَتِهِ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ الْحُكْمُ بَيْنَهُمَا بِحُكْمِ وِلَايَتِهِ ، إلَّا أَنْ يَتَرَاضَيَا بِهِ ، فَيَكُونَ حُكْمُهُ حُكْمَ غَيْرِ الْقَاضِي إذَا تَرَاضَيَا بِهِ ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْخَصْمَانِ مِنْ أَهْلِ عَمَلِهِ أَوْ لَمْ يَكُونَا .\rوَلَوْ تَرَافَعَ إلَيْهِ خَصْمَانِ ، وَهُوَ فِي مَوْضِعِ وِلَايَتِهِ ، مِنْ غَيْرِ أَهْلِ وِلَايَتِهِ ، كَانَ لَهُ الْحُكْمُ بَيْنَهُمَا ؛ لِأَنَّ الِاعْتِبَارَ بِمَوْضِعِهِمَا ، إلَّا أَنْ يَأْذَنَ الْإِمَامُ لِقَاضٍ أَنْ يَحْكُمَ بَيْنَ أَهْلِ وِلَايَتِهِ حَيْثُ كَانُوا ، وَيَمْنَعَهُ مِنْ الْحُكْمِ بَيْنَ غَيْرِ أَهْلِ وِلَايَتِهِ حَيْثُمَا كَانَ ، فَيَكُونَ الْأَمْرُ عَلَى مَا أَذِنَ فِيهِ وَمَنَعَ مِنْهُ ؛ لِأَنَّ الْوِلَايَةَ بِتَوْلِيَتِهِ ، فَيَكُونُ الْحُكْمُ عَلَى وَفْقِهَا .","part":23,"page":62},{"id":11062,"text":"( 8284 ) فَصْلٌ : فِي تَغْيِيرِ حَالِ الْقَاضِي : وَلَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَتَغَيَّرَ حَالُ الْكَاتِبِ أَوْ الْمَكْتُوبِ إلَيْهِ ، أَوْ حَالُهُمَا مَعًا ، فَإِنْ تَغَيَّرَتْ حَالُ الْكَاتِبِ ، بِمَوْتٍ أَوْ عَزْلٍ ، بَعْدَ أَنْ كَتَبَ الْكِتَابَ ، وَأَشْهَدَ عَلَى نَفْسِهِ ، لَمْ يَقْدَحْ فِي كِتَابِهِ ، وَكَانَ عَلَى مَنْ وَصَلَهُ الْكِتَابُ قَبُولُهُ ، وَالْعَمَلُ بِهِ ، سَوَاءٌ تَغَيَّرَتْ حَالُهُ قَبْلَ خُرُوجِ الْكِتَابِ مِنْ يَدِهِ ، أَوْ بَعْدَهُ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يُعْمَلُ بِهِ فِي الْحَالَيْنِ .\rوَقَالَ أَبُو يُوسُفَ : إنْ مَاتَ قَبْلَ خُرُوجِهِ مِنْ يَدِهِ ، لَمْ يُعْمَلْ بِهِ ، وَإِنْ مَاتَ بَعْدَ خُرُوجِهِ مِنْ يَدِهِ ، عُمِلَ بِهِ ؛ لِأَنَّ كِتَابَ الْحَاكِمِ بِمَنْزِلَةِ الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ ، لِأَنَّهُ يَنْقُلُ شَهَادَةَ شَاهِدَيْ الْأَصْلِ ، فَإِذَا مَاتَ قَبْلَ وُصُولِ الْكِتَابِ ، صَارَ بِمَنْزِلَةِ مَوْتِ شَاهِدَيْ الْفَرْعِ قَبْلَ أَدَاءِ شَهَادَتِهِمَا .\rوَلَنَا ، أَنَّ الْمُعَوَّلَ فِي الْكِتَابِ عَلَى الشَّاهِدَيْنِ اللَّذَيْنِ يَشْهَدَانِ عَلَى الْحَاكِمِ وَهُمَا حَيَّانِ ، فَيَجِبُ أَنْ يُقْبَلَ كِتَابُهُ ، كَمَا لَوْ لَمْ يَمُتْ ، وَلِأَنَّ كِتَابَهُ إنْ كَانَ فِيمَا حَكَمَ بِهِ ، فَحُكْمُهُ لَا يَبْطُلُ بِمَوْتِهِ وَعَزْلِهِ ، وَإِنْ كَانَ فِيمَا ثَبَتَ عِنْدَهُ بِشَهَادَةٍ ، فَهُوَ أَصْلٌ ، وَاَللَّذَانِ شَهِدَا عَلَيْهِ فَرْعٌ ، وَلَا تَبْطُلُ شَهَادَةُ الْفَرْعِ بِمَوْتِ شَاهِدِ الْأَصْلِ ، وَمَا ذَكَرُوهُ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ ؛ لِأَنَّ الْحَاكِمَ قَدْ أَشْهَدَ عَلَى نَفْسِهِ ، وَإِنَّمَا يَشْهَدُ عِنْدَ الْمَكْتُوبِ إلَيْهِ شَاهِدَانِ عَلَيْهِ ، وَهُمَا حَيَّانِ ، وَهُمَا شَاهِدَا الْفَرْعِ ، وَلَيْسَ مَوْتُهُ مَانِعًا مِنْ شَهَادَتِهِمَا ، فَلَا يَمْنَعُ قَبُولَهَا ، كَمَوْتِ شَاهِدَيْ الْأَصْلِ .\rوَإِنْ تَغَيَّرَتْ حَالُهُ بِفِسْقٍ قَبْلَ الْحُكْمِ بِكِتَابَتِهِ ، لَمْ يَجُزْ الْحُكْمُ بِهِ ؛ لِأَنَّ حُكْمَهُ بَعْدَ فِسْقِهِ لَا يَصِحُّ ، فَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ الْحُكْمُ بِكِتَابِهِ ، وَلِأَنَّ بَقَاءَ عَدَالَةِ شَاهِدَيْ الْأَصْلِ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الْحُكْمِ بِشَاهِدَيْ","part":23,"page":63},{"id":11063,"text":"الْفَرْعِ ، فَكَذَلِكَ بَقَاءُ عَدَالَةِ الْحَاكِمِ ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ شَاهِدَيْ الْأَصْلِ .\rوَإِنْ فَسَقَ بَعْدَ الْحُكْمِ بِكِتَابِهِ لَمْ يَتَغَيَّرْ ، كَمَا لَوْ حَكَمَ بِشَيْءٍ ثُمَّ بَانَ فِسْقُهُ ، فَإِنَّهُ لَا يَنْقُضُ مَا مَضَى مِنْ أَحْكَامِهِ ، كَهَذَا هَاهُنَا .\rوَأَمَّا إنْ تَغَيَّرَتْ حَالُ الْمَكْتُوبِ إلَيْهِ بِأَيِّ حَالٍ كَانَ ؛ مِنْ مَوْتٍ ، أَوْ عَزْلٍ ، أَوْ فِسْقٍ ، فَلِمَنْ وَصَلَ إلَيْهِ الْكِتَابُ مِمَّنْ قَامَ مَقَامَهُ ، قَبُولُ الْكِتَابِ ، وَالْعَمَلُ بِهِ .\rوَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ .\rحُكِيَ عَنْهُ أَنَّ قَاضِيَ الْكُوفَةِ كَتَبَ إلَى إيَاسِ بْنِ مُعَاوِيَةَ قَاضِي الْبَصْرَةِ كِتَابًا ، فَوَصَلَ وَقَدْ عُزِلَ ، وَوُلِّيَ الْحَسَنُ ، فَعَمِلَ بِهِ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَعْمَلُ بِهِ ؛ لِأَنَّ كِتَابَ الْقَاضِي بِمَنْزِلَةِ الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ عِنْدَ الْمَكْتُوبِ إلَيْهِ ، وَإِذَا شَهِدَ شَاهِدَانِ عِنْدَ قَاضٍ ، لَمْ يَحْكُمْ بِشَهَادَتِهِمَا غَيْرُهُ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الْمُعَوَّلَ عَلَى شَهَادَةِ الشَّاهِدَيْنِ ، بِحُكْمِ الْأَوَّلِ ، أَوْ ثُبُوتِ الشَّهَادَةِ عِنْدَهُ ، وَقَدْ شَهِدَا عِنْدَ الثَّانِي ، فَوَجَبَ أَنْ يُقْبَلَ كَالْأَوَّلِ .\rوَقَوْلُهُمْ : إنَّهُ شَهَادَةٌ عِنْدَ الَّذِي مَاتَ .\rلَيْسَ بِصَحِيحٍ ؛ فَإِنَّ الْحَاكِمَ الْكَاتِبَ لَيْسَ بِفَرْعٍ ، وَلَوْ كَانَ فَرْعًا لَمْ يُقْبَلْ وَحْدَهُ ، وَإِنَّمَا الْفَرْعُ الشَّاهِدَانِ اللَّذَانِ شَهِدَا عَلَيْهِ ، وَقَدْ أَدَّيَا الشَّهَادَةَ عِنْدَ الْمُتَجَدِّدِ ، وَلَوْ ضَاعَ الْكِتَابُ ، فَشَهِدَا بِذَلِكَ عِنْدَ الْحَاكِمَ الْمَكْتُوبِ إلَيْهِ ، قُبِلَ ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الِاعْتِبَارَ بِشَهَادَتِهِمَا دُونَ الْكِتَابِ ، وَقِيَاسُ مَا ذَكَرْنَاهُ ، أَنَّ الشَّاهِدَيْنِ لَوْ حَمَلَا الْكِتَابَ إلَى غَيْرِ الْمَكْتُوبِ إلَيْهِ فِي حَالِ حَيَاتِهِ ، وَشَهِدَا عِنْدَهُ ، عُمِلَ بِهِ ؛ لِمَا بَيَّنَّاهُ .\rوَإِنْ كَانَ الْمَكْتُوبُ إلَيْهِ خَلِيفَةً لِلْكَاتِبِ ، فَمَاتَ الْكَاتِبُ ، أَوْ عُزِلَ ، انْعَزَلَ الْمَكْتُوبُ إلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ نَائِبٌ عَنْهُ ، فَيَنْعَزِلُ بِعَزْلِهِ وَمَوْتِهِ ، كَوُكَلَائِهِ .","part":23,"page":64},{"id":11064,"text":"وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ : لَا يَنْعَزِلُ خَلِيفَتُهُ ، كَمَا لَا يَنْعَزِلُ الْقَاضِي الْأَصْلِيُّ بِمَوْتِ الْإِمَامِ ، وَلَا عَزْلِهِ .\rوَلَنَا ، مَا ذَكَرْنَاهُ ، وَيُفَارِقُ الْإِمَامَ ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ يَعْقِدُ الْقَضَاءَ وَالْإِمَارَةَ لِلْمُسْلِمِينَ ، فَلَمْ يَبْطُلْ مَا عَقَدَهُ لِغَيْرِهِ ، كَمَا لَوْ مَاتَ الْوَلِيُّ فِي النِّكَاحِ ، لَمْ يَبْطُلْ النِّكَاحُ ، وَلِهَذَا لَيْسَ لِلْإِمَامِ أَنْ يَعْزِلَ الْقَاضِيَ مِنْ غَيْرِ تُغَيِّرْ حَالِهِ ، وَلَا يَنْعَزِلُ إذَا عَزَلَهُ ، بِخِلَافِ نَائِبِ الْحَاكِمِ ، فَإِنَّهُ تَنْعَقِدُ وِلَايَتُهُ لِنَفْسِهِ نَائِبًا عَنْهُ ، فَمَلَكَ عَزْلَهُ ، وَلِأَنَّ الْقَاضِيَ لَوْ انْعَزَلَ بِمَوْتِ الْإِمَامِ ، لَدَخَلَ الضَّرَرُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ ؛ لِأَنَّهُ يُفْضِي إلَى عَزْلِ الْقُضَاةِ فِي جَمِيعِ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ ، وَتَتَعَطَّلُ الْأَحْكَامُ ، وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ لَا يَنْعَزِلُ ، فَلَيْسَ لَهُ قَبُولُ الْكِتَابِ ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ لَيْسَ بِقَاضٍ .","part":23,"page":65},{"id":11065,"text":"( 8285 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : وَلَا تُقْبَلُ التَّرْجَمَةُ عَنْ أَعْجَمِيٍّ تَحَاكَمَ إلَيْهِ ، إذَا لَمْ يَعْرِفْ لِسَانَهُ ، إلَّا مِنْ عَدْلَيْنِ يَعْرِفَانِ لِسَانَهُ وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ إذَا تَحَاكَمَ إلَى الْقَاضِي الْعَرَبِيِّ أَعْجَمِيَّانِ ، لَا يَعْرِفُ لِسَانَهُمَا ، أَوْ أَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ ، فَلَا بُدَّ مِنْ مُتَرْجِمٍ عَنْهُمَا .\rوَلَا تُقْبَلُ التَّرْجَمَةُ إلَّا مِنْ اثْنَيْنِ عَدْلَيْنِ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ ، رِوَايَةٌ أُخْرَى ، أَنَّهَا تُقْبَلُ مِنْ وَاحِدٍ .\rوَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ ، وَقَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ .\rوَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ ، فِي حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَهُ أَنْ يَتَعَلَّمَ كِتَابَ يَهُودَ .\rقَالَ : فَكُنْت أَكْتُبُ لَهُ إذَا كَتَبَ إلَيْهِمْ ، وَأَقْرَأُ لَهُ إذَا كَتَبُوا .\rوَلِأَنَّهُ مِمَّا لَا يَفْتَقِرُ إلَى لَفْظِ الشَّهَادَةِ ، فَأَجْزَأَ فِيهِ الْوَاحِدُ ، كَأَخْبَارِ الدِّيَانَاتِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ نَقَلَ مَا خَفِيَ عَلَى الْحَاكِمِ إلَيْهِ ، فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْمُتَخَاصَمِينَ ، فَوَجَبَ فِيهِ الْعَدَدُ ، كَالشَّهَادَةِ ، وَيُفَارِقُ أَخْبَارَ الدِّيَانَاتِ ؛ فَإِنَّهَا لَا تَتَعَلَّقُ بِالْمُتَخَاصَمِينَ ، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ فِيهِ لَفْظُ الشَّهَادَةِ ، وَلِأَنَّ مَا لَا يَفْهَمُهُ الْحَاكِمُ وُجُودُهُ عِنْدَهُ كَعَدَمِهِ ، فَإِذَا تُرْجِمَ لَهُ ، كَانَ كَنَقْلِ الْإِقْرَارِ إلَيْهِ مِنْ غَيْرِ مَجْلِسِهِ ، وَلَا يُقْبَلُ ذَلِكَ إلَّا مِنْ شَاهِدَيْنِ ، كَذَا هَاهُنَا .\rفَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ ، تَكُونُ التَّرْجَمَةُ شَهَادَةً تَفْتَقِرُ إلَى الْعَدَدِ وَالْعَدَالَةِ ، وَيُعْتَبَرُ فِيهَا مِنْ الشُّرُوطِ مَا يُعْتَبَرُ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الْإِقْرَارِ بِذَلِكَ الْحَقِّ ، فَإِنْ كَانَ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ ، اُعْتُبِرَ فِيهِ الْحُرِّيَّةُ ، وَلَمْ يَكْفِ إلَّا شَاهِدَانِ ذَكَرَانِ .\rوَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يَتَعَلَّقُ بِهَا كَفَى فِيهِ تَرْجَمَةُ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ ، وَلَمْ تُعْتَبَرْ الْحُرِّيَّةُ فِيهِ .\rوَإِنْ كَانَ","part":23,"page":66},{"id":11066,"text":"فِي حَدِّ زِنًى ، خُرِّجَ فِي التَّرْجَمَةِ فِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، لَا يَكْفِي فِيهِ أَقَلُّ مِنْ أَرْبَعَةِ رِجَالٍ أَحْرَارٍ عُدُولٍ .\rوَالثَّانِي ، يَكْفِي فِيهِ اثْنَانِ ؛ بِنَاءً عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الْإِقْرَارِ بِهِ ، وَيُعْتَبَرُ فِيهِ لَفْظُ الشَّهَادَةِ ؛ لِأَنَّهُ شَهَادَةٌ .\rوَإِنْ قُلْنَا : يَكْفِي فِيهِ وَاحِدٌ .\rفَلَا بُدَّ مِنْ عَدَالَتِهِ ، وَلَا وَلَا تُقْبَلُ مِنْ كَافِرٍ وَلَا فَاسِقٍ .\rوَتُقْبَلُ مِنْ الْعَبْدِ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ وَالرِّوَايَةِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا تُقْبَلُ مِنْ الْعَبْدِ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ خَبَرٌ يَكْفِي فِيهِ قَوْلُ الْوَاحِدِ ، فَيُقْبَلُ فِيهِ خَبَرُ الْعَبْدِ ، كَأَخْبَارِ الدِّيَانَاتِ ، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ هَذِهِ شَهَادَةٌ ، وَلَا أَنَّ الْعَبْدَ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ ، وَلَا يُعْتَبَرُ فِيهِ لَفْظُ الشَّهَادَةِ ، كَالرِّوَايَةِ .\rوَعَلَى هَذَا الْأَصْلِ يَنْبَغِي أَنْ تُقْبَلَ تَرْجَمَةُ الْمَرْأَةِ إذَا كَانَتْ مِنْ أَهْلِ الْعَدَالَةِ ؛ لِأَنَّ رِوَايَتهَا مَقْبُولَةٌ .","part":23,"page":67},{"id":11067,"text":"( 8286 ) فَصْلٌ : وَالْحُكْمُ فِي التَّعْرِيفِ ، وَالرِّسَالَةِ ، وَالْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ ، كَالْحُكْمِ فِي التَّرْجَمَةِ ، وَفِيهَا مِنْ الْخِلَافِ مَا فِيهَا .\rذَكَرَهُ الشَّرِيفُ أَبُو جَعْفَرٍ ، وَأَبُو الْخَطَّابِ وَقَدْ ذَكَرْنَا الْجَرْحَ وَالتَّعْدِيلَ فِيمَا مَضَى .","part":23,"page":68},{"id":11068,"text":"( 8287 ) مَسْأَلَةٌ ، قَالَ : وَإِذَا عُزِلَ ، فَقَالَ : كُنْت حَكَمْت فِي وِلَايَتِي لِفُلَانٍ عَلَى فُلَانٍ بِحَقٍّ .\rقُبِلَ قَوْلُهُ ، وَأُمْضِيَ ذَلِكَ الْحَقُّ وَبِهَذَا قَالَ إِسْحَاقُ .\rقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يُقْبَلَ قَوْلُهُ .\rوَقَوْلُ الْقَاضِي فِي فُرُوعِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ يَقْتَضِي أَنْ لَا يُقْبَلَ قَوْلُهُ هَاهُنَا ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ ؛ لِأَنَّ مَنْ لَا يَمْلِكُ الْحُكْمَ ، لَا يَمْلِكُ الْإِقْرَارَ بِهِ ، كَمَنْ أَقَرَّ بِعِتْقِ عَبْدٍ بَعْدَ بَيْعِهِ .\rثُمَّ اخْتَلَفُوا ، فَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى : هُوَ بِمَنْزِلَةِ الشَّاهِدِ ، إذَا كَانَ مَعَهُ شَاهِدٌ آخَرُ ، قُبِلَ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ : لَا يُقْبَلُ إلَّا شَاهِدَانِ سِوَاهُ ، يَشْهَدَانِ بِذَلِكَ .\rوَهُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ شَهَادَتَهُ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ لَا تُقْبَلُ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ لَوْ كَتَبَ إلَى غَيْرِهِ ، ثُمَّ عُزِلَ ، وَوَصَلَ الْكِتَابُ بَعْدَ عَزْلِهِ ، لَزِمَ الْمَكْتُوبَ إلَيْهِ قَبُولُ كِتَابِهِ بَعْدَ عَزْلِ كَاتِبِهِ ، فَكَذَلِكَ هَاهُنَا .\rوَلِأَنَّهُ أَخْبَرَ بِمَا حَكَمَ بِهِ ، وَهُوَ غَيْرُ مُتَّهَمٍ ، فَيَجِبُ قَبُولُهُ ، كَحَالِ وِلَايَتِهِ .","part":23,"page":69},{"id":11069,"text":"( 8288 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا إنْ قَالَ فِي وِلَايَتِهِ : كُنْت حَكَمْت لِفُلَانٍ بِكَذَا .\rقُبِلَ قَوْلُهُ ، سَوَاءٌ قَالَ : قَضَيْت عَلَيْهِ بِشَاهِدَيْنِ عَدْلَيْنِ .\rأَوْ قَالَ : سَمِعْت بَيِّنَتَهُ وَعَرَفْت عَدَالَتَهُمْ .\rأَوْ قَالَ : قَضَيْت عَلَيْهِ بِنُكُولِهِ .\rأَوْ قَالَ : أَقَرَّ عِنْدِي فُلَانٌ لِفُلَانٍ بِحَقٍّ ، فَحَكَمْت بِهِ .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو يُوسُفَ .\rوَحُكِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ : أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ حَتَّى يَشْهَدَ مَعَهُ رَجُلٌ عَدْلٌ ؛ لِأَنَّ فِيهِ إخْبَارًا بِحَقٍّ عَلَى غَيْرِهِ ، فَلَمْ يُقْبَلْ قَوْلُ وَاحِدٍ ، كَالشَّهَادَةِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ يَمْلِكُ الْحُكْمَ ، فَمَلَكَ الْإِقْرَارَ بِهِ ، كَالزَّوْجِ إذَا أَخْبَرَ بِالطَّلَاقِ ، وَالسَّيِّدِ إذَا أَخْبَرَ بِالْعِتْقِ ، وَلِأَنَّهُ لَوْ أَخْبَرَ أَنَّهُ رَأَى كَذَا وَكَذَا ، فَحَكَمَ بِهِ ، قُبِلَ ، كَذَا هَاهُنَا ، وَفَارَقَ الشَّهَادَةَ ، فَإِنَّ الشَّاهِدَ لَا يَمْلِكُ إثْبَاتَ مَا أَخْبَرَ بِهِ .\rفَأَمَّا إنْ قَالَ : حَكَمْت بِعِلْمِي ، أَوْ بِالنُّكُولِ ، أَوْ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ فِي الْأَمْوَالِ .\rفَإِنَّهُ يُقْبَلُ أَيْضًا .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي الْقَضَاءِ بِالنُّكُولِ .\rوَيَنْبَنِي قَوْلُهُ : حَكَمْت عَلَيْهِ بِعِلْمِي .\rعَلَى الْقَوْلَيْنِ فِي جَوَازِ الْقَضَاءِ بِعِلْمِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ الْحُكْمَ بِذَلِكَ ، فَلَا يَمْلِكُ الْإِقْرَارَ بِهِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ أَخْبَرَ بِحُكْمِهِ فِيمَا لَوْ حَكَمَ بِهِ لَنَفَذَ حُكْمُهُ ، فَوَجَبَ قَبُولُهُ ، كَالصُّوَرِ الَّتِي تَقَدَّمَتْ ، وَلِأَنَّهُ حَاكِمٌ ، أَخْبَرَ بِحُكْمِهِ فِي وِلَايَتِهِ ، فَوَجَبَ قَبُولُهُ ، كَاَلَّذِي سَلَّمَهُ ، وَلِأَنَّ الْحَاكِمَ إذَا حَكَمَ فِي مَسْأَلَةٍ ، يَسُوغُ فِيهَا الِاجْتِهَادُ لَمْ يَسُغْ نَقْضُ حُكْمِهِ ، وَلَزِمَ غَيْرَهُ إمْضَاؤُهُ ، وَالْعَمَلُ بِهِ ، فَصَارَ بِمَنْزِلَةِ الْحُكْمِ بِالْبَيِّنَةِ الْعَادِلَةِ ، وَلَا نُسَلِّمُ مَا ذَكَرَهُ .\rوَإِنْ قَالَ : حَكَمْت لِفُلَانٍ عَلَى فُلَانٍ بِكَذَا .\rوَلَمْ يُضِفْ حُكْمَهُ إلَى بَيِّنَةٍ وَلَا غَيْرِهَا ، وَجَبَ قَبُولُهُ .\rوَهُوَ ظَاهِرُ مَسْأَلَةِ","part":23,"page":70},{"id":11070,"text":"الْخِرَقِيِّ ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ مَا ثَبَتَ بِهِ الْحُكْمُ ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْحَاكِمَ مَتَى مَا حَكَمَ بِحُكْمٍ يَسُوغُ فِيهِ الِاجْتِهَادُ ، وَجَبَ قَبُولُهُ ، وَصَارَ بِمَنْزِلَةِ مَا أُجْمِعَ عَلَيْهِ .","part":23,"page":71},{"id":11071,"text":"( 8289 ) فَصْلٌ : وَإِذَا أَخْبَرَ الْقَاضِي بِحُكْمِهِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ وِلَايَتِهِ ، فَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ أَنَّ قَوْلَهُ مَقْبُولٌ ، وَخَبَرَهُ نَافِذٌ ؛ لِأَنَّهُ إذَا قُبِلَ قَوْلُهُ بِحُكْمِهِ بَعْدَ الْعَزْلِ وَزَوَالِ وِلَايَتِهِ بِالْكُلِّيَّةِ ، فَلَأَنْ يُقْبَلَ مَعَ بَقَائِهَا فِي غَيْرِ مَوْضِعِ وِلَايَتِهِ أَوْلَى .\rوَقَالَ الْقَاضِي : لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ .\rوَقَالَ : لَوْ اجْتَمَعَ قَاضِيَانِ فِي غَيْرِ وِلَايَتِهِمَا ، كَقَاضِي دِمَشْقَ وَقَاضِي مِصْرَ ، اجْتَمَعَا فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ ، فَأَخْبَرَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ بِحُكْمٍ حَكَمَ بِهِ ، أَوْ شَهَادَةٍ ثَبَتَتْ عِنْدَهُ ، لَمْ يَقْبَلْ أَحَدُهُمَا قَوْلَ صَاحِبِهِ ، وَيَكُونَانِ كَشَاهِدَيْنِ أَخْبَرَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ بِمَا عِنْدَهُ ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَحْكُمَ بِهِ إذَا رَجَعَ إلَى عَمَلِهِ ؛ لِأَنَّهُ خَبَرُ مَنْ لَيْسَ بِقَاضٍ فِي مَوْضِعِهِ .\rوَإِنْ كَانَا جَمِيعًا فِي عَمَلِ أَحَدِهِمَا ، كَأَنَّهُمَا اجْتَمَعَا جَمِيعًا فِي دِمَشْقَ ، فَإِنَّ قَاضِيَ دِمَشْقَ لَا يَعْمَلُ بِمَا أَخْبَرَهُ بِهِ قَاضِي مِصْرَ ؛ لِأَنَّهُ يُخْبِرُهُ بِهِ فِي غَيْرِ عَمَلِهِ .\rوَهَلْ يَعْمَلُ قَاضِي مِصْرَ بِمَا أَخْبَرَهُ بِهِ قَاضِي دِمَشْقَ إذَا رَجَعَ إلَى مِصْرَ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ ؛ بِنَاءً عَلَى الْقَاضِي ، هَلْ لَهُ أَنْ يَقْضِيَ بِعِلْمِهِ ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ ؛ لِأَنَّ قَاضِيَ دِمَشْقَ أَخْبَرَهُ بِهِ فِي عَمَلِهِ .\rوَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فِي هَذَا كَقَوْلِ الْقَاضِي هَاهُنَا .","part":23,"page":72},{"id":11072,"text":"( 8290 ) فَصْلٌ : إذَا وَلَّى الْإِمَامُ قَاضِيًا ، ثُمَّ مَاتَ ، لَمْ يَنْعَزِلْ ؛ لِأَنَّ الْخُلَفَاءَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَلَّوْا حُكَّامًا فِي زَمَنِهِمْ ، فَلَمْ يَنْعَزِلُوا بِمَوْتِهِمْ ، وَلِأَنَّ فِي عَزْلِهِ بِمَوْتِ الْإِمَامِ ضَرَرًا عَلَى الْمُسْلِمِينَ ، فَإِنَّ الْبُلْدَانَ تَتَعَطَّلُ مِنْ الْحُكَّامِ ، وَتَقِفُ أَحْكَامُ النَّاسِ إلَى أَنْ يُوَلِّيَ الْإِمَامُ الثَّانِي حَاكِمًا ، وَفِيهِ ضَرَرٌ عَظِيمٌ .\rوَكَذَلِكَ لَا يَنْعَزِلُ الْقَاضِي إذَا عُزِلَ الْإِمَامُ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا .\rفَأَمَّا إنْ عَزَلَهُ الْإِمَامُ الَّذِي وَلَّاهُ أَوْ غَيْرُهُ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ، أَحَدُهُمَا : لَا يَنْعَزِلُ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ عَقَدَهُ لِمَصْلَحَةِ الْمُسْلِمِينَ ، فَلَمْ يَمْلِكْ عَزْلَهُ مَعَ سَدَادِ حَالِهِ ، كَمَا لَوْ عَقَدَ النِّكَاحَ عَلَى مُوَلِّيَتِهِ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ فَسْخُهُ .\rوَالثَّانِي ، لَهُ عَزْلُهُ ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : لَأَعْزِلَنَّ أَبَا مَرْيَمَ ، وَأُوَلِّيَنَّ رَجُلًا إذَا رَآهُ الْفَاجِرُ فَرَّقَهُ .\rفَعَزَلَهُ عَنْ قَضَاءِ الْبَصْرَةِ ، وَوَلَّى كَعْبَ بْنَ سَوَّارٍ مَكَانَهُ .\rوَوَلَّى عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَبَا الْأَسْوَدِ ، ثُمَّ عَزَلَهُ ، فَقَالَ : لِمَ عَزَلْتنِي ، وَمَا خُنْت ، وَلَا جَنَيْت ؟ فَقَالَ : إنِّي رَأَيْتُك يَعْلُو كَلَامُك عَلَى الْخَصْمَيْنِ .\rوَلِأَنَّهُ يَمْلِكُ عَزْلَ أُمَرَائِهِ وَوُلَاتِهِ عَلَى الْبُلْدَانِ ، فَكَذَلِكَ قُضَاتُهُ .\rوَقَدْ كَانَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يُوَلِّي وَيَعْزِلُ ، فَعَزَلَ شُرَحْبِيلَ بْنَ حَسَنَةَ عَنْ وِلَايَتِهِ فِي الشَّامِ ، وَوَلَّى مُعَاوِيَةَ ، فَقَالَ لَهُ شُرَحْبِيلُ : أَمِنْ جُبْنٍ عَزَلْتنِي ، أَوْ خِيَانَةٍ ؟ قَالَ : مِنْ كُلٍّ لَا ، وَلَكِنْ أَرَدْت رَجُلًا أَقْوَى مِنْ رَجُلٍ .\rوَعَزَلَ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ ، وَوَلَّى أَبَا عُبَيْدَةَ .\rوَقَدْ كَانَ يُوَلِّي بَعْضَ الْوُلَاةِ الْحُكْمَ مَعَ الْإِمَارَةِ ، فَوَلَّى أَبَا مُوسَى الْبَصْرَةَ قَضَاءَهَا وَإِمْرَتَهَا .\rثُمَّ كَانَ يَعْزِلُهُمْ هُوَ ، وَمَنْ لَمْ يَعْزِلْهُ ، عَزَلَهُ عُثْمَانُ بَعْدَهُ إلَّا الْقَلِيلَ مِنْهُمْ .","part":23,"page":73},{"id":11073,"text":"فَعَزْلُ الْقَاضِي أَوْلَى ، وَيُفَارِقُ عَزْلَهُ بِمَوْتِ مَنْ وَلَّاهُ أَوْ عَزَلَهُ ؛ لِأَنَّ فِيهِ ضَرَرًا ، وَهَا هُنَا لَا ضَرَرَ فِيهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَعْزِلُ قَاضِيًا حَتَّى يُوَلِّيَ آخَرَ مَكَانَهُ ، وَلِهَذَا لَا يَنْعَزِلُ الْوَالِي بِمَوْتِ الْإِمَامِ ، وَيَنْعَزِلُ بِعَزْلِهِ .\rوَقَدْ ذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ فِي عَزْلِهِ بِالْمَوْتِ أَيْضًا وَجْهَيْنِ ، وَالْأَوْلَى ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ، مَا ذَكَرْنَاهُ .\rفَأَمَّا إنْ تَغَيَّرَتْ حَالُ الْقَاضِي ؛ بِفِسْقٍ ، أَوْ زَوَالِ عَقْلٍ ، أَوْ مَرَضٍ يَمْنَعُهُ مِنْ الْقَضَاءِ ، أَوْ اخْتَلَّ فِيهِ بَعْضُ شُرُوطِهِ ، فَإِنَّهُ يَنْعَزِلُ بِذَلِكَ ، وَيَتَعَيَّنُ عَلَى الْإِمَامِ عَزْلُهُ ، وَجْهًا وَاحِدًا .","part":23,"page":74},{"id":11074,"text":"( 8291 ) فَصْلٌ : وَلِلْإِمَامِ تَوْلِيَةُ الْقَضَاءِ فِي بَلَدِهِ وَغَيْرِهِ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَّى عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ الْقَضَاءَ ، وَوَلَّى عَلِيًّا وَمُعَاذًا .\rوَقَالَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ لِابْنِ عُمَرَ : إنَّ أَبَاك قَدْ كَانَ يَقْضِي وَهُوَ خَيْرٌ مِنْك .\rقَالَ : إنَّ أَبِي قَدْ كَانَ يَقْضِي ، وَإِنْ أَشْكَلَ عَلَيْهِ شَيْءٌ ، سَأَلَ عَنْهُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rوَذَكَرَ الْحَدِيثَ .\rرَوَاهُ عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ ، فِي كِتَابِ \" قُضَاةِ الْبَصْرَةِ \" .\rوَرَوَى سَعِيدٌ ، فِي \" سُنَنِهِ \" عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ .\rقَالَ { : جَاءَ خَصْمَانِ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لِي : يَا عَمْرُو ، اقْضِ بَيْنَهُمَا .\rقُلْت : أَنْتَ أَوْلَى بِذَلِكَ مِنِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ .\rقَالَ : إنْ أَصَبْت الْقَضَاءَ بَيْنَهُمَا ، فَلَكَ عَشْرُ حَسَنَاتٍ ، وَإِنْ أَخْطَأْت ، فَلَكَ حَسَنَةٌ } وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ مِثْلُهُ .\rوَلِأَنَّ الْإِمَامَ يَشْتَغِلُ بِأَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ مِنْ مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ ، فَلَا يَتَفَرَّغُ لِلْقَضَاءِ بَيْنَهُمْ .\rفَإِذَا وَلَّى قَاضِيًا ، اُسْتُحِبَّ أَنْ يَجْعَلَ لَهُ أَنْ يَسْتَخْلِفَ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَحْتَاجُ إلَى ذَلِكَ ، فَإِذَا أَذِنَ لَهُ فِي الِاسْتِخْلَافِ ، جَازَ لَهُ بِلَا خِلَافٍ نَعْلَمُهُ ، وَإِنْ نَهَاهُ عَنْهُ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَسْتَخْلِفَ ؛ لِأَنَّ وِلَايَتَهُ بِإِذْنِهِ ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَا نَهَاهُ عَنْهُ ، كَالْوَكِيلِ ، وَإِنْ أَطْلَقَ ، فَلَهُ الِاسْتِخْلَافُ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ يَتَصَرَّفُ بِالْإِذْنِ ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَا لَمْ يَأْذَنْ فِيهِ ، كَالْوَكِيلِ .\rوَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ فِي هَذَا وَجْهَانِ .\rوَوَجْهُ الْأَوَّلِ ، أَنَّ الْغَرَضَ مِنْ الْقَضَاءِ الْفَصْلُ بَيْنَ الْمُتَخَاصِمَيْنِ ، فَإِذَا فَعَلَهُ بِنَفْسِهِ أَوْ بِغَيْرِهِ ، جَازَ ، كَمَا لَوْ أَذِنَ لَهُ ، وَيُفَارِقُ التَّوْكِيلَ ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ يُوَلِّي الْقَضَاءَ لِلْمُسْلِمِينَ ، لَا لِنَفْسِهِ ، بِخِلَافِ التَّوْكِيلِ ، فَإِنْ اسْتَخْلَفَ فِي مَوْضِعٍ لَيْسَ لَهُ","part":23,"page":75},{"id":11075,"text":"الِاسْتِخْلَافُ ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ مَنْ لَمْ يُوَلِّ .","part":23,"page":76},{"id":11076,"text":"( 8292 ) فَصْلٌ : وَيَجُوزُ أَنْ يُوَلِّيَ قَاضِيًا عُمُومَ النَّظَرِ فِي خُصُوصِ الْعَمَلِ ، فَيُقَلِّدَهُ النَّظَرَ فِي جَمِيعِ الْأَحْكَامِ فِي بَلَدٍ بِعَيْنِهِ ، فَيَنْفُذَ حُكْمَهُ فِيمَنْ سَكَنَهُ ، وَمَنْ أَتَى إلَيْهِ مِنْ غَيْرِ سُكَّانِهِ .\rوَيَجُوزُ أَنْ يُقَلِّدَهُ خُصُوصَ النَّظَرِ فِي عُمُومِ الْعَمَلِ ، فَيَقُولَ : جَعَلْت إلَيْك الْحُكْمَ فِي الْمُدَايَنَاتِ خَاصَّةً ، فِي جَمِيعِ وِلَايَتِي .\rوَيَجُوزُ أَنْ يَجْعَلَ حُكْمَهُ فِي قَدْرٍ مِنْ الْمَالِ ، نَحْوَ أَنْ يَقُولَ : اُحْكُمْ فِي الْمِائَةِ فَمَا دُونَهَا .\rفَلَا يَنْفُذُ حُكْمُهُ فِي أَكْثَرَ مِنْهَا .\rوَيَجُوزُ أَنْ يُوَلِّيَهُ عُمُومَ النَّظَرِ فِي عُمُومِ الْعَمَلِ ، وَخُصُوصَ النَّظَرِ فِي خُصُوصِ الْعَمَلِ .\rوَيَجُوزُ أَنْ يُوَلِّيَ قَاضِيَيْنِ وَثَلَاثَةً فِي بَلَدٍ وَاحِدٍ ، يَجْعَلُ لِكُلِّ وَاحِدٍ عَمَلًا ، فَيُوَلِّيَ أَحَدَهُمْ عُقُودَ الْأَنْكِحَةِ ، وَالْآخَرَ الْحُكْمَ فِي الْمُدَايَنَاتِ ، وَآخَرَ النَّظَرَ فِي الْعَقَارِ .\rوَيَجُوزُ أَنْ يُوَلِّيَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عُمُومَ النَّظَرِ فِي نَاحِيَةٍ مِنْ نَوَاحِي الْبَلَدِ ، فَإِنْ قَلَّدَ قَاضِيَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ عَمَلًا وَاحِدًا ، فِي مَكَان وَاحِدٍ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، لَا يَجُوزُ .\rاخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ ، وَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى إيقَافِ الْحُكْمِ وَالْخُصُومَاتِ ، لِأَنَّهُمَا يَخْتَلِفَانِ فِي الِاجْتِهَادِ ، وَيَرَى أَحَدُهُمَا مَا لَا يَرَى الْآخَرُ .\rوَالْآخَرُ ، يَجُوزُ ذَلِكَ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ .\rوَهُوَ أَصَحُّ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَسْتَخْلِفَ فِي الْبَلْدَةِ الَّتِي هُوَ فِيهَا ، فَيَكُونَ فِيهَا قَاضِيَانِ ، فَجَازَ أَنْ يَكُونَ فِيهَا قَاضِيَانِ أَصْلِيَّانِ ، وَلِأَنَّ الْغَرَضَ فَصْلُ الْخُصُومَاتِ ، وَإِيصَالُ الْحَقِّ إلَى مُسْتَحِقِّهِ ، وَهَذَا يَحْصُلُ ، فَأَشْبَهَ الْقَاضِيَ .\rوَلِأَنَّهُ يَجُوزُ لِلْقَاضِي أَنْ يَسْتَخْلِفَ خَلِيفَتَيْنِ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ ، فَالْإِمَامُ أَوْلَى ، لِأَنَّ تَوْلِيَتَهُ أَقْوَى .\rوَقَوْلُهُمْ : يُفْضِي إلَى إيقَافِ الْحُكُومَاتِ .","part":23,"page":77},{"id":11077,"text":"غَيْرُ صَحِيحٍ ؛ فَإِنَّ كُلَّ حَاكِمٍ يَحْكُمُ بِاجْتِهَادِهِ بَيْنَ الْمُتَخَاصِمَيْنِ إلَيْهِ ، وَلَيْسَ لِلْآخَرِ الِاعْتِرَاضُ عَلَيْهِ ، وَلَا نَقْضُ حُكْمِهِ فِيمَا خَالَفَ اجْتِهَادَهُ .","part":23,"page":78},{"id":11078,"text":"( 8293 ) فَصْلٌ : وَإِذَا قَالَ الْإِمَامُ : مَنْ نَظَرَ فِي الْحُكْمِ مِنْ فُلَانٍ وَفُلَانٍ ، فَقَدْ وَلَّيْته .\rلَمْ تَنْعَقِدْ الْوِلَايَةُ لِمَنْ نَظَرَ ؛ لِأَنَّهُ عَلَّقَهَا عَلَى شَرْطٍ ، وَلَمْ يُعَيِّنْ بِالْوِلَايَةِ أَحَدًا مِنْهُمْ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ تَنْعَقِدَ الْوِلَايَةُ لِمَنْ نَظَرَ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { أَمِيرُكُمْ زَيْدٌ ، فَإِنْ قُتِلَ فَأَمِيرُكُمْ جَعْفَرٌ ، فَإِنْ قُتِلَ فَأَمِيرُكُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ } .\rفَعَلَّقَ وِلَايَةَ الْإِمَارَةِ عَلَى شَرْطٍ ، فَكَذَلِكَ وِلَايَةُ الْحُكْمِ .\rوَإِنْ قَالَ : وَلَّيْت فُلَانًا وَفُلَانًا ، فَأَيُّهُمَا نَظَرَ فَهُوَ خَلِيفَتِي .\rانْعَقَدَتْ الْوِلَايَةُ لِمَنْ نَظَرَ مِنْهُمْ ؛ لِأَنَّهُ عَقَدَ الْوِلَايَةَ لَهُمَا جَمِيعًا .","part":23,"page":79},{"id":11079,"text":"( 8294 ) فَصْلٌ : وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَلِّدَ الْقَضَاءَ لِوَاحِدٍ عَلَى أَنْ يَحْكُمَ بِمَذْهَبٍ بِعَيْنِهِ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rوَلَمْ أَعْلَمْ فِيهِ خِلَافًا ؛ لِأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى قَالَ : { فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ } .\rوَالْحَقُّ لَا يَتَعَيَّنُ فِي مَذْهَبٍ ، وَقَدْ يَظْهَرُ لَهُ الْحَقُّ فِي غَيْرِ ذَلِكَ الْمَذْهَبِ .\rفَإِنْ قَلَّدَهُ عَلَى هَذَا الشَّرْطِ ، بَطَلَ الشَّرْطُ ، وَفِي فَسَادِ التَّوْلِيَةِ وَجْهَانِ ، بِنَاءً عَلَى الشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ فِي الْبَيْعِ .","part":23,"page":80},{"id":11080,"text":"( 8295 ) فَصْلٌ : وَإِنْ فَوَّضَ الْإِمَامُ إلَى إنْسَانٍ تَوْلِيَةَ الْقَضَاءِ جَازَ ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَتَوَلَّى ذَلِكَ ، فَجَازَ لَهُ التَّوْكِيلُ فِيهِ ، كَالْبَيْعِ .\rوَإِنْ فَوَّضَ إلَيْهِ اخْتِيَارَ قَاضٍ ، جَازَ ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ اخْتِيَارُ نَفْسِهِ ، وَلَا وَالِدِهِ ، وَلَا وَلَدِهِ ، كَمَا لَوْ وَكَّلَهُ فِي الصَّدَقَةِ بِمَالٍ ، لَمْ يَجُزْ لَهُ أَخْذُهُ ، وَلَا دَفْعُهُ إلَى هَذَيْنِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ يَجُوزَ لَهُ اخْتِيَارُهُمَا ، إذَا كَانَا صَالِحَيْنِ لِلْوِلَايَةِ ؛ لِأَنَّهُمَا يَدْخُلَانِ فِي عُمُومِ مَنْ أَذِنَ لَهُ فِي الِاخْتِيَارِ مِنْهُ ، مَعَ أَهْلِيَّتِهِمَا ، فَأَشْبَهَا الْأَجَانِبَ .","part":23,"page":81},{"id":11081,"text":"( 8296 ) فَصْلٌ : وَلَيْسَ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَحْكُمَ لِنَفْسِهِ ، كَمَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَشْهَدَ لِنَفْسِهِ ، فَإِنْ عَرَضَتْ لَهُ حُكُومَةٌ مَعَ بَعْضِ النَّاسِ ، جَازَ أَنْ يُحَاكِمَهُ إلَى بَعْضِ خُلَفَائِهِ ، أَوْ بَعْضِ رَعِيَّتِهِ ؛ فَإِنَّ عُمَرَ حَاكَمَ أُبَيًّا إلَى زَيْدٍ ، وَحَاكَمَ رَجُلًا عِرَاقِيًّا إلَى شُرَيْحٍ ، وَحَاكَمَ عَلِيٌّ الْيَهُودِيَّ إلَى شُرَيْحٍ ، وَحَاكَمَ عُثْمَانُ طَلْحَةَ إلَى جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ، فَإِنْ عَرَضَتْ حُكُومَةٌ لِوَالِدَيْهِ ، أَوْ وَلَدِهِ ، أَوْ مَنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لَهُ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، لَا يَجُوزُ لَهُ الْحُكْمُ فِيهَا بِنَفْسِهِ ، وَإِنْ حَكَمَ ، لَمْ يَنْفُذْ حُكْمُهُ .\rوَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لَهُ ، فَلَمْ يَنْفُذْ حُكْمُهُ لَهُ كَنَفْسِهِ .\rوَالثَّانِي ، يَنْفُذُ حُكْمُهُ .\rاخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ؛ لِأَنَّهُ حُكْمٌ لِغَيْرِهِ ، أَشْبَهَ الْأَجَانِبَ .\rوَعَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ ، مَتَى عَرَضَتْ لِهَؤُلَاءِ حُكُومَةٌ ، حَكَمَ بَيْنَهُمْ الْإِمَامُ ، أَوْ حَاكِمٌ آخَرُ ، أَوْ بَعْضُ خُلَفَائِهِ ، فَإِنْ كَانَتْ الْخُصُومَةُ بَيْنَ وَالِدَيْهِ ، أَوْ وَلَدَيْهِ ، أَوْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ ، لَمْ يَجُزْ لَهُ الْحُكْمُ بَيْنَهُمَا ، عَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ ، فَلَمْ يَجُزْ الْحُكْمُ بَيْنَهُمَا ، كَمَا لَوْ كَانَ خَصْمُهُ أَجْنَبِيًّا .\rوَفِي الْآخَرِ ، يَجُوزُ .\rوَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُمَا سَوَاءٌ عِنْدَهُ ، فَارْتَفَعَتْ تُهْمَةُ الْمَيْلِ ، فَأَشْبَهَا الْأَجْنَبِيَّيْنِ .","part":23,"page":82},{"id":11082,"text":"( 8297 ) فَصْلٌ : وَإِذَا تَحَاكَمَ رَجُلَانِ إلَى رَجُلٍ حَكَّمَاهُ بَيْنَهُمَا وَرَضِيَاهُ ، وَكَانَ مِمَّنْ يَصْلُحُ لِلْقَضَاءِ ، فَحَكَمَ بَيْنَهُمَا ، جَازَ ذَلِكَ ، وَنَفَذَ حُكْمُهُ عَلَيْهِمَا .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ .\rوَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، لَا يَلْزَمُهُمَا حُكْمُهُ إلَّا بِتَرَاضِيهِمَا ؛ لِأَنَّ حُكْمَهُ إنَّمَا يَلْزَمُ بِالرِّضَا بِهِ ، وَلَا يَكُونُ الرِّضَا إلَّا بَعْدَ الْمَعْرِفَةِ بِحُكْمِهِ .\rوَلَنَا مَا رَوَى أَبُو شُرَيْحٍ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ : { إنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَكَمُ ، فَلِمَ تُكَنَّى أَبَا الْحَكَمِ ؟ قَالَ : إنَّ قَوْمِي إذَا اخْتَلَفُوا فِي شَيْءٍ أَتَوْنِي ، فَحَكَمْت بَيْنَهُمْ ، وَرَضِيَ عَلَيَّ الْفَرِيقَانِ .\rقَالَ : مَا أَحْسَنَ هَذَا ، فَمَنْ أَكْبَرُ وَلَدِك } ؟ قَالَ : شُرَيْحٌ .\rقَالَ : \" فَأَنْتَ أَبُو شُرَيْحٍ \" .\rأَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ .\rوَرُوِيَ عَنْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { مَنْ حَكَمَ بَيْنَ اثْنَيْنِ تَرَاضَيَا بِهِ ، فَلَمْ يَعْدِلْ بَيْنَهُمَا ، فَهُوَ مَلْعُونٌ } .\rوَلَوْلَا أَنَّ حُكْمَهُ يَلْزَمُهُمَا ، لَمَا لَحِقَهُ هَذَا الذَّمُّ ، وَلِأَنَّ عُمَرَ وَأُبَيًّا تَحَاكَمَا إلَى زَيْدٍ ، وَحَاكَمَ عُمَرُ أَعْرَابِيًّا إلَى شُرَيْحٍ قَبْلَ أَنْ يُوَلِّيَهُ ، وَتَحَاكَمَ عُثْمَانُ وَطَلْحَةُ إلَى جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ، وَلَمْ يَكُونُوا قُضَاةً .\rفَإِنْ قِيلَ : فَعُمَرُ وَعُثْمَانُ كَانَا إمَامَيْنِ ، فَإِذَا رَدَّا الْحُكْمَ إلَى رَجُلٍ صَارَ قَاضِيًا .\rقُلْنَا : لَمْ يُنْقَلْ عَنْهُمَا إلَّا الرِّضَا بِتَحْكِيمِهِ خَاصَّةً ، وَبِهَذَا لَا يَصِيرُ قَاضِيًا ، وَمَا ذَكَرُوهُ يَبْطُلُ بِمَا إذَا رَضِيَ بِتَصَرُّفِ وَكِيلِهِ ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ قَبْلَ الْمَعْرِفَةِ بِهِ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ نَقْضُ حُكْمِهِ فِيمَا لَا يُنْقَضُ بِهِ حُكْمُ مَنْ لَهُ وِلَايَةٌ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لِلْحَاكِمِ نَقْضُهُ إذَا خَالَفَ رَأْيَهُ ؛ لِأَنَّ هَذَا عَقْدٌ فِي حَقِّ الْحَاكِمِ ، فَمَلَكَ فَسْخَهُ ، كَالْعَقْدِ الْمَوْقُوفِ فِي حَقِّهِ .\rوَلَنَا ،","part":23,"page":83},{"id":11083,"text":"أَنَّ هَذَا حُكْمٌ صَحِيحٌ لَازِمٌ ، فَلَمْ يَجُزْ فَسْخُهُ لِمُخَالَفَتِهِ رَأْيَهُ ، كَحُكْمِ مَنْ لَهُ وِلَايَةٌ ، وَمَا ذَكَرُوهُ غَيْرُ صَحِيحٍ ، فَإِنَّ حُكْمَهُ لَازِمٌ لِلْخَصْمَيْنِ ، فَكَيْفَ يَكُونُ مَوْقُوفًا ؟ وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ ، لَمَلَكَ فَسْخَهُ ، وَإِنْ لَمْ يُخَالِفْ رَأْيَهُ ، وَلَا نُسَلِّمُ الْوُقُوفَ فِي الْعُقُودِ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْخَصْمَيْنِ الرُّجُوعَ عَنْ تَحْكِيمِهِ قَبْلَ شُرُوعِهِ فِي الْحُكْمِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِرِضَاهُ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ رَجَعَ عَنْ التَّوْكِيلِ قَبْلَ التَّصَرُّفِ .\rوَإِنْ رَجَعَ بَعْدَ شُرُوعِهِ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، لَهُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ لَمْ يَتِمَّ ، أَشْبَهَ قَبْلَ الشُّرُوعِ .\rوَالثَّانِي ، لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إذَا رَأَى مِنْ الْحُكْمِ مَا لَا يُوَافِقُهُ ، رَجَعَ ، فَيَبْطُلُ الْمَقْصُودُ بِهِ .\r( 8298 ) فَصْلٌ : قَالَ الْقَاضِي : وَيَنْفُذُ حُكْمُ مَنْ حَكَّمَاهُ فِي جَمِيعِ الْأَحْكَامِ إلَّا أَرْبَعَةَ أَشْيَاءَ ؛ النِّكَاحُ ، وَاللِّعَانُ ، وَالْقَذْفُ ، وَالْقِصَاصُ ؛ لِأَنَّ لِهَذِهِ الْأَحْكَامِ مَزِيَّةً عَلَى غَيْرِهَا ، فَاخْتَصَّ الْإِمَامُ بِالنَّظَرِ فِيهَا ، وَنَائِبُهُ يَقُومُ مَقَامَهُ .\rوَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ ، أَنَّهُ يَنْفُذُ حُكْمُهُ فِيهَا .\rوَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَجْهَانِ ، كَهَذَيْنِ .\rوَإِذَا كَتَبَ هَذَا الْقَاضِي بِمَا حَكَمَ بِهِ كِتَابًا إلَى قَاضٍ مِنْ قُضَاةِ الْمُسْلِمِينَ ، لَزِمَهُ قَبُولُهُ ، وَتَنْفِيذُ كِتَابِهِ ؛ لِأَنَّهُ حَاكِمٌ نَافِذُ الْأَحْكَامِ ، فَلَزِمَ قَبُولُ كِتَابِهِ ، كَحَاكِمِ الْإِمَامِ .","part":23,"page":84},{"id":11084,"text":"مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : وَيَحْكُمُ عَلَى الْغَائِبِ ، إذَا صَحَّ الْحَقُّ عَلَيْهِ وَجُمْلَتُهُ أَنَّ مَنْ ادَّعَى حَقًّا عَلَى غَائِبٍ فِي بَلَدٍ آخَرَ ، وَطَلَبَ مِنْ الْحَاكِمِ سَمَاعَ الْبَيِّنَةِ ، وَالْحُكْمَ بِهَا عَلَيْهِ ، فَعَلَى الْحَاكِمِ إجَابَتُهُ ، إذَا كَمُلَتْ الشَّرَائِطُ .\rوَبِهَذَا قَالَ ابْنُ شُبْرُمَةُ وَمَالِكٌ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَاللَّيْثُ ، وَسَوَّارٌ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ ، وَإِسْحَاقُ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ .\rوَكَانَ شُرَيْحٌ لَا يَرَى الْقَضَاءَ عَلَى الْغَائِبِ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ مِثْلُهُ .\rوَبِهِ قَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ الْقَاسِمِ ، وَالشَّعْبِيِّ إلَّا أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ : إذَا كَانَ لَهُ خَصْمٌ حَاضِرٌ ، مِنْ وَكِيلٍ أَوْ شَفِيعٍ ، جَازَ الْحُكْمُ عَلَيْهِ .\rوَاحْتَجُّوا بِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ لِعَلِيٍّ : { إذَا تَقَاضَى إلَيْك رَجُلَانِ ، فَلَا تَقْضِ لِلْأَوَّلِ حَتَّى تَسْمَعَ كَلَامَ الْآخَرِ ، فَإِنَّك تَدْرِي بِمَا تَقْضِي } .\rقَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ .\rوَلِأَنَّهُ قَضَاءٌ لِأَحَدِ الْخَصْمَيْنِ وَحْدَهُ ، فَلَمْ يَجُزْ ، كَمَا لَوْ كَانَ الْآخَرُ فِي الْبَلَدِ ، وَلِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِلْغَائِبِ مَا يُبْطِلُ الْبَيِّنَةَ ، وَيَقْدَحُ فِيهَا ، فَلَمْ يَجُزْ الْحُكْمُ عَلَيْهِ .\rوَلَنَا ، { أَنَّ هِنْدًا قَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ ، وَلَيْسَ يُعْطِينِي مَا يَكْفِينِي وَوَلَدِي ؟ قَالَ : خُذِي مَا يَكْفِيك وَوَلَدَك بِالْمَعْرُوفِ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ، فَقَضَى لَهَا ، وَلَمْ يَكُنْ حَاضِرًا ، وَلِأَنَّ هَذَا لَهُ بَيِّنَةٌ مَسْمُوعَةٌ عَادِلَةٌ ، فَجَازَ الْحُكْمُ بِهَا .\rكَمَا لَوْ كَانَ الْخَصْمُ حَاضِرًا ، وَقَدْ وَافَقَنَا أَبُو حَنِيفَةَ فِي سَمَاعِ الْبَيِّنَةِ ، وَلِأَنَّ مَا تَأَخَّرَ عَنْ سُؤَالِ الْمُدَّعِي إذَا كَانَ حَاضِرًا ، يُقَدَّمُ عَلَيْهِ إذَا كَانَ غَائِبًا ، كَسَمَاعِ الْبَيِّنَةِ .\rوَأَمَّا حَدِيثُهُمْ ، فَنَقُولُ بِهِ إذَا تَقَاضَى إلَيْهِ رَجُلَانِ ، لَمْ يَجُزْ الْحُكْمُ قَبْلَ سَمَاعِ","part":23,"page":85},{"id":11085,"text":"كَلَامِهِمَا ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَا حَاضِرَيْنِ ، وَيُفَارِقُ الْحَاضِرُ الْغَائِبَ ، فَإِنَّ الْبَيِّنَةَ لَا تُسْمَعُ عَلَى حَاضِرٍ إلَّا بِحَضْرَتِهِ ، وَالْغَائِبُ بِخِلَافِهِ .\rوَقَدْ نَاقَضَ أَبُو حَنِيفَةَ أَصْلَهُ ، فَقَالَ : إذَا جَاءَتْ امْرَأَةٌ فَادَّعَتْ أَنَّ لَهَا زَوْجًا غَائِبًا ، وَلَهُ مَالٌ فِي يَدِ رَجُلٍ ، وَتَحْتَاجُ إلَى النَّفَقَةِ ، فَاعْتَرَفَ لَهَا بِذَلِكَ ، فَإِنَّ الْحَاكِمَ يَقْضِي عَلَيْهِ بِالنَّفَقَةِ ، وَلَوْ ادَّعَى رَجُلٌ عَلَى حَاضِرٍ ، أَنَّهُ اشْتَرَى مِنْ غَائِبٍ مَا فِيهِ شُفْعَةٌ ، وَأَقَامَ بَيِّنَةً بِذَلِكَ ، حَكَمَ لَهُ بِالْبَيْعِ وَالْأَخْذِ بِالشُّفْعَةِ ، وَلَوْ مَاتَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ، فَحَضَرَ بَعْضُ وَرَثَتِهِ ، أَوْ حَضَرَ وَكِيلُ الْغَائِبِ ، وَأَقَامَ الْمُدَّعِي بَيِّنَةً بِذَلِكَ ، حَكَمَ لَهُ بِمَا ادَّعَاهُ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّهُ إنْ قَدِمَ الْغَائِبُ قَبْلَ الْحُكْمِ ، وَقَفَ الْحُكْمُ عَلَى حُضُورِهِ ، فَإِنْ جَرَّحَ الشُّهُودَ ، لَمْ يَحْكُمْ عَلَيْهِ ، وَإِنْ اسْتَنْظَرَ الْحَاكِمَ ، أَجَّلَهُ ثَلَاثًا ، فَإِنْ جَرَّحَهُمْ ، وَإِلَّا حَكَمَ عَلَيْهِ .\rوَإِنْ ادَّعَى الْقَضَاءَ أَوْ الْإِبْرَاءَ ، فَكَانَتْ لَهُ بَيِّنَةٌ بَرِئَ ، وَإِلَّا حَلَفَ الْمُدَّعِي ، وَحَكَمَ لَهُ ، وَإِنْ قَدِمَ بَعْدَ الْحُكْمِ ، فَجَرَّحَ الشُّهُودَ بِأَمْرٍ كَانَ قَبْلَ الشَّهَادَةِ ، بَطَلَ الْحُكْمُ ، وَإِنْ جَرَّحَهُمْ بِأَمْرٍ بَعْدَ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ أَوْ مُطْلَقًا ، لَمْ يَبْطُلْ الْحُكْمُ ، وَلَمْ يَقْبَلْهُ الْحَاكِمُ ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ الْحُكْمِ ، فَلَا يَقْدَحُ فِيهِ .\rوَإِنْ طَلَبَ التَّأْجِيلَ ، أُجِّلَ ثَلَاثًا ، فَإِنْ جَرَّحَهُمْ ، وَإِلَّا نَفَذَ الْحُكْمُ .\rوَإِنْ ادَّعَى الْقَضَاءَ ، أَوْ الْإِبْرَاءَ ، فَكَانَتْ لَهُ بِهِ بَيِّنَةٌ وَإِلَّا حَلَفَ الْآخَرُ ، وَنَفَذَ الْحُكْمُ .","part":23,"page":86},{"id":11086,"text":"( 8300 ) فَصْلٌ : وَلَا يَقْضِي عَلَى الْغَائِبِ إلَّا فِي حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ ، فَأَمَّا فِي الْحُدُودِ الَّتِي لِلَّهِ تَعَالَى ، فَلَا يَقْضِي بِهَا عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ مَبْنَاهَا عَلَى الْمُسَاهَلَةِ وَالْإِسْقَاطِ ، فَإِنْ قَامَتْ بَيِّنَةٌ عَلَى غَائِبٍ بِسَرِقَةِ مَالٍ ، حُكِمَ بِالْمَالِ دُونَ الْقَطْعِ .","part":23,"page":87},{"id":11087,"text":"( 8301 ) فَصْلٌ : وَإِذَا قَامَتْ الْبَيِّنَةُ عَلَى غَائِبٍ ، أَوْ غَيْرِ مُكَلَّفٍ ، كَالصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ ، لَمْ يَسْتَحْلِفْ الْمُدَّعِي مَعَ بَيِّنَتِهِ ، فِي أَشْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي ، وَالْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ } .\rوَلِأَنَّهَا بَيِّنَةٌ عَادِلَةٌ ، فَلَمْ تَجِبْ الْيَمِينُ مَعَهَا ، كَمَا لَوْ كَانَتْ عَلَى حَاضِرٍ .\rوَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ ، يَسْتَحْلِفْ مَعَهَا .\rوَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اسْتَوْفَى مَا قَامَتْ بِهِ الْبَيِّنَةُ ، أَوْ مَلَّكَهُ الْعَيْنَ الَّتِي قَامَتْ بِهَا الْبَيِّنَةُ ، وَلَوْ كَانَ حَاضِرًا فَادَّعَى ذَلِكَ ، لَوَجَبَتْ الْيَمِينُ ، فَإِذَا تَعَذَّرَ ذَلِكَ مِنْهُ لِغَيْبَتِهِ ، أَوْ عَدَمِ تَكْلِيفِهِ ، يَجِبُ أَنْ يَقُومَ الْحَاكِمُ مَقَامَهُ فِيمَا يُمْكِنُ دَعْوَاهُ ، وَلِأَنَّ الْحَاكِمَ مَأْمُورٌ بِالِاحْتِيَاطِ فِي حَقِّ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ وَالْغَائِبِ ، لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ لَا يُعَبِّرُ عَنْ نَفْسِهِ ، وَهَذَا مِنْ الِاحْتِيَاطِ .","part":23,"page":88},{"id":11088,"text":"( 8302 ) فَصْلٌ : ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ ، أَنَّهُ إذَا قُضِيَ عَلَى الْغَائِبِ بِعَيْنٍ ، سُلِّمَتْ إلَى الْمُدَّعِي ، وَإِنْ قُضِيَ عَلَيْهِ بِدَيْنٍ ، وَوُجِدَ لَهُ مَالٌ ، وُفِّيَ مِنْهُ ؛ فَإِنَّهُ قَالَ ، فِي رِوَايَةِ حَرْبٍ ، فِي رَجُلٍ أَقَامَ بَيِّنَةً أَنَّ لَهُ سَهْمًا مِنْ ضَيْعَةٍ فِي أَيْدِي قَوْمٍ ، فَتَوَارَوْا عَنْهُ : يُقْسَمُ عَلَيْهِمْ ، شَهِدُوا أَوْ غَابُوا ، وَيُدْفَعُ إلَى هَذَا حَقُّهُ .\rلِأَنَّهُ يَثْبُت حَقُّهُ بِالْبَيِّنَةِ ، فَيُسَلَّمُ إلَيْهِ ، كَمَا لَوْ كَانَ خَصْمُهُ حَاضِرًا .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يُدْفَعَ إلَيْهِ شَيْءٌ حَتَّى يُقِيمَ كَفِيلًا أَنَّهُ مَتَى حَضَرَ خَصْمُهُ ، وَأَبْطَلَ دَعْوَاهُ ، فَعَلَيْهِ ضَمَانُ مَا أَخَذَهُ ، لِئَلَّا يَأْخُذَ الْمُدَّعِي مَا حُكِمَ لَهُ بِهِ ، ثُمَّ يَأْتِيَ خَصْمُهُ ، فَيُبْطِلَ حُجَّتَهُ ، أَوْ يُقِيمَ بَيِّنَةً بِالْقَضَاءِ وَالْإِبْرَاءِ ، أَوْ تُمْلَكَ الْعَيْنُ الَّتِي قَامَتْ بِهَا الْبَيِّنَةُ بَعْدَ ذَهَابِ الْمُدَّعِي وَغَيْبَتِهِ أَوْ مَوْتِهِ ، فَيَضِيعَ مَالُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ .\rوَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ الْأَوَّلَ ؛ فَإِنَّهُ قَالَ فِي رَجُلٍ عِنْدَهُ دَابَّةٌ مَسْرُوقَةٌ ، فَقَالَ : هِيَ عِنْدِي وَدِيعَةٌ : إذَا أُقِيمَتْ الْبَيِّنَةُ أَنَّهَا لَهُ ، تُدْفَعُ إلَى الَّذِي أَقَامَ الْبَيِّنَةَ ، حَتَّى يَجِيءَ صَاحِبُ الْوَدِيعَةِ فَيُثْبِتَ .","part":23,"page":89},{"id":11089,"text":"( 8303 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا الْحَاضِرُ فِي الْبَلَدِ ، أَوْ قَرِيبٌ مِنْهُ ، إذَا لَمْ يُمْنَعْ مِنْ الْحُضُورِ ، فَلَا يُقْضَى عَلَيْهِ قَبْلَ حُضُورِهِ .\rفِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ ، فِي وَجْهٍ لَهُمْ : إنَّهُ يُقْضَى عَلَيْهِ فِي غَيْبَتِهِ ؛ لِأَنَّهُ غَائِبٌ ، أَشْبَهَ الْغَائِبَ عَنْ الْبَلَدِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ أَمْكَنَ سُؤَالُهُ ، فَلَمْ يَجُزْ الْحُكْمُ عَلَيْهِ قَبْلَ سُؤَالِهِ ، كَحَاضِرِ مَجْلِسِ الْحَاكِمِ ، وَيُفَارِقُ الْغَائِبَ الْبَعِيدَ ؛ فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُ سُؤَالُهُ ، فَإِنْ امْتَنَعَ مِنْ الْحُضُورِ ، أَوْ تَوَارَى ، فَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ ، جَوَازُ الْقَضَاءِ عَلَيْهِ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا عَنْهُ فِي رِوَايَةِ حَرْبٍ .\rوَرَوَى عَنْهُ أَبُو طَالِبٍ ، فِي رَجُلٍ وَجَدَ غُلَامَهُ عِنْدَ رَجُلٍ ، فَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ غُلَامُهُ ، فَقَالَ الَّذِي عِنْدَهُ الْغُلَامُ : أَوْدَعَنِي هَذَا رَجُلٌ .\rفَقَالَ أَحْمَدُ : أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَقْضُونَ عَلَى الْغَائِبِ ، يَقُولُونَ : إنَّهُ لِهَذَا الَّذِي أَقَامَ الْبَيِّنَةَ .\rوَهُوَ مَذْهَبٌ حَسَنٌ ، وَأَهْلُ الْبَصْرَةِ يَقْضُونَ عَلَى غَائِبٍ ، يُسَمُّونَهُ الْإِعْذَارَ .\rوَهُوَ إذَا ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ أَلْفًا ، وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ ، فَاخْتَفَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ، يُرْسَلُ إلَى بَابِهِ ، فَيُنَادِي الرَّسُولُ ثَلَاثًا ، فَإِنْ جَاءَ ، وَإِلَّا قَدْ أَعْذَرُوا إلَيْهِ .\rفَهَذَا يُقَوِّي قَوْلَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ، وَهُوَ مَعْنَى حَسَنٌ .\rوَقَدْ ذَكَرَ الشَّرِيفُ أَبُو جَعْفَرٍ ، وَأَبُو الْخَطَّابِ ، أَنَّهُ يَقْضِي عَلَى الْغَائِبِ الْمُمْتَنِعِ .\rوَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ حُضُورُهُ وَسُؤَالُهُ ، فَجَازَ الْقَضَاءُ عَلَيْهِ ، كَالْغَائِبِ الْبَعِيدِ ، بَلْ هَذَا أَوْلَى ؛ لِأَنَّ الْبَعِيدَ مَعْذُورٌ ، وَهَذَا لَا عُذْرَ لَهُ .\rوَقَدْ ذَكَرْنَا فِيمَا تَقَدَّمَ شَيْئًا مِنْ هَذَا .","part":23,"page":90},{"id":11090,"text":"كِتَابُ الْقِسْمَة الْأَصْلُ فِي الْقِسْمَةِ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ } وقَوْله تَعَالَى : { وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبَى } الْآيَةَ .\rوَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الشُّفْعَةُ فِيمَا لَمْ يُقْسَمْ ، فَإِذَا وَقَعَتْ الْحُدُودُ ، وَصُرِفَتْ الطُّرُقُ ، فَلَا شُفْعَةَ } .\rوَقَسَّمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَيْبَرَ عَلَى ثَمَانِيَةَ عَشَرَ سَهْمًا ، وَكَانَ يَقْسِمُ الْغَنَائِمَ .\rوَأَجْمَعْت الْأُمَّةُ عَلَى جَوَازِ الْقِسْمَةِ ، وَلِأَنَّ بِالنَّاسِ حَاجَةً إلَى الْقِسْمَةِ ؛ لِيَتَمَكَّنَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الشُّرَكَاءِ مِنْ التَّصَرُّفِ عَلَى إيثَارِهِ ، وَيَتَخَلَّصَ مِنْ سُوءِ الْمُشَارَكَةِ وَكَثْرَةِ الْأَيْدِي .","part":23,"page":91},{"id":11091,"text":"( 8304 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : وَإِذَا أَتَاهُ شَرِيكَانِ فِي رَبْعٍ أَوْ نَحْوِهِ ، فَسَأَلَاهُ أَنْ يَقْسِمَهُ بَيْنَهُمَا ، قَسَمَهُ ، وَأَثْبَتَ فِي الْقَضِيَّةِ بِذَلِكَ ، أَنَّ قَسْمَهُ إيَّاهُ بَيْنَهُمَا كَانَ عَنْ إقْرَارِهِمَا ، لَا عَنْ بَيِّنَةٍ شَهِدَتْ لَهُمَا بِمِلْكِهِمَا إذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّ الشَّرِيكَيْنِ فِي أَيِّ شَيْءٍ كَانَ ، رَبْعًا أَوْ غَيْرَهُ - وَالرَّبْعُ : هُوَ الْعَقَارُ مِنْ الدُّورِ وَنَحْوِهَا إذَا طَلَبَا مِنْ الْحَاكِمِ أَنْ يَقْسِمَهُ بَيْنَهُمَا ، أَجَابَهُمَا إلَيْهِ ، وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَهُ مِلْكُهُمَا .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إنْ كَانَ عَقَارًا نَسَبُوهُ إلَى مِيرَاثٍ ، لَمْ يَقْسِمْهُ حَتَّى يَثْبُتَ الْمَوْتُ وَالْوَرَثَةُ ؛ لِأَنَّ الْمِيرَاثَ بَاقٍ عَلَى حُكْمِ مِلْكِ الْمَيِّتِ ، فَلَا يَقْسِمُهُ احْتِيَاطًا لِلْمَيِّتِ ، وَأَمَّا مَا عَدَا الْعَقَارَ يَقْسِمُهُ ، وَإِنْ كَانَ مِيرَاثًا ؛ لِأَنَّهُ يَبُورُ وَيَهْلَكُ ، وَقِسْمَتُهُ تَحْفَظُهُ ، وَكَذَلِكَ الْعَقَارُ الَّذِي لَا يُنْسَبُ إلَى الْمِيرَاثِ .\rوَظَاهِرُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ ، أَنَّهُ لَا يُقْسَمُ ، عَقَارًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ ، مَا لَمْ يَثْبُتْ مِلْكُهُمَا ؛ لِأَنَّ قَسْمَهُ بِقَوْلِهِمْ لَوْ رُفِعَ بَعْدَ ذَلِكَ إلَى حَاكِمٍ آخَرَ يَسْتَسْهِلُهُ أَنْ يَجْعَلَهُ حَكَمًا لَهُمْ ، وَلَعَلَّهُ يَكُونُ لِغَيْرِهِمْ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الْيَدَ تَدُلُّ عَلَى الْمِلْكِ ، وَلَا مُنَازِعَ لَهُمْ ، فَيَثْبُتُ لَهُمْ مِنْ طَرِيقِ الظَّاهِرِ ، وَلِهَذَا يَجُوزُ لَهُمْ التَّصَرُّفُ ، وَيَجُوزُ شِرَاؤُهُ مِنْهُمْ ، وَاتِّهَابُهُ ، وَاسْتِئْجَارُهُ .\rوَمَا ذَكَرَهُ الشَّافِعِيُّ يَنْدَفِعُ إذَا ثَبَتَ فِي الْقَضِيَّةِ أَنِّي قَسَمْته بَيْنَهُمْ بِإِقْرَارِهِمْ ، لَا عَنْ بَيِّنَةٍ شَهِدَتْ لَهُمْ بِمِلْكِهِمْ ، وَكُلُّ ذِي حُجَّةٍ عَلَى حُجَّتِهِ .\rوَمَا ذَكَرَهُ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِلْكُهُمْ ، وَلَا حَقَّ لِلْمَيِّتِ فِيهِ ، إلَّا أَنْ يَظْهَرَ عَلَيْهِ دَيْنٌ ، وَمَا ظَهَرَ ، وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ ، وَلِهَذَا اكْتَفَيْنَا بِهِ فِي غَيْرِ الْعَقَارِ ، وَفِيمَا لَمْ يَنْسُبُوهُ إلَى","part":23,"page":92},{"id":11092,"text":"الْمِيرَاثِ .","part":23,"page":93},{"id":11093,"text":"( 8305 ) فَصْلٌ : وَتَجُوزُ قِسْمَةُ الْمَكِيلَاتِ وَالْمَوْزُونَاتِ ، مِنْ الْمَطْعُومَاتِ وَغَيْرِهَا ؛ لِأَنَّ جَوَازَ قِسْمَةِ الْأَرْضِ مَعَ اخْتِلَافِهَا ، يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ قِسْمَةِ مَا لَا يَخْتَلِفُ بِطَرِيقِ التَّنْبِيهِ .\rوَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الْحُبُوبُ ، وَالثِّمَارُ ، وَالنُّورَةُ ، وَالْأُشْنَانُ ، وَالْحَدِيدُ ، وَالرَّصَاصُ ، وَنَحْوُهَا مِنْ الْجَامِدَاتِ ، وَالْعَصِيرُ ، وَالْخَلُّ ، وَاللَّبَنُ ، وَالْعَسَلُ ، وَالسَّمْنُ ، وَالدِّبْسُ ، وَالزَّيْتُ ، وَالرُّبُّ وَنَحْوُهَا مِنْ الْمَائِعَاتِ ، وَسَوَاءٌ قُلْنَا : إنَّ الْقِسْمَةَ بَيْعٌ أَوْ إفْرَازُ حَقٍّ ؛ لِأَنَّ بَيْعَهُ جَائِزٌ ، وَإِفْرَازُهُ جَائِزٌ .\rفَإِنْ كَانَ فِيهَا أَنْوَاعٌ ، كَحِنْطَةٍ وَشَعِيرٍ ، وَتَمْرٍ وَزَبِيبٍ ، فَطَلَبَ أَحَدُهُمَا قَسْمَهَا كُلَّ نَوْعٍ عَلَى حِدَتِهِ ، أُجْبِرَ الْمُمْتَنِعُ ، وَإِنْ طَلَبَ قَسْمَهَا أَعْيَانًا بِالْقِيمَةِ ، لَمْ يُجْبَرْ الْمُمْتَنِعُ ؛ لِأَنَّ هَذَا بَيْعُ نَوْعٍ بِنَوْعٍ آخَرَ ، وَلَيْسَ بِقِسْمَةٍ ، فَلَمْ يُجْبَرْ عَلَيْهِ ، كَغَيْرِ الشَّرِيكِ .\rفَإِنْ تَرَاضَيَا عَلَيْهِ ، جَازَ .\rوَكَانَ بَيْعًا يُعْتَبَرُ فِيهِ التَّقَابُضُ قَبْلَ التَّفَرُّقِ ، فِيمَا يُعْتَبَرُ التَّقَابُضُ فِيهِ ، وَسَائِرُ شُرُوطِ الْبَيْعِ .","part":23,"page":94},{"id":11094,"text":"( 8306 ) فَصْلٌ : فَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا ثِيَابٌ ، أَوْ حَيَوَانٌ ، أَوْ أَوَانٍ ، أَوْ خَشَبٌ ، أَوْ عَمَدٌ ، أَوْ أَحْجَارٌ ، فَاتَّفَقَا عَلَى قِسْمَتِهَا ، جَازَ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَسَمَ الْغَنَائِمَ يَوْمَ بَدْرٍ ، وَيَوْمَ خَيْبَرَ ، وَهِيَ تَشْتَمِلُ عَلَى أَجْنَاسٍ مِنْ الْمَالِ ، وَسَوَاءٌ اتَّفَقَا عَلَى قِسْمَةِ كُلِّ جِنْسٍ بَيْنَهُمَا ، أَوْ عَلَى قِسْمَتِهَا أَعْيَانًا بِالْقِيمَةِ .\rوَإِنْ طَلَبَ أَحَدُهُمَا قِسْمَةَ كُلِّ نَوْعٍ عَلَى حِدَتِهِ ، وَطَلَبَ الْآخَرُ قِسْمَتَهُ أَعْيَانًا بِالْقِيمَةِ ، قُدِّمَ قَوْلُ مَنْ طَلَبَ قِسْمَةَ كُلِّ نَوْعٍ عَلَى حِدَتِهِ ، إذَا أَمْكَنَ .\rوَإِنْ طَلَبَ أَحَدُهُمَا الْقِسْمَةِ ، وَأَبَى الْآخَرُ ، وَكَانَ مِمَّا لَا يُمْكِنُ قِسْمَتُهُ إلَّا بِأَخْذِ عِوَضٍ عَنْهُ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ ، أَوْ قَطْعِ ثَوْبٍ فِي قَطْعِهِ نَقْصٌ ، أَوْ كَسْرِ إنَاءٍ ، أَوْ رَدِّ عِوَضٍ ، لَمْ يُجْبَرْ الْمُمْتَنِعُ .\rوَإِنْ أَمْكَنَ قِسْمَةُ كُلِّ نَوْعٍ عَلَى حِدَتِهِ ، مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ ، وَلَا رَدِّ عِوَضٍ ، فَقَالَ الْقَاضِي : يُجْبَرُ الْمُمْتَنِعُ .\rوَهُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الْخَطَّابِ : لَا أَعْرِفُ فِي هَذَا عَنْ إمَامِنَا رِوَايَةً ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يُجْبَرَ الْمُمْتَنِعُ .\rوَهُوَ قَوْلُ ابْنِ خَيْرَانَ ، مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ هَذَا إنَّمَا يُقْسَمُ أَعْيَانًا بِالْقِيمَةِ ، فَلَمْ يُجْبَرْ الْمُمْتَنِعُ عَلَيْهِ ، كَمَا لَا يُجْبَرُ عَلَى قِسْمَةِ الدُّورِ ، بِأَنْ يَأْخُذَ هَذَا دَارًا وَهَذَا دَارًا وَهَذَا دَارًا ، وَكَالْجِنْسَيْنِ الْمُخْتَلِفَيْنِ .\rوَوَجْهُ الْأَوَّلِ ، أَنَّ الْجِنْسَ الْوَاحِدَ كَالدَّارِ الْوَاحِدَةِ ، وَلَيْسَ اخْتِلَافُ الْجِنْسِ الْوَاحِدِ فِي الْقِيمَةِ بِأَكْثَرَ مِنْ اخْتِلَافِ قِيمَةِ الدَّارِ الْكَبِيرَةِ وَالْقَرْيَةِ الْعَظِيمَةِ ، فَإِنَّ أَرْضَ الْقَرْيَةِ تَخْتَلِفُ ، سِيَّمَا إذَا كَانَتْ ذَاتَ أَشْجَارٍ مُخْتَلِفَةٍ ، وَأَرَاضٍ مُتَنَوِّعَةٍ ، وَالدَّارُ ذَاتُ بُيُوتٍ وَاسِعَةٍ وَضَيِّقَةٍ ، وَحَدِيثَةٍ وَقَدِيمَةٍ ، ثُمَّ هَذَا الِاخْتِلَافُ لَمْ يَمْنَعْ الْإِجْبَارَ عَلَى","part":23,"page":95},{"id":11095,"text":"الْقِسْمَةِ ، كَذَلِكَ الْجِنْسُ الْوَاحِدُ ، وَفَارَقَ الدُّورَ ؛ فَإِنَّهُ أَمْكَنَ قِسْمَةُ كُلِّ دَارٍ عَلَى حِدَتِهَا ، وَهَا هُنَا لَا يُمْكِنُ قِسْمَةُ كُلِّ ثَوْبٍ مِنْهَا أَوْ إنَاءٍ عَلَى حِدَتِهِ ، وَإِنْ كَانَتْ الثِّيَابُ أَنْوَاعًا ؛ كَالْحَرِيرِ ، وَالْقُطْنِ ، وَالْكَتَّانِ ، فَهِيَ كَالْأَجْنَاسِ ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْأَمْوَالِ .\rوَالْحَيَوَانُ كَغَيْرِهِ مِنْ الْأَمْوَالِ ، وَيُقْسَمُ النَّوْعُ الْوَاحِدُ مِنْهُ .\rوَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يُقْسَمُ الرَّقِيقُ قِسْمَةَ إجْبَارٍ ؛ لِأَنَّهُ تَخْتَلِفُ مَنَافِعُهُ ، وَيُقْصَدُ مِنْهُ الْعَقْلُ وَالدِّينُ وَالْفِطْنَةُ ، وَذَلِكَ لَا يَقَعُ فِيهِ التَّعْدِيلُ .\rوَلَنَا ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَزَّأَ الْعَبِيدَ الَّذِينَ أَعْتَقَهُمْ الْأَنْصَارِيُّ فِي مَرَضِهِ ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ .\rوَلِأَنَّهُ نَوْعُ حَيَوَانٍ يَدْخُلُهُ التَّقْوِيمُ ، فَجَازَتْ قِسْمَتُهُ ، كَسَائِرِ الْحَيَوَانِ ، وَمَا ذَكَرَهُ غَيْرُ صَحِيحٍ ؛ لِأَنَّ الْقِيمَةَ تَجْمَعُ ذَلِكَ ، وَتُعَدُّ لَهُ كَسَائِرِ الْأَشْيَاءِ الْمُخْتَلِفَةِ .","part":23,"page":96},{"id":11096,"text":"( 8307 ) فَصْلٌ : وَالْقِسْمَةُ إفْرَازُ حَقٍّ ، وَتَمْيِيزُ أَحَدِ النَّصِيبَيْنِ مِنْ الْآخَرِ ، وَلَيْسَتْ بَيْعًا .\rوَهَذَا أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ فِي الْآخَرِ : هِيَ بَيْعٌ .\rوَحُكِيَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَطَّةَ ؛ لِأَنَّهُ يُبْدِلُ نَصِيبَهُ مِنْ أَحَدِ السَّهْمَيْنِ بِنَصِيبِ صَاحِبِهِ مِنْ السَّهْمِ الْآخَرِ ، وَهَذَا حَقِيقَةُ الْبَيْعِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهَا لَا تَفْتَقِرُ إلَى لَفْظِ التَّمْلِيكِ ، وَلَا تَجِبُ فِيهَا الشُّفْعَةُ ، وَيَدْخُلُهَا الْإِجْبَارُ ، وَتَلْزَمُ بِإِخْرَاجِ الْقُرْعَةِ ، وَيَتَقَدَّرُ أَحَدُ النَّصِيبَيْنِ بِقَدْرِ الْآخَرِ ، وَالْبَيْعُ لَا يَجُوزُ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ ، وَلِأَنَّهَا تَنْفَرِدُ عَنْ الْبَيْعِ بِاسْمِهَا وَأَحْكَامِهَا ، فَلَمْ تَكُنْ بَيْعًا ، كَسَائِرِ الْعُقُودِ ، وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ ، أَنَّهَا إذَا لَمْ تَكُنْ بَيْعًا ، جَازَتْ قِسْمَةُ الثِّمَارِ خَرْصًا ، وَالْمَكِيلِ وَزْنًا ، وَالْمَوْزُونِ كَيْلًا ، وَالتَّفَرُّقُ قَبْلَ الْقَبْضِ فِيمَا يُعْتَبَرُ فِيهِ الْقَبْضُ فِي الْبَيْعِ ، وَلَا يَحْنَثُ إذَا حَلَفَ لَا يَبِيعُ بِهَا ، وَإِذَا كَانَ الْعَقَارُ أَوْ نِصْفُهُ وَقْفًا ، جَازَتْ الْقِسْمَةُ ، وَإِنْ قُلْنَا : هِيَ بَيْعٌ .\rانْعَكَسَتْ هَذِهِ الْأَحْكَامُ ، هَذَا إذَا خَلَتْ مِنْ الرَّدِّ ، فَإِنْ كَانَ فِيهَا رَدُّ عِوَضٍ ، فَهِيَ بَيْعٌ ؛ لِأَنَّ صَاحِبَ الرَّدِّ يَبْذُلُ الْمَالَ عِوَضًا عَمَّا حَصَلَ لَهُ مِنْ مَالِ شَرِيكِهِ ، وَهَذَا هُوَ الْبَيْعُ .\rفَإِنْ فَعَلَا ذَلِكَ فِي وَقْفٍ ، لَمْ يَجُزْ ؛ لِأَنَّ بَيْعَهُ غَيْرُ جَائِزٍ ، وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُ وَقْفًا ، وَبَعْضُهُ طَلْقَا ، وَالرَّدُّ مِنْ صَاحِبِ الطَّلْقِ ، لَمْ يَجُزْ ؛ لِأَنَّهُ يَشْتَرِي بَعْضَ الْوَقْفِ ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْوَقْفِ ، جَازَ ؛ لِأَنَّهُمْ يَشْتَرُونَ بَعْضَ الطَّلْقِ ، وَذَلِكَ جَائِزٌ .","part":23,"page":97},{"id":11097,"text":"( 8308 ) فَصْلٌ : وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ الْقَاسِمِ بِالْقِسْمَةِ إذَا كَانَ مُتَبَرِّعًا ، وَلَا تُقْبَلُ إذَا كَانَ بِأُجْرَةٍ .\rوَبِهَذَا قَالَ الْإِصْطَخْرِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : تُقْبَلُ ، وَإِنْ كَانَ بِأُجْرَةٍ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْحَقُهُ تُهْمَةٌ ، فَقُبِلَ قَوْلُهُ ، كَالْمُرْضِعَةِ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا تُقْبَلُ ؛ لِأَنَّهُ شَهِدَ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ الَّذِي يُوجِبُ تَعْدِيلَهُ ، فَلَمْ تُقْبَلْ ، كَشَهَادَةِ الْقَاضِي الْمَعْزُولِ عَلَى حُكْمِهِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ شَهِدَ بِمَا لَا نَفْعَ لَهُ فِيهِ ، فَقُبِلَ ، كَالْأَجْنَبِيِّ .\rوَإِذَا كَانَ بِأُجْرَةٍ ، لَمْ يُقْبَلْ ؛ لِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ ، لِكَوْنِهِ يُوجِبُ الْأُجْرَةَ لِنَفْسِهِ ، وَهَذَا نَفْعٌ ، فَتَكُونُ شَهَادَتُهُ لِنَفْسِهِ .\rوَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ : إنَّهُ يُوجِبُ تَعْدِيلَهُ .\rمَمْنُوعٌ ، وَلَا نُسَلِّمُ لَهُمْ مَا ذَكَرُوهُ فِي الْحُكْمِ .","part":23,"page":98},{"id":11098,"text":"( 8309 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : وَلَوْ سَأَلَ أَحَدُهُمَا شَرِيكَهُ مُقَاسَمَتَهُ ، فَامْتَنَعَ ، أَجْبَرَهُ الْحَاكِمُ عَلَى ذَلِكَ ، إذَا أَثْبُتْ عِنْدَهُ مِلْكَهَا ، وَكَانَ مِثْلُهُ يَنْقَسِمُ وَيَنْتَفِعَانِ بِهِ مَقْسُومًا أَمَّا إذَا طَلَبَ أَحَدُهُمَا الْقِسْمَةَ ، فَامْتَنَعَ الْآخَرُ ، لَمْ يَخْلُ مِنْ حَالَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، يُجْبَرُ الْمُمْتَنِعُ عَلَى الْقِسْمَةِ ، وَذَلِكَ إذَا اجْتَمَعَ ثَلَاثَةُ شُرُوطٍ ؛ أَحَدُهَا ، أَنْ يَثْبُتَ عِنْدَ الْحَاكِمِ مِلْكُهُمَا بِبَيِّنَةِ ؛ لِأَنَّ فِي الْإِجْبَارِ عَلَى الْقِسْمَةِ حُكْمًا عَلَى الْمُمْتَنِعِ مِنْهُمَا ، فَلَا يَثْبُتُ إلَّا بِمَا يَثْبُت بِهِ الْمِلْكُ لِخَصْمِهِ ، بِخِلَافِ حَالَةِ الرِّضَا ؛ فَإِنَّهُ لَا يَحْكُمُ عَلَى أَحَدِهِمَا ، إنَّمَا يَقْسِمُ بِقَوْلِهِمَا وَرِضَاهُمَا .\rالشَّرْطُ الثَّانِي ، أَنْ لَا يَكُونَ فِيهَا ضَرَرٌ ، فَإِنْ كَانَ فِيهَا ضَرَرٌ ، لَمْ يُجْبَرْ الْمُمْتَنِعُ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا ضَرَرَ ، وَلَا ضِرَارَ } .\rرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ ، وَرَوَاهُ مَالِكٌ ، فِي \" مُوَطَّئِهِ \" مُرْسَلًا ، وَفِي لَفْظٍ ، { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى ، أَنْ لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ } الشَّرْطُ الثَّالِثُ ، أَنْ يُمْكِنَ تَعْدِيلُ السِّهَامِ مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ يُجْعَلُ مَعَهَا ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ ذَلِكَ ، لَمْ يُجْبَرْ الْمُمْتَنِعُ ؛ لِأَنَّهَا تَصِيرُ بَيْعًا ، وَالْبَيْعُ لَا يُجْبَرُ عَلَيْهِ أَحَدُ الْمُتَبَايِعَيْنِ ، وَمِثَالُ ذَلِكَ ، أَرْضٌ قِيمَتُهَا مِائَةٌ ، فِيهَا شَجَرَةٌ أَوْ بِئْرٌ تُسَاوِي مِائَتَيْنِ ، فَإِذَا جُعِلَتْ الْأَرْضُ سَهْمًا ، كَانَتْ الثُّلُثَ ، فَيَحْتَاجُ أَنْ يَجْعَلَ مَعَهَا خَمْسِينَ يَرُدُّهَا عَلَيْهِ مَنْ لَمْ يَخْرُجْ لَهُ الْبِئْرُ أَوْ الشَّجَرَةُ ، لِيَكُونَا نِصْفَيْنِ مُتَسَاوِيَيْنِ ، فَهَذِهِ فِيهَا بَيْعٌ ، أَلَا تَرَى أَنَّ آخِذَ الْأَرْضِ قَدْ بَاعَ نَصِيبَهُ مِنْ الشَّجَرَةِ أَوْ الْبِئْرِ بِالثَّمَنِ الَّذِي أَخَذَهُ ، وَالْبَيْعُ لَا يُجْبَرُ عَلَيْهِ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { إلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ } .\rفَإِذَا اجْتَمَعَتْ","part":23,"page":99},{"id":11099,"text":"الشُّرُوطُ الثَّلَاثَةُ ، أُجْبِرَ الْمُمْتَنِعُ مِنْهُمَا عَلَى الْقِسْمَةِ ؛ لِأَنَّهَا تَتَضَمَّنُ إزَالَةَ ضَرَرِ الشَّرِكَةِ عَنْهُمَا ، وَحُصُولَ النَّفْعِ لَهُمَا ؛ لِأَنَّ نَصِيبَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إذَا تَمِزْ ، كَانَ لَهُ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِيهِ بِحَسَبِ اخْتِيَارِهِ ، وَيَتَمَكَّنَ مِنْ إحْدَاثِ الْغِرَاسِ وَالْبِنَاءِ وَالزَّرْعِ وَالسِّقَايَةِ وَالْإِجَارَةِ وَالْعَارِيَّةِ ، وَلَا يُمْكِنُهُ ذَلِكَ مَعَ الِاشْتِرَاكِ ، فَوَجَبَ أَنْ يُجْبَرَ الْآخَرُ عَلَيْهِ ؛ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ } .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَقَدْ اخْتَلَفُوا فِي الضَّرَرِ الْمَانِعِ مِنْ الْقِسْمَةِ ، فَفِي قَوْلِ الْخِرَقِيِّ ، وَهُوَ مَا لَا يُمْكِنُ مَعَهُ انْتِقَاعُ أَحَدِهِمَا بِنَصِيبِهِ مُفْرَدًا ، فِيمَا كَانَ يَنْتَفِعُ بِهِ مَعَ الشَّرِكَةِ ، مِثْلَ أَنْ تَكُونَ بَيْنَهُمَا دَارٌ صَغِيرَةٌ ، إذَا قُسِمَتْ أَصَابَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَوْضِعًا ضَيِّقًا لَا يَنْتَفِعُ بِهِ .\rوَلَوْ أَمْكَنَ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهِ فِي شَيْءٍ غَيْرِ الدَّارِ ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهِ دَارًا ، لَمْ يُجْبَرْ عَلَى الْقِسْمَةِ أَيْضًا ؛ لِأَنَّهُ ضَرَرٌ يَجْرِي مَجْرَى الْإِتْلَافِ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ ، رِوَايَةٌ أُخْرَى ، أَنَّ الْمَانِعَ هُوَ أَنْ تَنْقُصَ قِيمَةُ نَصِيبِ أَحَدِهِمَا بِالْقِسْمَةِ عَنْ حَالِ الشَّرِكَةِ ، سَوَاءٌ انْتَفَعُوا بِهِ مَقْسُومًا أَوْ لَمْ يَنْتَفِعُوا .\rوَقَالَ الْقَاضِي : هَذَا ظَاهِرٌ كَلَامِ أَحْمَدَ ؛ لِأَنَّهُ قَالَ ، فِي رِوَايَةِ الْمَيْمُونِيِّ : إذَا قَالَ بَعْضُهُمْ يَقْسِمُ وَبَعْضُهُمْ لَا يَقْسِمُ ، فَإِنْ كَانَ فِيهِ نُقْصَانٌ مِنْ ثَمَنِهِ ، بِيعَ ، وَأُعْطُوا الثَّمَنَ .\rفَاعْتُبِرَ نُقْصَانُ الثَّمَنِ .\rوَهَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ نَقْصَ قِيمَتِهِ ضَرَرٌ ، وَالضَّرَرُ مَنْفِيٌّ شَرْعًا .\rوَقَالَ مَالِكٌ : يُجْبَرُ الْمُمْتَنِعُ وَإِنْ اسْتَضَرَّ ، قِيَاسًا عَلَى مَا لَا ضَرَرَ فِيهِ .\rوَلَا يَصِحُّ ؛ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ } .\rوَلِأَنَّ فِي قِسْمَتِهِ ضَرَرًا ، فَلَمْ يُجْبَرْ عَلَيْهِ ، كَقِسْمَةِ الْجَوْهَرَةِ بِكَسْرِهَا ، وَلِأَنَّ فِي","part":23,"page":100},{"id":11100,"text":"قِسْمَتِهِ إضَاعَةً لِلْمَالِ ، وَقَدْ نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ إضَاعَتِهِ .\rوَلَا يَصِحُّ الْقِيَاسُ عَلَى مَا لَا ضَرَرَ فِيهِ ؛ لِمَا بَيْنَهُمَا مِنْ الْفَرْقِ ، فَإِنْ كَانَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ يَسْتَضِرُّ بِالْقِسْمَةِ دُونَ الْآخِرِ ؛ كَرَجُلَيْنِ بَيْنَهُمَا دَارٌ ، لِأَحَدِهِمَا ثُلُثُهَا ، وَلِلْآخَرِ ثُلُثَاهَا ، فَإِذَا قَسَمَاهَا اسْتَضَرَّ صَاحِبُ الثُّلُثِ ؛ لِكَوْنِهِ لَا يَحْصُلُ لَهُ مَا يَكُونُ دَارًا ، وَلَا يَسْتَضِرُّ الْآخَرُ ؛ لِأَنَّهُ يَبْقَى لَهُ مَا يَصِيرُ دَارًا مُفْرَدَةً ، فَطَلَبَ صَاحِبُ الثُّلُثَيْنِ الْقِسْمَةَ ، لَمْ يُجْبَرْ الْآخَرُ عَلَيْهَا .\rذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ .\rوَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ ، فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ ، قَالَ : كُلُّ قِسْمَةٍ فِيهَا ضَرَرٌ ، لَا أَرَى قِسْمَتَهَا .\rوَهَذَا قَوْلُ ابْنِ أَبِي لَيْلَى ، وَأَبِي ثَوْرٍ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : يُجْبَرُ الْآخَرُ عَلَيْهَا .\rوَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَأَهْلِ الْعِرَاقِ ؛ لِأَنَّهُ طَلَبَ إفْرَادَ نَصِيبِهِ الَّذِي لَا يَسْتَضِرُّ بِتَمْيِيزِهِ ، فَوَجَبَتْ إجَابَتُهُ إلَيْهِ ، كَمَا لَوْ كَانَا لَا يَسْتَضِرَّانِ بِالْقِسْمَةِ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ } .\rوَلِأَنَّهَا قِسْمَةٌ يَسْتَضِرُّ بِهَا صَاحِبُهُ ، فَلَمْ يُجْبَرْ عَلَيْهَا ، كَمَا لَوْ اسْتَضَرَّا مَعًا ، وَلِأَنَّ فِيهِ إضَاعَةَ الْمَالِ ، وَقَدْ نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ إضَاعَتِهِ ، وَإِذَا حَرُمَ عَلَيْهِ إضَاعَتُهُ مَالَهُ فَإِضَاعَتُهُ مَالَ غَيْرِهِ أَوْلَى .\rوَقَدْ رَوَى عَمْرُو بْنُ جُمَيْعٍ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { لَا تَعْصِبَةَ عَلَى أَهْلِ الْمِيرَاثِ ، إلَّا مَا حَصَلَ الْقَسْمُ } .\rقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ : هُوَ أَنْ يُخْلِفَ شَيْئًا ، إذَا قُسِمَ كَانَ فِيهِ ضَرَرٌ عَلَى بَعْضِهِمْ ، أَوْ عَلَيْهِمْ جَمِيعًا .\rوَلِأَنَّنَا اتَّفَقْنَا عَلَى أَنَّ الضَّرَرَ مَانِعٌ مِنْ الْقِسْمَةِ ، وَأَنَّ الضَّرَرَ فِي حَقِّ أَحَدِهِمَا مَانِعٌ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَانِعُ هُوَ ضَرَرَ الطَّالِبِ ؛ لِأَنَّهُ","part":23,"page":101},{"id":11101,"text":"مَرْضِيٌّ بِهِ مِنْ جِهَتِهِ ، فَلَا يَجُوزُ كَوْنُهُ مَانِعًا ، كَمَا لَوْ تَرَاضَيَا عَلَيْهَا مَعَ ضَرَرِهِمَا أَوْ ضَرَرِ أَحَدِهِمَا ، فَتَعَيَّنَ الضَّرَرُ الْمَانِعُ فِي جِهَةِ الْمَطْلُوبِ ، وَلِأَنَّهُ ضَرَرٌ غَيْرُ مَرْضِيٍّ بِهِ مِنْ جِهَةِ صَاحِبِهِ ، فَمَنَعَ الْقِسْمَةَ ، كَمَا لَوْ اسْتَضَرَّا مَعًا .\rوَإِنْ طَلَبَ الْقِسْمَةَ الْمُسْتَضِرُّ بِهَا ، كَصَاحِبِ الثُّلُثِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْمَفْرُوضَةِ ، أُجْبِرَ الْآخَرُ عَلَيْهَا .\rهَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٍ ؛ لِأَنَّهُ طَلَبَ دَفْعَ ضَرَرِ الشَّرِكَةِ عَنْهُ ، بِأَمْرٍ لَا ضَرَرَ عَلَى صَاحِبِهِ فِيهِ ، فَأُجْبِرَ عَلَيْهِ ، كَمَا لَا ضَرَرَ فِيهِ .\rيُحَقِّقُهُ أَنَّ ضَرَرَ الطَّالِبِ مَرْضِيٌّ بِهِ مِنْ جِهَتِهِ ، فَسَقَطَ حُكْمُهُ ، وَالْآخَرُ لَا ضَرَرَ عَلَيْهِ ، فَصَارَ كَمَا لَا ضَرَرَ فِيهِ .\rوَذَكَرَ أَصْحَابُنَا أَنَّ الْمَذْهَبَ أَنَّهُ لَا يُجْبَرُ الْمُمْتَنِعُ عَلَى الْقَسْمِ ؛ لِنَهْيِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ إضَاعَةِ الْمَالِ ، وَلِأَنَّ طَلَبَ الْقِسْمَةِ مِنْ الْمُسْتَضِرِّ سَفَهٌ ، فَلَا يَجِبُ إجَابَتُهُ إلَى السَّفَهِ .\rقَالَ الشَّرِيفُ : مَتَى كَانَ أَحَدُهُمَا يَسْتَضِرُّ ، لَمْ تَجِبْ الْقِسْمَةُ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : مَتَى كَانَ أَحَدُهُمَا يَنْتَفِعُ بِهَا ، وَجَبَتْ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : إنْ انْتَفَعَ بِهَا الطَّالِبُ ، وَجَبَتْ ، وَإِنْ اسْتَضَرَّ بِهَا الطَّالِبُ ، فَعَلَى وَجْهَيْنِ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : تَجِبُ عَلَى كُلِّ حَالٍ .\rوَلَوْ كَانَتْ دَارٌ بَيْنَ ثَلَاثَةٍ ، لِأَحَدِهِمْ نِصْفُهَا ، وَلِلْآخَرَيْنِ نِصْفُهَا ، لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا رُبُعُهَا ، فَإِذَا قُسِمَتْ اسْتَضَرَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ، وَلَا يَسْتَضِرَّ صَاحِبُ النِّصْفِ ، فَطَلَبَ صَاحِبُ النِّصْفِ الْقِسْمَةَ ، وَجَبَتْ إجَابَتُهُ ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ قِسْمَتُهَا نِصْفَيْنِ ، فَيَصِيرُ حَقُّهُمَا لَهُمَا دَارًا ، وَلَهُ النِّصْفُ ، فَلَا يَسْتَضِرُّ أَحَدٌ مِنْهُمَا .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا تَجِبَ عَلَيْهِمَا الْإِجَابَةُ ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَسْتَضِرُّ بِإِفْرَازِ نَصِيبِهِ .\rوَإِنْ طَلَبَا الْمُقَاسَمَةَ ، فَامْتَنَعَ صَاحِبُ","part":23,"page":102},{"id":11102,"text":"النِّصْفِ أُجْبِرَ ؛ لِأَنَّهُ لَا ضَرَرَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمْ .\rوَإِنْ طَلَبَا إفْرَازَ نَصِيبِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ، أَوْ طَلَبَ أَحَدُهُمَا إفْرَازَ نَصِيبِهِ ، لَمْ تَجِبْ الْقِسْمَةُ عَلَى قِيَاسِ الْمَذْهَبِ لِأَنَّهُ إضْرَارٌ بِالطَّالِبِ وَسَفَهٌ .\rوَعَلَى الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ تَجِبُ الْقِسْمَةُ ؛ لِأَنَّ الْمَطْلُوبَ مِنْهُ لَا ضَرَرَ عَلَيْهِ .\rالْحَالُ الثَّانِي ، الَّذِي لَا يُجْبَرُ أَحَدُهُمَا عَلَى الْقِسْمَةِ ، وَهِيَ مَا إذَا عُدِمَ أَحَدُ الشُّرُوطِ الثَّلَاثَةِ ، فَلَا تَجُوزُ الْقِسْمَةُ إلَّا بِرِضَاهُمَا ، وَتُسَمَّى قِسْمَةَ التَّرَاضِي ، وَهِيَ جَائِزَةٌ مَعَ اخْتِلَالِ الشُّرُوطِ كُلِّهَا ؛ لِأَنَّهَا بِمَنْزِلَةِ الْبَيْعِ وَالْمُنَاقَلَةِ ، وَبَيْعُ ذَلِكَ جَائِزٌ .","part":23,"page":103},{"id":11103,"text":"( 8310 ) فَصْلٌ : إذَا كَانَتْ دَارٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ ، سُفْلُهَا وَعُلْوُهَا ، فَإِذَا طَلَبَا قَسَمَهَا ؛ نَظَرْتُ ، فَإِنْ طَلَبَ أَحَدُهُمَا قِسْمَةَ السُّفْلِ وَالْعُلْوِ بَيْنَهُمَا ، وَلَا ضَرَرَ فِي ذَلِكَ ، أُجْبِرَ الْآخَرُ عَلَيْهِ .\rلِأَنَّ الْبِنَاءَ فِي الْأَرْضِ يَجْرِي مَجْرَى الْغَرْسِ ، فَيَتْبَعُهَا فِي الْبَيْعِ وَالشُّفْعَةِ ، ثُمَّ لَوْ طَلَبَ قِسْمَةَ أَرْضٍ فِيهَا غِرَاسٌ ، أُجْبِرَ شَرِيكُهُ عَلَيْهِ ، كَذَلِكَ الْبِنَاءُ .\rوَإِنْ طَلَبَ أَحَدُهُمَا جَعْلَ السُّفْلِ لِأَحَدِهِمَا وَالْعُلْوِ لِلْآخَرِ ، وَيُقْرَعُ بَيْنَهُمَا ، لَمْ يُجْبَرْ عَلَيْهِ الْآخَرُ ؛ لِثَلَاثَةِ مَعَانٍ ؛ أَحَدُهَا ، أَنَّ الْعُلْوَ يَتْبَعُ لِلسُّفْلِ ، وَلِهَذَا إذَا بِيعَا ، تَثْبُتُ الشُّفْعَةُ فِيهِمَا ، وَإِذَا أُفْرِدَ الْعُلْوُ بِالْبَيْعِ ، لَمْ تَثْبُتْ فِيهِ الشُّفْعَةُ ، وَإِذَا كَانَ تَبَعًا لَهُ ، لَمْ يُجْعَلْ الْمَتْبُوعُ سَهْمًا وَالتَّبَعُ سَهْمًا ، فَيَصِيرُ التَّبَعُ أَصْلًا .\rالثَّانِي ، أَنَّ السُّفْلَ وَالْعُلْوَ يَجْرِيَانِ مَجْرَى الدَّارَيْنِ الْمُتَلَاصِقَتَيْنِ ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَسْكُنُ مُنْفَرِدًا ، وَلَوْ كَانَ بَيْنَهُمَا دَارَانِ ، لَمْ يَكُنْ لِأَحَدِهِمَا الْمُطَالَبَةُ بِجَعْلِ كُلِّ دَارٍ نَصِيبًا كَذَا هَاهُنَا .\rالثَّالِثُ ، أَنَّ صَاحِبَ الْقَرَارِ يَمْلِكُ قَرَارَهَا وَهَوَاءَهَا ، فَإِذَا جُعِلَ السُّفْلُ نَصِيبًا انْفَرَدَ صَاحِبُهُ بِالْهَوَاءِ ، وَلَيْسَتْ هَذِهِ قِسْمَةً عَادِلَةً .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَقْسِمُهُ الْحَاكِمُ ، يَجْعَلُ ذِرَاعًا مِنْ السُّفْلِ بِذِرَاعَيْنِ مِنْ الْعُلْوِ .\rوَقَالَ أَبُو يُوسُفَ : ذِرَاعٌ بِذِرَاعٍ .\rوَقَالَ مُحَمَّدٌ : يَقْسِمُهَا بِالْقِيمَةِ .\rوَاحْتَجُّوا بِأَنَّهَا دَارٌ وَاحِدَةٌ ، فَإِذَا قَسَمَهَا عَلَى مَا يَرَاهُ جَازَ ، كَاَلَّتِي لَا عُلْوَ لَهَا .\rوَلَنَا مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ الْمَعَانِي الثَّلَاثَةِ ، وَفِيهَا رَدُّ مَا ذَكَرُوهُ ، وَمَا يَذْكُرُونَهُ مِنْ كَيْفِيَّةِ الْقِسْمَةِ تَحَكُّمٌ ، وَبَعْضُهُ يَرُدُّ بَعْضًا .\rوَإِنْ طَلَبَ أَحَدُهُمَا قِسْمَةَ الْعُلْوِ وَحْدَهُ ، أَوْ السُّفْلِ وَحْدَهُ ، لَمْ يُجَبْ إلَيْهِ","part":23,"page":104},{"id":11104,"text":"؛ لِأَنَّ الْقِسْمَةَ تُرَادُ لِلتَّمْيِيزِ ، وَمَعَ بَقَاءِ الْإِشَاعَةِ فِي أَحَدِهِمَا لَا يَحْصُلُ التَّمْيِيزُ .\rوَإِنْ طَلَبَ قِسْمَةَ السُّفْلِ مُنْفَرِدًا ، أَوْ الْعُلْوِ مُنْفَرِدًا ، لَمْ يُجَبْ إلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَحْصُلُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عُلْوُ سُفْلِ الْآخَرِ ، فَيَسْتَضِرُّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ، وَلَا يَتَمَيَّزُ الْحَقَّانِ .","part":23,"page":105},{"id":11105,"text":"( 8311 ) فَصْلٌ : وَإِذَا كَانَ بَيْنَهُمَا دَارٌ ، أَوْ خَانٌ كَبِيرٌ ، فَطَلَبَ أَحَدُهُمَا قِسْمَةَ ذَلِكَ وَلَا ضَرَرَ فِي قِسْمَتِهِ ، أُجْبِرَ الْمُمْتَنِعُ عَلَى الْقِسْمَةِ ، وَتُفْرَدُ بَعْضُ الْمَسَاكِنِ عَنْ بَعْضٍ وَإِنْ كَثُرَتْ الْمَسَاكِنُ .\rوَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا دَارَانِ ، أَوْ خَانَانِ ، أَوْ أَكْثَرُ ، فَطَلَبَ أَحَدُهُمَا أَنْ يَجْمَعَ نَصِيبَهُ فِي إحْدَى الدَّارَيْنِ ، أَوْ أَحَدِ الْخَانَيْنِ ، وَيَجْعَلَ الْبَاقِيَ نَصِيبًا ، لَمْ يُجْبَرْ الْمُمْتَنِعُ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ : إذَا رَأَى الْحَاكِمُ ذَلِكَ ، فَلَهُ فِعْلُهُ ، سَوَاءٌ تَقَارَبَتَا أَوْ تَفَرَّقَتَا ؛ لِأَنَّهُ أَنْفَعُ وَأَعْدَلُ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : إنْ كَانَتَا مُتَجَاوِرَتَيْنِ ، أُجْبِرَ الْمُمْتَنِعُ مِنْ ذَلِكَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ الْمُتَجَاوِرَتَيْنِ تَتَقَارَبُ مَنْفَعَتُهُمَا ، بِخِلَافِ الْمُتَبَاعِدَتَيْنِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إنْ كَانَتْ إحْدَاهُمَا حَجَزَتْ الْأُخْرَى ، أُجْبِرَ الْمُمْتَنِعُ ، وَإِلَّا فَلَا ؛ لِأَنَّهُمَا يَجْرِيَانِ مَجْرَى الدَّارِ الْوَاحِدَةِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ نَقْلُ حَقِّهِ مِنْ عَيْنٍ إلَى عَيْنٍ أُخْرَى ، فَلَمْ يُجْبَرْ عَلَيْهِ ، كَالْمُتَفَرِّقِينَ عَلَى مِلْكٍ ، وَكَمَا لَوْ لَمْ تَكُنْ حُجَّةً بِهَا مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَكَمَا لَوْ كَانَتَا دَارًا وَدُكَّانًا مَعَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ ، وَالْحُكْمُ فِي الدَّكَاكِينِ كَالْحُكْمِ فِي الدُّورِ ، وَكَمَا لَوْ كَانَتْ لَهَا عَضَائِدُ صِغَارٌ ، لَا يُمْكِنُ قِسْمَةُ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مُنْفَرِدَةً ، لَمْ يُجْبَرْ الْمُمْتَنِعُ مِنْ قَسْمِهَا عَلَيْهَا .","part":23,"page":106},{"id":11106,"text":"( 8312 ) فَصْلٌ : وَإِنْ كَانَتْ بَيْنَهُمَا أَرْضٌ وَاحِدٌ يُمْكِنُ قِسْمَتُهَا ، وَتَتَحَقَّقُ فِيهَا الشُّرُوطُ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا ، أُجْبِرَ الْمُمْتَنِعُ عَلَى قَسْمِهَا ، سَوَاءٌ كَانَتْ فَارِغَةً أَوْ ذَاتَ شَجَرٍ وَبِنَاءٍ .\rفَإِنْ كَانَ فِيهَا نَخْلٌ ، وَكَرْمٌ ، وَشَجَرٌ مُخْتَلِفٌ ، وَبِنَاءٌ ، فَطَلَبَ أَحَدُهُمَا قِسْمَةَ كُلِّ عَيْنٍ عَلَى حِدَتِهَا ، وَطَلَبَ الْآخَرُ قِسْمَةَ الْجَمِيعِ بِالتَّعْدِيلِ بِالْقِيمَةِ ، فَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : تُقْسَمُ كُلُّ عَيْنٍ عَلَى حِدَتِهَا ، وَكَذَلِكَ كُلُّ مَقْسُومٍ ، إذَا أَمْكَنَتْ التَّسْوِيَةُ بَيْن الشَّرِيكَيْنِ فِي جَيِّدِهِ وَرَدِيئِهِ ، كَانَ أَوْلَى .\rوَنَحْوَ هَذَا قَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ ؛ فَإِنَّهُمْ قَالُوا : إذَا أَمْكَنَتْ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الشَّرِيكَيْنِ فِي جَيِّدِهِ وَرَدِيئِهِ ، بِأَنْ يَكُونَ الْجَيِّدُ فِي مُقَدَّمِهَا وَالرَّدِيءُ فِي مُؤَخَّرِهَا ، فَإِذَا قَسَمْنَاهَا صَارَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْجَيِّدِ وَالرَّدِيء مِثْلُ مَا لِلْآخَرِ ، وَجَبَتْ الْقِسْمَةُ ، وَأُجْبِرَ الْمُمْتَنِعُ عَلَيْهَا ، وَإِنْ لَمْ تُمْكِنْ الْقِسْمَةُ هَكَذَا ، بِأَنْ تَكُونَ الْعِمَارَةُ أَوْ الشَّجَرُ وَالْجَيِّدُ لَا تُمْكِنُ قِسْمَتُهُ وَحْدَهُ ، وَأَمْكَنَ التَّعْدِيلُ بِالْقِيمَةِ عُدِّلَتْ بِالْقِيمَةِ ، وَأُجْبِرَ الْمُمْتَنِعُ مِنْ الْقِسْمَةِ عَلَيْهَا .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ : لَا يُجْبَرُ الْمُمْتَنِعُ مِنْ الْقِسْمَةِ عَلَيْهَا .\rوَقَالُوا : إذَا كَانَتْ الْأَرْضُ ثَلَاثِينَ جَرِيبًا ، قِيمَةُ عَشْرَةِ أَجْرِبَةٍ مِنْهَا كَقِيمَةِ عِشْرِينَ ، لَمْ يُجْبَرْ الْمُمْتَنِعُ مِنْ الْقِسْمَةِ عَلَيْهَا ؛ لِتَعَذُّرِ التَّسَاوِي فِي الذَّرْعِ ، وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ حَقْلَانِ مُتَجَاوِرَانِ لَمْ يُجْبَرْ الْمُمْتَنِعُ مِنْ الْقِسْمَةِ ، إذَا لَمْ تُمْكِنْ إلَّا بِأَنْ يَجْعَلَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا سَهْمًا ، كَذَا هَاهُنَا .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ مَكَانٌ وَاحِدٌ ، أَمْكَنَتْ قِسْمَتُهُ ، وَتَعْدِيلُهُ ، مِنْ غَيْرِ رَدِّ عِوَضٍ وَلَا ضَرَرٍ ، فَوَجَبَتْ قِسْمَتُهُ ، كَالدُّورِ .\rوَلِأَنَّ مَا ذَكَرُوهُ يُفْضِي إلَى مَنْعِ وُجُوبِ الْقِسْمَةِ فِي","part":23,"page":107},{"id":11107,"text":"الْبَسَاتِينِ كُلِّهَا وَالدُّورِ ؛ فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُ تَسَاوِي الشَّجَرِ وَبِنَاءِ الدُّورِ وَمَسَاكِنِهَا إلَّا بِالْقِيمَةِ ، وَلِأَنَّهُ مَكَانٌ لَوْ بِيعَ بَعْضُهُ وَجَبَتْ فِيهِ الشُّفْعَةُ لِشَرِيكِ الْبَائِعِ ، فَوَجَبَتْ قِسْمَتُهُ ، كَمَا لَوْ أَمْكَنَتْ التَّسْوِيَةُ بِالزَّرْعِ .\rوَأَمَّا إذَا كَانَ بُسْتَانَانِ ، لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا طَرِيقٌ ، أَوْ حَقْلَانِ ، أَوْ دَارَانِ ، أَوْ دُكَّانَانِ مُتَجَاوِرَانِ أَوْ مُتَبَاعِدَانِ ، فَطَلَبَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ قِسْمَتَهُ ، بِجَعْلِ كُلِّ وَاحِدٍ بَيْنَهُمَا ، لَمْ يُجْبَرْ الْآخَرُ عَلَى هَذَا ، سَوَاءٌ كَانَا مُتَسَاوِيَيْنِ أَوْ مُخْتَلِفَيْنِ .\rوَهَذَا ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُمَا شَيْئَانِ مُتَمَيِّزَانِ ، لَوْ بِيعَ أَحَدُهُمَا ، لَمْ تَجِبْ الشُّفْعَةُ فِيهِ لِمَالِكِ الْآخَرِ ، بِخِلَافِ الْبُسْتَانِ الْوَاحِدِ ، وَالْأَرْضِ الْوَاحِدَةِ وَإِنْ عَظُمَتْ ، فَإِنَّهُ إذَا بِيعَ بَعْضُهَا ، وَجَبَتْ الشُّفْعَةُ لِمَالِكِ الْبَعْضِ الْبَاقِي ، وَالشُّفْعَةُ كَالْقِسْمَةِ ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُرَادُ لِإِزَالَةِ ضَرَرِ الشَّرِكَةِ ، وَنُقْصَانِ التَّصَرُّفِ ، فَمَا لَا تَجِبُ قِسْمَتُهُ ، لَا تَجِبُ الشُّفْعَةُ فِيهِ ، فَكَذَلِكَ مَا لَا شُفْعَةَ فِيهِ ، لَا تَجِبُ قِسْمَتُهُ ، وَعَكْسُ هَذَا مَا تَجِبُ قِسْمَتُهُ ، تَجِبُ فِيهِ الشُّفْعَةُ ، وَمَا تَجِبُ الشُّفْعَةُ فِيهِ ، تَجِبُ قِسْمَتُهُ .\rوَلِأَنَّهُ لَوْ بَدَا الصَّلَاحُ فِي بَعْضِ الْبُسْتَانِ ، كَانَ صَلَاحًا لِبَاقِيهِ وَإِنْ كَانَ كَبِيرًا .\rوَلَمْ يَكُنْ صَلَاحًا لِمَا جَاوَزَهُ وَإِنْ كَانَ صَغِيرًا .","part":23,"page":108},{"id":11108,"text":"( 8313 ) فَصْلٌ : وَإِذَا كَانَ فِي الْأَرْضِ زَرْعٌ ، فَطَلَبَ أَحَدُهُمَا قِسْمَتَهَا دُونَ الزَّرْعِ ، أُجْبِرَ الْمُمْتَنِعُ ؛ لِأَنَّ الزَّرْعَ فِي الْأَرْضِ كَالْقُمَاشِ فِي الدَّارِ ، فَلَمْ يَمْنَعْ الْقِسْمَةَ ، كَالْقُمَاشِ ، وَسَوَاءٌ خَرَجَ الزَّرْعُ ، أَوْ كَانَ بَذْرًا لَمْ يَخْرُجْ ، فَإِذَا قَسَمَاهَا ، بَقِيَ الزَّرْعُ بَيْنَهُمَا مُشْتَرَكًا ، كَمَا لَوْ بَاعَا الْأَرْضَ لَغَيْرِهِمَا .\rوَإِنْ طَلَبَ أَحَدُهُمَا قِسْمَةَ الزَّرْعِ مُنْفَرِدًا ، لَمْ يُجْبَرْ الْآخَرُ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ الْقِسْمَةَ لَا بُدَّ فِيهَا مِنْ تَعْدِيلِ الْمَقْسُومِ ، وَتَعْدِيلُ الزَّرْعِ بِالسِّهَامِ لَا يُمْكِنُ ؛ لِأَنَّهُ يُشْتَرَطُ بَقَاؤُهُ فِي الْأَرْضِ الْمُشْتَرَكَةِ .\rوَإِنْ طَلَبَ قِسْمَتَهَا مَعَ الزَّرْعِ ، وَكَانَ قَدْ خَرَجَ ، جَازَ ، وَأُجْبِرَ الْمُمْتَنِعُ عَلَيْهِ ، سَوَاءٌ كَانَ قَصِيلًا ، أَوْ اشْتَدَّ الْحَبُّ فِيهِ ؛ لِأَنَّ الزَّرْعَ كَالشَّجَرِ فِي الْأَرْضِ ، وَالْقِسْمَةُ إفْرَازُ حَقٍّ ، وَلَيْسَتْ بَيْعًا .\rوَإِنْ قُلْنَا : هِيَ بَيْعٌ .\rلَمْ يُجْبَرْ إذَا اشْتَدَّ الْحَبُّ ؛ لِأَنَّهُ يَتَضَمَّنُ بَيْعَ السُّنْبُلِ بَعْضِهِ بِبَعْضِ .\rوَيَحْتَمِلُ الْجَوَازَ ؛ لِأَنَّ السَّنَابِلَ هَاهُنَا دَخَلَتْ تَبَعًا لِلْأَرْضِ ، فَلَيْسَتْ الْمَقْصُودَ ، فَأَشْبَهَ بَيْعَ النَّخْلَةِ الْمُثْمِرَةِ بِمِثْلِهَا .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يُجْبَرُ الْمُمْتَنِعُ مِنْ قِسْمَتِهَا مَعَ الزَّرْعِ ؛ لِأَنَّ الزَّرْعَ مُودَعٌ فِي الْأَرْضِ لِلنَّقْلِ عَنْهَا ، فَلَمْ تَجِبْ قِسْمَتُهُ مَعَهَا كَالْقُمَاشِ فِيهَا .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ ثَابِتٌ فِيهَا لِلنَّمَاءِ وَالنَّفْعِ ، فَأَشْبَهَ الْغِرَاسَ ، وَفَارَقَ الْقُمَاشَ ، فَإِنَّهُ غَيْرُ مُتَّصِلٍ بِالدَّارِ ، وَلَا ضَرَرَ عَلَيْهِ فِي نَقْلِهِ .\rوَإِنْ كَانَ الزَّرْعُ بَذْرًا فِي الْأَرْضِ ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا : لَا تَجُوزُ قِسْمَتُهُ ؛ لِجَهَالَتِهِ ، وَكَوْنِهِ لَا يُمْكِنُ إفْرَازُهُ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rوَيَحْتَمِلُ الْجَوَازَ ؛ لِأَنَّهُ يَدْخُلُ تَبَعًا لِلْأَرْضِ ، فَلَا تَضُرُّ جَهَالَتُهُ ، كَأَسَاسَاتِ الْحِيطَانِ ، وَكَذَلِكَ لَوْ اشْتَرَى أَرْضًا فِيهَا زَرْعٌ فَاشْتَرَطُوا ،","part":23,"page":109},{"id":11109,"text":"مِلِكَهُ بِالشَّرْطِ ، وَإِنْ كَانَ بَذْرًا مَجْهُولًا .","part":23,"page":110},{"id":11110,"text":"( 8314 ) فَصْلٌ : إذَا كَانَتْ بَيْنَهُمَا أَرْضٌ قِيمَتُهَا مِائَةٌ ، فِي أَحَدِ جَانِبَيْهَا بِئْرٌ قِيمَتُهَا مِائَةٌ ، وَفِي الْآخَرِ شَجَرَةٌ قِيمَتُهَا مِائَةٌ عَدَلْت بِالْقِيمَةِ ، وَجَعَلْت الْبِئْرَ مَعَ نِصْفِ الْأَرْضِ نَصِيبًا ، وَالشَّجَرَةَ مَعَ النِّصْفِ الْآخَرِ نَصِيبًا .\rفَإِنْ كَانَتْ بَيْنَ ثَلَاثَةٍ أَوْ أَكْثَرَ ؛ نَظَرْت فِي الْأَرْضِ ، فَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهَا مِائَةً أَوْ أَقَلَّ ، لَمْ تَجِبْ الْقِسْمَةُ ؛ لِأَنَّهَا إذَا كَانَتْ أَقَلَّ ، لَمْ يُمْكِنْ التَّعْدِيلُ إلَّا بِقِسْمَةِ الْبِئْرِ وَالشَّجَرَةِ ، وَذَلِكَ مِمَّا لَا تَجِبُ قِسْمَتُهُ ، وَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهَا مِائَةً ، فَجَعَلْنَاهَا سَهْمًا ، وَالْبِئْرَ سَهْمًا ، وَالشَّجَرَةَ سَهْمًا ، لَمْ يَحْصُلْ مَعَ الْبِئْرِ وَالشَّجَرَةِ شَيْءٌ مِنْ الْأَرْضِ ، فَيَصِيرُ هَذَا كَقِسْمَةِ الشَّجَرِ وَحْدَهُ ، وَقِسْمَةُ ذَلِكَ وَحْدَهُ لَيْسَتْ قِسْمَةَ إجْبَارٍ .\rوَإِنْ كَانَتْ الْأَرْضُ كَبِيرَةَ الْقِيمَةِ ، بِحَيْثُ يَأْخُذُ بَعْضُ الشُّرَكَاءِ سِهَامَهُمْ مِنْهَا ، وَيَبْقَى مِنْهَا شَيْءٌ مَعَ الْبِئْرِ وَالشَّجَرَةِ ، وَجَبَتْ الْقِسْمَةُ ، وَمِثَالُهُ أَنْ تَكُونَ قِيمَةُ الْأَرْضِ مِائَتَيْنِ وَخَمْسِينَ ، فَيَجْعَلُهَا مِائَةً وَخَمْسِينَ سَهْمًا ، وَيُضَمُّ إلَى الْبِئْرِ مَا قِيمَتُهُ خَمْسُونَ ، وَإِلَى الشَّجَرَةِ مِثْلُ ذَلِكَ ، فَتَصِيرُ ثَلَاثَةَ سِهَامٍ مُتَسَاوِيَةً ، وَفِي كُلِّ سَهْمٍ جُزْءٌ مِنْ أَجْزَاءِ الْأَرْضِ ، فَتَجِبُ الْقِسْمَةُ حِينَئِذٍ .\rوَكَذَلِكَ لَوْ كَانُوا أَرْبَعَةً ، وَقِيمَةُ الْأَرْضِ أَرْبَعَمِائَةٍ ، وَجَبْت الْقِسْمَةُ ؛ لِأَنَّنَا نَجْعَلُ ثَلَاثَمِائَةٍ مِنْهَا سَهْمَيْنِ ، وَمِائَةً مَعَ الْبِئْرِ وَالشَّجَرَةِ سَهْمَيْنِ ، فَتَعَدَّلَتْ السِّهَامُ .\rوَلَوْ كَانَتْ الْأَرْضُ لِاثْنَيْنِ ، فَأَرَادَا قِسْمَةَ الْبِئْرِ وَالشَّجَرَةِ دُونَ الْأَرْضِ ، لَمْ تَكُنْ قِسْمَةَ إجْبَارٍ ، وَهَكَذَا الْأَرْضُ ذَاتُ الشَّجَرِ ، إذَا اُقْتُسِمَ الشَّجَرُ دُونَ الْأَرْضِ ، لَمْ تَكُنْ قِسْمَةَ إجْبَارٍ .\rوَلَوْ اقْتَسَمَاهَا بِشَجَرِهَا ، كَانَتْ قِسْمَةَ إجْبَارٍ ؛ لِأَنَّ الشَّجَرَ يَدْخُلُ تَبَعًا لِلْأَرْضِ ، فَيَصِيرُ الْجَمِيعُ كَالشَّيْءِ","part":23,"page":111},{"id":11111,"text":"الْوَاحِدِ ، وَلِهَذَا تَجِبُ فِيهِ الشُّفْعَةُ إذَا بِيعَ شَيْءٌ مِنْ الْأَرْضِ بِشَجَرِهِ .\rوَإِذَا قُسِمَ ذَلِكَ دُونَ الْأَرْضِ ، صَارَ أَصْلًا فِي الْقِسْمَةِ ، لَيْسَ بِتَابِعٍ لِشَيْءٍ وَاحِدٍ ، فَيَصِيرُ كَأَعْيَانِ مُفْرَدَةٍ مِنْ الدُّورِ وَالدَّكَاكِينِ الْمُتَفَرِّقَةِ ، وَلِهَذَا لَا تَجِبُ فِيهِ الشُّفْعَةُ إذَا بِيعَ مُفْرَدًا .\rوَكُلُّ قِسْمَةٍ غَيْرِ وَاجِبَةٍ ، إذَا تَرَاضَيَا بِهَا ، فَهِيَ بَيْعٌ ، حُكْمُهَا حُكْمُ الْبَيْعِ .","part":23,"page":112},{"id":11112,"text":"( 8315 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِذَا قُسِمَ ، طُرِحَتْ السِّهَامُ ، فَيَصِيرُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مَا وَقَعَ سَهْمُهُ عَلَيْهِ ، إلَّا أَنْ يَتَرَاضَيَا ، فَيَكُونَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مَا رَضِيَ بِهِ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْقِسْمَةَ عَلَى ضَرْبَيْنِ ؛ قِسْمَةُ إجْبَارٍ ، وَقِسْمَةُ تَرَاضٍ .\rوَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ قِسْمَةَ الْإِجْبَارِ مَا أَمْكَنَ التَّعْدِيلُ فِيهَا مِنْ غَيْرِ رَدٍّ .\rوَلَا تَخْلُو مِنْ أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ ؛ أَحَدُهَا ، أَنْ تَكُونَ السِّهَامُ مُتَسَاوِيَةً ، وَقِيمَةُ أَجْزَاءِ الْمَقْسُومِ مُتَسَاوِيَةً .\rالثَّانِي ، أَنْ تَكُونَ السِّهَامُ مُتَسَاوِيَةً ، وَقِيمَةُ الْأَجْزَاءِ مُخْتَلِفَةً .\rالثَّالِثُ ، أَنْ تَكُونَ السِّهَامُ مُخْتَلِفَةً وَقِيمَةُ الْأَجْزَاءِ مُتَسَاوِيَةً .\rالرَّابِعُ ، أَنْ تَكُونَ السِّهَامُ مُخْتَلِفَةً ، وَالْقِيمَةُ مُخْتَلِفَةً .\rفَأَمَّا الْأَوَّلُ ، فَمِثْلُ أَرْضٍ بَيْنَ سِتَّةٍ ، لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ سُدُسُهَا ، وَقِيمَةُ أَجْزَاءِ الْأَرْضِ مُتَسَاوِيَةٌ ، فَهَذِهِ تَعْدِلُهَا بِالْمِسَاحَةِ سِتَّةُ أَجْزَاءٍ مُتَسَاوِيَةٍ ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ تَعْدِيلِهَا بِالْمِسَاحَةِ تَعْدِيلُهَا بِالْقِيمَةِ ، لِتَسَاوِي أَجْزَائِهَا فِي الْقِيمَةِ ، ثُمَّ يُقْرَعُ بَيْنَهُمْ ، وَكَيْفَمَا أَقْرَعَ بَيْنَهُمْ جَازَ ، فِي ظَاهِرِ كَلَامِ أَحْمَدَ فَإِنَّهُ قَالَ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد إنْ شَاءَ رِقَاعًا ، وَإِنْ شَاءَ خَوَاتِيمَ ، يُطْرَحُ ذَلِكَ فِي حِجْرِ مَنْ لَمْ يَحْضُرْ ، وَيَكُونُ لِكُلِّ وَاحِدٍ خَاتَمٌ مُعَيَّنٌ ، ثُمَّ يُقَالُ : أَخْرِجْ خَاتَمًا عَلَى هَذَا السَّهْمِ .\rفَمَنْ خَرَجَ خَاتَمَهُ فَهُوَ لَهُ ، وَعَلَى هَذَا ، لَوْ أَقْرَعَ بِالْحَصَى أَوْ غَيْرِهِ جَازَ .\rوَاخْتَارَ أَصْحَابُنَا فِي الْقُرْعَةِ أَنْ يَكْتُبَ رِقَاعًا مُتَسَاوِيَةً بِعَدَدِ السِّهَامِ ، وَهُوَ هَاهُنَا مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يُخْرِجَ الْأَسْمَاءَ عَلَى السِّهَامِ ، وَبَيْنَ إخْرَاجِ السِّهَامِ عَلَى الْأَسْمَاءِ ، فَإِنْ أَخْرَجَ الْأَسْمَاءَ عَلَى السِّهَامِ ، كَتَبَ فِي كُلِّ رُقْعَةٍ اسْمَ وَاحِدٍ مِنْ الشُّرَكَاءِ ، وَتُتْرَكُ فِي بَنَادِقَ طِينٍ أَوْ شَمْعٍ مُتَسَاوِيَةِ الْقَدْرِ وَالْوَزْنِ ، وَيُتْرَكُ فِي حِجْرِ","part":23,"page":113},{"id":11113,"text":"مَنْ لَمْ يَحْضُرْ الْقِسْمَةَ ، وَيُقَالُ لَهُ : أَخْرِجْ بُنْدُقَةً عَلَى هَذَا السَّهْمِ .\rفَإِذَا أَخْرَجَهَا كَانَ ذَلِكَ السَّهْمُ لِمَنْ خَرَجَ اسْمُهُ فِي الْبُنْدُقَةِ ، ثُمَّ يُخْرِجُ أُخْرَى عَلَى سَهْمٍ آخَرَ ، كَذَلِكَ حَتَّى يَبْقَى الْأَخِيرُ ، فَيَتَعَيَّنَ لِمَنْ بَقِيَ .\rوَإِنْ اخْتَارَ إخْرَاجَ السِّهَامِ عَلَى الْأَسْمَاءِ ، كَتَبَ فِي الرِّقَاعِ أَسْمَاءَ السِّهَامِ ، فَيَكْتُبُ فِي رُقْعَةِ الْأَوَّلِ مِمَّا يَلِي جِهَةَ كَذَا ، وَفِي أُخْرَى الثَّانِيَ ، حَتَّى يَكْتُبَ السِّتَّةَ ، ثُمَّ يُخْرِجُ الرُّقْعَةَ عَلَى وَاحِدٍ بِعَيْنِهِ ، فَيَكُونُ لَهُ السَّهْمُ الَّذِي فِي الرُّقْعَةِ .\rوَيَفْعَلُ ذَلِكَ حَتَّى يَبْقَى الْأَخِيرُ ، فَيَتَعَيَّنُ لِمَنْ بَقِيَ .\rوَذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ ، أَنَّ الْبَنَادِقَ تُجْعَلُ طِينًا ، وَتُطْرَحُ فِي مَاءٍ ، وَيُعَيَّنُ وَاحِدٌ ، فَأَيُّ الْبَنَادِقِ انْحَلَّ الطِّينُ عَنْهَا ، وَخَرَجَتْ رُقْعَتُهَا عَلَى الْمَاءِ ، فَهِيَ لَهُ ، وَكَذَلِكَ الثَّانِي وَالثَّالِثُ وَمَا بَعْدَهُ ، فَإِنْ خَرَجَ اثْنَانِ أُعِيدَ الْإِقْرَاعُ وَالْأَوَّلُ أَوْلَى وَأَسْهَلُ .\rالْقِسْمُ الثَّانِي ، أَنْ تَكُونَ السِّهَامُ مُتَّفِقَةً وَالْقِيمَةُ مُخْتَلِفَةً ، فَإِنَّ الْأَرْضَ تُعْدَلُ بِالْقِيمَةِ ، وَتُجْعَلُ سِتَّةَ أَسْهُمٍ مُتَسَاوِيَةَ الْقِيمَةِ .\rوَيُفْعَلُ فِي إخْرَاجِ السِّهَامِ مِثْلُ الَّذِي قَبْلَهُ سَوَاءً ، لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا إلَّا أَنَّ التَّعْدِيلَ تَمَّ بِالسِّهَامِ ، وَهَا هُنَا بِالْقِيمَةِ .\rالْقِسْمُ الثَّالِثُ ، أَنْ تَكُونَ الْقِيمَةُ مُتَسَاوِيَةً وَالسِّهَامُ مُخْتَلِفَةً ؛ مِثْلُ أَرْضٍ بَيْنَ ثَلَاثَةٍ ، لِأَحَدِهِمْ نِصْفُهَا ، وَلِلْآخَرِ ثُلُثُهَا ، وَلِلْآخَرِ سُدُسُهَا ، وَأَجْزَاؤُهَا مُتَسَاوِيَةُ الْقِيمَةِ ، فَإِنَّهَا تُجْعَلُ سِهَامًا بِقَدْرِ أَقَلِّهَا ، وَهُوَ السُّدُسُ ، فَتُجْعَلُ سِتَّةَ أَسْهُمٍ ، وَتُعَدَّلُ بِالْأَجْزَاءِ ، وَيَكْتُبُ ثَلَاثَ رِقَاعٍ بِأَسْمَائِهِمْ ، وَيُخْرِجُ رُقْعَةً عَلَى السَّهْمِ الْأَوَّلِ ، فَإِنْ خَرَجَتْ لِصَاحِبِ السُّدُسِ ، أَخَذَهُ ، ثُمَّ يُخْرِجُ أُخْرَى عَلَى الثَّانِي ، فَإِنْ خَرَجَتْ لِصَاحِبِ الثُّلُثِ ، أَخَذَ الثَّانِيَ وَالثَّالِثَ ،","part":23,"page":114},{"id":11114,"text":"وَكَانَتْ الثَّلَاثَةُ الْبَاقِيَةُ لِصَاحِبِ النِّصْفِ بِغَيْرِ قُرْعَةٍ ، وَإِنْ خَرَجَتْ الْقُرْعَةُ الثَّانِيَةُ لِصَاحِبِ النِّصْفِ ، أَخَذَ الثَّانِيَ وَالثَّالِثَ وَالرَّابِعَ ، وَكَانَ الْخَامِسُ وَالسَّادِسُ لِصَاحِبِ الثُّلُثِ ، وَإِنْ خَرَجَتْ الْقُرْعَةُ الْأُولَى لِصَاحِبِ النِّصْفِ ، أَخَذَ الثَّلَاثَةَ الْأُوَلَ ، وَتَخْرُجُ الثَّانِيَةُ عَلَى الرَّابِعِ ، فَإِنْ خَرَجَتْ لِصَاحِبِ الثُّلُثِ ، أَخَذَهُ وَاَلَّذِي يَلِيهِ ، وَكَانَ السَّادِسُ لِصَاحِبِ السُّدُسِ ، فَإِنْ خَرَجَتْ الثَّانِيَةُ لِصَاحِبِ السُّدُسِ ، أَخَذَهُ ، وَأَخَذَ الْآخَرُ الْخَامِسَ وَالسَّادِسَ ، وَإِنْ خَرَجَتْ الْأُولَى لِصَاحِبِ الثُّلُثِ ، أَخَذَ الْأَوَّلَ وَالثَّانِيَ ، ثُمَّ يُخْرِجُ الثَّانِيَةَ عَلَى الثَّالِثِ ، فَإِنْ خَرَجَتْ لِصَاحِبِ النِّصْفِ ، أَخَذَ الثَّالِثَ وَالرَّابِعَ وَالْخَامِسَ ، وَأَخَذَ الْآخَرُ السَّادِسَ ، وَإِنْ خَرَجَتْ الثَّانِيَةُ لِصَاحِبِ السُّدُسِ ، أَخَذَهُ ، وَأَخَذَ صَاحِبُ النِّصْفِ مَا بَقِيَ .\rوَقِيلَ : تُكْتَبُ سِتَّةُ رِقَاعٍ ، بِاسْمِ صَاحِبِ النِّصْفِ ثَلَاثٌ ، وَبِاسْمِ صَاحِبِ الثُّلُثِ اثْنَانِ ، وَبِاسْمِ صَاحِبِ السُّدُسِ وَاحِدَةٌ .\rوَهَذَا لَا فَائِدَةَ فِيهِ ؛ فَإِنَّ الْمَقْصُودَ خُرُوجُ اسْمِ صَاحِبِ النِّصْفِ ، وَإِذَا كَتَبَ ثَلَاثَ رِقَاعٍ حَصَلَ الْمَقْصُودُ فَأَغْنَى .\rوَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكْتُبَ رِقَاعًا بِأَسْمَاءِ السِّهَامِ ، وَيُخْرِجَهَا عَلَى أَسْمَاءِ الْمُلَّاكِ ؛ لِأَنَّهُ إذَا أَخْرَجَ وَاحِدَةً فِيهَا السَّهْمُ الثَّانِي لِصَاحِبِ السُّدُسِ ، ثُمَّ أَخْرَجَ أُخْرَى لِصَاحِبِ النِّصْفِ أَوْ الثُّلُثِ فِيهِمَا السَّهْمُ الْأَوَّلُ ، احْتَاجَ أَنْ يَأْخُذَ نَصِيبَهُ مُتَفَرِّقًا ، فَيَتَضَرَّرُ بِذَلِكَ .\rالْقِسْمُ الرَّابِعُ ، إذَا اخْتَلَفَتْ السِّهَامُ وَالْقِيمَةُ ، فَإِنَّ الْقَاسِمَ يَعْدِلُ السِّهَامَ بِالْقِيمَةِ ، وَيَجْعَلُهَا سِتَّةَ أَسْهُمٍ مُتَسَاوِيَةَ الْقِيَمِ ، ثُمَّ يُخْرِجُ الرِّقَاعَ فِيهَا الْأَسْمَاءُ عَلَى السِّهَامِ ، كَمَا ذَكَرْنَا فِي الْقِسْمِ الثَّالِثِ سَوَاءً ، لَا فَضْلَ بَيْنَهُمَا ، إلَّا أَنَّ التَّعْدِيلَ هَاهُنَا بِالْقِيَمِ ، وَفِي الَّتِي قَبْلَهَا بِالْمِسَاحَةِ .","part":23,"page":115},{"id":11115,"text":"وَأَمَّا الضَّرْبُ الثَّانِي ، وَهِيَ قِسْمَةُ التَّرَاضِي الَّتِي فِيهَا رَدٌّ ، وَلَا يُمْكِنُ تَعْدِيلُ السِّهَامِ إلَّا أَنْ يُجْعَلَ مَعَ بَعْضِهَا عِوَضٌ ، فَهَذِهِ لَا إجْبَارَ فِيهَا ؛ لِأَنَّهَا مُعَاوَضَةٌ ، وَلَا يُجْبَرُ عَلَى الْمُعَاوَضَةِ ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ مَا لَا تَجِبُ قِسْمَتُهُ ، كَالدَّارَيْنِ تُجْعَلُ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا سَهْمًا ، وَمَا يَدْخُلُ الضَّرَرُ عَلَيْهِمَا بِقِسْمَتِهِ ، وَأَشْبَاهِ هَذَا ، وَقَدْ ذَكَرْنَا مِنْهُ صُوَرًا فِيمَا تَقَدَّمَ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّ قِسْمَةَ الْإِجْبَارِ تَلْزَمُ بِإِخْرَاجِ الْقُرْعَةِ ؛ لِأَنَّ قُرْعَةَ قَاسِمِ الْحَاكِمِ بِمَنْزِلَةِ حُكْمِهِ فَيَلْزَمُ بِإِخْرَاجِهَا كَلُزُومِ حُكْمِ الْحَاكِمِ .\rوَأَمَّا قِسْمَةُ التَّرَاضِي ، فَفِيهَا وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، تَلْزَمُهُ أَيْضًا ، كَقِسْمَةِ الْإِجْبَارِ ؛ لِأَنَّ الْقَاسِمَ كَالْحَاكِمِ ، وَقُرْعَتَهُ كَحُكْمِهِ .\rوَالثَّانِي ، لَا تَلْزَمُ ؛ لِأَنَّهَا بَيْعٌ ، وَالْبَيْعُ يَلْزَمُ بِالتَّرَاضِي ، لَا بِالْقُرْعَةِ ، وَإِنَّمَا الْقُرْعَةُ هَاهُنَا لِتَعْرِيفِ الْبَائِعِ مِنْ الْمُشْتَرِي ، فَأَمَّا إنْ تَرَاضَيَا عَلَى أَنْ يَأْخُذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَاحِدًا مِنْ السَّهْمَيْنِ بِغَيْرِ قُرْعَةٍ ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمَا ، وَلَا يَخْرُجُ عَنْهُمَا ، وَكَذَلِكَ لَوْ خَيَّرَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ فَاخْتَارَ ، وَيَلْزَمُ هَاهُنَا بِالتَّرَاضِي وَتَفَرُّقِهِمَا ، كَمَا يَلْزَمُ الْبَيْعُ .","part":23,"page":116},{"id":11116,"text":"( 8316 ) فَصْلٌ : وَيَجُوزُ لِلشَّرِيكَيْنِ أَنْ يَقْتَسِمَا بِأَنْفُسِهِمَا ، وَأَنْ يَأْتِيَا الْحَاكِمَ لِيُنَصِّبَ بَيْنَهُمَا قَاسِمًا يَقْسِمُ لَهُمَا ، وَأَنْ يُنَصِّبَا قَاسِمًا يَقْسِمُ لَهُمَا ، فَإِنْ نَصَّبَ الْحَاكِمُ قَاسِمًا لَهُمَا ، فَمِنْ شَرْطِهِ الْعَدَالَةُ ، وَمَعْرِفَةُ الْحِسَابِ وَالْقِيمَةِ وَالْقِسْمَةِ ، لِيُوصِلَ إلَى كُلِّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ .\rوَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، إلَّا أَنَّهُ يَشْتَرِطُ كَوْنَهُ حُرًّا .\rوَإِنْ نَصَّبَا قَاسِمًا بَيْنَهُمَا ، فَكَانَ عَلَى صِفَةِ قَاسِمِ الْحَاكِمِ فِي الْعَدَالَةِ وَالْمَعْرِفَةِ ، فَهُوَ كَقَاسِمِ الْحَاكِمِ ، فِي لُزُومِ قِسْمَتِهِ بِالْقُرْعَةِ ، وَإِنْ كَانَ كَافِرًا ، أَوْ فَاسِقًا ، أَوْ غَيْرَ عَارِفٍ بِالْقِسْمَةِ ، لَمْ تَلْزَمْ قِسْمَتُهُ إلَّا بِتَرَاضِيهِمَا بِهَا ، وَيَكُونُ وُجُودُهُ كَعَدَمِهِ ، فِيمَا يَرْجِعُ إلَى لُزُومِ الْقِسْمَةِ .\rوَيُجْزِئُ قَاسِمٌ وَاحِدٌ فِيمَا لَا يَحْتَاجُ إلَى تَقْوِيمٍ ، فَإِنْ احْتَاجَ الْقَسْمُ إلَى التَّقْوِيمِ ، احْتَاجَ إلَى قَاسِمَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى أَنْ يَكُونَ الْمُقَوِّمُ اثْنَيْنِ ، وَلَا يَكْفِي فِي التَّقْوِيمِ وَاحِدٌ .\rفَمَتَى نَصَّبَا قَاسِمًا أَوْ نَصَّبَهُ الْحَاكِمُ ، وَكَانَتْ الشُّرُوطُ فِيهِ مُتَحَقِّقَةً ، لَزِمَتْ الْقِسْمَةُ بِقُرْعَتِهِ .\rوَإِنْ اخْتَلَّ فِيهِ بَعْضُ الشُّرُوطِ ، لَمْ تَلْزَمْ الْقِسْمَةُ إلَّا بِتَرَاضِيهِمَا ؛ لِأَنَّ وُجُودَهُ وَعَدَمَهُ وَاحِدٌ .\rوَإِنْ قَسَمَا بِأَنْفُسِهِمَا ، وَأَقْرَعَا ، لَمْ تَلْزَمْ الْقِسْمَةُ إلَّا بِتَرَاضِيهِمَا بَعْدَ الْقُرْعَةِ ؛ لِأَنَّهُ لَا حَاكِمَ بَيْنَهُمَا ، وَلَا مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ .","part":23,"page":117},{"id":11117,"text":"( 8317 ) فَصْلٌ : وَعَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَرْزُقَ الْقَاسِمَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ ؛ لِأَنَّ هَذَا مِنْ الْمَصَالِحِ ، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ اتَّخَذَ قَاسِمًا ، وَجَعَلَ لَهُ رِزْقًا مِنْ بَيْتِ الْمَالِ .\rفَإِنْ لَمْ يَرْزُقْهُ الْإِمَامُ ، قَالَ الْحَاكِمُ لِلْمُتَقَاسَمَيْنِ : ادْفَعَا إلَى الْقَاسِمِ أُجْرَةً لِيَقْسِمَ بَيْنَكُمَا .\rفَإِنْ اسْتَأْجَرَهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِأَجْرٍ مَعْلُومٍ لِيَقْسِمَ نَصِيبَهُ ، جَازَ ، وَإِنْ اسْتَأْجَرُوهُ جَمِيعًا إجَارَةً وَاحِدَةً لِيَقْسِمَ بَيْنَهُمْ الدَّارَ بِأَجْرِ وَاحِدٍ مَعْلُومٍ ، لَزِمَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مِنْ الْأَجْرِ بِقَدْرِ نَصِيبِهِ مِنْ الْمَقْسُومِ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَكُونُ عَلَيْهِمْ عَلَى عَدَدِ رُءُوسِهِمْ ؛ لِأَنَّ عَمَلَهُ فِي نَصِيبِ أَحَدِهِمَا كَعَمَلِهِ فِي نَصِيبِ الْآخَرِ ، سَوَاءٌ تَسَاوَتْ سِهَامُهُمْ أَوْ اخْتَلَفَتْ ، فَإِنَّ الْأَجْرَ بَيْنَهُمْ سَوَاءٌ .\rوَلَنَا أَنَّ أَجْرَ الْقِسْمَةِ يَتَعَلَّقُ بِالْمِلِكِ ، فَكَانَ بَيْنَهُمْ عَلَى قَدْرِ الْأَمْلَاكِ ، كَنَفَقِهِ الْعَبْدِ ، وَمَا ذَكَرُوهُ لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ الْعَمَلَ فِي أَكْبَرِ النَّصِيبَيْنِ أَكْثَرُ ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْمَقْسُومَ لَوْ كَانَ مَكِيلًا أَوْ مَوْزُونًا ، كَانَ كَيْلُ الْكَثِيرِ أَكْثَرَ عَمَلًا مِنْ كَيْلِ الْقَلِيلِ ، وَكَذَلِكَ الْوَزْنُ وَالزَّرْعُ ، وَعَلَى أَنَّهُ يَبْطُلُ بِالْحَافِظِ ، فَإِنَّ حِفْظَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ سَوَاءٌ ، وَيَخْتَلِفُ أَجْرُهُ بِاخْتِلَافِ الْمَالِ .\r( 8318 ) فَصْلٌ : وَأُجْرَةُ الْقِسْمَةِ بَيْنَهُمَا وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا الطَّالِبَ لَهَا .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ ، وَالشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : هِيَ عَلَى الطَّالِبِ لِلْقِسْمَةِ ؛ لِأَنَّهَا حَقٌّ لَهُ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الْأُجْرَةَ تَجِبُ بِإِفْرَازِ الْأَنْصِبَاءِ ، وَهُمْ فِيهَا سَوَاءٌ ، فَكَانَتْ الْأُجْرَةُ عَلَيْهِمَا ، كَمَا لَوْ تَرَاضَوْا عَلَيْهَا .","part":23,"page":118},{"id":11118,"text":"( 8319 ) فَصْلٌ : وَإِذَا ادَّعَى أَحَدُ الْمُتَقَاسِمَيْنِ غَلَطًا فِي الْقِسْمَةِ ، وَأَنَّهُ أُعْطِيَ دُونَ حَقِّهِ ؛ نَظَرْت ، فَإِنْ كَانَتْ قِسْمَتُهُ تَلْزَمُ بِالْقُرْعَةِ ، وَلَا تَقِفُ عَلَى تَرَاضِيهِمَا ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَعَ يَمِينِهِ ، وَلَا تُقْبَلُ دَعْوَى الْمُدَّعِي إلَّا بِبَيِّنَةٍ عَادِلَةٍ ، فَإِنْ أَقَامَ شَاهِدَيْنِ عَدْلَيْنِ ، نُقِضَتْ الْقِسْمَةُ وَأُعِيدَتْ ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ ، وَطَلَبَ يَمِينَ شَرِيكِهِ أَنَّهُ لَا فَضْلَ مَعَهُ ، أُحْلِفَ لَهُ .\rوَإِنَّمَا قَدَّمْنَا قَوْلَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ صِحَّةُ الْقِسْمَةِ ، وَأَدَاءُ الْأَمَانَةِ فِيهَا .\rوَإِنْ كَانَتْ مِمَّا لَا تَلْزَمُ إلَّا بِالتَّرَاضِي ، كَاَلَّذِي قَسَمَاهُ بِأَنْفُسِهِمَا وَنَحْوِهِ ، لَمْ تُسْمَعْ دَعْوَى مِنْ ادَّعَى الْغَلَطَ .\rهَكَذَا قَالَ أَصْحَابُنَا .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ رَضِيَ بِذَلِكَ ، وَرِضَاهُ بِالزِّيَادَةِ فِي نَصِيبِ شَرِيكِهِ تَلْزَمُهُ وَالصَّحِيحُ عِنْدِي أَنَّ هَذِهِ كَاَلَّتِي قَبْلَهَا ، وَأَنَّهُ مَتَى أَقَامَ الْبَيِّنَةَ بِالْغَلَطِ ، نَقَضَتْ الْقِسْمَةُ ؛ لِأَنَّ مَا ادَّعَاهُ مُحْتَمِلٌ ثَبَتَ بِبَيِّنَةِ عَادِلَةٍ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ شَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ بِقَبْضِ الثَّمَنِ أَوْ الْمُسْلَمِ فِيهِ ، ثُمَّ ادَّعَى غَلَطًا فِي كَيْلِهِ أَوْ وَزْنِهِ .\rوَقَوْلُهُمْ : إنَّ حَقَّهُ مِنْ الزِّيَادَةِ سَقَطَ بِرِضَاهُ .\rلَا يَصِحُّ ؛ فَإِنَّهُ إنَّمَا يَسْقُطُ مَعَ عِلْمِهِ ، أَمَّا إذَا ظَنَّ أَنَّهُ أُعْطِيَ حَقَّهُ فَرَضِيَ بِنَاءً عَلَى هَذَا ، ثُمَّ بَانَ لَهُ الْغَلَطُ ، فَلَا يَسْقُطُ بِهِ حَقُّهُ كَالثَّمَنِ وَالْمُسْلَمِ فِيهِ ؛ فَإِنَّهُ لَوْ قَبَضَ الْمُسْلَمَ فِيهِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ عَشْرَةُ مَكَايِيلَ ، رَاضِيًا بِذَلِكَ ثُمَّ ثَبَتَ أَنَّهُ ثَمَانِيَةٌ ، أَوْ ادَّعَى الْمُسْلَمُ إلَيْهِ أَنَّهُ غَلِطَ فَأَعْطَاهُ اثْنَيْ عَشْرَ وَثَبَتَ ذَلِكَ بِبَيِّنَةٍ ، لَمْ يَسْقُطْ حَقُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالرِّضَا ، وَلَا يَمْنَعُ سَمَاعُ دَعْوَاهُ وَبَيِّنَتِهِ ، وَلِأَنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِي مَسْأَلَتِنَا لَوْ أَقَرَّ بِالْغَلَطِ ، لَنَقَضَتْ","part":23,"page":119},{"id":11119,"text":"الْقِسْمَةُ ، وَلَوْ سَقَطَ حَقُّ الْمُدَّعِي بِالرِّضَى ، لَمَا نَقَضَتْ الْقِسْمَةُ بِإِقْرَارِهِ ، كَمَا لَوْ وَهَبَهُ الزَّائِدَ ، وَقَدْ ذَكَرَ أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ فِي مَنْ بَاعَ دَارًا عَلَى أَنَّهَا عَشْرَةُ أَذْرُعٍ ، فَبَانَتْ تِسْعَةً أَوْ أَحَدَ عَشْرَ ، أَنَّ الْبَيْعَ بَاطِلٌ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ ، وَفِي الْآخَرِ ، تَكُونُ الزِّيَادَةُ لِلْبَائِعِ ، وَالنَّقْصُ عَلَيْهِ .\rوَالْبَيْعُ إنَّمَا يَلْزَمُ بِالتَّرَاضِي ، فَلَوْ كَانَ التَّرَاضِي يُسْقِطُ حَقَّهُ مِنْ الزِّيَادَةِ ، لَسَقَطَ حَقُّ الْبَائِعِ مِنْ الزِّيَادَةِ ، وَحَقُّ الْمُشْتَرِي مِنْ النَّقْصِ .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .\rوَلِأَنَّ مَنْ رَضِيَ بِشَيْءِ بِنَاءً عَلَى ظَنٍّ تَبَيَّنَ خِلَافُهُ ، لَمْ يَسْقُطْ بِهِ حَقُّهُ ، كَمَا لَوْ اقْتَسَمَا شَيْئًا ، وَتَرَاضَيَا بِهِ ، ثُمَّ بَانَ نَصِيبُ أَحَدِهِمَا مُسْتَحَقًّا .\rفَإِنْ قِيلَ : فَلِمَ لَا تُعْطِي الْمَظْلُومَ حَقَّهُ فِي هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ ، وَلَا تَنْقُصُ الْقِسْمَةَ ، كَمَا لَوْ تَبَيَّنَ الْغَلَطُ فِي الثَّمَنِ ، أَوْ الْمُسْلَمِ فِيهِ .\rقُلْنَا : لِأَنَّ الْغَلَطَ هَاهُنَا فِي نَفْسِ الْقِسْمَةِ ، بِتَفْوِيتِ شَرْطٍ مِنْ شُرُوطِهَا ، وَهُوَ تَعْدِيلُ السِّهَامِ ، فَتَبْطُلُ لِفَوَاتِ شَرْطِهَا ، وَفِي الْمُسْلَمِ وَالثَّمَنِ الْغَلَطُ فِي الْقَبْضِ دُونَ الْعَقْدِ ، فَإِنَّ الْعَقْدَ قَدْ تَمَّ بِشُرُوطِهِ ، فَلَا يُؤَثِّرُ الْغَلَطُ فِي قَبْضِ عِوَضِهِ فِي صِحَّتِهِ ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا .","part":23,"page":120},{"id":11120,"text":"( 8320 ) فَصْلٌ : إذَا اقْتَسَمَ الشَّرِيكَانِ شَيْئًا ، فَبَانَ بَعْضُهُ مُسْتَحَقًّا ؛ نَظَرْت ، فَإِنْ كَانَ مُعَيَّنًا فِي نَصِيبِ أَحَدِهِمَا ، بَطَلَتْ الْقِسْمَةُ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا تَبْطُلُ ، بَلْ يُخَيَّرُ مَنْ ظَهَرَ الْمُسْتَحَقُّ فِي نَصِيبِهِ بَيْنَ الْفَسْخِ وَالرُّجُوعِ بِمَا بَقِيَ مِنْ حَقِّهِ ، كَمَا لَوْ وَجَدَ عَيْبًا فِيمَا أَخَذَهُ .\rوَلَنَا ، أَنَّهَا قِسْمَةٌ لَمْ تُعَدَّلْ فِيهَا السِّهَامُ ، فَكَانَتْ بَاطِلَةً ، كَمَا لَوْ فَعَلَا ذَلِكَ مَعَ عِلْمِهِمَا بِالْحَالِ .\rوَأَمَّا إذَا بَانَ نُصِيبُ أَحَدِهِمَا مَعِيبًا ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ تُمْنَعَ الْمَسْأَلَةُ ، فَنَقُولَ بِبُطْلَانِ الْقِسْمَةِ ؛ لِعَدَمِ التَّعْدِيلِ بِالْقِيمَةِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُمَا ، فَإِنَّ الْعَيْبَ لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ ، فَلَمْ يُؤَثِّرْ فِي الْبُطْلَانِ ، كَالْبَيْعِ .\rوَإِنْ كَانَ الْمُسْتَحَقُّ فِي نَصِيبِهِمَا عَلَى السَّوَاءِ ، لَمْ تَبْطُلْ الْقِسْمَةُ ؛ لِأَنَّ مَا يَبْقَى لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَعْدَ الْمُسْتَحَقِّ قَدْرَ حَقِّهِ ، وَلِأَنَّ الْقِسْمَةَ إفْرَازُ حَقِّ أَحَدِهِمَا مِنْ الْآخَرِ ، وَقَدْ أَفْرَزَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَقَّهُ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ ضَرَرُ الْمُسْتَحَقِّ فِي نَصِيبِ أَحَدِهِمَا أَكْثَرَ ، مِثْلُ أَنْ يَسُدَّ طَرِيقَهُ ، أَوْ مَجْرَى مَائِهِ ، أَوْ وَضُوئِهِ ، أَوْ نَحْوِ هَذَا ، فَتَبْطُلُ الْقِسْمَةُ ؛ لِأَنَّ هَذَا يَمْنَعُ التَّعْدِيلَ .\rوَإِنْ كَانَ الْمُسْتَحَقُّ فِي نَصِيبِ أَحَدِهِمَا أَكْثَرَ مِنْ الْآخَرِ ، بَطَلَتْ ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ .\rوَإِنْ كَانَ الْمُسْتَحَقُّ مُشَاعًا فِي نَصِيبِهِمَا ، بَطَلَتْ الْقِسْمَةُ ؛ لِأَنَّ الثَّالِثَ شَرِيكُهُمَا وَقَدْ اقْتَسَمَا مِنْ غَيْرِ حُضُورِهِ وَلَا إذْنِهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَ لَهُمَا شَرِيكٌ يَعْلَمَانِهِ ، فَاقْتَسَمَا دُونَهُ .\rوَإِنْ كَانَا يَعْلَمَانِ الْمُسْتَحَقَّ حَالَ الْقِسْمَةِ ، أَوْ أَحَدُهُمَا ، فَالْحُكْمُ فِيهَا كَمَا لَوْ لَمْ يَعْلَمَاهُ ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ التَّفْصِيلِ فِيهِ .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .\r( 8321 ) فَصْلٌ : وَإِذَا ظَهَرَ فِي نَصِيبِ أَحَدِهِمَا عَيْبٌ","part":23,"page":121},{"id":11121,"text":"لَمْ يَعْلَمْهُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ ، فَلَهُ فَسْخُ الْقِسْمَةِ أَوْ الرُّجُوعُ بِأَرْشِ الْعَيْبِ ؛ لِأَنَّهُ نَقْصٌ فِي نَصِيبِهِ ، فَمَلَكَ ذَلِكَ ، كَالْمُشْتَرِي .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ تَبْطُلَ الْقِسْمَةُ ؛ لِأَنَّ التَّعْدِيلَ فِيهَا شَرْطٌ ، وَلَمْ يُوجَدْ ، بِخِلَافِ الْبَيْعِ .","part":23,"page":122},{"id":11122,"text":"( 8322 ) فَصْلٌ : وَإِذَا اقْتَسَمَا دَارَيْنِ ، فَأَخَذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا دَارًا ، وَبَنَى فِيهَا ، أَوْ اقْتَسَمَا أَرْضَيْنِ ، فَبَنَى أَحَدُهُمَا فِي نَصِيبِهِ أَوْ غَرَسَ ، ثُمَّ اُسْتُحِقَّ نَصِيبُهُ ، وَنُقِضَ بِنَاؤُهُ ، وَقُلِعَ غَرْسُهُ ، فَإِنَّهُ يَرْجِعُ عَلَى شَرِيكِهِ بِنِصْفِ الْبِنَاءِ وَالْغَرْسِ .\rذَكَرَهُ الشَّرِيفُ أَبُو جَعْفَرٍ ، وَحَكَاهُ أَبُو الْخَطَّابِ عَنْ الْقَاضِي .\rوَقَالَ أَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ : لَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ ؛ لِأَنَّهُ بَنَى وَغَرَسَ بِاخْتِيَارِ نَفْسِهِ ، فَلَمْ يَرْجِعْ بِنَقْصِ ذَلِكَ عَلَى غَيْرِهِ ، كَمَا لَوْ بَنَى فِي مِلْكِ نَفْسِهِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ هَذِهِ الْقِسْمَةَ بِمَنْزِلَةِ الْبَيْعِ ؛ فَإِنَّ الدَّارَيْنِ لَا يُقْسَمَانِ قِسْمَةَ إجْبَارٍ عَلَى أَنْ تَكُونَ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا نَصِيبًا ، وَإِنَّمَا يُقْسَمَانِ كَذَلِكَ بِالتَّرَاضِي ، فَتَكُونُ جَارِيَةً مَجْرَى الْبَيْعِ ، وَلَوْ بَاعَهُ الدَّارَ جَمِيعَهَا ، ثُمَّ بَانَتْ مُسْتَحَقَّةً ، رَجَعَ عَلَيْهِ بِالْبِنَاءِ كُلِّهِ ، فَإِذَا بَاعَهُ نِصْفَهَا ، رَجَعَ عَلَيْهِ بِنِصْفِهِ ، وَكَذَلِكَ يُخَرَّجُ فِي كُلِّ قِسْمَةٍ جَارِيَةٍ مَجْرَى الْبَيْعِ ، وَهِيَ قِسْمَةُ التَّرَاضِي ، الَّذِي فِيهِ رَدُّ عِوَضٍ ، وَمَا لَا يُجْبَرُ عَلَى قِسْمَتِهِ لَضَرَرٍ فِيهِ ، وَنَحْوِ ذَلِكَ .\rفَأَمَّا قِسْمَةُ الْإِجْبَارِ ، إذَا ظَهَرَ نَصِيبُ أَحَدِهِمَا مُسْتَحَقًّا بَعْدَ الْبِنَاءِ وَالْغَرْسِ فِيهِ ، فَنُقِضَ الْبِنَاءُ ، وَقُلِعَ الْغَرْسُ ، فَإِنْ قُلْنَا : الْقِسْمَةُ بَيْعٌ .\rفَالْحُكْمُ فِيهَا كَذَلِكَ ، وَإِنْ قُلْنَا : لَيْسَتْ بَيْعًا .\rلَمْ يَرْجِعْ ؛ لِأَنَّ شَرِيكَهُ لَمْ يُغْرِهِ ، وَلَمْ يَنْقُلْ إلَيْهِ مِنْ جِهَتِهِ بَيْعٌ ، وَإِنَّمَا أُفْرِزَ حَقُّهُ مِنْ حَقِّهِ ، فَلَمْ يَضْمَنْ لَهُ مَا غَرِمَ فِيهِ .\rهَذَا الَّذِي يَقْتَضِيه قَوْلُ أَصْحَابِنَا .","part":23,"page":123},{"id":11123,"text":"( 8323 ) فَصْلٌ : وَإِذَا اقْتَسَمَ الْوَرَثَةُ تَرِكَةَ الْمَيِّتِ ، ثُمَّ بَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ لَا وَفَاءَ لَهُ إلَّا مِمَّا اقْتَسَمُوهُ ، لَمْ تَبْطُلْ الْقِسْمَةُ ؛ لِأَنَّ تَعَلُّقَ الدَّيْنِ بِالتَّرِكَةِ لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ التَّصَرُّفِ فِيهَا ، لِأَنَّهُ تَعَلَّقَ بِهَا بِغَيْرِ رِضَاهُمْ ، فَأَشْبَهَ تَعَلُّقَ دَيْنِ الْجِنَايَةِ بِرَقَبَةِ الْجَانِي ، وَيُفَارِقُ الرَّهْنَ ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ يَتَعَلَّقُ بِهِ بِرِضَا مَالِكِهِ وَاخْتِيَارِهِ .\rفَعَلَى هَذَا يُقَالُ لِلْوَرَثَةِ : إنْ شِئْتُمْ وَفَّيْتُمْ الدَّيْنَ وَالْقِسْمَةُ بِحَالِهَا ، وَإِنْ أَبَيْتُمْ نُقِضَتْ الْقِسْمَةُ وَبِيعَتْ التَّرِكَةُ فِي الدَّيْنِ .\rفَإِنْ أَجَابَ أَحَدُهُمْ ، وَامْتَنَعَ الْآخَرُ ، بِيعَ نَصِيبُ الْمُمْتَنِعِ وَحْدَهُ ، وَبَقِيَ نَصِيبُ الْمُجِيبِ بِحَالِهِ .\rوَإِنْ كَانَ ثَمَّ وَصِيَّةٌ بِجُزْءٍ مِنْ الْمَقْسُومِ ، فَالْحُكْمُ فِيهِ كَمَا لَوْ ظَهَرَ مُسْتَحَقًّا ، عَلَى مَا مَرَّ مِنْ التَّفْصِيلِ فِيهِ ؛ لِأَنَّهُ يُسْتَحَقُّ أَخْذُهُ .\rوَإِنْ كَانَتْ الْوَصِيَّةُ بِمَالٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ ، مِثْلُ أَنْ يُوصِيَ بِمِائَةِ دِينَارٍ ، فَحُكْمُهَا حُكْمُ الدَّيْنِ ، عَلَى مَا بَيَّنَّا .","part":23,"page":124},{"id":11124,"text":"( 8324 ) فَصْلٌ : وَإِذَا طَلَبَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ مِنْ الْآخَرِ الْمُهَايَأَةَ مِنْ غَيْرِ قِسْمَةٍ ، إمَّا فِي الْأَجْزَاءِ بِأَنْ يَجْعَلَ لِأَحَدِهِمَا بَعْضَ الدَّارِ يَسْكُنُهَا ، أَوْ بَعْضَ الْحَقْلِ يَزْرَعُهُ ، وَيَسْكُنُ الْآخَرَ ، وَيَزْرَعُ فِي الْبَاقِي ، أَوْ يَسْكُنُ أَحَدُهُمَا ، وَيَزْرَعُ سَنَةً ، وَيَسْكُنُ الْآخَرُ ، وَيَزْرَعُ سَنَةً أُخْرَى ، لَمْ يُجْبَرْ الْمُمْتَنِعُ مِنْهُمَا .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٌ : يُجْبَرُ ؛ لِأَنَّ فِي الِامْتِنَاعِ مِنْهُ ضَرَرًا ، فَيَنْتَفِي بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ } .\rوَوَافَقَنَا أَبُو حَنِيفَةَ فِي الْعَبِيدِ خَاصَّةً ، عَلَى أَنَّهُ لَا يُجْبَرُ عَلَى الْمُهَايَأَةِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الْمُهَايَأَةَ مُعَاوَضَةٌ ، فَلَا يُجْبَرُ عَلَيْهَا كَالْبَيْعِ ، وَلِأَنَّ حَقَّ كُلِّ وَاحِدٍ فِي الْمَنْفَعَةِ عَاجِلٌ ، فَلَا يَجُوزُ تَأْخِيرُهُ بِغَيْرِ رِضَاهُ ، كَالدَّيْنِ ، وَكَمَا فِي الْعَبِيدِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَيُخَالِفُ قِسْمَةَ الْأَصْلِ ، فَإِنَّهُ إفْرَازُ النَّصِيبَيْنِ ، وَتَمْيِيزُ أَحَدِ الْحَقَّيْنِ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّهُمَا إذَا اتَّفَقَا عَلَى الْمُهَايَأَةِ ، جَازَ ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمَا فَجَازَ فِيهِ مَا تَرَاضَيَا عَلَيْهِ ، كَقِسْمَةِ التَّرَاضِي ، وَلَا يَلْزَمُ ، بَلْ مَتَى رَجَعَ أَحَدُهُمَا عَنْهَا ، انْتَقَضَتْ الْمُهَايَأَةُ .\rوَلَوْ طَلَبَ أَحَدُهُمَا الْقِسْمَةَ ، كَانَ لَهُ ذَلِكَ ، وَانْتَقَضَتْ الْمُهَايَأَةُ .\rوَوَافَقَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ فِي انْتِقَاضِهَا بِطَلَبِ الْقِسْمَةِ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : تَلْزَمُ الْمُهَايَأَةُ ؛ لِأَنَّهُ يُجْبَرُ عَلَيْهَا عِنْدَهُ ، فَلَزِمَتْ ، كَقِسْمَةِ الْأَصْلِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ بَذَلَ مَنَافِعَ لِيَأْخُذَ مَنَافِعَ مِنْ غَيْرِ إجَارَةٍ ، فَلَمْ يَلْزَمْ ، كَمَا لَوْ أَعَارَهُ شَيْئًا لِيُعِيرَهُ شَيْئًا آخَرَ إذَا احْتَاجَ إلَيْهِ ، وَفَارَقَ الْقِسْمَةَ ، فَإِنَّهَا إفْرَازُ حَقٍّ ، عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ .","part":23,"page":125},{"id":11125,"text":"( 8325 ) فَصْلٌ : قَالَ أَحْمَدُ ، فِي قَوْمٍ اقْتَسَمُوا دَارًا ، وَحَصَلَ لِبَعْضِهِمْ فِيهَا زِيَادَةُ أَذْرُعٍ ، وَلِبَعْضِهِمْ نُقْصَانٌ ، ثُمَّ بَاعُوا الدَّارَ جُمْلَةً وَاحِدَةً : قُسِمَتْ الدَّارُ بَيْنَهُمْ عَلَى قَدْرِ الْأَذْرُعِ .\rيَعْنِي أَنَّ الثَّمَنَ يُقْسَمُ بَيْنَهُمْ عَلَى قَدْرِ مِلْكِهِمْ فِيهَا ، وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ زِيَادَةَ أَحَدِهِمَا فِي الْأَذْرُعِ كَزِيَادَةِ مِلْكِهِ فِيهَا .\rمِثْلُ أَنْ يَكُونَ لِأَحَدِهِمَا الْخُمُسَانِ ، فَيَحْصُلَ لَهُ أَرْبَعُونَ ذِرَاعًا ، وَلِلْآخَرِ ثَلَاثَةُ أَخْمَاسٍ ، فَيَحْصُلَ لَهُ سِتُّونَ ، فَإِنَّ الثَّمَنَ يُقْسَمُ بَيْنَهُمَا أَخْمَاسًا عَلَى قَدْرِ مِلْكِهِمَا فِي الدَّارِ ، فَإِنْ كَانَتْ زِيَادَةُ الْأَذْرُعِ لِرَدَاءَةِ مَا أَخَذَهُ صَاحِبُهَا ، مِثْلُ دَارٍ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ ، فَأَخَذَ أَحَدُهُمَا بِنَصِيبِهِ مِنْ جَيِّدِهَا أَرْبَعِينَ ذِرَاعًا ، وَأَخَذَ الْآخَرُ مِنْ رَدِيئِهَا سِتِّينَ ذِرَاعًا ، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُقْسَمَ الثَّمَنُ عَلَى قَدْرِ الْأَذْرُعِ ، بَلْ يُقْسَمُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ ؛ لِأَنَّ السِّتِّينَ هَاهُنَا مَعْدُولَةٌ بِالْأَرْبَعِينَ ، فَكَذَلِكَ يَعْدِلُ بِهَا فِي الثَّمَنِ .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":23,"page":126},{"id":11126,"text":"وَقَالَ أَحْمَدُ ، فِي قَوْمٍ اقْتَسَمُوا دَارًا كَانَتْ أَرْبَعَةَ سُطُوحٍ ، يَجْرِي عَلَيْهَا الْمَاءُ ، فَلَمَّا اقْتَسَمُوا أَرَادَ أَحَدُهُمْ مَنْعَ جَرَيَانِ مَاءِ الْآخَرِ عَلَيْهِ ، وَقَالَ : هَذَا شَيْءٌ قَدْ صَارَ لِي .\rقَالَ : إنْ كَانَ بَيْنَهُمَا شَرْطٌ أَنَّهُ يَرُدُّ الْمَاءَ ، فَلَهُ ذَلِكَ فَإِنْ لَمْ يُشْتَرَطْ ، فَلَيْسَ لَهُ مَنْعُهُ وَوَجْهُهُ أَنَّهُمْ اقْتَسَمُوا الدَّارَ وَأَطْلَقُوا ، فَاقْتَضَى ذَلِكَ أَنْ يَمْلِكَ كُلُّ وَاحِدٍ حِصَّتَهُ بِحُقُوقِهَا ، وَكَمَا لَوْ اشْتَرَاهَا بِحُقُوقِهَا ، وَمِنْ حَقِّهَا جَرَيَانُ مَائِهَا فِي مَاءٍ كَانَ يَجْرِي إلَيْهِ مُعْتَادٍ لَهُ ، وَهُوَ عَلَى سَطْحِ الْمَانِعِ ، فَلِهَذَا اسْتَحَقَّهُ حَالَةَ الْإِطْلَاقِ ، فَإِنْ تَشَارَطَا عَلَى رَدِّهِ ، فَالشَّرْطُ أَمْلَكُ ، وَالْمُؤْمِنُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ .\rوَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : إذَا اقْتَسَمَا دَارًا ، فَحَصَلَ الطَّرِيقُ فِي نَصِيبِ أَحَدِهِمَا ، وَكَانَ لِنَصِيبِ الْآخَرِ مَنْفَذٌ يَتَطَرَّقُ مِنْهُ ، وَإِلَّا بَطَلَتْ الْقِسْمَةُ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْقِسْمَةَ تَقْتَضِي التَّعْدِيلَ ، وَالنَّصِيبُ الَّذِي لَا طَرِيقَ لَهُ لَا قِيمَةَ لَهُ إلَّا قِيمَةً قَلِيلَةً ، فَلَا يَحْصُلُ التَّعْدِيلُ ، وَلِأَنَّ مِنْ شَرْطِ الْإِجْبَارِ عَلَى الْقِسْمَةِ ، أَنْ يَكُونَ مَا يَأْخُذُهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُمْكِنُ الِانْتِفَاعُ بِهِ ، وَهَذَا لَا يَنْتَفِعُ بِهِ آخِذُهُ ، فَإِنْ كَانَ قَدْ أَخَذَهُ رَاضِيًا بِهِ ، عَالِمًا بِأَنَّهُ لَا طَرِيقَ لَهُ ، جَازَ ؛ لِأَنَّ قِسْمَةَ التَّرَاضِي بَيْعٌ ، وَشِرَاؤُهُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ جَائِزٌ ، وَقِيَاسُ الْمَسْأَلَةِ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ ، أَنَّ الطَّرِيقَ تَبْقَى بِحَالِهَا فِي نَصِيبِ الْآخَرِ ، مَا لَمْ يَشْتَرِطْ صَرْفَهَا عَنْهُ ، كَمَجْرَى الْمَاءِ .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":23,"page":127},{"id":11127,"text":"( 8326 ) فَصْلٌ : قَالَ : وَلِلْأَبِ وَالْوَصِيِّ قِسْمَةُ مَالِ الصَّغِيرِ مَعَ شَرِيكِهِ ؛ لِأَنَّ الْقِسْمَةَ إمَّا إفْرَازُ حَقٍّ ، أَوْ بَيْعٌ ، وَكِلَاهُمَا جَائِزٌ لَهُمَا ، وَلِأَنَّ فِي الْقِسْمَةِ مَصْلَحَةً لِلصَّبِيِّ ، فَجَازَتْ ، كَالشِّرَاءِ لَهُ ، وَيَحُوزُ لَهُمَا قِسْمَةُ التَّرَاضِي مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ فِي الْعِوَضِ ؛ لِأَنَّ فِيهِ دَفْعًا لِضَرَرِ الشَّرِكَةِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ بَاعَهُ لِضَرَرِ الْحَاجَةِ إلَى قَضَاءِ الدَّيْنِ ، أَوْ الْحَاجَةِ إلَى النَّفَقَةِ .","part":23,"page":128},{"id":11128,"text":"( 8327 ) فَصْلٌ : وَلَا تَصِحُّ وِلَايَةُ الْقَضَاءِ إلَّا بِتَوْلِيَةِ الْإِمَامِ ، أَوْ مَنْ فَوَّضَ الْإِمَامُ إلَيْهِ ذَلِكَ ، فَإِنْ كَانَ مَنْ وَلَّاهُ لَيْسَ بِعَدْلٍ ، فَهَلْ تَصِحُّ وِلَايَتُهُ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ .\rوَيَلْزَمُ الْإِمَامَ أَنْ يَخْتَارَ لِلْقَضَاءِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ أَفْضَلِ مَنْ يَقْدِرُ عَلَيْهِ لَهُمْ .\rوَالْأَلْفَاظُ الَّتِي تَنْعَقِدُ بِهَا الْوِلَايَةُ تَنْقَسِمُ إلَى صَرِيحٍ وَكِنَايَةٍ ، فَالصَّرِيحَةُ سَبْعَةُ أَلْفَاظٍ ؛ وَهِيَ : قَدْ وَلَّيْتُك الْحُكْمَ ، وَقَلَّدْتُك ، وَاسْتَنَبْتُكَ ، وَاسْتَخْلَفْتُك ، وَرَدَدْت إلَيْك الْحُكْمَ ، وَفَوَّضْت إلَيْك ، وَجَعَلْت إلَيْك .\rفَإِذَا وُجِدَ أَحَدُ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ مِنْ الْمُوَلِّي ، وَجَوَابُهَا مِنْ الْمُوَلِّي بِالْقَبُولِ ، انْعَقَدَتْ الْوِلَايَةُ .\rوَأَمَّا الْكِنَايَةُ ، فَهِيَ أَرْبَعَةُ أَلْفَاظٍ : قَدْ اعْتَمَدْت عَلَيْك ، وَعَوَّلْت عَلَيْك ، وَوَكَلْت إلَيْك ، وَأَسْنَدْت إلَيْك .\rفَلَا تَنْعَقِدُ الْوِلَايَةُ بِهَا حَتَّى تَقْتَرِنَ بِهَا قَرِينَةٌ ، نَحْوُ قَوْلِهِ : فَاحْكُمْ فِيمَا وَكَلْت إلَيْك ، وَانْظُرْ فِيمَا أَسْنَدْت إلَيْك ، وَتَوَلَّ مَا عَوَّلْت فِيهِ عَلَيْك .\rوَإِذَا صَحَّتْ الْوِلَايَةُ ، وَكَانَتْ عَامَّةً ، اسْتَفَادَ بِهَا النَّظَرَ فِي عَشْرَةِ أَشْيَاءَ : فَصْلُ الْخُصُومَات بَيْنَ الْمُتَنَازِعِينَ ، وَاسْتِيفَاءُ الْحَقِّ مِمَّنْ ثَبَتَ عَلَيْهِ ، وَدَفْعُهُ إلَى مُسْتَحِقِّهِ ، وَالنَّظَرُ فِي أَمْوَالِ الْيَتَامَى وَالْمَجَانِينِ ، وَالْحَجْرُ عَلَى مَنْ يَرَى الْحَجْرَ عَلَيْهِ لَسَفَهٍ أَوْ فَلَسٍ ، وَالنَّظَرُ فِي الْوُقُوفِ ، فِي عَمَلِهِ فِي حِفْظِ أُصُولِهَا ، وَإِجْرَاءِ فُرُوعِهَا عَلَى مَا شَرَطَهُ الْوَاقِفُ ، وَتَزْوِيجُ الْأَيَامَى اللَّاتِي لَا أَوْلِيَاءَ لَهُنَّ ، وَإِقَامَةُ الْحُدُودِ وَالنَّظَرُ فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ ، فِي عَمَلِهِ بِكَفِّ الْأَذَى عَنْ طُرُقَاتِ الْمُسْلِمِينَ ، وَأَفْنِيَتِهِمْ ، وَتَصَفُّحُ حَالِ شُهُودِهِ وَأُمَنَائِهِ ، وَالِاسْتِبْدَالُ بِمَنْ ثَبَتَ جَرْحُهُ مِنْهُمْ ، وَالْإِمَامَةُ فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ وَالْعِيدِ .\rوَفِي جِبَايَةِ الْخَرَاجِ ، وَأَخْذِ الصَّدَقَةِ وَجْهَانِ .\r( 8328 )","part":23,"page":129},{"id":11129,"text":"فَصْلٌ : قَالَ وَيُوصِي الْوُكَلَاءَ وَالْأَعْيَانَ عَلَى بَابِهِ بِتَقْوَى اللَّهِ تَعَالَى ، وَالرِّفْقِ بِالْخُصُومِ ، وَقِلَّةِ الطَّمَعِ ، وَيَجْتَهِدُ أَنْ لَا يَكُونُوا شُيُوخًا أَوْ كُهُولًا مِنْ أَهْلِ الدِّينِ وَالصِّيَانَةِ وَالْعِفَّةِ .","part":23,"page":130},{"id":11130,"text":"( 8329 ) فَصْلٌ : قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : يُكْرَهُ لِلْقَاضِي أَنْ يُفْتِيَ فِي الْأَحْكَامِ .\rكَانَ شُرَيْحٌ يَقُولُ : أَنَا أَقْضِي وَلَا أُفْتِي .\rوَأَمَّا الْفُتْيَا فِي الطَّهَارَةِ وَسَائِرِ مَا لَا يُحْكَمُ فِي مِثْلِهِ ، فَلَا بَأْسَ بِالْفُتْيَا فِيهِ .","part":23,"page":131},{"id":11131,"text":"كِتَابُ الشَّهَادَاتِ وَالْأَصْلُ فِي الشَّهَادَاتِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ وَالْعِبْرَةُ ؛ أَمَّا الْكِتَابُ ، فَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنْ الشُّهَدَاءِ } .\rوَقَالَ تَعَالَى : { وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ } .\r{ وَأُشْهِدُوا إذَا تَبَايَعْتُمْ } .\rوَأَمَّا السُّنَّةُ ، فَمَا رَوَى وَائِلُ بْنُ حَجَرٍ ، قَالَ : { جَاءَ رَجُلٌ مِنْ حَضْرَمَوْت ، وَرَجُلٌ مِنْ كِنْدَةَ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ الْحَضْرَمِيُّ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنَّ هَذَا غَلَبَنِي عَلَى أَرْضٍ لِي .\rفَقَالَ الْكِنْدِيُّ : هِيَ أَرْضِي ، وَفِي يَدِي ، وَلَيْسَ لَهُ فِيهَا حَقٌّ .\rفَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْحَضْرَمِيِّ : أَلَكَ بَيِّنَةٌ ؟ .\rقَالَ : لَا .\rقَالَ : فَلَكَ يَمِينُهُ .\rقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، الرَّجُلُ فَاجِرٌ لَا يُبَالِي عَلَى مَا حَلَفَ عَلَيْهِ ، وَلَيْسَ يَتَوَرَّعُ مِنْ شَيْءٍ .\rقَالَ : لَيْسَ لَك مِنْهُ إلَّا ذَلِكَ .\rقَالَ : فَانْطَلَقَ الرَّجُلُ لِيَحْلِفَ لَهُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا أَدْبَرَ : لَئِنْ حَلَفَ عَلَى مَالِهِ لِيَأْكُلَهُ ظُلْمًا ، لَيَلْقَيَنَّ اللَّهَ وَهُوَ عَنْهُ مُعْرِضٌ } .\rقَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ .\rوَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْعَزْرَمِيُّ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي ، وَالْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ } .\rقَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا حَدِيثٌ فِي إسْنَادِهِ مَقَالٌ ، وَالْعَزْرَمِيُّ يُضَعَّفُ فِي الْحَدِيثِ مِنْ قِبَلِ حِفْظِهِ ، ضَعَّفَهُ ابْنُ الْمُبَارَكِ وَغَيْرُهُ ، إلَّا أَنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ أَجْمَعُوا عَلَى هَذَا .\rقَالَ التِّرْمِذِيُّ : وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَغَيْرِهِمْ .\rوَلِأَنَّ الْحَاجَةَ دَاعِيَةٌ إلَى الشَّهَادَةِ لِحُصُولِ","part":23,"page":132},{"id":11132,"text":"التَّجَاحُدِ بَيْنَ النَّاسِ ، فَوَجَبَ الرُّجُوعُ إلَيْهَا .\rقَالَ شُرَيْحٌ : الْقَضَاءُ جَمْرٌ ، فَنَحِّهِ عَنْك بِعُودَيْنِ .\rيَعْنِي الشَّاهِدَيْنِ .\rوَإِنَّمَا الْخَصْمُ دَاءٌ ، وَالشُّهُودُ شِفَاءٌ ، فَأُفْرِغْ الشِّفَاءَ عَلَى الدَّاءِ .","part":23,"page":133},{"id":11133,"text":"( 8330 ) فَصْلٌ : وَتَحَمُّلُ الشَّهَادَةِ وَأَدَاؤُهَا فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إذَا مَا دُعُوا } .\rوَقَالَ تَعَالَى : { وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ } .\rوَإِنَّمَا خَصَّ الْقَلْبَ بِالْإِثْمِ ؛ لِأَنَّهُ مَوْضِعُ الْعِلْمِ بِهَا ، وَلِأَنَّ الشَّهَادَةَ أَمَانَةٌ ، فَلَزِمَ أَدَاؤُهَا ، كَسَائِرِ الْأَمَانَاتِ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنْ دُعِيَ إلَى تَحَمُّلِ شَهَادَةٍ فِي نِكَاحٍ أَوْ دَيْنٍ أَوْ غَيْرِهِ ، لَزِمَتْهُ الْإِجَابَةُ ، وَإِنْ كَانَتْ عِنْدَهُ شَهَادَةٌ فَدُعِيَ إلَى أَدَائِهَا لَزِمَهُ ذَلِكَ ، فَإِنْ قَامَ بِالْفَرْضِ فِي التَّحَمُّلِ أَوْ الْأَدَاءِ اثْنَانِ ، سَقَطَ عَنْ الْجَمِيعِ ، وَإِنْ امْتَنَعَ الْكُلُّ أَثِمُوا ، وَإِنَّمَا يَأْثَمُ الْمُمْتَنِعُ إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ ضَرَرٌ ، وَكَانَتْ شَهَادَتُهُ تَنْفَعُ ، فَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ ضَرَرٌ فِي التَّحَمُّلِ أَوْ الْأَدَاءِ ، أَوْ كَانَ مِمَّنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ ، أَوْ يَحْتَاجُ إلَى التَّبَذُّلِ فِي التَّزْكِيَةِ وَنَحْوِهَا ، لَمْ يَلْزَمْهُ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ } .\rوَقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ } .\rوَلِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَضُرَّ بِنَفْسِهِ لِنَفْعِ غَيْرِهِ .\rوَإِذَا كَانَ مِمَّنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ ، لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ مَقْصُودَ الشَّهَادَةِ لَا يَحْصُلُ مِنْهُ .\rوَهَلْ يَأْثَمُ بِالِامْتِنَاعِ إذَا وُجِدَ غَيْرُهُ مِمَّنْ يَقُومُ مَقَامَهُ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا ، يَأْثَمُ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَعَيَّنَ بِدُعَائِهِ ، وَلِأَنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْ الِامْتِنَاعِ بِقَوْلِهِ : { وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إذَا مَا دُعُوا } .\rوَالثَّانِي ، لَا يَأْثَمُ ؛ لِأَنَّ غَيْرَهُ يَقُومُ مَقَامَهُ ، فَلَمْ يَتَعَيَّنْ فِي حَقِّهِ ، كَمَا لَوْ لَمْ يَدْعُ إلَيْهَا .\rفَأَمَّا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ } .\rفَقَدْ قُرِئَ بِالْفَتْحِ وَالرَّفْعِ ، فَمَنْ رَفَعَ فَهُوَ خَبَرٌ ، مَعْنَاهُ النَّهْيُ ، وَيَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ ؛","part":23,"page":134},{"id":11134,"text":"أَحَدُهُمَا ، أَنْ يَكُونَ الْكَاتِبُ فَاعِلًا ؛ أَيْ لَا يَضُرَّ الْكَاتِبُ وَالشَّهِيدُ مَنْ يَدْعُوهُ ، بِأَنْ لَا يُجِيبَ ، أَوْ يَكْتُبَ مَا لَمْ يُسْتَكْتَبْ ، أَوْ يَشْهَدَ مَا لَمْ يُسْتَشْهَدْ بِهِ .\rوَالثَّانِي ، أَنْ يَكُونَ \" يُضَارَّ \" فِعْلَ مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ ، فَيَكُونَ مَعْنَاهُ وَمَعْنَى الْفَتْحِ وَاحِدًا ؛ أَيْ لَا يُضَرُّ الْكَاتِبُ وَالشَّهِيدُ بِأَنْ يَقْطَعَهُمَا عَنْ شُغْلِهِمَا بِالْكِتَابَةِ وَالشَّهَادَةِ ، وَيُمْنَعَا حَاجَتَهُمَا .\rوَاشْتِقَاقُ الشَّهَادَةِ مِنْ الْمُشَاهَدَةِ ؛ لِأَنَّ الشَّاهِدَ يُخْبِرُ عَمَّا يُشَاهِدُهُ .\rوَقِيلَ : لِأَنَّ الشَّاهِدَ بِخَبَرِهِ جَعَلَ الْحَاكِمَ كَالْمُشَاهِدِ لِلْمَشْهُودِ عَلَيْهِ ، وَتُسَمَّى بَيِّنَةً ؛ لِأَنَّهَا تُبَيِّنُ مَا الْتَبَسَ ، وَتَكْشِفُ الْحَقَّ فِيمَا اُخْتُلِفَ فِيهِ .","part":23,"page":135},{"id":11135,"text":"( 8331 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : ( وَلَا يُقْبَلُ فِي الزِّنَى إلَّا أَرْبَعَةُ رِجَالٍ عُدُولٍ أَحْرَارٍ مُسْلِمِينَ ) .\rأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ فِي الزِّنَا أَقَلُّ مِنْ أَرْبَعَةِ شُهُودٍ .\rوَقَدْ نَصَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ : { لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمْ الْكَاذِبُونَ } .\rفِي آيٍ سِوَاهَا .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { أَرْبَعَةٌ ، وَإِلَّا حَدٌّ فِي ظَهْرِك } فِي أَخْبَارٍ سِوَى هَذَا .\rوَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ كَوْنُهُمْ مُسْلِمِينَ ، عُدُولًا ، ظَاهِرًا وَبَاطِنًا ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ مُسْلِمًا أَوْ ذِمِّيًّا .\rوَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونُوا رِجَالًا أَحْرَارًا ، فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ النِّسَاءِ وَلَا الْعَبِيدِ .\rوَبِهِ يَقُولُ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَشَذَّ أَبُو ثَوْرٍ ، فَقَالَ : تُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ الْعَبِيدِ .\rوَحُكِيَ عَنْ عَطَاءٍ ، وَحَمَّادٍ ، أَنَّهُمَا قَالَا : تَجُوزُ شَهَادَةُ ثَلَاثَةِ رِجَالٍ وَامْرَأَتَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ نَقَصَ وَاحِدٌ مِنْ عَدَدِ الرِّجَالِ ، فَقَامَ مَقَامَهُ امْرَأَتَانِ ، كَالْأَمْوَالِ .\rوَلَنَا ، ظَاهِرُ الْآيَةِ ، وَأَنَّ الْعَبْدَ مُخْتَلَفٌ فِي شَهَادَتِهِ فِي الْمَالِ ، فَكَانَ ذَلِكَ شُبْهَةً فِي الْحَدِّ ؛ لِأَنَّهُ بِالشُّبُهَاتِ يَنْدَرِئُ ، وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُ هَذَا عَلَى الْأَمْوَالِ ؛ لِخِفَّةِ حُكْمِهَا ، وَشِدَّةِ الْحَاجَةِ إلَى إثْبَاتِهَا ، لِكَثْرَةِ وُقُوعِهَا ، وَالِاحْتِيَاطِ فِي حِفْظِهَا ، وَلِهَذَا زِيدَ فِي عَدَدِ شُهُودِ الزِّنَى عَلَى شُهُودِ الْمَالِ .\r( 8332 ) فَصْلٌ : وَفِي الْإِقْرَارِ بِالزِّنَى رِوَايَتَانِ ، ذَكَرَهُمَا أَبُو بَكْرٍ .\rوَلِلشَّافِعِيِّ فِيهِ قَوْلَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، يَثْبُتُ بِشَاهِدَيْنِ ؛ قِيَاسًا عَلَى سَائِرِ الْأَقَارِيرِ .\rوَالثَّانِي ، لَا يَثْبُتُ إلَّا بِأَرْبَعَةِ ؛ لِأَنَّهُ مُوجِبٌ لَحَدِّ الزِّنَى ، أَشْبَهَ فِعْلَهُ .","part":23,"page":136},{"id":11136,"text":"( 8333 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَلَا يُقْبَلُ فِيمَا سِوَى الْأَمْوَالِ ، مِمَّا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ ، أَقَلُّ مِنْ رَجُلَيْنِ ) وَهَذَا الْقِسْمُ نَوْعَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، الْعُقُوبَاتُ ، وَهِيَ الْحُدُودُ وَالْقِصَاصُ فَلَا يُقْبَلُ فِيهِ إلَّا شَهَادَةُ رَجُلَيْنِ ، إلَّا مَا رُوِيَ عَنْ عَطَاءٍ ، وَحَمَّادٍ ، أَنَّهُمَا قَالَا : يُقْبَلُ فِيهِ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ ؛ قِيَاسًا عَلَى الشَّهَادَةِ فِي الْأَمْوَالِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ هَذَا مِمَّا يُحْتَاطُ لِدَرْئِهِ وَإِسْقَاطِهِ ، وَلِهَذَا يَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ ، وَلَا تَدْعُو الْحَاجَةُ إلَى إثْبَاتِهِ ، وَفِي شَهَادَةِ النِّسَاءِ شُبْهَةٌ ، بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى : { أَنْ تَضِلَّ إحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إحْدَاهُمَا الْأُخْرَى } .\rوَأَنَّهُ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُنَّ وَإِنْ كَثُرْنَ ، مَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُنَّ رَجُلٌ ، فَوَجَبَ أَنْ لَا تُقْبَلَ شَهَادَتُهُنَّ فِيهِ .\rوَلَا يَصِحُّ قِيَاسُ هَذَا عَلَى الْمَالِ ، لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْفَرْقِ .\rوَبِهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَا قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَحَمَّادٌ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَرَبِيعَةُ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَاتَّفَقَ هَؤُلَاءِ وَغَيْرُهُمْ عَلَى أَنَّهَا تَثْبُتُ بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ ، مَا خَلَا الزِّنَى ، إلَّا الْحَسَنَ ؛ فَإِنَّهُ قَالَ : الشَّهَادَةُ عَلَى الْقَتْلِ ، كَالشَّهَادَةِ عَلَى الزِّنَى ؛ لِأَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِهِ إتْلَافُ النَّفْسِ ، فَأَشْبَهَ الزِّنَى .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ أَحَدُ نَوْعَيْ الْقِصَاصِ ، فَأَشْبَهَ الْقِصَاصَ فِي الطَّرَفِ ، وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ الْوَصْفِ لَا أَثَرَ لَهُ ، فَإِنَّ الزِّنَى الْمُوجِبَ لِلْحَدِّ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِأَرْبَعَةِ ، وَلِأَنَّ حَدَّ الزِّنَى حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى يَقْبَلُ الرُّجُوعُ عَنْ الْإِقْرَارِ بِهِ .\rوَيُعْتَبَرُ فِي شُهَدَاءِ هَذَا النَّوْعِ مِنْ الْحُرِّيَّةِ وَالذُّكُورِيَّةِ وَالْإِسْلَامِ وَالْعَدَالَةِ ، مَا يُعْتَبَرُ فِي شُهَدَاءِ الزِّنَى ، عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .\rالثَّانِي ، مَا لَيْسَ بِعُقُوبَةٍ كَالنِّكَاحِ ،","part":23,"page":137},{"id":11137,"text":"وَالرَّجْعَةِ ، وَالطَّلَاقِ ، وَالْعَتَاقِ ، وَالْإِيلَاءِ ، وَالظِّهَارِ ، وَالنَّسَبِ ، وَالتَّوْكِيلِ ، وَالْوَصِيَّةِ إلَيْهِ ، وَالْوَلَاءِ ، وَالْكِتَابَةِ ، وَأَشْبَاهِ هَذَا .\rفَقَالَ الْقَاضِي : الْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ فِي الْمَذْهَبِ ، أَنَّ هَذَا لَا يَثْبُتُ إلَّا بِشَاهِدَيْنِ ذَكَرَيْنِ ، وَلَا تُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ النِّسَاءِ بِحَالٍ .\rوَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ ، عَلَى أَنَّهُ لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ النِّسَاءِ فِي النِّكَاحِ وَالطَّلَاقِ .\rوَقَدْ نُقِلَ عَنْ أَحْمَدَ ، فِي الْوَكَالَةِ : إنْ كَانَتْ بِمُطَالَبَةِ دَيْنٍ - يَعْنِي تُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ - فَأَمَّا غَيْرُ ذَلِكَ فَلَا .\rوَوَجْهُ ذَلِكَ ؛ أَنَّ الْوَكَالَةَ فِي اقْتِضَاء الدَّيْنِ يُقْصَدُ مِنْهَا الْمَالُ ، فَيُقْبَلُ فِيمَا شَهَادَةُ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ ، كَالْحَوَالَةِ .\rقَالَ الْقَاضِي : فَيُخَرَّجُ مِنْ هَذَا ، أَنَّ النِّكَاحَ وَحُقُوقَهُ ، مِنْ الرَّجْعَةِ وَشِبْهِهَا ، لَا تُقْبَلُ فِيهَا شَهَادَةُ النِّسَاءِ رِوَايَةً وَاحِدَةً ، وَمَا عَدَاهُ يُخَرَّجُ عَلَى رِوَايَتَيْنِ .\rوَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : يُخَرَّجُ فِي النِّكَاحِ وَالْعَتَاقِ أَيْضًا رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، لَا تُقْبَلُ فِيهِ إلَّا شَهَادَةُ رَجُلَيْنِ .\rوَهُوَ قَوْلُ النَّخَعِيِّ ، وَالزُّهْرِيِّ ، وَمَالِكٍ ، وَأَهْلِ الْمَدِينَةِ ، وَالشَّافِعِيِّ .\rوَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، وَالْحَسَنِ ، وَرَبِيعَةَ ، فِي الطَّلَاقِ .\rوَالثَّانِيَةُ ، تُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ رَجُلَيْنِ وَامْرَأَتَيْنِ .\rرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ ، وَإِيَاسِ بْنِ مُعَاوِيَةَ ، وَالشَّعْبِيِّ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَإِسْحَاقَ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ فِي النِّكَاحِ عَنْ عَطَاءٍ وَاحْتَجُّوا بِأَنَّهُ لَا يَسْقُطُ بِالشُّبْهَةِ ، فَيَثْبُتُ بِرَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ ، كَالْمَالِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ لَيْسَ بِمَالٍ ، وَلَا الْمَقْصُودُ مِنْهُ الْمَالُ وَيَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ ، فَلَمْ يَكُنْ لِلنِّسَاءِ فِي شَهَادَتِهِ مَدْخَلٌ ، كَالْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ .\rوَمَا ذَكَرُوهُ لَا يَصِحُّ ؛ فَإِنَّ الشُّبْهَةَ لَا مَدْخَلَ لَهَا فِي النِّكَاحِ ،","part":23,"page":138},{"id":11138,"text":"وَإِنْ تُصُوِّرَ بِأَنْ تَكُونَ الْمَرْأَةُ مُرْتَابَةً بِالْحَمْلِ ، لَمْ يَصِحَّ النِّكَاحُ .\r( 8334 ) فَصْلٌ : وَقَدْ نُقِلَ عَنْ أَحْمَدَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي الْإِعْسَارِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِثَلَاثَةِ ؛ لِحَدِيثِ قَبِيصَةَ بْنِ الْمُخَارِقِ : { حَتَّى يَشْهَدَ ثَلَاثَةٌ مِنْ ذَوِي الْحِجَا مِنْ قَوْمِهِ ، لَقَدْ أَصَابَتْ فُلَانًا فَاقَةٌ } .\rقَالَ أَحْمَدُ : هَكَذَا جَاءَ الْحَدِيثُ .\rفَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ أَخَذَ بِهِ .\rوَرُوِيَ عَنْهُ ، أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ إنَّهُ وَصَّى ، حَتَّى يَشْهَدَ لَهُ رَجُلَانِ ، أَوْ رَجُلٌ عَدْلٌ .\rفَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ يُقْبَلُ فِي الْوَصِيَّةِ شَهَادَةُ رَجُلٍ وَاحِدٍ .\rوَقَالَ فِي الرَّجُلِ : يُوَصِّي وَلَا يَحْضُرُهُ إلَّا النِّسَاءُ .\rقَالَ : أُجِيزُ شَهَادَةَ النِّسَاءِ .\rفَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ أَثْبَتَ الْوَصِيَّةَ بِشَهَادَةِ النِّسَاءِ عَلَى الِانْفِرَادِ ، إذَا لَمْ يَحْضُرْهُ الرِّجَالُ .\rقَالَ الْقَاضِي : وَالْمَذْهَبُ أَنَّ هَذَا كُلَّهُ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِشَاهِدَيْنِ ، وَحَدِيثُ قَبِيصَةَ فِي حِلِّ الْمَسْأَلَةِ ، لَا فِي الْإِعْسَارِ .\r( 8335 ) فَصْلٌ : وَلَا يَثْبُتُ شَيْءٌ مِنْ هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ بِشَاهِدٍ وَيَمِينِ الْمُدَّعِي ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَثْبُتْ بِشَهَادَةِ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ ، فَلِئَلَّا يَثْبُتَ بِشَهَادَةِ وَاحِدٍ وَيَمِينٍ أَوْلَى .\rقَالَ أَحْمَدُ ، وَمَالِكٌ ، فِي الشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ : إنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ فِي الْأَمْوَالِ خَاصَّةً ، لَا يَقَعُ فِي حَدٍّ ، وَلَا نِكَاحٍ ، وَلَا طَلَاقٍ ، وَلَا عَتَاقَةٍ ، وَلَا سَرِقَةٍ ، وَلَا قَتْلٍ .\rوَقَدْ قَالَ الْخِرَقِيِّ : إذَا ادَّعَى الْعَبْدُ أَنَّ سَيِّدَهُ أَعْتَقَهُ ، وَأَتَى بِشَاهِدٍ ، حَلَفَ مَعَ شَاهِدِهِ ، وَصَارَ حُرًّا .\rوَنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .\rوَقَالَ فِي شَرِيكَيْنِ فِي عَبْدٍ ، ادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّ شَرِيكَهُ أَعْتَقَ حَقَّهُ مِنْهُ ، وَكَانَا مُعْسِرَيْنِ عَدْلَيْنِ : فَلِلْعَبْدِ أَنْ يَحْلِفَ مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَيَصِيرَ حُرًّا ، أَوْ يَحْلِفَ مَعَ أَحَدِهِمَا وَيَصِيرَ نِصْفُهُ حُرًّا .\rفَيَخْرُجَ مِثْلُ هَذَا فِي الْكِتَابَةِ ، وَالْوَلَاءِ ،","part":23,"page":139},{"id":11139,"text":"وَالْوَصِيَّةِ ، الْوَدِيعَةِ ، وَالْوَكَالَةِ ، فَيَكُونَ فِي الْجَمِيعِ رِوَايَتَانِ ، مَا خَلَا الْعُقُوبَاتِ الْبَدَنِيَّةَ ، وَالنِّكَاحَ ، وَحُقُوقَهُ ، فَإِنَّهَا لَا تَثْبُتُ إلَّا بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ ، قَوْلًا وَاحِدًا .\rقَالَ الْقَاضِي : الْمَعْمُولُ عَلَيْهِ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَاهُ ، أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِشَاهِدَيْنِ .\rوَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ .\rوَرَوَى الدَّارَقُطْنِيّ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { اسْتَشَرْت جِبْرِيلَ فِي الْقَضَاءِ بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ ، فَأَشَارَ عَلَيَّ فِي الْأَمْوَالِ ، لَا تُعِدَّ ذَلِكَ } .\rوَقَالَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَنَّهُ قَضَى بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ ؟ } قَالَ : نَعَمْ فِي الْأَمْوَالِ .\rوَتَفْسِيرُ الرَّاوِي أَوْلَى مِنْ تَفْسِيرِ غَيْرِهِ .\rرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ، وَغَيْرُهُ ، بِإِسْنَادِهِمْ .","part":23,"page":140},{"id":11140,"text":"( 8336 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَلَا يُقْبَلُ فِي الْأَمْوَالِ أَقَلُّ مِنْ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ ، وَرَجُلٍ عَدْلٍ مَعَ يَمِينِ الطَّالِبِ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ ، أَنَّ الْمَالَ كَالْقَرْضِ ، وَالْغَصْبِ ، وَالدُّيُونِ كُلِّهَا ، وَمَا يُقْصَدُ بِهِ الْمَالُ كَالْبَيْعِ ، وَالْوَقْفِ ، وَالْإِجَارَةِ ، وَالْهِبَةِ ، وَالصُّلْحِ ، وَالْمُسَاقَاةِ ، وَالْمُضَارَبَةِ ، وَالشَّرِكَةِ ، وَالْوَصِيَّةِ لَهُ ، وَالْجِنَايَةِ الْمُوجِبَةِ لِلْمَالِ ؛ كَجِنَايَةِ الْخَطَأِ ، وَعَمْدِ الْخَطَأِ ، وَالْعَمْدِ الْمُوجِبِ لِلْمَالِ دُونَ الْقِصَاصِ ، كَالْجَائِفَةِ ، وَمَا دُونَ الْمُوضِحَةِ مِنْ الشِّجَاجِ ، يَثْبُتُ بِشَهَادَةِ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ .\rوَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : لَا تَثْبُتُ الْجِنَايَةُ فِي الْبَدَنِ بِشَهَادَةِ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ ؛ لِأَنَّهَا جِنَايَةٌ ، فَأَشْبَهَتْ مَا يُوجِبُ الْقِصَاصَ .\rوَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ؛ لِأَنَّ مُوجَبَهَا الْمَالُ ، فَأَشْبَهَتْ الْبَيْعَ ، وَفَارَقَ مَا يُوجِبُ الْقِصَاصَ ؛ لِأَنَّ الْقِصَاصَ لَا تُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ النِّسَاءِ ، وَكَذَلِكَ مَا يُوجِبُهُ .\rوَالْمَالُ يَثْبُتُ بِشَهَادَةِ النِّسَاءِ ، وَكَذَلِكَ مَا يُوجِبُهُ .\rوَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ الْمَالَ يَثْبُتُ بِشَهَادَةِ النِّسَاءِ مَعَ الرِّجَالِ .\rوَقَدْ نَصَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى ذَلِكَ فِي كِتَابِهِ ، بِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ } .\rإلَى قَوْلِهِ : { وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنْ الشُّهَدَاءِ } .\rوَأَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى الْقَوْلِ بِهِ .\rوَقَدْ ذَكَرْنَا خَبَرَ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ فِيهِ .","part":23,"page":141},{"id":11141,"text":"( 8337 ) فَصْلٌ : وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ يَرَوْنَ ثُبُوتَ الْمَالِ لِمُدَّعِيهِ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ ، وَعُمَرَ ، وَعُثْمَانَ ، وَعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَهُوَ قَوْلُ الْفُقَهَاءِ السَّبْعَةِ ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَالْحَسَنِ ، وَشُرَيْحٍ ، وَإِيَاسَ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ ، وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَيَحْيَى بْنِ يَعْمُرَ ، وَرَبِيعَةَ ، وَمَالِكٍ ، وَابْنِ أَبِي لَيْلَى ، وَأَبِي الزِّنَادِ ، وَالشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ الشَّعْبِيُّ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ : لَا يُقْضَى بِشَاهِدِ وَيَمِينٍ .\rوَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ : مَنْ قَضَى بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ ، نَقَضْت حُكْمَهُ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : { وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ } .\rفَمَنْ زَادَ فِي ذَلِكَ ، فَقَدْ زَادَ فِي النَّصِّ ، وَالزِّيَادَةُ فِي النَّصِّ نَسْخٌ ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي ، وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ } .\rفَحَصَرَ الْيَمِينَ فِي جَانِبِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ، كَمَا حَصَرَ الْبَيِّنَةَ فِي جَانِبِ الْمُدَّعِي .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى سُهَيْلٌ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : { قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ الْوَاحِدِ .\r} رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ فِي \" سُنَنِهِ \" ، وَالْأَئِمَّةُ مِنْ أَهْلِ السُّنَنِ وَالْمَسَانِيدِ ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ ، وَفِي الْبَابِ عَنْ عَلِيٍّ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَجَابِرٍ ، وَمَسْرُوقٍ .\rوَقَالَ النَّسَائِيّ : إسْنَادُ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ إسْنَادٌ جَيِّدٌ .\rوَلِأَنَّ الْيَمِينَ تُشْرَعُ فِي حَقِّ مَنْ ظَهَرَ صِدْقُهُ ، وَقَوِيَ جَانِبُهُ ، وَلِذَلِكَ شُرِعَتْ فِي حَقِّ صَاحِبِ الْيَدِ لِقُوَّةِ جَنْبِهِ بِهَا ، وَفِي حَقِّ الْمُنْكِرِ لِقُوَّةِ جَنْبِهِ ، فَإِنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ ، وَالْمُدَّعِي هَاهُنَا قَدْ ظَهَرَ صِدْقُهُ ،","part":23,"page":142},{"id":11142,"text":"فَوَجَبَ أَنْ تُشْرَعَ الْيَمِينُ فِي حَقِّهِ .\rوَلَا حَجَّةَ لَهُمْ فِي الْآيَةِ ؛ لِأَنَّهَا دَلَّتْ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الشَّاهِدَيْنِ ، وَالشَّاهِدِ وَالْمَرْأَتَيْنِ ، وَلَا نِزَاعَ فِي هَذَا .\rوَقَوْلُهُمْ : إنَّ الزِّيَادَةَ فِي النَّصِّ نَسْخٌ .\rغَيْرُ صَحِيحٍ ؛ لِأَنَّ النَّسْخَ الرَّفْعُ وَالْإِزَالَةُ ، وَالزِّيَادَةُ فِي الشَّيْء تَقْرِيرٌ لَهُ ، لَا رَفْعٌ ، وَالْحُكْمُ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ لَا يَمْنَعُ الْحُكْمَ بِالشَّاهِدَيْنِ ، وَلَا يَرْفَعُهُ ؛ وَلِأَنَّ الزِّيَادَةَ لَوْ كَانَتْ مُتَّصِلَةً بِالْمَزِيدِ عَلَيْهِ لَمْ تَرْفَعْهُ ، وَلَمْ تَكُنْ نَسْخًا ، فَكَذَلِكَ إذَا انْفَصَلَتْ عَنْهُ ، وَلِأَنَّ الْآيَةَ وَارِدَةٌ فِي التَّحَمُّلِ دُونَ الْأَدَاءِ ، وَلِهَذَا قَالَ : { أَنْ تَضِلَّ إحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إحْدَاهُمَا الْأُخْرَى } .\rوَالنِّزَاعُ فِي الْأَدَاءِ ، وَحَدِيثُهُمْ ضَعِيفٌ ، وَلَيْسَ هُوَ لِلْحَصْرِ ؛ بِدَلِيلِ أَنَّ الْيَمِينَ تُشْرَعَ فِي حَقِّ الْمُودَعِ إذَا ادَّعَى رَدَّ الْوَدِيعَةِ وَتَلَفَهَا ، وَفِي حَقِّ الْأُمَنَاءِ لِظُهُورِ جِنَايَتِهِمْ ، وَفِي حَقِّ الْمُلَاعِنِ ، وَفِي الْقَسَامَةِ ، وَتُشْرَعُ فِي حَقِّ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي إذَا اخْتَلَفَا فِي الثَّمَنِ وَالسِّلْعَةُ قَائِمَةٌ .\rوَقَوْلُ مُحَمَّدٍ فِي نَقْضِ قَضَاءِ مَنْ قَضَى بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ ، يَتَضَمَّنُ الْقَوْلَ بِنَقْضِ قَضَاءِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْخُلَفَاءِ الَّذِينَ قَضَوْا بِهِ ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْت وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا } .\rوَالْقَضَاءُ بِمَا قَضَى بِهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْلَى مِنْ قَضَاءِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الْمُخَالِفِ لَهُ .\r:","part":23,"page":143},{"id":11143,"text":"( 8338 ) فَصْلٌ : قَالَ الْقَاضِي : يَجُوزُ أَنَّ يَحْلِفَ عَلَى مَا لَا تَسُوغُ الشَّهَادَةُ عَلَيْهِ ؛ مِثْلُ أَنْ يَجِدَ بِخَطِّهِ دَيْنًا لَهُ عَلَى إنْسَانٍ ، وَهُوَ يَعْرِفُ أَنَّهُ لَا يَكْتُبُ إلَّا حَقًّا ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ ، أَوْ يَجِدَ فِي رزمانج أَبِيهِ بِخَطِّهِ دَيْنًا لَهُ عَلَى إنْسَانٍ ، وَيَعْرِفَ مِنْ أَبِيهِ الْأَمَانَةَ ، وَأَنَّهُ لَا يَكْتُبُ إلَّا حَقًّا ، فَلَهُ أَنْ يَحْلِفَ عَلَيْهِ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَشْهَدَ بِهِ ، وَلَوْ أَخْبَرَهُ بِحَقِّ أَبِيهِ ثِقَةٌ ، فَسَكَنَ إلَيْهِ ، جَازَ أَنْ يَحْلِفَ عَلَيْهِ ، وَلَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ بِهِ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْيَمِينِ وَالشَّهَادَةِ مِنْ وَجْهَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، أَنَّ الشَّهَادَةَ لِغَيْرِهِ ، فَيَحْتَمِلُ أَنَّ مَنْ لَهُ الشَّهَادَةُ قَدْ زَوَّرَ عَلَى خَطِّهِ ، وَلَا يَحْتَمِلُ هَذَا فِيمَا يَحْلِفُ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ إنَّمَا هُوَ لِلْحَالِفِ ، فَلَا يُزَوِّرُ أَحَدٌ عَلَيْهِ .\rالثَّانِي ، أَنَّ مَا يَكْتُبُهُ الْإِنْسَانُ مِنْ حُقُوقِهِ يَكْثُرُ فَيَنْسَى بَعْضَهُ ، بِخِلَافِ الشَّهَادَةِ .","part":23,"page":144},{"id":11144,"text":"( 8339 ) فَصْلٌ : وَكُلُّ مَوْضِعٍ قُبِلَ فِيهِ الشَّاهِدُ وَالْيَمِينُ ، فَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ الْمُدَّعِي مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا ، عَدْلًا أَوْ فَاسِقًا ، رَجُلًا أَوْ امْرَأَةً .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ؛ لِأَنَّ مَنْ شُرِعَتْ فِي حَقِّهِ الْيَمِينُ لَا يَخْتَلِفُ حُكْمُهُ بِاخْتِلَافِ هَذِهِ الْأَوْصَافِ ، كَالْمُنْكِرِ إذَا لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ .","part":23,"page":145},{"id":11145,"text":"( 8340 ) فَصْلٌ : قَالَ أَحْمَدُ : مَضَتْ السُّنَّةُ أَنْ يُقْضَى بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ الْوَاحِدِ ، فَإِنْ أَبَى أَنْ يَحْلِفَ ، اسْتَحْلَفَ الْمَطْلُوبَ .\rوَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ .\rيُرْوَى عَنْ أَحْمَدَ : فَإِنْ أَبَى الْمَطْلُوبُ أَنْ يَحْلِفَ ، ثَبَتَ الْحَقُّ عَلَيْهِ .","part":23,"page":146},{"id":11146,"text":"( 8341 ) فَصْلٌ : وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ امْرَأَتَيْنِ وَيَمِينُ الْمُدَّعِي .\rوَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : يُقْبَلُ ذَلِكَ فِي الْأَمْوَالِ ؛ لِأَنَّهُمَا فِي الْأَمْوَالِ أُقِيمَتَا مُقَامَ الرَّجُلِ ، فَحَلَفَ مَعَهُمَا ، كَمَا يَحْلِفُ مَعَ الرَّجُلِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْمَالِ إذَا خَلَتْ مِنْ رَجُلٍ لَمْ تُقْبَلْ ، كَمَا لَوْ شَهِدَ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ .\rوَمَا ذَكَرُوهُ يَبْطُلُ بِهَذِهِ الصُّورَةِ ، فَإِنَّهُمَا لَوْ أُقِيمَتَا مُقَامَ رَجُلٍ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ ، لَكَفَى أَرْبَعُ نِسْوَةٍ مَقَامَ رَجُلَيْنِ ، وَلَقُبِلَ فِي غَيْرِ الْأَمْوَالِ شَهَادَةُ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ ، وَلِأَنَّ شَهَادَةَ الْمَرْأَتَيْنِ ضَعِيفَةٌ ، تَقَوَّتْ بِالرَّجُلِ ، وَالْيَمِينَ ضَعِيفَةٌ ، فَيُضَمُّ ضَعِيفٌ إلَى ضَعِيفٍ ، فَلَا يُقْبَلُ .","part":23,"page":147},{"id":11147,"text":"( 8342 ) فَصْلٌ : إذَا ادَّعَى رَجُلٌ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ سَرَقَ نِصَابًا مِنْ حِرْزِهِ ، وَأَقَامَ بِذَلِكَ شَاهِدًا وَحَلَفَ مَعَهُ ، أَوْ شَهِدَ لَهُ بِذَلِكَ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ ، وَجَبَ لَهُ الْمَالُ الْمَشْهُودُ بِهِ إنْ كَانَ بَاقِيًا ، أَوْ قِيمَتُهُ إنْ كَانَ تَالِفًا ، وَلَا يَجِبُ الْقَطْعُ ؛ لِأَنَّ هَذِهِ حُجَّةٌ فِي الْمَالِ دُونَ الْقَطْعِ .\rوَإِنْ ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ قَتَلَ وَلِيَّهُ عَمْدًا ، فَأَقَامَ شَاهِدًا وَامْرَأَتَيْنِ ، أَوْ حَلَفَ مَعَ شَاهِدِهِ ، لَمْ يَثْبُتْ قِصَاصٌ وَلَا دِيَةٌ .\rوَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ أَنَّ السَّرِقَةَ تُوجِبُ الْقَطْعَ وَالْغُرْمَ مَعًا ، فَإِذَا لَمْ يَثْبُتْ أَحَدُهُمَا ثَبَتَ الْآخَرُ ، وَالْقَتْلُ الْعَمْدُ مُوجَبُهُ الْقِصَاصُ عَيْنًا ، فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ ، وَالدِّيَةُ بَدَلٌ عَنْهُ ، وَلَا يَجِبُ الْبَدَلُ مَا لَمْ يُوجَدْ الْمُبْدَلُ .\rوَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى ، الْوَاجِبُ أَحَدُهُمَا لَا بِعَيْنِهِ ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَعَيَّنَ أَحَدُهُمَا إلَّا بِالِاخْتِيَارِ ، أَوْ التَّعَذُّرِ ، وَلَمْ يُوجَدْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا .\rوَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى : لَا يَجِبُ الْمَالُ فِي السَّرِقَةِ أَيْضًا إلَّا بِشَاهِدَيْنِ ؛ لِأَنَّهَا شَهَادَةٌ عَلَى فِعْلٍ يُوجِبُ الْحَدَّ وَالْمَالَ ، فَإِذَا بَطَلَتْ فِي إحْدَاهُمَا بَطَلَتْ فِي الْأُخْرَى .\rوَالْأَوَّلُ أَوْلَى ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ .\rوَإِنْ ادَّعَى رَجُلٌ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ ضَرَبَ أَخَاهُ بِسَهْمٍ عَمْدًا فَقَتَلَهُ ، وَنَفَذَ إلَى أَخِيهِ الْآخَرِ فَقَتَلَهُ خَطَأً ، وَأَقَامَ بِذَلِكَ شَاهِدًا وَامْرَأَتَيْنِ ، أَوْ شَاهِدًا وَحَلَفَ مَعَهُ ، ثَبَتَ قَتْلُ الثَّانِي ؛ لِأَنَّهُ خَطَأٌ مُوجَبُهُ الْمَالُ ، وَلَمْ يَثْبُتْ قَتْلُ الْأَوَّلِ ؛ لِأَنَّهُ عَمْدٌ مُوجَبُهُ الْقِصَاصُ ، فَهُمَا كَالْجِنَايَتَيْنِ الْمُفْتَرِقَتَيْنِ .\rوَعَلَى قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ ، لَا يَثْبُتُ شَيْءٌ مِنْهُمَا ؛ لِأَنَّ الْجِنَايَةَ عِنْدَهُ لَا تَثْبُتُ إلَّا بِشَاهِدَيْنِ ، سَوَاءٌ كَانَ مُوجَبُهَا الْمَالَ أَوْ غَيْرَهُ .\rوَلَوْ ادَّعَى رَجُلٌ عَلَى آخَرَ أَنَّهُ سَرَقَ مِنْهُ وَغَصَبَهُ مَالًا ، فَحَلَفَ بِالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ مَا سَرَقَ","part":23,"page":148},{"id":11148,"text":"مِنْهُ وَلَا غَصَبَهُ ، فَأَقَامَ الْمُدَّعِي شَاهِدًا وَامْرَأَتَيْنِ شَهِدَا بِالسَّرِقَةِ وَالْغَصْبِ ، أَوْ أَقَامَ شَاهِدًا وَحَلَفَ مَعَهُ ، اسْتَحَقَّ الْمَسْرُوقَ وَالْمَغْصُوبَ ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِبَيِّنَةِ يَثْبُتُ ذَلِكَ بِمِثْلِهَا ، وَلَمْ يَثْبُتْ طَلَاقٌ وَلَا عَتَاقٌ ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْبَيِّنَةَ حُجَّةٌ فِي الْمَالِ دُونَ الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ .\rوَظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ .\rفِي هَذَا الْفَصْلِ كَمَذْهَبِنَا ، إلَّا فِيمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ الْخِلَافِ عَنْ أَصْحَابِنَا .","part":23,"page":149},{"id":11149,"text":"( 8343 ) فَصْلٌ : وَلَوْ ادَّعَى جَارِيَةً فِي يَدِ رَجُلٍ أَنَّهَا أُمُّ وَلَدِهِ ، وَأَنَّ ابْنَهَا ابْنُهُ مِنْهَا ، وُلِدَ فِي مِلْكِهِ ، وَأَقَامَ بِذَلِكَ شَاهِدًا وَامْرَأَتَيْنِ ، أَوْ حَلَفَ مَعَ شَاهِدِهِ حُكِمَ لَهُ بِالْجَارِيَةِ ؛ لِأَنَّ أُمَّ الْوَلَدِ مَمْلُوكَةٌ لَهُ ، وَلِهَذَا يَمْلِكُ وَطْأَهَا وَإِجَارَتَهَا وَتَزْوِيجَهَا ، وَيَثْبُتُ لَهَا حُكْمُ الِاسْتِيلَادِ بِإِقْرَارِهِ ؛ لِأَنَّ إقْرَارَهُ يَنْفُذُ فِي مِلْكِهِ ، وَالْمِلْكُ يَثْبُتُ بِالشَّاهِدِ وَالْمَرْأَتَيْنِ ، وَالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ ، وَلَا يُحْكَمُ لَهُ بِالْوَلَدِ ؛ لِأَنَّهُ يَدَّعِي نَسَبَهُ ، وَالنَّسَبُ لَا يَثْبُتُ بِذَلِكَ وَيَدَّعِي حُرِّيَّتَهُ أَيْضًا ، فَعَلَى هَذَا يُقَرُّ الْوَلَدُ فِي يَدِ الْمُنْكِرِ مَمْلُوكًا لَهُ .\rوَهَذَا أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ ، وَقَالَ فِي الْآخَرِ : يَأْخُذُهَا وَوَلَدَهَا ، وَيَكُونُ ابْنَهُ ؛ لِأَنَّ مَنْ ثَبَتَتْ لَهُ الْعَيْنُ ثَبَتَ لَهُ نَمَاؤُهَا ، وَالْوَلَدُ نَمَاؤُهَا .\rوَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ فِيهَا عَنْ أَحْمَدَ رِوَايَتَيْنِ ، كَقَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ لَمْ يَدَّعِ الْوَلَدَ مِلْكًا ، وَإِنَّمَا يَدَّعِي حُرِّيَّتَهُ وَنَسَبَهُ ، وَهَذَانِ لَا يَثْبُتَانِ بِهَذِهِ الْبَيِّنَةِ ، فَيَبْقَيَانِ عَلَى مَا كَانَا عَلَيْهِ .","part":23,"page":150},{"id":11150,"text":"( 8344 ) فَصْلٌ : وَإِنْ ادَّعَى رَجُلٌ أَنَّهُ خَالَعَ امْرَأَتَهُ ، فَأَنْكَرَتْ ، ثَبَتَ ذَلِكَ بِشَاهِدٍ وَامْرَأَتَيْنِ ، أَوْ يَمِينِ الْمُدَّعِي ؛ لِأَنَّهُ يَدَّعِي الْمَالَ الَّذِي خَالَعَتْ بِهِ ، وَإِنْ ادَّعَتْ ذَلِكَ الْمَرْأَةُ لَمْ يَثْبُتْ إلَّا بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ ؛ لِأَنَّهَا لَا تَقْصِدُ مِنْهُ إلَّا الْفَسْخَ وَخَلَاصَهَا مِنْ الزَّوْجِ ، وَلَا يَثْبُتُ ذَلِكَ إلَّا بِهَذِهِ الْبَيِّنَةِ .","part":23,"page":151},{"id":11151,"text":"( 8345 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَيُقْبَلُ فِيمَا لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ ، مِثْلُ الرَّضَاعِ ، وَالْوِلَادَةِ ، وَالْحَيْضِ ، وَالْعِدَّةِ ، وَمَا أَشْبَهَهَا ، شَهَادَةُ امْرَأَةٍ عَدْلٍ ) لَا نَعْلَمُ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ خِلَافًا فِي قَبُولِ شَهَادَةِ النِّسَاءِ الْمُنْفَرِدَاتِ فِي الْجُمْلَةِ .\rقَالَ الْقَاضِي : وَاَلَّذِي تُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَتُهُنَّ مُنْفَرِدَاتٍ خَمْسَةُ أَشْيَاءَ ؛ الْوِلَادَةُ ، وَالِاسْتِهْلَالُ ، وَالرَّضَاعُ ، وَالْعُيُوبُ تَحْتَ الثِّيَابِ كَالرَّتَقِ وَالْقَرَنِ وَالْبَكَارَةِ وَالثِّيَابَةِ وَالْبَرَصِ ، وَانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ .\rوَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ : لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُنَّ مُنْفَرِدَاتٍ عَلَى الرَّضَاعِ ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ مَحَارِمُ الْمَرْأَةِ مِنْ الرِّجَالِ ، فَلَمْ يَثْبُتْ بِالنِّسَاءِ مُنْفَرِدَاتٍ ، كَالنِّكَاحِ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى عُقْبَةُ بْنُ الْحَارِثِ ، قَالَ : { تَزَوَّجْت أُمَّ يَحْيَى بِنْتَ أَبِي إهَابٍ ، فَأَتَتْ أَمَةٌ سَوْدَاءُ ، فَقَالَتْ : قَدْ أَرْضَعْتُكُمَا .\rفَأَتَيْت النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرْت ذَلِكَ لَهُ ، فَأَعْرَضَ عَنِّي ، ثُمَّ أَتَيْتُهُ فَقُلْت : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنَّهَا كَاذِبَةٌ .\rقَالَ : كَيْفَ ، وَقَدْ زَعَمَتْ ذَلِكَ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَلِأَنَّهَا شَهَادَةٌ عَلَى عَوْرَةٍ لِلنِّسَاءِ فِيهَا مَدْخَلٌ فَقُبِلَ فِيهَا شَهَادَةُ النِّسَاءِ ، كَالْوِلَادَةِ ، وَتُخَالِفُ الْعَقْدَ ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بِعَوْرَةِ .\rوَحُكِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَيْضًا ، أَنَّ شَهَادَةَ النِّسَاءِ الْمُنْفَرِدَاتِ لَا تُقْبَلُ فِي الِاسْتِهْلَالِ ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ بَعْدَ الْوِلَادَةِ .\rوَخَالَفَهُ صَاحِبَاهُ ، وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ حَالَ الْوِلَادَةِ ، فَيَتَعَذَّرُ حُضُورُ الرِّجَالِ ، فَأَشْبَهَ الْوِلَادَةَ نَفْسَهَا .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، أَنَّهُ أَجَازَ شَهَادَةَ الْقَابِلَةِ وَحْدَهَا فِي الِاسْتِهْلَالِ .\rرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ، وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ .\rإلَّا أَنَّهُ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ الْجُعْفِيِّ .\rوَأَجَازَهُ شُرَيْحٌ ، وَالْحَسَنُ ، وَالْحَارِثُ","part":23,"page":152},{"id":11152,"text":"الْعُكْلِيُّ ، وَحَمَّادٌ .\r( 8346 ) فَصْلٌ : إذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَكُلُّ مَوْضِعٍ قُلْنَا : تُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ النِّسَاءِ الْمُنْفَرِدَاتِ .\rفَإِنَّهُ تُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ الْمَرْأَةِ الْوَاحِدَةِ .\rوَقَالَ طَاوُسٌ : تَجُوزُ شَهَادَةُ الْمَرْأَةِ فِي الرَّضَاعِ ، وَإِنْ كَانَتْ سَوْدَاءَ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ ، رِوَايَةٌ أُخْرَى : لَا تُقْبَلُ فِيهِ إلَّا امْرَأَتَانِ .\rوَهُوَ قَوْلُ الْحَكَمِ ، وَابْنِ أَبِي لَيْلَى ، وَابْنِ شُبْرُمَةَ .\rوَإِلَيْهِ ذَهَبَ مَالِكٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ؛ لِأَنَّ كُلَّ جِنْسٍ يَثْبُتُ بِهِ الْحَقُّ كَفَى فِيهِ اثْنَانِ ، كَالرِّجَالِ ، وَلِأَنَّ الرِّجَالَ أَكْمَلُ مِنْهُنَّ عَقْلًا ، وَلَا يُقْبَلُ مِنْهُمْ إلَّا اثْنَانِ .\rوَقَالَ عُثْمَانُ الْبَتِّيُّ : يَكْفِي ثَلَاثٌ ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَوْضِعٍ قُبِلَ فِيهِ النِّسَاءُ ، كَانَ الْعَدَدُ ثَلَاثَةً ، كَمَا لَوْ كَانَ مَعَهُنَّ رَجُلٌ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْمَرْأَةِ الْوَاحِدَةِ فِي وِلَادَةِ الزَّوْجَاتِ دُونَ وِلَادَةِ الْمُطَلَّقَةِ .\rوَقَالَ عَطَاءٌ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَقَتَادَةُ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ : لَا يُقْبَلُ فِيهِ إلَّا أَرْبَعٌ ؛ لِأَنَّهَا شَهَادَةٌ مِنْ شَرْطِهَا الْحُرِّيَّةُ ، فَلَمْ يُقْبَلْ فِيهَا الْوَاحِدَةُ ، كَسَائِرِ الشَّهَادَاتِ ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { شَهَادَةُ امْرَأَتَيْنِ بِشَهَادَةِ رَجُلٍ } .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى عُقْبَةُ بْنُ الْحَارِثِ ، أَنَّهُ قَالَ : { تَزَوَّجْت أُمَّ يَحْيَى بِنْتَ أَبِي إهَابٍ ، فَجَاءَتْ أَمَةٌ سَوْدَاءُ ، فَقَالَتْ : قَدْ أَرْضَعْتُكُمَا ، فَجِئْت إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرْت لَهُ ذَلِكَ ، فَأَعْرَضَ عَنِّي ، ثُمَّ ذَكَرْت لَهُ ذَلِكَ فَقَالَ : وَكَيْفَ ، وَقَدْ زَعَمَتْ ذَلِكَ ، } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَرَوَى حُذَيْفَةُ { ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجَازَ شَهَادَةَ الْقَابِلَةِ .\r} ذَكَرَهُ الْفُقَهَاءُ فِي كُتُبِهِمْ .\rوَرَوَى أَبُو الْخَطَّابِ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { يُجْزِئُ فِي الرَّضَاعِ شَهَادَةُ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ }","part":23,"page":153},{"id":11153,"text":".\rوَلِأَنَّهُ مَعْنًى يَثْبُتُ بِقَوْلِ النِّسَاءِ الْمُنْفَرِدَاتِ ، فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْعَدَدُ ، كَالرِّوَايَةِ وَأَخْبَارِ الدِّيَانَاتِ .\rوَمَا ذَكَرَهُ الشَّافِعِيُّ مِنْ اشْتِرَاطِ الْحُرِّيَّةِ ، غَيْرُ مُسَلَّمٍ وَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { شَهَادَةُ امْرَأَتَيْنِ بِشَهَادَةِ رَجُلٍ .\rفِي الْمَوْضِعِ الَّذِي تَشْهَدُ فِيهِ مَعَ الرَّجُلِ .\r} ( 8347 ) فَصْلٌ : فَإِنْ شَهِدَ الرَّجُلُ بِذَلِكَ ، فَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ وَحْدَهُ ؛ لِأَنَّهُ أَكْمَلُ مِنْ الْمَرْأَةِ ، فَإِذَا اُكْتُفِيَ بِهَا وَحْدَهَا ، فَلَأَنْ يُكْتَفَى بِهِ أَوْلَى ، وَلِأَنَّ مَا قُبِلَ فِيهِ قَوْلُ الْمَرْأَةِ الْوَاحِدَةِ ، قُبُلِ فِيهِ قَوْلُ الرَّجُلِ ، كَالرِّوَايَةِ .","part":23,"page":154},{"id":11154,"text":"( 8348 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَمَنْ لَزِمَتْهُ الشَّهَادَةُ ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَقُومَ بِهَا عَلَى الْقَرِيبِ وَالْبَعِيدِ ، لَا يَسَعُهُ التَّخَلُّفُ عَنْ إقَامَتِهَا وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى ذَلِكَ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ أَدَاءَ الشَّهَادَةِ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ ، فَإِنْ تَعَيَّنَتْ عَلَيْهِ ، بِأَنْ لَا يَتَحَمَّلَهَا مَنْ يَكْفِي فِيهَا سِوَاهُ ، لَزِمَهُ الْقِيَامُ بِهَا .\rوَإِنْ قَامَ بِهَا اثْنَانِ غَيْرُهُ ، سَقَطَ عَنْهُ أَدَاؤُهَا .\rإذَا قَبِلَهَا الْحَاكِمُ ، فَإِنْ كَانَ تَحَمَّلَهَا جَمَاعَةٌ ، فَأَدَاؤُهَا وَاجِبٌ عَلَى الْكُلِّ ، إذَا امْتَنَعُوا أَثِمُوا كُلُّهُمْ كَسَائِرِ فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ .\rوَدَلِيلُ وُجُوبِهَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ } .\rوقَوْله تَعَالَى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوْ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إنْ يَكُنْ غَنِيَّا أَوْ فَقِيرًا فَاَللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا } .\rوَفِي الْآيَةِ الْأُخْرَى : { كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَئَانُ قَوْمٍ عَلَى أَنْ لَا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى } .\rوَلِأَنَّ الشَّهَادَةَ أَمَانَةٌ ، فَلَزِمَهُ أَدَاؤُهَا عِنْدَ طَلَبِهِ ، كَالْوَدِيعَةِ ، وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى : { إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إلَى أَهْلِهَا } .\rفَإِنْ عَجَزَ عَنْ إقَامَتِهَا ، أَوْ تَضَرَّرَ بِهَا ، لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ } .","part":23,"page":155},{"id":11155,"text":"( 8349 ) فَصْلٌ : وَمَنْ لَهُ كِفَايَةٌ ، فَلَيْسَ لَهُ أَخْذُ الْجُعْلِ عَلَى الشَّهَادَةِ ؛ لِأَنَّهُ أَدَاءُ فَرْضٍ ، فَإِنَّ فَرْضَ الْكِفَايَةِ إذَا قَامَ بِهِ الْبَعْضُ وَقَعَ مِنْهُمْ فَرْضًا .\rوَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ كِفَايَةٌ ، وَلَا تَعَيَّنَتْ عَلَيْهِ حَلَّ لَهُ أَخْذُهُ ؛ وَالنَّفَقَةَ عَلَى عِيَالِهِ فَرْضُ عَيْنٍ ، فَلَا يَشْتَغِلُ عَنْهُ بِفَرْضِ الْكِفَايَةِ ، فَإِذَا أَخَذَ الرِّزْقَ جَمَعَ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ .\rوَإِنْ تَعَيَّنَتْ عَلَيْهِ الشَّهَادَةُ ، احْتَمَلَ ذَلِكَ أَيْضًا ، وَاحْتَمَلَ أَنْ لَا يَجُوزَ ؛ لِئَلَّا يَأْخُذَ الْعِوَضَ عَنْ أَدَاءِ فَرْضِ عَيْنٍ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ : لَا يَجُوزُ أَخْذُ الْأُجْرَةِ لِمَنْ تَعَيَّنَتْ عَلَيْهِ ، وَهَلْ يَجُوزُ لِغَيْرِهِ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ .","part":23,"page":156},{"id":11156,"text":"( 8350 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَمَا أَدْرَكَهُ مِنْ الْفِعْلِ نَظَرًا ، أَوْ سَمِعَهُ تَيَقُّنًا ، وَإِنْ لَمْ يَرَ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ ، شَهِدَ بِهِ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الشَّهَادَةَ لَا تَجُوزُ إلَّا بِمَا عَلِمَهُ ؛ بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى : { إلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ } .\rوقَوْله تَعَالَى : { وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَك بِهِ عِلْمٌ إنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا } .\rوَتَخْصِيصُهُ لِهَذِهِ الثَّلَاثَةِ بِالسُّؤَالِ ؛ لِأَنَّ الْعِلْمَ بِالْفُؤَادِ ، وَهُوَ يَسْتَنِدُ إلَى السَّمْعِ وَالْبَصَرِ ؛ وَلِأَنَّ مَدْرَكَ الشَّهَادَةِ الرُّؤْيَةُ وَالسَّمَاعُ ، وَهُمَا بِالْبَصَرِ وَالسَّمْعِ .\rوَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّهُ قَالَ : { سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الشَّهَادَةِ ، قَالَ : هَلْ تَرَى الشَّمْسَ ؟ .\rقَالَ : نَعَمْ .\rقَالَ : عَلَى مِثْلِهَا فَاشْهَدْ أَوْ دَعْ } .\rرَوَاهُ الْخَلَّالُ ، فِي \" الْجَامِعِ \" بِإِسْنَادِهِ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّ مَدْرَكَ الْعِلْمِ الَّذِي تَقَعُ بِهِ الشَّهَادَةُ اثْنَانِ ، الرُّؤْيَةُ وَالسَّمَاعُ ، وَمَا عَدَاهُمَا مِنْ مَدَارِكِ الْعِلْمِ كَالشَّمِّ وَالذَّوْقِ وَاللَّمْسِ ، لَا حَاجَةَ إلَيْهَا فِي الشَّهَادَةِ فِي الْأَغْلَبِ .\rفَأَمَّا مَا يَقَعُ بِالرُّؤْيَةِ ، فَالْأَفْعَالُ ؛ كَالْغَصْبِ ، وَالْإِتْلَافِ ، وَالزِّنَى ، وَشُرْبِ الْخَمْرِ ، وَسَائِرِ الْأَفْعَالِ ، وَكَذَلِكَ الصِّفَاتُ الْمَرْئِيَّةُ ؛ كَالْعُيُوبِ فِي الْمَبِيعِ ، وَنَحْوِهَا ، فَهَذَا لَا تُتَحَمَّلُ الشَّهَادَةُ فِيهِ إلَّا بِالرُّؤْيَةِ ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ الشَّهَادَةُ عَلَيْهِ قَطْعًا ، فَلَا يُرْجَعُ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ .\rوَأَمَّا السَّمَاعُ فَنَوْعَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، مِنْ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ ، مِثْلُ الْعُقُودِ ؛ كَالْبَيْعِ ، وَالْإِجَارَةِ ، وَغَيْرِهِمَا مِنْ الْأَقْوَالِ ، فَيَحْتَاجُ إلَى أَنْ يَسْمَعَ كَلَامَ الْمُتَعَاقِدَيْنِ ، وَلَا تُعْتَبَرُ رُؤْيَةُ الْمُتَعَاقِدِينَ ، إذَا عَرَفَهُمَا وَتَيَقَّنَ أَنَّهُ كَلَامُهُمَا .\rوَبِهَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَرَبِيعَةُ ، وَاللَّيْثُ ، وَشُرَيْحٌ","part":23,"page":157},{"id":11157,"text":"، وَعَطَاءٌ ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى ، وَمَالِكٌ .\rوَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ ، إلَى أَنَّ الشَّهَادَةَ لَا تَجُوزُ حَتَّى يُشَاهِدَ الْقَائِلُ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ الْأَصْوَاتَ تَشْتَبِهُ ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْهَا مِنْ غَيْرِ رُؤْيَةٍ ، كَالْخَطِّ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ عَرَفَ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ يَقِينًا ، فَجَازَتْ شَهَادَتُهُ عَلَيْهِ ، كَمَا لَوْ رَآهُ .\rوَجَوَازُ اشْتِبَاهِ الْأَصْوَاتِ كَجَوَازِ اشْتِبَاهِ الصُّوَرِ ، وَإِنَّمَا تَجُوزُ الشَّهَادَةُ لِمَنْ عَرَفَ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ يَقِينًا ، وَقَدْ يَحْصُلُ الْعِلْمُ بِالسَّمَاعِ يَقِينًا ، وَقَدْ اعْتَبَرَهُ الشَّرْعُ بِتَجْوِيزِهِ الرِّوَايَةَ مِنْ غَيْرِ رُؤْيَةٍ ، وَلِهَذَا قُبِلَتْ رِوَايَةُ الْأَعْمَى ، وَرِوَايَةُ مَنْ رَوَى عَنْ أَزْوَاجِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ غَيْرِ مَحَارِمِهِنَّ .\rوَأَمَّا النَّوْعُ الثَّانِي ، فَسَنَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْمَسْأَلَةِ الَّتِي تَلِي هَذَا .\r( 8351 ) فَصْلٌ : إذَا عَرَفَ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ بِاسْمِهِ وَعَيْنِهِ وَنَسَبِهِ ، جَازَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْهِ ، حَاضِرًا كَانَ أَوْ غَائِبًا ، وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ ذَلِكَ ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْهِ مَعَ غَيْبَتِهِ ، وَجَازَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْهِ حَاضِرًا بِمَعْرِفَةِ عَيْنِهِ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .\rقَالَ مُهَنَّا : سَأَلْت أَحْمَدَ عَنْ رَجُلٍ شَهِدَ لَرَجُلٍ بِحَقِّ لَهُ عَلَى رَجُلٍ ، وَهُوَ لَا يَعْرِفُ اسْمَ هَذَا ، وَلَا اسْمَ هَذَا ، إلَّا أَنَّهُ يَشْهَدُ لَهُ ، فَقَالَ : إذَا قَالَ : أَشْهَدُ أَنَّ لِهَذَا عَلَى هَذَا .\rوَهُمَا شَاهِدَانِ جَمِيعًا ، فَلَا بَأْسَ ، وَإِنْ كَانَ غَائِبًا ، فَلَا يَشْهَدُ حَتَّى يَعْرِفَ اسْمَهُ .\r( 8352 ) فَصْلٌ : وَالْمَرْأَةُ كَالرَّجُلِ ، فِي أَنَّهُ إذَا عَرَفَهَا وَعَرَفَ اسْمَهَا وَنَسَبَهَا ، جَازَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْهَا مَعَ غَيْبَتِهَا .\rوَإِنْ لَمْ يَعْرِفْهَا ، لَمْ يَشْهَدْ عَلَيْهَا مَعَ غَيْبَتِهَا .\rقَالَ أَحْمَدُ ، فِي رِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ : لَا تَشْهَدْ إلَّا لِمَنْ تَعْرِفُ ، وَعَلَى مَنْ تَعْرِفُ ، وَلَا يَشْهَدُ إلَّا عَلَى امْرَأَةٍ قَدْ عَرَفَهَا ،","part":23,"page":158},{"id":11158,"text":"وَإِنْ كَانَتْ مِمَّنْ قَدْ عَرَفَ اسْمَهَا ، وَدُعِيَتْ ، وَذَهَبَتْ ، وَجَاءَتْ ، فَلْيَشْهَدْ ، وَإِلَّا فَلَا يَشْهَدْ ، فَأَمَّا إنْ لَمْ يَعْرِفْهَا ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَشْهَدَ مَعَ غَيْبَتِهَا .\rوَيَجُوزُ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى عَيْنِهَا إذَا عَرَفَ عَيْنَهَا ، وَنَظَرَ إلَى وَجْهِهَا .\rقَالَ أَحْمَدُ وَلَا يَشْهَدُ عَلَى امْرَأَةٍ ، حَتَّى يَنْظُرَ إلَى وَجْهِهَا .\rوَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى الشَّهَادَةِ عَلَى مَنْ لَمْ يَتَيَقَّنْ مَعْرِفَتَهَا .\rفَأَمَّا مَنْ تَيَقَّنَ مَعْرِفَتَهَا ، وَتَعَرَّفَ بِصَوْتِهَا يَقِينًا ، فَيَجُوزُ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْهَا إذَا تَيَقَّنَ صَوْتَهَا ، عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ فِي الْمَسْأَلَةِ قَبْلَهَا .\rفَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ ، فَعَرَفَهُ عِنْدَهُ مَنْ يَعْرِفُهُ ، فَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّهُ قَالَ : لَا يَشْهَدُ عَلَى شَهَادَةِ غَيْرِهِ إلَّا بِمَعْرِفَتِهِ لَهَا .\rوَقَالَ : لَا يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَقُولَ لِلرَّجُلِ : أَنَا أَشْهَدُ أَنَّ هَذِهِ فُلَانَةُ .\rوَيَشْهَدَ عَلَى شَهَادَتِهِ .\rوَهَذَا صَرِيحٌ فِي الْمَنْعِ مِنْ الشَّهَادَةِ عَلَى مَنْ لَا يَعْرِفُهُ بِتَعْرِيفِ غَيْرِهِ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : يَجُوزُ أَنْ يُحْمَلَ هَذَا عَلَى الِاسْتِحْبَابِ ، لِتَجْوِيزِهِ الشَّهَادَةَ بِالِاسْتِفَاضَةِ .\rوَظَاهِرُ قَوْلِهِ الْمَنْعُ مِنْهُ .\rوَقَالَ أَحْمَدُ : لَا يَشْهَدُ عَلَى امْرَأَةٍ إلَّا بِأُذْنِ زَوْجِهَا .\rوَهَذَا يَحْتَمِلُ أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ عَلَيْهَا بَيْتَهَا لِيَشْهَدَ عَلَيْهَا إلَّا بِإِذْنِ زَوْجِهَا ؛ لِمَا رَوَى عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ قَالَ : { نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُسْتَأْذَنَ عَلَى النِّسَاءِ إلَّا بِإِذْنِ أَزْوَاجِهِنَّ } .\rرَوَاهُ أَحْمَدُ ، فِي \" مُسْنَدِهِ \" .\rفَأَمَّا الشَّهَادَةُ عَلَيْهَا فِي غَيْرِ بَيْتِهَا فَجَائِزَةٌ ؛ لِأَنَّ إقْرَارَهَا صَحِيحٌ ، وَتَصَرُّفَهَا إذَا كَانَتْ رَشِيدَةً صَحِيحٌ ، فَجَازَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْهَا بِهِ .","part":23,"page":159},{"id":11159,"text":"( 8353 ) فَصْلٌ : وَإِذَا عَرَفَ الشَّاهِدُ خَطَّهُ ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُ شَهِدَ بِهِ ، فَهَلْ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ بِذَلِكَ ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، لَا يَجُوزُ أَنْ يَشْهَدَ بِهَا .\rقَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ حَرْبٍ ، فِي مَنْ يَرَى خَطَّهُ وَخَاتَمَهُ وَلَا يَذْكُرُ الشَّهَادَةَ ، قَالَ : لَا يَشْهَدُ إلَّا بِمَا يَعْلَمُ .\rوَقَالَ فِي رِوَايَةِ غَيْرِهِ : يَشْهَدُ إذَا عَرَفَ خَطَّهُ ، وَكَيْفَ تَكُونُ الشَّهَادَةُ إلَّا هَكَذَا ؟ .\rوَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ : إذَا عَرَفَ خَطَّهُ ، وَلَمْ يَحْفَظْ ، فَلَا يَشْهَدْ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ مَنْسُوخًا عِنْدَهُ ، مَوْضُوعًا تَحْتَ خَتْمِهِ وَحِرْزِهِ ، فَيَشْهَدُ ، وَإِنْ لَمْ يَحْفَظْ .\rوَقَالَ أَيْضًا : إذَا كَانَ رَدِيءَ الْحِفْظِ ، فَيَشْهَدُ وَيَكْتُبُهَا عِنْدَهُ .\rوَهَذِهِ رِوَايَةٌ ثَالِثَةٌ ، وَهُوَ أَنْ يَشْهَدُ إذَا كَانَتْ مَكْتُوبَةً عِنْدَهُ بِخَطِّهِ فِي حِرْزِهِ ، وَلَا يَشْهَدُ إذَا لَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ ، بِمَنْزِلَةِ الْقَاضِي ، فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ ، إذَا وَجَدَ حُكْمَهُ بِخَطِّهِ تَحْتَ خَتْمِهِ أَمْضَاهُ ، وَلَا يُمْضِيه إذَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ .","part":23,"page":160},{"id":11160,"text":"( 8354 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَمَا تَظَاهَرَتْ بِهِ الْأَخْبَارُ ، وَاسْتَقَرَّتْ مَعْرِفَتُهُ فِي قَلْبِهِ ، شَهِدَ بِهِ ، كَالشَّهَادَةِ عَلَى النَّسَبِ وَالْوِلَادَةِ ) هَذَا النَّوْعُ الثَّانِي مِنْ السَّمَاعِ ، وَهُوَ مَا يَعْلَمُهُ بِالِاسْتِفَاضَةِ .\rوَأَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى صِحَّةِ الشَّهَادَةِ بِهَا فِي النَّسَبِ وَالْوِلَادَةِ .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَمَّا النَّسَبُ فَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مَنَعَ مِنْهُ ، وَلَوْ مُنِعَ ذَلِكَ لَاسْتَحَالَتْ مَعْرِفَةُ الشَّهَادَةُ بِهِ ، إذْ لَا سَبِيلَ إلَى مَعْرِفَتِهِ قَطْعًا بِغَيْرِهِ ، وَلَا تُمْكِنُ الْمُشَاهَدَةُ فِيهِ ، وَلَوْ اُعْتُبِرْت الْمُشَاهَدَةُ ، لَمَا عَرَفَ أَحَدٌ أَبَاهُ ، وَلَا أُمَّهُ ، وَلَا أَحَدًا مِنْ أَقَارِبِهِ .\rوَقَالَ : قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ } .\rوَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِيمَا تَجُوزُ الشَّهَادَةُ عَلَيْهِ بِالِاسْتِفَاضَةِ ، غَيْرِ النَّسَبِ وَالْوِلَادَةِ ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا : هُوَ تِسْعَةُ أَشْيَاءَ ؛ النِّكَاحُ ، وَالْمِلْكُ الْمُطْلَقُ ، وَالْوَقْفُ ، وَمَصْرِفُهُ ، وَالْمَوْتُ ، وَالْعِتْقُ ، وَالْوَلَاءُ ، وَالْوِلَايَةُ ، وَالْعَزْلُ .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيِّ ، وَبَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ بَعْضُهُمْ : لَا تَجُوزُ فِي الْوَقْفِ وَالْوَلَاءِ وَالْعِتْقِ وَالزَّوْجِيَّةِ ؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ مُمْكِنَةٌ فِيهِ بِالْقَطْعِ ، فَإِنَّهَا شَهَادَةٌ بِعَقْدٍ ، فَأَشْبَهَ سَائِرَ الْعُقُودِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا تُقْبَلُ إلَّا فِي النِّكَاحِ ، وَالْمَوْتِ ، وَلَا تُقْبَلُ فِي الْمِلْكِ الْمُطْلَقِ ؛ لِأَنَّهَا شَهَادَةٌ بِمَالٍ ، أَشْبَهَ الدِّينَ .\rوَقَالَ صَاحِبَاهُ : تُقْبَلُ فِي الْوَلَاءِ ، مِثْلُ عِكْرِمَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ .\rوَلَنَا ، أَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ تَتَعَذَّرُ الشَّهَادَةُ عَلَيْهَا فِي الْغَالِبِ بِمُشَاهَدَتِهَا ، أَوْ مُشَاهَدَةِ أَسْبَابِهَا ، فَجَازَتْ الشَّهَادَةُ عَلَيْهَا بِالِاسْتِفَاضَةِ كَالنَّسَبِ .\rقَالَ مَالِكٌ : لَيْسَ عِنْدَنَا مَنْ يَشْهَدُ عَلَى أَحْبَاسِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ","part":23,"page":161},{"id":11161,"text":"وَسَلَّمَ إلَّا بِالسَّمَاعِ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : السَّمَاعُ فِي الْأَحْبَاسِ وَالْوَلَاءِ جَائِزٌ .\rوَقَالَ أَحْمَدُ ، فِي رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيِّ : اشْهَدْ أَنَّ دَارَ بُخْتَانَ لِبُخْتَانَ ، وَإِنْ لَمْ يُشْهِدْك .\rوَقِيلَ لَهُ : تَشْهَدُ أَنَّ فُلَانَةَ امْرَأَةُ فُلَانٍ ، وَلَمْ تَشْهَدْ النِّكَاحَ ؟ فَقَالَ : نَعَمْ ، إذَا كَانَ مُسْتَفِيضًا ، فَأَشْهَدُ أَقُولُ : إنَّ فَاطِمَةَ ابْنَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِنَّ خَدِيجَةَ وَعَائِشَةَ زَوْجَاهُ ، وَكُلُّ أَحَدٍ يَشْهَدُ بِذَلِكَ مِنْ غَيْرِ مُشَاهَدَةٍ .\rفَإِنْ قِيلَ : يُمْكِنُهُ الْعِلْمُ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ بِمُشَاهَدَةِ السَّبَبِ .\rقُلْنَا : وُجُودُ السَّبَبِ لَا يُفِيدُ الْعِلْمَ بِكَوْنِهِ سَبَبًا يَقِينًا ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِيَ مَا لَيْسَ بِمِلْكِ الْبَائِعِ ، وَيَصْطَادَ صَيْدًا صَادَهُ غَيْرُهُ ، ثُمَّ انْفَلَتَ مِنْهُ ، وَإِنْ تَصَوَّرَ ذَلِكَ ، فَهُوَ نَادِرٌ وَقَوْلُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ : تُمْكِنُ الشَّهَادَةُ فِي الْوَقْفِ بِاللَّفْظِ .\rلَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ لَيْسَتْ بِالْعُقُودِ هَاهُنَا ، وَإِنَّمَا يُشْهَدُ بِالْوَقْفِ الْحَاصِلِ بِالْعَقْدِ ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْمِلِكِ ، وَكَذَلِكَ يُشْهَدُ بِالزَّوْجِيَّةِ دُونَ الْعَقْدِ ، وَكَذَلِكَ الْحُرِّيَّةُ وَالْوَلَاءُ ، وَهَذِهِ جَمِيعُهَا لَا يُمْكِنُ الْقَطْعُ بِهَا ، كَمَا لَا يُمْكِنُ الْقَطْعُ بِالْمِلْكِ ؛ لِأَنَّهَا مُتَرَتِّبَةٌ عَلَى الْمِلْكِ ، فَوَجَبَ أَنْ تَجُوزَ الشَّهَادَةُ فِيهَا بِالِاسْتِفَاضَةِ ، كَالْمِلْكِ سَوَاءٌ .\rقَالَ مَالِكٌ لَيْسَ عِنْدَنَا مَنْ شَهِدَ عَلَى أَحْبَاسِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَّا عَلَى السَّمَاعِ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَكَلَامُ أَحْمَدَ وَالْخِرَقِيِّ ، يَقْتَضِي أَنْ لَا يَشْهَدَ بِالِاسْتِفَاضَةِ حَتَّى تَكْثُرَ بِهِ الْأَخْبَارُ ، وَيَسْمَعَهُ مِنْ عَدَدٍ كَثِيرٍ يَحْصُلُ بِهِ الْعِلْمُ ؛ لِقَوْلِ الْخِرَقِيِّ : فِيمَا تَظَاهَرَتْ بِهِ الْأَخْبَارُ ، وَاسْتَقَرَّتْ مَعْرِفَتُهُ فِي الْقَلْبِ .\rيَعْنِي حَصَلَ الْعِلْمُ بِهِ .\rوَذَكَرَ الْقَاضِي ، فِي \" الْمُجَرَّدِ \" أَنَّهُ يَكْفِي أَنْ يَسْمَعَ","part":23,"page":162},{"id":11162,"text":"مِنْ اثْنَيْنِ عَدْلَيْنِ ، وَيَسْكُنَ قَلْبُهُ إلَى خَبَرِهِمَا ؛ لِأَنَّ الْحُقُوقَ تَثْبُتُ بِقَوْلِ اثْنَيْنِ .\rوَهَذَا قَوْلُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ .\rوَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ هُوَ الَّذِي يَقْتَضِيه لَفْظُ الِاسْتِفَاضَةِ ، فَإِنَّهَا مَأْخُوذَةٌ مِنْ فَيْضِ الْمَاءِ ؛ لِكَثْرَتِهِ ، وَلِأَنَّهُ لَوْ اُكْتُفِيَ فِيهِ بِقَوْلِ اثْنَيْنِ ، لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ مَا يُشْتَرَطُ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ وَإِنَّمَا اُكْتُفِيَ بِمُجَرَّدِ السَّمَاعِ .","part":23,"page":163},{"id":11163,"text":"( 8355 ) فَصْلٌ : فَإِنْ كَانَ فِي يَدِ رَجُلٍ دَارٌ أَوْ عَقَارٌ ، يَتَصَرَّفُ فِيهَا تَصَرُّفَ الْمُلَّاكِ بِالسُّكْنَى ، وَالْإِعَارَةِ ، وَالْإِجَارَةِ ، وَالْعِمَارَةِ ، وَالْهَدْمِ ، وَالْبِنَاءِ ، مِنْ غَيْرِ مُنَازِعٍ ، فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ حَامِدٍ : يَجُوزُ أَنْ يَشْهَدَ لَهُ بِمِلْكِهَا .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَالْإِصْطَخْرِيِّ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ .\rقَالَ الْقَاضِي : وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَشْهَدَ إلَّا بِمَا شَاهَدَهُ مِنْ الْمِلْكِ وَالْيَدِ وَالتَّصَرُّفِ ؛ لِأَنَّ الْيَدَ لَيْسَتْ مُنْحَصِرَةً فِي الْمِلْكِ ، قَدْ تَكُونُ بِإِجَارَةِ وَإِعَارَةٍ وَغَصْبٍ ، وَهَذَا قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيَّ .\rوَوَجْهُ الْأَوَّلِ ، أَنَّ الْيَدَ دَلِيلٌ الْمِلْكِ ، وَاسْتِمْرَارَهَا مِنْ غَيْرِ مُنَازِعٍ يُقَوِّيهَا ، فَجَرَتْ مَجْرَى الِاسْتِفَاضَةِ ، فَجَازَ أَنْ يَشْهَدَ بِهَا ، كَمَا لَوْ شَاهَدَ سَبَبَ الْيَدِ ، مِنْ بَيْعٍ ، أَوْ إرْثٍ أَوْ هِبَةٍ ، وَاحْتِمَالُ كَوْنِهَا عَنْ غَصْبٍ أَوْ إجَارَةٍ ، يُعَارِضُهُ اسْتِمْرَارُ الْيَدِ مِنْ غَيْرِ مُنَازِعٍ ، فَلَا يَبْقَى مَانِعًا ، كَمَا لَوْ شَاهَدَ سَبَبَ الْيَدِ ؛ فَإِنَّ احْتِمَالَ كَوْنِ الْبَائِعِ غَيْرَ مَالِكٍ ، وَالْوَارِثِ وَالْوَاهِبِ ، لَا يَمْنَعُ الشَّهَادَةَ .\rكَذَا هَاهُنَا .\rفَإِنْ قِيلَ : فَإِذَا بَقِيَ الِاحْتِمَالُ لَمْ يَحْصُلْ الْعِلْمُ ، وَلَا تَجُوزُ الشَّهَادَةُ إلَّا بِمَا يَعْلَمُ .\rقُلْنَا : الظَّنُّ يُسَمَّى عِلْمًا ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ } .\rوَلَا سَبِيلَ إلَى الْعِلْمِ الْيَقِينِيِّ هَاهُنَا ، فَجَازَتْ بِالظَّنِّ .","part":23,"page":164},{"id":11164,"text":"( 8356 ) فَصْلٌ : وَإِذَا سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ لَصَبِيٍّ : هَذَا ابْنِي .\rجَازَ أَنْ يَشْهَدَ بِهِ ؛ لِأَنَّهُ مُقِرٌّ بِنَسَبِهِ .\rوَإِنْ سَمِعَ الصَّبِيَّ يَقُولُ : هَذَا أَبِي .\rوَالرَّجُلُ يَسْمَعُهُ ، فَسَكَتَ ، جَازَ أَنْ يَشْهَدَ أَيْضًا ؛ لِأَنَّ سُكُوتَ الْأَبِ إقْرَارٌ لَهُ وَالْإِقْرَارُ يُثْبِتُ النَّسَبَ ، فَجَازَتْ الشَّهَادَةُ بِهِ ، وَإِنَّمَا أُقِيمَ السُّكُوتُ هَاهُنَا مَقَامَ الْإِقْرَارِ ؛ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ عَلَى الِانْتِسَابِ الْبَاطِلِ جَائِزٌ ، بِخِلَافِ سَائِرِ الدَّعَاوَى ، وَلِأَنَّ النَّسَبَ يَغْلِبُ فِيهِ الْإِثْبَاتُ ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَلْحَقُ بِالْإِمْكَانِ فِي النِّكَاحِ .\rوَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ أَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَشْهَدَ مَعَ السُّكُوتِ حَتَّى يَتَكَرَّرَ ؛ لِأَنَّ السُّكُوتَ لَيْسَ بِإِقْرَارٍ حَقِيقِيٍّ ، وَإِنَّمَا أُقِيمَ مَقَامَهُ ، فَاعْتُبِرَتْ تَقْوِيَتُهُ بِالتَّكْرَارِ ، كَمَا اُعْتُبِرَتْ تَقْوِيَةُ الْيَدِ فِي الْعَقَارِ بِالِاسْتِمْرَارِ .","part":23,"page":165},{"id":11165,"text":"( 8357 ) فَصْلٌ : وَإِذَا شَهِدَ عَدْلَانِ أَنَّ فُلَانًا مَاتَ ، وَخَلَّفَ مِنْ الْوَرَثَةِ فُلَانًا وَفُلَانًا ، لَا نَعْلَمُ لَهُ وَارِثًا غَيْرَهُمَا ، قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمَا .\rوَبِهَذَا قَالَ : أَبُو حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَالْعَنْبَرِيُّ .\rوَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى : لَا تُقْبَلُ حَتَّى يُبَيِّنَا أَنَّهُ لَا وَارِثَ لَهُ سِوَاهُمَا .\rوَلَنَا ، أَنَّ هَذَا مِمَّا لَا يُمْكِنُ عِلْمُهُ ، فَيَكْفِي فِيهِ الظَّاهِرُ ، مَعَ شَهَادَةِ الْأَصْلِ بِعَدَمِ وَارِثٍ آخَرَ .\rقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : سَوَاءٌ كَانَا مِنْ أَهْلِ الْخِبْرَةِ الْبَاطِنَةِ ، أَوْ لَمْ يَكُونَا .\rوَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا تُقْبَلَ إلَّا مِنْ أَهْلِ الْخِبْرَةِ الْبَاطِنَةِ ؛ لِأَنَّ عَدَمَ عِلْمِهِمْ بِوَارِثٍ آخَرَ لَيْسَ بِدَلِيلٍ عَلَى عَدَمِهِ ، بِخِلَافِ أَهْلِ الْخِبْرَةِ الْبَاطِنَةِ ، فَإِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ لَهُ وَارِثٌ آخَرُ ، لَمْ يَخْفَ عَلَيْهِمْ .\rوَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ .\rفَأَمَّا إنْ قَالَا : لَا نَعْلَمُ لَهُ وَارِثًا بِهَذِهِ الْبَلْدَةِ ، أَوْ بِأَرْضِ كَذَا وَكَذَا .\rلَمْ تُقْبَلُ .\rوَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يُقْضَى بِهِ ، كَمَا لَوْ قَالَا : لَا نَعْلَمُ لَهُ وَارِثًا .\rوَذُكِرَ ذَلِكَ مَذْهَبًا لِأَحْمَدْ أَيْضًا .\rوَلَنَا ، أَنَّ هَذَا لَيْسَ بِدَلِيلٍ عَلَى عَدَمِ الْوَارِثِ ؛ لِأَنَّهُمَا قَدْ يَعْلَمَانِ أَنَّهُ لَا وَارِثَ لَهُ فِي تِلْكَ الْأَرْضِ ، وَيَعْلَمَانِ لَهُ وَارِثًا فِي غَيْرِهَا ، فَلَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُمَا ، كَمَا لَوْ قَالَا : لَا نَعْلَمُ لَهُ وَارِثًا فِي هَذَا الْبَيْتِ .","part":23,"page":166},{"id":11166,"text":"( 8358 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( مَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ عَاقِلًا ، مُسْلِمًا ، بَالِغًا ، عَدْلًا ، لَمْ تَجُزْ شَهَادَتُهُ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ يُعْتَبَرُ فِي الشَّاهِدِ سَبْعَةُ شُرُوطٍ ؛ أَحَدهَا ، أَنْ يَكُونَ عَاقِلًا ، وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ مَنْ لَيْسَ بِعَاقِلٍ ، إجْمَاعًا .\rقَالَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ .\rوَسَوَاءٌ ذَهَبَ عَقْلُهُ بِجُنُونٍ أَوْ سُكْرٍ أَوْ طُفُولِيَّةٍ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُحَصِّلٍ ، وَلَا تَحْصُلُ الثِّقَةُ بِقَوْلِهِ ، وَلِأَنَّهُ لَا يَأْثَمُ بِكَذِبِهِ ، وَلَا يَتَحَرَّزُ مِنْهُ .\rالثَّانِي ، أَنْ يَكُونَ مُسْلِمًا ، وَنَذْكُرُ هَذَا فِيمَا بَعْدُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .\rالثَّالِثُ ، أَنْ يَكُونَ بَالِغًا ، فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ صَبِيٍّ لَمْ يَبْلُغْ بِحَالٍ ، يُرْوَى هَذَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ .\rوَبِهِ قَالَ الْقَاسِمُ ، وَسَالِمٌ ، وَعَطَاءٌ ، وَمَكْحُولٌ ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ ، رِوَايَةٌ أُخْرَى ، أَنَّ شَهَادَتَهُمْ تُقْبَلُ فِي الْجِرَاحِ ، إذَا شَهِدُوا قَبْلَ الِافْتِرَاقِ عَنْ الْحَالَةِ الَّتِي تَجَارَحُوا عَلَيْهَا ، وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ صِدْقُهُمْ وَضَبْطُهُمْ ، فَإِنْ تَفَرَّقُوا لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يُلَقَّنُوا .\rابْنُ الزُّبَيْرِ : إنْ أُخِذُوا عِنْدَ مُصَابِ ذَلِكَ ، فَبِالْأَحْرَى أَنْ يَعْقِلُوا وَيَحْفَظُوا .\rوَعَنْ الزُّهْرِيِّ ، أَنَّ شَهَادَتَهُمْ جَائِرَةٌ ، وَيُسْتَحْلَفُ أَوْلِيَاءُ الْمَشْجُوجِ .\rوَذَكَرَهُ عَنْ مَرْوَانَ .\rوَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ ، رِوَايَةٌ ثَالِثَةٌ ، أَنَّ شَهَادَتَهُ تُقْبَلُ إذَا كَانَ ابْنَ عَشْرٍ .\rقَالَ ابْنُ حَامِدٍ : فَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ ، تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ فِي غَيْرِ الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ ، كَالْعَبِيدِ .\rوَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ شَهَادَةَ بَعْضِهِمْ تُقْبَلُ عَلَى بَعْضٍ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ شُرَيْحٍ ، وَالْحَسَنِ ، وَالنَّخَعِيِّ .\rقَالَ إبْرَاهِيمُ : كَانُوا يُجِيزُونَ","part":23,"page":167},{"id":11167,"text":"شَهَادَةَ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ فِيمَا كَانَ بَيْنَهُمْ .\rقَالَ الْمُغِيرَةُ : وَكَانَ أَصْحَابُنَا لَا يُجِيزُونَ شَهَادَتَهُمْ عَلَى رَجُلٍ ، وَلَا عَلَى عَبْدٍ .\rوَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ مَسْرُوقٍ ، قَالَ : كُنَّا عِنْدَ عَلِيٍّ ، فَجَاءَهُ خَمْسَةُ غِلْمَةٍ فَقَالُوا : إنَّا كُنَّا سِتَّةَ غِلْمَةٍ نَتَغَاطَّ ، فَغَرِقَ مِنَّا غُلَامٌ .\rفَشَهِدَ الثَّلَاثَةُ عَلَى الِاثْنَيْنِ أَنَّهُمَا غَرَّقَاهُ ، وَشَهِدَ الِاثْنَانِ عَلَى الثَّلَاثَةِ أَنَّهُمْ غَرَّقُوهُ ، فَجَعَلَ عَلَى الِاثْنَيْنِ ثَلَاثَةَ أَخْمَاسِ الدِّيَةِ ، وَجَعَلَ عَلَى الثَّلَاثَةِ خُمُسَيْهَا .\rوَقَضَى بِنَحْوِ هَذَا مَسْرُوقٌ .\rوَالْمَذْهَبُ أَنَّ شَهَادَتَهُمْ لَا تُقْبَلُ فِي شَيْءٍ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ } .\rوَقَالَ : { وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ } .\rوَقَالَ : { مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنْ الشُّهَدَاءِ } .\rوَالصَّبِيُّ مِمَّنْ لَا يُرْضَى .\rوَقَالَ : { وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ } .\rفَأَخْبَرَ أَنَّ الشَّاهِدَ الْكَاتِمَ لِشَهَادَتِهِ آثِمٌ ، وَالصَّبِيُّ لَا يَأْثَمُ ، فَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِشَاهِدِ ؛ وَلِأَنَّ الصَّبِيَّ لَا يَخَافُ مِنْ مَأْثَمِ الْكَذِبِ ، فَيَزَعُهُ عَنْهُ ، وَيَمْنَعُهُ مِنْهُ ، فَلَا تَحْصُلُ الثِّقَةُ بِقَوْلِهِ ، وَلِأَنَّ مَنْ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ عَلَى نَفْسِهِ فِي الْإِقْرَارِ ، لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ عَلَى غَيْرِهِ ، كَالْمَجْنُونِ ، يُحَقِّقُ هَذَا أَنَّ الْإِقْرَارَ أَوْسَعُ ؛ لِأَنَّهُ يُقْبَلُ مِنْ الْكَافِرِ وَالْفَاسِقِ وَالْمَرْأَةِ ، وَلَا تَصِحُّ الشَّهَادَةُ مِنْهُمْ ، وَلِأَنَّ مَنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ فِي الْمَالِ ، لَا تُقْبَلُ فِي الْجِرَاحِ ، كَالْفَاسِقِ ، وَمَنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ عَلَى مَنْ لَيْسَ بِمِثْلِهِ ، لَا تُقْبَلُ عَلَى مِثْلِهِ ، كَالْمَجْنُونِ .\rالشَّرْطُ الرَّابِعُ ، الْعَدَالَةُ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى { وَأَشْهَدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ } .\rوَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْفَاسِقِ لِذَلِكَ ، وَلِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { إنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا } .","part":23,"page":168},{"id":11168,"text":"فَأَمَرَ بِالتَّوَقُّفِ عَنْ نَبَأِ الْفَاسِقِ ، وَالشَّهَادَةُ نَبَأٌ ، فَيَجِبُ التَّوَقُّفُ عَنْهُ .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ خَائِنٍ وَلَا خَائِنَةٍ ، وَلَا مَحْدُودٍ فِي الْإِسْلَامِ ، وَلَا ذِي غِمْرٍ عَلَى أَخِيهِ } .\rرَوَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ .\rوَكَانَ أَبُو عُبَيْدٍ لَا يَرَاهُ خَصَّ الْخَائِنَ وَالْخَائِنَةَ أَمَانَاتِ النَّاسِ ، بَلْ جَمِيعُ مَا افْتَرَضَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى الْعِبَادِ الْقِيَامُ بِهِ أَوْ اجْتِنَابُهُ ، مِنْ صَغِيرِ ذَلِكَ وَكَبِيرِهِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { إنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ } .\rوَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : لَا يُؤْسَرُ رَجُلٌ بِغَيْرِ الْعُدُولِ .\rوَلِأَنَّ دِينَ الْفَاسِقِ لَمْ يَزَعْهُ عَنْ ارْتِكَابِ مَحْظُورَاتِ الدِّينِ ، فَلَا يُؤْمَنُ أَنْ لَا يَزَعَهُ عَنْ الْكَذِبِ ، فَلَا تَحْصُلُ الثِّقَةُ بِخَبَرِهِ .\rإذَا تَقَرَّرَ هَذَا ، فَالْفُسُوقُ نَوْعَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، مِنْ حَيْثُ الْأَفْعَالُ ؛ فَلَا نَعْلَمُ خِلَافًا فِي رَدِّ شَهَادَتِهِ .\rوَالثَّانِي ، مِنْ جِهَةِ الِاعْتِقَادِ ، وَهُوَ اعْتِقَادُ الْبِدْعَةِ ، فَيُوجِبُ رَدَّ الشَّهَادَةِ أَيْضًا .\rوَبِهِ قَالَ مَالِكٌ ، وَشَرِيكٌ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ ، وَأَبُو ثَوْرٍ .\rوَقَالَ شَرِيكٌ : أَرْبَعَةٌ لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُمْ ؛ رَافِضِيٌّ يَزْعُمُ أَنَّ لَهُ إمَامًا مُفْتَرَضَةً طَاعَتُهُ .\rوَخَارِجِيٌّ يَزْعُمُ أَنَّ الدُّنْيَا دَارُ حَرْبٍ .\rوَقَدَرِيٌّ يَزْعُمُ أَنَّ الْمَشِيئَةَ إلَيْهِ .\rوَمُرْجِئٌ .\rوَرَدَّ شَهَادَةَ يَعْقُوبَ ، وَقَالَ : أَلَا أَرُدُّ شَهَادَةَ مِنْ يَزْعُمُ أَنَّ الصَّلَاةَ لَيْسَتْ مِنْ الْإِيمَانِ ؟ وَقَالَ أَبُو حَامِدٍ ، مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ : الْمُخْتَلِفُونَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ ؛ ضَرْبٌ اخْتَلَفُوا فِي الْفُرُوعِ ، فَهَؤُلَاءِ لَا يَفْسُقُونَ بِذَلِكَ ، وَلَا تُرَدُّ شَهَادَتُهُمْ ، وَقَدْ اخْتَلَفَ الصَّحَابَةُ فِي الْفُرُوعِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ التَّابِعِينَ .\rالثَّانِي ، مَنْ نُفَسِّقُهُ وَلَا نُكَفِّرُهُ ، وَهُوَ مَنْ سَبَّ الْقَرَابَةَ ،","part":23,"page":169},{"id":11169,"text":"كَالْخَوَارِجِ ، أَوْ سَبَّ الصَّحَابَةَ ، كَالرَّوَافِضِ ، فَلَا تُقْبَلُ لَهُمْ شَهَادَةٌ لِذَلِكَ .\rالثَّالِثُ ، مَنْ نُكَفِّرُهُ ، وَهُوَ مَنْ قَالَ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ ، وَنَفْيِ الرُّؤْيَةِ ، وَأَضَافَ الْمَشِيئَةَ إلَى نَفْسِهِ ، فَلَا تُقْبَلُ لَهُ شَهَادَةٌ .\rوَذَكَرَ الْقَاضِي أَبُو يُعْلَى مِثْلَ هَذَا سَوَاءً .\rقَالَ : وَقَالَ أَحْمَدُ : مَا تُعْجِبُنِي شَهَادَةُ الْجَهْمِيَّةِ ، وَالرَّافِضَةِ ، وَالْقَدَرِيَّةِ الْمُعْلِنَةِ .\rوَظَاهِرُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ ، وَابْنِ أَبِي لَيْلَى ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ ، قَبُولُ شَهَادَةِ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ .\rوَأَجَازَ سَوَّارٌ شَهَادَةَ نَاسٍ مِنْ بَنِي الْعَنْبَرِ ، مِمَّنْ يَرَى الِاعْتِزَالَ .\rقَالَ الشَّافِعِيُّ : إلَّا أَنْ يَكُونُوا مِمَّنْ يَرَى الشَّهَادَةَ بِالْكَذِبِ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ، كَالْخَطَّابِيَّةِ ، وَهُمْ أَصْحَابُ أَبِي الْخَطَّابِ .\rيَشْهَدُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ بِتَصْدِيقِهِ .\rوَوَجْهُ قَوْلِ مَنْ أَجَازَ شَهَادَتَهُمْ ، أَنَّهُ اخْتِلَافٌ لَمْ يُخْرِجْهُمْ عَنْ الْإِسْلَامِ ، أَشْبَهَ الِاخْتِلَافَ فِي الْفُرُوعِ ، وَلِأَنَّ فِسْقَهُمْ لَا يَدُلُّ عَلَى كَذِبِهِمْ ؛ لِكَوْنِهِمْ ذَهَبُوا إلَى ذَلِكَ تَدَيُّنًا وَاعْتِقَادًا أَنَّهُ الْحَقُّ ، وَلَمْ يَرْتَكِبُوهُ عَالِمِينَ بِتَحْرِيمِهِ ، بِخِلَافِ فِسْقِ الْأَفْعَالِ .\rقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : وَيَتَخَرَّجُ عَلَى قَبُولِ شَهَادَةِ أَهْلِ الذِّمَّةِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ ، أَنَّ الْفِسْقَ الَّذِي يَتَدَيَّنُ بِهِ مِنْ جِهَةِ الِاعْتِقَادِ لَا تُرَدُّ الشَّهَادَةُ بِهِ .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ جَوَازُ الرِّوَايَةِ عَنْ الْقَدَرِيِّ ، إذَا لَمْ يَكُنْ دَاعِيَةً ، فَكَذَلِكَ الشَّهَادَةُ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ أَحَدُ نَوْعَيْ الْفِسْقِ ، فَتُرَدُّ بِهِ الشَّهَادَةُ ، كَالنَّوْعِ الْآخَرِ ؛ وَلِأَنَّ الْمُبْتَدِعَ فَاسِقٌ ، فَتُرَدُّ شَهَادَتُهُ ، لِلْآيَةِ وَالْمَعْنَى .\rالشَّرْطُ الْخَامِسُ ، أَنْ يَكُونَ مُتَيَقِّظًا حَافِظًا لَا يَشْهَدُ بِهِ ، فَإِنْ كَانَ مُغَفَّلًا ، أَوْ مَعْرُوفًا بِكَثْرَةِ الْغَلَطِ ، لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ الشَّرْطُ السَّادِسُ ، أَنْ يَكُونَ ذَا مُرُوءَةٍ .\rالشَّرْطُ السَّابِعُ ،","part":23,"page":170},{"id":11170,"text":"انْتِفَاءُ الْمَوَانِعِ .\rوَسَنَشْرَحُ هَذِهِ الشُّرُوطَ فِي مَوَاضِعِهَا ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .","part":23,"page":171},{"id":11171,"text":"( 8359 ) فَصْلٌ : ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ ، أَنَّ شَهَادَةَ الْبَدَوِيِّ عَلَى مَنْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الْقَرْيَةِ ، وَشَهَادَةَ أَهْلِ الْقَرْيَةِ عَلَى الْبَدَوِيِّ ، صَحِيحَةٌ إذَا اجْتَمَعَتْ هَذِهِ الشُّرُوطُ .\rوَهُوَ قَوْلُ ابْنِ سِيرِينَ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي ثَوْرٍ .\rوَاخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ .\rوَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : أَخْشَى أَنْ لَا تُقْبَلَ شَهَادَةُ الْبَدَوِيِّ عَلَى صَاحِبِ الْقَرْيَةِ .\rفَيَحْتَمِلَ هَذَا أَنْ لَا تُقْبَلَ شَهَادَتُهُ .\rوَهُوَ قَوْلُ جَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِنَا ، وَمَذْهَبُ أَبِي عُبَيْدٍ .\rوَقَالَ مَالِكٌ كَقَوْلِ أَصْحَابِنَا ، فِيمَا عَدَا الْجِرَاحَ ، وَكَقَوْلِ الْبَاقِينَ فِي الْجِرَاحِ احْتِيَاطًا لِلدِّمَاءِ .\rوَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد ، فِي \" سُنَنِهِ \" ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ بَدَوِيٍّ عَلَى صَاحِبِ قَرْيَةٍ } .\rوَلِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ ، حَيْثُ عَدَلَ عَنْ أَنْ يُشْهِدَ قَرَوِيًّا وَيُشْهِدَ بَدَوِيًّا .\rقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : وَلَا أَرَى شَهَادَتَهُمْ رُدَّتْ إلَّا لِمَا فِيهِمْ مِنْ الْجَفَاءِ بِحُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَالْجَفَاءِ فِي الدِّينِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ مَنْ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ عَلَى أَهْلِ الْبَدْوِ ، قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ عَلَى أَهْلِ الْقَرْيَةِ ، كَأَهْلِ الْقُرَى ، وَيُحْمَلُ الْحَدِيثُ عَلَى مَنْ لَمْ تُعْرَفْ عَدَالَتُهُ مِنْ أَهْلِ الْبَدْوِ ، وَنَخُصُّهُ بِهَذَا ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّهُ لَا يَكُونُ لَهُ مَنْ يَسْأَلُهُ الْحَاكِمُ ، فَيَعْرِفُ عَدَالَتَهُ .","part":23,"page":172},{"id":11172,"text":"( 8360 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَالْعَدْلُ مَنْ لَمْ تَظْهَرْ مِنْهُ رِيبَةٌ .\rوَهَذَا قَوْلُ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ ، وَإِسْحَاقَ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْعَدْلَ هُوَ الَّذِي تَعْتَدِلُ أَحْوَالُهُ فِي دِينِهِ وَأَفْعَالِهِ .\rقَالَ الْقَاضِي : يَكُونُ ذَلِكَ فِي الدِّينِ وَالْمُرُوءَةِ وَالْأَحْكَامِ .\rأَمَّا الدِّينُ فَلَا يَرْتَكِبُ كَبِيرَةً ، وَلَا يُدَاوِمُ عَلَى صَغِيرَةٍ ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ أَنْ لَا تُقْبَلَ شَهَادَةُ الْقَاذِفِ ، فَيُقَاسُ عَلَيْهِ كُلُّ مُرْتَكِبِ كَبِيرَةٍ ، وَلَا يُجَرِّحُهُ عَنْ الْعَدَالَةِ فِعْلُ صَغِيرَةٍ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إلَّا اللَّمَمَ } .\rقِيلَ : اللَّمَمُ صِغَارُ الذُّنُوبِ .\rوَلِأَنَّ التَّحَرُّزَ مِنْهَا غَيْرُ مُمْكِنٍ ، جَاءَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { إنْ تَغْفِرْ اللَّهُمَّ تَغْفِرْ جَمَّا وَأَيُّ عَبْدٍ لَك لَا أَلَمَّا ؟ } أَيْ لَمْ يُلِمَّ .\rفَإِنَّ \" لَا \" مَعَ الْمَاضِي بِمَنْزِلَةِ \" لَمْ \" مَعَ الْمُسْتَقْبَلِ .\rوَقِيلَ : اللَّمَمُ أَنْ يُلِمَّ بِالذَّنْبِ ، ثُمَّ لَا يَعُودَ فِيهِ .\rوَالْكَبَائِرُ كُلُّ مَعْصِيَةٍ فِيهَا حَدٌّ ، وَالْإِشْرَاكُ بِاَللَّهِ ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ ، وَشَهَادَةُ الزُّورِ ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ .\rوَرَوَى أَبُو بَكْرَةَ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرَ ؟ الْإِشْرَاكُ بِاَللَّهِ ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ .\rوَكَانَ مُتَّكِئًا فَجَلَسَ ، فَقَالَ : أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ وَقَوْلُ الزُّورِ .\rفَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى قُلْنَا : لَيْتَهُ سَكَتَ .\r} مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rقَالَ أَحْمَدُ : لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ آكِلِ الرِّبَا ، وَالْعَاقِّ ، وَقَاطِعِ الرَّحِمِ ، وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ مَنْ لَا يُؤَدِّي زَكَاةَ مَالِهِ ، وَإِذَا أَخْرَجَ فِي طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ الْأُسْطُوَانَةَ وَالْكَنِيفَ لَا يَكُونُ عَدْلًا ، وَلَا يَكُونُ ابْنُهُ عَدْلًا إذَا وَرِثَ أَبَاهُ حَتَّى يَرُدَّ مَا أَخَذَهُ مِنْ طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ","part":23,"page":173},{"id":11173,"text":"، وَلَا يَكُونُ عَدْلًا إذَا كَذَبَ الْكَذِبَ الشَّدِيدَ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَدَّ شَهَادَةَ رَجُلٍ فِي كَذِبِهِ .\rوَقَالَ : عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ خَائِنٍ ، وَلَا خَائِنَةٍ ، وَلَا مَجْلُودٍ فِي حَدٍّ ، وَلَا ذِي غِمْرٍ عَلَى أَخِيهِ فِي عَدَاوَةٍ ، وَلَا الْقَاطِعِ لِأَهْلِ الْبَيْتِ ، وَلَا مُجَرَّبٍ عَلَيْهِ شَهَادَةُ زُورٍ ، وَلَا ضَنِينٍ فِي وَلَاءٍ وَلَا قَرَابَةٍ } .\rوَقَدْ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَفِيهِ : { لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ خَائِنٍ وَلَا خَائِنَةٍ ، وَلَا زَانٍ وَلَا زَانِيَةٍ ، وَلَا ذِي غِمْرٍ عَلَى أَخِيهِ } .\rفَأَمَّا الصَّغَائِرُ ، فَإِنْ كَانَ مُصِرًّا عَلَيْهَا ، رُدَّتْ شَهَادَتُهُ ، وَإِنْ كَانَ الْغَالِبُ مِنْ أَمْرِهِ الطَّاعَاتِ ، لَمْ يُرَدَّ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ عَدَمِ إمْكَانِ التَّحَرُّزِ مِنْهُ .\rفَأَمَّا الْمُرُوءَةُ فَاجْتِنَابُ الْأُمُورِ الدَّنِيئَةِ الْمُزْرِيَةِ بِهِ ، وَذَلِكَ نَوْعَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، مِنْ الْأَفْعَالِ ، كَالْأَكْلِ فِي السُّوقِ .\rيَعْنِي بِهِ الَّذِي يَنْصِبُ مَائِدَةً فِي السُّوقِ ، ثُمَّ يَأْكُلُ وَالنَّاسُ يَنْظُرُونَ .\rوَلَا يَعْنِي بِهِ أَكْلَ الشَّيْءِ الْيَسِيرِ ، كَالْكِسْرَةِ وَنَحْوِهَا .\rوَإِنْ كَانَ يَكْشِفُ مَا جَرَتْ الْعَادَةُ بِتَغْطِيَتِهِ مِنْ بَدَنِهِ ، أَوْ يَمُدُّ رِجْلَيْهِ فِي مَجْمَعِ النَّاسِ ، أَوْ يَتَمَسْخَرُ بِمَا يُضْحِكُ النَّاسَ بِهِ ، أَوْ يُخَاطِبُ امْرَأَتَهُ أَوْ جَارِيَتَهُ أَوْ غَيْرَهُمَا بِحَضْرَةِ النَّاسِ بِالْخِطَابِ الْفَاحِشِ ، أَوْ يُحَدِّثُ النَّاسَ بِمُبَاضَعَتِهِ أَهْلَهُ ، وَنَحْوِ هَذَا مِنْ الْأَفْعَالِ الدَّنِيئَةِ ، فَفَاعِلُ هَذَا لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ ؛ لِأَنَّ هَذَا سُخْفٌ وَدَنَاءَةٌ ، فَمَنْ رَضِيَهُ لِنَفْسِهِ وَاسْتَحْسَنَهُ ، فَلَيْسَتْ لَهُ مُرُوءَةٌ ، فَلَا تَحْصُلُ الثِّقَةُ بِقَوْلِهِ .\rقَالَ أَحْمَدُ ، فِي رَجُلٍ شَتَمَ بَهِيمَةً : قَالَ الصَّالِحُونَ : لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ حَتَّى يَتُوبَ .\rوَقَدْ رَوَى أَبُو مَسْعُودٍ الْبَدْرِيُّ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ","part":23,"page":174},{"id":11174,"text":"وَسَلَّمَ : { إنَّ مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلَامِ النُّبُوَّةِ الْأُولَى ، إذَا لَمْ تَسْتَحِ فَاصْنَعْ مَا شِئْت } .\rيَعْنِي مَنْ لَمْ يَسْتَحِ صَنَعَ مَا شَاءَ .\rوَلِأَنَّ الْمُرُوءَةَ تَمْنَعُ الْكَذِبَ ، وَتَزْجُرُ عَنْهُ ، وَلِهَذَا يَمْتَنِعُ مِنْهُ ذُو الْمُرُوءَةِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَا دِينٍ .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ ، أَنَّهُ حِينَ سَأَلَهُ قَيْصَرُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصِفَتِهِ فَقَالَ : وَاَللَّهِ لَوْلَا أَنِّي كَرِهْت أَنْ يُؤْثَرَ عَنِّي الْكَذِبُ ، لَكَذَبْته .\rوَلَمْ يَكُنْ يَوْمئِذٍ ذَا دِينٍ .\rوَلِأَنَّ الْكَذِبَ دَنَاءَةٌ ، وَالْمُرُوءَةُ تَمْنَعُ مِنْ الدَّنَاءَةِ .\rوَإِذَا كَانَتْ الْمُرُوءَةُ مَانِعَةً مِنْ الْكَذِبِ ، اُعْتُبِرَتْ فِي الْعَدَالَةِ ، كَالدِّينِ ، وَمَنْ فَعَلَ شَيْئًا مِنْ هَذَا مُخْتَفِيًا بِهِ ، لَمْ يَمْنَعْ مِنْ قَبُولِ شَهَادَتِهِ ؛ لِأَنَّ مُرُوءَتَهُ لَا تَسْقُطُ بِهِ .\rوَكَذَلِكَ إنْ فَعَلَهُ مَرَّةً ، أَوْ شَيْئًا قَلِيلًا ، لَمْ تُرَدَّ شَهَادَتُهُ ؛ لِأَنَّ صَغِيرَ الْمَعَاصِي لَا يَمْنَعُ الشَّهَادَةَ إذَا قَلَّ ، فَهَذَا أَوْلَى ، وَلِأَنَّ الْمُرُوءَةَ لَا تَخْتَلُّ بِقَلِيلِ هَذَا ، مَا لَمْ يَكُنْ عَادَتَهُ .\rالنَّوْعُ الثَّانِي ، فِي الصِّنَاعَاتِ الدَّنِيئَةِ ؛ كَالْكُسَاحِ وَالْكَنَّاسِ ، لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمَا ؛ لِمَا رَوَى سَعِيدٌ ، فِي \" سُنَنِهِ \" أَنَّ رَجُلًا أَتَى ابْنَ عُمَرَ ، فَقَالَ لَهُ : إنِّي رَجُلٌ كَنَّاسٌ ، فَقَالَ : أَيَّ شَيْءٍ تَكْنُسُ ، الزِّبْلَ ؟ .\rقَالَ : لَا .\rقَالَ : الْعَذِرَةَ ؟ قَالَ : نَعَمْ .\rقَالَ : مِنْهُ كَسَبْتَ الْمَالَ ، وَمِنْهُ تَزَوَّجْت ، وَمِنْهُ حَجَجْت ؟ قَالَ : نَعَمْ .\rقَالَ : الْأَجْرُ خَبِيثٌ ، وَمَا تَزَوَّجْت خَبِيثٌ ، حَتَّى تَخْرُجَ مِنْهُ كَمَا دَخَلْت فِيهِ .\rوَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلُهُ فِي الْكُسَاحِ .\rوَلِأَنَّ هَذَا دَنَاءَةٌ يَجْتَنِبُهُ أَهْلُ الْمُرُوءَاتِ ، فَأَشْبَهَ الَّذِي قَبْلَهُ .\rفَأَمَّا الزَّبَّالُ وَالْقَرَّادُ وَالْحَجَّامُ وَنَحْوُهُمْ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ ؛ لِأَنَّهُ دَنَاءَةٌ يَجْتَنِبُهُ أَهْلُ الْمُرُوءَاتِ ، فَهُوَ كَاَلَّذِي","part":23,"page":175},{"id":11175,"text":"قَبْلَهُ .\rوَالثَّانِي ، تُقْبَلُ ؛ لِأَنَّ بِالنَّاسِ إلَيْهِ حَاجَةً .\rفَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ ، إنَّمَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ إذَا كَانَ يَتَنَظَّفُ لِلصَّلَاةِ فِي وَقْتِهَا وَيُصَلِّيهَا ، فَإِنْ صَلَّى بِالنَّجَاسَةِ ، لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ ، وَجْهًا وَاحِدًا .\rوَأَمَّا الْحَائِكُ وَالْحَارِسُ وَالدَّبَّاغُ ، فَهِيَ أَعْلَى مِنْ هَذِهِ الصَّنَائِعِ ، فَلَا تُرَدُّ بِهَا الشَّهَادَةُ .\rوَذَكَرَهَا أَبُو الْخَطَّابِ فِي جُمْلَةِ مَا فِيهِ وَجْهَانِ .\rوَأَمَّا سَائِرُ الصِّنَاعَاتِ الَّتِي لَا دَنَاءَةَ ، فِيهَا فَلَا تُرَدُّ الشَّهَادَةُ بِهَا ، إلَّا مَنْ كَانَ مِنْهُمْ يَحْلِفُ كَاذِبًا ، أَوْ يَعِدُ وَيُخْلِفُ ، وَغَلَبَ هَذَا عَلَيْهِ ، فَإِنَّ شَهَادَتَهُ تُرَدُّ .\rوَكَذَلِكَ مَنْ كَانَ مِنْهُمْ يُؤَخِّرُ الصَّلَاةَ عَنْ أَوْقَاتِهَا ، أَوْ لَا يَتَنَزَّهُ عَنْ النَّجَاسَاتِ ، فَلَا شَهَادَةَ لَهُ ، وَمَنْ كَانَتْ صِنَاعَتُهُ مُحَرَّمَةً ؛ كَصَانِعِ الْمَزَامِيرِ وَالطَّنَابِيرِ ، فَلَا شَهَادَةَ لَهُ .\rوَمَنْ كَانَتْ صِنَاعَتُهُ يَكْثُرُ فِيهَا الرِّبَا ، كَالصَّائِغِ وَالصَّيْرَفِيِّ ، وَلَمْ يَتَوَقَّ ذَلِكَ ، رُدَّتْ شَهَادَتُهُ .","part":23,"page":176},{"id":11176,"text":"( 8361 ) فَصْلٌ : فِي اللَّعِبِ : كُلُّ لَعِبٍ فِيهِ قِمَارٌ ، فَهُوَ مُحَرَّمٌ ، أَيَّ لَعِبٍ كَانَ ، وَهُوَ مِنْ الْمَيْسِرِ الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِاجْتِنَابِهِ ، وَمَنْ تَكَرَّرَ مِنْهُ ذَلِكَ رُدَّتْ شَهَادَتُهُ .\rوَمَا خَلَا مِنْ الْقِمَارِ ، وَهُوَ اللَّعِبُ الَّذِي لَا عِوَضَ فِيهِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ ، وَلَا مِنْ أَحَدِهِمَا ، فَمِنْهُ مَا هُوَ مُحَرَّمٌ ، وَمِنْهُ مَا هُوَ مُبَاحٌ ؛ فَأَمَّا الْمُحَرَّمُ فَاللَّعِبُ بِالنَّرْدِ .\rوَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَأَكْثَرِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ بَعْضُهُمْ : هُوَ مَكْرُوهٌ ، غَيْرُ مُحَرَّمٍ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى أَبُو مُوسَى ، قَالَ : سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { مَنْ لَعِبَ بِالنَّرْدَشِيرِ ، فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ } .\rوَرَوَى بُرَيْدَةَ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { : مَنْ لَعِبَ بِالنَّرْدَشِيرِ ، فَكَأَنَّمَا غَمَسَ يَدَهُ فِي لَحْمِ الْخِنْزِيرِ وَدَمِهِ } .\rرَوَاهُمَا أَبُو دَاوُد .\rوَكَانَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ إذَا مَرَّ عَلَى أَصْحَابِ النَّرْدَشِيرِ ، لَمْ يُسَلِّمْ عَلَيْهِمْ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَمَنْ تَكَرَّرَ مِنْهُ اللَّعِبُ بِهِ ، لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ ، سَوَاءٌ لَعِبَ بِهِ قِمَارًا أَوْ غَيْرَ قِمَارٍ .\rوَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٍ ، وَظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ .\rقَالَ مَالِكٌ : مَنْ لَعِبَ بِالنَّرْدِ وَالشِّطْرَنْجِ ، فَلَا أَرَى شَهَادَتَهُ طَائِلَةً ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : { فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إلَّا الضَّلَالُ } .\rوَهَذَا لَيْسَ مِنْ الْحَقِّ ، فَيَكُونُ مِنْ الضَّلَالِ .\r( 8362 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا الشِّطْرَنْجُ فَهُوَ كَالنَّرْدِ فِي التَّحْرِيمِ ، إلَّا أَنَّ النَّرْدَ آكَدُ مِنْهُ فِي التَّحْرِيمِ ؛ لِوُرُودِ النَّصِّ فِي تَحْرِيمِهِ ، لَكِنْ هَذَا فِي مَعْنَاهُ ، فَيَثْبُتُ فِيهِ حُكْمُهُ ، قِيَاسًا عَلَيْهِ .\rوَذَكَرَ الْقَاضِي أَبُو الْحُسَيْنِ مِمَّنْ ذَهَبَ إلَى تَحْرِيمِهِ ؛ عَلَيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ، وَابْنَ عُمَرَ ، وَابْنَ عَبَّاسٍ ، وَسَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ وَالْقَاسِمَ وَسَالِمًا ، وَعُرْوَةَ ، وَمُحَمَّدَ بْنَ عَلِيِّ بْنِ","part":23,"page":177},{"id":11177,"text":"الْحُسَيْنِ ، وَمَطَرًا الْوَرَّاقَ ، وَمَالِكًا .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ .\rوَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إلَى إبَاحَتِهِ .\rوَحَكَى ذَلِكَ أَصْحَابُهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ .\rوَاحْتَجُّوا بِأَنَّ الْأَصْلَ الْإِبَاحَةُ ، وَلَمْ يَرِدْ بِتَحْرِيمِهَا نَصٌّ ، وَلَا هِيَ فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ ، فَتَبْقَى عَلَى الْإِبَاحَةِ .\rوَيُفَارِقُ الشِّطْرَنْجُ النَّرْدَ مِنْ وَجْهَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، أَنَّ فِي الشِّطْرَنْجِ تَدْبِيرَ الْحَرْبِ ، فَأَشْبَهَ اللَّعِبَ بِالْحِرَابِ ، وَالرَّمْيَ بِالنُّشَّابِ ، وَالْمُسَابَقَةَ بِالْخَيْلِ .\rوَالثَّانِي ، أَنَّ الْمُعَوَّلَ فِي النَّرْدِ مَا يُخْرِجُهُ الْكَعْبَتَانِ ، فَأَشْبَهَ الْأَزْلَامَ ، وَالْمُعَوَّلَ فِي الشِّطْرَنْجِ عَلَى حِذْقِهِ وَتَدْبِيرِهِ ، فَأَشْبَهَ الْمُسَابَقَةَ بِالسِّهَامِ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { إنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ } .\rقَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : الشِّطْرَنْجُ مِنْ الْمَيْسِرِ .\rوَمَرَّ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلَى قَوْمٍ يَلْعَبُونَ بِالشِّطْرَنْجِ ، فَقَالَ : ( مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ ) .\rقَالَ أَحْمَدُ : أَصَحُّ مَا فِي الشِّطْرَنْجِ ، قَوْلُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .\rوَرَوَى وَاثِلَةُ بْنُ الْأَسْقَعِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَنْظُرُ فِي كُلِّ يَوْمٍ ثَلَاثِمِائَةٍ وَسِتِّينَ نَظْرَةً ، لَيْسَ لِصَاحِبِ الشَّاهِ فِيهَا نَصِيبٌ } .\rرَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ بِإِسْنَادِهِ .\rوَلِأَنَّهُ لَعِبٌ يَصُدُّ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَعَنْ الصَّلَاةِ ، فَأَشْبَهَ اللَّعِبَ بِالنَّرْدِ .\rوَقَوْلُهُمْ : لَا نَصَّ فِيهَا .\rقَدْ ذَكَرْنَا فِيهَا نَصًّا ، وَهِيَ أَيْضًا فِي مَعْنَى النَّرْدِ الْمَنْصُوصِ عَلَى تَحْرِيمِهِ .\rوَقَوْلُهُمْ : إنَّ فِيهَا تَدْبِيرَ الْحَرْبَ .\rقُلْنَا : لَا يُقْصَدُ هَذَا مِنْهَا ، وَأَكْثَرُ اللَّاعِبِينَ بِهَا إنَّمَا يَقْصِدُونَ مِنْهَا اللَّعِبَ أَوْ الْقِمَارَ .","part":23,"page":178},{"id":11178,"text":"وَقَوْلُهُمْ : إنَّ الْمُعَوَّلَ فِيهَا عَلَى تَدْبِيرِهِ .\rفَهُوَ أَبْلَغُ فِي اشْتِغَالِهِ بِهَا ، وَصَدِّهَا عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَالصَّلَاةِ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَقَالَ أَحْمَدُ : النَّرْدُ أَشَدُّ مِنْ الشِّطْرَنْجِ .\rوَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ ؛ لِوُرُودِ النَّصِّ فِي النَّرْدِ ، وَالْإِجْمَاعِ عَلَى تَحْرِيمِهَا ، بِخِلَافِ الشِّطْرَنْجِ .\rوَإِذَا ثَبَتَ تَحْرِيمُهَا ، فَقَالَ الْقَاضِي : هُوَ كَالنَّرْدِ فِي رَدِّ الشَّهَادَةِ بِهِ .\rوَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّهُ مُحَرَّمٌ مِثْلُهُ .\rوَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : إنْ فَعَلَهُ مَنْ يَعْتَقِدُ تَحْرِيمَهُ ، فَهُوَ كَالنَّرْدِ فِي حَقِّهِ ، وَإِنْ فَعَلَهُ مَنْ يَعْتَقِدُ إبَاحَتَهُ ، لَمْ تُرَدَّ شَهَادَتُهُ ، إلَّا أَنْ يَشْغَلَهُ عَنْ الصَّلَاةِ فِي أَوْقَاتِهَا ، أَوْ يُخْرِجَهُ إلَى الْحَلِفِ الْكَاذِبِ ، وَنَحْوِهِ مِنْ الْمُحَرَّمَاتِ ، أَوْ يَلْعَبَ بِهَا عَلَى الطَّرِيقِ ، أَوْ يَفْعَلَ فِي لَعِبِهِ مَا يُسْتَخَفُّ بِهِ مِنْ أَجْلِهِ ، وَنَحْوَ هَذَا ، مِمَّا يُخْرِجُهُ عَنْ الْمُرُوءَةِ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ ، فَأَشْبَهَ سَائِرَ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ .","part":23,"page":179},{"id":11179,"text":"( 8363 ) فَصْلٌ : وَاللَّاعِبُ بِالْحَمَامِ يُطِيرُهَا ، لَا شَهَادَةَ لَهُ .\rوَهَذَا قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ .\rوَكَانَ شُرَيْحٌ لَا يُجِيزُ شَهَادَةَ صَاحِبِ حَمَامٍ وَلَا حَمَّامٍ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ سَفَهٌ وَدَنَاءَةٌ وَقِلَّةُ مُرُوءَةٍ ، وَيَتَضَمَّنُ أَذَى الْجِيرَانِ بِطَيْرِهِ ، وَإِشْرَافِهِ عَلَى دُورِهِمْ ، وَرَمْيِهِ إيَّاهَا بِالْحِجَارَةِ .\rوَقَدْ { رَأَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا يَتْبَعُ حَمَامًا ، فَقَالَ : شَيْطَانٌ يَتْبَعُ شَيْطَانَةً } .\rوَإِنْ اتَّخَذَ الْحَمَامَ لِطَلَبِ فِرَاخِهَا ، أَوْ لِحَمْلِ الْكُتُبِ ، أَوْ لِلْأُنْسِ بِهَا مِنْ غَيْرِ أَذًى يَتَعَدَّى إلَى النَّاسِ ، لَمْ تُرَدَّ شَهَادَتُهُ .\rوَقَدْ رَوَى عُبَادَةَ بْنُ الصَّامِتِ ، { أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَشَكَا إلَيْهِ الْوَحْشَةَ ، فَقَالَ : اتَّخِذْ زَوْجًا مِنْ حَمَامٍ .\r}","part":23,"page":180},{"id":11180,"text":"( 8364 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا الْمُسَابَقَةُ الْمَشْرُوعَةُ ، بِالْخَيْلِ وَغَيْرِهَا مِنْ الْحَيَوَانَاتِ ، أَوْ عَلَى الْأَقْدَامِ ، فَمُبَاحَةٌ لَا دَنَاءَةَ فِيهَا ، وَلَا تُرَدُّ بِهِ الشَّهَادَةُ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا مَشْرُوعِيَّةَ ذَلِكَ فِي بَابِ الْمُسَابَقَةِ .\rوَكَذَلِكَ مَا فِي مَعْنَاهُ مِنْ الثِّقَافِ ، وَاللَّعِبِ بِالْحِرَابِ .\rوَقَدْ لَعِبَ الْحَبَشَةُ بِالْحِرَابِ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَامَتْ عَائِشَةُ خَلْفَهُ تَنْظُرُ إلَيْهِمْ ، وَتَسْتَتِرُ بِهِ ، حَتَّى مَلَّتْ .\rوَلِأَنَّ فِي هَذَا تَعَلُّمًا لِلْحَرْبِ ، فَإِنَّهُ مِنْ آلَاتِهِ ، فَأَشْبَهَ الْمُسَابَقَةَ بِالْخَيْلِ وَالْمُنَاضَلَةَ ، وَسَائِرَ اللَّعِبِ ، إذَا لَمْ يَتَضَمَّنْ ضَرَرًا ، وَلَا شَغْلًا عَنْ فَرْضٍ ، فَالْأَصْلُ إبَاحَتُهُ ، فَمَا كَانَ مِنْهُ فِيهِ دَنَاءَةٌ يَتَرَفَّعُ عَنْهُ ذَوُو الْمُرُوءَاتِ ، مَنَعَ الشَّهَادَةَ إذَا فَعَلَهُ ظَاهِرًا ، وَتُكَرِّرَ مِنْهُ ، وَمَا كَانَ مِنْهُ لَا دَنَاءَةَ فِيهِ ، لَمْ تُرَدَّ بِهَا الشَّهَادَةُ بِحَالٍ .","part":23,"page":181},{"id":11181,"text":"( 8365 ) فَصْلٌ : فِي الْمَلَاهِي : وَهِيَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ ؛ مُحَرَّمٌ ، وَهُوَ ضَرْبُ الْأَوْتَارِ وَالنَّايَاتُ ، وَالْمَزَامِيرُ كُلُّهَا ، وَالْعُودُ ، وَالطُّنْبُورُ ، وَالْمِعْزَفَةُ ، وَالرَّبَابُ ، وَنَحْوُهَا ، فَمَنْ أَدَامَ اسْتِمَاعَهَا ، رُدَّتْ شَهَادَتُهُ ؛ لِأَنَّهُ يُرْوَى عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { إذَا ظَهَرَتْ فِي أُمَّتِي خَمْسَ عَشْرَةَ خَصْلَةً ، حَلَّ بِهِمْ الْبَلَاءُ } .\rفَذَكَرَ مِنْهَا إظْهَارَ الْمَعَازِفِ وَالْمَلَاهِي .\rوَقَالَ سَعِيدٌ : ثنا فَرَجُ بْنُ فَضَالَةَ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ يَزِيدَ ، عَنْ الْقَاسِمِ ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إنَّ اللَّهَ بَعَثَنِي رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ، وَأَمَرَنِي بِمَحْقِ الْمَعَازِفِ وَالْمَزَامِيرِ ، لَا يَحِلُّ بَيْعُهُنَّ وَلَا شِرَاؤُهُنَّ وَلَا تَعْلِيمُهُنَّ وَلَا التِّجَارَةُ فِيهِنَّ ، وَثَمَنُهُنَّ حَرَامٌ } .\rيَعْنِي الضَّارِبَاتِ .\rوَرَوَى نَافِعٌ ، قَالَ : { سَمِعَ ابْنُ عُمَرَ مِزْمَارًا ، قَالَ : فَوَضَعَ إصْبَعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ ، وَنَأَى عَنْ الطَّرِيقِ ، وَقَالَ لِي : يَا نَافِعُ ، هَلْ تَسْمَعُ شَيْئًا ؟ قَالَ : فَقُلْت : لَا .\rقَالَ : فَرَفَعَ إصْبَعَيْهِ مِنْ أُذُنَيْهِ ، وَقَالَ : كُنْت مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَمِعَ مِثْلَ هَذَا ، فَصَنَعَ مِثْلَ هَذَا } .\rرَوَاهُ الْخَلَّالُ ، فِي \" جَامِعِهِ \" مِنْ طَرِيقَيْنِ ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي \" سُنَنِهِ \" ، وَقَالَ : حَدِيثٌ مُنْكَرٌ .\rوَقَدْ احْتَجَّ قَوْمٌ بِهَذَا الْخَبَرِ عَلَى إبَاحَةِ الْمِزْمَارِ ، وَقَالُوا : لَوْ كَانَ حَرَامًا لَمَنَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ابْنَ عُمَرَ مِنْ سَمَاعِهِ ، وَمَنَعَ ابْنُ عُمَرَ نَافِعًا مِنْ اسْتِمَاعِهِ ، وَلَأَنْكَرَ عَلَى الزَّامِرِ بِهَا .\rقُلْنَا : أَمَّا الْأَوَّلُ فَلَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ الْمُحَرَّمَ اسْتِمَاعُهَا دُونَ سَمَاعِهَا ، وَالِاسْتِمَاعُ غَيْرُ السَّمَاعِ ، وَلِهَذَا فَرَّقَ الْفُقَهَاءُ فِي سُجُودِ التِّلَاوَةِ بَيْنَ السَّامِعِ وَالْمُسْتَمِعِ ، وَلَمْ يُوجِبُوا عَلَى مَنْ","part":23,"page":182},{"id":11182,"text":"سَمِعَ شَيْئًا مُحَرَّمًا سَدَّ أُذُنَيْهِ ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ } .\rوَلَمْ يَقُلْ : سَدُّوا آذَانَهُمْ .\rوَالْمُسْتَمِعُ هُوَ الَّذِي يَقْصِدُ السَّمَاعَ ، وَلَمْ يُوجَدْ هَذَا مِنْ ابْنِ عُمَرَ ، وَإِنَّمَا وُجِدَ مِنْهُ السَّمَاعُ ؛ وَلِأَنَّ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَاجَةً إلَى مَعْرِفَةِ انْقِطَاعِ الصَّوْتِ عَنْهُ ؛ لِأَنَّهُ عَدَلَ عَنْ الطَّرِيقِ ، وَسَدَّ أُذُنَيْهِ ، فَلَمْ يَكُنْ لِيَرْجِعَ إلَى الطَّرِيقِ ، وَلَا يَرْفَعَ إصْبَعَيْهِ عَنْ أُذُنَيْهِ ، حَتَّى يَنْقَطِعَ الصَّوْتُ عَنْهُ ، فَأُبِيحَ لِلْحَاجَةِ .\rوَأَمَّا الْإِنْكَارُ ، فَلَعَلَّهُ كَانَ فِي أَوَّلِ الْهِجْرَةِ ، حِينَ لَمْ يَكُنْ الْإِنْكَارُ وَاجِبًا ، أَوْ قَبْلَ إمْكَانِ الْإِنْكَارِ ؛ لِكَثْرَةِ الْكُفَّارِ ، وَقِلَّةِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ .\rفَإِنْ قِيلَ : فَهَذَا الْخَبَرُ ضَعِيفٌ ، فَإِنَّ أَبَا دَاوُد رَوَاهُ ، وَقَالَ : هُوَ حَدِيثٌ مُنْكَرٌ .\rقُلْنَا : قَدْ رَوَاهُ الْخَلَّالُ بِإِسْنَادِهِ مِنْ طَرِيقَيْنِ ، فَلَعَلَّ أَبَا دَاوُد ضَعَّفَهُ لِأَنَّهُ لَمْ يَقَعْ لَهُ إلَّا مِنْ إحْدَى الطَّرِيقَيْنِ .\rوَضَرْبٌ مُبَاحٌ ؛ وَهُوَ الدُّفُّ ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { أَعْلِنُوا النِّكَاحَ ، وَاضْرِبُوا عَلَيْهِ بِالدُّفِّ } .\rأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ .\rوَذَكَرَ أَصْحَابُنَا ، وَأَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ ، أَنَّهُ مَكْرُوهٌ فِي غَيْرِ النِّكَاحِ ؛ لِأَنَّهُ يُرْوَى عَنْ عُمَرَ ، أَنَّهُ كَانَ إذَا سَمِعَ صَوْتَ الدُّفِّ ، بَعَثَ فَنَظَرَ ، فَإِنْ كَانَ فِي وَلِيمَةٍ سَكَتَ ، وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِهَا ، عَمَدَ بِالدُّرَّةِ .\rوَلَنَا ، مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَنَّ امْرَأَةً جَاءَتْهُ ، فَقَالَتْ : إنِّي نَذَرْت إنْ رَجَعْت مِنْ سَفَرِك سَالِمًا ، أَنْ أَضْرِبَ عَلَى رَأْسِك بِالدُّفِّ .\rفَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَوْفِ بِنَذْرِك } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَلَوْ كَانَ مَكْرُوهًا لَمْ يَأْمُرْهَا بِهِ وَإِنْ كَانَ مَنْذُورًا .\rوَرَوَتْ الرُّبَيِّعُ بِنْتُ مُعَوِّذٍ ، قَالَتْ : { دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ","part":23,"page":183},{"id":11183,"text":"صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَبِيحَةَ بُنِيَ بِي ، فَجَعَلَتْ جُوَيْرِيَّاتٌ يَضْرِبْنَ بِدُفٍّ لَهُنَّ ، وَيَنْدُبْنَ مَنْ قُتِلَ مَنْ آبَائِي يَوْمَ بَدْرٍ ، إلَى أَنْ قَالَتْ إحْدَاهُنَّ : وَفِينَا نَبِيٌّ يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ .\rفَقَالَ : دَعِي هَذَا ، وَقُولِي الَّذِي كُنْت تَقُولِينَ } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَأَمَّا الضَّرْبُ بِهِ لِلرِّجَالِ فَمَكْرُوهٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا كَانَ يَضْرِبُ بِهِ النِّسَاءُ ، وَالْمُخَنَّثُونَ الْمُتَشَبِّهُونَ بِهِنَّ ، فَفِي ضَرْبِ الرِّجَالِ بِهِ تَشَبُّهٌ بِالنِّسَاءِ ، وَقَدْ لَعَنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُتَشَبِّهِينَ مِنْ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ .\rفَأَمَّا الضَّرْبُ بِالْقَضِيبِ ، فَمَكْرُوهِ إذَا انْضَمَّ إلَيْهِ مُحَرَّمٌ أَوْ مَكْرُوهٌ ، كَالتَّصْفِيقِ وَالْغِنَاءِ وَالرَّقْصِ ، وَإِنْ خَلَا عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ لَمْ يُكْرَهْ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِآلَةٍ وَلَا بِطَرِبٍ ، وَلَا يُسْمَعُ مُنْفَرِدًا ، بِخِلَافِ الْمَلَاهِي .\rوَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فِي هَذَا الْفَصْلِ كَمَا قُلْنَا .","part":23,"page":184},{"id":11184,"text":"( 8366 ) فَصْلٌ : وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي الْغِنَاءِ ؛ فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ الْخَلَّالُ ، وَصَاحِبُهُ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ ، إلَى إبَاحَتِهِ .\rقَالَ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ : وَالْغِنَاءُ وَالنَّوْحُ مَعْنًى وَاحِدٌ ، مُبَاحٌ مَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ مُنْكَرٌ ، وَلَا فِيهِ طَعْنٌ .\rوَكَانَ الْخَلَّالُ يَحْمِلُ الْكَرَاهَةَ مِنْ أَحْمَدَ عَلَى الْأَفْعَالِ الْمَذْمُومَةِ ، لَا عَلَى الْقَوْلِ بِعَيْنِهِ .\rوَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّهُ سَمِعَ عِنْدَ ابْنِهِ صَالِحٍ قَوَّالًا ، فَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ ، وَقَالَ لَهُ صَالِحٌ : يَا أَبَتِ ، أَلَيْسَ كُنْت تَكْرَهُ هَذَا ؟ فَقَالَ : إنَّهُ قِيلَ لِي : إنَّهُمْ يَسْتَعْمِلُونَ الْمُنْكَرَ .\rوَمِمَّنْ ذَهَبَ إلَى إبَاحَتِهِ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ ، سَعْدُ بْنُ إبْرَاهِيمَ ، وَكَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ، وَالْعَنْبَرِيُّ ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ : { كَانَتْ عِنْدِي جَارِيَتَانِ تُغَنِّيَانِ ، فَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ ، فَقَالَ : مَزْمُورُ الشَّيْطَانِ فِي بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : دَعْهُمَا ، فَإِنَّهَا أَيَّامُ عِيدٍ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَعَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : الْغِنَاءُ زَادُ الرَّاكِبِ .\rوَاخْتَارَ الْقَاضِي أَنَّهُ مَكْرُوهٌ غَيْرُ مُحَرَّمٍ .\rوَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، قَالَ : هُوَ مِنْ اللَّهْوِ الْمَكْرُوهِ .\rوَقَالَ أَحْمَدُ : الْغِنَاءُ يُنْبِتُ النِّفَاقَ فِي الْقَلْبِ ، لَا يُعْجِبُنِي .\rوَذَهَبَ آخَرُونَ مِنْ أَصْحَابِنَا إلَى تَحْرِيمِهِ .\rقَالَ أَحْمَدُ : فِي مَنْ مَاتَ وَخَلَّفَ وَلَدًا يَتِيمًا ، وَجَارِيَةً مُغَنِّيَةً ، فَاحْتَاجَ الصَّبِيُّ إلَى بَيْعِهَا ، تُبَاعُ سَاذَجَةً .\rقِيلَ لَهُ : إنَّهَا تُسَاوِي مُغَنِّيَةً ثَلَاثِينَ أَلْفًا ، وَتُسَاوَيْ سَاذَجَةً عِشْرِينَ دِينَارًا .\rقَالَ : لَا تُبَاعُ إلَّا عَلَى أَنَّهَا سَاذَجَةٌ .\rوَاحْتَجُّوا عَلَى تَحْرِيمِهِ بِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ فِي قَوْله تَعَالَى : { وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ } .\rقَالَ : الْغِنَاءُ .\rوَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَابْنُ","part":23,"page":185},{"id":11185,"text":"مَسْعُودٍ ، فِي قَوْلِهِ : { وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ } ، قَالَ : هُوَ الْغِنَاءُ .\rوَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ شِرَاءِ الْمُغَنِّيَاتِ ، وَبَيْعِهِنَّ ، وَالتِّجَارَةِ فِيهِنَّ ، وَأَكْلُ أَثْمَانِهِنَّ حَرَامٌ } .\rأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَقَالَ : لَا نَعْرِفُهُ إلَّا مِنْ حَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ يَزِيدَ ، وَقَدْ تَكَلَّمَ فِيهِ أَهْلُ الْعِلْمِ .\rوَرَوَى ابْنُ مَسْعُودٍ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { الْغِنَاءُ يُنْبِتُ النِّفَاقَ فِي الْقَلْبِ } .\rوَالصَّحُّ أَنَّهُ مِنْ قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ .\rوَعَلَى كُلِّ حَالٍ ، مَنْ اتَّخَذَ الْغِنَاءَ صِنَاعَةً ، يُؤْتِي لَهُ ، وَيَأْتِي لَهُ ، أَوْ اتَّخَذَ غُلَامًا أَوْ جَارِيَةً مُغَنِّينَ ، يَجْمَعُ عَلَيْهِمَا النَّاسَ ، فَلَا شَهَادَةَ لَهُ ؛ لِأَنَّ هَذَا عِنْدَ مَنْ لَمْ يُحَرِّمْهُ سَفَهٌ وَدَنَاءَةٌ وَسُقُوطُ مُرُوءَةٍ ، وَمَنْ حَرَّمَهُ فَهُوَ مَعَ سَفَهِهِ عَاصٍ .\rمُصِرٌّ مُتَظَاهِرٌ بِفُسُوقِهِ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَإِنْ كَانَ لَا يُنْسِبُ نَفْسَهُ إلَى الْغِنَاءِ ، وَإِنَّمَا يَتَرَنَّمُ لِنَفْسِهِ ، وَلَا يُغَنِّي لِلنَّاسِ ، أَوْ كَانَ غُلَامُهُ وَجَارِيَتُهُ إنَّمَا يُغَنِّيَانِ لَهُ ، انْبَنَى هَذَا عَلَى الْخِلَافِ فِيهِ .\rفَمَنْ أَبَاحَهُ أَوْ كَرِهَهُ ، لَمْ تُرَدَّ شَهَادَتُهُ ، وَمَنْ حَرَّمَهُ ، قَالَ : إنْ دَاوَمَ عَلَيْهِ ، رُدَّتْ شَهَادَتُهُ ، كَسَائِرِ الصَّغَائِرِ ، وَإِنْ لَمْ يُدَاوِمْ عَلَيْهِ ، لَمْ تُرَدَّ شَهَادَتُهُ .\rوَإِنْ فَعَلَهُ مَنْ يَعْتَقِدُ حِلَّهُ ، فَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا تُرَدُّ شَهَادَتُهُ بِمَا لَا يَشْتَهِرُ بِهِ مِنْهُ ، كَسَائِرِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ مِنْ الْفُرُوعِ .\rوَمَنْ كَانَ يَغْشَى بُيُوتَ الْغِنَاءِ ، أَوْ يَغْشَاهُ الْمُغَنُّونَ لِلسَّمَاعِ مُتَظَاهِرًا بِذَلِكَ ، وَكَثُرَ مِنْهُ ، رُدَّتْ شَهَادَتُهُ ، فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا ؛ لِأَنَّهُ سَفَهٌ وَدَنَاءَةٌ .\rوَإِنْ كَانَ مُعْتَبَرًا بِهِ ، فَهُوَ كَالْمُغَنِّي لِنَفْسِهِ ، عَلَى مَا ذُكِرَ مِنْ التَّفْصِيلِ فِيهِ .","part":23,"page":186},{"id":11186,"text":"( 8367 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا الْحِدَاءُ ، وَهُوَ الْإِنْشَادُ الَّذِي تُسَاقُ بِهِ الْإِبِلُ ، فَمُبَاحٌ ، لَا بَأْسَ بِهِ فِي فِعْلِهِ وَاسْتِمَاعِهِ ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ : { كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ ، وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ جَيِّدَ الْحِدَاءِ ، وَكَانَ مَعَ الرِّجَالِ ، وَكَانَ أَنْجَشَةُ مَعَ النِّسَاءِ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِابْنِ رَوَاحَةَ : حَرِّكْ بِالْقَوْمِ .\rفَانْدَفَعَ يَرْتَجِزُ ، فَتَبِعَهُ أَنْجَشَةُ ، فَأَعْنَقَتْ الْإِبِلُ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَنْجَشَةَ : رُوَيْدَكَ ، رِفْقًا بِالْقَوَارِيرِ } .\rيَعْنِي النِّسَاءَ .\rوَكَذَلِكَ نَشِيدُ الْأَعْرَابِ ، وَهُوَ النَّصْبُ ، لَا بَأْسَ بِهِ ، وَسَائِرُ أَنْوَاعِ الْإِنْشَادِ ، مَا لَمْ يَخْرُجْ إلَى حَدِّ الْغِنَاءِ .\rوَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْمَعُ إنْشَادَ الشِّعْرِ ، فَلَا يُنْكِرُهُ .\rوَالْغِنَاءُ ، مِنْ الصَّوْتِ ، مَمْدُودٌ مَكْسُورٌ .\rوَالْغِنَى ، مِنْ الْمَالِ ، مَقْصُورٌ .\rوَالْحِدَاءُ ، مَضْمُومٌ مَمْدُودٌ ، كَالدُّعَاءِ وَالرِّعَاءِ ، وَيَجُوزُ الْكَسْرُ ، كَالنِّدَاءِ وَالْهِجَاءِ وَالْغِذَاءِ .","part":23,"page":187},{"id":11187,"text":"( 8368 ) فَصْلٌ : وَالشِّعْرُ كَالْكَلَامِ ؛ حَسَنُهُ كَحَسَنِهِ ، وَقَبِيحُهُ كَقَبِيحِهِ .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { إنَّ مِنْ الشِّعْرِ لَحِكَمًا } ، { وَكَانَ يَضَعُ لَحَسَّانَ مِنْبَرًا يَقُومُ عَلَيْهِ ، فَيَهْجُو مَنْ هَجَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُسْلِمِينَ } .\r{ وَأَنْشَدَهُ كَعْبُ بْنُ زُهَيْرٍ قَصِيدَةَ : بَانَتْ سُعَادُ فَقَلْبِي الْيَوْمَ مَتْبُولُ فِي الْمَسْجِدِ .\rوَقَالَ لَهُ عَمُّهُ الْعَبَّاسُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنِّي أُرِيدُ أَنْ أَمْتَدِحَك .\rفَقَالَ : قُلْ ، لَا يَفْضُضْ اللَّهُ فَاكَ } .\r{ فَأَنْشُدَهُ : مِنْ قَبْلِهَا طِبْت فِي الظِّلَالِ وَفِي مُسْتَوْدَعٍ حَيْثُ يُخْصَفُ الْوَرَقُ } عَمْرُو بْنُ الشَّرِيدِ : { أَرْدَفَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : أَمَعَك مِنْ شِعْرِ أُمَيَّةَ ؟ .\rقُلْت : نَعَمْ .\rفَأَنْشَدْتُهُ بَيْتًا ، فَقَالَ : هِيهِ .\rفَأَنْشَدْته بَيْتًا ، فَقَالَ : هِيهِ .\rحَتَّى أَنْشَدْته مِائَةَ قَافِيَةٍ } .\rوَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ حُنَيْنٍ : { أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ } وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي هَذَا ، فَقِيلَ : لَيْسَ بِشِعْرٍ ، وَإِنَّمَا هُوَ كَلَامٌ مَوْزُونٌ .\rوَقِيلَ : بَلْ هُوَ شِعْرٌ ، وَلَكِنَّهُ بَيْتٌ وَاحِدٌ قَصِيرٌ ، فَهُوَ كَالنَّثْرِ .\rوَيُرْوَى أَنَّ أَبَا الدَّرْدَاءِ قِيلَ لَهُ : مَا مِنْ أَهْلِ بَيْتٍ فِي الْأَنْصَارِ ، إلَّا وَقَدْ قَالَ الشِّعْرَ .\rقَالَ : وَأَنَا قَدْ قُلْت : يُرِيدُ الْمَرْءُ أَنْ يُعْطَى مُنَاهُ وَيَأْبَى اللَّهُ إلَّا مَا أَرَادَا يَقُولُ الْمَرْءُ فَائِدَتِي وَمَالِيِّ وَتَقْوَى اللَّهِ أَفْضَلُ مَا اسْتَفَادَا وَلَيْسَ فِي إبَاحَةِ الشِّعْرِ خِلَافٌ ، وَقَدْ قَالَهُ الصَّحَابَةُ وَالْعُلَمَاءُ ، وَالْحَاجَةُ تَدْعُو إلَيْهِ لِمَعْرِفَةِ اللُّغَةِ وَالْعَرَبِيَّةِ ، وَالِاسْتِشْهَادِ بِهِ فِي التَّفْسِيرِ ، وَتَعَرُّفِ مَعَانِي كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَكَلَامِ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيُسْتَدَلُّ بِهِ أَيْضًا عَلَى النَّسَبِ ، وَالتَّارِيخِ ، وَأَيَّامِ الْعَرَبِ .","part":23,"page":188},{"id":11188,"text":"وَيُقَالُ : الشِّعْرُ دِيوَانُ الْعَرَبِ .\rفَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمْ الْغَاوُونَ } وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَأَنْ يَمْتَلِئَ جَوْفُ أَحَدِكُمْ قَيْحًا حَتَّى يَرِيَهُ ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمْتَلِئَ شِعْرًا } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَأَبُو عُبَيْدٍ .\rوَقَالَ : مَعْنَى يَرِيَهُ : يَأْكُلُ جَوْفَهُ ، يُقَالُ : وَرَاهُ يَرِيهِ ، قَالَ الشَّاعِرُ : وَرَاهُنَّ رَبِّي مِثْلُ مَا قَدْ وَرَيْنَنِي وَأَحْمِي عَلَى أَكْبَادِهِنَّ الْمُكَاوِيَا قُلْنَا : أَمَّا الْآيَةُ ، فَالْمُرَادُ بِهَا مَنْ أَسْرَفَ وَكَذَبَ ؛ بِدَلِيلِ وَصْفِهِ لَهُمْ بِقَوْلِهِ : { أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ } .\rثُمَّ اسْتَثْنَى الْمُؤْمِنِينَ ، فَقَالَ : { إلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا } .\rوَلِأَنَّ الْغَالِبَ عَلَى الشُّعَرَاءِ قِلَّةُ الدِّينِ ، وَالْكَذِبُ ، وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ ، وَهِجَاءُ الْأَبْرِيَاءِ ، سِيَّمَا مَنْ كَانَ فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ ، مِمَّنْ يَهْجُو الْمُسْلِمِينَ ، وَيَهْجُو النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَعِيبُ الْإِسْلَامَ ، وَيَمْدَحُ الْكُفَّارَ ، فَوَقَعَ الذَّمُّ عَلَى الْأَغْلَبِ ، وَاسْتَثْنَى مِنْهُمْ مَنْ لَا يَفْعَلُ الْخِصَالَ الْمَذْمُومَةَ ، فَالْآيَةُ دَلِيلٌ عَلَى إبَاحَتِهِ ، وَمَدْحِ أَهْلِهِ الْمُتَّصِفِينَ بِالصِّفَاتِ الْجَمِيلَةِ .\rوَأَمَّا الْخَبَرُ ؛ فَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : مَعْنَاهُ أَنْ يَغْلِبَ عَلَيْهِ الشِّعْرُ حَتَّى يَشْغَلَهُ عَنْ الْقُرْآنِ وَالْفِقْهِ .\rوَقِيلَ : الْمُرَادُ بِهِ مَا كَانَ هِجَاءً وَفُحْشًا ، فَمَا كَانَ مِنْ الشِّعْرِ يَتَضَمَّنُ هَجْوَ الْمُسْلِمِينَ ، وَالْقَدْحَ فِي أَعْرَاضِهِمْ ، أَوْ التَّشَبُّبَ بِامْرَأَةٍ بِعَيْنِهَا ، وَالْإِفْرَاطَ فِي وَصْفِهَا ، فَذَكَرَ أَصْحَابُنَا أَنَّهُ مُحَرَّمٌ .\rوَهَذَا إنْ أُرِيدَ بِهِ أَنَّهُ مُحَرَّمٌ عَلَى قَائِلِهِ ، فَهُوَ صَحِيحٌ ، وَأَمَّا عَلَى رَاوِيهِ فَلَا يَصِحُّ ؛ فَإِنَّ الْمَغَازِيَ تُرْوَى فِيهَا قَصَائِدُ الْكُفَّارِ الَّذِينَ هَجَوْا بِهَا أَصْحَابَ","part":23,"page":189},{"id":11189,"text":"رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يُنْكِرُ ذَلِكَ أَحَدٌ .\rوَقَدْ رُوِيَ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَذِنَ فِي الشِّعْرِ الَّذِي تَقَاوَلَتْ بِهِ الشُّعَرَاءُ فِي يَوْمِ بَدْرٍ وَأُحُدٍ وَغَيْرِهِمَا ، إلَّا قَصِيدَةَ أُمَيَّةَ بْنِ أَبِي الصَّلْتِ الْحَائِيَّةَ } .\rوَكَذَلِكَ يُرْوَى شِعْرُ قَيْسِ بْنِ الْخَطِيمِ ، فِي التَّشْبِيبِ بِعَمْرَةَ بِنْتِ رَوَاحَةَ ، أُخْتِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ ، وَأُمِّ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ .\rوَقَدْ سَمِعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَصِيدَةَ كَعْبِ بْنِ زُهَيْرٍ ، وَفِيهَا التَّشْبِيبُ بِسُعَادَ .\rوَلَمْ يَزُلْ النَّاسُ يَرْوُونَ أَمْثَالَ هَذَا ، وَلَا يُنْكَرُ .\rوَرَوَيْنَا أَنَّ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ دَخَلَ مَجْلِسًا فِيهِ رَجُلٌ يُغَنِّيهِمْ بِقَصِيدَةِ قَيْسِ بْنِ الْخَطِيمِ ، فَلَمَّا دَخَلَ النُّعْمَانُ سَكَّتُوهُ مِنْ قِبَلِ أَنَّ فِيهَا ذِكْرَ أُمِّهِ ، فَقَالَ النُّعْمَانُ : دَعُوهُ ، فَإِنَّهُ لَمْ يَقُلْ بَأْسًا ، إنَّمَا قَالَ : وَعَمْرَةُ مِنْ سَرَوَاتِ النِّسَاءِ تَنْفَحُ بِالْمِسْكِ أَرْدَانَهَا وَكَانَ عِمْرَانُ بْنُ طَلْحَةَ فِي مَجْلِسٍ ، فَغَنَّاهُمْ رَجُلٌ بِشِعْرٍ فِيهِ ذِكْرُ أُمِّهِ ، فَسَكَّتُوهُ مِنْ أَجْلِهِ ، فَقَالَ : دَعُوهُ ، فَإِنَّ قَائِلَ هَذَا الشِّعْرِ ، كَانَ زَوْجَهَا .\rفَأَمَّا الشَّاعِرُ ، فَمَتَى كَانَ يَهْجُو الْمُسْلِمِينَ أَوْ يَمْدَحُ بِالْكَذِبِ ، أَوْ يَقْذِفُ مُسْلِمًا أَوْ مُسْلِمَةً ، فَإِنَّ شَهَادَتَهُ تُرَدُّ ، وَسَوَاءٌ قَذَفَ الْمُسْلِمَةَ بِنَفْسِهِ أَوْ بِغَيْرِهِ .\rوَقَدْ قِيلَ : أَعْظَمُ النَّاسِ ذَنْبًا ، رَجُلٌ يُهَاجِي رَجُلًا ، فَيَهْجُو الْقَبِيلَةَ بِأَسْرِهَا .\rوَقَدْ رَوَيْنَا أَنَّ أَبَا دُلَامَةَ شَهِدَ عِنْدَ قَاضٍ ، أَظُنُّهُ ابْنَ أَبِي لَيْلَى ، فَخَافَ أَنْ يَرُدَّ شَهَادَتَهُ .\rفَقَالَ : إنْ النَّاسُ غَطَّوْنِي تَغَطَّيْت عَنْهُمْ وَإِنْ بَحَثُوا عَنِّي فَفِيهِمْ مَبَاحِثُ فَقَالَ الْقَاضِي : وَمَنْ يَبْحَثُك يَا أَبَا دُلَامَةَ .\rوَغَرِمَ الْمَالَ مِنْ عِنْدِهِ ، وَلَمْ يُظْهِرْ أَنَّهُ رَدَّ شَهَادَتَهُ .","part":23,"page":190},{"id":11190,"text":"( 8369 ) فَصْلٌ : فِي قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ بِالْأَلْحَانِ : أَمَّا قِرَاءَتُهُ مِنْ غَيْرِ تَلْحِينٍ ، فَلَا بَأْسَ بِهِ ، وَإِنْ حَسَّنَ صَوْتَهُ ، فَهُوَ أَفْضَلُ ، فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : { زَيِّنُوا أَصْوَاتَكُمْ بِالْقُرْآنِ } .\rوَرُوِيَ : { زَيِّنُوا الْقُرْآنَ بِأَصْوَاتِكُمْ } .\rوَقَالَ : { لَقَدْ أُوتِيَ أَبُو مُوسَى مِزْمَارًا مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُد } .\rوَرُوِيَ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِأَبِي مُوسَى : لَقَدْ مَرَرْت بِك الْبَارِحَةَ ، وَأَنْتَ تَقْرَأُ ، وَلَقَدْ أُوتِيتُ مِزْمَارًا مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُد .\rفَقَالَ أَبُو مُوسَى : لَوْ أَعْلَمُ أَنَّك تَسْمَعُ ، لَحَبَّرْته لَك تَحْبِيرًا .\r} وَرُوِيَ { أَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَبْطَأَتْ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةً ، فَقَالَ : أَيْنَ كُنْت يَا عَائِشَةُ ؟ .\rفَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، كُنْت أَسْتَمِعُ قِرَاءَةَ رَجُلٍ فِي الْمَسْجِدِ ، لَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا يَقْرَأُ أَحْسَنَ مِنْ قِرَاءَتِهِ .\rفَقَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاسْتَمَعَ قِرَاءَته ، ثُمَّ قَالَ : هَذَا سَالِمٌ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ ، الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ فِي أُمَّتِي مِثْلَ هَذَا } .\rوَقَالَ صَالِحٌ : قُلْت لِأَبِي : \" زَيِّنُوا الْقُرْآنَ بِأَصْوَاتِكُمْ \" .\rمَا مَعْنَاهُ ؟ قَالَ : أَنْ يُحْسِنَهُ .\rوَقِيلَ لَهُ : مَا مَعْنَى : \" مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ \" .\rقَالَ : يَرْفَعُ صَوْتَهُ بِهِ .\rوَهَكَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ اللَّيْثُ : يَتَحَزَّنُ بِهِ ، وَيَتَخَشَّعُ بِهِ ، وَيَتَبَاكَى بِهِ .\rوَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ ، وَعَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ ، وَوَكِيعٌ : يَسْتَغْنِي بِهِ .\rفَأَمَّا الْقِرَاءَةُ بِالتَّلْحِينِ ، فَيُنْظَرُ فِيهِ ؛ فَإِنْ لَمْ يُفْرِطْ فِي التَّمْطِيطِ وَالْمَدِّ وَإِشْبَاعِ الْحَرَكَاتِ ، فَلَا بَأْسَ بِهِ ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ قَرَأَ ، وَرَجَّعَ ، وَرَفَعَ صَوْتَهُ .\rقَالَ الرَّاوِي : لَوْلَا أَنْ يَجْتَمِعَ النَّاسُ عَلَيَّ ، لَحَكَيْت لَكُمْ قِرَاءَتَهُ .\rوَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { لَيْسَ","part":23,"page":191},{"id":11191,"text":"مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ } .\rوَقَالَ : { مَا أَذِنَ اللَّهُ لِشَيْءِ كَإِذْنِهِ لِنَبِيٍّ حَسَنِ الصَّوْتِ ، يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ ، يَجْهَرُ بِهِ } .\rوَمَعْنَى أَذِنَ : اسْتَمَعَ .\rقَالَ الشَّاعِرُ : فِي سَمَاعٍ يَأْذَنُ الشَّيْخُ لَهُ وَقَالَ الْقَاضِي : هُوَ مَكْرُوهٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ .\rوَنَحْوُهُ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدٍ ، وَقَالَ مَعْنَى قَوْلِهِ : { لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ } .\rأَيْ : يَسْتَغْنِي بِهِ .\rقَالَ الشَّاعِرُ : وَكُنْت امْرَأً زَمِنًا بِالْعِرَاقِ عَفِيفَ الْمُنَاخِ كَثِيرَ التَّغَنِّي قَالَ : وَلَوْ كَانَ مِنْ الْغِنَاءِ بِالصَّوْتِ ، لَكَانَ مَنْ لَمْ يُغَنِّ بِالْقُرْآنِ لَيْسَ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rوَرُوِيَ نَحْوُ هَذَا التَّفْسِيرِ عَنْ ابْنِ عُيَيْنَةَ .\rوَقَالَ الْقَاضِي أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبِرْتِيُّ : هَذَا قَوْلُ مَنْ أَدْرَكْنَا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rوَقَالَ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ : يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ ، يَجْهَرُ بِهِ .\rوَقِيلَ : يُحَسِّنُ صَوْتَهُ بِهِ .\rوَالصَّحِيحُ أَنَّ هَذَا الْقَدْرَ مِنْ التَّلْحِينِ لَا بَأْسَ بِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مَكْرُوهًا ، لَمْ يَفْعَلْهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rوَلَا يَصِحُّ حَمْلُهُ عَلَى التَّغَنِّيَ فِي حَدِيثِ : { مَا أَذِنَ اللَّهُ لِشَيْءٍ ، كَإِذْنِهِ لِنَبِيٍّ يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ } .\rعَلَى الِاسْتِغْنَاءِ ؛ لِأَنَّ مَعْنَى أَذِنَ : اسْتَمَعَ ، وَإِنَّمَا تُسْتَمَعُ الْقِرَاءَةُ ، ثُمَّ قَالَ : يَجْهَرُ بِهِ .\rوَالْجَهْرُ صِفَةُ الْقِرَاءَةِ ، لَا صِفَةُ الِاسْتِغْنَاءِ .\rفَأَمَّا إنْ أَفْرَطَ فِي الْمَدِّ وَالتَّمْطِيطِ وَإِشْبَاعِ الْحَرَكَاتِ ، بِحَيْثُ يَجْعَلُ الضَّمَّةَ وَاوًا ، وَالْفَتْحَةَ أَلِفًا ، وَالْكَسْرَةَ يَاءً ، كُرِهَ ذَلِكَ .\rوَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ يُحَرِّمُهُ ؛ لِأَنَّهُ يُغَيِّرُ الْقُرْآنَ ، وَيُخْرِجُ الْكَلِمَاتِ عَنْ وَضْعِهَا ، وَيَجْعَلُ الْحَرَكَاتِ حُرُوفًا .\rوَقَدْ رَوَيْنَا عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ، أَنَّ رَجُلًا سَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ ، فَقَالَ لَهُ : مَا اسْمُك ؟ قَالَ : مُحَمَّدٌ .\rقَالَ : أَيَسُرُّك أَنْ يُقَالَ لَك : يَا مُوحَامَدُ ؟ قَالَ : لَا .","part":23,"page":192},{"id":11192,"text":"فَقَالَ : لَا يُعْجِبُنِي أَنْ يَتَعَلَّمَ الرَّجُلُ الْأَلْحَانَ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ حَرَمُهُ مِثْلَ حَرَمِ أَبِي مُوسَى .\rفَقَالَ لَهُ رَجُلٌ : فَيُكَلَّمُونَ ؟ فَقَالَ : لَا .\rكُلُّ ذَا .\rوَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ تُسْتَحَبُّ قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ بِالتَّحْزِينِ وَالتَّرْتِيلِ وَالتَّحْسِينِ .\rوَرَوَى بُرَيْدَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { اقْرَءُوا الْقُرْآنَ بِالْحُزْنِ ، فَإِنَّهُ نَزَلَ بِالْحُزْنِ } .\rوَقَالَ الْمَرُّوذِيُّ : سَمِعْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ قَالَ لِرَجُلٍ : لَوْ قَرَأْت .\rوَجَعَلَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ رُبَّمَا تَغَرْغَرَتْ عَيْنُهُ .\rوَقَالَ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ : كُنَّا عِنْدَ يَحْيَى الْقَطَّانِ ، فَجَاءَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدٍ التِّرْمِذِيُّ ، فَقَالَ لَهُ يَحْيَى : اقْرَأْ .\rفَقَرَأَ ، فَغُشِيَ عَلَى يَحْيَى حَتَّى حُمِلَ فَأُدْخِلَ .\rوَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ الْعَدَوِيُّ : قَرَأْت عِنْدَ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ ، فَغُشِيَ عَلَيْهِ حَتَّى فَاتَهُ خَمْسُ صَلَوَاتٍ .","part":23,"page":193},{"id":11193,"text":"( 8370 ) فَصْلٌ : وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الطُّفَيْلِيِّ ؛ وَهُوَ الَّذِي يَأْتِي طَعَامَ النَّاسِ مِنْ غَيْرِ دَعْوَةٍ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَلَا نَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ يُرْوَى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { مَنْ أَتَى إلَى طَعَامٍ لَمْ يُدْعَ إلَيْهِ ، دَخَلَ سَارِقًا ، وَخَرَجَ مُعَيَّرًا } .\rوَلِأَنَّهُ يَأْكُلُ مُحَرَّمًا ، وَيَفْعَلُ مَا فِيهِ سَفَهٌ وَدَنَاءَةٌ وَذَهَابُ مُرُوءَةٍ ، فَإِنْ لَمْ يَتَكَرَّرْ هَذَا مِنْهُ ، لَمْ تُرَدَّ شَهَادَتُهُ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الصَّغَائِرِ .","part":23,"page":194},{"id":11194,"text":"( 8371 ) فَصْلٌ : وَمَنْ سَأَلَ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَحِلَّ لَهُ الْمَسْأَلَةُ ، فَأَكْثَرَ ، رُدَّتْ شَهَادَتُهُ ؛ لِأَنَّهُ فَعَلَ مُحَرَّمًا ، وَأَكَلَ سُحْتًا ، وَأَتَى دَنَاءَةً .\rوَقَدْ رَوَى قَبِيصَةُ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إنَّ الْمَسْأَلَةَ لَا تَحِلُّ إلَّا لِأَحَدِ ثَلَاثَةٍ ؛ رَجُلٍ أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ ، فَاجْتَاحَتْ مَالَهُ ، فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ ، أَوْ سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ ، وَرَجُلٍ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ ، حَتَّى يَشْهَدَ ثَلَاثَةٌ مِنْ ذَوِي الْحِجَا مِنْ قَوْمِهِ : لَقَدْ أَصَابَتْ فُلَانًا فَاقَةٌ .\rفَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ ، حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ ، أَوْ سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ ، وَرَجُلٍ تَحَمَّلَ حَمَالَةً ، فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَهَا ، ثُمَّ يُمْسِكَ ، فَمَا سِوَى ذَلِكَ مِنْ الْمَسْأَلَةِ فَهُوَ سُحْتٌ ، يَأْكُلُهُ صَاحِبُهُ سُحْتًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ } .\rرَوَاهُ مُسْلِمٌ .\rفَأَمَّا السَّائِلُ مِمَّنْ تُبَاحُ لَهُ الْمَسْأَلَةُ ، فَلَا تُرَدُّ شَهَادَتُهُ بِذَلِكَ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ أَكْثَرَ عُمْرِهِ سَائِلًا ، أَوْ يَكْثُرَ ذَلِكَ مِنْهُ ، فَيَنْبَغِي أَنْ تُرَدَّ شَهَادَتُهُ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ دَنَاءَةٌ وَسُقُوطُ مُرُوءَةٍ .\rوَمَنْ أَخَذَ مِنْ الصَّدَقَةِ مِمَّنْ يَجُوزُ لَهُ الْأَخْذُ مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ ، لَمْ تُرَدَّ شَهَادَتُهُ ؛ لِأَنَّهُ فِعْلٌ جَائِزٌ ، لَا دَنَاءَةَ فِيهِ .\rوَإِنْ أَخَذَ مِنْهَا مَا لَا يَجُوزُ لَهُ وَتَكَرَّرَ ذَلِكَ مِنْهُ ، رُدَّتْ شَهَادَتُهُ ؛ لِأَنَّهُ مُصِرٌّ عَلَى الْحَرَامِ .","part":23,"page":195},{"id":11195,"text":"( 8372 ) فَصْلٌ : وَمَنْ فَعَلَ شَيْئًا مِنْ الْفُرُوعِ مُخْتَلِفًا فِيهِ مُعْتَقِدًا إبَاحَتَهُ ، لَمْ تُرَدَّ شَهَادَتُهُ ، كَالْمُتَزَوِّجِ بِغَيْرِ وَلِيٍّ ، أَوْ بِغَيْرِ شُهُودٍ ، وَآكِلِ مَتْرُوكِ التَّسْمِيَةِ ، وَشَارِبِ يَسِيرِ النَّبِيذِ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، فِي شَارِبِ النَّبِيذِ ، يُحَدُّ ، وَلَا تُرَدُّ شَهَادَتُهُ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : تُرَدُّ شَهَادَتُهُ ؛ لِأَنَّهُ فَعَلَ مَا يَعْتَقِدُ الْحَاكِمُ تَحْرِيمَهُ ، فَأَشْبَهَ الْمُتَّفَقَ عَلَى تَحْرِيمِهِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الصَّحَابَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، كَانُوا يَخْتَلِفُونَ فِي الْفُرُوعِ ، فَلَمْ يَكُنْ بَعْضُهُمْ يَعِيبُ مَنْ خَالَفَهُ ، وَلَا يُفَسِّقُهُ ، وَلِأَنَّهُ نَوْعٌ مُخْتَلَفٌ فِيهِ ، فَلَمْ تُرَدَّ شَهَادَةُ فَاعِلِهِ ، كَاَلَّذِي يُوَافِقُهُ عَلَيْهِ الْحَاكِمُ .\rوَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ مُعْتَقِدًا تَحْرِيمَهُ ، رُدَّتْ شَهَادَتُهُ بِهِ إذَا تَكَرَّرَ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ : لَا تُرَدَّ شَهَادَتُهُ بِهِ ؛ لِأَنَّهُ فِعْلٌ لَا تُرَدُّ بِهِ شَهَادَةُ بَعْضِ النَّاسِ ، فَلَا تُرَدَّ بِهِ شَهَادَةُ الْبَعْضِ الْآخَرِ ، كَالْمُتَّفَقِ عَلَى حِلِّهِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ فِعْلٌ يَحْرُمُ عَلَى فَاعِلِهِ ، وَيَأْثَمُ بِهِ ، فَأَشْبَهَ الْمَجْمَعَ عَلَى تَحْرِيمِهِ ، وَبِهَذَا فَارَقَ مُعْتَقِدَ حِلِّهِ .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ ، فِي مَنْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَجُّ فَلَا يَحُجُّ : تُرَدُّ شَهَادَتُهُ .\rوَهَذَا يُحْمَلُ عَلَى مَنْ اعْتَقَدَ وُجُوبَهُ عَلَى الْفَوْرِ .\rفَأَمَّا مَنْ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ عَلَى التَّرَاخِي ، وَيَتْرُكُهُ بِنِيَّةِ فِعْلِهِ ، فَلَا تُرَدُّ شَهَادَتُهُ ، كَسَائِرِ مَا ذَكَرْنَا .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ تُرَدُّ شَهَادَتُهُ مُطْلَقًا لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ قَدَرَ عَلَى الْحَجِّ فَلَمْ يَحُجَّ ، فَلْيَمُتْ إنْ شَاءَ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا } .\rوَقَالَ عُمَرُ : لَقَدْ هَمَمْت أَنْ أَنْظُرَ فِي النَّاسِ ، فَمَنْ وَجَدْته يَقْدِرُ عَلَى الْحَجِّ وَلَا يَحُجُّ ، ضَرَبْت عَلَيْهِ الْجِزْيَةَ ، ثُمَّ قَالَ : مَا هُمْ بِمُسْلِمِينَ ، مَا هُمْ بِمُسْلِمِينَ .","part":23,"page":196},{"id":11196,"text":"( 8373 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَتَجُوزُ شَهَادَةُ الْكُفَّارِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ، فِي الْوَصِيَّةِ فِي السَّفَرِ ، إذَا لَمْ يَكُنْ غَيْرُهُمْ ) وَجُمْلَتُهُ ، أَنَّهُ إذَا شَهِدَ بِوَصِيَّةِ الْمُسَافِرِ الَّذِي مَاتَ فِي سَفَرِهِ شَاهِدَانِ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ ، قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمَا ، إذَا لَمْ يُوجَدْ غَيْرُهُمَا ، وَيُسْتَحْلَفَانِ بَعْدَ الْعَصْرِ مَا خَانَا وَلَا كَتَمَا ، وَلَا اشْتَرَيَا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا { وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى ، وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إنَّا إذًا لَمِنْ الْآثِمِينَ } .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَبِهَذَا قَالَ أَكَابِرُ الْمَاضِينَ .\rيَعْنِي الْآيَةَ الَّتِي فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ .\rوَمِمَّنْ قَالَهُ شُرَيْحٌ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَيَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ .\rوَقَضَى بِذَلِكَ ابْنُ مَسْعُودٍ ، وَأَبُو مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ : لَا تُقْبَلُ ؛ لِأَنَّ مَنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ عَلَى غَيْرِ الْوَصِيَّةِ ، لَا تُقْبَلُ فِي الْوَصِيَّةِ ؛ كَالْفَاسِقِ وَلِأَنَّ الْفَاسِقَ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ ، فَالْكَافِرُ أَوْلَى .\rوَاخْتَلَفُوا فِي تَأْوِيلِ الْآيَةِ ؛ فَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَهَا عَلَى التَّحَمُّلِ دُونَ الْأَدَاءِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ { مِنْ غَيْرِكُمْ } .\rأَيْ مِنْ غَيْرِ عَشِيرَتِكُمْ .\rوَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : الشَّهَادَةُ فِي الْآيَةِ الْيَمِينُ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إذَا حَضَرَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ } .\rوَهَذَا نَصُّ الْكِتَابِ ، وَقَدْ قَضَى بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ ، فَرَوَى { ابْنُ عَبَّاسٍ ، قَالَ : خَرَجَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَهْمٍ مَعَ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ ، وَعَدِيِّ بْنِ زَيْدٍ ، فَمَاتَ السَّهْمِيُّ بِأَرْضٍ لَيْسَ بِهَا مُسْلِمٌ ، فَلَمَّا قَدِمَا بِتَرِكَتِهِ فَقَدُوا جَامَ فِضَّةٍ مُخَوَّصًا بِالذَّهَبِ ، فَأَحْلَفَهُمَا","part":23,"page":197},{"id":11197,"text":"رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ وَجَدُوا الْجَامَ بِمَكَّةَ ، فَقَالُوا : اشْتَرَيْنَاهُ مِنْ تَمِيمٍ وَعَدِيٍّ ، فَقَامَ رَجُلَانِ مِنْ أَوْلِيَاءِ السَّهْمِيِّ ، فَحَلَفَا بِاَللَّهِ : لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا ، وَإِنَّ الْجَامَ لِصَاحِبِهِمْ .\rفَنَزَلَتْ فِيهِمْ : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ } } وَعَنْ الشَّعْبِيِّ { أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ بِدَقُوقَاءَ ، وَلَمْ يَجِدْ أَحَدًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ يُشْهِدْهُ عَلَى وَصِيَّتِهِ ، فَأَشْهَدَ رَجُلَيْنِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ، فَقَدِمَا الْكُوفَةَ ، فَأَتَيَا الْأَشْعَرِيَّ ، فَأَخْبَرَاهُ ، وَقَدِمَا بِتَرِكَتِهِ وَوَصِيَّتِهِ ، فَقَالَ الْأَشْعَرِيُّ : هَذَا أَمْرٌ لَمْ يَكُنْ بَعْدَ الَّذِي كَانَ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَحْلَفَهُمَا بَعْدَ الْعَصْرِ مَا خَانَا ، وَلَا كَذَبَا ، وَلَا بَدَّلَا ، وَلَا كَتَمَا ، وَلَا غَيَّرَا ، وَأَنَّهَا لَوَصِيَّةُ الرَّجُلِ ، وَتَرِكَتُهُ ، فَأَمْضَى شَهَادَتَهُمَا } .\rرَوَاهُمَا أَبُو دَاوُد ، فِي \" سُنَنِهِ \" .\rوَرَوَى الْخَلَّالُ حَدِيثَ أَبِي مُوسَى بِإِسْنَادِهِ .\rوَحَمْلُ الْآيَةِ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ مِنْ غَيْرِ عَشِيرَتِكُمْ ، لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي قَضِيَّةِ عَدِيٍّ ، وَتَمِيمٍ ، بِلَا خِلَافٍ بَيْنَ الْمُفَسِّرِينَ ، وَقَدْ فَسَّرَهَا بِمَا قُلْنَا سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ، وَالْحَسَنُ ، وَابْنُ سِيرِينَ ، وَعُبَيْدَةُ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَسُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ ، وَغَيْرُهُمْ ، وَدَلَّتْ عَلَيْهِ الْأَحَادِيثُ الَّتِي رَوَيْنَاهَا .\rوَلِأَنَّهُ لَوْ صَحَّ مَا ذَكَرُوهُ ، لَمْ تَجِبْ الْأَيْمَانُ ؛ لِأَنَّ الشَّاهِدَيْنِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ لَا قَسَامَةَ عَلَيْهِمْ .\rوَحَمْلُهَا عَلَى التَّحَمُّلِ لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّهُ أَمَرَ بِإِحْلَافِهِمْ ، وَلَا أَيْمَانَ فِي التَّحَمُّلِ .\rوَحَمْلُهَا عَلَى الْيَمِينِ لَا يَصِحُّ ؛ لِقَوْلِهِ : { فَيُقْسِمَانِ بِاَللَّهِ إنْ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ } .\rوَلِأَنَّهُ","part":23,"page":198},{"id":11198,"text":"عَطَفَهَا عَلَى ذَوِي الْعَدْلِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ ، وَهُمَا شَاهِدَانِ .\rوَرَوَى أَبُو عُبَيْدٍ ، فِي \" النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ \" أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ قَضَى بِذَلِكَ فِي زَمَنِ عُثْمَانَ .\rقَالَ أَحْمَدُ : أَهْلُ الْمَدِينَةِ لَيْسَ عِنْدَهُمْ حَدِيثُ أَبِي مُوسَى ، مِنْ أَيْنَ يَعْرِفُونَهُ ؟ فَقَدْ ثَبَتَ هَذَا الْحُكْمُ بِكِتَابِ اللَّهِ ، وَقَضَاءِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَضَاءِ الصَّحَابَة بِهِ ، وَعَمَلِهِمْ بِمَا ثَبَتَ فِي الْكِتَابِ وَالسَّنَةِ ، فَتَعَيَّنَ الْمَصِيرُ إلَيْهِ ، وَالْعَمَلُ بِهِ ، سَوَاءٌ وَافَقَ الْقِيَاسَ أَوْ خَالَفَهُ .","part":23,"page":199},{"id":11199,"text":"( 8374 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَلَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُمْ فِي غَيْرِ ذَلِكَ ) مَذْهَبُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ شَهَادَةَ أَهْلِ الْكِتَابِ لَا تُقْبَلُ فِي شَيْءٍ عَلَى مُسْلِمٍ وَلَا كَافِرٍ غَيْرِ مَا ذَكَرْنَا .\rرَوَاهُ عَنْهُ نَحْوٌ مِنْ عِشْرِينَ نَفْسًا .\rوَمِمَّنْ قَالَ : لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ ؛ الْحَسَنُ ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ .\rوَنَقَلَ حَنْبَلٌ ، عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّ شَهَادَةَ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ لَمْ تُقْبَلُ .\rوَخَطَّأَهُ الْخَلَّالُ فِي نَقْلِهِ هَذَا ، وَكَذَلِكَ صَاحِبُهُ أَبُو بَكْرٍ ، قَالَ : هَذَا غَلَطٌ لَا شَكَّ فِيهِ .\rوَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ : بَلْ الْمَسْأَلَةُ عَلَى رِوَايَتَيْنِ .\rوَقَالَ أَبُو حَفْصٍ الْبَرْمَكِيُّ : تُقْبَلُ شَهَادَةُ السَّبْيِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ فِي النَّسَبِ ، إذَا ادَّعَى أَحَدُهُمْ أَنَّ الْآخَرَ أَخُوهُ .\rوَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ ، وَالظَّاهِرُ غَلَطُ مَنْ رَوَى خِلَافَ ذَلِكَ .\rوَذَهَبَ طَائِفَة مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ، إلَى أَنَّ شَهَادَةَ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ تُقْبَلُ ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا ؛ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : الْكُفْرُ كُلُّهُ مِلَّةٌ وَاحِدَةٌ ، فَتُقْبَلُ شَهَادَةُ الْيَهُودِيِّ عَلَى النَّصْرَانِيِّ ، وَالنَّصْرَانِيِّ عَلَى الْيَهُودِيِّ .\rوَهَذَا قَوْلُ حَمَّادٍ ، وَسَوَّارٍ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَالْبَتِّيِّ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابِهِ .\rوَعَنْ قَتَادَةَ ، وَالْحَكَمِ ، وَأَبِي عُبَيْدٍ ، وَإِسْحَاقَ : تُقْبَلُ شَهَادَةُ كُلِّ مِلَّةٍ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ ، وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ يَهُودِيٍّ عَلَى نَصْرَانِيٍّ ، وَلَا نَصْرَانِيٍّ عَلَى يَهُودِيٍّ .\rوَرُوِيَ عَنْ الزُّهْرِيِّ ، وَالشَّعْبِيِّ ، كَقَوْلِنَا ، وَكَقَوْلِهِمْ .\rوَاحْتَجُّوا بِمَا رُوِيَ عَنْ جَابِرٍ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجَازَ شَهَادَةَ أَهْلِ الذِّمَّةِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ .\r} رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ .\rوَلِأَنَّ بَعْضَهُمْ يَلِي عَلَى بَعْضٍ ، فَتُقْبَلُ شَهَادَةُ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ ، كَالْمُسْلِمِينَ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { وَأَشْهَدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ } .\rوَقَالَ تَعَالَى : {","part":23,"page":200},{"id":11200,"text":"وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنْ الشُّهَدَاءِ } .\rوَالْكَافِرُ لَيْسَ بِذِي عَدْلٍ ، وَلَا هُوَ مِنَّا ، وَلَا مِنْ رِجَالِنَا ، وَلَا مِمَّنْ نَرْضَاهُ ؛ وَلِأَنَّهُ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ عَلَى غَيْرِ أَهْلِ دِينِهِ ، فَلَا تُقْبَلُ عَلَى أَهْلِ دِينِهِ ، كَالْحَرْبِيِّ ، وَالْخَبَرُ يَرْوِيه مُجَالِدٌ وَهُوَ ضَعِيفٌ ، وَإِنْ ثَبَتَ فَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ الْيَمِينَ ، فَإِنَّهَا تُسَمَّى شَهَادَةً ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي اللِّعَانِ : { فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ .\rبِاَللَّهِ إنَّهُ لَمِنْ الصَّادِقِينَ } .\rوَأَمَّا الْوِلَايَةُ فَمُتَعَلِّقُهَا الْقَرَابَةُ وَالشَّفَقَةُ ، وَقَرَابَتُهُمْ ثَابِتَةٌ ، وَشَفَقَتُهُمْ كَشَفَقَةِ الْمُسْلِمِينَ ، وَجَازَتْ لِمَوْضِعِ الْحَاجَةِ ، فَإِنَّ غَيْرَ أَهْلِ دِينِهِمْ لَا يَلِي عَلَيْهِمْ ، وَالْحَاكِمُ يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ ذَلِكَ ، لَكَثْرَتِهِمْ ، بِخِلَافِ الشَّهَادَةِ ، فَإِنَّهَا مُمْكِنَةٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مُعَاذٍ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ لَا يَقْبَلُ شَهَادَةَ أَهْلِ دِينٍ إلَّا الْمُسْلِمِينَ } ؛ فَإِنَّهُمْ عُدُولٌ عَلَى أَنْفُسِهِمْ ، وَعَلَى غَيْرِهِمْ .","part":23,"page":201},{"id":11201,"text":"( 8375 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ خَصْمٍ ، وَلَا جَارٍ إلَى نَفْسِهِ ، وَلَا دَافِعٍ عَنْهَا ) أَمَّا الْخَصْمُ ، فَهُوَ نَوْعَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، كُلُّ مَنْ خَاصَمَ فِي حَقٍّ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ فِيهِ كَالْوَكِيلِ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ فِيمَا هُوَ وَكِيلٌ فِيهِ ، وَلَا الْوَصِيِّ فِيمَا هُوَ وَصِيٌّ فِيهِ ، وَلَا الشَّرِيكِ فِيمَا هُوَ شَرِيكٌ فِيهِ ، وَلَا الْمُضَارِبِ بِمَالٍ أَوْ حَقٍّ لِلْمُضَارَبَةِ .\rوَلَوْ غَصَبَ الْوَدِيعَةَ مِنْ الْمُودَعِ ، وَطَالَبَ بِهَا ، لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ فِيهَا ، وَكَذَلِكَ مَا أَشْبَهَ هَذَا ؛ لِأَنَّهُ خَصْمٌ فِيهِ ، فَلَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ بِهِ ، كَالْمَالِكِ .\rوَالثَّانِي ، الْعَدُوُّ ، فَشَهَادَتُهُ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ عَلَى عَدُوِّهِ ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ رَبِيعَةَ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَإِسْحَاقَ ، وَمَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ .\rوَيُرِيدُ بِالْعَدَاوَةِ هَاهُنَا الْعَدَاوَةَ الدُّنْيَوِيَّةَ ، مِثْلُ أَنْ يَشْهَدَ الْمَقْذُوفُ عَلَى الْقَاذِفِ ، وَالْمَقْطُوعُ عَلَيْهِ الطَّرِيقُ عَلَى الْقَاطِعِ ، وَالْمَقْتُولُ وَلِيُّهُ عَلَى الْقَاتِلِ ، وَالْمَجْرُوحُ عَلَى الْجَارِحِ ، وَالزَّوْجُ يَشْهَدُ عَلَى امْرَأَتِهِ بِالزِّنَى ، فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ ؛ لِأَنَّهُ يُقِرُّ عَلَى نَفْسِهِ بِعَدَاوَتِهِ لَهَا ، لِإِفْسَادِهَا فِرَاشَهُ .\rفَأَمَّا الْعَدَاوَةُ فِي الدِّينِ ، كَالْمُسْلِمِ يَشْهَدُ عَلَى الْكَافِرِ ، أَوْ الْمُحِقِّ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ يَشْهَدُ عَلَى مُبْتَدَعٍ ، فَلَا تُرَدُّ شَهَادَتُهُ ؛ لِأَنَّ الْعَدَالَةَ بِالدِّينِ ، وَالدِّينُ يَمْنَعُهُ مِنْ ارْتِكَابِ مَحْظُورِ دِينِهِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا تَمْنَعُ الْعَدَاوَةُ الشَّهَادَةَ ؛ لِأَنَّهَا لَا تُخِلُّ بِالْعَدَالَةِ ، فَلَا تَمْنَعُ الشَّهَادَةَ ، كَالصَّدَاقَةِ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ خَائِنٍ وَلَا خَائِنَةٍ ، وَلَا زَانٍ وَلَا زَانِيَةٍ ، وَلَا ذِي غِمْرٍ عَلَى أَخِيهِ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rالْغِمْرُ : الْحِقْدُ .","part":23,"page":202},{"id":11202,"text":"وَلِأَنَّ الْعَدَاوَةَ تُورِثَ التُّهْمَةَ .\rفَتَمْنَعُ الشَّهَادَةَ ، كَالْقَرَابَةِ الْقَرِيبَةِ ، وَتُخَالِفُ الصَّدَاقَةَ ؛ فَإِنَّ فِي شَهَادَةِ الصَّدِيقِ لِصَدِيقِهِ بِالزُّورِ نَفْعَ غَيْرِهِ بِمَضَرَّةِ نَفْسِهِ ، وَبَيْعَ آخِرَتِهِ بِدُنْيَا غَيْرِهِ ، وَشَهَادَةُ الْعَدُوِّ عَلَى عَدُوِّهِ يَقْصِدُ بِهَا نَفْعَ نَفْسِهِ ، بِالتَّشَفِّي مِنْ عَدُوِّهِ ، فَافْتَرَقَا .\rفَإِنْ قِيلَ : فَلِمَ قَبِلْتُمْ شَهَادَةَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى الْكُفَّارِ مَعَ الْعَدَاوَةِ ؟ قُلْنَا : الْعَدَاوَةُ هَاهُنَا دِينِيَّةٌ ، وَالدِّينُ لَا يَقْتَضِي شَهَادَةَ الزُّورِ ، وَلَا أَنْ يَتْرُكَ دِينَهُ بِمُوجِبِ دِينِهِ .","part":23,"page":203},{"id":11203,"text":"( 8376 ) فَصْلٌ : فَإِنْ شَهِدَ عَلَى رَجُلٍ بِحَقٍّ ، فَقَذَفَهُ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ ، لَمْ تُرَدَّ شَهَادَتُهُ بِذَلِكَ ؛ لِأَنَّنَا لَوْ أَبْطَلْنَا شَهَادَتَهُ بِهَذَا لَتَمَكَّنَ كُلُّ مَشْهُودٍ عَلَيْهِ مِنْ إبْطَالٍ شَهَادَةِ الشَّاهِدِ بِأَنْ يَقْذِفَهُ ، وَيُفَارِقُ مَا لَوْ طَرَأَ الْفِسْقُ بَعْدَ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ ، وَقَبْلَ الْحُكْمِ ، فَإِنَّ رَدَّ الشَّهَادَةِ فِيهِ لَا يُفْضِي إلَى ذَلِكَ ، بَلْ إلَى عَكْسِهِ ، وَلِأَنَّ طَرَيَان الْفِسْقِ يُورِثُ تُهْمَةً فِي حَالِ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ ؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ إسْرَارُهُ ، فَظُهُورُهُ بَعْدَ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ ، يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يُسِرُّهُ حَالَةَ أَدَائِهَا ، وَهَا هُنَا حَصَلَتْ الْعَدَاوَةُ بِأَمْرِ لَا تُهْمَةَ عَلَى الشَّاهِدِ فِيهِ .\rوَأَمَّا الْمُحَاكَمَةُ فِي الْأَمْوَالِ ، فَلَيْسَتْ بِعَدَاوَةِ تَمْنَعُ الشَّهَادَةَ فِي غَيْرِ مَا حَاكِمَ فِيهِ .\rوَأَمَّا قَوْلُهُ : وَلَا جَارٍ إلَى نَفْسِهِ .\rفَإِنَّ الْجَارَ إلَى نَفْسِهِ هُوَ الَّذِي يَنْتَفِعُ بِشَهَادَتِهِ ، وَيَجُرُّ إلَيْهِ بِهَا نَفْعًا ؛ كَشَهَادَةِ الْغُرَمَاءِ لِلْمُفْلِسِ بِدَيْنٍ أَوْ عَيْنٍ ، وَشَهَادَتِهِمْ لِلْمَيِّتِ بِدَيْنٍ أَوْ مَالٍ ، فَإِنَّهُ لَوْ ثَبَتَ لِلْمُفْلِسِ أَوْ الْمَيِّتِ دَيْنٌ أَوْ مَالٌ ، تَعَلَّقَتْ حُقُوقُهُمْ بِهِ ، وَيُفَارِقُ مَا لَوْ شَهِدَ الْغُرَمَاءُ لَحَيٍّ لَا حَجْرَ عَلَيْهِ بِمَالٍ ، فَإِنَّ شَهَادَتَهُمْ تُقْبَلُ ؛ لِأَنَّ حَقَّهُمْ لَا يَتَعَلَّقُ بِمَالِهِ ، وَإِنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِذِمَّتِهِ .\rفَإِنْ قِيلَ : إذَا كَانَ مُعْسِرًا سَقَطَتْ عَنْهُ الْمُطَالَبَةُ ، فَإِذَا شَهِدَا لَهُ بِمَالٍ ، مَلَكَا مُطَالَبَتَهُ ، فَجَرُّوا إلَى أَنْفُسِهِمْ نَفْعًا .\rقُلْنَا : لَمْ تَثْبُتْ الْمُطَالَبَةُ بِشَهَادَتِهِمْ ، إنَّمَا تَثْبُتُ بِيَسَارِهِ وَإِقْرَارِهِ ؛ لِدَعْوَاهُ الْحَقَّ الَّذِي شَهِدُوا بِهِ .\rوَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْوَارِثِ لِلْمَوْرُوثِ بِالْجَرْحِ قَبْلَ الِانْدِمَالِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَسْرِي الْجَرْحُ إلَى نَفْسِهِ ، فَتَجِبُ الدِّيَةُ لَهُمْ بِشَهَادَتِهِمْ .\rوَلَا شَهَادَةُ الشَّفِيعِ بِبَيْعِ شِقْصٍ لَهُ فِيهِ الشُّفْعَةُ .\rوَلَا شَهَادَةُ السَّيِّدِ","part":23,"page":204},{"id":11204,"text":"لِعَبْدِهِ الْمَأْذُونِ لَهُ فِي التِّجَارَةِ ، وَلَا لِمُكَاتَبِهِ .\rقَالَ الْقَاضِي : وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْأَجِيرِ لِمَنْ اسْتَأْجَرَهُ .\rوَقَالَ : نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .\rفَإِنْ قِيلَ : فَلِمَ قَبِلْتُمْ شَهَادَةَ الْوَارِثِ لِمَوْرُوثِهِ ، مَعَ أَنَّهُ إذَا مَاتَ وَرِثَهُ ، فَقَدْ جَرَّ إلَى نَفْسِهِ بِشَهَادَتِهِ نَفْعًا ؟ قُلْنَا : لَا حَقَّ لَهُ فِي مَالِهِ حِينَ الشَّهَادَةِ ، وَإِنَّمَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَتَجَدَّدَ لَهُ حَقٌّ ، وَهَذَا لَا يَمْنَعُ قَبُولَ الشَّهَادَةِ ، كَمَا لَوْ شَهِدَ لَامْرَأَةٍ يَحْتَمِلُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا ، أَوْ لِغَرِيمِ لَهُ بِمَالٍ يَحْتَمِلُ أَنْ يُوَفِّيَهُ مِنْهُ ، أَوْ يُفْلِسَ ، فَيَتَعَلَّقَ حَقُّهُ بِهِ ، وَإِنَّمَا الْمَانِعُ مَا يَحْصُلُ لِلشَّاهِدِ بِهِ نَفْعٌ حَالَ الشَّهَادَةِ .\rفَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ مَنَعْتُمْ قَبُولَ شَهَادَتِهِ لِمَوْرُوثِهِ بِالْجَرْحِ قَبْلَ الِانْدِمَالِ ؛ لِجَوَازِ أَنْ يَتَجَدَّدَ لَهُ حَقٌّ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَقٌّ فِي الْحَالِ ، فَإِنْ قُلْتُمْ : قَدْ انْعَقَدَ سَبَبُ حَقِّهِ .\rقُلْنَا : يَبْطُلُ بِالشَّاهِدِ لِمَوْرُوثِهِ الْمَرِيضِ بِحَقٍّ ، فَإِنَّ شَهَادَتَهُ تُقْبَلُ مَعَ انْعِقَادِ سَبَبِ اسْتِحْقَاقِهِ ؛ بِدَلِيلِ أَنَّ عَطِيَّتَهُ لَهُ لَا تَنْفُذُ ، وَعَطِيَّتَهُ لِغَيْرِهِ تَقِفُ عَلَى الْخُرُوجِ مِنْ الثُّلُثِ .\rقُلْنَا : إنَّمَا مَنَعْنَا الشَّهَادَةَ لِمَوْرُوثِهِ بِالْجَرْحِ ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا أَفْضَى إلَى الْمَوْتِ ، فَتَجِبُ الدِّيَةُ لِلْوَارِثِ الشَّاهِدِ بِهِ ابْتِدَاءً ، فَيَكُونُ شَاهِدًا لِنَفْسِهِ ، مُوجِبًا لَهُ بِهَا حَقًّا ابْتِدَاءً ، بِخِلَافِ الشَّاهِدِ لِلْمَرِيضِ أَوْ الْمَجْرُوحِ بِمَالٍ ، فَإِنَّهُ إنَّمَا يَجِبُ لِلْمَشْهُودِ لَهُ ، ثُمَّ يَجُوزُ أَنْ يَنْتَقِلَ ، وَيَجُوزُ أَنْ لَا يَنْتَقِلَ ، فَلَمْ يَمْنَعْ الشَّهَادَةَ لَهُ ، كَالشَّهَادَةِ لِغَرِيمِهِ .\rفَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ أَجَزْتُمْ شَهَادَةَ الْغَرِيمِ لِغَرِيمِهِ بِالْجَرْحِ قَبْلَ الِانْدِمَالِ ، كَمَا أَجَزْتُمْ شَهَادَتَهُ لَهُ بِمَالِهِ ؟ .\rقُلْنَا : إنَّمَا أَجَزْنَاهَا لِأَنَّ الدِّيَةَ لَا تَجِبُ لِلشَّاهِدِ ابْتِدَاءً ، إنَّمَا تَجِبُ لِلْقَتِيلِ ، أَوْ لِوَرَثَتِهِ ، ثُمَّ","part":23,"page":205},{"id":11205,"text":"يَسْتَوْفِي الْغَرِيمُ مِنْهَا ، فَأَشْبَهَتْ الشَّهَادَةَ لَهُ بِالْمَالِ .\rوَأَمَّا الدَّافِعُ عَنْ نَفْسِهِ ، فَمِثْلُ أَنْ يَشْهَدَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ بِجَرْحِ الشُّهُودِ ، أَوْ تَشْهَدَ عَاقِلَةُ الْقَاتِلِ خَطَأً بِجَرْحِ الشُّهُودِ الَّذِينَ شَهِدُوا بِهِ ، لِمَا فِيهِ مِنْ دَفْعِ الدِّيَةِ عَنْ أَنْفُسِهِمْ .\rفَإِنْ كَانَ الشَّاهِدَانِ بِالْجَرْحِ فَقِيرَيْنِ ، اُحْتُمِلَ قَبُولُ شَهَادَتِهِمَا ؛ لِأَنَّهُمَا لَا يَحْمِلَانِ شَيْئًا مِنْ الدِّيَةِ ، وَاحْتَمَلَ أَنْ لَا تُقْبَلَ ؛ لِأَنَّهُ يُخَافُ أَنْ يُوسِرَا قَبْلَ الْحَوْلِ فَيَحْمِلَا .\rوَكَذَلِكَ الْخِلَافُ فِي الْبَعِيدِ الَّذِي لَا يَحْمِلُ لِبُعْدِهِ ، فَإِنَّهُ لَا يَأْمَنُ أَنْ يَمُوتَ مَنْ هُوَ أَقْرَبُ مِنْهُ قَبْلَ الْحَوْلِ ، فَيَحْمِلَ .\rوَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الضَّامِنِ لِلْمَضْمُونِ عَنْهُ بِقَضَاءِ الْحَقِّ ، أَوْ الْإِبْرَاءِ مِنْهُ .\rوَلَا شَهَادَةُ أَحَدِ الشَّفِيعَيْنِ عَلَى الْآخَرِ بِإِسْقَاطِ شُفْعَتِهِ ؛ لِأَنَّهُ يُوَفِّرُ الْحَقَّ عَلَى نَفْسِهِ .\rوَلَا شَهَادَةُ بَعْضِ غُرَمَاءِ الْمُفْلِسِ عَلَى بَعْضِهِمْ بِإِسْقَاطِ دَيْنِهِ ، أَوْ اسْتِيفَائِهِ .\rوَلَا بَعْضِ مَنْ أَوْصَى لَهُ بِمَالٍ عَلَى آخَرَ ، بِمَا يُبْطِلُ وَصِيَّتَهُ ، إذَا كَانَتْ وَصِيَّتُهُ تَحْصُلُ بِهَا مُزَاحَمَتُهُ ؛ إمَّا لِضِيقِ الثُّلُثِ عَنْهُمَا ، أَوْ لِكَوْنِ الْوَصِيَّتَيْنِ بِمُعَيَّنٍ .\rفَهَذَا وَأَشْبَاهُهُ لَا تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ فِيهِ ؛ لِأَنَّ الشَّاهِدَ بِهِ مُتَّهَمٌ ؛ لِمَا يَحْصُلُ بِشَهَادَتِهِ مِنْ نَفْعِ نَفْسِهِ ، وَدَفْعِ الضَّرَرِ عَنْهَا ، فَيَكُونُ شَاهِدًا لِنَفْسِهِ .\rوَقَدْ قَالَ الزُّهْرِيُّ : مَضَتْ السُّنَّةُ فِي الْإِسْلَامِ ، أَنْ لَا تَجُوزَ شَهَادَةُ خَصْمٍ ، وَلَا ظَنِينٍ .\rوَالظَّنِينُ : الْمُتَّهَمُ .\rوَرَوَى طَلْحَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْفٍ ، قَالَ : { قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ لَا شَهَادَةَ لَخَصْمٍ ، وَلَا ظَنِينٍ } .\rوَمِمَّنْ رَدَّ شَهَادَةَ الشَّرِيكِ لِشَرِيكِهِ شُرَيْحٌ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَلَا نَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا .","part":23,"page":206},{"id":11206,"text":"( 8377 ) فَصْلٌ : وَإِنْ شَهِدَ الشَّرِيكُ لِشَرِيكِهِ ، فِي غَيْرِ مَا هُوَ شَرِيكٌ فِيهِ ، أَوْ الْوَكِيلُ لِمُوَكِّلِهِ ، فِي غَيْرِ مَا هُوَ وَكِيلٌ فِيهِ ، أَوْ الْعَدُوُّ لِعَدُوِّهِ ، أَوْ الْوَارِثُ لِمَوْرُوثِهِ بِمَالٍ ، أَوْ بِالْجَرْحِ بَعْدَ الِانْدِمَالِ ، أَوْ شَهِدَ أَحَدُ الشَّفِيعَيْنِ ، بَعْدَ أَنْ أَسْقَطَ شُفْعَتَهُ عَلَى الْآخَرِ ، بِإِسْقَاطِ شُفْعَتِهِ ، أَوْ أَحَدُ الْوَصِيَّيْنِ بَعْدَ سُقُوطِ وَصِيَّتِهِ عَلَى الْآخَرِ ، بِمَا يُسْقِطُ وَصِيَّتَهُ ، أَوْ كَانَتْ إحْدَى الْوَصِيَّتَيْنِ لَا تُزَاحِمُ الْأُخْرَى ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا لَا تُهْمَةَ فِيهِ ، قُبِلَتْ ؛ لِأَنَّ الْمُقْتَضِيَ لِقَبُولِ الشَّهَادَةِ مُتَحَقِّقٌ ، وَالْمَانِعُ مُنْتَفٍ فَوَجَبَ قَبُولُهَا ، عَمَلًا بِالْمُقْتَضِي .","part":23,"page":207},{"id":11207,"text":"( 8378 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ مَنْ يُعْرَفُ بِكَثْرَةِ الْغَلَطِ وَالْغَفْلَةِ وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ فِي الشَّاهِدِ أَنْ يَكُونَ مَوْثُوقًا بِقَوْلِهِ ؛ لِتَحْصُلَ غَلَبَةُ الظَّنِّ بِصِدْقِهِ ، وَلِذَلِكَ اعْتَبَرْنَا الْعَدَالَةَ ، وَمَنْ يَكْثُرُ غَلَطُهُ وَتَغَفُّلُهُ ، لَا يُوثَقُ بِقَوْلِهِ ؛ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ مِنْ غَلَطَاتِهِ ، فَرُبَّمَا شَهِدَ عَلَى غَيْرِ مَنْ اُسْتُشْهِدَ عَلَيْهِ ، أَوْ لِغَيْرِ مَنْ شَهِدَ لَهُ ، أَوْ بِغَيْرِ مَا اُسْتُشْهِدَ بِهِ ، وَإِذَا كَانَ مُغَفَّلًا ، فَرُبَّمَا اسْتَزَلَّهُ الْخَصْمُ بِغَيْرِ شَهَادَته ، فَلَا تَحْصُلُ الثِّقَةُ بِقَوْلِهِ .\rوَلَا يَمْنَعُ مِنْ الشَّهَادَةِ وُجُودُ غَلَطٍ نَادِرٍ ، أَوْ غَفْلَةٍ نَادِرَةٍ ؛ لِأَنَّ أَحَدًا لَا يَسْلَمُ مِنْ ذَلِكَ ، فَلَوْ مَنَعَ ذَلِكَ الشَّهَادَةَ ، لَانْسَدَّ بَابُهَا ، فَاعْتَبَرْنَا الْكَثْرَةَ فِي الْمَنْعِ ، كَمَا اعْتَبَرْنَا كَثْرَةَ الْمَعَاصِي فِي الْإِخْلَالِ بِالْعَدَالَةِ .","part":23,"page":208},{"id":11208,"text":"( 8379 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : وَتَجُوزُ شَهَادَةُ الْأَعْمَى ، إذَا تَيَقَّنَ الصَّوْتَ رُوِيَ هَذَا عَنْ عَلِيٍّ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ .\rوَبِهِ قَالَ ابْنُ سِيرِينَ ، وَعَطَاءٌ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى ، وَإِسْحَاقُ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ : لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ النَّخَعِيِّ ، وَأَبِي هَاشِمٍ ، وَاخْتُلِفَ عَنْ الْحَسَنِ ، وَإِيَاسٍ ، وَابْنِ أَبِي لَيْلَى .\rوَأَجَازَ الشَّافِعِيُّ شَهَادَتَهُ بِالِاسْتِفَاضَةِ وَالتَّرْجَمَةِ ، وَإِذَا أَقَرَّ عِنْدَ أُذُنِهِ وَيَدُ الْأَعْمَى عَلَى رَأْسِهِ ، ثُمَّ ضَبَطَهُ حَتَّى حَضَرَ عِنْدَ الْحَاكِمِ ، فَشَهِدَ عَلَيْهِ ، وَلَمْ يُجِزْهَا فِي غَيْرِ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ مَنْ لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ عَلَى الْأَفْعَالِ ، لَا تَجُوزُ عَلَى الْأَقْوَالِ ، كَالصَّبِيِّ ، وَلِأَنَّ الْأَصْوَاتَ تَشْتَبِهُ ، فَلَا يَحْصُلُ الْيَقِينُ ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَشْهَدَ بِهَا ، كَالْخَطِّ .\rوَلَنَا ، قَوْله تَعَالَى : { وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ } .\rوَسَائِرُ الْآيَاتِ فِي الشَّهَادَةِ ، وَلِأَنَّهُ رَجُلٌ عَدْلٌ مَقْبُولُ الرِّوَايَةِ ، فَقُبِلَتْ شَهَادَتُهُ ، كَالْبَصِيرِ ، وَفَارَقَ الصَّبِيَّ ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بِرَجُلٍ وَلَا عَدْلٍ وَلَا مَقْبُولِ الرِّوَايَةِ ، وَلِأَنَّ السَّمْعَ أَحَدُ الْحَوَاسِّ الَّتِي يَحْصُلُ بِهَا الْيَقِينُ ، وَقَدْ يَكُونُ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ مَنْ أَلِفَهُ الْأَعْمَى ، وَكَثُرَتْ صُحْبَتُهُ لَهُ ، وَعَرَفَ صَوْتَهُ يَقِينًا ، فَيَجِبُ أَنْ تُقْبَلَ شَهَادَتُهُ فِيمَا تَيَقَّنَهُ ، كَالْبَصِيرِ ، وَلَا سَبِيلَ إلَى إنْكَارِ حُصُولِ الْيَقِينِ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ .\rقَالَ قَتَادَةُ : لِلسَّمْعِ قِيَافَةٌ كَقِيَافَةِ الْبَصَرِ .\rوَلِهَذَا قَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ : تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ فِيمَا يَثْبُتُ بِالِاسْتِفَاضَةِ ، وَلَا يَثْبُتُ عِنْدَهُمْ حَتَّى يَسْمَعَهَا مِنْ عَدْلَيْنِ ، وَلَا بُدَّ أَنْ يَعْرِفَهُمَا حَتَّى يَعْرِفَ عَدَالَتَهُمَا ، فَإِذَا صَحَّ أَنْ يَعْرِفَ الشَّاهِدَيْنِ ، صَحَّ أَنْ يَعْرِفَ الْمُقِرَّ .\rوَلَا خِلَافَ فِي قَبُولِ رِوَايَته ، وَجَوَازِ","part":23,"page":209},{"id":11209,"text":"اسْتِمَاعِهِ مِنْ زَوْجَتِهِ إذَا عَرَفَ صَوْتَهَا ، وَصِحَّةِ قَبُولِهِ النِّكَاحَ ، وَجَوَازُ اشْتِبَاهِ الْأَصْوَاتِ ، كَجَوَازِ اشْتِبَاهِ الصُّوَرِ ، وَفَارَقَ الْأَفْعَالَ ؛ فَإِنَّ مَدْرَكِهَا الرُّؤْيَةُ ، وَهِيَ غَيْرُ مُمْكِنَةٍ مِنْ الْأَعْمَى ، وَالْأَقْوَالُ مَدْرَكُهَا السَّمْعُ ، وَهُوَ يُشَارِكُ الْبَصِيرَ فِيهِ ، وَرُبَّمَا زَادَ عَلَيْهِ ، يُفَارِقُ الْخَطَّ ، فَإِنَّهُ لَوْ تَيَقَّنَ مَنْ كَتَبَ الْخَطَّ ، أَوْ رَآهُ وَهُوَ يَكْتُبُهُ ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يَشْهَدَ بِمَا كَتَبَ فِيهِ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَشْهَدَ إلَّا إذَا تَيَقَّنَ الصَّوْتَ ، وَعَلِمَ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ يَقِينًا .\rفَإِنْ جَوَّزَ أَنْ يَكُونَ صَوْتَ غَيْرِهِ ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يَشْهَدَ بِهِ ، كَمَا لَوْ اشْتَبَهَ عَلَى الْبَصِيرِ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ ، فَلَمْ يَعْرِفْهُ .","part":23,"page":210},{"id":11210,"text":"( 8380 ) فَصْلٌ : فَإِنْ تَحَمَّلَ الشَّهَادَةَ عَلَى فِعْلٍ ، ثُمَّ عَمِيَ ، جَازَ أَنْ يَشْهَدَ بِهِ ، إذَا عَرَفَ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ بِاسْمِهِ وَنَسَبِهِ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ أَصْلًا ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَاكِمًا .\rوَلَنَا ، مَا تَقَدَّمَ ؛ وَلِأَنَّ الْعَمَى فَقْدُ حَاسَّةٍ لَا تُخِلُّ بِالتَّكْلِيفِ ، فَلَمْ يَمْنَعْ قَبُولَ الشَّهَادَةِ كَالصَّمَمِ ، وَيُفَارِقُ الْحُكْمَ ، فَإِنَّهُ يُعْتَبَرُ لَهُ مِنْ شُرُوطِ الْكَمَالِ مَا لَا يُعْتَبَرُ لِلشَّهَادَةِ ، وَلِذَلِكَ يُعْتَبَرُ لَهُ السَّمْعُ وَالِاجْتِهَادُ وَغَيْرُهُمَا ، فَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ بِاسْمِهِ وَنَسَبِهِ ، لَكِنْ تَيَقَّنَ صَوْتَهُ ؛ لِكَثْرَةِ إلْفِهِ لَهُ ، صَحَّ أَنْ يَشْهَدَ بِهِ أَيْضًا ؛ لِمَا ذَكَرْنَا فِي أَوَّلِ الْمَسْأَلَةِ .\rوَإِنْ شَهِدَ عِنْدَ الْحَاكِمِ ، ثُمَّ عَمِيَ قَبْلَ الْحُكْمِ بِشَهَادَتِهِ ، جَازَ الْحُكْمُ بِهَا .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَجُوزُ الْحُكْمُ بِهَا ؛ لِأَنَّهُ مَعْنًى يَمْنَعُ قَبُولَ الشَّهَادَةِ مَعَ صِحَّةِ النُّطْقِ ، فَمَنَعَ الْحُكْمَ بِهَا ، كَالْفِسْقِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ مَعْنًى طَرَأَ بَعْدَ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ ، لَا يُورِثُ تُهْمَةً فِي حَالِ الشَّهَادَةِ ، فَلَمْ يَمْنَعْ قَبُولَهَا كَالْمَوْتِ ، وَفَارَقَ الْفِسْقَ ؛ فَإِنَّهُ يُورِثُ تُهْمَةً حَالَ الشَّهَادَةِ .","part":23,"page":211},{"id":11211,"text":"( 8381 ) فَصْلٌ : وَلَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الْأَخْرَسِ بِحَالٍ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَالَ : لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الْأَخْرَسِ قِيلَ لَهُ : وَإِنْ كَتَبَهَا ؟ قَالَ : لَا أَدْرِي .\rوَهَذَا قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ .\rوَقَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ : تُقْبَلُ إذَا فُهِمَتْ إشَارَتُهُ ؛ لِأَنَّهَا تَقُومُ مَقَامَ نُطْقِهِ فِي أَحْكَامِهِ ، مِنْ طَلَاقِهِ ، وَنِكَاحِهِ ، وَظِهَارِهِ ، وَإِيلَائِهِ ، فَكَذَلِكَ فِي شَهَادَتِهِ .\rوَاسْتَدَلَّ ابْنُ الْمُنْذِرِ بِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَشَارَ وَهُوَ جَالِسٌ فِي الصَّلَاةِ إلَى النَّاسِ وَهُمْ قِيَامٌ ، أَنَّ اجْلِسُوا .\rفَجَلَسُوا .\rوَلَنَا ، أَنَّهَا شَهَادَةٌ بِالْإِشَارَةِ ، فَلَمْ تَجُزْ ، كَإِشَارَةِ النَّاطِقِ ، يُحَقِّقُهُ أَنَّ الشَّهَادَةَ يُعْتَبَرُ فِيهَا الْيَقِينُ ، وَلِذَلِكَ لَا يَكْتَفِي بِإِيمَاءِ النَّاطِقِ ، وَلَا يَحْصُلُ الْيَقِينُ بِالْإِشَارَةِ ، وَإِنَّمَا اُكْتُفِيَ بِإِشَارَتِهِ فِي أَحْكَامِهِ الْمُخْتَصَّةِ بِهِ لِلضَّرُورَةِ ، وَلَا ضَرُورَةَ هَاهُنَا ، وَلِهَذَا لَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ حَاكِمًا ، وَلِأَنَّ الْحَاكِمَ لَا يُمْضِي حُكْمَهُ إذَا وَجَدَ حُكْمَهُ بِخَطِّهِ تَحْتَ خَتْمِهِ ، وَلَمْ يَذْكُرْ حُكْمَهُ ، وَالشَّاهِدُ لَا يَشْهَدُ بِرُؤْيَةِ خَطِّهِ ، فَلَأَنْ لَا حُكْمَ بِخَطِّ غَيْرِهِ أَوْلَى .\rوَمَا اسْتَدَلَّ بِهِ ابْنُ الْمُنْذِرِ لَا يَصِحُّ ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ قَادِرًا عَلَى الْكَلَامِ ، وَعَمِلَ بِإِشَارَتِهِ فِي الصَّلَاةِ .\rوَلَوْ شَهِدَ النَّاطِقُ بِالْإِيمَاءِ وَالْإِشَارَةِ ، لَمْ يَصِحَّ إجْمَاعًا ، فَعُلِمَ أَنَّ الشَّهَادَةَ مُفَارِقَةٌ لِغَيْرِهَا مِنْ الْأَحْكَامِ .","part":23,"page":212},{"id":11212,"text":"( 8382 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : وَلَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الْوَالِدَيْنِ وَإِنْ عَلَوَا ، لِلْوَلَدِ وَإِنْ سَفُلَ ، وَلَا شَهَادَةُ الْوَلَدِ وَإِنْ سَفُلَ ، لَهُمَا وَإِنْ عَلَوَا .\rظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّ شَهَادَةَ الْوَالِدِ لِوَلَدِهِ لَا تُقْبَلُ ، وَلَا لِوَلَدِ وَلَدِهِ ، وَإِنْ سَفُلَ ، وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ وَلَدُ الْبَنِينَ وَوَلَدُ الْبَنَاتِ .\rوَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْوَلَدِ لَوَالِدِهِ ، وَلَا لِوَالِدَتِهِ ، وَلَا جَدِّهِ ، وَلَا جَدَّتِهِ مِنْ قِبَلِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ وَإِنْ عَلَوْا ، وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الْآبَاءُ وَالْأُمَّهَاتُ ، وَآبَاؤُهُمَا وَأُمَّهَاتُهُمَا .\rوَبِهِ قَالَ شُرَيْحٌ ، وَالْحَسَنُ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، رِوَايَةٌ ثَانِيَةٌ ، تُقْبَلُ شَهَادَةُ الِابْنِ لِأَبِيهِ ، وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْأَبِ لَهُ ؛ لِأَنَّ مَالَ الِابْنِ فِي حُكْمِ مَالِ الْأَبِ ، لَهُ أَنْ يَتَمَلَّكَهُ إذَا شَاءَ ، فَشَهَادَتُهُ لَهُ شَهَادَةٌ لِنَفْسِهِ ، أَوْ يَجُرُّ بِهَا لِنَفْسِهِ نَفْعًا .\rقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيك } .\rوَقَالَ : { إنَّ أَطْيَبَ مَا أَكَلَ الرَّجُلُ مِنْ كَسْبِهِ ، وَإِنَّ أَوْلَادَكُمْ مِنْ أَطْيَبِ كَسْبِكُمْ ، فَكُلُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ } .\rوَلَا يُوجَدُ هَذَا فِي شَهَادَةِ الِابْنِ لِأَبِيهِ .\rوَعَنْهُ رِوَايَةٌ ثَالِثَةٌ ، تُقْبَلُ شَهَادَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ ، فِي مَا لَا تُهْمَةَ فِيهِ ، كَالنِّكَاحِ ، وَالطَّلَاقِ ، وَالْقِصَاصِ ، وَالْمَالِ إذَا كَانَ مُسْتَغْنًى عَنْهُ ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَا يَنْتَفِعُ بِمَا يَثْبُتُ لِلْآخَرِ مِنْ ذَلِكَ ، فَلَا تُهْمَةَ فِي حَقِّهِ .\rوَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ شَهَادَةَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِلْآخَرِ مَقْبُولَةٌ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ شُرَيْحٍ .\rوَبِهِ قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَالْمَزْنِيُّ ، وَدَاوُد ، وَإِسْحَاقُ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ ؛ لِعُمُومِ الْآيَاتِ ، وَلِأَنَّهُ عَدْلٌ تُقْبَلُ","part":23,"page":213},{"id":11213,"text":"شَهَادَتُهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ ، فَتُقْبَلُ شَهَادَتُهُ فِيهِ ، كَالْأَجْنَبِيِّ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى الزُّهْرِيُّ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ خَائِنٍ وَلَا خَائِنَةٍ ، وَلَا ذِي غِمْرٍ عَلَى أَخِيهِ ، وَلَا ظَنِينٍ فِي قَرَابَةٍ وَلَا وَلَاءٍ } .\rوَالظَّنِينُ : الْمُتَّهَمُ ، وَالْأَبُ يُتَّهَمُ لِوَلَدِهِ ؛ لِأَنَّ مَالَهُ كَمَا لَهُ بِمَا ذَكَرْنَاهُ ، وَلِأَنَّ بَيْنَهُمَا بَعْضِيَّةً ، فَكَأَنَّهُ يَشْهَدُ لِنَفْسِهِ ، وَلِهَذَا قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { فَاطِمَةُ بَضْعَةٌ مِنِّي ، يَرِيبُنِي مَا رَابَهَا } .\rوَلِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ فِي الشَّهَادَةِ لِوَلَدِهِ ، كَتُهْمَةِ الْعَدُوِّ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى عَدُوِّهِ ، وَالْخَبَرُ أَخُصُّ مِنْ الْآيَاتِ ، فَتُخَصُّ بِهِ .","part":23,"page":214},{"id":11214,"text":"( 8383 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا شَهَادَةُ أَحَدِهِمَا عَلَى صَاحِبِهِ ، فَتُقْبَلُ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .\rوَهَذَا قَوْلُ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَلَمْ أَجِدْ عَنْ أَحْمَدَ فِي \" الْجَامِعِ \" فِيهِ خِلَافًا ؛ وَذَلِكَ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوْ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ } .\rفَأَمَرَ بِالشَّهَادَةِ عَلَيْهِمْ ، وَلَوْ لَمْ تُقْبَلْ لَمَا أَمَرَ بِهَا ، وَلِأَنَّهَا إنَّمَا رُدَّتْ لِلتُّهْمَةِ فِي إيصَالِ النَّفْعِ ، وَلَا تُهْمَةَ فِي شَهَادَتِهِ عَلَيْهِ ، فَوَجَبَ أَنْ تُقْبَلَ ، كَشَهَادَةِ الْأَجْنَبِيِّ ، بَلْ أَوْلَى ، فَإِنَّ شَهَادَتَهُ لِنَفْسِهِ لَمَّا رُدَّتْ لِلتُّهْمَةِ فِي إيصَالِ النَّفْعِ إلَى نَفْسِهِ ، كَانَ إقْرَارُهُ عَلَيْهِ مَقْبُولًا .\rوَحَكَى الْقَاضِي ، فِي الْمُجَرَّدِ رِوَايَةً أُخْرَى ، أَنَّ شَهَادَةَ أَحَدِهِمَا لَا تُقْبَلُ عَلَى صَاحِبِهِ ؛ لِأَنَّ شَهَادَتَهُ لَهُ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ ، فَلَا تُقْبَلُ عَلَيْهِ ، كَالْفَاسِقِ .\rوَقَالَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ : لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الِابْنِ عَلَى أَبِيهِ فِي قِصَاصٍ ، وَلَا حَدِّ قَذْفٍ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُقْتَلُ بِقَتْلِهِ ، وَلَا يُحَدُّ بِقَذْفِهِ ، فَلَا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ .\rوَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا ، وَلِأَنَّهُ يُتَّهَمُ لَهُ وَلَا يُتَّهَمُ عَلَيْهِ ، فَشَهَادَتُهُ عَلَيْهِ أَبْلَغُ فِي الصِّدْقِ ، كَإِقْرَارِهِ عَلَى نَفْسِهِ .","part":23,"page":215},{"id":11215,"text":"( 8384 ) فَصْلٌ : وَإِنْ شَهِدَ اثْنَانِ بِطَلَاقِ ضَرَّةِ أُمِّهِمَا ، وَقَذْفِ زَوْجِهَا لَهَا ، قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمَا ؛ لِأَنَّ حَقَّ أُمِّهِمَا لَا يَزْدَادُ بِهِ ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ أَبَاهُمَا أَوْ أَجْنَبِيًّا ، وَتَوْفِيرُ الْمِيرَاثِ لَا يَمْنَعُ قَبُولَ الشَّهَادَةِ ؛ بِدَلِيلِ قَبُولِ شَهَادَةِ الْوَارِثِ لِمَوْرُوثِهِ .","part":23,"page":216},{"id":11216,"text":"( 8385 ) فَصْلٌ : وَتَجُوزُ شَهَادَةُ الرَّجُلِ لِابْنِهِ مِنْ الرَّضَاعَةِ ، وَأَبِيهِ مِنْهَا ، وَسَائِرِ أَقَارِبه مِنْهَا ؛ لِأَنَّهُ لَا نَسَبَ بَيْنَهُمَا يُوجِبُ الْإِنْفَاقَ ، وَالصِّلَةَ ، وَعِتْقُ أَحَدِهِمَا عَلَى صَاحِبِهِ ، وَتَبَسُّطُهُ فِي مَالِهِ ، بِخِلَافِ قَرَابَة النَّسَبِ .","part":23,"page":217},{"id":11217,"text":"( 8386 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : وَلَا السَّيِّدِ لِعَبْدِهِ ، وَلَا الْعَبْدِ لِسَيِّدِهِ .\rأَمَّا شَهَادَةُ السَّيِّدِ لِعَبْدِهِ ، فَغَيْرُ مَقْبُولَةٍ ؛ لِأَنَّ مَالَ الْعَبْدِ لِسَيِّدِهِ ، فَشَهَادَتُهُ لَهُ شَهَادَةٌ لِنَفْسِهِ ، وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ بَاعَ عَبْدًا ، وَلَهُ مَالٌ ، فَمَالُهُ لِلْبَائِعِ ، إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُبْتَاعُ } .\rوَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا .\rوَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لَهُ أَيْضًا بِنِكَاحٍ ، وَلَا لِأَمَتِهِ بِطَلَاقٍ ؛ لِأَنَّ فِي طَلَاقِ أَمَتِهِ تَخْلِيصَهَا لَهُ ، وَإِبَاحَةَ بِضْعِهَا لَهُ ، وَفِي نِكَاحِ الْعَبْدِ نَفْعًا لَهُ ، وَنَفْعُ مَالِ الْإِنْسَانِ نَفْعٌ لَهُ .\rوَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْعَبْدِ لِسَيِّدِهِ ؛ لِأَنَّهُ يَتَبَسَّطُ فِي مَالِ سَيِّدِهِ ، وَيَنْتَفِعُ بِهِ ، وَيَتَصَرَّفُ فِيهِ ، وَتَجِبُ نَفَقَتُهُ مِنْهُ ، وَلَا يُقْطَعُ بِسَرِقَتِهِ ، فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لَهُ كَالِابْنِ مَعَ أَبِيهِ .","part":23,"page":218},{"id":11218,"text":"( 8387 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : وَلَا الزَّوْجِ لِامْرَأَتِهِ ، وَلَا الْمَرْأَةِ لِزَوْجِهَا .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّعْبِيُّ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ .\rوَأَجَازَ شَهَادَةَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ شُرَيْحٌ ، وَالْحَسَنُ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ عَلَى مَنْفَعَةٍ ، فَلَا يَمْنَعُ قَبُولَ الشَّهَادَةِ ، كَالْإِجَارَةِ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ ، رِوَايَةٌ أُخْرَى ، كَقَوْلِهِمْ .\rوَقَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى : تُقْبَلُ شَهَادَةُ الرَّجُلِ لِامْرَأَتِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا تُهْمَةَ فِي حَقِّهِ ، وَلَا تُقَبِّلُ شَهَادَتُهَا لَهُ ؛ لِأَنَّ يَسَارَهُ وَزِيَادَةَ حَقِّهَا مِنْ النَّفَقَةِ ، تَحْصُلُ بِشَهَادَتِهَا لَهُ بِالْمَالِ ، فَهِيَ مُتَّهَمَةٌ لِذَلِكَ .\rوَلَنَا ، أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَرِثُ الْآخَرَ مِنْ غَيْرِ حَجْبٍ ، وَيَنْبَسِطُ فِي مَالِهِ عَادَةً ، فَلَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ لَهُ ، كَالِابْنِ مَعَ أَبِيهِ ؛ وَلِأَنَّ يَسَارَ الرَّجُلِ يَزِيدُ نَفَقَةَ امْرَأَتِهِ ، وَيَسَارَ الْمَرْأَةِ تَزِيدُ بِهِ قِيمَةُ بِضْعِهَا الْمَمْلُوكِ لِزَوْجِهَا ، فَكَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَنْتَفِعُ بِشَهَادَتِهِ لِصَاحِبِهِ ، فَلَمْ تُقْبَلْ ، كَشَهَادَتِهِ لِنَفْسِهِ .\rوَيُحَقِّقُ هَذَا أَنَّ مَالَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُضَافُ إلَى الْآخَرِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ } .\rوَقَالَ : { لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ } .\rفَأَضَافَ الْبُيُوتَ إلَيْهِنَّ تَارَةً ، وَإِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُخْرَى ، وَقَالَ : { لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ } .\rوَقَالَ عُمَرُ ، لِلَّذِي قَالَ لَهُ : إنَّ غُلَامِي سَرَقَ مِرْآةَ امْرَأَتِي : لَا قَطَعَ عَلَيْهِ ، عَبْدُكُمْ سَرَقَ مَالَكُمْ .\rوَيُفَارِقُ عَقْدَ الْإِجَارَةِ مِنْ هَذِهِ الْوُجُوهِ كُلِّهَا .","part":23,"page":219},{"id":11219,"text":"( 8388 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَشَهَادَةُ الْأَخِ لِأَخِيهِ جَائِزَةٌ ) قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَع أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ شَهَادَةَ الْأَخِ لِأَخِيهِ جَائِزَةٌ .\rرُوِيَ هَذَا عَنْ ابْنِ الزُّبَيْرِ .\rوَبِهِ قَالَ شُرَيْحٌ ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَحُكِيَ عَنْ ابْنِ الْمُنْذِرِ ، عَنْ الثَّوْرِيِّ ، أَنَّهُ لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ كُلِّ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ .\rوَعَنْ مَالِكٍ ، أَنَّهُ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لِأَخِيهِ إذَا كَانَ مُنْقَطِعًا إلَيْهِ فِي صِلَتِهِ وَبِرِّهِ ؛ لِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ فِي حَقِّهِ .\rوَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : قَالَ مَالِكٌ : لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الْأَخِ لِأَخِيهِ فِي النَّسَبِ ، وَتَجُوزُ فِي الْحُقُوقِ .\rوَلَنَا عُمُومُ الْآيَاتِ ، وَلِأَنَّهُ عَدْلٌ غَيْرُ مُتَّهَمٍ ، فَتُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لَهُ كَالْأَجْنَبِيِّ ، وَلَا يَصِحُّ الْقِيَاسُ عَلَى الْوَالِدِ وَالْوَلَدِ ؛ لِأَنَّ بَيْنَهُمَا بَعْضِيَّةً وَقَرَابَةً قَوِيَّةً بِخِلَافِ الْأَخِ .","part":23,"page":220},{"id":11220,"text":"( 8389 ) فَصْلٌ : وَشَهَادَةُ الْعَمِّ وَابْنِهِ ، وَالْخَالِ وَابْنِهِ ، وَسَائِرِ الْأَقَارِبِ ، أَوْلَى بِالْجَوَازِ ؛ فَإِنَّ شَهَادَةَ الْأَخِ إذَا أُجِيزَتْ مَعَ قُرْبِهِ ، كَانَ تَنْبِيهًا عَلَى شَهَادَةِ مَنْ هُوَ أَبْعَدُ مِنْهُ ، بِطَرِيقِ الْأَوْلَى .","part":23,"page":221},{"id":11221,"text":"( 8390 ) فَصْلٌ : وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ أَحَدِ الصَّدِيقَيْنِ لِصَاحِبِهِ ، فِي قَوْلِ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ ، إلَّا مَالِكًا ، قَالَ : لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الصَّدِيقِ الْمُلَاطِفِ ؛ لِأَنَّهُ يَجُرُّ إلَى نَفْسِهِ نَفْعًا بِهَا ، فَهُوَ مُتَّهَمٌ ، فَلَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ ، كَشَهَادَةِ الْعَدُوِّ عَلَى عَدُوِّهِ .\rوَلَنَا ، عُمُومُ أَدِلَّةِ الشَّهَادَةِ ، وَمَا قَالَهُ يَبْطُلُ بِشَهَادَةِ الْغَرِيمِ لِلْمَدِينِ قَبْلَ الْحَجْرِ ، وَإِنْ كَانَ رُبَّمَا قَضَاهُ دَيْنَهُ مِنْهُ ، فَجَرَّ إلَى نَفْسِهِ نَفْعًا أَعْظَمَ مِمَّا يُرْجَى هَاهُنَا بَيْنَ الصَّدِيقَيْنِ .\rفَأَمَّا الْعَدَاوَةُ ، فَسَبَبُهَا مَحْظُورٌ ، وَفِي الشَّهَادَةِ عَلَيْهِ شِفَاءُ غَيْظِهِ مِنْهُ ، فَخَالَفَتْ الصَّدَاقَةَ .","part":23,"page":222},{"id":11222,"text":"( 8391 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : وَتَجُوزُ شَهَادَةُ الْعَبْدِ فِي كُلِّ شَيْءٍ ، إلَّا فِي الْحُدُودِ ، وَتَجُوزُ شَهَادَةُ الْأَمَةِ فِيمَا تَجُوزُ فِيهِ شَهَادَةُ النِّسَاءِ الْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي فُصُولٍ ثَلَاثَةٍ ؛ ( 8392 ) الْفَصْلُ الْأَوَّلُ : فِي قَبُولِ شَهَادَةِ الْعَبْدِ فِيمَا عَدَا الْحُدُودَ وَالْقِصَاصَ ، فَالْمَذْهَبُ أَنَّهَا مَقْبُولَةٌ .\rرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ ، وَأَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا .\rقَالَ أَنَسٌ : مَا عَلِمْت أَنَّ أَحَدًا رَدَّ شَهَادَةَ الْعَبْدِ .\rوَبِهِ قَالَ عُرْوَةُ ، وَشُرَيْحٌ ، وَإِيَاسٌ ، وَابْنُ سِيرِينَ ، وَالْبَتِّيُّ ، أَبُو ثَوْرٍ ، وَدَاوُد ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ .\rوَقَالَ عَطَاءٌ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَالْحَسَنُ ، وَمَالِكٌ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ : لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ ذِي مُرُوءَةٍ ، وَلِأَنَّهَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْكَمَالِ لَا تَتَبَعَّضُ ، فَلَمْ يَدْخُلْ فِيهَا الْعَبْدُ ، كَالْمِيرَاثِ .\rوَقَالَ الشَّعْبِيُّ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَالْحَكَمُ : تُقْبَلُ فِي الشَّيْءِ الْيَسِيرِ .\rوَلَنَا ، عُمُومُ آيَاتِ الشَّهَادَةِ ، وَهُوَ دَاخِلٌ فِيهَا ، فَإِنَّهُ مِنْ رِجَالِنَا ، وَهُوَ عَدْلٌ تُقْبَلُ رِوَايَتُهُ وَفُتْيَاهُ وَأَخْبَارُهُ الدِّينِيَّةُ .\rوَرَوَى عُقْبَةُ بْنُ الْحَارِثِ ، قَالَ : { تَزَوَّجْت أُمَّ يَحْيَى بِنْتَ أَبِي إهَابٍ ، فَجَاءَتْ أَمَةٌ سَوْدَاءُ ، فَقَالَتْ : قَدْ أَرْضَعْتُكُمَا .\rفَذَكَرْت ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : كَيْفَ ، وَقَدْ زَعَمَتْ ذَلِكَ ؟ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَفِي رِوَايَة أَبِي دَاوُد ، { فَقُلْت : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنَّهَا لَكَاذِبَةٌ .\rقَالَ : وَمَا يُدْرِيك ، وَقَدْ قَالَتْ مَا قَالَتْ ، دَعْهَا عَنْك } .\rوَلِأَنَّهُ عَدْلٌ غَيْرُ مُتَّهَمٍ ، فَتُقْبَلُ شَهَادَتُهُ ، كَالْحُرِّ وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ غَيْرُ ذِي مُرُوءَةٍ ، فَإِنَّهُ كَالْحُرِّ يَنْقَسِمُ إلَى مَنْ لَهُ مُرُوءَةٌ ، وَمَنْ لَا مُرُوءَةَ لَهُ ، وَقَدْ يَكُونُ مِنْهُمْ الْأُمَرَاءُ وَالْعُلَمَاءُ وَالصَّالِحُونَ وَالْأَتْقِيَاءُ .\rسُئِلَ إيَاسُ بْنُ مُعَاوِيَةَ","part":23,"page":223},{"id":11223,"text":"، عَنْ شَهَادَةِ الْعَبِيدِ ، فَقَالَ : أَنَا أَرُدُّ شَهَادَةَ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ وَكَانَ مِنْهُمْ زِيَادُ بْنِ أَبِي زِيَادٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ، مِنْ الْعُلَمَاءِ الزُّهَّادِ ، وَكَانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَرْفَعُ قَدْرَهُ ، وَيُكْرِمُهُ .\rوَمِنْهُمْ عِكْرِمَةُ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ، أَحَدُ الْعُلَمَاءِ الثِّقَاتِ .\rوَكَثِيرٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ الْمَوَالِي كَانُوا عَبِيدًا ، أَوْ أَبْنَاءَ عَبِيدٍ ، لَمْ يَحْدُثْ فِيهِمْ بِالْإِعْتَاقِ إلَّا الْحُرِّيَّةُ ، وَالْحُرِّيَّةُ لَا تُغَيِّرُ طَبْعًا ، وَلَا تُحْدِثُ عِلْمًا ، وَلَا مُرُوءَةً ، وَلَا يُقْبَلُ مِنْهُمْ إلَّا مَنْ كَانَ ذَا مُرُوءَةٍ .\rوَلَا يَصِحُّ قِيَاسُ الشَّهَادَةِ عَلَى الْمِيرَاثِ ، فَإِنَّ الْمِيرَاثَ خِلَافَةٌ لِلْمَوْرُوثِ فِي مَالِهِ وَحُقُوقِهِ ، وَالْعَبْدُ لَا يُمْكِنُهُ الْخِلَافَةُ ؛ لِأَنَّ مَا يَصِيرُ إلَيْهِ يَمْلِكُهُ سَيِّدُهُ ، فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَخْلُفَ فِيهِ ، وَلِأَنَّ الْمِيرَاثَ يَقْتَضِي التَّمْلِيكَ ، وَالْعَبْدُ لَا يَمْلِكُ ، وَمَبْنَى الشَّهَادَةِ عَلَى الْعَدَالَةِ الَّتِي هِيَ مَظِنَّةُ الصِّدْقِ ، وَحُصُولُ الثِّقَةِ مِنْ الْقَوْلِ ، وَالْعَبْدُ أَهْلٌ لِذَلِكَ ، فَوَجَبَ أَنْ تُقْبَلَ شَهَادَتُهُ .\r( 8393 ) الْفَصْلُ الثَّانِي : أَنَّ شَهَادَتَهُ لَا تُقْبَلُ فِي الْحَدِّ ، وَفِي الْقِصَاصِ احْتِمَالَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ فِيهِ ؛ لِأَنَّهُ حَقُّ آدَمِيٍّ ، لَا يَصِحُّ الرُّجُوعُ عَنْ الْإِقْرَارِ بِهِ ، فَأَشْبَهَ الْأَمْوَالَ .\rوَالثَّانِي ، لَا تُقْبَلُ ؛ لِأَنَّهُ عُقُوبَةٌ بَدَنِيَّةٌ تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ ، فَأَشْبَهَ الْحَدَّ ، وَذَكَرِ الشَّرِيفُ ، وَأَبُو الْخَطَّابِ ، فِي الْعُقُوبَاتِ كُلِّهَا مِنْ الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ رِوَايَتَيْنِ ؛ إحْدَاهُمَا ، تُقْبَلُ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا ، وَلِأَنَّهُ رَجُلٌ عَدْلٌ ، فَتُقْبَلُ شَهَادَتُهُ فِيهَا ، كَالْحُرِّ .\rوَالثَّانِيَةُ ، لَا تُقْبَلُ .\rوَهُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ ؛ لِأَنَّ الِاخْتِلَافَ فِي قَبُولِ شَهَادَتِهِ فِي الْأَمْوَالِ نَقْصٌ وَشُبْهَةٌ ، فَلَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ فِيمَا يُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ ؛ وَلِأَنَّهُ نَاقِصُ الْحَالِ ، فَلَمْ تُقْبَلْ","part":23,"page":224},{"id":11224,"text":"شَهَادَتُهُ فِي الْحَدِّ وَالْقِصَاصِ ، كَالْمَرْأَةِ .","part":23,"page":225},{"id":11225,"text":"( 8394 ) الْفَصْلُ الثَّالِثُ : شَهَادَةُ الْأَمَةِ جَائِزَةٌ فِيمَا تَجُوزُ فِيهِ شَهَادَةُ النِّسَاءِ ؛ لِأَنَّ النِّسَاءَ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُنَّ فِي الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ ، وَإِنَّمَا تُقْبَلُ فِي الْمَالِ أَوْ سَبَبِهِ ، وَالْأَمَةُ كَالْحُرَّةِ فِيمَا عَدَاهُمَا ، فَسَاوَتْهُنَّ فِي الشَّهَادَةِ ، وَقَدْ دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيثُ عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ .","part":23,"page":226},{"id":11226,"text":"فَصْلٌ : وَحُكْمُ الْمُكَاتَبِ وَالْمُدَبَّرِ وَأُمِّ الْوَلَدِ وَالْمُعْتَقِ بَعْضُهُ ، حُكْمُ الْقِنِّ ، فِيمَا ذَكَرْنَا ؛ لِأَنَّ الرِّقَّ فِيهِمْ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الْمُكَاتَبِ .\r، وَبِهِ قَالَ عَطَاءُ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَالنَّخَعِيُّ .\rوَلَنَا ، مَا ذَكَرْنَاهُ فِي الْعَبْدِ ، وَإِذَا ثَبَتَ الْحُكْمُ فِي الْقِنِّ ، فَفِي هَؤُلَاءِ أَوْلَى ؛ لِأَنَّهُمْ أَكْمَلُ مِنْهُ ، لِوُجُودِ أَسْبَابِ الْحُرِّيَّةِ فِيهِمْ .","part":23,"page":227},{"id":11227,"text":"( 8396 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : وَشَهَادَةُ وَلَدِ الزِّنَى جَائِزَةٌ ، فِي الزِّنَى وَغَيْرِهِ هَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ؛ مِنْهُمْ عَطَاءٌ ، وَالْحَسَنُ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ .\rوَقَالَ مَالِكٌ ، وَاللَّيْثُ : لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ فِي الزِّنَى وَحْدَهُ ؛ لِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ ، فَإِنَّ الْعَادَةَ فِي مَنْ فَعَلَ قَبِيحًا ، أَنَّهُ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ لَهُ نُظَرَاءُ .\rوَحُكِيَ عَنْ عُثْمَانَ ، أَنَّهُ قَالَ : وَدَّتْ الزَّانِيَةُ أَنَّ النِّسَاءَ كُلَّهُنَّ زَنَيْنَ .\rوَلَنَا ، عُمُومُ الْآيَاتِ ، وَأَنَّهُ عَدْلٌ مَقْبُولُ الشَّهَادَةِ فِي غَيْرِ الزِّنَى ، فَقُبِلَ فِي الزِّنَى كَغَيْرِهِ ، وَمَنْ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ فِي الْقَتْلِ ، قُبِلَتْ فِي الزِّنَى ، كَوَلَدِ الرِّشْدَةِ .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : وَمَا احْتَجُّوا بِهِ غَلَطٌ مِنْ وُجُوهٍ ؛ أَحَدُهَا ، أَنَّ وَلَدَ الزِّنَى لَمْ يَفْعَلْ فِعْلًا قَبِيحًا ، يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ لَهُ نُظَرَاءُ فِيهِ .\rوَالثَّانِي ، أَنَّنِي لَا أَعْلَمُ مَا ذُكِرَ عَنْ عُثْمَانَ ثَابِتًا عَنْهُ ، وَأَشْبَهُ ذَلِكَ أَنْ لَا يَكُونَ ثَابِتًا عَنْهُ ، وَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يُطْلِقَ عُثْمَانُ كَلَامًا بِالظَّنِّ عَنْ ضَمِيرِ امْرَأَةٍ لَمْ يَسْمَعْهَا تَذْكُرُهُ .\rالثَّالِثُ ، أَنَّ الزَّانِيَ لَوْ تَابَ ، لَقُبِلَتْ شَهَادَتُهُ ، وَهُوَ الَّذِي فَعَلَ الْفِعْلَ الْقَبِيحَ ، فَإِذَا قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ مَعَ مَا ذَكَرُوهُ ، فَغَيْرُهُ أَوْلَى ؛ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَلْزَمَ وَلَدَهُ مِنْ وِزْرِهِ أَكْثَرُ مِمَّا لَزِمَهُ ، وَمَا يَتَعَدَّى الْحُكْمُ إلَى غَيْرِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَثْبُتَ فِيهِ ، مَعَ أَنَّ وَلَدَهُ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ مِنْ وِزْرِهِ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى } .\rوَوَلَدُ الزِّنَى لَمْ يَفْعَلْ شَيْئًا يَسْتَوْجِبُ بِهِ حُكْمًا .\r.","part":23,"page":228},{"id":11228,"text":"( 8397 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِذَا تَابَ الْقَاذِفُ ، قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْقَاذِفَ إنْ كَانَ زَوْجًا ، فَحَقَّقَ قَذْفَهُ بِبَيِّنَةٍ أَوْ لِعَانٍ ، أَوْ كَانَ أَجْنَبِيًّا ، فَحَقَّقَهُ بِالْبَيِّنَةِ أَوْ بِإِقْرَارِ الْمَقْذُوفِ ، لَمْ يَتَعَلَّقْ بِقَذْفِهِ فِسْقٌ ، وَلَا حَدٌّ ، وَلَا رَدُّ شَهَادَةٍ ، وَإِنْ لَمْ يُحَقِّقْ قَذْفَهُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ ، تَعَلَّقَ بِهِ وُجُوبُ الْحَدِّ عَلَيْهِ ، وَالْحُكْمُ بِفِسْقِهِ ، وَرَدُّ شَهَادَتِهِ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَاَلَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ } .\rفَإِنْ تَابَ ، لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ الْحَدُّ ، وَزَالَ الْفِسْقُ ، بِلَا خِلَافٍ .\rوَتُقْبَلُ شَهَادَتُهُ عِنْدَنَا .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ ، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ .\rوَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ ، وَطَاوُسٌ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَتَبَةَ ، وَجَعْفَرُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ ، وَأَبُو الزِّنَادِ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَالْبَتِّيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ .\rوَذَكَرَهُ ابْنُ عُبِدَ الْبَرِّ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، وَرَبِيعَةَ .\rوَقَالَ شُرَيْحٌ ، وَالْحَسَنُ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ : لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ إذَا جُلِدَ ، وَإِنْ تَابَ .\rوَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ، لَا تُرَدُّ شَهَادَتُهُ قَبْلَ الْجَلْدِ ، وَإِنْ لَمْ يَتُبْ .\rفَالْخِلَافُ مَعَهُ فِي فَصْلَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، أَنَّهُ عِنْدَنَا تَسْقُطُ شَهَادَتُهُ بِالْقَذْفِ إذَا لَمْ يُحَقِّقْهُ ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ ، لَا تَسْقُطُ إلَّا بِالْجَلْدِ .\rوَالثَّانِي ، أَنَّهُ إذَا تَابَ ، قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ وَإِنْ جُلِدَ .\rوَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ، لَا تُقْبَلُ .\rوَتَعَلَّقَ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا } .\r.\rوَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ،","part":23,"page":229},{"id":11229,"text":"قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ خَائِنٍ ، وَلَا مَحْدُودٍ فِي الْإِسْلَامِ } .\rوَاحْتَجَّ فِي الْفَصْلِ الْآخَرِ بِأَنَّ الْقَذْفَ قَبْلَ حُصُولِ الْجَلْدَ يَجُوزُ أَنْ تَقُومَ بِهِ الْبَيِّنَةُ ، فَلَا يَجِبُ بِهِ التَّفْسِيقُ .\rوَلَنَا ، فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ ، إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، فَإِنَّهُ يُرْوَى عَنْ عُمَرَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ لِأَبِي بَكْرَةَ ، حِينَ شَهِدَ عَلَى الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ : تُبْ ، أَقْبَلْ شَهَادَتَك .\rوَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ مُنْكِرٌ ، فَكَانَ إجْمَاعًا .\rقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ : شَهِدَ عَلَى الْمُغِيرَةِ ثَلَاثَةُ رِجَالٍ ؛ أَبُو بَكْرَةَ ، وَنَافِعُ بْنُ الْحَارِثِ ، وَشِبْلُ بْنُ مَعْبَدٍ ، وَنَكَلَ زِيَادٌ ، فَجَلَدَ عُمَرُ الثَّلَاثَةَ ، وَقَالَ لَهُمْ : تُوبُوا ، تُقْبَلْ شَهَادَتُكُمْ .\rفَتَابَ رَجُلَانِ ، وَقَبِلَ عُمَرُ شَهَادَتَهُمَا ، وَأَبِي أَبُو بَكْرَةَ ، فَلَمْ يَقْبَلْ شَهَادَتَهُ .\rوَكَانَ قَدْ عَادَ مِثْلَ النَّصْلِ مِنْ الْعِبَادَةِ .\rوَلِأَنَّهُ تَابَ مِنْ ذَنْبِهِ ، فَقُبِلَتْ شَهَادَتُهُ ، كَالتَّائِبِ مِنْ الزِّنَى ، يُحَقِّقُهُ أَنَّ الزِّنَى أَعْظَمُ مِنْ الْقَذْفِ بِهِ ، وَكَذَلِكَ قَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ ، وَسَائِرُ الذُّنُوبِ ، إذَا تَابَ فَاعِلُهَا ، قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ ، فَهَذَا أَوْلَى .\rوَأَمَّا الْآيَةُ ، فَهِيَ حُجَّةٌ لَنَا ، فَإِنَّهُ اسْتَثْنَى التَّائِبِينَ ، بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { إلَّا الَّذِينَ تَابُوا } .\rوَالِاسْتِثْنَاءُ مِنْ النَّفْيِ إثْبَاتٌ ، فَيَكُونُ تَقْدِيرُهُ : { إلَّا الَّذِينَ تَابُوا } فَاقْبَلُوا شَهَادَتَهُمْ ، وَلَيْسُوا بِفَاسِقِينَ .\rفَإِنْ قَالُوا : إنَّمَا يَعُودُ الِاسْتِثْنَاءُ إلَى الْجُمْلَةِ الَّتِي تَلِيه ؛ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يَعُودُ إلَى الْجَلْدِ .\rقُلْنَا : بَلْ يَعُودُ إلَيْهِ أَيْضًا ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْجُمَلَ مَعْطُوفٌ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ بِالْوَاوِ ، وَهِيَ لِلْجَمْعِ تَجْعَلُ الْجُمَلَ كُلَّهَا كَالْجُمْلَةِ الْوَاحِدَةِ ، فَيَعُودُ الِاسْتِثْنَاءُ إلَى جَمِيعِهَا ، إلَّا مَا مَنَعَ مِنْهُ مَانِعٌ ، وَلِهَذَا لَمَّا","part":23,"page":230},{"id":11230,"text":"قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِي بَيْتِهِ ، وَلَا يَجْلِسُ عَلَى تَكْرِمَتِهِ إلَّا بِإِذْنِهِ } .\rعَادَ الِاسْتِثْنَاءُ إلَى الْجُمْلَتَيْنِ جَمِيعًا ، وَلِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ يُغَايِرُ مَا قَبْلَهُ ، فَعَادَ إلَى الْجُمَلِ الْمَعْطُوفِ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ بِالْوَاوِ ، كَالشَّرْطِ ، فَإِنَّهُ لَوْ قَالَ : امْرَأَتُهُ طَالِقٌ ، وَعَبْدُهُ حُرٌّ ، إنْ لَمْ يَقُمْ .\rعَادَ الشَّرْطُ إلَيْهِمَا ، كَذَا الِاسْتِثْنَاءُ ، بَلْ عَوْدُ الِاسْتِثْنَاءِ إلَى رَدِّ الشَّهَادَةِ أَوْلَى ؛ لِأَنَّ رَدَّ الشَّهَادَة هُوَ الْمَأْمُورُ بِهِ ، فَيَكُونُ هُوَ الْحُكْمَ ، وَالتَّفْسِيقُ خَرَجَ مَخْرَجَ الْخَبَرِ وَالتَّعْلِيلِ لِرَدِّ الشَّهَادَةِ ، فَعَوْدُ الِاسْتِثْنَاءِ إلَى الْحُكْمِ الْمَقْصُودِ ، أَوْلَى مِنْ رَدِّهِ إلَى التَّعْلِيلِ ، وَحَدِيثُهُمْ ضَعِيفٌ ، يَرْوِيه الْحُجَّاجُ بْنُ أَرْطَاةَ ، وَهُوَ ضَعِيفٌ .\rقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : لَمْ يَرْفَعْهُ مَنْ رِوَايَتِهِ حُجَّةٌ .\rوَقَدْ رُوِيَ مِنْ غَيْرِ طَرِيقِهِ ، وَلَمْ تُذْكَرْ فِيهِ هَذِهِ الزِّيَادَةُ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهَا مِنْ غَلَطِهِ ، وَيَدُلُّ عَلَى خَطَئِهِ قَبُولُ شَهَادَةِ كُلِّ مَحْدُودٍ فِي غَيْرِ الْقَذْفِ بَعْدَ تَوْبَتِهِ ، ثُمَّ لَوْ قُدِّرَ صِحَّتُهُ ، فَالْمُرَادُ بِهِ مَنْ لَمْ يَتُبْ ، بِدَلِيلِ : كُلُّ مَحْدُودٍ تَائِبٌ سِوَى هَذَا .\rوَأَمَّا الْفَصْلُ الثَّانِي فَدَلِيلُنَا فِيهِ الْآيَةُ ، فَإِنَّهُ رَتَّبَ عَلَى رَمْيِ الْمُحْصَنَاتِ ثَلَاثَةَ أَشْيَاءَ ؛ إيجَابُ الْجَلْدِ ، وَرَدُّ الشَّهَادَةِ ، وَالْفِسْقُ ، فَيَجِبُ أَنْ يَثْبُتَ رَدُّ الشَّهَادَةِ بِوُجُودِ الرَّمْيِ الَّذِي لَمْ يُمْكِنْهُ تَحْقِيقُهُ ، كَالْجَلْدِ ؛ وَلِأَنَّ الرَّمْيَ هُوَ الْمَعْصِيَةُ وَالذَّنْبُ الَّذِي يَسْتَحِقُّ بِهِ الْعُقُوبَةَ ، وَتَثْبُتُ بِهِ الْمَعْصِيَةُ الْمُوجِبَةُ لِرَدِّ الشَّهَادَةِ ، وَالْحَدُّ كَفَّارَةٌ وَتَطْهِيرٌ ، فَلَا يَجُوزُ تَعْلِيقُ رَدِّ الشَّهَادَةِ بِهِ ، وَإِنَّمَا الْجَلْدُ ، وَرَدُّ الشَّهَادَةِ حُكْمَانِ لِلْقَذْفِ ، فَيَثْبُتَانِ جَمِيعًا بِهِ ، وَتَخَلُّفُ اسْتِيفَاء أَحَدِهِمَا ، لَا يَمْنَعُ ثُبُوتَ","part":23,"page":231},{"id":11231,"text":"الْآخَرِ .\rوَقَوْلُهُمْ : إنَّمَا يَتَحَقَّقُ بِالْجَلْدِ .\rلَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ الْجَلْدَ حُكْمُ الْقَذْفِ الَّذِي تَعَذَّرَ تَحْقِيقُهُ ، فَلَا يُسْتَوْفَى قَبْلَ تَحَقُّقِ الْقَذْفِ ، وَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يُسْتَوْفَى حَدٌّ قَبْلَ تَحَقُّقِ سَبَبِهِ ، وَيَصِيرُ مُتَحَقِّقًا بَعْدَهُ ؟ هَذَا بَاطِلٌ .","part":23,"page":232},{"id":11232,"text":"( 8398 ) فَصْلٌ : وَالْقَاذِفُ فِي الشَّتْمِ تُرَدُّ شَهَادَتُهُ وَرِوَايَتُهُ حَتَّى يَتُوبَ ، وَالشَّاهِدُ بِالزِّنَى إذَا لَمْ تَكْمُلْ الْبَيِّنَةُ ، تُقْبَلُ رِوَايَتُهُ دُونَ شَهَادَتِهِ .\rوَحُكِيَ عَنْ الشَّافِعِيِّ ، أَنَّ شَهَادَتَهُ لَا تُرَدُّ .\rوَلَنَا ، أَنَّ عُمَرَ لَمْ يَقْبَلْ شَهَادَةَ أَبِي بَكْرَةَ ، وَقَالَ لَهُ : تُبْ ، أَقْبَلْ شَهَادَتَك .\rوَرِوَايَتُهُ مَقْبُولَةٌ ، وَلَا نَعْلَمُ خِلَافًا فِي قَبُولِ رِوَايَة أَبِي بَكْرَةَ ، مَعَ رَدِّ عُمَرَ شَهَادَتَهُ .","part":23,"page":233},{"id":11233,"text":"( 8399 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : وَتَوْبَتُهُ أَنْ يُكَذِّبَ نَفْسَهُ .\rظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ وَالْخِرَقِيِّ ، أَنَّ تَوْبَةَ الْقَاذِفِ إكْذَابُ نَفْسِهِ ، فَيَقُولُ : كَذَبْت فِيمَا قُلْت .\rوَهَذَا مَنْصُوصُ الشَّافِعِيِّ ، وَاخْتِيَارُ الْإِصْطَخْرِيِّ مِنْ أَصْحَابِهِ .\rقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : وَمِمَّنْ قَالَ هَذَا سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ، وَعَطَاءٌ ، وَطَاوُسٌ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، لِمَا رَوَى الزُّهْرِيُّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَنَّهُ قَالَ ، فِي قَوْله تَعَالَى : { إلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } .\rقَالَ : تَوْبَتُهُ إكْذَابُ نَفْسِهِ } .\rوَلِأَنَّ عِرْضَ الْمَقْذُوفِ تَلَوَّثَ بِقَذْفِهِ ، فَإِكْذَابُهُ نَفْسَهُ يُزِيلُ ذَلِكَ التَّلْوِيثَ ، فَتَكُونُ التَّوْبَةُ بِهِ ، وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّ الْقَذْفَ إنْ كَانَ سَبًّا ، فَالتَّوْبَةُ مِنْهُ إكْذَابُ نَفْسِهِ ، وَإِنْ كَانَ شَهَادَةً ، فَالتَّوْبَةُ مِنْهُ أَنْ يَقُولَ : الْقَذْفُ حَرَامٌ بَاطِلٌ ، وَلَنْ أَعُودَ إلَى مَا قُلْت .\rوَهَذَا قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ .\rقَالَ : وَهُوَ الْمَذْهَبُ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ صَادِقًا ، فَلَا يُؤْمَرُ بِالْكَذِبِ ، وَالْخَبَرُ مَحْمُولٌ عَلَى الْإِقْرَارِ بِالْبُطْلَانِ ؛ لِأَنَّهُ نَوْعُ إكْذَابٍ وَالْأَوْلَى أَنَّهُ مَتَى عَلِمَ مِنْ نَفْسِهِ الصِّدْقَ فِيمَا قَذَفَ بِهِ ، فَتَوْبَتُهُ الِاسْتِغْفَارُ ، وَالْإِقْرَارُ بِبُطْلَانِ مَا قَالَهُ وَتَحْرِيمِهِ ، وَأَنَّهُ لَا يَعُودُ إلَى مِثْلِهِ .\rوَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ صِدْقَ نَفْسِهِ ، فَتَوْبَتُهُ إكْذَابُ نَفْسِهِ ، سَوَاءٌ كَانَ الْقَذْفُ بِشَهَادَةٍ أَوْ سَبٍّ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ كَاذِبًا فِي الشَّهَادَةِ ، صَادِقًا فِي السَّبِّ .\rوَوَجْهُ الْأَوَّلِ ، أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَمَّى الْقَاذِفَ كَاذِبًا إذَا لَمْ يَأْتِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ عَلَى الْإِطْلَاقِ ، بِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ : { لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمْ","part":23,"page":234},{"id":11234,"text":"الْكَاذِبُونَ } .\rفَتَكْذِيبُ الصَّادِقِ نَفْسَهُ يَرْجِعُ إلَى أَنَّهُ كَاذِبٌ فِي حُكْمِ اللَّهِ ، وَإِنْ كَانَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ صَادِقًا .","part":23,"page":235},{"id":11235,"text":"( 8400 ) فَصْلٌ : وَكُلُّ ذَنْبٍ تَلْزَمُ فَاعِلَهُ التَّوْبَةُ مِنْهُ ، وَمَتَى تَابَ مِنْهُ ، قَبِلَ اللَّهُ تَوْبَتَهُ ؛ بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى : { وَاَلَّذِينَ إذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ } الْآيَةَ .\rوَقَالَ : { وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرْ اللَّهَ يَجِدْ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا } .\rوَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { التَّائِبُ مِنْ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ } .\rوَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : بَقِيَّةُ عُمْرِ الْمُؤْمِنِ لَا قِيمَةَ لَهُ ، يُدْرِكُ فِيهِ مَا فَاتَ ، وَيُحْيِي فِيهِ مَا أَمَاتَ ، وَيُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِ حَسَنَاتٍ .\rوَالتَّوْبَةُ عَلَى ضَرْبَيْنِ ؛ بَاطِنَةٌ ، وَحُكْمِيَّةٌ ، فَأَمَّا الْبَاطِنَةُ ، فَهِيَ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ تَعَالَى ، فَإِنْ كَانَتْ الْمَعْصِيَةُ لَا تُوجِبُ حَقًّا عَلَيْهِ فِي الْحُكْمِ ، كَقُبْلَةِ أَجْنَبِيَّةٍ ، أَوْ الْخَلْوَةِ بِهَا ، وَشُرْبِ مُسْكِرٍ ، أَوْ كَذِبٍ ، فَالتَّوْبَةُ مِنْهُ النَّدَمُ ، وَالْعَزْمُ عَلَى أَنْ لَا يَعُودَ .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { النَّدَمُ تَوْبَةٌ } .\rوَقِيلَ : التَّوْبَةُ النَّصُوحُ تَجْمَعُ أَرْبَعَةَ أَشْيَاءَ ؛ النَّدَمَ بِالْقَلْبِ ، وَالِاسْتِغْفَارَ بِاللِّسَانِ ، وَإِضْمَارَ أَنْ لَا يَعُودَ ، وَمُجَانَبَةَ خُلَطَاءِ السُّوءِ .\rوَإِنْ كَانَتْ تُوجِبُ عَلَيْهِ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى ، أَوْ لِآدَمِيٍّ ؛ كَمَنْعِ الزَّكَاةِ وَالْغَصْبِ ، فَالتَّوْبَةُ مِنْهُ بِمَا ذَكَرْنَا ، وَتَرْكِ الْمَظْلِمَةِ حَسْبَ إمْكَانِهِ ، بِأَنْ يُؤَدِّيَ الزَّكَاةَ ، وَيَرُدَّ الْمَغْصُوبَ ، أَوْ مِثْلَهُ إنْ كَانَ مِثْلِيًّا ، وَإِلَّا قِيمَتَهُ .\rوَإِنْ عَجَزَ عَنْ ذَلِكَ ، نَوَى رَدَّهُ مَتَى قَدَرَ عَلَيْهِ .\rفَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ فِيهَا حَقٌّ فِي الْبَدَنِ ، فَإِنْ كَانَ حَقًّا لِآدَمِيٍّ ، كَالْقِصَاصِ ، وَحَدِّ الْقَذْفِ ،","part":23,"page":236},{"id":11236,"text":"اُشْتُرِطَ فِي التَّوْبَةِ التَّمَكُّنُ مِنْ نَفْسِهِ ، وَبَذْلُهَا لِلْمُسْتَحِقِّ ، وَإِنْ كَانَ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى ، كَحَدِّ الزِّنَى ، وَشُرْبِ الْخَمْرِ ، فَتَوْبَتُهُ أَيْضًا بِالنَّدَمِ ، وَالْعَزْمِ عَلَى تَرْكِ الْعَوْدِ ، وَلَا يُشْتَرَطُ الْإِقْرَارُ بِهِ ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ لَمْ يَشْتَهِرْ عَنْهُ ، فَالْأَوْلَى لَهُ سَتْرُ نَفْسِهِ ، وَالتَّوْبَةُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { مَنْ أَتَى شَيْئًا مِنْ هَذِهِ الْقَاذُورَاتِ ، فَلْيَسْتَتِرْ بِسِتْرِ اللَّهِ تَعَالَى ، فَإِنَّهُ مَنْ أَبْدَى لَنَا صَفْحَتَهُ أَقَمْنَا عَلَيْهِ الْحَدَّ } .\rفَإِنَّ الْغَامِدِيَّةَ حِينَ أَقَرَّتْ بِالزِّنَى ، لَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ .\rوَإِنْ كَانَتْ مَعْصِيَةً مَشْهُورَةً ، فَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّ الْأَوْلَى الْإِقْرَارُ بِهِ ، لِيُقَامَ عَلَيْهِ الْحَدُّ ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ مَشْهُورًا ، فَلَا فَائِدَةَ فِي تَرْكِ إقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ .\rوَالصَّحِيحُ أَنَّ تَرْكَ الْإِقْرَارِ أَوْلَى ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَرَّضَ لِلْمُقِرِّ عِنْدَهُ بِالرُّجُوعِ عَنْ الْإِقْرَارِ ؛ فَعَرَّضَ لَمَاعِزٍ ، وَلِلْمُقِرِّ عِنْدَهُ بِالسَّرِقَةِ بِالرُّجُوعِ ، مَعَ اشْتِهَارِهِ عَنْهُ بِإِقْرَارِهِ ، وَكَرِهَ الْإِقْرَارَ ، حَتَّى إنَّهُ قِيلَ : لَمَّا قَطَعَ السَّارِقَ : كَأَنَّمَا أُسِفَّ وَجْهُهُ رَمَادًا .\rوَلَمْ يَرِدْ الْأَمْرُ بِالْإِقْرَارِ ، وَلَا الْحَثُّ عَلَيْهِ فِي كِتَابٍ وَلَا سُنَّةٍ ، وَلَا يَصِحُّ لَهُ قِيَاسٌ ، إنَّمَا وَرَدَ الشَّرْعُ بِالسَّتْرِ ، وَالِاسْتِتَارِ ، وَالتَّعْرِيضِ لِلْمُقِرِّ بِالرُّجُوعِ عَنْ الْإِقْرَارِ .\rوَقَالَ لِهَزَّالٍ ، وَكَانَ هُوَ الَّذِي أَمَرَ مَاعِزًا بِالْإِقْرَارِ : { يَا هَزَّالُ ، لَوْ سَتَرْته بِثَوْبِك ، كَانَ خَيْرًا لَك } .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ : تَوْبَةُ هَذَا إقْرَارُهُ لِيُقَامَ عَلَيْهِ الْحَدُّ وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا ، وَلِأَنَّ التَّوْبَةَ تُوجَدُ حَقِيقَتُهَا بِدُونِ الْإِقْرَارِ ، وَهِيَ تَجُبُّ مَا قَبْلَهَا ، كَمَا وَرَدَ فِي","part":23,"page":237},{"id":11237,"text":"الْأَخْبَارِ ، مَعَ مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْآيَاتُ فِي مَغْفِرَةِ الذُّنُوبِ بِالِاسْتِغْفَارِ ، وَتَرْكِ الْإِصْرَارِ .\rوَأَمَّا الْبِدْعَةُ ، فَالتَّوْبَةُ مِنْهَا بِالِاعْتِرَافِ بِهَا ، وَالرُّجُوعِ عَنْهَا ، وَاعْتِقَادِ ضِدِّ مَا كَانَ يَعْتَقِدُ مِنْهَا .","part":23,"page":238},{"id":11238,"text":"( 8401 ) فَصْلٌ : ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ وَالْخِرَقِيِّ ، أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ فِي ثُبُوتِ أَحْكَامِ التَّوْبَةِ ، مِنْ قَبُولِ الشَّهَادَةِ ، وَصِحَّةِ وِلَايَتِهِ فِي النِّكَاحِ ، إصْلَاحُ الْعَمَلِ .\rوَهُوَ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ لِلشَّافِعِيِّ ، وَفِي الْقَوْلِ الْآخَرِ ، يُعْتَبَرُ إصْلَاحُ الْعَمَلِ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ ذَنْبُهُ الشَّهَادَةَ بِالزِّنَى ، وَلَمْ يَكْمُلْ عَدَدُ الشُّهُودِ ، فَإِنَّهُ يَكْفِي مُجَرَّدُ التَّوْبَةِ مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ إصْلَاحٍ ، وَمَا عَدَاهُ فَلَا تَكْفِي التَّوْبَةُ حَتَّى تَمْضِيَ عَلَيْهِ سَنَةٌ ، تَظْهَرُ فِيهَا تَوْبَتُهُ ، وَيَتَبَيَّنُ فِيهَا صَلَاحُهُ .\rوَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ هَذَا رِوَايَةً لِأَحْمَدْ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : { إلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا } .\rوَهَذَا نَصٌّ ، فَإِنَّهُ نَهَى عَنْ قَبُولِ شَهَادَتِهِمْ ، ثُمَّ اسْتَثْنَى التَّائِبَ الْمُصْلِحَ ؛ وَلِأَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمَّا ضَرَبَ صَبِيغًا أَمَرَ بِهِجْرَانِهِ ، حَتَّى بَلَغَتْهُ تَوْبَتُهُ ، فَأَمَرَ أَنْ لَا يُكَلَّمَ إلَّا بَعْدَ سَنَةٍ .\rوَلَنَا ، قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { التَّوْبَةُ تَجُبُّ مَا قَبْلَهَا } .\rوَقَوْلُهُ : { التَّائِبُ مِنْ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ } .\rوَلِأَنَّ الْمَغْفِرَةَ تَحْصُلُ بِمُجَرَّدِ التَّوْبَةِ ، فَكَذَلِكَ الْأَحْكَامُ ، وَلِأَنَّ التَّوْبَةَ مِنْ الشِّرْكِ بِالْإِسْلَامِ لَا تَحْتَاجُ إلَى اعْتِبَارِ مَا بَعْدَهُ ، وَهُوَ أَعْظَمُ الذُّنُوبِ كُلِّهَا ، فَمَا دُونَهُ أَوْلَى .\rفَأَمَّا الْآيَةُ ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْإِصْلَاحُ هُوَ التَّوْبَةُ ، وَعَطْفُهُ عَلَيْهَا لِاخْتِلَافِ اللَّفْظَيْنِ ، وَدَلِيلُ ذَلِكَ ، قَوْلُ عُمَرَ لِأَبِي بَكْرَةَ : تُبْ ، أَقْبَلْ شَهَادَتَك .\rوَلَمْ يَعْتَبِرْ أَمْرًا آخَرَ ، وَلِأَنَّ مَنْ كَانَ غَاصِبًا ، فَرَدَّ مَا فِي يَدَيْهِ ، أَوْ مَانِعًا لِلزَّكَاةِ ، فَأَدَّاهَا وَتَابَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى ، قَدْ حَصَلَ مِنْهُ الْإِصْلَاحُ ، وَعُلِمَ نُزُوعُهُ عَنْ مَعْصِيَتِهِ بِأَدَاءِ مَا عَلَيْهِ ، وَلَوْ لَمْ يُرِدْ التَّوْبَةَ ، مَا أَدَّى مَا فِي يَدَيْهِ ، وَلِأَنَّ تَقَيُّدَهُ بِالسَّنَةِ","part":23,"page":239},{"id":11239,"text":"تَحَكُّمٌ لَمْ يَرِدْ الشَّرْعُ بِهِ ، وَالتَّقْدِيرُ إنَّمَا يَثْبُتُ بِالتَّوْقِيفِ ، وَمَا وَرَدَ عَنْ عُمَرَ فِي حَقِّ صَبِيغٍ إنَّمَا كَانَ لِأَنَّهُ تَائِبٌ مِنْ بِدْعَةٍ ، وَكَانَتْ تَوْبَتُهُ بِسَبَبِ الضَّرْبِ وَالْهِجْرَانِ ، فَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَظْهَرَ التَّوْبَةَ تَسَتُّرًا ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا .\rوَقَدْ ذَكَرِ الْقَاضِي ، أَنَّ التَّائِبَ مِنْ الْبِدْعَةِ يُعْتَبَرُ لَهُ مُضِيُّ سَنَةٍ ، لِحَدِيثِ صَبِيغٍ .\rرَوَاهُ أَحْمَدُ فِي \" الْوَرَعِ \" ، قَالَ : وَمِنْ عَلَامَةِ تَوْبَتِهِ ، أَنْ يَجْتَنِبَ مَنْ كَانَ يُوَالِيه مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ ، وَيُوَالِي مَنْ كَانَ يُعَادِيه مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ .\rوَالصَّحِيحُ أَنَّ التَّوْبَةَ مِنْ الْبِدْعَةِ كَغَيْرِهَا ، إلَّا أَنْ تَكُونَ التَّوْبَةُ بِفِعْلٍ يُشْبِهُ الْإِكْرَاهَ ، كَتَوْبَةِ صَبِيغٍ ، فَيُعْتَبَرُ لَهُ مُدَّةٌ تُظْهِرُ أَنَّ تَوْبَتَهُ عَنْ إخْلَاصٍ ، لَا عَنْ إكْرَاهٍ .\rوَلِلْحَاكِمِ أَنْ يَقُولَ لِلْمُتَظَاهِرِ بِالْمَعْصِيَةِ : تُبْ ، أَقْبَلْ شَهَادَتَك .\rوَقَالَ مَالِكٌ : لَا أَعْرِفُ هَذَا .\rقَالَ الشَّافِعِيُّ : وَكَيْفَ لَا يَعْرِفُهُ ، وَقَدْ أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالتَّوْبَةِ ، وَقَالَهُ عُمَرُ لِأَبِي بَكْرَةَ ، .","part":23,"page":240},{"id":11240,"text":"( 8402 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَمَنْ شَهِدَ بِشَهَادَةٍ قَدْ كَانَ شَهِدَ بِهَا وَهُوَ غَيْرُ عَدْلٍ ، وَرُدَّتْ عَلَيْهِ ، لَمْ تُقْبَلْ مِنْهُ فِي حَالِ عَدَالَتِهِ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْحَاكِمَ إذَا شَهِدَ عِنْدَهُ فَاسِقٌ ، فَرَدَّ شَهَادَتَهُ لِفِسْقِهِ ، ثُمَّ تَابَ وَأَصْلَحَ ، وَأَعَادَ تِلْكَ الشَّهَادَةَ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَقْبَلَهَا .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ ، وَالْمُزَنِيُّ ، وَدَاوُد : تُقْبَلُ .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : وَالنَّظَرُ يَدُلُّ عَلَى هَذَا ؛ لِأَنَّهَا شَهَادَةُ عَدْلٍ ، فَتُقْبَلُ ، كَمَا لَوْ شَهِدَ وَهُوَ كَافِرٌ فَرُدَّتْ شَهَادَتُهُ ، ثُمَّ شَهِدَ بِهَا بَعْدَ إسْلَامِهِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ مُتَّهَمٌ فِي أَدَائِهَا ؛ لِأَنَّهُ يُعَيَّرُ بِرَدِّهَا ، وَلَحِقَتْهُ غَضَاضَةٌ لِكَوْنِهَا رُدَّتْ بِسَبَبِ نَقْصٍ يُتَعَيَّرُ بِهِ ، وَصَلَاحُ حَالِهِ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِهِ يَزُولُ بِهِ الْعَارُ ، فَتَلْحَقُهُ التُّهْمَةُ فِي أَنَّهُ قَصَدَ إظْهَارَ الْعَدَالَةِ ، وَإِعَادَةَ الشَّهَادَةِ لِتُقْبَلَ ، فَيَزُولَ مَا حَصَلَ بِرَدِّهَا ؛ وَلِأَنَّ الْفِسْقَ يَخْفَى ، فَيُحْتَاجُ فِي مَعْرِفَتِهِ إلَى بَحْثٍ وَاجْتِهَادٍ ، فَعِنْدَ ذَلِكَ نَقُولُ : شَهَادَةٌ مَرْدُودَةٌ بِالِاجْتِهَادِ ، فَلَا تُقْبَلُ بِالِاجْتِهَادِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُؤَدِّي إلَى نَقْضِ الِاجْتِهَادِ بِالِاجْتِهَادِ .\rوَفَارَقَ مَا إذَا رُدَّتْ شَهَادَةُ كَافِرٍ لَكُفْرِهِ ، أَوْ صَبِيٍّ لِصِغَرِهِ ، أَوْ عَبْدٍ لِرِقِّهِ ، ثُمَّ أَسْلَمَ الْكَافِرُ ، وَبَلَغَ الصَّبِيُّ ، وَعَتَقَ الْعَبْدُ ، وَأَعَادُوا تِلْكَ الشَّهَادَةَ ، فَإِنَّهَا لَا تُرَدُّ ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تُرَدَّ أَوَّلًا بِالِاجْتِهَادِ ، وَإِنَّمَا رُدَّتْ بِالْيَقِينِ ، وَلِأَنَّ الْبُلُوغَ وَالْحُرِّيَّةَ لَيْسَا مِنْ فِعْلِ الشَّاهِدِ ، فَيُتَّهَمُ فِي أَنَّهُ فَعَلَهُمَا لِتُقْبَلَ شَهَادَتُهُ ، وَالْكَافِرُ لَا يَرَى كُفْرَهُ عَارًا ، وَلَا يَتْرُكُ دِينَهُ مِنْ أَجْلِ شَهَادَةٍ رُدَّتْ عَلَيْهِ .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّخَعِيِّ ، وَالزُّهْرِيِّ ، وَقَتَادَةَ ، وَأَبِي الزِّنَادِ ، وَمَالِكٍ ، أَنَّهَا تُرَدُّ أَيْضًا فِي حَقِّ مَنْ أَسْلَمَ","part":23,"page":241},{"id":11241,"text":"وَبَلَغَ ، وَعَنْ أَحْمَدَ ، رِوَايَةٌ أُخْرَى كَذَلِكَ ؛ لِأَنَّهَا شَهَادَةٌ مَرْدُودَةٌ ، فَلَمْ تُقْبَلْ ، كَشَهَادَةِ مَنْ كَانَ فَاسِقًا .\rوَقَدْ ذَكَرْنَا مَا يَقْتَضِي فَرْقًا بَيْنَهُمَا فَيُفَرَّقَانِ .\rوَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ ، فِي الْعَبْدِ إذَا رُدَّتْ شَهَادَتُهُ لِرِقِّهِ ، ثُمَّ عَتَقَ ، وَادَّعَى تِلْكَ الشَّهَادَةَ ، رِوَايَتَانِ .\rوَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْأَوْلَى أَنَّ شَهَادَتَهُ تُقْبَلُ ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ مِنْ غَيْرِ فِعْلِهِ ، وَهُوَ أَمْرٌ يَظْهَرُ ، بِخِلَافِ الْفِسْقِ .","part":23,"page":242},{"id":11242,"text":"( 8403 ) فَصْلٌ : وَإِنْ شَهِدَ السَّيِّدُ لِمُكَاتَبِهِ ، فَرُدَّتْ شَهَادَتُهُ أَوْ شَهِدَ وَارِثٌ لِمَوْرُوثِهِ بِالْجَرْحِ قَبْلَ الِانْدِمَالِ ، فَرُدَّتْ شَهَادَتُهُ ، ثُمَّ عَتَقَ الْمُكَاتَبُ ، وَبَرَأَ الْجُرْحُ ، وَأَعَادُوا تِلْكَ الشَّهَادَةَ ، فَفِي قَبُولِهَا وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، تُقْبَلُ ؛ لِأَنَّ زَوَالَ الْمَانِعِ لَيْسَ مِنْ فِعْلِهِمْ ، فَأَشْبَهَ زَوَالَ .\rالصَّبِيِّ بِالْبُلُوغِ ، وَلِأَنَّ رَدَّهَا بِسَبَبٍ لَا عَارَ فِيهِ ، فَلَا يُتَّهَمُ فِي قَصْدِ نَفْيِ الْعَارِ بِإِعَادَتِهَا ، بِخِلَافِ الْفِسْقِ .\rوَالثَّانِي ، لَا تُقْبَلُ ؛ لِأَنَّهُ رَدَّهَا بِاجْتِهَادِهِ ، فَلَا يَنْقُضُهَا بِاجْتِهَادِهِ .\rوَالْأَوَّلُ أَشْبَهُ بِالصِّحَّةِ ، فَإِنَّ الْأَصْلَ قَبُولُ شَهَادَةِ الْعَدْلِ ، مَا لَمْ يَمْنَعْ مِنْهُ مَانِعٌ ، وَلَا يَصِحُّ الْقِيَاسُ عَلَى الشَّهَادَةِ الْمَرْدُودَةِ لِلْفِسْقِ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا بَيْنَهُمَا مِنْ الْفَرْقِ .\rوَيُخَرَّجُ عَلَى هَذَا كُلُّ شَهَادَةٍ مَرْدُودَةٍ ؛ إمَّا لِلتُّهْمَةِ ، أَوْ لِعَدَمِ الْأَهْلِيَّةِ ، إذَا أَعَادَهَا بَعْدَ زَوَالِ التُّهْمَةِ ، وَوُجُودِ الْأَهْلِيَّةِ ، فَهَلْ تُقْبَلُ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ .","part":23,"page":243},{"id":11243,"text":"( 8404 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِنْ كَانَ لَمْ يَشْهَدْ بِهَا عِنْدَ الْحَاكِمِ ، حَتَّى صَارَ عَدْلًا ، قُبِلَتْ مِنْهُ ) وَذَلِكَ لِأَنَّ التَّحَمُّلَ لَا تُعْتَبَرُ فِيهِ الْعَدَالَةُ ، وَلَا الْبُلُوغُ ، وَلَا الْإِسْلَامُ ؛ لِأَنَّهُ لَا تُهْمَةَ فِي ذَلِكَ ، وَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ ذَلِكَ فِي الْأَدَاءِ ، فَإِذَا رَأَى الْفَاسِقُ شَيْئًا ، أَوْ سَمِعَهُ ، ثُمَّ عُدِّلَ ، وَشَهِدَ بِهِ ، قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ ، بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ ، وَهَكَذَا الصَّبِيُّ ، وَالْكَافِرُ إذَا شَهِدَا بَعْدَ الْإِسْلَامِ وَالْبُلُوغِ ، قُبِلَتْ وَكَذَلِكَ الرِّوَايَةُ ؛ وَلِذَلِكَ كَانَ الصِّبْيَانُ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرْوُونَ عَنْهُ بَعْدَ أَنْ كَبِرُوا ؛ كَالْحَسَنِ ، وَالْحُسَيْنِ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَالنُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ ، وَابْنِ جَعْفَرٍ ، وَالشَّهَادَةُ فِي مَعْنَى الرِّوَايَةِ ، وَلِذَلِكَ اُعْتُبِرَتْ لَهَا الْعَدَالَةُ وَغَيْرُهَا مِنْ الشُّرُوطِ الْمُعْتَبَرَةِ لِلشَّهَادَةِ .","part":23,"page":244},{"id":11244,"text":"( 8405 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَلَوْ شَهِدَ وَهُوَ عَدْلٌ ، فَلَمْ يُحْكَمْ بِشَهَادَتِهِ حَتَّى حَدَثَ مِنْهُ مَا لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ مَعَهُ ، لَمْ يُحْكَمْ بِهَا ) .\rوَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الشَّاهِدَيْنِ إذَا شَهِدَا عِنْدَ الْحَاكِمِ ، وَهُمَا مِمَّنْ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ ، وَلَمْ يَحْكُمْ بِهَا حَتَّى فَسَقَا ، أَوْ كُفْرًا ، لَمْ يَحْكُمْ بِشَهَادَتِهِمَا .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو يُوسُفَ ، وَالشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ ، وَالْمُزَنِيُّ : يَحْكُمُ بِهَا ؛ لِأَنَّ بَقَاءَ أَهْلِيَّةِ الشَّهَادَةِ لَيْسَ شَرْطًا فِي الْحُكْمِ ؛ بِدَلِيلِ مَا لَوْ مَاتَا ؛ وَلِأَنَّ فِسْقَهُمَا تَجَدَّدَ بَعْدَ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ تَجَدَّدَ بَعْدَ الْحُكْمِ بِهَا .\rوَوَجْهُ ذَلِكَ مِنْ طَرِيقَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، أَنَّ عَدَالَةَ الشَّاهِدِ شَرْطٌ لِلْحُكْمِ فَيُعْتَبَرُ دَوَامُهَا إلَى حِينِ الْحُكْمِ ؛ لِأَنَّ الشُّرُوطَ لَا بُدَّ مِنْ وُجُودِهَا فِي الْمَشْرُوطِ ، وَإِذَا فَسَقَ انْتَفَى الشَّرْطُ ، فَلَمْ يَجُزْ الْحُكْمُ .\rوَالثَّانِي ، أَنَّ ظُهُورَ فِسْقِهِ وَكُفْرِهِ ، يَدُلُّ عَلَى تَقَدُّمِهِ ؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ أَنَّ الْإِنْسَانَ يُسِرُّ الْفِسْقَ ، وَيُظْهِرُ الْعَدَالَةَ ، وَالزِّنْدِيقُ يُسِرُّ كُفْرَهُ ، وَيُظْهِرُ إسْلَامَهُ ، فَلَا نَأْمَنُ كَوْنَهُ كَافِرًا أَوْ فَاسِقًا حِينَ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ ، فَلَمْ يَجُزْ الْحُكْمَ بِهَا مَعَ الشَّكِّ فِيهَا ، فَأَمَّا إنْ حَدَثَ هَذَا مِنْهُ بَعْدَ الْحُكْمِ بِشَهَادَتِهِ ، لَمْ يُنْقَضْ ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ وَقَعَ صَحِيحًا ، لِاسْتِمْرَارِ شَرْطِهِ إلَى انْتِهَائِهِ ؛ وَلِأَنَّهُ قَدْ وُجِدَ مَقْرُونًا بِشَرْطِهِ ظَاهِرًا ، فَلَا يُنْقَضُ بِالشَّكِّ ، كَمَا لَوْ رَجَعَ عَنْ الشَّهَادَةِ ، وَكَمَا لَوْ صَلَّى بِالتَّيَمُّمِ ، ثُمَّ وَجَدَ الْمَاءَ ، لَكِنْ إنْ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ الِاسْتِيفَاءِ ، وَكَانَ حَدًّا لِلَّهِ تَعَالَى ، لَمْ يَجُزْ اسْتِيفَاؤُهُ ؛ بِالشُّبُهَاتِ لِأَنَّهُ يُدْرَأُ ، وَهَذَا شُبْهَةٌ فِيهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ رَجَعَ عَنْ الْإِقْرَارِ بِهِ قَبْلَ اسْتِيفَائِهِ .\rوَإِنْ كَانَ مَالًا اُسْتُوْفِيَ ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ قَدْ تَمَّ ، وَثَبَتَ الِاسْتِحْقَاقُ","part":23,"page":245},{"id":11245,"text":"بِأَمْرٍ ظَاهِرِ الصِّحَّةِ ، فَلَا يَبْطُلُ بِأَمْرٍ مُحْتَمِلٍ ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَبْطُلْ رُجُوعُهُ عَنْ إقْرَارِهِ .\rوَإِنْ كَانَ حَدَّ قَذْفٍ أَوْ قِصَاصًا ، احْتَمَلَ وَجْهَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، يُسْتَوْفَى .\rوَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّهُ حَقُّ آدَمِيٍّ مُطَالَبٌ بِهِ ، أَشْبَهَ الْمَالَ .\rوَالثَّانِي ، لَا يُسْتَوْفَى .\rوَهَذَا قَوْلُ مُحَمَّدٍ ؛ لِأَنَّهُ عُقُوبَةٌ عَلَى الْبَدَنِ ، تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ ، أَشْبَهَ الْحَدَّ .\rوَلِلشَّافِعِيِّ وَجْهَانِ ، كَهَذَيْنِ .\rوَأَمَّا مَا حَدَثَ بَعْدَ الِاسْتِيفَاءِ ، فَلَا يُؤَثِّرُ فِي حَدٍّ وَلَا حَقٍّ ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ اُسْتُوْفِيَ بِمَا ظَاهِرُهُ الصِّحَّةُ ، وَسَوَّغَ الشَّرْعُ اسْتِيفَاءَهُ ، فَلَمْ يُؤَثِّرْ فِيهِ مَا طَرَأَ بَعْدَهُ ، كَمَا لَوْ لَمْ يَظْهَرْ شَيْءٌ .","part":23,"page":246},{"id":11246,"text":"( 8406 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا إنْ أَدَّيَا الشَّهَادَةَ ، وَهُمَا مِنْ أَهْلِهَا ، ثُمَّ مَاتَا قَبْلَ الْحُكْمِ بِهَا ، حَكَمَ الْحَاكِمُ بِشَهَادَتِهِمَا ، سَوَاءٌ ثَبَتَتْ عَدَالَتُهُمَا فِي حَيَاتِهِمَا ، أَوْ بَعْدَ مَوْتِهِمَا ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْمَشْهُودُ بِهِ حَدًّا أَوْ غَيْرَهُ .\rوَكَذَلِكَ إنْ جُنُّوا ، أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِمْ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ؛ لِأَنَّ الْمَوْتَ لَا يُؤَثِّرُ فِي شَهَادَتِهِ ، وَلَا يَدُلُّ عَلَى الْكَذِبِ فِيهَا .\rوَلَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَوْجُودًا حَالَ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ ، وَالْجُنُونُ وَالْإِغْمَاءُ فِي مَعْنَاهُ ، بِخِلَافِ الْفِسْقِ وَالْكُفْرِ .","part":23,"page":247},{"id":11247,"text":"( 8407 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَشَهَادَةُ الْعَدْلِ عَلَى شَهَادَةِ الْعَدْلِ جَائِزَةٌ فِي كُلِّ شَيْءٍ ، إلَّا فِي الْحُدُودِ ، إذَا كَانَ الشَّاهِدُ الْأَوَّلُ مَيِّتًا أَوْ غَائِبًا ) .\rالْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي فُصُولٍ ثَلَاثَةٍ ؛ ( 8408 ) الْفَصْلُ الْأَوَّلُ ، فِي جَوَازِهَا .\rوَالثَّانِي ، فِي مَوْضِعِهَا .\rوَالثَّالِثُ ، فِي شَرْطِهَا .\rأَمَّا الْأَوَّلُ : فَإِنَّ الشَّهَادَةَ عَلَى الشَّهَادَةِ جَائِزَةٌ ، بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ .\rوَبِهِ يَقُولُ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : أَجْمَعَتْ الْعُلَمَاءُ مِنْ أَهْلِ الْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ ، عَلَى إمْضَاءِ الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ فِي الْأَمْوَالِ .\rوَلِأَنَّ الْحَاجَةَ دَاعِيَةٌ إلَيْهَا ، فَإِنَّهَا لَوْ لَمْ تُقْبَلْ لَبَطَلَتْ الشَّهَادَةُ عَلَى الْوَقْفِ ، وَمَا يَتَأَخَّرُ إثْبَاتُهُ عِنْدَ الْحَاكِمِ ثُمَّ يَمُوتُ شُهُودُهُ ، وَفِي ذَلِكَ ضَرَرٌ عَلَى النَّاسِ ، وَمَشَقَّةٌ شَدِيدَةٌ ، فَوَجَبَ أَنْ تُقْبَلَ ، كَشَهَادَةِ الْأَصْلِ .","part":23,"page":248},{"id":11248,"text":"( 8409 ) الْفَصْلُ الثَّانِي : أَنَّهَا تُقْبَلُ فِي الْأَمْوَالِ ، وَمَا يُقْصَدُ بِهِ الْمَالُ ، بِإِجْمَاعٍ ، كَمَا ذَكَرِ أَبُو عُبَيْدٍ ، وَلَا تُقْبَلُ فِي حَدٍّ .\rوَهَذَا قَوْلُ النَّخَعِيِّ ، وَالشَّعْبِيِّ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابِهِ .\rوَقَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ فِي قَوْلٍ ، وَأَبُو ثَوْرٍ : تُقْبَلُ فِي الْحُدُودِ ، وَكُلِّ حَقٍّ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَثْبُتُ بِشَهَادَةِ الْأَصْلِ ، فَيَثْبُتُ بِالشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ ، كَالْمَالِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الْحُدُودَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى السَّتْرِ ، وَالدَّرْءِ بِالشُّبُهَاتِ ، وَالْإِسْقَاطِ بِالرُّجُوعِ عَنْ الْإِقْرَارِ ، وَالشَّهَادَةُ عَلَى الشَّهَادَةِ فِيهَا شُبْهَةٌ ؛ فَإِنَّهَا يَتَطَرَّقُ إلَيْهَا احْتِمَالُ الْغَلَطِ وَالسَّهْوِ وَالْكَذِبِ فِي شُهُودِ الْفَرْعِ ، مَعَ احْتِمَالِ ذَلِكَ فِي شُهُودِ الْأَصْلِ ، وَهَذَا احْتِمَالٌ زَائِدٌ ، لَا يُوجَدُ فِي شَهَادَةِ الْأَصْلِ ، وَهُوَ مُعْتَبَرٌ ، بِدَلِيلِ أَنَّهَا لَا تُقْبَلُ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى شُهُودِ الْأَصْلِ ، فَوَجَبَ أَنْ لَا تُقْبَلَ فِيمَا يَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ ، وَلِأَنَّهَا إنَّمَا تُقْبَلُ لِلْحَاجَةِ ، وَلَا حَاجَةَ إلَيْهَا فِي الْحَدِّ ؛ لِأَنَّ سَتْرَ صَاحِبِهِ أَوْلَى مِنْ الشَّهَادَةِ عَلَيْهِ ، وَلِأَنَّهُ لَا نَصَّ فِيهَا ، وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُهَا عَلَى الْأَمْوَالِ ؛ لِمَا بَيْنَهُمَا مِنْ الْفَرْقِ فِي الْحَاجَةِ وَالتَّسَاهُلِ فِيهَا ، وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُهَا عَلَى شَهَادَةِ الْأَصْلِ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْفَرْقِ ، فَبَطَلَ إثْبَاتُهَا .\rوَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ ، أَنَّهَا لَا تُقْبَلُ فِي الْقِصَاصِ أَيْضًا ، وَلَا حَدِّ الْقَذْفِ ؛ لِأَنَّهُ قَالَ : إنَّمَا تَجُوزُ فِي الْحُقُوقِ ، أَمَّا الدِّمَاءُ وَالْحَدُّ فَلَا .\rوَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ .\rوَقَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ : تُقْبَلُ .\rوَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ ؛ لِقَوْلِهِ : فِي كُلِّ شَيْءٍ إلَّا فِي الْحُدُودِ .\rلِأَنَّهُ حَقُّ آدَمِيٍّ ، لَا يَسْقُطُ بِالرُّجُوعِ عَنْ الْإِقْرَارِ بِهِ ، وَلَا يُسْتَحَبُّ سَتْرُهُ ، فَأَشْبَهَ الْأَمْوَالَ .\rوَذَكَرَ أَصْحَابُنَا هَذَا رِوَايَةً عَنْ أَحْمَدَ ؛ لِأَنَّ","part":23,"page":249},{"id":11249,"text":"ابْنَ مَنْصُورٍ نَقَلَ أَنَّ سُفْيَانَ قَالَ : شَهَادَةُ رَجُلٍ مَكَانَ رَجُلٍ فِي الطَّلَاقِ جَائِزَةٌ .\rقَالَ أَحْمَدُ : مَا أَحْسَنَ مَا قَالَ .\rفَجَعَلَهُ أَصْحَابُنَا رِوَايَةً فِي الْقِصَاصِ .\rوَلَيْسَ هَذَا بِرِوَايَةٍ ؛ فَإِنَّ الطَّلَاقَ لَا يُشْبِهُ الْقِصَاصَ .\rوَالْمَذْهَبُ أَنَّهَا لَا تُقْبَلُ فِيهِ ؛ لِأَنَّهُ عُقُوبَةٌ بَدَنِيَّةٌ ، تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ ، وَتُبْنَى عَلَى الْإِسْقَاطِ ، فَأَشْبَهَتْ الْحُدُودَ ، فَأَمَّا مَا عَدَا الْحُدُودَ وَالْقِصَاصَ وَالْأَمْوَالَ ، كَالنِّكَاحِ وَالطَّلَاقِ ، وَسَائِرِ مَا لَا يَثْبُتُ إلَّا بِشَاهِدَيْنِ ، فَنَصَّ أَحْمَدُ عَلَى قَبُولِهَا فِي الطَّلَاقِ وَالْحُقُوقِ ، فَيَدُلُّ عَلَى قَبُولِهَا فِي جَمِيعِ هَذِهِ الْحُقُوقِ .\rوَهُوَ قَوْلُ الْخِرَقِيِّ .\rوَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ : لَا تُقْبَلُ فِي النِّكَاحِ .\rوَنَحْوُهُ قَوْلُ أَبِي بَكْرِ .\rفَعَلَى قَوْلِهِمَا ، لَا تُقْبَلُ إلَّا فِي الْمَالِ ، وَمَا يُقْصَدُ بِهِ الْمَالُ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدٍ ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِشَاهِدَيْنِ ، فَأَشْبَهَ حَدَّ الْقَذْفِ .\rوَوَجْهُ الْأَوَّلِ ، أَنَّهُ حَقٌّ لَا يُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ ، فَيَثْبُتُ بِالشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ ، كَالْمَالِ ، وَبِهَذَا فَارَقَ الْحُدُودَ .","part":23,"page":250},{"id":11250,"text":"( 8410 ) الْفَصْلُ الثَّالِثُ : فِي شُرُوطِهَا ، وَلَهَا أَرْبَعَةُ شُرُوطٍ ؛ أَحَدُهَا ، أَنْ تَتَعَذَّرَ شَهَادَةُ الْأَصْلِ ؛ لَمَوْتٍ ، أَوْ غَيْبَةٍ ، أَوْ مَرَضٍ ، أَوْ حَبْسٍ ، أَوْ خَوْفٍ مِنْ سُلْطَانٍ أَوْ غَيْرِهِ .\rوَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ .\rوَحُكِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٍ ، جَوَازُهَا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى شَهَادَةِ الْأَصْلِ ، قِيَاسًا عَلَى الرِّوَايَةِ وَأَخْبَارِ الدَّيَّانَاتِ وَرُوِيَ عَنْ الشَّعْبِيِّ ، أَنَّهَا لَا تُقْبَلُ إلَّا أَنْ يَمُوتَ شَاهِدُ الْأَصْلِ ؛ لِأَنَّهُمَا إذَا كَانَا حَيَّيْنِ ، رُجِيَ حُضُورُهُمَا ، فَكَانَا كَالْحَاضِرَيْنِ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ مِثْلُ هَذَا ، إلَّا أَنَّ الْقَاضِيَ تَأَوَّلَهُ عَلَى الْمَوْتِ ، وَمَا فِي مَعْنَاهُ مِنْ الْغَيْبَةِ الْبَعِيدَةِ وَنَحْوِهَا .\rوَيُمْكِنُ تَأْوِيلُ قَوْلِ الشَّعْبِيِّ عَلَى هَذَا ، فَيَزُولُ هَذَا الْخِلَافُ .\rوَلَنَا ، عَلَى اشْتِرَاطِ تَعَذُّرِ شَهَادَةِ شَاهِدِ الْأَصْلِ ، أَنَّهُ إذَا أَمْكَنَ الْحَاكِمَ أَنْ يَسْمَعَ شَهَادَةَ شَاهِدَيْ الْأَصْلِ ، اُسْتُغْنِيَ عَنْ الْبَحْثِ عَنْ عَدَالَةِ شَاهِدَيْ الْفَرْعِ ، وَكَانَ أَحْوَطَ لِلشَّهَادَةِ ، فَإِنَّ سَمَاعَهُ مِنْهُمَا مَعْلُومٌ ، وَصِدْقَ شَاهِدَيْ الْفَرْعِ مَظْنُونٌ ، وَالْعَمَلُ بِالْيَقِينِ مَعَ إمْكَانِهِ أَوْلَى مِنْ اتِّبَاعِ الظَّنِّ ، وَلِأَنَّ شَهَادَةَ الْأَصْلِ تُثْبِتُ نَفْسَ الْحَقِّ ، وَهَذِهِ إنَّمَا تَثْبُتُ الشَّهَادَةِ عَلَيْهِ ، وَلِأَنَّ فِي شَهَادَةِ الْفَرْعِ ضَعْفًا ؛ لِأَنَّهُ يَتَطَرَّقُ إلَيْهَا احْتِمَالَانِ ؛ احْتِمَالُ غَلَطِ شَاهِدَيْ الْأَصْلِ ، وَاحْتِمَالُ غَلَطِ شَاهِدَيْ الْفَرْعِ ، فَيَكُونُ ذَلِكَ وَهْنًا فِيهَا ، وَلِذَلِكَ لَمْ تَنْتَهِضْ لِإِثْبَاتِ الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ ، فَيَنْبَغِي أَنْ لَا تَثْبُتَ إلَّا عِنْدَ عَدَمِ شَاهِدَيْ الْأَصْلِ ، كَسَائِرِ الْأَبْدَالِ ، وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُهَا عَلَى أَخْبَارِ الدِّيَانَاتِ ؛ لِأَنَّهُ خُفِّفَ فِيهَا ، وَلِهَذَا لَا يُعْتَبَرُ فِيهَا الْعَدَدُ ، وَلَا الذُّكُورِيَّةُ ، وَلَا الْحُرِّيَّةُ ، وَلَا اللَّفْظُ ، وَالْحَاجَةُ دَاعِيَةٌ إلَيْهَا فِي حَقِّ عُمُومِ النَّاسِ ، بِخِلَافِ","part":23,"page":251},{"id":11251,"text":"مَسْأَلَتِنَا .\rوَلَنَا ، عَلَى قَبُولِهَا عِنْدَ تَعَذُّرِهَا بِغَيْرِ الْمَوْتِ ، أَنَّهُ تَعَذَّرَتْ شَهَادَةُ الْأَصْلِ ، فَتُقْبَلُ شَهَادَةُ الْفَرْعِ ، كَمَا لَوْ مَاتَ شَاهِدَا الْأَصْلِ ، وَيُخَالِفُ الْحَاضِرَيْنِ ؛ فَإِنَّ سَمَاعَ شَهَادَتِهِمَا مُمْكِنٌ ، فَلَمْ يَجُزْ غَيْرُ ذَلِكَ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّ الْغَيْبَةَ الْمُشْتَرَطَةَ لِسَمَاعِ شَهَادَةِ الْفَرْعِ ، أَنْ يَكُونَ شَاهِدُ الْأَصْلِ بِمَوْضِعٍ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَشْهَدَ ثُمَّ يَرْجِعَ مِنْ يَوْمِهِ .\rوَهَذَا قَالَهُ أَبُو يُوسُفَ ، وَأَبُو حَامِدٍ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ الشَّاهِدَ تَشُقُّ عَلَيْهِ الْمُطَالَبَةُ بِمِثْلِ هَذَا السَّفَرِ ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ } .\rوَإِذَا لَمْ يُكَلَّفْ الْحُضُورَ ، تَعَذَّرَ سَمَاعُ شَهَادَتِهِ ، فَاحْتِيجَ إلَى سَمَاعِ شَهَادَةِ الْفَرْعِ .\rوَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : تُعْتَبَرُ مَسَافَةُ الْقَصْرِ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَأَبِي الطَّيِّبِ الطَّبَرِيِّ ، مَعَ اخْتِلَافِهِمْ فِي مَسَافَةِ الْقَصْرِ كُلٌّ عَلَى أَصْلِهِ ؛ لِأَنَّ مَا دُونَ ذَلِكَ فِي حُكْمِ الْحَاضِرِ ، فِي التَّرَخُّصِ وَغَيْرِهِ ، بِخِلَافِ مَسَافَةِ الْقَصْرِ .\rوَيُعْتَبَرُ دَوَامُ هَذَا الشَّرْطِ إلَى الْحُكْمِ ، فَلَوْ شَهِدَ شَاهِدَا الْفَرْعِ ، فَلَمْ يُحْكَمْ بِشَهَادَتِهِمَا حَتَّى حَضَرَ شَاهِدَا الْأَصْلِ ، وَقَفَ الْحُكْمُ عَلَى سَمَاعِ شَهَادَتِهِمَا ؛ لِأَنَّهُ قَدَرَ عَلَى الْأَصْلِ قَبْلَ الْعَمَلِ بِالْبَدَلِ ، فَلَمْ يَجُزْ الْعَمَلُ بِهِ ، كَالْمُتَيَمِّمِ يَقْدِرُ عَلَى الْمَاءِ قَبْلَ الصَّلَاةِ ، وَلِأَنَّ حُضُورَهُمَا لَوْ وُجِدَ قَبْلَ أَدَاءِ شَهَادَةِ الْفَرْعِ ، مَنَعَ ، فَإِذَا طَرَأَ قَبْلَ الْحُكْمِ ، مَنَعَ مِنْهُ ، كَالْفِسْقِ .\rالشَّرْطُ الثَّانِي ، أَنْ تَتَحَقَّقَ شُرُوطُ الشَّهَادَةِ ، مِنْ الْعَدَالَةِ وَغَيْرِهَا ، فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ شُهُودِ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ ، عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ يَنْبَنِي عَلَى الشَّهَادَتَيْنِ جَمِيعًا ، فَاعْتُبِرَتْ الشُّرُوطُ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا .\rوَلَا خِلَافَ فِي هَذَا","part":23,"page":252},{"id":11252,"text":"نَعْلَمُهُ .\rفَإِنْ عَدَّلَ شُهُودُ الْفَرْعِ شُهُودَ الْأَصْلِ ، فَشَهِدَا بِعَدَالَتِهِمَا وَعَلَى شَهَادَتِهِمَا ، جَازَ ، بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ .\rوَإِنْ لَمْ يَشْهَدَا بِعَدَالَتِهِمَا ، جَازَ ، وَيَتَوَلَّى الْحَاكِمُ ذَلِكَ ، فَإِنْ عَلِمَ عَدَالَتَهُمَا ، حَكَمَ ، وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْهَا بَحَثَ عَنْهَا .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو يُوسُفَ : إنْ لَمْ يُعَدِّلْ شَاهِدَا الْفَرْعِ شَاهِدَيْ الْأَصْلِ ، لَمْ يَسْمَعْ الْحَاكِمُ شَهَادَتَهُمَا ؛ لِأَنَّ تَرْكَ تَعْدِيلِهِ يَرْتَابُ بِهِ الْحَاكِمُ .\rوَلَيْسَ بِصَحِيحٍ ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ لَا يَعْرِفَا ذَلِكَ ، فَيُرْجَعَ فِيهِ إلَى بَحْثِ الْحَاكِمِ ، وَيَجُوزُ أَنْ يَعْرِفَا عَدَالَتَهُمَا وَيَتْرُكَاهَا ، اكْتِفَاءً بِمَا يَثْبُتُ عِنْدَ الْحَاكِمِ مِنْ عَدَالَتِهِمَا ، وَلَا بُدَّ مِنْ اسْتِمْرَارِ هَذَا الشَّرْطِ ، وَوُجُودِ الْعَدَالَةِ فِي الْجَمِيعِ إلَى انْقِضَاءِ الْحُكْمِ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا فِي شَاهِدِ الْأَصْلِ قَبْلَ هَذَا .\rوَإِنْ مَاتَ شُهُودُ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ ، لَمْ يَمْنَعْ الْحُكْمَ ، وَكَذَلِكَ لَوْ مَاتَ شُهُودُ الْأَصْلِ قَبْلَ أَدَاءِ الْفُرُوعِ شَهَادَتَهُمْ ، لَمْ يَمْنَعْ مِنْ أَدَائِهَا ، وَالْحُكْمِ بِهَا ؛ لِأَنَّ مَوْتَهُمْ مِنْ شَرْطِ سَمَاعِ شَهَادَةِ الْفُرُوعِ وَالْحُكْمِ ، فَلَا يَجُوزُ جَعْلُهُ مَانِعًا ، وَكَذَلِكَ إنَّ جُنُّوا ؛ لِأَنَّ جُنُونَهُمْ بِمَنْزِلَةِ مَوْتِهِمْ .\rالشَّرْطُ الثَّالِثُ ، أَنْ يُعَيِّنَا شَاهِدَيْ الْأَصْلِ ، وَيُسَمِّيَاهُمَا .\rوَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : إذَا قَالَا : ذَكَرَيْنِ ، حُرَّيْنِ ، عَدْلَيْنِ جَازَ ، وَإِنْ لَمْ يُسَمِّيَا ؛ لِأَنَّ الْغَرَضَ مَعْرِفَةُ الصِّفَاتِ دُونَ الْعَيْنِ .\rوَلَيْسَ بِصَحِيحٍ ؛ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَا عَدْلَيْنِ عِنْدَهُمَا ، مَجْرُوحَيْنِ عِنْدَ غَيْرِهِمَا ؛ وَلِأَنَّ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ رُبَّمَا أَمْكَنَهُ جَرْحُ الشُّهُودِ ، فَإِذَا لَمْ يَعْرِفْ أَعْيَانَهُمَا ، تَعَذَّرَ عَلَيْهِ ذَلِكَ .\rالشَّرْطُ الرَّابِعُ ، أَنْ يَسْتَرْعِيَهُ شَاهِدُ الْأَصْلِ الشَّهَادَةَ ، فَيَقُولَ : اشْهَدْ عَلَى شَهَادَتِي أَنِّي أَشْهَدُ أَنَّ لِفُلَانٍ عَلَى فُلَانٍ كَذَا ، أَوْ","part":23,"page":253},{"id":11253,"text":"أَقَرَّ عِنْدِي بِكَذَا .\rأَوْ سَمِعَ شَاهِدًا يَسْتَرْعِي آخَرَ شَهَادَةً يُشْهِدُهُ عَلَيْهَا ، فَيَجُوزُ لِهَذَا السَّامِعِ أَنْ يَشْهَدَ بِهَا لِحُصُولِ الِاسْتِرْعَاءِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَجُوزَ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ إلَّا أَنْ يَسْتَرْعِيَهُ بِعَيْنِهِ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ .\rقَالَ أَحْمَدُ : لَا تَكُونُ شَهَادَةً إلَّا أَنْ يُشْهِدَك ، فَأَمَّا إذَا سَمِعْته يَتَحَدَّثُ ، فَإِنَّمَا ذَلِكَ حَدِيثٌ .\rوَبِمَا ذَكَرْنَاهُ قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ .\rفَأَمَّا إنْ سَمِعَ شَاهِدًا يَشْهَدُ عِنْدَ الْحَاكِمِ بِحَقٍّ ، أَوْ سَمِعَهُ يَشْهَدُ بِحَقٍّ يَعْزِيه إلَى سَبَبٍ ، نَحْوُ أَنْ يَقُولَ : أَشْهَدُ أَنَّ لِفُلَانٍ عَلَى فُلَانٍ أَلْفًا مِنْ ثَمَنِ مَبِيعٍ .\rفَهَلْ يَشْهَدُ بِهِ ؟ .\rقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : فِيهِ رِوَايَتَانِ .\rوَذَكَرَ الْقَاضِي ، أَنَّ لَهُ الشَّهَادَةَ بِهِ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ بِالشَّهَادَةِ عِنْدَ الْحَاكِمِ ، وَنِسْبَتِهِ لِلْحَقِّ إلَى سَبَبه ، يَزُولُ الِاحْتِمَالُ ، وَيَرْتَفِعُ الْإِشْكَالُ ، فَتَجُوزُ لَهُ الشَّهَادَةُ عَلَى شَهَادَتِهِ ، كَمَا لَوْ اسْتَرْعَاهُ وَالرِّوَايَةُ الْأُخْرَى ، لَا يَجُوزُ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى شَهَادَتِهِ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَأَبِي عُبَيْدٍ ؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ عَلَى الشَّهَادَةِ فِيهَا مَعْنَى النِّيَابَةِ ، فَلَا يَنُوبُ عَنْهُ إلَّا بِإِذْنِهِ وَمَنْ نَصْرَ الْأَوَّلَ قَالَ : هَذَا يَنْقُلُ شَهَادَتَهُ ، وَلَا يَنُوبُ عَنْهُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَشْهَدُ مِثْلَ شَهَادَتِهِ ، وَإِنَّمَا يَشْهَدُ عَلَى شَهَادَتِهِ فَأَمَّا إنْ قَالَ : أَشْهَدُ أَنِّي أَشْهَدُ عَلَى فُلَانٍ بِكَذَا .\rفَالْأَشْبَهُ أَنْ يَجُوزَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى شَهَادَتِهِ .\rوَهَذَا قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ لِأَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ : اشْهَدْ عَلَى شَهَادَتِي وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَجُوزُ إلَّا أَنْ يَقُولَ : اشْهَدْ عَلَى شَهَادَتِي أَنِّي أَشْهَدُ .\rلِأَنَّهُ إذَا قَالَ : اشْهَدْ .\rفَقَدْ أَمَرَهُ بِالشَّهَادَةِ ، وَلَمْ يَسْتَرْعِهِ .\rوَمَا عَدَا هَذِهِ الْمَوَاضِعَ ، لَا يَجُوزُ أَنْ يَشْهَدَ فِيهَا عَلَى الشَّهَادَةِ ، فَإِذَا سَمِعَهُ يَقُولُ :","part":23,"page":254},{"id":11254,"text":"أَشْهَدُ أَنَّ لِفُلَانٍ عَلَى فُلَانٍ أَلْفَ دِرْهَمٍ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى شَهَادَتِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَرْعِهِ الشَّهَادَةَ ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ وَعَدَهُ بِهَا .\rوَقَدْ يُوصَفُ الْوَعْدُ بِالْوُجُوبِ مَجَازًا ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { الْعِدَّةُ دَيْنٌ } .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِالشَّهَادَةِ الْعِلْمَ ، فَلَمْ يَجُزْ لِسَامِعِهِ الشَّهَادَةُ بِهِ .\rفَإِنْ قِيلَ : فَلَوْ سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ : لِفُلَانٍ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ .\rجَازَ أَنْ يَشْهَدَ بِذَلِكَ ، فَكَذَا هَذَا .\rقُلْنَا : الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا مِنْ وَجْهَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، أَنَّ الشَّهَادَةَ تَحْتَمِلُ الْعِلْمَ ، وَلَا تَحْتَمِلُ الْإِقْرَارَ .\rالثَّانِي ، أَنَّ الْإِقْرَارَ أَوْسَعُ فِي لُزُومِهِ مِنْ الشَّهَادَةِ ؛ بِدَلِيلِ صِحَّتِهِ فِي الْمَجْهُولِ ، وَأَنَّهُ لَا يُرَاعَى فِيهِ الْعَدَدُ ، بِخِلَافِ الشَّهَادَةِ ، وَلِأَنَّ الْإِقْرَارَ قَوْلُ الْإِنْسَانِ عَلَى نَفْسِهِ ، وَهُوَ غَيْرُ مُتَّهَمٍ ، فَيَكُونُ أَقْوَيْ مِنْهَا ، وَلِهَذَا لَا تُسْمَعُ الشَّهَادَةُ فِي حَقِّ الْمُقِرِّ ، وَلَا يُحْكَمُ بِهَا .\rوَلَوْ قَالَ شَاهِدُ الْأَصْلِ : أَنَا أَشْهَدُ أَنَّ لِفُلَانٍ عَلَى فُلَانٍ أَلْفًا ، فَاشْهَدْ بِهِ أَنْتَ عَلَيْهِ .\rلَمْ يَجُزْ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى شَهَادَتِهِ ؛ لِأَنَّهُمَا شَهَادَتَهُ ، فَيَشْهَدُ عَلَيْهَا ، وَلَا هُوَ شَاهِدًا بِالْحَقِّ ؛ لِأَنَّهُ مَا سَمِعَ الِاعْتِرَافَ بِهِ مِمَّنْ هُوَ عَلَيْهِ ، وَلَا شَاهَدَ سَبَبَهُ .","part":23,"page":255},{"id":11255,"text":"( 8411 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا كَيْفِيَّةُ الْأَدَاءِ إذَا كَانَ قَدْ اسْتَرْعَاهُ الشَّهَادَةَ ، فَإِنَّهُ يَقُولُ : أَشْهَدُ أَنَّ فُلَانَ بْنَ فُلَانٍ ، وَقَدْ عَرَفْته بِعَيْنِهِ وَاسْمِهِ وَنَسَبِهِ وَعَدَالَتِهِ ، أَشْهَدَنِي أَنَّهُ يَشْهَدُ أَنَّ لِفُلَانِ بْنِ فُلَانٍ ، عَلَى فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ ، كَذَا وَكَذَا ، أَوْ أَنَّ فُلَانًا أَقَرَّ عِنْدِي بِكَذَا .\rوَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ عَدَالَتَهُ لَمْ يَذْكُرْهَا .\rوَإِنْ سَمِعَهُ يُشْهِدُ غَيْرَهُ ، قَالَ : أَشْهَدُ أَنَّ فُلَانَ بْنَ فُلَانٍ ، أَشْهَدَ عَلَى شَهَادَتِهِ أَنَّ لِفُلَانِ بْنِ فُلَانٍ ، عَلَى فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ ، كَذَا وَكَذَا .\rوَإِنْ كَانَ سَمِعَهُ يَشْهَدُ عِنْدِ الْحَاكِمِ قَالَ : أَشْهَدُ أَنَّ فُلَانَ بْنَ فُلَانٍ ، شَهِدَ عَلَى فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ ، عِنْدَ الْحَاكِمِ بِكَذَا .\rوَإِنْ كَانَ نَسَبَ الْحَقَّ إلَى سَبَبِهِ ، قَالَ : أَشْهَدُ أَنَّ فُلَانَ بْنَ فُلَانٍ قَالَ : أَشْهَدُ أَنَّ لِفُلَانِ بْنِ فُلَانٍ ، عَلَى فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ كَذَا وَكَذَا ، مِنْ جِهَةِ كَذَا وَكَذَا .\rوَإِذَا أَرَادَ الْحَاكِمُ أَنْ يَكْتُبَ ذَلِكَ ، كَتَبَهُ ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي الْأَدَاءِ .","part":23,"page":256},{"id":11256,"text":"( 8412 ) فَصْلٌ : وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ فِي شَرْطٍ خَامِسٍ ، وَهُوَ الذُّكُورِيَّةُ فِي شُهُودِ الْفَرْعِ ؛ فَعَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّهَا شَرْطٌ ، فَلَا يُقْبَلُ فِي شُهُودِ الْفَرْعِ نِسَاءٌ بِحَالٍ ، سَوَاءٌ كَانَ الْحَقُّ مِمَّا تُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ النِّسَاءِ ، أَوْ لَا .\rوَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَالشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُمْ يُثْبِتُونَ بِشَهَادَتِهِمْ شَهَادَةَ شُهُودِ الْأَصْلِ دُونَ الْحَقِّ وَلَيْسَ ذَلِكَ بِمَالٍ ، وَلَا الْمَقْصُودُ مِنْهُ الْمَالُ ، وَيَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ ، فَأَشْبَهَ الْقِصَاصَ وَالْحَدَّ .\rوَالثَّانِيَةُ ، لِلنِّسَاءِ مَدْخَلٌ فِيمَا لَوْ كَانَ الشُّهُودُ بِهِ يَثْبُتُ بِشَهَادَتِهِنَّ فِي الْأَصْلِ .\rقَالَ حَرْبٌ : قِيلَ لِأَحْمَدْ : فَشَهَادَةُ امْرَأَتَيْنِ عَلَى شَهَادَةِ امْرَأَتَيْنِ ، تَجُوزُ ؟ قَالَ : نَعَمْ .\rيَعْنِي إذَا كَانَ مَعَهُمَا رَجُلٌ .\rوَذَكَرَ الْأَوْزَاعِيُّ ، قَالَ : سَمِعْت نُمَيْرَ بْنَ أَوْسٍ يُجِيزُ شَهَادَةَ الْمَرْأَةِ عَلَى شَهَادَةِ الْمَرْأَةِ .\rوَوَجْهُهُ ، أَنَّ الْمَقْصُودَ بِشَهَادَةِ الْفُرُوعِ ، إثْبَاتُ الْحَقِّ الَّذِي يَشْهَدُ بِهِ شُهُودُ الْأَصْلِ ، فَقُبِلَتْ فِيهِ شَهَادَتُهُنَّ ، كَالْبَيْعِ .\rوَيُفَارِقُ الْحَدَّ وَالْقِصَاصَ ؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ الْقَصْدُ مِنْ الشَّهَادَةِ بِهِ إثْبَاتَ مَالٍ بِحَالٍ .\rفَأَمَّا شُهُودُ الْأَصْلِ ، فَيَدْخُلُ النِّسَاءُ فِيهِ ، فَيَجُوزُ أَنْ يَشْهَدَ رَجُلَانِ عَلَى شَهَادَةِ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ ، فِي كُلِّ حَقٍّ يَثْبُتُ بِشَهَادَتِهِنَّ مَعَ الرِّجَالِ ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rوَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ فِي الْمَنْعِ مِنْهُ رِوَايَةً أُخْرَى ؛ لِأَنَّ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ ضَعْفًا ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ قَبْلُ ، فَلَا مَدْخَلَ لِلنِّسَاءِ فِيهَا ؛ لِأَنَّهَا تَزْدَادُ بِشَهَادَتِهِنَّ ضَعْفًا .\rوَلَنَا ، أَنَّ شُهُودَ الْفَرْعِ إنْ كَانُوا يُثْبِتُونَ شَهَادَةَ الْأَصْلِ ، فَهِيَ تَثْبُتُ بِشَهَادَتِهِمْ ، وَإِنْ كَانُوا يُثْبِتُونَ نَفْسَ الْحَقِّ ، فَهِيَ تَثْبُتُ بِشَهَادَتِهِمْ ، وَلِأَنَّ النِّسَاءَ شَهِدْنَ بِالْمَالِ ، أَوْ مَا يُقْصَدُ بِهِ الْمَالُ ، فَيَثْبُتُ بِشَهَادَتِهِنَّ ،","part":23,"page":257},{"id":11257,"text":"كَمَا لَوْ أَدَّيْنَهَا عِنْدَ الْحَاكِمِ .\rوَمَا ذُكِرَ لِلرِّوَايَةِ الْأُخْرَى ، لَا أَصْلَ لَهُ .","part":23,"page":258},{"id":11258,"text":"فَصْلٌ : وَيَجُوزُ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ شَاهِدَيْ الْأَصْلِ شَاهِدُ فَرْعٍ ، فَيَشْهَدَ شَاهِدَا فَرْعٍ عَلَى شَاهِدَيْ أَصْلٍ .\rقَالَ الْقَاضِي : لَا يَخْتَلِفُ كَلَامُ أَحْمَدَ فِي هَذَا .\rوَهُوَ قَوْلُ شُرَيْحٍ ، وَالشَّعْبِيِّ ، وَالْحَسَنِ ، وَابْنِ شُبْرُمَةَ ، وَابْنِ أَبِي لَيْلَى ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَإِسْحَاقَ ، وَالْبَتِّيِّ ، وَالْعَنْبَرِيِّ ، وَنُمَيْرِ بْنِ أَوْسٍ .\rقَالَ إِسْحَاقُ : لَمْ يَزَلْ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى هَذَا ، حَتَّى جَاءَ هَؤُلَاءِ وَقَالَ أَحْمَدُ : وَشَاهِدٌ عَلَى شَاهِدٍ يَجُوزُ ، لَمْ يَزَلْ النَّاسُ عَلَى ذَا ؛ شُرَيْحٌ فَمَنْ دُونَهُ ، إلَّا أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ أَنْكَرَهُ .\rوَذَهَبَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ بَطَّةَ ، إلَى أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ عَلَى كُلِّ شَاهِدِ أَصْلٍ إلَّا شَاهِدَا فَرْعٍ .\rوَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ شَاهِدَيْ الْفَرْعِ يُثْبِتَانِ شَهَادَةَ شَاهِدَيْ الْأَصْلِ ، فَلَا تَثْبُتُ شَهَادَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِأَقَلَّ مِنْ شَاهِدَيْنِ ، كَمَا لَا يَثْبُتُ إقْرَارُ مُقِرَّيْنِ بِشَهَادَةِ اثْنَيْنِ ، يَشْهَدُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَاحِدٌ .\rوَلَنَا ، أَنَّ هَذَا يَثْبُتُ بِشَاهِدَيْنِ ، وَقَدْ شَهِدَ اثْنَانِ بِمَا يُثْبِتُهُ ، فَيَثْبُتُ ، كَمَا لَوْ شَهِدَا بِنَفْسِ الْحَقِّ ، وَلِأَنَّ شَاهِدَيْ الْفَرْعِ بَدَلٌ مِنْ شُهُودِ الْأَصْلِ ، فَيَكْفِي فِي عَدَدِهَا مَا يَكْفِي فِي شَهَادَةِ الْأَصْلِ ، وَلِأَنَّ هَذَا إجْمَاعٌ ، عَلَى مَا ذَكَرَهُ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ ، وَلِأَنَّ شَاهِدَيْ الْفَرْعِ لَا يَنْقُلَانِ عَنْ شَاهِدَيْ الْأَصْلِ حَقًّا عَلَيْهِمَا ، فَوَجَبَ أَنْ يُقْبَلَ فِيهِ قَوْلُ وَاحِدٍ ، كَأَخْبَارِ الدِّيَانَاتِ ، فَإِنَّهُمْ إنَّمَا يَنْقُلُونَ الشَّهَادَةَ ، وَلَيْسَتْ حَقًّا عَلَيْهِمْ ، وَلِهَذَا لَوْ أَنْكَرَاهَا لَمْ يَعُدْ الْحَاكِمُ عَلَيْهِمَا ، وَلَمْ يَطْلُبْهَا مِنْهُمَا .\rوَهَذَا الْجَوَابُ عَمَّا ذَكَرُوهُ .\rفَإِذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَمَنْ اعْتَبَرَ لِكُلِّ شَاهِدِ أَصْلٍ شَاهِدَيْ فَرْعٍ ، أَجَازَ أَنْ يَشْهَدَ شَاهِدَانِ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ شَاهِدَيْ الْأَصْلِ .\rوَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ ، وَأَصْحَابُ","part":23,"page":259},{"id":11259,"text":"الرَّأْيِ .\rقَالَ الشَّافِعِيُّ : وَرَأَيْت كَثِيرًا مِنْ الْحُكَّامِ وَالْمُفْتِينَ يُجِيزُهُ .\rوَخَرَّجَهُ عَلَى قَوْلَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، جَوَازُهُ .\rوَالْآخَرُ ، لَا يَجُوزُ حَتَّى يَكُونَ شُهُودُ الْفَرْعِ أَرْبَعَةً ، عَلَى كُلِّ شَاهِدِ أَصْلٍ شَاهِدَا فَرْعٍ .\rوَاخْتَارَهُ الْمُزَنِيّ ؛ لِأَنَّ مَنْ يَثْبُتُ بِهِ أَحَدُ طَرَفَيْ الشَّهَادَةِ ، لَا يَثْبُتُ بِهِ الطَّرَفُ الْآخَرُ ، كَمَا لَوْ شَهِدَ أَصْلٌ مَعَ شَاهِدٍ ، ثُمَّ شَهِدَ مَعَ آخَرَ عَلَى شَهَادَةِ شَاهِدِ الْأَصْلِ الْآخَرِ وَلَنَا ، أَنَّهُمَا شَهِدَا عَلَى قَوْلَيْنِ ، فَوَجَبَ أَنْ يُقْبَلَ ، كَمَا لَوْ شَهِدَا بِإِقْرَارَيْنِ بِحَقَّيْنِ ، أَوْ بِإِقْرَارِ اثْنَيْنِ .\rوَإِنَّمَا لَمْ يَجُزْ أَنْ يَشْهَدَ شَاهِدُ الْأَصْلِ فَرْعًا ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى أَنْ يَكُونَ بَدَلٌ أَصْلًا فِي شَهَادَةٍ بِحَقٍّ ، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ ، وَلِأَنَّهُمْ يُثْبِتُونَ بِشَهَادَتِهِمْ شَهَادَةَ الْأَصْلِ ، وَلَيْسَتْ شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ ظَرْفًا لِشَهَادَةِ الْآخَرِ ، فَعَلَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ أَنْ يَثْبُتَ الْحَقُّ بِشَهَادَةِ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ ، وَجَبَ أَنْ يَكُونَ شُهُودُ الْفَرْعِ سِتَّةً ، وَإِنْ كَانَ حَقٌّ يَثْبُتُ بِأَرْبَعِ نِسْوَةٍ ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ شُهُودُ الْفَرْعِ ثَمَانِيَةً ، وَإِنْ كَانَ الْمَشْهُودُ بِهِ زِنًا ، خُرِّجَ فِيهِ خَمْسَةُ أَقْوَالٍ ؛ أَحَدُهَا ، لَا مَدْخَلَ لِشَهَادَةِ الْفَرْعِ فِي إثْبَاتِهِ .\rوَالثَّانِي ، يَجُوزُ ، وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ شُهُودُ الْفَرْعِ سِتَّةَ عَشْرَ ، فَيَشْهَدَ عَلَى شَهَادَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ شُهُودِ الْأَصْلِ أَرْبَعَةٌ .\rالثَّالِثُ ، يَكْفِي ثَمَانِيَةٌ .\rوَالرَّابِعُ ، يَكُونُونَ أَرْبَعَةً ، يَشْهَدُونَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ .\rوَالْخَامِسُ ، يَكْفِي شَاهِدَانِ يَشْهَدَانِ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ شُهُودِ الْأَصْلِ .\rوَهَذَا إثْبَاتٌ لَحَدِّ الزِّنَى بِشَاهِدَيْنِ ، وَهُوَ بَعِيدٌ .","part":23,"page":260},{"id":11260,"text":"( 8414 ) فَصْلٌ : وَإِنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ شَاهِدَا أَصْلٍ ، وَشَاهِدَا فَرْعٍ ، يَشْهَدَانِ عَلَى شَهَادَةِ أَصْلٍ آخَرَ ، جَازَ .\rوَإِنْ شَهِدَ شَاهِدُ أَصْلٍ ، وَشَاهِدُ فَرْعٍ ، خُرِّجَ فِيهِ مِنْ الْخِلَافِ مَا ذَكَرْنَا مِنْ قَبْلُ ، وَإِنْ شَهِدَ شَاهِدُ أَصْلٍ ، ثُمَّ شَهِدَ هُوَ وَآخَرُ فَرْعًا عَلَى شَاهِدِ أَصْلٍ آخَرَ ، لَمْ تُفِدْ شَهَادَتُهُ الْفَرْعِيَّةُ شَيْئًا ، وَكَانَ حُكْمُ ذَلِكَ حُكْمَ مَا لَوْ شَهِدَ عَلَى شَهَادَتِهِ شَاهِدٌ وَاحِدٌ .","part":23,"page":261},{"id":11261,"text":"( 8415 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَيَشْهَدُ عَلَى مَنْ سَمِعَهُ يُقِرُّ بِحَقِّ ، وَإِنْ لَمْ يَقُلْ لِلشَّاهِدِ : اشْهَدْ عَلَى ) اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ ، فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ، فَالْمَذْهَبُ مَا ذَكَرَهُ الْخِرَقِيِّ ، وَبِهِ قَالَ الشَّعْبِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ ، رِوَايَةٌ ثَانِيَةٌ ، لَا يَشْهَدُ حَتَّى يَقُولَ لَهُ الْمُقِرُّ : اشْهَدْ عَلَى .\rكَمَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى شَهَادَةِ رَجُلٍ حَتَّى يَسْتَرْعِيَهُ إيَّاهَا ، وَيَقُولَ لَهُ : اشْهَدْ عَلَى شَهَادَتِي .\rوَعَنْهُ ، رِوَايَةٌ ثَالِثَةٌ ، إذَا سَمِعَهُ يُقِرُّ بِقَرْضٍ ، لَا يَشْهَدُ ، وَإِذَا سَمِعَهُ يُقِرُّ بِدَيْنٍ ، يَشْهَدُ ؛ لِأَنَّ الْمُقِرَّ بِالدَّيْنِ مُعْتَرِفٌ أَنَّهُ عَلَيْهِ ، وَالْمُقِرَّ بِالْقَرْضِ لَا يَعْتَرِفُ بِذَلِكَ ، لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ اقْتَرَضَ مِنْهُ ، ثُمَّ وَفَّاهُ ، وَعَنْهُ رِوَايَةٌ رَابِعَةٌ ، إذَا سَمِعَ شَيْئًا ، فَدُعِيَ إلَى الشَّهَادَةِ ، فَهُوَ بِالْخِيَارِ ، إنْ شَاءَ شَهِدَ ، وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَشْهَدْ .\rقَالَ : وَلَكِنْ يَجِبُ عَلَيْهِ إذَا أُشْهِدَ إذَا دُعِيَ ، { وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إذَا مَا دُعُوا } .\rقَالَ : إذَا أُشْهِدُوا .\rوَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى : إذَا سَمِعَ رَجُلًا يُقِرُّ لَرَجُلٍ بِحَقٍّ ، وَلَمْ يَقُلْ : اشْهَدْ عَلَيَّ بِذَلِكَ .\rوَسَمِعَ الشَّاهِدَ فَلَهُ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْهِ ، فَيَقُولَ : أَشْهَدُ أَنِّي حَضَرْت إقْرَارَ فُلَانٍ بِكَذَا .\rوَلَا يَقُولَ : أَشْهَدُ عَلَى إقْرَارِهِ .\rوَإِنْ سَمِعَهُ يَقُولُ : اقْتَرَضْت مِنْ فُلَانٍ ، أَوْ قَبَضْت مِنْ فُلَانٍ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَشْهَدَ بِهِ وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ ؛ لِأَنَّ الشَّاهِدَ يَشْهَدُ بِمَا عَلِمَهُ ، وَقَدْ حَصَلَ لَهُ الْعِلْمُ بِسَمَاعِهِ ، فَجَازَ أَنْ يَشْهَدَ بِهِ ، كَمَا يَجُوزُ أَنْ يَشْهَدَ بِمَا رَآهُ مِنْ الْأَفْعَالِ .\rوَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّ فِي الْأَفْعَالِ رِوَايَتَيْنِ ؛ إحْدَاهُمَا ، لَا يَشْهَدُ بِهِ حَتَّى يَقُولَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ : اشْهَدْ .\rوَهَذَا إنْ أَرَادَ بِهِ الْعُمُومَ فِي جَمِيعِ الْأَفْعَالِ ، فَلَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُؤَدِّي إلَى مَنْعِ الشَّهَادَةِ عَلَيْهَا بِالْكُلِّيَّةِ ،","part":23,"page":262},{"id":11262,"text":"فَإِنَّ الْغَاصِبَ لَا يَقُولُ لَأَحَدٍ : اشْهَدْ عَلَى أَنِّي أَغْصِبُ .\rوَلَا السَّارِقُ ، وَلَا الزَّانِي ، وَلَا الْقَاتِلُ ، وَأَشْبَاهُ هَؤُلَاءِ .\rوَقَدْ شَهِدَ أَبُو بَكْرَةَ وَأَصْحَابُهُ عَلَى الْمُغِيرَةِ بِالزِّنَى ، فَلَمْ يَقُلْ عُمَرُ : هَلْ أَشْهَدَكُمْ أَوْ لَا .\rوَلَمْ يَقُلْ هَذَا أَحَدٌ مِنْ الصَّحَابَةِ وَلَا مِنْ غَيْرِهِمْ وَلَا قَالَ الَّذِينَ شَهِدُوا عَلَى قُدَامَةَ بِشُرْبِ الْخَمْرِ ، وَلَا قَالَهُ عُمَرُ لِلَّذِينَ شَهِدُوا عَلَى الْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ .\rوَإِنْ أَرَادَ بِهِ الْأَفْعَالُ الَّتِي تَكُونُ بِالتَّرَاضِي ، كَالْقَرْضِ ، وَالْقَبْضِ فِيهِ ، وَفِي الرَّهْنِ وَالْبَيْعِ ، وَالِافْتِرَاقِ ، وَنَحْوِ ذَلِكَ ، جَازَ .","part":23,"page":263},{"id":11263,"text":"( 8416 ) فَصْلٌ : وَلَوْ حَضَرَ شَاهِدَانِ حِسَابًا بَيْنَ اثْنَيْنِ ، شَرَطَا عَلَيْهِمَا أَنْ لَا يَحْفَظَا عَلَيْهِمَا شَيْئًا ، كَانَ لِلشَّاهِدَيْنِ أَنْ يَشْهَدَا بِمَا سَمِعَاهُ مِنْهُمَا ، وَلَمْ يُسْقِطْ ذَلِكَ شَرْطَهُمَا ؛ لِأَنَّ لِلشَّاهِدِ أَنْ يَشْهَدَ بِمَا سَمِعَهُ أَوْ عَلِمَهُ ، وَذَلِكَ قَدْ حَصَلَ لَهُ ، سَوَاءٌ أَشَهِدَهُ أَوْ سَمِعَهُ ، وَكَذَلِكَ يَشْهَدَانِ عَلَى الْعُقُودِ بِحُضُورِهَا ، وَعَلَى الْجِنَايَاتِ بِمُشَاهَدَتِهَا ، وَلَا يَحْتَاجَانِ إلَى إشْهَادٍ .\rوَبِهَذَا قَالَ ابْنُ سِيرِينَ ، وَمَالِكٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ .","part":23,"page":264},{"id":11264,"text":"( 8417 ) فَصْلٌ : وَالْحُقُوقُ عَلَى ضَرْبَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، حَقٌّ لِآدَمِيٍّ مُعَيَّنٍ ، كَالْحُقُوقِ الْمَالِيَّةِ ، وَالنِّكَاحِ ، وَغَيْرِهِ مِنْ الْعُقُودِ وَالْعُقُوبَاتِ ، كَالْقِصَاصِ ، وَحَدِّ الْقَذْفِ ، وَالْوَقْفِ عَلَى آدَمِيٍّ مُعَيَّنٍ ، فَلَا تَسْمَعُ الشَّهَادَةُ فِيهِ إلَّا بَعْدَ الدَّعْوَى ؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ فِيهِ حَقٌّ لِآدَمِيٍّ ، فَلَا تُسْتَوْفَى إلَّا بَعْدَ مُطَالَبَتِهِ وَإِذْنِهِ ، وَلِأَنَّهَا حُجَّةٌ عَلَى الدَّعْوَى ؛ وَدَلِيلٌ لَهَا ، فَلَا يَجُوزُ تَقَدُّمُهَا عَلَيْهَا .\rالضَّرْبُ الثَّانِي ، مَا كَانَ حَقًّا لِآدَمِيٍّ غَيْرِ مُعَيَّنٍ ، كَالْوَقْفِ عَلَى الْفُقَرَاءِ ، وَالْمَسَاكِينِ أَوْ جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ ، أَوْ عَلَى مَسْجِدٍ ، أَوْ سِقَايَةٍ أَوْ مَقْبَرَةٍ مُسَبَّلَةٍ ، أَوْ الْوَصِيَّةِ لِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ ، وَنَحْوِ هَذَا ، أَوْ مَا كَانَ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى ، كَالْحُدُودِ الْخَالِصَةِ لِلَّهِ تَعَالَى ، أَوْ الزَّكَاةِ ، أَوْ الْكَفَّارَةِ ، فَلَا تَفْتَقِرُ الشَّهَادَةُ بِهِ ، إلَى تَقَدُّمِ الدَّعْوَى ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ لَهُ مُسْتَحِقٌّ مُعَيَّنٌ مِنْ الْآدَمِيِّينَ يَدَّعِيه ، وَيُطَالِبُ بِهِ ، وَلِذَلِكَ شَهِدَ أَبُو بَكْرَةَ وَأَصْحَابُهُ عَلَى الْمُغِيرَةِ ، وَشَهِدَ الْجَارُودُ وَأَبُو هُرَيْرَةَ عَلَى قُدَامَةَ بْنِ مَظْعُونٍ بِشُرْبِ الْخَمْرِ ، وَشَهِدَ الَّذِينَ شَهِدُوا عَلَى الْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ بِشُرْبِ الْخَمْرِ أَيْضًا ، مِنْ غَيْرِ تَقَدُّمِ دَعْوَى ، فَأُجِيزَتْ شَهَادَتُهُمْ ، وَلِذَلِكَ لَمْ يُعْتَبَرْ فِي ابْتِدَاءِ الْوَقْفِ قَبُولٌ ، مِنْ أَحَدٍ ، وَلَا رِضًى مِنْهُ .\rوَكَذَلِكَ مَا لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّ أَحَدِ الْغَرِيمَيْنِ ، كَتَحْرِيمِ الزَّوْجَةِ بِالطَّلَاقِ ، أَوْ الظِّهَارِ ، أَوْ إعْتَاقِ الرَّقِيقِ ، تَجُوزُ الْحِسْبَةُ بِهِ ، وَلَا تُعْتَبَرُ فِيهِ دَعْوَى .\rوَلَوْ شَهِدَ شَاهِدَانِ بِعِتْقِ عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ ابْتِدَاءً ، ثَبَتَ ذَلِكَ ، سَوَاءٌ صَدَّقَهُمَا الْمَشْهُودُ بِعِتْقِهِ ، أَوْ لَمْ يُصَدِّقْهُمَا .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي الْأَمَةِ .\rوَقَالَ فِي الْعَبْدِ : لَا يَثْبُتُ ، مَا لَمْ يُصَدِّقْ الْعَبْدُ","part":23,"page":265},{"id":11265,"text":"بِهِ ، وَيَدَّعِيه ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ حَقُّهُ ، فَأَشْبَهَ سَائِرَ حُقُوقِهِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهَا شَهَادَةٌ بِعِتْقٍ ، فَلَا تَفْتَقِرُ إلَى تَقَدُّمِ الدَّعْوَى ، كَعِتْقِ الْأَمَةِ ، وَيُخَالِفُ سَائِرَ الْحُقُوقِ ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى ، وَلِهَذَا لَا يَفْتَقِرُ إلَى قَبُولِ الْعِتْقِ .\rوَدَلِيلُ ذَلِكَ الْأَمَةُ .\rوَمَا ذَكَرُوهُ يَبْطُلُ بِعِتْقِ الْأَمَةِ .\rفَإِنْ قِيلَ : الْأَمَةُ يَتَعَلَّقُ بِإِعْتَاقِهَا تَحْرِيمُ الْوَطْءِ .\rقُلْنَا : هَذَا لَا أَثَرَ لَهُ ، فَإِنَّ الْمَنْعَ يُوجِبُ تَحْرِيمَهَا عَلَيْهِ ، وَلَا تُسْمَعُ الشَّهَادَة بِهِ إلَّا بَعْدَ الدَّعْوَى .","part":23,"page":266},{"id":11266,"text":"( 8418 ) فَصْلٌ : وَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ شَهَادَةٌ لِآدَمِيٍّ ، لَمْ يَخْلُ ؛ إمَّا أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِهَا ، أَوْ غَيْرَ عَالَمٍ ، فَإِنْ كَانَ عَالِمًا بِهَا ، لَمْ يَجُزْ لِلشَّاهِدِ أَدَاؤُهَا حَتَّى يَسْأَلَهُ ذَلِكَ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ، ثُمَّ يَأْتِي قَوْمٌ يَنْذُرُونَ وَلَا يُوفُونَ ، وَيَشْهَدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ ، وَيَخُونُونَ وَلَا يُؤْتَمَنُونَ } .\rرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ .\rوَلِأَنَّ أَدَاءَهَا حَقٌّ لِلْمَشْهُودِ لَهُ ، فَلَا يُسْتَوْفَى إلَّا بِرِضَاهُ كَسَائِرِ حُقُوقِهِ .\rوَإِنْ كَانَ الْمَشْهُودُ لَهُ غَيْرَ عَالَمٍ بِهَا ، جَازَ لِلشَّاهِدِ أَدَاؤُهَا قَبْلَ طَلَبِهَا ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرِ الشُّهَدَاءِ ؟ الَّذِي يَأْتِي بِشَهَادَتِهِ قَبْلَ أَنْ يُسْأَلَهَا } .\rرَوَاهُ مُسْلِمٌ ، وَأَبُو دَاوُد ، وَمَالِكٌ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : هُوَ \" الَّذِي يَأْتِي بِشَهَادَتِهِ ، وَلَا يَعْلَمُ بِهَا الَّذِي هِيَ لَهُ \" .\rوَهَذَا الْحَدِيثُ وَإِنْ كَانَ مُطْلَقًا ، فَإِنَّهُ يَتَعَيَّنُ حَمْلُهُ عَلَى هَذِهِ الصُّوَرِ ، جَمْعًا بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ ؛ وَلِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ عَالِمًا بِهَا ، فَتَرْكُهُ طَلَبَهَا لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُرِيدُ إقَامَتَهَا ، بِخِلَافِ الْعَالِمِ بِهَا .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .","part":23,"page":267},{"id":11267,"text":"( 8419 ) فَصْلٌ : وَيُعْتَبَرُ لَفْظُ الشَّهَادَةِ فِي أَدَائِهَا ، فَيَقُولُ : أَشْهَدُ أَنَّهُ أَقَرَّ بِكَذَا .\rوَنَحْوَهُ .\rوَلَوْ قَالَ : أَعْلَمُ ، أَوْ أُحِقُّ ، أَوْ أَتَيَقَّنُ ، أَوْ أَعْرِفُ .\rلَمْ يُعْتَدَّ بِهِ ؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ مَصْدَرُ شَهِدَ يَشْهَدُ شَهَادَةً ، فَلَا بُدَّ مِنْ الْإِتْيَانِ بِفِعْلِهَا الْمُشْتَقِّ مِنْهَا ، وَلِأَنَّ فِيهَا مَعْنًى لَا يَحْصُلُ فِي غَيْرِهَا مِنْ اللَّفَظَاتِ ؛ بِدَلِيلِ أَنَّهَا تُسْتَعْمَلُ فِي الْيَمِينِ فَيُقَالُ : أَشْهَدُ بِاَللَّهِ .\rوَلِهَذَا تُسْتَعْمَلُ فِي اللِّعَانِ ، وَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِهَا .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ، وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا .","part":23,"page":268},{"id":11268,"text":"مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَتَجُوزُ شَهَادَةُ الْمُسْتَخْفِي ، إذَا كَانَ عَدْلًا ) الْمُسْتَخْفِي : هُوَ الَّذِي يُخْفِي نَفْسَهُ عَنْ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ ؛ لِيَسْمَعَ إقْرَارَهُ ، وَلَا يَعْلَمَ بِهِ ، مِثْلُ مَنْ يَجْحَدُ الْحَقَّ عَلَانِيَةً ، وَيُقِرُّ بِهِ سِرًّا ، فَيَخْتَبِئُ شَاهِدَانِ فِي مَوْضِعٍ لَا يَعْلَمُ بِهِمَا ، لِيَسْمَعَا إقْرَارَهُ بِهِ ، ثُمَّ يَشْهَدَا بِهِ ، فَشَهَادَتُهُمَا مَقْبُولَةٌ ، عَلَى الرِّوَايَةِ الصَّحِيحَةِ .\rوَبِهَذَا قَالَ عَمْرو بْنُ حُرَيْثٍ .\rوَقَالَ : كَذَلِكَ يُفْعَلُ بِالْخَائِنِ وَالْفَاجِرِ .\rوَرُوِيَ مِثْلُ ذَلِكَ عَنْ شُرَيْحٍ .\rوَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ .\rوَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى ، لَا تُسْمَعُ شَهَادَتُهُ ، وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ ، وَابْنِ أَبِي مُوسَى .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ شُرَيْحٍ ، وَالشَّعْبِيِّ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : { وَلَا تَجَسَّسُوا } .\rوَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { مَنْ حَدَّثَ بِحَدِيثٍ ثُمَّ الْتَفَتَ ، فَهِيَ أَمَانَةٌ } .\rيَعْنِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِسَامِعِهِ ذِكْرُهُ عَنْهُ ؛ لِالْتِفَاتِهِ وَحَذَرِهِ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : إنْ كَانَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ ضَعِيفًا يَنْخَدِعُ ، لَمْ يُقْبَلَا عَلَيْهِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ ، قُبِلَتْ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُمَا شَهِدَا بِمَا سَمِعَاهُ يَقِينًا ، فَقُبِلَتْ شَهَادَتُهُمَا ، كَمَا لَوْ عَلِمَ بِهَا .","part":23,"page":269},{"id":11269,"text":"مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ ، رَحِمَهُ اللَّهُ : ( وَإِذَا هَلَكَ رَجُلٌ ، وَخَلَّفَ وَلَدَيْنِ وَمِائَتَيْ دِرْهَمٍ ، فَأَقَرَّ أَحَدُهُمَا بِمِائَةِ دِرْهَمٍ دَيْنًا عَلَى أَبِيهِ لِأَجْنَبِيٍّ ، دَفَعَ إلَى الْمُقِرِّ لَهُ نِصْفَ مَا فِي يَدِهِ مِنْ إرْثِهِ عَنْ أَبِيهِ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُقِرُّ عَدْلًا ، فَيَشَاءَ الْغَرِيمُ أَنْ يَحْلِفَ مَعَ شَهَادَةِ الِابْنِ ، وَيَأْخُذَ مِائَةً ، وَتَكُونَ الْمِائَةُ الْبَاقِيَةُ بَيْنَ الِابْنَيْنِ ) هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِي الْإِقْرَارِ مِنْ بَعْضِ الْوَرَثَةِ ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهَا فِي بَابِ الْإِقْرَارِ ، وَأَنَّهُ إنَّمَا يَلْزَمُ الْمُقِرَّ مِنْ الدَّيْنِ بِقَدْرِ مِيرَاثِهِ مِنْهُ ، وَمِيرَاثُهُ هَاهُنَا النِّصْفُ ، فَيَكُونُ عَلَيْهِ نِصْفُ الدَّيْنِ ؛ وَهُوَ نِصْفُ الْمِائَةِ ، وَنِصْفُهَا الْبَاقِي يَشْهَدُ بِهِ عَلَى أَخِيهِ ، فَإِنْ كَانَ عَدْلًا ، فَشَاءَ الْغَرِيمُ حَلَفَ مَعَ شَهَادَتِهِ ، وَاسْتَحَقَّ الْبَاقِيَ ؛ لِأَنَّهُ لَا تُهْمَةَ فِي حَقِّ الِابْنِ الْمُقِرِّ ، فَإِنَّهُ لَا يَجُرُّ إلَى نَفْسِهِ بِهَذِهِ الشَّهَادَةِ ، نَفْعًا ، وَلَا يَدْفَعُ بِهَا ضُرًّا .\rوَإِنْ شَهِدَ أَجْنَبِيٌّ مَعَ الْوَارِثِ الْمُقِرِّ ، كَمَلَتْ الشَّهَادَةُ ، وَحُكِمَ لِلْمُدَّعِي بِمَا شَهِدَا بِهِ لَهُ ، إذَا كَانَا عَدْلَيْنِ ، وَأَدَّيَا الشَّهَادَةَ بِلَفْظِ الشَّهَادَةِ ، وَلَا يُكْتَفَى بِلَفْظِ الْإِقْرَارِ فِي الشَّهَادَةِ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ قَبْلُ .\rوَإِنْ كَانَ الْإِقْرَارُ مِنْ اثْنَيْنِ مِنْ الْوَرَثَةِ عَدْلَيْنِ ؛ مِثْلُ أَنْ يُخَلِّفَ ثَلَاثَةَ بَنِينَ ، فَيُقِرَّ اثْنَانِ مِنْهُمْ بِالدَّيْنِ ، وَيَشْهَدَا بِهِ ، فَإِنَّ شَهَادَتَهُمَا تُقْبَلُ ، وَيَثْبُتُ بَاقِي الدَّيْنِ فِي حَقِّ الْمُنْكَرِ .\rوَبِهَذَا كُلِّهِ قَالَ الْحَسَنُ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ .\rوَقَالَ حَمَّادٌ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ : الْمُقَرُّ بِهِ كُلُّهُ فِي نَصِيبُ الْمُقِرِّ .\rوَهُوَ قَوْلُ الشَّعْبِيِّ ، وَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي أَنْ لَا تُقْبَلَ شَهَادَةُ الْمُقِرِّ بِالدَّيْنِ ؛ لِأَنَّهُ يَجُرُّ بِشَهَادَتِهِ نَفْعًا إلَى نَفْسِهِ ، وَهُوَ إسْقَاطُ بَعْضِ مَا أَقَرَّ بِهِ عَنْ","part":23,"page":270},{"id":11270,"text":"نَفْسِهِ .\rوَالْإِقْرَارُ بِوَصِيَّةِ تَخْرُجُ مِنْ الثُّلُثِ ، كَالْإِقْرَارِ بِالدَّيْنِ ، فِيمَا ذَكَرْنَاهُ .","part":23,"page":271},{"id":11271,"text":"( 8422 ) فَصْلٌ : وَلَوْ ثَبَتَ لَرَجُلٍ عَلَى رَجُلٍ دَيْنٌ بِبَيِّنَةِ ، لَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ قَبُولَ شَهَادَتِهِ عَلَيْهِ بِدَيْنٍ أَوْ وَصِيَّةٍ ، فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، إلَّا ابْنَ أَبِي لَيْلَى ، قَالَ : لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ عَلَى غَرِيمِهِ الْمَيِّتِ بِذَلِكَ .\rفَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ مَنَعَ مِنْ ذَلِكَ لِئَلَّا يُوَاطِئَ مَنْ يَشْهَدُ لَهُ بِدَيْنٍ ، فَيُحَاصُّ الْغُرَمَاءَ بِمَا شَهِدَ لَهُ بِهِ ثُمَّ يُقَاسِمُهُ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ عَدْلٌ غَيْرُ مُتَّهَمٍ ، فَتُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لَهُ كَغَيْرِهِ ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا يَجُرُّ بِشَهَادَتِهِ إلَى نَفْسِهِ نَفْعًا ، وَلَا يَدْفَعُ بِهَا ضُرًّا ، بَلْ يَضُرُّ نَفْسَهُ ، بِهَا لِكَوْنِ الْمَشْهُودِ لَهُ يُزَاحِمُهُ فِي الِاسْتِيفَاءِ ، وَيَنْقُصُ مَا يَأْخُذُهُ ، فَهُوَ أَقْرَبُ إلَى الصِّدْقِ ، وَأَحْرَى أَنْ تُقْبَلَ شَهَادَتُهُ ، وَمَا ذَكَرْنَاهُ لَهُ مِنْ الِاحْتِمَالِ يُوجَدُ فِي الْأَجْنَبِيِّ ، وَلَمْ يَمْنَعْ قَبُولَ شَهَادَتِهِ .","part":23,"page":272},{"id":11272,"text":"( 8423 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَلَوْ هَلَكَ رَجُلٌ عَنْ ، ابْنَيْنِ ، وَلَهُ حَقٌّ بِشَاهِدٍ ، وَعَلَيْهِ مِنْ الدَّيْنِ مَا يَسْتَغْرِقُ مِيرَاثَهُ ، فَأَبَى الْوَارِثَانِ أَنْ يَحْلِفَا مَعَ الشَّاهِدِ ، لَمْ يَكُنْ لِلْغَرِيمِ أَنْ يَحْلِفَ مَعَ شَاهِدِ الْمَيِّتِ ، وَيَسْتَحِقُّ ، فَإِنْ حَلَفَ الْوَارِثَانِ مَعَ الشَّاهِدِ ، حُكِمَ بِالدَّيْنِ ، فَدُفِعَ إلَى الْغَرِيمِ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الرَّجُلَ إذَا مَاتَ مُفْلِسًا ، وَادَّعَى وَرَثَتُهُ دَيْنًا لَهُ عَلَى رَجُلٍ ، فَأَنْكَرَ ، فَأَقَامُوا شَاهِدًا عَدْلًا ، وَحَلَفُوا مَعَهُ ، حُكِمَ بِالدَّيْنِ لِلْمَيِّتِ ، ثُمَّ تُقْضَى مِنْهُ دُيُونُهُ ، ثُمَّ تُنَفَّذُ وَصَايَاهُ مِنْ الثُّلُثِ ، إلَّا أَنْ يُجِيزَ الْوَرَثَةُ ، فَإِنْ أَبَى الْوَرَثَةُ أَنْ يَحْلِفُوا ، لَمْ يَكُنْ لِلْغَرِيمِ أَنْ يَحْلِفَ ، مَعَ شَاهِدِ الْمَيِّتِ .\rوَبِهَذَا قَالَ إِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَالشَّافِعِيُّ فِي الْجَدِيدِ ، وَقَالَ فِي الْقَدِيمِ : لِلْغَرِيمِ أَنْ يَحْلِفَ ، وَيَسْتَحِقَّ .\rوَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ ؛ لِأَنَّ حَقَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِهِ ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ ثَبَتَ الْمَالُ ، قُدِّمَ حَقُّهُ عَلَى الْوَرَثَةِ ، وَكَانَتْ لَهُ الْيَمِينُ كَالْوَارِثِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الدَّيْنَ لِلْوَرَثَةِ دُونَ الْغَرِيمِ ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَحْلِفَ عَلَيْهِ ، كَمَا لَوْ لَمْ يَسْتَغْرِقْ الدَّيْنُ مِيرَاثَهُ ، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ لِلْوَارِثِ ، أَنَّهُ يُكْتَفَى بِيَمِينِهِ ، وَلَوْ كَانَ لِغَيْرِهِ لَمَا اُكْتُفِيَ بِهَا ، وَلِأَنَّ حَقَّ الْغَرِيمِ فِي ذِمَّةِ الْمَيِّتِ ، وَالدَّيْنُ لِلْمَيِّتِ ، وَلِهَذَا يَشْهَدُ الشَّاهِدُ بِأَنَّ الدَّيْنَ لِلْمَيِّتِ ، وَاَلَّذِي يَحْلِفُ مَعَهُ إنَّمَا يَحْلِفَ عَلَى هَذَا ، وَلَا يَجُوزُ لِلْغَرِيمِ أَنْ يَحْلِفَ لِي فِي ذِمَّةِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ دَيْنًا ، بِالِاتِّفَاقِ ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَحْلِفَ عَلَى دَيْنِ غَيْرِهِ الَّذِي لَا فِعْلَ لَهُ فِيهِ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّمَا جَعَلَ الْيَمِينَ لِلْمَالِكِ ، وَلَا يَلْزَمُ عَلَى هَذَا الْوَكِيلُ ؛ لِأَنَّهُ يَحْلِفُ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ ؛ وَلِأَنَّ الْغَرِيمَ لَوْ حَلَفَ مَعَ","part":23,"page":273},{"id":11273,"text":"الشَّاهِدِ ، ثُمَّ أَبْرَأَ الْمَيِّتَ مِنْ الدَّيْنِ ، لَرَجَعَ الدَّيْنُ إلَى الْوَرَثَةِ ، وَلَوْ كَانَ قَدْ ثَبَتَ لَهُ بِيَمِينِهِ ، لَمْ يَرْجِعْ إلَيْهِمْ .\rوَهَكَذَا لَوْ وَصَّى الْمَيِّتُ لَإِنْسَانٍ ، ثُمَّ لَمْ يَحْلِفْ الْوَرَثَةُ ، لَمْ يَكُنْ لِلْمُوصَى لَهُ أَنْ يَحْلِفَ ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ .","part":23,"page":274},{"id":11274,"text":"( 8424 ) فَصْلٌ : فَإِنْ حَلَفَ أَحَدُ الِابْنَيْنِ مَعَ الشَّاهِدِ ، لَمْ يَثْبُتْ مِنْ الدَّيْنِ إلَّا قَدْرُ حِصَّتِهِ .\rوَهَكَذَا إذَا ادَّعَى الْوَرَثَةُ وَصِيَّةً لِأَبِيهِمْ أَوْ دَيْنًا ، وَأَقَامُوا شَاهِدًا ، لَمْ يَثْبُتْ جَمِيعُهُ إلَّا بِأَيْمَانِ جَمِيعِهِمْ .\rوَإِنْ حَلَفَ بَعْضُهُمْ ، ثَبَتَ مِنْ الدَّيْنِ وَالْوَصِيَّةِ بِقَدْرِ حَقِّهِ ، وَلَا يُشَارِكُهُ فِيهِ بَاقِي الْوَرَثَةِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَثْبُتُ لَهُمْ حَقٌّ بِدُونِ أَيْمَانِهِمْ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَسْتَحِقُّوا بِيَمِينِ غَيْرِهِمْ ، وَيَقْضِي مِنْ دَيْنِ أَبِيهِ بِقَدْرِ مَا ثَبَتَ لَهُ ، فَإِنْ كَانَ فِي الْوَرَثَةِ صَغِيرٌ أَوْ مَعْتُوهٌ ، وُقِفَ حَقُّهُ ، حَتَّى يَبْلُغَ الصَّغِيرُ وَيَعْقِلَ الْمَعْتُوهُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَحْلِف عَلَى حَالِهِ ، وَلَا يَحْلِفُ وَلِيُّهُ ؛ لِكَوْنِ الْيَمِينِ لَا تَدْخُلُهَا النِّيَابَةُ .\rوَإِنْ كَانَ فِيهِمْ أَخْرَسُ مَفْهُومُ الْإِشَارَةِ ، حَلَفَ وَأُعْطِيَ حِصَّتَهُ ، وَإِنْ لَمْ تُفْهَمْ إشَارَتُهُ ، وُقِفَ حَقُّهُ أَيْضًا .\rفَإِنْ مَاتَ ، أَوْ مَاتَ الصَّبِيُّ وَالْمَعْتُوهُ ، قَامَ وَرَثَتُهُمْ مَقَامَهُمْ فِي الْيَمِينِ وَالِاسْتِحْقَاقِ .\rفَإِنْ طَالِبَ أَوْلِيَاؤُهُمَا فِي حَيَاتِهِمَا بِحَبْسِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ حَتَّى يَبْلُغَ الصَّبِيُّ ، وَيُفِيقَ الْمَجْنُونُ ، وَيَعْقِلَ الْأَخْرَسُ الْإِشَارَةَ ، أَوْ بِإِقَامَةِ كَفِيلٍ ، لَمْ يُجَابُوا إلَى ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الْحَبْسَ عَذَابٌ لَا يُسْتَحَقُّ عَلَى مَنْ لَمْ يَثْبُتْ عَلَيْهِ حَقٌّ .","part":23,"page":275},{"id":11275,"text":"( 8425 ) فَصْلٌ : وَتَرِكَةُ الْمَيِّتِ يَثْبُتُ الْمِلْكُ فِيهَا لِوَرَثَتِهِ ، وَسَوَاءٌ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، فِي مَنْ أَفْلَسَ ، ثُمَّ مَاتَ ، قَالَ : قَدْ انْتَقَلَ الْمَبِيعُ إلَى الْوَرَثَةِ ، وَحَصَلَ مِلْكًا لَهُمْ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إنْ كَانَ الدَّيْنُ يَسْتَغْرِقُ التَّرِكَةَ ، مُنِعَ نَقْلُهَا إلَى الْوَرَثَةِ ، وَإِنْ كَانَ لَا يَسْتَغْرِقُهَا ، لَمْ يُمْنَعْ انْتِقَالُ شَيْءٍ مِنْهَا .\rوَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيُّ : يُمْنَعُ بِقَدْرِهِ .\rوَقَدْ أَوْمَأَ أَحْمَدُ إلَى مِثْلِ هَذَا ؛ فَإِنَّهُ قَالَ ، فِي أَرْبَعَةِ بَنِينَ تَرَكَ أَبُوهُمْ دَارًا وَعَلَيْهِ دَيْنٌ ، فَقَالَ أَحَدُ الْبَنِينَ : أَنَا أُعْطِي ، وَدَعُوا لِي الرُّبْعَ .\rفَقَالَ أَحْمَدُ : هَذِهِ الدَّارُ لِلْغُرَمَاءِ ، لَا يَرِثُونَ شَيْئًا حَتَّى يُؤَدُّوا الدَّيْنَ .\rوَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا لَمْ تَنْتَقِلْ إلَيْهِمْ عِنْدَهُ ؛ لِأَنَّهُ يَمْنَعُ الْوَارِثَ مِنْ إمْسَاكِ الرُّبْعِ بِدَفْعِ قِيمَتِهِ ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ لَمْ يَثْبُتْ فِي ذِمَمِ الْوَرَثَةِ ، فَيَجِبُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِالتَّرِكَةِ .\rوَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ ، وَلِهَذَا قُلْنَا : إنَّ الْغَرِيمَ لَا يَحْلِفُ عَلَى دَيْنِ الْمَيِّتِ .\rوَذَلِكَ لِأَنَّ الدَّيْنَ مَحَلُّهُ الذِّمَّةُ ، وَإِنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِالتَّرِكَةِ ، فَيَتَخَيَّرُ الْوَرَثَةُ بَيْنَ قَضَاءِ الدَّيْنِ مِنْهَا ، أَوْ مِنْ غَيْرِهَا كَالرَّهْنِ وَالْجَانِي ، وَلِهَذَا لَا يَلْزَمُ الْغُرَمَاءَ نَفَقَةُ الْعَبِيدِ ، وَلَا يَكُونُ نَمَاءُ التَّرِكَةِ لَهُمْ ، وَلِأَنَّهُ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ تَنْتَقِلَ إلَيَّ الْوَرَثَةِ ، أَوْ إلَى الْغُرَمَاءِ ، أَوْ تَبْقَى لِلْمَيِّتِ ، أَوْ لَا تَكُونَ لَأَحَدٍ ، لَا يَجُوزُ أَنْ تَنْتَقِلَ إلَى الْغُرَمَاءِ ؛ لِأَنَّهَا لَوْ انْتَقَلَتْ إلَيْهِمْ ، لَزِمَهُمْ نَفَقَةُ الْحَيَوَانِ ، وَكَانَ نَمَاؤُهَا لَهُمْ غَيْرَ مَحْسُوبٍ مِنْ دَيْنِهِمْ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ تَبْقَى لِلْمَيِّتِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ أَهْلًا لِلْمِلْكِ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ لَا تَكُونَ لَأَحَدٍ ؛ لِأَنَّهَا مَالٌ مَمْلُوكٌ ، فَلَا بُدَّ مِنْ","part":23,"page":276},{"id":11276,"text":"مَالِكٍ ؛ وَلِأَنَّهَا لَوْ بَقِيَتْ بِغَيْرِ مَالِكٍ ، لَأُبِيحَتْ لِمَنْ يَتَمَلَّكُهَا ، كَسَائِرِ الْمُبَاحَاتِ ، فَثَبَتَ أَنَّهَا انْتَقَلَتْ إلَى الْوَرَثَة .\rفَعَلَى هَذَا ، إذَا نَمَتْ التَّرِكَةُ ، مِثْلُ أَنْ غَلَتْ الدَّارُ ، وَأَثْمَرَتْ النَّخِيلُ ، وَنَتَجَتْ الْمَاشِيَةُ ، فَهُوَ لِلْوَارِثِ ، يَنْفَرِدُ بِهِ ، لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّ الْغُرَمَاءِ ؛ لِأَنَّهُ نَمَاءُ مِلْكِهِ ، فَأَشْبَهَ كَسْبَ الْجَانِي .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ الْغُرَمَاءِ ؛ كَنَمَاءِ الرَّهْنِ .\rوَمَنْ اخْتَارَ الْأَوَّلَ ، قَالَ : تَعَلُّقُ الْحَقِّ بِالرَّهْنِ آكَدُ ؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ بِاخْتِيَارِ الْمَالِكِ وَرِضَاهُ ، وَلِهَذَا مُنِعَ التَّصَرُّفُ فِيهِ ، وَهَذَا يَثْبُتُ بِغَيْرِ رِضَى الْمَالِكِ ، وَلَمْ يُمْنَعْ التَّصَرُّفَ ، فَكَانَ أَشْبَهَ بِالْجَانِي .\rوَعَلَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى ، يَكُونُ نَمَاءُ التَّرِكَةِ حُكْمُهُ حُكْمُ التَّرِكَةِ ، وَمَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ الْمُؤْنَةِ مِنْهَا .\rوَإِنْ تَصَرَّفَ الْوَرَثَةُ فِي التَّرِكَةِ ، بِبَيْعِ أَوْ هِبَةٍ أَوْ قِسْمَةٍ ، فَعَلَى الرِّوَايَةِ الْأُولَى ، تَصَرُّفُهُمْ صَحِيحٌ ، فَإِنْ قَضَوْا الدَّيْنَ وَإِلَّا نُقِضَتْ تَصَرُّفَاتُهُمْ ، كَمَا لَوْ تَصَرَّفَ السَّيِّدُ فِي الْعَبْدِ الْجَانِي وَلَمْ يَقْضِ دَيْنَ الْجِنَايَةِ .\rوَعَلَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى ، تَصَرُّفَاتُهُمْ فَاسِدَةٌ ؛ لِأَنَّهُمْ تَصَرَّفُوا فِيمَا لَمْ يَمْلِكُوهُ .","part":23,"page":277},{"id":11277,"text":"( 8426 ) فَصْلٌ : إذَا خَلَّفَ ثَلَاثَةَ بَنِينَ وَأَبَوَيْنِ ، فَادَّعَى الْبَنُونَ أَنْ أَبَاهُمْ وَقَفَ دَارِهِ عَلَيْهِمْ فِي صِحَّتِهِ ، وَأَقَامُوا بِذَلِكَ شَاهِدًا وَاحِدًا ، حَلَفُوا مَعَهُ ، وَصَارَتْ وَقْفًا عَلَيْهِمْ ، وَسَقَطَ حَقُّ الْأَبَوَيْنِ ، وَإِنْ لَمْ يَحْلِفُوا مَعَهُ ، وَلَمْ يَكُنْ عَلَى الْمَيِّتِ دَيْنٌ وَلَا لَهُ وَصِيَّةٌ ، حَلَفَ الْأَبَوَانِ ، وَكَانَ نَصِيبُهُمَا طَلْقًا لَهُمَا ، وَنَصِيبُ الْبَنِينَ وَقْفًا عَلَيْهِمْ بِإِقْرَارِهِمْ ؛ لِأَنَّهُ يَنْفُذُ بِإِقْرَارِهِمْ .\rوَإِنْ كَانَ عَلَى الْمَيِّتِ دَيْنٌ ، أَوْ وَصَّى بِشَيْءٍ ، قُضِيَ دَيْنُهُ ، وَنَفَذَتْ وَصِيَّتُهُ ، وَمَا بَقِيَ بَيْنَ الْوَرَثَةِ ، فَمَا حَصَلَ لِلْبَنِينَ كَانَ وَقْفًا عَلَيْهِمْ بِإِقْرَارِهِمْ .\rوَإِنْ حَلَفَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ كَانَ ثُلُثُ الدَّارِ وَقْفًا عَلَيْهِ ، وَالْبَاقِي يَقْضِي مِنْهُ الدَّيْنَ وَمَا فَضَلَ يَكُونُ مِيرَاثًا ، فَمَا حَصَلَ لِلِابْنَيْنِ مِنْهُ كَانَ وَقْفًا عَلَيْهِمَا ، وَلَا يَرِثُ الْحَالِفُ شَيْئًا ؛ لِأَنَّهُ يَعْتَرِفُ أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ مِنْهَا شَيْئًا سِوَى مَا وُقِفَ عَلَيْهِ .\rوَإِنْ حَلَفُوا كُلُّهُمْ ، فَثَبَتَ الْوَقْفُ عَلَيْهِمْ ، لَمْ يَخْلُ مِنْ أَنْ يَكُونَ الْوَقْفُ مُرَتَّبًا عَلَى بَطْنٍ ، ثُمَّ عَلَى بَطْنٍ بَعْدَ بَطْنٍ أَبَدًا ، أَوْ مُشْتَرَكًا ، فَإِنْ كَانَ مُرَتَّبًا ، فَإِذَا انْقَرَضَ الْأَوْلَادُ الثَّلَاثَةُ ، انْتَقَلَ الْوَقْفُ إلَى الْبَطْنِ الثَّانِي ، بِغَيْرِ يَمِينٍ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ كَوْنُهُ وَقْفًا بِالشَّاهِدَيْنِ وَيَمِينِ الْأَوْلَادِ ، فَلَمْ يَحْتَجْ مِنْ انْتَقَلَ إلَيْهِ إلَى بَيِّنَةٍ ، كَمَا لَوْ ثَبَتَ بِشَاهِدَيْنِ ، وَكَالْمَالِ الْمَوْرُوثِ .\rوَكَذَلِكَ إذَا انْقَرَضَ الْأَوْلَادُ ، وَرَجَعَ إلَى الْمَسَاكِينِ ، لَمْ يَحْتَاجُوا فِي ثُبُوتِهِ لَهُمْ إلَى يَمِينٍ ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ .\rوَإِنْ انْقَرَضَ أَحَدُ الْأَوْلَادِ ، انْتَقَلَ نَصِيبُهُ مِنْهُ إلَى إخْوَتِهِ ، أَوْ إلَى مَنْ شَرَطَ الْوَاقِفُ انْتِقَالَهُ إلَيْهِ ، بِغَيْرِ يَمِينٍ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا .\rفَإِنْ امْتَنَعَ الْبَطْنُ الْأَوَّلُ مِنْ الْيَمِينِ ، فَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ نَصِيبَهُمْ يَكُونُ وَقْفًا","part":23,"page":278},{"id":11278,"text":"عَلَيْهِمْ بِإِقْرَارِهِمْ ، فَإِذَا انْقَرَضُوا ، كَانَ ذَلِكَ وَقْفًا عَلَى حَسْبِ مَا أَقَرُّوا بِهِ ، فَإِنْ كَانَ إقْرَارُهُمْ أَنَّهُ وَقْفٌ عَلَيْهِمْ ، ثُمَّ عَلَى أَوْلَادِهِمْ ، فَقَالَ أَوْلَادُهُمْ : نَحْنُ نَحْلِفُ مَعَ شَاهِدِنَا ، لِتَكُونَ جَمِيعُ الدَّارِ وَقْفًا لَنَا .\rفَلَهُمْ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُمْ يَنْقُلُونَ الْوَقْفَ مِنْ الْوَاقِفِ ، فَلَهُمْ إثْبَاتُهُ كَالْبَطْنِ الْأَوَّلِ .\rفَأَمَّا إنْ حَلَفَ أَحَدُ الْبَنِينَ ، وَنَكَلَ أَخَوَاهُ ، ثُمَّ مَاتَ الْحَالِفُ ؛ نَظَرْت ، فَإِنْ مَاتَ بَعْدَ مَوْتِ إخْوَتِهِ ، صُرِفَ نُصِيبُهُ إلَى أَوْلَادِهِ ، وَجْهًا وَاحِدًا .\rوَإِنْ مَاتَ فِي حَيَاةِ إخْوَتِهِ ، فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ ؛ أَحَدُهَا ، يَنْصَرِفُ إلَى إخْوَتِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَثْبُتُ لِلْبَطْنِ الثَّانِي شَيْءٌ مَعَ بَقَاءِ أَحَدٍ مِنْ الْبَطْنِ الْأَوَّلِ .\rوَالثَّانِي ، يَنْتَقِلُ إلَى أَوْلَادِهِ ؛ لِأَنَّ أَخَوَيْهِ أَسْقَطَا حَقَّهُمَا بِنُكُولِهِمَا ، فَصَارَا كَالْمَعْدُومَيْنِ .\rوَالثَّالِثُ ، يُصْرَفُ إلَى أَقْرَبِ عَصَبَةِ الْوَاقِفِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُمْكِنْ صَرْفُهُ إلَى الْأَخَوَيْنِ ، وَلَا إلَى الْبَطْنِ الثَّانِي ، لِمَا ذَكَرْنَا ، فَيُصْرَفُ إلَى أَقْرَبِ عَصَبَةِ الْوَاقِفِ ، إلَى أَنْ يَمُوتَ الْأَخَوَانِ ، ثُمَّ يَعُودَ إلَى الْبَطْنِ الثَّانِي .\rوَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ؛ لِأَنَّ الْأَخَوَيْنِ لَمْ يُسْقِطَا حُقُوقَهُمَا ، وَإِنَّمَا امْتَنَعَا مِنْ إقَامَةِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِ ، وَلِذَلِكَ لَوْ اعْتَرَفَ لَهُمَا الْأَبَوَانِ ، ثَبَتَ الْوَقْفُ مِنْ غَيْرِ يَمِينٍ ، وَهَا هُنَا قَدْ حَصَلَ الِاعْتِرَافُ مِنْ الْبَطْنِ الثَّانِي ، فَوَجَبَ أَنْ يَنْصَرِفَ إلَيْهِمَا ؛ لِحُصُولِ الِاتِّفَاقِ مِنْ الْجَمِيعِ عَلَى اسْتِحْقَاقِهِمَا لَهُ .\rفَإِنْ قِيلَ : فَإِذَا كَانَ الْبَطْنُ الثَّانِي صِغَارًا ، فَمَا حَصَلَ الِاعْتِرَافُ مِنْهُمْ .\rقُلْنَا : قَدْ حَصَلَ الِاعْتِرَافُ مِنْ الْحَالِفِ الَّذِي ثَبَتَتْ الْحُجَّةُ بِيَمِينِهِ ، وَبِالْبَيِّنَةِ الَّتِي ثَبَتَ بِهَا الْوَقْفُ ، وَبِهَا يَسْتَحِقُّ الْبَطْنُ الثَّانِي ، فَاكْتُفِيَ بِذَلِكَ فِي انْتِقَالِهِ إلَى الْأَخَوَيْنِ ، كَمَا يُكْتَفَى بِهِ فِي انْتِقَالِهِ إلَى","part":23,"page":279},{"id":11279,"text":"الْبَطْنِ الثَّانِي بَعْدَ انْقِرَاضِ الْأَخَوَيْنِ ، وَيَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ هَذَا ، أَنَّنَا اكْتَفَيْنَا بِالْبَيِّنَةِ فِي أَصْلِ الْوَقْفِ ، وَفِي كَيْفِيَّتِهِ ، وَصِفَتِهِ ، وَتَرْتِيبِهِ ، فِيمَا عَدَا هَذَا الْمُخْتَلَفَ فِيهِ فَيَجِبُ أَنْ يُكْتَفَى بِهِ فِيهِ .\rفَأَمَّا إنْ كَانَ شَرْطُ الْوَاقِفِ أَنَّ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ عَنْ وَلَدٍ ، انْتَقَلَ نَصِيبُهُ إلَيْهِ ، انْتَقَلَ إلَى أَوْلَادِهِ ، وَجْهًا وَاحِدًا ؛ لِأَنَّهُ لَا مُنَازِعَ لَهُمْ فِيهِ .\rوَإِنْ مَاتَ مِنْ غَيْرِ وَلَدٍ ، انْتَقَلَ إلَى أَخَوَيْهِ ، عَلَى الْوَجْهِ الصَّحِيحِ ، وَيُخَرَّجُ فِيهِ الْوَجْهَانِ الْآخَرَانِ .\rالْحَالُ الثَّانِي ، إذَا كَانَ الْوَقْفُ مُشْتَرَكًا ؛ وَهُوَ أَنْ يَدَّعُوا أَنَّ أَبَاهُمْ وَقَفَ دَارِهِ عَلَى وَلَدِهِ ، وَوَلَدِ وَلَدِهِ مَا تَنَاسَلُوا ، فَقَدْ شَرَّكَ بَيْنَ الْبُطُونِ ، فَفِي هَذِهِ الْحَالِ ، إذَا حَلَفَ أَوْلَادُهُ الثَّلَاثَةُ مَعَ شَاهِدِهِمْ وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنْ أَوْلَادِهِمْ مَعَهُمْ مَوْجُودًا ، ثَبَتَ الْوَقْفُ عَلَى الثَّلَاثَةِ .\rوَإِنْ كَانَ مِنْ أَوْلَادِهِمْ أَحَدٌ مَوْجُودًا ، فَهُوَ شَرِيكُهُمْ ، فَإِنْ كَانَ كَبِيرًا حَلَفَ وَاسْتَحَقَّ ، وَإِنْ لَمْ يَحْلِفْ كَانَ نَصِيبُهُ مِيرَاثًا تُقْضَى مِنْهُ الدُّيُونُ ، وَتَنْفُذُ الْوَصَايَا ، وَبَاقِيه لِلْوَرَثَةِ ؛ لِأَنَّهُ يَأْخُذُ الْوَقْفَ ابْتِدَاءً مِنْ الْوَاقِفِ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ ، فَهُوَ كَأَحَدِ الْبَنِينَ .\rوَإِنْ كَانَ صَغِيرًا ، أَوْ حَدَثَ لِأَحَدِ الْبَنِينَ وَلَدٌ يُشَارِكُهُمْ فِي الْوَقْفِ ، أَوْ كَانَ أَحَدُ الْبَنِينَ صَغِيرًا ، وَقَفَ نَصِيبَهُ مِنْ الْوَقْفِ عَلَيْهِ ، وَلَا يُسَلَّمُ إلَى وَلِيِّهِ حَتَّى يَبْلُغَ ، فَيَحْلِفَ أَوْ يَمْتَنِعَ ؛ لِأَنَّهُ يَتَلَقَّى الْوَقْفَ مِنْ غَيْرِ وَاسِطَةٍ .\rفَإِنْ قِيلَ : فَلِمَ لَمْ يَسْتَحِقَّ بِغَيْرِ يَمِينٍ ، لِكَوْنِ الْبَنِينَ الْمُسْتَحِقِّينَ مُعْتَرِفِينَ لَهُ بِذَلِكَ ، فَيُكْتَفَى بِاعْتِرَافِهِمْ ، كَمَا لَوْ كَانَ فِي أَيْدِيهمْ دَارٌ فَاعْتَرَفُوا لَصَغِيرٍ مِنْهَا بِشِرْكٍ ، فَإِنَّهُ يُسَلَّمُ إلَى وَلِيِّهِ ؟ قُلْنَا : الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الدَّارَ الَّتِي فِي أَيْدِيهمْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ","part":23,"page":280},{"id":11280,"text":"فِيهَا مُنَازِعٌ ، وَلَا يُوجَبُ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ فِيهَا يَمِينٌ ، وَهَذِهِ يُنَازِعُهُمْ فِيهَا الْأَبَوَانِ ، وَأَصْحَابُ الدُّيُونِ وَالْوَصَايَا ، وَإِنَّمَا يَأْخُذُونَهَا بِأَيْمَانِهِمْ ، فَإِذَا أَقَرُّوا بِمُشَارِكٍ لَهُمْ ، فَقَدْ اعْتَرَفُوا بِأَنَّهُ كَوَاحِدٍ مِنْهُمْ ، لَا يَسْتَحِقُّ إلَّا بِيَمِينِهِ ، كَمَا لَا يَسْتَحِقُّ وَاحِدٌ مِنْهُمْ إلَّا بِالْيَمِينِ .\rوَيُفَارِقُ مَا إذَا كَانَ الْوَقْفُ مُرَتَّبًا عَلَى بَطْنٍ ، بَعْدَ بَطْنٍ ، فَإِنَّهُ لَا يُشَارِكُهُمْ أَحَدٌ مِنْ الْبَطْنِ الثَّانِي .\rفَإِذَا بَلَغَ الصَّغِيرُ الْمَوْقُوفُ نَصِيبُهُ ، فَحَلَفَ ، كَانَ لَهُ ، وَإِنْ امْتَنَعَ نَظَرْت ؛ فَإِنْ كَانَ مَوْجُودًا حِينَ الدَّعْوَى ، أَوْ قَبْلَ حَلِفِهِمْ ، كَانَ نَصِيبُهُ مِيرَاثًا ، كَمَا لَوْ كَانَ بَالِغًا ، فَامْتَنَعَ مِنْ الْيَمِينِ ، فَإِنْ حَدَثَ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ وَثُبُوتِ الْوَقْفِ نَمَاءٌ ، كَانَ لَهُ نَصِيبُهُ أَيْضًا ؛ لِأَنَّ الْوَقْفَ ثَبَتَ فِي جَمِيعِ الدَّارِ بِأَيْمَانِ الْبَنِينَ ، فَلَا يَبْطُلُ بِامْتِنَاعِ مَنْ حَدَثِ ، إلَّا أَنَّهُ إنْ أَقَرَّ أَنَّهَا لَيْسَتْ وَقْفًا ، وَكَذَّبَ الْبَنِينَ فِي ذَلِكَ ، كَانَ نَصِيبُهُ مِنْ الْغَلَّةِ مِيرَاثًا ، حُكْمُهُ حُكْمُ نَمَاءِ الْمِيرَاثِ ، وَإِنْ لَمْ يُكَذِّبْهُمْ ، فَنَصِيبُهُ وَقْفٌ لَهُ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : إنْ امْتَنَعَ مِنْ الْيَمِينِ ، رُدَّ نَصِيبُهُ إلَى الْأَوْلَادِ الثَّلَاثَةِ ، وَلَمْ يُفَرَّقْ بَيْنَ مَنْ كَانَ مَوْجُودًا حَالَ الدَّعْوَى وَالْحَادِثِ بَعْدَهَا ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا بِغَيْرِ يَمِينِهِ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَبْطُلَ الْوَقْفُ الثَّابِتُ بِأَيْمَانِهِمْ ، فَتَعَيَّنَ رَدُّ نَصِيبِهِ إلَيْهِمْ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ إنْ كَانَ مَوْجُودًا حَالَ الدَّعْوَى وَحَلِفِهِمْ ، فَهُوَ شَرِيكُهُمْ حِينَ يَثْبُتُ الْوَقْفُ ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَثْبُتَ الْوَقْفُ فِي نَصِيبِهِ بِغَيْرِ يَمِينِهِ ، كَالْبَالِغِ ، وَإِنْ كَانَ حَادِثًا بَعْدَ ثُبُوتِ الْوَقْفِ بِأَيْمَانِهِمْ ، فَهُمْ مُقِرُّونَ لَهُ بِنَصِيبِهِ وَهُوَ يُصَدِّقُهُمْ فِي إقْرَارِهِمْ فَلَمْ يَجُزْ لَهُمْ أَخْذُ نَصِيبِهِ كَمَا لَوْ أَقَرُّوا لَهُ بِمَالٍ ،","part":23,"page":281},{"id":11281,"text":"وَلِأَنَّهُمْ يُقِرُّونَ بِأَنَّهُمْ لَا يَسْتَحِقُّونَ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَرْبَاعِ الْوَقْفِ ، فَلَا يَجُوزُ لَهُمْ أَخْذُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ .\rوَإِنْ مَاتَ الصَّغِيرُ قَبْلَ بُلُوغِهِ ، قَامَ وَارِثُهُ مَقَامَهُ ، فِيمَا ذَكَرْنَا .\rوَإِنْ مَاتَ أَحَدُ الْبَنِينَ الْبَالِغِينَ قَبْلَ بُلُوغِ الصَّغِيرِ ، وُقِفَ أَيْضًا نَصِيبُهُ مِمَّا كَانَ لِعَمِّهِ الْمَيِّتِ ، وَكَانَ الْحُكْمُ فِيهِ ، كَالْحُكْمِ فِي نَصِيبِهِ الْأَصْلِيِّ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : إنْ بَلَغَ فَامْتَنَعَ مِنْ الْيَمِينِ ، فَالرُّبْعُ مَوْقُوفٌ إلَى حِينِ مَوْتِ الثَّالِثِ ، وَيُقْسَمُ بَيْنَ الْبَالِغِينَ وَوَرَثَةِ الْمَيِّتِ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ بَيْنَ الثَّلَاثَةِ ، وَنَصِيبُهُ مِنْ الْمَيِّتِ لِلْبَالِغَيْنِ الْحَيَّيْنِ خَاصَّةً ؛ لِأَنَّهُمَا مُسْتَحِقَّا الْوَقْفِ .","part":23,"page":282},{"id":11282,"text":"( 8427 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَمَنْ ادَّعَى دَعْوَى ، وَذَكَرَ أَنَّ بَيِّنَتَهُ بِالْبُعْدِ مِنْهُ ، فَحَلَفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ، ثُمَّ أَحْضَرَ الْمُدَّعِي بَيِّنَتَهُ حُكِمَ بِهَا ، وَلَمْ تَكُنْ الْيَمِينُ مُزِيلَةً لِلْحَقِّ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْمُدَّعِيَ إذَا ذَكَرَ أَنَّ بَيِّنَتَهُ بَعِيدَةٌ مِنْهُ ، أَوْ لَا يُمْكِنُهُ إحْضَارُهَا ، أَوْ لَا يُرِيدُ إقَامَتَهَا ، فَطَلَبَ الْيَمِينَ مِنْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ، أُحْلِفَ لَهُ ، فَإِذَا حَلَفَ ، ثُمَّ أَحْضَرَ الْمُدَّعِي بِبَيِّنَةِ ، حُكِمَ لَهُ .\rوَبِهَذَا قَالَ شُرَيْحٌ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَاللَّيْثُ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَبُو يُوسُفَ ، وَإِسْحَاقُ .\rوَحُكِيَ عَنْ ابْنِ أَبِي لَيْلَى ، وَدَاوُد ، أَنَّ بَيِّنَتَهُ لَا تُسْمَعُ ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ حُجَّةُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ، فَلَا تُسْمَعُ بَعْدَهَا حُجَّة الْمُدَّعِي ، كَمَا لَا تُسْمَعُ يَمِينُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بَعْدَ بَيِّنَةِ الْمُدَّعِي .\rوَلَنَا ، قَوْلُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : الْبَيِّنَةُ الصَّادِقَةُ ، أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ الْيَمِينِ الْفَاجِرَةِ .\rوَظَاهِرُ هَذِهِ الْبَيِّنَةِ الصِّدْقُ ، وَيَلْزَمُ مِنْ صِدْقِهَا فُجُورُ الْيَمِينِ الْمُتَقَدِّمَةِ ، فَتَكُونُ أَوْلَى ، وَلِأَنَّ كُلَّ حَالَةٍ يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَقُّ فِيهَا بِإِقْرَارِهِ ، يَجِبُ عَلَيْهِ بِالْبَيِّنَةِ ، كَمَا قَبْلَ الْيَمِينِ ، وَمَا ذَكَرُوهُ لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ الْأَصْلُ ، وَالْيَمِينَ بَدَلٌ عَنْهَا .\rوَلِهَذَا لَا تُشْرَعُ إلَّا عِنْدَ تَعَذُّرِهَا ، وَالْبَدَلُ يَبْطُلُ بِالْقُدْرَةِ عَلَى الْمُبْدَلِ ، كَبُطْلَانِ التَّيَمُّمِ بِالْقُدْرَةِ عَلَى الْمَاءِ ، وَلَا يَبْطُلُ الْأَصْلُ بِالْقُدْرَةِ عَلَى الْبَدَلِ ، وَيَدُلُّ عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَمَا ، أَنَّهُمَا حَالَ اجْتِمَاعِهِمَا ، وَإِمْكَانِ سَمَاعِهِمَا ، تُسْمَعُ الْبَيِّنَةُ ، وَيُحْكَمُ بِهَا ، وَلَا تُسْمَعُ الْيَمِينُ ، وَلَا يُسْأَلُ عَنْهَا .","part":23,"page":283},{"id":11283,"text":"( 8428 ) فَصْلٌ : وَإِنْ طَلَبَ الْمُدَّعِي حَبْسَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ، أَوْ إقَامَةَ كَفِيلٍ بِهِ إلَى أَنْ تَحْضُرَ بَيِّنَتُهُ الْبَعِيدَةُ ، لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مُلَازَمَةُ خَصْمِهِ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ لَهُ قِبَلَهُ حَقٌّ يُحْبَسُ بِهِ ، وَلَا يُقِيمُ بِهِ كَفِيلًا ، وَلِأَنَّ الْحَبْسَ عَذَابٌ ، فَلَا يَلْزَمُ مَعْصُومًا لَمْ يَتَوَجَّهْ عَلَيْهِ حَقٌّ ، وَلِأَنَّهُ لَوْ جَازَ ذَلِكَ ، لَتَمَكَّنَ كُلُّ ظَالِمٍ مِنْ حَبْسٍ مَنْ شَاءَ مِنْ النَّاسِ بِغَيْرِ حَقٍّ .\rوَإِنْ كَانَتْ بَيِّنَتُهُ قَرِيبَةً ، فَلَهُ مُلَازَمَتُهُ حَتَّى يُحْضِرَهَا ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ ضَرُورَةِ إقَامَتِهَا ، فَإِنَّهُ لَوْ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ مُلَازَمَتِهِ ، لَذَهَبَ مِنْ مَجْلِسِ الْحَاكِمِ ، وَلَا تُمْكِنُ إقَامَتُهَا إلَّا بِحَضْرَتِهِ ، وَلِأَنَّهُ لَمَّا تَمَكَّنَ مِنْ إحْضَارِهِ مَجْلِسَ الْحَاكِمِ لِيُقِيمَ الْبَيِّنَةَ عَلَيْهِ ، تَمَكَّنَ مِنْ مُلَازَمَتِهِ فِيهِ حَتَّى تَحْضُرَ الْبَيِّنَةُ .\rوَتُفَارِقُ الْبَيِّنَةَ الْبَعِيدَةَ ، أَوْ مَنْ لَا يُمْكِنُ حُضُورُهَا ، فَإِنَّ إلْزَامَهُ الْإِقَامَةَ إلَى حِينِ حُضُورِهَا يَحْتَاجُ إلَى حَبْسٍ ، أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ ، وَلَا سَبِيلَ إلَيْهِ .","part":23,"page":284},{"id":11284,"text":"( 8429 ) فَصْلٌ : وَلَوْ أَقَامَ الْمُدَّعِي شَاهِدًا وَاحِدًا ، وَلَمْ يَحْلِفْ مَعَهُ ، وَطَلَبَ يَمِينَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ، أُحْلِفَ لَهُ ، ثُمَّ إنْ أَحْضَرَ شَاهِدًا آخَرَ بَعْدَ ذَلِكَ ، كَمَّلَتْ بَيِّنَتُهُ ، وَقُضِيَ بِهَا ؛ لِمَا ذَكَرْنَا فِي الَّتِي قَبْلَهَا .\rوَإِنْ قَالَ الْمُدَّعِي : لِي بَيِّنَةٌ حَاضِرَةٌ ، وَأُرِيدُ إحْلَافَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ، ثُمَّ أُقِيمُ الْبَيِّنَةَ عَلَيْهِ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، لَهُ ذَلِكَ ، وَيَسْتَحْلِفُ خَصْمَهُ ؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ اسْتِحْلَافَهُ إذَا كَانَتْ بَيِّنَتُهُ بَعِيدَةً ، فَكَذَلِكَ إذَا كَانَتْ قَرِيبَةً ؛ وَلِأَنَّهُ لَوْ قَالَ : لَا أُرِيدُ إقَامَةَ بَيِّنَتِي الْقَرِيبَةِ .\rمَلَكَ اسْتِحْلَافَهُ ، فَكَذَلِكَ إذَا أَرَادَ إقَامَتَهَا .\rالثَّانِي ، لَا يَمْلِكُ اسْتِحْلَافَهُ ؛ لِأَنَّ فِي الْبَيِّنَةِ غُنْيَةً عَنْ الْيَمِينِ ، فَلَمْ تُشْرَعْ مَعَهَا ؛ وَلِأَنَّ الْبَيِّنَةَ أَصْلٌ ، وَالْيَمِينَ بَدَلٌ ، فَلَا يُجْمَعُ بَيْنَ الْبَدَلِ وَالْأَصْلِ ، كَالتَّيَمُّمِ مَعَ الْمَاءِ .\rوَفَارَقَ الْبَعِيدَةَ ، فَإِنَّهَا فِي الْحَالِ كَالْمَعْدُومَةِ لِلْعَجْزِ عَنْهَا ، وَكَذَلِكَ الَّتِي لَا يُرِيدُ إقَامَتَهَا ؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَكُونُ عَلَيْهِ مَشَقَّةٌ فِي إحْضَارِهَا ، أَوْ عَلَيْهِ فِي الْحُضُورِ مَشَقَّةٌ ، فَيَسْقُطُ ذَلِكَ لِلْمَشَقَّةِ ، بِخِلَافِ الَّتِي يُرِيدُ إقَامَتَهَا .","part":23,"page":285},{"id":11285,"text":"( 8430 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَالْيَمِينُ الَّتِي يَبْرَأُ بِهَا الْمَطْلُوبُ ، هِيَ الْيَمِينُ بِاَللَّهِ ، وَإِنْ كَانَ الْحَالِفُ كَافِرًا ) .\rوَجُمْلَتُهُ ، أَنَّ الْيَمِينَ الْمَشْرُوعَةَ فِي الْحُقُوقِ الَّتِي يَبْرَأُ بِهَا الْمَطْلُوبُ ، هِيَ الْيَمِينُ بِاَللَّهِ تَعَالَى .\rفِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، إلَّا أَنَّ مَالِكًا أُحِبَّ أَنْ يَحْلِفَ بِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ ، وَإِنْ اسْتَحْلَفَ حَاكِمٌ بِاَللَّهِ ، أَجْزَأَ .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : هَذَا أَحَبُّ إلَيَّ ؛ لِأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ رَوَى { ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَحْلَفَ رَجُلًا ، فَقَالَ لَهُ : قُلْ : وَاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ ، مَالَهُ عِنْدَك شَيْءٌ .\r} رَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَفِي حَدِيثِ عُمَرَ ، حِينَ حَلَفَ لِأَبِي ، قَالَ : وَاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ ، إنَّ النَّخْلَ لَنَخْلِي ، وَمَا لِأَبِي فِيهَا شَيْءٌ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : إنْ كَانَ الْمُدَّعَى قِصَاصًا أَوْ عَتَاقًا ، أَوْ حَدًّا ، أَوْ مَالًا يَبْلُغُ نِصَابًا غَلُظَتْ الْيَمِينُ ، فَيَحْلِفُ بِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ ، عَالَمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، الَّذِي يَعْلَمُ مِنْ السِّرِّ مَا يَعْلَمُ مِنْ الْعَلَانِيَةِ .\rوَقَالَ فِي الْقَسَامَةِ : عَالِمِ خَائِنَةِ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ .\rوَهَذَا اخْتِيَارُ أَبِي الْخَطَّابِ .\rوَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّ هَذَا فِي أَيْمَانِ الْقَسَامَةِ خَاصَّةً ، وَلَيْسَ بِشَرْطٍ وَلَنَا ، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاَللَّهِ إنْ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا } .\rوَقَالَ تَعَالَى : { فَيُقْسِمَانِ بِاَللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا } .\rوَقَالَ تَعَالَى فِي اللِّعَانِ : { فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاَللَّهِ إنَّهُ لِمَنْ الصَّادِقِينَ } .\rوَقَالَ تَعَالَى : { وَأَقْسَمُوا بِاَللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ } .\rقَالَ بَعْضُ أَهْلِ التَّفْسِيرِ : مَنْ أَقْسَمَ بِاَللَّهِ ، فَقَدْ أَقْسَمَ جَهْدَ الْيَمِينِ { .\rوَاسْتَحْلَفَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ","part":23,"page":286},{"id":11286,"text":"وَسَلَّمَ رُكَانَةَ بْنَ عَبْدِ يَزِيدَ فِي الطَّلَاقِ ، فَقَالَ : آللَّهِ مَا أَرَدْت إلَّا وَاحِدَةً } .\rحَدِيثِ الْحَضْرَمِيِّ وَالْكَنَدِيُّ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : أَلَكَ بَيِّنَةٌ ؟ .\rقَالَ : لَا ، وَلَكِنْ أُحَلِّفُهُ ، وَاَللَّهِ مَا يَعْلَمُ أَنَّهَا أَرْضِي غَصَبَنِيهَا .\r} رَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَقَالَ عُثْمَانُ لِابْنِ عُمَرَ : تَحْلِفُ بِاَللَّهِ لَقَدْ بِعْته وَمَا بِهِ دَاءٌ تَعْلَمَهُ .\rوَلِأَنَّ فِي اللَّهِ كِفَايَةً ، فَوَجَبَ أَنْ يُكْتَفَى بِاسْمِهِ فِي الْيَمِينِ ، كَالْمَوْضِعِ الَّذِي سَلَّمُوهُ .\rفَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعُمَرَ ، فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ الِاسْتِحْلَافِ كَذَلِكَ ، وَمَا ذَكَرْنَاهُ يَدُلُّ عَلَى الِاكْتِفَاءِ بِاسْمِ اللَّهِ وَحْدَهُ ، وَمَا ذَكَرَهُ الْبَاقُونَ فَتَحَكُّمٌ لَا نَصَّ فِيهِ ، وَلَا قِيَاسَ يَقْتَضِيه .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّ الْيَمِينَ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ وَالْكَافِرِ جَمِيعًا بِاَللَّهِ تَعَالَى ، لَا يَحْلِفُ أَحَدٌ بِغَيْرِهِ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { فَيُقْسِمَانِ بِاَللَّهِ } .\rوَلِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ كَانَ حَالِفًا ، فَلْيَحْلِفْ بِاَللَّهِ أَوْ لِيَصْمُتْ } .\r.","part":23,"page":287},{"id":11287,"text":"( 8431 ) فَصْلٌ : وَتُشْرَعُ الْيَمِينُ فِي حَقِّ كُلِّ مُدَّعَى عَلَيْهِ ، سَوَاءٌ كَانَ مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا ، عَدْلًا أَوْ فَاسِقًا ، امْرَأَةً أَوْ رَجُلًا ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ } .\rوَرَوَى شَقِيقٌ ، عَنْ الْأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ ، قَالَ { : كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ رَجُلٍ مِنْ الْيَهُودِ أَرْضٌ ، فَجَحَدَنِي ، فَقَدَّمْته إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هَلْ لَك بَيِّنَةٌ ؟ .\rقُلْت : لَا .\rقَالَ لِلْيَهُودِيِّ : احْلِفْ .\rقُلْت : إذًا يَحْلِفُ ، فَيَذْهَبُ بِمَالِي .\rفَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : { إنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا } .\r} إلَى آخِرِ الْآيَةِ .\rرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ .\rوَفِي حَدِيثِ الْحَضْرَمِيِّ ، قُلْت : إنَّهُ رَجُلٌ فَاجِرٌ ، لَا يُبَالِي عَلَى مَا حَلَفَ عَلَيْهِ .\rقَالَ : { لَيْسَ لَك مِنْهُ إلَّا ذَلِكَ } .","part":23,"page":288},{"id":11288,"text":"( 8432 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( إلَّا أَنَّهُ إنْ كَانَ يَهُودِيًّا ، قِيلَ لَهُ : قُلْ : وَاَللَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى .\rوَإِنْ كَانَ نَصْرَانِيًّا ، قِيلَ لَهُ : قُلْ : وَاَللَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ الْإِنْجِيلَ عَلَى عِيسَى .\rوَإِنْ كَانَ لَهُمْ مَوَاضِعُ يُعَظِّمُونَهَا ، وَيَتَوَقَّوْنَ أَنْ يَحْلِفُوا فِيهَا كَاذِبِينَ ، حُلِّفُوا فِيهَا ) .\rظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، أَنَّ الْيَمِينَ لَا تُغَلَّظُ إلَّا فِي حَقِّ أَهْلِ الذِّمَّةِ ، وَلَا تُغَلَّظُ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِينَ .\rوَنَحْوَ هَذَا قَالَ أَبُو بَكْرٍ .\rوَوَجْهُ تَغْلِيظِهَا فِي حَقِّهِمْ ، مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَعْنِي لِلْيَهُودِ - : { نَشَدْتُكُمْ بِاَللَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى ، مَا تَجِدُونَ فِي التَّوْرَاةِ عَلَى مَنْ زَنَى ؟ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَكَذَلِكَ قَالَ الْخِرَقِيِّ : تُغَلَّظُ بِالْمَكَانِ ، فَيُحَلَّفُ فِي الْمَوَاضِعِ الَّتِي يُعَظِّمُهَا ، وَيَتَوَقَّى الْكَذِبَ فِيهَا .\rوَلَمْ يَذْكُرْ التَّغْلِيظَ بِالزَّمَانِ .\rوَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ إنْ رَأَى التَّغْلِيظَ فِي الْيَمِينِ فِي اللَّفْظِ بِالزَّمَانِ وَالْمَكَانِ فَلَهُ ذَلِكَ .\rقَالَ : وَقَدْ أَوْمَأَ إلَيْهِ أَحْمَدُ ، فِي رِوَايَةِ الْمَيْمُونِي .\rوَذَكَرَ التَّغْلِيظَ فِي حَقِّ الْمَجُوسِيِّ ، قَالَ : فَيُقَالُ لَهُ : قُلْ : وَاَللَّهِ الَّذِي خَلَقَنِي وَرَزَقَنِي .\rوَإِنْ كَانَ وَثَنِيًّا حَلَّفَهُ بِاَللَّهِ وَحْدَهُ .\rوَكَذَلِكَ إنْ كَانَ لَا يَعْبُدُ اللَّهَ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُحَلَّفَ بِغَيْرِ اللَّهِ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ كَانَ حَالِفًا ، فَلْيَحْلِفْ بِاَللَّهِ ، أَوْ لِيَصْمُت } .\rوَلِأَنَّ هَذَا إنْ لَمْ يَكُنْ يَعْتَدُّ هَذِهِ يَمِينًا ، فَإِنَّهُ يَزْدَادُ بِهَا إثْمًا وَعُقُوبَةً ، وَرُبَّمَا عُجِّلَتْ عُقُوبَتُهُ ، فَيَتَّعِظُ بِذَلِكَ ، وَيَعْتَبِرُ بِهِ غَيْرُهُ .\rوَهَذَا كُلُّهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ فِي الْيَمِينِ ، وَإِنَّمَا لِلْحَاكِمِ فِعْلُهُ إذَا رَأَى .\rوَمِمَّنْ قَالَ : يَسْتَحْلِفُ أَهْلَ الْكِتَابِ","part":23,"page":289},{"id":11289,"text":"بِاَللَّهِ وَحْدَهُ .\rمَسْرُوقٌ ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، وَعَطَاءٌ ، وَشُرَيْحٌ ، وَالْحَسَنُ ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ كَعْبِ بْنِ سَوْرٍ ، وَمَالِكٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ .\rوَمِمَّنْ قَالَ : لَا يُشْرَعُ التَّغْلِيظُ بِالزَّمَانِ وَالْمَكَانِ فِي حَقِّ مُسْلِمٍ .\rأَبُو حَنِيفَةَ وَصَاحِبَاهُ .\rوَقَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ : تُغَلَّظُ .\rثُمَّ اخْتَلَفَا ؛ فَقَالَ مَالِكٌ : يُحَلَّفُ فِي الْمَدِينَةِ عَلَى مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيُحَلَّفُ قَائِمًا ، وَلَا يُحَلَّفُ قَائِمًا إلَّا عَلَى مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَسْتَحْلِفُونَ فِي غَيْرِ الْمَدِينَةِ فِي مَسَاجِدِ الْجَمَاعَاتِ ، وَلَا يُحَلَّفُ عِنْدَ الْمِنْبَرِ إلَّا عَلَى مَا يُقْطَعُ فِيهِ السَّارِقُ فَصَاعِدًا ، وَهُوَ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يُسْتَحْلَفُ الْمُسْلِمُ بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْمَقَامِ بِمَكَّةَ ، وَفِي الْمَدِينَةِ عِنْدَ مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِي سَائِرِ الْبُلْدَانِ فِي الْجَوَامِعِ عِنْدَ الْمِنْبَرِ ، وَعِنْدَ الصَّخْرَةِ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ ، وَتُغَلَّظُ فِي الزَّمَانِ فِي الِاسْتِحْلَافِ بَعْدَ الْعَصْرِ ، وَلَا تُغَلَّظُ فِي الْمَالِ إلَّا فِي نِصَابٍ فَصَاعِدًا ، وَتُغَلَّظُ فِي الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَالْحَدِّ وَالْقِصَاصِ .\rوَهَذَا اخْتِيَارُ أَبِي الْخَطَّابِ .\rوَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : تُغَلَّظُ فِي الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ .\rوَاحْتَجُّوا بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاَللَّهِ } .\rقِيلَ : أَرَادَ بَعْدَ الْعَصْرِ .\rوَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { مَنْ حَلَفَ عَلَى مِنْبَرِي هَذَا بِيَمِينٍ آثِمَةٍ ، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ } .\rفَثَبَتَ أَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ تَأْكِيدُ الْيَمِينِ .\rوَرَوَى مَالِكٌ ، قَالَ : اخْتَصَمَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَابْنُ مُطِيعٍ ، فِي دَارٍ كَانَتْ بَيْنَهُمَا ، إلَى مَرْوَانِ بْنِ الْحَكَمِ ، فَقَالَ زَيْدٌ : أَحْلِفُ لَهُ مَكَانِي فَقَالَ مَرْوَانُ : لَا وَاَللَّهِ ، إلَّا","part":23,"page":290},{"id":11290,"text":"عِنْدَ مَقَاطِعِ الْحُقُوقِ .\rقَالَ : فَجَعَلَ زَيْدٌ يَحْلِفُ أَنَّ حَقَّهُ لَحَقٌّ وَيَأْبَى أَنْ يَحْلِفَ عِنْدَ الْمِنْبَرِ ، فَجَعَلَ مَرْوَانُ يَعْجَبُ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنْ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمْ الْأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاَللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا } .\rوَلَمْ يَذْكُرْ مَكَانًا وَلَا زَمَنًا ، وَلَا زِيَادَةً فِي اللَّفْظِ .\rوَاسْتَحْلَفَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رُكَانَةَ فِي الطَّلَاقِ ، فَقَالَ : { آللَّهِ مَا أَرَدْت إلَّا وَاحِدَةً ؟ .\rقَالَ : آللَّهِ مَا أَرَدْت إلَّا وَاحِدَةً } .\rوَلَمْ يُغَلِّظْ يَمِينَهُ بِزَمَنٍ ، وَلَا مَكَان ، وَلَا زِيَادَةِ لَفْظٍ ، وَسَائِرِ مَا ذَكَرْنَا فِي الَّتِي قَبْلَهَا .\rوَحَلَفَ عُمَرُ لِأَبِي حِينَ تَحَاكَمَا إلَى زَيْدٍ فِي مَكَانِهِ ، وَكَانَا فِي بَيْتِ زَيْدٍ .\rوَقَالَ عُثْمَانُ لِابْنِ عُمَرَ : تَحْلِفُ بِاَللَّهِ لَقَدْ بِعْته وَمَا بِهِ دَاءٌ تَعْلَمُهُ ؟ وَفِيمَا ذَكَرُوهُ تَقْيِيدٌ لِمُطْلَقِ هَذِهِ النُّصُوصِ ، وَمُخَالَفَةُ الْإِجْمَاعِ .\rفَإِنَّ مَا ذَكَرْنَا عَنْ الْخَلِيفَتَيْنِ عُمَرَ وَعُثْمَانَ ، مَعَ مَنْ حَضَرِهِمَا ، لَمْ يُنْكَرْ ، وَهُوَ فِي مَحَلِّ الشُّهْرَةِ ، فَكَانَ إجْمَاعًا .\rوقَوْله تَعَالَى : { تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ } .\rإنَّمَا كَانَ فِي حَقِّ أَهْلِ الْكِتَابِ فِي الْوَصِيَّةِ فِي السَّفَرِ ، وَهِيَ قَضِيَّةٌ خُولِفَ فِيهَا الْقِيَاسُ فِي مَوَاضِعَ ؛ مِنْهَا قَبُولُ شَهَادَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ ، وَمِنْهَا اسْتِحْلَافُ الشَّاهِدَيْنِ ، وَمِنْهَا اسْتِحْلَافُ خُصُومِهِمَا عِنْدَ الْعُثُورِ عَلَى اسْتِحْقَاقِهِمَا الْإِثْمَ ، وَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ بِهَا أَصْلًا ، فَكَيْفَ يَحْتَجُّونَ بِهَا ؟ وَلَمَّا ذَكَرَ أَيْمَانَ الْمُسْلِمِينَ أَطْلَقَ الْيَمِينَ ، وَلَمْ يُقَيِّدْهَا .\rوَالِاحْتِجَاجُ بِهَذَا أَوْلَى مِنْ الْمَصِيرِ إلَى مَا خُولِفَ فِيهِ الْقِيَاسُ وَتُرِكَ الْعَمَلُ بِهِ .\rوَأَمَّا حَدِيثُهُمْ ، فَلَيْسَ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الْيَمِينِ عِنْدَ الْمِنْبَرِ ، إنَّمَا فِيهِ تَغْلِيظُ الْيَمِينِ عَلَى الْحَالِفِ","part":23,"page":291},{"id":11291,"text":"عِنْدَهُ ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ هَذَا الِاسْتِحْلَافُ عِنْدَهُ .\rوَأَمَّا قِصَّةُ مَرْوَانَ ، فَمِنْ الْعَجَبِ احْتِجَاجُهُمْ بِهَا ، وَذَهَابُهُمْ إلَى قَوْلِ مَرْوَانَ فِي قَضِيَّةٍ خَالَفَهُ زَيْدٌ فِيهَا ، وَقَوْلُ زَيْدٍ ، فَقِيهِ الصَّحَابَةِ وَقَاضِيهمْ وَأَفْرَضِهِمْ ، أَحَقُّ أَنْ يُحْتَجَّ بِهِ مِنْ قَوْلِ مَرْوَانَ ؛ فَإِنَّ قَوْلَ مَرْوَانَ لَوْ انْفَرَدَ ، مَا جَازَ الِاحْتِجَاجُ بِهِ ، فَكَيْفَ يَجُوزُ الِاحْتِجَاجُ بِهِ عَلَى مُخَالَفَةِ إجْمَاعِ الصَّحَابَةِ ، وَقَوْلِ أَئِمَّتِهِمْ وَفُقَهَائِهِمْ ، وَمُخَالَفَتِهِ فَعَلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِطْلَاقَ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى ؟ وَهَذَا مَا لَا يَجُوزُ .\rوَإِنَّمَا ذَكَرَ الْخِرَقِيِّ التَّغْلِيظَ بِالْمَكَانِ وَاللَّفْظِ فِي حَقِّ الذِّمِّيِّ ، لِاسْتِحْلَافِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْيَهُودَ ، بِقَوْلِهِ : { نَشَدْتُكُمْ بِاَللَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى } .\rوَلِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى فِي حَقِّ الْكِتَابِيَّيْنِ { تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ } .\rوَلِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْ كَعْبِ بْنِ سُورٍ ، فِي نَصْرَانِيٍّ قَالَ : اذْهَبُوا بِهِ إلَى الْمَذْبَحِ ، وَاجْعَلُوا الْإِنْجِيلَ فِي حِجْرِهِ ، وَالتَّوْرَاةَ عَلَى رَأْسِهِ .\rوَقَالَ الشَّعْبِيُّ فِي نَصْرَانِيٍّ : اذْهَبْ بِهِ إلَى الْبِيعَةِ ، فَاسْتَحْلِفْهُ بِمَا يُسْتَحْلَفُ بِهِ مِثْلُهُ .\rوَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : لَا أَعْلَمُ حُجَّةً تُوجِبُ أَنْ يُسْتَحْلَفَ فِي مَكَان بِعَيْنِهِ ، وَلَا بِيَمِينٍ غَيْرِ الَّذِي يُسْتَحْلَفُ بِهَا الْمُسْلِمُونَ .\rوَعَلَى كُلِّ حَالٍ ، فَلَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ ، فِي أَنَّ التَّغْلِيظَ بِالزَّمَانِ وَالْمَكَانِ وَالْأَلْفَاظِ غَيْرُ وَاجِبٍ ، إلَّا أَنَّ ابْنَ الصَّبَّاغِ ذَكَرَ أَنَّ فِي وُجُوبِ التَّغْلِيظِ بِالْمَكَانِ قَوْلَيْنِ لِلشَّافِعِيِّ .\rوَخَالَفَهُ ابْنُ الْقَاصِّ ، فَقَالَ : لَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ ، فِي أَنَّ الْقَاضِيَ حَيْثُ اسْتَحْلَفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِي عَمَلِهِ وَبَلَدِ قَضَائِهِ ، جَازَ ، وَإِنَّمَا التَّغْلِيظُ بِالْمَكَانِ فِيهِ اخْتِيَارٌ فَيَكُونُ التَّغْلِيظُ عِنْدَ مَنْ رَآهُ","part":23,"page":292},{"id":11292,"text":"اخْتِيَارًا وَاسْتِحْسَانًا .","part":23,"page":293},{"id":11293,"text":"( 8433 ) فَصْلٌ : قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : لَمْ نَجِدْ أَحَدًا يُوجِبُ الْيَمِينَ بِالْمُصْحَفِ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : رَأَيْتُهُمْ يُؤَكِّدُونَ بِالْمُصْحَفِ ، وَرَأَيْت ابْنَ مَازِنٍ ، وَهُوَ قَاضٍ بِصَنْعَاءَ ، يُغَلِّظُ الْيَمِينَ بِالْمُصْحَفِ .\rقَالَ أَصْحَابُهُ : فَيُغَلِّظُ عَلَيْهِ بِإِحْضَارِ الْمُصْحَفِ ؛ لِأَنَّهُ يَشْتَمِلُ عَلَى كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى وَأَسْمَائِهِ .\rوَهَذَا زِيَادَةٌ عَلَى مَا أَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْيَمِينِ ، وَفَعَلَهُ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ وَقُضَاتُهُمْ ، مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ وَلَا حُجَّةٍ يُسْتَنَدُ إلَيْهَا ، وَلَا يُتْرَكُ فِعْلُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ لِفِعْلِ ابْنِ مَازِنٍ وَلَا غَيْرِهِ .","part":23,"page":294},{"id":11294,"text":"( 8434 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَيَحْلِفُ الرَّجُلُ فِيمَا عَلَيْهِ عَلَى الْبَتِّ .\rوَيَحْلِفُ الْوَارِثُ عَلَى دَيْنِ الْمَيِّتِ عَلَى الْعِلْمِ ) .\rمَعْنَى الْبَتِّ : الْقَطْعُ .\rأَيْ يَحْلِفُ بِاَللَّهِ مَالَهُ عَلَيَّ شَيْءٌ .\rوَجُمْلَةُ الْأَمْرِ أَنَّ الْأَيْمَانَ كُلَّهَا عَلَى الْبَتِّ وَالْقَطْعِ ، إلَّا عَلَى نَفْيِ فِعْلِ الْغَيْرِ ، فَإِنَّهَا عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ الشَّعْبِيُّ ، وَالنَّخَعِيُّ : كُلُّهَا عَلَى الْعِلْمِ .\rوَذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى رِوَايَةً عَنْ أَحْمَدَ .\rوَذَكَرَ أَحْمَدُ حَدِيثَ الشَّيْبَانِيِّ ، عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا تَضْطَرُّوا النَّاسَ فِي أَيْمَانِهِمْ أَنْ يَحْلِفُوا عَلَى مَا لَا يَعْلَمُونَ } .\rوَلِأَنَّهُ لَا يُكَلَّفُ مَا لَا عِلْمِ لَهُ بِهِ .\rوَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى : كُلُّهَا عَلَى الْبَتِّ ، كَمَا يَحْلِفُ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ وَلَنَا ، حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ { ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَحْلَفَ رَجُلًا فَقَالَ لَهُ : قُلْ : وَاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ ، مَا لَهُ عَلَيْك حَقٌّ } .\rوَرَوَى الْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ ، { أَنَّ رَجُلًا مِنْ كِنْدَةَ ، وَرَجُلًا مِنْ حَضْرَمَوْتَ ، اخْتَصَمَا إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَرْضٍ مِنْ الْيَمَنِ ، فَقَالَ الْحَضْرَمِيُّ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنَّ أَرْضِي اغْتَصَبَنِيهَا أَبُو هَذَا ، وَهِيَ فِي يَدِهِ .\rفَقَالَ : هَلْ لَك بَيِّنَةٌ ؟ .\rقَالَ : لَا ، وَلَكِنْ ، أُحَلِّفُهُ وَاَللَّهِ مَا يَعْلَمُ أَنَّهَا أَرْضِي اغْتَصَبَنِيهَا أَبُوهُ .\rفَتَهَيَّأَ الْكِنْدِيُّ لِلْيَمِينِ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rوَمَا ذَكَرُوهُ لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ الْإِحَاطَةُ بِفِعْلِ نَفْسِهِ ، وَلَا يُمْكِنُهُ ذَلِكَ فِي فِعْلِ غَيْرِهِ ، فَافْتَرَقَا فِي الْيَمِينِ ، كَمَا افْتَرَقَتْ الشَّهَادَةُ ، فَإِنَّهَا تَكُونُ بِالْقَطْعِ فِيمَا يُمْكِنُ الْقَطْعُ فِيهِ مِنْ الْعُقُودِ ، وَعَلَى","part":23,"page":295},{"id":11295,"text":"الظَّنِّ فِيمَا لَا يُمْكِنُ فِيهِ الْقَطْعُ مِنْ الْأَمْلَاكِ وَالْأَنْسَابِ ، وَعَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ فِيمَا لَا تُمْكِنُ الْإِحَاطَةُ بِانْتِفَائِهِ ، كَالشَّهَادَةِ عَلَى أَنَّهُ لَا وَارِثَ لَهُ غَيْرُ فُلَانٍ وَفُلَانٍ .\rوَحَدِيثُ الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، مَحْمُولٌ عَلَى الْيَمِينِ عَلَى نَفْيِ فِعْلِ الْغَيْرِ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّهُ يَحْلِفُ فِيمَا عَلَيْهِ عَلَى الْبَتِّ ، نَفْيًا كَانَ أَوْ إثْبَاتًا .\rوَأَمَّا مَا يَتَعَلَّقُ بِفِعْلِ غَيْرِهِ ، فَإِنْ كَانَ إثْبَاتًا ، مِثْلُ أَنْ يَدَّعِيَ أَنَّهُ أَقَرَّ أَوْ بَاعَ ، وَيُقِيمَ شَاهِدًا بِذَلِكَ ، فَإِنَّهُ يَحْلِفُ مَعَ شَاهِدِهِ عَلَى الْبَتِّ وَالْقَطْعِ .\rوَإِنْ كَانَ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ ، مِثْلُ أَنْ يَدَّعِيَ عَلَيْهِ دَيْنٌ أَوْ غَصْبٌ أَوْ جِنَايَةٌ ، فَإِنَّهُ يَحْلِفُ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ ، لَا غَيْرُ .\rوَإِنْ حَلَفَ عَلَيْهِ عَلَى الْبَتِّ كَفَاهُ ، وَكَانَ التَّقْدِيرُ فِيهِ الْعِلْمَ ، كَمَا فِي الشَّاهِدِ إذَا شَهِدَ بِعَدَدِ الْوَرَثَةِ ، وَقَالَ : لَيْسَ لَهُ وَارِثٌ غَيْرَهُمْ .\rسُمِعَ ذَلِكَ ، وَكَانَ التَّقْدِيرُ فِيهِ عِلْمَهُ .\rوَلَوْ اُدُّعِيَ عَلَيْهِ أَنَّ عَبْدَهُ جَنَى أَوْ اسْتَدَانَ ، فَأَنْكَرَ ذَلِكَ ، فَيَمِينُهُ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ ؛ لِأَنَّهَا يَمِينٌ عَلَى نَفْيِ فِعْلِ الْغَيْرِ ، فَأَشْبَهَتْ يَمِينَ الْوَارِثِ عَلَى نَفْيِ الْمَوْرُوثِ .","part":23,"page":296},{"id":11296,"text":"( 8435 ) فَصْلٌ : قَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى : اخْتَلَفَ قَوْلُ أَحْمَدَ ، فِي مَنْ بَاعَ سِلْعَةً ، فَظَهْرَ الْمُشْتَرِي عَلَى عَيْبٍ بِهَا ، وَأَنْكَرَهُ الْبَائِعُ ، هَلْ الْيَمِينُ عَلَى الْبَتَاتِ أَوْ عَلَى عِلْمِهِ ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ .\rوَلَوْ أَبَقَ عَبْدُ الْمُشْتَرِي ، فَادَّعَى عَلَى الْبَائِعِ أَنَّهُ أَبَقَ عِنْدَهُ ، فَأَنْكَرَ ، هَلْ يَلْزَمُهُ أَنْ يَحْلِفَ أَنَّهُ لَمْ يَأْبِقْ قَطُّ ، أَوْ عَلَى نَفْيِ عِلْمِهِ ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ وَلَدَهُ ، فَيَحْلِفَ أَنَّهُ لَمْ يَأْبِقْ قَطُّ .\rوَوَجْهُ كَوْنِ الْيَمِينِ عَلَى عِلْمِهِ ، أَنَّهَا عَلَى نَفْيِ فِعْلِ الْغَيْرِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ ادَّعَى عَلَيْهِ أَنَّ عَبْدَهُ جَنَى .\rوَوَجْهُ الْأُخْرَى ، أَنَّهُ إذَا ادَّعَى عَلَيْهِ أَنَّهُ بَاعَهُ مَعِيبًا ، يَسْتَحِقُّ بِهِ رَدَّهُ عَلَيْهِ ، فَلَزِمَتْهُ الْيَمِينُ عَلَى الْبَتِّ ، كَمَا لَوْ كَانَ إثْبَاتًا .","part":23,"page":297},{"id":11297,"text":"( 8436 ) فَصْلٌ : وَمَنْ تَوَجَّهَتْ عَلَيْهِ يَمِينٌ هُوَ فِيهَا صَادِقٌ ، أَوْ تَوَجَّهَتْ لَهُ ، أُبِيحَ لَهُ الْحَلِفُ ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ مِنْ إثْمٍ وَلَا غَيْرِهِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى شَرَعَ الْيَمِينَ ، وَلَا يَشْرَعُ مُحَرَّمًا .\rوَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، أَنْ يُقْسِمَ عَلَى الْحَقِّ ، فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ مِنْ كِتَابِهِ .\rوَحَلَفَ عُمَرُ لِأَبِي عَلَى نَخِيلٍ ، ثُمَّ وَهَبَهُ لَهُ ، وَقَالَ : خِفْت إنْ لَمْ أَحْلِفْ أَنْ يَمْتَنِعَ النَّاسُ مِنْ الْحَلِفِ عَلَى حُقُوقِهِمْ ، فَتَصِيرَ سُنَّةً .\rقَالَ حَنْبَلٌ : بُلِيَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بِنَحْوِ هَذَا ، جَاءَ إلَيْهِ ابْنُ عَمِّهِ ، فَقَالَ : لِي قِبَلَك حَقٌّ مِنْ مِيرَاثِ أَبِي ، وَأُطَالِبُك بِالْقَاضِي ، وَأُحَلِّفُك .\rفَقِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ : مَا تَرَى ؟ قَالَ : أَحْلِفُ لَهُ ، إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ قِبَلِي حَقٌّ ، وَأَنَا غَيْرُ شَاكٍّ فِي ذَلِكَ حَلَفْت لَهُ ، وَكَيْفَ لَا أَحْلِفُ ، وَعُمَرُ قَدْ حَلَفَ ، وَأَنَا مَنْ أَنَا ؟ وَعَزَمَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عَلَى الْيَمِينِ ، فَكَفَاهُ اللَّهُ ذَلِكَ ، وَرَجَعَ الْغُلَامُ عَنْ تِلْكَ الْمُطَالَبَةِ .\rوَاخْتُلِفَ فِي الْأَوْلَى ، فَقَالَ قَوْمٌ : الْحَلِفُ أَوْلَى مِنْ افْتِدَاءِ يَمِينِهِ ؛ لِأَنَّ عُمَرَ حَلَفَ ؛ وَلِأَنَّ فِي الْحَلِفِ فَائِدَتَيْنِ ؛ إحْدَاهُمَا ، حِفْظُ مَالِهِ عَنْ الضَّيَاعِ ، وَقَدْ نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ إضَاعَتِهِ .\rوَالثَّانِيَةُ ، تَخْلِيصُ أَخِيهِ الظَّالِمِ مِنْ ظُلْمِهِ ، وَأَكْلِ الْمَالِ بِغَيْرِ حَقِّهِ ، وَهَذَا مِنْ نَصِيحَتِهِ وَنُصْرَتِهِ بِكَفِّهِ عَنْ ظُلْمِهِ ، وَقَدْ أَشَارَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى رَجُلٍ أَنْ يَحْلِفَ وَيَأْخُذَ حَقَّهُ .\rوَقَالَ أَصْحَابُنَا : الْأَفْضَلُ افْتِدَاءُ يَمِينِهِ ؛ فَإِنَّ عُثْمَانَ افْتَدَى يَمِينَهُ ، وَقَالَ : خِفْت أَنْ تُصَادِفَ قَدْرًا ، فَيُقَالَ حَلَفَ فَعُوقِبَ ، أَوْ هَذَا شُؤْمُ يَمِينِهِ .\rوَرَوَى الْخَلَّالُ ، بِإِسْنَادِهِ ، أَنَّ حُذَيْفَةَ عَرَفَ جَمَلًا سُرِقَ لَهُ ، فَخَاصَمَ فِيهِ إلَى قَاضِي الْمُسْلِمِينَ ، فَصَارَتْ الْيَمِينُ عَلَى","part":23,"page":298},{"id":11298,"text":"حُذَيْفَةَ فَقَالَ : لَك عَشْرَةُ دَرَاهِمَ .\rفَأَبَى ، فَقَالَ لَك عِشْرُونَ ، فَأَبَى ، فَقَالَ : لَك ثَلَاثُونَ .\r، فَأَبَى ، فَقَالَ : لَك أَرْبَعُونَ .\rفَأَبَى ، فَقَالَ حُذَيْفَةُ : أَتُرَانِي أَتْرُكُ جَمَلِي ؟ فَحَلَفَ بِاَللَّهِ أَنَّهُ لَهُ مَا بَاعَ وَلَا وَهَبَ .\rوَلِأَنَّ فِي الْيَمِينِ عِنْدَ الْحَاكِمِ تَبَذُّلًا ، وَلَا يَأْمَنُ أَنْ يُصَادِفَ قَدَرًا ، فَيُنْسَبَ إلَى الْكَذِبِ ، وَأَنَّهُ عُوقِبَ بِحَلِفِهِ كَاذِبًا ، وَفِي ذَهَابِ مَالِهِ لَهُ أَجْرٌ ، وَلَيْسَ هَذَا تَضْيِيعًا لِلْمَالِ ، فَإِنَّ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ يَنْتَفِعُ بِهِ فِي الدُّنْيَا وَيَغْرَمُهُ لَهُ فِي الْآخِرَةِ .\rوَأَمَّا عُمَرُ ، فَإِنَّهُ خَافَ الِاسْتِنَانَ بِهِ ، وَتَرْكَ النَّاسِ الْحَلِفَ عَلَى حُقُوقِهِمْ ، فَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَوْلَا ذَلِكَ ، لَمَا حَلَفَ ، وَهَذَا أَوْلَى ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .","part":23,"page":299},{"id":11299,"text":"( 8437 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا الْحَلِفُ الْكَاذِبُ لِيَقْتَطِعَ بِهِ مَالِ أَخِيهِ ، فَفِيهِ إثْمٌ كَبِيرٌ .\rوَقَدْ قِيلَ : إنَّهُ مِنْ الْكَبَائِرِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَعَدَ عَلَيْهِ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ : { إنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمْ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } .\rقَالَ الْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ : نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ، كَانَ لِي بِئْرٌ فِي أَرْضِ ابْنِ عَمٍّ لِي ، فَأَتَيْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : \" بَيِّنَتُك ، أَوْ يَمِينُهُ \" .\rقُلْت : إذًا يَحْلِفُ عَلَيْهَا .\rفَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ ، هُوَ فِيهَا فَاجِرٌ ، لِيَقْتَطِعَ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ ، لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ } .\rأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَرَوَى ابْنُ مَسْعُودٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينِ صَبْرٍ ، يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ ، هُوَ فِيهَا فَاجِرٌ ، لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثِ الْكِنْدِيِّ { لَئِنْ حَلَفَ عَلَى مَالِهِ لِيَأْكُلَهُ ظُلْمًا ، لَيَلْقَيَنَّ اللَّهَ وَهُوَ عَنْهُ مُعْرِضٌ } .\rوَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ .\rوَقَدْ رُوِيَ فِي حَدِيثٍ : أَنَّ يَمِينَ الْغَمُوسِ تَذَرُ الدِّيَارَ بَلَاقِعَ .\rوَيُسْتَحَبُّ لِلْحَاكِمِ أَنْ يُخَوِّفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مِنْ الْيَمِينِ الْفَاجِرَةِ ، وَيَقْرَأَ عَلَيْهِ الْآيَةَ وَالْأَخْبَارَ .","part":23,"page":300},{"id":11300,"text":"( 8438 ) فَصْلٌ : وَمِنْ اُدُّعِيَ عَلَيْهِ دَيْنٌ وَهُوَ مُعْسِرٌ بِهِ ، لَمْ يَحِلَّ لَهُ أَنْ يَحْلِفَ أَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ عَلَيَّ .\rوَبِهَذَا قَالَ الْمُزَنِيّ .\rوَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ : لَهُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : { وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إلَى مَيْسَرَةٍ } .\rوَلِأَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ مُطَالَبَتَهُ بِهِ فِي الْحَالِ ، وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَدَاؤُهُ إلَيْهِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الدَّيْنَ فِي ذِمَّتِهِ ، وَهُوَ حَقٌّ لَهُ عَلَيْهِ ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ حَقٌّ ، لَمْ يَجِبْ إنْظَارُهُ بِهِ .","part":23,"page":301},{"id":11301,"text":"( 8439 ) فَصْلٌ : وَيَمِينُ الْحَالِفِ عَلَى حَسَبِ جَوَابِهِ ، فَإِذَا ادَّعَى عَلَيْهِ أَنَّهُ غَصَبَهُ ، أَوْ اسْتَوْدَعَهُ وَدِيعَةً ، أَوْ اقْتَرَضَ مِنْهُ ، نَظَّرْنَا فِي جَوَابِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ؛ فَإِنْ قَالَ : مَا غَصَبْتُك ، وَلَا اسْتَوْدَعْتنِي ، وَلَا أَقْرَضْتنِي .\rكُلِّفَ أَنْ يَحْلِفَ عَلَى ذَلِكَ .\rفَإِنْ قَالَ : مَالَكَ عَلَيَّ حَقٌّ ، أَوْ لَا تَسْتَحِقُّ عَلَيَّ شَيْئًا ، أَوْ لَا تَسْتَحِقُّ عَلَيَّ مَا ادَّعَيْته ، وَلَا شَيْئًا مِنْهُ .\rكَانَ جَوَابًا صَحِيحًا .\rوَلَا يُكَلَّفُ الْجَوَابَ عَنْ الْغَصْبِ الْوَدِيعَةِ وَالْقَرْضِ ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ غَصَبَ مِنْهُ ثُمَّ رَدَّهُ عَلَيْهِ ، فَلَوْ كُلِّفَ فَجَحَدَ ذَلِكَ كَانَ كَاذِبًا ، وَإِنْ أَقَرَّ بِهِ ، ثُمَّ ادَّعَى الرَّدَّ ، لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ ، فَإِذَا طُلِبَ مِنْهُ الْيَمِينُ ، حَلَفَ عَلَى حَسَبِ مَا أَجَابَ .\rوَلَوْ ادَّعَى أَنَّنِي ابْتَعْت مِنْك الدَّارَ الَّتِي فِي يَدِك ، فَأَنْكَرَهُ ، وَطَلَبَ يَمِينَهُ ، نَظَرْنَا فِي جَوَابِهِ ؛ فَإِنْ أَجَابَ بِأَنَّك لَا تَسْتَحِقُّهَا .\rحَلَفَ عَلَى ذَلِكَ ، وَلَمْ يَلْزَمْهُ أَنْ يَحْلِفَ أَنَّهُ مَا ابْتَاعَهَا ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَبْتَاعُهَا مِنْهُ ثُمَّ يَرُدُّهَا عَلَيْهِ .\rوَإِنْ أَجَابَ بِأَنَّك لَمْ تَبْتَعْهَا مِنِّي .\rحَلَفَ عَلَى ذَلِكَ .\rقَالَ أَحْمَدُ فِي رَجُلٍ ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ أَوْدَعَهُ ، فَأَنْكَرَهُ ، هَلْ يَحْلِفُ : مَا أَوْدَعْتنِي ؟ قَالَ : إذَا حَلَفَ : مَالَكَ عِنْدِي شَيْءٌ ، وَلَا لَك فِي يَدِي شَيْءٌ .\rفَهُوَ يَأْتِي عَلَى ذَلِكَ .\rوَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الْحَلِفُ عَلَى حَسَبِ الْجَوَابِ ، وَأَنَّهُ مَتَى حَلَفَ : مَالَكَ قِبَلِي حَقٌّ .\rبَرِئَ بِذَلِكَ .\rوَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَجْهَانِ ، كَهَذَيْنِ .","part":23,"page":302},{"id":11302,"text":"( 8440 ) فَصْلٌ : وَلَا تَدْخُلُ الْيَمِينَ النِّيَابَةُ ، وَلَا يَحْلِفُ أَحَدٌ عَنْ غَيْرِهِ ، فَلَوْ كَانَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ صَغِيرًا أَوْ مَجْنُونًا ، لَمْ يُحْلَفْ عَنْهُ وَوُقِفَ الْأَمْرُ حَتَّى يَبْلُغَ الصَّبِيُّ وَيَعْقِلَ الْمَجْنُونُ ، وَلَمْ يَحْلِفْ عَنْهُ وَلِيُّهُ .\rوَلَوْ ادَّعَى الْأَبُ لِابْنِهِ الصَّغِيرِ حَقًّا ، أَوْ ادَّعَاهُ الْوَصِيَّ أَوْ الْأَمِينُ لَهُ ، فَأَنْكَرَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ ، فَإِنْ نَكَلَ قُضِيَ عَلَيْهِ .\rوَمَنْ لَمْ يَرَ الْقَضَاءَ بِالنُّكُولِ ، وَرَأَى رَدَّ الْيَمِينِ عَلَى الْمُدَّعِي ؛ لَمْ يَحْلِفْ الْوَلِيُّ عَنْهُمَا ، وَلَكِنْ تَقِفُ الْيَمِينُ ، وَيَكْتُبُ الْحَاكِمُ مَحْضَرًا بِنُكُولِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ .\rوَإِنْ ادَّعَى عَلَى الْعَبْدِ دَعْوَى ، نَظَرْت ؛ فَإِنْ كَانَتْ مِمَّا يُقْبَلُ قَوْلُ الْعَبْدِ فِيهَا عَلَى نَفْسِهِ ، كَالْقِصَاصِ ، وَالطَّلَاقِ ، وَالْقَذْفِ ، فَالْخُصُومَةُ مَعَهُ دُونَ سَيِّدِهِ .\rفَإِنْ قُلْنَا : إنَّ الْيَمِينَ تُشْرَعُ فِي هَذَا .\rأَحْلِفْ الْعَبْدُ دُونَ سَيِّدِهِ ، وَإِنْ نَكَلَ لَمْ يَحْلِفْ غَيْرُهُ ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يُقْبَلُ قَوْلُ الْعَبْدِ فِيهِ ، كَإِتْلَافِ مَالٍ ، أَوْ جِنَايَةٍ تُوجِبُ الْمَالَ ، فَالْخَصْمُ السَّيِّدُ ، وَالْيَمِينُ عَلَيْهِ ، وَلَا يَحْلِفُ الْعَبْدُ فِيهَا بِحَالٍ .","part":23,"page":303},{"id":11303,"text":"( 8441 ) فَصْلٌ : وَإِذَا نَكَلَ مَنْ تَوَجَّهَتْ عَلَيْهِ الْيَمِينُ عَنْهَا ، وَقَالَ : لِي بَيِّنَةٌ أُقِيمُهَا ، أَوْ حِسَابٌ أَسْتَثْبِتُهُ ، لِأَحْلِفَ عَلَى مَا أَتَيَقَّنُ .\rفَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ ، أَنَّهُ لَا يُمْهَلُ ، وَإِنْ لَمْ يَحْلِفْ جُعِلَ نَاكِلًا .\rوَقِيلَ : لَا يَكُونُ ذَلِكَ نُكُولًا ، وَيُمْهَلُ مُدَّةً قَرِيبَةً .\rوَإِنْ قَالَ : مَا أُرِيدُ أَنْ أَحْلِفَ .\rأَوْ سَكَتَ ، فَلَمْ يَذْكُرْ شَيْئًا نَظَرْنَا فِي الْمُدَّعَى ؛ فَإِنْ كَانَ مَالًا أَوْ الْمَقْصُودُ مِنْهُ الْمَالَ ، قُضِيَ عَلَيْهِ بِنُكُولِهِ ، وَلَمْ تُرَدَّ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعِي .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فَقَالَ : أَنَا لَا أَرَى رَدَّ الْيَمِينِ ، إنْ حَلَفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ، وَإِلَّا دَفَعَ إلَيْهِ حَقَّهُ .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ .\rوَاخْتَارَ أَبُو الْخَطَّابِ ، أَنَّ لَهُ رَدَّ الْيَمِينِ عَلَى الْمُدَّعِي ، إنْ رَدَّهَا حَلَفَ الْمُدَّعِي ، وَحُكِمَ لَهُ بِمَا ادَّعَاهُ .\rقَالَ وَقَدْ صَوَّبَهُ أَحْمَدُ ، فَقَالَ : مَا هُوَ بِبَعِيدٍ ، يَحْلِفُ وَيَسْتَحِقُّ .\r: هُوَ قَوْلُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَبِهِ قَالَ شُرَيْحٌ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَابْنُ سِيرِينَ ، وَمَالِكٌ فِي الْمَالِ خَاصَّةً .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي جَمِيعِ الدَّعَاوَى ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ { ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَدَّ الْيَمِينَ عَلَى طَالِبِ الْحَقِّ } .\rرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ ؛ وَلِأَنَّهُ إذَا نَكَلَ ظَهَرَ صِدْقُ الْمُدَّعِي ، وَقَوِيَ جَانِبُهُ ، فَتُشْرَعُ الْيَمِينُ فِي حَقِّهِ ، كَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ قَبْلَ نُكُولِهِ ، وَكَالْمُدَّعِي إذَا شَهِدَ لَهُ شَاهِدٌ وَاحِدٌ ، وَلِأَنَّ النُّكُولَ قَدْ يَكُونُ لَجَهْلِهِ بِالْحَالِ ، وَتَوَرُّعِهِ عَنْ الْحَلِفِ عَلَى مَا لَا يَتَحَقَّقُهُ ، أَوْ لِلْخَوْفِ مِنْ عَاقِبَةِ الْيَمِينِ ، أَوْ تَرَفُّعًا عَنْهَا ، مَعَ عِلْمِهِ بِصِدْقِهِ فِي إنْكَارِهِ ، وَلَا يَتَعَيَّنُ بِنُكُولِهِ صِدْقُ الْمُدَّعِي ، فَلَا يَجُوزُ الْحُكْمُ لَهُ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ ، فَإِذَا حَلَفَ كَانَتْ يَمِينُهُ دَلِيلًا عِنْدَ عَدَمِ مَا","part":23,"page":304},{"id":11304,"text":"هُوَ أَقْوَى مِنْهَا ، كَمَا فِي مَوْضِعِ الْوِفَاقِ .\rوَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى : لَا أَدْعُهُ حَتَّى يُقِرَّ أَوْ يَحْلِفَ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { وَلَكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى جَانِبِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ } .\rفَحَصَرَهَا فِي جَانِبِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ .\rوَقَوْلُهُ : { الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي ، وَالْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ } .\rفَجَعَلَ جِنْسَ الْيَمِينِ فِي جَنْبِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ، كَمَا جَعَلَ جِنْسَ الْبَيِّنَةِ فِي جَنْبَةِ الْمُدَّعِي .\rوَقَالَ أَحْمَدُ : قَدِمَ ابْنُ عُمَرَ إلَى عُثْمَانَ فِي عَبْدٍ لَهُ ، فَقَالَ لَهُ : احْلِفْ أَنَّك مَا بِعْته وَبِهِ عَيْبٌ عَلِمْته .\rفَأَبَى ابْنُ عُمَرَ أَنْ يَحْلِفَ ، فَرَدَّ الْعَبْدَ عَلَيْهِ ، وَلَمْ يَرُدَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعِي .\rوَلِأَنَّهَا بَيِّنَةٌ فِي الْمَالِ ، فَحُكِمَ فِيهَا بِالنُّكُولِ ، كَمَا لَوْ مَاتَ مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ ، فَوَجَدَ الْإِمَامُ فِي دَفْتَرِهِ دَيْنًا لَهُ عَلَى إنْسَانٍ ، فَطَالَبَهُ بِهِ ، فَأَنْكَرَهُ ، وَطَلَبَ مِنْهُ الْيَمِينَ ، فَأَنْكَرَهُ ، فَإِنَّهُ لَا خِلَافَ أَنَّ الْيَمِينَ لَا تُرَدُّ .\rوَقَدْ ذَكَرَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ فِي هَذَا ، أَنَّهُ يُقْضَى بِالنُّكُولِ ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ ، وَفِي الْآخَرِ ، يُحْبَسُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ، حَتَّى يُقِرَّ ، أَوْ يَحْلِفَ .\rوَكَذَلِكَ لَوْ ادَّعَى رَجُلٌ عَلَى مَيِّتٍ أَنَّهُ وَصَّى إلَيْهِ بِتَفْرِيقِ ثُلُثِهِ ، وَأَنْكَرَ الْوَرَثَةُ ، وَنَكَلُوا عَنْ الْيَمِينِ ، قُضِيَ عَلَيْهِمْ .\rوَالْخَبَرُ لَا تُعْرَفُ صِحَّتُهُ ، وَمُخَالَفَةُ ابْنِ عُمَرَ لَهُ فِي الْقِصَّةِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا ، يَدُلُّ عَلَى ضَعْفِهِ ، فَإِنَّهُ لَمْ يَرُدَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعِي ، وَلَا رَدَّهَا عُثْمَانُ .\rفَعَلَى هَذَا ، إذَا نَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ ، قَالَ لَهُ الْحَاكِمُ : إنْ حَلَفْت ، وَإِلَّا قَضَيْت عَلَيْك .\rثَلَاثًا ، فَإِنْ حَلَفَ وَإِلَّا قَضَى عَلَيْهِ .\rوَعَلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ ، يَقُولُ لَهُ : لَك رَدُّ الْيَمِينِ عَلَى الْمُدَّعِي .\rفَإِنْ رَدَّهَا ، حَلَفَ ، وَقُضِيَ لَهُ ، وَإِنْ نَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ ، سُئِلَ عَنْ سَبَبِ نُكُولِهِ ، فَإِنْ","part":23,"page":305},{"id":11305,"text":"قَالَ : لِي بَيِّنَةٌ أُقِيمُهَا ، أَوْ حِسَابٌ أَسْتَثْبِتُهُ ، لِأَحْلِفَ عَلَى مَا أَتَيَقَّنُهُ .\rأَخَّرَتْ الْحُكُومَةُ .\rوَإِنْ قَالَ : مَا أُرِيدُ أَنْ أَحْلِفَ .\rسَقَطَ حَقُّهُ مِنْ الْيَمِينِ ، فَلَوْ بَذَلَهَا فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ بَعْدَ هَذَا ، لَمْ تُسْمَعْ مِنْهُ ، إلَى أَنْ يَعُودَ فِي مَجْلِسٍ آخَرَ .\rفَإِنْ قِيلَ : فَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ لَوْ امْتَنَعَ مِنْ الْيَمِينِ ، ثُمَّ بَذَلَهَا ، سُمِعَتْ مِنْهُ ، فَلِمَ مَنَعْتُمْ سَمَاعَهَا هَاهُنَا ؟ قُلْنَا : الْيَمِينُ فِي حَقِّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ هِيَ الْأَصْلُ ، فَمَتَى قَدَرَ عَلَيْهَا ، أَوْ بَذَلَهَا ، وَجَبَ قَبُولُهَا ، وَالْمَصِيرُ إلَيْهَا ، كَالْمُبْدَلَاتِ مَعَ أَبْدَالِهَا ، وَأَمَّا يَمِينُ الْمُدَّعِي ، فَهِيَ بَدَلٌ ، فَإِذَا امْتَنَعَ مِنْهَا ، لَمْ يَنْتَقِلْ الْحَقُّ إلَى غَيْرِهِ ، فَإِذَا امْتَنَعَ مِنْهَا ، سَقَطَ حَقُّهُ مِنْهَا ؛ لِضَعْفِهَا .\rوَأَمَّا إذَا حَلَفَ ، وَقُضِيَ لَهُ ، فَعَادَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ، وَبَذَلَ الْيَمِينَ ، لَمْ يُسْمَعْ مِنْهُ ، وَهَكَذَا لَوْ بَذَلَهَا بَعْدَ الْحُكْمِ عَلَيْهِ بِنُكُولِهِ ، لَمْ يُسْمَعْ ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ قَدْ تَمَّ ، فَلَا يُنْقَضُ ، كَمَا لَوْ قَامَتْ بِهِ بَيِّنَةٌ .\rفَأَمَّا غَيْرُ الْمَالِ ، وَمَا لَا يُقْصَدُ بِهِ الْمَالُ ، فَلَا يُقْضَى فِيهِ بِالنُّكُولِ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي الْقِصَاصِ .\rوَنُقِلَ عَنْهُ ، فِي رَجُلٍ ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ قَذَفَهُ ، فَقَالَ : اسْتَحْلِفُوهُ ، فَإِنْ قَالَ : لَا أَحْلِفُ .\rأُقِيمَ عَلَيْهِ .\rقَالَ أَبُو بَكْرٍ : هَذَا قَوْلٌ قَدِيمٌ ، وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَا يَقْضِي فِي شَيْءٍ مِنْ هَذَا بِالنُّكُولِ ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْقِصَاصِ فِي النَّفْسِ ، وَالْقِصَاصِ فِي الطَّرَفِ .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَقْضِي بِالنُّكُولِ فِي الْقِصَاصِ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ مِثْلُهُ .\rوَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَذْهَبُ ؛ لِأَنَّ هَذَا أَحَدُ نَوْعَيْ الْقِصَاصِ ، فَأَشْبَهَ النَّوْعَ الْآخَرَ .\rفَعَلَى هَذَا ، مَا يُصْنَعُ بِهِ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، يُخْلَى سَبِيلُهُ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ عَلَيْهِ حُجَّةٌ ،","part":23,"page":306},{"id":11306,"text":"وَتَكُونُ فَائِدَةُ شَرْعِيَّةِ الْيَمِينِ الرَّدْعَ وَالزَّجْرَ .\rوَالثَّانِي ، يُحْبَسُ حَتَّى يُقِرَّ أَوْ يَحْلِفَ .\rوَأَصْلُ الْوَجْهَيْنِ الْمَرْأَةُ إذَا نَكَلَتْ عَنْ اللِّعَانِ .","part":23,"page":307},{"id":11307,"text":"( 8442 ) فَصْلٌ : وَإِذَا حَلَفَ ، فَقَالَ : إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .\rأُعِيدَتْ عَلَيْهِ الْيَمِينُ ؛ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ يُزِيلُ حُكْمَ الْيَمِينِ .\rوَكَذَلِكَ إنْ وَصَلَ يَمِينَهُ بِشَرْطٍ أَوْ كَلَامٍ غَيْرِ مَفْهُومٍ .\rوَإِنْ حَلَفَ قَبْلَ أَنْ يَسْتَحْلِفَهُ الْحَاكِمُ ، أُعِيدَتْ عَلَيْهِ ، وَلَمْ يُعْتَدَّ بِمَا حَلَفَ قَبْلَ الِاسْتِحْلَافِ .\rوَكَذَلِكَ إنْ اسْتَحْلَفَهُ الْحَاكِمُ قَبْلَ أَنْ يَسْأَلَهُ الْمُدَّعِي اسْتِحْلَافَهُ ، لَمْ يُعْتَدَّ بِهَا .","part":23,"page":308},{"id":11308,"text":"( 8443 ) فَصْلٌ : وَلَوْ ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ دَيْنًا ، أَوْ حَقًّا ، فَقَالَ : قَدْ أَبْرَأْتنِي مِنْهُ ، أَوْ اسْتَوْفَيْته مِنِّي .\rفَالْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ يُنْكِرُ الْإِبْرَاءَ وَالِاسْتِيفَاءَ مَعَ يَمِينِهِ ، وَيَكْفِيه أَنْ يَحْلِفَ بِاَللَّهِ أَنَّ هَذَا الْحَقَّ - وَيُسَمِّيه تَسْمِيَةً يَصِيرُ بِهَا مَعْلُومًا - مَا بَرِئَتْ ذِمَّتُك مِنْهُ ، وَلَا مِنْ شَيْءٍ مِنْهُ ، أَوْ مَا بَرِئَتْ ذِمَّتك مِنْ ذَلِكَ الْحَقِّ ، وَلَا مِنْ شَيْءٍ مِنْهُ .\rوَإِنْ ادَّعَى اسْتِيفَاءَهُ ، أَوْ الْبَرَاءَةَ بِجِهَةٍ مَعْلُومَةٍ ، حَلَفَ عَلَى تِلْكَ الْجِهَةِ وَحْدَهَا ، وَكَفَاهُ .","part":23,"page":309},{"id":11309,"text":"( 8444 ) فَصْلٌ : وَالْحُقُوقُ عَلَى ضَرْبَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، مَا هُوَ حَقٌّ لِآدَمِيٍّ .\rوَالثَّانِي ، مَا هُوَ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى .\rفَحَقُّ الْآدَمِيِّ يَنْقَسِمُ قِسْمَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، مَا هُوَ مَالٌ ، أَوْ الْمَقْصُودُ مِنْهُ الْمَالُ ، فَهَذَا تُشْرَعُ فِيهِ الْيَمِينُ ، بِلَا خِلَافٍ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ ، فَإِذَا لَمْ تَكُنْ لِلْمُدَّعِي بَيِّنَةٌ ، حَلَفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ، وَبَرِئَ .\rوَقَدْ ثَبَتَ هَذَا فِي قِصَّةِ الْحَضْرَمِيِّ وَالْكِنْدِيِّ اللَّذَيْنِ اخْتَلَفَا فِي الْأَرْضِ ، وَعُمُومِ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { وَلَكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ } .\rالْقِسْمُ الثَّانِي ، مَا لَيْسَ بِمَالٍ ، وَلَا الْمَقْصُودُ مِنْهُ الْمَالُ ، وَهُوَ كُلُّ مَا لَا يَثْبُتُ إلَّا بِشَاهِدَيْنِ ؛ كَالْقِصَاصِ ، وَحَدِّ الْقَذْفِ ، وَالنِّكَاحِ ، وَالطَّلَاقِ ، وَالرَّجْعَةِ ، وَالْعِتْقِ ، وَالنَّسَبِ ، وَالِاسْتِيلَادِ ، وَالْوَلَاءِ ، وَالرِّقِّ ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، لَا يَسْتَحْلِفُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ، وَلَا تُعْرَضُ عَلَيْهِ الْيَمِينُ .\rقَالَ أَحْمَدُ : لَمْ أَسْمَعْ مَنْ مَضَى جَوَّزُوا الْأَيْمَانَ إلَّا فِي الْأَمْوَالِ وَالْعُرُوضِ خَاصَّةً .\rوَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ .\rوَنَحْوُهُ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، فَإِنَّهُ قَالَ : لَا يَسْتَحْلِفُ فِي النِّكَاحِ ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنْ دَعْوَى الرَّجْعَةِ وَالْفَيْئَةِ فِي الْإِيلَاءِ ، وَلَا فِي الرِّقِّ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنْ الِاسْتِيلَادِ وَالْوَلَاءِ وَالنَّسَبِ ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ لَا يَدْخُلُهَا الْبَدَلُ ، وَإِنَّمَا تُعْرَضُ الْيَمِينُ فِيمَا يَدْخُلُهُ الْبَدَلُ ؛ فَإِنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يَحْلِفَ أَوْ يُسَلِّمَ ، وَلِأَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ لَا تَثْبُتُ إلَّا بِشَاهِدَيْنِ ذَكَرَيْنِ ، فَلَا تُعْرَضُ فِيهَا الْيَمِينُ كَالْحُدُودِ .\rوَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ ، يَسْتَحْلِفُ فِي الطَّلَاقِ ، وَالْقِصَاصِ ، وَالْقَذْفِ .\rوَقَالَ الْخِرَقِيِّ : إذَا قَالَ : ارْتَجَعْتُك .\rفَقَالَتْ : انْقَضَتْ عِدَّتِي قَبْلَ رَجْعَتِك .\rفَالْقَوْلُ قَوْلُهَا مَعَ يَمِينِهَا .\rوَإِذَا اُخْتُلِفَ فِي","part":23,"page":310},{"id":11310,"text":"مُضِيِّ الْأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ .\rفَيُخَرَّجُ مِنْ هَذَا ، أَنَّهُ يُسْتَحْلَفُ فِي كُلِّ حَقٍّ لِآدَمِيٍّ .\rوَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٍ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ ، لَادَّعَى قَوْمٌ دِمَاءَ قَوْمٍ وَأَمْوَالَهُمْ ، وَلَكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ } .\rأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ .\rوَهَذَا عَامٌ فِي كُلِّ مُدَّعَى عَلَيْهِ ، وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي دَعْوَى الدِّمَاءِ ؛ لِذِكْرِهَا فِي الدَّعْوَى مَعَ عُمُومِ الْأَحَادِيثِ ، وَلِأَنَّهَا دَعْوَى صَحِيحَةٌ فِي حَقٍّ لِآدَمِيٍّ ، فَجَازَ أَنْ يَحْلِفَ فِيهَا الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ، كَدَعْوَى الْمَالِ .\rالضَّرْبُ الثَّانِي ، حُقُوقُ اللَّهِ تَعَالَى ، وَهِيَ نَوْعَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، الْحُدُودُ ، فَلَا تُشْرَعُ فِيهَا يَمِينٌ .\rلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَقَرَّ ، ثُمَّ رَجَعَ عَنْ إقْرَارِهِ ، قُبِلَ مِنْهُ ، وَخُلِّيَ مِنْ غَيْرِ يَمِينٍ ، فَلَأَنْ لَا يَسْتَحْلِفَ مَعَ عَدَمِ الْإِقْرَارِ أَوْلَى ، وَلِأَنَّهُ يُسْتَحَبُّ سَتْرُهُ ، وَالتَّعْرِيضُ لِلْمُقِرِّ بِهِ ، بِالرُّجُوعِ عَنْ إقْرَارِهِ ، وَلِلشُّهُودِ بِتَرْكِ الشَّهَادَةِ وَالسَّتْرِ عَلَيْهِ ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِهَزَّالٍ ، فِي قِصَّةِ مَاعِزٍ : { يَا هَزَّالُ ، لَوْ سَتَرْته بِثَوْبِك ، لَكَانَ خَيْرًا لَك } .\rفَلَا تُشْرَعُ فِيهِ يَمِينٌ بِحَالٍ .\rالنَّوْعُ الثَّانِي ، الْحُقُوقُ الْمَالِيَّةُ ، كَدَعْوَى السَّاعِي الزَّكَاةَ عَلَى رَبِّ الْمَالِ ، وَأَنَّ الْحَوْلَ قَدْ تَمَّ وَكَمُلَ النِّصَابُ ، فَقَالَ أَحْمَدُ : الْقَوْلُ قَوْلُ رَبِّ الْمَالِ ، مِنْ غَيْرِ يَمِينٍ ، وَلَا يُسْتَحْلَفُ النَّاسُ عَلَى صَدَقَاتِهِمْ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ : يَسْتَحْلِفُ ؛ لِأَنَّهَا دَعْوَى مَسْمُوعَةٌ ، أَشْبَهَ حَقَّ الْآدَمِيِّ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى ، أَشْبَهَ الْحَدَّ ، وَلِأَنَّ ذَلِكَ عِبَادَةٌ ، فَلَا يَسْتَحْلِفُ عَلَيْهَا كَالصَّلَاةِ .\rوَلَوْ ادَّعَى عَلَيْهِ ، أَنَّ عَلَيْهِ كَفَّارَةَ يَمِينٍ أَوْ ظِهَارٍ ، أَوْ","part":23,"page":311},{"id":11311,"text":"نَذْرَ صَدَقَةٍ أَوْ غَيْرِهَا ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِي نَفْيِ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ يَمِينٍ ، وَلَا تُسْمَعُ الدَّعْوَى فِي هَذَا ، وَلَا فِي حَدٍّ لِلَّهِ تَعَالَى ؛ لِأَنَّهُ لَا حَقَّ لِلْمُدَّعِي فِيهِ ، وَلَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَيْهِ ، فَلَا تُسْمَعُ مِنْهُ دَعْوَاهُ حَقًّا لِغَيْرِهِ مِنْ غَيْرِ إذْنِهِ ، وَلَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَيْهِ .\rفَإِنْ تَضَمَّنَتْ دَعْوَاهُ حَقًّا لَهُ ، مِثْلُ أَنْ يَدَّعِيَ سَرِقَةَ مَالِهِ ، لِيُضَمِّنَ السَّارِقَ ، أَوْ يَأْخُذَ مِنْهُ مَا سَرَقَهُ ، أَوْ يَدَّعِيَ عَلَيْهِ الزِّنَى بِجَارِيَتِهِ ؛ لِيَأْخُذَ مَهْرَهَا مِنْهُ ، سُمِعَتْ دَعْوَاهُ ، وَيَسْتَحْلِفُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لِحَقِّ الْآدَمِيِّ ، دُونَ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى .","part":23,"page":312},{"id":11312,"text":"( 8445 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِذَا شَهِدَ مِنْ الْأَرْبَعَةِ اثْنَانِ ، أَنَّ هَذَا زَنَى بِهَا فِي هَذَا الْبَيْتِ ، وَشَهِدَ الْآخَرَانِ أَنَّهُ زَنَى بِهَا فِي الْبَيْتِ الْآخَرِ ، فَالْأَرْبَعَةُ قَذَفَةٌ ، وَعَلَيْهِمْ الْحَدُّ ) .\rوَجُمْلَتُهُ ، أَنَّ مِنْ شَرْطِ صِحَّةِ الشَّهَادَةِ عَلَى الزِّنَى ، اجْتِمَاعُ الشُّهُودِ الْأَرْبَعَةِ عَلَى فِعْلٍ وَاحِدٍ ، فَإِنْ لَمْ يَجْتَمِعُوا ، لَمْ تَكْمُلْ الشَّهَادَةُ ، وَكَانَ الْجَمِيعُ قَذَفَةً ، وَعَلَيْهِمْ الْحَدُّ ، فَإِذَا شَهِدَ اثْنَانِ أَنَّهُ زَنَى بِهَا فِي هَذَا الْبَيْتِ ، وَاثْنَانِ أَنَّهُ زَنَى بِهَا فِي بَيْتٍ آخَرَ ، فَمَا اجْتَمَعُوا عَلَى الشَّهَادَةِ بِزِنًى وَاحِدٍ ؛ لِأَنَّ الزِّنَى فِي هَذَا الْبَيْتِ غَيْرُ الزِّنَى فِي الْآخَرِ ، فَلَمْ تَكْمُلْ شَهَادَتُهُمْ ، وَيُحَدُّونَ حَدَّ الْقَذْفِ .\rوَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ .\rوَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : تَكْمُلُ شَهَادَتُهُمْ ، وَيُحَدُّ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ .\rوَاسْتَبْعَدَهُ أَبُو الْخَطَّابِ ، وَقَالَ : هَذَا سَهْوٌ مِنْ النَّاقِلِ ؛ لِأَنَّهُ يُخَالِفُ الْأُصُولَ وَالْإِجْمَاعَ ، وَالْحَدُّ يُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ ، فَكَيْفَ يَجِبُ بِهَا ، وَقَالَ النَّخَعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَالشَّافِعِيُّ فِي قَوْلٍ : لَا حَدَّ عَلَى الشُّهُودِ ؛ لِأَنَّهُمْ كَمَّلُوا أَرْبَعَةً ، وَلَا عَلَى الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَشْهَدُوا بِزِنًى وَاحِدٍ يَجِبُ الْحَدُّ بِهِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُمْ لَمْ يَشْهَدُوا بِزِنًى وَاحِدٍ ، فَلَزِمَهُمْ الْحَدُّ ، كَمَا لَوْ شَهِدَ اثْنَانِ أَنَّهُ زَنَى بِامْرَأَةٍ ، وَاثْنَانِ أَنَّهُ زَنَى بِغَيْرِهَا ، وَلِأَنَّهُ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ تَكُونَ شَهَادَتُهُمْ بِزِنًى وَاحِدٍ أَوْ بِاثْنَيْنِ ، فَإِنْ كَانَتْ بِفِعْلٍ وَاحِدٍ ، مِثْلُ أَنْ يُعَيِّنَ الْجَمِيعُ وَقْتًا وَاحِدًا ، لَا يُمْكِنُ زِنَاهُ فِيهِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ ، فَاثْنَانِ مِنْهُمْ كَاذِبَانِ يَقِينًا ، وَاثْنَانِ مِنْهُمْ لَوْ خَلَوْا عَنْ الْمُعَارَضَةِ لِشَهَادَتِهِمْ ، لَكَانَا قَاذِفَيْنِ ، فَمَعَ التَّعَارُضِ أَوْلَى .\rوَإِنْ كَانَتْ شَهَادَتُهُمْ بِفِعْلَيْنِ ، كَانُوا","part":23,"page":313},{"id":11313,"text":"قَذَفَةً ، كَمَا لَوْ عَيَّنُوا فِي شَهَادَتِهِمْ أَنَّهُ زَنَى مَرَّةً أُخْرَى .\rوَمَا ذَكَرُوهُ يَبْطُلُ بِالْأَصْلِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ .","part":23,"page":314},{"id":11314,"text":"( 8446 ) فَصْلٌ : وَكَذَلِكَ كُلُّ شَهَادَةٍ عَلَى فِعْلَيْنِ ، مِثْلُ أَنْ يَشْهَدَ اثْنَانِ أَنَّهُ زَنَى بِامْرَأَةٍ ، وَآخَرَانِ أَنَّهُ زَنَى بِأُخْرَى ، أَوْ يَشْهَدَانِ أَنَّهُ زَنَى بِهَا فِي يَوْمٍ ، وَآخَرَانِ أَنَّهُ زَنَى بِهَا فِي آخَرَ ، أَوْ يَشْهَدَانِ أَنَّهُ زَنَى بِهَا لَيْلًا ، وَآخَرَانِ أَنَّهُ زَنَى بِهَا نَهَارًا ، أَوْ يَشْهَدَانِ أَنَّهُ زَنَى بِهَا غَدْوَةً ، وَيَشْهَدُ آخَرَانِ أَنَّهُ زَنَى بِهَا عَشِيًّا ، وَأَشْبَاهِ هَذَا ، فَإِنَّهُمْ قَذَفَةٌ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ ، وَعَلَيْهِمْ الْحَدُّ ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ .\rفَإِنْ شَهِدَ اثْنَانِ أَنَّهُ زَنَى بِهَا فِي زَاوِيَةِ بَيْتٍ ، وَشَهِدَ آخَرَانِ أَنَّهُ زَنَى بِهَا فِي زَاوِيَةٍ مِنْهُ أُخْرَى ، وَكَانَتَا مُتَبَاعِدَتَيْنِ ، فَالْحُكْمُ فِيهِ كَمَا ذَكَرْنَا .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ ، وَيُحَدُّ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ اسْتِحْسَانًا .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُمَا مَكَانَانِ لَا يُمْكِنُ وُقُوعُ الْفِعْلِ الْوَاحِدِ فِيهِمَا ، وَلَا يَصِحُّ نِسْبَتُهُ إلَيْهِمَا ، فَأَشْبَهَا الْبَيْتَيْنِ .\rوَأَمَّا إنْ كَانَتَا مُتَقَارِبَتَيْنِ ، تُمْكِنُ نِسْبَتُهُ إلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا ، لِقُرْبِهِ مِنْهَا ، كَمُلَتْ الشَّهَادَةُ ؛ لِإِمْكَانِ صِدْقِهِمْ فِي نِسْبَتِهِ إلَى الزَّاوِيَتَيْنِ جَمِيعًا .","part":23,"page":315},{"id":11315,"text":"( 8447 ) فَصْلٌ : وَمَتَى كَانَتْ الشَّهَادَةُ عَلَى فِعْلٍ ، فَاخْتَلَفَ الشَّاهِدَانِ فِي زَمَنِهِ أَوْ مَكَانِهِ ، أَوْ صِفَةٍ لَهُ تَدُلُّ عَلَى تَغَايُرِ الْفِعْلَيْنِ ، لَمْ تَكْمُلْ شَهَادَتُهُمَا ، مِثْلُ أَنْ يَشْهَدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ غَصَبَهُ دِينَارًا يَوْمَ السَّبْتِ ، وَيَشْهَدَ الْآخَرُ أَنَّهُ غَصَبَهُ دِينَارًا يَوْمَ الْجُمُعَةِ ، أَوْ يَشْهَدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ غَصَبَهُ بِدِمَشْقَ ، وَيَشْهَدَ الْآخَرُ أَنَّهُ غَصَبَهُ بِمِصْرَ ، أَوْ يَشْهَدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ غَصَبَهُ دِينَارًا ، وَيَشْهَدَ الْآخَرُ أَنَّهُ غَصَبَهُ ثَوْبًا ، فَلَا تَكْمُلُ الشَّهَادَةُ ؛ لِأَنَّ كُلَّ فِعْلٍ لَمْ يَشْهَدْ بِهِ شَاهِدَانِ .\rوَهَكَذَا إنْ اخْتَلَفَا فِي زَمَنِ الْقَتْلِ ، أَوْ مَكَانِهِ ، أَوْ صِفَتِهِ ، أَوْ فِي شُرْبِ الْخَمْرِ ، أَوْ الْقَذْفِ ، لَمْ تَكْمُلْ الشَّهَادَةُ ؛ لِأَنَّ مَا شَهِدَ بِهِ أَحَدُ الشَّاهِدَيْنِ غَيْرُ الَّذِي شَهِدَ بِهِ الْآخَرُ ، فَلَمْ يَشْهَدْ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْفِعْلَيْنِ إلَّا شَاهِدٌ وَاحِدٌ ، فَلَمْ يُقْبَلْ إلَّا عَلَى قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ ، فَإِنَّ هَذِهِ الشَّهَادَةَ لَمْ تَكْمُلُ .\rوَيَثْبُتُ الْمَشْهُودُ بِهِ إذَا اخْتَلَفَا فِي الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ ، فَأَمَّا إنْ اخْتَلَفَا فِي صِفَةِ الْفِعْلِ فَشَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ سَرَقَ مَعَ الزَّوَالِ كِيسًا أَبْيَضَ ، وَشَهِدَ آخَرُ أَنَّهُ سَرَقَ مَعَ الزَّوَالِ كِيسًا أَسْوَدَ ، أَوْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ سَرَقَ هَذَا الْكِيسَ غَدْوَةً ، وَشَهِدَ الْآخَرُ أَنَّهُ سَرَقَهُ عَشِيًّا ، لَمْ تَكْمُلْ الشَّهَادَةُ .\rذَكَرَهُ ابْنُ حَامِدٍ .\rوَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : تَكْمُلْ .\rوَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ؛ لِأَنَّ كُلَّ فِعْلٍ لَمْ يَشْهَدْ بِهِ إلَّا وَاحِدٌ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ .\rوَإِنْ اخْتَلَفَا فِي صِفَةِ الْمَشْهُودِ بِهِ اخْتِلَافًا يُوجِبُ تَغَايُرِهِمَا ، مِثْلُ أَنْ يَشْهَدَ أَحَدُهُمَا بِثَوْبٍ وَالْآخَرُ بِدِينَارٍ ، فَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ الشَّهَادَةَ لَا تَكْمُلُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ إيجَابُهُمَا جَمِيعًا ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ إيجَابًا بِالْحَقِّ عَلَيْهِ بِشَهَادَةِ وَاحِدٍ ، وَلَا إيجَابَ أَحَدِهِمَا بِعَيْنِهِ ؛ لِأَنَّ الْآخَرَ لَمْ يَشْهَدْ بِهِ ،","part":23,"page":316},{"id":11316,"text":"وَلَيْسَ أَحَدُهُمَا أَوْلَى مِنْ الْآخَرِ .\rفَأَمَّا إنْ شَهِدَ بِكُلِّ فِعْلٍ شَاهِدَانِ ، وَاخْتَلَفَا فِي الزَّمَانِ ، أَوْ الْمَكَانِ ، أَوْ الصِّفَةِ ، ثَبَتَا جَمِيعًا ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَدْ شَهِدَتْ بِهِ بَيِّنَةٌ عَادِلَةٌ ، لَوْ انْفَرَدَتْ أَثْبَتَتْ الْحَقَّ ، وَشَهَادَةُ الْأُخْرَى لَا تُعَارِضُهَا ؛ لِإِمْكَانِ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْفِعْلُ مِمَّا لَا يُمْكِنُ تَكَرُّرُهُ ، كَقَتْلِ رَجُلٍ بِعَيْنِهِ ، فَتَتَعَارَضُ الْبَيِّنَتَانِ ، لِعِلْمِنَا أَنَّ إحْدَاهُمَا كَاذِبَةٌ ، وَلَا نَعْلَمُ أَيَّتُهُمَا هِيَ ، بِخِلَافِ مَا يَتَكَرَّرُ وَيُمْكِنُ صِدْقُ الْبَيِّنَتَيْنِ فِيهِ ، فَإِنَّهُمَا جَمِيعًا يَثْبُتَانِ إنْ ادَّعَاهُمَا ، وَإِنْ لَمْ يَدَّعِ إلَّا إحْدَاهُمَا ، ثَبَتَ لَهُ مَا ادَّعَاهُ دُونَ مَا لَمْ يَدَّعِهِ .\rوَإِنْ شَهِدَ اثْنَانِ أَنَّهُ سَرَقَ مَعَ الزَّوَالِ كِيسًا أَسْوَدَ ، وَشَهِدَ آخَرَانِ أَنَّهُ سَرَقَ مَعَ الزَّوَالِ كِيسًا أَبْيَضَ ، أَوْ شَهِدَ اثْنَانِ أَنَّهُ سَرَقَ هَذَا الْكِيسَ غَدْوَةً ، وَشَهِدَ آخَرَانِ أَنَّهُ سَرَقَهُ عَشِيًّا ، فَقَالَ الْقَاضِي : يَتَعَارَضَانِ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rكَمَا لَوْ كَانَ الْمَشْهُودُ بِهِ قَتْلًا .\rوَالصَّحِيحُ أَنَّ هَذَا لَا تَعَارُضَ فِيهِ ، لِأَنَّهُ يُمْكِنُ صِدْقُ الْبَيِّنَتَيْنِ ، بِأَنْ يَسْرِقَ عِنْدَ الزَّوَالِ كِيسَيْنِ أَبْيَضَ وَأَسْوَدَ ، فَتَشْهَدَ كُلُّ بَيِّنَةٍ بِأَحَدِهِمَا ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَسْرِقَ كِيسًا غَدْوَةً ثُمَّ يَعُودَ إلَى صَاحِبِهِ أَوْ غَيْرِهِ ، فَيَسْرِقَهُ عَشِيًّا ، وَمَعَ إمْكَانِ الْجَمْعِ لَا تَعَارُضَ .\rفَعَلَى هَذَا ، إنْ ادَّعَاهُمَا الْمَشْهُودُ لَهُ ، ثَبَتَا لَهُ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى ، وَأَمَّا فِي الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ ، فَيَثْبُتُ لَهُ الْكِيسُ الْمَشْهُودُ بِهِ حَسْبُ ؛ فَإِنَّ الْمَشْهُودَ بِهِ وَإِنْ كَانَ فِعْلَيْنِ ، لَكِنَّهُمَا فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ ، فَلَا يَجِبُ أَكْثَرُ مِنْ ضَمَانِهِ .\rوَإِنْ لَمْ يَدَّعِ الْمَشْهُودُ لَهُ إلَّا أَحَدَ الْكِيسَيْنِ ، ثَبَتَ لَهُ ، وَلَمْ يَثْبُتْ لَهُ الْآخَرُ ؛ لِعَدَمِ دَعْوَاهُ إيَّاهُ .\rوَإِنْ شَهِدَ لَهُ شَاهِدٌ بِسَرِقَةِ كِيسٍ فِي","part":23,"page":317},{"id":11317,"text":"يَوْمٍ ، وَشَهِدَ آخَرُ بِسَرِقَةِ كِيسٍ فِي يَوْمٍ آخَرَ ، أَوْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا فِي مَكَان ، وَشَهِدَ آخَرُ بِسَرِقَةٍ فِي مَكَان آخَرَ ، أَوْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا بِغَصْبِ كِيسٍ أَبِيضَ ، وَشَهِدَ آخَرُ بِغَصْبِ كِيسٍ أَسْوَدَ ، فَادَّعَاهُمَا الْمَشْهُودُ لَهُ ، فَلَهُ أَنْ يَحْلِفَ مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ، وَيُحْكَمَ لَهُ بِهِ ؛ لِأَنَّهُ مَالٌ قَدْ شَهِدَ لَهُ بِهِ شَاهِدٌ ، وَإِنْ لَمْ يَدَّعِ إلَّا أَحَدَهُمَا ، ثَبَتَ لَهُ مَا ادَّعَاهُ ، وَلَمْ يَثْبُتْ لَهُ الْآخَرُ ؛ لِعَدَمِ دَعْوَاهُ إيَّاهُ .","part":23,"page":318},{"id":11318,"text":"( 8448 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا الشَّهَادَةُ عَلَى الْإِقْرَارِ ، مِثْلُ أَنْ يَشْهَدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ أَقَرَّ عِنْدِي يَوْمَ الْخَمِيسِ بِدِمَشْقَ أَنَّهُ قَتَلَهُ ، أَوْ قَذَفَهُ ، أَوْ غَصَبَهُ كَذَا ، أَوْ أَنَّ لَهُ فِي ذِمَّتِهِ كَذَا ، وَيَشْهَدَ آخَرُ أَنَّهُ أَقَرَّ عِنْدِي بِهَذَا يَوْمَ السَّبْتِ بِحِمْصَ ، كَمَلَتْ شَهَادَتُهُمَا .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ زُفَرُ : لَا تَكْمُلُ شَهَادَتُهُمَا ؛ لِأَنَّ كُلَّ إقْرَارٍ لَمْ يَشْهَدْ بِهِ إلَّا وَاحِدٌ ، فَلَمْ تَكْمُلْ الشَّهَادَةُ ، فَأَشْبَهَ الشَّهَادَةَ عَلَى الْفِعْلِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الْمُقِرَّ بِهِ وَاحِدٌ ، وَقَدْ شَهِدَ اثْنَانِ بِالْإِقْرَارِ بِهِ ، فَكَمُلَتْ شَهَادَتُهُمَا ، كَمَا لَوْ كَانَ الْإِقْرَارُ بِهِمَا وَاحِدًا ، وَفَارَقَ الشَّهَادَةَ عَلَى الْفِعْلِ ؛ فَإِنَّ الشَّهَادَةَ فِيهَا عَلَى فِعْلَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ ، فَنَظِيرُهُ مِنْ الْإِقْرَارِ أَنْ يَشْهَدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ أَقَرَّ عِنْدِي أَنَّهُ قَتَلَهُ فِي يَوْمِ الْخَمِيسِ ، وَشَهِدَ الْآخَرُ أَنَّهُ أَقَرَّ أَنَّهُ قَتَلَهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ، فَإِنَّ شَهَادَتَهُمَا لَا تُقْبَلُ هَاهُنَا .\rوَيُحَقِّقُ مَا ذَكَرْنَاهُ ، أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ جَمْعُ الشُّهُودِ لِسَمَاعِ الشَّهَادَةِ فِي حَقِّ كُلِّ وَاحِدٍ وَالْعَادَةُ جَارِيَةٌ بِطَلَبِ الشُّهُودِ فِي أَمَاكِنِهِمْ لَا فِي جَمْعِهِمْ إلَى الْمَشْهُودِ لَهُ ، فَيَمْضِي إلَيْهِمْ فِي أَوْقَاتٍ مُتَفَرِّقَةٍ ، وَأَمَاكِنَ مُخْتَلِفَةٍ ، فَيُشْهِدُهُمْ عَلَى إقْرَارِهِ .\rوَإِنْ كَانَ الْإِقْرَارُ عَلَى فِعْلَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ ، مِثْلُ أَنْ يَقُولَ أَحَدُهُمَا : أَشْهَدُ أَنَّهُ أَقَرَّ عِنْدِي أَنَّهُ قَتَلَهُ يَوْمَ الْخَمِيسِ .\rوَقَالَ الْآخَرُ أَشْهَدُ أَنَّهُ أَقَرَّ عِنْدِي أَنَّهُ قَتَلَهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ .\rأَوْ قَالَ أَحَدُهُمَا : أَشْهَدُ أَنَّهُ أَقَرَّ عِنْدِي أَنَّهُ قَذَفَهُ بِالْعَرَبِيَّةِ .\rوَقَالَ الْآخَرُ : أَشْهَدُ أَنَّهُ أَقَرَّ عِنْدِي أَنَّهُ قَذَفَهُ بِالْعَجَمِيَّةِ .\rلَمْ تَكْمُلْ الشَّهَادَةُ ؛ لِأَنَّ الَّذِي شَهِدَ بِهِ أَحَدُهُمَا غَيْرُ الَّذِي شَهِدَ بِهِ صَاحِبُهُ ، فَلَمْ تَكْمُلْ الشَّهَادَةُ ، كَمَا لَوْ","part":23,"page":319},{"id":11319,"text":"شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ أَقَرَّ أَنَّهُ غَصَبَهُ دَنَانِيرَ ، وَشَهِدَ الْآخَرُ أَنَّهُ أَقَرَّ أَنَّهُ غَصَبَهُ دَرَاهِمَ ، لَمْ تَكْمُلْ الشَّهَادَةُ .\rوَعَلَى قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ ، تَكْمُلُ الشَّهَادَةُ فِي الْقَتْلِ ، وَالْقَذْفِ ؛ لِأَنَّ الْقَذْفَ بِالْعَرَبِيَّةِ أَوْ الْعَجَمِيَّةِ ، وَالْقَتْلَ بِالْبَصْرَةِ أَوْ الْكُوفَةِ ، لَيْسَ مِنْ الْمُقْتَضِي ، فَلَا يُعْتَبَرُ فِي الشَّهَادَةِ ، وَلَمْ يُؤَثِّرْ .\rوَالْأَوَّلُ أَصَحُّ .","part":23,"page":320},{"id":11320,"text":"( 8449 ) فَصْلٌ : فَإِنْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ بَاعَ أَمْسِ ، وَشَهِدَ الْآخَرُ أَنَّهُ بَاعَ الْيَوْمَ ، أَوْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ طَلَّقَهَا أَمْسِ ، وَشَهِدَ الْآخَرُ أَنَّهُ طَلَّقَهَا الْيَوْمَ ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا : تَكْمُلُ الشَّهَادَةُ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ .\rلَا تَكْمُلُ ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْبَيْعِ وَالطَّلَاقِ لَمْ يَشْهَدْ بِهِ إلَّا وَاحِدٌ أَشْبَهَ مَا لَوْ شَهِدَ بِالْغَصْبِ فِي وَقْتَيْنِ .\rوَوَجْهُ قَوْلِ أَصْحَابِنَا ، أَنَّ الْمَشْهُودَ بِهِ شَيْءٌ وَاحِدٌ يَجُوزُ أَنْ يُعَادَ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى ، وَيَكُونَ وَاحِدًا ، فَاخْتِلَافُهُمَا فِي الْوَقْتِ لَيْسَ بِاخْتِلَافٍ فِيهِ فَلَمْ يُؤَثِّرْ ، كَمَا لَوْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا بِالْعَرَبِيَّةِ وَالْآخَرُ بِالْفَارِسِيَّةِ .","part":23,"page":321},{"id":11321,"text":"فَصْلٌ : وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي كُلِّ شَهَادَةٍ عَلَى قَوْلٍ ، فَالْحُكْمُ فِيهِ كَالْحُكْمِ فِي الْبَيْعِ إلَّا النِّكَاحَ فَإِنَّهُ كَالْفِعْلِ الْوَاحِدِ .\rفَإِذَا شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا أَمْسِ ، وَشَهِدَ الْآخَرُ أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا الْيَوْمَ ، لَمْ تَكْمُلْ الشَّهَادَةُ ، فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ أَمْسِ غَيْرُ النِّكَاحِ الْيَوْمَ ، فَلَمْ يَشْهَدْ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْعَقْدَيْنِ إلَّا شَاهِدٌ وَاحِدٌ ، فَلَمْ يَثْبُتْ ، كَمَا لَوْ كَانَتْ الشَّهَادَةُ عَلَى فِعْلٍ ، وَكَذَلِكَ الْقَذْفُ ، فَإِنَّهُ لَا تَكْمُلُ الشَّهَادَةُ إلَّا أَنْ يَشْهَدَا عَلَى قَذْفٍ وَاحِدٍ .","part":23,"page":322},{"id":11322,"text":"( 8451 ) فَصْلٌ : فَإِنْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ غَصَبَ هَذَا الْعَبْدَ وَشَهِدَ الْآخَرُ أَنَّهُ أَقَرَّ بِغَصْبِهِ مِنْهُ ، كَمَلَتْ الشَّهَادَةُ ، وَحُكِمَ بِهَا ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْغَصْبُ الَّذِي أَقَرَّ بِهِ هُوَ الَّذِي شَهِدَ الشَّاهِدُ بِهِ ، فَلَمْ يَخْتَلِفْ الْفِعْلُ ، وَكَمُلَتْ الشَّهَادَةُ ، كَمَا لَوْ شَهِدَا فِي وَقْتَيْنِ عَلَى إقْرَارِهِ بِالْغَصْبِ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : لَا تَكْمُلُ الشَّهَادَةُ ، يُحْكَمُ بِهَا .\rوَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَا أَقَرَّ بِهِ غَيْرَ مَا شَهِدَ بِهِ الشَّاهِدُ .\rوَهَذَا يَبْطُلُ بِالشَّهَادَةِ عَلَى إقْرَارَيْنِ ؛ فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَا أَقَرَّ بِهِ عِنْدَ أَحَدِ الشَّاهِدَيْنِ غَيْرَ مَا أَقَرَّ بِهِ عِنْدِ الْآخَرِ ، إذَا كَانَا فِي وَقْتَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ ، وَلِأَنَّهُ إذَا أَمْكَنَ جَعْلُ الشَّهَادَةِ عَلَى وَاحِدٍ ، لَمْ تُحْمَلْ عَلَى اثْنَيْنِ ، كَالْإِقْرَارَيْنِ ، وَكَمَا لَوْ شَهِدَ بِالْغَصْبِ اثْنَانِ ، وَشَهِدَ عَلَى الْإِقْرَارِ بِهِ اثْنَانِ .\rوَإِنْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ غَصَبَ هَذَا الْعَبْدَ مِنْ زَيْدٍ ، أَوْ أَنَّهُ أَقَرَّ بِغَصْبِهِ مِنْهُ ، وَشَهِدَ الْآخَرُ أَنَّهُ مِلْكُ زَيْدٍ ، لَمْ تَكْمُلْ شَهَادَتُهُمَا ؛ لِأَنَّهُمَا لَمْ يَشْهَدَا عَلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ .\rوَإِنْ شَهِدَ أَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْ يَدَيْهِ ، أَلْزَمَهُ الْحَاكِمُ رَدَّهُ إلَى يَدَيْهِ ؛ لِأَنَّ الْيَدَ دَلِيلُ الْمِلْكِ ، فَتُرَدُّ إلَى يَدِهِ ، لِتَكُونَ دَلَالَتُهَا ثَابِتَةً لَهُ .\rقَالَ مُهَنَّا : سَأَلْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ رَجُلٍ ادَّعَى دَارًا فِي يَدِ رَجُلٍ ، وَأَقَامَ شَاهِدَيْنِ ، شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّ هَذِهِ الدَّارَ لِفُلَانٍ ، وَقَالَ الْآخَرُ : أَشْهَدُ أَنَّ هَذِهِ الدَّارَ دَارُ فُلَانٍ .\rقَالَ : شَهَادَتُهُمَا جَائِزَةٌ .","part":23,"page":323},{"id":11323,"text":"( 8452 ) فَصْلٌ : وَمَنْ شَهِدَ بِالنِّكَاحِ ، فَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ شُرُوطِهِ ؛ لِأَنَّ النَّاسَ يَخْتَلِفُونَ فِي شُرُوطِهِ ، فَيَجِبُ ذِكْرُهَا ، لِئَلَّا يَكُونَ الشَّاهِدُ يَعْتَقِدُ أَنَّ النِّكَاحَ صَحِيحٌ ، وَهُوَ فَاسِدٌ .\rوَإِنْ شَهِدَ بِعَقْدٍ سِوَاهُ ؛ كَالْبَيْعِ ، وَالْإِجَارَةِ ، فَهَلْ يُشْتَرَطُ ذِكْرُ شُرُوطِهِ ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ ؛ إحْدَاهُمَا ، يُشْتَرَطُ ذِكْرُهَا ؛ لِأَنَّ النَّاسَ يَخْتَلِفُونَ فِي شُرُوطِهِ ، فَاشْتِرَاطُ ذِكْرِهَا كَالنِّكَاحِ .\rوَالثَّانِيَةُ ، لَا يُشْتَرَطُ ذِكْرُ شُرُوطِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ ذِكْرُهَا فِي الدَّعْوَى ، فَكَذَلِكَ فِي الشَّهَادَةِ بِهِ بِخِلَافِ النِّكَاحِ .\rوَإِنْ شَهِدَ بِالرَّضَاعِ ، فَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ أَنَّهُ شَرِبَ مِنْ ثَدْيِهَا ، أَوْ مِنْ لَبَنٍ حُلِبَ مِنْهُ ، وَعَدَدِ الرَّضَعَاتِ ؛ لِأَنَّ النَّاسَ يَخْتَلِفُونَ فِي عَدَدِ الرَّضَعَاتِ ، وَفِي الرَّضَاعِ الْمُحَرِّمِ .\rوَإِنْ شَهِدَ أَنَّهُ ابْنُهَا مِنْ الرَّضَاعِ ، لَمْ يَكْفِ ؛ لِاخْتِلَافِ النَّاسِ فِيمَا يَصِيرُ بِهِ ابْنَهَا ، وَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي الْحَوْلَيْنِ .\rوَإِنْ شَهِدَ بِالْقَتْلِ ، فَلَا بُدَّ مِنْ وَصْفِ الْقَتْلِ ، فَيَقُولُ : جَرَحَهُ فَقَتَلَهُ ، أَوْ ضَرَبَهُ بِكَذَا فَقَتَلَهُ .\rوَلَوْ قَالَ : ضَرَبَهُ فَمَاتَ .\rلَمْ يُحْكَمْ بِذَلِكَ ؛ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ مَاتَ بِغَيْرِ هَذَا .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ شُرَيْحٍ ، أَنَّهُ شَهِدَ عِنْدَهُ رَجُلٌ ، فَقَالَ : أَشْهَدُ أَنَّهُ اتَّكَأَ عَلَيْهِ بِمِرْفَقِهِ ، فَمَاتَ ، فَقَالَ لَهُ شُرَيْحٌ : فَمَاتَ مِنْهُ ، أَوْ فَقَتَلَهُ ؟ فَأَعَادَ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ ، وَأَعَادَ عَلَيْهِ شُرَيْحٌ سُؤَالَهُ ، فَلَمْ يَقُلْ : فَقَتَلَهُ .\rوَلَا : فَمَاتَ مِنْهُ .\rفَقَالَ لَهُ شُرَيْحٌ : قُمْ ، فَلَا شَهَادَةَ لَك .\rرَوَاهُ سَعِيدٌ .\rوَمَنْ شَهِدَ بِالزِّنَى ، فَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ الزَّانِي ، وَالْمَزْنِيِّ بِهَا ، وَمَكَانِ الزِّنَى ، وَصِفَتِهِ ؛ لِأَنَّ اسْمَ الزِّنَى يُطْلَقُ عَلَى مَا لَا يُوجِبُ الْحَدَّ ، وَقَدْ يَعْتَقِدُ الشَّاهِدُ مَا لَيْسَ بِزِنًى زِنًى ، فَاعْتُبِرَ ذِكْرُ صِفَتِهِ ؛ لِيَزُولَ الِاحْتِمَالُ ، وَاعْتُبِرَ ذِكْرُ","part":23,"page":324},{"id":11324,"text":"الْمَرْأَةِ ؛ لِئَلَّا تَكُونَ مِمَّنْ تَحِلُّ لَهُ ، أَوْ لَهُ فِي وَطْئِهَا شُبْهَةٌ ، وَذِكْرُ الْمَكَانِ ؛ لِئَلَّا تَكُونَ الشَّهَادَةُ مِنْهُمْ عَلَى فِعْلَيْنِ .\rوَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ : لَا يُحْتَاجُ إلَى ذِكْرِ الْمَزْنِيِّ بِهَا ، وَلَا ذِكْرِ الْمَكَانِ ؛ لِأَنَّهُ مَحَلٌّ لِلْفِعْلِ ، فَلَمْ يُعْتَبَرْ ذِكْرُهُ ، كَالزَّمَانِ .\rوَإِنْ شَهِدَ بِالسَّرِقَةِ ، فَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ سَرِقَةِ نِصَابٍ مِنْ الْحِرْزِ ، وَذِكْرِ الْمَسْرُوقِ مِنْهُ ، وَصِفَةِ السَّرِقَةِ .\rوَإِنْ شَهِدَ بِالْقَذْفِ ، فَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ الْمَقْذُوفِ ، وَصِفَةِ الْقَذْفِ .\rوَإِنْ شَهِدَ بِمَالٍ ، احْتَاجَ إلَى تَحْرِيرِهِ بِمِثْلِ مَا ذَكَرْنَا فِي الدَّعْوَى .\rوَإِنْ تَرَكَ الشَّاهِدُ ذِكْرَ شَيْءٍ يُحْتَاجُ إلَى ذِكْرِهِ ، سَأَلَهُ الْحَاكِمُ عَنْهُ ، كَمَا سَأَلَ شُرَيْحٌ الشَّاهِدَ الَّذِي شَهِدَ عِنْدَهُ أَنَّهُ اتَّكَأَ عَلَيْهِ بِمِرْفَقِهِ حَتَّى مَاتَ .\rوَإِنْ حَرَّرَ الْمُدَّعِي دَعْوَاهُ ، أَوْ حَرَّرَ أَحَدُ الشَّاهِدَيْنِ شَهَادَتَهُ ، وَشَهِدَ بِهَا ، وَقَالَ الْآخَرُ : أَشْهَدُ بِمِثْلِ ذَلِكَ .\rأَوْ قَالَ حِينَ حَرَّرَ الْمُدَّعِي دَعْوَاهُ : أَشْهَدُ بِذَلِكَ ، أَوْ بِهَذَا .\rأَجْزَأَهُ .","part":23,"page":325},{"id":11325,"text":"( 8453 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَلَوْ جَاءَ أَرْبَعَةٌ مُتَفَرِّقُونَ ، وَالْحَاكِمُ جَالِسٌ فِي مَجْلِسِ حُكْمِهِ ، لَمْ يَقُمْ قَبْلَ شَهَادَتِهِمْ .\rوَإِنْ جَاءَ بَعْضُهُمْ بَعْدَ أَنْ قَامَ الْحَاكِمُ ، كَانُوا قَذَفَةً ، وَعَلَيْهِمْ الْحَدُّ ) هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ ؛ قَدْ ذَكَرْنَاهَا فِي كِتَابِ الْحُدُودِ ، بِمَا أَغْنَى عَنْ إعَادَتِهَا هَاهُنَا .","part":23,"page":326},{"id":11326,"text":"( 8454 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَمَنْ حُكِمَ بِشَهَادَتِهِمَا بِجَرْحٍ أَوْ قَتْلٍ ، ثُمَّ رَجَعَا ، فَقَالَا : عَمَدْنَا ، اُقْتُصَّ مِنْهُمَا .\rوَإِنْ قَالَا : أَخْطَأْنَا .\rغَرِمَا الدِّيَةَ ، أَوْ أَرْشَ الْجَرْحِ ) وَجُمْلَةُ الْأَمْرِ أَنَّ الشُّهُودَ إذَا رَجَعُوا عَنْ شَهَادَتِهِمْ بَعْدَ أَدَائِهَا ، لَمْ يَخْلُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ ؛ أَحَدُهَا ، أَنْ يَرْجِعُوا قَبْلَ الْحُكْمِ بِهَا ، فَلَا يَجُوزُ الْحُكْمُ بِهَا .\rفِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rوَحُكِيَ عَنْ أَبِي ثَوْرٍ ، أَنَّهُ شَذَّ عَنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَقَالَ : يُحْكَمُ بِهَا ؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ قَدْ أُدِّيَتْ ، فَلَا تَبْطُلُ بِرُجُوعِ مَنْ شَهِدَ بِهَا ، كَمَا لَوْ رَجَعَا بَعْدَ الْحُكْمِ .\rوَهَذَا فَاسِدٌ ؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ شَرْطُ الْحُكْمِ ، فَإِذَا زَالَتْ قَبْلَهُ ، لَمْ يَجُزْ ، كَمَا لَوْ فَسَقَا ؛ وَلِأَنَّ رُجُوعَهُمَا يَظْهَرُ بِهِ كَذِبُهُمَا ، فَلَمْ يَجُزْ الْحُكْمُ بِهَا ، كَمَا لَوْ شَهِدَا بِقَتْلِ رَجُلٍ ، ثُمَّ عُلِمَ حَيَاتُهُ ، وَلِأَنَّهُ زَالَ ظَنُّهُ فِي أَنَّ مَا شُهِدَ بِهِ حَقٌّ ، فَلَمْ يَجُزْ لَهُ الْحُكْمُ بِهِ ، كَمَا لَوْ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ ، وَفَارَقَ مَا بَعْدَ الْحُكْمِ ، فَإِنَّهُ تَمَّ بِشَرْطِهِ ؛ وَلِأَنَّ الشَّكَّ لَا يُزِيلُ مَا حُكِمَ بِهِ ، كَمَا لَوْ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ .\rالْحَالُ الثَّانِي ، أَنْ يَرْجِعَا بَعْدَ الْحُكْمِ وَقَبْلَ الِاسْتِيفَاءِ ، فَيُنْظَرَ ؛ فَإِنْ كَانَ الْمَحْكُومُ بِهِ عُقُوبَةً ، كَالْحَدِّ وَالْقِصَاصِ ، لَمْ يَجُزْ اسْتِيفَاؤُهُ ؛ لِأَنَّ الْحُدُودَ تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ ، وَرُجُوعُهُمَا مِنْ أَعْظَمِ الشُّبُهَاتِ ، وَلِأَنَّ الْمَحْكُومَ بِهِ عُقُوبَةٌ ، وَلَمْ يَتَعَيَّنْ اسْتِحْقَاقُهَا ، وَلَا سَبِيلَ إلَى جَبْرِهَا ، فَلَمْ يَجُزْ اسْتِيفَاؤُهَا ، كَمَا لَوْ رَجَعَا قَبْلَ الْحُكْمِ .\rوَفَارَقَ الْمَالَ ؛ فَإِنَّهُ يُمْكِنُ جَبْرُهُ ، بِإِلْزَامِ الشَّاهِدَيْنِ عِوَضَهُ ، وَالْحَدُّ وَالْقِصَاصُ لَا يَنْجَبِرُ بِإِيجَابِ مِثْلِهِ عَلَى الشَّاهِدَيْنِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِجَبْرٍ ، وَلَا يَحْصُلُ لِمَنْ وَجَبَ لَهُ مِنْهُ عِوَضٌ ، وَإِنَّمَا شُرِعَ لِلزَّجْرِ وَالتَّشَفِّي","part":23,"page":327},{"id":11327,"text":"وَالِانْتِقَامِ ، لَا لِلْجَبْرِ .\rفَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ قُلْتُمْ : إنَّهُ إذَا حُكِمَ بِالْقِصَاصِ ، ثُمَّ فَسَقَ الشَّاهِدَانِ ، اُسْتُوْفِيَ .\rفِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ .\rقُلْنَا : الرُّجُوعُ أَعْظَمُ فِي الشُّبْهَةِ مِنْ طَرَيَان الْفِسْقِ لِأَنَّهُمَا يُقِرَّانِ أَنَّ شَهَادَتَهُمَا زُورٌ ، وَأَنَّهُمَا كَانَا فَاسِقَيْنِ حِينَ شَهِدَا ، وَحِينَ حَكَمَ الْحَاكِمُ بِشَهَادَتِهِمَا ، وَهَذَا الَّذِي طَرَأَ فِسْقُهُ لَا يَتَحَقَّقُ كَوْنُ شَهَادَتِهِ كَذِبًا ، وَلَا أَنَّهُ كَانَ فَاسِقًا حِينَ أَدَّى الشَّهَادَةَ ، وَلَا حِينَ الْحُكْمِ بِهَا ، وَلِهَذَا لَوْ فَسَقَ بَعْدَ الِاسْتِيفَاءِ ، لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ ، وَالرَّاجِعَانِ تَلْزَمُهُمَا غَرَامَةُ مَا شَهِدَا بِهِ فَافْتَرَقَا .\rوَإِنْ كَانَ الْمَشْهُودُ بِهِ مَالًا ، اُسْتُوْفِيَ ، وَلَمْ يُنْقَضْ حُكْمُهُ .\rفِي قَوْلِ أَهْلِ الْفُتْيَا مِنْ عُلَمَاءِ الْأَمْصَارِ .\rوَحُكِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَالْأَوْزَاعِيِّ ، أَنَّهُمَا قَالَا : يُنْقَضُ الْحُكْمُ ، وَإِنْ اُسْتُوْفِيَ الْحَقُّ ثَبَتَ بِشَهَادَتِهِمَا ، فَإِذَا رَجَعَا ، زَالَ مَا ثَبَتَ بِهِ الْحُكْمُ ، فَنُقِضَ الْحُكْمُ ، كَمَا لَوْ تَبَيَّنَ أَنَّهُمَا كَانَا كَافِرَيْنِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ حَقَّ الْمَشْهُودِ لَهُ وَجَبَ لَهُ ، فَلَا يَسْقُطُ بِقَوْلِهِمَا ، كَمَا لَوْ ادَّعَيَاهُ لَأَنْفُسِهِمَا ، يُحَقِّقُ هَذَا أَنَّ حَقَّ الْإِنْسَانِ لَا يَزُولُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ أَوْ إقْرَارٍ ، وَرُجُوعُهُمَا لَيْسَ بِشَهَادَةٍ ، وَلِهَذَا لَا يَفْتَقِرُ إلَى لَفْظِ الشَّهَادَةِ ، وَلَا هُوَ إقْرَارٌ مِنْ صَاحِبِ الْحَقِّ .\rوَفَارَقَ مَا إذَا تَبَيَّنَ أَنَّهُمَا كَانَا كَافِرَيْنِ ؛ لِأَنَّنَا تَبَيَّنَّا أَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ شَرْطُ الْحُكْمِ ، وَهُوَ شَهَادَةُ الْعُدُولِ ، وَفِي مَسْأَلَتِنَا لَمْ يَتَبَيَّنْ ذَلِكَ ؛ بِجَوَازِ أَنْ يَكُونَا عَدْلَيْنِ صَادِقَيْنِ فِي شَهَادَتِهِمَا ، وَإِنَّمَا كَذَبَا فِي رُجُوعِهِمَا ، وَيُفَارِقُ الْعُقُوبَاتِ ، حَيْثُ لَا تُسْتَوْفَى ؛ فَإِنَّهَا تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ .\rالْحَالُ الثَّالِثُ ، أَنْ يَرْجِعَا بَعْدَ الِاسْتِيفَاءِ ؛ فَإِنَّهُ لَا يَبْطُلُ الْحُكْمُ ، وَلَا يَلْزَمُ الْمَشْهُودَ لَهُ شَيْءٌ ،","part":23,"page":328},{"id":11328,"text":"سَوَاءٌ كَانَ الْمَشْهُودُ بِهِ مَالًا أَوْ عُقُوبَةً ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ قَدْ تَمَّ بِاسْتِيفَاءِ الْمَحْكُومِ بِهِ ، وَوُصُولِ الْحَقِّ إلَى مُسْتَحِقِّهِ ، وَيَرْجِعُ بِهِ عَلَى الشَّاهِدَيْنِ ، ثُمَّ يُنْظَرُ ؛ فَإِنْ كَانَ الْمَشْهُودُ بِهِ إتْلَافًا فِي مِثْلِهِ الْقِصَاصُ ، كَالْقَتْلِ وَالْجَرْحِ ، نَظَرْنَا فِي رُجُوعِهِمَا ، فَإِنْ قَالَا : عَمَدْنَا الشَّهَادَةَ عَلَيْهِ بِالزُّورِ ؛ لِيُقْتَلَ أَوْ يُقْطَعَ .\rفَعَلَيْهِمَا الْقِصَاصُ .\rوَبِهَذَا قَالَ ابْنُ شُبْرُمَةَ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو عُبَيْدٍ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ : لَا قَوَدَ عَلَيْهِمَا ؛ لِأَنَّهُمَا لَمْ يُبَاشِرَا الْإِتْلَافَ ، فَأَشْبَهَا حَافِرَ الْبِئْرِ ، وَنَاصِبَ السِّكِّينِ ، إذَا تَلِفَ بِهِمَا شَيْءٌ .\rوَلَنَا ، أَنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ شَهِدَ عِنْدَهُ رَجُلَانِ عَلَى رَجُلٍ بِالسَّرِقَةِ ، فَقَطَعَهُ ، ثُمَّ عَادَا ، فَقَالَا : أَخْطَأْنَا ، لَيْسَ هَذَا هُوَ السَّارِقُ .\rفَقَالَ عَلِيٌّ : لَوْ عَلِمْت أَنَّكُمَا تَعَمَّدْتُمَا ، لَقَطَعْتُكُمَا .\rوَلَا مُخَالِفَ لَهُ فِي الصَّحَابَةِ ، فَيَكُونُ إجْمَاعًا ، وَلِأَنَّهُمَا تَسَبَّبَا إلَى قَتْلِهِ أَوْ قَطْعِهِ ، بِمَا يُفْضِي إلَيْهِ غَالِبًا ، فَلَزِمَهُمَا الْقِصَاصُ ، كَالْمُكْرَهِ ، وَفَارَقَ الْحَفْرَ وَنَصْبَ السِّكِّينِ ، فَإِنَّهُ لَا يُفْضِي إلَى الْقَتْلِ غَالِبًا .\rوَقَدْ ذَكَرْنَا هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي الْقِصَاصِ .\rفَأَمَّا إنْ قَالَا : عَمَدْنَا الشَّهَادَةَ عَلَيْهِ ، وَلَا نَعْلَمْ أَنَّهُ يُقْتَلُ بِهَذَا .\rوَكَانَا مِمَّنْ يَجُوزُ أَنْ يَجْهَلَا ذَلِكَ ، وَجَبَتْ الدِّيَةُ فِي أَمْوَالِهِمَا مُغَلَّظَةً ؛ لِأَنَّهُ شِبْهُ عَمْدٍ ، وَلَمْ تَحْمِلْهُ الْعَاقِلَةُ ؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ بِاعْتِرَافِهِمَا ، وَالْعَاقِلَةُ لَا تَحْمِلُ اعْتِرَافًا .\rوَإِنْ قَالَ أَحَدُهُمَا عَمَدْت قَتْلَهُ .\rوَقَالَ الْآخَرُ : أَخْطَأْت .\rفَعَلَى الْعَامِدِ نِصْفُ دِيَةٍ مُغَلَّظَةٍ ، وَعَلَى الْآخَرِ نِصْفُ دِيَةٍ مُخَفَّفَةٍ ، وَلَا قِصَاصَ ، فِي الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ ؛ لِأَنَّهُ قَتْلُ عَمْدٍ وَخَطَأٍ .\rوَإِنْ قَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا : عَمَدْت ، وَأَخْطَأَ","part":23,"page":329},{"id":11329,"text":"صَاحِبِي .\rاحْتَمَلَ أَنْ يَجِبَ الْقِصَاصُ عَلَيْهِمَا ؛ لِاعْتِرَافِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِعَمْدِ نَفْسِهِ .\rوَاحْتَمَلَ وُجُوبَ الدِّيَةِ ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إنَّمَا اعْتَرَفَ بِعَمْدٍ شَارَكَ فِيهِ مُخْطِئًا ، وَهَذَا لَا يُوجِبُ الْقِصَاصَ ، وَالْإِنْسَانُ إنَّمَا يُؤَاخَذُ بِإِقْرَارِهِ ، لَا بِإِقْرَارِ غَيْرِهِ .\rفَعَلَى هَذَا ، يَجِبُ عَلَيْهِمَا دِيَةٌ مُغَلَّظَةٌ .\rوَإِنْ قَالَ أَحَدُهُمَا : عَمَدْنَا جَمِيعًا .\rوَقَالَ الْآخَرُ : عَمَدْت ، وَأَخْطَأَ صَاحِبِي .\rفَعَلَى الْأَوَّلِ الْقِصَاصُ ، وَفِي الثَّانِي وَجْهَانِ ، كَاَلَّتِي قَبْلَهَا .\rوَإِنْ قَالَا جَمِيعًا : أَخْطَأْنَا .\rفَعَلَيْهِمَا الدِّيَةُ مُخَفَّفَةً فِي أَمْوَالِهِمَا ؛ لِأَنَّ الْعَاقِلَةَ لَا تَحْمِلُ الِاعْتِرَافَ .\rوَإِنْ قَالَ أَحَدُهُمَا : عَمَدْنَا مَعًا .\rوَقَالَ الْآخَرُ : أَخْطَأْنَا مَعًا .\rفَعَلَى الْأَوَّلِ الْقِصَاصُ ، وَعَلَى الثَّانِي نِصْفُ دِيَةٍ مُخَفَّفَةٍ ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يُؤَاخَذُ بِحُكْمِ إقْرَارِهِ .\rوَإِنْ قَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا : عَمَدْت ، وَلَا أَدْرِي مَا فَعَلَ صَاحِبِي فَعَلَيْهِمَا الْقِصَاصُ ؛ لِإِقْرَارِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْعَمْدِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَجِبَ عَلَيْهِمَا الْقِصَاصُ ؛ لِأَنَّ إقْرَارَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَوْ انْفَرَدَ ، لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ قِصَاصٌ ، وَإِنَّمَا يُؤَاخَذُ الْإِنْسَانُ بِإِقْرَارِهِ ، لَا بِإِقْرَارِ صَاحِبِهِ .\rوَإِنْ قَالَ أَحَدُهُمَا : عَمَدْت ، وَلَا أَدْرِي مَا قَصَدَ صَاحِبِي .\rسُئِلَ صَاحِبُهُ ، فَإِذَا قَالَ : عَمَدْت ، وَلَا أَدْرِي مَا قَصَدَ صَاحِبِي فَهِيَ كَاَلَّتِي قَبْلَهَا .\rوَإِنْ قَالَ : عَمَدْنَا .\rفَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ ، وَفِي الْأَوَّلِ وَجْهَانِ .\rوَإِنْ قَالَ : أَخْطَأْت ، أَوْ أَخْطَأْنَا .\rفَلَا قِصَاصَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا .\rوَإِنْ جُهِلَ حَالُ الْآخَرِ ، بِأَنْ يُجَنَّ ، أَوْ يَمُوتَ ، أَوْ لَا يُقْدَرَ عَلَيْهِ ، فَلَا قِصَاصَ عَلَى الْمُقِرِّ ، وَعَلَيْهِ نَصِيبُهُ مِنْ الدِّيَةِ الْمُغَلَّظَةِ .","part":23,"page":330},{"id":11330,"text":"( 8455 ) فَصْلٌ : وَإِنْ رَجَعَ أَحَدُ الشَّاهِدِينَ وَحْدَهُ ، فَالْحُكْمُ فِيهِ كَالْحُكْمِ فِي رُجُوعِهِمَا ، فِي أَنَّ الْحَاكِمَ لَا يَحْكُمُ بِشَهَادَتِهِمَا ، إذَا كَانَ رُجُوعُهُ قَبْلَ الْحُكْمِ ، وَفِي أَنَّهُ لَا يَسْتَوْفِي الْعُقُوبَةَ إذَا رَجَعَ قَبْلَ اسْتِيفَائِهَا ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ يَخْتَلُّ بِرُجُوعِهِ ، كَاخْتِلَالِهِ بِرُجُوعِهِمَا .\rوَإِنْ كَانَ رُجُوعُهُ بَعْدَ الِاسْتِيفَاءِ ، لَزِمَهُ حُكْمُ إقْرَارِهِ وَحْدَهُ ، فَإِنْ أَقَرَّ بِمَا يُوجِبُ الْقِصَاصَ ، وَجَبَ عَلَيْهِ ، وَإِنْ أَقَرَّ بِمَا يُوجِبُ دِيَةً مُغَلَّظَةً ، وَجَبَ عَلَيْهِ قِسْطُهُ مِنْهَا ، وَإِنْ أَقَرَّ بِالْخَطَأِ ، وَجَبَ عَلَيْهِ نَصِيبُهُ مِنْ الدِّيَةِ الْمُخَفَّفَةِ .\rوَإِنْ كَانَ الشُّهُودُ أَكْثَرَ مِنْ اثْنَيْنِ فِي الْحُقُوقِ الْمَالِيَّةِ ، أَوْ الْقِصَاصِ ، وَنَحْوِهِ ، فَمَا ثَبَتَ بِشَاهِدَيْنِ ، أَوْ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةٍ ، فَرَجَعَ الزَّائِدُ مِنْهُمْ قَبْلَ الْحُكْمِ وَالِاسْتِيفَاءِ ، لَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ الْحُكْمَ وَلَا الِاسْتِيفَاءَ ؛ لِأَنَّ مَا بَقِيَ مِنْ الْبَيِّنَةِ كَافٍ فِي إثْبَاتِ الْحُكْمِ وَاسْتِيفَائِهِ .\rوَإِنْ رَجَعَ بَعْدَ الِاسْتِيفَاءِ ، فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ إنْ أَقَرَّ بِمَا يُوجِبُهُ ، أَوْ قِسْطُهُ مِنْ الدِّيَةِ ، أَوْ مِنْ الْمُفَوِّتِ بِشَهَادَتِهِمْ إنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ .\rوَفِي ذَلِكَ اخْتِلَافٌ سَنَذْكُرُهُ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .","part":23,"page":331},{"id":11331,"text":"( 8456 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِنْ كَانَتْ شَهَادَتُهُمَا بِمَالٍ ، غَرِمَاهُ ، وَلَمْ يَرْجِعْ بِهِ عَلَى الْمَحْكُومِ لَهُ بِهِ ، سَوَاءٌ كَانَ الْمَالُ قَائِمًا أَوْ تَالِفًا ) أَمَّا كَوْنُهُ لَا يَرْجِعُ بِهِ عَلَى الْمَحْكُومِ لَهُ بِهِ فَلَا نَعْلَمُ فِيهِ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ خِلَافًا ، سِوَى مَا حَكَيْنَاهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَقَدْ ذَكَرْنَا الْكَلَامَ مَعَهُمَا فِيمَا مَضَى .\rفَأَمَّا الرُّجُوعُ بِهِ عَلَى الشَّاهِدَيْنِ ، فَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ؛ مِنْهُمْ مَالِكٌ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ الْقَدِيمُ ، وَقَالَ فِي الْجَدِيدِ لَا يَرْجِعُ عَلَيْهِمَا بِشَيْءٍ ، إلَّا أَنْ يَشْهَدَا بِعِتْقِ عَبْدٍ فَيَضْمَنَا قِيمَتَهُ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُمَا إتْلَافٌ لِلْمَالِ ، وَلَا يَدٌ عَادِيَةٌ عَلَيْهِ ، فَلَمْ يَضْمَنَا ، كَمَا لَوْ رُدَّتْ شَهَادَتُهُمَا .\rوَلَنَا ، أَنَّهُمَا أَخْرَجَا مَالَهُ مِنْ يَدِهِ بِغَيْرِ حَقٍّ ، وَحَالَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ ، فَلَزِمَهُمَا الضَّمَانُ ، كَمَا لَوْ شَهِدَا بِعِتْقِهِ ، وَلِأَنَّهُمَا أَزَالَا يَدَ السَّيِّدِ عَنْ عَبْدِهِ بِشَهَادَتِهِمَا الْمَرْجُوعِ عَنْهَا فَأَشْبَهَ مَا لَوْ شَهِدَا بِحُرِّيَّتِهِ ؛ وَلِأَنَّهُمَا تَسَبَّبَا إلَى إتْلَافِ حَقِّهِ بِشَهَادَتِهِمَا بِالزُّورِ عَلَيْهِ ، فَلَزِمَهُمَا الضَّمَانُ ، كَشَاهِدَيْ الْقِصَاصِ .\rيُحَقِّقُ هَذَا ، أَنَّهُ إذَا أَلْزَمَهُمَا الْقِصَاصَ الَّذِي يُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ ، فَوُجُوبُ الْمَالِ أَوْلَى .\rوَقَوْلُهُمْ : إنَّهُمَا مَا أَتْلَفَا الْمَالَ .\rيَبْطُلُ بِمَا إذَا شَهِدَا بِعِتْقِهِ ، فَإِنَّ الرِّقَّ فِي الْحَقِيقَةِ لَا يَزُولُ بِشَهَادَةِ الزُّورِ ، وَإِنَّمَا حَالَا بَيْنَ سَيِّدِهِ وَبَيْنَهُ ، وَفِي مَوْضِعِ إتْلَافِ الْمَالِ ، فَهُمَا تَسَبَّبَا إلَى تَلَفِهِ ، فَيَلْزَمُهُمَا ضَمَانُ مَا تَلِفَ بِسَبَبِهِمَا ، كَشَاهِدَيْ الْقِصَاصِ ، وَشُهُودِ الزِّنَى ، وَحَافِرِ الْبِئْرِ ، وَنَاصِبِ السِّكِّينِ .","part":23,"page":332},{"id":11332,"text":"( 8457 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِنْ كَانَ الْمَحْكُومُ بِهِ عَبْدًا أَوْ أَمَةً ، غَرِمَا قِيمَتَهُ ) أَمَّا إذَا شَهِدَا بِالْعَبْدِ أَوْ الْأَمَةِ لِغَيْرِ مَالِكِهِ ، فَالْحُكْمُ فِي ذَلِكَ كَالْحُكْمِ فِي الشَّهَادَةِ بِالْمَالِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْخِلَافِ فِيهِ ؛ لِأَنَّهَا مِنْ جُمْلَةِ الْمَالِ .\rوَإِنْ شَهِدَا بِحُرِّيَّتِهِمَا ، ثُمَّ رَجَعَا عَنْ الشَّهَادَةِ ، لَزِمَهُمَا غَرَامَةُ قِيمَتِهَا لَسَيِّدِهِمَا ، بِغَيْرِ خِلَافٍ بَيْنَهُمْ فِيهِ ، فَإِنَّ الْمُخَالِفَ فِي الَّتِي قَبْلَهَا هُوَ الشَّافِعِيُّ ، وَقَدْ وَافَقَ هَاهُنَا ، وَهُوَ حُجَّةٌ عَلَيْهِ فِيمَا خَالَفَ فِيهِ ، فَإِنَّ إخْرَاجَ الْعَبْدِ عَنْ يَدِ سَيِّدِهِ بِالشَّهَادَةِ بِحُرِّيَّتِهِ ، كَإِخْرَاجِهِ عَنْهَا بِالشَّهَادَةِ بِهِ لِغَيْرِ مَالِكِهِ ، فَإِذَا لَزِمَهُ الضَّمَانُ ثَمَّ ، لَزِمَهُ هَاهُنَا ، وَغَرِمَا الْقِيمَةَ ؛ لِأَنَّ الْعَبِيدَ مِنْ الْمُتَقَوِّمَاتِ ، لَا مِنْ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ .","part":23,"page":333},{"id":11333,"text":"( 8458 ) فَصْلٌ : وَإِنْ شَهِدَا بِطَلَاقِ امْرَأَةٍ تَبِينُ بِهِ ، فَحَكَمَ الْحَاكِمُ بِالْفُرْقَةِ ، ثُمَّ رَجَعَا عَنْ الشَّهَادَةِ ، وَكَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ ، فَالْوَاجِبُ عَلَيْهِمَا نِصْفُ الْمُسَمَّى .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ : يَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ ؛ لِأَنَّهُمَا أَتْلَفَا عَلَيْهِ الْبُضْعَ ، فَلَزِمَهُمَا عِوَضُهُ ، وَهُوَ مَهْرُ الْمِثْلِ .\rوَفِي الْقَوْلِ الْآخَرِ ، لَزِمَهُمَا نِصْفُ مَهْرِ الْمِثْلِ ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا مَلَكَ نِصْفَ الْبُضْعِ ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ إنَّمَا يَجِبُ عَلَيْهِ نِصْفُ الْمَهْرِ .\rوَلَنَا أَنَّ خُرُوجَ الْبُضْعَ مِنْ مِلْكِ الزَّوْجِ غَيْرُ مُتَقَوِّمٍ ؛ بِدَلِيلِ مَا لَوْ أَخْرَجَتْهُ مِنْ مِلْكِهِ بِرِدَّتِهَا ، أَوْ إسْلَامِهَا ، أَوْ قَتْلِهَا نَفْسَهَا ، فَإِنَّهَا لَا تَضْمَنُ شَيْئًا .\rوَلَوْ فَسَخَتْ نِكَاحَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ ، بِرَضَاعِ مَنْ يَنْفَسِخُ بِهِ نِكَاحُهَا ، لَمْ يَغْرَمْ شَيْئًا ، وَإِنَّمَا وَجَبَ عَلَيْهِمَا نِصْفُ الْمُسَمَّى ؛ لِأَنَّهُمَا أَلْزَمَاهُ لِلزَّوْجِ بِشَهَادَتِهِمَا ، وَقَرَارِهِ عَلَيْهِ ، فَرَجَعَ عَلَيْهِمَا ، كَمَا يَرْجِعُ بِهِ عَلَى مِنْ فَسَخَ نِكَاحَهُ بِرَضَاعٍ أَوْ غَيْرِهِ .\rوَقَوْلُهُ : إنَّهُ مَلَكَ نِصْفَ الْبُضْعِ .\rغَيْرُ صَحِيحٍ ؛ فَإِنَّ الْبُضْعَ لَا يَجُوزُ تَمْلِيكُ نِصْفِهِ ، وَلِأَنَّ الْعَقْدَ وَرَدَ عَلَى جَمِيعِهِ ، وَالصَّدَاقَ وَاجِبٌ جَمِيعُهُ ، وَلِهَذَا تَمْلِكُهُ الْمَرْأَةُ إذَا قَبَضَتْهُ ، وَنَمَاؤُهُ لَهَا ، وَتَمْلِكُ طَلَبَهُ إذَا لَمْ تَقْبِضْهُ ، وَإِنَّمَا يَسْقُطُ نِصْفُهُ بِالطَّلَاقِ .\rوَأَمَّا إنْ كَانَ الْحُكْمُ بِالْفُرْقَةِ بَعْدَ الدُّخُولِ ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِمَا .\rوَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَعَنْ أَحْمَدَ ، رِوَايَةٌ أُخْرَى ، عَلَيْهِمَا ضَمَانُ الْمُسَمَّى فِي الصَّدَاقِ ؛ لِأَنَّهُمَا فَوَّتَا عَلَيْهِ نِكَاحًا وَجَبَ عَلَيْهِ بِهِ عِوَضٌ ، فَكَانَ عَلَيْهِمَا ضَمَانُ مَا وَجَبَ بِهِ كَمَا لَوْ شَهِدَا بِذَلِكَ قَبْلَ الدُّخُولِ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يَلْزَمُهُمَا لَهُ مَهْرُ الْمِثْلِ ؛ لِأَنَّهُمَا أَتْلَفَا الْبُضْعَ عَلَيْهِ .\rوَقَدْ سَبَقَ الْكَلَامُ مَعَهُ","part":23,"page":334},{"id":11334,"text":"فِي هَذَا ، وَلَا يَصِحُّ الْقِيَاسُ عَلَى مَا قَبْلَ الدُّخُولِ ؛ لِأَنَّهُمَا قَرَّرَا عَلَيْهِ نِصْفَ الْمُسَمَّى ، وَكَانَ بِعَرَضِ السُّقُوطِ ، وَهَا هُنَا قَدْ تَقَرَّرَ الْمَهْرُ كُلُّهُ بِالدُّخُولِ ، فَلَمْ يُقَرِّرَا عَلَيْهِ شَيْئًا وَلَمْ يُخْرِجَا مِنْ مِلْكِهِ مُتَقَوِّمًا ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَخْرَجَاهُ مِنْ مِلْكِهِ بِقَتْلِهَا ، أَوْ أَخْرَجَتْهُ هِيَ بِرِدَّتِهَا .","part":23,"page":335},{"id":11335,"text":"فَصْلٌ : وَإِنْ شَهِدَا عَلَى امْرَأَةٍ بِنِكَاحٍ ، فَحَكَمَ بِهِ الْحَاكِمُ ، ثُمَّ رَجَعَا ، نَظَرْت ؛ فَإِنْ طَلَّقَهَا الزَّوْجُ قَبْلَ دُخُولِهِ بِهَا ، لَمْ يَغْرَمَا شَيْئًا ؛ لِأَنَّهُمَا لَمْ يُفَوِّتَا عَلَيْهَا شَيْئًا .\rوَإِنْ دَخَلَ بِهَا ، وَكَانَ الصَّدَاقُ الْمُسَمَّى بِقَدْرِ مَهْرِ الْمِثْلِ ، أَوْ أَكْثَرَ مِنْهُ ، وَوَصَلَ إلَيْهَا ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِمَا ؛ لِأَنَّهَا أَخَذَتْ عِوَضَ مَا فَوَّتَاهُ عَلَيْهَا ، وَإِنْ كَانَ دُونَهُ ، فَعَلَيْهِمَا مَا بَيْنَهُمَا ، وَإِنْ لَمْ يَصِلْ إلَيْهِمَا ، فَعَلَيْهِمَا ضَمَانُ مَهْرِ مِثْلِهَا ؛ لِأَنَّهُ عِوَضُ مَا فَوَّتَاهُ عَلَيْهَا .","part":23,"page":336},{"id":11336,"text":"( 8460 ) فَصْلٌ : وَإِنْ شَهِدَا بِكِتَابَةِ عَبْدِهِ ، ثُمَّ رَجَعَا ، نَظَرْت ؛ فَإِنْ عَجَزَ ، وَرُدَّ فِي الرِّقِّ ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِمَا .\rوَإِنْ أَدَّى ، وَعَتَقَ ، فَعَلَيْهِمَا ضَمَانُ جَمِيعِهِ ؛ لِأَنَّهُمَا فَوَّتَاهُ عَلَيْهِ بِشَهَادَتِهِمَا ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَلْزَمَهُمَا مَا بَيْنَ قِيمَتِهِ وَمَا قَبَضَهُ مِنْ كِتَابَتِهِ .\rوَالْأَوَّلُ أَوْلَى ؛ لِأَنَّ مَا قَبَضَهُ مِنْ كَسْبِ عَبْدِهِ ، فَلَا يُحْسَبُ عَلَيْهِ ، وَإِنْ أَرَادَ تَغْرِيمَهُمَا بِشَهَادَتِهِمَا ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَلْزَمَهُمَا قَبْلَ انْكِشَافِ الْحَالِ ؛ فَيَنْبَغِي أَنْ يُغَرِّمَهُمَا مَا بَيْنَ قِيمَتِهِ سَلِيمًا وَمُكَاتَبًا .\rوَإِنْ شَهِدَا بِاسْتِيلَادِ أَمَتِهِ ، ثُمَّ رَجَعَا ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَرْجِعَ عَلَيْهِمَا بِمَا نَقَصَتْهَا الشَّهَادَةُ مِنْ قِيمَتِهَا .\rوَإِنْ عَتَقَتْ بِمَوْتِهِ ، رَجَعَ الْوَرَثَةُ بِمَا بَقِيَ مِنْ قِيمَتِهَا .","part":23,"page":337},{"id":11337,"text":"( 8461 ) فَصْلٌ : وَكُلُّ مَوْضِعٍ وَجَبَ الضَّمَانُ عَلَى الشُّهُودِ بِالرُّجُوعِ ، وَجَبَ أَنْ يُوَزَّعَ بَيْنَهُمْ عَلَى عَدَدِهِمْ ، قَلُّوا أَوْ كَثُرُوا .\rقَالَ أَحْمَدُ ، فِي رِوَايَةِ إِسْحَاقَ بْنِ مَنْصُورٍ : إذَا شَهِدَ بِشَهَادَةِ ، ثُمَّ رَجَعَ وَقَدْ أَتْلَفَ مَالًا ، فَإِنَّهُ ضَامِنٌ بِقَدْرِ مَا كَانُوا فِي الشَّهَادَةِ ، فَإِنْ كَانُوا اثْنَيْنِ ، فَعَلَيْهِ النِّصْفُ ، وَإِنْ كَانُوا ثَلَاثَةً ، فَعَلَيْهِ الثُّلُثُ .\rوَعَلَى هَذَا لَوْ كَانُوا عَشَرَةً ، فَعَلَيْهِ الْعُشْرُ ، وَسَوَاءٌ رَجَعَ وَحْدَهُ ، أَوْ رَجَعُوا جَمِيعًا ، وَسَوَاءٌ رَجَعَ الزَّائِدُ عَنْ الْقَدْرِ الْكَافِي فِي الشَّهَادَةِ ، أَوْ مَنْ لَيْسَ بِزَائِدٍ ، فَلَوْ شَهِدَ أَرْبَعَةٌ بِالْقِصَاصِ ، فَرَجَعَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ ، وَقَالَ : عَمَدْنَا قَتْلَهُ .\rفَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ .\rوَإِنْ قَالَ : أَخْطَأْنَا فَعَلَيْهِ رُبْعُ الدِّيَةِ .\rوَإِنْ رَجَعَ اثْنَانِ ، فَعَلَيْهِمَا الْقِصَاصُ أَوْ نِصْفُ الدِّيَةِ .\rوَإِنْ شَهِدَ سِتَّةٌ بِالزِّنَى عَلَى مُحْصَنٍ ، فَرُجِمَ بِشَهَادَتِهِمْ ، ثُمَّ رَجَعَ وَاحِدٌ ، فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ ، أَوْ سُدُسُ الدِّيَةِ .\rوَإِنْ رَجَعَ اثْنَانِ ، فَعَلَيْهِمَا الْقِصَاصُ أَوْ ثُلُثُ الدِّيَةِ .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إنْ رَجَعَ وَاحِدٌ أَوْ اثْنَانِ ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِمَا ؛ لِأَنَّ بَيِّنَةَ الزِّنَى قَائِمَةٌ ، فَدَمُهُ غَيْرُ مَحْقُونٍ .\rوَإِنْ رَجَعَ ثَلَاثَةٌ ، فَعَلَيْهِمْ رُبْعُ الدِّيَةِ .\rوَإِنْ رَجَعَ أَرْبَعَةٌ ، فَعَلَيْهِمْ نِصْفُ الدِّيَةِ .\rوَإِنْ رَجَعَ خَمْسَةٌ ، فَعَلَيْهِمْ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهَا .\rوَإِنْ رَجَعَ السِّتَّةُ ، فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ سُدُسُهَا .\rوَمَنْصُوصُ الشَّافِعِيِّ فِيمَا إذَا رَجَعَ اثْنَانِ ، كَمَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ .\rوَاخْتَلَفَ أَصْحَابُهُ فِيمَا إذَا شَهِدَ بِالْقِصَاصِ ثَلَاثَةٌ ، فَرَجَعَ أَحَدُهُمْ ، فَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ : لَا قِصَاصَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ بَيِّنَةَ الْقِصَاصِ قَائِمَةٌ ، وَهَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ ثُلُثُ الدِّيَةِ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ .\rوَقَالَ ابْنُ الْحَدَّادِ : عَلَيْهِ الْقِصَاصُ .\rوَفَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الرَّاجِعِ مِنْ شُهُودِ","part":23,"page":338},{"id":11338,"text":"الزِّنَى إذَا كَانَ زَائِدًا ، فَإِنَّ دَمَ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ بِالزِّنَى غَيْرُ مَحْقُونٍ ، وَهَذَا دَمُهُ مَحْقُونٌ .\rوَإِنَّمَا أُبِيحَ دَمُهُ لِوَلِيِّ الْقِصَاصِ وَحْدَهُ .\rوَاخْتَلَفُوا فِيمَا إذَا شَهِدَ بِالْمَالِ ثَلَاثَةٌ ، فَرَجَعَ أَحَدُهُمْ ، عَلَى وَجْهَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، يَضْمَنُ الثُّلُثَ .\rوَالثَّانِي ، لَا شَيْءَ عَلَيْهِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الْإِتْلَافَ حَصَلَ بِشَهَادَتِهِمْ ، فَالرَّاجِعُ مُقِرٌّ بِالْمُشَارَكَةِ فِيهِ عَمْدًا عُدْوَانًا لِمَنْ هُوَ مِثْلُهُ فِي ذَلِكَ ، فَلَزِمَهُ الْقِصَاصُ ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِمُشَارَكَتِهِمْ فِي مُبَاشَرَةِ قَتْلِهِ ، وَلِأَنَّهُ أَحَدُ مَنْ قَتَلَ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ بِشَهَادَتِهِ ، فَأَشْبَهَ الثَّانِيَ مِنْ شُهُودِ الْقِصَاصِ ، وَالرَّابِعَ مِنْ شُهُودِ الزِّنَى ، وَلِأَنَّهُ أَحَدُ مَنْ حَصَلَ الْإِتْلَافُ بِشَهَادَتِهِ ، فَلَزِمَهُ مِنْ الضَّمَانِ بِقِسْطِهِ ، كَمَا لَوْ رَجَعَ الْجَمِيعُ ، وَلِأَنَّ مَا تَضَمَّنَهُ كُلُّ وَاحِدٍ مَعَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى الرُّجُوعِ ، يَضْمَنُهُ إذَا انْفَرَدَ بِالرُّجُوعِ ، كَمَا لَوْ كَانُوا أَرْبَعَةً .\rوَقَوْلُهُمْ : إنَّ دَمَهُ غَيْرُ مَحْقُونٍ .\rغَيْرُ صَحِيحٍ ؛ فَإِنَّ الْكَلَامَ فِيمَا إذَا قُتِلَ ، وَلَمْ يَبْقَ لَهُ دَمٌ يُوصَفُ بِحَقْنٍ وَلَا عَدَمِهِ ، وَقِيَامُ الشَّهَادَةِ لَا يَمْنَعُ وُجُوبَ الْقِصَاصِ ، كَمَا لَوْ شَهِدَتْ لِرَجَلٍ بِاسْتِحْقَاقِ الْقِصَاصِ ، فَاسْتَوْفَاهُ ، ثُمَّ أَقَرَّ بِأَنَّهُ قَتَلَهُ ظُلْمًا ، وَأَنَّ الشُّهُودَ شُهِدُوا بِالزُّورِ ، وَالتَّفْرِيقُ بَيْنَ الْقِصَاصِ وَالرَّجْمِ بِكَوْنِ دَمِ الْقَاتِلِ غَيْرَ مَحْقُونٍ ، لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَحْقُونٍ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَنْ قَتَلَهُ ، وَلِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مُؤَاخَذٌ بِإِقْرَارِهِ .\rوَلَا يُعْتَبَرُ قَوْلُ شَرِيكِهِ ، وَلِهَذَا لَوْ أَقَرَّ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ بِعَمْدِهِمَا ، وَقَالَ الْآخَرُ : أَخْطَأْنَا .\rوَجَبَ الْقِصَاصُ عَلَى الْمُقِرِّ بِالْعَمْدِ .","part":23,"page":339},{"id":11339,"text":"( 8462 ) فَصْلٌ : وَإِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فِي الْمَالِ بِشَهَادَةِ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ ، ثُمَّ رَجَعُوا عَنْ الشَّهَادَةِ ، تَوَزَّعَ الضَّمَانُ عَلَيْهِمْ عَلَى الرَّجُلِ نِصْفُهُ ، وَعَلَى كُلِّ امْرَأَةٍ رُبْعُهُ .\rإنْ رَجَعَ أَحَدُهُمْ وَحْدَهُ ، فَعَلَيْهِ مِنْ الضَّمَانِ حِصَّتُهُ .\rوَإِنْ كَانَ الشُّهُودُ رَجُلًا وَعَشْرَ نِسْوَةٍ ، فَرَجَعُوا ، فَعَلَى الرَّجُلِ السُّدُسُ ، وَعَلَى كُلِّ امْرَأَةٍ نِصْفُ السُّدُسِ .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ ؛ لِأَنَّ كُلَّ امْرَأَتَيْنِ كَرَجُلٍ ، فَالْعَشْرُ كَخَمْسَةِ رِجَالٍ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يَجِبَ عَلَيْهِنَّ النِّصْفُ ، وَعَلَى الرَّجُلِ النِّصْفُ .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ ؛ لِأَنَّ الرَّجُلَ نِصْفُ الْبَيِّنَةِ ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ رَجَعَ وَحْدَهُ بَعْدَ الْحُكْمِ ، كَانَ كَرُجُوعِهِنَّ كُلِّهِنَّ ، فَيَكُونُ الرَّجُلُ حِزْبًا وَالنِّسَاءُ حِزْبًا .\rفَإِنْ رَجَعَ بَعْضُ النِّسْوَةِ وَحْدَهُ ، أَوْ الرَّجُلُ ، فَعَلَى الرَّاجِعِ مِثْلُ مَا عَلَيْهِ إذَا رَجَعَ الْجَمِيعُ .\rوَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ ، مَتَى رَجَعَ مِنْ النِّسْوَةِ مَا زَادَ عَلَى اثْنَيْنِ ، فَلَيْسَ عَلَى الرَّاجِعَاتِ شَيْءٌ ، وَقَدْ مَضَى الْكَلَامُ مَعَهُمْ فِي هَذَا .","part":23,"page":340},{"id":11340,"text":"( 8463 ) فَصْلٌ : وَإِذَا شَهِدَ أَرْبَعَةٌ بِأَرْبَعِمِائَةٍ ، فَحَكَمَ الْحَاكِمُ بِهَا ، ثُمَّ رَجَعَ وَاحِدٌ عَنْ مِائَةٍ ، وَآخَرُ عَنْ مِائَتَيْنِ ، وَالثَّالِثُ عَنْ ثَلَاثِمِائَةٍ ، وَالرَّابِعُ عَنْ أَرْبَعِمِائَةٍ ، فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِمَّا رَجَعَ عَنْهُ بِقِسْطِهِ ؛ فَعَلَى الْأَوَّلِ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ ، وَعَلَى الثَّانِي خَمْسُونَ ، وَعَلَى الثَّالِثِ : خَمْسَةٌ وَسَبْعُونَ ، وَعَلَى الرَّابِعِ : مِائَةٌ ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مُقِرٌّ بِأَنَّهُ فَوَّتَ عَلَى الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ رُبْعَ مَا رَجَعَ عَنْهُ .\rوَيَقْتَضِي مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ ، أَنْ لَا يَلْزَمَ الرَّاجِعَ عَنْ الثَّلَاثِمِائَةِ وَالْأَرْبَعمِائَةِ أَكْثَرُ مِنْ خَمْسِينَ خَمْسِينَ ؛ لِأَنَّ الْمِائَتَيْنِ لَا تَلْزَمُ الرَّاجِعَ عَنْ الثَّلَاثِمِائَةِ لِأَنَّ الْمِائَتَيْنِ الَّتِي رَجَعَا عَنْهُمَا قَدْ بَقِيَ بِهَا شَاهِدَانِ .","part":23,"page":341},{"id":11341,"text":"( 8464 ) فَصْلٌ : وَإِذَا شَهِدَ أَرْبَعَةٌ بِالزِّنَى ، وَاثْنَانِ بِالْإِحْصَانِ ، فَرُجِمَ ، ثُمَّ رَجَعُوا عَنْ الشَّهَادَةِ ، فَالضَّمَانُ عَلَى جَمِيعِهِمْ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا ضَمَانَ عَلَى شُهُودِ الْإِحْصَانِ ؛ لِأَنَّهُمْ شَهِدُوا بِالشَّرْطِ دُونَ السَّبَبِ الْمُوجِبِ لِلْقَتْلِ ، وَإِنَّمَا يَثْبُتُ ذَلِكَ بِشَهَادَةِ الزِّنَى .\rوَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَجْهَانِ ، كَالْمَذْهَبَيْنِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ قَتْلَهُ حَصَلَ بِمَجْمُوعِ الشَّهَادَتَيْنِ ، فَتَجِبُ الْغَرَامَةُ عَلَى الْجَمِيعِ ، كَمَا لَوْ شَهِدُوا جَمِيعُهُمْ بِالزِّنَى .\rوَفِي كَيْفِيَّةِ الضَّمَانِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، يُوَزَّعُ عَلَيْهِمْ عَلَى عَدَدِ رُءُوسِهِمْ ، كَشُهُودِ الزِّنَى ؛ لِأَنَّ الْقَتْلَ حَصَلَ مِنْ جَمِيعِهِمْ .\rوَالثَّانِي ، عَلَى شُهُودِ الزِّنَى النِّصْفُ ، وَعَلَى شُهُودِ الْإِحْصَانِ النِّصْفُ ؛ لِأَنَّهُمْ حِزْبَانِ ، فَلِكُلِّ حِزْبٍ نِصْفٌ .\rفَإِنْ شَهِدَ أَرْبَعَةٌ بِالزِّنَى وَاثْنَانِ مِنْهُمْ بِالْإِحْصَانِ ، ثُمَّ رَجَعُوا ، فَعَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ ، عَلَى شَاهِدَيْ الْإِحْصَانِ الثُّلُثَانِ ، وَعَلَى الْآخَرَيْنِ الثُّلُثُ ؛ لِأَنَّ عَلَى شَاهِدَيْ الْإِحْصَانِ الثُّلُثَ ، لَشَهَادَتِهِمَا بِهِ ، وَالثُّلُثَ لَشَهَادَتِهِمَا بِالزِّنَى ، وَعَلَى الْآخَرَيْنِ الثُّلُثَ ؛ لَشَهَادَتِهِمَا بِالزِّنَى وَحْدَهُ .\rوَعَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي ، عَلَى شُهُودِ الْإِحْصَانِ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الدِّيَةِ ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِمَا النِّصْفَ لَشَهَادَتِهِمَا بِالْإِحْصَانِ ، وَنِصْفَ الْبَاقِي لَشَهَادَتِهِمَا بِالزِّنَى .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَجِبَ عَلَى شَاهِدَيْ الْإِحْصَانِ إلَّا النِّصْفُ ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا جَنَى جِنَايَتَيْنِ ، وَجَنَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْآخَرَيْنِ جِنَايَةً وَاحِدَةً ، فَكَانَتْ الدِّيَةُ بَيْنَهُمْ عَلَى عَدَدِ رُءُوسِهِمْ ، لَا عَلَى عَدَدِ جِنَايَاتِهِمْ ، كَمَا لَوْ قَتَلَ اثْنَانِ وَاحِدًا ، جَرَحَهُ أَحَدُهُمَا جُرْحًا ، وَالْآخَرُ جُرْحَيْنِ .","part":23,"page":342},{"id":11342,"text":"( 8465 ) فَصْلٌ : وَإِذَا شَهِدَ شَاهِدَانِ أَنَّهُ أَعْتَقَ هَذَا الْعَبْدَ عَلَى ضَمَانِ مِائَةِ دِرْهَمٍ ، وَقِيمَةُ الْعَبْدِ مِائَتَانِ ، فَحُكْمَ الْحَاكِمُ بِشَهَادَتِهِمَا ، ثُمَّ رَجَعَا ، رَجَعَ السَّيِّدُ عَلَى الشَّاهِدَيْنِ بِمِائَةٍ ؛ لِأَنَّهَا تَمَامُ الْقِيمَةِ .\rوَكَذَلِكَ لَوْ شَهِدَا عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ قَبْلَ الدُّخُولِ عَلَى مِائَةٍ ، وَنِصْفُ الْمُسَمَّى مِائَتَانِ ، غَرِمَا لِلزَّوْجِ مِائَةً ؛ لِأَنَّهُمَا فَوَّتَاهَا بِشَهَادَتِهِمَا الْمَرْجُوعِ عَنْهَا .","part":23,"page":343},{"id":11343,"text":"( 8466 ) فَصْلٌ : وَإِذَا شَهِدَ رَجُلَانِ عَلَى رَجُلٍ بِنِكَاحِ امْرَأَةٍ ، بِصَدَاقٍ ذَكَرَاهُ ، وَشَهِدَ آخَرَانِ بِدُخُولِهِ بِهَا ، ثُمَّ رَجَعُوا بَعْدَ الْحُكْمِ عَلَيْهِ بِصَدَاقِهَا ، فَعَلَى شُهُودِ النِّكَاحِ الضَّمَانُ ؛ لِأَنَّهُمْ أَلْزَمُوهُ الْمُسَمَّى .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِمْ النِّصْفُ ، وَعَلَى الْآخَرَيْنِ النِّصْفُ ؛ لِأَنَّهُمَا قَرَّرَاهُ ، وَشَاهِدَا النِّكَاحِ أَوْجَبَاهُ ، فَقُسِمَ بَيْنَ الْأَرْبَعَةِ أَرْبَاعًا .\rوَإِنْ شَهِدَ مَعَ هَذَا شَاهِدَانِ بِالطَّلَاقِ ، لَمْ يَلْزَمْهُمَا شَيْءٌ ؛ لِأَنَّهُمَا لَمْ يُفَوِّتَا عَلَيْهِ شَيْئًا يَدَّعِيه ، وَلَا أَوْجَبَا عَلَيْهِ مَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ وَاجِبًا .","part":23,"page":344},{"id":11344,"text":"( 8467 ) فَصْلٌ : وَإِنْ شَهِدَ شَاهِدَا فَرْعٍ عَلَى شَاهِدَيْ .\rأَصْلٍ ، فَحَكَمَ الْحَاكِمُ بِشَهَادَتِهِمَا ثُمَّ رَجَعَ شَاهِدَا الْفَرْعِ ، فَعَلَيْهِمَا الضَّمَانُ .\rلَا أَعْلَمُ بَيْنَهُمْ فِي ذَلِكَ خِلَافًا .\rوَإِنْ رَجَعَ شَاهِدَا الْأَصْلِ وَحْدَهُمَا ، لَزِمَهُمَا الضَّمَانُ أَيْضًا .\rوَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ .\rوَحَكَى أَبُو الْخَطَّابِ ، عَنْ الْقَاضِي ، أَنَّهُ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِمَا .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ تَعَلَّقَ بِشَهَادَةِ شَاهِدَيْ الْفَرْعِ ، بِدَلِيلِ أَنَّهُمَا جَعَلَا شَهَادَةَ شَاهِدَيْ الْأَصْلِ شَهَادَةً ، لَمْ يَلْزَمْ شَاهِدَيْ الْأَصْلِ ضَمَانٌ ، لِعَدَمِ تَعَلُّقِ الْحُكْمِ بِشَهَادَتِهِمَا .\rوَلَنَا ، أَنَّ الْحَقَّ ثَبَتَ بِشَهَادَةِ شَاهِدَيْ الْأَصْلِ ؛ بِدَلِيلِ اعْتِبَارِ عَدَالَتِهِمَا ، فَإِذَا رَجَعَا ، ضَمِنَا ، كَشَاهِدَيْ الْفَرْعِ .","part":23,"page":345},{"id":11345,"text":"( 8468 ) فَصْلٌ : وَإِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ ، فَرَجَعَ الشَّاهِدُ ، غَرِمَ جَمِيعَ الْمَالِ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، فِي رِوَايَةِ جَمَاعَةٍ .\rوَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ : يَلْزَمُهُ النِّصْفُ ؛ لِأَنَّهُ أَحَدُ حُجَّتَيْ الدَّعْوَى ، فَكَانَ عَلَيْهِ النِّصْفُ كَمَا لَوْ كَانَا شَاهِدَيْنِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الشَّاهِدَ حُجَّةُ الدَّعْوَى ، فَكَانَ الضَّمَانُ عَلَيْهِ كَالشَّاهِدَيْنِ .\rيُحَقِّقهُ أَنَّ الْيَمِينَ قَوْلُ الْخَصْمِ ، وَقَوْلُ الْخَصْمِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ عَلَى خَصْمِهِ ، وَإِنَّمَا هُوَ شَرْطُ الْحُكْمِ ، فَجَرَى مَجْرَى مُطَالَبَتِهِ الْحَاكِمَ بِالْحُكْمِ ، وَبِهَذَا يَنْفَصِلُ عَمَّا ذَكَرُوهُ .\rوَلَوْ سَلَّمْنَا أَنَّهَا حُجَّةٌ ، لَكِنْ إنَّمَا جَعَلَهَا حُجَّةً شَهَادَةُ الشَّاهِدِ ، وَلِهَذَا لَمْ يَجُزْ تَقْدِيمُهَا عَلَى شَهَادَتِهِ ، بِخِلَافِ شَهَادَةِ الشَّاهِدِ الْآخَرِ .\rقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : وَيَتَخَرَّجُ أَنْ لَا يَلْزَمَهُ إلَّا النِّصْفُ الْمَحْكُومُ بِهِ ، إذَا قُلْنَا : تُرَدُّ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعِي .","part":23,"page":346},{"id":11346,"text":"( 8469 ) فَصْل : وَإِذَا رَجَعُوا عَنْ الشَّهَادَةِ بَعْدَ الْحُكْمِ ، وَقَالُوا : عَمَدْنَا .\rوَوَجَبَ عَلَيْهِمْ الْقِصَاصُ ، لَمْ يُعَزَّرُوا ؛ لِأَنَّ الْقِصَاصَ يُغْنِي عَنْ تَعْزِيرِهِمْ .\rوَإِنْ كَانَ فِي مَالٍ ، عُزِّرُوا ، وَغَرِمُوا ؛ لِأَنَّهُمْ جَنَوْا جِنَايَةً كَبِيرَةً ، وَارْتَكَبُوا جَرِيمَةً عَظِيمَةً ، وَهِيَ شَهَادَةُ الزُّورِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يُعَزَّرُوا ؛ لِأَنَّ رُجُوعَهُمْ تَوْبَةٌ مِنْهُمْ ، فَيَسْقُطُ عَنْهُمْ التَّعْزِيرُ ، وَلِأَنَّ شَرْعِيَّةَ تَعْزِيرِهِمْ تَمْنَعُهُمْ الرُّجُوعَ خَوْفًا مِنْهُ ، فَلَا يُشْرَعُ .\rوَإِنْ قَالُوا : أَخْطَأْنَا .\rلَمْ يُعَزَّرُوا ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ { : وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ } .\rهَذَا إنْ كَانَ قَوْلُهُمْ يَحْتَمِلُ الصِّدْقَ فِي الْخَطَإِ ، وَإِنْ لَمْ يَحْتَمِلْهُ ، عُزِّرُوا ، وَلَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُمْ .","part":23,"page":347},{"id":11347,"text":"( 8470 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِذَا قَطَعَ الْحَاكِمُ يَدَ السَّارِقِ ، بِشَهَادَةِ اثْنَيْنِ ، ثُمَّ بَانَ أَنَّهُمَا كَافِرَانِ ، أَوْ فَاسِقَانِ ، كَانَتْ دِيَةُ الْيَدِ فِي بَيْتِ الْمَالِ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْحَاكِمَ إذَا حَكَمَ بِشَهَادَةِ اثْنَيْنِ ، فِي قَطْعٍ أَوْ قَتْلٍ ، وَأَنْفَذَ ذَلِكَ ، ثُمَّ بَانَ أَنَّهُمَا كَافِرَانِ ، أَوْ فَاسِقَانِ ، أَوْ عَبْدَانِ ، أَوْ أَحَدُهُمَا ، فَلَا ضَمَانَ عَلَى الشَّاهِدَيْنِ ؛ لِأَنَّهُمَا مُقِيمَانِ عَلَى أَنَّهُمَا صَادِقَانِ فِيمَا شَهِدَا بِهِ ، وَإِنَّمَا الشَّرْعُ مَنَعَ قَبُولَ شَهَادَتِهِمَا ، بِخِلَافِ الرَّاجِعَيْنِ عَنْ الشَّهَادَةِ ، فَإِنَّهُمَا اعْتَرَفَا بِكَذِبِهِمَا ، وَيَجِبُ الضَّمَانُ عَلَى الْحَاكِمِ ، أَوْ الْإِمَامِ الَّذِي تَوَلَّى ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ حَكَمَ بِشَهَادَةِ مَنْ لَا يَجُوزُ لَهُ الْحُكْمُ بِشَهَادَتِهِ ، وَلَا قِصَاصَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ مُخْطِئٌ ، وَتَجِبُ الدِّيَةُ ، وَفِي مَحَلِّهَا رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، فِي بَيْتِ الْمَالِ ؛ لِأَنَّهُ نَائِبٌ لِلْمُسْلِمِينَ وَوَكِيلُهُمْ ، وَخَطَأُ الْوَكِيلِ فِي حَقِّ مُوَكِّلِهِ عَلَيْهِ ؛ وَلِأَنَّ خَطَأَ الْحَاكِمِ يَكْثُرُ ، لِكَثْرَةِ تَصَرُّفَاتِهِ وَحُكُومَاتِهِ ، فَإِيجَابُ ضَمَانِ مَا يُخْطِئُ فِيهِ عَلَى عَاقِلَتِهِ إجْحَافٌ بِهِ ، فَاقْتَضَى ذَلِكَ التَّخْفِيفَ عَنْهُ ، بِجَعْلِهِ فِي بَيْتِ الْمَالِ ، وَلِهَذَا الْمَعْنَى حَمَلَتْ الْعَاقِلَةُ دِيَةَ الْخَطَأِ عَنْ الْقَاتِلِ .\rوَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ ، هِيَ عَلَى عَاقِلَتِهِ مُخَفَّفَةً مُؤَجَّلَةً ؛ لِمَا رُوِيَ أَنَّ امْرَأَةً ذُكِرَتْ عِنْدَ عُمَرَ بِسُوءٍ ، فَأَرْسَلَ إلَيْهَا ، فَأَجْهَضَتْ ذَا بَطْنِهَا ، فَبَلَغَ ذَلِكَ عُمَرَ ، فَشَاوَرَ الصَّحَابَةَ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : لَا شَيْءَ عَلَيْك ، إنَّمَا أَنْتَ مُؤَدِّبٌ .\rوَقَالَ عَلِيٌّ : عَلَيْك الدِّيَةُ .\rفَقَالَ عُمَرُ : عَزَمْت عَلَيْك لَا تَبْرَحْ حَتَّى تُقَسِّمَهَا عَلَى قَوْمِكَ .\rيَعْنِي قُرَيْشًا ؛ لِأَنَّهُمْ عَاقِلَةُ عُمَرَ ، وَلَوْ كَانَتْ فِي بَيْتِ الْمَالِ ، لَمْ يُقَسِّمْهَا عَلَى قَوْمِهِ ، وَلِأَنَّهُ مِنْ خَطَئِهِ ، فَتَحْمِلُهُ عَاقِلَتُهُ .\rكَخَطَئِهِ فِي غَيْرِ الْحُكُومَةِ .","part":23,"page":348},{"id":11348,"text":"وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ ، كَالرِّوَايَتَيْنِ .\rفَإِذَا قُلْنَا : إنَّ الدِّيَةَ عَلَى عَاقِلَتِهِ .\rلَمْ تَحْمِلْ إلَّا الثُّلُثَ فَصَاعِدًا ، وَلَا تَحْمِلُ الْكَفَّارَةَ ؛ لِأَنَّ الْعَاقِلَةَ لَا تَحْمِلُ الْكَفَّارَةَ فِي مَحَلِّ الْوِفَاقِ ، كَذَا هَاهُنَا ، وَتَكُونُ الْكَفَّارَةُ فِي مَالِهِ .\rوَإِذَا قُلْنَا : إنَّهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِيهِ الْقَلِيلُ وَالْكَثِيرُ ؛ لِأَنَّ جَعْلَهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ لِعِلَّةِ أَنَّهُ نَائِبٌ عَنْهُمْ ، وَخَطَأُ النَّائِبِ عَلَى مُسْتَنِيبِهِ ، وَهَذَا يَدْخُلُ فِيمَا يَكْثُرُ خَطَؤُهُ ، فَجَعْلُ الضَّمَانِ فِي مَالِهِ يُجْحِفُ بِهِ وَإِنْ قَلَّ ، لِكَثْرَةِ تَكَرُّرِهِ ، وَسَوَاءٌ تَوَلَّى الْحَاكِمُ الِاسْتِيفَاءَ بِنَفْسِهِ ، أَوْ أَمَرَ مَنْ تَوَلَّاهُ .\rقَالَ أَصْحَابُنَا : وَإِنْ كَانَ الْوَلِيُّ اسْتَوْفَاهُ ، فَهُوَ كَمَا لَوْ اسْتَوْفَاهُ الْحَاكِمُ ؛ لِأَنَّ الْحَاكِمَ سَلَّطَهُ عَلَى ذَلِكَ ، وَمَكَّنَهُ مِنْهُ ، وَالْوَلِيَّ يَدَّعِي أَنَّهُ حَقُّهُ .\rفَإِنْ قِيلَ : فَإِذَا كَانَ الْوَلِيُّ اسْتَوْفَى حَقَّهُ ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الضَّمَانُ عَلَيْهِ ، كَمَا لَوْ حَكَمَ لَهُ بِمَالٍ فَقَبَضَهُ ، ثُمَّ بَانَ فِسْقُ شُهُودِهِ ، كَانَ الضَّمَانُ عَلَى الْمُسْتَوْفِي دُونَ الْحَاكِمِ ، كَذَا هَاهُنَا .\rقُلْنَا : ثَمَّ حَصَلَ فِي يَدِ الْمُسْتَوْفِي مَالُ الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ بِغَيْرِ حَقٍّ ، فَوَجَبَ عَلَيْهِ رَدُّهُ أَوْ ضَمَانُهُ إنَّ أَتْلَفَ ، وَهَا هُنَا لَمْ يَحْصُلْ فِي يَدِهِ شَيْءٌ ، وَإِنَّمَا أَتْلَفَ شَيْئًا بِخَطَإِ الْإِمَامِ وَتَسْلِيطِهِ عَلَيْهِ ، فَافْتَرَقَا .","part":23,"page":349},{"id":11349,"text":"( 8471 ) فَصْلٌ : وَإِنْ شَهِدَ بِالزِّنَى أَرْبَعَةٌ ، فَزَكَّاهُمْ اثْنَانِ ، فَرُجِمَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ ، ثُمَّ بَانَ أَنَّ الشُّهُودَ فَسَقَةٌ ، أَوْ عَبِيدٌ أَوْ بَعْضُهُمْ ، فَلَا ضَمَانَ عَلَى الشُّهُودِ ؛ لِأَنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ مُحِقُّونَ ، وَلَمْ يُعْلَمْ كَذِبُهُمْ يَقِينًا ، وَالضَّمَانُ عَلَى الْمُزَكِّيَيْنِ .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَقَالَ الْقَاضِي : الضَّمَانُ عَلَى الْحَاكِمِ ؛ لِأَنَّهُ حَكَمَ بِقَتْلِهِ مِنْ غَيْرِ تَحَقُّقِ شَرْطِهِ ، وَلَا ضَمَانَ عَلَى الْمُزَكَّيَيْنِ ؛ لِأَنَّ شَهَادَتَهُمَا شَرْطٌ ، وَلَيْسَتْ الْمُوجِبَةَ .\rوَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ ، فِي \" رُءُوسِ الْمَسَائِلِ \" : الضَّمَانُ عَلَى الشُّهُودِ الَّذِينَ شَهِدُوا بِالزِّنَى .\rوَلَنَا ، أَنَّ الْمُزَكَّيَيْنِ شَهِدُوا بِالزُّورِ شَهَادَةً أَفْضَتْ إلَى قَتْلِهِ ، فَلَزِمَهُمَا الضَّمَانُ ، كَشُهُودِ الزِّنَى إذَا رَجَعُوا ، وَلَا ضَمَانَ عَلَى الْحَاكِمِ ؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنَ إحَالَةُ الضَّمَانِ عَلَى الشُّهُودِ ، فَأَشْبَهَ مَا إذَا رَجَعُوا عَنْ الشَّهَادَةِ .\rوَقَوْلُهُ : إنَّ شَهَادَتَهُمْ شَرْطٌ .\rلَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ مِنْ أَصْلِنَا أَنَّ شُهُودَ الْإِحْصَانِ يَلْزَمُهُمْ الضَّمَانُ ، وَإِنْ لَمْ يَشْهَدُوا بِالسَّبَبِ .\rوَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ وَقَوْلُ أَبِي الْخَطَّابِ لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ شُهُودَ الزِّنَى لَمْ يَرْجِعُوا ، وَلَا عُلِمَ كَذِبُهُمْ ، بِخِلَافِ الْمُزَكَّيَيْنِ ؛ فَإِنَّهُ تَبَيَّنَ كَذِبُهُمْ ، وَأَنَّهُمْ شَهِدُوا بِالزُّورِ .\rوَأَمَّا إنْ تَبَيَّنَ فِسْقُ الْمُزَكِّيَيْنِ ، فَالضَّمَانُ عَلَى الْحَاكِمِ ؛ لِأَنَّ التَّفْرِيطَ مِنْهُ ، حَيْثُ قَبِلَ شَهَادَةَ فَاسِقٍ مِنْ غَيْرِ تَزْكِيَةٍ وَلَا بَحْثٍ ، فَيَلْزَمُهُ الضَّمَانُ ، كَمَا لَوْ قَبِلَ شَهَادَةَ شُهُودِ الزِّنَى مِنْ غَيْرِ تَزْكِيَةٍ ، ثُمَّ تَبَيَّنَ فِسْقُهُمْ .","part":23,"page":350},{"id":11350,"text":"( 8472 ) فَصْلٌ : وَلَوْ جَلَدَ الْإِمَامُ إنْسَانًا بِشَهَادَةِ شُهُودٍ ، ثُمَّ بَانَ أَنَّهُمْ فَسَقَةٌ ، أَوْ كَفَرَةٌ ، أَوْ عَبِيدٌ ، فَعَلَى الْإِمَامِ ضَمَانُ مَا حَصَلَ مِنْ أَثَرِ الضَّرْبِ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهَا جِنَايَةٌ صَدَرَتْ عَنْ خَطَأِ الْإِمَامِ ، فَكَانَتْ مَضْمُونَةً عَلَيْهِ كَمَا لَوْ قَطَعَهُ أَوْ قَتَلَهُ .","part":23,"page":351},{"id":11351,"text":"( 8473 ) فَصْلٌ : وَلَوْ حَكَمَ الْحَاكِمُ بِمَالٍ بِشَهَادَةِ شَاهِدَيْنِ ، ثُمَّ بَانَ أَنَّهُمَا فَاسِقَانِ ، أَوْ كَافِرَانِ ، فَإِنَّ الْإِمَامَ يَنْقُضُ حُكْمَهُ ، وَيَرُدُّ الْمَالَ إنْ كَانَ قَائِمًا ، وَعِوَضَهُ إنْ كَانَ تَالِفًا .\rفَإِنْ تَعَذَّرَ ذَلِكَ لِإِعْسَارِهِ أَوْ غَيْرِهِ ، فَعَلَى الْحَاكِمِ ضَمَانُهُ ، ثُمَّ يَرْجِعُ عَلَى الْمَشْهُودِ لَهُ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ ، رِوَايَةٌ أُخْرَى ، لَا يَنْقُضُ حُكْمَهُ إذَا كَانَا فَاسِقَيْنِ ، وَيَغْرَمُ الشُّهُودُ الْمَالَ ، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ إذَا شَهِدَ عِنْدَهُ عَدْلَانِ أَنَّ الْحَاكِمَ قَبِلَهُ بِشَهَادَةِ فَاسِقَيْنِ ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ ، \" وَلَا يَغْرَم الشُّهُودُ الْمَالَ ، وَكَذَلِكَ الْحَاكِمُ إذَا شَهِدَ \" وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ فِيهِ أَيْضًا .\rوَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْجَمِيعِ فِي أَنَّهُ يَنْقُضُ حُكْمَهُ إذَا كَانَا كَافِرَيْنِ ، وَيَنْقُضُ حُكْمَ غَيْرِهِ إذَا ثَبَتَ عِنْدَهُ أَنَّهُ حَكَمَ بِشَهَادَةِ كَافِرَيْنِ ، فَنَقِيسُ عَلَى ذَلِكَ مَا إذَا حَكَمَ بِشَهَادَةِ فَاسِقَيْنِ ، فَإِنَّ شَهَادَةَ الْفَاسِقِينَ مُجْمَعٌ عَلَى رَدِّهَا ، وَقَدْ نَصَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى التَّبَيُّنِ فِيهَا ، فَقَالَ تَعَالَى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا } .\rوَأَمَرَ بِإِشْهَادِ الْعُدُولِ .\rوَقَالَ سُبْحَانَهُ : { وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ } .\rوَاعْتَبَرَ الرِّضَى بِالشُّهَدَاءِ ، فَقَالَ تَعَالَى : { مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنْ الشُّهَدَاءِ } .\rفَيَجِبُ نَقْضُ الْحُكْمِ لِفَوَاتِ الْعَدَالَةِ ، كَمَا يَجِبُ نَقْضُهُ لِفَوَاتِ الْإِسْلَامِ ؛ وَلِأَنَّ الْفِسْقَ مَعْنَى لَوْ ثَبَتَ عِنْدَ الْحَاكِمِ قَبْلَ الْحُكْمِ مَنَعَهُ ، فَإِذَا شَهِدَ شَاهِدَانِ أَنَّهُ كَانَ مَوْجُودًا حَالَةَ الْحُكْمِ ، وَجَبَ نَقْضُ الْحُكْمِ ، كَالْكُفْرِ وَالرِّقِّ فِي الْعُقُوبَاتِ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ : لَا يَسْمَعُ الْحَاكِمُ الشَّهَادَةَ بِفِسْقِ الشَّاهِدَيْنِ ، لَا قَبْلَ الْحُكْمِ وَلَا بَعْدَهُ .\rوَمَتَى جَرَّحَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةَ ، لَمْ تُسْمَعْ بَيِّنَتُهُ بِالْفِسْقِ ، وَلَكِنْ يُسْأَلُ عَنْ","part":23,"page":352},{"id":11352,"text":"الشَّاهِدَيْنِ ، وَلَا تُسْمَعُ عَلَى الْفِسْقِ شَهَادَةٌ ؛ لِأَنَّ الْفِسْقَ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّ أَحَدٍ ، فَلَا تُسْمَعُ فِيهِ الدَّعْوَى وَالْبَيِّنَةُ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ مَعْنًى يَتَعَلَّقُ الْحُكْمُ بِهِ ، فَسُمِعَتْ فِيهِ الدَّعْوَى وَالْبَيِّنَةُ ، كَالتَّزْكِيَةِ .\rوَقَوْلُهُ : لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّ أَحَدٍ .\rمَمْنُوعٌ ؛ فَإِنَّ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ يَتَعَلَّقُ حَقُّهُ بِفِسْقِهِ فِي مَنْعِ الْحُكْمِ عَلَيْهِ قَبْلَ الْحُكْمِ وَنَقْضِهِ بَعْدَهُ ، وَتَبْرِئَته مِنْ أَخْذِ مَالِهِ أَوْ عُقُوبَتِهِ بِغَيْرِ حَقٍّ ، فَوَجَبَ أَنْ تُسْمَعَ فِيهِ الدَّعْوَى وَالْبَيِّنَةُ ، كَمَا لَوْ ادَّعَى رِقَّ الشَّاهِدَيْنِ وَلَمْ يَدَّعِهِ لِنَفْسِهِ ؛ وَلِأَنَّهُ إذَا لَمْ تُسْمَعْ الْبَيِّنَةُ عَلَى الْفِسْقِ ، أَدَّى إلَى ظُلْمِ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ لَا يَعْرِفَ فِسْقَ الشَّاهِدَيْنِ إلَّا شُهُودُ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ ، فَإِذَا لَمْ تُسْمَعْ شَهَادَتُهُمْ ، وَحُكِمَ عَلَيْهِ بِشَهَادَةِ الْفَاسِقَيْنِ ، كَانَ ظَالِمًا لَهُ .\rفَأَمَّا إنْ قَامَتْ الْبَيِّنَةُ أَنَّهُ حَكَمَ بِشَهَادَةِ وَالِدَيْنِ ، أَوْ وَلَدَيْنِ ، أَوْ عَدُوَّيْنِ ، نَظَرَ فِي الْحَاكِمِ الَّذِي حَكَمَ بِشَهَادَتِهِمَا ، فَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يَرَى الْحُكْمَ بِهِ ، لَمْ يُنْقَضْ حُكْمُهُ ؛ لِأَنَّهُ حَكَمَ بِاجْتِهَادِهِ فِيمَا يَسُوغُ فِيهِ الِاجْتِهَادُ ، وَلَمْ يُخَالِفْ نَصًّا وَلَا إجْمَاعًا .\rوَإِنْ كَانَ مِمَّنْ لَا يَرَى الْحُكْمَ بِشَهَادَتِهِمْ ، نَقَضَهُ ؛ لِأَنَّ الْحَاكِمَ بِهِ يَعْتَقِدُ بُطْلَانَهُ .\rوَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمَالِ وَالْإِتْلَافِ ، أَنَّ الْمَالَ إنْ كَانَ بَاقِيًا ، وَجَبَ رَدُّهُ إلَى صَاحِبِهِ ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ أَحَقُّ بِمَالِهِ .\rوَإِنْ كَانَ تَالِفًا ، وَجَبَ ضَمَانُهُ عَلَى آخِذِهِ ؛ لِأَنَّهُ أَخَذَهُ بِغَيْرِ إذْنِ صَاحِبِهِ ، وَلَا اسْتِحْقَاقٍ لِأَخْذِهِ .\rأَمَّا الْإِتْلَافُ ، فَإِنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ بِهِ فِي يَدِ الْمُتْلِفِ شَيْءٌ يَرُدُّهُ ، وَلَمْ يُمْكِنْ تَضْمِينُهُ ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا أَتْلَفَهُ بِحُكْمِ الْحَاكِمِ ، وَتَسْلِيطِهِ عَلَيْهِ ، وَهُوَ لَا يُقِرُّ بِعُدْوَانِهِ ، بَلْ يَقُولُ : اسْتَوْفَيْت حَقِّي","part":23,"page":353},{"id":11353,"text":".\rوَلَمْ يَثْبُتْ خِلَافُ دَعْوَاهُ ، وَلَمْ يُمْكِنْ تَضْمِينُ الشُّهُودِ ؛ لِأَنَّهُمْ يَقُولُونَ : شَهِدْنَا بِمَا عَلِمْنَا ، وَأَخْبَرْنَا بِمَا رَأَيْنَا وَسَمِعْنَا ، وَلَمْ نَكْتُمْ شَهَادَةَ اللَّهِ تَعَالَى الَّتِي لَزِمَنَا أَدَاؤُهَا .\rوَلَمْ يَثْبُتْ كَذِبُهُمْ ، فَوَجَبَتْ إحَالَةُ الضَّمَانِ عَلَى الْحَاكِمِ ؛ لِأَنَّهُ حَكَمَ مِنْ غَيْرِ وُجُودِ شَرْطِ الْحُكْمِ ، وَمَكَّنَ مِنْ إتْلَافِ الْمَعْصُومِ مِنْ غَيْرِ بَحْثٍ عَنْ عَدَالَةِ الشُّهُودِ ، فَكَانَ التَّفْرِيطُ مِنْهُ ، فَوَجَبَ إحَالَةُ الضَّمَانِ عَلَيْهِ .","part":23,"page":354},{"id":11354,"text":"( 8474 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِذَا ادَّعَى الْعَبْدُ أَنَّ سَيِّدَهُ أَعْتَقَهُ ، حَلَفَ مَعَ شَاهِدِهِ ، وَصَارَ حُرًّا ) رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ ، فِي هَذَا رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، أَنَّ الْعِتْقَ ثَبَتَ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ ، وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ لِأَنَّهُ إزَالَةُ مِلْكٍ فَيَثْبُت بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ .\rكَالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ وَلِأَنَّهُ إتْلَافٌ لِلْمَالِ فَيُقْبَلُ فِيهِ شَاهِدٌ وَيَمِينٌ ، كَالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ ، وَلِأَنَّهُ إتْلَافٌ لِلْمَالِ ، فَيُقْبَلُ فِيهِ شَاهِدٌ وَيَمِينٌ ، كَالْإِتْلَافِ بِالْفِعْلِ ، وَإِفْضَاؤُهُ إلَى تَكْمِيلِ الْأَحْكَامِ ، لَا يَمْنَعُ ثُبُوتَهُ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ ؛ بِدَلِيلِ أَنَّ الْوِلَادَةَ تَثْبُتُ بِشَهَادَةِ النِّسَاءِ ، وَيَنْبَنِي عَلَيْهَا النَّسَبُ الَّذِي لَا يَثْبُتُ بِشَهَادَتِهِنَّ .\rوَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ ، لَا تُثْبِتُ الْحُرِّيَّةَ إلَّا بِشَاهِدَيْنِ عَدْلَيْنِ ذَكَرَيْنِ ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِمَالٍ ، وَلَا الْمَقْصُودُ مِنْهَا الْمَالُ ، وَيَطَّلِعُ عَلَيْهَا الرِّجَالُ فِي غَالِبِ الْأَحْوَالِ ، فَأَشْبَهَتْ الْحُدُودَ وَالْقِصَاصَ .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":23,"page":355},{"id":11355,"text":"( 8475 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَمَنْ شَهِدَ بِشَهَادَةِ زُورٍ ، أُدِّبَ ، وَأُقِيمَ لِلنَّاسِ فِي الْمَوَاضِعِ الَّتِي يَشْتَهِرُ أَنَّهُ شَاهِدُ زُورٍ ، إذَا تَحَقَّقَ تَعَمُّدُهُ لِذَلِكَ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ شَهَادَةَ الزُّورَ مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ ، قَدْ نَهَى اللَّهُ عَنْهَا فِي كِتَابِهِ ، مَعَ نَهْيِهِ عَنْ الْأَوْثَانِ ، فَقَالَ تَعَالَى : { فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنْ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ } .\rوَرُوِيَ عَنْ خُرَيْمِ بْنِ فَاتِكٍ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { : عَدَلَتْ شَهَادَةُ الزُّورِ الْإِشْرَاكَ بِاَللَّهِ .\rثَلَاثَ مَرَّاتٍ .\rثُمَّ تَلَا قَوْله تَعَالَى : { فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنْ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ } } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَرُوِيَ هَذَا عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ، مِنْ قَوْلِهِ .\rوَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ ؟ .\rقُلْنَا : بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ .\rقَالَ : الْإِشْرَاكُ بِاَللَّهِ وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ .\rوَكَانَ مُتَّكِئًا فَجَلَسَ ، فَقَالَ : أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ ، وَشَهَادَةُ الزُّورِ .\rفَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى قُلْنَا : لَيْتَهُ سَكَتَ .\r} مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَرَوَى أَبُو حَنِيفَةَ ، عَنْ مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { شَاهِدُ الزُّورِ ، لَا تَزُولُ قَدَمَاهُ حَتَّى تَجِبَ لَهُ النَّارُ } .\rفَمَتَى ثَبَتَ عِنْدَ الْحَاكِمِ عَنْ رَجُلٍ أَنَّهُ شَهِدَ بُزُورٍ عَمْدًا ، عَزَّرَهُ ، وَشَهَّرَهُ .\rفِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .\rوَبِهِ يَقُولُ شُرَيْحٌ وَالْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ وَسَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى ، وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ ، وَعَبْدُ الْمَلِكِ بْنِ يَعْلَى قَاضِي الْبَصْرَةِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يُعَزَّرُ ، وَلَا يُشَهَّرُ ؛ لِأَنَّهُ قَوْلُ مُنْكَرٍ وَزُورٍ ، فَلَا يُعَزَّرُ بِهِ ، كَالظِّهَارِ .\rوَرَوَى عَنْهُ الطَّحَاوِيُّ أَنَّهُ يُشَهَّرُ .","part":23,"page":356},{"id":11356,"text":"وَأَنْكَرْهُ الْمُتَأَخِّرُونَ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ قَوْلٌ مُحَرَّمٌ يَضُرُّ بِهِ النَّاسَ ، فَأَوْجَبَ الْعُقُوبَةَ عَلَى قَائِلِهِ ، كَالسَّبِّ وَالْقَذْفِ ، وَيُخَالِفُ الظِّهَارَ مِنْ وَجْهَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، أَنَّهُ يَخْتَصُّ بِضَرَرِهِ .\rوَالثَّانِي ، أَنَّهُ أَوْجَبَ كَفَّارَةً شَاقَّةً هِيَ أَشَدُّ مِنْ التَّعْزِيرِ ، وَلِأَنَّهُ قَوْلُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَلَمْ نَعْرِفْ لَهُ فِي الصَّحَابَةِ مُخَالِفًا .\rوَإِذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّ تَأْدِيبَهُ غَيْرُ مَقْدُورٍ ، وَإِنَّمَا هُوَ مُفَوَّضٌ إلَى رَأْيِ الْحَاكِمِ ؛ إنْ رَأَى ذَلِكَ بِالْجَلْدِ جَلَدَهُ ، وَإِنْ رَآهُ بِحَبْسٍ أَوْ كَشْفِ رَأْسِهِ وَإِهَانَتِهِ وَتَوْبِيخِهِ ، فَعَلَ ذَلِكَ ، وَلَا يَزِيدُ فِي جَلْدِهِ عَلَى عَشْرِ جَلَدَاتٍ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يَزِيدُ عَلَى تِسْعٍ وَثَلَاثِينَ ، لِئَلَّا يَبْلُغَ بِهِ أَدْنَى الْحُدُودِ .\rوَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى : يُجْلَدُ خَمْسَةً وَسَبْعِينَ سَوْطًا .\rوَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ أَبِي يُوسُفَ وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ ، فِي شَاهِدَيْ الطَّلَاقِ : يُجْلَدَانِ مِائَةً مِائَةً ، وَيَغْرَمَانِ الصَّدَاقَ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : لَا يُجْلَدُ أَحَدٌ فَوْقَ عَشْرِ جَلَدَاتٍ ، إلَّا فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَقَالَ الْقَاسِمُ وَسَالِمٌ : يُخْفَقُ سَبْعَ خَفَقَاتٍ .\rوَقَالَ شُرَيْحٌ : يُجْلَدُ أَسْوَاطًا .\rفَأَمَّا شُهْرَتُهُ بَيْنَ النَّاسِ ، فَإِنَّهُ يُوقَفُ فِي سُوقِهِ إنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ السُّوقِ ، أَوْ قَبِيلَتِهِ إنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْقَبَائِلِ ، أَوْ فِي مَسْجِدِهِ إنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْمَسَاجِدِ ، وَيَقُولُ الْمُوَكَّلُ بِهِ : إنَّ الْحَاكِمَ يَقْرَأُ عَلَيْكُمْ السَّلَامَ ، وَيَقُولُ : هَذَا شَاهِدُ زُورٍ ، فَاعْرِفُوهُ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأُتِيَ الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بِشَاهِدِ الزُّورِ ، فَأَمَرَ بِقَطْعِ لِسَانِهِ ، وَعِنْدَهُ الْقَاسِمُ وَسَالِمٌ ، فَقَالَا : سُبْحَانَ اللَّهِ ، بِحَسْبِهِ أَنْ يُخْفَقَ سَبْعَ خَفَقَاتٍ ، وَيُقَامَ بَعْدَ الْعَصْرِ ، فَيُقَالَ : هَذَا أَبُو قُبَيْسٍ ، وَجَدْنَاهُ شَاهِدَ زُورٍ .","part":23,"page":357},{"id":11357,"text":"فَفَعَلَ ذَلِكَ بِهِ .\rوَلَا يُسَخَّمُ وَجْهُهُ ، وَلَا يُرَكَّبُ ، وَلَا يُكَلَّفُ أَنْ يُنَادِيَ عَلَى نَفْسِهِ .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ يُجْلَدُ أَرْبَعِينَ جَلْدَةً ، وَيُسَخَّمُ وَجْهُهُ ، وَيُطَالُ حَبْسُهُ .\rرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ .\rوَقَالَ سَوَّارٌ : يُلَبَّبُ ، وَيُدَارُ بِهِ عَلَى حَلَقَ الْمَسْجِدِ ، فَيَقُولُ : مَنْ رَآنِي فَلَا يَشْهَدْ بُزُورٍ .\rوَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ الْمِلْكِ بْنِ يَعْلَى ، قَاضِي الْبَصْرَةِ ، أَنَّهُ أَمَرَ بِحَلْقِ نِصْفِ رُءُوسِهِمْ ، وَتَسْخِيمِ وُجُوهِهِمْ ، وَيُطَافُ بِهِمْ فِي الْأَسْوَاقِ ، وَاَلَّذِي شَهِدُوا لَهُ مَعَهُمْ .\rوَلَنَا ، أَنَّ هَذَا مُثْلَةٌ ، وَقَدْ نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْمُثْلَةِ .\rوَمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ ، فَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ خِلَافُهُ ، وَأَنَّهُ حَبَسَهُ يَوْمًا وَخَلَّى سَبِيلَهُ .\rوَفِي الْجُمْلَةِ لَيْسَ فِي هَذَا تَقْدِيرًا شَرْعِيًّا ، فَمَا فَعَلَ الْحَاكِمُ مِمَّا يَرَاهُ ، مَا لَمْ يَخْرُجْ إلَى مُخَالَفَةِ نَصٍّ أَوْ مَعْنَى نَصٍّ فَلَهُ ذَلِكَ ، وَلَا يُفْعَلُ بِهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ حَتَّى يُتَحَقَّقَ أَنَّهُ شَاهِدُ زُورٍ ، وَتَعَمَّدَ ذَلِكَ ، إمَّا بِإِقْرَارِهِ ، أَوْ يَشْهَدُ عَلَى رَجُلٍ بِفِعْلٍ فِي الشَّامِ فِي وَقْتٍ ، وَيُعْلَمُ أَنَّ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ فِي الْعِرَاقِ ، أَوْ يَشْهَدُ بِقَتْلِ رَجُلٍ ، وَهُوَ حَيٌّ ، أَوْ أَنَّ هَذِهِ الْبَهِيمَةَ فِي يَدِ هَذَا مُنْذُ ثَلَاثَةِ أَعْوَامٍ .\rوَسِنُّهَا أَقَلُّ مِنْ ذَلِكَ ، أَوْ يَشْهَدُ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ فَعَلَ شَيْئًا فِي وَقْتٍ ، وَقَدْ مَاتَ قَبْلَ ذَلِكَ الْوَقْتِ ، أَوْ لَمْ يُولَدْ إلَّا بَعْدَهُ ، وَأَشْبَاهِ هَذَا مِمَّا يُتَيَقَّنُ بِهِ كَذِبُهُ ، وَيُعْلَمُ تَعَمُّدُهُ لِذَلِكَ .\rفَأَمَّا تَعَارُضُ الْبَيِّنَتَيْنِ ، أَوْ ظُهُورُ فِسْقِهِ ، أَوْ غَلَطِهِ فِي شَهَادَتِهِ ، فَلَا يُؤَدَّبُ بِهِ ؛ لِأَنَّ الْفِسْقَ لَا يَمْنَعُ الصِّدْقَ ، وَالتَّعَارُضَ لَا يُعْلَمُ بِهِ كِذْبُ إحْدَى الْبَيِّنَتَيْنِ بِعَيْنِهَا ، وَالْغَلَطَ قَدْ يَعْرِضُ لِلصَّادِقِ الْعَدْلِ وَلَا يَتَعَمَّدُهُ ، فَيُعْفَى عَنْهُ ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ","part":23,"page":358},{"id":11358,"text":"تَعَالَى : { وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ } .\rوَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : عُفِيَ لِأُمَّتِي عَنْ الْخَطَأِ ، وَالنِّسْيَانِ ، وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ } .","part":23,"page":359},{"id":11359,"text":"( 8476 ) فَصْلٌ : وَمَتَى عَلِمَ أَنَّ الشَّاهِدَيْنِ شَهِدَا بِالزُّورِ ، تَبَيَّنَ أَنَّ الْحُكْمَ كَانَ بَاطِلًا ، وَلَزِمَ نَقْضُهُ ، لِأَنَّنَا تَبَيَّنَّا كَذِبَهُمَا فِيمَا شَهِدَا بِهِ ، وَبُطْلَانَ مَا حُكْمَ بِهِ ؛ فَإِنْ كَانَ الْمَحْكُومُ بِهِ مَالًا ، رُدَّ إلَى صَاحِبِهِ ، وَإِنْ كَانَ إتْلَافًا ، فَعَلَى الشَّاهِدَيْنِ ضَمَانُهُ ؛ لِأَنَّهُمَا سَبَبُ إتْلَافِهِ ، إلَّا أَنْ يَثْبُتَ ذَلِكَ بِإِقْرَارِهِمَا عَلَى أَنْفُسِهِمَا مِنْ غَيْرِ مُوَافَقَةِ الْمَحْكُومِ لَهُ ، فَيَكُونَ ذَلِكَ رُجُوعًا مِنْهُمَا عَنْ شَهَادَتِهِمَا ، وَقَدْ بَيَّنَّا حُكْمَ ذَلِكَ .","part":23,"page":360},{"id":11360,"text":"( 8477 ) فَصْلٌ : فَإِذَا تَابَ شَاهِدُ الزُّورِ ، وَأَتَتْ عَلَى ذَلِكَ مُدَّةٌ تَظْهَرُ فِيهَا تَوْبَتُهُ ، وَتَبَيَّنَ صِدْقُهُ فِيهَا ، وَعَدَالَتُهُ ، قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ وَقَالَ مَالِكٌ : لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ أَبَدًا ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُؤْمَنُ مِنْهُ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ تَائِبٌ مِنْ ذَنْبِهِ ، فَقُبِلَتْ تَوْبَتُهُ ، كَسَائِرِ التَّائِبِينَ .\rوَقَوْلُهُ : لَا يُؤْمَنُ مِنْهُ ذَلِكَ .\rقُلْنَا : مُجَرَّدُ الِاحْتِمَالِ لَا يَمْنَعُ قَبُولَ الشَّهَادَةِ ؛ بِدَلِيلِ سَائِرِ التَّائِبِينَ ، فَإِنَّهُ لَا يُؤْمَنُ مِنْهُمْ مُعَاوَدَةُ ذُنُوبِهِمْ وَلَا غَيْرِهَا ، وَشَهَادَتُهُمْ مَقْبُولَةٌ .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":23,"page":361},{"id":11361,"text":"مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِذَا غَيَّرَ الْعَدْلُ شَهَادَتَهُ بِحَضْرَةِ الْحَاكِمِ ، فَزَادَ فِيهَا أَوْ نَقَصَ ، قُبِلَتْ مِنْهُ ، مَا لَمْ يَحْكُمْ بِشَهَادَتِهِ ) وَهَذَا مِثْلُ أَنْ يَشْهَدَ بِمِائَةٍ ، ثُمَّ يَقُولَ : هِيَ مِائَةٌ وَخَمْسُونَ .\rأَوْ يَقُولَ : بَلْ هِيَ تِسْعُونَ .\rفَإِنَّهُ يُقْبَلُ مِنْهُ رُجُوعُهُ ، وَيُحْكَمُ بِمَا شَهِدَ بِهِ أَخِيرًا .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ وَسُلَيْمَانُ بْنُ حَبِيبٍ الْمُحَارِبِيُّ ، وَإِسْحَاقُ .\rوَقَالَ الزُّهْرِيُّ : لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ الْأُولَى وَلَا الْآخِرَةُ ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا تَرُدُّ الْأُخْرَى وَتُعَارِضُهَا ، وَلِأَنَّ الْأُولَى مَرْجُوعٌ عَنْهَا ، وَالثَّانِيَةَ غَيْرُ مَوْثُوقٍ بِهَا لِأَنَّهَا مِنْ مُقِرٍّ بِغَلَطِهِ وَخَطَئِهِ فِي شَهَادَتِهِ ، فَلَا يُؤْمَنُ أَنْ يَكُونَ فِي الْغَلَطِ كَالْأُولَى .\rوَقَالَ مَالِكٌ : يُؤْخَذُ بِأَقَلِّ قَوْلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ أَدَّى الشَّهَادَةَ وَهُوَ غَيْرُ مُتَّهَمٍ ، فَلَمْ يُقْبَلْ رُجُوعُهُ عَنْهَا ، كَمَا لَوْ اتَّصَلَ بِهَا الْحُكْمُ .\rوَلَنَا ، أَنَّ شَهَادَتَهُ الْآخِرَةَ شَهَادَةٌ مِنْ عَدْلٍ غَيْرِ مُتَّهَمٍ ، لَمْ يَرْجِعْ عَنْهَا ، فَوَجَبَ الْحُكْمُ بِهَا ، كَمَا لَوْ لَمْ يَتَقَدَّمْهَا مَا يُخَالِفُهَا ، وَلَا تُعَارِضُهَا الْأُولَى ؛ لِأَنَّهَا قَدْ بَطَلَتْ بِرُجُوعِهِ عَنْهَا ، وَلَا يَجُوزُ الْحُكْمُ بِهَا ؛ لِأَنَّهَا شَرْطُ الْحُكْمِ ، فَيُعْتَبَرُ اسْتِمْرَارُهَا إلَى انْقِضَائِهِ .\rوَيُفَارِقُ رُجُوعَهُ بَعْدَ الْحُكْمِ ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ قَدْ تَمَّ بِاسْتِمْرَارِ شَرْطِهِ ، فَلَا يُنْقَضُ بَعْدَ تَمَامِهِ .","part":23,"page":362},{"id":11362,"text":"( 8479 ) فَصْلٌ : وَإِنْ شَهِدَ بِأَلْفٍ ، ثُمَّ قَالَ قَبْلَ الْحُكْمِ : قَضَاهُ مِنْهُ خَمْسَمِائَةٍ .\rفَسَدَتْ شَهَادَتُهُ .\rذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ فَقَالَ : إذَا شَهِدَ أَنَّ عَلَيْهِ أَلْفًا ، ثُمَّ قَالَ أَحَدُهُمَا : قَضَاهُ مِنْهُ خَمْسَمِائَةٍ .\rبَطَلَتْ شَهَادَتُهُ ؛ وَذَلِكَ أَنَّهُ شَهِدَ بِأَنَّ الْأَلْفَ جَمِيعَهُ عَلَيْهِ ، وَإِذَا قَضَاهُ خَمْسَمِائَةٍ ، لَمْ تَكُنْ الْأَلْفُ كُلُّهُ عَلَيْهِ ، فَيَكُونُ كَلَامُهُ مُتَنَاقِضًا ، فَتَفْسُدُ شَهَادَتُهُ .\rوَفَارَقَ هَذَا مَا لَوْ شَهِدَ بِأَلْفٍ ، ثُمَّ قَالَ : بَلْ بِخَمْسِمِائَةٍ .\rلِأَنَّ ذَلِكَ رُجُوعٌ عَنْ الشَّهَادَةِ بِخَمْسِمِائَةٍ ، وَإِقْرَارٌ بِغَلَطِ نَفْسِهِ ، وَهَذَا لَا يَقُولُ هَذَا عَلَى سَبِيلِ الرُّجُوعِ .\rوَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّ شَهَادَتَهُ تَقْبَلُ بِخَمْسِمِائَةٍ ؛ فَإِنَّهُ قَالَ : إذَا شَهِدَ بِأَلْفٍ ، ثُمَّ قَالَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ الْحُكْمِ : قَضَاهُ مِنْهُ خَمْسَمِائَةٍ .\rأَفْسَدَ شَهَادَتَهُ ، وَالْمَشْهُودُ لَهُ مَا اُجْتُمِعَا عَلَيْهِ ، وَهُوَ خَمْسُمِائَةٍ .\rفَصَحَّحَ شَهَادَتَهُ فِي نِصْفِ الْأَلْفِ الْبَاقِي ، وَأَبْطَلَهَا فِي النِّصْفِ الَّذِي ذَكَرَ أَنَّهُ قَضَاهُ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الرُّجُوعِ عَنْ الشَّهَادَةِ بِهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَالَ : أَشْهَدُ بِأَلْفٍ ، بَلْ بِخَمْسِمِائَةٍ .\rقَالَ أَحْمَدُ : وَلَوْ جَاءَ بَعْدَ هَذَا الْمَجْلِسِ ، فَقَالَ : أَشْهَدُ أَنَّهُ قَضَاهُ مِنْهُ خَمْسَمِائَةٍ .\rلَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَمْضَى الشَّهَادَةَ .\rفَهَذَا يَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ أَنَّهُ إذَا جَاءَ بَعْدَ الْحُكْمِ ، فَشَهِدَ بِالْقَضَاءِ ، لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ ؛ لِأَنَّ الْأَلْفَ قَدْ وَجَبَ بِشَهَادَتِهِمَا ، وَحُكْمِ الْحَاكِمِ ، وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ بِالْقَضَاءِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَثْبُتُ بِشَاهِدٍ وَاحِدٍ .\rفَأَمَّا إنْ شَهِدَ أَنَّهُ أَقْرَضَهُ أَلْفًا ، ثُمَّ قَالَ : قَضَاهُ مِنْهُ خَمْسَمِائَةٍ .\rقُبِلَتْ شَهَادَتُهُ فِي بَاقِي الْأَلْفِ ، وَجْهًا وَاحِدًا ؛ لِأَنَّهُ لَا تَنَاقُضَ فِي كَلَامِهِ ، وَلَا اخْتِلَافَ .","part":23,"page":363},{"id":11363,"text":"( 8480 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِذَا شَهِدَ شَاهِدٌ بِأَلْفٍ ، وَآخَرُ بِخَمْسِمِائَةٍ حُكِمَ لِمُدَّعِي الْأَلْفِ ، بِخَمْسِمِائَةٍ ، وَحَلَفَ مَعَ شَاهِدِهِ عَلَى الْخَمْسِمِائَةِ الْأُخْرَى ، إنْ أَحَبَّ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا شَهِدَ أَحَدُ الشَّاهِدَيْنِ بِشَيْءٍ ، وَشَهِدَ الْآخَرُ بِبَعْضِهِ ، صَحَّتْ الشَّهَادَةُ ، وَثَبَتَ مَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ وَحُكِمَ بِهِ .\rوَهَذَا قَوْلُ شُرَيْحٍ وَمَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ وَابْنِ أَبِي لَيْلَى وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ وَإِسْحَاقَ وَأَبِي عُبَيْدٍ وَحُكِيَ عَنْ الشَّعْبِيِّ ، أَنَّهُ شَهِدَ عِنْدَهُ رَجُلَانِ ؛ شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ طَلَّقَهَا تَطْلِيقَةً ، وَشَهِدَ الْآخَرُ أَنَّهُ طَلَّقَهَا تَطْلِيقَتَيْنِ ، فَقَالَ : قَدْ اخْتَلَفْتُمَا ، قُومَا ، وَحُكِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ، أَنَّهُ إذَا شَهِدَ شَاهِدٌ أَنَّهُ أَقَرَّ بِأَلْفٍ ، وَشَهِدَ آخَرُ أَنَّهُ أَقَرَّ بِأَلْفَيْنِ ، لَمْ تَصِحَّ الشَّهَادَةُ ؛ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ بِالْأَلْفِ غَيْرُ الْإِقْرَارِ بِالْأَلْفَيْنِ ، وَلَمْ يَشْهَدْ بِكُلِّ إقْرَارٍ إلَّا وَاحِدٌ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الشَّهَادَةَ قَدْ كَمَلَتْ فِيمَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ ، فَحُكِمَ بِهِ ، كَمَا لَوْ لَمْ يَزِدْ أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ .\rوَمَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّ كُلَّ إقْرَارٍ إنَّمَا يَشْهَدُ بِهِ وَاحِدٌ ، يُبْطَلُ بِمَا إذَا شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ أَقَرَّ بِأَلْفٍ غَدْوَةً ، وَشَهِدَ الْآخَرُ أَنَّهُ أَقَرَّ بِأَلْفٍ عَشِيًّا ، فَإِنَّ الشَّهَادَةَ تَكْمُلُ ، مَعَ أَنَّ كُلَّ إقْرَارٍ إنَّمَا يَشْهَدُ بِهِ وَاحِدٌ .\rفَأَمَّا مَا انْفَرَدَ بِهِ أَحَدُهُمَا ، فَإِنَّ لِلْمُدَّعِي أَنْ يَحْلِفَ مَعَهُ ، وَيَسْتَحِقَّ .\rوَهَذَا قَوْلُ مَنْ يَرَى الْحُكْمَ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ .\rوَهَذَا فِيمَا إذَا أَطْلَقَا الشَّهَادَةَ ، أَوْ لَمْ تَخْتَلِفْ الْأَسْبَابُ وَالصِّفَاتُ .\rفَأَمَّا إنْ اخْتَلَفَتْ ، مِثْلُ أَنْ يَشْهَدَ شَاهِدٌ بِأَلْفٍ مِنْ قَرْضٍ ، وَشَاهِدٌ بِخَمْسِمِائَةٍ مِنْ ثَمَنِ مَبِيعٍ ، وَيَشْهَدَ شَاهِدٌ بِأَلْفٍ بِيضٍ وَآخَرُ بِخَمْسِمِائَةٍ سُودٍ ، أَوْ يَشْهَدَ شَاهِدٌ بِأَلْفِ دِينَارٍ ، وَالْآخَرُ بِخَمْسِمِائَةِ دِرْهَمٍ ، لَمْ تَكْمُلْ الْبَيِّنَةُ ،","part":23,"page":364},{"id":11364,"text":"وَكَانَ لَهُ أَنْ يَحْلِفَ مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَيَسْتَحِقّهَا مَعَ أَحَدِهِمَا وَيَسْتَحِقُّ مَا شَهِدَ بِهِ .\r( 8481 ) فَصْلٌ : فَإِنْ شَهِدَ لَهُ شَاهِدَانِ بِأَلْفٍ وَشَاهِدَانِ بِخَمْسِمِائَةٍ ، وَلَمْ تَخْتَلِفْ الْأَسْبَابُ وَالصِّفَاتُ ، دَخَلَتْ الْخَمْسُمِائَةِ فِي الْأَلْفِ ، وَوَجَبَ لَهُ بِالشَّهَادَتَيْنِ مِائَةٌ ، وَإِنْ اخْتَلَفَتْ الْأَسْبَابُ وَالصِّفَاتُ ، وَجَبَ لَهُ الْأَلْفُ وَالْخَمْسُمِائَةِ ، وَلَمْ يَدْخُلْ أَحَدُهُمَا فِي الْآخَرِ ؛ لِأَنَّهُمَا مُخْتَلِفَانِ .","part":23,"page":365},{"id":11365,"text":"( 8482 ) فَصْلٌ : وَإِنْ شَهِدَ لَهُ شَاهِدٌ ، أَنَّهُ بَاعَهُ هَذَا الْعَبْدَ بِأَلْفٍ ، وَشَهِدَ ، آخَرُ ، أَنَّهُ بَاعَهُ إيَّاهُ بِخَمْسِمِائَةٍ ، لَمْ تَكْمُلْ الْبَيِّنَةُ ؛ لَاخْتِلَافِهِمَا فِي صِفَةِ الْبَيْعِ ، وَلَهُ أَنْ يَحْلِفَ مَعَ أَحَدِهِمَا ، وَيَثْبُتَ لَهُ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ .\rوَإِنْ شَهِدَ لَهُ بِكُلِّ عَقْدٍ شَاهِدَانِ ، ثَبَتَ الْبَيْعَانِ ، وَإِنْ أَضَافَا الْبَيْعَ إلَى وَقْتٍ وَاحِدٍ ، مِثْلُ أَنْ يَشْهَدَ أَنَّهُ بَاعَهُ هَذَا الْعَبْدَ مَعَ الزَّوَالِ بِأَلْفٍ ، وَشَهِدَ الْآخَرُ أَنَّهُ بَاعَهُ إيَّاهُ مَعَ الزَّوَالِ بِخَمْسِمِائَةٍ ، تَعَارَضَتْ الْبَيِّنَتَانِ ، وَسَقَطَتَا ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ اجْتِمَاعُهُمَا ، وَكُلُّ بَيِّنَةٍ تُكَذِّبُ الْأُخْرَى .\rوَإِنْ شَهِدَ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَذَيْنِ شَاهِدٌ وَاحِدٌ ، كَانَ لَهُ أَنْ يَحْلِفَ مَعَ أَحَدِهِمَا ، وَلَا يَتَعَارَضَانِ ؛ لِأَنَّ التَّعَارُضَ إنَّمَا يَكُونُ بَيْنَ الْبَيِّنَتَيْنِ الْكَامِلَتَيْنِ .","part":23,"page":366},{"id":11366,"text":"( 8483 ) فَصْلٌ : وَإِنْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ غَصَبَهُ ثَوْبًا قِيمَتُهُ دِرْهَمَانِ ، وَشَهِدَ آخَرُ أَنَّ قِيمَتَهُ ثَلَاثَةٌ ، ثَبَتَ لَهُ مَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ ، وَهُوَ دِرْهَمَانِ ، وَلَهُ أَنْ يَحْلِفَ مَعَ الْآخَرِ عَلَى دِرْهَمٍ ؛ لِأَنَّهُمَا اتَّفَقَا عَلَى دِرْهَمَيْنِ ، وَانْفَرَدَ أَحَدُهُمَا بِدِرْهَمٍ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا بِأَلْفٍ وَآخَرُ بِخَمْسِمِائَةٍ .\rوَإِنْ شَهِدَ شَاهِدَانِ أَنَّ قِيمَتَهُ دِرْهَمَانِ ، وَشَاهِدَانِ أَنَّ قِيمَتَهُ ثَلَاثَةٌ ، ثَبَتَ لَهُ دِرْهَمَانِ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَهُ ثَلَاثَةٌ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ شَهِدَ بِهَا شَاهِدَانِ ، وَهُمَا حُجَّةٌ ، فَيَجِبُ الْأَخْذُ بِهِمَا ، كَمَا يُؤْخَذُ بِالزِّيَادَةِ فِي الْأَخْبَارِ ، وَكَمَا لَوْ شَهِدَ لَهُ شَاهِدَانِ بِأَلْفٍ وَشَاهِدَانِ بِأَلْفَيْنِ ، فَإِنَّهُ يَجِبُ لَهُ أَلْفَانِ .\rقَالَ الْقَاضِي : وَيَتَوَجَّهُ لَنَا مِثْلُ هَذَا ، بِنَاءً عَلَى مَسْأَلَةِ الْأَلْفِ وَخَمْسِمِائَةٍ .\rوَلَنَا ، أَنَّ مَنْ شَهِدَ أَنَّ قِيمَتَهُ دِرْهَمَانِ ، يَنْفِي أَنْ تَكُونَ قِيمَتَهُ ثَلَاثَةً ، فَقَدْ تَعَارَضَتْ الْبَيِّنَتَانِ فِي الدِّرْهَمِ ، وَيُخَالِفُ الزِّيَادَةَ فِي الْأَخْبَارِ ، فَإِنَّ مِنْ يَرْوِي النَّاقِصَ لَا يَنْفِي الزِّيَادَةَ ، وَكَذَلِكَ مِنْ شَهِدَ بِأَلْفٍ ، لَا يَنْفِي أَنَّ عَلَيْهِ أَلْفًا آخَرَ .\rفَإِنْ قِيلَ : فَلِمَ قُلْتُمْ : إنَّهُ إذَا شَهِدَ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْقِيمَتَيْنِ شَاهِدَانِ تَعَارَضَتَا ، وَإِنْ شَهِدَ وَاحِدٌ ، لَمْ تَتَعَارَضَا ، وَكَانَ لَهُ أَنْ يَحْلِفَ مَعَ الشَّاهِدِ بِالزِّيَادَةِ عَلَيْهَا .\rقُلْنَا : لِأَنَّ الشَّاهِدَيْنِ حُجَّةٌ وَبَيِّنَةٌ ، فَإِذَا كَمَلَتْ مِنْ الْجَانِبَيْنِ ، تَعَارَضَتْ الْحُجَّتَانِ ؛ لِتَعَذُّرِ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا ، وَأَمَّا الشَّاهِدُ الْوَاحِدُ ، فَلَيْسَ بِحُجَّةٍ وَحْدَهُ ، وَإِنَّمَا يَصِيرُ حُجَّةً مَعَ الْيَمِينِ ، فَإِذَا حَلَفَ مَعَ أَحَدِهِمَا كَمَلَتْ الْحُجَّةُ بِيَمِينِهِ ، وَلَمْ يُعَارِضْهُمَا مَا لَيْسَ بِحُجَّةٍ ، كَمَا لَوْ شَهِدَ بِأَحَدِهِمَا شَاهِدَانِ ، وَبِالْآخَرِ شَاهِدٌ وَاحِدٌ .","part":23,"page":367},{"id":11367,"text":"( 8484 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَمَنْ ادَّعَى شَهَادَةَ عَدْلٍ ، فَأَنْكَرَ أَنْ تَكُونَ عِنْدَهُ ، ثُمَّ شَهِدَ بِهَا بَعْدَ ذَلِكَ وَقَالَ : كُنْت أُنْسِيتهَا .\rقُبِلَتْ مِنْهُ ) .\rوَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْعَدْلَ إذَا أَنْكَرَ أَنْ تَكُونَ عِنْدَهُ شَهَادَةٌ ، ثُمَّ شَهِدَ بِهَا ، وَقَالَ : كُنْت أُنْسِيتهَا .\rقُبِلَتْ ، وَلَمْ تُرَدَّ شَهَادَتُهُ .\rوَبِهَذَا قَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ نَسِيَهَا ، وَإِذَا كَانَ نَاسِيًا لَهَا ، فَلَا شَهَادَةَ عِنْدَهُ ، فَلَا نُكَذِّبُهُ مَعَ إمْكَانِ صِدْقِهِ .\rوَلَا يُشْبِهُ هَذَا إذَا مَا قَالَ : لَا بَيِّنَةَ لِي .\rثُمَّ أَتَى بِبَيِّنَةٍ ، حَيْثُ لَا تُسْمَعُ ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ إقْرَارٌ مِنْهُ عَلَى نَفْسِهِ بِعَدَمِ الْبَيِّنَةِ ، وَالْإِنْسَانُ يُؤَاخَذُ بِإِقْرَارِهِ ، وَقَوْلُ الشَّاهِدِ : لَا شَهَادَةَ عِنْدِي .\rلَيْسَ بِإِقْرَارٍ ؛ فَإِنَّ الشَّهَادَةَ لَيْسَتْ لَهُ ؛ إنَّمَا هِيَ حَقٌّ عَلَيْهِ ، فَيَكُونُ مُنْكِرًا لَهَا ، فَإِذَا اعْتَرَفَ بِهَا ، كَانَ إقْرَارًا بَعْدَ الْإِنْكَارِ ، وَهُوَ مَسْمُوعٌ ، بِخِلَافِ الْإِنْكَارِ بَعْدَ الْإِنْكَارِ ، وَلِأَنَّ النَّاسِيَ لِلشَّهَادَةِ لَا شَهَادَةَ لَهُ عِنْدَهُ ، فَهُوَ صَادِقٌ فِي إنْكَارِهِ ، فَإِذَا ذَكَرَهَا ، صَارَتْ عِنْدَهُ ، فَلَا تَنَافِيَ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ ، وَصَارَ هَذَا كَمَنْ أَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُ شَهَادَةٌ قَبْلَ أَنْ يُسْتَشْهَدَ ، ثُمَّ اُسْتُشْهِدَ بَعْدَ ذَلِكَ ، فَصَارَتْ عِنْدَهُ ، بِخِلَافِ مَنْ أَنْكَرَ أَنَّ لَهُ بَيِّنَةً ، فَإِنَّهُ لَا يَخْرُجُ عَنْ أَنْ يَكُونَ لَهُ بَيِّنَةٌ بِنِسْيَانِهَا .","part":23,"page":368},{"id":11368,"text":"( 8485 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَمَنْ شَهِدَ بِشَهَادَةٍ ، يَجُرُّ إلَى نَفْسِهِ بَعْضَهَا ، بَطَلَتْ شَهَادَتُهُ فِي الْكُلِّ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ مَنْ شَهِدَ بِشَهَادَةٍ لَهُ بَعْضُهَا ؛ مِثْلُ أَنْ يَشْهَدَ الشَّرِيكُ لِشَرِيكِهِ بِمَالٍ مِنْ الشَّرِكَةِ ، أَوْ يَشْهَدَ عَلَى زَيْدٍ بِدَارٍ لَهُ وَلَعَمْرَو ، فَإِنَّ شَهَادَتَهُ تَبْطُلُ فِي الْكُلِّ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : فِيهَا قَوْلَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، كَقَوْلِنَا .\rوَالثَّانِي ، تَصِحُّ شَهَادَتُهُ لِغَيْرِهِ ؛ لِأَنَّهُ أَجْنَبِيٌّ ، فَتَصِحُّ شَهَادَتُهُ لَهُ ، كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِيهَا شِرْكٌ .\rوَيَتَخَرَّجُ لَنَا مِثْلُ هَذَا ؛ بِنَاءً عَلَى قَوْلِنَا فِي عَبْدٍ بَيْنَ ثَلَاثَةٍ ، اشْتَرَى نَفْسَهُ مِنْهُمْ بِثَلَاثِمِائَةٍ دِرْهَمٍ ، فَادَّعَى أَنَّهُمْ قَبَضُوهَا مِنْهُ ، فَأَنْكَرَ أَحَدُهُمْ أَنْ يَكُونَ أَخَذَ شَيْئًا ، فَأَقَرَّ لَهُ اثْنَانِ ، وَشَهِدَا عَلَى الْمُنْكِرِ بِالْقَبْضِ ، فَإِنَّ شَهَادَتَهُمَا تُقْبَلُ عَلَيْهِ وَيُشَارِكُهُمَا فِيمَا أَخْذًا مِنْ الْمَالِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهَا شَهَادَةٌ رُدَّ بَعْضُهَا لِلتُّهْمَةِ ، فَتُرَدُّ جَمِيعُهَا ، كَمَا لَوْ شَهِدَ الْمُضَارِبُ لِرَبِّ الْمَالِ بِمَالٍ مِنْ الْمُضَارَبَةِ ، وَلَوْ شَهِدَ بِدَيْنٍ لِأَبِيهِ وَأَجْنَبِيٍّ ، أَوْ شَهِدَ بِشَهَادَةٍ تُرَدُّ فِي بَعْضِ مَا شَهِدَ بِهِ ، بَطَلَتْ كُلُّهَا .","part":23,"page":369},{"id":11369,"text":"( 8486 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِذَا مَاتَ رَجُلٌ ، وَخَلَّفَ ابْنًا ، وَأَلْفَ دِرْهَمٍ ، فَادَّعَى رَجُلٌ عَلَى الْمَيِّتِ أَلْفَ دِرْهَمٍ ، وَصَدَّقَهُ الِابْنُ ، وَادَّعَى آخَرُ مِثْلَ ذَلِكَ ، وَصَدَّقَهُ الِابْنُ ، فَإِنْ كَانَ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ ، كَانَ الْأَلْفُ بَيْنَهُمَا .\rوَإِنْ كَانَ فِي مَجْلِسَيْنِ ، كَانَ الْأَلْفُ لِلْأَوَّلِ ، وَلَا شَيْءَ لِلثَّانِي ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْمَيِّتَ إذَا خَلَّفَ وَارِثًا ، وَتَرِكَةً ، فَأَقَرَّ الْوَارِثُ لِرَجَلٍ بِدَيْنٍ عَلَى الْمَيِّتِ يَسْتَغْرِقُ مِيرَاثَهُ ، فَقَدْ أَقَرَّ بِتَعَلُّقِ دَيْنِهِ بِجَمِيعِ التَّرِكَةِ وَاسْتِحْقَاقِهِ لِجَمِيعِهَا ، فَإِذَا أَقَرَّ بَعْدَ ذَلِكَ لِآخَرَ ، نَظَرْت ؛ فَإِنْ كَانَ فِي الْمَجْلِسِ ، صَحَّ الْإِقْرَارُ ، وَاشْتَرَكَا فِي التَّرِكَةِ ؛ لِأَنَّ حَالَةَ الْمَجْلِسِ كُلَّهَا كَحَالَةٍ وَاحِدَةٍ ، بِدَلِيلِ الْقَبْضِ ، فِيمَا يَعْتَبِرُ الْقَبْضُ فِيهِ ، وَإِمْكَانُ الْفَسْخِ فِي الْبَيْعِ ، وَلُحُوقِ الزِّيَادَةِ فِي الْعَقْدِ ، فَكَذَلِكَ فِي الْإِقْرَارِ .\rوَإِنْ كَانَ فِي مَجْلِسٍ آخَرَ ، لَمْ يُقْبَلْ إقْرَارُهُ ؛ لِأَنَّهُ يُقِرُّ بِحَقٍّ عَلَى غَيْرِهِ ، فَإِنَّهُ يُقِرُّ بِمَا يَقْتَضِي مُشَارَكَةَ الْأَوَّلِ فِي التَّرِكَة ، وَمُزَاحَمَتَهُ فِيهَا وَتَنْقِيصَ حَقِّهِ مِنْهَا .\rوَلَا يُقْبَلُ إقْرَارُ الْإِنْسَانِ عَلَى غَيْرِهِ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، يُقْبَلُ إقْرَارُهُ ، وَيَشْتَرِكَانِ فِيهَا ؛ لِأَنَّ الْوَارِثَ يَقُومُ مَقَامَ الْمَوْرُوثِ ، وَلَوْ أَقَرَّ الْمَوْرُوثُ لَهُمَا لَقُبِلَ ، فَكَذَلِكَ الْوَارِثُ ؛ وَلِأَنَّ مَنْعَهُ مِنْ الْإِقْرَارِ يُفْضِي إلَى إسْقَاطِ حَقِّ الْغُرَمَاءِ ، فَإِنَّهُ قَدْ لَا يَتَّفِقُ حُضُورُهُمْ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ ، فَيَبْطُلُ حَقُّهُ بِغَيْبَتِهِ ، وَلِأَنَّ مَنْ قُبُلِ إقْرَارُهُ أَوَّلًا ، قُبُلِ إقْرَارُهُ ثَانِيًا ، إذَا لَمْ يَتَغَيَّرْ حَالُهُ ، كَالْمَوْرُوثِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ أَقَرَّ بِمَا يَتَعَلَّقُ بِمَحَلٍّ تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ غَيْرِهِ ، عَلَى وَجْهٍ يَضُرُّ بِهِ ، تَعَلُّقًا يَمْنَعُ صِحَّةَ تَصَرُّفِهِ فِيهِ ، فَلَمْ يُقْبَلْ ، كَإِقْرَارِ الرَّاهِنِ بِجِنَايَةِ عَبْدِهِ الْمَرْهُونِ أَوْ","part":23,"page":370},{"id":11370,"text":"الْجَانِي .\rوَأَمَّا الْمَوْرُوثُ ، فَإِنْ أَقَرَّ فِي صِحَّتِهِ ، صَحَّ ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ لَا يَتَعَلَّقُ بِمَالِهِ ، وَإِنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِذِمَّتِهِ .\rوَإِنْ أَقَرَّ فِي مَرَضِهِ ، لَمْ يُحَاصَّ الْمُقَرُّ لَهُ غُرَمَاءَ الصِّحَّةِ ؛ لِذَلِكَ .\rوَإِنْ أَقَرَّ فِي مَرَضِهِ لَغَرِيمٍ يَسْتَغْرِقُ دَيْنُهُ تَرِكَتَهُ ، ثُمَّ أَقَرَّ لِآخَرَ فِي مَجْلِسٍ آخَرَ ، صَحَّ ، وَشَارَكَ الْأَوَّلَ ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْوَارِثِ ، أَنَّ إقْرَارَهُ الْأَوَّلَ لَمْ يَمْنَعْهُ التَّصَرُّفَ فِي مَالِهِ ، وَلَا أَنْ يَتَعَلَّقَ بِهِ دَيْنٌ آخَرُ ، بِأَنْ يَسْتَدِينَ دَيْنًا آخَرَ ، فَلَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ تَعَلُّقَ الدَّيْنِ بِتَرِكَتِهِ بِالْإِقْرَارِ ، بِخِلَافِ الْوَارِثِ ، فَإِنَّهُ لَا يَمْلِكُ أَنْ يُعَلِّقَ بِالتَّرِكَةِ دَيْنًا آخَرَ بِفِعْلِهِ ، فَلَا يَمْلِكُهُ بِقَوْلِهِ ، وَلَا يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فِي التَّرِكَةِ ، مَا لَمْ يَلْتَزِمْ قَضَاءَ الدَّيْنِ .","part":23,"page":371},{"id":11371,"text":"( 8487 ) فَصْلٌ : وَإِنْ مَاتَ ، وَتَرَكَ أَلْفًا ، فَأَقَرَّ بِهِ ابْنُهُ لِرَجَلٍ ، ثُمَّ أَقَرَّ بِهِ لِغَيْرِهِ ، فَهُوَ لِلْأَوَّلِ ، وَلَا شَيْءَ لِلثَّانِي فِيهِ ، سَوَاءٌ كَانَ فِي مَجْلِسٍ أَوْ مَجْلِسَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ بِاعْتِرَافِهِ لِلْأَوَّلِ ، ثَبَتَ لَهُ الْمِلْكُ فِيهِ ، فَصَارَ إقْرَارُهُ لِلثَّانِي إقْرَارًا لَهُ بِمِلْكِ غَيْرِهِ ، فَلَمْ يُقْبَلْ .\rوَتَلْزَمُ الْمُقِرَّ غَرَامَتُهُ لِلثَّانِي ؛ لِأَنَّهُ فَوَّتَهُ عَلَيْهِ بِإِقْرَارِهِ بِهِ لِغَيْرِهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ غَصَبَهُ مِنْهُ ، فَدَفَعَهُ إلَى غَيْرِهِ .","part":23,"page":372},{"id":11372,"text":"( 8488 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَمَنْ ادَّعَى دَعْوَى عَلَى مَرِيضٍ ، فَأَوْمَأَ بِرَأْسِهِ أَيْ نَعَمْ .\rلَمْ يَحْكُمْ بِهَا حَتَّى يَقُولَ بِلِسَانِهِ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ إشَارَةَ الْمَرِيضِ لَا تَقُومُ مَقَامَ نُطْقِهِ ، وَسَوَاءٌ كَانَ عَاجِزًا عَنْ الْكَلَامِ أَوْ قَادِرًا عَلَيْهِ .\rوَبِهَذَا قَالَ الثَّوْرِيُّ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يُقْبَلُ إقْرَارُهُ بِإِشَارَتِهِ ، إذَا كَانَ عَاجِزًا عَنْ الْكَلَامِ لِأَنَّهُ إقْرَارٌ بِالْإِشَارَةِ مِنْ عَاجِزٍ عَنْ الْكَلَامِ ، فَأَشْبَهَ إقْرَارَ الْأَخْرَسِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ غَيْرُ مَأْيُوسٍ مِنْ نُطْقِهِ ، فَلَمْ تَقُمْ إشَارَتُهُ مَقَامَ نُطْقِهِ ، كَالصَّحِيحِ .\rوَبِهَذَا فَارَقَ الْأَخْرَسَ ، فَإِنَّهُ مَأْيُوسٍ مِنْ نُطْقِهِ ، وَلِهَذَا لَوْ أَرْتَجَّ عَلَيْهِ فِي الصَّلَاةِ ، لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ بِغَيْرِ قِرَاءَةٍ ، بِخِلَافِ الْأَخْرَسِ .\rوَالْآيِسَةُ يُفَرَّقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَنْ ارْتَفَعَ حَيْضُهَا مَعَ إمْكَانِهِ فِي الْعِدَّةِ ؛ وَلِأَنَّ عَجْزَهُ عَنْ النُّطْقِ غَيْرُ مُتَحَقِّقٍ ، فَإِنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَتْرُكَ الْكَلَامَ لِصُعُوبَتِهِ عَلَيْهِ وَمَشَقَّتِهِ ، لَا لِعَجْزِهِ .\rوَإِنْ صَارَ إلَى حَالٍ يَتَحَقَّقُ الْإِيَاسُ مِنْ نُطْقِهِ ، لَمْ يُوثَقْ بِإِشَارَتِهِ ؛ لِأَنَّ الْمَرَضَ الَّذِي أَعْجَزَهُ عَنْ النُّطْقِ ، لَمْ يَخْتَصَّ بِلِسَانِهِ ، فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَثَّرَ فِي عَقْلِهِ أَوْ فِي سَمْعِهِ ، فَلَمْ يَدْرِ مَا قِيلَ لَهُ ، بِخِلَافِ الْأَخْرَسِ ، وَلِأَنَّ الْأَخْرَسَ قَدْ تَكَرَّرَتْ إشَارَتُهُ حَتَّى صَارَتْ عِنْدَ مَنْ يُعَاشِرُهُ كَالْيَقِينِ ، وَمُمَاثِلَةَ النُّطْقِ ، وَهَذَا لَمْ تَتَكَرَّرْ إشَارَتُهُ ، فَلَعَلَّهُ لَمْ يُرْدِ الْإِقْرَارَ .\rإنَّمَا أَرَادَ الْإِنْكَارَ ، أَوْ إسْكَاتَ مَنْ يَسْأَلُهُ ، وَمَعَ هَذِهِ الْفُرُوقِ ، لَا يَصِحُّ الْقِيَاسُ .","part":23,"page":373},{"id":11373,"text":"( 8489 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَمَنْ ادَّعَى دَعْوَى ، وَقَالَ : لَا بَيِّنَةَ لِي .\rثُمَّ أَتَى بَعْدَ ذَلِكَ بِبَيِّنَةٍ ، لَمْ تُقْبَلْ ؛ لِأَنَّهُ مُكَذِّبٌ لِبَيِّنَتِهِ ) وَبِهَذَا قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَابْنُ الْمُنْذِرِ : تُقْبَلُ .\rوَهُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَنْسَى ، أَوْ يَكُونَ الشَّاهِدَانِ سَمِعَا مِنْهُ ، وَصَاحِبُ الْحَقِّ لَا يَعْلَمُ ، فَلَا يَثْبُتُ بِذَلِكَ أَنَّهُ كَذَّبَ بَيِّنَتَهُ .\rوَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ : وَإِنْ كَانَ الْإِشْهَادُ أَمْرًا تَوَلَّاهُ بِنَفْسِهِ ، لَمْ تُسْمَعْ بَيِّنَتُهُ ؛ لِأَنَّهُ أَكْذَبَهَا ، وَإِنْ كَانَ وَكِيلُهُ أَشْهَدَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ، أَوْ شَهِدَ مِنْ غَيْرِ عِلْمِهِ ، أَوْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُشْهِدَهُمْ ، سُمِعَتْ بَيِّنَتُهُ ؛ لِأَنَّهُ مَعْذُورٌ فِي نَفْيِهِ إيَّاهَا .\rوَهَذَا الْقَوْلُ حَسَنٌ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ أَكْذَبِ بَيِّنَتَهُ ، بِإِقْرَارِهِ أَنَّهُ لَا يَشْهَدُ لَهُ أَحَدٌ ، فَإِذَا شَهِدَ لَهُ إنْسَانٌ ، كَانَ تَكْذِيبًا لَهُ ، وَيُفَارِقُ الشَّاهِدَ إذَا قَالَ : لَا شَهَادَةَ عِنْدِي .\rثُمَّ قَالَ : كُنْت نَسِيَتْهَا .\rلِأَنَّ ذَلِكَ إقْرَارٌ لِغَيْرِهِ بَعْدَ الْإِنْكَارِ ، وَهَا هُنَا هُوَ مُقِرٌّ لِخَصْمِهِ بِعَدَمِ الْبَيِّنَةِ ، فَلَمْ يُقْبَلْ رُجُوعُهُ عَنْهُ .\rوَالْحُكْمُ فِي مَا إذَا قَالَ : كُلُّ بَيِّنَةَ لِي زُورٌ .\rكَالْحُكْمِ فِيمَا إذَا قَالَ : لَا بَيِّنَةَ لِي .\rعَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْخِلَافِ فِيهِ .","part":23,"page":374},{"id":11374,"text":"( 8490 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَالَ : مَا أَعْلَمُ لِي بَيِّنَةً .\rثُمَّ أَتَى بِبَيِّنَةٍ ، سُمِعَتْ ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ لَهُ بَيِّنَةٌ لَمْ يَعْلَمْهَا ، ثُمَّ عَلِمَهَا .\rقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : وَلَوْ قَالَ : مَا أَعْلَمُ لِي بَيِّنَةً .\rفَقَالَ شَاهِدَانِ : نَحْنُ نَشْهَدُ لَك .\rسُمِعَتْ بَيِّنَتُهُ .","part":23,"page":375},{"id":11375,"text":"( 8491 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِذَا شَهِدَ الْوَصِيُّ عَلَى مَنْ هُوَ مُوصًى عَلَيْهِمْ ، قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ .\rوَإِنْ شَهِدَ ، لَهُمْ ، لَمْ يُقْبَلْ إذَا كَانُوا فِي حِجْرِهِ ) أَمَّا شَهَادَتُهُ عَلَيْهِمْ ، فَمَقْبُولَةٌ .\rلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا ، فَإِنَّهُ لَا يُتَّهَمُ عَلَيْهِمْ ، وَلَا يَجُرُّ بِشَهَادَتِهِ عَلَيْهِمْ نَفْعًا ، وَلَا يَدْفَعُ عَنْهُمْ بِهَا ضَرَرًا .\rوَأَمَّا شَهَادَتُهُ لَهُمْ إذَا كَانُوا فِي حِجْرِهِ ، فَغَيْرُ مَقْبُولَةٍ .\rوَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ؛ مِنْهُمْ الشَّعْبِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى وَأَجَازَ شُرَيْحٌ وَأَبُو ثَوْرٍ شَهَادَتَهُ لَهُمْ ، إذَا كَانَ الْخَصْمُ غَيْرَهُ ؛ لِأَنَّهُ أَجْنَبِيٌّ مِنْهُمْ ، فَقُبِلَتْ شَهَادَتُهُ لَهُمْ ، كَمَا بَعْدَ زَوَالِ الْوَصِيَّةِ .\rوَلَنَا أَنَّهُ شَهِدَ بِشَيْءٍ هُوَ خَصْمٌ فِيهِ ، فَإِنَّهُ الَّذِي يُطَالِبُ بِحُقُوقِهِمْ ، وَيُخَاصِمُ فِيهَا ، وَيَتَصَرَّفُ فِيهَا ، فَلَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ ، كَمَا لَوْ شَهِدَ بِمَالٍ نَفْسِهِ ، وَلِأَنَّهُ يَأْخُذ مِنْ مَالِهِمْ عِنْدَ الْحَاجَةِ .\rفَيَكُونُ مُتَّهَمًا فِي الشَّهَادَةِ بِهِ .\rفَأَمَّا قَوْلُهُ : إذَا كَانُوا فِي حِجْرِهِ .\rفَإِنَّهُ يَعْنِي أَنَّهُ لَوْ شَهِدَ لَهُمْ بَعْدَ زَوَالِ وِلَايَتِهِ عَنْهُمْ ، قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ ؛ لِزَوَالِ الْمَعْنَى الَّذِي مَنَعَ قَبُولَهَا .\rوَالْحُكْمُ فِي أَمِينِ الْحَاكِمِ يَشْهَدُ لِلْأَيْتَامِ الَّذِينَ هُمْ تَحْتَ وِلَايَتِهِ ، كَالْحُكْمِ فِي الْوَصِيِّ ، سَوَاءً .","part":23,"page":376},{"id":11376,"text":"( 8492 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَإِذَا شَهِدَ مَنْ يُخْنَقُ فِي الْأَحْيَانِ ، قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ فِي إفَاقَتِهِ ) قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ أَجْمَعَ عَلَى هَذَا كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَمِمَّنْ حَفِظْنَا عَنْهُ ذَلِكَ مَالِكٌ وَالثَّوْرِيُّ وَالشَّافِعِيُّ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَلَا أَحْسَبُهُ إلَّا مَذْهَبَ أَهْلِ الْكُوفَة ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الِاعْتِبَارَ فِي الشَّهَادَةِ بِحَالٍ أَدَائِهَا ، وَهُوَ فِي وَقْتِ الْأَدَاءِ مِنْ أَهْلِ التَّحْصِيلِ وَالْعَقْلِ الثَّابِتِ ، فَقُبِلَتْ شَهَادَتُهُ ، كَالصَّبِيِّ إذَا كَبَرَ ، وَلِأَنَّهُ عَدْلٌ غَيْرُ مُتَّهَمٍ ، فَقُبِلَتْ شَهَادَتُهُ ، كَالصَّحِيحِ ، وَزَوَالُ عَقْلِهِ فِي غَيْرِ حَالِ الشَّهَادَةِ لَا يَمْنَعُ قَبُولَهَا ، كَالصَّحِيحِ الَّذِي يَنَامُ ، وَالْمَرِيضِ الَّذِي يُغْمَى عَلَيْهِ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ .","part":23,"page":377},{"id":11377,"text":"( 8493 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ الطَّبِيبِ فِي الْمُوضِحَةِ ، إذَا لَمْ يُقْدَرْ عَلَى طَبِيبَيْنِ ، وَكَذَلِكَ الْبَيْطَارُ فِي دَاءِ الدَّابَّةِ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ إذَا اُخْتُلِفَ فِي الشَّجَّةِ ، هَلْ هِيَ مُوضِحَةٌ أَوْ لَا ؟ أَوْ فِيمَا كَانَ أَكْثَرَ مِنْهَا ، كَالْهَاشِمَةِ ، وَالْمُنَقِّلَةِ ، وَالْآمَّةِ ، وَالدَّامِغَةِ ، أَوْ أَصْغَرَ مِنْهَا ، كَالْبَاضِعَةِ ، وَالْمُتَلَاحِمَةِ ، وَالسِّمْحَاقِ ، أَوْ فِي الْجَائِفَةِ ، وَغَيْرِهَا مِنْ الْجِرَاحِ ، الَّتِي لَا يَعْرِفُهَا إلَّا الْأَطِبَّاءُ ، أَوْ اخْتَلَفَا فِي دَاءٍ يَخْتَصُّ بِمَعْرِفَتِهِ الْأَطِبَّاءُ ، أَوْ فِي دَاءِ الدَّابَّةِ ، فَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ أَنَّهُ إذَا قُدِرَ عَلَى طَبِيبِينَ ، أَوْ بَيْطَارَيْنِ ، لَا يُجْزِئُ وَاحِدٌ ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ ، فَلَمْ تُقْبَلْ فِيهِ شَهَادَةُ وَاحِدٍ ، كَسَائِرِ الْحُقُوقِ ، فَإِنْ لَمْ يُقْدَرْ عَلَى اثْنَيْنِ ، أَجْزَأَ وَاحِدٌ ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا لَا يُمْكِنُ كُلُّ وَاحِدٍ أَنْ يَشْهَدَ بِهِ ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا يَخْتَصُّ بِهِ أَهْلُ الْخِبْرَةِ مِنْ أَهْلِ الصَّنْعَة ، فَاجْتُزِئَ فِيهِ بِشَهَادَةِ وَاحِدٍ ، بِمَنْزِلَةِ الْعُيُوبِ تَحْتَ الثِّيَابِ ، يُقْبَلُ فِيهَا قَوْلُ الْمَرْأَةِ الْوَاحِدَةِ ، فَقَبُولُ قَوْلِ الرَّجُلِ الْوَاحِدِ أَوْلَى .","part":23,"page":378},{"id":11378,"text":"( 8494 ) فَصْلٌ : قَالَ أَحْمَدُ رَحِمَهُ اللَّهُ ، إذَا قَالَ : اشْهَدْ عَلَى مِائَةِ دِرْهَمٍ وَمِائَةِ دِرْهَمٍ .\rفَشَهِدَ عَلَى مِائَةٍ دُونَ مِائَةٍ ، كَرِهَ ، إلَّا أَنْ يَقُولَ : أَشْهَدُ وَلِي عَلَى مِائَةٍ وَمِائَةٍ .\rيَحْكِيه كُلَّهُ لِلْحَاكِمِ كَمَا كَانَ .\rوَقَالَ أَحْمَدُ : إذَا شَهِدَ عَلَى أَلْفٍ ، وَكَانَ الْحَاكِم لَا يَحْكُمُ إلَّا عَلَى مِائَةٍ وَمِائَتَيْنِ ، فَقَالَ لَهُ صَاحِبُ الْحَقِّ : أُرِيدُ أَنْ تَشْهَدَ لِي عَلَى مِائَةٍ ، لَمْ يَشْهَدْ إلَّا بِأَلْفٍ .\rقَالَ الْقَاضِي : وَذَلِكَ أَنَّ عَلَى الشَّاهِدِ نَقْلَ الشَّهَادَةِ عَلَى مَا شَهِدَ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا } .\rوَلِأَنَّهُ لَوْ سَاغَ لِلشَّاهِدِ أَنْ يَشْهَدَ بِبَعْضِ مَا أُشْهِدَ عَلَيْهِ ، لَسَاغَ لِلْقَاضِي أَنْ يَقْضِيَ بِبَعْضِ مَا شَهِدَ بِهِ الشَّاهِدُ .\rوَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : عِنْدِي يَجُوزُ أَنْ يَشْهَدَ بِذَلِكَ ؛ لِأَنَّ مَنْ شَهِدَ بِأَلْفٍ ، فَقَدْ شَهِدَ بِمِائَةٍ ، فَإِذَا شَهِدَ بِمِائَةٍ ، لَمْ يَكُنْ كَاذِبًا فِي شَهَادَتِهِ ، فَجَازَ ، كَمَا لَوْ كَانَ قَدْ أَقْرَضَهُ مِائَةً مَرَّةً ، وَتِسْعَمِائَةٍ مَرَّةً أُخْرَى .\rوَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ؛ لِمَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي ، وَلِأَنَّ شَهَادَتَهُ بِمِائَةٍ رُبَّمَا أَوْهَمَتْ أَنَّ هَذِهِ الْمِائَةَ غَيْرُ الَّتِي شَهِدَتْ بِأَصْلِهِ ، فَيُؤَدِّي إلَى إيجَابِهَا عَلَيْهِ مَرَّتَيْنِ .","part":23,"page":379},{"id":11379,"text":"( 8495 ) فَصْلٌ : قَالَ أَحْمَدُ : إذَا شَهِدَ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ وَمِائَةِ دِينَارٍ ، فَلَهُ مِنْ دَرَاهِمِ ذَلِكَ الْبَلَدِ وَدَنَانِيرِهِ .\rقَالَ الْقَاضِي : لِأَنَّهُ لَمَّا جَازَ أَنْ يُحْمَلَ مُطْلَقُ الْعَقْدِ عَلَى ذَلِكَ ، جَازَ أَنْ تُحْمَلَ الشَّهَادَةُ عَلَيْهِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":23,"page":380},{"id":11380,"text":"كِتَابُ الدَّعَاوَى وَالْبَيِّنَاتِ الدَّعْوَى فِي اللُّغَةِ : إضَافَةُ الْإِنْسَانِ إلَى نَفْسِهِ شَيْئًا ، مِلْكًا ، أَوْ اسْتِحْقَاقًا ، أَوْ صَفْقَةً ، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ .\rوَهِيَ فِي الشَّرْعِ : إضَافَتُهُ إلَى نَفْسِهِ اسْتِحْقَاقَ شَيْءٍ فِي يَدِ غَيْرِهِ ، أَوْ فِي ذِمَّتِهِ .\rوَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ ، مَنْ يُضَافُ إلَيْهِ اسْتِحْقَاقُ شَيْءٍ عَلَيْهِ .\rوَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ : الدَّعْوَى الطَّلَبُ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ } .\rوَقِيلَ : الْمُدَّعِي مَنْ يَلْتَمِسُ بِقَوْلِهِ أَخْذَ شَيْءٍ مِنْ يَدِ غَيْرِهِ ، أَوْ إثْبَاتَ حَقٍّ فِي ذِمَّتِهِ .\rوَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَنْ يُنْكِرُ ذَلِكَ .\rوَقِيلَ : الْمُدَّعِي مَنْ إذَا تُرِكَ لَمْ يَسْكُت ، وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَنْ إذَا تُرِكَ سَكَتَ .\rوَقَدْ يَكُونُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُدَّعِيًا وَمُدَّعًى عَلَيْهِ ؛ بِأَنْ يَخْتَلِفَا فِي الْعَقْدِ ، فَيَدَّعِي كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّ الثَّمَنَ غَيْرُ الَّذِي ذَكَرَهُ صَاحِبُهُ .\rوَالْأَصْلُ فِي الدَّعْوَى قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : لَوْ أُعْطِيَ النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ ، لَادَّعَى قَوْمٌ دِمَاءَ قَوْمٍ وَأَمْوَالَهُمْ ، وَلَكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ } رَوَاهُ مُسْلِمٌ .\rوَفِي حَدِيثٍ : { الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي ، وَالْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ } .\rوَلَا تَصِحُّ الدَّعْوَى إلَّا مِنْ جَائِزِ التَّصَرُّفِ .\r( 8496 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ أَبُو الْقَاسِم ، رَحِمَهُ اللَّهُ : ( وَمَنْ ادَّعَى زَوْجِيَّةَ امْرَأَةٍ ، فَأَنْكَرَتْهُ ، وَلَمْ تَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ ، فُرِّقَ بَيْنَهُمَا ، وَلَمْ يُحَلَّفْ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ النِّكَاحَ لَا يُسْتَحْلَفُ فِيهِ ، رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ .\rذَكَرَهُ الْقَاضِي .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ .\rوَيَتَخَرَّجُ أَنْ يَسْتَحْلِفَ فِي كُلِّ حَقٍّ لِآدَمِيٍّ .\rوَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَابْنِ الْمُنْذِرِ وَنَحْوُهُ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { وَلَكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ } .\rوَلِأَنَّهُ حَقٌّ لِآدَمِيٍّ ، فَيَسْتَحْلِفُ فِيهِ ، كَالْمَالِ ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا ،","part":23,"page":381},{"id":11381,"text":"فَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ : يَسْتَحْلِفُ فِي النِّكَاحِ ، فَإِنْ نَكَلَ ، أُلْزِمَ النِّكَاحَ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : إنْ نَكَلَ ، رُدَّتْ الْيَمِينُ عَلَى الزَّوْجِ فَحَلَفَ ، وَثَبَتَ النِّكَاحُ .\rوَلَنَا ، أَنَّ هَذَا مِمَّا لَا يَحِلُّ بَذْلُهُ ، فَلَمْ يَسْتَحْلِفْ فِيهِ ، كَالْحَدِّ .\rيُحَقِّقُ هَذَا أَنَّ الْأَبْضَاعَ مِمَّا يُحْتَاطُ فِيهَا ، فَلَا تُبَاحُ بِالنُّكُولِ ، وَلَا بِهِ وَبِيَمِينِ الْمُدَّعِي ، كَالْحُدُودِ ، وَذَلِكَ لِأَنَّ النُّكُولَ لَيْسَ بِحُجَّةٍ قَوِيَّةٍ ، إنَّمَا هُوَ سُكُوتٌ مُجَرَّدٌ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لِخَوْفِهِ مِنْ الْيَمِينِ ، أَوْ لِلْجَهْلِ بِحَقِيقَةِ الْحَالِ ، أَوْ لِلْحَيَاءِ مِنْ الْحَلِفِ وَالتَّبَذُّلِ فِي مَجْلِسِ الْحَاكِمِ ، وَمَعَ هَذِهِ الِاحْتِمَالَاتِ ، لَا يَنْبَغِي أَنْ يُقْضَى بِهِ فِيمَا يُحْتَاطُ لَهُ ، وَيَمِينُ الْمُدَّعِي إنَّمَا هِيَ قَوْلُ نَفْسِهِ ، لَا يَنْبَغِي أَنْ يُعْطَى بِهَا أَمْرًا فِيهِ خَطَرٌ عَظِيمٌ ، وَإِثْمٌ كَبِيرٌ ، وَيُمَكَّنُ مِنْ وَطْءِ امْرَأَةٍ يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ أَجْنَبِيَّةً مِنْهُ .\rوَأَمَّا الْحَدِيثُ فَإِنَّمَا تَنَاوَلَ الْأَمْوَالَ وَالدِّمَاءَ ، فَلَا يَدْخُلُ النِّكَاحُ فِيهِ ، وَلَوْ دَخَلَ فِيهِ كُلُّ دَعْوَى ، لَكَانَ مَخْصُوصًا بِالْحُدُودِ ، وَالنِّكَاحُ فِي مَعْنَاهُ ، بَلْ النِّكَاحُ أَوْلَى ، لِأَنَّهُ لَا يَكَادُ يَخْلُو مِنْ شُهُودٍ ، لِكَوْنِ الشَّهَادَةِ شَرْطًا فِي انْعِقَادِهِ ، أَوْ مِنْ اشْتِهَارِهِ ، فَيَشْهَدُ فِيهِ بِالِاسْتِفَاضَةِ ، وَالْحُدُودُ بِخِلَافِ ذَلِكَ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّهُ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا ، وَيُحَالُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا وَيُخْلَى سَبِيلُهَا .\rوَإِنْ قُلْنَا : إنَّهَا تَحْلِفُ عَلَى الِاحْتِمَالِ الْآخَرِ .\rفَنَكَلَتْ ، لَمْ يُقْضَ بِالنُّكُولِ ، وَتُحْبَسُ ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ ، حَتَّى تُقِرَّ أَوْ تَحْلِفَ ، وَفِي الْآخَرِ ، يُخْلَى سَبِيلُهَا ، وَتَكُونُ فَائِدَةُ شَرْعِ الْيَمِينِ التَّخْوِيفَ وَالرَّدْعَ ، لِتُقِرَّ إنْ كَانَ الْمُدَّعِي مُحِقًّا ، أَوْ تَحْلِفَ ، فَتَبْرَأَ إنْ كَانَ مُبْطِلًا .","part":23,"page":382},{"id":11382,"text":"( 8497 ) فَصْلٌ : وَإِذَا ادَّعَى رَجُلٌ نِكَاحَ امْرَأَةٍ ، احْتَاجَ إلَى ذِكْرِ شَرَائِطِ النِّكَاحِ ، فَيَقُولُ : تَزَوَّجْتهَا بَوْلِيٍّ مُرْشِدٍ وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ وَرِضَاهَا .\rإنْ كَانَتْ مِمَّنْ يُعْتَبَرُ رِضَاهَا .\rوَهَذَا مَنْصُوصُ الشَّافِعِيِّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ لَا يَحْتَاجُ إلَى ذِكْرِ شَرَائِطِهِ ؛ لِأَنَّهُ نَوْعُ مِلْكٍ ، فَأَشْبَهَ مِلْكَ الْعَبْدِ ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ أَنْ يَقُولَ : وَلَيْسَتْ مُعْتَدَّةً وَلَا مُرْتَدَّةً وَلَنَا ، أَنَّ النَّاسَ اخْتَلَفُوا فِي شَرَائِطِ النِّكَاحِ ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَشْتَرِطُ الْوَلِيَّ وَالشُّهُودَ ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَشْتَرِطُ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَشْتَرِطُ إذْنَ الْبِكْرِ الْبَالِغِ لِأَبِيهَا فِي تَزْوِيجِهَا ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَشْتَرِطُهُ ، وَقَدْ يَدَّعِي نِكَاحًا يَعْتَقِدُهُ صَحِيحًا ، وَالْحَاكِمُ لَا يَرَى صِحَّتَهُ ، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَحْكُمَ بِصِحَّتِهِ مَعَ جَهْلِهِ بِهَا ، وَلَا يَعْلَمُ بِهَا مَا لَمْ تُذْكَرْ الشُّرُوطُ ، وَتَقُمْ الْبَيِّنَةُ بِهَا ، وَتُفَارِقُ الْمَالَ ، فَإِنَّ أَسْبَابَهُ تَنْحَصِرُ ، وَقَدْ يَخْفَى عَلَى الْمُدَّعِي سَبَبُ ثُبُوتِ حَقِّهِ ، وَالْعُقُودُ تَكْثُرُ شُرُوطُهَا ، وَلِذَلِكَ اشْتَرَطْنَا لِصِحَّةِ الْبَيْعِ شُرُوطًا سَبْعَةً ، وَرُبَّمَا لَا يُحْسِنُ الْمُدَّعِي عَدَّهَا وَلَا يَعْرِفُهَا ، وَالْأَمْوَالُ مِمَّا يُتَسَاهَلُ فِيهَا ؛ وَلِذَلِكَ افْتَرَقَا فِي اشْتِرَاطِ الْوَلِيِّ وَالشُّهُودِ فِي عُقُودِهِ ، فَافْتَرَقَا فِي الدَّعْوَى .\rوَعَدَمِ الْعِدَّةِ وَالرِّدَّةِ ، لَمْ يَخْتَلِفْ النَّاسُ فِيهِ ، وَالْأَصْلُ عَدَمُهَا وَلَا تَخْتَلِفُ بِهِ الْأَغْرَاضُ .\rفَإِنْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ أَمَةً وَالزَّوْجُ حُرًّا ، فَقِيَاسُ مَا ذَكَرْنَاهُ ، أَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى ذِكْرِ عَدَمِ الطَّوْلِ ، وَخَوْفِ الْعَنَتِ ؛ لِأَنَّهُمَا مِنْ شَرَائِطِ صِحَّةِ نِكَاحِهَا ، وَأَمَّا إنْ ادَّعَى اسْتِدَامَةَ الزَّوْجِيَّةِ ، وَلَمْ يَدَّعِ الْعَقْدَ ، لَمْ يَحْتَجْ إلَى ذِكْرِ الشُّرُوطِ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ يَثْبُتُ بِالِاسْتِفَاضَةِ .\rوَلَوْ اُشْتُرِطَ ذِكْرُ الشُّرُوطِ ، لَاشْتُرِطَتْ الشَّهَادَةُ بِهِ ، وَلَا يَلْزَمُ","part":23,"page":383},{"id":11383,"text":"ذَلِكَ فِي شَهَادَةِ الِاسْتِفَاضَةِ .\rوَفِي الثَّانِي يَحْتَاجُ إلَى ذِكْرِ الشُّرُوطِ ؛ لِأَنَّهُ دَعْوَى نِكَاحٍ ، فَأَشْبَهَ دَعْوَى الْعَقْدِ .","part":23,"page":384},{"id":11384,"text":"( 8498 ) فَصْلٌ : وَإِنْ ادَّعَتْ الْمَرْأَةُ النِّكَاحَ عَلَى زَوْجِهَا ، وَذَكَرَتْ مَعَهُ حَقًّا مِنْ حُقُوقِ النِّكَاحِ ، كَالصَّدَاقِ وَالنَّفَقَةِ وَنَحْوِهَا ، سُمِعَتْ دَعْوَاهَا .\rبِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ ؛ لِأَنَّهَا تَدَّعِي حَقًّا لَهَا تُضِيفُهُ إلَى سَبَبِهِ ، فَتُسْمَعُ دَعْوَاهَا ، كَمَا لَوْ ادَّعَتْ مِلْكًا أَضَافَتْهُ إلَى الشِّرَاءِ .\rوَإِنْ أَفْرَدَتْ دَعْوَى النِّكَاحِ ، فَقَالَ الْقَاضِي : تُسْمَعُ دَعْوَاهَا أَيْضًا ؛ لِأَنَّهُ سَبَبٌ لِحُقُوقٍ لَهَا ، فَتُسْمَعُ دَعْوَاهَا فِيهِ ، كَالْبَيْعِ .\rوَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : فِيهِ وَجْهٌ آخَرُ ، لَا تُسْمَعُ دَعْوَاهَا ؛ فِيهِ لِأَنَّ النِّكَاحَ حَقٌّ لِلزَّوْجِ عَلَيْهَا ، فَلَا تُسْمَعُ دَعْوَاهَا حَقًّا لِغَيْرِهَا .\rفَإِنْ قُلْنَا بِالْأَوَّلِ ، سُئِلَ الزَّوْجُ ، فَإِنْ أَنْكَرَ وَلَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مِنْ غَيْرٍ يَمِينٍ ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ تُسْتَحْلَفْ الْمَرْأَةُ وَالْحَقُّ عَلَيْهَا ، فَلَأَنْ لَا يُسْتَحْلَفَ مَنْ الْحَقُّ لَهُ ، وَهُوَ يُنْكِرُهُ ، أَوْلَى .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يَسْتَحْلِفَ ؛ لِأَنَّ دَعْوَاهَا إنَّمَا سُمِعَتْ لِتَضَمُّنِهَا دَعْوَى حُقُوقٍ مَالِيَّةٍ تُشْرَعُ فِيهَا الْيَمِينُ .\rوَإِنْ قَامَتْ الْبَيِّنَةُ بِالنِّكَاحِ ، ثَبَتَ لَهَا مَا تَضَمَّنَهُ النِّكَاحُ مِنْ حُقُوقِهَا .\rوَأَمَّا إبَاحَتُهَا لَهُ ، فَتَنْبَنِي عَلَى بَاطِنِ الْأَمْرِ ، فَإِنْ عَلِمَ أَنَّهَا زَوْجَتُهُ حَلَّتْ لَهُ ؛ لِأَنَّ إنْكَارَهُ النِّكَاحَ لَيْسَ بِطَلَاقٍ ، وَلَا نَوَى بِهِ الطَّلَاقَ ، وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهَا لَيْسَتْ امْرَأَتَهُ ؛ إمَّا لِعَدَمِ الْعَقْدِ ، أَوْ لِبَيْنُونَتِهَا مِنْهُ ، لَمْ تَحِلَّ لَهُ .\rوَهَلْ يُمَكَّنُ مِنْهَا فِي الظَّاهِرِ ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، يُمَكَّنُ مِنْهَا ؛ لِأَنَّ الْحَاكِمَ قَدْ حَكَمَ بِالزَّوْجِيَّةِ .\rوَالثَّانِي ، لَا يُمَكَّنُ مِنْهَا ، لِإِقْرَارِهِ عَلَى نَفْسِهِ بِتَحْرِيمِهَا عَلَيْهِ ، فَيُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي حَقِّ نَفْسِهِ دُونَ مَا عَلَيْهِ ، كَمَا لَوْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً ، ثُمَّ قَالَ : هِيَ أُخْتِي مِنْ الرَّضَاعَةِ .\rفَإِذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّ دَعْوَاهَا النِّكَاحَ كَدَعْوَى الزَّوْجِ ،","part":23,"page":385},{"id":11385,"text":"فِيمَا ذَكَرْنَا ، مِنْ الْكَشْفِ عَنْ سَبَبِ النِّكَاحِ ، وَشَرَائِطِ الْعَقْدِ .\rوَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ قَرِيبٌ مِمَّا ذَكَرْنَا فِي هَذَا الْفَصْلِ .","part":23,"page":386},{"id":11386,"text":"( 8499 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا سَائِرُ الْعُقُودِ غَيْرُ النِّكَاحِ ، كَالْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ وَالصُّلْحِ وَغَيْرِهَا ، فَلَا يَفْتَقِرُ إلَى الْكَشْفِ ، وَذِكْرِ الشُّرُوطِ ، فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ ؛ لِأَنَّهَا لَا يُحْتَاطُ لَهَا وَلَا تَفْتَقِرُ إلَى الْوَلِيِّ وَالشُّهُودِ ، فَلَمْ تَفْتَقِرْ إلَى الْكَشْفِ ، كَدَعْوَى الْعَيْنِ ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْمَبِيعُ جَارِيَةً أَوْ غَيْرَهَا ؛ لِأَنَّهَا مَبِيعٌ ، فَأَشْبَهَتْ الْجَارِيَةَ ، وَكَذَلِكَ إذَا كَانَ الْمُدَّعَى عَيْنًا أَوْ دَيْنًا ، لَمْ يَحْتَجْ إلَى ذِكْرِ السَّبَبِ ؛ لِأَنَّ أَسْبَابَ ذَلِكَ تَكْثُرُ وَلَا تَنْحَصِرُ ، وَرُبَّمَا خَفِيَ عَلَى الْمُسْتَحِقِّ سَبَبُ اسْتِحْقَاقِهِ ، فَلَا يُكَلَّفُ بَيَانَهُ ، وَيَكْفِيه أَنْ يَقُولَ : أَسْتَحِقُّ هَذِهِ الْعَيْنَ الَّتِي فِي يَدِهِ ، أَوْ أَسْتَحِقُّ كَذَا وَكَذَا فِي ذِمَّتِهِ .\rوَيَقُولَ فِي الْبَيْعِ : إنِّي اشْتَرَيْت مِنْهُ هَذِهِ الْجَارِيَةَ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ ، أَوْ بِعْتهَا مِنْهُ بِذَلِكَ .\rوَلَا يَحْتَاجُ أَنْ يَقُولَ : وَهِيَ مِلْكُهُ ، أَوْ وَهِيَ مِلْكِي - وَنَحْنُ جَائِزُ الْأَمْرِ - وَتَفَرَّقْنَا عَنْ تَرَاضٍ .\rوَذَكَرِ أَبُو الْخَطَّابِ فِي الْعُقُودِ وَجْهًا آخَرَ ، أَنَّهُ يُشْتَرَطُ ذِكْرُ شُرُوطِهَا ، قِيَاسًا عَلَى النِّكَاحِ .\rوَذَكَرَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ ، وَوَجْهًا ثَالِثًا ، أَنَّهُ إنْ كَانَ الْمَبِيعُ جَارِيَةً ، اُشْتُرِطَ ذِكْرُ شُرُوطِ الْبَيْعِ ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ يُسْتَبَاحُ بِهِ الْوَطْءُ ، فَأَشْبَهَ النِّكَاحَ ، وَإِنْ كَانَ الْمَبِيعُ غَيْرَهَا ، لَمْ يُشْتَرَطْ ؛ لِعَدَمِ ذَلِكَ .\rوَالْأَوَّلُ أَوْلَى ؛ لِأَنَّهَا دَعْوَى فِيمَا لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْوَلِيُّ وَالشُّهُودُ ، أَشْبَهَ دَعْوَى الْعَيْنِ .\rوَمَا لَزِمَ ذِكْرُهُ فِي الدَّعْوَى ، فَلَمْ يَذْكُرْهُ ، سَأَلَهُ الْحَاكِمُ عَنْهُ ، لِتَصِيرَ الدَّعْوَى مَعْلُومَةً ، فَيُمْكِنُ الْحَاكِمَ الْحُكْمُ بِهَا .\rوَقَدْ ذَكَرْنَا سَائِرَ الدَّعَاوَى فِيمَا سَبَقَ ، بِمَا أَغْنَى عَنْ إعَادَتِهِ هَاهُنَا .","part":23,"page":387},{"id":11387,"text":"( 8500 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَمَنْ ادَّعَى دَابَّةً فِي يَدِ رَجُلٍ ، فَأَنْكَرَ ، وَأَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةً ، حُكِمَ بِهَا لِلْمُدَّعِي بِبَيِّنَتِهِ ، وَلَمْ يُلْتَفَتْ إلَى بَيِّنَةِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ، لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَنَا بِسَمَاعِ بَيِّنَةِ الْمُدَّعِي وَيَمِينِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ، وَسَوَاءٌ شَهِدَتْ بَيِّنَةُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَنَّهَا لَهُ ، أَوْ قَالَتْ : وُلِدَتْ فِي مِلْكِهِ عَلَيْهِ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ مَنْ ادَّعَى شَيْئًا فِي يَدِ غَيْرِهِ ، فَأَنْكَرَهُ ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ ، فَإِنَّ بَيِّنَةَ الْمُدَّعِي تُسَمَّى بَيِّنَةَ الْخَارِجِ ، وَبَيِّنَةَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ تُسَمَّى بَيِّنَةَ الدَّاخِلِ ، وَقَدْ اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ ، فِيمَا إذَا تَعَارَضَتَا ، فَالْمَشْهُورُ عَنْهُ تَقْدِيمُ بَيِّنَةِ الْمُدَّعِي ، وَلَا تُسْمَعُ بَيِّنَةُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِحَالٍ .\rوَهَذَا قَوْلُ إِسْحَاقَ .\rوَعَنْهُ ، رِوَايَةٌ ثَانِيَةٌ ، إنْ شَهِدَتْ بَيِّنَةُ الدَّاخِلِ بِسَبَبِ الْمِلْكِ ، وَقَالَتْ : نَتَجَتْ فِي مِلْكِهِ ، أَوْ اشْتَرَاهَا ، أَوْ نَسَجَهَا .\rأَوْ كَانَتْ بَيِّنَتُهُ أَقْدَمَ تَارِيخًا ، قُدِّمَتْ ، وَإِلَّا قُدِّمَتْ بَيِّنَةُ الْمُدَّعِي .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي ثَوْرٍ ، فِي النِّتَاجِ وَالنَّسَّاجِ ، فِيمَا لَا يَتَكَرَّرُ نَسْجُهُ ، فَأَمَّا مَا يَتَكَرَّرُ نَسْجُهُ ، كَالصُّوفِ وَالْخَزِّ ، فَلَا تُسْمَعُ بَيِّنَتُهُ ؛ لِأَنَّهَا إذَا شَهِدَتْ بِالسَّبَبِ ، فَقَدْ أَفَادَتْ مَا لَا تُفِيدُهُ الْيَدُ ، وَقَدْ رَوَى جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اخْتَصَمَ إلَيْهِ رَجُلَانِ فِي دَابَّةٍ أَوْ بَعِيرٍ ، فَأَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْبَيِّنَةَ بِأَنَّهَا لَهُ ، أَنْتَجَهَا ، فَقَضَى بِهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلَّذِي هِيَ فِي يَدِهِ .\r} وَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ ، رِوَايَةً ثَالِثَةً ، أَنَّ بَيِّنَةَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ تُقَدَّمُ بِكُلِّ حَالٍ .\rوَهُوَ قَوْلُ شُرَيْحٍ ، وَالشَّعْبِيِّ ، وَالنَّخَعِيِّ وَالْحَكَمِ","part":23,"page":388},{"id":11388,"text":"وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي عُبَيْدٍ .\rوَقَالَ : هُوَ قَوْلُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ، وَأَهْلِ الشَّامِ .\rوَرُوِيَ عَنْ طَاوُسٍ وَأَنْكَرَ الْقَاضِي كَوْنَ هَذَا رِوَايَةً عَنْ أَحْمَدَ ، وَقَالَ : لَا تُقْبَلُ بَيِّنَةُ الدَّاخِلِ إذَا لَمْ تُفِدْ إلَّا مَا أَفَادَتْهُ يَدُهُ ، رِوَايَةً وَاحِدَةً .\rوَاحْتَجَّ مَنْ ذَهَبَ إلَى هَذَا الْقَوْلِ بِأَنَّ جَنْبَةَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَقْوَى ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ مَعَهُ ، وَيَمِينُهُ تُقَدَّمَ عَلَى يَمِينِ الْمُدَّعِي ، فَإِذَا تَعَارَضَتْ الْبَيِّنَتَانِ ، وَجَبَ إبْقَاءُ يَدِهِ عَلَى مَا فِيهَا ، وَتَقْدِيمُهُ ، كَمَا لَوْ لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا .\rوَحَدِيثُ جَابِرٍ يَدُلُّ عَلَى هَذَا ، فَإِنَّهُ إنَّمَا قُدِّمَتْ بَيِّنَتَهُ لِيَدِهِ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي ، وَالْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ } .\rفَجَعَلَ جِنْسَ الْبَيِّنَةِ فِي جَنْبَةِ الْمُدَّعِي ، فَلَا يَبْقَى فِي جَنْبَةِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ ، وَلِأَنَّ بَيِّنَةَ الْمُدَّعِي أَكْثَرُ فَائِدَةً ، فَوَجَبَ تَقْدِيمُهَا ، كَتَقْدِيمِ بَيِّنَةِ الْجَرْحِ عَلَى التَّعْدِيلِ .\rوَدَلِيلُ كَثْرَةِ فَائِدَتِهَا ، أَنَّهَا تُثْبِتُ شَيْئًا لَمْ يَكُنْ ، وَبَيِّنَةُ الْمُنْكِرِ إنَّمَا تُثْبِتُ ظَاهِرًا تَدُلُّ الْيَدُ عَلَيْهِ ، فَلَمْ تَكُنْ مُفِيدَةً ، وَلِأَنَّ الشَّهَادَةَ بِالْمِلْكِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَنَدُهَا رُؤْيَةَ الْيَدِ وَالتَّصَرُّفَ ، فَإِنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ، فَصَارَتْ الْبَيِّنَةُ بِمَنْزِلَةِ الْيَدِ الْمُفْرَدَةِ ، فَتُقَدَّمُ عَلَيْهَا بَيِّنَةُ الْمُدَّعِي ، كَمَا تُقَدَّمُ عَلَى الْيَدِ ، كَمَا أَنَّ شَاهِدَيْ الْفَرْعِ لَمَّا كَانَا مَبْنِيَّيْنِ عَلَى شَاهِدَيْ الْأَصْلِ ، لَمْ تَكُنْ لَهُمَا مَزِيَّةٌ عَلَيْهِمَا .\r( 8501 ) فَصْلٌ : وَأَيُّ الْبَيِّنَتَيْنِ قَدَّمْنَاهَا ، لَمْ يَحْلِفْ صَاحِبُهَا مَعَهَا .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ : يُسْتَحْلَفُ صَاحِبُ الْيَدِ ؛ لِأَنَّ الْبَيِّنَتَيْنِ سَقَطَتَا بِتَعَارُضِهِمَا ، فَصَارَا كَمَنْ لَا بَيِّنَةَ لَهُمَا ، فَيَحْلِفُ الدَّاخِلُ","part":23,"page":389},{"id":11389,"text":"كَمَا لَوْ لَمْ تَكُنْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ .\rوَلَنَا ، أَنَّ إحْدَى الْبَيِّنَتَيْنِ رَاجِحَةٌ ، فَيَجِبُ الْحُكْمُ بِهَا مُنْفَرِدَةً ، كَمَا لَوْ تَعَارَضَ خَبَرَانِ ، خَاصٌّ وَعَامٌ ، أَوْ أَحَدُهُمَا أَرْجَحُ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ ، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْبَيِّنَةَ الرَّاجِحَةَ تَسْقُطُ ، وَإِنَّمَا تُرَجَّحُ ، وَيُعْمَلُ بِهَا ، وَتَسْقُطُ الْمَرْجُوحَةُ .","part":23,"page":390},{"id":11390,"text":"( 8502 ) فَصْلٌ : فَإِنْ كَانَتْ الْبَيِّنَةُ لِأَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ ، نَظَرْت ؛ فَإِنْ كَانَتْ الْبَيِّنَةُ لِلْمُدَّعِي وَحْدَهُ ، حُكِمَ بِهَا ، وَلَمْ يَحْلِفْ ، بِغَيْرِ خِلَافٍ فِي الْمَذْهَبِ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَهْلِ الْفُتْيَا مِنْ أَهْلِ الْأَمْصَارِ ؛ مِنْهُمْ الزُّهْرِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ وَقَالَ شُرَيْحٌ وَعَوْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى : يُسْتَحْلَفُ الرَّجُلُ مَعَ بَيِّنَتِهِ .\rقَالَ شُرَيْحٌ لِرَجَلٍ : لَوْ أَثْبَتِ عِنْدِي كَذَا وَكَذَا شَاهِدًا ، مَا قَضَيْت لَك حَتَّى تَحْلِفَ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْحَضْرَمِيِّ : { بَيِّنَتُك ، أَوْ يَمِينُهُ ، لَيْسَ لَك إلَّا ذَلِكَ .\r} وَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي ، وَالْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ } .\rوَلِأَنَّ الْبَيِّنَةَ إحْدَى حُجَّتَيْ الدَّعْوَى ، فَيَكْتَفِي بِهَا ، كَالْيَمِينِ .\rقَالَ أَصْحَابُنَا : وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْحَاضِرِ وَالْغَائِبِ ، وَالْحَيِّ وَالْمَيِّتِ ، وَالصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ ، وَالْمَجْنُونِ وَالْمُكَلَّفِ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ إذَا كَانَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ لَا يُعَبِّرُ عَنْ نَفْسِهِ ، أُحْلِفَ الْمَشْهُودُ لَهُ ، لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يُعَبِّرَ عَنْ نَفْسِهِ فِي دَعْوَى الْقَضَاءِ وَالْإِبْرَاءِ ، فَيَقُومَ الْحَاكِمُ مَقَامَهُ فِي ذَلِكَ ، لِتَزُولَ الشُّبْهَةُ .\rوَهَذَا حَسَنٌ ؛ فَإِنَّ قِيَامَ الْبَيِّنَةِ لِلْمُدَّعِي بِثُبُوتِ حَقِّهِ ، لَا يَنْفِي احْتِمَالَ الْقَضَاءِ وَالْإِبْرَاءِ ، بِدَلِيلِ أَنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لَوْ ادَّعَاهُ ، سُمِعَتْ دَعْوَاهُ وَبَيِّنَتُهُ ، فَإِنْ كَانَ حَاضِرًا مُكَلَّفًا ، فَسُكُوتُهُ عَنْ دَعْوَى ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى انْتِفَائِهِ ، فَيَكْتَفِي بِالْبَيِّنَةِ ، وَإِنْ كَانَ غَائِبًا ، أَوْ مِمَّنْ لَا قَوْلَ لَهُ ، نُفِيَ احْتِمَالُ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ يَدُلُّ عَلَى انْتِفَائِهِ ، فَتُشْرَعُ الْيَمِينُ لَنَفْيِهِ .\rوَإِنْ لَمْ تَكُنْ لِلْمُدَّعِي بَيِّنَةٌ ، وَكَانَتْ لِلْمُنْكِرِ بَيِّنَةٌ سُمِعَتْ بَيِّنَتُهُ ، وَلَمْ","part":23,"page":391},{"id":11391,"text":"يَحْتَجْ إلَى الْحَلِفِ مَعَهَا ؛ لِأَنَّا إنْ قُلْنَا بِتَقْدِيمِهَا مَعَ التَّعَارُضِ ، وَأَنَّهُ لَا يَحْلِفُ مَعَهَا ، فَمَعَ انْفِرَادِهَا أَوْلَى ، وَإِنْ قُلْنَا بِتَقْدِيمِ بَيِّنَةِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ، فَيَجِبُ أَنْ يَكْتَفِي بِهَا عَنْ الْيَمِينِ ؛ لِأَنَّهَا أَقْوَى مِنْ الْيَمِينِ ، فَإِذَا اُكْتُفِيَ بِالْيَمِينِ ، فِيمَا هُوَ أَقْوَى مِنْهَا أَوْلَى .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ تُشْرَعَ الْيَمِينُ أَيْضًا ؛ لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ هَاهُنَا يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ مُسْتَنَدُهَا الْيَدَ وَالتَّصَرُّفَ ، فَلَا تُفِيدُ إلَّا مَا أَفَادَتْهُ الْيَدُ وَالتَّصَرُّفُ ، وَذَلِكَ لَا يُغْنِي عَنْ الْيَمِينِ ، فَكَذَلِكَ مَا قَامَ مَقَامَهُ .","part":23,"page":392},{"id":11392,"text":"( 8503 ) فَصْلٌ : وَإِنْ ادَّعَى الْخَارِجُ أَنَّ الدَّابَّةَ مِلْكُهُ ، وَأَنَّهُ أَوْدَعَهَا لِلدَّاخِلِ ، أَوْ أَعَارَهُ إيَّاهَا ، أَوْ آجَرَهَا مِنْهُ ، وَلَمْ يَكُنْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ مَعَ يَمِينِهِ ، وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا .\rوَإِنْ كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ ؛ فَبَيِّنَةُ الْخَارِجِ مُقَدَّمَةٌ .\rوَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ الْقَاضِي : بَيِّنَةُ الدَّاخِلِ مُقَدَّمَةٌ ، لِأَنَّهُ هُوَ الْخَارِجُ فِي الْمَعْنَى ، لِأَنَّهُ ثَبَتَ أَنَّ الْمُدَّعِيَ صَاحِبُ الْيَدِ ، وَأَنْ يَدَ الدَّاخِلِ نَائِبَةٌ عَنْهُ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ النَّبِيِّ : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي } وَلِأَنَّ الْيَمِينَ فِي حَقِّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ، فَتَكُونُ الْبَيِّنَةُ لِلْمُدَّعِي ، كَمَا لَوْ لَمْ يَدَّعِ الْإِيدَاعَ ، يُحَقِّقُهُ أَنَّ دَعْوَاهُ الْإِيدَاعَ زِيَادَةٌ فِي حُجَّتِهِ ، وَشَهَادَةَ الْبَيِّنَةُ بِهَا تُقَوِّيهِ لَهَا ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مُبْطِلَةً لِبَيِّنَتِهِ .\rوَإِنْ ادَّعَى الْخَارِجُ أَنَّ الدَّاخِلَ غَصَبَهُ إيَّاهَا ، وَأَقَامَا بَيِّنَتَيْنِ ، فَهِيَ لِلْخَارِجِ ، وَيَقْتَضِي قَوْلُ الْقَاضِي أَنَّهَا لِلدَّاخِلِ ، وَالْأَوْلَى مَا ذَكَرْنَاهُ .","part":23,"page":393},{"id":11393,"text":"( 8504 ) فَصْلٌ : فَإِنْ كَانَ فِي يَدِ رَجُلٍ جِلْدُ شَاةٍ مَسْلُوخَةٍ ، وَرَأْسُهَا وَسَوَاقِطُهَا وَبَاقِيهَا فِي يَدِ آخَرَ ، فَادَّعَاهَا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كُلَّهَا ، وَلَا بَيِّنَةَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا ، فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا فِي يَدِهِ مَعَ يَمِينِهِ .\rوَإِنْ أَقَامَا بَيِّنَتَيْنِ ، وَقُلْنَا : تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ الْخَارِجِ .\rفَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا فِي يَدِ صَاحِبِهِ ، وَإِنْ قُلْنَا : تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ الدَّاخِلِ .\rفَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا فِي يَدِهِ مِنْ غَيْرِ يَمِينٍ .","part":23,"page":394},{"id":11394,"text":"( 8505 ) فَصْلٌ : فَإِنْ كَانَ فِي يَدِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا شَاةٌ ، فَادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّ الشَّاةَ الَّتِي فِي يَدِ صَاحِبِهِ لَهُ ، وَلَا بَيِّنَةَ لَهُمَا ، حَلَفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ ، وَكَانَتْ الشَّاةُ الَّتِي فِي يَدِهِ لَهُ .\rوَإِنْ أَقَامَا بَيِّنَتَيْنِ ، فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الشَّاةُ الَّتِي فِي يَدِ صَاحِبِهِ ، وَلَا تَعَارُضَ بَيْنَهُمَا .\rوَإِنْ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَالَ : هَذِهِ الشَّاةُ الَّتِي فِي يَدِك لِي ، مِنْ نِتَاجِ شَاتِي هَذِهِ .\rفَالتَّعَارُضُ فِي النِّتَاجِ ، لَا فِي الْمِلْكِ إذْ يَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُثْبِتُ الْأُخْرَى وَالْحُكْمُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ .\rوَإِنْ ادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّ الشَّاتَيْنِ لِي دُونَ صَاحِبِي ، وَأَقَامَا بَيِّنَتَيْنِ ، تَعَارَضَتَا ، وَانْبَنَى ذَلِكَ عَلَى الْقَوْلِ فِي بَيِّنَةِ الدَّاخِلِ وَالْخَارِجِ ، فَمَنْ قَدَّمَ بَيِّنَةَ الْخَارِجِ ، جَعَلَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا فِي يَدِ الْآخَرِ ، وَمَنْ قَدَّمَ بَيِّنَةَ الدَّاخِلِ ، أَوْ قَدَّمَهَا إذَا شَهِدَتْ بِالنِّتَاجِ ، جَعَلَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا فِي يَدِهِ .","part":23,"page":395},{"id":11395,"text":"( 8506 ) فَصْلٌ : وَإِذَا ادَّعَى زَيْدٌ شَاةً فِي يَدِ عَمْرٍو ، وَأَقَامَ بِهَا بَيِّنَةً ، فَحَكَمَ لَهُ بِهَا حَاكِمٌ ، ثُمَّ ادَّعَاهَا عَمْرٌو عَلَى زَيْدٍ ، وَأَقَامَ بِهَا بَيِّنَةً ؛ فَإِنْ قُلْنَا : بَيِّنَةُ الْخَارِجُ مُقَدَّمَةٌ .\rلَمْ تُسْمَعْ بَيِّنَةُ عَمْرٍو ؛ لِأَنَّ بَيِّنَةَ زَيْدٍ مُقَدَّمَةٌ عَلَيْهَا .\rوَإِنْ قُلْنَا : بَيِّنَةَ الدَّاخِلِ مُقَدَّمَةٌ .\rنَظَرْنَا فِي الْحُكْمِ كَيْفَ وَقَعَ ؛ فَإِنْ كَانَ حُكِمَ بِهَا لِزَيْدٍ لِأَنَّ عَمْرًا لَا بَيِّنَةَ لَهُ ، رُدَّتْ إلَى عَمْرٍو ؛ لِأَنَّهُ قَدْ قَامَتْ لَهُ بَيِّنَةٌ ، وَالْيَدُ كَانَتْ لَهُ ، وَإِنْ حُكِمَ بِهَا لِزَيْدٍ لِأَنَّهُ يَرَى تَقْدِيمَ بَيِّنَةُ الْخَارِجِ ، لَمْ يُنْقَضْ حُكْمُهُ ؛ لِأَنَّهُ حَكَمَ بِمَا يَسُوغُ الِاجْتِهَادُ فِيهِ .\rوَإِنْ كَانَتْ بَيِّنَةُ عَمْرٍو قَدْ شَهِدَتْ لَهُ أَيْضًا ، وَرَدَّهَا الْحَاكِمُ لِفِسْقِهَا ، ثُمَّ عُدِّلَتْ ، لَمْ يُنْقَضْ الْحُكْمُ أَيْضًا ؛ لِأَنَّ الْفَاسِقَ إذَا رُدَّتْ شَهَادَتُهُ لِفِسْقِهِ ، ثُمَّ أَعَادَهَا بَعْدُ ، لَمْ تُقْبَلْ .\rوَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ الْحُكْمَ كَيْفَ كَانَ ، لَمْ يُنْقَضْ ؛ لِأَنَّ حُكْمُ الْحَاكِمِ ، الْأَصْلُ جَرَيَانُهُ عَلَى الْعَدْلِ وَالْإِنْصَافِ وَالصِّحَّةِ ، فَلَا يُنْقَضُ بِالِاحْتِمَالِ .\rفَإِنْ جَاءَ ثَالِثٌ ، فَادَّعَاهَا ، وَأَقَامَ بِهَا بَيِّنَةً ، فَبَيِّنَتُهُ وَبَيِّنَةُ زَيْدٍ مُتَعَارِضَتَانِ ، وَلَا يَحْتَاجُ زَيْدٌ إلَى إقَامَةِ بَيِّنَتِهِ ؛ لِأَنَّهَا قَدْ شَهِدَتْ مَرَّةً ، وَهُمَا سَوَاءٌ فِي الشَّهَادَةِ حَالَ التَّنَازُعِ ، فَلَمْ يَحْتَجْ إلَى إعَادَتِهَا ، كَالْبَيِّنَةِ إذَا شَهِدَتْ ، وَوَقَفَ الْحُكْمُ عَلَى الْبَحْثِ عَنْ حَالِهَا ، ثُمَّ بَانَتْ عَدَالَتُهَا ، فَإِنَّهَا تُقْبَلُ ، وَيُحْكَمُ مِنْ غَيْرِ إعَادَةِ شَهَادَتِهَا ، كَذَا هَاهُنَا .","part":23,"page":396},{"id":11396,"text":"( 8507 ) فَصْلٌ : وَإِذَا كَانَ فِي يَدِ رَجُلٍ شَاةٌ ، فَادَّعَاهَا رَجُلٌ أَنَّهَا لَهُ مُنْذُ سَنَةٍ ، وَأَقَامَ بِذَلِكَ بَيِّنَةً ، وَادَّعَى الَّذِي هِيَ فِي يَدِهِ أَنَّهَا فِي يَدِهِ مُنْذُ سَنَتَيْنِ ، وَأَقَامَ بِذَلِكَ بَيِّنَةً ، فَهِيَ لِلْمُدَّعِي ، بِغَيْرِ خِلَافٍ ؛ لِأَنَّ بَيِّنَتَهُ تَشْهَدُ لَهُ بِالْمِلْكِ ، وَبَيِّنَةُ الدَّاخِلِ تَشْهَدُ بِالْيَدِ خَاصَّةً ، فَلَا تَعَارُضَ بَيْنَهُمَا ، لِإِمْكَانِ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا ، بِأَنْ تَكُونَ الْيَدُ عَلَى غَيْرِ مِلْكٍ ، فَكَانَتْ بَيِّنَةُ الْمِلْكِ أَوْلَى .\rفَإِنْ شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ بِأَنَّهَا مِلْكُهُ مُنْذُ سَنَتَيْنِ ، فَقَدْ تَعَارَضَ تَرْجِيحَانِ ، تَقَدُّمُ التَّارِيخِ مِنْ جِهَةِ بَيِّنَةِ الدَّاخِلِ ، وَكَوْنُ الْأُخْرَى بَيِّنَةَ الْخَارِجِ ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ الْخَارِجِ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٍ ، وَأَبِي ثَوْرٍ وَيَقْتَضِيه عُمُومُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ ؛ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي } ، وَلِأَنَّ بَيِّنَةَ الدَّاخِلِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَنَدُهَا الْيَدَ ، فَلَا تُفِيدُ أَكْثَرَ مِمَّا تُفِيدُهُ الْيَدُ ، فَأَشْبَهَتْ الصُّورَةَ الَّتِي قَبْلَهَا .\rوَالثَّانِيَةُ ، تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ الدَّاخِلِ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهَا تَضَمَّنَتْ زِيَادَةً .\rفَإِنْ كَانَتْ بِالْعَكْسِ ، فَشَهِدَتْ بَيِّنَةُ الدَّاخِلِ أَنَّهُ يَمْلِكُهَا مُنْذُ سَنَةٍ ، وَشَهِدَتْ بَيِّنَةُ الْخَارِجِ أَنَّهُ يَمْلِكُهَا مُنْذُ سَنَتَيْنِ ، قُدِّمَتْ بَيِّنَةُ الْخَارِجِ ، إلَّا عَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي تُقَدَّمُ فِيهَا بَيِّنَةُ الدَّاخِلِ ، فَيُخَرَّجُ فِيهَا وَجْهَانِ ؛ بِنَاءً عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي الَّتِي قَبْلَهَا .\rوَظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ تَقْدِيمُ بَيِّنَةِ الدَّاخِلِ عَلَى كُلِّ حَالٍ .\rوَقَالَ بَعْضُهُمْ : فِيهَا قَوْلَانِ .\rوَإِنْ ادَّعَى الْخَارِجُ أَنَّهَا مِلْكُهُ مُنْذُ سَنَةٍ ، وَادَّعَى الدَّاخِلُ أَنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنْهُ مُنْذُ سَنَتَيْنِ ، وَأَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةً ، قُدِّمَتْ بَيِّنَةُ الدَّاخِلِ .\rذَكَرَهُ","part":23,"page":397},{"id":11397,"text":"الْقَاضِي .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ فَإِنْ اتَّفَقَ تَارِيخُ السِّنِينَ ، إلَّا أَنَّ بَيِّنَةَ الدَّاخِلِ تَشْهَدُ بِنِتَاجٍ ، أَوْ بِشِرَاءٍ ، أَوْ غَنِيمَةٍ ، أَوْ إرْثٍ ، أَوْ هِبَةٍ مِنْ مَالِكٍ ، أَوْ قَطِيعَةٍ مِنْ الْإِمَامِ ، أَوْ سَبَبٍ مِنْ أَسْبَابِ الْمِلْكِ ، فَفِي أَيِّهِمَا تُقَدَّمُ ؟ رِوَايَتَانِ ، ذَكَرْنَاهُمَا .\rوَإِنْ ادَّعَى أَحَدُهُمَا أَنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنْ الْآخَرِ ، قُضِيَ لَهُ بِهَا ؛ لِأَنَّ بَيِّنَةَ الِابْتِيَاعِ شَهِدَتْ بِأَمْرٍ حَادِثٍ ، خَفِيَ عَلَى الْبَيِّنَةِ الْأُخْرَى ، فَقُدِّمَتْ عَلَيْهَا ، كَتَقْدِيمِ بَيِّنَةِ الْجَرْحِ عَلَى بَيِّنَةِ التَّعْدِيلِ .","part":23,"page":398},{"id":11398,"text":"( 8508 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَلَوْ كَانَتْ الدَّابَّةُ فِي أَيْدِيهِمَا ، فَأَقَامَ أَحَدُهُمَا الْبَيِّنَةَ أَنَّهَا لَهُ ، وَأَقَامَ الْآخَرُ الْبَيِّنَةَ أَنَّهَا لَهُ ، نَتَجَتْ فِي مِلْكِهِ ، سَقَطَتْ الْبَيِّنَتَانِ ، وَكَانَا كَمَنْ لَا بَيِّنَةَ لَهُمَا ، وَكَانَتْ الْيَمِينُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ فِي النِّصْفِ الْمَحْكُومِ لَهُ بِهِ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ إذَا تَنَازَعَ رَجُلَانِ فِي عَيْنٍ فِي أَيْدِيهِمَا ، فَادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّهَا مِلْكُهُ دُونَ صَاحِبِهِ ؛ وَلَمْ تَكُنْ لَهُمَا بَيِّنَةٌ ، حَلَفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ ، وَجُعِلَتْ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ .\rلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا ؛ لِأَنَّ يَدَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى نِصْفِهَا ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ صَاحِبِ الْيَدِ مَعَ يَمِينِهِ .\rوَإِنْ نَكَلَا جَمِيعًا عَنْ الْيَمِينِ ، فَهِيَ بَيْنَهُمَا أَيْضًا ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَسْتَحِقُّ مَا فِي يَدِ الْآخَرِ بِنُكُولِهِ .\rوَإِنْ نَكَلَ أَحَدُهُمَا ، وَحَلَفَ الْآخَرُ ، قُضِيَ لَهُ بِجَمِيعِهَا ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَحِقُّ مَا فِي يَدِهِ بِيَمِينِهِ ، وَمَا فِي يَدِ صَاحِبِهِ إمَّا بِنُكُولِهِ ، وَإِمَّا بِيَمِينِهِ الَّتِي رُدَّتْ عَلَيْهِ عِنْدَ نُكُولِ صَاحِبِهِ .\rوَإِنْ كَانَتْ لِأَحَدِهِمَا بَيِّنَةٌ دُونَ الْآخَرِ حُكِمَ لَهُ بِهَا .\rلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا .\rوَإِنْ أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةً ، وَتَسَاوَتَا ، تَعَارَضَتْ الْبَيِّنَتَانِ ، وَقُسِمَتْ الْعَيْنُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ؛ لِمَا رَوَى أَبُو مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ { أَنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَعِيرٍ ، فَأَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا شَاهِدَيْنِ ، فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْبَعِيرِ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ ، } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَلِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا دَاخِلٌ فِي نِصْفِ الْعَيْنِ ، خَارِجٌ عَنْ نِصْفِهَا ، فَتُقَدَّمُ بَيِّنَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِيمَا فِي يَدِهِ عِنْدَ مَنْ يُقَدِّمُ بَيِّنَةَ","part":23,"page":399},{"id":11399,"text":"الدَّاخِلِ ، وَفِيمَا فِي يَدِ صَاحِبِهِ عِنْدَ مَنْ يُقَدِّمُ بَيِّنَةَ الْخَارِجِ ، فَيَسْتَوِيَانِ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْقَوْلَيْنِ .\rوَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ فِيهَا ، رِوَايَةً أُخْرَى ، أَنَّهُ يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا ، فَمَنْ خَرَجَتْ قُرْعَتُهُ ، حَلَفَ أَنَّهَا لَا حَقَّ لِلْآخَرِ فِيهَا ، وَكَانَتْ الْعَيْنُ لَهُ ، كَمَا لَوْ كَانَتْ فِي يَدِ غَيْرِهِمَا .\rوَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ؛ لِلْخَبَرِ وَالْمَعْنَى .\rوَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةِ ، هَلْ يَحْلِفُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى النِّصْفِ الْمَحْكُومِ لَهُ بِهِ ، أَوْ يَكُونُ لَهُ مِنْ غَيْرِ يَمِينٍ ؟ فَرُوِيَ أَنَّهُ يَحْلِفُ ، وَهَذَا ذَكَرَهُ الْخِرَقِيِّ ؛ لِأَنَّ الْبَيِّنَتَيْنِ لَمَّا تَعَارَضَتَا مِنْ غَيْرِ تَرْجِيحٍ ، وَجَبَ إسْقَاطُهُمَا ، كَالْخَبَرَيْنِ إذَا تَعَارَضَا وَتَسَاوَيَا ، وَإِذَا سَقَطَا صَارَ الْمُخْتَلِفَانِ كَمَنْ لَا بَيِّنَةَ لَهُمَا ، وَيَحْلِفُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى النِّصْفِ الْمَحْكُومِ لَهُ بِهِ .\rوَهَذَا أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ ؛ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْيَمِينَ تَجِبُ عَلَى الدَّاخِلِ مَعَ بَيِّنَتِهِ ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا دَاخِلٌ فِي نِصْفِهَا ، فَيُحْكَمُ لَهُ بِهِ بِبَيِّنَتِهِ ، وَيَحْلِفُ مَعَهَا ، فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ .\rوَالرِّوَايَةُ الْأُخْرَى ، أَنَّ الْعَيْنَ تُقْسَمُ بَيْنَهُمَا مِنْ غَيْرِ يَمِينٍ .\rوَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَأَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ .\rوَهُوَ أَصَحُّ ؛ لِلْخَبَرِ وَالْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرْنَاهُ .\rوَلَا يَصِحُّ قِيَاسُ هَاتَيْنِ الْبَيِّنَتَيْنِ عَلَى الْخَبَرَيْنِ الْمُتَسَاوِيَيْنِ ؛ لِأَنَّ كُلَّ بَيِّنَةٍ رَاجِحَةٌ فِي نِصْفِ الْعَيْنِ ، عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْقَوْلَيْنِ .\rوَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْبَيِّنَةَ الرَّاجِحَةَ يُحْكَمُ بِهَا مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إلَى يَمِينٍ .\rفَأَمَّا إنْ شَهِدَتْ إحْدَى الْبَيِّنَتَيْنِ بِأَنَّ الْعَيْنَ لِهَذَا ، وَشَهِدَتْ الْأُخْرَى أَنَّهَا لِهَذَا الْآخَرِ ، نَتَجَتْ فِي مِلْكِهِ ، فَقَدْ ذَكَرْنَا فِي التَّرْجِيحِ بِهَذَا رِوَايَتَيْنِ ؛ إحْدَاهُمَا ، لَا يُرَجَّحُ بِهِ .\rوَهُوَ اخْتِيَارُ الْخِرَقِيِّ ؛ لِأَنَّهُمَا تَسَاوَيَا فِيمَا يَرْجِعُ إلَى","part":23,"page":400},{"id":11400,"text":"الْمُخْتَلَفِ فِيهِ ، وَهُوَ مِلْكُ الْعَيْنِ الْآنَ ، فَوَجَبَ تَسَاوِيهِمَا فِي الْحُكْمِ .\rوَالثَّانِيَةُ ، تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ النِّتَاجِ وَمَا فِي مَعْنَاهُ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّهَا تَتَضَمَّنُ زِيَادَةَ عِلْمٍ ، وَهُوَ مَعْرِفَةُ السَّبَبِ ، وَالْأُخْرَى خَفِيَ عَلَيْهَا ذَلِكَ ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ شَهَادَتُهُمَا مُسْتَنِدَةً إلَى مُجَرَّدِ الْيَدِ وَالتَّصَرُّفِ ، فَتُقَدَّمُ الْأُولَى عَلَيْهَا ، كَتَقَدُّمِ بَيِّنَةِ الْجَرْحِ عَلَى التَّعْدِيلِ .\rوَهَذَا قَوْلُ الْقَاضِي فِيمَا إذَا كَانَتْ الْعَيْنُ فِي يَدِ غَيْرِهِمَا .","part":23,"page":401},{"id":11401,"text":"( 8509 ) فَصْلٌ : فَإِنْ شَهِدَتْ إحْدَاهُمَا أَنَّهَا لَهُ مُنْذُ سَنَةٍ ، وَشَهِدَتْ الْأُخْرَى أَنَّهَا لَهُ مُنْذُ سَنَتَيْنِ ، فَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُمَا ، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : قِيَاسُ الْمَذْهَبِ تَقْدِيمُ أَقْدَمِهِمَا تَارِيخًا .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَالْقَوْلُ الثَّانِي لِلشَّافِعِيِّ لِأَنَّ الْمُتَقَدِّمَةَ التَّارِيخِ ، أَثْبَتَتْ الْمِلْكَ لَهُ فِي وَقْتٍ لَمْ تُعَارِضْهُ فِيهِ الْبَيِّنَةُ الْأُخْرَى ، فَيَثْبُتُ الْمِلْكُ فِيهِ ، وَلِهَذَا لَهُ الْمُطَالَبَةُ بِالنَّمَاءِ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ ، وَتَعَارَضَتْ الْبَيِّنَتَانِ فِي الْمِلْكِ فِي الْحَالِ ، فَسَقَطَتَا ، وَبَقِيَ مِلْكُ السَّابِقِ تَجِبُ اسْتَدَامَتْهُ ، وَأَنْ لَا يَثْبُتَ لِغَيْرِهِ مِلْكٌ ، إلَّا مِنْ جِهَتِهِ .\rوَوَجْهُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ ، أَنَّ الشَّاهِدَ بِالْمِلْكِ الْحَادِثِ أَحَقُّ بِالتَّرْجِيحِ ؛ لِجَوَازِ أَنْ يَعْلَمَ بِهِ دُونَ الْأَوَّلِ ، وَلِهَذَا لَوْ ذَكَرَ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ مِنْ الْآخَرِ ، أَوْ وَهَبَهُ لَهُ ، لَقُدِّمَتْ بَيِّنَتُهُ اتِّفَاقًا ، فَإِذَا لَمْ تُرَجَّحْ بِهَذَا ، فَلَا أَقَلَّ مِنْ التَّسَاوِي .\rوَقَوْلُهُمْ : إنَّهُ يَثْبُتُ الْمِلْكُ فِي الزَّمَنِ الْمَاضِي مِنْ غَيْرِ مُعَارَضَةٍ .\rقُلْنَا : إنَّمَا يَثْبُتُ تَبَعًا لِثُبُوتِهِ فِي الْحَالِ ، وَلَوْ انْفَرَدَ بِأَنْ يَدَّعِيَ الْمِلْكَ فِي الْمَاضِي ، لَمْ تُسْمَعْ دَعْوَاهُ وَلَا بَيِّنَتُهُ ، فَإِنْ وُقِّتَتْ إحْدَاهُمَا وَأُطْلِقَتْ الْأُخْرَى ، فَهُمَا سَوَاءٌ .\rذَكَرَهُ الْقَاضِي .\rوَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : يَحْتَمِلُ أَنْ يُحْكَمَ بِهِ لِمَنْ لَمْ يُوَقِّتْ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٍ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ لَيْسَ فِي إحْدَاهُمَا مَا يَقْتَضِي التَّرْجِيحَ مِنْ تَقَدُّمِ الْمِلْكِ وَلَا غَيْرِهِ ، فَوَجَبَ اسْتِوَاؤُهُمَا ، كَمَا لَوْ أُطْلِقَتَا ، أَوْ اسْتَوَى تَارِيخُهُمَا .","part":23,"page":402},{"id":11402,"text":"( 8510 ) فَصْلٌ : وَلَا تُرَجَّحُ إحْدَى الْبَيِّنَتَيْنِ بِكَثْرَةِ الْعَدَدِ ، وَلَا اشْتِهَارِ الْعَدَالَةِ .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ .\rوَيَتَخَرَّجُ أَنَّ تُرَجَّحَ بِذَلِكَ ، مَأْخُوذًا مِنْ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ : وَيَتَّبِعُ الْأَعْمَى أَوْثَقَهُمَا فِي نَفْسِهِ .\rوَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ ؛ لِأَنَّ أَحَدَ الْخَبَرَيْنِ يُرَجَّحُ بِذَلِكَ ، فَكَذَلِكَ الشَّهَادَةُ ، لِأَنَّهَا خَبَرٌ ، وَلِأَنَّ الشَّهَادَةَ إنَّمَا اُعْتُبِرَتْ لِغَلَبَةِ الظَّنِّ بِالْمَشْهُودِ بِهِ ، وَإِذَا كَثُرَ الْعَدَدُ أَوْ قَوِيَتْ الْعَدَالَةُ ، كَانَ الظَّنُّ بِهِ أَقْوَى .\rوَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : يُقْسَمُ عَلَى عَدَدِ الشُّهُودِ ، فَإِذَا شَهِدَ لِأَحَدِهِمَا شَاهِدَانِ ، وَلِلْآخَرِ أَرْبَعَةٌ ، قَسَمَتْ الْعَيْنُ بَيْنَهُمَا أَثْلَاثًا ؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ سَبَبُ الِاسْتِحْقَاقِ ، فَيُوَزَّعُ الْحَقُّ عَلَيْهَا .\rوَلَنَا ، أَنَّ الشَّهَادَةَ مُقَدَّرَةً بِالشَّرْعِ ، فَلَا تَخْتَلِفُ بِالزِّيَادَةِ ، كَالدِّيَةِ ، وَتُخَالِفُ الْخَبَرَ ، فَإِنَّهُ مُجْتَهِدٌ فِي قَبُولِ خَبَرِ الْوَاحِدِ دُونَ الْعَدَدِ ، فَرَجَحَ بِالزِّيَادَةِ .\rوَالشَّهَادَةُ يُتَّفَقُ فِيهَا عَلَى خَبَرِ الِاثْنَيْنِ ، فَصَارَ الْحُكْمُ مُتَعَلِّقًا بِهِمَا دُونَ اعْتِبَارِ الظَّنِّ ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ شَهِدَ النِّسَاءُ مُنْفَرِدَاتٍ ، لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُنَّ ، وَإِنْ كَثُرْنَ حَتَّى صَارَ الظَّنُّ بِشَهَادَتِهِنَّ أَغْلَبَ مِنْ شَهَادَةِ الذَّكَرَيْنِ .\rوَعَلَى هَذَا لَا تُرَجَّحُ شَهَادَةُ الرَّجُلَيْنِ عَلَى شَهَادَةِ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَتَيْنِ فِي الْمَالِ ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْ الْبَيِّنَتَيْنِ حُجَّةٌ فِي الْمَالِ ، فَإِذَا اجْتَمَعَتَا تَعَارَضَتَا ، فَأَمَّا إنْ كَانَ لِأَحَدِهِمَا شَاهِدَانِ وَلِلْآخَرِ شَاهِدٌ ، فَبَذَلَ يَمِينَهُ مَعَهُ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، يَتَعَارَضَانِ ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حُجَّةٌ بِمُفْرَدِهِ ، فَأَشْبَهَا الرَّجُلَيْنِ مَعَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَتَيْنِ .\rوَالثَّانِي ، يُقَدَّمُ الشَّاهِدَانِ ، لِأَنَّهُمَا حُجَّةٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا ، وَالشَّاهِدُ وَالْيَمِينُ مُخْتَلَفٌ فِيهِمَا ، وَلِأَنَّ الْيَمِينَ","part":23,"page":403},{"id":11403,"text":"قَوْلُهُ لِنَفْسِهِ ، وَالْبَيِّنَةَ الْكَامِلَةَ شَهَادَةُ الْأَجْنَبِيَّيْنِ ، فَيَجِبُ تَقْدِيمُهَا ، كَتَقْدِيمِهَا عَلَى يَمِينِ الْمُنْكِرِ ، وَهَذَا الْوَجْهُ أَصَحُّ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ .\rوَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ ، كَالْوَجْهَيْنِ .","part":23,"page":404},{"id":11404,"text":"( 8511 ) فَصْلٌ : وَإِذَا كَانَ فِي أَيْدِيهِمَا دَارٌ ، فَادَّعَاهَا أَحَدُهُمَا كُلَّهَا وَادَّعَى الْآخَرُ نِصْفَهَا ، وَلَا بَيِّنَةَ لَهُمَا ، فَهِيَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ وَعَلَى مُدَّعِي النِّصْفِ الْيَمِينُ لِصَاحِبِهِ ، وَلَا يَمِينَ عَلَى الْآخَرِ ؛ لِأَنَّ النِّصْفَ الْمَحْكُومَ لَهُ بِهِ لَا مُنَازِعَ لَهُ فِيهِ .\rوَلَا نَعْلَم فِي هَذَا خِلَافًا .\rإلَّا أَنَّهُ حُكِيَ عَنْ ابْنِ شُبْرُمَةَ ، أَنَّ لِمُدَّعِي الْكُلِّ ثَلَاثَةَ أَرْبَاعِهَا ، لِأَنَّ النِّصْفَ لَهُ لَا مُنَازِعَ فِيهِ ، وَالنِّصْفَ الْآخَرَ يُقْسَمُ بَيْنَهُمَا عَلَى حَسَبِ دَعْوَاهُمَا فِيهِ .\rوَلَنَا أَنَّ يَدَ مُدَّعِي النِّصْفِ عَلَى مَا يَدَّعِيه ، فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ فِيهِ مَعَ يَمِينِهِ كَسَائِرِ الدَّعَاوَى .\rفَإِنْ كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ بِمَا يَدَّعِيه ، فَقَدْ تَعَارَضَتْ بَيِّنَتَاهُمَا فَالنِّصْفُ ، لِمُدَّعِي الْكُلِّ ، وَالنِّصْفُ الْآخَرُ يَنْبَنِي عَلَى الْخِلَافِ فِي أَيِّ الْبَيِّنَتَيْنِ تُقَدَّمُ ، وَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ تَقْدِيمُ بَيِّنَةِ الْمُدَّعِي ، فَتَكُونُ الدَّارُ كُلُّهَا لِمُدَّعِي الْكُلِّ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَصَاحِبَيْهِ .\rفَإِنْ كَانَتْ الدَّارُ فِي يَدِ ثَالِثٍ لَا يَدَّعِيهَا ، فَالنِّصْفُ لِصَاحِبِ الْكُلِّ ، لَا مُنَازِعَ لَهُ فِيهِ ، وَيُقْرَعُ بَيْنَهُمَا فِي النِّصْفِ الْآخَرِ ، فَمَنْ خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ ، حَلَفَ ، وَكَانَ لَهُ .\rوَإِنْ كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ بَيِّنَةٌ ، تَعَارَضَتَا وَسَقَطَتَا ، وَصَارَا كَمَنْ لَا بَيِّنَةَ لَهُمَا .\rوَإِنْ قُلْنَا : تُسْتَعْمَلُ الْبَيِّنَتَانِ .\rأَقْرَعَ بَيْنَهُمَا ، وَقُدِّمَ مَنْ تَقَعُ لَهُ الْقُرْعَةُ ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ .\rوَالثَّانِي ، يُقْسَمُ النِّصْفُ الْمُخْتَلَفُ فِيهِ بَيْنَهُمَا ، فَيَصِيرُ لِمُدَّعِي الْكُلِّ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهَا .","part":23,"page":405},{"id":11405,"text":"( 8512 ) فَصْلٌ : فَإِنْ كَانَتْ الدَّارُ فِي يَدِ ثَلَاثَةٍ ، ادَّعَى أَحَدُهُمْ نِصْفَهَا ، وَادَّعَى الْآخَرُ ثُلُثَهَا ، وَادَّعَى الْآخَرُ سُدُسَهَا ، فَهَذَا اتِّفَاقٌ مِنْهُمْ عَلَى كَيْفِيَّةِ مِلْكِهِمْ ، وَلَيْسَ هَاهُنَا اخْتِلَافٌ وَلَا تَجَاحُدٌ ، فَإِنْ ادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَنَّ بَاقِيَ الدَّارِ وَدِيعَةٌ ، أَوْ عَارِيَّةٌ مَعِي ، وَكَانَتْ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِمَا ادَّعَاهُ مِنْ الْمِلْكِ بَيِّنَةٌ ، قُضِيَ لَهُ بِهِ ؛ لِأَنَّ بَيِّنَتَهُ تَشْهَدُ لَهُ بِمَا ادَّعَاهُ ، وَلَا مُعَارِضَ لَهَا ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ ، حَلَفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ، وَأُقِرَّ فِي يَدِهِ ثُلُثُهَا .\r( 8513 ) فَصْلٌ : فَإِنْ ادَّعَى أَحَدُهُمْ جَمِيعَهَا ، وَادَّعَى الْآخَرُ نِصْفَهَا ، وَالْآخَرُ ثُلُثَهَا ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ بَيِّنَةٌ ، قُسِمَتْ بَيْنَهُمْ أَثْلَاثًا ، وَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ الْيَمِينُ عَلَى مَا حُكِمَ لَهُ بِهِ ؛ لِأَنَّ يَدَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَلَى ثُلُثِهَا .\rوَإِنْ كَانَتْ لِأَحَدِهِمْ بَيِّنَةٌ ، نَظَرْت ؛ فَإِنْ كَانَتْ لِمُدَّعِي الْجَمِيعِ ، فَهِيَ لَهُ ، وَإِنْ كَانَتْ لِمُدَّعِي النِّصْفِ ، أَخَذَهُ ، وَالْبَاقِي بَيْنَ الْآخَرَيْنِ نِصْفَيْنِ ، لِمُدَّعِي الْكُلِّ السُّدُسُ بِغَيْرِ يَمِينٍ ، وَيَحْلِفُ عَلَى نِصْفِ السُّدُسِ ، وَيَحْلِفُ الْآخَرُ عَلَى الرُّبْعِ الَّذِي يَأْخُذُهُ جَمِيعُهُ .\rفَإِنْ كَانَتْ الْبَيِّنَةُ لِمُدَّعِي الثُّلُثِ ، أَخَذَهُ ، وَالْبَاقِي بَيْنَ الْآخَرَيْنِ ، لِمُدَّعِي الْكُلِّ السُّدُسُ بِغَيْرِ يَمِينٍ ، وَيَحْلِفُ عَلَى السُّدُسِ الْآخَرِ ، وَيَحْلِفُ الْآخَرُ عَلَى جَمِيعِ مَا يَأْخُذُهُ .\rوَإِنْ كَانَتْ لِكُلِّ وَاحِدٍ بِمَا يَدَّعِيه بَيِّنَةٌ ، فَإِنْ قُلْنَا : تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ صَاحِبِ الْيَدِ .\rقُسِمَتْ بَيْنَهُمْ أَثْلَاثًا ؛ لِأَنَّ يَدَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَلَى الثُّلُثِ ، وَإِنْ قُلْنَا : تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ الْخَارِجِ .\rفَيَنْبَغِي أَنْ تَسْقُطَ بَيِّنَةُ صَاحِبِ الثُّلُثِ ؛ لِأَنَّهَا دَاخِلَةٌ وَلِمُدَّعِي النِّصْفِ السُّدُسُ ؛ لِأَنَّ بَيِّنَتَهُ خَارِجَةٌ فِيهِ ، وَلِمُدَّعِي الْكُلِّ خَمْسَةُ أَسْدَاسٍ ؛","part":23,"page":406},{"id":11406,"text":"لِأَنَّ لَهُ السُّدُسَ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ ؛ لِكَوْنِهِ لَا مُنَازِعَ لَهُ فِيهِ ، فَإِنَّ أَحَدًا لَا يَدَّعِيه ، وَلَهُ الثُّلُثَانِ ؛ لِكَوْنِ بَيِّنَتِهِ خَارِجَةً عَنْهُمَا .\rوَقِيلَ : بَلْ لِمُدَّعِي الثُّلُثِ السُّدُسُ ؛ لِأَنَّ بَيِّنَةَ مُدَّعِي الْكُلِّ وَمُدَّعِي النِّصْفِ تَعَارَضَتَا فِيهِ ، فَتَسَاقَطَتَا ، وَبَقِيَ لِمَنْ هُوَ فِي يَدِهِ ، وَلَا شَيْءَ لِمُدَّعِي النِّصْفِ لِعَدَمِ ذَلِكَ فِيهِ ، وَسَوَاءٌ كَانَ لِمُدَّعِي الثُّلُثِ بَيِّنَةٌ ، أَوْ لَمْ تَكُنْ .\rوَإِنْ كَانَتْ الْعَيْنُ فِي يَدِ غَيْرِهِمْ وَاعْتَرَفَ أَنَّهُ لَا يَمْلِكُهَا ، وَلَا بَيِّنَةَ لَهُمْ ، فَالنِّصْفُ لِمُدَّعِي الْكُلِّ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْهُمْ مَنْ يَدَّعِيه ، وَيُقْرَعُ بَيْنَهُمْ فِي النِّصْفِ الْبَاقِي ، فَإِنْ خَرَجَتْ الْقُرْعَةُ لِصَاحِبِ الْكُلِّ ، أَوْ لِصَاحِبِ النِّصْفِ ، حَلَفَ وَأَخَذَهُ ، وَإِنْ خَرَجَتْ لِصَاحِبِ الثُّلُثِ ، حَلَفَ وَأَخَذَ الثُّلُثَ ، ثُمَّ يُقْرَعُ بَيْنَ الْآخَرَيْنِ فِي السُّدُسِ ، فَمَنْ قَرَعَ صَاحِبَهُ ، حَلَفَ وَأَخَذَهُ وَإِنْ أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بَيِّنَةً بِمَا ادَّعَاهُ ، فَالنِّصْفُ لِمُدَّعِي الْكُلِّ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا ، وَالسُّدُسُ الزَّائِدُ ، يَتَنَازَعَهُ مُدَّعِي الْكُلِّ وَمُدَّعِي النِّصْفِ ، وَالثُّلُثُ يَدَّعِيه الثَّلَاثَةُ ، وَقَدْ تَعَارَضَتْ الْبَيِّنَاتُ فِيهِ ، فَإِنْ قُلْنَا : تَسْقُطُ الْبَيِّنَاتُ .\rأَقْرَعْنَا بَيْنَ الْمُتَنَازِعِينَ فِيمَا تَنَازَعُوا فِيهِ ، فَمَنْ قَرَعَ صَاحِبَهُ ، حَلَفَ وَأَخَذَهُ ، وَيَكُونُ الْحُكْمُ فِيهِ كَمَا لَوْ لَمْ تَكُنْ لَهُمْ بَيِّنَةٌ .\rوَهَذَا قَوْلُ أَبِي عُبَيْدٍ ، وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ إذْ كَانَ بِالْعِرَاقِ .\rوَعَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي تَقُولُ : إذَا تَعَارَضَتْ الْبَيِّنَاتُ ، قُسِمَتْ الْعَيْنُ بَيْنَ الْمُتَدَاعِينَ .\rفَلِمُدَّعِي الْكُلِّ النِّصْفُ وَنِصْفُ السُّدُسِ الزَّائِدِ عَنْ الثُّلُثِ وَثُلُثُ الثُّلُثِ ، وَلِمُدَّعِي النِّصْفِ نِصْفُ السُّدُسِ وَثُلُثُ الثُّلُثِ ، وَلِمُدَّعِي الثُّلُثِ ثُلُثُهُ وَهُوَ التُّسْعُ ، فَتُخَرَّجُ الْمَسْأَلَةُ مِنْ سِتَّةٍ وَثَلَاثِينَ سَهْمًا ؛ لِمُدَّعِي الْكُلِّ النِّصْفُ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ سَهْمًا ،","part":23,"page":407},{"id":11407,"text":"وَنِصْفُ السُّدُسِ ثَلَاثَةٌ ، وَالتُّسْعُ أَرْبَعَةٌ ، فَذَلِكَ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ سَهْمًا ، وَلِصَاحِبِ النِّصْفِ سَبْعَةٌ ، وَلِمُدَّعِي الثُّلُثِ أَرْبَعَةٌ وَهُوَ التُّسْعُ .\rوَهَذَا قِيَاسُ قَوْلِ قَتَادَةَ ، وَالْحَارِثِ الْعُكْلِيِّ ، وَابْنِ شُبْرُمَةَ ، وَحَمَّادٍ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ .\rوَهُوَ قَوْلٌ لِلشَّافِعِيِّ وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ : يَأْخُذُ مُدَّعِي الْكُلِّ النِّصْفَ ، وَيُوقَفُ الْبَاقِي حَتَّى يَتَبَيَّنَ .\rوَيُرْوَى هَذَا عَنْ مَالِكٍ .\rوَهُوَ قَوْلٌ لِلشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى وَقَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ : تُقْسَمُ الْعَيْنُ بَيْنَهُمْ عَلَى حَسَبِ عَوْلِ الْفَرَائِضِ ، لِصَاحِبِ الْكُلِّ سِتَّةٌ ، وَلِصَاحِبِ النِّصْفِ ثَلَاثَةٌ ، وَلِصَاحِبِ الثُّلُثِ سَهْمَانِ ، فَتَصِحُّ مِنْ أَحَدَ عَشَرَ سَهْمًا .\rوَسُئِلَ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْسٍ عَنْ ثَلَاثَةٍ ادَّعَوْا كِيسًا وَهُوَ بِأَيْدِيهِمْ ، وَلَا بَيِّنَةَ لَهُمْ ، وَحَلَفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَلَى مَا ادَّعَاهُ ؛ ادَّعَى أَحَدُهُمْ جَمِيعَهُ ، وَادَّعَى آخَرُ ثُلُثَيْهِ ، وَادَّعَى آخَرُ نِصْفَهُ ؟ فَأَجَابَ فِيهِمْ بِشِعْرٍ : يَقُولُ نَظَرْت أَبَا يَعْقُوبَ فِي الْحِسَبِ الَّتِي طَرَتْ فَأَقَامَتْ مِنْهُمْ كُلَّ قَاعِدِ فَلِلْمُدَّعِي الثُّلْثَيْنِ ثُلْثٌ وَلِلَّذِي اسْتَلَاطَ جَمِيعُ الْمَالِ عِنْدَ التَّحَاشُدِ مِنْ الْمَالِ نِصْفٌ غَيْرُ مَا سَيَنُوبُهُ وَحِصَّتُهُ مِنْ نِصْفِ ذَا الْمَالِ زَائِدِ وَلِلْمُدَّعِي نِصْفًا مِنْ الْمَالِ رُبْعُهُ وَيُؤْخَذُ نِصْفُ السُّدْسِ مِنْ كُلِّ وَاحِدِ وَهَذَا قَوْلُ مَنْ قَسَمَ الْمَالَ بَيْنَهُمْ عَلَى حَسَبِ الْعَوْلِ ، فَكَأَنَّ الْمَسْأَلَةَ عَالَتْ مِنْ سِتَّةٍ إلَى ثَلَاثَةَ عَشَرَ ؛ وَذَلِكَ أَنَّهُ أَخَذَ مَخْرَجَ الْكُسُورِ ، وَهِيَ سِتَّةٌ فَجَعَلَهَا لِمُدَّعِي الْكُلِّ ، وَثُلُثَاهَا أَرْبَعَةٌ لِمُدَّعِي الثُّلُثَيْنِ ، وَنِصْفُهَا ثَلَاثَةٌ ، لِمُدَّعِي النِّصْفِ ، صَارَتْ ثَلَاثَةَ عَشَرَ .","part":23,"page":408},{"id":11408,"text":"( 8514 ) فَصْلٌ : فَإِنْ كَانَتْ الدَّارُ فِي أَيْدِي أَرْبَعَةٍ ، فَادَّعَى أَحَدُهُمْ جَمِيعَهَا ، وَالثَّانِي ثُلُثَيْهَا ، وَالثَّالِثُ نِصْفَهَا ، وَالرَّابِعُ ثُلْثَهَا ، وَلَا بَيِّنَةَ لَهُمْ ، حَلَفَ كُلُّ وَاحِدٍ وَلَهُ رُبْعُهَا ؛ لِأَنَّهَا فِي يَدِهِ ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ صَاحِبِ الْيَدِ مَعَ يَمِينِهِ .\rوَإِنْ أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِمَا ادَّعَاهُ بَيِّنَةً ، قُسِمَتْ بَيْنَهُمْ أَرْبَاعًا أَيْضًا ؛ لِأَنَّنَا إنْ قُلْنَا : تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ الدَّاخِلِ .\rفَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ دَاخِلٌ فِي رُبْعِهَا ، فَتُقَدَّم بَيِّنَتُهُ فِيهِ .\rوَإِنْ قُلْنَا : تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ الْخَارِجِ .\rفَإِنَّ الرَّجُلَيْنِ إذَا ادَّعَيَا عَيْنًا فِي يَدِ غَيْرِهِمَا ، فَأَنْكَرَهُمَا ، وَأَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةً بِدَعْوَاهُ ، تَعَارَضَتَا ، وَأُقِرَّ الشَّيْءُ فِي يَدِ مَنْ هُوَ فِي يَدِهِ .\rوَإِنْ كَانَتْ الدَّارُ فِي يَدِ خَامِسٍ لَا يَدَّعِيهَا ، وَلَا بَيِّنَةَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ بِمَا ادَّعَاهُ ، فَالثُّلُثُ لِمُدَّعِي الْكُلِّ ؛ لِأَنَّ أَحَدًا لَا يُنَازِعُهُ فِيهِ ، وَيُقْرَعُ بَيْنَهُمْ فِي الْبَاقِي ، فَإِنْ خَرَجَتْ الْقُرْعَةُ لِصَاحِبِ الْكُلِّ ، أَوْ لِمُدَّعِي الثُّلُثَيْنِ ، أَخَذَهُ ، وَإِنْ وَقَعَتْ لِمُدَّعِي النِّصْفِ ، أَخَذَهُ ، وَأَقْرَعَ بَيْنَ الْبَاقِينَ فِي الْبَاقِي ، وَإِنْ وَقَعَتْ لِصَاحِبِ الثُّلُثِ ، أَخَذَهُ ، وَأَقْرَعَ بَيْنَ الثَّلَاثَةِ فِي الثُّلُثِ الْبَاقِي .\rوَهَذَا قَوْلُ أَبِي عُبَيْدٍ ، وَالشَّافِعِيِّ إذْ كَانَ بِالْعِرَاقِ ، إلَّا أَنَّهُمْ عَبَّرُوا عَنْهُ بِعِبَارَةٍ أُخْرَى ، فَقَالُوا : لِمُدَّعِي الْكُلِّ الثُّلُثُ ، وَيُقْرَعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مُدَّعِي الثُّلُثَيْنِ فِي السُّدُسِ الزَّائِدِ عَنْ النِّصْفِ ، ثُمَّ يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ مُدَّعِي النِّصْفِ فِي السُّدُسِ الزَّائِدِ عَنْ الثُّلُثِ ، ثُمَّ يُقْرَعُ بَيْنَ الْأَرْبَعَةِ فِي الثُّلُثِ الْبَاقِي ، وَيَكُونُ الْإِقْرَاعُ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ .\rوَعَلَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى ، الثُّلُثُ لِمُدَّعِي الْكُلِّ ، وَيُقْسَمُ السُّدُسُ الزَّائِدُ عَنْ النِّصْفِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مُدَّعِي الثُّلُثَيْنِ ، ثُمَّ يُقْسَمُ السُّدُسُ","part":23,"page":409},{"id":11409,"text":"الزَّائِدُ عَنْ الثُّلُثِ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ مُدَّعِي النِّصْفِ أَثْلَاثًا ، ثُمَّ يُقْسَمُ الثُّلُثُ الْبَاقِي بَيْنَ الْأَرْبَعَةِ أَرْبَاعًا ، وَتَصِحُّ الْمَسْأَلَةُ مِنْ سِتَّةٍ وَثَلَاثِينَ سَهْمًا ، لِصَاحِبِ الْكُلِّ ثُلُثُهَا اثْنَا عَشَرَ ، وَنِصْفُ السُّدُسِ الزَّائِدِ عَلَى النِّصْفِ ثَلَاثَةٌ ، وَثُلُثُ السُّدُسِ الزَّائِدِ عَنْ الثُّلُثِ سَهْمَانِ ، وَرُبْعُ الثُّلُثِ الْبَاقِي ثَلَاثَةٌ ، فَيَحْصُلُ لَهُ عِشْرُونَ سَهْمًا ، وَهِيَ خَمْسَةُ أَتْسَاعِ الدَّارِ .\rوَلِمُدَّعِي الثُّلُثَيْنِ ثَمَانِيَةُ أَسْهُمٍ ، تُسْعَانِ وَهِيَ مِثْلُ مَا لِمُدَّعِي الْكُلِّ بَعْدَ الثُّلُثِ الَّذِي انْفَرَدَ بِهِ ، وَلِمُدَّعِي النِّصْفِ خَمْسَةُ أَسْهُمٍ ، تُسْعٌ وَرُبْعُ تُسْعٍ ، وَلِمُدَّعِي الثُّلُثِ ثَلَاثَةٌ ، نِصْفُ السُّدُسِ .\rوَعَلَى قَوْلِ مَنْ قَسَمَهَا عَلَى الْعَوْلِ ، هِيَ مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ ، لِصَاحِبِ الْكُلِّ سِتَّةٌ ، وَلِصَاحِبِ الثُّلُثَيْنِ أَرْبَعَةٌ ، وَلِصَاحِبِ النِّصْفِ ثَلَاثَةٌ ، وَلِصَاحِبِ الثُّلُثِ سَهْمَانِ .\rوَعَلَى قَوْلِ أَبِي ثَوْرٍ ، لِصَاحِبِ الْكُلِّ الثُّلُثُ ، وَيُوقَفُ الْبَاقِي حَتَّى يَتَبَيَّنَ .","part":23,"page":410},{"id":11410,"text":"( 8515 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَلَوْ كَانَتْ الدَّابَّةُ فِي يَدِ غَيْرِهِمَا ، وَاعْتَرَفَ أَنَّهُ لَا يَمْلِكُهَا ، وَأَنَّهَا لِأَحَدِهِمَا لَا يَعْرِفُهُ عَيْنًا ، قُرِعَ بَيْنَهُمَا ، فَمَنْ قَرَعَ صَاحِبَهُ ، حَلَفَ ، وَسُلِّمَتْ إلَيْهِ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الرَّجُلَيْنِ إذَا تَدَاعَيَا عَيْنًا فِي يَدِ غَيْرِهِمَا ، وَلَا بَيِّنَةَ لَهُمَا ، فَأَنْكَرَهُمَا ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ ، بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ .\rوَإِنْ اعْتَرَفَ أَنَّهُ لَا يَمْلِكُهَا ، وَقَالَ : لَا أَعْرِفُ صَاحِبَهَا .\rأَوْ قَالَ : هِيَ لِأَحَدِكُمَا ، لَا أَعْرِفُهُ عَيْنًا .\rأَقْرَعَ بَيْنَهُمَا ، فَمَنْ قَرَعَ صَاحِبَهُ ، حَلَفَ أَنَّهَا لَهُ ، وَسُلِّمَتْ إلَيْهِ ؛ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ، { أَنَّ رَجُلَيْنِ تَدَاعَيَا عَيْنًا ، لَمْ تَكُنْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ ، فَأَمَرَهُمَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَسْتَهِمَا عَلَى الْيَمِينِ ، أَحَبَّا أَمْ كَرِهَا } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَلِأَنَّهُمَا تَسَاوَيَا فِي الدَّعْوَى ، وَلَا بَيِّنَةَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا وَلَا يَدٌ ، وَالْقُرْعَةُ تُمَيِّزُ عَنَدَ التَّسَاوِي ، كَمَا لَوْ أَعْتَقَ عَبِيدًا لَا مَالَ لَهُ غَيْرَهُمْ ، فِي مَرَضِ مَوْتِهِ .\rوَأَمَّا إنْ كَانَتْ لِأَحَدِهِمَا بَيِّنَةٌ ، حُكِمَ بِهَا ، بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ .\rوَإِنْ كَانَتْ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ ، ذَكَرَهُمَا أَبُو الْخَطَّابِ ؛ إحْدَاهُمَا ، تَسْقُطُ الْبَيِّنَتَانِ ، وَيَقْتَرِعُ الْمُدَّعِيَانِ عَلَى الْيَمِينِ ، كَمَا لَوْ لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ .\rوَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الْقَاضِي .\rوَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ ؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَ الْقُرْعَةَ ، وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ مَعَهُمَا بَيِّنَةٌ أَوْ لَمْ تَكُنْ .\rوَرُوِيَ هَذَا عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ الزُّبَيْرِ وَبِهِ قَالَ إِسْحَاقُ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ .\rوَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ مَالِكٍ ، وَقَدِيمُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ .\rوَذَلِكَ لِمَا رَوَى ابْنُ الْمُسَيِّبِ ، { أَنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَمْرٍ ، وَجَاءَ كُلٌّ مِنْهُمَا بِشُهُودٍ عُدُولٍ ،","part":23,"page":411},{"id":11411,"text":"عَلَى عِدَّةٍ وَاحِدَةٍ فَأَسْهَمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَهُمَا } .\rرَوَاهُ الشَّافِعِيُّ ، فِي \" مُسْنَدِهِ \" .\rوَلِأَنَّ الْبَيِّنَتَيْنِ حُجَّتَانِ تَعَارَضَتَا ، مِنْ غَيْرِ تَرْجِيحٍ لِإِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى ، فَسَقَطَتَا ، كَالْخَبَرَيْنِ .\rوَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ ، تُسْتَعْمَلُ الْبَيِّنَتَانِ .\rوَفِي كَيْفِيَّةِ اسْتِعْمَالِهِمَا رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، تُقْسَمُ الْعَيْنُ بَيْنَهُمَا .\rوَهُوَ قَوْلُ الْحَارِثِ الْعُكْلِيِّ ، وَقَتَادَةَ ، وَابْنِ شُبْرُمَةَ ، وَحَمَّادٍ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَقَوْلٌ لِلشَّافِعِيِّ ؛ لِمَا رَوَى أَبُو مُوسَى ، { أَنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَعِيرٍ ، وَأَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ لَهُ ؛ فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهِ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ } .\rوَلِأَنَّهُمَا تَسَاوَيَا فِي دَعْوَاهُ ، فَيَتَسَاوَيَانِ فِي قِسْمَتِهِ .\rوَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ ، تُقَدَّمُ إحْدَاهُمَا بِالْقُرْعَةِ .\rوَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ .\rوَلَهُ قَوْلٌ رَابِعٌ ، يُوقَفُ الْأَمْرُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ ، لِأَنَّهُ اشْتَبَهَ الْأَمْرُ ، فَوَجَبَ التَّوَقُّفُ ، كَالْحَاكِمِ إذَا لَمْ يَتَّضِحْ لَهُ الْحُكْمُ فِي قَضِيَّتِهِ .\rوَلَنَا ، الْخَبَرَانِ ، وَأَنَّ تَعَارُضَ الْحُجَّتَيْنِ لَا يُوجِبُ التَّوَقُّفَ ، كَالْخَبَرَيْنِ ، بَلْ إذَا تَعَذَّرَ التَّرْجِيحُ ، أَسْقَطْنَاهُمَا ، وَرَجَعْنَا إلَى دَلِيلٍ غَيْرِهِمَا .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّنَا إذَا قُلْنَا : إنَّ الْبَيِّنَتَيْنِ تَسْقُطَانِ .\rأَقْرَعَ بَيْنَهُمَا ، فَمَنْ خَرَجَتْ لَهُ قُرْعَته ، حَلَفَ ، وَأَخَذَهَا ، كَمَا لَوْ لَمْ تَكُنْ لَهُمَا بَيِّنَةٌ .\rوَإِنْ قُلْنَا : يُعْمَلُ بِالْبَيِّنَتَيْنِ ، وَيُقْرَعُ بَيْنَهُمَا ، فَمَنْ خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ ، أَخَذَهَا مِنْ غَيْرِ يَمِينٍ .\rوَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ تُغْنِي عَنْ الْيَمِينِ .\rوَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : عَلَيْهِ الْيَمِينُ مَعَ الْبَيِّنَةِ ، تَرْجِيحًا لَهَا .\rوَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ تَكُونُ هَذِهِ الرِّوَايَةُ","part":23,"page":412},{"id":11412,"text":"كَالْأُولَى فِي هَذَا الْحُكْمِ ، وَإِنَّمَا يَظْهَرُ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا فِي شَيْءٍ آخَرَ ، سَنَذْكُرُهُ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .","part":23,"page":413},{"id":11413,"text":"( 8516 ) فَصْلٌ : فَإِنْ أَنْكَرَهَا مَنْ الْعَيْنُ فِي يَدِهِ ، وَكَانَتْ لِأَحَدِهِمَا بَيِّنَةٌ ، حُكِمَ لَهُ بِهَا .\rوَإِنْ أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةً ، فَإِنْ قُلْنَا : تُسْتَعْمَلُ الْبَيِّنَتَانِ .\rأُخِذَتْ الْعَيْنُ مِنْ يَدِهِ ، وَقُسِمَتْ بَيْنَهُمَا ، عَلَى قَوْلِ مَنْ يَرَى الْقِسْمَةَ ، أَوْ تُدْفَعُ إلَى مِنْ تَخْرُجُ لَهُ الْقُرْعَةُ ، عَلَى قَوْلِ مِنْ يَرَى ذَلِكَ .\rوَإِنْ قُلْنَا : تَسْقُطُ الْبَيِّنَتَانِ ، حَلَفَ صَاحِبُ الْيَدِ ، وَأُقِرَّتْ فِي يَدِهِ ، كَمَا لَوْ لَمْ تَكُنْ لَهُمَا بَيِّنَةٌ .\rوَإِنْ أَقَرَّ بِهَا بَعْدَ ذَلِكَ لَهُمَا ، أَوْ لِأَحَدِهِمَا ، قُبِلَ إقْرَارُهُ .\rوَإِنْ أَقَرَّ بِهَا فِي الِابْتِدَاءِ لِأَحَدِهِمَا ، صَارَ الْمُقَرُّ لَهُ صَاحِبَ الْيَدِ ؛ لِأَنَّ مَنْ هِيَ فِي يَدِهِ مُقِرٌّ بِأَنَّ يَدَهُ نَائِبَةٌ عَنْ يَدِهِ .\rوَإِنْ أَقَرَّ لَهُمَا جَمِيعًا ، فَالْيَدُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي ، الْجُزْءِ الَّذِي أَقَرَّ لَهُ بِهِ ؛ لِذَلِكَ .","part":23,"page":414},{"id":11414,"text":"( 8517 ) فَصْلٌ : وَإِنْ تَدَاعَيَا عَيْنًا فِي يَدِ غَيْرِهِمَا ، فَقَالَ : هِيَ لِأَحَدِكُمَا لَا أَعْرِفُهُ عَيْنًا .\rأَوْ قَالَ : لَا أَعْرِفُ صَاحِبَهَا ، أَهُوَ أَحَدُكُمَا أَوْ غَيْرُكُمَا .\rأَوْ قَالَ : أَوْدَعَنِيهَا أَحَدُكُمَا .\rأَوْ : رَجُلٌ لَا أَعْرِفُهُ عَيْنًا فَادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّك تَعْلَمُ أَنِّي صَاحِبُهَا ، أَوْ أَنِّي الَّذِي أَوْدَعْتُكَهَا ، أَوْ طَلَبَتْ يَمِينَهُ ، لَزِمَهُ أَنْ يَحْلِفَ لَهُ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَقَرَّ لَهُ ، لَزِمَهُ تَسْلِيمُهَا إلَيْهِ ، وَمَنْ لَزِمَهُ الْحَقُّ مَعَ الْإِقْرَارِ ، لَزِمَتْهُ الْيَمِينُ مَعَ الْإِنْكَارِ ، وَيَحْلِفُ عَلَى مَا ادَّعَاهُ مِنْ نَفْيِ الْعِلْمِ .\rوَإِنْ صَدَّقَاهُ ، فَلَا يَمِينَ عَلَيْهِ .\rوَإِنْ صَدَّقَهُ أَحَدُهُمَا ، حَلَفَ لِلْآخَرِ .\rوَإِنْ أَقَرَّ بِهَا لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا ، أَوْ غَيْرِهِمَا ، صَارَ الْمُقَرُّ لَهُ صَاحِبَ الْيَدِ .\rفَإِنْ قَالَ غَيْرُ الْمُقَرِّ لَهُ : احْلِفْ لِي أَنَّ الْعَيْنَ لَيْسَتْ مِلْكِي ، أَوْ أَنِّي لَسْت الَّذِي أَوْدَعْتُكهَا .\rلَزِمَهُ الْيَمِينُ عَلَى مَا ادَّعَاهُ مِنْ ذَلِكَ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا .\rوَإِنْ نَكِلَ عَنْ الْيَمِينِ ، قُضِيَ عَلَيْهِ بِقِيمَتِهَا .\rوَإِنْ اعْتَرَفَ بِهَا لَهُمَا كَانَ الْحُكْمُ فِيهَا كَمَا لَوْ كَانَتْ فِي أَيْدِيهِمَا ابْتِدَاءً ، وَعَلَيْهِ الْيَمِينُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي النِّصْفِ الْمَحْكُومِ بِهِ لِصَاحِبِهِ ، وَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْيَمِينُ لِصَاحِبِهِ فِي النِّصْفِ الْمَحْكُومِ لَهُ بِهِ .","part":23,"page":415},{"id":11415,"text":"( 8518 ) فَصْلٌ : وَإِذَا كَانَ فِي يَدِ رَجُلٍ دَارٌ ، فَادَّعَاهَا نَفْسَانِ ، قَالَ أَحَدُهُمَا : آجَرْتُكهَا .\rوَقَالَ الْآخَرُ : هِيَ دَارِي أَعَرْتُكهَا .\rأَوْ قَالَ : هِيَ دَارِي وَرِثْتهَا مِنْ أَبِي .\rأَوْ قَالَ : هِيَ دَارِي .\rوَلَمْ يَذْكُرْ شَيْئًا آخَرَ ، فَأَنْكَرْهُمَا صَاحِبُ الْيَدِ ، وَقَالَ : هِيَ دَارِي .\rفَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ .\rوَإِنْ كَانَ لِأَحَدِهِمَا بَيِّنَةٌ ، حُكِمَ لَهُ بِهَا .\rوَإِنْ أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِمَا ادَّعَاهُ بَيِّنَةً ، تَعَارَضَتَا ، وَكَانَ الْحُكْمُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِيمَا مَضَى ، إلَّا عَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي تُقَدَّمُ فِيهَا الْبَيِّنَةُ الشَّاهِدَةُ بِالسَّبَبِ ، فَإِنَّ بَيِّنَةَ مَنْ ادَّعَى أَنَّهُ وَرِثَهَا مُقَدَّمَةٌ ؛ لِشَهَادَتِهَا بِالسَّبَبِ .\rوَإِنْ أَقَامَ أَحَدُهُمَا بَيِّنَةً أَنَّهُ غَصَبَهَا مِنْهُ ، وَأَقَامَ الْآخَرُ بَيِّنَةً أَنَّهُ أَقَرَّ لَهُ بِهَا ، فَهِيَ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ ، وَلَا تَعَارُضَ بَيْنَهُمَا ؛ لِأَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا مُمْكِنٌ ، بِأَنْ يَكُونَ غَصَبَهَا مِنْ هَذَا ، وَأَقَرَّ بِهَا لِغَيْرِهِ ، وَإِقْرَارُ الْغَاصِبِ بَاطِلٌ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rفَتُدْفَعُ إلَى الْمَغْصُوبِ مِنْهُ ، وَلَا يَغْرَمُ لِلْمُقِرِّ لَهُ شَيْئًا ؛ لِأَنَّهُ مَا حَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا ، وَإِنَّمَا حَالَتْ الْبَيِّنَةُ بَيْنَهُمَا .\rوَلَوْ أَقَرَّ بِهَا لِأَحَدِهِمَا ، أَوْ أَقَرَّ أَنَّهُ غَصَبَهَا مِنْ غَيْرِهِ ، لَزِمَهُ تَسْلِيمُهَا إلَى مَنْ أَقَرَّ لَهُ بِهَا أَوَّلًا ، وَلَزِمَهُ غَرَامَتُهَا لِلْآخَرِ ؛ لِأَنَّهُ حَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا بِإِقْرَارِهِ الْأَوَّلِ .","part":23,"page":416},{"id":11416,"text":"( 8519 ) فَصْلٌ : نَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ ، عَنْ أَحْمَدَ ، فِي رَجُلٍ أَخَذَ مِنْ رَجُلَيْنِ ثَوْبَيْنِ ، أَحَدَهُمَا بِعَشَرَةٍ وَالْآخَرَ بِعِشْرِينَ ، ثُمَّ لَمْ يَدْرِ أَيُّهُمَا ثَوْبُ هَذَا مِنْ ثَوْبِ هَذَا ، فَادَّعَى أَحَدُهُمَا ثَوْبًا مِنْ هَذَيْنِ الثَّوْبَيْنِ ، يَعْنِي وَادَّعَاهُ الْآخَرُ ، يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا ، فَأَيُّهُمَا أَصَابَتْهُ الْقُرْعَةُ حَلَفَ وَكَانَ الثَّوْبُ الْجَيِّدُ لَهُ ، وَالْآخَرُ لِلْآخَرِ .\rوَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُمَا تَنَازَعَا عَيْنًا فِي يَدِ غَيْرِهِمَا .","part":23,"page":417},{"id":11417,"text":"( 8520 ) فَصْلٌ : إذَا تَدَاعَيَا عَيْنًا ، فَقَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا : هَذِهِ الْعَيْنُ لِي ، اشْتَرَيْتهَا مِنْ زَيْدٍ بِمِائَةٍ ، وَنَقَدْتُهُ إيَّاهَا .\rوَلَا بَيِّنَةَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا ، فَإِنْ أَنْكَرَهُمَا زَيْدٌ ، حَلَفَ ، وَكَانَتْ الْعَيْنُ لَهُ .\rوَإِنْ أَقَرَّ بِهَا لِأَحَدِهِمَا ، سَلَّمَهَا إلَيْهِ وَحَلَفَ لِلْآخَرِ .\rوَإِنْ أَقَرَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِنِصْفِهَا ، سُلِّمَتْ إلَيْهِمَا ، وَحَلَفَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى نِصْفِهَا .\rوَإِنْ قَالَ : لَا أَعْلَمُ لِمَنْ هِيَ مِنْكُمَا .\rأَقْرَعَ بَيْنَهُمَا ، فَمَنْ خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ ، حَلَفَ وَأَخَذَهَا .\rوَإِنْ حَلَفَ الْبَائِعُ أَنَّهَا لَهُ ، ثُمَّ أَقَرَّ بِهَا لِأَحَدِهِمَا ، سُلِّمَتْ إلَيْهِ ، ثُمَّ إنْ أَقَرَّ بِهَا لِلْآخَرِ ، لَزِمَتْهُ غَرَامَتُهَا لَهُ .\rوَإِنْ أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِمَا ادَّعَاهُ بَيِّنَةً ، نَظَرْنَا ؛ فَإِنْ كَانَتْ الْبَيِّنَتَانِ مُؤَرِّخَتَيْنِ بِتَارِيخَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ ، مِثْلُ أَنْ يَدَّعِيَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ اشْتَرَاهَا فِي الْمُحَرَّمِ ، وَادَّعَى الْآخَرُ أَنَّهُ اشْتَرَاهَا فِي صَفَرٍ ، وَشَهِدَتْ بَيِّنَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِلْآخَرِ بِدَعْوَاهُ ، فَهِيَ لِلْأَوَّلِ ؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ أَنَّهُ بَاعَهَا لِلْأَوَّلِ ، فَزَالَ مِلْكُهُ عَنْهَا ، فَيَكُونُ بَيْعُهُ فِي صَفَرٍ بَاطِلًا ، لِكَوْنِهِ بَاعَ مَا لَا يَمْلِكُهُ ، وَيُطَالَبُ بِرَدِّ الثَّمَنِ .\rوَإِنْ كَانَتَا مُؤَرِّخَتَيْنِ بِتَارِيخِ وَاحِدٍ ، أَوْ مُطْلِقَتَيْنِ ، أَوْ إحْدَاهُمَا مُطْلِقَةً وَالْأُخْرَى مُؤَرِّخَةً ، تَعَارَضَتَا ؛ لِتَعَذُّرِ الْجَمْعِ ، فَيُنْظَرُ فِي الْعَيْنِ ، فَإِنْ كَانَتْ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا ، انْبَنَى ذَلِكَ عَلَى الْخِلَافِ فِي بَيِّنَةِ الدَّاخِلِ وَالْخَارِجِ ، فَمَنْ قَدَّمَ بَيِّنَةَ الدَّاخِلِ جَعَلَهَا لِمَنْ هِيَ فِي يَدِهِ ، وَمِنْ قَدَّمَ بَيِّنَةَ الْخَارِجِ ، جَعَلَهَا لِلْخَارِجِ .\rوَإِنْ كَانَتْ فِي يَدِ الْبَائِعِ ، وَقُلْنَا : تَسْقُطُ الْبَيِّنَتَانِ .\rرُجِعَ إلَى الْبَائِعِ ، فَإِنْ أَنْكَرَهُمَا ، حَلَفَ لَهُمَا ، وَكَانَتْ لَهُ ، وَإِنْ أَقَرَّ لِأَحَدِهِمَا ، سُلِّمَتْ إلَيْهِ ، وَحَلَفَ لِلْآخَرِ ،","part":23,"page":418},{"id":11418,"text":"وَإِنْ أَقَرَّ لَهُمَا ، فَهِيَ بَيْنَهُمَا ، وَيَحْلِفُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى نِصْفِهَا ، كَمَا لَوْ لَمْ تَكُنْ لَهُمَا بَيِّنَةٌ .\rوَإِنْ قُلْنَا : لَا تَسْقُطُ الْبَيِّنَتَانِ .\rلَمْ يُلْتَفَتْ إلَى إنْكَارِهِ وَلَا اعْتِرَافِهِ .\rوَهَذَا قَوْلُ الْقَاضِي ، وَأَكْثَرِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ زَوَالُ مِلْكِهِ ، وَأَنَّ يَدَهُ لَا حُكْمَ لَهَا ، فَلَا حُكْمَ لِقَوْلِهِ ، فَمَنْ قَالَ : يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا .\rأَقْرَعَ بَيْنَهُمَا ، فَمَنْ خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ ، فَهِيَ لَهُ مَعَ يَمِينِهِ .\rوَهَذَا قَوْلُ الْقَاضِي ، لَمْ يَذْكُرْ شَيْئًا سِوَى هَذَا .\rوَمَنْ قَالَ : تُقْسَمُ بَيْنَهُمَا .\rقُسِمَتْ .\rوَهَذَا ذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ .\rوَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، فِي رِوَايَةِ الْكَوْسَجِ ، فِي رَجُلٍ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ اشْتَرَى سِلْعَةً بِمِائَةٍ ، وَأَقَامَ الْآخَرُ بَيِّنَةً أَنَّهُ اشْتَرَاهَا بِمِائَتَيْنِ ، فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَسْتَحِقُّ النِّصْفَ مِنْ السِّلْعَةِ بِنِصْفِ الثَّمَنِ ، فَيَكُونَانِ شَرِيكَيْنِ وَحَمَلَ الْقَاضِي هَذِهِ الرِّوَايَةَ ، عَلَى أَنَّ الْعَيْنَ فِي أَيْدِيهِمَا ، أَوْ عَلَى أَنَّ الْبَائِعَ أَقَرَّ لَهُمَا جَمِيعًا .\rوَإِطْلَاقُ الرِّوَايَةِ يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ قَوْلِ أَبِي الْخَطَّابِ فَعَلَى هَذَا ، إنْ كَانَ الْمَبِيعُ مِمَّا لَا يَدْخُلُ فِي ضَمَانِ الْمُشْتَرِي إلَّا بِقَبْضِهِ ، فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْخِيَارُ ؛ لِأَنَّ الصَّفْقَةَ تَبَعَّضَتْ عَلَيْهِ .\rفَإِنْ اخْتَارَا الْإِمْسَاكَ ، رَجَعَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِنِصْفِ الثَّمَنِ ، وَإِنْ اخْتَارَا الْفَسْخَ رَجَعَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِجَمِيعِ الثَّمَنِ ، وَإِنْ اخْتَارَ أَحَدُهُمَا الْفَسْخَ ، تَوَفَّرَتْ السِّلْعَةُ كُلُّهَا عَلَى الْآخَرِ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْحَاكِمُ قَدْ حَكَمَ لَهُ بِنِصْفِ السِّلْعَةِ وَنِصْفِ الثَّمَنِ ، فَلَا يَعُودُ النِّصْفُ الْآخَرُ إلَيْهِ .\rوَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي كُلِّ مَبِيعٍ .","part":23,"page":419},{"id":11419,"text":"( 8521 ) فَصْلٌ : فَإِنْ ادَّعَى أَحَدُهُمَا أَنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنْ زَيْدٍ بِمِائَةٍ ، وَهِيَ مِلْكُهُ ، وَادَّعَى الْآخَرُ أَنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنْ عَمْرٍو ، وَهِيَ مِلْكُهُ ، وَأَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِدَعْوَاهُ بَيِّنَةً ، فَهَذِهِ تُشْبِهُ الَّتِي قَبْلَهَا فِي الْمَعْنَى ، فَإِنْ كَانَتْ فِي يَدِ أَحَدِ الْمُشْتَرِيَيْنِ ، انْبَنَى ذَلِكَ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي تَقْدِيمِ بَيِّنَةِ الدَّاخِلِ وَالْخَارِجِ .\rوَإِنْ كَانَتْ فِي يَدَيْهِمَا ، قُسِمَتْ بَيْنَهُمَا ؛ لِأَنَّ بَيِّنَةَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا دَاخِلَةٌ فِي أَحَدِ النِّصْفَيْنِ ، خَارِجَةٌ فِي النِّصْفِ الْآخَرِ .\rوَإِنْ كَانَتْ فِي يَدِ أَحَدِ الْبَائِعَيْنِ ، فَأَنْكَرَهُمَا ، وَادَّعَاهَا لِنَفْسِهِ .\rفَإِنْ قُلْنَا : تَسْقُطُ الْبَيِّنَتَانِ .\rحَلَفَ ، وَكَانَتْ لَهُ .\rوَإِنْ أَقَرَّ بِهَا لِأَحَدِهِمَا ، صَارَ الدَّاخِلَ ، إلَّا أَنْ يُقِرَّ لَهُ بَعْدَ أَنْ يَحْلِفَ أَنَّهَا لَهُ .\rوَإِنْ قُلْنَا : تُقَدَّمُ إحْدَاهُمَا بِالْقُرْعَةِ .\rفَهِيَ لِمَنْ تَخْرُجُ لَهُ الْقُرْعَةُ مَعَ يَمِينِهِ .\rوَإِنْ قُلْنَا : تُقْسَمُ بَيْنَهُمَا .\rقُسِمَتْ ، وَرَجَعَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِنِصْفِ ثَمَنِهَا .\rوَإِنْ كَانَ الْمَبِيعُ مِمَّا يَدْخُلُ فِي ضَمَانِ الْمُشْتَرِي بِنَفْسِ الْعَقْدِ ، أَوْ كَانَ الْمُشْتَرِي مُقِرًّا بِقَبْضِهِ ، فَلَا خِيَارَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا وَلَا رُجُوعَ بِشَيْءٍ مِنْ الثَّمَنِ ؛ لِاعْتِرَافِهِ بِسُقُوطِ الضَّمَانِ عَنْ الْبَائِعِ ، وَإِنْ كَانَ مِنْ الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ ، وَلَمْ يُقْبَضْ ، فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْخِيَارُ فِي الْفَسْخِ وَالْإِمْضَاءِ ، فَإِنْ اخْتَارَ أَحَدُهُمَا الْفَسْخَ ، لَمْ يَتَوَفَّرْ الْمَبِيعُ عَلَى الْآخَرِ ؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ اثْنَانِ ، بِخِلَافِ الَّتِي قَبْلَهَا .","part":23,"page":420},{"id":11420,"text":"( 8522 ) فَصْلٌ : وَلَوْ كَانَ فِي يَدِ رَجُلٍ دَارٌ ، فَادَّعَى عَلَيْهِ رَجُلَانِ ، كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَزْعُمُ أَنَّهُ غَصَبَهَا مِنْهُ ، وَأَقَامَ بِذَلِكَ بَيِّنَةً ، فَالْحُكْمُ فِي هَذِهِ كَالْحُكْمِ فِيمَا إذَا ادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّنِي اشْتَرَيْتهَا مِنْهُ ، عَلَى مَا مَضَى مِنْ التَّفْصِيلِ فِيهِ .\rوَإِنْ اتَّفَقَ تَارِيخُهُمَا ، أَوْ كَانَتَا مُطْلَقَتَيْنِ ، أَوْ إحْدَاهُمَا ، تَعَارَضَتَا ، وَإِنْ قُدِّمَ تَارِيخُ إحْدَاهُمَا ، فَهَلْ تُرَجَّحُ بِذَلِكَ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ .\rفَأَمَّا إنْ شَهِدَتْ الْبَيِّنَةُ أَنَّهُ أَقَرَّ بِغَصْبِهَا مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ، لَزِمَهُ دَفْعُهَا إلَى الَّذِي أَقَرَّ لَهُ بِهَا أَوَّلًا ، وَيَغْرَمُ قِيمَتَهَا لِلْآخَرِ .","part":23,"page":421},{"id":11421,"text":"( 8523 ) فَصْلٌ : فَإِنْ ادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّك اشْتَرَيْتهَا مِنِّي بِأَلْفٍ ، وَأَقَامَ بِذَلِكَ بَيِّنَةً ، وَاتَّفَقَ تَارِيخُهُمَا ، مِثْلُ أَنْ يَقُولَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا : اشْتَرَاهَا مِنِّي مَعَ الزَّوَالِ ، يَوْمَ كَذَا لَيَوْمٍ وَاحِدٍ ، فَهُمَا مُتَعَارِضَتَانِ .\rفَإِنْ قُلْنَا : تَسْقُطَانِ .\rرُجِعَ إلَى قَوْلِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ، فَإِنْ أَنْكَرْهُمَا ، حَلَفَ لَهُمَا ، وَبَرِئَ .\rوَإِنْ أَقَرَّ لِأَحَدِهِمَا ، فَعَلَيْهِ لَهُ الثَّمَنُ ، وَيَحْلِفُ لِلْآخَرِ .\rوَإِنْ أَقَرَّ لَهُمَا مَعًا ، فَعَلَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الثَّمَنُ ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَشْتَرِيَهَا مِنْ أَحَدِهِمَا ، ثُمَّ يَهَبَهَا لِلْآخَرِ وَيَشْتَرِيَهَا مِنْهُ .\rوَإِنْ قَالَ : اشْتَرَيْتهَا مِنْكُمَا صَفْقَةً وَاحِدَةً بِأَلْفٍ .\rفَقَدْ أَقَرَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِنِصْفِ الثَّمَنِ ، وَلَهُ أَنْ يُحَلِّفَهُ عَلَى الْبَاقِي .\rوَإِنْ قُلْنَا : يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا .\rفَمَنْ خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ ، وَجَبَ لَهُ الثَّمَنُ ، وَيَحْلِفُ لِلْآخَرِ ، وَيَبْرَأُ .\rوَإِنْ قُلْنَا : يُقْسَمُ .\rقُسِمَ الثَّمَنُ بَيْنَهُمَا ، وَيَحْلِفُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى الْبَاقِي .\rوَإِنْ كَانَ التَّارِيخَانِ مُخْتَلِفَيْنِ ، أَوْ كَانَتَا مُطْلَقَتَيْنِ ، أَوْ إحْدَاهُمَا مُطْلَقَةً ، وَالْأُخْرَى مُؤَرَّخَةً ، ثَبَتَ الْعَقْدَانِ ، وَلَزِمَهُ الثَّمَنَانِ ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَشْتَرِيَهَا مِنْ أَحَدِهِمَا ثُمَّ يَمْلِكَهَا الْآخَرُ ، فَيَشْتَرِيَهَا مِنْهُ ، وَإِذَا أَمْكَنَ صِدْقُ الْبَيِّنَتَيْنِ وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا ، وَجَبَ تَصْدِيقُهُمَا .\rفَإِنْ قِيلَ : فَلِمَ قُلْتُمْ إنَّهُ إذَا كَانَ الْبَائِعُ وَاحِدًا وَالْمُشْتَرِي اثْنَانِ ، فَأَقَامَ أَحَدُهُمَا بَيِّنَةً أَنَّهُ اشْتَرَاهَا فِي الْمُحَرَّمِ ، وَأَقَامَ الْآخَرُ بَيِّنَةً أَنَّهُ اشْتَرَاهَا فِي صَفَرٍ ، يَكُونُ الشِّرَاءُ الثَّانِي بَاطِلًا ؟ قُلْنَا : لِأَنَّهُ إذَا ثَبَتَ الْمِلْكُ لِلْأَوَّلِ ، لَمْ يُبْطِلُهُ بِأَنْ يَبِيعَهُ الثَّانِي ثَانِيًا ، وَفِي مَسْأَلَتِنَا ثُبُوتُ شِرَائِهِ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُبْطِلُ مِلْكَهُ ، لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِيَ","part":23,"page":422},{"id":11422,"text":"ثَانِيًا مِلْكَ نَفْسِهِ ، وَيَجُوزُ أَنْ يَبِيعَ الْبَائِعُ مَا لَيْسَ لَهُ ، فَافْتَرَقَا .\rفَإِنْ قِيلَ : فَإِذَا كَانَتْ الْبَيِّنَتَانِ مُطْلَقَتَيْنِ ، أَوْ إحْدَاهُمَا مُطْلَقَةً ، احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ تَارِيخُهُمَا وَاحِدًا ، فَيَتَعَارَضَانِ ، وَالْأَصْلُ بَرَاءَةُ ذِمَّةِ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ ، فَلَا تُشْغَلُ بِالشَّكِّ .\rقُلْنَا : إنَّهُ مَتَى أَمْكَنَ صِدْقُ الْبَيِّنَتَيْنِ ، وَجَبَ تَصْدِيقُهُمَا ، وَلَمْ يَكُنْ ثَمَّ شَكٌّ ، وَإِنَّمَا يَبْقَى الْوَهْمُ ، وَالْوَهْمُ لَا تَبْطُلُ بِهِ الْبَيِّنَةُ ، لِأَنَّهَا لَوْ بَطَلَتْ بِهِ ، لَمْ يَثْبُتْ بِهَا حَقٌّ أَصْلًا ، لِأَنَّهُ مَا مِنْ بَيِّنَةٍ إلَّا وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ كَاذِبَةً ، أَوْ غَيْرَ عَادِلَةٍ ، أَوْ مُتَّهَمَةً ، أَوْ مُعَارَضَةً ، وَلَمْ يُلْتَفَتْ إلَى هَذَا الْوَهْمِ ، كَذَا هَاهُنَا .","part":23,"page":423},{"id":11423,"text":"( 8524 ) فَصْلٌ : إذَا مَاتَ رَجُلٌ ، فَشَهِدَ رَجُلَانِ أَنَّ هَذَا الْغُلَامَ ابْنُ هَذَا الْمَيِّتِ ، لَا نَعْلَمُ لَهُ وَارِثًا سِوَاهُ ، وَشَهِدَ آخَرَانِ لِآخَرَ أَنَّ هَذَا الْغُلَامَ ابْنُ هَذَا الْمَيِّتِ ، لَا نَعْلَمُ لَهُ وَارِثًا سِوَاهُ ، فَلَا تَعَارُضَ بَيْنَهُمَا ، وَثَبَتَ نَسَبُ الْغُلَامَيْنِ مِنْهُ ، وَيَكُونُ الْإِرْثُ بَيْنَهُمَا ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ تَعْلَمَ كُلُّ بَيِّنَةٍ مَا لَمْ تَعْلَمْهُ الْأُخْرَى .","part":23,"page":424},{"id":11424,"text":"( 8525 ) فَصْلٌ : وَإِذَا ادَّعَى رَجُلٌ عَبْدًا فِي يَدِ آخَرَ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ مِنْهُ ، وَادَّعَى الْعَبْدُ أَنَّ سَيِّدَهُ أَعْتَقَهُ ، وَلَا بَيِّنَةَ لَهُمَا ، فَأَنْكَرَهُمَا ، حَلَفَ لَهُمَا ، وَالْعَبْدُ لَهُ .\rوَإِنْ أَقَرَّ لِأَحَدِهِمَا ، ثَبَتَ مَا أَقَرَّ لَهُ بِهِ ، وَيَحْلِفُ لِلْآخَرِ .\rوَإِنْ أَقَامَ أَحَدُهُمَا بَيِّنَةً بِمَا ادَّعَاهُ ، ثَبَتَ .\rوَإِنْ أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةً بِدَعْوَاهُ ، وَكَانَتَا مُؤَرِّخَتَيْنِ بِتَارِيخَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ ، قَدَّمْنَا الْأُولَى ، وَبَطَلَتْ الْأُخْرَى ؛ لِأَنَّهُ إنْ سَبَقَ الْعِتْقُ ، لَمْ يَصِحَّ الْبَيْعُ ؛ لِأَنَّ بَيْعَ الْحُرِّ لَا يَصِحُّ ، وَإِنْ سَبَقَ الْبَيْعُ ، لَمْ يَصِحَّ الْعِتْقُ ؛ لِأَنَّهُ أَعْتَقَ عَبْدَ غَيْرِهِ .\rفَإِنْ قِيلَ : يَحْتَمِلُ أَنَّهُ عَادَ إلَى مِلْكِهِ فَأَعْتَقَهُ .\rقُلْنَا : قَدْ ثَبَتَ الْمِلْكُ لِلْمُشْتَرِي ، فَلَا يُبْطِلُهُ عِتْقُ الْبَائِعِ .\rوَإِنْ كَانَتَا مُؤَرِّخَتَيْنِ بِتَارِيخِ وَاحِدٍ ، أَوْ مُطْلِقَتَيْنِ ، أَوْ إحْدَاهُمَا مُطْلِقَةً ، تَعَارَضَتَا ؛ لِأَنَّهُ لَا تَرْجِيحَ لِإِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى .\rفَإِنْ كَانَ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي ، انْبَنَى ذَلِكَ عَلَى الْخِلَافِ فِي تَقْدِيمِ بَيِّنَةِ الدَّاخِلِ وَالْخَارِجِ ، فَإِنْ قَدَّمْنَا بَيِّنَةَ الدَّاخِلِ ، فَهُوَ لِلْمُشْتَرِي ، وَإِنْ قَدَّمْنَا بَيِّنَةَ الْخَارِجِ ، قُدِّمَ الْعِتْقُ ؛ لِأَنَّهُ خَارِجٌ .\rوَإِنْ كَانَ فِي يَدِ الْبَائِعِ ، وَقُلْنَا : إنَّ الْبَيِّنَتَيْنِ تَسْقُطَانِ بِالتَّعَارُضِ ، صَارَا كَمَنْ لَا بَيِّنَةَ لَهُمَا ، وَيَرْجِعُ إلَى السَّيِّدِ ، فَإِنْ أَنْكَرَهُمَا ، حَلَفَ لَهُمَا ، وَإِنْ أَقَرَّ بِالْعِتْقِ ، ثَبَتَ ، وَلَمْ يَحْلِفْ الْعَبْدُ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَقَرَّ بِأَنَّهُ مَا أَعْتَقَهُ ، لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ ، فَلَا فَائِدَةَ فِي إحْلَافِهِ ، وَيَحْلِفُ الْبَائِعُ لِلْمُشْتَرِي .\rوَإِنْ أَقَرَّ لِلْمُشْتَرِي ثَبَتَ الْمِلْكُ ، وَلَمْ يَحْلِفْ الْعَبْدُ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَقَرَّ لَهُ أَنَّهُ كَانَ أَعْتَقَهُ ، لَمْ يَلْزَمْهُ غُرْمٌ ، فَلَا فَائِدَةَ فِي إحْلَافِهِ .\rوَإِنْ قُلْنَا : يُسْتَعْمَلَانِ فَاعْتَرَفَ لِأَحَدِهِمَا لَمْ يُرَجَّحْ","part":23,"page":425},{"id":11425,"text":"بِاعْتِرَافِهِ لِأَنَّ مِلْكُهُ قَدْ زَالَ فَإِنْ قُلْنَا تُرَجَّحُ إحْدَى الْبَيِّنَتَيْنِ بِالْقُرْعَةِ أَقْرَعْنَا بَيْنَهُمَا ، فَمَنْ خَرَجَتْ قُرْعَتُهُ ، قَدَّمْنَاهُ .\rقَالَ أَبُو بَكْرٍ هَذَا قِيَاسُ قَوْلِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ .\rفَعَلَى هَذَا ، يَحْلِفُ مَنْ خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ .\rوَإِنْ قُلْنَا : يُقْسَمُ .\rقَسَمْنَا الْعَبْدَ ، فَجَعَلْنَا نِصْفَهُ مَبِيعًا وَنِصْفَهُ حُرًّا ، وَيَسْرِي الْعِتْقُ إلَى جَمِيعِهِ إنْ كَانَ الْبَائِعُ مُوسِرًا ؛ لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ قَامَتْ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ أَعْتَقَهُ مُخْتَارًا ، وَقَدْ ثَبَتَ الْعِتْقُ فِي نِصْفِهِ بِشَهَادَتِهِمَا .","part":23,"page":426},{"id":11426,"text":"( 8526 ) فَصْلٌ : إذَا ادَّعَى رَجُلٌ زَوْجِيَّةَ امْرَأَةٍ ، فَأَقَرَّتْ بِذَلِكَ ، قُبُلِ إقْرَارُهَا ، لِأَنَّهَا أَقَرَّتْ عَلَى نَفْسِهَا وَهِيَ غَيْرُ مُتَّهَمَةٍ ، فَإِنَّهَا لَوْ أَرَادَتْ ابْتِدَاءَ النِّكَاحِ ، لَمْ تُمْنَعْ مِنْهُ .\rوَإِنْ ادَّعَاهَا اثْنَانِ ، فَأَقَرَّتْ لِأَحَدِهِمَا ، لَمْ يُقْبَلْ مِنْهَا ؛ لِأَنَّ الْآخَرَ يَدَّعِي مِلْكَ نِصْفِهَا ، وَهِيَ مُعْتَرِفَةٌ أَنَّ ذَلِكَ قَدْ مَلَكَ عَلَيْهَا ، فَصَارَ إقْرَارُهَا بِحَقِّ غَيْرِهَا ؛ وَلِأَنَّهَا مُتَّهَمَةٌ ، فَإِنَّهَا لَوْ أَرَادَتْ ابْتِدَاءَ تَزْوِيجِ أَحَدِ الْمُتَدَاعِيَيْنِ ، لَمْ يَكُنْ لَهَا ذَلِكَ قَبْلَ الِانْفِصَالِ مِنْ دَعْوَى الْآخَرِ .\rفَإِنْ قِيلَ : فَلَوْ تَدَاعَيَا عَيْنًا فِي يَدِ ثَالِثٍ ، فَأَقَرَّ لِأَحَدِهِمَا ، قُبِلَ .\rقُلْنَا : لَا يَثْبُتُ الْمِلْكُ بِإِقْرَارِهِ فِي الْعَيْنِ ، وَإِنَّمَا يَجْعَلُهُ كَصَاحِبِ الْيَدِ ، فَيَحْلِفُ ، وَالنِّكَاحُ لَا يُسْتَحَقُّ بِالْيَمِينِ ، فَلَمْ يَنْفَعْ الْإِقْرَارُ بِهِ هَاهُنَا ، فَإِنْ كَانَ لِأَحَدِ الْمُتَدَاعِيَيْنِ بَيِّنَةٌ ، حُكِمَ لَهُ بِهَا ؛ لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ حُجَّةٌ فِي النِّكَاحِ وَغَيْرِهِ .\rوَإِنْ أَقَامَا بَيِّنَتَيْنِ ، تَعَارَضَتَا ، وَسَقَطَتَا ، وَحِيلَ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَهَا ، وَلَا يُرَجَّحُ أَحَدُ الْمُتَدَاعِيَيْنِ بِإِقْرَارِ الْمَرْأَةِ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا ، وَلَا بِكَوْنِهَا فِي بَيْتِهِ وَيَدِهِ ؛ لِأَنَّ الْيَدَ لَا تَثْبُتُ عَلَى حُرَّةٍ ، وَلَا سَبِيلَ إلَى الْقِسْمَةِ هَاهُنَا ، وَلَا إلَى الْقُرْعَةِ ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مَعَ الْقُرْعَةِ مِنْ الْيَمِينِ ، وَلَا مَدْخَلَ لَهَا فِي النِّكَاحِ .","part":23,"page":427},{"id":11427,"text":"( 8527 ) فَصْلٌ : إذَا قَالَ السَّيِّدُ لِعَبْدِهِ : إنْ قُتِلْتُ فَأَنْتَ حُرٌّ .\rثُمَّ مَاتَ ، فَادَّعَى الْعَبْدُ أَنَّهُ قُتِلَ ، وَأَنْكَرَ الْوَرَثَةُ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُمْ مَعَ أَيْمَانِهِمْ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْقَتْلِ ، فَإِنْ أَقَامَ بَيِّنَةً بِدَعْوَاهُ ، عَتَقَ ، وَإِنْ أَقَامَ الْوَرَثَةُ بَيِّنَةً بِمَوْتِهِ ، قُدِّمَتْ بَيِّنَةُ الْعَبْدِ ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ ؛ لِأَنَّهَا تَشْهَدُ بِزِيَادَةِ ، وَهِيَ الْقَتْلُ .\rوَالثَّانِي ، تَتَعَارَضَانِ ؛ لِأَنَّ إحْدَاهُمَا تَشْهَدُ بِضِدِّ مَا شَهِدَتْ بِهِ الْأُخْرَى ، فَيَبْقَى عَلَى الرِّقِّ .\rوَإِنْ قَالَ : إنْ مِتُّ فِي رَمَضَانَ ، فَعَبْدِي سَالِمٌ حُرٌّ ، وَإِنْ مِتُّ فِي شَوَّالَ فَعَبْدِي غَانِمٌ حُرٌّ .\rثُمَّ مَاتَ ، فَادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَوْتَهُ فِي الشَّهْرِ الَّذِي يَعْتِقُ بِمَوْتِهِ فِيهِ وَأَنْكَرَهُمَا الْوَرَثَةُ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُمْ مَعَ أَيْمَانِهِمْ .\rوَإِنْ أَقَرُّوا لِأَحَدِهِمَا ، عَتَقَ بِإِقْرَارِهِمْ .\rوَإِنْ أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةً بِمُوجِبِ عِتْقِهِ ، فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ ؛ أَحَدُهَا ، تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ سَالِمٍ ؛ لِأَنَّ مَعَهَا زِيَادَةَ عِلْمٍ ، فَإِنَّهَا أَثْبَتَتْ مَا يَجُوزُ أَنْ يَخْفَى عَلَى الْبَيِّنَةِ الْأُخْرَى ، وَهُوَ مَوْتُهُ فِي رَمَضَانَ .\rوَالثَّانِي ، يَتَعَارَضَانِ ، وَيَبْقَى الْعَبْدَانِ عَلَى الرِّقِّ ؛ لِأَنَّهُمَا سَقَطَا ، فَصَارَا ، كَمَنْ لَا بَيِّنَةَ لَهُمَا .\rوَالثَّالِثُ ، يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا ، فَيَعْتِقُ مَنْ تَقَعُ لَهُ الْقُرْعَةُ ، وَإِنْ قَالَ : إنْ بَرِئْت مِنْ مَرَضِي هَذَا ، فَسَالِمٌ حُرٌّ ، وَإِنْ مِتّ مِنْهُ ، فَغَانِمٌ حُرٌّ ، فَمَاتَ ، وَادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُوجِبَ عِتْقِهِ ، أَقْرَعَ بَيْنَهُمَا ، فَمَنْ خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ ، عَتَقَ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ بَرَأَ أَوْ لَمْ يَبْرَأْ ، فَيَعْتِقُ أَحَدُهُمَا عَلَى كُلِّ حَالٍ ، وَلَمْ تُعْلَمْ عَيْنُهُ فَيُخْرَجُ بِالْقُرْعَةِ ، كَمَا لَوْ أَعْتَقَ أَحَدَهُمَا ، فَأَشْكَلَ عَلَيْنَا .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَدَّمَ قَوْلُ غَانِمٍ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْبُرْءِ .\rوَإِنْ أَقَامَ كُلُّ","part":23,"page":428},{"id":11428,"text":"وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةً بِمُوجِبِ عِتْقِهِ ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا : يَتَعَارَضَانِ ، وَيَبْقَى الْعَبْدَانِ عَلَى الرِّقِّ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا تُكَذِّبُ الْأُخْرَى ، وَتُثْبِتُ زِيَادَةً تَنْفِيَهَا الْأُخْرَى .\rوَلَا يَصِحُّ هَذَا الْقَوْلُ ؛ لِأَنَّ لِلتَّعَارُضِ أَثَرَهُ فِي إسْقَاطِ الْبَيِّنَتَيْنِ ، وَلَوْ لَمْ يَكُونَا أَصْلًا لَعَتَقَ أَحَدُهُمَا ، فَكَذَلِكَ إذَا سَقَطَتَا ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو مِنْ إحْدَى الْحَالَتَيْنِ اللَّتَيْنِ عَلَّقَ عَلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عِتْقَ أَحَدِهِمَا ، فَيَلْزَمُ وُجُودُهُ ، كَمَا لَوْ قَالَ : إنْ كَانَ هَذَا الطَّائِرُ غُرَابًا ، فَسَالِمٌ حُرٌّ .\rوَإِنْ لَمْ يَكُنْ غُرَابًا فَغَانِمٌ حُرٌّ .\rوَلَمْ يُعْلَمْ حَالُهُ ، وَلَكِنْ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، أَنْ يُقْرَعَ بَيْنَهُمَا ، كَمَا فِي مَسْأَلَةِ الطَّائِرِ ؛ لِأَنَّ الْبَيِّنَتَيْنِ إذَا تَعَارَضَتَا قُدِّمَتْ إحْدَاهُمَا بِالْقُرْعَةِ ، فِي رِوَايَةٍ .\rوَالثَّانِي ، تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ سَالِمٍ ؛ لِأَنَّهَا شَهِدَتْ بِزِيَادَةٍ ، وَهِيَ الْبُرْءُ .\rوَإِنْ أَقَرَّ الْوَرَثَةُ لِأَحَدِهِمْ ، عَتَقَ بِإِقْرَارِهِمْ ، وَلَمْ يَسْقُطْ حَقُّ الْآخَرِ مِمَّا ذَكَرْنَا ، إلَّا أَنْ يَشْهَدَ اثْنَانِ عَدْلَانِ مِنْهُمْ بِذَلِكَ ، مَعَ انْتِفَاءِ التُّهْمَةِ ، فَيَعْتِقَ وَحْدَهُ إذَا لَمْ تَكُنْ لِلْآخَرِ بَيِّنَةٌ .","part":23,"page":429},{"id":11429,"text":"( 8528 ) فَصْلٌ : وَإِذَا ادَّعَى سَالِمٌ أَنَّ سَيِّدَهُ أَعْتَقَهُ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ ، وَادَّعَى عَبْدُهُ الْآخَرُ غَانِمٌ أَنَّهُ أَعْتَقَهُ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ثُلُثُ مَالِهِ ، فَأَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِدَعْوَاهُ بَيِّنَةً فَلَا تَعَارُضَ بَيْنَهُمَا ؛ لِأَنَّ مَا شَهِدَتْ بِهِ كُلُّ بَيِّنَةٍ لَا يَنْفِي مَا شَهِدَتْ بِهِ الْأُخْرَى ، وَلَا تُكَذِّبُ إحْدَاهُمَا الْأُخْرَى ، فَيَثْبُتُ إعْتَاقُهُ لَهُمَا ، ثُمَّ يُنْظَرُ ، فَإِنْ كَانَتْ الْبَيِّنَتَانِ مُؤَرِّخَتَيْنِ بِتَارِيخَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ ، عَتَقَ الْأَوَّلُ مِنْهُمَا .\rوَرَقَّ الثَّانِي ، إلَّا أَنْ يُجِيزَ الْوَرَثَةُ ، لِأَنَّ الْمَرِيضَ إذَا تَبَرَّعَ بِتَبَرُّعَاتٍ ، يَعْجِزُ ثُلُثُهُ عَنْ جَمِيعِهَا ، قُدِّمَ الْأَوَّلُ فَالْأَوَّلُ ، وَإِنْ اتَّفَقَ تَارِيخُهُمَا ، أَوْ أُطْلِقَتَا ، أَوْ إحْدَاهُمَا ، فَهُمَا سَوَاءٌ ؛ لِأَنَّهُ لَا مَزِيَّهُ لِإِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى ، فَيَسْتَوِيَانِ ، وَيُقْرَعُ بَيْنَهُمَا ، فَمَنْ خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ ، عَتَقَ ، وَرَقَّ الْآخَرُ ، إلَّا أَنْ يُجِيزَ الْوَرَثَةُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو ؛ إمَّا أَنْ يَكُونَ أَعْتَقَهُمَا مَعًا ، فَيُقْرَعَ بَيْنَهُمَا ، كَمَا فَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْعَبِيدِ السِّتَّةِ الَّذِينَ أَعْتَقَهُمْ سَيِّدُهُمْ عِنْدَ مَوْتِهِ ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُمْ ، أَوْ يَكُونَ أَعْتَقَ أَحَدَهُمَا قَبْلَ صَاحِبِهِ ، وَأَشْكَلَ عَلَيْنَا ، فَيُخْرَجَ بِالْقُرْعَةِ ، كَمَا فِي مَسْأَلَةِ الطَّائِرِ .\rوَقِيلَ : يُعْتَقُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ نِصْفُهُ .\rوَهُوَ قَوْلٌ لِلشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى التَّعْدِيلِ بَيْنَهُمَا فَإِنَّ فِي الْقُرْعَةِ ، قَدْ يَرِقُّ السَّابِقُ الْمُسْتَحِقُّ لِلْعِتْقِ ، وَيَعْتِقُ الثَّانِي الْمُسْتَحِقُّ لِلرِّقِّ ، وَفِي الْقِسْمَةِ لَا يَخْلُو الْمُسْتَحِقُّ لِلْعِتْقِ مِنْ حُرِّيَّةٍ ، وَلَا الْمُسْتَحِقُّ لِلرِّقِّ مِنْ رِقٍّ ، وَلِذَلِكَ قَسَمْنَا الْمُخْتَلَفَ فِيهِ عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ ، إذَا تَعَارَضَتْ بِهِ بَيِّنَتَانِ .\rوَالْأَوَّلُ الْمَذْهَبُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو مِنْ شُبْهَةٍ بِإِحْدَى","part":23,"page":430},{"id":11430,"text":"الصُّورَتَيْنِ اللَّتَيْنِ ذَكَرْنَاهُمَا .\rوَالْقُرْعَةُ ثَابِتَةٌ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا .\rوَقَوْلُهُمْ : إنَّ فِي الْقُرْعَةِ احْتِمَالَ إرْقَاقِ نِصْفِ الْحُرِّ .\rقُلْنَا : وَفِي الْقِسْمَةِ إرْقَاقُ نِصْفِ الْحُرِّ يَقِينًا ، وَتَحْرِيرُ نِصْفِ الرَّقِيقِ يَقِينًا ، وَهُوَ أَعْظَمُ ضَرَرًا .\rوَإِنْ كَانَتْ قِيمَةُ أَحَدِهِمَا الثُّلُثَ ، وَقِيمَةُ الْآخَرِ دُونَ الثُّلُثِ ، فَكَانَ الْأَوَّلَ أَوْ الَّذِي خَرَجَتْ قُرْعَتُهُ الثُّلُثَ ، عَتَقَ ، وَرَقَّ الْآخَرُ .\rوَإِنْ كَانَ هُوَ النَّاقِصَ عَنْ الثُّلُثِ ، عَتَقَ ، وَعَتَقَ مِنْ الْآخَرِ تَمَامُ الثُّلُثِ .\rوَإِنْ كَانَ لِأَحَدِهِمَا بَيِّنَةٌ ، وَلَا بَيِّنَةَ لِلْآخَرِ ، أَوْ بَيِّنَةٌ فَاسِقَةٌ ، عَتَقَ صَاحِبُ الْبَيِّنَةِ الْعَادِلَةِ ، وَرَقَّ الْآخَرُ .\rوَإِنْ كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ عَادِلَةٌ ، إلَّا أَنَّ إحْدَاهُمَا تَشْهَدُ أَنَّهُ أَعْتَقَ سَالِمًا فِي مَرَضِهِ ، وَالْأُخْرَى تَشْهَدُ بِأَنَّهُ وَصَّى بِعِتْقِ غَانِمٍ ، وَكَانَ سَالِمٌ ثُلُثَ الْمَالِ ، عَتَقَ وَحْدَهُ وَوَقَفَ عِتْقُ غَانِمٍ عَلَى إجَازَةِ الْوَرَثَةِ ؛ لِأَنَّ التَّبَرُّعَ يُقَدَّمُ عَلَى الْوَصِيَّةِ .\rوَإِنْ كَانَ سَالِمٌ أَقَلَّ مِنْ الثُّلُثِ ، عَتَقَ مِنْ غَانِمٍ تَمَامُ الثُّلُثِ .\rوَإِنْ شَهِدَتْ إحْدَاهُمَا أَنَّهُ وَصَّى بِعِتْقِ سَالِمٍ ، وَشَهِدَتْ الْأُخْرَى أَنَّهُ وَصَّى بِعِتْقِ غَانِمٍ ، فَهُمَا سَوَاءٌ ، وَيُقْرَعُ بَيْنَهُمَا ، سَوَاءٌ اتَّفَقَ تَارِيخُهُمَا أَوْ اخْتَلَفَ ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ يَسْتَوِي فِيهَا الْمُتَقَدِّمُ وَالْمُتَأَخِّرُ .\rوَقَالَ أَبُو بَكْرٍ وَابْنُ أَبِي مُوسَى : يَعْتِقُ نِصْفُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِغَيْرِ قُرْعَةٍ ؛ لِأَنَّ الْقُرْعَةَ إنَّمَا تَجِبُ إذَا كَانَ أَحَدُهُمَا عَبْدًا وَالْآخَرُ حُرًّا ، وَلَا كَذَلِكَ هَاهُنَا ، فَيَجِبُ أَنْ تُقْسَمَ الْوَصِيَّةُ بَيْنَهُمَا ، وَيَدْخُلُ النَّقْصُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِقَدْرِ وَصِيَّتِهِ ، كَمَا لَوْ وَصَّى لِاثْنَيْنِ بِمَالٍ .\rوَالْأَوَّلُ قِيَاسُ الْمَذْهَبِ ؛ لِأَنَّ الْإِعْتَاقَ بَعْدَ الْمَوْتِ كَالْإِعْتَاقِ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ ، وَقَدْ ثَبَتَ فِي الْإِعْتَاقِ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ","part":23,"page":431},{"id":11431,"text":"أَنَّهُ يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا لِحَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ، فَكَذَلِكَ بَعْدَ الْمَوْتِ ، وَلِأَنَّ الْمَعْنَى الْمُقْتَضِيَ لِتَكْمِيلِ الْعِتْقِ فِي أَحَدُهُمَا فِي الْحَيَاةِ مَوْجُودٌ بَعْدَ الْمَمَاتِ ، فَيَثْبُتُ .\rفَأَمَّا إنْ صَرَّحَ ، فَقَالَ : إذَا مِتّ ، فَنِصْفُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ سَالِمٍ وَغَانِمٍ حُرٌّ .\rأَوْ كَانَ فِي لَفْظِهِ مَا يَقْتَضِيه ، أَوْ دَلَّتْ عَلَيْهِ قَرِينَةٌ ، ثَبَتَ مَا اقْتَضَاهُ .","part":23,"page":432},{"id":11432,"text":"فَصْلٌ : وَإِنْ خَلَّفَ الْمَرِيضُ ابْنَيْنِ ، لَا وَارِثَ لَهُ سِوَاهُمَا ، فَشَهِدَا أَنَّهُ أَعْتَقَ سَالِمًا فِي مَرَضِ مَوْتِهِ ، وَشَهِدَ أَجْنَبِيَّانِ أَنَّهُ أَعْتَقَ غَانِمًا فِي مَرَضِ مَوْتِهِ ، وَكُلُّ وَاحِدٍ ثُلُثُ مَالِهِ ، وَلَمْ يَطْعَنْ الِابْنَانِ فِي شَهَادَتِهِمَا ، وَكَانَتْ الْبَيِّنَتَانِ عَادِلَتَيْنِ ، فَالْحُكْمُ فِيهِ كَالْحُكْمِ فِيمَا إذَا كَانَا أَجْنَبِيَّيْنِ ، سَوَاءً ؛ لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ أَنَّ الْمَيِّتَ أَعْتَقَ الْعَبْدَيْنِ .\rفَإِنْ طَعَنَ الِاثْنَانِ فِي شَهَادَةِ الْأَجْنَبِيَّيْنِ ، وَقَالَا : مَا أَعْتَقَ غَانِمًا فِي مَرَضِ مَوْتِهِ وَكُلُّ وَاحِدٍ ثُلُثُ مَالِهِ ، إنَّمَا أَعْتَقَ سَالِمًا .\rلَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُمَا فِي رَدِّ شَهَادَةِ الْأَجْنَبِيَّةِ ؛ لِأَنَّهَا بَيِّنَةٌ عَادِلَةٌ مُثْبِتَةٌ ، وَالْأُخْرَى نَافِيَةٌ ، وَقَوْلُ الْمُثْبِتُ يُقَدَّمُ عَلَى قَوْلِ النَّافِي ، وَيَكُونُ حُكْمُ مَا شَهِدَتْ بِهِ حُكْمَ مَا إذَا لَمْ يَطْعَنْ الْوَرَثَةُ فِي شَهَادَتِهِمَا ، فِي أَنَّهُ يَعْتِقُ إنْ تَقَدَّمَ تَارِيخُ عِتْقِهِ ، أَوْ خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ ، وَيَرِقُّ إذَا تَأَخَّرَ تَارِيخُهُ ، أَوْ خَرَجَتْ الْقُرْعَةُ لِغَيْرِهِ .\rوَأَمَّا الَّذِي شَهِدَ بِهِ الِابْنَانِ ، فَيَعْتِقُ كُلُّهُ ؛ لَإِقْرَارِهِمَا بِإِعْتَاقِهِ وَحْدَهُ ، وَاسْتِحْقَاقِهِ لِلْحُرِّيَّةِ .\rوَهَذَا قَوْلُ الْقَاضِي .\rوَقِيلَ : يَعْتِقُ ثُلُثَاهُ إنْ حُكِمَ بِعِتْقِ سَالِمٍ ، وَهُوَ ثُلُثُ الْبَاقِي ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ الَّذِي شَهِدَ بِهِ الْأَجْنَبِيَّانِ كَالْمَغْصُوبِ مِنْ التَّرِكَةِ ، وَكَالذَّاهِبِ مِنْ التَّرِكَةِ بِمَوْتِ أَوْ تَلَفٍ ، فَيَعْتِقُ ثُلُثُ الْبَاقِي .\rوَهُوَ ثُلُثًا غَانِمٍ .\rوَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ؛ لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ خُرُوجُهُ مِنْ الثُّلُثِ حَالَ الْمَوْتِ ، وَحَالَ الْمَوْتِ فِي قَوْلِ الِابْنَيْنِ لَمْ يَعْتِقْ سَالِمٌ ، إنَّمَا عَتَقَ بِالشَّهَادَةِ بَعْدَ الْمَوْتِ ، فَيَكُونُ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ مَوْتِهِ بَعْدَ مَوْتِ سَيِّدِهِ ، فَلَا يَمْنَعُ مِنْ عِتْقِ مَنْ خَرَجَ مِنْ الثُّلُثِ قَبْلَ مَوْتِهِ .\rفَإِنْ كَانَ الِابْنَانِ فَاسِقَيْنِ وَلَمْ يَرُدَّا شَهَادَةَ الْأَجْنَبِيَّةِ ، ثَبَتَ الْعِتْقُ","part":23,"page":433},{"id":11433,"text":"لَسَالِمٍ ، وَلَمْ يُزَاحِمْهُ مَنْ شَهِدَ لَهُ الِابْنَانِ ، لِفِسْقِهِمَا ؛ لِأَنَّ شَهَادَةَ الْفَاسِقِ كَعَدَمِهَا ، فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُمَا فِي إسْقَاطِ حَقٍّ ثَبَتَ بِبَيِّنَةٍ عَادِلَةٍ ، وَقَدْ أَقَرَّ الِابْنَانِ بِعِتْقِ غَانِمٍ ، فَيُنْظَرُ ؛ فَإِنْ تَقَدَّمَ تَارِيخُ عِتْقِهِ ، أَوْ أَقْرَعَ بَيْنَهُمَا فَخَرَجَتْ الْقُرْعَةُ لَهُ ، عَتَقَ كُلُّهُ ، كَمَا قُلْنَا فِي الَّتِي قَبْلَهَا .\rوَإِنْ تَأَخَّرَ تَارِيخُ عِتْقِهِ ، أَوْ خَرَجَتْ الْقُرْعَةُ لِغَيْرِهِ ، لَمْ يَعْتِقْ مِنْهُ شَيْءٌ ؛ لِأَنَّ الِابْنَيْنِ لَوْ كَانَا عَدْلَيْنِ ، لَمْ يَعْتِقُ مِنْهُ شَيْءٌ ، فَإِذَا كَانَا فَاسِقَيْنِ أَوْلَى .\rوَقَالَ الْقَاضِي ، وَبَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ : يَعْتِقُ نِصْفُهُ فِي الْأَحْوَالِ كُلِّهَا ؛ لِأَنَّهُ اسْتَحَقَّ الْعِتْقَ بِإِقْرَارِ الْوَرَثَةِ ، مَعَ ثُبُوتِ الْعِتْقِ لِلْآخَرِ بِالْبَيِّنَةِ الْعَادِلَةِ ، فَصَارَ بِالنِّسْبَةِ كَأَنَّهُ أَعْتَقَ الْعَبْدَيْنِ ، فَيَعْتِقُ مِنْهُ نِصْفُهُ .\rوَهَذَا لَا يَصِحُّ ؛ فَإِنَّهُ لَوْ أَعْتَقَ الْعَبْدَيْنِ ، لَأَعْتَقْنَا أَحَدَهُمَا بِالْقُرْعَةِ ، لِأَنَّهُ فِي حَالِ تَقَدُّمِ تَارِيخِ عِتْقِ مَنْ شَهِدَتْ لَهُ الْبَيِّنَةُ ، لَا يَعْتِقُ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَتْ بَيِّنَتُهُ عَادِلَةً ، فَمَعَ فُسُوقِهَا أَوْلَى ، وَإِنْ كَذَّبَتْ الْوَرَثَةُ الْأَجْنَبِيَّةَ ، فَقَالَتْ : مَا أَعْتَقَ غَانِمًا ، إنَّمَا أَعْتَقَ سَالِمًا ، عَتَقَ الْعَبْدَانِ .\rوَقِيلَ : يَعْتِقُ مِنْ سَالِمٍ ثُلُثَاهُ .\rوَالْأَوَّلُ أَوْلَى .","part":23,"page":434},{"id":11434,"text":"( 8530 ) فَصْلٌ : فَإِنْ شَهِدَ عَدْلَانِ أَجْنَبِيَّانِ ، أَنَّهُ وَصَّى بِعِتْقِ سَالِمٍ ، وَشَهِدَ عَدْلَانِ وَارِثَانِ ، أَنَّهُ رَجَعَ عَنْ الْوَصِيَّةِ بِعِتْقِ سَالِمٍ ، وَوَصَّى بِعِتْقِ غَانِمٍ ، وَقِيمَتُهُمَا سَوَاءٌ ، أَوْ كَانَتْ قِيمَةُ غَانِمٍ أَكْثَرَ ، قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمَا ، وَبَطَلَتْ وَصِيَّةُ سَالِمٍ ، لِأَنَّهُمَا لَا يَجُرَّانِ إلَى أَنْفُسِهِمَا نَفْعًا وَلَا يَدْفَعَانِ عَنْهَا ضَرَرًا .\rفَإِنْ قِيلَ : فَهُمَا يُثْبِتَانِ لَأَنْفُسِهِمَا وَلَاءَ غَانِمٍ .\rقُلْنَا : وَهُمَا يُسْقِطَانِ وَلَاءَ سَالِمٍ ، وَعَلَى أَنَّ الْوَلَاءَ إثْبَاتُ سَبَبِ الْمِيرَاثِ ، وَهَذَا لَا يَمْنَعُ قَبُولَ الشَّهَادَةِ ، بِدَلِيلِ مَا لَوْ شَهِدَا بِعِتْقِ غَانِمٍ مِنْ غَيْرِ مُعَارِضٍ ، ثَبَتَ عِتْقُهُ ، وَلَهُمَا وَلَاؤُهُ ، وَلَوْ شَهِدَا بِثُبُوتِ نَسَبِ أَخٍ لَهُمَا ، قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمَا ، مَعَ ثُبُوتِ سَبَبِ الْإِرْثِ لَهُمَا ، وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ الْمَرْأَةِ لِأَخِيهِ بِالْمَالِ ، وَإِنْ جَازَ أَنْ يَرِثَهُ ، فَإِنْ كَانَ الْوَارِثَانِ فَاسِقَيْنِ ، لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُمَا فِي الرُّجُوعِ ، وَيَلْزَمُهُمَا إقْرَارُهُمَا لَغَانِمٍ ، فَيَعْتِقُ سَالِمٌ بِالْبَيِّنَةِ الْعَادِلَةِ ، وَيَعْتِقُ غَانِمٌ بِإِقْرَارِ الْوَرَثَةِ بِالْوَصِيَّةِ بِإِعْتَاقِهِ وَحْدَهُ .\rوَذَكَرَ الْقَاضِي ، وَأَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ ، أَنَّهُ إنَّمَا يَعْتِقُ .\rثُلُثَاهُ ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا عَتَقَ سَالِمٌ بِشَهَادَةِ الْأَجْنَبِيَّيْنِ ، صَارَ كَالْمَغْصُوبِ ، فَصَارَ غَانِمٌ نِصْفَ التَّرِكَةِ ، فَيَعْتِقُ ثُلُثَاهُ ، وَهُوَ ثُلُثُ التَّرِكَةِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الْوَارِثَةَ تُقِرُّ بِأَنَّهُ حِينَ الْمَوْتِ ثُلُثُ التَّرِكَةِ ، وَأَنَّ عِتْقَ سَالِمٍ إنَّمَا كَانَ بِشَهَادَتِهِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ ، فَصَارَ كَالْمَغْصُوبِ بَعْدَ الْمَوْتِ ، وَلَوْ غُصِبَ بَعْدَ الْمَوْتِ ، لَمْ يَمْنَعْ ، عِتْقَ غَانِمٍ كُلَّهُ ، فَكَذَلِكَ الشَّهَادَةُ بِعِتْقِهِ .\rوَقَدْ ذَكَرِ الْقَاضِي ، فِيمَا إذَا شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ عَادِلَةٌ بِإِعْتَاقِ سَالِمٍ فِي مَرَضِهِ ، وَوَارِثَةٌ فَاسِقَةٌ بِإِعْتَاقِ غَانِمٍ فِي مَرَضِهِ ، وَأَنَّهُ لَمْ يُعْتِقْ سَالِمًا ، أَنَّ غَانِمًا يَعْتِقُ","part":23,"page":435},{"id":11435,"text":"كُلُّهُ .\rوَهَذَا مِثْلُهُ .\rفَأَمَّا إنْ كَانَتْ قِيمَةُ غَانِمٍ أَقَلَّ مِنْ قِيمَةٍ سَالِمٍ ، فَالْوَارِثَةُ مُتَّهَمَةٌ ؛ لِكَوْنِهَا تَرُدُّ إلَى الرِّقِّ مَنْ كَثُرَتْ قِيمَتِهِ ، فَتُرَدُّ شَهَادَتُهَا فِي الرُّجُوعِ ، كَمَا تُرَدُّ شَهَادَتُهَا بِالرُّجُوعِ عَنْ الْوَصِيَّةِ ، وَيَعْتِقُ سَالِمٌ ، وَغَانِمٌ كُلُّهُ أَوْ ثُلُثَاهُ وَهُوَ ثُلُثُ الْبَاقِي ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ الِاخْتِلَافِ فِيمَا إذَا كَانَتْ فَاسِقَةً .\rفَإِنْ لَمْ تَشْهَدْ الْوَارِثَةُ بِالرُّجُوعِ عَنْ عِتْقِ سَالِمٍ ، لَكِنْ شَهِدَتْ بِالْوَصِيَّةِ بِعِتْقِ غَانِمٍ وَهِيَ بَيِّنَةٌ عَادِلَةٌ ، ثَبَتَتْ الْوَصِيَّتَانِ ، سَوَاءٌ كَانَتْ قِيمَتُهَا سَوَاءً أَوْ مُخْتَلِفَةً فَيُعْتَقَانِ إنْ لَمْ يَخْرُجَا مِنْ الثُّلُثِ ، وَإِنْ خَرَجَا مِنْ الثُّلُثِ ، أَقْرَعَ بَيْنَهُمَا ، فَيَعْتِقُ مَنْ خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ ، وَيَعْتِقُ تَمَامُ الثُّلُثِ مِنْ الْآخَرِ ، سَوَاءٌ تَقَدَّمَتْ إحْدَى الْوَصِيَّتَيْنِ عَلَى الْأُخْرَى أَوْ اسْتَوَتَا ؛ لِأَنَّ الْمُتَقَدِّمَ وَالْمُتَأَخِّرَ مِنْ الْوَصَايَا سَوَاءٌ .","part":23,"page":436},{"id":11436,"text":"( 8531 ) فَصْلٌ : وَلَوْ شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ عَادِلَةٌ ، أَنَّهُ وَصَّى لِزَيْدٍ بِثُلُثِ مَالِهِ ، وَشَهِدَتْ بَيِّنَةٌ أُخْرَى أَنَّهُ رَجَعَ عَنْ الْوَصِيَّةِ لِزَيْدٍ ، وَوَصَّى لِعَمْرٍو بِثُلُثِ مَالِهِ وَشَهِدَتْ بَيِّنَةٌ ثَالِثَةٌ ، أَنَّهُ رَجَعَ عَنْ الْوَصِيَّةِ لِعَمْرٍو ، وَوَصَّى لِبَكْرٍ بِثُلُثِ مَالِهِ صَحَّتْ الشَّهَادَاتُ كُلُّهَا ، وَكَانَتْ الْوَصِيَّةُ لِبَكْرٍ سَوَاءٌ كَانَتْ الْبَيِّنَتَانِ مِنْ الْوَرَثَةِ ، أَوْ لَمْ تَكُنْ ؛ لِأَنَّهُ لَا تُهْمَةَ فِي حَقِّهِمْ .\rوَإِنْ كَانَتْ شَهَادَةُ الْبَيِّنَةِ الثَّالِثَةِ أَنَّهُ رَجَعَ عَنْ إحْدَى الْوَصِيَّتَيْنِ ، لَمْ تُفِدْ هَذِهِ الشَّهَادَةُ شَيْئًا ؛ لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ بِالْبَيِّنَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّهُ رَجَعَ عَنْ وَصِيَّةِ زَيْدٍ ، وَهِيَ إحْدَى الْوَصِيَّتَيْنِ .\rفَعَلَى هَذَا ، تَثْبُتُ الْوَصِيَّةُ لِعَمْرٍو .\rوَإِنْ كَانَتْ الْبَيِّنَةُ الثَّانِيَةُ شَهِدَتْ بِالْوَصِيَّةِ لِعَمْرٍو .\rوَلَمْ تَشْهَدْ بِالرُّجُوعِ عَنْ وَصِيَّةِ زَيْدِ ، فَشَهِدَتْ الثَّالِثَةُ بِالرُّجُوعِ عَنْ إحْدَى الْوَصِيَّتَيْنِ لَا بِعَيْنِهَا ، فَقَالَ الْقَاضِي : لَا تَصِحُّ الشَّهَادَةُ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُمَا لَمْ يُعَيِّنَا الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ ، يَصِيرُ كَمَا لَوْ قَالَا : نَشْهَدُ أَنَّ لِهَذَا عَلَى أَحَدِ هَذَيْنِ أَلْفًا .\rأَوْ أَنَّ لِأَحَدِ هَذَيْنِ عَلَى هَذَا أَلْفًا ، يَكُونُ الثُّلُثُ بَيْنَ الْجَمِيعِ أَثْلَاثًا .\rوَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : قِيَاسُ قَوْلِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ، أَنَّهُ لَا يَصِحُّ الرُّجُوعُ عَنْ إحْدَى الْوَصِيَّتَيْنِ ، وَيُقْرَعُ بَيْنَهُمَا ، فَمَنْ خَرَجَتْ لَهُ قُرْعَةُ الرُّجُوعِ عَنْ وَصِيَّتِهِ ، بَطَلَتْ وَصِيَّتُهُ ، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ أَبِي مُوسَى .\rوَإِذَا صَحَّ الرُّجُوعُ عَنْ إحْدَاهُمَا بِغَيْرِ تَعْيِينٍ ، صَحَّتْ الشَّهَادَةُ بِهِ كَذَلِكَ .\rوَوَجْهُ ذَلِكَ ، أَنَّ الْوَصِيَّةَ تَصِحُّ بِالْمَجْهُولِ أَوْ تَصِحُّ الشَّهَادَةُ فِيهَا بِالْمَجْهُولِ فَجَازَتْ فِي الرُّجُوعِ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينِ الْمَرْجُوعِ عَنْ وَصِيَّتِهِ .","part":23,"page":437},{"id":11437,"text":"( 8532 ) فَصْلٌ : وَإِنْ شَهِدَ شَاهِدَانِ أَنَّهُ وَصَّى لِزَيْدٍ بِثُلُثِ مَالِهِ ، وَشَهِدَ وَاحِدٌ أَنَّهُ وَصَّى لِعَمْرٍو بِثُلُثِ مَالِهِ ، انْبَنِي هَذَا عَلَى أَنَّ الشَّاهِدَ وَالْيَمِينَ هَلْ يُعَارِضُ الشَّاهِدَيْنِ أَوْ لَا ؟ فِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، يُعَارِضُهُمَا فَيَحْلِفُ عَمْرٌو مَعَ شَاهِدِهِ ، وَيُقْسَمُ الثُّلُثُ بَيْنَهُمَا ، لِأَنَّ الشَّاهِدَ وَالْيَمِينَ حُجَّةٌ فِي الْمَالِ ، فَأَشْبَهَ الشَّاهِدَيْنِ .\rوَالثَّانِي ، لَا يُعَارِضُهُمَا ؛ لِأَنَّ الشَّاهِدَيْنِ أَقْوَى ، فَيُرَجَّحَانِ عَلَى الشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ .\rفَعَلَى هَذَا ، يَنْفَرِدُ زَيْدٌ بِالثُّلُثِ ، وَتَقِفُ وَصِيَّةُ عَمْرٍو عَلَى إجَازَةِ الْوَرَثَةِ .\rفَأَمَّا إنْ شَهِدَ وَاحِدٌ أَنَّهُ رَجَعَ عَنْ وَصِيَّةِ زَيْدٍ ، وَوَصَّى لِعَمْرٍو بِثُلُثِهِ ، فَلَا تَعَارُضَ بَيْنَهُمَا ، وَيَحْلِفُ عَمْرٌو مَعَ شَاهِدِهِ ، وَتَثْبُتُ الْوَصِيَّةُ لِعَمْرٍو ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ ، أَنَّ فِي الْأُولَى ، تَقَابَلَتْ الْبَيِّنَتَانِ ، فَقَدَّمْنَا أَقْوَاهُمَا ، وَفِي الثَّانِيَةِ لَمْ يَتَقَابَلَا ، وَإِنَّمَا يَثْبُتُ الرُّجُوعُ ، وَهُوَ يَثْبُتُ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ ، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِهِ الْمَالُ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ","part":23,"page":438},{"id":11438,"text":"( 8533 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : وَلَوْ كَانَ فِي يَدِهِ دَارٌ ، فَادَّعَاهَا رَجُلٌ ، فَأَقَرَّ بِهَا لِغَيْرِهِ ، فَإِنْ كَانَ الْمُقَرُّ لَهُ بِهَا حَاضِرًا ، جُعِلَ الْخَصْمَ فِيهَا ، وَإِنْ كَانَ غَائِبًا ، وَكَانَتْ لِلْمُدَّعِي بَيِّنَةٌ ، حُكِمَ بِهَا لِلْمُدَّعِي بِبَيِّنَةٍ ، وَكَانَ الْغَائِبُ عَلَى خُصُومَتِهِ مَتَى حَضَرَ وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْإِنْسَانَ إذَا ادَّعَى دَارًا فِي يَدِ غَيْرِهِ ، فَقَالَ الَّذِي هِيَ فِي يَدِهِ : لَيْسَتْ لِي ، إنَّمَا هِيَ لِفُلَانٍ .\rوَكَانَ الْمُقَرُّ لَهُ بِهَا حَاضِرًا سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ ، فَإِنْ صَدَّقَهُ ، صَارَ الْخَصْمَ فِيهَا ، وَكَانَ صَاحِبَ الْيَدِ ؛ لِأَنَّ مَنْ هِيَ فِي يَدِهِ اعْتَرَفَ أَنَّ يَدَهُ نَائِبَةٌ عَنْ يَدِهِ ، وَإِقْرَارُ الْإِنْسَانِ بِمَا فِي يَدِهِ إقْرَارٌ صَحِيحٌ ، فَيَصِيرُ خَصْمًا لِلْمُدَّعِي ، فَإِنْ كَانَتْ لِلْمُدَّعِي بَيِّنَةٌ ، حُكِمَ لَهُ بِهَا ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَعَ يَمِينِهِ .\rوَإِنْ قَالَ الْمُدَّعِي : أَحْلِفُوا لِي الْمُقِرَّ الَّذِي كَانَتْ الْعَيْنُ فِي يَدِهِ ، أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ أَنَّهَا لِي .\rفَعَلَيْهِ الْيَمِينُ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَقَرَّ لَهُ بِهَا بَعْدَ اعْتِرَافِهِ ، لَزِمَهُ الْغُرْمُ كَمَا لَوْ قَالَ : هَذِهِ الْعَيْنُ لِزَيْدٍ .\rثُمَّ قَالَ : هِيَ لِعَمْرٍو .\rفَإِنَّهَا تُدْفَعُ إلَى زَيْدٍ ، وَيَدْفَعُ قِيمَتَهَا لِعَمْرٍو .\rوَمَنْ لَزِمَهُ الْغُرْمُ مَعَ الْإِقْرَارِ ، لَزِمَتْهُ الْيَمِينُ مَعَ الْإِنْكَارِ ، فَإِنْ رَدَّ الْمُقَرُّ لَهُ الْإِقْرَارَ ، وَقَالَ : لَيْسَتْ لِي ، وَإِنَّمَا هِيَ لِلْمُدَّعِي .\rحُكِمَ لَهُ بِهَا .\rوَإِنْ لَمْ يَقُلْ : هِيَ لِلْمُدَّعِي ، وَلَكِنْ قَالَ : لَيْسَتْ لِي .\rفَإِنْ كَانَتْ لِلْمُدَّعِي بَيِّنَةٌ ، حُكِمَ لَهُ بِهَا ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، تُدْفَعُ إلَى الْمُدَّعِي ؛ لِأَنَّهُ يَدَّعِيهَا ، وَلَا مُنَازِعَ لَهُ فِيهَا ، وَلِأَنَّ مَنْ هِيَ فِي يَدِهِ لَوْ ادَّعَاهَا ، ثُمَّ نَكَلَ ، قَضَيْنَا بِهَا ، لِلْمُدَّعِي فَمَعَ عَدَمِ ادِّعَائِهِ لَهَا أَوْلَى وَالثَّانِي ، لَا تُدْفَعُ إلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ لَهَا","part":23,"page":439},{"id":11439,"text":"مُسْتَحِقٌّ ؛ لِأَنَّ الْمُدَّعِيَ لَا يَدَ لَهُ ، وَلَا بَيِّنَةَ ، وَصَاحِبُ الْيَدِ مُعْتَرِفٌ أَنَّهَا لَيْسَتْ لَهُ ، فَيَأْخُذُهَا الْإِمَامُ فَيَحْفَظُهَا لِصَاحِبِهَا .\rوَهَذَا الْوَجْهُ الثَّانِي ذَكَرَهُ الْقَاضِي ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ دَلِيلِهِ .\rوَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَجْهَانِ كَهَذَيْنِ ، وَوَجْهٌ ثَالِثٌ ، أَنَّ الْمُدَّعِيَ يَحْلِفُ أَنَّهَا لَهُ ، وَتُسَلَّمُ إلَيْهِ .\rوَيَتَخَرَّجُ لَنَا مِثْلُهُ ؛ بِنَاءً عَلَى الْقَوْلِ بِرَدِّ الْيَمِينِ إذَا نَكَلَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ .\rوَإِنْ قَالَ الْمُقَرُّ لَهُ : هِيَ لِثَالِثٍ .\rانْتَقَلَتْ الْخُصُومَةُ إلَيْهِ ، وَصَارَ بِمَنْزِلَةِ صَاحِبِ الْيَدِ ؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ لَهُ بِهَا مَنْ الْيَدُ لَهُ حُكْمًا .\rوَأَمَّا إنْ أَقَرَّ بِهَا الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لَمَجْهُولٍ ، قِيلَ لَهُ : لَيْسَ هَذَا بِجَوَابٍ .\rفَإِنْ أَقْرَرْت بِهَا لِمَعْرُوفٍ ، وَإِلَّا جَعَلْنَاك نَاكِلًا وَقَضَيْنَا عَلَيْك .\rفَإِنْ أَصَرَّ ، قُضِيَ عَلَيْهِ بِالنُّكُولِ .\rوَإِنْ أَقَرَّ بِهَا لِغَائِبٍ ، أَوْ لِغَيْرِ مُكَلَّفٍ مُعَيَّنٍ ، كَالصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ ، صَارَتْ الدَّعْوَى عَلَيْهِ .\rفَإِنْ لَمْ تَكُنْ لِلْمُدَّعِي بَيِّنَةٌ ، لَمْ يُقْضَ لَهُ بِهَا ؛ لِأَنَّ الْحَاضِرَ يَعْتَرِفُ أَنَّهَا لَيْسَتْ لَهُ ، وَلَا يَقْضِي عَلَى الْغَائِبِ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى ، وَيَقِفُ الْأَمْرُ حَتَّى يَقْدَمَ الْغَائِبُ ، وَيَصِيرَ غَيْرُ الْمُكَلَّفِ مُكَلَّفًا فَتَكُونُ الْخُصُومَةُ مَعَهُ .\rفَإِنْ قَالَ الْمُدَّعِي : أَحْلِفُوا لِي الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَحَلَفْنَاهُ ؛ لِمَا تَقَدَّمَ .\rوَإِنْ أَقَرَّ بِهَا لِلْمُدَّعِي ، لَمْ تُسَلَّمْ إلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ اعْتَرَفَ أَنَّهَا لِغَيْرِهِ ، وَيَلْزَمُهُ أَنْ يَغْرَمَ لَهُ قِيمَتَهَا ؛ لِأَنَّهُ فَوَّتَهَا عَلَيْهِ بِإِقْرَارِهِ بِهَا لِغَيْرِهِ .\rوَإِنْ كَانَ مَعَ الْمُدَّعِي بَيِّنَةٌ ، سَمِعَهَا .\rالْحَاكِمُ ، وَقَضَى بِهَا ، وَكَانَ الْغَائِبُ عَلَى خُصُومَتِهِ ، مَتَى حَضَرَ ، لَهُ أَنْ يَقْدَحَ فِي بَيِّنَةِ الْمُدَّعِي ، وَأَنْ يُقِيمَ بَيِّنَةً تَشْهَدُ بِانْتِقَالِ الْمِلْكِ إلَيْهِ مِنْ الْمُدَّعِي .\rوَإِنْ أَقَامَ بَيِّنَةً أَنَّهَا مِلْكُهُ ،","part":23,"page":440},{"id":11440,"text":"فَهَلْ يَقْضِي بِهَا ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ ؛ بِنَاءً عَلَى تَقْدِيمِ بَيِّنَةِ الدَّاخِلِ أَوْ الْخَارِجِ ؛ فَإِنْ قُلْنَا تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ الْخَارِجِ .\rفَأَقَامَ الْغَائِبُ بَيِّنَةً تَشْهَدُ لَهُ بِالْمِلْكِ وَالنِّتَاجِ ، أَوْ سَبَبٍ مِنْ أَسْبَابِ الْمِلْكِ ، فَهَلْ تُسْمَعُ بَيِّنَتُهُ ، يَقْضِي بِهَا ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ .\rوَإِنْ كَانَ مَعَ الْمُقِرِّ بَيِّنَةٌ تَشْهَدُ بِهَا لِلْغَائِبِ ، سَمِعَهَا الْحَاكِمُ ، وَلَمْ يَقْضِ بِهَا ؛ لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ لِلْغَائِبِ ، وَالْغَائِبُ لَمْ يَدَّعِهَا هُوَ وَلَا وَكِيلُهُ ، وَإِنَّمَا سَمِعَهَا الْحَاكِمُ ؛ لِمَا فِيهَا مِنْ الْفَائِدَةِ وَهُوَ زَوَالُ التُّهْمَةِ عَنْ الْحَاضِرِ ، وَسُقُوطُ الْيَمِينِ عَنْهُ ، إذَا ادَّعَى عَلَيْهِ أَنَّك تَعْلَمُ أَنَّهَا لِي .\rوَيَتَخَرَّجُ أَنْ يَقْضِيَ بِهَا ، إذَا قُلْنَا بِتَقْدِيمِ بَيِّنَةِ الدَّاخِلِ ، وَأَنَّ لِلْمُودِعِ الْمُخَاصَمَةَ فِي الْوَدِيعَةِ إذَا غُصِبَتْ .\rوَلِأَنَّهَا بَيِّنَةٌ مَسْمُوعَةٌ ، فَيُقْضَى بِهَا ، كَبَيِّنَةِ الْمُدَّعِي إذَا لَمْ تُعَارِضْهَا بَيِّنَةٌ أُخْرَى .\rفَإِنْ ادَّعَى مَنْ هِيَ فِي يَدِهِ ، أَنَّهَا مَعَهُ بِإِجَارَةِ أَوْ عَارِيَّةٍ ، وَأَقَامَ بَيِّنَةً بِالْمِلْكِ لِلْغَائِبِ ، لَمْ يُقْضَ بِهَا ؛ لِوَجْهَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا أَنَّ ثُبُوتَ الْإِجَارَةِ وَالْعَارِيَّةِ يَتَرَتَّبُ عَلَى الْمِلْكِ لِلْمُؤَجَّرِ ، بِهَذِهِ الْبَيِّنَةِ ، فَلَا تَثْبُتُ الْإِجَارَةُ الْمُتَرَتِّبَةُ عَلَيْهَا .\rوَالثَّانِي أَنَّ بَيِّنَةَ الْخَارِجِ مُقَدَّمَةٌ عَلَى بَيِّنَةِ الدَّاخِلِ ، وَيَخْرُجُ الْقَضَاءُ بِهَا عَلَى تَقْدِيمِ بَيِّنَةِ الدَّاخِلِ ، وَكَوْنِ الْحَاضِرِ لَهُ فِيهَا حَقٌّ ؛ فَإِنَّهُ يَقْضِي بِهَا ، وَجْهًا وَاحِدًا .\rوَمَتَى عَادَ الْمُقِرُّ بِهَا لِغَيْرِهِ ، فَادَّعَاهَا لِنَفْسِهِ ، لَمْ تُسْمَعْ دَعْوَاهُ ؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُهَا ، فَلَا يُسْمَعُ مِنْهُ الرُّجُوعُ عَنْ إقْرَارِهِ .\rوَالْحُكْمُ فِي غَيْرِ الْمُكَلَّفِ ، كَالْحُكْمِ فِي الْغَائِبِ ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا","part":23,"page":441},{"id":11441,"text":"( 8534 ) فَصْلٌ : وَإِذَا طَلَبَ الْمُدَّعِي أَنْ يَكْتُبَ لَهُ مَحْضَرًا بِمَا جَرَى ، لَزِمَتْهُ إجَابَتُهُ ، فَيَكْتُبُ لَهُ : مَحْضَرًا حَضَرَ الْقَاضِي فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ الْفُلَانِيُّ قَاضِيَ عَبْدِ اللَّهِ الْإِمَامِ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ الْفُلَانِيِّ ، أَوْ خَلِيفَةُ الْقَاضِي فُلَانَ بْنِ فُلَانٍ الْفُلَانِيِّ إنْ كَانَ نَائِبًا ، فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ الْفُلَانِيَّ ، وَأَحْضَرَ مَعَهُ فُلَانَ بْنَ فُلَانٍ الْفُلَانِيَّ فَادَّعَى دَارًا فِي يَدَيْهِ - وَيُعَيِّنُهَا ، وَيَذْكُرُ حُدُودَهَا وَصِفَتَهَا - فَاعْتَرَفَ بِهَا الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لِفُلَانِ بْنِ فُلَانٍ الْفُلَانِيِّ ، وَهُوَ حِينَئِذٍ غَائِبٌ عَنْ بَلَدِ الْقَاضِي ، فَأَقَامَ الْمُدَّعِي بَيِّنَةً ، وَهِيَ فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ الْفُلَانِيُّ وَفُلَانُ بْنُ فُلَانٍ الْفُلَانِيُّ ، فَشَهِدَا عِنْدَهُ لِلْمُدَّعِي بِمَا ادَّعَاهُ ، وَعَرَفَ الْحَاكِمُ عَدَالَتَهُمَا بِمَا يَسُوغُ مَعَهُ قَبُولُ شَهَادَتِهِمَا ، أَوْ شَهِدَ عِنْدَهُ بِعَدَالَتِهِمَا فُلَانٌ ، وَفُلَانٌ ، فَقَبِلَ شَهَادَتَهُمَا فَقَضَى بِهَا عَلَى الْغَائِبِ ، جَعَلَ كُلَّ ذِي حُجَّةٍ عَلَى حُجَّتِهِ ، فَإِنْ كَانَ الْغَائِبُ ، قَدْ قَدِمَ ، وَلَمْ يَأْتِ بِحُجَّةٍ زَادَ : وَقَدِمَ الْغَائِبُ الْمُقَرُّ لَهُ بِهَا فُلَانٌ وَلَمْ يَأْتِ بِحُجَّةٍ تَدْفَعُ الْمُدَّعِيَ عَنْ دَعْوَاهُ .\rوَإِنْ أَقَامَ عِنْدَ حُضُورِهِ بَيِّنَةً ، زَادَ : وَأَقَامَ بَيِّنَةً .\rوَكَانَتْ بَيِّنَةُ الْمُدَّعِي مُقَدَّمَةً عَلَى بَيِّنَتِهِ ؛ لِأَنَّهَا بَيِّنَةُ خَارِجٍ .","part":23,"page":442},{"id":11442,"text":"( 8535 ) فَصْلٌ : وَإِذَا ادَّعَى إنْسَانٌ أَنْ أَبَاهُ مَاتَ وَخَلَّفَهُ وَأَخًا لَهُ غَائِبًا ، وَلَا وَارِثَ لَهُ سِوَاهُمَا ، وَتَرَكَ دَارًا فِي يَدِ هَذَا الرَّجُلِ ، فَأَنْكَرَ صَاحِبُ الْيَدِ ، وَأَقَامَ الْمُدَّعِي بَيِّنَةً بِمَا ادَّعَاهُ ، ثَبَتَتْ الدَّارُ لِلْمَيِّتِ ، وَانْتُزِعَتْ الدَّارُ مِنْ يَدِ الْمُنْكِرِ ، وَدُفِعَ نِصْفُهَا إلَى الْمُدَّعِي ، وَجُعِلَ النِّصْفُ الْآخَرُ فِي يَدِ أَمِينٍ لِلْغَائِبِ ، يَكْرِيه لَهُ .\rوَكَذَلِكَ إنْ كَانَ الْمُدَّعَى مِمَّا يُنْقَلُ وَيُحَوَّلُ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إنْ كَانَ مِمَّا يُنْقَلُ وَلَا يُحَوَّلُ ، أَوْ مِمَّا يَنْحَفِظُ وَلَا يُخَافُ هَلَاكُهُ ، لَمْ يُنْزَعْ نَصِيبُ الْغَائِبِ مِنْ يَدِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ الْغَائِبَ لَمْ يَدَّعِهِ هُوَ وَلَا وَكِيلُهُ ، فَلَمْ يُنْزَعْ مِنْ يَدِ مَنْ هُوَ فِي يَدِهِ ، كَمَا لَوْ ادَّعَى أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ دَارًا مُشْتَرَكَةً بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَجْنَبِيٍّ ، فَإِنَّهُ يُسَلَّمُ إلَى الْمُدَّعِي نَصِيبُهُ ، وَلَا يُنْزَعُ نَصِيبُ الْغَائِبِ ، كَذَا هَاهُنَا .\rوَلَنَا أَنَّهَا تَرِكَةُ مَيِّتٍ ثَبَتَتْ بِبَيِّنَةٍ ، فَوَجَبَ أَنْ يُنْزَعَ نَصِيبُ الْغَائِبِ ، كَالْمَنْقُولِ ، وَكَمَا لَوْ كَانَ أَخُوهُ صَغِيرًا أَوْ مَجْنُونًا ، وَلِأَنَّ فِيمَا قَالَهُ ضَرَرًا ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَتَعَذَّرُ عَلَى الْغَائِبِ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ ، وَقَدْ يَمُوتُ الشَّاهِدَانِ أَوْ يَغِيبَا ، أَوْ تَزُولُ عَنْهُمَا عَدَالَتُهُمَا ، وَيُعْزَلُ الْحَاكِمُ ، فَيَضِيعُ حَقُّهُ ، فَوَجَبَ أَنْ يُحْفَظَ بِانْتِزَاعِهِ ، كَالْمَنْقُولِ .\rوَيُفَارِقُ الشَّرِيكَ الْأَجْنَبِيَّ إجْمَالًا وَتَفْصِيلًا ؛ أَمَّا الْإِجْمَالُ ، فَإِنَّ الْمَنْقُولَ يُنْتَزَعُ نَصِيبُ شَرِيكِهِ فِي الْمِيرَاثِ ، وَلَا يُنْتَزَعُ نَصِيبُ شَرِيكِهِ الْأَجْنَبِيِّ ، وَأَمَّا التَّفْصِيلُ ، فَإِنَّ الْبَيِّنَةَ ثَبَتَ بِهَا الْحَقُّ لِلْمَيِّتِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَقْضِي مِنْهُ دُيُونَهُ ، وَتَنْفُذُ مِنْهُ وَصَايَاهُ ، وَلِأَنَّ الْأَخَ يُشَارِكُهُ فِيمَا أَخَذَهُ ، إذَا تَعَذَّرَ عَلَيْهِ أَخْذُ الْبَاقِي .\rفَأَمَّا إنْ كَانَ دَيْنًا فِي ذِمَّة إنْسَانٍ ، فَهَلْ","part":23,"page":443},{"id":11443,"text":"يَقْبِضُ الْحَاكِمُ نَصِيبَ الْغَائِبِ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، يَقْبِضُ ، كَمَا يَقْبِضُ الْعَيْنَ .\rوَالثَّانِي ، لَا يَقْبِضُهُ ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ فِي ذِمَّةِ مَنْ هُوَ عَلَيْهِ ، كَانَ أَحْوَطَ مِنْ أَنْ يَكُونَ أَمَانَةً فِي يَدِ الْأَمِينِ ، لِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ عَلَيْهِ التَّلَفُ إذَا قَبَضَهُ .\rوَالْأَوَّلُ أَوْلَى ؛ لِأَنَّهُ فِي الذِّمَّةِ أَيْضًا يَعْرِضُ لِلتَّلَفِ بِالْفَلَسِ ، وَالْمَوْتِ ، وَعَزْلِ الْحَاكِمِ ، وَتَعَذُّرِ الْبَيِّنَةِ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّنَا إنْ دَفَعْنَا إلَى الْحَاضِرِ نِصْفَ الدَّارِ أَوْ الدَّيْنِ ، لَمْ نُطَالِبهُ بِضَمِينِ ؛ لِأَنَّنَا دَفَعْنَاهُ بِقَوْلِ الشُّهُودِ ، وَالْمُطَالَبَةُ بِالضَّمِينِ طَعْنٌ عَلَيْهِمْ .\rقَالَ أَصْحَابُنَا : سَوَاءٌ كَانَ الشَّاهِدَانِ مِنْ أَهْلِ الْخِبْرَةِ الْبَاطِنَةِ ، أَوْ لَمْ يَكُونَا .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا تُقْبَلَ شَهَادَتُهُمَا فِي نَفْيِ وَارِثٍ آخَرَ ، حَتَّى يَكُونَا مِنْ أَهْلِ الْخِبْرَةِ الْبَاطِنَةِ ، وَالْمَعْرِفَةِ الْمُتَقَادِمَةِ لِأَنَّ مَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ لَيْسَ جَهْلُهُ بِالْوَارِثِ دَلِيلًا عَلَى عَدَمِهِ ، وَلَا يَكْتَفِي بِهِ .\rوَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ .\rفَعَلَى هَذَا تَكُونُ الدَّارُ مَوْقُوفَةً ، وَلَا يُسَلَّمُ إلَى الْحَاضِرِ نِصْفُهَا ، حَتَّى يَسْأَلَ الْحَاكِمُ وَيَكْشِفَ عَنْ الْمَوَاضِعِ الَّتِي كَانَ ' يَطُوفُهَا ، وَيَأْمُرَ مُنَادِيًا يُنَادِي : إنَّ فُلَانًا مَاتَ ، فَإِنْ كَانَ لَهُ وَارِثٌ ، فَلِيَأْتِ .\rفَإِذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ وَارِثٌ لَظَهَرَ ، دَفَعَ إلَى الْحَاضِرِ نَصِيبَهُ .\rوَهَلْ يَطْلُبُ مِنْهُ ضَمِينًا ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ .\rوَهَكَذَا الْحُكْمُ إذَا كَانَ الشَّاهِدَانِ مِنْ أَهْلِ الْخِبْرَةِ الْبَاطِنَةِ ، وَلَكِنْ لَمْ يَقُولَا : وَلَا نَعْلَمُ لَهُ وَارِثًا سِوَاهُ .\rفَإِنْ كَانَ مَعَ الِابْنِ ذُو فَرْضٍ فَعَلَى ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ يُعْطِي فَرْضَهُ كَامِلًا .\rوَعَلَى هَذَا التَّخْرِيجِ ، يُعْطَى الْيَقِينُ .\rفَإِنْ كَانَتْ لَهُ زَوْجَةٌ ، أُعْطِيت رُبْعَ الثُّمُنِ ؛ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ ، وَإِنْ كَانَتْ لَهُ جَدَّةٌ ، وَلَمْ يَثْبُتْ مَوْتُ","part":23,"page":444},{"id":11444,"text":"أُمِّهِ ، لَمْ تُعْطَ شَيْئًا ، وَإِنْ ثَبَتَ مَوْتُهَا ، أُعْطِيت ثُلُثَ السُّدُسِ ، لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ لَهُ ثَلَاثُ جَدَّاتٍ ، وَلَا تُعْطَى الْعَصَبَةُ شَيْئًا ، فَإِنْ كَانَ الْوَارِثُ أَخًا لَمْ يُعْطَ شَيْئًا لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ لِلْمَيِّتِ وَارِثٌ يَحْجُبُهُ .\rوَإِنْ كَانَ مَعَهُ أُمٌّ ، أُعْطِيت السُّدُسَ عَائِلًا ، وَالْمَرْأَةُ رُبْعَ الثُّمُنِ عَائِلًا ، وَالزَّوْجُ الرُّبْعَ عَائِلًا ؛ لِأَنَّهُ الْيَقِينُ ، فَإِنَّ الْمَسْأَلَةَ قَدْ تَعُولُ مَعَ وُجُودِ الزَّوْجِ ، مِثْلُ أَنْ يُخَلِّفَ أَبَوَيْنِ وَابْنَيْنِ وَزَوْجًا فَإِذَا كَشَفَ الْحَاكِمُ أَعْطَى الزَّوْجَ نَصِيبَهُ ، وَكَمَّلَ لِذَوِي الْفُرُوضِ فُرُوضَهُمْ .","part":23,"page":445},{"id":11445,"text":"( 8536 ) فَصْلٌ : وَإِذَا اُخْتُلِفَ فِي دَارٍ ، فِي يَدِ أَحَدِهِمَا ، فَأَقَامَ الْمُدَّعِي بَيِّنَةً ، أَنَّ هَذِهِ الدَّارَ كَانَتْ أَمْسِ مِلْكَهُ ، أَوْ مُنْذُ شَهْرٍ فَهَلْ تُسْمَعُ هَذِهِ الْبَيِّنَةُ ، وَيُقْضَى بِهَا ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا تُسْمَعُ ، وَيُحْكَمُ بِهَا ؛ لِأَنَّهَا تُثْبِتُ الْمِلْكَ فِي الْمَاضِي ، وَإِذَا ثَبَتَ اُسْتُدِيمَ حَتَّى يُعْلَمَ زَوَالُهُ .\rوَالثَّانِي لَا تُسْمَعُ قَالَ الْقَاضِي : هُوَ الصَّحِيحُ ؛ لِأَنَّ الدَّعْوَى لَا تُسْمَعُ مَا لَمْ يَدَّعِ الْمُدَّعِي الْمِلْكَ فِي الْحَالِ ، فَلَا تُسْمَعُ بَيِّنَةٌ عَلَى مَا لَمْ يَدَّعِهِ ، لَكِنْ إنَّ انْضَمَّ إلَى شَهَادَتِهِمَا بَيَانُ سَبَبِ يَدِ الثَّانِي ، وَتَعْرِيفُ تَعَدِّيهَا فَقَالَا : نَشْهَدُ أَنَّهَا كَانَتْ مِلْكَهُ أَمْسِ ، فَقَبَضَهَا هَذَا مِنْهُ ، أَوَسَرَقَهَا ، أَوْ ضَلَّتْ مِنْهُ فَالْتَقَطَهَا هَذَا .\rوَنَحْوَ ذَلِكَ ، سُمِعَتْ ، وَقُضِيَ بِهَا ؛ لِأَنَّهَا إذَا لَمْ تُبَيِّنْ السَّبَبَ فَالْيَدُ دَلِيلُ الْمِلْكِ ، وَلَا تَنَافِيَ بَيْنَ مَا شَهِدَتْ بِهِ الْبَيِّنَةُ ، وَبَيْنَ دَلَالَةِ الْيَدِ لِجَوَازِ أَنْ تَكُونَ مِلْكَهُ أَمْسِ ، ثُمَّ تَنْتَقِلُ إلَى صَاحِبِ الْيَدِ .\rفَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ سَبَبَ الْيَدِ عُدْوَانٌ ، خَرَجَتْ عَنْ كَوْنِهَا دَلِيلًا فَوَجَبَ الْقَضَاءُ بِاسْتِدَامَةِ الْمِلْكِ السَّابِقِ .\rوَإِنْ أَقَرَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَنَّهَا كَانَتْ مِلْكًا لِلْمُدَّعِي أَمْسِ ، أَوْ فِيمَا مَضَى ، سُمِعَ إقْرَارُهُ ، وَحُكِمَ بِهِ ، فِي الصَّحِيحِ ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَحْتَاجُ إلَى بَيَانِ سَبَبِ انْتِقَالِهَا إلَيْهِ ، فَيَصِيرُ هُوَ الْمُدَّعِيَ ، فَيَحْتَاجُ إلَى الْبَيِّنَةِ .\rيُفَارِقَ الْبَيِّنَةَ مِنْ وَجْهَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ أَقْوَى مِنْ الْبَيِّنَةِ ، لِكَوْنِهِ شَهَادَةً مِنْ الْإِنْسَانِ عَلَى نَفْسِهِ وَيَزُولُ بِهِ النِّزَاعُ ، بِخِلَافِ الْبَيِّنَةِ ، وَلِهَذَا يُسْمَعُ فِي الْمَجْهُولِ ، وَيُقْضَى بِهِ ، بِخِلَافِ الْبَيِّنَةَ .\rوَالثَّانِي ، أَنَّ الْبَيِّنَةَ لَا تُسْمَعُ إلَّا عَلَى مَا ادَّعَاهُ ، وَالدَّعْوَى يَجِبُ أَنْ تَكُونَ مُعَلَّقَةً بِالْحَالِ ، وَالْإِقْرَارُ يُسْمَعُ ابْتِدَاءً .\rوَإِنْ","part":23,"page":446},{"id":11446,"text":"شَهِدَتْ الْبَيِّنَةُ أَنَّهَا كَانَتْ فِي يَدِهِ أَمْسِ ، فَفِي سَمَاعِهَا وَجْهَانِ .\rوَإِنْ أَقَرَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِذَلِكَ ، فَالصَّحِيحُ أَنَّهَا تُسْمَعُ ، وَيَقْضِي بِهِ ؛ بِمَا ذَكَرْنَا .","part":23,"page":447},{"id":11447,"text":"( 8537 ) فَصْلٌ : وَإِنْ ادَّعَى أَمَةً أَنَّهَا لَهُ ، وَأَقَامَ بَيِّنَةً ، فَشَهِدَتْ أَنَّهَا ابْنَةُ أَمَتِهِ ، أَوْ ادَّعَى ثَمَرَةً ، فَشَهِدَتْ لَهُ الْبَيِّنَةُ أَنَّهَا ثَمَرَةُ شَجَرَتِهِ ، لَمْ يُحْكَمْ لَهُ بِهَا ؛ لِجَوَازِ أَنْ تَكُونَ وَلَدَتْهَا قَبْلَ تَمَلُّكِهَا ، وَأَثْمَرَتْ الشَّجَرَةُ هَذِهِ الثَّمَرَةَ قَبْلَ مِلْكِهِ إيَّاهَا .\rوَإِنْ قَالَتْ الْبَيِّنَةُ : وَلَدَتْهَا فِي مِلْكِهِ أَوْ أَثْمَرَتْهَا فِي مِلْكِهِ حُكِمَ لَهُ بِهَا ؛ لِأَنَّهَا شَهِدَتْ أَنَّهَا نَمَاءُ مِلْكِهِ ، وَنَمَاءُ مِلْكِهِ مِلْكُهُ ، مَا لَمْ يَرِدْ سَبَبٌ يَنْقُلُهُ عَنْهُ .\rفَإِنْ قِيلَ فَقَدْ قُلْتُمْ : لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ بِالْمِلْكِ السَّابِقِ ، الصَّحِيحِ وَهَذِهِ شَهَادَةٌ بِمِلْكٍ سَابِقٍ قُلْنَا : الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا ، عَلَى تَقْدِيرِ التَّسْلِيمِ ، أَنَّ النَّمَاءَ تَابِعٌ لِلْمِلْكِ فِي الْأَصْلِ ، فَإِثْبَاتُ مِلْكِهِ فِي الزَّمَنِ الْمَاضِي عَلَى وَجْهِ التَّبَعِ ، وَجَرَى مَجْرَى مَا لَوْ قَالَ : مَلَكْته مُنْذُ سَنَةٍ .\rوَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ بِذَلِكَ ، فَإِنَّ مِلْكَهُ يَثْبُتُ فِي الزَّمَنِ الْمَاضِي تَبَعًا لِلْحَالِ ، يَكُونُ لَهُ النَّمَاءُ فِيمَا مَضَى ، وَلِأَنَّ الْبَيِّنَةَ هَاهُنَا شَهِدَتْ بِسَبَبِ الْمِلْكِ ، وَهُوَ وِلَادَتُهَا ، أَوْ وُجُودُهَا فِي مِلْكِهِ ، فَقَوِيَتْ بِذَلِكَ ، وَلِهَذَا لَوْ شَهِدَتْ بِالسَّبَبِ فِي الزَّمَنِ الْمَاضِي ، فَقَالَتْ : أَقْرَضَهُ أَلْفًا ، أَوْ بَاعَهُ .\rثَبَتَ الْمِلْكُ وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْهُ ، فَمَعَ ذِكْرِهِ أَوْلَى .\rوَإِنْ شَهِدَتْ لَهُ الْبَيِّنَةُ أَنَّ هَذَا الْغَزْلَ مِنْ قُطْنِهِ وَهَذَا الدَّقِيقَ مِنْ حِنْطَتِهِ ، وَأَنَّ هَذَا الطَّائِرَ مِنْ بَيْضَتِهِ ، حُكِمَ لَهُ بِهِ وَإِنْ لَمْ يُضِفْهُ إلَى مِلْكِهِ ؛ لِأَنَّ الْغَزْلَ عَيْنُ الْقُطْنِ ، وَإِنَّمَا تَغَيَّرَتْ صِفَتُهُ ، وَالدَّقِيقَ أَجْزَاءُ الْحِنْطَةِ تَفَرَّقَتْ ، وَالطَّيْرَ هُوَ أَجْزَاءُ الْبَيْضَةِ اسْتَحَالَ ، فَكَأَنَّ الْبَيِّنَةَ قَالَتْ : هَذَا غَزْلُهُ وَدَقِيقُهُ وَطَيْرُهُ .\rوَلَيْسَ كَذَلِكَ الْوَلَدُ وَالثَّمَرَةُ ، فَإِنَّهُمَا غَيْرُ الْأُمِّ وَالشَّجَرَةِ .\rوَلَوْ شَهِدَ أَنَّ هَذِهِ الْبَيْضَةَ مِنْ","part":23,"page":448},{"id":11448,"text":"طَيْرِهِ ، لَمْ يَحْكُم لَهُ بِهَا حَتَّى يَقُولَا : بَاضَهَا فِي مِلْكِهِ .\rلِأَنَّ الْبَيْضَةَ غَيْرُ الطَّيْرِ ، وَإِنَّمَا هِيَ مِنْ نَمَائِهِ ، فَهِيَ كَالْوَلَدِ .\rوَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فِي هَذَا الْفَصْلِ كُلِّهِ كَمَا ذَكَرْنَا .","part":23,"page":449},{"id":11449,"text":"( 8538 ) فَصْلٌ : وَإِذَا كَانَتْ فِي يَدِ زَيْدٍ دَارٌ ، فَادَّعَاهَا عَمْرٌو ، وَأَقَامَ بَيِّنَةً أَنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنْ خَالِدٍ بِثَمَنٍ مُسَمًّى نَقَدَهُ إيَّاهُ ، أَوْ أَنَّ خَالِدًا وَهَبَهُ تِلْكَ الدَّارَ ، لَمْ تُقْبَلْ بَيِّنَتُهُ بِهَذَا حَتَّى يُشْهِدَ أَنَّ خَالِدًا بَاعَهُ إيَّاهَا ، أَوْ وَهَبَهَا لَهُ وَهُوَ يَمْلِكُهَا ، أَوْ يُشْهِدَ أَنَّهَا دَارُ عَمْرٍو اشْتَرَاهَا مِنْ خَالِدٍ ، أَوْ يُشْهِدَ أَنَّهُ بَاعَهَا أَوْ وَهَبَهَا لَهُ ، وَسَلَّمَهَا إلَيْهِ .\rوَإِنَّمَا لَمْ تُسْمَعْ الْبَيِّنَةُ بِمُجَرَّدِ الشِّرَاءِ وَالْهِبَةِ ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يَبِيعُ مَا لَا يَمْلِكُهُ وَيَهَبُهُ فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ بِهِ ، فَإِنْ انْضَمَّ إلَى ذَلِكَ الشَّهَادَةُ لِلْبَائِعِ بِالْمِلْكِ ، أَوْ شَهِدُوا لِلْمُشْتَرِي بِالْمِلْكِ ، أَوْ شَهِدُوا بِالتَّسْلِيمِ ، فَقَدْ شَهِدُوا بِتَقَدُّمِ الْيَدِ ، أَوْ بِالْمِلْكِ لِلْمُدَّعِي ، أَوْ لِمَنْ بَاعَهُ ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مِلْكُهُ ؛ لِأَنَّ الْيَدَ تَدُلُّ عَلَى الْمِلْكِ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ، وَإِنَّمَا قَبِلْنَاهَا وَهِيَ شَهَادَةٌ بِمِلْكٍ مَاضٍ ؛ لِأَنَّهَا شَهِدَتْ بِالْمِلْكِ مَعَ السَّبَبِ ، وَالظَّاهِرُ اسْتِمْرَارُهُ بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يُذْكَرْ السَّبَبُ .","part":23,"page":450},{"id":11450,"text":"( 8539 ) فَصْلٌ : وَإِذَا كَانَ فِي يَدِ رَجُلٍ طِفْلٌ لَا يُعَبِّرُ عَنْ نَفْسِهِ ، فَادَّعَى أَنَّهُ مَمْلُوكُهُ ، قُبِلَتْ دَعْوَاهُ ، وَلَمْ يُحَلْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ ؛ لِأَنَّ الْيَدَ دَلِيلُ الْمِلْكِ ، وَالصَّبِيُّ مَا لَمْ يُعَبِّرْ عَنْ نَفْسِهِ فَهُوَ كَالْبَهِيمَةِ وَالْمَتَاعِ ، إلَّا أَنْ يُعْرَفَ أَنَّ سَبَبَ يَدِهِ غَيْرُ الْمِلْكِ ، مِثْلُ أَنْ يَلْتَقِطَهُ ، فَلَا تُقْبَلُ دَعْوَاهُ لِرِقِّهِ ؛ لِأَنَّ اللَّقِيطَ مَحْكُومٌ بِحُرِّيَّتِهِ ، وَأَمَّا غَيْرُهُ فَقَدْ وُجِدَ فِيهِ دَلِيلُ الْمِلْكِ مِنْ غَيْرِ مُعَارِضٍ فَيُحْكَمُ بِرِقِّهِ .\rفَإِذَا بَلَغَ ، فَادَّعَى الْحُرِّيَّةَ ، لَمْ تُقْبَلْ دَعْوَاهُ ؛ لِأَنَّهُ مَحْكُومٌ بِرِقِّهِ قَبْلَ دَعْوَاهُ .\rوَإِنْ لَمْ يَدَّعِ مِلْكَهُ ، لَكِنَّهُ كَانَ يَتَصَرَّفُ فِيهِ بِالِاسْتِخْدَامِ وَغَيْرِهِ ، فَهُوَ كَمَا لَوْ ادَّعَى رِقَّهُ ، وَيُحْكَمُ لَهُ بِرِقِّهِ ؛ لِأَنَّ الْيَدَ دَلِيلُ الْمِلْكِ .\rفَإِنْ ادَّعَى أَجْنَبِيٌّ نَسَبَهُ ، لَمْ يُقْبَلْ ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ الضَّرَرِ عَلَى السَّيِّدِ ، لِأَنَّ النَّسَبَ مُقَدَّمٌ عَلَى الْوَلَاءِ فِي الْمِيرَاثِ .\rفَإِنْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ بِنَسَبِهِ ، ثَبَتَ ، وَلَمْ يَزُلْ الْمِلْكُ عَنْهُ ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ وَلَدَهُ وَهُوَ مَمْلُوكٌ ، بِأَنْ يَتَزَوَّجَ بِأَمَةٍ ، أَوْ يُسْبَى الصَّغِيرُ ثُمَّ يُسْلِمُ أَبُوهُ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْأَبُ عَرَبِيًّا ، فَلَا يَسْتَرِقُّ وَلَدُهُ ، فِي رِوَايَةٍ .\rوَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ الْقَدِيمُ .\rوَإِنْ أَقَامَ بَيِّنَةً أَنَّهُ ابْنُ حُرَّةٍ ، فَهُوَ حُرٌّ ؛ لِأَنَّ وَلَدَ الْحُرَّةِ لَا يَكُونُ إلَّا حُرًّا .\rوَإِنْ كَانَ الصَّبِيُّ مُمَيِّزًا ، يُعَبِّرُ عَنْ نَفْسِهِ فَادَّعَى مَنْ هُوَ فِي يَدِهِ رِقَّهُ ، وَلَمْ يُعْرَفْ تَقَدُّمُ الْيَدِ عَلَيْهِ قَبْلَ تَمْيِيزِهِ ، إلَّا أَنَّنَا إنْ رَأَيْنَاهُ فِي يَدِهِ وَهُمَا يَتَنَازَعَانِ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا لَا يَثْبُتُ مِلْكُهُ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ مُعْرِبٌ عَنْ نَفْسِهِ ، وَيَدَّعِي الْحُرِّيَّةَ ، أَشْبَهَ الْبَالِغَ .\rوَالثَّانِي يَثْبُتُ مِلْكُهُ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ صَغِيرٌ ادَّعَى رَقَّهُ وَهُوَ فِي يَدِهِ ، فَأَشْبَهَ","part":23,"page":451},{"id":11451,"text":"الطِّفْلَ .\rفَأَمَّا الْبَالِغُ إذَا ادَّعَى رِقَّهُ فَأَنْكَرَ ، لَمْ يَثْبُتْ رِقُّهُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ .\rوَإِنْ لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ فِي الْحُرِّيَّة ؛ لِأَنَّهَا الْأَصْلُ .\rوَهَذَا الْفَصْلُ بِجَمِيعِهِ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ ، إلَّا أَنَّ أَصْحَابَ الرَّأْيِ قَالُوا : مَتَى أَقَامَ إنْسَانٌ بَيِّنَةً أَنَّهُ وَلَدُهُ ثَبَتَ النَّسَبُ وَالْحُرِّيَّةُ لِأَنَّ ظُهُورَ الْحُرِّيَّةِ فِي وَلَدِ الْحُرِّ أَكْثَرُ مِنْ احْتِمَالِ الرِّقِّ الْحَاصِلِ بِالْيَدِ لَا سِيَّمَا إذَا لَمْ يُعْرَفْ مِنْ الرَّجُلِ كُفْرٌ ، وَلَا تَزَوُّجٌ بِأَمَةٍ ، فَلَا يَبْقَى احْتِمَالُ الرِّقِّ .\rوَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الصَّوَابُ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .","part":23,"page":452},{"id":11452,"text":"( 8540 ) فَصْلٌ : وَإِنْ ادَّعَى اثْنَانِ رِقَّ بَالِغٍ فِي أَيْدِيهِمَا فَأَنْكَرَهُمَا ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ .\rوَإِنْ اعْتَرَفَ لَهُمَا بِالرِّقِّ ، ثَبَتَ رِقُّهُ .\rفَإِنْ ادَّعَاهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِنَفْسِهِ ، فَاعْتَرَفَ لِأَحَدِهِمَا ، فَهُوَ لِمَنْ اعْتَرَفَ لَهُ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَكُونُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ ؛ لِأَنَّ يَدَهُمَا عَلَيْهِ ، فَأَشْبَهَ الطِّفْلَ وَالثَّوْبَ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ إنَّمَا حُكْمَ بِرِقِّهِ بِاعْتِرَافِهِ ، فَكَانَ مَمْلُوكًا لِمَنْ اعْتَرَفَ لَهُ ، كَمَا لَوْ لَمْ تَكُنْ يَدُهُ عَلَيْهِ .\rوَيُخَالِفُ الثَّوْبَ وَالطِّفْلَ ؛ فَإِنَّ الْمِلْكَ حَصَلَ فِيهِمَا بِالْيَدِ ، وَقَدْ تَسَاوَيَا فِيهِ ، وَهَاهُنَا حَصَلَ بِالِاعْتِرَافِ ، وَقَدْ اخْتَصَّ بِهِ أَحَدُهُمَا ، فَكَانَ مُخْتَصًّا بِهِ .\rفَإِنْ أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةً أَنَّهُ مَمْلُوكُهُ ، تَعَارَضَتَا وَسَقَطَتَا ، وَيُقْرَعُ بَيْنَهُمَا ، أَوْ يُقْسَمُ بَيْنَهُمَا ، عَلَى مَا مَضَى مِنْ التَّفْصِيلِ فِيهِ .\rفَإِنْ قُلْنَا بِسُقُوطِهِمَا ، وَلَمْ يَعْتَرِفْ لَهُمَا بِالرِّقِّ ، فَهُوَ حُرٌّ ، وَإِنْ اعْتَرَفَ لِأَحَدِهِمَا ، فَهُوَ لِمَنْ اعْتَرَفَ لَهُ ، وَإِنْ أَقَرَّ لَهُمَا مَعًا ، فَهُوَ بَيْنَهُمَا لِأَنَّ الْبَيِّنَتَيْنِ سَقَطَتَا وَصَارَتَا كَالْمَعْدُومَتَيْنِ .\rفَإِنْ قُلْنَا بِالْقُرْعَةِ أَوْ الْقِسْمَة ، فَأَنْكَرَهُمَا ، لَمْ يُلْتَفَتْ إلَى إنْكَارِهِ ، وَإِنْ اعْتَرَفَ لِأَحَدِهِمَا ، لَمْ يُلْتَفَتْ إلَى اعْتِرَافِهِ ؛ لِأَنَّ رِقَّهُ ثَابِتٌ بِالْبَيِّنَةِ فَلَمْ تَبْقَ لَهُ يَدٌ عَلَى نَفْسِهِ كَمَا قُلْنَا فِيمَا إذَا ادَّعَى رَجُلَانِ دَارًا فِي يَدِ ثَالِثٍ وَأَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةً أَنَّهَا مِلْكُهُ ، وَاعْتَرَفَ أَنَّهَا لَيْسَتْ لَهُ ، ثُمَّ أَقَرَّ أَنَّهَا لِأَحَدِهِمَا ، لَمْ يُرَجَّحْ بِإِقْرَارِهِ .","part":23,"page":453},{"id":11453,"text":"( 8541 ) فَصْلٌ : وَلَوْ كَانَ فِي يَدِهِ صَغِيرَةٌ ، فَادَّعَى نِكَاحَهَا لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ ، وَلَا يُخْلَى بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ .\rوَلَوْ ادَّعَى رِقَّهَا قُبِلَ مِنْهُ ، إذَا كَانَتْ طِفْلَةً لَا تُعَبِّرُ عَنْ نَفْسِهَا ؛ لِأَنَّ الْيَدَ دَلِيلُ الْمِلْكِ ، وَأَمَّا الْمُدَّعِي لِلنِّكَاحِ ، فَهُوَ مُقِرٌّ بِحُرِّيَّتِهَا ، أَوْ بِأَنَّهَا غَيْرُ مَمْلُوكَةٍ لَهُ ، وَالْيَدُ لَا تَثْبُتُ عَلَى الْحُرِّ ، فَإِذَا كَبِرَتْ فَاعْتَرَفَتْ لَهُ بِالنِّكَاحِ ، قُبِلَ إقْرَارُهَا","part":23,"page":454},{"id":11454,"text":"( 8542 ) فَصْلٌ : وَلَوْ ادَّعَى مِلْكَ عَيْنٍ ، وَأَقَامَ بِهِ بَيِّنَةً وَادَّعَى آخَرُ أَنَّهُ بَاعَهَا مِنْهُ أَوْ وَهَبَهَا إيَّاهُ ، أَوْ وَقَفَهَا عَلَيْهِ ، أَوْ ادَّعَتْ امْرَأَتُهُ أَنَّهُ أَصْدَقَهَا إيَّاهَا ، أَوْ أَعْتَقَهَا ، وَأَقَامَ بِذَلِكَ بَيِّنَةً ، قُضِيَ لَهُ بِهَا .\rبِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ ؛ لِأَنَّ بَيِّنَةَ هَذَا شَهِدَتْ بِأَمْرٍ خَفِيَ عَلَى الْبَيِّنَةِ الْأُخْرَى ، وَالْبَيِّنَةُ الْأُخْرَى شَهِدَتْ بِالْأَصْلِ ، فَيُمْكِنُ أَنَّهُ كَانَ مِلْكَهُ ، ثُمَّ صَنَعَ بِهِ مَا شَهِدَتْ بِهِ الْبَيِّنَةُ الْأُخْرَى .\rوَلَوْ مَاتَ رَجُلٌ ، وَتَرَكَ دَارًا فَادَّعَى ابْنُهُ أَنَّهُ خَلَّفَهَا مِيرَاثًا ، وَادَّعَتْ امْرَأَتُهُ أَنَّهُ أَصْدَقَهَا إيَّاهَا ، وَأَقَامَا بِذَلِكَ بَيِّنَتَيْنِ ، حُكِمَ بِهَا لِلْمَرْأَةِ ، لِأَنَّهَا تَدَّعِي أَمْرًا زَائِدًا خَفِيَ عَلَى بَيِّنَةِ الِابْنِ ، وَسَوَاءٌ شَهِدَتْ الْبَيِّنَةُ بِالشِّرَاءِ وَمَا فِي مَعْنَاهُ ، بِأَنَّهُ بَاعَ مِلْكَهُ أَوْ مَا فِي يَدِهِ ، أَوْ لَمْ تَشْهَدْ بِذَلِكَ ، وَسَوَاءٌ شَهِدَتْ بِالْبَيْعِ وَالْقَبْضِ ، أَوْ لَمْ تَذْكُرْ الْقَبْضَ وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَثْبُتُ الْمِلْكُ لِلْمُشْتَرِي وَلَا تُزَالُ يَدُ الْبَائِعِ إلَّا أَنْ تَشْهَدَ الْبَيِّنَةُ بِأَنَّهُ بَاعَ مِلْكَهُ أَوْ مَا فِي يَدِهِ ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ الْمُطْلَقَ لَيْسَ بِحُجَّةٍ لِأَنَّهُ قَدْ يَبِيعُ مَا لَا يَمْلِكُ .\rوَلَنَا أَنَّ بَيِّنَةَ الْبَائِعِ أَثْبَتَتْ الْمِلْكَ لَهُ ، فَإِذَا أَقَامَتْ بَيِّنَةُ الشِّرَاءِ عَلَيْهِ ، كَانَتْ حُجَّةً عَلَيْهِ فِي إزَالَةِ مِلْكِهِ عَنْهَا إلَى الْمُشْتَرِي ، فَوَجَبَ الْقَضَاءُ لَهُ بِهَا .\rوَلَوْ ادَّعَى إنْسَانٌ دَارًا فِي يَدِ رَجُلٍ أَنَّهَا لَهُ مُنْذُ سَنَةٍ ، وَأَقَامَ بِهَذَا بَيِّنَةً ، فَجَاءَ ثَالِثٌ ، فَادَّعَى أَنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنْ مُدَّعِيهَا مُنْذُ سَنَتَيْنِ ، وَأَقَامَ بِهَذَا بَيِّنَةً ، ثَبَتَ لِمُدَّعِي الشِّرَاءِ ، وَلَيْسَ فِي شَهَادَةِ الْبَيِّنَةِ الْأُولَى أَنَّهُ تَمَلَّكَهَا مُنْذُ سَنَةٍ ، مَا يُبْطِلُ أَنَّهَا لَهُ مُنْذُ سَنَتَيْنِ ، لِأَنَّهُ لَا تَنَافِيَ بَيْنَ مِلْكِهَا مُنْذُ","part":23,"page":455},{"id":11455,"text":"سَنَتَيْنِ ، وَمِلْكِهَا مُنْذُ سَنَةٍ ، فَإِنَّ الْمَالِكَ مُنْذُ سَنَتَيْنِ ، يَسْتَمِرُّ مِلْكُهُ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ .\rفَإِنْ قَالَتْ بَيِّنَةُ الشِّرَاءِ : هُوَ مَالِكُهَا .\rثَبَتَ الْمِلْكُ بِغَيْرِ خِلَافٍ ، وَإِنْ لَمْ تَقُلْ ذَلِكَ ، كَانَ فِيهِ مِنْ الْخِلَافِ مَا قَدْ ذَكَرْنَاهُ .","part":23,"page":456},{"id":11456,"text":"( 8543 ) فَصْلٌ : وَلَوْ ادَّعَى رَجُلٌ مِلْكَ دَارٍ فِي يَدِ آخَرَ ، وَادَّعَى صَاحِبُ الْيَدِ أَنَّهَا فِي يَدِهِ مُنْذُ سَنَتَيْنِ ، وَأَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةً بِدَعْوَاهُ ، فَهِيَ لِمُدَّعِي الْمِلْكِ بِلَا خِلَافٍ نَعْلَمُهُ ؛ لِأَنَّهُ لَا تَنَافِيَ بَيْنَ الدَّعْوَتَيْنِ وَلَا الْبَيِّنَتَيْنِ ، لِأَنَّهَا قَدْ تَكُونُ مِلْكًا لَهُ وَهِيَ فِي يَدِ الْآخَرِ .\rوَإِنْ ادَّعَى دَابَّةً أَنَّهَا لَهُ مُنْذُ عَشْرِ سِنِينَ ، وَأَقَامَ بِهَذَا بَيِّنَةً ، فَوُجِدَتْ الدَّابَّةُ لَهَا أَقَلُّ مِنْ عَشْرِ سِنِينَ ، فَالْبَيِّنَةُ كَاذِبَةٌ ، وَالدَّابَّةُ لِمَنْ هِيَ فِي يَدِهِ .","part":23,"page":457},{"id":11457,"text":"( 8544 ) فَصْلٌ : وَإِذَا شَهِدَ شَاهِدَانِ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ أَقَرَّ لِفُلَانٍ بِأَلْفٍ ، وَشَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ قَضَاهُ ثَبَتَ الْإِقْرَارُ ، فَإِنْ حَلَفَ مَعَ شَاهِدِهِ عَلَى الْقَضَاءِ ، ثَبَتَ ، وَإِلَّا حَلَفَ الْمُقَرُّ لَهُ أَنَّهُ لَمْ يَقْضِهِ ، وَيَثْبُتُ لَهُ الْأَلْفُ ، وَإِنْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّ لَهُ عَلَيْهِ أَلْفًا ، وَشَهِدَ الْآخَرُ أَنَّهُ قَضَاهُ أَلْفًا ثَبَتَ عَلَيْهِ الْأَلْفُ ؛ لِأَنَّ شَاهِدَ الْقَضَاءِ لَمْ يَشْهَدْ بِأَلْفٍ عَلَيْهِ ، وَإِنَّمَا تَضَمَّنَتْ شَهَادَتُهُ أَنَّهَا كَانَتْ عَلَيْهِ ، وَالشَّهَادَةُ لَا تُقْبَلُ إلَّا صَرِيحَةً ، بِخِلَافِ الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى ، فَإِنَّ الْبَيِّنَةَ أَثْبَتَتْ الْأَلْفَ بِشَهَادَتِهَا الصَّرِيحَةِ بِهَا وَلَوْ ادَّعَى أَنَّهُ أَقْرَضَهُ أَلْفًا فَقَالَ : لَا يَسْتَحِقُّ عَلَيَّ شَيْئًا .\rفَأَقَامَ بَيِّنَةً بِالْقَرْضِ ، وَأَقَامَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بَيِّنَةً أَنَّهُ قَضَاهُ أَلْفًا ، وَلَمْ يُعْرَفْ التَّارِيخُ بَرِئَ بِالْقَضَاءِ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ عَلَيْهِ ، إلَّا أَلْفٌ وَاحِدٌ ، وَلَا يَكُونُ الْقَضَاءُ إلَّا لِمَا عَلَيْهِ ، فَلِهَذَا جُعِلَ الْقَضَاءُ لِلْأَلْفِ الثَّابِتَةِ ، وَإِنْ قَالَ مَا أَقْرَضْتنِي .\rثُمَّ أَقَامَ بَيِّنَةً بِالْقَضَاءِ ، لَمْ تُقْبَلْ بَيِّنَتُهُ فِي أَنَّهُ قَضَاهُ الْقَرْضَ ؛ لِأَنَّهُ بِإِنْكَارِهِ الْقَرْضَ تَعَيَّنَ صَرْفُهَا إلَى قَضَاءِ غَيْرِهِ .\rوَلَوْ لَمْ يُنْكِرْ الْقَرْضَ إلَّا أَنَّ بَيِّنَةَ الْقَضَاءِ وَكَانَتْ مُؤَرِّخَةً بِتَارِيخٍ سَابِقٍ عَلَى الْقَرْضِ ، لَمْ يَجُزْ صَرْفُهَا إلَى قَضَاءِ الْقَرْضِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْضِي الْقَرْضُ قَبْلَ وُجُودِهِ .","part":23,"page":458},{"id":11458,"text":"( 8545 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ وَلَوْ مَاتَ رَجُلٌ ، وَخَلَفَ وَلَدَيْنِ مُسْلِمًا وَكَافِرًا ، فَادَّعَى الْمُسْلِمُ أَنْ أَبَاهُ مَاتَ مُسْلِمًا ، وَادَّعَى الْكَافِرُ أَنْ أَبَاهُ مَاتَ كَافِرًا ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْكَافِرِ مَعَ يَمِينِهِ ؛ لِأَنَّ الْمُسْلِمَ بِاعْتِرَافِهِ بِأُخُوَّةِ الْكَافِرِ ، يَعْتَرِفُ بِأَنَّ أَبَاهُ كَانَ كَافِرًا ، مُدَّعِيًا لِإِسْلَامِهِ وَإِنْ لَمْ يَعْتَرِفْ بِأُخُوَّةِ الْكَافِرِ وَلَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ بِأُخُوَّتِهِ ، كَانَ الْمِيرَاثُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ ؛ لِتَسَاوِي أَيْدِيهِمَا وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ إذَا مَاتَ رَجُلٌ لَا يُعْرَفُ دِينُهُ ، وَخَلَّفَ تَرِكَةً وَابْنَيْنِ ، يَعْتَرِفَانِ أَنَّهُ أَبُوهُمَا ، أَحَدُهُمَا مُسْلِمٌ ، وَالْآخَرُ كَافِرٌ ، فَادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّهُ مَاتَ عَلَى دِينِهِ ، وَأَنَّ الْمِيرَاثَ لَهُ دُونَ أَخِيهِ ، فَالْمِيرَاثُ لِلْكَافِرِ ؛ لِأَنَّ دَعْوَى الْمُسْلِمِ لَا تَخْلُو مِنْ أَنْ يَدَّعِيَ كَوْنَ الْمَيِّتِ مُسْلِمًا أَصْلِيًّا فَيَجِبَ كَوْنُ أَوْلَادِهِ مُسْلِمِينَ ، وَيَكُونَ أَخُوهُ الْكَافِرُ مُرْتَدًّا ، وَهَذَا خِلَافُ الظَّاهِرِ ، فَإِنَّ الْمُرْتَدَّ لَا يُقَرُّ عَلَى رِدَّتِهِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ .\rأَوْ يَقُولَ إنَّ أَبَاهُ كَانَ كَافِرًا ، فَأَسْلَمَ قَبْلَ مَوْتِهِ ، فَهُوَ مُعْتَرِفٌ بِأَنَّ الْأَصْلَ مَا قَالَهُ أَخُوهُ ، مُدَّعٍ زَوَالَهُ وَانْتِقَالَهُ ، وَالْأَصْلُ بَقَاءُ مَا كَانَ عَلَى مَا كَانَ ، حَتَّى يَثْبُتَ زَوَالُهُ ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ الْخِرَقِيِّ : إنَّ الْمُسْلِمَ بِاعْتِرَافِهِ بِأُخُوَّةِ الْكَافِرِ مُعْتَرِفٌ أَنَّ أَبَاهُ كَانَ كَافِرًا ، مُدَّعِيًا لِإِسْلَامِهِ .\rوَذَكَرَ ابْنُ أَبِي مُوسَى ، عَنْ أَحْمَدَ ، رِوَايَةً أُخْرَى ، أَنَّهُمَا فِي الدَّعْوَى سَوَاءٌ ، فَالْمِيرَاثُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ ، كَمَا لَوْ تَنَازَعَ اثْنَانِ عَيْنًا فِي أَيْدِيهِمَا .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمِيرَاثُ لِلْمُسْلِمِ مِنْهُمَا .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ لِأَنَّ الدَّارَ دَارُ الْإِسْلَامِ ، يُحْكَمُ بِإِسْلَامِ لَقِيطِهَا ، وَيَثْبُتُ لِلْمَيِّتِ فِيهَا ، إذَا لَمْ يُعْرَفْ أَصْلُ دِينِهِ ، حُكْمُ الْإِسْلَامِ ؛ فِي الصَّلَاةِ عَلَيْهِ","part":23,"page":459},{"id":11459,"text":"، وَدَفْنِهِ ، وَتَكْفِينِهِ مِنْ الْوَقْفِ الْمَوْقُوفِ عَلَى أَكْفَانِ مَوْتَى الْمُسْلِمِينَ ، وَلِأَنَّ هَذَا حُكْمُهُ حُكْمُ الْمَوْتَى الْمُسْلِمِينَ فِي تَغْسِيلِهِ ، وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِ ، وَدَفْنِهِ فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ ، وَسَائِرِ أَحْكَامِهِ ، فَكَذَلِكَ فِي مِيرَاثِهِ ، وَلِأَنَّ الْإِسْلَامَ يَعْلُو وَلَا يُعْلَى عَلَيْهِ ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَخُوهُ الْكَافِرُ مُرْتَدًّا ، لَمْ تَثْبُتْ عِنْدَ الْحَاكِمِ رِدَّتُهُ وَلَمْ يَنْتَهِ إلَى الْإِمَامِ خَبَرُهُ ، وَظُهُورُ الْإِسْلَامِ بِنَاءً عَلَى هَذَا أَكْثَرُ مِنْ ظُهُورِ الْكُفْرِ بِنَاءً عَلَى كُفْرِ أَبِيهِ ، وَلِهَذَا جَعَلَ الشَّرْعُ أَحْكَامَهُ أَحْكَامَ الْمُسْلِمِينَ ، فِيمَا عَدَا الْمُتَنَازَعَ فِيهِ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : قِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنَّا نَنْظُرُ فَإِنْ كَانَتْ التَّرِكَةُ فِي أَيْدِيهِمَا ، قُسِمَتْ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ فِي أَيْدِيهِمَا أَقْرَعَ بَيْنَهُمَا ، فَمَنْ قَرَعَ صَاحِبَهُ ، حَلَفَ وَاسْتَحَقَّ ، كَمَا قُلْنَا فِيمَا إذَا تَدَاعَيَا عَيْنًا .\rوَيَقْتَضِي كَلَامُهُ أَنَّهَا إذَا كَانَتْ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا ، فَهِيَ لَهُ مَعَ يَمِينِهِ .\rوَهَذَا لَا يَصْلُحُ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَعْتَرِفُ أَنَّ هَذِهِ التَّرِكَةَ تَرِكَةُ هَذَا الْمَيِّتِ ، وَأَنَّهُ إنَّمَا يَسْتَحِقُّهَا بِالْمِيرَاثِ ، فَلَا حُكْمَ لِيَدِهِ وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : يَحْتَمِلُ أَنْ يَقِفَ الْأَمْرُ حَتَّى يُعْرَفَ أَصْلُ دِينِهِ ، أَوْ يَصْطَلِحَا .\rوَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَلَنَا مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ الدَّلِيلِ عَلَى ظُهُورِ كُفْرِهِ ، وَعِنْدَ ذَلِكَ يَتَعَيَّنُ التَّرْجِيحُ لِقَوْلِهِ وَصَرْفُ الْمِيرَاثِ إلَيْهِ ، وَأَمَّا ظُهُورُ حُكْمِ الْإِسْلَامِ فِي الصَّلَاةِ عَلَيْهِ ؛ فَلِأَنَّ الصَّلَاةَ لَا ضَرَرَ فِيهَا عَلَى أَحَدٍ ، وَكَذَلِكَ تَغْسِيلُهُ وَدَفْنُهُ .\rوَأَمَّا قَوْلُهُ : إنَّ الْإِسْلَامَ يَعْلُو وَلَا يُعْلَى .\rفَإِنَّمَا يَعْلُو إذَا ثَبَتَ وَالنِّزَاعُ فِي ثُبُوتِهِ .\rوَهَذَا فِيمَا إذَا لَمْ يَثْبُتْ ، فَأَمَّا إنْ ثَبَتَ أَصْلُ دِينِهِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ يَنْفِيه عَلَيْهِ مَعَ يَمِينِهِ .\rوَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ","part":23,"page":460},{"id":11460,"text":"وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُسْلِمِ عَلَى كُلِّ حَالٍ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا فِي الَّتِي قَبْلَهَا .\rوَلَنَا ؛ أَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ مَا كَانَ عَلَيْهِ فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ مَنْ يَدَّعِيه ، كَسَائِرِ الْمَوَاضِعِ .\rفَأَمَّا إنْ لَمْ يَعْتَرِفْ الْمُسْلِمُ بِأُخُوَّةِ الْكَافِرِ ، وَادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّ الْمَيِّتَ أَبُوهُ دُونَ الْآخَرِ فَهُمَا سَوَاءٌ فِي الدَّعْوَى ؛ لِتَسَاوِي أَيْدِيهِمَا وَدَعَاوِيهمَا ، فَإِنَّ الْمُسْلِمَ وَالْكَافِرَ فِي الدَّعْوَى سَوَاءٌ ، يُقْسَمُ مِيرَاثُهُ نِصْفَيْنِ ، كَمَا لَوْ كَانَ فِي ايدِيهِمَا دَارٌ فَادَّعَاهَا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَلَا بَيِّنَةَ لَهُمَا .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَدَّمَ قَوْلُ الْمُسْلِمِ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":23,"page":461},{"id":11461,"text":"( 8546 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : وَإِنْ أَقَامَ الْمُسْلِمُ بَيِّنَةً أَنَّهُ مَاتَ مُسْلِمًا ، وَأَقَامَ الْكَافِرُ بَيِّنَةً أَنَّهُ مَاتَ كَافِرًا ، أُسْقِطَتْ الْبَيِّنَتَانِ ، وَكَانَا كَمَنْ لَا بَيِّنَةَ لَهُمَا ، وَإِنْ قَالَ شَاهِدَانِ : نَعْرِفُهُ كَانَ كَافِرًا .\rوَقَالَ شَاهِدَانِ : نَعْرِفُهُ كَانَ مُسْلِمًا ، فَالْمِيرَاثُ لِلْمُسْلِمِ ؛ لِأَنَّ الْإِسْلَامَ يَطْرَأُ عَلَى الْكُفْرِ إذَا لَمْ يُؤَرِّخْ الشُّهُودُ مَعْرِفَتَهُمْ وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا خَلَّفَ الْمَيِّتُ وَلَدَيْنِ مُسْلِمًا وَكَافِرًا ، فَادَّعَى الْمُسْلِمُ أَنَّهُ مَاتَ مُسْلِمًا ، وَأَقَامَ بِذَلِكَ بَيِّنَةً ، وَأَقَامَ الْكَافِرُ بَيِّنَةً مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَنَّهُ مَاتَ كَافِرًا ، وَلَمْ يُعْرَفْ أَصْلُ دِينِهِ فَهُمَا مُتَعَارِضَتَانِ وَإِنْ عُرِفَ أَصْلُ دِينِهِ نَظَرْنَا فِي لَفْظِ الشَّهَادَةِ ؛ فَإِنْ شَهِدَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا أَنَّهُ كَانَ آخِرُ كَلَامِهِ التَّلَفُّظَ بِمَا شَهِدَتْ بِهِ ، فَهُمَا مُتَعَارِضَتَانِ ، وَإِنْ شَهِدَتْ إحْدَاهُمَا أَنَّهُ مَاتَ عَلَى دِينِ الْإِسْلَامِ ، وَشَهِدَتْ الْأُخْرَى أَنَّهُ مَاتَ عَلَى دِينِ الْكُفْرِ قُدِّمَتْ بَيِّنَةُ مَنْ يَدَّعِي انْتِقَالَهُ عَنْ دِينِهِ ؛ لِأَنَّ الْمُبْقِيَةَ لَهُ عَلَى أَصْلِ دِينِهِ ، ثَبَتَتْ شَهَادَتُهَا عَلَى الْأَصْلِ الَّذِي تَعْرِفُهُ ؛ لِأَنَّهُمَا إذَا عَرَفَا أَصْلَ دِينِهِ وَلَمْ يَعْرِفَا انْتِقَالَهُ عَنْهُ ، جَازَ لَهُمَا أَنْ يَشْهَدَا أَنَّهُ مَاتَ عَلَى دِينِهِ الَّذِي عَرَفَاهُ ، وَالْبَيِّنَةُ الْأُخْرَى مَعَهَا عِلْمٌ لَمْ تَعْلَمْهُ الْأُولَى ، فَقُدِّمَتْ عَلَيْهَا ، كَمَا لَوْ شَهِدَ بِأَنَّ هَذَا الْعَبْدَ كَانَ مِلْكًا لِفُلَانٍ إلَى أَنْ مَاتَ ، وَشَهِدَ آخَرَانِ أَنَّهُ أَعْتَقَهُ أَوْ بَاعَهُ قَبْلَ مَوْتِهِ ، قُدِّمَتْ بَيِّنَةُ الْعِتْقِ وَالْبَيْعِ .\rفَأَمَّا إنْ قَالَ شَاهِدَانِ : نَعْرِفُهُ قَبْلَ مَوْتِهِ قَدْ كَانَ مُسْلِمًا .\rوَقَالَ شَاهِدَانِ : نَعْرِفُهُ كَانَ كَافِرًا .\rنَظَرْنَا فِي تَارِيخِهِمَا ؛ فَإِنْ كَانَتَا مُؤَرِّخَتَيْنِ بِتَارِيخَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ عُمِلَ بِالْآخِرَةِ مِنْهُمَا ، لِأَنَّهُ ثَبَتَ أَنَّهُ انْتَقَلَ عَمَّا شَهِدَتْ بِهِ","part":23,"page":462},{"id":11462,"text":"الْأُولَى ، إلَى مَا شَهِدَتْ بِهِ الْآخِرَةُ وَإِنْ كَانَتَا مُطْلَقَتَيْنِ ، أَوْ إحْدَاهُمَا مُطْلَقَةٌ قُدِّمَتْ بَيِّنَةُ الْمُسْلِمِ ؛ لِأَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يُقَرُّ عَلَى الْكُفْرِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ ، وَقَدْ يُسْلِمُ الْكَافِرُ ، فَيُقَرُّ .\rوَإِنْ كَانَتَا مُؤَرِّخَتَيْنِ بِتَارِيخٍ وَاحِدٍ ، نَظَرْت فِي شَهَادَتِهِمَا ، فَإِنْ كَانَتْ عَلَى اللَّفْظِ ، فَهُمَا مُتَعَارِضَتَانِ .\rوَإِنْ لَمْ تَكُنْ عَلَى اللَّفْظِ ، وَلَمْ يُعْرَفْ أَصْلُ دِينِهِ ، فَهُمَا مُتَعَارِضَتَانِ .\rوَإِنْ عُرِفَ أَصْلُ دِينِهِ ، قُدِّمَتْ النَّاقِلَةُ لَهُ عَنْ أَصْلِ دِينِهِ .\rوَكُلُّ مَوْضِعٍ تَعَارَضَتْ الْبَيِّنَتَانِ ، فَقَالَ الْخِرَقِيِّ تَسْقُطُ الْبَيِّنَتَانِ ، وَيَكُونَانِ كَمَنْ لَا بَيِّنَةَ لَهُمَا .\rوَقَدْ ذَكَرْنَا رِوَايَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ ؛ إحْدَاهُمَا ، يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا ، فَمَنْ خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ ، حَلَفَ وَأَخَذَ .\rالثَّانِيَةُ تُقْسَمُ بَيْنَهُمَا .\rوَنَحْوَ هَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ الْإِسْلَامِ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَقَدْ مَضَى الْكَلَامُ مَعَهُ .\rوَقَوْلُ الْخِرَقِيِّ ، فِيمَا إذَا قَالَ شَاهِدَانِ : نَعْرِفُهُ كَانَ مُسْلِمًا وَقَالَ شَاهِدَانِ : نَعْرِفُهُ كَانَ كَافِرًا .\rمَحْمُولٌ عَلَى مَنْ لَمْ يُعْرَفْ أَصْلُ دِينِهِ ، أَوْ عُلِمَ أَنَّ أَصْلَ ، دِينِهِ الْكُفْرُ ، أَمَّا مَنْ كَانَ مُسْلِمًا فِي الْأَصْلِ فَيَنْبَغِي أَنْ تُقَدَّمَ بَيِّنَةُ الْكُفْرِ ؛ لِأَنَّ بَيِّنَةَ الْإِسْلَامِ يَجُوزُ أَنْ تَسْتَنِدَ إلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ فِي الْأَصْلِ .","part":23,"page":463},{"id":11463,"text":"( 8547 ) فَصْلٌ وَإِنْ خَلَّفَ ابْنًا مُسْلِمًا وَأَخًا كَافِرًا ، فَاخْتَلَفَا فِي دِينِهِ حَالَ الْمَوْتِ ، فَالْحُكْمُ فِيهَا كَاَلَّتِي قَبْلَهَا .\rوَهَكَذَا سَائِرُ الْأَقَارِبِ ، إلَّا أَنْ يُخَلِّفَ أَبَوَيْنِ كَافِرَيْنِ وَابْنَيْنِ مُسْلِمَيْنِ ، أَوْ غَيْرَهُمَا مِنْ الْأَقَارِبِ ، وَيَخْتَلِفُونَ فِي دِينِهِ ، فَإِنَّ كَوْنَ الْأَبَوَيْنِ كَافِرَيْنِ بِمَنْزِلَةِ مَعْرِفَةِ أَصْلِ دِينِهِ ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ قَبْلَ بُلُوغِهِ مَحْكُومٌ لَهُ بِدِينِ أَبَوَيْهِ ، فَثَبَتَ أَنَّهُ كَانَ كَافِرًا ، وَإِنَّ الِابْنَيْنِ يَدَّعِيَانِ إسْلَامَهُ ، فَيَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَ الْأَبَوَيْنِ .\rوَإِنْ كَانَا مُسْلِمَيْنِ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُمَا فِي إسْلَامِهِ لِأَنَّ كُفْرَهُ يَنْبَنِي أَنَّهُ كَانَ مُسْلِمًا فَارْتَدَّ ، أَوْ أَنَّ أَبَوَيْهِ كَانَا كَافِرَيْنِ ، فَأَسْلَمَا بَعْدَ بُلُوغِهِ ، وَالْأَصْلُ .\rخِلَافُهُ .","part":23,"page":464},{"id":11464,"text":"( 8548 ) فَصْلٌ : وَلَوْ مَاتَ مُسْلِمٌ ، وَخَلَّفَ زَوْجَةً وَوَرَثَةً سِوَاهَا ، وَكَانَتْ الزَّوْجَةُ كَافِرَةً ، ثُمَّ أَسْلَمَتْ فَادَّعَتْ أَنَّهَا أَسْلَمَتْ قَبْلَ مَوْتِهِ ، فَأَنْكَرَهَا الْوَرَثَةُ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْوَرَثَةِ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ ذَلِكَ .\rوَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ أَنَّهَا كَافِرَةٌ ، فَادَّعَى عَلَيْهَا الْوَرَثَةُ أَنَّهَا كَانَتْ كَافِرَةً ، فَأَنْكَرَتْهُمْ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ مَا ادَّعُوهُ عَلَيْهِ وَإِنْ ادَّعَوْا أَنَّهُ طَلَّقَهَا قَبْلَ مَوْتِهِ ، فَأَنْكَرَتْهُمْ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا .\rوَإِنْ اعْتَرَفَتْ بِالطَّلَاقِ ، وَانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ ، فَادَّعَتْ أَنَّهُ رَاجَعَهَا ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُمْ .\rوَإِنْ اخْتَلَفُوا فِي انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا ، فِي أَنَّهَا لَمْ تَنْقَضِ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاؤُهَا .\rوَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا كُلِّهِ خِلَافًا وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ، وَأَبُو ثَوْرٍ .\rوَلَوْ خَلَّفَ وَلَدَيْنِ مُسْلِمَيْنِ ، اتَّفَقَا عَلَى أَنْ أَحَدَهُمَا كَانَ مُسْلِمًا حِينَ مَوْتِ أَبِيهِ ، وَادَّعَى الْآخَرُ أَنَّهُ أَسْلَمَ فِي حَيَاةِ أَبِيهِ ، وَجَحَدَهُ أَخُوهُ ، فَالْمِيرَاثُ لِلْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الْكُفْرِ إلَى أَنْ يُعْلَمَ زَوَالُهُ ، وَعَلَى أَخِيهِ الْيَمِينُ ، وَتَكُونُ عَلَى نَفْيٍ الْعِلْمِ ؛ لِأَنَّهَا عَلَى نَفْيٍ فِعْلِ .\rأَخِيهِ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ ثَبَتَ أَنَّهُ كَانَ مُسْلِمًا قَبْلَ الْقِسْمَةِ ، فَإِنَّ مَنْ أَسْلَمَ عَلَى مِيرَاثٍ قَبْلَ أَنْ يُقْسَمَ ، قُسِمَ لَهُ ، وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا حُرًّا ، وَالْآخَرُ رَقِيقًا ، ثُمَّ عَتَقَ ، وَاخْتَلَفَا فِي حُرِّيَّتِهِ عِنْدَ الْمَوْتِ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ يَنْفِيهَا .\rوَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ أَنَّهُ كَانَ رَقِيقًا وَلَا كَافِرًا ، فَادَّعَى عَلَيْهِ أَنَّهُ كَانَ كَذَلِكَ فَأَنْكَرَ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ ، وَالْمِيرَاثُ بَيْنَهُمَا ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ الْحُرِّيَّةُ وَالْإِسْلَامُ ، وَعَدَمُ مَا سِوَاهُمَا .","part":23,"page":465},{"id":11465,"text":"( 8549 ) فَصْلٌ : وَإِنْ أَسْلَمَ أَحَدُ الِابْنَيْنِ فِي غُرَّةِ شَعْبَانَ ، وَأَسْلَمَ الْآخَرُ فِي غُرَّةِ رَمَضَانَ ، وَاخْتَلَفَا فِي مَوْتِ أَبِيهِمَا ، فَقَالَ الْأَوَّلُ مِنْهُمَا : مَاتَ فِي شَعْبَانَ فَوَرِثْته وَحْدِي .\rوَقَالَ الْآخَرُ : مَاتَ فِي رَمَضَانَ فَالْمِيرَاثُ بَيْنَهُمَا لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ حَيَاتِهِ حَتَّى يُعْلَمَ زَوَالُهَا ، فَإِنْ أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةً بِدَعْوَاهُ فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا يَتَعَارَضَانِ ، وَالثَّانِي ، تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ مَوْتِهِ فِي شَعْبَانَ لِأَنَّ مَعَهَا زِيَادَةَ عِلْمٍ ، لِأَنَّهَا بَيَّنَتْ مَوْتَهُ فِي شَعْبَانَ ؛ وَيَجُوزُ أَنْ يُخْفِيَ ذَلِكَ عَلَى الْبَيِّنَةِ الْأُخْرَى .","part":23,"page":466},{"id":11466,"text":"( 8550 ) فَصْلٌ وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي دَارٍ فَادَّعَى أَحَدُهُمَا ، أَنَّ هَذِهِ دَارِي وَرِثْتهَا مِنْ أَبِي ، وَادَّعَى الْآخَرُ أَنَّهَا دَارُهُ وَرِثَهَا مِنْ أَبِيهِ .\rوَلَيْسَ أَحَدُهُمَا أَخًا لِلْآخَرِ ، وَكَانَتْ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا فَهِيَ لِلَّذِي هِيَ فِي يَدِهِ ، سَوَاءٌ كَانَ مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا ، وَإِنْ كَانَتْ فِي أَيْدِيهِمَا ، فَهِيَ بَيْنَهُمَا ، وَإِنْ كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ وَهِيَ فِي أَيْدِيهِمَا تَعَارَضَتَا ، وَكَانَ الْحُكْمُ فِيهَا عَلَى مَا قَدَّمْنَا فِي مِثْلِهَا .","part":23,"page":467},{"id":11467,"text":"مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : وَإِذَا مَاتَتْ امْرَأَةٌ وَابْنُهَا فَقَالَ زَوْجُهَا : مَاتَتْ قَبْلَ ابْنِهَا ، فَوَرِثْنَاهَا ، ثُمَّ مَاتَ ابْنِي ، فَوَرِثْته .\rوَقَالَ أَخُوهَا مَاتَ ابْنُهَا فَوَرِثَتْهُ ، ثُمَّ مَاتَتْ فَوَرِثْنَاهَا حَلَفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى إبْطَالِ دَعْوَى صَاحِبِهِ وَكَانَ مِيرَاثُ الِابْنِ لِأَبِيهِ ، وَمِيرَاثُ الْمَرْأَةِ لِأَخِيهَا وَزَوْجِهَا نِصْفَيْنِ وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ إذَا مَاتَ جَمَاعَةٌ يَرِثُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا ، وَاخْتَلَفَ الْأَحْيَاءُ مِنْ وَرَثَتِهِمْ فِي أَسْبَقِهِمْ بِالْمَوْتِ كَامْرَأَةٍ وَابْنِهَا مَاتَا ، فَقَالَ الزَّوْجُ مَاتَتْ الْمَرْأَةُ أَوَّلًا ، فَصَارَ مِيرَاثُهَا كُلُّهُ لِي وَلِابْنِي ، ثُمَّ مَاتَ ابْنِي فَصَارَ مِيرَاثُهُ لِي .\rوَقَالَ أَخُوهَا : مَاتَ ابْنُهَا أَوَّلًا فَوَرِثَتْ ثُلُثَ مَالِهِ ، ثُمَّ مَاتَتْ فَكَانَ مِيرَاثُهَا بَيْنِي وَبَيْنَك نِصْفَيْنِ .\rحَلَفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى إبْطَالِ دَعْوَى صَاحِبِهِ ، وَجَعَلْنَا مِيرَاثَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِلْأَحْيَاءِ مِنْ وَرَثَتِهِ دُونَ مَنْ مَاتَ مَعَهُ ؛ لِأَنَّ سَبَبَ اسْتِحْقَاقِ الْحَيِّ مِنْ مَوْرُوثِهِ مَوْجُودٌ ، وَإِنَّمَا يَمْتَنِعُ لِبَقَاءِ مَوْرُوثِ الْآخَرِ بَعْدَهُ وَهَذَا أَمْرٌ مَشْكُوكٌ فِيهِ فَلَا نَزُولُ عَنْ الْيَقِينِ بِالشَّكِّ ، فَيَكُونُ مِيرَاثُ الِابْنِ لِأَبِيهِ ، لَا مُشَارِكَ لَهُ فِيهِ ، وَمِيرَاثُ الْمَرْأَةِ بَيْنَ أَخِيهَا وَزَوْجِهَا نِصْفَيْنِ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rفَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ أَعْطَيْتُمْ الزَّوْجَ نِصْفَ مِيرَاثِ الْمَرْأَةِ ، وَهُوَ لَا يَدَّعِي إلَّا الرُّبْعَ قُلْنَا بَلْ هُوَ مُدَّعٍ لَهُ كُلِّهِ ؛ رُبْعِهِ بِمِيرَاثِهِ مِنْهَا ، وَثَلَاثَةِ أَرْبَاعِهِ بِإِرْثِهِ مِنْ ابْنِهِ .\rقَالَ أَبُو بَكْرٍ : وَقَدْ ثَبَتَتْ الْبُنُوَّةُ بِيَقِينٍ ، فَلَا يُقْطَعُ مِيرَاثُ الْأَبِ مِنْهُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ تَقُومُ لِلْأَخِ .\rوَهَذَا تَعْلِيلٌ لِقَوْلِ الْخِرَقِيِّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ .\rوَذَكَرَ قَوْلًا آخَرَ ، أَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنَّ الْمِيرَاثَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ .\rقَالَ : وَهَذَا اخْتِيَارِي أَنَّ كُلَّ رَجُلَيْنِ ادَّعَيَا مَالًا يُمْكِنُ صِدْقُهُمَا فِيهِ فَهُوَ","part":23,"page":468},{"id":11468,"text":"بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ .\rوَهَذَا لَا يُدْرَى مَا أَرَادَ بِهِ إنْ أَرَادَ أَنَّ مَالَ الْمَرْأَةِ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ .\rفَهُوَ قَوْلُ الْخِرَقِيِّ ، وَلَيْسَ بِقَوْلِ آخَرَ ، وَإِنْ أَرَادَ أَنَّ مَالَهَا وَمَالَ الِابْنِ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ ، لَمْ يَصِحَّ ؛ لِأَنَّهُ يُفْضِي إلَى إعْطَاءِ الْأَخِ مَا لَا يَدَّعِيه ، وَلَا يَسْتَحِقُّهُ يَقِينًا ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدَّعِي مِنْ مَالِ الِابْنِ أَكْثَرَ مِنْ سُدُسِهِ وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَسْتَحِقَّ أَكْثَرَ مِنْهُ ، وَإِنْ أَرَادَ ثُلُثَ مَالِ الِابْنِ يُضَمُّ إلَى مَالِ الْمَرْأَةِ ، فَيَقْتَسِمَانِهِ نِصْفَيْنِ ، لَمْ يَصِحَّ ؛ لِأَنَّ نِصْفَ ذَلِكَ لِلزَّوْجِ بِاتِّفَاقِ مِنْهُمَا لَا ، يُنَازِعُهُ الْأَخُ فِيهِ ، وَإِنَّمَا النِّزَاعُ بَيْنَهُمَا فِي نِصْفِهِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا مُرَادَهُ كَمَا لَوْ تَنَازَعَ الْأَخُ فِيهِ ، وَإِنَّمَا النِّزَاعُ بَيْنَهُمَا خَفِيٌّ ، كَمَا لَوْ تَنَازَعَ رَجُلَانِ دَارًا فِي أَيْدِيهِمَا ، فَادَّعَاهَا أَحَدُهُمَا كُلَّهَا ، وَادَّعَى الْآخَرُ نِصْفَهَا ، فَإِنَّهَا تُقْسَمُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ ، وَتَكُونُ الْيَمِينُ عَلَى مُدَّعِي النِّصْفِ إلَّا أَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَتِلْكَ ، أَنَّ الدَّارَ فِي أَيْدِيهِمَا فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي يَدِهِ نِصْفُهَا ، فَمُدَّعِي النِّصْفِ يَدَّعِيه وَهُوَ فِي يَدِهِ ، فَقُبِلَ قَوْلُهُ فِيهِ مَعَ يَمِينِهِ ، وَفِي مَسْأَلَتِنَا يَعْتَرِفَانِ أَنَّ هَذَا مِيرَاثٌ عَنْ الْمَيِّتَيْنِ ، فَلَا يَدَ لِأَحَدِهِمَا عَلَيْهِ ، لَاعْتِرَافِهِمَا بِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا ، وَإِنَّمَا هُوَ مِيرَاثٌ يَدَّعِيَانِهِ عَنْ غَيْرِهِمَا ، وَإِنْ أَرَادَ أَنْ يُضَمُّ سُدُسُ مَالِ الِابْنِ إلَى نِصْفِ مَالِ الْمَرْأَةِ ، فَيُقْسَمَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ فَلَهُ وَجْهٌ ؛ لِأَنَّهُمَا تَسَاوَيَا فِي دَعْوَاهُ ، فَيُقْسَمُ بَيْنَهُمَا كَمَا لَوْ تَنَازَعَا دَابَّةً فِي أَيْدِيهِمَا ، وَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْيَمِينُ فِيمَا حُكِمَ لَهُ بِهِ .\rوَاَلَّذِي يَقْتَضِيه قَوْلُ أَصْحَابِنَا فِي الْغَرْقَى وَالْهَدْمَى ، أَنْ يَكُونَ سُدُسُ مِيرَاثِ الِابْنِ لِلْأَخِ ، وَبَاقِي الْمِيرَاثَيْنِ لِلزَّوْجِ ؛","part":23,"page":469},{"id":11469,"text":"لِأَنَّنَا نُقَدِّرُ أَنَّ الْمَرْأَةَ مَاتَتْ أَوَّلًا ، فَيَكُونُ مِيرَاثُهَا لِابْنِهَا وَزَوْجِهَا ، ثُمَّ مَاتَ الِابْنُ فَوَرِثَ الزَّوْجُ كُلَّ مَا فِي يَدِهِ فَصَارَ مِيرَاثُهَا كُلُّهُ لِزَوْجِهَا ، ثُمَّ نُقَدِّرُ أَنَّ الِابْنَ مَاتَ أَوَّلًا ، فَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ لِأُمِّهِ الثُّلُثُ ، ثُمَّ مَاتَتْ فَصَارَ الثُّلُثُ بَيْنَ أَخِيهَا وَزَوْجِهَا نِصْفَيْنِ ، لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ ، فَلَمْ يَرِثْ الْأَخُ إلَّا سُدُسَ مَالِ الِابْنِ ، كَمَا ذَكَرْنَا .\rوَلَعَلَّ هَذَا الْقَوْلَ يَخْتَصُّ بِمَنْ جُهِلَ مَوْتُهُمَا ، وَاتَّفَقَ وُرَّاثُهُمَا عَلَى الْجَهْلِ بِهِ .\rوَالْقَوْلَانِ الْمُتَقَدِّمَانِ ؛ قَوْلُ الْخِرَقِيِّ وَقَوْلُ أَبِي بَكْرٍ ، فِيمَا إذَا ادَّعَى وَرَثَةُ كُلِّ مَيِّتٍ أَنَّهُ مَاتَ أَخِيرًا وَأَنَّ الْآخَرَ مَاتَ قَبْلَهُ ، فَإِنْ كَانَ لِأَحَدِهِمَا بَيِّنَةٌ بِمَا ادَّعَاهُ ، حُكِمَ بِهَا ، وَإِنْ أَقَامَا بَيِّنَتَيْنِ تَعَارَضَتَا ، وَهَلْ تَسْقُطَانِ ، أَوْ تُسْتَعْمَلَانِ فَيُقْرَعُ بَيْنَهُمَا أَوْ يَقْتَسِمَانِ مَا اخْتَلَفَا فِيهِ ؟ يُخَرَّجُ عَلَى الرِّوَايَاتِ الثَّلَاثِ .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":23,"page":470},{"id":11470,"text":"( 8552 ) فَصْلٌ : وَلَوْ كَانَ فِي يَدِ رَجُلٍ دَارٌ ، فَادَّعَتْ امْرَأَتُهُ أَنَّهُ أَصْدَقَهَا إيَّاهَا ، أَوْ أَنَّهَا اشْتَرَتْهَا مِنْهُ فَأَنْكَرَهَا فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ لِأَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْمُنْكِرِ مَعَ يَمِينِهِ .\rوَإِنْ أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةً ، قُدِّمَتْ الْمَرْأَةِ لِأَنَّهَا تَشْهَدُ بِزِيَادَةِ خَفِيَتْ عَلَى بَيِّنَةِ الزَّوْجِ .\rوَإِنْ مَاتَ الرَّجُلُ ، وَخَلَّفَ ابْنًا ، فَادَّعَى الِابْنُ أَنَّهُ خَلَّفَ الدَّارَ مِيرَاثًا ، وَادَّعَتْ الْمَرْأَةُ أَنَّهُ أَصْدَقَهَا إيَّاهَا ، أَوْ بَاعَهَا إيَّاهَا ، وَأَقَامَا بَيِّنَتَيْنِ ، قُدِّمَتْ بَيِّنَةُ الْمَرْأَةِ ؛ لِذَلِكَ ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الِابْنِ مَعَ يَمِينِهِ .\rلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا .","part":23,"page":471},{"id":11471,"text":"( 8553 ) فَصْلٌ : إذَا ادَّعَى رَجُلٌ أَنَّهُ اكْتَرَى بَيْتًا مِنْ دَارٍ لِرَجُلٍ شَهْرًا بِعَشَرَةٍ ، فَادَّعَى الرَّجُلُ أَنَّهُ اكْتَرَى الدَّارَ كُلَّهَا بِعَشَرَةٍ ، ذَلِكَ الشَّهْرَ وَلَا بَيِّنَةَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا ، فَقَدْ اخْتَلَفَا فِي صِفَةِ الْعَقْدِ ، فِي قَدْرِ الْمُكْتَرَى ، فَيَتَحَالَفَانِ ، وَقَدْ مَضَى حُكْمُ التَّحَالُفِ فِي الْبَيْعِ .\rوَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ ، فِيمَا إذَا ادَّعَى الْبَائِعُ أَنَّهُ بَاعَهُ عَبْدَهُ هَذَا بِعَشَرَةٍ ، وَقَالَ الْمُشْتَرِي : بَلْ هُوَ وَالْعَبْدُ الْآخَرُ بِعَشَرَةٍ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ مَعَ يَمِينِهِ .\rوَلَمْ يَجْعَلْ بَيْنَهُمَا تَحَالُفًا ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ يَدَّعِي بَيْعًا فِي الْعَبْدِ الزَّائِدِ ، يُنْكِرُهُ الْبَائِعُ وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ .\rوَهَذَا مِثْلُهُ .\rفَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُكْرِي مَعَ يَمِينِهِ إذَا عُدِمَتْ الْبَيِّنَةُ .\rفَإِنْ أَقَامَ أَحَدُهُمَا بِدَعْوَاهُ بَيِّنَةً ، حُكِمَ لَهُ ، وَإِنْ كَانَ مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ بَيِّنَةٌ ، تَعَارَضَتَا ، سَوَاءٌ كَانَتَا مُطْلِقَتَيْنِ ، أَوْ مُؤَرِّخَتَيْنِ بِتَارِيخٍ وَاحِدٍ ، أَوْ إحْدَاهُمَا مُؤَرِّخَةً وَالْأُخْرَى مُطْلِقَةٌ ، لِأَنَّ الْعَقْدَ عَلَى الْبَيْتِ مُفْرَدًا ، وَعَلَى الدَّارِ كُلِّهَا ، فِي زَمَنٍ وَاحِدٍ ، مُحَالٌ ، فَإِنْ قُلْنَا تَسْقُطَانِ فَالْحُكْمُ فِيهِ كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا بَيِّنَةٌ ، وَإِنْ قُلْنَا : يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا قَدَّمْنَا قَوْلَ مَنْ تَقَعُ لَهُ الْقُرْعَةُ .\rوَهَذَا قَوْلُ الْقَاضِي ، وَظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ .\rوَعَلَى قَوْلِ أَبِي الْخَطَّابِ ، تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ الْمُكْتَرِي ؛ لِأَنَّهَا تَشْهَدُ بِزِيَادَةٍ .\rوَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ .\rفَإِنْ قِيلَ : فَهَلَّا أَوْجَبْتُمْ الْأُخْرَيَيْنِ مَعًا عَلَى الْمُكْتَرِي كَمَا قُلْتُمْ فِيمَا إذَا قَامَتْ الْبَيِّنَةُ أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا يَوْمَ الْخَمِيسِ بِأَلْفٍ ، وَقَامَتْ بَيِّنَةٌ أُخْرَى أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ بِمِائَةٍ : يَجِبُ الْمَهْرَانِ ؟ قُلْنَا ثَمَّ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَهْرَانِ مُسْتَقِرَّيْنِ ، بِأَنْ يَتَزَوَّجَهَا يَوْمَ الْخَمِيسِ يَدْخُلُ","part":23,"page":472},{"id":11472,"text":"بِهَا ، ثُمَّ يُخَالِعُهَا ، ثُمَّ يَتَزَوَّجُهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ .\rوَأَمَّا الْأُجْرَةُ فَلَا تَسْتَقِرُّ إلَّا بِمُضِيِّ الزَّمَانِ ، فَإِذَا عَقَدَ عَقْدًا قَبْلَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ لَمْ يَجُزْ أَنْ تَجِبَ الْأُجْرَتَانِ .","part":23,"page":473},{"id":11473,"text":"( 8554 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَلَوْ شَهِدَ شَاهِدَانِ عَلَى رَجُلٍ ، أَنَّهُ أَخَذَ مِنْ صَبِيٍّ أَلْفًا ، وَشَهِدَ آخَرَانِ عَلَى رَجُلٍ آخَرَ أَنَّهُ أَخَذَ مِنْ الصَّبِيِّ أَلْفًا ، كَانَ عَلَى وَلِي الصَّبِيِّ أَنْ يُطَالِبَ أَحَدَهُمَا بِالْأَلْفِ ، إلَّا أَنْ تَكُونَ كُلُّ بَيِّنَةٍ لَمْ تَشْهَدْ بِالْأَلْفِ الَّذِي شَهِدَتْ بِهَا الْأُخْرَى فَيَأْخُذَ الْوَلِيُّ الْأَلْفَيْنِ ) أَمَّا إذَا كَانَتْ كُلُّ بَيِّنَةٍ شَهِدَتْ بِأَلْفٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ ، فَإِنَّ الْوَلِيَّ يُطَالِبُ بِالْأَلْفَيْنِ جَمِيعًا ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الرَّجُلَيْنِ ثَبَتَ عَلَيْهِ أَحَدُ الْأَلْفَيْنِ ، فَيَلْزَمُهُ أَدَاؤُهَا ، وَعَلَى الْوَلِيِّ أَنْ يُطَالِبَ بِهَا ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِأَلْفٍ .\rوَأَمَّا إنْ كَانَ الْمَشْهُودُ بِهِ أَلْفًا مُعَيَّنًا ، فَشَهِدَتْ بَيِّنَةٌ أَنَّ هَذَا الرَّجُلَ هُوَ الْآخِذُ لَهَا ، لَمْ يَجِبْ إلَّا أَلْفٌ وَاحِدٌ ، وَلِلْوَلِيِّ مُطَالَبَةُ أَيِّهِمَا شَاءَ لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَخَذَ الْأَلْفَ ، فَإِنْ كَانَ لَمْ يَرُدَّهُ ، فَقَدْ اسْتَقَرَّ فِي ذِمَّتِهِ ، وَإِنْ كَانَ رَدَّهُ إلَى الصَّبِيِّ ، لَمْ تَبْرَأْ ذِمَّتُهُ بِرَدِّهِ إلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ قَبْضٌ صَحِيحٌ .\rفَإِنْ غَرِمَهُ الَّذِي لَمْ يَرُدَّهُ ، لَمْ يَرْجِعْ عَلَى أَحَدٍ ؛ لِأَنَّهُ اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ ، وَإِنْ غَرِمَهُ الرَّادُّ لَهُ ، رَجَعَ عَلَى الَّذِي لَمْ يَرُدَّهُ .\rفَإِنْ غَرِمَهُ أَحَدُهُمَا ، فَادَّعَى أَنَّ الضَّمَانَ اسْتَقَرَّ عَلَى صَاحِبِهِ ، لِيَرْجِعَ عَلَيْهِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْآخَرِ مَعَ يَمِينِهِ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ اسْتِقْرَارِهِ عَلَيْهِ .","part":23,"page":474},{"id":11474,"text":"( 8555 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : وَلَوْ أَنَّ رَجُلَيْنِ حَرْبِيَّيْنِ جَاءَا مِنْ أَرْضِ الْحَرْبِ ، فَذَكَرَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّهُ أَخُو صَاحِبِهِ ، جَعَلْنَاهُمَا أَخَوَيْنِ ، وَإِنْ كَانَا سَبْيًا ، فَادَّعَيَا ذَلِكَ بَعْدَ أَنْ أُعْتِقَا ، فَمِيرَاثُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِمُعْتِقِهِ إذَا لَمْ يُصَدِّقْهُمَا ، إلَّا أَنْ تَقُومَ بِمَا ادَّعَيَاهُ بَيِّنَةٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ، فَيَثْبُتَ النَّسَبُ ، وَيُوَرَّثَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ أَخِيهِ وَجُمْلَتُهُ أَنَّ أَهْلَ الْحَرْبِ إذَا دَخَلُوا إلَيْنَا مُسْلِمِينَ أَوْ غَيْرَ مُسْلِمِينَ فَأَقَرَّ بَعْضُهُمْ بِنَسَبِ بَعْضٍ ، ثَبَتَ نَسَبُهُمْ كَمَا يَثْبُتُ نَسَبُ أَهْلِ دَارِ الْإِسْلَامِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَأَهْلِ الذِّمَّةِ بِإِقْرَارِهِمْ ، وَلِأَنَّهُ إقْرَارٌ لَا ضَرَرَ عَلَى أَحَدٍ فِيهِ ، فَقُبِلَ ، كَإِقْرَارِهِمْ ، بِالْحُقُوقِ الْمَالِيَّةِ ، وَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا .\rوَإِنْ كَانُوا سَبْيًا ، فَأَقَرَّ بَعْضُهُمْ بِنَسَبِ بَعْضٍ ، وَقَامَتْ بِذَلِكَ بَيِّنَةٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ، ثَبَتَ أَيْضًا ، سَوَاءٌ كَانَ الشَّاهِدُ أَسِيرًا عِنْدَهُمْ أَوْ غَيْرَ أَسِيرٍ .\rوَيُسَمَّى الْوَاحِدُ مِنْ هَؤُلَاءِ حَمِيلًا ، أَيْ مَحْمُولًا ، كَمَا يُقَالُ لِلْمَقْتُولِ قَتِيلٌ ، وَلِلْمَجْرُوحِ جَرِيحٌ ؛ لِأَنَّهُ حُمِلَ مِنْ دَارِ الْكُفْرِ .\rوَقِيلَ سُمِّيَ حَمِيلًا ؛ لِأَنَّهُ حُمِلَ نَسَبُهُ عَلَى غَيْرِهِ .\rوَإِنْ شَهِدَ بِنَسَبِهِ الْكُفَّارُ ، لَمْ تُقْبَلْ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ ، رِوَايَةٌ أُخْرَى ، أَنَّ شَهَادَتَهُمْ فِي ذَلِكَ تُقْبَلُ ؛ لِتَعَذُّرِ شَهَادَةِ الْمُسْلِمِينَ بِهِ فِي الْغَالِبِ ، فَأَشْبَهَ شَهَادَةَ أَهْلِ الذِّمَّةِ عَلَى الْوَصِيَّةِ فِي السَّفَرِ ، إذَا لَمْ يَكُنْ غَيْرُهُمْ .\rوَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ ؛ لِأَنَّنَا إذَا لَمْ نَقْبَلْ شَهَادَةَ الْفَاسِقِ ، فَشَهَادَةُ الْكَافِرِ أَوْلَى ، وَإِنَّمَا لَمْ يُقْبَلْ إقْرَارُهُمْ ؛ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الضَّرَرِ عَلَى السَّيِّدِ ، بِتَفْوِيتِ إرْثِهِ بِالْوَلَاءِ عَلَى تَقْدِيرِ الْعِتْقِ ، وَإِنْ صَدَّقَهُمَا مُعْتِقُهُمَا ، قُبِلَ ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُ .\rوَإِنْ لَمْ يُصَدِّقْهُمَا ، وَلَمْ تَقُمْ بَيِّنَةٌ","part":23,"page":475},{"id":11475,"text":"بِذَلِكَ ، لَمْ يَرِثْ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ ، وَمِيرَاثُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِمُعْتِقِهِ .\rوَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، فِيمَا إذَا أَقَرَّ بِنَسَبِ أَبٍ ، أَوْ أَخٍ أَوْ جَدٍّ أَوْ ابْنِ عَمٍّ .\rوَإِنْ أَقَرَّ بِنَسَبٍ فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ ؛ أَحَدُهَا ، لَا يُقْبَلُ .\rوَالثَّانِي يُقْبَلُ ؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ أَنْ يَسْتَوْلِدَ ، فَمَلَكَ الْإِقْرَارَ بِهِ .\rوَالثَّالِثُ ، إنْ أَمْكَنَ أَنْ يَسْتَوْلِدَ بَعْدَ عِتْقِهِ ، قُبِلَ ؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ الِاسْتِيلَادَ بَعْدَ عِتْقِهِ ، وَإِلَّا لَمْ يُقْبَلْ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ قَبْلَ عِتْقِهِ ، أَوْ يَسْتَوْلِدَ قَبْلَ عِتْقِهِ .\rوَيُرْوَى عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَمَسْرُوقٍ وَالْحَسَنِ وَابْنِ سِيرِينَ ، أَنَّ إقْرَارَهُ يُقْبَلُ فِيمَا يُقْبَلُ فِيهِ الْإِقْرَارُ مِنْ الْأَحْرَارِ الْأَصْلِيِّينَ .\rوَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لِأَنَّهُ مُكَلَّفٌ أَقَرَّ بِنَسَبٍ وَإِرْثُ مَجْهُولِ النَّسَبِ ، يُمْكِنُ صِدْقُهُ فِيهِ ، وَوَافَقَهُ الْمُقَرُّ لَهُ فِيهِ ، فَقُبِلَ كَمَا لَوْ أَقَرَّ مَنْ لَهُ أَخٌ بِنَسَبِ ابْنٍ ، وَبِهَذَا الْأَصْلِ يَبْطُلُ مَا ذَكَرُوهُ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى الشَّعْبِيُّ ، أَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَتَبَ إلَى شُرَيْحٍ ، أَنْ لَا تُوَرِّثْ حَمِيلًا ، حَتَّى تَقُومَ بِهِ بَيِّنَةٌ .\rرَوَاهُ سَعِيدٌ .\rوَقَالَ أَيْضًا : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ ابْنِ جُدْعَانَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَ : كَتَبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ : أَنْ لَا تُوَرِّثْ حَمِيلًا إلَّا بِبَيِّنَةٍ .\rوَلِأَنَّ إقْرَارَهُ يَتَضَمَّنُ إسْقَاطَ حَقِّ مُعْتِقِهِ مِنْ مِيرَاثِهِ ، فَلَمْ يُقْبَلْ ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ أَنَّهُ مَوْلًى لِغَيْرِهِ ، فَإِنَّ غَيْرَهُ شَرِيكُهُ فِي وَلَائِهِ ، وَفَارَقَ الْإِقْرَارَ مِنْ الْحُرِّ الَّذِي لَهُ أَخٌ ؛ لِأَنَّ الْوَلَاءَ نَتِيجَةُ الْمِلْكِ ، فَجَرَى مَجْرَاهُ ، وَلِأَنَّ الْوَلَاءَ ثَبَتَ عَنْ عِوَضٍ ، وَالْأُخُوَّةُ بِخِلَافِهِ ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ لِغَيْرِهِ : أَعْتِقْ عَبْدَك عَنِّي وَعَلَيَّ ثَمَنُهُ .\rصَحَّ ، وَلَمْ يَثْبُتْ لَهُ إلَّا الْوَلَاءُ ؟ وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ بِعِوَضٍ ، كَانَ أَقْوَى مِنْ النَّسَبِ ، وَإِنَّمَا قَدَّمْنَا","part":23,"page":476},{"id":11476,"text":"النَّسَبَ فِي الْمِيرَاثِ لِقُرْبِهِ ، لَا لِقُوَّتِهِ ، كَمَا نُقَدِّمُ ذَوِي الْفُرُوضِ عَلَى الْعَصَبَةِ مَعَ قُرْبِهِمْ .\r( 8556 ) فَصْلٌ : وَإِذَا كَانَا مُخْتَلِفَيْ الدِّينِ ، لَمْ يَثْبُتْ النَّسَبُ بِإِقْرَارِهِمَا ، وَإِنْ لَمْ يَتَوَارَثَا ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يُسْلِمَ الْكَافِرُ مِنْهُمَا فَيَرِثَ ؛ وَلِذَلِكَ لَوْ أَقَرَّا بِالنَّسَبِ فِي حَالِ رِقِّهِمَا ، لَمْ يَثْبُتْ لِاحْتِمَالِ التَّوَارُثِ بِالْعِتْقِ .\rوَإِنْ وُلِدَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ابْنٌ مِنْ حُرَّةٍ ، فَأَقَرَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِلْآخَرِ أَنَّهُ ابْنُ عَمِّهِ ، احْتَمَلَ أَنْ يُقْبَلَ إقْرَارُهُ ؛ لِأَنَّهُ لَا وَلَاءَ عَلَيْهِ ، فَيُقْبَلُ إقْرَارُهُ ؛ لِوُجُودِ الْمُقْتَضِي لِقَبُولِهِ ، وَانْتِفَاءِ الْمُعَارِضِ .\rوَاحْتَمَلَ أَنْ لَا يُقْبَلَ ؛ لِأَنَّهُ يَرِثُهُ الْمُسْلِمُونَ ، وَلِأَنَّهُ إذَا لَمْ يُقْبَلْ إقْرَارُ الْأُصُولِ ، فَالْفُرُوعُ أَوْلَى فَإِنْ قُلْنَا : يُقْبَلُ إقْرَارُهُمَا .\rفَأَقَرَّ أَحَدُهُمَا لِأَبِي الْآخَرِ أَنَّهُ عَمُّهُ ، لَمْ يَثْبُتْ الْإِقْرَارُ بِالنِّسْبَةِ إلَى أَنَّهُ ابْنُ أَخِيهِ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ ثَبَتَ لَوَرِثَ عَمُّهُ دُونُ مَوْلَاهُ الْمُعْتِقِ لَهُ .\rوَهَلْ يَثْبُتُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْعَمِّ فَيَرِثُ ابْنَ أَخِيهِ ؟ يَحْتَمِلُ أَنْ يَثْبُتَ ؛ لِانْتِفَاءِ الْوَلَاءِ عَنْ ابْنِ الْأَخِ فَلَا تُفْضِي صِحَّةُ الْإِقْرَارِ إلَى إسْقَاطِ الْوَلَاءِ وَالْأَوْلَى أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ بِالنِّسْبَةِ إلَى أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ ، فَلَمْ يَثْبُتْ فِي الْآخَرِ .","part":23,"page":477},{"id":11477,"text":"( 8557 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : وَإِذَا كَانَ الزَّوْجَانِ فِي الْبَيْتِ ، فَافْتَرَقَا ، أَوْ مَاتَا ، فَادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا فِي الْبَيْتِ أَنَّهُ لَهُ ، أَوْ وَرِثَهُ ، حُكِمَ بِمَا كَانَ يَصْلُحُ لِلرِّجَالِ لِلرَّجُلِ ، وَمَا كَانَ يَصْلُحُ لِلنِّسَاءِ لِلْمَرْأَةِ ، وَمَا كَانَ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ لَهُمَا ، فَهُوَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الزَّوْجَيْنِ إذَا اخْتَلَفَا فِي مَتَاعِ الْبَيْتِ ، أَوْ فِي بَعْضِهِ ، فَقَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا : جَمِيعُهُ لِي .\rأَوْ قَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا : هَذِهِ الْعَيْنُ لِي ، وَكَانَتْ لِأَحَدِهِمَا بَيِّنَةٌ ، ثَبَتَ لَهُ ، بِلَا خِلَافٍ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ فَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّ مَا يَصْلُحُ لِلرِّجَالِ ؛ مِنْ الْعَمَائِمِ ، وَقُمْصَانِهِمْ ، وَجِبَابِهِمْ ، وَالْأَقْبِيَةِ ، وَالطَّيَالِسَةِ ، وَالسِّلَاحِ ، وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ ، الْقَوْلُ فِيهِ قَوْلُ الرَّجُلِ مَعَ يَمِينِهِ ، وَمَا يَصْلُحُ لِلنِّسَاءِ ؛ كَحُلِيِّهِنَّ ، وَقُمُصِهِنَّ ، وَمَقَانِعِهِنَّ ، وَمَغَازِلِهِنَّ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَرْأَةِ مَعَ يَمِينِهَا .\rوَمَا يَصْلُحُ لَهُمَا ؛ كَالْمَفَارِشِ ، وَالْأَوَانِي ، فَهُوَ بَيْنَهُمَا ، وَسَوَاءٌ كَانَ فِي أَيْدِيهِمَا مِنْ طَرِيقِ الْمُشَاهَدَةِ ، أَوْ مِنْ طَرِيقِ الْحُكْمِ ، وَسَوَاءٌ اخْتَلَفَا فِي حَالِ الزَّوْجِيَّةِ ، أَوْ بَعْدَ الْبَيْنُونَةِ ، وَسَوَاءٌ اخْتَلَفَا ، أَوْ اخْتَلَفَ وَرَثَتُهُمَا ، أَوْ أَحَدُهُمَا وَوَرَثَةُ الْآخَرِ .\rقَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ ؛ مِنْهُمْ يَعْقُوبُ بْنُ بُخْتَانَ ، فِي الرَّجُلِ يُطَلِّقُ زَوْجَتَهُ ، أَوْ يَمُوتُ ، فَتَدَّعِي الْمَرْأَةُ الْمَتَاعَ : فَمَا كَانَ يَصْلُحُ لِلرِّجَالِ ، فَهُوَ لِلرَّجُلِ ، وَمَا كَانَ مِنْ مَتَاعِ النِّسَاءِ ، فَهُوَ لِلنِّسَاءِ ، وَمَا اسْتَقَامَ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ فَهُوَ بَيْنَهُمَا .\rوَإِنْ كَانَ الْمَتَاعُ عَلَى يَدَيْ غَيْرِهِمَا ، فَمَنْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ ، دُفِعَ إلَيْهِ ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُمَا بَيِّنَةٌ ، أَقْرَعَ بَيْنَهُمَا ، فَمَنْ كَانَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ ، حَلَفَ وَأُعْطِيَ الْمَتَاعَ","part":23,"page":478},{"id":11478,"text":".\rوَقَالَ ، فِي رِوَايَةِ مِهَنًا : وَكَذَلِكَ إنْ اخْتَلَفَا ، وَأَحَدُهُمَا مَمْلُوكٌ .\rوَبِهَذَا قَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى ، وَقَالَ الْقَاضِي : هَذَا إنَّمَا هُوَ فِيمَا إذَا كَانَتْ أَيْدِيهِمَا عَلَيْهِ مِنْ طَرِيقِ الْحُكْمِ ، أَمَّا مَا كَانَ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا مِنْ طَرِيقِ الْمُشَاهَدَةِ ، فَهُوَ لَهُ مَعَ يَمِينِهِ .\rوَإِنْ كَانَ فِي أَيْدِيهِمَا ، قُسِمَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ سَوَاءٌ كَانَ يَصْلُحُ لَهُمَا ، أَوْ لِأَحَدِهِمَا .\rوَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ ، إلَّا أَنَّهُمَا قَالَا : مَا يَصْلُحُ لَهُمَا وَيَدُهُمَا عَلَيْهِ مِنْ طَرِيقِ الْحُكْمِ ، فَالْقَوْلُ فِيهِ قَوْلُ الرَّجُلِ مَعَ يَمِينِهِ .\rوَإِذَا اخْتَلَفَ أَحَدُهُمَا وَوَرِثَهُ الْآخَرُ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ النَّافِي مِنْهُمَا لِأَنَّ الْيَدَ الْمُشَاهَدَةَ أَقْوَى مِنْ الْيَدِ الْحُكْمِيَّةِ ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ تَنَازَعَ الْخَيَّاطُ وَصَاحِبُ الدَّارِ فِي الْإِبْرَةِ وَالْمِقَصِّ ، كَانَتْ لِلْخَيَّاطِ .\rوَقَالَ أَبُو يُوسُفَ : الْقَوْلُ قَوْلُ الْمَرْأَةِ ، فِيمَا جَرَتْ الْعَادَةُ أَنَّهُ قَدْرُ جِهَازِ مِثْلِهَا .\rوَقَالَ مَالِكٌ مَا صَلَحَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ، فَهُوَ لَهُ ، وَمَا صَلَحَ لَهُمَا ، كَانَ لِلرَّجُلِ ، سَوَاءٌ كَانَ فِي أَيْدِيهِمَا مِنْ طَرِيقِ الْمُشَاهَدَةِ ، أَوْ مِنْ طَرِيقِ الْحُكْمِ ؛ لِأَنَّ الْبَيْتَ لِلرَّجُلِ ، وَيَدَهُ أَقْوَى ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ السُّكْنَى وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَزُفَرُ ، وَالْبَتِّيُّ كُلُّ مَا فِي الْبَيْتِ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ ، فَيَحْلِفُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى نِصْفِهِ وَيَأْخُذُهُ .\rوَرُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ؛ لِأَنَّهُمَا تَسَاوَيَا فِي ثُبُوتِ يَدِهِمَا عَلَى الْمُدَّعَى ، وَعَدَمِ الْبَيِّنَةِ ، فَلَمْ يُقَدَّمْ أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ ، كَاَلَّذِي يَصْلُحُ لَهُمَا ، أَوْ كَمَا لَوْ كَانَ فِي يَدِهِمَا مِنْ حَيْثُ الْمُشَاهَدَةُ عِنْدَ مَنْ سَلَّمَ ذَلِكَ .\rوَلَنَا ، أَنْ أَيْدِيَهُمَا جَمِيعًا عَلَى مَتَاعٍ الْبَيْتِ ، بِدَلِيلِ مَا لَوْ نَازَعَهُمَا فِيهِ أَجْنَبِيٌّ ، كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُمَا ،","part":23,"page":479},{"id":11479,"text":"وَقَدْ يَرْجِعُ أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ يَدًا وَتَصَرُّفًا فَيَجِبُ أَنْ يُقَدَّمَ ، كَمَا لَوْ تَنَازَعَا دَابَّةً ، أَحَدُهُمَا رَاكِبُهَا ، وَالْآخَرُ آخِذٌ بِزِمَامِهَا ، أَوْ قَمِيصًا أَحَدُهُمَا لَابِسُهُ ، وَالْآخَرُ آخِذٌ بِكُمِّهِ ، أَوْ جِدَارًا مُتَّصِلًا بِدَارَيْهِمَا ، مَعْقُودًا بِبِنَاءِ أَحَدِهِمَا ، أَوْ لَهُ عَلَيْهِ أَزَجٌ .\rوَلَنَا ، عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ وَالْقَاضِي ، أَنَّهُمَا تَنَازَعَا فِيمَا فِي أَيْدِيهِمَا وَلَا مَزِيَّةَ لِأَحَدِهِمَا عَلَى صَاحِبِهِ ، أَشْبَهَ إذَا كَانَ فِي الْيَدِ الْحُكْمِيَّةِ .\rفَأَمَّا مَا كَانَ يَصْلُحُ لَهُمَا ، فَإِنَّهُ فِي أَيْدِيهِمَا ، وَلَا مَزِيَّةَ لِأَحَدِهِمَا عَلَى صَاحِبِهِ ، أَشْبَهَ إذَا كَانَ فِي أَيْدِيهِمَا مِنْ جِهَةِ الْمُشَاهَدَةِ ، وَالدَّلَالَةُ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِلنَّافِي ، أَنَّ وَارِثَ الْمَيِّتِ قَائِمٌ مَقَامَهُ ، أَشْبَهَ مَا لَوْ وَكَّلَ أَحَدُهُمَا لِنَفْسِهِ وَكِيلًا .\rفَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُمَا يَدٌ حَكِيمَةٌ ، بَلْ تَنَازَعَ رَجُلٌ وَامْرَأَةٌ فِي عَيْنٍ غَيْرِ قُمَاشٍ بَيْنَهُمَا ، فَلَا يَرْجِعُ أَحَدُهُمَا بِصَلَاحِيَةِ ذَلِكَ لَهُ ، بَلْ إنْ كَانَتْ فِي أَيْدِيهِمَا فَهِيَ بَيْنَهُمَا ، وَإِنْ كَانَتْ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا ، فَهِيَ لَهُ ، وَإِنْ كَانَتْ فِي يَدِ غَيْرِهِمَا ، اقْتَرَعَا عَلَيْهَا ، فَمَنْ خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ فَهِيَ لَهُ ، وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ حَكَمْنَا بِهَا لَهُ فِي كُلِّ الْمَوَاضِعِ ، لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُمَا يَدٌ حُكْمِيَّةٌ ، فَأَشْبَهَا سَائِرَ الْمُخْتَلِفِينَ .","part":23,"page":480},{"id":11480,"text":"( 8558 ) فَصْلٌ : وَإِذَا كَانَ فِي الدُّكَّانِ نَجَّارٌ وَعَطَّارٌ ، فَاخْتَلَفَا فِيمَا فِيهَا ، حُكِمَ بِآلَةِ كُلِّ صِنَاعَةٍ لِصَاحِبِهَا ، فَآلَةُ الْعَطَّارِينَ لِلْعَطَّارِ ، وَآلَةُ النَّجَّارِينَ لِلنَّجَّارِ .\rوَإِنْ لَمْ يَكُونَا فِي دُكَّانٍ وَاحِدٍ ، لَكِنْ اخْتَلَفَا فِي عَيْنٍ لَمْ يُرَجَّحْ أَحَدُهُمَا بِصَلَاحِيَةِ الْعَيْنِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا لَهُ ، كَمَا ذَكَرْنَا فِي الزَّوْجَيْنِ ، يَكُونُ ذَلِكَ كَتَنَازُعِ الْأَجْنَبِيَّيْنِ .","part":23,"page":481},{"id":11481,"text":"( 8559 ) فَصْلٌ : وَإِذَا اخْتَلَفَ الْمُكْرِي وَالْمُكْتَرِي فِي شَيْءٍ فِي الدَّارِ ، نَظَرْت ؛ فَإِنْ كَانَ مِمَّا يُنْقَلُ وَيُحَوَّلُ ، كَالْأَثَاثِ ، وَالْأَوَانِي ، وَالْكُتُبِ فَهُوَ لِلْمُكْتَرِي ؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ أَنَّ الْإِنْسَانَ يُكْرِي دَارِهِ فَارِغَةً مِنْ رَحْلِهِ وَقُمَاشِهِ ، وَإِنْ كَانَ فِي شَيْءٍ مِمَّا يَتْبَعُ فِي الْبَيْعِ ؛ كَالْأَبْوَابِ الْمَنْصُوبَةِ ، وَالْخَوَابِي الْمَدْفُونَةِ ، وَالرُّفُوفِ الْمُسَمَّرَةِ ، وَالسَّلَالِيمِ الْمُسَمَّرَةِ ، وَالْمَفَاتِيحِ وَالرَّحَا الْمَنْصُوبَةِ ، وَحَجَرِهَا التَّحْتَانِيِّ فَهُوَ لِلْمُكْرِي ؛ لِأَنَّهُ مِنْ تَوَابِعِ الدَّارِ ، فَأَشْبَهَ الشَّجَرَةَ الْمَغْرُوسَةَ فِيهَا .\rوَإِنْ كَانَتْ الرُّفُوفُ مَوْضُوعَةً عَلَى أَوْتَادٍ ، فَقَالَ أَحْمَدُ : إذَا اخْتَلَفَا فِي الرُّفُوفِ ، فَهِيَ لِصَاحِبِ الدَّارِ .\rفَظَاهِرُ هَذَا الْعُمُومُ فِي الرُّفُوفِ كُلِّهَا .\rوَقَالَ الْقَاضِي : كَلَامُ أَحْمَدَ مَحْمُولٌ عَلَى الْمُسَمَّرَةِ ، فَأَمَّا غَيْرُ الْمُسَمَّرَةِ فَهِيَ بَيْنَهُمَا إذَا تَحَالَفَا ؛ لِأَنَّهَا لَا تَتْبَعُ فِي الْبَيْعِ فَأَشْبَهَتْ الْقُمَاشَ .\rوَهَذَا ظَاهِرٌ يَشْهَدُ لِلْمُكْتَرِي ، وَلِلْمُكْرِي ظَاهِرٌ يُعَارِضُ هَذَا ، وَهُوَ أَنَّ الْمُكْرِيَ يَتْرُكُ الرُّفُوفَ فِي الدَّارِ ، وَلَا يَنْقُلُهَا عَنْهَا ، فَإِذَا تَعَارَضَ الظَّاهِرَانِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ ، اسْتَوَيَا .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rفَعَلَى هَذَا ، إذَا تَحَالَفَا ، كَانَتْ بَيْنَهُمَا ، وَإِنْ حَلَفَ أَحَدُهُمَا ، وَنَكَلَ الْآخَرُ ، فَهِيَ لِمَنْ حَلَفَ .\rوَذَكَرَ الْقَاضِي فِي مَوْضِعٍ آخَرَ ، وَأَبُو الْخَطَّابِ ، أَنَّهُ إنْ كَانَ لِلرَّفِّ شَكْلٌ مَنْصُوبٌ فِي الدَّارِ ، فَهُوَ لِصَاحِبِ الدَّارِ مَعَ يَمِينِهِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَكْلٌ مَنْصُوبٌ تَحَالَفَا ، وَكَانَ بَيْنَهُمَا ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ لَهُ شَكْلٌ مَنْصُوبٌ فِي الدَّارِ فَالشَّكْلُ تَابِعٌ لِلدَّارِ ، فَهُوَ لِصَاحِبِهَا ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ أَحَدَ الرَّفَّيْنِ لِمَنْ لَهُ الْآخَرُ ، وَكَذَلِكَ إنْ اخْتَلَفَا فِي مِصْرَاعِ بَابٍ مَقْلُوعٍ ، فَالْحُكْمُ فِيهِ كَمَا ذَكَرْنَا ؛ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا لَا يَسْتَغْنِي عَنْ","part":23,"page":482},{"id":11482,"text":"صَاحِبِهِ ، فَكَانَ أَحَدُهُمَا لِمَنْ لَهُ الْآخَرُ ، كَالْحَجَرِ الْفَوْقَانِيِّ مِنْ الرَّحَى ، وَالْمِفْتَاحِ مَعَ السَّكْرَةِ .\rوَوَجْهُ وَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ ، فِي أَنَّ الرُّفُوفَ لِصَاحِبِ الدَّارِ عَلَى كُلِّ حَالٍ ، أَنَّ الْعَادَةَ جَارِيَةٌ بِتَرْكِ الرُّفُوفِ فِي الدَّارِ ، وَلَمْ تَجْرِ بِنَقْلِ الْمُكْتَرِي لَهَا مَعَهُ ، فَكَانَتْ لِصَاحِبِ الدَّارِ ، كَاَلَّذِي لَهُ شَكْلٌ مَنْصُوبٌ ، وَلِأَنَّهَا إذَا كَانَتْ لَهَا أَوْتَادٌ مَنْصُوبَةٌ ، فَالْأَوْتَادُ لِصَاحِبِ الدَّارِ ، فَكَذَلِكَ مَا نُصِبَتْ لَهُ كَالْحَجَرِ الْفَوْقَانِيِّ مِنْ الرَّحَى إذَا كَانَ السُّفْلَانِيُّ مَنْصُوبًا ، وَمِفْتَاحِ السَّكْرَةِ الْمُسَمَّرَةِ .","part":23,"page":483},{"id":11483,"text":"( 8560 ) فَصْلٌ : وَإِذَا كَانَ الْخَيَّاطُ فِي دَارِ غَيْرِهِ ، فَاخْتَلَفَا فِي الْإِبْرَةِ وَالْمِقَصِّ ، فَهِيَ لِلْخَيَّاطِ ؛ لِأَنَّ تَصَرُّفَهُ فِيهِمَا أَكْثَرُ وَأَظْهَرُ ، وَالظَّاهِرُ مَعَهُ ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ إذَا دَعَا خَيَّاطًا لِيَخِيطَ لَهُ ، فَالْعَادَةُ أَنَّهُ يَحْمِلُ مَعَهُ إبْرَتَهُ وَمِقَصَّهُ .\rوَإِنْ اخْتَلَفَا فِي الْقَمِيصِ فَهُوَ لِصَاحِبِ الدَّارِ ؛ إذْ لَيْسَتْ الْعَادَةُ أَنْ يَحْمِلَ الْقَمِيصَ مَعَهُ يَخِيطُهُ فِي دَارِ غَيْرِهِ ، وَإِنَّمَا الْعَادَةُ أَنْ يَخِيطَ قَمِيصَ صَاحِبِ الدَّارِ فِيهَا .\rوَإِنْ اخْتَلَفَ صَاحِبُ الدَّارِ وَالنَّجَّارُ فِي الْقَدُومِ ، وَالْمِنْشَارِ ، وَآلَةِ النِّجَارَةِ ، فَهِيَ لِلنَّجَّارِ .\rوَإِنْ اخْتَلَفَا فِي الْخَشَبَةِ الْمَنْجُورَةِ وَالْأَبْوَابِ وَالرُّفُوفِ الْمَنْشُورَةِ ، فَهِيَ لِصَاحِبِ الدَّارِ .\rوَإِنْ اخْتَلَفَ النَّجَّادُ وَرَبُّ الدَّارِ فِي قَوْسِ النَّدْفِ ، فَهُوَ لِلنَّجَّادِ .\rوَإِنْ اخْتَلَفَا فِي الْفَرْشِ وَالْقُطْنِ وَالصُّوفِ ، فَهُوَ لِصَاحِبِ الدَّارِ .\rوَإِنْ اخْتَلَفَ رَبُّ الدَّارِ وَالسَّقَّا فِي الْقِرْبَةِ ، فَهِيَ لِلسَّقَّا .\rوَإِنْ اخْتَلَفَا فِي الْخَابِيَةِ وَالْجِرَارِ ، فَهِيَ لِصَاحِبِ الدَّارِ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا .","part":23,"page":484},{"id":11484,"text":"( 8561 ) فَصْلٌ : وَإِذَا تَنَازَعَ رَجُلَانِ دَابَّةً أَحَدُهُمَا رَاكِبُهَا ، وَالْآخَرُ آخِذٌ بِزِمَامِهَا ، فَالرَّاكِبُ أَوْلَى بِهَا ؛ لِأَنَّ تَصَرُّفَهُ فِيهَا أَقْوَى ، وَيَدَهُ آكَدُ ، وَهُوَ الْمُسْتَوْفِي لِمَنْفَعَتِهَا .\rوَإِنْ كَانَ لِأَحَدِهِمَا عَلَيْهَا حِمْلٌ ، وَالْآخَرُ آخِذٌ بِزِمَامِهَا ، فَهِيَ لِصَاحِبِ الْحِمْلِ ؛ لِذَلِكَ .\rوَإِنْ كَانَ لِأَحَدِهِمَا عَلَيْهَا ، حِمْلٌ ، وَالْآخَرُ رَاكِبٌ عَلَيْهَا ، فَهِيَ لِلرَّاكِبِ ؛ لِأَنَّهُ أَقْوَى تَصَرُّفًا .\rوَإِنْ اخْتَلَفَا فِي الْحِمْلِ ، فَادَّعَاهُ الرَّاكِبُ وَصَاحِبُ الدَّابَّةِ ، فَهُوَ لِلرَّاكِبِ ؛ لِأَنَّ يَدَهُ عَلَى الدَّابَّةِ وَالْحِمْلِ مَعًا ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ اخْتَلَفَ السَّاكِنُ وَصَاحِبُ الدَّارِ فِي قُمَاشٍ فِيهَا .\rوَإِنْ تَنَازَعَ صَاحِبُ الدَّابَّةِ وَالرَّاكِبُ فِي السَّرْجِ ، فَهُوَ لِصَاحِبِ الدَّابَّةِ ، لِأَنَّ السَّرْجَ فِي الْعَادَةِ يَكُونُ لِصَاحِبِ الْفَرَسِ .\rوَإِنْ تَنَازَعَ اثْنَانِ فِي ثِيَابٍ عَلَى عَبْدٍ لِأَحَدِهِمَا ، فَهِيَ لِصَاحِبِ الْعَبْدِ ؛ لِأَنَّ يَدَ الْعَبْدِ عَلَيْهَا .\rوَإِنْ تَنَازَعَ صَاحِبُ الثِّيَابِ وَالْآخَرُ فِي الْعَبْدِ اللَّابِسِ لَهَا ، فَهُمَا سَوَاءٌ ؛ لِأَنَّ نَفْعَ الثِّيَابِ يَعُودُ إلَى الْعَبْدِ ، لَا إلَى صَاحِبِ الثِّيَابِ .\rوَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فِي هَذَا الْفَصْلِ ، وَاَلَّذِي قَبْلَهُ ، كَمَا ذَكَرْنَا .","part":23,"page":485},{"id":11485,"text":"( 8562 ) فَصْلٌ : وَإِنْ اخْتَلَفَ صَاحِبُ أَرْضٍ وَنَهْرٍ فِي حَائِطٍ بَيْنَهُمَا ، فَهُوَ لَهُمَا وَيَحْلِفُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى النِّصْفِ الْمَحْكُومِ لَهُ بِهِ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : هُوَ لِصَاحِبِ النَّهْرِ ؛ لِأَنَّهُ لِنَفْعِهِ .\rوَقَالَ أَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ هُوَ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ ؛ لِأَنَّهُ مُتَّصِلٌ بِأَرْضِهِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ حَاجِزٌ بَيْنَ مِلْكَيْهِمَا ، فَكَانَتْ يَدُهُمَا عَلَيْهِ ، فَيَكُونُ لَهُمَا ، كَمَا لَوْ تَنَازَعَ صَاحِبُ الْعُلْوِ وَالسُّفْلِ فِي السَّقْفِ الَّذِي بَيْنَهُمَا ، أَوْ حَائِطٍ بَيْنَ دَارَيْهِمَا .\rوَمَا ذَكَرُوهُ مِنْ التَّرْجِيحَيْنِ مُتَقَابِلٌ ، فَيَسْتَوِيَانِ .\rوَإِنْ تَنَازَعَ صَاحِبُ الْعُلْوِ وَالسُّفْلِ فِي السَّقْفِ الَّذِي بَيْنَهُمَا ، فَهُوَ بَيْنَهُمَا ، لِذَلِكَ .\rوَكُلُّ مَوْضِعٍ قُلْنَا يُقْسَمُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ .\rفَإِنَّمَا يَحْلِفُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى النِّصْفِ الَّذِي يَحْصُلُ لَهُ ، دُونَ النِّصْفِ الْآخَرِ لِأَنَّ مَا يَحْصُلُ لَهُ لَا يُفِيدُهُ الْحَلِفُ عَلَيْهِ شَيْئًا ، فَلَا يَسْتَحْلِفُ عَلَيْهِ ، كَالْمُدَّعِي لَا يَحْلِفُ عَلَى مَا يَأْخُذُهُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ .","part":23,"page":486},{"id":11486,"text":"( 8563 ) فَصْلٌ : وَإِنْ تَنَازَعَا عِمَامَةً طَرَفُهَا فِي يَدِ أَحَدِهِمَا ، وَبَاقِيهَا فِي يَدِ الْآخَرِ ، أَوْ قَمِيصًا ، كُمُّهُ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا ، وَبَاقِيه مَعَ الْآخَرِ فَهُمَا سَوَاءٌ فِيهَا ؛ لِأَنَّ يَدَ الْمُمْسِكِ بِالطَّرَفِ عَلَيْهَا ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ بَاقِيهَا عَلَى الْأَرْضِ ، فَنَازَعَهُ فِيهَا غَيْرُهُ كَانَتْ لَهُ ، وَإِذَا كَانَتْ فِي أَيْدِيهِمَا تَسَاوَيَا فِيهَا .","part":23,"page":487},{"id":11487,"text":"وَلَوْ كَانَتْ دَارٌ فِيهَا أَرْبَعَةُ أَبْيَاتٍ ، وَفِي أَحَدِ أَبْيَاتِهَا سَاكِنٌ ، وَفِي الثَّلَاثَةِ الْبَاقِيَةِ سَاكِنٌ آخَرُ ، فَاخْتَلَفَا فِيهَا ، كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مَا هُوَ سَاكِنٌ فِيهِ ، لِأَنَّ كُلَّ بَيْتٍ يَنْفَصِلُ عَنْ صَاحِبِهِ ، وَلَا يُشَارِكُ الْخَارِجُ مِنْهُ السَّاكِنَ فِيهِ فِي ثُبُوتِ الْيَدِ عَلَيْهِ .\rوَلَوْ تَنَازَعَا السَّاحَةَ الَّتِي يَتَطَرَّقُ مِنْهَا إلَى الْبُيُوتِ ، فَهِيَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ ؛ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي ثُبُوتِ الْيَدِ عَلَيْهَا ، فَأَشْبَهَتْ الْعِمَامَةَ فِيمَا ذَكَرْنَا .","part":23,"page":488},{"id":11488,"text":"( 8564 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَمَنْ كَانَ لَهُ عَلَى أَحَدٍ حَقٌّ ، فَمَنَعَهُ مِنْهُ ، وَقَدَرَ لَهُ عَلَى مَالٍ ، لَمْ يَأْخُذْ مِنْهُ مِقْدَارَ حَقِّهِ ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أَنَّهُ قَالَ : { أَدِّ الْأَمَانَةَ إلَى مَنْ ائْتَمَنَك ، وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَك } رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ إذَا كَانَ لِرَجُلٍ عَلَى غَيْرِهِ حَقٌّ ، وَهُوَ مُقِرٌّ بِهِ ، بَاذِلٌ لَهُ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ مَالِهِ إلَّا مَا يُعْطِيه ، بِلَا خِلَافٍ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ ، فَإِنْ أَخَذَ مِنْ مَالِهِ شَيْئًا بِغَيْرِ إذْنِهِ ، لَزِمَهُ رَدُّهُ إلَيْهِ ، وَإِنْ كَانَ قَدْرَ حَقِّهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَمْلِكَ عَلَيْهِ عَيْنًا مِنْ أَعْيَانِ مَالِهِ ، بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ ، لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ ، وَإِنْ كَانَتْ مِنْ جِنْسِ حَقِّهِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ لِلْإِنْسَانِ غَرَضٌ فِي الْعَيْنِ .\rوَإِنْ أَتْلَفَهَا ، أَوْ تَلِفَتْ فَصَارَتْ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِ ، وَكَانَ الثَّابِتُ فِي ذِمَّتِهِ مِنْ جِنْسِ حَقِّهِ تُقَاضَا ، فِي قِيَاسِ الْمَذْهَبِ ، وَالْمَشْهُورِ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَإِنْ كَانَ مَانِعًا لَهُ لَأَمْرٍ يُبِيحُ الْمَنْعَ ، كَالتَّأْجِيلِ وَالْإِعْسَارِ ، لَمْ يَجُزْ أَخْذُ شَيْءٍ مِنْ مَالِهِ ، بِغَيْرِ خِلَافٍ ، وَإِنْ أَخَذَ شَيْئًا ، لَزِمَهُ رَدُّهُ إنْ كَانَ بَاقِيًا ، أَوْ عِوَضُهُ إنْ كَانَ تَالِفًا ، وَلَا يَحْصُلُ التَّقَاضِي هَاهُنَا ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ الَّذِي لَهُ لَا يَسْتَحِقُّ أَخَذَهُ فِي الْحَالِ ، بِخِلَافِ الَّتِي قَبْلَهَا .\rوَإِنْ كَانَ مَانِعًا لَهُ بِغَيْرِ حَقٍّ ، وَقَدَرَ عَلَى اسْتِخْلَاصِهِ بِالْحَاكِمِ أَوْ السُّلْطَانِ ، لَمْ يَجُزْ لَهُ الْأَخْذُ أَيْضًا بِغَيْرِهِ ؛ لِأَنَّهُ قَدَرَ عَلَى اسْتِيفَاءِ حَقِّهِ بِمَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَدَرَ عَلَى اسْتِيفَائِهِ مِنْ وَكِيلِهِ .\rوَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى ذَلِكَ ؛ لِكَوْنِهِ جَاحِدًا لَهُ ، وَلَا بَيِّنَةَ لَهُ بِهِ ، أَوْ لِكَوْنِهِ لَا يُجِيبُهُ إلَى الْمُحَاكَمَةِ ، وَلَا يُمْكِنُهُ إجْبَارُهُ عَلَى ذَلِكَ ، أَوْ نَحْوِ هَذَا ، فَالْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ ، أَنَّهُ","part":23,"page":489},{"id":11489,"text":"لَيْسَ لَهُ أَخْذُ قَدْرِ حَقِّهِ .\rوَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ مَالِكٍ .\rقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ : وَقَدْ جَعَلَ أَصْحَابُنَا الْمُحَدِّثُونَ لِجَوَازِ الْأَخْذِ وَجْهًا فِي الْمَذْهَبِ أَخْذًا مِنْ حَدِيثِ هِنْدٍ ، حِينَ قَالَ لَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { خُذِي مَا يَكْفِيك وَوَلَدَك بِالْمَعْرُوفِ } .\rوَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : يَتَخَرَّجُ لَنَا جَوَازُ الْأَخْذِ ؛ فَإِنْ كَانَ الْمَقْدُورُ عَلَيْهِ مِنْ جِنْسِ حَقِّهِ ، أَخَذَ بِقَدْرِهِ ، وَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ ، تَحَرَّى ، وَاجْتَهَدَ فِي تَقْوِيمِهِ مَأْخُوذٌ مِنْ حَدِيثِ هِنْدٍ ، وَمِنْ قَوْلِ أَحْمَدَ فِي الْمُرْتَهَنِ : يَرْكَبُ وَيَحْلُبُ ، بِقَدْرِ مَا يُنْفِقُ ، وَالْمَرْأَةُ تَأْخُذُ مُؤْنَتَهَا ، وَبَائِعُ السِّلْعَةِ يَأْخُذُهَا مِنْ مَالِ الْمُفْلِسِ بِغَيْرِ رِضًا وَقَالَ الشَّافِعِيُّ إنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى اسْتِخْلَاصِ حَقِّهِ بِعَيْنِهِ ، فَلَهُ أَخْذُ قَدْرِ حَقِّهِ مِنْ جِنْسِهِ أَوْ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ ، وَإِنْ كَانَتْ لَهُ بَيِّنَةٌ ، وَقَدَرَ عَلَى اسْتِخْلَاصِهِ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ .\rوَالْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ ، أَنَّهُ إنْ لَمْ يَكُنْ لِغَيْرِهِ عَلَيْهِ دَيْنٌ ، فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ بِقَدْرِ حَقِّهِ ، وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ ، لَمْ يَجُزْ لِأَنَّهُمَا يَتَحَاصَّانِ فِي مَالِهِ إذَا أَفْلَسَ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَهُ أَنْ يَأْخُذَ بِقَدْرِ حَقِّهِ إنْ كَانَ عَيْنًا ، أَوْ وَرِقًا ، أَوْ مِنْ جِنْسِ حَقِّهِ ، وَإِنْ كَانَ الْمَالُ عَرَضًا ، لَمْ يَجُزْ لِأَنَّ أَخْذَ الْعَرَضِ عَنْ حَقِّهِ اعْتِيَاضٌ ، وَلَا تَجُوزُ الْمُعَاوَضَةُ إلَّا بِرِضًى مِنْ الْمُتَعَاوِضَيْنِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { إلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ } .\rوَاحْتَجَّ مَنْ أَجَازَ الْأَخْذَ بِحَدِيثِ { هِنْدٍ ، حِينَ جَاءَتْ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ ، وَلَيْسَ يُعْطِينِي مِنْ النَّفَقَةِ مَا يَكْفِينِي وَوَلَدِي .\rفَقَالَ : خُذِي مَا يَكْفِيك وَوَلَدَك بِالْمَعْرُوفِ } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَإِذَا جَازَ لَهَا أَنْ تَأْخُذَ مِنْ","part":23,"page":490},{"id":11490,"text":"مَالِهِ مَا يَكْفِيهَا بِغَيْرِ إذْنِهِ ، جَازَ لِلرَّجُلِ الَّذِي لَهُ الْحَقُّ عَلَى الرَّجُلِ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَدِّ الْأَمَانَةَ إلَى مِنْ ائْتَمَنَك ، وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَك } رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَقَالَ : حَدِيثٌ حَسَنٌ .\rوَمَتَى أَخَذَ مِنْهُ قَدْرَ حَقِّهِ مِنْ مَالِهِ بِغَيْرِ عِلْمِهِ ، فَقَدْ خَانَهُ ، فَيَدْخُلُ فِي عُمُومِ الْخَبَرِ ، وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئِ مُسْلِمٍ إلَّا عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ } .\rوَلِأَنَّهُ إنْ أَخَذَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ حَقِّهِ ، كَانَ مُعَاوَضَةً بِغَيْرِ تَرَاضٍ ، وَإِنْ أَخَذَ مِنْ جِنْسِ حَقِّهِ ، فَلَيْسَ لَهُ تَعْيِينُ الْحَقِّ بِغَيْرِ رِضَى صَاحِبِهِ ، فَإِنَّ التَّعْيِينَ إلَيْهِ ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَقُولَ : اقْضِنِي حَقِّي مِنْ هَذَا الْكِيسِ دُونَ هَذَا .\rوَلِأَنَّ كُلَّ مَا لَا يَجُوزُ لَهُ تَمَلُّكُهُ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ دَيْنٌ ، لَا يَجُوزُ لَهُ أَخْذُهُ إذَا كَانَ لَهُ دَيْنٌ ، كَمَا لَوْ كَانَ بَاذِلًا لَهُ .\rفَأَمَّا حَدِيثُ هِنْدٍ ، فَإِنَّ أَحْمَدَ اعْتَذَرَ عَنْهُ بِأَنَّ حَقَّهَا وَاجِبٌ عَلَيْهِ فِي كُلِّ وَقْتٍ ، وَهَذَا إشَارَةٌ مِنْهُ إلَى الْفَرْقِ بِالْمَشَقَّةِ فِي الْمُحَاكَمَةِ فِي كُلِّ وَقْتٍ ، وَالْمُخَاصَمَةِ كُلَّ يَوْمٍ تَجِبُ فِيهِ النَّفَقَةُ ، بِخِلَافِ الدَّيْنِ ، وَفَرَّقَ أَبُو بَكْرٍ بَيْنَهُمَا بِفَرْقٍ آخَرَ ، وَهُوَ أَنَّ قِيَامَ الزَّوْجِيَّةِ كَقِيَامِ الْبَيِّنَةِ ، فَكَأَنَّ الْحَقَّ صَارَ مَعْلُومًا بِعِلْمِ قِيَامِ مُقْتَضِيه ، وَبَيْنَهُمَا فَرْقَانِ آخَرَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، أَنَّ لِلْمَرْأَةِ مِنْ التَّبَسُّطِ فِي مَالِهِ ، بِحُكْمِ الْعَادَةِ مَا يُؤَثِّرُ فِي إبَاحَةِ أَخْذِ الْحَقِّ وَبَذْلِ الْيَدِ فِيهِ بِالْمَعْرُوفِ ، بِخِلَافِ الْأَجْنَبِيِّ .\rالثَّانِي ، أَنَّ النَّفَقَةَ تُرَادُ لِإِحْيَاءِ النَّفْسِ ، وَإِبْقَاءِ الْمُهْجَةِ ، وَهَذَا مِمَّا لَا يُصْبَرُ عَنْهُ ، وَلَا سَبِيلَ إلَى تَرْكِهِ ، فَجَازَ أَخْذُ مَا تَنْدَفِعُ بِهِ هَذِهِ الْحَاجَةُ ، بِخِلَافِ ، الدَّيْنِ ، حَتَّى نَقُولَ : لَوْ صَارَتْ النَّفَقَةُ مَاضِيَةً ، لَمْ يَكُنْ","part":23,"page":491},{"id":11491,"text":"لَهَا أَخْذُهَا .\rوَلَوْ وَجَبَ لَهَا عَلَيْهِ دَيْنٌ آخَرُ ، لَمْ يَكُنْ لَهَا أَخْذُهُ .\rفَعَلَى هَذَا ، إنْ أَخَذَ شَيْئًا لَزِمَهُ رَدُّهُ إنْ كَانَ بَاقِيًا ، وَإِنْ كَانَ تَالِفًا ، وَجَبَ مِثْلُهُ إنْ كَانَ مِثْلِيًّا ، أَوْ قِيمَتُهُ إنْ كَانَ مُتَقَوِّمًا ، فَإِنْ كَانَ مِنْ جِنْسِ دَيْنِهِ ، تَقَاصَّا ، فِي قِيَاسِ الْمَذْهَبِ ، وَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ ، لَزِمَهُ غُرْمُهُ ، وَمَنْ جَوَّزَ مِنْ أَصْحَابِنَا الْأَخْذَ ، فَإِنَّهُ قَالَ : إنْ وَجَدَ مِنْ جِنْسِ حَقِّهِ ، جَازَ لَهُ الْأَخْذُ مِنْهُ بِقَدْرِ حَقِّهِ ، مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ ، وَلَيْسَ لَهُ الْأَخْذُ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى أَخْذِهِ مِنْ جِنْسِهِ ، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ إلَّا مِنْ غَيْرِ جِنْسِ ، حَقِّهِ فَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَجُوزَ لَهُ تَمَلُّكُهُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَبِيعَهُ مِنْ نَفْسِهِ ، وَهَذَا يَبِيعُهُ مِنْ نَفْسِهِ ، وَتَلْحَقُهُ فِيهِ تُهْمَةٌ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يَجُوزَ لَهُ ذَلِكَ ، كَمَا قَالُوا : الرَّهْنُ يُنْفَقُ عَلَيْهِ ، إذَا كَانَ مَرْكُوبًا ، أَوْ مَحْلُوبًا ، يُرْكَبُ وَيُحْلَبُ ، بِقَدْرِ النَّفَقَةِ ، وَهِيَ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ .\rوَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ ، فَمِنْهُمْ مَنْ جَوَّزَ لَهُ هَذَا ، وَمِنْهُمْ مِنْ قَالَ : يُوَاطِئُ رَجُلًا يَدَّعِي عَلَيْهِ عِنْدَ الْحَاكِمِ دَيْنًا ، فَيُقِرُّ لَهُ بِمِلْكِ الشَّيْءِ الَّذِي أَخَذَهُ ، فَيَمْتَنِعُ مَنْ عَلَيْهِ الدَّعْوَى مِنْ قَضَاءِ الدَّيْنِ ، لِيَبِيعَ الْحَاكِمُ الشَّيْءَ الْمَأْخُوذَ ، وَيَدْفَعَهُ إلَيْهِ .","part":23,"page":492},{"id":11492,"text":"( 8565 ) فَصْلٌ : إذَا ادَّعَى إنْسَانٌ عَلَى إنْسَانٍ حَقًّا ، وَأَقَامَ بِهِ شَاهِدَيْنِ فَلَمْ يَعْرِفْ الْحَاكِمُ عَدَالَتَهُمَا ، فَسَأَلَ حَبْسَ غَرِيمِهِ حَتَّى تَثْبُتَ عَدَالَةَ شُهُودِهِ ، أُجِيبَ إلَى ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ الْعَدَالَةُ ، وَلِأَنَّ الَّذِي عَلَى الْغَرِيمِ قَدْ أَتَى بِهِ ، وَإِنَّمَا بَقِيَ مَا عَلَى الْحَاكِمِ ، وَهُوَ الْكَشْفُ عَنْ عَدَالَةِ الشُّهُودِ .\rوَإِنْ أَقَامَ شَاهِدًا وَاحِدًا وَسَأَلَ حَبْسَ غَرِيمِهِ لِيُقِيمَ شَاهِدًا آخَرَ ، وَكَانَ الْحَقُّ مِمَّا لَا يَثْبُتُ إلَّا بِشَاهِدَيْنِ ، لَمْ يُحْبَسْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ مَا تَمَّتْ ، وَالْحَبْسُ عَذَابٌ ، فَلَا يَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ دُونَ تَمَامِ الْبَيِّنَةِ وَإِنْ كَانَ الْحَقُّ مِمَّا يَثْبُتُ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ فَفِيهِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا ، يُحْبَسُ لَهُ ؛ لِأَنَّ الشَّاهِدَ الْوَاحِدَ حُجَّةٌ فِي الْمَالِ ، وَإِنَّمَا الْيَمِينُ مُقَوِّيَةٌ لَهُ .\rوَالثَّانِي ، لَا يُحْبَسُ .\rوَهُوَ الصَّحِيحُ ؛ لِأَنَّهُ إنْ حُبِسَ لِيُقِيمَ شَاهِدًا آخَرَ يُتِمُّ بِهِ الْبَيِّنَةَ ، فَهُوَ كَالْحُقُوقِ الَّتِي لَا تَثْبُتُ إلَّا بِشَاهِدَيْنِ ، وَإِنْ حُبِسَ لِيَحْلِفَ مَعَهُ ، فَلَا حَاجَةَ إلَيْهِ ، فَإِنَّ الْحَلِفَ مُمْكِنٌ فِي الْحَالِ ، فَإِنْ حَلَفَ ، ثَبَتَ حَقُّهُ ، وَإِلَّا ، لَمْ يَجِبْ شَيْءٌ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ إنْ كَانَ الْمُدَّعِي بَاذِلًا لِلْيَمِينِ ، وَالتَّوَقُّفُ لِأَجْلِ إثْبَاتِ عَدَالَةِ الشَّاهِدِ ، حُبِسَ لِمَا ذَكَرْنَا فِي الَّتِي قَبْلَهَا وَإِنْ كَانَ التَّوَقُّفُ عَنْ الْحُكْمِ بِغَيْرِ ذَلِكَ ، لَمْ يُحْبَسْ ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ ، قَالَ الْقَاضِي : وَكُلُّ مَوْضِعٍ حُبِسَ فِيهِ بِشَاهِدَيْنِ ، اُسْتُدِيمَ الْحَبْسُ حَتَّى تَثْبُتَ عَدَالَةُ الشُّهُودِ أَوْ فِسْقُهُمْ ، وَكُلُّ مَوْضِعٍ حُبِسَ فِيهِ بِشَاهِدٍ وَاحِدٍ فَإِنَّهُ يُقَالُ لِلْمَشْهُودِ لَهُ : إنْ جِئْت بِشَاهِدٍ آخَرَ إلَى ثَلَاثٍ وَإِلَّا أَطْلَقْنَاهُ .","part":23,"page":493},{"id":11493,"text":"( 8566 ) فَصْلٌ : وَإِنْ ادَّعَى الْعَبْدُ أَنَّ سَيِّدَهُ أَعْتَقَهُ ، وَأَقَامَ شَاهِدَيْنِ ، وَلَمْ يُعَدَّلَا ، فَسَأَلَ الْعَبْدُ الْحَاكِمَ أَنْ يَحُولَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَيِّدِهِ إلَى أَنْ يَبْحَثَ الْحَاكِمُ عَنْ عَدَالَةِ الشُّهُودِ ، فَعَلَى الْحَاكِمِ ذَلِكَ ، يُؤْجِرَهُ مِنْ ثِقَةٍ يُنْفِقُ عَلَيْهِ مِنْ كَسْبِهِ وَيَحْبِسُ الْبَاقِيَ ، فَإِنْ عُدِّلَ الشَّاهِدَانِ ، سُلِّمَ إلَيْهِ الْبَاقِي مِنْ كَسْبِهِ ، وَإِنْ فُسِّقَا ، رُدَّ إلَى سَيِّدِهِ .\rوَإِنَّمَا حُلْنَا بَيْنَهُمَا ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ فِي الْفَصْلِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا ، وَلِأَنَّنَا لَوْ لَمْ نَحُلْ بَيْنَهُمَا ، أَفْضَى إلَى أَنْ تَكُونَ أَمَةً ، فَيَطَأَهَا .\rوَإِنْ أَقَامَ شَاهِدًا وَاحِدًا ، وَسَأَلَ أَنْ يُحَالَ بَيْنَهُمَا ، فَفِيهِ وَجْهَانِ وَإِنْ أَقَامَتْ الْمَرْأَةُ شَاهِدَيْنِ يَشْهَدَانِ بِطَلَاقِهَا ، وَلَمْ تُعْرَفْ عَدَالَةُ الشُّهُودِ ، حِيلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا ، وَإِنْ أَقَامَتْ شَاهِدًا وَاحِدًا ، لَمْ يُحَلْ بَيْنَهُمَا ؛ لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ لَمْ تَتِمَّ ، وَهَذَا مِمَّا لَا يَثْبُتُ إلَّا بِشَاهِدَيْنِ ، فَلَا يَثْبُتُ بِشَاهِدٍ وَاحِدٍ .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":23,"page":494},{"id":11494,"text":"كِتَابُ الْعِتْقِ الْعِتْقُ فِي اللُّغَةِ : الْخُلُوصُ .\rوَمِنْهُ عَتَاقُ الْخَيْلِ وَعِتَاقُ الطَّيْرِ ، أَيْ خَالِصَتُهَا ، وَسُمِّيَ الْبَيْتُ الْحَرَامُ عَتِيقًا ؛ لِخُلُوصِهِ مِنْ أَيْدِي الْجَبَابِرَةِ .\rوَهُوَ فِي الشَّرْعِ تَحْرِيرُ الرَّقَبَةِ وَتَخْلِيصُهَا مِنْ الرِّقِّ .\rيُقَالُ : عَتَقَ الْعَبْدُ ، وَأَعْتَقْته أَنَا ، وَهُوَ عَتِيقٌ ، وَمُعْتَقٌ .\rوَالْأَصْلُ فِيهِ الْكِتَابُ ، وَالسُّنَّةُ ، وَالْإِجْمَاعُ .\rأَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ } .\rوَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { فَكُّ رَقَبَةٍ } .\rوَأَمَّا السُّنَّةُ فَمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ أَعْتَقَ رَقَبَةً مُؤْمِنَةً ، أَعْتَقَ اللَّهُ بِكُلِّ إرْبٍ مِنْهَا إرْبًا مِنْهُ مِنْ النَّارِ ، حَتَّى إنَّهُ لَيُعْتِقُ بِالْيَدِ الْيَدَ ، وَبِالرِّجْلِ الرِّجْلَ ، وَبِالْفَرْجِ الْفَرْجَ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rفِي أَخْبَارٍ كَثِيرَةٍ سِوَى هَذَا .\rوَأَجْمَعَتْ الْأَمَةُ عَلَى صِحَّةِ الْعِتْقِ ، وَحُصُولِ الْقُرْبَةِ بِهِ .","part":23,"page":495},{"id":11495,"text":"( 8567 ) فَصْلٌ : وَالْعِتْقُ مِنْ أَفْضَلِ الْقُرَبِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَهُ كَفَّارَةً لِلْقَتْلِ ، وَالْوَطْءِ فِي رَمَضَانَ وَالْأَيْمَانِ ، وَجَعَلَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِكَاكًا لِمُعْتِقِهِ مِنْ النَّارِ ، وَلِأَنَّ فِيهِ تَخْلِيصًا لِلْآدَمِيِّ الْمَعْصُومِ مِنْ ضَرَرِ الرِّقِّ وَمِلْكَ نَفْسِهِ وَمَنَافِعِهِ ، وَتَكْمِيلَ أَحْكَامِهِ ، وَتَمَكُّنَهُ مِنْ التَّصَرُّفِ فِي نَفْسِهِ وَمَنَافِعِهِ ، عَلَى حَسْبِ إرَادَتِهِ وَاخْتِيَارِهِ .\rوَإِعْتَاقُ الرَّجُلِ أَفْضَلُ مِنْ إعْتَاقِ الْمَرْأَةِ ؛ لِمَا رَوَى كَعْبُ بْنُ مُرَّةَ الْبَهْزِيُّ قَالَ : سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ { أَيُّمَا رَجُلٍ أَعْتَقَ رَجُلًا مُسْلِمًا ، كَانَ فِكَاكَهُ مِنْ النَّارِ ، يُجْزَى بِكُلِّ عَظْمٍ مِنْ عِظَامِهِ عَظْمًا مِنْ عِظَامِهِ ، وَأَيُّمَا رَجُلٍ مُسْلِمٍ أَعْتَقَ امْرَأَتَيْنِ مُسْلِمَتَيْنِ ، كَانَتَا فِكَاكَهُ مِنْ النَّارِ ، يُجْزَى بِكُلِّ عَظْمٍ مِنْ عِظَامِهِمَا ، عَظْمًا مِنْ عِظَامِهِ ، وَأَيُّمَا ، امْرَأَةٍ مُسْلِمَةٍ أَعْتَقَتْ امْرَأَةً مُسْلِمَةً ، كَانَتْ فِكَاكَهَا مِنْ النَّارِ ، تُجْزَى بِكُلِّ عَظْمٍ مِنْ عِظَامِهَا عَظْمًا مِنْ عِظَامِهَا } .\rوَالْمُسْتَحَبُّ عِتْقُ مَنْ لَهُ دِينٌ وَكَسْبٌ يَنْتَفِعُ بِالْعِتْقِ ، فَأُمًّا مَنْ يَتَضَرَّرُ بِالْعِتْقِ ، كَمَنْ لَا كَسْبَ لَهُ ، تَسْقُطُ نَفَقَتُهُ عَنْ سَيِّدِهِ ، فَيَضِيعُ ، أَوْ يَصِيرُ كَلًّا عَلَى النَّاسِ ، وَيَحْتَاجُ إلَى الْمَسْأَلَةِ ، فَلَا يُسْتَحَبُّ عِتْقُهُ .\rوَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يُخَافُ عَلَيْهِ الْمُضِيُّ إلَى دَارِ الْحَرْبِ وَالرُّجُوعُ عَنْ دِينِ الْإِسْلَامِ ، أَوْ يُخَافُ عَلَيْهِ الْفَسَادُ ، كَعَبْدٍ يُخَافُ أَنَّهُ إذَا أُعْتِقَ وَاحْتَاجَ سَرَقَ ، وَفَسَقَ ، وَقَطَعَ الطَّرِيقَ أَوْ جَارِيَةٍ يُخَافُ مِنْهَا الزِّنَى وَالْفَسَادُ ، كُرِهَ إعْتَاقُهُ .\rوَإِنْ غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ إفْضَاؤُهُ إلَى هَذَا ، كَانَ مُحَرَّمًا ؛ لِأَنَّ التَّوَسُّلَ إلَى الْحَرَامِ حَرَامٌ .\rوَإِنْ أَعْتَقَهُ صَحَّ ؛ لِأَنَّهُ إعْتَاقٌ صَدَرَ مِنْ أَهْلِهِ فِي مَحَلِّهِ ، فَصَحَّ ، كَإِعْتَاقِ غَيْرِهِ","part":23,"page":496},{"id":11496,"text":"( 8568 ) فَصْلٌ : وَيَحْصُلُ الْعِتْقُ بِالْقَوْلِ ، وَالْمِلْكِ ، وَالِاسْتِيلَادِ .\rوَنَذْكُرُ ذَلِكَ فِي مَوَاضِعِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .\rوَلَا يَحْصُلُ بِالنِّيَّةِ الْمُجَرَّدَةِ ؛ لِأَنَّهُ إزَالَةُ مِلْكٍ ، فَلَا يَحْصُلُ بِالنِّيَّةِ الْمُجَرَّدَةِ ، كَسَائِرِ الْإِزَالَةِ .\rوَأَلْفَاظُهُ تَنْقَسِمُ إلَى صَرِيحٍ وَكِنَايَةٍ ؛ فَالصَّرِيحُ لَفْظُ الْحُرِّيَّةِ ، وَالْعِتْقِ ، وَمَا تَصَرَّفَ مِنْهُمَا ، نَحْوُ : أَنْتَ حُرٌّ ، أَوْ مُحَرَّرٌ ، أَوْ عَتِيقٌ ، أَوْ مُعْتَقٌ ، أَوْ أَعْتَقْتُك .\rلِأَنَّ هَذَيْنِ اللَّفْظَيْنِ وَرَدَا فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ، وَهُمَا يُسْتَعْمَلَانِ فِي الْعِتْقِ عُرْفًا ، فَكَانَا صَرِيحَيْنِ فِيهِ ، فَمَتَى أَتَى بِشَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ ، حَصَلَ بِهِ الْعِتْقُ ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا ، عَتَقَ أَيْضًا .\rقَالَ أَحْمَدُ فِي رَجُلٍ لَقِيَ امْرَأَةً فِي الطَّرِيقِ ، فَقَالَ : تَنَحِّي يَا حُرَّةُ .\rفَإِذَا هِيَ جَارِيَته ، قَالَ : قَدْ عَتَقَتْ عَلَيْهِ .\rوَقَالَ فِي رَجُلٍ قَالَ لَخَدَمٍ قِيَامٍ فِي وَلِيمَةٍ : مُرُّوا ، أَنْتُمْ أَحْرَارٌ .\rوَكَانَتْ مَعَهُمْ أُمُّ وَلَدٍ لَهُ ، لَمْ يَعْلَمْ بِهَا ، قَالَ : هَذَا عِنْدِي تَعْتِقُ أُمُّ وَلَدِهِ .\rوَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا تَعْتِقَ فِي هَذَيْنِ الْمَوْضِعَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ قَصَدَ بِاللَّفْظَةِ الْأُولَى غَيْرَ الْعِتْقِ ، فَلَمْ تَعْتِقْ بِهَا ، كَمَا لَوْ قَالَ : عَبْدِي حُرٌّ .\rيُرِيدُ أَنَّهُ عَفِيفٌ كَرِيمُ الْأَخْلَاقِ ، وَبِاللَّفْظَةِ الثَّانِيَةِ أَرَادَ غَيْرَ أُمِّ وَلَدِهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ نَادَى مِنْ نِسَائِهِ ، فَأَجَابَتْهُ غَيْرُهَا ، فَقَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ .\rيَحْسَبَهَا الَّتِي نَادَاهَا ، فَإِنَّهَا لَا تَطْلُقُ ، عَلَى رِوَايَةٍ ، فَكَذَا هَاهُنَا .\rفَأَمَّا إنْ قَصَدَ غَيْرَ الْعِتْقِ ، كَالرَّجُلِ يَقُولُ : عَبْدِي هَذَا حُرٌّ .\rيُرِيدُ عِفَّتَهُ ، وَكَرْمَ أَخْلَاقِهِ .\rأَوْ يَقُولُ لِعَبْدِهِ : مَا أَنْتَ إلَّا حُرٌّ .\rأَيْ : إنَّك لَا تُطِيعُنِي ، وَلَا تَرَى لِي عَلَيْك حَقًّا وَلَا طَاعَةً ، فَلَا يَعْتِقُ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ .\rقَالَ حَنْبَلٌ : سُئِلَ أَبُو عُبِدَ اللَّهِ ، عَنْ رَجُلٍ قَالَ لِغُلَامِهِ : أَنْتَ حُرٌّ .","part":23,"page":497},{"id":11497,"text":"وَهُوَ يُعَاتِبُهُ ؟ فَقَالَ : إذَا كَانَ لَا يُرِيدُ بِهِ الْعِتْقَ ، يَقُولُ : كَأَنَّك حُرٌّ ، وَلَا يُرِيدُ أَنْ يَكُونَ حُرًّا ، أَوْ كَلَامًا نَحْوَ هَذَا ، رَجَوْت أَنْ لَا يَعْتِقَ ، وَأَنَا أَهَابُ الْمَسْأَلَةَ ؛ لِأَنَّهُ نَوَى بِكَلَامِهِ مَا يَحْتَمِلُهُ ، فَانْصَرَفَ إلَيْهِ ، كَمَا لَوْ نَوَى بِكِنَايَةِ الْعِتْقِ الْعِتْقَ .\rوَبِهَذَا قَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ قَالَ : وَإِنْ طُلِبَ اسْتِحْلَافُهُ ، حَلَفَ .\rوَبَيَانُ احْتِمَالِ اللَّفْظِ لِمَا أَرَادَهُ ، أَنَّ الْمَرْأَةَ الْحُرَّةَ تُمْدَحُ بِهَذَا ، فَيُقَالُ : امْرَأَةٌ حُرَّةٌ .\rيَعْنُونَ عَفِيفَةً ، وَتُمْدَحُ الْمَمْلُوكَةُ بِهِ أَيْضًا ، وَيُقَالُ لِلْحَيِيِّ الْكَرِيمِ الْأَخْلَاقِ : حُرٌّ .\rقَالَتْ سُبَيْعَةُ تَرْثِي عَبْدَ الْمُطَّلِبِ : شِعْرًا وَلَا تَسْأَمَا أَنْ تَبْكِيَا كُلَّ لَيْلَةٍ وَيَوْمٍ عَلَى حُرٍّ كَرِيمِ الشَّمَائِلِ وَأَمَّا الْكِنَايَةُ ، فَنَحْوُ قَوْلِهِ : لَا سَبِيلَ لِي عَلَيْك ، وَلَا سُلْطَانَ لِي عَلَيْك ، وَأَنْتَ سَائِبَةٌ ، وَاذْهَبْ حَيْثُ شِئْت ، وَقَدْ خَلَّيْتُك .\rفَهَذَا إنْ نَوَى بِهِ الْعِتْقَ ، عَتَقَ ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُهُ ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِهِ بِهِ لَمْ يَعْتِقْ ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ غَيْرَهُ .\rوَلَمْ يَرِدْ بِهِ كِتَابٌ ، وَلَا سُنَّةٌ ، وَلَا عُرْفُ اسْتِعْمَالٍ .\rوَذَكَرَ الْقَاضِي ، وَأَبُو الْخَطَّابِ ، فِي قَوْلِهِ : لَا سَبِيلَ لِي عَلَيْك ، وَلَا سُلْطَانَ لِي عَلَيْك .\rرِوَايَتَيْنِ ؛ إحْدَاهُمَا ، أَنَّهُ صَرِيحٌ .\rوَالثَّانِيَةُ ، أَنَّهُ كِنَايَةٌ ، وَهُوَ الصَّحِيحُ ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ .\rفَأَمَّا إنْ قَالَ : لَا رِقَّ لِي عَلَيْك وَلَا مِلْكَ لِي عَلَيْك ، وَأَنْتَ لِلَّهِ .\rفَقَالَ الْقَاضِي : هُوَ صَرِيحٌ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .\rوَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ فِيهِ رِوَايَتَيْنِ .\rوَلَا خِلَافَ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يَعْتِقُ بِهِ إذَا نَوَى ، وَمِمَّنْ قَالَ : يَعْتِقُ بِقَوْلِهِ : أَنْتَ لِلَّهِ .\rإذَا نَوَى ؛ الشَّعْبِيُّ ، وَالْمُسَيِّبُ بْنُ رَافِعٍ ، وَحَمَّادٌ وَالشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَعْتِقُ بِهِ ؛ لِأَنَّ مُقْتَضَاهُ ، أَنْتَ عَبْدُ اللَّهِ أَوْ مَخْلُوقٌ لِلَّهِ .\rوَهَذَا لَا","part":23,"page":498},{"id":11498,"text":"يَقْتَضِي الْعِتْقَ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ يَحْتَمِلُ : أَنَّهُ حُرٌّ لِلَّهِ ، أَوْ عَتِيقٌ لِلَّهِ ، أَوْ عَبْدٌ لِلَّهِ وَحْدَهُ ، لَسْت بِعَبْدِ لِي وَلَا لَأَحَدٍ سِوَى اللَّهِ .\rفَإِذَا نَوَى الْحُرِّيَّةَ بِهِ ، وَقَعَتْ ، كَسَائِرِ الْكِنَايَاتِ .\rوَمَا ذَكَرُوهُ لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ احْتِمَالَهُ لِمَا ذَكَرُوهُ لَا يَمْنَعُ احْتِمَالَهُ لِمَا ذَكَرْنَاهُ ، بِدَلِيلِ سَائِرِ الْكِنَايَاتِ ، فَإِنَّهَا تَحْتَمِلُ الْعِتْقَ وَغَيْرَهُ ، وَلَوْ لَمْ تَحْتَمِلْ إلَّا الْعِتْقَ لَكَانَتْ صَرِيحَةً فِيهِ ، وَمَا يَحْتَمِلُ أَمْرَيْنِ ، انْصَرَفَ إلَى أَحَدِهِمَا بِالنِّيَّةِ ، وَهَذَا شَأْنُ الْكِنَايَاتِ .\rوَمَا ذَكَرُوهُ مِنْ الِاحْتِمَالِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذَا لَيْسَ بِصَرِيحٍ ، وَإِنَّمَا هُوَ كِنَايَةٌ .\rوَقَوْلُهُ : لَا مِلْكَ لِي عَلَيْك ، وَلَا رِقَّ لِي عَلَيْك .\rخَبَرٌ عَنْ انْتِفَاءِ مِلْكِهِ وَرِقِهِ ، لَمْ يَرِدْ بِهِ شَرْعٌ ، وَلَا عُرْفُ اسْتِعْمَالٍ فِي الْعِتْقِ ، فَلَمْ يَكُنْ صَرِيحًا فِيهِ ، كَقَوْلِهِ : مَا أَنْتَ عَبْدِي ، وَلَا مَمْلُوكِي .\rوَقَوْلِهِ لِامْرَأَتِهِ : مَا أَنْتِ امْرَأَتِي ، وَلَا زَوْجَتِي .","part":23,"page":499},{"id":11499,"text":"( 8569 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَالَ لِأَمَتِهِ : أَنْتِ طَالِقٌ يَنْوِي الْعِتْقَ بِهِ ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، لَا تَعْتِقُ بِهِ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ لَفْظٌ وُضِعَ لِإِزَالَةِ الْمِلْكِ عَنْ الْمَنْفَعَةِ ، فَلَمْ يَزَلْ بِهِ الْمِلْكُ عَنْ الرَّقَبَةِ ، كَفَسْخِ الْإِجَارَةِ ، وَلِأَنَّ مِلْكَ الرَّقَبَةِ لَا يُسْتَدْرَكُ بِالرَّجْعَةِ ، فَلَا يَنْحَلُّ بِالطَّلَاقِ ، كَسَائِرِ الْأَمْلَاكِ .\rوَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ ، هُوَ كِنَايَةٌ تَعْتِقُ بِهِ الْأَمَةُ إذَا نَوَى الْعِتْقَ .\rوَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ الرِّقَّ أَحَدُ الْمِلْكَيْنِ عَلَى الْآدَمِيِّ ، فَيَزُولُ بِلَفْظِ الطَّلَاقِ ، كَالْآخَرِ ، أَوْ فَيَكُونُ اللَّفْظُ الْمَوْضُوعُ لِإِزَالَةِ أَحَدِهِمَا كِنَايَةً فِي إزَالَةِ الْآخَرِ ، كَالْحُرِّيَّةِ فِي إزَالَةِ النِّكَاحِ ، وَلِأَنَّ فِيهِ مَعْنَى الْإِطْلَاقِ ، فَإِذَا نَوَى بِهِ إطْلَاقَهَا مِنْ مِلْكِهِ ، فَقَدْ نَوَى بِلَفْظِهِ مَا يَحْتَمِلُهُ ، فَتَحْصُلُ بِهِ الْحُرِّيَّةُ ، كَسَائِرِ كِنَايَاتِ الْعِتْقِ .","part":23,"page":500},{"id":11500,"text":"( 8570 ) فَصْلٌ : فَإِنْ قَالَ لِأَكْبَرَ مِنْهُ ، أَوْ لِمَنْ لَا يُولَدُ لِمِثْلِهِ : هَذَا ابْنِي .\rمِثْلُ أَنْ يَقُولَ مَنْ لَهُ عِشْرُونَ سَنَةً لِمَنْ لَهُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً : هَذَا ابْنِي .\rلَمْ يَعْتِقْ ، وَلَمْ يَثْبُتْ نَسَبَهُ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَعْتِقُ .\rوَخَرَّجَهُ أَبُو الْخَطَّابِ وَجْهًا لَنَا ؛ لِأَنَّهُ اعْتَرَفَ بِمَا تَثْبُتُ بِهِ حُرِّيَّتُهُ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَقَرَّ بِهَا .\rوَلَنَا أَنَّهُ قَوْلٌ يَتَحَقَّقُ كَذِبُهُ فِيهِ ، فَلَمْ تَثْبُتْ بِهِ الْحُرِّيَّةُ ، كَمَا لَوْ قَالَ لَطِفْلٍ : هَذَا أَبِي .\rأَوْ لِطِفْلَةِ : هَذِهِ أُمِّي .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ هَذَا مِنْ قَوْلِ النُّعْمَانِ شَاذٌّ ، لَمْ يَسْبِقْهُ أَحَدٌ إلَيْهِ ، وَلَا تَبِعَهُ أَحَدٌ عَلَيْهِ ، وَهُوَ مُحَالٌ مِنْ الْكَلَامِ ، وَكَذِبٌ يَقِينًا ، وَلَوْ جَازَ هَذَا ، لَجَازَ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لَطِفْلٍ : هَذَا أَبِي .\rوَلِأَنَّهُ لَوْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ ، وَهِيَ أَسَنُّ مِنْهُ : هَذِهِ ابْنَتِي .\rأَوْ قَالَ لَهَا ، وَهُوَ أَسَنُّ مِنْهَا : هَذِهِ أُمِّي .\rلَمْ تَطْلُقْ ، كَذَا هَذَا .","part":24,"page":1},{"id":11501,"text":"( 8571 ) فَصْلٌ : فَإِنْ قَالَ لِأَمَتِهِ : أَنْتِ حَرَامٌ عَلَيَّ .\rيَنْوِي بِهِ الْعِتْقَ ، عَتَقَتْ .\rوَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ أَنَّ فِيهَا رِوَايَةً أُخْرَى ، لَا تَعْتِقُ .\rكَقَوْلِهِ لَهَا : أَنْتِ طَالِقٌ .\rوَالصَّحِيحُ أَنَّهَا تَعْتِقُ بِهِ ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ ، أَنْتِ حَرَامٌ عَلَيَّ ؛ لِكَوْنِكِ حُرَّةً .\rفَتَعْتِقُ بِهِ ، كَقَوْلِهِ : لَا سَبِيلَ لِي عَلَيْكَ .","part":24,"page":2},{"id":11502,"text":"( 8572 ) فَصْلٌ : وَيَصِحُّ الْعِتْقُ مِنْ كُلِّ مَنْ يَجُوزُ تَصَرُّفُهُ فِي الْمَالِ ، وَهُوَ الْبَالِغُ الْعَاقِلُ الرَّشِيدُ ، سَوَاءٌ كَانَ مُسْلِمًا ، أَوْ ذِمِّيًّا ، أَوْ حَرْبِيًّا .\rوَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا ، إلَّا عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَنْ وَافَقَهُ ، فِي أَنَّ عِتْقَ الْحَرْبِيِّ لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّهُ لَا مِلْكَ لَهُ التَّمَامِ ، بِدَلِيلِ ، إبَاحَةِ أَخْذِهِ مِنْهُ ، وَانْتِقَاءِ عِصْمَتِهِ فِي نَفْسِهِ وَمَالِهِ .\rوَلَنَا أَنَّهُ يَصِحُّ طَلَاقُهُ ، فَصَحَّ إعْتَاقُهُ ، كَالذِّمِّيِّ .\rوَلِأَنَّهُ مَالِكٌ بَالِغٌ ، عَاقِلٌ ، رَشِيدٌ ، فَصَحَّ إعْتَاقُهُ ، كَالذِّمِّيِّ .\rوَقَوْلُهُمْ : لَا مِلْكَ لَهُ .\rلَا يَصِحُّ ؛ فَإِنَّهُمْ قَدْ قَالُوا : إنَّهُمْ يَمْلِكُونَ أَمْوَالَ الْمُسْلِمِينَ بِالْقَهْرِ ، فَلَأَنْ يَثْبُتَ الْمِلْكُ لَهُمْ فِي غَيْرِ ذَلِكَ أَوْلَى .","part":24,"page":3},{"id":11503,"text":"( 8573 ) فَصْلٌ : وَلَا يَصِحُّ مِنْ غَيْرِ جَائِزِ التَّصَرُّفِ ، فَلَا يَصِحُّ عِتْقُ الصَّبِيِّ ، وَالْمَجْنُونِ .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : هَذَا قَوْلُ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَمِمَّنْ حَفِظْنَا عَنْهُ ذَلِكَ ؛ الْحَسَنُ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ؛ وَذَلِكَ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ ؛ عَنْ الصَّبِيِّ حَتَّى يَبْلُغَ ، وَعَنْ الْمَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ ، وَعَنْ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ } وَلِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ بِالْمَالِ ، فَلَمْ يَصِحَّ مِنْهُمَا ، كَالْهِبَةِ .\rوَلَا يَصِحُّ عِتْقُ السَّفِيهِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ ، وَهُوَ قَوْلُ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ .\rوَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ فِيهِ رِوَايَةً أُخْرَى ، أَنَّهُ يَصِحُّ عِتْقُهُ ، قِيَاسًا عَلَى طَلَاقِهِ وَتَدْبِيرِهِ .\rوَلَنَا أَنَّهُ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ لَحَظِّ نَفْسِهِ ، فَلَمْ يَصِحَّ عِتْقُهُ ، كَالصَّبِيِّ ، وَلِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ فِي الْمَالِ فِي حَيَاتِهِ ، فَأَشْبَهَ بَيْعَهُ ، وَهِبَتَهُ .\rوَيُفَارِقُ الطَّلَاقَ ؛ لِأَنَّ الْحَجْرَ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ ، وَالطَّلَاقُ لَيْسَ بِتَصَرُّفٍ فِيهِ .\rوَيُفَارِقُ التَّدْبِيرَ ؛ لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ فِيهِ بَعْدَ مَوْتِهِ ، وَغِنَاهُ عَنْهُ بِالْمَوْتِ ، وَلِهَذَا صَحَّتْ وَصِيَّتُهُ ، وَلَمْ تَصِحَّ هِبَتُهُ الْمُنَجَّزَةُ .\rوَعِتْقُ السَّكْرَانِ مَبْنِيٌّ عَلَى طَلَاقِهِ ، وَفِيهِ مِنْ الْخِلَافِ مَا فِيهِ .\rوَلَا يَصِحُّ عِتْقُ الْمُكْرَهِ ، كَمَا لَا يَصِحُّ طَلَاقُهُ ، وَلَا بَيْعُهُ ، وَلَا شَيْءٌ مِنْ تَصَرُّفَاتِهِ .","part":24,"page":4},{"id":11504,"text":"( 8574 ) فَصْلٌ : وَلَا يَصِحُّ الْعِتْقُ مِنْ غَيْرِ الْمَالِكِ ، فَلَوْ أَعْتَقَ عَبِيدَ وَلَدِهِ الصَّغِيرِ ، أَوْ يَتِيمِهِ الَّذِي فِي حِجْرِهِ ، لَمْ يَصِحَّ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : يَصِحُّ عِتْقُ عَبْدِ وَلَدِهِ الصَّغِيرِ ؛ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ } .\rوَلِأَنَّ لَهُ عَلَيْهِ وِلَايَةً ، وَلَهُ فِيهِ حَقٌّ ، فَصَحَّ إعْتَاقُهُ كَمَالِهِ .\rوَلَنَا أَنَّهُ عِتْقٌ مِنْ غَيْرِ مَالِكٍ ، فَلَمْ يَصِحَّ ، كَإِعْتَاقِ عَبْدِ وَلَدِهِ الْكَبِيرِ .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : لَمَّا وَرَّثَ اللَّهُ الْأَبَ مِنْ مَالِ ابْنِهِ السُّدُسَ مَعَ وَلَدِهِ ، دَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ فِي سَائِرِهِ .\rوَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيك } .\rلَمْ يُرِدْ بِهِ حَقِيقَةَ الْمِلْكِ ، وَإِنَّمَا أَرَادَ الْمُبَالَغَةَ فِي وُجُوبِ حَقِّهِ عَلَيْك ، وَإِمْكَانِ الْأَخْذِ مِنْ مَالِكَ ، وَامْتِنَاعِ مُطَالَبَتِك لَهُ بِمَا أَخَذَ مِنْهُ ، وَلِهَذَا لَا يَنْفُذُ إعْتَاقُهُ لِعَبْدِ وَلَدِهِ الْكَبِيرِ ، الَّذِي وَرَدَ الْخَبَرُ فِيهِ ، وَثُبُوتُ الْوِلَايَةِ لَهُ عَلَى مَالِ وَلَدِهِ أَبْلَغُ مِنْ امْتِنَاعِ إعْتَاقِ عَبْدِهِ ، وَلِأَنَّهُ إنَّمَا أَثْبَتَ الْوِلَايَةَ عَلَيْهِ لِحَظِّ الصَّبِيِّ ، لِيَحْفَظَ مَالَهُ عَلَيْهِ ، وَيُنَمِّيَهُ لَهُ ، وَيَقُومَ بِمَصَالِحِهِ الَّتِي يَعْجِزُ الصَّبِيُّ عَنْ الْقِيَامِ بِهَا ، وَإِذَا كَانَ مَقْصُودُ الْوِلَايَةِ الْحِفْظَ ، اقْتَضَتْ مَنْعَ التَّضْيِيعِ وَالتَّفْرِيطِ بِإِعْتَاقِ رَقِيقِهِ ، وَالتَّبَرُّعِ بِمَالِهِ .\rوَلَوْ قَالَ رَجُلٌ لِعَبْدٍ آخَرَ : أَنْتَ حُرٌّ مِنْ مَالِي .\rفَلَيْسَ بِشَيْءٍ ، فَإِنْ اشْتَرَاهُ بَعْدَ ذَلِكَ ، فَهُوَ مَمْلُوكُهُ ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ .\rوَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَعَامَّةُ الْفُقَهَاءِ .\rوَلَوْ بَلَغَ رَجُلًا أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِعَبْدِهِ : أَنْتَ حُرٌّ مِنْ مَالِي فَقَالَ : قَدْ رَضِيت .\rفَلَيْسَ بِشَيْءٍ .\rوَبِهَذَا قَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَإِسْحَاقُ .","part":24,"page":5},{"id":11505,"text":"( 8575 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ رَحِمَهُ اللَّهُ : ( وَإِذَا كَانَ الْعَبْدُ بَيْنَ ثَلَاثَةٍ ، فَأَعْتَقُوهُ مَعًا ، أَوْ وَكَّلَ نَفْسَانِ الثَّالِثَ أَنْ يُعْتِقَ حُقُوقَهُمَا مَعَ حَقِّهِ ، فَفَعَلَ ، أَوْ أَعْتَقَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ حَقَّهُ ، وَهُوَ مُعْسِرٌ ، فَقَدْ صَارَ حُرًّا ، وَوَلَاؤُهُ بَيْنَهُمْ أَثْلَاثًا ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْعَبْدَ مَتَى كَانَ لِثَلَاثَةٍ ، فَأَعْتَقُوهُ مَعًا ؛ إمَّا بِأَنْفُسِهِمْ ، بِأَنْ يَتَلَفَّظُوا بِعِتْقِهِ مَعًا ، أَوْ يُعَلِّقُوا عِتْقَهُ عَلَى صِفَةٍ وَاحِدَةٍ ، فَتُوجَدَ ، أَوْ يُوَكِّلُوا وَاحِدًا ، فَيُعْتِقَهُ ، أَوْ يُوَكَّلَ نَفْسَانِ مِنْهُمْ الثَّالِثَ ، فَيُعْتِقَهُ ، فَإِنَّهُ يَصِيرُ حُرًّا ، وَوَلَاؤُهُ بَيْنَهُمْ عَلَى قَدْرِ حُقُوقِهِمْ فِيهِ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { إنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ } وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ قَدْ أَعْتَقَ حَقَّهُ ، فَيَثْبُتُ لَهُ الْوَلَاءُ عَلَيْهِ .\rوَهَذَا لَا نَعْلَمُ فِيهِ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ خِلَافًا .\rفَأَمَّا إنْ أَعْتَقَهُ سَادَتُهُ الثَّلَاثَةُ ، وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ ، وَهُمْ مُعْسِرُونَ ، أَوْ كَانَ الْمُعْتِقَانِ الْأَوَّلَانِ مُعْسِرَيْنِ ، وَالثَّالِثُ مُوسِرًا ، فَالصَّحِيحُ فِيهِ أَنَّهُ يَعْتِقُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ حَقُّهُ ، وَلَهُ وَلَاؤُهُ ، وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rوَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ ، فِيمَا إذَا أَعْتَقَ الْمُعْسِرُ نَصِيبَهُ قَوْلَيْنِ شَاذَّيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، أَنَّهُ بَاطِلٌ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَعْتِقَ نِصْفُهُ مُنْفَرِدًا ، إذْ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ إنْسَانٌ نِصْفُهُ حُرٌّ ، وَنِصْفُهُ عَبْدٌ ، كَمَا لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ نِصْفُ الْمَرْأَةِ طَالِقًا ، وَنِصْفُهَا زَوْجَةً ، وَلَا سَبِيلَ إلَى إعْتَاقِ جَمِيعِهِ ، فَبَطَلَ كُلُّهُ .\rوَالثَّانِي ، يَعْتِقُ كُلُّهُ ، وَتَكُونُ قِيمَةُ نَصِيبِ الَّذِي لَمْ يُعْتِقْ فِي ذِمَّةِ الْمُعْتِقِ ، يُتْبَعُ بِهَا إذَا أَيْسَرَ ، كَمَا لَوْ أَتْلَفَهُ .\rوَهَذَانِ الْقَوْلَانِ شَاذَّانِ ، لَمْ يَقُلْهُمَا مَنْ يُحْتَجُّ بِقَوْلِهِ ، وَلَا يُعْتَمَدُ عَلَى مَذْهَبِهِ .\rوَيَرُدُّهُمَا قَوْلُ","part":24,"page":6},{"id":11506,"text":"النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ ، فَكَانَ مَعَهُ مَا يَبْلُغُ ثَمَنَ الْعَبْدِ ، قُوِّمَ عَلَيْهِ قِيمَةُ الْعَدْلِ ، وَأُعْطِيَ شُرَكَاؤُهُ حِصَصَهُمْ ، وَعَتَقَ جَمِيعُ الْعَبْدِ ، وَإِلَّا فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ لَا يَعْتِقُ عَلَى الْمُعْسِرِ إلَّا نَصِيبُهُ ، فَبَاقِي الْعَبْدِ عَلَى الرِّقِّ ، فَإِذَا أَعْتَقَهُ مَالِكُهُ ، عَتَقَ بِإِعْتَاقِهِ ، وَكَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ وَلَاءُ مَا أَعْتَقَ ؛ لِأَنَّ الْوَلَاءَ لِمَنْ أَعْتَقَ .\rوَيُفَارِقُ الْعِتْقُ الطَّلَاقَ ؛ لِكَوْنِ الْمَرْأَةِ لَا يُمْكِنُ الِاشْتِرَاكُ فِيهَا ، وَلَا وُرُودُ النِّكَاحِ عَلَى بَعْضِهَا ، وَلَا تَكُونُ إلَّا لِوَاحِدٍ ، فَنَظِيرُهُ إذَا كَانَ الْعَبْدُ لِوَاحِدٍ ، فَأَعْتَقَ جُزْءًا مِنْهُ ، فَإِنَّهُ يَعْتِقُ جَمِيعُهُ .","part":24,"page":7},{"id":11507,"text":"( 8576 ) فَصْلٌ : وَإِذَا قَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الشُّرَكَاءِ لِلْعَبْدِ : إذَا دَخَلْت الدَّارَ ، فَنَصِيبِي مِنْك حُرٌّ .\rفَدَخَلَ ، عَتَقَ عَلَيْهِمْ جَمِيعًا ، سَوَاءٌ قَالُوا ذَلِكَ دُفْعَةً وَاحِدَةً ، أَوْ فِي دُفُعَاتٍ مُتَفَرِّقَةٍ ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ فِي أَنْصِبَائِهِمْ يَقَعُ دُفْعَةً وَاحِدَةً ، وَإِنَّ اخْتَلَفَتْ أَوْقَاتُ تَعْلِيقِهِ .","part":24,"page":8},{"id":11508,"text":"( 8577 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَلَوْ أَعْتَقَهُ أَحَدُهُمْ ، وَهُوَ مُوسِرٌ ، عَتَقَ كُلُّهُ ، وَصَارَ لِصَاحِبِهِ عَلَيْهِ قِيمَةُ ثُلُثَيْهِ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الشَّرِيكَ إذَا أَعْتَقَ نَصِيبَهُ مِنْ الْعَبْدِ ، وَهُوَ مُوسِرٌ ، عَتَقَ نَصِيبُهُ .\rلَا نَعْلَمُ خِلَافًا فِيهِ ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ الْأَثَرِ ، وَلِأَنَّهُ جَائِزُ التَّصَرُّفِ ، أَعْتَقَ مِلْكَهُ الَّذِي لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ حَقُّ غَيْرِهِ ، فَنَفَذَ فِيهِ كَمَا لَوْ أَعْتَقَ جَمِيعَ الْعَبْدِ الْمَمْلُوكِ لَهُ .\rوَإِذَا أَعْتَقَ نَصِيبَهُ ، سَرَى الْعِتْقُ إلَى جَمِيعِهِ ، فَصَارَ جَمِيعُهُ حُرًّا ، وَعَلَى الْمُعْتِقِ قِيمَةُ أَنْصِبَاءِ شُرَكَائِهِ وَالْوَلَاءُ لَهُ .\rوَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ وَابْنِ أَبِي لَيْلَى ، وَابْنِ شُبْرُمَةَ ، وَالثَّوْرِيِّ وَالشَّافِعِيِّ وَأَبَى يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٍ ، وَإِسْحَاقَ .\rوَقَالَ الْبَتِّيُّ : لَا يَعْتِقُ إلَّا حِصَّةُ الْمُعْتِقِ ، وَنَصِيبُ الْبَاقِينَ بَاقٍ عَلَى الرِّقِّ ، وَلَا شَيْءَ عَلَى الْعِتْقِ ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ التِّلِبِّ ، عَنْ أَبِيهِ ، { أَنَّ رَجُلًا أَعْتَقَ شِقْصًا لَهُ فِي مَمْلُوكٍ ، فَلَمْ يُضَمَّنْهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ } .\rذَكَرَهُ أَحْمَدُ ، وَرَوَاهُ .\rوَلِأَنَّهُ لَوْ بَاعَ نَصِيبَهُ ، لَاخْتَصَّ الْبَيْعُ بِهِ ، فَكَذَلِكَ الْعِتْقُ ، إلَّا أَنْ تَكُونَ جَارِيَةً نَفِيسَةَ ، يُغَالَى فِيهَا ، فَيَكُونَ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْجِنَايَةِ مِنْ الْمُعْتِقِ ؛ لِلضَّرَرِ الَّذِي أَدْخَلَهُ عَلَى شَرِيكِهِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَعْتِقُ إلَّا حِصَّةُ الْمُعْتِقِ ، وَلِشَرِيكِهِ الْخِيَارُ فِي ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ ؛ إنْ شَاءَ أَعْتَقَ ، وَإِنْ شَاءَ اسْتَسْعَى الْعَبْدَ ، وَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَ شَرِيكَهُ ، فَيَعْتِقُ حِينَئِذٍ .\rوَلَنَا الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَيْنَاهُ وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ، وَرَوَاهُ مَالِكٌ ، فِي \" مُوَطَّئِهِ \" ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، فَأَثْبَتَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْعِتْقَ فِي جَمِيعِهِ ، وَأَوْجَبَ قِيمَةَ نَصِيبِ شَرِيكِ الْمُعْتِقِ الْمُوسِرِ عَلَيْهِ ، وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ خِيَرَةً ، وَلَا لِغَيْرِهِ .\rوَرَوَى قَتَادَةُ","part":24,"page":9},{"id":11509,"text":"، عَنْ أَبِي الْمَلِيحِ ، عَنْ أَبِيهِ ، { أَنَّ رَجُلًا مِنْ قَوْمِهِ أَعْتَقَ شِقْصًا لَهُ مِنْ مَمْلُوكٍ ، فَرَفَعَ ذَلِكَ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجَعَلَ خَلَاصَهُ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ ، وَقَالَ : لَيْسَ لِلَّهِ شَرِيكٌ } .\rقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ : الصَّحِيحُ أَنَّهُ عَنْ أَبِي الْمَلِيحِ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُرْسَلٌ ، وَلَيْسَ فِيهِ عَنْ أَبِيهِ .\rهَذَا مَعْنَى كَلَامِهِ .\rوَقَوْلُ الْبَتِّيِّ شَاذٌّ ، يُخَالِفُ الْأَخْبَارَ كُلَّهَا ، فَلَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ .\rوَحَدِيثُ التِّلِبِّ يَتَعَيَّنُ حَمْلُهُ عَلَى الْمُعْسِرِ ، جَمْعًا بَيْنَ الْأَحَادِيثِ .\rوَقِيَاسُ الْعِتْقِ عَلَى الْبَيْعِ لَا يَصِحُّ ، فَإِنَّ الْبَيْعَ لَا يَسْرِي فِيمَا إذَا كَانَ الْعَبْدُ كُلُّهُ لَهُ ، وَالْعِتْقُ يَسْرِي ، فَإِنَّهُ لَوْ بَاعَ نِصْفَ عَبْدِهِ ، لَمْ يَسْرِ ، وَلَوْ أَعْتَقَ نِصْفَهُ ، عَتَقَ كُلُّهُ .\rوَإِذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّ وَلَاءَهُ يَكُونُ لَهُ ؛ لِأَنَّهُ عَتَقَ بِإِعْتَاقِهِ مِنْ مَالِهِ ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ } .\rوَلَا خِلَافَ فِي هَذَا عِنْدَ مَنْ يَرَى عِتْقَهُ عَلَيْهِ .\r( 8578 ) فَصْلٌ : وَلَا فَرْقَ فِي هَذَا بَيْنَ كَوْنِ الشُّرَكَاءِ مُسْلِمِينَ أَوْ كَافِرِينَ ، أَوْ بَعْضُهُمْ مُسْلِمًا ، وَبَعْضُهُمْ كَافِرًا .\rذَكَرَهُ الْقَاضِي .\rوَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : فِي الْكَافِرِ وَجْهٌ ، أَنَّهُ إذَا أَعْتَقَ نَصِيبَهُ مِنْ مُسْلِمٍ ، أَنَّهُ لَا يَسْرِي إلَى بَاقِيه ، وَلَا يُقَوَّمُ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ شِرَاءُ الْكَافِرِ عَبْدًا مُسْلِمًا .\rوَلَنَا عُمُومُ الْخَبَرِ ، وَلِأَنَّ ذَلِكَ ثَبَتَ لِإِزَالَةِ الضَّرَرِ ، فَاسْتَوَى فِيهِ الْمُسْلِمُ وَالْكَافِرُ ، كَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ ، وَالْغَرَضُ هَاهُنَا تَكْمِيلُ الْعِتْقِ ، وَدَفْعُ الضَّرَرِ عَنْ الشَّرِيكِ دُونَ التَّمْلِيكِ ، بِخِلَافِ الشِّرَاءِ وَلَوْ قُدِّرَ أَنَّ هَاهُنَا تَمْلِيكًا ، لَكَانَ تَقْدِيرًا فِي أَدْنَى زَمَانٍ ، حَصَلَ ضَرُورَةَ تَحْصِيلِ الْعِتْقِ ، وَلَا ضَرَرَ فِيهِ ، فَإِنْ قُدِّرَ فِيهِ ضَرَرٌ ،","part":24,"page":10},{"id":11510,"text":"فَهُوَ مَغْمُورٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَا يَحْصُلُ مِنْ الْعِتْقِ ، فَوُجُودُهُ كَالْعَدَمِ ، وَقِيَاسُ هَذَا عَلَى الشِّرَاءِ غَيْرُ صَحِيحٍ لِمَا بَيْنَهُمَا مِنْ الْفَرْقِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":24,"page":11},{"id":11511,"text":"( 8579 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( فَإِنْ أَعْتَقَاهُ بَعْدَ عِتْقِ الْأَوَّلِ ، وَقَبْلَ أَخْذِ الْقِيمَةِ ، لَمْ يَثْبُتْ لَهُمَا فِيهِ عِتْقٌ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ صَارَ حُرًّا بِعِتْقِ الْأَوَّلِ لَهُ ) يَعْنِي أَنَّ الْعِتْقَ يَسْرِي إلَى جَمِيعِهِ بِاللَّفْظِ ، لَا بِدَفْعِ الْقِيمَةِ ، فَيَعْتِقُ كُلُّهُ حِينَ لَفَظَ بِالْعِتْقِ وَيَصِيرُ حُرًّا ، وَتَسْتَقِرُّ الْقِيمَةُ عَلَيْهِ ، فَلَا يَعْتِقُ بَعْدَ ذَلِكَ بِعِتْقِ غَيْرِهِ .\rوَبِهَذَا قَالَ ابْنُ شُبْرُمَةَ ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى وَالثَّوْرِيُّ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ ، وَإِسْحَاقُ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَالشَّافِعِيُّ فِي قَوْلٍ لَهُ ، وَاخْتَارَهُ الْمُزَنِيّ .\rوَقَالَ الزُّهْرِيُّ ، وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ ، فِي قَوْلٍ : لَا يَعْتِقُ إلَّا بِدَفْعِ الْقِيمَةِ ، وَيَكُونُ قَبْلَ ذَلِكَ مِلْكًا لِصَاحِبِهِ ، يَنْفُذُ عِتْقُهُ فِيهِ ، وَلَا يَنْفُذُ تَصَرُّفُهُ فِيهِ بِغَيْرِ الْعِتْقِ .\rوَهَذَا مُقْتَضَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ .\rوَاحْتَجُّوا بُقُولِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { قُوِّمَ عَلَيْهِ قِيمَةُ الْعَدْلِ ، فَأُعْطِيَ شُرَكَاؤُهُ حِصَصَهُمْ ، وَعَتَقَ جَمِيعُ الْعَبْدِ } .\rوَفِي لَفْظٍ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد : { فَإِنْ كَانَ مُوسِرًا يُقَوَّمُ عَلَيْهِ قِيمَةُ عَدْلٍ ، لَا وَكْسَ وَلَا شَطَطَ ، ثُمَّ يَعْتِقُ } .\rفَجَعَلَهُ عَتِيقًا بَعْدَ دَفْعِ الْقِيمَةِ ، وَلِأَنَّ الْعِتْقَ إذَا ثَبَتَ بِعِوَضٍ وَرَدَ الشَّرْعُ بِهِ مُطْلَقًا ، لَمْ يَعْتِقْ إلَّا بِالْأَدَاءِ ، كَالْمُكَاتَبِ .\rوَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلٌ ثَالِثٌ ، أَنَّ الْعِتْقَ مُرَاعًى ، فَإِنْ دَفَعَ الْقِيمَةَ تَبَيَّنَّا أَنَّهُ كَانَ عَتَقَ مِنْ حِينَ أَعْتَقَ نَصِيبَهُ ، وَإِنْ لَمْ يَدْفَعْ الْقِيمَةَ تَبَيَّنَّا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَتَقَ ؛ لِأَنَّ فِيهِ احْتِيَاطًا لَهُمَا جَمِيعًا .\rوَلَنَا .\rحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ ، رُوِيَ بِأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَةٍ ، تَجْتَمِعُ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى الْحُرِّيَّةِ بِاللَّفْظِ ، فَمِنْهَا ، لَفْظٌ رَوَاهُ أَيُّوبُ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ ، فَكَانَ","part":24,"page":12},{"id":11512,"text":"لَهُ مَا يَبْلُغُ ثَمَنَهُ بِقِيمَةِ الْعَدْلِ ، فَهُوَ عَتِيقٌ } .\rرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ، وَأَبُو دَاوُد ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَفِي لَفْظٍ رَوَاهُ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ : \" فَكَانَ لَهُ مَالٌ ، فَقَدْ عَتَقَ كُلُّهُ \" .\rوَفِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ : \" وَكَانَ لِلَّذِي يُعْتِقُ مَا يَبْلُغُ ثَمَنَهُ ، فَهُوَ يَعْتِقُ كُلُّهُ \" .\rوَرَوَى أَبُو دَاوُد ، بِإِسْنَادِهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ أَعْتَقَ شِقْصًا فِي مَمْلُوكٍ ، فَهُوَ حُرٌّ مِنْ مَالِهِ } .\rوَهَذِهِ نُصُوصٌ فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ ، فَإِنَّهُ جَعَلَهُ حُرًّا وَعَتِيقًا بِإِعْتَاقِهِ ، مَشْرُوطًا بِكَوْنِهِ مُوسِرًا .\rوَلِأَنَّهُ عِتْقٌ بِالسِّرَايَةِ ، فَكَانَتْ حَاصِلَةً عَقِيبَ لَفْظِهِ ، كَمَا لَوْ أَعْتَقَ جُزْءًا مِنْ عَبِيدِهِ ، وَلِأَنَّ الْقِيمَةَ مُعْتَبَرَةٌ وَقْتَ الْإِعْتَاقِ ، وَلَا يَنْفُذُ تَصَرُّفُ الشَّرِيكِ فِيهِ بِغَيْرِ الْإِعْتَاقِ .\rوَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ ، لَا يَنْفُذُ بِالْإِعْتَاقِ أَيْضًا فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْعِتْقَ حَصَلَ فِيهِ بِالْإِعْتَاقِ الْأَوَّلِ .\rفَأَمَّا حَدِيثُهُمْ ، فَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ ؛ فَإِنَّ \" الْوَاوَ \" لَا تَقْتَضِي تَرْتِيبًا ، وَأَمَّا الْعَطْفُ بِ \" ثُمَّ \" فِي اللَّفْظِ الْآخَرِ ، لَمْ يُرِدْ بِهَا التَّرْتِيبَ ، فَإِنَّهَا قَدْ تَرِدُ لِغَيْرِ التَّرْتِيبِ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : { ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ } .\rوَأَمَّا الْعِوَضُ ، فَإِنَّمَا وَجَبَ عَنْ الْمُتْلَفِ بِالْإِعْتَاقِ ، بِدَلِيلِ اعْتِبَارِهِ بِقِيمَتِهِ حِينَ الْإِعْتَاقِ ، وَعَدَمِ اعْتِبَارِ التَّرَاضِي فِيهِ ، وَوُجُوبِ الْقِيمَةِ مِنْ غَيْرِ وَكْسٍ وَلَا شَطَطٍ ، بِخِلَافِ الْكِتَابَةِ .\rفَإِذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّ الشَّرِيكَيْنِ إذَا أَعْتَقَاهُ بَعْدَ عِتْقِ الْأَوَّلِ ، وَقَبْلَ أَخْذِ الْقِيمَةِ ، لَمْ يَثْبُتْ لَهُمَا فِيهِ عِتْقٌ ، وَلَا لَهُمَا عَلَيْهِ وَلَاءٌ ، وَوَلَاؤُهُ كُلُّهُ لِلْمُعْتِقِ الْأَوَّلِ ، وَعَلَيْهِ الْقِيمَةُ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ صَارَ حُرًّا بِإِعْتَاقِهِ .\rوَعِنْدَ مَالِكٍ يَكُونُ","part":24,"page":13},{"id":11513,"text":"وَلَاؤُهُ بَيْنَهُمْ أَثْلَاثًا ، وَلَا شَيْءَ عَلَى الْمُعْتِقِ الْأَوَّلِ مِنْ الْقِيمَةِ .\rوَلَوْ أَنَّ الْمُعْتِقَ الْأَوَّلَ لَمْ يُؤَدِّ الْقِيمَةَ حَتَّى أَفْلَسَ ، عَتَقَ الْعَبْدُ ، وَكَانَتْ الْقِيمَةُ فِي ذِمَّتِهِ دَيْنًا ، يُزَاحِمُ بِهَا الشَّرِيكَانِ عِنْدَنَا .\rوَعِنْدَ مَالِكٍ ، لَا يَعْتِقُ مِنْهُ إلَّا مَا عَتَقَ .\rوَلَوْ كَانَ الْمُعْتَقُ جَارِيَةً حَامِلًا ، فَلَمْ تُؤَدَّ الْقِيمَةُ حَتَّى وَضَعَتْ حَمْلَهَا ، فَلَيْسَ عَلَى الْمُعْتِقِ إلَّا قِيمَتُهَا ؛ حِينَ أَعْتَقَهَا ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ حَرَّرَهَا .\rوَعِنْدَ مَالِكٍ ، يُقَوَّمُ وَلَدُهَا أَيْضًا .\rوَلَوْ تَلِفَ الْعَبْدُ قَبْلَ أَدَاءِ الْقِيمَةِ ، مَاتَ حُرًّا ، وَالْقِيمَةُ عَلَى الْمُعْتِقِ ؛ لِأَنَّهُ فَوَّتَ عَلَيْهِ رِقَّهُ .\rوَعِنْدَ مَالِكٍ ، لَا شَيْءَ عَلَى الْمُعْتِقِ ، مَا لَمْ يُقَوَّمْ ، وَيُحْكَمْ بِقِيمَتِهِ ، فَهُوَ فِي جَمِيعِ أَحْكَامِهِ عَبْدٌ .","part":24,"page":14},{"id":11514,"text":"( 8580 ) فَصْلٌ : وَالْقِيمَةُ مُعْتَبَرَةٌ حِينَ اللَّفْظِ بِالْعِتْقِ ؛ لِأَنَّهُ حِينُ الْإِتْلَافِ ، وَهُوَ أَحَدُ أَقْوَالِ الشَّافِعِيِّ .\rوَلِلشَّرِيكِ مُطَالَبَةُ الْمُعْتِقِ بِالْقِيمَةِ ، عَلَى الْأَقْوَالِ كُلِّهَا ، فَإِنْ اخْتَلَفَا فِي قَدْرِهَا ، رُجِعَ إلَى قَوْلِ الْمُقَوِّمِينَ .\rفَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ قَدْ مَاتَ ، أَوْ غَابَ ، أَوْ تَأَخَّرَ تَقْوِيمُهُ زَمَنًا تَخْتَلِفُ فِيهِ الْقِيَمُ ، وَلَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُعْتِقِ ؛ لِأَنَّهُ يُنْكِرُ الزِّيَادَةَ ، وَالْأَصْلُ بَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ مِنْهَا .\rوَهَذَا أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ .\rوَإِنْ اخْتَلَفَ فِي صِنَاعَةٍ فِي الْعَبْدِ تُوجِبُ زِيَادَةَ الْقِيمَةِ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُعْتِقِ ؛ لِذَلِكَ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْعَبْدُ يُحْسِنُ الصِّنَاعَةَ فِي الْحَالِ ، وَلَمْ يَمْضِ زَمَنٌ يُمْكِنُ تَعَلُّمُهَا فِيهِ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الشَّرِيكِ ؛ لِأَنَّنَا عَلِمْنَا صِدْقَهُ .\rوَإِنْ مَضَى زَمَنٌ يُمْكِنُ حُدُوثُهَا فِيهِ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُعْتِقِ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ .\rوَالثَّانِي ، الْقَوْلُ قَوْلُ الشَّرِيكِ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ مَا كَانَ ، وَعَدَمُ الْحُدُوثِ .\rوَإِنْ اخْتَلَفَا فِي عَيْبٍ يَنْقُصُ الْقِيمَةَ ؛ كَسَرِقَةٍ ، أَوْ إبَاقٍ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الشَّرِيكِ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ السَّلَامَةُ ، فَبِالْجِهَةِ الَّتِي رَجَّحْنَا قَوْلَ الْمُعْتِقِ فِي نَفْيِ الصِّنَاعَةِ ، نُرَجِّحُ قَوْلَ الشَّرِيكِ فِي نَفْيِ الْعَيْبِ ، وَإِنْ كَانَ الْعَيْبُ فِيهِ حَالَ الِاخْتِلَافِ ، وَاخْتَلَفَا فِي حُدُوثِهِ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُعْتِقِ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ ، وَبَقَاءُ مَا كَانَ عَلَى مَا كَانَ ، وَعَدَمُ حُدُوثِ الْعَيْبِ فِيهِ .\rوَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْقَوْلُ قَوْلَ الشَّرِيكِ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَتُهُ مِنْ الْعَيْبِ حِينَ الْإِعْتَاقِ .","part":24,"page":15},{"id":11515,"text":"فَصْلٌ : وَالْمُعْتَبَرُ فِي الْيَسَارِ فِي هَذَا ، أَنْ يَكُونَ لَهُ فَضْلٌ عَنْ قُوتِهِ ، يَوْمَهُ وَلَيْلَتَهُ ، وَمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ حَوَائِجِهِ الْأَصْلِيَّةِ مِنْ الْكِسْوَةِ ، وَالْمَسْكَنِ ، وَسَائِرِ مَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ ، يَدْفَعُهُ إلَى شَرِيكِهِ .\rذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ ، فِي \" التَّنْبِيهِ \" .\rوَإِنْ وُجِدَ بَعْضُ مَا يَفِي بِالْقِيمَةِ ، قُوِّمَ عَلَيْهِ قَدْرُ مَا يَمْلِكُهُ مِنْهُ .\rذَكَرَهُ أَحْمَدُ ، فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ .\rوَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ .\rوَقَالَ أَحْمَدُ : لَا تُبَاعُ فِيهِ دَارٌ ، وَلَا رِبَاعٌ .\rوَمُقْتَضَى هَذَا ، أَنْ لَا يُبَاعَ لَهُ أَصْلُ مَالٍ .\rوَقَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ : يُبَاعُ عَلَيْهِ سِوَارُ بَيْتِهِ ، وَمَا لَهُ بَالٌ مِنْ كِسْوَتِهِ ، وَيُقْضَى عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ مَا يَقْضِي عَلَيْهِ فِي سَائِرِ الدَّعَاوَى .\rوَالْمُعْتَبَرُ فِي ذَلِكَ حَالُ تَلَفُّظِهِ بِالْعِتْقِ ؛ لِأَنَّهُ حَالُ الْوُجُوبِ ، فَإِنْ أَيْسَرَ الْمُعْسِرُ بَعْدَ ذَلِكَ ، لَمْ يَسْرِ إعْتَاقُهُ ، وَإِنْ أَعْسَرِ الْمُوسِرُ ، لَمْ يَسْقُطْ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ وَجَبَ عَلَيْهِ ، فَلَمْ يَسْقُطْ بِإِعْسَارِهِ ، كَدَيْنِ الْإِتْلَافِ .\rنَصَّ عَلَى هَذَا أَحْمَدُ .","part":24,"page":16},{"id":11516,"text":"( 8582 ) فَصْلٌ : إذَا قَالَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ لِشَرِيكِهِ : إذَا أَعْتَقْت نَصِيبَك ، فَنَصِيبِي حُرٌّ مَعَ نَصِيبِك .\rفَأَعْتَقَ نَصِيبَهُ ، عَتَقَا مَعًا ، وَلَمْ يَلْزَمْ الْمُعْتِقَ شَيْءٌ .\rوَقِيلَ : يَعْتِقُ كُلُّهُ عَلَى الْمُعْتِقِ ؛ لِأَنَّ إعْتَاقَ نَصِيبِهِ شَرْطُ عِتْقِ نَصِيبِ شَرِيكِهِ ، فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ سَابِقًا عَلَيْهِ .\rوَالْأَوَّلُ أَوْلَى ؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنَ الْعَمَلُ بِمُقْتَضَى شَرْطِهِ ، فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلَيْهِ ، كَمَا لَوْ وَكَّلَهُ فِي إعْتَاقِ نَصِيبِهِ مَعَ نَصِيبِهِ ، فَأَعْتَقَهُمَا مَعًا .\rوَإِنْ قَالَ : إذَا أَعْتَقْت نَصِيبَك ، فَنَصِيبِي حُرٌّ ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا : إذَا أَعْتَقَ نَصِيبَهُ ، سَرَى ، وَعَتَقَ عَلَيْهِ كُلُّهُ ، وَقُوِّمَ عَلَيْهِ ، وَلَا يَقَعُ إعْتَاقُ شَرِيكِهِ ؛ لِأَنَّ السِّرَايَةَ ، سَبَقَتْ ، فَمَنَعَتْ عِتْقَ الشَّرِيكِ .\rوَيُحْتَمَلُ أَنْ يَعْتِقَ عَلَيْهِمَا جَمِيعًا ؛ لِأَنَّ عِتْقَ نَصِيبِهِ سَبَبٌ لِلسِّرَايَةِ ، وَشَرْطٌ لِعِتْقِ نَصِيبِ الشَّرِيكِ ، فَلَمْ يَسْبِقْ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ ؛ لِوُجُودِهِمَا فِي حَالٍ وَاحِدٍ .\rوَقَدْ يُرَجَّحُ وُقُوعُ عِتْقِ الشَّرِيكِ ؛ لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ مِنْهُ فِي مِلْكِهِ ، وَالسِّرَايَةُ تَقَعُ فِي غَيْرِ الْمِلْكِ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ ، فَكَانَ نُفُوذُ عِتْقِ الشَّرِيكِ أَوْلَى .\rوَلِأَنَّ سِرَايَةَ الْعِتْقِ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ ؛ لِكَوْنِهَا إتْلَافًا لِمِلْكِ الْمَعْصُومِ بِغَيْرِ رِضَاهُ ، وَإِلْزَامًا لِلْمُعْتِقِ غَرَامَةً لَمْ يَلْتَزِمْهَا بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ ، وَإِنَّمَا يَثْبُتُ لِمَصْلَحَةِ تَكْمِيلِ الْعِتْقِ ، فَإِذَا حَصَلَتْ هَذِهِ الْمَصْلَحَةُ بِإِعْتَاقِ الْمَالِكِ ، كَانَ أَوْلَى .\rوَإِنْ قَالَ : إذَا أَعْتَقْت نَصِيبَك ، فَنَصِيبِي حُرٌّ قَبْلَ إعْتَاقِكَ نَصِيبَك .\rوَقَعَا مَعًا ، إذَا أَعْتَقَ نَصِيبَهُ .\rوَهَذَا مُقْتَضَى قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ ، وَالْقَاضِي .\rوَمُقْتَضَى قَوْلِ ابْنِ عَقِيلٍ أَنْ يَعْتِقَ كُلُّهُ عَلَى الْمُعْتِقِ ، وَلَا يَقَعَ إعْتَاقُ شَرِيكِهِ ؛ لِأَنَّهُ أَعْتَقَ فِي زَمَنٍ مَاضٍ .\rوَمُقْتَضَى قَوْلِ ابْنِ سُرَيْجٍ وَمَنْ وَافَقَهُ ، مِمَّنْ قَالَ بِسِرَايَةِ الْعِتْقِ ، أَنْ لَا يَصِحَّ إعْتَاقُهُ ؛","part":24,"page":17},{"id":11517,"text":"لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ عِتْقِهِ نَصِيبَهُ تَقَدُّمُ عِتْقِ الشَّرِيكِ وَسِرَايَتُهُ ، فَيَمْتَنِعُ إعْتَاقُ نَصِيبِ هَذَا ، وَيَمْتَنِعُ عِتْقُ نَصِيبِ الشَّرِيكِ ، وَيُفْضِي إلَى الدَّوْرِ ، فَيَمْتَنِعُ الْجَمِيعُ .\rوَقَدْ مَضَى الْكَلَامُ فِي هَذَا فِي مَسَائِلِ الطَّلَاقِ .\rوَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .","part":24,"page":18},{"id":11518,"text":"( 8583 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَإِنْ أَعْتَقَهُ الْأَوَّلُ وَهُوَ مُعْسِرٌ ، وَأَعْتَقَهُ الثَّانِي وَهُوَ مُوسِرٌ ، عَتَقَ عَلَيْهِ نَصِيبُهُ وَنَصِيبُ شَرِيكِهِ ، وَكَانَ ثُلُثُ وَلَائِهِ لِلْمُعْتِقِ الْأَوَّلِ ، وَثُلُثَاهُ لِلْمُعْتِقِ الثَّانِي ) ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّ الْمُعْسِرَ إذَا أَعْتَقَ نَصِيبَهُ مِنْ الْعَبْدِ ، اسْتَقَرَّ فِيهِ الْعِتْقُ ، وَلَمْ يَسْرِ إلَى نَصِيبِ شَرِيكِهِ ، بَلْ يَبْقَى عَلَى الرِّقِّ ، فَإِذَا أَعْتَقَ الثَّانِي نَصِيبَهُ ، وَهُوَ مُوسِرٌ ، عَتَقَ عَلَيْهِ جَمِيعُ مَا بَقِيَ مِنْهُ ؛ نَصِيبُهُ بِالْمُيَاسَرَةِ ، وَنَصِيبُ شَرِيكِهِ الثَّالِثِ بِالسِّرَايَةِ ، وَصَارَ لَهُ ثُلُثَا وَلَائِهِ ، وَلِلْأَوَّلِ ثُلُثُهُ .\rوَهَذَا قَوْلُ إِسْحَاقَ ، وَأَبِي عُبَيْدٍ ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ ، وَدَاوُد ، وَابْنِ جَرِيرٍ .\rوَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي بَيَّنَّاهُ مِنْ قَوْلِهِمَا فِيمَا مَضَى .\rوَرُوِيَ عَنْ عُرْوَةَ أَنَّهُ اشْتَرَى عَبْدًا أُعْتِقَ نِصْفُهُ ، فَكَانَ عُرْوَةُ يُشَاهِرُهُ ؛ شَهْرَ عَبْدٍ ، وَشَهْرَ حُرٍّ .\rوَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّ الْمُعْسِرَ إذَا أَعْتَقَ نَصِيبَهُ ، اسْتَسْعَى الْعَبْدُ فِي قِيمَةِ حِصَّةِ الْبَاقِينَ حَتَّى يُؤَدِّيَهَا ، فَيَعْتِقَ .\rوَهُوَ قَوْلُ ابْنِ شُبْرُمَةَ ، وَابْنِ أَبِي لَيْلَى ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَأَبِي يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٍ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ : رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ أَعْتَقَ شِقْصًا لَهُ فِي مَمْلُوكٍ ، فَعَلَيْهِ أَنْ يُعْتِقَهُ كُلَّهُ إنْ كَانَ لَهُ مَالٌ ، وَإِلَّا اسْتَسْعَى الْعَبْدُ ، غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى وَابْنُ شُبْرُمَةُ : فَإِذَا اسْتَسْعَى فِي نِصْفِ قِيمَتِهِ ، ثُمَّ أَيْسَرَ مُعْتَقُهُ ، رَجَعَ عَلَيْهِ بِنِصْفِ الْقِيمَةِ ؛ لِأَنَّهُ هُوَ أَلْجَأَهُ إلَى هَذَا ، وَكَلَّفَهُ إيَّاهُ .\rوَعَنْ أَبِي يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٍ ، أَنَّهُمَا قَالَا : يَعْتِقُ جَمِيعُهُ ، وَتَكُونُ قِيمَةُ نَصِيبِ الشَّرِيكِ فِي ذِمَّتِهِ ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ لَا يَتَبَعَّضُ ، فَإِذَا وُجِدَ فِي الْبَعْضِ سَرَى إلَى","part":24,"page":19},{"id":11519,"text":"جَمِيعِهِ ، كَالطَّلَاقِ ، وَيَلْزَمُ الْمُعْتِقَ الْقِيمَةُ ؛ لِأَنَّهُ الْمُتْلِفُ لِنَصِيبِ صَاحِبِهِ بِإِعْتَاقِهِ ، فَوَجَبَتْ قِيمَتُهُ فِي ذِمَّتِهِ ، كَمَا لَوْ أَتْلَفَهُ بِقَتْلِهِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَسْرِي الْعِتْقُ ، وَإِنَّمَا يُسْتَحَقُّ بِهِ إعْتَاقُ النَّصِيبِ الْبَاقِي ، فَيُتَخَيَّرُ شَرِيكُهُ بَيْنَ إعْتَاقِ نَصِيبِهِ ، وَيَكُونُ الْوَلَاءُ بَيْنَهُمَا ، وَبَيْنَ أَنْ يَسْتَسْعِي الْعَبْدُ فِي قِيمَةِ نَصِيبِهِ ، فَإِذَا أَدَّاهُ إلَيْهِ عَتَقَ ، وَالْوَلَاءُ بَيْنَهُمَا .\rوَلَنَا ، حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ ، وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ ثَابِتٌ عِنْدَ جَمِيعِ الْعُلَمَاءِ بِالْحَدِيثِ ، وَلِأَنَّ الِاسْتِسْعَاءَ إعْتَاقٌ بِعِوَضٍ ، فَلَمْ يُجْبَرْ عَلَيْهِ ، كَالْكِتَابَةِ ، وَلِأَنَّ فِي الِاسْتِسْعَاءِ إضْرَارًا بِالشَّرِيكِ وَالْعَبْدِ ؛ أَمَّا الشَّرِيكُ فَإِنَّا نُحِيلُهُ عَلَى سِعَايَةٍ لَعَلَّهُ لَا يَحْصُلُ مِنْهَا شَيْءٌ أَصْلًا ، وَإِنْ حَصَلَ فَرُبَّمَا يَكُونُ يَسِيرًا مُتَفَرِّقًا ، وَيَفُوتُ عَلَيْهِ مِلْكُهُ ، وَأَمَّا الْعَبْدُ ، فَإِنَّا نُجْبِرُهُ عَلَى سِعَايَةٍ لَمْ يُرِدْهَا ، وَكَسْبٍ لَمْ يَخْتَرْهُ ، وَهَذَا ضَرَرٌ فِي حَقِّهِمَا ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ } .\rقَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ : أَلَيْسَ إنَّمَا أُلْزِمَ الْمُعْتِقُ ثَمَنَ مَا بَقِيَ مِنْ الْعَبْدِ ، لِئَلَّا يَدْخُلَ عَلَى شَرِيكِهِ ضَرَرٌ ، فَإِذَا أَمَرَهُ بِالسَّعْيِ ، وَإِعْطَائِهِ كُلَّ شَهْرٍ دِرْهَمَيْنِ ، وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى تَمَلُّكِهِ ، فَأَيُّ ضَرَرٍ أَعْظَمُ مِنْ هَذَا ، فَأَمَّا حَدِيثُ الِاسْتِسْعَاءِ ، فَقَالَ الْأَثْرَمُ : ذَكَرَهُ سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ، فَطَعَنَ فِيهِ ، وَضَعَّفَهُ .\rوَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ : لَيْسَ فِي الِاسْتِسْعَاءِ مَا ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ يَرْوِيه ابْنُ أَبِي عُرْوَةَ .\rوَأَمَّا شُعْبَةُ ، وَهِشَامٌ الدَّسْتُوَائِيُّ .\rفَلَمْ يَذْكُرَاهُ .\rوَحَدَّثَ بِهِ مَعْمَرٌ ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ السِّعَايَةَ .\rقَالَ أَبُو دَاوُد : وَهَمَّامٌ أَيْضًا لَا يَقُولُهُ .\rقَالَ الْمَرُّوذِيُّ :","part":24,"page":20},{"id":11520,"text":"وَضَعَّفَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ حَدِيثَ سَعِيدٍ .\rوَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : لَا يَصِحُّ حَدِيثُ الِاسْتِسْعَاءِ .\rوَذَكَرَ هَمَّامٌ أَنَّ ذِكْرَ الِاسْتِسْعَاءِ مِنْ فُتْيَا قَتَادَةَ ، وَفَرْقٌ بَيْنَ الْكَلَامِ الَّذِي هُوَ مِنْ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَوْلِ قَتَادَةَ .\rوَقَالَ بَعْدَ ذَلِكَ : فَكَانَ قَتَادَةُ يَقُولُ : إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ اسْتَسْعَى .\rقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ يَدُورُ عَلَى قَتَادَةَ ، وَقَدْ اتَّفَقَ شُعْبَةُ ، وَهِشَامٌ ، وَهَمَّامٌ ، عَلَى تَرْكِ ذِكْرِهِ ، وَهُمْ الْحُجَّةُ فِي قَتَادَةَ ، وَالْقَوْلُ قَوْلُهُمْ فِيهِ عِنْدَ جَمِيعِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ إذَا خَالَفَهُمْ غَيْرُهُمْ .\rفَأَمَّا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَقَوْلُ صَاحِبَيْهِ الْأَخِيرُ ، فَلَا شَيْءَ مَعَهُمْ يَحْتَجُّونَ بِهِ مِنْ حَدِيثٍ قَوِيٍّ وَلَا ضَعِيفٍ ، بَلْ هُوَ مُجَرَّدُ رَأْيٍ وَتَحَكُّمٍ يُخَالِفُ الْحَدِيثَيْنِ جَمِيعًا .\rقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : لَمْ يَقُلْ أَبُو حَنِيفَةَ وَزُفَرُ ، بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ، وَلَا حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَلَى وَجْهِهِ ، وَكُلُّ قَوْلٍ يُخَالِفُ السُّنَّةَ ، فَمَرْدُودٌ عَلَى قَائِلِهِ .\rوَاَللَّهُ الْمُسْتَعَانُ .\r( 8584 ) فَصْلٌ : إذَا قُلْنَا بِالسِّعَايَةِ ، احْتَمَلَ أَنْ لَا يَعْتِقَ كُلُّهُ ، وَتَكُونَ الْقِيمَةُ فِي ذِمَّةِ الْعَبْدِ دَيْنًا يُسْتَسْعَى فِي أَدَائِهَا ، وَتَكُونَ أَحْكَامُهُ أَحْكَامَ الْأَحْرَارِ ، فَإِنْ مَاتَ ، وَفِي يَدِهِ مَالٌ ، كَانَ لِسَيِّدِهِ بَقِيَّةُ السِّعَايَةِ ، وَبَاقِي مَالِهِ مَوْرُوثٌ ، وَلَا يَرْجِعُ الْعَبْدُ عَلَى أَحَدٍ .\rوَهَذَا قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٍ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَعْتِقَ حَتَّى يُؤَدِّيَ السِّعَايَةَ ، فَيَكُونَ حُكْمُهُ قَبْلَ أَدَائِهَا حُكْمَ مَنْ بَعْضُهُ رَقِيقٌ إذَا مَاتَ ، فَلِلشَّرِيكِ الَّذِي لَمْ يَعْتِقْ مِنْ مَالِهِ مِثْلُ مَا يَكُونُ لَهُ ، عَلَى قَوْلِ مَنْ لَمْ يَقُلْ بِالسِّعَايَةِ ؛ لِأَنَّهُ إعْتَاقٌ بِأَدَاءِ مَالٍ ، فَلَمْ يَعْتِقْ قَبْلَ أَدَائِهِ ، كَالْمُكَاتَبِ .\rوَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى ، وَابْنُ شُبْرُمَةَ : يَرْجِعُ الْعَبْدُ عَلَى","part":24,"page":21},{"id":11521,"text":"الْمُعْتِقِ إذَا أَيْسَرَ ؛ لِأَنَّهُ كَلَّفَهُ السِّعَايَةَ بِإِعْتَاقِهِ .\rوَلَنَا أَنَّهُ حَقٌّ لَزِمَ الْعَبْدَ فِي مُقَابَلَةِ حُرِّيَّتِهِ ، فَلَمْ يَرْجِعْ بِهِ عَلَى أَحَدٍ ، كَمَالِ الْكِتَابَةِ ، وَلِأَنَّهُ لَوْ رَجَعَ بِهِ عَلَى السَّيِّدِ ، لَكَانَ هُوَ السَّاعِيَ فِي الْعِوَضِ ، كَسَائِرِ الْحُقُوقِ الْوَاجِبَةِ عَلَيْهِ .","part":24,"page":22},{"id":11522,"text":"( 8585 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَلَوْ كَانَ الْمُعْتِقُ الثَّانِي مُعْسِرًا ، عَتَقَ نَصِيبُهُ مِنْهُ ، وَكَانَ ثُلُثُهُ رَقِيقًا لِمَنْ لَمْ يُعْتِقْ ، فَإِنْ مَاتَ وَفِي يَدِهِ مَالٌ كَانَ ثُلُثُهُ لِمَنْ لَمْ يُعْتِقْ ، وَثُلُثَاهُ لِلْمُعْتِقِ الْأَوَّلِ وَالْمُعْتِقِ الثَّانِي بِالْوَلَاءِ ، إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ أَحَقُّ مِنْهُمَا ) إنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الْمُعْسِرَ لَا يُعْتِقُ إلَّا نَصِيبَهُ ، وَالْأَوَّلُ وَالثَّانِي مُعْسِرَانِ ، فَلَمْ يَعْتِقْ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ إلَّا نَصِيبُهُ ، وَنَصِيبهُمَا الثُّلُثَانِ ، وَبَقِيَ ثُلُثُهُ رَقِيقًا لِلثَّالِثِ ، فَإِذَا خَلَّفَ الْعَبْدُ مَالًا ، فَثُلُثُهُ لِلَّذِي لَمْ يُعْتِقْ ؛ لِأَنَّهُ مَالِكٌ لِثُلُثِهِ ، وَثُلُثَاهُ مِيرَاثٌ ؛ لِأَنَّهُ مَلَكَهُمَا بِجُزْئِهِ الْحُرِّ ، فَإِنْ كَانَ لَهُ وَارِثٌ نَسِيبٌ ، يَرِثُ مَالَهُ كُلَّهُ ، أَخَذَهُ ؛ لِأَنَّهُ أَحَقُّ مِنْ الْمُعْتِقِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ نَسِيبٌ فَهُوَ لِلْمُعْتِقَيْنِ بِالْوَلَاءِ ، وَإِنْ كَانَ لَهُ ذُو فَرْضٍ يَرِثُ الْبَعْضَ ، أَخَذَ فَرْضَهُ مِنْهُ ، وَبَاقِيه لِلْمُعْتِقَيْنِ .\rوَهَذَا الْقَوْلُ فِيمَا إذَا لَمْ يَكُنْ مَالِكُ ثُلُثِهِ قَاسَمَ الْعَبْدَ فِي حَيَاتِهِ كَسْبَهُ ، وَلَمْ يُهَايِئْهُ ، فَأَمَّا إنْ قَاسَمَهُ ، أَوْ هَايَأَهُ ، فَلَا حَقَّ لَهُ فِي تَرِكَتِهِ ؛ لِأَنَّهَا حَصَلَتْ بِالْجُزْءِ الْحُرِّ ، فَتَكُونُ جَمِيعُهَا مِيرَاثًا لِوَرَثَتِهِ ، دُونَ مَالِكِ ثُلُثِهِ ، إذْ لَا حَقَّ لَهُ فِي الْجُزْءِ الْحُرِّ ، فَلَا يَكُونُ لَهُ حَقٌّ فِيمَا كَسَبَهُ بِهِ ، وَلَا فِيمَا مَلَكَهُ بِهِ .","part":24,"page":23},{"id":11523,"text":"( 8586 ) فَصْلٌ : وَمَنْ قَالَ بِالسِّعَايَةِ ، فَإِنَّهُ يَسْتَسْعِي حِينَ أَعْتَقَهُ الْأَوَّلُ ، فَإِذَا أَعْتَقَ الثَّانِي نَصِيبَهُ ، انْبَنَى ذَلِكَ عَلَى الْقَوْلِ فِي حُرِّيَّتِهِ ، هَلْ حَصَلَتْ بِإِعْتَاقِ الْأَوَّلِ أَوَّلًا ؟ فَمَنْ جَعَلَهُ حُرًّا ، لَمْ يُصَحِّحْ عِتْقَ الثَّانِي ؛ لِأَنَّهُ عَتَقَ بِإِعْتَاقِ الْأَوَّلِ ؛ وَمَنْ لَمْ يَجْعَلْهُ حُرًّا ، صَحَّحَ عِتْقَ الثَّانِي ؛ لِأَنَّهُ أَعْتَقَ جُزْءًا مَمْلُوكًا لَهُ مِنْ عَبْدٍ .\rوَإِذَا مَاتَ قَبْلَ أَدَاءِ سِعَايَتِهِ فَقَدْ مَاتَ وَثُلُثُهُ رَقِيقٌ ، فَيَكُونُ حُكْمُهُ فِي الْمِيرَاثِ كَحُكْمِ مَا ذَكَرْنَا فِي الْقَوْلِ الْآخَرِ .","part":24,"page":24},{"id":11524,"text":"( 8587 ) فَصْلٌ : وَإِذَا حَكَمْنَا بِعِتْقِ بَعْضِهِ ، وَرِقِّ بَاقِيه ، فَإِنَّ نَفَقَتَهُ فِي حَيَاتِهِ ، وَفِطْرَتَهُ ، وَأَكْسَابَهُ ، بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَيِّدِهِ عَلَى قَدْرِ مَا فِيهِ مِنْ الْحُرِّيَّةِ وَالرِّقِّ .\rوَإِنْ تَرَاضَيَا عَلَى الْمُهَايَأَةِ بَيْنَهُمَا ، كَانَتْ نَفَقَةُ الْعَبْدِ وَكَسْبُهُ فِي أَيَّامِهِ لَهُ وَعَلَيْهِ ، وَفِي أَيَّامِ سَيِّدِهِ يَكُونُ كَسْبُهُ لِسَيِّدِهِ ، وَنَفَقَتُهُ عَلَيْهِ .\rفَأَمَّا الْأَكْسَابُ النَّادِرَةُ ؛ كَاللُّقَطَةِ ، وَالْهِبَةِ ، وَالْوَصِيَّةِ ، فَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّهَا تَدْخُلُ فِي الْمُهَايَأَةِ ؛ لِأَنَّهَا مِنْ أَكْسَابِهِ فَأَشْبَهَتْ الْمُعْتَادَةَ .\rوَذَكَرَ غَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا وَجْهًا آخَرَ ، أَنَّهَا لَا تَدْخُلُ فِي الْمُهَايَأَةِ ، وَتَكُونُ بَيْنَهُمَا عَلَى كُلِّ حَالٍ ؛ لِأَنَّ الْمُهَايَأَةَ مُعَاوَضَةٌ ، فَكَأَنَّهُ تَعَاوَضَ عَنْ نَصِيبِهِ مِنْ كَسْبِهِ فِي يَوْمِ سَيِّدِهِ بِنَصِيبِ سَيِّدِهِ فِي يَوْمِهِ ، فَلَا تَتَنَاوَلُ الْمُعَاوَضَةُ الْمَجْهُولَ ، وَمَا لَا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ وُجُودُهُ .\rفَأَمَّا الْمِيرَاثُ ، فَلَا يَدْخُلُ فِي الْمُهَايَأَةِ ، وَلَا يَسْتَحِقُّ سَيِّدُهُ مِنْهُ شَيْئًا ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَرِثُ بِجُزْئِهِ الْحُرِّ ، وَيَمْلِكُ هَذَا الْعَبْدُ بِجُزْئِهِ الْحُرِّ جَمِيعَ أَنْوَاعِ الْمِلْكِ ، وَيَرِثُ وَيُورِثُ بِقَدْرِ مَا فِيهِ مِنْ الْحُرِّيَّةِ ، وَقَدْ مَضَى ذِكْرُ ذَلِكَ .","part":24,"page":25},{"id":11525,"text":"( 8588 ) فَصْلٌ : وَمَنْ أَعْتَقَ عَبْدَهُ ، وَهُوَ صَحِيحٌ جَائِزُ التَّصَرُّفِ ، صَحَّ عِتْقُهُ بِإِجْمَاعِ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rوَإِنْ أَعْتَقَ بَعْضَهُ ، عَتَقَ كُلُّهُ .\rفِي قَوْلِ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ ، وَابْنِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا .\rوَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ ، وَالْحَكَمُ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ .\rقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : عَامَّةُ الْعُلَمَاءِ بِالْحِجَازِ ، وَالْعِرَاقِ ، قَالُوا : يَعْتِقُ كُلُّهُ إذَا أُعْتِقَ نِصْفُهُ .\rوَقَالَ طَاوُسٌ : يَعْتِقُ فِي عِتْقِهِ ، وَيَرِقُّ فِي رِقِّهِ .\rوَقَالَ حَمَّادٌ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ : يَعْتِقُ مِنْهُ مَا أُعْتِقَ ، وَيَسْعَى فِي بَاقِيه .\rوَخَالَفَ أَبَا حَنِيفَةَ أَصْحَابُهُ ، فَلَمْ يَرَوْا عَلَيْهِ سِعَايَةً .\rوَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ ، فِي رَجُلٍ أَعْتَقَ نِصْفَ عَبْدٍ ، ثُمَّ غَفَلَ عَنْهُ حَتَّى مَاتَ ، فَقَالَ : أَرَى نِصْفَهُ حُرًّا ، وَنِصْفَهُ رَقِيقًا ، لِأَنَّهُ تَصَرَّفَ فِي بَعْضِهِ ، فَلَمْ يَسْرِ إلَى بَاقِيه ، كَالْبَيْعِ .\rوَلَنَا قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ ، فَكَانَ مَعَهُ مَا يَبْلُغُ قِيمَةَ الْعَبْدِ ، قُوِّمَ عَلَيْهِ قِيمَةُ الْعَدْلِ ، وَعَتَقَ عَلَيْهِ جَمِيعُ الْعَبْدِ } .\rوَإِذَا أُعْتِقَ عَلَيْهِ نَصِيبُ شَرِيكِهِ ، كَانَ بَيْنَهُمَا عَلَى عِتْقِ جَمِيعِهِ إذَا كَانَ كُلُّهُ مِلْكًا لَهُ .\rوَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ أَعْتَقَ شِقْصًا لَهُ فِي مَمْلُوكٍ ، فَهُوَ حُرٌّ مِنْ مَالِهِ } .\rوَلِأَنَّهُ إزَالَةُ مِلْكٍ لِبَعْضِ مَمْلُوكِهِ الْآدَمِيِّ ، فَزَالَ عَنْ جَمِيعِهِ ، كَالطَّلَاقِ ، وَيُفَارِقُ الْبَيْعَ ؛ فَإِنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى السِّعَايَةِ ، وَلَا يَنْبَنِي عَلَى التَّغْلِيبِ وَالسِّرَايَةِ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يُعْتِقَ جُزْءًا كَبِيرًا ، كَنِصْفِهِ وَثُلُثِهِ ، أَوْ صَغِيرًا ، كَعُشْرِهِ وَعُشْرِ عُشْرِهِ .\rوَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا بَيْنَ الْقَائِلِينَ بِسِرَايَةِ الْعِتْقِ إذَا كَانَ مُشَاعًا .\rوَإِنْ أَعْتَقَ جُزْءًا مُعَيَّنًا ، كَرَأْسِهِ ، أَوْ يَدِهِ أَوْ أُصْبُعِهِ ،","part":24,"page":26},{"id":11526,"text":"عَتَقَ كُلُّهُ أَيْضًا .\rوَبِهَذَا قَالَ قَتَادَةُ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ : إنْ أَعْتَقَ رَأْسَهُ ، أَوْ ظَهْرَهُ ، أَوْ بَطْنَهُ ، أَوْ جَسَدَهُ ، أَوْ نَفْسَهُ ، أَوْ فَرْجَهُ ، عَتَقَ كُلُّهُ ؛ لِأَنَّ حَيَاتَهُ لَا تَبْقَى بِدُونِ ذَلِكَ ، وَإِنْ أَعْتَقَ يَدَهُ ، أَوْ عُضْوًا تَبْقَى حَيَاتُهُ بِدُونِهِ ، لَمْ يَعْتِقْ ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ إزَالَةُ ذَلِكَ مَعَ بَقَائِهِ ، فَلَمْ يَعْتِقْ بِإِعْتَاقِهِ ، كَشَعْرِهِ ، أَوْ سِنِّهِ .\rوَلَنَا أَنَّهُ أَعْتَقَ عُضْوًا مِنْ أَعْضَائِهِ ، فَيَعْتِقُ جَمِيعُهُ ، كَرَأْسِهِ ، فَأَمَّا إذَا أَعْتَقَ شَعَرَهُ ، أَوْ سِنَّهُ ، أَوْ ظُفُرَهُ ، لَمْ يَعْتِقْ .\rوَقَالَ قَتَادَةُ ، وَاللَّيْثُ ، فِي الرَّجُلِ يُعْتِقُ ظُفُرَ عَبْدِهِ : يَعْتِقُ كُلُّهُ ؛ لِأَنَّهُ جُزْءٌ مِنْ أَجْزَائِهِ أَشْبَهَ أُصْبُعَهُ .\rوَلَنَا أَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ تَزُولُ ، وَيَخْرُجُ غَيْرُهَا ، فَأَشْبَهَتْ الشَّعْرَ ، وَالرِّيقَ ، وَقَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ فِي الطَّلَاقِ ، وَمَا ذَكَرَ فِي الطَّلَاقِ فَالْعَتَاقُ مِثْلُهُ .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":24,"page":27},{"id":11527,"text":"( 8589 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَإِذَا كَانَ الْعَبْدُ بَيْنَ شَرِيكَيْنِ ، فَادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّ شَرِيكَهُ أَعْتَقَ حَقَّهُ مِنْهُ ، فَإِنْ كَانَا مُعْسِرَيْنِ ، لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى شَرِيكِهِ ، فَإِنْ كَانَا عَدْلَيْنِ ، كَانَ لِلْعَبْدِ أَنْ يَحْلِفَ مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ، وَيَصِيرَ حُرًّا ، أَوْ يَحْلِفَ مَعَ أَحَدِهِمَا ، وَيَصِيرَ نِصْفُهُ حُرًّا ) أَمَّا إذَا كَانَ الشَّرِيكَانِ مُعْسِرَيْنِ ، فَلَيْسَ فِي دَعْوَى أَحَدِهِمَا عَلَى صَاحِبِهِ إعْتَاقُ نَصِيبِهِ اعْتِرَافٌ بِحُرِّيَّةِ نَصِيبِهِ ، وَلَا ادِّعَاءَ لِاسْتِحْقَاقِ قِيمَتِهِ عَلَى الْمُعْتِقِ ؛ لِكَوْنِ عِتْقِ الْمُعْسِرِ يَقِفُ عَلَى نَصِيبِهِ ، وَلَا يَسْرِي إلَى غَيْرِهِ ، فَلَمْ يَكُنْ فِي دَعْوَاهُ أَكْثَرُ مِنْ أَنَّهُ شَاهِدٌ عَلَى صَاحِبِهِ بِإِعْتَاقِ نَصِيبِهِ ، فَإِنْ لَمْ يَكُونَا عَدْلَيْنِ فَلَا أَثَرَ لِكَلَامِهِمَا فِي الْحَالِ ، وَلَا عِبْرَةَ بِقَوْلِهِمَا ؛ لِأَنَّ غَيْرَ الْعَدْلِ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ ، وَإِنْ كَانَا عَدْلَيْنِ ، فَشَهَادَتُهُمَا مَقْبُولَةٌ ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَا يَجُرُّ إلَى نَفْسِهِ بِشَهَادَتِهِ نَفْعًا ، وَلَا يَدْفَعُ بِهَا ضَرَرًا ، وَقَدْ حَصَلَ لِلْعَبْدِ بِحُرِّيَّةِ كُلِّ نِصْفٍ مِنْهُ شَاهِدُ عَدْلٍ ، فَإِنْ حَلَفَ مَعَهُمَا ، عَتَقَ كُلُّهُ ، وَإِنْ حَلَفَ مَعَ أَحَدِهِمَا صَارَ نِصْفُهُ حُرًّا .\rعَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي تَقُولُ : إنَّ الْعِتْقَ يَحْصُلُ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ .\rوَإِنْ لَمْ يَحْلِفْ مَعَ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ، لَمْ يَعْتِقْ مِنْهُ شَيْءٌ ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ لَا يَحْصُلُ بِشَاهِدٍ مِنْ غَيْرِ يَمِينٍ .\rبِلَا خِلَافٍ نَعْلَمُهُ .\rوَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا عَدْلًا دُونَ الْآخَرِ ، فَلَهُ أَنْ يَحْلِفَ مَعَ شَهَادَةِ الْعَدْلِ ، وَيَصِيرَ نِصْفُهُ حُرًّا ، وَيَبْقَى نِصْفُهُ الْآخَرُ رَقِيقًا .\r( 8590 ) فَصْلٌ : وَمَنْ قَالَ بِالِاسْتِسْعَاءِ ، فَقَدْ اعْتَرَفَ بِأَنَّ نَصِيبَهُ قَدْ خَرَجَ عَنْ يَدِهِ ، فَيَخْرُجُ الْعَبْدُ كُلُّهُ ، وَيُسْتَسْعَى فِي قِيمَتِهِ ؛ لِاعْتِرَافِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِذَلِكَ فِي نَصِيبِهِ .","part":24,"page":28},{"id":11528,"text":"( 8591 ) فَصْلٌ : وَإِنْ اشْتَرَى أَحَدُهُمَا نَصِيبَ صَاحِبِهِ ، عَتَقَ عَلَيْهِ ، وَلَمْ يَسِرْ إلَى النِّصْفِ الَّذِي كَانَ لَهُ ؛ لِأَنَّ عِتْقَهُ حَصَلَ بِاعْتِرَافِهِ بِحُرِّيَّتِهِ بِإِعْتَاقِ شَرِيكِهِ ، وَلَا يَثْبُتُ لَهُ عَلَيْهِ وَلَاءٌ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدَّعِي إعْتَاقَهُ ، بَلْ يَعْتَرِفُ بِأَنَّ الْمُعْتِقَ غَيْرُهُ ، وَإِنَّمَا هُوَ مُخَلِّصٌ لَهُ مِمَّنْ يَسْتَرِقُّهُ ظُلْمًا ، فَهُوَ كَمُخَلِّصِ الْأَسِيرِ مِنْ أَيْدِي الْكُفَّارِ .\rوَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : يَسْرِي ؛ لِأَنَّهُ شِرَاءٌ حَصَلَ بِهِ الْإِعْتَاقُ ، فَأَشْبَهَ شِرَاءَ بَعْضِ وَلَدِهِ .\rوَإِنْ أَكْذَبَ نَفْسَهُ فِي شَهَادَتِهِ عَلَى شَرِيكِهِ ، لِيَسْتَرِقَّ مَا اشْتَرَاهُ ، لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ ؛ لِأَنَّهُ رُجُوعٌ عَنْ الْإِقْرَارِ بِالْحُرِّيَّةِ ، فَلَمْ يُقْبَلْ ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِحُرِّيَّةِ عَبْدِهِ ، ثُمَّ أَكْذَبِ نَفْسَهُ .\rوَهَلْ يَثْبُتُ لَهُ الْوَلَاءُ عَلَيْهِ إنْ أَعْتَقَهُ ؟ يَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَثْبُتَ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يَثْبُتَ ؛ لِأَنَّنَا نَعْلَمُ أَنَّ عَلَى الْعَبْدِ وَلَاءً ، وَلَا يَدَّعِيه أَحَدٌ سِوَاهُ ، وَلَا يُنَازِعُهُ فِيهِ فَوَجَبَ أَنْ يَقْبَلَ قَوْلَهُ فِيهِ ، وَإِنْ اشْتَرَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نَصِيبَ صَاحِبِهِ صَارَ الْعَبْدُ كُلُّهُ حُرًّا لَا وَلَاءَ عَلَيْهِ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا ، فَإِنْ أَعْتَقَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا اشْتَرَاهُ ثُمَّ أَكْذَبَ نَفْسَهُ فِي شَهَادَتِهِ فَهَلْ يَثْبُتُ لَهُ الْوَلَاءُ عَلَى مَنْ أَعْتَقَهُ عَلَى وَجْهَيْنِ ، وَإِنْ أَقَرَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِأَنَّهُ كَانَ أَعْتَقَ نَصِيبَهُ وَصَدَّقَ الْآخَرَ فِي شَهَادَتِهِ بَطَلَ الْبَيْعَانِ يَثْبُتُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْوَلَاءُ عَلَى نِصْفِهِ لِأَنَّ أَحَدًا لَا يُنَازِعُهُ فِيهِ ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُصَدِّقُ الْآخَرَ فِي اسْتِحْقَاقِ الْوَلَاءِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَثْبُتَ الْوَلَاءُ لَهُمَا وَإِنْ لَمْ يُكَذِّبْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا نَفْسَهُ لِأَنَّنَا نَعْلَمُ أَنَّ الْوَلَاءَ عَلَيْهِ ثَابِتٌ لَهُمَا وَلَا يَخْرُجُ عَنْهُمَا ، وَأَنَّهُ بَيْنَهُمَا إمَّا بِالْعِتْقِ الْأَوَّلِ لَهُمَا وَإِمَّا بِالثَّانِي لِأَنَّهُمَا إنْ","part":24,"page":29},{"id":11529,"text":"كَانَا صَادِقَيْنِ فِي شَهَادَتِهِمَا فَقَدْ ثَبَتَ الْوَلَاءُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى النِّصْفِ الَّذِي أَعْتَقَهُ أَوَّلًا ، وَإِنْ كَانَا كَاذِبِينَ فَقَدْ أَعْتَقَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفَهُ بَعْدَ أَنْ اشْتَرَاهُ ، وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا صَادِقًا وَالْآخَرُ كَاذِبًا فَلَا وَلَاءَ لِلصَّادِقِ مِنْهُمَا لِأَنَّهُ لَمْ يُعْتِقْ النِّصْفَ الَّذِي كَانَ لَهُ أَوَّلًا وَلَا يَصِحُّ عِتْقُهُ فِي الَّذِي اشْتَرَاهُ ، لِأَنَّهُ كَانَ حُرًّا قَبْلَ شِرَائِهِ وَالْوَلَاءُ كُلُّهُ لِلْكَاذِبِ ، لِأَنَّهُ أَعْتَقَ النِّصْفَ الَّذِي كَانَ لَهُ ثُمَّ اشْتَرَى النِّصْفَ الَّذِي لِشَرِيكِهِ فَأَعْتَقَهُ ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُسَاوِي صَاحِبَهُ فِي الِاحْتِمَالِ فَيَقْسِمُ بَيْنَهُمَا .","part":24,"page":30},{"id":11530,"text":"( 8592 ) فَصْلٌ وَكُلُّ مَنْ شَهِدَ عَلَى سَيِّدِ عَبْدٍ بِعِتْقِ عَبْدِهِ ثُمَّ اشْتَرَاهُ عَتَقَ عَلَيْهِ ، وَإِنْ شَهِدَ اثْنَانِ عَلَيْهِ بِذَلِكَ فَرُدَّتْ شَهَادَتُهُمَا ثُمَّ اشْتَرَيَاهُ أَوْ أَحَدُهُمَا عَتَقَ ، وَبِهَذَا قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَابْنُ الْمُنْذِرِ ، وَهُوَ قِيَاسُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَلَا يَثْبُتُ لِلْمُشْتَرِي وَلَاءٌ عَلَى الْعَبْدِ لِأَنَّهُ لَا يَدَّعِيه وَلَا لِلْبَائِعِ لِأَنَّهُ يُنْكِرُ عِتْقَهُ ، وَلَوْ كَانَ الْعَبْدُ بَيْنَ شَرِيكَيْنِ فَادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّ شَرِيكَهُ أَعْتَقَ حَقَّهُ مِنْهُ وَكَانَا مُوسِرَيْنِ فَعَتَقَ عَلَيْهِمَا أَوْ كَانَا مُعْسِرَيْنِ عَدْلَيْنِ فَحَلَفَ الْعَبْدُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ وَعَتَقَ ، أَوْ شَهِدَ مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَدْلٌ آخَرُ وَعَتَقَ الْعَبْدُ أَوْ ادَّعَى عَبْدٌ أَنَّ سَيِّدَهُ أَعْتَقَهُ فَأَنْكَرَ وَقَامَتْ الْبَيِّنَةُ بِعِتْقِهِ عَتَقَ ، وَلَا وَلَاءَ عَلَى الْعَبْدِ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ كُلِّهَا لِأَنَّ أَحَدًا لَا يَدَّعِيه ، وَلَا يَثْبُتُ لِأَحَدٍ حَقٌّ يُنْكِرُهُ ، فَإِنْ عَادَ مَنْ ثَبَتَ إعْتَاقُهُ فَاعْتَرَفَ بِهِ ثَبَتَ لَهُ الْوَلَاءُ لِأَنَّهُ لَا مُسْتَحِقَّ لَهُ سِوَاهُ ، وَأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ لَهُ لِإِنْكَارِهِ لَهُ ، فَإِذَا اعْتَرَفَ زَالَ الْإِنْكَارُ وَثَبَتَ لَهُ ، وَأَمَّا الْمُوسِرَانِ إذَا أَعْتَقَ عَلَيْهِمَا فَإِنْ صَدَّقَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ فِي أَنَّهُ أَعْتَقَ نَصِيبَهُ وَحْدَهُ أَوْ أَنَّهُ سَبَقَ بِالْعِتْقِ فَالْوَلَاءُ لَهُ وَعَلَيْهِ غَرَامَةُ نَصِيبِ الْآخَرِ ، فَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَعْتَقَ نَصِيبَهُ دُفْعَةً وَاحِدَةً فَالْوَلَاءُ بَيْنَهُمَا ، وَإِنْ ادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّهُ الْمُعْتِقُ وَحْدَهُ أَوْ أَنَّهُ السَّابِقُ بِالْعِتْقِ تَحَالَفَا وَكَانَ الْوَلَاءُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ .","part":24,"page":31},{"id":11531,"text":"( 8593 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ وَإِنْ كَانَ الشَّرِيكَانِ مُوسِرَيْنِ فَقَدْ صَارَ الْعَبْدُ حُرًّا بِاعْتِرَافِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِحُرِّيَّتِهِ وَصَارَ مُدَّعِيًا عَلَى شَرِيكِهِ نِصْفَ قِيمَتِهِ ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ فَيَمِينُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِشَرِيكِهِ وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الشَّرِيكَيْنِ الْمُوسِرَيْنِ إذَا ادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّ شَرِيكَهُ أَعْتَقَ نَصِيبَهُ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُعْتَرِفٌ بِحُرِّيَّةِ نَصِيبِهِ شَاهِدٌ عَلَى شَرِيكِهِ بِحُرِّيَّةِ نِصْفِهِ الْآخَرِ لِأَنَّهُ يَقُولُ لِشَرِيكِهِ أَعْتَقَتْ نَصِيبَك فَسَرَى الْعِتْقُ إلَى نَصِيبِي فَعَتَقَ كُلُّهُ عَلَيْك وَلَزِمَك لِي قِيمَةُ نَصِيبِي ، فَصَارَ الْعَبْدُ حُرًّا لِاعْتِرَافِهِمَا بِحُرِّيَّتِهِ وَبَقِيَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَدَّعِي قِيمَةَ حِصَّتِهِ عَلَى شَرِيكِهِ ، فَإِنْ كَانَ لِأَحَدِهِمَا بَيِّنَةٌ حُكِمَ لَهُ بِهَا ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ حَلَفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ وَبَرِئَا ، فَإِنْ نَكَلَ أَحَدُهُمَا قُضِيَ عَلَيْهِ ، وَإِنْ نَكَلَا جَمِيعًا تَسَاقَطَ حَقَّاهُمَا لِتَمَاثُلِهِمَا ، وَلَا فَرْقَ فِي هَذِهِ الْحَالِ بَيْنَ الْعَدْلَيْنِ وَالْفَاسِقَيْنِ وَالْمُسْلِمَيْنِ وَالْكَافِرَيْنِ لِتَسَاوِي الْعَدْلِ وَالْفَاسِقِ وَالْمُسْلِمِ وَالْكَافِرِ فِي الِاعْتِرَافِ وَالدَّعْوَى بِخِلَافِ الَّتِي قَبْلَهَا ( 8594 ) فَصْلٌ وَإِنْ كَانَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ مُوسِرًا وَالْآخَرُ مُعْسِرًا عَتَقَ نَصِيبُ الْمُعْسِرِ وَحْدَهُ لِاعْتِرَافِهِ بِأَنَّ نَصِيبَهُ قَدْ صَارَ حُرًّا بِإِعْتَاقِ شَرِيكِهِ الْمُوسِرِ الَّذِي يَسْرِي عِتْقُهُ ، وَلَمْ يَعْتِقْ نَصِيبُ الْمُوسِرِ لِأَنَّهُ يَدَّعِي أَنَّ الْمُعْسِرَ الَّذِي لَا يَسْرِي عِتْقُهُ أَعْتَقَ نَصِيبَهُ خَاصَّةً فَعَتَقَ وَحْدَهُ ، وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْمُعْسِرِ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ يَجُرُّ بِشَهَادَتِهِ إلَى نَفْسِهِ نَفْعًا لِكَوْنِهِ يُوجِبُ عَلَيْهِ بِشَهَادَتِهِ نِصْفَ قِيمَتِهِ ، فَعَلَى هَذَا إنْ لَمْ تَكُنْ لِلْعَبْدِ بَيِّنَةٌ سِوَاهُ حَلَفَ الْمُوسِرُ وَبَرِئَ مِنْ الْقِيمَةِ وَالْعِتْقِ جَمِيعًا ، وَلَا وَلَاءَ لِلْمُعْسِرِ فِي نَصِيبِهِ لِأَنَّهُ لَا يَدَّعِيه","part":24,"page":32},{"id":11532,"text":"وَلَا لِلْمُوسِرِ لِذَلِكَ أَيْضًا ، وَإِنْ عَادَ الْمُعْسِرُ فَأَعْتَقَهُ وَادَّعَاهُ ثَبَتَ لَهُ ، وَإِنْ أَقَرَّ الْمُوسِرُ بِإِعْتَاقِ نَصِيبِهِ وَصَدَّقَ الْمُعْسِرُ عَتَقَ نَصِيبُهُ أَيْضًا وَعَلَيْهِ غَرَامَةُ نَصِيبِ الْمُعْسِرِ وَثَبَتَ لَهُ الْوَلَاءُ ، وَإِنْ كَانَ لِلْعَبْدِ بَيِّنَةٌ أَجْنَبِيَّةٌ تَشْهَدُ بِإِعْتَاقِ الْمُوسِرِ وَكَانَتْ عَدْلَيْنِ ثَبَتَ الْعِتْقُ وَوَجَبَتْ الْقِيمَةُ لِلْمُعْسِرِ عَلَيْهِ ، وَإِنْ كَانَتْ رَجُلًا وَاحِدًا حَلَفَ الْعَبْدُ مَعَهُ يَثْبُتُ الْعِتْقُ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ وَالْأُخْرَى لَا يَثْبُتُ الْعِتْقُ ، وَلِلْمُعْسِرِ أَنْ يَحْلِفَ مَعَهُ وَيَسْتَحِقَّ قِيمَةَ نَصِيبِهِ سَوَاءٌ حَلَفَ الْعَبْدُ أَوْ لَمْ يَحْلِفْ لِأَنَّ الَّذِي يَدَّعِيه مَالٌ يُقْبَلُ فِيهِ شَاهِدٌ وَيَمِينٌ .","part":24,"page":33},{"id":11533,"text":"فَصْلٌ وَإِنْ ادَّعَى أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ أَنَّ شَرِيكَهُ أَعْتَقَ نَصِيبَهُ وَأَنْكَرَ الْآخَرُ وَكَانَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مُوسِرًا عَتَقَ نَصِيبُ الْمُدَّعِي وَحْدَهُ لِاعْتِرَافِهِ بِحُرِّيَّتِهِ بِسِرَايَةِ عِتْقِ شَرِيكِهِ وَصَارَ مُدَّعِيًا نِصْفَ الْقِيمَةِ عَلَى شَرِيكِهِ وَلَا يَسْرِي لِأَنَّهُ لَا يَعْتَرِفُ أَنَّهُ الْمُعْتِقُ لَهُ .\rوَإِنَّمَا أَعْتَقَ بِاعْتِرَافِهِ بِحُرِّيَّتِهِ لَا بِإِعْتَاقِهِ لَهُ وَلَا وَلَاءَ لَهُ عَلَيْهِ لِإِنْكَارِهِ لَهُ .\rقَالَ الْقَاضِي وَوَلَاؤُهُ مَوْقُوفٌ ، وَإِنْ كَانَ الْمُدَّعِي عَدْلًا لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ لِأَنَّهُ يَدَّعِي نِصْفَ قِيمَتِهِ عَلَى شَرِيكِهِ فَيَجُرُّ بِشَهَادَتِهِ نَفْعًا ، وَمَنْ شَهِدَ بِشَهَادَةٍ يَجُرُّ إلَيْهِ بِهَا نَفْعًا بَطَلَتْ شَهَادَتُهُ كُلُّهَا ، وَأَمَّا إنْ كَانَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مُعْسِرًا فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ وَلَا يَعْتِقُ مِنْهُ شَيْءٌ ، وَإِنْ كَانَ الْمُدَّعِي عَدْلًا حَلَفَ الْعَبْدُ مَعَ شَهَادَتِهِ وَصَارَ نِصْفُهُ حُرًّا .\rوَقَالَ حَمَّادٌ إنْ كَانَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ مُوسِرًا سَعَى لَهُ ، وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا سَعَى لَهُمَا .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إنْ كَانَ مُعْسِرًا سَعَى الْعَبْدُ وَوَلَاؤُهُ بَيْنَهُمَا ، وَإِنْ كَانَ مُوسِرًا فَوَلَاءُ نِصْفِهِ مَوْقُوفٌ ، فَإِنْ اعْتَرَفَ أَنَّهُ أَعْتَقَ اسْتَحَقَّ الْوَلَاءَ وَإِلَّا كَانَ الْوَلَاءُ لِبَيْتِ الْمَالِ .","part":24,"page":34},{"id":11534,"text":"( 8596 ) فَصْلٌ إذَا قَالَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ إنْ كَانَ هَذَا الطَّائِرُ غُرَابًا فَنَصِيبِي حُرٌّ ، وَقَالَ الْآخَرُ إنْ لَمْ يَكُنْ غُرَابًا فَنَصِيبِي حُرٌّ ، وَطَارَ وَلَمْ يَعْلَمَا ، فَإِنْ كَانَا مُوسِرَيْنِ عَتَقَ الْعَبْدُ كُلُّهُ ، وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا مُوسِرًا وَالْآخَرُ مُعْسِرًا عَتَقَ نَصِيبُ الْمُعْسِرِ وَحْدَهُ لِمَا ذَكَرْنَا ، وَإِنْ كَانَا مُعْسِرَيْنِ لَمْ يَعْتِقْ نَصِيبُ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَيَّنْ الْحِنْثُ فِيهِ ، فَإِنْ اشْتَرَى أَحَدُهُمَا نَصِيبَ الْآخَرِ عَتَقَ نِصْفُهُ لِأَنَّنَا عَلِمْنَا حُرِّيَّةَ نِصْفِهِ وَلَمْ يَسْرِ إلَى النِّصْفِ الْآخَرِ ، وَإِنْ اشْتَرَى الْعَبْدَ أَجْنَبِيٌّ عَتَقَ نِصْفُهُ لِأَنَّ نِصْفَهُ حُرٌّ يَقِينًا فَلَمْ يَمْلِكْ جَمِيعَهُ .","part":24,"page":35},{"id":11535,"text":"( 8597 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ وَإِذَا مَاتَ رَجُلٌ وَخَلَّفَ ابْنَيْنِ وَعَبْدَيْنِ لَا يَمْلِكُ غَيْرَهُمَا وَهُمَا مُتَسَاوِيَانِ فِي الْقِيمَةِ فَقَالَ أَحَدُ الِابْنَيْنِ أَبِي أَعْتَقَ هَذَا وَقَالَ الْآخِرُ أَبِي أَعْتَقَ أَحَدَهُمَا لَا أَدْرِي مَنْ مِنْهُمَا أَقْرَعَ بَيْنَهُمَا فَإِنْ وَقَعَتْ الْقُرْعَةُ عَلَى الَّذِي اعْتَرَفَ الِابْنُ بِعِتْقِهِ عَتَقَ ثُلُثَاهُ إنْ لَمْ يُجِزْ الِابْنَانِ عِتْقَهُ كَامِلًا وَكَانَ الْآخَرُ عَبْدًا ، وَإِنْ وَقَعَتْ الْقُرْعَةُ عَلَى الْآخَرِ عَتَقَ مِنْهُ ثُلُثُهُ وَكَانَ لِمَنْ قَرَعْنَا بِقَوْلِهِ فِيهِ سُدُسُهُ وَنِصْفُ الْعَبْدِ الْآخَرِ وَلِأَخِيهِ نِصْفُهُ وَسُدُسُ الْعَبْدِ الَّذِي اعْتَرَفَ أَنَّ أَبَاهُ أَعْتَقَهُ فَصَارَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْعَبْدَيْنِ حُرًّا هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مَحْمُولَةٌ عَلَى أَنَّ الْعِتْقَ كَانَ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ أَوْ بِالْوَصِيَّةِ لِأَنَّهُ لَوْ أَعْتَقَهُ فِي صِحَّتِهِ لَعَتَقَ كُلُّهُ ، وَلَمْ يَقِفْ عَلَى إجَازَةِ الْوَرَثَةِ ، فَأَمَّا إذَا اعْتَرَفَا أَنَّهُ أَعْتَقَ أَحَدَهُمَا فِي مَرَضِهِ فَلَا يَخْلُو مِنْ أَرْبَعَةِ أَحْوَالٍ ، إمَّا أَنْ يُعَيِّنَا الْعِتْقَ فِي أَحَدِهِمَا فَيَعْتِقَ مِنْهُ ثُلُثَاهُ لِأَنَّ ذَلِكَ ثُلُثُ جَمِيعِ مَالِهِ إلَّا أَنْ يُجِيزَا عِتْقَ جَمِيعِهِ فَيَعْتِقَ وَالثَّانِي أَنْ يُعَيِّنَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْعِتْقَ فِي وَاحِدٍ غَيْرِ الَّذِي عَيَّنَهُ أَخُوهُ فَيَعْتِقَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ثُلُثُهُ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَقُّهُ نِصْفُ الْعَبْدَيْنِ فَيُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي عِتْقِ حَقِّهِ مِنْ الَّذِي عَيَّنَهُ وَهُوَ ثُلُثَا النِّصْفِ الَّذِي لَهُ ، وَذَلِكَ هُوَ الثُّلُثُ ، وَلِأَنَّهُ يَعْتَرِفُ بِحُرِّيَّةِ ثُلُثَيْهِ فَيُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي حَقِّهِ مِنْهُمَا وَهُوَ الثُّلُثُ ، وَيَبْقَى الرِّقُّ فِي ثُلُثِهِ ، فَلَهُ نِصْفُهُ وَهُوَ السُّدُسُ وَنِصْفُ الْعَبْدِ الَّذِي يُنْكِرُ عِتْقَهُ وَالْحَالُ الثَّالِثُ أَنْ يَقُولَ أَحَدُهُمَا أَبِي أَعْتَقَ هَذَا ، يَقُولُ الْآخَرُ أَبِي أَعْتَقَ أَحَدَهُمَا لَا أَدْرِي مَنْ مِنْهُمَا وَهِيَ مَسْأَلَةُ الْكِتَابِ فَتَقُمْ الْقُرْعَةُ مَقَامَ تَعْيِينِ الَّذِي لَمْ يُعَيِّنْ ،","part":24,"page":36},{"id":11536,"text":"فَإِنْ وَقَعَتْ عَلَى الَّذِي عَيَّنَهُ أَخُوهُ عَتَقَ مِنْهُ ثُلُثَاهُ كَمَا لَوْ عَيَّنَاهُ بِقَوْلِهِمَا ، وَإِنْ وَقَعَتْ عَلَى الْآخَرِ كَانَ كَمَا لَوْ عَيَّنَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَبْدًا يَكُونُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا سُدُسُ الْعَبْدِ الَّذِي عَيَّنَهُ وَنِصْفُ الْعَبْدِ الَّذِي يُنْكِرُ عِتْقَهُ فَيَصِيرُ ثُلُثُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْعَبْدَيْنِ حُرًّا ، وَالْحَالُ الرَّابِعُ أَنْ يَقُولَا أَعْتَقَ أَحَدَهُمَا وَلَا نَدْرِي مَنْ مِنْهُمَا فَإِنَّهُ يَقْرَعُ بَيْنَ الْعَبْدَيْنِ فَمَنْ وَقَعَتْ عَلَيْهِ الْقُرْعَةُ عَتَقَ مِنْهُ ثُلُثَاهُ إنْ لَمْ يُجِيزَا عِتْقَ جَمِيعِهِ وَكَانَ الْآخَرُ رَقِيقًا .\r( 8598 ) فَصْلٌ فَإِنْ رَجَعَ الِابْنُ الَّذِي جَهِلَ عَيْنَ الْمُعْتَقِ فَقَالَ قَدْ عَرَفْته قَبْلَ الْقُرْعَةِ فَهُوَ كَمَا لَوْ عَيَّنَهُ ابْتِدَاءً مِنْ غَيْرِ جَهْلٍ ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الْقُرْعَةِ فَوَافَقَهَا تَعْيِينُهُ لَمْ يَتَغَيَّرْ الْحُكْمِ ، وَإِنْ خَالَفَهَا عَتَقَ مِنْ الَّذِي عَيَّنَهُ ثُلُثُهُ بِتَعْيِينِهِ ، فَإِنْ عَيَّنَ الَّذِي عَيَّنَهُ أَخُوهُ عَتَقَ ثُلُثَاهُ ، وَإِنْ عَيَّنَ الَّذِي عَتَقَ مِنْهُ ثُلُثُهُ ، وَهَلْ يَبْطُلُ الْعِتْقُ فِي الَّذِي عَتَقَ بِالْقُرْعَةِ عَلَى وَجْهَيْنِ .","part":24,"page":37},{"id":11537,"text":"( 8599 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ وَإِذَا كَانَ لِرَجُلٍ نِصْفُ عَبْدٍ وَلِآخَرَ ثُلُثُهُ وَلِآخَرَ سُدُسُهُ فَأَعْتَقَ صَاحِبُ النِّصْفِ وَصَاحِبُ السُّدُسِ مَعًا وَهُمَا مُوسِرَانِ عَتَقَ عَلَيْهِمَا وَضَمِنَا حَقَّ شَرِيكِهِمَا فِيهِ نِصْفَيْنِ وَكَانَ وَلَاؤُهُ بَيْنَهُمَا أَثْلَاثًا لِصَاحِبِ النِّصْفِ ثُلُثَاهُ وَلِصَاحِبِ السُّدُسِ ثُلُثُهُ وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْعَبْدَ إذَا كَانَ مُشْتَرَكًا بَيْنَ جَمَاعَةٍ فَأَعْتَقَ اثْنَانِ مِنْهُمْ أَوْ أَكْثَرُ وَهُمْ مُوسِرُونَ سَرَى عِتْقُهُمْ إلَى بَاقِي الْعَبْدِ وَيَكُونُ الضَّمَانُ بَيْنَهُمْ عَلَى عَدَدِ رُءُوسِهِمْ يَتَسَاوُونَ فِي ضَمَانِهِ وَوَلَائِهِ ، وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَقْسِمَ بَيْنَهُمَا عَلَى قَدْرِ أَمْلَاكِهِمْ ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ لِأَنَّ السِّرَايَةَ حَصَلَتْ بِإِعْتَاقِ مِلْكَيْهِمَا ، وَمَا وَجَبَ بِسَبَبِ الْمِلْكِ كَانَ عَلَى قَدْرِهِ كَالنَّفَقَةِ وَاسْتِحْقَاقِ الشُّفْعَةِ وَلَنَا أَنَّ عِتْقَ النَّصِيبِ إتْلَافٌ لِرِقِّ الْبَاقِي وَقَدْ اشْتَرَكَا فِيهِ فَيَتَسَاوَيَانِ فِي الضَّمَانِ كَمَا لَوْ جُرِحَ أَحَدُهُمَا جُرْحًا وَالْآخَرُ جُرْحَيْنِ فَمَاتَ مِنْهُمَا أَوْ أَلْقَى أَحَدُهُمَا جُزْءًا مِنْ النَّجَاسَةِ فِي مَائِعٍ وَأَلْقَى الْآخَرُ جُزْأَيْنِ ، يُفَارِقُ الشُّفْعَةَ فَإِنَّهَا تَثْبُتُ لِإِزَالَةِ الضَّرَرِ عَنْ نَصِيبِ الَّذِي لَمْ يَبِعْ فَكَانَ اسْتِحْقَاقُهُ عَلَى قَدْرِ نَصِيبِهِ ، وَلِأَنَّ الضَّمَانَ هَاهُنَا لِدَفْعِ الضَّرَرِ مِنْهُمَا وَفِي الشُّفْعَةِ لِدَفْعِ الضَّرَرِ عَنْهُمَا وَالضَّرَرُ مِنْهُمَا يَسْتَوِيَانِ فِي إدْخَالِهِ عَلَى الشَّرِيكِ وَفِي الشُّفْعَةِ ضَرَرُ صَاحِبِ النِّصْفِ أَعْظَمُ مِنْ ضَرَرِ صَاحِبِ السُّدُسِ فَاخْتَلَفَا وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا كَانَ وَلَاؤُهُ بَيْنَهُمَا أَثْلَاثًا لِأَنَّنَا إذَا حَكَمْنَا بِأَنَّ الثُّلُثَ مُعْتَقٌ عَلَيْهِمَا نِصْفَيْنِ فَنِصْفُ الثُّلُثِ سُدُسٌ إذَا ضَمَمْنَاهُ إلَى النِّصْفِ الَّذِي لِأَحَدِهِمَا صَارَ ثُلُثَيْنِ ، وَإِذَا ضَمَمْنَا السُّدُسَ الْآخَرَ إلَى سُدُسِ الْمُعْتَقِ صَارَ ثُلُثًا .\rوَعَلَى الْوَجْهِ الْآخَرِ يَصِيرُ الْوَلَاءُ بَيْنَهُمَا","part":24,"page":38},{"id":11538,"text":"أَرْبَاعًا لِصَاحِبِ النِّصْفِ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهِ ، وَلِصَاحِبِ السُّدُسِ رُبْعُهُ ، وَالضَّمَانُ بَيْنَهُمَا كَذَلِكَ فَأَمَّا قَوْلُهُ فَأَعْتَقَاهُ مَعًا فَلِأَنَّهُ شَرْطٌ فِي الْحُكْمِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ اجْتِمَاعُهُمَا فِي الْعِتْقِ بِحَيْثُ لَا يَسْبِقُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ بِأَنْ يَتَلَفَّظَا بِهِ مَعًا أَوْ يُوَكِّلَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ فَيُعْتِقَهُمَا مَعًا أَوْ يُوَكِّلَ وَكِيلَهُ فَيُعْتِقَهُمَا أَوْ يُعَلِّقَا عِتْقَهُ عَلَى شَرْطٍ فَيُوجَدُ ، فَإِنْ سَبَقَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ عَتَقَ عَلَيْهِ نَصِيبُ شَرِيكَيْهِ جَمِيعًا وَكَانَ الضَّمَانُ عَلَيْهِ وَالْوَلَاءُ لَهُ كُلُّهُ ، وَقَوْلُهُ وَهُمَا مُوسِرَانِ شَرْطٌ آخَرُ ، فَإِنَّ سِرَايَةَ الْعِتْقِ يُشْتَرَطُ لَهَا الْيَسَارُ ، فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا مُوسِرًا وَحْدَهُ قُوِّمَ عَلَيْهِ جَمِيعُ نَصِيبِ مَنْ لَمْ يُعْتِقْ لِأَنَّ الْمُعْسِرَ لَا يَسْرِي عِتْقُهُ فَيَكُونُ الضَّمَانُ عَلَى الْمُوسِرِ خَاصَّةً ، فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا يَجِدْ بَعْضَ مَا يَخُصُّهُ قُوِّمَ عَلَيْهِ ذَلِكَ الْقَدْرُ وَبَاقِيه عَلَى الْآخَرِ ، مِثْلُ أَنْ يَجِدَ صَاحِبُ السُّدُسِ قِيمَةَ نِصْفِ السُّدُسِ فَيُقَوَّمُ عَلَيْهِ وَيُقَوَّمُ الرُّبْعُ عَلَى صَاحِبِ النِّصْفِ وَيَصِحُّ وَلَاؤُهُ بَيْنَهُمَا أَرْبَاعًا لِصَاحِبِ السُّدُسِ رُبْعُهُ وَبَاقِيه لِمُعْتِقِ النِّصْفِ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا مُعْسِرًا قُوِّمَ الْجَمِيعُ عَلَى الْآخَرِ ، فَإِذَا كَانَ مُوسِرًا بِبَعْضِهِ قُوِّمَ الْبَاقِي عَلَى صَاحِبِ النِّصْفِ لِأَنَّهُ مُوسِرٌ .","part":24,"page":39},{"id":11539,"text":"( 8600 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ وَإِذَا كَانَتْ الْأَمَةُ بَيْنَ شَرِيكَيْنِ فَأَصَابَهَا أَحَدُهُمَا وَأَحْبَلَهَا أُدِّبَ وَلَمْ يَبْلُغْ بِهِ الْحَدُّ ، وَضَمِنَ نِصْفَ قِيمَتِهَا لِشَرِيكِهِ وَصَارَتْ أُمَّ وَلَدِ لَهُ وَوَلَدُهُ حُرٌّ ، وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا كَانَ فِي ذِمَّتِهِ نِصْفُ مَهْرِ مِثْلِهَا ، وَإِنْ لَمْ تَحْبَلْ مِنْهُ فَعَلَيْهِ نِصْفُ مَهْرِ مِثْلِهَا وَهِيَ عَلَى مِلْكَيْهِمَا لَا نَعْلَمُ خِلَافًا بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي تَحْرِيمِ وَطْءِ الْجَارِيَةِ الْمُشْتَرَكَةِ لِأَنَّ الْوَطْءَ يُصَادِفُ مِلْكَ غَيْرِهِ مِنْ غَيْرِ نِكَاحٍ وَلَمْ يَحِلَّهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي غَيْرِ مِلْكٍ وَلَا نِكَاحٍ بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى { وَاَلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنْ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمْ الْعَادُونَ } وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ لَا يُوجِبُونَ فِيهِ حَدًّا لِأَنَّ لَهُ فِيهَا مِلْكًا فَكَانَ ذَلِكَ شُبْهَةً دَارِئَةً لِلْحَدِّ ، وَأُوجِبْهُ أَبُو ثَوْرٍ لِأَنَّهُ وَطْءٌ مُحَرَّمٌ لِأَجْلِ كَوْنِهِ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ فَأَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا مِلْكٌ وَلَنَا أَنَّهُ وَطْءٌ صَادَفَ مِلْكَهُ فَلَمْ يُوجَبْ بِهِ حَدٌّ كَوَطْءِ زَوْجَتِهِ الْحَائِضِ ، وَيُفَارِقُ مَا لَا مِلْكَ لَهُ فِيهَا فَإِنَّهُ لَا شُبْهَةَ لَهُ فِيهَا ، وَلِهَذَا لَوْ سَرَقَ عَيْنًا لَهُ نِصْفُهَا لَمْ يُقْطَعْ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِيهَا مِلْكٌ قُطِعَ ، وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ يُعَزَّرُ لِمَا ذَكَرْنَاهُ فِي حُجَّةِ أَبِي ثَوْرٍ ، مَنْ لَا يَخْلُو مِنْ حَالَيْنِ إمَّا أَنْ لَا تَحْمِلَ مِنْهُ فَهِيَ بَاقِيَةٌ عَلَى مِلْكِهِمَا وَعَلَيْهِ نِصْفُ مَهْرِ مِثْلِهَا لِأَنَّهُ وَطْءٌ سَقَطَ فِيهِ الْحَدُّ لِلشُّبْهَةِ فَأَوْجَبَ مَهْرَ الْمِثْلِ كَمَا لَوْ وَطِئَهَا يَظُنُّهَا امْرَأَتَهُ وَسَوَاءٌ كَانَتْ مُطَاوِعَةَ أَوْ مُكْرَهَةٍ لِمَا ذَكَرْنَا ، وَلِأَنَّ وَطْءَ جَارِيَةِ غَيْرِهِ يُوجِبُ الْمَهْرَ وَإِنَّ طَاوَعَتْ لِأَنَّ الْمَهْرَ لِسَيِّدِهَا فَلَا يَسْقُطُ بِمُطَاوَعَتِهَا كَمَا لَوْ أُدِّبَتْ فِي قَطْعِ عُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهَا ، وَيَكُونُ","part":24,"page":40},{"id":11540,"text":"الْوَاجِبُ نِصْفَ الْمَهْرِ بِقَدْرِ مِلْكِ الشَّرِيكِ فِيهَا .\rالْحَالُ الثَّانِي أَنْ يُحْبِلَهَا وَتَضَعَ مَا يَتَبَيَّنُ فِيهِ بَعْضُ خَلْقِ الْإِنْسَانِ فَإِنَّهَا تَصِيرُ بِذَلِكَ أُمَّ وَلَدٍ لِلْوَاطِئِ كَمَا لَوْ كَانَتْ خَالِصَةً لَهُ وَتَخْرُجُ بِذَلِكَ مِنْ مِلْكِ الشَّرِيكِ كَمَا تَخْرُجُ بِالْإِعْتَاقِ ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْوَاطِئُ مُوسِرًا أَوْ مُعْسِرًا لِأَنَّ الْإِيلَادَ أَقْوَى مِنْ الْإِعْتَاقِ وَيَلْزَمُهُ نِصْفُ قِيمَتِهَا لِأَنَّهُ أَخْرَجَ نِصْفَهَا مِنْ مِلْكِ الشَّرِيكِ فَلَزِمَتْهُ قِيمَتُهُ كَمَا لَوْ أَخْرَجَهُ بِالْإِعْتَاقِ أَوْ الْإِتْلَافِ .\rفَإِنْ كَانَ مُوسِرًا أَدَّاهُ وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا فَهُوَ فِي ذِمَّتِهِ كَمَا لَوْ أَتْلَفَهَا وَالْوَلَدُ حُرٌّ يَلْحَقُ نَسَبُهُ بِوَالِدِهِ لِأَنَّهُ مِنْ وَطْءٍ فِي مَحَلٍّ لَهُ فِيهِ مِلْكٌ فَأَشْبَهَ مَا لَوْ وَطِئَ زَوْجَتَهُ .\rوَقَالَ الْقَاضِي الصَّحِيحُ عِنْدِي أَنَّهُ لَا يُقَوَّمُ عَلَيْهِ نَصِيبُ شَرِيكِهِ إذَا كَانَ مُعْسِرًا بَلْ يَصِحُّ نِصْفُهَا أُمَّ وَلَدٍ وَنِصْفُهَا قِنًّا بَاقِيًا فِي مِلْكِ الشَّرِيكِ لِأَنَّ الْإِحْبَالَ كَالْعِتْقِ وَيَجْرِي مَجْرَاهُ فِي التَّقْوِيمِ وَالسِّرَايَةِ ، فَأَعْتَقَتْ فِي سِرَايَتِهِ الْيَسَارَ كَالْعِتْقِ ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي الْخَطَّابِ أَيْضًا ، وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فَعَلَى هَذَا إذَا وَلَدَتْ احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ الْوَلَدُ كُلُّهُ حُرًّا لِاسْتِحَالَةِ انْعِقَادِ الْوَلَدِ مِنْ حُرٍّ وَعَبْدٍ ، وَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ نِصْفُهُ حُرًّا وَنِصْفُهُ رَقِيقًا لِأَنَّ نِصْفَ أُمِّهِ أُمُّ وَلَدٍ وَنِصْفُهَا قِنٌّ لِغَيْرِ الْوَاطِئِ فَكَانَ نِصْفُ الْوَلَدِ حُرًّا وَنِصْفُهُ رَقِيقًا كَوَلَدِ الْمُعْتَقِ بَعْضُهَا ، وَبِهَذَا يَتَبَيَّنْ أَنَّهُ لَمْ يَسْتَحِلَّ انْعِقَادَ الْوَلَدِ مِنْ حُرِّ وَقِنٍّ ، وَوَجْهُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ أَنَّ بَعْضَهَا أُمُّ وَلَدٍ فَكَانَ جَمِيعُهَا أُمَّ وَلَدٍ كَمَا لَوْ كَانَ الْوَاطِئُ مُوسِرًا ، وَيُفَارِقُ الْعَتَاقَ فَإِنَّ الِاسْتِيلَادَ أَقْوَى وَلِهَذَا يَنْفُذُ مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ مِنْ الْمَرِيضِ وَمِنْ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ ، وَالْإِعْتَاقُ بِخِلَافِهِ .\r( 8601 ) فَصْلٌ : قَالَ أَبُو","part":24,"page":41},{"id":11541,"text":"الْخَطَّابِ : وَهَلْ تَلْزَمُهُ قِيمَةُ الْوَلَدِ وَمَهْرُ الْأَمَةِ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، لَا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ .\rوَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْهُمَا ، لِأَنَّ الْأَمَةَ صَارَتْ مَمْلُوكَةً لَهُ ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ مَهْرُ مَمْلُوكَتِهِ ، وَلَا قِيمَةُ وَلَدِهَا ؛ وَلِأَنَّ الْوَلَدَ خُلِقَ حُرًّا ، فَلَمْ يُقَوَّمْ عَلَيْهِ وَلَدُهُ الْحُرُّ .\rوَالْوَجْهُ الثَّانِي ، يَلْزَمُهُ لِشَرِيكِهِ نِصْفُ مَهْرِ مِثْلِهَا ، وَنِصْفُ قِيمَةِ وَلَدِهَا ؛ لِأَنَّ الْوَطْءَ صَادَفَ مِلْكَ غَيْرِهِ ، وَإِنَّمَا انْتَقَلَتْ بِالْوَطْءِ الْمُوجِبِ لِلْمَهْرِ ، فَيَكُونُ الْوَطْءُ سَبَبَ الْمِلْكِ ، وَلَا يَثْبُتُ الْحُكْمُ إلَّا بَعْدَ تَمَامِ سَبَبِهِ ، فَيَلْزَمُ حِينَئِذٍ تَقَدُّمُ الْوَطْءِ عَلَى مِلْكِهِ ، فَيَكُونُ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ ، فَيُوجِبُ مَهْرَ الْمِثْلِ وَفِعْلُهُ ذَلِكَ مَنَعَ انْخِلَاقَ الْوَلَدِ عَلَى مِلْكِ الشَّرِيكِ ، فَيَجِبُ عَلَيْهِ نِصْفُ قِيمَتِهِ ، كَوَلَدِ الْمَغْرُورِ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : إنْ وَضَعَتْ الْوَلَدَ بَعْدَ التَّقْوِيمِ ، فَلَا شَيْءَ عَلَى الْوَاطِئِ ؛ لِأَنَّهَا وَضَعَتْهُ فِي مِلْكِهِ وَقْتَ الْوُجُوبِ حَالَةَ الْوَضْعِ ، وَلَا حَقَّ لِلشَّرِيكِ فِيهَا وَلَا فِي وَلَدِهَا ، وَإِنْ وَضَعَتْهُ قَبْلَ التَّقْوِيمِ ، فَهَلْ تَلْزَمُهُ قِيمَةُ نِصْفِهِ ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ ، ذَكَرَهُمَا أَبُو بَكْرٍ ، وَاخْتَارَ أَنَّهُ تَلْزَمُهُ قِيمَتُهُ .\r( 8602 ) فَصْلٌ : وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ لَهُ فِي الْأَمَةِ مِلْكٌ كَثِيرٌ أَوْ يَسِيرٌ ، وَقَدْ ذَكَرَ الْخِرَقِيِّ ، فِيمَا إذَا وَطِئَ جَارِيَةً مِنْ الْمَغْنَمِ ، أَنَّهَا تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ إذَا أَحْبَلَهَا ، وَإِنْ كَانَ إنَّمَا لَهُ فِيهَا سَهْمٌ يَسِيرٌ مِنْ أَكْثَرَ مِنْ أَلْفِ سَهْمٍ .","part":24,"page":42},{"id":11542,"text":"( 8603 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ ( وَإِنْ مَلَكَ سَهْمًا مِمَّنْ يَعْتِقُ عَلَيْهِ بِغَيْرِ الْمِيرَاثِ ، وَهُوَ مُوسِرٌ ، عَتَقَ عَلَيْهِ كُلُّهُ ، وَكَانَ لِشَرِيكِهِ عَلَيْهِ قِيمَةُ حَقِّهِ مِنْهُ ، وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا ، لَمْ يَعْتِقْ عَلَيْهِ إلَّا مِقْدَارُ مَا مَلَكَ ، وَإِنْ مَلَكَ بَعْضَهُ بِالْمِيرَاثِ ، لَمْ يَعْتِقْ مِنْهُ إلَّا مِقْدَارُ مَا مَلَكَ ، مُوسِرًا كَانَ أَوْ مُعْسِرًا ) قَدْ ذَكَرْنَا فِيمَا تَقَدَّمَ أَنَّ مَنْ مَلَكَ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ ، فَهُوَ حُرٌّ ؛ لِمَا رَوَى سَمُرَةُ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { مَنْ مَلَكَ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ ، فَهُوَ حُرٌّ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَالتِّرْمِذِيُّ .\rوَرَوَى ضَمْرَةُ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ مَلَكَ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ ، فَهُوَ حُرٌّ } .\rوَسُئِلَ أَحْمَدُ عَنْ ضَمْرَةَ ، فَقَالَ : ثِقَةٌ ، إلَّا أَنَّهُ رَوَى حَدِيثَيْنِ لَيْسَ لَهُمَا أَصْلٌ ؛ أَحَدُهُمَا ، هَذَا الْحَدِيثُ .\rوَرُوِيَ عَنْ إبْرَاهِيمَ ، عَنْ الْأَسْوَدِ ، عَنْ عُمَرَ ، أَنَّهُ قَالَ : { مَنْ مَلَكَ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ ، فَهُوَ حُرٌّ } .\rوَقَدْ ذَكَرْنَا هَذَا وَمَا فِيهِ مِنْ الْخِلَافِ فِيمَا تَقَدَّمَ .\rفَأَمَّا إنْ مَلَكَ سَهْمًا مِمَّنْ يَعْتِقُ عَلَيْهِ ، مِثْلُ أَنْ يَمْلِكَ سَهْمًا مِنْ وَلَدِهِ ، فَإِنَّهُ يَعْتِقُ عَلَيْهِ مَا مَلَكَ مِنْهُ ، سَوَاءٌ مَلَكَهُ بِعِوَضٍ ، أَوْ بِغَيْرِ عِوَضٍ ، كَالْهِبَةِ وَالِاغْتِنَامِ وَالْوَصِيَّةِ ، وَسَوَاءٌ ، مَلَكَهُ بِاخْتِيَارِهِ ، كَاَلَّذِي ذَكَرْنَاهُ ، أَوْ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ ، كَالْمِيرَاثِ ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَا يَعْتِقُ بِهِ الْكُلُّ يَعْتِقُ بِهِ الْبَعْضُ ، كَالْإِعْتَاقِ بِالْقَوْلِ ، ثُمَّ يُنْظَرُ ؛ فَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا ، لَمْ يَسْرِ الْعِتْقُ ، وَاسْتَقَرَّ فِي ذَلِكَ الْجُزْءِ ، وَرَقَّ الْبَاقِي ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَعْتَقَهُ بِقَوْلِهِ ، لَمْ يَسْرِ إعْتَاقُهُ مَعَ تَصْرِيحِهِ بِالْعِتْقِ وَقَصْدِهِ إيَّاهُ ، فَهَاهُنَا أَوْلَى .\rوَإِنْ كَانَ مُوسِرًا ، وَكَانَ الْمِلْكُ","part":24,"page":43},{"id":11543,"text":"بِاخْتِيَارِهِ ، كَالْمِلْكِ بِغَيْرِ الْمِيرَاثِ ، سَرَى إلَى بَاقِيه ، فَيَعْتِقُ جَمِيعُ الْعَبْدِ ، وَلَزِمَهُ لِشَرِيكِهِ قِيمَةُ بَاقِيه لِأَنَّهُ فَوَّتَهُ عَلَيْهِ .\rوَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو يُوسُفَ .\rوَقَالَ قَوْمٌ : لَا يَعْتِقُ عَلَيْهِ إلَّا مَا مَلَكَ ، سَوَاءٌ مَلَكَهُ بِشِرَاءٍ أَوْ غَيْرِهِ ؛ لِأَنَّ هَذَا لَمْ يَعْتِقْهُ ، وَإِنَّمَا عَتَقَ عَلَيْهِ بِحُكْمِ الشَّرْعِ عَنْ غَيْرِ اخْتِيَارٍ مِنْهُ ، فَلَمْ يَسْرِ ، كَمَا لَوْ مَلَكَهُ بِالْمِيرَاثِ ، وَفَارَقَ مَا أَعْتَقَهُ ؛ لِأَنَّهُ فَعَلَهُ بِاخْتِيَارِهِ ، قَاصِدًا إلَيْهِ .\rوَلَنَا أَنَّهُ فَعَلَ سَبَبَ الْعِتْقِ اخْتِيَارًا مِنْهُ ، وَقَصْدًا إلَيْهِ ، فَسَرَى ، وَلَزِمَهُ الضَّمَانُ ، كَمَا لَوْ وَكَّلَ مَنْ أَعْتَقَ نَصِيبَهُ ، وَفَارَقَ الْمِيرَاثَ ، فَإِنَّهُ حَصَلَ مِنْ غَيْرِ قَصْدِهِ ، وَلَا فِعْلِهِ ، وَلِأَنَّ مَنْ بَاشَرَ سَبَبَ السِّرَايَةِ اخْتِيَارًا ، لَزِمَهُ ضَمَانُهَا ، كَمَنْ جَرَحَ إنْسَانًا ، فَسَرَى جُرْحُهُ ، وَلِأَنَّ مُبَاشَرَتَهُ لِمَا يَسْرِي ، وَتَسَبُّبَهُ إلَيْهِ فِي لُزُومِ حُكْمِ السِّرَايَةِ وَاحِدٌ ، بِدَلِيلِ اسْتِوَاءِ الْحَافِزِ وَالدَّافِعِ فِي ضَمَانِ الْوَاقِعِ .\rفَأَمَّا إنْ مَلَكَهُ بِالْمِيرَاثِ ، لَمْ يَسْرِ الْعِتْقُ فِيهِ ، وَاسْتَقَرَّ فِيمَا مَلَكَهُ ، وَرَقَّ الْبَاقِي ، سَوَاءٌ كَانَ مُوسِرًا أَوْ مُعْسِرًا ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَسَبَّبْ إلَى إعْتَاقِهِ ، وَإِنَّمَا حَصَلَ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ .\rوَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو يُوسُفَ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَسْرِي إلَى نَصِيبِ شَرِيكِهِ ، إذَا كَانَ مُوسِرًا ؛ لِأَنَّهُ عَتَقَ عَلَيْهِ بَعْضُهُ وَهُوَ مُوسِرٌ ، فَسَرَى إلَى بَاقِيه ، كَمَا لَوْ وَصَّى لَهُ بِهِ فَقَبِلَهُ .\rوَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ لِأَنَّهُ لَمْ يُعْتِقْهُ ، وَلَا تَسَبَّبَ إلَيْهِ ، فَلَمْ يَضْمَنْ ، وَلَمْ يَسْرِ ، كَالْأَجْنَبِيِّ ، وَفَارَقَ مَا تَسَبَّبَ إلَيْهِ .","part":24,"page":44},{"id":11544,"text":"( 8604 ) فَصْلٌ : وَإِنْ وَرِثَ الصَّبِيُّ وَالْمَجْنُونُ جُزْءًا مِمَّنْ يَعْتِقُ عَلَيْهِمَا عَتَقَ ، وَلَمْ يَسْرِ إلَى بَاقِيه ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَسْرِ فِي حَقِّ الْمُكَلَّفِ ، فَفِي حَقِّهِمَا أَوْلَى .\rوَإِنْ وُهِبَ لَهُمَا ، أَوْ وُصِّيَ لَهُمَا بِهِ ، وَهُمَا مُعْسِرَانِ ، فَعَلَى وَلِيِّهِمَا قَبُولُهُ ؛ لِأَنَّهُ نَفْعٌ لَهُمَا ، بِإِعْتَاقِ قَرِيبِهِمَا ، مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ يَلْحَقُ بِهِمَا .\rوَإِنْ كَانَا مُوسِرَيْنِ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ، مَبْنِيَّانِ عَلَى أَنَّهُ هَلْ يُقَوَّمُ عَلَيْهِمَا بَاقِيه إذَا مَلَكَا بَعْضَهُ ؟ وَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، لَا يُقَوَّمُ ، وَلَا يَسْرِي الْعِتْقُ إلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ يَدْخُلُ فِي مِلْكِهِ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ وَرِثَهُ .\rوَالثَّانِي ، يُقَوَّمُ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ قَبُولَ وَلِيِّهِ يَقُومُ مَقَامَ قَبُولِهِ ، فَأَشْبَهَ الْوَكِيلَ .\rفَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ ، لَيْسَ لِوَلِيِّهِ ؛ قَبُولُهُ ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ الضَّرَرِ .\rوَعَلَى الْأَوَّلِ ، يَلْزَمُهُ قَبُولُهُ ؛ لِأَنَّهُ يَقَعُ بِغَيْرِ ضَرَرٍ ، إذَا كَانَ مِمَّنْ لَا تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ .\rوَإِذَا قُلْنَا : لَيْسَ لَهُ أَنْ يَقْبَلَهُ .\rفَقَبِلَهُ ، احْتَمَلَ أَنْ لَا يَصِحَّ الْقَبُولُ ؛ لِأَنَّهُ فَعَلَ مَا لَمْ يَأْذَنْ الشَّرْعُ فِيهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ بَاعَ مَالَهُ بِغَبْنٍ .\rوَاحْتَمَلَ أَنْ يَصِحَّ ، وَتَكُونَ الْغَرَامَةُ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ أَلْزَمَهُ هَذِهِ الْغَرَامَةَ ، فَكَانَتْ عَلَيْهِ ، كَنَفَقَةِ الْحَجِّ إذَا حَجَّهُ .","part":24,"page":45},{"id":11545,"text":"( 8605 ) فَصْلٌ : وَإِذَا بَاعَ عَبْدًا لِذِي رَحِمِهِ وَأَجْنَبِيٍّ صَفْقَةً وَاحِدَةً ، عَتَقَ كُلُّهُ ، إذَا كَانَ ذُو الرَّحِمِ مُعْسِرًا ، وَضَمِنَ لِشَرِيكِهِ قِيمَةَ حَقِّهِ مِنْهُ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : لَا يَضْمَنُ لِشَرِيكِهِ ، شَيْئًا ؛ لِأَنَّ مِلْكَهُ لَمْ يَتِمَّ إلَّا بِقَبُولِ شَرِيكِهِ فَصَارَ كَأَنَّهُ أَذِنَ لَهُ فِي إعْتَاقِ نَصِيبِهِ .\rوَلَنَا أَنَّهُ عَتَقَ عَلَيْهِ نَصِيبُهُ بِمِلْكِهِ بِاخْتِيَارِهِ ، فَوَجَبَ أَنْ يُقَوَّمَ عَلَيْهِ بَاقِيه مَعَ يَسَارِهِ ، كَمَا لَوْ انْفَرَدَ بِشِرَائِهِ ، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ قَبُولُهُ إلَّا بِقَبُولِ شَرِيكِهِ .","part":24,"page":46},{"id":11546,"text":"( 8606 ) فَصْلٌ : وَإِذَا كَانَتْ أَمَةٌ مُزَوَّجَةٌ ، وَلَهَا ابْنٌ مُوسِرٌ ، فَاشْتَرَاهَا هُوَ وَزَوْجُهَا وَهِيَ حَامِلٌ مِنْهُ ، صَفْقَةً وَاحِدَةً ، عَتَقَ نَصِيبُ الِابْنِ مِنْ أُمِّهِ ، وَسَرَى إلَى نَصِيبِ الزَّوْجِ ، وَيُقَوَّمُ عَلَيْهِ ، وَعَتَقَ الْحَمْلُ عَلَيْهِمَا مَعًا ؛ لِأَنَّهُ ابْنُ الزَّوْجِ وَأَخُو الِابْنِ ، وَلَا يَجِبُ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ شَيْءٌ مِنْهُ لِأَنَّهُ عَتَقَ عَلَيْهِمَا فِي حَالٍ وَاحِدَةٍ .\rوَلَوْ كَانَتْ الْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا ، فَوُهِبَتْ لَهُمَا ، أَوْ أُوصِي لَهُمَا بِهَا ، فَقَبِلَاهَا فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ ، فَكَذَلِكَ ، وَإِنْ قَبِلَهَا أَحَدُهُمَا قَبْلَ الْآخَرِ ، نَظَرْنَا ؛ فَإِنْ قَبِلَ الِابْنُ أَوَّلًا ، عَتَقَتْ عَلَيْهِ الْأُمُّ وَحَمْلُهَا ؛ حِصَّتُهُ مِنْ الْأُمِّ بِالْمِلْكِ ، وَتَبِعَهَا حِصَّتُهُ مِنْ الْحَمْلِ ، وَسَرَى الْعِتْقُ إلَى الْبَاقِي مِنْ الْأُمِّ وَالْوَلَدِ ، وَعَلَيْهِ قِيمَةُ بَاقِيهِمَا لِلزَّوْجِ .\rوَإِنْ قَبِلَ الزَّوْجُ أَوَّلًا ، عَتَقَ عَلَيْهِ الْحَمْلُ كُلُّهُ ؛ نَصِيبُهُ بِالْمِلْكِ ، وَبَاقِيه بِالسِّرَايَةِ ، وَقُوِّمَ عَلَيْهِ .\rثُمَّ إذَا قَبِلَ الِابْنُ ، عَتَقَتْ عَلَيْهِ الْأُمُّ كُلُّهَا ، وَيَتَقَاصَّانِ ، وَيَرُدُّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْفَضْلَ عَلَى صَاحِبِهِ .\rوَمَنْ قَالَ فِي الْوَصِيَّةِ : إنَّ الْمِلْكَ لَا يَثْبُتُ فِيهَا بِالْمَوْتِ .\rفَالْحُكْمُ فِيهِ كَمَا لَوْ قَبِلَاهَا دُفْعَةً وَاحِدَةً .","part":24,"page":47},{"id":11547,"text":"( 8607 ) فَصْلٌ : وَإِذَا كَانَ لِرَجُلٍ نِصْفُ عَبْدَيْنِ مُتَسَاوِيَيْنِ فِي الْقِيمَةِ ، لَا يَمْلِكُ غَيْرَهُمَا ، فَأَعْتَقَ أَحَدَهُمَا فِي صِحَّتِهِ ، عَتَقَ ، وَسَرَى إلَى نَصِيبِ شَرِيكِهِ ؛ لِأَنَّهُ مُوسِرٌ بِالنِّصْفِ الَّذِي لَهُ مِنْ الْعَبْدِ الْآخَرِ ، فَإِنْ أَعْتَقَ النِّصْفَ الْآخَرَ ، مِنْ الْعَبْدِ الْآخِرِ ، عَتَقَ ؛ لِأَنَّ وُجُوبَ الْقِيمَةِ فِي ذِمَّتِهِ لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ عِتْقِهِ ، وَلَمْ يَسْرِ ؛ لِأَنَّهُ مُعْسِرٌ ، وَإِنْ أَعْتَقَ الْأَوَّلَ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ ، لَمْ يَسْرِ ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَنْفُذُ عِتْقُهُ فِي ثُلُثِ مَالِهِ ، وَثُلُثُ مَالِهِ هُوَ الثُّلُثُ مِنْ الْعَبْدِ الَّذِي أَعْتَقَ نِصْفَهُ ، وَإِذَا أَعْتَقَ الثَّانِيَ ، وَقَفَ عَلَى إجَازَةِ الْوَرَثَةِ ، وَإِنْ أَعْتَقَ الْأَوَّلَ فِي صِحَّتِهِ ، وَأَعْتَقَ الثَّانِيَ ، فِي مَرَضِهِ ، لَمْ يَنْفُذْ عِتْقُ الثَّانِي ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ دَيْنًا يَسْتَغْرِقُ قِيمَتَهُ ، فَيَمْنَعُ صِحَّةَ عِتْقِهِ ، إلَّا أَنْ يُجِيزَ الْوَرَثَةُ .","part":24,"page":48},{"id":11548,"text":"( 8608 ) فَصْلٌ : إذَا شَهِدَ شَاهِدَانِ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ ، فَسَرَى إلَى نَصِيبِ ، الشَّرِيكِ ، وَغَرِمَ لَهُ قِيمَةُ نَصِيبِهِ ، ثُمَّ رَجَعَا عَنْ الشَّهَادَةِ غَرِمَا قِيمَةَ الْعَبْدِ جَمِيعِهِ .\rوَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ : تَلْزَمُهُمَا غَرَامَةُ نَصِيبِهِ دُونَ نَصِيبِ شَرِيكِهِ ؛ لِأَنَّهُمَا لَمْ يَشْهَدَا إلَّا بِعِتْقِ نَصِيبِهِ ، فَلَمْ تَلْزَمْهُمَا غَرَامَهُ مَا سِوَاهُ .\rوَلَنَا أَنَّهُمَا فَوَّتَا عَلَيْهِ نَصِيبَهُ وَقِيمَةَ نَصِيبِ شَرِيكِهِ ، فَلَزِمَهُمَا ضَمَانُهُ ، كَمَا لَوْ فَوَّتَاهُ بِفِعْلِهِمَا ، وَكَمَا لَوْ شَهِدَا عَلَيْهِ بِجُرْحٍ ، ثُمَّ سَرَى الْجُرْحُ ، وَمَاتَ الْمَجْرُوحُ ، فَضَمِنَ الدِّيَةَ ، ثُمَّ رَجَعَا عَنْ شَهَادَتِهِمَا .","part":24,"page":49},{"id":11549,"text":"فَصْلٌ : وَإِنْ شَهِدَ شَاهِدَانِ عَلَى مَيِّتٍ بِعِتْقِ عَبْدٍ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ ، وَهُوَ ثُلُثُ مَالِهِ ، فَحَكَمَ حَاكِمٌ بِشَهَادَتِهِمَا ، وَعَتَقَ الْعَبْدُ ، ثُمَّ شَهِدَ آخَرَانِ بِعِتْقِ آخَرَ ، هُوَ ثُلُثُ مَالِهِ ، ثُمَّ رَجَعَ الْأَوَّلَانِ عَنْ الشَّهَادَةِ ، نَظَرْنَا فِي تَارِيخِ شَهَادَتِهِمَا ؛ فَإِنْ كَانَتْ سَابِقَةً وَلَمْ تُكَذِّبْ الْوَرَثَةُ رُجُوعَهُمَا ، عَتَقَ الْأَوَّلُ ، وَلَمْ يُقْبَلْ رُجُوعُهُمَا ، وَلَمْ يَغْرَمَا شَيْئًا .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يَلْزَمَهُمَا شِرَاءُ الثَّانِي وَإِعْتَاقُهُ ؛ لِأَنَّهُمَا مَنَعَا عِتْقَهُ بِشَهَادَتِهِمَا الْمَرْجُوعِ عَنْهَا .\rوَإِنْ صَدَّقُوهُمَا فِي رُجُوعِهِمَا ، وَكَذَّبُوهُمَا فِي شَهَادَتِهِمَا ، عَتَقَ الثَّانِي ، وَرَجَعُوا عَلَيْهِمَا بِقِيمَةِ الْأَوَّلِ ؛ لِأَنَّهُمَا فَوَّتَا رِقَّهُ عَلَيْهِمْ بِشَهَادَتِهِمْ الْمَرْجُوعِ عَنْهَا ؛ وَإِنْ كَانَ تَارِيخُهَا مُتَأَخِّرًا عَنْ الشَّهَادَةِ الْأُخْرَى ، بَطَلَ عِتْقُ الْمَحْكُومِ لَهُ بِعِتْقِهِ ؛ لِأَنَّنَا تَبَيَّنَّا أَنَّ الْمَيِّتَ قَدْ أَعْتَقَ ثُلُثَ مَالِهِ قَبْلَ إعْتَاقِهِ ، وَلَمْ يَغْرَمْ الشَّاهِدَانِ شَيْئًا ؛ لِأَنَّهُمَا مَا فَوَّتَا شَيْئًا .\rوَإِنْ كَانَتَا مُطْلَقَتَيْنِ ، أَوْ إحْدَاهُمَا ، أَوْ اتَّفَقَ تَارِيخُهُمَا ، أُقْرَعَ بَيْنَهُمَا ؛ فَإِنْ خَرَجَتْ عَلَى الثَّانِي ، عَتَقَ ، وَبَطَلَ عِتْقُ الْأَوَّلِ ، وَلَا شَيْءَ عَلَى الشَّاهِدَيْنِ ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ بَاقٍ عَلَى الرِّقِّ .\rوَإِنْ خَرَجَتْ قُرْعَةُ الْأَوَّلِ ، عَتَقَ ، وَنَظَرْنَا فِي الْوَرَثَةِ ، فَإِنْ كَذَّبُوا الشَّاهِدَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ فِي شَهَادَتِهِمَا ، عَتَقَ الثَّانِي ، وَرَجَعُوا عَلَى الشَّاهِدَيْنِ بِقِيمَةِ الْأَوَّلِ ؛ لِأَنَّهُمَا فَوَّتَا رِقَّهُ بِغَيْرِ حَقٍّ ، وَإِنْ كَذَّبُوهُمَا فِي رُجُوعِهِمَا ، لَمْ يَرْجِعُوا عَلَيْهِمَا بِشَيْءٍ ؛ لِأَنَّهُمْ يُقِرُّونَ بِعِتْقِ الْمَحْكُومِ بِعِتْقِهِ .","part":24,"page":50},{"id":11550,"text":"( 8610 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَإِذَا كَانَ لَهُ ثَلَاثَةُ أَعْبُدٍ ، فَأَعْتَقَهُمْ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ ، أَوْ دَبَّرَهُمْ ، أَوْ دَبَّرَ أَحَدَهُمْ ، وَأَوْصَى بِعِتْقِ الْآخَرَيْنِ ، وَلَمْ يَخْرُجْ مِنْ ثُلُثِهِ إلَّا وَاحِدٌ ؛ لِتَسَاوِي قِيمَتِهِمْ ، أَقْرَعَ بَيْنَهُمْ بِسَهْمِ حُرِّيَّةٍ وَسَهْمَيْ رِقٍّ ، فَمَنْ وَقَعَ لَهُمْ سَهْمُ الْحُرِّيَّةِ ، عَتَقَ دُونَ صَاحِبَيْهِ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْعِتْقَ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ ، وَالتَّدْبِيرَ ، وَالْوَصِيَّةَ بِالْعِتْقِ ، يُعْتَبَرُ خُرُوجُهُ مِنْ الثُّلُثِ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُجِزْ مِنْ عِتْقِ الَّذِي أَعْتَقَ سِتَّةَ مَمْلُوكِينَ فِي مَرَضِهِ ، إلَّا ثُلُثَهُمْ .\rوَلِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ بِمَالٍ ، أَشْبَهَ الْهِبَةَ ، فَإِنْ أَعْتَقَ أَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ ، لَمْ يَجُزْ إلَّا الثُّلُثُ .\rفَإِنْ أَعْتَقَ عَبِيدًا فِي مَرَضِهِ ، وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ ، بُدِئَ بِالْأَوَّلِ فَالْأَوَّلِ ، حَتَّى يَسْتَوْفِيَ الثُّلُثَ .\rوَإِنْ وَقَعَ الْعِتْقُ دُفْعَةً وَاحِدَةً ، وَلَمْ يَخْرُجُوا مِنْ الثُّلُثِ ، أَقْرَعَ بَيْنَهُمْ ، فَأُخْرِجَ الثُّلُثُ بِالْقُرْعَةِ .\rوَمَسْأَلَةُ الْخِرَقِيِّ فِيمَا إذَا وَقَعَ الْعِتْقُ دُفْعَةً وَاحِدَةً ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ سِوَاهُمْ .\rوَأَمَّا إنْ دَبَّرَهُمْ ، اسْتَوَى الْمُقَدَّمُ وَالْمُؤَخَّرُ مِنْهُمْ ؛ لِأَنَّ التَّدْبِيرَ عِتْقٌ مُعَلَّقٌ بِشَرْطٍ ، وَهُوَ الْمَوْتُ ، وَالشَّرْطُ إذَا وُجِدَ ثَبَتَ الْمَشْرُوطُ بِهِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ ، وَكَذَلِكَ الْمُوصَى بِعِتْقِهِ ، يَسْتَوِي هُوَ وَالتَّدْبِيرُ ؛ لِأَنَّ الْجَمِيعَ عِتْقٌ بَعْدَ الْمَوْتِ ، فَمَتَى أَعْتَقَ ثَلَاثَةَ أَعْبُدْ مُتَسَاوِينَ فِي الْقِيمَةِ ، هُمْ جَمِيعُ مَالِهِ ، دُفْعَةً وَاحِدَةً ، أَوْ دَبَّرَهُمْ ، أَوْ وَصَّى بِعِتْقِهِمْ ، أَوْ دَبَّرَ بَعْضَهُمْ وَوَصَّى بِعِتْقِ بَاقِيهِمْ ، وَلَمْ يُجِزْ الْوَرَثَةُ أَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ ، أَقْرَعَ بَيْنَهُمْ بِسَهْمِ حُرِّيَّةٍ وَسَهْمَيْ رِقٍّ ، فَمَنْ خَرَجَ لَهُ سَهْمُ الْحُرِّيَّةِ ، عَتَقَ وَرَقَّ صَاحِبَاهُ .\rوَبِهَذَا قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَأَبَانُ بْنُ عُثْمَانَ ، وَمَالِكٌ ،","part":24,"page":51},{"id":11551,"text":"وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَدَاوُد ، وَابْنُ جَرِيرٍ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَعْتِقُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ ثُلُثُهُ ، وَيُسْتَسْعَى فِي بَاقِيهِ .\rوَرُوِيَ نَحْوُ هَذَا عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، وَشُرَيْحٍ ، وَالشَّعْبِيِّ ، وَالنَّخَعِيِّ ، وَقَتَادَةَ ، وَحَمَّادٍ لِأَنَّهُمْ تَسَاوَوْا فِي سَبَبِ الِاسْتِحْقَاقِ ، فَيَتَسَاوُونَ فِي الِاسْتِحْقَاقِ ، كَمَا لَوْ كَانَ يَمْلِكُ ثُلُثَهُمْ وَحْدَهُ ، وَهُوَ ثُلُثُ مَالِهِ ، أَوْ كَمَا لَوْ وَصَّى بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ لَرَجُلٍ .\rوَأَنْكَرَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ الْقُرْعَةَ ، وَقَالُوا : هِيَ مِنْ الْقِمَارِ وَحُكْمِ الْجَاهِلِيَّةِ .\rوَلَعَلَّهُمْ يَرُدُّونَ الْخَبَرَ الْوَارِدَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ؛ لِمُخَالَفَتِهِ قِيَاسَ الْأُصُولِ .\rوَذُكِرَ الْحَدِيثُ لِحَمَّادٍ ، فَقَالَ : هَذَا قَوْلُ الشَّيْخِ - يَعْنِي إبْلِيسَ - فَقَالَ لَهُ مُحَمَّدُ بْنُ ذَكْوَانَ : وُضِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ ؛ أَحَدُهُمْ الْمَجْنُونُ حَتَّى يُفِيقَ - يَعْنِي إنَّكَ مَجْنُونٌ - فَقَالَ لَهُ حَمَّادٌ : مَا دَعَاكَ إلَى هَذَا ؟ فَقَالَ لَهُ مُحَمَّدٌ : وَأَنْتَ ، فَمَا دَعَاكَ إلَى هَذَا ؟ وَهَذَا قَلِيلٌ فِي جَوَابِ حَمَّادٍ ، وَكَانَ حَرِيًّا أَنْ يُسْتَتَابَ عَنْ هَذَا ، فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا ضُرِبَتْ عُنُقُهُ .\rوَلَنَا مَا رَوَى عِمْرَانُ بْنُ الْحُصَيْنِ ، { أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ أَعْتَقَ سِتَّةَ مَمْلُوكِينَ فِي مَرَضِهِ ، لَا مَالَ لَهُ غَيْرُهُمْ ، فَجَزَّأَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سِتَّةَ أَجْزَاءٍ ، فَأَعْتَقَ اثْنَيْنِ ، وَأَرَقَّ أَرْبَعَةً } .\rوَهَذَا نَصٌّ فِي مَحِلِّ النِّزَاعِ ، وَحُجَّةٌ لَنَا فِي الْأَمْرَيْنِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِمَا ، وَهُمَا جَمْعُ الْحُرِّيَّةِ وَاسْتِعْمَالُ الْقُرْعَةِ ، وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ ثَابِتٌ ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ ، وَأَبُو دَاوُد ، وَسَائِرُ أَصْحَابِ السُّنَنِ .\rوَرَوَاهُ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ الْحَسَنُ ، وَابْنُ سِيرِينَ ، وَأَبُو الْمُهَلَّبِ ، ثَلَاثَةُ أَئِمَّةٍ .\rوَرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عِيسَى ، عَنْ هُشَيْمٍ ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ ، عَنْ أَبِي زَيْدٍ","part":24,"page":52},{"id":11552,"text":"الْأَنْصَارِيِّ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rقَالَ أَحْمَدُ : أَبُو زَيْدٍ الْأَنْصَارِيُّ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rوَرُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rوَلِأَنَّهُ حَقٌّ فِي تَفْرِيقِهِ ضَرَرٌ ، فَوَجَبَ جَمْعُهُ بِالْقُرْعَةِ ، كَقِسْمَةِ الْإِجْبَارِ إذَا طَلَبَهَا أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ ، وَنَظِيرُهُ مِنْ الْقِسْمَةِ مَا لَوْ كَانَتْ دَارٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ ، لِأَحَدِهِمَا ثُلُثُهَا ، وَلِلْآخَرِ ثُلُثَاهَا ، وَفِيهَا ثَلَاثَةُ مَسَاكِنُ مُتَسَاوِيَةٌ ، لَا ضَرَرَ فِي قِسْمَتِهَا ، فَطَلَبَ أَحَدُهُمَا الْقِسْمَةَ ، فَإِنَّهُ يُجْعَلُ كُلُّ بَيْتٍ سَهْمًا ، وَيُقْرَعُ بَيْنَهُمْ بِثَلَاثَةِ أَسْهُمٍ ؛ لِصَاحِبِ الثُّلُثِ سَهْمٌ ، وَلِلْآخَرِ سَهْمَانِ .\rوَقَوْلُهُمْ : إنَّ الْخَبَرَ يُخَالِفُ قِيَاسَ الْأُصُولِ .\rوَنَمْنَعُ ذَلِكَ ، بَلْ هُوَ مُوَافِقٌ لَهُ ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ .\rوَقِيَاسُهُمْ فَاسِدٌ ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ مِلْكُهُ ثُلُثَهُمْ وَحْدَهُ ، لَمْ يُمْكِنْ جَمْعُ نَصِيبِهِ ، وَالْوَصِيَّةُ لَا ضَرَرَ فِي تَفْرِيقِهَا ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا .\rوَإِنْ سَلَّمْنَا مُخَالَفَتَهُ قِيَاسَ الْأُصُولِ ، فَقَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاجِبُ الِاتِّبَاعِ ، سَوَاءٌ وَافَقَ الْقِيَاسَ أَوْ خَالَفَهُ ؛ لِأَنَّهُ قَوْلُ الْمَعْصُومِ ، الَّذِي جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى قَوْلَهُ حُجَّةً عَلَى الْخَلْقِ أَجْمَعِينَ ، وَأَمَرَنَا بِاتِّبَاعِهِ وَطَاعَتِهِ ، وَحَذَّرَ الْعِقَابَ فِي مُخَالَفَةِ أَمْرِهِ ، وَجَعَلَ الْفَوْزَ فِي طَاعَتِهِ ، وَالضَّلَالَ فِي مَعْصِيَتِهِ ، وَتَطَرُّقُ الْخَطَأِ إلَى الْقَائِسِ فِي قِيَاسِهِ أُغْلَبُ مِنْ تَطَرُّقِ الْخَطَأِ إلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْأَئِمَّةُ بَعْدَهُمْ فِي رِوَايَتِهِمْ ، عَلَى أَنَّهُمْ قَدْ خَالَفُوا قِيَاسَ الْأُصُولِ بِأَحَادِيثَ ضَعِيفَةٍ ، فَأَوْجَبُوا الْوُضُوءَ بِالنَّبِيذِ فِي السَّفَرِ دُونَ الْحَضَرِ ، وَنَقَضُوا الْوُضُوءَ بِالْقَهْقَهَةِ فِي الصَّلَاةِ دُونَ خَارِجِهَا ؛ وَقَوْلُهُمْ فِي مَسْأَلَتِنَا فِي","part":24,"page":53},{"id":11553,"text":"مُخَالَفَةِ الْقِيَاسِ وَالْأُصُولِ ، أَشَدُّ وَأَعْظَمُ ، وَالضَّرَرُ فِي مَذْهَبِهِمْ أَعْظَمُ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ مُنْعَقِدٌ عَلَى أَنَّ صَاحِبَ الثُّلُثِ فِي الْوَصِيَّةِ وَمَا فِي مَعْنَاهَا ، لَا يَحْصُلُ لَهُ شَيْءٌ حَتَّى يَحْصُلَ لِلْوَرَثَةِ مِثْلَاهُ ، وَفِي مَسْأَلَتِنَا يُعْتِقُونَ الثُّلُثَ ، وَيَسْتَسْعُونَ الْعَبْدَ فِي الثُّلُثَيْنِ ، فَلَا يَحْصُلُ لِلْوَرَثَةِ شَيْءٌ فِي الْحَالِ أَصْلًا ، وَيُحِيلُونَهُمْ عَلَى السِّعَايَةِ ، وَرُبَّمَا لَا يَحْصُلُ مِنْهَا شَيْءٌ أَصْلًا ، وَرُبَّمَا لَا يَحْصُلُ مِنْهَا فِي الشَّهْرِ إلَّا دِرْهَمٌ أَوْ دِرْهَمَانِ ، فَيَكُونُ هَذَا فِي حُكْمِ مَنْ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ شَيْءٌ ، وَفِيهِ ضَرَرٌ عَلَى الْعَبِيدِ ؛ لِأَنَّهُمْ يُجْبِرُونَهُمْ عَلَى الْكَسْبِ وَالسِّعَايَةِ ، عَنْ غَيْرِ اخْتِيَارٍ مِنْهُمْ ، وَرُبَّمَا كَانَ الْمُجْبَرُ عَلَى ذَلِكَ جَارِيَةً ، فَيَحْمِلُهَا ذَلِكَ عَلَى الْبِغَاءِ ، أَوْ عَبْدًا ، فَيَسْرِقُ أَوْ يَقْطَعُ الطَّرِيقَ ، وَفِيهِ ضَرَرٌ عَلَى الْمَيِّتِ ، حَيْثُ أَفْضَوْا بِوَصِيَّتِهِ إلَى الظُّلْمِ وَالْإِضْرَارِ ، وَتَحْقِيقِ مَا يُوجِبُ لَهُ الْعِقَابَ مِنْ رَبِّهِ ، وَالدُّعَاءَ عَلَيْهِ مِنْ عَبِيدِهِ وَوَرَثَتِهِ .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي حَقِّ الَّذِي فَعَلَ هَذَا ، قَالَ : { لَوْ شَهِدْته لَمْ يُدْفَنْ فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ } قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي قَوْلِ الْكُوفِيِّينَ ضُرُوبٌ مِنْ الْخَطَأِ وَالِاضْطِرَابِ ، مَعَ مُخَالِفَةِ السُّنَّةِ الثَّابِتَةِ .\rوَأَشَارَ إلَى مَا ذَكَرْنَاهُ .\rوَأَمَّا إنْكَارُهُمْ لِلْقُرْعَةِ ، فَقَدْ جَاءَتْ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَمَا كُنْت لَدَيْهِمْ إذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ } وَقَالَ تَعَالَى : { فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنْ الْمُدْحَضِينَ } .\rوَأَمَّا السُّنَّةُ ؛ فَقَالَ أَحْمَدُ : فِي الْقُرْعَةِ خَمْسُ سُنَنٍ ؛ أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ .\rوَأَقْرَعَ فِي سِتَّةِ مَمْلُوكِينَ .\rوَقَالَ لِرَجُلَيْنِ : \" اسْتَهِمَا \" وَقَالَ : { مَثَلُ الْقَائِمِ عَلَى حُدُودِ","part":24,"page":54},{"id":11554,"text":"اللَّهِ وَالْمُدَاهِنِ فِيهَا ، كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ .\r} وَقَالَ { لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الْأَوَّلِ ، لَاسْتَهَمُوا عَلَيْهِ } .\rوَفِي حَدِيثِ الزُّبَيْرِ ، أَنَّ صَفِيَّةَ جَاءَتْ بِثَوْبَيْنِ ؛ لِيُكَفَّنَ فِيهَا حَمْزَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَوَجَدْنَا إلَى جَنْبِهِ قَتِيلًا ، فَقُلْنَا : لِحَمْزَةَ ثَوْبٌ ، وَلِلْأَنْصَارِيِّ ثَوْبٌ .\rفَوَجَدْنَا أَحَدَ الثَّوْبَيْنِ أَوْسَعَ مِنْ الْآخَرَ ، فَأَقْرَعْنَا عَلَيْهِمَا ، ثُمَّ كَفَّنَّا كُلَّ وَاحِدٍ فِي الثَّوْبِ الَّذِي صَارَ لَهُ ، وَتَشَاحَّ النَّاسُ يَوْمَ الْقَادِسِيَّةِ فِي الْأَذَانِ ، فَأَقْرَعِ بَيْنَهُمْ سَعْدٌ وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى اسْتِعْمَالِهَا فِي الْقِسْمَةِ ، وَلَا أَعْلَمُ بَيْنَهُمْ خِلَافًا فِي أَنَّ الرَّجُلَ يَقْرَعُ بَيْنَ نِسَائِهِ إذَا أَرَادَ السَّفَرَ بِإِحْدَاهُنَّ ، وَإِذَا أَرَادَ الْبِدَايَةَ بِالْقِسْمَةِ بَيْنَهُنَّ ، وَبَيْنَ الْأَوْلِيَاءِ إذَا تَسَاوَوْا وَتَشَاحُّوا فِي مَنْ يَتَوَلَّى التَّزْوِيجَ أَوْ مَنْ يَتَوَلَّى اسْتِيفَاءَ الْقِصَاصِ ، وَأَشْبَاهَ هَذَا .","part":24,"page":55},{"id":11555,"text":"( 8611 ) فَصْلٌ : فِي كَيْفِيَّةِ الْقُرْعَةِ ، قَالَ أَحْمَدُ : قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ : يُقْرَعُ بَيْنَهُمْ بِالْخَوَاتِيمِ .\rأَقْرَعَ بَيْنَ اثْنَيْنِ فِي ثَوْبٍ ، فَأَخْرَجَ خَاتَمَ هَذَا ثُمَّ قَالَ : يَخْرُجُونَ بِالْخَوَاتِيمِ ، ثُمَّ تُدْفَعُ إلَى رَجُلٍ ، فَيُخْرِجُ مِنْهَا وَاحِدًا .\rقَالَ أَحْمَدُ بِأَيِّ شَيْءٍ خَرَجَتْ مِمَّا يَتَّفِقَانِ عَلَيْهِ ، وَقَعَ الْحُكْمُ بِهِ ، سَوَاءٌ كَانَ رِقَاعًا أَوْ خَوَاتِيمَ .\rقَالَ أَصْحَابُنَا الْمُتَأَخِّرُونَ : الْأَوْلَى أَنْ يَقْطَعَ رِقَاعًا صِغَارًا مُتَسَاوِيَةً ، ثُمَّ تُلْقَى فِي حِجْرِ رَجُلٍ لَمْ يَحْضُرْ ، أَوْ يُغَطَّى عَلَيْهَا بِثَوْبٍ ، ثُمَّ يُقَالَ لَهُ : أَدْخِلْ يَدَك ، وَأَخْرِجْ بُنْدُقَةً .\rفَيَنْفُضُهَا وَيَعْلَمُ مَا فِيهَا وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَفِي كَيْفِيَّةِ الْقُرْعَةِ وَالْعِتْقِ سِتُّ مَسَائِلَ ؛ ( 8612 ) الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى أَنْ يُعْتِقَ عَدَدًا مِنْ الْعَبِيدِ ، لَهُمْ ثُلُثٌ صَحِيحٌ .\rكَثَلَاثَةٍ أَوْ سِتَّةٍ أَوْ تِسْعَةٍ ، وَقِيمَتُهُمْ مُتَسَاوِيَةٌ ، وَلَا مَالَ لَهُ غَيْرُهُمْ فَيُخْرِجُونَ ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ ، جُزْءًا لِلْحُرِّيَّةِ ، وَجُزْأَيْنِ لِلرِّقِّ ، وَتُكْتَبُ ثَلَاثُ رِقَاعٍ ، فِي وَاحِدَةٍ حُرِّيَّةٌ ، وَفِي اثْنَيْنِ رِقٌّ ، وَيُتْرَكُ فِي ثَلَاثَةِ بَنَادِقَ ، وَتُغَطَّى بِثَوْبٍ ، وَيُقَالُ لِرَجُلٍ لَمْ يَحْضُرْ : أَخْرِجْ عَلَى اسْمِ هَذَا الْجُزْءِ .\rفَإِنْ خَرَجَتْ قُرْعَةُ الْحُرِّيَّةِ ، عَتَقَ ، وَرَقَّ الْجُزْءَانِ الْآخَرَانِ ، وَإِنْ خَرَجَتْ قُرْعَةُ رِقٍّ ، رَقَّ ، وَأُخْرِجَتْ أُخْرَى عَلَى جُزْءٍ آخَرَ ، فَإِنْ خَرَجَتْ رُقْعَةُ الْحُرِّيَّةِ ، عَتَقَ وَرَقَّ الْجُزْءُ الثَّالِثُ ، وَإِنْ خَرَجَتْ قُرْعَةُ الرِّقِّ ، رَقَّ ، وَعَتَقَ الْجُزْءُ الثَّالِثُ ؛ لِأَنَّ الْحُرِّيَّةَ تَعَيَّنَتْ فِيهِمْ .\rوَإِنْ شِئْت كَتَبْت اسْمَ كُلِّ جُزْءٍ فِي رُقْعَةٍ ، ثُمَّ أَخْرَجْت رُقْعَةً عَلَى الْحُرِّيَّةِ ، فَإِذَا خَرَجَتْ رُقْعَةٌ عَلَى الْحُرِّيَّةِ عَتَقَ الْمُسَمَّوْنَ فِيهَا ، وَرَقَّ الْبَاقُونَ ، وَإِنْ خَرَجَتْ رُقْعَةٌ عَلَى ، الرِّقِّ ، رَقَّ الْمُسَمَّوْنَ فِيهَا ، ثُمَّ تُخْرِجُ أُخْرَى عَلَى الرِّقِّ ، فَيَرِقُّ","part":24,"page":56},{"id":11556,"text":"الْمُسَمَّوْنَ فِيهَا ، وَيَعْتِقُ الْجُزْءُ الثَّالِثُ ، وَإِنْ أَخْرَجْت الثَّانِيَةَ عَلَى الْحُرِّيَّةِ ، عَتَقَ الْمُسَمَّوْنَ فِيهَا ، دُونَ الثَّالِثِ .\r( 8613 ) الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ ، أَنْ تُمْكِنَ قِسْمَتُهُمْ أَثْلَاثًا ، وَقِيمَتُهُمْ مُخْتَلِفَةٌ ، يُمْكِنُ تَعْدِيلُهُمْ بِالْقِيمَةِ ، كَسِتَّةٍ ؛ قِيمَةُ اثْنَيْنِ مِنْهُمْ ثَلَاثَةُ آلَافٍ وَقِيمَةُ اثْنَيْنِ أَلْفَانِ ، وَقِيمَةُ اثْنَيْنِ أَلْفٌ أَلْفٌ ، فَيَجْعَلُ الِاثْنَيْنِ الْأَوْسَطَيْنِ جُزْءًا وَيَجْعَلُ اثْنَيْنِ قِيمَةُ أَحَدِهِمَا ثَلَاثَةَ آلَافٍ مَعَ آخَرَ قِيمَتُهُ أَلْفٌ جُزْءًا ، وَالْآخَرَيْنِ جُزْءًا فَيَكُونُونَ ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ مُتَسَاوِيَةً فِي الْعَدَدِ وَالْقِيمَةِ ، عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى .\rقِيلَ لِأَحْمَدَ لَمْ يَسْتَوُوا فِي الْقِيمَةِ ؟ قَالَ : يُقَوَّمُونَ بِالثَّمَنِ .\r( 8614 ) الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ ، يَكُونُونَ مُتَسَاوِينَ فِي الْعَدَدِ مُخْتَلِفِينَ فِي الْقِيمَةِ ، وَلَا يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْن تَعْدِيلِهِمْ بِالْعَدَدِ وَالْقِيمَةِ مَعًا ، وَلَكِنْ يُمْكِنُ تَعْدِيلُهُمْ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُنْفَرِدًا ، كَسِتَّةِ أَعْبُدٍ ، قِيمَةُ أَحَدِهِمْ أَلْفٌ ، وَقِيمَةُ اثْنَيْنِ أَلْفٌ ، وَقِيمَةُ ثَلَاثَةٍ أَلْفٌ ، فَإِنَّهُمْ يَعْدِلُونَ بِالْقِيمَةِ دُون الْعَدَدِ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فَقَالَ : إذَا كَانَتْ قِيمَةُ وَاحِدٍ مِثْلَ اثْنَيْنِ ، قُوِّمَ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَقَعَ الْعِتْقُ فِي أَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ وَلَا أَقَلِّ ، وَفِي قِسْمَتِهِمْ بِالْعَدَدِ تَكْرَارُ الْقُرْعَةِ ، وَتَبْعِيضُ الْعِتْقِ حَتَّى يَكْمُلَ الثُّلُثُ ، فَكَانَ التَّعْدِيلُ بِالْقِيمَةِ أَوْلَى .\rبَيَانُ ذَلِكَ ، أَنَّنَا لَوْ جَعَلْنَا الَّذِي قِيمَتُهُ أَلْفٌ آخَرَ ، فَخَرَجَتْ قُرْعَةُ الْحُرِّيَّةِ لَهُمَا احْتَجْنَا أَنْ نُعِيدَ الْقُرْعَةَ بَيْنَهُمَا ، فَإِذَا خَرَجَتْ عَلَى الْقَلِيلِ الْقِيمَةِ عَتَقَ ، وَأَعْتَقَ مِنْ الَّذِي قِيمَتُهُ أَلْفٌ تَمَامُ الثُّلُثِ .\rوَإِنْ وَقَعَتْ قُرْعَةُ الْحُرِّيَّةِ عَلَى اثْنَيْنِ ، قِيمَتُهُمَا دُونَ الثُّلُثِ ، عَتَقَا ، ثُمَّ أُعِيدَتْ لِتَكْمِيلِ الثُّلُثِ ، فَإِذَا وَقَعَتْ عَلَى","part":24,"page":57},{"id":11557,"text":"وَاحِدٍ ، كَمَلَتْ الْحُرِّيَّةُ مِنْهُ فَحَصَلَ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ التَّبْعِيضِ وَالتَّكْرَارِ ، وَلِأَنَّ قِسْمَتَهُمْ بَيْنَ الْمُشْتَرِكِينَ فِيهِمْ ، إنَّمَا يَعْدِلُونَ فِيهَا بِالْقِيمَةِ دُون الْأَجْزَاءِ ، فَعَلَى هَذَا يَجْعَلُ الَّذِي قِيمَتُهُ أَلْفٌ جُزْءًا ، وَالِاثْنَيْنِ اللَّذَيْنِ قِيمَتُهَا أَلْفٌ جُزْءًا ، وَالثَّلَاثَةَ الْبَاقِينَ جُزْءًا ، ثُمَّ يَقْرَعُ بَيْنَهُمْ ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا .\r( 8615 ) الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ ، أَمْكَنَ تَعْدِيلُهُمْ بِالْقِيمَةِ دُونَ الْعَدَدِ ، كَسَبْعَةٍ قِيمَةُ أَحَدِهِمْ أَلْفٌ ، وَقِيمَةُ اثْنَيْنِ أَلْفٌ ، وَقِيمَةُ أَرْبَعَةٍ أَلْفٌ ، فَيُعَدِّلُونَ بِالْقِيمَةِ دُونَ الْعَدَدِ ، كَمَا ذَكَرْنَا .\r( 8616 ) الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ ، أَمْكَنَ تَعْدِيلُهُمْ بِالْعَدَدِ دُونُ الْقِيمَةِ ، كَسِتَّةِ أَعْبُدٍ ، قِيمَةُ اثْنَيْنِ أَلْفٌ ، وَقِيمَةُ اثْنَيْنِ سَبْعُمِائَةٍ ، وَقِيمَةُ اثْنَيْنِ خَمْسُمِائَةٍ ، فَهَاهُنَا يُجَزِّئُهُمْ بِالْعَدَدِ ؛ لِتَعَذُّرِ تَجْزِئَتِهِمْ بِالْقِيمَةِ ، فَيَجْعَلُ كُلَّ اثْنَيْنِ جُزْءًا ، وَيَضُمُّ كُلَّ وَاحِدٍ مِمَّنْ قِيمَتُهُمَا قَلِيلَةٌ إلَى وَاحِدٍ مِمَّنْ قِيمَتُهُمَا كَثِيرَةٌ ، وَيَجْعَلُ الْمُتَوَسِّطَيْنِ جُزْءًا ، وَيَقْرَعُ بَيْنَهُمْ ، فَإِنْ وَقَعَتْ قُرْعَةُ الْحُرِّيَّةِ عَلَى جُزْءٍ قِيمَتُهُ أَكْثَرُ مِنْ الثُّلُثِ ، أُعِيدَتْ الْقُرْعَةُ بَيْنَهُمَا ، فَيَعْتِقُ مَنْ تَقَعُ لَهُ قُرْعَةُ الْحُرِّيَّةِ ، وَيَعْتِقُ مِنْ الْآخَرِ تَتِمَّةُ الثُّلُثِ وَرَقَّ بَاقِيه وَالْبَاقُونَ ، وَإِنْ وَقَعَتْ الْحُرِّيَّةُ عَلَى جُزْءٍ أَقَلَّ مِنْ الثُّلُثِ ، عَتَقَا جَمِيعًا ، ثُمَّ يَكْمُلُ الثُّلُثُ مِنْ الْبَاقِينَ بِالْقُرْعَةِ .\r( 8617 ) الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ ، لَمْ يُمْكِنْ تَعْدِيلُهُمْ بِالْعَدَدِ وَلَا الْقِيمَةِ ، كَخَمْسَةِ أَعْبُدٍ ، قِيمَةُ أَحَدِهِمْ أَلْفٌ ، وَاثْنَانِ أَلْفٌ ، وَاثْنَانِ ثَلَاثَةُ آلَافٍ ، احْتَمَلَ أَنْ يُجَزِّئَهُمْ ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ ، فَيَجْعَلَ أَحَدَهُمْ أَكْثَرَهُمْ قِيمَةً جُزْءًا ، وَيَضُمُّ إلَى الثَّانِي كَثِيرِ الْقِيمَةِ أَقَلَّ الْبَاقِينَ ، قِيمَةً ، وَيَجْعَلُهُمَا جُزْءًا وَالْبَاقِينَ جُزْءًا ،","part":24,"page":58},{"id":11558,"text":"وَيَقْرَعُ بَيْنَهُمْ بِسَهْمِ حُرِّيَّةٍ وَسَهْمَيْ رِقٍّ ؛ لِأَنَّ هَذَا أَقْرَبُ إلَى مَا فَعَلَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيُعَدِّلُ الثُّلُثَ بِالْقِيمَةِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ ، وَاحْتَمَلَ أَنْ لَا يُجَزِّئَهُمْ ، بَلْ تَخْرُجُ الْقُرْعَةُ عَلَى وَاحِدٍ وَاحِدٍ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ الثُّلُثَ ، فَيَكْتُبَ خَمْسَ رِقَاعٍ بِأَسْمَائِهِمْ ، ثُمَّ يُخْرِجُ رُقْعَةً عَلَى الْحُرِّيَّةِ ، فَمَنْ خَرَجَ اسْمُهُ فِيهَا عَتَقَ ، ثُمَّ يُخْرِجُ الثَّانِيَةَ ، فَمَنْ خَرَجَ اسْمُهُ فِيهَا عَتَقَ مِنْهُ تَمَامُ الثُّلُثِ .\rوَإِنْ كَانُوا ثَمَانِيَةً قِيمَتُهُمْ سَوَاءٌ ، فَفِيهِمْ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ ؛ أَحَدُهَا ، أَنْ يَكْتُبَ ثَمَانِيَ رِقَاعٍ بِأَسْمَائِهِمْ ، ثُمَّ يُخْرِجَ عَلَى الْحُرِّيَّةِ رُقْعَةً بَعْدَ أُخْرَى ، حَتَّى يَسْتَوْفِيَ الثُّلُثَ .\rوَالثَّانِي ، أَنْ يُجَزِّئَهُمْ أَرْبَعَةَ أَجْزَاءٍ ، ثُمَّ يَقْرَعُ بَيْنَهُمْ بِسَهْمِ حُرِّيَّةٍ وَثَلَاثَةِ رِقٍّ ، فَمَنْ خَرَجَ لَهُ سَهْمُ الْحُرِّيَّةِ عَتَقَ ، ثُمَّ يَقْرَعُ بَيْنَ السِّتَّةِ بِسَهْمِ حُرِّيَّةٍ وَسَهْمَيْ رِقٍّ ، فَمَنْ خَرَجَ لَهُ سَهْمُ الْحُرِّيَّةِ ، أُعِيدَتْ بَيْنَهُمَا ، فَمَنْ خَرَجَ لَهُ سَهْمُ الْحُرِّيَّةِ كَمَّلَ الثُّلُثَ مِنْهُ .\rوَالثَّالِثُ أَنْ يُجَزِّئَهُمْ ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ ثَلَاثَةٌ ثَلَاثَةٌ وَاثْنَانِ ، وَيَقْرَعُ بَيْنَهُمْ بِسَهْمِ حُرِّيَّةٍ وَسَهْمَيْ رِقٍّ ، فَإِنْ خَرَجَ سَهْمُ الْحُرِّيَّةِ لِلِاثْنَيْنِ عَتَقَا ، وَكَمَّلَ الثُّلُثَ بِالْقُرْعَةِ مِنْ الْبَاقِينَ ، وَإِنْ خَرَجَتْ لَثَلَاثَةٍ ، أَقْرَعَ بَيْنَهُمْ بِسَهْمِ حُرِّيَّةٍ وَسَهْمَيْ رَقٍّ ، ذَكَرَ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ الْآخَرَيْنِ أَبُو الْخَطَّابِ .\rوَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ خَمْسَةٌ أَوْ أَرْبَعَةٌ ، يَجْعَلُ أَكْثَرَهُمْ قِيمَةً مَكَانَ اثْنَيْنِ ، إنْ كَانَا قِيمَتَهُ ، وَإِلَّا أَقْرَعَ بَيْنَ ثَلَاثَةٍ قِيمَتُهُمْ وَاحِدَةٌ ، ثُمَّ يَقْرَعُ بَيْنَ الَّذِي بَقِيَ ، وَاَلَّذِي تُصِيبُهُ الْقُرْعَةُ يَنْظُرُ مَا بَقِيَ مِنْ قِيمَتِهِ مِنْ الثُّلُثِ ، فَيَعْتِقُ حِصَّتُهُ ، فَإِنْ كَانَ جَمِيعُ مَالِهِ عَبْدَيْنِ ، أَقْرَعَنَا بَيْنَهُمَا بِسَهْمِ حُرِّيَّةٍ وَسَهْمِ رِقٍّ ،","part":24,"page":59},{"id":11559,"text":"عَلَى كُلِّ حَالٍ .","part":24,"page":60},{"id":11560,"text":"( 8618 ) فَصْلٌ : وَإِنْ كَانَ لِلْمُعْتِقِ مَالٌ غَيْرُ الْعَبْدِ مِثْلَا قِيمَةُ الْعَبِيدِ أَوْ أَكْثَرُ ، عَتَقَ الْعَبِيدُ كُلُّهُمْ لِخُرُوجِهِمْ مِنْ الثُّلُثِ ، وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ مِثْلَيْهِمْ ، عَتَقَ مِنْ الْعَبْدِ قَدْرُ ثُلُثِ الْمَالِ كُلِّهِ ، فَإِذَا كَانَ الْعَبِيدُ كُلُّهُمْ نِصْفَ الْمَالِ ، عَتَقَ ثُلُثَاهُمْ ، وَإِنْ كَانَا ثُلُثَيْ الْمَالِ ، عَتَقَ نِصْفُهُمْ ، وَإِنْ كَانُوا ثَلَاثَةَ أَرْبَاعِهِ ، عَتَقَ أَرْبَعَةُ أَتْسَاعِهِمْ ، وَطَرِيقُهُ أَنْ تَضْرِبَ قِيمَةَ الْعَبْدِ فِي ثَلَاثَةٍ ، ثُمَّ تَنْسِبَ إلَيْهِ مَبْلَغَ التَّرِكَةِ فَمَا خَرَجَ بِالنِّسْبَةِ عَتَقَ مِنْ الْعَبِيدِ مِثْلُهَا ، فَإِذَا كَانَ قِيمَةُ الْعَبْدِ أَلْفًا ، وَبَاقِي التَّرِكَةِ أَلْفٌ ، ضَرَبْت قِيمَةَ الْعَبْدِ فِي ثَلَاثَةٍ ، تَكُنْ ثَلَاثَةَ آلَافٍ ، ثُمَّ تَنْسِبُ إلَيْهَا الْأَلْفَيْنِ ، تَكُنْ ثُلُثَيْهَا ، فَيَعْتِقُ ثُلُثَاهُمْ .\rوَإِنْ كَانَ قِيمَةُ الْعَبْدِ ثَلَاثَةَ آلَافٍ ، وَبَاقِي التَّرِكَةِ أَلْفٌ ، ضَرَبْت قِيمَتَهُمْ فِي ثَلَاثَةٍ تَكُنْ تِسْعَةَ آلَافٍ وَتَنْسِبُ إلَيْهَا التَّرِكَةَ كُلَّهَا تَكُنْ أَرْبَعَةَ أَتْسَاعِهَا ، وَإِنْ كَانَ قِيمَتُهُمْ أَرْبَعَةَ آلَافٍ وَبَاقِي التَّرِكَةِ أَلْفٌ ضَرَبْت قِيمَتَهُمْ فِي ثَلَاثَةٍ تَكُنْ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا وَنَسَبْت إلَيْهَا خَمْسَةَ آلَافٍ ، تَكُنْ رُبْعَهَا وَسُدُسَهَا ، فَيَعْتِقُ مِنْ الْعَبِيدِ رُبْعُهُمْ وَسُدُسُهُمْ .","part":24,"page":61},{"id":11561,"text":"( 8619 ) فَصْلٌ : وَإِنْ كَانَ عَلَى الْمَيِّتِ دَيْنٌ يُحِيطُ بِالتَّرِكَةِ ، لَمْ يَعْتِقْ مِنْهُمْ شَيْءٌ .\rوَإِنْ كَانَ يُحِيطُ بِبَعْضِهَا ، قُدِّمَ الدَّيْنُ ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ وَصِيَّةٌ ، وَقَدْ { قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ الدَّيْنَ قَبْلَ الْوَصِيَّةِ } .\rوَلِأَنَّ قَضَاءَ الدَّيْنِ وَاجِبٌ ، وَهَذَا تَبَرُّعٌ ، وَتَقْدِيمُ الْوَاجِبِ مُتَعَيِّنٌ .\rوَإِنْ كَانَ الدَّيْنُ بِقَدْرِ نِصْفِ الْعَبِيدِ ، جُعِلُوا جُزْأَيْنِ ، وَكُتِبَتْ رُقْعَتَانِ ؛ رُقْعَةٌ لِلدَّيْنِ ، وَرُقْعَةٌ لِلتَّرِكَةِ ، وَتُخْرَجُ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا عَلَى أَحَدِ الْجُزْأَيْنِ ، فَمَنْ خَرَجَتْ عَلَيْهِ رُقْعَةُ الدَّيْنِ بِيعَ فِيهِ ، وَكَانَ الْبَاقِي مِنْ جَمِيعِ التَّرِكَةِ يَعْتِقُ ثُلُثُهُمْ بِالْقُرْعَةِ ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ .\rوَإِنْ كَانَ الدَّيْنُ بِقَدْرِ ثُلُثِهِمْ كُتِبَتْ ثَلَاثُ رِقَاعٍ ؛ رُقْعَةٌ لِلدَّيْنِ ، وَاثْنَتَانِ لِلتَّرِكَةِ ، وَإِنْ كَانَ بِقَدْرِ رُبْعِهِمْ ، كُتِبَ أَرْبَعُ رِقَاعٍ ؛ رُقْعَةٌ لِلدِّينِ ، وَثَلَاثَةٌ لِلتَّرِكَةِ ، ثُمَّ يُقْرَعُ بَيْنَ مَنْ خَرَجَتْ لَهُ رِقَاعُ التَّرِكَةِ .\rوَإِنْ كُتِبَ رُقْعَةٌ لِلدَّيْنِ ، وَرُقْعَةٌ لِلْحُرِّيَّةِ ، وَرُقْعَتَانِ لِلتَّرِكَةِ ، جَازَ .\rوَقِيلَ : لَا يَجُوزُ ؛ لِئَلَّا تَخْرُجَ رُقْعَةُ الْحُرِّيَّةِ قَبْلَ قَضَاءِ الدَّيْنِ .\rوَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُمْنَعُ مِنْ الْعِتْقِ قَبْلَ قَضَاءِ الدَّيْنِ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ وَفَاءٌ ، فَأَمَّا إذَا كَانَ لَهُ وَفَاءٌ ، لَمْ يُمْنَعْ مِنْهُ ، بِدَلِيلِ مَا لَوْ كَانَ الْعِتْقُ فِي أَقَلَّ مِنْ ثُلُثِ الْبَاقِي بَعْدَ وَفَاءِ الدَّيْنِ ، فَإِنَّهُ لَا يُمْنَعُ مِنْ الْعِتْقِ قَبْلَ وَفَائِهِ .","part":24,"page":62},{"id":11562,"text":"فَصْلٌ : وَإِذَا أَعْتَقَ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ ثَلَاثَةً لَا يَمْلِكُ غَيْرَهُمْ ، أَوْ وَاحِدًا مِنْهُمْ غَيْرَ مُعَيَّنٍ ، فَمَاتَ أَحَدُهُمْ ، أَقْرَعْنَا بَيْنَ الْمَيِّتِ وَالْأَحْيَاءِ ، فَإِنْ وَقَعَتْ عَلَى الْمَيِّتِ ، حَسِبْنَاهُ مِنْ التَّرِكَةِ ، وَقَوَّمْنَاهُ حِينَ الْإِعْتَاقِ ، سَوَاءٌ مَاتَ فِي حَيَاةِ سَيِّدِهِ ، أَوْ بَعْدَهُ قَبْلَ الْقُرْعَةِ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ مَالِكٌ : إنْ مَاتَ قَبْلَ مَوْتِ سَيِّدِهِ ، أَقْرَعْنَا بَيْنَ الْحَيَّيْنِ لِأَنَّهُمَا جَمِيعُ التَّرِكَةِ وَلِهَذَا لَا يَعْتِقُ إلَّا ثُلُثُهُمَا ، وَلَا يُعْتَبَرُ الْمَيِّتُ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَحْسُوبٍ مِنْ التَّرِكَةِ ، وَلِأَنَّهُ لَوْ أَعْتَقَ الْحَيَّيْنِ بَعْدَ مَوْتِهِ ، لَأَعْتَقْنَا ثُلُثَهُمَا .\rوَلَنَا أَنَّ الْمَيِّتَ أَحَدُ الْمُعْتَقِينَ ، فَوَجَبَ أَنْ يُقْرَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ ، كَمَا لَوْ مَاتَ بَعْدَ سَيِّدِهِ ، وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ تَكْمِيلُ الْأَحْكَامِ ، وَحُصُولُ ثَوَابِ الْعِتْقِ ، وَيَحْصُلُ هَذَا فِي الْمَيِّتِ ، فَوَجَبَ أَنْ يَدْخُلَ فِي الْقُرْعَةِ ، كَمَا لَوْ مَاتَ بَعْدَ سَيِّدِهِ .\rفَأَمَّا إنْ وَقَعَتْ الْقُرْعَةُ عَلَى الْحَيِّ ، نَظَرْنَا فِي الْحَيِّ ؛ فَإِنْ كَانَ الْمَيِّتُ مَاتَ قَبْلَ مَوْتِ السَّيِّدِ أَوْ بَعْدَهُ قَبْلَ قَبْضِ الْوَارِثِ لَهُ ، لَمْ نَحْسُبْهُ مِنْ التَّرِكَةِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَصِلْ إلَى الْوَارِثِ ، فَتَكُونُ التَّرِكَةُ الْحَيَّيْنِ ، فَيُخْرَجُ ثُلُثُهُمَا مِمَّنْ وَقَعَتْ عَلَيْهِ الْقُرْعَةُ وَتُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ حِينَ الْإِعْتَاقِ ؛ لِأَنَّهُ حِينُ إتْلَافِهِ ، وَتُعْتَبَرُ قِيمَةُ التَّرِكَةِ بِأَقَلِّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ حِينِ الْمَوْتِ إلَى حِينِ قَبْضِ الْوَارِثِ ؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ فَائِدَةٌ تَجَدَّدَتْ عَلَى مِلْكِ الْوَارِثِ ، فَلَا تُحْسَبُ عَلَيْهِ مِنْ التَّرِكَةِ ، وَالنُّقْصَانُ قَبْلَ الْقَبْضِ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ ، وَلَمْ يَنْتَفِعْ بِهِ ، فَأَشْبَهَ الشَّارِدَ وَالْآبِقَ ، وَإِنَّمَا يُحْسَبُ عَلَيْهِ مَا حَصَلَ فِي يَدِهِ ، وَلَا يُحْسَبُ الْمَيِّتُ مِنْ التَّرِكَةِ ؛ لِأَنَّهُمَا إلَى الْوَرَثَةِ فَيُكَمَّلُ ثُلُثُ الْحَيَّيْنِ مِمَّنْ وَقَعَتْ عَلَيْهِ الْقُرْعَةُ .","part":24,"page":63},{"id":11563,"text":"وَإِنْ كَانَ مَوْتُهُ بَعْدَ قَبْضِ الْوَرَثَةِ ، حُسِبَ مِنْ التَّرِكَةِ ؛ لِأَنَّهُ وَصَلَ إلَيْهِمْ ، وَجَعَلْنَاهُ كَالْحَيِّ ، فِي تَقْوِيمِهِ مَعَهُمْ وَالْحُكْمُ بِإِعْتَاقِهِ إنْ وَقَعَتْ عَلَيْهِ الْقُرْعَةُ ، أَوْ مِنْ الثُّلُثَيْنِ إنْ وَقَعَتْ الْقُرْعَةُ عَلَى غَيْرِهِ ، وَتُحْسَبُ قِيمَتُهُ بِأَقَلِّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ حِينِ مَوْتِ سَيِّدِهِ إلَى حِينِ قَبْضِهِ .\rوَنَحْوُ هَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .","part":24,"page":64},{"id":11564,"text":"( 8621 ) فَصْلٌ : وَإِنْ دَبَّرَ الثَّلَاثَةَ ، أَوْ وَصَّى بِعِتْقِهِمْ ، فَمَاتَ أَحَدُهُمْ فِي حَيَاتِهِ ، بَطَلَ تَدْبِيرُهُ ، وَالْوَصِيَّةُ فِيهِ ، وَأَقْرَعَ بَيْنَ الْحَيَّيْنِ فَأُعْتِقَ مِنْ أَحَدِهِمَا ثُلُثُهُمَا ؛ لِأَنَّ الْمَيِّتَ لَا يُمْكِنُ الْحُكْمُ بِوُقُوعِ الْعِتْقِ فِيهِ ؛ لِكَوْنِهِ مَاتَ قَبْلَ الْوَقْتِ الَّذِي يَعْتِقُ فِيهِ ، وَقَبْلَ أَنْ يَتَحَقَّقَ شَرْطُ الْعِتْقِ ، بِخِلَافِ الَّتِي قَبْلَهَا ؛ فَإِنَّ الْعِتْقَ حَصَلَ مِنْ حِينِ الْإِعْتَاقِ ، وَإِنَّمَا الْقُرْعَةُ تُبَيِّنُهُ وَتَكْشِفُهُ ، وَلِهَذَا يُحْكَمُ بِعِتْقِهِ مِنْ حِينِ الْإِعْتَاقِ ، حَتَّى يَكُونَ كَسْبُهُ لَهُ ، وَحُكْمُهُ حُكْمُ الْأَحْرَارِ فِي سَائِرِ أَحْوَالِهِ .\rوَإِنْ مَاتَ الْمُدَبَّرُ بَعْدَ مَوْتِ سَيِّدِهِ أَقْرَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَحْيَاءِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ حَصَلَ الْعِتْقُ مِنْ حِينِ مَوْتِ السَّيِّدِ .","part":24,"page":65},{"id":11565,"text":"( 8622 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَلَوْ قَالَ لَهُمْ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ : أَحَدُكُمْ حُرٌّ أَوْ : كُلُّكُمْ حُرٌّ .\rوَمَاتَ ، فَكَذَلِكَ ) أَمَّا إذَا قَالَ لَهُمْ : كُلُّكُمْ حُرٌّ .\rفَهِيَ الْمَسْأَلَةُ الَّتِي تَقَدَّمَتْ ، وَشَرَحْنَاهَا .\rوَأَمَّا إذَا قَالَ : أَحَدُكُمْ حُرٌّ .\rفَإِنَّهُ يُقْرَعُ بَيْنَهُمْ ، فَيُخْرَجُ أَحَدُهُمْ بِالْقُرْعَةِ فَيَعْتِقُ ، وَيَرِقُّ الْبَاقُونَ ، وَسَوَاءٌ كَانَ لِلْمَيِّتِ مَالٌ سِوَاهُمْ ، أَوْ لَمْ يَكُنْ ، إذَا كَانَ يَخْرُجُ مِنْ الثُّلُثِ ، وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ الثُّلُثِ ، عَتَقَ مِنْهُ بِقَدْرِ الثُّلُثِ .\rوَلَوْ كَانَ الْمُعْتِقُ حَيًّا ، وَلَمْ يَنْوِ وَاحِدًا بِعَيْنِهِ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ التَّعْيِينُ ، وَأُعْتِقَ أَحَدُهُمْ بِالْقُرْعَةِ .\rوَإِنْ قَالَ : أَرَدْت وَاحِدًا مِنْهُمْ بِعَيْنِهِ .\rقُبِلَ مِنْهُ وَتَعَيَّنَتْ الْحُرِّيَّةُ فِيهِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ : لَهُ تَعْيِينُ أَحَدِهِمْ ، فَيَعْتِقُ مَنْ عَيَّنَهُ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ نَوَاهُ حَالَةَ الْقَوْلِ ، وَيُطَالَبُ الْمُعْتِقُ بِالتَّعْيِينِ ، فَإِذَا عَيَّنَ أَحَدَهُمْ تَعَيَّنَ حَسَبَ اخْتِيَارِهِ وَلَمْ يَكُنْ لِسَائِرِ الْعَبِيدِ الِاعْتِرَاضُ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ تَعْيِينَ الْعِتْقِ ابْتِدَاءً ، فَإِذَا أَوْقَعَهُ غَيْرَ مُعَيَّنٍ ، كَانَ لَهُ تَعْيِينُهُ ، كَالطَّلَاقِ .\rوَلَنَا أَنَّ مُسْتَحِقَّ الْعِتْقِ غَيْرُ مُعَيَّنٍ ، فَلَمْ يَمْلِكْ تَعْيِينَهُ ، كَمَا لَوْ أَعْتَقَ الْجَمِيعَ فِي مَرَضِهِ وَلَمْ يَخْرُجُوا مِنْ الثُّلُثِ ، وَكَمَا لَوْ أَعْتَقَ مُعَيَّنًا ثُمَّ نَسِيَهُ وَالطَّلَاقُ كَمَسْأَلَتِنَا .\rفَأَمَّا إنْ مَاتَ الْمُعْتِقُ وَلَمْ يُعَيِّنْ ، فَالْحُكْمُ عِنْدَنَا لَا يَخْتَلِفُ ، وَلَيْسَ لِلْوَرَثَةِ التَّعْيِينُ ، بَلْ يُخْرَجُ الْمُعْتَقُ بِالْقُرْعَةِ .\rوَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيُّ عَلَى هَذَا إذَا قَالُوا : لَا نَدْرِي أَيَّهُمْ أَعْتَقَ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَهُمْ التَّعْيِينُ ؛ لِأَنَّهُمْ يَقُومُونَ مَقَامَ مَوْرُوثِهِمْ .\rوَقَدْ سَبَقَ الْكَلَامُ فِي الْمُعْتَقِ .","part":24,"page":66},{"id":11566,"text":"( 8623 ) فَصْلٌ : وَلَوْ أَعْتَقَ إحْدَى إمَائِهِ ، ثُمَّ وَطِئَ إحْدَاهُنَّ لَمْ يَتَعَيَّنْ الرِّقُّ فِيهَا .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يَتَعَيَّنُ الرِّقُّ فِيهَا .\rلِأَنَّ الْحُرِّيَّةَ عِنْدَهُ تَتَعَيَّنُ بِتَعْيِينِهِ ، وَوَطْؤُهُ دَلِيلٌ عَلَى تَعْيِينِهِ .\rوَقَدْ سَبَقَ الْكَلَامُ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ .\rوَلِأَنَّ الْمُعْتَقَةَ وَاحِدَةٌ ، فَلَمْ تَتَعَيَّنْ بِالْوَطْءِ ، كَمَا لَوْ أَعْتَقَ وَاحِدَةً ثُمَّ نَسِيَهَا .","part":24,"page":67},{"id":11567,"text":"( 8624 ) فَصْلٌ : وَإِذَا أَعْتَقَ وَاحِدًا بِعَيْنِهِ ، وَنَسِيَهُ ، فَقِيَاسُ قَوْلِ أَحْمَدَ ، أَنْ يَعْتِقَ أَحَدُهُمْ بِالْقُرْعَةِ .\rوَهَذَا قَوْلُ اللَّيْثِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يَقِفُ الْأَمْرُ حَتَّى يَذْكُرَ ، فَإِنْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَتَبَيَّنَ ، أَقْرَعَ الْوَرَثَةُ بَيْنَهُمْ ، وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ يَعْتِقُونَ كُلُّهُمْ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : إنْ أَعْتَقَ عَبْدًا لَهُ وَمَاتَ ، وَلَمْ يُبَيِّنْ فَكَانُوا ثَلَاثَةً ، عَتَقَ مِنْهُمْ بِقَدْرِ ثُلُثِهِمْ ، وَإِنْ كَانُوا أَرْبَعَةً ، عَتَقَ مِنْهُمْ بِقَدْرِ رُبْعِ قِيمَتِهِمْ .\rوَعَلَى هَذَا فَيُقْرَعُ بَيْنَهُمْ ، فَإِنْ خَرَجَتْ الْقُرْعَةُ عَلَى مَنْ قِيمَتُهُ أَقَلُّ مِنْ الرُّبْعِ ، أُعِيدَتْ الْقُرْعَةُ حَتَّى تَكْمُلَ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ : الرَّأْيِ : إنْ قَالَ الشُّهُودُ : نَشْهَدُ أَنَّ فُلَانًا أَعْتَقَ أَحَدَ عَبِيدِهِ ، وَلَمْ يُسَمِّ .\rعَتَقَ ثُلُثُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ، وَسَعَى فِي بَاقِيه ، أَوْ رُبْعُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ إنْ كَانُوا أَرْبَعَةً ، وَإِنْ قَالُوا : نَشْهَدُ أَنَّ فُلَانًا أَعْتَقَ بَعْضَ عَبِيدِهِ وَنَسِينَاهُ .\rفَشَهَادَتُهُمْ بَاطِلَةٌ .\rوَنَحْوُ هَذَا قَوْلُ الشَّعْبِيِّ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ وَلَمْ يَذْكُرَا مَا ذَكَرَهُ أَصْحَابُ الرَّأْيِ فِي الشَّهَادَةِ .\rوَلَنَا أَنَّ مُسْتَحِقَّ الْعِتْقِ غَيْرُ مُعَيَّنٍ فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَعْتَقَ جَمِيعَهُمْ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ ، فَإِنْ أَقْرَعَ ، بَيْنَهُمْ فَخَرَجَتْ الْقُرْعَةُ لَوَاحِدٍ ، ثُمَّ قَالَ الْمُعْتِقُ : ذَكَرْت أَنَّ الْمُعْتَقَ غَيْرُهُ .\rفَفِيهِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا ، يُرَدُّ الْأَوَّلُ إلَى الرِّقِّ ، وَيَعْتِقُ الَّذِي عَيَّنَهُ ؛ لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ لَهُ الْمُعْتَقُ ، فَعَتَقَ دُونَ غَيْرِهِ ، كَمَا لَوْ لَمْ يُقْرَعْ .\rوَالثَّانِي ، يَعْتِقَانِ مَعًا .\rوَهُوَ قَوْلُ اللَّيْثِ ، وَمُقْتَضَى قَوْلِ ابْنِ حَامِدٍ لِأَنَّ الْأَوَّلَ ثَبَتَتْ الْحُرِّيَّةُ فِيهِ بِالْقُرْعَةِ ، فَلَا تَزُولُ ، كَسَائِرِ الْأَحْرَارِ ، وَلِأَنَّ قَوْلَ الْمُعْتِقِ : ذَكَرْت مَنْ كُنْت نَسِيته .\rيَتَضَمَّنُ إقْرَارًا عَلَيْهِ بِحُرِّيَّةِ مَنْ ذَكَرَهُ ، وَإِقْرَارًا عَلَى غَيْرِهِ ، فَقُبِلَ إقْرَارُهُ عَلَى نَفْسِهِ ،","part":24,"page":68},{"id":11568,"text":"وَلَمْ يُقْبَلْ عَلَى غَيْرِهِ .\rوَأَمَّا إذَا لَمْ يُقْرَعْ ، فَإِنَّهُ يُقْبَلُ قَوْلُهُ ، فَيَعْتِقُ مَنْ عَيَّنَهُ ، وَيَرِقُّ غَيْرُهُ ، فَإِذَا قَالَ : أَعْتَقْت هَذَا .\rعَتَقَ ، وَرَقَّ الْبَاقُونَ ، وَإِنْ قَالَ : أَعْتَقْت هَذَا ، لَا بَلْ هَذَا .\rعَتَقَا جَمِيعًا ؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِعِتْقِ الْأَوَّلِ فَلَزِمَهُ ، ثُمَّ أَقَرَّ بِعِتْقِ الثَّانِي فَلَزِمَهُ ، وَلَمْ يُقْبَلْ رُجُوعُهُ عَنْ إقْرَارِهِ الْأَوَّلِ .\rوَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي إقْرَارِ الْوَارِثِ .","part":24,"page":69},{"id":11569,"text":"( 8625 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ ( وَإِذَا مَلَكَ نِصْفَ عَبْدٍ ، فَدَبَّرَهُ أَوْ أَعْتَقَهُ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ ، فَعَتَقَ بِمَوْتِهِ ، وَكَانَ ثُلُثُ مَالِهِ يَفِي بِقِيمَةِ النِّصْفِ الَّذِي لِشَرِيكِهِ ، أُعْطِي ، وَكَانَ كُلُّهُ حُرًّا فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ .\rوَالْأُخْرَى ، لَا يَعْتِقُ إلَّا حِصَّتُهُ وَإِنْ حَمَلَ ثُلُثُ مَالِهِ قِيمَةَ حِصَّةِ شَرِيكِهِ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ إذَا مَلَكَ شِقْصًا مِنْ عَبْدٍ ، فَأَعْتَقَهُ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ ، أَوْ دَبَّرَهُ ، أَوْ وَصَّى بِعِتْقِهِ ثُمَّ مَاتَ ، وَلَمْ يَفِ ثُلُثُ مَالِهِ بِقِيمَةِ نَصِيبِ الشَّرِيكِ ، لَمْ يَعْتِقْ إلَّا نَصِيبُهُ .\rبِلَا خِلَافٍ نَعْلَمُهُ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ ، إلَّا قَوْلًا شَاذًّا ، أَوْ قَوْلَ مَنْ يَرَى السِّعَايَةَ ؛ وَذَلِكَ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ مَالِهِ إلَّا الثُّلُثُ الَّذِي اسْتَغْرَقَتْهُ قِيمَةُ الشِّقْصِ ، فَيَبْقَى مُعْسِرًا ، بِمَنْزِلَةِ مَنْ أَعْتَقَ فِي صِحَّتِهِ شِقْصًا وَهُوَ مُعْسِرٌ .\rفَأَمَّا إنْ كَانَ ثُلُثُ مَاله يَفِي بِقِيمَةِ حِصَّةِ شَرِيكِهِ ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ إحْدَاهُمَا ، يَسْرِي إلَى نَصِيبِ الشَّرِيكِ ، فَيَعْتِقُ الْعَبْدُ جَمِيعُهُ ، وَيُعْطَى الشَّرِيكُ قِيمَةَ نَصِيبِهِ مِنْ ثُلُثِهِ ؛ لِأَنَّ ثُلُثَ الْمَالِ لِلْمُعْتِقِ وَالْمِلْكُ فِيهِ تَامٌّ ، وَلَهُ التَّصَرُّفُ فِيهِ بِالتَّبَرُّعِ وَالْإِعْتَاقِ وَغَيْرِهِ ، فَجَرَى مَجْرَى مَالِ الصَّحِيحِ ، فَيَسْرِي عِتْقُهُ ، كَسِرَايَةِ عِتْقِ الصَّحِيحِ الْمُوسِرِ .\rوَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ ، لَا يَعْتِقُ إلَّا حِصَّتُهُ ؛ لِأَنَّهُ بِمَوْتِهِ يَزُولُ مِلْكُهُ إلَى وَرَثَتِهِ ، فَلَا يَبْقَى شَيْءٌ يُقْضَى مِنْهَا لِلشَّرِيكِ .\rوَبِهَذَا قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ ؛ لِأَنَّ الْمَيِّتَ لَا يُضَارُّ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : مَا أَعْتَقَهُ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ سَرَى ، وَمَا دَبَّرَهُ أَوْ وَصَّى بِعِتْقِهِ لَمْ يَسْرِ .\rوَقَالَ الرِّوَايَةُ فِي سِرَايَةِ الْعِتْقِ حَالَ الْحَيَاةِ أَصَحُّ ، وَالرِّوَايَةُ فِي وُقُوفِهِ فِي التَّدْبِيرِ أَصَحُّ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ فِي الْحَيَاةِ يَنْفُذُ فِي حَالِ مِلْكِ الْعِتْقِ وَصِحَّةِ تَصَرُّفِهِ ، وَتَصَرُّفُهُ فِي ثُلُثِهِ","part":24,"page":70},{"id":11570,"text":"كَتَصَرُّفِ الصَّحِيحِ فِي جَمِيعِ مَالِهِ ، وَأَمَّا التَّدْبِيرُ وَالْوَصِيَّةُ ، فَإِنَّمَا يَحْصُلُ الْعِتْقُ بِهِ فِي حَالٍ يَزُولُ مِلْكُ الْمُعْتِقِ وَتَصَرُّفَاتُهُ .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":24,"page":71},{"id":11571,"text":"( 8626 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ ( وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ إذَا دَبَّرَ بَعْضَهُ ، وَهُوَ مَالِكٌ لِكُلِّهِ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ إذَا دَبَّرَ بَعْضَ عَبْدِهِ ، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ : إذَا مِتُّ فَنِصْفُ عَبْدِي حُرٌّ .\rثُمَّ مَاتَ ، فَإِنْ كَانَ النِّصْفُ الْمُدَبَّرُ ثُلُثَ مَالِهِ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ ، عَتَقَ ، وَلَمْ يَسْرِ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ دَبَّرَهُ كُلَّهُ لَمْ يَعْتِقْ مِنْهُ إلَّا ثُلُثُهُ ، فَإِذَا لَمْ يُدَبِّرْ إلَّا ثُلُثَهُ كَانَ أُولَى .\rوَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ كُلُّهُ يَخْرُجُ مِنْ الثُّلُثِ ، فَفِي تَكْمِيلِ الْحُرِّيَّةِ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، تُكَمَّلُ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ ؛ لِأَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ وَأَصْحَابَهُ يَرَوْنَ التَّدْبِيرَ كَالْإِعْتَاقِ فِي السِّرَايَةِ .\rوَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ إعْتَاقٌ لِبَعْضِ عَبْدِهِ ، فَعَتَقَ جَمِيعُهُ ، كَمَا لَوْ أَعْتَقَهُ فِي حَيَاتِهِ .\rوَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ ، لَا يُكَمَّلُ الْعِتْقُ فِيهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْنَعُ جَوَازَ الْبَيْعِ ، فَلَا يَسْرِي ، كَتَعْلِيقِهِ بِالصِّفَةِ .","part":24,"page":72},{"id":11572,"text":"( 8627 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا إنْ أَعْتَقَ بَعْضَ عَبْدِهِ فِي مَرَضِهِ ، فَهُوَ كَعِتْقِ جَمِيعِهِ ، إنْ خَرَجَ مِنْ الثُّلُثِ عَتَقَ جَمِيعُهُ ، وَإِلَّا عَتَقَ مِنْهُ بِقَدْرِ الثُّلُثِ ؛ لِأَنَّ الْإِعْتَاقَ فِي الْمَرَضِ كَالْإِعْتَاقِ فِي الصِّحَّةِ ، إلَّا فِي اعْتِبَارِهِ مِنْ الثُّلُثِ ، وَتَصَرُّفُ الْمَرِيضِ فِي ثُلُثِهِ فِي حَقِّ الْأَجْنَبِيِّ ، كَتَصَرُّفِ الصَّحِيحِ فِي جَمِيعِ مَالِهِ ، كَمَا لَوْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ وَثُلُثُهُ يَحْتَمِلُ جَمِيعَهُ ، وَعَنْهُ ، لَا يَعْتِقُ مِنْهُ إلَّا مَا عَتَقَ .","part":24,"page":73},{"id":11573,"text":"( 8628 ) فَصْلٌ : وَإِذَا دَبَّرَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ حِصَّتَهُ ، صَحَّ ، وَلَمْ يَلْزَمْهُ فِي الْحَالِ لِشَرِيكِهِ شَيْءٌ .\rوَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، فَإِذَا مَاتَ ، عَتَقَ الْجُزْءُ الَّذِي دَبَّرَهُ ، إذَا خَرَجَ مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ .\rوَفِي سِرَايَته إلَى نَصِيبِ الشَّرِيكِ مَا ذَكَرْنَا فِي الْمَسْأَلَةِ وَقَبْلَهَا ، وَقَالَ مَالِكٌ : إذَا دَبَّرَ نَصِيبَهُ ، تَقَاوَمَاهُ ، فَإِنْ صَارَ لِلْمُدَبَّرِ ، صَارَ مُدَبَّرًا كُلُّهُ ، وَإِنْ صَارَ لِلْآخَرِ ، صَارَ رَقِيقًا كُلُّهُ .\rوَقَالَ اللَّيْثُ : يَغْرَمُ الْمُدَبَّرُ لِشَرِيكِهِ قِيمَةَ نَصِيبِهِ ، وَيَصِيرُ الْعَبْدُ كُلُّهُ مُدَبَّرًا ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ ، سَعَى الْعَبْدُ فِي قِيمَةِ نَصِيبِ الشَّرِيكِ ، فَإِذَا أَدَّاهَا ، صَارَ مُدَبَّرًا كُلُّهُ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ : يَضْمَنُ الْمُدَبَّرُ لِلشَّرِيكِ قِيمَةَ حَقِّهِ ، مُوسِرًا كَانَ أَوْ مُعْسِرًا وَيَصِيرُ الْمُدَبَّرُ لَهُ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : الشَّرِيكُ بِالْخِيَارِ ؛ إنْ شَاءَ دَبَّرَ ، وَإِنْ شَاءَ أَعْتَقَ ، وَإِنْ شَاءَ اسْتَسْعَى الْعَبْدَ ، وَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَ صَاحِبَهُ إنْ كَانَ مُوسِرًا .\rوَلَنَا أَنَّهُ تَعْلِيقٌ لِلْعِتْقِ عَلَى صِفَةٍ ، فَصَحَّ فِي نَصِيبِهِ ، كَمَا لَوْ عَلَّقَهُ بِمَوْتِ شَرِيكِهِ .","part":24,"page":74},{"id":11574,"text":"( 8629 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَلَوْ أَعْتَقَهُمْ وَثُلُثُهُ يَحْتَمِلُهُمْ ، فَأَعْتَقْنَاهُمْ ، ثُمَّ ظَهَرَ عَلَيْهِ دَيْنٌ يَسْتَغْرِقُهُمْ ، بِعْنَاهُمْ فِي دَيْنه ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْمَرِيضَ إذَا أَعْتَقَ عَبِيدَهُ فِي الْمَرَضِ ، أَوْ دَبَّرَهُمْ ، أَوْ وَصَّى بِعِتْقِهِمْ ، وَمَاتَ ثُمَّ ظَهَرَ عَلَيْهِ دَيْنٌ وَهُمْ يَخْرُجُونَ مِنْ ثُلُثِهِ فِي الظَّاهِرِ ، فَأَعْتَقْنَاهُمْ ، ثُمَّ ظَهَرَ عَلَيْهِ دَيْنٌ يَسْتَغْرِقُ التَّرِكَةَ ، تَبَيَّنَّا بُطْلَانَ عِتْقِهِمْ وَبَقَاءَ رِقِّهِمْ ، فَيُبَاعُونَ فِي الدَّيْنِ ، وَيَكُونُ عِتْقُهُمْ وَصِيَّةً ، وَالدَّيْنَ مُقَدَّمٌ عَلَى الْوَصِيَّةِ ؛ وَلِهَذَا قَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ { : إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى أَنَّ الدَّيْنَ قَبْلَ الْوَصِيَّةِ } وَلِأَنَّ الدَّيْنَ مُقَدَّمٌ عَلَى الْمِيرَاثِ بِالِاتِّفَاقِ ، وَلِهَذَا تُبَاعُ التَّرِكَةُ فِي قَضَاءِ الدَّيْنِ ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ } وَالْمِيرَاثُ مُقَدَّمٌ عَلَى الْوَصِيَّةِ فِي الثُّلُثَيْنِ ، فَمَا تَقَدَّمَ عَلَى الْمِيرَاثِ ، يَجِبُ أَنْ يُقَدَّمَ عَلَى الْوَصِيَّةِ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَرَدَّ ابْنُ أَبِي لَيْلَى عَبْدًا أَعْتَقَهُ سَيِّدُهُ عِنْدَ الْمَوْتِ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ .\rقَالَ أَحْمَدُ : أَحْسَنِ ابْنُ أَبِي لَيْلَى وَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ عَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةً فِي الَّذِي يُعْتِقُ عَبْدَهُ فِي مَرَضِهِ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ أَنَّهُ يَعْتِقُ مِنْهُ بِقَدْرِ الثُّلُثِ ، وَيُرَدُّ الْبَاقِي .\rوَقَالَ قَتَادَةُ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ وَإِسْحَاقُ : يَسْعَى الْعَبْدُ فِي قِيمَتِهِ .\rوَلَنَا أَنَّهُ تَبَرَّعَ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ بِمَا يُعْتَبَرُ خُرُوجُهُ مِنْ الثُّلُثِ ، فَقُدِّمَ عَلَيْهِ الدَّيْنُ كَالْهِبَةِ ، وَلِأَنَّهُ يُعْتَبَرُ مِنْ الثُّلُثِ ، فَقُدِّمَ عَلَيْهِ الدَّيْنُ ، كَالْوَصِيَّةِ ، وَخَفَاءُ الدَّيْنِ لَا يَمْنَعُ ثُبُوتَ حُكْمِهِ ، وَلِهَذَا يَمْلِكُ الْغَرِيمُ اسْتِيفَاءَهُ .\rفَعَلَى هَذَا تَبَيَّنَ أَنَّهُ أَعْتَقَهُمْ وَقَدْ اسْتَحَقَّهُمْ الْغَرِيمُ بِدَيْنِهِ ، فَلَمْ يَنْفُذْ عِتْقُهُ ، كَمَا لَوْ أَعْتَقَ","part":24,"page":75},{"id":11575,"text":"مِلْكَ غَيْرِهِ .\rفَإِنْ قَالَ الْوَرَثَةُ : نَحْنُ نَقْضِي الدَّيْنَ ، وَنُمْضِي الْعِتْقَ .\rفَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، لَا يَنْفُذُ حَتَّى يَبْتَدِئُوا الْعِتْقَ ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ كَانَ مَانِعًا مِنْهُ فَيَكُونُ بَاطِلًا ، وَلَا يَصِحُّ بِزَوَالِ الْمَانِعِ بَعْدَهُ .\rوَالثَّانِي ، يَنْفُذُ الْعِتْقُ ؛ لِأَنَّ الْمَانِعَ مِنْهُ إنَّمَا هُوَ الدَّيْنُ ، فَإِذَا سَقَطَ وَجَبَ نُفُوذُهُ ، كَمَا لَوْ أَسْقَطَ الْوَرَثَةُ حُقُوقَهُمْ مِنْ ثُلُثَيْ التَّرِكَةِ ، نَفَذَ الْعِتْقُ فِي الْجَمِيعِ .\rوَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَجْهَانِ كَهَذَيْنِ .\rوَقَالُوا : إنَّ أَصْلَ الْوَجْهَيْنِ ، إذَا تَصَرَّفَ الْوَرَثَةُ فِي التَّرِكَةِ بِبَيْعٍ أَوْ غَيْرِهِ ، وَعَلَى الْمَيِّتِ دَيْنٌ ، وَقُضِيَ الدَّيْنُ ، هَلْ يَنْفُذُ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ .","part":24,"page":76},{"id":11576,"text":"( 8630 ) فَصْلٌ : فَإِنْ أَعْتَقَ الْمَرِيضُ ثَلَاثَةَ أَعْبُدْ ، لَا مَالَ لَهُ غَيْرُهُمْ فَأَقْرَعَ الْوَرَثَةُ فَأَعْتَقُوا وَاحِدًا وَأَرَقُّوا اثْنَيْنِ ، ثُمَّ ظَهَرَ عَلَيْهِ دَيْنٌ يَسْتَغْرِقُ نِصْفَهُمْ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، تَبْطُلُ الْقُرْعَةُ ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ شَرِيكٌ فِي الْإِقْرَاعِ ، فَإِذَا حَصَلَتْ الْقِسْمَةُ مَعَ عَدَمِهِ كَانَتْ بَاطِلَةً ، كَمَا لَوْ قَسَمَ شَرِيكَانِ دُونَ شَرِيكِهِمَا الثَّالِثِ .\rالثَّانِي ، يَصِحُّ الْإِقْرَاعُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ إمْضَاءُ الْقِسْمَةِ وَإِفْرَادُ حِصَّةِ الدَّيْنِ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ النَّصِيبَيْنِ ، لِأَنَّ الْقُرْعَةَ دَخَلَتْ لِأَجْلِ الْعِتْقِ دُونَ الدَّيْنِ ، فَيُقَالُ لِلْوَرَثَةِ اقْضُوا ثُلُثَيْ الدَّيْنِ .\rوَهُوَ بِقَدْرِ قِيمَةِ نِصْفِ الْعَبْدَيْنِ اللَّذَيْنِ بَقِيَا إمَّا مِنْ الْعَبِيدِ ، وَإِمَّا مِنْ غَيْرِهِمْ ، وَيَجِبُ رَدُّ نِصْفِ الْعَبْدِ الَّذِي عَتَقَ ، فَإِذَا كَانَ الَّذِي أَعْتَقَ عَبْدَيْنِ ، أَقْرَعْنَا بَيْنَهُمَا ، فَإِذَا خَرَجَتْ الْقُرْعَةُ عَلَى أَحَدِهِمَا ، فَكَانَ بِقَدْرِ سُدُسِ التَّرِكَةِ ، عَتَقَ ، وَبِيعَ الْآخَرُ فِي الدَّيْنِ ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ ، عَتَقَ مِنْهُ بِقَدْرِ السُّدُسِ ، وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ عَتَقَ ، وَعَتَقَ مِنْ الْآخَرِ تَمَامُ السُّدُسِ .","part":24,"page":77},{"id":11577,"text":"( 8631 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَلَوْ أَعْتَقَهُمْ ، وَهُمْ ثَلَاثَةٌ ، فَأَعْتَقْنَا مِنْهُمْ وَاحِدًا لِعَجْزِ ثُلُثِهِ عَنْ أَكْثَرَ مِنْهُ ، ثُمَّ ظَهَرَ لَهُ مَالٌ يُخْرِجُونَ مِنْ ثُلُثِهِ ، عَتَقَ مَنْ أَرْقِ مِنْهُمْ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ إذَا أَعْتَقَ ثَلَاثَةً فِي مَرَضِهِ ، لَمْ يُعْرَفْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُمْ ، أَوْ دَبَّرَهُمْ ، أَوْ وَصَّى بِعِتْقِهِمْ لَمْ يَعْتِقْ مِنْهُمْ إلَّا ثُلُثُهُمْ ، وَيَرِقُّ الثُّلُثَانِ ، إذَا لَمْ يُجِزْ الْوَرَثَةُ عِتْقَهُمْ ، فَإِذَا فَعَلْنَا ذَلِكَ ، ثُمَّ ظَهَرَ لَهُ مَالٌ بِقَدْرِ مِثْلَيْهِمْ تَبَيَّنَّا أَنَّهُمْ قَدْ عَتَقُوا مِنْ حِينِ أَعْتَقَهُمْ ، أَوْ مِنْ حِينِ مَوْتِهِ إنْ كَانَ دَبَّرَهُمْ ؛ لِأَنَّهُ التَّدْبِيرَ وَتَصَرُّفَ الْمَرِيضِ فِي ثُلُثِ مَالِهِ جَائِزٌ نَافِذٌ ، وَقَدْ بَانَ أَنَّهُمْ ثُلُثُ مَالِهِ ، وَخَفَاءُ ذَلِكَ عَلَيْنَا لَا يَمْنَعُ كَوْنَهُ مَوْجُودًا ، فَلَا يَمْنَعُ كَوْنَ الْعِتْقِ وَاقِعًا .\rفَعَلَى هَذَا ، يَكُونُ حُكْمُهُمْ حُكْمَ الْأَحْرَارِ مِنْ حِينَ أَعْتَقَهُمْ ، فَيَكُونُ كَسْبُهُمْ .\rلَهُمْ ، وَإِنْ كَانُوا قَدْ تَصَرَّفَ فِيهِمْ بِبَيْعٍ ، أَوْ هِبَةٍ ، أَوْ رَهْنٍ ، أَوْ تَزْوِيجٍ بِغَيْرِ إذْنٍ ، كَانَ ذَلِكَ بَاطِلًا .\rوَإِنْ كَانُوا قَدْ تَصَرَّفُوا ، فَحُكْمُ تَصَرُّفِهِمْ حُكْمُ تَصَرُّفِ الْأَحْرَارِ ، فَلَوْ تَزَوَّجَ عَبْدٌ مِنْهُمْ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ ، كَانَ نِكَاحُهُ صَحِيحًا ، وَالْمَهْرُ عَلَيْهِ وَاجِبٌ ، وَإِنْ ظَهَرَ لَهُ مَالٌ بِقَدْرِ قِيمَتِهِمْ ، عَتَقَ ثُلُثَاهُمْ ؛ لِأَنَّهَا ثُلُثُ جَمِيعِ الْمَالِ ، فَيُقْرَعُ بَيْنَ الِاثْنَيْنِ اللَّذَيْنِ أَوْقَفْنَاهُمَا ، فَيَعْتِقُ أَحَدُهُمَا ، وَيَرِقُّ الْآخَرُ ، إنْ كَانَا مُتَسَاوِيَيْنِ فِي الْقِيمَةِ .\rوَإِنْ ظَهَرَ لَهُ مَالٌ بِقَدْرِ نِصْفِهِمْ ، عَتَقَ نِصْفُهُمْ ، وَإِنْ كَانَ بِقَدْرِ ثُلُثِهِمْ ، عَتَقَ أَرْبَعَةُ أَتْسَاعِهِمْ ، وَكَلَّمَا ظَهَرَ لَهُ مَالٌ ، عَتَقَ مِنْ الْعَبْدَيْنِ اللَّذَيْنِ رَقَّا بِقَدْرِ ثُلُثِهِ .","part":24,"page":78},{"id":11578,"text":"( 8632 ) فَصْلٌ : وَإِذَا وَصَّى بِعِتْقِ عَبْدٍ لَهُ يَخْرُجُ مِنْ ثُلُثِهِ ، وَجَبَ عَلَى الْوَصِيِّ إعْتَاقُهُ ، فَإِنْ أَوْصَى بِذَلِكَ وَرَثَتَهُ ، لَزِمَهُمْ إعْتَاقُهُ ، فَإِنْ امْتَنَعُوا ، أَجْبَرَهُمْ السُّلْطَانُ ، فَإِنْ أَصَرُّوا عَلَى الِامْتِنَاعِ ، أَعْتَقَهُ السُّلْطَانُ ، أَوْ مَنْ يَنُوبُ مَنَابَهُ ، كَالْحَاكِمِ ؛ لِأَنَّ هَذَا حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى وَلِلْعَبْدِ ، وَمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ ذَلِكَ ، نَابَ السُّلْطَانُ عَنْهُ أَوْ نَائِبُهُ ، كَالزَّكَاةِ وَالدُّيُونِ .\rفَإِذَا أَعْتَقَهُ الْوَارِثُ أَوْ السُّلْطَانِ عَتَقَ ، وَمَا اكْتَسَبَهُ فِي حَيَاةِ الْمُوصِي ، فَهُوَ لِلْمُوصِي ، يَكُونُ مِنْ جُمْلَةِ تَرِكَتِهِ إنْ بَقِيَ بَعْدَهُ ؛ لِأَنَّهُ كَسْبُ عَبْدِهِ الْقِنِّ وَمَا كَسَبَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ وَقَبْلَ إعْتَاقِهِ ، فَهُوَ لِلْوَارِثِ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : هُوَ لِلْعَبْدِ ؛ لِأَنَّهُ كَسَبَهُ بَعْدَ اسْتِقْرَارِ سَبَبِ الْعِتْقِ فِيهِ ، فَكَانَ لَهُ كَكَسْبِ الْمُكَاتَبِ .\rوَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ : فِيهِ قَوْلَانِ ، مَبْنِيَّانِ عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِي كَسْبِ الْعَبْدِ الْمُوصَى بِهِ قَبْلَ قَبُولِ الْوَصِيَّةِ .\rوَلَنَا أَنَّهُ عَبْدٌ قِنٌّ ، فَكَانَ كَسْبُهُ لِلْوَرَثَةِ ، كَغَيْرِ الْمُوصَى بِعِتْقِهِ ، وَكَالْمُعَلَّقِ عِتْقُهُ بِصِفَةٍ .\rوَفَارَقَ الْمُكَاتَبَ ؛ فَإِنَّهُ يَمْلِكُ كَسْبَهُ قَبْلَ عِتْقِهِ ، فَكَذَلِكَ بَعْدَهُ .\rوَيَبْطُلُ مَا ذَكَرُوهُ بِأُمِّ الْوَلَدِ ؛ فَإِنَّ عِتْقَهَا قَدْ اسْتَقَرَّ سَبَبُهُ فِي حَيَاةِ سَيِّدِهَا ، وَكَسْبُهَا لَهُ .\rوَالْمُوصَيْ بِهِ لَا نُسَلِّمُهُ ، وَإِنْ سَلَّمْنَاهُ ، فَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا ، أَنَّ الْمُوصَى بِهِ قَدْ تُحَقَّقَ فِيهِ سَبَبُ الْمِلْكِ ، وَإِنَّمَا وُقِفَ عَلَى شَرْطٍ هُوَ الْقَبُولُ ، فَإِذَا وُجِدَ الشَّرْطُ ، اسْتَنَدَ الْحُكْمُ إلَى ابْتِدَاءِ السَّبَبِ ، وَفِي الْوَصِيَّةِ بِالْعِتْقِ مَا وُجِدَ السَّبَبُ ، وَإِنَّمَا أَوْصَى بِإِيجَادِهِ ، وَهُوَ الْعِتْقُ ، فَإِذَا وُجِدَ ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يَثْبُتَ حُكْمُهُ سَابِقًا عَلَيْهِ ، وَلِهَذَا يَمْلِكُ الْمُوصَى لَهُ أَنْ يَقْبَلَ بِنَفْسِهِ ، وَهَا هُنَا لَا يَمْلِكُ الْعَبْدُ أَنْ يَعْتِقَ نَفْسَهُ .","part":24,"page":79},{"id":11579,"text":"وَإِنْ مَاتَ الْعَبْدُ بَعْدَ تَمَامِ مَوْتِ سَيِّدِهِ ، وَقَبْلَ إعْتَاقِهِ ، فَمَا كَسَبَهُ لِلْوَرَثَةِ ، عَلَى قَوْلِنَا ، وَلَا أَعْلَمُ قَوْلَ مَنْ خَالَفَنَا فِيهِ .","part":24,"page":80},{"id":11580,"text":"( 8633 ) فَصْلٌ : فَإِنْ عَلَّقَ عِتْقَ عَبْدِهِ عَلَى شَرْطٍ فِي صِحَّتِهِ ، فَوُجِدَ فِي مَرَضِهِ ، اُعْتُبِرَ خُرُوجُهُ مِنْ الثُّلُثِ .\rقَالَهُ أَبُو بَكْرٍ ، قَالَ : وَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى مِثْلِ هَذَا فِي الطَّلَاقِ .\rوَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : فِيهِ وَجْهٌ آخَرُ ، أَنَّهُ يَعْتِقُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُتَّهَمُ فِيهِ فَأَشْبَهَ ، الْعِتْقَ فِي صِحَّتِهِ .\rوَلَنَا أَنَّهُ عَتَقَ فِي حَالِ تَعَلُّقِ حَقِّ الْوَرَثَةِ بِثُلُثَيْ مَالِهِ ، فَاعْتُبِرَ مِنْ الثُّلُثِ ، كَالْمُنَجَّزِ .\rوَقَوْلُهُمْ : لَا يُتَّهَمُ فِيهِ قُلْنَا : وَكَذَلِكَ الْعِتْقُ الْمُنَجَّزُ ، لَا يُتَّهَمُ فِيهِ ؛ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ لَا يُتَّهَمُ بِمُحَابَاةِ غَيْرِ الْوَارِثِ ، وَتَقْدِيمِهِ عَلَى وَارِثِهِ ، وَإِنَّمَا مُنِعَ مِنْهُ ، لِمَا فِيهِ مِنْ الضَّرَرِ بِالْوَرَثَةِ ، وَهَذَا حَاصِلٌ هَاهُنَا .\rوَلَوْ قَالَ إذَا قَدِمَ زَيْدٌ ، وَأَنَا مَرِيضٌ فَأَنْتَ حُرٌّ .\rفَقَدِمَ وَهُوَ مَرِيضٌ ، كَانَ مُعْتَبَرًا مِنْ الثُّلُثِ ، وَجْهًا وَاحِدًا .","part":24,"page":81},{"id":11581,"text":"( 8634 ) فَصْلٌ : وَإِذَا أَعْتَقَ عَبْدًا ، وَلَهُ مَالٌ ، فَمَالُهُ لِسَيِّدِهِ .\rرُوِيَ هَذَا عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَأَبِي أَيُّوبَ ، وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ .\rوَبِهِ قَالَ قَتَادَةُ وَالْحَكَمُ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ حَمَّادٍ ، وَالْبَتِّيِّ ، وَدَاوُد بْنِ أَبِي هِنْدٍ ، وَحُمَيْدٍ وَقَالَ الْحَسَنُ ، وَعَطَاءٌ ، وَالشَّعْبِيَّ وَالنَّخَعِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ : يَتْبَعُهُ مَالُهُ ؛ لِمَا رَوَى نَافِعٌ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { مَنْ أَعْتَقَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ فَالْمَالُ لِلْعَبْدِ } رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ، بِإِسْنَادِهِ وَغَيْرُهُ ، وَرَوَى حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ ابْن عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ إذَا أَعْتَقَ عَبْدًا لَمْ يَعْرِضْ لِمَالِهِ .\rوَلَنَا مَا رَوَى الْأَثْرَمُ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ، أَنَّهُ قَالَ لِغُلَامِهِ عُمَيْرٍ : يَا عَمِيرُ ، إنِّي أُرِيدُ أَنْ أُعْتِقَك عِتْقًا هَنِيئًا ، فَأَخْبِرْنِي بِمَالِكَ فَإِنِّي سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ { : أَيُّمَا رَجُلٍ أَعْتَقَ عَبْدَهُ ، أَوْ غُلَامَهُ ، فَلَمْ يُخْبِرْهُ بِمَالِهِ فَمَالُهُ لِسَيِّدِهِ } وَلِأَنَّ الْعَبْدَ وَمَالَهُ كَانَا جَمِيعًا لِلسَّيِّدِ ، فَأَزَالَ مِلْكَهُ عَنْ أَحَدِهِمَا ، فَبَقِيَ مِلْكُهُ فِي الْآخَرِ ، كَمَا لَوْ بَاعَهُ ، وَقَدْ دَلَّ عَلَى هَذَا حَدِيثُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { مَنْ بَاعَ عَبْدًا ، وَلَهُ مَالٌ ، فَمَالُهُ لِلْبَائِعِ ، إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُبْتَاعُ } فَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ ، فَقَالَ أَحْمَدُ : يَرْوِيه عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ ، وَهُوَ ضَعِيفٌ فِي الْحَدِيثِ ، كَانَ صَاحِبَ فِقْهٍ ، فَأَمَّا فِي الْحَدِيثِ فَلَيْسَ هُوَ فِيهِ بِالْقَوِيِّ .\rوَقَالَ أَبُو الْوَلِيدِ : هَذَا الْحَدِيثُ خَطَأٌ ، فَأَمَّا فِعْلُ ابْنِ عُمَرَ ، فَإِنَّهُ تَفَضُّلٌ مِنْهُ عَلَى مُعْتَقِهِ .\rقِيلَ لِلْإِمَامِ أَحْمَدَ : كَانَ هَذَا عِنْدَك عَلَى التَّفَضُّلِ ؟ فَقَالَ : إي لَعَمْرِي","part":24,"page":82},{"id":11582,"text":"عَلَى التَّفَضُّلِ قِيلَ لَهُ : فَكَأَنَّهُ عِنْدَك لِلسَّيِّدِ ؟ فَقَالَ : نَعَمْ ، لِلسَّيِّدِ ، مِثْلُ الْبَيْعِ ، سَوَاءٌ .","part":24,"page":83},{"id":11583,"text":"( 8635 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَاذَا قَالَ لِعَبْدِهِ : أَنْتَ حُرٌّ فِي وَقْتٍ سَمَّاهُ ، لَمْ يَعْتِقْ حَتَّى يَأْتِيَ ذَلِكَ الْوَقْتُ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ السَّيِّدَ إذَا عَلَّقَ عِتْقَ عَبْدِهِ أَوْ أَمَتِهِ عَلَى مَجِيءِ وَقْتٍ ، مِثْلُ قَوْلِهِ : أَنْتَ حُرٌّ فِي رَأْسِ الْحَوْلِ لَمْ يَعْتِقْ حَتَّى يَأْتِيَ رَأْسُ الْحَوْلِ وَلَهُ بَيْعُهُ وَهِبَتُهُ وَإِجَارَتُهُ وَوَطْءُ الْأَمَةِ ، وَبِهَذَا قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَالشَّافِعِيُّ وَابْنُ الْمُنْذِرِ ، قَالَ أَحْمَدُ إذَا قَالَ لِغُلَامِهِ أَنْتَ حُرٌّ إلَى أَنْ يَقْدَمَ فُلَانٌ وَمَجِيءُ فُلَانٍ وَاحِدٍ وَإِلَى رَأْسِ السَّنَةِ وَإِلَى رَأْسِ الشَّهْرِ إنَّمَا يُرِيدُ إذَا جَاءَ رَأْسُ السَّنَةِ أَوْ جَاءَ رَأْسُ الْهِلَالِ مِنْهُ ، وَاذَا قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ إذَا جَاءَ الْهِلَالُ إنَّمَا تَطْلُقْ إذَا جَاءَ رَأْسُ الْهِلَالِ ، وَقَالَ إِسْحَاقُ كَمَا قَالَ أَحْمَدُ وَحُكِيَ عَنْ مَالِك أَنَّهُ إذَا قَالَ لِعَبْدِهِ أَنْتَ حُرٌّ فِي رَأْسِ الْحَوْلِ عَتَقَ فِي الْحَالِ ، وَاَلَّذِي حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْهُ أَنَّهَا إذَا كَانَتْ جَارِيَةً لَمْ يَطَأْهَا لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُهَا مِلْكًا تَامًّا وَلَا يَهَبُهَا وَلَا يَلْحَقُهَا بِسَبَبِهِ رِقٌّ ، وَإِنْ مَاتَ السَّيِّدُ قَبْلَ الْوَقْتِ كَانَتْ حُرَّةً عِنْدَ الْوَقْتِ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ لَا يَطَؤُهَا لِأَنَّ مِلْكَهُ غَيْرُ تَامٍّ عَلَيْهَا وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ لِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي ذَرٍّ أَنَّهُ قَالَ لِعَبْدِهِ أَنْتَ عَتِيقٌ إلَى رَأْسِ الْحَوْلِ ، فَلَوْلَا أَنَّ الْعِتْقَ يَتَعَلَّقُ بِالْحَوْلِ لَمْ يُعَلِّقْهُ عَلَيْهِ لِعَدَمِ فَائِدَتِهِ ، وَلِأَنَّهُ عَلَّقَ الْعِتْقَ بِصِفَةٍ فَوَجَبَ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِهَا كَمَا لَوْ قَالَ إذَا أَدَّيْتَ إلَيَّ أَلْفًا فَأَنْتَ حُرٌّ وَاسْتِحْقَاقُهَا لِلْعِتْقِ لَا يَمْنَعُ الْوَطْءَ كَالِاسْتِيلَادِ وَلَا يَلْزَمُ الْمُكَاتَبَةَ لِأَنَّهَا اشْتَرَتْ نَفْسَهَا مِنْ سَيِّدِهَا بِعِوَضٍ وَزَالَ مِلْكُهُ عَنْ إكْسَابِهَا بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا .\r( 8636 ) فَصْلٌ : وَإِذَا جَاءَ الْوَقْتُ وَهُوَ فِي مِلْكِهِ عَتَقَ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ ، وَإِنْ","part":24,"page":84},{"id":11584,"text":"خَرَجَ عَنْ مِلْكِهِ بِبَيْعٍ أَوْ مِيرَاثٍ أَوْ هِبَةٍ لَمْ يَعْتِقْ ، وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ ، وَقَالَ النَّخَعِيُّ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى إذَا قَالَ لِعَبْدِهِ إنْ فَعَلْت كَذَا فَأَنْتَ حُرٌّ ، فَبَاعَهُ بَيْعًا صَحِيحًا ثُمَّ فَعَلَ ذَلِكَ الْفِعْلَ عَتَقَ وَانْتَقَضَ الْبَيْعُ .\rقَالَ ابْنِ أَبِي لَيْلَى إذَا حَلَفَ بِالطَّلَاقِ لَا كَلَّمَتْ فُلَانًا ثُمَّ طَلَّقَهَا طَلَاقًا بَائِنًا ثُمَّ كَلَّمَهُ حَنِثَ ، وَعَامَّةُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى خِلَافِ هَذَا الْقَوْلِ ، لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { لَا طَلَاقَ وَلَا عَتَاقَ وَلَا بَيْعَ فِيمَا لَا يَمْلِك ابْنُ آدَمَ } وَلِأَنَّهُ لَا مِلْكَ لَهُ فَلَمْ يَقَعْ طَلَاقُهُ وَلَا عَتَاقُهُ كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ مُتَقَدِّمٌ .","part":24,"page":85},{"id":11585,"text":"( 8637 ) فَصْلٌ وَإِذَا قَالَ لِعَبْدِهِ إنْ لَمْ أَضْرِبْك عَشَرَةَ أَسْوَاطٍ فَأَنْتَ حُرٌّ ، وَلَمْ يَنْوِ وَقْتًا بِعَيْنِهِ لَمْ يَعْتِقْ حَتَّى يَمُوتَ وَلَمْ يُوجَدْ الضَّرْبُ ، وَإِنْ بَاعَهُ قَبْلَ ذَلِكَ صَحَّ بَيْعُهُ وَلَمْ يَنْفَسِخْ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَقَالَ مَالِكٌ لَيْسَ لَهُ بَيْعُهُ ، فَإِنْ بَاعَهُ فُسِخَ الْبَيْعُ .\rوَلَنَا أَنَّهُ بَاعَهُ قَبْلَ وُجُودِ الشَّرْطِ فَصَحَّ وَلَمْ يَنْفَسِخْ كَمَا لَوْ قَالَ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتَ حُرٌّ ، وَبَاعَهُ قَبْلَ دُخُولهَا .","part":24,"page":86},{"id":11586,"text":"( 8638 ) فَصْلٌ وَإِذَا قَالَ لِعَبْدِهِ إنْ دَخَلْتَ الدَّارَ فَأَنْتَ حُرٌّ فَبَاعَهُ ثُمَّ اشْتَرَاهُ وَدَخَلَ الدَّارَ عَتَقَ ، وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِيهَا قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا لَا يَعْتِقُ لِأَنَّ مِلْكَهُ فِيهِ مُتَأَخِّرٌ عَنْ عَقْدِ الصِّفَةِ فَلَمْ يَقَعْ الْعِتْقُ فِيهِ كَمَا لَوْ عَقَدَ الصِّفَةَ فِي حَالِ زَوَالِ مِلْكِهِ عَنْهُ وَلَنَا أَنَّهُ عَلَّقَ الصِّفَةَ فِي مِلْكِهِ وَتَحَقَّقَ الشَّرْطُ فِي مِلْكِهِ فَوَجَبَ أَنْ يَحْنَثَ كَمَا لَوْ لَمْ يَزُلْ مِلْكُهُ عَنْهُ ، وَفَارَقَ مَا إذَا عَلَّقَهَا فِي حَالِ زَوَالِ مِلْكِهِ وَتَحَقَّقَ الشَّرْطُ فِي مِلْكِهِ لِأَنَّهُ لَوْ نَجَّزَ الْعِتْقَ لَمْ يَقَعْ فَإِذَا عَلَّقَهُ كَانَ أَوْلَى بِعَدَمِ الْوُقُوعِ بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا ، فَأَمَّا إنْ دَخَلَ الدَّارَ بَعْدَ بَيْعِهِ ثُمَّ اشْتَرَاهُ وَدَخَلَ الدَّارَ ، فَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ لَا يَعْتِقُ .\rوَذَكَرَ عَنْهُ رِوَايَةً أُخْرَى أَنْ يَعْتِقَ وَرُوِيَ عَنْهُ فِي الطَّلَاقِ أَنَّهُ يَقَعْ لِأَنَّ التَّعْلِيقَ وَالشَّرْطَ وُجِدَا فِي مِلْكِهِ فَأَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ يَتَخَلَّلْهُمَا دُخُولٌ .\rوَوَجْهُ الْأَوَّلِ أَنَّ الْعِتْقَ مُعَلَّقٌ عَلَى شَرْطٍ لَا يَقْتَضِي التَّكْرَارَ ، فَإِذَا وُجِدَ مَرَّةً انْحَلَّتْ الْيَمِينُ ، وَقَدْ وُجِدَ الدُّخُولُ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ فَانْحَلَّتْ الْيَمِينُ فَلَمْ يَقَعْ الْعِتْقُ بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ ، وَيُفَارِقَ الْعَتَاقُ الطَّلَاقَ مِنْ حَيْثُ إنَّ النِّكَاحَ الثَّانِيَ يَنْبَنِي عَلَى النِّكَاحِ الْأَوَّلِ بِدَلِيلِ أَنَّ طَلَاقَهُ فِي النِّكَاحِ الْأَوَّلِ يُحْسَبُ عَلَيْهِ فِي النِّكَاحِ الثَّانِي وَيَنْقُصْ بِهِ عَدَدُ طَلَاقِهِ وَالْمِلْكُ بِالْيَمِينِ بِخِلَافِهِ .","part":24,"page":87},{"id":11587,"text":"( 8639 ) فَصْلٌ وَإِذَا قَالَ لِعَبْدٍ لَهُ مُقَيَّدٌ هُوَ حُرٌّ إنْ حَلَّ قَيْدَهُ ثُمَّ قَالَ هُوَ حُرٌّ إنْ لَمْ يَكُنْ فِي قَيْدِهِ عَشَرَةُ أَرْطَالٍ فَشَهِدَ شَاهِدَانِ عِنْدَ الْحَاكِمِ أَنَّ وَزْنَ قَيْدِهِ خَمْسَةُ أَرْطَالٍ فَحَكَمَ بِعِتْقِهِ وَأَمَرَ بِحَلِّ قَيْدِهِ فَوَزَنَ فَوَجَدَ وَزْنَهُ عَشَرَةَ أَرْطَالٍ عَتَقَ الْعَبْدُ بِحَلِّ قَيْدِهِ وَتَبَيَّنَّا أَنَّهُ مَا عَتَقَ بِالشَّرْطِ الَّذِي حَكَمَ الْحَاكِمُ بِعِتْقِهِ بِهِ ، وَهَلْ يَلْزَمُ الشَّاهِدِينَ ضَمَانُ قِيمَتِهِ فِيهِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا أَنَّهُ يَلْزَمُهُمَا ضَمَانُهَا لِأَنَّ شَهَادَتَهُمَا الْكَاذِبَةَ سَبَبُ عِتْقِهِ وَإِتْلَافِهِ فَضَمَمْنَاهُ كَالشَّهَادَةِ الْمَرْجُوعِ عَنْهَا ، وَلِأَنَّ عِتْقَهُ حَصَلَ بِحُكْمِ الْمَبْنِيِّ عَلَى الشَّهَادَةِ الْكَاذِبَةِ فَأَشْبَهَ الْحُكْمَ بِالشَّهَادَةِ الَّتِي يَرْجِعَانِ عَنْهَا ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالثَّانِي لَا ضَمَانَ عَلَيْهِمَا وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ لِأَنَّ عِتْقَهُ لَمْ يَحْصُلْ بِالْحُكْمِ الْمَبْنِيِّ عَلَى شَهَادَتِهِمَا وَإِنَّمَا حَصَلَ بِحَلِّ قَيْدِهِ وَلَمْ يَشْهَدَا بِهِ فَوَجَبَ أَنْ لَا يَضْمَنَا كَمَا لَوْ لَمْ يَحْكُمْ الْحَاكِمُ .","part":24,"page":88},{"id":11588,"text":"( 8640 ) فَصْلٌ وَإِنْ قَالَ لِعَبْدِهِ أَنْتَ حُرٌّ مَتَى شِئْت لَمْ يَعْتِقْ حَتَّى يَشَاءَ بِالْقَوْلِ فَمَتَى شَاءَ عَتَقَ سَوَاءٌ كَانَ عَلَى الْفَوْرِ أَوْ التَّرَاخِي ، وَإِنْ قَالَ أَنْتَ حُرٌّ إنْ شِئْت فَكَذَلِكَ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَقِفَ ذَلِكَ عَلَى الْمَجْلِسِ لِأَنَّ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ التَّخْيِيرِ ، وَلَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ اخْتَارِي نَفْسَك لَمْ يَكُنْ لَهَا الِاخْتِيَارُ إلَّا عَلَى الْفَوْرِ فَإِنْ تَرَاخَى ذَلِكَ بَطَلَ خِيَارُهَا كَذَا تَعْلِيقُهُ بِالْمَشِيئَةِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَقْرِنَهُ بِزَمَنٍ يَدُلُّ عَلَى التَّرَاخِي ، وَإِنْ قَالَ أَنْتَ حُرٌّ كَيْفَ شِئْت احْتَمَلَ أَنْ يَعْتِقَ فِي الْحَالِ ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ لِأَنَّ كَيْفَ لَا تَقْتَضِي شَرْطًا وَلَا وَقْتًا وَلَا مَكَانًا فَلَا تَقْتَضِي تَوْقِيفَ الْعِتْقِ ، وَإِنَّمَا هِيَ صِفَةٌ لِلْحَالِ فَتَقْتَضِي وُقُوعَ الْحُرِّيَّةِ عَلَى أَيِّ حَالٍ شَاءَ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَعْتِقَ حَتَّى يَشَاءَ ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ لِأَنَّ الْمَشِيئَةَ تَقْتَضِي الْخِيَارَ فَتَقْتَضِي أَنْ لَا يَعْتِقَ قَبْلَ اخْتِيَارِهِ كَمَا لَوْ قَالَ أَنْتَ حُرٌّ مَتَى شِئْت لِأَنَّ كَيْفَ تُعْطِي مَا تُعْطِي مَتَى وَأَيٌّ فَحُكْمُهَا حُكْمُهُمَا .\rوَقَدْ ذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ فِي الطَّلَاقِ أَنَّهُ إذَا قَالَ لِزَوْجَتِهِ أَنْتِ طَالِقٌ مَتَى شِئْت وَحَيْثُ شِئْت لَمْ تَطْلُقْ حَتَّى تَشَاءَ ، فَيَجِيءُ هَاهُنَا مِثْلُهُ .","part":24,"page":89},{"id":11589,"text":"( 8641 ) فَصْلٌ وَتَعْلِيقُ الْعِتْقِ عَلَى أَدَاءِ شَيْءٍ يَنْقَسِمُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ : أَحَدُهَا تَعْلِيقُهُ عَلَى صِفَةٍ مَحْضَةٍ كَقَوْلِهِ إنْ أَدَّيْتَ إلَيَّ أَلْفًا فَأَنْتَ حُرٌّ ، فَهَذِهِ صِفَةٌ لَازِمَةٌ لَا سَبِيلَ إلَى إبْطَالِهَا لِأَنَّهُ أَلْزَمَهَا نَفْسَهُ طَوْعًا فَلَمْ يَمْلِك إبْطَالَهَا كَمَا لَوْ قَالَ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتَ حُرٌّ ، وَلَوْ اتَّفَقَ السَّيِّدُ وَالْعَبْدُ عَلَى إبْطَالِهَا لَمْ تَبْطُلْ بِذَلِكَ ، وَلَوْ أَبْرَأَهُ السَّيِّدُ مِنْ الْأَلْفِ لَمْ يَعْتِقْ بِذَلِكَ وَلَمْ يَبْطُلْ الشَّرْطُ لِأَنَّهُ لَا حَقَّ فِي ذِمَّتِهِ يُبَرِّئُهُ مِنْهُ ، وَإِنَّمَا هُوَ تَعْلِيقٌ عَلَى شَرْطٍ مَحْضٍ ، وَإِنْ مَاتَ السَّيِّدُ انْفَسَخَتْ الصِّفَةُ لِأَنَّ مِلْكَهُ زَالَ عَنْهُ فَلَا يَنْفُذُ عِتْقُهُ فِي مِلْك غَيْرِهِ ، وَإِنْ زَالَ مِلْكُهُ بِبَيْعٍ أَوْ هِبَةٍ زَالَتْ الصِّفَةُ ، فَإِنْ عَادَ إلَى مِلْكِهِ عَادَ كَمَا ذَكَرْنَا فِيمَا قَبْلُ وَمَتَى وُجِدَتْ الصِّفَةُ عَتَقَ وَلَمْ يَحْتَجْ إلَى تَجْدِيدِ إعْتَاقِ مِنْ جِهَةِ السَّيِّدِ لِأَنَّهُ إزَالَةُ مِلْكٍ مُعَلَّقٍ عَلَى صِفَةٍ وَهُوَ قَابِلٌ لِلتَّعْلِيقِ فَيُوجَدُ بِوُجُودِ الصِّفَةِ كَالطَّلَاقِ وَمَا يَكْسِبُهُ الْعَبْدُ قَبْلَ وُجُودِ الشَّرْطِ فَهُوَ لِسَيِّدِهِ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ عَقْدٌ يَمْنَعُ كَوْنَ كَسْبِهِ لِسَيِّدِهِ إلَّا أَنَّ مَا يَأْخُذُهُ السَّيِّدُ مِنْهُ يَحْسُبُهُ مِنْ الْأَلْفِ الَّتِي أَدَّاهَا ، فَإِذَا كَمَلَ أَدَاؤُهَا عَتَقَ وَمَا فَضَلَ فِي يَدِهِ لِسَيِّدِهِ ، وَإِنْ كَانَ الْمُعَلَّقُ عِتْقُهُ أَمَةً فَوَلَدَتْ لَمْ يَتْبَعْهَا وَلَدُهَا فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ لِأَنَّهَا أَمَةٌ فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَالَ إنْ دَخَلْتِ الدَّارَ فَأَنْتِ حُرَّةٌ وَلَا تَجِبُ عَلَيْهَا قِيمَةُ نَفْسِهَا لِأَنَّهُ عِتْقٌ مِنْ السَّيِّدِ بِصِفَةٍ فَأَشْبَهَ مَا لَوْ بَاشَرَ عِتْقَهَا وَلَا يَعْتِقُ حَتَّى يُؤَدِّيَ الْأَلْفَ بِكَمَالِهَا .\rوَذَكَرَ الْقَاضِي ، أَنَّ مِنْ أَصْلِنَا ، أَنَّ الْعِتْقَ الْمُعَلَّقَ بِصِفَةٍ يُوجَدُ بِوُجُودِ بَعْضِهَا ، كَمَا لَوْ قَالَ : أَنْتَ حُرٌّ إنْ أَكَلْت رَغِيفًا .\rفَأَكَلَ بَعْضَهُ .\rوَهَذَا لَا يَصِحُّ ، لَوُجُوهٍ :","part":24,"page":90},{"id":11590,"text":"أَحَدُهَا ، أَنَّ أَدَاءَ الْأَلْفِ شَرْطُ الْعِتْقِ ، وَشُرُوطُ الْأَحْكَامِ يُعْتَبَرُ وُجُودُهَا بِكَمَالِهَا لِثُبُوتِ الْأَحْكَامِ ، وَتَنْتَفِي بِانْتِفَائِهَا بِدَلِيلِ سَائِرِ شُرُوطِ الْأَحْكَامِ .\rالثَّانِي ، أَنَّهُ إذَا عَلَّقَهُ عَلَى وَصْفِ ذِي عَدَدٍ ، فَالْعَدَدُ وَصْفٌ فِي الشَّرْطِ ، وَمَتَى عَلَّقَ الْحُكْمَ عَلَى شَرْطٍ ذِي وَصْفٍ ، لَا يَثْبُتُ مَا لَمْ تُوجَدْ الصِّفَةُ ، كَمَا لَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ : إنْ خَرَجْت عَارِيًّا ، فَأَنْتَ حُرٌّ .\rفَخَرَجَ لَابِسًا ، لَا يَعْتِقُ ، فَكَذَلِكَ الْعَدَدُ .\rالثَّالِثُ ، أَنَّهُ مَتَى كَانَ فِي اللَّفْظِ مَا يَدُلُّ عَلَى الْكُلِّ ، لَمْ يَحْنَثْ بِفِعْلِ الْبَعْضِ .\rوَكَذَلِكَ لَوْ حَلَفَ : لَا صَلَّيْت صَلَاةً لَمْ يَحْنَثْ حَتَّى يَفْرُغَ مِمَّا يُسَمَّى صَلَاةً .\rوَلَوْ حَلَفَ : لَا صُمْت صِيَامًا .\rلَمْ يَحْنَثْ حَتَّى يَصُومَ يَوْمًا ، وَلَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ : إنْ حِضْت حَيْضَةً ، فَأَنْتِ طَالِقٌ .\rلَمْ تَطْلُقْ حَتَّى تَطْهُرَ مِنْ الْحَيْضَةِ .\rوَقَدْ ذَكَرَ الْقَاضِي هَذِهِ الْمَسَائِلَ وَنَظَائِرَهَا .\rوَذِكْرُ الْأَلْفِ هَاهُنَا يَدُلُّ عَلَى إرَادَتِهِ أَدَاءَ الْأَلْفِ كَامِلَةً .\rالرَّابِعُ ، أَنَّنَا لَا نُسَلِّمُ هَذَا الْأَصْلَ الَّذِي ادَّعَاهُ ، وَأَنَّهُ إذَا قَالَ لَهُ : أَنْتَ حُرٌّ إنْ أَكَلَتْ رَغِيفًا .\rلَمْ يَعْتِقْ بِأَكْلِ بَعْضِهِ ، وَإِنَّمَا إذَا حَلَفَ لَا يَفْعَلُ شَيْئًا ، فَفَعَلَ بَعْضَهُ ، حَنِثَ ، فِي رِوَايَةٍ ، فِي مَوْضِعٍ يَحْتَمِلُ إرَادَةَ الْبَعْضِ ، وَيَتَنَاوَلُهُ اللَّفْظُ ، كَمَنْ حَلَفَ لَا يُصَلِّي فَشَرَعَ فِي الصَّلَاةِ ، أَوْ لَا يَصُومُ فَشَرَعَ فِي الصَّوْمِ ، أَوْ لَا يَشْرَبُ مَاءَ هَذَا الْإِنَاءِ فَشَرِبَ بَعْضَهُ .\rوَنَحْوَ هَذَا ؛ لِأَنَّ الشَّارِعَ فِي الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ قَدْ صَلَّى وَصَامَ ذَلِكَ الْجُزْءَ الَّذِي شَرَعَ فِيهِ ، وَالْقَدْرُ الَّذِي شَرِبَهُ مِنْ الْإِنَاءِ هُوَ مَاءُ الْإِنَاءِ ، وَقَرِينَةُ حَالِهِ تَقْتَضِي الْمَنْعَ مِنْ الْكُلِّ ، فَتَقْتَضِي الِامْتِنَاعَ مِنْ الْكُلِّ ، وَمَتَى فَعَلَ الْبَعْضَ ، فَمَا امْتَنَعَ مِنْ الْكُلِّ ، فَحَنِثَ لِذَلِكَ .\rوَلَوْ حَلَفَ عَلَى فِعْلِ شَيْءٍ ، لَمْ يَبْرَأْ إلَّا","part":24,"page":91},{"id":11591,"text":"بِفِعْلِ الْجَمِيعِ وَفِي مَسْأَلَتِنَا ، تَعْلِيقُ الْحُرِّيَّةِ عَلَى أَدَاءِ الْأَلْفِ ، يَقْتَضِي وُجُودَ أَدَائِهَا ، فَلَا يَثْبُتُ الْحُكْمُ الْمُعَلَّقُ عَلَيْهَا دُون أَدَائِهَا ، كَمَنْ حَلَفَ لَيُؤَدِّيَنَّ أَلْفًا ، لَمْ يَبْرَأْ حَتَّى يُؤَدِّيَهَا .\rالْخَامِسُ ، أَنَّ مَوْضُوعَ الشَّرْطِ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَأَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ ، عَلَى أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ الْمَشْرُوطُ بِدُونِ شَرْطِهِ ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { مَنْ قَالَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ، دَخَلَ الْجَنَّةَ } فَلَوْ قَالَ بَعْضَهَا مُقْتَصِرًا عَلَيْهِ ، لَمْ يَسْتَحِقَّ إلَّا الْعُقُوبَةَ .\rوَقَالَ : { مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً ، فَهِيَ لَهُ } فَلَوْ شَرَعَ فِي الْإِحْيَاءِ ، لَمْ تَكُنْ لَهُ .\rوَلَوْ قَالَ فِي الْمُسَابَقَةِ : مَنْ سَبَقَ إلَى خَمْسِ إصَابَاتٍ ، فَهُوَ سَابِقٌ .\rفَسَبَقَ إلَى أَرْبَعٍ ، لَمْ يَكُنْ سَابِقًا .\rوَلَوْ قَالَ : مَنْ رَدَّ ضَالَّتِي ، فَلَهُ دِينَارٌ .\rفَشَرَعَ فِي رَدِّهَا ، لَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا .\rفَكَيْفَ يُخَالِفُ مَوْضُوعَاتِ الشَّرْعِ وَاللُّغَةِ بِغَيْرِ دَلِيلٍ ، وَإِنَّمَا الَّذِي جَاءَ عَنْ أَحْمَدَ ، فِي الْأَيْمَانِ ، فِيمَنْ حَلَفَ لَا يَفْعَلَ شَيْئًا فَفَعَلَ بَعْضَهُ يَحْنَثُ ، لِأَنَّ الْيَمِينَ عَلَى التَّرْكِ يُقْصَدُ بِهَا الْمَنْعُ ، فَنَزَلَتْ مَنْزِلَةَ النَّهْيِ ، وَالنَّهْيُ عَنْ فِعْلِ شَيْءٍ يَقْتَضِي الْمَنْعَ مِنْ بَعْضِهِ بِخِلَافِ تَعْلِيقِ الْمَشْرُوطِ عَلَى الشَّرْطِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":24,"page":92},{"id":11592,"text":"الْقَسَم الثَّانِي ، صِفَةٌ جَمَعَتْ مُعَاوَضَةً ، وَصِفَةٌ الْمُغَلَّبُ فِيهَا حُكْمُ الْمُعَاوَضَةِ ، وَهِيَ الْكِتَابَةُ الصَّحِيحَةُ ، فَهِيَ مُسَاوِيَةٌ لِلصِّفَةِ الْمَحْضَةِ فِي الْعِتْقِ بِوُجُودِهَا ، وَأَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ قِيمَةُ نَفْسِهِ ، وَأَنَّ الْوَلَاءَ لِسَيِّدِهِ ، وَتُخَالِفُهَا فِي أَنَّهُ لَوْ أَبْرَأْهُ السَّيِّدُ مِنْ الْمَالِ مِنْهُ وَعَتَقَ ؛ لِأَنَّ ذِمَّتَهُ مَشْغُولَةٌ بِهِ فَبَرِئَ مِنْهُ بِإِبْرَائِهِ ، كَثَمَنِ الْمَبِيعِ ، وَلَا يَنْفَسِخُ بِمَوْتِ السَّيِّدِ ، وَلَا بَيْعِ الْمُكَاتَبِ ، وَلَا هِبَتِهِ ؛ لِأَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ لَازِمٌ ، أَشْبَهَ الْبَيْعَ ، وَمَا كَسَبَهُ قَبْلَ الْأَدَاءِ فَهُوَ لَهُ ، وَمَا فَضَلَ فِي يَدِهِ بَعْدَ الْأَدَاءِ فَهُوَ لَهُ ، وَوَلَدُ الْمُكَاتَبَةِ الَّذِينَ وَلَدَتْهُمْ فِي الْكِتَابَةِ يَعْتِقُونَ بِعِتْقِهَا .","part":24,"page":93},{"id":11593,"text":"الْقَسَمُ الثَّالِثُ ، صِفَةٌ فِيهَا مُعَاوَضَةٌ ، وَالْمُغَلَّبُ فِيهَا حُكْمُ الصِّفَةِ ، وَهِيَ الْكِتَابَةُ الْفَاسِدَةُ ، نَحْوُ الْكِتَابَةُ عَلَى مَجْهُولٍ ، أَوْ نَجْمٍ وَاحِدٍ ، أَوْ مَعَ إخْلَالِ شَرْطٍ مِنْ شُرُوطِ الْكِتَابَةِ ، فَتَسَاوَى الصِّفَةُ الْمَحْضَةُ وَالْكِتَابَةُ فِي أَنَّهُ لَا يَعْتِقُ بِالْأَدَاءِ ؛ لِأَنَّهُ عِتْقٌ مُعَلَّقٌ عَلَى شَرْطٍ ، وَلَا تَلْزَمُهُ قِيمَةُ نَفْسِهِ ، وَلَا يَبْطُلُ بِجُنُونِ الْمُكَاتَبِ ، وَلَا الْحَجْرِ عَلَيْهِ ، لِأَنَّ الْحَجْرَ لِلرِّقِّ لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ كِتَابَتِهِ ، فَلَا يَقْتَضِي حُدُوثُهُ إبْطَالَهَا .\rوَإِنْ أَدَّى حَالَ جُنُونِهِ ، عَتَقَ ؛ لِأَنَّ الصِّفَةَ وُجِدَتْ .\rوَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : لَا يَعْتِقُ بِذَلِكَ ، وَيُفَارِقهُمَا فِي أَنَّ لِلسَّيِّدِ فَسْخَهَا وَرَفْعَهَا ؛ لِأَنَّهَا فَاسِدَةٌ ، وَالْفَاسِدُ يُشْرَعُ رَفْعُهُ وَإِزَالَتُهُ ، وَيُفَارِقُ الْكِتَابَةَ الصَّحِيحَةَ ، فِي أَنَّهَا تَبْطُلُ بِمَوْتِ السَّيِّدِ ، وَجُنُونِهِ وَالْحَجْرِ عَلَيْهِ لِسَفَهٍ ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ جَائِزٌ مِنْ جِهَتِهِ ، فَبَطَلَ بِهَذِهِ الْأُمُورِ كَالْوَكَالَةِ وَالْمُضَارَبَةِ ، وَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ إذَا وَسْوَسَ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْمَوْتِ .\rوَهَذَا قَوْلُ الْقَاضِي .\rوَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : لَا تَبْطُلُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ عَقْدُ كِتَابَةٍ ، فَلَمْ يَبْطُلْ بِذَلِكَ ، كَالصَّحِيحَةِ ، وَتُفَارِقُ الصِّفَةَ الْمَحْضَةَ فِي أَنَّ كَسْبَ الْعَبْدِ قَبْلَ الْأَدَاءِ لَهُ ، وَمَا فَضَلَ فِي يَدِهِ بَعْدَ الْأَدَاءِ فَهُوَ لَهُ دُونَ سَيِّدِهِ ، وَيَتْبَعُ الْمُكَاتَبَةَ وَلَدُهَا ، حَمْلًا لَهَا عَلَى الْكِتَابَةِ الصَّحِيحَةِ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ فِيهِمَا .\rوَفِي الْآخَرِ ، لَا يَسْتَحِقُّ كَسْبَهُ ، وَلَا يَتْبَعُ الْمُكَاتَبَةَ وَلَدُهَا ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ حَصَلَ بِالصِّفَةِ ، لَا بِالْكِتَابَةِ .\rفَأَمَّا الْكِتَابَةُ بِمُحَرَّمٍ ؛ كَالْخَمْرِ ، وَالْخِنْزِيرِ ، فَقَالَ الْقَاضِي : هِيَ كِتَابَةٌ فَاسِدَةٌ ، حُكْمُهَا حُكْمُ مَا ذَكَرْنَا ، وَيَعْتِقُ فِيهَا بِالْأَدَاءِ .\rوَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : لَا يَعْتِقُ فِيهَا بِالْأَدَاءِ .\rوَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ ، فِي رِوَايَةِ","part":24,"page":94},{"id":11594,"text":"الْمَيْمُونِيِّ ، إذَا كَاتَبَهُ كِتَابَةً فَاسِدَةً ، فَأَدَّى مَا كُوتِبَ عَلَيْهِ ، عَتَقَ مَا لَمْ تَكُنْ الْكِتَابَةُ مُحَرَّمَةً .\rوَيَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ : إنْ عَلَّقَ الْعِتْقَ عَلَى أَدَاءِ الْمُحَرَّمِ ، عَتَقَ بِهِ ، كَمَا لَوْ عَلَّقَ الْعِتْقَ عَلَى السَّرِقَةِ وَشُرْبِ الْخَمْرِ .\rوَإِنْ قَالَ : كَاتَبْتُك عَلَى خَمْرٍ .\rلَمْ يَعْتِقْ بِأَدَائِهِ ، كَقَوْلِ أَبِي بَكْرٍ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":24,"page":95},{"id":11595,"text":"( 8642 ) فَصْلٌ : وَإِذَا قَالَ لِعَبْدِهِ : أَنْتَ حُرٌّ ، وَعَلَيْك أَلْفٌ .\rعَتَقَ ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ أَعْتَقَهُ بِغَيْرِ شَرْطٍ وَجَعَلَ عَلَيْهِ عِوَضًا لَمْ يَقْبَلْهُ ، فَيَعْتِقُ ، وَلَمْ يَلْزَمْهُ الْأَلْفُ .\rهَكَذَا ذَكَرَ الْمُتَأَخِّرُونَ مِنْ أَصْحَابِنَا .\rوَنَقَلَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : سَمِعْت أَبَا عَبْدِ اللَّه قِيلَ لَهُ : إذَا قَالَ : أَنْتَ حُرٌّ وَعَلَيْك أَلْفُ دِرْهَمٍ .\rقَالَ جَيِّدٌ .\rقِيلَ لَهُ : فَإِنْ لَمْ يَرْضَ الْعَبْدُ ؟ قَالَ : لَا يَعْتِقُ ، إنَّمَا قَالَهُ لَهُ عَلَى أَنْ يُؤَدِّيَ إلَيْهِ أَلْفَ دِرْهَمٍ ، فَإِنْ لَمْ يُؤَدِّ ، فَلَا شَيْءَ .\rوَإِنْ قَالَ : أَنْتَ حُرٌّ عَلَى أَلْفٍ .\rفَكَذَلِكَ .\rفِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ ؛ لِأَنَّ \" عَلَى \" لَيْسَتْ مِنْ أَدَوَاتِ الشَّرْطِ وَلَا الْبَدَلِ ، فَأَشْبَهَ قَوْلَهُ : وَعَلَيْك أَلْفٌ .\rوَالثَّانِيَةُ ، إنْ قَبِلَ ، الْعَبْدُ ، عَتَقَ ، وَلَزِمَتْهُ الْأَلْفُ ، وَإِنْ لَمْ يَقْبَلْ ، لَمْ يَعْتِقْ .\rوَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّهُ أَعْتَقَهُ بِعِوَضٍ ، فَلَمْ يَعْتِقْ بِدُونِ قَبُولِهِ ، كَمَا لَوْ قَالَ : أَنْتَ حُرٌّ بِأَلْفٍ .\rوَهَذِهِ الرِّوَايَةُ أَصَحُّ ؛ لِأَنَّ \" عَلَى \" تُسْتَعْمَلُ لِلشَّرْطِ وَالْعِوَضِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِي مِمَّا عُلِّمْت رُشْدًا } .\rوَقَالَ تَعَالَى { فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا } .\rوَلَوْ قَالَ فِي النِّكَاحِ : زَوَّجْتُك ابْنَتِي فُلَانَةَ ، عَلَى صَدَاقِ خَمْسِمِائَةِ دِرْهَمٍ .\rفَقَالَ الْآخَرُ : قَبِلْت .\rصَحَّ النِّكَاحُ ، وَثَبَتَ الصَّدَاقُ .\rوَقَالَ الْفُقَهَاءُ : إذَا تَزَوَّجَهَا عَلَى أَلْفٍ لَهَا ، وَأَلْفٍ لِأَبِيهَا ، كَانَ ذَلِكَ جَائِزًا .\rفَأَمَّا إذَا قَالَ : أَعْتَقْتُك عَلَى أَنْ تَخْدُمَنِي سَنَةً .\rفَقَبِلَ ، فَفِيهَا رِوَايَتَانِ ، كَاَلَّتِي قَبْلَهَا .\rوَقِيلَ : إنْ لَمْ يَقْبَلْ الْعَبْدُ ، لَمْ يَعْتِقْ .\rرِوَايَةً وَاحِدَةً .\rفَعَلَى هَذَا ، إذَا قَبِلَ الْعَبْدُ ، عَتَقَ فِي الْحَالِ ، وَلَزِمَتْهُ خِدْمَتُهُ سَنَةً .\rفَإِنْ مَاتَ","part":24,"page":96},{"id":11596,"text":"السَّيِّدُ قَبْلَ كَمَالِ السَّنَةِ ، رُجِعَ عَلَى الْعَبْدِ بِقِيمَةِ مَا بَقِيَ مِنْ الْخِدْمَةِ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : تُقَسَّطُ قِيمَةُ الْعَبْدِ عَلَى خِدْمَةِ السَّنَةِ ، فَيُقَسَّطُ مِنْهَا بِقَدْرِ مَا مَضَى ، وَيُرْجَعُ عَلَيْهِ بِمَا بَقِيَ مِنْ قِيمَتِهِ .\rوَلَنَا أَنَّ الْعِتْقَ عَقْدٌ لَا يَلْحَقُهُ الْفَسْخَ ، فَإِذَا تَعَذَّرَ فِيهِ اسْتِيفَاءُ الْعِوَضِ ، رُجِعَ إلَى قِيمَتِهِ ، كَالْخُلْعِ فِي النِّكَاحِ ، وَالصُّلْحِ فِي دَمِ الْعَمْدِ .\rوَإِنْ قَالَ : أَنْتَ حُرٌّ ، عَلَى أَنْ تُعْطِيَنِي أَلْفًا .\rفَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَعْتِقُ حَتَّى يَقْبَلَ ، فَإِذَا قَبِلَ ، عَتَقَ ، وَلَزِمَهُ الْأَلْفُ .\rوَإِنْ قَالَ : أَنْتَ حُرٌّ بِأَلْفِ .\rلَمْ يَعْتِقْ حَتَّى يَقْبَلَ ، فَيَعْتِقَ ، وَيَلْزَمَهُ أَلْفٌ .","part":24,"page":97},{"id":11597,"text":"( 8643 ) فَصْلٌ : وَإِذَا عَلَّقَ عِتْقَ أَمَتِهِ بِصِفَةٍ ، وَهِيَ حَامِلٌ ، تَبِعَهَا وَلَدُهَا فِي ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ كَعُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهَا ، فَإِنْ وَضَعَتْهُ قَبْلَ وُجُودِ الصِّفَةِ ، ثُمَّ وُجِدَتْ الصِّفَةُ ، عَتَقَ ؛ لِأَنَّهُ تَابِعٌ فِي الصِّفَةِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَ فِي الصِّفَةِ فَأَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَ فِي الْبَطْنِ .\rوَإِنْ كَانَتْ حَائِلًا حِينَ التَّعْلِيقِ ، ثُمَّ وُجِدَتْ الصِّفَةُ وَهِيَ حَامِلٌ ، عَتَقَتْ هِيَ وَحَمْلُهَا ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ وُجِدَ فِيهَا وَهِيَ حَامِلٌ ، فَتَبِعَهَا وَلَدُهَا ، كَالْمُنَجَّزِ .\rوَإِنْ حَمَلَتْ بَعْدَ التَّعْلِيقِ ، وَوَلَدَتْ قَبْلَ وُجُودِ الصِّفَةِ ، ثُمَّ وُجِدَتْ بَعْدَ ذَلِكَ ، لَمْ يَعْتِقْ الْوَلَدُ ؛ لِأَنَّ الصِّفَةَ لَمْ تَتَعَلَّقْ بِهِ لَا فِي حَالِ التَّعْلِيقِ ، وَلَا فِي حَالِ الْعِتْقِ .\rوَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ ، أَنَّهُ يَتْبَعُهَا فِي الْعِتْقِ ، قِيَاسًا عَلَى وَلَدِ الْمُدَبَّرَةِ .\rوَإِنْ بَطَلَتْ الصِّفَةُ بِبَيْعٍ أَوْ مَوْتٍ ، لَمْ يَعْتِقْ الْوَلَدُ ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَبِيعُهَا فِي الْعِتْقِ ، لَا فِي الصِّفَةِ ، فَإِذَا لَمْ تُوجَدْ فِيهَا ، لَمْ يُوجَدْ فِيهِ ، بِخِلَافِ وَلَدِ الْمُدَبَّرَةِ ؛ فَإِنَّهُ تَبِعَهَا فِي التَّدْبِيرِ فَإِذَا بَطَلَ فِيهَا ، بَقِيَ فِيهِ .","part":24,"page":98},{"id":11598,"text":"( 8644 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَإِذَا أَسْلَمَتْ أُمُّ وَلَدِ النَّصْرَانِيِّ ، مُنِعَ مِنْ غَشَيَانِهَا ، وَالتَّلَذُّذِ بِهَا ، وَأُجْبِرَ عَلَى نَفَقَتِهَا ، فَإِنْ أَسْلَمَ ، حَلَّتْ لَهُ وَإِذَا مَاتَ عَتَقَتْ ) هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ يُؤَخَّرُ شَرْحُهَا إلَى بَابِ عِتْقِ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ ؛ فَإِنَّهُ أَلْيَقُ بِهَا .","part":24,"page":99},{"id":11599,"text":"( 8645 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَإِذَا قَالَ لِأَمَتِهِ : أَوَّلُ وَلَدٍ تَلِدِينَهُ ، فَهُوَ حُرٌّ .\rفَوَلَدَتْ اثْنَيْنِ ، أَقْرَعَ بَيْنَهُمَا ، فَمَنْ أَصَابَتْهُ الْقُرْعَةُ ، فَهُوَ حُرٌّ إذَا أَشْكَلَ أَوَّلُهُمَا خُرُوجًا ) إنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ ؛ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا اسْتَحَقَّ الْعِتْقَ ، وَلَمْ يُعْلَمْ بِعَيْنِهِ ، فَوَجَبَ إخْرَاجُهُ بِالْقُرْعَةِ ، كَمَا لَوْ قَالَ لِعَبِيدِهِ : كَذَلِكَ أَحَدُكُمْ حُرٌّ .\rوَقَدْ سَبَقَ الْقَوْلُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ .\rفَأَمَّا إنْ عُلِمَ أَوَّلُهُمَا خُرُوجًا ، فَهُوَ الْحُرُّ وَحْدَهُ .\rوَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ وَالثَّوْرِيِّ ، وَأَبِي هَاشِمٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ وَقَالَ الْحَسَنُ ، وَالشَّعْبِيُّ وَقَتَادَةُ : إذَا وَلَدَتْ وَلَدَيْنِ فِي بَطْنٍ ، فَهُمَا حُرَّانِ .\rوَلَنَا أَنَّهُ إنَّمَا أَعْتَقَ الْأَوَّلَ ، وَاَلَّذِي خَرَجَ أَوَّلًا هُوَ أَوَّلُ الْمَوْلُودِينَ فَاخْتَصَّ الْعِتْقُ بِهِ كَمَا لَوْ وَلَدَتْهُمَا فِي بَطْنَيْنِ .\r( 8646 ) فَصْلٌ : فَإِنْ وَلَدَتْ الْأَوَّلَ مَيْتًا ، وَالثَّانِيَ حَيًّا ، فَذَكَرَ الشَّرِيفُ أَنَّهُ يَعْتِقُ الْحَيُّ مِنْهُمَا .\rوَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ ، وَالشَّافِعِيُّ : لَا يَعْتِقُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا .\rوَهُوَ الصَّحِيحُ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ؛ لِأَنَّ شَرْطَ الْعِتْقِ إنَّمَا وُجِدَ فِي الْمَيِّتِ ، وَلَيْسَ بِمَحَلٍّ لِلْعِتْقِ ، فَانْحَلَّتْ الْيَمِينُ بِهِ ، وَإِنَّمَا قُلْنَا : إنَّ شَرْطَ الْعِتْقِ إنَّمَا وُجِدَ فِيهِ ؛ لِأَنَّهُ أَوَّلُ وَلَدٍ ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ قَالَ لِأَمَتِهِ : إذَا وَلَدْت وَلَدًا ، فَأَنْتِ حُرَّةٌ .\rفَوَلَدَتْ وَلَدًا مَيِّتًا ، عَتَقَتْ .\rوَوَجْهُ الْأَوَّلِ ، أَنَّ الْعِتْقَ يَسْتَحِيلُ فِي الْمَيِّتِ ، فَتَعَلَّقَتْ الْيَمِينُ بِالْحَيِّ ، كَمَا لَوْ قَالَ : إنْ ضَرَبْت فُلَانًا ، فَعَبْدِي حُرٌّ .\rفَضَرَبَهُ حَيًّا ، عَتَقَ ، وَإِنْ ضَرَبَهُ مَيِّتًا ، لَمْ يَعْتِقْ .\rوَلِأَنَّهُ مَعْلُومٌ مِنْ طَرِيقِ الْعَادَةِ ، أَنَّهُ قَصَدَ عَقْدَ يَمِينِهِ عَلَى وَلَدٍ يَصِحُّ الْعِتْقُ فِيهِ ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ حَيًّا ، فَتَصِيرُ الْحَيَاةُ مَشْرُوطَةً فِيهِ ، فَكَأَنَّهُ","part":24,"page":100},{"id":11600,"text":"قَالَ أَوَّلُ وَلَدٍ تَلِدِينَهُ حَيًّا فَهُوَ حُرٌّ .","part":24,"page":101},{"id":11601,"text":"( 8647 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَالَ لِأَمَتِهِ : كُلُّ وَلَدٍ تَلِدِينَهُ ، فَهُوَ حُرٌّ .\rعَتَقَ كُلُّ وَلَدٍ وَلَدَتْهُ .\rفِي قَوْلِ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ مِنْهُمْ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَاللَّيْثُ ، وَالثَّوْرِيُّ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَلَا أَحْفَظُ عَنْ غَيْرِهِمْ خِلَافَهُمْ .\rفَإِنْ بَاعَ الْأَمَةَ ، ثُمَّ وَلَدَتْ ، لَمْ يَعْتِقْ وَلَدُهَا ؛ لِأَنَّهَا وَلَدَتْهُمْ بَعْدَ زَوَالِ مِلْكِهِ .","part":24,"page":102},{"id":11602,"text":"فَصْلٌ : فَإِنْ قَالَ : أَوَّلُ غُلَامٍ أَمْلِكُهُ ، فَهُوَ حُرٌّ .\rانْبَنَى ذَلِكَ عَلَى الْعِتْقِ قَبْلَ الْمِلْكِ ، وَفِيهِ رِوَايَتَانِ ؛ فَإِنْ قُلْنَا يَصِحُّ عَتَقَ أَوَّلُ مَنْ يَمْلِكُهُ .\rفَإِنْ مَلَكَ اثْنَيْنِ ، عَتَقَ أَحَدُهُمَا بِالْقُرْعَةِ ، فِي قِيَاسِ قَوْلِ أَحْمَدَ ؛ فَإِنَّهُ قَالَ ، فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا : إذَا قَالَ : أَوَّلُ مَنْ يَطْلُعُ مِنْ عَبِيدِي ، فَهُوَ حُرٌّ .\rفَطَلَعَ اثْنَانِ ، أَوْ جَمِيعُهُمْ ، فَإِنَّهُ يُقْرَعُ بَيْنَهُمْ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يَعْتِقَا جَمِيعًا ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلِيَّةَ وُجِدَتْ فِيهِمَا جَمِيعًا ، فَتَثْبُتُ الْحُرِّيَّةُ فِيهِمَا ، كَمَا لَوْ قَالَ فِي الْمُسَابَقَةِ : مَنْ سَبَقَ ، فَلَهُ عَشَرَةٌ .\rفَسَبَقَ اثْنَانِ اشْتَرَكَا فِي الْعَشَرَةِ .\rوَقَالَ النَّخَعِيُّ : يَعْتِقُ أَيَّهُمَا شَاءَ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَعْتِقُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا ؛ لِأَنَّهُ لَا أَوَّلَ فِيهِمَا ، لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُسَاوٍ لِلْآخَرِ ، وَمِنْ شَرْطِ الْأَوَّلِيَّةِ سَبْقُ الْأَوَّلِ .\rوَلَنَا أَنَّ هَذَيْنِ لَمْ يَسْبِقْهُمَا غَيْرُهُمَا ، فَكَانَا أَوَّلَ ، كَالْوَاحِدِ ، وَلَيْسَ مِنْ شَرْطِ أَنْ يَأْتِيَ بَعْدَهُ ثَانٍ ، بِدَلِيلِ مَا لَوْ مَلَكَ وَاحِدًا وَلَمْ يَمْلِكُ بَعْدَهُ شَيْئًا ، وَإِذَا كَانَتْ الصِّفَةُ مَوْجُودَةً فِيهِمَا ، فَإِمَّا أَنْ يَعْتِقَا جَمِيعًا ، أَوْ يَعْتِقَ أَحَدُهُمَا ، وَتُعَيِّنُهُ الْقُرْعَةُ ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ قَبْلُ .\rوَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِيمَا إذَا قَالَ : أَوَّلُ وَلَدٍ تَلِدِينَهُ ، فَهُوَ حُرٌّ .\rفَوَلَدَتْ اثْنَيْنِ ، وَخَرَجَا جَمِيعًا مَعًا فَالْحُكْم فِيهِمَا كَذَلِكَ .","part":24,"page":103},{"id":11603,"text":"( 8649 ) فَصْلٌ : وَإِنْ قَالَ : آخِرُ عَبْدٍ أَمْلِكُهُ ، فَهُوَ حُرٌّ .\rفَمَلَكَ عَبِيدًا ، لَمْ يُحْكَمْ بِعِتْقِ وَاحِدٍ مِنْهُمْ حَتَّى يَمُوتَ ؛ لِأَنَّهُمَا حَيًّا ، فَهُوَ يَحْتَمِلُ أَنْ يَمْلِكَ عَبْدًا يَكُونُ هُوَ الْآخِرَ ، فَإِذَا مَاتَ ، عَتَقَ آخِرُهُمْ وَتَبَيَّنَّا أَنَّهُ كَانَ حُرًّا حِينَ مَلَكَهُ ، فَيَكُونُ إكْسَابَهُ لَهُ .\rوَإِنْ كَانَتْ أَمَةً كَانَ أَوْلَادُهَا أَحْرَارًا مِنْ حِينَ وَلَدَتْهُمْ ؛ لِأَنَّهُمْ أَوْلَادُ حُرَّةٍ .\rوَإِنْ كَانَ وَطِئَهَا ، فَعَلَيْهِ مَهْرُهَا ؛ لِأَنَّهُ وَطِئَ حُرَّةً أَجْنَبِيَّةً ، وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَطَأَهَا حِينَ مَلَكَهَا ، حَتَّى يَمْلِكَ بَعْدَهَا غَيْرَهَا ؛ لِأَنَّهُمَا يَمْلِكْ بَعْدَهَا غَيْرَهَا ، فَهِيَ آخِرٌ فِي الْحَالِ ، وَإِنَّمَا يَزُولُ ذَلِكَ بِمِلْكِ غَيْرِهَا ، فَوَجَبَ أَنْ يَحْرُمَ الْوَطْءُ .\rوَإِنْ مَلَكَ اثْنَيْنِ ، دُفْعَةً وَاحِدَةً ثُمَّ مَاتَ ، فَالْحُكْمُ فِي عِتْقِهِمَا ، كَالْحُكْمِ فِيمَا إذَا مَلَكَ اثْنَيْنِ فِي الْمَسْأَلَةِ الَّتِي قَبْلَهَا .","part":24,"page":104},{"id":11604,"text":"( 8650 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ ( وَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ لِرَجُلٍ اشْتَرِنِي مِنْ سَيِّدِي بِهَذَا الْمَالِ ، فَأَعْتِقْنِي .\rفَفَعَلَ ، فَقَدْ صَارَ حُرًّا ، وَعَلَى الْمُشْتَرِي أَنْ يُؤَدِّيَ إلَى الْبَائِعِ مِثْلَ الَّذِي اشْتَرَاهُ بِهِ ، وَوَلَاؤُهُ لِلَّذِي اشْتَرَاهُ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ قَالَ لَهُ : بِعْنِي بِهَذَا الْمَالِ .\rفَيَكُونَ الشِّرَاءُ وَالْعِتْقُ بَاطِلًا ، وَيَكُونَ السَّيِّدُ قَدْ أَخَذَ مَالَهُ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْعَبْدَ إذَا دَفَعَ إلَى أَجْنَبِيٍّ مَالًا ، وَقَالَ : اشْتَرِنِي مِنْ سَيِّدِي بِهَذَا الْأَلْفِ فَأَعْتِقْنِي .\rفَفَعَلَ لَمْ يَخْلُ مِنْ أَنْ يَشْتَرِيَهُ بِعَيْنِ الْمَالِ ، أَوْ فِي ذِمَّتِهِ ، ثُمَّ يَنْقُدَ الْمَالَ ، فَإِنْ اشْتَرَاهُ فِي ذِمَّتِهِ ، فَأَعْتَقَهُ فَالشِّرَاءُ صَحِيحٌ وَالْعِتْقُ جَائِزٌ ؛ لِأَنَّهُ مَلَكَهُ بِالشِّرَاءِ ، فَنَفَذَ عِتْقُهُ لَهُ ، وَعَلَى الْمُشْتَرِي أَدَاءُ الثَّمَنِ الَّذِي اشْتَرَاهُ بِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَزِمَهُ الثَّمَنُ بِالْبَيْعِ ، وَاَلَّذِي دَفَعَهُ إلَى السَّيِّدِ كَانَ مِلْكًا لَهُ ، لَا يُحْتَسَبُ لَهُ بِهِ مِنْ الثَّمَنِ ، فَيَبْقَى الثَّمَنُ وَاجِبًا عَلَيْهِ ، يَلْزَمُهُ أَدَاؤُهُ ، وَكَانَ الْعِتْقُ مِنْ مَالِهِ ، وَالْوَلَاءُ لَهُ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَأَمَّا إنْ اشْتَرَاهُ بِعَيْنِ الْمَالِ ، فَالشِّرَاءُ ، بَاطِلٌ ، وَالْعِتْقُ غَيْرُ وَاقِعٍ ؛ لِأَنَّهُ اشْتَرَى بِعَيْنِ مَالِ غَيْرِهِ شَيْئًا بِغَيْرِ إذْنِهِ ، فَلَمْ يَصِحَّ الشِّرَاءُ ، وَلَمْ يَقَعْ الْعِتْقُ ؛ لِأَنَّهُ أَعْتَقَ مَمْلُوكَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ ، وَيَكُونُ السَّيِّدُ قَدْ أَخَذَ مَالَهُ لِأَنَّ مَا فِي يَدِ الْعَبْدِ مَحْكُومٌ بِهِ لِسَيِّدِهِ .\rوَعَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي تَقُولُ : إنَّ النُّقُودَ لَا تَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ فِي الْعُقُودِ .\rيَصِحُّ الْبَيْعُ وَالْعِتْقُ ، وَيَكُونُ الْحُكْمُ كَمَا لَوْ اشْتَرَاهُ فِي ذِمَّتِهِ .\rوَنَحْوُ هَذَا قَالَ النَّخَعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، فَإِنَّهُمَا قَالَا : الشِّرَاءُ وَالْعِتْقُ جَائِزَانِ ، وَيَرُدُّ الْمُشْتَرِي مِثْلَ الثَّمَنِ مِنْ غَيْرِ تَفْرِيقٍ .\rوَقَالَ الْحَسَنُ الْبَيْعُ وَالْعِتْقُ بَاطِلَانِ .\rوَقَالَ","part":24,"page":105},{"id":11605,"text":"الشَّعْبِيُّ : لَا يَجُوزُ ذَلِكَ ، وَيُعَاقَبُ مَنْ فَعَلَهُ ، مِنْ غَيْرِ تَفْرِيقٍ أَيْضًا ، وَقَدْ ذَكَرْنَا مَا يَقْتَضِي التَّفْرِيقَ ، وَفِيهِ تَوَسُّطٌ بَيْنَ الْمَذْهَبَيْنِ فَكَانَ أَوْلَى ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .","part":24,"page":106},{"id":11606,"text":"( 8651 ) فَصْلٌ : وَلَوْ كَانَ الْعَبْدُ بَيْنَ شَرِيكَيْنِ ، فَأَعْطَى الْعَبْدُ أَحَدَهُمَا خَمْسِينَ دِينَارًا ، عَلَى أَنْ يُعْتِقَ نَصِيبَهُ مِنْهُ ، فَأَعْتَقَهُ ، عَتَقَ ، وَسَرَى إلَى بَاقِيه إنْ كَانَ مُوسِرًا ، وَرَجَعَ عَلَيْهِ شَرِيكُهُ بِنِصْفِ الْخَمْسِينَ ، وَبِنِصْفِ قِيمَةِ الْعَبْدِ ؛ لِأَنَّ مَا فِي يَدِ الْعَبْدِ يَكُونُ بَيْنَ سَيِّدَيْهِ ، لَا يَنْفَرِدُ بِهِ أَحَدُهُمَا ، إلَّا أَنَّ نَصِيبَ الْمُعْتِقِ يَنْفُذُ فِيهِ الْعِتْقُ ، وَإِنْ كَانَ الْعِوَضُ مُسْتَحَقًّا ، إذْ لَمْ يَقَعْ الْعِتْقُ عَلَى عَيْنِهَا ، وَإِنَّمَا سَمَّى خَمْسِينَ ثُمَّ دَفَعَهَا إلَيْهِ .\rوَإِنْ أَوْقَعَ الْعِتْقَ عَلَى عَيْنِهَا ، يَجِبُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْعَبْدِ بِقِيمَةِ مَا أَعْتَقَهُ بِالْعِوَضِ الْمُسْتَحَقِّ ، وَيَسْرِي الْعِتْقُ إلَى نَصِيبِ شَرِيكِهِ ، فَيَرْجِعُ بِقِيمَتِهِ وَيَكُونُ الْوَلَاءُ لِلْمُعْتِقِ .","part":24,"page":107},{"id":11607,"text":"( 8652 ) فَصْلٌ : وَلَوْ وَكَّلَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ شَرِيكَهُ فِي عِتْقِ نَصِيبِهِ ، فَقَالَ الْوَكِيلُ : نَصِيبِي حُرٌّ .\rعَتَقَ ، وَسَرَى إلَى نَصِيبِ شَرِيكِهِ ، يَكُونُ الْوَلَاءُ لَهُ .\rوَإِنْ أَعْتَقَ نَصِيبَ الْمُوَكَّلِ ، عَتَقَ ، وَسَرَى إلَى نَصِيبِهِ ، وَالْوَلَاءُ لِلْمُوَكَّلِ .\rوَإِنْ أَعْتَقَ نِصْفَ الْعَبْدِ ، وَلَمْ يَنْوِ شَيْئًا ، احْتَمَلَ أَنْ يَنْصَرِفَ إلَى نَصِيبِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ ، وَنَصِيبُ شَرِيكِهِ يَفْتَقِرُ إلَى النِّيَّةِ ، وَلَمْ يَنْوِ ذَلِكَ .\rوَاحْتَمَلَ أَنْ يَنْصَرِفَ إلَى نَصِيبِ شَرِيكِهِ ؛ لِأَنَّهُ أَمَرَهُ بِالْإِعْتَاقِ ، فَانْصَرَفَ إلَى مَا أَمَرَ بِهِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يَنْصَرِفَ إلَيْهِمَا ؛ لِأَنَّهُمَا تَسَاوَيَا ، فَانْصَرَفَ إلَيْهِمَا ، وَأَيُّهُمَا حَكَمْنَا بِالْعِتْقِ عَلَيْهِ ، ضَمِنَ نَصِيبَ شَرِيكِهِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَضْمَنَ ؛ لِأَنَّ الْوَكِيلَ إنْ أَعْتَقَ نَصِيبَهُ ، فَسَرَى إلَى نَصِيبِ شَرِيكِهِ ، لَمْ يَضْمَنْهُ ، لِأَنَّهُ مَأْذُونٌ لَهُ فِي الْعِتْقِ ، وَقَدْ أَعْتَقَ بِالسِّرَايَةِ ، فَلَمْ يَضْمَنْ ، كَمَنْ أَذِنَ لَهُ فِي إتْلَافِ شَيْءٍ ، فَإِنَّهُ لَا يَضْمَنُهُ وَإِنْ أَتْلَفَهُ بِالسِّرَايَةِ .\rوَإِذَا أَعْتَقَ نَصِيبَ شَرِيكِهِ ، لَمْ يَلْزَمْ شَرِيكَهُ الضَّمَانُ ؛ لِأَنَّهُ مُبَاشِرٌ لِسَبَبِ الْإِتْلَافِ ، فَلَمْ يَجِبْ لَهُ ضَمَانُ مَا تَلِفَ بِهِ كَمَا لَوْ قَالَ لَهُ أَجْنَبِيٌّ : أَعْتِقْ عَبْدَك .\rفَأَعْتَقَهُ .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":24,"page":108},{"id":11608,"text":"كِتَابُ التَّدْبِيرِ وَمَعْنَى التَّدْبِيرِ : تَعْلِيقُ عِتْقِ عَبْدِهِ بِمَوْتِهِ .\rوَالْوَفَاةُ دُبُرُ الْحَيَاةِ ، يُقَالُ : دَابَرَ الرَّجُلُ يُدَابِرُ مُدَابَرَةً ، إذَا مَاتَ ، فَسُمِّيَ الْعِتْقُ بَعْدَ الْمَوْتِ تَدْبِيرًا ؛ لِأَنَّهُ إعْتَاقٌ فِي دُبُرِ الْحَيَاةِ .\rوَالْأَصْلُ فِيهِ السُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ ؛ أَمَّا السُّنَّةُ ، فَمَا رَوَى جَابِرٌ ، { أَنَّ رَجُلًا أَعْتَقَ مَمْلُوكًا لَهُ عَنْ دُبُرٍ مِنْهُ فَاحْتَاجَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ يَشْتَرِيهِ مِنِّي ؟ فَبَاعَهُ مِنْ نُعَيْمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بِثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ ، فَدَفَعَهَا إلَيْهِ وَقَالَ أَنْتَ أَحْوَجُ مِنْهُ } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَأَمَّا الْإِجْمَاعُ ، فَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ أَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ، عَلَى أَنَّ مَنْ دَبَّرَ عَبْدَهُ أَوْ أَمَتَهُ ، وَلَمْ يَرْجِعْ عَنْ ذَلِكَ حَتَّى مَاتَ ، وَالْمُدَبَّرُ يُخْرِجُ مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ ، بَعْدَ قَضَاءِ دَيْنٍ إنْ كَانَ عَلَيْهِ ، وَإِنْفَاذِ وَصَايَاهُ إنْ كَانَ وَصَّى ، وَكَانَ السَّيِّدُ بَالِغًا جَائِزَ الْأَمْرِ ، أَنَّ الْحُرِّيَّةَ تَجِبُ لَهُ أَوْ لَهَا .","part":24,"page":109},{"id":11609,"text":"( 8653 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَإِذَا قَالَ لِعَبْدِهِ أَوْ أَمَتِهِ : أَنْتَ مُدَبَّرٌ ، أَوْ قَدْ دَبَّرْتُكَ ، أَوْ أَنْتَ حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِي .\rفَقَدْ صَارَ مُدَبَّرًا ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا عَلَّقَ صَرِيحَ الْعِتْقِ بِالْمَوْتِ ، فَقَالَ أَنْتَ حُرٌّ ، أَوْ مُحَرَّرٌ ، أَوْ عَتِيقٌ أَوْ مُعْتَقٌ ، بَعْدَ مَوْتِي صَارَ مُدَبَّرًا .\rبِلَا خِلَافٍ نَعْلَمُهُ .\rفَأَمَّا إنْ قَالَ : أَنْتَ مُدَبَّرٌ أَوْ قَدْ دَبَّرْتك .\rفَإِنَّهُ يَصِيرُ مُدَبَّرًا بِنَفْسِ اللَّفْظِ ، مِنْ غَيْرِ افْتِقَارٍ إلَى نِيَّةٍ .\rوَهَذَا مَنْصُوصُ الشَّافِعِيِّ وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ : فِيهِ قَوْلٌ آخَرُ ، أَنَّهُ لَيْسَ بِصَرِيحٍ فِي التَّدْبِيرِ ، وَيَفْتَقِرُ إلَى النِّيَّةِ ؛ لِأَنَّهُمَا لَفْظَانِ لَمْ يَكْثُرْ اسْتِعْمَالُهُمَا ، فَافْتَقَرَا إلَى النِّيَّةِ ، كَالْكِنَايَاتِ .\rوَلَنَا أَنَّهُمَا لَفْظَانِ وُضِعَا لِهَذَا الْعَقْدِ ، فَلَمْ يَفْتَقِرْ إلَى النِّيَّةِ ، كَالْبَيْعِ ، وَيُفَارِقُ الْكِنَايَاتِ ؛ فَإِنَّهَا غَيْرُ مَوْضُوعَةٍ لَهُ ، وَيُشَارِكُهَا فِيهِ غَيْرُهَا ، فَافْتَقَرَتْ إلَى النِّيَّةِ لِلتَّعْيِينِ ، وَيُرَجَّحُ أَحَدُ الْمُحْتَمَلَيْنِ ، بِخِلَافِ الْمَوْضُوعِ .","part":24,"page":110},{"id":11610,"text":"( 8654 ) فَصْلٌ : وَيَعْتِقُ الْمُدَبَّرُ بَعْدَ الْمَوْتِ مِنْ ثُلُثِ الْمَالِ .\rفِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، يُرْوَى ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ ، وَابْنِ عُمَرَ .\rوَبِهِ قَالَ شُرَيْحٌ ، وَابْنُ سِيرِينَ ، وَالْحَسَنُ ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَمَكْحُولٌ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَقَتَادَةُ ، وَحَمَّادٌ ، وَمَالِكٌ ، وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ وَالثَّوْرِيُّ ، وَأَهْلُ الْعِرَاقِ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَرُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَمَسْرُوقٍ ، وَمُجَاهِدٍ ، وَالنَّخَعِيِّ ، وَسَعِيدِ بْن جُبَيْرٍ ، أَنَّهُ يَعْتِقُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ ؛ لِأَنَّهُ عِتْقٌ فَيَنْفُذُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ ، كَالْعِتْقِ فِي الصِّحَّةِ ، وَعِتْقِ أُمِّ الْوَلَدِ .\rوَلَنَا أَنَّهُ تَبَرُّعٌ بَعْدَ الْمَوْتِ ، فَكَانَ مِنْ الثُّلُثِ ، كَالْوَصِيَّةِ ، وَيُفَارِقُ الْعِتْقَ فِي الصِّحَّةِ ، فَإِنَّهُ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ حَقُّ غَيْرِ الْمُعْتِقِ فَيَنْفُذُ فِي الْجَمِيعِ ، كَالْهِبَةِ الْمُنَجَّزَةِ .\rوَقَدْ نَقَلَ حَنْبَلٌ عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّهُ يَعْتِقُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ .\rوَلَيْسَ عَلَيْهَا عَمَلٌ ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ : هَذَا قَوْلٌ قَدِيمٌ رَجَعَ عَنْهُ أَحْمَدُ إلَى مَا نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ .","part":24,"page":111},{"id":11611,"text":"فَصْلٌ : وَإِنْ اجْتَمَعَ الْعِتْقُ فِي الْمَرَضِ وَالتَّدْبِيرُ ، قُدِّمَ الْعِتْقُ ؛ لِأَنَّهُ أَسْبَقُ .\rوَإِنْ اجْتَمَعَ التَّدْبِيرُ وَالْوَصِيَّةُ بِالْعِتْقِ ، تَسَاوَيَا ؛ لِأَنَّهُمَا جَمِيعًا عِتْقٌ بَعْدَ الْمَوْتِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَدَّمَ التَّدْبِيرُ ؛ لِأَنَّ الْحُرِّيَّةَ تَقَعُ فِيهِ عِنْدَ الْمَوْتِ ، وَالْوَصِيَّةُ تَقِفُ عَلَى الْإِعْتَاقِ بَعْدَهُ .","part":24,"page":112},{"id":11612,"text":"( 8656 ) فَصْلٌ : وَيَجُوزُ التَّدْبِيرُ مُطْلَقًا وَمُقَيَّدًا ؛ فَالْمُطْلَقُ تَعْلِيقُ الْعِتْقِ بِالْمَوْتِ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ آخَرَ ، كَقَوْلِهِ : أَنْتَ حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِي .\rوَالْمُقَيَّدُ ضَرْبَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، خَاصٌّ ، نَحْوُ أَنْ يَقُولَ : إنَّ مِتّ مِنْ مَرَضِي هَذَا ، أَوْ سَفَرِي هَذَا ، أَوْ فِي بَلَدِي هَذَا ، أَوْ عَامِي هَذَا ، فَأَنْتَ حُرٌّ ، فَهَذَا جَائِزٌ عَلَى مَا قَالَ ، إنْ مَاتَ عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي شَرَطَهَا عَتَقَ الْعَبْدُ ، وَإِلَّا لَمْ يَعْتِقْ .\rوَقَالَ مُهَنَّا : سَأَلْت أَحْمَدَ عَنْ مَنْ قَالَ لِعَبْدِهِ : أَنْتَ حُرٌّ مُدَبَّرٌ الْيَوْمَ ؟ قَالَ : يَكُونُ مُدَبَّرًا ذَلِكَ الْيَوْمَ ، فَإِنْ مَاتَ ذَلِكَ الْيَوْمَ صَارَ حُرًّا .\rيَعْنِي إذَا مَاتَ الْمَوْلَى .\rالضَّرْبُ الثَّانِي ، أَنْ يُعَلِّقَ التَّدْبِيرَ عَلَى صِفَةٍ ، مِثْلُ أَنْ يَقُولَ إنْ دَخَلْت الدَّارَ ، أَوْ إنْ قَدِمَ زَيْدٌ أَوْ إنْ شَفَى اللَّهُ مَرِيضِي ، فَأَنْتَ حُرٌّ مُدَبَّرٌ ، أَوْ فَأَنْتَ حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِي .\rفَهَذَا لَا يَصِيرُ مُدَبَّرًا فِي الْحَالِ ؛ لِأَنَّهُ عَلَّقَ التَّدْبِيرَ عَلَى شَرْطٍ ، فَإِذَا وُجِدَ ، صَارَ مُدَبَّرًا ، وَعَتَقَ بِمَوْتِ سَيِّدِهِ ، وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ الشَّرْطُ فِي حَيَاةِ السَّيِّدِ ، وَوُجِدَ بَعْدَ مَوْتِهِ ، لَمْ يَعْتِقْ ؛ لِأَنَّ إطْلَاقَ الشَّرْطِ فِي حَيَاةِ السَّيِّدِ يَقْتَضِي وُجُودَهُ فِي الْحَيَاةِ ، بِدَلِيلِ مَا لَوْ عَلَّقَ عَلَيْهِ عِتْقًا مُنَجَّزًا ، فَقَالَ إذَا دَخَلْت الدَّارَ ، فَأَنْتَ حُرٌّ .\rفَدَخَلَهَا بَعْدَ مَوْتِهِ ، لَمْ يَعْتِقْ ، وَكَمَا لَوْ قَالَ لِوَكِيلِهِ : بِعْ عَبْدِي .\rفَمَاتَ الْمُوَكِّلُ قَبْلَ بَيْعِهِ ، بَطَلَتْ وَكَالَتُهُ .\rوَلِأَنَّ الْمُدَبَّرَ مَنْ عَلَّقَ عِتْقُهُ بِالْمَوْتِ ، وَهَذَا قَبْلَ الْمَوْتِ لَمْ يَكُنْ مُدَبَّرًا ، وَبَعْدَ الْمَوْتِ لَا يُمْكِنُ حُدُوثُ التَّدْبِيرِ .\rوَإِنْ قَالَ : إنْ دَخَلْت الدَّارَ بَعْدَ مَوْتِي ، فَأَنْتَ حُرٌّ .\rفَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ فِيهَا رِوَايَتَيْنِ ؛ إحْدَاهُمَا ، لَا يَعْتِقُ .\rوَهُوَ قِيَاسُ الْمَنْصُوصِ عَنْهُ ، فِي قَوْلِهِ : أَنْتَ حُرٌّ بَعْدَ مُوتِي بِيَوْمٍ أَوْ شَهْرٍ .\rفَإِنَّهُ قَالَ : لَا يَعْتِقُ ؛","part":24,"page":113},{"id":11613,"text":"لِأَنَّهُ عَلَّقَ الْعِتْقَ بِصِفَةٍ تُوجَدُ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ ، فَلَمْ يَعْتِقْ ، كَمَا لَوْ قَالَ : إنْ دَخَلْت الدَّارَ بَعْدَ بَيْعِي إيَّاكَ ، فَأَنْتَ حُرٌّ .\rوَلِأَنَّهُ إعْتَاقٌ لَهُ بَعْدَ قَرَارِ مِلْكِ غَيْرِهِ عَلَيْهِ ، فَلَمْ يَعْتِقْ كَالْمُنَجَّزِ .\rوَالثَّانِيَةُ ، يَعْتِقُ .\rوَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ الْقَاضِي .\rوَهُوَ مَذْهَبُ ؛ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ صَرَّحَ بِذَلِكَ ، فَحُمِلَ عَلَيْهِ كَمَا لَوْ وَصَّى بِإِعْتَاقِهِ ، وَكَمَا لَوْ وَصَّى بِبَيْعِ سِلْعَةٍ وَيَتَصَدَّقُ بِثَمَنِهَا ، وَيُفَارِقُ التَّصَرُّفَ بَعْدَ الْبَيْعِ ؛ فَإِنَّ اللَّه تَعَالَى جَعَلَ لِلْإِنْسَانِ التَّصَرُّفَ بَعْدَ مَوْتِهِ فِي ثُلُثِهِ ، بِخِلَافِ مَا بَعْدَ الْبَيْعِ .\rوَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .\rوَيُفَارِقُ الْوَصِيَّةَ بِالْعِتْقِ وَبَيْعَ السِّلْعَةِ ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ لَا يَسْتَقِرُّ لِلْوَرَثَةِ فِيهِ ، وَلَا يَمْلِكُونَ التَّصَرُّفَ فِيهِ ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا .\rوَقَوْلُهُمْ : حَصَلَ لَهُ التَّصَرُّفُ فِي ثُلُثِهِ .\rقُلْنَا : إنَّمَا يَتَصَرَّفُ فِيهِ تَصَرُّفًا يَثْبُتُ عَقِيبَ مَوْتِهِ ، وَيَمْنَعُ انْتِقَالَهُ إلَى الْوَارِثِ ، وَإِنْ ثَبَتَ لِلْوَارِثِ ، فَهُوَ ثُبُوتٌ غَيْرُ مُسْتَقِرٍّ ، وَقَدْ قِيلَ : يَكُونُ مُرَاعًى ، فَإِذَا قَبِلَ الْمُوصَى لَهُ ، تَبَيَّنَّا أَنَّ الْمِلْكَ كَانَ لَهُ مِنْ حِينِ الْمَوْتِ .\rوَإِنْ لَمْ يَقْبَلْ ، تَبَيَّنَّا أَنَّهُ كَانَ لِلْوَارِثِ .\rفَعَلَى قَوْلِنَا : لَا يَعْتِقُ بِالدُّخُولِ بَعْدَ الْمَوْتِ .\rلِلْوَارِثِ التَّصَرُّفُ فِيهِ كَيْفَ شَاءَ ، وَمَنْ صَحَّحَ هَذَا الشَّرْطَ ، احْتَمَلَ أَنْ يَمْنَعَ الْوَارِثَ مِنْ التَّصَرُّفِ فِي رَقَبَتِهِ ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَحِقُّ الْعِتْقَ ، فَأَشْبَهَ الْمُوصَى بِعِتْقِهِ .\rوَاحْتَمَلَ أَنْ لَا يَمْنَعَهُ ؛ لِأَنَّهُ عَلَّقَ عِتْقَهُ عَلَى صِفَةٍ غَيْرِ الْمَوْتِ ، فَلَمْ يَمْنَعْ مِنْ التَّصَرُّفِ فِيهِ ، كَمَا لَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ : إنْ دَخَلْت الدَّارَ ، فَأَنْتَ حُرٌّ .\rفَأَمَّا كَسْبُهُ قَبْلَ عِتْقِهِ ، فَهُوَ لِلْوَارِثِ ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ فِيهِ مُسْتَقِرٌّ قَبْلَ وُجُودِ الشَّرْطِ كَمَا لَوْ كَانَ الْوَارِثُ هُوَ الَّذِي عَلَّقَ","part":24,"page":114},{"id":11614,"text":"عِتْقَهُ .","part":24,"page":115},{"id":11615,"text":"( 8657 ) فَصْلٌ : فَإِنْ قَالَ : أَنْتَ حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِي بِشَهْرٍ ، أَوْ قَالَ : بِيَوْمٍ .\rفَقَالَ أَحْمَدُ ، فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا : لَا يَعْتِقُ ، وَلَا تَصِحُّ هَذِهِ الصِّفَةُ .\rوَقَالَ أَيْضًا : سَأَلْت أَحْمَدَ ، عَنْ رَجُلٍ قَالَ لِعَبْدِهِ : أَنْتَ حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِي بِشَهْرٍ ، بِأَلْفِ دِرْهَمٍ .\rفَقَالَ : هَذَا كُلُّهُ لَا يَكُونُ شَيْئًا بَعْدَ مَوْتِهِ .\rوَهَذَا اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ وَذَكَرَ الْقَاضِيَانِ ابْنُ أَبِي مُوسَى وَأَبُو يَعْلَى فِيهَا رِوَايَةً أُخْرَى ، أَنَّهُ يَعْتِقُ إذَا وُجِدَتْ الصِّفَتَانِ ؛ الْمَوْتُ وَمُضِيُّ الْمُدَّةِ الْمَذْكُورَةِ .\rوَبِهَذَا قَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو يُوسُفَ ، وَإِسْحَاقُ وَوَجْهُ الرِّوَايَتَيْنِ مَا تَقَدَّمَ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ : لَا يَعْتِقُ حَتَّى يَعْتِقَهُ الْوَارِثُ .\rوَعَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ : يَعْتِقُ .\rيَكُونُ قَبْلَ الْمَوْتِ مِلْكًا لِلْوَارِثِ ، وَكَسْبُهُ لَهُ كَأُمِّ الْوَلَدِ ، وَالْمُدَبَّرِ فِي حَيَاةِ السَّيِّدِ .\rوَإِنْ كَانَ أَمَةً ، فَوَلَدَتْ قَبْلَ وُجُودِ الصِّفَةِ ، فَوَلَدُهَا يَتْبَعُهَا فِي التَّدْبِيرِ ، وَيَعْتِقُ بِوُجُودِ الصِّفَةِ ، كَمَا تَعْتِقُ هِيَ .","part":24,"page":116},{"id":11616,"text":"( 8658 ) فَصْلٌ : إذَا قَالَ لِعَبْدِهِ : إذَا قَرَأْت الْقُرْآنَ ، فَأَنْتَ حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِي .\rفَقَرَأَ الْقُرْآنَ جَمِيعَهُ ، صَارَ مُدَبَّرًا ، وَإِنْ قَرَأَ بَعْضَهُ ، لَمْ يَصِرْ مُدَبَّرًا .\rوَإِنْ قَالَ إذَا قَرَأْت قُرْآنًا ، فَأَنْتَ حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِي فَقَرَأَ بَعْضَ الْقُرْآنِ ، صَارَ مُدَبَّرًا ؛ لِأَنَّهُ فِي الْأُولَى عَرَّفَهُ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ الْمُقْتَضِيَةِ لِلِاسْتِغْرَاقِ ، فَعَادَ إلَى جَمِيعِهِ ، وَهَا هُنَا نَكَّرَهُ ، فَاقْتَضَى بَعْضَهُ .\rفَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى { : فَإِذَا قَرَأْت الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاَللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ } .\rوَقَالَ : { وَإِذَا قَرَأْت الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَك وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا } وَلَمْ يُرِدْ جَمِيعَهُ .\rقُلْنَا قَضِيَّةُ اللَّفْظِ تَتَنَاوَلُ جَمِيعَهُ ؛ لِأَنَّ الْأَلِفَ وَاللَّامَ لِلِاسْتِغْرَاقِ ، وَإِنَّمَا حُمِلَ عَلَى بَعْضِهِ بِدَلِيلٍ ، فَلَا يُحْمَلُ عَلَى الْبَعْضِ فِي غَيْرِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ بِغَيْرِ دَلِيلٍ ، وَلِأَنَّ قَرِينَةَ الْحَالِ تَقْتَضِي قِرَاءَةَ جَمِيعِهِ ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ أَرَادَ تَرْغِيبَهُ فِي قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ ، بِتَعْلِيقِ الْحُرِّيَّةِ بِهِ ، وَمُجَازَاتِهِ عَلَى قِرَاءَتِهِ بِالْحُرِّيَّةِ ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يُجَازِي بِهَذَا الْأَمْرِ الْكَثِيرِ ، وَلَا يُرَغِّبُ بِهِ ، إلَّا فِيمَا يَشُقُّ ، أَمَّا قِرَاءَتُهُ آيَةً أَوْ آيَتَيْنِ فَلَا .","part":24,"page":117},{"id":11617,"text":"( 8659 ) فَصْلٌ : فَإِنْ قَالَ لِعَبْدِهِ : إنْ شِئْت ، فَأَنْتَ حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِي .\rأَوْ إذَا شِئْت ، أَوْ مَتَى شِئْت ، أَوْ أَيَّ وَقْتٍ شِئْت ، فَأَنْتَ حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِي .\rفَهُوَ تَدْبِيرٌ بِصِفَةِ ، فَمَتَى شَاءَ فِي حَيَاةِ سَيِّدِهِ ، صَارَ مُدَبَّرًا ، يَعْتِقُ بِمَوْتِ سَيِّدِهِ ، كَمَا لَوْ قَالَ : إنْ دَخَلْت الدَّارَ ، فَأَنْتَ حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِي .\rفَدَخَلَهَا فِي حَيَاتِهِ .\rوَإِنْ مَاتَ السَّيِّدُ قَبْلَ مَشِيئَتِهِ ، بَطَلَتْ الصِّفَةُ ، كَمَا لَوْ مَاتَ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُخْرَى قَبْلَ دُخُولِ .\rالدَّارِ .\rوَإِنْ قَالَ : مَتَى شِئْت بَعْدَ مَوْتِي ، فَأَنْتَ حُرٌّ ، أَوْ أَيَّ وَقْتٍ شِئْت بَعْدَ مَوْتِي ، فَأَنْتَ حُرٌّ .\rفَهَذَا تَعْلِيقٌ لِلْعِتْقِ عَلَى صِفَةٍ بَعْدَ الْمَوْتِ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهُ لَا يَصِحُّ ، وَأَنَّ قَوْلَ الْقَاضِي صِحَّتَهُ ، فَعَلَى قَوْلِهِ ، يَكُونُ ذَلِكَ عَلَى التَّرَاخِي ، فَمَتَى شَاءَ بَعْدَ مَوْتِ سَيِّدِهِ ، عَتَقَ ، وَمَا كَانَ لَهُ مِنْ كَسْبٍ قَبْلَ مَشِيئَتِهِ ، فَهُوَ لِوَرَثَةِ سَيِّدِهِ ؛ لِأَنَّهُ عَبْدٌ قَبِلَ ذَلِكَ بِخِلَافِ الْمُوصَى بِهِ ، فَإِنَّ فِي كَسْبِهِ قَبْلَ الْقَبُولِ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا ، أَنَّهُ يَكُون لِلْمُوصَى لَهُ ؛ لِأَنَّنَا تَبَيَّنَّا أَنَّهُ مَلَكَهُ مِنْ حِينِ الْمَوْتِ ، وَهَا هُنَا لَا يَثْبُتُ الْمِلْكُ قَبْلَ الْمَشِيئَةِ وَجْهًا وَاحِدًا ؛ لِأَنَّهُ عِتْقٌ مُعَلَّقٌ عَلَى شَرْطٍ ، فَلَا يَثْبُتُ الْعِتْقُ قَبْلَ الشَّرْطِ ، وَجْهًا وَاحِدًا .\rوَذَكَرَ الْقَاضِي فِي قَوْلِهِ : إذَا شِئْت ، أَوْ إنْ شِئْت ، فَأَنْتَ حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِي ، أَنَّهُ عَلَى الْفَوْرِ ، فَإِنْ شَاءَ فِي الْمَجْلِسِ صَارَ مُدَبَّرًا ، وَإِنْ تَرَاخَتْ الْمَشِيئَةُ عَنْ الْمَجْلِسِ ، بَطَلَتْ ، وَلَمْ يَصِرْ مُدَبَّرًا بِالْمَشِيئَةِ بَعْدَهُ ، بِنَاءً عَلَى قَوْلِهِ : اخْتَارِي نَفْسَك .\rفَإِنَّ الِاخْتِيَارَ يَقِفُ عَلَى الْمَجْلِسِ ، وَهَذَا فِي مَعْنَاهُ .\rوَإِنْ قَالَ : إنْ شِئْت بَعْدَ مَوْتِي ، أَوْ إذَا شِئْت بَعْدَ مَوْتِي ، فَأَنْتَ حُرٌّ .\rكَانَ عَلَى الْفَوْرِ أَيْضًا ، فَمَتَى شَاءَ عَقِيبَ مَوْتِ سَيِّدِهِ ، أَوْ فِي الْمَجْلِسِ ، صَارَ حُرًّا ، وَإِنْ تَرَاخَتْ","part":24,"page":118},{"id":11618,"text":"مَشِيئَتُهُ عَنْ الْمَجْلِسِ ، لَمْ تَثْبُتْ فِيهِ حُرِّيَّةٌ .\rوَقَدْ ذَكَرَ فِي الطَّلَاقِ ، أَنَّهُ إذَا قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ ، إنَّ شِئْت ، وَشَاءَ أَبُوك .\rفَشَاءَا مَعًا .\rوَقَعَ الطَّلَاقُ ، سَوَاءٌ شَاءَا عَلَى الْفَوْرِ أَوْ التَّرَاخِي ، أَوْ شَاءَ أَحَدُهُمَا عَلَى الْفَوْرِ ، وَالْآخَرُ عَلَى التَّرَاخِي ، وَهَذَا مِثْلُهُ ، فَيُخَرَّجُ فِي كُلِّ مَسْأَلَةٍ مِثْلُ مَا ذُكِرَ فِي الْأُخْرَى .","part":24,"page":119},{"id":11619,"text":"( 8660 ) فَصْلٌ : إذَا قَالَ لِعَبْدِهِ : إذَا مِتُّ ، فَأَنْتَ حُرٌّ ، أَوْ لَا .\rأَوْ قَالَ : فَأَنْتَ حُرٌّ ، أَوْ لَسْت بِحُرٍّ لَمْ يَصِرْ مُدَبَّرًا ؛ لِأَنَّهُ اسْتِفْهَامٌ ، وَلَمْ يَقْطَعْ بِالْعِتْقِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ : أَنْتِ طَالِقٌ ، أَوْ لَا .\rوَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ فِي الطَّلَاقِ .","part":24,"page":120},{"id":11620,"text":"( 8661 ) فَصْلٌ : وَإِذَا دَبَّرَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ نَصِيبَهُ ، لَمْ يَسْرِ التَّدْبِيرُ إلَى نَصِيبِ شَرِيكِهِ ، مُوسِرًا كَانَ أَوْ مُعْسِرًا .\rوَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ وَجْهًا ، أَنَّهُ يَسْرِي تَدْبِيرُهُ إذَا كَانَ مُوسِرًا ، وَيُقَوَّمُ عَلَيْهِ نَصِيبُ شَرِيكِهِ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّهُ اسْتَحَقَّ الْعِتْقَ بِمَوْتِ سَيِّدِهِ ، فَسَرَى ذَلِكَ فِيهِ ، كَالِاسْتِيلَادِ .\rوَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ كَالْمَذْهَبَيْنِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ تَعْلِيقٌ لِلْعِتْقِ بِصِفَةٍ ، فَلَمْ يَسْرِ ، كَتَعْلِيقِهِ بِدُخُولِ الدَّارِ .\rوَيُفَارِقُ الِاسْتِيلَادَ ؛ فَإِنَّهُ آكَدُ ، وَلِهَذَا يَعْتِقُ مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ .\rوَلَوْ قَتَلَتْ سَيِّدَهَا ، لَمْ يَبْطُلْ حُكْمُ اسْتِيلَادِهَا ، وَلَا يَجُوزُ بَيْعُهَا ، وَالْمُدَبَّرُ بِخِلَافِ ذَلِكَ .\rفَعَلَى هَذَا ، إنْ مَاتَ الْمُدَبَّرُ ، عَتَقَ نَصِيبُهُ إنْ خَرَجَ مِنْ الثُّلُثِ .\rوَهَلْ يَسْرِي إلَى نَصِيبِ شَرِيكِهِ ، إنْ كَانَ مُوسِرًا ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ ، ذَكَرَهُمَا الْخِرَقِيِّ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ .\rوَإِنْ أَعْتَقَ الشَّرِيكُ نَصِيبَهُ قَبْلَ مَوْتِ الْمُدَبَّرِ ، وَهُوَ مُوسِرٌ ، عَتَقَ ، وَسَرَى إلَى نَصِيبِ الْمُدَبَّرِ .\rوَذَكَرَ الْقَاضِي ، وَأَبُو الْخَطَّابِ ، فِيهَا وَجْهَيْنِ .\rوَلِلشَّافِعِيِّ فِيهَا قَوْلَانِ ، أَحَدُهُمَا كَقَوْلِنَا .\rوَالثَّانِي ، لَا يَسْرِي عِتْقُهُ ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّ الْمُدَبَّرَ قَدْ اسْتَحَقَّ الْوَلَاءَ عَلَى الْعَبْدِ بِمَوْتِهِ ، فَلَمْ يَكُنْ لِلْآخَرِ إبْطَالُهُ .\rوَلَنَا ، قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ ، فَكَانَ لَهُ مَا يَبْلُغُ قِيمَةَ الْعَبْدِ ، قُوِّمَ عَلَيْهِ قِيمَةُ الْعَدْلِ ، وَأُعْطِيَ شُرَكَاؤُهُ حِصَصَهُمْ ، وَإِلَّا فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ } .\rوَلِأَنَّهُ إذَا سَرَى إلَى إبْطَالِ الْمِلْكِ ، الَّذِي هُوَ آكَدُ مِنْ الْوَلَاءِ ، فَالْوَلَاءُ أَوْلَى ، وَمَا ذَكَرُوهُ لَا أَصْلَ لَهُ ، وَيَبْطُلُ بِمَا إذَا عَلَّقَ عِتْقَ نَصِيبِهِ بِصِفَةٍ .","part":24,"page":121},{"id":11621,"text":"( 8662 ) فَصْلٌ : وَإِنْ دَبَّرَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نَصِيبَهُ ، فَمَاتَ أَحَدُهُمَا ، عَتَقَ نَصِيبُهُ ، وَبَقِيَ نَصِيبُ الْآخَرِ عَلَى التَّدْبِيرِ ، إنْ لَمْ يَفِ ثُلُثُهُ بِقِيمَةِ حِصَّةِ شَرِيكِهِ ، وَإِنْ كَانَ يَفِي بِهِ ، فَهَلْ يَسْرِي الْعِتْقُ إلَيْهِ .\rعَلَى رِوَايَتَيْنِ .\rوَإِنْ قَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا : إذَا مُتْنَا ، فَأَنْتَ حُرٌّ .\rفَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : قَالَ أَحْمَدُ : إذَا مَاتَ أَحَدُهُمَا ، فَنَصِيبُهُ حُرٌّ .\rوَظَاهِرُ هَذَا أَنَّ أَحْمَدَ جَعَلَ هَذَا اللَّفْظَ تَدْبِيرًا مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِنَصِيبِهِ ، وَمَعْنَاهُ إذَا مَاتَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا ، فَنَصِيبُهُ حُرٌّ ؛ فَإِنَّهُ قَابَلَ الْجُمْلَةَ بِالْجُمْلَةِ ، فَيَصْرِفُ إلَى مُقَابَلَةِ الْبَعْضِ ، كَقَوْلِهِ : رَكِبَ النَّاسُ دَوَابَّهُمْ ، وَلَبِسُوا ثِيَابَهُمْ ، وَأَخَذُوا رِمَاحَهُمْ .\rيُرِيدُ لَبِسَ كُلُّ إنْسَانٍ ثَوْبَهُ ، وَرَكِبَ دَابَّتَهُ وَأَخَذَ رُمْحَهُ .\rوَكَذَلِكَ إنْ قَالَ : أَعْتَقُوا عَبِيدَهُمْ .\rكَانَ مَعْنَاهُ ، أَعْتَقَ كُلُّ وَاحِدٍ عَبْدَهُ وَقَالَ الْقَاضِي : هَذَا تَعْلِيقٌ لِلْحُرِّيَّةِ بِمَوْتِهِمَا جَمِيعًا ، وَإِنَّمَا قَالَ أَحْمَدُ : يَعْتِقُ نَصِيبُهُ ؛ بِنَاءً عَلَى أَنَّ وُجُودَ بَعْضِ الصِّفَةِ يَقُومُ مَقَامَ جَمِيعِهَا .\rوَلَا يَصِحُّ هَذَا ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَتْ هَذِهِ الْعِلَّةَ ، لَعَتَقَ الْعَبْدُ كُلُّهُ ، لِوُجُودِ بَعْضِ صِفَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ، وَلِأَنَّنَا قَدْ أَبْطَلْنَا هَذَا الْقَوْلَ بِمَا ذَكَرْنَا مِنْ قَبْلُ ، وَمُقْتَضَى قَوْلِ الْقَاضِي أَنْ لَا يَعْتِقَ شَيْءٌ مِنْهُ قَبْلَ مَوْتِهِمَا جَمِيعًا .\rوَإِنْ قَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا : أَرَدْت أَنَّ الْعَبْدَ حُرٌّ بَعْدَ آخِرِنَا مَوْتًا .\rانْبَنَى هَذَا عَلَى تَعْلِيقِ الْحُرِّيَّةِ عَلَى صِفَةٍ تُوجَدُ بَعْدَ الْمَوْتِ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا الْخِلَافَ فِي ذَلِكَ ؛ فَإِنْ قُلْنَا بِجَوَازِ ذَلِكَ ، عَتَقَ بَعْدَ مَوْتِ الْآخَرِ مِنْهُمَا ، عَلَيْهِمَا جَمِيعًا ، وَإِنْ قُلْنَا : لَا يَصِحُّ ذَلِكَ ، عَتَقَ نَصِيبُ الْآخَرِ مِنْهُمَا بِالتَّدْبِيرِ .\rوَفِي سِرَايَتِهِ إلَى بَاقِيهِ ، إنْ كَانَ ثُلُثُهُ يَحْتَمِلُ ذَلِكَ ، رِوَايَتَانِ .\rوَإِنْ","part":24,"page":122},{"id":11622,"text":"قَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا : إذَا مِتُّ قَبْلَ شَرِيكِي ، فَنَصِيبِي لَهُ ، فَإِذَا مَاتَ فَهُوَ حُرٌّ ، وَإِنْ مِتُّ بَعْدَهُ ، فَنَصِيبِي حُرٌّ .\rفَقَدْ وَصَّى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِلْآخَرِ ، فَإِذَا مَاتَ أَحَدُهُمَا ، صَارَ الْعَبْدُ كُلُّهُ لِلْآخَرِ ، فَإِذَا مَاتَ عَتَقَ كُلُّهُ عَلَيْهِ ، وَصَارَ وَلَاؤُهُ كُلُّهُ لَهُ ، إنْ قُلْنَا : لَا يَصِحُّ تَعْلِيقُ الْعِتْقِ عَلَى صِفَةٍ بَعْدَ الْمَوْتِ .\rوَإِنْ قُلْنَا : يَصِحُّ .\rعَتَقَ عَلَيْهِمَا ، وَوَلَاؤُهُ بَيْنَهُمَا .","part":24,"page":123},{"id":11623,"text":"( 8663 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : ( وَلَهُ بَيْعُهُ فِي الدَّيْنِ ) ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ ، أَنَّهُ لَا يُبَاعُ فِي الدَّيْنِ .\rوَقَدْ أَوْمَأَ إلَيْهِ أَحْمَدُ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : لَا يُبَاعُ إلَّا فِي دَيْنٍ يَغْلِبُ رَقَبَةَ الْعَبْدِ ، فَإِذَا كَانَ الْعَبْدُ يُسَاوِي أَلْفًا ، فَكَانَ عَلَيْهِ خَمْسُمِائَةٍ ، لَمْ يَبِعْ الْعَبْدَ .\rوَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّهُ قَالَ : أَنَا أَرَى بَيْعَ الْمُدَبَّرِ فِي الدَّيْنِ ، وَإِذَا كَانَ فَقِيرًا لَا يَمْلِكُ شَيْئًا ، رَأَيْت أَنْ أَبِيعَهُ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ بَاعَ الْمُدَبَّرَ ، لَمَّا عَلِمَ أَنَّ صَاحِبَهُ لَا يَمْلِكُ شَيْئًا غَيْرَهُ ، بَاعَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا عَلِمَ حَاجَتَهُ .\rوَهَذَا قَوْلُ إِسْحَاقَ ، وَأَبِي أَيُّوبَ وَأَبِي خَيْثَمَةَ ، وَقَالَا : إنْ بَاعَهُ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ ، أَجَزْنَاهُ .\rوَنَقَلَ جَمَاعَةٌ عَنْ أَحْمَدَ ، جَوَازَ بَيْعِ الْمُدَبَّرِ مُطْلَقًا ؛ فِي الدَّيْنِ وَغَيْرِهِ ، مَعَ الْحَاجَةِ وَعَدَمِهَا .\rقَالَ إسْمَاعِيلُ بْنُ سَعِيدٍ : سَأَلْت أَحْمَدَ عَنْ بَيْعِ الْمُدَبَّرِ ، إذَا كَانَ بِالرَّجُلِ حَاجَةٌ إلَى ثَمَنِهِ ، قَالَ : لَهُ أَنْ يَبِيعَهُ ، مُحْتَاجًا كَانَ إلَى ذَلِكَ أَوْ غَيْرَ مُحْتَاجٍ .\rوَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ .\rوَرُوِيَ مِثْلُ هَذَا عَنْ عَائِشَةَ ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَطَاوُسٍ ، وَمُجَاهِدٍ .\rوَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ .\rوَكَرِهَ بَيْعَهُ ابْنُ عُمَرَ ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَابْنُ سِيرِينَ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ وَمَالِكٌ ؛ لِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا رَوَى { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا يُبَاعُ الْمُدَبَّرُ وَلَا يُشْتَرَى } .\rوَلِأَنَّهُ اسْتَحَقَّ الْعِتْقَ بِمَوْتِ سَيِّدِهِ ، أَشْبَهَ أُمَّ الْوَلَدِ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى جَابِرٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ { أَنَّ رَجُلًا أَعْتَقَ مَمْلُوكًا لَهُ عَنْ دَبْرٍ ، فَاحْتَاجَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ","part":24,"page":124},{"id":11624,"text":"يَشْتَرِيهِ مِنِّي .\rفَبَاعَهُ مِنْ نُعَيْمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بِثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ ، فَدَفَعَهَا إلَيْهِ وَقَالَ : أَنْتَ أَحْوَجُ مِنْهُ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rقَالَ جَابِرٌ : عَبْدٌ قِبْطِيٌّ ، مَاتَ عَامَ أَوَّلَ ، فِي إمَارَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ .\rوَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الْجُوزَجَانِيُّ : صَحَّتْ أَحَادِيثُ بَيْعِ الْمُدَبَّرِ ، بِاسْتِقَامَةِ الطُّرُقِ ، وَالْخَبَرُ إذَا ثَبَتَ اُسْتُغْنِيَ بِهِ عَنْ غَيْرِهِ مِنْ رَأْيِ النَّاسِ .\rوَلِأَنَّهُ عِتْقٌ بِصِفَةٍ ، ثَبَتَ بِقَوْلِ الْمُعْتِقِ ، فَلَمْ يَمْنَعْ الْبَيْعَ ، كَمَا لَوْ قَالَ : إنْ دَخَلْت الدَّارَ ، فَأَنْتَ حُرٌّ .\rوَلِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ بِمَالٍ بَعْدَ الْمَوْتِ ، فَلَمْ يَمْنَعْ الْبَيْعَ فِي الْحَيَاةِ ، كَالْوَصِيَّةِ .\rقَالَ أَحْمَدُ : هُمْ يَقُولُونَ : مَنْ قَالَ : غُلَامِي حُرٌّ رَأْسَ الشَّهْرِ .\rفَلَهُ بَيْعُهُ قَبْلَ رَأْسِ الشَّهْرِ ، وَإِنْ قَالَ : غَدًا .\rفَلَهُ بَيْعُهُ الْيَوْمَ .\rوَإِنْ قَالَ : إذَا مِتُّ .\rقَالَ : لَا يَبِيعُهُ ، فَالْمَوْتُ أَكْثَرُ مِنْ الْأَجَلِ ، لَيْسَ هَذَا قِيَاسًا ، إنْ جَازَ أَنْ يَبِيعَهُ قَبْلَ رَأْسِ الشَّهْرِ ، فَلَهُ أَنْ يَبِيعَهُ قَبْلَ مَجِيءِ الْمَوْتِ ، وَهُمْ يَقُولُونَ فِي مَنْ قَالَ : إنْ مِتُّ مِنْ مَرَضِي هَذَا ، فَعَبْدِي حُرٌّ .\rثُمَّ لَمْ يَمُتْ مِنْ مَرَضِهِ ذَلِكَ ، فَلَيْسَ بِشَيْءٍ .\rوَإِنْ قَالَ : إنْ مِتُّ ، فَهُوَ حُرٌّ .\rلَا يُبَاعُ .\rوَهَذَا مُتَنَاقِضٌ ، إنَّمَا أَصْلُهُ الْوَصِيَّةُ مِنْ الثُّلُثِ ، فَلَهُ أَنْ يُغَيِّرَ وَصِيَّتَهُ مَا دَامَ حَيًّا .\rفَأَمَّا خَبَرُهُمْ ، فَلَمْ يَصِحَّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّمَا هُوَ مِنْ قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ .\rقَالَ الطَّحَاوِيُّ : هُوَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، وَلَيْسَ بِمُسْنَدٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ بَعْدَ الْمَوْتِ ، أَوْ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ .\rأَمَّا أُمُّ الْوَلَدِ ، فَإِنَّ عِتْقَهَا يَثْبُتُ بِغَيْرِ اخْتِيَارِ سَيِّدِهَا ، وَلَيْسَ بِتَبَرُّعٍ ، وَيَكُونُ مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ ، وَلَا يُمْكِنُ إبْطَالُهُ بِحَالٍ ، وَالتَّدْبِيرُ بِخِلَافِهِ .\rوَوَجْهُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ ، إنَّ النَّبِيَّ","part":24,"page":125},{"id":11625,"text":"صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّمَا بَاعَ الْمُدَبَّرَ عِنْدَ الْحَاجَةِ ، فَلَا يُتَجَاوَزُ بِهِ مَوْضِعُ الْحَاجَةِ .","part":24,"page":126},{"id":11626,"text":"( 8664 ) مَسْأَلَةٌ قَالَ : ( وَلَا تُبَاعُ الْمُدَبَّرَةُ فِي الدَّيْنِ ، إلَّا فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ، رَحِمَهُ اللَّهُ .\rوَالرِّوَايَةُ الْأُخْرَى ، الْأَمَةُ كَالْعَبْدِ ) لَا نَعْلَمُ هَذَا التَّفْرِيقَ بَيْنَ الْمُدَبَّرَةِ وَالْمُدَبَّرِ عَنْ غَيْرِ إمَامِنَا ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، وَإِنَّمَا احْتَاطَ فِي رِوَايَةِ الْمَنْعِ مِنْ بَيْعِهَا ؛ لِأَنَّ فِيهِ إبَاحَةَ فَرْجِهَا ، وَتَسْلِيطَ مُشْتَرِيهَا عَلَى وَطْئِهَا ، مَعَ وُقُوعِ الْخِلَافِ فِي بَيْعِهَا وَحِلِّهَا ، فَكَرِهَ الْإِقْدَامَ عَلَى ذَلِكَ مَعَ الِاخْتِلَافِ فِيهِ ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا الْمَنْعَ مِنْهُ كَانَ عَلَى سَبِيلِ الْوَرَعِ ، لَا عَلَى التَّحْرِيمِ الْبَاتِّ ؛ فَإِنَّهُ إنَّمَا قَالَ : لَا يُعْجِبُنِي بَيْعُهَا .\rوَالصَّحِيحُ جَوَازُ بَيْعِهَا ؛ فَإِنَّ عَائِشَةَ بَاعَتْ مُدَبَّرَةً لَهَا سَحَرَتْهَا .\rوَلِأَنَّ الْمُدَبَّرَةَ فِي مَعْنَى الْمُدَبَّرِ ، فَمَا ثَبَتَ فِيهِ ، ثَبَتَ فِيهَا .","part":24,"page":127},{"id":11627,"text":"( 8665 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( فَإِنْ اشْتَرَاهُ بَعْدَ ذَلِكَ ، رَجَعَ فِي التَّدْبِيرِ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ ، أَنَّ السَّيِّدَ إذَا دَبَّرَ عَبْدَهُ ، ثُمَّ بَاعَهُ ، ثُمَّ اشْتَرَاهُ ، عَادَ تَدْبِيرُهُ ؛ لِأَنَّهُ عَلَّقَ عِتْقَهُ بِصِفَةٍ ، فَإِذَا بَاعَهُ ثُمَّ اشْتَرَاهُ ، عَادَتْ الصِّفَةُ .\rكَمَا لَوْ قَالَ : أَنْتَ حُرٌّ ، إنْ دَخَلْت الدَّارَ .\rثُمَّ بَاعَهُ ، ثُمَّ اشْتَرَاهُ .\rوَذَكَرَ الْقَاضِي ، أَنَّ هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ التَّدْبِيرَ تَعْلِيقٌ بِصِفَةٍ .\rوَفِيهِ رِوَايَةٌ أُخْرَى ، أَنَّهُ وَصِيَّةٌ ، فَتَبْطُلُ بِالْبَيْعِ ، وَلَا تَعُودُ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ وَصَّى بِشَيْءٍ ثُمَّ بَاعَهُ ، بَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ ، وَلَمْ تَعُدْ بِشِرَائِهِ .\rوَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ مِثْلُ هَذَا ، إلَّا أَنَّ عَوْدَ الصِّفَةِ بَعْدَ الشِّرَاءِ لَهُ فِيهِ قَوْلَانِ .\rوَالصَّحِيحُ مَا قَالَ الْخِرَقِيِّ ؛ لِأَنَّ التَّدْبِيرَ وُجِدَ فِيهِ التَّعْلِيقُ بِصِفَةٍ ، فَلَا يَزُولُ حُكْمُ التَّعْلِيقِ بِوُجُودِ مَعْنَى الْوَصِيَّةِ فِيهِ ، بَلْ هُوَ جَامِعٌ لِلْأَمْرَيْنِ ، وَغَيْرُ مُمْتَنِعٍ وُجُودُ الْحُكْمِ بِسَبَبَيْنِ ، فَيَثْبُتُ حُكْمُهَا فِيهِ .","part":24,"page":128},{"id":11628,"text":"مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَلَوْ دَبَّرَهُ ، ثُمَّ قَالَ : قَدْ رَجَعْت فِي تَدْبِيرِي ، أَوْ قَدْ أَبْطَلْتُهُ .\rلَمْ يَبْطُلْ ؛ لِأَنَّهُ عَلَّقَ الْعِتْقَ بِصِفَةٍ .\rفِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ .\rوَالْأُخْرَى ، يَبْطُلُ التَّدْبِيرُ ) اخْتَلَفْت الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، فِي بُطْلَانِ التَّدْبِيرِ بِالرُّجُوعِ فِيهِ قَوْلًا ، فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَبْطُلُ ؛ لِأَنَّهُ عَلَّقَ الْعِتْقَ بِصِفَةٍ ، فَلَا يَبْطُلُ ، كَمَا لَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ : إنْ دَخَلْت الدَّارَ ، فَأَنْتَ حُرٌّ ، وَالثَّانِيَةُ ، يَبْطُلُ ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ لَهُ نَفْسَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ ، فَكَانَ ذَلِكَ وَصِيَّةً ، فَجَازَ الرُّجُوعُ فِيهِ بِالْقَوْلِ ، كَمَا لَوْ وَصَّى لَهُ بِعَبْدٍ آخَرَ .\rوَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ الْقَدِيمُ .\rوَقَوْلُهُ الْجَدِيدُ كَالرِّوَايَةِ الْأُولَى .\rوَهُوَ الصَّحِيحُ ؛ لِأَنَّهُ تَعْلِيقٌ لِلْعِتْقِ بِصِفَةٍ .\rوَلَا يَصِحُّ الْقَوْلُ بِأَنَّهُ وَصِيَّةٌ بِهِ لِنَفْسِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ نَفْسَهُ ، وَإِنَّمَا تَحْصُلُ فِيهِ الْحُرِّيَّةُ ، وَيَسْقُطُ عَنْهُ الرِّقُّ ، وَلِهَذَا لَا تَقِفُ الْحُرِّيَّةُ عَلَى قَبُولِهِ وَلَا اخْتِيَارِهِ ، وَتَتَنَجَّزُ عَقِيبَ الْمَوْتِ ، كَتَنَجُّزِهَا عَقِيبَ سَائِرِ الشُّرُوطِ ، وَلِأَنَّهُ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ أَنْ يَجْمَعَ الْأَمْرَيْنِ ، فَثَبَتَ فِيهِ حُكْمُ التَّعْلِيقِ فِي امْتِنَاعِ الرُّجُوعِ ، وَيَجْتَمِعَانِ فِي حُصُولِ الْعِتْقِ بِالْمَوْتِ .","part":24,"page":129},{"id":11629,"text":"( 8667 ) فَصْلٌ : إذَا قَالَ السَّيِّدُ لِمُدَبَّرِهِ : إذَا أَدَّيْت إلَى وَرَثَتِي كَذَا ، فَأَنْتَ حُرٌّ .\rفَهُوَ رُجُوعٌ عَنْ التَّدْبِيرِ وَيَنْبَنِي عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ ، إنْ قُلْنَا : لَهُ الرُّجُوعُ بِالْقَوْلِ ، فَظَاهِرُهُ أَنَّهُ بَطَلَ التَّدْبِيرُ هَاهُنَا .\rوَإِنْ قُلْنَا : لَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ .\rلَمْ يُؤَثِّرْ الْقَوْلُ شَيْئًا .","part":24,"page":130},{"id":11630,"text":"وَإِنْ دَبَّرَهُ كُلَّهُ ، ثُمَّ رَجَعَ فِي نِصْفِهِ ، صَحَّ ، إذَا قُلْنَا : لَهُ الرُّجُوعُ فِي جَمِيعِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا صَحَّ أَنْ يُدَبِّرَ نِصْفَهُ ابْتِدَاءً ، صَحَّ أَنْ يَرْجِعَ فِي تَدْبِيرِ نِصْفِهِ ، وَإِنْ غَيَّرَ التَّدْبِيرَ .\rفَكَانَ مُطْلَقًا ، فَجَعَلَهُ مُقَيَّدًا ، صَارَ مُقَيَّدًا ، إنْ قُلْنَا بِصِحَّةِ الرُّجُوعِ فِي التَّدْبِيرِ ، وَإِلَّا فَلَا ، وَإِنْ كَانَ مُقَيَّدًا ، فَأَطْلَقَهُ ، صَحَّ ، عَلَى كُلِّ حَالٍ ؛ لِأَنَّهُ زِيَادَةٌ ، فَلَا يُمْنَعُ مِنْهَا .","part":24,"page":131},{"id":11631,"text":"وَإِذَا دُبِّرَ الْأَخْرَسُ ، وَكَانَتْ إشَارَتُهُ أَوْ كِتَابَتُهُ مَعْلُومَةً ، صَحَّ تَدْبِيرُهُ .\rوَيَصِحُّ رُجُوعُهُ ، إنْ قُلْنَا بِصِحَّةِ الرُّجُوعِ فِي التَّدْبِيرِ ؛ لِأَنَّ إشَارَتَهُ وَكِتَابَتَهُ تَقُومُ مَقَامَ نُطْقِ النَّاطِقِ فِي أَحْكَامِهِ .\rوَإِنْ دُبِّرَ ، وَهُوَ نَاطِقٌ ، ثُمَّ صَارَ أَخْرَسَ ، صَحَّ رُجُوعُهُ بِإِشَارَتِهِ الْمَعْلُومَةِ أَوْ كِتَابَتِهِ .\rوَإِنْ لَمْ تُفْهَمْ إشَارَتُهُ ، فَلَا عِبْرَةَ بِهَا ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ رُجُوعُهُ .","part":24,"page":132},{"id":11632,"text":"( 8668 ) فَصْلٌ : وَإِذَا رُهِنَ الْمُدَبَّرُ ، لَمْ يَبْطُلْ تَدْبِيرُهُ ؛ لِأَنَّهُ تَعْلِيقٌ لِلْعِتْقِ بِصِفَةٍ ، فَإِنْ مَاتَ السَّيِّدُ ، وَهُوَ رَهْنٌ ، عَتَقَ ، وَأُخِذَ مِنْ تَرِكَةِ سَيِّدِهِ قِيمَتُهُ ، فَتَكُونُ رَهْنًا مَكَانَهُ ؛ لِأَنَّ عِتْقَهُ بِسَبَبٍ مِنْ جِهَةِ سَيِّدِهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ بَاشَرَهُ بِالْعِتْقِ نَاجِزًا .","part":24,"page":133},{"id":11633,"text":"( 8669 ) فَصْلٌ : وَإِنْ ارْتَدَّ الْمُدَبَّرُ ، وَلَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ ، لَمْ يَبْطُلْ تَدْبِيرُهُ ؛ لِأَنَّ مِلْكَ سَيِّدِهِ بَاقٍ عَلَيْهِ ، وَيَصِحُّ تَصَرُّفُهُ فِيهِ بِالْعِتْقِ وَالْهِبَةِ وَالْبَيْعِ ، إنْ كَانَ مَقْدُورًا عَلَيْهِ ، فَإِنْ سَبَاهُ الْمُسْلِمُونَ ، لَمْ يَمْلِكُوهُ ؛ لِأَنَّهُ مَمْلُوكٌ لِمَعْصُومٍ ، وَيُرَدُّ إلَى سَيِّدِهِ ، إنْ عُلِمَ بِهِ قَبْلَ قَسْمِهِ ، وَيُسْتَتَابُ ، فَإِنْ تَابَ ، وَإِلَّا قُتِلَ ، وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ بِهِ حَتَّى قُسِمَ ، لَمْ يُرَدَّ إلَى سَيِّدِهِ .\rفِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ .\rوَالْأُخْرَى إنْ اخْتَارَ سَيِّدُهُ أَخْذَهُ بِالثَّمَنِ الَّذِي حُسِبَ بِهِ عَلَى آخِذِهِ ، أَخَذَهُ ، وَإِنْ لَمْ يَخْتَرْ أَخْذَهُ ، بَطَلَ تَدْبِيرُهُ .\rوَمَتَى عَادَ إلَى سَيِّدِهِ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ ، عَادَ تَدْبِيرُهُ ، وَإِنْ لَمْ يَعُدْ إلَى سَيِّدِهِ ، بَطَلَ تَدْبِيرُهُ ، كَمَا لَوْ بِيعَ ، وَكَانَ رَقِيقًا لِمَنْ هُوَ فِي يَدِهِ .\rوَإِنْ مَاتَ سَيِّدُهُ قَبْلَ سَبْيِهِ ، عَتَقَ ، فَإِنْ سُبِيَ بَعْدَ هَذَا ، لَمْ يُرَدَّ إلَى وَرَثَةِ سَيِّدِهِ ؛ لِأَنَّ مِلْكَهُ زَالَ عَنْهُ بِحُرِّيَّتِهِ ، فَصَارَ كَأَحْرَارِ دَارِ الْحَرْبِ ، وَلَكِنْ يُسْتَتَابُ ، فَإِنْ تَابَ وَأَسْلَمَ ، صَارَ رَقِيقًا ، يُقْسَمُ بَيْنَ الْغَانِمِينَ ، وَإِنْ لَمْ يَتُبْ ، قُتِلَ ، وَلَمْ يَجُزْ اسْتِرْقَاقُهُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ إقْرَارُهُ عَلَى كُفْرِهِ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : لَا يَجُوزُ اسْتِرْقَاقُهُ إذَا أَسْلَمَ .\rوَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ فِي اسْتِرْقَاقِهِ إبْطَالَ وَلَاءِ الْمُسْلِمِ الَّذِي أَعْتَقَهُ .\rوَلَنَا ، أَنَّ هَذَا لَا يَمْنَعُ قَتْلَهُ ، وَإِذْهَابَ نَفْسِهِ وَوَلَائِهِ ، فَلَأَنْ لَا يَمْنَعَ تَمَلُّكَهُ أَوْلَى ، وَلِأَنَّ الْمَمْلُوكَ الَّذِي لَمْ يَعْتِقْهُ سَيِّدُهُ ، يَثْبُتُ الْمِلْكُ فِيهِ لِلْغَانِمِينَ إذَا لَمْ يُعْرَفْ مَالِكُهُ بِعَيْنِهِ ، وَيَثْبُتُ فِيهِ إذَا قُسِمَ قَبْلَ الْعِلْمِ بِمَالِكِهِ ، وَالْمِلْكُ آكَدُ مِنْ الْوَلَاءِ ، فَلَأَنْ يَثْبُتَ مَعَ الْوَلَاءِ وَحْدَهُ أَوْلَى .\rفَعَلَى هَذَا ، لَوْ كَانَ الْمُدَبَّرُ ذِمِّيًّا ، فَلَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ ، ثُمَّ مَاتَ سَيِّدُهُ ،","part":24,"page":134},{"id":11634,"text":"أَوْ أَعْتَقَهُ ، ثُمَّ قَدَرَ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ فَسَبَوْهُ ، مَلَكُوهُ ، وَقَسَمُوهُ .\rوَعَلَى قَوْلِ الْقَاضِي ، وَمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ ، لَا يَمْلِكُونَهُ ، فَإِنْ كَانَ سَيِّدُهُ ذِمِّيًّا ، جَازَ اسْتِرْقَاقُهُ فِي قَوْلِ الْقَاضِي .\rوَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ فِي اسْتِرْقَاقِهِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا ، يَجُوزُ .\rوَهَذَا حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ ؛ لِأَنَّ عِصْمَةَ مَالِ الذِّمِّيِّ ، كَعِصْمَةِ مَالِ الْمُسْلِمِ ، بِدَلِيلِ قَطْعِ سَارِقِهِ ، سَوَاءٌ كَانَ مُسْلِمًا أَوْ ذِمِّيًّا ، وَوُجُوبِ ضَمَانِهِ ، وَتَحْرِيمِ تَمَلُّكِ مَالِهِ ، إذَا أَخَذَهُ الْكُفَّارُ ، ثُمَّ قَدَرَ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ ، فَأَدْرَكَهُ صَاحِبُهُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ .\rقَالَ الْقَاضِي : الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا ، أَنَّ سَيِّدَهُ هَاهُنَا لَوْ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ ، جَازَ تَمَلُّكُهُ ، فَجَازَ تَمَلُّكُ عِتْقِهِ ، بِخِلَافِ الْمُسْلِمِ .\rقُلْنَا : إنَّمَا جَازَ اسْتِرْقَاقُ سَيِّدِهِ ، لِزَوَالِ عِصْمَتِهِ ، وَذَهَابِ عَاصِمِهِ ، وَهُوَ ذِمَّتُهُ وَعَهْدُهُ ، وَأَمَّا إذَا ارْتَدَّ مُدَبَّرُهُ ، فَإِنَّ عِصْمَةَ وَلَائِهِ ثَابِتَةٌ بِعِصْمَةِ مَنْ لَهُ وَلَاؤُهُ ، وَهُوَ وَالْمُسْلِمُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ ، فَإِذَا جَازَ إبْطَالُ وَلَاءِ أَحَدِهِمَا ، جَازَ فِي الْآخَرِ مِثْلُهُ .","part":24,"page":135},{"id":11635,"text":"( 8670 ) فَصْلٌ : فَإِنْ ارْتَدَّ سَيِّدُ الْمُدَبَّرِ ، فَذَكَرَ الْقَاضِي ، أَنَّ الْمَذْهَبَ أَنَّهُ يَكُونُ مَوْقُوفًا ، فَإِنْ عَادَ إلَى الْإِسْلَامِ ، فَالتَّدْبِيرُ بَاقٍ بِحَالِهِ ؛ لِأَنَّا تَبَيَّنَّا أَنَّ مِلْكَهُ لَمْ يَزُلْ ، وَإِنْ قُتِلَ أَوْ مَاتَ عَلَى رِدَّتِهِ ، لَمْ يَعْتِقْ الْمُدَبَّرُ ؛ لِأَنَّا تَبَيَّنَّا أَنَّ مِلْكَهُ زَالَ بِرِدَّتِهِ .\rوَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : قِيَاسُ قَوْلِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ، إنَّ تَدْبِيرَهُ يَبْطُلُ بِالرِّدَّةِ ، فَإِنْ عَادَ إلَى الْإِسْلَامِ ، اسْتَأْنَفَ التَّدْبِيرَ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : التَّدْبِيرُ بَاقٍ وَيَعْتِقُ بِمَوْتِ سَيِّدِهِ ؛ لِأَنَّ تَدْبِيرَهُ سَبَقَ رِدَّتَهُ ، فَهُوَ كَبَيْعِهِ وَهِبَتِهِ قَبْلَ ارْتِدَادِهِ .\rوَهَذَا يَنْبَنِي عَلَى الْقَوْلِ فِي مَالِ الْمُرْتَدِّ ، هَلْ هُوَ بَاقٍ عَلَى مِلْكِهِ ، أَوْ قَدْ زَالَ بِرِدَّتِهِ .\rوَقَدْ ذُكِرَ فِي بَابِ الْمُرْتَدِّ .\rفَأَمَّا إنْ دَبَّرَ فِي حَالِ رِدَّتِهِ ، فَتَدْبِيرُهُ مُرَاعًى ، فَإِنْ عَادَ إلَى الْإِسْلَامِ ، تَبَيَّنَّا أَنَّ تَدْبِيرَهُ وَقَعَ صَحِيحًا ، وَإِنْ قُتِلَ أَوْ مَاتَ عَلَى رِدَّتِهِ ، تَبَيَّنَّا أَنَّهُ وَقَعَ بَاطِلًا ، وَلَمْ يَعْتِقْ الْمُدَبَّرُ .\rوَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى : تَدْبِيرُهُ بَاطِلٌ .\rوَهَذَا قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ لِأَنَّ الْمِلْكَ عِنْدَهُ يَزُولُ بِالرِّدَّةِ ، وَإِذَا أَسْلَمَ رُدَّ إلَيْهِ تَمَلُّكًا مُسْتَأْنَفًا .","part":24,"page":136},{"id":11636,"text":"( 8671 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَمَا وَلَدَتْ الْمُدَبَّرَةُ بَعْدَ تَدْبِيرِهَا ، فَوَلَدُهَا بِمَنْزِلَتِهَا ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْوَلَدَ الْحَادِثَ مِنْ الْمُدَبَّرَةِ بَعْدَ تَدْبِيرِهَا ، لَا يَخْلُو مِنْ حَالَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، أَنْ يَكُونَ مَوْجُودًا حَالَ تَدْبِيرِهَا ، وَيُعْلَمُ ذَلِكَ بِأَنْ تَأْتِيَ بِهِ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ حِينِ التَّدْبِيرِ ، فَهَذَا يَدْخُلُ مَعَهَا فِي التَّدْبِيرِ .\rبِلَا خِلَافٍ نَعْلَمُهُ ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ عُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهَا .\rفَإِنْ بَطَلَ التَّدْبِيرُ فِي الْأُمِّ ؛ لِبَيْعٍ أَوْ مَوْتٍ ، أَوْ رُجُوعٍ بِالْقَوْلِ ، لَمْ يَبْطُلْ فِي الْوَلَدِ ؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ فِيهِ أَصْلًا .\rالْحَالُ الثَّانِي ، أَنْ تَحْمِلَ بِهِ بَعْدَ التَّدْبِيرِ ، فَهَذَا يَتْبَعُ أُمَّهُ فِي التَّدْبِيرِ ، وَيَكُونُ حُكْمُهُ كَحُكْمِهَا فِي الْعِتْقِ بِمَوْتِ سَيِّدِهَا .\rفِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَابْنِ عُمَرَ .\rوَبِهِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ، وَالْحَسَنُ ، وَالْقَاسِمُ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَذَكَرَ الْقَاضِي ، أَنَّ حَنْبَلًا نَقَلَ عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّ وَلَدَ الْمُدَبَّرَةِ عَبْدٌ ، إذَا لَمْ يَشْرِطْ الْمَوْلَى .\rقَالَ : فَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ لَا يَتْبَعُهَا ، وَلَا يَعْتِقُ بِمَوْتِ سَيِّدِهَا .\rوَهَذَا قَوْلُ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ ، وَعَطَاءٍ .\rوَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ ، كَالْمَذْهَبَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، يَتْبَعُهَا .\rوَهُوَ اخْتِيَارُ الْمُزَنِيّ ؛ لِأَنَّ عِتْقَهَا مُعَلَّقٌ بِصِفَةٍ ، تَثْبُتُ بِقَوْلِ الْمُعْتِقِ وَحْدَهُ ، فَأَشْبَهَتْ مَنْ عُلِّقَ عِتْقُهَا بِدُخُولِ الدَّارِ .\rقَالَ جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ : إنَّمَا هُوَ بِمَنْزِلَةِ الْحَائِطِ تَصَدَّقْت بِهِ إذَا مِتُّ ، فَإِنَّ ثَمَرَتَهُ لَك مَا عِشْت .\rوَلِأَنَّ التَّدْبِيرَ وَصِيَّةٌ ، وَوَلَدُ الْمُوصَى بِهَا قَبْلَ الْمَوْتِ لِسَيِّدِهَا .\rوَلَنَا ، مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ ، وَابْنِ عُمَرَ ، وَجَابِرٍ ، أَنَّهُمْ قَالُوا : وَلَدُ","part":24,"page":137},{"id":11637,"text":"الْمُدَبَّرَةِ بِمَنْزِلَتِهَا .\rوَلَمْ نَعْرِفْ لَهُمْ فِي الصَّحَابَةِ مُخَالِفًا ، فَكَانَ إجْمَاعًا ، وَلِأَنَّ الْأُمَّ اسْتَحَقَّتْ الْحُرِّيَّةَ بِمَوْتِ سَيِّدِهَا ، فَيَتْبَعُهَا وَلَدُهَا ، كَأُمِّ الْوَلَدِ ، وَيُفَارِقُ التَّعْلِيقَ بِصِفَةٍ فِي الْحَيَاةِ ، وَالْوَصِيَّةَ ، مِنْ جِهَةِ أَنَّ التَّدْبِيرَ آكَدُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ؛ لِأَنَّهُ اجْتَمَعَ فِيهِ الْأَمْرَانِ ، وَمَا وُجِدَ فِيهِ سَبَبَانِ آكَدُ مِمَّا وُجِدَ فِيهِ أَحَدُهُمَا ، وَكَذَلِكَ لَا تَبْطُلُ بِالْمَوْتِ ، وَلَا بِالرُّجُوعِ عَنْهُ .\rفَعَلَى هَذَا ، إنْ بَطَلَ التَّدْبِيرُ فِي الْأُمِّ لِمَعْنًى اخْتَصَّ بِهَا ؛ مِنْ بَيْعٍ ، أَوْ مَوْتٍ ، أَوْ رُجُوعٍ ، لَمْ يَبْطُلْ فِي وَلَدِهَا ، وَيَعْتِقُ بِمَوْتِ سَيِّدِهَا ، كَمَا لَوْ كَانَتْ أُمُّهُ بَاقِيَةً عَلَى التَّدْبِيرِ ، فَإِنْ لَمْ يَتَّسِعْ الثُّلُثُ لَهُمَا جَمِيعًا ، أَقْرَعَ بَيْنَهُمَا ، فَأَيُّهُمَا وَقَعَتْ الْقُرْعَةُ عَلَيْهِ ، عَتَقَ إنْ احْتَمَلَهُ الثُّلُثُ ، وَإِلَّا عَتَقَ مِنْهُ بِقَدْرِ الثُّلُثِ .\rوَإِنْ فَضَلَ مِنْ الثُّلُثِ بَعْدَ عِتْقِهِ شَيْءٌ ، كُمِّلَ مِنْ الْآخَرِ ، كَمَا لَوْ دَبَّرَ عَبْدًا وَأَمَةً مَعًا .\rوَأَمَّا الْوَلَدُ الَّذِي وُجِدَ قَبْلَ التَّدْبِيرِ ، فَلَا نَعْلَمُ خِلَافًا فِي أَنَّهُ لَا يَتْبَعُهَا ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتْبَعُ فِي الْعِتْقِ الْمُنَجَّزِ ، وَلَا فِي حُكْمِ الِاسْتِيلَادِ ، وَلَا فِي الْكِتَابَةِ ، فَلَأَنْ لَا يَتْبَعَ فِي التَّدْبِيرِ أَوْلَى .\rقَالَ الْمَيْمُونِيُّ : قُلْت لِأَحْمَدَ : مَا كَانَ مِنْ وَلَدِ الْمُدَبَّرَةِ قَبْلَ أَنْ تُدَبَّرَ ، يَتْبَعُهَا .\rقَالَ : لَا يَتْبَعُهَا مِنْ وَلَدِهَا مَا كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ ، إنَّمَا يَتْبَعُهَا مَا كَانَ بَعْدَمَا دُبِّرَتْ .\rوَقَالَ حَنْبَلٌ : سَمِعْت عَمِّي يَقُولُ فِي الرَّجُلِ يُدَبِّرُ الْجَارِيَةَ وَلَهَا وَلَدٌ ، قَالَ : وَلَدُهَا مَعَهَا ، وَجَعَلَ أَبُو الْخَطَّابِ هَذِهِ رِوَايَةً ، فِي أَنَّ وَلَدَهَا قَبْلَ التَّدْبِيرِ يَتْبَعُهَا .\rوَهَذَا بَعِيدٌ ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ أَحْمَدَ لَمْ يُرِدْ أَنَّ وَلَدَهَا قَبْلَ التَّدْبِيرِ مَعَهَا ، وَإِنَّمَا أَرَادَ وَلَدَهَا بَعْدَ التَّدْبِيرِ ، عَلَى مَا صَرَّحَ","part":24,"page":138},{"id":11638,"text":"بِهِ فِي غَيْرِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ ؛ فَإِنَّ وَلَدَهَا الْمَوْجُودَ لَا يَتْبَعُهَا فِي عِتْقٍ ، وَلَا كِتَابَةٍ ، وَلَا اسْتِيلَادٍ ، وَلَا بَيْعٍ ، وَلَا هِبَةٍ ، وَلَا رَهْنٍ ، وَلَا شَيْءٍ مِنْ الْأَسْبَابِ النَّاقِلَةِ لِلْمِلْكِ فِي الرَّقَبَةِ .","part":24,"page":139},{"id":11639,"text":"( 8672 ) فَصْلٌ : فَإِنْ عَلَّقَ عِتْقَ أَمَتِهِ بِصِفَةٍ ، نَظَرْنَا ؛ فَإِنْ كَانَتْ حَامِلًا حِينَ التَّعْلِيقِ ، تَبِعَهَا فِيهِ ؛ لِأَنَّهُ كَعُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهَا ، وَإِنْ كَانَتْ حَامِلًا حِين وُجُودِ الصِّفَةِ ، عَتَقَ مَعَهَا لِذَلِكَ .\rوَإِنْ حَمَلَتْ بَعْدَ التَّعْلِيقِ ، وَوَلَدَتْ قَبْلَ وُجُودِ الصِّفَةِ ، لَمْ يَتْبَعْهَا فِي الصِّفَةِ ، وَلَمْ يَعْتِقْ بِوُجُودِهَا .\rوَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ ، أَنَّهُ يَعْتِقُ بِهَا ، وَيَتْبَعُ أُمَّهُ فِي ذَلِكَ .\rوَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَجْهَانِ ، كَهَذَيْنِ .\rوَوَجْهُ إتْبَاعِهِ إيَّاهَا ، أَنَّهَا اسْتَحَقَّتْ الْحُرِّيَّةَ ، فَتَبِعَهَا وَلَدُهَا ، كَالْمُدَبَّرَةِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ يَمْلِكُهَا مِلْكًا كَامِلًا ، وَيُبَاحُ لَهُ التَّصَرُّفُ فِي رَقَبَتِهَا بِأَنْوَاعِ التَّصَرُّفَاتِ ، بِغَيْرِ خِلَافٍ ، فَلَمْ يَعْتِقْ وَلَدُهَا بِعِتْقِهَا ، كَالْمُوصَى بِعِتْقِهَا ، أَوْ الْمُوَكَّلِ فِيهِ ، وَتُفَارِقُ الْمُدَبَّرَةَ ؛ فَإِنَّ التَّدْبِيرَ آكَدُ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا ، وَلِهَذَا اُخْتُلِفَ فِي جَوَازِ بَيْعِهَا وَالتَّصَرُّفِ فِيهَا .","part":24,"page":140},{"id":11640,"text":"( 8673 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا وَلَدُ الْمُدَبَّرِ ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ أُمِّهِ .\rلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا .\rوَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ ، وَعَطَاءٍ ، وَالزُّهْرِيِّ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَاللَّيْثِ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْوَلَدَ يَتْبَعُ الْأُمَّ فِي الرِّقِّ وَالْحُرِّيَّةِ .\rوَإِنْ تَسَرَّى بِإِذْنِ سَيِّدِهِ ، فَوُلِدَ لَهُ أَوْلَادٌ ، فَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّهُمْ يَتْبَعُونَهُ فِي التَّدْبِيرِ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مَالِكٍ .\rوَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ إبَاحَةَ التَّسَرِّي تَنْبَنِي عَلَى ثُبُوتِ الْمِلْكِ ، وَوَلَدُ الْحُرِّ مِنْ أَمَتِهِ يَتْبَعُهُ فِي الْحُرِّيَّةِ دُونَهَا ، كَذَلِكَ وَلَدُ الْمُدَبَّرِ مِنْ أَمَتِهِ يَتْبَعُهُ دُونَهَا ، وَلِأَنَّهُ وَلَدُ مَنْ يَسْتَحِقُّ الْحُرِّيَّةَ مِنْ أَمَتِهِ ، فَيَتْبَعُهُ فِي ذَلِكَ ، كَوَلَدِ الْمُكَاتَبِ مِنْ أَمَتِهِ .","part":24,"page":141},{"id":11641,"text":"( 8674 ) فَصْلٌ : وَإِذَا وَلَدَتْ الْمُدَبَّرَةُ ، فَرَجَعَ فِي تَدْبِيرِهَا ، وَقُلْنَا بِصِحَّةِ الرُّجُوعِ ، لَمْ يَتْبَعْهَا وَلَدُهَا ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ الْمُنْفَصِلَ لَا يَتْبَعُ فِي الْحُرِّيَّةِ وَلَا فِي التَّدْبِيرِ ، فَفِي الرُّجُوعِ أَوْلَى .\rوَإِنْ رَجَعَ فِي تَدْبِيرِهِ وَحْدَهُ ، جَازَ ؛ لِأَنَّهُ إذَا جَازَ الرُّجُوعُ فِي الْأُمِّ الْمُبَاشَرَةِ بِالتَّدْبِيرِ ، فَفِي غَيْرِهَا أَوْلَى .\rوَإِنْ رَجَعَ فِي تَدْبِيرِهَا ، جَازَ ، كَمَا لَوْ دَبَّرَهَا وَابْنَهَا الْمُنْفَصِلَ .\rوَإِنْ دَبَّرَهَا حَامِلًا ، ثُمَّ رَجَعَ فِي تَدْبِيرِهَا حَالَ حَمْلِهَا ، لَمْ يَتْبَعْهَا الْوَلَدُ فِي الرُّجُوعِ ؛ لِأَنَّ التَّدْبِيرَ إعْتَاقٌ ، وَالْإِعْتَاقُ مَبْنِيٌّ عَلَى التَّغْلِيبِ وَالسِّرَايَةِ ، وَالرُّجُوعُ عَنْهُ بِعَكْسِ ذَلِكَ ، فَلَمْ يَتْبَع الْوَلَدُ فِيهِ .\rوَهَذَا كَمَا لَوْ وُلِدَ لَهُ تَوْأَمَانِ ، فَأَقَرَّ بِأَحَدِهِمَا ، لَزِمَاهُ جَمِيعًا ، وَإِنْ نَفَى أَحَدَهُمَا ، لَمْ يَنْتَفِ الْآخَرُ ، وَإِنْ رَجَعَ فِيهِمَا جَمِيعًا ، جَازَ ، وَإِنْ رَجَعَ فِي أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ ، جَازَ .\rوَإِنْ دَبَّرَ الْوَلَدَ دُونَ أُمِّهِ ، أَوْ الْأُمَّ دُونَ وَلَدِهَا ، جَازَ ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَعْتِقَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا دُونَ صَاحِبِهِ ، فَجَوَازُ أَنْ يُدَبِّرَ أَحَدَهُمَا دُونَ صَاحِبِهِ أَوْلَى ، وَلِأَنَّهُ تَعْلِيقُ الْعِتْقِ بِصِفَةٍ ، فَجَازَ فِي أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ ، كَالتَّعْلِيقِ بِدُخُولِ الدَّارِ .\rوَإِنْ دَبَّرَ أَمَتَهُ ، ثُمَّ قَالَ : إنْ دَخَلْت الدَّارَ ، فَقَدْ رَجَعْت فِي تَدْبِيرِي .\rلَمْ يَصِحَّ ؛ لِأَنَّ الرُّجُوعَ لَا يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ بِصِفَةٍ .\rوَإِنْ قَالَ : كُلَّمَا وَلَدْت وَلَدًا ، فَقَدْ رَجَعْت فِي تَدْبِيرِهِ .\rلَمْ يَصِحَّ لِذَلِكَ .","part":24,"page":142},{"id":11642,"text":"( 8675 ) فَصْلٌ : وَإِذَا اخْتَلَفَتْ الْمُدَبَّرَةُ وَوَرَثَةُ سَيِّدِهَا فِي وَلَدِهَا ، فَقَالَتْ : وَلَدْتُهُمْ بَعْدَ تَدْبِيرِي ، فَعَتَقُوا مَعِي .\rوَقَالَ الْوَرَثَةُ : بَلْ وَلَدْتِهِمْ قَبْلَ تَدْبِيرِك ، فَهُمْ مَمْلُوكُونَ لَنَا .\rفَالْقَوْلُ قَوْلُ الْوَرَثَةِ مَعَ أَيْمَانِهِمْ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ رِقِّهِمْ ، وَانْتِفَاءُ الْحُرِّيَّةِ عَنْهُمْ ، فَإِذَا لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ يُوَافِقُ قَوْلُهُ الْأَصْلَ .","part":24,"page":143},{"id":11643,"text":"( 8676 ) فَصْلٌ : وَكَسْبُ الْمُدَبَّرِ فِي حَيَاةِ سَيِّدِهِ لِسَيِّدِهِ ، وَلَهُ أَخْذُهُ مِنْهُ ؛ لِأَنَّ التَّدْبِيرَ لَا يَخْرُجُ عَنْ شِبْهِهِ بِالْوَصِيَّةِ بِالْعِتْقِ ، أَوْ بِالتَّعْلِيقِ لَهُ عَلَى صِفَةٍ ، أَوْ بِالِاسْتِيلَادِ ، وَكُلُّ هَؤُلَاءِ كَسْبُهُمْ لِسَيِّدِهِمْ ، فَكَذَلِكَ الْمُدَبَّرُ .\rفَإِنْ اخْتَلَفَ هُوَ وَوَرَثَةُ سَيِّدِهِ فِيمَا فِي يَدِهِ بَعْدَ عِتْقِهِ ، فَقَالَ : كَسَبْته بَعْدَ حُرِّيَّتِي .\rوَقَالُوا : بَلْ قَبْلَ ذَلِكَ .\rفَالْقَوْلُ قَوْلُهُ ؛ لِأَنَّهُ فِي يَدِهِ ، وَلَمْ يَثْبُتْ مِلْكُهُمْ عَلَيْهِ ، بِخِلَافِ الْوَلَدِ ، فَإِنَّهُ كَانَ رَقِيقًا لَهُمْ .\rفَإِنْ أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةً بِدَعْوَاهُ ، قُدِّمَتْ بَيِّنَةُ الْوَرَثَةِ ، عِنْدَ مَنْ يُقَدِّمُ بَيِّنَةَ الْخَارِجِ ، وَبَيِّنَةُ الْمُدَبَّرِ عِنْدَ مَنْ يُقَدِّمُ بَيِّنَةَ الدَّاخِلِ .\rوَإِنْ أَقَرَّ الْمُدَبَّرُ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي يَدِهِ فِي حَيَاةِ سَيِّدِهِ ، ثُمَّ تَجَدَّدَ مِلْكُهُ عَلَيْهِ بَعْدَ مَوْتِهِ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْوَارِثِ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ مَعَهُمْ .\rفَإِنْ أَقَامَ الْمُدَبَّرُ بَيِّنَةً بِدَعْوَاهُ ، قُبِلَتْ ، وَتُقَدَّمُ عَلَى بَيِّنَةِ الْوَرَثَةِ إنْ كَانَتْ لَهُمْ بَيِّنَةٌ ؛ لِأَنَّ بَيِّنَةَ الْمُدَبَّرِ تَشْهَدُ بِزِيَادَةٍ ، وَإِنْ لَمْ يُقِرَّ الْمُدَبَّرُ بِأَنَّهُ كَانَ فِي يَدِهِ فِي حَيَاةِ سَيِّدِهِ فَأَقَامَ الْوَرَثَةُ بَيِّنَةً بِهِ ، فَهَلْ تُسْمَعُ بَيِّنَتُهُمْ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ .","part":24,"page":144},{"id":11644,"text":"( 8677 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَلَهُ إصَابَةُ مُدَبَّرَتِهِ ) يَعْنِي : لَهُ وَطْؤُهَا .\rرُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، أَنَّهُ دَبَّرَ أَمَتَيْنِ ، وَكَانَ يَطَؤُهُمَا .\rوَمِمَّنْ رَأَى ذَلِكَ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ، وَعَطَاءٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَاللَّيْثُ ، وَالشَّافِعِيُّ .\rقَالَ أَحْمَدُ : لَا أَعْلَمُ أَحَدًا كَرِهَ ذَلِكَ ، غَيْرَ الزُّهْرِيِّ .\rوَحُكِيَ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ ، أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : إنْ كَانَ يَطَؤُهَا قَبْلَ تَدْبِيرِهَا ، فَلَا بَأْسَ بِوَطْئِهَا بَعْدَهُ ، وَإِنْ كَانَ لَا يَطَؤُهَا قَبْلَهُ ، لَمْ يَطَأْهَا بَعْدَ تَدْبِيرِهَا .\rوَلَنَا ، أَنَّهَا مَمْلُوكَتُهُ ، لَمْ تَشْتَرِ نَفْسَهَا مِنْهُ ، فَحَلَّ لَهُ وَطْؤُهَا ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ } .\rوَكَأُمِّ الْوَلَدِ .\r( 8678 ) فَصْلٌ : وَابْنَةُ الْمُدَبَّرَةِ كَأُمِّهَا ؛ فِي حِلِّ وَطْئِهَا إنْ لَمْ يَكُنْ وَطِئَ أُمَّهَا .\rوَعَنْهُ لَيْسَ لَهُ وَطْؤُهَا ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْحُرِّيَّةِ ثَبَتَ لَهَا تَبَعًا ، أَشْبَهَ وَلَدَ الْمُكَاتَبَةِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ مِلْكَ سَيِّدِهَا تَامٌّ عَلَيْهَا ، فَحَلَّ لَهُ وَطْؤُهَا ؛ لِلْآيَةِ ، وَكَأُمِّهَا ، وَاسْتِحْقَاقُهَا لِلْحُرِّيَّةِ لَا يَزِيدُ عَلَى اسْتِحْقَاقِ أُمِّهَا ، وَلَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ وَطْأَهَا .\rوَأَمَّا وَلَدُ الْمُكَاتَبَةِ ، فَأُلْحِقَتْ بِأُمِّهَا ، وَأُمُّهَا يَحْرُمُ وَطْؤُهَا فَكَذَلِكَ ابْنَتُهَا ، وَأُمُّ هَذِهِ يَحِلُّ وَطْؤُهَا ، فَيَجِبُ إلْحَاقُهَا بِهَا ، وَكَلَامُ أَحْمَدَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ وَطِئَ أُمَّهَا ، فَحَرُمَتْ عَلَيْهِ لِذَلِكَ .","part":24,"page":145},{"id":11645,"text":"( 8679 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَمَنْ أَنْكَرَ التَّدْبِيرَ ، لَمْ يُحْكَمْ عَلَيْهِ إلَّا بِشَاهِدَيْنِ عَدْلَيْنِ ، أَوْ شَاهِدٍ وَيَمِينِ الْعَبْدِ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْعَبْدَ إذَا ادَّعَى عَلَى سَيِّدِهِ أَنَّهُ دَبَّرَهُ ، فَدَعْوَاهُ صَحِيحَةٌ ؛ لِأَنَّهُ يَدَّعِي اسْتِحْقَاقَ الْعِتْقِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا تَصِحَّ الدَّعْوَى ؛ لِأَنَّ السَّيِّدَ إذَا أَنْكَرَ التَّدْبِيرَ كَانَ بِمَنْزِلَةِ إنْكَارِ الْوَصِيَّةِ ، وَإِنْكَارُ الْوَصِيَّةِ رُجُوعٌ عَنْهَا ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ ، فَيَكُونُ إنْكَارُ التَّدْبِيرِ رُجُوعًا عَنْهُ ، وَالرُّجُوعُ عَنْهُ يُبْطِلُهُ ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ ، فَتَبْطُلُ الدَّعْوَى .\rوَالصَّحِيحُ أَنَّ الدَّعْوَى صَحِيحَةٌ ؛ لِأَنَّ الصَّحِيحَ أَنَّ الرُّجُوعَ عَنْ التَّدْبِيرِ لَا يُبْطِلُهُ ، وَلَوْ أَبْطَلَهُ فَمَا ثَبَتَ كَوْنُ الْإِنْكَارِ رُجُوعًا ، وَلَوْ ثَبَتَ ذَلِكَ ، فَلَا يَتَعَيَّنُ الْإِنْكَارُ جَوَابًا لِلدَّعْوَى ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ جَوَابُهَا إقْرَارًا .\rفَإِذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّ السَّيِّدَ إنْ أَقَرَّ ، فَلَا كَلَامَ ، وَإِنْ أَنْكَرَ وَلَمْ تَكُنْ لِلْعَبْدِ بَيِّنَةٌ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ مَعَ يَمِينِهِ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ ، وَإِنْ كَانَتْ لِلْعَبْدِ بَيِّنَةٌ ، حُكِمَ بِهَا ، وَيُقْبَلُ فِيهِ شَاهِدَانِ عَدْلَانِ ، بِلَا خِلَافٍ .\rوَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ إلَّا شَاهِدٌ وَاحِدٌ ، وَقَالَ : أَنَا أَحْلِفُ مَعَهُ .\rأَوْ شَاهِدٌ وَامْرَأَتَانِ ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، لَا يُحْكَمُ بِهِ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ الثَّابِتَ بِهِ الْحُرِّيَّةُ ، وَكَمَالُ الْأَحْكَامِ ، وَهَذَا لَيْسَ بِمَالٍ ، وَلَا الْمَقْصُودُ مِنْهُ الْمَالُ ، وَيَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ فِي غَالِبِ الْأَحْوَالِ ، فَأَشْبَهَ النِّكَاحَ وَالطَّلَاقَ .\rوَالثَّانِيَةُ ، يَثْبُتُ بِذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ لَفْظٌ يَزُولُ بِهِ مِلْكُهُ عَنْ مَمْلُوكِهِ ، فَأَشْبَهَ الْبَيْعَ .\rوَهَذَا أَجْوَدُ ؛ لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ إنَّمَا تُرَادُ لِإِثْبَاتِ الْحُكْمِ عَلَى الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ ، وَهِيَ فِي حَقِّهِ إزَالَةُ مِلْكِهِ عَنْ مَالِهِ ، فَثَبَتَ بِهَذَا .\rوَإِنْ حَصَلَ بِهِ غَرَضٌ","part":24,"page":146},{"id":11646,"text":"آخَرُ لِلْمَشْهُودِ لَهُ ، فَلَا يَمْنَعُ ذَلِكَ مِنْ ثُبُوتِهِ بِهَذِهِ الْبَيِّنَةِ ، وَلِأَنَّ الْعِتْقَ مِمَّا يُتَشَوَّفُ إلَيْهِ ، وَيُبْنَى عَلَى التَّغْلِيبِ وَالسِّرَايَةِ ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُسَهَّلَ طَرِيقُ إثْبَاتِهِ ، وَإِنْ كَانَ الِاخْتِلَافُ بَيْنَ الْعَبِيدِ وَوَرَثَةِ السَّيِّدِ بَعْدَ مَوْتِهِ ، فَهُوَ كَمَا لَوْ كَانَ الْخِلَافُ مَعَ السَّيِّدِ ، إلَّا أَنَّ الدَّعْوَى صَحِيحَةٌ ، بِغَيْرِ خِلَافٍ ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَمْلِكُونَ الرُّجُوعَ ، وَأَيْمَانُهُمْ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ ؛ لِأَنَّ الْخِلَافَ فِي فِعْلِ مَوْرُوثِهِمْ ، وَأَيْمَانُهُمْ عَلَى نَفْيِ فِعْلِهِ ، وَتَجِبُ الْيَمِينُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْوَرَثَةِ ، وَمَنْ نَكَلَ مِنْهُ ، عَتَقَ نَصِيبُهُ ، وَلَمْ يَسْرِ إلَى بَاقِيهِ .\rوَكَذَلِكَ إنْ أَقَرَّ ؛ لِأَنَّ إعْتَاقَهُ بِفِعْلِ الْمَوْرُوثِ ، لَا بِفِعْلِ الْمُقِرِّ ، وَلَا النَّاكِلِ .","part":24,"page":147},{"id":11647,"text":"( 8680 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَإِذَا دَبَّرَ عَبْدَهُ ، وَمَاتَ ، وَلَهُ مَالٌ غَائِبٌ ، أَوْ دَيْنٌ فِي ذِمَّةِ مُوسِرٍ أَوْ مُعْسِرٍ ، عَتَقَ مِنْ الْمُدَبَّرِ ثُلُثُهُ ، وَكُلَّمَا اُقْتُضِيَ مِنْ دَيْنِهِ شَيْءٌ ، أَوْ حَضَرَ مِنْ مَالِهِ الْغَائِبِ شَيْءٌ ، عَتَقَ مِنْ الْمُدَبَّرِ مِقْدَارُ ثُلُثِهِ ، كَذَلِكَ مَنْ يَعْتِقُ الثُّلُثَ حَتَّى كُلَّهُ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ السَّيِّدَ إذَا دَبَّرَ عَبْدَهُ ، وَمَاتَ ، وَلَهُ مَالٌ سِوَاهُ يَفِي بِثُلُثَيْ مَالِهِ ، إلَّا أَنَّهُ غَائِبٌ ، أَوْ دَيْنٌ فِي ذِمَّةِ إنْسَانٍ ، لَمْ يَعْتِقْ جَمِيعُ الْعَبْدِ ؛ لِجَوَازِ أَنْ يَتْلَفَ الْغَائِبُ ، أَوْ يَتَعَذَّرَ اسْتِيفَاءُ الدَّيْنِ ، فَيَكُونَ الْعَبْدُ جَمِيعَ التَّرِكَةِ ، وَهُوَ شَرِيكُ الْوَرَثَةِ فِيهَا ، لَهُ ثُلُثُهَا ، وَلَهُمْ ثُلُثَاهَا ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَحْصُلَ عَلَى جَمِيعِهَا ، وَلَكِنَّهُ يَتَنَجَّزُ عِتْقُ ثُلُثِهِ ، وَيَبْقَى ثُلُثَاهُ مَوْقُوفَيْنِ ؛ لِأَنَّ ثُلُثَهُ حُرٌّ عَلَى كُلِّ حَالٍ ، لِأَنَّ أَسْوَأَ الْأَحْوَالِ أَنْ لَا يَحْصُلَ مِنْ سَائِرِ الْمَالِ شَيْءٌ ، فَيَكُونَ الْعَبْدُ جَمِيعَ التَّرِكَةِ ، فَيَعْتِقُ ثُلُثُهُ ، كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ سِوَاهُ ، وَكُلَّمَا اُقْتُضِيَ مِنْ الدَّيْنِ شَيْءٌ ، أَوْ حَضَرَ مِنْ الْغَائِبِ شَيْءٌ ، عَتَقَ مِنْ الْمُدَبَّرِ قَدْرُ ثُلُثِهِ ، فَإِذَا كَانَتْ قِيمَتُهُ مِائَةً ، وَقَدِمَ مِنْ الْغَائِبِ مِائَةٌ ، عَتَقَ ثُلُثُهُ الثَّانِي ، فَإِذَا قَدِمَتْ مِائَةٌ أُخْرَى ، عَتَقَ ثُلُثُهُ الْبَاقِي .\rوَإِنْ بَقِيَ لَهُ دَيْنٌ بَعْدَ ذَلِكَ ، أَوْ مَالٌ غَائِبٌ ، لَمْ يُؤَثِّرْ بَقَاؤُهُ ؛ لِأَنَّ الْحَاصِلَ مِنْ الْمَالِ يُخْرِجُ الْمُدَبَّرَ كُلَّهُ مِنْ ثُلُثِهِ .\rوَهَذَا أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ، وَلَهُمْ وَجْهٌ آخَرُ ، لَا يَعْتِقُ مِنْهُ شَيْءٌ ، حَتَّى يُسْتَوْفَى مِنْ الدَّيْنِ شَيْءٌ ، أَوْ يَقْدَمَ مِنْ الْغَائِبِ شَيْءٌ ، فَيَعْتِقُ مِنْ الْعَبْدِ قَدْرُ نِصْفِهِ ؛ لِأَنَّ الْوَرَثَةَ لَمْ يَحْصُلْ لَهُمْ شَيْءٌ ، وَالْعَبْدُ شَرِيكُهُمْ ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَحْصُلَ عَلَى شَيْءٍ ، مَا لَمْ يَحْصُلْ لَهُمْ مِثْلَاهُ .\rفَإِنْ تَلِفَ الْغَائِبُ ،","part":24,"page":148},{"id":11648,"text":"وَيَئِسَ مِنْ اسْتِيفَاءِ الدَّيْنِ ، عَتَقَ ثُلُثُهُ حِينَئِذٍ ، وَمَلَكُوا ثُلُثَيْهِ ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ صَارَ جَمِيعَ التَّرِكَةِ .\rوَهَذَا لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ ثُلُثَ الْعَبْدِ خَارِجٌ مِنْ الثُّلُثِ يَقِينًا ، وَإِنَّمَا الشَّكُّ فِي الزِّيَادَةِ عَلَيْهِ ، وَمَا خَرَجَ مِنْ الثُّلُثِ يَقِينًا ، يَجِبُ أَنْ يَكُونَ حُرًّا يَقِينًا ، لِأَنَّ التَّدْبِيرَ صَحِيحٌ ، وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ يَنْفُذُ فِي الثُّلُثِ .\rوَوَقْفُ هَذَا الثُّلُثِ عَنْ الْعِتْقِ - مَعَ يَقِينِ حُصُولِ الْعِتْقِ فِيهِ ، وَوُجُودِ الْمُقْتَضِي لَهُ ، وَعَدَمِ الْفَائِدَةِ فِي وَقْفِهِ - لَا مَعْنَى لَهُ .\rوَكَوْنُ الْوَرَثَةِ لَمْ يَحْصُلْ لَهُمْ شَيْءٌ ، لِمَعْنَى اخْتَصَّ بِهِمْ ، لَا يُوجِبُ أَنْ لَا يَحْصُلَ لَهُ شَيْءٌ مَعَ عَدَمِ ذَلِكَ الْمَعْنَى فِيهِ ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ أَبْرَأَهُ غَرِيمُهُ مِنْ دَيْنِهِ ، وَهُوَ جَمِيعُ التَّرِكَةِ ، فَإِنَّهُ يَبْرَأُ مِنْ ثُلُثِهِ وَلَمْ يَحْصُلْ لِلْوَرَثَةِ شَيْءٌ ؟ وَلَوْ كَانَ الدَّيْنُ مُؤَجَّلًا ، فَأَبْرَأَهُ مِنْهُ ، بَرِئَ مِنْ ثُلُثِهِ فِي الْحَالِ ، وَتَأَخَّرَ اسْتِيفَاءُ الثُّلُثَيْنِ إلَى الْأَجَلِ .\rوَلَوْ كَانَ الْغَرِيمُ مُعْسِرًا ، بَرِئَ مِنْ ثُلُثِهِ فِي الْحَالِ ، وَتَأَخَّرَ الْبَاقِي إلَى الْمَيْسَرَةِ .\rوَلِأَنَّ تَأْخِيرَ عِتْقِ الثُّلُثِ لَا فَائِدَةَ لِلْوَرَثَةِ فِيهِ ، وَيُفَوِّتُ نَفْعَهُ لِلْمُدَبَّرِ ، فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَثْبُتَ .\rفَإِذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّ الْعَبْدَ إذَا عَتَقَ كُلُّهُ ، بِقُدُومِ الْغَائِبِ ، أَوْ اسْتِيفَاءِ الدَّيْنِ ، تَبَيَّنَّا أَنَّهُ كَانَ حُرًّا حِينَ الْمَوْتِ ، فَيَكُونُ كَسْبُهُ لَهُ ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا عَتَقَ بِالتَّدْبِيرِ ، وَوُجُودِ الشَّرْطِ الَّذِي عَلَّقَ عَلَيْهِ السَّيِّدُ حُرِّيَّتَهُ ، وَهُوَ الْمَوْتُ ، وَإِنَّمَا وَقَفْنَاهُ لِلشَّكِّ فِي خُرُوجِهِ مِنْ الثُّلُثِ ، فَإِذَا زَالَ الشَّكُّ ، تَبَيَّنَّا أَنَّهُ كَانَ حَاصِلًا قَبْلَ زَوَالِ الشَّكِّ .\rوَإِنْ تَلِفَ الْمَالُ ، تَبَيَّنَّا أَنَّهُ كَانَ ثُلُثَاهُ رَقِيقًا ، وَلَمْ يَعْتِقْ مِنْهُ سِوَى ثُلُثِهِ .\rوَإِنْ تَلِفَ بَعْضُ الْمَالِ ، رَقَّ مِنْ الْمُدَبَّرِ مَا زَادَ عَلَى قَدْرِ ثُلُثِ","part":24,"page":149},{"id":11649,"text":"الْحَاصِلِ مِنْ الْمَالِ .","part":24,"page":150},{"id":11650,"text":"( 8681 ) فَصْلٌ : وَإِنْ كَانَ الْمُدَبَّرُ عَبْدَيْنِ ، وَلَهُ دَيْنٌ ، يَخْرُجَانِ مِنْ ثُلُثِ الْمَالِ ، عَلَى تَقْدِيرِ حُصُولِهِ ، أَقْرَعْنَا بَيْنَهُمَا ، فَيَعْتِقُ مِمَّنْ تَخْرُجُ لَهُ الْقُرْعَةُ قَدْرُ ثُلُثِهِمَا ، وَكَانَ بَاقِيهِ وَالْعَبْدُ الْآخَرُ مَوْقُوفًا .\rفَإِذَا اُسْتُوْفِيَ مِنْ الدَّيْنِ شَيْءٌ كَمُلَ مِنْ عِتْقِ مَنْ وَقَعَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ قَدْرُ ثُلُثِهِ ، وَمَا فَضَلَ عَتَقَ مِنْ الْآخَرَ ، كَذَلِكَ حَتَّى يَعْتِقَا جَمِيعًا ، أَوْ مِقْدَارُ الثُّلُثِ مِنْهُمَا .\rوَإِنْ تَعَذَّرَ اسْتِيفَاءُ الدَّيْنِ ، لَمْ يَرِدْ الْعِتْقُ عَلَى قَدْرِ ثُلُثِهِمَا .\rوَإِنْ خَرَجَ الَّذِي وَقَعَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ مُسْتَحَقًّا ، بَطَلَ الْعِتْقُ فِيهِ ، وَعَتَقَ مِنْ الْآخَرِ ثُلُثُهُ .","part":24,"page":151},{"id":11651,"text":"( 8682 ) فَصْلٌ : وَإِذَا دَبَّرَ عَبْدًا قِيمَتُهُ مِائَةٌ ، وَلَهُ مِائَةٌ دَيْنًا ، عَتَقَ ثُلُثُهُ ، وَرَقَّ ثُلُثُهُ ، وَوَقَفَ ثُلُثُهُ عَلَى اسْتِيفَاءِ الثُّلُثِ الْبَاقِي .\rوَإِذَا كَانَتْ لَهُ مِائَةٌ حَاضِرَةٌ مَعَ ذَلِكَ ، عَتَقَ مِنْ الْمُدَبَّرِ ثُلُثَاهُ ، وَوَقَفَ ثُلُثُهُ عَلَى اسْتِيفَاءِ الدَّيْنِ .","part":24,"page":152},{"id":11652,"text":"( 8683 ) فَصْلٌ : وَإِنْ دَبَّرَ عَبْدَهُ ، وَقِيمَتُهُ مِائَةٌ ، وَلَهُ ابْنَانِ ، وَلَهُ مِائَتَانِ دَيْنًا عَلَى أَحَدِهِمَا ، عَتَقَ مِنْ الْمُدَبَّرِ ثُلُثَاهُ ؛ لِأَنَّ حِصَّةَ الَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ مِنْهُ الْمُسْتَوْفَى ، وَيَسْقُطُ عَنْ الَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ مِنْهُ نِصْفُهُ ؛ لِأَنَّهُ قَدْرُ حِصَّتِهِ مِنْ الْمِيرَاثِ ، وَيَبْقَى الْآخَرُ عَلَيْهِ مِائَةٌ ، كُلَّمَا اسْتَوْفَى مِنْهَا شَيْئًا ، عَتَقَ قَدْرُ ثُلُثِهِ .\rوَإِنْ كَانَتْ الْمِائَتَانِ دَيْنًا عَلَى الِابْنَيْنِ بِالسَّوِيَّةِ ، عَتَقَ الْمُدَبَّرُ كُلُّهُ ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَيْهِ قَدْرُ حَقِّهِ ، وَقَدْ حَصَلَ ذَلِكَ بِسُقُوطِهِ مِنْ ذِمَّتِهِ .","part":24,"page":153},{"id":11653,"text":"( 8684 ) فَصْلٌ : فَإِنْ دَبَّرَ عَبْدًا قِيمَتُهُ مِائَةٌ ، وَخَلَفَ ابْنَيْنِ وَمِائَتَيْ دِرْهَمٍ دَيْنًا لَهُ عَلَى أَحَدِهِمَا ، وَوَصَّى لِرَجُلٍ بِثُلُثِ مَالِهِ ، عَتَقَ مِنْ الْمُدَبَّرِ ثُلُثُهُ ، وَسَقَطَ عَنْ الْغَرِيمِ مِائَةٌ ، وَكَانَ لِلْمُوصَى لَهُ سُدُسُ الْعَبْدِ ، وَلِلِابْنَيْنِ ثُلُثُهُ ، وَيَبْقَى سُدُسُ الْعَبْدِ مَوْقُوفًا ؛ لِأَنَّ الْحَاصِلَ مِنْ الْمَالِ ثُلُثَاهُ ، وَهُوَ الْعَبْدُ وَالْمِائَةُ السَّاقِطَةُ عَنْ الْغَرِيمِ ، وَثُلُثُ ذَلِكَ مَقْسُومٌ بَيْنَ الْمُدَبَّرِ وَالْوَصِيِّ نِصْفَيْنِ ، فَحِصَّةُ الْمُدَبَّرِ مِنْهُ ثُلُثُهُ ، يَعْتِقُ فِي الْحَالِ ، وَيَبْقَى لَهُ السُّدُسُ مَوْقُوفًا ، فَكُلَّمَا اُقْتُضِيَ مِنْ الْمِائَةِ الْبَاقِيَةِ شَيْءٌ ، عَتَقَ مِنْ الْمُدَبَّرِ قَدْرُ سُدُسِهِ ، وَيَكُونُ الْمُسْتَوْفَى بَيْنَ الِابْنَيْنِ وَالْوَصِيِّ أَثْلَاثًا ، فَإِذَا اُسْتُوْفِيَتْ كُلُّهَا ، حَصَلَ لِلِابْنِ ثُلُثَاهَا ، وَثُلُثُ الْعَبْدِ وَهُوَ قَدْرُ حَقِّهِ ، وَكَمُلَ فِي الْمُدَبَّرِ عِتْقُ نِصْفِهِ ، وَحَصَلَ لِلْوَصِيِّ سُدُسُ الْعَبْدِ وَثُلُثُ الْمِائَةِ ، وَهُوَ قَدْرُ حَقِّهِ .\rوَإِنْ كَانَ الدَّيْنُ عَلَى أَجْنَبِيٍّ ، لَمْ يَعْتِقْ مِنْ الْمُدَبَّرِ إلَّا سُدُسُهُ ؛ لِأَنَّ الْحَاصِلَ مِنْ التَّرِكَةِ هُوَ الْعَبْدُ ، وَثُلُثُهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْوَصِيِّ الْآخَرِ ، وَلِلْوَصِيِّ سُدُسُهُ ، وَلِكُلِّ ابْنٍ سُدُسُهُ ، وَيَبْقَى ثُلُثُهُ مَوْقُوفًا ، فَكُلَّمَا اُقْتُضِيَ مِنْ الدَّيْنِ شَيْءٌ ، عَتَقَ مِنْ الْمُدَبَّرِ قَدْرُ سُدُسِهِ ، وَكَانَ الْمُسْتَوْفَى بَيْنَ الِابْنَيْنِ وَالْوَصِيِّ أَسْدَاسًا ؛ لِلْوَصِيِّ سُدُسُهُ ، وَلَهُمَا خَمْسَةُ أَسْدَاسِهِ ، فَيَحْصُلُ لِكُلِّ وَاحِدٍ نِصْفُ الْمِائَةِ وَثُلُثُهَا وَسُدُسُ الْعَبْدِ ، وَهُوَ قَدْرُ حَقِّهِ ، وَيَحْصُلُ لِلْوَصِيِّ سُدُسُ الْمِائَتَيْنِ وَسُدُسُ الْعَبْدِ ، وَهُوَ قَدْرُ حَقِّهِ ، وَيَعْتِقُ مِنْ الْمُدَبَّرِ نِصْفُهُ ، وَهُوَ قَدْرُ حَقِّهِ .","part":24,"page":154},{"id":11654,"text":"( 8685 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَإِذَا دَبَّرَ قَبْلَ الْبُلُوغِ كَانَ تَدْبِيرُهُ جَائِزًا ، إذَا كَانَ لَهُ عَشْرُ سِنِينَ فَصَاعِدًا ، وَكَانَ يَعْرِفُ التَّدْبِيرَ .\rوَمَا قُلْتُهُ فِي الرَّجُلِ ، فَالْمَرْأَةُ مِثْلُهُ ، إذَا كَانَ لَهَا تِسْعُ سِنِينَ فَصَاعِدًا ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ تَدْبِيرَ الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ ، وَوَصِيَّتَهُ ، جَائِزَةٌ .\rوَهَذَا إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ مَالِكٍ ، وَأَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ .\rقَالَ : بَعْضُ أَصْحَابِهِ : هُوَ أَصَحُّ قَوْلَيْهِ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ ، وَشُرَيْحٍ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ .\rوَقَالَ الْحَسَنُ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَصِحُّ تَدْبِيرُهُ ، كَالْمَجْنُونِ .\rوَهُوَ الرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ عَنْ مَالِكٍ ، وَالْقَوْلُ الثَّانِي لِلشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ إعْتَاقُهُ ، فَلَمْ يَصِحَّ تَدْبِيرُهُ ، كَالْمَجْنُونِ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى سَعِيدٌ ، عَنْ هُشَيْمٍ ، عَنْ يَحْيَى عَنْ ابْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، أَنَّ غُلَامًا مِنْ الْأَنْصَارِ أَوْصَى لِأَخْوَالٍ لَهُ مِنْ غَسَّانَ ، بِأَرْضٍ يُقَالُ لَهَا : بِئْرُ جُشَمَ قُوِّمَتْ بِثَلَاثِينَ أَلْفًا ، فَرُفِعَ ذَلِكَ إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، فَأَجَازَ الْوَصِيَّةَ .\rقَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ : وَكَانَ الْغُلَامُ ابْنَ عَشْرِ سِنِينَ ، أَوْ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً .\rوَرُوِيَ أَنَّ قَوْمًا سَأَلُوا عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ غُلَامٍ مِنْ غَسَّانَ يَافِعٍ ، وَصَّى لِبِنْتِ عَمِّهِ ، فَأَجَازَ عُمَرُ وَصِيَّتَهُ .\rوَلَمْ نَعْرِفْ لَهُ مُخَالِفًا ، وَلِأَنَّ صِحَّةَ وَصِيَّتِهِ وَتَدْبِيرِهِ أَحَظُّ لَهُ بِيَقِينٍ ، لِأَنَّهُمَا بَاقِيًا لَا يَلْزَمُهُ ، فَإِذَا مَاتَ كَانَ ذَلِكَ صِلَةً وَأَجْرًا ، فَصَحَّ ، كَوَصِيَّةِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ لِسَفَهٍ ، وَيُخَالِفُ الْعِتْقَ ، لِأَنَّ فِيهِ تَفْوِيتَ مَالِهِ عَلَيْهِ فِي حَيَاتِهِ وَوَقْتِ حَاجَتِهِ .\rفَأَمَّا تَقْيِيدُ مَنْ يَصِحُّ تَدْبِيرُهُ بِمَنْ لَهُ عَشْرٌ ؛ فَلِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { اضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا لِعَشْرٍ ، وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ } .\rوَهُوَ الَّذِي وَرَدَ فِيهِ الْخَبَرُ عَنْ","part":24,"page":155},{"id":11655,"text":"عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .\rوَاعْتَبَرَ الْمَرْأَةَ بِتِسْعٍ ؛ لِقَوْلِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا : إذَا بَلَغَتْ الْجَارِيَةُ تِسْعَ سِنِينَ ، فَهِيَ امْرَأَةٌ .\rوَيُرْوَى ذَلِكَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرْفُوعًا .\rوَلِأَنَّهُ السِّنُّ الَّذِي يُمْكِنُ بُلُوغُهَا فِيهِ ، وَيَتَعَلَّقُ بِهِ أَحْكَامٌ سِوَى ذَلِكَ .\r( 8686 ) فَصْلٌ : وَيَصِحُّ مِنْهُ الرُّجُوعُ .\rإنْ قُلْنَا بِصِحَّةِ الرُّجُوعِ مِنْ الْمُكَلَّفِ ؛ لِأَنَّ مَنْ صَحَّتْ وَصِيَّتُهُ ، صَحَّ رُجُوعُهُ ، كَالْمُكَلَّفِ .\rوَإِنْ أَرَادَ بَيْعَ الْمُدَبَّرِ ، قَامَ وَلِيُّهُ فِي بَيْعِهِ مَقَامَهُ .\rوَإِنْ أَذِنَ لَهُ وَلِيُّهُ فِي بَيْعِهِ ، فَبَاعَهُ ، صَحَّ مِنْهُ .","part":24,"page":156},{"id":11656,"text":"( 8687 ) فَصْلٌ : وَيَصِحُّ تَدْبِيرُ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ لِسَفَهٍ ، وَوَصِيَّتُهُ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا فِي الصَّبِيِّ .\rوَلَا تَصِحُّ وَصِيَّةُ الْمَجْنُونِ ، وَلَا تَدْبِيرُهُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ شَيْءٌ مِنْ تَصَرُّفَاتِهِ .\rوَإِنْ كَانَ يُجَنُّ يَوْمًا ، وَيُفِيقُ يَوْمًا ، صَحَّ تَدْبِيرُهُ فِي إفَاقَتِهِ .","part":24,"page":157},{"id":11657,"text":"( 8688 ) فَصْلٌ : وَيَصِحُّ تَدْبِيرُ الْكَافِرِ ؛ ذِمِّيًّا كَانَ أَوْ حَرْبِيًّا ، فِي دَارِ الْإِسْلَامِ وَدَارِ الْحَرْبِ ؛ لِأَنَّ لَهُ مِلْكًا صَحِيحًا ، فَصَحَّ تَصَرُّفُهُ فِيهِ ، كَالْمُسْلِمِ .\rفَإِنْ قِيلَ : لَوْ كَانَ مِلْكُهُ صَحِيحًا ، لَمْ يَمْلِكْ عَلَيْهِ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ .\rقُلْنَا : هَذَا لَا يُنَافِي الْمِلْكَ ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَمْلِكُ فِي النِّكَاحِ ، وَيَمْلِكُ زَوْجَتَهُ عَلَيْهِ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ ، وَمَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ إذَا امْتَنَعَ مِنْ قَضَائِهِ ، أُخِذَ مِنْ مَالِهِ بِقَدْرِ مَا عَلَيْهِ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ ، وَحُكْمُ تَدْبِيرِهِ حُكْمُ تَدْبِيرِ الْمُسْلِمِ ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا .\rفَإِنْ أَسْلَمَ مُدَبَّرُ الْكَافِرِ ، أُمِرَ بِإِزَالَةِ مِلْكِهِ عَنْهُ ، وَأُجْبِرَ عَلَيْهِ ، لِئَلَّا يَبْقَى الْكَافِرُ مَالِكًا لِلْمُسْلِمِ ، كَغَيْرِ الْمُدَبَّرِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يُتْرَكَ فِي يَدِ عَدْلٍ ، وَيُنْفِقَ عَلَيْهِ مِنْ كَسْبِهِ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ كَسْبٌ ، أُجْبِرَ سَيِّدُهُ عَلَى الْإِنْفَاقِ عَلَيْهِ .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ بَيْعَ الْمُدَبَّرِ غَيْرُ جَائِزٍ ، وَلِأَنَّ فِي بَيْعِهِ إبْطَالَ سَبَبِ الْعِتْقِ ، وَإِزَالَةَ غَرَضِيَّتِهِ فَكَانَ إبْقَاؤُهُ أَصْلَحَ ، فَتَعَيَّنَ ، كَأُمِّ الْوَلَدِ .\rفَإِنْ قُلْنَا بِبَيْعِهِ ، فَبَاعَهُ ، بَطَلَ تَدْبِيرُهُ .\rوَإِنْ قُلْنَا : يُتْرَكُ فِي يَدِ عَدْلٍ .\rفَإِنَّهُ يَسْتَنِيبُ مَنْ يَتَوَلَّى اسْتِعْمَالَهُ وَاسْتِكْسَابَهُ ، وَيُنْفِقُ عَلَيْهِ مِنْ كَسْبِهِ ، وَمَا فَضَلَ فَلِسَيِّدِهِ ، وَإِنْ لَمْ يَفِ بِنَفَقَتِهِ ، فَالْبَاقِي عَلَى سَيِّدِهِ .\rوَإِنْ اتَّفَقَ هُوَ وَسَيِّدُهُ عَلَى الْمُخَارَجَةِ ، جَازَ ، وَيُنْفِقُ عَلَى نَفْسِهِ مِمَّا فَضَلَ مِنْ كَسْبِهِ ، فَإِذَا مَاتَ سَيِّدُهُ ، عَتَقَ إنْ خَرَجَ مِنْ الثُّلُثِ ، وَإِلَّا عَتَقَ مِنْهُ بِقَدْرِ الثُّلُثِ ، وَبِيعَ الْبَاقِي عَلَى الْوَرَثَةِ إنْ كَانُوا كُفَّارًا .\rوَإِنْ أَسْلَمُوا بَعْدَ الْمَوْتِ ، تُرِكَ .\rوَإِنْ رَجَعَ سَيِّدُهُ فِي تَدْبِيرِهِ ، وَقُلْنَا بِصِحَّةِ الرُّجُوعِ ، بِيعَ عَلَيْهِ .\rوَإِنْ كَانَ الْمُدَبَّرُ","part":24,"page":158},{"id":11658,"text":"كَمُسْتَأْمَنٍ ، وَأَرَادَ أَنْ يَرْجِعَ بِهِ إلَى دَارِ الْحَرْبِ ، وَلَمْ يَكُنْ أَسْلَمَ ، لَمْ يُمْنَعْ مِنْ ذَلِكَ ، وَإِنْ كَانَ قَدْ أَسْلَمَ ، مُنِعَ مِنْهُ ؛ لِأَنَّنَا نَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ ، فَأَوْلَى أَنْ يُمْنَعَ مِنْ التَّمَكُّنِ بِهِ فِي دَارِ الْحَرْبِ .","part":24,"page":159},{"id":11659,"text":"( 8689 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَإِذَا قَتَلَ الْمُدَبَّرُ سَيِّدَهُ ، بَطَلَ تَدْبِيرُهُ ) .\rإنَّمَا يَبْطُلُ تَدْبِيرُهُ بِقَتْلِهِ سَيِّدَهُ لِمَعْنَيَيْنِ ، أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ قَصَدَ اسْتِعْجَالَ الْعِتْقِ بِالْقَتْلِ الْمُحَرَّمِ ، فَعُوقِبَ بِنَقِيضِ قَصْدِهِ ، وَهُوَ إبْطَالُ التَّدْبِيرِ ، كَمَنْعِ الْمِيرَاثِ بِقَتْلِ الْمَوْرُوثِ ، وَلِأَنَّ الْعِتْقَ فَائِدَةٌ تَحْصُلُ بِالْمَوْتِ ، فَتَنْتَفِي بِالْقَتْلِ ، كَالْإِرْثِ وَالْوَصِيَّةِ .\rوَالثَّانِي ، أَنَّ التَّدْبِيرَ وَصِيَّةٌ فَتَبْطُلُ بِالْقَتْلِ ، كَالْوَصِيَّةِ بِالْمَالِ .\rوَلَا يَلْزَمُ عَلَى هَذَا عِتْقُ أُمِّ الْوَلَدِ ؛ لِكَوْنِهِ آكَدَ ، فَإِنَّهَا صَارَتْ بِالِاسْتِيلَادِ بِحَالٍ لَا يُمْكِنُ نَقْلُ الْمِلْكِ فِيهَا بِحَالٍ ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَجُزْ بَيْعُهَا ، وَلَا هِبَتُهَا ، وَلَا رَهْنُهَا ، وَلَا الرُّجُوعُ عَنْ ذَلِكَ بِالْقَوْلِ ، وَلَا غَيْرِهِ ، وَالْإِرْثُ نَوْعٌ مِنْ النَّقْلِ ، فَلَوْ لَمْ تَعْتِقْ بِمَوْتِ سَيِّدِهَا لَانْتَقَلَ الْمِلْكُ فِيهَا إلَى الْوَارِثِ ، وَلَا سَبِيلَ إلَيْهِ ، بِخِلَافِ الْمُدَبَّرِ ، وَلِأَنَّ سَبَبَ حُرِّيَّةِ أُمِّ الْوَلَدِ الْفِعْلُ وَالْبَعْضِيَّةُ الَّتِي حَصَلَتْ بَيْنَهَا وَبَيْنَ سَيِّدِهَا بِوَاسِطَةِ وَلَدِهَا ، وَهَذَا آكَدُ مِنْ الْقَوْلِ ، وَلِهَذَا انْعَقَدَ اسْتِيلَادُ الْمَجْنُونِ ، وَلَمْ يَنْفُذْ إعْتَاقُهُ وَلَا تَدْبِيرُهُ ، وَسَرَى حُكْمُ اسْتِيلَادِ الْمُعْسِرِ إلَى نَصِيبِ شَرِيكِهِ ، بِخِلَافِ الْإِعْتَاقِ ، وَعَتَقَتْ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ ، وَالتَّدْبِيرُ لَا يَنْفُذُ إلَّا فِي الثُّلُثِ ، وَلَا يَمْلِكُ الْغُرَمَاءُ إبْطَالَ عِتْقِهَا وَإِنْ كَانَ سَيِّدُهَا مُفْلِسًا ، بِخِلَافِ الْمُدَبَّرِ ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ الْحُكْمِ فِي مَوْضِعٍ ، تَأَكُّدُ الْحُكْمِ فِيمَا دُونَهُ ، كَمَا لَمْ يَلْزَمْ إلْحَاقُهُ بِهِ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ الَّتِي افْتَرَقَا فِيهَا .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ الْقَتْلِ عَمْدًا ، أَوْ خَطَأً ، كَمَا لَا فَرْقَ بَيْنَ ذَلِكَ فِي حِرْمَانِ الْإِرْثِ ، وَإِبْطَالِ وَصِيَّةِ الْقَاتِلِ .","part":24,"page":160},{"id":11660,"text":"( 8690 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا سَائِرُ جِنَايَاتِهِ ، غَيْرُ قَتْلِ سَيِّدِهِ ، فَلَا تُبْطِلُ تَدْبِيرَهُ ، لَكِنْ إنْ كَانَتْ جِنَايَةً مُوجِبَةً لِلْمَالِ ، أَوْ مُوجِبَةً لِلْقِصَاصِ ، فَعَفَا الْوَلِيُّ إلَى مَالٍ ، تَعَلَّقَ الْمَالُ بِرَقَبَتِهِ ، فَمَنْ جَوَّزَ بَيْعَهُ ، جَعَلَ سَيِّدَهُ بِالْخِيَارِ بَيْنَ تَسْلِيمِهِ فَيُبَاعُ فِي الْجِنَايَةِ ، وَبَيْنَ فِدَائِهِ ، فَإِنْ سَلَّمَهُ فِي الْجِنَايَةِ فَبِيعَ فِيهَا ، بَطَلَ تَدْبِيرُهُ ، وَإِنْ عَادَ إلَى سَيِّدِهِ ، عَادَ تَدْبِيرُهُ ، وَإِنْ اخْتَارَ فِدَاءَهُ ، وَفَدَاهُ بِمَا يُفْدَى بِهِ الْعَبْدُ ، فَهُوَ مُدَبَّرٌ بِحَالِهِ .\rوَمَنْ لَمْ يُجِزْ بَيْعَهُ ، عَيَّنَ فِدَاءَهُ عَلَى سَيِّدِهِ ، كَأُمِّ الْوَلَدِ .\rوَإِنْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ مُوجِبَةً لِلْقِصَاصِ ، فَاقْتُصَّ مِنْهُ فِي النَّفْسِ ، بَطَلَ تَدْبِيرُهُ ، وَإِنْ اُقْتُصَّ مِنْهُ فِي الطَّرَفِ ، فَهُوَ مُدَبَّرٌ بِحَالِهِ .\rوَإِذَا مَاتَ سَيِّدُهُ بَعْدَ جِنَايَتِهِ ، وَقَبْلَ اسْتِيفَائِهَا ، عَتَقَ ، عَلَى كُلِّ حَالٍ ، سَوَاءٌ كَانَتْ مُوجِبَةً لِلْمَالِ أَوْ الْقِصَاصِ ؛ لِأَنَّ صِفَةَ الْعِتْقِ وُجِدَتْ فِيهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ بَاشَرَهُ بِهِ .\rفَإِنْ كَانَ الْوَاجِبُ قِصَاصًا ، اُسْتُوْفِيَ ، سَوَاءٌ كَانَتْ جِنَايَتُهُ عَلَى عَبْدٍ أَوْ حُرٍّ ؛ لِأَنَّ الْقِصَاصَ قَدْ اسْتَقَرَّ وُجُوبُهُ عَلَيْهِ فِي حَالِ رِقِّهِ ، فَلَا يَسْقُطُ بِحُدُوثِ الْحُرِّيَّةِ فِيهِ .\rوَإِنْ كَانَ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ مَالًا فِي رَقَبَتِهِ ، فُدِيَ بِأَقَلِّ الْأَمْرَيْنِ ؛ مِنْ قِيمَتِهِ ، أَوْ أَرْشِ جِنَايَتِهِ .\rوَإِنْ جُنِيَ عَلَى الْمُدَبَّرِ ، فَأَرْشُ الْجِنَايَةِ لِسَيِّدِهِ ؛ فَإِنْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ عَلَى نَفْسِهِ ، وَجَبَتْ قِيمَتُهُ لِسَيِّدِهِ ، وَبَطَلَ التَّدْبِيرُ بِهَلَاكِهِ .\rفَإِنْ قِيلَ : فَهَلَّا جَعَلْتُمْ قِيمَتَهُ قَائِمَةً مَقَامَهُ ، كَالْعَبْدِ الْمَرْهُونِ وَالْمَوْقُوفِ إذَا جُنِيَ عَلَيْهِ .\rقُلْنَا : الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ ؛ أَحَدُهَا ، أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْوَقْفِ وَالرَّهْنِ لَازِمٌ ، فَتَعَلَّقَ الْحَقُّ بِبَدَلِهِ ، وَالتَّدْبِيرُ غَيْرُ لَازِمٍ ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ إبْطَالُهُ بِالْبَيْعِ","part":24,"page":161},{"id":11661,"text":"وَغَيْرِهِ ، فَلَمْ يَتَعَلَّقْ الْحَقُّ بِبَدَلِهِ .\rالثَّانِي ، أَنَّ الْحَقَّ فِي التَّدْبِيرِ لِلْمُدَبَّرِ ، فَبَطَلَ حَقُّهُ بِفَوَاتِ مُسْتَحِقِّهِ ، وَالْبَدَلُ لَا يَقُومُ مَقَامَهُ فِي الِاسْتِحْقَاقِ ، وَالْحَقُّ فِي الْوَقْفِ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ ، وَفِي الرَّهْنِ لِلْمُرْتَهِنِ ، وَهُوَ بَاقٍ ، فَيَثْبُتُ حَقُّهُ فِي بَدَلِ مَحَلِّ حَقِّهِ .\rالثَّالِثُ ، أَنَّ الْمُدَبَّرَ إنَّمَا ثَبَتَ حَقُّهُ بِوُجُودِ مَوْتِ سَيِّدِهِ ، فَإِذَا هَلَكَ قَبْلَ سَيِّدِهِ ، فَقَدْ هَلَكَ قَبْلَ ثُبُوتِ الْحَقِّ لَهُ ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ بَدَلٌ ، بِخِلَافِ الرَّهْنِ وَالْوَقْفِ ، فَإِنَّ الْحَقَّ ثَابِتٌ فِيهِمَا ، فَقَامَ بَدَلُهُمَا مَقَامَهُمَا ، وَبَيْنَ الرَّهْنِ وَالْمُدَبَّرِ فَرْقٌ رَابِعٌ ، وَهُوَ أَنَّ الْوَاجِبَ الْقِيمَةُ ، وَلَا يُمْكِنُ وُجُودُ التَّدْبِيرِ فِيهَا ، وَلَا قِيَامُهَا مَقَامَ الْمُدَبَّرِ فِيهِ ، وَإِنْ أَخَذَ عَبْدًا مَكَانَهُ ، فَلَيْسَ هُوَ الْبَدَلَ ، إنَّمَا هُوَ بَدَلُ الْقِيمَةِ ، بِخِلَافِ الرَّهْنِ ؛ فَإِنَّ الْقِيمَةَ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ رَهْنًا ، فَإِنْ قِيلَ : فَهَذَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ الْمَوْقُوفُ ، فَإِنَّهُ إذَا قُتِلَ ، أُخِذَتْ قِيمَتُهُ ، فَاشْتُرِيَ بِهَا عَبْدٌ يَكُونُ وَقْفًا مَكَانَهُ .\rقُلْنَا : قَدْ حَصَلَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْمُدَبَّرِ وَالرَّهْنِ مِنْ الْوُجُوهِ الثَّلَاثَةِ ، وَكَوْنُهُ لَا يَحْصُلُ الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْوَقْفِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ، لَا يَمْنَعُ أَنْ يَحْصُلَ الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الرَّهْنِ بِهِ .","part":24,"page":162},{"id":11662,"text":"( 8691 ) فَصْلٌ : وَإِذَا دَبَّرَ السَّيِّدُ عَبْدَهُ ، ثُمَّ كَاتَبَهُ ، جَازَ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ .\rوَهَذَا قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ، وَالْحَسَنِ .\rوَلَفْظُ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، قَالَ : دَبَّرَتْ امْرَأَةٌ مِنْ قُرَيْشٍ خَادِمًا لَهَا ، ثُمَّ أَرَادَتْ أَنْ تُكَاتِبَهُ ، قَالَ : فَكُنْت الرَّسُولَ إلَى أَبِي هُرَيْرَةَ ، فَقَالَ : كَاتِبِيهِ ، فَإِنْ أَدَّى كِتَابَتَهُ فَذَاكَ ، وَإِنْ حَدَثَ بِك حَدَثٌ عَتَقَ .\rقَالَ : وَأَرَاهُ قَالَ : عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ لَهُ .\rوَلِأَنَّ التَّدْبِيرَ إنْ كَانَ عِتْقًا بِصِفَةٍ ، لَمْ يَمْنَعْ الْكِتَابَةَ ، كَاَلَّذِي عَلَّقَ عِتْقَهُ بِدُخُولِ الدَّارِ ، وَإِنْ كَانَ وَصِيَّةً ، لَمْ يَمْنَعْهَا ، كَمَا لَوْ وَصَّى بِعِتْقِهِ ثُمَّ كَاتَبَهُ ، وَلِأَنَّ التَّدْبِيرَ وَالْكِتَابَةَ سَبَبَانِ لِلْعِتْقِ ، فَلَمْ يَمْنَعْ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ ، كَتَدْبِيرِ الْمُكَاتَبِ .\rوَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّ التَّدْبِيرَ يَبْطُلُ بِالْكِتَابَةِ ، إذَا قُلْنَا : هُوَ وَصِيَّةٌ .\rكَمَا لَوْ وَصَّى بِهِ لِرَجُلٍ ثُمَّ كَاتَبَهُ .\rوَهَذَا يُخَالِفُ ظَاهِرَ كَلَامِ أَحْمَدَ ، وَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ فِي نَفْسِهِ .\rوَيُفَارِقُ التَّدْبِيرُ الْوَصِيَّةَ بِهِ لِرَجُلٍ ؛ لِأَنَّ مَقْصُودَ الْكِتَابَةِ وَالتَّدْبِيرِ لَا يَتَنَافَيَانِ إذْ كَانَ الْمَقْصُودُ مِنْهُمَا جَمِيعًا الْعِتْقَ ، فَإِذَا اجْتَمَعَا ، كَانَ آكَدَ لِحُصُولِهِ ، فَإِنَّهُ إذَا فَاتَ عِتْقُهُ مِنْ أَحَدِهِمَا ، حَصَلَ بِالْآخَرِ ، وَأَيُّهُمَا وُجِدَ قَبْلَ صَاحِبِهِ ، حَصَلَ الْعِتْقُ بِهِ ، وَمَقْصُودُ الْوَصِيَّةِ بِهِ وَالْكِتَابَةِ يَتَنَافَيَانِ ؛ لِأَنَّ الْكِتَابَةَ تُرَادُ لِلْعِتْقِ ، وَالْوَصِيَّةَ تُرَادُ لِحُصُولِ الْمِلْكِ فِيهِ لِلْمُوصَى لَهُ ، وَلَا يَجْتَمِعَانِ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّهُ إنْ أَدَّى فِي حَيَاةِ السَّيِّدِ ، صَارَ حُرًّا بِالْكِتَابَةِ ، وَبَطَلَ التَّدْبِيرُ وَإِنْ مَاتَ السَّيِّدُ قَبْلَ الْأَدَاءِ ، عَتَقَ بِالتَّدْبِيرِ إنْ خَرَجَ مِنْ الثُّلُثِ ، وَبَطَلَتْ الْكِتَابَةُ ، وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ الثُّلُثِ ، عَتَقَ مِنْهُ بِقَدْرِ الثُّلُثِ ، وَسَقَطَ مِنْ الْكِتَابَةِ بِقَدْرِ مَا","part":24,"page":163},{"id":11663,"text":"عَتَقَ ، وَكَانَ عَلَى الْكِتَابَةِ فِيمَا بَقِيَ .\rوَإِنْ أَدَّى الْبَعْضَ ، ثُمَّ مَاتَ سَيِّدُهُ ، عَتَقَ كُلُّهُ ، وَسَقَطَ بَاقِي الْكِتَابَةِ إنْ خَرَجَ مِنْ الثُّلُثِ ، وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ الثُّلُثِ ، عَتَقَ مِنْهُ بِقَدْرِ الثُّلُثِ ، وَسَقَطَ مِمَّا بَقِيَ مِنْ الْكِتَابَةِ بِقَدْرِ ثُلُثِ الْمَالِ ، وَأَدَّى مَا بَقِيَ .","part":24,"page":164},{"id":11664,"text":"كِتَابُ الْمُكَاتَبِ الْكِتَابَةُ : إعْتَاقُ السَّيِّدِ عَبْدَهُ عَلَى مَالٍ فِي ذِمَّتِهِ يُؤَدَّى مُؤَجَّلًا ، سُمِّيَتْ كِتَابَةً ؛ لِأَنَّ السَّيِّدَ يَكْتُبُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ كِتَابًا بِمَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ .\rوَقِيلَ : سُمِّيَتْ كِتَابَةً مِنْ الْكَتْبِ ، وَهُوَ الضَّمُّ ؛ لِأَنَّ الْمُكَاتَبَ يَضُمُّ بَعْضَ النُّجُومِ إلَى بَعْضٍ ، وَمِنْهُ سُمِّيَ الْخَرَزُ كِتَابًا ؛ لِأَنَّهُ يَضُمُّ أَحَدَ الطَّرَفَيْنِ إلَى الْآخَرِ بِخَرْزِهِ .\rوَقَالَ الْحَرِيرِيُّ : وَكَاتِبِينَ وَمَا خَطَّتْ أَنَامِلُهُمْ حَرْفًا وَلَا قَرَءُوا مَا خُطَّ فِي الْكُتُبِ وَقَالَ ذُو الرُّمَّةِ ، فِي ذَلِكَ الْمَعْنَى : وَفْرَاءَ غُرْفِيَّةٍ أَثْأَى خَوَارِزُهَا مُشَلْشِلٌ ضَيَّعَتْهُ بَيْنَهَا الْكُتَبُ يَصِفُ قِرْبَةً يَسِيلُ الْمَاءُ مِنْ بَيْنِ خَرْزِهَا .\rوَسُمِّيَتْ الْكَتِيبَةُ كَتِيبَةً لِانْضِمَامِ بَعْضِهَا إلَى بَعْضٍ ، وَالْمُكَاتَبُ يَضُمُّ بَعْضَ نُجُومِهِ إلَى بَعْضٍ ، وَالنُّجُومُ هَاهُنَا الْأَوْقَاتُ الْمُخْتَلِفَةُ ؛ لِأَنَّ الْعَرَبَ كَانَتْ لَا تَعْرِفُ الْحِسَابَ ، وَإِنَّمَا تَعْرِفُ الْأَوْقَاتَ بِطُلُوعِ النُّجُومِ ، كَمَا قَالَ بَعْضُهُمْ : إذَا سُهَيْلٌ أَوَّلَ اللَّيْلِ طَلَعْ فَابْنُ اللَّبُونِ الْحِقُّ وَالْحِقُّ جَذَعْ فَسُمِّيَتْ الْأَوْقَاتُ نُجُومًا .\rوَالْأَصْلُ فِي الْكِتَابَةِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ .\rأَمَّا الْكِتَابُ ، فَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { وَاَلَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا } .\rوَأَمَّا السُّنَّةُ ، فَمَا رَوَى سَعِيدٌ ، عَنْ سُفْيَانَ عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ نَبْهَانَ مَوْلَى أُمِّ سَلَمَةَ ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { إذَا كَانَ لِإِحْدَاكُنَّ مُكَاتَبٌ ، فَمَلَكَ مَا يُؤَدِّي ، فَلْتَحْتَجِبْ مِنْهُ } .\rوَرَوَى سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { مَنْ أَعَانَ غَارِمًا ، أَوْ غَازِيًا ، أَوْ مُكَاتَبًا فِي كِتَابَتِهِ ، أَظَلَّهُ اللَّهُ يَوْمَ لَا ظِلَّ إلَّا ظِلُّهُ } .\rفِي أَحَادِيثَ كَثِيرَةٍ سِوَاهُمَا ، وَأَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى","part":24,"page":165},{"id":11665,"text":"مَشْرُوعِيَّةِ الْكِتَابَةِ .","part":24,"page":166},{"id":11666,"text":"( 8692 ) فَصْلٌ : إذَا سَأَلَ الْعَبْدُ سَيِّدَهُ مُكَاتَبَتَهُ ، اُسْتُحِبَّ لَهُ إجَابَتُهُ ، إذَا عَلِمَ فِيهِ خَيْرًا ، وَلَمْ يَجِبْ ذَلِكَ .\rفِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ .\rوَهُوَ قَوْلُ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، مِنْهُمْ الْحَسَنُ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّهَا وَاجِبَةٌ ، إذَا دَعَا الْعَبْدُ الْمُكْتَسِبُ الصَّدُوقُ سَيِّدَهُ إلَيْهَا ، فَعَلَيْهِ إجَابَتُهُ .\rوَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ ، وَالضَّحَّاكِ ، وَعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، وَدَاوُد .\rوَقَالَ إِسْحَاقُ : أَخْشَى أَنْ يَأْثَمَ إنْ لَمْ يَفْعَلْ ، وَلَا يُجْبَرُ عَلَيْهِ .\rوَوَجْهُ ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { فَكَاتِبُوهُمْ إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا } .\rوَظَاهِرُ الْأَمْرِ الْوُجُوبُ .\rوَرُوِيَ أَنَّ سِيرِينَ أَبَا مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ ، كَانَ عَبْدًا لِأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، فَسَأَلَهُ أَنْ يُكَاتِبَهُ ، فَأَبَى ، فَأَخْبَرَ سِيرِينُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ بِذَلِكَ ، فَرَفَعَ الدِّرَّةَ عَلَى أَنَسٍ ، وَقَرَأَ عَلَيْهِ : { وَاَلَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا } .\rفَكَاتَبَهُ أَنَسٌ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ إعْتَاقٌ بِعِوَضٍ ، فَلَمْ يَجِبْ ، كَالِاسْتِسْعَاءِ ، وَالْآيَةُ مَحْمُولَةٌ عَلَى النَّدْبِ ، وَقَوْلُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، يُخَالِفُ فِعْلَ أَنَسٍ .\rوَلَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ فِي أَنَّ مَنْ لَا خَيْرَ فِيهِ لَا تَجِبُ إجَابَتُهُ .\rقَالَ أَحْمَدُ : الْخَيْرُ صِدْقٌ ، وَصَلَاحٌ ، وَوَفَاءٌ بِمَالِ الْكِتَابَةِ ، وَنَحْوُ هَذَا قَالَ إبْرَاهِيمُ ، وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ ، وَغَيْرُهُمَا ، وَعِبَارَتُهُمْ فِي ذَلِكَ مُخْتَلِفَةٌ ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : غِنًى ، وَإِعْطَاءٌ لِلْمَالِ .\rوَقَالَ مُجَاهِدٌ : غِنًى ، وَأَدَاءٌ .\rوَقَالَ النَّخَعِيُّ : صِدْقٌ ، وَوَفَاءٌ .\rوَقَالَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ : مَالٌ ، وَصَلَاحٌ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : قُوَّةٌ عَلَى الْكَسْبِ ، وَأَمَانَةٌ .\rوَهَلْ تُكْرَهُ كِتَابَةُ مَنْ لَا كَسْبَ لَهُ أَوْ لَا ؟ قَالَ الْقَاضِي : ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ كَرَاهِيَتُهُ .\rوَكَانَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ","part":24,"page":167},{"id":11667,"text":"عَنْهُ يَكْرَهُهُ .\rوَهُوَ قَوْلُ مَسْرُوقٍ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ ، رِوَايَةٌ أُخْرَى ، أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ .\rوَلَمْ يَكْرَهْهُ الشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ ، وَطَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ؛ { لِأَنَّ جُوَيْرِيَةَ بِنْتَ الْحَارِثِ ، كَاتَبَهَا ثَابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ الْأَنْصَارِيُّ ، فَأَتَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَسْتَعِينُهُ فِي كِتَابَتِهَا ، فَأَدَّى عَنْهَا كِتَابَتَهَا ، وَتَزَوَّجَهَا .\r} وَاحْتَجَّ ابْنُ الْمُنْذِرِ ، { بِأَنَّ بَرِيرَةَ كَاتَبَتْ وَلَا حِرْفَةَ لَهَا ، وَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ } .\rوَوَجْهُ الْأَوَّلِ مَا ذَكَرْنَا فِي عِتْقِهِ ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُنْظَرَ فِي الْمُكَاتَبِ ، فَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يَتَضَرَّرُ بِالْكِتَابَةِ وَيَضِيعُ ، لِعَجْزِهِ عَنْ الْإِنْفَاقِ عَلَى نَفْسِهِ ، وَلَا يَجِدُ مَنْ يُنْفِقُ عَلَيْهِ ، كُرِهَتْ كِتَابَتُهُ ، وَإِنْ كَانَ يَجِدُ مَنْ يَكْفِيهِ مُؤْنَتَهُ ، لَمْ تُكْرَهْ كِتَابَتُهُ ؛ لِحُصُولِ النَّفْعِ بِالْحُرِّيَّةِ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ .\rفَأَمَّا جُوَيْرِيَةُ ، فَإِنَّهَا كَانَتْ ذَاتَ أَهْلٍ ، وَمَالٍ وَكَانَتْ ابْنَةَ سَيِّدِ قَوْمِهِ ، فَإِذَا عَتَقَتْ ، رَجَعَتْ إلَى أَهْلِهَا ، فَأَخْلَفَ اللَّهُ لَهَا خَيْرًا مِنْ أَهْلِهَا ، فَتَزَوَّجَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصَارَتْ إحْدَى أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ ، وَأَعْتَقَ النَّاسُ مَا كَانَ بِأَيْدِيهِمْ مِنْ قَوْمِهَا ، حِينَ بَلَغَهُمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَزَوَّجَهَا ، وَقَالُوا : أَصْهَارُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rفَلَمْ يُرَ امْرَأَةٌ أَعْظَمُ بَرَكَةً عَلَى قَوْمِهَا مِنْهَا .\rوَأَمَّا بَرِيرَةُ ، فَإِنَّ كِتَابَتَهَا تَدُلُّ عَلَى إبَاحَةِ ذَلِكَ ، وَأَنَّهُ لَيْسَ بِمُنْكَرٍ ، وَلَا خِلَافَ فِيهِ ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي كَرَاهَتِهِ .\rقَالَ مَسْرُوقٌ : إذَا سَأَلَ الْعَبْدُ مَوْلَاهُ الْمُكَاتَبَةَ ؛ فَإِنْ كَانَ لَهُ مَكْسَبَةٌ ، أَوْ كَانَ لَهُ مَالٌ ، فَلْيُكَاتِبْهُ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ وَلَا مَكْسَبَةٌ ، فَلْيُحْسِنْ","part":24,"page":168},{"id":11668,"text":"مَلَكْتَهُ ، وَلَا يُكَلِّفْهُ إلَّا طَاقَتَهُ .","part":24,"page":169},{"id":11669,"text":"( 8693 ) فَصْلٌ : وَلَا تَصِحُّ الْكِتَابَةُ إلَّا مِمَّنْ يَصِحُّ تَصَرُّفُهُ فَأَمَّا الْمَجْنُونُ وَالطِّفْلُ ، فَلَا تَصِحُّ مُكَاتَبَتُهُمَا لِرَقِيقِهِمَا ، وَلَا مُكَاتَبَةُ سَيِّدِهِمَا لَهُمَا ، وَأَمَّا الصَّبِيُّ الْمُمَيِّزُ ؛ فَإِنْ كَاتَبَ عَبْدَهُ بِإِذْنِ وَلِيِّهِ ، صَحَّ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَصِحَّ ، بِنَاءً عَلَى قَوْلِنَا : إنَّهُ لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ بِإِذْنِ وَلِيِّهِ ، وَلِأَنَّ هَذَا عَقْدُ إعْتَاقٍ ، فَلَمْ يَصِحَّ مِنْهُ كَالْعِتْقِ بِغَيْرِ مَالٍ ، فَأَمَّا إنْ لَمْ يَأْذَنْ وَلِيُّهُ فِيهِ ، فَلَا يَصِحُّ بِحَالٍ ، وَإِنْ كَانَ الْمُمَيِّزُ سَيِّدَهُ ، صَحَّ .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يَصِحُّ فِيهِمَا جَمِيعًا بِحَالٍ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُكَلَّفٍ ، فَأَشْبَهَ الْمَجْنُونَ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ يَصِحُّ تَصَرُّفُهُ وَبَيْعُهُ بِإِذْنِ وَلِيِّهِ ، فَصَحَّتْ مِنْهُ الْكِتَابَةُ بِذَلِكَ ، كَالْمُكَلَّفِ ، وَدَلِيلُ صِحَّةِ تَصَرُّفِهِ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ } .\rوَالِابْتِلَاءُ الِاخْتِبَارُ لَهُ ، بِتَفْوِيضِ التَّصَرُّفِ إلَيْهِ ، لِيُعْلَمَ هَلْ يَقَعُ مِنْهُ عَلَى وَجْهِ الْمَصْلَحَةِ أَوْ لَا ؟ وَهَلْ يَغْبِنُ فِي بَيْعِهِ وَشِرَائِهِ أَوْ لَا ؟ وَإِيجَابُ السَّيِّدِ لِعَبْدِهِ الْمُمَيِّزِ الْمُكَاتَبَةَ إذْنٌ لَهُ فِي قَبُولِهَا .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنْ كَانَ السَّيِّدُ الْمُكَاتِبُ طِفْلًا أَوْ مَجْنُونًا ، فَلَا حُكْمَ لِتَصَرُّفِهِ وَلَا قَوْلِهِ .\rوَإِنْ كَاتَبَ الْمُكَلَّفُ عَبْدَهُ الطِّفْلَ أَوْ الْمَجْنُونَ ، لَمْ يَثْبُتْ لِهَذَا التَّصَرُّفِ حُكْمُ الْكِتَابَةِ الصَّحِيحَةِ وَلَا الْفَاسِدَةِ ؛ لِأَنَّهُ لَا حُكْمَ لِقَوْلِهِمَا ، وَلَكِنْ إنْ قَالَ : إنْ أَدَّيْتُمَا إلَيَّ ، فَأَنْتُمَا حُرَّانِ .\rفَأَدَّيَا ، عَتَقَ بِالصِّفَةِ لَا بِالْكِتَابَةِ ، وَمَا فِي أَيْدِيهِمَا لِسَيِّدِهِمَا ، وَإِنْ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ ، لَمْ يَعْتِقَا .\rذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : يَعْتِقَانِ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ الْكِتَابَةَ تَتَضَمَّنُ مَعْنَى الصِّفَةِ ، فَيَحْصُلُ الْعِتْقُ هَاهُنَا بِالصِّفَةِ","part":24,"page":170},{"id":11670,"text":"الْمَحْضَةِ ، كَمَا لَوْ قَالَ : إنْ أَدَّيْت إلَيَّ ، فَأَنْتَ حُرٌّ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ لَيْسَ بِصِفَةٍ صَرِيحًا وَلَا مَعْنًى ، وَإِنَّمَا هُوَ عَقْدٌ بَاطِلٌ ، فَأَشْبَهَ الْبَيْعَ الْبَاطِلَ .","part":24,"page":171},{"id":11671,"text":"( 8694 ) فَصْلٌ : وَإِذَا كَاتَبَ الذِّمِّيُّ عَبْدَهُ الْمُسْلِمَ ، صَحَّ ؛ لِأَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ ، أَوْ عِتْقٌ بِصِفَةٍ ، وَكِلَاهُمَا يَصِحُّ مِنْهُ .\rوَإِذَا تَرَافَعَا إلَى الْحَاكِمِ بَعْدَ الْكِتَابَةِ ، نَظَرَ فِي الْعَقْدِ ؛ فَإِنْ كَانَ مُوَافِقًا لِلشَّرْعِ ، أَمْضَاهُ ، سَوَاءٌ تَرَافَعَا قَبْلَ إسْلَامِهِمَا أَوْ بَعْدَهُ ، وَإِنْ كَاتَبَ كِتَابَةً فَاسِدَةً ، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ الْعِوَضُ خَمْرًا ، أَوْ خِنْزِيرًا ، أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِ الْفَسَادِ ، فَفِيهِ ثَلَاثُ مَسَائِلَ : إحْدَاهَا : أَنْ يَكُونَا قَدْ تَقَابَضَا حَالَ الْكُفْرِ ، فَتَكُونَ الْكِتَابَةُ مَاضِيَةً ، وَالْعِتْقُ حَاصِلٌ ؛ لِأَنَّ مَا تَمَّ فِي حَالِ الْكُفْرِ ، لَا يَنْقُصُهُ الْحَاكِمُ ، وَيَحْكُمُ بِالْعِتْقِ ، سَوَاءٌ تَرَافَعَا قَبْلَ الْإِسْلَامِ أَوْ بَعْدَهُ .\rالثَّانِيَةُ : تَقَابَضَا بَعْدَ الْإِسْلَامِ ، ثُمَّ تَرَافَعَا إلَى الْحَاكِمِ ، فَإِنَّهُ يَعْتِقُ أَيْضًا ؛ لِأَنَّ هَذِهِ كِتَابَةٌ فَاسِدَةٌ ، وَيَكُونُ حُكْمُهَا حُكْمَ الْكِتَابَةِ الْفَاسِدَةِ الْمَعْقُودَةِ فِي الْإِسْلَامِ ، عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .\rالثَّالِثَةُ : تَرَافَعَا قَبْلَ قَبْضِ الْعِوَضِ الْفَاسِدِ ، أَوْ قَبْضِ بَعْضِهِ ، فَإِنَّ الْحَاكِمَ يَرْفَعُ هَذِهِ الْكِتَابَةَ ، وَيُبْطِلُهَا ؛ لِأَنَّهَا كِتَابَةٌ فَاسِدَةٌ ، لَمْ يَتَّصِلْ بِهَا قَبْضٌ تَنْبَرِمُ بِهِ .\rوَلَا فَرْقَ بَيْنَ إسْلَامِهِمَا ، أَوْ إسْلَامِ أَحَدِهِمَا ، فِيمَا ذَكَرْنَاهُ ، لِأَنَّ التَّغْلِيبَ لِحُكْمِ الْإِسْلَامِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إذَا كَاتَبَهُ عَلَى خَمْرٍ ، ثُمَّ أَسْلَمَا ، لَمْ يَفْسُدْ الْعَقْدُ ، وَيُؤَدِّي قِيمَةَ الْخَمْرِ ؛ لِأَنَّ الْكِتَابَةَ كَالنِّكَاحِ ، وَلَوْ أَمْهَرَهَا خَمْرًا ، ثُمَّ أَسْلَمَا ، بَطَلَ الْخَمْرُ ، وَلَمْ يَبْطُلْ النِّكَاحُ .\rوَلَنَا ، أَنَّ هَذَا عَقْدٌ لَوْ عَقَدَهُ الْمُسْلِمُ كَانَ فَاسِدًا ، فَإِذَا أَسْلَمَا قَبْلَ التَّقَابُضِ ، أَوْ أَحَدُهُمَا ، حُكِمَ بِفَسَادِهِ كَالْبَيْعِ الْفَاسِدِ ، وَيُفَارِقُ النِّكَاحَ فَإِنَّهُ لَوْ عَقَدَهُ الْمُسْلِمُ بِخَمْرٍ كَانَ صَحِيحًا ، وَإِنْ أَسْلَمَ مُكَاتَبُ الذِّمِّيِّ ، لَمْ","part":24,"page":172},{"id":11672,"text":"تَنْفَسِخْ الْكِتَابَةُ ؛ لِأَنَّهَا وَقَعَتْ صَحِيحَةً ، وَلَا يُجْبَرُ عَلَى إزَالَةِ مِلْكِهِ ؛ لِأَنَّهُ خَارِجٌ بِالْكِتَابَةِ عَنْ تَصَرُّفِ الْكَافِرِ فِيهِ ، فَإِنْ عَجَزَ ، أُجْبِرَ عَلَى إزَالَةِ مِلْكِهِ عَنْهُ حِينَئِذٍ .\rوَإِنْ اشْتَرَى مُسْلِمًا ، فَكَاتَبَهُ ، لَمْ تَصِحَّ الْكِتَابَةُ ؛ لِأَنَّ الشِّرَاءَ بَاطِلٌ ، وَلَمْ يَثْبُتْ لَهُ بِهِ مِلْكٌ .\rوَإِنْ أَسْلَمَ عَبْدُهُ فَكَاتَبَهُ بَعْدَ إسْلَامِهِ ، لَمْ تَصِحَّ كِتَابَتُهُ ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ إزَالَةُ مِلْكِهِ عَنْهُ ، وَالْكِتَابَةُ لَا تُزِيلُ الْمِلْكَ ، فَإِنَّ الْمُكَاتَبَ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : لَهُ كِتَابَتُهُ ؛ لِأَنَّهُ يَخْرُجُ بِهَا عَنْ تَصَرُّفِ سَيِّدِهِ فِيهِ ، فَإِنْ عَجَزَ ، عَادَ رَقِيقًا قِنًّا ، وَأُجْبِرَ عَلَى إزَالَةِ مِلْكِهِ عَنْهُ حِينَئِذٍ .","part":24,"page":173},{"id":11673,"text":"( 8695 ) فَصْلٌ : وَإِنْ كَاتَبَ الْحَرْبِيُّ عَبْدَهُ ، صَحَّتْ كِتَابَتُهُ ، سَوَاءٌ كَانَ فِي دَارِ الْحَرْبِ أَوْ دَارِ الْإِسْلَامِ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ مِلْكَهُ نَاقِصٌ .\rوَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ ، أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ ، بِدَلِيلِ أَنَّ لِلْمُسْلِمِ تَمَلُّكَهُ عَلَيْهِ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ } .\rوَهَذِهِ الْإِضَافَةُ إلَيْهِمْ تَقْتَضِي صِحَّةَ أَمْلَاكِهِمْ ، فَتَقْتَضِي صِحَّةَ تَصَرُّفَاتِهِمْ .\rفَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِذَا كَاتَبَ عَبْدَهُ ، ثُمَّ دَخَلَا مُسْتَأْمِنَيْنِ إلَيْنَا ، لَمْ يَتَعَرَّضْ الْحَاكِمُ لَهُمَا ، وَإِنْ تَرَافَعَا إلَيْهِ ، نَظَرَ بَيْنَهُمَا ، فَإِنْ كَانَتْ كِتَابَتُهُمَا صَحِيحَةً ، أَلْزَمَهُمَا حُكْمَهَا ، وَإِنْ كَانَتْ فَاسِدَةً ، بَيَّنَ لَهُمَا فَسَادَهَا .\rوَإِنْ جَاءَا ، وَقَدْ قَهَرَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ ، بَطَلَتْ الْكِتَابَةُ ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ إنْ قَهَرَ سَيِّدَهُ مَلَكَهُ ، فَبَطَلَتْ كِتَابَتُهُ ؛ لِخُرُوجِهِ عَنْ مِلْكِ سَيِّدِهِ ، وَإِنْ قَهَرَهُ السَّيِّدُ عَلَى إبْطَالِ الْكِتَابَةِ ، وَرَدَّهُ رَقِيقًا ، بَطَلَتْ ؛ لِأَنَّ دَارَ الْكُفْرِ دَارُ قَهْرٍ وَإِبَاحَةٍ ، وَلِهَذَا لَوْ قَهَرَ حُرٌّ حُرًّا عَلَى نَفْسِهِ مَلَكَهُ .\rوَإِنْ دَخَلَا مِنْ غَيْرِ قَهْرٍ ، فَقَهَرَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ ، لَمْ تَبْطُلْ الْكِتَابَةُ ، وَكَانَا عَلَى مَا كَانَا عَلَيْهِ قَبْلَهُ ؛ لِأَنَّ دَارَ الْإِسْلَامِ دَارُ حَظْرٍ ، لَا يُؤَثِّرُ فِيهَا الْقَهْرُ إلَّا بِالْحَقِّ .\rوَإِنْ دَخَلَا مُسْتَأْمِنَيْنِ ، ثُمَّ أَرَادَا الرُّجُوعَ إلَى دَارِ الْحَرْبِ ، لَمْ يُمْنَعَا .\rوَإِنْ أَرَادَ السَّيِّدُ الرُّجُوعَ ، وَأَخَذَ الْمُكَاتَبِ مَعَهُ ، فَأَبَى الْمُكَاتَبُ الرُّجُوعَ مَعَهُ ، لَمْ يُجْبَرْ ؛ لِأَنَّهُ بِالْكِتَابَةِ زَالَ مِلْكُهُ وَسُلْطَانُهُ عَنْهُ ، وَإِنَّمَا لَهُ فِي ذِمَّتِهِ حَقٌّ ، وَمَنْ لَهُ فِي ذِمَّةِ غَيْرِهِ حَقٌّ لَا يَمْلِكُ إجْبَارَهُ عَلَى السَّفَرِ مَعَهُ لِأَجْلِهِ ، وَيُقَالُ لِلسَّيِّدِ : إنْ أَرَدْت الْإِقَامَةَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ ؛","part":24,"page":174},{"id":11674,"text":"لِتَسْتَوْفِيَ مَالَ الْكِتَابَةِ ، فَاعْقِدْ الذِّمَّةَ وَأَقِمْ ، إنْ كَانَتْ مُدَّتُهَا طَوِيلَةً ، وَإِنْ أَرَدْت تَوْكِيلَ مَنْ يَقْبِضُ لَك نُجُومَ الْكِتَابَةِ ، فَافْعَلْ .\rفَإِذَا أَدَّى نُجُومَ الْكِتَابَةِ ، عَتَقَ ، ثُمَّ هُوَ مُخَيَّرٌ ، إنْ أَحَبَّ أَنْ يُقِيمَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ ، عَقَدَ عَلَى نَفْسِهِ الذِّمَّةَ ، وَإِنْ أَحَبَّ الرُّجُوعَ ، لَمْ يُمْنَعْ .","part":24,"page":175},{"id":11675,"text":"وَإِنْ عَجَزَ ، وَفَسَخَ السَّيِّدُ كِتَابَتَهُ ، عَادَ رَقِيقًا ، وَيُرَدُّ إلَى سَيِّدِهِ ، وَالْأَمَانُ لَهُ بَاقٍ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ مَالِ سَيِّدِهِ ، وَسَيِّدُهُ عَقَدَ الْأَمَانَ لِنَفْسِهِ وَمَالِهِ ، فَإِذَا انْتَقَضَ الْأَمَانُ فِي نَفْسِهِ ، بِعَوْدِهِ ، لَمْ يَنْتَقِضْ فِي مَالِهِ .","part":24,"page":176},{"id":11676,"text":"وَإِنْ كَاتَبَهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ ، فَهَرَبَ ، وَدَخَلَ إلَيْنَا ، بَطَلَتْ الْكِتَابَةُ ؛ فَإِنَّ مِلْكَهُ زَالَ عَنْهُ بِقَهْرِهِ عَلَى نَفْسِهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَهَرَهُ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ مَالِهِ .\rوَسَوَاءٌ جَاءَنَا مُسْلِمًا أَوْ غَيْرَ مُسْلِمٍ .\rوَإِنْ جَاءَنَا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ ، فَالْكِتَابَةُ بِحَالِهَا ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْهَرْ سَيِّدَهُ ، فَإِذَا دَخَلَ إلَيْنَا بِأَمَانٍ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ ، ثُمَّ سَبَى الْمُسْلِمُونَ سَيِّدَهُ وَقُتِلَ ، انْتَقَلَتْ الْكِتَابَةُ إلَى وَرَثَتِهِ ، كَمَا لَوْ مَاتَ حَتْفَ أَنْفِهِ ، وَإِنْ مَنَّ عَلَيْهِ الْإِمَامُ ، أَوْ فَادَاهُ ، أَوْ هَرَبَ ، فَالْكِتَابَةُ بِحَالِهَا ، وَإِنْ اسْتَرَقَّهُ الْإِمَامُ ، فَالْمُكَاتَبُ مَوْقُوفٌ ، إنْ عَتَقَ سَيِّدُهُ ، فَالْكِتَابَةُ بِحَالِهَا ، وَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ ، فَالْمُكَاتَبُ لِلْمُسْلِمِينَ ، مُبْقٍ عَلَى مَا بَقِيَ مِنْ كِتَابَتِهِ ، يَعْتِقُ بِأَدَائِهِ إلَيْهِمْ ، وَوَلَاؤُهُ لَهُمْ ، وَإِنْ عَجَزَ ، فَهُوَ رَقِيقٌ لَهُمْ .","part":24,"page":177},{"id":11677,"text":"وَإِنْ أَرَادَ الْمُكَاتَبُ الْأَدَاءَ قَبْلَ عِتْقِ سَيِّدِهِ وَمَوْتِهِ ، أَدَّى إلَى الْحَاكِمِ ، أَوْ إلَى أَمِينِهِ ، وَكَانَ الْمَالُ الْمَقْبُوضُ مَوْقُوفًا ، عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ ، وَيَعْتِقُ الْمُكَاتَبُ بِالْأَدَاءِ ، وَسَيِّدُهُ رَقِيقٌ ، لَا يَثْبُتُ لَهُ وَلَاءٌ .\rقَالَ أَبُو بَكْرٍ : يَكُونُ الْوَلَاءُ لِلْمُسْلِمِينَ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : يَكُونُ مَوْقُوفًا فَإِنْ عَتَقَ سَيِّدُهُ ، فَهُوَ لَهُ ، وَإِنْ مَاتَ عَلَى رِقِّهِ ، فَهُوَ لِلْمُسْلِمِينَ .\rوَإِنْ كَانَ اسْتِرْقَاقُ سَيِّدِهِ بَعْدَ عِتْقِ الْمُكَاتَبِ ، وَثُبُوتِ الْوَلَاءِ عَلَيْهِ ، فَقَالَ الْقَاضِي : يَكُونُ وَلَاؤُهُ مَوْقُوفًا ، فَإِنْ عَتَقَ السَّيِّدُ ، كَانَ الْوَلَاءُ لَهُ ، وَإِنْ قُتِلَ أَوْ مَاتَ عَلَى رِقِّهِ ، بَطَلَ الْوَلَاءُ ؛ لِأَنَّهُ رَقِيقٌ ، لَا يُورَثُ ، فَيَبْطُلُ الْوَلَاءُ ، لِعَدَمِ مُسْتَحِقِّهِ .\rوَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ لِلْمُسْلِمِينَ ؛ لِأَنَّ مَالَ مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ لِلْمُسْلِمِينَ فَكَذَلِكَ الْوَلَاءُ .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":24,"page":178},{"id":11678,"text":"( 8696 ) فَصْلٌ : وَإِنْ كَاتَبَ الْمُرْتَدُّ عَبْدَهُ ، فَعَلَى قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ : الْكِتَابَةُ بَاطِلَةٌ ؛ لِأَنَّ مِلْكَهُ زَالَ بِرِدَّتِهِ .\rوَعَلَى الظَّاهِرِ مِنْ الْمَذْهَبِ ، كِتَابَتُهُ مَوْقُوفَةٌ ، إنْ أَسْلَمَ تَبَيَّنَّا أَنَّهَا كَانَتْ صَحِيحَةً ، وَإِنْ قُتِلَ أَوْ مَاتَ عَلَى رِدَّتِهِ ، بَطَلَتْ .\rوَإِنْ أَدَّى فِي رِدَّتِهِ ، لَمْ يُحْكَمْ بِعِتْقِهِ ، وَيَكُونُ مَوْقُوفًا ، فَإِنْ أَسْلَمَ سَيِّدُهُ ، تَبَيَّنَّا صِحَّةَ الدَّفْعِ إلَيْهِ وَعِتْقِهِ ، وَإِنْ قُتِلَ أَوْ مَاتَ عَلَى رِدَّتِهِ ، فَهُوَ بَاطِلٌ ، وَالْعَبْدُ رَقِيقٌ .\rوَإِنْ كَاتَبَهُ ، وَهُوَ مُسْلِمٌ ، ثُمَّ ارْتَدَّ ، وَحُجِرَ عَلَيْهِ .\rلَمْ يَكُنْ لِلْعَبْدِ الدَّفْعُ إلَيْهِ ، وَيُؤَدِّي إلَى الْحَاكِمِ ، وَيَعْتِقُ بِالْأَدَاءِ .\rوَإِنْ دَفَعَ إلَى الْمُرْتَدِّ ، كَانَ مَوْقُوفًا ، كَمَا ذَكَرْنَا .","part":24,"page":179},{"id":11679,"text":"وَإِنْ كَاتَبَ الْمُسْلِمُ عَبْدَهُ الْمُرْتَدَّ ، صَحَّتْ كِتَابَتُهُ ؛ لِأَنَّهُ يَصِحُّ بَيْعُهُ ، فَإِذَا أَدَّى ، عَتَقَ ، وَإِنْ أَسْلَمَ ، فَهُوَ عَلَى كِتَابَتِهِ .","part":24,"page":180},{"id":11680,"text":"( 8697 ) فَصْلٌ : وَكِتَابَةُ الْمَرِيضِ صَحِيحَةٌ ، فَإِنْ كَانَ مَرَضَ الْمَوْتِ الْمَخُوفَ ، اُعْتُبِرَ مِنْ ثُلُثِهِ ؛ لِأَنَّهُ بَيْعُ مَالِهِ بِمَالِهِ ، فَجَرَى مَجْرَى الْهِبَةِ ، وَكَذَلِكَ يَثْبُتُ الْوَلَاءُ عَلَى الْمُكَاتَبِ ؛ لِكَوْنِهِ مُعْتَقًا ، فَإِنْ خَرَجَ مِنْ الثُّلُثِ ، كَانَتْ الْكِتَابَةُ لَازِمَةً ، وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ الثُّلُثِ ، لَزِمَتْ الْكِتَابَةُ فِي قَدْرِ الثُّلُثِ ، وَسَائِرُهُ مَوْقُوفٌ عَلَى إجَازَةِ الْوَرَثَةِ ، فَإِنْ أَجَازَتْ ، جَازَتْ ، وَإِنْ رَدَّتْهَا ، بَطَلَتْ .\rوَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ ، فِي \" رُءُوسِ الْمَسَائِلِ \" : تَجُوزُ الْكِتَابَةُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ ؛ لِأَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ ، أَشْبَهَ الْبَيْعَ .","part":24,"page":181},{"id":11681,"text":"( 8698 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَإِذَا كَاتَبَ عَبْدَهُ ، أَوْ أَمَتَهُ عَلَى أَنْجُمٍ ، فَأُدِّيَتْ الْكِتَابَةُ ، فَقَدْ صَارَ الْعَبْدُ حُرًّا ، وَوَلَاؤُهُ لِمُكَاتَبِهِ ) فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثَةُ فُصُولٍ : ( 8699 ) الْفَصْلُ الْأَوَّلُ : أَنَّ ظَاهِرَ هَذَا الْكَلَامِ ، أَنَّ الْكِتَابَةَ لَا تَصِحُّ حَالَّةً ، وَلَا تَجُوزُ إلَّا مُؤَجَّلَةً مُنَجَّمَةً .\rوَهُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ .\rوَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَقَالَ مَالِكٌ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ : تَجُوزُ حَالَّةً ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ عَلَى عَيْنٍ ، فَإِذَا كَانَ عِوَضُهُ فِي الذِّمَّةِ ، جَازَ أَنْ يَكُونَ حَالًّا ، كَالْبَيْعِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ رُوِيَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، أَنَّهُمْ عَقَدُوا الْكِتَابَةَ ، وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَنَّهُ عَقَدَهَا حَالَّةً ، وَلَوْ جَازَ ذَلِكَ ، لَمْ يَتَّفِقْ جَمِيعُهُمْ عَلَى تَرْكِهِ ، وَلِأَنَّ الْكِتَابَةَ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ ، يَعْجِزُ عَنْ أَدَاءِ عِوَضِهَا فِي الْحَالِ ، فَكَانَ مِنْ شَرْطِهِ التَّأْجِيلُ ، كَالسَّلَمِ عَلَى مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَلِأَنَّهَا عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ يَلْحَقُهُ الْفَسْخُ مِنْ شَرْطِهِ ذِكْرَ الْعِوَضِ ، فَإِذَا وَقَعَ عَلَى وَجْهٍ يَتَحَقَّقُ فِيهِ الْعَجْزُ عَنْ الْعِوَضِ ، لَمْ يَصِحَّ ، كَمَا لَوْ أَسْلَمَ فِي شَيْءٍ لَا يُوجَدُ عِنْدَ مَحَلِّهِ ، وَيُفَارِقُ الْبَيْعَ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَحَقَّقُ فِيهِ الْعَجْزُ عَنْ الْعِوَضِ ، لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ يَمْلِكُ الْمَبِيعَ ، وَالْعَبْدُ لَا يَمْلِكُ شَيْئًا ، وَمَا فِي يَدِهِ لِسَيِّدِهِ .\rوَفِي التَّنْجِيمِ حِكْمَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، يَرْجِعُ إلَى الْمُكَاتَبِ ، وَهِيَ التَّخْفِيفُ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ الْأَدَاءَ مُفَرَّقًا أَسْهَلُ ، وَلِهَذَا تُقَسَّطُ الدُّيُونُ عَلَى الْمُعْسِرِينَ عَادَةً ، تَخْفِيفًا عَلَيْهِمْ .\rوَالْأُخْرَى ، لِلسَّيِّدِ ، وَهِيَ أَنَّ مُدَّةَ الْكِتَابَةِ تَطُولُ غَالِبًا ، فَلَوْ كَانَتْ عَلَى نَجْمٍ وَاحِدٍ ، لَمْ يَظْهَرْ عَجْزُهُ إلَّا فِي آخِرِ الْمُدَّةِ ، فَإِذَا عَجَزَ ، عَادَ إلَى الرِّقِّ ، وَفَاتَتْ مَنَافِعُهُ فِي مُدَّةِ الْكِتَابَةِ كُلِّهَا عَلَى السَّيِّدِ ، مِنْ غَيْرِ نَفْعٍ","part":24,"page":182},{"id":11682,"text":"حَصَلَ لَهُ ، وَإِذَا كَانَتْ مُنَجَّمَةً نُجُومًا ، فَعَجَزَ عَنْ النَّجْمِ الْأَوَّلِ ، فَمُدَّتُهُ يَسِيرَةٌ ، وَإِنْ عَجَزَ عَمَّا بَعْدَهُ ، فَقَدْ حَصَلَ لِلسَّيِّدِ نَفْعٌ بِمَا أَخَذَهُ مِنْ النُّجُومِ قَبْلَ عَجْزِهِ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَأَقَلُّهُ نَجْمَانِ فَصَاعِدًا .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rوَنُقِلَ عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّهُ قَالَ : مِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ : نَجْمٌ وَاحِدٌ .\rوَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ : نَجْمَانِ .\rوَنَجْمَانِ أَحَبُّ إلَيَّ .\rوَهَذَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ ، أَنِّي أَذْهَبُ إلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إلَّا نَجْمَانِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُسْتَحَبُّ نَجْمَيْنِ ، وَيَجُوزُ نَجْمٌ وَاحِدٌ .\rقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى : هَذَا عَلَى طَرِيقِ الِاخْتِيَارِ ، وَإِنْ جُعِلَ الْمَالُ كُلُّهُ فِي نَجْمٍ وَاحِدٍ ، جَازَ ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ يُشْتَرَطُ فِيهِ التَّأْجِيلُ ، فَجَازَ أَنْ يَكُونَ إلَى أَجَلٍ وَاحِدٍ ، كَالْمُسْلِمِ ، وَلِأَنَّ اعْتِبَارَ التَّأْجِيلِ لِيَتَمَكَّنَ مِنْ تَسْلِيمِ الْعِوَضِ ، وَهَذَا يَحْصُلُ بِنَجْمٍ وَاحِدٍ .\rوَوَجْهُ الْأَوَّلِ ، مَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : الْكِتَابَةُ عَلَى نَجْمَيْنِ ، وَالْإِيتَاءُ مِنْ الثَّانِي .\rوَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ هَذَا أَقَلُّ مَا تَجُوزُ عَلَيْهِ الْكِتَابَةُ ؛ لِأَنَّ أَكْثَرَ مِنْ نَجْمَيْنِ يَجُوزُ بِالْإِجْمَاعِ .\rوَرُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ غَضَبَ عَلَى عَبْدٍ لَهُ ، فَقَالَ : لَأُعَاقِبَنَّكَ ، وَلَأُكَاتِبَنَّكَ عَلَى نَجْمَيْنِ .\rوَلَوْ كَانَ يَجُوزُ أَقَلُّ مِنْ هَذَا ، لَعَاقَبَهُ بِهِ فِي الظَّاهِرِ .\rوَفِي حَدِيثِ بَرِيرَةَ ، أَنَّهَا أَتَتْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فَقَالَتْ : يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ ، إنِّي كَاتَبْت أَهْلِي عَلَى تِسْعِ أَوَاقٍ ، فِي كُلِّ عَامٍ أُوقِيَّةٌ ، فَأَعِينِينِي .\rوَلِأَنَّ الْكِتَابَةَ مُشْتَقَّةٌ مِنْ الضَّمِّ ، وَهُوَ ضَمُّ نَجْمٍ إلَى نَجْمٍ ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى افْتِقَارِهَا إلَى نَجْمَيْنِ .\rوَالْأَوَّلُ أَقْيَسُ .\rوَلَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ النُّجُومُ مَعْلُومَةً ، وَيَعْلَمَ فِي كُلِّ نَجْمٍ قَدْرَ مَا يُؤَدِّيهِ ، وَلَا يُشْتَرَطُ تَسَاوِي","part":24,"page":183},{"id":11683,"text":"النُّجُومِ ، وَلَا قَدْرُ الْمُؤَدَّى فِي كُلِّ نَجْمٍ .\rفَإِذَا قَالَ : كَاتَبْتُكَ عَلَى أَلْفٍ ، إلَى عَشْرِ سِنِينَ ، تُؤَدِّيَ عِنْدَ انْقِضَاءِ كُلِّ سَنَةٍ مِائَةً .\rأَوْ قَالَ : تُؤَدِّي مِنْهَا مِائَةً عِنْدَ انْقِضَاءِ خَمْسِ سِنِينَ ، وَبَاقِيَهَا عِنْدَ تَمَامِ الْعَشَرَةِ .\rأَوْ قَالَ : تُؤَدِّي فِي آخِرِ الْعَامِ الْأَوَّلِ مِائَةً ، وَتِسْعَمِائَةٍ عِنْدَ انْقِضَاءِ السَّنَةِ الْعَاشِرَةِ .\rفَكُلُّ هَذَا جَائِزٌ .\rوَإِنْ قَالَ : تُؤَدِّي فِي كُلِّ عَامٍ مِائَةً .\rجَازَ ، وَيَكُونُ أَجَلُ كُلِّ مِائَةٍ عِنْدَ انْقِضَاءِ السَّنَةِ ، وَظَاهِرُ قَوْلِ الْقَاضِي ، وَأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ، أَنَّهُ لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَبَيَّنْ وَقْتُ الْأَدَاءِ مِنْ الْعَامِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ بَرِيرَةَ قَالَتْ : كَاتَبْت أَهْلِي عَلَى تِسْعِ أَوَاقٍ ، فِي كُلِّ عَامٍ أُوقِيَّةٌ وَلِأَنَّ الْأَجَلَ إذَا عُلِّقَ بِمُدَّةٍ ، تَعَلَّقَ بِأَحَدِ طَرَفَيْهَا ؛ فَإِنْ كَانَ بِحَرْفِ \" إلَى \" تَعَلَّقَ بِأَوَّلِهَا ، كَقَوْلِهِ : إلَى شَهْرِ رَمَضَانَ .\rوَإِنْ كَانَ بِحَرْفِ \" فِي \" كَانَ إلَى آخِرِهَا ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ جَمِيعَهَا وَقْتًا لِأَدَائِهَا ، فَإِذَا أَدَّى فِي آخِرِهَا ، كَانَ مُؤَدِّيًا لَهَا فِي وَقْتِهَا ، فَلَمْ يَتَعَيَّنْ عَلَيْهِ الْأَدَاءُ قَبْلَهُ ، كَتَأْدِيَةِ الصَّلَاةِ فِي آخِرِ وَقْتِهَا .\rوَإِنْ قَالَ : يُؤَدِّيهَا فِي عَشْرِ سِنِينَ .\rأَوْ : إلَى عَشْرِ سِنِينَ .\rلَمْ يَجُزْ ؛ لِأَنَّهُ نَجْمٌ وَاحِدٌ .\rوَمَنْ أَجَازَ الْكِتَابَةَ عَلَى نَجْمٍ وَاحِدٍ ، أَجَازَهُ .\rوَإِنْ قَالَ : يُؤَدِّي بَعْضَهَا فِي نِصْفِ الْمُدَّةِ ، وَبَاقِيَهَا فِي آخِرِهَا .\rلَمْ يَجُزْ ؛ لِأَنَّ الْبَعْضَ مَجْهُولٌ ، يَقَعُ عَلَى الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ .","part":24,"page":184},{"id":11684,"text":"( 8700 ) الْفَصْلُ الثَّانِي : أَنَّهُ إذَا كَاتَبَهُ عَلَى أَنْجُمٍ مُدَّةً مَعْلُومَةً ، صَحَّتْ الْكِتَابَةُ ، وَعَتَقَ بِأَدَائِهَا ، سَوَاءٌ نَوَى بِالْكِتَابَةِ الْحُرِّيَّةَ أَوْ لَمْ يَنْوِ ، وَسَوَاءٌ قَالَ : فَإِذَا أَدَّيْتَ إلَيَّ ، فَأَنْتَ حُرٌّ .\rأَوْ لَمْ يَقُلْ .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يَعْتِقُ حَتَّى يَقُولَ : إذَا أَدَّيْتَ إلَيَّ ، فَأَنْتَ حُرٌّ .\rأَوْ يَنْوِيَ بِالْكِتَابَةِ الْحُرِّيَّةَ .\rوَيَحْتَمِلُ فِي مَذْهَبِنَا مِثْلُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ لَفْظَ الْكِتَابَةِ يَحْتَمِلُ الْمُخَارَجَةَ ، وَيَحْتَمِلُ الْعِتْقَ بِالْأَدَاءِ ، فَلَا بُدَّ مِنْ تَمْيِيزِ أَحَدِهِمَا عَنْ الْآخَرِ ، كَكِنَايَاتِ الْعِتْقِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الْحُرِّيَّةَ مُوجَبُ عَقْدِ الْكِتَابَةِ ، فَتَثْبُتُ عِنْدَ تَمَامِهِ ، كَسَائِرِ أَحْكَامِهِ ، وَلِأَنَّ الْكِتَابَةَ عَقْدٌ وُضِعَ لِلْعِتْقِ ، فَلَمْ يَحْتَجْ إلَى لَفْظِ الْعِتْقِ وَلَا نِيَّتِهِ كَالتَّدْبِيرِ ، وَمَا ذَكَرُوهُ مِنْ اسْتِعْمَالِ الْكِتَابَةِ فِي الْمُخَارَجَةِ إنْ ثَبَتَ ، فَلَيْسَ بِمَشْهُورٍ ، فَلَمْ يَمْنَعْ وُقُوعَ الْحُرِّيَّةِ بِهِ ، كَسَائِرِ الْأَلْفَاظِ الصَّرِيحَةِ ، عَلَى أَنَّ اللَّفْظَ الْمُحْتَمَلَ يَنْصَرِفُ بِالْقَرَائِنِ إلَى أَحَدِ مُحْتَمَلَيْهِ ، كَلَفْظِ التَّدْبِيرِ فِي مَعَاشِهِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ ، وَهُوَ صَرِيحٌ فِي الْحُرِّيَّةِ ، فَهَاهُنَا أَوْلَى .","part":24,"page":185},{"id":11685,"text":"( 8701 ) الْفَصْلُ الثَّالِثُ : أَنَّهُ لَا يَعْتِقُ قَبْلَ أَدَاء جَمِيعِ الْكِتَابَةِ ، قَالَ أَحْمَدُ ، فِي عَبْدٍ بَيْنَ رَجُلَيْنِ ، كَاتَبَاهُ عَلَى أَلْفٍ ، فَأَدَّى تِسْعَمِائَةٍ ، ثُمَّ أَعْتَقَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ .\rقَالَ : لَا يَعْتِقُ إلَّا نِصْفُ الْمِائَةِ .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ ، وَابْنِهِ ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، وَعَائِشَةَ ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَالزُّهْرِيِّ ، أَنَّهُمْ قَالُوا : الْمُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ .\rرَوَاهُ عَنْهُمْ الْأَثْرَمُ .\rوَبِهِ قَالَ الْقَاسِمُ وَسَالِمٌ وَسُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ ، وَعَطَاءٌ ، وَقَتَادَةُ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَابْنُ شُبْرُمَةَ ، وَمَالِكٌ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ .\rوَرَوَى سَعِيدٌ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ ، قَالَ : { كُنَّ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يَحْتَجِبْنَ مِنْ مُكَاتَبٍ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِينَارٌ } .\rوَبِإِسْنَادِهِ عَنْ عَطَاءٍ ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَاتَبَ غُلَامًا عَلَى أَلْفِ دِينَارٍ ، فَأَدَّى إلَيْهِ تِسْعَمِائَةِ دِينَارٍ ، وَعَجَزَ عَنْ مِائَةِ دِينَارٍ ، فَرَدَّهُ ابْنُ عُمَرَ فِي الرِّقِّ .\r، وَذَكَر أَبُو بَكْرٍ وَالْقَاضِي وَأَبُو الْخَطَّابِ أَنَّهُ إذَا أَدَّى ثَلَاثَةَ أَرْبَاعِ الْكِتَابَةِ ، وَعَجَزَ عَنْ رُبُعِهَا عَتَقَ ؛ لِأَنَّهُ يَجِبُ رَدُّهُ إلَيْهِ ، فَلَا يُرَدُّ إلَى الرِّقِّ بِعَجْزِهِ عَنْهُ ، لِأَنَّهُ عَجَزَ عَنْ أَدَاءِ حَقٍّ هُوَ لَهُ ، لَا حَقٍّ لِلسَّيِّدِ ، فَلَا مَعْنَى لِتَعْجِيزِهِ فِيمَا يَجِبُ رَدُّهُ إلَيْهِ .\rوَقَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : يَعْتِقُ مِنْهُ بِقَدْرِ مَا أَدَّى .\rلِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { إذَا أَصَابَ الْمُكَاتَبُ حَدًّا ، أَوْ مِيرَاثًا ، وَرِثَ بِحِسَابِ مَا عَتَقَ مِنْهُ ، وَيُؤَدِّي الْمُكَاتَبُ بِحِصَّةِ مَا أَدَّى دِيَةَ حُرٍّ ، وَمَا بَقِيَ دِيَةُ عَبْدٍ } رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ .\rوَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ ، وَعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، أَنَّهُ إذَا أَدَّى الشَّطْرَ","part":24,"page":186},{"id":11686,"text":"، فَلَا رِقَّ عَلَيْهِ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ النَّخَعِيِّ .\rوَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : إذَا أَدَّى قَدْرَ قِيمَتِهِ ، فَهُوَ غَرِيمٌ .\rوَقَضَى بِهِ شُرَيْحٌ .\rوَقَالَ الْحَسَنُ ، فِي الْمُكَاتَبِ : إذَا عَجَزَ اسْتَسْعَى بَعْدَ الْعَجْزِ سَنَتَيْنِ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى سَعِيدٌ ، ثنا هُشَيْمٌ ، عَنْ حَجَّاجٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { أَيُّمَا رَجُلٍ كَاتَبَ غُلَامَهُ عَلَى مِائَةِ أُوقِيَّةٍ ، فَعَجَزَ عَنْ عَشْرِ أَوَاقٍ ، فَهُوَ رَقِيقٌ } .\rوَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { الْمُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَلِأَنَّهُ عِوَضٌ عَنْ الْمُكَاتَبِ ، فَلَا يَعْتِقُ قَبْلَ أَدَائِهِ ، كَالْقَدْرِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ ، وَلِأَنَّهُ لَوْ أَعْتَقَ بَعْضَهُ ، لَسَرَى إلَى بَاقِيهِ ، كَمَا لَوْ بَاشَرَهُ بِالْعِتْقِ ، فَإِنَّ الْعِتْقَ لَا يَتَبَعَّضُ فِي الْمِلْكِ .\rفَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ ، فَمَحْمُولٌ عَلَى مُكَاتَبٍ لِرَجُلٍ مَاتَ ، وَخَلَفَ ابْنَيْنِ فَأَقَرَّ أَحَدُهُمَا بِكِتَابَتِهِ ، وَأَنْكَرَ الْآخَرُ ، فَأَدَّى إلَى الْمُقِرِّ ، أَوْ مَا أَشْبَهَهَا مِنْ الصُّوَرِ ، جَمْعًا بَيْنَ الْأَخْبَارِ ، وَتَوْفِيقًا بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْقِيَاسِ .\rوَلِأَنَّ قَوْلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إذَا كَانَ لِإِحْدَاكُنَّ مُكَاتَبٌ ، فَمَلَكَ مَا يُؤَدِّي ، فَلْتَحْتَجِبْ مِنْهُ } دَلِيلٌ عَلَى اعْتِبَارِ جَمِيعِ مَا يُؤَدَّى ، وَيَجُوزُ أَنْ يَتَوَقَّفَ الْعِتْقُ عَلَى أَدَاءِ الْجَمِيعِ ، وَإِنْ جَازَ رَدُّ بَعْضِهِ إلَيْهِ ، كَمَا لَوْ قَالَ : إذَا أَدَّيْتَ إلَيَّ أَلْفًا ، فَأَنْتَ حُرٌّ ، وَلِلَّهِ عَلَيَّ رَدُّ رُبُعِهَا إلَيْكَ .\rفَإِنَّهُ لَا يَعْتِقُ قَبْلَ أَدَاءِ جَمِيعِهَا ، وَإِنْ وَجَبَ عَلَيْهِ رَدُّ بَعْضِهَا .","part":24,"page":187},{"id":11687,"text":"( 8702 ) فَصْلٌ : وَتَجُوزُ الْكِتَابَةُ عَلَى كُلِّ مَالٍ يَجُوزُ السَّلَمُ فِيهِ ؛ لِأَنَّهُ مَالٌ يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ مُؤَجَّلًا فِي مُعَاوَضَةٍ ، فَجَازَ ذَلِكَ فِيهِ ، كَعَقْدِ السَّلَمِ .\rفَإِنْ كَانَ مِنْ الْأَثْمَانِ ، وَكَانَ فِي الْبَلَدِ نَقْدٌ وَاحِدٌ ، جَازَ إطْلَاقُهُ ؛ لِأَنَّهُ يَنْصَرِفُ بِالْإِطْلَاقِ إلَيْهِ ، فَجَازَ ذَلِكَ فِيهِ ، كَالْبَيْعِ ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ نُقُودٌ أَحَدُهَا أَغْلَبُ فِي الِاسْتِعْمَالِ ، جَازَ الْإِطْلَاقُ أَيْضًا ، وَانْصَرَفَ إلَيْهِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ ، كَمَا لَوْ انْفَرَدَ ، وَإِنْ كَانَتْ مُخْتَلِفَةً مُتَسَاوِيَةً فِي الِاسْتِعْمَالِ ، وَجَبَ بَيَانُهُ بِجِنْسِهِ ، وَمَا يَتَمَيَّزُ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ مِنْ النُّقُودِ .\rوَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ الْأَثْمَانِ ، وَجَبَ وَصْفُهُ بِمَا يُوصَفُ بِهِ فِي السَّلَمِ .\rوَمَا لَا يَصِحُّ فِي السَّلَمِ فِيهِ ، لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عِوَضًا فِي الْكِتَابَةِ ؛ لِأَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ يَثْبُتُ عِوَضُهُ فِي الذِّمَّةِ ، فَلَمْ يَجُزْ بِعِوَضٍ مَجْهُولٍ ، كَالسَّلَمِ .\rفَإِنْ كَاتَبَهُ عَلَى عَبْدٍ مُطْلَقٍ ، لَمْ يَصِحَّ .\rذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ .\rوَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ .\rوَذَكَرَ الْقَاضِي فِيهِ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا : لَا يَجُوزُ .\rوَالْآخَرُ : يَجُوزُ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٍ ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ مَعْنًى لَا يَلْحَقُهُ الْفَسْخُ ، فَجَازَ أَنْ يَكُونَ الْحَيَوَانُ الْمُطْلَقُ عِوَضًا فِيهِ ، كَالْعَقْلِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ مَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عِوَضًا فِي الْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ ، لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عِوَضًا فِي الْكِتَابَةِ ، كَالثَّوْبِ الْمُطْلَقِ ، وَيُفَارِقُ الْعَقْلَ ؛ لِأَنَّهُ بَدَلٌ عَنْ مُتْلَفٍ مُقَدَّرٍ فِي الشَّرْعِ ، وَهَاهُنَا عِوَضٌ فِي عَقْدٍ ، فَأَشْبَهَ الْبَيْعَ ، وَلِأَنَّ الْحَيَوَانَ الْوَاجِبَ فِي الْعَقْلِ ، لَيْسَ بِحَيَوَانٍ مُطْلَقٍ ، بَلْ هُوَ مُقَيَّدٌ بِجِنْسِهِ وَسِنِّهِ ، فَلَمْ يَصِحَّ الْإِلْحَاقُ بِهِ ، وَلِأَنَّ الْحَيَوَانَ الْمُطْلَقَ لَا تَجُوزُ الْكِتَابَةُ عَلَيْهِ ، بِغَيْرِ خِلَافٍ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا عَلِمْنَاهُ .\rوَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي الْعَبْدِ الْمُطْلَقِ ، وَلَمْ يَرِدْ بِهِ","part":24,"page":188},{"id":11688,"text":"الشَّرْعُ بَدَلًا فِي مَوْضِعٍ عَلِمْنَاهُ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّ مَنْ صَحَّحَ الْكِتَابَةَ بِهِ ، أَوْجَبَ لَهُ عَبْدًا وَسَطًا ، وَهُوَ السِّنْدِيُّ ، وَيَكُونُ وَسَطًا مِنْ السِّنْدِيِّينَ فِي قِيمَتِهِ ، كَقَوْلِنَا فِي الصَّدَاقِ ، وَلَا تَصِحُّ الْكِتَابَةُ عَلَى حَيَوَانٍ مُطْلَقٍ غَيْرِ الْعَبْدِ ، فِيمَا عَلِمْنَاهُ ، وَلَا عَلَى ثَوْبٍ ، وَلَا دَارٍ ، وَلِذَلِكَ لَا تَجُوزُ عَلَى ثَوْبٍ مِنْ ثِيَابِهِ ، وَلَا عِمَامَةٍ مِنْ عَمَائِمِهِ ، وَلَا غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْمَجْهُولَاتِ .\rوَإِنْ وَصَفَ ذَلِكَ بِأَوْصَافِ السَّلَمِ ، صَحَّ .\rوَمِمَّنْ أَجَازَ الْكِتَابَةَ عَلَى الْعَبِيدِ ، الْحَسَنُ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَابْنُ سِيرِينَ ، وَمَالِكٌ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي بَرْزَةَ ، وَحَفْصَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا .","part":24,"page":189},{"id":11689,"text":"( 8703 ) فَصْلٌ : وَتَصِحُّ الْكِتَابَةُ عَلَى خِدْمَةٍ وَمَنْفَعَةٍ مُبَاحَةٍ ؛ لِأَنَّهَا أَحَدُ الْعِوَضَيْنِ فِي الْإِجَارَةِ ، فَجَازَ أَنْ تَكُونَ عِوَضًا فِي الْكِتَابَةِ ، كَالْأَثْمَانِ .\rوَيُشْتَرَطُ الْعِلْمُ بِهَا ، كَمَا يُشْتَرَطُ فِي الْإِجَارَةِ ، فَإِنْ كَاتَبَهُ عَلَى خِدْمَةِ شَهْرٍ وَدِينَارٍ .\rصَحَّ ، وَلَا يَحْتَاجُ إلَى ذِكْرِ الشَّهْرِ ، وَكَوْنِهِ عَقِيبَ الْعَقْدِ ؛ لِأَنَّ إطْلَاقَهُ يَقْتَضِي ذَلِكَ ، وَإِنْ عَيَّنَ الشَّهْرَ لِوَقْتٍ لَا يَتَّصِلُ بِالْعَقْدِ ، مِثْلُ أَنْ يُكَاتِبَهُ فِي الْمُحَرَّمِ عَلَى خِدْمَتِهِ فِي رَجَبٍ وَدِينَارٍ ، صَحَّ أَيْضًا ، كَمَا يَجُوزُ أَنْ يُؤَجِّرَهُ دَارِهِ شَهْرَ رَجَبٍ فِي الْمُحَرَّمِ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ : لَا يَجُوزُ عَلَى شَهْرٍ لَا يَتَّصِلُ بِالْعَقْدِ .\rوَيَشْتَرِطُونَ ذِكْرَ ذَلِكَ ، وَلَا يُجَوِّزُونَ إطْلَاقَهُ ؛ بِنَاءً عَلَى قَوْلِهِمْ فِي الْإِجَارَةِ .\rوَقَدْ سَبَقَ ذِكْرُ الْخِلَافِ فِيهِ ، فِي بَابِ الْإِجَارَةِ .\rوَيُشْتَرَطُ كَوْنُ الدِّينَارِ الْمَذْكُورِ مُؤَجَّلًا ؛ لِأَنَّ الْأَجَلَ شَرْطٌ فِي عَقْدِ الْكِتَابَةِ .\rفَإِنْ جَعَلَ مَحَلَّ الدِّينَارِ بَعْدَ الشَّهْرِ بِيَوْمٍ أَوْ أَكْثَرَ ، صَحَّ .\rبِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ .\rوَإِنْ جَعَلَ مَحِلَّهُ فِي الشَّهْرِ ، أَوْ بَعْدَ انْقِضَائِهِ ، صَحَّ أَيْضًا .\rوَهَذَا قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ نَجْمًا وَاحِدًا .\rوَهَذَا لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ الْخِدْمَةَ كُلَّهَا لَا تَكُونُ فِي وَقْتِ مَحِلِّ الدِّينَارِ ، وَإِنَّمَا يُوجَدُ جُزْءٌ مِنْهَا يَسِيرٌ مُقَارِبًا لَهُ ، وَسَائِرُهَا فِيمَا سِوَاهُ ، وَلِأَنَّ الْخِدْمَةَ بِمَنْزِلَةِ الْعِوَضِ الْحَاصِلِ فِي ابْتِدَاءِ مُدَّتِهَا ، وَلِهَذَا يَسْتَحِقُّ عِوَضَهَا جَمِيعَهُ عِنْدَ الْعَقْدِ ، فَيَكُونُ مَحِلُّهَا غَيْرَ مَحِلِّ الدِّينَارِ ، وَإِنَّمَا جَازَتْ حَالَّةً ؛ لِأَنَّ الْمَنْعَ مِنْ الْحُلُولِ فِي غَيْرِهَا لِأَجْلِ الْعَجْزِ عَنْهُ فِي الْحَالِ ، وَهَذَا غَيْرُ مَوْجُودٍ فِي الْخِدْمَةِ ، فَجَازَتْ حَالَّةً .\rوَإِنْ جَعَلَ مَحِلَّ الدِّينَارِ قَبْلَ الْخِدْمَةِ ، وَكَانَتْ الْخِدْمَةُ غَيْرَ","part":24,"page":190},{"id":11690,"text":"مُتَّصِلَةٍ بِالْعَقْدِ ، بِحَيْثُ يَكُونُ الدِّينَارُ مُؤَجَّلًا ، وَالْخِدْمَةُ بَعْدَهُ ، جَازَ .\rوَإِنْ كَانَتْ الْخِدْمَةُ مُتَّصِلَةً بِالْعَقْدِ ، لَمْ يُتَصَوَّرْ كَوْنُ الدِّينَارِ قَبْلَهُ ، وَلَمْ تَجُزْ فِي أَوَّلِهِ ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ حَالًّا ، وَمِنْ شَرْطِهِ التَّأْجِيلُ .","part":24,"page":191},{"id":11691,"text":"( 8704 ) فَصْلٌ : وَإِنْ كَاتَبَهُ عَلَى خِدْمَةٍ مُفْرَدَةٍ ، فِي مُدَّةٍ وَاحِدَةٍ ، مِثْلُ أَنْ كَاتَبَهُ عَلَى خِدْمَةِ شَهْرٍ مُعَيَّنٍ ، أَوْ سَنَةٍ مُعَيَّنَةٍ ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْكِتَابَةِ عَلَى نَجْمٍ وَاحِدٍ ، عَلَى مَا مَضَى مِنْ الْقَوْلِ فِيهِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ كَالْكِتَابَةِ عَلَى أَنْجُمٍ ، لِأَنَّ الْخِدْمَةَ تُسْتَوْفَى فِي أَوْقَاتٍ مُتَفَرِّقَةٍ ، بِخِلَافِ الْمَالِ .\rفَإِنْ جَعَلَهُ عَلَى شَهْرٍ ، بَعْدَ شَهْرٍ ، كَأَنْ كَاتَبَهُ فِي أَوَّلِ الْمُحَرَّمِ ، عَلَى خِدْمَةٍ فِيهِ ، وَفِي رَجَبٍ ، صَحَّ ؛ لِأَنَّهُ عَلَى نَجْمَيْنِ .\rوَإِنْ كَاتَبَهُ عَلَى مَنْفَعَةٍ فِي الذِّمَّةِ مَعْلُومَةٍ ، كَخِيَاطَةِ ثِيَابٍ عَيَّنَهَا ، أَوْ بِنَاءِ حَائِطٍ وَصَفَهُ ، صَحَّ أَيْضًا ، إذَا كَاتَبَهُ عَلَى نَجْمَيْنِ .\rوَإِنْ قَالَ : كَاتَبْتُكَ عَلَى أَنْ تَخْدِمَنِي هَذَا الشَّهْرَ ، وَخِيَاطَةِ كَذَا عَقِيبَ الشَّهْرِ ، صَحَّ .\rفِي قَوْلِ الْجَمِيعِ .\rوَإِنْ قَالَ : عَلَى أَنْ تَخْدِمَنِي شَهْرًا مِنْ وَقْتِي هَذَا ، وَشَهْرًا عَقِيبَ هَذَا الشَّهْرِ ، صَحَّ أَيْضًا .\rوَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ ، لَا يَصِحُّ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ كَاتَبَهُ عَلَى نَجْمَيْنِ ، فَصَحَّ ، كَاَلَّتِي قَبْلَهَا .","part":24,"page":192},{"id":11692,"text":"( 8705 ) فَصْلٌ : وَإِذَا كَاتَبَ الْعَبْدَ ، وَلَهُ مَالٌ ، فَمَالُهُ لِسَيِّدِهِ ، إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُكَاتَبُ .\rوَإِنْ كَانَتْ لَهُ سُرِّيَّةٌ أَوْ وَلَدٌ ، فَهُوَ لِسَيِّدِهِ .\rوَبِهَذَا قَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَبُو يُوسُفَ ، وَالشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ الْحَسَنُ : وَعَطَاءٌ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى ، وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ ، وَمَالِكٌ ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى ، فِي الْمُكَاتَبِ : مَالُهُ لَهُ .\rوَوَافَقَنَا عَطَاءٌ ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ ، وَمَالِكٌ ، فِي الْوَلَدِ ، وَاحْتُجَّ لَهُمْ بِمَا رَوَى عُمَرُ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { مَنْ أَعْتَقَ عَبْدًا ، وَلَهُ مَالٌ ، فَالْمَالُ لِلْعَبْدِ } .\rوَلَنَا ، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ بَاعَ عَبْدًا ، وَلَهُ مَالٌ ، فَمَالُهُ لِلْبَائِعِ ، إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُبْتَاعُ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَالْكِتَابَةُ بَيْعٌ ، وَلِأَنَّهُ بَاعَهُ نَفْسَهُ ، فَلَمْ يَدْخُلْ مَعَهُ غَيْرُهُ ، كَوَلَدِهِ وَأَقَارِبِهِ ، وَلِأَنَّهُ هُوَ وَمَالُهُ كَانَا لِسَيِّدِهِ ، فَإِذَا وَقَعَ الْعَقْدُ عَلَى أَحَدِهِمَا ، بَقِيَ الْآخَرُ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ ، كَمَا لَوْ بَاعَهُ لِأَجْنَبِيٍّ .\rوَحَدِيثُهُمْ ضَعِيفٌ ، قَدْ ذَكَرْنَا ضَعْفَهُ .","part":24,"page":193},{"id":11693,"text":"( 8706 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَوَلَاؤُهُ لِمُكَاتِبِهِ ) لَا نَعْلَمُ خِلَافًا بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ ، فِي أَنَّ وَلَاءَ الْمُكَاتَبِ لِسَيِّدِهِ ، إذَا أَدَّى إلَيْهِ .\rوَبِهِ يَقُولُ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَذَلِكَ لِأَنَّ الْكِتَابَةَ إنْعَامٌ وَإِعْتَاقٌ لَهُ ؛ لِأَنَّ كَسْبَهُ كَانَ لِسَيِّدِهِ بِحُكْمِ مِلْكِهِ إيَّاهُ ، فَرَضِيَ بِهِ عِوَضًا عَنْهُ ، وَأَعْتَقَ رَقَبَتَهُ عِوَضًا عَنْ مَنْفَعَتِهِ الْمُسْتَحَقَّةِ لَهُ بِحُكْمِ الْأَصْلِ ، فَكَانَ مُعْتِقًا لَهُ ، مُنْعِمًا عَلَيْهِ ، فَاسْتَحَقَّ وَلَاءَهُ ؛ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ } .\rوَفِي حَدِيثِ بَرِيرَةَ ، أَنَّهَا قَالَتْ : كَاتَبْتُ أَهْلِي عَلَى تِسْعِ أَوَاقٍ ، فِي كُلِّ عَامٍ أُوقِيَّةٌ ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ : إنْ شَاءَ أَهْلُكِ أَنْ أَعُدَّهَا لَهُمْ عِدَّةً وَاحِدَةً ، وَيَكُونَ وَلَاؤُكِ لِي ، فَعَلْتُ .\rفَرَجَعَتْ بَرِيرَةُ إلَى أَهْلِهَا ، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُمْ ، فَأَبَوْا إلَّا أَنْ يَكُونَ الْوَلَاءُ لَهُمْ .\rوَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ثُبُوتَ الْوَلَاءِ عَلَى الْمُكَاتَبِ لِسَيِّدِهِ كَانَ مُتَقَرِّرًا عِنْدَهُمْ .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":24,"page":194},{"id":11694,"text":"( 8707 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَيُعْطَى مِمَّا كُوتِبَ عَلَيْهِ الرُّبُعَ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ } ) الْكَلَامُ فِي الْإِيتَاءِ فِي خَمْسَةِ فُصُولٍ : وُجُوبُهُ ، وَقَدْرُهُ ، وَجِنْسُهُ ، وَوَقْتُ جَوَازِهِ ، وَوَقْتُ وُجُوبِهِ .\r( 8708 ) أَمَّا الْأَوَّلُ : فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَى السَّيِّدِ إيتَاءُ الْمُكَاتَبِ شَيْئًا مِمَّا كُوتِبَ عَلَيْهِ .\rرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .\rوَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ .\rوَقَالَ بُرَيْدَةَ ، وَالْحَسَنُ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ : لَيْسَ بِوَاجِبٍ ؛ لِأَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ ، فَلَا يَجِبُ فِيهِ الْإِيتَاءُ ، كَسَائِرِ عُقُودِ الْمُعَاوَضَاتِ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ } .\rوَظَاهِرُ الْأَمْرِ الْوُجُوبُ ، قَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي تَفْسِيرِهَا : ضَعُوا عَنْهُمْ رُبُعَ مَالِ الْكِتَابَةِ .\rوَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، قَالَ : ضَعُوا عَنْهُمْ مِنْ مُكَاتَبَتِهِمْ شَيْئًا .\rوَتُخَالِفُ الْكِتَابَةُ سَائِرَ الْعُقُودِ ؛ فَإِنَّ الْقَصْدَ بِهَا الرِّفْقُ بِالْعَبْدِ ، بِخِلَافِ غَيْرِهَا ، وَلِأَنَّ الْكِتَابَةَ يُسْتَحَقُّ بِهَا الْوَلَاءُ عَلَى الْعَبْدِ مَعَ الْمُعَاوَضَةِ ، فَلِذَلِكَ يَجِبُ أَنْ يَسْتَحِقَّ الْعَبْدُ عَلَى السَّيِّدِ شَيْئًا .\rفَإِنْ قِيلَ : الْمُرَادُ بِالْإِيتَاءِ ، إعْطَاؤُهُ سَهْمًا مِنْ الصَّدَقَةِ ، أَوْ النَّدْبُ إلَى التَّصَدُّقِ عَلَيْهِ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِوَاجِبٍ ، بِدَلِيلِ أَنَّ الْعَقْدَ يُوجِبُ الْعِوَضَ عَلَيْهِ ، فَكَيْفَ يَقْتَضِي إسْقَاطَ شَيْءٍ مِنْهُ ؟ قُلْنَا : أَمَّا الْأَوَّلُ ، فَإِنَّ عَلِيًّا وَابْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، فَسَّرَاهُ بِمَا ذَكَرْنَاهُ ، وَهُمَا أَعْلَمُ بِتَأْوِيلِ الْقُرْآنِ ، وَحَمْلُ الْأَمْرِ عَلَى النَّدْبِ يُخَالِفُ مُقْتَضَى الْأَمْرِ ، فَلَا يُصَارُ إلَيْهِ إلَّا بِدَلِيلٍ .\rوَقَوْلُهُمْ : إنَّ الْعَقْدَ يُوجِبُ عَلَيْهِ ، فَلَا يَسْقُطُ عَنْهُ .\rقُلْنَا : إنَّمَا يَجِبُ لِلرِّفْقِ بِهِ عِنْدَ آخِرِ كِتَابَتِهِ ، مُوَاسَاةً","part":24,"page":195},{"id":11695,"text":"لَهُ ، وَشُكْرًا لِنِعْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى ، كَمَا تَجِبُ الزَّكَاةُ مُوَاسَاةً مِنْ النِّعَمِ الَّتِي أَنْعَمَ اللَّهُ تَعَالَى بِهَا عَلَى عَبْدِهِ ، وَلِأَنَّ الْعَبْدَ وَلِيَ جَمْعَ هَذَا الْمَالِ ، وَتَعِبَ فِيهِ ، فَاقْتَضَى الْحَالُ مُوَاسَاتَهُ مِنْهُ ، كَمَا أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِإِطْعَامِهِ مِنْ الطَّعَامِ الَّذِي وَلِيَ حَرَّهُ وَدُخَانَهُ ، وَاخْتَصَّ هَذَا بِالْوُجُوبِ ؛ لِأَنَّ فِيهِ مَعُونَةً عَلَى الْعِتْقِ ، وَإِعَانَةً لِمَنْ يَحِقُّ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى عَوْنُهُ ، فَإِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { ثَلَاثَةٌ حَقٌّ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى عَوْنُهُمْ ، الْمُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَالْمُكَاتَبُ الَّذِي يُرِيدُ الْأَدَاءَ ، وَالنَّاكِحُ الَّذِي يُرِيدُ الْعَفَافَ } .\rأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَقَالَ : حَدِيثٌ حَسَنٌ .","part":24,"page":196},{"id":11696,"text":"( 8709 ) الْفَصْلُ الثَّانِي : فِي قَدْرِهِ ، وَهُوَ الرُّبُعُ .\rذَكَرَهُ الْخِرَقِيِّ ، وَأَبُو بَكْرٍ ، وَغَيْرُهُمَا مِنْ أَصْحَابِنَا .\rوَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .\rوَقَالَ قَتَادَةُ : الْعُشْرُ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ : يُجْزِئُ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الِاسْمُ .\rوَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، إلَّا أَنَّهُ عِنْدَهُ مُسْتَحَبٌّ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ } .\r( وَمِنْ ) لِلتَّبْعِيضِ ، وَالْقَلِيلُ بَعْضٌ ، فَيُكْتَفَى بِهِ .\rوَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : ضَعُوا عَنْهُمْ مِنْ مُكَاتَبَتِهِمْ شَيْئًا .\rوَلِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ أَنَّ الْمُكَاتَبَ لَا يَعْتِقُ حَتَّى يُؤَدِّيَ جَمِيعَ الْكِتَابَةِ ، بِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْأَخْبَارِ ، وَلَوْ وَجَبَ إيتَاؤُهُ الرُّبُعَ ، لَوَجَبَ أَنْ يَعْتِقَ إذَا أَدَّى ثَلَاثَةَ أَرْبَاعِ الْكِتَابَةِ ، وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَدَاءُ مَالٍ يَجِبُ رَدُّهُ إلَيْهِ ، وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، أَنَّهُ كَاتَبَ عَبْدًا لَهُ عَلَى خَمْسَةٍ وَثَلَاثِينَ أَلْفًا ، فَأَخَذَ مِنْهُ ثَلَاثِينَ ، وَتَرَكَ لَهُ خَمْسَةً .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى أَبُو بَكْرٍ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ { عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْله تَعَالَى : { وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ } .\rفَقَالَ : رُبُعُ الْكِتَابَةِ } .\rوَرُوِيَ مَوْقُوفًا عَلَى عَلِيٍّ .\rوَلِأَنَّهُ مَالٌ يَجِبُ إيتَاؤُهُ مُوَاسَاةً بِالشَّرْعِ ، فَكَانَ مُقَدَّرًا ، كَالزَّكَاةِ ، وَلِأَنَّ حِكْمَةَ إيجَابِهِ الرِّفْقُ بِالْمُكَاتَبِ ، وَإِعَانَتُهُ عَلَى تَحْصِيلِ الْعِتْقِ ، وَهَذَا لَا يَحْصُلُ بِالْيَسِيرِ الَّذِي هُوَ أَقَلُّ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الِاسْمُ ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْوَاجِبَ ، وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ } .\rوَإِنْ وَرَدَ غَيْرَ مُقَدَّرٍ ، فَإِنَّ السُّنَّةَ تُبَيِّنُهُ ، وَتُبَيِّنُ قَدْرَهُ ، كَالزَّكَاةِ .","part":24,"page":197},{"id":11697,"text":"( 8710 ) الْفَصْلُ الثَّالِثُ : فِي جِنْسِهِ ، إنْ قَبَضَ مَالَ الْكِتَابَةِ ، ثُمَّ أَعْطَاهُ مِنْهُ ، جَازَ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِالْإِيتَاءِ مِنْهُ .\rوَإِنْ وَضَعَ عَنْهُ بِمَا وَجَبَ عَلَيْهِ ، جَازَ ؛ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، فَسَّرُوا الْإِيتَاءَ بِذَلِكَ ، وَلِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي النَّفْعِ ، وَأَعْوَنُ عَلَى حُصُولِ الْعِتْقِ ، فَيَكُونُ أَفْضَلَ مِنْ الْإِيتَاءِ ، وَتَحْصُلُ دَلَالَةُ الْآيَةِ عَلَيْهِ مِنْ طَرِيقِ التَّنْبِيهِ .\rوَإِنْ أَعْطَاهُ مِنْ جِنْسِ مَالِ الْكِتَابَةِ مِنْ غَيْرِهِ ، جَازَ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَلْزَمَ الْمُكَاتَبَ قَبُولُهُ .\rوَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِالْإِيتَاءِ مِنْهُ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي الْمَعْنَى بَيْنَ الْإِيتَاءِ مِنْهُ ، وَبَيْنَ الْإِيتَاءِ مِنْ غَيْرِهِ ، إذَا كَانَ مِنْ جِنْسِهِ ، فَوَجَبَ أَنْ يَتَسَاوَيَا فِي الْإِجْزَاءِ ، وَغَيْرُ الْمَنْصُوصِ إذَا كَانَ فِي مَعْنَاهُ أُلْحِقَ بِهِ ، وَكَذَلِكَ جَازَ الْحَطُّ ، وَلَيْسَ هُوَ بِإِيتَاءٍ ، لِمَا كَانَ فِي مَعْنَاهُ .\rوَإِنْ آتَاهُ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ ، مِثْلُ أَنْ يُكَاتِبَهُ عَلَى دَرَاهِمَ ، فَيُعْطِيهِ دَنَانِيرَ أَوْ عُرُوضًا ، لَمْ يَلْزَمْهُ قَبُولُهُ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُؤْتِهِ مِنْهُ وَلَا مِنْ جِنْسِهِ .\rوَيُحْتَمَلُ الْجَوَازُ ؛ لِأَنَّ الرِّفْقَ بِهِ يَحْصُلُ بِهِ .","part":24,"page":198},{"id":11698,"text":"( 8711 ) الْفَصْلُ الرَّابِعُ : فِي وَقْتِ جَوَازِهِ ، وَهُوَ مِنْ حِينِ الْعَقْدِ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { فَكَاتِبُوهُمْ إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ } .\rوَذَلِكَ يَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ حِينِ الْعَقْدِ ، وَكُلَّمَا عَجَّلَهُ كَانَ أَفْضَلَ ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ أَنْفَعَ ، كَالزَّكَاةِ .","part":24,"page":199},{"id":11699,"text":"( 8712 ) الْفَصْلُ الْخَامِسُ : فِي وَقْتِ وُجُوبِهِ ، وَهُوَ حِينَ الْعِتْقِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِإِيتَائِهِ مِنْ الْمَالِ الَّذِي آتَاهُ ، وَإِذَا آتَى الْمَالَ عَتَقَ ، فَيَجِبُ إيتَاؤُهُ حِينَئِذٍ .\rقَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ الْكِتَابَةُ عَلَى نَجْمَيْنِ ، وَالْإِيتَاءُ مِنْ الثَّانِي .\rفَإِنْ مَاتَ السَّيِّدُ قَبْلَ إيتَائِهِ ، فَهُوَ دَيْنٌ فِي تَرِكَتِهِ ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ وَاجِبٌ ، فَهُوَ كَسَائِرِ دُيُونِهِ .\rوَإِنْ ضَاقَتْ التَّرِكَةُ عَنْهُ وَعَنْ غَيْرِهِ مِنْ الدُّيُونِ ، تَحَاصُّوا فِي التَّرِكَةِ بِقَدْرِ حُقُوقِهِمْ ، وَيُقَدَّمُ ذَلِكَ عَلَى الْوَصَايَا ؛ لِأَنَّهُ دَيْنٌ ، وَقَدْ قَضَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ الدَّيْنَ قَبْلَ الْوَصِيَّةِ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ .","part":24,"page":200},{"id":11700,"text":"( 8713 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَإِنْ عُجِّلَتْ الْكِتَابَةُ قَبْلَ مَحَلِّهَا ، لَزِمَ السَّيِّدَ الْأَخْذُ ، وَعَتَقَ مِنْ وَقْتِهِ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ، رَحِمَهُ اللَّهُ .\rوَالرِّوَايَةُ الْأُخْرَى ، إذَا مَلَكَ مَا يُؤَدِّي ، فَقَدْ صَارَ حُرًّا ) الْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي فَصْلَيْنِ : ( 8714 ) الْفَصْلُ الْأَوَّلُ : فِيمَا إذَا عَجَّلَ الْمُكَاتَبُ الْكِتَابَةَ قَبْلَ مَحَلِّهَا .\rفَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ ، أَنَّهُ يَلْزَمُ قَبُولُهَا ، وَيَعْتِقُ الْمُكَاتَبُ .\rوَذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ فِيهِ رِوَايَةً أُخْرَى ، أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ قَبُولُ الْمَالِ إلَّا عِنْدَ نُجُومِهِ ؛ لِأَنَّ بَقَاءَ الْمُكَاتَبِ فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ فِي مِلْكِهِ حَقٌّ لَهُ ، وَلَمْ يَرْضَ بِزَوَالِهِ ، فَلَمْ يَزُلْ ، كَمَا لَوْ عَلَّقَ عِتْقَهُ عَلَى شَرْطٍ ، لَمْ يَعْتِقْ قَبْلَهُ .\rوَالصَّحِيحُ فِي الْمَذْهَبِ : الْأَوَّلُ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ، إلَّا أَنَّ الْقَاضِيَ قَالَ : أَطْلَقَ أَحْمَدُ وَالْخِرَقِيُّ هَذَا الْقَوْلَ ، وَهُوَ مُقَيَّدٌ بِمَا لَا ضَرَرَ فِي قَبْضِهِ قَبْلَ مَحِلِّهِ ، كَاَلَّذِي لَا يَفْسُدُ ، وَلَا يَخْتَلِفُ قَدِيمُهُ وَحَدِيثُهُ ، وَلَا يَحْتَاجُ إلَى مُؤْنَةٍ فِي حِفْظِهِ ، وَلَا يَدْفَعُهُ فِي حَالِ خَوْفٍ يَخَافُ ذَهَابَهُ ، فَإِنْ اخْتَلَّ أَحَدُ هَذِهِ الْأُمُورِ ، لَمْ يَلْزَمْ قَبْضُهُ ، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ مِمَّا يَفْسُدُ ؛ كَالْعِنَبِ ، وَالرُّطَبِ ، وَالْبِطِّيخِ ، أَوْ يُخَافُ تَلَفُهُ كَالْحَيَوَانِ ، فَإِنَّهُ رُبَّمَا تَلِفَ قَبْلَ الْمَحِلِّ ، فَفَاتَهُ مَقْصُودُهُ .\rوَإِنْ كَانَ مِمَّا يَكُونُ حَدِيثُهُ خَيْرًا مِنْ قَدِيمِهِ ، لَمْ يَلْزَمْهُ أَيْضًا أَخْذُهُ ؛ لِأَنَّهُ يَنْقُصُ إلَى حِينِ الْحُلُولِ ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا يَحْتَاجُ إلَى مَخْزَنٍ ، كَالطَّعَامِ وَالْقُطْنِ ، لَمْ يَلْزَمْهُ أَيْضًا ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ فِي إبْقَائِهِ إلَى وَقْتِ الْمَحِلِّ إلَى مُؤْنَةٍ ، فَيَتَضَرَّرُ بِهَا ، وَلَوْ كَانَ غَيْرَ هَذَا ، إلَّا أَنَّ الْبَلَدَ مَخُوفٌ ، يَخَافُ نَهْبَهُ ، لَمْ يَلْزَمْهُ أَخْذُهُ ؛ لِأَنَّ فِي أَخْذِهِ ضَرَرًا لَمْ يَرْضَ بِالْتِزَامِهِ ، وَكَذَلِكَ لَوْ سَلَّمَهُ","part":24,"page":201},{"id":11701,"text":"إلَيْهِ فِي طَرِيقٍ مَخُوفٍ ، أَوْ مَوْضِعٍ يَتَضَرَّرُ بِقَبْضِهِ فِيهِ ، لَمْ يَلْزَمْهُ قَبْضُهُ ، وَلَمْ يَعْتِقْ الْمُكَاتَبُ بِبَذْلِهِ .\rقَالَ الْقَاضِي : وَالْمَذْهَبُ عِنْدِي أَنَّ فِي قَبْضِهِ تَفْصِيلًا ، عَلَى حَسَبِ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي السَّلَمِ .\rوَلِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ الْإِنْسَانَ الْتِزَامُ ضَرَرٍ لَمْ يَقْتَضِهِ الْعَقْدُ ، وَلَوْ رَضِيَ بِالْتِزَامِهِ .\rوَأَمَّا مَا لَا ضَرَرَ فِي قَبْضِهِ ، فَإِذَا عَجَّلَهُ ، لَزِمَ السَّيِّدَ أَخْذُهُ .\rوَذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ ، أَنَّهُ يَلْزَمُهُ قَبُولُهُ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ ، اعْتِمَادًا عَلَى إطْلَاقِ أَحْمَدَ الْقَوْلَ فِي ذَلِكَ ، وَهُوَ ظَاهِرُ إطْلَاقِ الْخِرَقِيِّ ؛ لِمَا رَوَى الْأَثْرَمُ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ ، أَنَّ رَجُلًا أَتَى عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، إنِّي كَاتَبْتُ عَلَى كَذَا وَكَذَا ، وَإِنِّي أَيْسَرْتُ بِالْمَالِ ، فَأَتَيْتُهُ بِهِ ، فَزَعَمَ أَنَّهُ لَا يَأْخُذُهَا إلَّا نُجُومًا .\rفَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : يَا يَرْفَأُ ، خُذْ هَذَا الْمَالَ ، فَاجْعَلْهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ ، وَأَدِّ إلَيْهِ نُجُومًا فِي كُلِّ عَامٍ ، وَقَدْ عَتَقَ هَذَا .\rفَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ سَيِّدُهُ ، أَخَذَ الْمَالَ .\rوَعَنْ عُثْمَانَ بِنَحْوِ هَذَا .\rوَرَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ ، فِي سُنَنِهِ ، عَنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ جَمِيعًا .\rقَالَ : حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ ، عَنْ ابْنِ عَوْفٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ ، أَنَّ عُثْمَانَ قَضَى بِذَلِكَ .\rوَلِأَنَّ الْأَجَلَ حَقٌّ لِمَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ ، فَإِذَا قَدَّمَهُ فَقَدْ رَضِيَ بِإِسْقَاطِ حَقِّهِ ، فَسَقَطَ ، كَسَائِرِ الْحُقُوقِ .\rفَإِنْ قِيلَ : إذَا عَلَّقَ عِتْقَ عَبْدِهِ عَلَى فِعْلٍ فِي وَقْتٍ ، فَفَعَلَهُ فِي غَيْرِهِ لَمْ يَعْتِقْ ، فَكَذَلِكَ إذَا قَالَ : إذَا أَدَّيْتَ إلَيَّ أَلْفًا فِي رَمَضَانَ .\rفَأَدَّاهُ فِي شَعْبَانَ ، لَمْ يَعْتِقْ .\rقُلْنَا : تِلْكَ صِفَةٌ مُجَرَّدَةٌ ، لَا يَعْتِقُ إلَّا بِوُجُودِهَا ، وَالْكِتَابَةُ مُعَاوَضَةٌ يَبْرَأُ فِيهَا بِأَدَاءِ الْعِوَضِ ، فَافْتَرَقَا ، وَكَذَلِكَ لَوْ أَبْرَأَهُ مِنْ الْعِوَضِ فِي الْمُكَاتَبَةِ ، عَتَقَ ، وَلَوْ","part":24,"page":202},{"id":11702,"text":"أَبْرَأَهُ مِنْ الْمَالِ فِي الصِّفَةِ الْمُجَرَّدَةِ ، لَمْ يَعْتِقْ .\rوَالْأَوْلَى ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى مَا قَالَهُ الْقَاضِي ، فِي أَنَّ مَا كَانَ فِي قَبْضِهِ ضَرَرٌ ، لَمْ يَلْزَمْهُ ، قَبْضُهُ وَلَمْ يَعْتِقْ بِبَذْلِهِ ؛ لِمَا ذَكَرَهُ مِنْ الضَّرَرِ الَّذِي لَمْ يَقْتَضِهِ الْعَقْدُ ، وَخَبَرُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى وُجُوبِ قَبْضِ مَا فِيهِ ضَرَرٌ ، وَلِأَنَّ أَصْحَابَنَا قَالُوا : لَوْ لَقِيَهُ فِي بَلَدٍ آخَرَ ، فَدَفَعَ إلَيْهِ نُجُومَ الْكِتَابَةِ أَوْ بَعْضَهَا ، فَامْتَنَعَ مِنْ أَخْذِهَا لِضَرَرٍ فِيهِ مِنْ خَوْفٍ ، أَوْ مُؤْنَةِ حَمْلٍ ، لَمْ يَلْزَمْهُ قَبُولُهُ ؛ لِمَا عَلَيْهِ مِنْ الضَّرَرِ فِيهِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ ضَرَرٌ ، لَزِمَهُ قَبْضُهُ .\rكَذَا هَاهُنَا .\rوَكَلَامُ أَحْمَدَ ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا لَمْ يَكُنْ فِي قَبْضِهِ ضَرَرٌ ، وَكَذَلِكَ قَوْلُ الْخِرَقِيِّ وَأَبِي بَكْرٍ .","part":24,"page":203},{"id":11703,"text":"( 8715 ) فَصْلٌ : إذَا أَحْضَرَ الْمُكَاتَبُ مَالِ الْكِتَابَةِ ، أَوْ بَعْضَهُ ، لِيُسَلِّمَهُ ، فَقَالَ السَّيِّدُ : هَذَا حَرَامٌ ، أَوْ غَصْبٌ ، لَا أَقْبَلُهُ مِنْكَ .\rسُئِلَ الْعَبْدُ عَنْ ذَلِكَ ، فَإِنْ أَقَرَّ بِهِ ، لَمْ يَلْزَمْ السَّيِّدَ قَبُولُهُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ أَخْذُ الْمُحَرَّمِ ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ ، وَإِنْ أَنْكَرَ ، وَكَانَتْ لِلسَّيِّدِ بَيِّنَةٌ بِدَعْوَاهُ ، لَمْ يَلْزَمْهُ قَبُولُهُ ، وَتُسْمَعُ بَيِّنَتُهُ ؛ لِأَنَّ لَهُ حَقًّا فِي أَنْ لَا يَقْتَضِيَ دَيْنَهُ مِنْ حَرَامٍ ، وَلَا يَأْمَنُ مِنْ أَنْ يَرْجِعَ صَاحِبُهُ عَلَيْهِ بِهِ ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْعَبْدِ مَعَ يَمِينِهِ ، فَإِنْ نَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ ، لَمْ يَلْزَمْ السَّيِّدَ قَبُولُهُ أَيْضًا ، وَإِنْ حَلَّفَهُ ، قِيلَ لِلسَّيِّدِ : إمَّا أَنْ تَقْبِضَهُ وَإِمَّا أَنْ تُبْرِئَهُ لِيَعْتِقَ .\rفَإِنْ قَبَضَهُ ، وَكَانَ تَمَامَ كِتَابَتِهِ ، عَتَقَ ، ثُمَّ يُنْظَرُ ؛ فَإِنْ ادَّعَى أَنَّهُ حَرَامٌ مُطْلَقًا ، لَمْ يُمْنَعْ مِنْهُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُقِرُّ بِهِ لِأَحَدٍ ، وَإِنَّمَا تَحْرِيمُهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى ، وَإِنْ ادَّعَى أَنَّهُ غَصَبَهُ مِنْ فُلَانٍ ، لَزِمَهُ دَفْعُهُ إلَيْهِ إنْ ادَّعَاهُ لِأَنَّ قَوْلَهُ : وَإِنْ لَمْ يُقْبَلْ فِي حَقِّ الْمُكَاتَبِ ، فَإِنَّهُ يُقْبَلُ فِي حَقِّ نَفْسِهِ ، كَمَا لَوْ قَالَ رَجُلٌ لِعَبْدٍ فِي يَدِ غَيْرِهِ : هَذَا حُرٌّ .\rوَأَنْكَرَ ذَلِكَ مَنْ الْعَبْدُ فِي يَدِهِ ، لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ عَلَيْهِ ، فَإِنْ انْتَقَلَ إلَيْهِ بِسَبَبٍ مِنْ الْأَسْبَابِ ، لَزِمَتْهُ حُرِّيَّتُهُ .\rوَإِنْ أَبْرَأَهُ مِنْ مَالِ الْكِتَابَةِ حِينَ امْتَنَعَ الْمُكَاتَبُ مِنْ قَبْضِهِ ، لَمْ يَلْزَمْهُ قَبْضُهُ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ لَهُ عَلَيْهِ حَقٌّ .\rوَإِنْ لَمْ يُبْرِئْهُ وَلَمْ يَقْبِضْهُ ، كَانَ لَهُ دَفْعُ ذَلِكَ إلَى الْحَاكِمِ ، وَيُطَالِبُهُ بِقَبْضِهِ ، فَيَنُوبُ الْحَاكِمُ فِي قَبْضِهِ عَنْهُ ، وَيَعْتِقُ الْعَبْدُ ، كَمَا رَوَيْنَاهُ عَنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ ، فِي قَبْضِهِمَا مَالَ الْكِتَابَةِ حِينَ امْتَنَعَ الْمُكَاتَبُ مِنْ قَبْضِهِ .","part":24,"page":204},{"id":11704,"text":"( 8716 ) فَصْلٌ : وَإِذَا كَاتَبَهُ عَلَى جِنْسٍ ، لَمْ يَلْزَمْهُ قَبْضُ غَيْرِهِ ، فَلَوْ كَاتَبَهُ عَلَى دَنَانِيرَ ، لَمْ يَلْزَمْهُ قَبْضُ دَرَاهِمَ ، وَلَا عَرْضٍ ، وَإِنْ كَاتَبَهُ عَلَى دَرَاهِمَ ، لَمْ يَلْزَمْهُ أَخْذُ الدَّنَانِيرِ ، وَلَا الْعُرُوضِ .\rوَإِنْ كَاتَبَهُ عَلَى عَرْضٍ مَوْصُوفٍ ، لَمْ يَلْزَمْهُ قَبْضُ غَيْرِهِ .\rوَإِنْ كَاتَبَهُ عَلَى نَقْدٍ ، فَأَعْطَاهُ مِنْ جِنْسِهِ خَيْرًا مِنْهُ ، وَكَانَ يُنْفِقُ فِيمَا يُنْفِقُ فِيهِ الَّذِي كَاتَبَهُ عَلَيْهِ ، لَزِمَهُ أَخْذُهُ ؛ لِأَنَّهُ زَادَهُ خَيْرًا ، وَإِنْ كَانَ لَا يُنْفِقُ فِي بَعْضِ الْبُلْدَانِ الَّتِي يُنْفِقُ فِيهَا مَا كَاتَبَهُ عَلَيْهِ ، لَمْ يَلْزَمْهُ قَبُولُهُ ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ فِيهِ ضَرَرًا .","part":24,"page":205},{"id":11705,"text":"( 8717 ) الْفَصْلُ الثَّانِي : إذَا مَلَكَ مَا يُؤَدِّي ، فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَعْتِقُ حَتَّى يُؤَدِّيَ .\rرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ ، وَابْنِهِ وَزَيْدٍ ، وَعَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ؛ فَإِنَّهُمْ قَالُوا : الْمُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَعَنْ أَحْمَدَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ رِوَايَةٌ أُخْرَى أَنَّهُ إذَا مَلَكَ مَا يُؤَدِّي ، عَتَقَ ؛ لِمَا رَوَى سَعِيدٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ نَبْهَانَ مَوْلَى أُمِّ سَلَمَةَ ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { إذَا كَانَ لِإِحْدَاكُنَّ مُكَاتَبٌ ، وَكَانَ عِنْدَهُ مَا يُؤَدِّي ، فَلْتَحْتَجِبْ مِنْهُ } .\rوَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَالتِّرْمِذِيُّ .\rوَقَالَ : حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ .\rفَأَمَرَهُنَّ بِالْحِجَابِ بِمُجَرَّدِ مِلْكِهِ لِمَا يُؤَدِّيهِ ، وَلِأَنَّهُ مَالِكٌ لِوَفَاءِ مَالِ الْكِتَابَةِ ، أَشْبَهَ مَا لَوْ أَدَّاهُ .\rفَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ ، يَصِيرُ حُرًّا بِمِلْكِ الْوَفَاءِ فَمَتَى امْتَنَعَ مِنْهُ أَجْبَرَهُ الْحَاكِمُ عَلَيْهِ .\rوَإِنْ هَلَكَ مَا فِي يَدَيْهِ قَبْلَ الْأَدَاءِ ، صَارَ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِ ، وَقَدْ صَارَ حُرًّا .\rوَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى ، مَا رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { الْمُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ } .\rوَقَوْلُهُ : { أَيُّمَا عَبْدٍ كَاتَبَ عَلَى مِائَةِ أُوقِيَّةٍ ، فَأَدَّاهَا إلَّا عَشْرَ أَوَاقٍ فَهُوَ عَبْدٌ ، وَأَيُّمَا عَبْدٍ كَاتَبَ عَلَى مِائَةِ دِينَارٍ ، فَأَدَّاهَا إلَّا عَشَرَةَ دَنَانِيرَ ، فَهُوَ عَبْدٌ } .\rرَوَاهُ سَعِيدٌ .\rوَفِي رِوَايَةٍ : { مَنْ كَاتَبَ عَبْدَهُ عَلَى مِائَةِ أُوقِيَّةٍ ، فَأَدَّاهَا إلَّا عَشْرَ أَوَاقٍ .\rأَوْ قَالَ : إلَّا عَشَرَةَ دَرَاهِمَ ، ثُمَّ عَجَزَ ، فَهُوَ رَقِيقٌ } .\rرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَقَالَ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ .\rوَلِأَنَّهُ عِتْقٌ عُلِّقَ بِعِوَضٍ ، فَلَمْ يَعْتِقْ قَبْلَ أَدَائِهِ ، كَمَا لَوْ قَالَ : إذَا أَدَّيْتَ إلَيَّ أَلْفًا","part":24,"page":206},{"id":11706,"text":"فَأَنْتَ حُرٌّ .\rفَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ ، إنْ أَدَّى عَتَقَ ، وَإِنْ لَمْ يُؤَدِّ لَمْ يَعْتِقْ .\rفَإِنْ امْتَنَعَ مِنْ الْأَدَاءِ ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : يُؤَدِّيهِ الْإِمَامُ مِنْهُ ، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ عَجْزًا ، وَلَا يَمْلِكُ السَّيِّدُ الْفَسْخَ ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ .\rوَيَحْتَمِلُ كَلَامُ الْخِرَقِيِّ ، أَنَّهُ إذَا لَمْ يُؤَدِّ ، عَجَّزَهُ السَّيِّدُ إنْ أَحَبَّ ، فَإِنَّهُ قَالَ إذَا لَمْ يُؤَدِّ نَجْمًا ، حَتَّى حَلَّ نَجْمٌ آخَرُ ، عَجَّزَهُ السَّيِّدُ إنْ أَحَبَّ ، وَعَادَ عَبْدًا غَيْرَ مُكَاتَبٍ .\rوَنَحْوَهُ قَالَ الشَّافِعِيُّ ، فَإِنَّهُ قَالَ : إنْ شَاءَ عَجَّزَ نَفْسَهُ ، وَامْتَنَعَ مِنْ الْأَدَاءِ .\rوَوَجْهُهُ أَنَّ الْعَبْدَ لَا يُجْبَرُ عَلَى اكْتِسَابِ مَا يُؤَدِّيهِ فِي الْكِتَابَةِ ، فَلَا يُجْبَرُ عَلَى الْأَدَاءِ ، كَسَائِرِ الْعُقُودِ الْجَائِزَةِ .\rوَوَجْهُ الْأَوَّلِ ، أَنَّهُ يَثْبُتُ لِلْعَقْدِ اسْتِحْقَاقُ الْحُرِّيَّةِ بِمِلْكِ مَا يُؤَدِّي ، فَلَمْ يَمْلِكْ إبْطَالَهَا ، كَمَا لَوْ أَدَّى .\rفَإِنْ تَلِفَ الْمَالُ قَبْلَ أَدَائِهِ ، جَازَ بِعَجْزِهِ وَاسْتِرْقَاقِهِ .\rوَجْهًا وَاحِدًا .","part":24,"page":207},{"id":11707,"text":"( 8718 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَإِذَا أَدَّى بَعْضَ كِتَابَتِهِ ، وَمَاتَ وَفِي يَدِهِ وَفَاءٌ وَفَضْلٌ ، فَهُوَ لِسَيِّدِهِ .\rفِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ .\rوَالْأُخْرَى ، لِسَيِّدِهِ بَقِيَّةُ كِتَابَتِهِ وَالْبَاقِي لِوَرَثَتِهِ ) يَحْتَمِلُ أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى مَا قَبْلَهَا ، فَإِذَا قُلْنَا : إنَّهُ لَا يَعْتِقُ بِمِلْكِ مَا يُؤَدِّي .\rفَقَدْ مَاتَ رَقِيقًا ، فَانْفَسَخَتْ الْكِتَابَةُ بِمَوْتِهِ ، وَكَانَ مَا فِي يَدِهِ لِسَيِّدِهِ ، وَإِنْ قُلْنَا : إنَّهُ عَتَقَ بِمِلْكِ مَا يُؤَدِّي .\rفَقَدْ مَاتَ حُرًّا ، وَعَلَيْهِ لِسَيِّدِهِ بَقِيَّةُ كِتَابَتِهِ ؛ لِأَنَّهُ دَيْنٌ لَهُ عَلَيْهِ ، وَالْبَاقِي لِوَرَثَتِهِ .\rقَالَ الْقَاضِي : الْأَصَحُّ أَنَّهُ تَنْفَسِخُ الْكِتَابَةُ بِمَوْتِهِ ، وَيَمُوتُ عَبْدًا ، وَمَا فِي يَدِهِ لِسَيِّدِهِ .\rرَوَاهُ الْأَثْرَمُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عُمَرَ وَزَيْدٍ ، وَالزُّهْرِيِّ .\rوَبِهِ قَالَ إبْرَاهِيمُ ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَقَتَادَةُ ، وَالشَّافِعِيُّ ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ فِي الَّتِي قَبْلَهَا ، وَلِأَنَّهُ مَاتَ قَبْلَ أَدَاءِ مَالِ الْكِتَابَةِ ، فَوَجَبَ أَنْ تَنْفَسِخَ ، كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ ، وَلِأَنَّهُ عِتْقٌ عُلِّقَ بِشَرْطٍ مُطْلَقٍ ، فَيَنْقَطِعُ بِالْمَوْتِ ، كَمَا لَوْ قَالَ : إذَا أَدَّيْتَ إلَيَّ أَلْفًا ، فَأَنْتَ حُرٌّ .\rوَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ ، يَعْتِقُ ، وَيَمُوتُ حُرًّا ، وَلِسَيِّدِهِ بَقِيَّةُ كِتَابَتِهِ ، وَمَا فَضَلَ لِوَرَثَتِهِ .\rرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ ، وَمُعَاوِيَةَ .\rوَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ ، وَالْحَسَنُ وَطَاوُسٌ ، وَشُرَيْحٌ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ ، وَمَالِكٌ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ، إلَّا أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ : يَكُونُ حُرًّا فِي آخِرِ جُزْءٍ مِنْ حَيَاتِهِ .\rوَهَذَا قَوْلُ الْقَاضِي .\rوَوَجْهُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ ، مَا قَدَّمْنَا فِي الَّتِي قَبْلَهَا ، وَلِأَنَّهَا مُعَاوَضَةٌ لَا تَنْفَسِخُ بِمَوْتِ أَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ ، فَلَا تَنْفَسِخُ بِمَوْتِ الْآخَرِ ، كَالْبَيْعِ ، وَلِأَنَّ الْعَبْدَ أَحَدُ مَنْ تَمَّتْ بِهِ الْكِتَابَةُ ، فَلَمْ تَنْفَسِخْ","part":24,"page":208},{"id":11708,"text":"بِمَوْتِهِ كَالسَّيِّدِ .\rوَالْأُولَى أَوْلَى .\rوَتُفَارِقُ الْكِتَابَةُ الْبَيْعَ ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُتَعَاقِدَيْنِ غَيْرُ مَعْقُودٍ عَلَيْهِ ، وَلَا يَتَعَلَّقُ الْعَقْدُ بِعَيْنِهِ ، فَلَمْ يَنْفَسِخْ بِتَلَفِهِ ، وَالْمُكَاتَبُ هُوَ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ ، وَالْعَقْدُ يَتَعَلَّقُ بِعَيْنِهِ ، فَإِذَا تَلِفَ قَبْلَ تَمَامِ الْأَدَاءِ ، انْفَسَخَ الْعَقْدُ ، كَمَا لَوْ تَلِفَ الْمَبِيعُ قَبْلَ قَبْضِهِ ، وَلِأَنَّهُ مَاتَ قَبْلَ وُجُودِ شَرْطِ حُرِّيَّتِهِ ، وَيَتَعَذَّرُ وُجُودُهُ بَعْدَ مَوْتِهِ .","part":24,"page":209},{"id":11709,"text":"( 8719 ) فَصْلٌ : وَإِذَا مَاتَ وَلَمْ يُخَلِّفْ وَفَاءً ، فَلَا خِلَافَ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّ الْكِتَابَةَ تَنْفَسِخُ بِمَوْتِهِ ، وَيَمُوتُ عَبْدًا ، وَمَا فِي يَدِهِ لِسَيِّدِهِ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَهْلِ الْفَتْوَى مِنْ أَئِمَّةِ الْأَمْصَارِ ، إلَّا أَنْ يَمُوتَ بَعْدَ أَدَاءِ ثَلَاثَةِ أَرْبَاعِ الْكِتَابَةِ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ وَالْقَاضِي وَمَنْ وَافَقَهُمَا ، فَإِنَّهُ يَمُوتُ حُرًّا ، فِي مُقْتَضَى قَوْلِهِمْ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : إنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ حُرٌّ ، انْفَسَخَتْ الْكِتَابَةُ ، وَإِنْ كَانَ لَهُ مَمْلُوكٌ فِي كِتَابَتِهِ ، أُجْبِرَ عَلَى دَفْعِ الْمَالِ كُلِّهِ إنْ كَانَ لَهُ مَالٌ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ ، أُجْبِرَ عَلَى الِاكْتِسَابِ وَالْأَدَاءِ .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ يَعْتِقُ مِنْهُ بِقَدْرِ مَا أَدَّى .\rوَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { إذَا أَصَابَ الْمُكَاتَبُ حَدًّا ، أَوْ مِيرَاثًا ، وَرِثَ بِقَدْرِ مَا أَدَّى ، وَيُؤَدِّي الْمُكَاتَبُ بِحِصَّةِ مَا أَدَّى } .\rوَعَنْ عُمَرَ ، وَعَلِيٍّ ، وَالنَّخَعِيِّ : إذَا أَدَّى الشَّطْرَ ، فَلَا رِقَّ عَلَيْهِ .\rوَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ : إذَا أَدَّى قَدْرَ قِيمَتِهِ ، فَهُوَ غَرِيمٌ .\rوَقَدْ ذَكَرْنَا الْجَوَابَ عَنْ هَذِهِ الْأَقْوَالِ كُلِّهَا فِيمَا تَقَدَّمَ بِمَا أَغْنَى عَنْ إعَادَتِهِ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .","part":24,"page":210},{"id":11710,"text":"( 8720 ) فَصْلٌ : وَلَا تَنْفَسِخُ الْكِتَابَةُ بِالْجُنُونِ ؛ لِأَنَّهَا عَقْدٌ لَازِمٌ ، فَلَمْ تَنْفَسِخْ بِالْجُنُونِ ، كَالرَّهْنِ ، وَفَارَقَ الْمَوْتُ ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ عَلَى الْعَيْنِ ، وَالْمَوْتُ يُفَوِّتُ الْعَيْنَ ، بِخِلَافِ الْجُنُونِ ، وَلِأَنَّ الْقَصْدَ مِنْ الْكِتَابَةِ الْعِتْقُ ، وَالْمَوْتُ يُنَافِيهِ ، وَلِهَذَا لَا يَصِحُّ عِتْقُ الْمَيِّتِ ، وَالْجُنُونُ لَا يُنَافِيهِ ؛ بِدَلِيلِ صِحَّةِ عِتْقِ الْمَجْنُونِ .\rفَعَلَى هَذَا ، إنْ أَدَّى إلَيْهِ الْمَالَ ، عَتَقَ ؛ لِأَنَّ السَّيِّدَ إذَا قَبَضَ مِنْهُ ، فَقَدْ اسْتَوْفَى حَقَّهُ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ ، وَلَهُ أَخْذُ الْمَالِ مِنْ يَدِهِ ، فَيَتَضَمَّنُ ذَلِكَ بَرَاءَتَهُ مِنْ الْمَالِ ، فَيَعْتِقُ بِحُكْمِ الْعَقْدِ ، وَإِنْ لَمْ يُؤَدِّ ، كَانَ لِلسَّيِّدِ أَنْ يُحْضِرَهُ عِنْدَ الْحَاكِمِ ، وَتَثْبُتُ الْكِتَابَةُ بِالْبَيِّنَةِ ، فَيَبْحَثُ الْحَاكِمُ عَنْ مَالِهِ ، فَإِنْ وَجَدَ لَهُ مَالًا ، سَلَّمَهُ فِي الْكِتَابَةِ ، وَعَتَقَ ، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ لَهُ مَالًا جَعَلَ ، لَهُ أَنْ يُعَجِّزَهُ ، وَيُلْزِمَهُ الْإِنْقَاقَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ عَادَ قِنًّا ، ثُمَّ إنْ وَجَدَ لَهُ الْحَاكِمُ بَعْدَ ذَلِكَ مَالًا يَفِي بِمَالِ الْكِتَابَةِ ، أَبْطَلَ فَسْخَ السَّيِّدِ ؛ لِأَنَّ الْبَاطِنَ بَانَ بِخِلَافِ مَا حَكَمَ بِهِ ، فَبَطَلَ حُكْمُهُ ، كَمَا إذَا أَخْطَأَ النَّصَّ وَحَكَمَ بِالِاجْتِهَادِ ، إلَّا أَنَّهُ يَرُدُّ عَلَى السَّيِّدِ مَا أَنْفَقَهُ مِنْ حِينِ الْفَسْخِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُسْتَحَقًّا عَلَيْهِ فِي الْبَاطِنِ .\rوَإِنْ أَفَاقَ ، فَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ كَانَ قَدْ دَفَعَ إلَيْهِ مَالَ الْكِتَابَةِ ، بَطَلَ أَيْضًا فَسْخُ السَّيِّدِ ، وَلَا يَرُدُّ عَلَيْهِ مَا أَنْفَقَهُ ؛ لِأَنَّهُ أَنْفَقَ عَلَيْهِ مَعَ عِلْمِهِ بِحُرِّيَّتِهِ ، فَكَانَ مُتَطَوِّعًا بِذَلِكَ ، فَلَمْ يَرْجِعْ بِهِ .\rوَيَنْبَغِي أَنْ يَسْتَحْلِفَ السَّيِّدَ الْحَاكِمُ ، أَنَّهُ مَا اسْتَوْفَى مَالَ الْكِتَابَةِ .\rوَهَذَا قَوْلُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ .\rوَلَمْ يَذْكُرْهُ أَصْحَابُنَا ، وَهُوَ حَسَنٌ ؛ لِأَنَّهُ اسْتَوْفَاهُ ، وَالْمَجْنُونُ لَا يُعَبِّرُ عَنْ نَفْسِهِ فَيَدَّعِيهِ ، فَيَقُومُ","part":24,"page":211},{"id":11711,"text":"الْحَاكِمُ مَقَامَهُ فِي اسْتِحْلَافِهِ عَلَيْهِ .","part":24,"page":212},{"id":11712,"text":"( 8721 ) فَصْلٌ : وَقَتْلُ الْمُكَاتِبِ كَمَوْتِهِ فِي انْفِسَاخِ الْكِتَابَةِ ، عَلَى مَا أَسْلَفْنَاهُ مِنْ الْخِلَافِ ، سَوَاءٌ كَانَ الْقَاتِلُ السَّيِّدَ أَوْ الْأَجْنَبِيَّ .\rوَلَا قِصَاصَ عَلَى قَاتِلِهِ الْحُرِّ لِأَنَّ الْمُكَاتَبَ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ .\rفَإِنْ كَانَ الْقَاتِلُ سَيِّدَهُ وَلَمْ يُخَلِّفْ وَفَاءً انْفَسَخَتْ الْكِتَابَةُ ، وَعَادَ مَا فِي يَدِهِ إلَى سَيِّدِهِ ، وَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ شَيْءٌ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ وَجَبَ لَوَجَبَ لَهُ .\rفَإِنْ قِيلَ : فَالْقَاتِلُ لَا يَسْتَحِقُّ بِالْقَتْلِ شَيْئًا مِنْ تَرِكَةِ الْمَقْتُولِ .\rقُلْنَا : هَاهُنَا لَا يَرْجِعُ إلَيْهِ مَالُ الْمُكَاتَبِ مِيرَاثًا ، بَلْ بِحُكْمِ مِلْكِهِ عَلَيْهِ ، لِزَوَالِ الْكِتَابَةِ ، وَإِنَّمَا يُمْنَعُ الْقَاتِلُ الْمِيرَاثَ خَاصَّةً ، أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ لَهُ دَيْنٌ مُؤَجَّلٌ ، إذَا قَتَلَ مَنْ عَلَيْهِ الْحَقُّ ، حَلَّ دَيْنُهُ ؟ وَفِي رِوَايَةٍ : وَأُمُّ الْوَلَدِ إذَا قَتَلَتْ سَيِّدَهَا عَتَقَتْ .\rوَإِنْ كَانَ الْمُكَاتَبُ قَدْ خَلَفَ وَفَاءً ، وَقُلْنَا : إنَّ الْكِتَابَةَ تَنْفَسِخُ بِمَوْتِهِ .\rفَالْحُكْمُ كَذَلِكَ .\rوَإِنْ قُلْنَا : لَا تَنْفَسِخُ بِمَوْتِهِ .\rفَلَهُ الْقِيمَةُ عَلَى سَيِّدِهِ تُصْرَفُ إلَى وَرَثَتِهِ ، كَمَا لَوْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ عَلَى بَعْضِ أَطْرَافِهِ فِي حَيَاتِهِ .\rفَإِنْ كَانَ الْوَفَاءُ يَحْصُلُ بِإِيجَابِ الْقِيمَةِ ، وَلَا يَحْصُلُ بِدُونِهَا ، وَجَبَتْ ، كَمَا لَوْ خَلَفَ وَفَاءً ؛ لِأَنَّ دِيَةَ الْمَقْتُولِ كَتَرِكَتِهِ ، فِي قَضَاءِ دُيُونِهِ مِنْهَا ، وَانْصِرَافِهَا إلَى وُرَّاثِهِ بَيْنَهُمْ عَلَى فَرَائِضِ اللَّهِ تَعَالَى .\rوَلَا فَرْقَ ، فِيمَا ذَكَرْنَا ، بَيْنَ أَنْ يَخْلُفَ وَارِثًا ، أَوْ لَا يَخْلُفَ وَارِثًا .\rوَذَكَرَ الْقَاضِي ، أَنَّهُ إذَا لَمْ يَخْلُفْ وَارِثًا سِوَى سَيِّدِهِ ، لَمْ تَجِبْ الْقِيمَةُ عَلَيْهِ بِحَالٍ .\rوَلَنَا ، أَنَّ مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ ، يُصْرَفُ مَالُهُ إلَى الْمُسْلِمِينَ وَلَا حَقَّ لِسَيِّدِهِ فِيهِ ؛ لِأَنَّ صَرْفَهُ إلَى سَيِّدِهِ بِطَرِيقِ الْإِرْثِ ، وَالْقَاتِلُ لَا مِيرَاثَ لَهُ .\rوَإِنْ كَانَ الْقَاتِلُ أَجْنَبِيًّا ، وَجَبَتْ الْقِيمَةُ لَسَيِّدِهِ ، إلَّا فِي","part":24,"page":213},{"id":11713,"text":"الْمَوْضِعِ الَّذِي لَا تَنْفَسِخُ الْكِتَابَةُ ، فَإِنَّهَا تَجِبُ لِوَرَثَتِهِ .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":24,"page":214},{"id":11714,"text":"( 8722 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَإِذَا مَاتَ السَّيِّدُ ، كَانَ الْعَبْدُ عَلَى كِتَابَتِهِ ، وَمَا أَدَّى فَبَيْنَ وَرَثَةِ سَيِّدِهِ ، مَقْسُومًا كَالْمِيرَاثِ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْكِتَابَةَ لَا تَنْفَسِخُ بِمَوْتِ السَّيِّدِ ، لَا نَعْلَمُ فِيهِ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ خِلَافًا ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ عَقْدٌ لَازِمٌ مِنْ جِهَتِهِ ، لَا سَبِيلَ إلَى فَسْخِهِ ، فَلَمْ يَنْفَسِخْ بِمَوْتِهِ ، كَالْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّ الْمُكَاتَبَ يُؤَدِّي نُجُومَهُ ، وَمَا بَقِيَ مِنْهَا ، إلَى وَرَثَتِهِ ؛ لِأَنَّهُ دَيْنٌ لِمَوْرُوثِهِمْ ، وَيَكُونُ مَقْسُومًا بَيْنَهُمْ عَلَى قَدْرِ مَوَارِيثِهِمْ ، كَسَائِرِ دُيُونِهِ ؛ فَإِنْ كَانَ لَهُ أَوْلَادٌ ذُكُورٌ وَإِنَاثٌ ، فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ .\rوَلَا يَعْتِقُ حَتَّى يُؤَدِّيَ إلَى كُلِّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ ، فَإِنْ أَدَّى إلَى بَعْضِهِمْ دُونَ بَعْضٍ لَمْ يَعْتِقْ ، كَمَا لَوْ كَانَ بَيْنَ شُرَكَاءَ ، فَأَدَّى إلَى بَعْضِهِمْ ، فَإِنْ كَانَ بَعْضُهُمْ غَائِبًا ، وَكَانَ لَهُ وَكِيلٌ ، دَفَعَ نَصِيبَهُ إلَى وَكِيلِهِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَكِيلٌ ، دَفَعَ نَصِيبَهُ إلَى الْحَاكِمِ ، وَعَتَقَ .\rوَإِنْ كَانَ مُوَلِّيًا عَلَيْهِ ، دَفَعَ نَصِيبَهُ إلَى وَلِيِّهِ ؛ إمَّا ابْنِهِ أَوْ وَصِيِّهِ أَوْ الْحَاكِمِ أَوْ أَمِينِهِ .\rفَإِنْ كَانَ لَهُ وَصِيَّانِ ، لَمْ يَبْرَأْ إلَّا بِالدَّفْعِ إلَيْهِمَا مَعًا .\rوَإِنْ كَانَ الْوَارِثُ رَشِيدًا ، قَبَضَ لِنَفْسِهِ ، وَلَا تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ إلَى غَيْرِهِ لِيَقْبِضَ لَهُ ، لِأَنَّ الرَّشِيدَ وَلِيُّ نَفْسِهِ .\rوَإِنْ كَانَ بَعْضُهُمْ رَشِيدًا ، وَبَعْضُهُمْ مُوَلِّيًا عَلَيْهِ ، فَحُكْمُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ حُكْمُهُ لَوْ انْفَرَدَ .\rوَإِنْ أَذِنَ بَعْضُهُمْ لَهُ فِي الْأَدَاءِ إلَى الْآخَرِ ، وَكَانَ الَّذِي أَذِنَ لَهُ فِي ذَلِكَ رَشِيدًا ، فَأَدَّى إلَى الْآخَرِ جَمِيعَ حَقِّهِ ، عَتَقَ نَصِيبُهُ ، فَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا ، لَمْ يَسْرِ إلَى نَصِيبِ شَرِيكِهِ ، وَإِنْ كَانَ مُوسِرًا ، عَتَقَ عَلَيْهِ كُلُّهُ ، وَقُوِّمَ عَلَيْهِ بَاقِيهِ ، كَمَا لَوْ كَانَ بَيْنَ شَرِيكَيْنِ فَأَعْتَقَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ .\rوَهَذَا ظَاهِرُ","part":24,"page":215},{"id":11715,"text":"كَلَامِ الْخِرَقِيِّ .\rوَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : لَا يَسْرِي عِتْقُهُ ، وَإِنْ كَانَ مُوسِرًا .\rوَهُوَ الْقَوْلُ الثَّانِي لِلشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَعْتِقُ إلَّا بِأَدَاءِ جَمِيعِ مَالِ الْكِتَابَةِ ؛ لِأَنَّهُ أَدَّى بَعْضَ مَالِ الْكِتَابَةِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَدَّاهُ إلَى السَّيِّدِ .\rوَإِنْ أَبْرَأَهُ مِنْ مَالِ الْكِتَابَةِ ، بَرِئَ مِنْهُ ، وَعَتَقَ .\rوَإِنْ أَبْرَأَهُ بَعْضُهُمْ ، عَتَقَ نَصِيبُهُ ، وَكَذَلِكَ إنْ أَعْتَقَ نَصِيبَهُ مِنْهُ ، عَتَقَ .\rوَالْخِلَافُ فِي هَذَا كُلِّهِ ، كَالْخِلَافِ فِيمَا إذَا أَدَّى إلَى بَعْضِهِمْ بِإِذْنِ الْآخَرِ .\rوَلَنَا ، عَلَى أَنَّهُ يَعْتِقُ نَصِيبُ مَنْ أَبْرَأَهُ مِنْ حَقِّهِ عَلَيْهِ ، أَوْ اسْتَوْفَى نَصِيبَهُ بِإِذْنِ شُرَكَائِهِ ، أَنَّهُ أَبْرَأَهُ مِنْ جَمِيعِ مَا لَهُ عَلَيْهِ ، فَوَجَبَ أَنْ يَلْحَقَهُ الْعِتْقُ ، كَمَا لَوْ أَبْرَأَهُ سَيِّدُهُ مِنْ جَمِيعِ مَالِ الْكِتَابَةِ ، وَفَارَقَ مَا إذَا أَبْرَأَهُ سَيِّدُهُ مِنْ بَعْضِ مَالِ الْكِتَابَةِ ؛ لِأَنَّهُ مَا أَبْرَأَهُ مِنْ جَمِيعِ حَقِّهِ .\rوَلَنَا ، عَلَى سِرَايَةِ عِتْقِهِ ، أَنَّهُ إعْتَاقٌ لِبَعْضِ الْعَبْدِ الَّذِي يَجُوزُ إعْتَاقُهُ ، مِنْ مُوسِرٍ جَائِزِ التَّصَرُّفِ ، غَيْرِ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ ، فَوَجَبَ أَنْ يَسْرِيَ عِتْقُهُ ، كَمَا لَوْ كَانَ قِنًّا ، وَلِأَنَّهُ عِتْقٌ حَصَلَ بِفِعْلِهِ وَاخْتِيَارِهِ ، فَسَرَى ، كَمَحَلِّ الْوِفَاقِ .\rفَإِنْ قِيلَ : فِي السِّرَايَةِ ضَرَرٌ بِالشُّرَكَاءِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَعْجِزُ ، فَيُرَدُّ إلَى الرِّقِّ .\rقُلْنَا : إذَا كَانَ الْعِتْقُ فِي مَحَلِّ الْوِفَاقِ يُزِيلُ الرِّقَّ الْمُتَمَكِّنَ ، الَّذِي لَا كِتَابَةَ فِيهِ ، فَلَأَنْ يُزِيلَ عَرَضِيَّةَ ذَلِكَ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى .","part":24,"page":216},{"id":11716,"text":"( 8723 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَوَلَاؤُهُ لِسَيِّدِهِ ، وَإِنْ عَجَزَ ، فَهُوَ عَبْدٌ لِسَائِرِ الْوَرَثَةِ ) ، أَمَّا إذَا عَجَزَ ، وَرُدَّ فِي الرِّقِّ ، فَإِنَّهُ يَكُونُ عَبْدًا لِجَمِيعِ الْوَرَثَةِ ، كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ مُكَاتَبًا ؛ لِأَنَّهُ مِنْ مَالِ مَوْرُوثِهِمْ ، فَكَانَ بَيْنَهُمْ كَسَائِرِ الْمَالِ ، وَأَمَّا إذَا أَدَّى مَالَ الْكِتَابَةِ ، وَعَتَقَ ، فَقَالَ الْخِرَقِيِّ : يَكُونُ وَلَاؤُهُ لِمُكَاتَبِهِ ، يَخْتَصُّ بِهِ عَصَبَاتُهُ دُونَ أَصْحَابِ الْفُرُوضِ .\rوَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ .\rوَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ .\rوَنَقَلَهُ إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ ، عَنْ أَحْمَدَ ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، وَإِسْحَاقَ .\rوَرَوَى حَنْبَلٌ ، وَصَالِحُ بْنُ أَحْمَدَ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي الْمُكَاتَبِ يَمُوتُ سَيِّدُهُ ، وَعَلَيْهِ بَقِيَّةٌ مِنْ كِتَابَتِهِ ، فَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ : الْوَلَاءُ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ .\rوَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ : لَا وَلَاءَ لِلنِّسَاءِ ؛ لِأَنَّ هَذَا إنَّمَا هُوَ دَيْنٌ عَلَى الْمُكَاتَبِ ، وَلَا يَرِثُ النِّسَاءُ مِنْ الْوَلَاءِ إلَّا مَا كَاتَبْنَ ، أَوْ أَعْتَقْنَ .\rوَلِكُلٍّ وَجْهٌ .\rوَاَلَّذِي أَرَاهُ وَيَغْلِبُ عَلَيَّ أَنَّهُنَّ يَرِثْنَ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُكَاتَبَ لَوْ عَجَزَ بَعْدَ وَفَاةِ السَّيِّدِ ، رُدَّ رَقِيقًا .\rوَهَذَا قَوْلُ طَاوُسٍ ، وَالزُّهْرِيِّ ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُكَاتَبَ انْتَقَلَ إلَى الْوَرَثَةِ بِمَوْتِ الْمُكَاتِبِ ، فَكَانَ وَلَاؤُهُ لَهُمْ ، كَمَا لَوْ انْتَقَلَ إلَى الْمُشْتَرِي ، وَلِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى الْوَرَثَةِ ، فَكَانَ وَلَاؤُهُ ، لَهُمْ كَمَا لَوْ أَدَّى إلَى الْمُشْتَرِي .\rوَوَجْهُ الْأَوَّلِ أَنَّ السَّيِّدَ هُوَ الْمُنْعِمُ بِالْعِتْقِ ، فَكَانَ الْوَلَاءُ لَهُ كَمَا لَوْ أَدَّى إلَيْهِ ، وَلِأَنَّ الْوَرَثَةَ إنَّمَا يَنْتَقِلُ إلَيْهِمْ مَا بَقِيَ لِلسَّيِّدِ ، وَإِنَّمَا بَقِيَ لِلسَّيِّدِ دَيْنٌ فِي ذِمَّةِ الْمُكَاتَبِ ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمِيرَاثِ وَالشِّرَاءِ ، أَنَّ السَّيِّدَ نَقَلَ حَقَّهُ فِي الْبَيْعِ بِاخْتِيَارِهِ ، فَلَمْ يَبْقَ لَهُ فِيهِ حَقٌّ مِنْ وَجْهٍ ، وَالْوَارِثُ يَخْلُفُ الْمَوْرُوثَ وَيَقُومُ مَقَامَهُ ،","part":24,"page":217},{"id":11717,"text":"وَيَبْنِي عَلَى مَا فَعَلَهُ مَوْرُوثُهُ ، وَلَا يَنْتَقِلُ إلَيْهِ شَيْءٌ أَمْكَنَ بَقَاؤُهُ لِمَوْرُوثِهِ ، وَالْوَلَاءُ مِمَّا أَمْكَنَ بَقَاؤُهُ لِلْمَوْرُوثِ ، فَوَجَبَ أَنْ لَا يَنْتَقِلَ عَنْهُ .","part":24,"page":218},{"id":11718,"text":"( 8724 ) فَصْلٌ : فَإِنْ أَعْتَقَهُ الْوَرَثَةُ صَحَّ عِتْقُهُمْ ؛ لِأَنَّهُ مِلْكٌ لَهُمْ ، فَصَحَّ عِتْقُهُمْ لَهُ ، وَلِأَنَّ السَّيِّدَ لَوْ أَعْتَقَهُ نَفَذَ عِتْقُهُ ، وَهُمْ يَقُومُونَ مَقَامَ مَوْرُوثِهِمْ ، وَيَكُونُ وَلَاؤُهُ لَهُمْ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : إنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ } .\rوَإِنْ أَعْتَقَ بَعْضُهُمْ نَصِيبَهُ ، فَعَتَقَ عَلَيْهِ كُلُّهُ ، قُوِّمَ عَلَيْهِ نَصِيبُ شُرَكَائِهِ ، وَكَانَ وَلَاؤُهُ لَهُ .\rوَإِنْ لَمْ يَسْرِ عِتْقُهُ ؛ لِكَوْنِهِ مُعْسِرًا ، أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ ، فَلَهُ وَلَاءُ مَا أَعْتَقَهُ ؛ لِلْخَبَرِ ، وَلِأَنَّهُ مُنْعِمٌ عَلَيْهِ بِالْعِتْقِ ، فَكَانَ الْوَلَاءُ لَهُ كَغَيْرِ الْمُكَاتَبِ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : إنْ أَعْتَقُوهُ كُلُّهُمْ قَبْلَ عَجْزِهِ ، كَانَ الْوَلَاءُ لِلسَّيِّدِ ، وَإِنْ أَعْتَقَ بَعْضُهُمْ ، لَمْ يَسْرِ عِتْقُهُ ، ثُمَّ يُنْظَرُ ؛ فَإِنْ أَدَّى إلَى الْبَاقِينَ ، عَتَقَ كُلُّهُ ، وَكَانَ وَلَاؤُهُ لِلسَّيِّدِ ، وَإِنْ عَجَزَ فَرَدُّوهُ إلَى الرِّقَّ ، كَانَ وَلَاءُ نَصِيبِ الْمُعْتِقِ لَهُ ؛ لِأَنَّهُ لَوْلَا إعْتَاقُهُ ، لَعَادَ سَهْمُهُ رَقِيقًا ، كَسِهَامِ سَائِرِ الْوَرَثَةِ ، فَلَمَّا أَعْتَقَهُ ، كَانَ هُوَ الْمُنْعِمَ عَلَيْهِ فَكَانَ الْوَلَاءُ لَهُ دُونَهُمْ .\rفَأَمَّا إنْ أَبْرَأَهُ الْوَرَثَةُ كُلُّهُمْ ، عَتَقَ ، وَكَانَ وَلَاؤُهُ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ اللَّتَيْنِ ذَكَرْنَاهُمَا ، فِيمَا إذَا أَدَّى إلَيْهِمْ ؛ لِأَنَّ الْإِبْرَاءَ جَرَى مَجْرَى اسْتِيفَاءِ مَا عَلَيْهِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْوَلَاءُ لَهُمْ ؛ لِأَنَّهُمْ أَنْعَمُوا عَلَيْهِ بِمَا عَتَقَ بِهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَعْتَقُوهُ .\rوَإِنْ أَبْرَأَهُ بَعْضُهُمْ مِنْ نَصِيبِهِ ، كَانَ فِي وَلَائِهِ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ الْخِلَافِ .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":24,"page":219},{"id":11719,"text":"( 8725 ) فَصْلٌ : إذَا بَاعَ الْوَرَثَةُ الْمُكَاتَبَ ، أَوْ وَهَبُوهُ ، صَحَّ بَيْعُهُمْ وَهِبَتُهُمْ ، لِأَنَّهُمْ يَقُومُونَ مَقَامَ الْمُكَاتِبِ ، وَالْمُكَاتِبُ يَمْلِكُ بَيْعَهُ وَهِبَتَهُ فَكَذَلِكَ وَرَثَتُهُ ، وَيَكُونُ عِنْدَ الْمُشْتَرِي وَالْمَوْهُوبِ لَهُ مُبْقًى عَلَى كِتَابَتِهِ ، فَإِنْ عَجَزَ فَعَجَّزَهُ ، عَادَ رَقِيقًا لَهُ ، وَإِنْ أَدَّى وَعَتَقَ ، كَانَ وَلَاؤُهُ لِمَنْ يُؤَدِّي إلَيْهِ .\rعَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي تَقُولُ : إنَّ وَلَاءَهُ لِلْوَرَثَةِ ، إذَا أَدَّى إلَيْهِمْ .\rوَأَمَّا عَلَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَصِحَّ بَيْعُهُ وَلَا هِبَتُهُ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي إبْطَالَ سَبَبِ ثُبُوتِ الْوَلَاءِ لِلسَّيِّدِ الَّذِي كَاتَبَهُ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لِلْوَرَثَةِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَصِحَّ ، وَيَكُونَ الْوَلَاءُ لِلسَّيِّدِ إنْ عَتَقَ بِالْكِتَابَةِ ؛ لِأَنَّ السَّيِّدَ عَقَدَهَا ، فَعَتَقَ بِهَا ، فَكَانَ وَلَاؤُهُ لَهُ ، وَيُفَارِقُ مَا لَوْ بَاعَهُ السَّيِّدُ ؛ لِأَنَّ السَّيِّدَ بِبَيْعِهِ أَبْطَلَ حَقَّ نَفْسِهِ ، وَلَهُ ذَلِكَ بِخِلَافِ الْوَرَثَةِ ؛ فَإِنَّهُمْ لَا يَمْلِكُونَ إبْطَالَ حَقِّ مَوْرُوثِهِمْ .","part":24,"page":220},{"id":11720,"text":"( 8726 ) فَصْلٌ : وَإِنْ وَصَّى السَّيِّدُ بِمَالِ الْكِتَابَةِ لِرَجُلٍ ، صَحَّ .\rفَإِنْ سَلَّمَ مَالَ الْكِتَابَةِ إلَى الْمُوصَى لَهُ ، أَوْ وَكِيلِهِ ، أَوْ وَلِيِّهِ إنْ كَانَ مَحْجُورًا عَلَيْهِ ، بَرِئَ مِنْهُ ، وَعَتَقَ ، وَوَلَاؤُهُ لِسَيِّدِهِ الَّذِي كَاتَبَهُ ؛ لِأَنَّهُ الْمُنْعِمُ عَلَيْهِ .\rوَإِنْ أَبْرَأَهُ مِنْ الْمَالِ ، عَتَقَ أَيْضًا ؛ لِأَنَّهُ بَرِئَ مِنْ مَالِ الْكِتَابَةِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَدَّى .\rوَإِنْ أَعْتَقَهُ ، لَمْ يَعْتِقْ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ رَقَبَتَهُ ، وَلَا وَصَّى لَهُ بِهَا ، وَإِنَّمَا وَصَّى لَهُ بِالْمَالِ الَّذِي عَلَيْهِ .\rوَإِنْ عَجَزَ ، وَرُدَّ فِي الرِّقِّ ، عَادَ عَبْدًا لِلْوَرَثَةِ ، وَمَا قَبَضَهُ الْوَصِيُّ - الْمُوصَى لَهُ - مِنْ الْمَالِ ، فَهُوَ لَهُ ؛ لِأَنَّهُ قَبَضَهُ بِحُكْمِ الْوَصِيَّةِ الصَّحِيحَةِ ، وَالْأَمْرُ فِي تَعْجِيزِهِ إلَى الْوَرَثَةِ ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ ثَبَتَ لَهُمْ بِتَعْجِيزِهِ ، وَيَصِيرُ الْعَبْدُ لَهُمْ ، فَكَانَتْ الْخِيرَةُ فِي ذَلِكَ إلَيْهِمْ .\rوَأَمَّا الْمُوصَى لَهُ ، فَإِنَّ حَقَّهُ وَوَصِيَّتَهُ تَبْطُلُ بِتَعْجِيزِهِ ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ فِي ذَلِكَ حَقٌّ .\rوَإِنْ وَصَّى بِمَالِ الْكِتَابَةِ لِلْمَسَاكِينِ ، وَوَصَّى إلَى رَجُلٍ بِقَبْضِهِ وَتَفْرِيقِهِ بَيْنَهُمْ ، صَحَّ .\rوَمَتَى سَلَّمَ الْمَالَ إلَى الْوَصِيِّ ، بَرِئَ ، وَعَتَقَ .\rوَإِنْ أَبْرَأَهُ مِنْهُ لَمْ يَبْرَأْ ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لِغَيْرِهِ .\rوَإِنْ دَفَعَهُ الْمُكَاتَبُ إلَى الْمَسَاكِينِ ، لَمْ يَبْرَأْ مِنْهُ ، وَلَمْ يَعْتِقْ ؛ لِأَنَّ التَّعْيِينَ إلَى الْوَصِيِّ دُونَهُ .\rوَإِنْ وَصَّى بِدَفْعِ الْمَالِ إلَى غُرَمَائِهِ ، تَعَيَّنَ الْقَضَاءُ مِنْهُ ، كَمَا لَوْ وَصَّى بِهِ عَطِيَّةً لَهُ .\rفَإِنْ كَانَ إنَّمَا أَوْصَى بِقَضَاءِ دُيُونِهِ مُطْلَقًا ، كَانَ عَلَى الْمُكَاتَبِ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الْوَرَثَةِ وَالْوَصِيِّ بِقَضَاءِ الدَّيْنِ ، وَيَدْفَعَهُ إلَيْهِمْ بِحَضْرَتِهِ ؛ لِأَنَّ الْمَالَ لِلْوَرَثَةِ ، وَلَهُمْ أَنْ يَقْضُوا الدَّيْنَ مِنْهُ وَمِنْ غَيْرِهِ ، وَلِلْوَصِيِّ فِي قَضَاءِ الدَّيْنِ حَقٌّ فِيهِ ؛ لِأَنَّ لَهُمْ مَنْعَهُمْ مِنْ التَّصَرُّفِ فِي التَّرِكَةِ قَبْلَ قَضَاءِ الدَّيْنِ .\r.","part":24,"page":221},{"id":11721,"text":"( 8727 ) فَصْلٌ : إذَا مَاتَ رَجُلٌ ، وَخَلَفَ ابْنَيْنِ وَعَبْدًا ، فَادَّعَى الْعَبْدُ أَنَّ سَيِّدَهُ كَاتَبَهُ ، فَصَدَّقَاهُ ، ثَبَتَتْ الْكِتَابَةُ ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمَا .\rوَإِنْ أَنْكَرَاهُ ، وَكَانَتْ لَهُ بَيِّنَةٌ بِدَعْوَاهُ ثَبَتَتْ الْكِتَابَةُ ، وَعَتَقَ بِالْأَدَاءِ إلَيْهِمَا .\rوَإِنْ عَجَزَ ، فَلَهُمَا رَدُّهُ إلَى الرِّقِّ .\rوَإِنْ لَمْ يُعَجِّزَاهُ ، وَصَبَرَا عَلَيْهِ ، لَمْ يَمْلِكْ الْفَسْخَ .\rوَإِنْ عَجَّزَهُ أَحَدُهُمَا ، وَأَبَى الْآخَرُ تَعْجِيزَهُ ، بَقِيَ نِصْفُهُ عَلَى الْكِتَابَةِ ، وَعَادَ نِصْفُهُ الْآخَرُ رَقِيقًا .\rوَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُمَا مَعَ أَيْمَانِهِمَا ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الرِّقِّ ، وَعَدَمُ الْكِتَابَةِ ، وَتَكُونُ أَيْمَانُهُمْ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ ، فَيَحْلِفَانِ بِاَللَّهِ أَنَّهُمَا لَا يَعْلَمَانِ أَنَّ أَبَاهُمَا كَاتَبَهُ ، لِأَنَّهَا يَمِينٌ عَلَى نَفْيِ فِعْلِ الْغَيْرِ ، فَإِنْ حَلَفَا ، ثَبَتَ رِقُّهُ ، وَإِنْ نَكَلَا ، قُضِيَ عَلَيْهَا ، أَوْ رُدَّتْ الْيَمِينُ عَلَيْهِ ، عَلَى قَوْلِ مَنْ قَضَى بِرَدِّهَا ، فَيَحْلِفُ الْعَبْدُ ، وَتَثْبُتُ الْكِتَابَةُ .\rوَإِنْ حَلَفَ أَحَدُهُمَا ، وَنَكَلَ الْآخَرُ ، قُضِيَ بِرِقِّ نِصْفِهِ ، وَكِتَابَةِ نِصْفِهِ .\rوَإِنْ صَدَّقَهُ أَحَدُهُمَا ، وَكَذَّبَهُ الْآخَرُ ثَبَتَتْ الْكِتَابَةُ فِي نِصْفِهِ ، وَعَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ فِي نِصْفِهِ الْآخَرِ .\rفَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ ، وَحَلَفَ الْمُنْكِرُ ، صَارَ نِصْفُهُ مُكَاتَبًا ، وَنِصْفُهُ رَقِيقًا قِنًّا .\rفَإِنْ شَهِدَ الْمُقِرُّ عَلَى أَخِيهِ ، قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُرُّ بِهَا إلَى نَفْسِهِ نَفْعًا ، وَلَا يَدْفَعُ بِهَا ضَرَرًا ، فَإِنْ كَانَ مَعَهُ شَاهِدٌ آخَرُ كَمُلَتْ الشَّهَادَةُ ، وَثَبَتَتْ الْكِتَابَةُ فِي جَمِيعِهِ .\rوَإِنْ لَمْ يَشْهَدْ مَعَهُ غَيْرُهُ ، فَهَلْ يَحْلِفُ الْعَبْدُ مَعَهُ ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ .\rوَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَدْلًا ، أَوْ لَمْ يَحْلِفْ الْعَبْدُ مَعَهُ ، وَحَلَفَ الْمُنْكِرُ ، كَانَ نِصْفُهُ مُكَاتَبًا ، وَنِصْفُهُ رَقِيقًا ، وَيَكُونُ كَسْبُهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُنْكِرِ نِصْفَيْنِ ، وَنَفَقَتُهُ مِنْ كَسْبِهِ ؛","part":24,"page":222},{"id":11722,"text":"لِأَنَّهَا عَلَى نَفْسِهِ ، وَعَلَى مَالِكِ نِصْفِهِ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ كَسْبٌ كَانَ عَلَى الْمُنْكِرِ نِصْفُ نَفَقَتِهِ ، ثُمَّ إنْ اتَّفَقَ هُوَ وَمَالِكُ نِصْفِهِ عَلَى الْمُهَايَأَةِ مُعَاوَمَةً أَوْ مُشَاهَرَةً ، أَوْ كَيْفَمَا كَانَ ، جَازَ .\rوَإِنْ طَلَبَ ذَلِكَ أَحَدُهُمَا ، وَامْتَنَعَ الْآخَرُ فَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ ، أَنَّهُ يُجْبَرُ عَلَيْهَا .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّ الْمَنَافِعَ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَهُمَا ، فَإِذَا أَرَادَ أَحَدُهُمَا حِيَازَةَ نَصِيبِهِ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ ، لَزِمَ الْآخَرَ إجَابَتُهُ ، كَالْأَعْيَانِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يُجْبَرَ .\rوَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ الْمُهَايَأَةَ تَأْخِيرُ حَقِّهِ الْحَالِّ ؛ لِأَنَّ الْمَنَافِعَ فِي هَذَا الْيَوْمِ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَهُمَا ، فَلَا تَجِبُ الْإِجَابَةُ إلَيْهِ كَتَأْخِيرِ دَيْنِهِ الْحَالِّ .\rفَإِنْ اقْتَسَمَا الْكَسْبَ مُهَايَأَةً ، أَوْ مُنَاصَفَةً ، فَلَمْ يَفِ بِأَدَاءِ نُجُومِهِ فَلِلْمُقِرِّ رَدُّهُ ، فِي الرِّقِّ ، وَمَا فِي يَدِهِ لَهُ خَاصَّةً ؛ لِأَنَّ الْمُنْكِرَ قَدْ أَخَذَ حَقَّهُ مِنْ الْكَسْبِ .\rوَإِنْ اخْتَلَفَ الْمُنْكِرُ وَالْمُقِرُّ فِيمَا فِي يَدِ الْمُكَاتَبِ ، فَقَالَ الْمُنْكِرُ : هَذَا كَانَ فِي يَدِهِ قَبْلَ دَعْوَى الْكِتَابَةِ وَكَسَبَهُ فِي حَيَاةِ أَبِينَا .\rوَأَنْكَرَ ذَلِكَ الْمُقِرُّ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ ؛ لِأَنَّ الْمُنْكِرَ يَدَّعِي كَسْبَهُ فِي وَقْتٍ ، الْأَصْلُ عَدَمُهُ فِيهِ ، وَلِأَنَّهُ لَوْ اخْتَلَفَ هُوَ وَالْمُكَاتَبُ فِي ذَلِكَ ، كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمُكَاتَبِ ، فَكَذَلِكَ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ .\rوَإِنْ أَدَّى الْكِتَابَةَ عَتَقَ نَصِيبُ الْمُقِرِّ خَاصَّةً ، وَلَمْ يَسْرِ إلَى نَصِيبِ شَرِيكِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُبَاشِرْ الْعِتْقَ ، وَلَمْ يَتَسَبَّبْ إلَيْهِ ، وَإِنَّمَا كَانَ السَّبَبُ مِنْ أَبِيهِ ، وَهَذَا حَاكٍ عَنْ أَبِيهِ ، مُقِرٌّ بِفِعْلِهِ ، فَهُوَ كَالشَّاهِدِ ، وَلِأَنَّ الْمُقِرَّ يَزْعُمُ أَنَّ نَصِيبَ أَخِيهِ حُرٌّ أَيْضًا ؛ لِأَنَّهُ قَدْ قَبَضَ مِنْ الْعَبْدِ مِثْلَ مَا قَبَضَ ، فَقَدْ حَصَلَ أَدَاءُ مَالِ الْكِتَابَةِ إلَيْهِمَا جَمِيعًا ، فَعَتَقَ كُلُّهُ بِذَلِكَ ،","part":24,"page":223},{"id":11723,"text":"وَوَلَاءُ هَذَا النِّصْفِ لِلْمُقِرِّ لِأَنَّ أَخَاهُ لَا يَدَّعِيهِ وَهَذَا الْمُقِرُّ يَدَّعِي أَنَّهُ كُلَّهُ قَدْ عَتَقَ بِالْكِتَابَةِ ، وَهَذَا الْوَلَاءُ الَّذِي عَلَى هَذَا النِّصْفِ نَصِيبِي مِنْ الْوَلَاءِ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ : فِي ذَلِكَ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا ، كَقَوْلِنَا .\rوَالثَّانِي ، الْوَلَاءُ بَيْنَ الِاثْنَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ يَثْبُتُ لِمَوْرُوثِهِمَا ، فَكَانَ لَهُمَا بِالْمِيرَاثِ .\rوَالصَّحِيحُ مَا قُلْنَاهُ ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ ، وَلَا يُمْنَعُ ثُبُوتُ الْوَلَاءِ لِلْأَبِ ، وَاخْتِصَاصُ أَحَدِ الِابْنَيْنِ بِهِ ، كَمَا لَوْ ادَّعَى أَحَدُهُمَا دَيْنًا لِأَبِيهِ عَلَى إنْسَانٍ ، وَأَنْكَرَهُ الْآخَرُ ، فَإِنَّ الْمُدَّعِيَ يَأْخُذُ نَصِيبَهُ مِنْ الدَّيْنِ ، وَيَخْتَصُّ بِهِ دُونَ أَخِيهِ ، وَإِنْ كَانَ يَرِثُهُ عَنْ الْأَبِ ، وَكَذَلِكَ لَوْ ادَّعَيَاهُ مَعًا ، وَأَقَامَا بِهِ شَاهِدًا وَاحِدًا ، فَحَلَفَ أَحَدُهُمَا مَعَ الشَّاهِدِ ، وَأَبَى الْآخَرُ .\rفَإِنْ أَعْتَقَ أَحَدُهُمَا حِصَّتَهُ ، عَتَقَ ، وَسَرَى إلَى بَاقِيهِ ، إنْ كَانَ مُوسِرًا .\rوَهَذَا قَوْلُ الْخِرَقِيِّ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ مِنْ عَبْدٍ ، وَكَانَ لَهُ مَا يَبْلُغُ قِيمَةَ الْعَبْدِ ، قُوِّمَ عَلَيْهِ قِيمَةَ الْعَدْلِ ، وَأُعْطِيَ شُرَكَاؤُهُ حِصَصَهُمْ } .\rوَلِأَنَّهُ مُوسِرٌ أَعْتَقَ نَصِيبَهُ مِنْ عَبْدٍ مُشْتَرَكٍ ، فَسَرَى إلَى بَاقِيهِ ، كَغَيْرِ الْمُكَاتَبِ .\rوَقَالَ أَبُو بَكْرٍ ، وَالْقَاضِي : لَا تَعْتِقُ إلَّا حِصَّتُهُ ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ الْمُعْتِقُ الْمُقِرَّ ، فَهُوَ مُنَفِّذٌ ، وَإِنْ كَانَ الْمُنْكِرَ ، لَمْ يَصِرْ إلَى نَصِيبِ الْمُقِرِّ ؛ لِأَنَّهُ مُكَاتَبٌ لِغَيْرِهِ ، وَفِي سِرَايَةِ الْعِتْقِ إلَيْهِ إبْطَالُ سَبَبِ الْوَلَاءِ عَلَيْهِ ، فَلَمْ يَجُزْ ذَلِكَ .","part":24,"page":224},{"id":11724,"text":"( 8728 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَلَا يُمْنَعُ الْمُكَاتَبُ مِنْ السَّفَرِ ) .\rوَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْمُكَاتَبَ لَا يُمْنَعُ مِنْ السَّفَرِ ، قَرِيبًا كَانَ أَوْ بَعِيدًا .\rوَهَذَا قَوْلُ الشَّعْبِيِّ ، وَالنَّخَعِيِّ ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَالْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ .\rوَأَبِي حَنِيفَةَ .\rوَلَمْ يُفَرِّقْ أَصْحَابُنَا بَيْنَ السَّفَرِ الطَّوِيلِ وَغَيْرِهِ ، لَكِنَّ قِيَاسَ الْمَذْهَبِ أَنَّ لَهُ مَنْعَهُ مِنْ سَفَرٍ تَحِلُّ نُجُومُ كِتَابَتِهِ قَبْلَهُ ؛ لِأَنَّهُ يَتَعَذَّرُ مَعَهُ اسْتِيفَاءُ النُّجُومِ فِي وَقْتِهَا ، وَالرُّجُوعُ فِي وَقْتِهِ عِنْدَ عَجْزِهِ فَمُنِعَ مِنْهُ ، كَالْغَرِيمِ الَّذِي يَحِلُّ عَلَيْهِ الدَّيْنُ قَبْلَ مُدَّةِ سَفَرِهِ .\rوَاخْتَلَفَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، فَقَالَ : فِي مَوْضِعٍ : لَهُ السَّفَرُ .\rوَفِي قَوْلٍ لَيْسَ لَهُ السَّفَرُ .\rفَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ : فِيهَا قَوْلَانِ .\rوَقَالَ بَعْضُهُمْ : لَيْسَتْ عَلَى قَوْلَيْنِ ، إنَّمَا هِيَ عَلَى اخْتِلَافِ حَالَيْنِ ؛ فَالْمَوْضِعُ الَّذِي قَالَ : لَهُ السَّفَرُ .\rإذَا كَانَ قَصِيرًا ؛ لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ الْحَاضِرِ ، وَالْمَوْضِعُ الَّذِي مَنَعَ مِنْهُ ، إذَا كَانَ بَعِيدًا ، يَتَعَذَّرُ مَعَهُ اسْتِيفَاءُ نُجُومِهِ ، وَالرُّجُوعُ فِي رِقِّهِ عِنْدَ عَجْزِهِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الْمُكَاتَبَ فِي يَدِ نَفْسِهِ ، وَإِنَّمَا لِلسَّيِّدِ عَلَيْهِ دَيْنٌ ، فَأَشْبَهَ الْحُرَّ الْمَدِينَ ، وَمَا ذَكَرُوهُ لَا أَصْلَ لَهُ ، وَيَبْطُلُ بِالْحُرِّ الْغَرِيمِ .","part":24,"page":225},{"id":11725,"text":"( 8729 ) فَصْلٌ : فَإِنْ شَرَطَ عَلَيْهِ فِي الْكِتَابَةِ أَنْ لَا يُسَافِرَ ، فَقَالَ الْقَاضِي : الشَّرْطُ بَاطِلٌ .\rوَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَالشَّعْبِيِّ ، وَالنَّخَعِيِّ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّهُ يُنَافِي مُقْتَضَى الْعَقْدِ ، فَلَمْ يَصِحَّ شَرْطُهُ ، كَشَرْطِ تَرْكِ الِاكْتِسَابِ ، وَلِأَنَّهُ غَرِيمٌ ، فَلَمْ يَصِحَّ شَرْطُ تَرْكِ السَّفَرِ عَلَيْهِ ، كَمَا لَوْ أَقْرَضَهُ رَجُلٌ قَرْضًا بِشَرْطِ أَنْ لَا يُسَافِرَ .\rوَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ يَصِحُّ الشَّرْطُ ، وَلَهُ مَنْعُهُ مِنْ السَّفَرِ .\rوَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ .\r} وَلِأَنَّهُ شَرْطٌ لَهُ فِيهِ فَائِدَةٌ ، فَلَزِمَ كَمَا لَوْ شَرَطَ نَقْدًا مَعْلُومًا .\rوَبَيَانُ فَائِدَتِهِ ، أَنَّهُ لَا يَأْمَنُ إبَاقَهُ وَأَنَّهُ لَا يَرْجِعُ إلَى سَيِّدِهِ ، فَيَفُوتُ الْعَبْدُ وَالْمَالُ الَّذِي عَلَيْهِ ، وَيُفَارِقُ الْقَرْضَ فَإِنَّهُ عَقْدٌ جَائِزٌ مِنْ جَانِبِ الْمُقْرِضِ ، مَتَى شَاءَ طَالَبَ بِأَخْذِهِ ، وَمَنَعَ الْغَرِيمَ السَّفَرَ قَبْلَ إيفَائِهِ فَكَانَ الْمَنْعُ مِنْ السَّفَرِ حَاصِلًا بِدُونِ شَرْطِهِ بِخِلَافِ الْكِتَابَةِ فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُ السَّيِّدَ مَنْعُهُ مِنْ السَّفَرِ إلَّا بِشَرْطِهِ وَفِيهِ حِفْظُ عَبْدِهِ وَمَالِهِ ، فَلَا يُمْنَعُ مِنْ تَحْصِيلِهِ .\rوَهَذَا أَصَحُّ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ، وَأَوْلَى .\rفَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ ، لِسَيِّدِهِ مَنْعُهُ مِنْ السَّفَرِ ، فَإِنْ سَافَرَ بِغَيْرِ إذْنِهِ ، فَلَهُ رَدُّهُ إنْ أَمْكَنَهُ ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ رَدُّهُ ، احْتَمَلَ أَنَّ لَهُ تَعْجِيزَهُ ، وَرَدَّهُ إلَى الرِّقِّ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَفِ بِمَا شَرَطَهُ عَلَيْهِ ، أَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ يَفِ بِأَدَاءِ الْكِتَابَةِ .\rوَاحْتَمَلَ أَنْ لَا يَمْلِكَ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ مُكَاتَبٌ كِتَابَةً صَحِيحَةً ، لَمْ يَظْهَرْ عَجْزُهُ ، فَلَمْ يَمْلِكْ تَعْجِيزَهُ ، كَمَا لَوْ لَمْ يَشْتَرِطْ عَلَيْهِ .","part":24,"page":226},{"id":11726,"text":"( 8730 ) فَصْلٌ : وَإِنْ شَرَطَ فِي كِتَابَتِهِ أَنْ لَا يَسْأَلَ ، فَقَالَ أَحْمَدُ : قَالَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ : هُمْ عَلَى شُرُوطِهِمْ ، إنْ رَأَيْتَهُ يَسْأَلُ تَنْهَاهُ .\rفَإِنْ قَالَ : لَا أَعُودُ .\rلَمْ يَرُدَّهُ عَنْ كِتَابَتِهِ فِي مَرَّةٍ .\rفَظَاهِرُ هَذَا أَنَّ الشَّرْطَ صَحِيحٌ لَازِمٌ ، وَأَنَّهُ إنْ خَالَفَ مَرَّةً ، لَمْ يُعَجِّزْهُ ، وَإِنْ خَالَفَ مَرَّتَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ ، فَلَهُ تَعْجِيزُهُ .\rقَالَ أَبُو بَكْرٍ : إذَا رَآهُ يَسْأَلُ مَرَّةً فِي مَرَّةٍ ، عَجَّزَهُ ، كَمَا إذَا حَلَّ نَجْمٌ فِي نَجْمٍ ، عَجَّزَهُ .\rفَاعْتَبَرَ الْمُخَالَفَةَ فِي مَرَّتَيْنِ كَحُلُولِ نَجْمَيْنِ .\rوَإِنَّمَا صَحَّ الشَّرْطُ ؛ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ } .\rوَلِأَنَّ لَهُ فِي هَذَا فَائِدَةً وَغَرَضًا صَحِيحًا ، وَهُوَ أَنْ لَا يَكُونَ كَلًّا عَلَى النَّاسِ ، وَلَا يُطْعِمَهُ مِنْ صَدَقَتِهِمْ وَأَوْسَاخِهِمْ .\rوَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ ، أَنَّهُ لَا يَصِحُّ الشَّرْطُ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ لِلْمُكَاتَبِ سَهْمًا مِنْ الصَّدَقَةِ ، بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَفِي الرِّقَابِ } .\rوَهُمْ الْمُكَاتَبُونَ ، فَلَمْ يَصِحَّ اشْتِرَاطُ تَرْكِ طَلَبِ مَا جَعَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى .","part":24,"page":227},{"id":11727,"text":"( 8731 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ إلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ ) .\rوَهَذَا قَوْلُ الْحَسَنِ ، وَمَالِكٍ ، وَاللَّيْثِ ، وَابْنِ أَبِي لَيْلَى ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي يُوسُفَ .\rوَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ : لَهُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ ، أَشْبَهَ الْبَيْعَ .\rوَلَنَا قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { أَيُّمَا عَبْدٍ تَزَوَّجَ بِغَيْرِ إذْنِ مَوَالِيهِ ، فَهُوَ عَاهِرٌ } .\rوَلِأَنَّ عَلَى السَّيِّدِ فِيهِ ضَرَرًا ، لِأَنَّهُ رُبَّمَا عَجَزَ فَيَرْجِعُ إلَيْهِ نَاقِصَ الْقِيمَةِ ، وَيَحْتَاجُ أَنْ يُؤَدِّيَ الْمَهْرَ وَالنَّفَقَةَ مِنْ كَسْبِهِ ، فَيَعْجِزُ عَنْ تَأْدِيَةِ نُجُومِهِ ، فَيُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ ، كَالتَّبَرُّعِ بِهِ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّهُ إذَا تَزَوَّجَ لَمْ يَصِحَّ تَزْوِيجُهُ .\rوَقَالَ الثَّوْرِيُّ : نِكَاحُهُ مَوْقُوفٌ إنْ أَدَّى تَبَيَّنَّا أَنَّهُ كَانَ صَحِيحًا ، وَإِنْ عَجَزَ ، فَنِكَاحُهُ بَاطِلٌ .\rوَلَنَا الْخَبَرُ وَلِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ مُنِعَ مِنْهُ لِلضَّرَرِ ، فَلَمْ يَصِحَّ ، كَالْهِبَةِ ، وَمَا ذَكَرَهُ لَا أَصْلَ لَهُ .\rفَإِذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّهُ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا ، فَإِنْ كَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ ، فَلَا مَهْرَ لَهَا ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ ، فَعَلَيْهِ مَهْرُ مِثْلِهَا ، يُؤَدَّى مِنْ كَسْبِهِ ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ جِنَايَتِهِ ، وَإِنْ أَتَتْ بِوَلَدٍ لَحِقَهُ نَسَبُهُ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ وَطْءٍ فِي نِكَاحٍ فَاسِدٍ ، فَإِنْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ حُرَّةً ، فَهُوَ حُرٌّ ، وَإِنْ كَانَتْ أَمَةً ، فَوَلَدُهَا رَقِيقٌ لِسَيِّدِهَا .\rفَأَمَّا إنْ أَذِنَ لَهُ سَيِّدُهُ فِي النِّكَاحِ ، صَحَّ مِنْهُ .\rفِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا ؛ فَإِنَّ الْخَبَرَ يَدُلُّ بِمَفْهُومِهِ عَلَى صِحَّةِ تَزْوِيجِهِ ، إذَا أَذِنَ لَهُ ، وَلِأَنَّ الْمَنْعَ مِنْ نِكَاحِهِ لِحَقِّ سَيِّدِهِ ، فَإِذَا أَذِنَ لَهُ ، زَالَ الْمَانِعُ ، وَلِأَنَّهُ لَوْ أَذِنَ لِعَبْدِهِ الْقِنِّ فِي النِّكَاحِ ، صَحَّ مِنْهُ ، فَالْمُكَاتَبُ أَوْلَى .","part":24,"page":228},{"id":11728,"text":"( 8732 ) فَصْلٌ : وَلَيْسَ لَهُ التَّسَرِّي بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ ؛ لِأَنَّ مِلْكَهُ غَيْرُ تَامٍّ .\rوَقَالَ الزُّهْرِيُّ : لَا يَنْبَغِي لِأَهْلِهِ أَنْ يَمْنَعُوهُ مِنْ التَّسَرِّي .\rوَلَنَا ، أَنَّ مِلْكَهُ نَاقِصٌ ، وَعَلَى السَّيِّدِ فِيهِ ضَرَرٌ ، فَيُمْنَعُ مِنْهُ ، كَالتَّزْوِيجِ .\rوَبَيَانُ الضَّرَرِ فِيهِ أَنَّهُ رُبَّمَا أَحْبَلَهَا ، وَالْحَبَلُ مَخُوفٌ فِي بَنَاتِ آدَمَ ، فَرُبَّمَا تَلِفَتْ وَرُبَّمَا وَلَدَتْ ، فَصَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ فَيَمْتَنِعُ عَلَيْهِ بَيْعُهَا فِي أَدَاءِ كِتَابَتِهَا ، وَإِنْ عَجَزَتْ ، رَجَعَتْ إلَى السَّيِّدِ نَاقِصَةً ، فَإِذَا مُنِعَ مِنْ التَّزْوِيجِ لِضَرَرِهِ ، فَهَذَا أَوْلَى .\rفَأَمَّا إنْ أَذِنَ لَهُ سَيِّدُهُ فِي التَّسَرِّي جَازَ لَهُ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ ، وَإِنْ أَذِنَ فِيهِ سَيِّدُهُ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ أَمْرٌ يَضُرُّ بِهِ ، وَرُبَّمَا أَفْضَى إلَى مَنْعِهِ مِنْ الْعِتْقِ ، فَلَمْ يَجُزْ وَإِنْ أَذِنَ فِيهِ سَيِّدُهُ ، وَلِأَنَّهُ نَاقِصُ الْمِلْكِ ، فَلَمْ يَجُزْ لَهُ التَّسَرِّي ، كَوَطْءِ الْجَارِيَةِ الْمُشْتَرَكَةِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ لَوْ أَذِنَ لِعَبْدِهِ الْقِنِّ فِي التَّسَرِّي ، جَازَ ، فَالْمُكَاتَبُ أَوْلَى ، وَلِأَنَّ الْمَنْعَ كَانَ لِأَجْلِ الضَّرَرِ بِالسَّيِّدِ ، فَجَازَ تَأْدِيبُهُ ، كَالتَّزْوِيجِ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّهُ إذَا تَسَرَّى بِإِذْنِ سَيِّدِهِ ، أَوْ غَيْرِ إذْنِهِ ، فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ لِشُبْهَةِ الْمِلْكِ ، وَلَا مَهْرَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ وَجَبَ لَوَجَبَ لَهُ ، وَلَا يَجِبُ عَلَى الْإِنْسَانِ شَيْءٌ لِنَفْسِهِ .\rوَإِنْ حَبِلَتْ ، فَالنَّسَبُ لَاحِقٌ بِهِ ؛ لِأَنَّ الْحَدَّ إذَا سَقَطَ بِالشُّبْهَةِ ، لَحِقَهُ النَّسَبُ ، وَيَكُونُ الْوَلَدُ مَمْلُوكًا لَهُ ؛ لِأَنَّهُ ابْنُ أَمَتِهِ ، وَلَا يَعْتِقُ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ مِلْكَهُ غَيْرُ تَامٍّ ، وَلَيْسَ لَهُ بَيْعُهُ ؛ لِأَنَّهُ وَلَدُهُ ، وَيَكُونُ مَوْقُوفًا عَلَى كِتَابَتِهِ ، فَإِنْ أَدَّى عَتَقَ ، وَعَتَقَ الْوَلَدُ ؛ لِأَنَّهُ مِلْكٌ لِأَبِيهِ الْحُرِّ ، وَإِنْ عَجَزَ ، وَعَادَ إلَى الرِّقِّ ، فَوَلَدُهُ رَقِيقٌ أَيْضًا ، وَيَكُونَانِ مَمْلُوكَيْنِ لِلسَّيِّدِ .","part":24,"page":229},{"id":11729,"text":"فَأَمَّا الْأَمَةُ ، فَإِنْ وَلَدَتْ قَبْلَ عِتْقِهِ وَعَجْزِهِ ، فَإِنَّهَا تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ لِلْمُكَاتَبِ ، وَلَيْسَ لَهُ بَيْعُهَا .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ؛ لِأَنَّ وَلَدَهَا لَهُ حُرْمَةُ الْحُرِّيَّةِ ، وَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ .\rوَيَعْتِقُ بِعِتْقِ أَبِيهِ ، فَكَذَلِكَ أُمُّهُ .\rفَعَلَى هَذَا ، لَا يَجُوزُ بَيْعُهَا ، وَتَكُونُ مَوْقُوفَةً عَلَى الْمُكَاتَبِ ، إنْ عَتَقَ ، فَهِيَ أُمُّ وَلَدِهِ ، وَإِنْ رَقَّ ، رَقَّتْ .\rوَقَالَ الْقَاضِي ، فِي مَوْضِعٍ : لَا تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ بِحَالٍ ، وَلَهُ بَيْعُهَا ؛ لِأَنَّهَا حَمَلَتْ بِمَمْلُوكٍ ، فِي مِلْكٍ غَيْرِ تَامٍّ .\rوَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ ، كَهَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ .\rوَإِنْ وَضَعَتْهُ بَعْدَ عِتْقِهِ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ ، تَبَيَّنَّا أَنَّهَا حَمَلَتْ بِهِ فِي حَالِ رِقِّهِ ، فَالْحُكْمُ عَلَى مَا مَضَى .\rوَإِنْ أَتَتْ بِهِ لِأَكْثَرَ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ حَكَمْنَا أَنَّهَا حَمَلَتْهُ حُرًّا ؛ لِأَنَّنَا لَمْ نَتَيَقَّنْ وُجُودَهُ فِي حَالِ الرِّقِّ ، وَتَكُونُ أُمَّ وَلَدٍ ؛ لِأَنَّهَا عَلِقَتْ بِحُرٍّ فِي مِلْكِهِ .\rوَلِلشَّافِعِيِّ مِنْ التَّفْصِيلِ نَحْوٌ مِمَّا ذَكَرْنَا .","part":24,"page":230},{"id":11730,"text":"( 8733 ) فَصْلٌ : وَلَيْسَ لِلْمُكَاتَبِ أَنْ يُزَوِّجَ عَبِيدَهُ وَإِمَاءَهُ ، بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ .\rوَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ .\rوَذُكِرَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ لَهُ ذَلِكَ ، إذَا كَانَ عَلَى وَجْهِ النَّظَرِ ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ عَلَى مَنْفَعَةٍ ، فَمَلَكَهُ ، كَالْإِجَارَةِ .\rوَهُوَ الَّذِي قَالَهُ أَبُو الْخَطَّابِ ، فِي \" رُءُوسِ الْمَسَائِلِ \" .\rوَحُكِيَ عَنْ الْقَاضِي ، أَنَّهُ قَالَ فِي \" الْخِصَالِ \" : لَهُ تَزْوِيجُ الْأَمَةِ دُونَ الْعَبْدِ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّهُ يَأْخُذُ عِوَضًا عَنْ تَزْوِيجِهَا ، بِخِلَافِ الْعَبْدِ ، وَلِأَنَّهُ عَقْدُ ذِمَّةٍ عَلَى مَنَافِعِهَا ، فَأَشْبَهَ إجَارَتَهَا .\rوَلَنَا ، أَنَّ عَلَى السَّيِّدِ فِيهِ ضَرَرًا ؛ لِأَنَّهُ إنْ زَوَّجَ الْعَبْدَ ، لَزِمَتْهُ نَفَقَةُ امْرَأَتِهِ وَمَهْرُهَا ، وَشَغَلَهُ بِحُقُوقِ النِّكَاحِ ، وَنَقْصِ قِيمَتِهِ ، وَإِنْ زَوَّجَ الْأَمَةَ ، مَلَكَ الزَّوْجُ بُضْعَهَا ، وَنَقَصَتْ قِيمَتُهَا ، وَقَلَّتْ الرَّغَبَاتُ فِيهَا ، وَرُبَّمَا امْتَنَعَ بَيْعُهَا بِالْكُلِّيَّةِ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ جِهَاتِ الْمُكَاتَبِ ، فَرُبَّمَا عَجَّزَهُ ذَلِكَ عَنْ أَدَاءِ نُجُومِهِ ، وَإِنْ عَجَزَ ، عَادَ رَقِيقًا لِلسَّيِّدِ ، مَعَ مَا تَعَلَّقَ بِهِمْ مِنْ الْحُقُوقِ ، وَلَحِقَهُمْ مِنْ النَّقْصِ ، فَلَمْ يَجُزْ ذَلِكَ لَهُ ، كَإِعْتَاقِهِمْ ، وَفَارَقَ إجَارَةَ الدَّارِ ، فَإِنَّهَا مِنْ جِهَاتِ الْمَكَاسِبِ عَادَةً .\rفَعَلَى هَذَا ، إنْ وَجَبَ تَزْوِيجُهُمْ ، لِطَلَبِهِمْ ذَلِكَ ، وَحَاجَتِهِمْ إلَيْهِ ، بَاعَهُمْ ؛ فَإِنَّ الْعَبْدَ مَتَى طَلَبَ التَّزْوِيجَ ، خُيِّرَ سَيِّدُهُ بَيْنَ بَيْعِهِ وَتَزْوِيجِهِ .\rوَإِنْ أَذِنَ لَهُ السَّيِّدُ فِي ذَلِكَ ، جَازَ ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُ ، وَالْمَنْعَ مِنْ أَجْلِهِ ، فَجَازَ بِإِذْنِهِ .","part":24,"page":231},{"id":11731,"text":"( 8734 ) فَصْلٌ : وَلَيْسَ لَهُ إعْتَاقُ رَقِيقِهِ ، إلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ .\rوَبِهَذَا قَالَ الْحَسَنُ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّ فِيهِ ضَرَرًا عَلَى سَيِّدِهِ ، بِتَفْوِيتِ مَالِهِ فِيمَا لَا يَحْصُلُ لَهُ بِهِ مَالٌ ، فَأَشْبَهَ الْهِبَةَ .\rفَإِنْ أَعْتَقَ ، لَمْ يَصِحَّ إعْتَاقُهُ .\rوَيَتَخَرَّجُ أَنْ يَصِحَّ ، وَيَقِفَ عَلَى إذْنِ سَيِّدِهِ .\rوَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : هُوَ مَوْقُوفٌ عَلَى آخِرِ أَمْرِ الْمُكَاتَبِ ؛ فَإِنْ أَدَّى ، عَتَقَ مُعْتَقُهُ ، وَإِنْ لَمْ يُؤَدِّ ، رَقَّ .\rقَالَ الْقَاضِي : هَذَا قِيَاسُ الْمَذْهَبِ ، كَقَوْلِنَا فِي ذَوِي الْأَرْحَامِ ، إنَّهُمْ مَوْقُوفُونَ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ تَبَرُّعٌ بِمَالِهِ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ ، فَكَانَ بَاطِلًا ، كَالْهِبَةِ ، وَلِأَنَّهُ تَصَرَّفَ تَصَرُّفًا مُنِعَ مِنْهُ لِحَقِّ سَيِّدِهِ ، فَكَانَ بَاطِلًا ، كَسَائِرِ مَا يُمْنَعُ مِنْهُ .\rوَلَا يَصِحُّ قِيَاسُهُ عَلَى ذَوِي أَرْحَامِهِ ؛ لِأَنَّ عِتْقَ ذَوِي أَرْحَامِهِ لَيْسَ بِتَصَرُّفٍ مِنْهُ ، وَإِنَّمَا يُعْتِقُهُمْ الشَّرْعُ عَلَى مَالِكِهِمْ بِمِلْكِهِمْ ، وَالْمُكَاتَبُ مِلْكُهُ نَاقِصٌ ، فَلَمْ يَعْتِقْ بِهِ ، فَإِذَا عَتَقَ كَمُلَ مِلْكُهُ ، فَعَتَقُوا حِينَئِذٍ ، وَالْمُعْتَقُ إنَّمَا يَعْتِقُ بِالْإِعْتَاقِ الَّذِي كَانَ بَاطِلًا ، فَلَا تَتَيَقَّنُ صِحَّتُهُ إذَا كَمُلَ الْمِلْكُ ؛ لِأَنَّ كَمَالَ الْمِلْكِ فِي الثَّانِي لَا يُوجِبُ كَوْنَهُ كَامِلًا حِينَ الْإِعْتَاقِ ، وَكَذَلِكَ لَا يَصِحُّ سَائِرُ تَبَرُّعَاتِهِ بِأَدَائِهِ .\rفَأَمَّا إنْ أَذِنَ فِيهِ سَيِّدُهُ ، صَحَّ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ : لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ تَبَرُّعَهُ بِمَالِهِ يَفُوقُ الْمَقْصُودَ مِنْ كِتَابَتِهِ ، وَهُوَ الْعِتْقُ الَّذِي هُوَ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى ، أَوْ فِيهِ حَقٌّ لَهُ ، فَلَا يَجُوزُ تَفْوِيتُهُ ، وَلِأَنَّ الْعِتْقَ لَا يَنْفَكُّ مِنْ الْوَلَاءِ وَالْعَبْدُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهِ ، وَلِأَنَّ مِلْكَ الْمُكَاتَبِ نَاقِصٌ ، وَالسَّيِّدُ لَا يَمْلِكُ إعْتَاقَ مَا فِي يَدِهِ وَلَا هِبَتَهُ ، فَلَمْ يَصِحَّ لِأَنَّهُ فِيهِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الْحَقَّ لَا يَخْرُجُ عَنْهُمَا ،","part":24,"page":232},{"id":11732,"text":"فَإِذَا اتَّفَقَا عَلَى التَّبَرُّعِ بِهِ ، جَازَ ، كَالرَّاهِنِ وَالْمُرْتَهِنِ .\rوَمَا ذَكَرُوهُ يَبْطُلُ بِالنِّكَاحِ ، فَإِنَّهُ لَا يَمْلِكُ وَلَا يَمْلِكُهُ السَّيِّدُ عَلَيْهِ ، وَإِذَا أَذِنَ لَهُ فِيهِ ، جَازَ ، وَأَمَّا الْوَلَاءُ فَإِنَّهُ يَكُونُ مَوْقُوفًا فَإِنْ عَتَقَ الْمُكَاتَبُ ، كَانَ لَهُ ، وَإِلَّا فَهُوَ لِسَيِّدِهِ ، كَمَا يَرِقُّ مَمَالِيكُهُ مِنْ ذَوِي أَرْحَامِهِ .\rهَذَا قَوْلُ الْقَاضِي .\rوَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ : يَكُونُ لِسَيِّدِهِ ؛ لِأَنَّ إعْتَاقَهُ إنَّمَا صَحَّ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ ، فَكَانَ كَالنَّائِبِ لَهُ .","part":24,"page":233},{"id":11733,"text":"( 8735 ) فَصْلٌ : وَالْمُكَاتَبُ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ ، فَلَيْسَ لَهُ اسْتِهْلَاكُهُ ، وَلَا هِبَتُهُ .\rوَبِهَذَا قَالَ الْحَسَنُ ، وَمَالِكٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ، وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا ؛ لِأَنَّ حَقَّ سَيِّدِهِ لَمْ يَنْقَطِعْ عَنْهُ ، لِأَنَّهُ قَدْ يَعْجِزُ ، فَيَعُودُ إلَيْهِ ، وَلِأَنَّ الْقَصْدَ مِنْ الْكِتَابَةِ تَحْصِيلُ الْعِتْقِ بِالْأَدَاءِ ، وَهِبَةُ مَالِهِ تُفَوِّتُ ذَلِكَ .\rوَإِنْ أَذِنَ فِيهِ سَيِّدُهُ ، جَازَ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَجُوزُ ؛ لِأَنَّهُ يُفَوِّتُ الْمَقْصُودَ بِالْكِتَابَةِ .\rوَعَنْ الشَّافِعِيِّ فِيهِ كَالْمَذْهَبَيْنِ .\rوَلَنَا أَنَّ الْحَقَّ لَا يَخْرُجُ عَنْهُمَا ، فَجَازَ بِاتِّفَاقِهِمَا ، كَالرَّاهِنِ وَالْمُرْتَهِنِ .\rفَأَمَّا الْهِبَةُ بِالثَّوَابِ ، فَلَا تَصِحُّ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ : تَصِحُّ ؛ لِأَنَّ فِيهَا مُعَاوَضَةً .\rوَلَنَا ، أَنَّ الِاخْتِلَافَ فِي تَقْدِيرِ الثَّوَابِ ، يُوجِبُ الْغَرَرَ فِيهَا ، وَلِأَنَّ عِوَضَهَا يَتَأَخَّرُ ، فَتَكُونُ كَالْبَيْعِ نَسِيئَةً .\rوَإِنْ أَذِنَ فِيهَا السَّيِّدُ ، جَازَتْ .\rوَإِنْ وَهَبَ لِسَيِّدِهِ ، جَازَ ؛ لِأَنَّ قَبُولَهُ الْهِبَةَ إذْنٌ فِيهَا .\rوَكَذَلِكَ إنْ وَهَبَ لِابْنِ سَيِّدِهِ الصَّغِيرِ .","part":24,"page":234},{"id":11734,"text":"( 8736 ) فَصْلٌ : وَلَا يُحَابِي فِي الْبَيْعِ ، وَلَا يَزِيدُ فِي الثَّمَنِ الَّذِي اشْتَرَى بِهِ ، وَلَا يُعِيرُ دَابَّةً ، وَلَا يُهْدِي هَدِيَّةً .\rوَأَجَازَ ذَلِكَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَيُحْتَمَلُ جَوَازُ إعَارَةِ دَابَّتِهِ ، وَهَدِيَّةِ الْمَأْكُولِ وَدُعَائِهِ إلَيْهِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَجُوزُ لِلْمَأْذُونِ لَهُ ، وَلَا يَنْحَطُّ الْمُكَاتَبُ عَنْ دَرَجَتِهِ .\rوَوَجْهُ الْأَوَّلِ ، أَنَّهُ تَبَرُّعٌ بِمَالِهِ ، فَلَمْ يَجُزْ كَالْهِبَةِ وَلَا يُوصِي بِمَالِهِ ، وَلَا يَحُطُّ عَنْ الْمُشْتَرِي شَيْئًا ، وَلَا يُقْرِضُ ، وَلَا يَضْمَنُ ، وَلَا يَتَكَفَّلُ بِأَحَدٍ .\rوَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ تَبَرُّعٌ بِمَالِهِ ، فَمُنِعَ مِنْهُ كَالْهِبَةِ .","part":24,"page":235},{"id":11735,"text":"( 8737 ) فَصْلٌ : وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَحُجَّ إنْ احْتَاجَ إلَى إنْفَاقِ مَالِهِ فِيهِ .\rوَنَقَلَ الْمَيْمُونِيُّ ، عَنْ أَحْمَدَ ، لِلْمُكَاتَبِ أَنْ يَحُجَّ مِنْ الْمَالِ الَّذِي جَمَعَهُ ، إذَا لَمْ يَأْتِ نَجْمُهُ .\rوَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ يَحُجُّ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ ، أَمَّا بِغَيْرِ إذْنِهِ ، فَلَا يَجُوزُ ؛ لِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ بِمَا يُنْفِقُ مَالًا فِيهِ ، فَلَمْ يَجُزْ ، كَالْعِتْقِ .\rفَأَمَّا إنْ أَمْكَنَهُ الْحَجُّ مِنْ غَيْرِ إنْفَاقِ مَالِهِ ، كَاَلَّذِي تَبَرَّعَ إنْسَانٌ بِإِحْجَاجِهِ ، أَوْ يَخْدِمُ مَنْ يُنْفِقُ عَلَيْهِ ، فَيَجُوزُ إذَا لَمْ يَأْتِ نَجْمُهُ ؛ لِأَنَّ هَذَا يَجْرِي مَجْرَى تَرْكِهِ لِلْكَسْبِ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مِمَّا يُمْنَعُ مِنْهُ .","part":24,"page":236},{"id":11736,"text":"( 8738 ) فَصْلٌ : وَلَيْسَ لِلْمُكَاتَبِ أَنْ يُكَاتِبَ إلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ .\rوَهَذَا قَوْلُ الْحَسَنِ ، وَالشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ الْكِتَابَةَ نَوْعُ إعْتَاقٍ ، فَلَمْ تَجُزْ مِنْ الْمُكَاتَبِ ، كَالْمُنَجَّزِ ، وَلِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ الْإِعْتَاقَ ، فَلَمْ يَمْلِكْ الْكِتَابَةَ ، كَالْمَأْذُونِ لَهُ فِي التِّجَارَةِ .\rوَاخْتَارَ الْقَاضِي جَوَازَ الْكِتَابَةِ .\rوَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ ، فِي \" رُءُوسِ الْمَسَائِلِ \" .\rوَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ نَوْعُ مُعَاوَضَةٍ ، فَأَشْبَهَ الْبَيْعَ .\rوَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : هُوَ مَوْقُوفٌ - كَقَوْلِهِ فِي الْعِتْقِ الْمُنَجَّزِ فَإِنْ أَذِنَ فِيهَا السَّيِّدُ ، صَحَّتْ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : فِيهَا قَوْلَانِ .\rوَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ فِيمَا تَقَدَّمَ .\rفَإِذَا كَاتَبَ عَبْدَهُ ، فَعَجَزَا جَمِيعًا ، صَارَا رَقِيقَيْنِ لِلسَّيِّدِ .\rوَإِنْ أَدَّى الْمُكَاتَبُ الْأَوَّلُ ، ثُمَّ أَدَّى الثَّانِي ، فَوَلَاءُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِمُكَاتِبِهِ .\rوَإِنْ أَدَّى الْأَوَّلُ ، وَعَجَزَ الثَّانِي ، صَارَ رَقِيقًا لِلْأَوَّلِ .\rوَإِنْ عَجَزَ الْأَوَّلُ ، وَأَدَّى الثَّانِي ، فَوَلَاؤُهُ لِلسَّيِّدِ الْأَوَّلِ .\rوَإِنْ أَدَّى الثَّانِي قَبْلَ عِتْقِ الْأَوَّلِ ، عَتَقَ .\rقَالَ أَبُو بَكْرٍ : وَوَلَاؤُهُ لِلسَّيِّدِ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ لَا يَنْفَكُّ عَنْ الْوَلَاءِ ، وَالْوَلَاءُ لَا يُوقَفُ ؛ لِأَنَّهُ سَبَبٌ يُورَثُ بِهِ ، فَهُوَ كَالنَّسَبِ وَلِأَنَّ الْمِيرَاثَ لَا يَقِفُ ، كَذَلِكَ سَبَبُهُ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : هُوَ مَوْقُوفٌ ، إنْ أَدَّى عَتَقَ ، وَالْوَلَاءُ لَهُ ، وَإِلَّا فَهُوَ لِلسَّيِّدِ .\rوَهَذَا أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ } .\rوَلِأَنَّ الْعَبْدَ لَيْسَ بِمِلْكٍ لَهُ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَثْبُتَ لَهُ الْوَلَاءُ عَلَى مَنْ لَمْ يَعْتِقْ فِي مِلْكِهِ .\rوَقَوْلُهُمْ : لَا يَجُوزُ أَنْ يَقِفَ ، كَمَا لَمْ يَقِفْ النَّسَبُ وَالْمِيرَاثُ .\rفَلَيْسَ كَذَلِكَ ؛ فَإِنَّ النَّسَبَ يَقِفُ عَلَى بُلُوغِ الْغُلَامِ ،","part":24,"page":237},{"id":11737,"text":"وَانْتِسَابِهِ إذَا لَمْ تَلْحَقْهُ الْقَافَةُ بِأَحَدِ الْوَاطِئِينَ ، وَكَذَلِكَ الْمِيرَاثُ يُوقَفُ ، عَلَى أَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ النَّسَبِ وَالْمِيرَاثِ ، وَبَيْنَ الْوَلَاءِ ، أَنَّ الْوَلَاءَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَقَعَ لِشَخْصٍ ، ثُمَّ يَنْتَقِلَ ، وَهُوَ مَا يَجُرُّهُ مَوَالِي الْأَبِ مِنْ مَوْلَى الْأُمِّ ، فَجَازَ أَنْ يَكُونَ مَوْقُوفًا ، وَالنَّسَبُ وَالْمِيرَاثُ بِخِلَافِ ذَلِكَ .\rفَإِنْ مَاتَ الْمُعْتِقُ قَبْلَ عِتْقِ الْمُكَاتَبِ ، وَقُلْنَا : الْوَلَاءُ لِلسَّيِّدِ .\rوَرِثَهُ .\rوَإِنْ قُلْنَا : هُوَ مَوْقُوفٌ .\rفَمِيرَاثُهُ أَيْضًا مَوْقُوفٌ .","part":24,"page":238},{"id":11738,"text":"( 8739 ) فَصْلٌ : وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَبِيعَ نَسِيئَةً ، وَإِنْ بَاعَ السِّلْعَةَ بِأَضْعَافِ قِيمَتِهَا .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَغْرِيرًا بِالْمَالِ ، وَهُوَ مَمْنُوعٌ مِنْ التَّغْرِيرِ بِالْمَالِ ، لِتَعَلُّقِ حَقِّ السَّيِّدِ بِهِ .\rقَالَ الْقَاضِي : وَيَتَخَرَّجُ الْجَوَازُ ، بِنَاءً عَلَى الضَّارِبِ ، أَنَّ لَهُ الْبَيْعَ نَسِيئَةً .\rفِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ ، فَيُخَرَّجُ هَاهُنَا مِثْلُهُ .\rوَسَوَاءٌ أَخَذَ بِالثَّمَنِ ضَمِينًا ، أَوْ رَهْنًا ، أَوْ لَمْ يَأْخُذْ ؛ لِأَنَّ الْغَرَرَ لَمْ يَزُلْ ، فَإِنَّ الرَّهْنَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَتْلَفَ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُفْلِسَ الْغَرِيمُ وَالضَّمِينُ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَجُوزَ مَعَ الرَّهْنِ أَوْ الضَّمِينِ ؛ لِأَنَّ الْوَثِيقَةَ قَدْ حَصَلَتْ بِهِ ، وَالْعَوَارِضُ نَادِرَةٌ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ .\rفَإِنْ بَاعَ بِأَكْثَرَ مِمَّا يُسَاوِي حَالًّا ، وَجَعَلَ الزِّيَادَةَ مُؤَجَّلَةً ، جَازَ ؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ رِبْحٌ .\rوَإِنْ اشْتَرَى نَسِيئَةً ، جَازَ ؛ لِأَنَّهُ لَا غَرَرَ فِيهِ .\rوَلَا يَجُوزُ أَنْ يَدْفَعَ بِهِ رَهْنًا ؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ أَمَانَةٌ ، وَقَدْ يَتْلَفُ ، أَوْ يَجْحَدُهُ الْغَرِيمُ .\rوَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَدْفَعَ مَالَهُ سَلَمًا لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْبَيْعِ نَسِيئَةً .\rوَلَهُ أَنْ يَسْتَسْلِفَ فِي ذِمَّتِهِ ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الشِّرَاءِ نَسِيئَةً .\rوَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُقْرِضَ لِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ بِالْمَالِ وَفِيهِ خَطَرٌ بِهِ .\rوَلَهُ أَنْ يَقْتَرِضَ ؛ لِأَنَّهُ يَنْتَفِعُ بِالْمَالِ .\rوَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَدْفَعَ مَالَهُ مُضَارَبَةً ؛ لِأَنَّهُ يُسَلِّمُهُ إلَى غَيْرِهِ ، فَيُغَرِّرُ بِهِ .\rوَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ الْمَالَ قِرَاضًا ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَنْوَاعِ الْكَسْبِ .\rوَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فِي هَذَا الْفَصْلِ كُلِّهِ ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا .","part":24,"page":239},{"id":11739,"text":"( 8740 ) فَصْلٌ : وَلِلْمُكَاتَبِ أَنْ يَبِيعَ وَيَشْتَرِيَ .\rبِإِجْمَاعٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ؛ لِأَنَّ عَقْدَ الْكِتَابَةِ لِتَحْصِيلِ الْعِتْقِ ، وَلَا يَحْصُلُ إلَّا بِأَدَاءِ عِوَضِهِ ، وَلَا يُمْكِنُهُ الْأَدَاءُ إلَّا بِالِاكْتِسَابِ ، وَالْبَيْعُ وَالشِّرَاءُ مِنْ أَقْوَى جِهَاتِ الِاكْتِسَابِ ، فَإِنَّهُ قَدْ جَاءَ فِي بَعْضِ الْآثَارِ ، أَنَّ تِسْعَةَ أَعْشَارِ الرِّزْقِ فِي التِّجَارَةِ .\rوَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ وَيُعْطِيَ ، فِيمَا فِيهِ الصَّلَاحُ لِمَالِهِ ، وَالتَّوْفِيرُ عَلَيْهِ .\rوَلَهُ أَنْ يُنْفِقَ مِمَّا فِي يَدِهِ مِنْ الْمَالِ عَلَى نَفْسِهِ ؛ فِي مَأْكَلِهِ ، وَمَشْرَبِهِ ، وَكُسْوَتِهِ بِالْمَعْرُوفِ مِمَّا لَا غَنَاءَ لَهُ عَنْهُ ، وَعَلَى رَقِيقِهِ ، وَالْحَيَوَانِ الَّذِي لَهُ .\rوَلَهُ تَأْدِيبُ عَبِيدِهِ ، وَتَعْزِيرُهُمْ ، إذَا فَعَلُوا مَا يَسْتَحِقُّونَ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ مَصْلَحَةِ مِلْكِهِ ، فَمَلَكَهُ ، كَالنَّفَقَةِ عَلَيْهِمْ .\rوَلَا يَمْلِكُ إقَامَةَ الْحَدِّ عَلَيْهِمْ ؛ لِأَنَّ هَذَا مَوْضِعُ وِلَايَةٍ ، وَلَيْسَ هُوَ مِنْ أَهْلِهَا .\rوَلَهُ الْمُطَالَبَةُ بِالشُّفْعَةِ ، وَالْأَخْذُ بِهَا ؛ لِأَنَّهُ نَوْعُ شِرَاءٍ ، فَإِنْ كَانَ الْمُشْتَرِي لِلشِّقْصِ سَيِّدَهُ ، فَلَهُ أَخْذُهُ مِنْهُ ؛ لِأَنَّ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْهُ .\rوَإِنْ اشْتَرَى الْمُكَاتَبُ شِقْصًا لِسَيِّدِهِ فِيهِ شَرِكَةٌ ، فَلَهُ أَخْذُهُ مِنْ الْمُكَاتَبِ بِالشُّفْعَةِ ؛ لِأَنَّهُ مَعَ سَيِّدِهِ فِي بَابِ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ كَالْأَجْنَبِيِّ .","part":24,"page":240},{"id":11740,"text":"وَإِنْ وَجَبَتْ لِلسَّيِّدِ عَلَى مُكَاتَبِهِ شُفْعَةٌ ، فَادَّعَى الْمُكَاتَبُ أَنَّ سَيِّدَهُ عَفَا عَنْهَا ، سُمِعَتْ دَعْوَاهُ .\rوَإِنْ أَنْكَرَهُ السَّيِّدُ ، كَانَ عَلَيْهِ الْيَمِينُ .","part":24,"page":241},{"id":11741,"text":"وَإِنْ أَذِنَ السَّيِّدُ لِمُكَاتَبِهِ فِي الْبَيْعِ بِالْمُحَابَاةِ ، صَحَّ مِنْهُ وَكَانَ لِسَيِّدِهِ الْأَخْذُ بِالشُّفْعَةِ ؛ لِأَنَّ بَيْعَهُ بِالْمُحَابَاةِ - مَعَ إذْنِ سَيِّدِهِ فِيهِ - صَحِيحٌ .","part":24,"page":242},{"id":11742,"text":"يَصِحُّ إقْرَارُ الْمُكَاتَبِ بِالْبَيْعِ ، وَالشِّرَاءِ ، وَالْعَيْبِ ، وَالدَّيْنِ ؛ لِأَنَّهُ يَصِحُّ تَصَرُّفُهُ فِيهِ بِذَلِكَ ، وَمَنْ مَلَكَ شَيْئًا ، فَلَهُ الْإِقْرَارُ بِهِ .","part":24,"page":243},{"id":11743,"text":"( 8741 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَلَا يَبِيعُهُ سَيِّدُهُ دِرْهَمًا بِدِرْهَمَيْنِ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الرِّبَا يَجْرِي بَيْنَ الْعَبْدِ وَبَيْنَ سَيِّدِهِ ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَبِيعَهُ دِرْهَمًا بِدِرْهَمَيْنِ ، كَالْأَجْنَبِيَّيْنِ .\rوَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى : لَا رِبًا بَيْنَهُمَا ؛ لِأَنَّهُ عَبْدٌ فِي الْأَظْهَرِ مِنْ قَوْلِهِ ، وَلَا رِبًا بَيْنَ الْعَبْدِ وَسَيِّدِهِ ، وَلِهَذَا جَازَ أَنْ يُعَجِّلَ لِسَيِّدِهِ ، وَيَضَعَ عَنْهُ بَعْضَ كِتَابَتِهِ ، وَلَهُ وَطْءُ مُكَاتَبَتِهِ إذَا شَرَطَ ، وَلَوْ حَمَلَتْ مِنْهُ صَارَتْ لَهُ بِذَلِكَ أُمَّ وَلَدٍ .\rوَوَجْهُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ : أَنَّ السَّيِّدَ مَعَ مُكَاتَبِهِ فِي بَابِ الْمُعَامَلَةِ كَالْأَجْنَبِيِّ ؛ بِدَلِيلِ أَنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الشُّفْعَةَ عَلَى صَاحِبِهِ ، وَلَا يَمْلِكُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا التَّصَرُّفَ فِيمَا فِي يَدِ صَاحِبِهِ ، وَإِنَّمَا يَتَعَلَّقُ لِسَيِّدِهِ حَقٌّ فِي مَا بِيَدِهِ ؛ لِكَوْنِهِ بِعَرَضِيَّةِ أَنْ يُعَجِّزَهُ ، فَيَعُودَ إلَيْهِ ، وَهَذَا لَا يَمْنَعُ جَرَيَانَ الرِّبَا بَيْنَهُمَا ، كَالْأَبِ مَعَ ابْنِهِ .\rفَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ ، لَا يَجُوزُ التَّفَاضُلُ بَيْنَهُمَا فِيمَا يَحْرُمُ التَّفَاضُلُ فِيهِ بَيْنَ الْأَجْنَبِيَّيْنِ ، وَلَا النَّسَاءِ فِي مَا يَحْرُمُ النَّسَاءُ فِيهِ بَيْنَ الْأَجَانِبِ .","part":24,"page":244},{"id":11744,"text":"فَصْلٌ : فَإِنْ كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ دَيْنٌ ، مِثْلُ إنْ كَانَ لِلسَّيِّدِ عَلَى الْمُكَاتَبِ دَيْنٌ مِنْ الْكِتَابَةِ أَوْ غَيْرِهَا ، وَلِلْمُكَاتَبِ عَلَى سَيِّدِهِ دَيْنٌ ، وَكَانَا نَقْدًا مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ ، حَالَّيْنِ ، أَوْ مُؤَجَّلَيْنِ أَجَلًا وَاحِدًا ، تَقَاصَّا ، وَتَسَاقَطَا لِأَنَّهُمَا إذَا تَسَاقَطَا بَيْنَ الْأَجَانِبِ ، فَمَعَ السَّيِّدِ وَمُكَاتَبِهِ أَوْلَى .\rوَإِنْ كَانَا نَقْدَيْنِ مِنْ جِنْسَيْنِ ، كَدَرَاهِمَ وَدَنَانِيرَ ، فَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى : لَوْ كَانَ لَهُ عَلَى سَيِّدِهِ أَلْفُ دِرْهَمٍ ، وَلِسَيِّدِهِ عَلَيْهِ مِائَةُ دِينَارٍ ، فَجَعَلَهَا قِصَاصًا بِهَا ، جَازَ ، بِخِلَافِ الْحُرَّيْنِ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : لَا يَجُوزُ هَذَا ؛ لِأَنَّهُ بَيْعُ دَيْنٍ بِدَيْنٍ ، وَقَدْ نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعِ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ .\rوَلِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْنَ الْأَجْنَبِيَّيْنِ ، فَلَمْ يَجُزْ بَيْنَ الْمُكَاتَبِ وَسَيِّدِهِ ، كَسَائِرِ الْمُحَرَّمَاتِ ، وَفَارَقَ الْعَبْدَ الْقِنَّ ؛ فَإِنَّهُ بَاقٍ فِي تَصَرُّفِ سَيِّدِهِ ، وَمَا فِي يَدِهِ مِلْكٌ خَالِصٌ لِسَيِّدِهِ ، لَهُ أَخْذُهُ وَالتَّصَرُّفُ فِيهِ .\rفَعَلَى هَذَا ، لَا يَجُوزُ مَعَ التَّرَاضِي بِهِ .\rوَعَلَى قَوْلِ أَبِي مُوسَى : يَجُوزُ إذَا تَرَاضَيَا بِذَلِكَ ، وَتَبَايَعَاهُ ، وَلَا يَثْبُتُ التَّقَابُضُ قَبْلَ تَرَاضِيهِمَا بِهِ ؛ لِأَنَّهُ بَيْعٌ ؛ فَأَمَّا إنْ كَانَا عَرْضَيْنِ ، أَوْ عَرْضًا وَنَقْدًا ، لَمْ تَجُزْ الْمُقَاصَّةُ فِيهِمَا بِغَيْرِ تَرَاضِيهِمَا بِحَالٍّ ، سَوَاءٌ كَانَ الْقَرْضُ مِنْ جِنْسِ حَقِّهِ أَوْ غَيْرِ جِنْسِهِ .\rوَإِنْ تَرَاضَيَا بِذَلِكَ ، لَمْ يَجُزْ أَيْضًا ؛ لِأَنَّهُ بَيْعُ دَيْنٍ بِدَيْنٍ .\rوَإِنْ قَبَضَ أَحَدُهُمَا مِنْ الْآخَرِ حَقَّهُ ، ثُمَّ دَفَعَهُ إلَى الْآخَرِ عِوَضًا عَنْ مَالِهِ فِي ذِمَّتِهِ ، جَازَ ، إذَا لَمْ يَكُنْ الثَّابِتُ فِي الذِّمَّةِ عَنْ سَلَمٍ ، فَإِنْ ثَبَتَ عَنْ سَلَمٍ ، لَمْ يَجُزْ أَخْذُ عِوَضِهِ قَبْلَ قَبْضِهِ .\rوَفِي الْجُمْلَةِ ، إنَّ حُكْمَ الْمُكَاتَبِ مَعَ سَيِّدِهِ فِي هَذَا ، حُكْمُ الْأَجَانِبِ إلَّا عَلَى قَوْلِ ابْنِ أَبِي مُوسَى ،","part":24,"page":245},{"id":11745,"text":"الَّذِي ذَكَرْنَاهُ .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":24,"page":246},{"id":11746,"text":"( 8743 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَلَيْسَ لِلرَّجُلِ أَنْ يَطَأَ مُكَاتَبَتَهُ ، إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ ) الْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي فَصْلَيْنِ : ( 8744 ) الْفَصْلِ الْأَوَّلِ : فِي وَطْئِهَا بِغَيْرِ شَرْطٍ ، وَهُوَ حَرَامٌ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، مِنْهُمْ : سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ، وَالْحَسَنُ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَاللَّيْثُ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَقِيلَ : لَهُ وَطْؤُهَا فِي الْوَقْتِ الَّذِي لَا يَشْغَلُهَا الْوَطْءُ عَنْ السَّعْيِ عَمَّا هِيَ فِيهِ ؛ لِأَنَّهَا مِلْكُ يَمِينِهِ ، فَتَدْخُلُ فِي عُمُومِ قَوْله تَعَالَى : { أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ } .\rوَلَنَا ، أَنَّ الْكِتَابَةَ عَقْدٌ أَزَالَ مِلْكَ اسْتِخْدَامِهَا ، وَمِلْكَ عِوَضِ مَنْفَعَةِ بُضْعِهَا فِيمَا إذَا وُطِئَتْ بِشُبْهَةٍ ، فَأَزَالَ حِلَّ وَطْئِهَا ، كَالْبَيْعِ ، وَالْآيَةُ مَخْصُوصَةٌ بِالْمُزَوَّجَةِ ، فَنَقِيسُ عَلَيْهَا مَحَلَّ النِّزَاعِ ، وَلِأَنَّ الْمِلْكَ هَاهُنَا ضَعِيفٌ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ زَالَ عَنْ مَنَافِعِهَا ، جُمْلَةً ، وَلِهَذَا لَوْ وُطِئَتْ بِشُبْهَةٍ ، كَانَ الْمَهْرُ لَهَا ، وَتُفَارِقُ أُمُّ الْوَلَدِ ؛ فَإِنَّ مِلْكَهُ بَاقٍ عَلَيْهَا ، وَإِنَّمَا يَزُولُ بِمَوْتِهِ فَأَشْبَهَتْ الْمُدَبَّرَةَ وَالْمُوصَى بِهَا ، وَإِنَّمَا امْتَنَعَ الْبَيْعُ ؛ لِأَنَّهَا اسْتَحَقَّتْ الْعِتْقَ بِمَوْتِهِ اسْتِحْقَاقًا لَازِمًا ، لَا يُمْكِنُ زَوَالُهُ .\r( 8745 ) الْفَصْلُ الثَّانِي : إذَا شَرَطَ وَطْأَهَا ، فَلَهُ ذَلِكَ .\rوَبِهِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ .\rوَقَالَ سَائِرُ مَنْ ذَكَرْنَا : لَيْسَ لَهُ وَطْؤُهَا ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُهُ مَعَ إطْلَاقِ الْعَقْدِ ، فَلَمْ يَمْلِكْهُ بِالشَّرْطِ ، كَمَا لَوْ زَوَّجَهَا أَوْ أَعْتَقَهَا .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : إذَا شَرَطَ ذَلِكَ فِي عَقْدِ الْكِتَابَةِ ، فَسَدَ ؛ لِأَنَّهُ شَرْطٌ فَاسِدٌ ، فَأَفْسَدَ الْعَقْدَ ، كَمَا لَوْ شَرَطَ عِوَضًا فَاسِدًا .\rوَقَالَ مَالِكٌ : لَا يَفْسُدُ الْعَقْدُ بِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُخِلُّ بِرُكْنِ الْعَقْدِ ، وَلَا شَرْطِهِ ، فَلَمْ يُفْسِدْهُ ، كَالصَّحِيحِ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ","part":24,"page":247},{"id":11747,"text":"عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الْمُؤْمِنُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ } .\rوَلِأَنَّهَا مَمْلُوكَةٌ ، لَهُ شَرْطُ نَفْعِهَا ، فَصَحَّ ، كَشَرْطِ اسْتِخْدَامِهَا ، يُحَقِّقُ هَذَا أَنَّ مَنْعَهُ مِنْ وَطْئِهَا مَعَ بَقَاءِ مِلْكِهِ عَلَيْهَا ، وَوُجُودِ الْمُقْتَضِي لِحِلِّ وَطْئِهَا ، إنَّمَا كَانَ لِحَقِّهَا ، فَإِذَا شَرَطَهُ عَلَيْهَا ، جَازَ ، كَالْخِدْمَةِ ، وَلِأَنَّهُ اُسْتُثْنِيَ بَعْضُ مَا كَانَ لَهُ ، فَصَحَّ ، كَاشْتِرَاطِ الْخِدْمَةِ ، وَفَارَقَ الْبَيْعُ ؛ لِأَنَّهُ يُزِيلُ مِلْكَهُ عَنْهَا .","part":24,"page":248},{"id":11748,"text":"( 8746 ) فَصْلٌ : فَإِنْ وَطِئَهَا مَعَ الشَّرْطِ ، فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ ، وَلَا تَعْزِيرَ وَلَا مَهْرَ ؛ لِأَنَّهُ وَطْءٌ يَمْلِكُهُ ، وَيُبَاحُ لَهُ ، فَأَشْبَهَ وَطْأَهَا قَبْلَ كِتَابَتِهَا ، وَإِنْ وَطِئَهَا مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ ، فَقَدْ أَسَاءَ ، وَعَلَيْهِ التَّعْزِيرُ ؛ لِأَنَّهُ وَطْءٌ مُحَرَّمٌ ، وَلَا حَدَّ عَلَيْهِ فِي قَوْلِ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ ، لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا ، إلَّا عَنْ الْحَسَنِ ، وَالزُّهْرِيِّ ؛ فَإِنَّهُمَا قَالَا : عَلَيْهِ الْحَدُّ ؛ لِأَنَّهُ عَقَدَ عَلَيْهَا عَقْدَ مُعَاوَضَةٍ يُحَرِّمُ الْوَطْءَ ، فَأَوْجَبَ الْحَدَّ بِوَطْئِهَا ، كَالْبَيْعِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهَا مَمْلُوكَتُهُ ، فَلَمْ يَجِبْ الْحَدُّ بِوَطْئِهَا ، كَأَمَتِهِ الْمُسْتَأْجَرَةِ وَالْمَرْهُونَةِ ، وَتُخَالِفُ الْبَيْعَ ؛ فَإِنَّهُ يُزِيلُ الْمِلْكَ ، وَالْكِتَابَةُ لَا تُزِيلُهُ ؛ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { الْمُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ } .\rوَعَلَيْهِ مَهْرُهَا لَهَا ؛ لِأَنَّهُ اسْتَوْفَى مَنْفَعَتَهَا الْمَمْنُوعَ مِنْ اسْتِيفَائِهَا ، فَكَانَ عَلَيْهِ عِوَضُهَا ، كَمَنَافِعِ بَدَنِهَا .","part":24,"page":249},{"id":11749,"text":"( 8747 ) فَصْلٌ : وَإِنْ أَوْلَدَهَا ، صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ ، سَوَاءٌ وَطِئَهَا بِشَرْطٍ أَوْ بِغَيْرِ شَرْطٍ ؛ لِأَنَّهُ أَحْبَلَهَا بِحُرٍّ فِي مِلْكِهِ ، فَكَانَتْ أُمَّ وَلَدِهِ ، كَغَيْرِ الْمُكَاتَبَةِ ، وَالْوَلَدُ حُرٌّ ؛ لِأَنَّهُ وَلَدُهُ مِنْ مَمْلُوكَتِهِ ، وَيَلْحَقُهُ نَسَبُهُ لِذَلِكَ ، وَلِأَنَّهُ مِنْ وَطْءٍ سَقَطَ فِيهِ الْحَدُّ لِلشُّبْهَةِ ، فَأَشْبَهَ وَلَدَ الْمَغْرُورِ ، وَلَا تَلْزَمُهُ قِيمَتُهُ ؛ لِأَنَّهَا وَضَعَتْهُ فِي مِلْكِهِ .","part":24,"page":250},{"id":11750,"text":"( 8748 ) فَصْلٌ : وَلَيْسَ لَهُ وَطْءُ بِنْتِهَا ؛ لِأَنَّهَا تَابِعَةٌ لِأُمِّهَا مَوْقُوفَةٌ مَعَهَا ، فَلَمْ يُبَحْ وَطْؤُهَا كَأُمِّهَا ، وَلَا يُبَاحُ ذَلِكَ بِالشَّرْطِ ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْكِتَابَةِ ثَبَتَ فِيهَا تَبَعًا ، وَلَمْ يَكُنْ وَطْؤُهَا مُبَاحًا حَالَ الْعَقْدِ بِشَرْطِهِ .\rفَإِنْ وَطِئَهَا فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهَا مِلْكُهُ ، وَيَأْثَمُ ، وَيُعَزَّرُ ؛ لِأَنَّهُ وَطِئَ فَرْجًا مُحَرَّمًا ، وَلَهَا مَهْرٌ عَلَيْهِ ، حُكْمُهُ حُكْمُ كَسْبِهَا ، يَكُونُ لِأُمِّهَا تَسْتَعِينُ بِهِ فِي كِتَابَتِهَا ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ سَبَبُ حُرِّيَّتِهَا .\rوَإِنْ أَحْبَلَهَا ، صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ ، وَالْوَلَدُ حُرٌّ ؛ لِأَنَّهُ أَحْبَلَهَا بِحُرٍّ فِي مِلْكِهِ ، وَيَلْحَقُهُ نَسَبُهُ ، وَلَا تَجِبُ عَلَيْهِ قِيمَتُهَا ؛ لِأَنَّ أُمَّهَا لَا تَمْلِكُهَا ، وَلَا قِيمَةُ وَلَدِهَا ؛ لِأَنَّهَا وَضَعَتْهُ فِي مِلْكِهِ .","part":24,"page":251},{"id":11751,"text":"( 8749 ) فَصْلٌ : وَلَيْسَ لَهُ وَطْءُ جَارِيَةِ مُكَاتَبَتِهِ وَلَا مُكَاتَبِهِ اتِّفَاقًا ، فَإِنْ فَعَلَ أَثِمَ ، وَعُزِّرَ ، وَلَا حَدَّ عَلَيْهِ ؛ لِشُبْهَةِ الْمِلْكِ ؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ مَالِكَهَا ، وَعَلَيْهِ مَهْرُهَا لِسَيِّدِهَا ، وَوَلَدُهُ مِنْهَا حُرٌّ ، يَلْحَقُهُ نَسَبُهُ ؛ لِأَنَّ الْحَدَّ سَقَطَ لِشُبْهَةِ الْمِلْكِ ، وَتَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ ، وَعَلَيْهِ قِيمَتُهَا لِسَيِّدِهَا ؛ لِأَنَّهُ أَخْرَجَهَا بِوَطْئِهِ عَنْ مِلْكِهِ ، وَكَانَ عَلَيْهِ قِيمَتُهَا لِسَيِّدِهِ ، وَلَا تَجِبُ عَلَيْهِ قِيمَةُ الْوَلَدِ ؛ لِأَنَّهَا وَضَعَتْهُ فِي مِلْكِهِ .\rوَيُحْتَمَلُ أَنْ تَلْزَمَهُ قِيمَتُهُ ؛ لِأَنَّهُ أَخْرَجَهُ بِوَطْئِهِ عَنْ أَنْ يَكُونَ مَمْلُوكًا لِسَيِّدِهَا ، فَأَشْبَهَ وَلَدَ الْمَغْرُورِ .","part":24,"page":252},{"id":11752,"text":"( 8750 ) فَصْلٌ : وَلَا يَمْلِكُ إجْبَارَ مُكَاتَبَتِهِ وَلَا ابْنَتِهَا وَلَا أَمَتِهَا عَلَى التَّزْوِيجِ ؛ لِأَنَّهُ زَالَ مِلْكُهُ بِعَقْدِ الْكِتَابَةِ عَنْ نَفْعِهَا ، وَنَفْعِ بُضْعِهَا ، وَعَنْ عِوَضِهِ .\rوَلَيْسَ لِوَاحِدَةٍ مِنْهُمَا التَّزْوِيجُ بِغَيْرِ إذْنٍ ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ ضَرَرًا فِي ذَلِكَ ، فَإِنَّهُ يُثْبِتُ لِلزَّوْجِ حَقًّا فِيهَا ، فَرُبَّمَا عَجَزَتْ ، وَعَادَتْ إلَيْهِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَمْلِكُ وَطْأَهَا .\rفَإِنْ تَرَاضَيَا بِذَلِكَ ، جَازَ ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَا يَخْرُجُ عَنْهُمَا ، وَهُوَ وَلِيُّهَا وَوَلِيُّ ابْنَتِهَا وَجَارِيَتِهَا جَمِيعًا ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ لَهُ ، فَأَشْبَهَ الْجَارِيَةَ الْقِنَّ ، وَالْمَهْرُ لِلْمُكَاتَبَةِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي مَهْرِهِنَّ إذَا وَطِئَهُنَّ السَّيِّدُ .","part":24,"page":253},{"id":11753,"text":"( 8751 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( فَإِنْ وَطِئَهَا وَلَمْ يَشْتَرِطْ ، أُدِّبَ ، وَلَمْ يَبْلُغْ بِهِ حَدُّ الزَّانِي ، وَكَانَ عَلَيْهِ مَهْرُ مِثْلِهَا ) وَجُمْلَةُ الْأَمْرِ أَنَّ السَّيِّدَ إذَا وَطِئَ مُكَاتَبَتَهُ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ ، فَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهُ لَا حَدَّ عَلَيْهِ ، لَكِنْ إنْ كَانَا عَالِمَيْنِ بِالتَّحْرِيمِ ، عُزِّرَا ، وَإِنْ كَانَا جَاهِلَيْنِ ، عُذِرَا ، وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا عَالِمًا وَالْآخَرُ جَاهِلًا ، عُزِّرَ الْعَالِمُ وَعُذِرَ الْجَاهِلُ .\rوَلَا يَخْرُجُ بِالْوَطْءِ عَنْ الْكِتَابَةِ .\rوَقَالَ اللَّيْثُ : إنْ طَاوَعَتْهُ ، فَقَدْ فُسِخَتْ كِتَابَتُهَا ، وَعَادَتْ قِنًّا .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ عَقْدٌ لَازِمٌ ، فَلَمْ يَنْفَسِخْ بِالْمُطَاوَعَةِ عَلَى الْوَطْءِ ، كَالْإِجَارَةِ ، وَالْبَيْعِ بَعْدَ لُزُومِهِ .\rفَأَمَّا الْمَهْرُ ، فَإِنَّهُ يَجِبُ لَهَا ، أَكْرَهَهَا أَوْ طَاوَعَتْهُ .\rوَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ ، وَالشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ قَتَادَةُ : يَجِبُ إذَا أَكْرَهَهَا ، وَلَا يَجِبُ إذَا طَاوَعَتْهُ .\rوَنَقَلَهُ الْمُزَنِيّ عَنْ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ الْمُطَاوِعَةَ بَذَلَتْ نَفْسَهَا بِغَيْرِ عِوَضٍ ، فَصَارَتْ كَالزَّانِيَةِ .\rوَمَنْصُوصُ الشَّافِعِيِّ وُجُوبُهُ فِي الْحَالَيْنِ .\rوَأَنْكَرَ أَصْحَابُهُ مَا نَقَلَهُ الْمُزَنِيّ ، وَقَالُوا : لَا يُعْرَفُ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : لَا شَيْءَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهَا مِلْكُهُ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ عِوَضُ مَنْفَعَتِهَا ، فَوَجَبَ لَهَا ، كَعِوَضِ بَدَنِهَا ، وَلِأَنَّ الْمُكَاتَبَةَ فِي يَدِ نَفْسِهَا ، وَمَنَافِعُهَا لَهَا ، وَلِهَذَا لَوْ وَطِئَهَا أَجْنَبِيٌّ ، كَانَ الْمَهْرُ لَهَا ، وَإِنَّمَا وَجَبَ فِي حَالِ الْمُطَاوَعَةِ ؛ لِأَنَّ الْحَدَّ يَسْقُطُ عَنْهُ لِشُبْهَةِ الْمِلْكِ ، فَوَجَبَ لَهَا الْمَهْرُ ، كَمَا لَوْ وَطِئَ امْرَأَةً بِشُبْهَةِ عَقْدٍ مُطَاوِعَةً .\rفَإِنْ تَكَرَّرَ وَطْؤُهَا ، وَكَانَ قَدْ أَدَّى مَهْرَ الْوَطْءِ الْأَوَّلِ ، فَلِلثَّانِي مَهْرٌ أَيْضًا ؛ لِأَنَّ الْأَدَاءَ قَطَعَ حُكْمَ الْوَطْءِ الْأَوَّلِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَدَّى عَنْ الْأَوَّلِ ، لَمْ يَجِبْ إلَّا مَهْرٌ وَاحِدٌ ؛ لِأَنَّ هَذَا عَنْ وَطْءِ الشُّبْهَةِ ،","part":24,"page":254},{"id":11754,"text":"فَلَمْ يَكُنْ إلَّا مَهْرًا وَاحِدًا ، كَالْوَطْءِ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ .\r( 8752 ) فَصْلٌ : وَإِذَا وَجَبَ لَهَا الْمَهْرُ ، فَإِنْ كَانَ لَمْ يَحِلَّ عَلَيْهَا نَجْمٌ ، فَلَهَا الْمُطَالَبَةُ ، وَإِنْ كَانَ قَدْ حَلَّ عَلَيْهَا ، فَكَانَ الْمَهْرُ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ ، فَلَهَا الْمُطَالَبَةُ بِهِ أَيْضًا .\rوَإِنْ كَانَ مِنْ جِنْسِهِ ، تَقَاصَّا ، وَأَخَذَ ذُو الْفَضْلِ فَضْلَهُ .","part":24,"page":255},{"id":11755,"text":"( 8753 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( فَإِنْ عَلِقَتْ مِنْهُ ، فَهِيَ مُخَيَّرَةٌ بَيْنَ الْعَجْزِ وَتَكُونُ أُمَّ وَلَدٍ ، وَبَيْنَ الْمُضِيِّ عَلَى كِتَابَتِهَا .\rفَإِنْ أَدَّتْ عَتَقَتْ ، وَإِنْ عَجَزَتْ عَتَقَتْ بِمَوْتِهِ .\rوَإِنْ مَاتَ قَبْلَ عَجْزِهَا انْعَتَقَتْ ؛ لِأَنَّهَا مِنْ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ .\rوَيَسْقُطُ عَنْهَا مَا بَقِيَ مِنْ كِتَابَتَهَا وَمَا فِي يَدِهَا لِوَرَثَةِ سَيِّدِهَا ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ السَّيِّدَ إذَا اسْتَوْلَدَ مُكَاتَبَتَهُ فَالْوَلَدُ حُرٌّ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ مَمْلُوكَتِهِ وَنَسَبُهُ لَاحِقٌ بِهِ وَلَا تَجِبُ قِيمَتُهُ ؛ لِذَلِكَ وَتَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ ؛ لِذَلِكَ ، وَلَا تَبْطُلُ كِتَابَتُهَا ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ لَازِمٌ مِنْ جِهَةِ سَيِّدِهَا وَقَدْ اجْتَمَعَ لَهَا سَبَبَانِ يَقْتَضِيَانِ الْعِتْقَ أَيُّهُمَا سَبَقَ صَاحِبَهُ ثَبَتَ حُكْمُهُ ، هَذَا قَوْلُ الزُّهْرِيِّ وَمَالِكٍ وَالثَّوْرِيِّ وَاللَّيْثِ وَالشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ وَابْنِ الْمُنْذِرِ وَقَالَ الْحَكَمُ : تَبْطُلُ كِتَابَتُهَا ؛ لِأَنَّهَا سَبَبٌ لِلْعِتْقِ فَتَبْطُلُ بِالِاسْتِيلَادِ كَالتَّدْبِيرِ .\rوَلَنَا أَنَّهَا عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ فَلَا تَبْطُلُ بِالْوَطْءِ كَالْبَيْعِ ، وَلِأَنَّهَا سَبَبٌ لِلْعِتْقِ لَا يَمْلِكُ السَّيِّدُ الرُّجُوعَ عَنْهُ فَلَمْ تَبْطُلْ بِذَلِكَ كَالتَّعْلِيقِ بِصِفَةٍ ، وَمَا ذَكَرُوهُ يَبْطُلُ بِالتَّعْلِيقِ بِالصِّفَةِ وَتُفَارِقُ الْكِتَابَةُ التَّدْبِيرَ مِنْ وُجُوهٍ ؛ أَحَدُهَا أَنَّ حُكْمَ التَّدْبِيرِ وَالِاسْتِيلَادِ وَاحِدٌ وَهُوَ الْعِتْقُ عَقِيبَ الْمَوْتِ ، وَالِاسْتِيلَادُ أَقْوَى ؛ لِأَنَّهُ يُعْتَبَرُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ وَلَا سَبِيلَ إلَى إبْطَالِهِ بِحَالٍ فَاسْتُغْنِيَ بِهِ عَنْ التَّدْبِيرِ ، وَالْكِتَابَةُ سَبَبٌ يَتَعَجَّلُ بِهَا الْعِتْقُ بِالْأَدَاءِ وَيَكُونُ مَا فَضَلَ مِنْ كَسْبِهَا لَهَا وَيَمْلِكُ بِهَا مَنَافِعَهَا وَكَسْبَهَا وَتَخْرُجُ عَنْ تَصَرُّفِ سَيِّدِهَا وَهَذَا لَا يَحْصُلُ بِالِاسْتِيلَادِ فَيَجِبُ أَنْ تَبْقَى لِبَقَاءِ فَائِدَتِهَا الثَّانِي أَنَّ الْكِتَابَةَ أَقْوَى مِنْ التَّدْبِيرِ لِلُزُومِهَا وَكَوْنِهَا لَا تَبْطُلُ بِالرُّجُوعِ عَنْهَا وَلَا بِبَيْعِ الْمُكَاتَبِ وَلَا","part":24,"page":256},{"id":11756,"text":"هِبَتِهِ .\rالثَّالِثُ أَنَّ التَّدْبِيرَ تَبَرُّعٌ وَالْكِتَابَةَ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ لَازِمٌ .\rفَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِنَّهُ يَجْتَمِعُ لَهَا سَبَبَانِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَقْتَضِي الْحُرِّيَّةَ ، فَأَيُّهُمَا تَمَّ قَبْلَ صَاحِبِهِ ثَبَتَتْ الْحُرِّيَّةُ بِهِ كَمَا لَوْ انْفَرَدَ ؛ لِأَنَّ انْضِمَامَ أَحَدِهِمَا إلَى الْآخَرِ مَعَ كَوْنِهِ لَا يُنَافِيهِ لَا يَمْنَعُ ثُبُوتَ حُكْمِهِ ، فَإِنْ أَدَّتْ عَتَقَتْ بِالْكِتَابَةِ وَمَا فَضَلَ مِنْ كَسْبِهَا فَهُوَ لَهَا ؛ لِأَنَّ الْمُعْتَقَ بِالْكِتَابَةِ لَهُ مَا فَضَلَ مِنْ نُجُومِهِ .\rوَإِنْ عَجَزَتْ وَرُدَّتْ فِي الرِّقِّ بَطَلَ حُكْمُ الْكِتَابَةِ وَبَقِيَ لَهَا حُكْمُ الِاسْتِيلَادِ مُنْفَرِدًا كَمَا لَوْ لَمْ تَكُنْ مُكَاتَبَةً ، وَلَهُ وَطْؤُهَا وَتَزْوِيجُهَا وَإِجَارَتُهَا وَتَعْتِقُ بِمَوْتِهِ ، وَمَا فِي يَدِهَا لِوَرَثَةِ سَيِّدِهَا ، وَإِذَا مَاتَ سَيِّدُهَا قَبْلَ عَجْزِهَا انْعَتَقَتْ ؛ لِأَنَّهَا أُمُّ وَلَدٍ وَتَسْقُطُ الْكِتَابَةُ ؛ لِأَنَّ الْحُرِّيَّةَ حَصَلَتْ فَسَقَطَ الْعِوَضُ الْمَبْذُولُ فِي تَحْصِيلِهَا كَمَا لَوْ بَاشَرَهَا سَيِّدُهَا بِالْعِتْقِ وَمَا فِي يَدِهَا لِوَرَثَةِ سَيِّدِهَا فِي قَوْلِ الْخِرَقِيِّ وَأَبِي الْخَطَّابِ ؛ لِأَنَّهَا عَتَقَتْ بِحُكْمِ الِاسْتِيلَادِ وَبَطَلَ حُكْمُ الْكِتَابَةِ فَأَشْبَهَتْ غَيْرَ الْمُكَاتَبَةِ وَقَالَ الْقَاضِي فِي \" الْمُجَرَّدِ \" وَابْنُ عَقِيلٍ فِي \" كِتَابِهِ \" : مَا فَضَلَ فِي يَدِهَا لَهَا .\rوَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ إذَا وَقَعَ فِي الْكِتَابَةِ لَا يُبْطِلُ حُكْمَهَا كَالْإِبْرَاءِ مِنْ نُجُومِ الْكِتَابَةِ وَلِأَنَّ مِلْكَهَا كَانَ ثَابِتًا عَلَى مَا فِي يَدِهَا وَلَمْ يَحْدُثْ إلَّا مَا يُزِيلُ حَقَّ سَيِّدِهَا عَنْهَا فَيَقْتَضِي زَوَالَ حَقِّهِ عَمَّا فِي يَدِهَا وَتَقْرِيرَ مِلْكِهَا وَخُلُوصَهُ لَهَا كَمَا اقْتَضَى ذَلِكَ فِي نَفْسِهَا ، وَهَذَا أَصَحُّ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":24,"page":257},{"id":11757,"text":"( 8754 ) فَصْلٌ : وَإِنْ أَعْتَقَهَا سَيِّدُهَا عَتَقَتْ وَسَقَطَتْ كِتَابَتُهَا ، وَمَا فِي يَدِهَا لَهَا فِي قَوْلِ الْقَاضِي وَمَنْ وَافَقَهُ .\rفَأَمَّا عَلَى قَوْلِ الْخِرَقِيِّ وَمَنْ وَافَقَهُ ، فَقِيَاسُهُ أَنْ يَكُونَ لِسَيِّدِهَا كَمَا لَوْ عَتَقَتْ بِالِاسْتِيلَادِ .\rوَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لَهَا عَلَى قَوْلِهِمْ أَيْضًا ؛ لِأَنَّ السَّيِّدَ أَعْتَقَهَا بِرِضَاهُ فَيَكُونَ رِضًى مِنْهُ بِإِعْطَائِهَا مَالَهَا بِخِلَافِ الْعِتْقِ بِالِاسْتِيلَادِ فَإِنَّهُ حَصَلَ بِغَيْرِ رِضَى الْوَرَثَةِ وَاخْتِيَارِهِمْ ، وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مَالُ الْمُكَاتَبِ يَصِيرُ لِلسَّيِّدِ بِإِعْتَاقِهِ لَتَمَكَّنَ السَّيِّدُ مِنْ أَخْذِ مَالِ الْمُكَاتَبِ مَتَى شَاءَ ، فَمَتَى كَانَ لَهُ غَرَضٌ فِي أَخْذِ مَالِهِ ، إمَّا لِكَثْرَتِهِ وَفَضْلِهِ عَنْ نُجُومِ كِتَابَتِهِ ، وَإِمَّا لِغَرَضٍ لَهُ فِي بَعْضِ أَعْيَانِ مَالِهِ ، أَعْتَقَهُ وَأَخَذَ مَالَهُ ، وَهَذَا ضَرَرٌ عَلَى الْمُكَاتَبِ لَمْ يَرِدْ الشَّرْعُ بِهِ وَلَا يَقْتَضِيهِ عَقْدُ الْكِتَابَةِ فَوَجَبَ أَنْ لَا يُشْرَعَ .","part":24,"page":258},{"id":11758,"text":"( 8755 ) فَصْلٌ : وَإِنْ أَتَتْ بِوَلَدٍ مِنْ غَيْرِ سَيِّدِهَا بَعْدَ اسْتِيلَادِهَا فَلَهُ حُكْمُهَا فِي الْعِتْقِ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ السَّبَبَيْنِ ، أَيُّهُمَا سَبَقَ عَتَقَ بِهِ كَالْأُمِّ سَوَاءٌ ؛ لِأَنَّهُ تَابِعٌ لَهَا فَيَثْبُتَ لَهُ مَا يَثْبُتُ لَهَا وَإِنْ مَاتَتْ الْمُكَاتَبَةُ بَقِيَ لِلْوَلَدِ سَبَبُ الِاسْتِيلَادِ وَحْدَهُ وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي وَلَدِهَا فَقَالَتْ : وَلَدْتُهُ بَعْدَ كِتَابَتِي أَوْ بَعْدَ وِلَايَتِي .\rوَقَالَ السَّيِّدُ : بَلْ قَبْلَهُ .\rفَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : الْقَوْلُ قَوْلُ السَّيِّدِ مَعَ يَمِينِهِ وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ كَوْنُ الْأَمَةِ وَوَلَدِهَا رَقِيقًا ، لِسَيِّدِهِمَا التَّصَرُّفُ فِيهِمَا وَهِيَ تَدَّعِي مَا يَمْنَعُ التَّصَرُّفَ .\rوَإِنْ زَوَّجَ مُكَاتَبُهُ أَمَتَهُ ثُمَّ بَاعَهَا مِنْهُ وَاخْتَلَفَا فِي وَلَدِهَا فَقَالَ السَّيِّدُ : هُوَ لِي ؛ لِأَنَّهَا وَلَدَتْهُ قَبْلَ بَيْعِهَا لَك وَقَالَ الْمُكَاتَبُ : بَلْ بَعْدَهُ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُكَاتَبِ ؛ لِأَنَّهُمَا فِي مِلْكِهِ وَيَدِ الْمُكَاتَبِ عَلَيْهِ فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ صَاحِبِ الْيَدِ مَعَ يَمِينِهِ كَسَائِرِ الْأَمْوَالِ وَيُفَارِقُ وَلَدُ الْمُكَاتَبَةِ ؛ لِأَنَّهَا لَا تَدَّعِي مِلْكَهُ .","part":24,"page":259},{"id":11759,"text":"( 8756 ) فَصْلٌ : إذَا كَانَتْ الْأَمَةُ بَيْنَ شَرِيكَيْنِ فَكَاتَبَاهَا ثُمَّ وَطِئَهَا أَحَدُهُمَا أُدِّبَ فَوْقَ أَدَبِ الْوَاطِئِ ؛ لِمُكَاتَبَتِهِ الْخَالِصَةِ لَهُ ؛ لِأَنَّ الْوَطْءَ هَاهُنَا حَرُمَ مِنْ وَجْهَيْنِ ؛ الشَّرِكَةِ وَالْكِتَابَةِ ، فَهُوَ آكَدُ وَإِثْمُهُ أَعْظَمُ وَأَدَبُهُ أَكْثَرُ ، وَعَلَيْهِ مَهْرُ مِثْلِهَا عَلَى مَا أَسْلَفْنَاهُ فِيمَا إذَا كَانَ السَّيِّدُ وَاحِدًا ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَلَّ نَجْمٌ قَبَضَتْ الْمَهْرَ ، فَإِذَا حَلَّ نَجْمُهَا سَلَّمَتْهُ إلَيْهِمَا ، وَإِنْ حَلَّ نَجْمُهَا وَهُوَ مِنْ جِنْسِ مَالِ الْكِتَابَةِ وَكَانَ فِي يَدِهَا بِقَدْرِهِ دَفَعَتْهُ إلَى الَّذِي لَمْ يَطَأْهَا وَاحْتَسَبَتْ عَلَى الْوَاطِئِ بِالْمَهْرِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي يَدِهَا شَيْءٌ وَكَانَ بِقَدْرِ نَجْمِهَا أَوْ دُونَهُ أَخَذَتْ مِنْ الْوَاطِئِ نِصْفَهُ وَسَلَّمَتْهُ إلَى الْآخَرِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ جِنْسِ مَالِ الْكِتَابَةِ فَاتَّفَقَا عَلَى أَخْذِهِ عِوَضًا عَنْ مَالِ الْكِتَابَةِ فَالْحُكْمُ فِيهِ كَمَا لَوْ كَانَ مِنْ جِنْسِهَا .\rوَإِنْ لَمْ يَتَّفِقَا قَبَضَتْهُ وَدَفَعَتْهُ مِمَّا عَلَيْهَا مِنْ مَالِ الْكِتَابَةِ مِنْ عِوَضِهِ أَوْ غَيْرِهِ ، وَإِنْ عَجَزَتْ فَسَخَا الْكِتَابَةَ وَكَانَ فِي يَدِهَا بِقَدْرِ الْمَهْرِ أَخَذَهُ الَّذِي لَمْ يَطَأْ وَسَقَطَ الْمَهْرُ مِنْ ذِمَّةِ الْوَاطِئِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي يَدِهَا شَيْءٌ كَانَ لِلَّذِي لَمْ يَطَأْ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْوَاطِئِ بِنِصْفِهِ ؛ لِأَنَّهُ وَطِئَ جَارِيَةً مُشْتَرَكَةً بَيْنَهُمَا ، فَإِنْ حَبِلَتْ مِنْهُ صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ وَعَلَيْهِ نِصْفُ قِيمَتِهَا لِشَرِيكِهِ مَعَ نِصْفِ الْمَهْرِ الْوَاجِبِ لَهَا - مُوسِرًا كَانَ أَوْ مُعْسِرًا - إلَّا أَنَّهُ إنْ كَانَ مُوسِرًا أَدَّاهُ فِي الْحَالِ ، وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا فَهُوَ فِي ذِمَّتِهِ .\rهَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ ذَكَرَ مِثْلَ هَذَا فِي بَابِ الْعِتْقِ ، فَعَلَى هَذَا تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ لِلْوَاطِئِ ، وَمُكَاتَبَتُهُ لَهُ كَأَنَّهُ اشْتَرَاهَا وَتَكُونُ مُبْقَاةً عَلَى مَا بَقِيَ مِنْ كِتَابَتِهَا وَتُعْتَبَرُ قِيمَتُهَا بِمَا تُسَاوِي مُكَاتَبَتَهُ مُبْقَاةً عَلَى مَا بَقِيَ عَلَيْهَا مِنْ","part":24,"page":260},{"id":11760,"text":"كِتَابَتِهَا .\rوَاخْتَارَ الْقَاضِي أَنَّهُ إنْ كَانَ مُعْسِرًا لَمْ يَسْرِ الْإِحْبَالُ ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْإِعْتَاقِ بِالْقَوْلِ يُعْتَبَرُ الْيَسَارُ فِي سِرَايَتِهِ ، وَنَصِيبُ الْوَاطِئِ قَدْ ثَبَتَ لَهُ حُكْمُ الِاسْتِيلَادِ وَحُكْمُ الْكِتَابَةِ ، وَنَصِيبُ شَرِيكِهِ لَمْ يَثْبُتْ لَهُ إلَّا حُكْمُ الْكِتَابَةِ ، فَإِنْ أَدَّتْ إلَيْهِمَا عَتَقَتْ وَبَطَلَ حُكْمُ الِاسْتِيلَادِ ، وَإِنْ عَجَزَتْ وَفَسَخَا الْكِتَابَةَ ثَبَتَ لِنِصْفِهَا حُكْمُ الِاسْتِيلَادِ ، وَنِصْفُهَا قِنٌّ لَا يُقَوَّمُ عَلَى الْوَارِثِ وَإِنْ كَانَ مُوسِرًا ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُعْتَقٍ .\rوَإِنْ مَاتَ الْوَاطِئُ قَبْلَ عَجْزِهَا عَتَقَ نَصِيبُهُ وَسَقَطَ حُكْمُ الْكِتَابَةِ فِيهِ وَكَانَ الْبَاقِي مُكَاتَبًا ، وَإِنْ كَانَ الْوَاطِئُ مُوسِرًا فَقَدْ ثَبَتَ لِنِصْفِهَا حُكْمُ الِاسْتِيلَادِ ، وَنِصْفُهَا الْآخَرُ مَوْقُوفٌ ، فَإِنْ أَدَّتْ إلَيْهِمَا عَتَقَتْ كُلُّهَا وَوَلَاؤُهَا لَهُمَا ، وَإِنْ عَجَزَتْ وَفَسَخَا الْكِتَابَةَ قَوَّمْنَاهَا حِينَئِذٍ عَلَى الْوَاطِئِ ، فَيَدْفَعُ إلَى شَرِيكِهِ قِيمَةَ نَصِيبِهِ وَتَصِيرُ جَمِيعُهَا أُمَّ وَلَدٍ لَهُ ، فَإِنْ مَاتَ عَتَقَتْ عَلَيْهِ وَكَانَ وَلَاؤُهَا لَهُ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَلَهُ قَوْلٌ آخَرُ : أَنَّهَا تُقَوَّمُ عَلَى الْمُوسِرِ وَتَبْطُلُ الْكِتَابَةُ فِي نِصْفِ الشَّرِيكِ ، وَتَصِيرُ جَمِيعُهَا أُمَّ وَلَدٍ وَنِصْفُهَا مُكَاتَبًا لِلْوَاطِئِ ، فَإِنْ أَدَّتْ نَصِيبَهُ إلَيْهِ عَتَقَتْ وَسَرَى إلَى الْبَاقِي ؛ لِأَنَّهُ مِلْكُهُ وَعَتَقَ جَمِيعُهَا ، وَإِنْ عَجَزَتْ فَفَسَخَ الْكِتَابَةَ كَانَتْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ خَاصَّةً ، فَإِذَا مَاتَ عَتَقَتْ كُلُّهَا .\rوَلَنَا أَنَّ بَعْضَهَا أُمُّ وَلَدٍ فَكَانَ جَمِيعُهَا كَذَلِكَ كَمَا لَوْ كَانَ الشَّرِيكُ مُوسِرًا ، يُحَقِّقُ هَذَا أَنَّ الْوَلَدَ حَاصِلٌ مِنْ جَمِيعِهَا ، وَهُوَ كُلُّهُ مِنْ الْوَاطِئِ وَنَسَبُهُ لَاحِقٌ بِهِ فَيَجِبُ أَنْ يَثْبُتَ ذَلِكَ لِجَمِيعِهَا ، وَيُفَارِقُ الْإِعْتَاقُ فَإِنَّهُ أَضْعَفُ عَلَى مَا بَيَّنَّا مِنْ قَبْلُ .\rوَلَنَا عَلَى أَنَّ الْكِتَابَةَ لَا تَبْطُلُ بِالتَّقْوِيمِ أَنَّهَا عَقْدٌ لَازِمٌ ، فَلَا تَبْطُلُ مَعَ بَقَائِهَا","part":24,"page":261},{"id":11761,"text":"بِفِعْلٍ صَدَرَ مِنْهُ ، كَمَا لَوْ اسْتَوْلَدَهَا وَهِيَ فِي مِلْكِهِ ، وَكَمَا لَوْ لَمْ تَحْبَلْ مِنْهُ فَأَمَّا الْوَلَدُ فَإِنَّهُ حُرٌّ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ وَطْءٍ فِيهِ شُبْهَةٌ وَنَسَبُهُ لَاحِقٌ بِهِ كَذَلِكَ وَلَا يَلْزَمُهُ قِيمَتُهُ ؛ لِأَنَّهَا وَضَعَتْهُ فِي مِلْكِهِ وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ فِي هَذَا رِوَايَتَانِ ، إحْدَاهُمَا لَا تَجِبُ قِيمَتُهُ ؛ لِأَنَّ نَصِيبَ شَرِيكِهِ انْتَقَلَ إلَيْهِ مِنْ حِينِ الْعَلُوقِ وَفِي تِلْكَ الْحَالِ لَمْ تَكُنْ لَهُ قِيمَةٌ فَلَمْ يَضْمَنْهُ ، وَالثَّانِيَةُ عَلَيْهِ نِصْفُ قِيمَتِهِ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مِنْ سَبِيلِ هَذَا النِّصْفِ أَنْ يَكُونَ مَمْلُوكًا لِشَرِيكِهِ فَقَدْ تَلِفَ رِقُّهُ عَلَيْهِ فَكَانَ عَلَيْهِ نِصْفُ قِيمَتِهِ .\rقَالَ الْقَاضِي : هَذِهِ الرِّوَايَةُ أَصَحُّ عَلَى الْمَذْهَبِ وَذَكَرَ هَاتَيْنِ الرِّوَايَتَيْنِ أَبُو بَكْرٍ وَاخْتَارَ أَنَّهَا إنْ وَضَعَتْهُ بَعْدَ التَّقْوِيمِ فَلَا شَيْءَ عَلَى الْوَاطِئِ ، وَإِنْ وَضَعَتْهُ قَبْلَ التَّقْوِيمِ غَرِمَ نِصْفَ قِيمَتِهِ ، فَإِنْ ادَّعَى الْوَاطِئُ الِاسْتِبْرَاءَ وَأَتَتْ بِالْوَلَدِ لِأَكْثَرَ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ حِينِ الِاسْتِبْرَاءِ لَمْ يَلْحَقْ بِهِ وَلَمْ تَصِرْ أُمَّ وَلَدٍ وَكَانَ حُكْمُ وَلَدِهَا حُكْمَهَا ، وَإِنْ أَتَتْ بِهِ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ حِينِ الِاسْتِبْرَاءِ لَحِقَ بِهِ كَمَا لَوْ كَانَ قَبْلَ الِاسْتِبْرَاءِ ؛ لِأَنَّا تَبَيَّنَّا أَنَّهَا كَانَتْ حَامِلًا وَقْتَ الِاسْتِبْرَاءِ فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ اسْتِبْرَاءً .","part":24,"page":262},{"id":11762,"text":"( 8757 ) فَصْلٌ : وَإِنْ وَطِئَاهَا جَمِيعًا فَقَدْ وَجَبَ لَهَا عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَهْرُ مِثْلِهَا ، فَإِنْ كَانَتْ فِي الْحَالَيْنِ عَلَى صِفَةٍ وَاحِدَةٍ فَهُمَا سَوَاءٌ فِي الْوَاجِبِ عَلَيْهِمَا ، وَإِنْ كَانَتْ بِكْرًا حِينَ وَطِئَهَا الْأَوَّلُ فَعَلَيْهِ مَهْرُ بِكْرٍ ، وَعَلَى الْآخَرِ مَهْرُ ثَيِّبٍ ، فَإِنْ كَانَ نَجْمُهَا لَمْ يَحِلَّ فَلَهَا مُطَالَبَتُهُمَا بِالْمَهْرَيْنِ ، وَإِنْ كَانَ النَّجْمُ قَدْ حَلَّ وَهُوَ مِنْ جِنْسِ الْمَهْرِ تَقَاصَّا عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي الْمُقَاصَّةِ ، فَإِنْ أَدَّتْ إلَيْهِمَا عَتَقَتْ ، وَكَانَ لَهُمَا الْمُطَالَبَةُ بِالْمَهْرَيْنِ ، وَإِنْ عَجَزَتْ عَنْ نَفْسِهَا وَفَسَخَا الْكِتَابَةَ بَعْدَ قَبْضِهَا الْمَهْرَيْنِ لَمْ يَمْلِكْ أَحَدُهُمَا مُطَالَبَةَ الْآخَرِ بِشَيْءٍ ؛ لِأَنَّهَا قَبَضَتْهُمَا وَهِيَ مُسْتَحِقَّةٌ لِذَلِكَ ، فَإِنْ كَانَا فِي يَدِهَا اقْتَسَمَاهُمَا ، وَإِنْ تَلِفَا أَوْ بَعْضُهُمَا فَلَا شَيْءَ لَهُمَا ؛ لِأَنَّ السَّيِّدَ لَا يَثْبُتُ لَهُ دَيْنٌ عَلَى مَمْلُوكِهِ ، وَإِنْ كَانَ الْفَسْخُ قَبْلَ قَبْضِ الْمَهْرَيْنِ - وَهُمَا سَوَاءٌ - سَقَطَ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مَا عَلَيْهِ ، وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا أَكْثَرَ مِنْ الْآخَرِ تَقَاصَّ مِنْهُمَا بِقَدْرِ أَقَلِّهِمَا عَلَى الْآخَرِ بِنِصْفِ الزِّيَادَةِ ، وَإِنْ قَبَضَتْ الْبَعْضَ مِنْ أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ رَجَعَ الْمَقْبُوضُ مِنْهُ عَلَى الْآخَرِ بِنِصْفِ مَا عَلَيْهِ .\rوَإِنْ قَبَضَتْ الْبَعْضَ مِنْ أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ - أَوْ قَبَضَتْ مِنْ أَحَدِهِمَا أَكْثَرَ مِنْ الْآخَرِ رَجَعَ مَنْ قُبِضَ مِنْهُ الْأَكْثَرُ عَلَى الْآخَرِ بِنِصْفِ الزِّيَادَةِ الَّتِي أَدَّاهَا ، وَإِنْ أَفْضَاهَا أَحَدُهُمَا بِوَطْئِهِ فَعَلَيْهِ لَهَا ثُلُثُ قِيمَتِهَا ؛ لِأَنَّ الْإِفْضَاءَ فِي الْحُرَّةِ يُوجِبُ ثُلُثَ دِيَتِهَا فَوَجَبَ فِي الْأَمَةِ ثُلُثُ قِيمَتِهَا مَعَ الْمَهْرِ .\rفَصْلٌ : وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَلْزَمَهُ فِي الْإِفْضَاءِ قَدْرُ نَقْصِهَا .\rوَقَالَ الْقَاضِي : تَلْزَمُهُ قِيمَتُهَا وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَالْخِلَافُ فِي ذَلِكَ فَرْعٌ عَلَى الْوَاجِبِ فِي إفْضَاءِ الْحُرَّةِ وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ ، فَإِنْ فُسِخَتْ","part":24,"page":263},{"id":11763,"text":"الْكِتَابَةُ رَجَعَ مَنْ لَمْ يَفُضَّهَا عَلَى الْآخَرِ بِنِصْفِ قِيمَةِ الْإِفْضَاءِ عَلَى الْخِلَافِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ ، وَإِنْ ادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى الْآخَرِ أَنَّهُ الَّذِي أَفْضَاهَا أَوْ وَطِئَهَا حَلَفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَبَرِئَ ، وَإِنْ نَكَلَ أَحَدُهُمَا قُضِيَ عَلَيْهِ ، وَإِنْ كَانَ الْخِلَافُ فِي ذَلِكَ قَبْلَ عَجْزِهَا فَادَّعَتْ عَلَى أَحَدِهِمَا فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ ، وَإِنْ ادَّعَتْ عَلَى أَحَدِهِمَا غَيْرَ مُعَيَّنٍ لَمْ تُسْمَعْ الدَّعْوَى .","part":24,"page":264},{"id":11764,"text":"( 8759 ) فَصْلٌ : فَإِنْ أَوْلَدَهَا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَاتَّفَقَا عَلَى السَّابِقِ مِنْهُمَا ، فَعَلَى قَوْلِ الْخِرَقِيِّ تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ وَوَلَدُهُ حُرٌّ لَاحِقُ النَّسَبِ بِهِ ، وَالْخِلَافُ فِي ذَلِكَ كَالْخِلَافِ فِيمَا إذَا انْفَرَدَ بِإِيلَادِهَا سَوَاءٌ ، وَأَمَّا الثَّانِي فَعَلَى قَوْلِ الْخِرَقِيِّ قَدْ وَطِئَ أُمَّ وَلَدِ غَيْرِهِ بِشُبْهَةٍ وَأَوْلَدَهَا فَلَا تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ ؛ لِأَنَّهَا مَمْلُوكَةُ غَيْرِهِ فَأَشْبَهَ مَا لَوْ بَاعَهَا ثُمَّ أَوْلَدَهَا وَعَلَيْهِ مَهْرُهَا لَهَا ؛ لِأَنَّ الْكِتَابَةَ لَمْ تَبْطُلْ وَالْوَلَدُ حُرٌّ ؛ لِأَنَّهُ وَطْءُ شُبْهَةٍ وَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ لِلْأَوَّلِ ؛ لِأَنَّهُ فَوَّتَ رِقَّهُ عَلَيْهِ ، فَكَانَ مِنْ سَبِيلِهِ أَنْ يَكُونَ رَقِيقًا لَهُ ، حُكْمُهُ حُكْمُ أُمِّهِ فَتَلْزَمُهُ قِيمَتُهُ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي وُجُوبِ نِصْفِ قِيمَةِ الْأَوَّلِ خِلَافًا ، فَإِنْ قُلْنَا بِوُجُوبِهَا تَقَاصَّا بِمَا لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ فِي الْقَدْرِ الَّذِي تَسَاوَيَا فِيهِ ، وَيَرْجِعُ ذُو الْفَضْلِ بِفَضْلِهِ وَتُعْتَبَرُ الْقِيمَةُ يَوْمَ الْوِلَادَةِ ؛ لِأَنَّهَا أَوَّلُ حَالٍ أَمْكَنَ التَّقْوِيمُ فِيهَا وَذَكَرَ الْقَاضِي فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَرْبَعَةَ أَحْوَالٍ ، أَحَدُهَا أَنْ يَكُونَا مُوسِرَيْنِ فَالْحُكْمُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا إلَّا أَنَّهُ جَعَلَ الْمَهْرَ الْوَاجِبَ عَلَى الثَّانِي لِلْأَوَّلِ ، وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَلَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ الْكِتَابَةَ لَا تَبْطُلُ بِالِاسْتِيلَادِ ، وَمَهْرُ الْمُكَاتَبَةِ لَهَا دُونَ سَيِّدِهَا ، وَلِأَنَّ سَيِّدَهَا لَوْ وَطِئَهَا لَوَجَبَ عَلَيْهِ الْمَهْرُ لَهَا فَلَأَنْ لَا يَمْلِكَ الْمَهْرَ الْوَاجِبَ عَلَى غَيْرِهِ أَوْلَى ، وَلِأَنَّهُ عِوَضُ نَفْعِهَا فَكَانَ لَهَا كَأُجْرَتِهَا .\rالثَّانِي أَنْ يَكُونَ الْأَوَّلُ مُوسِرًا وَالثَّانِي مُعْسِرًا فَيَكُونَ كَالْحَالِ الَّذِي قَبْلَهُ سَوَاءً .\rقَالَ الْقَاضِي : إلَّا أَنَّ وَلَدَهُ يَكُونُ مَمْلُوكًا ؛ لِإِعْسَارِهِ بِقِيمَتِهِ ، وَهَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ لَا يَرِقُّ لِإِعْسَارِ وَالِدِهِ ، بِدَلِيلِ وَلَدِ الْمَغْرُورِ","part":24,"page":265},{"id":11765,"text":"مِنْ أَمَةٍ وَالْوَطْءِ بِشُبْهَةٍ وَكُلِّ مَوْضِعٍ حَكَمْنَا بِحُرِّيَّةِ الْوَلَدِ لَا يَخْتَلِفُ بِالْإِعْسَارِ وَالْيَسَارِ وَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ الْيَسَارُ فِي سِرَايَةِ الْعِتْقِ وَلَيْسَ عِتْقُ هَذَا بِطَرِيقِ السِّرَايَةِ ، إنَّمَا هُوَ لِأَجْلِ الشُّبْهَةِ فِي الْوَطْءِ فَلَا وَجْهَ لِاعْتِبَارِ الْيَسَارِ فِيهِ .\rوَالصَّحِيحُ أَنَّهُ حُرٌّ وَتَجِبُ قِيمَتُهُ فِي ذِمَّةِ أَبِيهِ .\rالْحَالُ الثَّالِثُ أَنْ يَكُونَا مُعْسِرَيْنِ فَإِنَّهَا تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُمَا جَمِيعًا ، نِصْفُهَا أُمُّ وَلَدٍ لِلْأَوَّلِ وَنِصْفُهَا أُمُّ وَلَدٍ لِلثَّانِي .\rقَالَ : وَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفُ مَهْرِهَا لِصَاحِبِهِ ، وَفِي وَلَدِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ كُلُّهُ حُرًّا وَفِي ذِمَّةِ أَبِيهِ نِصْفُ قِيمَتِهِ لِشَرِيكِهِ ، وَالثَّانِي نِصْفُهُ حُرٌّ وَبَاقِيهِ عَبْدٌ لِشَرِيكِهِ إلَّا أَنَّ نِصْفَ وَلَدِ الْأَوَّلِ عَبْدٌ قِنٌّ ؛ لِأَنَّهُ تَابِعٌ لِلنِّصْفِ الْبَاقِي مِنْ الْأُمِّ .\rوَأَمَّا النِّصْفُ الْبَاقِي مِنْ وَلَدِ الثَّانِي فَحُكْمُهُ حُكْمُ أُمِّهِ ؛ لِأَنَّهُ وُلِدَ مِنْهَا بَعْدَ أَنْ ثَبَتَ لِنِصْفِهَا حُكْمُ الِاسْتِيلَادِ لِلْأَوَّلِ ، فَكَانَ نِصْفُهُ الرَّقِيقُ تَابِعًا لَهَا فِي ذَلِكَ ، وَلَعَلَّ الْقَاضِيَ أَرَادَ مَا إذَا عَجَزَتْ وَفَسَخَتْ الْكِتَابَةَ ، فَأَمَّا إذَا كَانَتْ بَاقِيَةً عَلَى الْكِتَابَةِ فَإِنَّ لَهَا الْمَهْرَ كَامِلًا عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ، وَإِذَا حُكِمَ بِرِقِّ نِصْفِ وَلَدِهَا وَجَبَ أَنْ يَكُونَ لَهُ حُكْمُهَا فِي الْكِتَابَةِ ؛ لِأَنَّ وَلَدَ الْمُكَاتَبَةِ يَكُونُ تَابِعًا لَهَا الْحَالُ الرَّابِعُ : أَنْ يَكُونَ الْأَوَّلُ مُعْسِرًا وَالثَّانِي مُوسِرًا فَحُكْمُهُ حُكْمُ الثَّالِثِ سَوَاءٌ إلَّا أَنَّ وَلَدَ الثَّانِي حُرٌّ ؛ لِأَنَّ الْحُرِّيَّةَ ثَبَتَتْ لِنِصْفِهِ بِفِعْلِ أَبِيهِ وَهُوَ مُوسِرٌ فَسَرَى إلَى جَمِيعِهِ وَعَلَيْهِ نِصْفُ قِيمَتِهِ لِشَرِيكِهِ وَلَمْ تُقَوَّمْ عَلَيْهِ الْأُمُّ ؛ لِأَنَّ نِصْفَهَا أُمُّ وَلَدٍ لِلْأَوَّلِ وَلَوْ صَحَّ هَذَا لَوَجَبَ أَنْ لَا يُقَوَّمَ عَلَيْهِ نِصْفُ الْوَلَدِ ؛ لِأَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ أُمِّهِ فِي هَذَا ، فَإِذَا","part":24,"page":266},{"id":11766,"text":"مَنَعَ حُكْمُ الِاسْتِيلَادِ السِّرَايَةَ فِي الْأُمِّ مَنَعَهُ فِيمَا هُوَ تَابِعٌ لَهَا .\rوَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ قَرِيبٌ مِمَّا ذَكَرَ الْقَاضِي .","part":24,"page":267},{"id":11767,"text":"( 8760 ) فَصْلٌ : وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي السَّابِقِ مِنْهُمَا فَادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّهُ السَّابِقُ فَعَلَى قَوْلِنَا لَهَا الْمَهْرُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُقِرُّ لِصَاحِبِهِ بِنِصْفِ قِيمَةِ الْجَارِيَةِ ؛ لِأَنَّهُ يَقُولُ : صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ لِي بِإِحْبَالِي إيَّاهَا وَوَجَبَ لِشَرِيكِي عَلَيَّ نِصْفُ قِيمَتِهَا وَلِي عَلَيْهِ قِيمَةُ وَلَدِهِ ؛ لِأَنَّهُ يَقُولُ : أَوْلَدْتُهَا بَعْدَ أَنْ صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ لِي .\rوَهَلْ يَكُونُ مُقِرًّا لَهُ بِنِصْفِ قِيمَةِ وَلَدِهِ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ سَبَقَ ذِكْرُهُمَا .\rفَعَلَى هَذَا إنْ اسْتَوَى مَا يَدَّعِيهِ وَمَا يُقِرُّ بِهِ تَقَاصَّا وَتَسَاقَطَا وَلَا يَمِينَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ ؛ لِأَنَّهُ يَقُولُ : لِي عَلَيْك مِثْلُ مَا لَك عَلَيَّ ، وَالْجِنْسُ وَاحِدٌ ، فَتَسَاقَطَا .\rوَإِنْ زَادَ مَا يُقِرُّ بِهِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ خَصْمَهُ يُكَذِّبُهُ فِي إقْرَارِهِ ، وَإِنْ زَادَ مَا يَدَّعِيهِ فَلَهُ الْيَمِينُ عَلَى صَاحِبِهِ فِي الزِّيَادَةِ وَيَثْبُتُ لِلْأَمَةِ حُكْمُ الْعِتْقِ فِي نَصِيبِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِمَوْتِهِ ؛ لِإِقْرَارِهِ بِذَلِكَ ، وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ عَلَى شَرِيكِهِ فِي إعْتَاقِ نَصِيبِهِ .\rوَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : فِي الْأَمَةِ قَوْلَانِ ، أَحَدُهُمَا يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا فَتَكُونُ أُمَّ وَلَدٍ لِمَنْ تَقَعُ الْقُرْعَةُ لَهُ ، وَالثَّانِي تَكُونُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُمَا وَلَا يَطَؤُهَا وَاحِدٌ مِنْهُمَا .\rقَالَ : وَبِالْأَوَّلِ أَقُولُ .\rوَأَمَّا الْقَاضِي فَاخْتَارَ أَنَّهُمَا إنْ كَانَا مُوسِرَيْنِ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَدَّعِي الْمَهْرَ عَلَى صَاحِبِهِ وَيُقِرُّ لَهُ بِنِصْفِهِ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ الْمَهْرَ عِنْدَهُمْ لِسَيِّدِهَا دُونَهَا وَلَا يَعْتِقُ شَيْءٌ مِنْهَا بِمَوْتِ الْأَوَّلِ ؛ لِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُونَ أُمَّ وَلَدٍ لِلْآخَرِ ، وَأَمَّا إذَا مَاتَ الْآخَرُ عَتَقَتْ ؛ لِأَنَّ سَيِّدَهَا قَدْ مَاتَ يَقِينًا ، وَإِنْ كَانَا مُعْسِرَيْنِ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُقِرٌّ بِأَنَّ نِصْفَهَا أُمُّ وَلَدِهِ وَيُصَدِّقُهُ الْآخَرُ ؛ لِأَنَّ الِاسْتِيلَادَ لَا يَسْرِي مَعَ","part":24,"page":268},{"id":11768,"text":"الْإِعْسَارِ ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُقِرُّ لِصَاحِبِهِ بِنِصْفِ الْمَهْرِ وَالْآخَرُ يُصَدِّقُهُ فَيَتَقَاصَّانِ إنْ تَسَاوَيَا ، وَإِنْ فَضَلَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ نَظَرْت ؛ فَإِنْ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَدَّعِي الْفَضْلَ تَحَالَفَا وَسَقَطَ ، وَإِنْ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُقِرُّ لِلْآخَرِ بِالْفَضْلِ سَقَطَ ؛ لِتَكْذِيبِ الْمُقِرِّ لَهُ بِهِ وَفِي الْوَلَدِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا يَكُونُ حُرًّا فَيَكُونُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَدَّعِي عَلَى الْآخَرِ نِصْفَ قِيمَةِ الْوَلَدِ .\rوَالْوَجْهُ الثَّانِي نِصْفُهُ حُرٌّ فَيُقِرُّ بِأَنَّ نِصْفَ الْوَلَدِ مَمْلُوكٌ لِشَرِيكِهِ فَيَكُونُ الْوَلَدَانِ بَيْنَهُمَا مِنْ غَيْرِ يَمِينٍ .\rوَعَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ يَتَقَاصَّانِ إنْ تَسَاوَتْ قِيمَةُ الْوَلَدَيْنِ وَلَا يَمِينَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ ، وَأَيُّهُمَا مَاتَ عَتَقَ نَصِيبُهُ وَوَلَاؤُهُ لَهُ ، وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا مُوسِرًا وَالْآخَرُ مُعْسِرًا فَالْمُوسِرُ يُقِرُّ لِلْمُعْسِرِ بِنِصْفِ الْمَهْرِ وَنِصْفِ قِيمَةِ الْوَلَدِ وَنِصْفِ مَهْرِهَا ، وَيَدَّعِي عَلَيْهِ جَمِيعَ الْمَهْرِ وَقِيمَةَ الْوَلَدِ ، وَالْمُعْسِرُ يُقِرُّ لِلْمُوسِرِ بِنِصْفِ الْمَهْرِ وَنِصْفِ قِيمَةِ الْوَلَدِ فَيَسْقُطُ إقْرَارُ الْمُوسِرِ لِلْمُعْسِرِ بِنِصْفِ قِيمَةِ الْجَارِيَةِ ؛ لِكَوْنِهِ لَا يَدَّعِيهِ وَلَا يُصَدِّقُهُ فِيهِ وَيَتَقَاصَّانِ بِالْمَهْرِ ؛ لِاسْتِوَائِهِمَا فِيهِ ، وَيَدْفَعُ الْمُعْسِرُ إلَى الْمُوسِرِ نِصْفَ قِيمَةِ الْوَلَدِ ؛ لِإِقْرَارِهِ بِهِ وَيَحْلِفُ عَلَى مَا يَدَّعِيهِ عَلَيْهِ مِنْ الزِّيَادَةِ ؛ لِأَنَّهُ ادَّعَى عَلَيْهِ جَمِيعَ قِيمَةِ الْوَلَدِ فَأَقَرَّ لَهُ بِنِصْفِهَا ، وَيَحْلِفُ لَهُ الْمُوسِرُ عَلَى نِصْفِ قِيمَةِ الْوَلَدِ الَّذِي ادَّعَاهُ الْمُعْسِرُ عَلَيْهِ .\rوَأَمَّا الْجَارِيَةُ فَإِنَّ نَصِيبَ الْمُوسِرِ مِنْهَا أُمُّ وَلَدٍ بِغَيْرِ خِلَافٍ بَيْنَهُمَا فِيهِ وَبَاقِيَهَا يَتَنَازَعَانِهِ ؛ فَإِنْ مَاتَ الْمُوسِرُ أَوَّلًا عَتَقَ نَصِيبُهُ وَوَلَاؤُهُ لِوَرَثَتِهِ ، فَإِذَا مَاتَ الْمُعْسِرُ عَتَقَ بَاقِيهَا ، وَإِنْ مَاتَ الْمُعْسِرُ أَوَّلًا لَمْ يَعْتِقْ مِنْهَا شَيْءٌ ، فَإِذَا مَاتَ الْمُوسِرُ عَتَقَ","part":24,"page":269},{"id":11769,"text":"جَمِيعُهَا .\rوَيَجِيءُ عَلَى قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ أَنْ يُقْرَعَ بَيْنَهُمَا فِي النِّصْفِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ .","part":24,"page":270},{"id":11770,"text":"( 8761 ) فَصْلٌ : فَإِنْ وَطِئَاهَا مَعًا فَأَتَتْ بِوَلَدٍ لَمْ يَخْلُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ : أَحَدُهَا أَنْ لَا يُمْكِنَ أَنْ يَكُونَ مِنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ، مِثْلُ أَنْ تَأْتِيَ بِهِ بَعْدَ اسْتِبْرَائِهَا مِنْهُمَا أَوْ بَعْدَ أَرْبَعِ سِنِينَ مُنْذُ وَطِئَهَا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ، أَوْ قَبْلَ مُضِيِّ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مُنْذُ وَطِئَهَا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ، فَإِنَّ الْوَلَدَ مَنْفِيٌّ عَنْهُمَا وَهُوَ مَمْلُوكٌ لَهُمَا حُكْمُهُ حُكْمُ أُمِّهِ فِي الْعِتْقِ بِأَدَائِهَا ، وَإِذَا ادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الِاسْتِبْرَاءَ قُبِلَ مِنْهُ ؛ لِأَنَّ دَعْوَى الِاسْتِبْرَاءِ فِي الْأَمَةِ كَاللِّعَانِ فِي الْحُرَّةِ .\rالْقِسْمُ الثَّانِي : أَنْ يَكُونَ مِنْ أَحَدِهِمَا بِعَيْنِهِ دُونَ صَاحِبِهِ فَالْحُكْمُ فِيهِ كَالْحُكْمِ فِيمَا إذَا وَلَدَتْ مِنْ أَحَدِهِمَا بِعَيْنِهِ ؛ مِنْ وُجُوبِ الْمَهْرِ لَهَا وَقِيمَةِ نِصْفِهَا لِشَرِيكِهِ مَعَ الْخِلَافِ فِي ذَلِكَ وَأَمَّا الَّذِي لَمْ تَحْبَلْ مِنْ وَطْئِهِ فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ فَعَلَيْهِ الْمَهْرُ لَهَا ، وَإِنْ كَانَ هُوَ الثَّانِيَ فَقَدْ وَطِئَ أُمَّ وَلَدِ غَيْرِهِ ، فَإِنْ كَانَتْ الْكِتَابَةُ بَاقِيَةً فَعَلَيْهِ الْمَهْرُ لَهَا أَيْضًا ، وَإِنْ كَانَتْ الْكِتَابَةُ قَدْ فُسِخَتْ فَالْمَهْرُ لِلَّذِي اسْتَوْلَدَهَا ، وَقَدْ وَجَبَ لِلثَّانِي عَلَى الْأَوَّلِ نِصْفُ قِيمَتِهَا ، وَفِي قِيمَةِ نِصْفِ الْوَلَدِ رِوَايَتَانِ فَإِنْ كَانَ الْمَهْرُ لِلْأَوَّلِ تَقَاصَّا بِقَدْرِ أَقَلِّ الْحَقَّيْنِ .\rوَإِنْ كَانَ الْمَهْرُ لَهَا رَجَعَ بِحَقِّهِ عَلَى الَّذِي أَحْبَلَهَا .\rوَأَمَّا الْقَاضِي فَقَالَ فِي هَذَا الْقِسْمِ : الْحُكْمُ فِي الْأَوَّلِ كَالْحُكْمِ فِيهِ إذَا انْفَرَدَ بِالْوَطْءِ عَلَى مَا مَضَى مِنْ التَّفْصِيلِ وَالتَّطْوِيلِ .\rوَأَمَّا الثَّانِي فَإِنْ وَطِئَهَا بَعْدَ وِلَادَتِهَا مِنْ الْأَوَّلِ نَظَرْنَا ، فَإِنْ وَطِئَهَا بَعْدَ الْحُكْمِ بِكَوْنِهَا أُمَّ وَلَدٍ لِلْأَوَّلِ فَعَلَيْهِ مَهْرُ مِثْلِهَا ، فَإِنْ كَانَ فَسَخَ الْكِتَابَةَ فِي حَقِّ نَفْسِهِ لِعَجْزِهَا فَالْمَهْرُ لَهُ ؛ لِأَنَّهَا أُمُّ وَلَدِهِ ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يَفْسَخْ فَالْمَهْرُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا","part":24,"page":271},{"id":11771,"text":"نِصْفَيْنِ .\rوَإِنْ وَطِئَهَا بَعْدَ زَوَالِ الْكِتَابَةِ فِي حَقِّهِ وَقَبْلَ الْحُكْمِ بِأَنَّهَا أُمُّ وَلَدٍ لِلْأَوَّلِ سَقَطَ عَنْهُ نِصْفُ مَهْرِهَا ؛ لِأَنَّ نِصْفَهَا قِنٌّ لَهُ ، وَعَلَيْهِ النِّصْفُ لَهَا - إنْ لَمْ يَكُنْ الْأَوَّلُ فَسَخَ الْكِتَابَةَ - أَوْ لَهُ إنْ كَانَ فَسَخَ ، وَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ مُعْسِرًا فَنَصِيبُهُ مِنْهَا أُمُّ وَلَدٍ لَهُ ، وَلَهَا عَلَيْهِمَا الْمَهْرَانِ ، وَالْحُكْمُ فِيمَا إذَا عَجَزَتْ أَوْ أَدَّتْ قَدْ تَقَدَّمَ .\rفَأَمَّا إنْ كَانَ الْوَلَدُ مِنْ الثَّانِي فَالْحُكْمُ فِي وَطْءِ الْأَوَّلِ كَالْحُكْمِ فِيهِ إذَا وَطِئَ مُنْفَرِدًا فَلَمْ يُحْبِلْهَا .\rوَأَمَّا الثَّانِي فَإِنْ كَانَ مُوسِرًا قُوِّمَ عَلَيْهِ نَصِيبُ شَرِيكِهِ عِنْدَ الْعَجْزِ ، فَإِنْ فَسَخَا الْكِتَابَةَ قَوَّمْنَاهَا عَلَيْهِ وَصَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ ، وَإِنْ رَضِيَ الثَّانِي بِالْمُقَامِ عَلَى الْكِتَابَةِ قَوَّمْنَا عَلَيْهِ نَصِيبَ الْأَوَّلِ وَصَارَتْ كُلُّهَا أُمَّ وَلَدٍ لَهُ وَنِصْفُهَا مُكَاتَبٌ ، وَيَرْجِعُ الْأَوَّلُ عَلَى الثَّانِي بِنِصْفِ الْمَهْرِ وَنِصْفِ قِيمَةِ الْوَلَدِ عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ ، وَيَرْجِعُ الثَّانِي عَلَى الْأَوَّلِ بِنِصْفِ الْمَهْرِ فَيَتَقَاصَّانِ بِهِ إنْ كَانَ بَاقِيًا عَلَيْهِمَا ، وَإِنْ كَانَ الثَّانِي مُعْسِرًا فَالْحُكْمُ فِيهِ كَمَا وَلَدَتْ مِنْ الْأَوَّلِ وَكَانَ مُعْسِرًا لَا فَضْلَ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ .\rالْقِسْمُ الثَّالِثُ : أَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ الْوَلَدُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَإِنَّهُ يَرَى الْقَافَةَ مَعَهُمَا فَيَلْحَقُ بِمَنْ أَلْحَقُوهُ بِهِ مِنْهُمَا ، فَمَنْ أُلْحِقَ بِهِ فَحُكْمُهُ حُكْمُ مَا لَوْ عُرِفَ أَنَّهُ مِنْهُ بِغَيْرِ قَافَةٍ .","part":24,"page":272},{"id":11772,"text":"( 8762 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَإِذَا كَاتَبَ نِصْفَ عَبْدٍ فَأَدَّى مَا كُوتِبَ عَلَيْهِ وَمِثْلَهُ لِسَيِّدِهِ صَارَ حُرًّا بِالْكِتَابَةِ إنْ كَانَ الَّذِي كَاتَبَهُ مُعْسِرًا ، وَإِنْ كَانَ مُوسِرًا عَتَقَ عَلَيْهِ كُلُّهُ وَصَارَ نِصْفُ قِيمَتِهِ عَلَى الَّذِي كَاتَبَهُ لِشَرِيكِهِ ) .\rوَجُمْلَتُهُ أَنَّ الرَّجُلَ إذَا كَانَ لَهُ نِصْفُ عَبْدٍ كَانَتْ لَهُ مُكَاتَبَتُهُ ، وَتَصِحُّ مِنْهُ سَوَاءٌ كَانَ بَاقِيهِ حُرًّا أَوْ مَمْلُوكًا لِغَيْرِهِ - وَسَوَاءٌ أَذِنَ فِيهِ الشَّرِيكُ أَوْ لَمْ يَأْذَنْ .\rهَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ وَأَبِي بَكْرٍ ، وَقَوْلُ الْحَكَمِ وَابْنِ أَبِي لَيْلَى .\rوَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَالْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ وَمَالِكٍ وَالْعَنْبَرِيِّ ، وَكَرِهَ الثَّوْرِيُّ وَحَمَّادٌ كِتَابَتَهُ بِغَيْرِ إذْنِ شَرِيكِهِ .\rوَقَالَ الثَّوْرِيُّ : إنْ فَعَلَ رَدَدْتُهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ نَقَدَهُ فَيَضْمَنُ لِشَرِيكِهِ نِصْفَ مَا فِي يَدِهِ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : تَصِحُّ بِإِذْنِ الشَّرِيكِ وَلَا تَصِحُّ بِغَيْرِ إذْنِهِ وَهَذَا أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ إلَّا أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ : إذْنُهُ فِيمَا مَضَى فِي ذَلِكَ يَقْتَضِي الْإِذْنَ فِي تَأْدِيَةِ مَالِ الْكِتَابَةِ مِنْ جَمِيعِ كَسْبِهِ ، وَلَا يَرْجِعُ الْآذِنُ بِشَيْءٍ مِنْهُ .\rوَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ : يَكُونُ جَمِيعُهُ مُكَاتَبًا .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ : إنْ كَانَ بَاقِيهِ حُرًّا صَحَّتْ كِتَابَتُهُ ، وَإِنْ كَانَ بَاقِيهِ مِلْكًا لَمْ تَصِحَّ كِتَابَتُهُ سَوَاءٌ أَذِنَ فِيهِ الشَّرِيكُ أَمْ لَمْ يَأْذَنْ ؛ لِأَنَّ كِتَابَتَهُ تَقْتَضِي إطْلَاقَهُ فِي رَدِّ الْكَسْبِ وَالْمُسَافَرَةِ ، وَمِلْكُ نِصْفِهِ يَمْنَعُ ذَلِكَ وَيَمْنَعُهُ أَخْذُ نَصِيبِهِ مِنْ الصَّدَقَاتِ ؛ لِئَلَّا يَصِيرَ كَسْبًا لَهُ وَيَسْتَحِقَّ سَيِّدُهُ نِصْفَهُ ، وَلِأَنَّهُ إذَا أَدَّى عَتَقَ جَمِيعُهُ فَيُؤَدِّي إلَى أَنْ يُؤَدِّيَ نِصْفَ كِتَابَتِهِ وَيَعْتِقَ جَمِيعُهُ .\rوَلَنَا أَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ عَلَى نِصْفِهِ فَصَحَّ كَبَيْعِهِ ، وَلِأَنَّهُ مِلْكٌ لَهُ يَصِحُّ بَيْعُهُ وَهِبَتُهُ فَصَحَّتْ كِتَابَتُهُ كَمَا لَوْ مَلَكَ جَمِيعَهُ ،","part":24,"page":273},{"id":11773,"text":"وَلِأَنَّهُ يَنْفُذُ إعْتَاقُهُ فَصَحَّتْ كِتَابَتُهُ كَالْعَبْدِ الْكَامِلِ ، وَكَمَا لَوْ كَانَ بَاقِيهِ حُرًّا - عِنْدَ الشَّافِعِيِّ - أَوْ أَذِنَ فِيهِ الشَّرِيكُ عِنْدَ الْبَاقِينَ .\rوَقَوْلُهُمْ : إنَّهُ يَقْتَضِي الْمُسَافَرَةَ وَالْكَسْبَ وَأَخْذَ الصَّدَقَةِ قُلْنَا : أَمَّا الْمُسَافَرَةُ فَلَيْسَتْ مِنْ الْمُقْتَضَيَاتِ الْأَصْلِيَّةِ فَوُجُودُ مَانِعٍ مِنْهَا لَا يَمْنَعُ أَصْلَ الْعَقْدِ .\rوَأَمَّا الْكَسْبُ وَأَخْذُ الصَّدَقَةِ فَإِنَّهُ لَا يَمْنَعُ كَسْبَهُ وَأَخْذَهُ الصَّدَقَةَ بِجُزْئِهِ بِالْمُكَاتَبَةِ وَلَا يَسْتَحِقُّ الشَّرِيكُ شَيْئًا مِنْهُ ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا اسْتَحَقَّ ذَلِكَ بِالْجُزْءِ الْمُكَاتَبِ ، وَلَا حَقَّ لِلشَّرِيكِ فِيهِ ، فَكَذَلِكَ فِيمَا حَصَلَ بِهِ ، كَمَا لَوْ وَرِثَ شَيْئًا بِجُزْئِهِ الْحُرِّ ، وَأَمَّا الْكَسْبُ فَإِنْ هَايَأَهُ مَالِكُ نِصْفِهِ فَكَسَبَ فِي نَوْبَتِهِ شَيْئًا لَمْ يُشَارِكْهُ فِيهِ أَيْضًا ، وَإِنْ لَمْ يُهَايِئْهُ فَكَسَبَ بِجُمْلَتِهِ شَيْئًا كَانَ بَيْنَهُمَا لَهُ بِقَدْرِ مَا فِيهِ مِنْ الْجُزْءِ الْمُكَاتَبِ وَلِسَيِّدِهِ الْبَاقِي ؛ لِأَنَّهُ كَسَبَهُ بِجُزْئِهِ الْمَمْلُوكِ فِيهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ كَسَبَ قَبْلَ كِتَابَتِهِ فَيُقْسَمُ بَيْنَ سَيِّدَيْهِ .\rوَقَوْلُهُمْ : إنَّهُ يُفْضِي إلَى أَنْ يُؤَدِّيَ بَعْضَ الْكِتَابَةِ فَيَعْتِقُ جَمِيعُهُ .\rقُلْنَا : يَبْطُلُ هَذَا بِمَا لَوْ عَلَّقَ عِتْقَ نَصِيبِهِ عَلَى أَدَاءِ مَالٍ فَإِنَّهُ يُؤَدِّي عِوَضَ الْبَعْضِ وَيَعْتِقُ الْجَمِيعُ ، عَلَى أَنَّنَا نَقُولُ : لَا يَعْتِقُ حَتَّى يُؤَدِّيَ جَمِيعَ الْكِتَابَةِ فَإِنَّ جَمِيعَ الْكِتَابَةِ هُوَ الَّذِي كَاتَبَهُ عَلَيْهِ مَالِكُ نِصْفِهِ وَلَمْ يَبْقَ مِنْهَا شَيْءٌ ، فَلَا يَعْتِقُ حَتَّى يُؤَدِّيَ جَمِيعَهَا وَلِأَنَّهُ لَا يَعْتِقُ الْجَمِيعُ بِالْأَدَاءِ وَإِنَّمَا يَعْتِقُ الْجُزْءُ الْمُكَاتَبُ لَا غَيْرُ ، وَبَاقِيهِ إنْ كَانَ الْمُكَاتَبُ مُعْسِرًا لَمْ يَعْتِقْ ، وَإِنْ كَانَ مُوسِرًا عَتَقَ بِالسِّرَايَةِ لَا بِالْكِتَابَةِ ، وَلَا يَمْنَعُ هَذَا كَمَا لَوْ أُعْتِقَ بَعْضُهُ عَتَقَ جَمِيعُهُ ، فَإِذَا جَازَ جَمِيعُهُ بِإِعْتَاقِ بَعْضِهِ بِطَرِيقِ السِّرَايَةِ جَازَ ذَلِكَ فِيمَا","part":24,"page":274},{"id":11774,"text":"يَجْرِي مَجْرَى الْعِتْقِ ، إذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِنَّهُ إذَا كَاتَبَ نَصِيبَهُ لَمْ تَسْرِ الْكِتَابَةُ وَلَمْ يَتَعَدَّ الْجُزْءَ الَّذِي كَاتَبَهُ ؛ لِأَنَّ الْكِتَابَةَ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ فَلَمْ يَسْرِ كَالْبَيْعِ ، وَلَيْسَ لِلْعَبْدِ أَنْ يُؤَدِّيَ إلَى مُكَاتِبِهِ شَيْئًا حَتَّى يُؤَدِّيَ إلَى شَرِيكِهِ مِثْلَهُ سَوَاءٌ أَذِنَ الشَّرِيكُ فِي كِتَابَتِهِ أَوْ لَمْ يَأْذَنْ ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا أَذِنَ فِي كِتَابَةِ نَصِيبِهِ ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ نَصِيبُهُ بَاقِيًا لَهُ ، وَلَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ مَعْرُوفًا فِي الْكِتَابَةِ وَهَذَا إذَا كَانَ الْكَسْبُ بِجَمِيعِهِ فَإِنْ أَدَّى الْكِتَابَةَ مِنْ جَمِيعِ كَسْبِهِ لَمْ يَعْتِقْ ؛ لِأَنَّ الْكِتَابَةَ الصَّحِيحَةَ تَقْتَضِي الْعِتْقَ بِبَرَاءَتِهِ مِنْ الْعِوَضِ وَذَلِكَ لَا يَحْصُلُ بِدَفْعِ مَا لَيْسَ لَهُ ، وَإِنْ أَدَّى إلَيْهِمَا جَمِيعًا عَتَقَ كُلُّهُ ؛ لِأَنَّ نِصْفَهُ يَعْتِقُ بِالْأَدَاءِ فَإِذَا عَتَقَ سَرَى إلَى سَائِرِهِ .\rوَإِنْ كَانَ الَّذِي كَاتَبَهُ مُوسِرًا ؛ لِأَنَّ عِتْقَهُ بِسَبَبٍ مِنْ جِهَتِهِ فَلَزِمَتْهُ قِيمَتُهُ كَمَا لَوْ بَاشَرَهُ بِالْعِتْقِ أَوْ كَمَا لَوْ عَلَّقَ عِتْقَ نَصِيبِهِ عَلَى صِفَةٍ فَعَتَقَ بِهَا ، وَيَرْجِعُ الشَّرِيكُ عَلَى الْمُكَاتَبِ بِنِصْفِ قِيمَتِهِ كَمَا لَوْ بَاشَرَهُ بِالْعِتْقِ ، فَأَمَّا إنْ مَلَكَ الْعَبْدُ شَيْئًا بِجُزْئِهِ الْمُكَاتَبِ ، مِثْلُ أَنْ هَايَأَهُ سَيِّدُهُ فَكَسَبَ شَيْئًا فِي نَوْبَتِهِ أَوْ أَعْطَى مِنْ الصَّدَقَةِ مِنْ سَهْمِ الرِّقَابِ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ ، فَلَا حَقَّ لِسَيِّدِهِ فِيهِ ، وَلَهُ أَدَاءُ جَمِيعِهِ فِي كِتَابَتِهِ ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا اسْتَحَقَّ ذَلِكَ بِمَا فِيهِ مِنْ الْكِتَابَةِ فَأَشْبَهَ النِّصْفَ الْبَاقِيَ بَعْدَ إعْطَاءِ الشَّرِيكِ حَقَّهُ .\rفَلَوْ كَانَ ثُلُثُهُ حُرًّا وَثُلُثُهُ مُكَاتَبًا وَثُلُثُهُ رَقِيقًا ، فَوَرِثَ بِجُزْئِهِ الْحُرِّ مِيرَاثًا ، وَأَخَذَ بِجُزْئِهِ الْمُكَاتَبِ مِنْ سَهْمِ الرِّقَابِ ، فَلَهُ دَفْعُ ذَلِكَ كُلِّهِ فِي كِتَابَتِهِ ؛ لِأَنَّهُ مَا اسْتَحَقَّ بِجُزْئِهِ الرَّقِيقِ شَيْئًا مِنْهُ فَلَا يَسْتَحِقُّ مَالِكُهُ مِنْهُ شَيْئًا ، وَإِذَا أَدَّى جَمِيعَ كِتَابَتِهِ عَتَقَ","part":24,"page":275},{"id":11775,"text":"فَإِذَا كَانَ الَّذِي كَاتَبَهُ مُعْسِرًا ، لَمْ يَسْرِ الْعِتْقُ وَلَمْ يَتَعَدَّ نَصِيبَهُ ، كَمَا إذَا وَاجَهَهُ بِالْعِتْقِ إلَّا عَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي نَقُولُ فِيهَا بِالِاسْتِسْعَاءِ فَإِنَّهُ يُسْتَسْعَى فِي نَصِيبِ الَّذِي لَمْ يُكَاتَبْ ، وَإِنْ كَانَ مُوسِرًا سَرَى إلَى بَاقِيهِ .","part":24,"page":276},{"id":11776,"text":"( 8763 ) فَصْلٌ : وَإِذَا كَانَ الْعَبْدُ كُلُّهُ مِلْكًا لِرَجُلٍ فَكَاتَبَ بَعْضَهُ جَازَ .\rقَالَهُ أَبُو بَكْرٍ ؛ لِأَنَّهَا مُعَاوَضَةٌ فَصَحَّتْ فِي بَعْضِهِ كَالْبَيْعِ ، فَإِذَا أَدَّى جَمِيعَ كِتَابَتِهِ عَتَقَ كُلُّهُ ؛ لِأَنَّهُ إذَا سَرَى الْعِتْقُ فِيهِ إلَى مِلْكِ غَيْرِهِ فَإِلَى مِلْكِهِ أَوْلَى ، وَيَجِبُ أَنْ يُؤَدِّيَ إلَى سَيِّدِهِ مِثْلَيْ كِتَابَتِهِ ؛ لِأَنَّ نِصْفَ مَا يَكْسِبُهُ يَسْتَحِقُّهُ سَيِّدُهُ بِمَا فِيهِ مِنْ الرِّقِّ ، وَنِصْفَهُ يُؤَدِّي فِي الْكِتَابَةِ إلَّا أَنْ يَرْضَى سَيِّدُهُ بِتَأْدِيَةِ الْجَمِيعِ فِي الْكِتَابَةِ فَيَصِحُّ فَإِذَا اسْتَوْفَى الْمَالَ كُلَّهُ عَتَقَ نِصْفُهُ بِالْكِتَابَةِ وَبَاقِيهِ بِالسِّرَايَةِ .","part":24,"page":277},{"id":11777,"text":"( 8764 ) فَصْلٌ : وَإِذَا كَانَ الْعَبْدُ لِرَجُلَيْنِ فَكَاتَبَاهُ مَعًا جَازَ سَوَاءٌ تَسَاوَيَا فِي الْعِوَضِ أَوْ اخْتَلَفَا فِيهِ ، وَسَوَاءٌ اتَّفَقَ نَصِيبَاهُمَا فِيهِ أَوْ اخْتَلَفَ ، وَسَوَاءٌ كَانَ فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ أَوْ عَقْدَيْنِ .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يَجُوزُ أَنْ يَتَفَاضَلَا فِي الْمَالِ مَعَ التَّسَاوِي فِي الْمِلْكِ وَلِأَنَّ التَّسَاوِيَ فِي الْمَالِ مَنَعَ التَّفَاضُلَ فِي الْمِلْكِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُؤَدِّي إلَى أَنْ يَنْتَفِعَ أَحَدُهُمَا بِمَالِ الْآخَرِ لِأَنَّهُ إذَا دَفَعَ إلَى أَحَدِهِمَا أَكْثَرَ مِنْ قَدْرِ مِلْكِهِ ثُمَّ عَجَزَ ، رَجَعَ عَلَيْهِ الْآخَرُ بِذَلِكَ .\rوَلَنَا أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَعْقِدُ عَلَى نَصِيبِهِ عَقْدَ مُعَاوَضَةٍ فَجَازَ أَنْ يَخْتَلِفَا فِي الْعِوَضِ كَالْبَيْعِ .\rوَمَا ذَكَرُوهُ لَا يَلْزَمُ ؛ لِأَنَّ انْتِفَاعَ أَحَدِهِمَا بِمَالِ الْآخَرِ إنَّمَا يَكُونُ عِنْدَ الْعَجْزِ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ مُقْتَضَيَات الْعَقْدِ ، وَإِنَّمَا يَكُونُ عِنْدَ زَوَالِهِ فَلَا يَضُرُّ ؛ وَلِأَنَّهُ إنَّمَا يُؤَدِّي إلَيْهِمَا عَلَى التَّسَاوِي ، وَإِذَا عَجَزَ قُسِمَ مَا كَسَبَهُ بَيْنَهُمَا عَلَى قَدْرِ الْمِلْكَيْنِ ، فَلَمْ يَكُنْ أَحَدُهُمَا مُنْتَفِعًا إلَّا بِمَا يُقَابِلُ مِلْكَهُ ، وَعَادَ الْأَمْرُ بَعْدَ زَوَالِ الْكِتَابَةِ إلَى حُكْمِ الرِّقِّ كَأَنَّهُ لَمْ يَزُلْ .\rفَإِنْ قِيلَ : فَالتَّسَاوِي فِي الْمِلْكِ يَقْتَضِي التَّسَاوِيَ فِي أَدَائِهِ إلَيْهِمَا ، وَيَلْزَمُ مِنْهُ وَفَاءُ كِتَابَةِ أَحَدِهِمَا قَبْلَ الْآخَرِ ، فَيَعْتِقُ نَصِيبُهُ وَيَسْرِي إلَى نَصِيبِ صَاحِبِهِ وَيَرْجِعُ عَلَيْهِ الْآخَرُ بِنِصْفِ قِيمَتِهِ ، قُلْنَا : يُمْكِنُ أَدَاءُ كِتَابَتِهِ إلَيْهِمَا دُفْعَةً وَاحِدَةً فَيَعْتِقُ عَلَيْهِمَا ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُكَاتَبَ أَحَدَهُمَا عَلَى مِائَةٍ فِي نَجْمَيْنِ ، فِي كُلِّ نَجْمٍ خَمْسُونَ ، وَيُكَاتَبَ الْآخَرُ عَلَى مِائَتَيْنِ فِي نَجْمَيْنِ ، فِي النَّجْمِ الْأَوَّلِ خَمْسُونَ ، وَفِي الثَّانِي مِائَةٌ وَخَمْسُونَ ، وَيَكُونُ وَقْتُهُمَا وَاحِدًا فَيُؤَدِّي إلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَقَّهُ ، عَلَى أَنَّ أَصْحَابَنَا قَالُوا : لَا","part":24,"page":278},{"id":11778,"text":"يَسْرِي الْعِتْقُ إلَى نَصِيبِ الْآخَرِ مَادَامَ مُكَاتَبًا ، فَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ لَا يُفْضِي إلَى مَا ذَكَرُوهُ ، عَلَى أَنَّهُ وَإِنْ قُدِّرَ إفْضَاؤُهُ إلَيْهِ فَلَا مَانِعَ فِيهِ مِنْ صِحَّةِ الْكِتَابَةِ ، فَإِنَّهُ لَا يُخِلُّ بِمَقْصُودِ الْكِتَابَةِ - وَهُوَ الْعِتْقُ بِهَا ، وَيُمْكِنُ وُجُودُ سِرَايَةِ الْعِتْقِ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ بِأَنْ يُكَاتِبَهُ عَلَى مِثْلَيْ قِيمَتِهِ ، فَإِذَا عَتَقَ عَلَيْهِ غَرِمَ لِشَرِيكِهِ نِصْفَ قِيمَتِهِ وَسَلَّمَ لَهُ بَاقِيَ الْمَالِ ، وَحَصَلَ لَهُ وَلَاءُ الْعَبْدِ وَلَا ضَرَرَ فِي هَذَا ، ثُمَّ لَوْ كَانَ فِيهِ ضَرَرٌ لَكِنْ قَدْ رَضِيَ بِهِ حِينَ كِتَابَتِهِ عَلَى أَقَلَّ مِمَّا كَاتَبَهُ بِهِ شَرِيكُهُ ، وَالضَّرَرُ الْمَرْضِيُّ بِهِ مِنْ جِهَةِ الْمَضْرُورِ لَا عِبْرَةَ بِهِ ، كَمَا لَوْ بَاشَرَهُ بِالْعِتْقِ أَوْ أَبْرَأَهُ مِنْ مَالِ الْكِتَابَةِ ، فَإِنَّهُ يَعْتِقُ عَلَيْهِ وَيَسْرِي عِتْقُهُ وَيَغْرَمُ لِشَرِيكِهِ وَهُوَ جَائِزٌ ، فَهَذَا أَوْلَى بِالْجَوَازِ .\rوَلَا يَجُوزُ أَنْ يَخْتَلِفَا فِي التَّنْجِيمِ وَلَا فِي أَنْ يَكُونَ لِأَحَدِهِمَا فِي النُّجُومِ قَبْلَ النَّجْمِ الْأَخِيرِ أَكْثَرُ مِنْ الْآخَرِ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُؤَدِّيَ إلَيْهِمَا إلَّا عَلَى السَّوَاءِ ، وَلَا يَجُوزُ تَقْدِيمُ أَحَدِهِمَا بِالْأَدَاءِ عَلَى الْآخَرِ ، وَاخْتِلَافُهُمَا فِي مِيقَاتِ النُّجُومِ وَقَدْرِ الْمُؤَدَّى فِيهِمَا يُفْضِي إلَى ذَلِكَ .\rوَالثَّانِي يَجُوزُ ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يُعَجِّلَ لِمَنْ تَأَخَّرَ نَجْمُهُ قَبْلَ مَحِلِّهِ ، وَيُعْطِيَ مَنْ قَلَّ نَجْمُهُ أَكْثَرَ مِنْ الْوَاجِبِ لَهُ ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ أَحَدُهُمَا فِي الدَّفْعِ إلَى الْآخَرِ قَبْلَهُ أَوْ أَكْثَرَ مِنْهُ ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُنْظِرَهُ مَنْ حَلَّ نَجْمُهُ ، أَوْ يَرْضَى مَنْ لَهُ الْكَثِيرُ بِأَخْذِ دُونِ حَقِّهِ ، وَإِذَا أَمْكَنَ إفْضَاءُ الْعَقْدِ إلَى مَقْصُودِهِ فَلَا نُبْطِلُهُ بِاحْتِمَالِ عَدَمِ الْإِفْضَاءِ إلَيْهِ .","part":24,"page":279},{"id":11779,"text":"( 8765 ) فَصْلٌ : وَلَيْسَ لِلْمُكَاتَبِ أَنْ يُؤَدِّيَ إلَى أَحَدِهِمَا أَكْثَرَ مِنْ الْآخَرِ ، وَلَا يُقَدِّمَ أَحَدَهُمَا عَلَى الْآخَرِ .\rذَكَرَهُ الْقَاضِي ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ ، وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا ؛ لِأَنَّهُ مَا سَوَاءٌ فِيهِ فَيَسْتَوِيَانِ فِي كَسْبِهِ ، وَحَقُّهُمَا مُتَعَلِّقٌ بِمَا فِي يَدِهِ تَعَلُّقًا وَاحِدًا فَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَخُصَّ أَحَدَهُمَا بِشَيْءٍ مِنْهُ دُونَ الْآخَرِ ؛ وَلِأَنَّهُ رُبَّمَا عَجَزَ فَيَعُودَ إلَى الرِّقِّ ، وَيَتَسَاوَيَانِ فِي كَسْبِهِ فَيَرْجِعُ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ بِمَا فِي يَدِهِ مِنْ الْفَضْلِ بَعْدَ انْتِفَاعِهِ بِهِ مُدَّةً .\rفَإِنْ قَبَضَ أَحَدُهُمَا دُونَ الْآخَرِ شَيْئًا لَمْ يَصِحَّ الْقَبْضُ ، وَلِلْآخَرِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ حِصَّتِهِ إذَا لَمْ يَكُنْ أَذِنَ فِي الْقَبْضِ ، وَإِنْ أَذِنَ فِيهِ فَفِيهِ وَجْهَانِ - ذَكَرَهُمَا أَبُو بَكْرٍ - أَحَدُهُمَا : يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ الْمَنْعَ لِحَقِّهِ فَجَازَ بِإِذْنِهِ ، كَمَا لَوْ أَذِنَ الْمُرْتَهِنُ لِلرَّاهِنِ فِي التَّصَرُّفِ فِيهِ ، أَوْ أَذِنَ الْبَائِعُ لِلْمُشْتَرِي فِي قَبْضِ الْبَيْعِ قَبْلَ تَوْفِيَةِ ثَمَنِهِ ، أَوْ أَذِنَا لِلْمُكَاتَبِ فِي التَّبَرُّعِ ، وَلِأَنَّهُمَا لَوْ أَذِنَا لَهُ فِي الصَّدَقَةِ بِشَيْءٍ صَحَّ قَبْضُ الْمُتَصَدِّقِ عَلَيْهِ لَهُ ، كَذَلِكَ هَاهُنَا .\rوَالثَّانِي : لَا يَجُوزُ وَهَذَا اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ وَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ وَاخْتِيَارُ الْمُزَنِيّ ؛ لِأَنَّ مَا فِي يَدِ الْمُكَاتَبِ مِلْكٌ لَهُ فَلَا يَنْفُذُ إذْنُ غَيْرِهِ فِيهِ ، وَإِنَّمَا حَقُّ سَيِّدِهِ فِي ذِمَّتِهِ .\rوَالْأَوَّلُ أَصَحُّ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمْ لَا يَخْرُجُ عَنْهُمْ فَإِذَا اتَّفَقُوا عَلَى شَيْءٍ فَلَا وَجْهَ لِلْمَنْعِ .\rوَقَوْلُهُمْ : إنَّهُ مِلْكٌ لِلْمُكَاتَبِ ، تَعْلِيقٌ عَلَى الْعِلَّةِ ضِدُّ مَا تَقْتَضِيهِ ؛ لِأَنَّ كَوْنَهُ مِلْكًا لَهُ يَقْتَضِي جَوَازَ تَصَرُّفِهِ فِيهِ عَلَى حَسَبِ اخْتِيَارِهِ ، وَإِنَّمَا الْمَنْعُ لِتَعَلُّقِ حَقِّ سَيِّدِهِ بِهِ ، فَإِذَا أَذِنَ زَالَ الْمَانِعُ فَصَحَّ التَّقْبِيضُ ؛ لِوُجُودِ مُقْتَضِيهِ","part":24,"page":280},{"id":11780,"text":"وَخُلُوِّهِ مِنْ الْمَانِعِ ، ثُمَّ يَبْطُلُ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْمَسَائِلِ .\rفَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ إذَا دَفَعَ إلَى أَحَدِهِمَا مَالَ الْكِتَابَةِ بِإِذْنِ صَاحِبِهِ عَتَقَ نَصِيبُهُ مِنْ الْمُكَاتَبِ ؛ لِأَنَّهُ اسْتَوْفَى حَقَّهُ ، وَيَسْرِي الْعِتْقُ إلَى بَاقِيهِ ، وَعَلَيْهِ قِيمَةُ حِصَّةِ شَرِيكِهِ ؛ لِأَنَّ عِتْقَهُ بِسَبَبِهِ .\rهَذَا قَوْلُ الْخِرَقِيِّ ، وَيَضْمَنُهُ فِي الْحَالِ بِنِصْفِ قِيمَتِهِ مُكَاتَبًا مُبْقًى عَلَى مَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ كِتَابَتِهِ وَوَلَاؤُهُ كُلُّهُ لَهُ ، وَمَا فِي يَدِهِ مِنْ الْمَالِ الَّذِي لَمْ يَقْبِضْ مِنْهُ بِقَدْرِ مَا قَبَضَهُ صَاحِبُهُ ، وَالْبَاقِي بَيْنَ الْعَبْدِ وَبَيْنَ سَيِّدِهِ الَّذِي عَتَقَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ نِصْفَهُ عَتَقَ بِالْكِتَابَةِ وَنِصْفَهُ بِالسِّرَايَةِ ، فَحِصَّةُ مَا عَتَقَ بِالْكِتَابَةِ لِلْعَبْدِ ، وَحِصَّةُ مَا عَتَقَ بِالسِّرَايَةِ لِسَيِّدِهِ .\rوَعَلَى مَا اخْتَرْنَاهُ يَكُونُ الْبَاقِي كُلُّهُ لِلْعَبْدِ ؛ لِأَنَّ الْكَسْبَ كَانَ مِلْكًا لَهُ فَلَا يَزُولُ مِلْكُهُ عَنْهُ بِعِتْقِهِ كَمَا لَوْ عَتَقَ بِالْأَدَاءِ .\rوَقَالَ أَبُو بَكْرٍ وَالْقَاضِي : لَا يَسْرِي الْعِتْقُ فِي الْحَالِ وَإِنَّمَا يَسْرِي عِنْدَ عَجْزِهِ ، فَعَلَى قَوْلِهِمَا يَكُونُ بَاقِيًا عَلَى الْكِتَابَةِ ، فَإِنْ أَدَّى إلَى الْآخَرِ عَتَقَ عَلَيْهِمَا ، وَوَلَاؤُهُ لَهُمَا وَمَا بَقِيَ فِي يَدِهِ مِنْ كَسْبِهِ فَهُوَ لَهُ ، وَإِنْ عَجَزَ وَفُسِخَتْ كِتَابَتُهُ قُوِّمَ عَلَى الَّذِي أَدَّى إلَيْهِ وَكَانَ وَلَاءُ جَمِيعِهِ لَهُ وَتَنْفَسِخُ الْكِتَابَةُ فِي نِصْفِهِ .\rوَإِنْ مَاتَ فَقَدْ مَاتَ وَنِصْفُهُ حُرٌّ وَنِصْفُهُ رَقِيقٌ ، وَلِسَيِّدِهِ الَّذِي لَمْ يَعْتِقْ نَصِيبُهُ أَنْ يَأْخُذَ مِمَّا خَلَفَهُ مِثْلَ مَا أَخَذَهُ شَرِيكُهُ مِنْ مَالِ الْكِتَابَةِ ، وَلَهُ نِصْفُ مَا بَقَّى وَالْبَاقِي لِوَرَثَةِ الْعَبْدِ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ مِنْ نَسَبِهِ فَهُوَ لِلَّذِي أَدَّى إلَيْهِ بِالْوَلَاءِ .\rوَإِنْ قُلْنَا : لَا يَصِحُّ الْقَبْضُ فَمَا أَخَذَهُ الْقَابِضُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ شَرِيكِهِ ، وَلَا تَعْتِقُ حِصَّتُهُ مِنْ الْمُكَاتَبِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَوْفِ عِوَضَهُ ، وَلِغَيْرِ الْقَابِضِ","part":24,"page":281},{"id":11781,"text":"مُطَالَبَةُ الْقَابِضِ بِنَصِيبِهِ مِمَّا قَبَضَهُ كَمَا لَوْ قَبَضَهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ سَوَاءٌ .\rوَإِنْ لَمْ يَرْجِعْ غَيْرُ الْقَابِضِ بِنَصِيبِهِ حَتَّى أَدَّى الْمُكَاتَبُ إلَيْهِ كِتَابَتَهُ صَحَّ وَعَتَقَ عَلَيْهِمَا جَمِيعًا ، وَإِنْ مَاتَ الْعَبْدُ قَبْلَ اسْتِيفَاءِ الْآخَرِ حَقَّهُ فَقَدْ مَاتَ عَبْدًا وَيَسْتَوْفِي الَّذِي لَمْ يَقْبِضْ مِنْ كَسْبِهِ بِقَدْرِ مَا أَخَذَهُ صَاحِبُهُ وَالْبَاقِي بَيْنَهُمَا .\rقَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ فِي عَبْدٍ بَيْنَ رَجُلَيْنِ كَاتَبَاهُ فَأَدَّى إلَى أَحَدِهِمَا كِتَابَتَهُ ثُمَّ مَاتَ وَهُوَ يَسْعَى لِلْآخَرِ لِمَنْ مِيرَاثُهُ ؟ قَالَ أَحْمَدُ : كُلُّ مَا كَسَبَ الْعَبْدُ فِي كِتَابَتِهِ فَهُوَ بَيْنَهُمَا وَيَرْجِعُ هَذَا عَلَى الْآخَرِ بِنَصِيبِهِ مِمَّا أَخَذَ وَمِيرَاثُهُ بَيْنَهُمَا .\rقَالَ ابْنُ مَنْصُورٍ : قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ كَمَا قَالَ .","part":24,"page":282},{"id":11782,"text":"( 8766 ) فَصْلٌ : وَإِنْ عَجَزَ مُكَاتَبُهُمَا فَلَهُمَا الْفَسْخُ وَالْإِمْضَاءُ ، فَإِنْ فَسَخَا جَمِيعًا أَوْ أَمْضَيَا الْكِتَابَةَ جَازَ مَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ ، وَإِنْ فَسَخَ أَحَدُهُمَا وَأَمْضَى الْآخَرُ جَازَ وَعَادَ نِصْفُهُ رَقِيقًا قِنًّا وَنِصْفُهُ مُكَاتَبًا .\rوَقَالَ الْقَاضِي : تَنْفَسِخُ الْكِتَابَةُ فِي جَمِيعِهِ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ الْكِتَابَةَ لَوْ بَقِيَتْ فِي نِصْفِهِ لَعَادَ مِلْكُ الَّذِي فَسَخَ الْكِتَابَةَ إلَيْهِ نَاقِصًا .\rوَلَنَا ، أَنَّهَا كِتَابَةٌ فِي مِلْكِ أَحَدِهِمَا فَلَمْ تَنْفَسِخْ بِفَسْخِ الْآخَرِ ، كَمَا لَوْ انْفَرَدَ بِكِتَابَتِهِ ، لِأَنَّهُمَا عَقْدَانِ مُفْرَدَانِ فَلَمْ يَنْفَسِخْ أَحَدُهُمَا بِفَسْخِ الْآخَرِ كَالْبَيْعِ ، وَمَا حَصَلَ مِنْ النَّقْصِ لَا يَمْنَعُ ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا حَصَلَ ضِمْنًا ؛ لِتَصَرُّفِ الشَّرِيكِ فِي نَصِيبِهِ ، فَلَمْ يَمْنَعْ كَإِعْتَاقِ الشَّرِيكِ ؛ وَلِأَنَّ مِنْ أَصْلِنَا أَنَّهُ تَصِحُّ مُكَاتَبَةُ أَحَدِهِمَا نَصِيبَهُ ، فَإِذَا لَمْ يُمْنَعْ الْعَقْدُ فِي ابْتِدَائِهِ فَلَأَنْ يَبْطُلَ فِي دَوَامِهِ أَوْلَى ، وَلِأَنَّ ضَرَرَهُ حَصَلَ بِعَقْدِهِ وَفَسْخِهِ فَلَا يَزُولُ بِفَسْخِ عَقْدِ غَيْرِهِ ، وَلِأَنَّ فِي فَسْخِ الْكِتَابَةِ ضَرَرًا بِالْمُكَاتَبِ وَسَيِّدِهِ ، وَلَيْسَ دَفْعُ الضَّرَرِ عَنْ الشَّرِيكِ الَّذِي فَسَخَ بِأَوْلَى مِنْ دَفْعِ الضَّرَرِ عَنْ الَّذِي لَمْ يَفْسَخْ ، بَلْ دَفْعُ الضَّرَرِ عَنْ الَّذِي لَمْ يَفْسَخْ أَوْلَى لِوُجُوهٍ ثَلَاثَةٍ : أَحَدُهَا أَنَّ ضَرَرَ الَّذِي فَسَخَ حَصَلَ ضِمْنًا ؛ لِبَقَاءِ عَقْدِ شَرِيكِهِ فِي مِلْكِ نَفْسِهِ ، وَضَرَرَ شَرِيكِهِ بِزَوَالِ عَقْدِهِ وَفَسْخِ تَصَرُّفِهِ فِي مِلْكِهِ .\rوَالثَّانِي : أَنَّ ضَرَرَ الَّذِي فَسَخَ لَمْ يَعْتَبِرْهُ الشَّرْعُ فِي مَوْضِعٍ ، وَلَا أَصْلَ لِمَا ذَكَرُوهُ مِنْ الْحُكْمِ وَلَا يُعْرَفُ لَهُ نَظِيرٌ فَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الْمَصْلَحَةِ الْمُرْسَلَةِ الَّتِي وَقَعَ الْإِجْمَاعُ عَلَى اطِّرَاحِهَا ، وَضَرَرُ شَرِيكِهِ بِفَسْخِ عَقْدِهِ مُعْتَبَرٌ فِي سَائِرِ عُقُودِهِ : مِنْ بَيْعِهِ وَهِبَتِهِ وَرَهْنِهِ .\r.\rوَغَيْرِ ذَلِكَ ، فَيَكُونُ أَوْلَى .\rالثَّالِثُ : أَنَّ ضَرَرَ","part":24,"page":283},{"id":11783,"text":"الْفَسْخِ يَتَعَدَّى إلَى الْمُكَاتَبِ فَيَكُونُ ضَرَرًا بِاثْنَيْنِ ، وَضَرَرَ الْفَاسِخِ لَا يَتَعَدَّاهُ ، ثُمَّ لَوْ قُدِّرَ تَسَاوِي الضَّرَرَيْنِ لَوَجَبَ إبْقَاءُ الْحُكْمِ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ ، وَلَا يَجُوزُ إحْدَاثُ الْفَسْخِ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ رَاجِحٍ .","part":24,"page":284},{"id":11784,"text":"( 8767 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَإِذَا عَتَقَ الْمُكَاتَبُ اسْتَقْبَلَ بِمَا فِي يَدِهِ مِنْ الْمَالِ حَوْلًا ثُمَّ زَكَّاهُ إنْ كَانَ نِصَابًا ) .\rوَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْمُكَاتَبَ لَا زَكَاةَ عَلَيْهِ بِلَا خِلَافٍ نَعْلَمُهُ ، فَإِذَا عَتَقَ صَارَ مِنْ أَهْلِ الزَّكَاةِ حِينَئِذٍ فَيَبْتَدِئُ حَوْلُ الزَّكَاةِ مِنْ يَوْمِ عَتَقَ ، فَإِذَا تَمَّ الْحَوْلُ وَجَبَتْ الزَّكَاةُ إنْ كَانَ نِصَابًا ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ نِصَابًا فَلَا شَيْءَ فِيهِ ، وَيَصِيرُ هَذَا كَالْكَافِرِ إذَا أَسْلَمَ وَفِي يَدِهِ مَالٌ زَكَوِيٌّ يَبْلُغُ نِصَابًا فَإِنَّهُ يَسْتَقْبِلُ بِهِ حَوْلًا مِنْ حِينَ أَسْلَمَ ؛ لِأَنَّهُ صَارَ حِينَئِذٍ مِنْ أَهْلِ الزَّكَاةِ ، وَكَذَلِكَ الْعَبْدُ إذَا عَتَقَ وَفِي يَدِهِ مَالٌ أَبْقَاهُ لَهُ سَيِّدُهُ .","part":24,"page":285},{"id":11785,"text":"( 8768 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَإِذَا لَمْ يُؤَدِّ نَجْمًا حَتَّى حَلَّ نَجْمٌ آخَرُ عَجَّزَهُ السَّيِّدُ إنْ أَحَبَّ وَعَادَ عَبْدًا غَيْرَ مُكَاتَبٍ ) .\rوَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْكِتَابَةَ عَقْدٌ لَازِمٌ لَا يَمْلِكُ السَّيِّدُ فَسْخَهَا قَبْلَ عَجْزِ الْمُكَاتَبِ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ ، وَلَيْسَ لَهُ مُطَالَبَةُ الْمُكَاتَبِ قَبْلَ حُلُولِ النَّجْمِ ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا ثَبَتَ فِي الْعَقْدِ مُؤَجَّلًا ، وَإِذَا حَلَّ النَّجْمُ فَلِلسَّيِّدِ مُطَالَبَتُهُ بِمَا حَلَّ مِنْ نُجُومِهِ ؛ لِأَنَّهُ دَيْنٌ لَهُ حَلَّ فَأَشْبَهَ دَيْنَهُ عَلَى الْأَجْنَبِيِّ ، وَلَهُ الصَّبْرُ عَلَيْهِ وَتَأْخِيرُهُ بِهِ - سَوَاءٌ كَانَ قَادِرًا عَلَى الْأَدَاءِ أَوْ عَاجِزًا عَنْهُ ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ لَهُ سَمَحَ بِتَأْخِيرِهِ أَشْبَهَ دَيْنَهُ عَلَى الْأَجْنَبِيِّ ، فَإِنْ اخْتَارَ الصَّبْرَ عَلَيْهِ لَمْ يَمْلِكْ الْعَبْدُ الْفَسْخَ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْمُكَاتَبَ إذَا حَلَّ عَلَيْهِ نَجْمٌ أَوْ نَجْمَانِ أَوْ نُجُومُهُ كُلُّهَا فَوَقَفَ السَّيِّدُ عَنْ مُطَالَبَتِهِ وَتَرَكَهُ بِحَالِهِ ، أَنَّ الْكِتَابَةَ لَا تَنْفَسِخُ مَا داما ثَابِتَيْنِ عَلَى الْعَقْدِ الْأَوَّلِ ، فَإِنْ أَجَّلَهُ بِهِ ثُمَّ بَدَا لَهُ الرُّجُوعُ فَلَهُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ الْحَالَّ لَا يَتَأَجَّلُ بِالتَّأْجِيلِ كَالْقَرْضِ .\rوَإِنْ حَلَّ عَلَيْهِ نَجْمَانِ فَعَجَزَ عَنْهُمَا فَاخْتَارَ السَّيِّدُ فَسْخَ كِتَابَتِهِ وَرَدَّهُ إلَى الرِّقِّ فَلَهُ ذَلِكَ بِغَيْرِ حُضُورِ حَاكِمٍ وَلَا سُلْطَانٍ ، وَلَا تَلْزَمُهُ الِاسْتِنَابَةُ .\rفَعَلَ ذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ وَهُوَ قَوْلُ شُرَيْحٍ وَالنَّخَعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى : لَا يَكُونُ عَجْزُهُ إلَّا عِنْدَ قَاضٍ ، وَحُكِيَ نَحْوُ هَذَا عَنْ مَالِكٍ .\rوَقَالَ الْحَسَنُ : إذَا عَجَزَ اُسْتُؤْنِيَ بَعْدَ الْعَجْزِ سَنَتَيْنِ .\rوَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : شَهْرَيْنِ .\r.\rوَنَحْوُ ذَلِكَ .\rوَلَنَا مَا رَوَى سَعِيدٌ بِإِسْنَادِهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَاتَبَ غُلَامًا لَهُ عَلَى أَلْفِ دِينَارٍ فَأَدَّى إلَيْهِ","part":24,"page":286},{"id":11786,"text":"تِسْعَمِائَةِ دِينَارٍ وَعَجَّزَهُ عَنْ مِائَةِ دِينَارٍ فَرَدَّهُ إلَى الرِّقِّ .\rوَبِإِسْنَادِهِ عَنْ عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَاتَبَ عَبْدَهُ عَلَى عِشْرِينَ أَلْفًا فَأَدَّى عَشَرَةَ آلَافٍ ، ثُمَّ أَتَاهُ فَقَالَ : إنِّي قَدْ طُفْتُ الْعِرَاقَ وَالْحِجَازَ فَرُدَّنِي فِي الرِّقِّ ، فَرَدَّهُ .\rوَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ كَاتَبَ عَبْدًا لَهُ عَلَى ثَلَاثِينَ أَلْفًا فَقَالَ لَهُ : أَنَا عَاجِزٌ .\rفَقَالَ لَهُ : اُمْحُ كِتَابَتَكَ .\rفَقَالَ : اُمْحُ أَنْتَ .\rوَرَوَى سَعِيدٌ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ ، { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ فَقَالَ : أَيُّمَا رَجُلٍ كَاتَبَ غُلَامَهُ عَلَى مِائَةِ أُوقِيَّةٍ فَعَجَزَ عَنْ عَشْرِ أَوَاقٍ فَهُوَ رَقِيقٌ .\r} وَلِأَنَّهُ عَقْدٌ عَجَزَ عَنْ عِوَضِهِ فَمَلَكَ مُسْتَحِقُّهُ فَسْخَهُ كَالسَّلَمِ إذَا تَعَذَّرَ الْمُسْلِمُ فِيهِ ، وَلِأَنَّهُ فَسْخُ عَقْدٍ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ فَلَمْ يَفْتَقِرْ إلَى الْحَاكِمِ كَفَسْخِ الْمُعْتَقَةِ تَحْتَ الْعَبْدِ ، فَإِنْ قِيلَ : فَلِمَ كَانَتْ الْكِتَابَةُ لَازِمَةً مِنْ جِهَةِ السَّيِّدِ ، غَيْرَ لَازِمَةٍ مِنْ جِهَةِ الْعَبْدِ ؟ قُلْنَا : هِيَ لَازِمَةٌ مِنْ جِهَةِ الطَّرَفَيْنِ وَلَا يَمْلِكُ الْعَبْدُ فَسْخَهَا بِحَالٍ وَإِنَّمَا لَهُ أَنْ يُعَجِّزَ نَفْسَهُ وَيَمْتَنِعَ مِنْ الْكَسْبِ ، وَإِنَّمَا كَانَ لَهُ ذَلِكَ لِوَجْهَيْنِ - أَحَدُهُمَا : أَنَّ الْكِتَابَةَ تَتَضَمَّنُ إعْتَاقًا بِصِفَةٍ ، وَمَنْ عَلَّقَ عِتْقَ عَبْدِهِ بِصِفَةٍ لَمْ يَمْلِكْ إبْطَالَهَا وَيَلْزَمُ وُقُوعُ الْعِتْقِ بِالصِّفَةِ ، وَلَا يَلْزَمُ الْعَبْدَ الْإِتْيَانُ بِالصِّفَةِ وَلَا يُجْبَرُ عَلَيْهَا .\rالثَّانِي : أَنَّ الْكِتَابَةَ لِحَظِّ الْعَبْدِ دُونَ سَيِّدِهِ فَكَانَ الْعَقْدُ لَازِمًا لِمَنْ أَلْزَمَ نَفْسَهُ حَظَّ غَيْرِهِ ، وَصَاحِبُ الْحَظِّ بِالْخِيَارِ فِيهِ كَمَنْ ضَمِنَ لِغَيْرِهِ شَيْئًا ، أَوْ كَفَلَ لَهُ ، أَوْ رَهَنَ عِنْدَهُ رَهْنًا .","part":24,"page":287},{"id":11787,"text":"( 8769 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا إنْ حَلَّ نَجْمٌ وَاحِدٌ فَعَجَزَ عَنْ أَدَائِهِ فَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ أَنَّهُ لَيْسَ لِلسَّيِّدِ الْفَسْخُ حَتَّى يَحِلَّ نَجْمَانِ قَبْلَ أَدَائِهِمَا .\rوَهِيَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ قَالَ الْقَاضِي : وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَصْحَابِنَا وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَهُوَ قَوْلُ الْحَكَمِ وَابْنِ أَبِي لَيْلَى وَأَبِي يُوسُفَ وَالْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى : وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ لَا يَعُودُ رَقِيقًا حَتَّى يَقُولَ : قَدْ عَجَزْتُ .\rوَقِيلَ عَنْهُ : إذَا أَدَّى أَكْثَرَ مَالِ الْكِتَابَةِ لَمْ يُرَدَّ إلَى الرِّقِّ وَأُتْبِعَ بِمَا بَقِيَ .\rوَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ : أَنَّهُ إذَا عَجَزَ عَنْ نَجْمٍ وَاحِدٍ فَلِسَيِّدِهِ فَسْخُ الْكِتَابَةِ ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَارِثِ الْعُكْلِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ السَّيِّدَ دَخَلَ عَلَى أَنْ يُسَلِّمَ لَهُ مَالَ الْكِتَابَةِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي كَاتَبَهُ عَلَيْهِ ، وَيَدْفَعَ إلَيْهِ الْمَالَ فِي نُجُومِهِ ، فَإِذَا لَمْ يُسَلِّمْ لَهُ لَمْ يَلْزَمْهُ عِتْقُهُ ، وَلِمَا ذَكَرْنَا فِي الْفَصْلِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا ، وَلِأَنَّهُ عَجَزَ عَنْ أَدَاءِ النَّجْمِ فِي وَقْتِهِ فَجَازَ فَسْخُ كِتَابَتِهِ كَالنَّجْمِ الْأَخِيرِ .\rوَلَنَا مَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : لَا يُرَدُّ الْمُكَاتَبُ فِي الرِّقِّ حَتَّى يَتَوَالَى عَلَيْهِ نَجْمَانِ ، وَلِأَنَّ مَا بَيْنَ النَّجْمَيْنِ مَحِلٌّ لِأَدَاءِ الْأَوَّلِ فَلَا يَتَحَقَّقُ الْعَجْزُ عَنْهُ حَتَّى يَفُوتَ مَحِلُّهُ بِحُلُولِ الثَّانِي .","part":24,"page":288},{"id":11788,"text":"( 8770 ) فَصْلٌ : وَإِذَا حَلَّ النَّجْمُ وَمَالُهُ حَاضِرٌ عِنْدَهُ طُولِبَ بِأَدَائِهِ وَلَمْ يَجُزْ الْفَسْخُ قَبْلَ الطَّلَبِ كَمَا لَا يَجُوزُ فَسْخُ الْبَيْعِ وَالسَّلَمِ بِمُجَرَّدِ وُجُوبِ الدَّفْعِ قَبْلَ الطَّلَبِ ، فَإِنْ طُلِبَ مِنْهُ فَذُكِرَ أَنَّهُ غَائِبٌ عَنْ الْمَجْلِسِ فِي نَاحِيَةٍ مِنْ نَوَاحِي الْبَلَدِ ، أَوْ قَرِيبٌ مِنْهُ عَلَى مَسَافَةٍ لَا تُقْصَرُ فِيهَا الصَّلَاةُ يُمْكِنُ إحْضَارُهُ قَرِيبًا ، لَمْ يَجُزْ فَسْخُ الْكِتَابَةِ ، وَأُمْهِلَ بِقَدْرِ مَا يَأْتِي بِهِ إذَا طَلَبَ الْإِمْهَالَ ؛ لِأَنَّ هَذَا يَسِيرٌ لَا ضَرَرَ فِيهِ ، وَإِنْ كَانَ مَعَهُ مَالٌ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ مَالِ الْكِتَابَةِ فَطَلَبَ الْإِمْهَالَ ؛ لِيَبِيعَهُ بِجِنْسِ مَالِ الْكِتَابَةِ أُمْهِلَ ، وَإِنْ كَانَ الْمَالُ غَائِبًا أَكْثَرَ مِنْ مَسَافَةِ الْقَصْرِ لَمْ يَلْزَمْ الْإِمْهَالُ .\rوَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إنْ كَانَ لَهُ مَالٌ حَاضِرٌ أَوْ غَائِبٌ يَرْجُو قُدُومَهُ اُسْتُؤْنِيَ يَوْمَيْنِ وَثَلَاثَةً لَا أَزِيدُهُ عَلَى ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الثَّلَاثَةَ آخِرُ حَدِّ الْقِلَّةِ وَالْقُرْبِ ؛ لِمَا بَيَّنَّاهُ فِيمَا مَضَى وَمَا زَادَ عَلَيْهَا فِي حَدِّ الْكَثْرَةِ ، وَهَذَا كُلُّهُ قَرِيبٌ بَعْضُهُ مِنْ بَعْضٍ .\rفَأَمَّا إذَا كَانَ قَادِرًا عَلَى الْأَدَاءِ وَاجِدًا لِمَا يُؤَدِّيهِ فَامْتَنَعَ مِنْ أَدَائِهِ وَقَالَ : قَدْ عَجَزْتُ .\rفَقَالَ الشَّرِيفُ أَبُو جَعْفَرٍ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا الْمُتَأَخِّرِينَ : يَمْلِكُ السَّيِّدُ فَسْخَ الْكِتَابَةِ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ ؛ لِقَوْلِهِ : وَإِذَا حَلَّ نَجْمٌ فَلَمْ يُؤَدِّهِ حَتَّى حَلَّ نَجْمٌ آخَرُ عَجَّزَهُ السَّيِّدُ - إنْ أَحَبَّ - فَعَلَّقَ جَوَازَ الْفَسْخِ عَلَى عَدَمِ الْأَدَاءِ ، وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ جَعْفَرٍ : لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ وَيُجْبَرُ عَلَى تَسْلِيمِ الْعِوَضِ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَالْأَوْزَاعِيِّ .\rوَقَدْ ذَكَرْنَا هَذَا فِيمَا تَقَدَّمَ ، فَأَمَّا إنْ كَانَ قَادِرًا عَلَى أَدَاءِ الْمَالِ كُلِّهِ فَفِيهِ رِوَايَةٌ أُخْرَى : أَنَّهُ يَصِيرُ حُرًّا بِمِلْكِ مَا يُؤَدِّي ، وَقَدْ سَبَقَ","part":24,"page":289},{"id":11789,"text":"ذِكْرُهَا .","part":24,"page":290},{"id":11790,"text":"( 8771 ) فَصْلٌ : وَإِذَا حَلَّ النَّجْمُ وَالْمُكَاتَبُ غَائِبٌ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ فَلَهُ الْفَسْخُ ، وَإِنْ كَانَ سَافَرَ بِإِذْنِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَفْسَخَ ؛ لِأَنَّهُ أَذِنَ فِي السَّفَرِ الْمَانِعِ مِنْ الْأَدَاءِ ، وَلَكِنْ يَرْفَعُ أَمْرَهُ إلَى الْحَاكِمِ ، وَيُثْبِتُ عِنْدَهُ حُلُولَ مَالِ الْكِتَابَةِ لِيَكْتُبَ الْحَاكِمُ إلَى الْمُكَاتَبِ فَيَعْلَمُ بِمَا ثَبَتَ عِنْدَهُ ، فَإِنْ كَانَ عَاجِزًا عَنْ أَدَاءِ الْمَالِ كَتَبَ بِذَلِكَ إلَى الْحَاكِمِ الْكَاتِبِ لِيَجْعَلَ لِلسَّيِّدِ فَسْخَ الْكِتَابَةِ .\rوَإِنْ كَانَ قَادِرًا عَلَى الْأَدَاءِ طَالَبَهُ بِالْخُرُوجِ إلَى الْبَلَدِ الَّذِي فِيهِ السَّيِّدُ ؛ لِيُؤَدِّيَ مَالَ الْكِتَابَةِ ، أَوْ يُوَكِّلَ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ ، فَإِنْ فَعَلَهُ فِي أَوَّلِ حَالِ الْإِمْكَانِ عِنْدَ خُرُوجِ الْقَافِلَةِ - إنْ كَانَ لَا يُمْكِنُهُ الْخُرُوجُ إلَّا مَعَهَا - لَمْ يَجُزْ الْفَسْخُ ، وَإِنْ أَخَّرَهُ عَنْ حَالِ الْإِمْكَانِ وَمَضَى زَمَنُ الْمَسِيرِ ، ثَبَتَ لِلسَّيِّدِ خِيَارُ الْفَسْخِ .\rفَإِنْ وَكَّلَ السَّيِّدُ فِي بَلَدِ الْمُكَاتَبِ مَنْ يَقْبِضُ مِنْهُ مَالَ الْكِتَابَةِ ، لَزِمَهُ الدَّفْعُ إلَيْهِ .\rفَإِنْ امْتَنَعَ مِنْ الدَّفْعِ ثَبَتَ لِلسَّيِّدِ خِيَارُ الْفَسْخِ .\rوَإِنْ كَانَ قَدْ جَعَلَ لِلْوَكِيلِ الْفَسْخَ عِنْدَ امْتِنَاعِ الْمُكَاتَبِ مِنْ الدَّفْعِ إلَيْهِ ، جَازَ ، وَلَهُ الْفَسْخُ إذَا ثَبَتَتْ وَكَالَتُهُ بِبَيِّنَةٍ بِحَيْثُ يَأْمَنُ الْمُكَاتَبُ إنْكَارَ السَّيِّدِ وَكَالَتَهُ .\rوَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ لَمْ يَلْزَمْ الْمُكَاتَبَ الدَّفْعُ إلَيْهِ ، وَكَانَ لَهُ عُذْرٌ يَمْنَعُ جَوَازَ الْفَسْخِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَأْمَنُ أَنْ يُسَلِّمَ إلَيْهِ فَيُنْكِرَ السَّيِّدُ وَكَالَتَهُ وَيَرْجِعَ عَلَى الْمُكَاتَبِ بِالْمَالِ ، وَسَوَاءٌ صَدَّقَهُ فِي أَنَّهُ وَكِيلٌ أَوْ كَذَّبَهُ .\rوَإِنْ كَتَبَ حَاكِمُ الْبَلَدِ الَّذِي فِيهِ السَّيِّدُ إلَى حَاكِمِ الْبَلَدِ الَّذِي فِيهِ الْمُكَاتَبُ ؛ لِيَقْبِضَ مِنْهُ الْمَالَ لَمْ يَلْزَمْهُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ هَذَا تَوْكِيلٌ لَا يَلْزَمُ الْحَاكِمَ الدُّخُولُ فِيهِ فَإِنَّ الْحَاكِمَ لَا يُكَلَّفُ الْقَبْضَ لِلْبَالِغِ الرَّشِيدِ فَإِنْ","part":24,"page":291},{"id":11791,"text":"اخْتَارَ الْقَبْضَ جَرَى مَجْرَى الْوَكِيلِ ، وَمَتَى قَبَضَ مِنْهُ الْمَالَ عَتَقَ .","part":24,"page":292},{"id":11792,"text":"( 8772 ) فَصْلٌ : قَالَ وَإِذَا دَفَعَ الْعِوَضَ فِي الْكِتَابَةِ فَبَانَ مُسْتَحِقًّا تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَمْ يَعْتِقْ ، وَكَانَ هَذَا الدَّفْعُ كَعَدَمِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُؤَدِّ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ .\rوَقِيلَ لَهُ : إنْ أَدَّيْتَ الْآنَ وَإِلَّا فُسِخَتْ كِتَابَتُكَ ، وَإِنْ كَانَ قَدْ مَاتَ بَعْدَ الْأَدَاءِ فَقَدْ مَاتَ عَبْدًا ، فَإِنْ بَانَ مَعِيبًا مِثْلُ أَنْ كَاتَبَهُ عَلَى عُرُوضٍ مَوْصُوفَةٍ فَقَبَضَهَا فَأَصَابَ بِهَا عَيْبًا بَعْدَ قَبْضِهَا نُظِرَتْ ، فَإِنْ كَانَ قَدْ رَضِيَ بِذَلِكَ وَأَمْسَكَهَا اسْتَقَرَّ الْعِتْقُ ، فَإِنْ قِيلَ : كَيْفَ يَسْتَقِرُّ الْعِتْقُ وَلَمْ يُعْطِهِ جَمِيعَ مَا وَقَعَ عَلَيْهِ الْعَقْدُ ؟ فَإِنَّ مَا يُقَابِلُ الْعَيْبَ لَمْ يَقْبِضْهُ فَأَشْبَهَ مَا لَوْ كَاتَبَهُ عَلَى عَشَرَةٍ فَأَعْطَاهُ تِسْعَةً ، قُلْنَا : إمْسَاكُهُ الْمَعِيبَ رَاضِيًا بِهِ رِضًى مِنْهُ بِإِسْقَاطِ حَقِّهِ فَجَرَى مَجْرَى إبْرَائِهِ مِنْ بَقِيَّةِ كِتَابَتِهِ .\rوَإِنْ اخْتَارَ إمْسَاكَهُ وَأَخْذَ أَرْشِ الْعَيْبِ أَوْ رَدَّهُ فَلَهُ ذَلِكَ .\rقَالَ أَبُو بَكْرٍ : وَقِيَاسُ قَوْلِ أَحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّهُ لَا يَبْطُلُ الْعِتْقُ وَلَيْسَ لَهُ الرَّدُّ وَلَهُ الْأَرْشُ ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ إتْلَافٌ وَاسْتِهْلَاكٌ ، فَإِذَا حُكِمَ بِوُقُوعِهِ لَمْ يَبْطُلْ كَعَقْدِ الْخُلْعِ ، وَلِأَنَّهُ لَيْسَ الْمَقْصُودُ مِنْهُ الْمَالَ فَأَشْبَهَ الْخُلْعَ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : يَتَوَجَّهُ أَنَّ لَهُ الرَّدَّ وَيُحْكَمُ بِارْتِفَاعِ الْعِتْقِ الْوَاقِعِ ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ إنَّمَا اسْتَقَرَّ بِاسْتِقْرَارِ الْأَدَاءِ وَقَدْ ارْتَفَعَ الْأَدَاءُ فَارْتَفَعَ الْعِتْقُ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ الْكِتَابَةَ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ يَلْحَقُهُ الْفَسْخُ بِالتَّرَاضِي فَوَجَبَ أَنْ يُفْسَخَ بِوُجُودِ الْعَيْبِ كَالْبَيْعِ ، وَإِنْ اخْتَارَ إمْسَاكَهُ وَأَخْذَ الْأَرْشِ فَلَهُ ذَلِكَ وَتَبَيَّنَ أَنَّ الْعِتْقَ لَمْ يَقَعْ ، وَلِأَنَّنَا تَبَيَّنَّا أَنَّ ذِمَّتَهُ لَمْ تَبْرَأْ مِنْ مَالِ الْكِتَابَةِ وَلَا يَعْتِقُ قَبْلَ ذَلِكَ ، وَظَنُّ وُقُوعِ الْعِتْقِ لَا يُوقِعُهُ إذَا بَانَ الْأَمْرُ بِخِلَافِهِ كَمَا لَوْ بَانَ الْعِوَضُ مُسْتَحَقًّا .","part":24,"page":293},{"id":11793,"text":"وَإِنْ تَلِفَتْ الْعَيْنُ عِنْدَ السَّيِّدِ أَوْ حَدَثَ بِهَا عِنْدَهُ عَيْبٌ اسْتَقَرَّ أَرْشُ الْعَيْبِ ، وَالْحُكْمُ فِي ارْتِفَاعِ الْعِتْقِ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فِيمَا مَضَى .\rوَلَوْ قَالَ السَّيِّدُ لِعَبْدِهِ : إنْ أَعْطَيْتَنِي عَبْدًا فَأَنْتَ حُرٌّ فَأَعْطَاهُ عَبْدًا فَبَانَ حُرًّا أَوْ مُسْتَحِقًّا لَمْ يَعْتِقْ بِذَلِكَ ؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُ : إنْ أَعْطَيْتَهُ مِلْكًا وَلَمْ يُعْطِهِ إيَّاهُ مِلْكًا وَلَمْ يُمَلِّكْهُ إيَّاهُ .\r( 8773 ) فَصْلٌ : وَإِذَا دَفَعَ إلَيْهِ مَالَ الْكِتَابَةِ ظَاهِرًا فَقَالَ لَهُ السَّيِّدُ : أَنْتَ حُرٌّ ثُمَّ بَانَ الْعِوَضُ مُسْتَحَقًّا لَمْ يَعْتِقْ بِذَلِكَ ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَهُ الْإِخْبَارُ عَمَّا حَصَلَ لَهُ بِالْأَدَاءِ ، فَلَوْ ادَّعَى الْمُكَاتَبُ أَنَّ سَيِّدَهُ قَصَدَ بِذَلِكَ عِتْقَهُ وَأَنْكَرَ السَّيِّدُ فَالْقَوْلُ قَوْلُ السَّيِّدِ مَعَ يَمِينِهِ ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مَعَهُ وَهُوَ أَخْيَرُ بِمَا نَوَى .","part":24,"page":294},{"id":11794,"text":"( 8774 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَمَا قَبَضَ مِنْ نُجُومِ كِتَابَتِهِ اسْتَقْبَلَ بِزَكَاتِهِ حَوْلًا ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ مَا يَأْخُذُهُ مِنْ نُجُومِ كِتَابَتِهِ - كَمَالٍ اسْتَفَادَهُ بِكَسْبٍ أَوْ غَيْرِهِ - فَيَمْلِكُهُ بِأَخْذِهِ وَيَسْتَقْبِلُ بِهِ حَوْلًا ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ مَا فِي يَدِ مُكَاتَبِهِ ، وَلِهَذَا جَرَى الرِّبَا بَيْنَهُمَا وَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ فِي الدَّيْنِ الَّذِي عَلَى الْمُكَاتَبِ ؛ لِأَنَّ مِلْكَهُ عَلَيْهِ غَيْرُ تَامٍّ فَوَجَبَ أَنْ يَسْتَقْبِلَ بِمَا يَأْخُذُهُ مِنْهُ حَوْلًا كَمَا لَوْ أَخَذَهُ مِنْ أَجْنَبِيٍّ .","part":24,"page":295},{"id":11795,"text":"( 8775 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَإِذَا جَنَى الْمُكَاتَبُ بُدِئَ بِجِنَايَتِهِ قَبْلَ كِتَابَتِهِ ، فَإِنْ عَجَزَ كَانَ سَيِّدُهُ مُخَيَّرًا بَيْنَ أَنْ يَفْدِيَهُ بِقِيمَتِهِ إنْ كَانَتْ أَقَلَّ مِنْ جِنَايَتِهِ أَوْ يُسَلِّمَهُ ) .\rوَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْمُكَاتَبَ إذَا جَنَى جِنَايَةً مُوجِبَةً لِلْمَالِ تَعَلَّقَ أَرْشُهَا بِرَقَبَتِهِ وَيُؤَدِّي مِنْ الْمَالِ الَّذِي فِي يَدِهِ .\rوَبِهَذَا قَالَ الْحَسَنُ وَالْحَكَمُ وَحَمَّادٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَمَالِكٌ وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ .\rوَقَالَ عَطَاءٌ وَالنَّخَعِيُّ وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ : جِنَايَتُهُ عَلَى سَيِّدِهِ .\rقَالَ عَطَاءٌ : وَيَرْجِعُ سَيِّدُهُ بِهَا عَلَيْهِ .\rوَقَالَ الزُّهْرِيُّ : إذَا قَتَلَ رَجُلًا خَطَأً كَانَتْ كِتَابَتُهُ وَوَلَاؤُهُ لِوَلِيِّ الْمَقْتُولِ ، إلَّا أَنْ يَفْدِيَهُ سَيِّدُهُ .\rوَلَنَا قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا يَجْنِي جَانٍ إلَّا عَلَى نَفْسِهِ } وَلِأَنَّهَا جِنَايَةُ عَبْدٍ فَلَمْ تَجِبْ فِي ذِمَّةِ سَيِّدِهِ كَالْقِنِّ ، إذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِنَّهُ يَبْدَأُ بِأَدَاءِ الْجِنَايَةِ قَبْلَ الْكِتَابَةِ سَوَاءٌ حَلَّ عَلَيْهِ نَجْمٌ أَوْ لَمْ يَحِلَّ .\rوَهَذَا الْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ عَنْ أَحْمَدَ وَالْمَعْمُولُ بِهِ فِي الْمَذْهَبِ وَذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ قَوْلًا آخَرَ أَنَّ السَّيِّدَ يُشَارِكُ وَلِيَّ الْجِنَايَةِ فَيَضْرِبُ بِقَدْرِ مَا حَلَّ مِنْ نُجُومِ كِتَابَتِهِ ؛ لِأَنَّهُ مَا دَيْنَانِ فَيَتَحَاصَّانِ كَسَائِرِ الدُّيُونِ .\rوَلَنَا أَنَّ أَرْشَ الْجِنَايَةِ مِنْ الْعَبْدِ يُقَدَّمُ عَلَى سَائِرِ الْحُقُوقِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِهِ ، وَلِذَلِكَ قُدِّمَتْ عَلَى حَقِّ الْمَالِكِ وَحَقِّ الْمُرْتَهِنِ وَغَيْرِهِمَا فَوَجَبَ أَنْ يُقَدَّمَ هَاهُنَا ، يُحَقِّقُهُ أَنَّ أَرْشَ جِنَايَتِهِ مُقَدَّمٌ عَلَى مِلْكِ السَّيِّدِ فِي عَبْدِهِ فَيَجِبُ تَقْدِيمُهُ عَلَى عِوَضِهِ وَهُوَ مَالُ الْكِتَابَةِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ فِيهِ قَبْلَ الْكِتَابَةِ كَانَ مُسْتَقِرًّا ، وَدَيْنَ الْكِتَابَةِ غَيْرُ مُسْتَقِرٍّ ، فَإِذَا قُدِّمَ عَلَى الْمُسْتَقِرِّ فَعَلَى غَيْرِهِ أَوْلَى ؛ لِأَنَّ أَرْشَ الْجِنَايَةِ","part":24,"page":296},{"id":11796,"text":"مُسْتَقِرٌّ فَيَجِبُ تَقْدِيمُهُ عَلَى الْكِتَابَةِ الَّتِي لَيْسَتْ مُسْتَقِرَّةً .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِنَّهُ يَفْدِي نَفْسَهُ بِأَقَلِّ الْأَمْرَيْنِ ؛ مِنْ قِيمَتِهِ أَوْ أَرْشِ جِنَايَتِهِ ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ أَرْشُ الْجِنَايَةِ أَقَلَّ فَلَا يَلْزَمُهُ أَكْثَرُ مِنْ مُوجَبِ جِنَايَتِهِ وَهُوَ أَرْشُهَا ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَكْثَرُ مِنْ قِيمَتِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ أَكْثَرُ مِنْ بَدَلِ الْمَحِلِّ الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ الْأَرْشُ ، فَإِنْ بَدَأَ بِدَفْعِ الْمَالِ إلَى وَلِيِّ الْجِنَايَةِ فَوَفَّى بِمَا يَلْزَمُهُ مِنْ أَرْشِ الْجِنَايَةِ وَإِلَّا بَاعَ الْحَاكِمُ مِنْهُ بِمَا بَقِيَ مِنْ أَرْشِ الْجِنَايَةِ ، وَبَاقِيهِ بَاقٍ عَلَى كِتَابَتِهِ ، وَإِنْ اخْتَارَ الْفَسْخَ فَلَهُ ذَلِكَ وَيَعُودُ عَبْدًا غَيْرَ مُكَاتَبٍ مُشْتَرَكًا بَيْنَ السَّيِّدِ وَبَيْنَ الْمُشْتَرِي ، وَإِنْ أَبْقَاهُ عَلَى الْكِتَابَةِ فَأَدَّى ، عَتَقَ بِالْكِتَابَةِ وَسَرَى الْعِتْقُ إلَى بَاقِيهِ ، وَإِنْ كَانَ الْمُكَاتَبُ مُوسِرًا يُقَوَّمُ عَلَيْهِ ، وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ وَبَاقِيهِ رَقِيقٌ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي يَدِهِ مَالٌ وَلَمْ يَفِ بِالْجِنَايَةِ إلَّا قِيمَتُهُ كُلُّهَا بِيعَ كُلُّهُ فِيهَا وَبَطَلَتْ كِتَابَتُهُ ، وَإِنْ بَدَأَ بِدَفْعِ الْمَالِ إلَى سَيِّدِهِ نَظَرْنَا ؛ فَإِنْ كَانَ وَلِيُّ الْجِنَايَةِ سَأَلَ الْحَاكِمَ فَحَجَرَ عَلَى الْمُكَاتَبِ ثَبَتَ الْحَجْرُ عَلَيْهِ ، وَكَانَ النَّظَرُ فِيهِ إلَى الْحَاكِمِ فَلَا يَصِحُّ دَفْعُهُ إلَى سَيِّدِهِ ، وَيَرْتَجِعُهُ الْحَاكِمُ وَيَدْفَعُهُ إلَى وَلِيِّ الْجِنَايَةِ فَإِنْ وَفَّى وَإِلَّا كَانَ الْحُكْمُ فِيهِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ قَبْلُ .\rوَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْحَاكِمُ حَجَرَ عَلَيْهِ صَحَّ دَفْعُهُ إلَى سَيِّدِهِ ؛ لِأَنَّهُ يَقْضِي حَقًّا عَلَيْهِ فَجَازَ كَمَا لَوْ قَضَى بَعْضُ غُرَمَائِهِ قَبْلَ الْحَجْرِ عَلَيْهِ ، ثُمَّ إنْ كَانَ مَا دَفَعَهُ إلَيْهِ جَمِيعَ مَالِ الْكِتَابَةِ عَتَقَ وَيَكُونُ الْأَرْشُ فِي ذِمَّتِهِ فَيَضْمَنُ مَا كَانَ عَلَيْهِ قَبْلَ الْعِتْقِ وَهُوَ أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ قِيمَتِهِ أَوْ أَرْشِ جِنَايَتِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا","part":24,"page":297},{"id":11797,"text":"يَلْزَمُهُ أَكْثَرُ مِمَّا كَانَ وَاجِبًا بِالْجِنَايَةِ .\rوَإِنْ أَعْتَقَهُ السَّيِّدُ فَعَلَيْهِ فِدَاؤُهُ بِذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ أَتْلَفَ مَحَلَّ الِاسْتِحْقَاقِ فَكَانَ عَلَيْهِ فِدَاؤُهُ كَمَا لَوْ قَتَلَهُ وَإِنْ عَجَزَ فَفَسَخَ السَّيِّدُ كِتَابَتَهُ فَدَاهُ أَيْضًا بِمَا ذَكَرْنَاهُ وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : فِيمَا إذَا فَدَاهُ سَيِّدُهُ قَوْلَانِ يَعْنِي رِوَايَتَيْنِ إحْدَاهُمَا : يَفْدِيهِ بِأَقَلِّ الْأَمْرَيْنِ ، وَالثَّانِيَةُ : يَفْدِيهِ بِأَرْشِ جِنَايَتِهِ بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ .","part":24,"page":298},{"id":11798,"text":"( 8776 ) فَصْلٌ : وَإِذَا جَنَى الْمُكَاتَبُ جِنَايَاتٍ تَعَلَّقَتْ بِرَقَبَتِهِ وَاسْتَوَى الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ فِي الِاسْتِيفَاءِ وَلَمْ يُقَدَّمْ الْأَوَّلُ عَلَى الثَّانِي ؛ لِأَنَّهَا تَعَلَّقَتْ بِمَحِلٍّ وَاحِدٍ ، وَكَذَا إنْ كَانَ بَعْضُهَا فِي حَالِ كِتَابَتِهِ وَبَعْضُهَا بَعْدَ تَعْجِيزِهِ فَهِيَ سَوَاءٌ ، وَيَتَعَلَّقُ جَمِيعُهَا بِالرَّقَبَةِ فَإِنْ كَانَ فِيهَا مَا يُوجِبُ الْقِصَاصَ فَلِوَلِيِّ الْجِنَايَةِ اسْتِيفَاؤُهُ وَتَبْطُلُ حُقُوقُ الْآخَرِينَ ، وَإِنْ عَفَا إلَى مَالٍ صَارَ حُكْمُهُ حُكْمَ الْجِنَايَةِ الْمُوجِبَةِ لِلْمَالِ ، فَإِنْ أَبْرَأَهُ بَعْضُهُمْ اسْتَوْفَى الْبَاقُونَ ؛ لِأَنَّ حَقَّ كُلِّ وَاحِدٍ يَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِهِ يَسْتَوْفِيهِ إذَا انْفَرَدَ فَإِذَا اجْتَمَعُوا تَزَاحَمُوا فَإِذَا أَبْرَأَهُ بَعْضُهُمْ سَقَطَ حَقُّهُ وَتَزَاحَمَ الْبَاقُونَ كَمَا لَوْ انْفَرَدُوا كَمَا فِي الْوَصَايَا فَإِنْ أَدَّى وَعَتَقَ فَالضَّمَانُ عَلَيْهِ ، وَإِنْ أَعْتَقَهُ سَيِّدُهُ فَالضَّمَانُ عَلَيْهِ وَأَيُّهُمَا ضَمِنَ فَالْوَاجِبُ عَلَيْهِ أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ كَمَا ذَكَرْنَا فِي الْجِنَايَةِ الْوَاحِدَةِ ؛ وَلِأَنَّهُ لَوْ عَجَّزَهُ الْغُرَمَاءُ وَعَادَ قِنًّا بِيعَ وَتَحَاصُّوا فِي ثَمَنِهِ كَذَلِكَ هَاهُنَا فَأَمَّا إنْ عَجَّزَهُ سَيِّدُهُ فَعَادَ قِنًّا خُيِّرَ بَيْنَ فِدَائِهِ وَتَسْلِيمِهِ فَإِنْ اخْتَارَ فِدَاءَهُ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ : إحْدَاهُمَا يَفْدِيهِ بِأَقَلِّ الْأَمْرَيْنِ كَمَا لَوْ أَعْتَقَهُ أَوْ قَتَلَهُ .\rوَالثَّانِيَةُ يَلْزَمُهُ أَرْشُ الْجِنَايَاتِ كُلِّهَا بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ سَلَّمَهُ احْتَمَلَ أَنْ يَرْغَبَ فِيهِ رَاغِبٌ بِأَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ ، فَقَدْ فَوَّتَ تِلْكَ الزِّيَادَةَ بِاخْتِيَارِ إمْسَاكِهِ فَكَانَ عَلَيْهِ جَمِيعُ الْأَرْشِ وَيُفَارِقُ مَا إذَا أَعْتَقَهُ أَوْ قَتَلَهُ ؛ لِأَنَّ الْمَحَلَّ فِيهِمَا تَلِفَتْ مَالِيَّتُهُ فَلَمْ يُمْكِنْ تَسْلِيمُهُ فَلَمْ يَجِبْ أَكْثَرُ مِنْ قِيمَتِهِ وَالْمَحَلُّ بَاقٍ وَهَاهُنَا يُمْكِنُ تَسْلِيمُهُ وَبَيْعُهُ .\rوَإِنْ أَرَادَ الْمُكَاتَبُ فِدَاءَ نَفْسِهِ قَبْلَ تَعْجِيزِهِ أَوْ عِتْقِهِ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ : أَحَدُهُمَا يَفْدِي نَفْسَهُ","part":24,"page":299},{"id":11799,"text":"بِأَقَلِّ الْأَمْرَيْنِ .\rوَالثَّانِي بِأَرْشِ الْجِنَايَاتِ بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ ؛ لِأَنَّ مَحَلَّ الْأَرْشِ قَائِمٌ غَيْرُ تَالِفٍ وَيُمْكِنُ تَعْجِيزُ نَفْسِهِ فِي كُلِّ جِنَايَةٍ يُبَاعُ فِيهَا فَأَشْبَهَ مَا لَوْ عَجَّزَهُ سَيِّدُهُ .","part":24,"page":300},{"id":11800,"text":"( 8777 ) فَصْلٌ : وَإِنْ جَنَى الْمُكَاتَبُ عَلَى سَيِّدِهِ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ فَالسَّيِّدُ خَصْمُهُ فِيهَا ؛ فَإِنْ كَانَتْ مُوجِبَةً لِلْقِصَاصِ وَجَبَ كَمَا تَجِبُ عَلَى عَبْدِهِ الْقِنِّ ؛ لِأَنَّ الْقِصَاصَ يَجِبُ لِلزَّجْرِ فَيَحْتَاجُ إلَيْهِ الْعَبْدُ فِي حَقِّ سَيِّدِهِ ، وَإِنْ عَفَا عَلَى مَالٍ أَوْ كَانَتْ مُوجِبَةً لِلْمَالِ ابْتِدَاءً وَجَبَ لَهُ ؛ لِأَنَّ الْمُكَاتَبَ مَعَ سَيِّدِهِ كَالْأَجْنَبِيِّ يَصِحُّ أَنْ يُبَايِعَهُ وَيَثْبُتَ لَهُ فِي ذِمَّتِهِ الْمَالُ وَالْحُقُوقُ كَذَلِكَ الْجِنَايَةُ ، وَيَفْدِي نَفْسَهُ بِأَقَلِّ الْأَمْرَيْنِ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ ، وَالْأُخْرَى يَفْدِيهَا بِأَرْشِ الْجِنَايَةِ بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ ، فَإِنْ وَفَّى مَا فِي يَدِهِ بِمَا عَلَيْهِ فَلِسَيِّدِهِ مُطَالَبَتُهُ بِهِ وَأَخْذُهُ ، وَإِنْ لَمْ يَفِ بِهِ فَلِسَيِّدِهِ تَعْجِيزُهُ ، فَإِذَا عَجَّزَهُ وَفَسَخَ الْكِتَابَةَ سَقَطَ عَنْهُ مَالُ الْكِتَابَةِ وَأَرْشُ الْجِنَايَةِ ؛ لِأَنَّهُ عَادَ عَبْدًا قِنًّا ، وَلَا يَثْبُتُ لِلسَّيِّدِ عَلَى عَبْدِهِ الْقِنِّ مَالٌ .\rوَإِنْ أَعْتَقَهُ سَيِّدُهُ وَلَا مَالَ فِي يَدِهِ سَقَطَ الْأَرْشُ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مُتَعَلِّقًا بِرَقَبَتِهِ وَقَدْ أَتْلَفَهَا فَسَقَطَ .\rوَإِنْ كَانَ فِي يَدِهِ مَالٌ لَمْ يَسْقُطْ ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ كَانَ مُتَعَلِّقًا بِالذِّمَّةِ وَمَا فِي يَدِهِ مِنْ الْمَالِ ، فَإِذَا تَلِفَتْ الرَّقَبَةُ بَقِيَ الْحَقُّ مُتَعَلِّقًا بِالْمَالِ فَاسْتُوْفِيَ مِنْهُ كَمَا لَوْ عَتَقَ بِالْأَدَاءِ ، وَهَلْ يَجِبُ أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ أَوْ أَرْشُ الْجِنَايَةِ كُلُّهُ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ .\rوَيَسْتَحِقُّ السَّيِّدُ مُطَالَبَتَهُ بِأَرْشِ الْجِنَايَةِ قَبْلَ أَدَاءِ مَالِ الْكِتَابَةِ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ قَبْلُ فِي حَقِّ الْأَجْنَبِيِّ .\rوَإِنْ اخْتَارَ تَأْخِيرَ الْأَرْشِ وَالْبِدَايَةَ بِقَبْضِ مَالِ الْكِتَابَةِ جَازَ ، وَيَعْتِقُ إذَا قَبَضَ مَالَ الْكِتَابَةِ كُلَّهُ .\rوَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : لَا يَعْتِقُ بِالْأَدَاءِ قَبْلَ أَرْشِ الْجِنَايَةِ ؛ لِوُجُوبِ تَقْدِيمِهِ عَلَى مَالِ الْكِتَابَةِ .\rوَلَنَا أَنَّ الْحَقَّيْنِ جَمِيعًا لِلسَّيِّدِ فَإِذَا تَرَاضَيَا عَلَى تَقْدِيمِ أَحَدِهِمَا عَلَى","part":24,"page":301},{"id":11801,"text":"الْآخَرِ جَازَ ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمَا لَا يَخْرُجُ عَنْهُمَا وَلِأَنَّهُ لَوْ بَدَأَ بِأَدَاءِ الْكِتَابَةِ قَبْلَ أَرْشِ الْجِنَايَةِ فِي حَقِّ الْأَجْنَبِيِّ عَتَقَ فَفِي حَقِّ السَّيِّدِ أَوْلَى ، وَلِأَنَّ أَرْشَ الْجِنَايَةِ لَا يَلْزَمُ أَدَاؤُهُ قَبْلَ انْدِمَالِ الْجُرْحِ فَيُمْكِنُ تَقَدَّمُ وُجُوبِ الْأَدَاءِ عَلَيْهِ ، فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِنَّهُ إذَا أَدَّى عَتَقَ وَيَلْزَمُهُ أَرْشُ الْجِنَايَةِ سَوَاءٌ كَانَ فِي يَدِهِ مَالٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ ؛ لِأَنَّ عِتْقَهُ بِسَبَبٍ مِنْ جِهَتِهِ فَلَمْ يَسْقُطْ مَا عَلَيْهِ بِخِلَافِ مَا إذَا أَعْتَقَهُ سَيِّدُهُ ؛ فَإِنَّهُ أَتْلَفَ مَحَلَّ حَقِّهِ وَهَاهُنَا بِخِلَافِهِ ، وَهَلْ يَلْزَمُهُ أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ أَوْ جَمِيعُ الْأَرْشِ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ .\rوَإِنْ كَانَتْ جِنَايَتُهُ عَلَى نَفْسِ سَيِّدِهِ فَلِوَرَثَتِهِ الْقِصَاصُ فِي الْعَمْدِ أَوْ الْعَفْوُ عَلَى مَالٍ ، وَفِي الْخَطَأِ الْمَالُ ، وَفِيمَا يَفْدِي بِهِ نَفْسَهُ رِوَايَتَانِ .\rوَحُكْمُ الْوَرَثَةِ مَعَ الْمُكَاتَبِ حُكْمُ سَيِّدِهِ مَعَهُ ؛ لِأَنَّ الْكِتَابَةَ انْتَقَلَتْ إلَيْهِمْ وَالْعَبْدُ لَوْ عَادَ قِنًّا لَكَانَ لَهُمْ وَإِنْ جَنَى عَلَى مَوْرُوثِ سَيِّدِهِ فَوَرِثَهُ سَيِّدُهُ فَالْحُكْمُ فِيهِ كَمَا لَوْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ عَلَى سَيِّدِهِ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ عَلَى مَا مَضَى .","part":24,"page":302},{"id":11802,"text":"( 8778 ) فَصْلٌ : وَإِنْ اجْتَمَعَ عَلَى الْمُكَاتَبِ أَرْشُ جِنَايَةٍ وَثَمَنُ مَبِيعٍ أَوْ عِوَضُ قَرْضٍ أَوْ غَيْرُهُمَا مِنْ الدُّيُونِ مَعَ مَالِ الْكِتَابَةِ وَفِي يَدِهِ مَالٌ يَفِي بِهَا فَلَهُ أَنْ يُؤَدِّيَهَا وَيَبْدَأَ بِمَا شَاءَ مِنْهَا كَالْحُرِّ ، وَإِنْ لَمْ يَفِ بِهَا مَا فِي يَدِهِ وَكُلُّهَا حَالَّةٌ وَلَمْ يَحْجُرْ الْحَاكِمُ عَلَيْهِ فَخَصَّ بَعْضَهُمْ بِالْقَضَاءِ ، صَحَّ كَالْحُرِّ .\rوَإِنْ كَانَ فِيهَا مُؤَجَّلٌ فَعَجَّلَهُ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ لَمْ يَجُزْ ؛ لِأَنَّ تَعْجِيلَهُ تَبَرُّعٌ فَلَمْ يَجُزْ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ كَالْهِبَةِ ، وَإِنْ كَانَ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ جَازَ كَالْهِبَةِ ، وَإِنْ كَانَ التَّعْجِيلُ لِلسَّيِّدِ فَقَبُولُهُ بِمَنْزِلَةِ إذْنِهِ ، وَإِنْ كَانَ الْحَاكِمُ قَدْ حَجَرَ عَلَيْهِ بِسُؤَالِ غُرَمَائِهِ فَالنَّظَرُ إلَى الْحَاكِمِ وَإِنَّمَا يَحْجُرُ عَلَيْهِ بِسُؤَالِهِمْ ، فَإِنْ حَجَرَ عَلَيْهِ بِغَيْرِ سُؤَالِهِمْ لَمْ يَصِحَّ ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمْ فَلَا يَسْتَوْفِي بِغَيْرِ إذْنِهِمْ .\rوَإِنْ سَأَلَهُ سَيِّدُهُ الْحَجْرَ عَلَيْهِ لَمْ يُجِبْهُ إلَى ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ حَقَّهُ غَيْرُ مُسْتَقِرٍّ فَلَا يَحْجُرُ عَلَيْهِ مِنْ أَجْلِهِ ، فَإِذَا حَجَرَ عَلَيْهِ بِسُؤَالِ الْغُرَمَاءِ فَقَالَ الْقَاضِي : عِنْدِي أَنَّهُ يَبْدَأُ بِقَضَاءِ ثَمَنِ الْمَبِيعِ وَعِوَضِ الْقَرْضِ يُسَوِّي بَيْنَهُمَا وَيُقَدِّمُهُمَا عَلَى أَرْشِ الْجِنَايَةِ وَمَالِ الْكِتَابَةِ ؛ لِأَنَّ أَرْشَ الْجِنَايَةِ مَحَلُّ الرَّقَبَةِ فَإِذَا لَمْ يَحْصُلْ مِمَّا فِي يَدِهِ اُسْتُوْفِيَ مِنْ رَقَبَتِهِ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَاتَّفَقَ أَصْحَابُنَا وَالشَّافِعِيُّ عَلَى تَقْدِيمِ أَرْشِ الْجِنَايَةِ عَلَى مَالِ الْكِتَابَةِ عَلَى مَا مَضَى بَيَانُهُ .","part":24,"page":303},{"id":11803,"text":"( 8779 ) فَصْلٌ : وَإِذَا جَنَى بَعْضُ عَبِيدِ الْمُكَاتَبِ جِنَايَةً تُوجِبُ الْقِصَاصَ فَلِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ الْخِيَارُ بَيْنَ الْقِصَاصِ وَالْمَالِ ؛ فَإِنْ اخْتَارَ الْمَالَ أَوْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ خَطَأً أَوْ شِبْهَ عَمْدٍ أَوْ إتْلَافَ مَالٍ تَعَلَّقَ أَرْشُهَا بِرَقَبَتِهِ وَلِلْمُكَاتَبِ فِدَاؤُهُ بِأَقَلِّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ قِيمَتِهِ أَوْ أَرْشِ جِنَايَتِهِ ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ شِرَائِهِ وَلَيْسَ لَهُ فِدَاؤُهُ بِأَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ كَمَا لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَهُ بِذَلِكَ إلَّا أَنْ يَأْذَنَ فِيهِ سَيِّدُهُ فَإِنْ كَانَ الْأَرْشُ أَقَلَّ مِنْ قِيمَتِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ تَسْلِيمُهُ ؛ لِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ بِالزِّيَادَةِ وَإِنْ زَادَ الْأَرْشُ عَلَى قِيمَتِهِ فَهَلْ يَلْزَمُهُ تَسْلِيمُهُ أَوْ يَفْدِيهِ بِأَقَلِّ الْأَمْرَيْنِ ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ .","part":24,"page":304},{"id":11804,"text":"( 8780 ) فَصْلٌ : فَإِنْ مَلَكَ الْمُكَاتَبُ ابْنَهُ أَوْ بَعْضَ ذَوِي رَحِمِهِ الْمَحْرَمِ ، أَوْ وُلِدَ لَهُ وَلَدٌ مِنْ أَمَتِهِ فَجَنَى جِنَايَةً تَعَلَّقَ أَرْشُهَا بِرَقَبَتِهِ فَلِلْمُكَاتَبِ فِدَاؤُهُ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ كَمَا يَفْدِي غَيْرَهُ مِنْ عَبِيدِهِ وَقَالَ الْقَاضِي فِي \" الْمُجَرَّدِ \" : لَيْسَ لَهُ فِدَاؤُهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ إتْلَافٌ لِمَالِهِ ، فَإِنَّ ذَوِي رَحِمِهِ لَيْسُوا بِمَالٍ لَهُ وَلَا يَتَصَرَّفُ فِيهِمْ فَلَمْ يَجُزْ لَهُ إخْرَاجُ مَالِهِ فِي مُقَابَلَتِهِمْ ، وَلِأَنَّ شِرَاءَهُمْ كَالتَّبَرُّعِ وَيُفَارِقُ الْعَبْدُ الْأَجْنَبِيَّ ؛ فَإِنَّهُ يَنْتَفِعُ بِهِ وَلَهُ صَرْفُهُ فِي كِتَابَتِهِ فَكَانَ لَهُ فِدَاؤُهُ وَشِرَاؤُهُ كَسَائِرِ الْأَمْوَالِ ، لَكِنْ إنْ كَانَ لِهَذَا الْجَانِي كَسْبٌ فُدِيَ مِنْهُ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ كَسْبٌ بِيعَ فِي الْجِنَايَةِ إنْ اسْتَغْرَقَتْ قِيمَتَهُ ، وَإِنْ لَمْ تَسْتَغْرِقْهَا بِيعَ بَعْضُهُ فِيهَا وَمَا بَقِيَ لِلْمُكَاتَبِ .\rوَلَنَا أَنَّهُ عَبْدٌ لَهُ جَنَى فَمَلَكَ فِدَاءَهُ كَسَائِرِ عَبِيدِهِ وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ شِرَاءَهُ وَقَوْلُهُمْ : لَا يَتَصَرَّفُ فِيهِ .\rقُلْنَا : إلَّا أَنَّ كَسْبَهُ لَهُ وَإِنْ عَجَّزَهُ الْمُكَاتَبُ صَارَ رَقِيقًا مَعَهُ لِسَيِّدِهِ وَإِنْ أَدَّى الْمُكَاتَبُ لَمْ يَتَضَرَّرْ السَّيِّدُ بِعِتْقِهِمْ وَانْتَفَعَ بِهِ الْمُكَاتَبُ ، وَإِذَا دَارَ أَمْرُهُ بَيْنَ نَفْعٍ وَانْتِفَاءِ ضَرَرٍ وَجَبَ أَنْ لَا يُمْنَعَ مِنْهُ ، وَفَارَقَ التَّبَرُّعُ فَإِنَّهُ يُفَوِّتُ الْمَالَ عَلَى السَّيِّدِ فَإِنْ قِيلَ : بَلْ فِيهِ مَضَرَّةٌ وَهُوَ مَنْعُهُ مِنْ أَدَاءِ الْكِتَابَةِ ، فَإِنَّهُ إذَا صَرَفَ الْمَالَ فِيهِ وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى صَرْفِهِ فِي الْكِتَابَةِ عَجَزَ عَنْهَا .\rقُلْنَا : هَذَا الضَّرَرُ لَا يُمْنَعُ الْمُكَاتَبُ مِنْهُ ؛ بِدَلِيلِ مَا لَوْ تَرَكَ الْكَسْبَ مَعَ إمْكَانِهِ ، أَوْ امْتَنَعَ مِنْ الْأَدَاءِ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ لَا يُمْنَعُ مِنْهُ وَلَا يُجْبَرُ عَلَى كَسْبٍ وَلَا أَدَاءً ، فَكَذَلِكَ لَا يُمْنَعُ مِمَّا هُوَ فِي مَعْنَاهُ وَلَا مِمَّا يُفْضِي إلَيْهِ ، وَلِأَنَّ","part":24,"page":305},{"id":11805,"text":"غَايَةَ الضَّرَرِ فِي هَذَا الْمَنْعُ مِنْ إتْمَامِ الْكِتَابَةِ - وَلَيْسَ إتْمَامُهَا وَاجِبًا عَلَيْهِ - فَأَشْبَهَ تَرْكَ الْكَسْبِ ، بَلْ هَذَا أَوْلَى لِوَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا أَنَّ هَذَا فِيهِ نَفْعٌ لِلسَّيِّدِ ؛ لِمَصِيرِهِمْ عَبِيدًا لَهُ .\rوَالثَّانِي أَنَّ فِيهِ نَفْعًا لِلْمُكَاتَبِ بِإِعْتَاقِ وَلَدِهِ وَذَوِي رَحِمِهِ وَنَفْعِهِمْ بِالْإِعْتَاقِ عَلَى تَقْدِيرِ الْأَدَاءِ ، فَإِذَا لَمْ يُمْنَعْ مِمَّا يُسَاوِيهِ فِي الْمَضَرَّةِ مِنْ غَيْرِ نَفْعٍ فِيهِ ، فَلَأَنْ لَا يُمْنَعَ مِمَّا فِيهِ نَفْعٌ لَازِمٌ لِإِحْدَى الْجِهَتَيْنِ أَوْلَى .\rوَوَلَدُ الْمُكَاتَبَةِ يَدْخُلُ فِي كِتَابَتِهَا ، وَالْحُكْمُ فِي جِنَايَتِهِ كَالْحُكْمِ فِي وَلَدِ الْمُكَاتَبِ سَوَاءٌ .","part":24,"page":306},{"id":11806,"text":"( 8781 ) فَصْلٌ : وَإِنْ جَنَى بَعْضُ عَبِيدِ الْمُكَاتَبِ عَلَى بَعْضٍ جِنَايَةً مُوجَبُهَا الْمَالُ لَمْ يَثْبُتْ لَهَا حُكْمٌ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ لِلسَّيِّدِ عَلَى عَبْدِهِ مَالٌ .\rوَإِنْ كَانَ مُوجَبُهَا قِصَاصًا فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : لَيْسَ لَهُ الْقِصَاصُ ؛ لِأَنَّهُ إتْلَافٌ لِمَالِهِ بِاخْتِيَارِهِ وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ فِي \" رُءُوسِ الْمَسَائِلِ \" وَقَالَ الْقَاضِي : لَهُ الْقِصَاصُ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ مَصْلَحَةِ مِلْكِهِ فَإِنَّهُ لَوْ لَمْ يَسْتَوْفِهِ أَفْضَى إلَى إقْدَامِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَيْسَ لَهُ الْعَفْوُ عَلَى مَالٍ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا وَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ فِي أَرْشِ الْجِنَايَةِ ؛ لِأَنَّ الْأَرْشَ لَا يَثْبُتُ لَهُ فِي رَقَبَةِ عَبْدِهِ فَإِنْ كَانَ الْجَانِي مِنْ عَبِيدِ ابْنِهِ لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ لِذَلِكَ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ : يَجُوزُ بَيْعُهُ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ بَيْعَهُ قَبْلَ جِنَايَتِهِ فَيَسْتَفِيدُ بِالْجِنَايَةِ مِلْكَ بَيْعِهِ .\rوَلَنَا أَنَّهُ عَبْدُهُ فَلَمْ يَجِبْ لَهُ عَلَيْهِ أَرْشٌ كَالْأَجْنَبِيِّ وَمَا ذَكَرُوهُ يَنْتَقِضُ بِالرَّهْنِ إذَا جَنَى عَلَى رَاهِنِهِ .","part":24,"page":307},{"id":11807,"text":"( 8782 ) فَصْل : وَإِنْ جَنَى عَبْدُ الْمُكَاتِبِ عَلَيْهِ جِنَايَةً مُوجَبُهَا الْمَالُ ، كَانَتْ هَدْرًا ؛ لِمَا ذَكَرْنَا .\rوَإِنْ كَانَ مُوجَبُهَا الْقِصَاصَ ، فَلَهُ أَنْ يَقْتَصَّ ، إنْ كَانَ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ يُقْتَصُّ مِنْهُ لِسَيِّدِهِ .\rوَإِنْ عَفَا عَلَى مَالٍ ، سَقَطَ الْقِصَاصُ ، وَلَمْ يَجِبْ الْمَالُ .\rفَإِنْ كَانَ الْجَانِي أَبَاهُ ، لَمْ يَقْتَصَّ مِنْهُ ؛ لِأَنَّ الْوَالِدَ لَا يُقْتَلُ بِوَلَدِهِ .\rوَإِنْ جَنَى الْمُكَاتِبُ عَلَيْهِ ، لَمْ يُقْتَصَّ مِنْهُ ؛ لِأَنَّ السَّيِّدَ لَا يُقْتَصُّ مِنْهُ لِعَبْدِهِ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : فِيهِ وَجْهٌ آخَرُ ، أَنَّهُ يُقْتَصُّ مِنْهُ ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْأَبِ مَعَهُ حُكْمُ الْأَحْرَارِ ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ بَيْعَهُ وَالتَّصَرُّفَ فِيهِ ، وَجُعِلَتْ حُرِّيَّتُهُ مَوْقُوفَةً عَلَى حُرِّيَّتِهِ .\rقَالَ : وَلَا نَعْلَمُ مَوْضِعًا يَقْتَصُّ فِيهِ الْمَمْلُوكُ مِنْ مَالِكِهِ سِوَى هَذَا الْمَوْضِعِ .","part":24,"page":308},{"id":11808,"text":"( 8783 ) فَصْلٌ : وَإِذَا جُنِيَ عَلَى الْمُكَاتَبِ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ ، فَأَرْشُ الْجِنَايَةِ لَهُ ، دُونَ سَيِّدِهِ ، لِثَلَاثَةِ مَعَانٍ ؛ أَحَدُهَا ، أَنَّ كَسْبَهُ لَهُ ، وَذَلِكَ عِوَضٌ عَمَّا يَتَعَطَّلُ بِقَطْعِ يَدِهِ مِنْ كَسْبِهِ .\rوَالثَّانِي ، أَنَّ الْمُكَاتَبَةَ تَسْتَحِقُّ الْمَهْرَ فِي النِّكَاحِ ، لِتَعَلُّقِهِ بِعُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهَا ، كَذَلِكَ بَدَلُ الْعُضْوِ .\rوَالثَّالِثُ : أَنَّ السَّيِّدَ يَأْخُذُ مَالَ الْكِتَابَةِ بَدَلًا عَنْ نَفْسِ الْمُكَاتَبَةِ ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَسْتَحِقَّ عَنْهُ عِوَضًا آخَرَ .\rثُمَّ لَا يَخْلُو مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ ؛ أَحَدُهَا ، أَنْ يَكُونَ الْجَانِي سَيِّدَهُ ، فَلَا قِصَاصَ عَلَيْهِ ؛ لِمَعْنَيَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، أَنَّهُ حُرٌّ ، وَالْمُكَاتَبَ عَبْدٌ .\rوَالثَّانِي ، أَنَّهُ مَالِكُهُ ، وَلَا يُقْتَصُّ مِنْ الْمَالِكِ لِمَمْلُوكِهِ ، وَلَكِنْ يَجِبُ الْأَرْشُ ، وَلَا يَجِبُ إلَّا بِانْدِمَالِ الْجُرْحِ ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي الْجِنَايَات .\rوَلِأَنَّهُ قَبْلَ الِانْدِمَالِ لَا تُؤْمَنُ سِرَايَتُهُ إلَى نَفْسِهِ ، فَيَسْقُطُ أَرْشُهُ .\rفَإِذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّهُ إنْ سَرَى الْجُرْحُ إلَى نَفْسِهِ ، انْفَسَخَتْ الْكِتَابَةُ ، وَكَانَ الْحُكْمُ فِيهِ كَمَا لَوْ قَتَلَهُ .\rوَإِنْ انْدَمَلَ الْجُرْحُ ، وَجَبَ أَرْشُهُ لَهُ عَلَى سَيِّده ، فَإِنْ كَانَ مِنْ جِنْسِ مَالِ الْكِتَابَةِ ، وَقَدْ حَلَّ عَلَيْهِ نَجْمٌ ، تَقَاصَّا ، وَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ مَالِ الْكِتَابَةِ ، أَوْ كَانَ النَّجْمُ لَمْ يَحِلَّ ، لَمْ يَتَقَاصَّا ، وَيُطَالِبُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِمَا يَسْتَحِقُّهُ .\rوَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى أَنْ يُجْعَلَ أَحَدُهُمَا عِوَضًا عَنْ الْآخَرِ ، وَكَانَا مِنْ جِنْسَيْنِ ، لَمْ يَجُزْ ؛ لِأَنَّهُ بَيْعُ دَيْنٍ بِدَيْنٍ .\rفَإِنْ قَبَضَ أَحَدُهُمَا حَقَّهُ ، ثُمَّ دَفَعَهُ إلَى الْآخَرِ ، عِوَضًا عَنْ حَقِّهِ ، جَازَ .\rوَإِنْ رَضِيَ الْمُكَاتَبُ بِتَعْجِيلِ الْوَاجِبِ لَهُ عَنْ مَا لَمْ يَحِلَّ مِنْ نُجُومِهِ ، جَازَ إذَا كَانَ مِنْ جِنْس مَالِ الْكِتَابَةِ .\rالْحَالُ الثَّانِيَةُ ، إذَا كَانَ الْجَانِي أَجْنَبِيًّا حُرًّا فَلَا قِصَاصَ أَيْضًا ؛ لِأَنَّ الْحُرَّ لَا يُقْتَلُ","part":24,"page":309},{"id":11809,"text":"بِالْعَبْدِ ، وَلَكِنْ يُنْظَرُ ؛ إنْ سَرَى الْجُرْحُ إلَى نَفْسِهِ ، انْفَسَخَتْ الْكِتَابَةُ ، وَعَلَى الْجَانِي قِيمَتُهُ لِسَيِّدِهِ ، وَإِنْ انْدَمَلَ الْجُرْحُ ، فَعَلَيْهِ أَرْشُهُ لَهُ .\rفَإِنْ أَدَّى الْكِتَابَةَ ، وَعَتَقَ ، لَهُ ثُمَّ سَرَى الْجُرْحُ إلَى نَفْسِهِ ، وَجَبَتْ دِيَتُهُ ؛ لِأَنَّ اعْتِبَارَ الضَّمَانِ بِحَالَةِ الِاسْتِقْرَارِ وَيَكُونُ ذَلِكَ لِوَرَثَتِهِ .\rفَإِنْ كَانَ الْجَانِي السَّيِّدَ ، أَوْ غَيْرَهُ مِنْ الْوَرَثَةِ ، لَمْ يَرِثْ مِنْهُ شَيْئًا ؛ لِأَنَّ الْقَاتِلَ لَا يَرِثُ ، وَيَكُونُ لِبَيْتِ الْمَالِ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ .\rوَمَنْ اعْتَبَرَ الْجِنَايَةَ بِحَالَةِ ابْتِدَائِهَا ، أَوْجَبَ عَلَى الْجَانِي قِيمَتَهُ ، وَيَكُونُ لِوَرَثَتِهِ أَيْضًا .\rالْحَالُ الثَّالِثُ ، إذَا كَانَ الْجَانِي عَبْدًا أَوْ مُكَاتَبًا ، فَإِنْ كَانَ مُوجَبُ الْجِنَايَةِ الْقِصَاصَ وَكَانَتْ عَلَى النَّفْسِ ، انْفَسَخَتْ الْكِتَابَةُ ، وَسَيِّدُهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْقِصَاصِ وَالْعَفْوِ عَلَى مَالٍ يَتَعَلَّقُ بِرَقَبَةِ الْجَانِي .\rوَإِنْ كَانَتْ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ ، مِثْلُ أَنْ يَقْطَعَ يَدَهُ أَوْ رِجْلَهُ ، فَلِلْمُكَاتَبِ اسْتِيفَاءُ الْقِصَاصِ ، وَلَيْسَ لِسَيِّدِهِ مَنْعُهُ ، كَمَا أَنَّ الْمَرِيضَ يَقْبِضُ وَلَا يَعْتَرِضُ عَلَيْهِ وَرَثَتُهُ ، وَالْمُفْلِسَ يَقْبِضُ وَلَا يَعْتَرِضُ عَلَيْهِ غُرَمَاؤُهُ .\rوَإِنْ عَفَا عَلَى مَالٍ ، ثَبَتَ لَهُ .\rوَإِنْ عَفَا مُطْلَقًا ، أَوْ إلَى غَيْرِ مَالٍ ، انْبَنَى ذَلِكَ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي مُوجَبِ الْعَمْدِ ؛ إنْ قُلْنَا : مُوجَبُهُ الْقِصَاصُ عَيْنًا .\rصَحَّ ، وَلَمْ يَثْبُتْ لَهُ مَالٌ ، وَلَيْسَ لِلسَّيِّدِ مُطَالَبَتُهُ بِاشْتِرَاطِ مَالٍ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ تَكَسُّبٌ ، وَلَا يَمْلِكُ السَّيِّدُ إجْبَارَهُ عَلَى الْكَسْبِ .\rوَإِنْ قُلْنَا : الْوَاجِبُ أَحَدُ أَمْرَيْنِ .\rثَبَتَتْ لَهُ دِيَةُ الْجُرْحِ ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا سَقَطَ الْقِصَاصُ ، تَعَيَّنَ الْمَالُ ، وَلَا يَصِحُّ عَفْوُهُ عَنْ الْمَالِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ التَّبَرُّعَ بِهِ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ .\rوَإِنْ صَالَحَ عَلَى بَعْضِ الْأَرْشِ ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْعَفْو إلَى غَيْرِ مَالٍ .","part":24,"page":310},{"id":11810,"text":"( 8784 ) فَصْلٌ : وَإِذَا مَاتَ الْمُكَاتَبُ ، وَعَلَيْهِ دُيُونٌ ، وَأُرُوشُ جِنَايَاتٍ ، وَلَمْ يَكُنْ مَلَكَ مَا يُؤَدِّي فِي كِتَابَتِهِ ، انْفَسَخَتْ كِتَابَتُهُ ، وَسَقَطَ أَرْشُ الْجِنَايَاتِ ؛ لِأَنَّهَا مُتَعَلِّقَةٌ بِرَقَبَتِهِ وَقَدْ تَلِفَتْ ، وَيُسْتَوْفَى دَيْنُهُ مِمَّا كَانَ فِي يَدِهِ ، فَإِنْ لَمْ يَفِ بِهَا ، سَقَطَ الْبَاقِي .\rقَالَ أَحْمَد : لَيْسَ عَلَى سَيِّدِهِ قَضَاءُ دَيْنِهِ ، هَذَا كَانَ يَسْعَى لِنَفْسِهِ .\rوَإِنْ كَانَ قَدْ مَلَكَ مَا يُؤَدِّي فِي كِتَابَتِهِ ، انْبَنَى ذَلِكَ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي عِتْقِ الْمُكَاتَبِ بِمِلْكِ مَا يُؤَدِّيه ، وَقَدْ ذَكَرْنَا فِيهِ رِوَايَتَيْنِ ، الظَّاهِرُ مِنْهُمَا أَنَّهُ لَا يَعْتِقُ بِذَلِكَ ، فَتَنْفَسِخُ الْكِتَابَةُ أَيْضًا ، وَيَبْدَأُ بِقَضَاءِ الدَّيْنِ ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي الْحَالِ الْأَوَّلِ .\rوَهَذَا قَوْلُ زَيْدِ بْنِ ثَابِت وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَالْحَسَن ، وَشُرَيْحٍ ، وَعَطَاءٍ ، وَعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، وَأَبِي الزِّنَادِ ، وَيَحْيَى الْأَنْصَارِيِّ ، وَرَبِيعَةَ وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيِّ .\rوَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ ، أَنَّهُ إذَا مَلَكَ مَا يُؤَدِّي ، فَقَدْ صَارَ حُرًّا فَعَلَى هَذَا ، يَضْرِبُ السَّيِّدُ مَعَ الْغُرَمَاءِ بِمَا حَلَّ مِنْ نُجُومِهِ .\rوَرُوِيَ نَحْوُ هَذَا عَنْ شُرَيْحٍ ، وَالنَّخَعِيّ ، وَالشَّعْبِيِّ ، وَالْحَكَمِ ، وَحَمَّادٍ ، وَابْنِ أَبِي لَيْلَى ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَالْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ ؛ لِأَنَّهُ دَيْنٌ لَهُ حَالٌّ ، فَيَضْرِبُ بِهِ كَسَائِرِ الدُّيُونِ .\rوَيَجِيءُ عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ : إنَّ الدَّيْنَ يَحِلُّ بِالْمَوْتِ .\rأَنْ يَضْرِبَ بِجَمِيعِ مَالِ الْكِتَابَةِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ صَارَ حَالًّا .\rوَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ ، الَّذِي نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ عَنْ أَحْمَدَ .\rوَقَدْ رَوَى سَعِيدٌ ، فِي \" سُنَنِهِ \" ، حَدَّثَنَا هُشَيْم ، أَنَا مَنْصُورٌ وَسَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، قَالَ : ذَكَرْت لِسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ قَوْلَ شُرَيْحٍ فِي الْمُكَاتَب إذَا مَاتَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ ، وَبَقِيَّةٌ مِنْ مُكَاتَبَتِهِ ، فَقُلْت : إنَّ شُرَيْحًا قَضَى أَنَّ مَوْلَاهُ يَضْرِبُ مَعَ الْغُرَمَاءِ .\rفَقَالَ","part":24,"page":311},{"id":11811,"text":"سَعِيدٌ : أَخْطَأَ شُرَيْحٌ ، قَضَى زَيْدٌ بِالدَّيْنِ قَبْلَ الْمُكَاتَبَةِ .","part":24,"page":312},{"id":11812,"text":"( 8785 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : وَإِذَا كَاتَبَهُ ، ثُمَّ دَبَّرَهُ ، فَإِذَا أَدَّى ، صَارَ حُرًّا ، وَإِنْ مَاتَ السَّيِّدُ قَبْلَ الْأَدَاءِ ، عَتَقَ بِالتَّدْبِيرِ ، إنْ حَمَلَ الثُّلُثَ ، مَا بَقِيَ مِنْ كِتَابَتِهِ ، وَإِلَّا عَتَقَ مِنْهُ بِمِقْدَارِ الثُّلُثِ ، وَسَقَطَ مِنْ الْكِتَابَةِ بِمِقْدَارِ مَا عَتَقَ ، وَكَانَ عَلَى الْكِتَابَةِ فِيمَا بَقِيَ وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ تَدْبِيرَ الْمُكَاتَبِ صَحِيحٌ .\rلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا ؛ لِأَنَّهُ تَعْلِيقُ عِتْقٍ بِصِفَةِ ، وَهُوَ يَمْلِكُ إعْتَاقَهُ ، وَإِنْ كَانَ وَصِيَّةً ، فَهُوَ وَصِيَّةٌ بِإِعْتَاقِهِ ، وَهُوَ يَمْلِكُهُ .\rفَعِنْدَ هَذَا ، إنْ أَدَّى عَتَقَ بِالْأَدَاءِ ؛ لِأَنَّهُ سَبَبٌ لِلْعِتْقِ ، وَيَبْطُلُ التَّدْبِيرُ لِلْغِنَى عَنْهُ ، وَمَا فِي يَدِهِ لَهُ .\rوَإِنْ عَجَزَ ، وَفُسِخَتْ الْكِتَابَةُ ، بَطَلَتْ كِتَابَتُهُ ، وَصَارَ مُدَبَّرًا غَيْرَ مُكَاتَبٍ .\rفَإِذَا مَاتَ السَّيِّدُ ، عَتَقَ إنْ خَرَجَ مِنْ الثُّلُثِ ، وَمَا فِي يَدِهِ لِسَيِّدِهِ .\rوَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ الثُّلُثِ ، عَتَقَ مِنْهُ بِقَدْرِ الثُّلُثِ ، فَإِنْ مَاتَ السَّيِّدُ قَبْلَ أَدَائِهِ وَعَجَّزَهُ ، عَتَقَ بِالتَّدْبِيرِ ، إنْ حَمَلَهُ الثُّلُثُ ، وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ الثُّلُثِ ، عَتَقَ مِنْهُ بِقَدْرِ الثُّلُثِ ، وَسَقَطَ مِنْ الْكِتَابَةِ بِقَدْرِ مَا عَتَقَ ؛ لِأَنَّ مَالَ الْكِتَابَةِ عِوَضٌ عَنْهُ ، فَإِذَا عَتَقَ نِصْفُهُ ، وَجَبَ أَنْ يَسْقُطَ نِصْفُ الْكِتَابَةِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ تَبْقَ الْكِتَابَةُ إلَّا فِي نِصْفِهِ ، فَلَمْ يَبْقَ عَلَيْهِ مِنْ مَالِهَا إلَّا بِقَدْرِ ذَلِكَ ، وَهُوَ عَلَى الْكِتَابَةِ فِيمَا بَقِيَ وَمَا فِي يَدِهِ لَهُ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .\rوَقَالَ أَصْحَابُنَا : إذَا عَتَقَ بِالتَّدْبِيرِ ، بَطَلَتْ الْكِتَابَةُ ، وَكَانَ مَا فِي يَدِهِ لِسَيِّدِهِ ، كَمَا لَوْ بَطَلَتْ الْكِتَابَةُ بِعَجْزِهِ ؛ لِأَنَّهُ عَبْدٌ عَتَقَ بِالتَّدْبِيرِ ، فَكَانَ مَا فِي يَدِهِ لِسَيِّدِهِ ، كَغَيْرِ الْمُكَاتَبِ .\rوَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ؛ لِأَنَّهُ مُكَاتَبٌ بَرِئَ مِنْ مَالِ الْكِتَابَةِ ، فَعَتَقَ بِذَلِكَ ، وَكَانَ مَا فِي يَدِهِ لَهُ","part":24,"page":313},{"id":11813,"text":"كَمَا لَوْ أَبْرَأَهُ سَيِّدُهُ .\rيُحَقِّقُهُ أَنَّ مِلْكَهُ كَانَ ثَابِتًا عَلَى مَا فِي يَدِهِ ، وَلَمْ يَحْدُثْ مَا يُزِيلُهُ ، وَإِنَّمَا الْحَادِثُ مُزِيلٌ لِمِلْكِ سَيِّدِهِ عَنْهُ ، فَيَبْقَى مِلْكُهُ ، كَمَا لَوْ عَتَقَ بِالْأَدَاءِ .","part":24,"page":314},{"id":11814,"text":"( 8786 ) فَصْلٌ : إذَا قَالَ السَّيِّدُ لِمُكَاتَبِهِ : مَتَى عَجَزْت بَعْدَ مَوْتِي ، فَأَنْتَ حُرٌّ .\rفَهَذَا تَعْلِيقٌ لِلْحُرِّيَّةِ عَلَى صِفَةٍ تَحْدُثُ بَعْدَ الْمَوْتِ .\rوَقَدْ ذَكَرْنَا فِيهِ اخْتِلَافًا فِيمَا مَضَى .\rفَإِنْ قُلْنَا : لَا يَصِحُّ .\rفَلَا كَلَامَ ، وَإِنَّ قُلْنَا : يَصِحُّ .\rفَمَتَى عَجَزَ بَعْدَ الْمَوْتِ ، صَارَ حُرًّا بِالصِّفَةِ ، فَإِنْ ادَّعَى الْعَجْزَ قَبْلَ حُلُولِ النَّجْمِ ، لَمْ يَعْتِقْ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ شَيْءٌ يَعْجِزُ عَنْهُ .\rوَإِنْ ادَّعَى ذَلِكَ بَعْدَ حُلُولِ نَجْمِهِ ، وَمَعَهُ مَا يُؤَدِّيه ، لَمْ يَصِحَّ قَوْلُهُ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِعَاجِزٍ .\rوَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ مَالٌ ظَاهِرٌ ، فَصَدَّقَهُ الْوَرَثَةُ ، عَتَقَ ، وَإِنْ كَذَّبُوهُ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْمَالِ وَعَجَّزَهُ ، فَإِذَا حَلَفَ عَتَقَ .\rوَإِذَا عَتَقَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ ، كَانَ مَا فِي يَدِهِ لَهُ ، إنْ لَمْ تَكُنْ كِتَابَتُهُ فُسِخَتْ ؛ لِأَنَّ الْعَجْزَ لَا تَنْفَسِخُ بِهِ الْكِتَابَةُ ، وَإِنَّمَا يَثْبُتُ بِهِ اسْتِحْقَاقُ الْفَسْخِ ، وَالْحُرِّيَّةُ تَحْصُلُ بِأَوَّلِ وُجُودِهِ ، فَتَكُونُ الْحُرِّيَّةُ قَدْ حَصَلَتْ لَهُ فِي حَالِ كِتَابَتِهِ ، فَيَكُونُ مَا فِي يَدِهِ لَهُ ، كَمَا لَوْ عَتَقَ بِالْإِبْرَاءِ مِنْ مَالِ الْكِتَابَةِ .\rوَمُقْتَضَى قَوْلِ بَعْضِ أَصْحَابِنَا ، أَنْ تَبْطُلَ كِتَابَتُهُ ، وَيَكُونَ مَا بِيَدِهِ لِوَرَثَةِ سَيِّدِهِ .","part":24,"page":315},{"id":11815,"text":"( 8787 ) فَصْلٌ : وَإِذَا كَاتَبَ عَبْدًا فِي صِحَّتِهِ ، ثُمَّ أَعْتَقَهُ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ ، أَوْ أَبْرَأَهُ مِنْ مَالِ الْكِتَابَةِ ، فَإِنْ كَانَ يَخْرُجُ مِنْ ثُلُثِهِ الْأَقَلُّ مِنْ قِيمَتِهِ ، أَوْ مَالِ كِتَابَتِهِ ، عَتَقَ ، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ لَهُ سِوَى الْمُكَاتَبِ مِائَتَانِ ، وَقِيمَةُ الْمُكَاتَبِ مِائَةٌ ، وَمَالُ الْكِتَابَةِ مِائَةٌ وَخَمْسُونَ ، فَإِنَّنَا نَعْتَبِرُ قِيمَتَهُ دُونَ مَالِ الْكِتَابَةِ ، وَهِيَ تَخْرُجُ مِنْ الثُّلُثِ .\rوَلَوْ كَانَ مَالُ الْكِتَابَةِ مِائَةً ، وَقِيمَتُهُ مِائَةٌ وَخَمْسُونَ ، اعْتَبَرْنَا مَالَ الْكِتَابَةِ ، وَنَفَذَ الْعِتْقُ ، وَيُعْتَبَرُ الْبَاقِي مِنْ مَالِ الْكِتَابَةِ دُونَ مَا أَدَّى مِنْهَا .\rوَإِنَّمَا اعْتَبَرْنَا الْأَقَلَّ ؛ لِأَنَّ قِيمَتَهُ إنْ كَانَتْ أَقَلَّ ، فَهِيَ قِيمَةُ مَا أُتْلِفَ بِالْإِعْتَاقِ ، وَمَالُ الْكِتَابَةِ مَا اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ ، فَإِنَّ لِلْعَبْدِ إسْقَاطَهُ بِتَعْجِيزِ نَفْسِهِ ، أَوْ يَمْتَنِعُ مِنْ أَدَائِهِ ، فَلَا يُجْبَرُ عَلَيْهِ ، فَلَمْ يُحْتَسَبْ لَهُ بِهِ .\rوَإِنْ كَانَ عِوَضُ الْكِتَابَةِ أَقَلَّ ، اعْتَبَرْنَاهُ ؛ لِأَنَّهُ يَعْتِقُ بِأَدَائِهِ ، وَلَا يَسْتَحِقُّ السَّيِّدُ عَلَيْهِ سِوَاهُ ، وَقَدْ ضَعُفَ مِلْكُهُ فِيهِ ، وَصَارَ عِوَضَهُ .\rوَإِنْ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَا يَخْرُجُ مِنْ الثُّلُثِ ، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ مَالُهُ سِوَى الْمُكَاتَبِ قِيمَتُهُ مِائَةٌ ، فَإِنَّنَا نَضُمُّ الْأَقَلَّ مِنْ قِيمَتِهِ أَوْ مَالِ كِتَابَتِهِ إلَى مَالِهِ ، وَنَعْمَلُ بِحِسَابِهِ ، فَيَعْتِقُ مِنْهُ ثُلُثَاهُ ، وَيَبْقَى ثُلُثُهُ بِثُلُثِ مَالِ الْكِتَابَةِ ، فَإِنْ أَدَّاهُ ، عَتَقَ ، وَإِلَّا رَقَّ مِنْهُ ثُلُثُهُ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ إذَا كَانَ مَالُ الْكِتَابَةِ مِائَةً وَخَمْسِينَ ، فَبَقِيَ ثُلُثُهُ بِخَمْسِينَ ، فَأَدَّاهَا ، أَنْ يَقُولَ : قَدْ زَادَ مَالُ الْمَيِّتِ .\rلِأَنَّهُ حُسِبَ عَلَى الْوَرَثَةِ بِمِائَةٍ ، وَحَصَلَ لَهُمْ بِثُلُثِهِ خَمْسُونَ ، فَقَدْ زَادَ مَالُ الْمَيِّتِ ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَزِيدَ بِمَا عَتَقَ مِنْهُ ؛ لِأَنَّ هَذَا الْمَالَ يَحْصُلُ لَهُمْ بِعَقْدِ السَّيِّدِ ، وَالْإِرْثِ عَنْهُ .\rوَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْمُعْتَبَرُ","part":24,"page":316},{"id":11816,"text":"مِنْ مَالِ الْكِتَابَةِ ثَلَاثَةَ أَرْبَاعِهِ ؛ لِأَنَّ رُبْعَهُ يَجِبُ إيتَاؤُهُ لِلْمُكَاتَبِ ، فَلَا يُحْسَبُ مِنْ مَالِ الْمَيِّتِ .\rفَعَلَى هَذَا ، إذَا كَانَ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ مَالِ الْمُكَاتَبِ مِائَةً وَخَمْسِينَ ، وَقِيمَةُ الْعَبْدِ مِائَةً ، وَلِلْمَيِّتِ مِائَةٌ أُخْرَى ، عَتَقَ مِنْ الْعَبْدِ ثُلُثَاهُ ، وَحَصَلَ لِلْوَرَثَةِ مِنْ كِتَابَةِ الْعَبْدِ خَمْسُونَ ، عَنْ ثُلُثِ الْعَبْدِ الْمَحْسُوبِ عَلَيْهِمْ بِثُلُثِ الْمِائَةِ ، فَقَدْ زَادَ لَهُمْ ثُلُثُ الْخَمْسِينَ ، فَيَعْتِقَ مِنْ الْعَبْدِ قَدْرُ ثُلُثِهَا ، وَهُوَ تُسْعُ الْخَمْسِينَ ، وَذَلِكَ نِصْفُ تُسْعِهِ ، فَصَارَ الْعِتْقُ ثَابِتًا فِي ثُلُثَيْهِ ، وَنِصْفِ تُسْعِهِ ، وَحَصَلَ لِلْوَرَثَةِ الْمِائَةُ ، وَثَمَانِيَةُ أَتْسَاعِ الْخَمْسِينَ ، وَهُوَ مِثْلَا مَا عَتَقَ مِنْهُ .\rفَإِنْ قِيلَ : لِمَ أَعْتَقْتُمْ بَعْضَهُ ، وَقَدْ بَقِيَ عَلَيْهِ بَعْضُ مَالِ الْكِتَابَةِ ، وَقَدْ قُلْتُمْ : إنَّ الْمُكَاتَبَ لَا يَعْتِقُ مِنْهُ شَيْءٌ حَتَّى يُؤَدِّيَ جَمِيعَ مَالِ الْكِتَابَةِ ؟ قُلْنَا : إنَّمَا أَعْتَقْنَا بَعْضَهُ هَاهُنَا بِإِعْتَاقِ سَيِّدِهِ ، لَا بِالْكِتَابَةِ ، وَلَمَّا كَانَ الْعِتْقُ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ ، نَفَذَ فِي ثُلُثِ مَالِهِ ، وَبَقِيَ بَاقِيه لِحَقِّ الْوَرَثَةِ ، وَالْمَوْضِعُ الَّذِي لَا يَعْتِقُ إلَّا بِأَدَاءِ جَمِيعِ الْكِتَابَةِ ، إذَا كَانَ عِتْقُهُ بِهَا ، لِأَنَّهُ إذَا بَقِيَ عَلَيْهِ شَيْءٌ ، فَمَا حَصَلَ الِاسْتِيفَاءُ ، وَيَخْتَصُّ الْمُعَاوَضَةَ ، فَلَمْ تَثْبُتْ الْحُرِّيَّةُ فِي الْعِوَضِ .","part":24,"page":317},{"id":11817,"text":"( 8788 ) فَصْلٌ : وَإِنْ وَصَّى سَيِّدُهُ بِإِعْتَاقِهِ ، أَوْ إبْرَائِهِ مِنْ الْكِتَابَةِ ، وَكَانَ يَخْرُجُ مِنْ ثُلُثِهِ أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ قِيمَتِهِ أَوْ مَالِ كِتَابَتِهِ ، فَالْحُكْمُ فِيهِ كَالْحُكْمِ فِيمَا إذَا أَعْتَقَهُ فِي مَرَضِهِ ، أَوْ أَبْرَأَهُ ، إلَّا أَنَّهُ يَحْتَاجُ هَاهُنَا إلَى إيقَاعِ الْعِتْقِ ؛ لِأَنَّهُ أَوْصَى بِهِ .\rوَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ الْأَقَلُّ مِنْهُمَا مِنْ ثُلُثِهِ ، أَعْتَقَ مِنْهُ بِقَدْرِ الثُّلُثِ ، وَيَسْقُطُ مِنْ الْكِتَابَةِ بِقَدْرِ مَا عَتَقَ ، وَيَبْقَى بَاقِيه عَلَى بَاقِي الْكِتَابَةِ ، فَإِنْ أَدَّاهُ ، عَتَقَ جَمِيعُهُ ، وَإِنْ عَجَزَ ، عَتَقَ مِنْهُ بِقَدْرِ الثُّلُثِ ، وَرَقَّ الْبَاقِي .\rوَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنْ يَتَنَجَّزَ عِتْقُ ثُلُثِهِ فِي الْحَالِ ، كَقَوْلِنَا فِي مَنْ دَبَّرَ عَبْدًا لَهُ وَلَهُ مَالٌ غَائِبٌ ، أَوْ دَيْنٌ فِي ذِمَّةِ مُوسِرٍ أَوْ مُعْسِرٍ : إنَّهُ يَعْتِقُ ثُلُثُهُ فِي الْحَالِ ، وَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ لِلْوَرَثَةِ فِي الْحَالِ شَيْءٌ .\rوَلِأَنَّ حَقَّ الْوَرَثَةِ مُتَحَقِّقُ الْحُصُولِ ، فَإِنَّهُ إنْ أَدَّى ، وَإِلَّا عَادَ الْبَاقِي قِنًّا ، وَذَكَرَ الْقَاضِي فِيهِ وَجْهًا آخَرَ ، أَنَّهُ لَا يَتَنَجَّزُ عِتْقُ شَيْءٍ مِنْهُ إذَا لَمْ يَكُنْ لِلْمَيِّتِ مَالٌ سِوَاهُ ؛ لِئَلَّا يَتَنَجَّزَ لِلْوَصِيَّةِ مَا عَتَقَ مِنْهُ ، وَيَتَأَخَّرَ حَقُّ الْوَارِثِ ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ لَهُ مَالٌ غَائِبٌ ، أَوْ دَيْنٌ حَاضِرٌ ، لَمْ تَتَنَجَّزْ وَصِيَّتُهُ مِنْ الْحَاضِرِ .\rوَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ .\rوَأَمَّا الْحَاضِرُ وَالْغَائِبُ ، فَإِنَّهُ إنْ كَانَ أَوْصَى لَهُ بِالْحَاضِرِ ، أَخَذَ ثُلُثَهُ فِي الْحَالِ ، وَوَقَفَ الْبَاقِي عَلَى قُدُومِ الْغَائِبِ ، فَقَدْ حَصَلَ لِلْمُوصَى لَهُ ثُلُثُهُ الْحَاضِرُ ، وَلَمْ يَحْصُلْ لِلْوَرَثَةِ شَيْءٌ فِي الْحَالِ ، فَهُوَ كَمَسْأَلَتِنَا ، وَلَمْ يَكْمُلْ لَهُ جَمِيعُ وَصِيَّتِهِ ؛ لِأَنَّ الْغَائِبَ غَيْرُ مَوْثُوقٍ بِحُصُولِهِ ، فَإِنَّهُ رُبَّمَا تَلِفَ ، بِخِلَافِ مَا نَحْنُ فِيهِ .\rفَأَمَّا الزِّيَادَةُ الْحَاصِلَةُ بِزِيَادَةِ مَالِ الْكِتَابَةِ ، فَإِنَّهَا تَقِفُ عَلَى أَدَاءِ مَالِ الْكِتَابَةِ .","part":24,"page":318},{"id":11818,"text":"مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : وَإِذَا ادَّعَى الْمُكَاتَبُ وَفَاءَ كِتَابَتِهِ ، وَأَتَى بِشَاهِدٍ ، حَلَفَ مَعَ شَاهِدِهِ ، وَصَارَ حُرًّا وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ؛ لِأَنَّ النِّزَاعَ بَيْنَهُمَا فِي أَدَاءِ الْمَالِ ، وَالْمَالُ يُقْبَلُ فِيهِ الشَّاهِدُ وَالْيَمِينُ .\rفَإِنْ قِيلَ : الْقَصْدُ بِهَذِهِ الشَّهَادَةِ الْعِتْقُ ، وَهُوَ مِمَّا لَا يَثْبُتُ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ .\rقُلْنَا : بَلْ يَثْبُتُ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ ، فِي رِوَايَةٍ ، وَإِنْ سَلَّمْنَا أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ بِذَلِكَ ، لَكِنَّ الشَّهَادَةَ هَاهُنَا إنَّمَا هِيَ بِأَدَاءِ الْمَالِ ، وَالْعِتْقُ يَحْصُلُ عِنْدَ أَدَائِهِ بِالْعَقْدِ الْأَوَّلِ ، وَلَمْ يَشْهَدْ الشَّاهِدُ بِهِ ، وَلَا بَيْنَهُمَا ، فِيهِ نِزَاعٌ ، وَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَثْبُتَ بِشَهَادَةِ الْوَاحِدِ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ أَمْرٌ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِشَاهِدَيْنِ ، كَمَا أَنَّ الْوِلَادَةَ تَثْبُتُ بِشَهَادَةِ الْمَرْأَةِ الْوَاحِدَةِ ، وَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا ثُبُوتُ النَّسَبِ ، الَّذِي لَا يَثْبُتُ بِشَهَادَةِ النِّسَاءِ ، وَلَا بِشَاهِدٍ وَاحِدٍ .\r( 8790 ) فَصْلٌ : فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْعَبْدِ شَاهِدٌ وَأَنْكَرَ السَّيِّدُ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينه ؛ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ .\rوَإِنْ قَالَ الْعَبْدُ : لِي شَاهِدٌ غَائِبٌ .\rأُنْظِرَ ثَلَاثًا ، فَإِنْ جَاءَ بِهِ ، وَإِلَّا حَلَفَ السَّيِّدُ ، ثُمَّ مَتَى جَاءَ شَاهِدُهُ ، وَأَدَّى الشَّهَادَةَ ، ثَبَتَتْ حُرِّيَّتُهُ .\rوَإِنْ جَاءَ بِشَاهِدٍ فَجُرِحَ فَقَالَ : لِي شَاهِدٌ غَائِبٌ عَدْلٌ .\rأُنْظِرَ ثَلَاثًا ؛ لِمَا ذَكَرْنَا .","part":24,"page":319},{"id":11819,"text":"( 8791 ) فَصْلٌ : وَإِنْ أَقَرَّ السَّيِّدُ بِقَبْضِ مَالِ الْكِتَابَةِ ، عَتَقَ الْعَبْدُ ، إذَا كَانَ مِمَّنْ يَصِحُّ إقْرَارُهُ .\rوَإِنْ أَقَرَّ بِذَلِكَ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ ، قُبِلَ ؛ لِأَنَّهُ إقْرَارٌ لِغَيْرِ وَارِثٍ ، وَإِقْرَارُ الْمَرِيضِ لِغَيْرِ وَارِثِهِ مَقْبُولٌ .\rوَإِذَا قَالَ : اسْتَوْفَيْت كِتَابَتِي كُلَّهَا .\rعَتَقَ الْعَبْدُ .\rوَإِنْ قَالَ : اسْتَوْفَيْتهَا كُلَّهَا ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ، وَإِنْ شَاءَ زَيْدٌ .\rعَتَقَ ، وَلَمْ يُؤَثِّرْ الِاسْتِثْنَاءُ ؛ لِأَنَّ هَذَا الِاسْتِثْنَاءَ لَا مَدْخَلَ لَهُ فِي الْإِقْرَارِ .\rقَالَ أَحْمَدُ ، فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ : إذَا قَالَ : لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ .\rكَانَ مُقِرًّا بِهَا .\rوَلِأَنَّ هَذَا الِاسْتِثْنَاءَ تَعْلِيقٌ بِشَرْطِ ، وَاَلَّذِي يَتَعَلَّقُ بِالشَّرْطِ إنَّمَا هُوَ الْمُسْتَقْبَلُ ، وَأَمَّا الْمَاضِي ، فَلَا يُمْكِنُ تَعْلِيقُهُ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ وَقَعَ عَلَى صِفَةٍ لَا يَتَغَيَّرُ عَنْهَا بِالشَّرْطِ ، وَإِنَّمَا يَدُلُّ الشَّرْطُ فِيهِ عَلَى الشَّكِّ فِيهِ ، فَكَأَنَّهُ قَالَ : اسْتَوْفَيْت كِتَابَتِي ، وَأَنَا أَشُكُّ فِيهِ .\rفَيَلْغُو الشَّكُّ ، وَيَثْبُتُ الْإِقْرَارُ .\rوَإِنْ قَالَ : اسْتَوْفَيْت آخِرَ كِتَابَتِي .\rوَقَالَ : إنَّمَا أَرَدْت أَنِّي اسْتَوْفَيْت النَّجْمَ الْآخِرَ دُونَ مَا قَبْلَهُ .\rوَادَّعَى الْعَبْدُ إقْرَارَهُ بِاسْتِيفَاءِ الْكُلِّ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ السَّيِّدِ ؛ لِأَنَّهُ أَعْرَفُ بِمُرَادِهِ .","part":24,"page":320},{"id":11820,"text":"( 8792 ) فَصْلٌ : وَإِذَا أَبْرَأَهُ السَّيِّدُ مِنْ مَالِ الْكِتَابَةِ ، بَرِئَ ، وَعَتَقَ ؛ لِأَنَّ ذِمَّتَهُ خَلَتْ مِنْ مَالِ الْكِتَابَةِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَدَّاهُ .\rوَإِنْ أَبْرَأَهُ مِنْ بَعْضِهِ ، بَرِئَ مِنْهُ وَكَانَ عَلَى الْكِتَابَةِ فِيمَا بَقِيَ ؛ لِأَنَّ الْإِبْرَاءَ كَالْأَدَاءِ .\rوَإِنْ كَاتَبَهُ عَلَى دَنَانِيرَ ، فَأَبْرَأَهُ مِنْ دَرَاهِمَ ، أَوْ عَلَى دَرَاهِمَ ، فَأَبْرَأَهُ مِنْ دَنَانِيرَ ، لَمْ تَصِحّ الْبَرَاءَةُ ؛ لِأَنَّهُ أَبْرَأَهُ مِمَّا لَا يَجِبُ لَهُ عَلَيْهِ ، إلَّا أَنْ يُرِيدَ بِقَدْرِ ذَلِكَ مِمَّا لِي عَلَيْك .\rفَإِنْ اخْتَلَفَا ، فَقَالَ الْمُكَاتَبُ : إنَّمَا أَرَدْت مِنْ قِيمَةِ ذَلِكَ .\rوَقَالَ السَّيِّدُ : بَلْ ظَنَنْت أَنَّ لِي عَلَيْك النَّقْدَ الَّذِي أَبْرَأْتُك مِنْهُ ، فَلَمْ تَقَعْ الْبَرَاءَةُ مَوْضِعَهَا .\rفَالْقَوْلُ قَوْلُ السَّيِّدِ ، مَعَ يَمِينِهِ ؛ لِأَنَّهُ اعْتَرَفَ بِنِيَّتِهِ .\rوَإِنْ مَاتَ السَّيِّدُ ، وَاخْتَلَفَ الْمُكَاتَبُ مَعَ وَرَثَتِهِ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُمْ مَعَ أَيْمَانِهِمْ أَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ مَوْرُوثَهُمْ أَرَادَ ذَلِكَ .\rوَإِنْ مَاتَ الْمُكَاتَبُ ، وَاخْتَلَفَ وَرَثَتُهُ وَسَيِّدُهُ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ السَّيِّدِ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا .","part":24,"page":321},{"id":11821,"text":"( 8793 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : وَلَا يُكَفِّرُ الْمُكَاتَبُ بِغَيْرِ الصَّوْمِ وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْمُكَاتَبَ إذَا لَزِمَتْهُ كَفَّارَةُ ظِهَارٍ أَوْ جِمَاعٍ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ ، أَوْ قَتْلٍ ، أَوْ كَفَّارَةُ يَمِينٍ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ التَّكْفِيرُ بِالْمَالِ ؛ لِأَنَّهُ عَبْدٌ ، وَلِأَنَّهُ فِي حُكْمِ الْمُعْسِرِ ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا تَلْزَمُهُ زَكَاةُ ، وَلَا نَفَقَةُ قَرِيبٍ ، وَلَهُ أَخْذُ الزَّكَاةِ لِحَاجَتِهِ ، وَكَفَّارَةُ الْعَبْدِ وَالْمُعْسِرِ الصِّيَامُ .\rوَإِنْ أَذِنَ لَهُ سَيِّدُهُ فِي التَّكْفِيرِ بِالْمَالِ ، جَازَ ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ التَّبَرُّعِ ، وَيَجُوزُ لَهُ التَّبَرُّعُ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ ، وَلِأَنَّ الْمَنْعَ لِحَقِّهِ ، وَقَدْ أَذِنَ فِيهِ .\rوَلَا يَلْزَمُهُ التَّكْفِيرُ بِالْمَالِ ، إذَا أَذِنَ فِيهِ السَّيِّدُ ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ ضَرَرًا فِيهِ ، لِمَا يُفْضِي إلَيْهِ مِنْ تَفْوِيتِ حُرِّيَّتِهِ كَمَا أَنَّ التَّبَرُّعَ لَا يَلْزَمُهُ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : الْمُكَاتَبُ كَالْعَبْدِ الْقِنِّ فِي التَّكْفِيرِ ، وَمَتَى أَذِنَ لَهُ سَيِّدُهُ فِي التَّكْفِيرِ بِالْمَالِ ، انْبَنَى عَلَى مِلْكِ الْعَبْدِ إذَا مَلَكَهُ سَيِّدُهُ ؛ فَإِنْ قُلْنَا : لَا يَمْلِكُ .\rلَمْ يَصِحَّ تَكْفِيرُهُ بِعِتْقٍ وَلَا إطْعَامٍ وَلَا كِسْوَةٍ ، سَوَاءٌ مَلَكَهُ سَيِّده أَوْ لَمْ يَمْلِكْهُ ، وَسَوَاءٌ أَذِنَ فِيهِ أَوْ لَمْ يَأْذَنْ ؛ لِأَنَّهُ يُكَفِّرُ بِمَا لَيْسَ بِمَمْلُوكٍ لَهُ ، فَلَمْ يَصِحَّ .\rوَإِنْ قُلْنَا : يَمْلِكُ بِالتَّمْلِيكِ .\rصَحَّ تَكْفِيرُهُ بِالطَّعَامِ إذَا أَذِنَ فِيهِ .\rوَإِنْ أَذِنَ لَهُ فِي التَّكْفِيرِ بِالْعِتْقِ ، فَهَلْ يَصِحُّ ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ ، سَبَقَ ذِكْرُهُمَا فِي تَكْفِيرِ الْعَبْدِ .\rوَالصَّحِيحُ أَنَّ هَذَا التَّفْصِيلَ لَا يَتَوَجَّهُ فِي الْمُكَاتَبِ ؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ الْمَالَ ، بِغَيْرِ خِلَافٍ ، وَإِنَّمَا مِلْكُهُ نَاقِصٌ ؛ لِتَعَلُّقِ حَقِّ سَيِّدِهِ بِهِ ، فَإِذَا أَذِنَ لَهُ سَيِّدُهُ فِيهِ ، صَحَّ ، كَالتَّبَرُّعِ .","part":24,"page":322},{"id":11822,"text":"( 8794 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : وَوَلَدُ الْمُكَاتَبَةِ الَّذِينَ وَلَدَتْهُمْ فِي الْكِتَابَةِ ، يَعْتِقُونَ بِعِتْقِهَا وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ يَصِحُّ مُكَاتَبَةُ الْأَمَةِ ، كَمَا تَصِحُّ مُكَاتَبَةُ الْعَبْدِ .\rلَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِيهِ .\rوَقَدْ دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيثُ ، بَرِيرَةَ ، وَحَدِيثُ جُوَيْرِيَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ .\rوَلِأَنَّهَا دَاخِلَةٌ فِي عُمُومِ قَوْلِهِ : { وَاَلَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا } .\rوَلِأَنَّهَا يُمْكِنُهَا التَّكَسُّبُ وَالْأَدَاءُ ، فَهِيَ كَالْعَبْدِ .\rوَإِذَا أَتَتْ الْمُكَاتَبَةُ بِوَلَدٍ مِنْ غَيْرِ سَيِّدِهَا ، إمَّا مِنْ نِكَاحٍ أَوْ غَيْرِهِ ، فَهُوَ تَابِعٌ لَهَا ، مَوْقُوفٌ عَلَى عِتْقِهَا ، فَإِنْ عَتَقَتْ بِالْأَدَاءِ أَوْ الْإِبْرَاءِ ، عَتَقَ ، وَإِنْ فُسِخَتْ كِتَابَتُهَا ، وَعَادَتْ إلَى الرِّقِّ ، عَادَ رَقِيقًا .\rوَهَذَا قَوْلُ شُرَيْحٍ ، وَمَالِكٍ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَالثَّوْرِيِّ ، وَإِسْحَاقَ .\rوَسَوَاءٌ فِي هَذَا مَا كَانَ حَمْلًا حَالَ الْكِتَابَةِ ، وَمَا حَدَثَ بَعْدَهَا .\rوَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ : هُوَ عَبْدٌ قِنٌّ ، لَا يَتْبَعُ أُمَّهُ .\rوَلِلشَّافِعِي قَوْلَانِ ، كَالْمَذْهَبَيْنِ .\rوَاحْتَجُّوا بِأَنَّ الْكِتَابَةَ غَيْرُ لَازِمَةٍ مِنْ جِهَةِ الْعَبْدِ ، فَلَا تَسْرِي إلَى الْوَلَدِ ، كَالتَّعْلِيقِ بِالصِّفَةِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الْكِتَابَةَ سَبَبٌ ثَابِتٌ لِلْعِتْقِ ، لَا يَجُوزُ إبْطَالُهُ ، فَسَرَى إلَى الْوَلَدِ كَالِاسْتِيلَادِ ، وَيُفَارِقُ التَّعْلِيقَ بِالصِّفَةِ ، فَإِنَّ السَّيِّدَ يَمْلِكُ إبْطَالَهُ بِالْبَيْعِ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَالْكَلَامُ فِي الْوَلَدِ فِي فُصُولٍ أَرْبَعَةٍ ؛ فِي قِيمَتِهِ إذَا تَلِفَ وَفِي كَسْبِهِ ، وَفِي نَفَقَتِهِ وَفِي عِتْقِهِ .\rأَمَّا قِيمَتُهُ إذَا تَلِفَ ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : هُوَ لِأُمِّهِ ، تَسْتَعِينُ بِهَا عَلَى كِتَابَتِهَا ؛ لِأَنَّ السَّيِّدَ لَا يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فِيهِ مَعَ كَوْنِهِ عَبْدًا ، فَلَا يَسْتَحِقُّ قِيمَتَهُ ، وَلِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ جُزْءٍ مِنْهَا ، وَلَوْ جَنَى عَلَى جُزْءٍ مِنْهَا ، كَانَ أَرْشُهُ لَهَا ، كَذَلِكَ","part":24,"page":323},{"id":11823,"text":"وَلَدُهَا ، وَإِذَا لَمْ يَسْتَحِقَّهَا هُوَ كَانَتْ لِأُمِّهِ ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَا يَخْرُجُ عَنْهُمَا ، وَلِأَنَّ وَلَدَهَا لَوْ مَلَكَتْهُ بِهِبَةٍ أَوْ شِرَاءٍ كَانَتْ قِيمَتُهُ لَهَا ، فَكَذَلِكَ لَوْ تَبِعَهَا .\rيُحَقِّقُهُ أَنَّهُ إذَا تَبِعَهَا ، صَارَ حُكْمُهُ حُكْمَهَا ، فَلَا يَثْبُتُ مِلْكُ السَّيِّدِ فِي مَنَافِعِهِ ، وَلَا فِي أَرْشِ الْجِنَايَةِ عَلَيْهِ ، كَمَا لَا يَثْبُتُ لَهُ ذَلِكَ فِيهَا .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ : تَكُونُ الْقِيمَةُ لِسَيِّدِهَا ؛ لِأَنَّهَا لَوْ قُتِلَتْ ، كَانَتْ قِيمَتُهَا لِسَيِّدِهَا ، فَكَذَلِكَ وَلَدُهَا .\rوَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْكِتَابَةَ تَبْطُلُ بِقَتْلِهَا ، فَيَصِيرُ مَالُهَا لِسَيِّدِهَا ، بِخِلَافِ وَلَدِهَا ؛ فَإِنَّ الْعَقْدَ بَاقٍ بَعْدَ قَتْلِهِ ، فَنَظِيرُ هَذَا إتْلَافُ بَعْضِ أَعْضَائِهَا .\rوَالْحُكْمُ فِي إتْلَافِ بَعْضِ أَعْضَائِهَا كَالْحُكْمِ فِي إتْلَافِهِ .\rوَأَمَّا كَسْبُهُ ، وَأَرْشُ الْجِنَايَةِ عَلَيْهِ ، فَيَنْبَغِي أَيْضًا أَنْ يَكُونَ لِأُمِّهِ ؛ لِأَنَّ وَلَدَهَا جُزْءٌ مِنْهَا ، تَابِعٌ لَهَا ، فَأَشْبَهَ بَقِيَّةَ أَجْزَائِهَا ، وَلِأَنَّ أَدَاءَهَا لِكِتَابَتِهَا سَبَبٌ لِعِتْقِهِ ، وَحُصُولِ الْحُرِّيَّةِ لَهُ ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُصْرَفَ فِيهِ ، بِمَنْزِلَةِ صَرْفِهِ إلَيْهِ ، إذْ فِي عَجْزِهَا رِقُّهُ ، وَفَوَاتُ كَسْبِهِ عَلَيْهِ ، وَأَمَّا نَفَقَتُهُ فَعَلَى أُمِّهِ ؛ لِأَنَّهَا تَابِعَةٌ لِكَسْبِهِ وَكَسْبُهُ لَهَا ، فَنَفَقَتُهُ عَلَيْهَا .\rوَأَمَّا عِتْقُهُ ، فَإِنَّهُ يَعْتِقُ بِأَدَائِهَا أَوْ إبْرَائِهَا ، وَيَرِقُّ بِعَجْزِهَا ؛ لِأَنَّهُ تَابِعٌ لَهَا .\rوَإِنْ مَاتَتْ الْمُكَاتَبَةُ عَلَى كِتَابَتِهَا ، بَطَلَتْ كِتَابَتُهَا ، وَعَادَ رَقِيقًا قِنًّا ، إلَّا أَنْ تُخَلِّفَ وَفَاءً ، فَيَكُونَ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ .\rوَإِنْ أَعْتَقَهَا سَيِّدُهَا ، لَمْ يَعْتِقْ وَلَدُهَا ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا تَبِعَهَا فِي حُكْمِ الْكِتَابَةِ ، وَهُوَ الْعِتْقُ بِالْأَدَاءِ ، وَمَا حَصَلَ الْأَدَاءُ ، وَإِنَّمَا حَصَلَ عِتْقُهَا بِأَمْرٍ لَا يَتْبَعُهَا فِيهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ تَكُنْ مُكَاتَبَةً .\rوَمُقْتَضَى قَوْلِ أَصْحَابِنَا الَّذِينَ قَالُوا :","part":24,"page":324},{"id":11824,"text":"تَبْطُلُ كِتَابَتُهَا بِعِتْقِهَا .\rأَنْ يَعُودَ وَلَدُهَا رَقِيقًا .\rوَمُقْتَضَى قَوْلِنَا ، أَنَّهُ يَبْقَى عَلَى حُكْمِ الْكِتَابَةِ ، وَيَعْتِقُ بِالْأَدَاءِ ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ لَمْ يُوجَدْ مَا يُبْطِلُهُ ، وَإِنَّمَا سَقَطَ الْأَدَاءُ عَنْهَا لِحُصُولِ الْحُرِّيَّةِ بِدُونِهِ ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ يَتْبَعُهَا فِي الْكِتَابَةِ ، وَلَا فِي يَدِهَا مَالٌ يَأْخُذُهُ ، لَمْ يَظْهَرْ حُكْمُ بَقَاءِ الْعَقْدِ ، وَلَمْ يَكُنْ فِي بَقَائِهِ فَائِدَةٌ ، فَانْتَفَى لِانْتِفَاءِ فَائِدَتِهِ ، وَفِي مَسْأَلَتِنَا ، فِي بَقَائِهِ فَائِدَةٌ ؛ لِإِفْضَائِهِ إلَى عِتْقِ وَلَدِهَا ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَبْقَى .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يَعْتِقَ بِإِعْتَاقِهَا لِأَنَّهُ جَرَى مَجْرَى إبْرَائِهَا مِنْ مَال الْكِتَابَة .\rوَالْحُكْمُ فِيمَا إذَا أَعْتَقَتْ بِاسْتِيلَادِ أَوْ تَدْبِيرٍ أَوْ تَعْلِيقٍ بِصِفَةِ ، كَالْحُكْمِ فِيمَا إذَا أَعْتَقَهَا ؛ لِأَنَّهَا عَتَقَتْ بِغَيْرِ الْكِتَابَةِ .\rوَإِنْ أَعْتَقَ السَّيِّدُ الْوَلَدَ دُونَهَا ، صَحَّ عِتْقُهُ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا ؛ لِأَنَّهُ مَمْلُوكٌ فَصَحَّ عِتْقُهُ ، كَأُمِّهِ وَلِأَنَّهُ لَوْ أَعْتَقَهُ مَعَهَا لَصَحَّ ، وَمَنْ صَحَّ عِتْقُهُ مَعَ غَيْرِهِ ، صَحَّ مُفْرَدًا ، كَسَائِرِ مَمَالِيكِهِ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : وَقَدْ كَانَ يَجِبُ أَنْ لَا يَنْفُذَ عِتْقُهُ : لِأَنَّ فِيهِ ضَرَرًا بِأُمِّهِ ، بِتَفْوِيتِ كَسْبِهِ عَلَيْهَا ؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ تَسْتَعِينُ بِهِ فِي كِتَابَتِهَا ، وَلَعَلَّ أَحْمَدَ نَفَّذَ عِتْقَهُ تَغْلِيبًا لِلْعِتْقِ .\rوَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَعْتِقُ ، وَمَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي مِنْ الضَّرَرِ لَا يَصِحُّ لَوُجُوهٍ ؛ أَحَدُهَا ، أَنَّ الضَّرَرَ إنَّمَا يَحْصُلُ فِي حَقِّ مَنْ لَهُ كَسْبٌ يَفْضُلُ عَنْ نَفَقَتِهِ ، فَأَمَّا مَنْ لَا كَسْبَ لَهُ ، فَتَخْلِيصُهَا مِنْ نَفَقَتِهِ نَفْعٌ مَحْضٌ ، فَلَا ضَرَرَ فِي إعْتَاقِهِ ؛ لِأَنَّهَا لَا يَفْضُلُ لَهَا مِنْ كَسْبِهِ شَيْءٌ يُنْتَفَعُ بِهِ ، فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ لَا يُقَيِّدَ الْحُكْمَ الَّذِي ذَكَرَهُ بِهَذَا الْقَيْدِ .\rالثَّانِي أَنَّ النَّفْعَ بِكَسْبِهَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ لَهَا ؛ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا تَمْلِكُ إجْبَارَهُ","part":24,"page":325},{"id":11825,"text":"عَلَى الْكَسْبِ ، فَلَمْ يَكُنْ الضَّرَرُ بِفَوَاتِهِ مُعْتَبَرًا فِي حَقِّهَا .\rالثَّالِثُ ، أَنَّ مُطْلَقَ الضَّرَرِ لَا يَكْفِي فِي مَنْعِ الْعِتْقِ الَّذِي تَحَقَّقَ مُقْتَضِيه ، مَا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَصْلٌ يَشْهَدُ بِالِاعْتِبَارِ ، وَلَمْ يَذْكُرْ لَهُ أَصْلًا ، ثُمَّ هُوَ مُلْغًى بِعِتْقِ الْمُفْلِسِ وَالرَّاهِنِ وَسِرَايَةِ الْعِتْقِ إلَى مِلْكِ الشَّرِيكِ ، فَإِنَّهُ يَعْتِقُ مَعَ وُجُودِ الضَّرَرِ بِتَفْوِيتِ الْحَقِّ اللَّازِمِ ، فَهَذَا أَوْلَى .","part":24,"page":326},{"id":11826,"text":"( 8795 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا وَلَدُ وَلَدِهَا فَإِنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ أُمِّهِ ؛ لِأَنَّ وَلَدَ الْمُكَاتَبِ لَا يَتْبَعُهُ ، وَأَمَّا وَلَدُ بِنْتِهَا ، فَهُوَ كَبِنْتِهَا .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا تَسْرِي الْكِتَابَةُ إلَيْهِ ؛ لِأَنَّ السِّرَايَةَ إنَّمَا تَكُونُ مَعَ الِاتِّصَالِ ، وَهَذَا وَلَدٌ مُنْفَصِلٌ ، فَلَا تَسْرِي إلَيْهِ ؛ بِدَلِيلِ أَنَّ وَلَدَ أُمِّ الْوَلَدِ قَبْلَ أَنْ يَسْتَوْلِدَهَا ، لَا يَسْرِي إلَيْهِ الِاسْتِيلَادُ ، وَهَذَا الْوَلَدُ اتَّصَلَ بِأُمِّهِ دُونَ جَدَّتِهِ .\rوَلَنَا أَنَّ ابْنَتَهَا ثَبَتَ لَهَا حُكْمُهَا تَبَعًا ، فَيَجِبُ أَنْ يَثْبُتَ لِابْنَتِهَا حُكْمُهَا تَبَعًا ، كَمَا يَثْبُت حُكْمُ أُمِّهَا ، وَلِأَنَّ الْبِنْتَ تَبِعَتْ أُمَّهَا ، فَيَجِبُ أَنْ يَتْبَعَهَا وَلَدُهَا ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ إتْبَاعَهَا لِأَنَّهَا مَوْجُودَةٌ فِي وَلَدِهَا ، وَلِأَنَّ الْبِنْتَ تَعَلَّقَ بِهَا حَقُّ الْعِتْقِ ، فَيَجِبُ أَنْ يَسْرِيَ إلَى وَلَدِهَا ، كَالْمُكَاتَبَةِ .\rوَهَذَا الْخِلَافُ فِي وَلَدِ الْبِنْتِ التَّابِعَةِ لِأُمِّهَا فِي الْكِتَابَةِ ، فَأَمَّا الْمَوْلُودَةُ قَبْلَ الْكِتَابَةِ ، فَلَا تَدْخُلُ فِي الْكِتَابَةِ ، فَابْنَتُهَا أَوْلَى .","part":24,"page":327},{"id":11827,"text":"( 8796 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : وَيَجُوزُ بَيْعُ الْمُكَاتَبِ وَهَذَا قَوْلُ عَطَاءٍ ، وَالنَّخَعِيِّ ، وَاللَّيْثِ ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ .\rوَهُوَ قَدِيمُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ ، قَالَ : وَلَا وَجْهَ لِقَوْلٍ مَنْ قَالَ : لَا يَجُوزُ .\rوَحَكَى أَبُو الْخَطَّابِ ، عَنْ أَحْمَدَ ، رِوَايَةٌ أُخْرَى ، أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ .\rوَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ ، وَالْجَدِيدُ مِنْ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ يَمْنَعُ اسْتِحْقَاقَ كَسْبِهِ ، فَيَمْنَعُ بِيعَهُ ، كَبَيْعِهِ وَعِتْقِهِ .\rوَقَالَ الزُّهْرِيُّ ، وَأَبُو الزِّنَاد : يَجُوزُ بَيْعُهُ بِرِضَاهُ ، وَلَا يَجُوزُ إذَا لَمْ يَرْضَ .\rوَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ ؛ لِأَنَّ بَرِيرَةَ إنَّمَا بِيعَتْ بِرِضَاهَا وَطَلَبِهَا ، وَلِأَنَّ لِسَيِّدِهِ اسْتِيفَاءَ مَنَافِعِهِ بِرِضَاهُ ، وَلَا يَجُوزُ بِغَيْرِ رِضَاهُ ، كَذَلِكَ بَيْعُهُ .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى عُرْوَةُ ، عَنْ عَائِشَةَ ، أَنَّهَا قَالَتْ : { جَاءَتْ بَرِيرَةُ إلَيَّ ، فَقَالَتْ : يَا عَائِشَةُ ، إنِّي كَاتَبْت أَهْلِي عَلَى تِسْعِ أَوَاقٍ ، فِي كُلِّ عَامٍ أُوقِيَّةٌ ، فَأَعِينِينِي .\rوَلَمْ تَكُنْ قَضَتْ مِنْ كِتَابَتِهَا شَيْئًا ، فَقَالَتْ لَهَا عَائِشَةُ ، وَنَفَسَتْ فِيهَا : ارْجِعِي إلَى أَهْلِك ، إنْ أَحَبُّوا أَنْ أُعْطِيَهُمْ ذَلِكَ جَمِيعًا ، فَعَلْت .\rفَذَهَبَتْ بَرِيرَةُ إلَى أَهْلِهَا ، فَعَرَضَتْ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ ، فَأَبَوْا ، وَقَالُوا : إنْ شَاءَتْ أَنْ تَحْتَسِبَ عَلَيْك فَلْتَفْعَلْ ، وَيَكُونَ وَلَاؤُك لَنَا .\rفَذَكَرَتْ ذَلِكَ عَائِشَةُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : لَا يَمْنَعُك ذَلِكَ مِنْهَا ، ابْتَاعِي وَأَعْتِقِي ، إنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ .\rفَقَامَ رَسُولُ اللَّه فِي النَّاسِ ، فَحَمِدَ اللَّهَ ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، ثُمَّ قَالَ : مَا بَالُ نَاسٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ ، مَنْ اشْتَرَطَ شَرْطًا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّه ، فَهُوَ بَاطِلٌ ، وَإِنْ كَانَ مِائَةَ شَرْطٍ ، قَضَاءُ اللَّهِ أَحَقُّ ، وَشَرْطُهُ أَوْثَقُ ، وَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ .\r} مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : بِيعَتْ بَرِيرَةُ","part":24,"page":328},{"id":11828,"text":"بِعِلْمِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهِيَ مُكَاتَبَةٌ ، وَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ ، فَفِي ذَلِكَ أَبْيَنُ الْبَيَانِ أَنَّ بَيْعَهُ جَائِزٌ ، وَلَا أَعْلَمُ خَبَرًا يُعَارِضُهُ ، وَلَا أَعْلَمُ فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَخْبَارِ دَلِيلًا عَلَى عَجْزِهَا .\rوَتَأَوَّلَهُ الشَّافِعِيُّ عَلَى أَنَّهَا كَانَتْ قَدْ عَجَزَتْ ، وَكَانَ بَيْعُهَا فَسْخًا لِكِتَابَتِهَا .\rوَهَذَا التَّأْوِيلُ بَعِيدٌ يَحْتَاجُ إلَى دَلِيلٍ فِي غَايَةِ الْقُوَّةِ ، وَلَيْسَ فِي الْخَبَرِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ ، بَلْ قَوْلُهَا : أَعِينِينِي عَلَى كِتَابَتِي .\rدَلَالَةٌ عَلَى بَقَائِهَا عَلَى الْكِتَابَةِ ، وَلِأَنَّهَا أَخْبَرَتْهَا أَنَّ نُجُومَهَا فِي كُلِّ عَامٍ أُوقِيَّةٌ ، فَالْعَجْزُ إنَّمَا يَكُونُ بِمُضِيِّ عَامَيْنِ عِنْدَ مَنْ لَا يَرَى الْعَجْزَ إلَّا بِحُلُولِ نَجْمَيْنِ ، أَوْ بِمُضِيِّ عَامٍ عِنْدَ الْآخَرِينَ ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ شِرَاءَ عَائِشَةَ لَهَا كَانَ فِي أَوَّلِ كِتَابَتِهَا ، وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُهُ عَلَى أُمِّ الْوَلَدِ ؛ لِأَنَّ سَبَبَ حُرِّيَّتِهَا مُسْتَقِرٌّ عَلَى وَجْهٍ لَا يُمْكِنُ فَسْخُهُ بِحَالٍ ، فَأَشْبَهَ الْوَقْفَ ، وَالْمُكَاتَبُ يَجُوزُ رَدُّهُ إلَى الرِّقِّ ، وَفَسْخُ كِتَابَتِهِ إذَا عَجَزَ ، فَافْتَرَقَا .\rقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى : وَهَلْ لِلسَّيِّدِ أَنْ يَبِيعَ الْمُكَاتَبَ بِأَكْثَرَ مِمَّا عَلَيْهِ ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ .\rوَلِأَنَّ الْمُكَاتَبَ عَبْدٌ مَمْلُوكٌ لِسَيِّدِهِ ، لَمْ يَتَحَتَّمْ عِتْقُهُ ، فَجَازَ بَيْعُهُ ، كَالْمُعَلَّقِ عِتْقُهُ بِصِفَةٍ ؛ وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ مَمْلُوكٌ ، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { الْمُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ } .\rوَأَنَّ مَوْلَاتَه لَا يَلْزَمُهَا أَنْ تَحْتَجِبَ مِنْهُ ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { إذَا كَانَ لِإِحْدَاكُنَّ مُكَاتَبٌ ، فَمَلَكَ مَا يُؤَدِّي ، فَلْتَحْتَجِبْ مِنْهُ } فَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا لَا تَحْتَجِبُ قَبْلَ ذَلِكَ .\rوَقَدْ رَوَيْنَا فِي هَذَا عَنْ نَبْهَانَ مَوْلَى أُمِّ سَلَمَةَ ، أَنَّهُ قَالَ : قَالَتْ لِي أُمُّ سَلَمَةَ : يَا نَبْهَانُ ، هَلْ عِنْدَك مَا تُؤَدِّي ؟ قُلْت : نَعَمْ .\rفَأَخْرَجَتْ الْحِجَابَ","part":24,"page":329},{"id":11829,"text":"بَيْنِي وَبَيْنَهَا ، وَرَوَتْ هَذَا الْحَدِيثَ .\rقَالَ فَقُلْت : لَا وَاَللَّهِ عِنْدِي مَا أُؤَدِّي ، وَلَا أَنَا بِمُؤَدٍّ .\rوَإِنَّمَا سَقَطَ الْحِجَابُ عَنْهَا مِنْهُ ؛ لِكَوْنِهِ مَمْلُوكَهَا ، وَلِأَنَّهُ يَصِحُّ عِتْقُهُ ، وَلَا يَصِحُّ عِتْقُ مَنْ لَيْسَ بِمَمْلُوكٍ ، وَيَرْجِعُ عِنْدَ الْعَجْزِ إلَى كَوْنِهِ قِنًّا ، وَلَوْ صَارَ حُرًّا ، مَا عَادَ إلَى الرِّقِّ ، وَيُفَارِقُ إعْتَاقَهُ ؛ لِأَنَّهُ يُزِيلُ الرِّقَّ بِالْكُلِّيَّةِ ، وَلَيْسَ بِعَقْدٍ ، وَإِنَّمَا هُوَ إسْقَاطٌ لِلْمِلْكِ فِيهِ ، وَأَمَّا بَيْعُهُ ، فَلَا يُمْنَعُ مَالِكُهُ بَيْعَهُ ، وَأَمَّا الْبَائِعُ ، فَلَمْ يَبْقَ لَهُ فِيهِ مِلْكٌ ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا .","part":24,"page":330},{"id":11830,"text":"( 8797 ) فَصْلٌ : وَتَجُوزُ هِبَتُهُ ، وَالْوَصِيَّةُ بِهِ ، وَنَقْلُ الْمِلْكِ فِيهِ ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى بَيْعِهِ .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ مَنَعَ هِبَتَهُ ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ إنَّمَا وَرَدَ بِبَيْعِهِ .\rوَالصَّحِيحُ جَوَازُهَا ؛ لِأَنَّ مَا كَانَ فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ ، ثَبَتَ الْحُكْمُ فِيهِ .","part":24,"page":331},{"id":11831,"text":"( 8798 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : وَمُشْتَرِيه يَقُومُ فِيهِ مَقَامَ الْمُكَاتِبِ ، فَإِذَا أَدَّى ، صَارَ حُرًّا .\rوَوَلَاؤُهُ لِمُشْتَرِيهِ ، فَإِنْ لَمْ يُبَيِّنْ الْبَائِعُ لِلْمُشْتَرِي أَنَّهُ مُكَاتَبٌ ، فَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يَرْجِعَ فِي الثَّمَنِ ، أَوْ يَأْخُذَ مَا بَيَّنَهُ سَلِيمًا وَمُكَاتَبًا وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْكِتَابَةَ لَا تَنْفَسِخُ بِالْبَيْعِ ، وَلَا يَجُوزُ إبْطَالُهَا .\rلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا .\rقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ، أَنَّ بَيْعَ السَّيِّدِ مُكَاتَبَهُ عَلَى أَنْ يُبْطِلَ كِتَابَتَهُ بِبَيْعِهِ ، إذَا كَانَ مَاضِيًا فِيهَا ، مُؤَدِّيًا مَا يَجِبُ عَلَيْهِ مِنْ نُجُومِهِ فِي أَوْقَاتِهَا ، غَيْرُ جَائِزٍ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهَا عَقْدٌ لَازِمٌ ، فَلَا تَبْطُلُ بِبَيْعِ ، الْعَبْدِ ، كَإِجَارَتِهِ وَنِكَاحِهِ ، وَيَبْقَى عَلَى كِتَابَتِهِ عِنْدَ الْمُشْتَرِي وَعَلَى نُجُومِهِ ، كَمَا لَوْ كَانَ عِنْدَ الْبَائِعِ مُبْقًى عَلَى مَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ كِتَابَتِهِ ، وَيُؤَدِّي إلَى الْمُشْتَرِي ، كَمَا كَانَ يُؤَدِّي إلَى الْبَائِعِ ، فَإِنْ عَجَزَ ، فَهُوَ عَبْدٌ لِمُشْتَرِيهِ ؛ لِأَنَّهُ صَارَ سَيِّدَهُ ، وَإِنْ أَدَّى ، عَتَقَ ، وَوَلَاؤُهُ لِمُشْتَرِيهِ ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْمُكَاتِبِ فِيهِ انْتَقَلَ إلَى الْمُشْتَرِي ، فَصَارَ الْمُشْتَرِي هُوَ الْمُعْتِقَ ؛ وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَائِشَةَ : { ابْتَاعِي ، وَأَعْتِقِي ، فَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ } .\rوَلَمَّا أَرَادَ أَهْلُهَا اشْتِرَاطَ وَلَائِهَا ، أَنْكَرَ ذَلِكَ ، وَأَخْبَرَ بِبُطْلَانِهِ .\rوَإِذَا لَمْ يَعْلَمْ الْمُشْتَرِي كَوْنَهُ مُكَاتَبًا ، ثُمَّ عَلِمَ ذَلِكَ ، فَلَهُ فَسْخُ الْبَيْعِ ، أَوْ أَخْذُ الْأَرْشِ ؛ لِأَنَّ الْكِتَابَةَ عَيْبٌ ، لِكَوْنِ الْمُشْتَرِي لَا يَقْدِرُ عَلَى التَّصَرُّفِ فِيهِ ، وَلَا يَسْتَحِقُّ كَسْبَهُ ، وَلَا اسْتِخْدَامَهُ ، وَلَا الْوَطْءَ إنْ كَانَتْ أَمَةً ، وَقَدْ انْعَقَدَ سَبَبُ زَوَالِ الْمِلْكِ فِيهِ ، فَيَمْلِكُ الْفَسْخَ بِذَلِكَ ، كَمُشْتَرِي الْأَمَةِ الْمُزَوَّجَةِ أَوْ الْمَعِيبَةِ ، فَيَتَخَيَّرُ حِينَئِذٍ بَيْنَ","part":24,"page":332},{"id":11832,"text":"فَسْخِ الْبَيْعِ وَالرُّجُوعِ بِالثَّمَنِ ، وَبَيْنَ إمْسَاكِهِ وَأَخْذِ الْأَرْشِ ، وَهُوَ قِسْطُ مَا بَيْنَهُ مُكَاتَبًا وَبَيْنَهُ رَقِيقًا قِنًّا ، فَيُقَالُ : كَمْ قِيمَتُهُ مُكَاتَبًا ، وَكَمْ قِيمَتُهُ لَوْ كَانَ غَيْرَ مُكَاتَبٍ ؟ فَإِذَا قِيلَ : قِيمَتُهُ مُكَاتَبًا مِائَةٌ ، وَقِيمَتُهُ غَيْرَ مُكَاتَبٍ مِائَةٌ وَخَمْسُونَ .\rوَالثَّمَنُ مِائَةٌ وَعِشْرُونَ ، فَقَدْ نَقَصَتْهُ الْكِتَابَةُ ثُلُثَ قِيمَتِهِ ، فَيَرْجِعُ بِثُلُثِ ثَمَنِهِ ، وَهُوَ أَرْبَعُونَ ، وَلَا يَرْجِعُ بِالْخَمْسِينَ الَّتِي نَقَصَتْ بِالْكِتَابَةِ مِنْ قِيمَتِهِ ، عَلَى مَا قُرِّرَ فِي الْبَيْعِ .","part":24,"page":333},{"id":11833,"text":"( 8799 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا بَيْعُ الدَّيْنِ الَّذِي عَلَى الْمُكَاتَبِ مِنْ نُجُومِهِ ، فَلَا يَصِحُّ .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ .\rوَقَالَ عَطَاءٌ ، وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ ، وَمَالِكٌ : يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ السَّيِّدَ يَمْلِكُهَا فِي ذِمَّةِ الْمُكَاتَبِ ، فَجَازَ بَيْعُهَا ، كَسَائِرِ أَمْوَالِهِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ دَيْنٌ غَيْرُ مُسْتَقِرٍّ ، فَلَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ ، كَدَيْنِ السَّلَمِ ، وَدَلِيلُ عَدَمِ الِاسْتِقْرَارِ ، أَنَّهُ مُعَرَّضٌ لِلسُّقُوطِ بِعَجْزِ الْمُكَاتَبِ ، وَلِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ السَّيِّدُ إجْبَارَ الْعَبْدِ عَلَى أَدَائِهِ ، وَلَا إلْزَامِهِ بِتَحْصِيلِهِ ، فَلَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ ، كَالْعِدَّةِ بِالتَّبَرُّعِ ، وَلِأَنَّهُ غَيْرُ مَقْبُوضٍ ، وَقَدْ نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعِ مَا لَمْ يُقْبَضْ فَإِنْ بَاعَهُ ، فَالْبَيْعُ بَاطِلٌ ، وَلَيْسَ لِلْمُشْتَرِي مُطَالَبَةُ الْمُكَاتَبِ بِتَسْلِيمِهِ إلَيْهِ ، وَلَا الرُّجُوعُ بِالثَّمَنِ عَلَى الْبَائِعِ ، إنْ كَانَ دَفَعَهُ إلَيْهِ .\rفَإِنْ سَلَّمَ الْمُكَاتَبُ إلَى الْمُشْتَرِي نُجُومَهُ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، يَعْتِقُ ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ تَضَمَّنَ الْإِذْنَ فِي الْقَبْضِ ، فَأَشْبَهَ قَبْضَ الْوَكِيلِ .\rوَالثَّانِي ، لَا يَعْتِقُ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَنِبْهُ فِي الْقَبْضِ ، وَإِنَّمَا قَبَضَ لِنَفْسِهِ بِحُكْمِ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ ، فَكَانَ الْقَبْضُ أَيْضًا فَاسِدًا ، وَلَمْ يَعْتِقْ ، بِخِلَافِ وَكِيلِهِ ، فَإِنَّهُ اسْتَنَابَهُ .\rوَلَوْ صَرَّحَ بِالْإِذْنِ فَلَيْسَ بِمُسْتَنِيبٍ لَهُ فِي الْقَبْضِ ، وَإِنَّمَا إذْنُهُ بِحُكْمِ الْمُعَاوَضَةِ ، فَلَا فَرْقَ بَيْن التَّصْرِيحِ وَعَدَمِهِ .\rفَإِنْ قُلْنَا : يَعْتِقُ بِالْأَدَاءِ بَرِئَ الْمُكَاتَبُ مِنْ مَالِ الْكِتَابَةِ ، وَيَرْجِعُ السَّيِّدُ عَلَى الْمُشْتَرِي بِمَا قَبَضَهُ ؛ لِأَنَّهُ كَالنَّائِبِ عَنْهُ .\rفَإِنْ كَانَ مِنْ جِنْسِ الثَّمَنِ ، وَكَانَ قَدْ تَلِفَ ، تَقَاصَّا بِقَدْرِ أَقَلِّهِمَا ، وَرَجَعَ ذُو الْفَضْلِ بِفَضْلِهِ .\rوَإِنْ قُلْنَا : لَا يَعْتِقُ بِذَلِكَ .\rفَمَالُ الْكِتَابَةِ بَاقٍ عَلَى الْمُكَاتَبِ ، وَيَرْجِعُ الْمُكَاتَبُ عَلَى","part":24,"page":334},{"id":11834,"text":"الْمُشْتَرِي بِمَا دَفَعَهُ إلَيْهِ ، وَيَرْجِعُ الْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ .\rفَإِنْ سَلَّمَهُ الْمُشْتَرِي إلَى الْبَائِعِ ، لَمْ يَصِحَّ التَّسْلِيمُ ؛ لِأَنَّهُ قَبَضَهُ بِغَيْرِ إذْنِ الْمُكَاتَبِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَخَذَهُ مِنْ مَالِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ .\rفَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ مَالِ الْكِتَابَةِ تَرَاجَعَا بِمَا لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى الْآخَرِ .\rوَإِنْ بَاعَهُ مَا أَخَذَهُ بِمَالِهِ فِي ذِمَّتِهِ ، وَكَانَ مِمَّا يَجُوزُ الْبَيْعُ فِيهِ ، جَازَ إذَا كَانَ مَا قَبَضَهُ السَّيِّدُ ، بَاقِيًا ، وَإِنْ كَانَ قَدْ تَلِفَ ، وَوَجَبَتْ قِيمَتُهُ ، وَكَانَتْ مِنْ جِنْسِ مَالِ الْكِتَابَةِ ، تَقَاصَّا ، وَإِنْ كَانَ الْمَقْبُوضُ مِنْ جِنْسِ مَالِ الْكِتَابَةِ ، فَتَحَاسَبَا بِهِ ، جَازَ .","part":24,"page":335},{"id":11835,"text":"( 8800 ) فَصْلٌ : وَإِذَا كَانَتْ الْمُكَاتَبَةُ ذَاتَ وَلَدٍ يَتْبَعُهَا فِي الْكِتَابَةِ ، فَبَاعَهُمَا مَعًا ، صَحَّ ؛ لِأَنَّهُمَا مِلْكُهُ ، وَلَا مَانِعَ مِنْ بَيْعِهِمَا ، وَيَكُونَانِ عِنْدَ الْمُشْتَرِي ، كَمَا كَانَا عِنْدَ الْبَائِعِ ، سَوَاءً .\rوَإِنْ بَاعَ أَحَدُهُمَا دُونَ صَاحِبِهِ ، أَوْ بَاعَ أَحَدُهُمَا لَرَجُلٍ ، وَبَاعَ الْآخَرُ لِغَيْرِهِ ، لَمْ يَصِحَّ ، لِوَجْهَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، أَنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّفْرِيقُ بَيْنَ الْأُمِّ وَوَلَدِهَا فِي الْبَيْعِ إلَّا بَعْدَ الْبُلُوغِ .\rفِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ .\rوَالثَّانِي ، أَنَّ الْوَلَدَ تَابِعٌ لِأُمِّهِ ، وَلَهَا كَسْبُهُ ، وَعَلَيْهَا نَفَقَتُهُ ، وَصَارَ فِي مَعْنَى مَمْلُوكِهَا ، فَلَمْ يَجُزْ التَّفْرِيقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يَجُوزَ ذَلِكَ إذَا كَانَ بَالِغًا ؛ لِأَنَّهُ مَحَلٌّ لِلْبَيْعِ ، صَدَرَ فِيهِ التَّصَرُّفُ مِنْ أَهْلِهِ ، وَيَكُونُ عِنْدَ مَنْ هُوَ عِنْدَهُ ، عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ قَبْلَ بَيْعِهِ ، لَهَا كَسْبُهُ ، وَأَرْشُ الْجِنَايَةِ عَلَيْهِ ، وَعَلَيْهَا نَفَقَتُهُ ، وَيَعْتِقُ بِعِتْقِهَا ، كَمَا لَوْ بِيعَ .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":24,"page":336},{"id":11836,"text":"( 8801 ) فَصْلٌ : وَإِنْ وَصَّى بِالْمُكَاتَبِ لَرَجُلٍ ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : قَالَ أَحْمَدُ الْوَصِيَّةُ بِهِ جَائِزَةٌ ؛ لِأَنَّهُ يَرَى بَيْعَهُ ، وَكَذَلِكَ هِبَتَهُ ، وَيَقُومُ مَنْ انْتَقَلَ إلَيْهِ مَقَامَ مُكَاتِبِهِ فِي الْأَدَاءِ إلَيْهِ ، وَإِنْ عَجَزَ ، عَادَ إلَيْهِ رَقِيقًا لَهُ قِنًّا ، وَإِنْ عَتَقَ ، فَالْوَلَاءُ لَهُ ، كَمَا ذَكَرْنَا فِي الْمُشْتَرِي ، سَوَاءٌ ، فَإِنْ عَجَزَ فِي حَيَاةِ الْمُوصِي ، لَمْ تَبْطُلْ الْوَصِيَّةُ ؛ لِأَنَّ رِقَّهُ لَا يُنَافِي الْوَصِيَّةَ .\rوَإِنْ أَدَّى وَعَتَقَ فِي حَيَاةِ الْمُوصِي ، بَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ .\rوَمَنْ مَنَعَ بَيْعَ الْمُكَاتَبِ ، مَنَعَ الْوَصِيَّةَ فِيهِ ، وَهِبَتَهُ .\rفَإِنْ قَالَ : إنْ عَجَزَ وَرَقَّ ، فَهُوَ لَك بَعْدَ مَوْتِي .\rصَحَّتْ الْوَصِيَّةُ ، إذَا عَجَزَ فِي حَيَاةِ الْمُوصِي ، وَإِنْ عَجَزَ بَعْدَ مَوْتِهِ ، لَمْ يَسْتَحِقَّهُ ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ بَطَلَ بِمَوْتِهِ ، كَمَا لَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ : إنْ دَخَلْت الدَّارَ ، فَأَنْتَ حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِي .\rفَلَمْ يَدْخُلْهَا حَتَّى مَاتَ سَيِّدُهُ .\rوَإِنْ قَالَ : إنْ عَجَزْت بَعْدَ مَوْتِي ، فَهُوَ لَك .\rفَهَذَا تَعْلِيقٌ لِلْوَصِيَّةِ عَلَى صِفَةٍ ، تُوجَدُ بَعْدَ الْمَوْتِ .\rوَقَدْ ذَكَرْنَا فِي صِحَّتِهَا وَجْهَيْنِ .","part":24,"page":337},{"id":11837,"text":"( 8802 ) فَصْلٌ : وَإِنْ وَصَّى بِكِتَابَتِهِ لِرَجُلٍ ، صَحَّتْ الْوَصِيَّةُ ؛ لِأَنَّهَا تَصِحُّ بِمَا لَيْسَ بِمُسْتَقِرٍّ ، كَمَا تَصِحُّ بِمَا لَا يَمْلِكُهُ فِي الْحَالِ ؛ مِنْ ثَمَرَةِ شَجَرَةٍ ، وَحَمْلِ جَارِيَتِهِ .\rوَلِلْمُوصَى لَهُ أَنْ يَسْتَوْفِيَ الْمَالَ عِنْدَ حُلُولِهِ ، وَلَهُ أَنْ يُبْرِئَ مِنْهُ ؛ فَإِذَا اسْتَوْفَاهُ ، أَوْ أَبْرَأَهُ مِنْهُ ، عَتَقَ الْمُكَاتَبُ ، وَالْوَلَاءُ لِسَيِّدِهِ ؛ لِأَنَّهُ الْمُنْعِمُ عَلَيْهِ ، وَإِنْ عَجَزَ الْمُكَاتَبُ ، فَأَرَادَ الْوَارِثُ تَعْجِيزَهُ ، وَأَرَادَ الْمُوصَى لَهُ إنْظَارَهُ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْوَارِثِ ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْمُوصَى لَهُ فِي الْمَالِ مَا دَامَ الْعَقْدُ قَائِمًا ، وَحَقُّ الْوَارِثِ مُتَعَلِّقٌ بِهِ ، إذَا عَجَزَهُ يَرُدُّهُ فِي الرِّقِّ ، وَلَيْسَ لِلْمُوصَى لَهُ إبْطَالُ حَقِّ الْوَارِثِ مِنْ تَعْجِيزِهِ .\rوَإِنْ أَرَادَ الْوَارِثُ إنْظَارَهُ ، وَأَرَادَ الْمُوصَى لَهُ تَعْجِيزَهُ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ فِي التَّعْجِيزِ وَالْفَسْخِ لِلْوَارِثِ ، وَلَا حَقَّ لِلْمُوصَى لَهُ فِي ذَلِكَ ، وَلَا بَيْعَ ؛ لِأَنَّ حَقَّهُ يَسْقُطُ بِهِ .\rوَمَتَى عَجَزَ ، عَادَ عَبْدًا لِلْوَرَثَةِ .\rوَإِنْ وَصَّى لَرَجُلٍ بِمَا تَعَجَّلَهُ الْمُكَاتَبُ ، صَحَّ ؛ لِأَنَّهَا وَصِيَّةٌ بِصِفَةٍ ، فَإِنْ عَجَّلَ شَيْئًا ، فَهُوَ لِلْمُوصَى لَهُ ، وَإِنْ لَمْ يُعَجِّلْ شَيْئًا حَتَّى حَلَّتْ نُجُومُهُ ، بَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ .","part":24,"page":338},{"id":11838,"text":"( 8803 ) فَصْلٌ : وَإِنْ وَصَّى بِمَالِ الْكِتَابَةِ لَرَجُلٍ ، وَبِرَقَبَتِهِ لِآخَرَ ، صَحَّتْ الْوَصِيَّتَانِ ؛ فَإِنْ أَدَّى إلَى صَاحِبِ الْمَالِ ، أَوْ أَبْرَأَهُ مِنْهُ ، عَتَقَ .\rقَالَ أَصْحَابُنَا : وَتَبْطُلُ وَصِيَّةُ صَاحِبِ الرَّقَبَةِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا تَبْطُلَ ، وَيَكُونَ الْوَلَاءُ لَهُ ؛ لِأَنَّهُ أَقَامَهُ مَقَامَ نَفْسِهِ فِي اسْتِحْقَاقِ الرَّقَبَةِ ، وَلَوْ لَمْ يُوصِ بِهَا لَكَانَ الْوَلَاءُ لَهُ ، فَإِذَا وَصَّى بِهَا كَانَ الْوَلَاءُ لِمَنْ وَصَّى لَهُ بِهَا ، وَلِأَنَّهُ لَوْ وَصَّى لَهُ بِالْمُكَاتَبِ مُطْلَقًا ، لَكَانَ الْوَلَاءُ لَهُ ، فَكَذَلِكَ إذَا وَصَّى بِرَقَبَتِهِ ؛ لِأَنَّ الْوَلَاءَ يُسْتَفَادُ مِنْ الْوَصِيَّةِ بِالرَّقَبَةِ دُونَ الْوَصِيَّةِ بِالْمَالِ .\rوَإِنْ عَجَزَ ، فَسَخَ صَاحِبُ الرَّقَبَةِ كِتَابَتَهُ ، وَكَانَ رَقِيقًا لَهُ ، وَبَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ بِالْمَالِ .\rوَإِنْ كَانَ صَاحِبُ الْمَالِ قَدْ قَبَضَ مِنْ كِتَابَتِهِ شَيْئًا ، فَهُوَ لَهُ .\rوَإِنْ اخْتَلَفَا فِي فَسْخِ الْكِتَابَةِ عِنْدَ الْعَجْزِ قُدِّمَ قَوْلُ صَاحِبِ الرَّقَبَةِ ؛ لِأَنَّهُ يَقُومُ مَقَامَ الْوَرَثَةِ ، عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ فِيمَا تَقَدَّمَ .\rوَقِيَاسُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ، أَنَّهُ لَوْ وَصَّى لَرَجُلٍ بِرَقَبَةِ الْمُكَاتَبِ دُونَ مَالِ الْكِتَابَةِ ، أَنَّهُ لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ بِالرَّقَبَةِ دُونَ الْمَالِ صَحِيحَةٌ ، فِيمَا إذَا وَصَّى بِهَا لَرَجُلٍ وَحْدَهُ ، وَأَوْصَى بِالْمَالِ لِآخَرَ .","part":24,"page":339},{"id":11839,"text":"( 8804 ) فَصْلٌ : وَإِذَا كَانَتْ الْكِتَابَةُ فَاسِدَةً ، فَأَوْصَى لَرَجُلٍ بِمَا فِي ذِمَّةِ الْمُكَاتَبِ ، لَمْ تَصِحَّ الْوَصِيَّةُ ؛ لِأَنَّهُ لَا شَيْءَ فِي ذِمَّتِهِ .\rوَإِنْ قَالَ : وَصَّيْت لَك بِمَا أَقْبِضُهُ مِنْ مَالِ الْكِتَابَةِ .\rصَحَّ ؛ لِأَنَّ الْكِتَابَةَ الْفَاسِدَةَ يُؤَدَّى فِيهَا الْمَالُ ، كَمَا يُؤَدَّى فِي الصَّحِيحَةِ .\rوَإِنْ وَصَّى بِرَقَبَةِ الْمُكَاتَبِ ، صَحَّ ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ بِرَقَبَةِ الْمُكَاتَبِ تَصِحُّ فِي الْكِتَابَةِ الصَّحِيحَةِ ، فَفِي الْفَاسِدَةِ أُولَى .","part":24,"page":340},{"id":11840,"text":"( 8805 ) فَصْلٌ : وَتَصِحُّ الْوَصِيَّةُ لِمُكَاتَبِهِ ؛ لِأَنَّهُ مَعَ سَيِّدِهِ فِي الْمُعَامَلَةِ كَالْأَجْنَبِيِّ ، وَلِذَلِكَ جَازَ أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ زَكَاتَهُ .\rفَإِنْ قَالَ : ضَعُوا عَنْ مُكَاتَبِي بَعْضَ كِتَابَتِهِ ، أَوْ بَعْضَ مَا عَلَيْهِ وَضَعُوا مَا شَاءُوا ، قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا ، مِنْ أَوَّلِ نُجُومِهِ أَوْ مِنْ آخِرِهَا .\rوَإِنْ قَالَ : ضَعُوا عَنْهُ نَجْمًا مِنْ نُجُومِهِ .\rفَلَهُمْ أَنْ يَضَعُوا أَيَّ نَجْمٍ شَاءُوا ، كَمَا لَوْ قَالَ : ضَعُوا أَيَّ نَجْمٍ شِئْتُمْ .\rوَسَوَاءٌ كَانَتْ نُجُومُهُ مُتَّفِقَةً أَوْ مُخْتَلِفَةً ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ يَتَنَاوَلُ وَاحِدًا مِنْهَا غَيْرُ مُعَيَّنٍ .\rوَإِنْ قَالَ : ضَعُوا عَنْهُ أَيَّ نَجْمٍ شَاءَ .\rكَانَ ذَلِكَ إلَى مَشِيئَتِهِ ، فَيَلْزَمُهُمْ وَضْعُ النَّجْمِ الَّذِي يَخْتَارُ وَضْعَهُ ؛ لِأَنَّ سَيِّدَهُ جَعَلَ الْمَشِيئَةَ لَهُ .\rوَإِنْ قَالَ : ضَعُوا عَنْهُ أَكْبَرَ نُجُومِهِ .\rلَزِمَهُمْ أَنْ يَضَعُوا أَكْبَرَهَا مَالًا ؛ لِأَنَّهُ أَكْبَرُهَا قَدْرًا .\rوَإِنْ قَالَ : ضَعُوا عَنْهُ أَكْثَرَ نُجُومِهِ .\rلَزِمَهُمْ أَنْ يَضَعُوا عَنْهُ أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِهَا ؛ لِأَنَّ أَكْثَرَ الشَّيْءِ يَزِيدُ عَلَى نِصْفِهِ ، فَإِذَا كَانَتْ نُجُومُهُ خَمْسَةً ، وَضَعُوا ثَلَاثَةً ، وَإِنْ كَانَتْ سِتَّةً ، وَضَعُوا أَرْبَعَةً .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يَنْصَرِفَ ذَلِكَ إلَى وَاحِدٍ مِنْهَا أَكْبَرُهَا مَالًا ، بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ : أَكْبَرَ نُجُومِهِ .\rفَإِنْ كَانَتْ نُجُومُهُ مُتَسَاوِيَةً ، تَعَيَّنَ الِاحْتِمَالُ الْأَوَّلُ .\rوَإِنْ قَالَ : ضَعُوا عَنْهُ أَوْسَطَ نُجُومِهِ .\rفَلَمْ يَكُنْ فِيهَا إلَّا وَسَطٌ وَاحِدٌ ، تَعَيَّنَتْ الْوَصِيَّةُ فِيهِ ، مِثْلَ أَنْ تَكُونَ نُجُومُهُ مُتَسَاوِيَةَ الْقَدْرِ وَالْأَجَلِ ، وَعَدَدُهَا مُنْفَرِدٌ ، فَيَتَعَيَّنُ وَضْعُ أَوْسَطِهَا عَدَدًا ، فَإِذَا كَانَتْ خَمْسَةً ، فَالْأَوْسَطُ الثَّالِثُ ، وَإِنْ كَانَتْ سَبْعَةً ، فَالْأَوْسَطُ الرَّابِعُ ، وَإِنْ كَانَ عَدَدُهَا مُزْدَوَجًا ، وَهِيَ مُخْتَلِفَةُ الْمِقْدَارِ ، فَبَعْضُهَا مِائَةٌ ، وَبَعْضُهَا مِائَتَانِ ، وَبَعْضُهَا ثَلَاثُمِائَةٍ ، فَأَوْسَطُهَا الْمِائَتَانِ ، فَتَعَيَّنَ الْوَصِيَّةُ فِيهِ ؛","part":24,"page":341},{"id":11841,"text":"لِأَنَّهُ أَوْسَطُهَا .\rوَإِنْ كَانَتْ مُتَسَاوِيَةَ الْقَدْرِ ، مُخْتَلِفَةَ الْأَجَلِ ، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ اثْنَانِ مِنْهَا إلَى شَهْرٍ ، وَوَاحِدٌ إلَى شَهْرَيْنِ ، وَوَاحِدٌ إلَى ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ ، تَعَيَّنَتْ الْوَصِيَّةُ فِيمَا هُوَ إلَى شَهْرَيْنِ ، لِأَنَّهَا أَوْسَطُهَا .\rوَإِنْ اتَّفَقَتْ هَذِهِ الْمَعَانِي الثَّلَاثَةُ فِي وَاحِدٍ ، تَعَيَّنَتْ فِيهِ .\rوَإِنْ كَانَ لَهَا أَوْسَطُ فِي الْقَدْرِ ، وَأَوْسَطُ فِي الْأَجَلِ ، وَأَوْسَطُ فِي الْعَدَدِ ، يُخَالِفُ بَعْضُهَا بَعْضًا ، فَذَلِكَ إلَى اخْتِيَارِ الْوَرَثَةِ ، فَلَهُمْ وَضْعُ مَا شَاءُوا مِنْهَا .\rوَإِنْ اخْتَلَفَ الْوَرَثَةُ وَالْمُكَاتَبُ ، فِيمَا أَرَادَ الْمُوصِي مِنْهَا فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْوَرَثَةِ مَعَ أَيْمَانِهِمْ أَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ مَا أَرَادَ الْمُوصِي ، ثُمَّ التَّعْيِينُ إلَيْهِمْ .\rوَمَتَى كَانَ فِيهَا أَوْسَطَانِ ، عَيَّنَ الْوَرَثَةُ أَحَدَهُمَا .\rوَمَتَى كَانَ الْعَدَدُ وِتْرًا ، فَأَوْسَطُهُ وَاحِدٌ .\rوَإِنْ كَانَ شَفْعًا ، كَأَرْبَعَةٍ وَسِتَّةٍ ، فَأَوْسَطُهُ اثْنَانِ .\rوَهَكَذَا الْقَوْلُ فِيمَا إذَا وَصَّى بِأَوْسَطِ نُجُومِهِ .\rوَإِنْ قَالَ : ضَعُوا عَنْهُ مَا خَفَّ .\rأَوْ قَالَ : مَا يَثْقُلُ ، أَوْ مَا يَكْثُرُ .\rكَانَ ذَلِكَ إلَى تَقْدِيرِ الْوَرَثَةِ ؛ لِأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ يَخِفُّ إلَى جَنْبِ مَا هُوَ أَخَفُّ مِنْهُ ، كَمَا قَالَ أَصْحَابُنَا فِيمَا إذَا وَصَّى بِمَالٍ عَظِيمٍ ، أَوْ كَثِيرٍ ، أَوْ ثَقِيلٍ ، أَوْ خَفِيفٍ .\rوَإِنْ قَالَ : ضَعُوا عَنْهُ أَكْثَرَ مَا عَلَيْهِ .\rوُضِعَ عَنْهُ النِّصْفُ ، وَأَدْنَى زِيَادَةٍ .\rوَإِنْ قَالَ : ضَعُوا عَنْهُ أَكْثَرَ مَا عَلَيْهِ ، وَمِثْلَ نِصْفِهِ .\rفَذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعٍ ، وَأَدْنَى زِيَادَةٍ .\rوَإِنْ قَالَ : ضَعُوا عَنْهُ أَكْثَرَ مَا عَلَيْهِ ، وَمِثْلَهُ .\rفَذَلِكَ الْكِتَابَةُ كُلُّهَا ، وَزِيَادَةٌ عَلَيْهَا ، فَيَصِحُّ فِي الْكِتَابَةِ ، وَيَبْطُلُ فِي الزِّيَادَةِ ؛ لِعَدَمِ مَحَلِّهَا .\rوَإِنْ قَالَ : ضَعُوا عَنْهُ مَا شَاءَ .\rفَشَاءَ وَضْعَ كُلِّ مَا عَلَيْهِ ، وُضِعَ مَا عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ وَصِيَّتَهُ تَتَنَاوَلُهُ .\rوَإِنْ قَالَ : ضَعُوا عَنْهُ مَا شَاءَ مِنْ مَالِ الْكِتَابَةِ .\rلَمْ يَكُنْ لَهُ","part":24,"page":342},{"id":11842,"text":"وَضْعُ الْكُلِّ ؛ لِأَنَّ \" مِنْ \" لِلتَّبْعِيضِ ، فَلَا تَتَنَاوَلُ الْجَمِيعَ .\rوَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فِي هَذَا الْفَصْلِ كُلِّهِ كَنَحْوِ مَا ذَكَرْنَاهُ .","part":24,"page":343},{"id":11843,"text":"( 8806 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : وَإِذَا اشْتَرَى الْمُكَاتَبُ أَبَاهُ ، أَوْ ذَا رَحِمِهِ مِنْ الْمُحَرَّمِ عَلَيْهِ نِكَاحُهُ ، لَمْ يَعْتِقُوا حَتَّى يُؤَدِّيَ وَهُمْ فِي مِلْكِهِ ، فَإِنْ عَجَزَ ، فَهُمْ عَبِيدٌ لِسَيِّدِهِ الْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي فَصْلَيْنِ : ( 8807 ) الْفَصْلُ الْأَوَّلُ ، أَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْ ذَوِي أَرْحَامِهِ مَنْ يَعْتِقُ عَلَيْهِ ، بِغَيْرِ إذْنِ .\rسَيِّدِهِ .\rوَهَذَا قَوْلُ الثَّوْرِيِّ ، وَإِسْحَاقَ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ يُؤَدِّي إلَى إتْلَافِ مَالِهِ ، لِأَنَّهُ يُخْرِجُ مِنْ مَالِهِ مَا يَجُوزُ لَهُ التَّصَرُّفُ فِيهِ ، فِي مُقَابَلَةِ مَا لَا يَجُوزُ لَهُ التَّصَرُّفُ فِيهِ ، فَأَشْبَهَ الْهِبَةَ .\rفَإِنْ أَذِنَ لَهُ سَيِّدُهُ فِيهِ ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : يَجُوزُ .\rقَوْلًا وَاحِدًا .\rوَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ؛ لِأَنَّ الْمَنْعَ لِحَقِّ سَيِّدِهِ ، فَجَازَ بِإِذْنِهِ .\rوَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : فِيهِ قَوْلَانِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ اشْتَرَى مَمْلُوكًا لَا ضَرَرَ فِي شِرَائِهِ ، فَصَحَّ ، كَالْأَجْنَبِيِّ ، وَبَيَانُهُ أَنَّهُ يَأْخُذُ كَسْبَهُمْ ، وَإِنْ عَجَزَ صَارُوا رَقِيقًا لِسَيِّدِهِ ، وَلِأَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يَشْتَرِيَهُ غَيْرُهُ ، فَصَحَّ شِرَاؤُهُ لَهُ ، كَالْأَجْنَبِيِّ ، وَيُفَارِقُ الْهِبَةَ ؛ لِأَنَّهَا تُفَوِّتُ الْمَالَ بِغَيْرِ عِوَضٍ ، وَلَا نَفْعٍ يَرْجِعُ إلَى الْمُكَاتَبِ وَلَا السَّيِّدِ ، وَلِأَنَّهُ تَحَقَّقَ السَّبَبُ ، وَهُوَ صُدُورُ التَّصَرُّفِ مِنْ أَهْلِهِ فِي مَحَلِّهِ ، وَلَمْ يَتَحَقَّقْ الْمَانِعُ ؛ لِأَنَّ مَا ذَكَرُوهُ لَا نَصَّ فِيهِ ، وَلَا أَصْلَ لَهُ يُقَاسُ عَلَيْهِ .\r( 8808 ) الْفَصْلُ الثَّانِي : أَنَّهُمْ لَا يَعْتِقُونَ بِمُجَرَّدِ مِلْكِهِ لَهُمْ لِأَنَّهُ لَوْ بَاشَرَهُمْ بِالْعِتْقِ ، أَوْ أَعْتَقَ غَيْرَهُمْ ، لَمْ يَقَعْ الْعِتْقُ فَلَا يَقَعُ بِالشِّرَاءِ الَّذِي أُقِيمَ مَقَامَهُ .\rوَلَا يَجُوزُ لَهُ بَيْعُهُمْ ، وَلَا هِبَتُهُمْ ، وَلَا إخْرَاجُهُمْ عَنْ مِلْكِهِ .\rوَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ : لَهُ بَيْعُ مَنْ عَدَا الْمَوْلُودِينَ وَالْوَالِدِينَ لِأَنَّهُمْ لَيْسَتْ قَرَابَتُهُمْ قَرَابَةَ","part":24,"page":344},{"id":11844,"text":"حُرِّيَّةٍ وَلَا تَعْصِيبِيَّةٍ فَأَشْبَهُوا الْأَجَانِبَ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ ذُو رَحِمٍ يَعْتِقُ عَلَيْهِ إذَا عَتَقَ ، فَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ ، كَالْوَالِدِينَ ، وَالْمَوْلُودِينَ ، وَلِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ بَيْعَهُمْ إذَا كَانَ حُرًّا ، فَلَا يَمْلِكُهُ مُكَاتَبًا كَوَالِدَيْهِ ، وَلِأَنَّهُمْ نُزِّلُوا مَنْزِلَةَ أَجْزَائِهِ ، فَلَمْ يَمْلِكْ بَيْعَهُمْ ، كَيَدِهِ .\rفَإِذَا أَدَّى وَهُمْ فِي مِلْكِهِ ، عَتَقُوا ؛ لِأَنَّهُ كَمُلَ مِلْكُهُ فِيهِمْ ، وَزَالَ تَعَلُّقُ حَقِّ سَيِّدِهِ عَنْهُمْ ، فَعَتَقُوا حِينَئِذٍ ، وَوَلَاؤُهُمْ لَهُ دُونَ سَيِّدِهِمْ ؛ لِأَنَّهُمْ عَتَقُوا عَلَيْهِ بَعْدَ زَوَالِ مِلْكِ سَيِّدِهِ عَنْهُ ، فَيَكُونُونَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ اشْتَرَاهُمْ بَعْدَ عِتْقِهِ .\rوَإِنْ عَجَزَ وَرُدَّ فِي الرِّقِّ ، صَارُوا عَبِيدًا لِلسَّيِّدِ ؛ لِأَنَّهُمْ مِنْ مَالِهِ ، فَيَصِيرُونَ لِلسَّيِّدِ بِعَجْزِهِ ، كَعَبِيدِهِ الْأَجَانِبِ .\r( 8809 ) فَصْلٌ : وَكَسْبُهُمْ ؛ لِلْمُكَاتِبِ ؛ لِأَنَّهُمْ مَمَالِيكُهُ .\rوَنَفَقَتُهُمْ عَلَيْهِ ، بِحُكْمِ الْمِلْكِ لَا بِحُكْمِ الْقَرَابَةِ .\rوَإِنْ أَعْتَقَهُمْ السَّيِّدُ ، لَمْ يَعْتِقُوا ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُهُمْ ، فَلَا يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فِيهِمْ .\rوَإِنْ أَعْتَقَهُمْ الْمُكَاتَبُ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ ، لَمْ يَعْتِقُوا ؛ لِتَعَلُّقِ حَقِّ سَيِّدِهِ بِهِمْ .\rوَإِنْ أَعْتَقَهُمْ بِإِذْنِهِ ، عَتَقُوا ، كَمَا لَوْ أَعْتَقَ غَيْرَهُمْ مِنْ عَبِيدِهِ .\rوَإِنْ أَعْتَقَهُ سَيِّدُهُ ، عَتَقَ ، وَصَارُوا رَقِيقًا لِلسَّيِّدِ ، كَمَا لَوْ عَجَزَ ؛ لِأَنَّ كِتَابَتَهُ تَبْطُلُ بِعِتْقِهِ ، كَمَا تَبْطُلُ بِمَوْتِهِ .\rوَعَلَى مَا اخْتَرْنَاهُ ، يَعْتِقُونَ ؛ لِأَنَّهُ عَتَقَ قَبْلَ فَسْخِ الْكِتَابَةِ ، فَوَجَبَ أَنْ يَعْتِقُوا ، كَمَا لَوْ عَتَقَ بِالْإِبْرَاءِ مِنْ مَالِ الْكِتَابَةِ ، أَوْ بِأَدَائِهِ ، يُحَقِّقُ هَذَا أَنَّ الْكِتَابَةَ عَقْدٌ لَازِمٌ ، يَسْتَفِيدُ بِهَا الْمُكَاتَبُ مِلْكَ رَقِيقِهِ وَاكْتِسَابِهِ ، وَيَبْقَى حَقُّ السَّيِّدِ فِي مِلْكِ رَقَبَتِهِ ، عَلَى وَجْهٍ لَا يَزُولُ إلَّا بِالْأَدَاءِ ، أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ ، فَلَا يَتَسَلَّطُ السَّيِّدُ عَلَى إبْطَالِهَا فِيمَا يَرْجِعُ","part":24,"page":345},{"id":11845,"text":"إلَى إبْطَالِ حَقِّ الْمُكَاتَبِ ، وَإِنَّمَا يَتَسَلَّطُ عَلَى إبْطَالِ حَقِّهِ مِنْ رَقَبَةِ الْمُكَاتَبِ ، فَيَنْفُذُ فِي مَالِهِ دُونَ مَالِ الْمُكَاتَبِ .\rوَقَدْ ذَكَرْنَا مِثْلَ هَذَا فِيمَا مَضَى .\rوَإِنْ مَاتَ الْمُكَاتَبُ ، وَلَمْ يُخَلِّفْ وَفَاءً ، عَادَ رَقِيقًا .\rوَقَالَ أَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ : يَسْعَوْنَ فِي الْكِتَابَةِ عَلَى نُجُومِهَا ، وَكَذَلِكَ أُمُّ وَلَدِهِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي الْوَلَدِ خَاصَّةً : إنْ جَاءَ بِالْكِتَابَةِ حَالَّةً ، قُبِلَتْ مِنْهُ ، وَعَتَقَ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ عَبْدٌ لِلْمُكَاتَبِ ، فَصَارَ بِمَوْتِهِ لِسَيِّدِهِ إذَا لَمْ يُخَلِّفْ وَفَاءً كَالْأَجْنَبِيِّ .\rوَإِنْ خَلَّفَ وَفَاءً ، انْبَنَى عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي فَسْخِ الْكِتَابَةِ ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ .","part":24,"page":346},{"id":11846,"text":"( 8810 ) فَصْلٌ : وَإِنْ وُهِبَ لَهُ بَعْضُ ذَوِي رَحِمِهِ ، فَلَهُ قَبُولُهُ .\rوَإِنْ وُصِّيَ لَهُ بِهِ ، فَلَهُ قَبُولُ الْوَصِيَّةِ ؛ لِأَنَّهُ إذَا مَلَكَ شِرَاءَهُ ، مَعَ مَا فِيهِ مِنْ بَذْلِ مَالِهِ ، فَلَأَنْ يَجُوزَ بِغَيْرِ عِوَضٍ أَوْلَى .\rوَإِذَا مَلَكَهُ ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ مَا لَوْ اشْتَرَاهُ .","part":24,"page":347},{"id":11847,"text":"( 8811 ) فَصْلٌ : وَيَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِيَ الْمُكَاتَبُ امْرَأَتَهُ ، وَالْمُكَاتَبَةُ زَوْجَهَا لِأَنَّ ذَلِكَ يَجُوزُ لِغَيْرِ الْمُكَاتَبِ ، فَجَازَ لِلْمُكَاتَبِ ، كَشِرَاءِ الْأَجَانِبِ .\rوَيَنْفَسِخُ النِّكَاحُ بِذَلِكَ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَنْفَسِخُ ؛ لِأَنَّ الْمُكَاتَبَ لَا يَمْلِكُ ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ التَّسَرِّي ، وَلَا يَعْتِقُ وَالِدُهُ وَوَلَدُهُ إذَا اشْتَرَاهُ ، فَأَشْبَهَ الْعَبْدَ الْقِنَّ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الْمُكَاتَبَ يَمْلِكُ مَا اشْتَرَاهُ ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ تَثْبُتُ لَهُ الشُّفْعَةُ عَلَى سَيِّدِهِ ، وَلِسَيِّدِهِ عَلَيْهِ ، وَيَجْرِي الرِّبَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ ، وَإِنَّمَا مُنِعَ مِنْ التَّسَرِّي ، لِتَعَلُّقِ حَقِّ سَيِّدِهِ بِمَا فِي يَدِهِ ، كَمَا يُمْنَعُ الرَّاهِنُ مِنْ الْوَطْءِ مَعَ ثُبُوتِ مِلْكِهِ ، وَلَمْ يَعْتِقْ عَلَيْهِ ذَوُو رَحِمِهِ لِذَلِكَ ، فَإِذَا اشْتَرَى أَحَدُهُمَا الْآخَرَ ، فَلَهُ التَّصَرُّفُ فِيهِ ؛ لِأَنَّهُ أَجْنَبِيٌّ مِنْهُ .","part":24,"page":348},{"id":11848,"text":"( 8812 ) فَصْلٌ : وَإِذَا زَوَّجَ السَّيِّدُ ابْنَهُ مِنْ مُكَاتَبَتِهِ بِرِضَاهَا ، ثُمَّ مَاتَ السَّيِّدُ ، وَكَانَتْ مِنْ وَرَثَتِهِ ، انْفَسَخَ النِّكَاحُ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَنْفَسِخُ النِّكَاحُ ؛ لِأَنَّهَا لَا تَرِثُهُ ، وَإِنَّمَا تَمْلِكُ نَصِيبَهَا مِنْ الدَّيْنِ الَّذِي عَلَيْهِ ، بِدَلِيلِ أَنَّ الْوَارِثَ لَوْ أَبْرَأَ الْمُكَاتَبَ مِنْ الدَّيْنِ عَتَقَ ، وَكَانَ الْوَلَاءُ لِلْمَيِّتِ ، لَا لِلْوَارِثِ ، فَإِنْ عَجَزَ وَعَادَ رَقِيقًا ، انْفَسَخَ النِّكَاحُ حِينَئِذٍ ؛ لِأَنَّهَا مَلَكَتْ نَفْسهَا مِنْهُ .\rوَلَنَا ، أَنَّ الْمُكَاتَبَ مَمْلُوكٌ لِسَيِّدِهِ ، لَا يَعْتِقُ بِمَوْتِهِ ، فَوَجَبَ أَنْ يَنْتَقِلَ إلَى وَرَثَتِهِ ، كَسَائِرِ أَمْلَاكِهِ ، وَلِأَنَّهَا لَا يَجُوزُ لَهَا ابْتِدَاءُ نِكَاحِهِ لِأَجْلِ الْمِلْكِ ، فَانْفَسَخَ نِكَاحُهَا بِتَجَدُّدِ ذَلِكَ فِيهِ ، كَالْعَبْدِ الْقِنِّ ، وَأَمَّا كَوْنُ الْوَلَاءِ لِلْمَيِّتِ ، فَلِأَنَّ السَّبَبَ وُجِدَ مِنْهُ ، فَنُسِبَ الْعِتْقُ إلَيْهِ ، وَثَبَتَ الْوَلَاءُ لَهُ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ تَرِثَهُ كُلَّهُ ، أَوْ تَرِثَ نَصِيبَهَا مِنْهُ ؛ لِأَنَّهَا إذَا مَلَكَتْ مِنْهُ جُزْءًا ، انْفَسَخَ النِّكَاحُ فِيهِ فَبَطَلَ فِي بَاقِيه ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَجَزَّأُ .\rوَكَذَلِكَ لَوْ اشْتَرَتْ زَوْجَهَا ، أَوْ جُزْءًا مِنْهُ ، أَوْ وَرِثَتْ شَيْئًا مِنْ الْعَبْدِ الْقِنِّ ، بَطَلَ نِكَاحُهَا .\rوَإِنْ كَانَتْ لَا تَرِثُ أَبَاهَا ، لِمَانِعٍ مِنْ مَوَانِعِ الْمِيرَاثِ ، فَنِكَاحُهَا بَاقٍ بِحَالِهِ .\rوَالْحُكْمُ فِي سَائِرِ الْوَرَثَةِ مِنْ النِّسَاءِ ، كَالْحُكْمِ فِي الْبِنْتِ ، وَكَذَلِكَ لَوْ تَزَوَّجَ رَجُلٌ مُكَاتَبَةً ، فَوَرِثَهَا ، أَوْ وَرِثَ شَيْئًا مِنْهَا ، انْفَسَخَ نِكَاحُهُ لِذَلِكَ .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":24,"page":349},{"id":11849,"text":"( 8813 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : وَإِذَا كَانَ الْعَبْد لِثَلَاثَةِ ، فَجَاءَهُمْ بِثَلَاثِمِائَةِ دِرْهَمٍ ، فَقَالَ : بِيعُونِي نَفْسِي بِهَا .\rفَأَجَابُوهُ ، فَلَمَّا عَادَ إلَيْهِمْ لِيَكْتُبُوا لَهُ كِتَابًا ، أَنْكَرَ أَحَدُهُمْ أَنْ يَكُونَ أَخَذَ شَيْئًا ، وَشَهِدَ الرَّجُلَانِ عَلَيْهِ بِالْأَخْذِ ، فَقَدْ صَارَ الْعَبْدُ حُرًّا بِشَهَادَةِ الشَّرِيكَيْنِ ، إذَا كَانَا عَدْلَيْنِ ، وَيُشَارِكُهُمَا فِيمَا أَخَذَا مِنْ الْمَالِ ، وَلَيْسَ عَلَى الْعَبْدِ شَيْءٌ اعْتَرَضَ عَلَى الْخِرَقِيِّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ، حَيْثُ أَجَازَ لَهُ شِرَاءَ نَفْسِهِ بِعَيْنِ مَا فِي يَدِهِ مَعَ أَنَّهُ قَدْ ذَكَرَ فِي بَابِ الْعِتْقِ : إذَا قَالَ الْعَبْدُ لَرَجُلٍ : اشْتَرِنِي مِنْ سَيِّدِي بِهَذَا الْمَالِ ، وَأَعْتِقْنِي فَاشْتَرَاهُ بِعَيْنِ الْمَالِ ، كَانَ الشِّرَاءُ وَالْعِتْقُ بَاطِلَيْنِ وَيَكُونُ السَّيِّدُ قَدْ أَخَذَ مَالَهُ .\rوَقَدْ أَجَابَ الْقَاضِي عَنْ هَذَا الْإِشْكَالِ بِوُجُوهِ ؛ مِنْهَا ، أَنْ يَكُونَ مُكَاتَبًا ، وَقَوْلُهُ : بِيعُونِي مِنْ نَفْسِي بِهَذِهِ .\rأَيْ أُعَجِّلُ لَكُمْ الثَّلَاثَمِائَةِ ، وَتَضَعُونَ عَنِّي مَا بَقِيَ مِنْ كِتَابَتِي .\rوَلِهَذَا ذَكَرَهُمَا فِي بَابِ الْمُكَاتَبِ .\rالثَّانِي أَنْ يَكُونَ الْمَالُ فِي يَدِ الْعَبْدِ لِأَجْنَبِيٍّ قَالَ لَهُ : اشْتَرِ نَفْسَك بِهَا .\rمِنْ غَيْرِ أَنْ يُمَلِّكَهُ إيَّاهَا .\rالثَّالِثُ ، أَنْ يَكُونَ عِتْقًا بِصِفَةٍ ، تَقْدِيرُهُ : إذَا قَبَضْنَا مِنْك هَذِهِ الدَّرَاهِمَ ، فَأَنْتَ حُرٌّ .\rالرَّابِعُ ، أَنْ يَكُونَ رَضِيَ سَادَتُهُ بِبَيْعِهِ نَفْسَهُ بِمَا فِي يَدِهِ ، وَفِعْلُهُمْ ذَلِكَ مَعَهُ إعْتَاقٌ مِنْهُمْ لَهُ مَشْرُوطًا بِتَأْدِيَةِ ذَلِكَ إلَيْهِمْ ، فَتَكُونَ صُورَتُهُ صُورَةَ الْبَيْعِ وَمَعْنَاهُ الْعِتْقَ بِشَرْطِ الْأَدَاءِ ، كَمَا لَوْ قَالَ : بِعْتُك نَفْسَك بِخِدْمَتِي سَنَةً .\rفَإِنَّ مَنَافِعَهُ مَمْلُوكَةٌ لِسَيِّدِهِ ، وَقَدْ صَحَّ هَذَا فِيهَا فَكَانَ هَاهُنَا .\rوَهَذَا الْوَجْهُ أَظْهَرُهَا ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى تَأْوِيلٍ ، وَمَتَى أَمْكَنَ حَمْلُ الْكَلَامِ عَلَى ظَاهِرِهِ ، لَمْ يَجُزْ تَأْوِيلُهُ بِغَيْرِ دَلِيلٍ .\rوَإِذَا","part":24,"page":350},{"id":11850,"text":"تَعَذَّرَ هَذَا ، فَمَتَى اشْتَرَى الْعَبْدُ نَفْسَهُ مِنْ سَادَتِهِ ، عَتَقَ ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ يُخْرِجُهُ مِنْ مِلْكِهِمْ ، وَلَا يَثْبُتُ عَلَيْهِ مِلْكٌ آخَرُ ، إلَّا أَنَّهُ هَاهُنَا لَا يَعْتِقُ إلَّا بِالْقَبْضِ ؛ لِأَنَّا جَعَلْنَاهُ عِتْقًا مَشْرُوطًا بِالْقَبْضِ .\rوَبِهَذَا قَالَ الْخِرَقِيِّ : فَقَدْ صَارَ الْعَبْدُ حُرًّا بِشَهَادَةِ الشَّرِيكَيْنِ اللَّذَيْنِ شَهِدَا بِالْقَبْضِ .\rوَلَوْ عَتَقَ بِالْبَيْعِ ، لَعَتَقَ بِاعْتِرَافِهِمْ بِهِ ، لَا بِالشَّهَادَةِ بِالْقَبْضِ .\rوَمَتَى أَنْكَرَ أَحَدُهُمْ أَخْذَ نَصِيبِهِ مِنْ الثَّمَنِ ، فَشَهِدَ عَلَيْهِ شَرِيكَاهُ ، وَكَانَا عَدْلَيْنِ ، قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمَا ؛ لِأَنَّهُمَا عَدْلَانِ شَهِدَا لِلْعَبْدِ بِأَدَاءِ مَا يَعْتِقُ بِهِ ، فَقُبِلَتْ شَهَادَتُهُمَا ، كَالْأَجْنَبِيَّيْنِ ، وَرَجَعَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ عَلَيْهِمَا فَيُشَارِكُهُمَا فِيمَا أَخَذَاهُ ؛ لِأَنَّهُمَا اعْتَرَفَا بِأَخْذِ مِائَتَيْنِ مِنْ ثَمَنِ الْعَبْدِ ، وَالْعَبْدُ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمْ ، فَثَمَنُهُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمْ ، وَلِأَنَّ مَا فِي يَدِ الْعَبْدِ لَهُمْ ، وَاَلَّذِي أَخَذَاهُ كَانَ فِي يَدِهِ ، فَيَجِبُ أَنْ يَشْتَرِكَ الْجَمِيعُ فِيهِ ، وَيَكُونَ بَيْنَهُمْ بِالسَّوِيَّةِ ، وَشَهَادَتُهُمَا فِيمَا لَهُمَا فِيهِ نَفْعٌ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ ، وَدَفْعُ مُشَارَكَتِهِ لَهُمَا فِيهِ نَفْعٌ لَهُمَا ، فَلَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُمَا فِيهِ ، وَقُبِلَتْ شَهَادَتُهُمَا فِيمَا يَنْتَفِعُ بِهِ الْعَبْدُ ، دُونَ مَا يَنْتَفِعَانِ بِهِ ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِشَيْءٍ لَغَيْرِهِمَا لَهُمَا فِيهِ نَفْعٌ ، فَإِنَّ إقْرَارَهُمَا يُقْبَلُ فِيمَا عَلَيْهِمَا ، دُونَ مَالَهُمَا .\rوَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنْ لَا تُقْبَلَ شَهَادَتُهُمَا عَلَى شَرِيكِهِمَا بِالْقَبْضِ ؛ لِأَنَّهُمَا يَدْفَعَانِ بِهَا عَنْ أَنْفُسِهِمَا مَغْرَمًا ، وَمَنْ شَهِدَ شَهَادَةً جَرَّ إلَى نَفْسِهِ نَفْعًا بَطَلَتْ شَهَادَتُهُ فِي الْكُلِّ ، وَإِنَّمَا يُقْبَلُ ذَلِكَ فِي الْإِقْرَارِ ؛ لِأَنَّ الْعَدَالَةَ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ فِيهِ ، وَالتُّهْمَةَ لَا تَمْنَعُ مِنْ صِحَّتِهِ ، بِخِلَافِ الشَّهَادَةِ .\rفَعَلَى هَذَا الْقِيَاسِ ، يَعْتِقُ نَصِيبُ الشَّاهِدَيْنِ","part":24,"page":351},{"id":11851,"text":"بِإِقْرَارِهِمَا ، وَيَبْقَى نَصِيبُ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ مَوْقُوفًا عَلَى الْقَبْضِ ، وَلَهُ مُطَالَبَتُهُ بِنَصِيبِهِ ، أَوْ مُشَارَكَةُ صَاحِبِهِ فِيمَا أَخَذَ .\rفَإِنْ شَارَكَهُمَا ، أَخَذَ مِنْهُمَا ثُلُثَيْ مِائَةٍ ، وَرَجَعَ عَلَى الْعَبْدِ بِتَمَامِ الْمِائَةِ ، وَلَا يَرْجِعُ الْمَأْخُوذُ مِنْهُ عَلَى الْآخَرِ بِشَيْءٍ ، لِأَنَّهُ إنْ أَخَذَ مِنْ الْعَبْدِ ، فَهُوَ يَقُولُ : ظَلَمَنِي ، وَأَخَذَ مِنِّي مَرَّتَيْنِ .\rوَإِنْ أَخَذَ مِنْ الشَّاهِدَيْنِ ، فَهُمَا يَقُولَانِ : ظَلَمَنَا ، وَأَخَذَ مِنَّا مَا لَا يَسْتَحِقُّهُ عَلَيْنَا .\rوَلَا يَرْجِعُ الْمَظْلُومُ عَلَى غَيْرِ ظَالِمِهِ .\rوَإِنْ كَانَا غَيْرَ عَدْلَيْنِ ، فَكَذَلِكَ ، سَوَاءٌ قُلْنَا : إنَّ شَهَادَةَ الْعَدْلَيْنِ مَقْبُولَةٌ .\rأَوْ لَا ؛ لِأَنَّ غَيْرَ الْعَدْلِ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ ، وَإِنَّمَا يُؤَاخَذُ بِإِقْرَارِهِ .\rوَإِنْ أَنْكَرَ الثَّالِثُ الْبَيْعَ فَنَصِيبُهُ بَاقٍ عَلَى الرِّقِّ ، إذَا حَلَفَ ، إلَّا أَنْ يَشْهَدَا عَلَيْهِ بِالْبَيْعِ ، يَكُونَانِ عَدْلَيْنِ ، فَتُقْبَلُ شَهَادَتُهُمَا ؛ لِأَنَّهُمَا لَا يَجُرَّانِ إلَى أَنْفُسِهِمَا بِهَذِهِ الشَّهَادَةِ نَفْعًا .","part":24,"page":352},{"id":11852,"text":"( 8814 ) فَصْلٌ : وَإِذَا كَانَ الْعَبْدُ بَيْنَ شَرِيكَيْنِ ، فَكَاتَبَاهُ بِمِائَةٍ ، فَادَّعَى دَفْعَهَا إلَيْهِمَا ، وَصَدَّقَاهُ ، عَتَقَ ، فَإِنْ أَنْكَرَ ، أَوْ لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُمَا مَعَ أَيْمَانِهِمَا .\rوَإِنْ أَقَرَّ أَحَدُهُمَا ، وَأَنْكَرَ الْآخَرُ ، عَتَقَ نَصِيبُ الْمُقِرِّ ، وَأَمَّا الْمُنْكِرُ ، فَعَلَى قَوْلِ الْخِرَقِيِّ ، تُقْبَلُ شَهَادَةُ شَرِيكِهِ عَلَيْهِ ، إذَا كَانَ عَدْلًا ، فَيَحْلِفُ الْعَبْدُ مَعَ شَهَادَتِهِ ، وَيَصِيرُ حُرًّا ، وَيَرْجِعُ الْمُنْكِرُ عَلَى الشَّاهِدِ ، فَيُشَارِكُهُ فِيمَا أَخَذَهُ .\rوَأَمَّا الْقِيَاسُ فَيَقْتَضِي أَنْ لَا تُسْمَعَ شَهَادَةُ شَرِيكِهِ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ يَدْفَعُ بِشَهَادَتِهِ عَنْ نَفْسِهِ مَغْرَمًا ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ سَيِّدِهِ مَعَ يَمِينِهِ ، فَإِذَا حَلَفَ ، فَلَهُ مُطَالَبَةُ شَرِيكِهِ بِنِصْفِ مَا اعْتَرَفَ بِهِ ، وَهُوَ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ ؛ لِأَنَّ مَا قَبَضَهُ كَسْبُ الْعَبْدِ ، وَهُوَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمَا .\rفَإِنْ قِيلَ : فَالْمُنْكِرُ يُنْكِرُ قَبْضَ شَرِيكِهِ ، فَكَيْفَ يَرْجِعُ عَلَيْهِ ؟ قُلْنَا : إنَّمَا يُنْكِرُ قَبْضَ نَفْسِهِ ، وَشَرِيكُهُ مُقِرٌّ بِالْقَبْضِ ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَدْ قَبَضَ ، فَلَمْ يَعْلَمْ بِهِ ، وَإِذَا أَقَرَّ بِمُتَصَوَّرٍ ، لَزِمَهُ حُكْمُ إقْرَارِهِ ، وَمِنْ حُكْمِهِ جَوَازُ رُجُوعِ شَرِيكِهِ عَلَيْهِ .\rفَإِنْ قِيلَ : لَوْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ لِاثْنَيْنِ ، فَوَفَّى أَحَدَهُمَا ، لَمْ يَرْجِع الْآخَرُ عَلَى شَرِيكِهِ فَلِمَ يَرْجِع هَاهُنَا ؟ قُلْنَا : إنْ كَانَ الدَّيْنُ ثَابِتًا بِسَبَبِ وَاحِدٍ ، فَمَا قَبَضَ أَحَدُهُمَا مِنْهُ ، يَرْجِع الْآخَرُ عَلَيْهِ بِهِ ، كَمَسْأَلَتِنَا ، وَعَلَى أَنَّ هَذَا يُفَارِقُ الدَّيْنَ ؛ لِكَوْنِ الدَّيْنِ لَا يَتَعَلَّقُ بِمَا فِي يَدِ الْغَرِيمِ ، إنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِذِمَّتِهِ فَحَسْبُ ، وَالسَّيِّدُ يَتَعَلَّقُ حَقُّهُ بِمَا فِي يَدِ الْمُكَاتَبِ ، فَلَا يَدْفَعُ شَيْئًا مِنْهُ إلَى أَحَدِهِمَا ، إلَّا كَانَ حَقُّ الْآخَرِ ثَابِتًا فِيهِ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّهُ إنْ رَجَعَ عَلَى الْعَبْدِ بِخَمْسِينَ ، اسْتَقَرَّ مِلْكُ الشَّرِيكِ فِيهِ عَلَى مَا أَخَذَهُ ، وَلَمْ يَرْجِعْ","part":24,"page":353},{"id":11853,"text":"الْعَبْدُ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا قَبَضَ حَقَّهُ .\rوَإِنْ رَجَعَ عَلَى الشَّرِيكِ ، رَجَعَ عَلَيْهِ بِخَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ ، وَعَلَى الْعَبْدِ بِخَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ ، وَلَمْ يَرْجِعْ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ بِمَا أَخَذَ مِنْهُ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ قَبْلُ .\rوَإِنْ عَجَزَ الْعَبْدُ عَنْ أَدَاءِ مَا يَرْجِعُ بِهِ عَلَيْهِ ، فَلَهُ تَعْجِيزُهُ وَاسْتِرْقَاقُهُ ، وَيَكُونُ نِصْفُهُ حُرًّا ، وَنِصْفُهُ رَقِيقًا ، وَرَجَعَ عَلَى الشَّرِيكِ بِنِصْفِ مَا أَخَذَهُ ، وَلَا تَسْرِي الْحُرِّيَّةُ فِيهِ ؛ لِأَنَّ الشَّرِيكَ وَالْعَبْدَ يَعْتَقِدَانِ أَنَّ الْحُرِّيَّةَ ثَابِتَةٌ فِي جَمِيعِهِ ، وَأَنَّ هَذَا الْمُنْكِرَ غَاصِبٌ لِهَذَا النِّصْفِ الَّذِي اسْتَرَقَّهُ ، ظَالِمٌ بِاسْتِرْقَاقِهِ ، وَالْمُنْكِرُ يَدَّعِي رِقَّ الْعَبْدِ جَمِيعِهِ ، وَلَا يَعْتَرِفُ بِحُرِّيَّةِ شَيْءٍ مِنْهُ ؛ لِأَنَّهُ يَزْعُمُ أَنِّي مَا قَبَضْت نَصِيبِي مِنْ كِتَابَتِهِ ، وَشَرِيكِي إنْ قَبَضَ شَيْئًا اسْتَحَقَّ نِصْفَهُ بِغَيْرِ إذْنِي ، فَلَا يَعْتِقُ شَيْءٌ مِنْهُ بِهَذَا الْقَبْضِ .\rوَسِرَايَةُ الْعِتْقِ مُمْتَنِعَةٌ عَلَى كِلَا الْقَوْلَيْنِ ؛ لِأَنَّ السِّرَايَةَ إنَّمَا تَكُونُ فِيمَا إذَا عَتَقَ بَعْضُهُ وَبَقِيَ بَعْضُهُ رَقِيقًا ، وَجَمِيعُهُمْ يَتَّفِقُونَ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ .\rوَهَذَا الْمَنْصُوصُ عَنْ الشَّافِعِيِّ .\rرَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ","part":24,"page":354},{"id":11854,"text":"( 8815 ) فَصْلٌ : فَإِنْ ادَّعَى الْعَبْدُ أَنَّهُ دَفَعَ الْمِائَةَ إلَى أَحَدِهِمَا ، لِيَدْفَعَ إلَى شَرِيكِهِ حَقَّهُ ، وَيَأْخُذَ الْبَاقِيَ ، وَأَنْكَرَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ، حَلَفَ ، وَبَرِئَ .\rوَإِذَا قَالَ : إنَّمَا دَفَعْت إلَيَّ حَقِّي ، وَإِلَى شَرِيكِي حَقَّهُ .\rوَلَا بَيِّنَةَ لِلْعَبْدِ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ، فِي أَنَّهُ لَمْ يَقْبِضْ إلَّا قَدْرَ حَقِّهِ مَعَ يَمِينِهِ ، وَلَا نِزَاعَ بَيْنَ الْعَبْدِ وَبَيْنَ الْآخَرِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَدَّعِ عَلَيْهِ شَيْئًا ، وَلَهُ مُطَالَبَةُ الْعَبْدِ بِجَمِيعِ حَقِّهِ ، وَلَهُ مُطَالَبَتُهُ بِنِصْفِهِ ، وَمُطَالَبَةُ الْقَابِضِ بِنِصْفِ مَا قَبَضَهُ ؛ فَإِنْ اخْتَارَ مُطَالَبَةَ الْعَبْدِ ، فَلَهُ الْقَبْضُ مِنْهُ بِغَيْرِ يَمِينٍ ، وَإِنْ اخْتَارَ الرُّجُوعَ عَلَى شَرِيكِهِ بِنِصْفِهِ ، فَلِلشَّرِيكِ عَلَيْهِ الْيَمِينُ أَنَّهُ لَمْ يَقْبِضْ مِنْ الْمُكَاتَبِ شَيْئًا ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَقَرَّ بِذَلِكَ ، لَسَقَطَ حَقُّهُ مِنْ الرُّجُوعِ ، فَإِذَا أَنْكَرَهُ ، لَزِمَتْهُ الْيَمِينُ .\rفَإِنْ شَهِدَ الْقَابِضُ عَلَى شَرِيكِهِ بِالْقَبْضِ ، لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ لِمَعْنَيَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، أَنَّ الْمُكَاتَبَ لَمْ يَدَّعِ عَلَيْهِ شَيْئًا ، وَإِنَّمَا تُقْبَلُ الْبَيِّنَةُ إذَا شَهِدَتْ بِصِدْقِ الْمُدَّعِي .\rوَالثَّانِي ، أَنَّهُ يَدْفَعُ عَنْ نَفْسِهِ مَغْرَمًا ، فَإِنْ عَجَزَ الْعَبْدُ ، فَلِغَيْرِ الْقَابِضِ أَنْ يَسْتَرِقَّ نِصْفَهُ ، وَيُقَوَّمَ عَلَيْهِ نَصِيبُ شَرِيكِهِ ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ مُعْتَرِفٌ بِرِقِّهِ ، غَيْرُ مُدَّعٍ لِحُرِّيَّةِ هَذَا النَّصِيبِ ، بِخِلَافِ الَّتِي قَبْلَهَا .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا تُقَوَّمَ أَيْضًا ؛ لِأَنَّ الْقَابِضَ يَدَّعِي حُرِّيَّةَ جَمِيعِهِ ، وَالْمُنْكِرَ يَدَّعِي مَا يُوجِبُ رِقَّ جَمِيعِهِ ، فَإِنَّهُمَا يَقُولَانِ : مَا قَبَضَهُ قَبَضَهُ بِغَيْرِ حَقٍّ ، فَلَا يَعْتِقُ حَتَّى يُسَلِّمَ إلَيَّ مِثْلَ مَا سَلَّمَ إلَيْهِ .\rفَإِذَا كَانَ أَحَدُهُمَا يَدَّعِي رِقَّ جَمِيعِهِ ، وَالْآخَرُ يَدَّعِي حُرِّيَّةَ جَمِيعِهِ اتَّفَقَا عَلَى حُرِّيَّةِ الْبَعْضِ دُونَ الْبَعْضِ .","part":24,"page":355},{"id":11855,"text":"( 8816 ) فَصْلٌ : وَإِنْ اعْتَرَفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِقَبْضِ الْمِائَةِ ، عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي ادَّعَاهُ الْمُكَاتَبُ ، وَقَالَ : قَدْ دَفَعْت إلَى شَرِيكِي نِصْفَهَا .\rفَأَنْكَرَ الشَّرِيكُ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ ، وَلَهُ مُطَالَبَةُ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا بِجَمِيعِ حَقِّهِ ، وَلِلْمَرْجُوعِ عَلَيْهِ أَنْ يُحَلِّفَهُ .\rفَإِنْ رَجَعَ عَلَى الشَّرِيكِ ، فَأَخَذَ مِنْهُ خَمْسِينَ ، كَانَ لَهُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ اعْتَرَفَ بِقَبْضِ الْمِائَةِ كُلِّهَا ، وَيَعْتِقُ الْمُكَاتَبُ ؛ لِأَنَّهُ وَصَلَ إلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَدْرُ حَقِّهِ مِنْ الْكِتَابَةِ ، وَلَا يَرْجِعُ الشَّرِيكُ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ ؛ لِأَنَّهُ يَعْتَرِفُ لَهُ بِأَدَاءِ مَا عَلَيْهِ ، وَبَرَاءَتِهِ مِنْهُ ، وَإِنَّمَا يَزْعُمُ أَنَّ شَرِيكَهُ ظَلَمَهُ ، فَلَا يَرْجِعُ عَلَى غَيْرِ ظَالِمِهِ .\rوَإِنْ رَجَعَ عَلَى الْعَبْدِ ، فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ الْخَمْسِينَ ؛ لِأَنَّهُ يَزْعُمُ أَنَّهُ مَا قَبَضَ شَيْئًا مِنْ كِتَابَتِهِ ، وَلِلْعَبْدِ الرُّجُوعُ عَلَى الْقَابِضِ بِهَا ، سَوَاءٌ صَدَّقَهُ فِي دَفْعِهَا إلَى الْمُنْكِرِ أَوْ كَذَّبَهُ ؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ دَفَعَهَا فَقَدْ دَفَعَهَا دَفْعًا غَيْرَ مُبْرٍ ، فَكَانَ مُفَرِّطًا .\rوَيَعْتِقُ الْعَبْدُ بِأَدَائِهَا ، فَإِنْ عَجَزَ عَنْ أَدَائِهَا فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَهَا مِنْ الْقَابِضِ ، ثُمَّ يُسَلِّمَهَا ، فَإِنْ تَعَذَّرَ ذَلِكَ ، فَلَهُ تَعْجِيزُهُ ، وَاسْتِرْقَاقُ نِصْفِهِ ، وَمُشَارَكَةُ الْقَابِضِ فِي الْخَمْسِينَ الَّتِي قَبَضَهَا عِوَضًا عَنْ نَصِيبِهِ ، وَيُقَوَّمُ عَلَى الشَّرِيكِ الْقَابِضِ إنْ كَانَ مُوسِرًا ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْعَبْدُ يُصَدِّقُهُ فِي دَفْعِ الْخَمْسِينَ إلَى شَرِيكِهِ ، فَلَا يُقَوَّمُ ؛ لِأَنَّهُ يَعْتَرِفُ أَنَّهُ حُرٌّ ، وَأَنَّ هَذَا ظَلَمَهُ بِاسْتِرْقَاقِ نِصْفِهِ الْحُرِّ .\rوَإِنْ أَمْكَنَ الرُّجُوعُ عَلَى الْقَابِضِ بِالْخَمْسِينَ ، وَدَفْعُهَا إلَى الْمُنْكِرِ ، فَامْتَنَعَ مِنْ ذَلِكَ ، فَهَلْ يَمْلِكُ الْمُنْكِرُ تَعْجِيزَهُ وَاسْتِرْقَاقَ نِصْفِهِ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ ؛ بِنَاءً عَلَى الْقَوْلِ فِي تَعْجِيزِ الْعَبْدِ نَفْسَهُ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْأَدَاءِ ، إنْ قُلْنَا : لَهُ ذَلِكَ .","part":24,"page":356},{"id":11856,"text":"فَلِلْمُنْكِرِ اسْتِرْقَاقُهُ .\rوَإِنْ قُلْنَا : لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ .\rفَلَيْسَ لِلْمُنْكِرِ اسْتِرْقَاقُهُ ؛ لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى الْأَدَاءِ فَإِنْ قِيلَ : فَلِمَ لَا يَرْجِعُ الْمُنْكِرُ عَلَى الْقَابِضِ بِنِصْفِ مَا قَبَضَهُ ، إذَا اسْتَرَقَّ نِصْفَ الْعَبْدِ ؟ قُلْنَا : لِأَنَّهُ لَوْ رَجَعَ عَلَيْهِ بِهَا كَانَ قَابِضًا جَمِيعَ حَقِّهِ مِنْ مَالِ الْكِتَابَةِ ، فَيَعْتِقُ الْمُكَاتَبُ بِذَلِكَ ، إلَّا أَنْ يَتَعَذَّرَ قَبْضُهَا فِي نُجُومِهَا فَتُفْسَخَ الْكِتَابَةُ ، ثُمَّ يُطَالَبَ بِهَا بَعْدَ ذَلِكَ ، فَيَكُونَ لَهُ الرُّجُوعُ بِنِصْفِهَا ، كَمَا لَوْ كَانَتْ غَائِبَةً فِي بَلَدٍ آخَرَ ، وَتَعَذَّرَ تَسْلِيمُهَا حَتَّى فُسِخَتْ الْكِتَابَةُ .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":24,"page":357},{"id":11857,"text":"( 8817 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : وَإِذَا قَالَ السَّيِّدُ : كَاتَبْتُك عَلَى أَلْفَيْنِ .\rوَقَالَ الْعَبْدُ : عَلَى أَلْفٍ .\rفَالْقَوْلُ قَوْلُ السَّيِّدِ مَعَ يَمِينِهِ قَالَ الْقَاضِي : هَذَا الْمَذْهَبُ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي رِوَايَةِ الْكَوْسَجِ .\rوَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَإِسْحَاقَ .\rوَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : اتَّفَقَ أَحْمَدُ ، وَالشَّافِعِيُّ ، عَلَى أَنَّهُمَا يَتَحَالَفَانِ ، وَيَتَرَادَّانِ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٍ ؛ لِأَنَّهُمَا اخْتَلَفَا فِي عِوَضِ الْعَقْدِ الْقَائِمِ بَيْنَهُمَا ، فَيَتَحَالَفَانِ إذَا لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ ، كَالْمُتَبَايِعِينَ .\rوَحُكِيَ عَنْ أَحْمَدَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ رِوَايَةٌ ثَالِثَةٌ ، أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْمُكَاتَبِ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ لِلْأَلْفِ الزَّائِدِ ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ ، وَلِأَنَّهُ مُدَّعًى عَلَيْهِ ، فَيَدْخُلُ فِي عُمُومِ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : \" وَلَكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ \" .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ اخْتِلَافٌ فِي الْكِتَابَةِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ السَّيِّدِ فِيهِ ، كَمَا لَوْ اخْتَلَفَا فِي أَصْلِهَا ، وَيُفَارِقُ الْبَيْعَ مِنْ وَجْهَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْبَيْعِ عَدَمُ مِلْكِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِمَا صَارَ إلَيْهِ ، وَالْأَصْلُ فِي الْمُكَاتَبِ وَكَسْبِهِ أَنَّهُ لِسَيِّدِهِ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِيهِ .\rوَالثَّانِي ، أَنَّ التَّحَالُفَ فِي الْبَيْعِ مُفِيدٌ ، وَلَا فَائِدَةَ فِي التَّحَالُفِ فِي الْكِتَابَةِ ؛ فَإِنَّ الْحَاصِلَ مِنْهُ يَحْصُلُ بِيَمِينِ السَّيِّدِ وَحْدَهُ ، وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ الْحَاصِلَ بِالتَّحَالُفِ فَسْخُ الْكِتَابَةِ ، وَرَدُّ الْعَبْدِ إلَى الرِّقِّ ، إذَا لَمْ يَرْضَ بِمَا حَلَفَ عَلَيْهِ سَيِّدُهُ ، وَهَذَا يَحْصُلُ مِنْ جَعْلِ الْقَوْلِ قَوْلَ السَّيِّدِ مَعَ يَمِينِهِ ، فَلَا يُشْرَعُ التَّحَالُفُ مَعَ عَدَمِ فَائِدَتِهِ ، وَإِنَّمَا قَدَّمْنَا قَوْلَ الْمُنْكِرِ فِي سَائِرِ الْمَوَاضِعِ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ مَعَهُ ، وَالْأَصْلَ هَاهُنَا مَعَ السَّيِّدِ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ مِلْكُهُ الْعَبْدَ وَكَسْبَهُ ،","part":24,"page":358},{"id":11858,"text":"فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَمَتَى حَلَفَ السَّيِّدُ ، ثَبَتَتْ الْكِتَابَةُ بِأَلْفَيْنِ ، كَمَا لَوْ اتَّفَقَا عَلَيْهَا ، وَسَوَاءٌ كَانَ اخْتِلَافُهُمَا قَبْلَ الْعِتْقِ أَوْ بَعْدَهُ مِثْلُ أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ أَلْفَيْنِ فَيَعْتِقَ ، ثُمَّ يَدَّعِيَ الْمُكَاتَبُ أَنَّ أَحَدَهُمَا عَنْ الْكِتَابَةِ ، وَالْآخَرَ وَدِيعَةٌ ، وَيَقُولَ السَّيِّدُ : هُمَا جَمِيعًا مَالُ الْكِتَابَةِ .\rوَمَنْ قَالَ بِالتَّحَالُفِ ، قَالَ : إذَا تَحَالَفَا ، فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَسْخُ الْكِتَابَةِ ، إلَّا أَنْ يَرْضَى بِقَوْلِ صَاحِبِهِ ، وَإِنْ كَانَ التَّحَالُفُ بَعْدَ الْعِتْقِ فِي مِثْلِ الصُّوَر الَّتِي ذَكَرْنَاهَا ، لَمْ تَرْتَفِعْ الْحُرِّيَّةُ ؛ لِأَنَّهَا لَا يُمْكِنُ رَفْعُهَا بَعْدَ حُصُولِهَا ، وَلَا إعَادَةُ الرِّقِّ بَعْدَ رَفْعِهِ ، وَلَكِنْ يَرْجِعُ السَّيِّدُ بِقِيمَتِهِ ، وَيَرُدُّ عَلَيْهِ مَا أَدَّى إلَيْهِ ، فَإِنْ كَانَ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ ، تَقَاصَّا بِقَدْرِ أَقَلِّهِمَا ، وَأَخَذَ ذُو الْفَضْلِ فَضْلَهُ .","part":24,"page":359},{"id":11859,"text":"( 8818 ) فَصْلٌ : وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي أَدَاءِ النُّجُومِ ، فَقَالَ الْمُكَاتَبُ : أَدَّيْت ، وَعَتَقْت .\rوَأَنْكَرَ السَّيِّدُ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ السَّيِّدِ مَعَ يَمِينِهِ ؛ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ ، وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي إبْرَائِهِ مِنْ مَالِ الْكِتَابَةِ ، أَوْ شَيْءٍ مِنْهُ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ السَّيِّدِ مَعَ يَمِينِهِ ؛ لِذَلِكَ .","part":24,"page":360},{"id":11860,"text":"فَصْلٌ : وَإِنْ كَاتَبَ عَبْدَيْنِ ، وَاسْتَوْفَى مِنْ أَحَدِهِمَا ، وَلَمْ يَدْرِ مِنْ أَيِّهِمَا اسْتَوْفَى ، فَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنْ يُقْرَعَ بَيْنَهُمَا ، فَمَنْ خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ ، عَتَقَ وَرَقَّ الْآخَرُ ، كَمَا لَوْ أَعْتَقَ عَبْدًا مِنْ عَبِيدِهِ وَأُنْسِيَهُ .\rفَإِنْ ادَّعَى الْآخَرُ عَلَيْهِ أَنَّهُ أَدَّى ، فَعَلَيْهِ الْيَمِينُ أَنَّهُ مَا أَدَّى إلَيْهِ .\rفَإِنْ نَكَلَ ، عَتَقَ الْآخَرُ .\rوَإِنْ مَاتَ السَّيِّدُ قَبْلَ الْقُرْعَةِ ، أَقْرَعَ الْوَرَثَةُ .\rفَإِنْ ادَّعَى الْآخَرُ عَلَيْهِمْ أَنَّهُ الْمُؤَدِّي ، فَعَلَيْهِمْ الْيَمِينُ أَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ أَنَّهُ أَدَّى ؛ لِأَنَّهَا يَمِينٌ عَلَى نَفْيِ فِعْلِ الْغَيْرِ .\rفَإِنْ أَقَامَ أَحَدُ الْعَبْدَيْنِ بَيِّنَةً أَنَّهُ أَدَّى عَتَقَ ، سَوَاءٌ كَانَ قَبْلَ الْقُرْعَةِ أَوْ بَعْدَهَا ، فِي حَيَاةِ السَّيِّدِ أَوْ بَعْدَ مَوْتِهِ ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ الْقُرْعَةِ تَعَيَّنَتْ الْحُرِّيَّةُ فِيهِ ، وَرَقَّ الْآخَرُ .\rوَإِنْ كَانَ بَعْدَهَا ، فَكَذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الْقُرْعَةَ لَيْسَتْ عِتْقًا ، وَإِنَّمَا هِيَ مُعَيَّنَةٌ لِلْعِتْقِ ، وَالْبَيِّنَةُ أَقْوَى مِنْهَا ، فَثَبَتَ بِهَا خَطَأُ الْقُرْعَةِ ، فَتَبَيَّنَ بَقَاءُ الرِّقِّ فِي الَّذِي ظَنَنَّا حُرِّيَّتَهُ ، كَمَا تَبَيَّنَّا حُرِّيَّةَ مَنْ ظَنَنَّا رِقَّهُ ، وَلِأَنَّ مَنْ لَمْ يُؤَدِّ ، لَا يَصِيرُ مُؤَدِّيًا بِوُقُوعِ الْقُرْعَةِ لَهُ ، فَلَا يُوجَدُ حُكْمُهُ الَّذِي هُوَ الْعِتْقُ .\rوَيَتَخَرَّجُ عَلَى قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ ، وَابْنِ حَامِدٍ ، أَنْ يَعْتِقَا ، عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فِي الطَّلَاقِ .\rوَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِيمَا إذَا ذَكَرَ السَّيِّدُ الْمُؤَدِّيَ مِنْهُمَا ، وَمَتَى ادَّعَى الْآخَرُ أَنَّهُ أَدَّى ، فَلَهُ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ، سَوَاءٌ كَانَ السَّيِّدَ أَوْ وَرَثَتَهُ ، إلَّا أَنَّهُ إنْ كَانَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ السَّيِّدَ ، فَالْيَمِينُ عَلَى الْبَتِّ ، وَإِنْ كَانَتْ عَلَى وَرَثَتِهِ ، فَالْيَمِينُ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ ، إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ الْأَدَاءَ إلَيْهِمْ ، فَتَكُونَ أَيْمَانُهُمْ عَلَى الْبَتِّ أَيْضًا .\rوَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْوَرَثَةِ يَمِينٌ ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ","part":24,"page":361},{"id":11861,"text":"مِنْهُمْ يُدَّعَى عَلَيْهِ ، فَلَزِمَتْهُ الْيَمِينُ ، كَمَا لَوْ انْفَرَدَ بِالدَّعْوَى .","part":24,"page":362},{"id":11862,"text":"( 8820 ) فَصْلٌ : وَإِذَا كَانَ لِلْمُكَاتَبِ أَوْلَادٌ مِنْ مُعْتَقَةِ آخَرَ غَيْرِ سَيِّدِهِ ، فَقَالَ سَيِّدُهُ : قَدْ أَدَّى إلَيَّ ، وَعَتَقَ ، فَانْجَرَّ وَلَاءُ وَلَدِهِ إلَيَّ .\rفَأَنْكَرَ ذَلِكَ مَوْلَى أُمِّهِمْ ، وَكَانَ الْمُكَاتَبُ حَيًّا ، فَقَدْ صَارَ حُرًّا بِهَذَا الْقَوْلِ ؛ فَإِنَّهُ إقْرَارٌ مِنْ سَيِّدِهِ بِعِتْقِهِ ، وَيَنْجَرُّ وَلَاءُ وَلَدِهِ إلَيْهِ ، وَإِنْ كَانَ مَيِّتًا ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ مَوْلَى أُمِّهِمْ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ الرِّقُّ ، وَبَقَاءُ وَلَائِهِمْ لَهُ ، فَيَحْلِفُ ، وَيَبْقَى وَلَاؤُهُمْ لَهُ .","part":24,"page":363},{"id":11863,"text":"( 8821 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : وَإِذَا أَعْتَقَ الْأَمَةَ ، أَوْ كَاتَبَهَا ، وَشَرَطَ مَا فِي بَطْنِهَا ، أَوْ أَعْتَقَ مَا فِي بَطْنِهَا دُونَهَا ، فَلَهُ شَرْطُهُ رُوِيَ نَحْوُ هَذَا الْقَوْلِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ، وَالنَّخَعِيِّ ، وَإِسْحَاقَ ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ .\rوَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ : لَهُ مَا اسْتَثْنَى .\rوَقَالَ عَطَاءٌ ، وَالشَّعْبِيُّ : إذَا اسْتَثْنَى مَا فِي بَطْنِهَا ، فَلَهُ اسْتِثْنَاؤُهُ .\rوَقَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ : لَا يَصِحُّ اسْتِثْنَاءُ الْجَنِينِ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ الثُّنْيَا إلَّا أَنْ تُعْلَمَ .\rوَلِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ اسْتِثْنَاؤُهُ فِي الْبَيْعِ ، فَلَا يَصِحُّ فِي الْعِتْقِ ، كَبَعْضِ أَعْضَائِهَا .\rوَلَنَا ، قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ، وَلَمْ نَعْلَمْ لَهُمَا مُخَالِفًا فِي الصَّحَابَةِ .\rقَالَ أَحْمَدُ : أَذْهَبُ إلَى حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ فِي الْعِتْقِ ، وَلَا أَذْهَبُ إلَيْهِ فِي الْبَيْعِ .\rوَقَدْ رَوَى الْأَثْرَمُ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، أَنَّهُ أَعْتَقَ جَارِيَةً ، وَاسْتَثْنَى مَا فِي بَطْنِهَا .\rوَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ } .\rوَهَذَا قَدْ شَرَطَ مَا فِي بَطْنِ مُعْتَقِهِ ، فَكَانَ لَهُ بِمُقْتَضَى الْخَبَرِ .\rوَلِأَنَّهُ يَصِحُّ إقْرَاره بِالْعِتْقِ ، فَصَحَّ اسْتِثْنَاؤُهُ وَأَمَّا خَبَرُهُمْ ، فَنَقُولُ بِهِ ، وَالْحَمْلُ مَعْلُومُ ، فَيَصِحُّ اسْتِثْنَاؤُهُ بِمُقْتَضَى الْحَدِيثِ ، وَيُفَارِقُ الْبَيْعَ ؛ فَإِنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ ، يُعْتَبَرُ فِيهِ الْعِلْمُ بِصِفَاتِ الْعِوَضِ ؛ لِيُعْلَمَ هَلْ هُوَ قَائِمٌ مَقَامَ الْعِوَض أَمْ لَا ؟ وَالْعِتْقُ تَبَرُّعٌ لَا تَتَوَقَّفُ صِحَّتُهُ عَلَى مَعْرِفَةِ صِفَاتِ الْمُعْتَقِ .\rوَلَا تُنَافِيه الْجَهَالَةُ بِهَا ، وَيَكْفِي الْعِلْمُ بِوُجُودِهِ ، وَقَدْ عُلِمَ ذَلِكَ ، وَلِذَلِكَ صَحَّ إفْرَادُ الْحَمْلِ بِالْعِتْقِ ، وَلَمْ يَصِحَّ إفْرَادُهُ بِالْبَيْعِ ، وَلِأَنَّ اسْتِثْنَاءَهُ فِي الْبَيْعِ إذَا بَطَلَ ، بَطَلَ الْبَيْعُ كُلُّهُ ، وَهَا هُنَا إذَا بَطَلَ اسْتِثْنَاؤُهُ ، لَمْ يَبْطُلْ الْعِتْقُ فِي","part":24,"page":364},{"id":11864,"text":"الْأَمَةِ ، وَيَسْرِي الْإِعْتَاقُ إلَيْهِ ، فَكَيْفَ يَصِحُّ إعْتَاقه مَعَ تَضَادِّ الْحُكْمِ فِيهِمَا ؟ وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُهُ عَلَى بَعْضِ أَعْضَائِهَا ؛ لِأَنَّ الْعُضْوَ لَا يُتَصَوَّرُ انْفِرَادُهُ بِالرِّقِّ وَالْحُرِّيَّةِ دُونَ الْحَمْلِ ، وَكَذَلِكَ لَوْ أَعْتَقَ عُضْوًا مِنْ أَمَتِهِ ، صَارَتْ كُلُّهَا حُرَّةً ، فَإِذَا عَتَقَ بَعْضَهَا ، سَرَى إلَى الْمُسْتَثْنَى ، وَالْوَلَدُ حَيَوَانٌ مُنْفَرِدٌ ، لَوْ أَعْتَقَهُ لَمْ تَسْرِ الْحُرِّيَّةُ إلَى أُمِّهِ ، وَيَصِحُّ انْفِرَادُهُ بِالْحُرِّيَّةِ عَنْ أُمِّهِ ، فِيمَا إذَا أَعْتَقَهُ دُونَهَا ، وَفِي وَلَدِ الْمَغْرُورِ بِحُرِّيَّةِ أُمِّهِ ، وَفِيمَا إذَا وَطِئَ بِشُبْهَةٍ ، وَفِي وَلَدِ أُمِّ الْوَلَدِ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ ، وَلَا يُمْكِنُ ذَلِكَ فِي بَعْضِ الْأَعْضَاءِ ، وَلِأَنَّ الْوَلَدَ يَرِثُ وَيُورَثُ ، وَيُوصَى بِهِ وَلَهُ ، وَإِذَا قُتِلَ كَانَ بَدَلُهُ مَوْرُوثًا ، وَلَا تَخْتَصُّ بِهِ أُمُّهُ ، وَتَجِبُ الْكَفَّارَةُ بِقَتْلِهِ ، وَالدِّيَةُ فِي مُقَابَلَتِهِ ، فَكَيْفَ يَصِحُّ قِيَاسُهُ عَلَى أَعْضَائِهَا ؟ فَأَمَّا إنْ أَعْتَقَ مَا فِي بَطْنِهَا دُونَهَا ، فَلَا أَعْلَمُ خِلَافًا فِيهِ .\rقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ : سُئِلَ سُفْيَانُ عَنْ رَجُلٍ قَالَ : مَا فِي بَطْنِك حُرٌّ ، قَالَ : هُوَ حُرٌّ ، وَالْأُمُّ مَمْلُوكَةٌ ؛ لِأَنَّ وَلَدَهَا مِنْهَا ، وَلَيْسَتْ هِيَ مِنْ وَلَدِهَا .\rقَالَ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ : جَيِّدٌ .\rوَقَالَ مُهَنَّا : سَأَلْت أَحْمَدَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ رَجُلٍ زَوَّجَ أَمَتَهُ ، فَقَالَتْ : قَدْ حَبِلْت .\rفَقَالَ لَهَا مَوْلَاهَا : مَا فِي بَطْنِك حُرٌّ .\rوَلَمْ تَكُنْ حَامِلًا .\rقَالَ : لَا تَعْتِقُ .\rفَأَعَدْت عَلَيْهِ الْقَوْلَ مَرَّةً أُخْرَى ، فَقَالَ : لَا يَكُونُ شَيْءٌ ، إنَّمَا أَرَادَ مَا فِي بَطْنِهَا ، فَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ .\rقَالَ الْمَرُّوذِيُّ : وَسُئِلَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ رَجُلٍ أَعْتَقَ عَبْدًا لَهُ ، وَاسْتَثْنَى مِنْهُ خِدْمَتُهُ شَهْرًا ، فَقَالَ : جَائِزٌ .","part":24,"page":365},{"id":11865,"text":"( 8822 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : وَلَا بَأْسَ أَنْ يُعَجِّلَ الْمُكَاتَبُ لِسَيِّدِهِ بَعْضَ كِتَابَتِهِ ، وَيَضَعَ عَنْهُ بَعْضَ كِتَابَتِهِ وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ إذَا كَاتَبَهُ عَلَى أَلْفٍ فِي نَجْمَيْنِ إلَى سَنَةٍ ، ثُمَّ قَالَ : عَجِّلْ لِي خَمْسَمِائَةٍ مِنْهُ ، حَتَّى أَضَعَ عَنْك الْبَاقِيَ ، أَوْ حَتَّى أُبْرِئَك مِنْ الْبَاقِي .\rأَوْ قَالَ : صَالِحْنِي مِنْهُ عَلَى خَمْسِمِائَةٍ مُعَجَّلَةٍ .\rجَازَ ذَلِكَ .\rوَبِهِ يَقُولُ طَاوُسٌ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ .\rوَكَرِهَهُ الْحَسَنُ ، وَابْنُ سِيرِينَ ، وَالشَّعْبِيُّ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يَجُوزُ ؛ لِأَنَّ هَذَا بَيْعُ أَلْفٍ بِخَمْسِمِائَةٍ ، وَهُوَ رِبَا الْجَاهِلِيَّةِ ، وَهُوَ أَنْ يَزِيدَ فِي الدَّيْنِ لِأَجْلِ الْأَجَلِ ، وَهَذَا أَيْضًا هِبَةٌ ، وَلِأَنَّ هَذَا لَا يَجُوزُ بَيْنَ الْأَجَانِبِ ، وَالرِّبَا يَجْرِي بَيْنَ الْمُكَاتَبِ وَسَيِّدِهِ ، فَلَمْ يَجُزْ هَذَا بَيْنَهُمَا ، كَالْأَجَانِبِ .\rوَلَنَا ، أَنَّ مَالَ الْكِتَابَةِ غَيْرُ مُسْتَقِرٍّ ، وَلَا هُوَ دَيْنٌ صَحِيحٌ ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يُجْبَرُ عَلَى أَدَائِهِ ، وَلَهُ أَنْ يَمْتَنِعَ مِنْ أَدَائِهِ ، وَلَا تَصِحُّ الْكَفَالَةُ بِهِ ، وَمَا يُؤَدِّيهِ إلَى سَيِّدِهِ كَسْبُ عَبْدِهِ ، وَإِنَّمَا جَعَلَ الشَّرْعُ هَذَا الْعَقْدَ وَسِيلَةً إلَى الْعِتْقِ وَأَوْجَبَ فِيهِ التَّأْجِيلَ مُبَالَغَةً فِي تَحْصِيلِ الْعِتْقِ ، وَتَخْفِيفًا عَنْ الْمُكَاتَبِ ، فَإِذَا أَمْكَنَهُ التَّعْجِيلُ عَلَى وَجْهٍ يُسْقِطُ عَنْهُ بَعْضَ مَا عَلَيْهِ ، كَانَ أَبْلَغَ فِي حُصُولِ الْعِتْقِ ، وَأَخَفَّ عَلَى الْعَبْدِ ، وَيَحْصُلُ مِنْ السَّيِّدِ إسْقَاطُ بَعْضِ مَالِهِ عَلَى عَبْدِهِ ، وَمِنْ اللَّهِ تَعَالَى إسْقَاطُ مَا أَوْجَبَهُ عَلَيْهِ مِنْ الْأَجَلِ لِمَصْلَحَتِهِ ، وَيُفَارِقُ سَائِرَ الدُّيُونِ بِمَا ذَكَرْنَا ، وَيُفَارِقُ الْأَجَانِبَ مِنْ حَيْثُ إنَّ هَذَا عَبْدُهُ ، فَهُوَ أَشْبَهُ بِعَبْدِهِ الْقِنِّ .\rقَوْلُهُمْ : إنَّ الرِّبَا يَجْرِي بَيْنَهُمَا .\rفَنَمْنَعُهُ عَلَى مَا ذَكَرَ ابْنُ أَبِي مُوسَى ، وَإِنْ سَلَّمْنَاهُ ، فَإِنَّ هَذَا مُفَارِقٌ لِسَائِرِ الرِّبَا بِمَا ذَكَرْنَاهُ ، وَهَذَا يُخَالِفُ رِبَا","part":24,"page":366},{"id":11866,"text":"الْجَاهِلِيَّةِ ؛ فَإِنَّهُ إسْقَاطٌ لِبَعْضِ الدَّيْنِ ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّة زِيَادَةٌ فِي الدَّيْنِ ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةُ يُفْضِي إلَى نَفَادِ مَالِ الْمَدِينِ ، وَتَحَمُّلِهِ مِنْ الدَّيْنِ مَا يَعْجِزُ عَنْ وَفَائِهِ ، فَيُحْبَسُ مِنْ أَجْلِهِ ، وَيُؤْسَرُ بِهِ ، وَهَذَا يُفْضِي إلَى تَعْجِيلِ عِتْقِ الْمُكَاتَبِ ، وَخَلَاصِهِ مِنْ الرِّقِّ ، وَالتَّخْفِيفِ عَنْهُ ، فَافْتَرَقَا .","part":24,"page":367},{"id":11867,"text":"( 8823 ) فَصْلٌ : فَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى الزِّيَادَةِ فِي الْأَجَلِ وَالدَّيْنِ ، مِثْلُ أَنْ يُكَاتِبَهُ عَلَى أَلْفٍ ، فِي نَجْمَيْنِ ، إلَى سَنَةٍ ، يُؤَدِّي فِي نِصْفِهَا خَمْسَمِائَةٍ ، وَفِي آخِرِهَا الْبَاقِيَ ، فَيَجْعَلَانِهَا إلَى سَنَتَيْنِ بِأَلْفٍ وَمِائَتَيْنِ ، فِي كُلِّ سَنَةٍ سِتُّمِائَةٍ ، أَوْ مِثْلُ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْهِ نَجْمٌ ، فَيَقُولَ : أَخِّرْنِي بِهِ إلَى كَذَا ، وَأَزِيدُك كَذَا .\rفَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ الْمُؤَجَّلَ إلَى وَقْتٍ ، لَا يَتَأَخَّرُ أَجَلُهُ عَنْ وَقْتِهِ بِاتِّفَاقِهِمَا عَلَيْهِ ، وَلَا يَتَغَيَّرُ أَجَلُهُ بِتَغْيِيرِهِ ، وَإِذَا لَمْ يَتَأَخَّرْ عَنْ وَقْتِهِ ، لَمْ تَصِحَّ الزِّيَادَةُ الَّتِي فِي مُقَابَلَتِهِ ، وَلِأَنَّ هَذَا يُشْبِهُ رِبَا الْجَاهِلِيَّةِ الْمُحَرَّمَ ، وَهُوَ الزِّيَادَةُ فِي الدَّيْنِ لِلزِّيَادَةِ فِي الْأَجَلِ ، وَيُفَارِقُ الْمَسْأَلَةَ الْأُولَى مِنْ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ .\rفَإِنْ قِيلَ : فَكَمَا أَنَّ الْأَجَلَ لَا يَتَأَخَّرُ ، كَذَلِكَ لَا يُتَعَجَّلُ ، وَلَا يَصِيرُ الدَّيْنُ الْمُؤَجَّلُ حَالًّا ، فَلِمَ جَازَ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى ؟ قُلْنَا : إنَّمَا جَازَ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى بِالتَّعْجِيلِ فِعْلًا ، فَإِنَّهُ إذَا دَفَعَ إلَيْهِ الدَّيْنَ الْمُؤَجَّلَ قَبْلَ مَحِلِّهِ ، جَازَ ، وَجَازَ لِلسَّيِّدِ إسْقَاطُ بَاقِي حَقِّهِ عَلَيْهِ ، وَفِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ يَأْخُذُ أَكْثَرَ مِمَّا وَقَعَ عَلَيْهِ الْعَقْدُ ، فَهُوَ ضِدُّ الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى ، وَهُوَ مُمْتَنِعٌ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ ؛ لِأَنَّ فِي ضِمْنِ الْكِتَابَةِ أَنَّكَ مَتَى أَدَّيْت إلَيَّ كَذَا ، فَأَنْتَ حُرٌّ .\rفَإِذَا أَدَّى إلَيْهِ ذَلِكَ ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَعْتِقَ ، فَإِنْ قِيلَ : فَإِذَا غُيِّرَ الْأَجَلُ وَالْعِوَضُ فَكَأَنَّهُمَا فَسَخَا الْكِتَابَةَ الْأُولَى ، وَجَعَلَاهَا كِتَابَةً ثَانِيَةً .\rقُلْنَا : لَمْ يَجْزِ بَيْنَهُمَا فَسْخٌ ، وَإِنَّمَا قَصَدَا تَغْيِيرَ الْعِوَضِ وَالْأَجَلِ ، عَلَى وَجْهٍ لَا يَصِحُّ ، فَيَبْطُلُ التَّغْيِيرُ وَيَبْطُلُ الْعَقْدُ بِحَالِهِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يَصِحَّ ذَلِكَ كَمَا فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى .\rفَعَلَى هَذَا ، لَوْ اتَّفَقَا","part":24,"page":368},{"id":11868,"text":"عَلَى ذَلِكَ .\rثُمَّ رَجَعَ أَحَدُهُمَا فَإِنَّ لَهُ الرُّجُوعَ .\rوَكَذَلِكَ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى ، لَوْ قَالَ : أُعَجِّلُ لَك مَالَ الْكِتَابَةِ ، وَتُسْقِطُ عَنِّي مِنْهُ كَذَا ؟ فَقَالَ : نَعَمْ .\rثُمَّ رَجَعَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ التَّعْجِيلِ ، فَلَهُ الرُّجُوعُ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّ الدَّيْنَ الْمُؤَجَّلَ لَا يَتَأَخَّرُ عَنْ أَجَلِهِ وَلَا يَتَقَدَّمُ ، وَإِنَّمَا لَهُ أَنْ يُؤَدِّيَهُ قَبْلَ مَحِلِّهِ ، وَلِمَنْ لَهُ الدَّيْنُ تَرْكُ قَبْضِهِ فِي مَحِلِّهِ ، وَذَلِكَ إلَى اخْتِيَارِهِ ، فَإِذَا وَعَدَ بِهِ ثُمَّ رَجَعَ قَبْلَ الْفِعْلِ ، فَلَهُ ذَلِكَ .","part":24,"page":369},{"id":11869,"text":"( 8824 ) فَصْلٌ : وَإِنْ صَالَحَ الْمُكَاتَبُ سَيِّدَهُ عَمَّا فِي ذِمَّتِهِ بِغَيْرِ جِنْسِهِ ، مِثْلُ أَنْ يُصَالِحَهُ عَنْ النُّقُودِ بِحِنْطَةٍ أَوْ شَعِيرٍ ، جَازَ ، إلَّا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُصَالِحَهُ عَلَى شَيْءٍ مُؤَجَّلٍ ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ بَيْعَ دَيْنٍ بِدِينِ .\rوَإِنْ صَالَحَهُ عَنْ الدَّرَاهِمِ بِدَنَانِيرَ ، أَوْ عَنْ الْحِنْطَةِ بِشَعِيرٍ ، لَمْ يَجُزْ التَّصَرُّفُ قَبْلَ الْقَبْضِ ؛ لِأَنَّ هَذَا بَيْعٌ فِي الْحَقِيقَةِ ، فَيُشْتَرَطُ لَهُ الْقَبْضُ فِي الْمَجْلِسِ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : يَحْتَمِلُ أَنْ لَا تَصِحَّ هَذِهِ الْمُصَالَحَةُ مُطْلَقًا ؛ لِأَنَّ هَذَا دَيْنٌ مِنْ شَرْطِهِ التَّأْجِيلُ ، فَلَمْ تَجُزْ الْمُصَالَحَةُ عَلَيْهِ بِغَيْرِهِ ، وَلِأَنَّهُ دَيْنٌ غَيْرُ مُسْتَقِرٍّ ، فَهُوَ كَدَيْنِ السَّلَمِ .\rوَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى : لَا يَجْرِي الرِّبَا بَيْنَ الْمُكَاتَبِ وَسَيِّدِهِ .\rفَعَلَى قَوْلِهِ ، تَجُوزُ الْمُصَالَحَةُ كَيْفَمَا كَانَتْ ، كَمَا يَجُوزُ ذَلِكَ بَيْن الْعَبْدِ الْقِنِّ وَسَيِّدِهِ .\rوَالْأَوْلَى مَا ذَكَرْنَاهُ ، وَيُفَارِقُ دَيْنُ الْكِتَابَةِ دَيْنَ السَّلَمِ ؛ فَإِنَّهُ يُفَارِقُ سَائِرَ الدُّيُونِ بِمَا ذَكَرْنَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ، فَمُفَارَقَتُهُ لِدَيْنِ السَّلَمِ أَعْظَمُ .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":24,"page":370},{"id":11870,"text":"( 8825 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : وَإِذَا كَانَ الْعَبْدُ بَيْنَ اثْنَيْنِ ، فَكَاتَبَ أَحَدَهُمَا ، فَلَمْ يُؤَدِّ كُلَّ كِتَابَتِهِ حَتَّى أَعْتَقَ الْآخَرُ ، وَهُوَ مُوسِرٌ ، فَقَدْ صَارَ الْعَبْدُ كُلُّهُ حُرًّا ، وَيَرْجِعُ الشَّرِيكُ عَلَى الْمُعْتِقِ بِنِصْفِ قِيمَتِهِ قَدْ ذَكَرْنَا فِيمَا تَقَدَّمَ ، أَنَّ الْعَبْدَ الْمُشْتَرَكَ يَجُوزُ لِأَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ كِتَابَةُ نَصِيبِهِ مِنْهُ ، بِغَيْرِ إذْنِ شَرِيكِهِ ، وَيَبْقَى سَائِرُهُ غَيْرَ مُكَاتَبٍ ، فَإِذَا فَعَلَ هَذَا ، فَأَعْتَقَ الَّذِي لَمْ يُكَاتِبْهُ حِصَّتَهُ مِنْهُ ، وَهُوَ مُوسِرٌ ، عَتَقَ ، وَسَرَى الْعِتْقُ إلَى بَاقِيه ، فَصَارَ كُلُّهُ حُرًّا ، وَيَضْمَنُ لِشَرِيكِهِ قِيمَةَ حِصَّتِهِ مِنْهُ ، وَيَكُونُ الرُّجُوعُ بِقِيمَتِهِ مُكَاتَبًا ، يَبْقَى عَلَى مَا بَقِيَ مِنْ كِتَابَتِهِ ؛ لِأَنَّ الرُّجُوعَ عَلَيْهِ بِقِيمَةِ مَا أَتْلَفَ ، وَإِنَّمَا أَتْلَفَ مُكَاتَبًا .\rوَإِنْ كَانَ الْمُعْتِقُ مُعْسِرًا ، لَمْ يَسْرِ الْعِتْقُ عَلَى مَا مَضَى فِي بَابِ الْعِتْقِ .\rوَقَالَ أَبُو بَكْرٍ ، وَالْقَاضِي : لَا يَسْرِي الْعِتْقُ فِي الْحَالِ ، لَكِنْ يُنْظَرُ ؛ فَإِنْ أَدَّى كِتَابَتَهُ عَتَقَ بَاقِيهِ بِالْكِتَابَةِ ، وَكَانَ وَلَاؤُهُ بَيْنَهُمَا ، وَإِنْ فُسِخَتْ كِتَابَتُهُ لِعَجْزِهِ ، سَرَى الْعِتْقُ ، وَقُوِّمَ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ ؛ لِأَنَّ سِرَايَةَ الْعِتْقِ فِي الْحَالِ مُفْضِيَةٌ إلَى إبْطَالِ الْوَلَاءِ الَّذِي انْعَقَدَ سَبَبُهُ ، وَنَقْلِهِ عَنْ الْمُكَاتِبِ إلَى غَيْرِهِ .\rوَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى : عِتْقُ الشَّرِيكِ مَوْقُوفٌ حَتَّى يُنْظَرَ مَا يَصْنَعُ فِي الْكِتَابَةِ ، فَإِنْ أَدَّاهَا ، عَتَقَ ، وَكَانَ الْمُكَاتِبُ ضَامِنًا لَقِيمَةِ نَصِيبِ شَرِيكِهِ ، وَوَلَاؤُهُ كُلُّهُ لِلْمُكَاتِبِ .\rوَإِنْ عَجَزَ ، سَرَى عِتْقُ الشَّرِيكِ ، وَضَمِنَ نِصْفَ الْقِيمَةِ لِلْمُكَاتِبِ ، وَكَانَ وَلَاؤُهُ كُلُّهُ لَهُ .\rوَأَمَّا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فَلَا يُجَوِّزُ كِتَابَةَ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ ، إلَّا أَنْ يَأْذَنَ فِيهِ شَرِيكُهُ ، فَيَكُونَ فِيهِ قَوْلَانِ ، فَإِذَا كَاتَبَهُ بِإِذْنِ شَرِيكِهِ ، ثُمَّ أَعْتَقَ الَّذِي لَمْ يُكَاتِبْ فَهَلْ يَسْرِي فِي الْحَالِ ، أَوْ يَقِفُ عَلَى","part":24,"page":371},{"id":11871,"text":"الْعَجْزِ ؟ فِيهِ قَوْلَانِ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ ، وَكَانَ لَهُ مَا يَبْلُغُ قِيمَةَ الْعَبْدِ قُوِّمَ عَلَيْهِ قِيمَةَ عَدْلٍ } .\rوَهَذَا دَاخِلٌ فِي عُمُومِهِ ، وَلِأَنَّهُ عِتْقٌ لَجُزْءٍ مِنْ الْعَبْدِ مُوسِرٍ ، غَيْرِ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ ، فَسَرَى إلَى بَاقِيهِ ، كَمَا لَوْ كَانَ قِنًّا ، وَلِأَنَّ مُقْتَضَى السِّرَايَةِ مُتَحَقِّقٌ ، وَالْمَانِعُ مِنْهَا لَمْ يَثْبُتْ كَوْنُهُ مَانِعًا ؛ فَإِنَّهُ لَا نَصَّ فِيهِ ، وَلَا أَصْلَ لَهُ يُقَاسُ عَلَيْهِ ، فَوَجَبَ أَنْ يَثْبُتَ .\rوَقَوْلُهُمْ : إنَّهُ يُفْضِي إلَى إبْطَالِ الْوَلَاءِ .\rقُلْنَا : إذَا كَانَ الْعِتْقُ يُؤَثِّرُ فِي إبْطَالِ الْمِلْكِ الثَّابِتِ الْمُسْتَقِرِّ ، الَّذِي الْوَلَاءُ مِنْ بَعْضِ آثَارِهِ ، فَلَأَنْ يُؤَثِّرَ فِي نَقْلِ الْوَلَاءِ بِمُفْرَدِهِ أَوْلَى ، وَلِأَنَّهُ لَوْ أَعْتَقَ عَبْدًا لَهُ أَوْلَادٌ مِنْ مُعْتَقَةِ قَوْمٍ ، نَقَلَ وَلَاءَهُمْ إلَيْهِ ، فَإِذَا نَقَلَ وَلَاءَهُمْ الثَّابِتَ بِإِعْتَاقِ غَيْرِهِمْ ، فَلَأَنْ يَنْقُلَ وَلَاءً لَمْ يَثْبُتْ بَعْدُ بِإِعْتَاقِ مَنْ عَلَيْهِ الْوَلَاءُ أَوْلَى ، وَلِأَنَّهُ نَقَلَ الْوَلَاءَ ثَمَّ عَمَّنْ لَمْ يَغْرَمْ لَهُ عِوَضًا ، فَلَأَنْ يَنْقُلَهُ بِالْعِوَضِ أَوْلَى ، فَانْتِقَالُ الْوَلَاءِ فِي مَوْضِعِ جَرِّ الْوَلَاءِ ، يُنَبِّهُ عَلَى سِرَايَةِ الْعِتْقِ .\rوَانْتِقَالِ الْوَلَاءُ إلَى الْمُعْتِقِ ؛ لِكَوْنِهِ أَوْلَى مِنْهُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ ؛ أَحَدُهَا ، أَنَّ الْوَلَاءَ ثَمَّ ثَابِتٌ ، وَهَا هُنَا بِعَرَضِ الثُّبُوتِ .\rوَالثَّانِي ، أَنَّ النَّقْلَ حَصَلَ ثَمَّ بِإِعْتَاقِ غَيْرِهِ ، وَهَا هُنَا بِإِعْتَاقِهِ .\rوَالثَّالِثُ ، أَنَّهُ انْتَقَلَ ثَمَّ بِغَيْرِ عِوَضٍ ، وَهَا هُنَا بِعِوَضٍ .\rفَصْلٌ : وَإِنْ كَانَ الْمُعْتِقُ مُعْسِرًا ، لَمْ يَسْرِ عِتْقُهُ ، وَكَانَ نَصِيبُهُ حُرًّا ، وَبَاقِيهِ عَلَى الْكِتَابَةِ ، فَإِنْ أَدَّى ، عَتَقَ عَلَيْهِمَا ، وَكَانَ وَلَاؤُهُ بَيْنَهُمَا ، وَإِنْ عَجَزَ ، عَادَ الْجُزْءُ الْمُكَاتَبُ رَقِيقًا قِنًّا ، إلَّا عَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي تَقُولُ : يُسْتَسْعَى الْعَبْدُ .\rفَإِنَّهُ يُسْتَسْعَى عِنْدَ","part":24,"page":372},{"id":11872,"text":"عَجْزِهِ فِي قِيمَةِ بَاقِيهِ ، وَلَا يُسْتَسْعَى فِي حَالِ الْكِتَابَةِ ؛ لِأَنَّ الْكِتَابَةَ سِعَايَةٌ فِيمَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ ، فَاسْتُغْنِيَ بِهَا عَنْ السِّعَايَةِ فِيمَا يَحْتَاجُ إلَى التَّقْوِيمِ ، فَإِذَا عَجَزَ وَفُسِخَتْ الْكِتَابَةُ ، بَطَلَتْ ، وَرَجَعَ إلَى السِّعَايَةِ فِي الْقِيمَةِ .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":24,"page":373},{"id":11873,"text":"( 8827 ) فَصْلٌ : وَنُقِلَ عَنْ أَحْمَدَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ عَبْدٍ بَيْنَ شَرِيكَيْنِ ، فَكَاتَبَاهُ عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ ، فَأَدَّى إلَيْهِمَا تِسْعَمِائَةٍ ؛ لِهَذَا أَرْبَعُمِائَةِ دِرْهَمٍ وَخَمْسِينَ دِرْهَمًا وَلِهَذَا أَرْبَعُمِائَةِ دِرْهَمٍ وَخَمْسِينَ دِرْهَمًا ثُمَّ إنَّ أَحَدَهُمَا ، أَعْتَقَ نَصِيبَهُ ؟ قَالَ : إنْ كَانَ لِلْمُعْتِقِ مَالٌ ، أَدَّى إلَى شَرِيكِهِ نِصْفَ قِيمَةِ الْعَبْدِ ، لَا يُحَاسِبُهُ بِهَا أَحَدٌ ؛ لِأَنَّهُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ ، وَلِأَنَّهُ قَدْ يَجُوزُ أَنْ يُعَجِّزَهُ ، فَيَعُودَ إلَى الرِّقِّ ، أَوْ يَمُوتَ ، فَيَكُونَ عِنْدَهُ مَالٌ ، فَهُوَ بَيْنَهُمَا .\rوَنَقَلَ عَنْهُ حَنْبَلٌ ، أَنَّهُ يَعْتِقُ إلَّا نِصْفَ الْمِائَةِ عَلَى هَذَا ، وَيَكُونُ الْوَلَاءُ عَلَى قَدْرِ مَا أَعْتَقَ .\rفَالرِّوَايَةُ الْأُولَى تُوَافِقُ قَوْلَ الْخِرَقِيِّ ، فَإِنَّهُ أَوْجَبَ عَلَى الْمُعْتِقِ غَرَامَةَ نِصْفِ قِيمَةِ الْعَبْدِ .\rوَيَنْبَغِي أَنْ تَجِبَ نِصْفُ قِيمَتِهِ ، عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي عَتَقَ عَلَيْهَا ، وَهُوَ كَوْنُهُ مُكَاتَبًا ، قَدْ أَدَّى كِتَابَتَهُ إلَّا مِائَةً مِنْهَا ، وَهِيَ عُشْرُهَا .\rوَأَمَّا رِوَايَةُ حَنْبَلٍ ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ عَلَى مَا قَالَ أَبُو بَكْرٍ وَالْقَاضِي ، فِي أَنَّهُ لَا يَسْرِي الْعِتْقُ إلَى الْجُزْءِ الْمُكَاتَبِ لِغَيْرِهِ .\rوَقَدْ نَصَرْنَا الرِّوَايَةَ الْأُولَى بِمَا ذَكَرْنَاهُ .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":24,"page":374},{"id":11874,"text":"( 8828 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : وَإِذَا عَجَزَ الْمُكَاتَبُ ، وَرُدَّ فِي الرِّقِّ ، وَكَانَ قَدْ تَصَدَّقَ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ ، فَهُوَ لِسَيِّدِهِ وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْمُكَاتَبَ إذَا عَجَزَ ، وَفِي يَدِهِ مَالٌ ، وَرُدَّ فِي الرِّقِّ ، فَهُوَ لِسَيِّدِهِ ، سَوَاءٌ كَانَ مِنْ كَسْبِهِ ، أَوْ مِنْ صَدَقَةِ .\rتَطَوُّعٍ ، أَوْ وَصِيَّةٍ .\rوَمَا كَانَ مِنْ صَدَقَةٍ مَفْرُوضَةٍ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، هُوَ لِسَيِّدِهِ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ .\rوَقَالَ عَطَاءٌ : يَجْعَلُهُ فِي السَّبِيلِ أَحَبُّ إلَيَّ ، وَإِنْ أَمْسَكَهُ فَلَا بَأْسَ .\rوَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ ، يُؤْخَذُ مَا بَقِيَ فِي يَدِهِ ، فَيُجْعَلُ فِي الْمُكَاتَبِينَ .\rنَقَلَهَا حَنْبَلٌ .\rوَهُوَ قَوْلُ شُرَيْحٍ ، وَالنَّخَعِيِّ ، وَالثَّوْرِيِّ .\rوَاخْتَارَ أَبُو بَكْرٍ وَالْقَاضِي ، أَنَّهُ يُرَدُّ إلَى أَرْبَابِهِ .\rوَهُوَ قَوْلُ إِسْحَاقَ ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا دُفِعَ إلَيْهِ لِيُصْرَفَ فِي الْعِتْقِ ، فَإِذَا لَمْ يُصْرَفْ فِيهِ ، وَجَبَ رَدُّهُ ، كَالْغَازِي وَالْغَارِمِ وَابْنِ السَّبِيلِ .\rوَلَنَا أَنَّ ابْنَ عُمَرَ رَدَّ مُكَاتَبًا فِي الرِّقِّ ، فَأَمْسَكَ مَا أَخَذَهُ مِنْهُ .\rوَلِأَنَّهُ يَأْخُذُ لِحَاجَتِهِ ، فَلَمْ يَرُدَّ مَا أَخَذَهُ ، كَالْفَقِيرِ وَالْمِسْكِينِ ، وَأَمَّا الْغَازِي ، فَإِنَّهُ يَأْخُذُ لِحَاجَتِنَا إلَيْهِ ، بِقَدْرِ مَا يَكْفِيه لِغَزْوِهِ ، وَأَمَّا الْغَارِمُ ، فَإِنْ غَرِمَ لِإِصْلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ ، فَهُوَ كَالْغَازِي ، يَأْخُذُ لِحَاجَتِنَا ، وَإِنْ غَرِمَ لِمَصْلَحَةِ نَفْسِهِ ، فَهُوَ كَمَسْأَلَتِنَا ، لَا يَرُدُّهُ .","part":24,"page":375},{"id":11875,"text":"( 8829 ) فَصْلٌ : وَأَمَّا مَا أَدَّاهُ إلَى سَيِّدِهِ قَبْلَ عَجْزِهِ ، فَلَا يَجِبُ رَدُّهُ بِحَالٍ ؛ لِأَنَّ الْمُكَاتَبَ صَرَفَهُ فِي الْجِهَةِ الَّتِي أَخَذَهُ لَهَا ، وَثَبَتَ مِلْكُ سَيِّدِهِ عَلَيْهِ مِلْكًا مُسْتَقِرًّا ، فَلَمْ يَزُلْ مِلْكُهُ عَنْهُ ، كَمَا لَوْ عَتَقَ الْمُكَاتَبُ ، وَيُفَارِقُ مَا فِي يَدِ الْمُكَاتَبِ ؛ لِأَنَّ مِلْكَ سَيِّدِهِ لَمْ يَثْبُتْ عَلَيْهِ قَبْلَ هَذَا ، وَالْخِلَافُ فِي ابْتِدَاءِ ثُبُوتِهِ .","part":24,"page":376},{"id":11876,"text":"وَمَا تَلِفَ فِي يَدِ الْمُكَاتَبِ ، لَمْ يُرْجَعْ عَلَيْهِ بِهِ ، سَوَاءٌ عَجَزَ أَوْ أَدَّى ؛ لِأَنَّ مَالَهُ تَلِفَ فِي يَدِهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ تَلِفَ مَا فِي يَدِ سَائِرِ أَصْنَافِ الصَّدَقَةِ .","part":24,"page":377},{"id":11877,"text":"وَإِنْ اشْتَرَى بِهِ عَرْضًا وَعَجَزَ ، وَالْعَرْضُ فِي يَدِهِ ، فَفِيهِ مِنْ الْخِلَافِ مِثْلُ مَا لَوْ وُجِدَ بِعَيْنِهِ ؛ لِأَنَّ الْعَرْضَ عِوَضُهُ ، وَقَائِمٌ مَقَامَهُ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أُعْطِيَ الْغَازِي مِنْ الصَّدَقَةِ مَا اشْتَرَى بِهِ فَرَسًا وَسِلَاحًا ، ثُمَّ فَضَلَ ذَلِكَ عَنْ حَاجَتِهِ .","part":24,"page":378},{"id":11878,"text":"( 8830 ) فَصْلٌ : وَمَوْتُ الْمُكَاتَبِ قَبْلَ الْأَدَاءِ كَعَجْزِهِ ، فِيمَا ذَكَرْنَا ؛ لِأَنَّ سَيِّدَهُ يَأْخُذُ مَا فِي يَدِهِ قَبْلَ حُصُولِ مَقْصُودِ الْكِتَابَةِ .","part":24,"page":379},{"id":11879,"text":"وَإِنْ أَدَّى ، وَبَقِيَ فِي يَدِهِ شَيْءٌ ، فَحُكْمُهُ فِي رَدِّهِ أَوْ أَخْذِهِ لِنَفْسِهِ ، حُكْمُ سَيِّدِهِ فِي ذَلِكَ عِنْدَ عَجْزِهِ ؛ لِأَنَّ مَا لَمْ يُؤَدِّهِ فِي كِتَابَتِهِ ، بَقِيَ بَعْدَ زَوَالِهَا .","part":24,"page":380},{"id":11880,"text":"وَإِنْ كَانَ قَدْ اسْتَدَانَ مَا أَدَّاهُ فِي الْكِتَابَةِ ، وَبَقِيَ عَنَدَهُ مِنْ الصَّدَقَةِ بِقَدْرِ مَا يَقْضِي بِهِ دَيْنَهُ ، لَمْ يَلْزَمْهُ رَدُّهُ ؛ لِأَنَّهُ مُحْتَاجُ إلَيْهِ بِسَبَبِ الْكِتَابَةِ ، فَأَشْبَهَ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ فِي أَدَائِهَا .","part":24,"page":381},{"id":11881,"text":"( 8831 ) مَسْأَلَةٌ ؛ قَالَ : وَإِذَا اشْتَرَى الْمُكَاتَبَانِ ، كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْآخَرَ ، صَحَّ شِرَاءُ الْأَوَّلِ ، وَبَطَلَ شِرَاءُ الْآخَرِ .\rلَا خِلَافَ فِي أَنَّ الْمُكَاتَبَ يَصِحُّ شِرَاؤُهُ لِلْعَبِيدِ ، وَالْمُكَاتَبَ يَجُوزُ بَيْعُهُ ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا .\rفَإِذَا اشْتَرَى أَحَدُ الْمُكَاتَبَيْنِ الْآخَرَ ، صَحَّ شِرَاؤُهُ ، وَمِلْكُهُ ؛ لِأَنَّ التَّصَرُّفَ صَدَرَ مِنْ أَهْلِهِ فِي مَحَلِّهِ ، وَسَوَاءٌ كَانَا مُكَاتَبَيْنِ لَسَيِّدٍ وَاحِدٍ ، أَوْ لِسَيِّدَيْنِ .\rفَإِذَا عَادَ الثَّانِي ، فَاشْتَرَى الَّذِي اشْتَرَاهُ ، لَمْ يَصِحَّ ؛ لِأَنَّهُ سَيِّدُهُ وَمَالِكُهُ ، وَلَيْسَ لِلْمَمْلُوكِ أَنْ يَمْلِكَ مَالِكَهُ ؛ لِأَنَّهُ يُفْضِي إلَى تَنَاقُضِ الْأَحْكَامِ ، إذْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَقُولُ لِصَاحِبِهِ : أَنَا سَيِّدُكَ ، وَلِي عَلَيْكَ مَالُ الْكِتَابَةِ تُؤَدِّيهِ إلَيَّ ، وَإِنْ عَجَزْتَ فَلِي فَسْخُ كِتَابَتِكَ ، وَرَدُّكَ إلَيَّ أَنْ تَكُونَ رَقِيقًا لِي .\rوَهَذَا تَنَاقُضٌ ، وَإِذَا تَنَافَى أَنْ تَمْلِكَ الْمَرْأَةُ زَوْجَهَا مِلْكَ الْيَمِينِ ؛ لِثُبُوتِ مِلْكِهِ عَلَيْهَا فِي النِّكَاحِ ، فَهَاهُنَا أَوْلَى ، وَلِأَنَّهُ لَوْ صَحَّ هَذَا ، لَتَقَاصَّ الدَّيْنَانِ إذَا تَسَاوَيَا ، وَعَتَقَا جَمِيعًا .\rفَإِذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَشِرَاءُ الْأَوَّلِ صَحِيحٌ ، وَالْمَبِيعُ هَاهُنَا بَاقٍ عَلَى كِتَابَتِهِ ، فَإِنْ أَدَّى عَتَقَ ، وَوَلَاؤُهُ مَوْقُوفٌ ، فَإِنْ أَدَّى سَيِّدُهُ كِتَابَتَهُ ، كَانَ لَهُ ؛ لِأَنَّهُ عَتَقَ بِأَدَائِهِ إلَيْهِ ، وَإِنْ عَجَزَ ، فَوَلَاؤُهُ لِسَيِّدِهِ ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ لَا يَثْبُتُ لَهُ وَلَاءٌ ، وَلِأَنَّ السَّيِّدَ يَأْخُذُ مَالَهُ ، فَكَذَلِكَ حُقُوقَهُ .\rهَذَا مُقْتَضَى قَوْلِ الْقَاضِي ، وَمُقْتَضَى قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ ، أَنَّ الْوَلَاءَ لِسَيِّدِهِ ؛ لِأَنَّ الْمُكَاتَبَ عَبْدٌ لَا يَثْبُتُ لَهُ الْوَلَاءُ ، فَيَثْبُتُ لِسَيِّدِهِ .\rوَكَذَلِكَ فِيمَا إذَا أَعْتَقَ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ ، أَوْ كَاتَبَ عَبْدَهُ فَأَدَّى كِتَابَتَهُ ، وَهَذَا نَظِيرُهُ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُمَا ؛ لِكَوْنِ الْعِتْقِ تَمَّ بِإِذْنِ السَّيِّدِ ، فَيَحْصُلُ الْإِنْعَامُ مِنْهُ بِإِذْنِهِ فِيهِ ، وَهَا","part":24,"page":382},{"id":11882,"text":"هُنَا لَا يَفْتَقِرُ إلَى إذْنِهِ ، فَلَا نِعْمَةَ لَهُ عَلَيْهِ ، فَلَا يَكُونُ لَهُ عَلَيْهِ وَلَاءٌ مَا لَمْ يُعَجِّزْهُ سَيِّدُهُ .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .\r( 8832 ) فَصْلٌ : فَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ السَّابِقُ مِنْهُمَا ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : يَبْطُلُ الْبَيْعَانِ ، وَيُرَدُّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إلَى كِتَابَتِهِ ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَشْكُوكٌ فِي صِحَّةِ بَيْعِهِ فَيُرَدُّ إلَى الْيَقِينِ .\rوَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّهُ يَجْرِي مَجْرَى مَا إذَا زَوَّجَ الْوَلِيَّانِ فَأَشْكَلَ الْأَوَّلُ مِنْهُمَا ، فَيَقْتَضِي هَذَا أَنْ يُفْسَخَ الْبَيْعَانِ ، كَمَا يُفْسَخ النِّكَاحَانِ .\rوَعَلَى قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ ، لَا حَاجَةَ إلَى الْفَسْخِ ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ إنَّمَا اُحْتِيجَ إلَى فَسْخِهِ مِنْ أَجْلِ الْمَرْأَةِ ؛ فَإِنَّهَا مَنْكُوحَةٌ نِكَاحًا صَحِيحًا ، لَوَاحِدٍ مِنْهُمَا يَقِينًا فَلَا يَزُولُ إلَّا بِفَسْخٍ ، وَفِي مَسْأَلَتِنَا لَمْ يَثْبُتْ تَعَيُّنُ الْبَيْعِ فِي وَاحِدٍ بِعَيْنِهِ فَلَمْ يُفْتَقَرْ إلَى فَسْخٍ .","part":24,"page":383},{"id":11883,"text":"( 8833 ) فَصْلٌ : وَإِذَا كَاتَبَ عَبِيدًا لَهُ ، صَفْقَةً وَاحِدَةً ، بِعِوَضٍ وَاحِدٍ ، مِثْلُ أَنْ يُكَاتِبَ ثَلَاثَةَ أَعْبُدٍ لَهُ بِأَلْفٍ صَحَّ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، مِنْهُمْ عَطَاءٌ وَسُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى وَأَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ وَإِسْحَاقُ .\rوَهُوَ الْمَنْصُوصُ عَنْ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ : فِيهِ قَوْلٌ آخَرُ ، لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ مَعَ ثَلَاثَةٍ ، كَعُقُودِ ثَلَاثَةٍ ، وَعِوَضُ كُلٍّ مِنْهُمْ مَجْهُولٌ ، فَلَمْ يَصِحَّ كَمَا لَوْ بَاعَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ لَوَاحِدٍ صَفْقَةً وَاحِدَةً بِعِوَضٍ وَاحِدٍ .\rوَلَنَا ، أَنَّ جُمْلَةَ الْعِوَضِ مَعْلُومَةٌ ، وَإِنَّمَا جُهِلَ تَفْصِيلُهَا فَلَمْ تَمْنَعْ صِحَّةَ الْعَقْدِ ، كَمَا لَوْ بَاعَهُمْ لَوَاحِدٍ .\rوَعَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ : إنَّ الْعِوَضَ يَكُونُ بَيْنَهُمْ عَلَى السَّوَاءِ فَقَدْ عُلِمَ أَيْضًا تَفْصِيلُ الْعِوَضِ وَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ثُلُثٌ ، وَكَذَا يَقُولُ فِيمَا لَوْ بَاعَهُمْ لِثَلَاثَةٍ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مُكَاتَبٌ بِحِصَّتِهِ مِنْ الْأَلْفِ ، وَيُقْسَمُ بَيْنَهُمْ عَلَى قَدْرِ قِيمَتِهِمْ حِينَ الْعَقْدِ ؛ لِأَنَّهُ حِينَ الْمُعَاوَضَةِ ، وَزَوَالِ سُلْطَانِ السَّيِّدِ عَنْهُمْ ، فَإِذَا أَدَّاهُ ، عَتَقَ .\rهَذَا قَوْلُ عَطَاءٍ وَسُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى وَالْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ وَالشَّافِعِيِّ وَإِسْحَاقَ وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيز : يَتَوَجَّهُ لِأَبِي عَبْد اللَّه قَوْلٌ آخَرُ ، أَنَّ الْعِوَضَ بَيْنَهُمْ عَلَى عَدَدِ رُءُوسِهِمْ ، فَيَتَسَاوَوْنَ فِيهِ ؛ لِأَنَّهُ أُضِيفَ إلَيْهِمْ إضَافَةً وَاحِدَةً فَكَانَ بَيْنَهُمْ بِالسَّوِيَّةِ ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ لَهُمْ بِشَيْءٍ وَلَنَا أَنَّ هَذَا عِوَضٌ فَتَقَسَّطَ عَلَى الْمُعَوِّضِ ، كَمَا لَوْ اشْتَرَى شِقْصًا وَسَيْفًا ، وَكَمَا لَوْ اشْتَرَى عَبِيدًا .\rفَرَدَّ وَاحِدًا مِنْهُمْ بِعَيْبٍ ، أَوْ أَتْلَفَ أَحَدَهُمْ وَرَدَّ الْآخَرَ .\rوَيُخَالِفُ الْإِقْرَارَ ؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِعِوَضٍ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا فَأَيُّهُمْ أَدَّى حِصَّتَهُ عَتَقَ وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ ابْنُ أَبِي","part":24,"page":384},{"id":11884,"text":"مُوسَى : لَا يَعْتِقُ وَاحِدٌ مِنْهُمْ حَتَّى يُؤَدِّيَ جَمِيعَ الْكِتَابَةِ .\rوَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ .\rوَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ .\rوَحُكِيَ عَنْهُ أَنَّهُ إذَا امْتَنَعَ أَحَدُهُمْ عَنْ الْكَسْبِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ ، أُجْبِرَ عَلَيْهِ الْبَاقُونَ .\rوَاحْتَجُّوا بِأَنَّ الْكِتَابَةَ وَاحِدَةٌ ؛ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ الْكِتَابَةُ بِقَدْرِ حِصَّتِهِ دُونَ الْبَاقِينَ ، وَلَا يَحْصُلُ الْعِتْقُ إلَّا بِأَدَاءِ جَمِيعِ الْكِتَابَةِ كَمَا لَوْ كَانَ الْمُكَاتَبُ وَاحِدًا ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إنْ لَمْ يَقُلْ لَهُمْ السَّيِّدُ إنْ أَدَّيْتُمْ عَتَقْتُمْ : فَأَيُّهُمْ أَدَّى حِصَّتَهُ ، عَتَقَ .\rوَإِنْ أَدَّى جَمِيعَهَا ، عَتَقُوا كُلُّهُمْ ، وَلَمْ يَرْجِعْ عَلَى صَاحِبَيْهِ بِشَيْءٍ .\rوَإِنْ قَالَ لَهُمْ : إنْ أَدَّيْتُمْ عَتَقْتُمْ .\rلَمْ يَعْتِقْ وَاحِدٌ مِنْهُمْ حَتَّى تُؤَدَّى الْكِتَابَةُ كُلُّهَا وَيَكُونَ بَعْضُهُمْ حَمِيلًا عَنْ بَعْضٍ ، وَيَأْخُذُ أَيُّهُمْ شَاءَ بِالْمَالِ ، وَأَيُّهُمْ أَدَّاهَا عَتَقُوا كُلُّهُمْ ، وَرَجَعَ عَلَى صَاحِبَيْهِ بِحِصَّتِهِمَا .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ مَعَ ثَلَاثَةٍ ، فَاعْتُبِرَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِأَدَاءِ حِصَّتِهِ كَمَا لَوْ اشْتَرَوْا عَبْدًا ، وَكَمَا لَوْ لَمْ يَقُلْ لَهُمْ إنْ أَدَّيْتُمْ عَتَقْتُمْ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ، فَإِنَّ قَوْلَهُ ذَلِكَ لَا يُؤَثِّرُ ؛ لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَ الْعِتْقِ بِأَدَاءِ الْعِوَضِ ، لَا بِهَذَا الْقَوْلِ ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَعْتِق بِالْأَدَاءِ بِدُونِ هَذَا الْقَوْلِ ، وَلَمْ يَثْبُتْ كَوْنُ هَذَا الْقَوْلِ مَانِعًا مِنْ الْعِتْقِ ، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ هَذَا الْعَقْدَ كِتَابَةٌ وَاحِدَةٌ ، فَإِنَّ الْعَقْدَ مَعَ جَمَاعَةٍ عُقُودٌ ، بِدَلِيلِ الْبَيْعِ ، وَلَا يَصِحُّ الْقِيَاسُ عَلَى كِتَابَةِ الْوَاحِدِ ؛ لِأَنَّ مَا قَدَّرَهُ فِي مُقَابَلَةِ عِتْقِهِ ، وَهَا هُنَا فِي مُقَابَلَةِ عِتْقِهِ مَا يَخُصُّهُ ، فَافْتَرَقَا .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّهُ إنْ شَرَطَ عَلَيْهِمْ فِي الْعَقْدِ ، أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ضَامِنٌ عَنْ الْبَاقِينَ ، فَالشَّرْطُ فَاسِدٌ ، وَالْعَقْدُ صَحِيحٌ .\rوَقَالَ أَبُو","part":24,"page":385},{"id":11885,"text":"الْخَطَّابِ : فِي الشَّرْطِ رِوَايَةٌ أُخْرَى أَنَّهُ صَحِيحٌ .\rوَخَرَّجَهُ ابْنُ حَامِدٍ وَجْهًا ، بِنَاءً عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي ضَمَانِ الْحُرِّ لِمَالِ الْكِتَابَةِ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ الْعَقْدُ وَالشَّرْطُ فَاسِدَانِ ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ فَاسِدٌ ، وَلَا يُمْكِنُ تَصْحِيحُ الْعَقْدِ بِدُونِهِ ؛ لِأَنَّ السَّيِّدَ إنَّمَا رَضِيَ بِالْعَقْدِ بِهَذَا الشَّرْطِ ، فَإِذَا لَمْ يَثْبُتْ ، لَمْ يَكُنْ رَاضِيًا بِالْعَقْدِ .\rوَقَالَ مَالِكٌ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ : الْعَقْدُ وَالشَّرْطُ صَحِيحَانِ ؛ لِأَنَّهُ مُقْتَضَى الْعَقْدِ عِنْدَهُمَا .\rوَلَنَا ، أَنَّ مَالَ الْكِتَابَةِ لَيْسَ بِلَازِمٍ ، وَلَا مَآلُهُ إلَى اللُّزُومِ ، فَلَمْ يَصِحَّ ضَمَانُهُ ، كَمَا لَوْ جَعَلَ الْمَالَ صِفَةً مُجَرَّدَةً فِي الْعِتْقِ ، فَقَالَ : إنْ أَدَّيْت إلَيَّ أَلْفًا ، فَأَنْتَ حُرٌّ .\rوَلِأَنَّ الضَّامِنَ لَا يَلْزَمُهُ أَكْثَرُ مِمَّا يَلْزَمُ الْمَضْمُونَ عَنْهُ ، وَمَالُ الْكِتَابَةِ لَا يَلْزَمُ الْمُكَاتَبَ ، فَلَا يَلْزَمُ الضَّامِنَ ، وَلِأَنَّ الضَّمَانَ تَبَرُّعٌ ، وَلَيْسَ لِلْمُكَاتَبِ التَّبَرُّعُ ، وَلِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ الضَّمَانَ عَنْ حُرٍّ ، وَلَا عَمَّنْ لَيْسَ مَعَهُ فِي الْكِتَابَةِ ، فَكَذَلِكَ مَنْ مَعَهُ .\rوَأَمَّا الْعَقْد فَصَحِيحٌ ؛ لِأَنَّ الْكِتَابَةَ لَا تَفْسُدُ بِفَسَادِ الشَّرْطِ ؛ بِدَلِيلِ خَبَرِ بَرِيرَةَ ، وَسَنَذْكُرُهُ فِيمَا بَعْدُ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .\r( 8834 ) فَصْلٌ : إذَا مَاتَ بَعْضُ الْمُكَاتَبِينَ ، سَقَطَ قَدْرُ حِصَّتِهِ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ .\rوَكَذَلِكَ إنْ أُعْتِقَ بَعْضُهُمْ .\rوَعَنْ مَالِكٍ إنْ أَعْتَقَ السَّيِّدُ أَحَدَهُمْ وَكَانَ مُكْتَسِبًا ، لَمْ يَنْفُذْ عِتْقُهُ ؛ لِأَنَّهُ يَضُرُّ بِالْبَاقِينَ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُكْتَسِبًا ، نَفَذَ عِتْقُهُ ؛ لِعَدَمِ الضَّرَرِ فِيهِ .\rوَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَعْتِقُ وَاحِدٌ مِنْهُمْ حَتَّى يُؤَدِّيَ جَمِيعَ مَالِ الْكِتَابَةِ ، وَقَدْ مَضَى الْكَلَامُ فِيهِ .","part":24,"page":386},{"id":11886,"text":"( 8835 ) فَصْلٌ : فَإِنْ أَدَّى أَحَدُ الْمُكَاتَبِينَ عَنْ صَاحِبِهِ ، أَوْ عَنْ مُكَاتَبٍ آخَرَ ، قَبْلَ أَدَاءِ مَا عَلَيْهِ ، بِغَيْرِ عِلْمِ سَيِّدِهِ ، لَمْ يَصِحَّ ؛ لِأَنَّ هَذَا تَبَرُّعٌ ، وَلَيْسَ لَهُ التَّبَرُّعُ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ .\rوَإِنْ كَانَ قَدْ حَلَّ عَلَيْهِ نَجْمٌ ، صُرِفَ ذَلِكَ فِيهِ .\rوَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَلَّ عَلَيْهِ نَجْمٌ ، فَلَهُ الرُّجُوعُ فِيهِ .\rوَإِنْ عَلَمِ السَّيِّدُ بِذَلِكَ ، وَرَضِيَ بِقَبْضِهِ عَنْ الْآخَرِ ، صَحَّ ؛ لِأَنَّ قَبْضَهُ لَهُ رَاضِيًا بِهِ مَعَ الْعِلْمِ ، دَلِيلٌ عَلَى الْإِذْنِ فِيهِ ، فَجَازَ ، كَمَا لَوْ أَذِنَ فِيهِ تَصْرِيحًا .\rوَإِنْ كَانَ الْأَدَاءُ بَعْدَ أَنْ عَتَقَ ، صَحَّ ، سَوَاءٌ عَلِمَ السَّيِّدُ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ .\rفَإِذَا أَرَادَ الرُّجُوعَ عَلَى صَاحِبِهِ بِمَا أَدَّى عَنْهُ ، نَظَرْنَا ؛ فَإِنْ كَانَ قَدْ قَصَدَ التَّبَرُّعَ عَلَيْهِ ، لَمْ يَرْجِعْ بِهِ ، وَإِنْ أَدَّاهُ مُحْتَسِبًا بِالرُّجُوعِ عَلَيْهِ ، وَكَانَ الْأَدَاءُ بِإِذْنِ الْمُؤَدَّى عَنْهُ ، فَهُوَ قَرْضٌ ، يَلْزَمُهُ أَدَاؤُهُ كَمَا لَوْ اقْتَرَضَهُ مِنْهُ ، وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ إذْنِهِ لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ عَلَيْهِ بِأَدَاءِ مَا لَا يَلْزَمُهُ كَمَا لَوْ تَصَدَّقَ عَنْهُ صَدَقَةَ تَطَوُّعٍ ، وَبِهَذَا فَارَقَ سَائِرَ الدُّيُونِ .\rوَإِنْ كَانَ بِإِذْنِهِ ، وَطَلَبَ اسْتِيفَاءَهُ ، قُدِّمَ عَلَى أَدَاءِ مَالِ الْكِتَابَةِ ، كَسَائِرِ الدُّيُونِ .\rوَإِذَا عَجَزَ عَنْ أَدَائِهِ ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ سَائِرِ الدُّيُونِ .\rوَهَذَا كُلُّهُ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ .","part":24,"page":387},{"id":11887,"text":"( 8836 ) فَصْلٌ : وَلَا يَصِحُّ ضَمَانُ الْحُرِّ لِمَالِ الْكِتَابَةِ .\rوَذَكَرَ الْقَاضِي فِيهِ رِوَايَتَيْنِ ؛ إحْدَاهُمَا يَصِحُّ ضَمَانُهُ ؛ لِأَنَّهُ عِوَضٌ فِي مُعَاوَضَةٍ ، فَصَحَّ ضَمَانُهُ ، كَثَمَنِ الْمَبِيعِ .\rوَلَنَا ، مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ قَبْلُ ، وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُهُ عَلَى الثَّمَنِ ؛ لِأَنَّهُ لَازِمٌ ، وَهَذَا غَيْرُ لَازِمٍ .","part":24,"page":388},{"id":11888,"text":"( 8837 ) فَصْلٌ : وَإِذَا أَدَّوْا مَا عَلَيْهِمْ ، أَوْ بَعْضَهُ ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا ، فَقَالَ مَنْ كَثُرَتْ قِيمَتُهُ : أَدَّى كُلُّ وَاحِدٍ بِقَدْرِ مَا عَلَيْهِ ، فَلَا فَضْلَ لِأَحَدِنَا عَلَى صَاحِبِهِ .\rوَقَالَ مَنْ قَلَّتْ قِيمَتُهُ : أَدَّيْنَا عَلَى السَّوَاءِ ، فَلِي الْفَضْلُ عَلَيْكَ ، أَوْ يَكُونُ وَدِيعَةً لِي عِنْدَ سَيِّدِنَا .\rفَالْقَوْلُ قَوْلُ الْأَوَّلِ ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ لَا يُؤَدِّي أَكْثَرَ مِنْهُ ، فَرَجَحَتْ دَعْوَاهُ بِذَلِكَ .\rفَإِنْ كَانَ الْمُؤَدَّى أَكْثَرَ مِمَّا عَلَيْهِمْ ، وَاخْتَلَفُوا فِي الزِّيَادَةِ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ يَدَّعِي التَّسَاوِي ؛ لِأَنَّهُمْ اشْتَرَكُوا فِي أَدَائِهِ ، فَكَانَتْ أَيْدِيهِمْ عَلَيْهِ ، فَاسْتَوَوْا فِيهِ ، كَمَا لَوْ كَانَ فِي أَيْدِيهِمْ مَالٌ فَاخْتَلَفُوا فِيهِ .","part":24,"page":389},{"id":11889,"text":"( 8838 ) فَصْلٌ : وَإِنْ جَنَى بَعْضُهُمْ ، فَجِنَايَتُهُ عَلَيْهِ دُونَ صَاحِبِهِ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .\rوَقَالَ مَالِكٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : يُؤَدُّونَ كُلُّهُمْ أَرْشَهُ ، فَإِنْ عَجَزُوا رَقُّوا .\rوَلَنَا ، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى } .\rوَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا يَجْنِي جَانٍ إلَّا عَلَى نَفْسِهِ } .\rوَلِأَنَّهُ لَوْ اشْتَرَكَ رَجُلَانِ ، وَتَعَاقَدَا ، لَمْ يَحْمِلْ أَحَدُهُمَا جِنَايَةَ صَاحِبِهِ ، فَكَذَا هَاهُنَا ؛ لِأَنَّ مَا لَا يَصِحُّ ، لَا يَتَضَمَّنُهُ عَقْدُ الْكِتَابَةِ ، وَلَا يَجِبُ عَلَى أَحَدِهِمَا بِفِعْلِ الْآخَرِ ، كَالْقِصَاصِ ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُكَاتَبٌ بِحِصَّتِهِ ، فَهُوَ كَالْمُنْفَرِدِ بِعَقْدِهِ .","part":24,"page":390},{"id":11890,"text":"( 8839 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَإِذَا شَرَطَ فِي كِتَابَتِهِ أَنْ يُوَالِيَ مَنْ شَاءَ ، فَالْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ ، وَالشَّرْطُ بَاطِلٌ ) .\rأَمَّا الشَّرْط فَبَاطِلٌ .\rلَا نَعْلَمُ فِي بُطْلَانِهِ خِلَافًا ؛ وَذَلِكَ لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا .\rقَالَتْ : { كَانَتْ فِي بَرِيرَةَ ثَلَاثُ قَضِيَّاتٍ ، أَرَادَ أَهْلُهَا أَنْ يَبِيعُوهَا وَيَشْتَرِطُوا الْوَلَاءَ ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : اشْتَرِيهَا ، وَأَعْتِقِيهَا ، فَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ .\r} مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { : اشْتَرِيهَا ، وَاشْتَرِطِي لَهُمْ الْوَلَاءَ ، فَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ .\rفَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي النَّاسِ فَحَمِدَ اللَّهَ ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، ثُمَّ قَالَ أَمَّا بَعْدُ ، فَمَا بَالُ نَاسٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ ، مَنْ اشْتَرَطَ شَرْطًا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ ، وَإِنْ كَانَ مِائَةَ شَرْطٍ ، قَضَاءُ اللَّهِ أَحَقُّ وَشَرْطُ اللَّهِ أَوْثَقُ ، فَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ } .\rمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَلِأَنَّ الْوَلَاءَ لَا يَصِحُّ نَقْلُهُ بِدَلِيلِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ بَيْعِ الْوَلَاءِ وَهِبَتِهِ ، وَقَالَ { إنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ } .\rوَلِأَنَّهُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ ، فَلَمْ يَصِحَّ اشْتِرَاطُهُ لِغَيْرِ صَاحِبِهِ ، كَالْقَرَابَةِ ، وَلِأَنَّهُ حُكْمُ الْعِتْقِ فَلَمْ يَصِحَّ اشْتِرَاطُهُ لِغَيْرِ الْمُعْتِقِ ، كَمَا لَا يَصِحُّ اشْتِرَاطُ حُكْمِ النِّكَاحِ لِغَيْرِ النَّاكِحِ ، وَلَا حُكْمِ الْبَيْعِ لِغَيْرِ الْعَاقِدِ .\rوَسَوَاءٌ شَرَطَ أَنْ يُوَالِيَ مَنْ شَاءَ أَوْ شَرَطَهُ لِبَائِعِهِ ، أَوْ لَرَجُلٍ آخَرَ بِعَيْنِهِ .\rوَلَا تَفْسُدُ الْكِتَابَةُ بِهَذَا الشَّرْطِ .\rنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : يَفْسُدُ بِهِ ، كَمَا لَوْ شَرَطَ عِوَضًا مَجْهُولًا .\rوَيَتَخَرَّجُ لَنَا مِثْلُ ذَلِكَ ؛ بِنَاءً","part":24,"page":391},{"id":11891,"text":"عَلَى الشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ فِي الْبَيْعِ .\rوَلَنَا ، حَدِيثُ بَرِيرَةَ ؛ فَإِنَّ أَهْلَهَا شَرَطُوا لَهُمْ الْوَلَاءَ ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِشِرَائِهَا مَعَ هَذَا الشَّرْطِ .\rوَقَالَ : { إنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ } .\rوَيُفَارِقُ جَهَالَةَ الْعِوَضِ ؛ فَإِنَّهُ رُكْنُ الْعَقْدِ ، لَا يُمْكِنُ تَصْحِيحُ الْعَقْدِ بِدُونِهِ ، وَرُبَّمَا أَفْضَتْ جَهَالَتُهُ إلَى التَّنَازُعِ وَالِاخْتِلَافِ ، وَهَذَا الشَّرْطُ زَائِدٌ ، فَإِذَا حَذَفْنَاهُ بَقِيَ الْعَقْدُ صَحِيحًا بِحَالِهِ .\rفَإِنْ قِيلَ : الْمُرَادُ بِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { اشْتَرِطِي لَهُمْ الْوَلَاءَ } .\rأَيْ عَلَيْهِمْ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَأْمُرُ بِالشَّرْطِ الْفَاسِدِ ، وَاللَّامُ تُسْتَعْمَلُ بِمَعْنَى ( عَلَى ) كَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا } .\rأَيْ فَعَلَيْهَا .\rقُلْنَا : هَذَا لَا يَصِحُّ ؛ لَوُجُوهٍ ثَلَاثَةٍ ؛ أَحَدُهَا ، أَنَّهُ يُخَالِفُ وَضْعَ اللَّفْظِ وَالِاسْتِعْمَالَ .\rوَالثَّانِي ، أَنَّ أَهْلَ بَرِيرَةَ أَبَوْا هَذَا الشَّرْطَ ، فَكَيْفَ يَأْمُرُهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِشَرْطٍ لَا يَقْبَلُونَهُ ، وَالثَّالِثُ ، أَنَّ ثُبُوتَ الْوَلَاءِ لَهَا لَا يَحْتَاجُ إلَى شَرْطٍ ؛ لِأَنَّهُ مُقْتَضَى الْعِتْقِ وَحُكْمُهُ .\rوَالرَّابِعُ ، أَنَّ فِي بَعْضِ الْأَلْفَاظِ : { لَا يَمْنَعُكِ هَذَا الشَّرْطُ مِنْهَا ، ابْتَاعِي ، وَأَعْتِقِي } .\rوَإِنَّمَا أَمَرَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالشَّرْطِ ، تَعْرِيفًا لَنَا أَنَّ وُجُودَ هَذَا الشَّرْطِ كَعَدَمِهِ ، وَأَنَّهُ لَا يَنْقُلُ الْوَلَاءَ عَنْ الْمُعْتِقِ .","part":24,"page":392},{"id":11892,"text":"( 8840 ) فَصْلٌ : وَإِنْ اشْتَرَطَ السَّيِّدُ عَلَى الْمُكَاتَبِ أَنْ يَرِثَهُ دُونَ وَرَثَتِهِ ، أَوْ يُزَاحِمَهُمْ فِي مَوَارِيثِهِمْ ، فَهُوَ شَرْطٌ فَاسِدٌ .\rفِي قَوْلِ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ ، مِنْهُمْ الْحَسَنُ ، وَعَطَاءٌ ، وَشُرَيْحٌ : وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَالنَّخَعِيِّ ، وَإِسْحَاقَ .\rوَأَجَازَ إيَاسُ بْنُ مُعَاوِيَةَ أَنْ يَشْتَرِطَ شَيْئًا مِنْ ، مِيرَاثِهِ .\rوَلَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّهُ يُخَالِفُ كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَكُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ ، فَهُوَ بَاطِلٌ ، بِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .\rقَالَ سَعِيدٌ : حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ ، حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ ، عَنْ ابْنِ سِيرِينَ ، أَنَّ رَجُلًا كَاتَبَ مَمْلُوكَهُ ، وَاشْتَرَطَ مِيرَاثَهُ ، فَلَمَّا مَاتَ الْمُكَاتَبُ ، تَخَاصَمَ وَرَثَتُهُ إلَى شُرَيْحٍ ، فَقَضَى شُرَيْحٌ بِمِيرَاثِ الْمُكَاتَبِ لِوَرَثَتِهِ ، فَقَالَ الرَّجُلُ : مَا يُغْنِي عَنِّي شَرْطِي مُنْذُ عِشْرِينَ سَنَةً ؟ فَقَالَ شُرَيْحٌ : كِتَابُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ عَلَى نَبِيِّهِ قَبْلَ شَرْطِكَ بِخَمْسِينَ سَنَةً .\rوَلَا تَفْسُدُ الْكِتَابَةُ بِهَذَا الشَّرْطِ ، كَاَلَّذِي قَبْلَهُ .","part":24,"page":393},{"id":11893,"text":"( 8841 ) فَصْلٌ : وَإِنْ شَرَطَ عَلَيْهِ خِدْمَةً مَعْلُومَةً بَعْدَ الْعِتْقَ ، جَازَ .\rوَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ ، وَابْنُ شُبْرُمَةَ ، وَقَالَ مَالِكٌ ، وَالزُّهْرِيُّ : لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّهُ يُنَافِي مُقْتَضَى الْعَقْدِ ، أَشْبَهَ مَا لَوْ شَرَطَ مِيرَاثَهُ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ أَعْتَقَ كُلَّ مَنْ يُصَلِّي مِنْ سَبْيِ الْعَرَبِ ، وَشَرَطَ عَلَيْهِمْ ، أَنَّكُمْ تَخْدُمُونَ الْخَلِيفَةَ مِنْ بَعْدِي ثَلَاثَ سَنَوَاتٍ .\rوَلِأَنَّهُ اشْتَرَطَ خِدْمَةً فِي عَقْدِ الْكِتَابَةِ ، أَشْبَهَ مَا لَوْ شَرَطَهَا قَبْلَ الْعِتْقِ ، وَلِأَنَّهُ شَرَطَ نَفْعًا مَعْلُومًا ، أَشْبَهَ مَا لَوْ شَرَطَ عِوَضًا مَعْلُومًا ، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ يُنَافِي مُقْتَضَى الْعَقْدِ ؛ فَإِنَّ مُقْتَضَاهُ الْعِتْقُ عِنْدَ الْأَدَاءِ ، وَهَذَا لَا يُنَافِيه .","part":24,"page":394},{"id":11894,"text":"( 8842 ) فَصْلٌ : وَإِذَا كَاتَبَهُ عَلَى أَلْفَيْنِ ، فِي رَأْسِ كُلِّ شَهْرٍ أَلْفٌ ، وَشَرَطَ أَنْ يَعْتِقَ عِنْدَ أَدَاءِ الْأَوَّلِ ، صَحَّ ، فِي قِيَاسِ الْمَذْهَبِ ، وَيَعْتِقُ عِنْدَ أَدَائِهِ ؛ لِأَنَّ السَّيِّدَ لَوْ أَعْتَقَهُ بِغَيْرِ أَدَاءِ شَيْءٍ ، صَحَّ ، فَكَذَلِكَ إذَا أَعْتَقَهُ عِنْدَ أَدَاءِ الْبَعْضِ ، وَيَبْقَى الْآخَرُ دَيْنًا عَلَيْهِ بَعْدَ عِتْقِهِ ، كَمَا لَوْ بَاعَهُ نَفْسَهُ بِهِ .","part":24,"page":395},{"id":11895,"text":"( 8843 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَإِذَا أَسَرَ الْعَدُوُّ الْمُكَاتَبَ ، فَاشْتَرَاهُ رَجُلٌ ، فَأَخْرَجَهُ إلَى سَيِّدِهِ ، فَأَحَبَّ أَخْذَهُ ، أَخَذَهُ بِمَا اشْتَرَاهُ ، فَهُوَ عَلَى كِتَابَتِهِ وَإِنْ لَمْ يُحِبَّ أَخْذَهُ ، فَهُوَ عَلَى مِلْكِ مُشْتَرِيه ، مُبْقًى عَلَى مَا بَقِيَ مِنْ كِتَابَتِهِ ، يَعْتِقُ بِالْأَدَاءِ ، وَوَلَاؤُهُ لِمَنْ يُؤَدِّي إلَيْهِ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْكُفَّارَ إذَا أَسَرُوا مُكَاتَبًا ، ثُمَّ اسْتَنْقَذَهُ الْمُسْلِمُونَ ، فَالْكِتَابَةُ بِحَالِهَا ؛ فَإِنْ أُخِذَ فِي الْغَنَائِمِ ، فَعُلِمَ بِحَالِهِ ، أَوْ أَدْرَكَهُ سَيِّدُهُ قَبْلَ قَسْمِهِ ، أَخَذَهُ بِغَيْرِ شَيْءٍ ، وَكَانَ عَلَى كِتَابَتِهِ كَمَنْ لَمْ يُؤْسَرْ ، وَإِنْ لَمْ يُدْرِكْهُ حَتَّى قُسِمَ ، وَصَارَ فِي سَهْمِ بَعْضِ الْغَانِمِينَ ، أَوْ اشْتَرَاهُ رَجُلٌ مِنْ الْغَنِيمَةِ قَبْلَ قَسْمِهِ ، أَوْ مِنْ الْمُشْرِكِينَ ، وَأَخْرَجَهُ إلَى سَيِّدِهِ ، فَإِنَّ سَيِّدَهُ أَحَقُّ بِهِ بِالثَّمَنِ الَّذِي ابْتَاعَهُ بِهِ .\rوَفِيمَا إذَا كَانَ غَنِيمَةً ، رِوَايَةٌ أُخْرَى ، أَنَّهُ إذَا قُسِمَ ، فَلَا حَقَّ لِسَيِّدِهِ فِيهِ بِحَالٍ .\rفَيُخَرَّجُ فِي الْمُشْتَرِي مِثْلُ ذَلِكَ .\rوَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ ، فَإِنَّ سَيِّدَهُ إنْ أَخَذَهُ ، فَهُوَ مُبْقًى عَلَى مَا بَقِيَ مِنْ كِتَابَتِهِ ، وَإِنْ تَرَكَهُ ، فَهُوَ فِي يَدِ مُشْتَرِيه ، مُبْقًى عَلَى مَا بَقِيَ مِنْ كِتَابَتِهِ ، فَيَعْتِقُ بِالْأَدَاءِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ ، وَوَلَاؤُهُ لِمَنْ يُؤَدِّي إلَيْهِ ، كَمَا لَوْ اشْتَرَاهُ مِنْ سَيِّدِهِ .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ : لَا يَثْبُتُ عَلَيْهِ مِلْكُ الْكُفَّارِ ، وَيُرَدُّ إلَى سَيِّدِهِ بِكُلِّ حَالٍ .\rوَوَافَقَ أَبُو حَنِيفَةَ الشَّافِعِيَّ ، فِي الْمُكَاتَبِ وَالْمُدَبَّرِ خَاصَّةً ؛ لِأَنَّهُمَا عِنْدَهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُمَا ، وَلَا نَقْلُ الْمِلْكِ فِيهِمَا ، فَأَشْبَهَا أُمَّ الْوَلَدِ .\rوَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّ مَا أَدْرَكَهُ صَاحِبُهُ مَقْسُومًا ، لَا يَسْتَحِقُّ صَاحِبُهُ أَخْذَهُ بِغَيْرِ شَيْءٍ ، وَكَذَلِكَ مَا اشْتَرَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ ، وَفِي أَنَّ الْمُكَاتَبَ وَالْمُدَبَّرَ يَجُوزُ","part":24,"page":396},{"id":11896,"text":"بَيْعُهُمَا ، بِمَا يُغْنِي عَنْ إعَادَتِهِ هَاهُنَا .\r( 8844 ) فَصْلٌ : وَهَلْ يُحْتَسَبُ عَلَيْهِ بِالْمُدَّةِ الَّتِي كَانَ فِيهَا مَعَ الْكُفَّارِ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، لَا يُحْتَسَبُ عَلَيْهِ بِهَا ؛ لِأَنَّ الْكِتَابَةَ اقْتَضَتْ تَمْكِينَهُ مِنْ التَّصَرُّفِ وَالْكَسْبِ فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ ، فَإِذَا لَمْ يَحْصُلْ لَهُ ذَلِكَ ، لَمْ يُحْتَسَبْ عَلَيْهِ ، كَمَا لَوْ حَبَسَهُ سَيِّدُهُ .\rفَعَلَى هَذَا ، يَنْبَنِي عَلَى مَا مَضَى مِنْ الْمُدَّةِ قَبْلَ الْأَسْرِ ، وَتَبْقَى مُدَّةُ الْأَسْرِ ، كَأَنَّهَا لَمْ تُوجَدْ .\rوَالثَّانِي ، يُحْتَسَبُ عَلَيْهِ بِهَا ؛ لِأَنَّهَا مِنْ مُدَّةِ الْكِتَابَةِ ؛ مَضَتْ بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ مِنْ سَيِّدِهِ ، فَاحْتُسِبَ عَلَيْهِ بِهَا ، كَمَا لَوْ مَرِضَ ، وَلِأَنَّهُ مَدِينٌ مَضَتْ مُدَّةٌ مِنْ أَجْلِ دَيْنِهِ فِي حَبْسِهِ ، فَاحْتُسِبَ عَلَيْهِ بِهَا ، كَسَائِرِ الْغُرَمَاءِ ، وَفَارَقَ مَا إذَا حَبَسَهُ سَيِّدُهُ ، بِمَا سَنَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .\rفَعَلَى هَذَا ، إذَا حَلَّ عَلَيْهِ نَجْمٌ عِنْدَ اسْتِنْقَاذِهِ ، جَازَتْ مُطَالَبَتُهُ .\rوَإِنْ حَلَّ مَا يَجُوزُ تَعْجِيزُهُ بِتَرْكِ أَدَائِهِ ، فَلِسَيِّدِهِ تَعْجِيزُهُ ، وَرَدُّهُ إلَى الرِّقِّ .\rوَهَلْ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ أَوْ حُكْمِ الْحَاكِمِ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، لَهُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ الْوُصُولُ إلَى الْمَالِ فِي وَقْتِهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَ حَاضِرًا ، يُحَقِّقُهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ حَاضِرًا ، وَالْمَالُ غَائِبًا ، يَتَعَذَّرُ إحْضَارُهُ وَأَدَاؤُهُ فِي مُدَّةٍ قَرِيبَةٍ ، لَكَانَ لِسَيِّدِهِ الْفَسْخُ ، وَالْمَالُ هَاهُنَا إمَّا مَعْدُومٌ ، وَإِمَّا غَائِبٌ يَتَعَذَّرُ أَدَاؤُهُ ، وَفِي كِلْتَا الْحَالَتَيْنِ يَجُوزُ الْفَسْخُ .\rوَالثَّانِي ، لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ إلَّا بِحُكْمِ الْحَاكِمِ ؛ لِأَنَّهُ مَعَ الْغَيْبَةِ يُحْتَاجُ إلَى أَنْ يُبْحَثَ ، أَلَهُ مَالٌ أَمْ لَا ؟ وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذَا كَانَ حَاضِرًا ؛ فَإِنَّهُ يُطَالِبُهُ ، فَإِنْ أَدَّى ، وَإِلَّا فَقَدْ عَجَّزَ نَفْسَهُ .\rفَإِنْ فَسَخَ الْكِتَابَةَ بِنَفْسِهِ ، أَوْ بِحُكْمِ الْحَاكِمِ ، ثُمَّ خَلَصَ الْمُكَاتَبُ ، فَادَّعَى أَنَّ لَهُ مَالًا","part":24,"page":397},{"id":11897,"text":"فِي وَقْتِ الْفَسْخِ ، يَفِي بِمَا عَلَيْهِ ، وَأَقَامَ بِذَلِكَ بَيِّنَةً ، بَطَلَ الْفَسْخُ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَبْطُلَ حَتَّى يَثْبُتَ أَنَّهُ كَانَ يُمْكِنُهُ أَدَاؤُهُ ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ مُتَعَذِّرَ الْأَدَاءِ ، كَانَ وُجُودُهُ كَعَدَمِهِ .","part":24,"page":398},{"id":11898,"text":"( 8845 ) فَصْلٌ : وَإِنْ حَبَسَهُ سَيِّدُهُ مُدَّةً ، فَقَدْ أَسَاءَ ، وَلَا يَحْتَسِبُ عَلَيْهِ بِمُدَّتِهِ ، فِي أَحَدِ الْوُجُوهِ .\rوَالثَّانِي ، يَحْتَسِبُ عَلَيْهِ بِمُدَّتِهِ ؛ لِأَنَّ مَالَ الْكِتَابَةِ دَيْنٌ مُؤَجَّلٌ ، فَيَحْتَسِبُ بِمُدَّةِ الْحَبْسِ مِنْ الْأَجَلِ ، كَسَائِرِ الدُّيُونِ الْمُؤَجَّلَةِ .\rفَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ ، يَلْزَمُهُ أَجْرُ مِثْلِهِ فِي الْمُدَّةِ الَّتِي حَبَسَهُ فِيهَا .\rوَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ؛ لِأَنَّ عَلَى سَيِّدِهِ تَمْكِينَهُ مِنْ التَّصَرُّفِ مُدَّةَ كِتَابَتِهِ ، فَإِذَا حَبَسَهُ مُدَّةً ، وَجَبَ عَلَيْهِ تَأْخِيرُهُ مِثْلَ تِلْكَ الْمُدَّةِ ؛ لِيَسْتَوْفِيَ الْوَاجِبَ لَهُ ، وَلِأَنَّ حَبْسَهُ يُفْضِي إلَى إبْطَالِ الْكِتَابَةِ ، وَتَفْوِيتِ مَقْصُودِهَا ، وَرَدِّهِ إلَى الرِّقِّ ، وَلِأَنَّ عَجْزَهُ عَنْ أَدَاءِ نُجُومِهِ فِي مَحِلِّهَا بِسَبَبٍ مِنْ سَيِّدِهِ ، فَلَمْ يَسْتَحِقَّ بِهِ فَسْخَ الْعَقْدِ ، كَمَا لَوْ مَنَعَ الْبَائِعُ الْمُشْتَرِيَ مِنْ أَدَاءِ الثَّمَنِ ، لَمْ يَسْتَحِقَّ فَسْخَ الْبَيْعِ ، وَلَوْ مَنَعَتْ الْمَرْأَةُ زَوْجَهَا مِنْ الْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا ، لَمْ يَسْتَحِقَّ فَسْخَ الْعَقْد ؛ كَذَا ، هَاهُنَا .\rالْوَجْهُ الثَّالِثُ ، أَنَّهُ يَلْزَمُ سَيِّدَهُ أَرْفَقُ الْأَمْرَيْنِ بِهِ ؛ مِنْ تَخْلِيَتِهِ مِثْلَ تِلْكَ الْمُدَّةِ ، أَوْ أَجْرِ مِثْلِهَا ؛ لِأَنَّهُ قَدْ وُجِدَ سَبَبُهُمَا ، فَكَانَ لِلْمُكَاتَبِ أَنْفَعُهُمَا .","part":24,"page":399},{"id":11899,"text":"( 8846 ) فَصْلٌ : وَإِذَا أَوْصَى بِأَنْ يُكَاتَبَ عَبْدُهُ ، صَحَّتْ الْوَصِيَّةُ ؛ لِأَنَّ الْكِتَابَةَ يَتَعَلَّقُ بِهَا حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى وَحَقُّ الْآدَمِيِّ ، فَإِذَا أَوْصَى بِهِ ، صَحَّ ، وَتُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ مِنْ ثُلُثِهِ ؛ لِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ مِنْ جِهَتِهِ فَإِنَّهُ بَيْعُ مَالِهِ بِمَالِهِ .\rفَإِنْ خَرَجَ مِنْ الثُّلُثِ ؛ لَزِمَهُمْ كِتَابَتُهُ ، وَلَا يُعْتَبَرُ مَالُ الْكِتَابَةِ مِنْ مَالِهِ .\rذَكَرَهُ الْقَاضِي ؛ لِأَنَّهُ نَمَاءُ مَالِهِ وَفَائِدَتُهُ ، وَلِأَنَّ الِاعْتِبَارَ بِحَالَةِ الْمَوْتِ ، وَهُوَ لَا يَمْلِكُ مَالَ الْكِتَابَةِ ، ثُمَّ يُنْظَرُ ؛ فَإِنْ عَيَّنَ مَالَ الْكِتَابَةِ ، كَاتَبُوهُ عَلَيْهِ ، سَوَاءٌ كَانَ أَقَلَّ مِنْ قِيمَتِهِ ، أَوْ مِثْلَهَا أَوْ أَكْثَرَ .\rوَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْهُ ، كَاتَبُوهُ عَلَى مَا جَرَى الْعُرْفُ بِكِتَابَةِ مِثْلِهِ بِهِ .\rوَالْعُرْفُ أَنْ يُكَاتَبَ الْعَبْدُ بِأَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ ؛ لِكَوْنِ دَيْنِهَا مُؤَجَّلًا .\rوَيَجِبُ رَدُّ رَيْعِهِ إلَيْهِ .\rوَيُعْتَبَرُ فِي ذَلِكَ رِضَا الْعَبْدِ ؛ لِأَنَّ الْكِتَابَةَ لَا تَلْزَمُهُ ، وَلَا يَجُوزُ إجْبَارُهُ عَلَيْهَا بِخِلَافِ مَا لَوْ وَصَّى بِعِتْقِهِ ، فَإِنَّهُ يَعْتِقُ ، وَلَا يَقِفُ عَلَى اخْتِيَارِهِ وَلَا رِضَاهُ .\rفَإِنْ رَدَّ الْوَصِيَّةَ ، بَطَلَتْ .\rفَإِنْ عَادَ فَطَلَبِهَا ، لَمْ تَلْزَمْهُ إجَابَتُهُ إلَيْهَا ؛ لِأَنَّ وَصِيَّتَهُ بَطَلَتْ بِالرَّدِّ ، فَأَشْبَهَ الْوَصِيَّةَ بِالْمَالِ .\rوَإِنْ لَمْ يَكُنْ رَدَّهَا ، وَجَبَتْ إجَابَتُهُ إلَيْهَا .\rوَإِذَا أَدَّى عَتَقَ ، وَكَانَ وَلَاؤُهُ لِلْمُوصِي بِكِتَابَتِهِ ، كَمَا لَوْ وَصَّى بِعِتْقِهِ ، وَإِنْ عَجَزَ ، فَلِلْوَارِثِ رَدُّهُ فِي الرِّقِّ ، وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ الثُّلُثِ ، فَإِنَّهُ يُكَاتَبُ مِنْهُ مَا خَرَجَ مِنْ الثُّلُثِ .\rوَإِنْ كَانَ قَدْ وَصَّى بِوَصَايَا غَيْرِ الْكِتَابَةِ ، لَا تَخْرُجُ مِنْ الثُّلُثِ ، تَحَاصُّوا فِي الثُّلُثِ ، وَأُدْخِلَ النَّقْصُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِقَدْرِ مَا لَهُ فِي الْوَصِيَّةِ .\rوَيَتَخَرَّجُ أَنْ تُقَدَّمَ الْكِتَابَةُ ؛ بِنَاءً عَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي تُقَدِّمُ الْعِتْقَ ؛ لِأَنَّ الْكِتَابَةَ مَقْصُودُهَا الْعِتْقُ ،","part":24,"page":400},{"id":11900,"text":"وَتُفْضِي إلَيْهِ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا تُقَدَّمَ بِحَالٍ ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ تَغْلِيبٌ وَسِرَايَةٌ ، لَيْسَ هُوَ لِلْكِتَابَةِ ، وَإِفْضَاؤُهَا إلَى الْعِتْقِ لَا يُوجِبُ تَقْدِيمَهَا ، كَمَا لَوْ وَصَّى لَرَجُلٍ بِابْنِهِ ، فَإِنَّهُ لَا يُقَدَّمُ ، مَعَ أَنَّ الْقَصْدَ بِوَصِيَّتِهِ الْعِتْقُ ، وَيُفْضِي إلَيْهِ .","part":24,"page":401},{"id":11901,"text":"( 8847 ) فَصْلٌ : فَإِنْ قَالَ : كَاتِبُوا أَحَدَ رَقِيقِي .\rفَلِلْوَرَثَةِ مُكَاتَبَةُ مَنْ شَاءُوا مِنْهُمْ .\rفِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ ، وَفِي الْآخَرِ ، يُكَاتِبُونَ وَاحِدًا مِنْهُمْ بِالْقُرْعَةِ .\rوَإِنْ قَالَ : أَحَدَ عَبِيدِي .\rفَكَذَلِكَ ، إلَّا أَنَّهُ لَيْسَ لَهُمْ مُكَاتَبَةُ أَمَةٍ ، وَلَا خُنْثَى مُشْكِلٍ ، لِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ كَوْنُ الْخُنْثَى عَبْدًا .\rأَوْ أَمَةً .\rوَإِنْ قَالَ : أَحَدَ إمَائِي .\rفَلَيْسَ لَهُمْ مُكَاتَبَةُ عَبْدٍ ، وَلَا خُنْثَى مُشْكِلٍ كَذَلِكَ .\rوَإِنْ كَانَ الْخُنْثَى غَيْرَ مُشْكِلٍ ، وَكَانَ رَجُلًا ، فَلَهُمْ مُكَاتَبَتُهُ إذَا قَالَ كَاتِبُوا أَحَدَ عَبِيدِي .\rوَإِنْ كَانَ أُنْثَى ، فَلَهُمْ مُكَاتَبَتُهُ إذَا قَالَ : كَاتِبُوا أَحَدَ إمَائِي .\rلِأَنَّ هَذَا عَيْبٌ فِيهِ ، وَالْعَيْبُ لَا يَمْنَعُ الْكِتَابَةَ .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":24,"page":402},{"id":11902,"text":"فَصْلٌ : وَالْكِتَابَةُ الْفَاسِدَةُ ، أَنْ يُكَاتِبَهُ عَلَى عِوَضٍ مَجْهُولٍ ، أَوْ عِوَضٍ حَالٍّ ، أَوْ مُحَرَّمٍ ، كَالْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ .\rفَأَمَّا إنْ شَرَطَ فِي الْكِتَابَةِ شَرْطًا فَاسِدًا ، فَالْمَنْصُوصُ أَنَّهُ لَا يُفْسِدُهَا لَكِنْ يَلْغُو الشَّرْطُ ، وَتَبْقَى الْكِتَابَةُ صَحِيحَةً .\rوَيَتَخَرَّجُ أَنْ يُفْسِدَهَا ؛ بِنَاءً عَلَى الشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ فِي الْبَيْعِ .\rوَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْكِتَابَةَ عَلَى الْعِوَضِ الْمُحَرَّمِ بَاطِلَةٌ ، لَا يَعْتِقُ بِالْأَدَاءِ فِيهَا .\rوَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ ؛ فَإِنَّهُ قَدْ رَوَى عَنْ أَحْمَدَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : إذَا كَاتَبَهُ كِتَابَةً فَاسِدَةً ، فَأَدَّى مَا كُوتِبَ عَلَيْهِ ، عَتَقَ ، مَا لَمْ تَكُنْ الْكِتَابَةُ مُحَرَّمَةً .\rفَحَكَمَ بِالْعِتْقِ بِالْأَدَاءِ إلَّا فِي الْمُحَرَّمَةِ .\rوَاخْتَارَ الْقَاضِي أَنَّهُ يَعْتِقُ بِالْأَدَاءِ ، كَسَائِرِ الْكِتَابَاتِ الْفَاسِدَةِ .\rوَيُمْكِنُ حَمْلُ كَلَامِ الْقَاضِي عَلَى مَا إذَا جَعَلَ السَّيِّدُ الْأَدَاءَ شَرْطًا لِلْعِتْقِ ، فَقَالَ : إذَا أَدَّيْت إلَيَّ ، فَأَنْتَ حُرٌّ .\rفَأَدَّى إلَيْهِ ، فَإِنَّهُ يَعْتِقُ بِالصِّفَةِ الْمُجَرَّدَةِ ، لَا بِالْكِتَابَةِ ، وَيَثْبُتُ فِي هَذِهِ الْكِتَابَةِ حُكْمُ الصِّفَةِ فِي الْعِتْقِ بِوُجُودِهَا ، لَا بِحُكْمِ الْكِتَابَةِ .\rوَأَمَّا غَيْرُهَا مِنْ الْكِتَابَةِ الْفَاسِدَةِ ، فَإِنَّهَا تُسَاوِي الصَّحِيحَةَ فِي أَرْبَعَةِ أَحْكَامٍ ؛ أَحَدُهَا ، أَنَّهُ يَعْتِقُ بِأَدَاءِ مَا كُوتِبَ عَلَيْهِ ، سَوَاءٌ صَرَّحَ بِالصِّفَةِ ، فَقَالَ : إنَّ أَدَّيْت إلَيَّ ، فَأَنْتَ حُرٌّ .\rأَوْ لَمْ يَقُلْ ؛ لِأَنَّ مَعْنَى الْكِتَابَةِ يَقْتَضِي هَذَا ، فَيَصِيرُ كَالْمُصَرَّحِ بِهِ ، فَيَعْتِقُ بِوُجُودِهِ ، كَالْكِتَابَةِ الصَّحِيحَةِ .\rالثَّانِي ، أَنَّهُ إذَا عَتَقَ بِالْأَدَاءِ ، لَمْ تَلْزَمْهُ قِيمَةُ نَفْسِهِ ، وَلَمْ يَرْجِعْ عَلَى سَيِّدِهِ بِمَا أَعْطَاهُ .\rذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ .\rوَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ :","part":24,"page":403},{"id":11903,"text":"يَتَرَاجَعَانِ ، فَيَجِبُ عَلَى الْعَبْدِ قِيمَتُهُ ، وَعَلَى السَّيِّدِ مَا أَخَذَهُ ، فَيَتَقَاصَّانِ بِقَدْرِ أَقَلِّهِمَا ، إنْ كَانَا مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ ، وَيَأْخُذُ ذُو الْفَضْلِ فَضْلَهُ ؛ لِأَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ فَاسِدَةٍ ، فَوَجَبَ التَّرَاجُعُ فِيهِ ، كَالْبَيْعِ الْفَاسِدِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ عَقْدُ كِتَابَةٍ لِمُعَاوَضَةٍ حَصَلَ الْعِتْقُ فِيهَا بِالْأَدَاءِ ، فَلَمْ يَجِبْ التَّرَاجُعُ فِيهَا ، كَمَا لَوْ كَانَ الْعَقْدُ صَحِيحًا ، وَلِأَنَّ مَا أَخَذَهُ السَّيِّدُ فَهُوَ مِنْ كَسْبِ عَبْدِهِ ، الَّذِي لَمْ يَمْلِكْ كَسْبَهُ ، فَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ رَدُّهُ ، وَالْعَبْدُ عَتَقَ بِالصِّفَةِ ، فَلَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ قِيمَتُهُ ، كَمَا لَوْ قَالَ : إنْ دَخَلْت الدَّارَ ، فَأَنْتَ حُرٌّ .\rوَأَمَّا الْبَيْع الْفَاسِدُ ، فَإِنَّهُ إنْ كَانَ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ سَيِّدِهِ ، فَلَا رُجُوعَ عَلَى السَّيِّدِ بِمَا أَخَذَهُ ، وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ ، فَإِنَّهُ أَخَذَ مَا لَا يَسْتَحِقُّهُ ، وَدَفَعَ إلَى الْآخَرِ مَا لَا يَسْتَحِقُّهُ ، بِعَقْدِ الْمَقْصُودِ مِنْهُ الْمُعَاوَضَةُ ، وَفِي مَسْأَلَتِنَا بِخِلَافِهِ .\rالثَّالِثُ ، أَنَّ الْمُكَاتَبَ يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فِي كَسْبِهِ ؛ لِأَنَّ عَقْدَ الْكِتَابَةِ تَضَمَّنَ الْإِذْنَ فِي ذَلِكَ ، وَلَهُ أَخْذُ الصَّدَقَاتِ وَالزَّكَوَاتِ ؛ لِأَنَّهُ مُكَاتَبٌ يَعْتِقُ بِالْأَدَاءِ ، فَمَلَكَ ذَلِكَ كَمَا فِي الْكِتَابَةِ الصَّحِيحَةِ .\rالرَّابِعُ ، أَنَّهُ إذَا كَاتَبَ جَمَاعَةً كِتَابَةً فَاسِدَةً ، فَأَدَّى أَحَدُهُمْ ، حِصَّتَهُ عَتَقَ .\rعَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ : إنَّهُ يَعْتِقُ فِي الْكِتَابَةِ الصَّحِيحَةِ بِأَدَاءِ حِصَّتِهِ .\rلِأَنَّ مَعْنَى الْعَقْدِ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مُكَاتَبٌ بِقَدْرِ حِصَّتِهِ ، مَتَى أَدَّى إلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ قَدْرَ حِصَّتِهِ ، فَهُوَ حُرٌّ .\rوَمَنْ قَالَ : لَا يَعْتِقُ فِي الصَّحِيحَةِ إلَّا أَنْ يُؤَدِّيَ الْجَمِيعَ .\rفَهَاهُنَا أُولَى .\rوَتُفَارِقُ الصَّحِيحَةَ فِي ثَلَاثَةِ أَحْكَامٍ ؛ أَحَدُهَا ، أَنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ السَّيِّدِ وَالْمُكَاتَبِ فَسْخَهَا وَرَفْعَهَا ، سَوَاءٌ كَانَ ثَمَّ صِفَةٌ أَوْ لَمْ تَكُنْ .\rوَهَذَا قَوْلُ أَصْحَابِ","part":24,"page":404},{"id":11904,"text":"الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ؛ لِأَنَّ الْفَاسِدَ لَا يَلْزَمُ حُكْمُهُ ، وَالصِّفَةُ هَاهُنَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْمُعَاوَضَةِ ، وَتَابِعَةٌ لَهَا ؛ لِأَنَّ الْمُعَاوَضَةَ هِيَ الْمَقْصُودَةُ ، فَلَمَّا أَبْطَلَ الْمُعَاوَضَةَ الَّتِي هِيَ الْأَصْلُ ، بَطَلَتْ الصِّفَةُ الْمَبْنِيَّةُ عَلَيْهَا ، بِخِلَافِ الصِّفَةِ الْمُجَرَّدَةِ ، وَلِأَنَّ السَّيِّدَ لَمْ يَرْضَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ إلَّا بِأَنْ يُسَلَّمَ لَهُ الْعِوَضُ الْمُسَمَّى ، فَإِذَا لَمْ يُسَلَّمْ ، كَانَ لَهُ إبْطَالُهَا ، بِخِلَافِ الْكِتَابَةِ الصَّحِيحَةِ ؛ فَإِنَّ الْعِوَضَ سُلِّمَ لَهُ ، فَكَانَ الْعَقْدُ لَازِمًا لَهُ .\rالثَّانِي ، أَنَّ السَّيِّدَ إذَا أَبْرَأَهُ مِنْ الْمَالِ ، لَمْ تَصِحَّ الْبَرَاءَةُ ، وَلَا يَعْتِقُ بِذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الْمَالَ غَيْرُ ثَابِتٍ فِي الْعَقْدِ ، بِخِلَافِ الْكِتَابَةِ الصَّحِيحَةِ ، وَجَرَى هَذَا مَجْرَى الصِّفَةِ الْمُجَرَّدَةِ ، فِي قَوْلِهِ : إذَا أَدَّيْت إلَيَّ أَلْفًا .\rفَأَنْتَ حُرٌّ .\rالثَّالِثُ ، أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ السَّيِّدَ أَنْ يُؤَدِّيَ إلَيْهِ شَيْئًا مِنْ الْكِتَابَةِ ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ هَاهُنَا بِالصِّفَةِ الْمُجَرَّدَةِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَالَ : إذَا أَدَّيْت إلَيَّ أَلْفًا ، فَأَنْتَ حُرٌّ .\rوَاخْتُلِفَ فِي أَحْكَامٍ أَرْبَعَةٍ ؛ أَحَدُهَا ، فِي بُطْلَانِ الْكِتَابَةِ بِمَوْتِ السَّيِّدِ .\rفَذَهَبَ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ إلَى بُطْلَانِهَا .\rوَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ جَائِزٌ مِنْ الطَّرَفَيْنِ ، لَا يَئُولُ إلَى اللُّزُومِ ، فَيَبْطُلُ بِالْمَوْتِ ، كَالْوَكَالَةِ ، وَلِأَنَّ الْمُغَلَّبَ فِيهَا حُكْمُ الصِّفَةِ الْمُجَرَّدَةِ ، وَالصِّفَةُ تَبْطُلُ بِالْمَوْتِ ، فَكَذَلِكَ هَذِهِ الْكِتَابَةُ .\rوَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : لَا تَبْطُلُ بِالْمَوْتِ ، وَيَعْتِقُ بِالْأَدَاءِ إلَى الْوَارِثِ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ؛ لِأَنَّهُ مُكَاتَبٌ يَعْتِقُ بِالْأَدَاءِ إلَى السَّيِّدِ ، فَيَعْتِقُ بِالْأَدَاءِ إلَى الْوَارِثِ ، كَمَا فِي الْكِتَابَةِ الصَّحِيحَةِ ، وَلِأَنَّ الْفَاسِدَةَ كَالصَّحِيحَةِ فِي بَابِ الْعِتْقِ بِالْأَدَاءِ ، وَفِي أَنَّ الْوَلَدَ يَتْبَعُهُ ،","part":24,"page":405},{"id":11905,"text":"فَكَذَلِكَ فِي هَذَا .\rوَالثَّانِي ، فِي بُطْلَانِهَا بِجُنُونِ السَّيِّدِ ، وَالْحَجْرِ عَلَيْهِ لَسَفَهٍ ، وَالْخِلَافُ فِيهِ كَالْخِلَافِ فِي بُطْلَانِهَا بِمَوْتِهِ .\rوَالْأَوْلَى أَنَّهَا لَا تَبْطُلُ هَاهُنَا ؛ لِأَنَّ الصِّفَةَ الْمُجَرَّدَةَ لَا تَبْطُلُ بِذَلِكَ ، وَالْمُغَلَّبُ فِي هَذِهِ الْكِتَابَةِ ، حُكْمُ الصِّفَةِ الْمُجَرَّدَةِ ، فَلَا تَبْطُلُ بِهِ .\rفَعَلَى هَذَا ، لَوْ أَدَّى إلَى سَيِّدِهِ بَعْدَ ذَلِكَ ، عَتَقَ .\rوَعَلَى قَوْلِ مَنْ أَبْطَلَهَا ، لَا يَعْتِقُ .\rالثَّالِثُ ، أَنَّ مَا فِي يَدِ الْمُكَاتَبِ وَمَا يَكْسِبُهُ ، وَمَا يَفْضُلُ فِي يَدِهِ بَعْدَ الْأَدَاءِ ، لَهُ دُونَ سَيِّدِهِ .\rفِي قَوْلِ الْقَاضِي ، وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِأَنَّهَا كِتَابَةٌ يَعْتِقُ بِالْأَدَاءِ فِيهَا ، فَكَانَ هَذَا الْحُكْمُ ثَابِتًا فِيهَا ، كَالصَّحِيحَةِ .\rوَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : ذَلِكَ لِسَيِّدِهِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ ؛ لِأَنَّ كَسْبَ الْعَبْدِ لِسَيِّدِهِ ، بِحُكْمِ الْأَصْلِ ، وَالْعَقْدُ هَاهُنَا فَاسِدٌ ، لَمْ يَثْبُتْ الْحُكْمُ فِي وُجُوبِ الْعِوَضِ فِي ذِمَّتِهِ ، فَلَمْ يُنْقَلْ الْمِلْكُ فِي الْمُعَوَّضِ كَسَائِرِ ، الْعُقُودِ الْفَاسِدَةِ ، وَلِأَنَّ الْمُغَلَّبَ فِيهَا حُكْمُ الصِّفَةِ الْمُجَرَّدَةِ ، وَهِيَ لَا تُثْبِتُ الْمِلْكَ لَهُ فِي كَسْبِهِ ، فَكَذَا هَاهُنَا ، وَفَارَقَتْ الْكِتَابَةَ الصَّحِيحَةَ ، فَإِنَّهَا تُثْبِتُ الْمِلْكَ فِي الْعِوَضِ ، فَأَثْبَتَتْهُ فِي الْمُعَوَّضِ .\rالرَّابِعُ ، هَلْ يَتْبَعُ الْمُكَاتَبَةَ وَلَدُهَا ؟ قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : فِيهِ وَجْهَانِ ؛ أَحَدُهُمَا ، يَتْبَعُهَا ؛ لِأَنَّهَا كِتَابَةٌ يَعْتِقُ فِيهَا بِالْأَدَاءِ ، فَيَعْتِقُ بِهِ وَلَدُهَا ، كَالْكِتَابَةِ الصَّحِيحَةِ ، وَالثَّانِي ، لَا يَتْبَعُهَا .\rوَهُوَ أَقْيَسُ ، وَأَصَحُّ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا فِي الَّذِي قَبْلَهُ ، وَلِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الرِّقِّ فِيهِ ، فَلَا يَزُولُ إلَّا بِنَصِّ ، أَوْ مَعْنَى نَصٍّ ، وَمَا وُجِدَ وَاحِدٌ مِنْهُمَا ، وَلَا يَصِحُّ الْقِيَاسُ عَلَى الْكِتَابَةِ الصَّحِيحَةِ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا فِيمَا تَقَدَّمَ ، فَيَبْقَى عَلَى الْأَصْلِ .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":24,"page":406},{"id":11906,"text":"كِتَابُ عِتْقِ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ أُمُّ الْوَلَدِ : هِيَ الَّتِي وَلَدَتْ مِنْ سَيِّدِهَا فِي مِلْكِهِ .\rوَلَا خِلَافَ فِي إبَاحَةِ التَّسَرِّي وَوَطْءِ الْإِمَاءِ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَاَلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ } .\rوَقَدْ كَانَتْ مَارِيَةُ الْقِبْطِيَّةُ أُمَّ وَلَدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهِيَ أُمُّ إبْرَاهِيمَ بْنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، الَّتِي قَالَ فِيهَا : ( أَعْتَقَهَا وَلَدُهَا ) .\rوَكَانَتْ هَاجَرُ أُمُّ إسْمَاعِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، سُرِّيَّةَ إبْرَاهِيمَ خَلِيلِ الرَّحْمَنِ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَكَانَ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أُمَّهَاتُ أَوْلَادٍ أَوْصَى لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ بِأَرْبَعِمِائَةٍ ، وَكَانَ لِعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أُمَّهَاتُ أَوْلَادٍ .\rوَلِكَثِيرٍ مِنْ الصَّحَابَةِ .\rوَكَانَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ ، وَالْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، وَسَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، مِنْ أُمَّهَاتِ أَوْلَادٍ .\rوَرُوِيَ أَنَّ النَّاسَ لَمْ يَكُونُوا يَرْغَبُونَ فِي أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ ، حَتَّى وُلِدَ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةُ مِنْ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ ، فَرَغِبَ النَّاسُ فِيهِنَّ .\rوَرُوِيَ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، قَالَ : { كَانَ لِابْنِ رَوَاحَةَ جَارِيَةٌ ، وَكَانَ يُرِيدُ الْخَلْوَةَ بِهَا ، وَكَانَتْ امْرَأَتُهُ تَرْصُدُهُ ، فَخَلَا الْبَيْتُ ، فَوَقَعَ عَلَيْهَا ، فَنَدَرَتْ بِهِ امْرَأَتُهُ ، وَقَالَتْ : أَفَعَلْتهَا ؟ قَالَ : مَا فَعَلْت .\rقَالَتْ : فَقِرَّ إذًا .\rفَقَالَ : شَهِدْت بِأَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ النَّارَ مَثْوَى الْكَافِرِينَا وَأَنَّ الْعَرْشَ فَوْقَ الْمَاءِ طَافٍ وَفَوْقَ الْعَرْشِ رَبُّ الْعَالَمِينَا وَتَحْمِلُهُ مَلَائِكَةٌ شِدَادٌ مَلَائِكَةُ الْإِلَهِ مُسَوِّمِينَا فَقَالَتْ : أَمَّا إذْ أَقْرَرْتَ فَاذْهَبْ إذًا .\rفَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرَهُ ، قَالَ : فَلَقَدْ .\rرَأَيْته يَضْحَكُ حَتَّى تَبْدُوَ نَوَاجِذُهُ ، وَيَقُولُ : هِيهِ ، كَيْفَ قُلْت ؟ .\rفَأُكَرِّرُهُ","part":24,"page":407},{"id":11907,"text":"عَلَيْهِ ، فَيَضْحَكُ } .","part":24,"page":408},{"id":11908,"text":"( 8849 ) فَصْلٌ : فَإِذَا وَطِئَ الرَّجُلُ أَمَتَهُ ، فَأَتَتْ بِوَلَدٍ بَعْدَ وَطْئِهِ بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَصَاعِدًا ، لَحِقَهُ نَسَبُهُ ، وَصَارَتْ لَهُ بِذَلِكَ أُمَّ وَلَدٍ .\rوَإِنْ أَتَتْ بِوَلَدٍ تَامٍّ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ ، لَمْ يَلْحَقْهُ نَسَبُهُ ؛ لِأَنَّ أَقَلَّ مُدَّةِ الْحَمْلِ سِتَّةُ أَشْهُرٍ ، بِدَلِيلِ مَا رَوَى الْحَسَنُ ، أَنَّ امْرَأَةً وَلَدَتْ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ ، فَأُتِيَ بِهَا إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَهَمَّ بِرَجْمِهَا ، فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : لَيْسَ لَك ذَلِكَ ، إنَّ اللَّهَ يَقُولُ : { وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا } .\rفَقَدْ يَكُونُ فِي الْبَطْنِ سِتَّةَ أَشْهُرٍ ، وَالرَّضَاعُ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ شَهْرًا ، فَذَلِكَ تَمَامُ مَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { ثَلَاثُونَ شَهْرًا } .\rفَخَلَّى عَنْهَا عُمَرُ .\rوَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ لِعُثْمَانَ .\rوَمَنْ اعْتَرَفَ بِوَطْءِ أَمَتِهِ ، فَأَتَتْ بِوَلَدٍ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مِنْهُ ، لَحِقَهُ نَسَبُهُ ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ نَفْيُهُ ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : حَصِّنُوا هَذِهِ الْوَلَائِدَ ، فَلَا يَطَأُ رَجُلٌ وَلِيدَتَهُ ، ثُمَّ يُنْكِرُ وَلَدَهَا ، إلَّا أَلْزَمْتُهُ إيَّاهُ .\rرَوَاهُ سَعِيدٌ .\rوَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ : قَالَ عُمَرُ : أَيُّمَا رَجُلٍ غَشِيَ أَمَتَهُ ، ثُمَّ ضَيَّعَهَا ، فَالضَّيْعَةُ عَلَيْهِ ، وَالْوَلَدُ وَلَدُهُ .\rرَوَاهُ سَعِيدٌ أَيْضًا .\rوَلِأَنَّ أَمَتَهُ صَارَتْ فِرَاشًا بِالْوَطْءِ ، فَلَحِقَهُ وَلَدُهَا ، كَالْمَرْأَةِ ، وَلِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ } .\rفَإِنْ نَفَاهُ سَيِّدُهَا ، لَمْ يَنْتَفِ عَنْهُ ، إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ أَنَّهُ اسْتَبْرَأَهَا ، وَأَتَتْ بِالْوَلَدِ بَعْدَ اسْتِبْرَائِهَا بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ ، فَيَنْتَفِي عَنْهُ بِذَلِكَ .\rوَهَلْ يَحْلِفُ عَلَى ذَلِكَ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ الْحَسَنِ ، قَالَ : إذَا أَنْكَرَ الرَّجُلُ وَلَدَهُ مِنْ أَمَتِهِ ، فَلَهُ ذَلِكَ .\rوَعَنْ الشَّعْبِيِّ ، أَنَّهُ كَانَ يَقُول : يَنْتَفِي مِنْ وَلَدِهِ ، إذَا كَانَ مِنْ","part":24,"page":409},{"id":11909,"text":"أَمَتِهِ ، وَمَتَى شَاءَ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ عُمَرَ ، وَأَنَّهُ وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ نَفْيُهُ ، كَوَلَدِهِ مِنْ زَوْجَتِهِ .\rفَإِنْ أَقَرَّ بِهِ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ نَفْيُهُ بَعْدَ ذَلِكَ .\rلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا .\rقَالَ إبْرَاهِيمُ : إذَا أَقَرَّ بِوَلَدِهِ ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَنْتَفِيَ مِنْهُ ، فَإِنْ انْتَفَى مِنْهُ ، ضُرِبَ الْحَدَّ ، وَأُلْحِقَ بِهِ الْوَلَدُ .\rوَقَالَ شُرَيْحٌ لِرَجُلٍ أَقَرَّ بِوَلَدِهِ : لَا سَبِيلَ لَك أَنْ تَنْتَفِيَ مِنْهُ ، وَكَذَلِكَ إنْ هُنِّئَ بِهِ .\rفَسَكَتَ ، أَوْ أَمَّنَ عَلَى الدُّعَاءِ ؛ لِأَنَّهُ دَلِيلٌ عَلَى الرِّضَا ، بِهِ فَقَامَ مَقَامَ الْإِقْرَارِ بِهِ .\rوَإِنْ كَانَ يَطَأُ جَارِيَتَهُ ، وَادَّعَى أَنَّهُ كَانَ يَعْزِلُ عَنْهَا ، لَمْ يَنْتِفْ الْوَلَدُ بِذَلِكَ ؛ لِمَا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ ، أَنَّهُ { قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنَّا نُصِيبُ النِّسَاءَ ، وَنُحِبُّ الْأَثْمَانَ ، أَفَنَعْزِلُ عَنْهُنَّ ؟ قَالَ : إنَّ اللَّهَ إذَا قَضَى خَلْقَ نَسَمَةٍ ، خَلَقَهَا } .\rوَعَنْ جَابِرٍ ، قَالَ : { جَاءَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : إنَّ لِي جَارِيَةً ، وَأَنَا أَطُوفُ عَلَيْهَا ، وَأَنَا أَكْرَهُ أَنْ تَحْمِلَ .\rفَقَالَ : اعْزِلْ عَنْهَا إنْ شِئْت ، فَإِنَّهُ سَيَأْتِيهَا مَا قُدِّرَ لَهَا قَالَ : فَلَبِثَ الرَّجُلُ ، ثُمَّ أَتَاهُ ، فَقَالَ : إنَّ الْجَارِيَةَ قَدْ حَمَلَتْ .\rقَالَ قَدْ أَخْبَرْتُكَ ، أَنَّهُ سَيَأْتِيهَا مَا قُدِّرَ لَهَا } .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ ، أَنَّهُ قَالَ : كُنْت أَعْزِلُ عَنْ جَارِيَتِي ، فَوَلَدَتْ أَحَبَّ الْخَلْقِ إلَيَّ .\rيَعْنِي ابْنَهُ .\rوَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ، أَنَّ عُمَرَ قَالَ : مَا بَالُ رِجَالٍ يَطَئُونَ وَلَائِدَهُمْ ، ثُمَّ يَعْزِلُونَهُنَّ ، لَا تَأْتِينِي وَلِيدَةٌ يَعْتَرِفُ سَيِّدُهَا أَنَّهُ أَتَاهَا ، إلَّا أَلْحَقْت بِهِ وَلَدَهَا ، فَاعْزِلُوا بَعْدَ ذَلِكَ أَوْ اُتْرُكُوا .\rوَلِأَنَّهَا بِالْوَطْءِ صَارَتْ فِرَاشًا ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ } .\rوَلَمَّا { تَنَازَعَ عَبْدُ بْن زَمْعَةَ وَسَعْدٌ ، فِي ابْنِ","part":24,"page":410},{"id":11910,"text":"وَلِيدَةِ زَمْعَةَ ، فَقَالَ عَبْدٌ : هُوَ أَخِي ، وَابْن وَلِيدَةِ أَبِي ، وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ .\rفَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هُوَ لَكَ يَا عَبْدُ بْنَ زَمْعَةَ ، الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ ، وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ .\r} مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .\rوَلِأَنَّهُ قَدْ يَسْبِقُ مِنْ الْمَاء مَا لَا يُحِسُّ بِهِ ، فَيُخْلَقُ مِنْهُ الْوَلَدُ .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْوَلَدَ لَا يَلْحَقُ بِهِ مَعَ الْعَزْلِ ، فَرَوَى سَعِيدٌ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ فَتًى مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ، أَنَّ عُمَرَ بْن الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَانَ يَعْزِلُ عَنْ جَارِيَةٍ لَهُ ، فَجَاءَتْ بِحَمْلِ فَشَقَّ عَلَيْهِ ، وَقَالَ : اللَّهُمَّ لَا تُلْحِقْ بِآلِ عُمَرَ مَنْ لَيْسَ مِنْهُمْ ، فَإِنَّ آلَ عُمَرَ لَيْسَ بِهِمْ خَفَاءٌ .\rفَوَلَدَتْ وَلَدًا أَسْوَدَ ، فَقَالَ : مِمَّنْ هُوَ ؟ فَقَالَتْ : مِنْ رَاعِي الْإِبِلِ .\rفَحَمِدَ اللَّهَ ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ .\rوَقَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ حَمَّادٍ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدٍ أَنَّ زِيدَ بْنَ ثَابِتٍ ، كَانَتْ لَهُ جَارِيَةٌ فَارِسِيَّةٌ ، وَكَانَ يَعْزِلُ عَنْهَا ، فَجَاءَتْ بِوَلَدٍ ، فَأَعْتَقَ الْوَلَدَ ، وَجَلَدَهَا الْحَدَّ ، وَقَالَ : إنَّمَا كُنْت اسْتَطَبْتُ نَفَسَكَ ، وَلَا أُرِيدُكِ .\rوَفِي رِوَايَةٍ ، قَالَ : مِمَّنْ حَمَلْت ؟ قَالَتْ مِنْك .\rفَقَالَ : كَذَبْت ، وَمَا وَصَلَ إلَيْك مِنِّي مَا يَكُونُ مِنْهُ الْحَمْلُ ، وَمَا أَطَأُكِ ، إلَّا أَنِّي اسْتَطَبْت نَفَسَكَ .\rوَقَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ : لَا تَصِيرُ فِرَاشًا ، وَلَا يَلْحَقُهُ وَلَدُهَا ، إلَّا أَنْ يُقِرَّ بِوَلَدِهَا ، فَيَلْحَقَهُ أَوْلَادُهَا بَعْدَ ذَلِكَ .\rوَلَنَا ، مَا ذَكَرْنَاهُ ، وَقَوْلُ عُمَرَ الْمُوَافِقُ لِلسُّنَّةِ أَوْلَى مِنْ قَوْلِهِ فِيمَا خَالَفَهَا .","part":24,"page":411},{"id":11911,"text":"( 8850 ) فَصْلٌ : وَإِنْ اعْتَرَفَ بِوَطْءِ أَمَتِهِ فِي الدُّبُرِ ، أَوْ دُونَ الْفَرْجِ فَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ يَلْحَقُهُ وَلَدُهَا ، وَتَصِيرُ فِرَاشًا بِهَذَا .\rوَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .\rوَلِأَنَّهُ قَدْ يُجَامِعُ ، فَيَسْبِقُ الْمَاءُ إلَى الْفَرْجِ .\rوَالصَّحِيحُ فِي هَذَا ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ، أَنَّهَا لَا تَصِيرُ بِهَذَا فِرَاشًا ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَنْصُوصٍ عَلَيْهِ ، وَلَا هُوَ فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ ، وَلَا يَثْبُتُ الْحُكْمُ إلَّا بِدَلِيلٍ ، وَلَا يَنْتَقِلُ عَنْ الْأَصْلِ إلَّا بِنَاقِلٍ عَنْهُ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَكُلُّ مَوْضِعٍ لَحِقَهُ الْوَلَدُ مِنْ أَمَتِهِ ، إذَا حَمَلَتْ بِهِ فِي مِلْكِهِ ، فَالْوَلَدُ حُرُّ الْأَصْلِ ، لَا وَلَاءَ عَلَيْهِ ، وَتَصِيرُ بِهِ الْأَمَةُ أُمَّ وَلَدٍ .","part":24,"page":412},{"id":11912,"text":"( 8851 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَأَحْكَامُ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ ، أَحْكَامُ الْإِمَاءِ ، فِي جَمِيعِ أُمُورِهِنَّ ، إلَّا أَنَّهُنَّ لَا يُبَعْنَ ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْأَمَةَ إذَا حَمَلَتْ مِنْ سَيِّدِهَا ، وَوَلَدَتْ مِنْهُ ، ثَبَتَ لَهَا حُكْمُ الِاسْتِيلَادِ ، وَحُكْمُهَا حُكْمُ الْإِمَاءِ ؛ فِي حِلِّ وَطْئِهَا لِسَيِّدِهَا ، وَاسْتِخْدَامِهَا ، وَمِلْكِ كَسْبِهَا ، وَتَزْوِيجِهَا ، وَإِجَارَتِهَا ، وَعِتْقِهَا ، وَتَكْلِيفِهَا ، وَحَدِّهَا ، وَعَوْرَتِهَا .\rوَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rوَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ ، أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ إجَارَتَهَا وَتَزْوِيجَهَا ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ بَيْعَهَا ، فَلَا يَمْلِكُ تَزْوِيجَهَا وَإِجَارَتَهَا ، كَالْحُرَّةِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهَا مَمْلُوكَةٌ يُنْتَفَعُ بِهَا ، فَيَمْلِكُ سَيِّدُهَا تَزْوِيجَهَا ، وَإِجَارَتَهَا ، كَالْمُدَبَّرَةِ ، لِأَنَّهَا مَمْلُوكَةٌ تَعْتِقُ بِمَوْتِ سَيِّدِهَا ، فَأَشْبَهَتْ الْمُدَبَّرَةَ ، وَإِنَّمَا مُنِعَ بَيْعُهَا ؛ لِأَنَّهَا اسْتَحَقَّتْ أَنْ تَعْتِقَ بِمَوْتِهِ ، وَبَيْعُهَا يَمْنَعُ ذَلِكَ ، بِخِلَافِ التَّزْوِيجِ وَالْإِجَارَةِ .\rوَيَبْطُلُ دَلِيلُهُمْ بِالْمَوْقُوفَةِ وَالْمُدَبَّرَةِ عِنْدَ مَنْ مَنَعَ بَيْعَهَا .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّهَا تُخَالِفُ الْأَمَةَ الْقِنَّ ، فِي أَنَّهَا تَعْتِقُ بِمَوْتِ سَيِّدِهَا مِنْ رَأْسِ الْمَالِ ، وَلَا يَجُوزُ بَيْعُهَا ، وَلَا التَّصَرُّفُ فِيهَا بِمَا يَنْقُلُ الْمِلْكَ ، مِنْ الْهِبَةِ وَالْوَقْفِ ، وَلَا مَا يُرَادُ لِلْبَيْعِ ، وَهُوَ الرَّهْنُ ، وَلَا تُورَثُ ؛ لِأَنَّهَا تَعْتِقُ بِمَوْتِ السَّيِّدِ ، وَيَزُولُ الْمِلْكُ عَنْهَا .\rرُوِيَ هَذَا عَنْ عُمَرَ ، وَعُثْمَانَ ، وَعَائِشَةَ ، وَعَامَّةِ الْفُقَهَاءِ .\rوَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ ، إبَاحَةُ بَيْعِهِنَّ .\rوَإِلَيْهِ ذَهَبَ دَاوُد .\rقَالَ سَعِيدٌ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ عَمْرٍو ، عَنْ عَطَاءٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، فِي أُمِّ الْوَلَدِ قَالَ : بِعْهَا كَمَا تَبِيعُ شَاتَكَ ، أَوْ بَعِيرَكَ .\rقَالَ : وَحَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ ، عَنْ مُغِيرَةَ ، عَنْ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ عُبَيْدَةَ ، قَالَ خَطَبَ عَلِيٌّ النَّاسَ ،","part":24,"page":413},{"id":11913,"text":"فَقَالَ : شَاوَرَنِي عُمَرُ فِي أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ ، فَرَأَيْت أَنَا وَعُمَرُ أَنْ أُعْتِقَهُنَّ ، فَقَضَى بِهِ عُمَرُ حَيَاتَهُ ، وَعُثْمَانُ حَيَاتَهُ ، فَلَمَّا وَلِيتُ ، رَأَيْت أَنْ أُرِقَّهُنَّ .\rقَالَ عُبَيْدَةُ : فَرَأْيُ عُمَرَ وَعَلِيٍّ فِي الْجَمَاعَةِ ، أَحَبُّ إلَيْنَا مِنْ رَأْيِ عَلِيٍّ وَحْدَهُ .\rوَقَدْ رَوَى صَالِحُ بْنُ أَحْمَدَ ، قَالَ : قُلْت لِأَبِي : إلَى أَيِّ شَيْءٍ تَذْهَبُ فِي بَيْعِ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ ؟ قَالَ : أَكْرَهُهُ ، وَقَدْ بَاعَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .\rوَقَالَ ، فِي رِوَايَةِ إِسْحَاقَ بْنِ مَنْصُورٍ : لَا يُعْجِبُنِي بَيْعُهُنَّ .\rقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : فَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ يَصِحُّ بَيْعُهُنَّ مَعَ الْكَرَاهَةِ .\rفَجَعَلَ هَذَا رِوَايَةً ثَانِيَةً عَنْ أَحْمَدَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .\rوَالصَّحِيحُ أَنَّ هَذَا لَيْسَ بِرِوَايَةٍ مُخَالِفَةٍ لِقَوْلِهِ : إنَّهُنَّ لَا يَبِعْنَ .\rلِأَنَّ السَّلَفَ ، رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ ، كَانُوا يُطْلِقُونَ الْكَرَاهَةَ عَلَى التَّحْرِيمِ كَثِيرًا ، وَمَتَى كَانَ التَّحْرِيمُ وَالْمَنْعُ مُصَرَّحًا بِهِ فِي سَائِرِ الرِّوَايَاتِ عَنْهُ ، وَجَبَ حَمْلُ هَذَا اللَّفْظِ الْمُحْتَمِلِ ، عَلَى الْمُصَرَّحِ بِهِ ، وَلَا يُجْعَلُ ذَلِكَ اخْتِلَافًا .\rوَلِمَنْ أَجَازَ بَيْعَهُنَّ أَنْ يَحْتَجَّ بِمَا رَوَى جَابِرٌ ، قَالَ : { بِعْنَا أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ ، عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ } ، وَأَبِي بَكْرٍ ، فَلَمَّا كَانَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ نَهَانَا ، فَانْتَهَيْنَا .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rوَمَا كَانَ جَائِزًا فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبِي بَكْرٍ ، لَمْ يَجُزْ نَسْخُهُ بِقَوْلِ عُمَرَ وَلَا غَيْرِهِ ، وَلِأَنَّ نَسْخَ الْأَحْكَامِ إنَّمَا يَجُوزُ فِي عَصْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ لِأَنَّ النَّصَّ إنَّمَا يُنْسَخُ بِنَصٍّ مِثْلِهِ .\rوَأَمَّا قَوْلُ الصَّحَابِيِّ ، فَلَا يَنْسَخُ ، وَلَا يُنْسَخُ بِهِ ؛ فَإِنَّ أَصْحَابَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانُوا يَتْرُكُونَ أَقْوَالَهُمْ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ","part":24,"page":414},{"id":11914,"text":"وَسَلَّمَ وَلَا يَتْرُكُونَهَا بِأَقْوَالِهِمْ ، وَإِنَّمَا تُحْمَلُ مُخَالَفَةُ عُمَرَ لِهَذَا النَّصِّ ، عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُ ، وَلَوْ بَلَغَهُ لَمْ يَعْدُهُ إلَى غَيْرِهِ ، وَلِأَنَّهَا مَمْلُوكَةٌ ، وَلَمْ يَعْتِقْهَا سَيِّدُهَا ، وَلَا شَيْئًا مِنْهَا ، وَلَا قَرَابَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا ، فَلَمْ تَعْتِقْ ، كَمَا لَوْ وَلَدَتْ مِنْ أَبِيهِ فِي نِكَاحٍ أَوْ غَيْرِهِ ، وَلِأَنَّ الْأَصْلَ الرِّقُّ ، وَلَمْ يَرِدْ بِزَوَالِهِ نَصٌّ وَلَا إجْمَاعٌ ، وَلَا مَا فِي مَعْنَى ذَلِكَ ، فَوَجَبَ الْبَقَاءُ عَلَيْهِ ، وَلِأَنَّ وِلَادَتَهَا لَوْ كَانَتْ مُوجِبَةً لِعِتْقِهَا ، لَثَبَتَ الْعِتْقُ بِهَا حِينَ وُجُودِهَا ، كَسَائِرِ أَسْبَابِهِ .\rوَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، رِوَايَةٌ أُخْرَى ، أَنَّهَا تُجْعَلُ فِي سَهْمِ وَلَدِهَا ؛ لِتَعْتِقَ عَلَيْهِ .\rوَقَالَ سَعِيدٌ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ ، قَالَ : مَاتَ رَجُلٌ مِنَّا ، وَتَرَكَ أُمَّ وَلَدٍ ، فَأَرَادَ الْوَلِيدُ بْنُ عُقْبَةَ أَنْ يَبِيعَهَا فِي دَيْنِهِ ، فَأَتَيْنَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ ، فَذَكَرْنَا ذَلِكَ لَهُ ، فَقَالَ : إنْ كَانَ وَلَا بُدَّ ، فَاجْعَلُوهَا فِي نَصِيبِ أَوْلَادِهَا .\rوَلَنَا ، مَا رَوَى عِكْرِمَةُ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { أَيُّمَا أَمَةٍ وَلَدَتْ مِنْ سَيِّدِهَا ، فَهِيَ حُرَّةٌ عَنْ دُبُرٍ مِنْهُ } .\rوَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : ذُكِرَتْ أُمُّ إبْرَاهِيمَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : { أَعْتَقَهَا وَلَدُهَا } .\rرَوَاهُمَا ابْنُ مَاجَهْ .\rوَذَكَرَ الشَّرِيفُ أَبُو جَعْفَرٍ ، فِي ( مَسَائِلِهِ ) ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، { عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ نَهَى عَنْ بَيْعِ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ ، وَلَا يَبِعْنَ وَلَا يَرْهَنَّ ، وَلَا يَرِثْنَ ، وَيَسْتَمْتِعُ بِهَا سَيِّدُهَا مَا بَدَا لَهُ ، فَإِنْ مَاتَ ، فَهِيَ حُرَّةٌ .\r} وَهَذَا فِيمَا أَظُنُّ عَنْ عُمَرَ ، وَلَا يَصِحُّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلِأَنَّهُ إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، بِدَلِيلِ قَوْلِ","part":24,"page":415},{"id":11915,"text":"عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ : كَانَ رَأْيِي وَرَأْيُ عُمَرَ ، أَنْ لَا تُبَاعَ أُمَّهَاتُ الْأَوْلَادِ .\rوَقَوْلُهُ : فَقَضَى بِهِ عُمَرُ حَيَاتَهُ وَعُثْمَانُ حَيَاتَهُ .\rوَقَوْلِ عُبَيْدَةَ : رَأْيُ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ وَعُمَرَ فِي الْجَمَاعَةِ ، أَحَبُّ إلَيْنَا مِنْ رَأْيِهِ وَحْده .\rوَرَوَى عِكْرِمَةُ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : قَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : مَا مِنْ رَجُلٍ كَانَ يُقِرُّ بِأَنَّهُ يَطَأُ جَارِيَتَهُ ، ثُمَّ يَمُوتُ ، إلَّا أَعْتَقَهَا وَلَدُهَا إذَا وَلَدَتْ ، وَإِنْ كَانَ سَقْطًا .\rفَإِنْ قِيلَ : فَكَيْف تَصِحُّ دَعْوَى الْإِجْمَاعِ ، مَعَ مُخَالَفَةِ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ الزُّبَيْرِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ؟ قُلْنَا : قَدْ رُوِيَ عَنْهُمْ الرُّجُوعُ عَنْ الْمُخَالَفَةِ ، فَقَدْ رَوَى عُبَيْدَةُ ، قَالَ : بَعَثَ إلَيَّ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ وَإِلَى شُرَيْحٍ ، أَنْ اقْضُوا كَمَا كُنْتُمْ تَقْضُونَ ، فَإِنِّي أَبْغَضُ الِاخْتِلَافَ .\rوَابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ : وَلَدُ أُمِّ الْوَلَدِ بِمَنْزِلَتِهَا .\rوَهُوَ الرَّاوِي لِحَدِيثِ عِتْقِهِنَّ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَنْ عُمَرَ ، فَيَدُلُّ عَلَى مُوَافَقَتِهِ لَهُمْ .\rثُمَّ قَدْ ثَبَتَ الْإِجْمَاعُ بِاتِّفَاقِهِمْ قَبْلَ الْمُخَالَفَةِ ، وَاتِّفَاقُهُمْ مَعْصُومٌ عَنْ الْخَطَأِ ، فَإِنَّ الْأُمَّةَ لَا تَجْتَمِعُ عَلَى ضَلَالَةٍ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَخْلُوَ زَمَنٌ عَنْ قَائِمٍ لِلَّهِ بِحُجَّتِهِ ، وَلَوْ جَازَ ذَلِكَ فِي بَعْضِ الْعَصْرِ ، لَجَازَ فِي جَمِيعِهِ ، وَرَأْيُ الْمُوَافِقِ فِي زَمَنِ الِاتِّفَاقِ ، خَيْرٌ مِنْ رَأْيِهِ فِي الْخِلَافِ بَعْدَهُ ، فَيَكُونُ الِاتِّفَاقُ حُجَّةً عَلَى الْمُخَالِفِ لَهُ مِنْهُمْ ، كَمَا هُوَ حُجَّةٌ عَلَى غَيْرِهِ .\rفَإِنْ قِيلَ : لَوْ كَانَ الِاتِّفَاقُ فِي بَعْضِ الْعَصْر إجْمَاعًا ، حَرُمَتْ مُخَالَفَتُهُ ، فَكَيْفَ خَالَفَهُ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةُ ، الَّذِينَ لَا تَجُوزُ نِسْبَتُهُمْ إلَى ارْتِكَابِ الْحَرَامِ ؟ قُلْنَا : الْإِجْمَاعُ يَنْقَسِمُ إلَى مَقْطُوعٍ بِهِ وَمَظْنُونٍ ، وَهَذَا مِنْ الْمَظْنُونِ ، فَيُمْكِنُ وُقُوعُ الْمُخَالَفَةِ مِنْهُمْ لَهُ ، مَعَ كَوْنِهِ","part":24,"page":416},{"id":11916,"text":"حُجَّةً ، كَمَا وَقَعَ مِنْهُمْ مُخَالَفَةُ النُّصُوصِ الظَّنِّيَّةِ ، وَلَا تَخْرُجْ بِمُخَالَفَتِهِمْ عَنْ كَوْنِهَا حُجَّةً ، كَذَا هَاهُنَا .\rفَأَمَّا قَوْلُ جَابِرٍ : { بِعْنَا أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ } وَأَبِي بَكْر فَلَيْسَ فِيهِ تَصْرِيحٌ بِأَنَّهُ كَانَ بِعِلْمِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا عِلْمِ أَبِي بَكْر فَيَكُونُ ذَلِكَ وَاقِعًا مِنْ فِعْلِهِمْ عَلَى انْفِرَادِهِمْ ، فَلَا يَكُونُ فِيهِ حُجَّةٌ ، وَيَتَعَيَّنُ حَمْلُ الْأَمْرِ عَلَى هَذَا ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ هَذَا وَاقِعًا بِعِلْمِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبِي بَكْرٍ ، وَأَقَرَّا عَلَيْهِ ، لَمْ تَجُزْ مُخَالَفَتُهُ ، وَلَمْ يُجْمِعْ الصَّحَابَةُ بَعْدَهُمَا عَلَى مُخَالَفَتِهِمَا ، وَلَوْ فَعَلُوا ذَلِكَ ، لَمْ يَخْلُ مِنْ مُنْكِرٍ يُنْكِرُ عَلَيْهِمْ ، وَيَقُولُ : كَيْفَ يُخَالِفُونَ فِعْلَ رَسُولِ اللَّهِ ، وَفِعْلَ صَاحِبِهِ ؟ وَكَيْفَ يَتْرُكُونَ سُنَّتَهُمَا ، وَيُحَرِّمُونَ مَا أَحَلَّا ؟ مِنْ هَذَا وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ ذَلِكَ وَاقِعًا بِعِلْمِهِمَا ، لَاحْتَجَّ بِهِ عَلِيٌّ حِينَ رَأَى بَيْعَهُنَّ ، وَاحْتَجَّ بِهِ كُلُّ مَنْ وَافَقَهُ عَلَى بَيْعِهِنَّ ، وَلَمْ يَجْرِ شَيْءٌ مِنْ هَذَا ، فَوَجَبَ أَنْ يُحْمَلَ الْأَمْرُ عَلَى مَا حَمَلْنَاهُ عَلَيْهِ ، فَلَا يَكُونُ فِيهِ إذًا حُجَّةٌ ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُمْ بَاعُوا أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ فِي النِّكَاحِ ، لَا فِي الْمِلْكِ .","part":24,"page":417},{"id":11917,"text":"( 8852 ) فَصْلٌ : وَمَنْ أَجَازَ بَيْعَ أُمِّ الْوَلَدِ ، فَعَلَى قَوْلِهِ ، إنْ لَمْ يَبِعْهَا حَتَّى مَاتَ ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ إلَّا وَلَدُهَا ، عَتَقَتْ عَلَيْهِ ، وَإِنْ كَانَ لَهَا وَارِثٌ سِوَى وَلَدِهَا ، حُسِبَتْ مِنْ نَصِيبِ وَلَدِهَا ، فَعَتَقَتْ ، وَكَانَ لَهُ مَا بَقِيَ مِنْ مِيرَاثِهِ .\rوَإِنْ لَمْ يَبْقَ شَيْءٌ فَلَا شَيْءَ لَهُ .\rوَإِنْ كَانَتْ أَكْثَرَ مِنْ نَصِيبِهِ ، عَتَقَ مِنْهَا قَدْرُ نَصِيبِهِ ، وَبَاقِيهَا رَقِيقٌ لِسَائِرِ الْوَرَثَةِ ، إلَّا عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ : إنَّهُ إذَا وَرِثَ سَهْمًا مِمَّنْ يَعْتِقُ عَلَيْهِ ، سَرَى الْعِتْقُ إلَى بَاقِيه .\rوَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ مِنْ سَيِّدِهَا ، وَرِثَهَا وَوَرِثَتْهُ ، كَسَائِرِ رَقِيقِهِ .","part":24,"page":418},{"id":11918,"text":"( 8853 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَإِذَا أَصَابَ الْأَمَةَ ، وَهِيَ مِلْكُ غَيْرِهِ ، بِنِكَاحٍ فَحَمَلَتْ مِنْهُ ، ثُمَّ مَلَكَهَا حَامِلًا ، عَتَقَ الْجَنِينُ ، وَكَانَ لَهُ بَيْعُهَا ) .\rوَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ إذَا تَزَوَّجَ أَمَةَ غَيْرِهِ ، فَأَوْلَدَهَا ، أَوْ أَحْبَلَهَا ، ثُمَّ مَلَكَهَا بِشِرَاءٍ ، أَوْ غَيْرِهِ ، لَمْ تَصِرْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ بِذَلِكَ ، سَوَاءٌ مَلَكَهَا حَامِلًا فَوَلَدَتْ فِي مِلْكِهِ ، أَوْ مَلَكَهَا بَعْدَ وِلَادَتِهَا .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِأَنَّهَا عَلِقَتْ مِنْهُ بِمَمْلُوكٍ ، فَلَمْ يَثْبُتْ لَهَا حُكْمُ الِاسْتِيلَادِ ، كَمَا لَوْ زَنَى بِهَا ، ثُمَّ اشْتَرَاهَا ، وَلِأَنَّ الْأَصْلَ الرِّقُّ ، وَإِنَّمَا خُولِفَ هَذَا الْأَصْلُ فِيمَا إذَا حَمَلَتْ مِنْهُ فِي مِلْكِهِ ، بِقَوْلِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، فَفِيمَا عَدَاهُ يَبْقَى عَلَى الْأَصْلِ .\rوَنَقَلَ الْقَاضِي ابْنُ أَبِي مُوسَى ، عَنْ أَحْمَدَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهَا تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ فِي الْحَالَيْنِ .\rوَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ وَأَبِي حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّهَا أُمُّ وَلَدِهِ ، وَهُوَ مَالِكٌ لَهَا ، فَثَبَتَ لَهَا حُكْمُ الِاسْتِيلَادِ ، كَمَا لَوْ حَمَلَتْ فِي مِلْكِهِ .\rوَلَمْ أَجِدْ هَذِهِ الرِّوَايَةَ عَنْ أَحْمَدَ ، فِيمَا إذَا مَلَكَهَا بَعْدَ وِلَادَتِهَا ، إنَّمَا نُقِلَ عَنْهُ التَّوَقُّفُ عَنْهَا ، فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا ، فَقَالَ : لَا أَقُولُ فِيهَا شَيْئًا .\rوَصَرَّحَ فِي رِوَايَةِ جَمَاعَةٍ سِوَاهُ ، بِجَوَازِ بَيْعِهَا ، فَقَالَ : لَا أَرَى بَأْسًا أَنْ يَبِيعَهَا ، إنَّمَا الْحَسَنُ وَحْدَهُ قَالَ : إنَّهَا أُمُّ وَلَدٍ .\rوَقَالَ : أَكْثَرُ مَا سَمِعْنَا فِيهِ مِنْ التَّابِعِينَ يَقُولُونَ : لَا تَكُونُ أُمَّ وَلَدٍ حَتَّى تَلِدَ عِنْدَهُ وَهُوَ يَمْلِكُهَا .\rفَإِنَّ عَبِيدَةُ السَّلْمَانِيَّ يَقُولُ : نَبِيعُهَا .\rوَشُرَيْحًا ، وَإِبْرَاهِيمَ ، وَعَامِرًا الشَّعْبِيَّ .\rوَأَمَّا إذَا مَلَكَهَا حَامِلًا ، فَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهَا تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ .\rوَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ؛ لِأَنَّهَا وَلَدَتْ مِنْهُ فِي مِلْكِهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَحْبَلَهَا","part":24,"page":419},{"id":11919,"text":"فِي مِلْكِهِ ، وَقَدْ صَرَّحَ أَحْمَدُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي رِوَايَةِ إِسْحَاقَ بْنِ مَنْصُورٍ ، أَنَّهَا لَا تَكُونُ أُمَّ وَلَدٍ ، حَتَّى تُحْدِثَ عِنْدَهُ حَمْلًا .\rوَرَوَى عَنْهُ ابْنُهُ صَالِحٌ ، قَالَ : سَأَلْت أَبِي عَنْ الرَّجُلِ يَنْكِحُ الْأَمَةَ ، فَتَلِدُ مِنْهُ ، ثُمَّ يَبْتَاعُهَا .\rقَالَ : لَا تَكُونُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ .\rقُلْت : فَإِنْ اسْتَبْرَأَهَا ، وَهِيَ حَامِلٌ مِنْهُ .\rقَالَ : إذَا كَانَ الْوَطْءُ يَزِيدُ فِي الْوَلَدِ ، وَكَانَ يَطَؤُهَا بَعْدَ مَا اشْتَرَاهَا ، وَهِيَ حَامِلٌ مِنْهُ ، كَانَتْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ .\rقَالَ ابْنُ حَامِدٍ : إنْ وَطِئَهَا فِي ابْتِدَاءِ حَمْلِهَا ، أَوْ تَوَسُّطِهِ ، كَانَتْ بِذَلِكَ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ يَزِيدُ فِي سَمْعِ الْوَلَدِ وَبَصَرِهِ .\rوَقَالَ الْقَاضِي : إنْ مَلَكَهَا حَامِلًا ، فَلَمْ يَطَأْهَا حَتَّى وَضَعَتْ ، لَمْ تَصِرْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ ، وَإِنْ وَطِئَهَا حَالَ حَمْلِهَا ، نَظَرْنَا ؛ فَإِنْ كَانَ بَعْدَ أَنْ كَمُلَ الْوَلَدُ ، وَصَارَ لَهُ خَمْسَةُ أَشْهُرٍ ، لَمْ تَصِرْ بِهِ أُمَّ وَلَدٍ .\rوَإِنْ كَانَ وَطِئَهَا قَبْلَ ذَلِكَ ، صَارَتْ لَهُ بِذَلِكَ أُمَّ وَلَدٍ ؛ لِأَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : أَبَعْدَ مَا اخْتَلَطَتْ دِمَاؤُكُمْ وَدِمَاؤُهُنَّ ، وَلُحُومُكُمْ وَلُحُومُهُنَّ ، بِعْتُمُوهُنَّ ، فَعَلَّلَ بِالْمُخَالَطَةِ ، وَالْمُخَالَطَةُ هَاهُنَا حَاصِلَةٌ ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ يَزِيدُ فِي الْوَلَدِ ، وَلِأَنَّ لِحُرِّيَّةِ الْبَعْضِ أَثَرًا فِي تَحْرِيرِ الْجَمِيعِ ، بِدَلِيلِ مَا إذَا أَعْتَقَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ نَصِيبَهُ مِنْ الْعَبْدِ .\rوَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : إنْ وَطِئَهَا بَعْدَ الشِّرَاءِ ، فَهِيَ أُمُّ وَلَدٍ .\rوَكَلَامُ الْخِرَقِيِّ يَقْتَضِي أَنَّهَا لَا تَكُونُ أُمَّ وَلَدٍ ، إلَّا أَنْ تَحْبَلَ مِنْهُ فِي مِلْكِهِ .\rوَهُوَ الَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي رِوَايَةِ إِسْحَاقَ بْنِ مَنْصُورٍ ، فَقَالَ : لَا تَكُونُ أُمَّ وَلَدٍ حَتَّى تُحْدِثَ عِنْدَهُ حَمْلًا ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَعْلَقْ مِنْهُ بِحُرٍّ ، فَلَمْ يَثْبُتْ لَهَا حُكْمُ الِاسْتِيلَادِ ، كَمَا لَوْ زَنَى بِهَا ثُمَّ اشْتَرَاهَا .\rيُحَقِّقُ هَذَا ، أَنَّ","part":24,"page":420},{"id":11920,"text":"حَمْلَهَا مِنْهُ مَا أَفَادَ الْحُرِّيَّةَ لِوَلَدِهِ ، فَلَأَنْ لَا يُفِيدَهَا الْحُرِّيَّةَ أَوْلَى .\rوَيُفَارِقُ هَذَا مَا إذَا حَمَلَتْ مِنْهُ فِي مِلْكِهِ ؛ فَإِنَّ الْوَلَدَ حُرٌّ ، فَيَتَحَرَّرُ بِتَحْرِيرِهِ .\rوَمَا ذَكَرُوهُ مِنْ زِيَادَةِ الْوَلَدِ بِالْوَطْءِ ، غَيْرُ مُتَيَقَّنٍ ؛ فَإِنَّ هَذَا الْوَلَدَ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ زَادَ ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ لَمْ يَزِدْ ، فَلَا يَثْبُتُ الْحُكْمُ بِالشَّكِّ ، وَلَوْ ثَبَتَ أَنَّهُ زَادَ ، لَمْ يَثْبُتْ الْحُكْمُ بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ ، بِدَلِيلِ مَا لَوْ مَلَكَهَا وَهِيَ حَامِلٌ مِنْ زِنًى مِنْهُ ، أَوْ مِنْ غَيْرِهِ ، فَوَطِئَهَا ، لَمْ تَصِرْ أُمَّ وَلَدٍ ، وَإِنْ زَادَ الْوَلَدُ بِهِ ، وَلِأَنَّ حُكْمَ الِاسْتِيلَادِ إنَّمَا يَثْبُتُ بِالْإِجْمَاعِ فِي حَقِّ مَنْ حَمَلَتْ مِنْهُ فِي مِلْكِهِ ، وَمَا عَدَاهُ لَيْسَ فِي مَعْنَاهُ ، وَلَيْسَ فِيهِ نَصٌّ ، وَلَا إجْمَاعٌ ، فَوَجَبَ أَنْ لَا يَثْبُتَ هَذَا الْحُكْمُ ، وَلِأَنَّ الْأَصْلَ الرِّقُّ ، فَيَبْقَى عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ .","part":24,"page":421},{"id":11921,"text":"( 8854 ) فَصْلٌ : قَالَ أَحْمَدُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي مَنْ اشْتَرَى جَارِيَةً حَامِلًا مِنْ غَيْرِهِ ، فَوَطِئَهَا قَبْلَ وَضْعِهَا : فَإِنَّ الْوَلَدَ لَا يَلْحَقُ بِالْمُشْتَرِي وَلَا يَبِيعُهُ ، وَلَكِنْ يَعْتِقُهُ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ شَرَكَ فِيهِ ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ يَزِيدُ فِي الْوَلَدِ .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَنَّهُ مَرَّ بِامْرَأَةٍ مُجِحٍّ ، عَلَى بَابِ فُسْطَاطٍ ، فَقَالَ : لَعَلَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُلِمَّ بِهَا ؟ .\rقَالُوا : نَعَمْ .\rفَقَالَ رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَقَدْ هَمَمْت أَنْ أَلْعَنَهُ لَعْنًا يَدْخُلُ مَعَهُ فِي قَبْرِهِ ، كَيْفَ يَرِثُونَهُ وَهُوَ لَا يَحِلُّ لَهُ ، أَمْ كَيْفَ يَسْتَخْدِمُهُ وَهُوَ لَا يَحِلُّ لَهُ } ، .\rرَوَاهُ أَبُو دَاوُد .\rيَعْنِي إنْ اسْتَلْحَقَهُ وَشَرَكَهُ فِي مِيرَاثِهِ ، لَمْ يَحِلَّ لَهُ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِوَلَدِهِ ، فَإِنْ اتَّخَذَهُ مَمْلُوكًا يَسْتَخْدِمُهُ لَمْ يَحِلَّ لَهُ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ شَرَكَ فِيهِ ؛ لِكَوْنِ الْمَاءِ يَزِيدُ فِي الْوَلَدِ .","part":24,"page":422},{"id":11922,"text":"( 8855 ) فَصْلٌ : وَإِذَا وَطِئَ الرَّجُلُ جَارِيَةَ وَلَدِهِ ، فَإِنْ كَانَ قَدْ قَبَضَهَا وَتَمَلَّكَهَا ، وَلَمْ يَكُنْ الْوَلَدُ وَطِئَهَا ، وَلَا تَعَلَّقَتْ بِهَا حَاجَتُهُ ، فَقَدْ مَلَكَهَا الْأَبُ بِذَلِكَ ، وَصَارَتْ جَارِيَتَهُ ، وَالْحُكْمُ فِيهَا كَالْحُكْمِ فِي جَارِيَتِهِ الَّتِي مَلَكَهَا بِالشِّرَاءِ .\rوَإِنْ وَطِئَهَا قَبْلَ تَمَلُّكِهَا ، فَقَدْ فَعَلَ مُحَرَّمًا ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : { وَاَلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنْ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمْ الْعَادُونَ } .\rوَهَذِهِ لَيْسَتْ زَوْجًا لَهُ ، وَلَا مِلْكَ يَمِينِهِ .\rفَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيك } .\rفَأَضَافَ مَالَ الِابْنِ إلَى أَبِيهِ ، فَاللَّامُ الْمِلْكِ وَالِاسْتِحْقَاقِ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ مِلْكُهُ .\rقُلْنَا : لَمْ يُرِدْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَقِيقَةَ الْمِلْكِ ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ أَضَافَ إلَيْهِ الْوَلَدَ ، وَلَيْسَ بِمَمْلُوكٍ ، وَأَضَافَ إلَيْهِ مَالَهُ فِي حَالَةِ إضَافَتِهِ إلَى الْوَلَدِ ، وَلَا يَكُونُ الشَّيْءُ مَمْلُوكًا لِمَالِكَيْنِ حَقِيقَةً فِي حَالٍ وَاحِدَةٍ ، وَقَدْ يَثْبُتُ الْمِلْكُ لِوَلَدِهِ حَقِيقَةً ، بِدَلِيلِ حِلِّ وَطْءِ إمَائِهِ وَالتَّصَرُّفِ فِي مَالِهِ ، وَصِحَّةِ بَيْعِهِ وَهِبَتِهِ وَعِتْقِهِ ، وَلِأَنَّ الْوَلَدَ لَوْ مَاتَ لَمْ يَرِثْ مِنْهُ أَبُوهُ إلَّا مَا قُدِّرَ لَهُ ، وَلَوْ كَانَ مَالُهُ ، لَاخْتَصَّ بِهِ ، وَلَوْ مَاتَ الْأَبُ ، لَمْ يَرِثْ وَرَثَتُهُ مَالَ ابْنِهِ ، وَلَا يَجِبُ عَلَى الْأَبِ حَجٌّ وَلَا زَكَاةٌ وَلَا جِهَادٌ بِيَسَارِ ابْنِهِ ، فَعُلِمَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّمَا أَرَادَ التَّجَوُّزَ ، بِتَشْبِيهِهِ بِمَالِهِ فِي بَعْضِ الْأَحْكَامِ .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّهُ لَا حَدَّ عَلَى الْأَبِ ؛ لِلشُّبْهَةِ ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَثْبُتْ حَقِيقَةُ الْمِلْكِ ؛ فَلَا أَقَلَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ شُبْهَةً تَدْرَأُ الْحَدَّ ، فَإِنَّ الْحُدُودَ تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ ، وَلَكِنْ","part":24,"page":423},{"id":11923,"text":"يُعَزَّرُ ؛ لِأَنَّهُ وَطِئَ جَارِيَةً لَا يَمْلِكُهَا ، وَطْئًا مُحَرَّمًا ، فَكَانَ عَلَيْهِ التَّعْزِيرُ ، كَوَطْءِ الْجَارِيَةِ الْمُشْتَرَكَةِ .\rوَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ ، لَا يُعَزَّرُ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ مَالَ وَلَدِهِ كَمَالِهِ .\rوَلَا يَصِحُّ لِأَنَّ مَالَهُ مُبَاحٌ لَهُ ، غَيْرُ مَلُومٍ عَلَيْهِ ، وَهَذَا الْوَطْءُ هُوَ عَادٍ فِيهِ ، مَلُومٌ عَلَيْهِ .\rوَإِنْ عَلِقَتْ مِنْهُ ، فَالْوَلَدُ حُرٌّ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ وَطْءٍ دُرِئَ فِيهِ الْحَدُّ لِشُبْهَةِ الْمِلْكِ ، فَكَانَ حُرًّا ، كَوَلَدِ الْجَارِيَةِ الْمُشْتَرَكَةِ ، وَلَا تَلْزَمُهُ قِيمَتُهُ ؛ لِأَنَّ الْجَارِيَةَ تَصِيرُ مِلْكًا لَهُ بِالْوَطْءِ ، فَيَحْصُلُ عُلُوقُهَا بِالْوَلَدِ وَهِيَ مِلْكٌ لَهُ ، وَتَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ ، تَعْتِقُ بِمَوْتِهِ ، وَتَنْتَقِلُ إلَى مِلْكِهِ ، فَيَحِلُّ لَهُ وَطْؤُهَا بَعْدَ ذَلِكَ .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ ، فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ ، وَقَالَ فِي الْآخَرِ : لَا تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ ، وَلَا يَمْلِكُهَا ؛ لِأَنَّهُ اسْتَوْلَدَهَا فِي غَيْرِ مِلْكِهِ ، فَأَشْبَهَ الْأَجْنَبِيَّ ، وَلِأَنَّ ثُبُوتَ أَحْكَامِ الِاسْتِيلَادِ ، إنَّمَا كَانَ بِالْإِجْمَاعِ فِيمَا إذَا اسْتَوْلَدَ مَمْلُوكَتَهُ ، وَهَذِهِ لَيْسَتْ مَمْلُوكَةً لَهُ ، وَلَا فِي مَعْنَى مَمْلُوكَتِهِ ، فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِ ، فَوَجَبَ أَنْ لَا يَثْبُتَ لَهَا هَذَا الْحُكْمُ ، وَلِأَنَّ الْأَصْلَ الرِّقُّ ، فَيَبْقَى عَلَى الْأَصْلِ ، وَلِأَنَّ الْوَطْءَ الْمُحَرَّمَ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ سَبَبًا لِلْمِلْكِ ، الَّذِي هُوَ نِعْمَةٌ وَكَرَامَةٌ ، لِأَنَّهُ يُفْضِي إلَى تَعَاطِي الْمُحَرَّمَاتِ .\rوَلَنَا أَنَّهَا عَلِقَتْ مِنْهُ بِحُرٍّ ، لِأَجْلِ الْمِلْكِ ، فَصَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ ، كَالْجَارِيَةِ الْمُشْتَرَكَةِ ، وَفَارَقَ وَطْءَ الْأَجْنَبِيِّ فِي هَذَا .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ مَهْرُهَا ، وَلَا قِيمَتُهَا .\rوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَلْزَمُهُ مَهْرُهَا ، وَيَلْزَمُهُ قِيمَتُهَا ؛ لِأَنَّهُ أَخْرَجَهَا عَنْ مِلْكِ سَيِّدِهَا بِفِعْلٍ مُحَرَّمٍ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَتَلَهَا ، وَإِنَّمَا لَمْ يَلْزَمْهُ مَهْرُهَا ؛ لِأَنَّهُ إذَا ضَمِنَهَا","part":24,"page":424},{"id":11924,"text":"، فَقَدْ دَخَلَتْ قِيمَةُ الْبُضْعِ فِي ضَمَانِهَا ، فَلَمْ يَضْمَنْهُ ثَانِيًا ، كَمَا لَوْ قَطَعَ يَدَهَا فَسَرَى الْقَطْعُ إلَى نَفْسِهَا ، فَإِنَّهُ يَضْمَنُ قِيمَةَ النَّفْسِ دُونَ قِيمَةِ الْيَدِ .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يَلْزَمُهُ مَهْرُهَا ؛ لِأَنَّهُ وَطِئَ جَارِيَةَ غَيْرِهِ وَطْئًا مُحَرَّمًا ، فَلَزِمَهُ مَهْرُهَا ، كَالْأَجْنَبِيِّ ، وَتَلْزَمُهُ قِيمَتُهُمَا ، عَلَى الْقَوْلِ بِكَوْنِهَا أُمَّ وَلَدٍ ، كَمَا يَلْزَمُ أَحَدَ الشَّرِيكَيْنِ ، قِيمَةُ نَصِيبِ شَرِيكِهِ ، إذَا اسْتَوْلَدَ الْجَارِيَةَ الْمُشْتَرَكَةَ .\rوَلَنَا ، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ } .\rوَلِأَنَّهُ لَا تَلْزَمُهُ قِيمَةُ وَلَدِهَا ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ مَهْرُهَا ، وَلَا قِيمَتُهَا كَمَمْلُوكَتِهِ ، وَلِأَنَّهُ وَطْءٌ صَارَتْ بِهِ الْمَوْطُوءَةُ أُمَّ وَلَدٍ ، لَأَمْرٍ لَا يَخْتَصُّ بِبَعْضِهَا ، فَأَشْبَهَ اسْتِيلَادَ مَمْلُوكَتِهِ .","part":24,"page":425},{"id":11925,"text":"( 8856 ) فَصْلٌ : فَإِنْ كَانَ الْوَلَدُ قَدْ وَطِئَ جَارِيَتَهُ ، ثُمَّ وَطِئَهَا أَبُوهُ فَأَوْلَدَهَا ؛ فَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي مَنْ وَقَعَ عَلَى جَارِيَةِ ابْنِهِ : إنْ كَانَ الْأَبُ قَابِضًا لَهَا ، وَلَمْ يَكُنْ الِابْنُ وَطِئَهَا ، فَهِيَ أُمُّ وَلَدِهِ ، وَلَيْسَ لِلِابْنِ فِيهَا شَيْءٌ .\rقَالَ الْقَاضِي : فَظَاهِرُ هَذَا ، أَنَّ الِابْنَ إنْ كَانَ قَدْ وَطِئَهَا ، لَمْ تَصِرْ أُمَّ وَلَدٍ لِلْأَبِ بِاسْتِيلَادِهَا ؛ لِأَنَّهَا تُحَرَّمُ عَلَيْهِ تَحْرِيمًا مُؤَبَّدًا بِوَطْءِ ابْنِهِ لَهَا ، وَلَا تَحِلُّ لَهُ بِحَالٍ ، فَأَشْبَهَ وَطْءَ الْأَجْنَبِيِّ .\rفَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ ، لَا يَمْلِكُهَا ، وَلَا تَعْتِقُ بِمَوْتِهِ .\rفَأَمَّا وَلَدُهَا ، فَيَعْتِقُ عَلَى أَخِيهِ ؛ لِأَنَّهُ ذُو رَحِمٍ مِنْهُ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنْ يَثْبُتَ لَهَا حُكْمُ الِاسْتِيلَادِ ، مِنْ غَيْرِ أَنْ تَحِلَّ لَهُ ، كَمَا لَوْ اسْتَوْلَدَ مَمْلُوكَتَهُ الَّتِي وَطِئَهَا ابْنُهُ ، فَإِنَّهَا تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ ، مَعَ كَوْنِهَا مُحَرَّمَةً عَلَيْهِ عَلَى التَّأْبِيدِ ، فَكَذَلِكَ هَاهُنَا ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ وَطْءٌ يُدْرَأُ فِيهِ الْحَدُّ بِشُبْهَةِ الْمِلْكِ ، فَصَارَتْ بِهِ أُمَّ وَلَدٍ ، كَمَا لَوْ لَمْ يَطَأْهَا الِابْنُ .","part":24,"page":426},{"id":11926,"text":"( 8857 ) فَصْلٌ : وَإِنْ وَطِئَ الِابْنُ جَارِيَةَ أَبِيهِ أَوْ أُمِّهِ ، فَهُوَ زَانٍ ، يَلْزَمُهُ الْحَدُّ إذَا كَانَ عَالِمًا بِالتَّحْرِيمِ ، وَلَا تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ ، وَيَلْزَمُهُ مَهْرُهَا ، وَوَلَدُهُ يَعْتِقُ عَلَى جَدِّهِ ؛ لِأَنَّهُ ابْنُ ابْنِهِ ، إذَا قُلْنَا : إنَّ وَلَدَهُ مِنْ الزِّنَى يَعْتِقُ عَلَى أَبِيهِ .\rوَتَحْرُمُ الْجَارِيَةُ عَلَى الْأَبِ عَلَى التَّأْبِيدِ .\rوَلَا تَجِبُ بِسَبَبٍ قِيمَتُهَا عَلَى الِابْنِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُخْرِجْهَا عَنْ مِلْكِهِ ، وَلَمْ يَمْنَعْهُ بَيْعَهَا ، وَلَا التَّصَرُّفَ فِيهَا بِغَيْرِ الِاسْتِمْتَاعِ فَإِنْ اسْتَوْلَدَهَا الْأَبُ بَعْدَ ذَلِكَ ، فَقَدْ فَعَلَ مُحَرَّمًا ، وَلَا حَدَّ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ وَطْءٌ صَادَفَ مِلْكًا ، وَتَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ ؛ لِأَنَّهُ اسْتَوْلَدَ مَمْلُوكَتَهُ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ وَطِئَ أَمَتَهُ الْمَرْهُونَةَ .","part":24,"page":427},{"id":11927,"text":"( 8858 ) فَصْلٌ : وَإِنْ زَوَّجَ أَمَتَهُ ، ثُمَّ وَطِئَهَا ، فَقَدْ فَعَلَ مُحَرَّمًا ، وَلَا حَدَّ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهَا مَمْلُوكَتُهُ ، وَيُعَزَّزُ .\rقَالَ أَحْمَدُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : يُجْلَدُ ، وَلَا يُرْجَمُ .\rيَعْنِي أَنَّهُ يُعَزَّرُ بِالْجَلْدِ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَدُّ ، لَوَجَبَ الرَّجْمُ إذَا كَانَ مُحْصَنًا .\rفَإِنْ أَوْلَدَهَا ، صَارَتْ أُمَّ وَلَدِهِ ؛ لِأَنَّهُ اسْتَوْلَدَ مَمْلُوكَتَهُ ، وَتَعْتِقُ بِمَوْتِهِ ، وَوَلَدُهُ حُرٌّ ، وَمَا وَلَدَتْ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ الزَّوْجِ ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ أُمِّهِ .","part":24,"page":428},{"id":11928,"text":"( 8859 ) فَصْلٌ : وَلَوْ مَلَكَ رَجُلٌ أُمَّهُ مِنْ الرَّضَاعِ ، أَوْ أُخْتَهُ أَوْ ابْنَتَهُ ، لَمْ يَحِلَّ وَطْؤُهَا .\rفَإِنْ وَطِئَهَا ، فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ .\rفِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ ؛ لِأَنَّهَا مَمْلُوكَتُهُ ، وَيُعَزَّرُ .\rفَإِنْ وَلَدَتْ فَالْوَلَدُ حُرٌّ ، وَنَسَبُهُ لَاحِقٌ بِهِ ، وَهِيَ أُمُّ وَلَدِهِ .\rوَكَذَلِكَ لَوْ مَلَكَ أَمَةً مَجُوسِيَّةً ، أَوْ وَثَنِيَّةً ، فَاسْتَوْلَدَهَا ، أَوْ مَلَكَ الْكَافِرُ أَمَةً مُسْلِمَةً فَاسْتَوْلَدَهَا ، فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ ، وَيُعَزَّرُ ، وَيَلْحَقُهُ نَسَبُ وَلَدِهِ ، وَتَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ ، تَعْتِقُ بِمَوْتِهِ ؛ لِمَا ذَكَرْنَا .\rوَكَذَلِكَ لَوْ وَطِئَ أَمَتَهُ الْمَرْهُونَةَ ، أَوْ وَطِئَ رَبُّ الْمَالِ أَمَةً مِنْ مَالِ الْمُضَارَبَةِ فَأَوْلَدَهَا ، صَارَتْ لَهُ بِذَلِكَ أُمَّ وَلَدٍ ، وَخَرَجَتْ مِنْ الرَّهْنِ وَالْمُضَارَبَةِ ، وَعَلَيْهِ قِيمَتُهَا لِلْمُرْتَهِنِ ، تُجْعَلُ مَكَانَهَا رَهْنًا ، أَوْ تَوْفِيَةً عَنْ دَيْنِ الرَّهْنِ ، وَتَنْفَسِخُ الْمُضَارَبَةُ فِيهَا .\rوَإِنْ كَانَ فِيهَا رِبْحٌ ، جُعِلَ الرِّبْحُ فِي مَالِ الْمُضَارَبَةِ .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ","part":24,"page":429},{"id":11929,"text":"( 8860 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَإِذَا عَلِقَتْ مِنْهُ بِحُرٍّ فِي مِلْكِهِ ، فَوَضَعَتْ بَعْضَ مَا يَسْتَبِين فِيهِ خَلْقُ الْإِنْسَانِ ، كَانَتْ لَهُ بِذَلِكَ أُمَّ وَلَدٍ ) ذَكَرَ الْخِرَقِيِّ لِمَصِيرِهَا أُمَّ وَلَدٍ شُرُوطًا ثَلَاثَةً ؛ أَحَدُهَا ، أَنْ تَعْلَقَ مِنْهُ بِحُرٍّ .\rفَأَمَّا إنْ عَلِقَتْ مِنْهُ بِمَمْلُوكٍ ، وَيُتَصَوَّرُ ذَلِكَ فِي الْمِلْكِ فِي مَوْضِعَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا ، فِي الْعَبْدِ إذَا مَلَكَهُ سَيِّدُهُ ، وَقُلْنَا : إنَّهُ يَمْلِكُ .\rفَإِنَّهُ إذَا وَطِئَ أَمَتَهُ وَاسْتَوْلَدَهَا ، فَوَلَدُهُ مَمْلُوكٌ ، وَلَا تَصِيرُ الْأَمَةُ أُمَّ وَلَدٍ يَثْبُتُ لَهَا حُكْمُ الِاسْتِيلَادِ بِذَلِكَ ، وَسَوَاءٌ أَذِنَ لَهُ سَيِّدُهُ فِي التَّسَرِّي بِهَا أَوْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ .\rوَالثَّانِي ، إذَا اسْتَوْلَدَ الْمُكَاتَبُ أَمَتَهُ ، فَإِنَّ وَلَدَهُ مَمْلُوكٌ لَهُ ، وَأَمَّا الْأَمَةُ ، فَإِنَّهُ لَا تَثْبُتُ لَهَا أَحْكَامُ أُمِّ الْوَلَدِ فِي الْعِتْقِ بِمَوْتِهِ فِي الْحَالِ ؛ لِأَنَّ الْمُكَاتَبَ لَيْسَ بِحُرٍّ ، وَوَلَدُهُ مِنْهَا لَيْسَ بِحُرٍّ ، فَأَوْلَى أَنْ لَا تَتَحَرَّرَ .\rهِيَ وَمَتَى عَجَزَ الْمُكَاتَبُ ، وَعَادَ إلَى الرِّقِّ ، أَوْ مَاتَ قَبْلَ أَدَاءِ كِتَابَتِهِ ، فَهِيَ أَمَةٌ قِنٌّ ، كَأَمَةِ الْعَبْدِ الْقِنِّ .\rوَهَلْ يَمْلِكُ الْمُكَاتَبُ بَيْعَهَا ، وَالتَّصَرُّفَ فِيهَا ؟ فِيهِ اخْتِلَافٌ ، ذَكَرَ الْقَاضِي فِي مَوْضِعٍ ، أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ أَحْكَامِ الِاسْتِيلَادِ ، وَلَا تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ بِحَالٍ .\rوَهَذَا أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهَا عَلِقَتْ بِمَمْلُوكٍ فِي مِلْكٍ غَيْرِ تَامٍّ ، فَلَمْ يَثْبُتْ لَهَا شَيْءٌ مِنْ أَحْكَامِ الِاسْتِيلَادِ ، كَأَمَةِ الْعَبْدِ الْقِنِّ .\rوَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّهَا مَوْقُوفَةٌ ، لَا يَمْلِكُ بَيْعَهَا ، وَلَا نَقْلَ الْمِلْكِ فِيهَا ، فَإِنْ عَتَقَ ، صَارَتْ لَهُ أُمَّ وَلَدٍ ، تَعْتِقُ بِمَوْتِهِ ، فَيَثْبُتُ لَهَا مِنْ حُرْمَةِ الِاسْتِيلَادِ ، مَا يَثْبُتُ لِوَلَدِهَا مِنْ حُرْمَةِ الْحُرِّيَّةِ .\rوَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .\rعَلَى مَنْعِ بَيْعِهَا ، وَمَفْهُومُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ ، يَحْتَمِلُ الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا .","part":24,"page":430},{"id":11930,"text":"الشَّرْطُ الثَّانِي ، أَنْ تَعْلَقَ مِنْهُ فِي مِلْكِهِ ، سَوَاءٌ كَانَ مِنْ وَطْءٍ مُبَاحٍ أَمْ مُحَرَّمٍ ، مِثْلُ الْوَطْءِ فِي الْحَيْضِ ، أَوْ النِّفَاسِ ، أَوْ الصَّوْمِ ، أَوْ الْإِحْرَامِ ، أَوْ الظِّهَارِ ، أَوْ غَيْرِهِ .\rفَأَمَّا إنْ عَلِقَتْ مِنْهُ فِي غَيْرِ مِلْكِهِ ، لَمْ تَصِرْ بِذَلِكَ أُمَّ وَلَدٍ ، سَوَاءٌ عَلِقَتْ مِنْهُ بِمَمْلُوكٍ ، مِثْلُ أَنْ يَطَأَهَا فِي مِلْكِ غَيْرِهِ بِنِكَاحٍ أَوْ زِنًا أَوْ عَلِقَتْ بِحُرٍّ مِثْلُ أَنْ يَطَأَهَا بِشُبْهَةٍ أَوْ غُرَّ مِنْ أَمَةٍ ، وَتَزَوَّجَهَا عَلَى أَنَّهَا حُرَّةٌ فَاسْتَوْلَدَهَا ، أَوْ اشْتَرَى جَارِيَةً فَاسْتَوْلَدَهَا ، فَبَانَتْ مُسْتَحَقَّةً ، فَإِنَّ الْوَلَدَ حُرٌّ ، وَلَا تَصِيرُ الْأَمَةُ أُمَّ وَلَدٍ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ بِحَالٍ .\rوَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ ، أَنَّهُ إنْ مَلَكَهَا بَعْدَ ذَلِكَ ، صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ .\rوَقَدْ ذَكَرْنَا الْخِلَافَ فِي ذَلِكَ ، فِي الْمَسْأَلَةِ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ .\rوَالْمَقْصُودُ بِذِكْرِ هَذِهِ الشُّرُوطِ هَا هُنَا ، ثُبُوتُ الْحُكْمِ عِنْدَ اجْتِمَاعِهَا ، وَأَمَّا انْتِفَاؤُهُ عِنْدَ انْتِفَائِهَا ، فَيُذْكَرُ فِي مَسَائِلَ مُفْرَدَةٍ لَهَا .\rالشَّرْطُ الثَّالِثُ ، أَنْ تَضَعَ مَا يَتَبَيَّنُ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ خَلْقِ الْإِنْسَانِ ؛ مِنْ رَأْسٍ ، أَوْ يَدٍ ، أَوْ رِجْلٍ ، أَوْ تَخْطِيطٍ ، سَوَاءٌ وَضَعَتْهُ حَيًّا أَوْ مَيِّتًا ، وَسَوَاءٌ أَسْقَطَتْهُ ، أَوْ كَانَ تَامًّا .\rقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إذَا وَلَدَتْ الْأَمَةُ مِنْ سَيِّدِهَا ، فَقَدْ عَتَقَتْ وَإِنْ كَانَ سَقْطًا ، وَرَوَى الْأَثْرَمُ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، أَنَّهُ قَالَ : أَعْتَقَهَا وَلَدُهَا ، وَإِنْ كَانَ وَلَدُهَا سَقْطًا ، قَالَ الْأَثْرَمُ : قُلْت لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ : أُمُّ الْوَلَدِ ، إذَا أَسْقَطَتْ ، لَا تَعْتِقُ ؟ فَقَالَ : إذَا تَبَيَّنَ فِيهِ يَدٌ ، أَوْ رِجْلٌ ، أَوْ شَيْءٌ مِنْ خَلْقِهِ ، فَقَدْ عَتَقَتْ .\rوَهَذَا قَوْلُ الْحَسَنِ ، وَالشَّافِعِيِّ .\rوَقَالَ الشَّعْبِيُّ : إذَا تَلَبَّثَ فِي الْخَلْقِ الرَّابِعِ ، فَكَانَ مُخَلَّقًا ، انْقَضَتْ بِهِ عِدَّةُ الْحُرَّةِ ، وَأُعْتِقَتْ بِهِ الْأَمَةُ .\rوَلَا أَعْلَمُ فِي هَذَا","part":24,"page":431},{"id":11931,"text":"خِلَافًا بَيْنَ مَنْ قَالَ بِثُبُوتِ حُكْمِ الِاسْتِيلَادِ ، فَأَمَّا إنْ أَلْقَتْ نُطْفَةً ، أَوْ عَلَقَةً ، لَمْ يَثْبُتْ بِهِ شَيْءٌ مِنْ أَحْكَامِ الْوِلَادَةِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِوَلَدٍ .\rوَرَوَى يُوسُفَ بْنُ مُوسَى ، أَنَّ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ قِيلَ لَهُ : مَا تَقُولُ فِي الْأَمَةِ إذَا أَلْقَتْ مُضْغَةً أَوْ عَلَقَةً ؟ قَالَ : تَعْتِقُ .\rوَهَذَا قَوْلُ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ .\rوَإِنْ وَضَعَتْ مُضْغَةً لَمْ يَظْهَرْ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ خَلْقِ الْآدَمِيِّ ، فَشَهِدَ ثِقَاتٌ مِنْ الْقَوَابِلِ ، أَنَّ فِيهَا صُورَةً خَفِيَّةً ، تَعَلَّقَتْ بِهَا الْأَحْكَامُ ؛ لِأَنَّهُنَّ اطَّلَعْنَ عَلَى الصُّورَةِ الَّتِي خَفِيَتْ عَلَى غَيْرِهِنَّ .\rوَإِنْ لَمْ يَشْهَدْنَ بِذَلِكَ ، لَكِنْ عُلِمَ أَنَّهُ مُبْتَدَأُ خَلْقِ آدَمِيٍّ ؛ إمَّا بِشَهَادَتِهِنَّ ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ ؛ إحْدَاهُمَا ، لَا تَصِيرُ بِهِ الْأَمَةُ أُمَّ وَلَدٍ ، وَلَا تَنْقَضِي بِهِ عِدَّةُ الْحُرَّةِ ، وَلَا يَجِبُ عَلَى الضَّارِبِ الْمُتْلِفِ لَهُ الْغُرَّةُ ، وَلَا الْكَفَّارَةُ .\rوَهَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ وَالشَّافِعِيِّ ، وَظَاهِرُ مَا نَقَلَهُ الْأَثْرَمُ عَنْ أَحْمَدَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَظَاهِرُ كَلَامِ الْحَسَنِ ، وَالشَّعْبِيِّ ، وَسَائِرِ مَنْ اشْتَرَطَ أَنْ يَتَبَيَّنَ شَيْءٌ فِيهِ خَلْقُ الْإِنْسَانِ لِأَنَّهُ لَمْ يَبِنْ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ خَلْقِ الْآدَمِيِّ ، أَشْبَهَ النُّطْفَةَ وَالْعَلَقَةَ .\rوَالثَّانِيَةُ ، تَتَعَلَّقُ بِهِ الْأَحْكَامُ الْأَرْبَعَةُ ؛ لِأَنَّهُ مُبْتَدَأُ خَلْقِ آدَمِيٍّ ، أَشْبَهَ إذَا تَبَيَّنَ .\rوَخَرَّجَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ حَامِدٍ رِوَايَةً ثَالِثَةً ، وَهُوَ أَنَّ الْأَمَةَ تَصِيرُ بِذَلِكَ أُمَّ وَلَدٍ ، وَلَا تَنْقَضِي بِهِ عِدَّةُ الْحُرَّةِ ؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي الْأَمَةِ إذَا وَضَعَتْ ، فَمَسَّتْهُ الْقَوَابِلُ ، فَعَلِمْنَ أَنَّهُ لَحْمٌ وَلَمْ يَتَبَيَّنْ لَحْمُهُ : تَحْتَاطُ فِي الْعِدَّة بِأُخْرَى ، وَيُحْتَاطُ بِعِتْقِ الْأَمَةِ .\rوَظَاهِرُ هَذَا ، أَنَّهُ حَكَمَ بِعِتْقِ الْأَمَةِ ، وَلَمْ يَحْكُمْ بِانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ ؛ لِأَنَّ عِتْقَ الْأَمَةِ .\rيَحْصُلُ","part":24,"page":432},{"id":11932,"text":"لِلْحُرِّيَّةِ ، فَاحْتِيطَ بِتَحْصِيلِهَا ، وَالْعِدَّةُ يَتَعَلَّقُ بِهَا تَحْرِيمُ التَّزَوُّجِ وَحُرْمَةُ الْفَرْجِ ، فَاحْتِيطَ بِإِبْقَائِهَا .\rوَقَالَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ بِالْعَكْسِ : لَا تَجِبُ الْعِدَّةُ ، وَلَا تَصِيرُ الْأَمَةُ أُمَّ وَلَدٍ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ، فَيَبْقَى عَلَى أَصْلِهِ .\rوَلَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ الْعِدَّةَ كَانَتْ ثَابِتَةً ، وَالْأَصْلُ بَقَاؤُهَا عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ ، وَالْأَصْلُ فِي الْآدَمِيِّ الْحُرِّيَّةُ ، فَتَغَلَّبَ مَا يُفْضِي إلَيْهَا .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":24,"page":433},{"id":11933,"text":"( 8861 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( فَإِذَا مَاتَ ، فَقَدْ صَارَتْ حُرَّةً ، وَإِنْ لَمْ يَمْلِكْ غَيْرَهَا ) .\rيَعْنِي أَنَّ أُمَّ الْوَلَدِ تَعْتِقُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ ، وَإِنْ لَمْ يَمْلِكْ سِوَاهَا .\rوَهَذَا قَوْلُ كُلِّ مَنْ رَأَى عِتْقَهُنَّ ، لَا نَعْلَمُ بَيْنَهُمْ فِيهِ خِلَافًا .\rوَسَوَاءٌ وَلَدَتْ فِي الصِّحَّةِ أَوْ الْمَرَضِ ؛ لِأَنَّهُ حَاصِلٌ بِالْتِذَاذِهِ وَشَهْوَتِهِ ، وَمَا يُتْلِفُهُ فِي لَذَّاتِهِ وَشَهْوَتِهِ ، يَسْتَوِي فِيهِ حَالُ الصِّحَّةِ وَالْمَرَضِ ، كَاَلَّذِي يَأْكُلُهُ وَيَلْبَسُهُ ، وَلِأَنَّ عِتْقَهَا بَعْدَ الْمَوْتِ ، وَمَا يَكُونُ بَعْدَ الْمَوْتِ يَسْتَوِي فِيهِ الْمَرَضُ وَالصِّحَّةُ ، كَقَضَاءِ الدُّيُونِ ، وَالتَّدْبِيرِ ، وَالْوَصِيَّةِ .\rوَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا بَيْنَ مَنْ رَأَى عِتْقَهُنَّ .\rقَالَ سَعِيدٌ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ نَافِعٍ ، قَالَ : أَدْرَكَ ابْنَ عُمَرَ رَجُلَانِ ، فَقَالَا : إنَّا تَرَكْنَا هَذَا الرَّجُلَ يَبِيعُ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ .\rيَعْنِيَانِ ابْنَ الزُّبَيْرِ .\rفَقَالَ ابْنُ عُمَرَ : أَتَعْرِفَانِ أَبَا حَفْصٍ ؟ فَإِنَّهُ قَضَى فِي أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ أَنْ لَا يُبَعْنَ ، وَلَا يُوهَبْنَ ، يَسْتَمْتِعُ بِهَا صَاحِبُهَا ، فَإِذَا مَاتَ فَهِيَ حُرَّةٌ .\rوَقَالَ : حَدَّثَنَا غِيَاثٌ ، عَنْ خُصَيْفٍ عَنْ ، عِكْرِمَةَ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : قَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَا مِنْ رَجُلٍ كَانَ يُقِرُّ بِأَنَّهُ يَطَأُ جَارِيَتَهُ ، وَيَمُوتُ ، إلَّا أَعْتَقَهَا إذَا وَلَدَتْ ، وَإِنْ كَانَ سَقْطًا .","part":24,"page":434},{"id":11934,"text":"( 8862 ) فَصْلٌ : وَلَا فَرْقَ بَيْن الْمُسْلِمَةِ وَالْكَافِرَةِ ، وَالْعَفِيفَةِ وَالْفَاجِرَةِ ، وَلَا بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالْكَافِرِ ، وَالْعَفِيفِ وَالْفَاجِرِ ، فِي هَذَا ، فِي قَوْلِ أَئِمَّةِ أَهْلِ الْفَتْوَى مِنْ أَهْلِ الْأَمْصَارِ ؛ لِأَنَّ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْعِتْقُ يَسْتَوِي فِيهِ الْمُسْلِمُ وَالْكَافِرُ ، وَالْعَفِيفُ وَالْفَاجِرُ ، كَالتَّدْبِيرِ وَالْكِتَابَةِ ، وَلِأَنَّ عِتْقَهَا بِسَبَبِ اخْتِلَاطِ دَمِهَا بِدَمِهِ وَلَحْمِهَا بِلَحْمِهِ ، فَإِذَا اسْتَوَيَا فِي النَّسَبِ ، اسْتَوَيَا فِي حُكْمِهِ .\rوَرَوَى سَعِيدٌ ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ ، أَخْبَرَنَا مَنْصُورٌ ، عَنْ ابْنِ سِيرِينَ ، عَنْ أَبِي عَطِيَّةَ الْهَمْدَانِيِّ ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ فِي أُمِّ الْوَلَدِ : إنْ أَسْلَمَتْ وَأُحْصِنَتْ وَعَفَّتْ ، أُعْتِقَتْ ، وَإِنْ كَفَرَتْ وَفَجَرَتْ وَغَدَرَتْ ، رَقَّتْ .\rوَقَالَ : حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى عَنْ أُمِّ وَلَدِ رَجُلٍ ارْتَدَّتْ عَنْ الْإِسْلَامِ ، فَكُتِبَ فِي ذَلِكَ إلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَكَتَبَ عُمَرُ : بِيعُوهَا لِيَسْبِيَهَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ دِينِهَا .\rوَإِذَا كَانَ مَبْنَى عِتْقِ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ عَلَى قَوْلِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَقَدْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَخْتَصَّ الْعِتْقُ بِالْمُسْلِمَةِ الْعَفِيفَةِ دُونَ الْكَافِرَةِ الْفَاجِرَةِ ؛ لِانْتِفَاءِ الدَّلِيلِ الَّذِي ثَبَتَ بِهِ عِتْقُهُنَّ .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":24,"page":435},{"id":11935,"text":"( 8863 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَإِذَا صَارَتْ الْأَمَةُ أُمَّ وَلَدٍ ، بِمَا وَصَفْنَا ، ثُمَّ وَلَدَتْ مِنْ غَيْرِهِ ، كَانَ لَهُ حُكْمُهَا فِي الْعِتْقِ بِمَوْتِ سَيِّدِهَا ) .\rوَجُمْلَتُهُ أَنَّ أُمَّ الْوَلَدِ إذَا وَلَدَتْ بَعْدَ ثُبُوتِ حُكْمِ الِاسْتِيلَادِ لَهَا مِنْ غَيْرِ سَيِّدِهَا ، مِنْ زَوْجٍ أَوْ غَيْرِهِ ، فَحُكْمُ وَلَدِهَا حُكْمُهَا ، فِي أَنَّهُ يَعْتِقُ بِمَوْتِ سَيِّدِهَا ، وَيَجُوزُ فِيهِ مِنْ التَّصَرُّفَاتِ مَا يَجُوزُ فِيهَا ، وَيَمْتَنِعُ فِيهِ مَا يَمْتَنِعُ فِيهَا .\rقَالَ أَحْمَدُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : قَالَ ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ ، وَغَيْرُهُمَا : وَلَدُهَا بِمَنْزِلَتِهَا .\rوَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا بَيْنَ الْقَائِلِينَ بِثُبُوتِ حُكْمِ الِاسْتِيلَادِ ، إلَّا أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : هُمْ عَبِيدٌ .\rفَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ لَهُمْ حُكْمُ أُمِّهِمْ ؛ لِأَنَّ الِاسْتِيلَادَ مُخْتَصٌّ بِهَا ، فَيَخْتَصُّ بِحُكْمِهِ .\rكَوَلَدِ مَنْ عُلِّقَ عِتْقُهَا بِصِفَةٍ .\rوَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ أَنَّهُمْ عَبِيدٌ ، حُكْمُهُمْ حُكْمُ أُمِّهِمْ ، مِثْلُ قَوْلِ الْجَمَاعَةِ ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ يَتْبَعُ أُمَّهُ فِي الرِّقِّ وَالْحُرِّيَّةِ ، فَيَتْبَعُهَا فِي سَبَبِهِ إذَا كَانَ مُتَأَكِّدًا ، كَوَلَدِ الْمُكَاتَبَةِ وَالْمُدَبَّرَةِ ، بَلْ وَلَدُ أُمِّ الْوَلَدِ أَوْلَى ؛ لِأَنَّ سَبَبَ الْعِتْقِ فِيهَا مُسْتَقِرٌّ ، وَلَا سَبِيلَ إلَى إبْطَالِهِ بِحَالٍ .\rفَإِنْ مَاتَتْ أُمُّ الْوَلَدِ قَبْلَ سَيِّدِهَا ، لَمْ يَبْطُلْ حُكْمُ الِاسْتِيلَادِ فِي الْوَلَدِ ، وَتَعْتِقُ بِمَوْتِ سَيِّدِهَا ؛ لِأَنَّ السَّبَبَ لَمْ يَبْطُلْ ، وَإِنَّمَا تَثْبُتُ الْحُرِّيَّةُ فِيهَا ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَبْقَ مَحَلًّا .\rوَكَذَلِكَ وَلَدُ الْمُدَبَّرَةِ ، لَا يَبْطُلُ الْحُكْمُ فِيهِ بِمَوْتِ .\rأُمِّهِ ، وَأَمَّا وَلَدُ الْمُكَاتَبَةِ إذَا مَاتَتْ ، فَإِنَّهُ يَعُودُ رَقِيقًا ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ يَبْطُلُ بِمَوْتِهَا ، فَلَمْ يَبْقَ حُكْمُهُ فِيهِ .\rوَقَدْ ذَكَرْنَا فِي هَذَا خِلَافًا فِيمَا تَقَدَّمَ .\rوَإِنْ أَعْتَقَ السَّيِّدُ أُمَّ الْوَلَدِ ، أَوْ الْمُدَبَّرَةَ ، لَمْ يَعْتِقْ","part":24,"page":436},{"id":11936,"text":"وَلَدُهَا ، لِأَنَّهَا عَتَقَتْ بِغَيْرِ السَّبَبِ الَّذِي تَبِعَهَا فِيهِ ، وَيَبْقَى عِتْقُهُ مَوْقُوفًا عَلَى مَوْتِ سَيِّدِهِ .\rوَكَذَلِكَ إنْ أَعْتَقَ وَلَدَهُمَا ، لَمْ يَعْتِقَا بِعِتْقِهِ .\rوَإِنْ أَعْتَقَ الْمُكَاتَبَةَ ، فَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ وَسُفْيَانُ وَإِسْحَاقُ : الْمُكَاتَبَةُ إذَا أَدَّتْ أَوْ أُعْتِقَتْ ، عَتَقَ وَلَدُهَا ، وَأُمُّ الْوَلَدِ وَالْمُدَبَّرَةُ إذَا أُعْتِقَتْ ، لَمْ يَعْتِقْ وَلَدُهَا حَتَّى يَمُوتَ السَّيِّدُ .\rفَظَاهِرُ هَذَا أَنَّ وَلَدَ الْمُكَاتَبَةِ يَتْبَعُهَا فِي الْعِتْقِ بِإِعْتَاقِ سَيِّدِهَا ؛ لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ مَالِهَا ، يَسْتَحِقُّ كَسْبَهُ ، فَيَتْبَعُهَا إذَا أَعْتَقَهَا كَمَالِهَا ، وَلِأَنَّ إعْتَاقَهَا يَمْنَعُ أَدَاءَهَا بِسَبَبٍ ، مِنْ السَّيِّدِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَبْرَأَهَا مِنْ مَالِ الْكِتَابَةِ .","part":24,"page":437},{"id":11937,"text":"( 8864 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا وَلَدُ أُمُّ الْوَلَدِ قَبْلَ اسْتِيلَادِهَا ، وَوَلَدُ الْمُدَبَّرَةِ قَبْلَ تَدْبِيرِهَا ، وَالْمُكَاتَبَةِ قَبْلَ كِتَابَتِهَا ، فَلَا يَتْبَعُهَا ؛ لِوُجُودِهِ قَبْلَ انْعِقَادِ السَّبَبِ فِيهَا ، وَزَوَالِ حُكْمِ التَّبَعِيَّةِ عَنْهُ قَبْلَ تَحَقُّقِ السَّبَبِ فِي أُمِّهِ ، وَلِهَذَا لَا يَتْبَعُهَا فِي الْعِتْقِ الْمُنْجَزِ ، فَفِي السَّبَبِ أَوْلَى .\rوَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ فِي وَلَدِ الْمُدَبَّرَةِ قَبْلَ التَّدْبِيرِ رِوَايَتَيْنِ ، فَيُخَرَّجُ هَاهُنَا مِثْلُهُ ، وَهُوَ بَعِيدٌ ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ الْمُنْفَصِلَ لَا يَتْبَعُهَا فِي عِتْقٍ ، وَلَا بَيْعٍ ، وَلَا هِبَةٍ ، وَلَا رَهْنٍ ، وَلَا شَيْءٍ مِنْ الْأَحْكَامِ ، سِوَى الْإِسْلَامِ ، بِشَرْطِ كَوْنِهِ صَغِيرًا ، فَكَيْفَ يَتْبَعُ فِي التَّدْبِيرِ ، وَلِأَنَّهُ لَا نَصَّ فِيهِ ، وَلَا قِيَاسَ يَقْتَضِيه ، فَيَبْقَى بِحَالِهِ .","part":24,"page":438},{"id":11938,"text":"( 8865 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَإِذَا أَسْلَمَتْ أُمُّ وَلَدِ النَّصْرَانِيِّ ، مُنِعَ مِنْ وَطْئِهَا ، وَالتَّلَذُّذِ بِهَا ، وَأُجْبِرَ عَلَى نَفَقَتِهَا .\rفَإِذَا أَسْلَمَ ، حَلَّتْ لَهُ ، وَإِنْ مَاتَ قَبْلَ ذَلِكَ ، عَتَقَتْ ) .\rوَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْكَافِرَ يَصِحُّ مِنْهُ الِاسْتِيلَادُ لِأَمَتِهِ ، كَمَا يَصِحُّ مِنْهُ عِتْقُهَا .\rوَإِذَا اسْتَوْلَدَ الذِّمِّيُّ أَمَتَهُ ، ثُمَّ أَسْلَمَتْ ، لَمْ تَعْتِقْ فِي الْحَالِ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ .\rوَقَالَ مَالِكٌ : تَعْتِقُ ، إذْ لَا سَبِيلَ إلَى بَيْعِهَا ، وَلَا إلَى إقْرَارِ مِلْكِهِ عَلَيْهَا ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ إثْبَاتِ مِلْكِ كَافِرٍ عَلَى مُسْلِمَةٍ ، فَلَمْ يَجُزْ ، كَالْأَمَةِ الْقِنِّ .\rوَعَنْ أَحْمَدَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ رِوَايَةٌ أُخْرَى ، أَنَّهَا تُسْتَسْعَى ، فَإِنْ أَدَّتْ ، عَتَقَتْ .\rوَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّ فِيهِ جَمْعًا بَيْنَ الْحَقَّيْنِ ؛ حَقِّهَا فِي أَنْ لَا يَبْقَى مِلْكُ الْكَافِرِ عَلَيْهَا ، وَحَقِّهِ فِي حُصُولِ عِوَضِ مِلْكِهِ ، فَأَشْبَهَ بَيْعَهَا إذَا لَمْ تَكُنْ أُمَّ وَلَدٍ .\rوَلَنَا ، أَنَّهُ إسْلَامٌ طَرَأَ عَلَى مِلْكٍ ، فَلَمْ يُوجِبْ عِتْقًا ، وَلَا سِعَايَةً ، كَالْعَبْدِ الْقِنِّ .\rوَمَا ذَكَرُوهُ مُجَرَّدُ حِكْمَةٍ لَمْ يُعْرَفْ مِنْ الشَّارِعِ اعْتِبَارُهَا ، وَبَقَاؤُهَا ضَرَرٌ ، فَإِنَّ فِي عِتْقِهَا مَجَّانًا إضْرَارًا بِالْمَالِكِ ، بِإِزَالَةِ مِلْكِهِ بِغَيْرِ عِوَضٍ ، وَفِي الِاسْتِسْعَاءِ إلْزَامٌ لَهَا بِالْكَسْبِ بِغَيْرِ رِضَاهَا ، وَتَضْيِيعٌ لَحَقِّهِ ؛ لِأَنَّ فِيهِ إحَالَةً عَلَى سِعَايَةٍ لَا نَدْرِي هَلْ يَحْصُلُ مِنْهَا شَيْءٌ أَوْ لَا ؟ وَإِنْ حَصَلَ ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَكُونُ يَسِيرًا ، فِي أَوْقَاتٍ مُتَفَرِّقَةٍ ، وُجُودُهُ قَرِيبٌ مِنْ عَدَمِهِ ، وَالْحَقُّ أَنْ يَبْقَى الْمِلْكُ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ ، وَيُمْنَعَ مِنْ وَطْئِهَا ، وَالتَّلَذُّذِ بِهَا ، كَيْ لَا يَطَأَهَا وَيَبْتَذِلَهَا وَهُوَ مُشْرِكٌ ، وَيُحَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا ، وَيُمْنَعَ الْخَلْوَةَ بِهَا ، لِئَلَّا يُفْضِيَ إلَى الْوَطْءِ الْمُحَرَّمِ ، وَيُجْبَرَ عَلَى نَفَقَتِهَا عَلَى التَّمَامِ ؛ لِأَنَّهَا مَمْلُوكَتُهُ ، وَمَنْعُهُ مِنْ","part":24,"page":439},{"id":11939,"text":"وَطْئِهَا بِغَيْرِ مَعْصِيَةٍ مِنْهَا ، فَأَشْبَهَتْ الْحَائِضَ وَالْمَرِيضَةَ ، وَتُسَلَّمُ إلَى امْرَأَةٍ ثِقَةٍ ، تَكُونُ عِنْدَهَا ، لِتَحْفَظَهَا ، وَتَقُومَ بِأَمْرِهَا ، وَإِنْ احْتَاجَتْ إلَى أَجْرٍ ، أَوْ أَجْرِ مَسْكَنٍ ، فَعَلَى سَيِّدِهَا .\rوَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّ نَفَقَتَهَا فِي كَسْبِهَا ، وَمَا فَضَلَ مِنْ كَسْبِهَا فَهُوَ لِسَيِّدِهَا .\rوَإِنْ عَجَزَ عَنْ نَفَقَتِهَا ، فَهَلْ يَلْزَمُ سَيِّدَهَا تَمَامُ نَفَقَتِهَا ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ .\rوَنَحْوُ هَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَالصَّحِيحُ أَنَّ نَفَقَتَهَا عَلَى سَيِّدِهَا ، وَكَسْبَهَا لَهُ ، يَصْنَعُ بِهِ مَا شَاءَ ، وَعَلَيْهِ نَفَقَتُهَا عَلَى التَّمَامِ ، سَوَاءٌ كَانَ لَهَا كَسْبٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ ؛ لِأَنَّهَا مَمْلُوكَةٌ لَهُ ، وَلَمْ يَجْرِ بَيْنَهُمَا عَقْدٌ يُسْقِطُ نَفَقَتَهَا ، وَلَا يَمْلِكُ بِهِ كَسْبَهَا ، فَأَشْبَهَتْ أَمَتَهُ الْقِنَّ ، أَوْ مَا قَبْلَ إسْلَامِهَا ، وَلِأَنَّ الْمِلْكَ سَبَبٌ لِهَذَيْنِ الْحُكْمَيْنِ ، وَالْحَادِثُ مِنْهُمَا لَا يَصْلُحُ مَانِعًا ؛ لِأَنَّ الِاسْتِيلَادَ لَا يَمْنَعُ مِنْهُمَا ، بِدَلِيلِ مَا قَبْلَ إسْلَامِهَا ، وَالْإِسْلَامُ لَا يَمْنَعُ ، بِدَلِيلِ مَا لَوْ وُجِدَ قَبْلَ وِلَادَتِهَا ، وَاجْتِمَاعُهُمَا لَا يَمْنَعُ ؛ لِأَنَّهُ لَا نَصَّ فِيهِ ، وَلَا هُوَ فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ ، وَلِأَنَّهُ إذَا لَمْ تَلْزَمْهُ نَفَقَتُهَا ، وَلَمْ يَكُنْ لَهَا كَسْبٌ ، أَفْضَى إلَى هَلَاكِهَا وَضَيَاعِهَا ، وَلِأَنَّهُ يَمْلِكُ فَاضِلَ كَسْبِهَا ، فَيَلْزَمُهُ فَضْلُ نَفَقَتِهَا ، كَسَائِرِ مَمَالِيكِهِ .","part":24,"page":440},{"id":11940,"text":"( 8866 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَإِذَا عَتَقَتْ أُمُّ الْوَلَدِ بِمَوْتِ سَيِّدِهَا ، فَمَا كَانَ فِي يَدِهَا مِنْ شَيْءٍ ، فَهُوَ لِوَرَثَةِ سَيِّدِهَا ) إنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ ، لِأَنَّ أُمَّ الْوَلَد أَمَةٌ ، وَكَسْبَهَا لِسَيِّدِهَا ، وَسَائِرَ مَا فِي يَدِهَا لَهُ ، فَإِذَا مَاتَ سَيِّدُهَا فَعَتَقَتْ ، انْتَقَلَ مَا فِي يَدِهَا إلَى وَرَثَتِهِ ، كَسَائِرِ مَالِهِ ، وَكَمَا فِي يَدِ الْمُدَبَّرَةِ ، وَتُخَالِفُ الْمُكَاتَبَةَ ؛ فَإِنَّ كَسْبَهَا فِي حَيَاةِ سَيِّدِهَا لَهَا ، فَإِذَا عَتَقَتْ ، بَقِيَ لَهَا ، كَمَا كَانَ لَهَا قَبْلَ الْعِتْقِ .","part":24,"page":441},{"id":11941,"text":"( 8867 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَلَوْ أَوْصَى لَهَا بِمَا فِي يَدِهَا ، كَانَ لَهَا ، إذَا احْتَمَلَهُ الثُّلُثُ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْوَصِيَّةَ لِأُمِّ الْوَلَدِ تَصِحُّ .\rلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ الْقَائِلِينَ بِثُبُوتِ حُكْمِ الِاسْتِيلَادِ .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ .\rوَقَدْ رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ ، وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ ، عَنْ هُشَيْمٍ ، حَدَّثَنَا حُمَيْدٍ ، عَنْ الْحَسَنِ ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَوْصَى لِأُمَّهَاتِ أَوْلَادِهِ بِأَرْبَعَةِ آلَافٍ أَرْبَعَةِ آلَافٍ .\rوَلِأَنَّ أُمَّ الْوَلَدِ حُرَّةٌ فِي حَالِ نُفُوذِ الْوَصِيَّةِ لَهَا ؛ لِأَنَّ عِتْقَهَا يَتَنَجَّزُ بِمَوْتِهِ ، فَلَا تَقَعُ الْوَصِيَّةُ لَهَا إلَّا فِي حَالِ حُرِّيَّتِهَا .\rوَأَمَّا قَوْلُهُ : إذَا احْتَمَلَهُ الثُّلُثُ .\rفَلِأَنَّ الْوَصِيَّةَ كُلَّهَا لَا تَلْزَمُ إلَّا فِي الثُّلُثِ فَمَا دُونَ ، وَهَذَا مِنْهَا ، وَمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ يَقِفُ عَلَى إجَازَةِ الْوَرَثَةِ ، فَإِنْ أَجَازُوهُ جَازَ ، وَإِلَّا رُدَّ إلَى الْوَرَثَةِ .\rوَلَا تُعْتَبَرُ قِيمَةُ أُمِّ الْوَلَدِ مِنْ الثُّلُثِ ؛ لِأَنَّهَا تَعْتِقُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ ، فَلَا تُحْتَسَبُ مِنْ الثُّلُثِ ، كَقَضَاءِ الدُّيُونِ ، وَأَدَاءِ الْوَاجِبَاتِ .","part":24,"page":442},{"id":11942,"text":"( 8868 ) فَصْلٌ : وَإِنْ أَوْصَى لِمُدَبَّرِهِ أَوْ مُدَبَّرَتِهِ ، صَحَّتْ الْوَصِيَّةُ أَيْضًا ، إلَّا أَنَّهُ تُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ وَمَا أَوْصَى لَهُ بِهِ مِنْ الثُّلُثِ ؛ لِأَنَّ التَّدْبِيرَ تَبَرُّعٌ ، فَكَانَ مِنْ الثُّلُثِ ، كَالْوَصِيَّةِ .\rفَإِنْ خَرَجَا مِنْ الثُّلُثِ عَتَقَ ، وَكَانَ مَا أَوْصَى بِهِ لَهُ ، وَصَحَّتْ الْوَصِيَّةُ ؛ لِأَنَّهَا وَقَعَتْ فِي حَالِ حُرِّيَّتِهِ ، فَأَشْبَهَتْ الْوَصِيَّةَ لِأُمِّ وَلَدِهِ .\rوَإِنْ لَمْ يَخْرُجَا مِنْ الثُّلُثِ ، اُعْتُبِرَتْ قِيمَتُهُ مِنْ الثُّلُثِ ، فَيَعْتِقُ مِنْهُ بِقَدْرِ الثُّلُثِ ، لِيَعْتِق دُونَ الْمَالِ .\rوَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ بِقَدْرِ الثُّلُثِ ، عَتَقَ ، وَلَا وَصِيَّةَ لَهُ ، وَإِنْ فَضَلَ مِنْ الثُّلُثِ شَيْءٌ بَعْدَ عِتْقِهِ ، فَلَهُ مِنْ الْوَصِيَّةِ تَمَامُ الثُّلُثِ ، وَيَقِفُ مَا زَادَ عَلَى إجَازَةِ الْوَرَثَةِ .","part":24,"page":443},{"id":11943,"text":"( 8869 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَإِذَا مَاتَ عَنْ أُمِّ وَلَدِهِ ، فَعِدَّتُهَا حَيْضَةٌ ) .\rإنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْهَا اسْتِبْرَاءُ نَفْسِهَا ، لِخُرُوجِهَا عَنْ مِلْكِ سَيِّدِهَا الَّذِي كَانَ يَطَؤُهَا ، فَكَانَ ذَلِكَ بِحَيْضَةٍ ، كَمَا لَوْ أَعْتَقَهَا سَيِّدُهَا فِي حَيَاتِهِ .\rوَإِنَّمَا سَمَّى الْخِرَقِيِّ هَذَا عِدَّةً ؛ لِأَنَّ الِاسْتِبْرَاءَ أَشْبَهَ الْعِدَّةَ فِي كَوْنِهِ يَمْنَعُ النِّكَاحَ ، وَتَحْصُلُ بِهِ مَعْرِفَةُ بَرَاءَتِهَا مِنْ الْحَمْلِ .\rوَقَدْ ذَكَرْنَا هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي الْعِدَدِ ، وَالْخِلَافُ فِيهَا عَلَى مَا مَضَى .","part":24,"page":444},{"id":11944,"text":"( 8870 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَإِذَا جَنَتْ أُمُّ الْوَلَدِ ، فَدَاهَا سَيِّدُهَا بِقِيمَتِهَا أَوْ دُونِهَا ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ أُمَّ الْوَلَدِ إذَا جَنَتْ ، تَعَلَّقَ أَرْشُ جِنَايَتِهَا بِرَقَبَتِهَا ، وَعَلَى السَّيِّدِ أَنْ يَفْدِيَهَا بِأَقَلِّ الْأَمْرَيْنِ ؛ مِنْ قِيمَتِهَا أَوْ دُونِهَا .\rوَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَحَكَى أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ قَوْلًا آخَرَ ، أَنَّهُ يَفْدِيهَا بِأَرْشِ جِنَايَتِهَا بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ ، لِأَنَّهُ لَمْ يُسَلِّمْهَا فِي الْجِنَايَةِ ، فَلَزِمَهُ أَرْشُ جِنَايَتِهَا بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ ، كَالْقِنِّ .\rوَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ ، وَأَهْلُ الظَّاهِرِ : لَيْسَ عَلَيْهِ فِدَاؤُهَا ، وَتَكُون جِنَايَتُهَا فِي ذِمَّتِهَا ، تُتْبَعُ بِهَا إذَا عَتَقَتْ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ بَيْعَهَا ، فَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ فِدَاؤُهَا كَالْحُرَّةِ .\rوَلَنَا ، أَنَّهَا مَمْلُوكَةٌ لَهُ كَسْبُهَا ، لَمْ يُسَلِّمْهَا ، فَلَزِمَهُ أَرْشُ جِنَايَتِهَا ، كَالْقِنِّ ، لَا تَلْزَمُهُ زِيَادَةٌ عَلَى قِيمَتِهَا ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَمْتَنِعْ مِنْ تَسْلِيمِهَا ، وَإِنَّمَا الشَّرْعُ مَنَعَ ذَلِكَ ؛ لِكَوْنِهَا لَمْ تَبْقَ مَحَلًّا لِلْبَيْعِ ، وَلَا لِنَقْلِ الْمِلْكِ فِيهَا ، وَفَارَقَتْ الْقِنَّ إذَا لَمْ يُسَلِّمْهَا ، فَإِنَّهُ إنْ أَمْكَنَ أَنْ يُسَلِّمَهَا لِلْبَيْعِ ، فَرُبَّمَا زَادَ فِيهَا مَزِيدًا أَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهَا ؛ فَإِذَا امْتَنَعَ مَالِكُهَا مِنْ تَسْلِيمِهَا ، أَوْجَبْنَا عَلَيْهِ الْأَرْشَ بِكَمَالِهِ .\rوَفِي مَسْأَلَتِنَا لَا يُحْتَمَلُ ذَلِكَ فِيهَا ؛ فَإِنَّ بَيْعَهَا غَيْرُ جَائِزٍ ؛ فَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَكْثَرُ مِنْ قِيمَتِهَا .","part":24,"page":445},{"id":11945,"text":"( 8871 ) فَصْلٌ : ( وَإِذَا مَاتَتْ قَبْلَ فِدَائِهَا ، فَلَا شَيْءَ عَلَى سَيِّدِهَا ) ، لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِذِمَّتِهِ شَيْءٌ ، وَإِنَّمَا تَعَلَّقَ بِرَقَبَتِهَا ، فَإِذَا مَاتَتْ سَقَطَ الْحَقُّ ؛ لِتَلَفِ مُتَعَلِّقِهِ .\rوَإِنْ نَقَصَتْ قِيمَتُهَا قَبْلَ فِدَائِهَا ، وَجَبَ فِدَاؤُهَا بِقِيمَتِهَا يَوْمَ الْفِدَاءِ ؛ لِأَنَّهَا لَوْ تَلِفَتْ جَمِيعُهَا لَسَقَطَ الْفِدَاءُ ، فَوَجَبَ أَنْ يَسْقُطَ بَعْضُهُ بِتَلَفِ بَعْضِهَا .\rوَإِنْ زَادَتْ قِيمَتُهَا ، زَادَ فِدَاؤُهَا ؛ لِأَنَّ مُتَعَلِّقَ الْحَقِّ زَادَ ، فَزَادَ الْفِدَاءُ بِزِيَادَتِهِ ، كَالرَّقِيقِ الْقِنِّ .\rوَيَنْبَغِي أَنْ تُحْسَبَ قِيمَتُهَا مَعِيبَةً بِعَيْبِ الِاسْتِيلَادِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ نَقَصَهَا ، فَاعْتُبِرَ كَالْمَرَضِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْعُيُوبِ ، وَلِأَنَّ الْوَاجِبَ قِيمَتُهَا فِي حَالِ فِدَائِهَا ، وَقِيمَتُهَا نَاقِصَةٌ عَنْ قِيمَةِ غَيْرِ أُمِّ الْوَلَدِ ، فَيَجِبُ أَنْ يَنْقُصَ فِدَاؤُهَا ، وَأَنْ يَكُونَ مِقْدَارُ قِيمَتِهَا فِي حَالِ كَوْنِهَا أُمَّ وَلَدٍ ، وَالْحُكْمُ فِي الْمُدَبَّرَةِ كَالْحُكْمِ فِي أُمِّ الْوَلَدِ ، إلَّا أَنَّهَا يَجُوزُ بَيْعُهَا ، فِي رِوَايَةٍ ، فَيُمْكِنُ تَسْلِيمُهَا لِلْبَيْعِ إنْ اخْتَارَ سَيِّدُهَا .\rوَإِنْ امْتَنَعَ مِنْهُ ، فَهَلْ يَفْدِيهَا بِأَقَلِّ الْأَمْرَيْنِ ، أَوْ يَلْزَمُهُ أَرْشُ الْجِنَايَةِ بَالِغًا مَا بَلَغَ ؟ يُخَرَّجُ عَلَى رِوَايَتَيْنِ .","part":24,"page":446},{"id":11946,"text":"( 8872 ) فَصْلٌ : وَإِنْ كَسَبَتْ بَعْدَ جِنَايَتِهَا شَيْئًا ، فَهُوَ لِسَيِّدِهَا ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ ثَابِتٌ لَهُ دُونَ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ .\rوَإِنْ وَلَدَتْ ، فَهُوَ لِسَيِّدِهَا أَيْضًا ؛ لِأَنَّهُ مُنْفَصِلٌ عَنْهَا ، فَأَشْبَهَ الْكَسْبَ .\rوَإِنْ فَدَاهَا فِي حَالِ حَمْلِهَا ، فَعَلَيْهِ قِيمَتُهَا حَامِلًا ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ مُتَّصِلٌ بِهَا ، فَأَشْبَهَ سِمَنَهَا .\rوَإِنْ أَتْلَفَهَا سَيِّدُهَا ، فَعَلَيْهِ قِيمَتُهَا ؛ لِأَنَّهُ أَتْلَفَ حَقَّ غَيْرِهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَتْلَفَ الرَّهْنَ .\rوَإِنْ نَقَصَهَا ، فَعَلَيْهِ نَقْصُهَا ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا ضَمِنَ الْعَيْنَ ، ضَمِنَ أَجْزَاءَهَا .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":24,"page":447},{"id":11947,"text":"( 8873 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( فَإِنْ عَادَتْ فَجَنَتْ ، فَدَاهَا ، كَمَا وَصَفْت ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ أُمَّ الْوَلَدِ إذَا جَنَتْ جِنَايَاتٍ ، لَمْ تَخْلُ مِنْ أَنْ تَكُونَ الْجِنَايَاتُ كُلُّهَا قَبْلَ فِدَاءِ شَيْءٍ مِنْهَا أَوْ بَعْدَهُ ؛ فَإِنْ كَانَتْ قَبْلَ الْفِدَاءِ ، تَعَلَّقَ أَرْشُ الْجَمِيعِ بِرَقَبَتِهَا ، وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ فِيهَا كُلِّهَا إلَّا قِيمَتُهَا ، أَوْ أَرْشُ جَمِيعِهَا ، وَعَلَيْهِ الْأَقَلُّ مِنْهُمَا ، وَيَشْتَرِكُ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِمْ فِي الْوَاجِبِ لَهُمْ ، فَإِنْ وَفَّى بِهَا ، وَإِلَّا تَحَاصُّوا فِيهِ بِقَدْرِ أُرُوشِ جِنَايَاتِهِمْ .\rوَإِنْ كَانَ الثَّانِي بَعْدَ فِدَائِهَا مِنْ الْأُولَى ، فَعَلَيْهِ فِدَاؤُهَا مِنْ الَّتِي بَعْدَهَا ، كَمَا فَدَى الْأُولَى .\rوَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ ، عَنْ أَحْمَدَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ رِوَايَةً ثَانِيَةً : إذَا فَدَاهَا بِقِيمَتِهَا مَرَّةً ، لَمْ يَلْزَمْهُ فِدَاؤُهَا بَعْدَ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهَا جَانِيَةٌ ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ أَكْثَرُ مِنْ قِيمَتِهَا ، كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ فَدَاهَا .\rوَقَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ : لَا يَضْمَنُهَا ثَانِيًا ، وَيُشَارِكُ الثَّانِي الْأَوَّلَ فِيمَا أَخَذَهُ ، كَمَا لَوْ كَانَتْ الْجِنَايَاتُ قَبْلَ فِدَائِهَا .\rوَلَنَا ، أَنَّهَا أُمُّ وَلَدٍ جَانِيَةٌ ، فَلَزِمَهُ فِدَاؤُهَا ، كَالْأُولَى ، وَلِأَنَّ مَا أَخَذَهُ الْأَوَّلُ عِوَضُ جِنَايَتِهِ ، أَخَذَهُ بِحَقٍّ ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُشَارِكَهُ غَيْرُهُ فِيهِ ، كَأَرْشِ جِنَايَةِ الْحُرِّ ، أَوْ الرَّقِيقِ الْقِنِّ ، وَفَارَقَ مَا قَبْلَ الْفِدَاءِ ؛ لِأَنَّ أَرْشَ الْجِنَايَات تَعَلَّقَ بِرَقَبَتِهَا فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ ، فَلَمْ يَلْزَمْ السَّيِّدَ أَكْثَرُ مِنْ قِيمَةٍ وَاحِدَةٍ ، كَمَا لَوْ كَانَتْ الْجِنَايَاتُ عَلَى وَاحِدٍ .\r( 8874 ) فَصْلٌ : فَإِنْ أَبْرَأَ بَعْضُهُمْ مِنْ حَقِّهِ ، تَوَفَّرَ الْوَاجِبُ عَلَى الْبَاقِينَ ، إذَا كَانَتْ كُلُّهَا قَبْلَ الْفِدَاءِ ، وَإِنْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ الْمَعْفُوُّ عَنْهَا بَعْدَ فِدَائِهِ ، تَوَفَّرَ أَرْشُهَا عَلَى سَيِّدِهَا .\rوَاَللَّهُ أَعْلَمُ .","part":24,"page":448},{"id":11948,"text":"( 8875 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَوَصِيَّةُ الرَّجُلِ لِأُمِّ وَلَدِهِ وَإِلَيْهَا جَائِزَةٌ ) أَمَّا الْوَصِيَّةُ لَهَا ، فَقَدْ ذَكَرْنَاهَا وَأَمَّا الْوَصِيَّةُ إلَيْهَا ، فَجَائِزَةٌ ؛ لِأَنَّهَا فِي حَالِ نُفُوذِ الْوَصِيَّةِ حُرَّةٌ ، فَأَشْبَهَتْ زَوْجَتَهُ ، أَوْ غَيْرَهَا مِنْ النِّسَاءِ .\rوَيُعْتَبَرُ لِصِحَّةِ الْوَصِيَّةِ إلَيْهَا ، مَا يُعْتَبَرُ فِي غَيْرِهَا ؛ مِنْ الْعَدَالَةِ وَالْعَقْلِ ، وَسَائِرِ الشُّرُوطِ .\rوَسَوَاءٌ كَانَتْ الْوَصِيَّةُ عَلَى أَوْلَادِهَا ، أَوْ غَيْرِهِمْ ، أَوْ وَصَّى إلَيْهَا بِتَفْرِيقِ ثُلُثِهِ أَوْ قَضَاءِ دَيْنِهِ ، أَوْ إمْضَاءِ وَصِيَّتِهِ ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ .","part":24,"page":449},{"id":11949,"text":"( 8876 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَلَهُ تَزْوِيجُهَا ، وَإِنْ كَرِهَتْ ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ لِلرَّجُلِ تَزْوِيجَ أُمِّ وَلَدِهِ ، أَحَبَّتْ ذَلِكَ أَمْ كَرِهَتْ .\rوَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .\rوَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ ، وَاخْتِيَارُ الْمُزَنِيّ وَقَالَ فِي الْقَدِيمِ : لَيْسَ لَهُ تَزْوِيجُهَا إلَّا بِرِضَاهَا ؛ لِأَنَّهَا قَدْ ثَبَتَ لَهَا حُكْمُ الْحُرِّيَّةِ ، عَلَى وَجْهٍ لَا يَمْلِكُ السَّيِّدُ إبْطَالَهَا ، فَلَمْ يَمْلِكْ تَزْوِيجَهَا بِغَيْرِ رِضَاهَا ، كَالْمُكَاتَبَةِ .\rوَقَالَ فِي الثَّالِثِ : لَيْسَ لَهُ تَزْوِيجُهَا ، وَإِنْ رَضِيَتْ ؛ لِأَنَّ مِلْكَهُ فِيهَا قَدْ ضَعُفَ ، وَهِيَ لَمْ تَكْمُلْ ، فَلَمْ يَمْلِكْ تَزْوِيجَهَا ، كَالْيَتِيمَةِ .\rوَهَلْ يُزَوِّجُهَا الْحَاكِمُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ ؟ فِيهِ خِلَافٌ .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ : إنَّ مَالِكًا لَا يَرَى تَزْوِيجَهَا .\rفَقَالَ : وَمَا نَصْنَعُ بِمَالِكٍ ؟ هَذَا ابْنُ عُمَر ، وَابْنُ عَبَّاسٍ ، يَقُولَانِ : إذَا وَلَدَتْ مِنْ غَيْرِهِ ، كَانَ لِوَلَدِهَا حُكْمُهَا .\rوَلَنَا ، أَنَّهَا أَمَةٌ يَمْلِكُ الِاسْتِمْتَاعَ بِهَا ، وَاسْتِخْدَامَهَا ، فَمَلَكَ تَزْوِيجَهَا ، كَالْقِنِّ ، وَفَارَقَتْ الْمُكَاتَبَةَ ، فَإِنَّهُ لَا يَمْلِكُ ذَلِكَ مِنْهَا .\rوَالْقَوْلُ الثَّالِثُ فَاسِدٌ ؛ لِذَلِكَ ، وَلِأَنَّهُ يُفْضِي إلَى مَنْعِ النِّكَاحِ لَامْرَأَةٍ بَالِغَةٍ مُحْتَاجَةٍ إلَيْهِ .\rوَقَوْلُهُمْ : يُزَوِّجُهَا الْحَاكِمُ .\rلَا يَصِحُّ ؛ فَإِنَّ الْحَاكِمَ لَا يُزَوِّجُ إلَّا عِنْدَ عَدَمِ الْوَلِيِّ ، أَوْ غَيْبَتِهِ ، أَوْ عَضْلِهِ ، وَلَمْ يُوجَدْ وَاحِدٌ مِنْهَا .\rإذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّهُ إذَا زَوَّجَهَا فَالْمَهْرُ لَهُ ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ كَسْبِهَا ، وَكَسْبُهَا لَهُ .\rوَإِذَا عَتَقَتْ بِمَوْتِهِ ، فَإِنْ كَانَ زَوْجُهَا عَبْدًا ، فَلَهَا الْخِيَارُ ؛ وَلِأَنَّهَا عَتَقَتْ تَحْتَ عَبْدٍ ، وَإِنْ كَانَ حُرًّا ، فَلَا خِيَارَ لَهَا .","part":24,"page":450},{"id":11950,"text":"( 8877 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَلَا حَدَّ عَلَى مَنْ قَذَفَهَا ) هَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ عَلَيْهِ الْحَدُّ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُرْوَى عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَلِأَنَّ قَذْفَهَا قَذْفٌ لِوَلَدِهَا الْحُرِّ ، وَفِيهَا مَعْنًى يَمْنَعُ بَيْعَهَا ، فَأَشْبَهَتْ الْحُرَّةَ .\rوَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ؛ لِأَنَّهَا أَمَةٌ ، حُكْمُهَا حُكْمُ الْإِمَاءِ ، فِي أَكْثَرِ أَحْكَامِهَا ، فَفِي الْحَدِّ أَوْلَى ؛ لِأَنَّ الْحُدُودَ تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ ، وَيُحْتَاطُ لِإِسْقَاطِهَا ، وَلِأَنَّهَا أَمَةٌ تَعْتِقُ بِالْمَوْتِ ، أَشْبَهَتْ الْمُدَبَّرَةَ ، وَتُفَارِقُ الْحُرَّةَ فَإِنَّهَا كَامِلَةٌ .","part":24,"page":451},{"id":11951,"text":"( 8878 ) فَصْلٌ : وَلَا يَجِبُ الْقِصَاصُ عَلَى الْحُرَّةِ بِقَتْلِهَا ؛ لِعَدَمِ الْمُكَافَأَةِ .\rوَإِنْ كَانَ الْقَاتِلُ لَهَا رَقِيقًا ، وَجَبَ الْقِصَاصُ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهَا أَكْمَلُ مِنْهُ .\rوَإِنْ جَنَتْ عَلَى عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ ، جِنَايَةً فِيهَا الْقِصَاصُ ، لَزِمَهَا الْقِصَاصُ ؛ لِأَنَّهَا أَمَةٌ ، أَحْكَامُهَا أَحْكَامُ الْإِمَاءِ ، وَاسْتِحْقَاقُهَا الْعِتْقَ لَا يَمْنَعُ الْقِصَاصَ ، كَالْمُدَبَّرَةِ .","part":24,"page":452},{"id":11952,"text":"( 8879 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَإِنْ صَلَّتْ مَكْشُوفَةَ الرَّأْسِ ، كُرِهَ لَهَا ذَلِكَ ، وَأَجْزَأَهَا ) إنَّمَا كُرِهَ لَهَا كَشْفُ رَأْسِهَا فِي صَلَاتِهَا ؛ لِأَنَّهَا قَدْ أَخَذَتْ شَبَهًا مِنْ الْحَرَائِرِ ، لِامْتِنَاعِ بَيْعِهَا .\rوَقَدْ سُئِلَ أَحْمَدُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ أُمِّ الْوَلَدِ كَيْفَ تُصَلِّي ؟ قَالَ : تُغَطِّي رَأْسَهَا وَقَدَمَيْهَا ؛ لِأَنَّهَا لَا تُبَاعُ .\rوَكَانَ الْحَسَنُ يُحِبُّ لِلْأُمَّةِ إذَا عَهِدَهَا سَيِّدُهَا - يَعْنِي وَطِئَهَا - أَنْ لَا تُصَلِّيَ إلَّا مُجْتَمِعَةً .\rوَإِنْ صَلَّتْ مَكْشُوفَةَ الرَّأْسِ ، أَجْزَأَهَا ؛ لِأَنَّهَا أَمَةٌ ، حُكْمُهَا حُكْمُ الْإِمَاءِ .\rقَالَ إبْرَاهِيمُ : تُصَلِّي أُمُّ الْوَلَدِ بِغَيْرِ قِنَاعٍ ، وَإِنْ كَانَتْ بِنْتَ سِتِّينَ سَنَةً .\rوَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ رِوَايَةٌ أُخْرَى ، أَنَّ عَوْرَتَهَا عَوْرَةُ الْحُرَّةِ .\rوَذَكَرْنَا ذَلِكَ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ .\rوَالصَّحِيحُ أَنَّ حُكْمَهَا حُكْمُ الْإِمَاءِ ، وَإِنَّمَا خَالَفَتْهُنَّ فِي اسْتِحْقَاقِهَا لِلْعِتْقِ ، وَامْتِنَاعِ نَقْلِ الْمِلْكِ فِيهَا ، وَهَذَا لَا يُوجِبُ تَغَيُّرَ الْحُكْمِ فِي عَوْرَتِهَا ، كَالْمُدَبَّرَةِ ، وَلِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ حُكْمِهَا فِي إبَاحَةِ كَشْفِ رَأْسِهَا ، وَلَمْ يُوجَدْ مَا يَنْقُلُ عَنْهُ مِنْ نَصٍّ ، وَلَا مَا فِي مَعْنَاهُ ، فَيَبْقَى الْحُكْمُ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ .","part":24,"page":453},{"id":11953,"text":"( 8880 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( وَإِذَا قَتَلَتْ أُمُّ الْوَلَدِ سَيِّدَهَا ، فَعَلَيْهَا قِيمَةُ نَفْسِهَا ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ أُمَّ الْوَلَد إذَا قَتَلَتْ سَيِّدَهَا ، عَتَقَتْ ؛ لِأَنَّهَا لَا يُمْكِنُ نَقْلُ الْمِلْكِ فِيهَا ، وَقَدْ زَالَ مِلْكُ سَيِّدِهَا بِقَتْلِهِ ، فَصَارَتْ حُرَّةً ، كَمَا لَوْ قَتَلَهُ غَيْرُهَا ، وَعَلَيْهَا قِيمَةُ نَفْسِهَا ، إنْ لَمْ يَجِبْ الْقِصَاصُ عَلَيْهَا .\rوَهَذَا قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : عَلَيْهَا الدِّيَةُ ؛ لِأَنَّهَا تَصِيرُ حُرَّةً .\rوَلِذَلِكَ لَزِمَهَا مُوجِبُ جِنَايَتِهَا ، وَالْوَاجِبُ عَلَى الْحُرِّ بِقَتْلِ الْحُرِّ دِيَةٌ .\rوَلَنَا ، أَنَّهَا جِنَايَةٌ مِنْ أُمِّ وَلَدٍ ، فَلَمْ يَجِبْ بِهَا أَكْثَرُ مِنْ قِيمَتِهَا ، كَمَا لَوْ جَنَتْ عَلَى أَجْنَبِيٍّ ، وَلِأَنَّ اعْتِبَارَ الْجِنَايَةِ فِي حَقِّ الْجَانِي بِحَالِ الْجِنَايَةِ ، بِدَلِيلِ مَا لَوْ جَنَى عَلَى عَبْدٍ فَأَعْتَقَهُ سَيِّدُهُ ، وَهِيَ فِي حَالِ الْجِنَايَةِ أَمَةٌ ، فَإِنَّهَا إنَّمَا عَتَقَتْ بِالْمَوْتِ الْحَاصِلِ بِالْجِنَايَةِ ، فَيَكُونُ عَلَيْهَا فِدَاءُ نَفْسِهَا بِقِيمَتِهَا ، كَمَا يَفْدِيهَا سَيِّدُهَا إذَا قَتَلَتْ غَيْرَهُ ، وَلِأَنَّهَا نَاقِصَةٌ بِالرِّقِّ ، أَشْبَهَتْ الْقِنَّ ، وَتُفَارِقُ الْحُرَّ ؛ فَإِنَّهُ جَنَى وَهُوَ كَامِلٌ ، وَإِنَّمَا تَعَلَّقَ مُوجِبُ الْجِنَايَةِ بِهَا ؛ لِأَنَّهَا فَوَّتَتْ رِقَّهَا بِقَتْلِهَا لِسَيِّدِهَا ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ فَوَّتَ الْمُكَاتَبُ الْجَانِي رِقَّهُ بِأَدَائِهِ .\rوَأَمَّا إنْ قَتَلَتْ سَيِّدَهَا عَمْدًا ، وَلَمْ يَكُنْ لَهَا مِنْهُ وَلَدٌ ، فَعَلَيْهَا الْقِصَاصُ لِوَرَثَةِ سَيِّدِهَا ، وَإِنْ كَانَ لَهُ مِنْهَا وَلَدٌ وَهُوَ الْوَارِثُ وَحْدَهُ ، فَلَا قِصَاصَ عَلَيْهَا ؛ لِأَنَّهَا لَوْ وَجَبَ ، لَوَجَبَ لِوَلَدِهَا ، وَلَا يَجِبُ لِلْوَلَدِ عَلَى أُمِّهِ قِصَاصٌ ، وَقَدْ تَوَقَّفَ أَحْمَدُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ، فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا ، وَقَالَ : دَعْنَا مِنْ هَذِهِ الْمَسَائِلِ .\rوَقِيَاسُ مَذْهَبِهِ مَا ذَكَرْنَاهُ .\rوَإِنْ كَانَ لَهَا مِنْهُ وَلَدٌ ، وَلَهُ أَوْلَادٌ مِنْ غَيْرِهَا ، لَمْ يَجِبْ الْقِصَاصُ أَيْضًا ؛ لِأَنَّ حَقَّ","part":24,"page":454},{"id":11954,"text":"وَلَدِهَا مِنْ الْقِصَاصِ يَسْقُطُ ، فَيَسْقُطُ كُلُّهُ .\rوَقَدْ نَقَلَ مُهَنَّا عَنْ أَحْمَدَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ يَقْتُلُهَا أَوْلَادُهُ مِنْ غَيْرِهَا .\rوَهَذِهِ الرِّوَايَةُ تُخَالِفُ أُصُولَ مَذْهَبِهِ .\rوَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا قِصَاصَ عَلَيْهَا ، وَيَجِبُ عَلَيْهَا فِدَاءُ نَفْسِهَا بِقِيمَتِهَا ، كَمَا لَوْ عَفَا بَعْضُ مُسْتَحِقِّي الْقِصَاصِ عَنْ حَقِّهِ مِنْهُ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمْ .\rوَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَحْدَهُ .\rوَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ","part":24,"page":455}],"titles":[{"id":0,"title":"مقدمة الكتاب","lvl":2,"sub":0},{"id":0,"title":"المغني لابن قدامة","lvl":1,"sub":0},{"id":7,"title":"باب ما تكون به الطهارة من الماء","lvl":2,"sub":0},{"id":12,"title":"فصل غير النبيذ من المائعات غير الماء","lvl":2,"sub":0},{"id":18,"title":"فصل الماء الآجن","lvl":2,"sub":0},{"id":19,"title":"فصل إذا كان على العضو طاهر فتغير به الماء","lvl":2,"sub":0},{"id":20,"title":"مسألة الوضوء بماء خالطه طاهر لم يغيره","lvl":2,"sub":0},{"id":21,"title":"فصل إذا وقع في الماء مائع","lvl":2,"sub":0},{"id":22,"title":"فصل كان الواقع في الماء ماء مستعملا","lvl":2,"sub":0},{"id":23,"title":"فصل كان معه ماء لا يكفيه لطهارته فكمله بمائع لم يغيره","lvl":2,"sub":0},{"id":24,"title":"فصل الوضوء بالماء المسخن بطاهر","lvl":2,"sub":0},{"id":25,"title":"فصل الطهارة بالماء المشمس","lvl":2,"sub":0},{"id":26,"title":"فصل الماء المسخن بالنجاسة","lvl":2,"sub":0},{"id":27,"title":"فصل الوضوء والغسل بماء زمزم","lvl":2,"sub":0},{"id":28,"title":"فصل الذائب من الثلج والبرد طهور","lvl":2,"sub":0},{"id":29,"title":"مسألة لا يتوضأ بماء قد توضئ به","lvl":2,"sub":0},{"id":32,"title":"فصل الطهارة بالماء المستعمل","lvl":2,"sub":0},{"id":33,"title":"فصل المستعمل في تعبد من غير حدث","lvl":2,"sub":0},{"id":34,"title":"فصل إذا انغمس الجنب أو المحدث فيما دون القلتين","lvl":2,"sub":0},{"id":35,"title":"فصل إذا اجتمع ماء مستعمل إلى قلتين غير مستعمل","lvl":2,"sub":0},{"id":36,"title":"مسألة كان الماء قلتين فوقعت فيه نجاسة","lvl":2,"sub":0},{"id":44,"title":"فصل غير الماء من المائعات إذا وقعت فيه نجاسة","lvl":2,"sub":0},{"id":45,"title":"فصل الماء المستعمل","lvl":2,"sub":0},{"id":46,"title":"فصل كان الماء كثيرا فوقع في جانب منه نجاسة","lvl":2,"sub":0},{"id":48,"title":"فصل لا فرق بين يسير النجاسة وكثيرها","lvl":2,"sub":0},{"id":49,"title":"فصل الغديران إذا اتصل أحدهما بالآخر بساقية بينهما","lvl":2,"sub":0},{"id":50,"title":"فصل في الماء الجاري","lvl":2,"sub":0},{"id":52,"title":"فصل كان في جانب النهر ماء واقف مائل","lvl":2,"sub":0},{"id":55,"title":"فصل في تطهير الماء النجس وهو ثلاثة أقسام","lvl":2,"sub":0},{"id":59,"title":"فصل تنجس العجين ونحوه","lvl":2,"sub":0},{"id":61,"title":"مسألة إلا أن تكون النجاسة بولا أو عذرة مائعة","lvl":2,"sub":0},{"id":65,"title":"فصل توضأ من ماء كثير ثم وجده متغيرا","lvl":2,"sub":0},{"id":66,"title":"فصل إذا نزح ماء البئر النجس فنبع فيه بعد ذلك ماء أو","lvl":2,"sub":0},{"id":70,"title":"فصل ضرب حيوانا مأكولا فوقع في ماء","lvl":2,"sub":0},{"id":75,"title":"مسألة لا يتوضأ بسؤر كل بهيمة لا يؤكل لحمها إلا السنور","lvl":2,"sub":0},{"id":83,"title":"فصل أكلت الهرة نجاسة ثم شربت من ماء","lvl":2,"sub":0},{"id":84,"title":"فصل وقعت الفأرة أو الهرة ونحوهما في مائع أو ماء","lvl":2,"sub":0},{"id":85,"title":"فصل حكم جلد الحيوان وشعره وعرقه ودمعه وسؤره في الطهارة","lvl":2,"sub":0},{"id":86,"title":"مسألة إناء حلت فيه نجاسة من ولوغ كلب أو بول","lvl":2,"sub":0},{"id":90,"title":"فصل أصاب المحل نجاسات متساوية في الحكم","lvl":2,"sub":0},{"id":91,"title":"فصل غسل محل النجاسة فأصاب ماء بعض الغسلات محلا آخر","lvl":2,"sub":0},{"id":93,"title":"فصل غسل النجاسة يختلف باختلاف محلها","lvl":2,"sub":0},{"id":94,"title":"فصل ما أزيلت به النجاسة","lvl":2,"sub":0},{"id":95,"title":"فصل غسل بعض الثوب النجس","lvl":2,"sub":0},{"id":96,"title":"فصل أصاب ثوب المرأة دم حيضها","lvl":2,"sub":0},{"id":97,"title":"فصل كان في الإناء خمر أو شبهه من النجاسات التي","lvl":2,"sub":0},{"id":98,"title":"مسألة كان معه في السفر إناءان نجس وطاهر واشتبها عليه","lvl":2,"sub":0},{"id":102,"title":"فصل اشتبه ماء طهور بماء قد بطلت طهوريته","lvl":2,"sub":0},{"id":103,"title":"فصل اشتبهت عليه ثياب طاهرة بنجسة","lvl":2,"sub":0},{"id":104,"title":"فصل ورد ماء فأخبره بنجاسته صبي أو كافر أو فاسق","lvl":2,"sub":0},{"id":105,"title":"فصل أخبره أن كلبا ولغ في هذا الإناء","lvl":2,"sub":0},{"id":106,"title":"فصل سقط على إنسان من طريق ماء هل يسأل عن طهارته","lvl":2,"sub":0},{"id":107,"title":"مسألة نجاسة جلد الميتة قبل الدبغ","lvl":2,"sub":0},{"id":110,"title":"فصل دبغ جلود السباع","lvl":2,"sub":0},{"id":112,"title":"فصل أكل جلد الميتة بعد الدبغ","lvl":2,"sub":0},{"id":113,"title":"فصل ما يدبغ به جلد الميتة","lvl":2,"sub":0},{"id":114,"title":"فصل حكم جلد ما لا يؤكل لحمه بعد الذبح","lvl":2,"sub":0},{"id":116,"title":"فصل لا يطهر شيء من النجاسات بالاستحالة","lvl":2,"sub":0},{"id":117,"title":"مسألة آنية عظام الميتة","lvl":2,"sub":0},{"id":119,"title":"فصل الآنية من القرن والظفر والحافر","lvl":2,"sub":0},{"id":120,"title":"فصل لبن الميتة وإنفحتها","lvl":2,"sub":0},{"id":121,"title":"فصل ماتت الدجاجة وفي بطنها بيضة قد صلب قشرها","lvl":2,"sub":0},{"id":122,"title":"مسألة الوضوء في آنية الذهب والفضة","lvl":2,"sub":0},{"id":124,"title":"مسألة جعل آنية الذهب والفضة مصبا لماء الوضوء","lvl":2,"sub":0},{"id":125,"title":"فصل اتخاذ آنية الذهب والفضة","lvl":2,"sub":0},{"id":126,"title":"فصل المضبب بالذهب أو الفضة","lvl":2,"sub":0},{"id":128,"title":"فصل الوضوء في الأواني النفيسة غير الذهب والفضة","lvl":2,"sub":0},{"id":130,"title":"مسألة صوف الميتة وشعرها","lvl":2,"sub":0},{"id":132,"title":"فصل شعر الآدمي طاهر متصله ومنفصله","lvl":2,"sub":0},{"id":133,"title":"فصل ما كان طاهرا فشعره طاهر","lvl":2,"sub":0},{"id":134,"title":"فصل الخرز بشعر الخنزير","lvl":2,"sub":0},{"id":135,"title":"فصل أطعمة أهل الكتاب وآنيتهم وثيابهم","lvl":2,"sub":0},{"id":138,"title":"فصل الصلاة في ثياب الصبيان","lvl":2,"sub":0},{"id":139,"title":"غسل الثوب المصبوغ","lvl":2,"sub":0},{"id":140,"title":"فصل في الختان","lvl":2,"sub":0},{"id":142,"title":"فصل حلق العانة","lvl":2,"sub":0},{"id":143,"title":"فصل نتف الإبط سنة","lvl":2,"sub":0},{"id":144,"title":"فصل تقليم الأظفار","lvl":2,"sub":0},{"id":145,"title":"فصل غسل رءوس الأصابع بعد قص الأظفار","lvl":2,"sub":0},{"id":146,"title":"فصل الرجل يتخذ الشعر أفضل من إزالته","lvl":2,"sub":0},{"id":148,"title":"فصل حلق الرأس","lvl":2,"sub":0},{"id":150,"title":"فصل حلق بعض الرأس","lvl":2,"sub":0},{"id":151,"title":"فصل حلق المرأة رأسها من غير ضرورة","lvl":2,"sub":0},{"id":152,"title":"فصل نتف الشيب","lvl":2,"sub":0},{"id":153,"title":"فصل حلق القفا","lvl":2,"sub":0},{"id":154,"title":"فصل خضاب الشيب","lvl":2,"sub":0},{"id":156,"title":"فصل يكتحل وترا ويدهن غبا وينظر في المرآة ويتطيب","lvl":2,"sub":0},{"id":157,"title":"فصل الواصلة والمستوصلة والنامصة والمتنمصة والواشرة والمستوشرة","lvl":2,"sub":0},{"id":159,"title":"مسألة السواك سنة","lvl":2,"sub":0},{"id":162,"title":"مسألة السواك بعد الزوال للصائم","lvl":2,"sub":0},{"id":163,"title":"مسألة غسل اليدين في أول الوضوء","lvl":2,"sub":0},{"id":165,"title":"فصل غمس يده في الإناء قبل غسلها","lvl":2,"sub":0},{"id":166,"title":"فصل حد اليد المأمور بغسلها","lvl":2,"sub":0},{"id":167,"title":"فصل إذا نام الرجل وعليه سراويله","lvl":2,"sub":0},{"id":168,"title":"فصل كان القائم من نوم صبيا أو مجنونا أو كافرا","lvl":2,"sub":0},{"id":169,"title":"فصل النوم الذي يتعلق به الأمر بغسل اليد","lvl":2,"sub":0},{"id":170,"title":"فصل غسل اليدين يفتقر إلى النية","lvl":2,"sub":0},{"id":171,"title":"فصل انغمس الجنب في ماء كثير","lvl":2,"sub":0},{"id":172,"title":"فصل وجد ماء قليلا ليس معه ما يغترف به ويداه نجستان","lvl":2,"sub":0},{"id":173,"title":"مسألة التسمية عند الوضوء","lvl":2,"sub":0},{"id":176,"title":"مسألة المبالغة في الاستنشاق","lvl":2,"sub":0},{"id":177,"title":"فصل المبالغة مستحبة في سائر أعضاء الوضوء","lvl":2,"sub":0},{"id":178,"title":"مسألة تخليل اللحية","lvl":2,"sub":0},{"id":180,"title":"مسألة أخذ ماء جديد للأذنين ظاهرهما وباطنهما","lvl":2,"sub":0},{"id":181,"title":"فصل ما يستحب في الوضوء","lvl":2,"sub":0},{"id":182,"title":"فصل من سنن الوضوء غسل داخل العينين","lvl":2,"sub":0},{"id":183,"title":"مسألة تخليل ما بين الأصابع","lvl":2,"sub":0},{"id":186,"title":"مسألة قال فرض الطهارة ماء طاهر وإزالة الحدث","lvl":2,"sub":0},{"id":188,"title":"مسألة النية للطهارة","lvl":2,"sub":0},{"id":190,"title":"فصل محل النية","lvl":2,"sub":0},{"id":191,"title":"فصل صفة النية","lvl":2,"sub":0},{"id":193,"title":"فصل تقديم النية على الطهارة","lvl":2,"sub":0},{"id":201,"title":"فصل غسل ما استرسل من اللحية","lvl":2,"sub":0},{"id":203,"title":"فصل يستحب أن يزيد في ماء الوجه","lvl":2,"sub":0},{"id":204,"title":"مسألة الفم والأنف من الوجه","lvl":2,"sub":0},{"id":207,"title":"فصل يتمضمض ويستنشق بيمناه ثم يستنثر بيسراه","lvl":2,"sub":0},{"id":209,"title":"فصل الترتيب بين المضمضة والاستنشاق وبين غسل بقية الوجه","lvl":2,"sub":0},{"id":210,"title":"مسألة غسل اليدين إلى المرفقين","lvl":2,"sub":0},{"id":211,"title":"فصل خلق له إصبع زائدة أو يد زائدة في محل","lvl":2,"sub":0},{"id":212,"title":"فصل وضوء من تعلقت جلدة من غير محل الفرض حتى تدلت","lvl":2,"sub":0},{"id":213,"title":"فصل حكم الوضوء لمن قطعت يده من دون المرفق","lvl":2,"sub":0},{"id":215,"title":"فصل كان يتوضأ من ماء يسير يغترف منه بيده","lvl":2,"sub":0},{"id":216,"title":"مسألة وجوب مسح الرأس","lvl":2,"sub":0},{"id":220,"title":"فصل تكرار مسح الرأس","lvl":2,"sub":0},{"id":228,"title":"فصل الأذنان من الرأس","lvl":2,"sub":0},{"id":229,"title":"مسألة غسل الرجلين إلى الكعبين","lvl":2,"sub":0},{"id":234,"title":"فصل إدخال الكعبين في الغسل","lvl":2,"sub":0},{"id":235,"title":"مسألة الطهارة عضوا بعد عضو في الوضوء","lvl":2,"sub":0},{"id":237,"title":"فصل نكس وضوءه فبدأ بشيء من أعضائه قبل وجهه","lvl":2,"sub":0},{"id":240,"title":"مسألة الوضوء مرة مرة","lvl":2,"sub":0},{"id":243,"title":"فصل المعاونة على الوضوء","lvl":2,"sub":0},{"id":244,"title":"فصل تنشيف الأعضاء بالمنديل من بلل الوضوء والغسل","lvl":2,"sub":0},{"id":245,"title":"مسألة وضوء النافلة يجزئ لصلاة الفريضة","lvl":2,"sub":0},{"id":249,"title":"مسألة لا يقرأ القرآن جنب ولا حائض ولا نفساء","lvl":2,"sub":0},{"id":251,"title":"فصل حكم اللبث في المسجد للجنب والحائض والنفساء","lvl":2,"sub":0},{"id":254,"title":"فصل حكم اللبث في المسجد للجنب إذا توضأ","lvl":2,"sub":0},{"id":255,"title":"مسألة لا يمس المصحف إلا طاهر","lvl":2,"sub":0},{"id":259,"title":"باب الاستطابة والحدث","lvl":2,"sub":0},{"id":260,"title":"مسألة الاستنجاء لما خرج من السبيلين","lvl":2,"sub":0},{"id":262,"title":"فصل الاستنجاء بالماء أو الأحجار","lvl":2,"sub":0},{"id":264,"title":"مسألة الاستنجاء بما دون الثلاثة أحجار","lvl":2,"sub":0},{"id":269,"title":"فصل يبدأ الرجل في الاستنجاء بالقبل","lvl":2,"sub":0},{"id":271,"title":"مسألة الاستنجاء بالخشب والخرق وكل ما أنقي به","lvl":2,"sub":0},{"id":275,"title":"فصل الاستنجاء بما له حرمة","lvl":2,"sub":0},{"id":276,"title":"مسألة الحجر الكبير الذي له ثلاث شعب يقوم مقام ثلاثة أحجار","lvl":2,"sub":0},{"id":278,"title":"فصل استجمر بحجر ثم غسله أو كسر ما تنجس منه واستجمر","lvl":2,"sub":0},{"id":279,"title":"مسألة الاستنجاء في ما عدا المخرج لا يجزئ فيه إلا","lvl":2,"sub":0},{"id":282,"title":"فصول في أدب التخلي","lvl":2,"sub":0},{"id":290,"title":"مسألة الذي ينقض الطهارة ما خرج من قبل أو دبر","lvl":2,"sub":0},{"id":291,"title":"فصل المرأة يخرج من فرجها الريح هل ينقض الوضوء","lvl":2,"sub":0},{"id":292,"title":"فصل قطر في إحليله دهنا ثم عاد فخرج","lvl":2,"sub":0},{"id":293,"title":"فصل رجل به علة ربما ظهرت مقعدته هل ينتقض وضوئه","lvl":2,"sub":0},{"id":294,"title":"فصل المذي ينقض الوضوء","lvl":2,"sub":0},{"id":296,"title":"مسألة خروج البول والغائط من غير مخرجهما","lvl":2,"sub":0},{"id":297,"title":"مسألة زوال العقل هل ينقض الوضوء","lvl":2,"sub":0},{"id":301,"title":"مسألة الارتداد عن الإسلام ينقض الوضوء","lvl":2,"sub":0},{"id":302,"title":"فصل لا ينقض الوضوء ما عدا الردة من الكلام","lvl":2,"sub":0},{"id":303,"title":"فصل ليس في القهقهة وضوء","lvl":2,"sub":0},{"id":304,"title":"مسألة مس الفرج","lvl":2,"sub":0},{"id":310,"title":"فصل لا ينتقض الوضوء بمس ما عدا الفرجين من","lvl":2,"sub":0},{"id":311,"title":"مسألة القيء الفاحش والدم والدود الفاحش يخرج من الجروح هل","lvl":2,"sub":0},{"id":315,"title":"فصل الجشاء لا وضوء فيه","lvl":2,"sub":0},{"id":316,"title":"مسألة أكل لحم الإبل ينقض الوضوء","lvl":2,"sub":0},{"id":320,"title":"فصل شرب لبن الإبل","lvl":2,"sub":0},{"id":321,"title":"فصل ما عدا لحم الجزور من الأطعمة لا وضوء فيه","lvl":2,"sub":0},{"id":322,"title":"مسألة الوضوء من غسل الميت","lvl":2,"sub":0},{"id":323,"title":"مسألة ملاقاة جسم الرجل للمرأة لشهوة","lvl":2,"sub":0},{"id":328,"title":"مسألة تيقن الطهارة وشك في الحدث","lvl":2,"sub":0},{"id":329,"title":"فصل تيقن الطهارة والحدث معا ولم يعلم الآخر منهما","lvl":2,"sub":0},{"id":330,"title":"فصل تيقن أنه في وقت الظهر نقض طهارته","lvl":2,"sub":0},{"id":331,"title":"مسألة الموجب للغسل خروج المني","lvl":2,"sub":0},{"id":332,"title":"فصل خرج شبيه المني لمرض أو برد لا عن شهوة","lvl":2,"sub":0},{"id":333,"title":"فصل أحس بانتقال المني عند الشهوة فأمسك","lvl":2,"sub":0},{"id":335,"title":"فصل احتلم أو جامع فأمنى ثم اغتسل ثم خرج منه","lvl":2,"sub":0},{"id":336,"title":"فصل رأى أنه قد احتلم ولم يجد منيا فلا غسل عليه","lvl":2,"sub":0},{"id":337,"title":"فصل انتبه من النوم فوجد بللا لا يعلم هل هو مني أو غيره","lvl":2,"sub":0},{"id":338,"title":"فصل رأى في ثوبه منيا وكان مما لا ينام فيه غيره","lvl":2,"sub":0},{"id":339,"title":"فصل وطئ امرأته دون الفرج فدب ماؤه إلى فرجها","lvl":2,"sub":0},{"id":340,"title":"مسألة التقاء الختانين","lvl":2,"sub":0},{"id":342,"title":"فصل وجوب الغسل على كل واطئ وموطوء إذا كان من","lvl":2,"sub":0},{"id":343,"title":"فصل أولج بعض الحشفة أو وطئ دون الفرج","lvl":2,"sub":0},{"id":344,"title":"فصل أولج في قبل خنثى مشكل","lvl":2,"sub":0},{"id":345,"title":"فصل كان الواطئ أو الموطوء صغيرا فهل عليهما غسل","lvl":2,"sub":0},{"id":347,"title":"مسألة الغسل للكافر إذا أسلم","lvl":2,"sub":0},{"id":349,"title":"فصل أجنب الكافر ثم أسلم","lvl":2,"sub":0},{"id":350,"title":"فصل استحباب الاغتسال بماء وسدر","lvl":2,"sub":0},{"id":351,"title":"مسألة الطهر من الحيض والنفاس","lvl":2,"sub":0},{"id":352,"title":"فصل الولادة إذا عريت عن دم","lvl":2,"sub":0},{"id":353,"title":"فصل إذا كان على الحائض جنابة","lvl":2,"sub":0},{"id":354,"title":"فصل الغسل من غسل الميت","lvl":2,"sub":0},{"id":356,"title":"فصل لا يجب الغسل على المجنون والمغمى عليه","lvl":2,"sub":0},{"id":357,"title":"مسألة الحائض والجنب والمشرك إذا غمسوا أيديهم في الماء","lvl":2,"sub":0},{"id":359,"title":"فصل الحائض والكافر إذا غمسا أيديهما في الماء","lvl":2,"sub":0},{"id":361,"title":"مسألة لا يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة","lvl":2,"sub":0},{"id":364,"title":"مسألة كيفية غسل الجنابة","lvl":2,"sub":0},{"id":366,"title":"مسألة غسل مرة وعم بالماء رأسه وجسده ولم يتوضأ","lvl":2,"sub":0},{"id":368,"title":"فصل إمرار يده على جسده في الغسل والوضوء","lvl":2,"sub":0},{"id":369,"title":"فصل حكم الترتيب والموالاة في أعضاء الوضوء","lvl":2,"sub":0},{"id":370,"title":"فصل واجبات الغسل شيئان","lvl":2,"sub":0},{"id":371,"title":"فصل إذا اجتمع شيئان يوجبان الغسل كالحيض والجنابة","lvl":2,"sub":0},{"id":372,"title":"فصل بقيت لمعة من جسده لم يصبها الماء","lvl":2,"sub":0},{"id":373,"title":"مسألة يتوضأ بالمد ويغتسل بالصاع","lvl":2,"sub":0},{"id":375,"title":"مسألة إسباغ الوضوء والغسل بدون المد والصاع","lvl":2,"sub":0},{"id":377,"title":"فصل زاد على المد في الوضوء والصاع في الغسل","lvl":2,"sub":0},{"id":378,"title":"مسألة قال تنقض المرأة شعرها لغسلها من الحيض","lvl":2,"sub":0},{"id":381,"title":"فصل غسل بشرة الرأس واجب","lvl":2,"sub":0},{"id":382,"title":"فصل غسل ما استرسل من الشعر وبل ما على الجسد منه","lvl":2,"sub":0},{"id":383,"title":"فصل غسل الحيض كغسل الجنابة","lvl":2,"sub":0},{"id":384,"title":"فصل الجنب إذا أراد أن ينام أو يطأ ثانيا أو يأكل يغسل فرجه","lvl":2,"sub":0},{"id":386,"title":"فصول في الحمام","lvl":2,"sub":0},{"id":387,"title":"فصل كان الداخل للحمام رجلا","lvl":2,"sub":0},{"id":388,"title":"فصل النساء ليس لهن دخول الحمامات","lvl":2,"sub":0},{"id":389,"title":"فصل اغتسل عريانا بين الناس","lvl":2,"sub":0},{"id":390,"title":"فصل الغسل بماء الحمام","lvl":2,"sub":0},{"id":391,"title":"فصل ذكر الله في الحمام","lvl":2,"sub":0},{"id":392,"title":"فصل لا يدخل الماء إلا مستترا","lvl":2,"sub":0},{"id":393,"title":"باب التيمم","lvl":2,"sub":0},{"id":394,"title":"مسألة يتيمم في قصير السفر وطويله","lvl":2,"sub":0},{"id":395,"title":"فصل لا فرق بين سفر الطاعة والمعصية في التيمم","lvl":2,"sub":0},{"id":396,"title":"فصل عدم الماء في الحضر","lvl":2,"sub":0},{"id":398,"title":"فصل خرج من المصر لحاجة فحضرت الصلاة ولا ماء","lvl":2,"sub":0},{"id":399,"title":"مسألة دخل وقت الصلاة وطلب الماء فأعوزه","lvl":2,"sub":0},{"id":401,"title":"فصل وجد الجنب ماء يكفي بعض أعضائه","lvl":2,"sub":0},{"id":402,"title":"فصل وجد المحدث الحدث الأصغر بعض ما يكفيه من الماء","lvl":2,"sub":0},{"id":403,"title":"فصل حال بينه وبين الماء سبع أو عدو أو حريق أو لص","lvl":2,"sub":0},{"id":405,"title":"فصل كان مريضا لا يقدر على الحركة ولا يجد من يناوله","lvl":2,"sub":0},{"id":406,"title":"فصل وجد بئرا وقدر على التوصل إلى مائها","lvl":2,"sub":0},{"id":407,"title":"فصل بذل له ماء لطهارته","lvl":2,"sub":0},{"id":409,"title":"فصل كان معه ماء فأراقه قبل الوقت وعدم الماء","lvl":2,"sub":0},{"id":410,"title":"فصل نسي الماء في رحله أو موضع يمكنه استعماله","lvl":2,"sub":0},{"id":411,"title":"فصل ضل عن رحله الذي فيه الماء أو كان يعرف","lvl":2,"sub":0},{"id":412,"title":"فصل تيمم وصلى ثم بان أنه كان","lvl":2,"sub":0},{"id":413,"title":"مسألة تأخير التيمم","lvl":2,"sub":0},{"id":414,"title":"مسألة تيمم في أول الوقت وصلى","lvl":2,"sub":0},{"id":416,"title":"مسألة التيمم ضربة واحدة","lvl":2,"sub":0},{"id":419,"title":"فصل التيمم بضربة واحدة وبضربتين","lvl":2,"sub":0},{"id":420,"title":"فصل وصل التراب إلى وجهه ويديه بغير ضرب","lvl":2,"sub":0},{"id":421,"title":"فصل علا على يد المتيمم تراب كثير","lvl":2,"sub":0},{"id":422,"title":"مسألة المتيمم يضرب بيديه على الصعيد الطيب","lvl":2,"sub":0},{"id":424,"title":"فصل التيمم بالسبخة والرمل","lvl":2,"sub":0},{"id":425,"title":"فصل التيمم بالخزف أو الطين المحرق بعد دقه","lvl":2,"sub":0},{"id":426,"title":"فصل ضرب بيده على لبد أو ثوب فعلق بيديه غبار","lvl":2,"sub":0},{"id":427,"title":"فصل خالط التراب ما لا يجوز التيمم به","lvl":2,"sub":0},{"id":428,"title":"فصل التيمم بالطين","lvl":2,"sub":0},{"id":429,"title":"فصل صلاة فاقد الطهورين","lvl":2,"sub":0},{"id":431,"title":"مسألة التيمم لا يصح إلا بنية","lvl":2,"sub":0},{"id":433,"title":"فصل إذا نوى الفرض استباح كل ما يباح بالتيمم من النفل","lvl":2,"sub":0},{"id":435,"title":"فصل تيمم الصبي لإحدى الصلوات الخمس ثم بلغ","lvl":2,"sub":0},{"id":436,"title":"مسألة يمسح المتيمم وجهه وكفيه","lvl":2,"sub":0},{"id":437,"title":"فصل تيمم بضربتين للوجه واليدين إلى المرفقين","lvl":2,"sub":0},{"id":438,"title":"فصل بقي من محل الفرض شيء لم يصله التراب","lvl":2,"sub":0},{"id":439,"title":"فصل مسح اليدين إلى الموضع الذي يقطع منه السارق","lvl":2,"sub":0},{"id":440,"title":"فصل أوصل التراب إلى محل الفرض بخرقة أو خشبة","lvl":2,"sub":0},{"id":441,"title":"مسألة كان ما ضرب بيديه غير طاهر","lvl":2,"sub":0},{"id":442,"title":"فصل تيمم جماعة من موضع واحد","lvl":2,"sub":0},{"id":443,"title":"مسألة كان به قرح أو مرض مخوف وأجنب","lvl":2,"sub":0},{"id":445,"title":"فصل الخوف المبيح للتيمم","lvl":2,"sub":0},{"id":447,"title":"فصل ما لا يمكن غسله من الصحيح إلا بانتشار الماء إلى الجريح","lvl":2,"sub":0},{"id":448,"title":"فصل كان الجريح جنبا","lvl":2,"sub":0},{"id":450,"title":"فصل تيمم الجريح لجرح في بعض أعضائه ثم خرج","lvl":2,"sub":0},{"id":451,"title":"فصل خاف من شدة البرد وأمكنه أن يسخن الماء","lvl":2,"sub":0},{"id":453,"title":"مسألة قال إذا تيمم صلى الصلاة التي حضر","lvl":2,"sub":0},{"id":456,"title":"مسألة إذا خاف العطش حبس الماء وتيمم","lvl":2,"sub":0},{"id":457,"title":"فصل المتيمم إذا خاف على رفيقه أو رقيقه أو بهائمه","lvl":2,"sub":0},{"id":458,"title":"فصل وجد الخائف من العطش ماء طاهرا وماء نجسا","lvl":2,"sub":0},{"id":459,"title":"فصل كان الماء موجودا إلا أنه إذا اشتغل بتحصيله واستعماله","lvl":2,"sub":0},{"id":461,"title":"مسألة نسي الجنابة وتيمم للحدث","lvl":2,"sub":0},{"id":462,"title":"فصل التيمم للجنابة لا يجزئ عن الحدث الأصغر","lvl":2,"sub":0},{"id":463,"title":"فصل التيمم للجنابة دون الحدث","lvl":2,"sub":0},{"id":464,"title":"مسألة وجد المتيمم الماء وهو في الصلاة","lvl":2,"sub":0},{"id":466,"title":"فصل المصلي بغير وضوء ولا تيمم إذا وجد ماء في الصلاة","lvl":2,"sub":0},{"id":467,"title":"فصل يمم الميت ثم قدر على الماء في أثناء","lvl":2,"sub":0},{"id":469,"title":"فصل رأى ماء في الصلاة ثم انقلب قبل استعماله","lvl":2,"sub":0},{"id":470,"title":"فصل تيمم ثم رأى ركبا يظن أن معه ماء","lvl":2,"sub":0},{"id":472,"title":"فصل يبطل التيمم عن الحدث بكل ما يبطل الوضوء","lvl":2,"sub":0},{"id":473,"title":"فصل التيمم لكل ما يتطهر له من نافلة أو مس مصحف","lvl":2,"sub":0},{"id":474,"title":"فصل كانت على بدنه نجاسة وعجز عن غسلها","lvl":2,"sub":0},{"id":476,"title":"فصل اجتمع عليه نجاسة وحدث ومعه ما لا يكفي إلا أحدهما","lvl":2,"sub":0},{"id":477,"title":"فصل اجتمع جنب وميت ومن عليها غسل حيض ومعهم ماء لا يكفي إلا أحدهم","lvl":2,"sub":0},{"id":479,"title":"فصل هل يكره لعادم الماء جماع زوجته","lvl":2,"sub":0},{"id":480,"title":"مسألة إذا شد الكسير الجبائر وكان طاهرا ولم يعد","lvl":2,"sub":0},{"id":482,"title":"فصل يفارق مسح الجبيرة مسح الخف من خمسة أوجه","lvl":2,"sub":0},{"id":484,"title":"فصل لا يحتاج مع مسح الخفين إلى تيمم","lvl":2,"sub":0},{"id":485,"title":"فصل لا فرق في التيمم بين كون الشد على كسر أو جرح","lvl":2,"sub":0},{"id":486,"title":"فصل كان في رجل المتيمم شق فجعل فيه قيرا","lvl":2,"sub":0},{"id":487,"title":"فصل إذا لم يكن على جرح المتيمم عصاب","lvl":2,"sub":0},{"id":488,"title":"باب المسح على الخفين","lvl":2,"sub":0},{"id":489,"title":"فصل المسح على الخفين أفضل من الغسل","lvl":2,"sub":0},{"id":490,"title":"مسألة لبس خفيه وهو كامل الطهارة ثم أحدث","lvl":2,"sub":0},{"id":492,"title":"فصل تطهر ثم لبس الخف فأحدث قبل بلوغ الرجل","lvl":2,"sub":0},{"id":493,"title":"فصل تيمم ثم لبس الخف","lvl":2,"sub":0},{"id":494,"title":"فصل لبس خفين ثم أحدث ثم لبس فوقهما خفين","lvl":2,"sub":0},{"id":496,"title":"فصل لبس خفا مخرقا فوق صحيح","lvl":2,"sub":0},{"id":497,"title":"فصل لبس الخف بعد طهارة","lvl":2,"sub":0},{"id":498,"title":"فصل لبس الجبيرة على طهارة","lvl":2,"sub":0},{"id":499,"title":"مسألة مدة المسح على الخفين","lvl":2,"sub":0},{"id":501,"title":"فصل انقضاء مدة المسح على الخفين","lvl":2,"sub":0},{"id":502,"title":"مسألة خلع خفيه بعد المسح عليهما","lvl":2,"sub":0},{"id":504,"title":"فصل نزع العمامة بعد مسحها","lvl":2,"sub":0},{"id":505,"title":"فصل نزع أحد الخفين كنزعهما","lvl":2,"sub":0},{"id":506,"title":"فصل انكشاف بعض القدم من خرق كنزع الخف","lvl":2,"sub":0},{"id":507,"title":"فصل أخرج رجله إلى ساق الخف","lvl":2,"sub":0},{"id":508,"title":"فصل لبس الخفين وهو يدافع الأخبثين أو أحدهما","lvl":2,"sub":0},{"id":509,"title":"مسألة أحدث وهو مقيم فلم يمسح على خفيه حتى سافر","lvl":2,"sub":0},{"id":511,"title":"مسألة أحدث مقيما ثم مسح على خفيه مقيما","lvl":2,"sub":0},{"id":512,"title":"فصل شك هل ابتدأ المسح في السفر أو الحضر","lvl":2,"sub":0},{"id":513,"title":"مسألة مسح مسافر أقل من يوم وليلة ثم","lvl":2,"sub":0},{"id":514,"title":"مسألة لا يمسح إلا على خفين أو ما يقوم مقامهما","lvl":2,"sub":0},{"id":515,"title":"فصل لو كان للخف قدم وله شرج محاذ لمحل الفرض","lvl":2,"sub":0},{"id":516,"title":"فصل كان الخف محرما كالقصب والحرير","lvl":2,"sub":0},{"id":517,"title":"فصل المسح على كل خف ساتر","lvl":2,"sub":0},{"id":518,"title":"المسح على الجورب الصفيق الذي لا يسقط إذا مشى فيه","lvl":2,"sub":0},{"id":520,"title":"فصل المسح على جورب الخرق","lvl":2,"sub":0},{"id":521,"title":"مسألة إن كان يثبت بالنعل مسح فإذا خلع النعل انتقضت","lvl":2,"sub":0},{"id":522,"title":"مسألة كان في الخف خرق يبدو منه بعض القدم","lvl":2,"sub":0},{"id":523,"title":"فصل المسح على اللفائف والخرق","lvl":2,"sub":0},{"id":524,"title":"مسألة يمسح على ظاهر القدم","lvl":2,"sub":0},{"id":526,"title":"فصل المجزئ في المسح على الخفين","lvl":2,"sub":0},{"id":527,"title":"فصل المسح على الخفين بخرقة أو خشبة","lvl":2,"sub":0},{"id":528,"title":"فصل غسل الخف","lvl":2,"sub":0},{"id":529,"title":"مسألة مسح أسفل الخف دون أعلاه","lvl":2,"sub":0},{"id":530,"title":"فصل المسح على عقب الخف","lvl":2,"sub":0},{"id":531,"title":"مسألة الرجل والمرأة في المسح على الخفاف سواء","lvl":2,"sub":0},{"id":532,"title":"فصل المسح على العمامة","lvl":2,"sub":0},{"id":534,"title":"فصل شروط جواز المسح على العمامة","lvl":2,"sub":0},{"id":536,"title":"فصل نزع العمامة بعد المسح عليها","lvl":2,"sub":0},{"id":537,"title":"فصل استيعاب العمامة بالمسح","lvl":2,"sub":0},{"id":538,"title":"فصل التوقيت في مسح العمامة كالتوقيت في مسح الخف","lvl":2,"sub":0},{"id":539,"title":"فصل المسح على العمامة المحرمة","lvl":2,"sub":0},{"id":540,"title":"فصل المسح على القلنسوة ,","lvl":2,"sub":0},{"id":541,"title":"فصل في مسح الرأس على مقنعة المرأة","lvl":2,"sub":0},{"id":542,"title":"باب الحيض","lvl":2,"sub":0},{"id":545,"title":"مسألة أقل الحيض يوم وليلة وأكثره خمسة عشر يوما","lvl":2,"sub":0},{"id":547,"title":"فصل أقل الطهر بين الحيضتين","lvl":2,"sub":0},{"id":549,"title":"مسألة من أطبق بها الدم فكانت ممن تميز","lvl":2,"sub":0},{"id":551,"title":"فصل المميزة إذا عرفت التمييز","lvl":2,"sub":0},{"id":552,"title":"فصل فإن لم يكن الدم الأسود مختلفا","lvl":2,"sub":0},{"id":553,"title":"فصل إذا رأت أسود بين أحمرين أو أحمر بين أسودين وانقطع","lvl":2,"sub":0},{"id":555,"title":"فصل إذا رأت الدم في شهر خمسة أسود ثم","lvl":2,"sub":0},{"id":556,"title":"فصل إذا رأت الدم في كل شهر خمسة عشر يوما دما أسود وخمسة عشر","lvl":2,"sub":0},{"id":557,"title":"مسألة لم يكن دمها منفصلا وكانت لها أيام من","lvl":2,"sub":0},{"id":559,"title":"فصل العادة في الحيض لا تثبت بمرة","lvl":2,"sub":0},{"id":560,"title":"فصل تثبت العادة في الحيض بالتمييز","lvl":2,"sub":0},{"id":561,"title":"فصل العادة في الحيض على ضربين متفقة ومختلفة","lvl":2,"sub":0},{"id":564,"title":"فصل لا تكون المرأة معتادة حتى تعرف شهرها","lvl":2,"sub":0},{"id":565,"title":"فصل القسم الثالث من أقسام المستحاضة من لها عادة وتمييز","lvl":2,"sub":0},{"id":567,"title":"فصل كان حيضها خمسة أيام من أول كل شهر فاستحيضت","lvl":2,"sub":0},{"id":569,"title":"مسألة كانت لها أيام تحيض فيها ثم نسيتها","lvl":2,"sub":0},{"id":573,"title":"فصل لا تخلو الناسية من أن تكون جاهلة بشهرها","lvl":2,"sub":0},{"id":578,"title":"فصل لا يعتبر التكرار في الناسية لأيام الحيض","lvl":2,"sub":0},{"id":579,"title":"مسألة المبتدأ بها الدم تحتاط","lvl":2,"sub":0},{"id":582,"title":"فصل انقطع دم الحيض في الأشهر الثلاثة مختلفا","lvl":2,"sub":0},{"id":583,"title":"مسألة استمر بها الدم ولم يتميز","lvl":2,"sub":0},{"id":585,"title":"فصل كانت التي استمر بها الدم مميزة عادة","lvl":2,"sub":0},{"id":587,"title":"مسألة الصفرة والكدرة في أيام الحيض","lvl":2,"sub":0},{"id":589,"title":"مسألة يستمتع من الحائض بما دون الفرج","lvl":2,"sub":0},{"id":591,"title":"فصل وطء الحائض في الفرج","lvl":2,"sub":0},{"id":592,"title":"فصل في قدر كفارة وطء الحائض","lvl":2,"sub":0},{"id":593,"title":"فصل وطئ بعد طهرها وقبل غسلها","lvl":2,"sub":0},{"id":594,"title":"فصل هل تجب الكفارة على الجاهل والناسي","lvl":2,"sub":0},{"id":595,"title":"فصل هل تلزم المرأة الموطوءة وهي حائض كفارة","lvl":2,"sub":0},{"id":596,"title":"مسألة فإن انقطع دمها فلا توطأ حتى تغتسل","lvl":2,"sub":0},{"id":597,"title":"مسألة لا توطأ مستحاضة إلا أن يخاف على نفسه","lvl":2,"sub":0},{"id":599,"title":"مسألة المبتلى بسلس البول وكثرة المذي","lvl":2,"sub":0},{"id":603,"title":"فصل للمستحاضة الجمع بين الصلاتين بوضوء واحد","lvl":2,"sub":0},{"id":604,"title":"فصل توضأت المستحاضة ثم انقطع دمها","lvl":2,"sub":0},{"id":607,"title":"فصل كانت لها عادة بانقطاع الدم زمنا لا يتسع للطهارة","lvl":2,"sub":0},{"id":608,"title":"مسألة أكثر النفاس أربعون يوما","lvl":2,"sub":0},{"id":610,"title":"فصل زاد دم النفساء على أربعين يوما","lvl":2,"sub":0},{"id":611,"title":"مسألة ليس لأقل النفاس حد","lvl":2,"sub":0},{"id":613,"title":"فصل ولدت ولم تر دما","lvl":2,"sub":0},{"id":614,"title":"فصل إذا طهرت النفساء لدون الأربعين اغتسلت","lvl":2,"sub":0},{"id":616,"title":"فصل رأت المرأة الدم بعد وضع شيء يتبين فيه خلق","lvl":2,"sub":0},{"id":617,"title":"فصل إذا ولدت المرأة توأمين","lvl":2,"sub":0},{"id":618,"title":"فصل حكم النفساء حكم الحائض","lvl":2,"sub":0},{"id":619,"title":"مسألة كانت لها أيام حيض فزادت على ما","lvl":2,"sub":0},{"id":624,"title":"فصل كانت لها عادة فرأت الدم أكثر منها","lvl":2,"sub":0},{"id":625,"title":"مسألة كانت لها أيام فرأت الطهر قبل ذلك","lvl":2,"sub":0},{"id":630,"title":"فصل في ضم الدم إلى الدم الذين بينهما طهر","lvl":2,"sub":0},{"id":634,"title":"مسألة الحامل لا تحيض","lvl":2,"sub":0},{"id":636,"title":"مسألة رأت الدم ولها خمسون سنة","lvl":2,"sub":0},{"id":639,"title":"فصل أقل سن تحيض له المرأة","lvl":2,"sub":0},{"id":641,"title":"مسألة المستحاضة إن اغتسلت لكل صلاة","lvl":2,"sub":0},{"id":643,"title":"فصل حكم طهارة المستحاضة","lvl":2,"sub":0},{"id":644,"title":"فصل لا بأس أن تشرب المرأة دواء يقطع عنها الحيض","lvl":2,"sub":0},{"id":645,"title":"فصل في الصلوات المكتوبات","lvl":2,"sub":0},{"id":647,"title":"باب المواقيت","lvl":2,"sub":0},{"id":650,"title":"فصل تجب صلاة الظهر بزوال الشمس","lvl":2,"sub":0},{"id":651,"title":"فصل يستقر وجوب وقت صلاة الظهر بما وجبت به","lvl":2,"sub":0},{"id":652,"title":"مسألة آخر وقت الظهر","lvl":2,"sub":0},{"id":654,"title":"مسألة وقت العصر","lvl":2,"sub":0},{"id":656,"title":"مسألة آخر وقت العصر","lvl":2,"sub":0},{"id":658,"title":"مسألة أدرك منها ركعة قبل أن تغرب الشمس","lvl":2,"sub":0},{"id":659,"title":"فصل هل يدرك الصلاة بإدراك ما دون ركعة","lvl":2,"sub":0},{"id":660,"title":"فصل الصلاة الوسطى","lvl":2,"sub":0},{"id":664,"title":"مسألة وقت المغرب","lvl":2,"sub":0},{"id":666,"title":"مسألة وقت العشاء","lvl":2,"sub":0},{"id":668,"title":"مسألة إذا ذهب ثلث الليل ذهب وقت الاختيار","lvl":2,"sub":0},{"id":670,"title":"مسألة وقت الصبح","lvl":2,"sub":0},{"id":672,"title":"فصل إذا شك في دخول الوقت","lvl":2,"sub":0},{"id":674,"title":"فصل إذا سمع الأذان من ثقة عالم بالوقت","lvl":2,"sub":0},{"id":675,"title":"مسألة الصلاة في أول الوقت","lvl":2,"sub":0},{"id":677,"title":"فصل تعجيل الظهر في غير الحر والغيم","lvl":2,"sub":0},{"id":679,"title":"فصل تأخير الظهر والمغرب في الغيم وتعجيل العصر والعشاء","lvl":2,"sub":0},{"id":680,"title":"فصل تعجيل صلاة العصر","lvl":2,"sub":0},{"id":682,"title":"فصل استحباب تقديم المغرب","lvl":2,"sub":0},{"id":683,"title":"فصل استحباب تأخير العشاء","lvl":2,"sub":0},{"id":685,"title":"فصل التغليس بصلاة الصبح أفضل","lvl":2,"sub":0},{"id":687,"title":"فصل تعجيل الصلاة التي يستحب تأخيرها","lvl":2,"sub":0},{"id":688,"title":"فصل صلى قبل الوقت","lvl":2,"sub":0},{"id":689,"title":"مسألة حكم الصلاة إذا طهرت الحائض وأسلم الكافر قبل","lvl":2,"sub":0},{"id":690,"title":"فصل القدر الذي يتعلق به الوجوب في الصلاة","lvl":2,"sub":0},{"id":691,"title":"فصل أدرك المكلف من وقت الأولى من صلاتي الجمع","lvl":2,"sub":0},{"id":692,"title":"فصل الصلاة لا تجب على صبي ولا كافر ولا حائض","lvl":2,"sub":0},{"id":695,"title":"فصل المجنون غير مكلف","lvl":2,"sub":0},{"id":696,"title":"مسألة المغمى عليه حكمه حكم النائم","lvl":2,"sub":0},{"id":698,"title":"فصل شرب دواء فزال عقله به","lvl":2,"sub":0},{"id":699,"title":"فصل ما فيه السموم من الأدوية","lvl":2,"sub":0},{"id":700,"title":"باب الأذان","lvl":2,"sub":0},{"id":701,"title":"فصل هل الأذان أفضل من الإمامة","lvl":2,"sub":0},{"id":703,"title":"مسألة صفة الأذان","lvl":2,"sub":0},{"id":706,"title":"مسألة صفة الإقامة","lvl":2,"sub":0},{"id":708,"title":"مسألة آداب الأذان ومستحباته","lvl":2,"sub":0},{"id":709,"title":"مسألة التثويب بين الأذان والإقامة","lvl":2,"sub":0},{"id":710,"title":"فصل التثويب في غير الفجر","lvl":2,"sub":0},{"id":711,"title":"فصل الخروج من المسجد بعد الأذان","lvl":2,"sub":0},{"id":712,"title":"مسألة الأذان قبل الوقت في غير الفجر","lvl":2,"sub":0},{"id":713,"title":"فصل الأذان للفجر قبل وقتها","lvl":2,"sub":0},{"id":715,"title":"فصل لا يؤذن في الوقت تارة وقبله أخرى","lvl":2,"sub":0},{"id":716,"title":"فصل الأذان للفجر بعد نصف الليل","lvl":2,"sub":0},{"id":717,"title":"فصل الأذان قبل الفجر في شهر رمضان","lvl":2,"sub":0},{"id":718,"title":"فصل يستحب أن يؤذن في أول الوقت","lvl":2,"sub":0},{"id":720,"title":"مسألة للمؤذن أن يكون متطهرا من الحدث الأصغر والجنابة","lvl":2,"sub":0},{"id":721,"title":"فصل ممن يصح الأذان","lvl":2,"sub":0},{"id":723,"title":"فصل أذان الأعمى","lvl":2,"sub":0},{"id":724,"title":"فصل أخذ الأجرة على الأذان","lvl":2,"sub":0},{"id":725,"title":"فصل يتولى الإقامة من تولى الأذان","lvl":2,"sub":0},{"id":726,"title":"فصل يستحب أن يقيم في موضع أذانه","lvl":2,"sub":0},{"id":727,"title":"فصل المؤذن أملك بالأذان والإمام أملك بالإقامة","lvl":2,"sub":0},{"id":728,"title":"مسألة حكم ترك الأذان","lvl":2,"sub":0},{"id":730,"title":"فصل النداء في مساجد الجماعة","lvl":2,"sub":0},{"id":732,"title":"فصل من فاتته صلوات استحب له أن يؤذن للأولى","lvl":2,"sub":0},{"id":734,"title":"فصل حكم الأذان عند الجمع بين صلاتين","lvl":2,"sub":0},{"id":735,"title":"فصل الأذان في السفر","lvl":2,"sub":0},{"id":737,"title":"فصل من دخل مسجدا قد صلي فيه","lvl":2,"sub":0},{"id":738,"title":"فصل ليس على النساء أذان ولا إقامة","lvl":2,"sub":0},{"id":739,"title":"مسألة يجعل أصابعه مضمومة على أذنيه في الأذان","lvl":2,"sub":0},{"id":740,"title":"فصل رفع الصوت بالأذان","lvl":2,"sub":0},{"id":741,"title":"فصل ينبغي أن يؤذن قائما","lvl":2,"sub":0},{"id":742,"title":"فصل يستحب أن يؤذن على شيء مرتفع","lvl":2,"sub":0},{"id":743,"title":"فصل الكلام في أثناء الأذان","lvl":2,"sub":0},{"id":744,"title":"فصل ليس للرجل أن يبني على أذان غيره","lvl":2,"sub":0},{"id":745,"title":"فصل لا يصح الأذان إلا مرتبا","lvl":2,"sub":0},{"id":746,"title":"مسألة يدير المؤذن وجهه عن يمينه وعن يساره عند الحيعلتين","lvl":2,"sub":0},{"id":748,"title":"مسألة يستحب لمن سمع المؤذن أن يقول كما يقول","lvl":2,"sub":0},{"id":750,"title":"فصل الدعاء بين الأذان والإقامة","lvl":2,"sub":0},{"id":751,"title":"فصل إذا سمع الأذان وهو في قراءة قطعها","lvl":2,"sub":0},{"id":752,"title":"فصل إذا أذن فقال كلمة من الأذان قال مثلها","lvl":2,"sub":0},{"id":753,"title":"فصل الزيادة على مؤذنين","lvl":2,"sub":0},{"id":754,"title":"فصل لا يؤذن قبل المؤذن الراتب","lvl":2,"sub":0},{"id":755,"title":"فصل إذا تشاح نفسان في الأذان","lvl":2,"sub":0},{"id":756,"title":"فصل اللحن في الأذان","lvl":2,"sub":0},{"id":757,"title":"فصل إذا أذن في الوقت كره له أن يخرج من المسجد","lvl":2,"sub":0},{"id":758,"title":"فصل إذا أذن المؤذن وأقام","lvl":2,"sub":0},{"id":759,"title":"باب استقبال القبلة","lvl":2,"sub":0},{"id":760,"title":"مسألة إذا اشتد الخوف وهو مطلوب ابتدأ الصلاة إلى القبلة","lvl":2,"sub":0},{"id":762,"title":"مسألة استقبال القبلة في صلاة الخوف","lvl":2,"sub":0},{"id":764,"title":"مسألة التطوع على الراحلة في السفر","lvl":2,"sub":0},{"id":766,"title":"فصل حكم الصلاة على الراحلة","lvl":2,"sub":0},{"id":767,"title":"فصل المصلي على الراحلة في مكان واسع","lvl":2,"sub":0},{"id":769,"title":"فصل الماشي في السفر لا تباح له الصلاة في حال مشيه","lvl":2,"sub":0},{"id":770,"title":"فصل إذا دخل المصلي بلدا ناويا للإقامة","lvl":2,"sub":0},{"id":771,"title":"مسألة استقبال القبلة شرط لصحة الصلاة","lvl":2,"sub":0},{"id":773,"title":"فصل محاريب الكفار","lvl":2,"sub":0},{"id":774,"title":"فصل صلى على جبل عال يخرج عن مسامتة","lvl":2,"sub":0},{"id":775,"title":"فصل المجتهد في القبلة","lvl":2,"sub":0},{"id":781,"title":"فصل صلى بالاجتهاد إلى جهة ثم أراد صلاة أخرى","lvl":2,"sub":0},{"id":783,"title":"مسألة إذا اختلف اجتهاد رجلين في القبلة","lvl":2,"sub":0},{"id":784,"title":"فصل اختلف اجتهاد رجلين فصلى كل واحد منهما إلى جهة","lvl":2,"sub":0},{"id":785,"title":"مسألة إذا اختلف مجتهدان في القبلة ومعهما أعمى","lvl":2,"sub":0},{"id":786,"title":"فصل المقلد من لا يمكنه الصلاة باجتهاد نفسه","lvl":2,"sub":0},{"id":787,"title":"فصل كان المجتهد في استقبال القبلة به رمد أو عارض","lvl":2,"sub":0},{"id":788,"title":"فصل شرع في الصلاة بتقليد مجتهد فقال له","lvl":2,"sub":0},{"id":789,"title":"فصل إذا شرع مجتهد في الصلاة باجتهاده فعمي","lvl":2,"sub":0},{"id":790,"title":"مسألة صلى بالاجتهاد إلى جهة ثم علم أنه قد","lvl":2,"sub":0},{"id":792,"title":"فصل إن بان له يقين الخطأ وهو في الصلاة استدار","lvl":2,"sub":0},{"id":793,"title":"مسألة إذا صلى البصير في حضر أو الأعمى فأخطأ","lvl":2,"sub":0},{"id":795,"title":"مسألة لا يتبع دلالة مشرك بحال في استقبال القبلة","lvl":2,"sub":0},{"id":799,"title":"فصل إذا أقيمت الصلاة لم يشتغل عنها بنافلة","lvl":2,"sub":0},{"id":801,"title":"فصل دعاء الافتتاح","lvl":2,"sub":0},{"id":802,"title":"باب صفة الصلاة","lvl":2,"sub":0},{"id":804,"title":"فصل يستحب أن يقوم إلى الصلاة عند قول المؤذن قد قامت الصلاة","lvl":2,"sub":0},{"id":806,"title":"فصل يستحب للإمام تسوية الصفوف","lvl":2,"sub":0},{"id":807,"title":"مسألة الصلاة لا تنعقد إلا بقول الله أكبر","lvl":2,"sub":0},{"id":809,"title":"فصل التكبير ركن في الصلاة","lvl":2,"sub":0},{"id":810,"title":"فصل لا يصح التكبير إلا مرتبا","lvl":2,"sub":0},{"id":811,"title":"فصل يستحب للإمام أن يجهر بالتكبير","lvl":2,"sub":0},{"id":812,"title":"فصل يبين التكبير ولا يمد في غير موضع المد","lvl":2,"sub":0},{"id":813,"title":"فصل التكبير بغير العربية","lvl":2,"sub":0},{"id":814,"title":"فصل فإن كان أخرس أو عاجزا عن التكبير بكل","lvl":2,"sub":0},{"id":815,"title":"فصل يأتي بالتكبير قائما","lvl":2,"sub":0},{"id":816,"title":"فصل لا يكبر المأموم حتى يفرغ إمامه من التكبير","lvl":2,"sub":0},{"id":817,"title":"فصل التكبير من الصلاة","lvl":2,"sub":0},{"id":818,"title":"مسألة وجوب النية للصلاة","lvl":2,"sub":0},{"id":821,"title":"فصل دخل في الصلاة بنية مترددة بين إتمامها وقطعها","lvl":2,"sub":0},{"id":822,"title":"فصل استصحاب حكم النية دون حقيقتها","lvl":2,"sub":0},{"id":823,"title":"فصل شك في أثناء الصلاة هل نوى أو لا أو","lvl":2,"sub":0},{"id":824,"title":"فصل أحرم بفريضة ثم نوى نقلها إلى فريضة أخرى","lvl":2,"sub":0},{"id":825,"title":"مسألة تقديم النية على التكبير","lvl":2,"sub":0},{"id":826,"title":"مسألة رفع اليدين عند افتتاح الصلاة","lvl":2,"sub":0},{"id":829,"title":"مسألة وضع اليمنى على اليسرى في الصلاة","lvl":2,"sub":0},{"id":830,"title":"مسألة وضع اليمين على الشمال تحت السرة في الصلاة","lvl":2,"sub":0},{"id":831,"title":"مسألة الاستفتاح من سنن الصلاة","lvl":2,"sub":0},{"id":834,"title":"مسألة الاستعاذة قبل القراءة في الصلاة","lvl":2,"sub":0},{"id":835,"title":"مسألة قراءة الفاتحة في الصلاة","lvl":2,"sub":0},{"id":837,"title":"مسألة قراءة بسم الله الرحمن الرحيم في الصلاة","lvl":2,"sub":0},{"id":839,"title":"مسألة الجهر بالبسملة في الصلاة","lvl":2,"sub":0},{"id":841,"title":"فصل البسملة هل هي آية من الفاتحة يجب قراءتها","lvl":2,"sub":0},{"id":844,"title":"فصل قراءة الفاتحة في الصلاة مرتبة مشددة غير ملحون","lvl":2,"sub":0},{"id":845,"title":"فصل أقل ما يجزئ في قراءة الفاتحة","lvl":2,"sub":0},{"id":846,"title":"فصل قطع قراءة الفاتحة في الصلاة","lvl":2,"sub":0},{"id":847,"title":"فصل قراءة الفاتحة في كل ركعة","lvl":2,"sub":0},{"id":849,"title":"فصل لا تجزئه القراءة بغير العربية في الصلاة","lvl":2,"sub":0},{"id":852,"title":"مسألة التأمين عند فراغ الفاتحة في الصلاة","lvl":2,"sub":0},{"id":855,"title":"مسألة قراءة سورة مع الفاتحة في الركعتين","lvl":2,"sub":0},{"id":856,"title":"فصل يقرأ الفاتحة بما في مصحف عثمان","lvl":2,"sub":0},{"id":858,"title":"فصل قراءة أواخر السور وأوساطها في الصلاة","lvl":2,"sub":0},{"id":860,"title":"فصل الجمع بين السور في صلاة النافلة","lvl":2,"sub":0},{"id":862,"title":"فصل يثبت قائما ويسكت حتى يرجع إليه نفسه قبل أن يركع .","lvl":2,"sub":0},{"id":863,"title":"مسألة إذا فرغ من القراءة كبر للركوع","lvl":2,"sub":0},{"id":865,"title":"مسألة رفع اليدين في الصلاة","lvl":2,"sub":0},{"id":868,"title":"مسألة يستحب للراكع أن يضع يديه على ركبتيه","lvl":2,"sub":0},{"id":870,"title":"فصل الطمأنينة في الركوع","lvl":2,"sub":0},{"id":871,"title":"فصل رفع رأسه وشك هل ركع أولا أو هل أتى بقدر","lvl":2,"sub":0},{"id":872,"title":"مسألة التسبيح في الركوع","lvl":2,"sub":0},{"id":874,"title":"فصل تكبير الخفض والرفع وتسبيح الركوع والسجود","lvl":2,"sub":0},{"id":876,"title":"فصل الزيادة في التسبيح في الصلاة","lvl":2,"sub":0},{"id":877,"title":"فصل قراءة القرآن في الركوع والسجود","lvl":2,"sub":0},{"id":878,"title":"فصل أدرك الإمام في الركوع","lvl":2,"sub":0},{"id":880,"title":"فصل أدرك الإمام في ركن غير الركوع","lvl":2,"sub":0},{"id":881,"title":"فصل يستحب لمن أدرك الإمام في حال متابعته","lvl":2,"sub":0},{"id":882,"title":"مسألة إذا فرغ من الركوع","lvl":2,"sub":0},{"id":884,"title":"فصل يسن الجهر بالتسميع","lvl":2,"sub":0},{"id":885,"title":"مسألة قول ربنا ولك الحمد في حق كل","lvl":2,"sub":0},{"id":888,"title":"مسألة لا يشرع للمأموم قول سمع الله لمن حمده","lvl":2,"sub":0},{"id":889,"title":"فصل موضع قول ربنا ولك الحمد","lvl":2,"sub":0},{"id":890,"title":"فصل إذا زاد على الذكر المأثور بعد الرفع من الركوع","lvl":2,"sub":0},{"id":891,"title":"فصل إذا قال مكان سمع الله لمن حمده من حمد الله","lvl":2,"sub":0},{"id":892,"title":"فصل إذا رفع رأسه من الركوع فعطس فقال ربنا","lvl":2,"sub":0},{"id":893,"title":"فصل إذا أتى بقدر الإجزاء من الركوع فاعترضته علة","lvl":2,"sub":0},{"id":894,"title":"فصل أراد الركوع فوقع إلى الأرض","lvl":2,"sub":0},{"id":895,"title":"فصل إذا ركع ثم رفع رأسه فذكر أنه لم يسبح","lvl":2,"sub":0},{"id":896,"title":"مسألة يكبر للسجود ولا يرفع يديه","lvl":2,"sub":0},{"id":897,"title":"مسألة أول ما يقع منه على الأرض عند السجود ركبتاه","lvl":2,"sub":0},{"id":901,"title":"فصل إذا سجد على كور العمامة أو كمه أو ذيله","lvl":2,"sub":0},{"id":903,"title":"مسألة الاعتدال في السجود","lvl":2,"sub":0},{"id":904,"title":"مسألة يجافي عضديه عن جنبيه","lvl":2,"sub":0},{"id":907,"title":"مسألة يقول سبحان ربي الأعلى ثلاثا في السجود","lvl":2,"sub":0},{"id":908,"title":"فصل الزيادة على سبحان ربي الأعلى في السجود","lvl":2,"sub":0},{"id":909,"title":"مسألة إذا قضى سجوده رفع رأسه مكبرا وجلس واعتدل","lvl":2,"sub":0},{"id":910,"title":"مسألة يجلس بين السجدتين مفترشا","lvl":2,"sub":0},{"id":911,"title":"فصل الإقعاء على القدمين في السجود","lvl":2,"sub":0},{"id":913,"title":"مسألة يقول بين السجدتين رب اغفر لي رب اغفر","lvl":2,"sub":0},{"id":914,"title":"مسألة إذا فرغ من الجلسة بين السجدتين","lvl":2,"sub":0},{"id":915,"title":"فصل شروع المأموم في أفعال الصلاة من الرفع والوضع بعد","lvl":2,"sub":0},{"id":918,"title":"فصل ركع ورفع قبل ركوع إمامه","lvl":2,"sub":0},{"id":919,"title":"فصل سبق الإمام المأموم بركن كامل","lvl":2,"sub":0},{"id":921,"title":"مسألة جلسة الاستراحة في الصلاة","lvl":2,"sub":0},{"id":924,"title":"مسألة إذا شق عليه النهوض من السجود","lvl":2,"sub":0},{"id":925,"title":"فصل ابتداء تكبيره مع ابتداء رفع رأسه من","lvl":2,"sub":0},{"id":926,"title":"مسألة يصنع في الركعة الثانية من الصلاة مثل ما","lvl":2,"sub":0},{"id":928,"title":"فصل المسبوق إذا أدرك الإمام فيما بعد الركعة الأولى","lvl":2,"sub":0},{"id":929,"title":"مسألة إذا صلى ركعتين جلس للتشهد","lvl":2,"sub":0},{"id":931,"title":"مسألة المصلي إذا جلس للتشهد","lvl":2,"sub":0},{"id":933,"title":"مسألة أفضل التشهد","lvl":2,"sub":0},{"id":938,"title":"مسألة إذا فرغ من التشهد الأول نهض قائما","lvl":2,"sub":0},{"id":939,"title":"مسألة التورك في التشهد الثاني","lvl":2,"sub":0},{"id":941,"title":"فصل التشهد والجلوس","lvl":2,"sub":0},{"id":942,"title":"مسألة التورك في كل تشهد يسلم فيه","lvl":2,"sub":0},{"id":944,"title":"مسألة الصلاة على النبي في التشهد","lvl":2,"sub":0},{"id":949,"title":"مسألة يستحب أن يتعوذ من أربع بعد التشهد","lvl":2,"sub":0},{"id":950,"title":"مسألة الدعاء في الصلاة بما وردت به الأخبار","lvl":2,"sub":0},{"id":956,"title":"مسألة إذا فرغ من صلاته وأراد الخروج منها","lvl":2,"sub":0},{"id":957,"title":"فصل يسلم تسليمتين عن يمينه ويساره","lvl":2,"sub":0},{"id":959,"title":"فصل الواجب تسليمة واحدة والثانية سنة","lvl":2,"sub":0},{"id":961,"title":"فصل السنة أن يقول السلام عليكم ورحمة الله في الصلاة","lvl":2,"sub":0},{"id":963,"title":"فصل نكس السلام في الصلاة فقال عليكم السلام","lvl":2,"sub":0},{"id":964,"title":"فصل قال في الصلاة سلام عليكم منكرا منونا","lvl":2,"sub":0},{"id":965,"title":"فصل يسن أن يلتفت عن يمينه في التسليمة الأولى وعن","lvl":2,"sub":0},{"id":966,"title":"فصل الجهر بالتسليمة الأولى في الصلاة","lvl":2,"sub":0},{"id":967,"title":"فصل يستحب حذف السلام","lvl":2,"sub":0},{"id":968,"title":"فصل ينوي بسلامه الخروج من الصلاة","lvl":2,"sub":0},{"id":970,"title":"فصل ذكر الله تعالى والدعاء عقيب صلاته","lvl":2,"sub":0},{"id":972,"title":"فصل إذا كان مع الإمام رجال ونساء","lvl":2,"sub":0},{"id":975,"title":"فصل الانصراف من الصلاة","lvl":2,"sub":0},{"id":976,"title":"فصل لا يتطوع الإمام في مكانه الذي صلي","lvl":2,"sub":0},{"id":977,"title":"مسألة يثبت في حق المرأة من أحكام الصلاة ما يثبت للرجال","lvl":2,"sub":0},{"id":978,"title":"مسألة المأموم إذا سمع قراءة الإمام فلا يقرأ بالحمد","lvl":2,"sub":0},{"id":982,"title":"فصل المأموم قرأ بفاتحة الكتاب ثم سمع قراءة الإمام","lvl":2,"sub":0},{"id":983,"title":"فصل هل يستفتح المأموم ويستعيذ في الصلاة","lvl":2,"sub":0},{"id":984,"title":"مسألة الاستحباب أن يقرأ في سكتات الإمام","lvl":2,"sub":0},{"id":986,"title":"مسألة من كان له إمام فقراءة الإمام له","lvl":2,"sub":0},{"id":988,"title":"فصل إذا قرأ بعض الفاتحة في سكتة الإمام ثم قرأ الإمام","lvl":2,"sub":0},{"id":989,"title":"فصل إذا لم يسمع قراءة الإمام ونغمته","lvl":2,"sub":0},{"id":990,"title":"مسألة الإسرار بالقراءة في الظهر والعصر","lvl":2,"sub":0},{"id":991,"title":"فصل الجهر مشروع للإمام ولا يشرع للمأموم","lvl":2,"sub":0},{"id":992,"title":"فصل إن قضى الصلاة في جماعة","lvl":2,"sub":0},{"id":993,"title":"مسألة قراءة السورة بعد الفاتحة مسنونة","lvl":2,"sub":0},{"id":996,"title":"مسألة ما قرأ به بعد أم الكتاب في ذلك كله","lvl":2,"sub":0},{"id":997,"title":"فصل إطالة الركعة الأولى من كل صلاة","lvl":2,"sub":0},{"id":999,"title":"فصل قراءة السورة في ركعتين في الصلاة","lvl":2,"sub":0},{"id":1000,"title":"فصل يقرأ في الركعة بسورة ثم يقوم فيقرأ بها في","lvl":2,"sub":0},{"id":1001,"title":"فصل يقرأ على التأليف في الصلاة اليوم سورة وغدا","lvl":2,"sub":0},{"id":1002,"title":"فصل يصلي بالناس القيام وهو ينظر في المصحف","lvl":2,"sub":0},{"id":1004,"title":"مسألة زيادة القراءة على أم الكتاب","lvl":2,"sub":0},{"id":1006,"title":"مسألة ستر العورة في الصلاة","lvl":2,"sub":0},{"id":1009,"title":"فصل انكشف من العورة يسير في الصلاة","lvl":2,"sub":0},{"id":1011,"title":"فصل انكشفت عورته عن غير عمد في الصلاة فسترها في الحال","lvl":2,"sub":0},{"id":1012,"title":"مسألة كان على عاتقه شيء من اللباس في الصلاة","lvl":2,"sub":0},{"id":1014,"title":"فصل ستر المنكبين في الصلاة","lvl":2,"sub":0},{"id":1015,"title":"فصل ما اشترط للفرض اشترط للنفل","lvl":2,"sub":0},{"id":1016,"title":"الفصل الأول فيما يجزئ في الصلاة","lvl":2,"sub":0},{"id":1017,"title":"الفصل الثاني في الفضيلة وهو أن يصلي في ثوبين","lvl":2,"sub":0},{"id":1019,"title":"الفصل الثالث ما يكره في الصلاة","lvl":2,"sub":0},{"id":1028,"title":"فصل العلم الحرير في الثوب في الصلاة","lvl":2,"sub":0},{"id":1030,"title":"فصل المنسوج من الحرير وغيره في الصلاة","lvl":2,"sub":0},{"id":1031,"title":"فصل الثياب التي عليها تصاوير الحيوانات في الصلاة","lvl":2,"sub":0},{"id":1032,"title":"فصل التصليب في الثوب","lvl":2,"sub":0},{"id":1033,"title":"فصل لبس الخز","lvl":2,"sub":0},{"id":1034,"title":"فصل هل يجوز لولي الصبي أن يلبسه الحرير","lvl":2,"sub":0},{"id":1035,"title":"مسألة لم يقدر على ستر العورة في الصلاة","lvl":2,"sub":0},{"id":1037,"title":"فصل إذا وجد العريان جلدا طاهرا أو ورقا يمكنه خصفه عليه","lvl":2,"sub":0},{"id":1038,"title":"فصل إذا بذل له سترة في الصلاة","lvl":2,"sub":0},{"id":1039,"title":"فصل لم يجد المصلي إلا ثوبا نجسا","lvl":2,"sub":0},{"id":1040,"title":"فصل لم يجد إلا ما يستر عورته أو منكبيه في الصلاة","lvl":2,"sub":0},{"id":1042,"title":"فصل لم يجد إلا ما يستر بعض العورة في الصلاة","lvl":2,"sub":0},{"id":1043,"title":"مسألة صلى جماعة عراة","lvl":2,"sub":0},{"id":1045,"title":"مسألة العراة إذا صلوا قعودا","lvl":2,"sub":0},{"id":1046,"title":"فصل فإن كان مع العراة واحد له ثوب لزمته","lvl":2,"sub":0},{"id":1048,"title":"مسألة كان في الطين والمطر ولم يمكنه السجود على","lvl":2,"sub":0},{"id":1050,"title":"فصل الصلاة على الراحلة","lvl":2,"sub":0},{"id":1051,"title":"فصل صلى على الراحلة لمرض أو مطر","lvl":2,"sub":0},{"id":1052,"title":"مسألة إذا انكشف من المرأة الحرة شيء سوى وجهها أعادت","lvl":2,"sub":0},{"id":1055,"title":"فصل المستحب أن تصلي المرأة في درع","lvl":2,"sub":0},{"id":1056,"title":"فصل يجزئها من اللباس الستر الواجب","lvl":2,"sub":0},{"id":1057,"title":"فصل فإن انكشف من المرأة شيء يسير من غير الوجه والكفين","lvl":2,"sub":0},{"id":1058,"title":"فصل يكره أن تنتقب المرأة وهي تصلي","lvl":2,"sub":0},{"id":1059,"title":"فصل صلاة الأمة مكشوفة الرأس","lvl":2,"sub":0},{"id":1061,"title":"فصل صلاة المكاتبة والمدبرة والمعلق عتقها مكشوفة الرأس","lvl":2,"sub":0},{"id":1062,"title":"فصل الخنثى المشكل كالرجل في الصلاة","lvl":2,"sub":0},{"id":1063,"title":"فصل إذا تلبست الأمة بالصلاة مكشوفة الرأس فعتقت في أثنائها","lvl":2,"sub":0},{"id":1064,"title":"مسألة يستحب لأم الولد أن تغطي رأسها في الصلاة","lvl":2,"sub":0},{"id":1065,"title":"مسألة ذكر أن عليه صلاة وهو في أخرى","lvl":2,"sub":0},{"id":1069,"title":"فصل ذكر صلاة وهو في أخرى","lvl":2,"sub":0},{"id":1070,"title":"مسألة خشي فوات الوقت قبل قضاء الفائتة","lvl":2,"sub":0},{"id":1074,"title":"فصل ترك ظهرا وعصرا من يومين لا يدري أيهما أولا","lvl":2,"sub":0},{"id":1075,"title":"فصل ترك الترتيب بالجهل بوجوبه","lvl":2,"sub":0},{"id":1076,"title":"فصل إذا كثرت الفوائت عليه يتشاغل بالقضاء","lvl":2,"sub":0},{"id":1077,"title":"فصل نام في منزل في السفر فاستيقظ بعد خروج وقت الصلاة","lvl":2,"sub":0},{"id":1079,"title":"فصل قضاء الفوائت في جماعة","lvl":2,"sub":0},{"id":1080,"title":"فصل أسلم في دار الحرب فترك صلوات أو","lvl":2,"sub":0},{"id":1081,"title":"مسألة يؤدب الغلام على الطهارة والصلاة إذا تمت له عشر سنين","lvl":2,"sub":0},{"id":1083,"title":"فصل يعتبر لصلاة الصبي من الشروط ما يعتبر في صلاة البالغ","lvl":2,"sub":0},{"id":1084,"title":"مسألة سجود القرآن أربع عشرة سجدة","lvl":2,"sub":0},{"id":1088,"title":"فصل مواضع السجود في القرآن","lvl":2,"sub":0},{"id":1089,"title":"مسألة لا يسجد للتلاوة إلا وهو طاهر","lvl":2,"sub":0},{"id":1090,"title":"مسألة يكبر إذا سجد إذا سجد للتلاوة","lvl":2,"sub":0},{"id":1091,"title":"فصل يرفع يديه مع تكبيرة سجود التلاوة","lvl":2,"sub":0},{"id":1092,"title":"فصل يقول في سجوده للتلاوة ما يقول في سجود الصلاة","lvl":2,"sub":0},{"id":1093,"title":"مسألة التسليم في سجود التلاوة","lvl":2,"sub":0},{"id":1094,"title":"مسألة لا يسجد في الأوقات التي لا يجوز أن يصلي","lvl":2,"sub":0},{"id":1095,"title":"مسألة سجود التلاوة سنة مؤكدة","lvl":2,"sub":0},{"id":1096,"title":"فصل يسن السجود للتالي والمستمع","lvl":2,"sub":0},{"id":1097,"title":"فصل يشترط لسجود المستمع أن يكون التالي ممن يصلح أن","lvl":2,"sub":0},{"id":1099,"title":"فصل لا يقوم الركوع مقام سجود التلاوة","lvl":2,"sub":0},{"id":1100,"title":"فصل قرأ السجدة في الصلاة في آخر السورة","lvl":2,"sub":0},{"id":1101,"title":"فصل إذا كان على الراحلة في السفر جاز أن","lvl":2,"sub":0},{"id":1102,"title":"فصل يكره أن ينتزع الآيات التي فيها السجود فيقرأها ويسجد","lvl":2,"sub":0},{"id":1103,"title":"فصل قراءة السجدة في صلاة لا يجهر فيها","lvl":2,"sub":0},{"id":1104,"title":"فصل سجود الشكر عند تجدد النعم واندفاع النقم","lvl":2,"sub":0},{"id":1105,"title":"فصل لا يسجد للشكر وهو في الصلاة","lvl":2,"sub":0},{"id":1106,"title":"مسألة إذا حضرت الصلاة والعشاء بدأ بالعشاء","lvl":2,"sub":0},{"id":1108,"title":"مسألة إذا حضرت الصلاة وهو يحتاج إلى الخلاء","lvl":2,"sub":0},{"id":1111,"title":"فصل يعذر في تركهما من يخاف عليه النعاس حتى يفوتاه","lvl":2,"sub":0},{"id":1112,"title":"مسألة ترك ركنا من أركان وهو إمام أو منفرد","lvl":2,"sub":0},{"id":1115,"title":"مسألة سجود السهو","lvl":2,"sub":0},{"id":1118,"title":"فصل شروط صحة الصلاة","lvl":2,"sub":0},{"id":1119,"title":"فصل يستحب للمصلي أن ينظر إلى موضع سجوده","lvl":2,"sub":0},{"id":1120,"title":"فصل ترك شيئ من سنن الصلاة","lvl":2,"sub":0},{"id":1125,"title":"فصل عد الآي في الصلاة","lvl":2,"sub":0},{"id":1132,"title":"مسألة سلم وقد بقي عليه شيء من صلاته","lvl":2,"sub":0},{"id":1135,"title":"مسألة كان إماما فشك فلم يدر كم صلى","lvl":2,"sub":0},{"id":1139,"title":"فصل سها الإمام فأتى بفعل في غير موضعه","lvl":2,"sub":0},{"id":1143,"title":"مسألة سجود السهو قبل السلام أم بعده","lvl":2,"sub":0},{"id":1146,"title":"فصل شك في صلاته فلم يدر كم صلى","lvl":2,"sub":0},{"id":1147,"title":"فصل قام المصلي في موضع جلوس أو جلس في موضع","lvl":2,"sub":0},{"id":1150,"title":"فصل إذا علم المأمومون بتركه التشهد الأول قبل قيامهم وبعد قيام إمامهم","lvl":2,"sub":0},{"id":1152,"title":"فصل نسي التشهد دون الجلوس له","lvl":2,"sub":0},{"id":1155,"title":"فصل مضى المصلي في موضع يلزمه الرجوع أو رجع في","lvl":2,"sub":0},{"id":1156,"title":"فصل جلس المصلي في موضع قيام","lvl":2,"sub":0},{"id":1157,"title":"فصل الزيادات في الصلاة على ضربين زيادة","lvl":2,"sub":0},{"id":1159,"title":"فصل جلس في غير موضع التشهد قدر جلسة الاستراحة","lvl":2,"sub":0},{"id":1160,"title":"فصل جهر المصلي في موضع تخافت أو خافت","lvl":2,"sub":0},{"id":1161,"title":"فصل صلى خمسا في صلاة رباعية","lvl":2,"sub":0},{"id":1163,"title":"مسألة نسي أن عليه سجود سهو","lvl":2,"sub":0},{"id":1166,"title":"فصل نسي سجود السهو حتى طال الفصل","lvl":2,"sub":0},{"id":1167,"title":"فصل نسي السجود حتى شرع في صلاة أخرى","lvl":2,"sub":0},{"id":1168,"title":"فصل سجود السهو لما يبطل عمده الصلاة واجب","lvl":2,"sub":0},{"id":1170,"title":"مسألة نسي أربع سجدات من أربع ركعات","lvl":2,"sub":0},{"id":1172,"title":"فصل ترك المصلي ركنا ثم ذكره ولم يعلم موضعه","lvl":2,"sub":0},{"id":1173,"title":"فصل شك في ترك ركن من أركان الصلاة وهو","lvl":2,"sub":0},{"id":1174,"title":"فصل سها سهوين أو أكثر من جنس","lvl":2,"sub":0},{"id":1176,"title":"فصل أحرم منفردا فصلى ركعة ثم نوى","lvl":2,"sub":0},{"id":1177,"title":"مسألة ليس على المأموم سجود سهو","lvl":2,"sub":0},{"id":1179,"title":"فصل غير المسبوق إذا سها إمامه فلم يسجد فهل يسجد المأموم","lvl":2,"sub":0},{"id":1180,"title":"فصل قام المأموم لقضاء ما فاته فسجد إمامه بعد السلام","lvl":2,"sub":0},{"id":1181,"title":"فصل ليس على المسبوق ببعض الصلاة سجود لذلك","lvl":2,"sub":0},{"id":1182,"title":"فصل لا يشرع السجود لشيء فعله أو تركه عامدا","lvl":2,"sub":0},{"id":1183,"title":"فصل حكم النافلة حكم الفرض في سجود السهو","lvl":2,"sub":0},{"id":1184,"title":"فصل السجود للسهو في صلاة الجنازة","lvl":2,"sub":0},{"id":1185,"title":"مسألة الكلام عمدا أو سهوا يبطل الصلاة","lvl":2,"sub":0},{"id":1191,"title":"مسألة الإمام إذا تكلم لمصلحة الصلاة","lvl":2,"sub":0},{"id":1193,"title":"فصل الكلام المبطل للصلاة ما انتظم حرفين","lvl":2,"sub":0},{"id":1194,"title":"فصل النفخ في الصلاة","lvl":2,"sub":0},{"id":1195,"title":"فصل النحنحة إن بان منها حرفان بطلت الصلاة بها","lvl":2,"sub":0},{"id":1196,"title":"فصل البكاء والتأوه والأنين في الصلاة","lvl":2,"sub":0},{"id":1197,"title":"فصل أتى بذكر مشروع يقصد به تنبيه غيره في الصلاة","lvl":2,"sub":0},{"id":1199,"title":"فصل إذا أرتج على الإمام في الفاتحة","lvl":2,"sub":0},{"id":1204,"title":"فصل يكره أن يفتح من هو في الصلاة على من هو","lvl":2,"sub":0},{"id":1205,"title":"فصل إذا سلم على المصلي","lvl":2,"sub":0},{"id":1207,"title":"فصل دخل قوم على قوم وهم يصلون","lvl":2,"sub":0},{"id":1208,"title":"فصل إذا أكل أو شرب في الفريضة عامدا بطلت صلاته","lvl":2,"sub":0},{"id":1210,"title":"فصل إذا ترك في فيه ما يذوب كالسكر فذاب منه شيء","lvl":2,"sub":0},{"id":1211,"title":"مسألة إذا لم تكن ثيابه طاهرة وموضع صلاته طاهرا","lvl":2,"sub":0},{"id":1212,"title":"فصل طهارة موضع الصلاة","lvl":2,"sub":0},{"id":1213,"title":"فصل صلى ثم رأى عليه نجاسة في بدنه أو ثيابه","lvl":2,"sub":0},{"id":1215,"title":"فصل صلى على منديل طرفه نجس","lvl":2,"sub":0},{"id":1216,"title":"فصل إذا حمل في الصلاة حيوانا طاهرا أو صبيا","lvl":2,"sub":0},{"id":1217,"title":"مسألة الصلاة في المقبرة أوالحش أو الحمام أو في","lvl":2,"sub":0},{"id":1225,"title":"فصل بنى مسجدا في المقبرة بين القبور","lvl":2,"sub":0},{"id":1226,"title":"فصل لا تصح الفريضة في الكعبة ولا على ظهرها","lvl":2,"sub":0},{"id":1227,"title":"فصل الصلاة في الموضع المغصوب","lvl":2,"sub":0},{"id":1229,"title":"فصل الصلاة في أرض الخسف","lvl":2,"sub":0},{"id":1230,"title":"فصل الصلاة في الكنيسة النظيفة","lvl":2,"sub":0},{"id":1231,"title":"فصل حكم الصلاة على الأرض النجسة إذا بسط عليها شيء طاهر","lvl":2,"sub":0},{"id":1232,"title":"فصل تطيين المسجد بطين نجس","lvl":2,"sub":0},{"id":1233,"title":"فصل الصلاة على الحصير والبسط من الصوف والشعر والوبر","lvl":2,"sub":0},{"id":1234,"title":"مسألة صلى وفي ثوبه نجاسة","lvl":2,"sub":0},{"id":1240,"title":"فصل النجاسات المغلظة","lvl":2,"sub":0},{"id":1243,"title":"مسألة إذا خفي على المصلي موضع النجاسة","lvl":2,"sub":0},{"id":1244,"title":"فصل إن خفيت النجاسة في فضاء واسع صلى","lvl":2,"sub":0},{"id":1245,"title":"مسألة ما خرج من الإنسان أو البهيمة التي لا","lvl":2,"sub":0},{"id":1247,"title":"فصل رطوبة فرج المرأة","lvl":2,"sub":0},{"id":1248,"title":"فصل بول ما يؤكل لحمه وروثه طاهر","lvl":2,"sub":0},{"id":1250,"title":"فصل الخارج من غير السبيلين","lvl":2,"sub":0},{"id":1252,"title":"مسألة بول الغلام الذي لم يأكل الطعام","lvl":2,"sub":0},{"id":1254,"title":"مسألة المني طاهر","lvl":2,"sub":0},{"id":1257,"title":"مسألة البولة على الأرض يطهرها دلو من ماء","lvl":2,"sub":0},{"id":1259,"title":"فصل أصاب الأرض ماء المطر أو السيول فغمرها","lvl":2,"sub":0},{"id":1262,"title":"فصل المنفصل من غسالة النجاسة ينقسم إلى ثلاثة أقسام","lvl":2,"sub":0},{"id":1264,"title":"مسألة إذا نسي فصلى بهم جنبا","lvl":2,"sub":0},{"id":1266,"title":"فصل إذا علم بحدث نفسه في الصلاة أو علم المأمومون","lvl":2,"sub":0},{"id":1268,"title":"فصل إذا سبق الإمام الحدث","lvl":2,"sub":0},{"id":1272,"title":"فصل إذا استخلف من لا يدري كم صلى","lvl":2,"sub":0},{"id":1273,"title":"فصل من أجاز الاستخلاف فقد أجاز نقل الجماعة","lvl":2,"sub":0},{"id":1274,"title":"فصل إذا وجد المبطل في المأموم دون الإمام","lvl":2,"sub":0},{"id":1275,"title":"فصل رجلين أم أحدهما صاحبه فشم كل","lvl":2,"sub":0},{"id":1277,"title":"باب الساعات التي نهي عن الصلاة فيها","lvl":2,"sub":0},{"id":1279,"title":"مسألة قضاء الفرائض الفائتة في جميع أوقات النهي وغيرها","lvl":2,"sub":0},{"id":1281,"title":"فصل طلعت الشمس وهو في صلاة الصبح","lvl":2,"sub":0},{"id":1282,"title":"فصل فعل الصلاة المنذورة في وقت النهي","lvl":2,"sub":0},{"id":1283,"title":"مسألة يركع للطواف","lvl":2,"sub":0},{"id":1284,"title":"مسألة الصلاة على الجنازة في أوقات النهي","lvl":2,"sub":0},{"id":1286,"title":"مسألة كان في المسجد وأقيمت الصلاة وقد كان","lvl":2,"sub":0},{"id":1289,"title":"فصل إذا أعاد المغرب شفعها برابعة","lvl":2,"sub":0},{"id":1290,"title":"فصل أقيمت الصلاة وهو خارج من المسجد","lvl":2,"sub":0},{"id":1291,"title":"فصل إذا أعاد الصلاة","lvl":2,"sub":0},{"id":1293,"title":"مسألة الأوقات المنهي عن الصلاة فيها","lvl":2,"sub":0},{"id":1297,"title":"مسألة لا يبتدئ في أوقات النهي عن الصلاة بتطوع","lvl":2,"sub":0},{"id":1301,"title":"فصل قضاء سنة الفجر بعدها","lvl":2,"sub":0},{"id":1303,"title":"فصل قضاء السنن الراتبة بعد العصر","lvl":2,"sub":0},{"id":1304,"title":"فصل قضاء السنن في سائر أوقات النهي","lvl":2,"sub":0},{"id":1307,"title":"مسألة صلاة التطوع مثنى مثنى","lvl":2,"sub":0},{"id":1308,"title":"مسألة إن تطوع بأربع في النهار فلا بأس","lvl":2,"sub":0},{"id":1310,"title":"فصل التطوعات قسمان","lvl":2,"sub":0},{"id":1312,"title":"فصل الركعتين قبل الفجر","lvl":2,"sub":0},{"id":1313,"title":"فصل يستحب أن يضطجع بعد ركعتي الفجر على جنبه الأيمن","lvl":2,"sub":0},{"id":1314,"title":"فصل يقرأ في الركعتين بعد المغرب","lvl":2,"sub":0},{"id":1315,"title":"فعل السنن في البيت","lvl":2,"sub":0},{"id":1316,"title":"فصل كل سنة قبل الصلاة فوقتها من دخول وقتها","lvl":2,"sub":0},{"id":1318,"title":"فصل اختلف في أربع ركعات منها ركعتان قبل المغرب بعد","lvl":2,"sub":0},{"id":1323,"title":"فصل صلاة التسبيح","lvl":2,"sub":0},{"id":1324,"title":"فصل في صلاة الاستخارة","lvl":2,"sub":0},{"id":1325,"title":"فصل في صلاة الحاجة","lvl":2,"sub":0},{"id":1326,"title":"فصل في صلاة التوبة","lvl":2,"sub":0},{"id":1327,"title":"فصل يسن لمن دخل المسجد أن لا يجلس حتى يصلي","lvl":2,"sub":0},{"id":1328,"title":"فصل النوافل المطلقة","lvl":2,"sub":0},{"id":1329,"title":"فصل أفضل التهجد جوف الليل الآخر","lvl":2,"sub":0},{"id":1332,"title":"فصل يستحب أن يفتتح تهجده بركعتين خفيفتين","lvl":2,"sub":0},{"id":1334,"title":"فصل يستحب أن يقرأ المتهجد جزءا من القرآن في تهجده","lvl":2,"sub":0},{"id":1336,"title":"فصل كان له تهجد ففاته","lvl":2,"sub":0},{"id":1337,"title":"فصل التنفل بين المغرب والعشاء","lvl":2,"sub":0},{"id":1338,"title":"فصل ما ورد عن النبي تخفيفه أو تطويله فالأفضل اتباعه فيه","lvl":2,"sub":0},{"id":1339,"title":"فصل التطوع في البيت","lvl":2,"sub":0},{"id":1340,"title":"فصل يستحب أن يكون للإنسان تطوعات يداوم عليها","lvl":2,"sub":0},{"id":1341,"title":"فصل التطوع جماعة وفرادى","lvl":2,"sub":0},{"id":1342,"title":"مسألة يباح أن يتطوع جالسا","lvl":2,"sub":0},{"id":1343,"title":"مسألة يستحب للمتطوع جالسا أن يكون في حال","lvl":2,"sub":0},{"id":1346,"title":"فصل إن قدر على القيام للصلاة بأن يتكئ على عصى","lvl":2,"sub":0},{"id":1347,"title":"فصل إن قدر على القيام إلا أنه يكون على هيئة","lvl":2,"sub":0},{"id":1348,"title":"فصل قدر على القيام وعجز عن الركوع أو السجود","lvl":2,"sub":0},{"id":1349,"title":"فصل قدر المريض على الصلاة وحده قائما ولا يقدر","lvl":2,"sub":0},{"id":1350,"title":"مسألة عجز عن الصلاة قاعدا","lvl":2,"sub":0},{"id":1352,"title":"فصل إذا كان بعينه مرض لا يستطيع معه الصلاة مستلقيا","lvl":2,"sub":0},{"id":1354,"title":"فصل عجز عن الركوع والسجود","lvl":2,"sub":0},{"id":1356,"title":"فصل لم يقدر المصلي على الإيماء برأسه","lvl":2,"sub":0},{"id":1357,"title":"فصل إذا صلى جالسا فسجد سجدة وأومأ بالثانية","lvl":2,"sub":0},{"id":1358,"title":"فصل قدر المريض في أثناء الصلاة على ما","lvl":2,"sub":0},{"id":1359,"title":"مسألة الوتر ركعة","lvl":2,"sub":0},{"id":1361,"title":"مسألة القنوت مسنون في الوتر","lvl":2,"sub":0},{"id":1363,"title":"فصل القنوت بعد الركوع","lvl":2,"sub":0},{"id":1364,"title":"فصل الدعاء في قنوت الوتر","lvl":2,"sub":0},{"id":1366,"title":"فصل إذا أخذ الإمام في القنوت أمن من خلفه","lvl":2,"sub":0},{"id":1367,"title":"فصل لا يسن القنوت في الصبح ولا غيرها من الصلوات سوى الوتر","lvl":2,"sub":0},{"id":1370,"title":"مسألة يفصل ركعة الوتر بما قبلها","lvl":2,"sub":0},{"id":1374,"title":"فصل الوتر غير واجب","lvl":2,"sub":0},{"id":1377,"title":"فصل ترك الوتر عمدا","lvl":2,"sub":0},{"id":1378,"title":"فصل وقت الوتر","lvl":2,"sub":0},{"id":1379,"title":"فصل الأفضل التهجد في آخر الليل","lvl":2,"sub":0},{"id":1380,"title":"فصل أوتر من الليل ثم قام للتهجد","lvl":2,"sub":0},{"id":1381,"title":"فصل صلى مع الإمام وأحب متابعته","lvl":2,"sub":0},{"id":1382,"title":"فصل يستحب أن يقرأ في ركعات الوتر الثلاث","lvl":2,"sub":0},{"id":1383,"title":"فصل الوتر بركعة","lvl":2,"sub":0},{"id":1385,"title":"فصل يستحب أن يقول بعد وتره سبحان الملك القدوس ثلاثا","lvl":2,"sub":0},{"id":1386,"title":"مسألة قيام شهر رمضان عشرون ركعة","lvl":2,"sub":0},{"id":1389,"title":"فصل الجماعة في التراويح","lvl":2,"sub":0},{"id":1391,"title":"فصل يقرأ بالقوم في شهر رمضان ما يخف على الناس ولا يشق","lvl":2,"sub":0},{"id":1392,"title":"فصل يصلى مع الإمام ويوتر معه","lvl":2,"sub":0},{"id":1393,"title":"فصل التطوع بين التراويح","lvl":2,"sub":0},{"id":1394,"title":"فصل الصلاة بعد التراويح","lvl":2,"sub":0},{"id":1395,"title":"فصل في ختم القرآن في الصلاة","lvl":2,"sub":0},{"id":1396,"title":"فصل في قيام ليلة الشك","lvl":2,"sub":0},{"id":1397,"title":"فصل إذا قرأ قل أعوذ برب الناس هل يقرأ من البقرة","lvl":2,"sub":0},{"id":1398,"title":"فصل يستحب أن يجمع أهله عند ختم القرآن وغيرهم لحضور الدعاء","lvl":2,"sub":0},{"id":1399,"title":"فصل الإمام في شهر رمضان يدع الآيات من السورة","lvl":2,"sub":0},{"id":1400,"title":"فصل قراءة القرآن في الطريق والإنسان مضطجع","lvl":2,"sub":0},{"id":1401,"title":"فصل يستحب قراءة القرآن في كل سبعة أيام","lvl":2,"sub":0},{"id":1403,"title":"فصل القراءة بالألحان","lvl":2,"sub":0},{"id":1405,"title":"باب الإمامة وصلاة الجماعة","lvl":2,"sub":0},{"id":1407,"title":"فصل تنعقد الجماعة باثنين فصاعدا","lvl":2,"sub":0},{"id":1408,"title":"فصل فعل صلاة الجماعة في البيت والصحراء","lvl":2,"sub":0},{"id":1409,"title":"فصل فعل الصلاة فيما كثر فيه الجمع من المساجد","lvl":2,"sub":0},{"id":1410,"title":"فصل إعادة الجماعة في المسجد","lvl":2,"sub":0},{"id":1412,"title":"مسألة يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله تعالى","lvl":2,"sub":0},{"id":1417,"title":"مسألة صلى خلف من يعلن ببدعة أو يسكر","lvl":2,"sub":0},{"id":1424,"title":"فصل الصلاة خلف المخالفين في الفروع صحيحة غير مكروهة","lvl":2,"sub":0},{"id":1426,"title":"فصل الصلاة خلف مجنون","lvl":2,"sub":0},{"id":1427,"title":"فصل إذا أقيمت الصلاة والإنسان في المسجد والإمام ممن لا يصلح","lvl":2,"sub":0},{"id":1428,"title":"مسألة إمامة العبد والأعمى جائزة","lvl":2,"sub":0},{"id":1430,"title":"فصل إمامة الأخرس","lvl":2,"sub":0},{"id":1431,"title":"فصل إمامة الأصم","lvl":2,"sub":0},{"id":1432,"title":"فصل إمامة أقطع اليدين","lvl":2,"sub":0},{"id":1433,"title":"مسألة أم أمي أميا وقارئا","lvl":2,"sub":0},{"id":1437,"title":"مسألة الصلاة خلف مشرك أو امرأة أو خنثى مشكل .","lvl":2,"sub":0},{"id":1441,"title":"مسألة صلاة المرأة بالنساء","lvl":2,"sub":0},{"id":1443,"title":"فصل إذا أمت المرأة امرأة واحدة","lvl":2,"sub":0},{"id":1445,"title":"مسألة صاحب البيت أحق بالإمامة","lvl":2,"sub":0},{"id":1447,"title":"مسألة يأتم بالإمام من في أعلى المسجد وغير المسجد","lvl":2,"sub":0},{"id":1451,"title":"مسألة ارتفاع الإمام عن المأموم","lvl":2,"sub":0},{"id":1454,"title":"مسألة من صلى خلف الصف وحده أو قام بجنب الإمام عن يساره","lvl":2,"sub":0},{"id":1460,"title":"فصل إذا دخل المأموم فوجد في الصف فرجة","lvl":2,"sub":0},{"id":1461,"title":"فصل يصلي الإمام برجل قائم وقاعد ويتقدمهما","lvl":2,"sub":0},{"id":1462,"title":"فصل وقف معه كافر أو من لا تصح صلاته","lvl":2,"sub":0},{"id":1464,"title":"فصل الأحق بالوقوف بالصف الأول ومن يلي الإمام","lvl":2,"sub":0},{"id":1465,"title":"فصل خير صفوف الرجال","lvl":2,"sub":0},{"id":1466,"title":"فصل يستحب أن يقف الإمام في مقابلة وسط الصف","lvl":2,"sub":0},{"id":1467,"title":"مسألة إذا صلى إمام الحي جالسا صلى من وراءه","lvl":2,"sub":0},{"id":1471,"title":"مسألة ابتدأ الصلاة قائما ثم اعتل فجلس","lvl":2,"sub":0},{"id":1473,"title":"فصل يجوز للعاجز عن القيام أن يؤم مثله","lvl":2,"sub":0},{"id":1474,"title":"فصل لا يجوز لتارك ركن من الأفعال إمامة أحد","lvl":2,"sub":0},{"id":1475,"title":"فصل ائتمام المتوضئ بالمتيمم","lvl":2,"sub":0},{"id":1476,"title":"فصل صلاة المفترض خلف المتنفل","lvl":2,"sub":0},{"id":1479,"title":"فصل ائتمام البالغ بالصبي في الفرض","lvl":2,"sub":0},{"id":1481,"title":"فصل يؤم قوما أكثرهم له كارهون","lvl":2,"sub":0},{"id":1482,"title":"فصل إمامة الأعرابي","lvl":2,"sub":0},{"id":1483,"title":"فصل إمامة ولد الزنا","lvl":2,"sub":0},{"id":1484,"title":"فصل من شرط صحة الجماعة أن ينوي الإمام والمأموم حالهما","lvl":2,"sub":0},{"id":1485,"title":"فصل أحرم منفردا ثم جاء آخر فصلى معه فنوى","lvl":2,"sub":0},{"id":1487,"title":"فصل أحرم منفردا ثم نوى جعل نفسه مأموما","lvl":2,"sub":0},{"id":1488,"title":"فصل أحرم مأموما ثم نوى مفارقة الإمام وإتمامها","lvl":2,"sub":0},{"id":1489,"title":"فصل أحرم مأموما ثم صار إماما أو نقل نفسه","lvl":2,"sub":0},{"id":1490,"title":"مسألة أدرك الإمام راكعا فركع دون الصف ثم مشى حتى","lvl":2,"sub":0},{"id":1493,"title":"فصل أحس الإمام بداخل وهو في الركوع يريد الصلاة معه","lvl":2,"sub":0},{"id":1495,"title":"مسألة سترة الإمام سترة لمن خلفه","lvl":2,"sub":0},{"id":1497,"title":"فصل قدر السترة للمصلي","lvl":2,"sub":0},{"id":1498,"title":"فصل يستحب للمصلي أن يدنو من سترته","lvl":2,"sub":0},{"id":1500,"title":"فصل لا بأس أن يستتر المصلي ببعير أو حيوان","lvl":2,"sub":0},{"id":1501,"title":"فصل لم يجد المصلي سترة","lvl":2,"sub":0},{"id":1503,"title":"فصل إذا صلى إلى عود أو عمود أو شيء في معناهما","lvl":2,"sub":0},{"id":1504,"title":"فصل الصلاة إلى المتحدثين والنائم","lvl":2,"sub":0},{"id":1505,"title":"فصل الصلاة مستقبلا وجه إنسان","lvl":2,"sub":0},{"id":1507,"title":"فصل الصلاة وأمامه امرأة تصلي","lvl":2,"sub":0},{"id":1508,"title":"فصل لا بأس أن يصلي بمكة إلى غير سترة","lvl":2,"sub":0},{"id":1510,"title":"مسألة من مر بين يدي المصلي فليردده","lvl":2,"sub":0},{"id":1513,"title":"فصل العمل اليسير في الصلاة","lvl":2,"sub":0},{"id":1516,"title":"مسألة لا يقطع الصلاة إلا الكلب الأسود البهيم","lvl":2,"sub":0},{"id":1519,"title":"فصل لا فرق في بطلان الصلاة بين الفرض والتطوع","lvl":2,"sub":0},{"id":1520,"title":"فصل مرور الكلب الأسود البهيم بين يدي المصلي","lvl":2,"sub":0},{"id":1521,"title":"فصل صلى إلى سترة فمر من ورائها ما","lvl":2,"sub":0},{"id":1523,"title":"فصل صلى إلى سترة مغصوبة فاجتاز وراءها كلب","lvl":2,"sub":0},{"id":1524,"title":"باب صلاة المسافر","lvl":2,"sub":0},{"id":1525,"title":"مسألة مسافة القصر في السفر","lvl":2,"sub":0},{"id":1529,"title":"فصل الاعتبار بالنية لا بالفعل فيعتبر أن ينوي مسافة تبيح القصر","lvl":2,"sub":0},{"id":1530,"title":"فصل كان لمقصده طريقان يباح القصر في أحدهما","lvl":2,"sub":0},{"id":1531,"title":"فصل صلاة المسافر إذا خرج مكرها","lvl":2,"sub":0},{"id":1532,"title":"مسألة ليس لمن نوى السفر القصر حتى يخرج من بيوت قريته","lvl":2,"sub":0},{"id":1535,"title":"مسألة الرخص المختصة بالسفر من القصر والجمع","lvl":2,"sub":0},{"id":1537,"title":"فصل لا تباح الرخص في سفر المعصية","lvl":2,"sub":0},{"id":1539,"title":"فصل حكم القصر إذا كان السفر مباحا فغير نيته إلى المعصية","lvl":2,"sub":0},{"id":1540,"title":"فصل في سفر التنزه والتفرج روايتان إحداهما تبيح الترخص","lvl":2,"sub":0},{"id":1541,"title":"فصل حكم القصر إذا سافر لزيارة القبور والمشاهد","lvl":2,"sub":0},{"id":1542,"title":"فصل الملاح هل يقصر في السفينة","lvl":2,"sub":0},{"id":1544,"title":"مسألة لم ينو القصر في وقت دخوله إلى الصلاة","lvl":2,"sub":0},{"id":1545,"title":"فصل نوى القصر ثم نوى الإتمام","lvl":2,"sub":0},{"id":1546,"title":"فصل إذا قصر المسافر معتقدا لتحريم القصر","lvl":2,"sub":0},{"id":1547,"title":"مسألة الصبح والمغرب لا يقصران","lvl":2,"sub":0},{"id":1548,"title":"مسألة للمسافر أن يتم ويقصر كما له أن يصوم ويفطر","lvl":2,"sub":0},{"id":1553,"title":"فصل في جمع الصلاة","lvl":2,"sub":0},{"id":1554,"title":"مسألة دخل وقت الظهر على مسافر وهو يريد أن يرتحل","lvl":2,"sub":0},{"id":1562,"title":"فصل حكم الوحل بمجرده في جمع الصلاة","lvl":2,"sub":0},{"id":1563,"title":"فصل جمع الصلاة مع الريح الشديدة في الليلة المظلمة الباردة","lvl":2,"sub":0},{"id":1564,"title":"فصل هل يجوز جمع لمنفرد","lvl":2,"sub":0},{"id":1565,"title":"فصل جمع الصلاة لأجل المرض","lvl":2,"sub":0},{"id":1566,"title":"فصل المرض المبيح لجمع الصلاة","lvl":2,"sub":0},{"id":1567,"title":"فصل المريض مخير في التقديم والتأخير كالمسافر في جمع","lvl":2,"sub":0},{"id":1568,"title":"فصل الجمع لغير عذر","lvl":2,"sub":0},{"id":1569,"title":"فصل من شرط جواز الجمع","lvl":2,"sub":0},{"id":1570,"title":"فصل فإن جمع في وقت الأولى اعتبرت المواصلة","lvl":2,"sub":0},{"id":1571,"title":"فصل متى جمع في وقت الأولى اعتبر وجود العذر المبيح","lvl":2,"sub":0},{"id":1573,"title":"فصل أتم الصلاتين في وقت الأولى ثم","lvl":2,"sub":0},{"id":1574,"title":"فصل إذا جمع في وقت الأولى فله أن يصلي سنة","lvl":2,"sub":0},{"id":1575,"title":"فصل صلى إحدى صلاتي الجمع مع إمام وصلى الثانية مع","lvl":2,"sub":0},{"id":1576,"title":"مسألة قال نسي صلاة حضر فذكرها في السفر","lvl":2,"sub":0},{"id":1577,"title":"فصل نسي صلاة في سفر ثم ذكرها فيه","lvl":2,"sub":0},{"id":1578,"title":"فصل سافر بعد دخول وقت الصلاة","lvl":2,"sub":0},{"id":1579,"title":"مسألة دخل الصلاة مع مقيم وهو مسافر","lvl":2,"sub":0},{"id":1581,"title":"فصل أحرم المسافر خلف مقيم","lvl":2,"sub":0},{"id":1582,"title":"فصل صلى المسافر صلاة الخوف بمسافرين","lvl":2,"sub":0},{"id":1583,"title":"مسألة صلاة المسافر والمقيم خلف مسافر","lvl":2,"sub":0},{"id":1584,"title":"فصل يستحب للإمام إذا صلى بمقيمين أن يقول لهم عقيب","lvl":2,"sub":0},{"id":1585,"title":"فصل أم المسافر المقيمين فأتم بهم الصلاة","lvl":2,"sub":0},{"id":1586,"title":"فصل أم المسافر مسافرين فنسي فصلاها تامة","lvl":2,"sub":0},{"id":1587,"title":"مسألة نوى المسافر الإقامة في بلد","lvl":2,"sub":0},{"id":1590,"title":"فصل قصد بلدا بعينه فوصله غير عازم على الإقامة","lvl":2,"sub":0},{"id":1591,"title":"فصل مر في طريقه على بلد له فيه أهل أو مال","lvl":2,"sub":0},{"id":1592,"title":"فصل كان مقيما بمكة ثم خرج إلى الحج وهو يريد","lvl":2,"sub":0},{"id":1593,"title":"فصل خرج المسافر فذكر حاجة فرجع إليها هل يقصر","lvl":2,"sub":0},{"id":1594,"title":"مسألة قال اليوم أخرج وغدا أخرج قصر","lvl":2,"sub":0},{"id":1596,"title":"فصل عزم على إقامة طويلة في رستاق يتنقل","lvl":2,"sub":0},{"id":1597,"title":"فصل دخل بلدا فقال إن لقيت فلانا أقمت","lvl":2,"sub":0},{"id":1598,"title":"فصل لا بأس بالتطوع نازلا وسائرا على الراحلة","lvl":2,"sub":0},{"id":1600,"title":"كتاب صلاة الجمعة","lvl":2,"sub":0},{"id":1602,"title":"مسألة إذا زالت الشمس يوم الجمعة صعد الإمام على المنبر","lvl":2,"sub":0},{"id":1604,"title":"مسألة إذا استقبل الإمام الناس سلم عليهم وردوا عليه وجلس","lvl":2,"sub":0},{"id":1605,"title":"مسألة إذا أخذ المؤذنون في الأذان يوم الجمعة","lvl":2,"sub":0},{"id":1607,"title":"فصل تحريم البيع ووجوب السعي يختص بالمخاطبين بالجمعة","lvl":2,"sub":0},{"id":1608,"title":"فصل لا يحرم غير البيع من العقود","lvl":2,"sub":0},{"id":1609,"title":"فصل للسعي إلى الجمعة وقتان","lvl":2,"sub":0},{"id":1612,"title":"فصل المستحب أن يمشي ولا يركب في طريقه إلى الجمعة","lvl":2,"sub":0},{"id":1613,"title":"فصل تجب الجمعة والسعي إليها سواء كان من يقيمها","lvl":2,"sub":0},{"id":1615,"title":"مسألة إذا فرغوا من الأذان خطبهم قائما","lvl":2,"sub":0},{"id":1617,"title":"فصل يستحب أن يستقبل الناس الخطيب إذا خطب","lvl":2,"sub":0},{"id":1618,"title":"مسألة حمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي وجلس","lvl":2,"sub":0},{"id":1622,"title":"فصل يستحب أن يجلس بين الخطبتين جلسة خفيفة","lvl":2,"sub":0},{"id":1623,"title":"فصل السنة أن يخطب متطهرا","lvl":2,"sub":0},{"id":1624,"title":"فصل السنة أن يتولى الصلاة من يتولى الخطبة","lvl":2,"sub":0},{"id":1625,"title":"فصل سنن الخطبة","lvl":2,"sub":0},{"id":1627,"title":"فصل قراءة سورة الحج على المنبر","lvl":2,"sub":0},{"id":1628,"title":"فصل قراءة السجدة في أثناء الخطبة","lvl":2,"sub":0},{"id":1629,"title":"فصل الموالاة شرط في صحة الخطبة","lvl":2,"sub":0},{"id":1630,"title":"فصل يستحب للخطيب أن يدعو للمؤمنين والمؤمنات ولنفسه والحاضرين","lvl":2,"sub":0},{"id":1631,"title":"مسألة يصلي بهم الجمعة ركعتين يقرأ في كل ركعة","lvl":2,"sub":0},{"id":1633,"title":"مسألة أدرك مع الإمام ركعة بسجدتيها يوم الجمعة","lvl":2,"sub":0},{"id":1634,"title":"مسألة أدرك مع الإمام أقل من ركعة يوم الجمعة","lvl":2,"sub":0},{"id":1635,"title":"فصل أدرك الركوع يوم الجمعة ثم فاتته السجدتان أو","lvl":2,"sub":0},{"id":1636,"title":"فصل المزحوم إذا سجد على ظهر إنسان أو قدمه","lvl":2,"sub":0},{"id":1637,"title":"فصل إذا زحم في إحدى الركعتين يوم الجمعة","lvl":2,"sub":0},{"id":1640,"title":"فصل ركع مع الإمام ركعة فلما قام ليقضي الأخرى ذكر","lvl":2,"sub":0},{"id":1641,"title":"فصل أدرك مع الإمام ما لا يتم به جمعة","lvl":2,"sub":0},{"id":1642,"title":"فصل صلى الإمام الجمعة قبل الزوال فأدرك المأموم معه","lvl":2,"sub":0},{"id":1643,"title":"فصل صلى مع الإمام ركعة ثم زحم في الثانية","lvl":2,"sub":0},{"id":1644,"title":"مسألة متى دخل وقت العصر وقد صلوا ركعة","lvl":2,"sub":0},{"id":1646,"title":"فصل أدرك من الوقت ما يمكنه أن يخطب ثم يصلي","lvl":2,"sub":0},{"id":1647,"title":"مسألة دخل والإمام يخطب","lvl":2,"sub":0},{"id":1648,"title":"فصل ينقطع التطوع بجلوس الإمام على المنبر","lvl":2,"sub":0},{"id":1649,"title":"فصل الإنصات من حين يأخذ الإمام في الخطبة","lvl":2,"sub":0},{"id":1653,"title":"فصل لا يحرم الكلام على الخطيب ولا على من سأله الخطيب","lvl":2,"sub":0},{"id":1654,"title":"فصل إذا سمع الإنسان يوم الجمعة متكلما لم ينهه بالكلام","lvl":2,"sub":0},{"id":1655,"title":"فصل الكلام الواجب كتحذير الضرير من البئر","lvl":2,"sub":0},{"id":1657,"title":"فصل الكلام قبل شروعه في الخطبة وبعد فراغه منها","lvl":2,"sub":0},{"id":1658,"title":"فصل الكلام في الجلسة بين الخطبتين","lvl":2,"sub":0},{"id":1659,"title":"فصل إذا بلغ الخطيب إلى الدعاء فهل يسوغ الكلام","lvl":2,"sub":0},{"id":1660,"title":"فصل العبث والإمام يخطب","lvl":2,"sub":0},{"id":1661,"title":"فصل لا تتصدق على السؤال والإمام يخطب","lvl":2,"sub":0},{"id":1662,"title":"فصل الاحتباء والإمام يخطب","lvl":2,"sub":0},{"id":1663,"title":"مسألة إذا لم يكن في القرية أربعون رجلا عقلاء لم تجب","lvl":2,"sub":0},{"id":1669,"title":"فصل لا يشترط للجمعة المصر","lvl":2,"sub":0},{"id":1671,"title":"مسألة صلوا جمعة مع اختلال بعض شروطها","lvl":2,"sub":0},{"id":1674,"title":"مسألة إذا كان البلد كبيرا يحتاج إلى جوامع فصلاة الجمعة","lvl":2,"sub":0},{"id":1679,"title":"مسألة لا جمعة على مسافر ولا عبد ولا امرأة","lvl":2,"sub":0},{"id":1684,"title":"مسألة من صلى الظهر يوم الجمعة ممن عليه حضور الجمعة","lvl":2,"sub":0},{"id":1688,"title":"مسألة يستحب لمن أتى الجمعة أن يغتسل","lvl":2,"sub":0},{"id":1692,"title":"فصل يستحب أن يلبس ثوبين نظيفين للجمعة","lvl":2,"sub":0},{"id":1693,"title":"فصل من آداب يوم الجمعة التطيب والسواك","lvl":2,"sub":0},{"id":1694,"title":"فصل إذا أتى المسجد كره له أن يتخطى رقاب الناس","lvl":2,"sub":0},{"id":1695,"title":"فصل رأى فرجة لا يصل إليها إلا بالتخطي","lvl":2,"sub":0},{"id":1696,"title":"فصل إذا جلس في مكان ثم بدت له حاجة أو احتاج إلى","lvl":2,"sub":0},{"id":1698,"title":"فصل إن فرش مصلى له في مكان","lvl":2,"sub":0},{"id":1699,"title":"فصل يستحب الدنو من الإمام يوم الجمعة","lvl":2,"sub":0},{"id":1700,"title":"فصل الصلاة في المقصورة","lvl":2,"sub":0},{"id":1701,"title":"فصل يستحب لمن نعس يوم الجمعة أن يتحول عن موضعه","lvl":2,"sub":0},{"id":1702,"title":"فصل الإكثار من الصلاة على رسول الله صلى الله","lvl":2,"sub":0},{"id":1703,"title":"فصل قراءة الكهف يوم الجمعة","lvl":2,"sub":0},{"id":1704,"title":"فصل الإكثار من الدعاء يوم الجمعة .","lvl":2,"sub":0},{"id":1706,"title":"مسألة صلوا الجمعة قبل الزوال في الساعة السادسة","lvl":2,"sub":0},{"id":1709,"title":"فصل اتفق عيد في يوم جمعة","lvl":2,"sub":0},{"id":1711,"title":"مسألة تجب الجمعة على من بينه وبين الجامع فرسخ","lvl":2,"sub":0},{"id":1715,"title":"فصل صلاة الجمعة بأقل من الأربعين","lvl":2,"sub":0},{"id":1716,"title":"فصل من تجب عليه الجمعة لا يجوز له السفر بعد دخول وقتها","lvl":2,"sub":0},{"id":1718,"title":"فصل إن شاء صلى بعد الجمعة ركعتين وإن","lvl":2,"sub":0},{"id":1719,"title":"فصل الصلاة قبل الجمعة","lvl":2,"sub":0},{"id":1720,"title":"فصل إذا كانوا يقرءون الكتاب يوم الجمعة على الناس بعد","lvl":2,"sub":0},{"id":1721,"title":"فصل ما يقرأ في صلاة الصبح يوم الجمعة","lvl":2,"sub":0},{"id":1722,"title":"باب صلاة العيدين","lvl":2,"sub":0},{"id":1724,"title":"مسألة إظهار التكبير في ليالي العيدين","lvl":2,"sub":0},{"id":1726,"title":"مسألة يستحب أن يتطهر بالغسل للعيد","lvl":2,"sub":0},{"id":1728,"title":"مسألة السنة أن يأكل في الفطر قبل الصلاة ولا يأكل في","lvl":2,"sub":0},{"id":1729,"title":"مسألة السنة أن يصلي العيد في المصلى","lvl":2,"sub":0},{"id":1730,"title":"فصل يستحب للإمام إذا خرج أن يخلف من يصلي بضعفة","lvl":2,"sub":0},{"id":1731,"title":"فصل يستحب التبكير إلى العيد بعد صلاة الصبح إلا الإمام","lvl":2,"sub":0},{"id":1732,"title":"فصل يستحب أن يخرج إلى العيد ماشيا وعليه السكينة والوقار","lvl":2,"sub":0},{"id":1734,"title":"فصل خروج النساء يوم العيد إلى المصلى","lvl":2,"sub":0},{"id":1736,"title":"مسألة صلاة العيد مع الإمام ركعتان","lvl":2,"sub":0},{"id":1739,"title":"مسألة لا أذان ولا إقامة لصلاة العيد","lvl":2,"sub":0},{"id":1743,"title":"مسألة يكبر في الأولى سبع تكبيرات منها تكبيرة الافتتاح","lvl":2,"sub":0},{"id":1745,"title":"مسألة كيفية صلاة العيد","lvl":2,"sub":0},{"id":1749,"title":"مسألة إذا سلم خطب بهم خطبتين يجلس بينهما","lvl":2,"sub":0},{"id":1753,"title":"مسألة لا يتنفل قبل صلاة العيد ولا بعدها","lvl":2,"sub":0},{"id":1755,"title":"فصل رجل يصلي صلاة في وقت العيد","lvl":2,"sub":0},{"id":1756,"title":"مسألة الرجوع في غير الطريق التي غدا منها في صلاة","lvl":2,"sub":0},{"id":1757,"title":"مسألة فاتته صلاة العيد","lvl":2,"sub":0},{"id":1759,"title":"فصل لم يعلم بيوم العيد إلا بعد زوال الشمس","lvl":2,"sub":0},{"id":1760,"title":"فصل فاتته صلاة العيد حتى زالت الشمس وأحب","lvl":2,"sub":0},{"id":1761,"title":"فصل شرط صلاة العيدين الاستيطان","lvl":2,"sub":0},{"id":1762,"title":"مسألة التكبير يوم عرفة","lvl":2,"sub":0},{"id":1765,"title":"فصل صفة تكبير العيدين","lvl":2,"sub":0},{"id":1766,"title":"مسألة التكبير عقيب الفرائض في العيدين","lvl":2,"sub":0},{"id":1767,"title":"فصل النساء يكبرن في الجماعة في العيدين","lvl":2,"sub":0},{"id":1768,"title":"فصل المسبوق ببعض الصلاة يكبر إذا فرغ من قضاء ما فاته في","lvl":2,"sub":0},{"id":1769,"title":"فصل فاتته صلاة من أيام التشريق فقضاها","lvl":2,"sub":0},{"id":1770,"title":"فصل يكبر مستقبل القبلة للعيدين","lvl":2,"sub":0},{"id":1772,"title":"فصل التكبير في غير أدبار الصلوات","lvl":2,"sub":0},{"id":1773,"title":"فصل قول الناس في العيدين تقبل الله منا ومنكم","lvl":2,"sub":0},{"id":1774,"title":"فصل لا بأس بالتعريف عشية عرفة بالأمصار بمقدم العيد","lvl":2,"sub":0},{"id":1775,"title":"كتاب صلاة الخوف","lvl":2,"sub":0},{"id":1778,"title":"مسألة صلاة الخوف إذا كان بإزاء العدو وهو في","lvl":2,"sub":0},{"id":1784,"title":"فصل صلوا الجمعة صلاة الخوف","lvl":2,"sub":0},{"id":1785,"title":"فصل الطائفة الأولى في حكم الائتمام في صلاة","lvl":2,"sub":0},{"id":1786,"title":"مسألة خاف وهو مقيم أن يصلي","lvl":2,"sub":0},{"id":1788,"title":"فصل الرواية فيما يقضيه المسبوق في صلاة الخوف","lvl":2,"sub":0},{"id":1790,"title":"فصل أدرك ركعة من المغرب أو الرباعية في صلاة الخوف","lvl":2,"sub":0},{"id":1794,"title":"مسألة كانت الصلاة مغربا في صلاة الخوف","lvl":2,"sub":0},{"id":1795,"title":"فصل يستحب أن يحمل السلاح في صلاة الخوف","lvl":2,"sub":0},{"id":1796,"title":"فصل يصلي صلاة الخوف على كل صفة صلاها رسول الله","lvl":2,"sub":0},{"id":1801,"title":"فصل صلى بهم صلاة الخوف من غير خوف","lvl":2,"sub":0},{"id":1802,"title":"مسألة كان الخوف شديدا وهم في حال المسايفة","lvl":2,"sub":0},{"id":1807,"title":"مسألة أمن وهو في الصلاة الخوف","lvl":2,"sub":0},{"id":1808,"title":"مسألة مشروعية صلاة الكسوف","lvl":2,"sub":0},{"id":1810,"title":"مسألة المستحب في صلاة الكسوف","lvl":2,"sub":0},{"id":1817,"title":"فصل صلاة الكسوف سنة","lvl":2,"sub":0},{"id":1818,"title":"فصل اجتمع صلاتان كالكسوف مع غيره","lvl":2,"sub":0},{"id":1819,"title":"فصل أدرك المأموم الإمام في الركوع الثاني في صلاة الكسوف","lvl":2,"sub":0},{"id":1820,"title":"مسألة إذا كان الكسوف في غير وقت الصلاة","lvl":2,"sub":0},{"id":1821,"title":"فصل يصلي للزلزلة كصلاة الكسوف","lvl":2,"sub":0},{"id":1822,"title":"باب صلاة الاستسقاء","lvl":2,"sub":0},{"id":1824,"title":"مسألة صفة صلاة الاستسقاء","lvl":2,"sub":0},{"id":1826,"title":"فصل ليس لصلاة الاستسقاء أذان ولا إقامة","lvl":2,"sub":0},{"id":1827,"title":"فصل ليس لصلاة الاستسقاء وقت","lvl":2,"sub":0},{"id":1828,"title":"مسألة في صلاة الاستسقاء خطبة","lvl":2,"sub":0},{"id":1830,"title":"مسألة للخطيب استقبال القبلة في أثناء الخطبة لصلاة الاستسقاء","lvl":2,"sub":0},{"id":1833,"title":"فصل رفع الأيدي في دعاء الاستسقاء","lvl":2,"sub":0},{"id":1834,"title":"مسألة يدعو ويدعون ويكثرون في دعائهم الاستغفار في صلاة","lvl":2,"sub":0},{"id":1838,"title":"فصل شرط صلاة الاستسقاء","lvl":2,"sub":0},{"id":1839,"title":"فصل يستسقي بمن ظهر صلاحه","lvl":2,"sub":0},{"id":1840,"title":"مسألة كم مرة يخرجون للاستسقاء","lvl":2,"sub":0},{"id":1841,"title":"فصل الدعاء عند نزول الغيث","lvl":2,"sub":0},{"id":1842,"title":"فصل يستحب أن يقف في أول المطر ويخرج رحله ليصيبه","lvl":2,"sub":0},{"id":1843,"title":"فصل يستحب أن يستسقوا عقيب صلواتهم","lvl":2,"sub":0},{"id":1844,"title":"فصل كثر المطر بعد طلب الاستسقاء","lvl":2,"sub":0},{"id":1845,"title":"مسألة خرج أهل الذمة لصلاة الاستسقاء مع المسلمين","lvl":2,"sub":0},{"id":1846,"title":"مسألة ترك الصلاة وهو بالغ عاقل جاحدا","lvl":2,"sub":0},{"id":1853,"title":"فصل ترك شرطا مجمعا على صحته أو ركنا كالطهارة والركوع","lvl":2,"sub":0},{"id":1854,"title":"كتاب الجنائز","lvl":2,"sub":0},{"id":1855,"title":"فصل عيادة المريض","lvl":2,"sub":0},{"id":1856,"title":"فصل يستحب أن يلي المريض مرض الموت أرفق أهله به","lvl":2,"sub":0},{"id":1858,"title":"مسألة التوجيه إلى القبلة للمريض مرض الموت","lvl":2,"sub":0},{"id":1860,"title":"فصل المسارعة إلى تجهيزه إذا تيقن موته","lvl":2,"sub":0},{"id":1861,"title":"فصل يسارع في قضاء دين الميت","lvl":2,"sub":0},{"id":1862,"title":"فصل خلع ثياب الميت","lvl":2,"sub":0},{"id":1863,"title":"مسألة تجريد الميت عند غسله وستر عورته بمئزر","lvl":2,"sub":0},{"id":1865,"title":"مسألة يستحب أن يغسل الميت في بيت ولا يحضره إلا من","lvl":2,"sub":0},{"id":1867,"title":"فصل ينبغي للغاسل ولمن حضر إذا رأى من الميت شيئا التحدث","lvl":2,"sub":0},{"id":1868,"title":"مسألة كيفية غسل الميت","lvl":2,"sub":0},{"id":1870,"title":"مسألة يوضئ الميت وضوءه للصلاة ولا يدخل الماء في فيه ولا","lvl":2,"sub":0},{"id":1871,"title":"مسألة يبدأ في غسل الميت بميامنه ويقلبه على جنبيه ليعم","lvl":2,"sub":0},{"id":1872,"title":"مسألة الميت يغسل بماء وسدر","lvl":2,"sub":0},{"id":1874,"title":"مسألة الرفق بالميت في تقليبه وعرك أعضائه","lvl":2,"sub":0},{"id":1875,"title":"مسألة الماء الحار والأشنان والخلال يستعمل إن احتيج إليه في","lvl":2,"sub":0},{"id":1876,"title":"مسألة يغسل الميت المرة الثالثة بماء فيه كافور وسدر","lvl":2,"sub":0},{"id":1878,"title":"مسألة خرجت نجاسة من قبل الميت أو دبره وهو على مغتسله","lvl":2,"sub":0},{"id":1879,"title":"مسألة إذا خرجت من الميت نجاسة بعد السبع لم يعد إلى الغسل","lvl":2,"sub":0},{"id":1880,"title":"فصل الحائض والجنب إذا ماتا كغيرهما في الغسل","lvl":2,"sub":0},{"id":1881,"title":"فصل الواجب في غسل الميت","lvl":2,"sub":0},{"id":1882,"title":"مسألة إذا فرغ الغاسل من غسل الميت نشفه بثوب","lvl":2,"sub":0},{"id":1883,"title":"مسألة يكفن الرجل في ثلاث لفائف بيض","lvl":2,"sub":0},{"id":1885,"title":"فصل الزيادة على ثلاثة أثواب في الكفن","lvl":2,"sub":0},{"id":1887,"title":"مسألة التكفين في القميص والمئزر واللفافة","lvl":2,"sub":0},{"id":1888,"title":"فصل يتخذ الرجل كفنه يصلي فيه أياما","lvl":2,"sub":0},{"id":1889,"title":"فصل التكفين في ثوبين","lvl":2,"sub":0},{"id":1890,"title":"فصل يكفن الصبي في خرقة","lvl":2,"sub":0},{"id":1891,"title":"فصل لم يوجد ثوبا يستر جميع الميت","lvl":2,"sub":0},{"id":1892,"title":"مسألة يتبع مغابن الميت ومرافقه بالمسك","lvl":2,"sub":0},{"id":1893,"title":"مسألة خروج شيء يسير منه بعد وضعه في أكفانه","lvl":2,"sub":0},{"id":1894,"title":"مسألة أحب أهل الميت أن يروه","lvl":2,"sub":0},{"id":1895,"title":"مسألة تكفن المرأة في خمسة أثواب","lvl":2,"sub":0},{"id":1897,"title":"فصل في كم تكفن الجارية إذا لم تبلغ","lvl":2,"sub":0},{"id":1898,"title":"فصل تكفين المرأة بالحرير","lvl":2,"sub":0},{"id":1899,"title":"مسألة يضفر شعر الميتة ثلاثة قرون ويسدل من خلفها","lvl":2,"sub":0},{"id":1900,"title":"مسألة الإسراع بالجنازة","lvl":2,"sub":0},{"id":1902,"title":"فصل اتباع الجنائز","lvl":2,"sub":0},{"id":1903,"title":"مسألة فصل الماشي خلف الجنازة","lvl":2,"sub":0},{"id":1905,"title":"فصل الركوب في اتباع الجنائز","lvl":2,"sub":0},{"id":1906,"title":"فصل رفع الصوت عند الجنازة","lvl":2,"sub":0},{"id":1907,"title":"فصل مس الجنازة بالأيدي والأكمام والمناديل","lvl":2,"sub":0},{"id":1908,"title":"فصل اتباع الميت بنار","lvl":2,"sub":0},{"id":1909,"title":"فصل اتباع النساء الجنائز","lvl":2,"sub":0},{"id":1910,"title":"فصل كان مع الجنازة منكر يراه أو يسمعه","lvl":2,"sub":0},{"id":1911,"title":"مسألة حمل الميت","lvl":2,"sub":0},{"id":1913,"title":"فصل إذا مرت به جنازة لم يستحب له القيام لها","lvl":2,"sub":0},{"id":1914,"title":"فصل من يتبع الجنازة استحب له أن لا يجلس حتى توضع","lvl":2,"sub":0},{"id":1915,"title":"مسألة أحق الناس بالصلاة على الميت","lvl":2,"sub":0},{"id":1917,"title":"مسألة تقديم الأمير على الأقارب في الصلاة على الميت","lvl":2,"sub":0},{"id":1918,"title":"مسألة أولى الناس في الصلاة على الميت","lvl":2,"sub":0},{"id":1919,"title":"فصل اجتمع زوج المرأة الميتة وعصبتها في الصلاة عليها","lvl":2,"sub":0},{"id":1920,"title":"فصل اجتمع أخ من الأبوين وأخ من","lvl":2,"sub":0},{"id":1921,"title":"فصل استوى وليان في درجة واحدة في الصلاة","lvl":2,"sub":0},{"id":1922,"title":"فصل ومن قدمه الولي فهو بمنزلته في الصلاة على الميت","lvl":2,"sub":0},{"id":1923,"title":"فصل الحر البعيد أولى من العبد القريب في الصلاة","lvl":2,"sub":0},{"id":1924,"title":"فصل اجتمع جنائز فتشاح أولياؤهم في من يتقدم","lvl":2,"sub":0},{"id":1925,"title":"مسألة كيفية صلاة الجنازة","lvl":2,"sub":0},{"id":1927,"title":"فصل يسر القراءة والدعاء في صلاة الجنازة","lvl":2,"sub":0},{"id":1928,"title":"مسألة يكبر الثانية ويصلي على النبي في صلاة الجنازة","lvl":2,"sub":0},{"id":1929,"title":"مسألة يكبر الثالثة ويدعو لنفسه ولوالديه وللمسلمين ويدعو للميت","lvl":2,"sub":0},{"id":1933,"title":"مسألة يكبر الرابعة ويقف قليلا في صلاة الجنازة","lvl":2,"sub":0},{"id":1934,"title":"مسألة يرفع يديه في كل تكبيرة في صلاة الجنازة","lvl":2,"sub":0},{"id":1935,"title":"مسألة يسلم على الجنازة تسليمة واحدة","lvl":2,"sub":0},{"id":1937,"title":"فصل لا تنقض الصفوف حتى ترفع الجنازة","lvl":2,"sub":0},{"id":1938,"title":"فصل الواجب في صلاة الجنازة","lvl":2,"sub":0},{"id":1939,"title":"فصل يصف في الصلاة على الجنائز ثلاثة صفوف","lvl":2,"sub":0},{"id":1940,"title":"فصل تسوية الصف في الصلاة على الجنازة","lvl":2,"sub":0},{"id":1941,"title":"فصل الصلاة على الميت في المسجد","lvl":2,"sub":0},{"id":1942,"title":"فصل الصلاة على الجنازة في المقبرة","lvl":2,"sub":0},{"id":1943,"title":"مسألة فاته شيء من التكبير في صلاة الجنازة","lvl":2,"sub":0},{"id":1945,"title":"فصل أدرك الإمام فيما بين تكبيرتين في صلاة الجنازة","lvl":2,"sub":0},{"id":1946,"title":"مسألة يدخل قبره من عند رجليه","lvl":2,"sub":0},{"id":1948,"title":"فصل يعمق القبر إلى الصدر","lvl":2,"sub":0},{"id":1949,"title":"فصل السنة أن يلحد قبر الميت","lvl":2,"sub":0},{"id":1951,"title":"فصل أن رسول الله حثى على الميت ثلاث حثيات","lvl":2,"sub":0},{"id":1952,"title":"فصل ما يقول حين يضعه في قبره","lvl":2,"sub":0},{"id":1953,"title":"فصل إذا مات في سفينة في البحر","lvl":2,"sub":0},{"id":1954,"title":"مسألة المرأة يخمر قبرها بثوب","lvl":2,"sub":0},{"id":1955,"title":"مسألة أولى الناس بإدخال المرأة قبرها","lvl":2,"sub":0},{"id":1957,"title":"فصل أولى الناس بدفن الرجل أولاهم بالصلاة عليه","lvl":2,"sub":0},{"id":1958,"title":"مسألة لا يشق الكفن في القبر وتحل العقد","lvl":2,"sub":0},{"id":1959,"title":"مسألة لا يدخل القبر آجرا ولا خشبا ولا شيئا مسته","lvl":2,"sub":0},{"id":1960,"title":"فصل إذا فرغ من اللحد أهال عليه التراب ويرفع القبر","lvl":2,"sub":0},{"id":1961,"title":"فصل لا بأس بتعليم القبر بحجر أو خشبة","lvl":2,"sub":0},{"id":1962,"title":"فصل تسنيم القبر أفضل من تسطيحه","lvl":2,"sub":0},{"id":1963,"title":"فصل الوقوف على القبر بعدما يدفن يدعو للميت","lvl":2,"sub":0},{"id":1964,"title":"فصل التلقين بعد الدفن","lvl":2,"sub":0},{"id":1966,"title":"فصل تطيين القبور","lvl":2,"sub":0},{"id":1967,"title":"فصل البناء على القبر وتجصيصه والكتابة عليه","lvl":2,"sub":0},{"id":1968,"title":"فصل الجلوس على القبر والاتكاء عليه والاستناد إليه والمشي","lvl":2,"sub":0},{"id":1969,"title":"فصل اتخاذ السرج على القبور","lvl":2,"sub":0},{"id":1970,"title":"فصل الدفن في مقابر المسلمين أعجب من الدفن","lvl":2,"sub":0},{"id":1971,"title":"فصل الدفن في المقبرة التي يكثر فيها الصالحون والشهداء","lvl":2,"sub":0},{"id":1972,"title":"فصل جمع الأقارب في الدفن","lvl":2,"sub":0},{"id":1973,"title":"فصل يستحب دفن الشهيد حيث قتل","lvl":2,"sub":0},{"id":1974,"title":"فصل تنازع اثنان من الورثة فقال أحدهما يدفن","lvl":2,"sub":0},{"id":1975,"title":"فصل إذا تشاح اثنان في الدفن في المقبرة المسبلة","lvl":2,"sub":0},{"id":1976,"title":"فصل إن تيقن أن الميت قد بلي وصار رميما","lvl":2,"sub":0},{"id":1977,"title":"مسألة من فاتته الصلاة على الميت صلى","lvl":2,"sub":0},{"id":1978,"title":"فصل إذا صلي على الجنازة مرة لم توضع لأحد","lvl":2,"sub":0},{"id":1979,"title":"فصل يصلى على القبر وتعاد الصلاة عليه قبل الدفن جماعة","lvl":2,"sub":0},{"id":1980,"title":"فصل الصلاة على الغائب","lvl":2,"sub":0},{"id":1981,"title":"فصل كان الميت في أحد جانبي البلد لم يصل","lvl":2,"sub":0},{"id":1982,"title":"فصل تتوقف الصلاة على الغائب بشهر","lvl":2,"sub":0},{"id":1983,"title":"مسألة إن كبر الإمام خمسا كبر بتكبيره","lvl":2,"sub":0},{"id":1987,"title":"فصل كبر على جنازة ثم جيء بأخرى","lvl":2,"sub":0},{"id":1988,"title":"مسألة موقف الإمام في صلاة الجنازة","lvl":2,"sub":0},{"id":1990,"title":"فصل اجتمع جنائز رجال ونساء","lvl":2,"sub":0},{"id":1991,"title":"مسألة لا يصلى على القبر بعد شهر","lvl":2,"sub":0},{"id":1992,"title":"مسألة تشاح الورثة في الكفن","lvl":2,"sub":0},{"id":1994,"title":"فصل وجوب كفن الميت","lvl":2,"sub":0},{"id":1995,"title":"فصل كفن المرأة ومئونة دفنها من مالها","lvl":2,"sub":0},{"id":1996,"title":"مسألة السقط إذا ولد لأكثر من أربعة أشهر غسل وصلي","lvl":2,"sub":0},{"id":1998,"title":"مسألة إن لم يتبين السقط أذكر هو أم أنثى سمي","lvl":2,"sub":0},{"id":1999,"title":"مسألة المرأة تغسل زوجها","lvl":2,"sub":0},{"id":2000,"title":"مسألة دعت الضرورة إلى أن يغسل الرجل زوجته","lvl":2,"sub":0},{"id":2002,"title":"فصل طلق امرأته ثم مات أحدهما في العدة وكان","lvl":2,"sub":0},{"id":2003,"title":"فصل حكم أم الولد في الجنائز كحكم المرأة","lvl":2,"sub":0},{"id":2004,"title":"فصل إن كانت الزوجة ذمية فليس لها غسل زوجها","lvl":2,"sub":0},{"id":2005,"title":"فصل هل يغسل الرجل أخته إذا لم يجد نساء","lvl":2,"sub":0},{"id":2007,"title":"فصل المرأة تغسل الصبي الصغير","lvl":2,"sub":0},{"id":2009,"title":"فصل غسل الكافر للمسلم","lvl":2,"sub":0},{"id":2010,"title":"مسألة الشهيد إذا مات في موضعه لم يغسل ولم يصل عليه","lvl":2,"sub":0},{"id":2013,"title":"فصل كان الشهيد جنبا","lvl":2,"sub":0},{"id":2014,"title":"فصل البالغ وغيره سواء في غسل الشهيد","lvl":2,"sub":0},{"id":2015,"title":"مسألة الشهيد يدفن في ثيابه وإن كان عليه شيء","lvl":2,"sub":0},{"id":2016,"title":"مسألة الشهيد إن حمل وبه رمق غسل وصلي عليه","lvl":2,"sub":0},{"id":2019,"title":"فصل حكم غسل من قتل من أهل العدل في المعركة","lvl":2,"sub":0},{"id":2020,"title":"فصل حكم غسل من قتل ظلما أو قتل دون ماله أو","lvl":2,"sub":0},{"id":2021,"title":"فصل حكم غسل الشهيد بغير قتل كالمبطون والمطعون","lvl":2,"sub":0},{"id":2022,"title":"فصل إن اختلط موتى المسلمين بموتى المشركين صلى على","lvl":2,"sub":0},{"id":2023,"title":"فصل وجد ميت لم يعلم أمسلم هو أم كافر","lvl":2,"sub":0},{"id":2024,"title":"مسألة المحرم يغسل بماء وسدر","lvl":2,"sub":0},{"id":2026,"title":"مسألة إن سقط من الميت شيء غسل وجعل معه في","lvl":2,"sub":0},{"id":2027,"title":"فصل إن لم يوجد إلا بعض الميت يغسل ويصلى عليه","lvl":2,"sub":0},{"id":2028,"title":"فصل وجد جزء الميت بعد دفنه","lvl":2,"sub":0},{"id":2029,"title":"فصل المجدور والمحترق والغريق إذا أمكن غسله غسل","lvl":2,"sub":0},{"id":2030,"title":"فصل إن مات في بئر ذات نفس","lvl":2,"sub":0},{"id":2031,"title":"مسألة إن كان شارب الميت طويلا أخذ وجعل معه","lvl":2,"sub":0},{"id":2033,"title":"فصل جبر عظمه بعظم فجبر ثم مات","lvl":2,"sub":0},{"id":2034,"title":"مسألة تعزية أهل الميت","lvl":2,"sub":0},{"id":2035,"title":"فصل تعزية جميع أهل المصيبة كبارهم وصغارهم","lvl":2,"sub":0},{"id":2036,"title":"فصل لا نعلم في التعزية شيئا محدودا","lvl":2,"sub":0},{"id":2037,"title":"فصل تعزية أهل الذمة","lvl":2,"sub":0},{"id":2038,"title":"فصل الجلوس للتعزية","lvl":2,"sub":0},{"id":2039,"title":"مسألة البكاء غير مكروه إذا لم يكن معه ندب ولا نياحة","lvl":2,"sub":0},{"id":2041,"title":"فصل الندب هو تعداد محاسن الميت","lvl":2,"sub":0},{"id":2043,"title":"فصل الميت يعذب في قبره بما يناح عليه","lvl":2,"sub":0},{"id":2045,"title":"فصل ينبغي للمصاب أن يستعين بالله تعالى ويتعزى","lvl":2,"sub":0},{"id":2047,"title":"مسألة لا بأس أن يصلح لأهل الميت طعاما","lvl":2,"sub":0},{"id":2048,"title":"مسألة المرأة إذا ماتت وفي بطنها ولد يتحرك","lvl":2,"sub":0},{"id":2050,"title":"فصل بلع الميت مالا","lvl":2,"sub":0},{"id":2051,"title":"فصل وقع في القبر ما له قيمة","lvl":2,"sub":0},{"id":2052,"title":"فصل دفن من غير غسل أو إلى غير القبلة","lvl":2,"sub":0},{"id":2053,"title":"فصل دفن قبل الصلاة عليه","lvl":2,"sub":0},{"id":2054,"title":"فصل دفن بغير كفن","lvl":2,"sub":0},{"id":2055,"title":"مسألة إذا حضرت الجنازة وصلاة أخرى","lvl":2,"sub":0},{"id":2056,"title":"فصل تكره الصلاة على الميت في ثلاثة أوقات","lvl":2,"sub":0},{"id":2057,"title":"فصل حكم الدفن ليلا","lvl":2,"sub":0},{"id":2059,"title":"مسألة لا يصلي الإمام على الغال من الغنيمة ولا","lvl":2,"sub":0},{"id":2061,"title":"فصل لا يصلى على الجهمية ولا الرافضة","lvl":2,"sub":0},{"id":2062,"title":"فصل لا يصلى على أطفال المشركين","lvl":2,"sub":0},{"id":2063,"title":"فصل يصلى على سائر المسلمين من أهل الكبائر","lvl":2,"sub":0},{"id":2065,"title":"مسألة إذا حضرت جنازة رجل وامرأة وصبي","lvl":2,"sub":0},{"id":2068,"title":"فصل الصلاة على الجنائز دفعة واحدة","lvl":2,"sub":0},{"id":2069,"title":"مسألة دفن الجماعة في القبر","lvl":2,"sub":0},{"id":2071,"title":"مسألة ماتت نصرانية وهي حاملة من مسلم فأين","lvl":2,"sub":0},{"id":2072,"title":"مسألة خلع النعال إذا دخل المقابر","lvl":2,"sub":0},{"id":2074,"title":"فصل المشي على القبور","lvl":2,"sub":0},{"id":2075,"title":"فصل الجلوس على القبور والاتكاء عليها","lvl":2,"sub":0},{"id":2076,"title":"مسألة لا بأس أن يزور الرجل المقابر","lvl":2,"sub":0},{"id":2077,"title":"فصل القراءة عند القبر","lvl":2,"sub":0},{"id":2078,"title":"فصل أي قربة فعلها وجعل ثوابها للميت نفعه ذلك","lvl":2,"sub":0},{"id":2081,"title":"مسألة زيارة النساء للقبور","lvl":2,"sub":0},{"id":2082,"title":"فصل يكره النعي","lvl":2,"sub":0},{"id":2084,"title":"فصل أنكر وجوب الزكاة جهلا به","lvl":2,"sub":0},{"id":2086,"title":"فصل منع الزكاة مع اعتقاد وجوبها","lvl":2,"sub":0},{"id":2089,"title":"مسألة نصاب الإبل","lvl":2,"sub":0},{"id":2094,"title":"فصل أخرج عن الشاة بعيرا","lvl":2,"sub":0},{"id":2095,"title":"فصل تكون الشاة المخرجة كحال الإبل في الجودة والرداءة","lvl":2,"sub":0},{"id":2096,"title":"مسألة فإذا صارت خمسا وعشرين ففيها بنت","lvl":2,"sub":0},{"id":2099,"title":"فصل أخرج عن الواجب سنا أعلى من جنسه","lvl":2,"sub":0},{"id":2101,"title":"فصل يخرج عن ماشيته من جنسها على صفتها","lvl":2,"sub":0},{"id":2102,"title":"مسألة إذا زادت على عشرين ومائة ففي كل أربعين","lvl":2,"sub":0},{"id":2106,"title":"فصل أراد إخراج الفرض من النوعين في زكاة الأبل","lvl":2,"sub":0},{"id":2108,"title":"مسألة وجبت عليه حقة وليست عنده","lvl":2,"sub":0},{"id":2110,"title":"فصل وجبت عليه جذعة فعدمها وعدم الحقة","lvl":2,"sub":0},{"id":2112,"title":"فصل كان النصاب كله مراضا وفريضته معدومة","lvl":2,"sub":0},{"id":2113,"title":"فصل لا يدخل الجبران في غير الإبل","lvl":2,"sub":0},{"id":2114,"title":"فصل تفسير الأوقاص","lvl":2,"sub":0},{"id":2115,"title":"باب صدقة البقر","lvl":2,"sub":0},{"id":2117,"title":"مسألة ليس فيما دون ثلاثين من البقر سائمة صدقة","lvl":2,"sub":0},{"id":2118,"title":"مسألة إذا ملك الثلاثين من البقر فأسامها أكثر","lvl":2,"sub":0},{"id":2120,"title":"فصل إذا رضي رب المال بإعطاء المسنة عن التبيع والتبيعين","lvl":2,"sub":0},{"id":2121,"title":"فصل لا يخرج الذكر في الزكاة","lvl":2,"sub":0},{"id":2122,"title":"مسألة الجواميس كغيرها من البقر في إخراج الزكاة","lvl":2,"sub":0},{"id":2123,"title":"فصل في بقر الوحش هل فيها زكاة","lvl":2,"sub":0},{"id":2124,"title":"فصل الزكاة في المتولد بين الوحشي والأهلي","lvl":2,"sub":0},{"id":2126,"title":"باب صدقة الغنم","lvl":2,"sub":0},{"id":2128,"title":"مسألة لا يؤخذ في الصدقة تيس ولا هرمة ولا ذات عوار","lvl":2,"sub":0},{"id":2131,"title":"فصل إخراج المعيبة عن الصحاح في صدقة الشياه","lvl":2,"sub":0},{"id":2133,"title":"مسألة ما يجزئ في الصدقة","lvl":2,"sub":0},{"id":2135,"title":"مسألة لا زكاة في السخال حتى يحول عليها الحول","lvl":2,"sub":0},{"id":2138,"title":"فصل ملك نصابا من الصغار في صدقة الشياه","lvl":2,"sub":0},{"id":2139,"title":"مسألة ما يجزئ في صدقة الغنم","lvl":2,"sub":0},{"id":2141,"title":"مسألة ضم أنواع الأجناس بعضها إلى بعض في إيجاب الزكاة","lvl":2,"sub":0},{"id":2143,"title":"فصل أخرج عن النصاب من غير نوعه مما ليس في","lvl":2,"sub":0},{"id":2144,"title":"مسألة الخلطة في السائمة","lvl":2,"sub":0},{"id":2147,"title":"فصل زكاة خلطة الأنعام","lvl":2,"sub":0},{"id":2149,"title":"فصل إذا كان لأحدهما نصاب وللآخر دون النصاب فاختلطا","lvl":2,"sub":0},{"id":2150,"title":"فصل كان بينهما ثمانون شاة مختلطة مضى عليها بعض الحول فتبايعاها","lvl":2,"sub":0},{"id":2152,"title":"فصل لرجل أربعون شاة ومضى عليها بعض الحول فباع بعضها مشاعا","lvl":2,"sub":0},{"id":2154,"title":"فصل استأجر أجيرا يرعى له بشاة معينة من النصاب","lvl":2,"sub":0},{"id":2155,"title":"مسألة الساعي يأخذ الفرض من مال أي الخليطين","lvl":2,"sub":0},{"id":2157,"title":"فصل أخذ الساعي أكثر من الفرض بغير تأويل","lvl":2,"sub":0},{"id":2158,"title":"فصل ملك رجل أربعين شاة في المحرم وأربعين في صفر","lvl":2,"sub":0},{"id":2160,"title":"فصل ملك عشرين من الإبل في المحرم وخمسا في","lvl":2,"sub":0},{"id":2161,"title":"فصل كانت سائمة الرجل في بلدان شتى وبينهما","lvl":2,"sub":0},{"id":2163,"title":"مسألة اختلطوا في غير السائمة كالذهب والفضة وعروض التجارة والزروع","lvl":2,"sub":0},{"id":2165,"title":"فصل لا زكاة في غير بهيمة الأنعام من الماشية","lvl":2,"sub":0},{"id":2168,"title":"مسألة الصدقة لا تجب إلا على أحرار المسلمين","lvl":2,"sub":0},{"id":2169,"title":"مسألة وجوب الزكاة في مال الصبي والمجنون","lvl":2,"sub":0},{"id":2171,"title":"مسألة السيد يزكي عما في يد عبده","lvl":2,"sub":0},{"id":2173,"title":"مسألة لا زكاة على مكاتب","lvl":2,"sub":0},{"id":2174,"title":"مسألة لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول","lvl":2,"sub":0},{"id":2180,"title":"مسألة تقديم الزكاة","lvl":2,"sub":0},{"id":2182,"title":"فصل تعجيل الزكاة قبل ملك النصاب","lvl":2,"sub":0},{"id":2183,"title":"فصل عجل زكاة نصاب من الماشية فتوالدت نصابا ثم ماتت الأمهات","lvl":2,"sub":0},{"id":2185,"title":"فصل تعجيل الزكاة لأكثر من حول","lvl":2,"sub":0},{"id":2186,"title":"فصل عجل زكاة ماله فحال الحول والنصاب ناقص","lvl":2,"sub":0},{"id":2188,"title":"فصل تعجيل العشر من الزرع والثمر","lvl":2,"sub":0},{"id":2189,"title":"فصل عجل زكاة ماله ثم مات فأراد الوارث الاحتساب بها عن","lvl":2,"sub":0},{"id":2190,"title":"مسألة إذا دفع الزكاة المعجلة إلى مستحقها لم يخل من أربعة","lvl":2,"sub":0},{"id":2192,"title":"فصل قال رب المال قد أعلمته أنها زكاة","lvl":2,"sub":0},{"id":2193,"title":"فصل تسلف الإمام الزكاة فهلكت في يده","lvl":2,"sub":0},{"id":2197,"title":"مسألة نية الزكاة","lvl":2,"sub":0},{"id":2199,"title":"فصل تولى المزكى تفرقة الزكاة","lvl":2,"sub":0},{"id":2203,"title":"فصل أخذ الخوارج والبغاة الزكاة","lvl":2,"sub":0},{"id":2204,"title":"فصل دعاء دافع الزكاة ودعاء الآخذ لها","lvl":2,"sub":0},{"id":2205,"title":"فصل دفع الزكاة إلى الكبير والصغير","lvl":2,"sub":0},{"id":2206,"title":"فصل دفع الزكاة إلى من يظنه فقيرا","lvl":2,"sub":0},{"id":2207,"title":"مسألة لا يعطى من الصدقة المفروضة للوالدين","lvl":2,"sub":0},{"id":2208,"title":"فصل دفع الزكاة لمن لا يرث من الأقارب","lvl":2,"sub":0},{"id":2210,"title":"مسألة من لا تعطي لهم الصدقة","lvl":2,"sub":0},{"id":2214,"title":"فصل ليس لمخرج الزكاة شراؤها ممن صارت إليه","lvl":2,"sub":0},{"id":2217,"title":"فصل دفع الزكاة إلى الغريم","lvl":2,"sub":0},{"id":2218,"title":"مسألة زكاة الأموال لا تعطى لكافر ولا لمملوك","lvl":2,"sub":0},{"id":2219,"title":"مسألة للعامل أن يأخذ عمالته من الزكاة سواء","lvl":2,"sub":0},{"id":2221,"title":"فصل لا يعطى الكافر من الزكاة إلا لكونه مؤلفا","lvl":2,"sub":0},{"id":2222,"title":"فصل اجتمع في واحد أسباب تقتضي أخذ الزكاة بها","lvl":2,"sub":0},{"id":2223,"title":"مسألة بني هاشم لا تحل لهم الصدقة المفروضة","lvl":2,"sub":0},{"id":2224,"title":"مسألة موالي بني هاشم وهم من أعتقهم هاشمي لا يعطون من","lvl":2,"sub":0},{"id":2225,"title":"فصل بنو المطلب هل لهم الأخذ من الزكاة","lvl":2,"sub":0},{"id":2229,"title":"فصل حرمة الصدقة على النبي صلى الله عليه وسلم","lvl":2,"sub":0},{"id":2231,"title":"مسألة لا يعطى من سهم الفقراء والمساكين غني","lvl":2,"sub":0},{"id":2238,"title":"مسألة مصارف الزكاة","lvl":2,"sub":0},{"id":2240,"title":"فصل صرف الزكاة إلى غير من ذكر الله تعالى","lvl":2,"sub":0},{"id":2241,"title":"فصل إذا أعطى الزكاة لمن يظنه فقيرا فبان غنيا","lvl":2,"sub":0},{"id":2242,"title":"مسألة الرجل إذا تولى إخراج زكاته بنفسه سقط حق العامل","lvl":2,"sub":0},{"id":2243,"title":"مسألة أعطى الزكاة كلها في صنف واحد","lvl":2,"sub":0},{"id":2246,"title":"فصل دفع الزكاة إلى الأصناف على قدر حاجتهم إليها","lvl":2,"sub":0},{"id":2247,"title":"فصل أربعة أصناف يأخذون أخذا مستقرا من الزكاة","lvl":2,"sub":0},{"id":2248,"title":"مسألة نقل الصدقة من بلدها إلى بلد تقصر في مثله","lvl":2,"sub":0},{"id":2250,"title":"فصل استغنى عن الزكاة فقراء أهل بلدها","lvl":2,"sub":0},{"id":2251,"title":"فصل إذا كان المزكي في بلد وماله في بلد","lvl":2,"sub":0},{"id":2252,"title":"فصل المستحب تفرقة الصدقة في بلدها","lvl":2,"sub":0},{"id":2253,"title":"فصل أخذ الساعي الصدقة واحتاج إلى بيعها لمصلحة من كلفه","lvl":2,"sub":0},{"id":2254,"title":"مسألة باع ماشية قبل الحول بمثلها","lvl":2,"sub":0},{"id":2256,"title":"مسألة أبدل المزكي نصابا من غير جنسه","lvl":2,"sub":0},{"id":2257,"title":"مسألة كانت عنده ماشية فباعها قبل الحول بدراهم","lvl":2,"sub":0},{"id":2258,"title":"فصل إذا حال الحول أخرج الزكاة من جنس المال","lvl":2,"sub":0},{"id":2259,"title":"فصل لم يقصد بالبيع ولا بالتنقيص الفرار من الزكاة","lvl":2,"sub":0},{"id":2261,"title":"فصل التصرف في النصاب الذي وجبت الزكاة فيه بالبيع","lvl":2,"sub":0},{"id":2263,"title":"مسألة الزكاة تجب في الذمة بحلول الحول وإن تلف","lvl":2,"sub":0},{"id":2266,"title":"فصل ملك خمسا من الإبل فلم يؤد زكاتها أحوالا","lvl":2,"sub":0},{"id":2267,"title":"فصل الزكاة تجب بحلول الحول سواء تمكن من الأداء أو","lvl":2,"sub":0},{"id":2268,"title":"فصل الزكاة لا تسقط بتلف المال فرط أو لم يفرط","lvl":2,"sub":0},{"id":2270,"title":"فصل لا تسقط الزكاة بموت رب المال","lvl":2,"sub":0},{"id":2271,"title":"فصل وجوب الزكاة على الفور","lvl":2,"sub":0},{"id":2273,"title":"فصل أخر الزكاة ليدفعها إلى من هو أحق بها","lvl":2,"sub":0},{"id":2274,"title":"فصل أخر الزكاة فلم يدفعها إلى الفقير حتى ضاعت","lvl":2,"sub":0},{"id":2275,"title":"فصل عزل قدر الزكاة فنوى أنه زكاة فتلف","lvl":2,"sub":0},{"id":2276,"title":"مسألة رهن ماشية فحال عليها الحول","lvl":2,"sub":0},{"id":2278,"title":"فصل أسلم في دار الحرب وأقام بها سنين لم يؤد","lvl":2,"sub":0},{"id":2279,"title":"فصل إذا تولى الرجل إخراج زكاته فليبدأ بالأقرب فالأقرب","lvl":2,"sub":0},{"id":2281,"title":"باب زكاة الزروع والثمار","lvl":2,"sub":0},{"id":2282,"title":"مسألة نصاب زكاة الزروع والثمار","lvl":2,"sub":0},{"id":2286,"title":"فصل لا زكاة فيما ينبت من المباح الذي لا يملك إلا بأخذه","lvl":2,"sub":0},{"id":2287,"title":"فصل لا زكاة فيما ليس بحب ولا ثمر","lvl":2,"sub":0},{"id":2289,"title":"فصل اختلف في زكاة الزيتون","lvl":2,"sub":0},{"id":2290,"title":"فصل الحكم الثاني لا زكاة في شيء من الزروع والثمار حتى","lvl":2,"sub":0},{"id":2291,"title":"فصل تعتبر الخمسة أوسق بعد التصفية في الحبوب والجفاف","lvl":2,"sub":0},{"id":2292,"title":"فصل العلس نوع من الحنطة يدخر في قشره","lvl":2,"sub":0},{"id":2293,"title":"فصل نصاب الأرز مع قشره","lvl":2,"sub":0},{"id":2294,"title":"فصل نصاب الزيتون","lvl":2,"sub":0},{"id":2296,"title":"فصل الحكم الثالث العشر يجب فيما سقي بغير مؤنة","lvl":2,"sub":0},{"id":2298,"title":"فصل النصاب في ما سقي نصف السنة بكلفة ونصفها بغير كلفة","lvl":2,"sub":0},{"id":2299,"title":"فصل لرجل حائطان سقى أحدهما بمؤنة والآخر بغير مؤنة","lvl":2,"sub":0},{"id":2300,"title":"مسألة الوسق ستون صاعا والصاع خمسة أرطال وثلث","lvl":2,"sub":0},{"id":2301,"title":"فصل النصاب معتبر بالكيل","lvl":2,"sub":0},{"id":2302,"title":"فصل متى نقص من النصاب شيئا لم تجب الزكاة","lvl":2,"sub":0},{"id":2303,"title":"فصل لا وقص في نصاب الحبوب والثمار","lvl":2,"sub":0},{"id":2304,"title":"فصل إذا وجب عليه عشر مرة لم يجب عليه عشر آخر","lvl":2,"sub":0},{"id":2305,"title":"فصل وقت وجوب الزكاة في الحب إذا اشتد وفي الثمرة إذا","lvl":2,"sub":0},{"id":2307,"title":"فصل جذها وجعلها في الجرين أو جعل","lvl":2,"sub":0},{"id":2308,"title":"فصل تصرف المالك في النصاب قبل الخرص وبعده بالبيع والهبة","lvl":2,"sub":0},{"id":2309,"title":"فصل اشترى ثمرة قبل بدو صلاحها فتركها حتى بدا","lvl":2,"sub":0},{"id":2310,"title":"فصل تلف الثمرة قبل بدو الصلاح أو الزرع قبل اشتداد الحب","lvl":2,"sub":0},{"id":2311,"title":"فصل معرفة قدر الثمر وإدراكه بالخرص","lvl":2,"sub":0},{"id":2313,"title":"فصل يجزئ خارص واحد","lvl":2,"sub":0},{"id":2314,"title":"فصل صفة الخرص تختلف باختلاف الثمرة","lvl":2,"sub":0},{"id":2316,"title":"فصل ادعى رب المال غلط الخارص","lvl":2,"sub":0},{"id":2317,"title":"فصل على الخارص أن يترك في الخرص الثلث أو الربع","lvl":2,"sub":0},{"id":2319,"title":"فصل يخرص النخل والكرم","lvl":2,"sub":0},{"id":2320,"title":"فصل لا يخرص الزيتون ولا غير النخل والكرم","lvl":2,"sub":0},{"id":2321,"title":"فصل وقت الإخراج لزكاة الزروع","lvl":2,"sub":0},{"id":2322,"title":"فصل قطع الثمرة قبل كمالها خوفا من العطش أو لضعف","lvl":2,"sub":0},{"id":2324,"title":"فصل كيفية الإخراج لزكاة الزروع","lvl":2,"sub":0},{"id":2325,"title":"فصل زكاة الزيتون إن كان مما لا زيت له","lvl":2,"sub":0},{"id":2326,"title":"فصل الصدقة في العسل","lvl":2,"sub":0},{"id":2327,"title":"فصل نصاب زكاة العسل","lvl":2,"sub":0},{"id":2330,"title":"مسألة الأرض في الخراج قسمان صلح وعنوة","lvl":2,"sub":0},{"id":2332,"title":"فصل من يقوم على أرض الصلح وأرض العنوة","lvl":2,"sub":0},{"id":2333,"title":"فصل حكم خراج ما استأنف المسلمون فتحه","lvl":2,"sub":0},{"id":2335,"title":"فصل ما صالح عليه الكفار من أرضهم على","lvl":2,"sub":0},{"id":2336,"title":"فصل شراء شيء من الأرض الموقوفة أو بيعه","lvl":2,"sub":0},{"id":2340,"title":"فصل شرط المشترى الخراج على البائع","lvl":2,"sub":0},{"id":2344,"title":"مسألة العشر في الخارج من هذه الأرض المفتوحة","lvl":2,"sub":0},{"id":2345,"title":"مسألة ما فتح عنوة ووقف على المسلمين وضرب عليهم خراج معلوم","lvl":2,"sub":0},{"id":2347,"title":"فصل كان في غلة الأرض ما لا عشر فيه","lvl":2,"sub":0},{"id":2349,"title":"فصل استأجر أرضا فزرعها فما حكم زكاتها","lvl":2,"sub":0},{"id":2351,"title":"فصل حكم المسلم الذي يؤاجر أرض الخراج من الذمي","lvl":2,"sub":0},{"id":2353,"title":"مسألة تضم الحنطة إلى الشعير وتزكي إذا كانت خمسة أوسق","lvl":2,"sub":0},{"id":2356,"title":"فصل الزكاة تؤخذ من كل جنس على قدر ما يخصه ولا يؤخذ","lvl":2,"sub":0},{"id":2357,"title":"فصل يضم زرع العام الواحد بعضه إلى بعض في تكميل النصاب","lvl":2,"sub":0},{"id":2358,"title":"فصل تضم ثمرة العام الواحد بعضها إلى بعض في تكميل النصاب","lvl":2,"sub":0},{"id":2359,"title":"باب زكاة الذهب والفضة","lvl":2,"sub":0},{"id":2360,"title":"مسألة نصاب الفضة","lvl":2,"sub":0},{"id":2364,"title":"مسألة ما دون العشرين من النقدين لا زكاة فيه","lvl":2,"sub":0},{"id":2365,"title":"فصل ملك ذهبا أو فضة مغشوشة أو مختلطا بغيره","lvl":2,"sub":0},{"id":2367,"title":"مسألة مقدار زكاة الذهب والفضة","lvl":2,"sub":0},{"id":2368,"title":"مسألة لا زكاة في زيادة الدراهم حتى تبلغ أربعين","lvl":2,"sub":0},{"id":2370,"title":"فصل يخرج الزكاة من جنس ماله","lvl":2,"sub":0},{"id":2372,"title":"فصل إخراج أحد النقدين عن الآخر","lvl":2,"sub":0},{"id":2374,"title":"مسألة زكاة حلي المرأة","lvl":2,"sub":0},{"id":2376,"title":"فصل قليل الحلي وكثيره في الإباحة والزكاة سواء","lvl":2,"sub":0},{"id":2377,"title":"فصل إذا انكسر الحلي كسرا لا يمنع الاستعمال واللبس فلا زكاة","lvl":2,"sub":0},{"id":2378,"title":"فصل وإذا كان الحلي للبس فنوت به المرأة التجارة","lvl":2,"sub":0},{"id":2379,"title":"فصل يعتبر في النصاب في الحلي الذي تجب فيه الزكاة","lvl":2,"sub":0},{"id":2381,"title":"فصل كان في الحلي جوهر ولآلئ مرصعة","lvl":2,"sub":0},{"id":2382,"title":"فصل إذا اتخذت المرأة حليا ليس لها اتخاذه","lvl":2,"sub":0},{"id":2383,"title":"فصل يباح للنساء من حلي الذهب والفضة والجواهر كل","lvl":2,"sub":0},{"id":2384,"title":"مسألة ليس في حلية سيف الرجل ومنطقته وخاتمه زكاة","lvl":2,"sub":0},{"id":2387,"title":"مسألة المتخذ آنية الذهب والفضة عاص","lvl":2,"sub":0},{"id":2388,"title":"فصل كل ما كان اتخاذه محرما من الأثمان لم","lvl":2,"sub":0},{"id":2390,"title":"مسألة زكاة الركاز","lvl":2,"sub":0},{"id":2391,"title":"الفصل الأول الركاز الذي يتعلق به وجوب الخمس","lvl":2,"sub":0},{"id":2392,"title":"الفصل الثاني في موضع الركاز ولا يخلو من أربعة أقسام","lvl":2,"sub":0},{"id":2396,"title":"الفصل الثالث صفة الركاز الذي فيه الخمس","lvl":2,"sub":0},{"id":2397,"title":"الفصل الرابع القدر الواجب في الركاز ومصرفه","lvl":2,"sub":0},{"id":2399,"title":"الفصل الخامس في من يجب عليه الخمس في زكاة الركاز","lvl":2,"sub":0},{"id":2401,"title":"الفصل الأول في صفة المعدن الذي يتعلق به وجوب الزكاة","lvl":2,"sub":0},{"id":2402,"title":"الفصل الثاني في القدر الواجب من زكاة المعدن وصفته","lvl":2,"sub":0},{"id":2404,"title":"الفصل الثالث في نصاب المعادن","lvl":2,"sub":0},{"id":2406,"title":"الفصل الرابع في وقت الوجوب لإخراج زكاة المعادن","lvl":2,"sub":0},{"id":2408,"title":"فصل لا زكاة في المستخرج من البحر كاللؤلؤ والمرجان","lvl":2,"sub":0},{"id":2410,"title":"فصل المعادن الجامدة تملك بملك الأرض التي هي فيها","lvl":2,"sub":0},{"id":2411,"title":"فصل بيع تراب المعدن والصاغة","lvl":2,"sub":0},{"id":2412,"title":"فصل أجر داره فقبض كراها فلا زكاة عليه","lvl":2,"sub":0},{"id":2413,"title":"باب زكاة التجارة","lvl":2,"sub":0},{"id":2414,"title":"مسألة العروض إذا كانت لتجارة","lvl":2,"sub":0},{"id":2415,"title":"فصل يخرج الزكاة من قيمة العروض دون عينها","lvl":2,"sub":0},{"id":2416,"title":"فصل لا يصير العرض للتجارة إلا بشرطين","lvl":2,"sub":0},{"id":2417,"title":"مسألة لا يعتبر الحول ولا ينعقد الحول حتى يبلغ المال نصابا","lvl":2,"sub":0},{"id":2419,"title":"فصل ملك نصبا للتجارة في أوقات متفرقة","lvl":2,"sub":0},{"id":2420,"title":"مسألة حال الحول على العروض وقيمتها بالفضة","lvl":2,"sub":0},{"id":2422,"title":"فصل اشترى عرضا للتجارة بنصاب من الأثمان أو بما قيمته","lvl":2,"sub":0},{"id":2424,"title":"فصل اشترى للتجارة نصابا من السائمة","lvl":2,"sub":0},{"id":2426,"title":"فصل اشترى نخلا أو أرضا للتجارة فزرعت الأرض وأثمرت النخل فاتفق","lvl":2,"sub":0},{"id":2427,"title":"مسألة إذا نوى بعرض التجارة القنية","lvl":2,"sub":0},{"id":2429,"title":"فصل كانت عنده ماشية للتجارة نصف حول فنوى بها","lvl":2,"sub":0},{"id":2430,"title":"مسألة كان في ملكه نصاب للزكاة فاتجر","lvl":2,"sub":0},{"id":2431,"title":"فصل اشترى للتجارة ما ليس بنصاب فنما حتى صار نصابا","lvl":2,"sub":0},{"id":2432,"title":"فصل اشترى للتجارة شقصا بألف فحال عليه الحول وهو يساوي","lvl":2,"sub":0},{"id":2436,"title":"فصل أذن كل واحد من الشريكين لصاحبه في إخراج زكاته","lvl":2,"sub":0},{"id":2437,"title":"باب زكاة الدين والصدقة","lvl":2,"sub":0},{"id":2439,"title":"فصل زكاة الدين في الأموال الظاهرة","lvl":2,"sub":0},{"id":2441,"title":"فصل استغراق الدين نصاب الزكاة","lvl":2,"sub":0},{"id":2444,"title":"فصل هل يمنع دين الله تعالى الزكاة","lvl":2,"sub":0},{"id":2445,"title":"فصل حجر الحاكم عليه بعد وجوب الزكاة","lvl":2,"sub":0},{"id":2446,"title":"فصل إذا جنى العبد المعد للتجارة جناية","lvl":2,"sub":0},{"id":2447,"title":"مسألة إذا كان له دين على مليء فليس عليه زكاة حتى","lvl":2,"sub":0},{"id":2449,"title":"فصل الدار المؤجرة إذا حال عليها الحول","lvl":2,"sub":0},{"id":2450,"title":"فصل اشترى شيئا بعشرين دينارا أو أسلم نصابا في شيء","lvl":2,"sub":0},{"id":2451,"title":"فصل الغنيمة يملك الغانمون أربعة أخماسها بانقضاء الحرب","lvl":2,"sub":0},{"id":2452,"title":"مسألة زكاه المال المغصوب","lvl":2,"sub":0},{"id":2453,"title":"فصل كان المغصوب سائمة معلوفة عند صاحبها وغاصبها","lvl":2,"sub":0},{"id":2455,"title":"فصل ضلت واحدة من النصاب أو أكثر أو غصبت","lvl":2,"sub":0},{"id":2456,"title":"فصل إن أسر المالك للزكاة","lvl":2,"sub":0},{"id":2457,"title":"فصل أسلم المرتد وقد حال على","lvl":2,"sub":0},{"id":2458,"title":"مسألة اللقطة إذا صارت بعد الحول كسائر","lvl":2,"sub":0},{"id":2460,"title":"مسألة المرأة إذا قبضت صداقها زكته","lvl":2,"sub":0},{"id":2462,"title":"فصل قبضت صداقها قبل الدخول ومضى عليه حول فزكته","lvl":2,"sub":0},{"id":2463,"title":"فصل كان الصداق دينا فأبرأت الزوج منه بعد مضي الحول","lvl":2,"sub":0},{"id":2464,"title":"مسألة زكاة الماشية إذا بيعت بالخيار","lvl":2,"sub":0},{"id":2466,"title":"باب صدقة الفطر","lvl":2,"sub":0},{"id":2468,"title":"مسألة زكاة الفطر على كل حر وعبد ذكر وأنثى","lvl":2,"sub":0},{"id":2470,"title":"فصل لا صدقة على الذمي في عبده المسلم","lvl":2,"sub":0},{"id":2471,"title":"مسألة مقدار زكاة الفطر","lvl":2,"sub":0},{"id":2474,"title":"فصل الصاع خمسة أرطال وثلث بالعراقي","lvl":2,"sub":0},{"id":2476,"title":"مسألة زكاة الفطر من غالب قوت البلد","lvl":2,"sub":0},{"id":2477,"title":"مسألة وجوب صدقة الفطر على أهل البادية صاعا","lvl":2,"sub":0},{"id":2479,"title":"مسألة إخراج التمر في صدقة الفطر","lvl":2,"sub":0},{"id":2481,"title":"مسألة صدقة الفطر أجناسا معدودة لم يجز العدول عنها","lvl":2,"sub":0},{"id":2483,"title":"فصل إخراج السلت في صدقة الفطر","lvl":2,"sub":0},{"id":2484,"title":"فصل إخراج الدقيق في صدقة الفطر","lvl":2,"sub":0},{"id":2485,"title":"فصل إخراج الخبز في صدقة الفطر","lvl":2,"sub":0},{"id":2486,"title":"فصل إخراج صدقة الفطر من أي الأصناف المنصوص عليها","lvl":2,"sub":0},{"id":2487,"title":"مسألة لا تجزئ القيمة في صدقة الفطر","lvl":2,"sub":0},{"id":2490,"title":"مسألة المستحب إخراج صدقة الفطر يوم الفطر قبل الصلاة","lvl":2,"sub":0},{"id":2491,"title":"فصل وقت وجوب زكاة الفطر","lvl":2,"sub":0},{"id":2493,"title":"مسألة تقديم الفطرة قبل العيد بيومين","lvl":2,"sub":0},{"id":2495,"title":"مسألة فرض صدقة الفطر عن كل صغير وكبير حر وعبد","lvl":2,"sub":0},{"id":2497,"title":"فصل العبيد إن كانوا لغير التجارة فعلى سيدهم فطرتهم","lvl":2,"sub":0},{"id":2498,"title":"فصل زكاة الفطر عن مملوكه الحاضر والغائب الذي تعلم حياته","lvl":2,"sub":0},{"id":2501,"title":"فصل زوجة العبد فطرتها على نفسها","lvl":2,"sub":0},{"id":2502,"title":"فصل في وجوب الفطرة عليه من تبرع بمؤنة إنسان في شهر","lvl":2,"sub":0},{"id":2504,"title":"مسألة صدقة الفطر واجبة على من قدر عليها","lvl":2,"sub":0},{"id":2505,"title":"فصل لم يفضل إلا صاع ليلة العيد","lvl":2,"sub":0},{"id":2507,"title":"فصل لم يفضل إلا بعض صاع ليلة العيد فهل يلزمه إخراجه","lvl":2,"sub":0},{"id":2508,"title":"فصل أعسر بفطرة زوجته","lvl":2,"sub":0},{"id":2509,"title":"فصل من وجبت فطرته على غيره إذا أخرج","lvl":2,"sub":0},{"id":2510,"title":"فصل له دار يحتاج إليها هل عليه زكاة الفطر","lvl":2,"sub":0},{"id":2511,"title":"مسألة لا تجب فطرة المكاتب على سيده","lvl":2,"sub":0},{"id":2512,"title":"مسألة فطرة العبد المشترك واجبة على مواليه","lvl":2,"sub":0},{"id":2514,"title":"فصل من بعضه حر ففطرته عليه وعلى سيده","lvl":2,"sub":0},{"id":2516,"title":"مسألة يعطي صدقة الفطر لمن يجوز أن يعطي صدقة الأموال","lvl":2,"sub":0},{"id":2517,"title":"فصل أخذ الصدقة ممن له نصاب وردها عليه إذا لم يكن له","lvl":2,"sub":0},{"id":2518,"title":"مسألة يجوز في الصدقة أن يعطي الواحد ما يلزم الجماعة والجماعة","lvl":2,"sub":0},{"id":2519,"title":"مسألة حكم زكاة الفطر عن الجنين في بطن أمه","lvl":2,"sub":0},{"id":2520,"title":"مسألة كان في يده ما يخرجه عن صدقة الفطر وعليه دين","lvl":2,"sub":0},{"id":2521,"title":"فصل مات من وجبت عليه الفطرة قبل أدائها","lvl":2,"sub":0},{"id":2522,"title":"فصل إذا مات المفلس وله عبيد ففطرتهم على الورثة","lvl":2,"sub":0},{"id":2523,"title":"فصل مات عبيده أو من يمونه بعد وجوب الفطرة","lvl":2,"sub":0},{"id":2524,"title":"فصل صدقة التطوع مستحبة في جميع الأوقات","lvl":2,"sub":0},{"id":2526,"title":"فصل الأولى أن يتصدق من الفاضل عن كفايته وكفاية من","lvl":2,"sub":0},{"id":2529,"title":"كتاب الصيام","lvl":2,"sub":0},{"id":2532,"title":"مسألة يستحب للناس ترائي الهلال ليلة الثلاثين من شعبان","lvl":2,"sub":0},{"id":2534,"title":"فصل إذا رأى الهلال أهل بلد لزم جميع البلاد الصوم","lvl":2,"sub":0},{"id":2536,"title":"مسألة حال دون منظر الهلال غيم أو قتر","lvl":2,"sub":0},{"id":2539,"title":"مسألة لا يصح صوم إلا بنية","lvl":2,"sub":0},{"id":2543,"title":"فصل نوى من النهار صوم الغد","lvl":2,"sub":0},{"id":2544,"title":"فصل تعتبر النية لكل يوم من رمضان","lvl":2,"sub":0},{"id":2545,"title":"فصل متى خطر بقلبه في الليل أن غدا","lvl":2,"sub":0},{"id":2547,"title":"فصل تعيين النية في كل صوم واجب","lvl":2,"sub":0},{"id":2549,"title":"فصل نوى ليلة الشك إن كان غدا من رمضان","lvl":2,"sub":0},{"id":2550,"title":"فصل إذا عين النية عن صوم رمضان أو قضائه أو كفارة أو نذر لم","lvl":2,"sub":0},{"id":2551,"title":"مسألة صوم التطوع يجوز بنية من النهار","lvl":2,"sub":0},{"id":2555,"title":"مسألة نوى الصيام من الليل فأغمي عليه قبل","lvl":2,"sub":0},{"id":2557,"title":"مسألة للمسافر أن يفطر في رمضان وغيره","lvl":2,"sub":0},{"id":2560,"title":"فصل نوى المسافر الصوم في سفره ثم بدا","lvl":2,"sub":0},{"id":2562,"title":"فصل ليس للمسافر أن يصوم في رمضان عن غيره","lvl":2,"sub":0},{"id":2563,"title":"فصل الفطر بالأكل والشرب بما يتغذى به","lvl":2,"sub":0},{"id":2564,"title":"فصل الحجامة يفطر بها الحاجم والمحجوم","lvl":2,"sub":0},{"id":2566,"title":"فصل يفطر بكل ما أدخله إلى جوفه أو مجوف في جسده","lvl":2,"sub":0},{"id":2567,"title":"فصل إذا وجد الصائم طعم الكحل في حلقه أو علم وصوله إليه","lvl":2,"sub":0},{"id":2568,"title":"فصل ما لا يمكن التحرز منه كابتلاع الريق لا يفطره","lvl":2,"sub":0},{"id":2570,"title":"فصل ابتلاع الصائم النخامة","lvl":2,"sub":0},{"id":2571,"title":"فصل سال فم الصائم دما أو خرج إليه قلس أو قيء","lvl":2,"sub":0},{"id":2572,"title":"فصل لا يفطر بالمضمضة","lvl":2,"sub":0},{"id":2574,"title":"فصل لا بأس أن يغتسل الصائم","lvl":2,"sub":0},{"id":2575,"title":"فصل الصائم يمضغ العلك","lvl":2,"sub":0},{"id":2576,"title":"فصل ذوق الطعام للصائم","lvl":2,"sub":0},{"id":2577,"title":"فصل لا بأس بالسواك للصائم","lvl":2,"sub":0},{"id":2578,"title":"فصل أصبح الصائم بين أسنانه طعام","lvl":2,"sub":0},{"id":2579,"title":"فصل قطر الصائم في إحليله دهنا","lvl":2,"sub":0},{"id":2580,"title":"فصل الصائم إذا قبل فأمنى أو أمذى","lvl":2,"sub":0},{"id":2583,"title":"فصل استمنى الصائم بيده","lvl":2,"sub":0},{"id":2584,"title":"فصل كرر الصائم النظر فأنزل","lvl":2,"sub":0},{"id":2585,"title":"فصل إن فكر فأنزل لم يفسد صومه","lvl":2,"sub":0},{"id":2586,"title":"فصل المفسد للصوم","lvl":2,"sub":0},{"id":2587,"title":"فصل متى أفطر بشيء من مفطرات الصيام فعليه القضاء","lvl":2,"sub":0},{"id":2589,"title":"فصل الواجب في قضاء رمضان عن كل يوم يوم","lvl":2,"sub":0},{"id":2590,"title":"مسألة فعل شيئا من مفطرات الصيام ناسيا","lvl":2,"sub":0},{"id":2591,"title":"فصل فعل شيئا من مفطرات الصيام وهو نائم","lvl":2,"sub":0},{"id":2592,"title":"مسألة من استقاء فعليه القضاء","lvl":2,"sub":0},{"id":2594,"title":"مسألة ارتد عن الإسلام وهو صائم","lvl":2,"sub":0},{"id":2595,"title":"مسألة من نوى الإفطار","lvl":2,"sub":0},{"id":2596,"title":"فصل صوم النافلة","lvl":2,"sub":0},{"id":2597,"title":"فصل نوى أنه سيفطر ساعة أخرى","lvl":2,"sub":0},{"id":2598,"title":"مسألة جامع الصائم في الفرج فأنزل أو لم ينزل أو","lvl":2,"sub":0},{"id":2603,"title":"فصل وطء الصائم في فرج البهيمة","lvl":2,"sub":0},{"id":2604,"title":"فصل فساد صوم المرأة بالجماع","lvl":2,"sub":0},{"id":2605,"title":"فصل أكرهت المرأة الصائمة على الجماع","lvl":2,"sub":0},{"id":2606,"title":"فصل تساحقت امرأتان أثناء الصوم فلم ينزلا","lvl":2,"sub":0},{"id":2607,"title":"فصل جامعت المرأة ناسية للصوم","lvl":2,"sub":0},{"id":2608,"title":"فصل أكره الرجل على الجماع وهو صائم","lvl":2,"sub":0},{"id":2609,"title":"فصل لا تجب الكفارة بالفطر في غير رمضان","lvl":2,"sub":0},{"id":2610,"title":"فصل جامع الصائم في أول النهار ثم مرض أو","lvl":2,"sub":0},{"id":2611,"title":"فصل طلع الفجر وهو مجامع في الصوم","lvl":2,"sub":0},{"id":2612,"title":"فصل جامع يظن أن الفجر لم يطلع","lvl":2,"sub":0},{"id":2613,"title":"مسألة كفارة الجماع في نهار رمضان","lvl":2,"sub":0},{"id":2615,"title":"فصل دخول الصيام في كفارة الوطء في رمضان","lvl":2,"sub":0},{"id":2616,"title":"مسألة دخول الإطعام في كفارة الوطء في رمضان","lvl":2,"sub":0},{"id":2618,"title":"فصل أخرج من الدقيق أو السويق كفارة الإفطار في","lvl":2,"sub":0},{"id":2620,"title":"فصل يجزئ في كفارة الفطر في رمضان ما يجزئ","lvl":2,"sub":0},{"id":2621,"title":"فصل عجز عن العتق والصيام والإطعام","lvl":2,"sub":0},{"id":2622,"title":"مسألة جامع في رمضان فلم يكفر حتى جامع ثانية","lvl":2,"sub":0},{"id":2623,"title":"مسألة جامع في رمضان ثم كفر ثم جامع ثانية","lvl":2,"sub":0},{"id":2624,"title":"فصل أصبح مفطرا يعتقد أنه من شعبان","lvl":2,"sub":0},{"id":2625,"title":"فصل كل من أفطر والصوم لازم له","lvl":2,"sub":0},{"id":2626,"title":"فصل من يباح له الفطر في أول النهار ظاهرا وباطنا","lvl":2,"sub":0},{"id":2628,"title":"فصل يلزم المسافر والحائض والمريض القضاء إذا أفطروا","lvl":2,"sub":0},{"id":2629,"title":"مسألة أكل يظن أن الفجر لم يطلع وقد كان","lvl":2,"sub":0},{"id":2630,"title":"فصل أكل الصائم شاكا في طلوع الفجر","lvl":2,"sub":0},{"id":2631,"title":"فصل أكل الصائم شاكا في غروب الشمس","lvl":2,"sub":0},{"id":2632,"title":"مسألة الجنب له أن يؤخر الغسل حتى يصبح ثم يغتسل ويتم","lvl":2,"sub":0},{"id":2634,"title":"مسألة المرأة إذا انقطع حيضها من الليل فهي صائمة إذا نوت الصوم","lvl":2,"sub":0},{"id":2635,"title":"مسألة الحامل إذا خافت على جنينها والمرضع على","lvl":2,"sub":0},{"id":2637,"title":"مسألة عجز عن الصوم لكبر","lvl":2,"sub":0},{"id":2638,"title":"فصل المريض الذي لا يرجى برؤه يفطر ويطعم لكل يوم مسكينا","lvl":2,"sub":0},{"id":2639,"title":"مسألة حاضت المرأة أو نفست وهي صائمة","lvl":2,"sub":0},{"id":2640,"title":"مسألة مات وعليه صيام من رمضان","lvl":2,"sub":0},{"id":2642,"title":"فصل صوم النذر","lvl":2,"sub":0},{"id":2643,"title":"مسألة لم تمت المفرطة في القضاء حتى أظلها شهر رمضان","lvl":2,"sub":0},{"id":2644,"title":"فصل أخر القضاء لغير عذر حتى أدركه رمضانان أو أكثر","lvl":2,"sub":0},{"id":2645,"title":"فصل مات المفرط بعد أن أدركه رمضان آخر","lvl":2,"sub":0},{"id":2646,"title":"فصل التطوع بالصوم ممن عليه صوم فرض","lvl":2,"sub":0},{"id":2647,"title":"فصل القضاء في عشر ذي الحجة","lvl":2,"sub":0},{"id":2648,"title":"مسألة المرض المبيح للفطر في رمضان","lvl":2,"sub":0},{"id":2650,"title":"فصل أبيح له الفطر لشدة شبقه","lvl":2,"sub":0},{"id":2651,"title":"مسألة المسافر يباح له الفطر","lvl":2,"sub":0},{"id":2653,"title":"فصل الأفضل الفطر في السفر","lvl":2,"sub":0},{"id":2654,"title":"مسألة قضاء شهر رمضان متفرقا والتتابع أحسن","lvl":2,"sub":0},{"id":2656,"title":"مسألة من دخل في صيام تطوع فخرج منه","lvl":2,"sub":0},{"id":2659,"title":"مسألة إذا كان للغلام عشر سنين وأطاق الصيام أخذ","lvl":2,"sub":0},{"id":2662,"title":"مسألة أسلم الكافر في شهر رمضان","lvl":2,"sub":0},{"id":2664,"title":"مسألة رأى هلال شهر رمضان وحده","lvl":2,"sub":0},{"id":2665,"title":"مسألة يقبل في هلال رمضان قول واحد عدل","lvl":2,"sub":0},{"id":2668,"title":"مسألة لا يقبل في هلال شوال إلا شهادة اثنين عدلين","lvl":2,"sub":0},{"id":2670,"title":"مسألة لا يفطر إذا رأى هلال شوال وحده","lvl":2,"sub":0},{"id":2672,"title":"مسألة اشتباه شهر الصوم على الأسير","lvl":2,"sub":0},{"id":2675,"title":"مسألة صوم يومي العيدين منهي عنه","lvl":2,"sub":0},{"id":2676,"title":"مسألة أيام التشريق منهي عن صيامها","lvl":2,"sub":0},{"id":2678,"title":"فصل إفراد يوم الجمعة بالصوم","lvl":2,"sub":0},{"id":2680,"title":"فصل إفراد رجب بالصوم","lvl":2,"sub":0},{"id":2681,"title":"فصل صيام الدهر","lvl":2,"sub":0},{"id":2683,"title":"مسألة الهلال إذا رئي نهارا قبل الزوال أو بعده وكان","lvl":2,"sub":0},{"id":2685,"title":"الفصل الأول في تعجيل السحور","lvl":2,"sub":0},{"id":2687,"title":"الفصل الثاني في تعجيل الفطر","lvl":2,"sub":0},{"id":2689,"title":"فصل في الوصال","lvl":2,"sub":0},{"id":2691,"title":"فصل يستحب تفطير الصائم","lvl":2,"sub":0},{"id":2692,"title":"مسألة من صام شهر رمضان وأتبعه بست من شوال","lvl":2,"sub":0},{"id":2694,"title":"مسألة صيام عاشوراء كفارة سنة ويوم عرفة كفارة سنتين","lvl":2,"sub":0},{"id":2697,"title":"مسألة يستحب الفطر يوم عرفة لمن كان بعرفة","lvl":2,"sub":0},{"id":2698,"title":"فصل أفضل الصيام بعد شهر رمضان","lvl":2,"sub":0},{"id":2699,"title":"مسألة صيام ثلاثة أيام من كل شهر مستحب","lvl":2,"sub":0},{"id":2701,"title":"فصل في ليلة القدر","lvl":2,"sub":0},{"id":2707,"title":"كتاب الاعتكاف","lvl":2,"sub":0},{"id":2708,"title":"مسألة الاعتكاف سنة","lvl":2,"sub":0},{"id":2709,"title":"فصل نوى اعتكاف مدة","lvl":2,"sub":0},{"id":2712,"title":"مسألة الاعتكاف بغير صوم","lvl":2,"sub":0},{"id":2714,"title":"مسألة لا يجوز الاعتكاف إلا في مسجد يجمع فيه","lvl":2,"sub":0},{"id":2719,"title":"مسألة المعتكف ليس له الخروج من معتكفه","lvl":2,"sub":0},{"id":2724,"title":"مسألة لا يعود المعتكف مريضا ولا يشهد جنازة إلا أن يشترط ذلك","lvl":2,"sub":0},{"id":2728,"title":"مسألة الوطء في الاعتكاف","lvl":2,"sub":0},{"id":2733,"title":"مسألة إذا وقعت فتنة خاف منها ترك اعتكافه","lvl":2,"sub":0},{"id":2736,"title":"مسألة المعتكف لا يتجر ولا يتكسب بالصنعة","lvl":2,"sub":0},{"id":2740,"title":"مسألة لا بأس أن يتزوج المعتكف في المسجد ويشهد النكاح","lvl":2,"sub":0},{"id":2741,"title":"فصل لا بأس للمعتكف أن يتنظف","lvl":2,"sub":0},{"id":2742,"title":"فصل لا بأس أن يأكل المعتكف في المسجد","lvl":2,"sub":0},{"id":2743,"title":"فصل إذا أراد المعتكف أن يبول في المسجد في طست","lvl":2,"sub":0},{"id":2744,"title":"مسألة المتوفي عنها زوجها وهي معتكفة","lvl":2,"sub":0},{"id":2747,"title":"مسألة حاضت المرأة وهي معتكفة في المسجد","lvl":2,"sub":0},{"id":2750,"title":"مسألة نذر أن يعتكف شهرا بعينه","lvl":2,"sub":0},{"id":2758,"title":"كتاب الحج","lvl":2,"sub":0},{"id":2759,"title":"مسألة شروط وجوب الحج","lvl":2,"sub":0},{"id":2763,"title":"فصل لا يلزمه الحج ببذل غيره له","lvl":2,"sub":0},{"id":2764,"title":"فصل تكلف الحج ممن لا يلزمه","lvl":2,"sub":0},{"id":2765,"title":"فصل يختص اشتراط الراحلة بالبعيد الذي بينه وبين البيت مسافة القصر","lvl":2,"sub":0},{"id":2766,"title":"فصل الزاد الذي تشترط القدرة عليه في الحج","lvl":2,"sub":0},{"id":2767,"title":"فصل الراحلة التي تشترط لمريد الحج","lvl":2,"sub":0},{"id":2768,"title":"فصل النفقة في الحج","lvl":2,"sub":0},{"id":2769,"title":"فصل له عقار يحتاج إليه لسكناه أو سكنى عياله أيجب عليه","lvl":2,"sub":0},{"id":2770,"title":"فصل وجوب العمرة على من يجب عليه الحج","lvl":2,"sub":0},{"id":2772,"title":"فصل ليس على أهل مكة عمرة","lvl":2,"sub":0},{"id":2773,"title":"فصل عمرة المتمتع وعمرة القارن","lvl":2,"sub":0},{"id":2775,"title":"فصل لا بأس أن يعتمر في السنة مرارا","lvl":2,"sub":0},{"id":2777,"title":"فصل عمرة في رمضان تعدل حجة","lvl":2,"sub":0},{"id":2778,"title":"مسألة وجدت فيه شرائط وجوب الحج وكان عاجزا عنه","lvl":2,"sub":0},{"id":2779,"title":"فصل لم يجد مالا يستنيب به غيره في الحج عنه","lvl":2,"sub":0},{"id":2780,"title":"فصل حج عنه غيره وهو مريض ثم عوفي","lvl":2,"sub":0},{"id":2781,"title":"فصل من يرجى زوال مرضه والمحبوس ونحوه هل ينيب في الحج","lvl":2,"sub":0},{"id":2782,"title":"فصل لا يجوز أن يستنيب من يقدر على الحج بنفسه","lvl":2,"sub":0},{"id":2783,"title":"فصل العجز عن الحج عجزا مرجو الزوال","lvl":2,"sub":0},{"id":2784,"title":"فصل الاستئجار على الحج","lvl":2,"sub":0},{"id":2787,"title":"فصل النائب غير المستأجر في الحج","lvl":2,"sub":0},{"id":2788,"title":"فصل سلك النائب في الحج طريقا يمكنه سلوك أقرب منه","lvl":2,"sub":0},{"id":2789,"title":"فصل حج الرجل عن المرأة والمرأة عن الرجل","lvl":2,"sub":0},{"id":2790,"title":"فصل الحج والعمرة عن الحي","lvl":2,"sub":0},{"id":2791,"title":"فصل مخالفة النائب في الحج لأمر المنيب","lvl":2,"sub":0},{"id":2792,"title":"فصل أمر النائب في الحج بالتمتع فقرن","lvl":2,"sub":0},{"id":2793,"title":"فصل أمر النائب في الحج بالقران فأفرد أو تمتع","lvl":2,"sub":0},{"id":2794,"title":"فصل استنابه رجل في الحج وآخر في العمرة وأذنا له في","lvl":2,"sub":0},{"id":2795,"title":"فصل أمر بالحج فحج ثم اعتمر لنفسه","lvl":2,"sub":0},{"id":2796,"title":"فصل استنابه اثنان في نسك فأحرم به عنهما","lvl":2,"sub":0},{"id":2797,"title":"مسألة امرأة موسرة لم يكن لها محرم هل يجب عليها الحج","lvl":2,"sub":0},{"id":2800,"title":"فصل المحرم للمرأة في الحج","lvl":2,"sub":0},{"id":2802,"title":"فصل نفقة المحرم في الحج على المرأة","lvl":2,"sub":0},{"id":2803,"title":"فصل مات محرم المرأة في الطريق","lvl":2,"sub":0},{"id":2804,"title":"فصل ليس للرجل منع امرأته من حجة الإسلام","lvl":2,"sub":0},{"id":2805,"title":"فصل لا تخرج إلى الحج في عدة الوفاة","lvl":2,"sub":0},{"id":2806,"title":"مسألة هل الحج واجب على الفور أم على التراخي","lvl":2,"sub":0},{"id":2809,"title":"فصل من عليه حجة الإسلام يستأجر من يحج عنه من الميقات","lvl":2,"sub":0},{"id":2810,"title":"فصل خرج للحج فمات في الطريق","lvl":2,"sub":0},{"id":2811,"title":"فصل أوصى أن يحج عنه ولا تبلغ النفقة","lvl":2,"sub":0},{"id":2812,"title":"فصل أوصى بحج تطوع فلم يف ثلثه بالحج من بلده","lvl":2,"sub":0},{"id":2813,"title":"فصل يستحب أن يحج الإنسان عن أبويه إذا","lvl":2,"sub":0},{"id":2814,"title":"مسألة ليس لمن لم يحج حجة الإسلام أن يحج عن غيره","lvl":2,"sub":0},{"id":2816,"title":"فصل أحرم بتطوع أو نذر من لم يحج حجة الإسلام","lvl":2,"sub":0},{"id":2818,"title":"فصل أحرم بالمنذورة وعليه حجة الإسلام","lvl":2,"sub":0},{"id":2819,"title":"مسألة الصبي إذا حج والعبد إذا حج ثم بلغ الصبي","lvl":2,"sub":0},{"id":2820,"title":"فصل بلغ الصبي أو عتق العبد بعرفة أو قبلها غير محرمين فأحرما ووقفا","lvl":2,"sub":0},{"id":2822,"title":"فصل بلغ الصبي أو عتق العبد قبل الوقوف أو في وقته وأمكنهما","lvl":2,"sub":0},{"id":2823,"title":"فصل الحكم في الكافر يسلم والمجنون يفيق في الحج","lvl":2,"sub":0},{"id":2824,"title":"فصل إحرام العبد بالحج بغير إذن سيده","lvl":2,"sub":0},{"id":2826,"title":"فصل نذر العبد للحج","lvl":2,"sub":0},{"id":2827,"title":"فصل في جنايات العبد في إحرامه","lvl":2,"sub":0},{"id":2828,"title":"فصل إذا وطئ العبد في إحرامه قبل التحلل الأول","lvl":2,"sub":0},{"id":2829,"title":"الفصل الأول في إحرام الصبي","lvl":2,"sub":0},{"id":2831,"title":"الفصل الثاني كل ما أمكن الصبي في الحج فعله بنفسه","lvl":2,"sub":0},{"id":2833,"title":"الفصل الثالث في محظورات إحرام الصبي","lvl":2,"sub":0},{"id":2834,"title":"الفصل الرابع في ما يلزم الصبي من الفدية في الحج","lvl":2,"sub":0},{"id":2835,"title":"فصل إذا أغمي على بالغ لم يصح أن يحرم عنه","lvl":2,"sub":0},{"id":2836,"title":"مسألة من طيف به محمولا كان الطواف له","lvl":2,"sub":0},{"id":2838,"title":"مسألة الميقات المكاني للحج","lvl":2,"sub":0},{"id":2840,"title":"فصل إذا كان الميقات قرية فانتقلت إلى مكان","lvl":2,"sub":0},{"id":2841,"title":"مسألة الميقات المكاني لأهل مكة إذا أرادوا الحج أو العمرة","lvl":2,"sub":0},{"id":2844,"title":"فصل من أي الحرم أحرم بالحج جاز","lvl":2,"sub":0},{"id":2845,"title":"فصل أحرم الحاج من الحل","lvl":2,"sub":0},{"id":2846,"title":"فصل أحرم بالعمرة من الحرم","lvl":2,"sub":0},{"id":2847,"title":"مسألة من كان منزله دون الميقات فميقاته من","lvl":2,"sub":0},{"id":2848,"title":"مسألة إذا سلك الحاج طريقا بين ميقاتين","lvl":2,"sub":0},{"id":2849,"title":"مسألة كل من سلك طريقا فيها ميقات فهو ميقاته","lvl":2,"sub":0},{"id":2852,"title":"مسألة أحرم قبل الميقات","lvl":2,"sub":0},{"id":2856,"title":"مسألة جاوز الميقات مريدا للنسك غير محرم","lvl":2,"sub":0},{"id":2858,"title":"فصل لو أفسد المحرم من دون الميقات حجه","lvl":2,"sub":0},{"id":2859,"title":"فصل المجاوز للميقات ممن لا يريد النسك","lvl":2,"sub":0},{"id":2862,"title":"فصل من دخل الحرم بغير إحرام ممن يجب عليه","lvl":2,"sub":0},{"id":2863,"title":"فصل من كان منزله دون الميقات خارجا من الحرم","lvl":2,"sub":0},{"id":2864,"title":"مسألة خشي فوات الحج برجوعه إلى الميقات","lvl":2,"sub":0},{"id":2865,"title":"مسألة من سنن الإحرام الاغتسال","lvl":2,"sub":0},{"id":2868,"title":"فصل يستحب التنظف للإحرام","lvl":2,"sub":0},{"id":2869,"title":"مسألة في ملابس الإحرام","lvl":2,"sub":0},{"id":2870,"title":"مسألة يستحب لمن أراد الإحرام أن يتطيب في بدنه","lvl":2,"sub":0},{"id":2872,"title":"فصل إن طيب المحرم ثوبه فله استدامة لبسه ما لم ينزعه","lvl":2,"sub":0},{"id":2873,"title":"مسألة المستحب أن يحرم عقيب الصلاة إذا حضر وقتها","lvl":2,"sub":0},{"id":2875,"title":"مسألة الإحرام يقع بالنسك من وجوه ثلاثة تمتع وإفراد وقران","lvl":2,"sub":0},{"id":2884,"title":"فصل الإحرام بعمرة","lvl":2,"sub":0},{"id":2886,"title":"فصل لبى أو ساق الهدي من غير نية","lvl":2,"sub":0},{"id":2887,"title":"مسألة اشتراط المحصر عند الإحرام","lvl":2,"sub":0},{"id":2889,"title":"فصل نوى المحصر الاشتراط ولم يتلفظ به","lvl":2,"sub":0},{"id":2890,"title":"مسألة إن أراد الإفراد قال اللهم إني أريد","lvl":2,"sub":0},{"id":2891,"title":"مسألة إن أراد القران قال اللهم إني أريد","lvl":2,"sub":0},{"id":2892,"title":"فصل يستحب للمحرم أن يعين ما أحرم به","lvl":2,"sub":0},{"id":2893,"title":"فصل أطلق الإحرام فنوى الإحرام بنسك ولم","lvl":2,"sub":0},{"id":2894,"title":"فصل إبهام الإحرام","lvl":2,"sub":0},{"id":2896,"title":"فصل أحرم بنسك ثم نسيه قبل الطواف","lvl":2,"sub":0},{"id":2898,"title":"فصل أحرم بحجتين أو عمرتين","lvl":2,"sub":0},{"id":2899,"title":"مسألة التلبية في الإحرام","lvl":2,"sub":0},{"id":2901,"title":"فصل رفع الصوت بالتلبية","lvl":2,"sub":0},{"id":2902,"title":"مسألة تلبية رسول الله","lvl":2,"sub":0},{"id":2903,"title":"فصل لا تستحب الزيادة على تلبية رسول الله ولا تكره","lvl":2,"sub":0},{"id":2904,"title":"فصل يستحب ذكر ما أحرم به في تلبيته","lvl":2,"sub":0},{"id":2905,"title":"فصل لا بأس بالحج عن الرجل ولا يسميه","lvl":2,"sub":0},{"id":2906,"title":"استدامة التلبية والإكثار منها على كل حال","lvl":2,"sub":0},{"id":2907,"title":"فصل يجزئ من التلبية في دبر الصلاة مرة واحدة","lvl":2,"sub":0},{"id":2908,"title":"فصل لا يستحب رفع الصوت بالتلبية في الأمصار","lvl":2,"sub":0},{"id":2909,"title":"فصل لا يلبي بغير العربية","lvl":2,"sub":0},{"id":2910,"title":"فصل لا بأس بالتلبية في طواف القدوم","lvl":2,"sub":0},{"id":2911,"title":"فصل لا بأس أن يلبي الحلال","lvl":2,"sub":0},{"id":2912,"title":"مسألة المرأة يستحب لها أن تغتسل عند الإحرام","lvl":2,"sub":0},{"id":2913,"title":"مسألة من أحرم وعليه قميص خلعه ولم يشقه","lvl":2,"sub":0},{"id":2914,"title":"مسألة أشهر الحج","lvl":2,"sub":0},{"id":2915,"title":"مسألة يتوقى في إحرامه ما نهاه الله عنه","lvl":2,"sub":0},{"id":2917,"title":"مسألة يستحب للمحرم قلة الكلام إلا فيما ينفع","lvl":2,"sub":0},{"id":2919,"title":"مسألة لا يتفلى المحرم ولا يقتل القمل ويحك رأسه وجسده حكا","lvl":2,"sub":0},{"id":2921,"title":"فصل لا بأس أن يغسل المحرم رأسه وبدنه برفق","lvl":2,"sub":0},{"id":2922,"title":"فصل يكره للمحرم غسل رأسه بالسدر والخطمي ونحوهما","lvl":2,"sub":0},{"id":2923,"title":"مسألة المحرم ممنوع من لبس القمص والعمائم والسراويلات والخفاف","lvl":2,"sub":0},{"id":2924,"title":"مسألة لم يجد المحرم إزارا","lvl":2,"sub":0},{"id":2925,"title":"فصل إذا لبس المحرم الخفين","lvl":2,"sub":0},{"id":2927,"title":"فصل لبس المحرم المقطوع مع وجود النعل","lvl":2,"sub":0},{"id":2928,"title":"فصل لا يلبس المحرم النعل التي لها قيد","lvl":2,"sub":0},{"id":2929,"title":"فصل النعل يباح لبسها للمحرم كيفما كانت","lvl":2,"sub":0},{"id":2930,"title":"فصل وجد المحرم نعلا لم يمكنه لبسها","lvl":2,"sub":0},{"id":2931,"title":"فصل ليس للمحرم أن يعقد عليه الرداء ولا غيره إلا الإزار والهميان","lvl":2,"sub":0},{"id":2932,"title":"فصل يجوز للمحرم أن يعقد إزاره عليه","lvl":2,"sub":0},{"id":2933,"title":"مسألة لبس الهميان مباح للمحرم","lvl":2,"sub":0},{"id":2935,"title":"مسألة للمحرم أن يحتجم ولا يقطع شعرا","lvl":2,"sub":0},{"id":2936,"title":"مسألة المحرم إذا احتاج إلى تقلد السيف فله ذلك","lvl":2,"sub":0},{"id":2937,"title":"مسألة إباحة لبس القباء للمحرم ما لم يدخل يديه في كميه","lvl":2,"sub":0},{"id":2938,"title":"مسألة كراهة الاستظلال في المحمل للمحرم خاصة وما كان","lvl":2,"sub":0},{"id":2940,"title":"فصل لا بأس أن يستظل بالسقف والحائط والشجرة والخباء","lvl":2,"sub":0},{"id":2941,"title":"مسألة تحريم قتل الصيد واصطياده على المحرم","lvl":2,"sub":0},{"id":2942,"title":"فصل لا يحل للمحرم الإعانة على الصيد","lvl":2,"sub":0},{"id":2943,"title":"فصل دل المحرم حلالا على الصيد فأتلفه","lvl":2,"sub":0},{"id":2944,"title":"فصل دل المحرم محرما على الصيد فقتله","lvl":2,"sub":0},{"id":2946,"title":"فصل أعار المحرم قاتل الصيد سلاحا","lvl":2,"sub":0},{"id":2947,"title":"فصل دل الحلال محرما على الصيد فقتله","lvl":2,"sub":0},{"id":2948,"title":"فصل صاد المحرم صيدا لم يملكه","lvl":2,"sub":0},{"id":2949,"title":"مسألة تحريم الصيد على المحرم إذا صاده أو ذبحه","lvl":2,"sub":0},{"id":2952,"title":"فصل ما حرم على المحرم من الصيد لم يحرم على الحلال","lvl":2,"sub":0},{"id":2953,"title":"فصل قتل المحرم الصيد ثم أكله","lvl":2,"sub":0},{"id":2954,"title":"فصل إذا ذبح المحرم الصيد صار ميتة","lvl":2,"sub":0},{"id":2955,"title":"فصل اضطر المحرم فوجد صيدا وميتة","lvl":2,"sub":0},{"id":2956,"title":"مسألة المحرم ممنوع من الطيب","lvl":2,"sub":0},{"id":2958,"title":"مسألة لا يلبس المحرم ثوبا مسه ورس ولا زعفران ولا","lvl":2,"sub":0},{"id":2959,"title":"فصل إن انقطعت رائحة ثوب المحرم","lvl":2,"sub":0},{"id":2960,"title":"مسألة العصفر ليس بطيب ولا بأس باستعماله وشمه ولا بما صبغ","lvl":2,"sub":0},{"id":2961,"title":"فصل لا بأس بلبس الممشق للمحرم","lvl":2,"sub":0},{"id":2962,"title":"مسألة المحرم ممنوع من أخذ شعره إلا من عذر","lvl":2,"sub":0},{"id":2964,"title":"مسألة المحرم ممنوع من قلم أظفاره إلا من عذر","lvl":2,"sub":0},{"id":2965,"title":"مسألة لا ينظر المحرم في المرآة لإصلاح شيء","lvl":2,"sub":0},{"id":2966,"title":"مسألة الزعفران وغيره من الطيب إذا جعل في مأكول أو مشروب","lvl":2,"sub":0},{"id":2968,"title":"مسألة لا يدهن المحرم بما فيه طيب وما لا طيب فيه","lvl":2,"sub":0},{"id":2970,"title":"مسألة لا يتعمد المحرم لشم الطيب","lvl":2,"sub":0},{"id":2971,"title":"مسألة المحرم ممنوع من تخمير رأسه","lvl":2,"sub":0},{"id":2973,"title":"فصل حمل المحرم على رأسه مكتلا أو طبقا أو نحوه","lvl":2,"sub":0},{"id":2974,"title":"فصل تغطية المحرم وجهه","lvl":2,"sub":0},{"id":2975,"title":"مسألة المرأة يحرم عليها تغطية وجهها في إحرامها","lvl":2,"sub":0},{"id":2977,"title":"فصل يجتمع في حق المحرمة وجوب تغطية الرأس وتحريم تغطية","lvl":2,"sub":0},{"id":2978,"title":"فصل لا بأس أن تطوف المرأة منتقبة إذا كانت غير محرمة","lvl":2,"sub":0},{"id":2979,"title":"مسألة الكحل بالإثمد في الإحرام مكروه للمرأة والرجل","lvl":2,"sub":0},{"id":2980,"title":"فصل الكحل بغير الإثمد لا كراهة فيه للمحرم","lvl":2,"sub":0},{"id":2981,"title":"مسألة المرأة المحرمة ممنوعة مما منع منه الرجال إلا بعض اللباس","lvl":2,"sub":0},{"id":2982,"title":"فصل يستحب للمرأة المحرمة ما يستحب للرجل","lvl":2,"sub":0},{"id":2983,"title":"مسألة لا تلبس المحرمة القفازين ولا الخلخال","lvl":2,"sub":0},{"id":2985,"title":"فصل يحرم على المحرمة شد يديها بخرقة","lvl":2,"sub":0},{"id":2986,"title":"مسألة السنة في المرأة أن لا ترفع صوتها بالتلبية","lvl":2,"sub":0},{"id":2987,"title":"فصل يستحب للمرأة أن تختضب بالحناء عند الإحرام","lvl":2,"sub":0},{"id":2988,"title":"فصل إذا أحرم الخنثى المشكل لم يلزمه اجتناب المخيط","lvl":2,"sub":0},{"id":2989,"title":"فصل يستحب للمرأة الطواف ليلا","lvl":2,"sub":0},{"id":2990,"title":"مسألة لا يتزوج المحرم ولا يزوج","lvl":2,"sub":0},{"id":2992,"title":"فصل تزوج المحرم أو زوج أو زوجت محرمة","lvl":2,"sub":0},{"id":2993,"title":"فصل تكره الخطبة للمحرم وخطبة المحرمة ويكره للمحرم أن يخطب","lvl":2,"sub":0},{"id":2994,"title":"فصل لا ينعقد النكاح بشهادة المحرمين","lvl":2,"sub":0},{"id":2995,"title":"مسألة الحج لا يفسد بإتيان شيء في حال الإحرام إلا الجماع","lvl":2,"sub":0},{"id":2998,"title":"فصل لا فرق بين الوطء في القبل والدبر من آدمي أو","lvl":2,"sub":0},{"id":2999,"title":"فصل تكرر الجماع في الحج","lvl":2,"sub":0},{"id":3000,"title":"مسألة وطئ المحرم دون الفرج فلم ينزل","lvl":2,"sub":0},{"id":3002,"title":"مسألة إن المحرم قبل فلم ينزل","lvl":2,"sub":0},{"id":3004,"title":"مسألة الحج لا يفسد بتكرار النظر أنزل أو لم ينزل","lvl":2,"sub":0},{"id":3005,"title":"فصل كرر المحرم النظر حتى أمذى","lvl":2,"sub":0},{"id":3006,"title":"فصل فكر المحرم فأنزل","lvl":2,"sub":0},{"id":3007,"title":"فصل العمد والنسيان في الوطء للمحرم سواء","lvl":2,"sub":0},{"id":3008,"title":"مسألة للمحرم أن يتجر ويصنع الصنائع ويرتجع زوجته","lvl":2,"sub":0},{"id":3009,"title":"مسألة للمحرم أن يقتل الحدأة والغراب والفأرة والعقرب والكلب العقور","lvl":2,"sub":0},{"id":3011,"title":"فصل ما لا يؤذي بطبعه ولا يؤكل كالرخم والديدان فلا أثر","lvl":2,"sub":0},{"id":3012,"title":"فصل لا تأثير للإحرام ولا للحرم في تحريم شيء من الحيوان","lvl":2,"sub":0},{"id":3013,"title":"فصل صيد البحر مباح للمحرم","lvl":2,"sub":0},{"id":3014,"title":"مسألة صيد الحرم حرام على الحلال والمحرم","lvl":2,"sub":0},{"id":3015,"title":"فصل جزاء من قتل الصيد في الحرم","lvl":2,"sub":0},{"id":3016,"title":"فصل ما يحرم ويضمن في الإحرام يحرم ويضمن في الحرم","lvl":2,"sub":0},{"id":3017,"title":"فصل ضمان صيد الحرم","lvl":2,"sub":0},{"id":3018,"title":"فصل ملك صيدا في الحل فأدخله الحرم","lvl":2,"sub":0},{"id":3019,"title":"فصل يضمن صيد الحرم بالدلالة والإشارة","lvl":2,"sub":0},{"id":3020,"title":"فصل رمي الحلال من الحل صيدا في الحرم فقتله","lvl":2,"sub":0},{"id":3023,"title":"فصل رمى من الحل صيدا في الحل فقتل صيدا في الحرم","lvl":2,"sub":0},{"id":3025,"title":"فصل وقف صيد بعض قوائمه في الحل وبعضها في الحرم فقتله","lvl":2,"sub":0},{"id":3026,"title":"مسألة قطع شجر الحرم","lvl":2,"sub":0},{"id":3028,"title":"فصل يحرم على المحرم قطع الشوك والعوسج","lvl":2,"sub":0},{"id":3029,"title":"فصل لا بأس للمحرم بقطع اليابس من الشجر والحشيش","lvl":2,"sub":0},{"id":3030,"title":"فصل لا يأخذ المحرم ورق الشجر","lvl":2,"sub":0},{"id":3031,"title":"فصل قطع حشيش الحرم","lvl":2,"sub":0},{"id":3032,"title":"فصل أخذ الكمأة من الحرم","lvl":2,"sub":0},{"id":3033,"title":"فصل الضمان على من أتلف الشجر والحشيش في الحرم","lvl":2,"sub":0},{"id":3034,"title":"فصل قلع شجرة من الحرم فغرسها في مكان","lvl":2,"sub":0},{"id":3035,"title":"فصل إذا كانت شجرة في الحرم وغصنها في الحل","lvl":2,"sub":0},{"id":3036,"title":"فصل حكم صيد المدينة وشجرها وحشيشها","lvl":2,"sub":0},{"id":3037,"title":"فصل حرم المدينة ما بين لابتيها","lvl":2,"sub":0},{"id":3038,"title":"فصل فعل المحرم شيئا مما حرم عليه","lvl":2,"sub":0},{"id":3039,"title":"فصل يفارق حرم المدينة حرم مكة في شيئين","lvl":2,"sub":0},{"id":3041,"title":"فصل صيد وج وشجره مباح وهو واد بالطائف","lvl":2,"sub":0},{"id":3042,"title":"مسألة المحرم إذا حصره عدو فمنعه الوصول إلى البيت","lvl":2,"sub":0},{"id":3043,"title":"فصل لا فرق بين الحصر العام في حق الحاج كله وبين الخاص","lvl":2,"sub":0},{"id":3044,"title":"فصل أحصر فلم يجد طريقا أخرى فتحلل","lvl":2,"sub":0},{"id":3045,"title":"فصل وإذا قدر المحصر على الهدي فليس له الحل قبل ذبحه","lvl":2,"sub":0},{"id":3047,"title":"فصل متى كان المحصر محرما بعمرة فله التحلل ونحر هديه","lvl":2,"sub":0},{"id":3049,"title":"فصل أحصر عن البيت بعد الوقوف بعرفة","lvl":2,"sub":0},{"id":3050,"title":"فصل المحصر إذا تمكن من البيت وصد عن عرفة","lvl":2,"sub":0},{"id":3051,"title":"فصل تحلل المحصر من الحج فزال الحصر وأمكنه","lvl":2,"sub":0},{"id":3052,"title":"فصل المحصر في حج فاسد","lvl":2,"sub":0},{"id":3053,"title":"مسألة المحصر إذا عجز عن الهدي","lvl":2,"sub":0},{"id":3054,"title":"فصل لا يتحلل المحصر إلا بالنية","lvl":2,"sub":0},{"id":3055,"title":"فصل نوى التحلل قبل الهدي أو الصيام لم","lvl":2,"sub":0},{"id":3056,"title":"فصل كان العدو الذي حصر الحاج مسلمين فأمكن","lvl":2,"sub":0},{"id":3057,"title":"فصل أذن العدو للمحصرين في العبور فلم يثقوا بهم","lvl":2,"sub":0},{"id":3058,"title":"مسألة منع الحاج من الوصول إلى البيت بمرض أو ذهاب نفقة","lvl":2,"sub":0},{"id":3060,"title":"فصل شرط في ابتداء إحرامه أن يحل متى","lvl":2,"sub":0},{"id":3061,"title":"مسألة إن قال أنا أرفض إحرامي وأحل فلبس الثياب وذبح الصيد","lvl":2,"sub":0},{"id":3062,"title":"مسألة يمضي في الحج الفاسد ويحج من قابل","lvl":2,"sub":0},{"id":3064,"title":"فصل يحرم المحصر القضاء من أبعد الموضعين الميقات أو","lvl":2,"sub":0},{"id":3065,"title":"فصل وقع بامرأته وهما محرمان","lvl":2,"sub":0},{"id":3067,"title":"فصل إن كان المعتمر مكيا أحرم بها من الحل","lvl":2,"sub":0},{"id":3068,"title":"باب ذكر الحج ودخول مكة","lvl":2,"sub":0},{"id":3069,"title":"فصل يستحب أن يدخل مكة من أعلاها","lvl":2,"sub":0},{"id":3070,"title":"مسألة استحباب دخول المحرم المسجد من باب بني شيبة","lvl":2,"sub":0},{"id":3071,"title":"فصل يستحب للمحرم أن يدعو عند رؤية البيت","lvl":2,"sub":0},{"id":3072,"title":"فصل تقديم الصلاة المكتوبة على الطواف","lvl":2,"sub":0},{"id":3073,"title":"مسألة استلام الحجر الأسود","lvl":2,"sub":0},{"id":3075,"title":"فصل يحاذي الحجر الأسود بجميع بدنه","lvl":2,"sub":0},{"id":3076,"title":"مسألة يستحب الاضطباع في طواف القدوم","lvl":2,"sub":0},{"id":3078,"title":"مسألة يرمل ثلاثة أشواط ويمشى أربعة","lvl":2,"sub":0},{"id":3080,"title":"فصل الدنو من البيت في الطواف","lvl":2,"sub":0},{"id":3081,"title":"مسألة الرمل لا يسن في غير الأشواط الثلاثة الأول","lvl":2,"sub":0},{"id":3083,"title":"فصل ترك الرمل في شوط من الثلاثة الأول","lvl":2,"sub":0},{"id":3084,"title":"مسألة ليس على أهل مكة رمل","lvl":2,"sub":0},{"id":3085,"title":"مسألة إذا نسي المحرم الرمل فلا إعادة عليه","lvl":2,"sub":0},{"id":3086,"title":"مسألة شروط صحة الطواف","lvl":2,"sub":0},{"id":3087,"title":"فصل قراءة القرآن في الطواف","lvl":2,"sub":0},{"id":3088,"title":"فصل إذا شك في الطهارة وهو في الطواف","lvl":2,"sub":0},{"id":3089,"title":"فصل إذا فرغ المتمتع ثم علم أنه كان على","lvl":2,"sub":0},{"id":3090,"title":"مسألة لا يستلم ولا يقبل من الأركان إلا الأسود واليماني","lvl":2,"sub":0},{"id":3093,"title":"فصل يكبر كلما أتى الحجر الأسود أو حاذاه","lvl":2,"sub":0},{"id":3094,"title":"مسألة يكون الحجر داخلا في طوافه","lvl":2,"sub":0},{"id":3096,"title":"فصل نكس الطواف فجعل البيت على يمينه","lvl":2,"sub":0},{"id":3097,"title":"مسألة يسن للطائف أن يصلي بعد فراغه ركعتين","lvl":2,"sub":0},{"id":3098,"title":"فصل ركعتا الطواف سنة مؤكدة","lvl":2,"sub":0},{"id":3099,"title":"فصل إذا صلى المكتوبة بعد طوافه","lvl":2,"sub":0},{"id":3100,"title":"فصل الطواف يجري مجرى الصلاة","lvl":2,"sub":0},{"id":3101,"title":"مسألة يخرج إلي الصفا من بابه فيقف عليه","lvl":2,"sub":0},{"id":3103,"title":"فصل إن لم يرق المحرم على الصفا","lvl":2,"sub":0},{"id":3104,"title":"مسألة ينحدر من الصفا فيمشي حتى يأتي العلم","lvl":2,"sub":0},{"id":3106,"title":"مسألة يفتتح بالصفا ويختتم بالمروة","lvl":2,"sub":0},{"id":3107,"title":"مسألة نسي الرمل في بعض سعيه","lvl":2,"sub":0},{"id":3108,"title":"فصل في السعي هل هو ركن أم لا","lvl":2,"sub":0},{"id":3110,"title":"فصل السعي تبع للطواف","lvl":2,"sub":0},{"id":3111,"title":"مسألة إذا فرغ من السعي","lvl":2,"sub":0},{"id":3112,"title":"فصل من معه هدي ليس له أن يتحلل لكن يقيم على إحرامه","lvl":2,"sub":0},{"id":3114,"title":"فصل المعتمر غير المتمتع يحل من إحرامه","lvl":2,"sub":0},{"id":3115,"title":"فصل المستحب في حق المتمتع عند حله من عمرته","lvl":2,"sub":0},{"id":3117,"title":"فصل يلزم المتمتع التقصير أو الحلق من جميع شعره وكذلك المرأة","lvl":2,"sub":0},{"id":3118,"title":"فصل السنة في الحج الحلق أو التقصير","lvl":2,"sub":0},{"id":3119,"title":"مسألة طواف النساء وسعيهن","lvl":2,"sub":0},{"id":3120,"title":"مسألة السعي بين الصفا والمروة على غير طهارة","lvl":2,"sub":0},{"id":3121,"title":"مسألة أقيمت الصلاة أو حضرت جنازة وهو يطوف أو يسعي","lvl":2,"sub":0},{"id":3122,"title":"فصل ترك الموالاة في السعي","lvl":2,"sub":0},{"id":3123,"title":"فصل الموالاة غير شرط في السعي بين الصفا والمروة","lvl":2,"sub":0},{"id":3124,"title":"مسألة أحدث في بعض طوافه","lvl":2,"sub":0},{"id":3125,"title":"مسألة صحة طواف الراكب","lvl":2,"sub":0},{"id":3127,"title":"مسألة من كان مفردا أو قارنا استحب له أن يفسخ","lvl":2,"sub":0},{"id":3131,"title":"فصل إذا فسخ الحج إلى العمرة صار متمتعا","lvl":2,"sub":0},{"id":3132,"title":"مسألة يقطع المعتمر التلبية إذا استلم الركن","lvl":2,"sub":0},{"id":3133,"title":"باب صفة الحج","lvl":2,"sub":0},{"id":3136,"title":"مسألة يوم التروية","lvl":2,"sub":0},{"id":3139,"title":"مسألة المبيت بمنى","lvl":2,"sub":0},{"id":3140,"title":"مسألة الوقوف بعرفة","lvl":2,"sub":0},{"id":3142,"title":"فصل السنة تعجيل الصلاة لمن بعرفة حين تزول الشمس","lvl":2,"sub":0},{"id":3143,"title":"فصل يجوز الجمع لكل من بعرفة","lvl":2,"sub":0},{"id":3144,"title":"فصل قصر الصلاة لا يجوز لأهل مكة","lvl":2,"sub":0},{"id":3145,"title":"مسألة يستحب أن يغتسل للوقوف بعرفة","lvl":2,"sub":0},{"id":3147,"title":"مسألة يستحب الإكثار من ذكر الله تعالى والدعاء يوم عرفة","lvl":2,"sub":0},{"id":3153,"title":"فصل وقت الوقوف يوم عرفة","lvl":2,"sub":0},{"id":3155,"title":"فصل لا يشترط للوقوف بعرفة طهارة ولا ستارة ولا استقبال","lvl":2,"sub":0},{"id":3156,"title":"مسألة إذا دفع الإمام إلى مزدلفة دفع معه","lvl":2,"sub":0},{"id":3157,"title":"مسألة الإكثار من الذكر بعد الإفاضة من عرفات","lvl":2,"sub":0},{"id":3158,"title":"مسألة السنة لمن دفع من عرفة أن لا يصلي المغرب","lvl":2,"sub":0},{"id":3160,"title":"مسألة إن فاته الجمع مع الإمام بمزدلفة صلى ى وحده","lvl":2,"sub":0},{"id":3162,"title":"مسألة إذا صلى الفجر بمزدلفة وقف عند المشعر الحرام","lvl":2,"sub":0},{"id":3164,"title":"فصل المبيت بمزدلفة واجب ومن تركه فعليه دم","lvl":2,"sub":0},{"id":3166,"title":"مسألة السنة الدفع من مزدلفة قبل طلوع الشمس","lvl":2,"sub":0},{"id":3167,"title":"مسألة يستحب الإسراع في وادي محسر","lvl":2,"sub":0},{"id":3168,"title":"مسألة يأخذ حصى الجمار من طريقه أو من مزدلفة","lvl":2,"sub":0},{"id":3170,"title":"فصل يجزئ الرامي بكل ما يسمى حصى","lvl":2,"sub":0},{"id":3171,"title":"مسألة الاستحباب أن يغسل حصى الرمي","lvl":2,"sub":0},{"id":3172,"title":"مسألة جمرة العقبة","lvl":2,"sub":0},{"id":3175,"title":"فصل لرمي جمرة العقبة وقتان وقت فضيلة ووقت إجزاء","lvl":2,"sub":0},{"id":3177,"title":"فصل لا يجزئه الرمي إلا أن يقع الحصى في المرمي","lvl":2,"sub":0},{"id":3178,"title":"مسألة قطع التلبية عند ابتداء الرمي لجمرة العقبة","lvl":2,"sub":0},{"id":3179,"title":"مسألة إذا فرغ من رمي الجمرة يوم النحر","lvl":2,"sub":0},{"id":3180,"title":"فصل السنة نحر الإبل قائمة معقولة يدها اليسرى","lvl":2,"sub":0},{"id":3181,"title":"فصل يستحب توجيه الذبيحة إلى القبلة","lvl":2,"sub":0},{"id":3182,"title":"فصل وقت نحر الأضحية والهدي","lvl":2,"sub":0},{"id":3183,"title":"فصل إذا نحر الهدي فرقه على المساكين من أهل الحرم","lvl":2,"sub":0},{"id":3185,"title":"مسألة إذا نحر هديه حلق رأسه أو قصر منه","lvl":2,"sub":0},{"id":3187,"title":"فصل الحلق والتقصير نسك في الحج والعمرة","lvl":2,"sub":0},{"id":3189,"title":"فصل تأخير الحلق والتقصير إلى آخر النحر","lvl":2,"sub":0},{"id":3190,"title":"فصل الأصلع الذي لا شعر على له يمر الموسى على رأسه","lvl":2,"sub":0},{"id":3191,"title":"فصل يستحب لمن حلق أو قصر بعد التحلل تقليم","lvl":2,"sub":0},{"id":3192,"title":"مسألة إذا رمى جمرة العقبة ثم حلق","lvl":2,"sub":0},{"id":3195,"title":"مسألة المرأة المحرمة تقصر من شعرها مقدار الأنملة","lvl":2,"sub":0},{"id":3196,"title":"مسألة طواف الزيارة","lvl":2,"sub":0},{"id":3197,"title":"فصل لطواف الزيارة وقتان وقت فضيلة ووقت إجزاء","lvl":2,"sub":0},{"id":3198,"title":"فصل صفة طواف الزيارة","lvl":2,"sub":0},{"id":3199,"title":"مسألة إذا طاف للزيارة بعد الرمي والنحر والحلق","lvl":2,"sub":0},{"id":3200,"title":"مسألة طواف القدوم","lvl":2,"sub":0},{"id":3202,"title":"فصل الأطوفة المشروعة في الحج","lvl":2,"sub":0},{"id":3203,"title":"فصل يستحب أن يدخل البيت فيكبر في نواحيه ويصلي","lvl":2,"sub":0},{"id":3204,"title":"فصل يستحب أن يأتي زمزم فيشرب من مائها","lvl":2,"sub":0},{"id":3205,"title":"فصل يسن أن يخطب الإمام بمنى يوم النحر خطبة يعلم الناس فيها","lvl":2,"sub":0},{"id":3206,"title":"فصل يوم الحج الأكبر يوم النحر","lvl":2,"sub":0},{"id":3207,"title":"فصل في يوم النحر أربعة أشياء الرمي ثم النحر ثم","lvl":2,"sub":0},{"id":3210,"title":"فصل تقديم الإفاضة على الرمي","lvl":2,"sub":0},{"id":3211,"title":"مسألة السنة لمن أفاض يوم النحر أن يرجع إلى منى","lvl":2,"sub":0},{"id":3213,"title":"فصل ترك المبيت بمنى","lvl":2,"sub":0},{"id":3214,"title":"مسألة رمى الجمرة الأولى بسبع حصيات","lvl":2,"sub":0},{"id":3216,"title":"فصل الرمي يوم النفر قبل الزوال وفي أيام التشريق بعد الزوال","lvl":2,"sub":0},{"id":3217,"title":"فصل الترتيب واجب الجمرات","lvl":2,"sub":0},{"id":3219,"title":"فصل لا ينقص في الرمي عن سبع حصيات","lvl":2,"sub":0},{"id":3220,"title":"مسألة الرمي في اليوم الثاني كالرمي في اليوم الأول","lvl":2,"sub":0},{"id":3222,"title":"فصل إذا أخر رمي يوم إلى ما بعده أو أخر الرمي كله إلى آخر أيام","lvl":2,"sub":0},{"id":3223,"title":"مسألة يستحب الصلاة في مسجد منى مع الإمام","lvl":2,"sub":0},{"id":3224,"title":"مسألة مدة التكبير يوم النحر وصفته","lvl":2,"sub":0},{"id":3225,"title":"فصل يستحب لمن نفر أن يأتي المحصب","lvl":2,"sub":0},{"id":3226,"title":"مسألة طواف الوداع","lvl":2,"sub":0},{"id":3228,"title":"فصل لا وداع على من كان منزله في الحرم كالمكي","lvl":2,"sub":0},{"id":3229,"title":"فصل أخر طواف الزيارة فطافه عند الخروج","lvl":2,"sub":0},{"id":3230,"title":"مسألة طاف للوداع ثم اشتغل بتجارة أو إقامة","lvl":2,"sub":0},{"id":3231,"title":"مسألة خرج قبل طواف الوداع","lvl":2,"sub":0},{"id":3233,"title":"مسألة المرأة إذا حاضت قبل طواف الوداع","lvl":2,"sub":0},{"id":3234,"title":"فصل إذا نفرت الحائض بغير وداع فطهرت قبل","lvl":2,"sub":0},{"id":3235,"title":"فصل يستحب أن يقف المودع في الملتزم","lvl":2,"sub":0},{"id":3238,"title":"فصل إذا ودع البيت يقوم عند البيت إذا خرج ويدعو","lvl":2,"sub":0},{"id":3239,"title":"مسألة ترك طواف الزيارة","lvl":2,"sub":0},{"id":3241,"title":"مسألة عمل القارن","lvl":2,"sub":0},{"id":3243,"title":"فصل قتل القارن صيدا","lvl":2,"sub":0},{"id":3244,"title":"فصل أفسد القارن نسكه بالوطء","lvl":2,"sub":0},{"id":3245,"title":"مسألة وجوب الدم على القارن","lvl":2,"sub":0},{"id":3247,"title":"الفصل الأول وجوب الدم على المتمتع في الجملة","lvl":2,"sub":0},{"id":3249,"title":"الفصل الثاني في شروط الدم على المتمتع","lvl":2,"sub":0},{"id":3253,"title":"فصل حاضروا المسجد الحرام أهل الحرم ومن بينه وبين مكة","lvl":2,"sub":0},{"id":3254,"title":"فصل إذا كان للمتمتع قريتان قريبة وبعيدة فهو من","lvl":2,"sub":0},{"id":3255,"title":"فصل دخل الآفاقي مكة متمتعا ناويا للإقامة بها","lvl":2,"sub":0},{"id":3256,"title":"فصل ترك الآفاقي الإحرام من الميقات","lvl":2,"sub":0},{"id":3257,"title":"الفصل الثالث في وقت وجوب الهدي للمتمتع ووقت ذبحه","lvl":2,"sub":0},{"id":3259,"title":"مسألة المتمتع إذا لم يجد الهدي ينتقل إلى الصيام","lvl":2,"sub":0},{"id":3260,"title":"فصل لكل واحد من صوم الثلاثة والسبعة وقتان وقت جواز","lvl":2,"sub":0},{"id":3263,"title":"مسألة إن لم يصم المتمتع قبل يوم النحر","lvl":2,"sub":0},{"id":3265,"title":"فصل إذا صام عشرة أيام لم يلزمه التفريق بين الثلاثة والسبعة","lvl":2,"sub":0},{"id":3266,"title":"فصل وقت وجوب الصوم على المتمتع","lvl":2,"sub":0},{"id":3267,"title":"مسألة دخل في الصيام ثم قدر على","lvl":2,"sub":0},{"id":3268,"title":"فصل وجب عليه الصوم فلم يشرع حتى قدر على","lvl":2,"sub":0},{"id":3269,"title":"فصل لزمه صوم المتعة فمات قبل أن يأتي به لعذر منعه عن الصوم","lvl":2,"sub":0},{"id":3270,"title":"مسألة المرأة إذا دخلت متمتعة فحاضت فخشيت فوات","lvl":2,"sub":0},{"id":3274,"title":"فصل كل متمتع خشي فوات الحج يحرم بالحج ويصير","lvl":2,"sub":0},{"id":3275,"title":"فصل إدخال العمرة على الحج","lvl":2,"sub":0},{"id":3276,"title":"مسألة الوطء قبل رمي جمرة العقبة","lvl":2,"sub":0},{"id":3278,"title":"فصل الوطء قبل التحلل من العمرة","lvl":2,"sub":0},{"id":3279,"title":"فصل أفسد القارن والمتمتع نسكهما","lvl":2,"sub":0},{"id":3280,"title":"فصل أفسد القارن نسكه ثم قضى مفردا","lvl":2,"sub":0},{"id":3281,"title":"مسألة الوطء بعد رمي جمرة العقبة","lvl":2,"sub":0},{"id":3284,"title":"فصل طاف للزيارة ولم يرم ثم وطئ","lvl":2,"sub":0},{"id":3285,"title":"فصل فصل القارن إذا وطئ بعد الرمي لم يفسد حجه ولا عمرته","lvl":2,"sub":0},{"id":3286,"title":"مسألة نسي الرمي إلى الليل","lvl":2,"sub":0},{"id":3287,"title":"مسألة للرعاة أن يؤخروا الرمي","lvl":2,"sub":0},{"id":3288,"title":"فصل المبيت بمني لأهل الأعذار","lvl":2,"sub":0},{"id":3289,"title":"فصل يستنيب من يرمي عنه","lvl":2,"sub":0},{"id":3290,"title":"فصل ترك الرمي من غير عذر","lvl":2,"sub":0},{"id":3292,"title":"فصل على المحرم فدية إذا حلق رأسه","lvl":2,"sub":0},{"id":3294,"title":"فصل القدر الذي يجب به الدم في حلق شعر الحاج","lvl":2,"sub":0},{"id":3295,"title":"فصل شعر الرأس وغيره سواء في وجوب فدية الحج","lvl":2,"sub":0},{"id":3296,"title":"فصل مقدار الفدية الواجبة بحلق الشعر في الحج","lvl":2,"sub":0},{"id":3297,"title":"فصل يجزئ البر والشعير والزبيب في فدية الحج","lvl":2,"sub":0},{"id":3298,"title":"فصل حلق المحرم مرة ثم كرر الحلق","lvl":2,"sub":0},{"id":3300,"title":"فصل جزاء صيد الحرم","lvl":2,"sub":0},{"id":3301,"title":"فصل حلق المحرم رأس حلال أو قلم أظفاره","lvl":2,"sub":0},{"id":3302,"title":"فصل حلق محرم رأس محرم بإذنه","lvl":2,"sub":0},{"id":3303,"title":"فصل قلع المحرم جلدة عليها شعر","lvl":2,"sub":0},{"id":3304,"title":"فصل خلل المحرم شعره فسقطت شعرة","lvl":2,"sub":0},{"id":3305,"title":"مسألة إذا حلق المحرم دون الأربع","lvl":2,"sub":0},{"id":3306,"title":"فصل من أبيح له حلق رأسه لأذى به فهو مخير","lvl":2,"sub":0},{"id":3307,"title":"مسألة المحرم ممنوع من أخذ أظفاره","lvl":2,"sub":0},{"id":3309,"title":"مسألة تطيب المحرم عامدا","lvl":2,"sub":0},{"id":3310,"title":"فصل يلزم المحرم غسل الطيب وخلع اللباس","lvl":2,"sub":0},{"id":3311,"title":"فصل احتاج المحرم إلى الوضوء وغسل الطيب ومعه ماء لا يكفي إلا أحدهما","lvl":2,"sub":0},{"id":3312,"title":"فصل إذا لبس المحرم قميصا وعمامة وسراويل وخفين","lvl":2,"sub":0},{"id":3313,"title":"فصل فعل المحرم محظورا من أجناس فحلق ولبس وتطيب","lvl":2,"sub":0},{"id":3314,"title":"مسألة لبس المحرم أو تطيب ناسيا","lvl":2,"sub":0},{"id":3316,"title":"مسألة وقف بعرفة نهارا أو دفع قبل الإمام","lvl":2,"sub":0},{"id":3318,"title":"مسألة المبيت بمزدلفة واجب يجب بتركه دم","lvl":2,"sub":0},{"id":3319,"title":"الفصل الأول في وجوب الجزاء على المحرم بقتل الصيد","lvl":2,"sub":0},{"id":3321,"title":"الفصل الثاني لا فرق بين الخطأ والعمد في قتل صيد الحرم","lvl":2,"sub":0},{"id":3322,"title":"الفصل الثالث الجزاء لا يجب إلا على المحرم","lvl":2,"sub":0},{"id":3323,"title":"الفصل الرابع الجزاء لا يجب إلا بقتل الصيد","lvl":2,"sub":0},{"id":3326,"title":"الفصل الخامس الجزاء يجب في صيد البر دون صيد البحر","lvl":2,"sub":0},{"id":3328,"title":"الفصل السادس جزاء ما كان دابة من الصيد نظيره من","lvl":2,"sub":0},{"id":3333,"title":"فصل قتل ماخضا في الحرم","lvl":2,"sub":0},{"id":3334,"title":"فصل أتلف المحرم جزءا من الصيد","lvl":2,"sub":0},{"id":3336,"title":"فصل جرح المحرم صيدا فتحامل فوقع في شيء تلف","lvl":2,"sub":0},{"id":3337,"title":"فصل كل ما يضمن به الآدمي يضمن به الصيد من","lvl":2,"sub":0},{"id":3338,"title":"مسألة وجوب ضمان صيد الحرم من الطير","lvl":2,"sub":0},{"id":3339,"title":"فصل يضمن بيض صيد الحرم بقيمته","lvl":2,"sub":0},{"id":3341,"title":"فصل إذا نتف محرم ريش طائر","lvl":2,"sub":0},{"id":3342,"title":"مسألة إن كان صيد الحرم طائرا","lvl":2,"sub":0},{"id":3344,"title":"مسألة قاتل صيد الحرم مخير في الجزاء","lvl":2,"sub":0},{"id":3348,"title":"فصل ما لا مثل له من صيد الحرم يخير قاتله","lvl":2,"sub":0},{"id":3349,"title":"مسألة كلما قتل المحرم صيدا حكم عليه","lvl":2,"sub":0},{"id":3351,"title":"فصل إخراج جزاء الصيد بعد جرحه وقبل موته","lvl":2,"sub":0},{"id":3352,"title":"مسألة اشترك جماعة محرمين في قتل صيد","lvl":2,"sub":0},{"id":3354,"title":"فصل أحرم الرجل وفي ملكه صيد","lvl":2,"sub":0},{"id":3356,"title":"فصل لا يملك المحرم الصيد","lvl":2,"sub":0},{"id":3357,"title":"فصل ورث المحرم صيدا","lvl":2,"sub":0},{"id":3358,"title":"مسألة لم يقف بعرفة حتى طلع الفجر يوم النحر","lvl":2,"sub":0},{"id":3362,"title":"فصل اختار من فاته الحج البقاء على إحرامه ليحج من قابل","lvl":2,"sub":0},{"id":3363,"title":"فصل إذا فات القارن الحج","lvl":2,"sub":0},{"id":3364,"title":"فصل إذا أخطأ الناس العدد فوقفوا في غير ليلة عرفة","lvl":2,"sub":0},{"id":3365,"title":"مسألة العبد لا يلزمه هدي","lvl":2,"sub":0},{"id":3367,"title":"مسألة المرأة إذا أحرمت بالحج الواجب أو العمرة الواجبة","lvl":2,"sub":0},{"id":3370,"title":"فصل أحرمت بواجب فحلف زوجها بالطلاق الثلاث أن لا تحج العام","lvl":2,"sub":0},{"id":3371,"title":"فصل ليس للوالد منع ولده من الحج الواجب","lvl":2,"sub":0},{"id":3372,"title":"مسألة ساق هديا واجبا فعطب دون محله","lvl":2,"sub":0},{"id":3375,"title":"فصل ضل الهدي المعين فذبح غيره ثم وجده","lvl":2,"sub":0},{"id":3376,"title":"فصل يحصل الإيجاب بقوله هذا هدي أو بتقليده وإشعاره ناويا","lvl":2,"sub":0},{"id":3377,"title":"فصل غصب المحرم شاة فذبحها عن الواجب عليه","lvl":2,"sub":0},{"id":3378,"title":"مسألة من تطوع بهدي غير واجب لم يخل من حالين","lvl":2,"sub":0},{"id":3382,"title":"فصل إبدال الهدي بخير منه","lvl":2,"sub":0},{"id":3383,"title":"فصل إذا ولدت الهدية فولدها بمنزلتها","lvl":2,"sub":0},{"id":3384,"title":"فصل شرب لبن الهدي","lvl":2,"sub":0},{"id":3385,"title":"فصل لا يبرأ من الهدي إلا بذبحه أو نحره","lvl":2,"sub":0},{"id":3386,"title":"فصل يستحب للمهدي أن يتولى نحر الهدي بنفسه","lvl":2,"sub":0},{"id":3387,"title":"فصل يباح للفقراء الأخذ من الهدي إذا لم يدفعه إليهم","lvl":2,"sub":0},{"id":3388,"title":"مسألة لا يأكل من كل واجب إلا من هدي التمتع","lvl":2,"sub":0},{"id":3391,"title":"فصل الهدي الواجب بغير النذر ينقسم قسمين","lvl":2,"sub":0},{"id":3394,"title":"مسألة فدية الأذى تجوز في الموضع الذي حلق فيه","lvl":2,"sub":0},{"id":3396,"title":"فصل ما وجب نحره بالحرم وجب تفرقة لحمه به","lvl":2,"sub":0},{"id":3397,"title":"فصل مساكين أهل الحرم","lvl":2,"sub":0},{"id":3398,"title":"فصل إذا نذر هديا وأطلق","lvl":2,"sub":0},{"id":3401,"title":"مسألة مكان صيام التمتع","lvl":2,"sub":0},{"id":3402,"title":"فصل تقليد الهدي","lvl":2,"sub":0},{"id":3403,"title":"فصل يسن في الهدي إشعار الإبل والبقر","lvl":2,"sub":0},{"id":3405,"title":"فصل لا يسن الهدي إلا من بهيمة الأنعام","lvl":2,"sub":0},{"id":3406,"title":"فصل الذكر والأنثى في الهدي سواء","lvl":2,"sub":0},{"id":3407,"title":"مسألة وجبت عليه بدنة فذبح سبعا من الغنم","lvl":2,"sub":0},{"id":3409,"title":"فصل الاشتراك في الهدي","lvl":2,"sub":0},{"id":3410,"title":"مسألة ما لزم من الدماء لا يجزئ فيه إلا الجذع من","lvl":2,"sub":0},{"id":3412,"title":"فصل يمنع من العيوب في الهدي ما يمنع في الأضحية","lvl":2,"sub":0},{"id":3414,"title":"فصل يجزئ الخصي في الأضحية","lvl":2,"sub":0},{"id":3415,"title":"فصل يكره أن يضحي بمشقوقة الأذن","lvl":2,"sub":0},{"id":3416,"title":"فصل يستحب لمن أتى مكة أن يطوف بالبيت","lvl":2,"sub":0},{"id":3417,"title":"فصل يستحب لمن حج أن يدخل البيت ويصلي","lvl":2,"sub":0},{"id":3418,"title":"فصل الجوار بمكة لمن هاجر منها","lvl":2,"sub":0},{"id":3419,"title":"فصل زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم","lvl":2,"sub":0},{"id":3422,"title":"فصل التمسح بحائط قبر النبي وتقبيله","lvl":2,"sub":0},{"id":3423,"title":"فصل يستحب لمن رجع من الحج أن يقول","lvl":2,"sub":0},{"id":3424,"title":"كتاب البيوع","lvl":2,"sub":0},{"id":3426,"title":"فصل البيع على ضربين أحدهما الإيجاب والقبول","lvl":2,"sub":0},{"id":3429,"title":"فصل لكل من المتبايعين الخيار في فسخ البيع","lvl":2,"sub":0},{"id":3432,"title":"فصل خيار المجلس","lvl":2,"sub":0},{"id":3438,"title":"مسألة تلفت السلعة أو كان عبدا فأعتقه المشتري أو مات","lvl":2,"sub":0},{"id":3439,"title":"فصل تصرف المشتري في المبيع في مدة الخيار","lvl":2,"sub":0},{"id":3442,"title":"فصل ينتقل الملك إلى المشتري في بيع الخيار بنفس العقد","lvl":2,"sub":0},{"id":3444,"title":"فصل ما يحصل من غلات المبيع ونمائه المنفصل في","lvl":2,"sub":0},{"id":3445,"title":"فصل ضمان المبيع على المشتري إذا قبضه","lvl":2,"sub":0},{"id":3446,"title":"فصل تصرف أحد المتبايعين في مدة الخيار في المبيع","lvl":2,"sub":0},{"id":3449,"title":"فصل تصرف المشتري بإذن البائع أو البائع","lvl":2,"sub":0},{"id":3451,"title":"فصل قال لعبده إذا بعتك فأنت حر ثم باعه","lvl":2,"sub":0},{"id":3452,"title":"فصل وطء الجارية في مدة الخيار","lvl":2,"sub":0},{"id":3454,"title":"فصل نقد الثمن وقبض المبيع في مدة الخيار","lvl":2,"sub":0},{"id":3455,"title":"مسألة إذا تفرقا من غير فسخ لم يكن لأحدهما رده إلا","lvl":2,"sub":0},{"id":3456,"title":"فصل بيوع الأعيان المرئية","lvl":2,"sub":0},{"id":3459,"title":"فصل الخيار عند الرؤية","lvl":2,"sub":0},{"id":3460,"title":"فصل إذا وصف المبيع للمشتري فذكر له من صفاته","lvl":2,"sub":0},{"id":3462,"title":"فصل البيع بالصفة نوعان","lvl":2,"sub":0},{"id":3464,"title":"فصل إذا رأيا المبيع ثم عقدا البيع بعد ذلك بزمن","lvl":2,"sub":0},{"id":3466,"title":"فصل يثبت الخيار في البيع للغبن","lvl":2,"sub":0},{"id":3468,"title":"فصل إذا وقع البيع على غير معين","lvl":2,"sub":0},{"id":3469,"title":"مسألة الخيار يجوز أكثر من ثلاث يعني ثلاث ليال بأيامها","lvl":2,"sub":0},{"id":3471,"title":"فصل يجوز شرط الخيار لكل واحد من المتعاقدين","lvl":2,"sub":0},{"id":3472,"title":"فصل شرط الخيار لأجنبي","lvl":2,"sub":0},{"id":3473,"title":"فصل قال بعتك على أن أستأمر فلانا","lvl":2,"sub":0},{"id":3474,"title":"فصل شرط الخيار يوما أو ساعات معلومة","lvl":2,"sub":0},{"id":3475,"title":"فصل شرطا الخيار إلى الليل أو الغد","lvl":2,"sub":0},{"id":3476,"title":"فصل شرط الخيار إلى طلوع الشمس أو إلى غروبها","lvl":2,"sub":0},{"id":3477,"title":"فصل شرطا الخيار أبدا أو متى شئنا","lvl":2,"sub":0},{"id":3479,"title":"فصل شرط الخيار إلى الحصاد أو الجذاذ","lvl":2,"sub":0},{"id":3480,"title":"فصل شرط الخيار شهرا","lvl":2,"sub":0},{"id":3481,"title":"فصل يجوز لمن له الخيار الفسخ من غير حضور صاحبه ولا رضاه","lvl":2,"sub":0},{"id":3482,"title":"فصل انقضت مدة الخيار ولم يفسخ أحدهما","lvl":2,"sub":0},{"id":3483,"title":"فصل قال أحد المتعاقدين عند العقد لا خلابة","lvl":2,"sub":0},{"id":3485,"title":"فصل شرط الخيار حيلة على الانتفاع بالقرض","lvl":2,"sub":0},{"id":3486,"title":"فصل قال بعتك على أن تنقدني الثمن إلى ثلاث أو","lvl":2,"sub":0},{"id":3487,"title":"فصل أنواع العقود التي يدخل فيها الخيار","lvl":2,"sub":0},{"id":3490,"title":"باب الربا والصرف","lvl":2,"sub":0},{"id":3491,"title":"فصل الربا على ضربين","lvl":2,"sub":0},{"id":3493,"title":"مسألة ما لا يجوز التفاضل فيه من الأشياء","lvl":2,"sub":0},{"id":3499,"title":"فصل ما جرى الربا في كثيره جرى في قليله","lvl":2,"sub":0},{"id":3501,"title":"فصل جواز البيع مع التماثل وتحريمه مع التفاضل","lvl":2,"sub":0},{"id":3503,"title":"كل ما حرم فيه التفاضل حرم فيه النساء","lvl":2,"sub":0},{"id":3504,"title":"مسألة التفاضل في الجنسين","lvl":2,"sub":0},{"id":3506,"title":"فصل بيع شيئا من مال الربا بغير جنسه","lvl":2,"sub":0},{"id":3508,"title":"مسألة تحريم النساء في غير المكيل والموزون","lvl":2,"sub":0},{"id":3511,"title":"مسألة لا يباع شيء من الرطب بيابس من جنسه إلا","lvl":2,"sub":0},{"id":3513,"title":"فصل بيع الرطب بالرطب والعنب بالعنب","lvl":2,"sub":0},{"id":3514,"title":"مسألة المماثلة في بيع الأموال التي يحرم التفاضل","lvl":2,"sub":0},{"id":3516,"title":"فصل بيع الشيء بمثله جزافا","lvl":2,"sub":0},{"id":3520,"title":"فصل المرجع إلى العرف في معرفة المكيل والموزون","lvl":2,"sub":0},{"id":3523,"title":"مسألة كل شيئين اتفقا في الجنس ثبت فيهما حكم","lvl":2,"sub":0},{"id":3524,"title":"فصل إذا كان المشتركان في الاسم الخاص من أصلين","lvl":2,"sub":0},{"id":3526,"title":"فصل بيع التمر بالتمر","lvl":2,"sub":0},{"id":3528,"title":"فصل بيع خل الزبيب بعضه ببعض","lvl":2,"sub":0},{"id":3529,"title":"مسألة البر والشعير جنسان","lvl":2,"sub":0},{"id":3531,"title":"فصل بيع الحنطة بشيء من فروعها","lvl":2,"sub":0},{"id":3533,"title":"فصل بيع كل من الدقيق والسويق بنوعه متساويا","lvl":2,"sub":0},{"id":3535,"title":"فصل بيع ما فيه غيره كالخبز والنشاء","lvl":2,"sub":0},{"id":3537,"title":"فصل الحكم في الشعير وسائر الحبوب كالحكم في الحنطة","lvl":2,"sub":0},{"id":3538,"title":"مسألة اللحم كله جنس واحد","lvl":2,"sub":0},{"id":3540,"title":"مسألة بيع اللحم باللحم","lvl":2,"sub":0},{"id":3541,"title":"فصل بيع كل صنف بصنف آخر متفاضلا","lvl":2,"sub":0},{"id":3542,"title":"فصل بيع اللبن بغير جنسه متفاضلا","lvl":2,"sub":0},{"id":3543,"title":"فصل بيع اللبن بالزبد","lvl":2,"sub":0},{"id":3546,"title":"مسألة بيع اللحم بالحيوان","lvl":2,"sub":0},{"id":3548,"title":"فصل بيع شيء من مال الربا بأصله الذي فيه","lvl":2,"sub":0},{"id":3550,"title":"فصل بيع شيء فيه الربا بعضه ببعض","lvl":2,"sub":0},{"id":3553,"title":"فصل بيع نوعين مختلفي القيمة من جنس وبنوع واحد","lvl":2,"sub":0},{"id":3554,"title":"فصل باع ما فيه الربا بغير جنسه ومعه من جنس ما","lvl":2,"sub":0},{"id":3556,"title":"فصل بيع جنس فيه الربا بجنسه","lvl":2,"sub":0},{"id":3559,"title":"فصل بيع ما كان مشتملا على جنسين بأصل الخلقة","lvl":2,"sub":0},{"id":3560,"title":"فصل الربا في دار الحرب","lvl":2,"sub":0},{"id":3562,"title":"مسألة اشترى ذهبا بورق عينا بعين فوجد أحدهما فيما اشتراه","lvl":2,"sub":0},{"id":3564,"title":"فصل أراد أخذ أرش العيب والعوضان في","lvl":2,"sub":0},{"id":3566,"title":"فصل تلف العوض في الصرف بعد القبض ثم علم عيبه","lvl":2,"sub":0},{"id":3567,"title":"فصل إذا علم المصطرفان قدر العوضين","lvl":2,"sub":0},{"id":3568,"title":"فصل الدراهم والدنانير تتعين بالتعيين في النقد","lvl":2,"sub":0},{"id":3569,"title":"مسألة إذا تبايعا المصطرفان ذلك بغير عينه فوجد أحدهما","lvl":2,"sub":0},{"id":3572,"title":"فصل من شرط المصارفة في الذمة أن يكون","lvl":2,"sub":0},{"id":3573,"title":"فصل لرجل في ذمة رجل ذهب وللآخر عليه دراهم فاصطرفا بما","lvl":2,"sub":0},{"id":3577,"title":"فصل عليه دين مؤجل فقال لغريمه ضع عني بعضه وأعجل","lvl":2,"sub":0},{"id":3578,"title":"مسألة إن كان العيب دخيلا عليه من غير جنسه","lvl":2,"sub":0},{"id":3579,"title":"فصل إنفاق المغشوش من النقود","lvl":2,"sub":0},{"id":3581,"title":"مسألة متى انصرف المتصارفان قبل التقابض فلا بيع بينهما","lvl":2,"sub":0},{"id":3583,"title":"فصل صارف رجلا دينارا بعشرة دراهم وليس معه إلا خمسة دراهم","lvl":2,"sub":0},{"id":3584,"title":"فصل باع مدي تمر رديء بدرهم ثم اشترى بالدرهم تمرا","lvl":2,"sub":0},{"id":3586,"title":"فصل الحيل كلها محرمة غير جائزة في شيء من الدين","lvl":2,"sub":0},{"id":3589,"title":"فصل اشترى شيئا بمكسرة","lvl":2,"sub":0},{"id":3590,"title":"فصل له عند رجل دينار وديعة فصارفه به وهو معلوم بقاؤه أو","lvl":2,"sub":0},{"id":3591,"title":"فصل بيع تراب الصاغة والمعدن بشيء من جنسه","lvl":2,"sub":0},{"id":3592,"title":"مسألة بيع العرايا","lvl":2,"sub":0},{"id":3595,"title":"فصل لا يجوز أن يشتري أكثر من خمسة أوسق فيما زاد","lvl":2,"sub":0},{"id":3600,"title":"فصل يشترط في بيع العرايا التقابض في المجلس","lvl":2,"sub":0},{"id":3602,"title":"مسألة ترك المشتري المبيع حتى يتمر","lvl":2,"sub":0},{"id":3603,"title":"فصل بيع العرية في غير النخيل","lvl":2,"sub":0},{"id":3605,"title":"الفصل الأول البيع متى وقع على نخل مثمر ولم يشترط","lvl":2,"sub":0},{"id":3607,"title":"الفصل الثاني متى اشترط الثمرة أحد المتبايعين فهي له مؤبرة","lvl":2,"sub":0},{"id":3608,"title":"الفصل الثالث الثمرة إذا بقيت للبائع فله تركها","lvl":2,"sub":0},{"id":3612,"title":"مسألة بيع الشجر إذا كان فيه ثمر باد","lvl":2,"sub":0},{"id":3614,"title":"فصل الأغصان والورق وسائر أجزاء الشجر للمشتري بكل","lvl":2,"sub":0},{"id":3615,"title":"فصل كانت الثمرة للبائع مبقاة في شجر المشتري","lvl":2,"sub":0},{"id":3616,"title":"فصل خيف على الأصول الضرر بتبقية الثمرة عليها لعطش","lvl":2,"sub":0},{"id":3617,"title":"فصل باع شجرا فيه ثمر للبائع فحدثت ثمرة أخرى","lvl":2,"sub":0},{"id":3619,"title":"فصل باع الأرض وفيها زرع لا يحصد إلا مرة فاشترطه","lvl":2,"sub":0},{"id":3621,"title":"فصل باع أرضا وفيها زرع يجز مرة بعد أخرى","lvl":2,"sub":0},{"id":3622,"title":"فصل اشترى أرضا فيها بذر فاستحق المشتري أصله","lvl":2,"sub":0},{"id":3624,"title":"فصل باعه أرضا بحقوقها","lvl":2,"sub":0},{"id":3625,"title":"فصل باعه شجرا لم تدخل الأرض في البيع","lvl":2,"sub":0},{"id":3626,"title":"فصل إن قال بعتك هذه القرية فلا بد من","lvl":2,"sub":0},{"id":3627,"title":"فصل باعه دارا بحقوقها","lvl":2,"sub":0},{"id":3630,"title":"فصل إذا كان في الأرض معادن جامدة دخلت في البيع","lvl":2,"sub":0},{"id":3631,"title":"فصل إذا كان في الأرض بئر أو عين مستنبطة فنفس","lvl":2,"sub":0},{"id":3635,"title":"مسألة لا يخلو بيع الثمرة قبل بدو صلاحها من ثلاثة أقسام","lvl":2,"sub":0},{"id":3637,"title":"فصل بيع الثمرة قبل بدو صلاحها من غير شرط القطع","lvl":2,"sub":0},{"id":3639,"title":"فصل بيع الزرع الأخضر في الأرض","lvl":2,"sub":0},{"id":3640,"title":"فصل اعترف لرجل بزرع ثم صالحه منه بعوض","lvl":2,"sub":0},{"id":3641,"title":"فصل اشترى رجل نصف الثمرة قبل بدو صلاحها أو نصف الزرع قبل اشتداد","lvl":2,"sub":0},{"id":3642,"title":"فصل القطن ضربان","lvl":2,"sub":0},{"id":3643,"title":"مسألة اشترى ثمرة قبل بدو صلاحها فتركها حتى بدا","lvl":2,"sub":0},{"id":3646,"title":"مسألة اشترى الثمرة بعد أن بدا صلاحها على الترك","lvl":2,"sub":0},{"id":3647,"title":"فصل بدو الصلاح في بعض ثمرة النخلة أو الشجرة صلاح لجميعها","lvl":2,"sub":0},{"id":3649,"title":"فصل النوع الواحد من بستانين لا يتبع أحدهما الآخر في","lvl":2,"sub":0},{"id":3650,"title":"فصل إذا احتاجت الثمرة إلى سقي لزم البائع ذلك","lvl":2,"sub":0},{"id":3651,"title":"فصل بيع الثمرة في شجرها","lvl":2,"sub":0},{"id":3652,"title":"مسألة ثمرة النخل بدو صلاحها أن تظهر فيها الحمرة أو","lvl":2,"sub":0},{"id":3654,"title":"مسألة بيع القثاء والخيار والباذنجان وما أشبهه","lvl":2,"sub":0},{"id":3655,"title":"فصل بيع أصول البقول التي تتكرر ثمرتها من غير شرط القطع","lvl":2,"sub":0},{"id":3656,"title":"فصل بيع ما المقصود منه مستور في الأرض كالجزر وغيره","lvl":2,"sub":0},{"id":3657,"title":"فصل بيع الجوز واللوز والباقلا الأخضر في قشرته مقطوعا","lvl":2,"sub":0},{"id":3658,"title":"مسألة بيع الرطبة وما أشبهها","lvl":2,"sub":0},{"id":3659,"title":"فصل اشترى قصيلا من شعير ونحوه فقطعه ثم","lvl":2,"sub":0},{"id":3660,"title":"مسألة الحصاد على المشتري فإن شرطه على","lvl":2,"sub":0},{"id":3663,"title":"فصل لا بد من كون المنفعة معلومة للمتبايعين ليصح اشتراطها","lvl":2,"sub":0},{"id":3664,"title":"فصل يشترط البائع نفع المبيع مدة معلومة","lvl":2,"sub":0},{"id":3666,"title":"فصل باعه أمة واستثنى وطأها مدة معلومة","lvl":2,"sub":0},{"id":3667,"title":"فصل باع المشتري العين المستثناة منفعتها","lvl":2,"sub":0},{"id":3669,"title":"فصل اشترط المشتري منفعة البائع في المبيع","lvl":2,"sub":0},{"id":3670,"title":"فصل قال بعتك هذه الدار وأجرتكها شهرا","lvl":2,"sub":0},{"id":3671,"title":"فصل لا شرطان في بيع","lvl":2,"sub":0},{"id":3673,"title":"الفصل الأول باع ثمرة بستان واستثنى صاعا","lvl":2,"sub":0},{"id":3674,"title":"فصل باع شجرة أو نخلة واستثنى أرطالا معلومة","lvl":2,"sub":0},{"id":3675,"title":"الفصل الثاني استثنى من المبيع نخلة أو شجرة بعينها","lvl":2,"sub":0},{"id":3676,"title":"فصل استثنى جزءا معلوما من الصبرة أو الحائط مشاعا","lvl":2,"sub":0},{"id":3677,"title":"فصل قال بعتك قفيزا من هذه الصبرة إلا مكوكا","lvl":2,"sub":0},{"id":3678,"title":"فصل باع قطيعا واستثنى منه شاة بعينها","lvl":2,"sub":0},{"id":3679,"title":"فصل باع حيوانا مأكولا واستثنى رأسه وجلده وأطرافه وسواقطه","lvl":2,"sub":0},{"id":3680,"title":"فصل استثنى من البيع شحم الحيوان","lvl":2,"sub":0},{"id":3681,"title":"فصل في من باع جارية حاملا بحر","lvl":2,"sub":0},{"id":3682,"title":"فصل باع دارا إلا ذراعا وهما يعلمان ذرعان الدار","lvl":2,"sub":0},{"id":3683,"title":"فصل باع سمسما واستثنى الكسب","lvl":2,"sub":0},{"id":3684,"title":"فصل باعه بدينار إلا درهما أو إلا قفيزا من حنطة أو","lvl":2,"sub":0},{"id":3685,"title":"مسألة اشترى الثمرة دون الأصل فتلفت بجائحة من السماء","lvl":2,"sub":0},{"id":3689,"title":"فصل اشترى ثمرة قبل بدو صلاحها بشرط القطع فلم يقطعها حتى تلفت","lvl":2,"sub":0},{"id":3690,"title":"فصل استأجر أرضا فزرعها فتلف الزرع","lvl":2,"sub":0},{"id":3691,"title":"مسألة وقع البيع على مكيل أو على موزون أو معدود","lvl":2,"sub":0},{"id":3695,"title":"فصل تعيب في يد البائع أو تلف بعضه بأمر سماوي","lvl":2,"sub":0},{"id":3696,"title":"فصل باع شاة بشعير فأكلته قبل قبضه","lvl":2,"sub":0},{"id":3697,"title":"مسألة ما عدا المكيل والموزون والمعدود يدخل في ضمان","lvl":2,"sub":0},{"id":3698,"title":"فصل المبيع بصفة أو رؤية متقدمة من ضمان البائع","lvl":2,"sub":0},{"id":3699,"title":"فصل قبض كل شيء بحسبه مكيلا أو موزونا","lvl":2,"sub":0},{"id":3701,"title":"فصل أجرة الكيال والوزان في المكيل والموزون على","lvl":2,"sub":0},{"id":3702,"title":"فصل القبض قبل نقد الثمن وبعده باختيار البائع وبغير اختياره","lvl":2,"sub":0},{"id":3703,"title":"مسألة اشترى ما يحتاج إلى قبضه","lvl":2,"sub":0},{"id":3706,"title":"فصل كل عوض ملك بعقد ينفسخ بهلاكه قبل القبض لم يجز التصرف","lvl":2,"sub":0},{"id":3710,"title":"فصل اشترى اثنان طعاما فقبضاه ثم باع أحدهما","lvl":2,"sub":0},{"id":3711,"title":"مسألة ما يحتاج إلى القبض لا تجوز الشركة فيه ولا توليته ولا الحوالة","lvl":2,"sub":0},{"id":3715,"title":"فصل اشترى قفيزا من الطعام فقبض نصفه فقال له رجل","lvl":2,"sub":0},{"id":3716,"title":"فصل إذا كان لرجل في ذمة آخر طعام من قرض","lvl":2,"sub":0},{"id":3717,"title":"فصل الشروط الفاسدة في البيع هل تبطله","lvl":2,"sub":0},{"id":3718,"title":"مسألة الإقالة بيع","lvl":2,"sub":0},{"id":3721,"title":"مسألة بيع الصبرة جزافا مع جهل البائع والمشتري بقدرها","lvl":2,"sub":0},{"id":3724,"title":"مسألة من عرف مبلغ شيء لم يبعه صبرة","lvl":2,"sub":0},{"id":3726,"title":"فصل أخبره البائع بكيله ثم باعه","lvl":2,"sub":0},{"id":3730,"title":"مسألة اشترى صبرة على أن كل مكيلة منها بشيء معلوم","lvl":2,"sub":0},{"id":3731,"title":"فصل قال بعتك من هذه الصبرة قفيزا أو قال عشرة","lvl":2,"sub":0},{"id":3732,"title":"فصل قال بعتك من هذه الصبرة كل قفيز بدرهم","lvl":2,"sub":0},{"id":3734,"title":"فصل بيع ما لا تتساوي أجزاؤه","lvl":2,"sub":0},{"id":3736,"title":"فصل باعه عبدا من عبدين أو أكثر","lvl":2,"sub":0},{"id":3737,"title":"فصل قال بعتك من هذا الثوب من هذا الموضع","lvl":2,"sub":0},{"id":3738,"title":"فصل قال بعتك هذه الأرض أو هذا الثوب على أنه","lvl":2,"sub":0},{"id":3740,"title":"فصل باع الأدهان في ظرفها جملة وقد شاهدها","lvl":2,"sub":0},{"id":3741,"title":"فصل في من وجد في ظرف السمن ربا","lvl":2,"sub":0},{"id":3742,"title":"باب بيع المصراة","lvl":2,"sub":0},{"id":3748,"title":"فصل إذا رضي بالتصرية فأمسكها ثم وجد بها عيبا آخر","lvl":2,"sub":0},{"id":3749,"title":"فصل متي علم التصرية ثبت له الخيار في الأيام الثلاثة","lvl":2,"sub":0},{"id":3751,"title":"مسألة لا فرق في التصرية بين الشاة والناقة والبقرة","lvl":2,"sub":0},{"id":3752,"title":"فصل اشترى مصراتين أو أكثر في عقد واحد","lvl":2,"sub":0},{"id":3753,"title":"فصل اشترى مصراة من غير بهيمة الأنعام","lvl":2,"sub":0},{"id":3754,"title":"فصل التدليس في البيع","lvl":2,"sub":0},{"id":3755,"title":"فصل علف الشاة فملأ خواصرها وظن المشتري","lvl":2,"sub":0},{"id":3756,"title":"فصل إذا أراد إمساك المدلس وأخذ الأرش","lvl":2,"sub":0},{"id":3757,"title":"مسألة اشترى أمة ثيبا فأصابها أو استغلها ثم ظهر على","lvl":2,"sub":0},{"id":3758,"title":"فصل علم بالمبيع عيبا لم يكن عالما به","lvl":2,"sub":0},{"id":3759,"title":"فصل خيار الرد بالعيب على التراخي","lvl":2,"sub":0},{"id":3761,"title":"فصل كان المبيع جارية ثيبا فوطئها المشتري قبل علمه","lvl":2,"sub":0},{"id":3762,"title":"فصل اشترى مزوجة فوطئها الزوج","lvl":2,"sub":0},{"id":3763,"title":"فصل اختار المشتري إمساك المعيب وأخذ الأرش","lvl":2,"sub":0},{"id":3765,"title":"مسألة الأمة البكر إذا وطئها المشتري ثم ظهر على عيب","lvl":2,"sub":0},{"id":3766,"title":"فصل كل مبيع كان معيبا ثم حدث به عند","lvl":2,"sub":0},{"id":3769,"title":"فصل كان المبيع كاتبا أو صانعا فنسي","lvl":2,"sub":0},{"id":3770,"title":"فصل تعيب المبيع في يد البائع بعد العقد","lvl":2,"sub":0},{"id":3771,"title":"مسألة اشترى عبدا فأبق من يده وأقام البينة","lvl":2,"sub":0},{"id":3773,"title":"فصل النقائص الموجبة لنقص المالية في عادات التجار","lvl":2,"sub":0},{"id":3777,"title":"فصل اشترط المشتري في البيع صفة مقصودة مما لا يعد فقده عيبا","lvl":2,"sub":0},{"id":3781,"title":"فصل لا يفتقر الرد بالعيب إلى رضى البائع ولا حضوره ولا حكم","lvl":2,"sub":0},{"id":3782,"title":"الفصل الأول اشترى معيبا فباعه","lvl":2,"sub":0},{"id":3784,"title":"الفصل الثاني باع المعيب ثم أراد أخذ","lvl":2,"sub":0},{"id":3786,"title":"الفصل الثالث باع المشتري بعض المبيع ثم ظهر","lvl":2,"sub":0},{"id":3789,"title":"فصل اشترى اثنان شيئا فوجداه معيبا أو اشترطا الخيار","lvl":2,"sub":0},{"id":3790,"title":"فصل ورث اثنان عن أبيهما خيار عيب فرضي أحدهما","lvl":2,"sub":0},{"id":3791,"title":"فصل اشترى رجل من رجلين شيئا فوجده معيبا","lvl":2,"sub":0},{"id":3792,"title":"فصل اشترى حلي فضة بوزنه دراهم فوجده معيبا","lvl":2,"sub":0},{"id":3794,"title":"مسألة ظهر على عيب بعد إعتاقه لها أو موتها في ملكه","lvl":2,"sub":0},{"id":3796,"title":"فصل تصرف في المبيع تصرفا دالا على الرضا به","lvl":2,"sub":0},{"id":3798,"title":"فصل أبق العبد ثم علم عيبه","lvl":2,"sub":0},{"id":3799,"title":"فصل اشترى عبدا فأعتقه ثم علم به عيبا فأخذ","lvl":2,"sub":0},{"id":3800,"title":"مسألة المتبايعين إذا اختلفا في العيب","lvl":2,"sub":0},{"id":3801,"title":"فصل باع الوكيل ثم ظهر المشتري على عيب","lvl":2,"sub":0},{"id":3802,"title":"فصل اشترى جارية على أنها بكر ثم قال المشتري","lvl":2,"sub":0},{"id":3803,"title":"فصل رد المشتري السلعة بعيب فيها فأنكر","lvl":2,"sub":0},{"id":3804,"title":"مسألة اشترى شيئا مأكوله في جوفه فكسره فوجده فاسدا","lvl":2,"sub":0},{"id":3807,"title":"فصل اشترى ثوبا فنشره فوجده معيبا","lvl":2,"sub":0},{"id":3808,"title":"فصل اشترى ثوبا فصبغه ثم ظهر على عيب","lvl":2,"sub":0},{"id":3809,"title":"فصل بيع العبد الجاني","lvl":2,"sub":0},{"id":3813,"title":"مسألة باع عبده أو جاريته وله مال ملكه إياه مولاه","lvl":2,"sub":0},{"id":3815,"title":"فصل اشترى عبدا واشترط ماله ثم رد العبد بعيب","lvl":2,"sub":0},{"id":3817,"title":"فصل لا يملك العبد شيئا إذا لم يملكه سيده","lvl":2,"sub":0},{"id":3819,"title":"مسألة باع سلعة بثمن مؤجل ثم اشتراها بأقل منه نقدا","lvl":2,"sub":0},{"id":3822,"title":"فصل باع سلعة بنقد ثم اشتراها بأكثر منه نسيئة","lvl":2,"sub":0},{"id":3823,"title":"فصل باع طعاما إلى أجل فلما حل","lvl":2,"sub":0},{"id":3825,"title":"مسألة باع حيوانا أو غيره بالبراءة من كل عيب","lvl":2,"sub":0},{"id":3827,"title":"مسألة بيع المرابحة","lvl":2,"sub":0},{"id":3832,"title":"فصل اشترى شيئين صفقة واحدة ثم أراد بيع","lvl":2,"sub":0},{"id":3834,"title":"فصل اشترى شيئا بثمن مؤجل لم يجز بيعه مرابحة","lvl":2,"sub":0},{"id":3835,"title":"فصل اشترى ثوبا بعشرة ثم باعه بخمسة عشر","lvl":2,"sub":0},{"id":3839,"title":"فصل في من يبيع بالرقم","lvl":2,"sub":0},{"id":3840,"title":"فصل بيع التولية","lvl":2,"sub":0},{"id":3841,"title":"مسألة قال في المرابحة رأس مالي","lvl":2,"sub":0},{"id":3844,"title":"فصل بيع المواضعة","lvl":2,"sub":0},{"id":3845,"title":"فصل اشترى رجل نصف سلعة بعشرة واشترى آخر نصفها بعشرين","lvl":2,"sub":0},{"id":3847,"title":"مسألة باع شيئا واختلفا في ثمنه","lvl":2,"sub":0},{"id":3851,"title":"مسألة اختلفا في صفة السلعة","lvl":2,"sub":0},{"id":3853,"title":"فصل تقايلا المبيع أو رد بعيب بعد قبض","lvl":2,"sub":0},{"id":3854,"title":"فصل قال بعتك هذا العبد بألف فقال بل هو والعبد","lvl":2,"sub":0},{"id":3855,"title":"فصل اختلفا في عين المبيع","lvl":2,"sub":0},{"id":3856,"title":"فصل اختلفا المتبايعان في صفة الثمن","lvl":2,"sub":0},{"id":3857,"title":"فصل اختلفا المتبايعان في أجل أو رهن أو في قدرهما أو","lvl":2,"sub":0},{"id":3858,"title":"فصل اختلفا المتبايعان فيما يفسد العقد أو شرط فاسد","lvl":2,"sub":0},{"id":3859,"title":"فصل مات المتبايعان","lvl":2,"sub":0},{"id":3860,"title":"فصل اختلفا المتبايعان في التسليم","lvl":2,"sub":0},{"id":3863,"title":"فصل هرب المشتري قبل وزن الثمن وهو معسر","lvl":2,"sub":0},{"id":3864,"title":"فصل الامتناع من تسليم المبيع بعد قبض الثمن","lvl":2,"sub":0},{"id":3865,"title":"مسألة بيع العبد الآبق","lvl":2,"sub":0},{"id":3866,"title":"مسألة بيع الطير في الهواء والسمك في الماء","lvl":2,"sub":0},{"id":3868,"title":"مسألة بيع السمك في الآجام","lvl":2,"sub":0},{"id":3870,"title":"فصل إذا أعد بركة أو مصفاة ليصطاد فيها السمك فحصل فيها","lvl":2,"sub":0},{"id":3873,"title":"فصل ما حصل من الصيد في كلب إنسان أو صقره أو فهده","lvl":2,"sub":0},{"id":3874,"title":"مسألة الوكيل إذا خالف موكله","lvl":2,"sub":0},{"id":3876,"title":"فصل يبيع عينا لا يملكها ليمضي ويشتريها ويسلمها","lvl":2,"sub":0},{"id":3877,"title":"فصل باع سلعة وصاحبها حاضر ساكت","lvl":2,"sub":0},{"id":3878,"title":"فصل وكل رجلين في بيع سلعته فباع كل واحد منهما","lvl":2,"sub":0},{"id":3879,"title":"مسألة بيع الملامسة والمنابذة","lvl":2,"sub":0},{"id":3880,"title":"فصل بيع الحصاة","lvl":2,"sub":0},{"id":3881,"title":"فصل بيع المحاقلة والمخاضرة","lvl":2,"sub":0},{"id":3882,"title":"مسألة بيع الحمل في البطن دون الأم","lvl":2,"sub":0},{"id":3883,"title":"فصل بيع حبل الحبلة","lvl":2,"sub":0},{"id":3884,"title":"فصل بيع اللبن في الضرع","lvl":2,"sub":0},{"id":3885,"title":"فصل بيع الصوف على الظهر","lvl":2,"sub":0},{"id":3886,"title":"فصل بيع ما تجهل صفته","lvl":2,"sub":0},{"id":3887,"title":"فصل بيع الأعمى وشراؤه","lvl":2,"sub":0},{"id":3888,"title":"مسألة بيع عسب الفحل","lvl":2,"sub":0},{"id":3890,"title":"مسألة النهي عن النجش","lvl":2,"sub":0},{"id":3892,"title":"فصل قال البائع أعطيت بهذه السلعة كذا","lvl":2,"sub":0},{"id":3893,"title":"فصل بيع الرجل على بيع أخيه","lvl":2,"sub":0},{"id":3894,"title":"فصل لا يسم الرجل على سوم أخيه","lvl":2,"sub":0},{"id":3896,"title":"فصل بيع التلجئة","lvl":2,"sub":0},{"id":3897,"title":"مسألة لا يبع حاضر لباد","lvl":2,"sub":0},{"id":3899,"title":"فصل شراء الحاضر للبادى","lvl":2,"sub":0},{"id":3900,"title":"فصل في التسعير","lvl":2,"sub":0},{"id":3902,"title":"مسألة النهي عن تلقي الركبان","lvl":2,"sub":0},{"id":3905,"title":"فصل تلقى الركبان فباعهم شيئا","lvl":2,"sub":0},{"id":3906,"title":"فصل خرج لغير قصد التلقي فلقي ركبا","lvl":2,"sub":0},{"id":3907,"title":"فصل تلقى الجلب في أعلى الأسواق","lvl":2,"sub":0},{"id":3908,"title":"فصل في الاحتكار","lvl":2,"sub":0},{"id":3909,"title":"فصل الاحتكار المحرم","lvl":2,"sub":0},{"id":3911,"title":"مسألة بيع العصير لمن يعتقد أنه يتخذه خمرا","lvl":2,"sub":0},{"id":3913,"title":"فصل بيع ما يقصد به الحرام","lvl":2,"sub":0},{"id":3914,"title":"رجل مات وخلف جارية مغنية وولدا يتيما وقد احتاج إلى بيعها","lvl":2,"sub":0},{"id":3915,"title":"فصل بيع الخمر أو التوكيل في بيعه أوشراؤه","lvl":2,"sub":0},{"id":3916,"title":"مسألة النهي عن الشرطين في البيع","lvl":2,"sub":0},{"id":3918,"title":"فصل الشروط في البيع تنقسم إلى أربعة أقسام","lvl":2,"sub":0},{"id":3923,"title":"فصل كان المبيع أمة فوطئها المشتري","lvl":2,"sub":0},{"id":3925,"title":"فصل باع المشتري المبيع الفاسد","lvl":2,"sub":0},{"id":3926,"title":"فصل زاد المبيع في يد المشتري بسمن أو","lvl":2,"sub":0},{"id":3927,"title":"فصل باع بيعا فاسدا وتقابضا ثم أتلف","lvl":2,"sub":0},{"id":3928,"title":"فصل قال بع عبدك من فلان على أن علي خمسمائة","lvl":2,"sub":0},{"id":3929,"title":"فصل في بيع العربون","lvl":2,"sub":0},{"id":3931,"title":"مسألة النهي عن بيعتان في بيعة","lvl":2,"sub":0},{"id":3933,"title":"فصل النهي عن بيع وسلف","lvl":2,"sub":0},{"id":3934,"title":"فصل النهي عن الجمع بين عقدين مختلفي القيمة بعوض","lvl":2,"sub":0},{"id":3935,"title":"فصل بيع ما يجوز بيعه وما لا يجوز صفقة واحدة بثمن واحد","lvl":2,"sub":0},{"id":3939,"title":"مسألة لولي اليتيم أن يضارب بماله وأن يدفعه إلى من","lvl":2,"sub":0},{"id":3941,"title":"فصل يجوز لولي اليتيم أبضاع ماله","lvl":2,"sub":0},{"id":3942,"title":"فصل لا يجوز لولي اليتيم بيع عقاره لغير حاجة","lvl":2,"sub":0},{"id":3944,"title":"فصل لولي اليتيم كتابة رقيق اليتيم وإعتاقه على","lvl":2,"sub":0},{"id":3945,"title":"فصل للوصي أن يشتري لليتيم أضحية","lvl":2,"sub":0},{"id":3946,"title":"فصل إذا كان الولي موسرا فلا يأكل من مال","lvl":2,"sub":0},{"id":3947,"title":"فصل قرض مال اليتيم","lvl":2,"sub":0},{"id":3949,"title":"فصل هل يجوز للوصي أن يستنيب فيما يتولى مثله بنفسه","lvl":2,"sub":0},{"id":3950,"title":"فصل ادعى الولي الإنفاق على الصبي أو على ماله أو","lvl":2,"sub":0},{"id":3951,"title":"فصل للوصي البيع على الغائب البالغ إذا كان من طريق","lvl":2,"sub":0},{"id":3952,"title":"فصل تصرف الصبي المميز بالبيع والشراء فيما أذن له الولي فيه","lvl":2,"sub":0},{"id":3954,"title":"الفصل الأول في استدانة العبد يعني أخذه بالدين","lvl":2,"sub":0},{"id":3956,"title":"الفصل الثاني فيما لزم العبد من الدين من أروش جناياته أو","lvl":2,"sub":0},{"id":3958,"title":"الفصل الثالث في تصرفات العبد غير المأذون له","lvl":2,"sub":0},{"id":3960,"title":"الفصل الرابع في تصرفات العبد إن كان مأذونا له","lvl":2,"sub":0},{"id":3963,"title":"مسألة بيع الكلب","lvl":2,"sub":0},{"id":3965,"title":"فصل إجارة الكلب","lvl":2,"sub":0},{"id":3966,"title":"فصل الوصية بالكلب الذي يباح اقتناؤه","lvl":2,"sub":0},{"id":3967,"title":"مسألة قتل الكلب المعلم","lvl":2,"sub":0},{"id":3968,"title":"فصل قتل الكلب الأسود البهيم","lvl":2,"sub":0},{"id":3969,"title":"فصل اقتناء الكلب","lvl":2,"sub":0},{"id":3970,"title":"فصل تربية الجرو الصغير","lvl":2,"sub":0},{"id":3971,"title":"فصل اقتنى كلبا للصيد ثم ترك الصيد مدة وهو يريد","lvl":2,"sub":0},{"id":3972,"title":"فصل حكم بيع الخنزير والميتة والدم","lvl":2,"sub":0},{"id":3973,"title":"فصل بيع السرجين النجس","lvl":2,"sub":0},{"id":3974,"title":"فصل حكم بيع الحر وما ليس بمملوك","lvl":2,"sub":0},{"id":3975,"title":"مسألة بيع الفهد والصقر المعلم والهر وكل ما فيه المنفعة","lvl":2,"sub":0},{"id":3978,"title":"فصل بيع بيض ما لا يؤكل لحمه من الطير","lvl":2,"sub":0},{"id":3979,"title":"فصل بيع القرد","lvl":2,"sub":0},{"id":3980,"title":"فصل بيع العلق التي ينتفع بها","lvl":2,"sub":0},{"id":3981,"title":"فصل بيع دود القز وبزره","lvl":2,"sub":0},{"id":3982,"title":"فصل بيع النحل","lvl":2,"sub":0},{"id":3983,"title":"فصل بيع الترياق","lvl":2,"sub":0},{"id":3984,"title":"فصل بيع جلد الميتة قبل الدبغ","lvl":2,"sub":0},{"id":3985,"title":"فصل بيع لبن الآدميات","lvl":2,"sub":0},{"id":3986,"title":"فصل في بيع رباع مكة وإجارة دورها","lvl":2,"sub":0},{"id":3989,"title":"فصل من بني بناء بمكة بآلة مجلوبة من غير أرض","lvl":2,"sub":0},{"id":3990,"title":"فصل بيع المصاحف","lvl":2,"sub":0},{"id":3991,"title":"فصل شراء الكافر مسلما","lvl":2,"sub":0},{"id":3992,"title":"فصل وكل كافر مسلما في شراء مسلم","lvl":2,"sub":0},{"id":3993,"title":"فصل اشترى الكافر مسلما","lvl":2,"sub":0},{"id":3994,"title":"فصل أجر مسلم نفسه لذمي لعمل في ذمته","lvl":2,"sub":0},{"id":3995,"title":"فصل البيع بين كل ذي رحم محرم","lvl":2,"sub":0},{"id":3997,"title":"فصل اشترى ممن في ماله حرام وحلال","lvl":2,"sub":0},{"id":3999,"title":"فصل حكم قبول جوائز السلطان","lvl":2,"sub":0},{"id":4001,"title":"فصل بيع كل ماء عد كمياه العيون","lvl":2,"sub":0},{"id":4003,"title":"فصل بذل فضل مائه لزرع غيره","lvl":2,"sub":0},{"id":4004,"title":"فصل اشترى عبدا بمائة فقضاها عنه غيره","lvl":2,"sub":0},{"id":4005,"title":"فصل قال العبد لرجل ابتعني من سيدي ففعل فبان","lvl":2,"sub":0},{"id":4006,"title":"فصل اشترى اثنان عبدا فغاب أحدهما وجاء الآخر يطلب نصيبه","lvl":2,"sub":0},{"id":4007,"title":"فصل الإشهاد في البيع","lvl":2,"sub":0},{"id":4009,"title":"فصل البيع والشراء في المسجد","lvl":2,"sub":0},{"id":4010,"title":"باب السلف المضمون إلى أجل مسمى","lvl":2,"sub":0},{"id":4012,"title":"مسألة كل ما ضبط بصفة فالسلم فيه جائز","lvl":2,"sub":0},{"id":4014,"title":"فصل السلم في الخبز واللبأ وما أمكن ضبطه مما","lvl":2,"sub":0},{"id":4015,"title":"فصل السلم في النشاب والنبل","lvl":2,"sub":0},{"id":4016,"title":"فصل السلم في الحيوان","lvl":2,"sub":0},{"id":4018,"title":"فصل السلم في غير الحيوان مما لا يكال ولا يوزن ولا يزرع","lvl":2,"sub":0},{"id":4019,"title":"فصل السلم في الرءوس والأطراف","lvl":2,"sub":0},{"id":4020,"title":"فصل السلم في الجلود","lvl":2,"sub":0},{"id":4021,"title":"فصل السلم في اللحم","lvl":2,"sub":0},{"id":4024,"title":"فصل الجنس والجودة أو ما يقوم مقامهما شرطان في كل مسلم","lvl":2,"sub":0},{"id":4025,"title":"فصل يوصف البر في السلم بأربعة أوصاف","lvl":2,"sub":0},{"id":4026,"title":"فصل يوصف العسل في السلم بثلاثة أوصاف","lvl":2,"sub":0},{"id":4027,"title":"فصل ذكر النوع والسن والذكورية والأنوثية في السلم في","lvl":2,"sub":0},{"id":4030,"title":"فصل ضبط السمن في السلم","lvl":2,"sub":0},{"id":4031,"title":"فصل ضبط الثياب في السلم بستة أوصاف","lvl":2,"sub":0},{"id":4032,"title":"فصل وصف غزل القطن والكتان في السلم","lvl":2,"sub":0},{"id":4033,"title":"فصل ضبط النحاس والرصاص والحديد في السلم بالنوع","lvl":2,"sub":0},{"id":4034,"title":"فصل الخشب في السلم على أضرب","lvl":2,"sub":0},{"id":4036,"title":"فصل ضبط العنبر في السلم باللون والبلد","lvl":2,"sub":0},{"id":4037,"title":"مسألة معرفة مقدار المسلم فيه","lvl":2,"sub":0},{"id":4038,"title":"فصل أسلم فيما يكال وزنا أو فيما يوزن كيلا","lvl":2,"sub":0},{"id":4040,"title":"فصل المسلم فيه مما لا يمكنه وزنه بالميزان","lvl":2,"sub":0},{"id":4041,"title":"فصل تقدير المذروع بالذرع","lvl":2,"sub":0},{"id":4042,"title":"فصل ما عدا المكيل والموزون والحيوان والمذروع في السلم","lvl":2,"sub":0},{"id":4043,"title":"الفصل الأول يشترط لصحة السلم كونه مؤجلا","lvl":2,"sub":0},{"id":4045,"title":"الفصل الثاني كون الأجل معلوما في السلم الحال","lvl":2,"sub":0},{"id":4047,"title":"فصل جعل الأجل إلى شهر في السلم","lvl":2,"sub":0},{"id":4048,"title":"فصل شرط الأجل في السلم","lvl":2,"sub":0},{"id":4049,"title":"الفصل الثالث كون الأجل في السلم معلوما بالأهلة","lvl":2,"sub":0},{"id":4050,"title":"مسألة كون المسلم فيه عام الوجود في محله","lvl":2,"sub":0},{"id":4051,"title":"فصل أسلم في ثمرة بستان بعينه أو قرية صغيرة","lvl":2,"sub":0},{"id":4052,"title":"فصل كون المسلم فيه موجودا حال السلم","lvl":2,"sub":0},{"id":4053,"title":"فصل تعذر تسليم المسلم فيه عند المحل","lvl":2,"sub":0},{"id":4055,"title":"فصل أسلم نصراني إلى نصراني في خمر ثم","lvl":2,"sub":0},{"id":4056,"title":"مسألة قبض الثمن كاملا وقت السلم قبل التفرق","lvl":2,"sub":0},{"id":4058,"title":"فصل قبض الثمن في السلم فوجده رديئا فرده والثمن معين","lvl":2,"sub":0},{"id":4059,"title":"فصل خرجت الدراهم في السلم مستحقة والثمن معين","lvl":2,"sub":0},{"id":4060,"title":"فصل له في ذمة رجل دينار فجعله سلما في","lvl":2,"sub":0},{"id":4061,"title":"مسألة معرفة صفة الثمن المعين في السلم","lvl":2,"sub":0},{"id":4063,"title":"فصل منع بيع العروض بعضها ببعض نساء","lvl":2,"sub":0},{"id":4067,"title":"مسألة بيع المسلم فيه قبل قبضه","lvl":2,"sub":0},{"id":4069,"title":"فصل الإقالة في المسلم فيه","lvl":2,"sub":0},{"id":4071,"title":"مسألة أسلم في جنسين ثمنا واحدا","lvl":2,"sub":0},{"id":4072,"title":"مسألة أسلم في شيء واحد على أن يقبضه في","lvl":2,"sub":0},{"id":4073,"title":"مسألة أحضر المسلم فيه على الصفة المشروطة","lvl":2,"sub":0},{"id":4075,"title":"فصل أحضر المسلم فيه على صفته","lvl":2,"sub":0},{"id":4077,"title":"فصل جاءه بالأجود فقال خذه وزدني درهما","lvl":2,"sub":0},{"id":4078,"title":"فصل سلم إليه ما تناوله عقد السلم","lvl":2,"sub":0},{"id":4079,"title":"فصل لا يقبض المكيل إلا بالكيل ولا الموزون إلا بالوزن","lvl":2,"sub":0},{"id":4080,"title":"مسألة الرهن والضمين في السلم","lvl":2,"sub":0},{"id":4081,"title":"فصل أخذ رهنا أو ضمينا بالمسلم فيه","lvl":2,"sub":0},{"id":4082,"title":"فصل ضمان السلم","lvl":2,"sub":0},{"id":4083,"title":"فصل ما يصح أخذ الرهن به في السلم","lvl":2,"sub":0},{"id":4086,"title":"فصل الأعيان المضمونة","lvl":2,"sub":0},{"id":4087,"title":"فصل ما جاز أخذ الرهن به جاز","lvl":2,"sub":0},{"id":4088,"title":"فصل اختلف المسلم والمسلم إليه في حلول الأجل","lvl":2,"sub":0},{"id":4089,"title":"باب القرض","lvl":2,"sub":0},{"id":4090,"title":"فصل القرض مندوب إليه في حق المقرض مباح للمقترض","lvl":2,"sub":0},{"id":4092,"title":"فصل القرض لا يصح إلا من جائز التصرف","lvl":2,"sub":0},{"id":4093,"title":"فصل القرض لا يثبت فيه خيار","lvl":2,"sub":0},{"id":4094,"title":"فصل للمقرض المطالبة ببدله في الحال","lvl":2,"sub":0},{"id":4096,"title":"فصل قرض المكيل والموزون","lvl":2,"sub":0},{"id":4097,"title":"فصل قرض بنى آدم مكروه","lvl":2,"sub":0},{"id":4099,"title":"فصل اقترض دراهم أو دنانير غير معروفة الوزن","lvl":2,"sub":0},{"id":4100,"title":"فصل رد المثل في المكيل والموزون","lvl":2,"sub":0},{"id":4101,"title":"فصل قرض الخبز","lvl":2,"sub":0},{"id":4103,"title":"فصل في قرض شرط فيه أن يزيده","lvl":2,"sub":0},{"id":4106,"title":"فصل أقرضه مطلقا من غير شرط فقضاه خيرا منه","lvl":2,"sub":0},{"id":4108,"title":"فصل شرط في القرض أن يوفيه أنقص مما أقرضه","lvl":2,"sub":0},{"id":4109,"title":"فصل اقترض من رجل نصف دينار فدفع إليه دينارا صحيحا وقال","lvl":2,"sub":0},{"id":4110,"title":"فصل أفلس غريمه فأقرضه ألفا ليوفيه كل شهر شيئا","lvl":2,"sub":0},{"id":4111,"title":"فصل اقترض من رجل دراهم وابتاع بها منه شيئا فخرجت زيوفا","lvl":2,"sub":0},{"id":4113,"title":"فصل كان القرض فلوسا أو مكسرة فحرمها السلطان وتركت","lvl":2,"sub":0},{"id":4114,"title":"فصل أقرضه ما لحمله مؤنة ثم طالبه","lvl":2,"sub":0},{"id":4115,"title":"فصل أقرض ذمي ذميا خمرا ثم أسلما أو","lvl":2,"sub":0},{"id":4116,"title":"كتاب الرهن","lvl":2,"sub":0},{"id":4117,"title":"فصل الرهن في الحضر","lvl":2,"sub":0},{"id":4118,"title":"فصل الرهن غير واجب","lvl":2,"sub":0},{"id":4119,"title":"فصل لا يخلو الرهن من ثلاثة أحوال","lvl":2,"sub":0},{"id":4121,"title":"فصل لا يلزم الرهن إلا بالقبض","lvl":2,"sub":0},{"id":4124,"title":"فصل حجر على الراهن لفلس قبل التسليم","lvl":2,"sub":0},{"id":4125,"title":"فصل تصرف الراهن في الرهن قبل القبض بهبة أو بيع أو عتق","lvl":2,"sub":0},{"id":4126,"title":"فصل استدامة القبض شرط للزوم الرهن","lvl":2,"sub":0},{"id":4128,"title":"فصل ليس للمرتهن قبض الرهن إلا بإذن الراهن","lvl":2,"sub":0},{"id":4129,"title":"مسألة القبض في الرهن","lvl":2,"sub":0},{"id":4130,"title":"فصل رهنه سهما مشاعا مما لا ينقل","lvl":2,"sub":0},{"id":4131,"title":"فصل رهنه دارا فخلى بينه وبينها وهما فيها ثم","lvl":2,"sub":0},{"id":4132,"title":"فصل رهنه مالا له في يد المرتهن عارية أو وديعة أو غصبا","lvl":2,"sub":0},{"id":4134,"title":"فصل رهنه المضمون كالمغصوب والعارية والمقبوض في بيع","lvl":2,"sub":0},{"id":4135,"title":"فصل وكل المرتهن الراهن في قبض الرهن له من نفسه","lvl":2,"sub":0},{"id":4136,"title":"فصل أقر الراهن بتقبيض الرهن أو أقر المرتهن بقبضه","lvl":2,"sub":0},{"id":4138,"title":"فصل رهنه عينين فتلفت إحداهما قبل قبضها","lvl":2,"sub":0},{"id":4139,"title":"فصل رهنه دارا فانهدمت قبل قبضها","lvl":2,"sub":0},{"id":4140,"title":"فصل كل عين جاز بيعها جاز رهنها","lvl":2,"sub":0},{"id":4141,"title":"فصل رهن بعض نصيبه من المشاع","lvl":2,"sub":0},{"id":4142,"title":"فصل رهن المرتد والقاتل في المحاربة والجاني","lvl":2,"sub":0},{"id":4144,"title":"فصل رهن المدبر","lvl":2,"sub":0},{"id":4145,"title":"فصل رهن المكاتب","lvl":2,"sub":0},{"id":4146,"title":"فصل رهن الجارية","lvl":2,"sub":0},{"id":4147,"title":"فصل رهن ما يسرع إليه الفساد","lvl":2,"sub":0},{"id":4149,"title":"فصل رهن العصير","lvl":2,"sub":0},{"id":4151,"title":"فصل رهن الثمرة قبل بدو صلاحها","lvl":2,"sub":0},{"id":4152,"title":"فصل رهن المصحف","lvl":2,"sub":0},{"id":4153,"title":"فصل استعار من رجل شيئا يرهنه","lvl":2,"sub":0},{"id":4156,"title":"فصل فك المعير الرهن وأدى الدين الذي عليه بإذن الراهن","lvl":2,"sub":0},{"id":4157,"title":"فصل استعار من رجل عبدا ليرهنه بمائة فرهنه عند رجلين","lvl":2,"sub":0},{"id":4158,"title":"فصل كان لرجلين عبدان فأذن كل واحد منهما لشريكه","lvl":2,"sub":0},{"id":4159,"title":"فصل رهن ما لا يصح بيعه","lvl":2,"sub":0},{"id":4161,"title":"فصل رهن سواد العراق والأرض الموقوفة","lvl":2,"sub":0},{"id":4162,"title":"فصل رهن المجهول","lvl":2,"sub":0},{"id":4163,"title":"فصل رهن عبدا أو باعه يعتقده مغصوبا فبان ملكه","lvl":2,"sub":0},{"id":4164,"title":"فصل رهن المبيع في مدة الخيار","lvl":2,"sub":0},{"id":4165,"title":"فصل رهن ثمرة شجر يحمل في السنة حملين","lvl":2,"sub":0},{"id":4166,"title":"فصل رهن منافع دار شهرا","lvl":2,"sub":0},{"id":4167,"title":"فصل رهن المكاتب من يعتق عليه","lvl":2,"sub":0},{"id":4168,"title":"فصل رهن الوارث تركة الميت أو باعها وعلى الميت دين","lvl":2,"sub":0},{"id":4169,"title":"فصل رهن العبد المسلم لكافر","lvl":2,"sub":0},{"id":4170,"title":"مسألة قبض الرهن من تشارطا أن الرهن يكون على","lvl":2,"sub":0},{"id":4171,"title":"فصل جعل الراهن والمرتهن الرهن في يد اثنين","lvl":2,"sub":0},{"id":4173,"title":"فصل أراد العدل رد الرهن على من أودعه","lvl":2,"sub":0},{"id":4174,"title":"فصل كان الرهن على يدي عدل وشرطا له أن يبيعه","lvl":2,"sub":0},{"id":4176,"title":"فصل أتلف الرهن في يد العدل أجنبي","lvl":2,"sub":0},{"id":4177,"title":"فصل أذن الراهن والمرتهن للعدل في البيع وعينا له","lvl":2,"sub":0},{"id":4179,"title":"فصل قدر الراهن والمرتهن للعدل الذي في يده الرهن ثمنا","lvl":2,"sub":0},{"id":4180,"title":"فصل باع العدل الرهن بإذنهما وقبض الثمن فتلف","lvl":2,"sub":0},{"id":4183,"title":"فصل ادعى العدل المأذون له في البيع دفع الثمن إلى المرتهن","lvl":2,"sub":0},{"id":4185,"title":"فصل غصب المرتهن الرهن من العدل ثم رده إليه","lvl":2,"sub":0},{"id":4186,"title":"فصل استقرض ذمي من مسلم مالا ورهنه خمرا","lvl":2,"sub":0},{"id":4187,"title":"مسألة لا يرهن مال من أوصى إليه بحفظ ماله إلا","lvl":2,"sub":0},{"id":4188,"title":"فصل أخذ الرهن بمال اليتيم","lvl":2,"sub":0},{"id":4189,"title":"فصل كان مال اليتيم رهنا فاستعاده الوصي لليتيم","lvl":2,"sub":0},{"id":4190,"title":"فصل رهن الوصي أو الحاكم مال اليتيم عند مكاتبه أو ولده","lvl":2,"sub":0},{"id":4191,"title":"فصل أوصى إلى رجل بقضاء دينه فرهن شيئا من تركته","lvl":2,"sub":0},{"id":4192,"title":"مسألة رهن شيئا بمال فأدى بعض المال","lvl":2,"sub":0},{"id":4193,"title":"مسألة أعتق الراهن عبده المرهون","lvl":2,"sub":0},{"id":4195,"title":"فصل أعتق الراهن عبده المرهون بإذن المرتهن","lvl":2,"sub":0},{"id":4196,"title":"فصل تصرف الراهن في المرهون بغير العتق","lvl":2,"sub":0},{"id":4198,"title":"فصل وطء أمته المرهونة","lvl":2,"sub":0},{"id":4199,"title":"مسألة وطئ أمته المرهونة فأولدها","lvl":2,"sub":0},{"id":4200,"title":"فصل وطئ أمته المرهونة بإذن المرتهن","lvl":2,"sub":0},{"id":4201,"title":"فصل أذن في ضرب أمته المرهونة فضربها فتلفت","lvl":2,"sub":0},{"id":4202,"title":"فصل أقر الراهن بوطء أمته المرهونة","lvl":2,"sub":0},{"id":4205,"title":"فصل وطء المرتهن الجارية المرهونة","lvl":2,"sub":0},{"id":4208,"title":"مسألة العبد المرهون إذا جنى","lvl":2,"sub":0},{"id":4211,"title":"فصل العبد المرهون إذا جنى على سيد العبد","lvl":2,"sub":0},{"id":4212,"title":"فصل جنى العبد المرهون على عبد لسيده","lvl":2,"sub":0},{"id":4215,"title":"فصل جنى العبد المرهون على موروث سيده","lvl":2,"sub":0},{"id":4216,"title":"فصل جنى العبد المرهون على مكاتب السيد","lvl":2,"sub":0},{"id":4217,"title":"فصل جنى العبد المرهون بإذن سيده","lvl":2,"sub":0},{"id":4218,"title":"مسألة جرح العبد المرهون أو قتل","lvl":2,"sub":0},{"id":4221,"title":"فصل أقر رجل بالجناية على الرهن فكذبه الراهن والمرتهن","lvl":2,"sub":0},{"id":4222,"title":"فصل كان الرهن أمة حاملا فضرب بطنها أجنبي","lvl":2,"sub":0},{"id":4223,"title":"مسألة اشترى منه سلعة على أن يرهنه بها أو على أن يعطيه","lvl":2,"sub":0},{"id":4226,"title":"فصل شرط البائع رهنا أو ضمينا معينا فجاء بغيرهما","lvl":2,"sub":0},{"id":4227,"title":"فصل تعيب الرهن أو استحال العصير خمرا قبل قبضه","lvl":2,"sub":0},{"id":4229,"title":"فصل وجد بالرهن عيبا","lvl":2,"sub":0},{"id":4230,"title":"فصل لم يشترطا رهنا في البيع فتطوع المشتري برهن","lvl":2,"sub":0},{"id":4231,"title":"فصل تبايعا بشرط أن يكون المبيع رهنا","lvl":2,"sub":0},{"id":4233,"title":"فصل شرط في البيع رهنا فاسدا","lvl":2,"sub":0},{"id":4234,"title":"فصل الشروط في الرهن","lvl":2,"sub":0},{"id":4235,"title":"فصل رهنه أمة فشرط كونها عند امرأة أو ذي محرم لها","lvl":2,"sub":0},{"id":4236,"title":"فصل والقسم الثاني الشروط الفاسدة في الرهن","lvl":2,"sub":0},{"id":4238,"title":"فصل رهن الدين","lvl":2,"sub":0},{"id":4239,"title":"فصل الرهن بشرط الزيادة في الأجل","lvl":2,"sub":0},{"id":4240,"title":"فصل شرط عقد الرهن بالألف على مرتهن بألفين","lvl":2,"sub":0},{"id":4241,"title":"فصل فسد الرهن وقبضه المرتهن","lvl":2,"sub":0},{"id":4242,"title":"مسألة لا ينتفع المرتهن من الرهن بشيء","lvl":2,"sub":0},{"id":4244,"title":"فصل شرط في الرهن أن ينتفع به المرتهن","lvl":2,"sub":0},{"id":4245,"title":"فصل الانتفاع بالرهن الذي يحتاج إلى مؤنة","lvl":2,"sub":0},{"id":4247,"title":"فصل مؤنة الرهن غير المحلوب والمركوب","lvl":2,"sub":0},{"id":4248,"title":"فصل مؤنة رهن الحيوان إذا أنفق عليه متبرعا","lvl":2,"sub":0},{"id":4249,"title":"فصل انتفع المرتهن بالرهن باستخدام أو ركوب","lvl":2,"sub":0},{"id":4250,"title":"مسألة ثمرة الشجرة المرهونة","lvl":2,"sub":0},{"id":4252,"title":"فصل هل يدخل الشجر في رهن الأرض","lvl":2,"sub":0},{"id":4253,"title":"فصل انتفاع الراهن بالرهن","lvl":2,"sub":0},{"id":4255,"title":"فصل إصلاح الرهن ودفع الفساد عنه ومداواته","lvl":2,"sub":0},{"id":4256,"title":"مسألة مؤنة الرهن","lvl":2,"sub":0},{"id":4257,"title":"فصل كان الرهن ثمرة فاحتاجت إلى سقي وتسوية وجذاذ","lvl":2,"sub":0},{"id":4258,"title":"فصل كان الرهن ماشية تحتاج إلى إطراق الفحل","lvl":2,"sub":0},{"id":4259,"title":"فصل مرض المرهون فاحتاج إلى دواء","lvl":2,"sub":0},{"id":4261,"title":"فصل كان الرهن نخلا فاحتاج إلى تأبير","lvl":2,"sub":0},{"id":4262,"title":"فصل حكم الزيادة في الرهن","lvl":2,"sub":0},{"id":4263,"title":"مسألة الرهن إذا تلف بغير جناية من المرتهن","lvl":2,"sub":0},{"id":4265,"title":"فصل قضى الراهن المرتهن جميع الحق","lvl":2,"sub":0},{"id":4266,"title":"فصل قبض المرتهن الرهن فوجده مستحقا","lvl":2,"sub":0},{"id":4267,"title":"مسألة اختلفا في قيمة الرهن","lvl":2,"sub":0},{"id":4269,"title":"فصل اختلفا في قدر الرهن","lvl":2,"sub":0},{"id":4270,"title":"فصل قال بعتك هذا الثوب على أن ترهنني بثمنه عبديك","lvl":2,"sub":0},{"id":4273,"title":"فصل اتفق المتراهنان على قبض العدل للرهن","lvl":2,"sub":0},{"id":4274,"title":"فصل قال رهنتني عبدك هذا بألف فقال بل قد غصبته","lvl":2,"sub":0},{"id":4275,"title":"فصل ادعى على رجلين فقال رهنتماني عبدكما بديني عليكما","lvl":2,"sub":0},{"id":4276,"title":"فصل رهن عينا عند رجلين","lvl":2,"sub":0},{"id":4277,"title":"فصل ادعى رجلان على رجل أنه رهنهما عبده فأنكرهما","lvl":2,"sub":0},{"id":4278,"title":"فصل أذن للراهن في بيع الرهن بعد حلول الحق","lvl":2,"sub":0},{"id":4280,"title":"فصل إذا حل الحق لزم الراهن الإيفاء","lvl":2,"sub":0},{"id":4281,"title":"مسألة المرتهن أحق بثمن الرهن من جميع الغرماء","lvl":2,"sub":0},{"id":4283,"title":"فصل باع العدل الرهن وقبض الثمن فتلف وتعذر رده وخرجت","lvl":2,"sub":0},{"id":4284,"title":"فصل استأجر دارا أو بعيرا بعينه ثم أفلس المؤجر","lvl":2,"sub":0},{"id":4285,"title":"فصل باع سلعة ثم أفلس قبل تقبيضها","lvl":2,"sub":0},{"id":4287,"title":"فصل رجل عنده رهون كثيرة لا يعرف أصحابها ولا من رهن عنده","lvl":2,"sub":0},{"id":4288,"title":"كتاب المفلس","lvl":2,"sub":0},{"id":4290,"title":"مسألة الأحكام المتعلقة بالمحجور عليه","lvl":2,"sub":0},{"id":4291,"title":"مسألة فلس الحاكم رجلا فأصاب أحد الغرماء عين ماله","lvl":2,"sub":0},{"id":4293,"title":"فصل خيار الرجوع على الفور أو على التراخي","lvl":2,"sub":0},{"id":4294,"title":"فصل بذل الغرماء الثمن لصاحب السلعة ليتركها","lvl":2,"sub":0},{"id":4295,"title":"فصل اشترى المفلس سلعة بعد الحجر عليه","lvl":2,"sub":0},{"id":4296,"title":"فصل استأجر أرضا ليزرعها فأفلس","lvl":2,"sub":0},{"id":4298,"title":"فصل أقرض رجلا مالا ثم أفلس المقترض","lvl":2,"sub":0},{"id":4299,"title":"مسألة البائع يستحق الرجوع في السلعة بخمس شرائط","lvl":2,"sub":0},{"id":4301,"title":"فصل باع بعض المبيع أو وهبه أو وقفه","lvl":2,"sub":0},{"id":4302,"title":"فصل نقصت مالية المبيع لذهاب صفة مع بقاء عينه","lvl":2,"sub":0},{"id":4303,"title":"فصل جرح العبد المبيع أو شج","lvl":2,"sub":0},{"id":4305,"title":"فصل اشترى زيتا فخلطه بزيت آخر أو قمحا فخلطه بما لا يمكن منه","lvl":2,"sub":0},{"id":4306,"title":"فصل اشترى شيئا فعمل به ما أزال اسمه","lvl":2,"sub":0},{"id":4307,"title":"فصل اشترى حبا فصار زرعا أو زرعا فصار حبا","lvl":2,"sub":0},{"id":4308,"title":"فصل اشترى ثوبا فصبغه أو سويقا فلته بزيت","lvl":2,"sub":0},{"id":4309,"title":"فصل اشترى صبغا فصبغ به ثوبا أو زيتا فلت به سويقا","lvl":2,"sub":0},{"id":4310,"title":"فصل اشترى ثوبا فقصره","lvl":2,"sub":0},{"id":4312,"title":"فصل المبيع زاد زيادة متصلة","lvl":2,"sub":0},{"id":4314,"title":"فصل المبيع زاد زيادة منفصلة","lvl":2,"sub":0},{"id":4315,"title":"فصل اشترى أمة حاملا ثم أفلس","lvl":2,"sub":0},{"id":4317,"title":"فصل اشترى حائلا فحملت ثم أفلس وهي حامل فزادت","lvl":2,"sub":0},{"id":4318,"title":"فصل كان المبيع نخلا أو شجرا فأفلس المشتري","lvl":2,"sub":0},{"id":4322,"title":"فصل أقر الغرماء بأن الزرع أو الطلع للبائع","lvl":2,"sub":0},{"id":4324,"title":"فصل صدق المفلس البائع في الرجوع قبل التأبير وكذبه","lvl":2,"sub":0},{"id":4326,"title":"فصل أقر المفلس أنه أعتق عبده وأنكر الغرماء","lvl":2,"sub":0},{"id":4327,"title":"فصل كان المبيع أرضا فبناها المشتري ثم","lvl":2,"sub":0},{"id":4330,"title":"فصل اشترى غراسا فغرسه في أرضه ثم أفلس","lvl":2,"sub":0},{"id":4331,"title":"فصل اشترى أرضا من رجل وغراسا من آخر فغرسه فيها","lvl":2,"sub":0},{"id":4332,"title":"فصل قبض بائع الأرض بعض ثمنها","lvl":2,"sub":0},{"id":4334,"title":"فصل تعلق حق الغير بالمبيع","lvl":2,"sub":0},{"id":4335,"title":"فصل كان المبيع عبدا فأفلس المشتري بعد","lvl":2,"sub":0},{"id":4336,"title":"فصل أفلس المشترى بعد خروج المبيع من ملكه","lvl":2,"sub":0},{"id":4337,"title":"فصل كان المبيع شقصا مشفوعا وأفلس المشترى","lvl":2,"sub":0},{"id":4338,"title":"فصل كان المبيع صيدا فأفلس المشتري","lvl":2,"sub":0},{"id":4339,"title":"فصل أفلس المشترى وفي يده عين مال دين","lvl":2,"sub":0},{"id":4340,"title":"فصل ابتاع طعاما نسيئة ونظر إليه وقلبه وقال أقبضه","lvl":2,"sub":0},{"id":4341,"title":"فصل رجوع البائع في المبيع","lvl":2,"sub":0},{"id":4342,"title":"مسألة وجب له حق بشاهد فلم يحلف","lvl":2,"sub":0},{"id":4343,"title":"مسألة كان على المفلس دين مؤجل","lvl":2,"sub":0},{"id":4346,"title":"فصل مات وعليه دين","lvl":2,"sub":0},{"id":4347,"title":"مسألة ما فعله المفلس في ماله قبل أن يقفه","lvl":2,"sub":0},{"id":4350,"title":"فصل المفلس إذا حجر عليه","lvl":2,"sub":0},{"id":4352,"title":"فصل أعتق المفلس بعض رقيقه","lvl":2,"sub":0},{"id":4353,"title":"فصل إظهار الحجر على المفلس","lvl":2,"sub":0},{"id":4354,"title":"فصل المفلس ثبت عليه حق ببينة","lvl":2,"sub":0},{"id":4355,"title":"فصل قسم الحاكم مال المفلس بين غرمائه ثم","lvl":2,"sub":0},{"id":4356,"title":"فصل أفلس وله دار مستأجرة فانهدمت بعد قبض","lvl":2,"sub":0},{"id":4357,"title":"مسألة ينفق على المفلس وعلى من تلزمه مؤنته","lvl":2,"sub":0},{"id":4359,"title":"فصل كفن المفلس من ماله","lvl":2,"sub":0},{"id":4360,"title":"مسألة حكم بيع دار المفلس التي لا غنى له عن سكناها","lvl":2,"sub":0},{"id":4364,"title":"فصل كان للمفلس داران يستغني بسكني إحداهما","lvl":2,"sub":0},{"id":4365,"title":"فصل كان المفلس ذا صنعة","lvl":2,"sub":0},{"id":4366,"title":"فصل تلف شيء من مال المفلس تحت يد الأمين","lvl":2,"sub":0},{"id":4367,"title":"فصل إذا اجتمع مال المفلس","lvl":2,"sub":0},{"id":4368,"title":"فصل هل يجبر الحاكم المفلس على إيجار نفسه ليقضي دينه","lvl":2,"sub":0},{"id":4370,"title":"فصل لا يجبر المفلس على قبول هدية","lvl":2,"sub":0},{"id":4372,"title":"فصل إذا فرق مال المفلس فهل ينفك عنه الحجر بذلك","lvl":2,"sub":0},{"id":4373,"title":"فصل المفلس إذا ثبت إعساره عند الحاكم","lvl":2,"sub":0},{"id":4375,"title":"مسألة وجب عليه حق فذكر أنه معسر به","lvl":2,"sub":0},{"id":4379,"title":"فصل امتناع الموسر من قضاء الدين","lvl":2,"sub":0},{"id":4380,"title":"مسألة مات فتبين أنه كان مفلسا","lvl":2,"sub":0},{"id":4382,"title":"مسألة أراد سفرا وعليه حق يستحق قبل مدة سفره","lvl":2,"sub":0},{"id":4384,"title":"كتاب الحجر","lvl":2,"sub":0},{"id":4386,"title":"الفصل الأول دفع المال إلى المحجور عليه إذا رشد وبلغ","lvl":2,"sub":0},{"id":4388,"title":"الفصل الثاني اليتيم لا يدفع إليه ماله قبل وجود أمرين","lvl":2,"sub":0},{"id":4391,"title":"الفصل الثالث البلوغ في حق الغلام والجارية","lvl":2,"sub":0},{"id":4394,"title":"فصل من علامات البلوغ خروج المني من ذكر الخنثى المشكل","lvl":2,"sub":0},{"id":4396,"title":"مسألة الجارية إذا بلغت وأونس رشدها بعد بلوغها","lvl":2,"sub":0},{"id":4398,"title":"فصل تصرف المرأة الرشيدة في مالها","lvl":2,"sub":0},{"id":4401,"title":"فصل الصدقة من مال زوجها بغير إذنه","lvl":2,"sub":0},{"id":4403,"title":"مسألة الرشد الصلاح في المال","lvl":2,"sub":0},{"id":4405,"title":"فصل يعرف رشد اليتيم بأخباره","lvl":2,"sub":0},{"id":4407,"title":"مسألة المحجور عليه إذا فك عنه الحجر ثم","lvl":2,"sub":0},{"id":4408,"title":"فصل لا يحجر على السفيه إلا الحاكم","lvl":2,"sub":0},{"id":4409,"title":"مسألة الحاكم إذا حجر على السفيه فمن عامله","lvl":2,"sub":0},{"id":4410,"title":"فصل الحجر في الصبي والمجنون","lvl":2,"sub":0},{"id":4411,"title":"فصل لا ينظر في مال الصبي والمجنون ما داما في الحجر","lvl":2,"sub":0},{"id":4412,"title":"مسألة أقر المحجور عليه بما يوجب حدا أو قصاصا","lvl":2,"sub":0},{"id":4413,"title":"فصل إذا أقر بما يوجب القصاص فعفا المقر له على","lvl":2,"sub":0},{"id":4414,"title":"فصل خلع المحجور عليه","lvl":2,"sub":0},{"id":4415,"title":"فصل عتق المحجور عليه","lvl":2,"sub":0},{"id":4416,"title":"فصل تزوج المحجور عليه","lvl":2,"sub":0},{"id":4417,"title":"فصل تدبير ووصية المحجور عليه","lvl":2,"sub":0},{"id":4419,"title":"فصل أقر المحجور عليه بنسب ولد","lvl":2,"sub":0},{"id":4420,"title":"مسألة أقر السفيه بدين","lvl":2,"sub":0},{"id":4422,"title":"فصل أذن ولي السفيه له في البيع والشراء","lvl":2,"sub":0},{"id":4423,"title":"كتاب الصلح","lvl":2,"sub":0},{"id":4424,"title":"الصلح على الإنكار","lvl":2,"sub":0},{"id":4428,"title":"فصل ادعى على رجل وديعة أو قرضا","lvl":2,"sub":0},{"id":4429,"title":"فصل صالح عن المنكر أجنبي","lvl":2,"sub":0},{"id":4431,"title":"فصل صالح الأجنبي المدعي لنفسه","lvl":2,"sub":0},{"id":4433,"title":"فصل قال الأجنبي للمدعي أنا وكيل المدعى عليه في","lvl":2,"sub":0},{"id":4435,"title":"مسألة اعترف بحق فصالح على بعضه","lvl":2,"sub":0},{"id":4440,"title":"فصل ادعى على رجل بيتا فصالحه على بعضه","lvl":2,"sub":0},{"id":4441,"title":"فصل صالحه بخدمة عبده سنة","lvl":2,"sub":0},{"id":4443,"title":"فصل ادعى زرعا في يد رجل","lvl":2,"sub":0},{"id":4444,"title":"فصل حصلت أغصان شجرته في هواء ملك غيره","lvl":2,"sub":0},{"id":4446,"title":"فصل صالحه على أرض بجزء معلوم من ثمرها","lvl":2,"sub":0},{"id":4448,"title":"فصل ما امتد من عروق شجرة إنسان إلى أرض","lvl":2,"sub":0},{"id":4449,"title":"فصل صالحه على المؤجل ببعضه حالا","lvl":2,"sub":0},{"id":4451,"title":"فصل الصلح عن المجهول","lvl":2,"sub":0},{"id":4454,"title":"فصل الصلح عن كل ما يجوز أخذ العوض عنه","lvl":2,"sub":0},{"id":4455,"title":"فصل صالح عن المائة الثابتة في الذمة بالإتلاف","lvl":2,"sub":0},{"id":4456,"title":"فصل صالح عن القصاص بعبد فخرج مستحقا","lvl":2,"sub":0},{"id":4457,"title":"فصل صالح عن دار أو عبد بعوض","lvl":2,"sub":0},{"id":4458,"title":"فصل صالحه عن القصاص بحر يعلمان حريته","lvl":2,"sub":0},{"id":4459,"title":"فصل صالح رجلا على موضع قناة من أرضه يجري","lvl":2,"sub":0},{"id":4461,"title":"فصل صالح رجلا على إجراء ماء سطحه","lvl":2,"sub":0},{"id":4463,"title":"فصل أراد أن يجري ماء في أرض غيره","lvl":2,"sub":0},{"id":4464,"title":"فصل صالح رجلا على أن يسقي أرضه من","lvl":2,"sub":0},{"id":4465,"title":"فصل الصلح على ما لا يجوز أخذ العوض عنه","lvl":2,"sub":0},{"id":4466,"title":"فصل ادعى على رجل أنه عبده فأنكره","lvl":2,"sub":0},{"id":4467,"title":"فصل صالح شاهدا على أن لا يشهد عليه","lvl":2,"sub":0},{"id":4469,"title":"فصل لا يشرع إلى طريق نافذ جناحا","lvl":2,"sub":0},{"id":4471,"title":"فصل لا يبني في الطريق دكانا","lvl":2,"sub":0},{"id":4472,"title":"فصل لا يبني دكانا ولا يخرج روشنا ولا ساباطا على درب غير نافذ","lvl":2,"sub":0},{"id":4473,"title":"فصل : لا يحفر في الطريق النافذة بئرا لنفسه","lvl":2,"sub":0},{"id":4474,"title":"فصل إخراج الميازيب إلى الطريق الأعظم","lvl":2,"sub":0},{"id":4475,"title":"فصل لا يفتح في الحائط المشترك طاقا ولا بابا","lvl":2,"sub":0},{"id":4476,"title":"فصل وضع خشبة على حائط غيره","lvl":2,"sub":0},{"id":4478,"title":"فصل وضعه في جدار المسجد خشب الحائط","lvl":2,"sub":0},{"id":4479,"title":"فصل ملك وضع خشبه على حائط فزال بسقوطه أو قلعه أو","lvl":2,"sub":0},{"id":4480,"title":"فصل كان له وضع خشبه على جدار غيره","lvl":2,"sub":0},{"id":4481,"title":"فصل أذن صاحب الحائط لجاره في البناء على حائطه","lvl":2,"sub":0},{"id":4483,"title":"فصل أذن له في وضع خشبه أو البناء على جداره","lvl":2,"sub":0},{"id":4484,"title":"فصل وجد بناؤه أو خشبه على حائط مشترك أو حائط جاره","lvl":2,"sub":0},{"id":4485,"title":"فصل ادعى رجل دارا في يد أخوين فأنكره أحدهما","lvl":2,"sub":0},{"id":4486,"title":"مسألة تداعى نفسان جدارا معقودا ببناء كل واحد منهما","lvl":2,"sub":0},{"id":4489,"title":"فصل كان لأحدهما بناء كحائط مبني عليه","lvl":2,"sub":0},{"id":4492,"title":"فصل تنازع صاحب العلو والسفل في حوائط البيت السفلاني","lvl":2,"sub":0},{"id":4493,"title":"فصل تنازع صاحب العلو والسفل في الدرجة التي يصعد منها","lvl":2,"sub":0},{"id":4494,"title":"فصل تنازعا مسناة بين نهر أحدهما وأرض","lvl":2,"sub":0},{"id":4495,"title":"فصل كان بينهما حائط مشترك فانهدم","lvl":2,"sub":0},{"id":4498,"title":"فصل لم يكن بين ملكيهما حائط قديم فطلب أحدهما من","lvl":2,"sub":0},{"id":4499,"title":"فصل كان السفل لرجل والعلو لآخر فانهدم السقف الذي بينهما","lvl":2,"sub":0},{"id":4501,"title":"فصل كان بين البيتين حائط لأحدهما فانهدم","lvl":2,"sub":0},{"id":4502,"title":"فصل هدم أحد الشريكين الحائط المشترك","lvl":2,"sub":0},{"id":4503,"title":"فصل اتفقا على بناء الحائط المشترك بينهما نصفين","lvl":2,"sub":0},{"id":4504,"title":"فصل كان بينهما نهر أو قناة أو دولاب فاحتاج إلى عمارة","lvl":2,"sub":0},{"id":4505,"title":"فصل كان لرجلين بابان في زقاق غير نافذ","lvl":2,"sub":0},{"id":4507,"title":"فصل لرجل داران متلاصقتان ظهر كل واحدة منهما إلى","lvl":2,"sub":0},{"id":4508,"title":"فصل تنازع صاحب البابين في الدرب وتداعياه","lvl":2,"sub":0},{"id":4509,"title":"فصل التصرف في ملكه تصرفا يضر بجاره","lvl":2,"sub":0},{"id":4510,"title":"فصل كان سطح أحدهما أعلى من سطح الآخر","lvl":2,"sub":0},{"id":4511,"title":"فصل كانت بينهما عرصة حائط فاتفقا على قسمها","lvl":2,"sub":0},{"id":4513,"title":"فصل كان بينهما حائط فاتفقا على قسمته طولا","lvl":2,"sub":0},{"id":4514,"title":"كتاب الحوالة","lvl":2,"sub":0},{"id":4515,"title":"مسألة أحيل بحقه على من عليه مثل ذلك الحق","lvl":2,"sub":0},{"id":4522,"title":"فصل شرط ملاءة المحال عليه فبان معسرا","lvl":2,"sub":0},{"id":4523,"title":"فصل لم يرض المحتال بالحوالة","lvl":2,"sub":0},{"id":4524,"title":"مسألة أحيل بحقه على مليء","lvl":2,"sub":0},{"id":4526,"title":"فصل أحال رجلا على زيد بألف فأحاله زيد بها على","lvl":2,"sub":0},{"id":4527,"title":"فصل اشترى عبدا فأحال المشتري البائع بالثمن","lvl":2,"sub":0},{"id":4529,"title":"فصل اشترى عبدا فأحال المشتري البائع بالثمن على آخر","lvl":2,"sub":0},{"id":4531,"title":"فصل رجل له على آخر دين فأذن لآخر في قبضه","lvl":2,"sub":0},{"id":4535,"title":"فصل لرجل دين على آخر فطالبه به فقال","lvl":2,"sub":0},{"id":4537,"title":"فصل كان عليه ألف ضمنه رجل فأحال الضامن","lvl":2,"sub":0},{"id":4539,"title":"مسألة ضمن عنه حق بعد وجوبه","lvl":2,"sub":0},{"id":4541,"title":"فصل ضمان المجهول","lvl":2,"sub":0},{"id":4546,"title":"فصل ما يصح ضمانه","lvl":2,"sub":0},{"id":4552,"title":"فصل من يصح ضمانه ومن لا يصح","lvl":2,"sub":0},{"id":4555,"title":"فصل ضمن الدين الحال مؤجلا","lvl":2,"sub":0},{"id":4557,"title":"فصل ضمن دينا مؤجلا عن إنسان","lvl":2,"sub":0},{"id":4558,"title":"مسألة لا يبرأ المضمون عنه إلا بأداء الضامن","lvl":2,"sub":0},{"id":4561,"title":"فصل أبرأ صاحب الدين المضمون عنه","lvl":2,"sub":0},{"id":4562,"title":"فصل ضمن الضامن ضامن آخر","lvl":2,"sub":0},{"id":4563,"title":"فصل ضمن المضمون عنه الضامن أو تكفل المكفول عنه الكفيل","lvl":2,"sub":0},{"id":4564,"title":"فصل ضمن الحق عن الرجل الواحد اثنان وأكثر","lvl":2,"sub":0},{"id":4565,"title":"مسألة أدى الدين محتسبا بالرجوع على المضمون عنه","lvl":2,"sub":0},{"id":4568,"title":"فصل يرجع الضامن على المضمون عنه بأقل الأمرين مما","lvl":2,"sub":0},{"id":4569,"title":"فصل كان على رجلين مائة على كل منهما نصفها","lvl":2,"sub":0},{"id":4570,"title":"فصل ضمن عن رجل بأذنه فطولب الضامن","lvl":2,"sub":0},{"id":4571,"title":"فصل ضمن الضامن ضامن آخر فقضى أحدهم الدين","lvl":2,"sub":0},{"id":4572,"title":"فصل له ألف على رجلين على كل واحد منهما نصفه","lvl":2,"sub":0},{"id":4573,"title":"فصل ادعى ألفا على حاضر وغائب","lvl":2,"sub":0},{"id":4574,"title":"فصل ادعى الضامن أنه قضى الدين","lvl":2,"sub":0},{"id":4576,"title":"فصل لا يدخل الضمان والكفالة خيار","lvl":2,"sub":0},{"id":4577,"title":"فصل ضمن رجلان عن رجل ألفا","lvl":2,"sub":0},{"id":4578,"title":"مسألة من كفل بنفس لزمه ما عليها إن لم يسلمها","lvl":2,"sub":0},{"id":4579,"title":"فصل قال أنا كفيل بفلان أو بنفسه أو ببدنه","lvl":2,"sub":0},{"id":4580,"title":"فصل الكفالة ببدن كل من يلزم حضوره في مجلس الحكم بدين لازم","lvl":2,"sub":0},{"id":4581,"title":"فصل الكفالة ببدن من عليه حد","lvl":2,"sub":0},{"id":4582,"title":"فصل الكفالة بالمكاتب من أجل دين الكتابة","lvl":2,"sub":0},{"id":4583,"title":"فصل الكفالة حالة ومؤجلة","lvl":2,"sub":0},{"id":4585,"title":"فصل عين في الكفالة تسليمه في مكان ثم أحضره","lvl":2,"sub":0},{"id":4587,"title":"فصل كفل إلى أجل مجهول","lvl":2,"sub":0},{"id":4588,"title":"فصل تكفل برجل إلى أجل","lvl":2,"sub":0},{"id":4590,"title":"فصل قال كفلت ببدن فلان على أن يبرأ فلان الكفيل","lvl":2,"sub":0},{"id":4591,"title":"فصل تكفل اثنان بواحد","lvl":2,"sub":0},{"id":4592,"title":"فصل تكفل واحد لاثنين فأبرأه أحدهما","lvl":2,"sub":0},{"id":4593,"title":"فصل تفتقر صحة الكفالة إلى رضى الكفيل","lvl":2,"sub":0},{"id":4595,"title":"فصل قال رجل لآخر اضمن عن فلان أو اكفل بفلان","lvl":2,"sub":0},{"id":4596,"title":"مسألة موت المكفول به","lvl":2,"sub":0},{"id":4597,"title":"فصل قال الكفيل قد برئ المكفول به من الدين","lvl":2,"sub":0},{"id":4598,"title":"فصل قال المكفول له للكفيل أبرأتك من الكفالة","lvl":2,"sub":0},{"id":4599,"title":"فصل كان لذمي على ذمي خمر","lvl":2,"sub":0},{"id":4600,"title":"فصل قال أعط فلانا ألفا ففعل","lvl":2,"sub":0},{"id":4602,"title":"فصل له على رجل ألف درهم فأقام بها كفيلين","lvl":2,"sub":0},{"id":4603,"title":"الشركة على ضربين شركة أملاك وشركة عقود","lvl":2,"sub":0},{"id":4606,"title":"مسألة شركة الأبدان","lvl":2,"sub":0},{"id":4609,"title":"فصل قال أحدهما أنا أتقبل وأنت تعمل والأجرة بيني","lvl":2,"sub":0},{"id":4610,"title":"فصل الربح في شركة الأبدان","lvl":2,"sub":0},{"id":4612,"title":"فصل اشترك رجلان لكل واحد منهما دابة على أن يؤجراهما","lvl":2,"sub":0},{"id":4613,"title":"فصل كان لقصار أداة ولآخر بيت فاشتركا على أن يعملا","lvl":2,"sub":0},{"id":4614,"title":"فصل دفع رجل دابته إلى آخر ليعمل عليها وما يرزق الله بينهما","lvl":2,"sub":0},{"id":4620,"title":"مسألة اشترك بدنان بمال أحدهما أو بدنان بمال غيرهما","lvl":2,"sub":0},{"id":4623,"title":"فصل شركة العنان","lvl":2,"sub":0},{"id":4627,"title":"فصل الشركة بالفلوس","lvl":2,"sub":0},{"id":4628,"title":"فصل لا يجوز أن يكون رأس مال الشركة مجهولا","lvl":2,"sub":0},{"id":4630,"title":"فصل في الشركة الفاسدة","lvl":2,"sub":0},{"id":4631,"title":"فصل شركة العنان مبنية على الوكالة والأمانة","lvl":2,"sub":0},{"id":4636,"title":"فصل أخذ أحد الشريكين مالا مضاربة","lvl":2,"sub":0},{"id":4637,"title":"فصل الشركة من العقود الجائزة","lvl":2,"sub":0},{"id":4638,"title":"فصل مات أحد الشريكين وله وارث رشيد","lvl":2,"sub":0},{"id":4639,"title":"فصل في شركة المضاربة","lvl":2,"sub":0},{"id":4641,"title":"فصل حكم شركة المضاربة","lvl":2,"sub":0},{"id":4642,"title":"فصل أن يشترك مالان وبدن","lvl":2,"sub":0},{"id":4643,"title":"فصل دفع إليه ألفا مضاربة","lvl":2,"sub":0},{"id":4644,"title":"فصل أن يشترك بدنان بمال أحدهما","lvl":2,"sub":0},{"id":4646,"title":"فصل شركة المفاوضة","lvl":2,"sub":0},{"id":4648,"title":"مسألة الربح على ما اصطلحا عليه في جميع أقسام الشركة","lvl":2,"sub":0},{"id":4651,"title":"فصل من شرط صحة المضاربة تقدير نصيب العامل","lvl":2,"sub":0},{"id":4653,"title":"فصل قال خذه مضاربة ولك جزء من الربح","lvl":2,"sub":0},{"id":4655,"title":"فصل دفع مالا إلى اثنين مضاربة في عقد واحد","lvl":2,"sub":0},{"id":4656,"title":"فصل قارض اثنان واحدا بألف لهما","lvl":2,"sub":0},{"id":4657,"title":"فصل شرطا في المضاربة جزءا من الربح لغير العامل","lvl":2,"sub":0},{"id":4658,"title":"فصل الحكم في الشركة كالحكم في المضاربة","lvl":2,"sub":0},{"id":4659,"title":"مسألة الخسران في الشركة على قدر المال","lvl":2,"sub":0},{"id":4660,"title":"مسألة جعل فضل دراهم لأحد من الشركاء","lvl":2,"sub":0},{"id":4661,"title":"فصل دفع إليه ألفين مضاربة على أن لكل واحد منهما ربح","lvl":2,"sub":0},{"id":4662,"title":"مسألة المضارب إذا باع بنسيئة بغير أمر ضمن","lvl":2,"sub":0},{"id":4664,"title":"فصل سفر الشريك بالمال","lvl":2,"sub":0},{"id":4667,"title":"فصل حكم المضارب","lvl":2,"sub":0},{"id":4668,"title":"فصل بيع الشريك وشراؤه بغير نقد البلد","lvl":2,"sub":0},{"id":4669,"title":"فصل للشريك شراء المعيب إذا رأى المصلحة","lvl":2,"sub":0},{"id":4670,"title":"فصل شراء المضارب من يعتق على رب المال بغير إذنه","lvl":2,"sub":0},{"id":4672,"title":"فصل اشترى المضارب زوج ربة المال","lvl":2,"sub":0},{"id":4673,"title":"فصل اشترى المأذون له من يعتق على رب المال بإذنه","lvl":2,"sub":0},{"id":4674,"title":"فصل اشترى المضارب من يعتق عليه","lvl":2,"sub":0},{"id":4675,"title":"فصل شراء المضارب بأكثر من رأس المال","lvl":2,"sub":0},{"id":4676,"title":"فصل المضارب لا يطأ أمة من المضاربة","lvl":2,"sub":0},{"id":4677,"title":"فصل أذن رب المال للمضارب في الشراء من مال المضاربة","lvl":2,"sub":0},{"id":4678,"title":"فصل المضارب لا يدفع المال إلى آخر مضاربة","lvl":2,"sub":0},{"id":4681,"title":"فصل أذن رب المال في دفع المال مضاربة","lvl":2,"sub":0},{"id":4682,"title":"فصل المضارب لا يخلط مال المضاربة بماله","lvl":2,"sub":0},{"id":4683,"title":"فصل المضارب لا يشتري خمرا ولا خنزيرا","lvl":2,"sub":0},{"id":4684,"title":"مسألة إذا ضارب لرجل لم يجز أن يضارب لآخر","lvl":2,"sub":0},{"id":4686,"title":"فصل دفع إليه مضاربة واشترط النفقة","lvl":2,"sub":0},{"id":4688,"title":"فصل تعدى المضارب وفعل ما ليس له فعله","lvl":2,"sub":0},{"id":4690,"title":"فصل العامل يتولى بنفسه كل ما جرت العادة أن يتولاه المضارب بنفسه","lvl":2,"sub":0},{"id":4691,"title":"فصل سرق مال المضاربة أو غصب","lvl":2,"sub":0},{"id":4692,"title":"فصل اشترى للمضاربة عبدا فقتله عبد لغيره","lvl":2,"sub":0},{"id":4693,"title":"مسألة لا ربح للمضاربة حتى يستوفي رأس المال","lvl":2,"sub":0},{"id":4695,"title":"فصل دفع إلى رجل مائة مضاربة فخسر عشرة ثم","lvl":2,"sub":0},{"id":4696,"title":"فصل اشترى رب المال من مال المضاربة شيئا لنفسه","lvl":2,"sub":0},{"id":4697,"title":"فصل اشترى المضارب لنفسه من مال المضاربة ولم يظهر","lvl":2,"sub":0},{"id":4698,"title":"فصل اشترى أحد الشريكين من مال الشركة شيئا","lvl":2,"sub":0},{"id":4699,"title":"فصل استأجر أحد الشريكين من صاحبه دارا ليحرز فيها","lvl":2,"sub":0},{"id":4700,"title":"مسألة اشترى المضارب سلعتين فربح في إحداهما وخسر","lvl":2,"sub":0},{"id":4703,"title":"فصل قارض المضارب في مرضه","lvl":2,"sub":0},{"id":4704,"title":"فصل موت رب المال","lvl":2,"sub":0},{"id":4705,"title":"فصل مات المضارب ولم يعرف مال المضاربة بعينه","lvl":2,"sub":0},{"id":4706,"title":"مسألة تبين للمضارب أن في يده فضلا","lvl":2,"sub":0},{"id":4707,"title":"فصل طلب أحدهما قسمة الربح دون رأس المال","lvl":2,"sub":0},{"id":4708,"title":"فصل المضاربة من العقود الجائزة","lvl":2,"sub":0},{"id":4710,"title":"فصل انفسخ القراض والمال دين","lvl":2,"sub":0},{"id":4711,"title":"فصل أي المتقارضين مات أو جن انفسخ القراض","lvl":2,"sub":0},{"id":4713,"title":"فصل تلف المال قبل الشراء في المضاربة","lvl":2,"sub":0},{"id":4714,"title":"مسألة اتفق رب المال والمضارب على أن الربح بينهما والوضيعة","lvl":2,"sub":0},{"id":4715,"title":"فصل الشروط في المضاربة تنقسم قسمين","lvl":2,"sub":0},{"id":4716,"title":"فصل تأقيت المضاربة","lvl":2,"sub":0},{"id":4717,"title":"فصل اشتراط المضارب نفقة نفسه","lvl":2,"sub":0},{"id":4718,"title":"فصل الشروط الفاسدة في المضاربة تنقسم إلى ثلاثة أقسام","lvl":2,"sub":0},{"id":4720,"title":"فصل المضاربة الفاسدة","lvl":2,"sub":0},{"id":4722,"title":"مسألة قال لمن عليه دين ضارب بالدين الذي عليك","lvl":2,"sub":0},{"id":4723,"title":"فصل قال لرجل اقبض المال الذي على فلان واعمل به","lvl":2,"sub":0},{"id":4724,"title":"فصل من شرط المضاربة أن يكون رأس المال معلوم المقدار","lvl":2,"sub":0},{"id":4725,"title":"فصل أحضر كيسين في كل واحد منهما مال معلوم المقدار","lvl":2,"sub":0},{"id":4726,"title":"مسألة إذا كان في يده وديعة جاز له أن يقول","lvl":2,"sub":0},{"id":4727,"title":"فصل كان له في يد غيره مال مغصوب فضارب الغاصب","lvl":2,"sub":0},{"id":4728,"title":"فصل العامل أمين في مال المضاربة","lvl":2,"sub":0},{"id":4730,"title":"فصل قال المضارب شرطت لي نصف الربح فقال بل","lvl":2,"sub":0},{"id":4731,"title":"فصل ادعى العامل رد المال فأنكر رب المال","lvl":2,"sub":0},{"id":4732,"title":"فصل قال المضارب ربحت ألفا ثم قال خسرت","lvl":2,"sub":0},{"id":4736,"title":"فصل اشترط المضارب النفقة ثم ادعى أنه إنما أنفق","lvl":2,"sub":0},{"id":4740,"title":"فصل كان العبد بين اثنين فغصب رجل نصيب أحدهما","lvl":2,"sub":0},{"id":4741,"title":"فصل كان لرجلين دين لسبب واحد","lvl":2,"sub":0},{"id":4744,"title":"فصل قسمة الدين في الذمم","lvl":2,"sub":0},{"id":4745,"title":"فصول العبد المأذون له","lvl":2,"sub":0},{"id":4747,"title":"فصل رأى السيد عبده يتجر فلم ينهه","lvl":2,"sub":0},{"id":4748,"title":"فصل المأذون لا يتبرع بهبة الدراهم","lvl":2,"sub":0},{"id":4749,"title":"كتاب الوكالة","lvl":2,"sub":0},{"id":4751,"title":"فصل كل من صح تصرفه في شيء بنفسه وكان مما تدخله","lvl":2,"sub":0},{"id":4752,"title":"فصل للمكاتب أن يوكل فيما يتصرف فيه بنفسه","lvl":2,"sub":0},{"id":4753,"title":"مسألة التوكيل في الشراء والبيع ومطالبة الحقوق والعتق","lvl":2,"sub":0},{"id":4755,"title":"فصل التوكيل في مطالبة الحقوق وإثباتها والمحاكمة","lvl":2,"sub":0},{"id":4756,"title":"فصل التوكيل في الشهادة","lvl":2,"sub":0},{"id":4757,"title":"فصل الوكالة في حقوق الله تعالى","lvl":2,"sub":0},{"id":4759,"title":"فصل كل ما جاز التوكيل فيه جاز استيفاؤه","lvl":2,"sub":0},{"id":4760,"title":"فصل لا تصح الوكالة إلا بالإيجاب والقبول","lvl":2,"sub":0},{"id":4761,"title":"فصل تعليق الوكالة على شرط","lvl":2,"sub":0},{"id":4762,"title":"فصل التوكيل بجعل وغير جعل","lvl":2,"sub":0},{"id":4763,"title":"فصل لا تصح الوكالة إلا في تصرف معلوم","lvl":2,"sub":0},{"id":4765,"title":"فصل وكل وكيلين في تصرف وجعل لكل واحد الانفراد","lvl":2,"sub":0},{"id":4767,"title":"مسألة ليس للوكيل أن يوكل فيما وكل فيه إلا أن يجعل","lvl":2,"sub":0},{"id":4769,"title":"فصل كل وكيل جاز له التوكيل","lvl":2,"sub":0},{"id":4770,"title":"فصل الوصي يوكل فيما أوصي به إليه","lvl":2,"sub":0},{"id":4771,"title":"فصل الولي في النكاح له التوكيل في تزويج موليته بغير","lvl":2,"sub":0},{"id":4772,"title":"فصل أذن الموكل في التوكيل فوكل","lvl":2,"sub":0},{"id":4773,"title":"فصل التوكيل في الخصومة","lvl":2,"sub":0},{"id":4775,"title":"فصل وكل في بيع شيء","lvl":2,"sub":0},{"id":4776,"title":"فصل وكل في بيع شيء أو طلب الشفعة أو قسم شيء","lvl":2,"sub":0},{"id":4777,"title":"فصل وكل في شراء شيء","lvl":2,"sub":0},{"id":4778,"title":"فصل وكل في قبض دين من رجل فمات","lvl":2,"sub":0},{"id":4779,"title":"مسألة باع الوكيل ثم ادعى تلف الثمن من غير تعد","lvl":2,"sub":0},{"id":4790,"title":"فصل وكله في بيع عبد فباعه نسيئة فقال الموكل","lvl":2,"sub":0},{"id":4792,"title":"فصل قبض الوكيل ثمن المبيع","lvl":2,"sub":0},{"id":4793,"title":"فصل له على آخر دراهم فبعث إليه رسولا يقبضها فبعث إليه مع","lvl":2,"sub":0},{"id":4795,"title":"مسألة أمره أن يدفع إلى رجل مالا فادعى أنه دفعه إليه","lvl":2,"sub":0},{"id":4797,"title":"فصل وكله في إيداع ماله فأودعه ولم","lvl":2,"sub":0},{"id":4798,"title":"فصل كان على رجل دين وعنده وديعة فجاءه إنسان فادعى","lvl":2,"sub":0},{"id":4800,"title":"فصل جاء رجل فقال أنا وارث صاحب الحق","lvl":2,"sub":0},{"id":4801,"title":"فصل طلب منه حق فامتنع من دفعه حتى يشهد القابض على","lvl":2,"sub":0},{"id":4802,"title":"مسألة شراء الوكيل من نفسه","lvl":2,"sub":0},{"id":4805,"title":"فصل وكل رجلا يتزوج له امرأة","lvl":2,"sub":0},{"id":4806,"title":"فصل وكله في بيع عبده ووكله آخر في شراء عبد","lvl":2,"sub":0},{"id":4807,"title":"فصل أذن للوكيل أن يشتري من نفسه","lvl":2,"sub":0},{"id":4808,"title":"فصل وكل عبدا يشتري نفسه من سيده أو يشتري منه عبدا","lvl":2,"sub":0},{"id":4809,"title":"فصل وكل عبده في إعتاق نفسه أو امرأته في طلاق نفسها","lvl":2,"sub":0},{"id":4810,"title":"فصل وكله في إخراج صدقة على المساكين وهو مسكين","lvl":2,"sub":0},{"id":4811,"title":"مسألة شراء الرجل لنفسه من مال ولده الطفل","lvl":2,"sub":0},{"id":4812,"title":"مسألة فعل الوكيل بعد فسخ الموكل أو موته","lvl":2,"sub":0},{"id":4814,"title":"فصل خروج الموكل والوكيل عن كونهما من أهل التصرف","lvl":2,"sub":0},{"id":4816,"title":"فصل التعدي فيما وكل فيه","lvl":2,"sub":0},{"id":4817,"title":"فصل وكل امرأته في بيع أو شراء أو غيره ثم طلقها","lvl":2,"sub":0},{"id":4818,"title":"فصل وكل مسلم كافرا فيما يصح تصرفه فيه","lvl":2,"sub":0},{"id":4819,"title":"فصل وكل رجلا في نقل امرأته فقامت بينة بطلاق","lvl":2,"sub":0},{"id":4820,"title":"فصل تلف العين التي وكل في التصرف فيها","lvl":2,"sub":0},{"id":4823,"title":"مسألة وكله في طلاق زوجته","lvl":2,"sub":0},{"id":4825,"title":"مسألة وكل في شراء شيء فاشترى غيره","lvl":2,"sub":0},{"id":4828,"title":"فصل وكله في أن يتزوج له امرأة فتزوج له غيرها","lvl":2,"sub":0},{"id":4829,"title":"فصل قال لرجل اشتر لي بديني عليك طعاما","lvl":2,"sub":0},{"id":4830,"title":"فصل لا يملك الوكيل من التصرف إلا ما يقتضيه إذن موكله","lvl":2,"sub":0},{"id":4832,"title":"فصل وكله في عقد فاسد","lvl":2,"sub":0},{"id":4833,"title":"فصل وكله في بيع عبد أو حيوان أو عقار أو شرائه","lvl":2,"sub":0},{"id":4834,"title":"فصل دفع إليه دراهم وقال اشتر لي بهذه عبدا","lvl":2,"sub":0},{"id":4835,"title":"فصل عين الموكل للوكيل الشراء بنقد أو حالا","lvl":2,"sub":0},{"id":4836,"title":"فصل وكله في بيع سلعة نسيئة فباعها نقدا بدون ثمنها","lvl":2,"sub":0},{"id":4837,"title":"فصل وكله في الشراء بثمن نقدا فاشتراه نسيئة بأكثر من","lvl":2,"sub":0},{"id":4838,"title":"فصل لا يبيع الوكيل بدون ثمن المثل ولا يشتري بأكثر من ثمن","lvl":2,"sub":0},{"id":4840,"title":"فصل وكل في بيع عبد بمائة فباعه بأكثر منها","lvl":2,"sub":0},{"id":4841,"title":"فصل وكله في بيع عبد بمائة فباع نصفه بها أو وكله","lvl":2,"sub":0},{"id":4842,"title":"فصل وكله في شراء عبد بعينه بمائة فاشتراه بخمسين أو بما","lvl":2,"sub":0},{"id":4843,"title":"فصل وكله في شراء عبد موصوف بمائة فاشتراه على الصفة","lvl":2,"sub":0},{"id":4844,"title":"فصل وكله في شراء شاة بدينار فاشترى شاتين تساوي كل","lvl":2,"sub":0},{"id":4846,"title":"فصل وكله في شراء سلعة موصوفة","lvl":2,"sub":0},{"id":4848,"title":"فصل أمره بشراء سلعة بعينها فاشتراها فوجدها معيبة","lvl":2,"sub":0},{"id":4849,"title":"فصل اشترى الوكيل لموكله شيئا بإذنه","lvl":2,"sub":0},{"id":4851,"title":"فصل دفع إلى رجل ثوبا ليبيعه ففعل فوهب له المشتري منديلا","lvl":2,"sub":0},{"id":4852,"title":"فصل الشهادة على الوكالة","lvl":2,"sub":0},{"id":4853,"title":"فصل شهد أحدهما أنه وكله يوم الجمعة وشهد آخر أنه","lvl":2,"sub":0},{"id":4855,"title":"فصل الوكالة والعزل بخبر الواحد","lvl":2,"sub":0},{"id":4856,"title":"فصل سماع البينة بالوكالة على الغائب","lvl":2,"sub":0},{"id":4857,"title":"فصل شهادة الوكيل على موكله","lvl":2,"sub":0},{"id":4858,"title":"فصل كانت الأمة بين نفسين فشهدا أن زوجها وكل","lvl":2,"sub":0},{"id":4860,"title":"فصل حضرا عند الحاكم فأقر أحدهما أن الآخر","lvl":2,"sub":0},{"id":4861,"title":"فصل حضر عند الحاكم رجل فادعى أنه وكيل فلان الغائب","lvl":2,"sub":0},{"id":4862,"title":"فصل حضر رجل وادعى على غائب مالا في وجه وكيله","lvl":2,"sub":0},{"id":4863,"title":"فصل قال بع هذا الثوب بعشرة فما زاد عليها","lvl":2,"sub":0},{"id":4864,"title":"كتاب الإقرار بالحقوق","lvl":2,"sub":0},{"id":4869,"title":"فصل الإقرار لكل من يثبت له الحق","lvl":2,"sub":0},{"id":4870,"title":"فصل أقر لحمل امرأة بمال وعزاه إلى إرث","lvl":2,"sub":0},{"id":4871,"title":"مسألة أقر بشيء واستثنى من غير جنسه","lvl":2,"sub":0},{"id":4874,"title":"فصل ذكر نوعا من جنس واستثنى نوعا آخر من","lvl":2,"sub":0},{"id":4875,"title":"فصل الاستثناء في الإقرار","lvl":2,"sub":0},{"id":4878,"title":"فصل لا يصح الاستثناء إلا أن يكون متصلا بالكلام","lvl":2,"sub":0},{"id":4879,"title":"فصل استثناء الكل في الإقرار","lvl":2,"sub":0},{"id":4881,"title":"فصل استثنى استثناء بعد استثناء وعطف الثاني على الأول","lvl":2,"sub":0},{"id":4882,"title":"فصل قال له هذه الدار هبة أو سكنى أو عارية في الإقرار","lvl":2,"sub":0},{"id":4883,"title":"مسألة ادعي عليه شيء فقال قد كان له علي وقضيته","lvl":2,"sub":0},{"id":4885,"title":"فصل قال كان له علي ألف وسكت في الإقرار بالحقوق","lvl":2,"sub":0},{"id":4886,"title":"فصل قال له علي ألف قضيته إياها في الإقرار بالحقوق","lvl":2,"sub":0},{"id":4887,"title":"فصل وصل إقراره بما يسقطه","lvl":2,"sub":0},{"id":4888,"title":"فصل رجوع المقر عن إقراره","lvl":2,"sub":0},{"id":4890,"title":"فصل قال غصبت هذه الدار من زيد وملكها لعمرو في","lvl":2,"sub":0},{"id":4891,"title":"فصل قال غصبت هذه الدار من أحدهما أو هي لأحدهما","lvl":2,"sub":0},{"id":4892,"title":"فصل كان في يده عبدان فقال أحد هذين لزيد","lvl":2,"sub":0},{"id":4893,"title":"فصل أقر لرجل بعبد ثم جاءه به","lvl":2,"sub":0},{"id":4894,"title":"مسألة أقر بعشرة دراهم ثم سكت سكوتا يمكنه الكلام","lvl":2,"sub":0},{"id":4897,"title":"فصل أقر بدراهم وأطلق في بلد أوزانهم ناقصة","lvl":2,"sub":0},{"id":4898,"title":"فصل أقر بدراهم وأطلق ثم فسرها بسكة البلد","lvl":2,"sub":0},{"id":4899,"title":"فصل قال له علي درهم كبير","lvl":2,"sub":0},{"id":4900,"title":"فصل أقر بدرهم ثم أقر بدرهم","lvl":2,"sub":0},{"id":4901,"title":"فصل قال له علي درهم ودرهم أو درهم فدرهم أو درهم","lvl":2,"sub":0},{"id":4903,"title":"فصل قال له علي درهم بل درهمان أو درهم لكن درهمان","lvl":2,"sub":0},{"id":4905,"title":"فصل قال له علي درهم قبله درهم أو بعده درهم","lvl":2,"sub":0},{"id":4907,"title":"فصل قال له ما علي ما بين درهم وعشرة","lvl":2,"sub":0},{"id":4908,"title":"فصل قال له علي دراهم","lvl":2,"sub":0},{"id":4909,"title":"فصل قال له علي درهمان في عشرة وقال أردت","lvl":2,"sub":0},{"id":4910,"title":"فصل قال له عندي درهم في ثوب أو في كيس","lvl":2,"sub":0},{"id":4912,"title":"فصل قال له عندي دار مفروشة أو دابة مسرجة أو عبد عليه","lvl":2,"sub":0},{"id":4913,"title":"فصل قال له علي درهم أو دينار أو إما درهم وإما دينار","lvl":2,"sub":0},{"id":4914,"title":"مسألة أقر بشيء واستثنى منه الكثير وهو أكثر من النصف","lvl":2,"sub":0},{"id":4916,"title":"فصل استثناء النصف في الإقرار","lvl":2,"sub":0},{"id":4917,"title":"فصل قال له علي عشرة إلا سبعة إلا خمسة إلا درهمين","lvl":2,"sub":0},{"id":4919,"title":"فصل قال له علي ألف إلا خمسين","lvl":2,"sub":0},{"id":4920,"title":"فصل قال له علي تسعة وتسعون درهما","lvl":2,"sub":0},{"id":4921,"title":"فصل قال له علي ألف ودرهم أو ألف وثوب أو قفيز حنطة","lvl":2,"sub":0},{"id":4923,"title":"مسألة قال له عندي عشرة دراهم ثم قال وديعة","lvl":2,"sub":0},{"id":4924,"title":"مسألة قال له علي ألف ثم قال وديعة","lvl":2,"sub":0},{"id":4926,"title":"فصل قال لك علي مائة درهم ثم أحضرها","lvl":2,"sub":0},{"id":4928,"title":"فصل قال له في هذا العبد ألف أو له من","lvl":2,"sub":0},{"id":4929,"title":"فصل قال له في مالي هذا ألف أو من مالي ألف","lvl":2,"sub":0},{"id":4931,"title":"فصل قال له في هذا العبد شركة","lvl":2,"sub":0},{"id":4932,"title":"فصل الإقرار بالمجهول","lvl":2,"sub":0},{"id":4935,"title":"فصل الإقرار بمال","lvl":2,"sub":0},{"id":4937,"title":"فصل قال له علي أكثر من مال فلان ففسره بأكثر","lvl":2,"sub":0},{"id":4939,"title":"فصل قال له علي ألف إلا شيئا","lvl":2,"sub":0},{"id":4940,"title":"فصل قال له علي كذا","lvl":2,"sub":0},{"id":4943,"title":"فصل قال غصبتك أو غبنتك","lvl":2,"sub":0},{"id":4944,"title":"فصل الشهادة على الإقرار بالمجهول","lvl":2,"sub":0},{"id":4945,"title":"مسألة قال له عندي رهن فقال المالك وديعة","lvl":2,"sub":0},{"id":4946,"title":"فصل قال لك علي ألف من ثمن مبيع لم","lvl":2,"sub":0},{"id":4947,"title":"فصل قال بعتك جاريتي هذه قال بل زوجتنيها","lvl":2,"sub":0},{"id":4950,"title":"فصل أقر بحرية عبد ثم اشتراه","lvl":2,"sub":0},{"id":4952,"title":"فصل أقر لرجل بعبد أو غيره","lvl":2,"sub":0},{"id":4953,"title":"مسألة مات فخلف ولدين فأقر أحدهما بأخ أو أخت","lvl":2,"sub":0},{"id":4955,"title":"فصل إقرار جميع الورثة بنسب من يشاركهم في الميراث","lvl":2,"sub":0},{"id":4956,"title":"فصل شروط الإقرار بالنسب","lvl":2,"sub":0},{"id":4958,"title":"فصل كان أحد الوارثين غير مكلف فأقر المكلف بأخ","lvl":2,"sub":0},{"id":4959,"title":"فصل أقر الوارث بمن يحجبه","lvl":2,"sub":0},{"id":4961,"title":"فصل خلف ابنا فأقر بأخ","lvl":2,"sub":0},{"id":4962,"title":"فصل أقر الابن بأخويه دفعة واحدة","lvl":2,"sub":0},{"id":4963,"title":"فصل خلف امرأة وأخا فأقرت المرأة بابن للميت وأنكر","lvl":2,"sub":0},{"id":4964,"title":"فصل شهد من الورثة رجلان عدلان بنسب مشارك لهم","lvl":2,"sub":0},{"id":4965,"title":"فصل أقر رجلان عدلان بنسب مشارك لهما","lvl":2,"sub":0},{"id":4966,"title":"فصل أقر بنسب ميت صغير أو مجنون","lvl":2,"sub":0},{"id":4967,"title":"فصل خلف رجل امرأة وابنا من غيرها فأقر الابن بأخ","lvl":2,"sub":0},{"id":4968,"title":"فصل ثبت النسب بالإقرار ثم أنكر المقر","lvl":2,"sub":0},{"id":4969,"title":"فصل أقرت المرأة بولد ولم تكن ذات زوج ولا نسب","lvl":2,"sub":0},{"id":4970,"title":"فصل قدمت امرأة من بلد الروم ومعها طفل فأقر","lvl":2,"sub":0},{"id":4971,"title":"فصل أقر بنسب صغير","lvl":2,"sub":0},{"id":4972,"title":"فصل كان له أمة لها ثلاثة أولاد لا زوج لها ولا","lvl":2,"sub":0},{"id":4973,"title":"فصل كان له أمتان لكل واحدة منهما ولد","lvl":2,"sub":0},{"id":4975,"title":"مسألة أقر بدين على أبيه","lvl":2,"sub":0},{"id":4977,"title":"فصل ادعى رجلان دارا بينهما ملكاها بسبب يوجب الاشتراك","lvl":2,"sub":0},{"id":4979,"title":"مسألة كل من كان القول قوله فلخصمه عليه اليمين","lvl":2,"sub":0},{"id":4981,"title":"مسألة الإقرار بدين في مرض موته","lvl":2,"sub":0},{"id":4982,"title":"فصل أقر لأجنبي بدين في مرضه وعليه دين","lvl":2,"sub":0},{"id":4983,"title":"مسألة الإقرار لوارث","lvl":2,"sub":0},{"id":4984,"title":"فصل أقر لامرأته بمهر مثلها أو دونه","lvl":2,"sub":0},{"id":4985,"title":"فصل أقر لوارث فصار غير وارث","lvl":2,"sub":0},{"id":4986,"title":"فصل أقر لوارث وأجنبي","lvl":2,"sub":0},{"id":4987,"title":"فصل إقرار المريض بوارث","lvl":2,"sub":0},{"id":4988,"title":"فصل الإقرار من المريض بإحبال الأمة","lvl":2,"sub":0},{"id":4989,"title":"فصل الألفاظ التي يثبت بها الإقرار","lvl":2,"sub":0},{"id":4993,"title":"مسألة العارية مضمونة","lvl":2,"sub":0},{"id":4996,"title":"فصل شرط نفي الضمان في العارية","lvl":2,"sub":0},{"id":4997,"title":"فصل انتفع بالعارية وردها على صفتها","lvl":2,"sub":0},{"id":4999,"title":"فصل ولد العارية لا يجب ضمانه","lvl":2,"sub":0},{"id":5000,"title":"فصل إن كانت العين باقية فعلى المستعير ردها إلى","lvl":2,"sub":0},{"id":5001,"title":"فصل لا تصح العارية إلا من جائز التصرف","lvl":2,"sub":0},{"id":5002,"title":"فصل إعارة عين ينتفع بها منفعة مباحة","lvl":2,"sub":0},{"id":5003,"title":"فصل إعارة العبد المسلم لكافر","lvl":2,"sub":0},{"id":5004,"title":"فصل الإعارة مطلقة مقيدة","lvl":2,"sub":0},{"id":5006,"title":"فصل إن استعار شيئا فله استيفاء منفعته بنفسه وبوكيله","lvl":2,"sub":0},{"id":5008,"title":"فصل أعاره شيئا وأذن له في إجارته مدة معلومة","lvl":2,"sub":0},{"id":5009,"title":"فصل استعار عبدا ليرهنه","lvl":2,"sub":0},{"id":5011,"title":"فصل العارية مطلقة ومؤقتة","lvl":2,"sub":0},{"id":5013,"title":"فصل أعاره شيئا لينتفع به انتفاعا يلزم من الرجوع","lvl":2,"sub":0},{"id":5017,"title":"فصل استعار دابة ليركبها","lvl":2,"sub":0},{"id":5018,"title":"فصل استعار شيئا فانتفع به ثم ظهر مستحقا","lvl":2,"sub":0},{"id":5019,"title":"فصل حمل السيل بذر رجل من أرضه إلى أرض غيره","lvl":2,"sub":0},{"id":5021,"title":"فصل اختلف رب الدابة وراكبها فقال الراكب هي عارية","lvl":2,"sub":0},{"id":5024,"title":"فصل قال مالك الدابة غصبتها وقال الراكب بل","lvl":2,"sub":0},{"id":5025,"title":"كتاب الغصب","lvl":2,"sub":0},{"id":5029,"title":"الفصل الأول غصب العقار من الأراضي والدور","lvl":2,"sub":0},{"id":5031,"title":"الفصل الثاني غرس في أرض غيره بغير إذنه أو بنى","lvl":2,"sub":0},{"id":5033,"title":"فصل حكم البناء في الأرض المغصوبة","lvl":2,"sub":0},{"id":5034,"title":"فصل غصب دارا فجصصها وزوقها وطالبه ربها بإزالته","lvl":2,"sub":0},{"id":5035,"title":"فصل غصب أرضا فكشط ترابها","lvl":2,"sub":0},{"id":5036,"title":"فصل غصب أرضا فحفر فيها بئرا فطالبه المالك بطمها","lvl":2,"sub":0},{"id":5037,"title":"الفصل الثالث على الغاصب أجر الأرض منذ غصبها إلى وقت تسليمها","lvl":2,"sub":0},{"id":5039,"title":"الفصل الرابع على الغاصب ضمان نقص الأرض","lvl":2,"sub":0},{"id":5041,"title":"فصل قدر الأرش قدر نقص القيمة في الغصب","lvl":2,"sub":0},{"id":5043,"title":"فصل غصب عبدا فجنى عليه جناية مقدرة الدية","lvl":2,"sub":0},{"id":5044,"title":"فصل غصب عبدا فقطع آخر يده","lvl":2,"sub":0},{"id":5045,"title":"فصل غصب عبدا فقطع أذنيه أو يديه أو ذكره أو أنفه","lvl":2,"sub":0},{"id":5046,"title":"فصل جناية العبد المغصوب","lvl":2,"sub":0},{"id":5047,"title":"فصل نقصان عين المغصوب دون قيمته على ثلاثة أقسام","lvl":2,"sub":0},{"id":5049,"title":"فصل غصب عبدا فنقصت قيمته","lvl":2,"sub":0},{"id":5050,"title":"فصل نقص المغصوب نقصا غير مستقر كطعام ابتل وخيف فساده","lvl":2,"sub":0},{"id":5051,"title":"مسألة زرع الأرض المغصوبة فأدركها ربها والزرع قائم","lvl":2,"sub":0},{"id":5055,"title":"فصل غصب أرضا فغرسها فأثمرت فأدركها ربها بعد أخذ الغاصب","lvl":2,"sub":0},{"id":5056,"title":"فصل غصب شجرا فأثمر","lvl":2,"sub":0},{"id":5057,"title":"فصل حكم الأرض المغصوبة في جواز دخول غير الغاصب إليها","lvl":2,"sub":0},{"id":5059,"title":"مسألة غصب عبدا قيمته مائة فزادت قيمته حتى","lvl":2,"sub":0},{"id":5062,"title":"فصل مرض المغصوب ثم برأ أو ابيضت عينه ثم","lvl":2,"sub":0},{"id":5063,"title":"فصل زوائد الغصب في يد الغاصب","lvl":2,"sub":0},{"id":5064,"title":"فصل ليس على الغاصب ضمان نقص القيمة الحاصل بتغير الأسعار","lvl":2,"sub":0},{"id":5065,"title":"فصل غصب شيئا فشقه نصفين وكان ثوبا ينقصه القطع","lvl":2,"sub":0},{"id":5066,"title":"فصل غصب ثوبا فلبسه فنقص نصف قيمته ثم عادت","lvl":2,"sub":0},{"id":5067,"title":"فصل غصب ثوبا أو زوليا فذهب بعض أجزائه","lvl":2,"sub":0},{"id":5068,"title":"فصل نقص المغصوب عند الغاصب ثم باعه فتلف","lvl":2,"sub":0},{"id":5069,"title":"فصل غصب حنطة فطحنها أو شاة فذبحها وشواها","lvl":2,"sub":0},{"id":5072,"title":"فصل غصب حبا فزرعه فصار زرعا أو نوى فصار","lvl":2,"sub":0},{"id":5073,"title":"فصل غصب دنانير أو دراهم من رجل وخلطها بمثلها لآخر فلم يتميزا","lvl":2,"sub":0},{"id":5074,"title":"فصل غصب عبدا فصاد صيدا أو كسب شيئا","lvl":2,"sub":0},{"id":5075,"title":"مسألة غصب جارية فوطئها وأولدها","lvl":2,"sub":0},{"id":5078,"title":"مسألة الغاصب للجارية باعها فوطئها المشتري وأولدها وهو","lvl":2,"sub":0},{"id":5082,"title":"فصل استكره الغاصب امرأة على الزنى","lvl":2,"sub":0},{"id":5083,"title":"فصل أجر الغاصب المغصوب","lvl":2,"sub":0},{"id":5084,"title":"فصل أودع المغصوب أو وكل رجلا في بيعه ودفعه إليه","lvl":2,"sub":0},{"id":5085,"title":"فصل أعار العين المغصوبة فتلفت عند المستعير","lvl":2,"sub":0},{"id":5086,"title":"فصل هبة المغصوب لعالم بالغصب","lvl":2,"sub":0},{"id":5087,"title":"فصل تصرفات الغاصب","lvl":2,"sub":0},{"id":5088,"title":"فصل غصب أثمانا فاتجر بها أو عروضا فباعها","lvl":2,"sub":0},{"id":5089,"title":"مسألة غصب شيئا ولم يقدر على رده","lvl":2,"sub":0},{"id":5091,"title":"فصل غصب عصيرا فصار خمرا","lvl":2,"sub":0},{"id":5092,"title":"فصل غصب شيئا ببلد فلقيه ببلد آخر فطالبه به","lvl":2,"sub":0},{"id":5093,"title":"مسألة غصبها حاملا فولدت في يده ثم مات الولد","lvl":2,"sub":0},{"id":5096,"title":"فصل كان المغصوب من المثليات فتلف","lvl":2,"sub":0},{"id":5098,"title":"مسألة كانت للمغصوب أجرة","lvl":2,"sub":0},{"id":5100,"title":"فصل غصب شيئا فشغله بملكه كخيط خاط به ثوبا أو نحوه","lvl":2,"sub":0},{"id":5102,"title":"فصل غصب فصيلا فأدخله داره فكبر ولم يخرج","lvl":2,"sub":0},{"id":5103,"title":"فصل غصب جوهرة فابتلعتها بهيمة","lvl":2,"sub":0},{"id":5105,"title":"فصل غصب دينارا فوقع في محبرته أو أخذ دينار","lvl":2,"sub":0},{"id":5106,"title":"فصل غصب لوحا فرقع به سفينة","lvl":2,"sub":0},{"id":5107,"title":"فصل غصب شيئا فخلطه بما يمكن تمييزه منه","lvl":2,"sub":0},{"id":5110,"title":"فصل غصب ثوبا فصبغه","lvl":2,"sub":0},{"id":5116,"title":"فصل غصب طعاما فأطعمه غيره","lvl":2,"sub":0},{"id":5119,"title":"فصل اختلاف المالك والغاصب في قيمة المغصوب","lvl":2,"sub":0},{"id":5121,"title":"فصل باع عبدا فادعى إنسان على البائع أنه","lvl":2,"sub":0},{"id":5123,"title":"فصل كان المشتري أعتق العبد فأقرا جميعا","lvl":2,"sub":0},{"id":5124,"title":"فصل باع عبدا أو وهبه ثم ادعى أني فعلت","lvl":2,"sub":0},{"id":5125,"title":"فصل جنى العبد المغصوب جناية أوجبت القصاص","lvl":2,"sub":0},{"id":5127,"title":"مسألة أتلف لذمي خمرا أو خنزيرا","lvl":2,"sub":0},{"id":5129,"title":"فصل غصب من ذمي خمرا","lvl":2,"sub":0},{"id":5130,"title":"فصل غصب كلبا يجوز اقتناؤه","lvl":2,"sub":0},{"id":5132,"title":"فصل كسر صليبا أو مزمارا أو طنبورا أو صنما","lvl":2,"sub":0},{"id":5133,"title":"فصل كسر آنية ذهب أو فضة","lvl":2,"sub":0},{"id":5134,"title":"فصل كسر آنية الخمر","lvl":2,"sub":0},{"id":5135,"title":"فصل الغصب فيما ليس بمال كالحر","lvl":2,"sub":0},{"id":5136,"title":"فصل أم الولد مضمونة بالغصب","lvl":2,"sub":0},{"id":5137,"title":"فصل فتح قفصا عن طائر فطار أو حل دابة","lvl":2,"sub":0},{"id":5139,"title":"فصل حل زقا فيه مائع فاندفق","lvl":2,"sub":0},{"id":5141,"title":"فصل حل رباط سفينة فذهبت أو غرقت","lvl":2,"sub":0},{"id":5142,"title":"فصل أوقد في ملكه نارا أو في موات","lvl":2,"sub":0},{"id":5143,"title":"فصل ألقت الريح إلى داره ثوب غيره لزمه حفظه","lvl":2,"sub":0},{"id":5144,"title":"فصل أكلت بهيمة حشيش قوم ويد صاحبها عليها","lvl":2,"sub":0},{"id":5145,"title":"فصل شهد بالغصب شاهدان فشهد أحدهما أنه غصبه","lvl":2,"sub":0},{"id":5146,"title":"كتاب الشفعة","lvl":2,"sub":0},{"id":5148,"title":"من شروط الشفعة أن يكون الملك مشاعا غير مقسوم","lvl":2,"sub":0},{"id":5151,"title":"فصل من شروط الشفعة أن يكون المبيع أرضا","lvl":2,"sub":0},{"id":5154,"title":"فصل من شروط الشفعة أن يكون المبيع مما يمكن","lvl":2,"sub":0},{"id":5157,"title":"فصل من شروط الشفعة أن يكون الشقص منتقلا بعوض","lvl":2,"sub":0},{"id":5161,"title":"فصل جنى جنايتين عمدا وخطأ فصالحه منهما على شقص","lvl":2,"sub":0},{"id":5162,"title":"فصل لا تثبت الشفعة في بيع الخيار قبل انقضائه","lvl":2,"sub":0},{"id":5164,"title":"فصل بيع المريض كبيع الصحيح في الصحة وثبوت الشفعة","lvl":2,"sub":0},{"id":5167,"title":"فصل يملك الشفيع الشقص بأخذه بكل لفظ يدل على أخذه","lvl":2,"sub":0},{"id":5169,"title":"فصل أراد الشفيع أخذ الشقص وكان في","lvl":2,"sub":0},{"id":5170,"title":"فصل أقر البائع بالبيع وأنكر المشتري","lvl":2,"sub":0},{"id":5172,"title":"مسألة لم يطالب بالشفعة في وقت علمه بالبيع","lvl":2,"sub":0},{"id":5175,"title":"فصل أخبره بالبيع مخبر فصدقه ولم يطالب بالشفعة","lvl":2,"sub":0},{"id":5176,"title":"فصل أظهر المشتري أن الثمن أكثر مما وقع","lvl":2,"sub":0},{"id":5178,"title":"فصل لقيه الشفيع في غير بلده فلم يطالبه","lvl":2,"sub":0},{"id":5179,"title":"فصل قال الشفيع للمشتري بعني ما اشتريت أو قاسمني","lvl":2,"sub":0},{"id":5180,"title":"فصل قال الشفيع آخذ نصف الشقص","lvl":2,"sub":0},{"id":5181,"title":"فصل أخذ الشفيع الشقص بثمن مغصوب","lvl":2,"sub":0},{"id":5182,"title":"فصل وجبت له الشفعة فباع نصيبه عالما بذلك","lvl":2,"sub":0},{"id":5184,"title":"مسألة كان الشفيع غائبا وعلم بالبيع في وقت قدومه","lvl":2,"sub":0},{"id":5185,"title":"مسألة الشفيع علم بالبيع وهو في السفر فلم يشهد على","lvl":2,"sub":0},{"id":5187,"title":"فصل أشهد الشفيع على المطالبة ثم أخر","lvl":2,"sub":0},{"id":5188,"title":"فصل كان مريضا مرضا لا يمنع المطالبة بالشفعة","lvl":2,"sub":0},{"id":5189,"title":"مسألة لم يعلم الشفيع بالبيع حتى تبايع ذلك ثلاثة أو أكثر","lvl":2,"sub":0},{"id":5191,"title":"فصل تصرف المشتري في الشقص بما لا تجب به الشفعة","lvl":2,"sub":0},{"id":5193,"title":"فصل جعل الشقص صداقا أو عوضا في خلع أو صلح عن","lvl":2,"sub":0},{"id":5194,"title":"فصل اشترى شقصا بعبد ثم وجد بائع الشقص بالعبد عيبا","lvl":2,"sub":0},{"id":5196,"title":"فصل كان ثمن الشقص مكيلا أو موزونا فتلف قبل قبضه","lvl":2,"sub":0},{"id":5197,"title":"فصل اشترى شقصا بعبد أو ثمن معين فخرج مستحقا","lvl":2,"sub":0},{"id":5199,"title":"فصل قال البائع للشفيع أقلني فأقاله","lvl":2,"sub":0},{"id":5200,"title":"مسألة للصغير إذا كبر المطالبة بالشفعة","lvl":2,"sub":0},{"id":5202,"title":"فصل كان للصبي حظ في الأخذ بالشفعة","lvl":2,"sub":0},{"id":5204,"title":"فصل باع وصي الأيتام فباع لأحدهم نصيبا في","lvl":2,"sub":0},{"id":5205,"title":"فصل عفا ولي الصبي عن شفعته التي له فيها حظ ثم","lvl":2,"sub":0},{"id":5207,"title":"فصل بيع شقص في شركة مال المضاربة","lvl":2,"sub":0},{"id":5208,"title":"فصل لا شفعة بشركة الوقف","lvl":2,"sub":0},{"id":5209,"title":"مسألة بناء المشتري وغرسه في الشقص المشفوع على وجه مباح","lvl":2,"sub":0},{"id":5212,"title":"فصل زرع في الأرض المشفوعة","lvl":2,"sub":0},{"id":5213,"title":"فصل نما الشقص المبيع في يد المشتري في","lvl":2,"sub":0},{"id":5214,"title":"فصل تلف الشقص أو بعضه في يد المشتري في الشفعة","lvl":2,"sub":0},{"id":5216,"title":"مسألة كان الشراء وقع بعين أو ورق الأرض في","lvl":2,"sub":0},{"id":5218,"title":"فصل استحقاق الشفيع الشقص بالثمن الذي استقر عليه العقد","lvl":2,"sub":0},{"id":5219,"title":"فصل كان الثمن مما تجب قيمته في الشفعة","lvl":2,"sub":0},{"id":5220,"title":"فصل كان الثمن المشترى به مؤجلا في الشفعة","lvl":2,"sub":0},{"id":5221,"title":"فصل باع شقصا مشفوعا ومعه ما لا شفعة فيه كالسيف والثوب","lvl":2,"sub":0},{"id":5222,"title":"فصل باع شقصين من أرضين صفقة واحدة لرجل","lvl":2,"sub":0},{"id":5223,"title":"فصل لا يأخذ بالشفعة من لا يقدر على الثمن","lvl":2,"sub":0},{"id":5225,"title":"فصل الاحتيال لإسقاط الشفعة","lvl":2,"sub":0},{"id":5229,"title":"اختلف الشفيع والمشتري في الثمن","lvl":2,"sub":0},{"id":5231,"title":"فصل قال المشتري لا أعلم مبلغ الثمن في الشفعة","lvl":2,"sub":0},{"id":5232,"title":"فصل اشترى شقصا بعرض واختلفا في قيمته","lvl":2,"sub":0},{"id":5233,"title":"فصل ادعى الشفيع على بعض الشركاء أنك اشتريت نصيبك","lvl":2,"sub":0},{"id":5234,"title":"فصل قال اشتريته لفلان وكان حاضرا وقت الشفعة","lvl":2,"sub":0},{"id":5236,"title":"فصل دار بين حاضر وغائب فادعى الحاضر أنه اشتراه منه","lvl":2,"sub":0},{"id":5238,"title":"فصل ادعى على رجل شفعة في شقص اشتراه فقال ليس","lvl":2,"sub":0},{"id":5239,"title":"فصل ادعى على شريكه أنك اشتريت نصيبك من عمرو","lvl":2,"sub":0},{"id":5240,"title":"فصل دار بين رجلين فادعى كل واحد منهما على صاحبه أنه","lvl":2,"sub":0},{"id":5241,"title":"فصل اختلف المتبايعان في ثمن الشفعة","lvl":2,"sub":0},{"id":5243,"title":"فصل اشترى شقصا له شفيعان فادعى على أحد الشفيعين أنه","lvl":2,"sub":0},{"id":5245,"title":"مسألة الشقص المشفوع إذا أخذه الشفعاء","lvl":2,"sub":0},{"id":5247,"title":"فصل ورث أخوان دارا هي بينهما نصفين فمات أحدهما عن ابنين","lvl":2,"sub":0},{"id":5249,"title":"فصل كان المشتري شريكا في الشقص","lvl":2,"sub":0},{"id":5251,"title":"مسألة ترك أحدهما شفعته","lvl":2,"sub":0},{"id":5252,"title":"فصل كان الشفعاء غائبين","lvl":2,"sub":0},{"id":5254,"title":"فصل حضر الثاني بعد أخذ الأول فأخذ نصف","lvl":2,"sub":0},{"id":5255,"title":"فصل أخذ الأول الشقص كله بالشفعة فقدم الثاني","lvl":2,"sub":0},{"id":5256,"title":"فصل اشترى رجل من رجلين شقصا فللشفيع أخذ نصيب أحدهما","lvl":2,"sub":0},{"id":5257,"title":"فصل باع شقصا لثلاثة دفعة واحدة","lvl":2,"sub":0},{"id":5259,"title":"فصل دار بين أربعة أرباعا باع ثلاثة منهم في عقود متفرقة","lvl":2,"sub":0},{"id":5260,"title":"فصل باع الشريك نصف الشقص لرجل ثم باعه","lvl":2,"sub":0},{"id":5261,"title":"فصل دار بين ثلاثة فوكل أحدهم شريكه في بيع نصيبه مع نصيبه","lvl":2,"sub":0},{"id":5262,"title":"مسألة عهدة الشفيع على المشتري وعهدة المشتري على","lvl":2,"sub":0},{"id":5263,"title":"فصل حكم الشفيع في الرد بالعيب","lvl":2,"sub":0},{"id":5265,"title":"مسألة الشفعة لا تورث","lvl":2,"sub":0},{"id":5267,"title":"فصل أشهد الشفيع على مطالبته بها للعذر","lvl":2,"sub":0},{"id":5268,"title":"فصل بيع شقص له شفيعان فعفا أحدهما عنها وطالب الآخر بها","lvl":2,"sub":0},{"id":5269,"title":"فصل مات مفلس وله شقص فباع شريكه","lvl":2,"sub":0},{"id":5270,"title":"فصل اشترى شقصا مشفوعا ووصي به ثم مات","lvl":2,"sub":0},{"id":5272,"title":"فصل اشترى رجل شقصا ثم ارتد فقتل أو مات","lvl":2,"sub":0},{"id":5273,"title":"فصل اشترى المرتد شقصا","lvl":2,"sub":0},{"id":5274,"title":"مسألة أذن الشريك في البيع ثم طالب بالشفعة بعد وقوع","lvl":2,"sub":0},{"id":5276,"title":"فصل توكل الشفيع في البيع","lvl":2,"sub":0},{"id":5277,"title":"فصل ضمن الشفيع العهدة للمشتري أو شرط له الخيار","lvl":2,"sub":0},{"id":5278,"title":"فصل دار بين ثلاثة فقارض واحد منهم أحد شريكيه بألف فاشترى","lvl":2,"sub":0},{"id":5279,"title":"فصل دار بين ثلاثة فاشترى أجنبي نصيب أحدهم فطالبه أحدهم بالشفعة","lvl":2,"sub":0},{"id":5280,"title":"فصل قال أحد الشفيعين للمشتري شراؤك باطل","lvl":2,"sub":0},{"id":5281,"title":"فصل ادعى رجل على آخر ثلث داره فأنكره","lvl":2,"sub":0},{"id":5282,"title":"فصل دار بين ثلاثة فاشترى أحدهم نصيب أحدهم ثم باعه","lvl":2,"sub":0},{"id":5288,"title":"فصل دار بين أربعة اشترى اثنان منهم نصيب أحدهم","lvl":2,"sub":0},{"id":5290,"title":"مسألة لا شفعة لكافر على مسلم","lvl":2,"sub":0},{"id":5292,"title":"فصل الشفعة للذمي على الذمي","lvl":2,"sub":0},{"id":5293,"title":"فصل أصحاب البدع هل لهم شفعة","lvl":2,"sub":0},{"id":5294,"title":"فصل الشفعة للبدوي على القروي وللقروي على البدوي","lvl":2,"sub":0},{"id":5295,"title":"فصل الشفعة في أرض السواد","lvl":2,"sub":0},{"id":5296,"title":"كتاب المساقاة","lvl":2,"sub":0},{"id":5299,"title":"مسألة المساقاة في النخل والشجر والكرم","lvl":2,"sub":0},{"id":5301,"title":"فصل المساقاة في ما لا ثمر له من الشجر","lvl":2,"sub":0},{"id":5302,"title":"فصل ساقاه على ثمرة موجودة","lvl":2,"sub":0},{"id":5304,"title":"فصل المساقاة لا تصح إلا على جزء معلوم من الثمرة","lvl":2,"sub":0},{"id":5306,"title":"فصل كان في البستان شجر من أجناس كالتين والزيتون","lvl":2,"sub":0},{"id":5308,"title":"فصل ساقاه ثلاث سنين على أن له في","lvl":2,"sub":0},{"id":5310,"title":"فصل ساقاه على أنه إن سقى سيحا فله الثلث","lvl":2,"sub":0},{"id":5311,"title":"فصل ساقى أحد الشريكين شريكه وجعل له من الثمر أكثر","lvl":2,"sub":0},{"id":5313,"title":"فصل المساقاة على البعل من الشجر وفيما يحتاج","lvl":2,"sub":0},{"id":5314,"title":"فصل لا تصح المساقاة إلا على شجر معلوم بالرؤية أو","lvl":2,"sub":0},{"id":5315,"title":"فصل المساقاة بلفظ المساقاة وما يؤدي معناها","lvl":2,"sub":0},{"id":5316,"title":"فصل يلزم العامل بإطلاق عقد المساقاة ما فيه صلاح الثمرة","lvl":2,"sub":0},{"id":5318,"title":"فصل الجذاذ والحصاد واللقاط على عامل المساقاة","lvl":2,"sub":0},{"id":5319,"title":"فصل شرط عامل المساقاة أن يعمل معه غلمان","lvl":2,"sub":0},{"id":5320,"title":"فصل شرط عامل المساقاة أن أجر الأجراء","lvl":2,"sub":0},{"id":5321,"title":"فصل المساقاة والمزارعة من العقود الجائزة","lvl":2,"sub":0},{"id":5326,"title":"فصل لا يثبت في المساقاة خيار الشرط","lvl":2,"sub":0},{"id":5327,"title":"فصل إذا جازت المساقاة لم يفتقر إلى ضرب مدة","lvl":2,"sub":0},{"id":5329,"title":"فصل هروب عامل المساقاة","lvl":2,"sub":0},{"id":5330,"title":"فصل عامل المساقاة أمين","lvl":2,"sub":0},{"id":5331,"title":"فصل عجز عامل المساقاة عن العمل لضعفه","lvl":2,"sub":0},{"id":5332,"title":"فصل اختلفا في الجزء المشروط لعامل المساقاة","lvl":2,"sub":0},{"id":5333,"title":"فصل عامل المساقاة يملك حصته من الثمرة بظهورها","lvl":2,"sub":0},{"id":5335,"title":"فصل ساقاه على أرض خراجية","lvl":2,"sub":0},{"id":5336,"title":"مسألة لا يجوز أن يجعل لعامل المساقاة فضل دراهم","lvl":2,"sub":0},{"id":5337,"title":"فصل ساقى رجلا أو زارعه","lvl":2,"sub":0},{"id":5338,"title":"فصل ساقاه على ودي النخل أو صغار الشجر إلى مدة يحمل","lvl":2,"sub":0},{"id":5339,"title":"فصل ساقاه على شجر يغرسه ويعمل فيه حتى يحمل","lvl":2,"sub":0},{"id":5341,"title":"فصل ساقاه على شجر فبان مستحقا بعد العمل","lvl":2,"sub":0},{"id":5343,"title":"مسألة المزارعة ببعض ما يخرج من الأرض","lvl":2,"sub":0},{"id":5350,"title":"فصل كان في الأرض شجر وبينه بياض أرض فساقاه","lvl":2,"sub":0},{"id":5352,"title":"فصل زارعه أرضا فيها شجرات يسيرة","lvl":2,"sub":0},{"id":5353,"title":"فصل آجره بياض أرض وساقاه على الشجر","lvl":2,"sub":0},{"id":5354,"title":"فصل كان البذر منهما نصفين وشرطا أن الزرع","lvl":2,"sub":0},{"id":5355,"title":"فصل قال صاحب الأرض أجرتك نصف أرضي هذه","lvl":2,"sub":0},{"id":5356,"title":"مسألة اتفقا على أن يأخذ رب الأرض مثل بذره ويقتسما ما بقي","lvl":2,"sub":0},{"id":5357,"title":"فصل زارعه على أن لرب الأرض زرعا بعينه وللعامل زرعا","lvl":2,"sub":0},{"id":5358,"title":"فصل الشروط الفاسدة في المساقاة والمزارعة","lvl":2,"sub":0},{"id":5359,"title":"فصل دفع رجل بذره إلى صاحب الأرض ليزرعه في","lvl":2,"sub":0},{"id":5360,"title":"فصل اشترك ثلاثة من أحدهم الأرض ومن الآخر البذر","lvl":2,"sub":0},{"id":5362,"title":"فصل زارع رجلا وآجره أرضه فزرعها وسقط","lvl":2,"sub":0},{"id":5363,"title":"فصل إجارة الأرض بالورق والذهب وسائر العروض سوى","lvl":2,"sub":0},{"id":5368,"title":"كتاب الإجارات","lvl":2,"sub":0},{"id":5370,"title":"فصل اشتقاق الإجارة من الأجر وهو العوض","lvl":2,"sub":0},{"id":5371,"title":"مسألة إذا وقعت الإجارة على مدة معلومة بأجرة معلومة","lvl":2,"sub":0},{"id":5374,"title":"فصل لا يشترط في مدة الإجارة أن تلي العقد","lvl":2,"sub":0},{"id":5376,"title":"فصل لا تتقدر أكثر مدة الإجارة","lvl":2,"sub":0},{"id":5378,"title":"فصل الإجارة على ضربين","lvl":2,"sub":0},{"id":5380,"title":"فصل اكترى دابة إلى العشاء فآخر المدة إلى غروب الشمس","lvl":2,"sub":0},{"id":5382,"title":"فصل اكترى فسطاطا إلى مكة ولم يقل متى أخرج","lvl":2,"sub":0},{"id":5383,"title":"فصل يشترط في عوض الإجارة كونه معلوما","lvl":2,"sub":0},{"id":5384,"title":"فصل كل ما جاز ثمنا في البيع جاز عوضا","lvl":2,"sub":0},{"id":5385,"title":"فصل استأجر رجلا ليسلخ له بهيمة بجلدها","lvl":2,"sub":0},{"id":5386,"title":"فصل استأجر راعيا لغنم بثلث درهما ونسلها","lvl":2,"sub":0},{"id":5387,"title":"فصل الإجارة إذا تمت وكانت على مدة","lvl":2,"sub":0},{"id":5388,"title":"فصل المؤجر يملك الأجرة بمجرد العقد","lvl":2,"sub":0},{"id":5391,"title":"فصل إذا شرط تأجيل الأجر فهو إلى أجله","lvl":2,"sub":0},{"id":5392,"title":"فصل إذا استوفى المستأجر المنافع","lvl":2,"sub":0},{"id":5394,"title":"مسألة إذا وقعت الإجارة على كل شهر بشيء معلوم","lvl":2,"sub":0},{"id":5396,"title":"فصل قال أجرتك داري عشرين شهرا كل شهر بدرهم","lvl":2,"sub":0},{"id":5397,"title":"فصل الإجارة عقد لازم من الطرفين","lvl":2,"sub":0},{"id":5398,"title":"مسألة استأجر عقارا مدة بعينها","lvl":2,"sub":0},{"id":5399,"title":"فصل إباحة إجارة العقار","lvl":2,"sub":0},{"id":5400,"title":"فصل كراء الحمام","lvl":2,"sub":0},{"id":5401,"title":"مسألة لا يتصرف مالك العقار فيه إلا عند تقضي المدة","lvl":2,"sub":0},{"id":5403,"title":"مسألة إن حوله المالك قبل تقضي المدة لم يكن له أجر لما","lvl":2,"sub":0},{"id":5404,"title":"فصل هرب الأجير أو شردت الدابة","lvl":2,"sub":0},{"id":5405,"title":"مسألة جاء أمر غالب يحجز المستأجر عن منفعة ما وقع عليه","lvl":2,"sub":0},{"id":5407,"title":"فصل أن يحدث على العين المؤجرة ما يمنع نفعها","lvl":2,"sub":0},{"id":5409,"title":"فصل أن تغصب العين المستأجرة","lvl":2,"sub":0},{"id":5410,"title":"فصل أن يحدث خوف عام يمنع من سكنى ذلك المكان","lvl":2,"sub":0},{"id":5411,"title":"فصل اكترى عينا فوجد بها عيبا لم يكن علم به","lvl":2,"sub":0},{"id":5413,"title":"فصل على المكري ما يتمكن به من الانتفاع","lvl":2,"sub":0},{"id":5414,"title":"فصل شرط على مكتري الحمام أو غيره أن مدة تعطيله","lvl":2,"sub":0},{"id":5415,"title":"فصل شرط الإنفاق على العين النفقة الواجبة على","lvl":2,"sub":0},{"id":5416,"title":"مسألة استؤجر لعمل شيء بعينه فمرض","lvl":2,"sub":0},{"id":5418,"title":"فصل الاستئجار لحفر الآبار والأنهار والقني","lvl":2,"sub":0},{"id":5420,"title":"فصل الاستئجار لضرب اللبن","lvl":2,"sub":0},{"id":5421,"title":"فصل الاستئجار للبناء وتقديره بالزمان أو العمل","lvl":2,"sub":0},{"id":5422,"title":"فصل الاستئجار لتطيين السطوح والحيطان وتجصيصها","lvl":2,"sub":0},{"id":5423,"title":"فصل استئجار ناسخ لينسخ له كتب فقه أو حديث","lvl":2,"sub":0},{"id":5424,"title":"فصل استأجر من يكتب له مصحفا","lvl":2,"sub":0},{"id":5425,"title":"فصل استأجر لحصاد زرعه","lvl":2,"sub":0},{"id":5426,"title":"فصل الاستئجار لاستيفاء القصاص في النفس فما دونها","lvl":2,"sub":0},{"id":5427,"title":"فصل استئجار رجل ليدله على طريق","lvl":2,"sub":0},{"id":5428,"title":"فصل استأجر سمسارا يشتري له ثيابا","lvl":2,"sub":0},{"id":5429,"title":"فصل استأجره ليبيع له ثيابا بعينها","lvl":2,"sub":0},{"id":5430,"title":"فصل استأجر لخدمته من يخدمه كل شهر بشيء معلوم","lvl":2,"sub":0},{"id":5431,"title":"مسألة مات المكري والمكتري أو أحدهما","lvl":2,"sub":0},{"id":5432,"title":"فصل مات المكتري ولم يكن له وارث يقوم مقامه في استيفاء المنفعة","lvl":2,"sub":0},{"id":5434,"title":"فصل أجر الموقوف عليه الوقف مدة فمات في أثنائها وانتقل إلى","lvl":2,"sub":0},{"id":5435,"title":"فصل أجر الولي الصبي أو ماله مدة فبلغ في أثنائها","lvl":2,"sub":0},{"id":5437,"title":"فصل أجر عبده مدة ثم أعتقه في أثنائها","lvl":2,"sub":0},{"id":5438,"title":"فصل أجر عينا ثم باعها","lvl":2,"sub":0},{"id":5440,"title":"فصل اشترى المستأجر العين المؤجرة","lvl":2,"sub":0},{"id":5441,"title":"فصل ورث المستأجر العين المستأجرة","lvl":2,"sub":0},{"id":5442,"title":"فصل اشترى المستأجر العين ثم وجدها معيبة فردها","lvl":2,"sub":0},{"id":5443,"title":"فصل وقعت الإجارة على عين فتلفت","lvl":2,"sub":0},{"id":5445,"title":"مسألة استأجر عقارا للسكنى","lvl":2,"sub":0},{"id":5446,"title":"فصل اكترى دارا","lvl":2,"sub":0},{"id":5447,"title":"فصل اكترى ظهرا ليركبه","lvl":2,"sub":0},{"id":5448,"title":"فصل شرط أن لا يستوفي في المنفعة بمثله ولا بمن هو","lvl":2,"sub":0},{"id":5449,"title":"فصل للمستأجر أن يؤجر العين المستأجرة إذا قبضها","lvl":2,"sub":0},{"id":5451,"title":"فصل للمستأجر إجارة العين بمثل الأجر وزيادة","lvl":2,"sub":0},{"id":5452,"title":"فصل يتقبل العمل من الأعمال يقبله بأقل من ذلك","lvl":2,"sub":0},{"id":5453,"title":"فصل كل عين استأجرها لمنفعة له أن يستوفي مثل تلك المنفعة وما","lvl":2,"sub":0},{"id":5455,"title":"فصل اكترى دابة ليركبها في مسافة معلومة","lvl":2,"sub":0},{"id":5456,"title":"فصل اكتري قميصا ليلبسه","lvl":2,"sub":0},{"id":5457,"title":"فصل استئجار أرض","lvl":2,"sub":0},{"id":5460,"title":"فصل أكرى الأرض للغراس","lvl":2,"sub":0},{"id":5461,"title":"فصل لا تخلو الأرض المؤجرة من قسمين","lvl":2,"sub":0},{"id":5464,"title":"فصل اكترى أرضا غارقة بالماء","lvl":2,"sub":0},{"id":5465,"title":"فصل غرق الزرع أو هلك بحريق أو جراد أو برد أو","lvl":2,"sub":0},{"id":5466,"title":"فصل استأجر أرضا للزراعة مدة فانقضت وفيها زرع لم","lvl":2,"sub":0},{"id":5468,"title":"فصل اكترى الأرض لزرع مدة لا يكمل فيها","lvl":2,"sub":0},{"id":5469,"title":"فصل أجره للغراس سنة","lvl":2,"sub":0},{"id":5472,"title":"مسألة استئجار الأجير بطعامه وكسوته","lvl":2,"sub":0},{"id":5474,"title":"فصل شرط الأجير كسوة ونفقة معلومة موصوفة","lvl":2,"sub":0},{"id":5476,"title":"فصل استغنى الأجير عن طعام المؤجر بطعام نفسه أو غيره","lvl":2,"sub":0},{"id":5477,"title":"فصل دفع إليه طعامه فأحب الأجير أن يستفضل بعضه لنفسه","lvl":2,"sub":0},{"id":5478,"title":"فصل قدم إلي الأجير طعاما فنهب أو تلف قبل أكله","lvl":2,"sub":0},{"id":5479,"title":"فصل دفع إلى رجل ثوبا وقال بعه بكذا فما ازددت فهو","lvl":2,"sub":0},{"id":5481,"title":"فصل لا بأس أن يحصد الزرع ويصرم النخل بسدس ما يخرج منه","lvl":2,"sub":0},{"id":5482,"title":"مسألة استئجار الظئر بطعامها وكسوتها","lvl":2,"sub":0},{"id":5484,"title":"فصل المعقود عليه في الرضاع","lvl":2,"sub":0},{"id":5485,"title":"فصل على المرضعة أن تأكل وتشرب ما يدر به لبنها ويصلح","lvl":2,"sub":0},{"id":5486,"title":"فصل للرجل أن يؤجر أمته ومدبرته وأم ولده","lvl":2,"sub":0},{"id":5487,"title":"فصل استئجار أمه وأخته وابنته لرضاع ولده","lvl":2,"sub":0},{"id":5488,"title":"فصل فسخ الإجارة بموت المرضعة","lvl":2,"sub":0},{"id":5489,"title":"مسألة استحباب إعطاء الظئر عند الفطام عبدا أو أمة كراء المرضع","lvl":2,"sub":0},{"id":5490,"title":"مسألة اكترى دابة إلى موضع فجاوزه","lvl":2,"sub":0},{"id":5493,"title":"مسألة اكترى لحمولة شيء فزاد عليه","lvl":2,"sub":0},{"id":5496,"title":"فصل اكترى دابة إلى مسافة فسلك أشق منها","lvl":2,"sub":0},{"id":5497,"title":"فصل أكراه لحمل قفيزين فحملهما فوجدهما ثلاثة","lvl":2,"sub":0},{"id":5499,"title":"مسألة لا يجوز أن يكتري مدة غزاته","lvl":2,"sub":0},{"id":5500,"title":"مسألة اكترى فرسا مدة غزوه كل يوم بدرهم","lvl":2,"sub":0},{"id":5502,"title":"فصل استأجر دابة في عشرة أيام بعشرة دراهم","lvl":2,"sub":0},{"id":5503,"title":"فصل قال إن خطت هذا الثوب اليوم فلك درهم","lvl":2,"sub":0},{"id":5504,"title":"فصل قال إن خطته روميا فلك درهم وإن خطته فارسيا","lvl":2,"sub":0},{"id":5505,"title":"فصل استأجر من حمال إلى مصر بأربعين دينارا","lvl":2,"sub":0},{"id":5506,"title":"فصل مسائل الصبرة","lvl":2,"sub":0},{"id":5508,"title":"مسألة اكترى إلى مكة فلم ير الجمال الراكبين والمحامل الأغطية والأوطئة","lvl":2,"sub":0},{"id":5511,"title":"فصل الكراء إلى مكة أو طريق لا يكون السير فيه إلى اختيار المتكاريين","lvl":2,"sub":0},{"id":5512,"title":"فصل اشترط في كراء الإبل حمل زاد مقدر كمائة رطل","lvl":2,"sub":0},{"id":5513,"title":"فصل اكترى جملا ليحج عليه","lvl":2,"sub":0},{"id":5514,"title":"فصل ما يلزم المكري والمكتري للركوب","lvl":2,"sub":0},{"id":5515,"title":"فصل كان الراكب ممن لا يقدر على الركوب والبعير قائم","lvl":2,"sub":0},{"id":5517,"title":"فصل اكترى ظهرا في طريق العادة فيه النزول والمشي عند اقتراب","lvl":2,"sub":0},{"id":5518,"title":"فصل هروب الجمال من المستأجر في بعض الطريق أو قبل الدخول","lvl":2,"sub":0},{"id":5521,"title":"فصل كراء العقبة","lvl":2,"sub":0},{"id":5523,"title":"مسألة المعرفة بالوصف تقوم مقام الرؤية في الراكبين","lvl":2,"sub":0},{"id":5524,"title":"فصل اكتراء الإبل والدواب للحمولة","lvl":2,"sub":0},{"id":5526,"title":"فصل كراء الدابة للعمل","lvl":2,"sub":0},{"id":5529,"title":"فصل استئجار بهيمة لإدارة الرحى","lvl":2,"sub":0},{"id":5531,"title":"فصل اكترى حيوانا لعمل لم يخلق له","lvl":2,"sub":0},{"id":5532,"title":"مسألة الأجير على ضربين خاص ومشترك","lvl":2,"sub":0},{"id":5534,"title":"فصل الأجير المشترك يضمن إذا كان يعمل في ملك نفسه","lvl":2,"sub":0},{"id":5536,"title":"فصل كان المستأجر على حمله عبيدا صغارا أو كبارا","lvl":2,"sub":0},{"id":5537,"title":"فصل الأجير الخاص","lvl":2,"sub":0},{"id":5538,"title":"فصل استأجر الأجير المشترك أجيرا خاصا","lvl":2,"sub":0},{"id":5539,"title":"فصل أتلف الصانع الثوب بعد عمله","lvl":2,"sub":0},{"id":5540,"title":"فصل دفع إلى حائك غزلا فقال انسجه لي عشرة أذرع","lvl":2,"sub":0},{"id":5542,"title":"فصل دفع إلى خياط ثوبا فقال إن كان يقطع قميصا فاقطعه","lvl":2,"sub":0},{"id":5543,"title":"فصل أمره أن يقطع الثوب قميص رجل فقطعه قميص امرأة","lvl":2,"sub":0},{"id":5546,"title":"فصل استؤجر على عمل في عين","lvl":2,"sub":0},{"id":5548,"title":"مسألة الأجير المشترك إذا تلفت العين من حرزه من غير تعد","lvl":2,"sub":0},{"id":5550,"title":"فصل حبس الصانع الثوب بعد عمله على استيفاء الأجر فتلف","lvl":2,"sub":0},{"id":5551,"title":"فصل أخطأ القصار فدفع الثوب إلى غير مالكه","lvl":2,"sub":0},{"id":5552,"title":"فصل العين المستأجرة أمانة في يد المستأجر","lvl":2,"sub":0},{"id":5554,"title":"فصل شرط المؤجر على المستأجر ضمان العين","lvl":2,"sub":0},{"id":5555,"title":"فصل العين إذا تلفت بغير تفريط ولا تعد لا تضمن إن كانت","lvl":2,"sub":0},{"id":5556,"title":"فصل للمستأجر ضرب الدابة","lvl":2,"sub":0},{"id":5557,"title":"مسألة لا ضمان على حجام ولا ختان ولا متطبب","lvl":2,"sub":0},{"id":5558,"title":"فصل ختن صبيا بغير إذن وليه أو قطع سلعة","lvl":2,"sub":0},{"id":5559,"title":"فصل الاستئجار على الختان والمداواة وقطع السلعة","lvl":2,"sub":0},{"id":5560,"title":"فصل استأجر حجاما ليحجمه","lvl":2,"sub":0},{"id":5563,"title":"فصل استئجار الحجام لغير الحجامة","lvl":2,"sub":0},{"id":5564,"title":"فصل استأجر كحالا ليكحل عينه","lvl":2,"sub":0},{"id":5566,"title":"فصل استأجره مدة فكحله فيها فلم تبرأ عينه","lvl":2,"sub":0},{"id":5567,"title":"فصل استأجر طبيبا ليداويه","lvl":2,"sub":0},{"id":5568,"title":"فصل استأجر من يقلع ضرسه","lvl":2,"sub":0},{"id":5569,"title":"فصل استؤجر على عمل موصوف في الذمة","lvl":2,"sub":0},{"id":5570,"title":"مسألة استئجار الراعي","lvl":2,"sub":0},{"id":5572,"title":"فصل العقد في الرعي","lvl":2,"sub":0},{"id":5574,"title":"فصل ما تجوز إجارته","lvl":2,"sub":0},{"id":5576,"title":"فصل إجارة الدراهم والدنانير","lvl":2,"sub":0},{"id":5578,"title":"فصل استأجر شجرا ونخيلا ليجفف عليها الثياب أو يبسطها عليها ليستظل","lvl":2,"sub":0},{"id":5579,"title":"فصل استئجار غنم لتدرس له طينا أو زرعا","lvl":2,"sub":0},{"id":5580,"title":"فصل استئجار ما يبقى من الطيب والصندل وأقطاع الكافور والند","lvl":2,"sub":0},{"id":5581,"title":"فصل إجارة الحائط ليضع عليها خشبا معلوما مدة معلومة","lvl":2,"sub":0},{"id":5582,"title":"فصل استئجار دار يتخذها مسجدا يصلي","lvl":2,"sub":0},{"id":5583,"title":"فصل استئجار البئر ليستقي منها أياما معلومة","lvl":2,"sub":0},{"id":5584,"title":"فصل استئجار الفهد والبازي والصقر للصيد في مدة معلومة","lvl":2,"sub":0},{"id":5585,"title":"فصل ما لا تجوز إجارته","lvl":2,"sub":0},{"id":5586,"title":"فصل إجارة الفحل للضراب","lvl":2,"sub":0},{"id":5588,"title":"فصل ما منفعته محرمة لا يجوز الاستئجار لفعله","lvl":2,"sub":0},{"id":5590,"title":"فصل تأجير الرجل نفسه لكسح الكنف","lvl":2,"sub":0},{"id":5591,"title":"فصل إجارة داره لمن يتخذها كنيسة","lvl":2,"sub":0},{"id":5592,"title":"فصل ما يحرم بيعه لا يجوز إجارته","lvl":2,"sub":0},{"id":5594,"title":"فصل إجارة المصحف","lvl":2,"sub":0},{"id":5595,"title":"فصل إجارة المسلم للذمي لخدمته","lvl":2,"sub":0},{"id":5597,"title":"فصل الرجل يكتري الديك يوقظه لوقت الصلاة","lvl":2,"sub":0},{"id":5598,"title":"فصل حكم الإجارة في القرب التي يختص فاعلها بكونه","lvl":2,"sub":0},{"id":5602,"title":"فصل أعطي المعلم شيئا من غير شرط","lvl":2,"sub":0},{"id":5604,"title":"فصل حكم إجارة ما لا يختص فاعله أن يكون من","lvl":2,"sub":0},{"id":5605,"title":"فصل اختلفا في قدر الأجر","lvl":2,"sub":0},{"id":5606,"title":"فصل اختلفا في مدة الإجارة","lvl":2,"sub":0},{"id":5609,"title":"فصل اختلفا في التعدي في العين المستأجرة","lvl":2,"sub":0},{"id":5611,"title":"فصل دفع ثوبه إلى خياط أو قصار ليخيطه أو يقصره من غير عقد","lvl":2,"sub":0},{"id":5613,"title":"فصل استأجر رجلا ليحمل له كتابا إلى مكة أو غيرها إلى صاحب له","lvl":2,"sub":0},{"id":5614,"title":"كتاب إحياء الموات","lvl":2,"sub":0},{"id":5615,"title":"مسألة من أحيا أرضا لم تملك","lvl":2,"sub":0},{"id":5618,"title":"فصل لا فرق بين المسلم والذمي في الإحياء","lvl":2,"sub":0},{"id":5619,"title":"فصل ما قرب من العامر وتعلق بمصالحه من طرقه","lvl":2,"sub":0},{"id":5622,"title":"فصل إن تحجر مواتا","lvl":2,"sub":0},{"id":5624,"title":"فصل للإمام إقطاع الموات لمن يحييه","lvl":2,"sub":0},{"id":5625,"title":"مسألة المعادن الظاهرة في إقطاع الموات","lvl":2,"sub":0},{"id":5627,"title":"فصل المعادن الباطنة في إقطاع الموات","lvl":2,"sub":0},{"id":5628,"title":"فصل أحيا أرضا فملكها بذلك فظهر","lvl":2,"sub":0},{"id":5631,"title":"فصل شرع إنسان في حفر معدن ولم يصل إلى النيل","lvl":2,"sub":0},{"id":5634,"title":"فصل كان في الموات موضع يمكن أن يحدث فيه معدنا","lvl":2,"sub":0},{"id":5635,"title":"فصل ملك معدنا فعمل فيه غيره بغير إذنه","lvl":2,"sub":0},{"id":5637,"title":"فصل استأجر رجلا ليحفر له عشرة أذرع في دور كذا بدينار","lvl":2,"sub":0},{"id":5638,"title":"فصل سبق في الموات إلى معدن ظاهر أو باطن","lvl":2,"sub":0},{"id":5639,"title":"فصل ما نضب عنه الماء من الجزائر لم يملك بالإحياء","lvl":2,"sub":0},{"id":5640,"title":"فصل حكم إحياء ما كان من الشوارع والطرقات والرحاب بين","lvl":2,"sub":0},{"id":5642,"title":"فصل في القطائع","lvl":2,"sub":0},{"id":5645,"title":"فصل ليس للإمام إقطاع ما لا يجوز إحياؤه من المعادن الظاهرة","lvl":2,"sub":0},{"id":5646,"title":"فصل لا يقطع الإمام أحدا من الموات إلا ما يمكنه إحياؤه","lvl":2,"sub":0},{"id":5647,"title":"فصل في الحمى","lvl":2,"sub":0},{"id":5650,"title":"فصل حكم ما حماه غيره من الأئمة","lvl":2,"sub":0},{"id":5651,"title":"فصل في أحكام المياه","lvl":2,"sub":0},{"id":5655,"title":"فصل الماء الجاري في نهر مملوك","lvl":2,"sub":0},{"id":5657,"title":"فصل حصل نصيب إنسان في ساقيه","lvl":2,"sub":0},{"id":5659,"title":"فصل قسموا ماء النهر المشترك بالمهايأة","lvl":2,"sub":0},{"id":5661,"title":"فصل كون منبع الماء مملوكا","lvl":2,"sub":0},{"id":5662,"title":"فصل كان النهر أو الساقية مشتركا بين جماعة","lvl":2,"sub":0},{"id":5663,"title":"مسألة إحياء الأرض أن يحوط عليها حائطا","lvl":2,"sub":0},{"id":5666,"title":"مسألة حفر بئرا في موات للتمليك","lvl":2,"sub":0},{"id":5669,"title":"فصل كان لإنسان شجرة في موات","lvl":2,"sub":0},{"id":5670,"title":"فصل له بئر فيها ماء فحفر آخر قريبا منها بئرا ينسرق إليها ماء","lvl":2,"sub":0},{"id":5672,"title":"مسألة إحياء الموات لا يفتقر إلى إذن الإمام","lvl":2,"sub":0},{"id":5673,"title":"فصل أما ما سبق إليه فهو الموات","lvl":2,"sub":0},{"id":5674,"title":"كتاب الوقوف والعطايا","lvl":2,"sub":0},{"id":5677,"title":"الفصل الأول الوقف إذا صح زال به ملك الواقف عنه","lvl":2,"sub":0},{"id":5678,"title":"الفصل الثاني يزول الملك ويلزم الوقف بمجرد اللفظ","lvl":2,"sub":0},{"id":5679,"title":"الفصل الثالث الوقف لا يفتقر إلى القبول من الموقوف عليه","lvl":2,"sub":0},{"id":5681,"title":"فصل ينتقل الملك في الموقوف إلى الموقوف عليهم","lvl":2,"sub":0},{"id":5682,"title":"فصل ألفاظ الوقف ستة","lvl":2,"sub":0},{"id":5684,"title":"فصل الوقف يحصل بالفعل مع القرائن الدالة عليه","lvl":2,"sub":0},{"id":5686,"title":"مسألة من وقف شيئا وقفا صحيحا صارت منافعه جميعها للموقوف","lvl":2,"sub":0},{"id":5687,"title":"مسألة الواقف إذا اشترط في الوقف أن ينفق منه على نفسه","lvl":2,"sub":0},{"id":5689,"title":"فصل شرط الواقف أن يأكل أهله من الوقف","lvl":2,"sub":0},{"id":5690,"title":"فصل شرط الواقف أن يبيع الوقف متى شاء أو يهبه","lvl":2,"sub":0},{"id":5691,"title":"فصل شرط الواقف في الوقف أن يخرج من شاء","lvl":2,"sub":0},{"id":5692,"title":"فصل جعل علو داره مسجدا دون سفلها أو سفلها","lvl":2,"sub":0},{"id":5693,"title":"فصل جعل وسط داره مسجدا ولم يذكر الاستطراق","lvl":2,"sub":0},{"id":5694,"title":"فصل وقف على نفسه ثم على المساكين أو","lvl":2,"sub":0},{"id":5695,"title":"مسألة وقف على قوم وأولادهم وعقبهم ونسلهم","lvl":2,"sub":0},{"id":5696,"title":"فصل قال وقفت على أولادي ثم على","lvl":2,"sub":0},{"id":5699,"title":"فصل رتب فقال وقفت هذا على ولدي وولد ولدي ما","lvl":2,"sub":0},{"id":5701,"title":"فصل قال وقفت على أولادي ثم على أولاد أولادي","lvl":2,"sub":0},{"id":5705,"title":"فصل له ثلاثة بنين فقال وقفت على ولدي فلان","lvl":2,"sub":0},{"id":5707,"title":"فصل وقف على أولاده أو أولاد غيره وفيهم حمل","lvl":2,"sub":0},{"id":5713,"title":"فصل المستحب أن يقسم الوقف على أولاده على حسب قسمة","lvl":2,"sub":0},{"id":5715,"title":"مسألة وقف على قوم ونسلهم ثم على المساكين","lvl":2,"sub":0},{"id":5717,"title":"فصل وقف على سبيل الله أو ابن السبيل أو الرقاب أو الغارمين","lvl":2,"sub":0},{"id":5718,"title":"فصل وقف على سبيل الله وسبيل الثواب وسبيل الخير","lvl":2,"sub":0},{"id":5723,"title":"فصل قال وقفت هذا وسكت أو قال صدقة موقوفة","lvl":2,"sub":0},{"id":5724,"title":"فصل وقف على من يجوز الوقف عليه ثم على من لا يجوز","lvl":2,"sub":0},{"id":5725,"title":"فصل كان الوقف منقطع الابتداء","lvl":2,"sub":0},{"id":5726,"title":"فصل كان الوقف صحيح الطرفين منقطع الوسط","lvl":2,"sub":0},{"id":5727,"title":"مسألة وقف في مرضه الذي مات فيه أو قال هو وقف","lvl":2,"sub":0},{"id":5729,"title":"فصل تعليق ابتداء الوقف على شرط في الحياة","lvl":2,"sub":0},{"id":5730,"title":"فصل الوقف في مرضه على بعض ورثته","lvl":2,"sub":0},{"id":5732,"title":"فصل وقف داره بين ابنه وبنته نصفين في","lvl":2,"sub":0},{"id":5734,"title":"مسألة خراب الوقف","lvl":2,"sub":0},{"id":5737,"title":"فصل الوقف إذا بيع","lvl":2,"sub":0},{"id":5738,"title":"فصل في جعل مسجد سقاية وحوانيت","lvl":2,"sub":0},{"id":5739,"title":"فصل لا يجوز أن يغرس في المسجد شجرة","lvl":2,"sub":0},{"id":5740,"title":"فصل ما فضل من حصر المسجد وزيته ولم يحتج إليه","lvl":2,"sub":0},{"id":5741,"title":"فصل جنى الوقف جناية توجب القصاص","lvl":2,"sub":0},{"id":5743,"title":"فصل تزويج الأمة الموقوفة","lvl":2,"sub":0},{"id":5744,"title":"فصل وطء الأمة الموقوفة","lvl":2,"sub":0},{"id":5745,"title":"فصل عتق العبد الموقوف","lvl":2,"sub":0},{"id":5746,"title":"مسألة حصل في يد بعض أهل الوقف خمسة أوسق","lvl":2,"sub":0},{"id":5748,"title":"فصل الوقف على القبيلة العظيمة","lvl":2,"sub":0},{"id":5749,"title":"مسألة حكم وقف ما لا ينتفع به إلا بالإتلاف","lvl":2,"sub":0},{"id":5751,"title":"فصل وقف الشمع","lvl":2,"sub":0},{"id":5752,"title":"فصل وصى بفرس وسرج ولجام مفضض يوقف في سبيل الله","lvl":2,"sub":0},{"id":5753,"title":"مسألة ما جاز بيعه وجاز الانتفاع به مع بقاء","lvl":2,"sub":0},{"id":5755,"title":"مسألة وقف المشاع","lvl":2,"sub":0},{"id":5756,"title":"فصل وقف داره على جهتين مختلفتين","lvl":2,"sub":0},{"id":5757,"title":"مسألة لم يكن الوقف على معروف أو بر","lvl":2,"sub":0},{"id":5759,"title":"فصل الوقف على من لا يملك","lvl":2,"sub":0},{"id":5760,"title":"فصل الوقف على أهل الذمة","lvl":2,"sub":0},{"id":5761,"title":"فصل ينظر في الوقف من شرطه الواقف","lvl":2,"sub":0},{"id":5763,"title":"فصل نفقة الوقف من حيث شرط الواقف","lvl":2,"sub":0},{"id":5764,"title":"مسألة لا تصح الهبة والصدقة فيما يكال أو يوزن إلا بقبضه","lvl":2,"sub":0},{"id":5767,"title":"فصل الواهب بالخيار قبل القبض","lvl":2,"sub":0},{"id":5768,"title":"فصل موت الواهب أو الموهوب له قبل القبض","lvl":2,"sub":0},{"id":5770,"title":"فصل وهبه شيئا في يد المتهب كوديعة أو مغصوب","lvl":2,"sub":0},{"id":5771,"title":"مسألة غير المكيل والموزون تلزم الهبة فيه بمجرد العقد","lvl":2,"sub":0},{"id":5773,"title":"فصل يستغنى عن القبض في الهبة في موضع وجد فيه الإيجاب","lvl":2,"sub":0},{"id":5775,"title":"فصل القبض في الهبة فيما لا ينقل بالتخلية بينه وبينه","lvl":2,"sub":0},{"id":5776,"title":"فصل هبة المشاع","lvl":2,"sub":0},{"id":5778,"title":"فصل القبض شرط في هبة المشاع","lvl":2,"sub":0},{"id":5779,"title":"فصل هبة الحمل في البطن واللبن في الضرع","lvl":2,"sub":0},{"id":5780,"title":"فصل هبة المجهول","lvl":2,"sub":0},{"id":5781,"title":"فصل تعليق الهبة بشرط","lvl":2,"sub":0},{"id":5782,"title":"فصل وهب أمة واستثني ما في بطنها","lvl":2,"sub":0},{"id":5783,"title":"فصل له في ذمة إنسان دين فوهبه له أو أبرأه منه أو","lvl":2,"sub":0},{"id":5784,"title":"فصل وهب الدين لغير من هو في ذمته أو باعه","lvl":2,"sub":0},{"id":5785,"title":"فصل البراءة من المجهول في هبة المشاع","lvl":2,"sub":0},{"id":5787,"title":"مسألة يقبض الهبة للطفل أبوه أو وصيه أو الحاكم أو أمينه","lvl":2,"sub":0},{"id":5789,"title":"فصل وهب الأب لابنه شيئا","lvl":2,"sub":0},{"id":5791,"title":"فصل كان الواهب للصبي غير الأب من أوليائه","lvl":2,"sub":0},{"id":5792,"title":"فصل الهبة من الصبي لغيره","lvl":2,"sub":0},{"id":5793,"title":"مسألة فاضل بين ولده في العطية","lvl":2,"sub":0},{"id":5796,"title":"فصل خص بعض ولده بهبة لمعني يقتضي تخصيصه","lvl":2,"sub":0},{"id":5797,"title":"فصل استحباب التسوية وكراهة التفضيل في الهبة","lvl":2,"sub":0},{"id":5799,"title":"فصل ليس عليه التسوية بين سائر أقاربه في","lvl":2,"sub":0},{"id":5800,"title":"فصل الأم في المنع من المفاضلة في الهبة بين الأولاد","lvl":2,"sub":0},{"id":5801,"title":"فصل الرجوع فيما وهب لولده","lvl":2,"sub":0},{"id":5803,"title":"فصل الأم كالأب , في الرجوع في الهبة","lvl":2,"sub":0},{"id":5805,"title":"فصل الفرق بين الهبة والصدقة","lvl":2,"sub":0},{"id":5806,"title":"فصل للرجوع في هبة الولد شروط أربعة","lvl":2,"sub":0},{"id":5811,"title":"فصل إن قصر العين أو فصلها فلم تزد قيمتها لم تمنع","lvl":2,"sub":0},{"id":5812,"title":"فصل تلف بعض العين الموهوبة أو نقصت قيمتها","lvl":2,"sub":0},{"id":5813,"title":"فصل الألفاظ الدالة على الرجوع في الهبة","lvl":2,"sub":0},{"id":5815,"title":"مسألة فاضل بين ولده في العطايا أو خص بعضهم بعطية","lvl":2,"sub":0},{"id":5818,"title":"فصل للأب أن يأخذ من مال ولده ما شاء ويتملكه","lvl":2,"sub":0},{"id":5821,"title":"فصل ليس للولد مطالبة أبيه بدين عليه","lvl":2,"sub":0},{"id":5823,"title":"فصل تصرف الأب في مال الابن قبل تملكه","lvl":2,"sub":0},{"id":5825,"title":"فصل ليس لغير الأب الأخذ من مال غيره بغير إذنه","lvl":2,"sub":0},{"id":5826,"title":"مسألة لا يحل لواهب أن يرجع في هبته ولا لمهد أن يرجع","lvl":2,"sub":0},{"id":5829,"title":"فصل الهبة المطلقة لا تقتضي ثوابا","lvl":2,"sub":0},{"id":5832,"title":"مسألة قال داري لك عمري أو هي لك عمرك","lvl":2,"sub":0},{"id":5838,"title":"مسألة قال سكناها لك عمرك","lvl":2,"sub":0},{"id":5839,"title":"فصل في هبة أو بيع الهبة الفاسدة أو البيع الفاسد","lvl":2,"sub":0},{"id":5840,"title":"كتاب اللقطة","lvl":2,"sub":0},{"id":5842,"title":"مسألة من وجد لقطة عرفها سنة في الأسواق وأبواب المساجد الفصل","lvl":2,"sub":0},{"id":5843,"title":"الفصل الثاني في قدر تعريف اللقطة","lvl":2,"sub":0},{"id":5845,"title":"الفصل الثالث زمان تعريف اللقطة","lvl":2,"sub":0},{"id":5846,"title":"الفصل الرابع مكان تعريف اللقطة","lvl":2,"sub":0},{"id":5847,"title":"الفصل الخامس فيمن يتولاه تعريف اللقطة","lvl":2,"sub":0},{"id":5848,"title":"الفصل السادس كيفية تعريف اللقطة","lvl":2,"sub":0},{"id":5849,"title":"فصل يسير اللقطة وكثيرها","lvl":2,"sub":0},{"id":5851,"title":"فصل أخر تعريف اللقطة عن الحول الأول مع إمكانه","lvl":2,"sub":0},{"id":5852,"title":"فصل ترك تعريف اللقطة في الحول الأول لعجزه عنه","lvl":2,"sub":0},{"id":5853,"title":"مسألة عرف اللقطة حولا فلم تعرف","lvl":2,"sub":0},{"id":5855,"title":"فصل تدخل اللقطة في ملكه عند تمام التعريف حكما","lvl":2,"sub":0},{"id":5856,"title":"فصل التقطها اثنان فعرفاها حولا","lvl":2,"sub":0},{"id":5857,"title":"فصل تملك اللقطة ملكا مراعى يزول بمجيء صاحبها","lvl":2,"sub":0},{"id":5859,"title":"فصل كل ما جاز التقاطه ملك بالتعريف عند تمامه","lvl":2,"sub":0},{"id":5863,"title":"فصل لقطة الحل والحرم سواء","lvl":2,"sub":0},{"id":5864,"title":"فصل إذا التقط لقطة عازما على تملكها بغير تعريف","lvl":2,"sub":0},{"id":5865,"title":"مسألة حفظ وكاء اللقطة وعفاصها وحفظ عددها وصفتها","lvl":2,"sub":0},{"id":5867,"title":"فصل يشهد على اللقطة حين يجدها","lvl":2,"sub":0},{"id":5869,"title":"مسألة جاء رب اللقطة فوصفها له","lvl":2,"sub":0},{"id":5873,"title":"فصل جاء مدع للقطة فلم يصفها ولا أقام بينة","lvl":2,"sub":0},{"id":5874,"title":"مسألة اللقطة في الحول أمانة في يد الملتقط","lvl":2,"sub":0},{"id":5877,"title":"فصل وجد العين بعد خروجها من ملك الملتقط ببيع أو هبة أو","lvl":2,"sub":0},{"id":5878,"title":"فصل أخذ اللقطة ثم ردها إلى موضعها","lvl":2,"sub":0},{"id":5879,"title":"فصل ضاعت اللقطة من ملتقطها بغير تفريط","lvl":2,"sub":0},{"id":5881,"title":"فصل اصطاد سمكة فوجد فيها درة","lvl":2,"sub":0},{"id":5883,"title":"فصل وجد عنبرة على ساحل البحر","lvl":2,"sub":0},{"id":5884,"title":"فصل صاد غزالا فوجده مخضوبا أو في عنقه حرز أو","lvl":2,"sub":0},{"id":5886,"title":"فصل أخذت ثيابه من الحمام ووجد بدلها","lvl":2,"sub":0},{"id":5888,"title":"فصل عنده رهون أتى عليها زمان لا يعرف صاحبها","lvl":2,"sub":0},{"id":5889,"title":"فصل تنازع صاحب الدار والساكن في دفن في الدار","lvl":2,"sub":0},{"id":5890,"title":"فصل وجد لقطة في دار الحرب","lvl":2,"sub":0},{"id":5891,"title":"مسألة موت الملتقط","lvl":2,"sub":0},{"id":5893,"title":"مسألة كان صاحب اللقطة جعل لمن وجدها شيئا معلوما","lvl":2,"sub":0},{"id":5897,"title":"فصل جعل الجعل في الجعالة لواحد بعينه","lvl":2,"sub":0},{"id":5899,"title":"فصل قال من رد عبدي من بلد كذا فله دينار","lvl":2,"sub":0},{"id":5900,"title":"فصل الجعالة تساوي الإجارة في اعتبار العلم بالعوض","lvl":2,"sub":0},{"id":5901,"title":"فصل رد لقطة أو ضالة أو عمل لغيره عملا غير رد","lvl":2,"sub":0},{"id":5902,"title":"فصل رد العبد الآبق","lvl":2,"sub":0},{"id":5905,"title":"فصل أخذ الآبق لمن وجده","lvl":2,"sub":0},{"id":5906,"title":"فصل أبق العبد فحصل في يد حاكم فأقام سيده","lvl":2,"sub":0},{"id":5907,"title":"مسألة كان التقطها قبل ذلك فردها لعلة الجعل","lvl":2,"sub":0},{"id":5908,"title":"مسألة الصبي والمجنون والسفيه إذا التقط أحدهم لقطة ثبتت يده عليها","lvl":2,"sub":0},{"id":5910,"title":"فصل وجد العبد لقطة","lvl":2,"sub":0},{"id":5912,"title":"فصل المكاتب كالحر في اللقطة","lvl":2,"sub":0},{"id":5913,"title":"فصل الذمي في الالتقاط كالمسلم","lvl":2,"sub":0},{"id":5914,"title":"فصل غير الأمين لا يأخذ اللقطة","lvl":2,"sub":0},{"id":5915,"title":"مسألة وجد الشاة بمصر أو بمهلكة","lvl":2,"sub":0},{"id":5917,"title":"فصل يتخير ملتقط ضالة الغنم بين ثلاثة أشياء","lvl":2,"sub":0},{"id":5920,"title":"فصل التقاط ما لا يبقى عاما","lvl":2,"sub":0},{"id":5922,"title":"مسألة لا يتعرض لبعير ولا لما فيه قوة يمنع عن نفسه","lvl":2,"sub":0},{"id":5924,"title":"فصل كانت الصيود مستوحشة إذا تركت رجعت إلى الصحراء","lvl":2,"sub":0},{"id":5925,"title":"فصل البقرة كالإبل في اللقطة","lvl":2,"sub":0},{"id":5927,"title":"فصل أخذ هذا الحيوان الذي لا يجوز أخذه على سبيل","lvl":2,"sub":0},{"id":5928,"title":"فصل للإمام أو نائبه أخذ الضالة على وجه الحفظ لصاحبها","lvl":2,"sub":0},{"id":5929,"title":"فصل أخذ اللقطة غير الإمام أو نائبه ليحفظها لصاحبها","lvl":2,"sub":0},{"id":5930,"title":"فصل ما يحصل عند الإمام من الضوال فإنه يشهد عليها ويسمها","lvl":2,"sub":0},{"id":5931,"title":"فصل ترك دابة بمهلكة فأخذها إنسان فأطعمها","lvl":2,"sub":0},{"id":5932,"title":"فصل ترك متاعا فخلصه إنسان","lvl":2,"sub":0},{"id":5934,"title":"فصل التقط عبدا صغيرا أو جارية","lvl":2,"sub":0},{"id":5935,"title":"مسألة اللقيط حر","lvl":2,"sub":0},{"id":5936,"title":"فصل لا يخلو اللقيط من أن يوجد في دار الإسلام أو","lvl":2,"sub":0},{"id":5938,"title":"فصل بلغ اللقيط حدا يصح فيه إسلامه وردته","lvl":2,"sub":0},{"id":5940,"title":"فصل جناية اللقيط","lvl":2,"sub":0},{"id":5942,"title":"فصل قذف اللقيط بعد بلوغه محصنا","lvl":2,"sub":0},{"id":5943,"title":"مسألة ينفق علي اللقيط من بيت المال إن لم يوجد معه شيء ينفق","lvl":2,"sub":0},{"id":5945,"title":"فصل وجد مع اللقيط شيء","lvl":2,"sub":0},{"id":5948,"title":"مسألة ولاء اللقيط","lvl":2,"sub":0},{"id":5950,"title":"مسألة لم يكن من وجد اللقيط أمينا","lvl":2,"sub":0},{"id":5952,"title":"فصل التقط اللقيط مستور الحال","lvl":2,"sub":0},{"id":5953,"title":"فصل سفر الأمين باللقيط","lvl":2,"sub":0},{"id":5955,"title":"فصل ليس للعبد التقاط الطفل المنبوذ إذا وجد من يلتقطه سواه","lvl":2,"sub":0},{"id":5956,"title":"فصل ليس للكافر التقاط مسلم","lvl":2,"sub":0},{"id":5957,"title":"فصل التقطه اثنان وتناولاه تناولا واحدا","lvl":2,"sub":0},{"id":5960,"title":"فصل رأيا اللقيط جميعا فسبق أحدهما فأخذه أو","lvl":2,"sub":0},{"id":5961,"title":"فصل اختلفا فقال كل واحد منهما أنا التقطته","lvl":2,"sub":0},{"id":5963,"title":"مسألة ادعى نسب اللقيط مسلم وكافر","lvl":2,"sub":0},{"id":5968,"title":"فصل ادعى نسب اللقيط اثنان وكان لأحدهما به بينة","lvl":2,"sub":0},{"id":5969,"title":"فصل إذا لم تكن بنسب اللقيط بينة أو تعارضت به بينتان","lvl":2,"sub":0},{"id":5973,"title":"فصل القافة","lvl":2,"sub":0},{"id":5976,"title":"فصل الحاق القافة اللقيط بكافر أو رقيق","lvl":2,"sub":0},{"id":5977,"title":"فصل ادعى نسب اللقيط اثنان فألحقته القافة بهما","lvl":2,"sub":0},{"id":5979,"title":"فصل ادعى نسب اللقيط أكثر من اثنين فألحقته بهم القافة","lvl":2,"sub":0},{"id":5980,"title":"فصل لم توجد قافة أو أشكل الأمر عليها أو وجد من لا يوثق","lvl":2,"sub":0},{"id":5982,"title":"فصل ادعت امرأتان نسب ولد لقيطا","lvl":2,"sub":0},{"id":5984,"title":"فصل ادعى نسب اللقيط رجل وامرأة","lvl":2,"sub":0},{"id":5985,"title":"فصل ولدت امرأتان ابنا وبنتا فادعت كل واحدة منهما","lvl":2,"sub":0},{"id":5986,"title":"فصل ادعى اللقيط رجلان فقال أحدهما هو ابني","lvl":2,"sub":0},{"id":5987,"title":"فصل وطئ رجلان امرأة في طهر واحد وطئا يلحق النسب بمثله","lvl":2,"sub":0},{"id":5988,"title":"فصل ادعى رق اللقيط مدع","lvl":2,"sub":0},{"id":5990,"title":"فصل ادعى رق اللقيط بعد بلوغه","lvl":2,"sub":0},{"id":5992,"title":"فصل إقرار اللقيط بالرق بعد نكاحه","lvl":2,"sub":0},{"id":5995,"title":"فصل تصرف اللقيط ببيع أو شراء","lvl":2,"sub":0},{"id":5996,"title":"فصل جنى اللقيط جناية موجبة للقصاص","lvl":2,"sub":0},{"id":5997,"title":"كتاب الوصايا","lvl":2,"sub":0},{"id":5998,"title":"فصل على من تجب الوصية","lvl":2,"sub":0},{"id":6000,"title":"فصل الوصية بجزء من المال لمن ترك خيرا","lvl":2,"sub":0},{"id":6002,"title":"فصل الوصية بالثلث","lvl":2,"sub":0},{"id":6004,"title":"فصل الوصية للوالدين والأقربين","lvl":2,"sub":0},{"id":6006,"title":"مسألة لا وصية لوارث إلا أن يجيز الورثة ذلك","lvl":2,"sub":0},{"id":6008,"title":"فصل أسقط عن وارثه دينا أو أوصى بقضاء دينه","lvl":2,"sub":0},{"id":6009,"title":"فصل وصى لكل وارث بمعين من ماله بقدر نصيبه","lvl":2,"sub":0},{"id":6010,"title":"فصل ملك المريض من يعتق عليه بغير عوض","lvl":2,"sub":0},{"id":6013,"title":"فصل ملك من ورثته من لا يعتق عليه كبني عمه","lvl":2,"sub":0},{"id":6014,"title":"فصل مريض اشترى أباه بألف لا مال له سواه","lvl":2,"sub":0},{"id":6015,"title":"فصل وهب الإنسان أبوه أو وصي له به","lvl":2,"sub":0},{"id":6016,"title":"فصل وصى لوارثه وأجنبي بثلثه فأجاز سائر الورثة","lvl":2,"sub":0},{"id":6018,"title":"فصل وصى بثلثه لوارث وأجنبي وقال إن ردوا وصية","lvl":2,"sub":0},{"id":6019,"title":"فصل وصى لوارث فأجاز بعض باقي الورثة الوصية دون البعض","lvl":2,"sub":0},{"id":6020,"title":"مسألة أوصى لغير وارث بأكثر من الثلث","lvl":2,"sub":0},{"id":6023,"title":"فصل لا يعتبر رد الوصية وإجازتها إلا بعد موت الموصي","lvl":2,"sub":0},{"id":6024,"title":"فصل أوصى بأكثر من الثلث فأجاز الوارث","lvl":2,"sub":0},{"id":6025,"title":"فصل لا تصح إجازة الوصية إلا من جائز التصرف","lvl":2,"sub":0},{"id":6026,"title":"مسألة أوصي له وهو في الظاهر وارث فلم يمت الموصي حتى","lvl":2,"sub":0},{"id":6027,"title":"فصل أوصى لامرأة أجنبية أو أوصت له ثم تزوجها","lvl":2,"sub":0},{"id":6028,"title":"فصل أعتق أمته في صحته ثم تزوجها","lvl":2,"sub":0},{"id":6029,"title":"فصل أعتق أمة لا يملك غيرها ثم تزوجها","lvl":2,"sub":0},{"id":6032,"title":"فصل مريضة أعتقت عبدا قيمته عشرة وتزوجها","lvl":2,"sub":0},{"id":6033,"title":"فصل تزوج المريض امرأة صداق مثلها خمسة فأصدقها","lvl":2,"sub":0},{"id":6034,"title":"فصل أوصى بجارية لزوجها الحر فقبلها","lvl":2,"sub":0},{"id":6037,"title":"مسألة موت الموصى له قبل موت الموصي","lvl":2,"sub":0},{"id":6038,"title":"فصل الوصية لميت","lvl":2,"sub":0},{"id":6040,"title":"مسألة رد الموصى له الوصية بعد موت الموصي","lvl":2,"sub":0},{"id":6042,"title":"فصل الوصية تبطل بالرد وترجع إلى التركة","lvl":2,"sub":0},{"id":6043,"title":"فصل يحصل الرد بقوله رددت الوصية","lvl":2,"sub":0},{"id":6044,"title":"مسألة موت الموصى له قبل القبول والرد بعد موت الموصي","lvl":2,"sub":0},{"id":6046,"title":"فصل لا يملك الموصى له الوصية إلا بالقبول","lvl":2,"sub":0},{"id":6049,"title":"فصل حدث للموصى به نماء منفصل بعد موت الموصي وقبل","lvl":2,"sub":0},{"id":6052,"title":"فصل الوصية مطلقة ومقيدة","lvl":2,"sub":0},{"id":6053,"title":"مسألة الوصية بسهم","lvl":2,"sub":0},{"id":6057,"title":"فصل أوصى بجزء أو حظ أو نصيب أو شيء من ماله","lvl":2,"sub":0},{"id":6058,"title":"مسألة أوصى له بمثل نصيب أحد ورثته ولم يسمه","lvl":2,"sub":0},{"id":6061,"title":"فصل قال أوصيت لك بضعف نصيب ابني","lvl":2,"sub":0},{"id":6062,"title":"فصل قال أوصيت لك بضعفي نصيب ابني","lvl":2,"sub":0},{"id":6064,"title":"فصل وصى بمثل نصيب من لا نصيب له","lvl":2,"sub":0},{"id":6065,"title":"فصل أوصى لرجل بثلث ولآخر بربع ولآخر بخمس ولآخر بمثل","lvl":2,"sub":0},{"id":6066,"title":"فصل أوصى بمثل نصيب وارث","lvl":2,"sub":0},{"id":6067,"title":"مسألة خلف ثلاثة بنين وأوصى لآخر بمثل نصيب أحدهم","lvl":2,"sub":0},{"id":6068,"title":"فصل خلف بنتا وأوصى بمثل نصيبها","lvl":2,"sub":0},{"id":6069,"title":"فصل خلف ثلاثة بنين وأوصي لثلاثة بمثل أنصبائهم","lvl":2,"sub":0},{"id":6071,"title":"فصل وصى لرجل بجزء مقدر ولآخر بمثل نصيب وارث من ورثته","lvl":2,"sub":0},{"id":6073,"title":"فصل أوصى لرجل بمثل نصيب وارث وللآخر بجزء مما بقي من المال","lvl":2,"sub":0},{"id":6075,"title":"فصل كانت الوصية الثانية بنصف ما يبقى من الثلث","lvl":2,"sub":0},{"id":6076,"title":"فصل أوصى لثالث بربع المال الموصي","lvl":2,"sub":0},{"id":6078,"title":"فصل كانت الوصية الثالثة بربع ما بقي من المال بعد","lvl":2,"sub":0},{"id":6079,"title":"فصل خلف أما وأختا وعما وأوصى لرجل بمثل نصيب العم","lvl":2,"sub":0},{"id":6080,"title":"فصل خلف ثلاثة بنين وأوصى بمثل نصيب أحدهم إلا ربع المال","lvl":2,"sub":0},{"id":6081,"title":"فصل قال أوصيت لك بمثل نصيب أحد بني إلا ثلث ما يبقى","lvl":2,"sub":0},{"id":6082,"title":"فصل الاستثناء في الوصية","lvl":2,"sub":0},{"id":6085,"title":"فصل خلف أربعة بنين وأوصى لرجل بثلث ماله إلا نصيب أحدهم","lvl":2,"sub":0},{"id":6086,"title":"فصل أوصى لرجل بمثل نصيب أحد بنيه وهم ثلاثة ولآخر بثلث ما يبقى","lvl":2,"sub":0},{"id":6087,"title":"فصل ترك ستمائة ووصى لأجنبي بمائة ولآخر بتمام الثلث","lvl":2,"sub":0},{"id":6088,"title":"فصل أوصى لرجل بثلث ماله ولآخر بمائة ولثالث بتمام الثلث","lvl":2,"sub":0},{"id":6089,"title":"مسألة أوصى لزيد بنصف ماله ولعمرو بربع ماله ولم","lvl":2,"sub":0},{"id":6091,"title":"فصل جاوزت الوصايا المال","lvl":2,"sub":0},{"id":6093,"title":"فصل خلف ابنين وأوصى لرجل بماله كله وللآخر بنصفه","lvl":2,"sub":0},{"id":6095,"title":"مسألة أوصى لولده أو لولد فلان","lvl":2,"sub":0},{"id":6097,"title":"فصل أوصى لبنات فلان","lvl":2,"sub":0},{"id":6098,"title":"فصل أوصى لولد فلان أو لبني فلان ولم يكونوا قبيلة","lvl":2,"sub":0},{"id":6099,"title":"فصل وصى لولد فلان أو بني فلان وهم قبيلة","lvl":2,"sub":0},{"id":6100,"title":"فصل أوصى لأخواته خاصة","lvl":2,"sub":0},{"id":6101,"title":"فصل ألفاظ الجموع في الوصية على أربعة أضرب","lvl":2,"sub":0},{"id":6102,"title":"فصل وصى للأرامل اللاتي فارقهن أزواجهن بموت أو غيره","lvl":2,"sub":0},{"id":6104,"title":"فصل الوصية للأيامى","lvl":2,"sub":0},{"id":6105,"title":"فصل الوصية للعزاب","lvl":2,"sub":0},{"id":6106,"title":"فصل أوصى لجماعة لا يمكن حصرهم واستيعابهم","lvl":2,"sub":0},{"id":6107,"title":"مسألة الوصية بالحمل","lvl":2,"sub":0},{"id":6110,"title":"فصل وصى بالحمل الموجود","lvl":2,"sub":0},{"id":6111,"title":"فصل أوصى لما تحمل هذه المرأة","lvl":2,"sub":0},{"id":6112,"title":"فصل أوصى لحمل امرأة فولدت ذكرا وأنثى","lvl":2,"sub":0},{"id":6113,"title":"فصل أوصى بثمرة شجرة أو بستان أو غلة دار أو خدمة عبد","lvl":2,"sub":0},{"id":6115,"title":"فصل أراد الموصى له إجارة العبد أو الدار في","lvl":2,"sub":0},{"id":6116,"title":"فصل أوصى له بثمرة شجرة مدة أو بما يثمر أبدا","lvl":2,"sub":0},{"id":6117,"title":"فصل نفقة العبد الموصى بخدمته وسائر الحيوانات الموصى بنفعها","lvl":2,"sub":0},{"id":6119,"title":"فصل أوصى لرجل بمنفعة أمته فأتت بولد من","lvl":2,"sub":0},{"id":6121,"title":"فصل قتل العبد الموصى بنفعه","lvl":2,"sub":0},{"id":6122,"title":"فصل أوصى لرجل بحب زرعه ولآخر بنبته","lvl":2,"sub":0},{"id":6123,"title":"فصل أوصى لرجل بخاتم ولآخر بفصه","lvl":2,"sub":0},{"id":6124,"title":"فصل أوصى لرجل بدينار من غلة داره وغلتها ديناران","lvl":2,"sub":0},{"id":6125,"title":"فصل الوصية بما لا يقدر على تسليمه","lvl":2,"sub":0},{"id":6126,"title":"مسألة أوصى لرجل بمعين من ماله ثم وصى","lvl":2,"sub":0},{"id":6127,"title":"فصل وصى بعبد لرجل ثم وصى لآخر بثلثه","lvl":2,"sub":0},{"id":6128,"title":"فصل أقر الوارث أن أباه وصى بالثلث لبشر وأقام","lvl":2,"sub":0},{"id":6130,"title":"مسألة قال ما أوصيت به لبشر فهو لبكر","lvl":2,"sub":0},{"id":6131,"title":"فصل قال ما أوصيت به لفلان فنصفه لفلان أو ثلثه","lvl":2,"sub":0},{"id":6132,"title":"فصل الرجوع في الوصية","lvl":2,"sub":0},{"id":6133,"title":"فصل يحصل الرجوع بقوله رجعت في وصيتي أو أبطلتها","lvl":2,"sub":0},{"id":6134,"title":"فصل وصى بحب ثم طحنه أو بدقيق فعجنه في الوصية بشيء","lvl":2,"sub":0},{"id":6135,"title":"فصل وصى بشيء معين ثم خلطه بغيره على وجه لا","lvl":2,"sub":0},{"id":6136,"title":"فصل حدث بالموصى به ما يزيل اسمه من غير فعل الموصي","lvl":2,"sub":0},{"id":6137,"title":"فصل جحود الوصية","lvl":2,"sub":0},{"id":6138,"title":"فصل قال هذا ثلثي لفلان ويعطى فلان منه مائة في","lvl":2,"sub":0},{"id":6139,"title":"مسألة كتب وصية ولم يشهد فيها","lvl":2,"sub":0},{"id":6140,"title":"فصل كتب وصيته وقال اشهدوا علي بما في هذه","lvl":2,"sub":0},{"id":6143,"title":"مسألة ما أعطى في مرضه الذي مات فيه","lvl":2,"sub":0},{"id":6144,"title":"فصل حكم العطايا في مرض الموت المخوف حكم الوصية في خمسة","lvl":2,"sub":0},{"id":6147,"title":"فصل قال المريض إذا أعتقت سعدا فسعيد حر","lvl":2,"sub":0},{"id":6148,"title":"فصل قال إن تزوجت فعبدي حر فتزوج","lvl":2,"sub":0},{"id":6149,"title":"فصل أعتق المريض شقصا من عبد ثم أعتق شقصا من","lvl":2,"sub":0},{"id":6150,"title":"فصل ملك المريض من يعتق عليه بغير عوض","lvl":2,"sub":0},{"id":6154,"title":"فصل اشترى المريض أباه بألف لا مال له سواه ثم","lvl":2,"sub":0},{"id":6160,"title":"فصل كان للمريض ثلاثة آلاف فتبرع بألف ثم","lvl":2,"sub":0},{"id":6161,"title":"فصل ملك المريض من يرثه ممن لا يعتق عليه كابن عمه فأعتقه","lvl":2,"sub":0},{"id":6162,"title":"فصل ما لزم المريض في مرضه من حق لا يمكنه دفعه وإسقاطه","lvl":2,"sub":0},{"id":6163,"title":"فصل قضى المريض بعض غرمائه ووفت تركته بسائر الديون","lvl":2,"sub":0},{"id":6164,"title":"فصل تبرع المريض أو أعتق ثم أقر بدين","lvl":2,"sub":0},{"id":6165,"title":"فصل الأمراض على أربعة أقسام في تصرف المريض في الوصية","lvl":2,"sub":0},{"id":6168,"title":"مسألة عطية الحامل","lvl":2,"sub":0},{"id":6170,"title":"فصل يحصل الخوف في مواضع خمسة تقوم مقام المرض في","lvl":2,"sub":0},{"id":6173,"title":"فصل خروج العطية من الثلث حال الموت","lvl":2,"sub":0},{"id":6176,"title":"فصل أعتق ثلاثة أعبد قيمتهم سواء وعليه دين","lvl":2,"sub":0},{"id":6177,"title":"فصل أعتق عبدين متساويي القيمة بكلمة واحدة ولا","lvl":2,"sub":0},{"id":6178,"title":"فصل أعتق عبدا لا مال له سواه قيمته عشرة فمات قبل سيده","lvl":2,"sub":0},{"id":6180,"title":"فصل في المحاباة في المرض","lvl":2,"sub":0},{"id":6183,"title":"فصل تزوج في مرضه امرأة صداق مثلها خمسة","lvl":2,"sub":0},{"id":6185,"title":"فصل خالعها في مرضها بأكثر من مهرها الزوج","lvl":2,"sub":0},{"id":6187,"title":"فصل وهب أخاه مائة لا يملك غيرها فقبضها ثم","lvl":2,"sub":0},{"id":6189,"title":"فصل وهب مريض مريضا مائة لا يملك سواها ثم عاد","lvl":2,"sub":0},{"id":6190,"title":"فصل وهب رجلا جارية فقبضها الموهوب له ووطئها","lvl":2,"sub":0},{"id":6191,"title":"فصل وهب مريض عبدا لا يملك غيره فقتل العبد الواهب","lvl":2,"sub":0},{"id":6193,"title":"فصل مريض أعتق عبدا لا مال له سواه قيمته مائة فقطع","lvl":2,"sub":0},{"id":6194,"title":"فصل أعتق عبدين دفعة واحدة قيمة أحدهما مائة والآخر","lvl":2,"sub":0},{"id":6196,"title":"مسألة وصية الصبي إذا عقل","lvl":2,"sub":0},{"id":6198,"title":"فصل الطفل وهو من له دون السبع والمجنون والمبرسم لا","lvl":2,"sub":0},{"id":6199,"title":"فصل المحجور عليه لسفه في الوصية","lvl":2,"sub":0},{"id":6200,"title":"فصل وصية الأخرس","lvl":2,"sub":0},{"id":6201,"title":"فصل وصى عبد أو مكاتب أو مدبر أو أم ولد وصية ثم","lvl":2,"sub":0},{"id":6202,"title":"فصل وصية المسلم للذمي والذمي للمسلم والذمي للذمي","lvl":2,"sub":0},{"id":6203,"title":"فصل الوصية للحربي","lvl":2,"sub":0},{"id":6204,"title":"فصل الوصية لكافر بمصحف أو بعبد مسلم","lvl":2,"sub":0},{"id":6205,"title":"فصل الوصية بمعصية وفعل محرم","lvl":2,"sub":0},{"id":6206,"title":"مسألة أوصى لأهل قريته أو لقرابته بلفظ عام يدخل","lvl":2,"sub":0},{"id":6208,"title":"مسألة أوصى بكل ماله ولا عصبة له ولا مولى له","lvl":2,"sub":0},{"id":6209,"title":"فصل خلف ذا فرض لا يرث المال كله","lvl":2,"sub":0},{"id":6210,"title":"فصل خلف امرأة وقال أوصيت لك بما فضل من المال","lvl":2,"sub":0},{"id":6211,"title":"مسألة أوصى لعبده بثلث ماله","lvl":2,"sub":0},{"id":6213,"title":"فصل أوصى لمكاتبه أو مكاتب وارثه أو مكاتب أجنبي","lvl":2,"sub":0},{"id":6214,"title":"فصل أوصى لعبد غيره","lvl":2,"sub":0},{"id":6215,"title":"فصل أوصى بعتق أمته على أن لا تتزوج ثم مات","lvl":2,"sub":0},{"id":6216,"title":"فصل الوصية للقاتل","lvl":2,"sub":0},{"id":6218,"title":"مسألة قال أحد عبدي حر","lvl":2,"sub":0},{"id":6220,"title":"مسألة أوصى أن يشترى عبد زيد بخمسمائة فيعتق فلم يبعه","lvl":2,"sub":0},{"id":6222,"title":"فصل وصى أن يشترى عبد بألف فيعتق عنه فلم يخرج من","lvl":2,"sub":0},{"id":6223,"title":"فصل وصى بشراء عبد وأطلق أو وصى ببيع عبده وأطلق","lvl":2,"sub":0},{"id":6224,"title":"مسألة أوصى لرجل بعبد لا يملك غيره وقيمته مائة ولآخر","lvl":2,"sub":0},{"id":6229,"title":"مسألة أوصى لقرابته فهو للذكر والأنثى بالسوية","lvl":2,"sub":0},{"id":6232,"title":"فصل وصى لأقرب أقاربه أو أقرب الناس إليه","lvl":2,"sub":0},{"id":6235,"title":"مسألة أوصى بثلث ماله لأهل بيته","lvl":2,"sub":0},{"id":6237,"title":"فصل وصى لآله","lvl":2,"sub":0},{"id":6239,"title":"فصل وصى لمواليه وله موال من فوق وهم معتقوه","lvl":2,"sub":0},{"id":6241,"title":"فصل وصى لجيرانه","lvl":2,"sub":0},{"id":6242,"title":"فصل وصى لأصناف الزكاة المذكورين في القرآن","lvl":2,"sub":0},{"id":6243,"title":"فصل أوصى بشيء لزيد وللمساكين","lvl":2,"sub":0},{"id":6244,"title":"فصل وصي وقال اشتروا بثلثي رقابا فأعتقوهم","lvl":2,"sub":0},{"id":6246,"title":"فصل أوصى بثلثه في أبواب البر","lvl":2,"sub":0},{"id":6248,"title":"مسألة أوصى أن يحج عنه بقدر من المال","lvl":2,"sub":0},{"id":6250,"title":"فصل أوصى بحج واجب أو غيره من الواجبات","lvl":2,"sub":0},{"id":6253,"title":"مسألة أوصى أن يحج عنه بقدر من المال حجة","lvl":2,"sub":0},{"id":6254,"title":"فصل عين رجلا في وصيته أن يحج فأبى أن يحج","lvl":2,"sub":0},{"id":6255,"title":"مسألة أوصى بحجة ولم يذكر قدرا من المال","lvl":2,"sub":0},{"id":6257,"title":"فصل أوصى وقال حج عني بما شئت","lvl":2,"sub":0},{"id":6258,"title":"فصل أوصى أن يحج عنه زيد بمائة ولعمرو بتمام الثلث ولسعد بثلث","lvl":2,"sub":0},{"id":6259,"title":"فصل أوصى لزيد بعبد بعينه ولعمرو ببقية الثلث","lvl":2,"sub":0},{"id":6260,"title":"مسألة أوصى بثلث ماله لرجل فقتل عمدا أو خطأ وأخذت الدية","lvl":2,"sub":0},{"id":6262,"title":"فصل أوصى ثم استفاد مالا قبل الموت","lvl":2,"sub":0},{"id":6263,"title":"مسألة أوصى إلى رجل ثم أوصى بعده إلى آخر","lvl":2,"sub":0},{"id":6265,"title":"فصل يوصي إلى رجل بشيء دون شيء","lvl":2,"sub":0},{"id":6266,"title":"فصل يوصي إلى رجلين معا في شيء واحد ويجعل لكل واحد منهما التصرف","lvl":2,"sub":0},{"id":6268,"title":"فصل في من تصح الوصية إليه ومن لا تصح","lvl":2,"sub":0},{"id":6272,"title":"فصل قال أوصيت إلى زيد فإن مات فقد أوصيت إلى عمرو","lvl":2,"sub":0},{"id":6273,"title":"مسألة الوصية إلى الفاسق","lvl":2,"sub":0},{"id":6275,"title":"فصل الوصية للعدل الذي يعجز عن النظر لعلة أو ضعف","lvl":2,"sub":0},{"id":6276,"title":"فصل تغيرت حال الوصي بجنون أو كفر أو سفه","lvl":2,"sub":0},{"id":6277,"title":"فصل قبول الوصية وردها في حياة الموصي","lvl":2,"sub":0},{"id":6278,"title":"فصل الرجل يوصي إلى الرجل ويجعل له دراهم مسماة","lvl":2,"sub":0},{"id":6279,"title":"فصل أوصى إلى رجل وأذن له أن يوصي إلى من يشاء","lvl":2,"sub":0},{"id":6280,"title":"مسألة كانا وصيين فمات أحدهما","lvl":2,"sub":0},{"id":6282,"title":"فصل اختلف الوصيان عند من يجعل المال منهما","lvl":2,"sub":0},{"id":6283,"title":"فصل الدخول في الوصية","lvl":2,"sub":0},{"id":6284,"title":"فصل مات رجل لا وصي له ولا حاكم في بلده","lvl":2,"sub":0},{"id":6285,"title":"فصل أوصى إليه بتفريق مال","lvl":2,"sub":0},{"id":6286,"title":"فصل وصى إليه بتفريق ثلثه فأبى الورثة إخراج ثلث ما","lvl":2,"sub":0},{"id":6287,"title":"فصل علم الوصي أن على الميت دينا","lvl":2,"sub":0},{"id":6289,"title":"مسألة أعتق في مرضه أو بعد موته عبدين لا يملك غيرهما","lvl":2,"sub":0},{"id":6291,"title":"مسألة الوصية بغير معين","lvl":2,"sub":0},{"id":6293,"title":"فصل وصى الرجل بعبد صحت الوصية ويشترى له عبد","lvl":2,"sub":0},{"id":6294,"title":"فصل وصى له بشاة من غنمه","lvl":2,"sub":0},{"id":6295,"title":"فصل إن وصى بجمل لم يكن إلا ذكرا","lvl":2,"sub":0},{"id":6296,"title":"فصل وصى بدابة فماذا تكون","lvl":2,"sub":0},{"id":6297,"title":"فصل أوصى بكلب يباح اقتناؤه","lvl":2,"sub":0},{"id":6299,"title":"فصل وصى له بطبل حرب","lvl":2,"sub":0},{"id":6300,"title":"فصل أوصى له بقوس","lvl":2,"sub":0},{"id":6302,"title":"فصل وصى له بعود وله عود لهو وغيره","lvl":2,"sub":0},{"id":6303,"title":"مسألة الموصى به إذا تلف قبل موت الموصي أو بعده","lvl":2,"sub":0},{"id":6304,"title":"فصل وصى له بمعين فاستحق بعضه أو هلك","lvl":2,"sub":0},{"id":6305,"title":"مسألة أوصى له بشيء فلم يأخذه زمانا","lvl":2,"sub":0},{"id":6306,"title":"فصل العطايا في مرضه هل تأخذ حكم الوصية","lvl":2,"sub":0},{"id":6307,"title":"فصل وصى بمعين حاضر وسائر ماله دين أو غائب","lvl":2,"sub":0},{"id":6309,"title":"فصل كان الدين مثل العين فوصى لرجل بثلثه","lvl":2,"sub":0},{"id":6310,"title":"فصل وصى لرجل بثلث ماله وله مائتان دينا وعبد يساوي","lvl":2,"sub":0},{"id":6311,"title":"فصل خلف ابنين وترك عشرة عينا وعشرة دينا على أحد ابنيه وهو","lvl":2,"sub":0},{"id":6312,"title":"فصل نماء العين الموصى بها","lvl":2,"sub":0},{"id":6313,"title":"مسألة أوصى بوصايا فيها عتاقة فلم يف الثلث بالكل","lvl":2,"sub":0},{"id":6315,"title":"فصل العطايا المعلقة بالموت","lvl":2,"sub":0},{"id":6316,"title":"فصل أوصى بعتق عبده فأبى الوارث","lvl":2,"sub":0},{"id":6317,"title":"مسألة أوصى بفرس في سبيل الله وألف درهم تنفق عليه","lvl":2,"sub":0},{"id":6318,"title":"فصل أوصى فقال يخدم عبدي فلانا سنة ثم هو حر","lvl":2,"sub":0},{"id":6319,"title":"فصل أوصى لعمه بثلث ماله ولخاله بعشره فردت","lvl":2,"sub":0},{"id":6325,"title":"كتاب الفرائض","lvl":2,"sub":0},{"id":6327,"title":"مسألة ميراث أخ وأخت لأم مع ولد","lvl":2,"sub":0},{"id":6328,"title":"فصل رأي أهل العلم في الكلالة","lvl":2,"sub":0},{"id":6330,"title":"مسألة الأخوات مع البنات عصبة","lvl":2,"sub":0},{"id":6332,"title":"مسألة ميراث بنات الابن","lvl":2,"sub":0},{"id":6333,"title":"مسألة فرض الابنتين","lvl":2,"sub":0},{"id":6336,"title":"فصل ابن ابن الابن يعصب من في درجته","lvl":2,"sub":0},{"id":6337,"title":"مسألة كانت ابنة واحدة وبنات ابن فما ميراثها","lvl":2,"sub":0},{"id":6339,"title":"فصل حكم بنات ابن الابن مع بنات الابن في الميراث","lvl":2,"sub":0},{"id":6340,"title":"مسألة ميراث ولد الأب إذا استكمل الأخوات من الأبوين","lvl":2,"sub":0},{"id":6342,"title":"فصل أربعة من الذكور يعصبون أخواتهم فيمنعونهن الفرض","lvl":2,"sub":0},{"id":6343,"title":"مسألة أحوال الأم في الميراث","lvl":2,"sub":0},{"id":6345,"title":"مسألة ليس للأب مع الولد الذكر أو ولد الابن إلا السدس","lvl":2,"sub":0},{"id":6347,"title":"فصل الجد كالأب في أحواله","lvl":2,"sub":0},{"id":6348,"title":"مسألة فرض الزوج وفرض الزوجة والزوجات","lvl":2,"sub":0},{"id":6349,"title":"مسألة ابن الأخ للأب والأم أولى من ابن الأخ","lvl":2,"sub":0},{"id":6351,"title":"مسألة ماتت وتركت زوجا وأبوين","lvl":2,"sub":0},{"id":6353,"title":"مسألة ماتت وتركت زوجا وأما وإخوة من أم وإخوة لأب وأم","lvl":2,"sub":0},{"id":6356,"title":"فصل ماتت وتركت زوجا وأما وإخوة من أم وعصبة من","lvl":2,"sub":0},{"id":6357,"title":"فصل ماتت وخلفت أما وابني عم أحدهما زوج والآخر أخ","lvl":2,"sub":0},{"id":6358,"title":"ماتت وتركت زوجا وأما وإخوة وأخوات لأم وأختا لأب وأم وأخوات","lvl":2,"sub":0},{"id":6362,"title":"فصل في مسألتين أحدهما زوج وأبوان والثانية امرأة","lvl":2,"sub":0},{"id":6363,"title":"مات وترك ابني عم أحدهما أخ لأم","lvl":2,"sub":0},{"id":6364,"title":"فصل مات وترك ابني عم أحدهما أخ من أم","lvl":2,"sub":0},{"id":6366,"title":"فصل مات وترك ابن ابن عم هو أخ لأم","lvl":2,"sub":0},{"id":6367,"title":"مات وترك ابني عم أحدهما زوج","lvl":2,"sub":0},{"id":6368,"title":"فصل مات وترك أخوين من أم أحدهما ابن عم","lvl":2,"sub":0},{"id":6369,"title":"فصل مات وترك ثلاثة إخوة لأم أحدهم ابن عم وثلاثة","lvl":2,"sub":0},{"id":6370,"title":"باب أصول سهام الفرائض التي تعول","lvl":2,"sub":0},{"id":6372,"title":"مسألة ما فيه نصف وسدس أو نصف وثلث أو نصف وثلثان في","lvl":2,"sub":0},{"id":6374,"title":"مسألة ما فيه ربع وسدس أو ربع وثلث أو ربع وثلثان في","lvl":2,"sub":0},{"id":6376,"title":"مسألة ما كان فيه ثمن وسدس أو ثمن وسدسان أو ثمن وثلثان","lvl":2,"sub":0},{"id":6378,"title":"فصل إذا لم تنقسم سهام فريق من الورثة عليهم","lvl":2,"sub":0},{"id":6379,"title":"فصل كان الكسر على فريقين في الميراث","lvl":2,"sub":0},{"id":6381,"title":"كان الكسر على ثلاثة أحياز في الميراث","lvl":2,"sub":0},{"id":6383,"title":"فصل الموافقة والمناسبة والمباينة","lvl":2,"sub":0},{"id":6384,"title":"فصل مسائل المناسخات","lvl":2,"sub":0},{"id":6387,"title":"فصل كانت سهام التركة كثيرة","lvl":2,"sub":0},{"id":6389,"title":"فصل في قسمة التركات","lvl":2,"sub":0},{"id":6390,"title":"فصل كانت التركة سهاما من عقار","lvl":2,"sub":0},{"id":6391,"title":"مسألة يرد على كل أهل الفرائض على قدر ميراثهم","lvl":2,"sub":0},{"id":6394,"title":"مسألة مات وترك أختا لأب وأم وأختا لأب وأختا لأم","lvl":2,"sub":0},{"id":6398,"title":"مسألة للجدة إذا لم تكن أم السدس","lvl":2,"sub":0},{"id":6400,"title":"مسألة الجدات إن كثرن لم يزدن على السدس فرضا","lvl":2,"sub":0},{"id":6401,"title":"فصل توريث جدتين أم الأم وأم الأب","lvl":2,"sub":0},{"id":6404,"title":"مسألة كان بعض الجدات أقرب من بعض","lvl":2,"sub":0},{"id":6406,"title":"فصل اجتمعت جدة ذات قرابتين مع أخرى","lvl":2,"sub":0},{"id":6407,"title":"مسألة الجدة ترث وابنها حي","lvl":2,"sub":0},{"id":6409,"title":"مسألة الجدات المتحاذيات","lvl":2,"sub":0},{"id":6411,"title":"باب من يرث من الرجال والنساء","lvl":2,"sub":0},{"id":6413,"title":"باب ميراث الجد","lvl":2,"sub":0},{"id":6418,"title":"مسألة إخوة وأخوات وجد قاسمهم الجد بمنزلة","lvl":2,"sub":0},{"id":6419,"title":"مسألة كان مع الجد والإخوة والأخوات أصحاب فرائض","lvl":2,"sub":0},{"id":6420,"title":"مسألة لا ينقص الجد أبدا من سدس جميع المال","lvl":2,"sub":0},{"id":6421,"title":"مسألة مات وترك أخا لأب وأما وأخا لأب","lvl":2,"sub":0},{"id":6423,"title":"فصل مات وترك أخا لأبوين وأختين لأب وجد","lvl":2,"sub":0},{"id":6424,"title":"فصل مات وترك أخوين لأبوين وأخا لأب وجدا","lvl":2,"sub":0},{"id":6425,"title":"مسألة مات وترك أخا وأختا لأب وأم أو لأب وجدا","lvl":2,"sub":0},{"id":6426,"title":"مسألة مات وترك أختا لأب وأم وأختا لأب وجدا","lvl":2,"sub":0},{"id":6428,"title":"مسألة الأكدرية","lvl":2,"sub":0},{"id":6431,"title":"فصل مات وترك زوجة وأما وأختا وجدا","lvl":2,"sub":0},{"id":6432,"title":"فصل مات وترك زوجة وأختا وجدا وجدة","lvl":2,"sub":0},{"id":6433,"title":"مسألة مات وترك أما وأختا وجدا","lvl":2,"sub":0},{"id":6434,"title":"فصل مات وترك أما أو جدة وأختين وجدا","lvl":2,"sub":0},{"id":6435,"title":"مسألة مات وترك بنتا وأختا وجدا","lvl":2,"sub":0},{"id":6436,"title":"فصل مات وترك بنتا وأخا وجدا","lvl":2,"sub":0},{"id":6437,"title":"فصل مات وترك بنتين أو أكثر أو بنت ابن وأختا وجدا","lvl":2,"sub":0},{"id":6438,"title":"فصل ماتت وتركت زوجا وأختا وجدا","lvl":2,"sub":0},{"id":6439,"title":"فصل مات وترك زوجة وبنتا وأختا وجدا","lvl":2,"sub":0},{"id":6440,"title":"باب ذوي الأرحام","lvl":2,"sub":0},{"id":6444,"title":"مسألة إرث ذوى الأرحام","lvl":2,"sub":0},{"id":6447,"title":"فصل انفراد أحد من ذوي الأرحام","lvl":2,"sub":0},{"id":6450,"title":"مسألة بنت بنت بنت وبنت بنت بنت بنت","lvl":2,"sub":0},{"id":6452,"title":"مسألة كان وارث غير الزوج والزوجة أو مولى نعمة","lvl":2,"sub":0},{"id":6455,"title":"فصل لا يعول من مسائل ذوي الأرحام إلا مسألة واحدة","lvl":2,"sub":0},{"id":6456,"title":"مسألة يورث الذكور والإناث من ذوي الأرحام بالسوية","lvl":2,"sub":0},{"id":6459,"title":"فصل إذا كان معك أولاد بنات أو أخوات قسمت المال بين","lvl":2,"sub":0},{"id":6460,"title":"مسائل بنت ابن بنت وابن بنت بنت","lvl":2,"sub":0},{"id":6462,"title":"فصل بنت بنت وبنت بنت ابن","lvl":2,"sub":0},{"id":6464,"title":"مسألة ابن أخت وبنت أخت أخرى","lvl":2,"sub":0},{"id":6466,"title":"مسألة إن كن ثلاث بنات أخوات مفترقات","lvl":2,"sub":0},{"id":6468,"title":"مسألة ثلاث بنات ثلاثة إخوة مفترقين","lvl":2,"sub":0},{"id":6469,"title":"فصل بنت أخ لأم وبنت ابن أخ","lvl":2,"sub":0},{"id":6470,"title":"فصل مات وترك ابن وبنت أخت لأبوين وبنتا","lvl":2,"sub":0},{"id":6471,"title":"مسألة ثلاث بنات عمومة مفترقين","lvl":2,"sub":0},{"id":6473,"title":"مسألة ثلاث خالات مفترقات وثلاث عمات مفترقات","lvl":2,"sub":0},{"id":6476,"title":"فصل خالة وابن عمة","lvl":2,"sub":0},{"id":6478,"title":"فصل خال وخالة وأبو أم","lvl":2,"sub":0},{"id":6479,"title":"فصل عمة وابنة أخ","lvl":2,"sub":0},{"id":6480,"title":"فصل عمات الأبوين وأخوالهما وخالاتهما","lvl":2,"sub":0},{"id":6482,"title":"فصل كان لذي الرحم قرابتان","lvl":2,"sub":0},{"id":6483,"title":"مسألة الخنثى المشكل يرث نصف ميراث ذكر ونصف ميراث أنثى","lvl":2,"sub":0},{"id":6486,"title":"فصل كيفية توريثهم الخنثى المشكل","lvl":2,"sub":0},{"id":6489,"title":"فصل إن كان كان الخنثى يرث في حال","lvl":2,"sub":0},{"id":6490,"title":"فصل مات وخلف خنثيين فصاعدا","lvl":2,"sub":0},{"id":6492,"title":"فصل ميراث شخصين ليس لهما في قبلهما مخرج لا ذكر ولا فرج","lvl":2,"sub":0},{"id":6493,"title":"مسألة ابن الملاعنة ترثه أمه وعصبتها","lvl":2,"sub":0},{"id":6498,"title":"فصل ابن ملاعنة مات وترك بنتا وبنت ابن ومولى","lvl":2,"sub":0},{"id":6500,"title":"فصل لم يترك ابن الملاعنة ذا سهم","lvl":2,"sub":0},{"id":6501,"title":"فصل قسم ميراث الملاعنة ثم أكذب الملاعن نفسه","lvl":2,"sub":0},{"id":6502,"title":"فصل كان المنفي باللعان توأمين ولهما ابن","lvl":2,"sub":0},{"id":6503,"title":"فصل الأم عصبة ولدها في الميراث","lvl":2,"sub":0},{"id":6504,"title":"فصل ميراث ابن ابن الملاعنة","lvl":2,"sub":0},{"id":6506,"title":"فصل ميراث ولد الزنى","lvl":2,"sub":0},{"id":6507,"title":"مسألة العبد لا يرث ولا مال له","lvl":2,"sub":0},{"id":6508,"title":"فصل يرث الأسير الذي مع الكفار إذا علمت حياته","lvl":2,"sub":0},{"id":6509,"title":"فصل ميراث المدبر وأم الولد","lvl":2,"sub":0},{"id":6510,"title":"فصل المكاتب إن لم يملك قدر ما عليه فهو عبد لا يرث ولا يورث","lvl":2,"sub":0},{"id":6513,"title":"مسألة من بعضه حر يرث ويورث ويحجب على مقدار ما فيه","lvl":2,"sub":0},{"id":6521,"title":"فصل ابن نصفه حر وابن ابن حر","lvl":2,"sub":0},{"id":6523,"title":"فصل بنت نصفها حر","lvl":2,"sub":0},{"id":6526,"title":"مسألة مات وخلف ابنين فأقر أحدهما بأخ","lvl":2,"sub":0},{"id":6528,"title":"فصل أقر جميع الورثة بوارث أو أقر به الميت","lvl":2,"sub":0},{"id":6530,"title":"فصل خلف ابنا واحدا فأقر بأخ من أبيه","lvl":2,"sub":0},{"id":6532,"title":"فصل معرفة الفضل في الميراث","lvl":2,"sub":0},{"id":6535,"title":"فصل خلف ابنين فأقر الأكبر بأخوين فصدقه الأصغر","lvl":2,"sub":0},{"id":6537,"title":"فصل خلف ابنا فأقر بأخوين دفعة واحدة","lvl":2,"sub":0},{"id":6538,"title":"فصل خلف ثلاثة بنين فأقر أحدهم بأخ وأخت فصدقه أحد","lvl":2,"sub":0},{"id":6540,"title":"فصل خلف بنتا وأختا فأقرتا لصغيرة فقالت البنت هي أخت","lvl":2,"sub":0},{"id":6542,"title":"فصل خلف ابنا فأقر بأخ ثم جحده","lvl":2,"sub":0},{"id":6543,"title":"فصل مات رجل وخلف ابنين فمات أحدهما وترك بنتا","lvl":2,"sub":0},{"id":6546,"title":"فصل أقر بعض الورثة ممن أعيلت له المسألة بمن","lvl":2,"sub":0},{"id":6549,"title":"فصل أقر وارث بمن لا يرث ويسقط به ميراثه","lvl":2,"sub":0},{"id":6550,"title":"فصل امرأة وعم ووصي لرجل بثلث ماله فأقرت المرأة والعم","lvl":2,"sub":0},{"id":6551,"title":"مسألة القاتل لا يرث","lvl":2,"sub":0},{"id":6553,"title":"فصل القتل المانع من الإرث","lvl":2,"sub":0},{"id":6555,"title":"فصل أربعة إخوة قتل أكبرهم الثاني ثم قتل الثالث الأصغر","lvl":2,"sub":0},{"id":6557,"title":"مسألة لا يرث مسلم كافرا ولا كافر مسلما","lvl":2,"sub":0},{"id":6559,"title":"فصل الكفار يتوارثون إذا كان دينهم واحدا","lvl":2,"sub":0},{"id":6562,"title":"فصل أهل الملة الواحدة يتوارثون","lvl":2,"sub":0},{"id":6564,"title":"مسألة المرتد لا يرث أحدا","lvl":2,"sub":0},{"id":6565,"title":"فصل مال الزنديق في بيت المال","lvl":2,"sub":0},{"id":6566,"title":"فصل حكم الميراث ارتد أحد الزوجين قبل الدخول","lvl":2,"sub":0},{"id":6567,"title":"مسألة أسلم قبل قسم ميراث موروثه المسلم","lvl":2,"sub":0},{"id":6569,"title":"فصل كان رقيقا حين موت موروثه فأعتق قبل القسمة","lvl":2,"sub":0},{"id":6570,"title":"مسألة مال المرتد إذا مات أو قتل على ردته","lvl":2,"sub":0},{"id":6572,"title":"فصل الزنديق لا يرث ولا يورث","lvl":2,"sub":0},{"id":6573,"title":"فصل ميراث الزوجين إذا ارتداد معا","lvl":2,"sub":0},{"id":6574,"title":"فصل لحوق المرتد بدار الحرب","lvl":2,"sub":0},{"id":6575,"title":"فصل مات الذمي ولا وارث له","lvl":2,"sub":0},{"id":6576,"title":"فصل ميراث المجوس ومن جرى مجراهم","lvl":2,"sub":0},{"id":6578,"title":"فصل ميراث القرابة","lvl":2,"sub":0},{"id":6581,"title":"فصل المسائل التي تجتمع فيها قرابتان في الميراث","lvl":2,"sub":0},{"id":6585,"title":"فصل وطئ مسلم بعض محارمه بشبهة","lvl":2,"sub":0},{"id":6586,"title":"مسألة غرق المتوارثان أو ماتا تحت هدم فجهل أولهما موتا","lvl":2,"sub":0},{"id":6592,"title":"فصل علم خروج روح المتوارثين معا في حال واحدة","lvl":2,"sub":0},{"id":6593,"title":"مسألة من لم يرث لمعنى فيه لا يحجب غيره","lvl":2,"sub":0},{"id":6595,"title":"فصل من لا يرث لحجب غيره له فإنه يحجب وإن لم يرث","lvl":2,"sub":0},{"id":6596,"title":"فصل ميراث الحمل","lvl":2,"sub":0},{"id":6600,"title":"فصل لا يرث الحمل إلا بشرطين","lvl":2,"sub":0},{"id":6603,"title":"فصل ولدت توأمين فاستهل أحدهما ولم يعلم بعينه","lvl":2,"sub":0},{"id":6607,"title":"فصل ضرب بطن حامل فأسقطت","lvl":2,"sub":0},{"id":6608,"title":"فصل دية المقتول موروثة عنه كسائر أمواله","lvl":2,"sub":0},{"id":6610,"title":"فصل ميراث المفقود","lvl":2,"sub":0},{"id":6616,"title":"فصل ميراث الأسير","lvl":2,"sub":0},{"id":6617,"title":"فصل حكم النكاح في المرض والصحة سواء في صحة","lvl":2,"sub":0},{"id":6618,"title":"فصل لا فرق في ميراث الزوجين بين ما قبل الدخول وبعده","lvl":2,"sub":0},{"id":6619,"title":"فصل النكاح الفاسد لا يثبت به التوارث بين الزوجين","lvl":2,"sub":0},{"id":6623,"title":"فصل الطلاق الرجعى لا يسقط التوارث بينهما ما دامت في العدة","lvl":2,"sub":0},{"id":6626,"title":"فصل طلق امرأته ثلاثا في مرضه قبل الدخول","lvl":2,"sub":0},{"id":6628,"title":"فصل طلق المدخول بها طلاقا رجعيا ثم مرض في عدتها","lvl":2,"sub":0},{"id":6629,"title":"فصل طلقها ثلاثا في مرضه فارتدت ثم أسلمت ثم مات","lvl":2,"sub":0},{"id":6630,"title":"فصل طلق زوجته الأمة والذمية طلاقا بائنا ثم عتقت","lvl":2,"sub":0},{"id":6631,"title":"فصل قال لامرأته في صحته إذا مرضت فأنت طالق","lvl":2,"sub":0},{"id":6632,"title":"فصل سألته الطلاق في مرضه فأجابها","lvl":2,"sub":0},{"id":6633,"title":"فصل علق طلاقها في الصحة على شرط وجد في المرض","lvl":2,"sub":0},{"id":6634,"title":"فصل استكره الابن امرأة أبيه على ما ينفسخ به نكاحها","lvl":2,"sub":0},{"id":6636,"title":"فصل فعلت المريضة ما يفسخ نكاحها فماتت في مرضها","lvl":2,"sub":0},{"id":6637,"title":"فصل طلق المريض امرأته ثم نكح أخرى ومات من","lvl":2,"sub":0},{"id":6641,"title":"فصل قال لنسائه إحداكن طالق","lvl":2,"sub":0},{"id":6644,"title":"فصل له أربع نسوة فطلق إحداهن غير معينة ثم","lvl":2,"sub":0},{"id":6646,"title":"باب الاشتراك في الطهر","lvl":2,"sub":0},{"id":6648,"title":"مسألة ألحق باثنين فمات وترك أمه حرة","lvl":2,"sub":0},{"id":6653,"title":"كتاب الولاء","lvl":2,"sub":0},{"id":6655,"title":"فصل يقدم المولى في الميراث على الرد وذوي الأرحام","lvl":2,"sub":0},{"id":6656,"title":"فصل كان للمعتق عصبة أو ذوو فرض تستغرق فروضهم المال","lvl":2,"sub":0},{"id":6657,"title":"فصل اختلف دين السيد وعتيقه","lvl":2,"sub":0},{"id":6659,"title":"فصل أعتق حربي حربيا","lvl":2,"sub":0},{"id":6662,"title":"فصل بيع الولاء وهبته","lvl":2,"sub":0},{"id":6663,"title":"فصل لا ينتقل الولاء عن المعتق بموته ولا يرثه ورثته","lvl":2,"sub":0},{"id":6664,"title":"مسألة من أعتق سائبة لم يكن له الولاء","lvl":2,"sub":0},{"id":6667,"title":"فصل أعتق عبدا عن كفارته أو نذره أو من زكاته","lvl":2,"sub":0},{"id":6668,"title":"مسألة ملك ذا رحم محرم","lvl":2,"sub":0},{"id":6670,"title":"فصل المحارم من غير ذوي الأرحام لا يعتقون على سيدهم","lvl":2,"sub":0},{"id":6671,"title":"فصل ملك ولده من الزنى","lvl":2,"sub":0},{"id":6672,"title":"مسألة ولاء المكاتب والمدبر","lvl":2,"sub":0},{"id":6673,"title":"فصل اشترى العبد نفسه من سيده بعوض حال","lvl":2,"sub":0},{"id":6674,"title":"مسألة ولاء أم الولد","lvl":2,"sub":0},{"id":6675,"title":"مسألة أعتق عبده عن رجل حي بلا أمره","lvl":2,"sub":0},{"id":6676,"title":"مسألة أعتق عبده عن رجل حي بأمره","lvl":2,"sub":0},{"id":6677,"title":"مسألة قال أعتق عبدك عني وعلي ثمنه","lvl":2,"sub":0},{"id":6678,"title":"مسألة قال أعتقه والثمن علي","lvl":2,"sub":0},{"id":6679,"title":"فصل أوصى أن يعتق عنه بعد موته فأعتق","lvl":2,"sub":0},{"id":6680,"title":"مسألة أعتق أمته فتزوجت عبدا فأولدها","lvl":2,"sub":0},{"id":6682,"title":"فصل تزوج المكاتب في كتابته","lvl":2,"sub":0},{"id":6683,"title":"فصل انجر الولاء إلى موالي الأب ثم انقرضوا","lvl":2,"sub":0},{"id":6684,"title":"فصل لا ينجر الولاء إلا بشروط","lvl":2,"sub":0},{"id":6686,"title":"فصل الجد يقوم مقام الأب في التعصيب وأحكام النسب وفي","lvl":2,"sub":0},{"id":6688,"title":"فصل كان أحد الزوجين الحرين حر الأصل","lvl":2,"sub":0},{"id":6690,"title":"فصل تزوج معتق بمعتقة فأولدها ولدين","lvl":2,"sub":0},{"id":6691,"title":"فصل تزوج عبد معتقة فاستولدها أولادا","lvl":2,"sub":0},{"id":6693,"title":"فصل تزوج عبد بمعتقة فأولدها ولدا فتزوج الولد","lvl":2,"sub":0},{"id":6694,"title":"فصل تزوجت بنت المعتقين بمملوك","lvl":2,"sub":0},{"id":6695,"title":"فصل تزوج عبد معتقة فأولدها بنتين فاشترتا أباهما","lvl":2,"sub":0},{"id":6698,"title":"باب ميراث الولاء","lvl":2,"sub":0},{"id":6699,"title":"مسألة إرث النساء من الولاء","lvl":2,"sub":0},{"id":6704,"title":"فصل خلف الميت بنت مولاه ومولى أبيه","lvl":2,"sub":0},{"id":6705,"title":"فصل امرأة حرة لا ولاء عليها وأبواها رقيقان أعتق إنسان","lvl":2,"sub":0},{"id":6706,"title":"فصل لا يرث من أقارب المعتق ذو فرض منفرد","lvl":2,"sub":0},{"id":6707,"title":"مسألة المولى العتيق إذا لم يخلف من نسبه من يرث ماله","lvl":2,"sub":0},{"id":6710,"title":"مسألة مات المعتق وخلف أبا معتقه وابن معتقه","lvl":2,"sub":0},{"id":6711,"title":"مسألة خلف أخا معتقه وجد معتقه","lvl":2,"sub":0},{"id":6712,"title":"فصل اجتمع إخوة وجد في ميراث الولاء","lvl":2,"sub":0},{"id":6713,"title":"فصل ترك جد مولاه وعم مولاه في ميراث","lvl":2,"sub":0},{"id":6714,"title":"مسألة هلك رجل عن ابنين ومولى فمات أحد الابنين بعده عن","lvl":2,"sub":0},{"id":6718,"title":"مسألة من أعتق عبدا فولاؤه لابنه وعقله على عصبته","lvl":2,"sub":0},{"id":6720,"title":"فصل إن كان المولى حيا وهو رجل عاقل موسر فعليه من","lvl":2,"sub":0},{"id":6721,"title":"فصل لا يرث المولى من أسفل معتقه في قول عامة أهل العلم","lvl":2,"sub":0},{"id":6722,"title":"فصل أسلم الرجل على يدي الرجل لم يرثه بذلك","lvl":2,"sub":0},{"id":6723,"title":"فصل عاقد رجلا فقال عاقدتك على أن ترثني وأرثك","lvl":2,"sub":0},{"id":6724,"title":"فصل اللقيط حر لا ولاء عليه","lvl":2,"sub":0},{"id":6725,"title":"كتاب الوديعة","lvl":2,"sub":0},{"id":6726,"title":"مسألة ليس على مودع ضمان إذا لم يتعد","lvl":2,"sub":0},{"id":6727,"title":"فصل شرط رب الوديعة على المستودع ضمان الوديعة فقبله","lvl":2,"sub":0},{"id":6728,"title":"مسألة خلط الوديعة بماله وهي لا تتميز أو لم يحفظها","lvl":2,"sub":0},{"id":6732,"title":"فصل أراد السفر الوديعة وقد نهاه المالك عن","lvl":2,"sub":0},{"id":6733,"title":"مسألة كانت الوديعة غلة فخلطها في صحاح أو صحاحا فخلطها","lvl":2,"sub":0},{"id":6734,"title":"مسألة أمره أن يجعل الوديعة في منزل فأخرجها","lvl":2,"sub":0},{"id":6737,"title":"فصل أودعه وديعة ولم يعين له موضع إحرازها","lvl":2,"sub":0},{"id":6738,"title":"فصل أخرج الوديعة المنهي عن إخراجها فتلفت وادعى","lvl":2,"sub":0},{"id":6739,"title":"فصل أمره أن يجعل الوديعة في منزله فتركها","lvl":2,"sub":0},{"id":6742,"title":"فصل أمره أن يجعل الوديعة في صندوق وقال لا","lvl":2,"sub":0},{"id":6743,"title":"فصل قال اجعل الوديعة في هذا البيت ولا تدخله","lvl":2,"sub":0},{"id":6744,"title":"فصل قال ضع هذا الخاتم وديعة في الخنصر","lvl":2,"sub":0},{"id":6745,"title":"مسألة أودعه شيئا ثم سأله دفعه إليه في وقت","lvl":2,"sub":0},{"id":6746,"title":"فصل ليس على المستودع مؤنة الرد وحملها إلى ربها إذا","lvl":2,"sub":0},{"id":6747,"title":"مسألة إذا مات وعنده وديعة لا تتميز من ماله","lvl":2,"sub":0},{"id":6748,"title":"فصل مات وعنده وديعة معلومة بعينها","lvl":2,"sub":0},{"id":6749,"title":"مسألة طالبه الوديعة فقال ما أودعتني ثم قال","lvl":2,"sub":0},{"id":6751,"title":"فصل نوى الخيانة في الوديعة بالجحود أو الاستعمال ولم","lvl":2,"sub":0},{"id":6752,"title":"فصل المودع أمين والقول قوله فيما يدعيه من تلف الوديعة","lvl":2,"sub":0},{"id":6754,"title":"فصل أودع بهيمة فأمره صاحبها بعلفها وسقيها","lvl":2,"sub":0},{"id":6756,"title":"فصل أودعه البهيمة وقال لا تعلفها ولا تسقها","lvl":2,"sub":0},{"id":6757,"title":"مسألة كان في يده وديعة فادعاها نفسان","lvl":2,"sub":0},{"id":6759,"title":"مسألة أودع شيئا فأخذ بعضه ثم رده","lvl":2,"sub":0},{"id":6761,"title":"فصل ضمن الوديعة بالاستعمال أو بالجحد ثم","lvl":2,"sub":0},{"id":6762,"title":"فصل أخذ الوديعة ليستعملها أو ليخزن فيها","lvl":2,"sub":0},{"id":6763,"title":"فصل لا يصح الإيداع إلا من جائز التصرف","lvl":2,"sub":0},{"id":6764,"title":"فصل أودع عبدا وديعة","lvl":2,"sub":0},{"id":6765,"title":"فصل غصبت الوديعة من المودع قهرا","lvl":2,"sub":0},{"id":6766,"title":"باب قسمة الفيء والغنيمة والصدقة","lvl":2,"sub":0},{"id":6767,"title":"مسألة الأموال ثلاثة فيء وغنيمة وصدقة","lvl":2,"sub":0},{"id":6769,"title":"مسألة الفيء ما أخذ من مال مشرك بحال","lvl":2,"sub":0},{"id":6770,"title":"الفصل الأول الفيء مخموس كما تخمس الغنيمة","lvl":2,"sub":0},{"id":6772,"title":"الفصل الثاني الغنيمة مخموسة","lvl":2,"sub":0},{"id":6773,"title":"الفصل الثالث الخمس مما يجب خمسه من الفيء والغنيمة شيء واحد","lvl":2,"sub":0},{"id":6774,"title":"الفصل الرابع خمس الغنيمة يقسم على خمسة أسهم","lvl":2,"sub":0},{"id":6777,"title":"مسألة سهم رسول الله في الغنيمة يصرف في الكراع والسلاح","lvl":2,"sub":0},{"id":6779,"title":"فصل كان لرسول الله من المغنم الصفي","lvl":2,"sub":0},{"id":6781,"title":"الفصل الأول سهم ذي القربى ثابت بعد موت النبي في الغنيمة","lvl":2,"sub":0},{"id":6782,"title":"الفصل الثاني ذوو القربى في الغنيمة هم بنو هاشم وبنو المطلب","lvl":2,"sub":0},{"id":6783,"title":"الفصل الثالث يشترك في خمس ذوي القربى الذكر والأنثى","lvl":2,"sub":0},{"id":6784,"title":"الفصل الرابع في تقسيم سهم ذوي القربى يفرق بينهم","lvl":2,"sub":0},{"id":6785,"title":"الفصل الخامس غنيهم وفقيرهم سواء في تقسيم سهم","lvl":2,"sub":0},{"id":6786,"title":"مسألة الخمس الثالث في الغنيمة لليتامى","lvl":2,"sub":0},{"id":6787,"title":"مسألة الخمس الرابع في الغنيمة للمساكين","lvl":2,"sub":0},{"id":6788,"title":"مسألة الخمس الخامس في الغنيمة لابن السبيل","lvl":2,"sub":0},{"id":6789,"title":"مسألة أربعة أخماس الفيء لجميع المسلمين","lvl":2,"sub":0},{"id":6792,"title":"فصل قسم الفيء بين أهله","lvl":2,"sub":0},{"id":6795,"title":"فصل يعرف في الغنيمة قدر حاجات أهل العطاء وكفايتهم","lvl":2,"sub":0},{"id":6796,"title":"فصل العطاء الواجب من الغنيمة لا يكون إلا لبالغ يطيق مثله القتال","lvl":2,"sub":0},{"id":6797,"title":"مسألة أربعة أخماس الغنيمة لمن شهد الواقعة","lvl":2,"sub":0},{"id":6799,"title":"مسألة الصدقة لا يجاوز بها الثمانية الأصناف في مصارف الزكاة","lvl":2,"sub":0},{"id":6800,"title":"مسألة الفقراء وهم الزمنى والمكافيف الذين لا حرفة لهم","lvl":2,"sub":0},{"id":6803,"title":"فصل من لا حق له في الزكاة","lvl":2,"sub":0},{"id":6805,"title":"فصل إن كان الرجل صحيحا جلدا وذكر أنه لا كسب","lvl":2,"sub":0},{"id":6806,"title":"فصل إن ادعى أن له عيالا في مصارف الصدقة","lvl":2,"sub":0},{"id":6808,"title":"فصل إن كان للرجل بضاعة يتجر بها أو ضيعة يستغلها","lvl":2,"sub":0},{"id":6809,"title":"مسألة العاملون علي الزكاة وهم الجباة لها والحافظون لها","lvl":2,"sub":0},{"id":6810,"title":"فصل من شرط عامل الزكاة أن يكون بالغا عاقلا","lvl":2,"sub":0},{"id":6812,"title":"فصل الإمام مخير في أجر عامل الزكاة","lvl":2,"sub":0},{"id":6813,"title":"فصل للإمام أن يولي الساعي جباية الصدقة دون تفرقتها","lvl":2,"sub":0},{"id":6814,"title":"مسألة المؤلفة قلوبهم وهم المشركون المتألفون على الإسلام","lvl":2,"sub":0},{"id":6815,"title":"فصل المؤلفة قلوبهم ضربان","lvl":2,"sub":0},{"id":6817,"title":"مسألة ثبوت سهم الرقاب","lvl":2,"sub":0},{"id":6818,"title":"فصل للسيد دفع زكاته إلى مكاتبه","lvl":2,"sub":0},{"id":6819,"title":"مسألة الإعتاق من الزكاة","lvl":2,"sub":0},{"id":6821,"title":"فصل لا يجوز أن يشتري من زكاته من يعتق عليه بالرحم","lvl":2,"sub":0},{"id":6822,"title":"فصل اشترى من زكاته أسيرا مسلما من أيدي","lvl":2,"sub":0},{"id":6823,"title":"مسألة ما رجع من الولاء رد في مثله","lvl":2,"sub":0},{"id":6824,"title":"فصل لا يعقل عن الأسير المعتق","lvl":2,"sub":0},{"id":6825,"title":"مسألة الغارمون وهم المدينون العاجزون عن وفاء ديونهم","lvl":2,"sub":0},{"id":6826,"title":"فصل لا تدفع الزكاة إلى غارم كافر","lvl":2,"sub":0},{"id":6827,"title":"فصل من الغارمين صنف يعطون مع الغنى وهو من غرم لإصلاح ذات","lvl":2,"sub":0},{"id":6829,"title":"فصل أراد الرجل دفع زكاته إلى الغارم","lvl":2,"sub":0},{"id":6830,"title":"مسألة سهم من الزكاة في سبيل الله","lvl":2,"sub":0},{"id":6833,"title":"مسألة يصرف من الزكاة في الحج","lvl":2,"sub":0},{"id":6835,"title":"مسألة ابن السبيل وهو المنقطع به وله اليسار في بلده","lvl":2,"sub":0},{"id":6837,"title":"فصل كان ابن السبيل مجتازا يريد بلدا غير بلده","lvl":2,"sub":0},{"id":6838,"title":"فصل ادعى الرجل أنه ابن سبيل ولم يعرف ذلك","lvl":2,"sub":0},{"id":6839,"title":"فصل جملة من يأخذ مع الغنى من الزكاة خمسة","lvl":2,"sub":0},{"id":6840,"title":"فصل سافر لمعصية فأراد الرجوع إلى بلده لم يدفع إليه من الزكاة","lvl":2,"sub":0},{"id":6841,"title":"مسألة ليس عليه أن يعطي لكل هؤلاء الأصناف في مصارف الزكاة","lvl":2,"sub":0},{"id":6843,"title":"فصل تفريق الصدقة على ما أمكن من أصنافها","lvl":2,"sub":0},{"id":6845,"title":"فصل اجتمع في واحد سببان في مصارف الزكاة","lvl":2,"sub":0},{"id":6846,"title":"مسألة لا يعطي من الصدقة لبني هاشم ولا لمواليهم","lvl":2,"sub":0},{"id":6847,"title":"مسألة تولى الرجل إخراج زكاته","lvl":2,"sub":0},{"id":6848,"title":"فصل جوائز السلطان","lvl":2,"sub":0},{"id":6850,"title":"كتاب النكاح","lvl":2,"sub":0},{"id":6852,"title":"فصل الناس في النكاح على ثلاثة أضرب","lvl":2,"sub":0},{"id":6856,"title":"فصل النكاح لا يصح إلا بولي","lvl":2,"sub":0},{"id":6859,"title":"فصل النكاح لا ينعقد إلا بشاهدين","lvl":2,"sub":0},{"id":6863,"title":"فصل تزوجت المرأة تزويجا فاسدا","lvl":2,"sub":0},{"id":6865,"title":"فصل لا حد في وطء النكاح الفاسد","lvl":2,"sub":0},{"id":6867,"title":"فصل يساوي الفاسد من النكاح الصحيح في اللعان","lvl":2,"sub":0},{"id":6868,"title":"مسألة أحق الناس بنكاح المرأة الحرة أبوها","lvl":2,"sub":0},{"id":6869,"title":"مسألة الجد أبو الأب وإن علت درجته أحق بالولاية","lvl":2,"sub":0},{"id":6870,"title":"مسألة متى عدم الأب وآباؤه فأولى الناس بتزويج المرأة ابنها","lvl":2,"sub":0},{"id":6871,"title":"مسألة تقديم الأخ بعد عمودي النسب في ولاية النكاح","lvl":2,"sub":0},{"id":6872,"title":"مسألة الأخ لأب مثل الأخ الشقيق في ولاية النكاح","lvl":2,"sub":0},{"id":6873,"title":"مسألة الولاية في النكاح تترتب على ترتيب الإرث بالتعصيب","lvl":2,"sub":0},{"id":6874,"title":"فصل لا ولاية في النكاح لغير العصبات من الأقارب","lvl":2,"sub":0},{"id":6875,"title":"مسألة المرأة إذا لم يكن لها عصبة من نسبها في ولاية","lvl":2,"sub":0},{"id":6876,"title":"مسألة للسلطان ولاية تزويج المرأة عند عدم أوليائها أو","lvl":2,"sub":0},{"id":6877,"title":"فصل السلطان في ولاية النكاح هو الإمام أو الحاكم أو","lvl":2,"sub":0},{"id":6878,"title":"فصل حكم ولاية أهل البغي في النكاح","lvl":2,"sub":0},{"id":6879,"title":"فصل المرأة تسلم على يد رجل لا يكون وليا لها","lvl":2,"sub":0},{"id":6880,"title":"فصل لم يوجد للمرأة ولي ولا ذو سلطان يلي نكاحها","lvl":2,"sub":0},{"id":6881,"title":"مسألة التوكيل في النكاح","lvl":2,"sub":0},{"id":6883,"title":"فصل لا يعتبر في صحة الوكالة إذن المرأة في التوكيل","lvl":2,"sub":0},{"id":6884,"title":"فصل يثبت للوكيل ما يثبت للموكل في النكاح","lvl":2,"sub":0},{"id":6885,"title":"فصل هل تستفاد ولاية النكاح بالوصية","lvl":2,"sub":0},{"id":6886,"title":"فصل الوصية بالنكاح من كل ذي ولاية","lvl":2,"sub":0},{"id":6887,"title":"مسألة كان الأقرب من عصبة المرأة طفلا أو كافرا أو","lvl":2,"sub":0},{"id":6890,"title":"فصل من لم تثبت له الولاية في النكاح لا يصح توكيله","lvl":2,"sub":0},{"id":6891,"title":"مسألة يزوج أمة المرأة بإذنها من يزوجها","lvl":2,"sub":0},{"id":6893,"title":"مسألة يزوج مولاتها من يزوج أمتها","lvl":2,"sub":0},{"id":6894,"title":"فصل إن كان للأمة مولى فهو وليها في نكاحها","lvl":2,"sub":0},{"id":6895,"title":"مسألة أراد أن يتزوج امرأة هو وليها","lvl":2,"sub":0},{"id":6898,"title":"فصل زوج أمته عبده الصغير","lvl":2,"sub":0},{"id":6899,"title":"مسألة لا يزوج كافر مسلمة بحال ولا مسلم كافرة","lvl":2,"sub":0},{"id":6901,"title":"فصل إذا تزوج المسلم ذمية فوليها الكافر يزوجها إياه","lvl":2,"sub":0},{"id":6902,"title":"مسألة إذا زوجها من غيره أولى منه وهو حاضر ولم يعضلها","lvl":2,"sub":0},{"id":6910,"title":"الفصل الأول الولي الأقرب إذا غاب غيبة منقطعة","lvl":2,"sub":0},{"id":6911,"title":"الفصل الثاني الغيبة المنقطعة التي يجوز للأبعد التزويج في","lvl":2,"sub":0},{"id":6913,"title":"مسألة اشتراط الكفاءة لصحة النكاح","lvl":2,"sub":0},{"id":6917,"title":"مسألة شروط الكفاءة في النكاح","lvl":2,"sub":0},{"id":6922,"title":"فصل من أسلم أو عتق من العبيد فهو كفء لمن له","lvl":2,"sub":0},{"id":6923,"title":"فصل ولد الزنى يحتمل أن لا يكون كفؤا لذات نسب","lvl":2,"sub":0},{"id":6924,"title":"فصل الموالي بعضهم لبعض أكفاء في النكاح","lvl":2,"sub":0},{"id":6925,"title":"فصل لا يزوج بنته من حروري مرق من الدين","lvl":2,"sub":0},{"id":6926,"title":"فصل الكفاءة في النكاح معتبرة في الرجل دون المرأة","lvl":2,"sub":0},{"id":6927,"title":"مسألة زوج الرجل ابنته البكر فوضعها في","lvl":2,"sub":0},{"id":6930,"title":"مسألة ليس لغير الأب إجبار كبيرة ولا تزويج صغيرة جدا","lvl":2,"sub":0},{"id":6932,"title":"فصل الحكم إذا بلغت الجارية تسع سنين في إذنها في النكاح","lvl":2,"sub":0},{"id":6933,"title":"مسألة استأذن البكر البالغة والدها","lvl":2,"sub":0},{"id":6934,"title":"فصل استئذان المرأة في تزويج ابنتها","lvl":2,"sub":0},{"id":6935,"title":"مسألة زوج ابنته الثيب بغير إذنها","lvl":2,"sub":0},{"id":6937,"title":"مسألة إذن الثيب الكلام وإذن البكر الصمات","lvl":2,"sub":0},{"id":6939,"title":"فصل الثيب المعتبر نطقها هي الموطوءة في القبل","lvl":2,"sub":0},{"id":6940,"title":"فصل الحكم إذا ذهبت عذرتها بغير جماع في إذنها في النكاح","lvl":2,"sub":0},{"id":6941,"title":"فصل اختلف الزوج والمرأة في إذنها لوليها في تزويجها قبل","lvl":2,"sub":0},{"id":6942,"title":"فصل إذن المجنونة في النكاح","lvl":2,"sub":0},{"id":6944,"title":"مسألة زوج ابنته بدون صداق مثلها","lvl":2,"sub":0},{"id":6946,"title":"فصل تمام المهر على الزوج","lvl":2,"sub":0},{"id":6947,"title":"مسألة زوج غلاما غير بالغ أو معتوها","lvl":2,"sub":0},{"id":6950,"title":"فصل من يفيق في الأحيان لا يجوز تزويجه إلا بإذنه","lvl":2,"sub":0},{"id":6951,"title":"فصل وصي الأب في النكاح","lvl":2,"sub":0},{"id":6952,"title":"فصل تزوج لصغير أو مجنون","lvl":2,"sub":0},{"id":6954,"title":"فصل إذا زوج ابنه تعلق الصداق بذمة الابن","lvl":2,"sub":0},{"id":6955,"title":"فصل حكم نكاح المحجور عليه للسفه","lvl":2,"sub":0},{"id":6957,"title":"فصل ليس لغير الأب تطليق امرأة المولى عليه","lvl":2,"sub":0},{"id":6958,"title":"فصل ادعت امرأة المجنون عنته","lvl":2,"sub":0},{"id":6959,"title":"مسألة إذا زوج أمته بغير إذنها","lvl":2,"sub":0},{"id":6960,"title":"فصل المدبرة والمعلق عتقها بصفة وأم الولد كالأمة القن","lvl":2,"sub":0},{"id":6961,"title":"فصل طلبت الأمة من سيدها تزويجها","lvl":2,"sub":0},{"id":6962,"title":"فصل اشترى عبده المأذون أمة وركبته ديون","lvl":2,"sub":0},{"id":6963,"title":"فصل ليس للسيد إكراه أمته على التزويج بمعيب عيبا يرد","lvl":2,"sub":0},{"id":6964,"title":"زوج عبده وهو كاره","lvl":2,"sub":0},{"id":6965,"title":"العبد الصغير الذي لم يبلغ للسيد تزويجه","lvl":2,"sub":0},{"id":6966,"title":"المهر والنفقة على السيد في زواج العبد","lvl":2,"sub":0},{"id":6967,"title":"تزوج السيد لعبده بإذنه","lvl":2,"sub":0},{"id":6968,"title":"للسيد أن يعين للعبد المهر وله أن يطلق","lvl":2,"sub":0},{"id":6969,"title":"تزوج أمة ثم اشتراها بإذن سيده لسيده","lvl":2,"sub":0},{"id":6970,"title":"اشترت الحرة زوجها أو ملكته بهبة أو غيرها","lvl":2,"sub":0},{"id":6972,"title":"ابتاعت الحرة زوجها بصداقها","lvl":2,"sub":0},{"id":6973,"title":"إذا زوج الوليان فالنكاح للأول منهما","lvl":2,"sub":0},{"id":6974,"title":"استوى الأولياء في الدرجة في النكاح","lvl":2,"sub":0},{"id":6975,"title":"إن دخل بها الثاني وهو لا يعلم أنها ذات زوج","lvl":2,"sub":0},{"id":6976,"title":"إن جهل الأول من النكاحين فسخا","lvl":2,"sub":0},{"id":6978,"title":"ادعى كل واحد منهما أنني السابق بالعقد في النكاح ولا بينة","lvl":2,"sub":0},{"id":6979,"title":"إن علم أن عقدي النكاح وقعا معا لم يسبق أحدهما الآخر","lvl":2,"sub":0},{"id":6981,"title":"ادعى كل واحد منهما أنه السابق في النكاح فأقرت لأحدهما","lvl":2,"sub":0},{"id":6982,"title":"ادعى زوجية امرأة ابتداء فأقرت له بذلك","lvl":2,"sub":0},{"id":6983,"title":"تزوج العبد بغير إذن سيده","lvl":2,"sub":0},{"id":6984,"title":"زواج العبد بغير إذن سيده","lvl":2,"sub":0},{"id":6986,"title":"فصل المهر يتعلق برقبته يباع فيه إلا أن يفديه السيد","lvl":2,"sub":0},{"id":6987,"title":"فصل الواجب من مهر العبد خمساه","lvl":2,"sub":0},{"id":6988,"title":"فصل الواجب من مهر العبد إن كان زائدا","lvl":2,"sub":0},{"id":6989,"title":"فصل أذن السيد لعبده في تزويجه فنكح غير ذلك","lvl":2,"sub":0},{"id":6990,"title":"فصل النكاح لا يفسد بالغرور","lvl":2,"sub":0},{"id":6991,"title":"فصل أولاد العبد من الحرة التي ظن أنها أمة","lvl":2,"sub":0},{"id":6992,"title":"فصل على الزوج فداء أولاده من الحرة التي ظن","lvl":2,"sub":0},{"id":6995,"title":"فصل كان ممن يجوز له نكاح الإماء وقد نكحها نكاحا","lvl":2,"sub":0},{"id":6996,"title":"فصل يرجع بما غرمه على من غره في المهر","lvl":2,"sub":0},{"id":6999,"title":"فصل كان ممن يحرم عليه نكاح الإماء","lvl":2,"sub":0},{"id":7000,"title":"فصل الحكم في المدبرة وأم الولد والمعتقة بصفة كالأمة القن","lvl":2,"sub":0},{"id":7001,"title":"فصل لا يثبت أنها أمة بمجرد الدعوى","lvl":2,"sub":0},{"id":7002,"title":"فصل حملت المغرور بها فضرب بطنها ضارب فألقت جنينا ميتا","lvl":2,"sub":0},{"id":7003,"title":"فصل تزوجت المرأة عبدا على أنه حر","lvl":2,"sub":0},{"id":7004,"title":"فصل غرها بنسب فبان دونه","lvl":2,"sub":0},{"id":7005,"title":"إن كان المغرور عبدا فولده أحرار","lvl":2,"sub":0},{"id":7007,"title":"فصل شرط في النكاح أنها مسلمة فبانت","lvl":2,"sub":0},{"id":7008,"title":"فصل شرط في النكاح بكرا فبانت ثيبا","lvl":2,"sub":0},{"id":7009,"title":"فصل تزوج امرأة يظنها حرة فبانت أمة أو يظنها","lvl":2,"sub":0},{"id":7010,"title":"فصل شرط في النكاح أمة فبانت حرة","lvl":2,"sub":0},{"id":7011,"title":"فصل كل موضع ثبت له الخيار ففسخ قبل الدخول","lvl":2,"sub":0},{"id":7012,"title":"قال قد جعلت عتق أمتي صداقها بحضرة شاهدين","lvl":2,"sub":0},{"id":7015,"title":"فصل طلاق الأمة قبل الدخول","lvl":2,"sub":0},{"id":7016,"title":"فصل قال لأمته أعتقتك على أن تزوجيني نفسك","lvl":2,"sub":0},{"id":7017,"title":"فصل اتفق السيد وأمته على أن يعتقها وتزوجه نفسها","lvl":2,"sub":0},{"id":7018,"title":"فصل أعتقت امرأة عبدها بشرط أن يتزوجها","lvl":2,"sub":0},{"id":7019,"title":"فصل أعتق الأمة ثم تزوجها","lvl":2,"sub":0},{"id":7020,"title":"فصل أراد أن يتزوج أمته بعد عتقها","lvl":2,"sub":0},{"id":7021,"title":"فصل قال أعتق عبدك على أن أزوجك ابنتي","lvl":2,"sub":0},{"id":7022,"title":"قال الخاطب للولي أزوجت فقال نعم وقال","lvl":2,"sub":0},{"id":7023,"title":"فصل قال زوجتك ابنتي فقال قبلت","lvl":2,"sub":0},{"id":7024,"title":"فصل النكاح بلفظ الإنكاح والتزويج","lvl":2,"sub":0},{"id":7026,"title":"فصل من قدر على لفظ النكاح بالعربية لم يصح بغيرها","lvl":2,"sub":0},{"id":7027,"title":"فصل الأخرس إن فهمت إشارته صح نكاحه بها","lvl":2,"sub":0},{"id":7028,"title":"فصل تقدم القبول على الإيجاب في النكاح","lvl":2,"sub":0},{"id":7029,"title":"فصل عقد النكاح هازلا أو تلجئة","lvl":2,"sub":0},{"id":7030,"title":"فصل تراخى القبول عن الإيجاب في النكاح","lvl":2,"sub":0},{"id":7031,"title":"فصل أوجب النكاح ثم زال عقله بجنون أو إغماء","lvl":2,"sub":0},{"id":7032,"title":"فصل لا يثبت في النكاح خيار","lvl":2,"sub":0},{"id":7033,"title":"فصل خطبة النكاح","lvl":2,"sub":0},{"id":7035,"title":"فصل إعلان النكاح والضرب فيه بالدف","lvl":2,"sub":0},{"id":7037,"title":"فصل نكاح السر","lvl":2,"sub":0},{"id":7038,"title":"فصل عقد النكاح يوم الجمعة","lvl":2,"sub":0},{"id":7039,"title":"فصل يقال للمتزوج بارك الله لك وبارك","lvl":2,"sub":0},{"id":7040,"title":"فصل ما يقول إذا زفت إليه","lvl":2,"sub":0},{"id":7041,"title":"ليس للحر أن يجمع بين أكثر من أربع زوجات","lvl":2,"sub":0},{"id":7042,"title":"للعبد أن ينكح اثنتين","lvl":2,"sub":0},{"id":7043,"title":"تسري العبد","lvl":2,"sub":0},{"id":7045,"title":"فصل المكاتب كالعبد القن لا يتزوج ولا يتسرى إلا بإذن","lvl":2,"sub":0},{"id":7046,"title":"فصل للعبد أن يتسرى إذا أذن له سيده","lvl":2,"sub":0},{"id":7047,"title":"متى طلق الحر أو العبد لم يكن له أن يتزوج أختها حتى تنقضي عدتها","lvl":2,"sub":0},{"id":7049,"title":"فصل أسلم زوج المجوسية أو الوثنية","lvl":2,"sub":0},{"id":7050,"title":"فصل أعتق أم ولده أو أمة كان يصيبها","lvl":2,"sub":0},{"id":7051,"title":"فصل لا يمنع من نكاح أمة في عدة حرة بائن","lvl":2,"sub":0},{"id":7052,"title":"فصل إن زنى بامرأة فليس له أن يتزوج بأختها","lvl":2,"sub":0},{"id":7053,"title":"فصل ادعى الزوج أن امرأته أخبرته بانقضاء عدتها في مدة","lvl":2,"sub":0},{"id":7054,"title":"مسألة خطب امرأة فزوج بغيرها","lvl":2,"sub":0},{"id":7056,"title":"فصل من شرط صحة النكاح تعيين الزوجين","lvl":2,"sub":0},{"id":7057,"title":"فصل له ابنتان كبرى وصغرى فقال زوجتك الكبرى وقبل","lvl":2,"sub":0},{"id":7058,"title":"فصل كان له ابنة واحدة فقال لرجل زوجتك","lvl":2,"sub":0},{"id":7059,"title":"فصل قال زوجتك حمل هذه المرأة","lvl":2,"sub":0},{"id":7060,"title":"تزوجها وشرط لها أن لا يخرجها من","lvl":2,"sub":0},{"id":7063,"title":"فصل شرطت عليه أن يطلق ضرتها","lvl":2,"sub":0},{"id":7067,"title":"فصل شرط الخيار في الصداق خاصة","lvl":2,"sub":0},{"id":7068,"title":"من أراد أن يتزوج امرأة فله أن ينظر إليها من غير","lvl":2,"sub":0},{"id":7071,"title":"فصل للرجل أن ينظر من ذوات محارمه إلى ما يظهر غالبا","lvl":2,"sub":0},{"id":7074,"title":"فصل أم المزني بها وابنتها لا يحل له النظر إليهن","lvl":2,"sub":0},{"id":7075,"title":"فصل عبد المرأة له النظر إلى وجهها وكفيها","lvl":2,"sub":0},{"id":7077,"title":"فصل الغلام ما دام طفلا غير مميز لا يجب الاستتار منه","lvl":2,"sub":0},{"id":7078,"title":"فصل يباح لكل واحد من الزوجين النظر إلى جميع بدن صاحبه ولمسه","lvl":2,"sub":0},{"id":7079,"title":"فصل يباح للسيد النظر إلى جميع بدن أمته","lvl":2,"sub":0},{"id":7080,"title":"فصل من يباح له النظر من الأجانب","lvl":2,"sub":0},{"id":7081,"title":"فصل نظر الرجل إلى الأجنبية من غير سبب","lvl":2,"sub":0},{"id":7083,"title":"فصل الأمة يباح النظر منها إلى ما يظهر غالبا","lvl":2,"sub":0},{"id":7085,"title":"فصل الطفلة التي لا تصلح للنكاح لا بأس بالنظر إليها","lvl":2,"sub":0},{"id":7086,"title":"فصل من ذهبت شهوته من الرجال لكبر أو عنة أو مرض لا يرجى","lvl":2,"sub":0},{"id":7087,"title":"فصل عورة الرجل مع الرجل","lvl":2,"sub":0},{"id":7088,"title":"فصل حكم نظر المرأة إلى المرأة","lvl":2,"sub":0},{"id":7089,"title":"فصل نظر المرأة إلى الرجل","lvl":2,"sub":0},{"id":7091,"title":"مسألة زوج أمته وشرط عليه أن تكون عندهم","lvl":2,"sub":0},{"id":7093,"title":"فصل يستحب لمن أراد التزوج أن يختار ذات الدين","lvl":2,"sub":0},{"id":7095,"title":"باب ما يحرم نكاحه والجمع بينه وغير ذلك","lvl":2,"sub":0},{"id":7096,"title":"المحرمات نكاحهن بالأنساب","lvl":2,"sub":0},{"id":7103,"title":"مسألة يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب","lvl":2,"sub":0},{"id":7104,"title":"مسألة لبن الفحل محرم","lvl":2,"sub":0},{"id":7106,"title":"مسألة الجمع بين المرأة وعمتها","lvl":2,"sub":0},{"id":7108,"title":"فصل لا يحرم الجمع بين ابنتي العم وابنتي","lvl":2,"sub":0},{"id":7109,"title":"مسألة عقد على المرأة ولم يدخل بها","lvl":2,"sub":0},{"id":7110,"title":"مسألة كل محرمة تحرم ابنتها","lvl":2,"sub":0},{"id":7112,"title":"مسألة وطء الحرام محرم","lvl":2,"sub":0},{"id":7114,"title":"فصل الوطء على ثلاثة أضرب","lvl":2,"sub":0},{"id":7115,"title":"فصل الزنى في القبل والدبر","lvl":2,"sub":0},{"id":7116,"title":"فصل نكاح بنته من الزنى وأخته وبنت ابنه","lvl":2,"sub":0},{"id":7118,"title":"فصل وطء الميتة","lvl":2,"sub":0},{"id":7119,"title":"فصل المباشرة فيما دون الفرج","lvl":2,"sub":0},{"id":7121,"title":"فصل نظر إلى فرج امرأة بشهوة","lvl":2,"sub":0},{"id":7123,"title":"فصل الخلوة بالمرأة","lvl":2,"sub":0},{"id":7124,"title":"مسألة تزوج أختين","lvl":2,"sub":0},{"id":7127,"title":"فصل تزوج امرأة ثم تزوج أختها ودخل","lvl":2,"sub":0},{"id":7128,"title":"مسألة تزوج أخته من الرضاع وأجنبية في عقد","lvl":2,"sub":0},{"id":7129,"title":"فصل تزوج يهودية ومجوسية أو محللة ومحرمة في","lvl":2,"sub":0},{"id":7130,"title":"الفصل الأول الجمع بين الأختين في الملك","lvl":2,"sub":0},{"id":7131,"title":"الفصل الثاني الجمع بين الأختين من إمائه في الوطء","lvl":2,"sub":0},{"id":7132,"title":"الفصل الثالث كان في ملكه أختان","lvl":2,"sub":0},{"id":7133,"title":"الفصل الرابع كان في ملكه أختان وطئ إحداهما","lvl":2,"sub":0},{"id":7134,"title":"الفصل الخامس كان في ملكه أختان أخرج إحداهما","lvl":2,"sub":0},{"id":7135,"title":"فصل وطئ أمتيه الأختين معا","lvl":2,"sub":0},{"id":7136,"title":"الفصل السادس زال ملكه عن الموطوءة زوالا أحل له","lvl":2,"sub":0},{"id":7137,"title":"فصل حكم مباشرة الإماء فيما دون الفرج والنظر إلى","lvl":2,"sub":0},{"id":7138,"title":"فصل وطئ أمته ثم أراد نكاح أختها","lvl":2,"sub":0},{"id":7139,"title":"فصل إن زوج الأمة الموطوءة أو أخرجها عن ملكه فله نكاح","lvl":2,"sub":0},{"id":7140,"title":"مسألة عمة الأمة وخالتها في الجمع بينهما في الوطء","lvl":2,"sub":0},{"id":7141,"title":"مسألة الجمع بين المرأة وربيبتها","lvl":2,"sub":0},{"id":7142,"title":"فصل لرجل ابن من غير زوجته ولها بنت من","lvl":2,"sub":0},{"id":7143,"title":"فصل تزوج امرأة وزوج ابنه أمها","lvl":2,"sub":0},{"id":7144,"title":"فصل تزوج رجل بامرأة وزوج ابنه بنتها أو","lvl":2,"sub":0},{"id":7145,"title":"مسألة حرائر نساء أهل الكتاب وذبائحهم","lvl":2,"sub":0},{"id":7148,"title":"فصل ليس للمجوس كتاب ولا تحل ذبائحهم ولا نكاح","lvl":2,"sub":0},{"id":7150,"title":"فصل النكاح من الكفار غير أهل الكتاب","lvl":2,"sub":0},{"id":7151,"title":"مسألة النكاح إذا كان أحد أبوي الكافرة كتابيا والآخر","lvl":2,"sub":0},{"id":7152,"title":"مسألة تزوج كتابية فانتقلت إلى دين آخر من","lvl":2,"sub":0},{"id":7155,"title":"الفصل الأول أمته الكتابية حلال","lvl":2,"sub":0},{"id":7156,"title":"الفصل الثاني من حرم نكاح حرائرهم من المجوسيات وغيرهم لا يباح","lvl":2,"sub":0},{"id":7158,"title":"مسألة ليس للمسلم وإن كان عبدا أن يتزوج أمة كتابية","lvl":2,"sub":0},{"id":7159,"title":"مسألة نكاح الأمة المسلمة","lvl":2,"sub":0},{"id":7161,"title":"فصل إن قدر على تزويج كتابية تعفه لم يحل","lvl":2,"sub":0},{"id":7162,"title":"فصل من كانت تحته حرة يمكنه أن يستعف بها لم يجز له نكاح","lvl":2,"sub":0},{"id":7163,"title":"فصل نكاح الأمة إن لم يجد طولا لكن وجد من يقرضه ذلك","lvl":2,"sub":0},{"id":7164,"title":"فصل تزوج الأمة ثم أقر أنه","lvl":2,"sub":0},{"id":7165,"title":"مسألة عقد علي الأمة وفيه الشرطان عدم الطول","lvl":2,"sub":0},{"id":7166,"title":"فصل تزوج على الأمة حرة","lvl":2,"sub":0},{"id":7167,"title":"مسألة له أن ينكح من الإماء أربعا","lvl":2,"sub":0},{"id":7168,"title":"فصل للعبد أن ينكح الأمة","lvl":2,"sub":0},{"id":7169,"title":"فصل إذا زنت المرأة لم يحل لمن يعلم ذلك نكاحها إلا بشرطين","lvl":2,"sub":0},{"id":7172,"title":"إذا زنت الأمة حل نكاحها للزاني وغيره","lvl":2,"sub":0},{"id":7173,"title":"فصل إن زنت امرأة رجل أو زنى زوجها لم ينفسخ النكاح","lvl":2,"sub":0},{"id":7175,"title":"فصل علم الرجل من جاريته الفجور","lvl":2,"sub":0},{"id":7176,"title":"مسألة خطب امرأة فلم تسكن إليه","lvl":2,"sub":0},{"id":7181,"title":"فصل الرجوع عن الإجابة إلى الخطبة","lvl":2,"sub":0},{"id":7182,"title":"فصل إن كان الخاطب الأول ذميا لم تحرم الخطبة على","lvl":2,"sub":0},{"id":7183,"title":"مسألة التعريض بالخطبة في العدة","lvl":2,"sub":0},{"id":7185,"title":"فصل صرح بالخطبة أو عرض في موضع يحرم التعريض","lvl":2,"sub":0},{"id":7186,"title":"فصل نكاح المرأة عبدها","lvl":2,"sub":0},{"id":7187,"title":"فصل ليس للسيد أن يتزوج أمته","lvl":2,"sub":0},{"id":7188,"title":"فصل لا يجوز للحر أن يتزوج أمة ابنه","lvl":2,"sub":0},{"id":7189,"title":"فصل للابن نكاح أمة أبيه","lvl":2,"sub":0},{"id":7190,"title":"فصل ملكت المرأة زوجها أو بعضه فانفسخ نكاحها","lvl":2,"sub":0},{"id":7191,"title":"فصل لا يجوز للرجل وطء جارية ابنه","lvl":2,"sub":0},{"id":7193,"title":"فصل وطئ الابن جارية أبيه عالما بتحريم ذلك","lvl":2,"sub":0},{"id":7194,"title":"فصل وطئ الأب وابنه جارية الابن في طهر واحد فأتت بولد","lvl":2,"sub":0},{"id":7195,"title":"باب نكاح أهل الشرك","lvl":2,"sub":0},{"id":7196,"title":"الفصل الأول أسلم أحد الزوجين الوثنيين أو المجوسيين","lvl":2,"sub":0},{"id":7198,"title":"الفصل الثاني الفرقة إذا حصلت قبل الدخول بإسلام الزوج","lvl":2,"sub":0},{"id":7199,"title":"الفصل الثالث الزوجين إذا أسلما معا","lvl":2,"sub":0},{"id":7200,"title":"الفصل الرابع إسلام أحدهما بعد الدخول في النكاح","lvl":2,"sub":0},{"id":7202,"title":"الفصل الخامس أسلم أحد الزوجين وتخلف الآخر حتى انقضت عدة","lvl":2,"sub":0},{"id":7203,"title":"فصل وقعت الفرقة بإسلام أحدهما بعد الدخول","lvl":2,"sub":0},{"id":7204,"title":"فصل اختلاف الزوجين في زمن إسلامهما","lvl":2,"sub":0},{"id":7206,"title":"فصل أسلم أحد الزوجين وهما في دار الحرب","lvl":2,"sub":0},{"id":7207,"title":"مسألة نكح أكثر من أربع في عقد واحد أو","lvl":2,"sub":0},{"id":7210,"title":"فصل زوج الكافر ابنه الصغير أكثر من أربع ثم","lvl":2,"sub":0},{"id":7211,"title":"فصل مات الزوج قبل أن يختار لم يقم وارثه مقامه وعلى جميعهن","lvl":2,"sub":0},{"id":7212,"title":"فصل صفة اختيار من يثبت نكاحهن","lvl":2,"sub":0},{"id":7213,"title":"فصل اختار الزوج منهن أربعا وفارق البواقي","lvl":2,"sub":0},{"id":7215,"title":"فصل أسلم وتحته ثمان نسوة فأسلم أربع","lvl":2,"sub":0},{"id":7218,"title":"مسألة أسلم وتحته أختان","lvl":2,"sub":0},{"id":7220,"title":"مسألة كانتا أما وبنتا فأسلم الزوج وأسلمتا معا","lvl":2,"sub":0},{"id":7222,"title":"مسألة أسلم عبد وتحته زوجتان قد دخل بهما فأسلمتا","lvl":2,"sub":0},{"id":7225,"title":"فصل أسلم الحر وتحته إماء فأعتقت إحداهن","lvl":2,"sub":0},{"id":7229,"title":"فصل أسلم وتحته إماء وحرة","lvl":2,"sub":0},{"id":7231,"title":"فصل أسلم وتحته خمس حرائر","lvl":2,"sub":0},{"id":7232,"title":"مسألة تزوجها وهما كتابيان فأسلم قبل الدخول","lvl":2,"sub":0},{"id":7233,"title":"فصل تزوج المجوسي كتابية ثم ترافعا إلينا","lvl":2,"sub":0},{"id":7234,"title":"مسألة سمى لها وهما كافران فقبضته ثم أسلما","lvl":2,"sub":0},{"id":7236,"title":"فصل نكحها نكاحا فاسدا فأسلما قبل الدخول أو","lvl":2,"sub":0},{"id":7237,"title":"فصل تزوج ذمي ذمية على أن لا صداق لها","lvl":2,"sub":0},{"id":7238,"title":"فصل إذا ارتفع أهل الشرك إلى الحاكم في ابتداء العقد","lvl":2,"sub":0},{"id":7240,"title":"فصل أنكحة الكفار تتعلق بها أحكام النكاح الصحيح","lvl":2,"sub":0},{"id":7241,"title":"فصل يحرم على الكفار في النكاح ما يحرم على المسلمين","lvl":2,"sub":0},{"id":7242,"title":"مسألة ارتد أحد الزوجين قبل الدخول","lvl":2,"sub":0},{"id":7243,"title":"مسألة ارتد أحد الزوجين بعد الدخول","lvl":2,"sub":0},{"id":7245,"title":"فصل ارتد الزوجان معا","lvl":2,"sub":0},{"id":7246,"title":"فصل ارتد أحد الزوجين أو ارتدا معا","lvl":2,"sub":0},{"id":7247,"title":"فصل أسلم أحد الزوجين ثم ارتد","lvl":2,"sub":0},{"id":7248,"title":"فصل تزوج الكافر بمن لا يقر على نكاحه في الإسلام","lvl":2,"sub":0},{"id":7249,"title":"مسألة نكاح الشغار","lvl":2,"sub":0},{"id":7252,"title":"فصل سمى لإحداهما مهرا دون الأخرى","lvl":2,"sub":0},{"id":7253,"title":"مسألة نكاح المتعة","lvl":2,"sub":0},{"id":7256,"title":"فصل تزوجها بغير شرط إلا أن في نيته طلاقها","lvl":2,"sub":0},{"id":7257,"title":"مسألة تزوجها على أن يطلقها في وقت بعينه","lvl":2,"sub":0},{"id":7258,"title":"مسألة نكاح المحلل","lvl":2,"sub":0},{"id":7259,"title":"فصل شرط عليه التحليل قبل عقد النكاح ولم يذكره في","lvl":2,"sub":0},{"id":7262,"title":"فصل شرط عليه أن يحلها قبل العقد فنوى بالعقد غير ما شرطوا","lvl":2,"sub":0},{"id":7263,"title":"فصل طلقها ثلاثا وأراد أن يراجعها فاشترى عبدا فأعتقه وزوجها إياه","lvl":2,"sub":0},{"id":7264,"title":"فصل نكاح المحلل فاسد يثبت فيه سائر أحكام العقود","lvl":2,"sub":0},{"id":7265,"title":"مسألة عقد المحرم نكاحا لنفسه أو لغيره","lvl":2,"sub":0},{"id":7266,"title":"فصل خيار الفسخ يثبت لكل واحد من الزوجين لعيب يجده","lvl":2,"sub":0},{"id":7268,"title":"فصل العيوب المجوزة لفسخ النكاح","lvl":2,"sub":0},{"id":7272,"title":"فصل أصاب أحد الزوجين بالآخر عيبا وبه عيب من","lvl":2,"sub":0},{"id":7273,"title":"فصل حدث العيب بأحد الزوجين بعد العقد","lvl":2,"sub":0},{"id":7274,"title":"فصل من شرط ثبوت الخيار بعيوب النكاح أن لا يكون عالما","lvl":2,"sub":0},{"id":7275,"title":"فصل خيار عيب النكاح ثابت على التراخي","lvl":2,"sub":0},{"id":7276,"title":"الفصل الأول الفسخ إذا وجد قبل الدخول","lvl":2,"sub":0},{"id":7277,"title":"الفصل الثاني الفسخ إذا كان بعد الدخول في النكاح","lvl":2,"sub":0},{"id":7278,"title":"الفصل الثالث علم بالعيب وقت عقد النكاح أو بعده ثم وجد منه","lvl":2,"sub":0},{"id":7279,"title":"الفصل الرابع الرجوع بالمهر على من غره في عيوب","lvl":2,"sub":0},{"id":7281,"title":"فصل طلقها قبل الدخول ثم علم أنه كان بها عيب","lvl":2,"sub":0},{"id":7282,"title":"مسألة المطلقة قبل الدخول لا سكنى لها ولا نفقة","lvl":2,"sub":0},{"id":7283,"title":"فصل ليس لولي الصغيرة والصغير وسيد الأمة تزويجهم ممن به","lvl":2,"sub":0},{"id":7284,"title":"فصل تزويج كبيرة بمعيب بغير رضاها","lvl":2,"sub":0},{"id":7286,"title":"مسألة عتقت الأمة وزوجها عبد","lvl":2,"sub":0},{"id":7287,"title":"فصل عتقت تحت حر","lvl":2,"sub":0},{"id":7289,"title":"فصل فرقة الخيار في النكاح فسخ","lvl":2,"sub":0},{"id":7290,"title":"مسألة أعتق قبل أن تختار أو وطئها","lvl":2,"sub":0},{"id":7293,"title":"فصل عتق الزوجان العبد والأمة دفعة واحدة","lvl":2,"sub":0},{"id":7294,"title":"فصل له عبد وأمة متزوجان فأراد عتقهما","lvl":2,"sub":0},{"id":7295,"title":"فصل إذا عتقت المتزوجة المجنونة والصغيرة فلا خيار لهما","lvl":2,"sub":0},{"id":7296,"title":"مسألة إذا كانت لنفسين فأعتق أحدهما فلا خيار","lvl":2,"sub":0},{"id":7297,"title":"فصل زوج أمة قيمتها عشرة بصداق عشرين ثم أعتقها","lvl":2,"sub":0},{"id":7298,"title":"مسألة المعتقة إن اختارت المقام مع زوجها قبل الدخول أو بعده أو","lvl":2,"sub":0},{"id":7300,"title":"فصل طلقها طلاقا بائنا ثم أعتقت","lvl":2,"sub":0},{"id":7301,"title":"فصل طلقها بعد عتقها وقبل اختيارها","lvl":2,"sub":0},{"id":7303,"title":"فصل للمعتقة الفسخ من غير حكم حاكم","lvl":2,"sub":0},{"id":7304,"title":"فصل إذا اختارت المعتقة الفراق كان فسخا ليس بطلاق","lvl":2,"sub":0},{"id":7305,"title":"فصل إن عتق زوج الأمة لم يثبت له خيار","lvl":2,"sub":0},{"id":7306,"title":"فصل عتقت الأمة فقالت لزوجها زدني في مهري","lvl":2,"sub":0},{"id":7307,"title":"باب أجل العنين والخصي غير المجبوب","lvl":2,"sub":0},{"id":7309,"title":"مسألة ادعت المرأة أن زوجها عنين لا يصل إليها","lvl":2,"sub":0},{"id":7311,"title":"فصل اتفقا بعد الفرقة على الرجعة","lvl":2,"sub":0},{"id":7312,"title":"فصل من علم أن عجزه عن الوطء لعارض من صغر أو مرض مرجو","lvl":2,"sub":0},{"id":7313,"title":"فصل الخصي من عيوب النكاح","lvl":2,"sub":0},{"id":7314,"title":"مسألة قال قد علمت أني عنين قبل أن أنكحها","lvl":2,"sub":0},{"id":7315,"title":"مسألة علمت أنه عنين بعد الدخول فسكتت عن المطالبة","lvl":2,"sub":0},{"id":7316,"title":"مسألة قالت في وقت من الأوقات قد رضيت","lvl":2,"sub":0},{"id":7317,"title":"مسألة إن اعترفت أنه قد وصل إليها مرة بطل أن","lvl":2,"sub":0},{"id":7318,"title":"فصل الوطء الذي يخرج به عن العنة","lvl":2,"sub":0},{"id":7320,"title":"فصل إن وطئ امرأة لم يخرج به عن العنة في حق غيرها","lvl":2,"sub":0},{"id":7321,"title":"مسألة إن جب قبل الحول فلها الخيار في وقتها","lvl":2,"sub":0},{"id":7322,"title":"مسألة زعم أنه قد وصل إليها وادعت أنها عذراء","lvl":2,"sub":0},{"id":7323,"title":"مسألة كانت ثيبا وادعى أنه يصل إليها","lvl":2,"sub":0},{"id":7326,"title":"مسألة قال الخنثي المشكل أنا رجل","lvl":2,"sub":0},{"id":7328,"title":"مسألة أصاب الرجل أو أصيبت المرأة بعد الحرية والبلوغ","lvl":2,"sub":0},{"id":7329,"title":"كتاب الصداق","lvl":2,"sub":0},{"id":7331,"title":"فصل تعرية النكاح عن تسمية الصداق","lvl":2,"sub":0},{"id":7332,"title":"مسألة حكم الصداق إذا كانت المرأة بالغة رشيدة أو صغيرة","lvl":2,"sub":0},{"id":7334,"title":"فصل غلاء الصداق","lvl":2,"sub":0},{"id":7335,"title":"فصل كل ما جاز ثمنا في البيع أو أجرة في","lvl":2,"sub":0},{"id":7337,"title":"فصل نكحها على أن يحج بها","lvl":2,"sub":0},{"id":7338,"title":"فصل أصدقها خياطة ثوب بعينه فهلك الثوب","lvl":2,"sub":0},{"id":7339,"title":"فصل إن أصدقها تعليم صناعة أو تعليم عبدها صناعة صح","lvl":2,"sub":0},{"id":7340,"title":"فصل جعل صداقها تعليم القرآن","lvl":2,"sub":0},{"id":7342,"title":"فصل أصدقها تعليم سورة لا يحسنها","lvl":2,"sub":0},{"id":7343,"title":"فصل جاءته بغيرها فقالت علمه السورة التي جعلت تعليمي","lvl":2,"sub":0},{"id":7344,"title":"فصل تعلمت السورة التي أصدقها إياها من غيره أو تعذر عليه","lvl":2,"sub":0},{"id":7345,"title":"فصل طلقها قبل الدخول بعد تعليمها السورة التي أصدقها إياها","lvl":2,"sub":0},{"id":7346,"title":"فصل أصدق الكتابية تعليم سورة من القرآن","lvl":2,"sub":0},{"id":7347,"title":"فصل الصداق ما اتفقوا عليه ورضوا به","lvl":2,"sub":0},{"id":7348,"title":"فصل الصداق لا يكون إلا مالا","lvl":2,"sub":0},{"id":7349,"title":"مسألة أصدقها عبدا بعينه فوجدت به عيبا فردته","lvl":2,"sub":0},{"id":7350,"title":"فصل شرطت في الصداق صفة مقصودة","lvl":2,"sub":0},{"id":7351,"title":"مسألة تزوجها على عبد فخرج حرا","lvl":2,"sub":0},{"id":7352,"title":"فصل أصدقها مثليا فبان مغصوبا","lvl":2,"sub":0},{"id":7353,"title":"فصل قال أصدقتك هذا الخمر وأشار إلى الخل","lvl":2,"sub":0},{"id":7354,"title":"فصل تزوجها على عبدين فخرج أحدهما حرا أو","lvl":2,"sub":0},{"id":7355,"title":"مسألة تزوجها على أن يشتري لها عبدا بعينه","lvl":2,"sub":0},{"id":7356,"title":"فصل تزوجها على عبد موصوف في الذمة","lvl":2,"sub":0},{"id":7357,"title":"فصل تزوجها على أن يعتق أباها","lvl":2,"sub":0},{"id":7358,"title":"فصل لا يصح الصداق إلا معلوما يصح بمثله البيع","lvl":2,"sub":0},{"id":7361,"title":"فصل الصداق معجل ومؤجل","lvl":2,"sub":0},{"id":7362,"title":"مسألة تزوجها على محرم","lvl":2,"sub":0},{"id":7365,"title":"مسألة إذا سمى لها تسمية فاسدة وجب مهر المثل","lvl":2,"sub":0},{"id":7366,"title":"مسألة تزوجها على ألف لها وألف لأبيها","lvl":2,"sub":0},{"id":7369,"title":"فصل شرط لنفسه جميع الصداق","lvl":2,"sub":0},{"id":7370,"title":"مسألة أصدقها عبدا صغيرا فكبر","lvl":2,"sub":0},{"id":7374,"title":"فصل خالع امرأته بعد الدخول","lvl":2,"sub":0},{"id":7378,"title":"فصل أصدقها نخلا حائلا فأطلعت ثم طلقها قبل الدخول","lvl":2,"sub":0},{"id":7380,"title":"فصل أصدقها خشبا فشقته أبوابا","lvl":2,"sub":0},{"id":7381,"title":"فصل الصداق إذا ا كان مكيلا أو موزونا","lvl":2,"sub":0},{"id":7383,"title":"فصل طلق المرأة قبل الدخول","lvl":2,"sub":0},{"id":7386,"title":"فصل أصدقها شقصا فهل للشفيع أخذه","lvl":2,"sub":0},{"id":7387,"title":"مسألة اختلفا في قدر الصداق بعد العقد","lvl":2,"sub":0},{"id":7389,"title":"فصل ادعى أقل من مهر المثل وادعت هي أكثر","lvl":2,"sub":0},{"id":7390,"title":"فصل قال تزوجتك على هذا العبد","lvl":2,"sub":0},{"id":7391,"title":"مسألة أنكر أن يكون لها عليه صداق","lvl":2,"sub":0},{"id":7392,"title":"فصل دفع إليها ألفا ثم اختلفا فقال دفعتها إليك صداقا","lvl":2,"sub":0},{"id":7394,"title":"فصل مات الزوجان واختلف ورثتهما","lvl":2,"sub":0},{"id":7395,"title":"فصل اختلف الزوج وأبو الصغيرة والمجنونة","lvl":2,"sub":0},{"id":7396,"title":"فصل أنكر الزوج تسمية الصداق","lvl":2,"sub":0},{"id":7397,"title":"مسألة تزوجها بغير صداق","lvl":2,"sub":0},{"id":7400,"title":"فصل فرض لها بعد العقد ثم طلقها قبل الدخول","lvl":2,"sub":0},{"id":7401,"title":"فصل أوجب لها نصف المهر","lvl":2,"sub":0},{"id":7403,"title":"فصل طلق المسمى لها أو المفوضة المفروض لها بعد الدخول","lvl":2,"sub":0},{"id":7404,"title":"فصل المتعة تجب على كل زوج","lvl":2,"sub":0},{"id":7405,"title":"فصل في المفوضة المهر","lvl":2,"sub":0},{"id":7406,"title":"فصل كل فرقة يتنصف بها المسمى توجب المتعة","lvl":2,"sub":0},{"id":7407,"title":"فصل تزوج امرأة ولم يكن فرض لها مهرا ثم","lvl":2,"sub":0},{"id":7408,"title":"مسألة المتعة معتبرة بحال الزوج في يساره وإعساره","lvl":2,"sub":0},{"id":7410,"title":"مسألة طالبته قبل الدخول أن يفرض لها","lvl":2,"sub":0},{"id":7412,"title":"فصل فرض لها أجنبي مهر مثلها فرضيته","lvl":2,"sub":0},{"id":7413,"title":"فصل يجب المهر للمفوضة بالعقد","lvl":2,"sub":0},{"id":7414,"title":"فصل الدخول بالمرأة قبل إعطائها شيئا","lvl":2,"sub":0},{"id":7416,"title":"مسألة مات أحد الزوجين قبل الإصابة وقبل الفرض","lvl":2,"sub":0},{"id":7419,"title":"فصل لا يجب مهر المثل إلا حالا","lvl":2,"sub":0},{"id":7420,"title":"فصل زوج السيد عبده أمته","lvl":2,"sub":0},{"id":7421,"title":"مسألة خلا بها بعد العقد فقال لم أطأها وصدقته","lvl":2,"sub":0},{"id":7424,"title":"مسألة خلا بها وبهما أو بأحدهما مانع من الوطء","lvl":2,"sub":0},{"id":7426,"title":"فصل خلا بها وهي صغيرة لا يمكن وطؤها","lvl":2,"sub":0},{"id":7427,"title":"فصل الخلوة في النكاح الفاسد لا يجب بها شيء من المهر","lvl":2,"sub":0},{"id":7428,"title":"فصل استمتع بامرأته بمباشرة فيما دون الفرج","lvl":2,"sub":0},{"id":7429,"title":"فصل دفع زوجته فأذهب عذرتها","lvl":2,"sub":0},{"id":7430,"title":"فصل دفع امرأة أجنبية فأذهب عذرتها","lvl":2,"sub":0},{"id":7432,"title":"مسألة الزوج هو الذي بيده عقدة النكاح","lvl":2,"sub":0},{"id":7435,"title":"فصل بانت امرأة الصغير أو السفيه أو المجنون على وجه","lvl":2,"sub":0},{"id":7436,"title":"فصل عفت المرأة عن صداقها الذي لها على زوجها أو عن بعضه","lvl":2,"sub":0},{"id":7437,"title":"فصل طلقت قبل الدخول وتنصف المهر بينهما","lvl":2,"sub":0},{"id":7439,"title":"فصل أصدق امرأته عينا","lvl":2,"sub":0},{"id":7441,"title":"فصل أصدقها عبدا فوهبته نصفه ثم طلقها قبل الدخول","lvl":2,"sub":0},{"id":7442,"title":"فصل خالع امرأته بنصف صداقها قبل دخوله","lvl":2,"sub":0},{"id":7443,"title":"فصل أبرأت المفوضة من المهر","lvl":2,"sub":0},{"id":7444,"title":"فصل أبرأته المفوضة من نصف صداقها","lvl":2,"sub":0},{"id":7445,"title":"فصل باع رجلا عبدا بمائة فأبرأه البائع من","lvl":2,"sub":0},{"id":7446,"title":"فصل لا يبرأ الزوج من الصداق إلا بتسليمه إلى من يتسلم","lvl":2,"sub":0},{"id":7447,"title":"مسألة ليس عليه دفع نفقة زوجته إذا كان مثلها لا يوطأ","lvl":2,"sub":0},{"id":7448,"title":"فصل إمكان الوطء في الصغيرة معتبر بحالها واحتمالها لذلك","lvl":2,"sub":0},{"id":7450,"title":"فصل منعت نفسها حتى تتسلم صداقها","lvl":2,"sub":0},{"id":7452,"title":"فصل أعسر الزوج بالمهر الحال قبل الدخول","lvl":2,"sub":0},{"id":7453,"title":"مسألة تزوجها على صداقين سر وعلانية","lvl":2,"sub":0},{"id":7455,"title":"فصل تزوج أربع نسوة في عقد واحد بمهر واحد","lvl":2,"sub":0},{"id":7457,"title":"فصل تزوج امرأتين بصداق واحد","lvl":2,"sub":0},{"id":7458,"title":"فصل جمع بين نكاح وبيع","lvl":2,"sub":0},{"id":7459,"title":"فصل تزوجها على ألف إن كان أبوها حيا","lvl":2,"sub":0},{"id":7461,"title":"فصل تزوجها على طلاق امرأة له أخرى","lvl":2,"sub":0},{"id":7463,"title":"فصل الزيادة في الصداق بعد العقد تلحق به","lvl":2,"sub":0},{"id":7465,"title":"مسألة أصدقها غنما فتوالدت ثم طلقها قبل الدخول","lvl":2,"sub":0},{"id":7467,"title":"فصل حكم الصداق إذا كان جارية","lvl":2,"sub":0},{"id":7468,"title":"فصل كان الصداق بهيمة حائلا فحملت","lvl":2,"sub":0},{"id":7469,"title":"فصل كان الصداق مكيلا أو موزونا فنقص في يد الزوج قبل","lvl":2,"sub":0},{"id":7470,"title":"مسألة أصدقها أرضا فبنتها دارا أو ثوبا فصبغته ثم طلقها","lvl":2,"sub":0},{"id":7471,"title":"فصل أصدقها نخلا حائلا فأثمرت في يده","lvl":2,"sub":0},{"id":7473,"title":"فصل كان الصداق جارية فوطئها الزوج عالما بزوال ملكه","lvl":2,"sub":0},{"id":7474,"title":"فصل أصدق ذمي ذميه خمرا فتخللت في يدها","lvl":2,"sub":0},{"id":7475,"title":"فصل تزوج امرأة فضمن أبوه نفقتها عشر سنين","lvl":2,"sub":0},{"id":7476,"title":"فصل يجب المهر للمنكوحة نكاحا صحيحا والموطوءة في نكاح","lvl":2,"sub":0},{"id":7478,"title":"فصل لا فرق بين كون الموطوءة أجنبية أو من ذوات محارمه","lvl":2,"sub":0},{"id":7479,"title":"فصل لا يجب المهر بالوطء في الدبر ولا اللواط","lvl":2,"sub":0},{"id":7480,"title":"فصل طلق امرأته قبل الدخول طلقة وظن أنها لا تبين بها","lvl":2,"sub":0},{"id":7481,"title":"فصل ومن نكاحها باطل إذا نكحها رجل فوطئها عالما بالحال","lvl":2,"sub":0},{"id":7482,"title":"فصل الصداق إذا كان في الذمة فهو دين","lvl":2,"sub":0},{"id":7483,"title":"فصل كانت الفرقة قبل الدخول من قبل المرأة","lvl":2,"sub":0},{"id":7485,"title":"كتاب الوليمة","lvl":2,"sub":0},{"id":7486,"title":"مسألة يستحب لمن تزوج أن يولم ولو بشاة","lvl":2,"sub":0},{"id":7488,"title":"مسألة وجوب الإجابة إلى الوليمة لمن دعي إليها","lvl":2,"sub":0},{"id":7490,"title":"فصل إذا صنعت الوليمة أكثر من يوم جاز","lvl":2,"sub":0},{"id":7491,"title":"فصل الدعاء إلى الوليمة إذن في الدخول والأكل","lvl":2,"sub":0},{"id":7492,"title":"فصل دعاه ذمي إلى وليمة","lvl":2,"sub":0},{"id":7493,"title":"فصل دعاه رجلان إلى وليمة ولم يمكن الجمع بينهما","lvl":2,"sub":0},{"id":7494,"title":"مسألة في الوليمة إن لم يحب أن يطعم دعا وانصرف","lvl":2,"sub":0},{"id":7496,"title":"فصل إذا دعي إلى وليمة فيها معصية","lvl":2,"sub":0},{"id":7498,"title":"فصل رأى نقوشا وصور شجر بعدما لبى دعاء الوليمة","lvl":2,"sub":0},{"id":7500,"title":"فصل قطع رأس الصورة التي رآها عند صاحب الوليمة","lvl":2,"sub":0},{"id":7501,"title":"فصل صنعة التصاوير","lvl":2,"sub":0},{"id":7502,"title":"فصل دخول منزل فيه صورة","lvl":2,"sub":0},{"id":7504,"title":"فصل ستر الحيطان بستور غير مصورة","lvl":2,"sub":0},{"id":7506,"title":"فصل الستور فيها القرآن","lvl":2,"sub":0},{"id":7507,"title":"فصل يكتري البيت فيه تصاوير","lvl":2,"sub":0},{"id":7508,"title":"فصل الدف ليس بمنكر","lvl":2,"sub":0},{"id":7509,"title":"فصل اتخاذ آنية الذهب والفضة محرم","lvl":2,"sub":0},{"id":7510,"title":"فصل علم أن عند أهل الوليمة منكرا","lvl":2,"sub":0},{"id":7511,"title":"مسألة دعوة الختان","lvl":2,"sub":0},{"id":7513,"title":"مسألة النثار مكروه","lvl":2,"sub":0},{"id":7515,"title":"مسألة قسم المولم على الحاضرين ما ينثر مثل اللوز والسكر","lvl":2,"sub":0},{"id":7516,"title":"فصل من حصل في حجره شيء من النثار في الوليمة","lvl":2,"sub":0},{"id":7517,"title":"فصل لا بأس أن يخلط المسافرون أزوادهم ويأكلوا جميعا","lvl":2,"sub":0},{"id":7518,"title":"فصل آداب الطعام","lvl":2,"sub":0},{"id":7520,"title":"فصل التسمية عند الأكل","lvl":2,"sub":0},{"id":7522,"title":"فصل الأكل بالأصابع الثلاث","lvl":2,"sub":0},{"id":7524,"title":"فصل حمد الله تعالى إذا فرغ من الطعام","lvl":2,"sub":0},{"id":7526,"title":"فصل الجمع بين طعامين","lvl":2,"sub":0},{"id":7527,"title":"فصل الإناء يؤكل فيه ثم تغسل فيه اليد","lvl":2,"sub":0},{"id":7530,"title":"فصل تزوج امرأة مثلها يوطأ فطلب تسليمها إليه","lvl":2,"sub":0},{"id":7531,"title":"فصل إجبار زوجته على الغسل من الحيض والنفاس","lvl":2,"sub":0},{"id":7533,"title":"فصل للزوج منعها من الخروج من منزله","lvl":2,"sub":0},{"id":7535,"title":"فصل ليس على المرأة خدمة زوجها","lvl":2,"sub":0},{"id":7537,"title":"فصل وطء الزوجة في الدبر","lvl":2,"sub":0},{"id":7539,"title":"فصل وطئ زوجته في دبرها","lvl":2,"sub":0},{"id":7540,"title":"فصل العزل مكروه","lvl":2,"sub":0},{"id":7542,"title":"فصل العزل عن أمته بغير إذنها","lvl":2,"sub":0},{"id":7543,"title":"فصل عزل عن زوجته أو أمته ثم أتت بولد","lvl":2,"sub":0},{"id":7544,"title":"فصل آداب الجماع","lvl":2,"sub":0},{"id":7547,"title":"فصل ليس للرجل أن يجمع بين امرأتيه في مسكن واحد","lvl":2,"sub":0},{"id":7548,"title":"فصل لا خير في من لا يغار","lvl":2,"sub":0},{"id":7549,"title":"مسألة التسوية بين الزوجات في القسم","lvl":2,"sub":0},{"id":7550,"title":"فصل يقسم المريض والمجبوب والعنين والخنثى والخصي لزوجته","lvl":2,"sub":0},{"id":7551,"title":"فصل يقسم للمريضة والرتقاء والحائض والنفساء والمحرمة والصغيرة","lvl":2,"sub":0},{"id":7552,"title":"فصل قسم الابتداء بين الزوجات","lvl":2,"sub":0},{"id":7555,"title":"فصل الوطء واجب على الرجل","lvl":2,"sub":0},{"id":7557,"title":"فصل كم يغيب الرجل عن زوجته","lvl":2,"sub":0},{"id":7559,"title":"فصل يؤجر الرجل أن يأتي أهله وليس له شهوة","lvl":2,"sub":0},{"id":7560,"title":"فصل التسوية بين نسائه في النفقة والكسوة","lvl":2,"sub":0},{"id":7561,"title":"مسألة وعماد القسم بين الزوجات الليل","lvl":2,"sub":0},{"id":7562,"title":"فصل النهار يدخل في القسم بين الزوجات تبعا لليل","lvl":2,"sub":0},{"id":7564,"title":"فصل الدخول على ضرتها في زمنها","lvl":2,"sub":0},{"id":7566,"title":"مسألة وطئ زوجته ولم يطأ الأخرى","lvl":2,"sub":0},{"id":7567,"title":"مسألة يقسم لزوجته الأمة ليلة وللحرة ليلتين","lvl":2,"sub":0},{"id":7569,"title":"فصل أعتقت الأمة في أثناء مدتها","lvl":2,"sub":0},{"id":7570,"title":"فصل الحق في القسم للأمة دون سيدها","lvl":2,"sub":0},{"id":7571,"title":"فصل لا قسم على الرجل في ملك يمينه","lvl":2,"sub":0},{"id":7572,"title":"فصل يقسم بين نسائه ليلة ليلة","lvl":2,"sub":0},{"id":7573,"title":"فصل قسم لإحداهما , ثم طلق الأخرى قبل قسمها","lvl":2,"sub":0},{"id":7574,"title":"فصل كانت امرأتاه في بلدين القسم بين الزوجات","lvl":2,"sub":0},{"id":7575,"title":"فصل للمرأة أن تهب حقها من القسم لزوجها","lvl":2,"sub":0},{"id":7578,"title":"مسألة إذا سافرت زوجته بإذنه فلا نفقة لها","lvl":2,"sub":0},{"id":7579,"title":"مسألة الزوج إذا أراد سفرا فلا يخرج معه منهن إلا","lvl":2,"sub":0},{"id":7581,"title":"فصل إذا خرجت القرعة لإحداهن لم يجب عليه السفر بها","lvl":2,"sub":0},{"id":7583,"title":"فصل أراد الانتقال بنسائه إلى بلد آخر","lvl":2,"sub":0},{"id":7584,"title":"فصل له امرأة فتزوج أخرى وأراد السفر بهما جميعا","lvl":2,"sub":0},{"id":7585,"title":"مسألة إذا أعرس عند بكر أقام عندها سبعا","lvl":2,"sub":0},{"id":7587,"title":"فصل يكره أن يزف إليه امرأتان في ليلة واحدة","lvl":2,"sub":0},{"id":7588,"title":"فصل عنده امرأتان فبات عند إحداهما ليلة ثم تزوج","lvl":2,"sub":0},{"id":7589,"title":"فصل حكم السبعة والثلاثة التي يقيمها عند المزفوفة","lvl":2,"sub":0},{"id":7590,"title":"مسألة ظهر منها ما يخاف معه نشوزها","lvl":2,"sub":0},{"id":7593,"title":"فصل له تأديبها على ترك فرائض الله","lvl":2,"sub":0},{"id":7594,"title":"فصل خافت المرأة نشوز زوجها وإعراضه عنها","lvl":2,"sub":0},{"id":7598,"title":"فصل غاب الزوجان أو أحدهما بعد بعث حكمين","lvl":2,"sub":0},{"id":7599,"title":"فصل شرط الحكمان شرطا أو شرطه الزوجان","lvl":2,"sub":0},{"id":7600,"title":"كتاب الخلع","lvl":2,"sub":0},{"id":7602,"title":"فصل لا يفتقر الخلع إلى حاكم","lvl":2,"sub":0},{"id":7603,"title":"فصل بالخلع في الحيض والطهر","lvl":2,"sub":0},{"id":7604,"title":"مسألة لا يستحب له أن يأخذ أكثر مما أعطاها","lvl":2,"sub":0},{"id":7606,"title":"مسألة خالعته بأكثر من صداقها","lvl":2,"sub":0},{"id":7608,"title":"فصل عضل زوجته وضارها بالضرب","lvl":2,"sub":0},{"id":7609,"title":"فصل ضربها على نشوزها ومنعها حقها","lvl":2,"sub":0},{"id":7610,"title":"فصل أتت بفاحشة فعضلها لتفتدي نفسها منه ففعلت","lvl":2,"sub":0},{"id":7611,"title":"فصل خالع زوجته أو بارأها بعوض","lvl":2,"sub":0},{"id":7612,"title":"مسألة الخلع فسخ","lvl":2,"sub":0},{"id":7614,"title":"فصل ألفاظ الخلع","lvl":2,"sub":0},{"id":7615,"title":"فصل الخلع بمجرد بذل المال","lvl":2,"sub":0},{"id":7617,"title":"مسألة لا يقع بالمعتدة من الخلع طلاق","lvl":2,"sub":0},{"id":7618,"title":"فصل لا يثبت في الخلع رجعة","lvl":2,"sub":0},{"id":7619,"title":"فصل شرط في الخلع أن له الرجعة","lvl":2,"sub":0},{"id":7620,"title":"فصل قالت له امرأته اجعل أمري بيدي","lvl":2,"sub":0},{"id":7621,"title":"فصل قالت امرأته طلقني بدينار فطلقها ثم ارتدت","lvl":2,"sub":0},{"id":7622,"title":"مسألة الخلع بالمجهول","lvl":2,"sub":0},{"id":7624,"title":"فصل الخلع على مجهول","lvl":2,"sub":0},{"id":7628,"title":"فصل خالعته على رضاع ولده سنتين","lvl":2,"sub":0},{"id":7630,"title":"فصل خالعها على كفالة ولده عشر سنين","lvl":2,"sub":0},{"id":7632,"title":"فصل العوض في الخلع","lvl":2,"sub":0},{"id":7633,"title":"مسألة خالعها على غير عوض","lvl":2,"sub":0},{"id":7635,"title":"فصل قالت بعني عبدك هذا وطلقني بألف ففعل","lvl":2,"sub":0},{"id":7636,"title":"فصل خالعها على نصف دار","lvl":2,"sub":0},{"id":7637,"title":"مسألة خالعها على ثوب فخرج معيبا","lvl":2,"sub":0},{"id":7639,"title":"فصل قال إن أعطيتني ألف درهم فأنت طالق فأعطته ألفا","lvl":2,"sub":0},{"id":7640,"title":"فصل قال إن أعطيتني ثوبا مرويا فأنت طالق فأعطته هرويا","lvl":2,"sub":0},{"id":7642,"title":"فصل تعليق الطلاق على شرط العطية أو الضمان أو التمليك","lvl":2,"sub":0},{"id":7644,"title":"فصل قال لامرأته أنت طالق بألف إن شئت","lvl":2,"sub":0},{"id":7645,"title":"مسألة خالعها على عبد فخرج حرا","lvl":2,"sub":0},{"id":7646,"title":"فصل خالعها على محرم يعلمان تحريمه","lvl":2,"sub":0},{"id":7647,"title":"فصل قال إن أعطيتني عبدا فأنت طالق فأعطته مدبرا أو","lvl":2,"sub":0},{"id":7648,"title":"مسألة قالت له طلقني ثلاثا بألف فطلقها واحدة","lvl":2,"sub":0},{"id":7650,"title":"فصل قالت طلقني ثلاثا بألف ولم يبق من طلاقها إلا","lvl":2,"sub":0},{"id":7651,"title":"فصل لم يبق من طلاقها إلا واحدة فقالت طلقني","lvl":2,"sub":0},{"id":7652,"title":"فصل قالت طلقني واحدة بألف فطلقها ثلاثا","lvl":2,"sub":0},{"id":7654,"title":"فصل قالت طلقني بألف أو على أن لك ألفا","lvl":2,"sub":0},{"id":7656,"title":"فصل قالت له طلقني عشرا بألف فطلقها واحدة أو","lvl":2,"sub":0},{"id":7657,"title":"فصل لم يبق من طلاقها إلا واحدة فقالت طلقني","lvl":2,"sub":0},{"id":7658,"title":"فصل قالت طلقني بألف إلى شهر أو أعطته ألفا على أن","lvl":2,"sub":0},{"id":7660,"title":"فصل قال لها أنت طالق وعليك ألف","lvl":2,"sub":0},{"id":7663,"title":"فصل قال أنت طالق ثلاثا بألف فقالت قبلت","lvl":2,"sub":0},{"id":7664,"title":"مسألة خالعته الأمة بغير إذن سيدها على شيء معلوم","lvl":2,"sub":0},{"id":7666,"title":"فصل خلع المحجور عليها لفلس","lvl":2,"sub":0},{"id":7668,"title":"فصل قال الأب طلق ابنتي وأنت بريء من صداقها","lvl":2,"sub":0},{"id":7669,"title":"فصل قال لامرأتيه أنتما طالقتان بألف إن شئتما","lvl":2,"sub":0},{"id":7671,"title":"فصل الخلع مع الأجنبي بغير إذن المرأة","lvl":2,"sub":0},{"id":7672,"title":"فصل قالت له امرأته طلقني وضرتي بألف فطلقهما","lvl":2,"sub":0},{"id":7673,"title":"فصل قالت طلقني بألف على أن تطلق ضرتي أو على","lvl":2,"sub":0},{"id":7674,"title":"مسألة ما خالع العبد به زوجته من شيء جاز","lvl":2,"sub":0},{"id":7676,"title":"فصل طلاق الأب زوجة ابنه الصغير وخلعه إياها","lvl":2,"sub":0},{"id":7677,"title":"مسألة قال خالعت المرأة في مرض موتها بأكثر من","lvl":2,"sub":0},{"id":7678,"title":"مسألة خالعها في مرض موته وأوصى لها بأكثر مما","lvl":2,"sub":0},{"id":7679,"title":"فصل خالع امرأته على نفقة عدتها","lvl":2,"sub":0},{"id":7680,"title":"مسألة خالعته بمحرم وهما كافران فقبضه ثم أسلما أو أحدهما","lvl":2,"sub":0},{"id":7682,"title":"فصل التوكيل في الخلع","lvl":2,"sub":0},{"id":7686,"title":"فصل اختلفا في الخلع فادعاه الزوج وأنكرته المرأة","lvl":2,"sub":0},{"id":7688,"title":"فصل علق طلاق امرأته بصفة ثم أبانها بخلع أو طلاق","lvl":2,"sub":0},{"id":7691,"title":"فصل الطلاق على خمسة أضرب","lvl":2,"sub":0},{"id":7694,"title":"مسألة طلاق السنة","lvl":2,"sub":0},{"id":7697,"title":"فصل طلاق البدعة","lvl":2,"sub":0},{"id":7698,"title":"فصل مراجعة المطلقة","lvl":2,"sub":0},{"id":7701,"title":"مسألة طلقها ثلاثا في طهر لم يصبها فيه","lvl":2,"sub":0},{"id":7705,"title":"فصل طلق ثلاثا بكلمة واحدة","lvl":2,"sub":0},{"id":7707,"title":"فصل طلق اثنتين في طهر ثم تركها حتى انقضت عدتها","lvl":2,"sub":0},{"id":7708,"title":"مسألة قال لها أنت طالق للسنة وكانت","lvl":2,"sub":0},{"id":7710,"title":"مسألة قال لها أنت طالق للبدعة وهي في طهر","lvl":2,"sub":0},{"id":7711,"title":"فصل قال لطاهر أنت طالق للبدعة في الحال","lvl":2,"sub":0},{"id":7712,"title":"فصل قال أنت طالق ثلاثا للسنة","lvl":2,"sub":0},{"id":7714,"title":"فصل قال أنت طالق ثلاثا بعضهن للسنة وبعضهن للبدعة","lvl":2,"sub":0},{"id":7716,"title":"فصل قال أنت طالق إذا قدم زيد فقدم وهي حائض","lvl":2,"sub":0},{"id":7717,"title":"مسألة قال لها وهي حائض ولم يدخل بها","lvl":2,"sub":0},{"id":7719,"title":"فصل قال لصغيرة أو غير مدخول بها أنت طالق للبدعة","lvl":2,"sub":0},{"id":7720,"title":"فصل قال لها في طهر جامعها فيه أنت طالق","lvl":2,"sub":0},{"id":7721,"title":"فصل قال أنت طالق في كل قرء طلقة","lvl":2,"sub":0},{"id":7723,"title":"فصل قال أنت طالق للسنة إن كان الطلاق يقع","lvl":2,"sub":0},{"id":7724,"title":"فصل قال أنت طالق أحسن الطلاق","lvl":2,"sub":0},{"id":7726,"title":"فصل قال أنت طالق طلاق الحرج","lvl":2,"sub":0},{"id":7727,"title":"مسألة طلاق الزائل العقل بلا سكر","lvl":2,"sub":0},{"id":7728,"title":"فصل المغمى عليه إذا طلق","lvl":2,"sub":0},{"id":7729,"title":"مسألة طلاق السكران","lvl":2,"sub":0},{"id":7732,"title":"فصل حد السكر في الطلاق","lvl":2,"sub":0},{"id":7733,"title":"مسألة عقل الصبي الطلاق فطلق","lvl":2,"sub":0},{"id":7734,"title":"فصل من يقع طلاقه من الصبيان","lvl":2,"sub":0},{"id":7735,"title":"فصل طلاق الصبي","lvl":2,"sub":0},{"id":7736,"title":"فصل طلاق السفيه","lvl":2,"sub":0},{"id":7737,"title":"مسألة أكره على الطلاق","lvl":2,"sub":0},{"id":7738,"title":"فصل إكراه الحاكم المولي على الطلاق","lvl":2,"sub":0},{"id":7739,"title":"مسألة الإكراه على الطلاق","lvl":2,"sub":0},{"id":7741,"title":"فصل من شرط الإكراه في الطلاق ثلاثة أمور","lvl":2,"sub":0},{"id":7742,"title":"فصل أكره على طلاق امرأة فطلق غيرها","lvl":2,"sub":0},{"id":7743,"title":"باب تصريح الطلاق وغيره","lvl":2,"sub":0},{"id":7744,"title":"مسألة قال قد طلقتك أو قد فارقتك أو قد سرحتك","lvl":2,"sub":0},{"id":7748,"title":"فصل قال أنت الطلاق","lvl":2,"sub":0},{"id":7749,"title":"فصل صريح الطلاق بالعجمية","lvl":2,"sub":0},{"id":7750,"title":"مسألة قال لها في الغضب أنت حرة أو لطمها","lvl":2,"sub":0},{"id":7752,"title":"فصل أتى بالكناية في حال الغضب في الطلاق","lvl":2,"sub":0},{"id":7754,"title":"فصل أتى بالكناية في حال سؤال الطلاق","lvl":2,"sub":0},{"id":7756,"title":"مسألة الطلاق يقع بالكنايات","lvl":2,"sub":0},{"id":7760,"title":"فصل الطلاق بصفة البينونة","lvl":2,"sub":0},{"id":7764,"title":"فصل الطلاق الواقع بالكنايات","lvl":2,"sub":0},{"id":7765,"title":"فصل ما لا يشبه الطلاق ولا يدل على الفراق","lvl":2,"sub":0},{"id":7766,"title":"فصل قال أنا منك طالق","lvl":2,"sub":0},{"id":7768,"title":"مسألة أتى بصريح الطلاق","lvl":2,"sub":0},{"id":7769,"title":"فصل قال الأعجمي لامرأته أنت طالق ولا يفهم معناه","lvl":2,"sub":0},{"id":7770,"title":"فصل قال لزوجته وأجنبية إحداكما طالق","lvl":2,"sub":0},{"id":7772,"title":"فصل له امرأتان حفصة وعمرة فقال يا حفصة فأجابته عمرة","lvl":2,"sub":0},{"id":7774,"title":"فصل لقي أجنبية ظنها زوجته فقال فلانة أنت","lvl":2,"sub":0},{"id":7775,"title":"فصل لقي امرأته فظنها أجنبية فقال أنت طالق","lvl":2,"sub":0},{"id":7776,"title":"فصل الطلاق من غير نية","lvl":2,"sub":0},{"id":7777,"title":"مسألة قيل له ألك امرأة فقال لا وأراد به الكذب","lvl":2,"sub":0},{"id":7779,"title":"فصل قال علي يمين بالطلاق ولم يكن حلف","lvl":2,"sub":0},{"id":7780,"title":"مسألة وهب زوجته لأهلها","lvl":2,"sub":0},{"id":7782,"title":"فصل باع امرأته لغيره","lvl":2,"sub":0},{"id":7783,"title":"مسألة جعل أمر امرأته بيدها","lvl":2,"sub":0},{"id":7785,"title":"مسألة المملكة والمخيرة إذا قالت اخترت نفسي","lvl":2,"sub":0},{"id":7787,"title":"فصل قال إن تكلمت فأنت طالق فتكلمت","lvl":2,"sub":0},{"id":7788,"title":"مسألة طلقت نفسها ثلاثا وقال لم أجعل إليها إلا","lvl":2,"sub":0},{"id":7789,"title":"مسألة جعل أمر امرأته بيد غيرها","lvl":2,"sub":0},{"id":7791,"title":"فصل فوض أمر الطلاق إلى من يملكه","lvl":2,"sub":0},{"id":7793,"title":"مسألة التخيير على الفور في الطلاق","lvl":2,"sub":0},{"id":7796,"title":"فصل جعل لها الخيار متى شاءت في الطلاق","lvl":2,"sub":0},{"id":7798,"title":"مسألة قال اختاري من الثلاث ما شئت في الطلاق","lvl":2,"sub":0},{"id":7800,"title":"فصل خيرها فاختارت زوجها أو ردت الخيار","lvl":2,"sub":0},{"id":7802,"title":"فصل قال لامرأته أمرك بيدك فقالت قبلت","lvl":2,"sub":0},{"id":7804,"title":"فصل قال لزوجته طلقي نفسك ونوى عددا","lvl":2,"sub":0},{"id":7806,"title":"فصل قال طلقي نفسك طلاق السنة قالت قد طلقت نفسي","lvl":2,"sub":0},{"id":7807,"title":"فصل جعل أمر امرأته بيدها بعوض","lvl":2,"sub":0},{"id":7808,"title":"فصل اختلفا فقال الزوج لم أنو الطلاق بلفظ الاختيار","lvl":2,"sub":0},{"id":7809,"title":"فصل قال لزوجته أنت على حرام وأطلق","lvl":2,"sub":0},{"id":7812,"title":"فصل قال أنت علي حرام أعني به الطلاق","lvl":2,"sub":0},{"id":7814,"title":"فصل قال أنت علي كظهر أمي ونوى","lvl":2,"sub":0},{"id":7815,"title":"فصل قال أنت علي كالميتة والدم ونوى","lvl":2,"sub":0},{"id":7816,"title":"مسألة طلقها بلسانه واستثنى شيئا بقلبه","lvl":2,"sub":0},{"id":7819,"title":"فصل قالت له امرأة من نسائه طلقني","lvl":2,"sub":0},{"id":7820,"title":"فصل قال أنت طالق إن دخلت الدار","lvl":2,"sub":0},{"id":7821,"title":"فصل قال لامرأته أنت طالق ثلاثا إلا واحدة","lvl":2,"sub":0},{"id":7822,"title":"فصل قال أنت طالق ثلاثا إلا اثنتين","lvl":2,"sub":0},{"id":7823,"title":"فصل قال أنت طالق اثنتين وواحدة إلا واحدة","lvl":2,"sub":0},{"id":7825,"title":"فصل قال أنت طالق ثلاثا إلا طلقة وطلقة وطلقة","lvl":2,"sub":0},{"id":7827,"title":"فصل قوله أنت طالق ثلاثا إلا اثنتين إلا واحدة","lvl":2,"sub":0},{"id":7828,"title":"مسألة قال لها أنت طالق في شهر كذا","lvl":2,"sub":0},{"id":7830,"title":"فصل أوقع الطلاق في زمن أو علقه بصفة","lvl":2,"sub":0},{"id":7831,"title":"فصل قال أنت طالق إلى شهر كذا أو سنة","lvl":2,"sub":0},{"id":7832,"title":"فصل قال أنت طالق في آخر أول الشهر","lvl":2,"sub":0},{"id":7833,"title":"فصل قال إذا مضت سنة فأنت طالق","lvl":2,"sub":0},{"id":7835,"title":"فصل قال أنت طالق في كل سنة طلقة","lvl":2,"sub":0},{"id":7837,"title":"فصل قال أنت طالق إذا رأيت هلال رمضان","lvl":2,"sub":0},{"id":7838,"title":"فصل قال لها أنت طالق ليلة القدر","lvl":2,"sub":0},{"id":7839,"title":"فصل علق طلاقها على شرط مستقبل","lvl":2,"sub":0},{"id":7840,"title":"فصل قال أنت طالق غدا إذا قدم زيد","lvl":2,"sub":0},{"id":7842,"title":"فصل قال أنت طالق اليوم وطالق غدا","lvl":2,"sub":0},{"id":7843,"title":"فصل قال أنت طالق اليوم إذا جاء غد","lvl":2,"sub":0},{"id":7844,"title":"فصل قال أنت طالق أمس ولا نية له","lvl":2,"sub":0},{"id":7846,"title":"فصل قال لز وجته أنت طالق قبل قدوم زيد بشهر","lvl":2,"sub":0},{"id":7848,"title":"مسألة قال لها إذا طلقتك فأنت طالق","lvl":2,"sub":0},{"id":7849,"title":"فصل قال إذا طلقتك فأنت طالق","lvl":2,"sub":0},{"id":7850,"title":"فصل قال لها كلما طلقتك فأنت طالق","lvl":2,"sub":0},{"id":7852,"title":"فصل قال كلما طلقتك طلاقا أملك فيه رجعتك فأنت","lvl":2,"sub":0},{"id":7853,"title":"فصل قال لزوجته إذا طلقتك أو إذا وقع عليك طلاقي","lvl":2,"sub":0},{"id":7856,"title":"فصل الحلف بالطلاق","lvl":2,"sub":0},{"id":7858,"title":"فصل قال لامرأتيه كلما حلفت بطلاقكما فأنتما طالقتان","lvl":2,"sub":0},{"id":7859,"title":"فصل له امرأتان حفصة وعمرة فقال إن حلفت بطلاقكما فعمرة","lvl":2,"sub":0},{"id":7860,"title":"فصل قال لإحداهما إن حلفت بطلاقك فضرتك طالق","lvl":2,"sub":0},{"id":7862,"title":"فصل قال كلما حلفت بطلاق واحدة منكن فأنتن","lvl":2,"sub":0},{"id":7864,"title":"فصل قال لزوجته إن حلفت بعتق عبدي فأنت طالق ثم","lvl":2,"sub":0},{"id":7865,"title":"فصل استعمل الطلاق والعتاق استعمال القسم","lvl":2,"sub":0},{"id":7866,"title":"فصل قال لإحدى زوجتيه كلما طلقت ضرتك فأنت طالق","lvl":2,"sub":0},{"id":7868,"title":"فصل قال لكل واحدة منهن كلما طلقت إحدى ضرتيك","lvl":2,"sub":0},{"id":7871,"title":"فصل قال لامرأته إن طلقتك فعبدي حر ثم قال","lvl":2,"sub":0},{"id":7872,"title":"فصل علق الطلاق على صفات فاجتمعن في شيء واحد","lvl":2,"sub":0},{"id":7873,"title":"فصل قال إن دخل الدار رجل فعبد من عبيدي حر","lvl":2,"sub":0},{"id":7876,"title":"قال إن لم أطلقك فأنت طالق ولم ينو وقتا ولم يطلقها","lvl":2,"sub":0},{"id":7878,"title":"فصل إذا كان المعلق طلاقا بائنا فماتت لم يرثها","lvl":2,"sub":0},{"id":7881,"title":"فصل إذا قال لامرأته أنت طالق اليوم إن لم أطلقك اليوم","lvl":2,"sub":0},{"id":7884,"title":"مسألة قال كلما لم أطلقك فأنت طالق","lvl":2,"sub":0},{"id":7886,"title":"فصل الحروف المستعملة للشرط وتعليق الطلاق بها","lvl":2,"sub":0},{"id":7896,"title":"فصول في تعليق الطلاق","lvl":2,"sub":0},{"id":7898,"title":"فصل قال لأربع إن حضتن فأنتن طوالق","lvl":2,"sub":0},{"id":7899,"title":"فصل قال لهن كلما حاضت إحداكن أو أيتكن","lvl":2,"sub":0},{"id":7900,"title":"فصل قال لطاهر إذا حضت فأنت طالق","lvl":2,"sub":0},{"id":7902,"title":"فصل قال لها إذا حضت حيضة فأنت طالق وإذا حضت حيضتين","lvl":2,"sub":0},{"id":7903,"title":"فصل قال إذا حضت نصف حيضة فأنت طالق","lvl":2,"sub":0},{"id":7904,"title":"فصل قال لامرأتيه إذا حضتما حيضة واحدة فأنتما","lvl":2,"sub":0},{"id":7905,"title":"فصل كان له أربع نسوة فقال أيتكن","lvl":2,"sub":0},{"id":7906,"title":"فصل قال إن لم تكوني حاملا فأنت طالق ولم تكن حاملا","lvl":2,"sub":0},{"id":7909,"title":"فصل قال إن كنت حاملا بغلام فأنت طالق","lvl":2,"sub":0},{"id":7910,"title":"فصل قال كلما ولدت ولدا فأنت طالق فولدت ثلاثا","lvl":2,"sub":0},{"id":7911,"title":"فصل له أربع نسوة فقال كلما ولدت واحدة","lvl":2,"sub":0},{"id":7913,"title":"فصل قال لامرأته إن كلمتك فأنت طالق ثم","lvl":2,"sub":0},{"id":7915,"title":"فصل حلف لا يكلم إنسانا فكلمه بحيث يسمع فلم يسمع","lvl":2,"sub":0},{"id":7917,"title":"فصل كتب إليه أو أرسل إليه رسولا وكان قد حلف","lvl":2,"sub":0},{"id":7918,"title":"فصل قال لامرأته إن بدأتك بالكلام فأنت طالق","lvl":2,"sub":0},{"id":7919,"title":"فصل قال لامرأتيه إن كلمتما هذين الرجلين فأنتما طالقتان","lvl":2,"sub":0},{"id":7920,"title":"فصل قال أنت طالق إن كلمت زيدا ومحمد مع خالد","lvl":2,"sub":0},{"id":7921,"title":"فصل قال إن كلمتني إلى أن يقدم زيد أو حتى يقدم زيد","lvl":2,"sub":0},{"id":7922,"title":"فصل قال أنت طالق إن شئت","lvl":2,"sub":0},{"id":7924,"title":"فصل قيد المشيئة بوقت فقال أنت طالق إن شئت","lvl":2,"sub":0},{"id":7925,"title":"فصل قال أنت طالق إلا أن تشائي أو يشاء زيد","lvl":2,"sub":0},{"id":7926,"title":"فصل قال أنت طالق واحدة إلا أن تشائي","lvl":2,"sub":0},{"id":7927,"title":"فصل قال أنت طالق لمشيئة فلان أو لرضاه أو","lvl":2,"sub":0},{"id":7928,"title":"فصل قال أنت طالق إن أحببت أو إن أردت أو إن كرهت","lvl":2,"sub":0},{"id":7929,"title":"فصل قال أنت طالق إن شاء الله تعالى","lvl":2,"sub":0},{"id":7931,"title":"فصل قال أنت طالق إن دخلت الدار إن شاء الله","lvl":2,"sub":0},{"id":7932,"title":"فصل قال أنت طالق إلا أن يشاء الله","lvl":2,"sub":0},{"id":7933,"title":"فصل علق الطلاق على مستحيل فقال أنت طالق إن قتلت","lvl":2,"sub":0},{"id":7935,"title":"فصل حلف لا شربت من هذا النهر فاغترف منه وشرب","lvl":2,"sub":0},{"id":7936,"title":"فصل حلف لا يشتمه ولا يكلمه في المسجد ففعل ذلك","lvl":2,"sub":0},{"id":7938,"title":"فصل قال من بشرتني بقدوم أخي فهي طالق","lvl":2,"sub":0},{"id":7939,"title":"فصل قال أول من تقوم منكن فهي طالق","lvl":2,"sub":0},{"id":7941,"title":"فصل حلف يمينا على فعل بلفظ عام وأراد به شيئا","lvl":2,"sub":0},{"id":7942,"title":"فصل حلف يمينا عامة لسبب خاص وله نية","lvl":2,"sub":0},{"id":7943,"title":"فصل قال إن دخل داري أحد فامرأتي طالق","lvl":2,"sub":0},{"id":7944,"title":"فصل قال لامرأته إن وطئتك فأنت طالق","lvl":2,"sub":0},{"id":7945,"title":"فصل قال إن أمرتك فخالفتني فأنت طالق ثم","lvl":2,"sub":0},{"id":7946,"title":"فصل قال لامرأته إن خرجت إلى غير الحمام فأنت طالق","lvl":2,"sub":0},{"id":7947,"title":"فصل حلف ليرحلن من هذه الدار أو ليخرجن من هذه","lvl":2,"sub":0},{"id":7949,"title":"فصل قال امرأتي طالق إن كنت أملك إلا مائة","lvl":2,"sub":0},{"id":7950,"title":"فصل قال لامرأته يا طالق أنت طالق إن دخلت الدار","lvl":2,"sub":0},{"id":7951,"title":"فصل قال لامرأته أنت طالق مريضة بالنصب أو الرفع","lvl":2,"sub":0},{"id":7952,"title":"مسألة قال أنت طالق إذا قدم فلان فقدم به ميتا","lvl":2,"sub":0},{"id":7954,"title":"فصل قال إن تركت هذا الصبي يخرج فأنت طالق","lvl":2,"sub":0},{"id":7955,"title":"فصل حلف لا تأخذ حقك مني فأكره على دفعه إليه","lvl":2,"sub":0},{"id":7957,"title":"فصل قال إن رأيت أباك فأنت طالق فرأته ميتا","lvl":2,"sub":0},{"id":7958,"title":"مسألة قال لمدخول بها أنت طالق أنت طالق","lvl":2,"sub":0},{"id":7960,"title":"فصل قال أنت طالق ثم مضى زمن طويل ثم","lvl":2,"sub":0},{"id":7961,"title":"فصل كل طلاق يترتب في الوقوع ويأتي بعضه بعد بعض لا يقع بغير","lvl":2,"sub":0},{"id":7962,"title":"فصل قال أنت طالق طلقة قبلها طلقة","lvl":2,"sub":0},{"id":7963,"title":"فصل قال أنت طالق طلقة معها طلقة","lvl":2,"sub":0},{"id":7964,"title":"فصل قال أنت طالق طلقة بعدها طلقة ثم","lvl":2,"sub":0},{"id":7965,"title":"فصل قال أنت طالق طالق طالق وقال أردت التوكيد","lvl":2,"sub":0},{"id":7966,"title":"فصل قال أنت مطلقة أنت مسرحة أنت","lvl":2,"sub":0},{"id":7967,"title":"مسألة قال لغير مدخول بها أنت طالق وطالق وطالق","lvl":2,"sub":0},{"id":7969,"title":"فصل قال أنت طالق طلقتين ونصفا","lvl":2,"sub":0},{"id":7970,"title":"فصل قال لغير مدخول بها أنت طالق ثم طالق","lvl":2,"sub":0},{"id":7971,"title":"فصل قال لمدخول بها إن دخلت الدار فأنت طالق ثم","lvl":2,"sub":0},{"id":7972,"title":"مسألة طلق ثلاثا وهو ينوي واحدة","lvl":2,"sub":0},{"id":7973,"title":"مسألة طلق واحدة وهو ينوي ثلاثا","lvl":2,"sub":0},{"id":7975,"title":"فصل قال أنت طالق طلاقا ونوى ثلاثا","lvl":2,"sub":0},{"id":7976,"title":"فصل قال الطلاق يلزمني أو الطلاق لي لازم","lvl":2,"sub":0},{"id":7977,"title":"فصل قال أنت طالق للسنة","lvl":2,"sub":0},{"id":7978,"title":"فصل قال العجمي بهشتم لبسيار طلقت امرأته ثلاثا","lvl":2,"sub":0},{"id":7979,"title":"فصل لا يقع الطلاق بغير لفظ الطلاق إلا في موضعين","lvl":2,"sub":0},{"id":7982,"title":"فصل كتب الأخرس الطلاق بشيء لا يبين","lvl":2,"sub":0},{"id":7983,"title":"فصل كتب لزوجته أنت طالق ثم استمد","lvl":2,"sub":0},{"id":7985,"title":"فصل لا يثبت الكتاب بالطلاق إلا بشاهدين عدلين","lvl":2,"sub":0},{"id":7986,"title":"الفصل الأول أنه إذا طلق جزءا منها","lvl":2,"sub":0},{"id":7987,"title":"الفصل الثاني طلقها نصف تطليقة أو جزءا منها","lvl":2,"sub":0},{"id":7988,"title":"فصل قال أنت طالق نصفي طلقة","lvl":2,"sub":0},{"id":7989,"title":"فصل قال أنت طالق نصف وثلث وسدس طلقة","lvl":2,"sub":0},{"id":7991,"title":"فصل قال لأربع نسوة له أوقعت بينكن طلقة","lvl":2,"sub":0},{"id":7993,"title":"فصل قال بين نسائه أوقعت بينكن طلقة وطلقة وطلقة","lvl":2,"sub":0},{"id":7994,"title":"فصل قال لنسائه أنتن طوالق ثلاثا","lvl":2,"sub":0},{"id":7995,"title":"مسألة قال لها شعرك أو ظفرك طالق","lvl":2,"sub":0},{"id":7996,"title":"فصل تطليق بعض المرأة","lvl":2,"sub":0},{"id":7997,"title":"مسألة شك في طلاقه فلم يدر أطلق أم لا","lvl":2,"sub":0},{"id":7998,"title":"مسألة طلق فلم يدر واحدة طلق أم ثلاثا","lvl":2,"sub":0},{"id":8000,"title":"فصل رأى رجلان طائرا فحلف أحدهما بالطلاق أنه غراب","lvl":2,"sub":0},{"id":8003,"title":"فصل قال إن كان غرابا فهذه طالق وإن لم يكن","lvl":2,"sub":0},{"id":8004,"title":"فصل قال إن كان غرابا فنساؤه طوالق","lvl":2,"sub":0},{"id":8006,"title":"مسألة قال لزوجاته إحداكن طالق ولم ينو واحدة","lvl":2,"sub":0},{"id":8008,"title":"فصل قال لنسائه إحداكن طالق غدا فجاء غد","lvl":2,"sub":0},{"id":8009,"title":"فصل قال امرأتي طالق وأمتي حرة وله نساء وإماء","lvl":2,"sub":0},{"id":8010,"title":"مسألة طلق واحدة من نسائه وأنسيها","lvl":2,"sub":0},{"id":8015,"title":"مسألة مات قبل تحديد من التي طلقها من نسائه","lvl":2,"sub":0},{"id":8017,"title":"فصل له أربع نسوة فطلق إحداهن ثم نكح أخرى","lvl":2,"sub":0},{"id":8018,"title":"فصل طلق واحدة من نسائه لا يعينها أو يعينها","lvl":2,"sub":0},{"id":8020,"title":"فصل ادعت المرأة أن زوجها طلقها فأنكرها","lvl":2,"sub":0},{"id":8022,"title":"فصل طلقها ثلاثا ثم جحد طلاقها","lvl":2,"sub":0},{"id":8023,"title":"فصل طلقها ثلاثا فشهد عليه أربعة أنه وطئها","lvl":2,"sub":0},{"id":8024,"title":"مسألة المطلق إذا بانت زوجته منه ثم تزوجها","lvl":2,"sub":0},{"id":8026,"title":"مسألة كان المطلق عبدا وكان طلاقه اثنتين","lvl":2,"sub":0},{"id":8028,"title":"فصل أحكام المكاتب في الطلاق","lvl":2,"sub":0},{"id":8029,"title":"فصل حكم الزواج والطلاق للعبد الذي نصفه حرا ونصفه عبدا","lvl":2,"sub":0},{"id":8030,"title":"فصل طلق العبد زوجته اثنتين ثم عتق","lvl":2,"sub":0},{"id":8032,"title":"مسألة قال لزوجته أنت طالق ثلاثة أنصاف تطليقتين","lvl":2,"sub":0},{"id":8033,"title":"فصل قال أنت طالق ملء الدنيا","lvl":2,"sub":0},{"id":8035,"title":"فصل قال أنت طالق أكثر الطلاق أو كله أو جميعه","lvl":2,"sub":0},{"id":8036,"title":"فصل قال أنت طالق من واحدة إلى ثلاث","lvl":2,"sub":0},{"id":8037,"title":"فصل قال أنت طالق طلقة في اثنتين","lvl":2,"sub":0},{"id":8039,"title":"فصل قال أنت طالق طلقة بل طلقتين","lvl":2,"sub":0},{"id":8041,"title":"فصل قال أنت طالق طلقة لا تقع عليك","lvl":2,"sub":0},{"id":8042,"title":"فصل قال أنت طالق بعد موتي أو موتك أو مع موتي أو موتك","lvl":2,"sub":0},{"id":8044,"title":"فصل مسائل في الطلاق تنبني على نية الحالف وتأويله","lvl":2,"sub":0},{"id":8047,"title":"فصل قال لامرأته أنت طالق إن لم أجامعك اليوم","lvl":2,"sub":0},{"id":8048,"title":"كتاب الرجعة","lvl":2,"sub":0},{"id":8051,"title":"فصل يشترط للمطلقة البائن لحلها للأول ثلاثة شروط","lvl":2,"sub":0},{"id":8053,"title":"فصل حلال نكاح ووطء المطلقة البائن","lvl":2,"sub":0},{"id":8054,"title":"فصل تزوج المملوك المطلقة البائن ووطئها","lvl":2,"sub":0},{"id":8056,"title":"فصل وجد على فراشه امرأة فظنها أجنبية أو","lvl":2,"sub":0},{"id":8057,"title":"مسألة طلق الحر زوجته أقل من ثلاث","lvl":2,"sub":0},{"id":8058,"title":"فصل لا يعتبر في الرجعة رضى المرأة","lvl":2,"sub":0},{"id":8059,"title":"فصل مفهوم الرجعية","lvl":2,"sub":0},{"id":8061,"title":"مسألة للعبد في الطلاق بعد الواحدة ما للحر قبل الثلاث","lvl":2,"sub":0},{"id":8062,"title":"مسألة كانت حاملا باثنين فوضعت أحدهما","lvl":2,"sub":0},{"id":8063,"title":"فصل انقطع حيض المرأة في المرة الثالثة ولما تغتسل فهل","lvl":2,"sub":0},{"id":8065,"title":"فصل تزوجت الرجعية في عدتها وحملت من الزوج الثاني","lvl":2,"sub":0},{"id":8067,"title":"مسألة المراجعة في الطلاق","lvl":2,"sub":0},{"id":8069,"title":"فصل الرجعة لا تحصل إلا بالقول","lvl":2,"sub":0},{"id":8070,"title":"فصل تحصل الرجعة إذا قبلها أو لمسها لشهوة أو كشف فرجها","lvl":2,"sub":0},{"id":8071,"title":"فصل الألفاظ التي تحصل بها الرجعة","lvl":2,"sub":0},{"id":8072,"title":"فصل قال راجعتك للمحبة أو قال للإهانة","lvl":2,"sub":0},{"id":8073,"title":"فصل تعليق الرجعة على شرط","lvl":2,"sub":0},{"id":8074,"title":"مسألة قال قد ارتجعتك","lvl":2,"sub":0},{"id":8080,"title":"فصل ادعى الزوج في عدتها أنه كان راجعها","lvl":2,"sub":0},{"id":8082,"title":"فصل اختلفا في الإصابة فقال قد أصبتك فلى رجعتك فأنكرته","lvl":2,"sub":0},{"id":8084,"title":"فصل والخلوة كالإصابة في إثبات الرجعة للزوج على المرأة","lvl":2,"sub":0},{"id":8085,"title":"فصل ادعى زوج الأمة بعد عدتها أنه كان راجعها","lvl":2,"sub":0},{"id":8086,"title":"فصل قالت انقضت عدتي ثم قالت ما انقضت الرجعة","lvl":2,"sub":0},{"id":8087,"title":"مسألة طلقها واحدة فلم تنقض عدتها حتى طلقها","lvl":2,"sub":0},{"id":8088,"title":"فصل طلقها ثم راجعها ثم طلقها قبل دخوله بها","lvl":2,"sub":0},{"id":8090,"title":"فصل خالع زوجته أو فسخ النكاح ثم نكحها في عدتها","lvl":2,"sub":0},{"id":8091,"title":"فصل متى وطئ الرجعية","lvl":2,"sub":0},{"id":8092,"title":"مسألة طلقها ثم أشهد على المراجعة من","lvl":2,"sub":0},{"id":8095,"title":"مسألة المطلقة المبتوتة إذا مضى زمن بعد طلاقها يمكن فيه انقضاء","lvl":2,"sub":0},{"id":8096,"title":"فصل أخبرت الزوج أصابها فأنكر الرجعة","lvl":2,"sub":0},{"id":8097,"title":"فصل طلقها طلاقا رجعيا وغاب وقضت عدتها وأرادت التزوج","lvl":2,"sub":0},{"id":8098,"title":"فصل قالت قد تزوجت من أصابني ثم رجعت عن","lvl":2,"sub":0},{"id":8099,"title":"شروط الإيلاء","lvl":2,"sub":0},{"id":8103,"title":"فصل حلف على ترك الوطء أكثر من أربعة أشهر","lvl":2,"sub":0},{"id":8105,"title":"فصل علق الإيلاء بشرط مستحيل","lvl":2,"sub":0},{"id":8107,"title":"فصل علق الإيلاء على غير مستحيل","lvl":2,"sub":0},{"id":8109,"title":"فصل قال والله لا وطئتك إلا برضاك","lvl":2,"sub":0},{"id":8111,"title":"فصل حلف على ترك وطئها عاما ثم كفر عن يمينه","lvl":2,"sub":0},{"id":8112,"title":"فصل قال في الإيلاء والله لا وطئتك إن شاء فلان","lvl":2,"sub":0},{"id":8114,"title":"فصل قال والله لا وطئتك","lvl":2,"sub":0},{"id":8115,"title":"فصل قال إن وطئتك فوالله لا وطئتك","lvl":2,"sub":0},{"id":8117,"title":"فصل قال والله لا وطئتك عاما ثم قال والله","lvl":2,"sub":0},{"id":8119,"title":"فصل قال لأربع نسوة والله لا أقربكن","lvl":2,"sub":0},{"id":8121,"title":"فصل قال والله لا وطئت واحدة منكن ونوى","lvl":2,"sub":0},{"id":8123,"title":"فصل قال والله لا وطئت كل واحدة منكن","lvl":2,"sub":0},{"id":8124,"title":"فصل قال كلما وطئت واحدة منكن فضرائرها طوالق","lvl":2,"sub":0},{"id":8125,"title":"فصل حلف على ترك الوطء في الفرج","lvl":2,"sub":0},{"id":8126,"title":"فصل كون المحلوف عليها في الإيلاء امرأة","lvl":2,"sub":0},{"id":8127,"title":"فصل آلى من الرجعية","lvl":2,"sub":0},{"id":8128,"title":"فصل ممن يصح الإيلاء","lvl":2,"sub":0},{"id":8130,"title":"فصل إيلاء الذمي","lvl":2,"sub":0},{"id":8131,"title":"فصل لا يشترط في الإيلاء الغضب ولا قصد الإضرار","lvl":2,"sub":0},{"id":8132,"title":"فصل الألفاظ التي يكون بها موليا","lvl":2,"sub":0},{"id":8135,"title":"فصل قال لإحدى زوجتيه والله لا وطئتك ثم قال","lvl":2,"sub":0},{"id":8136,"title":"فصل الإيلاء بكل لغة من العجمية وغيرها ممن يحسن العربية","lvl":2,"sub":0},{"id":8137,"title":"فصل مدة الإيلاء في حق الأحرار والعبيد والمسلمين وأهل الذمة","lvl":2,"sub":0},{"id":8138,"title":"مسألة مضت أربعة أشهر ورافعته أمر بالفيئة","lvl":2,"sub":0},{"id":8140,"title":"فصل ابتداء مدة الإيلاء","lvl":2,"sub":0},{"id":8142,"title":"فصل وطئ العاقل ناسيا ليمينه","lvl":2,"sub":0},{"id":8143,"title":"فصل وطئها وطئا محرما","lvl":2,"sub":0},{"id":8144,"title":"فصل آلى منها وثم عذر يمنع الوطء من جهة الزوج","lvl":2,"sub":0},{"id":8146,"title":"فصل إذا انقضت مدة الإيلاء","lvl":2,"sub":0},{"id":8147,"title":"فصل عفت الزوجة عن المطالبة بعد وجوبها الإيلاء","lvl":2,"sub":0},{"id":8148,"title":"فصل الأمة كالحرة في استحقاق المطالبة الاستيلاء","lvl":2,"sub":0},{"id":8149,"title":"فصل كانت المرأة صغيرة أو مجنونة في الإيلاء","lvl":2,"sub":0},{"id":8150,"title":"مسألة الفيئة من المولي","lvl":2,"sub":0},{"id":8151,"title":"فصل إذا فاء في الإيلاء","lvl":2,"sub":0},{"id":8152,"title":"فصل كان الإيلاء بتعليق عتق أو طلاق","lvl":2,"sub":0},{"id":8155,"title":"فصل قال إن وطئتك فأنت علي كظهر أمي","lvl":2,"sub":0},{"id":8156,"title":"مسألة يكون له عذر من مرض أو إحرام أو شيء لا يمكن معه الجماع","lvl":2,"sub":0},{"id":8158,"title":"فصل المظاهر لا يمهل ويؤمر بالطلاق","lvl":2,"sub":0},{"id":8160,"title":"فصل انقضت مدة الإيلاء وهو محبوس بحق يمكن أداؤه","lvl":2,"sub":0},{"id":8161,"title":"فصل كان مغلوبا على عقله بجنون أو إغماء في مدة","lvl":2,"sub":0},{"id":8162,"title":"فصل انقضت مدة الإيلاء فادعى أنه عاجز عن الوطء","lvl":2,"sub":0},{"id":8163,"title":"مسألة متى قدر على الجماع فلم يفعل أمر بالطلاق بعد","lvl":2,"sub":0},{"id":8164,"title":"مسألة لم يطلق الزوج عند امتناعه عن الزوجة بعد الإيلاء","lvl":2,"sub":0},{"id":8165,"title":"فصل الطلاق الواجب على المولي","lvl":2,"sub":0},{"id":8166,"title":"مسألة طلق المولي وامتنع عن الطلاق والفيئة","lvl":2,"sub":0},{"id":8167,"title":"مسألة طلق واحدة وراجع وقد بقي من مدة الإيلاء أكثر","lvl":2,"sub":0},{"id":8170,"title":"مسألة وقفناه بعد الأربعة أشهر فقال قد أصبتها في الإيلاء","lvl":2,"sub":0},{"id":8171,"title":"مسألة قال آلى منها فلم يصبها حتى طلقها وانقضت","lvl":2,"sub":0},{"id":8173,"title":"فصل آلى من امرأته الأمة ثم اشتراها ثم أعتقها","lvl":2,"sub":0},{"id":8174,"title":"مسألة آلى منها واختلفا في مضي الأربعة أشهر","lvl":2,"sub":0},{"id":8175,"title":"فصل ترك الوطء بغير يمين","lvl":2,"sub":0},{"id":8176,"title":"كتاب الظهار","lvl":2,"sub":0},{"id":8178,"title":"فصل كل زوج صح طلاقه صح ظهاره","lvl":2,"sub":0},{"id":8180,"title":"فصل من لا يصح طلاقه لا يصح ظهاره","lvl":2,"sub":0},{"id":8181,"title":"فصل يصح الظهار من كل زوجة","lvl":2,"sub":0},{"id":8182,"title":"الفصل الأول شبه امرأته بمن تحرم عليه على التأبيد","lvl":2,"sub":0},{"id":8184,"title":"الفصل الثاني شبه امرأته بظهر من تحرم عليه تحريما مؤقتا","lvl":2,"sub":0},{"id":8185,"title":"فصل شبهها بظهر أبيه أو بظهر غيره من الرجال","lvl":2,"sub":0},{"id":8186,"title":"فصل قال لزوجته أنت عندي , أو مني أو معي كظهر","lvl":2,"sub":0},{"id":8187,"title":"فصل قال أنت علي كأمي أو مثل أمي","lvl":2,"sub":0},{"id":8189,"title":"الفصل الثالث قال أنت علي حرام","lvl":2,"sub":0},{"id":8191,"title":"فصل قال الزوج الحل علي حرام أو ما أحل الله علي","lvl":2,"sub":0},{"id":8192,"title":"فصل قال أنت علي كظهر أمي حرام","lvl":2,"sub":0},{"id":8193,"title":"فصل قال الزوج أنت طالق كظهر أمي","lvl":2,"sub":0},{"id":8194,"title":"فصل قال أنت علي حرام ونوى الطلاق والظهار","lvl":2,"sub":0},{"id":8195,"title":"الفصل الرابع شبه عضوا من امرأته بظهر أمه","lvl":2,"sub":0},{"id":8196,"title":"فصل قال كشعر أمي أو سنها أو ظفرها أو شبه شيئا","lvl":2,"sub":0},{"id":8197,"title":"فصل قال الزوج أنا مظاهر أو علي الظهار أو علي الحرام أو","lvl":2,"sub":0},{"id":8198,"title":"فصل يكره أن يسمي الرجل امرأته بمن تحرم عليه كأمه أو أخته أو","lvl":2,"sub":0},{"id":8199,"title":"الفصل الخامس المظاهر يحرم عليه وطء امرأته قبل أن يكفر","lvl":2,"sub":0},{"id":8201,"title":"فصل لا يصح الظهار من أمته , ولا أم ولده","lvl":2,"sub":0},{"id":8203,"title":"فصل الظهار مؤقتا","lvl":2,"sub":0},{"id":8205,"title":"فصل تعليق الظهار بشروط","lvl":2,"sub":0},{"id":8206,"title":"فصل قال أنت علي كظهر أمي إن شاء الله","lvl":2,"sub":0},{"id":8208,"title":"الفصل الأول الكفارة لا تجب بمجرد الظهار","lvl":2,"sub":0},{"id":8210,"title":"الفصل الثاني طلق من ظاهر منها ثم تزوجها","lvl":2,"sub":0},{"id":8211,"title":"الفصل الثالث العود في الظهار بعد الكفارة","lvl":2,"sub":0},{"id":8214,"title":"مسألة الظهار من الأجنبية","lvl":2,"sub":0},{"id":8216,"title":"فصل قال كل امرأة أتزوجها فهي علي كظهر أمي","lvl":2,"sub":0},{"id":8217,"title":"مسألة قال أنت علي حرام وأراد في تلك الحال","lvl":2,"sub":0},{"id":8218,"title":"مسألة ظاهر من زوجته وهي أمة","lvl":2,"sub":0},{"id":8220,"title":"مسألة تظاهر من أربع نسائه بكلمة واحدة","lvl":2,"sub":0},{"id":8221,"title":"فصل ظاهر منهن بكلمات فقال لكل واحدة أنت","lvl":2,"sub":0},{"id":8222,"title":"فصل ظاهر من امرأة ثم قال لأخرى أشركتك معها","lvl":2,"sub":0},{"id":8223,"title":"مسألة كفارة المظاهر القادر على الإعتاق","lvl":2,"sub":0},{"id":8225,"title":"مسألة ما يشترط في كفارة الظهار","lvl":2,"sub":0},{"id":8229,"title":"فصل يجزئ عتق الجاني والمرهون وعتق المفلس عبده","lvl":2,"sub":0},{"id":8230,"title":"فصل لا يجزئ عتق المغصوب في الظهار","lvl":2,"sub":0},{"id":8231,"title":"مسألة أقل الكفارة في الظهار","lvl":2,"sub":0},{"id":8233,"title":"فصل كان موسرا حين وجوب كفارة الظهار","lvl":2,"sub":0},{"id":8234,"title":"فصل وجد ثمن الرقبة ولم يجد رقبة كفارة الظهار","lvl":2,"sub":0},{"id":8235,"title":"مسألة وجوب التتابع في الصيام في كفارة الظهار","lvl":2,"sub":0},{"id":8238,"title":"فصل صام في كفارة الظهار ثم أفطر لسفر مبيح للفطر","lvl":2,"sub":0},{"id":8240,"title":"فصل أفطر في كفارة الظهار لغير عذر أو قطع التتابع بصوم نذر","lvl":2,"sub":0},{"id":8241,"title":"مسألة أصاب الصائم في كفارة الظهار زوجته في ليالي","lvl":2,"sub":0},{"id":8243,"title":"مسألة لم يجد في كفارة الظهار فعليه إطعام ستين مسكينا","lvl":2,"sub":0},{"id":8245,"title":"مسألة مقدار إطعام المسكين في الظهار","lvl":2,"sub":0},{"id":8249,"title":"فصل جنس الطعام وكيفيته ومستحقه في كفارة الظهار","lvl":2,"sub":0},{"id":8251,"title":"فصل التتابع في الإطعام في كفارة الظهار","lvl":2,"sub":0},{"id":8252,"title":"مسألة أعطى مسكينا مدين من كفارتين في يوم واحد","lvl":2,"sub":0},{"id":8256,"title":"فصل لا تجزئ القيمة في كفارة الظهار","lvl":2,"sub":0},{"id":8259,"title":"مسألة ابتدأ المظاهر صوم الظهار من أول شعبان","lvl":2,"sub":0},{"id":8262,"title":"فصل نوى صوم شهر رمضان عن كفارة الظهار","lvl":2,"sub":0},{"id":8263,"title":"مسألة كان المظاهر عبدا","lvl":2,"sub":0},{"id":8265,"title":"فصل الاعتبار في كفارة الظهار بحالة الوجوب","lvl":2,"sub":0},{"id":8268,"title":"فصل كان المظاهر ذميا","lvl":2,"sub":0},{"id":8269,"title":"مسألة وطئ قبل أن يأتي بكفارة الظهار","lvl":2,"sub":0},{"id":8271,"title":"مسألة قالت المرأة لزوجها أنت علي كظهر أبي","lvl":2,"sub":0},{"id":8274,"title":"مسألة ظاهر من زوجته مرارا","lvl":2,"sub":0},{"id":8276,"title":"فصل شرط النية في صحة كفارة الظهار","lvl":2,"sub":0},{"id":8279,"title":"فصل كانت على رجل كفارتان فأعتق عنهما عبدين","lvl":2,"sub":0},{"id":8281,"title":"فصل تقديم كفارة الظهار قبل الظهار","lvl":2,"sub":0},{"id":8282,"title":"كتاب اللعان","lvl":2,"sub":0},{"id":8285,"title":"فصل صفة الزوجين اللذين يصح اللعان بينهما","lvl":2,"sub":0},{"id":8288,"title":"فصل كان أحد الزوجين غير مكلف في اللعان","lvl":2,"sub":0},{"id":8292,"title":"فصل حكم الأخرس والخرساء في اللعان","lvl":2,"sub":0},{"id":8293,"title":"فصل قذف الأخرس أو لاعن ثم تكلم","lvl":2,"sub":0},{"id":8294,"title":"فصل قذفها وهو ناطق ثم خرس وأيس من نطقه","lvl":2,"sub":0},{"id":8295,"title":"فصل كل موضع لا لعان فيه فالنسب لاحق فيه","lvl":2,"sub":0},{"id":8296,"title":"فصل لا لعان بين غير الزوجين","lvl":2,"sub":0},{"id":8300,"title":"فصل نكح امرأة نكاحا فاسدا ثم قذفها وبينهما","lvl":2,"sub":0},{"id":8301,"title":"فصل أبان زوجته ثم قذفها بزنا أضافه إلى","lvl":2,"sub":0},{"id":8302,"title":"فصل اشترى زوجته الأمة ثم أقر بوطئها ثم","lvl":2,"sub":0},{"id":8303,"title":"فصل قذف مطلقته الرجعية","lvl":2,"sub":0},{"id":8304,"title":"فصل قذف زوجته ثم أبانها","lvl":2,"sub":0},{"id":8305,"title":"فصل قالت قذفني قبل أن يتزوجني وقال بل بعده","lvl":2,"sub":0},{"id":8306,"title":"فصل قذف أجنبية ثم تزوجها","lvl":2,"sub":0},{"id":8307,"title":"فصل قال لامرأته أنت طالق ثلاثا يا زانية","lvl":2,"sub":0},{"id":8308,"title":"فصل كل قذف للزوجة يجب به اللعان","lvl":2,"sub":0},{"id":8309,"title":"فصل قذف زوجته المحصنة","lvl":2,"sub":0},{"id":8311,"title":"مسألة لا يعرض للزوج في الحد حتى تطالبه زوجته باللعان","lvl":2,"sub":0},{"id":8313,"title":"فصل قذفها ثم مات قبل لعانهما أو قبل إتمام لعانه","lvl":2,"sub":0},{"id":8315,"title":"فصل مات المقذوف قبل المطالبة بالحد","lvl":2,"sub":0},{"id":8317,"title":"فصل قذف امرأته وله بينة تشهد بزناها","lvl":2,"sub":0},{"id":8318,"title":"فصل قذفها فطالبته بالحد فأقام شاهدين على إقرارها","lvl":2,"sub":0},{"id":8319,"title":"فصل شهد شاهدان أنه قذف فلانة وقذفنا","lvl":2,"sub":0},{"id":8321,"title":"فصل شهد شاهد أنه أقر بالعربية أنه","lvl":2,"sub":0},{"id":8322,"title":"مسألة متى تلاعنا وفرق الحاكم بينهما لم يجتمعا","lvl":2,"sub":0},{"id":8326,"title":"فصل فرقة اللعان فسخ","lvl":2,"sub":0},{"id":8327,"title":"فصل تحصل الفرقة باللعان","lvl":2,"sub":0},{"id":8331,"title":"فصل كانت أمة فاشتراها ملاعنها","lvl":2,"sub":0},{"id":8332,"title":"مسألة أكذب الزوج نفسه في اللعان","lvl":2,"sub":0},{"id":8333,"title":"فصل لمن يلحق ولد الملاعنة","lvl":2,"sub":0},{"id":8335,"title":"فصل لم يكذب الزوج نفسه ولم يكن له بينة ولا لاعن","lvl":2,"sub":0},{"id":8336,"title":"مسألة قذفها وانتفى من ولدها وتم اللعان بينهما","lvl":2,"sub":0},{"id":8339,"title":"فصل ولدت امرأته توأمين وهو أن يكون بينهما","lvl":2,"sub":0},{"id":8341,"title":"فصل مات أحد التوأمين أو ماتا معا في الملاعنة","lvl":2,"sub":0},{"id":8342,"title":"مسألة أكذب الزوج نفسه في اللعان يلحق الولد به","lvl":2,"sub":0},{"id":8343,"title":"فصل القذف على ثلاثة أضرب","lvl":2,"sub":0},{"id":8347,"title":"فصل أكرهت زوجته على الزنا في طهر لم يصبها فيه","lvl":2,"sub":0},{"id":8348,"title":"مسألة نفى الحمل في التعانه","lvl":2,"sub":0},{"id":8350,"title":"فصل استلحق الحمل في الملاعنة","lvl":2,"sub":0},{"id":8351,"title":"فصل ولدت امرأته ولدا فسكت عن نفيه مع إمكانه الملاعنة","lvl":2,"sub":0},{"id":8354,"title":"فصل هنئ على الولد في اللعان فأمن على الدعاء","lvl":2,"sub":0},{"id":8355,"title":"مسألة جاءت امرأته بولد فقال لم تزن ولكن ليس هذا","lvl":2,"sub":0},{"id":8358,"title":"فصل ولدت امرأته ولدا لا يمكن كونه منه في النكاح","lvl":2,"sub":0},{"id":8361,"title":"فصل طلق امرأته وهي حامل فوضعت ولدا ثم ولدت آخر قبل مضي","lvl":2,"sub":0},{"id":8363,"title":"فصل غاب عن زوجته سنين فبلغتها وفاته فاعتدت ونكحت نكاحا","lvl":2,"sub":0},{"id":8364,"title":"فصل وطئ رجل امرأة لا زوج لها بشبهة , فأتت بولد","lvl":2,"sub":0},{"id":8366,"title":"فصل أتت بولد , فادعى أنه من زوج قبله","lvl":2,"sub":0},{"id":8367,"title":"مسألة اللعان الذي يبرأ به من الحد","lvl":2,"sub":0},{"id":8369,"title":"فصل يستحب أن يكون اللعان بمحضر جماعة من المسلمين","lvl":2,"sub":0},{"id":8370,"title":"فصل لا يستحب التغليظ في اللعان بمكان ولا زمان","lvl":2,"sub":0},{"id":8376,"title":"فصل يشترط في صحة اللعان شروط ستة","lvl":2,"sub":0},{"id":8377,"title":"فصل كان الزوجان يعرفان العربية في اللعان","lvl":2,"sub":0},{"id":8378,"title":"مسألة كان بينهم في اللعان ولد","lvl":2,"sub":0},{"id":8380,"title":"فصل قذف امرأته بالزنا برجل بعينه","lvl":2,"sub":0},{"id":8381,"title":"فصل قذف امرأته وأجنبية أو أجنبيا بكلمتين","lvl":2,"sub":0},{"id":8383,"title":"فصل قال لزوجته يا زانية بنت الزانية","lvl":2,"sub":0},{"id":8384,"title":"فصل قذف محصنا مرات","lvl":2,"sub":0},{"id":8389,"title":"مسألة التعن هو ولم تلتعن هي","lvl":2,"sub":0},{"id":8392,"title":"مسألة أقرت الزوجة بالزنا دون الأربع مرات","lvl":2,"sub":0},{"id":8394,"title":"فصل قال لامرأته يا زانية فقالت بك زنيت","lvl":2,"sub":0},{"id":8396,"title":"كتاب العدد","lvl":2,"sub":0},{"id":8397,"title":"فصل تجب العدة على الذمية من الذمي والمسلم","lvl":2,"sub":0},{"id":8398,"title":"فصل المعتدات ثلاثة أقسام","lvl":2,"sub":0},{"id":8399,"title":"فصل كل فرقة بين زوجين فعدتها عدة الطلاق","lvl":2,"sub":0},{"id":8401,"title":"فصل الموطوءة بشبهة","lvl":2,"sub":0},{"id":8402,"title":"فصل المزني بها كالموطوءة بشبهة في العدة","lvl":2,"sub":0},{"id":8403,"title":"الفصل الأول العدة تجب على كل من خلا بها زوجها","lvl":2,"sub":0},{"id":8405,"title":"فصل لا فرق بين أن يخلو الرجل بمطلقته مع المانع من الوطء","lvl":2,"sub":0},{"id":8406,"title":"الفصل الثاني عدة المطلقة إذا كانت حرة وهي من ذوات","lvl":2,"sub":0},{"id":8410,"title":"الفصل الثالث الحيضة التي تطلق فيها في العدة","lvl":2,"sub":0},{"id":8412,"title":"مسألة اغتسلت من الحيضة الثالثة في العدة أبيحت للأزواج","lvl":2,"sub":0},{"id":8415,"title":"مسألة اغتسلت الأمة من الحيضة الثانية في العدة","lvl":2,"sub":0},{"id":8416,"title":"مسألة عدة من كانت من الآيسات أو ممن لم يحضن","lvl":2,"sub":0},{"id":8418,"title":"فصل متى تحتسب العدة","lvl":2,"sub":0},{"id":8419,"title":"مسألة عدة الأمة","lvl":2,"sub":0},{"id":8421,"title":"فصل السن الذي تصير به المرأة من الآيسات","lvl":2,"sub":0},{"id":8423,"title":"فصل أقل سن الحيض للمرأة المعتدة","lvl":2,"sub":0},{"id":8425,"title":"مسألة طلقها طلاقا يملك فيه الرجعة وهي أمة","lvl":2,"sub":0},{"id":8427,"title":"فصل عتقت الأمة تحت العبد فاختارت نفسها","lvl":2,"sub":0},{"id":8428,"title":"مسألة طلقها وهي ممن قد حاضت فارتفع حيضها لا تدري ما رفعه","lvl":2,"sub":0},{"id":8430,"title":"فصل عاد الحيض إليها في السنة ولو في آخرها","lvl":2,"sub":0},{"id":8431,"title":"مسألة عدة الأمة إذا وجد حمل أو لم يوجد","lvl":2,"sub":0},{"id":8432,"title":"مسألة إن عرفت ما رفع الحيض","lvl":2,"sub":0},{"id":8433,"title":"مسألة حاضت حيضة أو حيضتين ثم ارتفع حيضها لا تدري","lvl":2,"sub":0},{"id":8434,"title":"فصل كانت عادة المرأة أن يتباعد ما بين حيضتيها","lvl":2,"sub":0},{"id":8435,"title":"فصل عدة المستحاضة","lvl":2,"sub":0},{"id":8437,"title":"مسألة طلقها وهي من اللائي لم يحضن","lvl":2,"sub":0},{"id":8438,"title":"فصل حاضت حيضة أو حيضتين ثم صارت من","lvl":2,"sub":0},{"id":8439,"title":"فصل ارتابت المعتدة بأن ترى أمارات الحمل","lvl":2,"sub":0},{"id":8441,"title":"فصل طلق واحدة من نسائه لا بعينها","lvl":2,"sub":0},{"id":8442,"title":"مسألة مات عنها وهو حر أو عبد قبل الدخول أو بعده","lvl":2,"sub":0},{"id":8444,"title":"فصل العشر المعتبرة في العدة","lvl":2,"sub":0},{"id":8445,"title":"فصل مات زوج الرجعية","lvl":2,"sub":0},{"id":8448,"title":"مسألة طلقها أو مات عنها وهي حامل","lvl":2,"sub":0},{"id":8450,"title":"فصل كان الحمل واحدا انقضت العدة بوضعه","lvl":2,"sub":0},{"id":8451,"title":"مسألة الحمل الذي تنقضي به العدة","lvl":2,"sub":0},{"id":8454,"title":"فصل أقل مدة الحمل","lvl":2,"sub":0},{"id":8455,"title":"مسألة أقصى مدة الحمل أربع سنين","lvl":2,"sub":0},{"id":8457,"title":"فصل أتت بالولد لأربع سنين منذ مات أو","lvl":2,"sub":0},{"id":8459,"title":"فصل أقرت المرأة بانقضاء عدتها بالقروء ثم","lvl":2,"sub":0},{"id":8460,"title":"فصل مات الصغير الذي لا يولد لمثله عن زوجته فأتت بولد","lvl":2,"sub":0},{"id":8462,"title":"مسألة طلقها أو مات عنها فلم تنقض عدتها حتى تزوجت","lvl":2,"sub":0},{"id":8465,"title":"مسألة للزوج الثاني أن يتزوجها بعد قضاء العدتين","lvl":2,"sub":0},{"id":8467,"title":"فصل نكاح المعتدة من وطء فاسد","lvl":2,"sub":0},{"id":8468,"title":"مسألة القافة بالتحاق الولد بوالديه","lvl":2,"sub":0},{"id":8470,"title":"فصل تزوج معتدة وهما عالمان بالعدة","lvl":2,"sub":0},{"id":8471,"title":"فصل خالع الرجل زوجته أو فسخ نكاحه","lvl":2,"sub":0},{"id":8473,"title":"فصل طلقها طلاقا رجعيا ثم ارتجعها في عدتها ووطئها","lvl":2,"sub":0},{"id":8476,"title":"فصل تزوج رجل امرأة لها ولد من غيره فمات ولدها","lvl":2,"sub":0},{"id":8477,"title":"فصل أحكام عدة زوجة المفقود","lvl":2,"sub":0},{"id":8482,"title":"فصل هل يعتبر أن يطلقها ولي زوجها الغائب ثم تعتد","lvl":2,"sub":0},{"id":8483,"title":"فصل متى تعتبر غيبة الزوج","lvl":2,"sub":0},{"id":8484,"title":"فصل قدم زوجها الأول قبل أن تتزوج","lvl":2,"sub":0},{"id":8486,"title":"فصل زوجة الغائب إذا اختار الزوج الأول تركها","lvl":2,"sub":0},{"id":8488,"title":"فصل اختارت امرأة المفقود المقام والصبر حتى يتبين أمره","lvl":2,"sub":0},{"id":8491,"title":"فصل ميراث زوجة الغائب","lvl":2,"sub":0},{"id":8493,"title":"فصل تزوجت امرأة المفقود في وقت ليس لها أن تتزوج","lvl":2,"sub":0},{"id":8494,"title":"فصل متى يقسم مال المفقود","lvl":2,"sub":0},{"id":8495,"title":"فصل تصرف الزوج المفقود في زوجته بطلاق أو ظهار أو إيلاء أو","lvl":2,"sub":0},{"id":8496,"title":"فصل عدة الأمة التي فقدت زوجها","lvl":2,"sub":0},{"id":8497,"title":"فصل غاب رجل عن زوجته فشهد ثقات بوفاته","lvl":2,"sub":0},{"id":8498,"title":"فصل نكح رجل امرأة نكاحا متفقا على بطلانه","lvl":2,"sub":0},{"id":8500,"title":"فصل عدة المعتق بعضها","lvl":2,"sub":0},{"id":8501,"title":"مسألة أم الولد إذا مات سيدها","lvl":2,"sub":0},{"id":8503,"title":"فصل ما يكفي في الاستبراء من الحمل","lvl":2,"sub":0},{"id":8505,"title":"مسألة عدة الأيسة","lvl":2,"sub":0},{"id":8507,"title":"مسألة ارتفع حيضها لا تدري ما رفعه العدة","lvl":2,"sub":0},{"id":8508,"title":"فصل علمت ما رفع الحيض في العدة","lvl":2,"sub":0},{"id":8509,"title":"مسألة عدة الحامل","lvl":2,"sub":0},{"id":8510,"title":"فصل زوج أم ولده ثم مات في العدة","lvl":2,"sub":0},{"id":8511,"title":"فصل عدة الأمة التي مات زوجها وسيدها ولم تعلم أيهما مات أولا","lvl":2,"sub":0},{"id":8513,"title":"مسألة أعتق أم ولده أو أمة كان يصيبها فما","lvl":2,"sub":0},{"id":8514,"title":"فصل لم تكن من ذوات القروء فما هي عدتها","lvl":2,"sub":0},{"id":8515,"title":"فصل مات عن أمة كان يصيبها فما هي عدتها","lvl":2,"sub":0},{"id":8516,"title":"فصل أعتق أم ولده أو أمته التي كان يصيبها","lvl":2,"sub":0},{"id":8517,"title":"فصل اشترى أمة فأعتقها قبل استبرائها","lvl":2,"sub":0},{"id":8519,"title":"فصل كانت له أمة يطؤها فاستبرأها ثم أعتقها","lvl":2,"sub":0},{"id":8520,"title":"فصل كانت الأمة بين شريكين فوطئاها","lvl":2,"sub":0},{"id":8521,"title":"مسألة ملك أمة يجب استبرائها أولا","lvl":2,"sub":0},{"id":8526,"title":"فصل ملك مجوسية أو وثنية فأسلمت قبل استبرائها","lvl":2,"sub":0},{"id":8527,"title":"فصل زوج الرجل أمته فطلقها الزوج","lvl":2,"sub":0},{"id":8528,"title":"فصل اشترى أمة مزوجة فطلقها الزوج قبل الدخول","lvl":2,"sub":0},{"id":8529,"title":"فصل كانت الأمة لرجلين فوطئاها ثم باعاها","lvl":2,"sub":0},{"id":8530,"title":"فصل اشترى الرجل زوجته الأمة","lvl":2,"sub":0},{"id":8531,"title":"فصل وطئ الجارية التي يلزمه استبراؤها قبل استبرائها","lvl":2,"sub":0},{"id":8534,"title":"فصل اشترى جارية فظهر بها حمل","lvl":2,"sub":0},{"id":8536,"title":"مسألة تجتنب الزوجة المتوفى عنها زوجها الطيب والزينة","lvl":2,"sub":0},{"id":8538,"title":"فصل تجتنب الحادة ما يدعو إلى جماعها","lvl":2,"sub":0},{"id":8543,"title":"فصل المتوفى عنها زوجها تعتد في منزلها","lvl":2,"sub":0},{"id":8546,"title":"فصل السكنى للمتوفى عنها زوجها","lvl":2,"sub":0},{"id":8550,"title":"فصل تطوع الورثة بإسكان المتوفى عنها زوجها","lvl":2,"sub":0},{"id":8553,"title":"فصل للمعتدة الخروج في حوائجها نهارا","lvl":2,"sub":0},{"id":8555,"title":"فصل مات صاحب السفينة وامرأته في السفينة ولها مسكن","lvl":2,"sub":0},{"id":8556,"title":"مسألة المطلقة ثلاثا تتوقى الطيب والزينة","lvl":2,"sub":0},{"id":8560,"title":"فصل لا يتعين الموضع الذي تسكنه المعتدة في الطلاق","lvl":2,"sub":0},{"id":8562,"title":"مسألة خرجت المرأة إلى الحج فتوفي عنها زوجها وهي بالقرب","lvl":2,"sub":0},{"id":8565,"title":"فصل معتدة أذن لها زوجها للسفر لغير النقلة فخرجت","lvl":2,"sub":0},{"id":8569,"title":"كتاب الرضاع","lvl":2,"sub":0},{"id":8570,"title":"مسألة الرضاع الذي لا يشك في تحريمه","lvl":2,"sub":0},{"id":8573,"title":"مسألة السعوط كالرضاع وكذلك الوجور","lvl":2,"sub":0},{"id":8575,"title":"فصل عمل اللبن جبنا ثم أطعمه الصبي هل يثبت","lvl":2,"sub":0},{"id":8576,"title":"مسألة الرضاعة باللبن المختلط بغيره","lvl":2,"sub":0},{"id":8577,"title":"مسألة الرضاع بلبن الميتة","lvl":2,"sub":0},{"id":8578,"title":"مسألة حلبت ممن يلحق نسب ولدها به فثاب لها لبن فأرضعت","lvl":2,"sub":0},{"id":8585,"title":"فصل وطئ رجلان امرأة فأتت بولد فأرضعت بلبنه طفلا","lvl":2,"sub":0},{"id":8586,"title":"فصل ارتضع اثنان من لبن بهيمة","lvl":2,"sub":0},{"id":8588,"title":"فصل لرجل خمس أمهات أولاد له منهن لبن فارتضع طفل من كل","lvl":2,"sub":0},{"id":8590,"title":"مسألة طلق زوجته ثلاثا وهي ترضع من لبن ولده","lvl":2,"sub":0},{"id":8591,"title":"فصل طلق الرجل زوجته ولها منه لبن فتزوجت آخر","lvl":2,"sub":0},{"id":8593,"title":"مسألة تزوج كبيرة وصغيرة فأرضعت الكبيرة الصغيرة قبل","lvl":2,"sub":0},{"id":8596,"title":"فصل كل امرأة تحرم ابنتها إذا أرضعت زوجته الصغيرة أفسدت","lvl":2,"sub":0},{"id":8597,"title":"فصل تزوج كبيرة ثم طلقها فأرضعت صغيرة","lvl":2,"sub":0},{"id":8599,"title":"فصل أفسد نكاح امرأة بالرضاع قبل الدخول","lvl":2,"sub":0},{"id":8601,"title":"فصل أفسد النكاح جماعة","lvl":2,"sub":0},{"id":8604,"title":"فصل تزوج أمة فأرضعت امرأته الصغيرة","lvl":2,"sub":0},{"id":8605,"title":"مسألة تزوج بكبيرة وصغيرتين فأرضعت الكبيرة الصغيرتين","lvl":2,"sub":0},{"id":8607,"title":"مسألة أرضعت امرأته الكبيرة زوجاته الثلاثة منفردات","lvl":2,"sub":0},{"id":8609,"title":"مسألة شهدت امرأة واحدة على الرضاع","lvl":2,"sub":0},{"id":8611,"title":"فصل شهادة المرضعة على فعل نفسها","lvl":2,"sub":0},{"id":8612,"title":"فصل الشهادة على الرضاع","lvl":2,"sub":0},{"id":8613,"title":"مسألة تزوج امرأة ثم قال قبل الدخول هي","lvl":2,"sub":0},{"id":8615,"title":"فصل ادعى أن زوجته أخته من الرضاع فأنكرته فشهدت","lvl":2,"sub":0},{"id":8617,"title":"فصل الارتضاع بلبن الفجور والمشركات","lvl":2,"sub":0},{"id":8618,"title":"كتاب النفقات","lvl":2,"sub":0},{"id":8620,"title":"مسألة على الزوج نفقة زوجته","lvl":2,"sub":0},{"id":8622,"title":"فصل مقدار نفقة الزوجة","lvl":2,"sub":0},{"id":8624,"title":"فصل لا يجب في النفقة الحب","lvl":2,"sub":0},{"id":8626,"title":"فصل تقدير نفقة الزوجة إن لم يتراضيا","lvl":2,"sub":0},{"id":8628,"title":"فصل يجب في نفقة المرأة ما تحتاج إليه من المشط والدهن","lvl":2,"sub":0},{"id":8630,"title":"فصل كانت المرأة ممن لا تخدم نفسها هل يجب لها خادم","lvl":2,"sub":0},{"id":8632,"title":"مسألة منع الزوج زوجته مما يجب لها من النفقة وقدرت","lvl":2,"sub":0},{"id":8634,"title":"فصل وقت دفع النفقة للزوجة","lvl":2,"sub":0},{"id":8636,"title":"فصل وقت دفع الكسوة للزوجة","lvl":2,"sub":0},{"id":8638,"title":"مسألة منع امرأته النفقة لعسرته","lvl":2,"sub":0},{"id":8640,"title":"فصل لم تجد الزوجة النفقة إلا يوما بيوم","lvl":2,"sub":0},{"id":8643,"title":"فصل غيب ماله وصبر على الحبس ولم يقدر الحاكم له","lvl":2,"sub":0},{"id":8644,"title":"فصل وجبت عليه نفقة امرأته وكان له عليها دين","lvl":2,"sub":0},{"id":8645,"title":"فصل كل المواضع التي يحق للزوجة فسخ النكاح لأجل النفقة","lvl":2,"sub":0},{"id":8646,"title":"فصل رضيت الزوجة بالمقام معه مع عسرته أو ترك إنفاقه ثم","lvl":2,"sub":0},{"id":8648,"title":"فصل ترك الإنفاق الواجب لامرأته مدة","lvl":2,"sub":0},{"id":8649,"title":"فصل ضمان النفقة ما وجب منها وما يجب في المستقبل","lvl":2,"sub":0},{"id":8650,"title":"فصل أعسر بنفقة الخادم أو الأدم أو المسكن","lvl":2,"sub":0},{"id":8651,"title":"فصل أنفقت المرأة على نفسها من مال زوجها الغائب","lvl":2,"sub":0},{"id":8652,"title":"فصل أعسر الزوج بالصداق","lvl":2,"sub":0},{"id":8653,"title":"فصل نفقة الأمة المزوجة","lvl":2,"sub":0},{"id":8654,"title":"فصل اختلف الزوجان في الإنفاق عليها أو في تقبيضها نفقتها","lvl":2,"sub":0},{"id":8656,"title":"فصل طلق الرجل امرأته فادعت أنها حامل لتكون لها النفقة","lvl":2,"sub":0},{"id":8658,"title":"مسألة إجبار الرجل على نفقة والديه وولده","lvl":2,"sub":0},{"id":8660,"title":"فصل الإنفاق على الأجداد والجدات وإن علوا وولد","lvl":2,"sub":0},{"id":8661,"title":"فصل ويشترط لوجوب الإنفاق على الأجداد والجدات ثلاثة شروط","lvl":2,"sub":0},{"id":8664,"title":"فصل نفقة ذوي الأرحام الذين لا يرثون بفرض ولا تعصيب","lvl":2,"sub":0},{"id":8665,"title":"فصل ما يشترط في وجوب نفقة الوالدين والمولودين","lvl":2,"sub":0},{"id":8667,"title":"فصل كان له أب من أهل الإنفاق لم تجب نفقته","lvl":2,"sub":0},{"id":8668,"title":"فصل يلزم الرجل إعفاف أبيه إذا احتاج إلى النكاح","lvl":2,"sub":0},{"id":8670,"title":"فصل كل من لزمه إعفافه لزمته نفقة زوجته","lvl":2,"sub":0},{"id":8671,"title":"مسألة قال الصبي إذا لم يكن له أب أجبر وارثه","lvl":2,"sub":0},{"id":8674,"title":"مسألة كان للصبي أم وجد فما يلزمهم من النفقة","lvl":2,"sub":0},{"id":8675,"title":"فصل اجتمع ابن وبنت فالنفقة بينهما أثلاثا","lvl":2,"sub":0},{"id":8676,"title":"مسألة كانت جدة وأخا فما يلزمهم من النفقة","lvl":2,"sub":0},{"id":8677,"title":"فصل اجتمع أبوا أم فالنفقة على أم الأم","lvl":2,"sub":0},{"id":8678,"title":"فصل كان فيمن عليه النفقة خنثى مشكل","lvl":2,"sub":0},{"id":8679,"title":"فصل كان له قرابتان موسران وأحدهما محجوب عن ميراثه بفقير","lvl":2,"sub":0},{"id":8680,"title":"فصل ومن لم يفضل عن قوته إلا نفقة شخص وله امرأة","lvl":2,"sub":0},{"id":8681,"title":"فصل اجتمع أب وابن فعلى من تجب النفقة","lvl":2,"sub":0},{"id":8682,"title":"فصل نفقة القريب","lvl":2,"sub":0},{"id":8683,"title":"مسألة على المعتق نفقة معتقه إذا كان فقيرا","lvl":2,"sub":0},{"id":8684,"title":"مسألة زوجت الأمة لزم زوجها أو سيده إن كان مملوكا نفقتها","lvl":2,"sub":0},{"id":8686,"title":"مسألة أمة تأوي بالليل عند الزوج وبالنهار عند المولى فمن","lvl":2,"sub":0},{"id":8688,"title":"فصل طلق الأمة طلاقا رجعيا هل لها النفقة","lvl":2,"sub":0},{"id":8689,"title":"فصل طلق العبد زوجته الحامل طلاقا بائنا هل لها النفقة","lvl":2,"sub":0},{"id":8690,"title":"فصل والمعتق بعضه عليه من نفقة امرأته بقدر ما فيه","lvl":2,"sub":0},{"id":8691,"title":"مسألة ليس على العبد نفقة ولده","lvl":2,"sub":0},{"id":8692,"title":"فصل حكم المكاتب في نفقة الزوجات والأولاد والأقارب","lvl":2,"sub":0},{"id":8693,"title":"مسألة على المكاتبة نفقة ولدها دون","lvl":2,"sub":0},{"id":8694,"title":"مسألة على المكاتب نفقة ولده من أمته","lvl":2,"sub":0},{"id":8695,"title":"فصل ليس للمكاتب أن يتسرى بأمته إلا بإذن سيده","lvl":2,"sub":0},{"id":8696,"title":"مسألة المرأة تستحق النفقة على زوجها بشرطين","lvl":2,"sub":0},{"id":8698,"title":"فصل غاب الزوج بعد تمكينها ووجوب نفقتها عليه","lvl":2,"sub":0},{"id":8699,"title":"مسألة كانت المرأة كبيرة يمكن الاستمتاع بها فمكنت","lvl":2,"sub":0},{"id":8701,"title":"فصل بذلت الرتقاء أو الحائض أو النفساء أو النضوة الخلق","lvl":2,"sub":0},{"id":8702,"title":"مسألة طالب الزوج بالدخول وقالت لا أسلم نفسي حتى أقبض","lvl":2,"sub":0},{"id":8703,"title":"فصل سافرت زوجته بغير إذنه","lvl":2,"sub":0},{"id":8704,"title":"فصل صامت الزوجة رمضان لم تسقط نفقتها","lvl":2,"sub":0},{"id":8706,"title":"مسألة طلق الرجل زوجته طلاقا لا يملك فيه الرجعة","lvl":2,"sub":0},{"id":8709,"title":"فصل الملاعنة فلا سكنى لها ولا نفقة إن","lvl":2,"sub":0},{"id":8710,"title":"فصل المعتدة من الوفاة إن كانت حائلا","lvl":2,"sub":0},{"id":8711,"title":"فصل نفقة الحامل","lvl":2,"sub":0},{"id":8712,"title":"فصل وقت دفع نفقة الحامل المطلقة إليها","lvl":2,"sub":0},{"id":8714,"title":"فصل النفقة على الزوج في النكاح الفاسد","lvl":2,"sub":0},{"id":8715,"title":"مسألة خالعت المرأة زوجها وأبرأته من حملها","lvl":2,"sub":0},{"id":8717,"title":"مسألة الناشز لا نفقة لها","lvl":2,"sub":0},{"id":8718,"title":"فصل سقطت نفقة المرأة بنشوزها فعادت عن النشوز والزوج","lvl":2,"sub":0},{"id":8719,"title":"باب من أحق بكفالة الطفل","lvl":2,"sub":0},{"id":8721,"title":"مسألة من أحق بكفالة الطفل والمعتوه","lvl":2,"sub":0},{"id":8722,"title":"فصل لم تكن الأم من أهل الحضانة","lvl":2,"sub":0},{"id":8723,"title":"فصل ولا تثبت الحضانة إلا على الطفل أو المعتوه","lvl":2,"sub":0},{"id":8724,"title":"مسألة إذا بلغ الغلام سبع سنين","lvl":2,"sub":0},{"id":8726,"title":"فصل ومتى اختار أحدهما فسلم إليه ثم اختار الآخر رد","lvl":2,"sub":0},{"id":8727,"title":"فصل كان الأب معدوما أو من غير أهل الحضانة","lvl":2,"sub":0},{"id":8728,"title":"فصل يخير الغلام في الحضانة بشرطين","lvl":2,"sub":0},{"id":8729,"title":"مسألة بلغت الجارية سبع سنين على من الحضانة","lvl":2,"sub":0},{"id":8730,"title":"فصل كانت الجارية عند الأم أو عند الأب","lvl":2,"sub":0},{"id":8731,"title":"فصل أي الأبوين أحق بحضانة الطفل إذا أراد","lvl":2,"sub":0},{"id":8733,"title":"مسألة لم تكن أم أو تزوجت الأم على من الحضانة","lvl":2,"sub":0},{"id":8736,"title":"فصل اجتمعت أم أم وأم أب فأيهم أحق بالحضانة","lvl":2,"sub":0},{"id":8737,"title":"مسألة عدم من يستحق الحضانة من الآباء والأمهات وإن","lvl":2,"sub":0},{"id":8738,"title":"مسألة عدمت الأمهات والآباء والأخوات على من تكون الحضانة","lvl":2,"sub":0},{"id":8739,"title":"فصل وللرجال من العصبات مدخل في الحضانة","lvl":2,"sub":0},{"id":8740,"title":"فصل الرجال من ذوي الأرحام لا حضانة لهم مع وجود أحد","lvl":2,"sub":0},{"id":8741,"title":"فصل بيان الأولى فالأولى من أهل الحضانة عند اجتماع الرجال","lvl":2,"sub":0},{"id":8743,"title":"فصل تركت الأم الحضانة مع استحقاقها لها","lvl":2,"sub":0},{"id":8744,"title":"مسألة أخذ الولد من الأم إذا تزوجت ثم طلقت هل ترجع","lvl":2,"sub":0},{"id":8745,"title":"فصل ما يمنع الاستحقاق بالحضانة","lvl":2,"sub":0},{"id":8746,"title":"مسألة تزوجت المرأة فهل لزوجها منعها من رضاع ولدها","lvl":2,"sub":0},{"id":8747,"title":"فصل فإن أرادت إرضاع ولدها منه هل للزوج منعها","lvl":2,"sub":0},{"id":8748,"title":"فصل وإن أجرت المرأة نفسها للرضاع ثم تزوجت","lvl":2,"sub":0},{"id":8749,"title":"فصل أجرت المرأة المزوجة نفسها للرضاع بإذن زوجها","lvl":2,"sub":0},{"id":8750,"title":"الفصل الأول أن رضاع الولد على الأب وحده","lvl":2,"sub":0},{"id":8752,"title":"الفصل الثاني الأم إذا طلبت إرضاعه بأجر مثلها","lvl":2,"sub":0},{"id":8754,"title":"فصل طلبت ذات الزوج الأجنبي إرضاع ولدها بأجرة مثلها , بإذن زوجها","lvl":2,"sub":0},{"id":8755,"title":"فصل أرضعت المرأة ولدها وهي في حبال والده فاحتاجت","lvl":2,"sub":0},{"id":8756,"title":"مسألة على من تجب نفقة المماليك","lvl":2,"sub":0},{"id":8758,"title":"فصل تولى أحدهم طعامه استحب له أن يجلسه معه فيأكل الخادم","lvl":2,"sub":0},{"id":8759,"title":"فصل الترفق في معاملة الخادم","lvl":2,"sub":0},{"id":8760,"title":"فصل لا يجبر المملوك على المخارجة","lvl":2,"sub":0},{"id":8761,"title":"فصل مرض المملوك أو زمن أو عمي أو انقطع","lvl":2,"sub":0},{"id":8762,"title":"مسألة للسيد أن يزوج المملوك إذا احتاج إلى ذلك","lvl":2,"sub":0},{"id":8763,"title":"فصل للسيد تمكين العبد من الاستمتاع من زوجته","lvl":2,"sub":0},{"id":8764,"title":"مسألة للعبد طلب بيعه إذا لم ينفق عليه سيده","lvl":2,"sub":0},{"id":8765,"title":"مسألة قال وليس عليه نفقة مكاتبه إلا أن يعجز","lvl":2,"sub":0},{"id":8766,"title":"مسألة قال وليس له أن يسترضع الأمة لغير ولدها","lvl":2,"sub":0},{"id":8767,"title":"مسألة رهن المملوك على من نفقته","lvl":2,"sub":0},{"id":8768,"title":"مسألة أبق العبد فلمن جاء به إلى سيده ما أنفق عليه","lvl":2,"sub":0},{"id":8769,"title":"فصل لسيد تأديب عبده وأمته","lvl":2,"sub":0},{"id":8770,"title":"فصل من ملك بهيمة فله نفقتها","lvl":2,"sub":0},{"id":8772,"title":"فصل تحريم القتل بغير حق","lvl":2,"sub":0},{"id":8774,"title":"مسألة والقتل على ثلاثة أنواع","lvl":2,"sub":0},{"id":8775,"title":"مسألة القتل العمد","lvl":2,"sub":0},{"id":8794,"title":"مسألة القتل العمد فيه القود إذا اجتمع عليه الأولياء","lvl":2,"sub":0},{"id":8796,"title":"فصل الحر المسلم يقاد به قاتله","lvl":2,"sub":0},{"id":8797,"title":"فصل ولا يشترط في وجوب القصاص كون القتل في دار","lvl":2,"sub":0},{"id":8798,"title":"فصل قتل الغيلة","lvl":2,"sub":0},{"id":8799,"title":"فصل قتل رجلا , وادعى أنه وجده مع امرأته","lvl":2,"sub":0},{"id":8801,"title":"مسألة قتل شبه العمد","lvl":2,"sub":0},{"id":8803,"title":"مسألة القتل الخطأ على ضربين","lvl":2,"sub":0},{"id":8804,"title":"فصل قصد فعلا محرما فقتل آدميا","lvl":2,"sub":0},{"id":8805,"title":"مسألة والضرب الثاني من القتل الخطأ","lvl":2,"sub":0},{"id":8806,"title":"مسألة قتل المسلم بكافر","lvl":2,"sub":0},{"id":8808,"title":"فصل قتل كافر كافرا ثم أسلم القاتل","lvl":2,"sub":0},{"id":8809,"title":"فصل جرح مسلم كافرا فأسلم المجروح ثم مات مسلما","lvl":2,"sub":0},{"id":8811,"title":"فصل قطع يد مسلم فارتد ثم مات بسراية الجرح","lvl":2,"sub":0},{"id":8813,"title":"فصل قطع مسلم يد نصراني فتمجس","lvl":2,"sub":0},{"id":8814,"title":"فصل قطع يد مسلم فارتد ثم أسلم ومات","lvl":2,"sub":0},{"id":8815,"title":"فصل جرحه وهو مسلم فارتد ثم جرحه جرحا آخر ثم","lvl":2,"sub":0},{"id":8816,"title":"فصل يقتل الذمي بالمسلم","lvl":2,"sub":0},{"id":8817,"title":"فصل لا يقتل ذمي بحربي","lvl":2,"sub":0},{"id":8818,"title":"فصل قاتل الزاني المحصن","lvl":2,"sub":0},{"id":8819,"title":"فصل يقتل المرتد بالمسلم والذمي","lvl":2,"sub":0},{"id":8820,"title":"فصل جرح مسلم ذميا ثم ارتد ومات المجروح","lvl":2,"sub":0},{"id":8821,"title":"مسألة قتل الحر بالعبد","lvl":2,"sub":0},{"id":8822,"title":"فصل لا يقتل السيد بعبده","lvl":2,"sub":0},{"id":8823,"title":"فصل لا يقطع طرف بطرف العبد","lvl":2,"sub":0},{"id":8824,"title":"فصل القصاص بين العبيد","lvl":2,"sub":0},{"id":8826,"title":"فصل قتل عبد عبدا ثم عتق القاتل","lvl":2,"sub":0},{"id":8827,"title":"فصل قتل عبد عبدا عمدا","lvl":2,"sub":0},{"id":8829,"title":"فصل العبد إذا قتل عبدا","lvl":2,"sub":0},{"id":8830,"title":"مسألة قتل الكافر العبد عمدا","lvl":2,"sub":0},{"id":8831,"title":"فصل قتل عبد مسلم حرا كافرا","lvl":2,"sub":0},{"id":8832,"title":"فصل القصاص بين الولاة والعمال وبين رعيتهم","lvl":2,"sub":0},{"id":8833,"title":"فصل قتل القاتل غير ولي الدم","lvl":2,"sub":0},{"id":8834,"title":"مسألة لا قصاص على صبي ولا مجنون","lvl":2,"sub":0},{"id":8835,"title":"فصل اختلف الجاني وولي الجناية في القصاص","lvl":2,"sub":0},{"id":8836,"title":"فصل قتله وهو عاقل ثم جن","lvl":2,"sub":0},{"id":8837,"title":"فصل يجب القصاص على السكران إذا قتل حال سكره","lvl":2,"sub":0},{"id":8838,"title":"مسألة لا يقتل والد بولده في القصاص","lvl":2,"sub":0},{"id":8840,"title":"مسألة الأم في القصاص كالأب","lvl":2,"sub":0},{"id":8841,"title":"فصل ادعى نفران نسب صغير مجهول النسب ثم قتلاه","lvl":2,"sub":0},{"id":8842,"title":"فصل قتل أحد الأبوين صاحبه ولهما ولد","lvl":2,"sub":0},{"id":8843,"title":"فصل قتل رجل أخاه فورثه ابنه أو أحدا يرث ابنه منه","lvl":2,"sub":0},{"id":8844,"title":"فصل قتل أحد أبوي المكاتب المكاتب أو عبدا له","lvl":2,"sub":0},{"id":8845,"title":"فصل ابنان قتل أحدهما أباه والآخر أمه","lvl":2,"sub":0},{"id":8847,"title":"فصل أربعة إخوة قتل الأول الثاني والثالث الرابع","lvl":2,"sub":0},{"id":8848,"title":"مسألة يقتل الولد بكل واحد من الوالدين","lvl":2,"sub":0},{"id":8849,"title":"مسألة يقتل الجماعة بالواحد","lvl":2,"sub":0},{"id":8851,"title":"فصل اشترك ثلاثة في قتل رجل فقطع أحدهم يده والآخر رجله","lvl":2,"sub":0},{"id":8853,"title":"فصل قطع رجل يده من الكوع ثم قطعها آخر من المرفق","lvl":2,"sub":0},{"id":8855,"title":"مسألة قطع يدا جماعة","lvl":2,"sub":0},{"id":8858,"title":"مسألة قتل الأب وغيره عمدا","lvl":2,"sub":0},{"id":8859,"title":"فصل كل شريكين امتنع القصاص في حق أحدهما لمعنى فيه","lvl":2,"sub":0},{"id":8860,"title":"مسألة اشترك في القتل صبي ومجنون وبالغ","lvl":2,"sub":0},{"id":8862,"title":"مسألة يقتل الذكر بالأنثى والأنثى بالذكر في القصاص","lvl":2,"sub":0},{"id":8863,"title":"فصل يقتل كل واحد من الرجل والمرأة بالخنثى ويقتل بهما","lvl":2,"sub":0},{"id":8864,"title":"مسألة كان بينهما في النفس قصاص فهو بينهما في","lvl":2,"sub":0},{"id":8866,"title":"مسألة قتلاه وأحدهما مخطئ والآخر متعمد","lvl":2,"sub":0},{"id":8867,"title":"فصل هل يجب القصاص على شريك نفسه وشريك السبع","lvl":2,"sub":0},{"id":8868,"title":"فصل جرحه إنسان فتداوى بسم فمات","lvl":2,"sub":0},{"id":8869,"title":"مسألة دية العبد","lvl":2,"sub":0},{"id":8871,"title":"باب القود","lvl":2,"sub":0},{"id":8873,"title":"فصل ألقي رجل من شاهق فتلقاه آخر بسيف فقتله","lvl":2,"sub":0},{"id":8874,"title":"مسألة قطع يديه ورجليه ثم عاد فضرب عنقه","lvl":2,"sub":0},{"id":8877,"title":"فصل قطع يديه ورجليه أو جرحه جرحا يوجب القصاص إذا انفرد فسرى إلى","lvl":2,"sub":0},{"id":8878,"title":"فصل جرحه جرحا لا قصاص فيه","lvl":2,"sub":0},{"id":8879,"title":"فصل قطع يده اليمنى ولا يمنى للقاطع","lvl":2,"sub":0},{"id":8880,"title":"فصل قتله بغير السيف فهل يستوفي القصاص","lvl":2,"sub":0},{"id":8881,"title":"فصل قتله بما لا يحل لعينه","lvl":2,"sub":0},{"id":8882,"title":"فصل زاد مستوفي القصاص في النفس على حقه","lvl":2,"sub":0},{"id":8884,"title":"فصل استحق قطع إصبع فقطع اثنتين","lvl":2,"sub":0},{"id":8885,"title":"فصل لا يجوز استيفاء القصاص إلا بحضرة السلطان","lvl":2,"sub":0},{"id":8888,"title":"فصل كان القصاص لجماعة من الأولياء وتشاحوا","lvl":2,"sub":0},{"id":8889,"title":"مسألة قطع يديه ورجليه فبرأت جراحه ثم قتله","lvl":2,"sub":0},{"id":8891,"title":"مسألة رمى وهو مسلم كافرا عبدا فلم يقع به السهم حتى عتق","lvl":2,"sub":0},{"id":8893,"title":"فصل رمى حربيا فتترس بمسلم فأصابه فقتله","lvl":2,"sub":0},{"id":8894,"title":"فصل قطع يد عبد ثم أعتق ومات أو يد ذمي ثم","lvl":2,"sub":0},{"id":8895,"title":"فصل قطع أنف عبد قيمته ألف دينار فاندمل ثم","lvl":2,"sub":0},{"id":8896,"title":"فصل قطع يد عبد فأعتق ثم عاد فقطع رجله","lvl":2,"sub":0},{"id":8898,"title":"فصل قلع عين عبد ثم أعتق ثم قطع آخر","lvl":2,"sub":0},{"id":8900,"title":"فصل قطع يده ثم أعتق فقطع آخر رجله ثم","lvl":2,"sub":0},{"id":8901,"title":"فصل قطع رجل يد عبده ثم أعتقه ثم اندمل جرحه","lvl":2,"sub":0},{"id":8902,"title":"مسألة قتل رجل اثنين واحدا بعد واحد","lvl":2,"sub":0},{"id":8905,"title":"فصل قطع يميني رجلين","lvl":2,"sub":0},{"id":8906,"title":"فصل قطع يد رجل ثم قتل آخر ثم سرى القطع إلى نفس المقطوع","lvl":2,"sub":0},{"id":8908,"title":"فصل قطع إصبعا من يمين رجل ويمينا لآخر","lvl":2,"sub":0},{"id":8909,"title":"مسألة جرحه جرحا يمكن الاقتصاص منه بلا حيف","lvl":2,"sub":0},{"id":8910,"title":"فصل يشترط لوجوب القصاص في الجروح ثلاثة أشياء","lvl":2,"sub":0},{"id":8912,"title":"فصل لا يستوفى القصاص فيما دون النفس بالسيف","lvl":2,"sub":0},{"id":8913,"title":"فصل أراد الاستيفاء من موضحة وشبهها","lvl":2,"sub":0},{"id":8915,"title":"فصل أوضحه في جميع رأسه ورأس الجاني أكبر","lvl":2,"sub":0},{"id":8916,"title":"فصل كانت الجناية في غير الرأس والوجه","lvl":2,"sub":0},{"id":8917,"title":"فصل شج في مقدم رأسه أو مؤخره عرضا شجة لا يتسع","lvl":2,"sub":0},{"id":8918,"title":"مسألة جريان القصاص في الأطراف","lvl":2,"sub":0},{"id":8919,"title":"فصل في قطع اليد ثمان مسائل","lvl":2,"sub":0},{"id":8922,"title":"مسألة ليس في المأمومة ولا في الجائفة قصاص","lvl":2,"sub":0},{"id":8923,"title":"فصل ليس في شيء من شجاج الرأس قصاص سوى الموضحة","lvl":2,"sub":0},{"id":8924,"title":"فصل كانت الشجة فوق الموضحة","lvl":2,"sub":0},{"id":8925,"title":"مسألة تقطع الأذن بالأذن","lvl":2,"sub":0},{"id":8926,"title":"فصل تؤخذ الأذن المستحشفة بالصحيحة","lvl":2,"sub":0},{"id":8927,"title":"فصل قطع أذنه فأبانها فألصقها صاحبها فالتصقت وثبتت","lvl":2,"sub":0},{"id":8928,"title":"فصل ألصق أذنه بعد إبانتها أو سنه فهل تلزمه إبانتها","lvl":2,"sub":0},{"id":8929,"title":"مسألة الأنف بالأنف","lvl":2,"sub":0},{"id":8931,"title":"مسألة الذكر بالذكر","lvl":2,"sub":0},{"id":8933,"title":"مسألة الأنثيان بالأنثيين","lvl":2,"sub":0},{"id":8934,"title":"فصل القصاص في شفري المرأة","lvl":2,"sub":0},{"id":8935,"title":"فصل قطع ذكر خنثى مشكل أو أنثييه أو شفريه","lvl":2,"sub":0},{"id":8936,"title":"فصل يجب القصاص في الأليتين الناتئتين بين الفخذين والظهر","lvl":2,"sub":0},{"id":8937,"title":"مسألة تقلع العين بالعين","lvl":2,"sub":0},{"id":8938,"title":"فصل قلع عينه بإصبعه","lvl":2,"sub":0},{"id":8940,"title":"فصل لطم عينه فذهب بصرها وابيضت وشخصت","lvl":2,"sub":0},{"id":8941,"title":"فصل شجه شجة دون الموضحة فأذهب ضوء عينه","lvl":2,"sub":0},{"id":8942,"title":"فصل قلع الأعور عين صحيح القصاص","lvl":2,"sub":0},{"id":8944,"title":"فصل قلع الأعور عين مثله القصاص","lvl":2,"sub":0},{"id":8945,"title":"فصل قلع الأعور عيني صحيح القصاص","lvl":2,"sub":0},{"id":8946,"title":"فصل قلع صحيح العينين عين أعور القصاص","lvl":2,"sub":0},{"id":8947,"title":"فصل قطع الأقطع يد من له يدان القصاص","lvl":2,"sub":0},{"id":8948,"title":"فصل يؤخذ الجفن بالجفن","lvl":2,"sub":0},{"id":8949,"title":"مسألة السن بالسن","lvl":2,"sub":0},{"id":8950,"title":"فصل لا يقتص إلا من سن من أثغر","lvl":2,"sub":0},{"id":8952,"title":"فصل قلع سنا فاقتص منه ثم عادت سن المجني","lvl":2,"sub":0},{"id":8953,"title":"مسألة القصاص جار في بعض السن","lvl":2,"sub":0},{"id":8955,"title":"فصل قلع سنا زائدة","lvl":2,"sub":0},{"id":8956,"title":"فصل يؤخذ اللسان باللسان القصاص","lvl":2,"sub":0},{"id":8957,"title":"فصل تؤخذ الشفة بالشفة القصاص","lvl":2,"sub":0},{"id":8958,"title":"مسألة لا تؤخذ يد يمين بيسار القصاص","lvl":2,"sub":0},{"id":8959,"title":"فصل ما لا يجوز أخذه قصاصا","lvl":2,"sub":0},{"id":8960,"title":"فصل طلب المقتص من الجاني إخراج اليمنى","lvl":2,"sub":0},{"id":8964,"title":"فصل سراية القود ليس لها ضمان","lvl":2,"sub":0},{"id":8965,"title":"فصل سراية الجناية مضمونة","lvl":2,"sub":0},{"id":8967,"title":"فصل لا يجوز القصاص في الطرف إلا بعد اندمال الجرح","lvl":2,"sub":0},{"id":8969,"title":"فصل اقتص قبل اندمال الجرح","lvl":2,"sub":0},{"id":8970,"title":"فصل اندمل جرح الجناية فاقتص منه ثم انتقض فسرى","lvl":2,"sub":0},{"id":8971,"title":"فصل قطع كتابي يد مسلم فبرأ أو اقتص ثم انتقض جرح المسلم","lvl":2,"sub":0},{"id":8972,"title":"فصل قطع يد رجل من الكوع ثم قطعها آخر من المرفق","lvl":2,"sub":0},{"id":8973,"title":"فصل لا يجوز أن يقتص من حامل قبل وضعها","lvl":2,"sub":0},{"id":8975,"title":"فصل اقتص من حامل","lvl":2,"sub":0},{"id":8977,"title":"مسألة كان القاطع سالم الطرف والمقطوعة شلاء","lvl":2,"sub":0},{"id":8978,"title":"فصل قطع أذنا شلاء أو أنفا أشل فهل يؤخذ به الصحيح","lvl":2,"sub":0},{"id":8979,"title":"فصل لا تؤخذ يد كاملة الأصابع بناقصة القصاص","lvl":2,"sub":0},{"id":8980,"title":"فصل قطع اليد الكاملة ذو يد فيها إصبع زائد القصاص","lvl":2,"sub":0},{"id":8981,"title":"فصل قطع ذو يد لها أظفار يد من لا أظفار له القصاص","lvl":2,"sub":0},{"id":8982,"title":"مسألة كان القاطع أشل والمقطوعة سالمة القصاص","lvl":2,"sub":0},{"id":8983,"title":"فصل تؤخذ الشلاء بالشلاء القصاص","lvl":2,"sub":0},{"id":8984,"title":"فصل تؤخذ في القصاص اليد الناقصة بالناقصة","lvl":2,"sub":0},{"id":8985,"title":"فصل يجوز أخذ الناقصة بالكاملة القصاص","lvl":2,"sub":0},{"id":8986,"title":"فصل كانت يد القاطع والمجني عليه كاملتين وفي يد","lvl":2,"sub":0},{"id":8987,"title":"فصل قطع إصبعه فأصابه من جرحها أكلة في يده وسقطت","lvl":2,"sub":0},{"id":8988,"title":"فصل قطع أنملة لها طرفان إحداهما زائدة والأخرى أصلية","lvl":2,"sub":0},{"id":8989,"title":"فصل قطع أنملة رجل العليا ثم قطع أنملة آخر الوسطى ثم","lvl":2,"sub":0},{"id":8991,"title":"فصل قطع أنملة رجل العليا ثم قطع أنملتي آخر العليا والوسطى","lvl":2,"sub":0},{"id":8992,"title":"مسألة قتل وله وليان بالغ وطفل أوغائب","lvl":2,"sub":0},{"id":8994,"title":"فصل كان الوارث واحدا صغيرا","lvl":2,"sub":0},{"id":8995,"title":"فصل يحبس القاتل عند تأخير الاستيفاء","lvl":2,"sub":0},{"id":8997,"title":"فصل قتله بعض الأولياء بغير إذن الباقين","lvl":2,"sub":0},{"id":8999,"title":"مسألة عفا بعض من ورثة المقتول عن القصاص","lvl":2,"sub":0},{"id":9002,"title":"فصل قتله الشريك الذي لم يعف عالما بعفو شريكه وسقوط القصاص","lvl":2,"sub":0},{"id":9004,"title":"فصل كان القاتل هو العافي في القصاص","lvl":2,"sub":0},{"id":9005,"title":"فصل عفا عن القاتل مطلقا","lvl":2,"sub":0},{"id":9006,"title":"فصل توكيل من يستوفي القصاص","lvl":2,"sub":0},{"id":9009,"title":"فصل حكم القصاص إذا عفا المجني عليه ثم سرت الجناية","lvl":2,"sub":0},{"id":9010,"title":"فصل كان الجرح لا قصاص فيه فعفا عن القصاص فيه فسرى","lvl":2,"sub":0},{"id":9011,"title":"فصل قطع يده فعفا عنه ثم عاد الجاني فقتله","lvl":2,"sub":0},{"id":9012,"title":"فصل قطع إصبعا فعفا المجني عليه عن القصاص ثم سرت","lvl":2,"sub":0},{"id":9013,"title":"فصل العفو عن الجناية","lvl":2,"sub":0},{"id":9014,"title":"فصل اختلف الجاني والولي أو المجني عليه فقال الجاني عفوت","lvl":2,"sub":0},{"id":9015,"title":"مسألة اشترك الجماعة في القتل فأحب الأولياء أن يقتلوا","lvl":2,"sub":0},{"id":9017,"title":"فصل اختلفت الرواية في موجب العمد","lvl":2,"sub":0},{"id":9019,"title":"فصل جنى عبد على حر جناية موجبة للقصاص فاشتراه المجني","lvl":2,"sub":0},{"id":9020,"title":"فصل القصاص لصغير هل لوليه العفو","lvl":2,"sub":0},{"id":9021,"title":"فصل يصح عفو المفلس والمحجور عليه لسفه عن القصاص","lvl":2,"sub":0},{"id":9022,"title":"فصل قتل من لا وارث له","lvl":2,"sub":0},{"id":9023,"title":"فصل اشترك الجماعة في القتل فعفا عنهم إلى الدية","lvl":2,"sub":0},{"id":9024,"title":"مسألة قال قتل من للأولياء أن يقيدوا به فبذل","lvl":2,"sub":0},{"id":9025,"title":"مسألة أمسك رجلا وقتله آخر","lvl":2,"sub":0},{"id":9027,"title":"فصل اتبع رجلا ليقتله فأدركه أخر","lvl":2,"sub":0},{"id":9028,"title":"مسألة أمر عبده أن يقتل رجلا وكان العبد أعجميا","lvl":2,"sub":0},{"id":9030,"title":"فصل أمر صبيا لا يميز أو مجنونا أو أعجميا لا يعلم","lvl":2,"sub":0},{"id":9031,"title":"فصل أمر السلطان رجلا فقتل آخر","lvl":2,"sub":0},{"id":9033,"title":"كتاب الديات","lvl":2,"sub":0},{"id":9034,"title":"مسألة دية الحر المسلم","lvl":2,"sub":0},{"id":9037,"title":"فصل الدية متى وجدت على الصفة المشروطة وجب","lvl":2,"sub":0},{"id":9041,"title":"فصل ما لا يقبل في الأبل","lvl":2,"sub":0},{"id":9043,"title":"مسألة كان القتل عمدا فالدية على مال القاتل","lvl":2,"sub":0},{"id":9046,"title":"فصل اختلفا في حملها الدية في القتل العمد","lvl":2,"sub":0},{"id":9047,"title":"مسألة كان القول في أسنان دية شبه العمد","lvl":2,"sub":0},{"id":9049,"title":"فصل يجب في آخر كل حول ثلثها الدية","lvl":2,"sub":0},{"id":9050,"title":"فصل تقسم الدية على ثلاث سنين","lvl":2,"sub":0},{"id":9051,"title":"فصل الدية الناقصة","lvl":2,"sub":0},{"id":9052,"title":"مسألة القتل الخطأ","lvl":2,"sub":0},{"id":9054,"title":"فصل الدية الخطأ على العاقلة","lvl":2,"sub":0},{"id":9055,"title":"فصل كل دية تحملها العاقلة مؤجلة إلى ثلاث سنين","lvl":2,"sub":0},{"id":9056,"title":"فصل لا يلزم القاتل شيء من الدية","lvl":2,"sub":0},{"id":9057,"title":"فصل الكفارة في مال القاتل","lvl":2,"sub":0},{"id":9058,"title":"فصل الدية تغلظ بثلاثة أشياء","lvl":2,"sub":0},{"id":9062,"title":"فصل لا تغلظ الدية بموضع غير الحرم","lvl":2,"sub":0},{"id":9063,"title":"المسألة الأولى العاقلة لا تحمل العبد","lvl":2,"sub":0},{"id":9064,"title":"المسألة الثانية لا تحمل العاقلة دية ما يجب في القصاص","lvl":2,"sub":0},{"id":9065,"title":"فصل اقتص بحديدة مسمومة فسرى إلى النفس","lvl":2,"sub":0},{"id":9066,"title":"فصل عمد الصبي والمجنون خطأ تحمله العاقلة","lvl":2,"sub":0},{"id":9067,"title":"المسألة الثالثة لا تحمل العاقلة الصلح","lvl":2,"sub":0},{"id":9068,"title":"المسألة الرابعة لا تحمل العاقلة الاعتراف","lvl":2,"sub":0},{"id":9069,"title":"المسألة الخامسة لا تحمل العاقلة ما دون الثلث","lvl":2,"sub":0},{"id":9070,"title":"فصل تحمل العاقلة دية الطرف إذا بلغ الثلث","lvl":2,"sub":0},{"id":9071,"title":"فصل تحمل العاقلة دية المرأة","lvl":2,"sub":0},{"id":9072,"title":"فصل كان الجاني ذميا فعقلته على من","lvl":2,"sub":0},{"id":9073,"title":"فصل تنصر يهودي أو تهود نصراني عقلته على من","lvl":2,"sub":0},{"id":9074,"title":"فصل رمى ذمي صيدا ثم أسلم ثم أصاب","lvl":2,"sub":0},{"id":9075,"title":"فصل تزوج عبد معتقة فأولدها أولادا","lvl":2,"sub":0},{"id":9076,"title":"فصل جنى الرجل على نفسه خطأ أو علي أطرافه","lvl":2,"sub":0},{"id":9078,"title":"فصل خطأ الإمام والحاكم في غير الحكم والاجتهاد","lvl":2,"sub":0},{"id":9079,"title":"مسألة جناية العبد","lvl":2,"sub":0},{"id":9081,"title":"فصل كانت الجناية موجبة للقصاص","lvl":2,"sub":0},{"id":9082,"title":"فصل أمر غلامه بجناية","lvl":2,"sub":0},{"id":9083,"title":"فصل : جنى جنايات بعضها بعد بعض","lvl":2,"sub":0},{"id":9084,"title":"فصل أعتق السيد عبده الجاني","lvl":2,"sub":0},{"id":9085,"title":"فصل باع العبد أو وهبه","lvl":2,"sub":0},{"id":9086,"title":"مسألة من هم العاقلة","lvl":2,"sub":0},{"id":9088,"title":"فصل يعقل الولد ابن ابن عم","lvl":2,"sub":0},{"id":9089,"title":"فصل سائر العصبات من العاقلة بعدوا أو قربوا من","lvl":2,"sub":0},{"id":9090,"title":"فصل لا يدخل في العقل من ليس بعصبة ولا يعقل المولى","lvl":2,"sub":0},{"id":9091,"title":"فصل لا يعقل مولى الموالاة","lvl":2,"sub":0},{"id":9092,"title":"فصل لا مدخل لأهل الديوان في المعاقلة","lvl":2,"sub":0},{"id":9093,"title":"فصل يشترك في العقل الحاضر والغائب","lvl":2,"sub":0},{"id":9094,"title":"فصل القسمة بين العاقلة","lvl":2,"sub":0},{"id":9096,"title":"فصل لا يحمل العقل إلا من يعرف نسبه من القاتل","lvl":2,"sub":0},{"id":9097,"title":"فصل عدم الإجحاف على العاقلة في المال","lvl":2,"sub":0},{"id":9100,"title":"فصل مات من العاقلة أو افتقر أو جن قبل الحول","lvl":2,"sub":0},{"id":9101,"title":"مسألة المرأة والصبي الذي لم يبلغ لا يعقلان مع العاقلة","lvl":2,"sub":0},{"id":9102,"title":"فصل يعقل المريض إذا لم يبلغ حد الزمانة","lvl":2,"sub":0},{"id":9103,"title":"مسألة لم يكن له عاقلة القاتل","lvl":2,"sub":0},{"id":9106,"title":"مسألة دية الحر الكتابي","lvl":2,"sub":0},{"id":9109,"title":"فصل جراحات أهل الكتاب","lvl":2,"sub":0},{"id":9110,"title":"مسألة قتل مسلم رجلا من أهل الذمة عمدا","lvl":2,"sub":0},{"id":9111,"title":"مسألة دية المجوسي","lvl":2,"sub":0},{"id":9112,"title":"فصل دية عبدة الأوثان وسائر من لا كتاب له","lvl":2,"sub":0},{"id":9113,"title":"فصل دية من لم تبلغه الدعوة من الكفار","lvl":2,"sub":0},{"id":9114,"title":"مسألة دية الحرة المسلمة","lvl":2,"sub":0},{"id":9115,"title":"مسألة جراح الرجل والمرأة في الدية","lvl":2,"sub":0},{"id":9117,"title":"فصل دية نساء سائر أهل الأديان","lvl":2,"sub":0},{"id":9118,"title":"مسألة دية العبد والأمة","lvl":2,"sub":0},{"id":9119,"title":"الفصل الأول في جنين الحرة المسلمة","lvl":2,"sub":0},{"id":9123,"title":"الفصل الثاني تجب الغرة إذا سقط الجنين من الضربة","lvl":2,"sub":0},{"id":9125,"title":"الفصل الثالث غرة العبد والأمة","lvl":2,"sub":0},{"id":9128,"title":"الفصل الرابع قيمة الغرة","lvl":2,"sub":0},{"id":9130,"title":"الفصل الخامس الغرة موروثة عن الجنين","lvl":2,"sub":0},{"id":9132,"title":"فصل ضرب بطن امرأة فألقت أجنة","lvl":2,"sub":0},{"id":9133,"title":"فصل تحمل العاقلة دية الجنين إذا مات مع أمه","lvl":2,"sub":0},{"id":9134,"title":"مسألة كان الجنين مملوكا","lvl":2,"sub":0},{"id":9136,"title":"فصل دية ولد المدبرة والمكاتبة والمعتقة بصفة","lvl":2,"sub":0},{"id":9137,"title":"فصل وطئ أمة بشبهة أو غر بأمة","lvl":2,"sub":0},{"id":9138,"title":"فصل سقط جنين ذمية قد وطئها مسلم وذمي في","lvl":2,"sub":0},{"id":9139,"title":"فصل كانت الأمة بين شريكين","lvl":2,"sub":0},{"id":9141,"title":"فصل ضرب بطن أمته ثم أعتقها","lvl":2,"sub":0},{"id":9142,"title":"فصل ضرب ابن المعتقة الذي أبوه عبد بطن امرأة","lvl":2,"sub":0},{"id":9143,"title":"مسألة ضرب بطنها فألقت جنينا حيا ثم مات","lvl":2,"sub":0},{"id":9146,"title":"فصل ادعت امرأة على إنسان أنه ضربها فأسقطت","lvl":2,"sub":0},{"id":9151,"title":"مسألة عتق رقبة مؤمنة إذا كان الجنين حيا أو ميتا","lvl":2,"sub":0},{"id":9153,"title":"مسألة شربت الحامل دواء فألقت به جنينا","lvl":2,"sub":0},{"id":9154,"title":"مسألة رمى ثلاثة بالمنجنيق فرجع الحجر فقتل رجلا","lvl":2,"sub":0},{"id":9157,"title":"فصل سقط رجل في بئر فسقط عليه آخر فقتله","lvl":2,"sub":0},{"id":9158,"title":"فصل سقط رجل في بئر فتعلق بآخر فوقعا معا","lvl":2,"sub":0},{"id":9161,"title":"فصل الضمان بالسبب","lvl":2,"sub":0},{"id":9166,"title":"فصل حفر العبد بئرا في ملك إنسان بغير إذنه","lvl":2,"sub":0},{"id":9167,"title":"فصل حفر إنسان بئرا في ملك مشترك بينه وبين غيره بغير إذنه","lvl":2,"sub":0},{"id":9168,"title":"فصل حفر بئرا في ملك إنسان أو وضع فيه ما يتعلق","lvl":2,"sub":0},{"id":9169,"title":"فصل استأجر أجيرا فحفر في ملك غيره بغير إذنه وعلم","lvl":2,"sub":0},{"id":9170,"title":"فصل حفر إنسان في ملكه بئرا فوقع فيها إنسان أو","lvl":2,"sub":0},{"id":9171,"title":"فصل بنى في ملكه حائطا مائلا إلى الطريق أو إلى ملك غيره","lvl":2,"sub":0},{"id":9175,"title":"فصل تقدم إلى صاحب الحائط المائل بنقضه","lvl":2,"sub":0},{"id":9176,"title":"فصل أخرج إلى الطريق النافذ جناحا أو ساباطا فسقط","lvl":2,"sub":0},{"id":9178,"title":"فصل بالت دابته في طريق فزلق به حيوان","lvl":2,"sub":0},{"id":9179,"title":"فصل وضع جرة على سطحه أو حائطه أو حجرا فرمته","lvl":2,"sub":0},{"id":9180,"title":"فصل سلم ولده الصغير إلى السابح ليعلمه السباحة","lvl":2,"sub":0},{"id":9181,"title":"فصل طلب إنسانا بسيف مشهور فهرب منه فتلف","lvl":2,"sub":0},{"id":9182,"title":"فصل شهر سيفا في وجه إنسان أو دلاه من شاهق فمات","lvl":2,"sub":0},{"id":9183,"title":"فصل قدم إنسانا إلى هدف يرميه الناس فأصابه سهم من غير تعمد","lvl":2,"sub":0},{"id":9184,"title":"فصل شهد رجلان على رجل بقتل أو جرح","lvl":2,"sub":0},{"id":9185,"title":"فصل بعث السلطان إلى امرأة ليحضرها , فأسقطت جنينا ميتا","lvl":2,"sub":0},{"id":9187,"title":"فصل أخذ طعام إنسان أو شرابه في برية","lvl":2,"sub":0},{"id":9188,"title":"فصل ضرب إنسانا حتى أحدث","lvl":2,"sub":0},{"id":9189,"title":"فصل ادعى القاتل أن المقتول كان عبدا","lvl":2,"sub":0},{"id":9191,"title":"فصل زاد في القصاص من الجراح","lvl":2,"sub":0},{"id":9192,"title":"مسألة أتلف ما في الإنسان منه شيء واحد","lvl":2,"sub":0},{"id":9194,"title":"مسألة في العينين الدية","lvl":2,"sub":0},{"id":9195,"title":"فصل جنى على رأسه جناية ذهب بها بصره","lvl":2,"sub":0},{"id":9197,"title":"فصل جنى عليه فنقص ضوء عينيه","lvl":2,"sub":0},{"id":9199,"title":"فصل دية عين الأعور","lvl":2,"sub":0},{"id":9201,"title":"فصل قلع الأعور عين صحيح","lvl":2,"sub":0},{"id":9202,"title":"فصل قلع الأعور عيني صحيح العينين","lvl":2,"sub":0},{"id":9203,"title":"فصل قطع يد أقطع أو رجل أقطع الرجل","lvl":2,"sub":0},{"id":9204,"title":"مسألة دية أشفار العينين","lvl":2,"sub":0},{"id":9206,"title":"مسألة قال دية الأذنين","lvl":2,"sub":0},{"id":9207,"title":"فصل جنى على أذنه فاستحشفت","lvl":2,"sub":0},{"id":9208,"title":"مسألة دية السمع إذا ذهب من الأذنين","lvl":2,"sub":0},{"id":9209,"title":"فصل اختلفا في ذهاب سمعه","lvl":2,"sub":0},{"id":9211,"title":"مسألة دية قرع الرأس إذا لم ينبت الشعر","lvl":2,"sub":0},{"id":9213,"title":"فصل دية الشعر الذي لا يرجى عوده","lvl":2,"sub":0},{"id":9214,"title":"مسألة دية المشام","lvl":2,"sub":0},{"id":9215,"title":"فصل في الأنف الدية إذا كان قطع مارنه بغير خلاف بينهم","lvl":2,"sub":0},{"id":9217,"title":"فصل دية قطع المارن مع القصبة","lvl":2,"sub":0},{"id":9218,"title":"فصل دية ضرب أنفه فأشله","lvl":2,"sub":0},{"id":9219,"title":"فصل دية قطع أنفه فذهب شمه","lvl":2,"sub":0},{"id":9220,"title":"مسألة دية الشفتين","lvl":2,"sub":0},{"id":9222,"title":"مسألة دية اللسان المتكلم","lvl":2,"sub":0},{"id":9223,"title":"فصل دية الكلام إذا جنى عليه فخرس","lvl":2,"sub":0},{"id":9225,"title":"فصل جنى عليه فذهب بعض كلامه","lvl":2,"sub":0},{"id":9227,"title":"فصل قطع بعض لسانه فذهب بعض كلامه","lvl":2,"sub":0},{"id":9229,"title":"فصل قطع بعض لسانه عمدا","lvl":2,"sub":0},{"id":9230,"title":"فصل قطع لسان صغير لم يتكلم لطفوليته","lvl":2,"sub":0},{"id":9231,"title":"فصل جنى عليه فذهب كلامه أو ذوقه ثم","lvl":2,"sub":0},{"id":9232,"title":"فصل كان للسانه طرفان فقطع أحدهما فذهب","lvl":2,"sub":0},{"id":9233,"title":"مسألة دية الأسنان","lvl":2,"sub":0},{"id":9237,"title":"فصل دية السن فيما ظهر منها من اللثة","lvl":2,"sub":0},{"id":9239,"title":"فصل قلع سنا مضطربة لكبر أو مرض وكانت منافعها","lvl":2,"sub":0},{"id":9240,"title":"فصل جنى على سنه جان فاضطربت وطالت","lvl":2,"sub":0},{"id":9241,"title":"فصل قلع قالع سنه فردها صاحبها فنبتت","lvl":2,"sub":0},{"id":9242,"title":"فصل جنى على سنه فسودها","lvl":2,"sub":0},{"id":9243,"title":"فصل جنى على سنه فذهبت حدتها","lvl":2,"sub":0},{"id":9244,"title":"فصل دية اللحيين","lvl":2,"sub":0},{"id":9245,"title":"مسألة دية اليدين","lvl":2,"sub":0},{"id":9248,"title":"فصل كان له كفان في ذراع أو يدان على عضد","lvl":2,"sub":0},{"id":9250,"title":"مسألة دية ثدي الرجل والمرأة","lvl":2,"sub":0},{"id":9253,"title":"مسألة دية الأليتين","lvl":2,"sub":0},{"id":9254,"title":"فصل دية الصلب إذا كسر فلم ينجبر","lvl":2,"sub":0},{"id":9256,"title":"مسألة دية الذكر","lvl":2,"sub":0},{"id":9258,"title":"مسألة دية الأنثيين","lvl":2,"sub":0},{"id":9259,"title":"مسألة دية الرجلين","lvl":2,"sub":0},{"id":9260,"title":"فصل دية قدم الأعرج ويد الأعسم","lvl":2,"sub":0},{"id":9261,"title":"مسألة دية أصابع اليدين والرجلين","lvl":2,"sub":0},{"id":9263,"title":"فصل دية الإصبع الزائدة","lvl":2,"sub":0},{"id":9264,"title":"مسألة دية البطن إذا ضرب فلم يستمسك الغائط","lvl":2,"sub":0},{"id":9265,"title":"مسألة دية ذهاب العقل","lvl":2,"sub":0},{"id":9266,"title":"فصل أذهب عقله بجناية لا توجب أرشا","lvl":2,"sub":0},{"id":9268,"title":"فصل جنى عليه فأذهب عقله وسمعه وبصره وكلامه","lvl":2,"sub":0},{"id":9269,"title":"مسألة دية صعر الوجه","lvl":2,"sub":0},{"id":9270,"title":"فصل جنى عليه فصار الالتفات عليه شاقا أو ابتلاع الماء","lvl":2,"sub":0},{"id":9271,"title":"مسألة دية اليد الشلاء","lvl":2,"sub":0},{"id":9273,"title":"فصل نبتت أسنان صبي سوداء ثم ثغر ثم عادت سوداء","lvl":2,"sub":0},{"id":9274,"title":"فصل دية لسان الأخرس","lvl":2,"sub":0},{"id":9275,"title":"فصل دية اليد أو الرجل أو الإصبع أو السن الزوائد","lvl":2,"sub":0},{"id":9276,"title":"فصل دية قطع الذكر بعد حشفته وقطع الكف بعد أصابعه","lvl":2,"sub":0},{"id":9277,"title":"مسألة دية إسكتي المرأة","lvl":2,"sub":0},{"id":9278,"title":"فصل دية ركب المرأة","lvl":2,"sub":0},{"id":9279,"title":"مسألة دية موضحة الحر","lvl":2,"sub":0},{"id":9282,"title":"فصل أوضحه في رأسه وجر السكين إلى قفاه","lvl":2,"sub":0},{"id":9283,"title":"فصل أوضحه في رأسه موضحتين بينهما حاجز","lvl":2,"sub":0},{"id":9285,"title":"مسألة الدية في الهاشمة","lvl":2,"sub":0},{"id":9287,"title":"مسألة الدية في المنقلة","lvl":2,"sub":0},{"id":9288,"title":"مسألة الدية في المأمومة","lvl":2,"sub":0},{"id":9289,"title":"فصل أوضحه رجل ثم هشمه الثاني ثم جعلها","lvl":2,"sub":0},{"id":9290,"title":"مسألة الدية في الجائفة","lvl":2,"sub":0},{"id":9292,"title":"فصل أجافه جائفتين بينهما حاجز","lvl":2,"sub":0},{"id":9294,"title":"فصل جرح فخذه ومد السكين حتى بلغ الورك فأجاف فيه","lvl":2,"sub":0},{"id":9295,"title":"فصل أدخل حديدة أو خشبة أو يده في دبر إنسان فخرق","lvl":2,"sub":0},{"id":9296,"title":"مسألة جرحه في جوفه فخرج من الجانب الآخر","lvl":2,"sub":0},{"id":9298,"title":"فصل أدخل إصبعه في فرج بكر فأذهب بكارتها","lvl":2,"sub":0},{"id":9299,"title":"مسألة وطئ زوجته وهي صغيرة ففتقها","lvl":2,"sub":0},{"id":9301,"title":"فصل أكره امرأة على الزنى فأفضاها","lvl":2,"sub":0},{"id":9302,"title":"فصل وطئ امرأة بشبهة فأفضاها","lvl":2,"sub":0},{"id":9303,"title":"فصل استطلق بول المكرهة على الزنى والموطوءة بشبهة مع إفضائهما","lvl":2,"sub":0},{"id":9304,"title":"مسألة دية الضلع والترقوة","lvl":2,"sub":0},{"id":9306,"title":"مسألة دية الزند","lvl":2,"sub":0},{"id":9307,"title":"فصل دية العظام","lvl":2,"sub":0},{"id":9308,"title":"مسألة دية الشجاج التي لا توقيت فيها","lvl":2,"sub":0},{"id":9311,"title":"مسألة الجراح التي لم توقت","lvl":2,"sub":0},{"id":9312,"title":"مسألة ما هي الحكومة في الجناية","lvl":2,"sub":0},{"id":9313,"title":"مسألة ما زاد في الحكومة أو نقص","lvl":2,"sub":0},{"id":9316,"title":"فصل كيفية التقويم في الجروح","lvl":2,"sub":0},{"id":9318,"title":"فصل لطمه على وجهه فلم يؤثر في وجهه","lvl":2,"sub":0},{"id":9319,"title":"مسألة كانت الجناية على العبد مما ليس فيه شيء","lvl":2,"sub":0},{"id":9322,"title":"مسألة كان المقتول خنثى مشكلا","lvl":2,"sub":0},{"id":9323,"title":"مسألة كان المجني عليه نصفه حر ونصفه عبد","lvl":2,"sub":0},{"id":9324,"title":"فصل دية الأعضاء","lvl":2,"sub":0},{"id":9325,"title":"باب القسامة","lvl":2,"sub":0},{"id":9326,"title":"الفصل الأول وجد قتيل في موضع فادعى أولياؤه قتله على","lvl":2,"sub":0},{"id":9328,"title":"فصل لا تسمع الدعوى على غير المعين","lvl":2,"sub":0},{"id":9329,"title":"فصل ادعى القتل من غير وجود قتل ولا عداوة","lvl":2,"sub":0},{"id":9330,"title":"الفصل الثاني ادعى القتل ولم تكن عداوة ولا لوث","lvl":2,"sub":0},{"id":9332,"title":"الفصل الأول : في اللوث المشترط في القسامة","lvl":2,"sub":0},{"id":9337,"title":"فصل شهد رجلان على رجل أنه قتل أحد هذين القتيلين","lvl":2,"sub":0},{"id":9338,"title":"فصل شرط اللوث","lvl":2,"sub":0},{"id":9339,"title":"الفصل الثاني بما تثبت القسامة","lvl":2,"sub":0},{"id":9343,"title":"فصل قال الولي بعد القسامة غلطت ما هذا الذي قتله","lvl":2,"sub":0},{"id":9344,"title":"فصل أقام المدعى عليه بينة أنه كان يوم القتل","lvl":2,"sub":0},{"id":9345,"title":"فصل جاء رجل فقال ما قتله هذا المدعى عليه بل أنا قتلته","lvl":2,"sub":0},{"id":9347,"title":"الفصل الثالث الأولياء إذا ادعوا القتل على من بينه وبين","lvl":2,"sub":0},{"id":9350,"title":"الفصل الرابع الأولياء إذا حلفوا استحقوا القود إذا كانت الدعوى","lvl":2,"sub":0},{"id":9351,"title":"مسألة لم يحلف المدعون حلف المدعى عليه خمسين يمينا وبرئ","lvl":2,"sub":0},{"id":9352,"title":"مسألة لم يحلف المدعون ولم يرضوا بيمين المدعى عليه","lvl":2,"sub":0},{"id":9353,"title":"فصل امتنع المدعى عليهم من اليمين","lvl":2,"sub":0},{"id":9355,"title":"مسألة شهدت البينة العادلة أن المجروح قال","lvl":2,"sub":0},{"id":9356,"title":"مسألة النساء والصبيان لا يقسمون","lvl":2,"sub":0},{"id":9359,"title":"فصل الخنثى المشكل يحتمل أن يقسم","lvl":2,"sub":0},{"id":9360,"title":"مسألة خلف المقتول ثلاثة بنين","lvl":2,"sub":0},{"id":9363,"title":"فصل مات المستحق القسامة","lvl":2,"sub":0},{"id":9364,"title":"فصل حلف بعض الأيمان ثم جن ثم أفاق","lvl":2,"sub":0},{"id":9365,"title":"فصل ردت الأيمان على المدعى عليهم , وكان عمدا","lvl":2,"sub":0},{"id":9367,"title":"مسألة كان المقتول مسلما أو كافرا حرا أو عبدا","lvl":2,"sub":0},{"id":9369,"title":"فصل قتل عبد المكاتب","lvl":2,"sub":0},{"id":9370,"title":"فصل المحجور عليه لسفه أو فلس في دعوى القتل","lvl":2,"sub":0},{"id":9371,"title":"فصل جرح مسلم فارتد ومات على الردة","lvl":2,"sub":0},{"id":9373,"title":"فصل لا قسامة فيما دون النفس من الأطراف والجوارح","lvl":2,"sub":0},{"id":9374,"title":"مسألة ليس للأولياء أن يقسموا على أكثر من واحد","lvl":2,"sub":0},{"id":9377,"title":"فصل قال المدعي قتله هذا ورجل آخر لا أعرفه","lvl":2,"sub":0},{"id":9378,"title":"فصل لا تسمع الدعوى إلا محررة","lvl":2,"sub":0},{"id":9380,"title":"فصل للأولياء أن يقسموا على القاتل إذا غلب على","lvl":2,"sub":0},{"id":9381,"title":"فصل استظهار ألفاظ اليمين في القسامة تأكيدا","lvl":2,"sub":0},{"id":9382,"title":"مسألة قتل نفسا محرمة أو شارك فيها","lvl":2,"sub":0},{"id":9384,"title":"فصل تجب الكفارة بقتل العبد","lvl":2,"sub":0},{"id":9385,"title":"فصل كفارة قتل الكافر","lvl":2,"sub":0},{"id":9386,"title":"فصل قتل الصبي أو المجنون","lvl":2,"sub":0},{"id":9387,"title":"فصل قتل في دار الحرب مسلما يعتقده كافرا","lvl":2,"sub":0},{"id":9388,"title":"فصل كل قتل مباح لا كفارة فيه","lvl":2,"sub":0},{"id":9389,"title":"فصل قتل نفسه خطأ","lvl":2,"sub":0},{"id":9390,"title":"فصل شارك في قتل يوجب الكفارة","lvl":2,"sub":0},{"id":9391,"title":"فصل ضرب بطن امرأة فألقت جنينا ميتا","lvl":2,"sub":0},{"id":9392,"title":"فصل لا كفارة في قتل العمد","lvl":2,"sub":0},{"id":9394,"title":"فصل تجب الكفارة في شبه العمد","lvl":2,"sub":0},{"id":9395,"title":"فصل كفارة القتل","lvl":2,"sub":0},{"id":9396,"title":"مسألة قبول قول العدول في القصاص","lvl":2,"sub":0},{"id":9397,"title":"مسألة وجوب المال في الجنايات دون القود","lvl":2,"sub":0},{"id":9398,"title":"فصل ادعى جناية عمد وقال عفوت عن القصاص فيها","lvl":2,"sub":0},{"id":9399,"title":"فصل لا يثبت القتل بالشهادة إلا مع زوال الشبهة في لفظ الشاهدين","lvl":2,"sub":0},{"id":9401,"title":"فصل شهد أحدهما أنه أقر بقتله عمدا وشهد الآخر","lvl":2,"sub":0},{"id":9403,"title":"فصل قتل رجل عمدا قتلا يوجب القصاص سواء كان الشاهد","lvl":2,"sub":0},{"id":9404,"title":"فصل جرح رجل فشهد له رجلان من ورثته غير الوالدين والمولودين","lvl":2,"sub":0},{"id":9407,"title":"فصل شهد رجلان على رجلين أنهما قتلا رجلا","lvl":2,"sub":0},{"id":9408,"title":"كتاب قتال أهل البغي","lvl":2,"sub":0},{"id":9414,"title":"مسألة إذا اتفق المسلمون على إمام","lvl":2,"sub":0},{"id":9419,"title":"فصل لا يقاتل البغاة بما يعم إتلافه","lvl":2,"sub":0},{"id":9420,"title":"فصل إذا اقتتلت طائقتان من أهل البغي","lvl":2,"sub":0},{"id":9421,"title":"فصل إذا أظهر قوم رأي الخوارج","lvl":2,"sub":0},{"id":9423,"title":"مسألة قال فإن ال ما دفعوا به إلى نفوسهم","lvl":2,"sub":0},{"id":9424,"title":"فصل ليس على أهل البغي أيضا ضمان ما أتلفوه حال الحرب","lvl":2,"sub":0},{"id":9426,"title":"مسألة قال وإذا دفعوا لم يتبع لهم مدبر","lvl":2,"sub":0},{"id":9428,"title":"فصل غنيمة أموال أهل البغي وسبي ذريتهم","lvl":2,"sub":0},{"id":9430,"title":"مسألة قال ومن قتل منهم غسل وكفن وصلي","lvl":2,"sub":0},{"id":9432,"title":"فصل البغاة إذا لم يكونوا من أهل البدع ليسوا بفاسقين","lvl":2,"sub":0},{"id":9433,"title":"فصل لا يكره للعادل قتل ذي رحمه الباغي","lvl":2,"sub":0},{"id":9434,"title":"مسألة قال وما أخذوا في حال امتناعهم","lvl":2,"sub":0},{"id":9436,"title":"مسألة قال : لا ينقض من حكم حاكمهم إلا ما","lvl":2,"sub":0},{"id":9438,"title":"فصل إن ارتكب أهل البغي في حال امتناعهم ما يوجب الحد","lvl":2,"sub":0},{"id":9439,"title":"فصل إذا استعان أهل البغي بالكفار","lvl":2,"sub":0},{"id":9441,"title":"فصل إذا ارتد قوم فأتلفوا مالا للمسلمين","lvl":2,"sub":0},{"id":9443,"title":"الفصل الأول لا فرق بين الرجال والنساء في وجوب القتل","lvl":2,"sub":0},{"id":9445,"title":"الفصل الثاني الردة لا تصح إلا من عاقل","lvl":2,"sub":0},{"id":9446,"title":"الفصل الثالث المرتد لا يقتل حتى يستتاب ثلاثا","lvl":2,"sub":0},{"id":9449,"title":"الفصل الرابع المرتد إن لم يتب قتل","lvl":2,"sub":0},{"id":9450,"title":"الفصل الخامس المرتد إذا تاب قبلت توبته ولم يقتل","lvl":2,"sub":0},{"id":9453,"title":"فصل قتل المرتد إلي الإمام حرا كان أو عبدا","lvl":2,"sub":0},{"id":9454,"title":"مسألة مال المرتد فيئا بعد قضاء دينه","lvl":2,"sub":0},{"id":9455,"title":"فصل لا يحكم بزوال ملك المرتد بمجرد ردته","lvl":2,"sub":0},{"id":9456,"title":"فصل يؤخذ مال المرتد فيجعل عند ثقة من المسلمين","lvl":2,"sub":0},{"id":9457,"title":"فصل تصرفات المرتد في ردته بالبيع والهبة والعتق","lvl":2,"sub":0},{"id":9458,"title":"فصل إن تزوج المرتد لم يصح تزوجه","lvl":2,"sub":0},{"id":9459,"title":"فصل إن وجد من المرتد سبب يقتضي الملك","lvl":2,"sub":0},{"id":9460,"title":"فصل إن لحق المرتد بدار الحرب","lvl":2,"sub":0},{"id":9461,"title":"مسألة من ترك الصلاة دعي إليها ثلاثة أيام","lvl":2,"sub":0},{"id":9462,"title":"فصل اعتقد حل شيء أجمع على تحريمه","lvl":2,"sub":0},{"id":9464,"title":"مسألة ذبيحة المرتد حرام","lvl":2,"sub":0},{"id":9465,"title":"مسألة قال والصبي إذا كان له عشر سنين وعقل","lvl":2,"sub":0},{"id":9469,"title":"مسألة الصبي إذا أسلم ثم رجع وقال لم","lvl":2,"sub":0},{"id":9471,"title":"مسألة الصبي أذا ارتد هل يقتل","lvl":2,"sub":0},{"id":9472,"title":"مسألة ارتد الزوجان ولحقا بدار الحرب","lvl":2,"sub":0},{"id":9474,"title":"فصل ارتد أهل بلد وجرت فيه أحكامهم","lvl":2,"sub":0},{"id":9475,"title":"فصل قتل المرتد من يكافئه عمدا","lvl":2,"sub":0},{"id":9476,"title":"مسألة من أسلم من الأبوين كان أولاده","lvl":2,"sub":0},{"id":9478,"title":"مسألة مات أحد الأبوين على كفره","lvl":2,"sub":0},{"id":9480,"title":"الفصل الأول شهد عليه بالردة من تثبت الردة بشهادته","lvl":2,"sub":0},{"id":9482,"title":"فصل الشهادة على الردة","lvl":2,"sub":0},{"id":9483,"title":"الفصل الثاني ثبتت ردته بالبينة أو غيرها فشهد أن لا إله إلا الله","lvl":2,"sub":0},{"id":9486,"title":"فصل أتى الكافر بالشهادتين ثم قال لم أرد الإسلام","lvl":2,"sub":0},{"id":9487,"title":"فصل صلاة الكافر","lvl":2,"sub":0},{"id":9489,"title":"فصل أكره على الإسلام من لا يجوز إكراهه","lvl":2,"sub":0},{"id":9491,"title":"فصل أكره على الكفر فأتى بكلمة الكفر","lvl":2,"sub":0},{"id":9493,"title":"فصل أكره على كلمة الكفر","lvl":2,"sub":0},{"id":9495,"title":"مسألة ارتد وهو سكران","lvl":2,"sub":0},{"id":9497,"title":"فصل إسلام السكران","lvl":2,"sub":0},{"id":9498,"title":"فصل ردة المجنون","lvl":2,"sub":0},{"id":9499,"title":"فصل أصاب حدا ثم ارتد ثم أسلم","lvl":2,"sub":0},{"id":9500,"title":"فصل حكم ما فعله المرتد حال ردته","lvl":2,"sub":0},{"id":9502,"title":"فصل ادعى النبوة أو صدق من ادعاه","lvl":2,"sub":0},{"id":9503,"title":"فصل سب الله تعالى","lvl":2,"sub":0},{"id":9504,"title":"فصل السحر","lvl":2,"sub":0},{"id":9508,"title":"فصل حد الساحر","lvl":2,"sub":0},{"id":9509,"title":"فصل هل يستتاب الساحر","lvl":2,"sub":0},{"id":9510,"title":"فصل السحر الذي يحد على فعله","lvl":2,"sub":0},{"id":9512,"title":"فصل حد الكاهن والعراف والساحر","lvl":2,"sub":0},{"id":9513,"title":"فصل ساحر أهل الكتاب","lvl":2,"sub":0},{"id":9514,"title":"كتاب الحدود","lvl":2,"sub":0},{"id":9516,"title":"الفصل الأول : وجوب الرجم على الزاني المحصن","lvl":2,"sub":0},{"id":9519,"title":"فصل كيف يقام الحد على الزاني الرجل","lvl":2,"sub":0},{"id":9521,"title":"فصل من السنة أن يدور الناس حول المرجوم","lvl":2,"sub":0},{"id":9522,"title":"الفصل الثاني اجتمع حدان الجلد والرجم","lvl":2,"sub":0},{"id":9524,"title":"الفصل الثالث على من يجب الرجم","lvl":2,"sub":0},{"id":9528,"title":"فصل هل يشترط الإسلام في الإحصان","lvl":2,"sub":0},{"id":9530,"title":"فصل ارتداد المحصن الزاني","lvl":2,"sub":0},{"id":9531,"title":"فصل زنى وله زوجة له منها ولد فقال ما وطئتها","lvl":2,"sub":0},{"id":9532,"title":"فصل شهدت بينة الإحصان على من أنكره أنه","lvl":2,"sub":0},{"id":9533,"title":"فصل جلد الزاني على أنه بكر ثم","lvl":2,"sub":0},{"id":9534,"title":"مسألة ويغسلان ويكفنان ويصلى عليهما الزاني البكر والمحصن","lvl":2,"sub":0},{"id":9535,"title":"مسألة زنى الحر البكر","lvl":2,"sub":0},{"id":9538,"title":"فصل تغريب البكر الزاني","lvl":2,"sub":0},{"id":9539,"title":"فصل زنى الغريب","lvl":2,"sub":0},{"id":9540,"title":"فصل ويخرج مع المرأة محرمها حتى يسكنها","lvl":2,"sub":0},{"id":9541,"title":"فصل حضور إقامة الحد","lvl":2,"sub":0},{"id":9543,"title":"فصل إقامة الحد على الحامل","lvl":2,"sub":0},{"id":9546,"title":"فصل إقامة الحد على المريض","lvl":2,"sub":0},{"id":9548,"title":"مسألة زنى العبد والأمة","lvl":2,"sub":0},{"id":9551,"title":"فصل هل يغرب العبد والأمة إذا زنيا","lvl":2,"sub":0},{"id":9553,"title":"فصل زنى العبد ثم عتق","lvl":2,"sub":0},{"id":9554,"title":"فصل هل للسيد إقامة الحد بالجلد على رقيقة","lvl":2,"sub":0},{"id":9560,"title":"فصل فجر بأمة ثم قتلها","lvl":2,"sub":0},{"id":9561,"title":"فصل زنى من نصفه حر ونصفه رقيق","lvl":2,"sub":0},{"id":9562,"title":"مسألة الزاني من أتي الفاحشة من قبل أودبر","lvl":2,"sub":0},{"id":9563,"title":"فصل وطئ ميتة","lvl":2,"sub":0},{"id":9564,"title":"فصل تزوج ذات محرمه","lvl":2,"sub":0},{"id":9566,"title":"فصل كل نكاح أجمع على بطلانه هل يعتبر زنا","lvl":2,"sub":0},{"id":9567,"title":"فصل إقامة الحد بالوطء في نكاح مختلف فيه","lvl":2,"sub":0},{"id":9568,"title":"فصل وطء جارية مشتركة بينه بين غيره","lvl":2,"sub":0},{"id":9569,"title":"فصل اشترى أمه أو أخته من الرضاعة ونحوهما ووطئهما","lvl":2,"sub":0},{"id":9570,"title":"فصل فيمن زفت إليه غير زوجته فوطئها يعتقدها زوجته","lvl":2,"sub":0},{"id":9571,"title":"فصل لم يعلم تحريم الزنى","lvl":2,"sub":0},{"id":9572,"title":"فصل وطئ جارية غيره","lvl":2,"sub":0},{"id":9574,"title":"فصل أكرهت على الزنا","lvl":2,"sub":0},{"id":9575,"title":"فصل أكره الرجل فزنى","lvl":2,"sub":0},{"id":9576,"title":"مسألة قال حد اللواط","lvl":2,"sub":0},{"id":9578,"title":"فصل تدالكت امرأتان","lvl":2,"sub":0},{"id":9579,"title":"مسألة قال أتيان البهيمة","lvl":2,"sub":0},{"id":9580,"title":"فصل قتل البهيمة التي أتاها رجل","lvl":2,"sub":0},{"id":9582,"title":"مسألة قال من الذي يجب عليه الحد","lvl":2,"sub":0},{"id":9584,"title":"فصل الإقرار بالزنا هل في مجلس واحد أم في مجالس","lvl":2,"sub":0},{"id":9585,"title":"فصل ما يعتبر في صحة الإقرار بالزنا","lvl":2,"sub":0},{"id":9586,"title":"فصل أقر أنه زنى بامرأة فكذبته","lvl":2,"sub":0},{"id":9587,"title":"مسألة اعتبار البلوغ والعقل في إقامة الحد","lvl":2,"sub":0},{"id":9588,"title":"فصل كان المقر بالزنا يجن مرة ويفيق أخرى","lvl":2,"sub":0},{"id":9589,"title":"فصل وجد منه الزنى حال نومه","lvl":2,"sub":0},{"id":9590,"title":"فصل الحد لا يجب على المريض في مرضه","lvl":2,"sub":0},{"id":9591,"title":"فصل إقرار الأخرس بالزنا","lvl":2,"sub":0},{"id":9592,"title":"فصل أكره على الإقرار بالزنا","lvl":2,"sub":0},{"id":9593,"title":"فصل أقر أنه وطئ امرأة وادعى أنها امرأته وأنكرت","lvl":2,"sub":0},{"id":9594,"title":"مسألة من شرط إقامة الحد بالإقرار البقاء عليه إلى","lvl":2,"sub":0},{"id":9596,"title":"مسألة شروط شهود الزنا","lvl":2,"sub":0},{"id":9601,"title":"فصل لم تكمل شهود الزنا","lvl":2,"sub":0},{"id":9603,"title":"فصل كمل شهود الزنا أربعة غير مرضيين أو واحد منهم","lvl":2,"sub":0},{"id":9605,"title":"فصل رجع شهود الزنا عن الشهادة أو واحد منهم","lvl":2,"sub":0},{"id":9606,"title":"فصل شهد اثنان أنه زنى بها في هذا البيت واثنان","lvl":2,"sub":0},{"id":9607,"title":"فصل اختلاف شهود الزنا في المكان","lvl":2,"sub":0},{"id":9608,"title":"فصل في اختلاف الشهود في لون ثياب الزاني","lvl":2,"sub":0},{"id":9609,"title":"فصل شهد اثنان أنه زنى بها مكرهة وشهد اثنان أنه زنى","lvl":2,"sub":0},{"id":9611,"title":"فصل تمت الشهادة بالزنا فصدقهم المشهود عليه بالزنا","lvl":2,"sub":0},{"id":9612,"title":"فصل شهد شاهدان واعترف هو مرتين بالزنا","lvl":2,"sub":0},{"id":9613,"title":"فصل كملت البينة ثم مات الشهود أو غابوا","lvl":2,"sub":0},{"id":9614,"title":"فصل شهدوا بزنا قديم أو أقر به","lvl":2,"sub":0},{"id":9615,"title":"فصل الشهادة بالحد من غير مدع","lvl":2,"sub":0},{"id":9616,"title":"فصل شهد أربعة على امرأة بالزنا فشهد ثقات من","lvl":2,"sub":0},{"id":9617,"title":"فصل شهد أربعة على رجل أنه زنى بامرأة وشهد أربعة آخرون","lvl":2,"sub":0},{"id":9618,"title":"فصل كل زنا أوجب الحد لا يقبل فيه إلا أربعة شهود","lvl":2,"sub":0},{"id":9619,"title":"فصل إقامة الإمام الحد بعلمه","lvl":2,"sub":0},{"id":9620,"title":"فصل أحبلت امرأة لا زوج لها ولا سيد","lvl":2,"sub":0},{"id":9622,"title":"فصل استأجر امرأة لعمل شيء فزنى بها أو استأجرها ليزني بها","lvl":2,"sub":0},{"id":9623,"title":"فصل وطئ امرأة له عليها القصاص","lvl":2,"sub":0},{"id":9624,"title":"مسألة رجم بإقرار فرجع قبل أن يقتل","lvl":2,"sub":0},{"id":9625,"title":"فصل ما يستحب للإمام أو الحاكم الذي يثبت عنده الحد بالإقرار","lvl":2,"sub":0},{"id":9627,"title":"مسألة زنى مرارا ولم يحد","lvl":2,"sub":0},{"id":9628,"title":"مسألة تحاكم إلينا أهل الذمة","lvl":2,"sub":0},{"id":9631,"title":"فصل تحاكم مسلم وذمي","lvl":2,"sub":0},{"id":9632,"title":"مسألة قذف بالغ حرا مسلما أو حرة مسلمة","lvl":2,"sub":0},{"id":9635,"title":"فصل الحد على القاذف في غير دار الإسلام","lvl":2,"sub":0},{"id":9636,"title":"فصل قدر حد القاذف","lvl":2,"sub":0},{"id":9637,"title":"مسألة قال طالب المقذوف بالحد ولم يكن للقاذف بينة","lvl":2,"sub":0},{"id":9638,"title":"فصل حد قذف الغائب","lvl":2,"sub":0},{"id":9639,"title":"مسألة قال كان القاذف عبدا أو أمة","lvl":2,"sub":0},{"id":9641,"title":"فصل قذف ولده وإن نزل","lvl":2,"sub":0},{"id":9642,"title":"الفصل الأول قذف رجلا بعمل قوم لوط","lvl":2,"sub":0},{"id":9644,"title":"الفصل الثاني قال أردت أنك من قوم لوط بعدما","lvl":2,"sub":0},{"id":9645,"title":"مسألة قال لرجل يا معفوج","lvl":2,"sub":0},{"id":9646,"title":"فصل شرط إقامة الحد على القاذف","lvl":2,"sub":0},{"id":9647,"title":"فصل التعريض بالقذف","lvl":2,"sub":0},{"id":9649,"title":"فصل قال لرجل يا ديوث يا كشخان","lvl":2,"sub":0},{"id":9650,"title":"فصل نفى رجلا عن أبيه","lvl":2,"sub":0},{"id":9651,"title":"فصل قذف رجل رجلا فقال آخر صدقت","lvl":2,"sub":0},{"id":9652,"title":"فصل قال أنت أزنى من فلان أو أزنى الناس","lvl":2,"sub":0},{"id":9653,"title":"فصل قال لرجل زنأت مهموزا","lvl":2,"sub":0},{"id":9654,"title":"فصل قال لرجل يا زانية أو لامرأة يا زان","lvl":2,"sub":0},{"id":9655,"title":"فصل قال لرجل زنيت بفلانة","lvl":2,"sub":0},{"id":9657,"title":"مسألة قذف رجلا فلم يقم الحد حتى زنى المقذوف","lvl":2,"sub":0},{"id":9658,"title":"فصل وجب الحد على ذمي أو مرتد فلحق","lvl":2,"sub":0},{"id":9659,"title":"مسألة قذف مشركا أو عبدا أو مسلما له دون العشر","lvl":2,"sub":0},{"id":9660,"title":"فصل اختلف القاذف والمقذوف","lvl":2,"sub":0},{"id":9661,"title":"مسألة قذف من كان مشركا","lvl":2,"sub":0},{"id":9663,"title":"مسألة قذف الملاعنة","lvl":2,"sub":0},{"id":9664,"title":"فصل قذف من ثبت زناه ببينة أو إقرار أو","lvl":2,"sub":0},{"id":9665,"title":"مسألة مطالبة الابن بحد القذف عن أمه","lvl":2,"sub":0},{"id":9667,"title":"فصل مطالبة الابن بحد القذف عن جدته","lvl":2,"sub":0},{"id":9668,"title":"مسألة قال قذف أم النبي","lvl":2,"sub":0},{"id":9670,"title":"مسألة قذف الجماعة بكلمة واحدة","lvl":2,"sub":0},{"id":9672,"title":"فصل قذف الجماعة بكلمات","lvl":2,"sub":0},{"id":9673,"title":"فصل قال لرجل يا ابن الزانيين","lvl":2,"sub":0},{"id":9674,"title":"فصل قذف رجلا مرات","lvl":2,"sub":0},{"id":9676,"title":"فصل قال من رماني فهو ابن الزانية","lvl":2,"sub":0},{"id":9677,"title":"فصل ادعى على رجل أنه قذفه فأنكر","lvl":2,"sub":0},{"id":9678,"title":"مسألة قتل أو أتى حدا خارج الحرم ثم لجأ إلى الحرم","lvl":2,"sub":0},{"id":9682,"title":"مسألة قتل أو أتى حدا في الحرم","lvl":2,"sub":0},{"id":9683,"title":"فصل حرم مدينة النبي هل يمنع إقامة الحد","lvl":2,"sub":0},{"id":9684,"title":"باب القطع في السرقة","lvl":2,"sub":0},{"id":9685,"title":"مسألة القطع في السرقة لا يجب إلا بشروط سبعة","lvl":2,"sub":0},{"id":9691,"title":"فصل سرق ربع دينار من المضروب الخالص","lvl":2,"sub":0},{"id":9694,"title":"فصل سرق عبدا صغيرا","lvl":2,"sub":0},{"id":9696,"title":"فصل سرق ماء","lvl":2,"sub":0},{"id":9697,"title":"فصل الأموال التي يجب فيها القطع إذا سرقت","lvl":2,"sub":0},{"id":9699,"title":"فصل سرق مصحفا","lvl":2,"sub":0},{"id":9700,"title":"فصل سرق عينا موقوفة","lvl":2,"sub":0},{"id":9703,"title":"فصل سرق الخيمة والخركاه وكان فيها أحد","lvl":2,"sub":0},{"id":9704,"title":"فصل حرز البقل وقدور الباقلاء ونحوها","lvl":2,"sub":0},{"id":9705,"title":"فصل حرز الإبل","lvl":2,"sub":0},{"id":9707,"title":"فصل سرق من الحمام ولا حافظ فيه","lvl":2,"sub":0},{"id":9709,"title":"فصل حرز حائط الدار","lvl":2,"sub":0},{"id":9710,"title":"فصل سرق باب مسجد منصوبا أو باب الكعبة المنصوب","lvl":2,"sub":0},{"id":9711,"title":"فصل أجر داره ثم سرق منها مال المستأجر","lvl":2,"sub":0},{"id":9712,"title":"فصل غصب بيتا فأحرز فيه ماله فسرقه","lvl":2,"sub":0},{"id":9713,"title":"فصل سرق الضيف من مال مضيفه شيئا نظرت","lvl":2,"sub":0},{"id":9714,"title":"فصل أحرز المضارب مال المضاربة أو الوديعة أو العارية","lvl":2,"sub":0},{"id":9715,"title":"فصل سرق نصابا أو غصبه فأحرزه فجاء المالك فهتك","lvl":2,"sub":0},{"id":9717,"title":"فصل إخراج المتاع من الحرز","lvl":2,"sub":0},{"id":9719,"title":"فصل أخرج المتاع من بيت في الدار أو الخان إلى الصحن","lvl":2,"sub":0},{"id":9720,"title":"فصل الطرار سرا يقطع وإن اختلس لم يقطع","lvl":2,"sub":0},{"id":9721,"title":"فصل دخل السارق حرزا فاحتلب لبنا من ماشية","lvl":2,"sub":0},{"id":9723,"title":"فصل نقب الحرز ثم دخل فأخرج ما","lvl":2,"sub":0},{"id":9725,"title":"مسألة كان المسروق ثمرا أو كثرا","lvl":2,"sub":0},{"id":9726,"title":"فصل سرق من الثمر المعلق","lvl":2,"sub":0},{"id":9728,"title":"مسألة ابتداء قطع السارق","lvl":2,"sub":0},{"id":9731,"title":"فصل يقطع السارق بأسهل ما يمكن","lvl":2,"sub":0},{"id":9732,"title":"فصل تعليق اليد في عنق السارق","lvl":2,"sub":0},{"id":9733,"title":"فصل قطع يد السارق في شدة الحر أو البرد","lvl":2,"sub":0},{"id":9734,"title":"فصل سرق مرات قبل القطع","lvl":2,"sub":0},{"id":9735,"title":"فصل سرق ولا يمنى له","lvl":2,"sub":0},{"id":9736,"title":"فصل سرق وله يمنى","lvl":2,"sub":0},{"id":9737,"title":"فصل سرق فقطع الجذاذ يساره بدلا عن يمينه","lvl":2,"sub":0},{"id":9738,"title":"مسألة عاد السارق بعدما قطعت يداه ورجله","lvl":2,"sub":0},{"id":9741,"title":"فصل سرق من يده اليسرى مقطوعة أو شلاء أو مقطوعة الأصابع","lvl":2,"sub":0},{"id":9743,"title":"مسألة الحر والحرة والعبد والأمة في القطع سواء","lvl":2,"sub":0},{"id":9745,"title":"فصل قطع الآبق بسرقته","lvl":2,"sub":0},{"id":9746,"title":"فصل أقر العبد بسرقة مال في يده فأنكر","lvl":2,"sub":0},{"id":9747,"title":"فصل يقطع المسلم بسرقة مال المسلم والذمي ويقطع الذمي","lvl":2,"sub":0},{"id":9748,"title":"مسألة وهبت للسارق السرقة بعد إخراجها","lvl":2,"sub":0},{"id":9750,"title":"فصل أقر المسروق منه أن المسروق كان ملكا","lvl":2,"sub":0},{"id":9751,"title":"مسألة أخرج السرقة وقيمتها ثلاثة دراهم فلم يقطع","lvl":2,"sub":0},{"id":9752,"title":"مسألة رد السرقة إلى مالكها بعد قطع يد السارق","lvl":2,"sub":0},{"id":9754,"title":"فصل فعل السارق في العين المسروقة فعلا نقصها به","lvl":2,"sub":0},{"id":9755,"title":"مسألة أخرج النباش من القبر كفنا قيمته ثلاثة","lvl":2,"sub":0},{"id":9757,"title":"فصل الكفن الذي يقطع بسرقته","lvl":2,"sub":0},{"id":9758,"title":"فصل هل يفتقر في قطع النباش إلى المطالبة","lvl":2,"sub":0},{"id":9759,"title":"مسألة القطع في سرقة المحرم أو آلة اللهو","lvl":2,"sub":0},{"id":9761,"title":"فصل سرق صليبا من ذهب أو فضة","lvl":2,"sub":0},{"id":9763,"title":"مسألة قال هل يقطع الوالد فيما أخذ من","lvl":2,"sub":0},{"id":9766,"title":"فصل هل يقطع الابن وإن سفل بسرقة مال والده وإن","lvl":2,"sub":0},{"id":9767,"title":"فصل هل يقطع بالسرقة من ذي رحم","lvl":2,"sub":0},{"id":9768,"title":"فصل سرق أحد الزوجين من مال الآخر","lvl":2,"sub":0},{"id":9769,"title":"فصل سرق مسلم من بيت المال","lvl":2,"sub":0},{"id":9770,"title":"فصل سرق من الوقف أو من غلته وكان","lvl":2,"sub":0},{"id":9771,"title":"فصل القطع في المجاعة","lvl":2,"sub":0},{"id":9772,"title":"مسألة بما يجب القطع","lvl":2,"sub":0},{"id":9775,"title":"مسألة رجع السارق عن إقراره قبل القطع","lvl":2,"sub":0},{"id":9776,"title":"فصل تلقين السارق ليرجع عن إقراره","lvl":2,"sub":0},{"id":9778,"title":"مسألة اشترك الجماعة في سرقة قيمتها ثلاثة دراهم","lvl":2,"sub":0},{"id":9780,"title":"فصل كان أحد الشريكين ممن لا قطع عليه","lvl":2,"sub":0},{"id":9781,"title":"فصل اشترك رجلان في إخراج نصاب السرقة من الدار","lvl":2,"sub":0},{"id":9783,"title":"فصل نقب أحدهما وحده ودخل الآخر وحده","lvl":2,"sub":0},{"id":9784,"title":"مسألة هل تشترط المطالبة من مالك المسروق","lvl":2,"sub":0},{"id":9785,"title":"فصل أقر بسرقة من رجل فقال المالك : لم تسرق","lvl":2,"sub":0},{"id":9786,"title":"فصل ثبتت سرقته ببينة عادلة فأنكر","lvl":2,"sub":0},{"id":9787,"title":"كتاب قطاع الطريق","lvl":2,"sub":0},{"id":9790,"title":"مسألة قاطع الطريق قتل وأخذ المال","lvl":2,"sub":0},{"id":9799,"title":"مسألة قطع يد قطاع الطريق","lvl":2,"sub":0},{"id":9800,"title":"مسألة نفي قطاع الطريق","lvl":2,"sub":0},{"id":9802,"title":"مسألة توبة قطاع الطريق قبل القدرة عليهم","lvl":2,"sub":0},{"id":9803,"title":"فصل فعل المحارب ما يوجب حدا لا يختص بالمحاربة","lvl":2,"sub":0},{"id":9804,"title":"فصل تاب من عليه حد من غير المحاربين وأصلح","lvl":2,"sub":0},{"id":9806,"title":"فصل حكم الردء من القطاع","lvl":2,"sub":0},{"id":9807,"title":"فصل قطاع الطريق كان فيهم صبي أو مجنون أو ذو رحم","lvl":2,"sub":0},{"id":9808,"title":"فصل كان قطاع الطريق فيهم امرأة","lvl":2,"sub":0},{"id":9809,"title":"فصل أخذ المحاربون المال وأقيمت فيهم حدود الله تعالى","lvl":2,"sub":0},{"id":9810,"title":"فصل اجتمعت الحدود لم تخل من ثلاثة أقسام","lvl":2,"sub":0},{"id":9817,"title":"فصل سرق وقتل في المحاربة ولم يأخذ المال","lvl":2,"sub":0},{"id":9818,"title":"فصل شهد عدلان على رجل أنه قطع عليهما الطريق وعلى","lvl":2,"sub":0},{"id":9819,"title":"الفصل الأول كل مسكر حرام","lvl":2,"sub":0},{"id":9823,"title":"الفصل الثاني : حد من شرب قليلا من المسكر أو كثيرا","lvl":2,"sub":0},{"id":9825,"title":"فصل ثرد في الخمر أو اصطبغ به أو طبخ به","lvl":2,"sub":0},{"id":9826,"title":"الفصل الثالث حد شرب الخمر","lvl":2,"sub":0},{"id":9827,"title":"الفصل الرابع إلزام الحد لمن شرب باختياره","lvl":2,"sub":0},{"id":9829,"title":"الفصل الخامس الحد يلزم من شرب الخمر عالما أن كثيرها يسكر","lvl":2,"sub":0},{"id":9830,"title":"فصل يثبت حد شرب الخمر بالإقرار والبينة","lvl":2,"sub":0},{"id":9831,"title":"فصل لا يجب الحد بوجود رائحة الخمر من فيه","lvl":2,"sub":0},{"id":9832,"title":"فصل وجد سكران أو تقيأ الخمر","lvl":2,"sub":0},{"id":9833,"title":"فصل تثبت البينة في شرب الخمر بالعدول","lvl":2,"sub":0},{"id":9834,"title":"مسألة مات شارب الخمر في جلده","lvl":2,"sub":0},{"id":9837,"title":"فصل لا يقام الحد على السكران حتى يصحو","lvl":2,"sub":0},{"id":9838,"title":"فصل حد السكر الذي يحصل به فسق شارب النبيذ","lvl":2,"sub":0},{"id":9840,"title":"المسألة الأولى أن الرجل يضرب الحد قائما","lvl":2,"sub":0},{"id":9842,"title":"المسألة الثانية صفة جلد الحدود","lvl":2,"sub":0},{"id":9843,"title":"المسألة الثالثة الضرب بالسوط في الحدود","lvl":2,"sub":0},{"id":9845,"title":"مسألة كيفية إقامة الحد على المرأة","lvl":2,"sub":0},{"id":9846,"title":"فصل أشد الضرب في الحدود","lvl":2,"sub":0},{"id":9847,"title":"مسألة يجلد العبد والأمة أربعين بدون سوط الحر","lvl":2,"sub":0},{"id":9848,"title":"فصل لا تقام الحدود في المساجد","lvl":2,"sub":0},{"id":9849,"title":"مسألة قال والعصير إذا أتت عليه ثلاثة أيام","lvl":2,"sub":0},{"id":9850,"title":"مسألة النبيذ إذا ترك ثلاثة أيام","lvl":2,"sub":0},{"id":9851,"title":"فصل حكم الخمر","lvl":2,"sub":0},{"id":9852,"title":"فصل ما طبخ من العصير والنبيذ قبل غليانه حتى صار غير","lvl":2,"sub":0},{"id":9853,"title":"فصل لا بأس بالفقاع","lvl":2,"sub":0},{"id":9854,"title":"فصل الانتباذ في الأوعية","lvl":2,"sub":0},{"id":9855,"title":"فصل يكره الخليطان","lvl":2,"sub":0},{"id":9857,"title":"مسألة الخمرة إذا أفسدت فصيرت خلا","lvl":2,"sub":0},{"id":9859,"title":"مسألة الشرب في آنية الذهب والفضة","lvl":2,"sub":0},{"id":9860,"title":"فصل اتخاذ الآنية من الذهب والفضة واستصناعها","lvl":2,"sub":0},{"id":9861,"title":"مسألة كان قدح عليه ضبة فشرب من غير موضع الضبة","lvl":2,"sub":0},{"id":9863,"title":"فصل استعمال قبيعة السيف من فضة","lvl":2,"sub":0},{"id":9864,"title":"فصل استعمال الحلية لحمائل السيف من الذهب","lvl":2,"sub":0},{"id":9865,"title":"مسألة لا يبلغ بالتعزير الحد","lvl":2,"sub":0},{"id":9868,"title":"فصل وسائل التعزير","lvl":2,"sub":0},{"id":9869,"title":"فصل التعزير فيما شرع فيه التعزير واجب إذا رآه الإمام","lvl":2,"sub":0},{"id":9870,"title":"فصل مات من التعزير","lvl":2,"sub":0},{"id":9871,"title":"فصل ليس على الزوج ضمان الزوجة إذا تلفت من التأديب المشروع","lvl":2,"sub":0},{"id":9872,"title":"فصل قطع طرفا من إنسان فيه أكلة أو سلعة بأذنه وهو كبير","lvl":2,"sub":0},{"id":9873,"title":"فصل ختن الولي الصبي في وقت معتدل في الحر والبرد","lvl":2,"sub":0},{"id":9874,"title":"فصل إذا أمر السلطان إنسانا بالصعود في","lvl":2,"sub":0},{"id":9875,"title":"مسألة حمل عليه جمل صائل فلم يقدر على الامتناع","lvl":2,"sub":0},{"id":9876,"title":"مسألة إذا دخل منزله بالسلاح","lvl":2,"sub":0},{"id":9878,"title":"فصل وكل من عرض لإنسان يريد ماله أو نفسه","lvl":2,"sub":0},{"id":9880,"title":"فصل وإذا وجد رجلا يزني بامرأته فقتله","lvl":2,"sub":0},{"id":9882,"title":"فصل ولو قتل رجل رجلا وادعى أنه قد هجم منزلي","lvl":2,"sub":0},{"id":9883,"title":"فصل ولو عض رجل يد آخر","lvl":2,"sub":0},{"id":9885,"title":"فصل ومن اطلع في بيت إنسان من ثقب أو شق باب أو","lvl":2,"sub":0},{"id":9888,"title":"مسألة قال وما أفسدت البهائم","lvl":2,"sub":0},{"id":9890,"title":"فصل وإن أتلفت البهيمة غير الزرع","lvl":2,"sub":0},{"id":9891,"title":"فصل ومن اقتنى كلبا عقورا , فأطلقه فعقر إنسانا أو دابة","lvl":2,"sub":0},{"id":9892,"title":"فصل وإن اقتنى حماما أو غيره من الطير فأرسله","lvl":2,"sub":0},{"id":9893,"title":"مسألة قال وما جنت الدابة بيدها","lvl":2,"sub":0},{"id":9894,"title":"مسألة قال وما جنت برجلها","lvl":2,"sub":0},{"id":9895,"title":"فصل فإن كان على الدابة راكبان","lvl":2,"sub":0},{"id":9896,"title":"فصل والجمل المقطور على الجمل الذي عليه راكب","lvl":2,"sub":0},{"id":9897,"title":"فصل وإن وقفت الدابة في طريق ضيق","lvl":2,"sub":0},{"id":9898,"title":"مسألة قال وإذا اصطدم الفارسان , فماتت الدابتان","lvl":2,"sub":0},{"id":9899,"title":"مسألة قال وإن كان أحدهما يسير والآخر","lvl":2,"sub":0},{"id":9900,"title":"مسألة قال وإن تصادم نفسان يمشيان , فماتا","lvl":2,"sub":0},{"id":9902,"title":"مسألة قال وإذا وقعت السفينة المنحدرة على المصاعدة","lvl":2,"sub":0},{"id":9905,"title":"فصل وإن خيف على السفينة الغرق فألقى","lvl":2,"sub":0},{"id":9907,"title":"فصل وإذا خرق سفينة فغرقت بما فيها","lvl":2,"sub":0},{"id":9908,"title":"كتاب الجهاد","lvl":2,"sub":0},{"id":9910,"title":"فصل ويتعين الجهاد في ثلاثة مواضع","lvl":2,"sub":0},{"id":9911,"title":"فصل ويشترط لوجوب الجهاد سبعة شروط","lvl":2,"sub":0},{"id":9913,"title":"فصل أقل الجهاد مرة في كل عام .","lvl":2,"sub":0},{"id":9914,"title":"مسألة أفضل الأعمال بعد الفرائض الجهاد","lvl":2,"sub":0},{"id":9916,"title":"مسألة غزو البحر أفضل من غزو البر","lvl":2,"sub":0},{"id":9918,"title":"مسألة الغزو مع كل بر وفاجر","lvl":2,"sub":0},{"id":9920,"title":"مسألة يقاتل كل قوم من يليهم من العدو","lvl":2,"sub":0},{"id":9921,"title":"فصل وأمر الجهاد موكول إلى الإمام واجتهاده","lvl":2,"sub":0},{"id":9923,"title":"مسألة تمام الرباط أربعون يوما","lvl":2,"sub":0},{"id":9925,"title":"فصل وأفضل الرباط المقام بأشد الثغور خوفا","lvl":2,"sub":0},{"id":9928,"title":"فصل نقل النساء والذرية إلى الثغور المخوفة","lvl":2,"sub":0},{"id":9929,"title":"فصل لأهل الثغر أن يجتمعوا في المسجد الأعظم","lvl":2,"sub":0},{"id":9930,"title":"فصل الحرس في سبيل الله","lvl":2,"sub":0},{"id":9932,"title":"مسألة إذا كان المتطوع للجهاد أبواه مسلمين","lvl":2,"sub":0},{"id":9934,"title":"مسألة الاستجابة إذا خوطب بالجهاد","lvl":2,"sub":0},{"id":9935,"title":"فصل الخروج إلى الجهاد بإذن الوالدين","lvl":2,"sub":0},{"id":9936,"title":"فصل أذن له والداه في الغزو وشرط عليه لا يقاتل","lvl":2,"sub":0},{"id":9937,"title":"فصل من عليه دين حال أو مؤجل هل يجوز له الخروج للغزو","lvl":2,"sub":0},{"id":9938,"title":"مسألة يقاتل أهل الكتاب والمجوس ولا يدعون إلى الإسلام","lvl":2,"sub":0},{"id":9941,"title":"مسألة يقاتل أهل الكتاب والمجوس حتى يسلموا أو يعطوا الجزية","lvl":2,"sub":0},{"id":9944,"title":"مسألة النفر عند ملاقاة العدو في الحرب","lvl":2,"sub":0},{"id":9946,"title":"فصل الإمام إذا غضب على الرجل فقال اخرج عليك","lvl":2,"sub":0},{"id":9947,"title":"مسألة دخول النساء مع المسلمين في الحرب","lvl":2,"sub":0},{"id":9949,"title":"فصل ينبغي للأمير أن يرفق بجيشه في الحرب","lvl":2,"sub":0},{"id":9950,"title":"فصل الرجلين يشتريان الفرس بينهما يغزوان عليه","lvl":2,"sub":0},{"id":9951,"title":"مسألة استئذان الأمير في الغزو في كل شيء","lvl":2,"sub":0},{"id":9955,"title":"فصل الخدعة في الحرب للمبارز وغيره","lvl":2,"sub":0},{"id":9956,"title":"فصل غزوا في البحر فأراد رجل أن يقيم بالساحل","lvl":2,"sub":0},{"id":9957,"title":"مسألة أعطي شيئا يستعين به في غزاته","lvl":2,"sub":0},{"id":9958,"title":"مسألة حمل الرجل على دابة في الغزو","lvl":2,"sub":0},{"id":9960,"title":"مسألة للإمام التصرف في سبايا الحرب","lvl":2,"sub":0},{"id":9963,"title":"فصل أسلم الأسير","lvl":2,"sub":0},{"id":9965,"title":"فصل سؤال الأسارى من أهل الكتاب عن الجزية","lvl":2,"sub":0},{"id":9966,"title":"فصل أسر العبد في الحرب","lvl":2,"sub":0},{"id":9967,"title":"مسألة سبيل من استرق منهم في الحرب","lvl":2,"sub":0},{"id":9968,"title":"مسألة استرقاق النساء والأطفال من أهل الكتاب وغيرهم","lvl":2,"sub":0},{"id":9969,"title":"فصل بيع شيء من رقيق المسلمين لكافر","lvl":2,"sub":0},{"id":9970,"title":"فصل أسر أسيرا في الحرب","lvl":2,"sub":0},{"id":9972,"title":"فصل أسر فادعى أنه كان مسلما","lvl":2,"sub":0},{"id":9973,"title":"مسألة ينفل الإمام ومن استخلفه","lvl":2,"sub":0},{"id":9979,"title":"فصل رجع إلى الساقة في الجهاد","lvl":2,"sub":0},{"id":9980,"title":"فصل للإمام ونائبه أن يبذلا جعلا لمن يدله على ما فيه","lvl":2,"sub":0},{"id":9983,"title":"فصل النفل من أربعة أخماس الغنيمة","lvl":2,"sub":0},{"id":9985,"title":"مسألة يرد من نفل على من معه في السرية","lvl":2,"sub":0},{"id":9986,"title":"الفصل الأول القاتل يستحق السلب في الجملة","lvl":2,"sub":0},{"id":9987,"title":"الفصل الثاني السلب لكل قاتل يستحق السهم أو الرضخ","lvl":2,"sub":0},{"id":9988,"title":"الفصل الثالث السلب للقاتل في كل حال","lvl":2,"sub":0},{"id":9990,"title":"الفصل الرابع يستحق السلب بشروط أربعة","lvl":2,"sub":0},{"id":9994,"title":"الفصل الخامس السلب لا يخمس","lvl":2,"sub":0},{"id":9996,"title":"الفصل السادس القاتل يستحق السلب","lvl":2,"sub":0},{"id":9998,"title":"مسألة للقاتل سلب ما على الدابة وما عليها من آلتها","lvl":2,"sub":0},{"id":10001,"title":"فصل لا تقبل دعوى القتل إلا ببينة","lvl":2,"sub":0},{"id":10002,"title":"فصل سلب القتلى وتركهم عراة","lvl":2,"sub":0},{"id":10003,"title":"مسألة أمان الرجل والمرأة","lvl":2,"sub":0},{"id":10007,"title":"فصل جاء المسلم بمشرك ادعى أنه أسره وادعى الكافر","lvl":2,"sub":0},{"id":10008,"title":"فصل طلب الأمان ليسمع كلام الله","lvl":2,"sub":0},{"id":10010,"title":"فصل دخل حربي دار الإسلام بأمان","lvl":2,"sub":0},{"id":10012,"title":"فصل سرق المستأمن في دار الإسلام","lvl":2,"sub":0},{"id":10013,"title":"فصل دخلت الحربية إلينا بأمان فتزوجت ذميا في درانا","lvl":2,"sub":0},{"id":10014,"title":"مسألة طلب الأمان ليفتح الحصن","lvl":2,"sub":0},{"id":10016,"title":"فصل لقي علجا فطلب منه الأمان","lvl":2,"sub":0},{"id":10017,"title":"فصل دخل حربي دار الإسلام بغير أمان","lvl":2,"sub":0},{"id":10018,"title":"مسألة دخل إلى أرضهم من الغزاة فارسا","lvl":2,"sub":0},{"id":10020,"title":"مسألة سهم الفارس والفرس في الغنيمة","lvl":2,"sub":0},{"id":10022,"title":"مسألة سهم الفارس وسهم الفرس الهجين","lvl":2,"sub":0},{"id":10025,"title":"مسألة لا يسهم لأكثر من فرسين","lvl":2,"sub":0},{"id":10026,"title":"مسألة غزا على بعير هل يسهم له","lvl":2,"sub":0},{"id":10028,"title":"مسألة مات بعد إحراز الغنيمة","lvl":2,"sub":0},{"id":10029,"title":"مسألة سهم الراجل","lvl":2,"sub":0},{"id":10030,"title":"مسألة ويرضخ للمرأة والعبد من الغنيمة","lvl":2,"sub":0},{"id":10034,"title":"فصل انفرد بالغنيمة من لا يسهم له","lvl":2,"sub":0},{"id":10035,"title":"مسألة يسهم للكافر إذا غزا معنا","lvl":2,"sub":0},{"id":10036,"title":"فصل لا يستعان بمشرك في الحرب","lvl":2,"sub":0},{"id":10038,"title":"فصل لا يبلغ بالرضخ للفارس سهم فارس ولا للراجل سهم","lvl":2,"sub":0},{"id":10039,"title":"فصل أول ما يبدأ في قسمة الغنائم","lvl":2,"sub":0},{"id":10040,"title":"مسألة غزا العبد على فرس لسيده","lvl":2,"sub":0},{"id":10041,"title":"فصل غزا الصبي على فرس أو المرأة أو الكافر","lvl":2,"sub":0},{"id":10042,"title":"فصل غزا المرجف أو المخذل على فرس","lvl":2,"sub":0},{"id":10043,"title":"فصل استعار فرسا ليغزو عليه","lvl":2,"sub":0},{"id":10044,"title":"فصل غصب فرسا فقاتل عليه","lvl":2,"sub":0},{"id":10045,"title":"فصل استأجر فرسا ليغزو عليه","lvl":2,"sub":0},{"id":10046,"title":"فصل لا يجوز تفضيل بعض الغانمين على بعض في القسمة","lvl":2,"sub":0},{"id":10047,"title":"مسألة الغنيمة لمن حضر الموقعة","lvl":2,"sub":0},{"id":10050,"title":"مسألة بعثه الأمير لمصلحة الجيش فلم يحضر الغنيمة","lvl":2,"sub":0},{"id":10051,"title":"فصل قوم خلفهم الأمير في بلاد العدو وغزا وغنم ولم","lvl":2,"sub":0},{"id":10052,"title":"فصل قسم الغنائم في دار الحرب","lvl":2,"sub":0},{"id":10054,"title":"مسألة التفريق بين الأم وولدها في قسمة الغنائم","lvl":2,"sub":0},{"id":10057,"title":"مسألة والجد والجدة والأب سواء في تقسيم الغنائم","lvl":2,"sub":0},{"id":10058,"title":"مسألة التفريق بين الإخوة في تقسيم الغنائم","lvl":2,"sub":0},{"id":10059,"title":"فصل التفريق بين سائر الأقارب في تقسيم الغنائم","lvl":2,"sub":0},{"id":10060,"title":"مسألة اشترى من المغنم اثنين أو أكثر وحسبوا عليه","lvl":2,"sub":0},{"id":10061,"title":"مسألة سبي من لم يبلغ من أولاد الكفار","lvl":2,"sub":0},{"id":10063,"title":"فصل سبي المتزوج من الكفار","lvl":2,"sub":0},{"id":10065,"title":"فصل أسلم الحربي في دار الحرب","lvl":2,"sub":0},{"id":10067,"title":"فصل استأجر المسلم أرضا من حربي ثم استولى عليها المسلمون","lvl":2,"sub":0},{"id":10068,"title":"فصل أسلم عبد الحربي أو أمته وخرج إلينا","lvl":2,"sub":0},{"id":10069,"title":"مسألة أخذ الكفار أموال المسلمين ثم قهرهم المسلمون","lvl":2,"sub":0},{"id":10073,"title":"فصل غنم المسلمون من المشركين شيئا عليه علامة المسلمين فلم","lvl":2,"sub":0},{"id":10074,"title":"فصل يملك الكفار أموال المسلمين بالقهر","lvl":2,"sub":0},{"id":10076,"title":"فصل الكافر الحربي إذا أسلم أو دخل إلينا","lvl":2,"sub":0},{"id":10077,"title":"فصل أبق عبد المسلم إلى دار الحرب","lvl":2,"sub":0},{"id":10078,"title":"مسألة أخذ المسلمين شيئا له قيمة من","lvl":2,"sub":0},{"id":10079,"title":"فصل ترك صاحب المقسم شيئا من الغنيمة عجزا","lvl":2,"sub":0},{"id":10080,"title":"فصل وجد في دار الحرب ركازا","lvl":2,"sub":0},{"id":10081,"title":"فصل قوم يكونون في حصن أو رباط فيخرج منهم قوم إلى قتالهم فيصيبون","lvl":2,"sub":0},{"id":10082,"title":"مسألة تعلف فضلا عما يحتاج إليه","lvl":2,"sub":0},{"id":10086,"title":"فصل لا يجوز لبس الثياب ولا ركوب دابة من المغنم","lvl":2,"sub":0},{"id":10087,"title":"فصل أخذوا من الكفار جوارح للصيد","lvl":2,"sub":0},{"id":10088,"title":"مسألة ويشارك الجيش سراياه فيما غنمت","lvl":2,"sub":0},{"id":10089,"title":"مسألة فضل معه من الطعام فأدخله البلد","lvl":2,"sub":0},{"id":10091,"title":"مسألة اشترى المسلم أسيرا من أيدي العدو","lvl":2,"sub":0},{"id":10093,"title":"مسألة سبى المشركون من يؤدي إلينا الجزية","lvl":2,"sub":0},{"id":10095,"title":"مسألة المغانم إذا جمعت وفيها طعام أو علف","lvl":2,"sub":0},{"id":10096,"title":"مسألة باع من المغنم شيئا قبل قسمه لمصلحة المسلمين","lvl":2,"sub":0},{"id":10099,"title":"مسألة لا يجوز تحريق العدو بالنار في الحرب","lvl":2,"sub":0},{"id":10101,"title":"فصل كان في المطمورة العدو فعلم الإمام أنه يقدر","lvl":2,"sub":0},{"id":10102,"title":"فصل تترسوا في الحرب بنسائهم وصبيانهم العدو","lvl":2,"sub":0},{"id":10103,"title":"فصل وقفت امرأة في صف الكفار أو على حصنهم","lvl":2,"sub":0},{"id":10104,"title":"فصل تترسوا بمسلم ولم تدع حاجة إلى رميهم","lvl":2,"sub":0},{"id":10105,"title":"مسألة تغريق النحل وتحريقه في دار الحرب","lvl":2,"sub":0},{"id":10106,"title":"مسألة لا يعقر شاة ولا دابة في دار الحرب","lvl":2,"sub":0},{"id":10109,"title":"مسألة لا يحرق زرعهم إلا أن يكونوا يفعلون ذلك في بلادنا","lvl":2,"sub":0},{"id":10111,"title":"مسألة المسلم يتزوج في أرض العدو","lvl":2,"sub":0},{"id":10113,"title":"فصل في الهجرة","lvl":2,"sub":0},{"id":10116,"title":"مسألة دخل إلى أرض العدو بأمان","lvl":2,"sub":0},{"id":10117,"title":"مسألة أهل الذمة إذا نقضوا العهد","lvl":2,"sub":0},{"id":10118,"title":"فصل أهل الهدنة إذا نقضوا العهد","lvl":2,"sub":0},{"id":10119,"title":"فصل معنى الهدنة","lvl":2,"sub":0},{"id":10121,"title":"فصل مهادنة أهل الذمة على غير مال","lvl":2,"sub":0},{"id":10123,"title":"فصل لا يجوز عقد الهدنة ولا الذمة إلا من الإمام أو نائبه","lvl":2,"sub":0},{"id":10125,"title":"فصل خاف نقض العهد منهم أهل الذمة","lvl":2,"sub":0},{"id":10126,"title":"فصل من عقد الهدنة فعليه حمايتهم من المسلمين وأهل","lvl":2,"sub":0},{"id":10127,"title":"فصل بعد عقد الهدنة مطلقا فجاءنا منهم إنسان مسلما أو بأمان","lvl":2,"sub":0},{"id":10129,"title":"فصل الشروط في عقد الهدنة","lvl":2,"sub":0},{"id":10132,"title":"فصل طلبت امرأة أو صبية مسلمة الخروج من عند الكفار","lvl":2,"sub":0},{"id":10133,"title":"مسألة الإمام يستأجر قوما يدخل بهم بلاد العدو","lvl":2,"sub":0},{"id":10136,"title":"فصل المستأجر على خدمة القوم هل يسهم له","lvl":2,"sub":0},{"id":10137,"title":"فصل التاجر والأجير إذا كانا مع المجاهدين","lvl":2,"sub":0},{"id":10138,"title":"فصل دخل قوم لا منعة لهم دار الحرب بغير إذن","lvl":2,"sub":0},{"id":10140,"title":"مسألة غل من الغنيمة","lvl":2,"sub":0},{"id":10143,"title":"فصل لم يحرق رحله حتى استحدث متاعا آخر الغنيمة","lvl":2,"sub":0},{"id":10144,"title":"فصل عدم إحراق متاع الغال في الغنيمة","lvl":2,"sub":0},{"id":10145,"title":"فصل تاب الغال قبل القسمة","lvl":2,"sub":0},{"id":10147,"title":"مسألة لا يقام الحد على مسلم في أرض العدو","lvl":2,"sub":0},{"id":10150,"title":"فصل تقام الحدود في الثغور","lvl":2,"sub":0},{"id":10151,"title":"مسألة الإمام إذا ظفر بالكفار لم يجز أن يقتل صبيا لم يبلغ","lvl":2,"sub":0},{"id":10154,"title":"فصل لا تقتل امرأة ولا شيخ في دار الحرب","lvl":2,"sub":0},{"id":10156,"title":"فصل لا يقتل زمن ولا أعمى ولا راهب في دار الحرب","lvl":2,"sub":0},{"id":10157,"title":"فصل لا يقتل العبيد في دار الحرب","lvl":2,"sub":0},{"id":10158,"title":"فصل جاز قتل أصحاب العاهات إذا كان له سبيل على","lvl":2,"sub":0},{"id":10159,"title":"مسألة قتال النساء أو المشايخ أو الرهبان في المعركة","lvl":2,"sub":0},{"id":10160,"title":"فصل قتال المريض في المعركة","lvl":2,"sub":0},{"id":10161,"title":"فصل قتال الحراث في المعركة","lvl":2,"sub":0},{"id":10162,"title":"فصل حاصر الإمام حصنا","lvl":2,"sub":0},{"id":10166,"title":"مسألة الأسير إذا خلاه الكفار واستحلفوه على أن يبعث","lvl":2,"sub":0},{"id":10168,"title":"فصل أطلقوه وآمنوه السبي","lvl":2,"sub":0},{"id":10169,"title":"فصل شراء الأسير واقتراضه","lvl":2,"sub":0},{"id":10170,"title":"مسألة للمسلم الهرب من الكافر إذا خشي الأسر","lvl":2,"sub":0},{"id":10173,"title":"فصل كان العدو أكثر من ضعف المسلمين","lvl":2,"sub":0},{"id":10174,"title":"فصل جاء العدو بلدا فلأهله التحصن منهم","lvl":2,"sub":0},{"id":10175,"title":"فصل ولى قوم قبل إحراز الغنيمة وأحرزها الباقون","lvl":2,"sub":0},{"id":10176,"title":"فصل ألقى الكفار نارا في سفينة فيها مسلمون فاشتعلت","lvl":2,"sub":0},{"id":10177,"title":"مسألة أجر نفسه بعد أن غنموا على حفظ الغنيمة","lvl":2,"sub":0},{"id":10179,"title":"فصل الانتفاع من الغنيمة","lvl":2,"sub":0},{"id":10180,"title":"مسألة صفة الأمان","lvl":2,"sub":0},{"id":10182,"title":"فصل الأمان بالإشارة","lvl":2,"sub":0},{"id":10183,"title":"فصل سبيت كافرة وجاء ابنه يطلبها","lvl":2,"sub":0},{"id":10184,"title":"مسألة سرق من الغنيمة","lvl":2,"sub":0},{"id":10185,"title":"فصل السارق من الغنيمة غير الغال","lvl":2,"sub":0},{"id":10186,"title":"مسألة وطئ جارية قبل أن يقسم الغنيمة","lvl":2,"sub":0},{"id":10189,"title":"فصل كان في الغنيمة من يعتق على بعض الغانمين","lvl":2,"sub":0},{"id":10190,"title":"فصل أعتق بعض الغانمين عبدا من الغنيمة قبل القسمة","lvl":2,"sub":0},{"id":10191,"title":"فصل نقل رءوس المشركين من بلد إلى بلد والتمثيل بقتلاهم","lvl":2,"sub":0},{"id":10192,"title":"فصل هدية الكفار","lvl":2,"sub":0},{"id":10193,"title":"كتاب الجزية","lvl":2,"sub":0},{"id":10194,"title":"مسألة من تقبل منه الجزية","lvl":2,"sub":0},{"id":10199,"title":"فصل عقد الذمة المؤبدة","lvl":2,"sub":0},{"id":10200,"title":"مسألة قبول الجزية من كل كافر","lvl":2,"sub":0},{"id":10202,"title":"فصل عقد الذمة لكفار زعموا أنهم من أهل الكتاب","lvl":2,"sub":0},{"id":10203,"title":"مسألة تقدير الجزية","lvl":2,"sub":0},{"id":10206,"title":"فصل بذل أهل الحرب الجزية","lvl":2,"sub":0},{"id":10207,"title":"فصل تجب الجزية في آخر كل حول","lvl":2,"sub":0},{"id":10208,"title":"فصل الجزية مما يسر من أموالهم","lvl":2,"sub":0},{"id":10209,"title":"فصل للإمام أو نائبه عقد الذمة والهدنة","lvl":2,"sub":0},{"id":10210,"title":"فصل على أهل الذمة ضيافة من يمر بهم من المسلمين","lvl":2,"sub":0},{"id":10213,"title":"فصل شرط في عقد الذمة شرطا فاسدا","lvl":2,"sub":0},{"id":10214,"title":"مسألة لا جزية على صبي ولا زائل العقل ولا امرأة","lvl":2,"sub":0},{"id":10215,"title":"فصل بذلت المرأة الجزية","lvl":2,"sub":0},{"id":10216,"title":"فصل بلغ من أولاد أهل الذمة أو أفاق من مجانينهم","lvl":2,"sub":0},{"id":10217,"title":"فصل كان يجن ويفيق من أهل الذمة","lvl":2,"sub":0},{"id":10219,"title":"مسألة الفقير العاجز عن أدائها الجزية","lvl":2,"sub":0},{"id":10220,"title":"مسألة لا تؤخذ الجزية من شيخ فان ولا زمن ولا أعمى","lvl":2,"sub":0},{"id":10221,"title":"مسألة لا جزية على العبد","lvl":2,"sub":0},{"id":10222,"title":"فصل تؤخذ جزية من بعضه حر","lvl":2,"sub":0},{"id":10223,"title":"فصل لا جزية على أهل الصوامع من الرهبان","lvl":2,"sub":0},{"id":10224,"title":"مسألة وجبت عليه الجزية فأسلم قبل أن تؤخذ منه","lvl":2,"sub":0},{"id":10226,"title":"فصل تؤخذ الجزية من ذمي مات بعد الحول","lvl":2,"sub":0},{"id":10227,"title":"فصل اجتمعت الجزية عليه سنين","lvl":2,"sub":0},{"id":10228,"title":"مسألة أعتق لزمته الجزية لما يستقبل","lvl":2,"sub":0},{"id":10229,"title":"مسألة الجزية من نصارى بني تغلب","lvl":2,"sub":0},{"id":10231,"title":"فصل تؤخذ الصدقة مضاعفة من مال من تؤخذ منه","lvl":2,"sub":0},{"id":10233,"title":"فصل بذل التغلبي أداء الجزية هل تحط عنه الصدقة","lvl":2,"sub":0},{"id":10234,"title":"فصل حكم الجزية","lvl":2,"sub":0},{"id":10236,"title":"فصل اتجر نصراني تغلبي فمر بالعاشر","lvl":2,"sub":0},{"id":10237,"title":"مسألة لا تؤكل ذبائحهم ولا تنكح نساؤهم أهل الكتاب","lvl":2,"sub":0},{"id":10238,"title":"مسألة قال من يجز من أهل الذمة إلى غير بلده","lvl":2,"sub":0},{"id":10240,"title":"فصل الجزية والزكاة إنما تؤخذ في السنة مرة واحدة","lvl":2,"sub":0},{"id":10241,"title":"فصل كان مع الذمي عشرة دنانير الجزية","lvl":2,"sub":0},{"id":10243,"title":"فصل العاشر يمر عليه الذمي بخمر أو خنزير","lvl":2,"sub":0},{"id":10244,"title":"فصل أخذ ثمن الخمر والخنزير من أهل الكتاب على","lvl":2,"sub":0},{"id":10245,"title":"فصل مر الذمي بالعاشر وعليه دين بقدر ما معه","lvl":2,"sub":0},{"id":10246,"title":"مسألة دخل إلينا من أهل الكتاب تاجر حربي","lvl":2,"sub":0},{"id":10248,"title":"فصل يؤخذ من أهل الكتاب العشر من كل مال للتجارة","lvl":2,"sub":0},{"id":10249,"title":"فصل يؤخذ العشر من كل حربي تاجر ونصف العشر من كل","lvl":2,"sub":0},{"id":10250,"title":"فصل الحربي يعشر كلما دخل إلينا الجزية","lvl":2,"sub":0},{"id":10251,"title":"فصل ليس لأهل الحرب دخول دار الإسلام بغير أمان","lvl":2,"sub":0},{"id":10252,"title":"مسألة نقض العهد بمخالفة شيء مما صولحوا عليه","lvl":2,"sub":0},{"id":10256,"title":"فصل أمصار المسلمين على ثلاثة أقسام","lvl":2,"sub":0},{"id":10259,"title":"فصل استحدث من أهل الذمة بناء","lvl":2,"sub":0},{"id":10260,"title":"فصل لا يجوز لأهل الكتاب سكنى الحجاز","lvl":2,"sub":0},{"id":10262,"title":"فصل دخول أهل الكتاب الحجاز للتجارة","lvl":2,"sub":0},{"id":10264,"title":"فصل ليس لأهل الكتاب دخول الحرم","lvl":2,"sub":0},{"id":10266,"title":"فصل ليس لأهل الكتاب دخول مساجد الحل بغير إذن المسلمين","lvl":2,"sub":0},{"id":10267,"title":"فصل المأخوذ في أحكام الذمة","lvl":2,"sub":0},{"id":10269,"title":"فصل ما يفعل عند عقد الذمة","lvl":2,"sub":0},{"id":10270,"title":"فصل لم يعرف ما عوهدوا عليه أهل الذمة","lvl":2,"sub":0},{"id":10271,"title":"مسألة هرب من ذمتنا إلى دار الحرب ناقضا للعهد","lvl":2,"sub":0},{"id":10272,"title":"فصل نقض طائفة من أهل الذمة العهد","lvl":2,"sub":0},{"id":10273,"title":"فصل ما يوجب عقد الذمة","lvl":2,"sub":0},{"id":10274,"title":"فصل تحاكم إلينا مسلم مع ذمي","lvl":2,"sub":0},{"id":10275,"title":"فصل تعليم المسلم المجوسي شيئا من القرآن","lvl":2,"sub":0},{"id":10276,"title":"فصل لا تبدءوا اليهود والنصارى بالسلام","lvl":2,"sub":0},{"id":10277,"title":"فصل يذكر بعض أهل الذمة من أن الجزية لا تلزمهم","lvl":2,"sub":0},{"id":10278,"title":"فصل امتهان أهل الذمة عند أخذ الجزية منهم","lvl":2,"sub":0},{"id":10280,"title":"فصل : في الرجل له المرأة النصرانية لا يأذن لها","lvl":2,"sub":0},{"id":10282,"title":"كتاب الصيد والذبائح","lvl":2,"sub":0},{"id":10283,"title":"مسألة سمى وأرسل كلبه أو فهده المعلم واصطاد وقتل ولم","lvl":2,"sub":0},{"id":10295,"title":"فصل : كل ما يقبل التعليم ويمكن الاصطياد به من السباع","lvl":2,"sub":0},{"id":10296,"title":"فصل هل يجب غسل أثر فم الكلب من الصيد ؟","lvl":2,"sub":0},{"id":10297,"title":"مسألة أرسل البازي وما أشبهه فصاد وقتل","lvl":2,"sub":0},{"id":10299,"title":"مسألة لا يؤكل ما صيد بالكلب الأسود إذا كان بهيما","lvl":2,"sub":0},{"id":10300,"title":"مسألة أدرك الصيد وفيه روح فلم يذكه حتى مات","lvl":2,"sub":0},{"id":10302,"title":"مسألة أرسل كلبه فأضاف معه غيره","lvl":2,"sub":0},{"id":10304,"title":"فصل أرسل كلبه فأرسل مجوسي كلبه فقتلا صيدا","lvl":2,"sub":0},{"id":10306,"title":"فصل أرسل مسلم كلبه وأرسل مجوسي كلبه","lvl":2,"sub":0},{"id":10307,"title":"فصل صاد المجوسي بكلب مسلم","lvl":2,"sub":0},{"id":10308,"title":"فصل أرسل جماعة كلابا وسموا فوجدوا الصيد قتيلا لا يدرون","lvl":2,"sub":0},{"id":10309,"title":"مسألة سمى ورمى صيدا فأصابت غيره","lvl":2,"sub":0},{"id":10311,"title":"فصل رأى سوادا أو سمع حسا فظنه آدميا أو بهيمة أو حجرا","lvl":2,"sub":0},{"id":10312,"title":"مسألة رمى فغاب عن عينه فوجده ميتا سهمه فيه ولا","lvl":2,"sub":0},{"id":10315,"title":"مسألة رمى صيده فوقع في ماء أو تردى من","lvl":2,"sub":0},{"id":10316,"title":"فصل رمى طائرا في الهواء أو على شجرة أو جبل","lvl":2,"sub":0},{"id":10317,"title":"مسألة رمى صيدا فقتل جماعة","lvl":2,"sub":0},{"id":10318,"title":"فصل لا بأس بصيد الليل","lvl":2,"sub":0},{"id":10319,"title":"مسألة رمى صيدا فأبان منه عضوا","lvl":2,"sub":0},{"id":10321,"title":"فصل حكم الطريدة في الصيد","lvl":2,"sub":0},{"id":10322,"title":"مسألة نصب المناجل للصيد","lvl":2,"sub":0},{"id":10323,"title":"فصل ما قتلته الشبكة أو الحبل في الصيد","lvl":2,"sub":0},{"id":10324,"title":"مسألة الصيد بالمعراض","lvl":2,"sub":0},{"id":10325,"title":"فصل حكم سائر آلات الصيد","lvl":2,"sub":0},{"id":10326,"title":"مسألة رمى صيدا فعقره ورماه آخر فأثبته","lvl":2,"sub":0},{"id":10327,"title":"فصل رمى صيدا فأثبته ثم رماه آخر فأصابه","lvl":2,"sub":0},{"id":10331,"title":"فصل رمى صيدا فأصابه وبقي على امتناعه حتى","lvl":2,"sub":0},{"id":10332,"title":"فصل تعلق صيد في شرك إنسان أو شبكته","lvl":2,"sub":0},{"id":10334,"title":"مسألة كان في سفينة فوثبت سمكة فسقطت في حجره","lvl":2,"sub":0},{"id":10335,"title":"مسألة لا يصاد السمك بشيء نجس","lvl":2,"sub":0},{"id":10336,"title":"فصل كره الصيد بالخراطيم","lvl":2,"sub":0},{"id":10337,"title":"مسألة لا يؤكل صيد مرتد ولا ذبيحته","lvl":2,"sub":0},{"id":10338,"title":"مسألة ترك التسمية على الصيد عامدا أو ساهيا","lvl":2,"sub":0},{"id":10339,"title":"فصل التسمية على الذبيحة","lvl":2,"sub":0},{"id":10340,"title":"فصل سمى الصائد على صيد فأصاب غيره","lvl":2,"sub":0},{"id":10341,"title":"مسألة ند بعير فلم يقدر عليه فرماه بسهم أو","lvl":2,"sub":0},{"id":10343,"title":"مسألة ذبائح المسلم وأهل الكتاب وما يتعلق بهما","lvl":2,"sub":0},{"id":10344,"title":"فصل لا فرق بين الحربي والذمي في إباحة ذبيحة الكتابي منهم","lvl":2,"sub":0},{"id":10345,"title":"فصل كان أحد أبوي الكتابي ممن لا تحل ذبيحته والآخر","lvl":2,"sub":0},{"id":10346,"title":"فصل حكم ما ذبحوه لكنائسهم وأعيادهم من النصارى","lvl":2,"sub":0},{"id":10348,"title":"مسألة لا يؤكل ما قتل بالبندق أو الحجر","lvl":2,"sub":0},{"id":10349,"title":"مسألة لا يؤكل صيد المجوسي وذبيحته","lvl":2,"sub":0},{"id":10352,"title":"مسألة ما مات من الحيتان في الماء","lvl":2,"sub":0},{"id":10354,"title":"فصل يباح أكل الجراد","lvl":2,"sub":0},{"id":10355,"title":"فصل حكم السمك الملقى في النار ؟","lvl":2,"sub":0},{"id":10356,"title":"مسألة ذكاة المقدور عليه من الصيد والأنعام في الحلق واللبة","lvl":2,"sub":0},{"id":10360,"title":"مسألة يستحب أن ينحر البعير ويذبح ما سواه","lvl":2,"sub":0},{"id":10361,"title":"فصل لا تؤكل المصبورة ولا المجثمة","lvl":2,"sub":0},{"id":10362,"title":"مسألة ما حكم ذبح ما ينحر أو نحر ما يذبح","lvl":2,"sub":0},{"id":10363,"title":"مسألة ذبح فأتى على المقاتل فلم تخرج الروح حتى وقعت في","lvl":2,"sub":0},{"id":10364,"title":"مسألة ذبحها من قفاها وهو مخطئ فأتت السكين","lvl":2,"sub":0},{"id":10366,"title":"مسألة ذكاتها ذكاة جنينها أشعر أو لم يشعر","lvl":2,"sub":0},{"id":10368,"title":"مسألة لا يقطع عضو مما ذكي حتى تزهق نفسه","lvl":2,"sub":0},{"id":10369,"title":"مسألة ذبيحة من أطاق الذبح من المسلمين وأهل الكتاب","lvl":2,"sub":0},{"id":10371,"title":"فصل ذبح الكتابي ما حرم الله عليه مثل كل ذي ظفر","lvl":2,"sub":0},{"id":10372,"title":"مسألة ذبيحة الأخرس","lvl":2,"sub":0},{"id":10373,"title":"مسألة كان جنبا جاز أن يسمي ويذبح","lvl":2,"sub":0},{"id":10374,"title":"فصل تحريم المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وأكيلة السبع","lvl":2,"sub":0},{"id":10377,"title":"مسألة المحرم من الحيوان","lvl":2,"sub":0},{"id":10379,"title":"فصل حكم أكل القنفذ","lvl":2,"sub":0},{"id":10380,"title":"مسألة حكم أكل الحمر الأهلية","lvl":2,"sub":0},{"id":10382,"title":"فصل حكم أكل البغال","lvl":2,"sub":0},{"id":10383,"title":"فصل حكم ألبان الحمر","lvl":2,"sub":0},{"id":10384,"title":"مسألة حكم أكل كل ذي ناب من السباع","lvl":2,"sub":0},{"id":10385,"title":"فصل حكم أكل القرد","lvl":2,"sub":0},{"id":10386,"title":"فصل حكم أكل ابن آوى والنمس وابن عرس","lvl":2,"sub":0},{"id":10387,"title":"فصل حكم أكل الثعلب","lvl":2,"sub":0},{"id":10388,"title":"فصل حكم أكل الفيل","lvl":2,"sub":0},{"id":10389,"title":"فصل الاختلاف في أكل الدب","lvl":2,"sub":0},{"id":10390,"title":"مسألة حكم أكل كل ذي مخلب من الطير","lvl":2,"sub":0},{"id":10392,"title":"فصل حكم أكل الخطاف والخشاف والخفاش","lvl":2,"sub":0},{"id":10394,"title":"فصل حكم أكل لحوم الخيل","lvl":2,"sub":0},{"id":10395,"title":"فصل حكم أكل الأرنب","lvl":2,"sub":0},{"id":10396,"title":"فصل حكم أكل اليربوع","lvl":2,"sub":0},{"id":10397,"title":"فصل يباح من الطيور ما لم يذكر في المحرمات","lvl":2,"sub":0},{"id":10398,"title":"فصل حكم أكل لحوم الجلالة وألبانها","lvl":2,"sub":0},{"id":10400,"title":"فصل حكم الزروع والثمار التي سقيت بالنجاسات أو سمدت بها","lvl":2,"sub":0},{"id":10401,"title":"مسألة اضطر إلى أكل الميتة","lvl":2,"sub":0},{"id":10403,"title":"فصل هل يجب الأكل من الميتة على المضطر","lvl":2,"sub":0},{"id":10404,"title":"فصل تباح أكل المحرمات عند الاضطرار إليها","lvl":2,"sub":0},{"id":10405,"title":"فصل ليس للمضطر في سفر المعصية الأكل من الميتة","lvl":2,"sub":0},{"id":10406,"title":"مسألة مر بثمرة فله أن يأكل منها ولا يحمل","lvl":2,"sub":0},{"id":10409,"title":"فصل الأكل من زرع الغير","lvl":2,"sub":0},{"id":10410,"title":"فصل حكم حلب لبن ماشية الغير","lvl":2,"sub":0},{"id":10411,"title":"مسألة اضطر فأصاب الميتة وخبزا لا يعرف مالكه","lvl":2,"sub":0},{"id":10413,"title":"فصل وجد المحرم ميتة وصيدا","lvl":2,"sub":0},{"id":10415,"title":"فصل لم يجد المضطر إلا آدميا محقون الدم","lvl":2,"sub":0},{"id":10416,"title":"مسألة لم يصب إلا طعاما لم يبعه مالكه المضطر","lvl":2,"sub":0},{"id":10418,"title":"فصل اشتدت المخمصة في سنة المجاعة","lvl":2,"sub":0},{"id":10419,"title":"مسألة لا بأس بأكل الضب والضبع للمضطر","lvl":2,"sub":0},{"id":10421,"title":"مسألة حكم أكل الترياق","lvl":2,"sub":0},{"id":10422,"title":"فصل التداوي بمحرم","lvl":2,"sub":0},{"id":10423,"title":"فصل حكم أكل الأطعمة التي فيها الدود والسوس","lvl":2,"sub":0},{"id":10424,"title":"مسألة لا يؤكل الصيد إذا رمي بسهم مسموم","lvl":2,"sub":0},{"id":10425,"title":"مسألة حكم ما كان مأواه البحر وهو يعيش في البر","lvl":2,"sub":0},{"id":10426,"title":"فصل حكم أكل ما لا يعيش إلا في الماء","lvl":2,"sub":0},{"id":10428,"title":"فصل حكم أكل كلب الماء","lvl":2,"sub":0},{"id":10429,"title":"فصل حكم أكل السمكة توجد في بطن سمكة أخرى","lvl":2,"sub":0},{"id":10430,"title":"مسألة وقعت النجاسة في مائع","lvl":2,"sub":0},{"id":10433,"title":"فصل حكم شحوم الميتة وشحم الخنزير","lvl":2,"sub":0},{"id":10434,"title":"فصل خباز خبز خبزا فباع منه ثم نظر","lvl":2,"sub":0},{"id":10435,"title":"فصل أكره على أكل الطين","lvl":2,"sub":0},{"id":10436,"title":"فصل حكم أكل البصل والثوم والكراث والفجل","lvl":2,"sub":0},{"id":10438,"title":"فصل حكم أكل الغدة وأذن القلب","lvl":2,"sub":0},{"id":10439,"title":"فصل الضيافة حق على كل المسلمين بعضهم بعضا","lvl":2,"sub":0},{"id":10441,"title":"فصل تكره الخبز الكبار","lvl":2,"sub":0},{"id":10443,"title":"فصل التسمية عند الطعام","lvl":2,"sub":0},{"id":10445,"title":"فصل حكم قطع اللحم بالسكين","lvl":2,"sub":0},{"id":10447,"title":"فصل غسل اليد بالنخالة","lvl":2,"sub":0},{"id":10448,"title":"كتاب الأضاحي","lvl":2,"sub":0},{"id":10451,"title":"مسألة أراد أن يضحي فدخل العشر","lvl":2,"sub":0},{"id":10453,"title":"مسألة تجزئ البدنة عن سبعة وكذلك البقرة في الأضحية","lvl":2,"sub":0},{"id":10454,"title":"فصل لا بأس أن يذبح الرجل عن أهل بيته شاة واحدة","lvl":2,"sub":0},{"id":10457,"title":"فصل يسن استسمان الأضحية واستحسانها","lvl":2,"sub":0},{"id":10458,"title":"مسألة قال لا يجزئ إلا الجذع من الضأن والثني","lvl":2,"sub":0},{"id":10460,"title":"مسألة ما هو الجذع من الضأن","lvl":2,"sub":0},{"id":10461,"title":"مسألة يجتنب في الضحايا العوراء البين عورها","lvl":2,"sub":0},{"id":10464,"title":"فصل يجزئ الخصي في الأضحية","lvl":2,"sub":0},{"id":10466,"title":"فصل وتكره المشقوقة الأذن والمثقوبة وما قطع شيء منها الأضحية","lvl":2,"sub":0},{"id":10467,"title":"مسألة : لو أوجبها سليمة فعابت عنده الأضحية","lvl":2,"sub":0},{"id":10468,"title":"فصل نذر أضحية في ذمته ثم عينها في شاة","lvl":2,"sub":0},{"id":10469,"title":"فصل أتلف الأضحية الواجبة","lvl":2,"sub":0},{"id":10471,"title":"فصل اشترى أضحية فلم يوجبها حتى علم بها عيبا","lvl":2,"sub":0},{"id":10472,"title":"مسألة ولدت الأضحية","lvl":2,"sub":0},{"id":10474,"title":"مسألة ما يوجب الأضحية","lvl":2,"sub":0},{"id":10475,"title":"مسألة أوجب الأضحية فكانت ناقصة","lvl":2,"sub":0},{"id":10476,"title":"مسألة لا تباع أضحية الميت في دينه","lvl":2,"sub":0},{"id":10477,"title":"فصل هل تجوز التضحية عن اليتيم من ماله","lvl":2,"sub":0},{"id":10478,"title":"مسألة الاستحباب أن يأكل ثلث أضحيته ويهدي ثلثها ويتصدق بثلثها","lvl":2,"sub":0},{"id":10480,"title":"فصل يجوز ادخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث","lvl":2,"sub":0},{"id":10481,"title":"فصل يجوز إطعام الكافر من الأضحية","lvl":2,"sub":0},{"id":10482,"title":"مسألة لا يعطى الجازر بأجرته شيئا منها الأضحية","lvl":2,"sub":0},{"id":10483,"title":"مسألة الانتفاع بجلد الأضحية","lvl":2,"sub":0},{"id":10485,"title":"مسألة يجوز أن يبدل الأضحية إذا أوجبها بخير منها","lvl":2,"sub":0},{"id":10487,"title":"مسألة مضى من نهار يوم الأضحى مقدار صلاة العيد وخطبته فقد","lvl":2,"sub":0},{"id":10491,"title":"فصل فات وقت الذبح الأضحية","lvl":2,"sub":0},{"id":10492,"title":"فصل وجبت الأضحية بإيجابه لها فضلت أو سرقت","lvl":2,"sub":0},{"id":10493,"title":"مسألة ذبح الأضحية قبل الصلاة","lvl":2,"sub":0},{"id":10494,"title":"مسألة لا يستحب أن يذبحها إلا مسلم الأضحية","lvl":2,"sub":0},{"id":10496,"title":"مسألة التسمية عند الذبح","lvl":2,"sub":0},{"id":10497,"title":"فصل عين أضحية فذبحها غيره بغير إذنه","lvl":2,"sub":0},{"id":10498,"title":"فصل نذر أضحية في ذمته ثم ذبحها","lvl":2,"sub":0},{"id":10499,"title":"فصل لا يضحي عما في البطن","lvl":2,"sub":0},{"id":10500,"title":"مسألة يجوز أن يشترك السبعة فيضحوا بالبدنة والبقرة","lvl":2,"sub":0},{"id":10501,"title":"مسألة حكم العقيقة","lvl":2,"sub":0},{"id":10503,"title":"فصل العقيقة أفضل من الصدقة","lvl":2,"sub":0},{"id":10504,"title":"مسألة العقيقة عن الغلام وعن الجارية شاة","lvl":2,"sub":0},{"id":10506,"title":"مسألة متى تذبح العقيقة","lvl":2,"sub":0},{"id":10507,"title":"فصل يستحب أن يحلق رأس الصبي يوم السابع ويسمى","lvl":2,"sub":0},{"id":10508,"title":"فصل يكره أن يلطخ رأس المولود بدم","lvl":2,"sub":0},{"id":10509,"title":"مسألة يجتنب في العقيقة من العيب ما يجتنب في الأضحية","lvl":2,"sub":0},{"id":10510,"title":"مسألة سبيل العقيقة في الأكل والهدية والصدقة","lvl":2,"sub":0},{"id":10511,"title":"فصل يباع في الأضحية الجلد والرأس والسقط يتصدق","lvl":2,"sub":0},{"id":10512,"title":"فصل يستحب للوالد أن يؤذن في أذن ابنه حين يولد","lvl":2,"sub":0},{"id":10513,"title":"فصل الفرعة والعتيرة في الأضحية","lvl":2,"sub":0},{"id":10515,"title":"كتاب السبق والرمي","lvl":2,"sub":0},{"id":10517,"title":"مسألة السبق في النصل والحافر والخف لا غير","lvl":2,"sub":0},{"id":10519,"title":"مسألة أرادا أن يستبقا أخرج أحدهما ولم يخرج الآخر","lvl":2,"sub":0},{"id":10521,"title":"فصل حكم المسابقة","lvl":2,"sub":0},{"id":10522,"title":"فصل يشترط في السبق أن يكون العوض معلوما","lvl":2,"sub":0},{"id":10523,"title":"فصل شرط أن يطعم السبق أصحابه","lvl":2,"sub":0},{"id":10524,"title":"فصل كان المخرج غير المتسابقين","lvl":2,"sub":0},{"id":10526,"title":"فصل قال لعشرة من سبق منكم فله عشرة","lvl":2,"sub":0},{"id":10528,"title":"مسألة أخرج المتسابقين جميعا في السباق","lvl":2,"sub":0},{"id":10530,"title":"فصل ما يشترط في المسابقة بالحيوان","lvl":2,"sub":0},{"id":10533,"title":"فصل ما يشترط في الرهان على دابتان","lvl":2,"sub":0},{"id":10534,"title":"فصول في المناضلة","lvl":2,"sub":0},{"id":10538,"title":"فصل المناضلة على ثلاثة أضرب","lvl":2,"sub":0},{"id":10541,"title":"فصل شرطا إصابة موضع من الهدف على أن يسقط ما قرب","lvl":2,"sub":0},{"id":10542,"title":"فصل ما هي السنة في الرمي بين المتسابقين","lvl":2,"sub":0},{"id":10544,"title":"فصل شرطا أن يرميا أرشاقا كثيرة","lvl":2,"sub":0},{"id":10545,"title":"فصل أراد أحدهما في السبق التطويل والتشاغل عن الرمي","lvl":2,"sub":0},{"id":10546,"title":"فصل تشاحا في موضع الوقوف المتسابقين","lvl":2,"sub":0},{"id":10547,"title":"فصل عقد النضال على جماعة","lvl":2,"sub":0},{"id":10549,"title":"فصل أخرج أحد الزعيمين السبق من عنده فسبق حزبه","lvl":2,"sub":0},{"id":10550,"title":"فصل كان النضال بين حزبين في السباق","lvl":2,"sub":0},{"id":10551,"title":"فصل كانوا حزبين فدخل معهم رجل لا يعرفونه","lvl":2,"sub":0},{"id":10552,"title":"فصل يقولوا نقرع فمن خرجت قرعته فهو السابق","lvl":2,"sub":0},{"id":10553,"title":"فصل تناضل اثنان وأخرج أحدهما السبق","lvl":2,"sub":0},{"id":10554,"title":"فصل فضل في السباق أحد المتناضلين صاحبه","lvl":2,"sub":0},{"id":10555,"title":"فصل كان شرطهما المتسابقين حواصل","lvl":2,"sub":0},{"id":10556,"title":"فصل أطارت الريح الغرض فوقع السهم في موضعه","lvl":2,"sub":0},{"id":10557,"title":"فصل رمي فأخطأ لعارض","lvl":2,"sub":0},{"id":10558,"title":"فصل كان شرطهما المتسابقين خواسق","lvl":2,"sub":0},{"id":10560,"title":"فصل شرطا خاسقا فوقع السهم في ثقب في الغرض أو","lvl":2,"sub":0},{"id":10561,"title":"فصل قال رجل لآخر ارم هذا السهم فإن أصبت","lvl":2,"sub":0},{"id":10562,"title":"فصل عقدا النضال ولم يذكرا قوسا","lvl":2,"sub":0},{"id":10563,"title":"فصل الرمي بالقوس الفارسية","lvl":2,"sub":0},{"id":10564,"title":"مسألة الجنب في السبق","lvl":2,"sub":0},{"id":10566,"title":"كتاب الأيمان","lvl":2,"sub":0},{"id":10568,"title":"فصل حكم اليمين من الكافر","lvl":2,"sub":0},{"id":10569,"title":"فصل الحلف بغير الله تعالى وصفاته","lvl":2,"sub":0},{"id":10572,"title":"فصل الإفراط في الحلف بالله تعالى","lvl":2,"sub":0},{"id":10574,"title":"فصل والأيمان تنقسم خمسة أقسام","lvl":2,"sub":0},{"id":10578,"title":"فصل كانت اليمين على فعل واجب أو ترك محرم","lvl":2,"sub":0},{"id":10579,"title":"مسألة حلف أن يفعل شيئا فلم يفعله","lvl":2,"sub":0},{"id":10581,"title":"مسألة حلف على شيء ففعله ناسيا","lvl":2,"sub":0},{"id":10583,"title":"فصل فعله غير عالم بالمحلوف عليه الحلف","lvl":2,"sub":0},{"id":10584,"title":"فصل المكره على الفعل","lvl":2,"sub":0},{"id":10585,"title":"مسألة حلف على شيء وهو يعلم أنه كاذب","lvl":2,"sub":0},{"id":10587,"title":"مسألة الكفارة إنما تلزم من حلف يريد عقد اليمين","lvl":2,"sub":0},{"id":10589,"title":"مسألة حلف على شيء يظنه كما حلف","lvl":2,"sub":0},{"id":10591,"title":"مسألة اليمين المكفرة","lvl":2,"sub":0},{"id":10593,"title":"فصل القسم بصفات الله تعالى","lvl":2,"sub":0},{"id":10595,"title":"فصل قال وحق الله","lvl":2,"sub":0},{"id":10596,"title":"فصل قال لعمر الله","lvl":2,"sub":0},{"id":10598,"title":"فصل قال وأيم الله أو وأيمن الله","lvl":2,"sub":0},{"id":10599,"title":"فصل حروف القسم","lvl":2,"sub":0},{"id":10601,"title":"فصل أقسم بغير حرف القسم","lvl":2,"sub":0},{"id":10602,"title":"فصل ما يجاب القسم","lvl":2,"sub":0},{"id":10603,"title":"فصل قال لاها الله ونوى اليمين","lvl":2,"sub":0},{"id":10604,"title":"مسألة الحلف بالقرآن أو بآية منه أو بكلام الله","lvl":2,"sub":0},{"id":10605,"title":"فصل حلف بالمصحف","lvl":2,"sub":0},{"id":10606,"title":"مسألة أخرج النذر مخرج اليمين","lvl":2,"sub":0},{"id":10608,"title":"مسألة حلف بالعهد","lvl":2,"sub":0},{"id":10610,"title":"مسألة الحلف بالخروج من الإسلام","lvl":2,"sub":0},{"id":10612,"title":"فصل قال هو يستحل الخمر والزنى إن فعل ثم حنث","lvl":2,"sub":0},{"id":10613,"title":"فصل الحلف بالبراءة من الإسلام","lvl":2,"sub":0},{"id":10614,"title":"مسألة الحلف بتحريم مملوكه أو شيء من المال","lvl":2,"sub":0},{"id":10616,"title":"مسألة أقسم بالله أو أشهد بالله أو أعزم بالله","lvl":2,"sub":0},{"id":10618,"title":"فصل الإيلاء والحلف والقسم واحد","lvl":2,"sub":0},{"id":10619,"title":"فصل أقسمت أو آليت أو حلفت أو شهدت لأفعلن ولم يذكر بالله","lvl":2,"sub":0},{"id":10621,"title":"فصل قال أعزم أو عزمت في الحلف","lvl":2,"sub":0},{"id":10622,"title":"مسألة الحلف بأمانة الله","lvl":2,"sub":0},{"id":10624,"title":"فصل نوى الحلف بأمانة الله","lvl":2,"sub":0},{"id":10625,"title":"فصل الحلف بأمانة الله","lvl":2,"sub":0},{"id":10626,"title":"فصل تنعقد اليمين بالحلف بمخلوق كالكعبة","lvl":2,"sub":0},{"id":10627,"title":"مسألة حلف بكل ألفاظ القسم كلها على شيء واحد فحنث","lvl":2,"sub":0},{"id":10629,"title":"فصل حلف يمينا واحدة على أجناس مختلفة","lvl":2,"sub":0},{"id":10631,"title":"مسألة حلف على شيء واحد بيمينين مختلفي الكفارة","lvl":2,"sub":0},{"id":10632,"title":"مسألة حلف بحق القرآن","lvl":2,"sub":0},{"id":10634,"title":"مسألة حلف بنحر ولده","lvl":2,"sub":0},{"id":10636,"title":"فصل نذر ذبح نفسه أو أجنبي","lvl":2,"sub":0},{"id":10637,"title":"فصل امرأة نذرت نحر ولدها ولها ثلاثة أولاد","lvl":2,"sub":0},{"id":10638,"title":"مسألة حلف بعتق ما يملك فحنث","lvl":2,"sub":0},{"id":10640,"title":"فصل قال إن فعلت فلله علي أن أعتق عبدي أو أحرره","lvl":2,"sub":0},{"id":10641,"title":"فصل قال عبد فلان حر إن دخلت الدار ثم دخلها","lvl":2,"sub":0},{"id":10642,"title":"فصل فإن قال إن فعلت كذا فمال فلان صدقة","lvl":2,"sub":0},{"id":10643,"title":"مسألة ومن حلف فهو مخير في الكفارة قبل الحنث وبعده","lvl":2,"sub":0},{"id":10646,"title":"فصل التكفير قبل اليمين","lvl":2,"sub":0},{"id":10647,"title":"فصل التكفير قبل الحنث وبعده","lvl":2,"sub":0},{"id":10648,"title":"فصل كان الحنث في اليمين محظورا فعجل الكفارة قبله","lvl":2,"sub":0},{"id":10649,"title":"مسألة حلف فقال إن شاء الله تعالى","lvl":2,"sub":0},{"id":10652,"title":"فصل الاستثناء بالقلب في اليمين","lvl":2,"sub":0},{"id":10653,"title":"فصل الاستثناء في كل يمين مكفرة","lvl":2,"sub":0},{"id":10654,"title":"فصل قال والله لأشربن اليوم إلا أن يشاء الله","lvl":2,"sub":0},{"id":10655,"title":"فصل قال والله لأشربن اليوم إن شاء زيد","lvl":2,"sub":0},{"id":10657,"title":"مسألة استثنى في الطلاق والعتاق","lvl":2,"sub":0},{"id":10658,"title":"مسألة قال إن تزوجت فلانة فهي طالق","lvl":2,"sub":0},{"id":10661,"title":"مسألة حلف أن لا ينكح فلانة أو لا اشتريت فلانة فنكحها","lvl":2,"sub":0},{"id":10663,"title":"فصل حلف لا يبيع فباع بيعا فيه الخيار","lvl":2,"sub":0},{"id":10664,"title":"فصل حلف لا يبيع أو لا يزوج فأوجب البيع والنكاح ولم يقبل","lvl":2,"sub":0},{"id":10667,"title":"فصل حلف لا تسريت فوطئ جاريته","lvl":2,"sub":0},{"id":10668,"title":"فصل حلف لا يهب له فأهدى إليه أو أعمره","lvl":2,"sub":0},{"id":10670,"title":"مسألة حلف أن لا يشتري فلانا أو لا يضربه فوكل في الشراء والضرب","lvl":2,"sub":0},{"id":10672,"title":"فصل حلف ليطلقن زوجته أو لا يطلقها فوكل من طلقها","lvl":2,"sub":0},{"id":10673,"title":"فصل حلف لا يضرب امرأته فلطمها أو لكمها أو ضربها بعصا","lvl":2,"sub":0},{"id":10674,"title":"مسألة حلف بعتق أو طلاق أن لا يفعل شيئا ففعله ناسيا","lvl":2,"sub":0},{"id":10675,"title":"مسألة حلف فتأول في يمينه","lvl":2,"sub":0},{"id":10680,"title":"فصل والمستحيل نوعان في اليمين","lvl":2,"sub":0},{"id":10681,"title":"فصل قال والله ليفعلن فلان كذا فأحنثه ولم يفعل","lvl":2,"sub":0},{"id":10683,"title":"فصل إجابة من سأل بالله","lvl":2,"sub":0},{"id":10684,"title":"فصل قال حلفت ولم يكن حلف","lvl":2,"sub":0},{"id":10685,"title":"فصل حلف على ترك شيء أو حرمه","lvl":2,"sub":0},{"id":10686,"title":"كتاب الكفارات","lvl":2,"sub":0},{"id":10687,"title":"مسألة ومن وجبت عليه بالحنث كفارة يمين","lvl":2,"sub":0},{"id":10691,"title":"مسألة مقدار ما يعطى كل مسكين وجنسه من الكفارة","lvl":2,"sub":0},{"id":10694,"title":"فصل أن يكون المخرج في الكفارة سالما من العيب","lvl":2,"sub":0},{"id":10695,"title":"مسألة لا يجزئ في الكفارة إخراج قيمة الطعام ولا الكسوة","lvl":2,"sub":0},{"id":10696,"title":"مسألة ويعطي من أقاربه من يجوز أن يعطيه من","lvl":2,"sub":0},{"id":10697,"title":"مسألة لم يصب إلا مسكينا واحدا في كفارة اليمين","lvl":2,"sub":0},{"id":10699,"title":"فصل أطعم كل يوم مسكينا حتى أكمل العشرة","lvl":2,"sub":0},{"id":10700,"title":"فصل أطعم مسكينا في يوم واحد من كفارتين","lvl":2,"sub":0},{"id":10701,"title":"مسألة الكسوة أحد أصناف كفارة اليمين","lvl":2,"sub":0},{"id":10703,"title":"فصل يكسوهم من جميع أصناف الكسوة في كفارة اليمين","lvl":2,"sub":0},{"id":10704,"title":"فصل والذين تجزئ كسوتهم في كفارة اليمين","lvl":2,"sub":0},{"id":10705,"title":"مسألة إعتاق الرقبة في كفارة اليمين","lvl":2,"sub":0},{"id":10708,"title":"فصل إعتاق الجنين في كفارة اليمين","lvl":2,"sub":0},{"id":10709,"title":"فصل أعتق غائبا تعلم حياته وتجيء أخباره في كفارة اليمين","lvl":2,"sub":0},{"id":10710,"title":"فصل أعتق غيره عنه في كفارة اليمين","lvl":2,"sub":0},{"id":10712,"title":"مسألة اشتراها بشرط العتق فأعتقها في الكفارة","lvl":2,"sub":0},{"id":10713,"title":"فصل قال له رجل أعتق عبدك عن كفارتك ولك عشرة دنانير","lvl":2,"sub":0},{"id":10714,"title":"فصل اشترى عبدا ينوي إعتاقه عن كفارته فوجد به عيبا","lvl":2,"sub":0},{"id":10715,"title":"مسألة اشترى بعض من يعتق عليه إذا ملكه ينوي بشرائه الكفارة","lvl":2,"sub":0},{"id":10716,"title":"فصل ملك نصف عبد فأعتقه عن كفارته","lvl":2,"sub":0},{"id":10718,"title":"فصل كان العبد كله له فأعتق جزءا منه في كفارة اليمين","lvl":2,"sub":0},{"id":10719,"title":"فصل قال : إن ملكت فلانا فهو حر فاشتراه ينوي العتق عن كفارته","lvl":2,"sub":0},{"id":10720,"title":"مسألة ولا تجزئ في الكفارة أم ولد","lvl":2,"sub":0},{"id":10721,"title":"مسألة المكاتب عبد يجوز بيعه فأجزأ عتقه كالمدبر","lvl":2,"sub":0},{"id":10722,"title":"مسألة ويجزئه المدبر في كفارة اليمين","lvl":2,"sub":0},{"id":10723,"title":"مسألة إجزاء الخصي في كفارة اليمين","lvl":2,"sub":0},{"id":10724,"title":"مسألة ولد الزنى عتقه عن الكفارة","lvl":2,"sub":0},{"id":10725,"title":"مسألة لم يجد إطعاما ولا كسوة ولا عتقا في كفارة اليمين","lvl":2,"sub":0},{"id":10727,"title":"مسألة كان الحانث عبدا حكم كفارة اليمين","lvl":2,"sub":0},{"id":10730,"title":"فصل أعتق العبد عبدا عن كفارته بإذن سيده","lvl":2,"sub":0},{"id":10731,"title":"فصل منع عبده من التكفير بالصيام","lvl":2,"sub":0},{"id":10732,"title":"مسألة حنث وهو عبد فلم يكفر حتى عتق","lvl":2,"sub":0},{"id":10733,"title":"فصل من نصفه حر حكمه في التكفير في كفارة اليمين","lvl":2,"sub":0},{"id":10734,"title":"مسألة كفارة اليمين تجمع تخييرا وترتيبا","lvl":2,"sub":0},{"id":10735,"title":"فصل ملك ما يكفر به وعليه دين مثله وهو مطالبا","lvl":2,"sub":0},{"id":10736,"title":"فصل فإن كان له مال غائب أو دين يرجو وفاءه","lvl":2,"sub":0},{"id":10737,"title":"مسألة من ملك رقبة تجزئ في الكفارة لا يجزئه الصيام","lvl":2,"sub":0},{"id":10739,"title":"مسألة أطعم المكفر بعض المساكين وكسا","lvl":2,"sub":0},{"id":10741,"title":"فصل أطعم المسكين بعض الطعام وكساه بعض الكسوة","lvl":2,"sub":0},{"id":10742,"title":"مسألة أعتق نصفي عبدين أو نصفي أمتين أو نصفي عبد وأمة","lvl":2,"sub":0},{"id":10743,"title":"مسألة أعتق نصف عبد وأطعم خمسة مساكين أو","lvl":2,"sub":0},{"id":10744,"title":"فصل أطعم بعض المساكين أو كساهم في","lvl":2,"sub":0},{"id":10745,"title":"مسألة شرع في الصوم ثم قدر على","lvl":2,"sub":0},{"id":10747,"title":"فصل وجبت الكفارة على موسر فأعسر","lvl":2,"sub":0},{"id":10748,"title":"فصل والكفارة في حق العبد والحر والرجل والمرأة والمسلم","lvl":2,"sub":0},{"id":10749,"title":"مسألة اليمين على نية الحالف","lvl":2,"sub":0},{"id":10752,"title":"مسألة فإن لم ينو شيئا رجع إلى سبب اليمين وما هيجها","lvl":2,"sub":0},{"id":10755,"title":"فصل اختلف السبب والنية في الحلف","lvl":2,"sub":0},{"id":10756,"title":"مسألة حلف لا يسكن دارا هو ساكنها","lvl":2,"sub":0},{"id":10760,"title":"فصل حلف لا يساكن فلانا","lvl":2,"sub":0},{"id":10762,"title":"فصل حلف ليخرجن من هذه الدار","lvl":2,"sub":0},{"id":10763,"title":"مسألة حلف لا يدخل دارا فحمل فأدخلها","lvl":2,"sub":0},{"id":10764,"title":"فصل حلف ليخرجن من الدار فصعد سطحها","lvl":2,"sub":0},{"id":10766,"title":"فصل حلف أن لا يضع قدمه في الدار فدخلها راكبا","lvl":2,"sub":0},{"id":10767,"title":"فصل حلف لا يدخل هذه الدار من بابها فدخلها من","lvl":2,"sub":0},{"id":10768,"title":"فصل حلف لا يدخل دار فلان فدخل دارا مملوكة له أو","lvl":2,"sub":0},{"id":10769,"title":"فصل حلف لا يركب دابة فلان فركب دابة استأجرها فلان","lvl":2,"sub":0},{"id":10770,"title":"فصل حلف لا يدخل دار هذا العبد ولا يركب دابته ولا","lvl":2,"sub":0},{"id":10771,"title":"مسألة حلف لا يدخل دارا فأدخل يده أو رجله أو رأسه أو","lvl":2,"sub":0},{"id":10775,"title":"مسألة حلف ألا يلبس ثوبا وهو لابسه","lvl":2,"sub":0},{"id":10776,"title":"فصل حلف لا يتزوج ولا يتطيب ولا يتطهر فاستدام ذلك","lvl":2,"sub":0},{"id":10777,"title":"فصل حلف لا يدخل دارا هو فيها فأقام فيها","lvl":2,"sub":0},{"id":10778,"title":"فصل حلف لا يضاجع امرأته على فراش وهما متضاجعان فاستدام","lvl":2,"sub":0},{"id":10779,"title":"فصل حلف لا يلبس هذا الثوب وكان رداء في","lvl":2,"sub":0},{"id":10780,"title":"فصل حلف ليلبسن امرأته حليا فألبسها خاتما من فضة","lvl":2,"sub":0},{"id":10782,"title":"مسألة حلف أن لا يأكل طعاما اشتراه زيد فأكل طعاما اشتراه","lvl":2,"sub":0},{"id":10784,"title":"فصل حلف لا يلبس من غزل فلانة فلبس ثوبا من غزلها وغزل","lvl":2,"sub":0},{"id":10785,"title":"مسألة حلف لا يزورهما أو لا يكلمهما فزار أو كلم أحدهما","lvl":2,"sub":0},{"id":10786,"title":"فصل قال أنت طالق إن كلمت زيدا وعمرا","lvl":2,"sub":0},{"id":10787,"title":"فصل حلف على فعل شيء فقال والله لا آكل خبزا ولحما","lvl":2,"sub":0},{"id":10788,"title":"مسألة حلف أن لا يلبس ثوبا فأشترى به أو بثمنه ثوبا فلبسه","lvl":2,"sub":0},{"id":10789,"title":"فصل وإن امتنت عليه امرأته بثوب فحلف أن لا يلبسه قطعا لمنتها","lvl":2,"sub":0},{"id":10790,"title":"مسألة حلف أن لا يأوي مع زوجته في دار فأوى معها","lvl":2,"sub":0},{"id":10792,"title":"فصل وإن بر الحالف زوجته بهدية أو غيرها أو أجتمع","lvl":2,"sub":0},{"id":10793,"title":"فصل حلف أن لا يدخل عليها فيما ليس ببيت أي زوجته","lvl":2,"sub":0},{"id":10794,"title":"مسألة حلف أن يضرب عبده في غد فمات الحالف من","lvl":2,"sub":0},{"id":10797,"title":"فصل قال والله لأشربن ماء هذا الكوز","lvl":2,"sub":0},{"id":10798,"title":"مسألة حلف أن لا يكلمه حينا فكلمه قبل الستة أشهر","lvl":2,"sub":0},{"id":10799,"title":"فصل حلف لا يكلمه حقبا","lvl":2,"sub":0},{"id":10800,"title":"فصل حلف لا يكلمه زمنا أو وقتا أو دهرا أو عمرا","lvl":2,"sub":0},{"id":10801,"title":"فصل حلف على أيام","lvl":2,"sub":0},{"id":10802,"title":"مسألة حلف أن يقضيه حقه في وقت فقضاه قبله","lvl":2,"sub":0},{"id":10804,"title":"فصل حلف لا يبيع ثوبه بعشرة فباعه بها أو بأقل منها","lvl":2,"sub":0},{"id":10805,"title":"فصل حلف ليقضينه حقه في غد فمات الحالف من يومه","lvl":2,"sub":0},{"id":10806,"title":"فصل : حلف ليقضينه عند رأس الهلال فقضاه عند غروب الشمس","lvl":2,"sub":0},{"id":10807,"title":"مسألة : حلف أن لا يشرب ماء هذا الإناء فشرب بعضه","lvl":2,"sub":0},{"id":10809,"title":"فصل : حلف لا يشرب من ماء الفرات فشرب من نهر يأخذ","lvl":2,"sub":0},{"id":10810,"title":"مسألة : قال والله لا فارقتك حتى أستوفي حقي منك","lvl":2,"sub":0},{"id":10813,"title":"فصل : قال : لا فارقتني حتى أستوفي حقي منك فأكره","lvl":2,"sub":0},{"id":10814,"title":"فصل : كانت يمينه لا افترقنا فهرب منه المحلوف عليه","lvl":2,"sub":0},{"id":10815,"title":"فصل : حلف لا فارقتك حتى أوفيك حقك فأبرأه","lvl":2,"sub":0},{"id":10816,"title":"مسألة : حلف على زوجته أن لا تخرج إلا بإذنه","lvl":2,"sub":0},{"id":10819,"title":"فصل : قال إن خرجت بغير إذني فأنت طالق فأذن لها","lvl":2,"sub":0},{"id":10821,"title":"فصل : حلف عليها أن لا تخرج من هذه الدار إلا بإذنه فصعدت","lvl":2,"sub":0},{"id":10822,"title":"مسألة : حلف أن لا يأكل هذا الرطب فأكله تمرا","lvl":2,"sub":0},{"id":10825,"title":"فصل : قال والله لا كلمت سعدا زوج هند وطلق الزوج ففعل","lvl":2,"sub":0},{"id":10826,"title":"مسألة حلف أن لا يأكل تمرا فأكل رطبا","lvl":2,"sub":0},{"id":10827,"title":"فصل : حلف لا يأكل عنبا فأكل زبيبا","lvl":2,"sub":0},{"id":10828,"title":"فصل : حلف لا يأكل رطبا فأكل منصفا","lvl":2,"sub":0},{"id":10829,"title":"فصل : حلف لا يأكل لبنا فأكل من لبن الأنعام أو الصيد","lvl":2,"sub":0},{"id":10830,"title":"فصل حلف لا يأكل شعيرا فأكل حنطة فيها حبات شعير","lvl":2,"sub":0},{"id":10831,"title":"فصل حلف لا يأكل فاكهة","lvl":2,"sub":0},{"id":10833,"title":"فصل حلف لا يأكل أدما","lvl":2,"sub":0},{"id":10835,"title":"فصل حلف لا يأكل طعاما فأكل ما يسمى طعاما","lvl":2,"sub":0},{"id":10837,"title":"فصل حلف لا يأكل قوتا فأكل خبزا أو تمرا أو زبيبا أو لحما","lvl":2,"sub":0},{"id":10838,"title":"فصل حلف لا يملك مالا","lvl":2,"sub":0},{"id":10840,"title":"مسألة حلف لا يأكل لحما فأكل الشحم أو المخ أو الدماغ","lvl":2,"sub":0},{"id":10843,"title":"مسألة حلف ألا يأكل الشحم فأكل اللحم","lvl":2,"sub":0},{"id":10845,"title":"مسألة حلف ألا يأكل لحما ولم يرد لحما بعينه","lvl":2,"sub":0},{"id":10847,"title":"فصل والأسماء في كتاب الأيمان تنقسم إلى ستة أقسام اليمين","lvl":2,"sub":0},{"id":10852,"title":"مسألة حلف ألا يأكل سويقا فشربه أو لا يشربه فأكله","lvl":2,"sub":0},{"id":10854,"title":"فصل حلف لا يشرب شيئا فمصه ورمى به","lvl":2,"sub":0},{"id":10855,"title":"فصل حلف ليأكلن أكلة بالفتح","lvl":2,"sub":0},{"id":10856,"title":"مسألة حلف بالطلاق ألا يأكل تمرة فوقعت في تمر","lvl":2,"sub":0},{"id":10858,"title":"مسألة حلف أن يضربه عشرة أسواط فجمعها فضربه بها ضربة","lvl":2,"sub":0},{"id":10860,"title":"مسألة حلف أن لا يكلمه فكتب إليه أو أرسل إليه رسولا","lvl":2,"sub":0},{"id":10863,"title":"فصل كلم غير المحلوف عليه بقصد إسماع المحلوف عليه","lvl":2,"sub":0},{"id":10864,"title":"فصل حلف أن لا يكلم فلانا فناداه والمحلوف عليه لا يسمع","lvl":2,"sub":0},{"id":10865,"title":"فصل سلم على من حلف عليه ألا يكلمه","lvl":2,"sub":0},{"id":10866,"title":"فصل حلف لا يكلمه ثم وصل يمينه بكلامه","lvl":2,"sub":0},{"id":10867,"title":"فصل صلى بالمحلوف عليه ألا يكلمه إماما ثم سلم","lvl":2,"sub":0},{"id":10868,"title":"فصل حلف لا يتكلم فقرأ","lvl":2,"sub":0},{"id":10869,"title":"فصل حلف لا يتكلم ثلاث ليال أو ثلاثة أيام","lvl":2,"sub":0},{"id":10870,"title":"فصل حلف أن لا يتكفل بمال فكفل ببدن إنسان","lvl":2,"sub":0},{"id":10871,"title":"فصل حلف لا يستخدم عبدا فخدمه وهو ساكت لم يأمره ولم ينهه","lvl":2,"sub":0},{"id":10872,"title":"فصل حلف رجل بالله لا يفعل شيئا فقال له آخر يميني","lvl":2,"sub":0},{"id":10873,"title":"فصل قال أيمان البيعة تلزمني","lvl":2,"sub":0},{"id":10875,"title":"كتاب النذور","lvl":2,"sub":0},{"id":10876,"title":"مسألة نذر أن يطيع الله عز وجل","lvl":2,"sub":0},{"id":10879,"title":"القسم الثالث النذر المبهم","lvl":2,"sub":0},{"id":10880,"title":"القسم الرابع نذر المعصية","lvl":2,"sub":0},{"id":10883,"title":"القسم الخامس المباح من أقسام النذر","lvl":2,"sub":0},{"id":10885,"title":"القسم السادس نذر الواجب","lvl":2,"sub":0},{"id":10886,"title":"القسم السابع نذر المستحيل","lvl":2,"sub":0},{"id":10887,"title":"فصل نذر فعل طاعة وما ليس بطاعة","lvl":2,"sub":0},{"id":10888,"title":"مسألة : نذر أن يتصدق بماله كله","lvl":2,"sub":0},{"id":10890,"title":"فصل نذر الصدقة بمعين من ماله أو بمقدر كألف","lvl":2,"sub":0},{"id":10891,"title":"فصل نذر الصدقة بقدر من المال فأبرأ غريمه","lvl":2,"sub":0},{"id":10892,"title":"مسألة نذر أن يصوم وهو شيخ كبير لا يطيق الصيام","lvl":2,"sub":0},{"id":10895,"title":"مسألة نذر صياما ولم يذكر عددا ولم ينوه","lvl":2,"sub":0},{"id":10896,"title":"مسألة نذر المشي إلى بيت الله الحرام","lvl":2,"sub":0},{"id":10899,"title":"فصل نذر الحج راكبا","lvl":2,"sub":0},{"id":10900,"title":"فصل نذر المشي إلى بيت الله أو الركوب إليه ولم يرد بذلك","lvl":2,"sub":0},{"id":10901,"title":"فصل نذر المشي إلى البلد الحرام أو بقعة منه","lvl":2,"sub":0},{"id":10903,"title":"فصل نذر المشي إلى بيت الله - تعالى ولم ينو به شيئا ولم","lvl":2,"sub":0},{"id":10904,"title":"فصل نذر المشي إلى مسجد النبي صلى الله عليه وسلم أو المسجد الأقصى","lvl":2,"sub":0},{"id":10906,"title":"فصل نذر الصلاة في المسجد الحرام","lvl":2,"sub":0},{"id":10907,"title":"فصل أفسد الحج المنذور ماشيا","lvl":2,"sub":0},{"id":10908,"title":"مسألة نذر عتق رقبة","lvl":2,"sub":0},{"id":10909,"title":"فصل نذر هديا مطلقا","lvl":2,"sub":0},{"id":10911,"title":"فصل ومن نذر هديا لزمه إيصاله إلى مساكين","lvl":2,"sub":0},{"id":10912,"title":"فصل نذر أن يهدي إلى غير مكة كالمدينة أو الثغور أو","lvl":2,"sub":0},{"id":10914,"title":"فصل نذر الذبح بمكة","lvl":2,"sub":0},{"id":10915,"title":"مسألة نذر صيام شهر من يوم يقدم فلان فقدم أول","lvl":2,"sub":0},{"id":10917,"title":"فصل نذر أن يحج العام وعليه حجة الإسلام","lvl":2,"sub":0},{"id":10918,"title":"فصل قال لله على أن أصوم شهرا","lvl":2,"sub":0},{"id":10919,"title":"مسألة نذر أن يصوم يوم يقدم فلان فقدم يوم فطر أو أضحى","lvl":2,"sub":0},{"id":10923,"title":"فصل قال لله على صوم يوم يقدم فلان أبدا","lvl":2,"sub":0},{"id":10925,"title":"فصل نذر صوم سنة بعينها","lvl":2,"sub":0},{"id":10927,"title":"مسألة ومن نذر أن يصوم شهرا متتابعا","lvl":2,"sub":0},{"id":10929,"title":"فصل ومن نذر صيام شهر","lvl":2,"sub":0},{"id":10931,"title":"فصل نذر صيام أشهر متتابعة","lvl":2,"sub":0},{"id":10932,"title":"مسألة نذر أن يصوم شهرا بعينه فأفطر يوما بغير عذر","lvl":2,"sub":0},{"id":10934,"title":"فصل قال لله علي الحج في عامي هذا فلم","lvl":2,"sub":0},{"id":10935,"title":"فصل نذر صوم شهر بعينه أو الحج في عام بعينه","lvl":2,"sub":0},{"id":10936,"title":"مسألة نذر أن يصوم فمات قبل أن يأتي به","lvl":2,"sub":0},{"id":10939,"title":"فصل نذر أن يطوف على أربع","lvl":2,"sub":0},{"id":10941,"title":"فصل نذر صوم الدهر","lvl":2,"sub":0},{"id":10942,"title":"فصل وصيغة النذر","lvl":2,"sub":0},{"id":10943,"title":"كتاب القضاء","lvl":2,"sub":0},{"id":10945,"title":"فصل والناس في القضاء على ثلاثة أضرب","lvl":2,"sub":0},{"id":10947,"title":"فصل يأخذ على القضاء أجرا","lvl":2,"sub":0},{"id":10949,"title":"فصل الإمام يبعث القضاة إلى الأمصار غير بلده","lvl":2,"sub":0},{"id":10950,"title":"فصل وإذا أراد الإمام تولية قاض","lvl":2,"sub":0},{"id":10952,"title":"يشترط في القاضي ثلاثة شروط","lvl":2,"sub":0},{"id":10957,"title":"فصل كونه كاتبا أي القاضي","lvl":2,"sub":0},{"id":10958,"title":"فصل خصال القاضي","lvl":2,"sub":0},{"id":10960,"title":"فصل القضاء في المساجد","lvl":2,"sub":0},{"id":10964,"title":"فصل أول ما ينظر فيه القاضي إذا جلس للحكم","lvl":2,"sub":0},{"id":10967,"title":"فصل ينظر القاضي في أمر الأوصياء","lvl":2,"sub":0},{"id":10968,"title":"فصل ينظر القاضي في أمناء الحاكم","lvl":2,"sub":0},{"id":10969,"title":"فصل ينظر القاضي في أمر الضوال واللقطة","lvl":2,"sub":0},{"id":10970,"title":"مسألة حكم القاضي وهو غضبان","lvl":2,"sub":0},{"id":10972,"title":"مسألة الحاكم إذا حضرته قضية مشكلة","lvl":2,"sub":0},{"id":10975,"title":"فصل يحضر القاضي مجلسه أهل العلم من كل مذهب","lvl":2,"sub":0},{"id":10976,"title":"فصل يحضر القاضي شهوده مجلسه","lvl":2,"sub":0},{"id":10977,"title":"فصل إذا استنارت الحجة لأحد الخصمين وتبين للقاضي موضع الظالم","lvl":2,"sub":0},{"id":10978,"title":"فصل وإذا حدثت للقاضي حادثة","lvl":2,"sub":0},{"id":10979,"title":"مسألة حكم الحاكم بعلمه","lvl":2,"sub":0},{"id":10982,"title":"فصل للحاكم أن يحكم بالبينة والإقرار في مجلس حكمه","lvl":2,"sub":0},{"id":10983,"title":"مسألة الحاكم إذا رفعت إليه قضية قد قضى بها حاكم سواه","lvl":2,"sub":0},{"id":10986,"title":"فصل تغير اجتهاد الحاكم قبل الحكم","lvl":2,"sub":0},{"id":10987,"title":"فصل تتبع الحاكم قضايا من كان قبله","lvl":2,"sub":0},{"id":10988,"title":"فصل وحكم الحاكم لا يزيل الشيء عن صفته","lvl":2,"sub":0},{"id":10990,"title":"فصل وإذا استعدى رجل على رجل إلى الحاكم","lvl":2,"sub":0},{"id":10994,"title":"فصل وإن استعدى رجل على الحاكم المعزول","lvl":2,"sub":0},{"id":10995,"title":"فصل ادعى على شاهدين أنهما شهدا عليه زورا","lvl":2,"sub":0},{"id":10996,"title":"مسألة شهد عند القاضي من لا يعرف عدالته","lvl":2,"sub":0},{"id":11000,"title":"فصل من شروط الشاهد إسلامه","lvl":2,"sub":0},{"id":11001,"title":"فصل شهد عند الحاكم مجهول الحال","lvl":2,"sub":0},{"id":11002,"title":"مسألة عدل الشاهد اثنان وجرحه اثنان","lvl":2,"sub":0},{"id":11003,"title":"فصل ولا يقبل الجرح والتعديل إلا من اثنين","lvl":2,"sub":0},{"id":11005,"title":"فصل يقول لا أعلم من الشاهد إلا الخير","lvl":2,"sub":0},{"id":11006,"title":"فصل لا يقبل التعديل للشهود إلا من أهل الخبرة الباطنة","lvl":2,"sub":0},{"id":11007,"title":"فصل ولا يسمع الجرح في الشهود إلا مفسرا","lvl":2,"sub":0},{"id":11009,"title":"فصل أقام المدعى عليه بينة على فسق الشهود","lvl":2,"sub":0},{"id":11010,"title":"فصل الجرح والتعديل في الشهود من النساء","lvl":2,"sub":0},{"id":11011,"title":"فصل الجرح في الشهود من الخصم","lvl":2,"sub":0},{"id":11012,"title":"فصل شهادة المتوسمين","lvl":2,"sub":0},{"id":11013,"title":"فصل للقاضي أن يسأل عن شهوده كل قليل","lvl":2,"sub":0},{"id":11014,"title":"فصل شهادة غير المرتبين","lvl":2,"sub":0},{"id":11015,"title":"فصل يعظ القاضي الشاهدين","lvl":2,"sub":0},{"id":11016,"title":"مسألة للحاكم أن يتخذ كاتبا عدلا","lvl":2,"sub":0},{"id":11018,"title":"فصل ترافع إلى الحاكم خصمان فأقر أحدهما لصاحبه","lvl":2,"sub":0},{"id":11022,"title":"فصل يجعل من بيت المال شيء برسم الكاغد أي الحاكم","lvl":2,"sub":0},{"id":11023,"title":"فصل ارتفع إلى الحاكم خصمان فذكر أحدهما أن حجته","lvl":2,"sub":0},{"id":11024,"title":"فصل ادعى رجل على الحاكم أنك حكمت لي بهذا الحق","lvl":2,"sub":0},{"id":11025,"title":"مسألة قبول القاضي الهدية","lvl":2,"sub":0},{"id":11027,"title":"فصل الرشوة في الحكم ورشوة العامل","lvl":2,"sub":0},{"id":11029,"title":"فصل تولى القاضي البيع والشراء بنفسه","lvl":2,"sub":0},{"id":11031,"title":"فصل للحاكم حضور الولائم","lvl":2,"sub":0},{"id":11032,"title":"فصل عيادة المرضى وشهود الجنائز وإتيان مقدم الغائب للحاكم","lvl":2,"sub":0},{"id":11033,"title":"مسألة عدل القاضي بين الخصمين","lvl":2,"sub":0},{"id":11037,"title":"فصل حضر القاضي خصوم كثيرة","lvl":2,"sub":0},{"id":11039,"title":"فصل تقدم إلى الحاكم خصمان","lvl":2,"sub":0},{"id":11040,"title":"فصل سماع الحاكم الدعوى محررة","lvl":2,"sub":0},{"id":11043,"title":"فصل ما يفعله الحاكم إذا حرر المدعي دعواه","lvl":2,"sub":0},{"id":11049,"title":"مسألة كتاب القاضي إلى القاضي والأمير إلى الأمير","lvl":2,"sub":0},{"id":11053,"title":"فصل إذا كتب الحاكم بثبوت بينة أو إقرار بدين","lvl":2,"sub":0},{"id":11054,"title":"فصل الحاكم إنما يكتب بما ثبت عنده أو حكم","lvl":2,"sub":0},{"id":11055,"title":"فصل الكتاب من قاضي مصر إلى قاضي مصر","lvl":2,"sub":0},{"id":11056,"title":"فصل صفة كتاب القاضي إلى القاضي","lvl":2,"sub":0},{"id":11058,"title":"مسألة ما يشترط لقبول كتاب القاضي","lvl":2,"sub":0},{"id":11062,"title":"فصل في تغيير حال القاضي","lvl":2,"sub":0},{"id":11065,"title":"مسألة قال تحاكم إلى القاضي العربي أعجميان لا يعرف لسانهما","lvl":2,"sub":0},{"id":11067,"title":"فصل حكم القاضي في التعريف والرسالة والجرح والتعديل","lvl":2,"sub":0},{"id":11068,"title":"مسألة قال عزل القاضي فقال كنت حكمت","lvl":2,"sub":0},{"id":11069,"title":"فصل الحاكم إذا حكم في مسألة يسوغ فيها الاجتهاد","lvl":2,"sub":0},{"id":11071,"title":"فصل أخبر القاضي بحكمه في غير موضع ولايته","lvl":2,"sub":0},{"id":11072,"title":"فصل ولى الإمام قاضيا ثم مات","lvl":2,"sub":0},{"id":11074,"title":"فصل وللإمام تولية القضاء في بلده وغيره","lvl":2,"sub":0},{"id":11076,"title":"فصل يولي الإمام قاضيا عموم النظر في خصوص العمل","lvl":2,"sub":0},{"id":11078,"title":"فصل قال الإمام من نظر في الحكم من فلان","lvl":2,"sub":0},{"id":11079,"title":"فصل يقلد الإمام القضاء لواحد على أن يحكم بمذهب بعينه","lvl":2,"sub":0},{"id":11080,"title":"فصل فوض الإمام إلى إنسان تولية القضاء","lvl":2,"sub":0},{"id":11081,"title":"فصل حكم الحاكم لنفسه","lvl":2,"sub":0},{"id":11082,"title":"فصل حكماه بينهما ورضياه وكان ممن يصلح للقضاء","lvl":2,"sub":0},{"id":11084,"title":"مسألة القضاء على الغائب","lvl":2,"sub":0},{"id":11086,"title":"فصل ولا يقضي على الغائب إلا في حقوق الآدميين","lvl":2,"sub":0},{"id":11087,"title":"فصل قامت البينة على غائب أو غير مكلف","lvl":2,"sub":0},{"id":11088,"title":"فصل قضي على الغائب بعين","lvl":2,"sub":0},{"id":11089,"title":"فصل ادعى على رجل ألفا وأقام البينة فاختفى المدعى عليه","lvl":2,"sub":0},{"id":11090,"title":"كتاب القسمة","lvl":2,"sub":0},{"id":11091,"title":"مسألة أتى القاضي شريكان في ربع أو نحوه فسألاه أن يقسمه","lvl":2,"sub":0},{"id":11093,"title":"فصل قسمة القاضي المكيلات والموزونات من المطعومات وغيرها","lvl":2,"sub":0},{"id":11094,"title":"فصل طلب أحدهما القسمة من القاضي وأبى الآخر","lvl":2,"sub":0},{"id":11096,"title":"فصل والقسمة إفراز حق وتمييز أحد النصيبين من الآخر","lvl":2,"sub":0},{"id":11097,"title":"فصل شهادة القاسم بالقسمة","lvl":2,"sub":0},{"id":11098,"title":"مسألة طلب أحدهما من القاضي القسمة فامتنع الآخر","lvl":2,"sub":0},{"id":11103,"title":"فصل كانت دار بين اثنين سفلها وعلوها فإذا طلبا","lvl":2,"sub":0},{"id":11105,"title":"فصل كان بينهما دار أو خان كبير فطلب أحدهما قسمة","lvl":2,"sub":0},{"id":11106,"title":"فصل بينهما أرض واحد يمكن قسمتها وتتحقق فيها الشروط","lvl":2,"sub":0},{"id":11108,"title":"فصل كان في الأرض زرع فطلب أحدهما قسمتها","lvl":2,"sub":0},{"id":11110,"title":"فصل كانت الأرض لاثنين فأرادا قسمة البئر والشجرة","lvl":2,"sub":0},{"id":11112,"title":"مسألة قسمة الإجبار","lvl":2,"sub":0},{"id":11116,"title":"فصل للشريكين أن يقتسما بأنفسهما وأن يأتيا الحاكم لينصب بينهما","lvl":2,"sub":0},{"id":11117,"title":"فصل أجرة القسمة","lvl":2,"sub":0},{"id":11118,"title":"فصل ادعى أحد المتقاسمين غلطا في القسمة وأنه","lvl":2,"sub":0},{"id":11120,"title":"فصل اقتسم الشريكان شيئا فبان بعضه مستحقا","lvl":2,"sub":0},{"id":11122,"title":"فصل اقتسما دارين فأخذ كل واحد منهما دارا وبنى فيها","lvl":2,"sub":0},{"id":11123,"title":"فصل اقتسم الورثة تركة الميت ثم بان عليه دين","lvl":2,"sub":0},{"id":11124,"title":"فصل طلب أحد الشريكين من الآخر المهايأة","lvl":2,"sub":0},{"id":11125,"title":"فصل اقتسموا دارا وحصل لبعضهم فيها زيادة أذرع","lvl":2,"sub":0},{"id":11127,"title":"فصل للأب والوصي قسمة مال الصغير مع شريكه","lvl":2,"sub":0},{"id":11128,"title":"فصل الألفاظ التي تنعقد بها ولاية القضاء","lvl":2,"sub":0},{"id":11130,"title":"فصل يكره للقاضي أن يفتي في الأحكام","lvl":2,"sub":0},{"id":11131,"title":"كتاب الشهادات","lvl":2,"sub":0},{"id":11133,"title":"فصل تحمل الشهادة وأداؤها","lvl":2,"sub":0},{"id":11135,"title":"مسألة الشهود في الزنى","lvl":2,"sub":0},{"id":11136,"title":"مسألة الشهود فيما سوى الأموال مما يطلع عليه الرجال","lvl":2,"sub":0},{"id":11140,"title":"مسألة الشهود في الأموال","lvl":2,"sub":0},{"id":11141,"title":"فصل ثبوت المال لمدعيه بشاهد ويمين","lvl":2,"sub":0},{"id":11143,"title":"يحلف على ما لا تسوغ الشهادة عليه","lvl":2,"sub":0},{"id":11144,"title":"فصل لا فرق في قبول الشهادة بين كون المدعي مسلما أو كافرا","lvl":2,"sub":0},{"id":11145,"title":"فصل القضاء باليمين مع الشاهد الواحد","lvl":2,"sub":0},{"id":11146,"title":"فصل شهادة امرأتين ويمين المدعي","lvl":2,"sub":0},{"id":11147,"title":"فصل ادعى رجل على رجل أنه سرق نصابا من","lvl":2,"sub":0},{"id":11149,"title":"فصل ادعى جارية في يد رجل أنها أم ولده وأقام بذلك","lvl":2,"sub":0},{"id":11150,"title":"فصل ادعى رجل أنه خالع امرأته فأنكرت","lvl":2,"sub":0},{"id":11151,"title":"مسألة شهادة النساء المنفردات","lvl":2,"sub":0},{"id":11154,"title":"مسألة حكم أداء الشهادة","lvl":2,"sub":0},{"id":11155,"title":"فصل أخذ الجعل على الشهادة","lvl":2,"sub":0},{"id":11156,"title":"مسألة الشهادة لا تجوز إلا بما علمه","lvl":2,"sub":0},{"id":11159,"title":"فصل عرف الشاهد خطه ولم يذكر أنه شهد","lvl":2,"sub":0},{"id":11160,"title":"مسألة الشهادة على النسب والولادة","lvl":2,"sub":0},{"id":11163,"title":"فصل الشهادة لصاحب الدار أو العقار اللذى يملك حق التصرف","lvl":2,"sub":0},{"id":11164,"title":"فصل سمع رجلا يقول لصبي هذا ابني فشهد له بذلك","lvl":2,"sub":0},{"id":11165,"title":"فصل شهد عدلان أن فلانا مات وخلف من الورثة فلانا وفلانا","lvl":2,"sub":0},{"id":11166,"title":"مسألة يعتبر في الشاهد سبعة شروط","lvl":2,"sub":0},{"id":11171,"title":"فصل شهادة البدوي على من هو من أهل القرية","lvl":2,"sub":0},{"id":11172,"title":"مسألة العدالة في الشهادة","lvl":2,"sub":0},{"id":11176,"title":"فصل من تكرر منه لعب القمار لم تقبل شهادته","lvl":2,"sub":0},{"id":11179,"title":"فصل شهادة اللاعب بالحمام يطيرها","lvl":2,"sub":0},{"id":11180,"title":"فصل حكم الشهادة للمتسابق في المسابقة المشروعة بالخيل","lvl":2,"sub":0},{"id":11181,"title":"فصل شهادة المستمع إلى الملاهي","lvl":2,"sub":0},{"id":11184,"title":"فصل شهادة من يسم الغناء","lvl":2,"sub":0},{"id":11186,"title":"فصل شهادة الحادي","lvl":2,"sub":0},{"id":11187,"title":"فصل شهادة الشاعر","lvl":2,"sub":0},{"id":11190,"title":"فصل شهادة قارئ القرآن بالألحان","lvl":2,"sub":0},{"id":11193,"title":"فصل شهادة الطفيلي","lvl":2,"sub":0},{"id":11194,"title":"فصل شهادة من سأل من غير أن تحل له المسألة","lvl":2,"sub":0},{"id":11195,"title":"فصل شهادة من فعل شيئا من الفروع مختلفا فيه معتقدا إباحته","lvl":2,"sub":0},{"id":11196,"title":"مسألة شهادة الكفار من أهل الكتاب في الوصية في السفر","lvl":2,"sub":0},{"id":11199,"title":"مسألة شهادة أهل الكتاب بعضهم على بعض","lvl":2,"sub":0},{"id":11201,"title":"مسألة شهادة خصم أو جار إلى نفسه","lvl":2,"sub":0},{"id":11203,"title":"فصل شهد على رجل بحق فقذفه المشهود عليه","lvl":2,"sub":0},{"id":11206,"title":"فصل شهد الشريك لشريكه في غير ما هو شريك فيه","lvl":2,"sub":0},{"id":11207,"title":"مسألة شهادة من يعرف بكثرة الغلط والغفلة","lvl":2,"sub":0},{"id":11208,"title":"مسألة شهادة الأعمى","lvl":2,"sub":0},{"id":11210,"title":"فصل تحمل الشهادة على فعل ثم عمي","lvl":2,"sub":0},{"id":11211,"title":"فصل شهادة الأخرس","lvl":2,"sub":0},{"id":11212,"title":"مسألة شهادة الوالدين وإن علوا للولد وإن سفل","lvl":2,"sub":0},{"id":11214,"title":"فصل شهادة أحدهما على صاحبه الوالد وولده","lvl":2,"sub":0},{"id":11215,"title":"فصل شهد اثنان بطلاق ضرة أمهما وقذف زوجها لها","lvl":2,"sub":0},{"id":11216,"title":"فصل شهادة الرجل لابنه من الرضاعة وأبيه منها","lvl":2,"sub":0},{"id":11217,"title":"مسألة شهادة السيد لعبده والعكس","lvl":2,"sub":0},{"id":11218,"title":"مسألة شهادة الزوج لامرأته والمرأة لزوجها","lvl":2,"sub":0},{"id":11219,"title":"مسألة شهادة الأخ لأخيه","lvl":2,"sub":0},{"id":11220,"title":"فصل شهادة العم وابنه والخال وابنه","lvl":2,"sub":0},{"id":11221,"title":"فصل شهادة أحد الصديقين لصاحبه","lvl":2,"sub":0},{"id":11222,"title":"مسألة شهادة العبد","lvl":2,"sub":0},{"id":11225,"title":"فصل في شهادة الأمة","lvl":2,"sub":0},{"id":11226,"title":"فصل شهادة المكاتب والمدبر وأم الولد والمعتق بعضه","lvl":2,"sub":0},{"id":11227,"title":"مسألة شهادة ولد الزنى","lvl":2,"sub":0},{"id":11228,"title":"مسألة شهادة القاذف","lvl":2,"sub":0},{"id":11233,"title":"مسألة توبة القاذف الممنوع من الشهادة","lvl":2,"sub":0},{"id":11235,"title":"فصل وكل ذنب تلزم فاعله التوبة منه","lvl":2,"sub":0},{"id":11238,"title":"فصل لا يعتبر في أحكام التوبة من قبول الشهادة","lvl":2,"sub":0},{"id":11240,"title":"مسألة شهد بشهادة قد كان شهد بها وهو غير عدل وردت عليه","lvl":2,"sub":0},{"id":11242,"title":"فصل شهد السيد لمكاتبه فردت شهادته ثم عتق المكاتب","lvl":2,"sub":0},{"id":11243,"title":"مسألة تحملها وهو غير عدل ولم يشهد بها عند الحاكم حتى","lvl":2,"sub":0},{"id":11244,"title":"مسألة شهد وهو عدل فلم يحكم بشهادته حتى حدث منه ما لا","lvl":2,"sub":0},{"id":11246,"title":"فصل أديا الشهادة وهما من أهلها ثم ماتا قبل الحكم بها","lvl":2,"sub":0},{"id":11247,"title":"مسألة شهادة العدل على شهادة العدل","lvl":2,"sub":0},{"id":11248,"title":"الفصل الثاني الشهادة على الشهادة في الأموال وما يقصد","lvl":2,"sub":0},{"id":11250,"title":"الفصل الثالث شروط الشهادة","lvl":2,"sub":0},{"id":11255,"title":"فصل كيفية الأداء إذا كان قد استرعاه الشهادة","lvl":2,"sub":0},{"id":11256,"title":"فصل الذكورية في شهود الفرع","lvl":2,"sub":0},{"id":11258,"title":"فصل يشهد على كل واحد من شاهدي الأصل شاهد فرع","lvl":2,"sub":0},{"id":11260,"title":"فصل شهد بالحق شاهدا أصل وشاهدا فرع يشهدان","lvl":2,"sub":0},{"id":11261,"title":"مسألة يشهد على من سمعه يقر بحق","lvl":2,"sub":0},{"id":11263,"title":"فصل حضر شاهدان حسابا بين اثنين شرطا عليهما","lvl":2,"sub":0},{"id":11264,"title":"فصل الشهادة في الحقوق على ضربين","lvl":2,"sub":0},{"id":11266,"title":"فصل أداء الشهادة قبل طلبها","lvl":2,"sub":0},{"id":11267,"title":"فصل لفظ الشهادة","lvl":2,"sub":0},{"id":11268,"title":"مسألة شهادة المستخفي","lvl":2,"sub":0},{"id":11269,"title":"مسألة هلك رجل وخلف ولدين ومائتي درهم","lvl":2,"sub":0},{"id":11271,"title":"فصل ثبت لرجل على رجل دين ببينة","lvl":2,"sub":0},{"id":11272,"title":"مسألة مات مفلسا وادعى ورثته دينا له على رجل فأنكر","lvl":2,"sub":0},{"id":11274,"title":"فصل حلف أحد الابنين مع الشاهد","lvl":2,"sub":0},{"id":11275,"title":"فصل أفلس ثم مات","lvl":2,"sub":0},{"id":11277,"title":"فصل خلف ثلاثة بنين وأبوين فادعى البنون أن أباهم","lvl":2,"sub":0},{"id":11282,"title":"مسألة المدعي إذا ذكر أن بينته بعيدة منه أو لا يمكنه","lvl":2,"sub":0},{"id":11283,"title":"فصل طلب المدعي حبس المدعى عليه أو إقامة","lvl":2,"sub":0},{"id":11284,"title":"فصل قال المدعي لي بينة حاضرة وأريد إحلاف المدعى عليه","lvl":2,"sub":0},{"id":11285,"title":"مسألة اليمين المشروعة في الحقوق التي يبرأ بها المطلوب","lvl":2,"sub":0},{"id":11287,"title":"فصل اليمين في حق كل مدعى عليه","lvl":2,"sub":0},{"id":11288,"title":"مسألة اليمين لا تغلظ إلا في حق أهل الذمة","lvl":2,"sub":0},{"id":11293,"title":"فصل اليمين بالمصحف","lvl":2,"sub":0},{"id":11294,"title":"مسألة الأيمان كلها على البت والقطع","lvl":2,"sub":0},{"id":11296,"title":"فصل باع سلعة فظهر المشتري على عيب بها وأنكره","lvl":2,"sub":0},{"id":11297,"title":"فصل توجهت عليه يمين هو فيها صادق","lvl":2,"sub":0},{"id":11299,"title":"فصل الحلف الكاذب ليقتطع به مال أخيه","lvl":2,"sub":0},{"id":11300,"title":"فصل حكم اليمين إذا ادعي عليه دين وهو معسر به","lvl":2,"sub":0},{"id":11301,"title":"فصل يمين الحالف على حسب جوابه","lvl":2,"sub":0},{"id":11302,"title":"فصل هل تدخل اليمين النيابة","lvl":2,"sub":0},{"id":11303,"title":"فصل نكل من توجهت عليه اليمين عنها","lvl":2,"sub":0},{"id":11307,"title":"فصل حلف فقال إن شاء الله تعالى","lvl":2,"sub":0},{"id":11308,"title":"فصل ادعى على رجل دينا أوحقا فقال قد أبرأتني منه أو","lvl":2,"sub":0},{"id":11309,"title":"فصل اليمين في الحقوق على ضربين","lvl":2,"sub":0},{"id":11312,"title":"مسألة من شرط صحة الشهادة على الزنى","lvl":2,"sub":0},{"id":11314,"title":"فصل يشهد اثنان أنه زنى بامرأة وآخران أنه زنى بأخرى","lvl":2,"sub":0},{"id":11315,"title":"فصل كانت الشهادة على فعل فاختلف الشاهدان في زمنه","lvl":2,"sub":0},{"id":11318,"title":"فصل الشهادة على الإقرار","lvl":2,"sub":0},{"id":11320,"title":"فصل شهد أحدهما أنه باع أمس وشهد الآخر","lvl":2,"sub":0},{"id":11321,"title":"فصل الحكم في كل شهادة على قول","lvl":2,"sub":0},{"id":11322,"title":"فصل شهد أحدهما أنه غصب هذا العبد وشهد الآخر أنه","lvl":2,"sub":0},{"id":11323,"title":"فصل ومن شهد بالنكاح فلا بد من ذكر شروطه","lvl":2,"sub":0},{"id":11325,"title":"مسألة جاء أربعة متفرقون والحاكم جالس في مجلس حكمه","lvl":2,"sub":0},{"id":11326,"title":"مسألة الشهود إذا رجعوا عن شهادتهم بعد أدائها","lvl":2,"sub":0},{"id":11330,"title":"فصل رجع أحد الشاهدين وحده","lvl":2,"sub":0},{"id":11331,"title":"مسألة كانت شهادتهما بمال ثم رجعا بعد الحكم","lvl":2,"sub":0},{"id":11332,"title":"مسألة شهدا بالعبد أو الأمة لغير مالكه","lvl":2,"sub":0},{"id":11333,"title":"فصل شهدا بطلاق امرأة تبين به فحكم الحاكم بالفرقة","lvl":2,"sub":0},{"id":11335,"title":"فصل شهدا على امرأة بنكاح فحكم به الحاكم","lvl":2,"sub":0},{"id":11336,"title":"فصل شهدا بكتابة عبده ثم رجعا","lvl":2,"sub":0},{"id":11337,"title":"فصل شهد بشهادة ثم رجع وقد أتلف مالا","lvl":2,"sub":0},{"id":11339,"title":"فصل حكم الحاكم في المال بشهادة رجل وامرأتين","lvl":2,"sub":0},{"id":11340,"title":"فصل شهد أربعة بأربعمائة فحكم الحاكم بها ثم رجع واحد","lvl":2,"sub":0},{"id":11341,"title":"فصل شهد أربعة بالزنى واثنان بالإحصان فرجم ثم رجعوا عن الشهادة","lvl":2,"sub":0},{"id":11342,"title":"فصل شهد شاهدان أنه أعتق هذا العبد على ضمان","lvl":2,"sub":0},{"id":11343,"title":"فصل شهد رجلان على رجل بنكاح امرأة بصداق ذكراه وشهد","lvl":2,"sub":0},{"id":11344,"title":"فصل شهد شاهدا فرع على شاهدي أصل فحكم الحاكم","lvl":2,"sub":0},{"id":11345,"title":"فصل حكم الحاكم بشاهد ويمين فرجع الشاهد","lvl":2,"sub":0},{"id":11346,"title":"فصل رجعوا عن الشهادة بعد الحكم","lvl":2,"sub":0},{"id":11347,"title":"مسألة حكم بشهادة اثنين في قطع أو قتل وأنفذ","lvl":2,"sub":0},{"id":11349,"title":"فصل شهد بالزنى أربعة فزكاهم اثنان فرجم الشهود عليه ثم","lvl":2,"sub":0},{"id":11350,"title":"فصل جلد الإمام إنسانا بشهادة شهود ثم بان","lvl":2,"sub":0},{"id":11351,"title":"فصل حكم الحاكم بمال بشهادة شاهدين ثم بان","lvl":2,"sub":0},{"id":11354,"title":"مسألة ادعى العبد أن سيده أعتقه","lvl":2,"sub":0},{"id":11355,"title":"مسألة شهد بشهادة زور","lvl":2,"sub":0},{"id":11360,"title":"فصل تاب شاهد الزور وأتت على ذلك مدة تظهر","lvl":2,"sub":0},{"id":11361,"title":"مسألة غير العدل شهادته بحضرة الحاكم","lvl":2,"sub":0},{"id":11362,"title":"فصل شهد بألف ثم قال قبل الحكم قضاه منه خمسمائة","lvl":2,"sub":0},{"id":11363,"title":"مسألة شهد أحد الشاهدين بشيء وشهد الآخر ببعضه","lvl":2,"sub":0},{"id":11365,"title":"فصل اختلاف الشهود في صفة البيع","lvl":2,"sub":0},{"id":11366,"title":"فصل شهد أحدهما أنه غصبه ثوبا قيمته درهمان وشهد","lvl":2,"sub":0},{"id":11367,"title":"مسألة العدل إذا أنكر أن تكون عنده شهادة ثم","lvl":2,"sub":0},{"id":11368,"title":"مسألة شهد بشهادة يجر إلى نفسه بعضها","lvl":2,"sub":0},{"id":11369,"title":"مسألة أقر الوارث لرجل بدين على الميت يستغرق ميراثه","lvl":2,"sub":0},{"id":11371,"title":"فصل مات وترك ألفا فأقر به ابنه لرجل","lvl":2,"sub":0},{"id":11372,"title":"مسألة ادعى دعوى على مريض فأومأ برأسه","lvl":2,"sub":0},{"id":11373,"title":"مسألة ادعى دعوى وقال لا بينة لي ثم أتى بعد","lvl":2,"sub":0},{"id":11374,"title":"فصل قال ما أعلم لي بينة ثم أتى ببينة","lvl":2,"sub":0},{"id":11375,"title":"مسألة شهادة الوصي على من هو موصى عليهم","lvl":2,"sub":0},{"id":11376,"title":"مسألة شهادة من يخنق في الأحيان","lvl":2,"sub":0},{"id":11377,"title":"مسألة شهادة الطبيب في الموضحة","lvl":2,"sub":0},{"id":11378,"title":"فصل اشهد على مائة درهم ومائة درهم فشهد على مائة","lvl":2,"sub":0},{"id":11379,"title":"فصل شهد بألف درهم ومائة دينار","lvl":2,"sub":0},{"id":11380,"title":"كتاب الدعاوى والبينات","lvl":2,"sub":0},{"id":11382,"title":"فصل ادعى رجل نكاح امرأة","lvl":2,"sub":0},{"id":11384,"title":"فصل ادعت المرأة النكاح على زوجها","lvl":2,"sub":0},{"id":11386,"title":"فصل ما لا يشترط فيه الولي والشهود","lvl":2,"sub":0},{"id":11387,"title":"مسألة ادعى دابة في يد رجل فأنكر وأقام كل واحد منهما","lvl":2,"sub":0},{"id":11390,"title":"فصل كانت البينة لأحد المدعين دون الآخر","lvl":2,"sub":0},{"id":11392,"title":"فصل ادعى الخارج أن الدابة ملكه وأنه أودعها للداخل","lvl":2,"sub":0},{"id":11393,"title":"فصل في يد رجل جلد شاة مسلوخة ورأسها وسواقطها وباقيها","lvl":2,"sub":0},{"id":11394,"title":"فصل في يد كل واحد منهما شاة فادعى كل واحد منهما أن","lvl":2,"sub":0},{"id":11395,"title":"فصل الفاسق إذا ردت شهادته لفسقه ثم أعادها بعد","lvl":2,"sub":0},{"id":11396,"title":"فصل في يد رجل شاة فادعاها رجل أنها له منذ سنة","lvl":2,"sub":0},{"id":11398,"title":"مسألة تنازع رجلان في عين في أيديهما فادعى كل","lvl":2,"sub":0},{"id":11401,"title":"فصل تعارض البينتان في الملك","lvl":2,"sub":0},{"id":11402,"title":"فصل ترجيح إحدى البينتين بكثرة العدد","lvl":2,"sub":0},{"id":11404,"title":"فصل في أيديهما دار فادعاها أحدهما كلها وادعى الآخر","lvl":2,"sub":0},{"id":11405,"title":"فصل الدار في يد ثلاثة ادعى أحدهم نصفها وادعى الآخر ثلثها وادعى","lvl":2,"sub":0},{"id":11408,"title":"فصل الدار في أيدي أربعة فادعى أحدهم جميعها والثاني","lvl":2,"sub":0},{"id":11410,"title":"مسألة تداعيا عينا في يد غيرهما ولا بينة لهما","lvl":2,"sub":0},{"id":11413,"title":"فصل أنكر البينة من العين في يده وكانت لأحدهما","lvl":2,"sub":0},{"id":11414,"title":"فصل تداعيا عينا في يد غيرهما فقال هي لأحدكما","lvl":2,"sub":0},{"id":11415,"title":"فصل أقام كل واحد منهما بما ادعاه بينة","lvl":2,"sub":0},{"id":11416,"title":"فصل أخذ من رجلين ثوبين أحدهما بعشرة والآخر بعشرين","lvl":2,"sub":0},{"id":11417,"title":"فصل تداعيا عينا فقال كل واحد منهما هذه العين لي","lvl":2,"sub":0},{"id":11420,"title":"فصل في يد رجل دار فادعى عليه رجلان كل واحد منهما يزعم","lvl":2,"sub":0},{"id":11421,"title":"فصل متى أمكن صدق البينتين","lvl":2,"sub":0},{"id":11423,"title":"فصل مات رجل فشهد رجلان أن هذا الغلام ابن هذا الميت","lvl":2,"sub":0},{"id":11424,"title":"فصل ادعى رجل عبدا في يد آخر أنه اشتراه منه وادعى العبد","lvl":2,"sub":0},{"id":11426,"title":"فصل ادعى رجل زوجية امرأة فأقرت بذلك","lvl":2,"sub":0},{"id":11427,"title":"فصل قال السيد لعبده إن قتلت فأنت حر ثم مات","lvl":2,"sub":0},{"id":11429,"title":"فصل إذا كان ما شهدت به بينة لا يتعارض مع ما شهدت","lvl":2,"sub":0},{"id":11432,"title":"فصل شهادة الأجنبية في العتق","lvl":2,"sub":0},{"id":11434,"title":"فصل شهد عدلان أجنبيان أنه وصى وشهد عدلان وارثان","lvl":2,"sub":0},{"id":11436,"title":"فصل شهدت بينة عادلة أنه وصى بثلث ماله وشهدت بينة","lvl":2,"sub":0},{"id":11437,"title":"فصل الشاهد واليمين هل يعارض الشاهدين أو لا","lvl":2,"sub":0},{"id":11438,"title":"مسألة في يده دار فادعاها رجل فأقر بها لغيره","lvl":2,"sub":0},{"id":11441,"title":"فصل طلب المدعي أن يكتب له القاضي محضرا بما جرى","lvl":2,"sub":0},{"id":11442,"title":"فصل إذا ادعى إنسان أن أباه مات وخلفه وأخا له غائبا","lvl":2,"sub":0},{"id":11445,"title":"فصل اختلف في دار في يد أحدهما فأقام المدعي بينة","lvl":2,"sub":0},{"id":11447,"title":"فصل ادعى أمة أنها له وأقام بينة فشهدت أنها ابنة أمته","lvl":2,"sub":0},{"id":11449,"title":"فصل إذا كانت في يد زيد دار فادعاها عمرو وأقام بينة","lvl":2,"sub":0},{"id":11450,"title":"فصل في يد رجل طفل لا يعبر عن نفسه فادعى أنه مملوكه","lvl":2,"sub":0},{"id":11452,"title":"فصل ادعى اثنان رق بالغ في أيديهما فأنكرهما","lvl":2,"sub":0},{"id":11453,"title":"فصل كان في يده صغيرة فادعى نكاحها","lvl":2,"sub":0},{"id":11454,"title":"فصل ادعى ملك عين وأقام به بينة وادعى آخر أنه","lvl":2,"sub":0},{"id":11456,"title":"فصل ادعى رجل ملك دار في يد آخر وادعى صاحب اليد","lvl":2,"sub":0},{"id":11457,"title":"فصل شهد شاهدان على رجل أنه أقر لفلان","lvl":2,"sub":0},{"id":11458,"title":"مسألة خلف ولدين مسلما وكافرا فادعى المسلم أن","lvl":2,"sub":0},{"id":11461,"title":"مسألة أقام المسلم بينة أنه أباه مات مسلما","lvl":2,"sub":0},{"id":11463,"title":"فصل خلف ابنا مسلما وأخا كافرا فاختلفا في دينه حال الموت","lvl":2,"sub":0},{"id":11464,"title":"فصل كانت الزوجة كافرة ثم أسلمت فادعت أنها","lvl":2,"sub":0},{"id":11465,"title":"فصل أسلم أحد الابنين في غرة شعبان وأسلم","lvl":2,"sub":0},{"id":11466,"title":"فصل اختلفا في دار فادعى كل منهما أنه ورثها","lvl":2,"sub":0},{"id":11467,"title":"مسألة قال زوجها ماتت قبل ابنها فورثناها ثم","lvl":2,"sub":0},{"id":11470,"title":"فصل كان في يد رجل دار فادعت امرأته أنه","lvl":2,"sub":0},{"id":11471,"title":"فصل ادعى رجل أنه اكترى بيتا من دار لرجل","lvl":2,"sub":0},{"id":11473,"title":"مسألة شهد شاهدان على رجل أنه أخذ","lvl":2,"sub":0},{"id":11474,"title":"مسألة رجلين حربيين جاءا من أرض الحرب فذكر","lvl":2,"sub":0},{"id":11477,"title":"مسألة كان الزوجان في البيت فافترقا أو ماتا فادعى كل","lvl":2,"sub":0},{"id":11480,"title":"فصل كان في الدكان نجار وعطار فاختلفا فيما","lvl":2,"sub":0},{"id":11481,"title":"فصل اختلف المكري والمكتري في شيء في الدار","lvl":2,"sub":0},{"id":11483,"title":"فصل كان الخياط في دار غيره فاختلفا في","lvl":2,"sub":0},{"id":11484,"title":"فصل تنازع رجلان دابة أحدهما راكبها والآخر أخذ بزمامها","lvl":2,"sub":0},{"id":11485,"title":"فصل اختلف صاحب أرض ونهر في حائط بينهما","lvl":2,"sub":0},{"id":11486,"title":"فصل تنازعا عمامة طرفها في يد أحدهما وباقيها","lvl":2,"sub":0},{"id":11488,"title":"مسألة من كان له على أحد حق فمنعه منه وقدر","lvl":2,"sub":0},{"id":11492,"title":"فصل ادعى إنسان على إنسان حقا وأقام به شاهدين فلم يعرف","lvl":2,"sub":0},{"id":11493,"title":"فصل ادعى العبد أن سيده أعتقه وأقام شاهدين ولم يعدلا فسأل","lvl":2,"sub":0},{"id":11494,"title":"كتاب العتق","lvl":2,"sub":0},{"id":11495,"title":"فصل إعتاق الرجل أفضل من إعتاق المرأة","lvl":2,"sub":0},{"id":11496,"title":"فصل ما يحصل به العتق","lvl":2,"sub":0},{"id":11499,"title":"فصل قال لأمته أنت طالق ينوي العتق به","lvl":2,"sub":0},{"id":11500,"title":"فصل قال لأكبر منه أو لمن لا يولد لمثله هذا","lvl":2,"sub":0},{"id":11501,"title":"فصل قال لأمته أنت حرام علي ينوي به العتق","lvl":2,"sub":0},{"id":11502,"title":"فصل العتق من كل من يجوز تصرفه في المال","lvl":2,"sub":0},{"id":11503,"title":"فصل عتق الصبي والمجنون","lvl":2,"sub":0},{"id":11504,"title":"فصل العتق من غير المالك","lvl":2,"sub":0},{"id":11505,"title":"مسألة أعتق كل واحد منهم حقه وهو معسر","lvl":2,"sub":0},{"id":11507,"title":"فصل قال كل واحد من الشركاء للعبد إذا دخلت الدار فنصيبي","lvl":2,"sub":0},{"id":11508,"title":"مسألة الشريك إذا أعتق نصيبه من العبد وهو موسر","lvl":2,"sub":0},{"id":11511,"title":"مسألة أعتق الشركاء بعد عتق الأول وقبل أخذ القيمة","lvl":2,"sub":0},{"id":11514,"title":"فصل للشريك مطالبة المعتق بالقيمة","lvl":2,"sub":0},{"id":11515,"title":"فصل المعتبر في يسار العتق","lvl":2,"sub":0},{"id":11516,"title":"فصل قال أحد الشريكين لشريكه إذا أعتقت نصيبك فنصيبي حر","lvl":2,"sub":0},{"id":11518,"title":"مسألة المعسر إذا أعتق نصيبه من العبد","lvl":2,"sub":0},{"id":11522,"title":"مسألة كان المعتق الثاني معسرا","lvl":2,"sub":0},{"id":11523,"title":"فصل مات قبل أداء سعايته","lvl":2,"sub":0},{"id":11524,"title":"فصل نفقة العبد المشترك المعتق بعضه في حياته وفطرته","lvl":2,"sub":0},{"id":11525,"title":"فصل أعتق عبده وهو صحيح جائز التصرف","lvl":2,"sub":0},{"id":11527,"title":"مسألة كان العبد بين شريكين فادعى كل واحد منهما","lvl":2,"sub":0},{"id":11528,"title":"فصل اشترى أحدهما نصيب صاحبه عتق عليه","lvl":2,"sub":0},{"id":11530,"title":"فصل شهد على سيد عبد بعتق عبده ثم اشتراه","lvl":2,"sub":0},{"id":11531,"title":"مسألة الشريكين الموسرين إذا ادعى كل واحد منهما أن شريكه","lvl":2,"sub":0},{"id":11533,"title":"فصل ادعى أحد الشريكين أن شريكه أعتق نصيبه وأنكر","lvl":2,"sub":0},{"id":11534,"title":"فصل قال أحد الشريكين إن كان هذا الطائر","lvl":2,"sub":0},{"id":11535,"title":"مسألة خلف ابنين وعبدين لا يملك غيرهما وهما متساويان في","lvl":2,"sub":0},{"id":11537,"title":"مسألة العبد إذا كان مشتركا بين جماعة فأعتق اثنان منهم أو","lvl":2,"sub":0},{"id":11539,"title":"مسألة كانت الأمة بين شريكين فأصابها أحدهما وأحبلها","lvl":2,"sub":0},{"id":11542,"title":"مسألة ملك سهما ممن يعتق عليه بغير الميراث وهو موسر","lvl":2,"sub":0},{"id":11544,"title":"فصل ورث الصبي والمجنون جزءا ممن يعتق عليهما","lvl":2,"sub":0},{"id":11545,"title":"فصل باع عبدا لذي رحمه وأجنبي صفقة واحدة","lvl":2,"sub":0},{"id":11546,"title":"فصل كانت أمة مزوجة ولها ابن موسر فاشتراها هو وزوجها","lvl":2,"sub":0},{"id":11547,"title":"فصل كان لرجل نصف عبدين متساويين في القيمة","lvl":2,"sub":0},{"id":11548,"title":"فصل شهد شاهدان على رجل أنه أعتق شركا له","lvl":2,"sub":0},{"id":11549,"title":"فصل شهد شاهدان على ميت بعتق عبد في مرض موته","lvl":2,"sub":0},{"id":11550,"title":"مسألة العتق في مرض الموت والتدبير والوصية بالعتق","lvl":2,"sub":0},{"id":11555,"title":"فصل كيفية القرعة والعتق","lvl":2,"sub":0},{"id":11560,"title":"فصل عتق العبيد في الميراث","lvl":2,"sub":0},{"id":11561,"title":"فصل كان على الميت دين يحيط بالتركة وأوصي","lvl":2,"sub":0},{"id":11562,"title":"فصل أعتق في مرض موته ثلاثة لا يملك غيرهم","lvl":2,"sub":0},{"id":11564,"title":"فصل دبر الثلاثة أو وصى بعتقهم فمات أحدهم في حياته","lvl":2,"sub":0},{"id":11565,"title":"مسألة قال لهم في مرض موته أحدكم حر أو كلكم","lvl":2,"sub":0},{"id":11566,"title":"فصل أعتق إحدى إمائه ثم وطئ إحداهن","lvl":2,"sub":0},{"id":11567,"title":"فصل أعتق واحدا بعينه ونسيه","lvl":2,"sub":0},{"id":11569,"title":"مسألة ملك شقصا من عبد فأعتقه في مرض موته أو","lvl":2,"sub":0},{"id":11571,"title":"مسألة دبر بعض عبده وهو مالك لكله","lvl":2,"sub":0},{"id":11572,"title":"فصل أعتق بعض عبده في مرضه","lvl":2,"sub":0},{"id":11573,"title":"فصل دبر أحد الشريكين حصته","lvl":2,"sub":0},{"id":11574,"title":"مسألة أعتق عبيده في المرض أو دبرهم ومات ثم","lvl":2,"sub":0},{"id":11576,"title":"فصل أعتق المريض ثلاثة أعبد لا مال له غيرهم فأقرع","lvl":2,"sub":0},{"id":11577,"title":"مسألة أعتق ثلاثة في مرضه لم يعرف له مال غيرهم أو دبرهم أو","lvl":2,"sub":0},{"id":11578,"title":"فصل وصى بعتق عبد له يخرج من ثلثه","lvl":2,"sub":0},{"id":11580,"title":"فصل علق عتق عبده على شرط في صحته فوجد في مرضه","lvl":2,"sub":0},{"id":11581,"title":"فصل أعتق عبدا وله مال","lvl":2,"sub":0},{"id":11583,"title":"مسألة قال لعبده أنت حر في وقت سماه","lvl":2,"sub":0},{"id":11585,"title":"فصل قال لعبده إن لم أضربك عشرة أسواط فأنت حر ولم","lvl":2,"sub":0},{"id":11586,"title":"فصل قال لعبده إن دخلت الدار فأنت حر فباعه","lvl":2,"sub":0},{"id":11587,"title":"فصل قال لعبد له مقيد هو حر","lvl":2,"sub":0},{"id":11588,"title":"فصل قال لعبده أنت حر متى شئت","lvl":2,"sub":0},{"id":11589,"title":"فصل تعليق العتق على أداء شيء ينقسم ثلاثة أقسام","lvl":2,"sub":0},{"id":11592,"title":"فصل الكتابة الصحيحة","lvl":2,"sub":0},{"id":11593,"title":"فصل الكتابة على مجهول","lvl":2,"sub":0},{"id":11595,"title":"فصل قال لعبده أنت حر وعليك ألف","lvl":2,"sub":0},{"id":11597,"title":"فصل علق عتق أمته بصفة وهي حامل","lvl":2,"sub":0},{"id":11598,"title":"مسألة أسلمت أم ولد النصراني","lvl":2,"sub":0},{"id":11599,"title":"مسألة قال لأمته أول ولد تلدينه فهو حر فولدت اثنين","lvl":2,"sub":0},{"id":11601,"title":"فصل قال لأمته كل ولد تلدينه فهو حر","lvl":2,"sub":0},{"id":11602,"title":"فصل قال أول غلام أملكه فهو حر","lvl":2,"sub":0},{"id":11603,"title":"فصل قال آخر عبد أملكه فهو حر فملك عبيدا","lvl":2,"sub":0},{"id":11604,"title":"مسألة قال العبد لرجل اشترني من سيدي بهذا المال","lvl":2,"sub":0},{"id":11606,"title":"فصل كان العبد بين شريكين فأعطى العبد أحدهما خمسين دينارا","lvl":2,"sub":0},{"id":11607,"title":"فصل وكل أحد الشريكين شريكه في عتق نصيبه فقال الوكيل","lvl":2,"sub":0},{"id":11608,"title":"كتاب التدبير","lvl":2,"sub":0},{"id":11609,"title":"مسألة قال لعبده أو أمته أنت مدبر أو قد دبرتك أو","lvl":2,"sub":0},{"id":11610,"title":"فصل يعتق المدبر بعد الموت من ثلث المال","lvl":2,"sub":0},{"id":11611,"title":"فصل اجتمع العتق في المرض والتدبير","lvl":2,"sub":0},{"id":11612,"title":"فصل أنواع التدبير","lvl":2,"sub":0},{"id":11615,"title":"فصل قال أنت حر بعد موتي بشهر","lvl":2,"sub":0},{"id":11616,"title":"فصل قال لعبده إذا قرأت القرآن فأنت حر بعد موتي فقرأ","lvl":2,"sub":0},{"id":11617,"title":"فصل قال لعبده إن شئت فأنت حر بعد موتي","lvl":2,"sub":0},{"id":11619,"title":"فصل قال لعبده إذا مت فأنت حر أو لا","lvl":2,"sub":0},{"id":11620,"title":"فصل دبر أحد الشريكين نصيبه","lvl":2,"sub":0},{"id":11621,"title":"فصل إن دبر كل واحد من الشريكين نصيبه فمات أحدهما","lvl":2,"sub":0},{"id":11623,"title":"مسألة بيع المدبر في الدين","lvl":2,"sub":0},{"id":11626,"title":"مسألة بيع المدبرة في الدين","lvl":2,"sub":0},{"id":11627,"title":"مسألة دبر عبده ثم باعه ثم اشتراه","lvl":2,"sub":0},{"id":11628,"title":"مسألة دبره ثم قال قد رجعت في تدبيري","lvl":2,"sub":0},{"id":11629,"title":"فصل قال السيد لمدبره إذا أديت إلى ورثتي كذا","lvl":2,"sub":0},{"id":11632,"title":"فصل رهن المدبر","lvl":2,"sub":0},{"id":11633,"title":"فصل ارتد المدبر ولحق بدار الحرب","lvl":2,"sub":0},{"id":11635,"title":"فصل ارتد سيد المدبر","lvl":2,"sub":0},{"id":11636,"title":"مسألة ما ولدت المدبرة بعد تدبيرها","lvl":2,"sub":0},{"id":11639,"title":"فصل علق عتق أمته بصفة","lvl":2,"sub":0},{"id":11640,"title":"فصل حكم ولد المدبر","lvl":2,"sub":0},{"id":11641,"title":"فصل ولدت المدبرة فرجع في تدبيرها","lvl":2,"sub":0},{"id":11642,"title":"فصل اختلفت المدبرة وورثة سيدها في ولدها","lvl":2,"sub":0},{"id":11643,"title":"فصل كسب المدبر في حياة سيده","lvl":2,"sub":0},{"id":11644,"title":"مسألة إصابة مدبرته أي وطؤها","lvl":2,"sub":0},{"id":11645,"title":"مسألة من أنكر التدبير","lvl":2,"sub":0},{"id":11647,"title":"مسألة دبر عبده ومات وله مال غائب","lvl":2,"sub":0},{"id":11650,"title":"فصل كان المدبر عبدين وله دين","lvl":2,"sub":0},{"id":11651,"title":"فصل دبر عبدا قيمته مائة وله مائة دينا","lvl":2,"sub":0},{"id":11652,"title":"فصل دبر عبده وقيمته مائة وله ابنان وله مائتان","lvl":2,"sub":0},{"id":11653,"title":"فصل دبر عبدا قيمته مائة وخلف ابنين ومائتي درهم","lvl":2,"sub":0},{"id":11654,"title":"مسألة دبر قبل البلوغ","lvl":2,"sub":0},{"id":11656,"title":"فصل تدبير المحجور عليه لسفه ووصيته","lvl":2,"sub":0},{"id":11657,"title":"فصل تدبير الكافر","lvl":2,"sub":0},{"id":11659,"title":"مسألة قتل المدبر سيده","lvl":2,"sub":0},{"id":11660,"title":"فصل كانت جناية المدبر موجبة للمال أو موجبة للقصاص فعفا","lvl":2,"sub":0},{"id":11662,"title":"فصل دبر السيد عبده ثم كاتبه","lvl":2,"sub":0},{"id":11664,"title":"كتاب المكاتب","lvl":2,"sub":0},{"id":11666,"title":"فصل إذا سأل العبد سيده مكاتبته","lvl":2,"sub":0},{"id":11669,"title":"فصل الكتابة ممن يصح تصرفه","lvl":2,"sub":0},{"id":11671,"title":"فصل كاتب الذمي عبده المسلم","lvl":2,"sub":0},{"id":11673,"title":"فصل كاتب الحربي عبده","lvl":2,"sub":0},{"id":11678,"title":"فصل كاتب المرتد عبده","lvl":2,"sub":0},{"id":11680,"title":"فصل كتابة المريض","lvl":2,"sub":0},{"id":11681,"title":"مسألة كاتب عبده أو أمته على أنجم فأديت","lvl":2,"sub":0},{"id":11684,"title":"فصل كاتبه على أنجم مدة معلومة","lvl":2,"sub":0},{"id":11685,"title":"فصل العتق قبل أداء جميع الكتابة","lvl":2,"sub":0},{"id":11687,"title":"فصل الكتابة على كل مال يجوز السلم فيه","lvl":2,"sub":0},{"id":11689,"title":"فصل الكتابة على خدمة ومنفعة مباحة","lvl":2,"sub":0},{"id":11691,"title":"فصل كاتبه على خدمة مفردة في مدة واحدة","lvl":2,"sub":0},{"id":11692,"title":"فصل كاتب العبد وله مال","lvl":2,"sub":0},{"id":11693,"title":"مسألة لمن يكون ولاء المكاتب ؟","lvl":2,"sub":0},{"id":11694,"title":"مسألة إيتاء المكاتب شيئا مما كوتب عليه","lvl":2,"sub":0},{"id":11696,"title":"فصل قدر ما يوضع عن المكاتب","lvl":2,"sub":0},{"id":11697,"title":"فصل إعطاء المكاتب من جنس مال الكتابة","lvl":2,"sub":0},{"id":11698,"title":"فصل وقت جواز إعطاء المكاتب شيئا مما كوتب عليه","lvl":2,"sub":0},{"id":11699,"title":"فصل وقت وجوب إعطاء المكاتب شيئا مما كوتب عليه","lvl":2,"sub":0},{"id":11700,"title":"مسألة قال عجلت الكتابة قبل محلها","lvl":2,"sub":0},{"id":11703,"title":"فصل أحضر المكاتب مال الكتابة أو بعضه ليسلمه","lvl":2,"sub":0},{"id":11704,"title":"فصل الكتابة على جنس","lvl":2,"sub":0},{"id":11705,"title":"فصل المكاتب ملك ما يؤدي","lvl":2,"sub":0},{"id":11707,"title":"مسألة أدى بعض كتابته ومات وفي يده وفاء","lvl":2,"sub":0},{"id":11709,"title":"فصل انفساخ الكتابة","lvl":2,"sub":0},{"id":11710,"title":"فصل انفساخ الكتابة بالجنون","lvl":2,"sub":0},{"id":11712,"title":"فصل انفساخ الكتابة بقتل المكاتب","lvl":2,"sub":0},{"id":11714,"title":"مسألة انفساخ الكتابة بموت السيد","lvl":2,"sub":0},{"id":11716,"title":"مسألة المكاتب يموت سيده وعليه بقية من كتابته","lvl":2,"sub":0},{"id":11718,"title":"فصل أعتق الورثة المكاتب","lvl":2,"sub":0},{"id":11719,"title":"فصل باع الورثة المكاتب أو وهبوه","lvl":2,"sub":0},{"id":11720,"title":"فصل وصى السيد بمال الكتابة لرجل","lvl":2,"sub":0},{"id":11721,"title":"فصل إذا مات رجل وخلف ابنين وعبدا فادعى العبد أن","lvl":2,"sub":0},{"id":11724,"title":"مسألة منع المكاتب من السفر","lvl":2,"sub":0},{"id":11725,"title":"فصل شرط عليه في الكتابة أن لا يسافر","lvl":2,"sub":0},{"id":11726,"title":"فصل شرط في كتابته أن لا يسأل","lvl":2,"sub":0},{"id":11727,"title":"مسألة زواج المكاتب","lvl":2,"sub":0},{"id":11728,"title":"فصل تسرى المكاتب بغير إذن سيده","lvl":2,"sub":0},{"id":11730,"title":"فصل يزوج المكاتب عبيده وإماءه بغير إذن سيده","lvl":2,"sub":0},{"id":11731,"title":"فصل إعتاق المكاتب رقيقه بغير إذن سيده","lvl":2,"sub":0},{"id":11733,"title":"فصل المكاتب محجور عليه في ماله","lvl":2,"sub":0},{"id":11734,"title":"فصل إهداء المكاتب هدية","lvl":2,"sub":0},{"id":11735,"title":"فصل حج المكاتب من المال الذي جمعه","lvl":2,"sub":0},{"id":11736,"title":"فصل ليس للمكاتب أن يكاتب إلا بإذن سيده","lvl":2,"sub":0},{"id":11738,"title":"فصل بيع المكاتب نسيئة","lvl":2,"sub":0},{"id":11739,"title":"فصل بيع المكاتب وشراؤه","lvl":2,"sub":0},{"id":11743,"title":"مسألة السيد مع مكاتبه في باب المعاملة كالأجنبي","lvl":2,"sub":0},{"id":11744,"title":"فصل للسيد على المكاتب دين من الكتابة وللمكاتب","lvl":2,"sub":0},{"id":11746,"title":"مسألة وطء الرجل مكاتبته","lvl":2,"sub":0},{"id":11748,"title":"فصل وطئ المكاتبة مع الشرط","lvl":2,"sub":0},{"id":11749,"title":"فصل أولد المكاتبة","lvl":2,"sub":0},{"id":11750,"title":"فصل وطء بنت المكاتبة","lvl":2,"sub":0},{"id":11751,"title":"فصل وطء جارية مكاتبته أو مكاتبه","lvl":2,"sub":0},{"id":11752,"title":"فصل إجبار مكاتبته أو ابنتها أو أمتها","lvl":2,"sub":0},{"id":11753,"title":"مسألة السيد إذا وطئ مكاتبته من غير شرط","lvl":2,"sub":0},{"id":11755,"title":"مسألة السيد إذا استولد مكاتبته","lvl":2,"sub":0},{"id":11757,"title":"فصل المكاتبة إن أعتقها سيدها","lvl":2,"sub":0},{"id":11758,"title":"فصل المكاتبة إن أتت بولد من غير سيدها بعد","lvl":2,"sub":0},{"id":11759,"title":"فصل كانت الأمة بين شريكين فكاتباها ثم وطئها أحدهما","lvl":2,"sub":0},{"id":11762,"title":"فصل كانت الأمة بين شريكين ووطئاها جميعا","lvl":2,"sub":0},{"id":11764,"title":"فصل كانت الأمة بين شريكين أولدها كل واحد منهما واتفقا","lvl":2,"sub":0},{"id":11767,"title":"فصل كانت الأمة بين شريكين أولدها كل واحد منهما واختلفا","lvl":2,"sub":0},{"id":11770,"title":"فصل كانت الأمة بين شريكين وطئاها معا فأتت بولد","lvl":2,"sub":0},{"id":11772,"title":"مسألة كاتب نصف عبد فأدى ما كوتب عليه .","lvl":2,"sub":0},{"id":11776,"title":"فصل كان العبد كله ملكا لرجل فكاتب بعضه .","lvl":2,"sub":0},{"id":11777,"title":"فصل كان العبد لرجلين فكاتباه معا .","lvl":2,"sub":0},{"id":11779,"title":"فصل كان العبد لرجلين ليس له أن يؤدي إلى أحدهما","lvl":2,"sub":0},{"id":11782,"title":"فصل الشريكان إذا عجز مكاتبهما .","lvl":2,"sub":0},{"id":11784,"title":"مسألة المكاتب لا زكاة عليه .","lvl":2,"sub":0},{"id":11785,"title":"مسألة فسخ عقد الكتابة .","lvl":2,"sub":0},{"id":11787,"title":"فصل المكاتب إن حل نجم فعجز عن أدائه .","lvl":2,"sub":0},{"id":11788,"title":"فصل المكاتب إذا حل النجم وماله حاضر عنده .","lvl":2,"sub":0},{"id":11790,"title":"فصل حل النجم والمكاتب غائب بغير إذن سيده .","lvl":2,"sub":0},{"id":11792,"title":"فصل دفع المكاتب العوض في الكتابة فبان مستحقا","lvl":2,"sub":0},{"id":11794,"title":"مسألة ما يأخذه السيد من نجوم كتابته .","lvl":2,"sub":0},{"id":11795,"title":"مسألة المكاتب إذا جنى جناية موجبة للمال .","lvl":2,"sub":0},{"id":11798,"title":"فصل جنى المكاتب جنايات تعلقت برقبته .","lvl":2,"sub":0},{"id":11800,"title":"فصل جنى المكاتب على سيده فيما دون النفس .","lvl":2,"sub":0},{"id":11802,"title":"فصل اجتمع على المكاتب أرش وثمن أو غيرهما من الديون","lvl":2,"sub":0},{"id":11803,"title":"فصل جنى بعض عبيد المكاتب جناية توجب القصاص .","lvl":2,"sub":0},{"id":11804,"title":"فصل ملك المكاتب بعض ذوي رحمه المحرم أو ولد له ولد","lvl":2,"sub":0},{"id":11806,"title":"فصل جنى بعض عبيد المكاتب على بعض جناية موجبها المال","lvl":2,"sub":0},{"id":11807,"title":"فصل جنى عبد المكاتب عليه جناية موجبها المال","lvl":2,"sub":0},{"id":11808,"title":"فصل جنى على المكاتب فيما دون النفس","lvl":2,"sub":0},{"id":11810,"title":"فصل مات المكاتب وعليه ديون وأروش جنايات","lvl":2,"sub":0},{"id":11812,"title":"مسألة كاتبه ثم دبره فإذا أدى فما الحكم","lvl":2,"sub":0},{"id":11814,"title":"فصل قال السيد لمكاتبه متى عجزت بعد موتي فأنت حر","lvl":2,"sub":0},{"id":11815,"title":"فصل كاتب عبدا في صحته ثم أعتقه في مرض موته أو","lvl":2,"sub":0},{"id":11817,"title":"فصل وصى سيده بإعتاقه أو إبرائه من الكتابة","lvl":2,"sub":0},{"id":11818,"title":"مسألة ادعى المكاتب وفاء كتابته وأتى بشاهد","lvl":2,"sub":0},{"id":11819,"title":"فصل أقر السيد بقبض مال الكتابة","lvl":2,"sub":0},{"id":11820,"title":"فصل أبرأه السيد من مال الكتابة","lvl":2,"sub":0},{"id":11821,"title":"مسألة المكاتب إذا لزمته كفارة","lvl":2,"sub":0},{"id":11822,"title":"مسألة ولد المكاتبة الذين ولدتهم في الكتابة","lvl":2,"sub":0},{"id":11826,"title":"فصل المولودة قبل الكتابة","lvl":2,"sub":0},{"id":11827,"title":"مسألة بيع المكاتب","lvl":2,"sub":0},{"id":11830,"title":"فصل هبة المكاتب والوصية به ونقل الملك فيه","lvl":2,"sub":0},{"id":11831,"title":"مسألة مشتري المكاتب","lvl":2,"sub":0},{"id":11833,"title":"فصل بيع الدين الذي على المكاتب من نجومه","lvl":2,"sub":0},{"id":11835,"title":"فصل كانت المكاتبة ذات ولد يتبعها في","lvl":2,"sub":0},{"id":11836,"title":"فصل وصى السيد بالمكاتب لرجل","lvl":2,"sub":0},{"id":11837,"title":"فصل وصى السيد بكتابته لرجل","lvl":2,"sub":0},{"id":11838,"title":"فصل وصى بمال الكتابة لرجل وبرقبته لآخر","lvl":2,"sub":0},{"id":11839,"title":"فصل كانت الكتابة فاسدة فأوصى لرجل بما في","lvl":2,"sub":0},{"id":11840,"title":"فصل الوصية لمكاتبه","lvl":2,"sub":0},{"id":11843,"title":"مسألة اشترى المكاتب أباه أو ذا رحمه","lvl":2,"sub":0},{"id":11846,"title":"فصل وهب للمكاتب بعض ذوي رحمه","lvl":2,"sub":0},{"id":11847,"title":"فصل يشتري المكاتب امرأته والمكاتبة زوجها","lvl":2,"sub":0},{"id":11848,"title":"فصل زوج السيد ابنه من مكاتبته برضاها ثم مات","lvl":2,"sub":0},{"id":11849,"title":"مسألة كان العبد لثلاثة فجاءهم بثلاثمائة درهم","lvl":2,"sub":0},{"id":11852,"title":"فصل كان العبد بين شريكين فكاتباه بمائة فادعى دفعها إليهما","lvl":2,"sub":0},{"id":11854,"title":"فصل ادعى العبد أنه دفع المائة إلى أحدهما ليدفع إلى شريكه","lvl":2,"sub":0},{"id":11855,"title":"فصل اعترف المدعى عليه بقبض المائة على الوجه الذي ادعاه المكاتب","lvl":2,"sub":0},{"id":11857,"title":"مسألة قال السيد : كاتبتك على ألفين , وقال","lvl":2,"sub":0},{"id":11859,"title":"فصل اختلف المكاتب والسيد في أداء النجوم","lvl":2,"sub":0},{"id":11860,"title":"فصل كاتب عبدين واستوفى من أحدهما ولم يدر من أيهما","lvl":2,"sub":0},{"id":11862,"title":"فصل كان للمكاتب أولاد من معتقة آخر غير سيده","lvl":2,"sub":0},{"id":11863,"title":"مسألة أعتق الأمة أو كاتبها وشرط ما في بطنها","lvl":2,"sub":0},{"id":11865,"title":"مسألة يعجل المكاتب لسيده بعض كتابته ويضع عنه بعض","lvl":2,"sub":0},{"id":11867,"title":"فصل اتفقا على الزيادة في الأجل والدين في","lvl":2,"sub":0},{"id":11869,"title":"فصل صالح المكاتب سيده عما في ذمته بغير جنسه","lvl":2,"sub":0},{"id":11870,"title":"مسألة العبد بين اثنين فكاتب أحدهما فلم يؤد كل كتابته","lvl":2,"sub":0},{"id":11873,"title":"فصل عبد بين شريكين فكاتباه على ألف درهم فأدى إليهما","lvl":2,"sub":0},{"id":11874,"title":"مسألة إذا عجز المكاتب ورد في الرق","lvl":2,"sub":0},{"id":11875,"title":"فصل ما أداه المكاتب إلى سيده قبل عجزه","lvl":2,"sub":0},{"id":11878,"title":"فصل موت المكاتب قبل الأداء","lvl":2,"sub":0},{"id":11881,"title":"مسألة اشترى المكاتبان كل واحد منهما الآخر","lvl":2,"sub":0},{"id":11883,"title":"فصل كاتب عبيدا له صفقة واحدة بعوض واحد","lvl":2,"sub":0},{"id":11886,"title":"فصل أدى أحد المكاتبين عن صاحبه أو عن مكاتب آخر قبل","lvl":2,"sub":0},{"id":11887,"title":"فصل ضمان الحر لمال الكتابة","lvl":2,"sub":0},{"id":11888,"title":"فصل أدوا أي المكاتبين ما عليهم أو بعضه ثم اختلفوا","lvl":2,"sub":0},{"id":11889,"title":"فصل جنى بعض المكاتبين","lvl":2,"sub":0},{"id":11890,"title":"مسألة شرط في كتابته أن يوالي من شاء","lvl":2,"sub":0},{"id":11892,"title":"فصل اشترط السيد على المكاتب أن يرثه دون ورثته","lvl":2,"sub":0},{"id":11893,"title":"فصل شرط على المكاتب خدمة معلومة بعد العتق","lvl":2,"sub":0},{"id":11894,"title":"فصل كاتبه على ألفين في رأس كل شهر ألف وشرط","lvl":2,"sub":0},{"id":11895,"title":"مسألة أسر العدو المكاتب فاشتراه رجل فأخرجه إلى","lvl":2,"sub":0},{"id":11898,"title":"فصل حبس المكاتب","lvl":2,"sub":0},{"id":11899,"title":"فصل أوصى بأن يكاتب عبده","lvl":2,"sub":0},{"id":11901,"title":"فصل قال كاتبوا أحد رقيقي","lvl":2,"sub":0},{"id":11902,"title":"فصل الكتابة الفاسدة","lvl":2,"sub":0},{"id":11906,"title":"كتاب عتق أمهات الأولاد","lvl":2,"sub":0},{"id":11908,"title":"فصل وطئ الرجل أمته فأتت بولد بعد وطئه بستة","lvl":2,"sub":0},{"id":11911,"title":"فصل اعترف بوطء أمته في الدبر أو دون الفرج فهل يلحقه","lvl":2,"sub":0},{"id":11912,"title":"مسألة أحكام أمهات الأولاد","lvl":2,"sub":0},{"id":11917,"title":"فصل بيع أم الولد","lvl":2,"sub":0},{"id":11918,"title":"مسألة أصاب الأمة وهي ملك غيره بنكاح فحملت منه","lvl":2,"sub":0},{"id":11921,"title":"فصل اشترى جارية حاملا من غيره فوطئها قبل وضعها","lvl":2,"sub":0},{"id":11922,"title":"فصل وطئ الرجل جارية ولده","lvl":2,"sub":0},{"id":11925,"title":"فصل الولد قد وطئ جاريته ثم وطئها أبوه فأولدها","lvl":2,"sub":0},{"id":11926,"title":"فصل وطئ الابن جارية أبيه أو أمه","lvl":2,"sub":0},{"id":11927,"title":"فصل زوج أمته ثم وطئها","lvl":2,"sub":0},{"id":11928,"title":"فصل ملك رجل أمه من الرضاع أو أخته أو","lvl":2,"sub":0},{"id":11929,"title":"مسألة لأم الولد شروطا ثلاثة","lvl":2,"sub":0},{"id":11933,"title":"مسألة أم الولد تعتق من رأس مال التركة","lvl":2,"sub":0},{"id":11934,"title":"فصل ما يتعلق به العتق يستوي فيه المسلم والكافر والعفيف","lvl":2,"sub":0},{"id":11935,"title":"مسألة أم الولد إذا ولدت بعد ثبوت حكم الاستيلاد لها","lvl":2,"sub":0},{"id":11937,"title":"فصل ولد أم الولد قبل استيلادها","lvl":2,"sub":0},{"id":11938,"title":"مسألة أسلمت أم ولد النصراني","lvl":2,"sub":0},{"id":11940,"title":"مسألة أم الولد أمة وكسبها لسيدها","lvl":2,"sub":0},{"id":11941,"title":"مسألة أوصى لأم الولد بما في يدها","lvl":2,"sub":0},{"id":11942,"title":"فصل أوصى لمدبره أو مدبرته","lvl":2,"sub":0},{"id":11943,"title":"مسألة عدة أم الولد إذا مات عنها سيدها","lvl":2,"sub":0},{"id":11944,"title":"مسألة جنت أم الولد","lvl":2,"sub":0},{"id":11945,"title":"فصل ماتت الأمة قبل فدائها","lvl":2,"sub":0},{"id":11946,"title":"فصل كسبت أم الولد بعد جنايتها شيئا","lvl":2,"sub":0},{"id":11947,"title":"مسألة أم الولد إذا جنت جنايات","lvl":2,"sub":0},{"id":11948,"title":"مسألة وصية الرجل لأم ولده وإليها","lvl":2,"sub":0},{"id":11949,"title":"مسألة تزويج أم ولده","lvl":2,"sub":0},{"id":11950,"title":"مسألة من قذف أم الولد","lvl":2,"sub":0},{"id":11951,"title":"فصل قتل الحرة لأمة","lvl":2,"sub":0},{"id":11952,"title":"مسألة كيف تصلي أم الولد","lvl":2,"sub":0},{"id":11953,"title":"مسألة إذا قتلت أم الولد سيدها","lvl":2,"sub":0}]}